صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - عقيدة - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: قناطر الخيرات
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي أبو طاهر
تحقيق: سيد كسروي حسن - خلاف محمود عبد السميع
الناشر: دار الكتب العلمية
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1422ه/ 2001م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 3
أصله: مخطوط
ردمك: 2-7451-2289-4
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3697&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/127
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 رمضان 1446ه/ 05 - شهر 03 - 2025م. قناطر الخيرات
تأليف
الإمام الفقيه أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي
من علماء النصف الأول من القرن الثامن
تحقيق
سيد كسروي حسن
خلاف محمود عبد السميع
المجلد الأول
منشورات محمد علي بيضون
لنشر كتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
فَنَاطر الخيرات
تأليف
الإِمَامِ الفَفِيه فِي طَاهِر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي من علماء النصف الأول من القرن الثامن
تحقيق
سيد كسروي حَسَن خلاف محمود عبد السميع
الجزء الأول
منشورات
محمد والي بيضون
لنشر كتب السنة و الجماعة
دار الكتب العلمية
بوروت.
نان (1/3)
صفحة 4
ISBN 2 - 7451 - 2289 - 4
90000
جميع الحقوق محفوظة
Copyright © All rights reserved Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة الدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
1422 هـ ـ 2001 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف شارع البحتري بناية ملكارت هاتف وفاكس: 34398 - 3666135 - 378542 1 961) صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت لبنان
782745 - 122896
http://www.al-Ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St. Mellart Bide, Ist Floor Tel. & Fax:00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 POBox: 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth-Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Mellart, 1 ère Etage Tel. & Fax:00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P.: 11 - 9424 Beyrouth - Liban (1/4)
صفحة 5
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، الحمد الله من رب كريم منان على عباده الصالحين بحياة قلوبهم مع حياة أجسادهم وأعظم بها من نعمة يحمد عليها رب العباد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الفضل العظيم. وأشهد أن محمداً رسول الله بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في ربه حتى أتاه اليقين فصلاة وسلاماً عليه من رسول كُمل خُلقه وعظم بالرسالة قدره.
وبعد: فالحمد لله الذي جعل من أمة محمد أئمة يهدون الناس من الضلال إلى النور ويأخذون بأيديهم إلى طريق الآخرة راجين من ربهم عفواً وغفراناً زاهدين في الدنيا وما فيها من عوارض زائلة ثم إننا نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا حال موت القلوب، وأن يقينا شرور أنفسنا وأن يجعل لمكروبنا فرجاً وأن يزيل عنا وعن جميع عباده المسلمين مصائب الدهور، وأن يجعل لنا في هذه الدنيا حياة فيها رضاه وأن يكتب لنا في الآخرة جنة ورضواناً، وأن يحشرنا وسائر عباده المسلمين تحت لواء سيدنا محمد وصلي اللهم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين
آمين. . أما
تربي
بعد فكتاب قناطر الخيرات كتاب جمع الكثير من الآيات والأحاديث والآثار التي النفس على تصويب النظرة إلى الحياة الدنيا وبيان أنها فانية لا محالة. وهو كتاب طيب نفيس لما فيه، وإن كان مؤلفه سطر أغلب الآيات والأحاديث فيه من حفظه وذاكرته فخانته أحياناً كثيرة وهذا طبع بشري لا يسلم منه إلا من رحم الله والدليل على ذلك كلامه في «باب حكايات الأسخياء ص مخ،، حيث يقول: وهذه الحكايات قرأتها قديماً فحفظي فيها مضطرب ولعلي إن لم أت بصريح ألفاظها فقد أتيت بمعناها وأنا أستغفر الله على ما بدلت من
135
الألفاظ وغيرها. (1/5)
صفحة 6
المقدمة
أما الآيات فكثير ما نسي الشيخ ولعله خطأ الناسخ والله أعلم.
أمثلة
وأما الأحاديث: فأدخل الشيخ كلامه مع متن الحديث فساق الحديث وكأنه بمعناه أو شرحاً له مع نسبة ذلك للنبي. ولقد راعينا تصويب ما استطعنا تصويبه وما بدا لنا بهذه الحالة والله نسأل القبول والسداد، ثم إن الشيخ قد نقل من بعض الكتب نقلاً بالنص دونما تصرف فيه مثل كتاب إحياء علوم الدين، وعزا ذلك في أحيان قليلة للإمام الغزالي وفي الغالب لم يعزو إليه حتى إنه ليخيل للقاراء أنه من كلام المؤلف وقد حاولنا التنبيه عليه في مواضعه ومن ذلك ما جاء ص 68، 69 يرد فيه على الشيخ الغزالي في إجازته شد الرحال إلى قبول الصالحين ويطعن في تدليله بحديث شد الرحال. وهذا الإنكار وهذا الطعن هو كلام الإمام الغزالي في الإحياء (245/ 1) طبعة دار إحياء التراث العربي. كما اعتمد الشيخ في كتابه هذا على ما نقله في أغلب الأحيان كما سبق الإشارة إلى ذلك على بعض الكتب منها: كتاب الإحياء، وكتاب سراج الملوك، كتاب قوت القلوب كتاب الجواهر، وكتاب منثور الحكم،
وكتاب محجة السعادة.
بين يدي الكتاب
"
قسم المؤلف كتابه قناطر الخيرات إلى عدة قناطر كل قنطرة لعدة أبواب وقد تحتوي الأبواب على عدة فصول، كما أن الكتاب احتوى على كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار والحكايات التي تخدم مواضيع الكتاب، كما أخذ الكتاب عديداً من فصول وأبواب كتاب الإمام الغزالي إحياء علوم الدين بالنص ولم يتصرف فيها المؤلف إلا في أحيان
قليلة.
ترجمة المؤلف
اسمه: إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي.
كنيته ولقبه وشهرته: أبو طاهر، ولقبه الجيطالي.
ميلاده: لم نعرفه غير أن الشيخ سالم بن محمود السيابي قال بأنه من علماء الخمسين الثانية للقرن السابع والأول في القرن الثامن وقال: وإن لم نستطع تحقيق سن ميلاده على
التحقيق. (1/6)
صفحة 7
المقدمة
(ج)
حياته العلمية أخذ العلم من أكبر علماء عصره أمثال أبي موسى عيسى بن عيسى
الطرميسي المتوفى سنة 722 هـ. صاحب المدرسة العظيمة. كما صاحب الشيخ أبا عزيز. الله وكان رحمه قوي الحافظة حفظ ديوان الدعايم لابن النضر ومقامات الحريري في الأدب العربي والأشعار والسنة، وكان يحفظ كتاب العدل والإنصاف للإمام أبي يعقوب الوارجلاني وجمل الزجاج في النحو.
اشتغل الشيخ الجيطالي بالتنقل والترحال لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسافر إلى طرابلس لكن عامل طرابلس عقد له مناظرة فظهر فيها على العلماء فكادوا له حتى سجن فكتب شعراً يمدح فيه صاحب القيروان ابن مكي فأطلق سراحه وخرج إلى جربة وتلقاه علمائها في أحسن لقاء واجتمع عليه الطلبة فقرأ وصنف هكذا إلى آخر حياته. مؤلفاته: ألف الشيخ تأليف جليلة منها:
1 ـ القواعد.
2 - شرح النونية - أي نونية أبي ساكن في أصول الدين - للشيخ أبي نصر فتح بن نوح
القملوشاي.
3 ـ كتاب الفرائض، الذي وضع فيه الحساب بالضرب والتقسيم.
ـ كتاب الحج والمناسك.
ه - مجموع فتاوى الأئمة في ثلاثة أجزاء.
6 ـ كتاب مجموع في الرسائل.
- قصائد فقهية تدل على ملكته الشعرية.
- کتاب قناطر الخيرات.
- كتاب قواعد الإسلام.
وصف المخطوط
اسم المخطوط: قناطر الخيرات.
اسم المؤلف: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي.
إجمالي عدد الأوراق:
ود المخطوط حالياً مكتبة المصطفى بالقاهرة.
مكان وجود (1/7)
صفحة 8
(د)
مصدر مصورته: مكتبة المصطفى بالقاهرة. تقسيم المخطوط: يقسم إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول: 494 صفحة.
الجزء الثاني: 467 صفحة.
الجزء الثالث: 566 صفحة.
مقاس الصفحات: 11 × 18
المقدمة
زغلول.
سم.
عدد الأسطر: 23 سطراً في كل صفحة.
نوع الخط: نسخي جيد منقوط مشكول في بعض الأحيان.
منهج تحقيق الكتاب
1 ـ قمنا بنسخ المخطوط وترتيبه.
2 ـ جعلنا لكل صفحة رقم ولم نقسم الصفحات إلى حروف.
ـ ذكرنا بعض أطراف الحديث من موسعة أطراف الحديث للشيخ محمد السعيد
4 ـ اعتمدنا على بعض طبعات كتاب إحياء علوم الدين لإثبات الفوارق. كطبعة دار الحديث وطبعة دار إحياء التراث العربي.
ه - اعتمدنا في أغلب حكمنا على الأحاديث على كتاب المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي.
6 ـ قمنا بترجمة لبعض الأعلام من كتاب معجم المؤلفين.
- قمنا بضبط الآيات القرآنية بالشكل.
والله نسأل التوفيق والسداد. (1/8)
صفحة 9
(هـ)
صور من المخطوط
الجزء الاول. قناطر الخيرات
ال
تاليف
غى الإسلام العالم العلامة الشيخ اسماعيل ابن موسى الحطاني النفوسى رحمه الله ونفعنال
رامين
أخذته بالر كر من برات شيخنا العلامة خلفان بن جميل حمد الله كل قطعة عربية بالسعيديه الا ثلث ريال او يوم 12 شب 1393 سالارين
الصفحة الأولى وبها عنوان الكتاب واسم مؤلفه واسم متملكه والقيمة المالية التي تملكه بها والسنة التي تملكه فيها (1/9)
صفحة 10
صور من المخطوط
الحمد لله المتوحد بالالوهية والكبرياء المنفرد بالديمرمية والبقاء المتقدم عن نقائص الحاجات تعالى عن العيوب والآفات خلق كل شئ فقدره واخترع الانسان وصوره خضع كل شئ هيبة وتواضع كل شئ لعظمته وذل كل شئ لعزته واستيل دل شى جبروته لم يزل عالى الجميع المحدثات على ما هي عليه من الصفات من تفاصيل اجناسها ومجاري انفاسها قبل وجود اعيانها و جريان زمانها شامها المحكمة فى از ليته فظهرت على وفق مشيئته كيسره شريك في انشائها ولا ظهير في ايجادها انشا لا من شئ معه موجود واثقتها على غير مثال مشهود اخترعها دلالة على قدرته وتحقيق الماسبق من ارادته وما خلق الجن والانسر الالعبادته عالم في الازل بما هم عاملون وباجالهم التي اليها ينهون وبارزا فهم التي هم لها اكلون فهم لما علم منهم متفادون وعلى ما ستطرق تدابر المكنون ماف ون فجميع ما وجد
الصفحة الأولى من الجزء الأول ويظهر بها خطبة الكتاب (1/10)
صفحة 11
صور من المخطوط
494
همن آمن بالعنبر عليه السلام واتبعه ان يكواتم معه في درجنه ومثل ذلك قول الله تعالى ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انهم الله عليهم من النبيين والصديقين الآية فلو كان المعنى على ظاهر الآية لا قتضى انهم فى درجات الانبياء ولهذا قال عليه السلام حين وصف كتاب الله تعالى ان لكل آية ظاهرا وباطنا وقال لن يتفقه احدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجرها منيرة ثالتاويل المتقدم من الباطن الذى هو على غير تاويل مدنى الظاهر وكذلك حديث الرسول عليه السلام له اين ظاهر و باطن ووجه وقنا وانما هلك من هلاك باتباع الظواهر و با سه التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم حملت قنطرة اسرار
الصوم وسلو مقنطرة الزكاة
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول ويظهر بها نهايته
(ز) (1/11)
صفحة 12
الجزء الثاني من كتا قناطر الخيرات تأليف الامام شيخ الإسلام العالمية
العلام
اسماعيل بنز
المحطالي الي و
:
غلاف الجزء الثاني ويظهر به اسم الكتاب واسم المؤلف
صور من المخطوط (1/12)
صفحة 13
صور من المخطوط
(ط)
بسم الله الرحمن الرحيم
محلية
القنطرة الخامسة في الزكاة المشروعة) *) في الاموال منقولة من كتاب الغزالي وغيره) * الحمد لله الغنى الحميد الواسع المجيد المبدئ المعيد ذى البطش الشديد الفعال لما يريد أحمده حمدا استوجب به من نعمه المزيد واصلى على رسوله صلاة ارجوبها من الله العون والتاييد والعصمة والتسديد (اما بعد فان امه تعالى شرع الزكاة فى الاموال بعد فروض الابدان وجعلها حقا واجبا للفقراء فى أموال الاغنياء حكمة الف بها بين قلوبهم لتبعثها على التعاون في إدراك مطلوبهم ونيل محبوبهم لان الراجي لغيره هائب له وصول والمرجوما لديه مهيب موصول اذ لو انقطعت رغبة الفقراء من ذوى الاموال لسقطت بذلك من قلوبهم هيبة الاجلال فيقضى ذلك الى التقاطع والتدابر (1/13)
صفحة 14
لافان
الجزء الثالث من كتاب قناطر الخيرات تأليف ها شة الإسلام العالم العلامة الشمـ اسماعيل بن موسى المطار
سے
لمعو رحمة الله
صور من المخطوط
غلاف الجزء الثالث ويظهر به اسم الكتاب واسم المؤلف (1/14)
صفحة 15
صور من المخطوط
بسم الله الرحمن الرحيم
القنطرة الحادية عشرة قنطرة التفسير
وبالله التوفيق قال الله سبحانه حكاية عن يوسف عليه السلام وما ابرئ نفسى أن النفس الأمارة بالسوء الإمارحم ربى الاية وفى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعد ا عدوك نفسك التي بين جنبيك ثم اهلك ثم عبالك وروى از اعرابية دعت الرجل فقالت كتب الله كل عدو لك الانفسَك فاخذه بعض الشعراء فقال قله إلى ما ضَرَني دَاعِي يُكثر استقامي وأوجاعي كيف اختراسي من ذوى هو إذا كان عدوى بن اضلاعي ى من واذا كانت امراء او الانسان وبلا وهما عليه استيلاء يجريه الزن التحقيق على الانسان ان يشتغل بمعالجتها وقمعها عن الاسماك في شهواتها وان يسئ الظن بها في جميع حالاتها لان جنس الظن
الصفحة الأولى من الجزء الثالث
(ك) (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
فَنَاطُ الحَمَّاتُ
تأليف
الإمامِ الفَفْيه أبِي طَاهِر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوستي
من علماء النصف الأول من القرن الثامن
تحقيق
سيد كسروي حَسَن خلاف محمود عبد السميع (1/17)
صفحة 18
[صفحة فارغة] (1/18)
صفحة 19
الله الحر الحيم
الحمد لله المتوحد بالألوهية والكبرياء، المنفرد بالديمومة والبقاء، المتقدس عن نقائص العاهات، تعالى عن العيوب والآفات، خلق كل شيء فقدره، واخترع الإنسان وصوره، خضع كل شيء لهيبته، وتواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لعزته، واستسلم كل شيء لجبروته، لم يزل عالماً: المحدثات، على ما هي عليه من بجميع الصفات: من تفاصيل أجناسها، ومجاري أنفاسها قبل وجود أعيانها وجريان أزمانها شاءها الحكيم في أزليته، فظهرت على وفق مشيئته ليس له شريك في إنشائها، ولا نظير في إيجادها، أنشأها لا شيء معه موجود وأتقنها على غير مثال معهود اخترعها دلالة على قدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، وما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، عالم في الأزل بما هم عاملون، وبآجالهم التي إليها ينتهون، وبأرزاقهم التي هم لها، آكلون فهم لما عَلِمَ منهم منقادون، وعلى ما سطر في كتابه المكنون ماضون فجميع ما وجد / بعد العدم من جميع الأشياء، والأمم فقد سبق به [3/ب]
من
من
الله القضاء، وجفّ به القلم، فالآجال محدودة، والأنفاس معدودة، والأرزاق مقسومة، والأعمال محتومة، والآثار محسوبة، وفي اللوح مكتوبة، لا يستأخر شيء عن أجله، ولا يسبقه قبل حلول محله ولا يفوت أحداً رزقه المقسوم، ولا يتعدى ما قدر له من أمره المحتوم، فقد سبقت كلمته الحسنى لعباده المرسلين، وأوليائه المخلصين، كما حق القول منه لأعدائه الغاوين كل ميسر لما خلق له، ولا يتجاوز ما وقت له يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: (كُنْ فَيَكُون) (1).
أحمده حمد من أخلص له الإنابة وأدعوه دعاء مؤمل منه الإجابة، وأشهد أن لا إله
إلا الله الملك المحمود الذي ليس بوالد ولا مولود.
وأشهد أن محمداً عبده، المرتضى ورسوله المصطفى، أرسله إلى الثقلين بشيراً ونذيراً،
(1) سورة البقرة الآية: 117، سورة آل عمران الآية: 47.
قناطر الخيرات ج/1 م/2 (1/19)
صفحة 20
مقدمة المؤلف
وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ رسالة ربه ناصحاً لأمته، حتى أتاه من ربه اليقين بعد كمال الدين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أما بعد:
تنال
فقد انكشف لأرباب القلوب بحقائق الإيمان، وأوضح محكمات القرآن، أن لا وصول للعبد إلى السعادة الأبدية، إلا بالعلم وامتثال العبادة الدينية وهما بضاعة الأولياء، ومنهاج الأقوياء وهما دين الله القويم وصراطه المستقيم، لأجله خلق الموت والحياة، وبسببه: عنده النجاة، ولكنه طريق صعبة المسالك مخيفة المهالك، كثيرة العوائق والموانع، غزيرة الأعداء والقواطع، بعيدة المسافات كثيرة، الآفات ذات شعاب وأودية وعقبات، وأهوية [1/ 4] محفوفة باللصوص والقطاع، مشحونة بالأفاعي والسباع / تنبعث فيها الشياطين الموسوسة والعقبان المختلسة قد تشبكت بالأشراك الخاتلة. ومزجت بالسموم القاتلة، وهكذا يجب تكون لأنها طريق إلى الجنة ذات الحور والجوهر المكنون تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (1).
أن
ومع ذلك فإن الله سبحانه خلق الإنسان ضعيفاً، فحمله ثقل الأمانة تكليفاً، وأوجب عليه إتقان حمل تلك الأمانة بالعلم والعمل والتشمير في أداء حقها بالجد لا بالكسل، فعمر الإنسان قصير والناقد لأعماله بصير، والجهل مع اتباع الهوى عليه غالب، والآفات محدقة به من كل جانب والأجل قريب غير مديد والسفر بعيد صعب شديد والطاعة هي ا الزاد، فلا بد منها، والدنيا منصرفة فلا مَردَّ لها فمن ظفر بالزاد منها سهل عليه على الصراط الجواز ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ومن حرم من الطاعة نصيبه طال عليه في سفره النصب والتعب، ودام عليه في النار الوصب واللهب.
فلهذا الخطب الفظيع والهول الشنيع، قلَّ السالكون للطريق، بالجد والتحقيق، ومنهم من بذل في بدء أمره من النفس بعض المجهود، فطال عليه التعب، فانقطع ولم يصل إلى المقصود إلا الأصفياء المخلصين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين.
قلت: فلما كان الطريق على ما وصفنا من المشقة والمخافة وكثرة العوائق، وبعد
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. (1/20)
صفحة 21
[1/ 0]
[/]
مقدمة المؤلف
المسافة
الملائكة
من الآفات المانعة والمفازات الشاسعة والشعاب والأودية والعقبات المؤذية، رأينا أن نرتب عليها قناطر لكي يمكن للسالكين عليها العبور، حتى تقضي بهم إن شاء الله تعالى إلى درجات السرور، وذلك أن الله سبحانه نقل بني آدم من أصلاب الرجال إلى بطون الأمهات، فخلقهم فيها خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث فأخرجهم / إلى الدنيا جهالاً، فأحياهم بالعقول بلغاء ورجالاً فامتازوا بالعقول عن البهائم، فصاروا من. جملة العقلاء، وهم الفضلاء فألزمهم عند كمال العقول طريقة التكليف، وتقدم إليهم على ألسنة رسله بالإنذار والتخويف، وجعل لهم الأرض ذلولاً، وفراشاً، ونباتها معاشاً، ليستقروا فيها بل ليتخذوها منزلاً، ويتزودوا منها زاداً وعملاً متحرزين من مصايدها ومعاطبها ويتحققوا أن الأعمار تسير بهم سير السفن بركبانها، فهم في الدنيا سُفّار وبأعمالهم، تجار، فأول منازلهم المهد، وآخرها اللحد، والوطن الجنة أو النار، والعمر مسافة السفر والسنون مراحله، والشهور قطاع طريقه، والأيام أمياله، والأنفاس خطواته، والطاعة بضاعته، والأوقات رؤوس أمواله، والشهوات قطاع طريقه، وربحه الفوز بلقاء الله في دار النعيم المقيم، وخسرانه البعد من الله تعالى في دركات الجحيم والعذاب الأليم، وأن ما دون الجنة من قناطر جهنم والفزع الأكبر، إلى القبر الذي فيه هول المطلع، مفازة محفوفة بالأهوال الفظيعة، والأفزاع الهائلة الشنيعة: من صحف تنشر، ونار تزفر وأعمال توزن، فترجح أو تخف، وقلوب تفزع وترجف، وعقارب في القبر تلدغ وحيات تلسع وملائكة تختبر وجوارح تنشر، فتحقق بهذا الترتيب العجيب، أن البطون
للخلق، والدنيا لهم مفازات وما بعد الموت، إلى الفراغ من الحساب أخطار مهولات.
عن
طاعته
من
ثم إن الله سبحانه شرع ملة الإسلام طريقة سهلة حنيفية سمحة، ورتب فيها فرائض من التوحيد، والصلاة والصوم والزكاة والحج، وغير ذلك فكأنها قناطر مقنطرة، وحَرَّم فيها أشياء من الشرك والظلم والفواحش والربا، والقذف، وغير ذلك مما يطول ذكره فكأنها للعبد صواعق مهلكة، وأمر عباده بقمع الشهوات، ودفع العلائق الشاغلة / أصناف الخلق والهوى والنفس والدنيا فكأنها عقبات وأودية وشِعَاب ملتفة عائقة للعبد عن سلوك الطريق إلى الله تعالى قاطعة له عن المسير وأمرهم بالاستعاذة به تعالى من الشياطين الموسوسة من الجن والإنس، فكأنها لصوص مسترقة، وعقبان مختلسة، وأوجب عليهم تطهير القلوب من مغارس الفواحش والذنوب من الشك والشرك وسخط المقدور، والغل، والحسد، والكبر، والرياء والغضب والعداوة والبغضاء والطمع، والبخل، والرغبة، والبذخ والأشر، والبطر وتعظيم الأغنياء، والاستهانة بالفقراء والمكر، والخداع، والغش، (1/21)
صفحة 22
مقدمة المؤلف
وسوء الظن والخيانة والفخر والخيلاء، والتنافس والمهابات والاستكبار عن الخلق، والأنفة عن قبول الحق والعصبية والمداهنة والعجب، وحب الرئاسة والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس وزوال الحزن من القلب، وخروج الخشية منه، وشدة الانتصار للنفس، إذا نالها إذلال وضعف الانتصار للحق، واتخاذ إخوان العلانية على عداوة السريرة، والأمن من مكر الله في سلب ما أعطوا والاتكال على الطاعة، وطول الأمل، والقساوة، والفظاظة، والفرح بالدنيا والأسف على فراقها والأنس بالمخلوقين، والوحشة لفراقهم، والجفاء، والطيش والعجلة وقلة الرحمة والإصرار على المعصية إلى غير ذلك.
،
فهذه وأمثالها: كأنها سموم قاتلة، وإشراك لإبليس، وخاتله وأمر بحفظ اللسان من الكذب والغيبة والنميمة والهمز، والغمز واللمز، والطعن في الدين، واللعن لمن لا يستحق، والشتم والإزراء والقذف وبهتان البريء، والحكم بغير ما أنزل الله، وقول الزور، والنطق بالفحشاء والتغني والنياحة والخوض فيما لا يعني وأشباه ذلك مما كان للأعمال
نيراناً مشتعلة.
جميع
ونبه عن التيقظ، وأخذ الحذر من مكايد النفس وغرور الشيطان، وتزكية / النفس والرضا عنها إلى غير ذلك مما كأنها حبائل غائلة للإنسان، وأمر بغمض البصر عن الحرام، وحفظ الفروج عن الزنا، وصيانة النفس عن جميع ما لا يجوز التكلم به، وحفظ البطن عن ما لا يحل أكله ولا شربه إلى غير ذلك من المناهي، وأمر بعمارة القلب، واللسان بذكره عز وجل، والصبر والشكر والخوف والرجاء، والرضا، والزهد والتقوى، والقناعة، ومعرفة منه تعالى في جميع الأحوال والإحسان، وحسن الظن واليقين، والمعرفة، وحسن المعاشرة، والصدق والإخلاص، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق وأشباه ذلك: من جميع الآفات المتقدمة وذكر الله تعالى فرائض الإسلام فقال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلَ، وَالسَّائِلِينَ، وَفِي الْرَّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلوةَ، وَآتَى الزَّكَوةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ، وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (1).
(1).
ثم ذكر المحارم فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: (قُلْ تَعَالَوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ،
(1) سورة البقرة الآية: 177.
[/] (1/22)
صفحة 23
[1/ 8]
مقدمة المؤلف
أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذَلِكُمْ وَصَاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوْا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْنُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل (1).
فأوجب على العبد امتثال أوامره الأول فالأول واجتناب محارمه / والسؤال عنها حتى تعرف، وتجتنب، ولا تتمثل وحرضهم على كف الألسنة وتطهير الأفئدة لكي تصح الأعمال، ولا تبطل فقال تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (2) الآية.
(3)
وقال: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى (3).
وقال: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ (5) الآية. وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (6) الآية.
وقال: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْم وَبَاطِنَهُ) (7) الآية.
(4)
(2)
وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ). إلى قوله: مَا لَا تَعْلَمُونَ)
(V)
فلما كان الأمر على ما وصفنا كان ينبغي لنا أن نرتب على طريق الإسلام قناطر كما قدمنا؛ ليسلك المسترشدون عليها ونهيء لهم سلاحاً من العلم ليقاتلوا به، وندلهم على عقاقير من الصبر ونظام النفس والحلم، والقناعة إلى غير ذلك حتى يتجرعوا مرارة الدنيا بالزهد فيها.
(1)
سوة الأنعام الآيات: 151، 153.
(2) سورة الأحزاب الآية: 70. (3) سورة البقرة الآية: 264.
(4) سورة الشعراء الآيتان: 88، 89 (5) سورة المائدة الآية: 41. (6) سورة النحل الآية: 90. (7) سورة الأنعام الآية: 120. (8) سورة الأعراف الآية: 33. (1/23)
صفحة 24
مقدمة المؤلف
ونوقظ قلوبهم بهيجان الخوف والحذر والإشفاق حتى يتمكنوا من الهروب من النار وزقومها، ونزعجهم بإزعاج الرجاء والشوق إلى الجنة ونعيمها إلى غير ذلك مما يطول به
الكتاب.
ولهذا الخطر العظيم، والخطب الهائل، الجسيم شمر الموفقون عن ساق الجد والاجتهاد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا الأعمار قبل أن يزعجوا عن هذه الدنيا، جعلنا الله وإياكم من الموفقين لعلم دينه العالمين به إنه أرحم الراحمين.
فصل في ترتيب قناطر الإسلام
اعلم أنه سبحانه خلق ابن آدم أطواراً في الأرحام، ونفخ فيه الروح، والسم، فمكث هناك مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس، به يستلذ وبه يتألم، فلما خرج من بطن أمه، وجرت الحركة في مفاصله، أبصر، وذاق، وشم، وسمع وذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ (9/ب) أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ / لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (1).
فقرن الله تعالى به المَلَكَ صاحب اليمين فيرشده ويسدده ويقويه ويؤيده، فعند تمام سبع سنين، قرن به الملك صاحب الشمال يلهمه، ويلقنه، ويعلمه، ويلسنه إلى تمام أربع عشرة سنة، فلما ظهر على الكلام استقبلته القياسات الخيالية واختلطت له بالعقلية، فإذا نظر إلى السماء توهمها بساطاً أخضر نثرت عليه دنانير صفر، فلما قويت نفسه وبلغ حسه ذهب الخيال هباء منثوراً، وبقي العقل أميراً مأموراً وهو معنى قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ) (2).
(2)
فتعين حينئذ عليه التكليف ووجب عليه معرفة خالقه الرحيم اللطيف، نظر بعقله الذي هو من حجج الله تعالى على المكلفين مع سائر حججه من الأنبياء والمرسلين وأصناف الخلق أجمعين، فتأمل فإذا الدنيا بين يديه كأنها مفازة مظلمة وبالجهالة مدلهمة، فإذا فيها أصناف الحيوانات المؤذية قد استقبلته.
فقال: لا يصح لي سلوك هذه المفازة الظلماء، إلا بمصباح نور يكون لي دليلاً لأعرف
ما آتي، وما أتقي فتستقبله هاهنا:
(1) سورة النحل الآية: 78. (2) سورة فاطر الآية: 37. (1/24)
صفحة 25
مقدمة المؤلف
قنطرة العلم بخالقه وهي القنطرة الأولى
ولن يصل إلى ذلك إلا بتنبيه مخبر أو إلهام ملهم يبعث عقله على التفكر، والبحث، والنظر فيتفكر في الدليل من خلق السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من خفض، ورفع، وجوهر، وعرض ويتفكر في اختلاف الليل والنهار، وما يجري به الدهر من الأكوان، والأحداث من الخير والشر والنفع والضر والشدَّة، والرخاء، وغير ذلك.
بد
له
،
ويستدل بالصنعة على الصانع فيعلم يقيناً أن الصنعة لا بد لها من صانع، وأن الخلق لا من خالق، ثم يمعن النظر في خلقه نفسه، وتسوية جوارحه، وما أفاض عليه الرب سبحانه من أصناف النعم من الحياة والعقل، والفهم، والسمع والبصر والشم، وغير / ذلك [1/ 10] مما لا يحصى كثرة من المعاني الشريفة، واللذات العجيبة، وما صرف عنه أصناف من المضار، والآفات.
فإذا أمعن النظر بعين البصيرة لا عين البصر، علم أن لهذه الصنعة صانعاً، ولهذه النعمة منعماً حياً رزاقاً عالماً بأسراره وما يختلج في أفكاره قد وعد على شكر النعمة ثواباً، وعلى كفرانها عقاباً وأنه إن غفل عن شكره وخدمته أزال عنه تلك النعمة، وأذاقه البأس والنقمة، عاجلاً وآجلاً فيهتاج حينئذ لا محالة في قلبه خاطر الفزع الذي ينبهه عليه في عقله، وتلزمه الحجة، وينقطع له العذر من أجله مع سائر الحجج من كتاب الله ورسوله.
فعند ذلك تستقبله:
القنطرة الثانية وهي قنطرة الإيمان بهذا الصانع
الخالق المنعم الرزاق، إنه خالقه ورازقه طلبه فوجده وعرفه بعد ما جهله فيؤمن به إيماناً يقيناً بالقلب واللسان.
ويدوم على ذلك إلى الممات ويوحده توحيداً خالصاً يرى به الأمور كلها من الخير، والشر، والنفع والضر، رؤية يقطع بها التفاته إلى الوسائط، والأسباب، وهذا التوحيد، والإيمان والعلم هي العصا التي يضرب بها سيد السباع التي استقبلته حين أشرف على مفازة الدنيا المظلمة بالجهل فيقتله، فتفترق عنه سائر الدواب المؤذية التي هي ما دون الشرك من الذنوب تحقيقاً لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَسْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (1).
(1) سورة الأنفال الآية: 38.
(1) (1/25)
صفحة 26
مقدمة المؤلف
فلما عرف العبد، سيده ووحده وآمن به وعلمه بعد ما جهله تيقن أنه قد أوجب عليه خدمته وكلفه شكر نعمته ولكنه لا يدري كيف يعبده؟ وماذا يلزمه من خدمته بظاهره وباطنه؟ [1/ 11] بعد حصول هذه المعرفة به / استقبلته:
القنطرة الثالثة. وهي قنطرة الصلاة
مُقدَّم فرضها على الصيام في نزول الوحي أول الإسلام، لا في حالة التكليف والإلزام؛ لأن العبد مأمور بجميع الفرائض منهي عن جميع المعاصي في حالة البلوغ، فوجب عليه عند دخول وقتها الإتيان بجميع وظائفها علماً وعملاً؛ لأنه لما عرف سيده، وجب عليه أن يخضع له، ويخشع، ويذعن له بجميع العبودية.
فلا عبادة تجمع الخضوع والخشوع والابتهال إلى الله سبحانه، والتضرع إليه مثلها. فيجب على العبد الوقوف بين يدي سيده للخدمة بالطهارة الكاملة، والخشوع التام، فبذلك يحظى عنده ويرضى عنه، فإذا واظب على الصلاة، أورثه ذلك لين الفؤاد، وتمرين الجسد، وتذلل النفس إجلالاً لخالقها، وانذلالاً لرازقها، فإذا أتى بالصلاة راغباً راهباً استقبلته: القنطرة الرابعة وهي قنطرة الصوم
عند حلول شهره، ووجوب فرضه، مقدماً فرضه في النزول على الزكاة أيضاً؛ لأن النفوس على الأموال أشح، وفيما يتعلق بالأبدان أسمح وذلك الصلاة والصيام؛ لأن في إيجاب فرض الصيام حثاً على رحمة الفقراء، وإطعامهم، وسد جوعاتهم بما قد عاناه العبد، وقاساه من شدة المجاعة؛ ولأن الصوم يقهر النفس ويكسر شهوتها المسئولية عليها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام معاشر» الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء» (1).
فوجب على العبد إحكام الصوم بجميع شروطه، وكف جوارحه عن المحرم عليه ظاهراً وباطناً؛ لأن المقصود من الصوم عند أهل التحقيق التخلق بخلق من أخلاق الملائكة، في [1/ 12] الكف عن الشهوات بحسب الإمكان لأنهم منزهون / عن الشهوات والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم، بقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة؛ لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلاً بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط في أسفل سافلين والتحق بأغمار
(1) هو حديث صحيح ذكره البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم غير أنه ذكره بالمعنى لا بالنص. (1/26)
صفحة 27
مقدمة المؤلف
11
البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة المقربين إلى الله تعالى قرب صفات لأقرب مكان والذي يتشبه بأخلاقهم يقرب من الله بقربهم
استقبلته:
(1)
فهذه حقيقة الصوم عند أهل التحقيق، فإذا أتى العبد بفريضة الصوم على الكمال
القنطرة الخامسة وهي قنطرة الزكاة
كما ورد في الخبر: الزكاة قنطرة الإسلام قدّم الله تعالى فرضها على فرض الحج؛ لأن في الحج مع إنفاق المال سفراً شاقاً، فكانت النفس إلى الزكاة أسرع إجابة منها إلى الحج، فكان في إيجابها مواساة للفقراء ومعونة لذوي الحاجة تكفهم عن البغضاء، والتقاطع، وتبعثهم على التواد والتواصل مع ما في أدائها من تمرين النفس على السماحة، ومجانبة الشح المذموم؛ لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق والشح يصد عنها؛ لأن الله تعالى امتحن عباده حين ادعوا محبته، أن ينفقوا من أموالهم المحبوبة عندهم، فيكون ذلك تصديقاً لدعواهم، ولذلك قال: {وَلَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (2) فاستنزالهم عن الذي هو معشوقهم وعن النفس التي هي غاية، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ محبوبهم، الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (3).
المال
وذلك بالجهاد، وهو مسامحة النفس بالمهجة شوقاً إلى لقاء الله تعالى،. المسامحة
بالمال أهون.
فإذا أخرج العبد من ماله فريضة الزكاة بكمال حقوقها إلى المستحقين لها استقبلته:
القنطرة السادسة وهي قنطرة / الحج
أخر الله سبحانه فرضه على العباد، لأنه يجمع عملاً على بدن، وحقاً في المال، جعل فرضه بعد استقرار فرائض الأبدان، وفرائض الأموال ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل الجهاد عليهم؛ لأنه النفس، والمال كالحج، وكأن في إيجابه الحج يجمع
(1) حديث ضعيف أطرافه عند ابن عدي في الكمال (1417/ 4)، ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 2)، المنذري في الترغيب والترهيب (517/ 1) والعجلوني في كشف الخفا (530/ 1)، والمتقى الهند في
كنز العمال (15758). (2) سورة آل عمران الآية: 92. سورة التوبة الآية: 111.
(3)
[13/ب] (1/27)
صفحة 28
12
مقدمة المؤلف
تذكيراً لسفر الآخرة، في مفارقة المال، والأهل، وخضوع العزيز، والذليل في الوقوف بالحشر بين يديه، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه، وندم المذنبين على ما قدموه لأنه قلَّ من حجّ، وأحدث توبة من ذنب، وإقلاعاً من معصية. فإذا أدى العبد فريضة الحج على الكمال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فهذه الخمس قناطر: قواعد الإسلام كما صح في الخبر: «بني الإسلام على خمس ..... الحديث. وهي أصل العبادة والإتيان بهن على الكمال، علامة السعادة، فلسنا نتعرض هاهنا لذكر قنطرة الجهاد؛ لأنه من فروض الكفاية داخل في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قدر درجاته الثلاث.
وهذه الفرائض الخمس أصلها وأساسها الذي تبنى عليه هو: التوحيد، والإيمان، والإخلاص؛ لأنه لا تصح العبادة إلا بالإيمان، ولا يصحان إلا بالعلم، ولا يصح العلم إلا بالطلب، ولا يصح الطلب إلا بالإرادة ولا تصح الإرادة إلا بباعث يبعث عليها، والباعث هو الرغبة في ثواب الله، والرهبة من عذابه، ولا يصح ذلك إلا بالوعد والوعيد، ولا يصحان إلا بالشرع، ولا يصح الشرع إلا بصدق الرسول عليه السلام وصدق الرسول يصح بالمعجزة؛ لأن ظهور المعجزة إنما هو بإذن الله سبحانه وتعالى مالك الخلق والأمر، تبارك الله رب
العالمين.
فصل
فلما استكمل العبد هذه الفرائض، وتحقق له الطريق كما وصفنا، انبعث قلبه ليتجرد للعبادة، فنظر فإذا هو صاحب ذنوب وتبعات.
فيقول: / كيف أقبل على العبادة وأنا مصر على المخالفة والمعاندة؟ فيجب عليَّ أولاً: أن أتوب إلى الله تعالى؛ ليطهرني من أقذار الذنوب فأصلح لخدمة علام الغيوب، فتستقبله
هاهنا:
قنطرة التوبة وهي القنطرة السابعة
فيحتاج لا محالة إلى قطعها ليصل إلى المقصود من العبادة، فيأخذ في ذلك بإقامة التوبة
(1) حديث صحيح رواه البخاري (9/ 1)، ومسلم في الصحيح الإيمان (20 (21)، والترمذي في الجامع الصحيح (2609)، أحمد بن حنبل في المسند (26/ 2)، والبيهقي في السنن (358/ 1).
[1/ 14] (1/28)
صفحة 29
مقدمة المؤلف
13
في حقوقها وشروطها إلى أن قطعها بجميع وظائفها كما سيأتي - إن شاء الله تعالى ـ فلما فرغ هذه القنطرة حَنّ إلى العبادة ليأخذ فيها، فنظر فإذا حوله عوائق محدقة به، كل واحدة منهن تعوقه عما قصد من العبادة، وتشغله بضرب من الشواغل فتستقبله هاهنا:
من
قنطرة العوائق
فتأمل فإذا هي أربع: إحداهن:
(قنطرة الدنيا)
المتعلقة
به، فيحتاج إلى قطعها بالتجرد عنها والزهد فيها؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، إن أسخط (1) إحداهما أرضى الأخرى، وإنهما كالمشرق والمغرب، بقدر ما يميل إلى إحداهما يعرض عن الأخرى، ويبعد عنها فاحتاج إلى قطعها بالزهد فيها، والتجرد عنها إلا قدر الزاد، فلا بد له منه كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -
(الثانية قنطرة الخلق)
أهل الرغبة والبطالة وأهل الشر والجهالة، فيحتاج إلى قطعها بالتفرد عنهم، والهرب من لقائهم إن عم البلاء، أو خشي هلاك دينه أو يعتزل أعمالهم بقلبه وفعله. ويحضر الجماعة والجمعة معهم، ويوفيهم حقوقهم من صلة وزيارة وحضور ميت كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى -
الثالثة قنطرة الشيطان)
فيحتاج إلى قطعها بالقهر والمحاربة والاستعاذة بالله منه، والمخالفة له؛ لأنه عدو، ولا مطمع فيه لمصالحة وإبقاء؛ لأنه لا يقنعه إلا إهلاك العبد أصلاً، فلا وجه إلى الأمن من
هذا العدو والغفلة عنه.
وهي
(الرابعة قنطرة النفس)
أعدا / الأعداء وأشدها على العبد إذ هي بين جنبيه، ولا يمكنه التجرد عنها مرة [15/ب] لأنها المطية، ولا مطمع أيضاً في موافقتها على ما يقصده من الإقبال على العبادة، إذ هي مجبولة على ضد الخير أمارة بالسوء والشر، فاحتاج إلى أن يلجمها بلجام التقوى لتبقى له فلا تنقطع وتنقاد له فلا تطغى فيستعملها في المصالح، والرشاد ويمنعها عن المهالك، والفساد.
،
(1) في الأصل: سخط. وقد سقطت الألف من أول الكلمة سهواً من الناسخ. (1/29)
صفحة 30
[1/ 16]
12
مقدمة المؤلف
فيأخذ في قطع هذه القنطرة بالسياسة والاعتدال فيقمع من شهوات النفس ما خرج عن طاعة الشرع والعقل، ويترك لها ما لا يخرج من الشرع والعقل، فلا يترك لكل شهوة، ولا يتبع كل شهوة، فلما فرغ من هذه القنطرة وقطعها بحسن عونه وتوفيقه، رجع إلى العبادة فنظر، فإذا عوارض تعترضه عن العبادة، وتشغله عنها كما ينبغي فتستقبله هاهنا:
فتأمل فإذا هي أربعة:
(قنطرة العوارض)
أحدها الرزق تطلبه النفس به ويقول لا بد لي من رزق وقوام وقد تجردت عن الدنيا، وتفردت عن الخلق فمن أين يكون قوامي ورزقي؟
من
الثاني
الأخطار: من شيء تخافه وترجوه أو تريده أو تكرهه ولا يدرى الصلاح في ذلك الفساد، فإن عواقب الأمور مبهمة؛ لأنه و ربما يقع في فساد أو مهلكة.
الثالث الشدائد والمصائب: تنصب عليه من كل جانب، لا سيما وقد انتصب لمخالفة الخلق، ومحاربة الشيطان ومجاهدة النفس، فكم من غصة يتجرعها، وكم من شدة تستقبله، وكم من هم وحزن يتعرضه وكم من مصيبة تتلقاه. الرابع
القضاء: من الله سبحانه بالخلق، والأمر يردُّ عليه حالاً فحالاً، والنفس تسارع السخط، وتبادر الفتنة، فيحتاج إلى قطع قنطرة هذه العوارض الأربعة بأربعة أشياء: بالتوكل على الله سبحانه في موضع الرزق، وبتفويض / الأمور إليه في موضع الأخطار،
وبالصبر عند نزول الشدائد وبالرضا عند نزول القضاء.
فلما قطع هذه القنطرة بما ذكرنا - بإذن الله وحسن عونه - رجع إلى العبادة فنطر، فإذا النفس فاترة كسلاً، لا تنشط ولا تنبعث للخير والعبادة كما يجب وينبغي، وإنما ميلها أبداً إلى غفلة وراحة وبطالة، بل إلى شر وفضول وبلية وجهالة فاحتاج معها هاهنا إلى سائق يسوقها إلى الخير والطاعة وينشطها، له وإلى زاجر يزجرها عن الشر والمعصية ويفترها عنه، وهما الرجاء في ثواب الله تعالى والخوف من عذابه مع توابعهما من الحذر والإشفاق والشوق،
والمحبة فتستقبله هاهنا:
قنطرة البواعث
فاحتاج إلى قطعها بالخوف والرجاء كما قدمنا فلما قطعها بحسن عون الله تعالى، وتأييده رجع إلى العبادة فتستقبله هاهنا: (1/30)
صفحة 31
مقدمة المؤلف
??
فنشط
قنطرة العبادة
بالكمال فيعانقها بالشوق والاجتهاد إذ لم ير شيئاً شاغلاً ولا عائقاً، ووجد باعثاً وداعياً في العبادة، وإقامتها بتمام الرغبة فيها.
نظر فإذا [هي] (1) تبدو لهذه العبادة التي احتمل فيها كل ذلك آفتان عظيمتان وهما: الرياء، والعجب.
تارة يرائي الناس بطاعة الله فيفسدها، وتارة يمتنع من ذلك، ويلزم من نفسه فيعجب بها، ويحبط العبادة عليها ويتلفها، فاستقبلته هاهنا:
قنطرة القوادح
في الأعمال المبطلة لها، فاحتاج إلى قطعها بذكر المئة، والإخلاص، ونحو ذلك ليسلم له ما يعمل من خير وعبادة فلما قطعها بجد واحتياط، وحسن عصمة الله، وتأييده، فلما فرغ هذا كله، حصلت العبادة، وسلمت من كل آفة.
من
ولكنه نظر فإذا هو غريق في بحور منن الله تعالى وكثرة أياديه من إمداد التوفيق، والعصمة، وأنواع التأييد، والحراسة فخاف أن يكون منه إغفال / للشكر، فيقع في الكفران [17/ب] فتزول عنه تلك النعم الكريمة، من أنواع ألطاف الله تعالى، وحسن نظره، فتستقبله هاهنا:
قنطرة الحمد والشكر
على كثير نعمة الله تعالى فلما فرغ من هذه القنطرة نزل فإذا هو بمقصوده من العبادة بين يديه، فلم يسر إلا قليلاً حتى وقع بميدان الأنس والرضى وبساتين المحبة واللقاء، وصحراء الشوق، وعرصات المعرفة، ومجلس المناجاة فارتفع هاهنا على بساط قنطرة المناجاة فهو ينعم في لذة العبادات، وبساط المجاهدات أيام حياته وبقية عمره تارة يتنعم بلذة الشوق والمحبة، ويتلذذ بحلاوة الرجاء، والطمع، وتارة يتقيض بخوف الخاتمة. فبينما هو يبادر الموت راغباً، راهباً، ويتوقع القدوم على الله تعالى آمناً مطمئناً فيكابد
هاهنا:
قنطرة خوف الخاتمة
قال: فبينما العبد يجتهد في الدعاء والتضرع وينعم في المجاهدة، والتخشع ويبادر
(1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق. (1/31)
صفحة 32
16
مقدمة المؤلف
الخاتمة بالخوف والقلق، خائفاً من حرقة الطرد والإهانة ووحشة البعد والضلالة، ومرارة العزل والإزالة، وقد خلّف جملة القناطر، وانشرح له القلب بالعلوم والبصائر، وقد طهره سبحانه من الأوزار والكبائر وسبق العوائق الشاغلة، ودفع عن نفسه العوارض المانعة، وظفر بالبواعث والزواجر وسلم من القوادح المبطلة فبينما هو كذلك إذ أشرف على:
قنطرة الموت
بشخص في الدنيا وأرضى وقلب في العقبى سماوي، وقد استقذر الدنيا، وحنّ إلى الملك الأعلى واستنبط البريد، واشتاق إلى اللقاء.
فبينما هو
كذلك إذا برسل رب العالمين قد وردوا عليه بالروح والريحان، والبشرى
[1/ 18] والرضوان من عند رب راض غير غضبان فتلقاه / في طيبة النفس وتمام البشرى، والأنس من هذه الدار الفانية المفنية إلى الحضرة الإلهية والجنة، العالية فيكون القبر له روضة من رياض الجنة، ويوفق بالصواب عند امتحان الملكين إياه بالسؤال والفتنة.
ويعرض روحه على مقعده من الجنة في كل غدوة وعشية، فإذا بعث من قبره، حُمِلَ على نجائب الكرامة آمناً من الفزع الأكبر، وأهوال يوم القيامة، ويكون وجهه كالقمر ليلة التمام مع ما يلقى من البر والإكرام.
ويأخذ بيمينه صحيفة العمل، ويكسى من فاخر الحلى، والحلل ويحاسب حساباً يسيراً. وينقلب إلى أهله مسروراً ويجوز قناطر جهنم بنور ساطع على ذلك الظلام
المدلهم.
ويساق إلى الجنة محبوراً ويسقيه الرب سبحانه شراباً طهوراً في ملك كبير، ونعيم خطير مجاوراً للرحمن في رياض تلك الجنان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فيا لها من سعادة ما أعظمها، وكرامة
ما أدومها.
"
فنسأل الله البر الرحيم المنعم الكريم أن يَمُنَّ علينا وعليكم معشر الإخوان بهذه الطريقة المستقيمة حتى يوصلنا بها إلى هذه الكرامة العظيمة والنعمة الجسيمة، وأن لا يجعلنا من الذين لا نصيب لهم في هذا السعي المشكور والجزاء الموفور إلا وصفاً وسماعاً، وتمنياً لا انتفاعاً، وإليه نرغب أن لا يجعل ما تعلمنا حجة علينا وإياه نسأل أن يوفقنا جميعاً للعلم والعمل كما يحب ويرضى إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين. (1/32)
صفحة 33
مقدمة المؤلف
17
سل
ثم اعلم بالتحقيق أنه ليس هذا الطريق في طوله وقصره، وقناطره المرتبة عليه مثل المسافات التي تسلكها الأنفس فتقطعها /. بأقدام الأجسام فيقطع قطعها على حسب قوة [19/ب] الأجسام وضعفها.
وإنما هو طريق روحاني تسلكه القلوب فتقطعه بالأفكار على حسب العقائد والبصائر أصله نور سماوي، ونظر إلهي يقع في قلب من سبقت له من الله العناية الأزلية فينظر العبد نظرة فيرى بها أمر الدارين بالحقيقة.
ثم هذا النور بما يطلبه العبد مائة سنة فلا يجده ويبقى في القنطرة الواحدة سبعين سنة ولا
يقطعها، فكم يصيح ويصرخ ما أظلم هذا الطريق وأشكله؟! وأعسر هذا الأمر وأعظمه؟! وذلك لخطأه في الطلب، وتقصيره في الاجتهاد، وجهله للطريق، وآخر يجده في خمسين، وآخر في عشرين، وآخر في يوم واحد، وآخر في ساعة ولحظة، على ما قسم له من عناية رب العزة وتوفيقه ألا ترى إلى أصحاب الكهف كان مدتهم في هذا الطريق خطرة؛ إذ رأوا التغيير في وجه ملكهم دقيانوس ـ على ما حكي في الخبر ـ فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَواتِ
وَالأَرْضِ (1) وكذلك سحرة فرعون ما كانت مدتهم إلا لحظة حين رأوا معجزة موسى ـ عليه الصلاة والسلام - قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (2) الآية، فأبصروا الطريق في ساعة أو أقل، فصاروا من العارفين بالله الراضين بقضائه، الصابرين على بلائه.
فإن قلت: فلم اختص هؤلاء بالتوفيق وحرم غيرهم، وهم جميعاً مشتركون في ربقة العبودية فاعلم أنه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون. لكن العبد مأمور بالاجتهاد والأمر مقسم، والحكم والعدل يفعل ما يشاء، فنسأل الله تعالى أن لا يحرمنا ذلك بمنه وكرمه.
فصل
ومثال هذا الطريق في الدنيا قناطر الصراط في الآخرة في عقباتها / ومقاطعها وهما [20/ب]
صراطان، صراط الدنيا وصراط الآخرة.
(1) سورة الكهف الآية: 14.
(2) سورة الأعراف الآيتان: 121، 122. (1/33)
صفحة 34
18
مقدمة المؤلف
صراط الدنيا: للقلوب، يرى أحوالها أهل البصائر.
وصراط الآخرة: للأنفس، يرى أحوالها أهل الأبصار، فاختلفت أحوال السالكين في
الآخرة لاختلاف أحوالهم في الدنيا، وبالله التوفيق.
فصل
ثُمَّ اعْلَمْ يَقِيْناً أَنَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوفِيقُ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ نُورَ الْهِدَايَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ، حَتَّى عَرفَ فَضِيلَةَ أَرْضِ نَفْسِهِ، وَرَزَقَهُ الْعِنَايَةَ لخدمتها، حتى ينظر إليها فيراها أرضاً أريضة ذات مياه نابعة وأشجار، فارعة وأثمار يانعة، وظل ظليل ونسيم عليل، ويفتش في غياظي شعارها، فيجدها مأوى لأسد الغضب، ونمور الجهل، وذئاب الغدر، وخنازير الشَّرَه، وكلاب الحرس، وضباع الحمق، وحيَّات الظلم، وعقارب الحسد.
فإذا تحقق ذلك منها، فليبتهل إلى الله تعالى بقلب منيب أن يرزقه مجاهدة هذه الآفات المؤذية، حتى ينقي أرض نفسه منها بالمجاهدة الحقيقية ويزرع فيها أصناف رياحين الأخلاق المرضية، فإن الله سبحانه أن مرجو يهب له مطية التوفيق حتى يقطع بها هذا الطريق، وهذه المطية لها أربعة قوائم من غير لحم ولا عظم فإن قلت اشرح لي قوائم المطية. قلت: فهل ينفعك الاشتياق وأنت غير مسارع إلى اللحاق؟!
ولكن سأشرحها لك:
،
فالقائمة الأولى: ذكر الله تعالى على الدوام بلا ملل.
والثانية: تعلق القلب بما في كل حين وزمان.
والثالثة: صرف الهمة إليه اشتياقاً.
والرابعة: اشتغال القلب به عن كل شيء سواه.
واعلم أن بصر المطية من العلم والمعرفة، وأذنها من المراقبة، وظهرها من التوكل، [1/ 21] وعنقها من الوفاء وقلبها من الصدق مكلل / بالإخلاص ولجامها من الهيبة، وروحها من اليقين، وطعامها من الأنس، وقائدها التوفيق وسائقها العون والتأييد، تصديقاً لقوله تعالى:
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (1) وطرق التوفيق إلى الله تعالى كثيرة لا تحصى،
والمطايا كذلك.
(1) سورة العنكبوت الآية: 19. (1/34)
صفحة 35
مقدمة المؤلف
14
ولكن هذه مطية مَنْ سَلَكَ أقرب طرق التوفيق إلى الله تعالى، فيقطعها في لحظة، وذلك بأن يجعل ما في الوجود في خطوة واحدة، وهذه المطية هي الغاية القصوى، وما سواها من المطايا تبع لها، إليها ينتهي عمل العاملين وبفنائها تناخ مطايا العارفين، وحواليها يكون طواف الروحانيين، ويأدبها يتأدب الصديقون، وما سواها من مطايا الأولياء وطرقهم تبع لهذه المطية ولهذا الطريق.
واعلم أن هذه المطية في طرق مفازة القناطر المعمورة باللصوص والعاهات، وفيها تقع معارك الحروب فيكثر فيها ملاحم القتال.
فسلوا أيها الإخوان الموفون للطريق - رحمكم الله تعالى - سيوف المجاهدة؟ وانشروا ألوية المراقبة واركزوا رايات التفقد والمحاسبة ولكن لا يقطع هذه المفازة بالكمال حتى يصل إلى هذه المطية إلا مَنْ رزقه الله تعالى من التوفيق ما يخلص به أثير الهباء من الهواء، ولطيف الهواء الماء من مع عصمة الله تعالى وإمداده إياه بقوة اليقين حتى لا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وأفعاله من أبطال العارفين، وشجعان الروحانيين، وسياس الصديقين، ولكن كان التوفيق، قائده والتيسير دليله فما أسرع إلى كل خير وصوله.
من
فاجتهدوا - رحمكم الله تعالى - في أخذ حظكم من مولاكم، عسى أن يهديكم لركوب هذه المطايا الحسان ويوصلكم عليها بلطفه دار الأمان والرضوان / وتناصحوا فيما بينكم، ولا [22/ب] تتركوا حب الدنيا يغلق أقفال قلوبكم؛ فإنه شر محبوب، وأخطر مطلوب، جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
فصل
وإياكم
دعاني - رحمكم الله تعالى - إلى تمثيل الدنيا بالمفازة وتمثيل الشريعة بالطريق فيها، وتمثيل الفرائض بالقناطر مرتبة موضوعة عليها، وتمثيل أعمالها بالمطايا؛ لأني وجدت ضرب الأمثال يرشق القلوب بسهام الموعظة، رشقاً لا يليق بغيرها؛ ولأن ذلك أبلغ في تقريب المعاني إلى العقول، كقوله عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه أنه قال: «العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره والعقل، دليله والعمل، قائده والرفق والده والبر أخوه، والصبر أمير جنوده (1).
(1) أخرجه السهمي في تاريخ جرجان ص
312
قناطر الخيرات ج/1 م/3 (1/35)
صفحة 36
Y
مقدمة المؤلف
وقال بعض السلف: سألت راهباً فقلت له: ما الدنيا؟ قال: خلق كخلق المرأة، رأسها الكبر، ووجهها الفرح، وعيناها السهو، ولسانها الغدر، وأذناها النسيان، ونفسها العلو، وقلبها الطمع، وبطنها الحرص، ورجلاها الحسد، وعنقها الحزن، وظهرها الإياس من الله تعالى، وزينتها الشهوات، فهذه صفة دنياكم التي عليها تتشاجرون فاحذروها، وقال الله سبحانه: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُها للنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (1).
وفي كتاب الله تعالى من الأمثال ما يستغرق الوصف والله المستعان.
فصل
فإن قال قائل: إذا كان الأمر على ما وصفت والطريق على ما مثلت لقد قل من الناس العابد لهذا الرب المعبود والواصل إلى هذا المقصود. فمن ذا الذي يقوى على هذه المؤن،
ويحصل هذه الشرائط؟
فاعلم أن الله سبحانه يقول: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ (2).
وقال: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (3).
وقال: إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) (1).
ثم قال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ / النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (5). ولا يَشْكُرُونَ)، ولا يَعْقِلُونَ)، و لا يَتَفَكَّرُونَ) في أمثال هذه الآيات.
(1).
ثم إن ذلك. يسير على من يسره الله تعالى عليه وصفي،قلبه ونوره فعلى العبد الاجتهاد وعلى الله سبحانه الهداية، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (6). فإذا كان العبد الضعيف يقوم بما عليه من التكليف فما ظنك بالرب القادر العلي الكبير
اللطيف؟!
(1) سورة العنكبوت الآية: 43. سورة سبأ الآية: 20.
(2)
(3) سورة سبأ الآية: 13.
(4) سورة ص الآية: 24. (5) سورة يوسف الآية: 40. (6) سورة العنكبوت الآية: 69.
[1/ 23] (1/36)
صفحة 37
مقدمة المؤلف
21
والشأن كله يرجع إلى أصل واحد وهو: الكلمة السابقة في الأزل بالتوفيق والسعادة ولا يدرك ذلك باجتهاد وتكليف، ولكن بقسمة أزلية وهبة واهب: {وَلَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (1)، وليست هذه الهبة بالأنساب ولا بالأحساب.
ألا ترى إلى لقمان الحكيم - قيل إنه عبد مملوك نوبي ـ أعطاه الله من الحكمة ما طبق الآفاق، واشتهر في الأقطار، حتى أنزل ذلك في القرآن.
وكذلك غيره ممن يطول ذكره رجالاً ونساء مثل: تجينة المعتوقة (2)، وغزالة الأمة المجلوبة من السودان أما تجينة فإنها كانت تصلي في مصلى أبي عبيدة الجناوني - رحمه الله تعالى ـ فقصدها أبو الخير الزواغي فرأى ضوءاً ساطعاً، وأشباه رجال خلفها أو دائرين بها فشرب عندها من إناء لبناً ثم توضأ من ذلك الإناء ماء. حالته تلك (3). في
وأما غزالة: فهي صاحبة كهف وادي الزير فيما قيل إذا نومت مواليها في بلد وبقوا حضرت المجلس في تونزيرف فتأتي كهفها آخر الليل فتجد فيه مصباحين (4) يقدان فلما اعتقت انطفى مصباح واحد وبقي آخر (
(0)
والله تعالى نسأل الله البر الرحيم أن يمن علينا وعليكم بالتوفيق.
فصل
اعلموا - رحمكم الله تعالى - أني تفكرت في أحوال أسلافنا - رحمهم الله تعالى -
الله
من
فوجدتهم أهل بصائر ومعرفة بالدين وأهل تواضع وخشية في قوة يقين مع ما منحهم) سلامة للصدور / من كل غائلة واجتهاد في العبادة بتصديق الورع عن كل شبهة، فبذلوا في [24/ب] الله تعالى أموالهم، وأهرقوا فيه دماءهم، فأصبحوا وقد اقفرت منهم الديار، ولم يبق إلا ذكرهم في المجالس والأقطار، فآثارهم مذكورة وسيرهم في الأسفار مشهورة فخلف م خلف رضوا بالدنيا عوضاً عن الآخرة.
إحياء دين
بعدهم.
من
عليها يتكالبون وبها يتواصلون ومن أجلها يتوالون ويتعادون، استعبدتهم الدنيا
(1) سورة الأنبياء الآية: 23.
(2) كذا في المخطوط، وفي أعلام النساء عن صفوة الصفوة: تحية النوبية (167/ 1).
(3) لا يخفى على ذي بصيرة ما في القصة من المبالغة والمخالفة. (4) في الأصل: صباحين وقد سقطت الميم سهواً من الناسخ.
(0) القول في هذه القصة كالقول على سابقتها. (1/37)
صفحة 38
22
مقدمة المؤلف
فأذلتهم، والأماني فأضلتهم، فيا ليتهم اكتسبوها من أبوابها، وأكلوها من أسبابها، ولكنهم أخذوها عوضاً عن الدين وثمناً بخساً لسير أشياخنا الأولين.
استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستغواهم الطغيان، فأصبح كل يعاجل حظه مشغوفاً،
فصار المنكر من أجل ذلك عندهم معروفاً، حتى ضاعت حدود الدين، وامحت آثار السلف والصالحين، فأصبح منار الدين، مندرساً، وصار الهدى في أقطار الأرض منطمساً، ولقد خيلوا للخلق الأعلم الإفتواء حكومة يستدرج بها العوام، إذا لم يروا ما سواها مصيدة للحرام وشبكة
للحطام. وأما علم طريق الآخرة، وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله تعالى في كتابه علماً
وفقهاً وحكمة ونوراً وهداية ورشداً، فقد أصبح بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسيّاً. ثم إني نظرت في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وما دونه السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - من الآثار، والسير في الدفاتر والأسفار فوجدت في ذلك علماً اتضح عندي برهانه وحقيقته وأيقنت بالفوز والنجاة لمن انتحله وعمل به وهو العلم بحدود التقوى من الورع عن محارم الله عز وجل، والقيام بحدوده وتصفية القوت والقلوب من
مکارهه.
من
أجله عليّ
فرأيت انتحال ذلك، والعمل بحدوده واجباً علي والحجة العظمى قائمة [1/ 25] وعلى جميع من فهمه إذا كان ذلك / دين الله القوي والحق المبين، وعليه مضى أسلافنا وسائر
المتقين.
ثم إني نظرت في أحوال، دهرنا فرأيته دهراً مستصعباً تبدلت فيه شرائع الإيمان، وانتقضت فيه عرى الإسلام واندرست فيه حدود الدين بالكلية، ورأيت فتناً متراكبة يحار فيها اللبيب، وديناً مندرساً لا داع إليه ولا مجيب، وقد عميت عن الآخرة بصائرنا، وامتلأت بحب الدنيا ضمائرنا، فخشيت الانسلاخ من الأمر كله فرأيت التمسك بالقليل خير من ذهاب الجميع وإن كان لا عذر لأحد في تضييع شيء من أوامر الله تعالى، ولا ارتكاب شيء من مناهيه ولكن سداد من عوز؛ لأنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه] (1) قال لأصحابه: «سيأتي بعدكم قوم، إن تَمَسَّكُوا بعشر ما أنتم عليه نجوا».
فدعاني ما ذكرت إلى تأليف كتاب اشرح فيه - إن شاء الله تعالى ـ بعض شرائع الدين،
(1) كلمة يقتضيها السياق. (1/38)
صفحة 39
مقدمة المؤلف
23
وأبين فيه بعض مناهيه لعل الله تعالى يجعله تذكرة لنفسي ولمن نظر فيه من أبناء جنسي وغيرهم من الناس، وسميته قناطر الخيرات، فالله سبحانه وتعالى أسأله التوفيق في القول والعمل والعصمة من الخطأ والزلل.
العلم:
وهذا الكتاب يحتوي على سبعة عشر قنطرة اشرحها - إن شاء الله تعالى ـ بالتمام. الأولى قنطرة العلم: وهي تحتوي على مقدمة في بيان العقل وعشرة أبواب في تفصيل
الأول: في بيان فضله.
الثاني: في فضل التعلم والتعليم.
الثالث:: في فرض العين.
الرابع: في فرض الكفاية.
الخامس: في بيان حد الفقه والكلام في علم الدين وبيان علم الآخرة من علم الدنيا
السادس: في طرق العلم وتقاسيمه.
السابع: في أدب المتعلم والعالم.
الثامن: في آفات العلم والعلماء.
التاسع: في بيان جنس العلم المذموم وأسماء / العلم المحمود. العاشر: في العلامات المميزة بين علماء الدنيا والآخرة. وسائر القناطر تأتي على
الترتيب. المتقدم - إن شاء الله تعالى - إلى آخر قنطرة فيكون آخرها صفة الجنة والنار. وهذه الأبواب تشتمل على فصول ستأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى ـ ونحن الآن مبتدئون ـ إن شاء الله تعالى - في أبواب العلم وتفاصيلها، اعلم أنه قد قدمنا أولاً أنا سنشرع في بيان مقدمة العقل قبل أبواب العلم.
فصل
في فضل العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه وإنما قدمنا بيان العقل على تفصيل أبواب العلم؛ لأن العقل آلة لدرك العلوم وأس الفضائل، وينبوع للآداب وأصل للتكليف، وعماد
للدنيا فالعلم يجري منه مجرى الثمر من الشجر، والنور من الشمس، والرؤية من العين. وشرف العقل مدرك بالضرورة، وكيف لا يشرّف ما هو وسيلة إلى السعادة في الدنيا
والآخرة.
[26/ب] (1/39)
صفحة 40
24
مقدمة المؤلف
وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي أنه قال: «لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن
عقله، فبقدر عقله تكون عبادته (1).
(2)
أما سمعتم قول الفجار: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وعن أنس قال: كثرت المسائل يوماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس إن لكل شيء مطية، وأحسنكم دلالة ومعرفة بالمحجة أفضلكم عقلاً (3).
وعن أبي هريرة قال: لما رجع رسول الله له من غزوة أحد، سمع الناس يقولون: كان فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل غيره، ونحو هذا فقال: «أما هذا فلا علم لكم به». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم [1/ 27] من العقل، فكانت نصرتهم ونياتهم / على قدر عقولهم، فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى، فإذا كان. يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم (4).
(4)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه.
وعن الحسن البصري قال: ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه به يوماً ما.
وعن البراء بن عازب عن النبي لو أنه قال: جد الملائكة، واجتهدوا في طاعة الله سبحانه بالعقل، وجَدّ المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله عز وجل أوفرهم عقلاً (ه).
بم
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: «بالعقل (6) قلت: وفي الآخرة؟ قال: «بالعقل». قلت: أليس يجزون بأعمالهم؟ فقال: يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل؟ فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون (7).
(1) أطراف الحديث عند ابن عدي في الكامل، (369/ 1)، العجلوني في كشف الخفا (306/ 2)، ابن حجر في المطالب (2574)، والمتقى في الكنز (28924).
(2) سورة الملك الآية: 10.
(3) نحوه في السلسلة الضعيفة للألباني (169). (4) أطرافه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (457/ 1)، عراق في تنزيه الشريعة (215/ 1). (5) أطراف هذا الحديث عند الزبيدي في اتحاف السادة المتقين (457/ 1)، ابن حجر في المطالب العالية (2750)، العراقي في المغني عن حمل الأسفار (84/ 1)، ابن عراق في تنزيه الشريعة (218/ 1).
(6) تقدم تخريجه. (7) أطرافه عند أبي نعيم في الحلية (211)، وابن حجر في المطالب العالية (2745، 2770)، العجلوني = (1/40)
صفحة 41
مقدمة المؤلف
25
وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجو والجهل انكأ عدو، وقال بعض الأدباء:
صديق کل امري عقله، وعدوه جهله.
وقال بعض البلغاء: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل.
وأنشد الماوردي لابراهيم بن حسان:
يزين الفتى في الناس صحة عقله وإن كان محذوراً عليه مكاسبه يشين الفتى في الناس قلة عقله وإن كرمت أعراقه ومناسبه يعيش الفتى في العقل إنه على العقل يجري علمه وأفضل قسم الله للمرء عقله فليس من الأشياء شيء يقاربه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه وماريه
وعن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لكل شيء آلة وعدة، وإن آلة المؤمن العقل، ولكل شيء، مطية، ومطية المؤمن العقل / ودعامة المؤمن العقل، ولكل قوم [28/ب] غاية، وغاية العباد العقل، ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل، ولكل خراب عمارة، وعمارة الآخرة العقل، ولكل امراء عقب ينسب إليه، ويذكر به وعقب الصديقين الذي ينسبون إليه، ويذكرون به العقل، ولكل شيء فسطاط، وفسطاط المؤمن العقل (1). وعنه قال: إن أحب المؤمنين إلى الله عز وجل مَنْ نصب في طاعته تعالى، ونصح
لعباده، وكمل عقله، ونصح نفسه فما بصر وعمل به أيام حياته فافلح وأنجح (2). وعنه عليه الصلاة والسلام قال: أتمكم عقلاً، أشدكم الله عز وجل خوفاً، وأحسنكم
فيما أمر به، ونهى عنه نظراً، وإن كان أقلكم تطوعاً (3). واعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، وهو ينقسم قسمين: غريزي ومكتسب.
فالغريزي هو: العقل الحقيقي وله حد يتعلق به التكليف لا يتجاوزه إلى زيادة، ولا
كشف الخفا (276/ 1)، ابن عراق في تنزيه الشريعة (217/ 1). (1) أطرافه في اتحاف السادة المتقين (457/ 1)، المطالب العالية (2746)، السيوطي في الحاوي
(90/ Y)
(2) أطرافه في: المغني عن حمل الأسفار (84/ 1)، إتحاف السادة المتقين (458/ 1). (3) ونحو هذا الطرف ذكره الزبيدي في اتحاد السادة المتقين (422/ 1). (1/41)
صفحة 42
26
مقدمة المؤلف
يقصر عنه إلى نقصان وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان فإذا تمَّ في الإنسان سُمَّي عاقلاً و خرج به إلى حد الكمال.
كما قيل عن صالح بن عبد القدوس أنه قال:
إذا تم عقل المرء وتمت أموره وتم إياديه وتم بناؤه
وروي عن الضحاك في قوله تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَا (1).
أي من كان عاقلاً.
واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى فقال: قوم هو جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات.
واختلف من قال بهذا في محله. فقالت طائفة: محله الدماغ؛ لأن الدماغ محل الحس.
وقال آخرون: محله القلب، لأن القلب معدن الحياة، ومادة الحواس.
وفي آثار قومنا عن علي بن أبي طالب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلق الله سبحانه [1/ 29] العقل / من نور مكنون في غامض علمه من حيث لا يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فجعل الزهد رأسه والخير، سمعه والحياء عينه والرأفة قلبه والعلم فهمه، والبصر طبعه، ثم
عز
قال له: أقبل فأقبل فكان إقباله إقبالاً، ثم قال له: ادبر فأدبر فكان إدباره إدباراً فقال له وجل: فوعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً قط أكرم عليّ منك ولا أحسن منك ولا أحب إليَّ منك، بك آخذ وأعطي، وبك أعبد وبك أعرف ولك الثواب وعليك العقاب. قال: فخر العقل ساجداً، فمكث في سجوده ألفي عام، فقال له عز وجل: ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع، قال: اللهم سيدي بحقك على خلقك ألا شفعتني فيمن خلقتني فيه؟ قال: فذلك لك (2). وقال: «من أتي العقل فقد أتي خيراً كثيراً، وإنما العاقل من عقل عن الله تعالى أمره ونهيه، ومن لم يكن كذلك فليس بعاقل حتى قال بعض العلماء فيمن أوصى بثلث ماله لأعقل الناس أن يصرف في الزهاد؛ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل.
وعنه عليه السلام قال: أكمل الناس عقلاً أطوعهم الله، وأعلمهم بطاعته، فلا يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا عقله (3).
(1) سورة يس الآية: 70.
(2) بنحو هذا الطرف ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (455/ 1).
(3) أطرافه في: إتحاف السادة المتقين (458/ 1)، تاريخ بغداد (40/ 13)، الفوائد المجموعة (478). (1/42)
صفحة 43
مقدمة المؤلف
وقال: أمرنا معشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم (1).
27
فإن قيل: إن كان العقل عرضاً فكيف خلق قبل الأجسام؟ وإن كان جوهراً فكيف يكون جوهراً قائماً بنفسه لا يتخير؟
قيل له: إن هذا من العلم الغامض الذي لا يطلع عليه إلا الأنبياء، أو الروحانيون (2)، وقد أبطل الماوردي في كتابه هذا القول بهذه العلة.
وقال قوم: العقل غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية حكي هذا عن / الحارث المحاسبي، فكأنه أشار إلى أن العقل نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك [30/ب]
الأشياء.
ونسبة هذه الغريزة إلى العلوم، نسبة العين إلى الرؤية ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في انكشاف العلوم نسبة نور الشمس إلى البصر، وهذا الوصف هو الذي يفارق
الإنسان.
ذات
وقال آخرون: العقل بعض العلوم الضرورية أراد العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذا الطفل الصغير المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكبر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين.
وقالت الطائفة: العقل هو جملة العلوم الضرورية من وجوب الواجبات، وجواز
الجائزات واستحالة المستحيلات.
وقال بعضهم: العقل هو العلم بالمدركات الضرورية وذلك نوعان:
أحدهما ما وقع عن درك الحواس الخمس:
كالمدركات بالبصر، والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم والأجسام المدركة باللمس، فإذا كان الإنسان ممن يدرك بحواسه هذه الأشياء ثبت له هذا النوع من العلم، وكان عاقلاً، لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بها، ويعلم لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم.
(2)
(1) طرفه في: إتحاف السادة المتقين (342/ 1). من المعلوم أن هناك علوماً لا يطلع عليها إلا الأنبياء كقوله: لو علمتم ما أعلم. .... وليس هناك ما يطلع عليه أحد سواهم غير ما هو علم لدني كعلم الخضر ولكن لهذا العلم اللدني حدود يجب أن لا يتعدى فيه ما شرع في الظاهر، فلا يتعلق متعلق بمثل هذه العبارة. (1/43)
صفحة 44
28
مقدمة المؤلف
والنوع الثاني ما كان مبتداء في النفوس:
كالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وكالعلم بأن من المحال اجتماع ضدين، وأن الواحد أقل من الاثنين، وهذا النوع من العلم لا سلامة حاله وكمال عقله، فإذا كان عالماً بالمدركات
(1)
عن العاقل
يجوز أن ينفى الضرورية فهو كامل العقل، وإلى هذا القول ذهب الماوردي في كتابه قال: فكل من نفى (2) أن [1/ 31] يكون العقل جوهراً أثبت محله القلب؛ لأن القلب محل العلوم كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)
(3)
فدتل هذه الآية على أمرين أحدهما أن العقل علم، والثاني أن محله القلب، وفي قوله: يَعْقِلُونَ بِهَا تأويلان أحدهما معناه يعلمون بها، والثاني: يعتبرون، فهذه جملة القول في العقل الغريزي.
وأما العقل المكتسب: فهو نتيجة العقل الغريزي وذلك علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال، فإن. من حكمته التجارب، يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به يقال إنه غمر جاهل، وهذا العقل ينمى إن استعمل، وينقص إن أهمل؛ لأنه من قوة ثقابة المعرفة وإصابة الفكرة ما لم يمنعه مانع من هوى ولا صاد من شهوة لأنه يحصل ذلك بكثرة التجارب وممارسة الأمور، ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ فقالوا: عليكم بآراء الشيوخ؛ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقال: التجربة مرآة العقل، والغمرة ثمرة الجهل.
وقيل في منثور الحكم من طال عمره نقصت قوة بدنه، وزادت قوة عقله.
وقال بعض البلغاء: كفى بالتجارب تأديباً، وبتقلب الأيام عظة. وينشد:
الم
تر
أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلاً، وقد يكون هذا أيضاً لفرط الذكاء
وذلك جودة الحدس.
(1) في الأصل: «يكتفي» وهو تحريف. (2) في الأصل: «بقي» وهو تحريف. سورة الحج الآية: 46.
وحسن
الفطنة، (1/44)
صفحة 45
[32]
29
مقدمة المؤلف
وإذا مزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتها هو العقل المكتسب، كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل وجودة الرأي، ولذلك قالوا: عليك بالحديث السن الحديد الذهن.
وقالت العرب: عليكم بمشاورة الأحداث فإنهم ينتجون رأياً لم يفله طول القدم، ولا
استولت عليه رطوبة الهرم.
وأنشد الماوردي لبعض الشعراء:
رأيت العقل لم يكن انتهاباً ولم يقسم على عدد السنينا / ولو أن السنينا تقاسمته الآباء انصبت البنينا وي
وروي عن الأصمعي أنه قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فامتنعني بفصاحته وملاحته: أيسرك أن تكون لك مائة ألف درهم وإنك أحمق؟ قال: لا والله. قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني عَلَيَّ حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى
علي حمقي.
،
فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً
وأكثر منه تجربة.
وحكي عن ثمامة بن أشرس أنه أخبر أن المأمون تفرد يوماً في بعض تصيده، فانتهى إلى بعض بيوت أهل البادية، فرأى صبياً يربط (1) قربة، وقد غلبه وكاؤها وهو يقول: يا أبت
اشدد فاها فقد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها.
قال: فوقفت عليه المأمون. فقال: ممن تكن؟ فقال: من قضاعة. قال: من أيها؟ قال: من كلب؟ قال: وإنك من الكلاب؟ قال: لسنا هم ولكن قبيل يدعى كلبا. قال: فمن أيهم أنت؟ قال: من بني عامر قال: من أيها؟ قال: من الأجداد ثم من بني كنانة. قال: فمن أنت يا خالي فقد سألتني عن نسبي؟ فقال: ممن تبغضه العرب كلها. قال: فأنت إذاً من نزار؟ قال: أنا ممن تبغضه نزار كلها. قال: فأنت إذاً من قريش؟ قال: أنا ممن تبغضه قريشاً كلها. قال: فأنت إذا من بني هاشم؟ قال: أنا ممن تحسده بنو هاشم كلها. قال: فأرسل فم القربة، فقام إليه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته وضرب بيده إلى شكيمة الدابة وهو يقول:
(1) في الأصل: يضبط. والسياق يقتضي ما أثبت. (1/45)
صفحة 46
مؤجلة؟
مقدمة المؤلف
حب الكتبة الكتيفة
مأمون يا ذا المنن الشريفة هل لك في أرجوزة ظريفة أظرف من فقه أبي حنيفة لا والذي أنت له خليفة ما ظلمت بأرضنا ضعيفة عاملنا مؤنته خفيفة وما جبا فضلاً على الوظيفة فالذئب والنعجة في السقيفة واللص والتاجر في القطيفة قد سار فينا سيرة الخليفة
فقال له المأمون أحسنت أيما أحَبُّ إليك عشرة آلاف درهم معجلة أو مائة ألف
فقال: بل أدخرك يا أمير المؤمنين - وفي خبر آخر: لأنك أنت الغني الوفي. قال: فما لبث أن أقبلت الفرسان فقال احملوه فمضي به حتي كان أحد. مسامريه.
انظر إلى جودة قريحة هذا الغلام ومجاوبته فسبحان الفعّال لما يشاء.
وأحسن من هذا الذكاء والفطنة ما حكى ابن تيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَرَّ بصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد الله فقال له عمر: ما لك لم تهرب أصحابك؟ فقال يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع
لك.
انظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنّة وحُسن البديهة، فليس للذكاء غاية، وليس لجودة القريحة نهاية.
ولمثل هذا قالت الحكماء: غاية العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم، وليس لمن
منح جودة القريحة وسرعة الخاطر عجز عن جواب وإن أعضل.
كما قيل لعلي بن أبي طالب كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ فقال: كما
يرزقهم على كثرة عددهم وقيل له: كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة. وقيل لابن عباس: أين تذهب هذه الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ فقال: أين تذهب نار المصابيح عند فناء الأدمان؟
وهذان الجوابان جوابا إسكات تضمنا دليلي إذعان وحجة قهر. وقيل لعلي أيضاً كم بين المشرق والمغرب؟ قال: يوم طراد الشمس. (1/46)
صفحة 47
مقدمة المؤلف
31
ومن غير هذا الفن وإن كان مسكتاً حكي أن إبليس لعنه الله حين ظهر لعيسى ابن مريم
/ عليه الصلاة والسلام.
فقال: ألست تقول لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم. قال: فارم نفسك إذاً من ذروة هذا الجبل فإنه إن قدرت لك السلامة تسلم فقال له: يا ملعون، إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر رَبَّه.
ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله الذين أمدهم بوحيه، وأيدهم بنصره، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره، ويعوّل على بديهته.
فإذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتسب وهو ما ينميه فرط الذكاء بجودة الحدس وصحة القريحة بحسن البديهة ما مع ينميه الاستعمال بطرق التجارب ومرور الزمان بكثرة الاختبار، فهو العقل الكامل على الإطلاق من الرجل الفاضل بالاستحقاق؛ وذلك أن تنتهي قوة الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوات الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوة، صاحبها عاقلاً. من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر
سمي
في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة.
فهذا أيضاً من خواص الإنسان التي بها يتميز من الحيوان:
فالأول: هو الأصل ـ أعني الغريزة ..
والثاني: هو فرع - أعني العلوم الضرورية ..
والثالث: هو فرع الأول والثاني - أعني علوم التجارب، إذ بقوة الغريزة والعلوم
الضرورية تستفاد علوم التجارب.
والرابع: هي الثمرة الأخيرة وهي الغاية القصوى، فالأولان بالطبع، والأخيران
بالاكتساب.
وحكي عن سابور بن أزدشير (1) أنه قال: العقل عقلان: أحدهما: مطبوع، والآخر
(1) في الأصل: سابور بن أزدشير، والتصويب من سير أعلام النبلاء وقال مؤلفه: الوزير الأوحد البليغ بهاء الدولة أبو نصر، وزر لبهاء الدولة ابن عضد الدولة، وكان شهماً مهيباً كافياً جواداً ممدحاً، له ببغداد دار علم [أي دار كتب توفي سنة ست عشرة وأربع مائة عن ثمانين سنة ..... وقد مدح سابور الببغاء
وطائفة.
[34/ب] (1/47)
صفحة 48
[1/ 35]
32
مقدمة المؤلف
مسموع، ولا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فنظم ذلك علي بن أبي طالب فيما حكي عنه فقال:
رأيت العقل نوعين
فلا
فمسموع ومطبوع
إذا
كما لا تنفع الشمس وضوء العيـ ـن ممنوع
(1)
فالأول: هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله العقل. الحديث.
والأخير: هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: إذا تقرب الناس إلى الله عز وجل بأبواب البر، فتقرب إليه بعقلك) (2).
وقوله لأبي الا رداء: ازدد عقلاً تزدد من الله تعالى قرباً.
فقال بأبي أنت وأمي كيف لي بذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنب محارم الله تعالى، وأد فرائض الله سبحانه تكن عاقلاً، وتنفَّل بالصالحات من الأعمال، تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة، وتنل من ربك بها القرب والعز (3).
وقال عليه الصلاة والسلام: ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردي (1).
(1)
وعن سعيد بن المسيب: أن عمر وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما، وأبا هريرة
قلت: جاء هذا الشعر في إحياء علوم الدين على النحو التالي:
رأي
ــل عقلي ـن
ولا ينف كما لا تنف
إذا
وض
وع
ـن ممنوع
(2) ذكره بنحوه العراقي في حمل الأسفار (85/ 1) وقال: أبو نعيم في الحلية من حديث علي: إذا اكتسب الناس من أنواع البر ليتقربوا بها إلى ربنا عز وجل، فاكتسب أنت من أنواع العقل تسبقهم بالزلفة والقرب. وإسناده ضعيف.
(3) بنحوه ذكره الغزالي في الإحياء (85/ 1 (86) وقال العراقي تعليقاً: رواه ابن المحبر ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة، والترمذي الحكيم في النوادر: قلت وذكره ابن عدي في الكامل (86/ 1)، والفتني في تذكرة الموضوعات (29). (4) أطرافه عند الزبيدي في الإتحاف (457/ 1)، وابن حجر في المطالب (2765)، والعراقي في حمل الأسفار (83/ 1) وابن عراق في تنزيه الشريعة (212/ 1). (1/48)
صفحة 49
مقدمة المؤلف
33
فقالوا: من
دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: من أعلم الناس؟ فقال عليه السلام: «العاقل». أعبد الناس؟ فقال: «العاقل». قالوا: من أفضل الناس؟ قال: «العاقل». قالوا: أليس العاقل من تمت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفه وعظمت منزلته؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين، وإنما العاقل: هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيساً دنيا (1) (2).
وعن أنس بن
مالك أنه قال: أثني على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير فقال: «كيف عقله»؟ فقالوا: يا رسول الله إن من عبادته إن من فضله فقال: «كيف عقله»؟ فقالوا: يا رسول الله - - يثنى عليه بالعبادة وأصناف البر وتسألنا عن عقله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يُقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقلهم وبالجملة من لم تكن بصيرة عقله ثاقبة لم يعقل به من الدين إلا قشوره، وأمثلته دون
لبابه وحقائقه.
(3)
:
واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناها وزاد هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال قوم: يكون فضيلة؛ لأن الفضائل هبات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين فما جاوز التوسط خرج من حد الاعتدال لقوله عليه الصلاة والسلام: «خير الأمور أوساطها» (4).
مذموم.
وقال: «إن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم وصاحبه
وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل زياداً عن ولايته، فقال زياد يا أمير المؤمنين أعن موجدة أم خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكن خفت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
(1) طرف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (457/ 1)، وابن حجر في المطالب العالية (2753)، ابن عراق في تنزيه الشريعة (215/ 2 (222) والعراقي في حمل الأسفار (86/ 1) وقال:
رواه ابن المحبر.
(2) في الأحياء: «ذليلا» بدل: «دنيا».
(3) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (83/ 1): رواه ابن المحبر [وهو ضعيف] في العقل بتمامه، والترمذي الحكيم في النوادر مختصراً. (4) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن الكبرى (273/ 3)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (246/ 6)، العجلوني في كشف الخفا (465/ 1)، الفتني في تذكرة الموضوعات (189). (1/49)
صفحة 50
34
مقدمة المؤلف
وقالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور؛ فإن الزيادة
عيب والنقصان عجز.
وقال بعض الحكماء: كفاك من عقلك ما دلّك على سبيل رشدك.
وقال آخرون وهو أصح القولين: زيادة العقل فضيلة؛ لأنه زيادة علم بالأمور، وحسن
إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن إلى ما يكون، وذلك فضيلة لا نقص.
وقد روي عن النبي الله أنه قال: «العقل حيث كان الوفاء مألوف».
وقال القاسم بن محمد كانت العرب تقول: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه.
وقد قيل في منثور الحكم: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل؛ فإنه إذا كَثر غلا. وأما الدهاء والمكر فهو مذموم؛ لأن صاحبه صرف فضل عقله إلى الشر ولو صرفه إلى الخير لكان محموداً.
وقد ذكر المغيرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: كان والله أفضل من يخدع،
وأعقل من يخدع.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: / لست بالخب (1) ولا يخدعني الحب (2)،
والله أعلم.
فصل
واعلم أنَّ العقل المكتسب لا ينفعك عن العقل الغريزي؛ لأنه نتيجة منه، وقد ينفعك العقل الغريزي عن العقل المكتسب فيكون صاحبه مسلوب الفضائل موفور الرذائل، كالأنوك الذي لا توجد منه فضيلة، والأحمق الذي قل ما تخلو منه رذيلة.
إليه.
وقد روي عن النبي أنه قال: «الأحمق: أبغض خلق الله إليه؛ إذ حرمه أعز الأشياء
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: الأحمق) كالفخار؛ لا يرقع، ولا يشعب».
(1) الخب: الخداع، والخُبْثُ، والغش.
(2) وقيل عن ابن سيرين
أيضاً.
[1/ 37] (1/50)
صفحة 51
مقدمة المؤلف
عطاء وروي
لك حمار لعلفته مع
إنسان على قدر عقله.
35
عن جابر قال: كان في بني إسرائيل رجل له، حمار، فقال: يا رب لو كان هذا، فَهَمَّ به نبي من الأنبياء فأوحى الله تعالى إليه: إنما أثيب كل
حماري.
قال: وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل.
ويقول: إن الأحمق يحتفظ من كل شيء إلا من نفسه؛ ولذلك قال بعض الحكماء: الحاجة إلى العقل أكثر من الحاجة إلى المال.
وقال بعض البلغاء دولة الجاهل عبرة العاقل وقال أنوشروان لبزرجمهر: أي شيء للمرء خير. قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم يكن؟ قال: فإخوان يسترون عليه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فمال يتحبب به إلى الناس. قال: فإن لم يكن؟ قال: فعي صامت. قال: فإن لم يکن؟ قال: فموت جارف.
وفي
كتاب العقد قال: خطب وكيع ابن أبي سويد - وهو والي خراسان ـ فقال: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر قيل: إنما هي ستة أيام قال والله لقد قلتها وأنا استقلها. قال: وخطب والي اليمامة فقال: إن الله لا يغار عباده على المعاصي، وقد أهلك أمة عظيمة في ناقة تساوي مائتي درهم فَسُمِّي مُقَوم الناقة.
(1)
بن الزبير عطاءه في المسجد
وكان
قال: ودخل قوم على تردم / الدوسي فقالوا له: أين القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنما [38/ب] دخلنا إليها منذ ستة أشهر. وقال: ونسي عامر بن عبد الله قد أوتي به هناك، فلما صار إلى بيته قال: يا غلام ائتني بعطائي الذي نسيت في المسجد. فقال: وأين يوجد وقد دخل في المسجد بعدك جماعة؟! قال: أويبقى أحد يأخذ ما ليس له؟ قال: وسرق نعله، فلم يلبس بعد ذلك نعلاً حتى مات. وقال: أكره أن يجيء من يسرقه
فيأثم.
قال: وفي هذا الضرب من الناس يقول أيوب السختياني: من أصحابي ما أرجو بركة دعائه، ولا أقبل شهادته.
(1)
الأصمعي قال: كان الشعبي يحدث أنه كان بين بني إسرائيل عابد جاهل، قد ترهب في
هو تابعي ثقة، عابد قال معن عن مالك قال: ربما انصرف عامر من العتمة فيعرض له الدعاء فلا يزال يدعو إلى الفجر. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان: أن عامر بن عبد الله أشترى نفسه من الله ست مرات. يعني تصدق كل مرة بديته سير أعلام النبلاء 219/ 5).
•
قناطر الخيرات ج/ 1/ 4 (1/51)
صفحة 52
36
مقدمة المؤلف
صومعته، وكان له حمار يرعى حولها، فاطلع من الصومعة فرآه يرعى، فرفع يديه إلى السماء فقال: يا رب لو كان لك حمار كنت أرعاه مع حماري.
وما كان يشق عليَّ فَهم به نبي في ذلك الزمان، فأوحى الله تعالى إليه: دعه فإنما سأل، وإنما أثيب كل إنسان على قدر عقله.
ففتحت
هشام بن حسان قال: أقبل رجل إلى محمد بن سيرين فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما رأيت؟ قال: كنت رأيت أن لي غنماً فأعطيت بها ثمانية دراهم فأبيت من البيع، عيني ولم أر شيئاً فأغلقتهما ومددت يدي فقات: هاتوا أربعة، فلم أعط شيئاً. قال ابن سيرين: لعل القوم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها. قال: يمكن الذي قلت. وفي كتاب الماوردي قال: وولى الربيع العامري وكان من النوكى (1) منابر اليمامة فأقاد كلبا بكلب فقال فيه
الشاعر:
شهدت بأن الله حق قضاؤه وأن ربيع العامري رقيع أقاد لنا كلبا بكلب فلم يدع وما كلاب المسلمين تضيع
/ ومثل هذا من رذائل النوكى ما لا يحصى كثرة؛ إذ لا معنى للإكثار منها؛ لأنه بحسب ما ينشر من فضائل العاقل كذلك يظهر من رذائل الجاهل حتى يصير مثلاً في الغابرين، وحديثاً في الآخرين وقد وصف بعض البلغاء العاقل بما فيه من الفضائل فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن الظلم، قدره، فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله، إن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بشكره، وإن أساء إليه مسيء سبب له أسباب العِذار أو منح له
الصفح والعفو.
والأحمق ضَالٌ مُضِلَّ إنْ أونس تكبَّر، وإن أوحش تكلَّر، وإن استنطق تخلف، وإن ترك تكلف مجالسته، مهنة ومعاينته، محنة ومحاورته غرر وموالاته ضرر، ومقاربته عمى، ومفارقته شفاء.
وقال بعض البلغاء: إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق، وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق، فإن اتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل والزهد في العقل، فدولة الجهل من الممكنات، ودولة العاقل من
الموجبات.
(1) النُّوكُ: الحمق، والجهل، والعجز. (1/52)
صفحة 53
مقدمة المؤلف
37
وليس مَنْ أمْكَنَهُ شيء من ذاته كَمَنْ استوجبه بآلاته وآداته وبعد فدولة الجهل كالغريب الذي يحن إلى الغفلة والرجوع، ودولة العاقل كالنسيب الذي يحن إلى الوصلة.
فلا يفرح المرء بحالة نالها بغير عقل، ومنزلة رفيعة حَلَّها بغير فضل؛ فإن الجهل يزيله منها ويزيله عنها، ويَحُطُّه إلى رتبته ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه، وتكثر ذنوبه، ويصير مادحه هاجياً وواليه معادياً.
وأما العاقل: فهو أبدا من عقله في إرشاد، ومن وراءه في امداد، فقوله سديد وفعله حميد، فالعقل ينبوع / الأخلاق الفضيلة وأس الفضائل الكاملة، وأنشد بعض أهل الأدب [40/ب] وذكر أنها لعلي بن أبي طالب:
إن المكارم أخلاق مطهرة فالعقل أولها والدين ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والصدق ساديها والبر سابعها والصبر ثامنها والشكر تاسعها واللين عاشيها والنفس تعلم أني لا أصدقها ولست أرشد إلا حين أعصيها والعين تعلم في عين محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
فصل
وفي كتاب الغزالي: اختلف الناس في تفاوت العقل ولا معنى للاشتغال بنقل كلام من قد قل تحصيله بل [الأولى والأهم] (1) المبادرة إلى التصريح بالحق. قال: والحق الصريح [فيه] (2) أن يقال إن] (3) التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة المتقدمة (4) سوى القسم الثاني وهو العلوم الضرورية (5).
من جوازات الجائزات (6) واستحالة المستحيلات فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد، عرف أيضاً استحالة كون الجسم في مكانين في أمثالها من النظائر فالتفاوت يتطرق
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(2) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(3) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(4) ليست هذه الكلمة في الإحياء. (5) في الإحياء: وهو العلم الضروري. (6) في الإحياء: بجواز الجائزات. (1/53)
صفحة 54
38
مقدمة المؤلف
إليها)، وإلى هذا أشار عمروس بن فتح رحمه الله تعالى في كتابه.
وزعم أحمد بن الحسين مع من وافقه - هم الذين ذهبوا إلى ـ أن: العقول متساوية. وعلتهم في ذلك تساويهم في التكليف ولا معنى للاشتغال باحتجاجهم في ذلك. إذ من أنكر التفاوت في غريزة العقل فكأنه منخلع من ربقة العقل، ومن ظن أن عقل النبي صلى الله عليه وسلم مثل عقل بعض الجهال فهو أخس عقلاً من أولئك الجهال، وكيف ينكر تفاوت الغريزة العقلية، [1/ 41] ولولا ذلك لما اختلف الناس في فهم العلوم، ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم إلا / بعد
تعب طويل من المعلم وإلى ذكي يفهم بأدنى رمز وإشارة وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم. يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ (2).
(2)
وذلك مثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ إذ تتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير
تعلم ولا سماع ويعبر عن ذلك بالإلهام).
وكمثل المحدثين والمروعين كقوله عليه الصلاة والسلام: (إن لكل أمة محدثاً ومروعاً، فإن يكن فيكم فعمر».
والمحدث، والمروع: هو الذي يلقى في روعه وقلبه كأنه. يحدث.
وعن مثله عبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت
حتى تستكمل رزقها.
وقوله: إن روح) القدس نفث في روعي فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى به (4).
أحبب ما شئت فإنك مفارقه، وعش ما شئت
الله يبصر (5) والفراسة
وقوله عليه الصلاة والسلام: احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه بنور
معناها الظن الصادق وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
(1) العبارة الأخيرة مختصرة عن ما في الإحياء (87/ 1) باب بيان تفاوت النفوس في العقل.
(2) سورة النور الآية: 35. (3) راجع إحياء علوم الدين (88/ 1).
(4) قال العراقي في حمل الأسفار: رواه الشيرازي في الألقاب من حديث سهل بن سعد نحوه، والطبراني في الأصغر، والأوسط من حديث علي وكلاهما ضعيف (88/ 1).
(0) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلية (281/ 10) العجلوني في كشف الخفاء (43/ 1)، السيوطي في اللآلاء المصنوعة (177/ 2)، وفي الدر المنثور له أيضاً (103/ 4). (1/54)
صفحة 55
مقدمة المؤلف
39
عقل.
الألمعي الذي ظن بك الظن كان قد رأى وقد سمعا بأعقاب الأمور كأنما يرى بصواب الرأي ما قد وقعا الألمعي: الذي تلمع في عقله الأمور قبل أن تكون وهذا أمر ظاهر لا يخفى عن ذوي
بصير
وذكر الغزالي في كتابه: أن غريزة العقل في أول مبادئها مثل: نور يشرق على النفس عند سن التمييز، فلا يزال ينمو ويزداد إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، ومثاله نور الصبح فإن أوائله يخفى خفاء يشق إدراكه ثم يتدرج في الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس.
وبين
ذلك مدرك بين الأعمش
(1)
قال: وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر، والفرق في الحاد البصر، بل سنة الله عز وجل جارية في جميع ما خلق بالتدريج في الإيجاد حتى إن غريزة الشهوة لا تركز في الصبي دفعة، بل تظهر شيئاً فشيئاً / على التدريج وكذلك القوى والصفات (2).
جميع
قال: ويدل على تفاوت العقل من جهة النقل ما روي أن ابن سلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل فيه وصف عظم العرش، وأن الملائكة قالت يا ربنا هل خلقت شيئاً أعظم من العرش؟ قال: نعم العقل قالوا وما بلغ من قدره؟ قال هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل؟ قالوا: لا، قال عز وجل: فإني خلقت العقل أصنافاً شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبة ومنهم من أعطي حبتين ومنهم من أعطي الثلاث، ومنهم من أعطي الأربع ومنهم من أعطي فرقاً، ومنهم من أعطي وسقاً ومنهم أكثر
التوفيق.
من
ذلك (3)
وبالله
وتذكرنا العقل وأقسامه وحقيقته فلنرجع إلى ذكر العلم وتفاصيل أبوابه إن شاء الله
[42/ب]
تعالى.
(1)
في الأصل: الأعمى، والتصويب من الإحياء. (2) راجع الإحياء (87/ 1) بتصرف.
(3) حديث ضعيف قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (88/ 1) رواه ابن المحبر من حديث أنس
بتمامه، والترمذي الحكيم في النوادر مختصراً. (1/55)
صفحة 56
ذكر قنطرة العلم وتفاصيل أبوابها العشر
الباب الأول
في بيان فضل العلم
فأما بيان فضله فعلى خمسة أقسام من الكتاب والسنة، والآثار، والمعاني، والحسن. أما الكتاب: فآي كثيرة منها قوله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) (1).
فبدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثَلث بأولي العلم من عباده، فساواهم بنفسه وملائكته بواو التشريك تشريفاً وتعظيماً، فناهيك بهذا شرفاً وفضلاً، وجلالاً، ونبلاً وقوله تعالى: {شَهدَ الله .... الآية، والشهادة لا تكون إلا بالعلم دون الجهل والشك والظن قال الله تعالى: {إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (2).
درجات.
(3)
وقال تعالى: (يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (3). فقال أهل العلم: لحن الخطاب يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة والذين أوتوا العلم
وروي عن ابن عباس رضي الله / تعالى عنه أنه قال: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام.
وقوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (1). فقوله تعالى: من يشاء ولم يكتف بقوله: (خَيْراً) - حتى قال (كثيرا) وهذا نهاية في الفضل
والتعظيم.
(1) سورة آل عمران الآية: 18. (2) سورة الزخرف الآية: 86. (3) سورة المجادلة الآية: 11. (4) سورة البقرة الآية: 269.
[1/ 43] (1/56)
صفحة 57
قنطرة العلم
41
وقال سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (1) فمنع من المساواة بين
العالم والجاهل؛ لما خص به العالم من فضيلة العلم.
وقال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ)
فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمراً أو يفهم عنه زجراً.
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (3).
فأخبر سبحانه أنما يحصل له الخوف في قلوب العلماء خاصة لأنهم أعلم به دون الجهال.
(4)
وقال تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) ()
وقال جل وعلا: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ} (5).
تنبيهاً على أنه اقتدر عليه بقوة العلم. وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ (1) بين تعالى أن عظم قدرة الآخرة إنما يعلم بالعلم.
وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَبِطُونَهُ
(V) •
رد تعالى حكمه في الوقائع إلى استنباط أهل العلم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله تعالى، وقيل في قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ - يعني العلم - (وَرِيشاً) يعني اليقين وَلِبَاسُ التَّقْوَى (8). يعني: الحياء.
وقال تعالى: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ).
(1) سورة الزمر الآية: 9. سورة العنكبوت الآية: 43.
(2)
(3) سورة فاطر الآية: 28.
(4)
(0)
سورة الرعد الآية: 43.
سورة النمل الآية: 40.
(6) سورة القصص الآية: 80. (7) سورة النساء الآية: 83. (8) سورة الأعراف الآية: 26. (9) سورة الأعراف الآية: 7. (1/57)
صفحة 58
[44/ب]
42
قنطرة العلم
وقال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (1)
(2)
وقال: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (2) وإنما ذكر ذلك في معرض الامتنان.
وقال سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (3).
(4)
وقال: في الدنيا تحقيراً وتزهيداً فيها (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (1).
وقال: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً .... ) (5) أراد أصنافاً من المال مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (6) أي زينتها.
نهى نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينظر إلى الدنيا بعين الرغبة.
وقال له في العلم أمراً بالرغبة فيه والزيادة منه: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (7).
فلو كان معنى أفضل من العلم لأمره بالرغبة فيه والزيادة منه، فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق عليه وأفضلهم لديه؛ اختار له أفضل المعاني وأعزها وأشرفها وهو العلم.
وقال تعالى في فضل العلم في قصة موسى والخضر عليهما السلام: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِي حُقْباً) (8) مع ما انطوت عليه القصة من قطع البلاد في طلبه وركوب المشاق ولقاء النصب في سفره إلى علم يتعلمه بعد أن قال: أنا أعلم أهل الأرض.
فلما بلغ مجمع البحرين وجد الخضر عليه السلام فقال له موسي مستلطفاً: هَلْ أَتَّبِعُكَ
(1) سورة العنكبوت الآية: 49.
(2) سورة الرحمن الآيات: 1، 4.
(3)
(4)
سورة النساء الآية: 113.
سورة النساء الآية: 77.
(0) سورة طه الآية: 131.
(6) سورة طه الآية: 131. .
(7) سورة طه الآية: 114. (8) سورة الكهف الآية: 60، 67. (1/58)
صفحة 59
قنطرة العلم
عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (1) فكان من قصتهما ما ذكره الله تعالى في كتابه.
43
وقال أيضاً في فضله في قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد وتفقد الطير فقال: ما لي لا أَرَى الْهُدْهُدَ. ... ) (2) إلى قوله: (أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ .. 200 3) إلخ.
(3)
القصة توعده لما تفقده بالعذاب الشديد أو بالذبح فلما أتاه قال: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ به .... )). إلى قوله: (مِنَ الْكَاذِبِينَ) (5).
(1)
فلا معنى أعز وأشرف من العلم فلا يختاره الله إلا لأحب الخلق إليه وأكرمهم عليه، وغير ذلك من الآي كثير في كتاب الله تعالى ـ تركناها مخافة التطويل)
فصل
(1)
/ وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها ما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم [1/ 45] أنه قال: «طلب العلم عند الله أفضل من الصلاة والصيام والحج والعمرة، والجهاد في
سبيل الله.
درهم،
وقال عليه الصلاة والسلام: إذا حضرت الجنازة وحضر مجلس العلم فإذا كان للجنازة من يحضرها ويدفنها فإن حضور مجلس العلم أفضل من حضور ألف جنازة، وعيادة ألف مريض، ومن صلاة ألف ركعة ومن قيام الليل، ومن صيام ألف وصدقة ألف يوم، ألف حجة سوى حجة الفريضة، ومن ألف غزوة سوى غزوة الفريضة تغزوها في سبيل الله تعالى بمالك ونفسك، فأنفع من هذه المشاهد مَنْ شهد مجلس العلم، أما علمت أن الله يطاع بالعلم ويعبد بالعلم، فخير الدنيا والآخرة مع العلم وشر الدنيا والآخرة مع الجهل». فقال رجل: وقراءة القرآن يا رسول الله.
ومن
فقال عليه الصلاة والسلام: ويحك ما قراءة (2) القرآن بغير علم، وما الحج بغير علم، وما الجهاد بغير علم، أما بلغك أن السنة تقضي على القرآن والقرآن لا يقضي على السنة».
(1) سورة الكهف الآية: 66.
(2) سورة النمل الآية: 20.
(3) سورة النمل الآيات: 21، 22، 27.
(4) سورة النمل الآيات: 21، 22، 27.
(5) سورة النمل الآيات: 21، 22، 27.
(6) راجع إحياء علوم الدين (5/ 1: 6).
(7) في الأصل: «قرأت) وهو خطأ. أما بالنسبة للحديث فعلامات الوضع عليه بادية لائحة لا تحتاج إلى بحث. (1/59)
صفحة 60
44
قنطرة العلم
وعنه عليه الصلاة والسلام قال العلم بالتعلم والخير عادة، والشر لجاجة، ومن
يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ويلهمه رشده».
وعنه أنه قال: «العلماء ورثة الأنبياء».
ومعلوم
أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة وعنه عليه
الصلاة والسلام من طريق جابر بن زيد أنه قال: ليوم واحد من العالم الذي يعلم الناس العلم، أفضل عند الله من عبادة العابد مائة سنة، وأن العالم الذي يعلم الناس يستغفر له أربعة أشياء: [46/ب] الملائكة في السماء، والطير في الهواء، والهوام في البر والحيتان في البحر، وأن / العالم الواحد أشد على إبليس من ألف مؤمن عابد وأي شرف يزيد على شرف من تشتغل ملائكة السماء، ودواب الأرض به فهو مشغول بنفسه، وهم مشغولون بالاستغفار له.
ومن طريق أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «للأنبياء على العلماء فضل
درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة.
وروي عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً
وترفع المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك».
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: التفقه في الدين حق على كل مسلم ألا تتعلموا أو علموا أو تفقهوا أو لا تموتوا جهالاً».
فقه في
وروى سلمان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين
الفقه.
وروى أبو أمامة قال: فسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن رجلين: أحدهما عالم والآخر عابد فقال عليه الصلاة والسلام فضل العالم على العباد كفضلي على أدناكم
رجلاه.
أبو أيوب الأنصاري قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: باب واحد يتعلمه المؤمن خير له من عبادة سنة، وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل عليه السلام، وأن طالب العلم، والمرأة المطيعة لزوجها، والولد البار لوالديه يدخلون الجنة مع الأنبياء بغير حساب».
وعن الوضاح بن عقبة قال: حفظ مسألة خير من عبادة ألف سنة. (1/60)
صفحة 61
قنطرة العلم
45
ومن كتاب الضياء قال: حفظ مسألة من سائر مسائل العلوم خير من عبادة سنة. وقال أبو محمد: حفظ مسألة تعدل عبادة ستين سنة، وهي التي على الإنسان فرض ثل التوحيد، وما لا يسع جهله.
قال: ومن نسخ العلم ليتعلمه ويحفظه فهو أفضل من الصوم والصلاة بعد أداء الفرض وتعليم / باب أفضل من. مائة ركعة. ومن كتاب حياة القلوب قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «باب من العلم يتعلمه له الرجل خير من الدنيا لو كانت لقمة في كفه فوضعها في الآخرة (1).
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: خير دينكم أيسره وخير عبادتكم الفقه. وعنه عليه الصلاة والسلام من طريق جابر بن زيد رضي الله عنه أنه قال: «خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت و [ا] (2) فقه في الدين (3). ولا تشكن في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننت وسيأتي معنى الفقه ـ إن شاء الله تعالى ـ وأدنى درجات الفقه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا. وهذه المعرفة إذا صدقت وغلبت عليه برأته من النفاق والرياء - إن شاء الله تعالى -. وعنه عليه الصلاة والسلام قال: أفضل الناس المؤمن العاقل الذي إذا احتيج إليه نفع، وإن استغنى عنه أغنى نفسه.
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزيته الحياء، وثمرته
العلم (4).
(1) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (9/ 1) رواه ابن حبان في روضة العقلاء، وابن عبد البر موقوفاً على الحسن البصري ولم أره مرفوعاً إلا بلفظ: خير له من ألف ركعة» رواه الطبراني في الأوسط
(3)
بسند ضعيف من حديث أبي ذر. (2) ما بين المعقوفين من الترمذي. قال الترمذي (2684): هذا حديث غريب، ولا نعرف هذا الحديث من حديث عوف إلا من حديث هذا الشيخ خلف بن أيوب العامري، ولم أر أحداً يروي عنه غير أبي كريب محمد بن العلاء ولا أدري كيف قلت: هو ضعيف ضعفه يحيى بن معين. وقال ابن حجر في التقريب: فقيه من أهل الرأي ضعفه
هو.
يحيى بن معين، ورمى بالإرجاء (225/ 1).
(4) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (6/ 1) رواه الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي الدرداء
بإسناد ضعيف.
[1/ 47] (1/61)
صفحة 62
[48/ب]
قنطرة العلم
وقيل أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام أتخذ نعلين من حديد وعصا من حديد واطلب العلم حتى تنكسر العصا وتنخرق النعلان.
وعنه أنه قال: «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد فأما أهل العلم فدَلُّوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل (1). وعنه قال: «موت قبيلة أيسر من موت عالم (2).
(Y),
وروي عنه الله و أنه قال: من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حظه ووضعه في غير منزلته
التي وضعه الله فيها حيث قال: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (3)).
وقال عليه الصلاة والسلام فضل العلم خير من فضل العبادة. وإنما كان كذلك، لأن العلم يبعث على فضل العبادة، وأما العبادة لا تكون عبادة مع
خلوها من العلم.
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهواه (1).
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: يوزن يوم القيامة مداد العلماء، الشهداء (ه). ودم وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَنْ حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة حتى يؤديها إليهم كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة، ومن حمل على أمتي أربعين حديثاً لقي الله عز وجل فقيهاً عالما (6).
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله همه ورزقه من
حيث لا يحتسب (7).
(1) قال العراقي في المغني (6/ 1): رواه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف. (2) قال العراقي في المغني (6/ 1) رواه الطبراني، وابن عبد البر من حديث أبي الدرداء، وأصل الحديث
عند
أبي الدرداء. (3) سورة الإسراء الآية: 85.
(4) قال العراقي في المغني: (6/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(0) قال العراقي في المغني (6/ 1): رواه ابن عبد البر من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف. (6) قال العراقي في المغني: (7/ 1) رواه ابن عبد البر في العلم من حديث ابن عمر، وضعفه. (7) قال العراقي في المغني: (7/ 1) رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي بإسناد
ضعيف. (1/62)
صفحة 63
قنطرة العلم
47
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم
الشهداء (1).
فأعظم برتبة تتلو النبوة وتعلو فوق الشهداء مع ما ورد من فضل الشهادة.
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: يبعث العباد يوم القيامة ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم (2) رواه الغزالي في كتابه.
(r),
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قيل له: يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «العلم بالله سبحانه». قيل: أي الأعمال تريد يا رسول الله؟ قال: «العلم بالله سبحانه». فقيل: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم؟ فقال: إن قليل العمل ينفع مع العلم، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل (3). وقال عليه الصلاة والسلام: عمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل». وعنه عليه الصلاة والسلام قال: أوحى الله إلى إبراهيم / عليه السلام أني عليم أحب [1/ 49] كل عليم (1).
وعنه أنه قال: «العالم أمين الله في الأرض (5).
وقال عليه الصلاة والسلام: (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس: الأمراء
والفقهاء (6).
وعنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا أتى عليّ يوم لا ازداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم
(V),
(1) قال العراقي في المرجع السابق: رواه ابن ماجه من حديث ابن ماجه من حديث عثمان بن عفان بإسناد
ضعيف.
(2) قال العراقي في المرجع السابق: (8/ 1) رواه الطبراني من حديث أبي موسى بسند ضعيف. (3) قال العراقي في الموضع السابق: رواه ابن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف.
(4) قال العراقي في المغني: (7/ 1) رواه ابن عبد البر تعليقاً، ولم أظفر له بإسناد. (0) وفي المرجع والموضع السابق: قال رواه ابن عبد البر من حديث معاذ بسند ضعيف. (6) وقال في الموضع والمرجع السابق: رواه ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس بسند ضعيف. (7) وقال في الموضع والمرجع السابق: رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، وابن عبد البر في = (1/63)
صفحة 64
48
قنطرة العلم
وعنه عليه السلام قال: فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وفضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي (1). فانظر كيف جعل العلم مقارناً لدرجة النبوة؟ وكيف حط رتبة العقل المجرد عن العلم؟!
وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ولولاه لم تكن عبادة. وعنه عليه السلام أنه قال: فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد، سبعون درجة (2). وفي حديث آخر: بين العالم والعابد مائة درجة ما بين كل درجتين حضر أسرع الجواد
المضمر سبعين
سنة (3)
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سائلوه كثير معطوه وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل (4).
سنة.
وروى الغزالي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: نظرة إلى العالم أحب إلي من عبادة
وعنه عليه السلام أنه قال: «ألا أدلكم على أشرف أهل الجنة»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هم علماء أمتي». وأمثال هذا الحديث كثيرة.
وأما الآثار: فروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالعدل قبل أن يرفع، ورفعه أن تهلك رواته فوالذي نفسي بيده ليؤذن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء، أن [50 / ب] يبعثهم / الله علماء لما يرون من كرامتهم وأن أحداً لم يولد عالماً وإنما العلم بالتعلم
العلم من حديث عائشة بإسناد ضعيف.
(0)
(1) وقال في الموضع والمرجع السابق: رواه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال حسن صحيح. (2) وقال في الموضع والمرجع السابق: رواه ابن عدي من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، ولأبي يعلى
نحوه من حديث عبد البر بن عوف.
(3) قال العراقي في المغني: (8/ 1) رواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث ابن عمر، عن أبيه،
وإسناده ضعيف.
(4) وقال في المصدر السابق: رواه الطبراني من حديث حزام بن حكيم عن عمه وقيل: عن أبيه وإسناده
ضعيف.
(5) راجع إحياء علوم الدين (9/ 1). (1/64)
صفحة 65
قنطرة العلم
49
وعن الحسن أنه قال: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء وقال الحسن في قوله عز وجل: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (1).
قال: هي العلم والعبادة، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ) (2) قال: هي الجنة.
وقال مصعب بن الزبير لابنه: تعلم العلم فإن كان لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن
لك مال كان لك مالاً (3).
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه يا بني تعلموا العلم فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطاً سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم. وقيل لبعض الحكماء: أي الأشياء يقتنى؟ قال: الشيء الذي إذا غرقت سفينتك سبح معك ـ يعني العلم - وقيل: أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت
(4)
وقال بعض الحكماء: العلم شرف لا نديم له، والأدب مال لا خوف عليه. وقال بعضهم: من اتخذ الحكمة لجاماً، اتخذه الناس إماماً، ومن عرف بالحكمة
لاحظته العيون بالوقار"
(0)
•
وقال بعض البلغاء: تعلم العلم فإنه يقومك، ويسددك صغيراً، ويقدمك ويسودك كبيراً، ويصلح زيغك وفسادك ويرغم عدوك وحاسدك ويقوم عوجك وميلك ويصحح همتك وأملك. وقال بعض العلماء من شرف العلم أن كل من نسب إليه ولو في شيء صغير فرح،
ومن دفع عنه حزن.
وقال كميل بن زياد أخذ بيدي علي بن أبي طالب فأخرجني إلى ناحية الجبانة، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال لي: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير. يا کميل احفظ
مني
ما أقول: لك الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة
وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.
(1)
(2)
سورة البقرة الآية: 201.
سورة البقرة الآية: 201.
(3) راجع الإحياء (9/ 1).
(4) راجع الإحياء (9/ 1). (0) راجع الإحياء (9/ 1). (1/65)
صفحة 66
قنطرة العلم
وقال: إن هاهنا لعلماً جماً ـ أي كثير - وأشار بيده إلى صدره، لو أصبت له حملة بلى
[1/ 51] قد أصبت لفناء غير مأمون ويستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ويستظهر. بحجج الله / وبكتابه وينعمه على معاصيه، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إنجائه، يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق؟ إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بكلام بدعته، بدله فيها بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن، بعبادته وأن من الخير كله من عرفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف دينه وإن من أبغض خلق الله إليه: عبداً وكله الله إلى نفسه إلا لا ذا ولا ذاك، أو من هو متهوم باللذات سلس القيادة إلى الشهوات، أو مغرماً بجمع الأموال والإدخار، منقاداً لهواه، وليس من دعاة الدين أقرب شبهاً به الأنعام السائمة. كذلك يموت العلم بموت حامله ثم قال: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله عز وجل بحججه إما ظاهراً مشهوراً، وإما خفيّاً مغموراً لثلا تبطل حجج الله وميثاقه بكم، وأين أولئك الأقلون عدداً الأعظمون قدراً؟ بهم يحفظ الله حججه حتى يؤديها في قلوب أشباههم، يا كميل: العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق، يا كميل صحبة العالم دين يدان الله به تكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.
[1/ 52]
يا کميل: مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم من الأرض، مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستأذنوا ما استودعوه منه المترفون، وأنسُوا بما استوحش منه الجاهلون.
صحبوا الدنيا بإدبار بل بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.
يا كميل: أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه هاه شوقاً إلى رؤيتهم
(1)
وقال أيضاً: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد وإذا مات العالم / ثلم في الإسلام
ثلمة لا يسدها إلا خلف مثله.
وقال أيضاً نظماً هو أو غيره:
الناس من قبل التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
(1) ذكره الغزالي في الإحياء مختصراً (8/ 1). (1/66)
صفحة 67
01
قنطرة العلم وإن يكن لهم في أصلهم نسب يتفاخرون به فالطين والماء لا فخر إلا لأهل العلم إنهم هم الهداة لمن استهدى أدلاء الناس موتى وأهل العلم أحياء الناس مرضى وهم فيهم أطباء الناس أرض وأهل العلم فوقهم سنا ونوراً فما في النور ظلماء قل للذي يدعي في العلم معرفة علمت شيئاً وغابت عنك أشياء ووزن کل امراء ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء وضد كل امرء ما كان يجهله وللرجال على الأفعال أسماء (1) وقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك (2).
وقال علي: قيمة كل امراء ما كان يحسنه وقيل لبزرجمهر: العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم قيل: ما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء، ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنعفة المال وجهل الأغنياء بفضل العلم.
وقيل لبعض الحكماء لم لا يجتمع العلم والمال قال: لعز الكمال.
وقال ابن المعتز في منثور الحكم العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالماً.
وهذا صحيح، ولأجله انصرفوا عن العلم وأهله انصراف الزاهدين وانحرفوا عنه انحراف المعاندين لأن من جهل شيئاً عاداه، قال الله سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (3). وقال: {إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنَّكَ قَدِيمٌ) (1).
(4)
ولذلك قال يحيى بن خالد لابنه: يا بني عليك بكل نوع من العلم فإن المرء عدوّ ما
جهل وأنا أكره / أن تكون عدو الشيء من العلم.
تفنن وخذ من كل علم فإنما يفوق امرؤ في كل فن له علم فأنت عدو للذي أنت جاهل وبه وبالعلم أنت تتقنه سلم
(1) ذكره الغزالي في الإحياء مختصراً (8/ 1).
(2) راجع المرجع السابق. (3) سورة يونس الآية: 39. (4) سورة الأحقاف الآية: 11.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 5
[53/ب] (1/67)
صفحة 68
02
من
قنطرة العلم
وسئل ابن المبارك من الناس؟ فقال: العلماء. فقيل: من الملوك؟ قال: الزهاد. قيل: السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير أهل العلم من الناس
(1)
وقال بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من
أدرك العلم.
وقال فتح الموصلي: أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت؟ قالوا: بلي. قال: كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة ثلاثة أيام يموت.
ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبه حياته كما أن غذاء الجسد الطعام، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم، ولكنه لا يشعر به، إذ حُب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه، كما أن غلبة الخوف قد تبطل إحساس ألم الجرح في الحال، وإن كان واقعاً، فإذا حط الموت عنه أثقال الدنيا أحس بهلاكه وتحسر تحسراً لا ينفعه كإحساس المفيق عن سكر بما أصابه من الجراحات في حالة السكر أو الخوف، فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء؛ فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتهبوا
(2)
وأنشد يقول:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله جسامهم قبل القبور قبور
وإن امرء لم يحي بالعلم ميت فليس
حتى النشور نشور
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: خُيّر سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك معه
(3)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس عليكم بالعلم فإن الله سبحانه [1/ 54] رداء يحبه فمن يطلب باباً من / العلم رداه الله.، بردائه فإن أذنب ذنباً استعتبه [ثلاث مرات] (4) لثلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب [حتى يموت] (5).
(1) في الإحياء قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين، ولم يجعل غير العالم من الناس (8/ 1).
(2) راجع الإحياء مختصراً (8/ 1، 9) بتصرف.
(3) راجع المصدر السابق.
(4) المصدر السابق وما بين المعقوفين منه.
(0) المصدر السابق وما بين المعقوفين منه. (1/68)
صفحة 69
53
قنطرة العلم
وعن
ذل يصير
(2)
الأحنف بن قيس قال: كاد العلماء أن يكونوا أرباباً فكل عز لم يؤكده (1) علم فإلى
وفي وصايا لقمان لابنه قال: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما. الأرض بوابل السماء (3). يحيي
(4)
وقال بعض العلماء: إذا مات العالم بكي) الحوت في الماء والطير في الهواء، ويفقد وجهه ولا ينسى ذكره
(0)
قال: ووقف بعض المتعلمين بباب عالم ثم نادى تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرساً، ولا يسقم نفساً، فأخرج له طعاماً ونفقة. فقال: فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم إني طالب هدى لا سائل، ندا فأذن له العالم وأفاده من كل ما سأل، فرحاً وهو يقول: علماً أوضَحَ لَبْساً. خير من مال أغنى نفساً.
فصل
جذلاناً فخرج
وأما فضل العلم من جهة المعاني والعقل، أما من جهة المعاني فوجوه كثيرة أيضاً وذلك أن الله سبحانه قال في كتابه: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (6).
فقللها وصغرها مع أن العقلاء والناس عليها يقتتلون كل القتال وفيها ينافسون كل التنافس، وعَظَّم العلم وجعله خيراً كثيراً، فإذا كان هذا القليل الفاني يتنافسون فيه الناس هذا التنافس، ويقتتلون عليه هذا القتال ويطلبونه هذا الطلب.
فهذا المعنى الذي شرفه الله وعظمه وجعله خيراً كثيراً أولى بالتنافس فيه وشدة الحرص عليه والطلب له إذ فيه عز الدنيا والآخرة والحياة الأبدية والنجاة في العاجل والأجل وأيضاً فإنه سبب النجاة من المهلكات في الدنيا والآخرة؛ لأن المعاصي فيها الهلاك في الدنيا والآخرة والطاعة / فيها النجاة في الدنيا والآخرة، ولا يتوصل إلى معرفة الطاعة والمعصية إلا بالعلم. [55/ب]
(1) في الإحياء يوطد بعلم.
(2) في الإحياء: مصيره، راجع (9/ 1).
(3) راجع المصدر السابق.
(4) في الإحياء: بكاه.
(0) المصدر السابق. سورة النساء الآية: 77
(6) (1/69)
صفحة 70
54
قنطرة العلم
والدليل على فضل العلم من جهة العقل أيضاً أن العلم سبب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى أن أغنياء جهال العرب والعجم يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لمشايخهم لإختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان؛ لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها.
وأما في الآخرة فمعلوم أن العلم وسيلة إلى السعادة الأبدية، وذريعة إلى القرب من رب العالمين وأعظم الأشياء في حق الآدمي ما هو وسيلة إلى ذلك، ولن يتوصل إلى القرب منه عز وجل إلا بالعمل والعلم ولا يتوصل إلى كيفية العمل إلا بالعلم؛ فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال.
وسئل ابن المبارك عن الناس فقال: العلماء، ولم يجعل غيرهم من الناس؛ لأن الخاصية
التي يميز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم.
فقيل للإنسان إنسان بما هو شريف من أجله وليس ذلك بقوة شخص؛ فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمة؛ لأن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعة فإن السبع أشجع منه ولا بكثرة الأكل، ولا بقوة شهوة الجماع فإن أخس الطيور أقوى سفاداً منه بل لم
منه،
فإن الجمل أوسع بطناً. يخلق إلا للعلم وبالله التوفيق.
وأما من جهة المحسوس فإن هذه الصنائع كلها التي جعل الله فيها قوام النفوس والأبدان
من: بناء وحراثة وخياطة إلى غير ذلك من أسباب المنافع لو جهل الناس ذلك كله لاختل [56/ 1] أمرهم ومعاشهم وانعدمت المنافع وهلك الجميع / ثم رأينا هذا الإنسان العالم بالصنعة يكتسب منها الخير ويجلب بها منافع كثيرة والجاهل بالصنعة لا يجلب منفعة قد تعطل من جميع المنافع وضاع واحتاج واختل أمر معيشته ودينه فلا يستوي مَنْ علم شيئاً مع من جهله قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ()
(1).
وأيضاً فإن الكلب المعلم قتله للصيد ذكاة له وإباحة لأكله، وغير المعلم يجيف الصيد
ويفسده فيحرم أكله.
وكذلك العالم العامل إنما تصح عبادته بعلمه والجاهل لا تصح عبادته، لإنه عمل
(1) سورة الزمر الآية: 9. (1/70)
صفحة 71
قنظرة العلم
هه
بالجهل فأجاف العبادة وأفسدها كما أن الكلب غير المعلم أجاف الصيد وأفسده فحرم أكله،
وغير ذلك من المعاني المحسوسة في فضل العلم كثير وبالله التوفيق.
الباب الثاني
وفي هذا الباب فصلان:
في فضل التعلم والتعليم
الأول: في فضل التعلم، أما الآيات فقد قال الله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (1) إلى قوله: {وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ (2) الآية. وذلك فيما وجدت في الأثر: أن الناس في عهد النبي عليه السلام يخرجون جميعاً في الجهاد فنزلت هذه الآية حثاً منه تعالى في التعلم أن يقيم بعضهم بعضاً، ويغزوا بعضهم فتقدم الغزاة فيخبرهم القاعدون بما أحدث الله على نبيه عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ .... (3) الآية.
(3)
(4)
وقال تعالى أيضاً: فَاسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (4) وأما الأحاديث الواردة في التعلم فكثيرة كقوله عليه السلام من طريق جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين (5).
والصين أقصى بلاد التوحيد فلما / أوجب طلب العلم بالصين دلَّ أن طلبه فيما دون [57/ب]
ذلك أأكد وأوجب.
ومن طريقه عنه عليه السلام أنه قال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما
يطلب (6).
قال الربيع عن أبي عبيدة رحمهم الله: وضع الأجنحة من الملائكة بدل من رفع الأيدي
في الدعاء.
(1)
(2)
سورة التوبة الآية: 122.
سورة التوبة الآية: 122. (3) سورة التوبة الآية: 122.
(4) سورة النحل الآية: 43.
(5) قال العراقي في حمل الأسفار (9/ 1) رواه ابن عدي والبيهقي في المدخل والشعب من حديث أنس. وقال البيهقي: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة.
(6) وفي المرجع السابق: رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه من حديث صفوان بن عسال. (1/71)
صفحة 72
قنطرة العلم
ومن طريق أبي هريرة عنه عليه السلام قال: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله
له طريقاً إلى الجنة (1).
وعنه عليه السلام من طريق جابر بن زيد أنه قال: من تعلم العلم الله عز وجل وعمل به يوم القيامة آمناً ويرزقه الورود على الحوض».
حشره الله
وعنه عليه السلام قال: «لأن تغدو فتتعلم باباً من العلم خير من أن تصلي مائة
ركعة (2)
وعنه عليه السلام قال: باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها (3).
وعنه عليه السلام قال طلب العلم فريضة على كل مسلم بالغ.
وعنه عليه السلام قال: «العلم خزائن ومفاتحه السؤال [الا] (4) فاسئلوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والعالم، والمستمع والمحب لهم (ه).
وعنه عليه السلام قال: لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه (6).
وفي حديث أبي ذر: حضور مجلس العلم أفضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ألف مريض وشهود ألف جنازة (7). فقيل يا رسول الله: ومن قراءة القرآن؟ فقال: وهل ينفع
القرآن إلا بالعلم»؟.
(1) المصدر السابق بنحوه قال: رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
(2) المصدر السابق وقال: رواه ابن عبد البر من حديث أبي ذر وليس إسناده بذاك، والحديث عن ابن ماجه
(3)
بلفظ آخر.
المصدر السابق وقال: رواه ابن حبان في روضة العقلاء، وابن عبد البر موقوفاً على الحسن البصري ولم أره مرفوعاً إلا بلفظ: خير له من مائة ركعة. رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث أبي ذر. (4) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين ((101) وعلق عليه العراقي بقوله: رواه أبو نعيم من حديث علي مرفوعاً بإسناد ضعيف.
(5) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (10/ 1) وعلق عليه العراقي بقوله: رواه أبو نعيم من حديث على مرفوعاً بإسناد ضعيف. (6) قال العراقي في المغني: (10/ 1) رواه الطبراني في الأوسط، وابن مردويه في التفسير، وابن السني، وأبو | نعيم في رياضة المتعلمين من حديث جابر بسند ضعيف. (7) قال العراقي في المغني (101): ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من حديث عمر، ولم أجده من
طريق أبي ذر. (1/72)
صفحة 73
قنطرة العلم
ov
وعنه عليه السلام قال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة (1).
وأما الآثار فروي عن أبي الدرداء أنه قال: لئن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (2).
وقال أيضاً: العالم والمتعلم شريكان في الأجر (3)، وسائر الناس همج لا.
خير
وقال أيضاً: كن في الدنيا عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك (5).
(4)
فيهم"
وقيل لكسرى / أنوشروان: ما بالكم لا تستفيدون من العلم شيئاً إلا زادكم عليه حرصاً؟ [1/ 58] قال: لأنا لا نستفيد منه شيئاً إلا ازددنا بعظم منفعته علماً. قيل: ما بالكم لا تأنفون من التعلم من كل أحد؟ قال: لعلمنا أن العلم نافع من حيث أخذ.
وعن سعيد بن جبير قال كنت عند ابن عباس جالساً إذ أتاه أهل التفسير فسألوه، وآتاه
أهل القرآن فقرأوا عليه فأخذ عليهم بالإعراب.
ثم جاءه أهل الحلال والحرام فسألوه، ثم جاء أهل العربية فسألوه فأخبرهم، حتى جاءه قوم من أهل فارس فسألوه عن رستم واستبندياد فأخبرهم بحديثهم، فقمت إليه فقبلت رأسه فقلت: يا ابن عم رسول الله عليه السلام ما على الأرض أعلم منك! فتبسم.
وعن ابن عباس قال: ذللت طالباً فعززت مطلوباً.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت ابن عباس يقول: والله لربما مررت بالآية من كتاب الله عز وجل في جوف الليل فلا أعرف فيمن نزلت، فأخذ ثوبي، ثم أتي المسجد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقظ الرجل منهم وأسأله فيمن نزلت آية كذا وكذا؟ فإن لم أجد عند واحد منهم أتيت آخر، كذلك أمر عليهم جميعاً، وربما غدوت علهيم فأمر بالمهاجرين فأسألهم، فإن لم أجد عندهم أتيت الأنصار فأتبعهم رجلاً رجلاً. حتى أجد حاجتي.
حتى
(1) وفي المرجع السابق قال: رواه الدارمي، وابن السني في رياضة المتعلمين من حديث الحسن، فقيل هو
ابن علي، وقيل هو ابن يسار البصري، فيكون مرسلاً.
(2) راجع إحياء علوم الدين (10/ 1). (3) في الإحياء الموضع السابق: «الخير». (4) راجع إحياء علوم الدين (10/ 1). (5) راجع المصدر السابق. (1/73)
صفحة 74
58
قنطرة | رة العلم
وكان فيما بلغنا ينام على أبواب الصحابة في الهواجر حتى يلفح وجهه للتعلم منهم، وكان له قلب عقول ولسان سئول حتى فاق أهل زمانه علماً وفقهاً ويسمونه البحر لما فيه من كثرة فنون العلم.
ويقال لأنه قعد ذات يوم مع أصحابه فقال لهم: اسألوني ما دون السماء السابعة والأرضين [59/ب] السفلى فأخبركم به؛ ولذلك قال ابن أبي مليكة ما رأيت مثل ابن عباس إذا رأيته / رأيت أحسن الناس وجهاً فإذا تكلم فأعرب الناس لساناً وإذا أفتى فأكثر الناس علماً.
ولما مات قال جابر بن زيد: دفن اليوم ربَّاني هذه الأمة.
وقال بعض العلماء: تعلموا فإذا تعلمتم فاعملوا وعلموا وقال: فإذا تعلمتم علماً فأكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك ولا يباطل فتمجه القلوب.
وقال بعض الحكماء لبنيه: تعلموا العلم؛ فإن لم تنالوا به في الدنيا حظاً فلان يذم الزمان لكم خير من أن يذم بكم. وعن الأصمعي أنه قال: رآني أعرابي في البادية وأنا أطلب العلم، فقال: يا أخا الحضر عليك بلزوم ما أنت فيه؛ فإن العلم زين في المجالس وصلة للإخوان وصاحب في الغربة ودليل على المروءة ثم أنشأ يقول شعراً:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو العلم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل الأبيات المشهورة، قال: ورآني أعرابي أكتب كل ما أسمع فقال: ما أنت إلا الحفظة،
تكتب لفظ اللفظة.
قال ورآني أعرابي آخر، وأنا أكتب كل ما أسمع، فقال: أنت حتف الكلمات الشاذة. قال بعضهم: رأى رجل أعرابي: رجلاً من قريش يطلب الأدب، فقال له: اطلب
الأدب؛ فإنه دليل على المروءة، وزيادة في العقل، وصلة في المجلس وأنشد شعراً: كان للدهر خدنا في تصرفه أهدت له صفوة الأيام تجريباً من كانوا خلوا من الآداب سربله كر الليالي مع الأيام تدريباً
من
ويقال الأدب نوعان: أدب درس، وأدب نفس وهو أفضلهما وأنشد يقول: (1/74)
صفحة 75
قنطرة العلم أدب المـ
كلح
م ودم ما حواه جسد إلا صلح
لوو
واحد
فصل
ألف ألف من ذوي الجهل رجح
59
ويروى أن النبي عليه السلام جاءه رجل من مراد يقال له: صفوان بن غسان المرادي وهو متكيء على مرد له أحمر في المسجد فقال له: يا رسول الله جنت اطلب العلم، فقال: «مرحباً يا طالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة، وتسكنه بأجنحتها، يركب بعضهم بعضاً حتى تبلغ قوائم العرش يستغفرون له ويصلون عليه ويترحمون عليه لفرحهم بما يطلب، صلوات الله عليهم.
أبو أمامة الباهلي عنه عليه السلام قال: «يا أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع وقبل أن يقبض، فالعالم والمتعلم كهذه وهذه - وجمع بين أصبعيه الوسطى والتي تليها شريكان في
الأجر».
وعنه عليه السلام قال: «مَنْ خرج من بيته يريد مسجدي هذا لا يريد إلا ليتعلم خيراً أو يعلمه كان كمنزلة المجاهد في سبيل الله. قال: وسمعنا عنه عليه السلام أنه كان يقول: إن الموت إذا جاء طالب العلم على هذه
الحالة مات شهيداً.
وعنه عليه السلام قال: إذا جلس العالم على فراشه فنظر في علمه ساعة كان أفضل من عبادة المؤمن عاماً.
وعنه عليه السلام قال: كونوا علماء صالحين، فإن لم تكونوا علماء صالحين فجالسوا العلماء واسمعوا علماً يدلكم على الهدى ويردكم عن الردى».
وعن معاذ بن جبل أنه قال في التعلم والتعليم: تعلموا العلم فإن تعلمه الله خشية وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح والبحث عليه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على [الدين والمصبر على] (1) السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء (2)، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله تعالى به
(1) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (12/ 1).
(2)
في الأصل:
: النساء والتصويب من المصدر السابق. (1/75)
صفحة 76
قنطرة العلم
[61/ب] أقواماً فيجعلهم في الخير / قادة [سادة] (1) هداة يقتدى بهم، أدلة في الخير تقتفى (2) آثارهم،
وقوة
وترمق أعمالهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفرون لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمات (3) الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار، ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته تعدل (4) بالقيام به يطاع الله عز وجل، وبه يعبد، وبه يوحد، ويه يعمل له)، وبه يحمد، وبه يتورع، و به توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل، تابعه يلهمه الله تعالى السعداء ويحرمه الأشقياء (6).
الفصل الثاني: في التعليم
أما الآيات: قال الله تعالى: {وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (7) والمراد بذلك هو
التعليم والإرشاد.
وقال سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِبْنَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (8)
في هذه الآية إيجاب التعليم.
وقوله عز وجل: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لِيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (9) وهو تحريم الكتمان. كما قال تعالى في الشهادة: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ أَيْمٌ قَلْبُهُ (10). وقال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً) (11).
(1) في الأصل: «النساء والتصويب من المصدر السابق.
(2) في الإحياء: «تقتص» «أفعالهم. في الإحياء: الظلم.
(4) هذه العبارة ليست في الإحياء، وكذا قوله: في الدنيا والآخرة.
(5) لم ترد هذه الكلمة في الإحياء.
(11)
(6) الأثر في إحياء علوم الدين ((12/ 1، (13) مرفوع، وقال العراقي بهامشه: رواه أبو الشيخ ابن
حبان في كتاب الثواب وابن عبد البر وقال: ليس له إسناد قوي.
(7) سورة التوبة الآية: 122. (8) سورة آل عمران الآية: 187.
(9) سورة البقرة الآية: 146. (10) سورة البقرة الآية: 283. (11) سورة فصلت الآية: 33. (1/76)
صفحة 77
[1/ 62]
61
قنطرة العلم
وقال تعالى: {وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (1) الآية.
وقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ (2) الآية.
وأما الأحاديث: فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما آتى الله سبحانه عالماً علماً إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذه من النبيين أن يبينه للناس ولا يكتمه (3).
وعنه عليه السلام لما بعث معاذ رضي الله تعالى عنه إلى اليمن قال: «لأن يهدي الله سبحانه بك رجلاً / واحداً خير ا لك الدنيا وما فيها (4).
من
وقال عليه السلام فيما حكي عنه من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقا (5).
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من علم وعمل وعلم) فذلك الذي يدعى عظيماً في ملكوت السماوات والأرض.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: «إذا كان يوم القيامة، يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين: ادخلوا الجنة، فيقول العلماء: بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا، فيقول الله عز وجل: أنتم عندي كبعض ملائكتي اشفعوا تشفعوا، وفيشفعون (7) ثم يدخلون الجنة». وهذا إنما يكون للعالم المتصدي للتعليم لا اللازم الذي لا يتصدى
(A)
يؤتيهم
وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس بعد أن إياه، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، وكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم، حتى إذا لم
(1)
سورة الجمعة الآية: 2. (2) سورة النحل الآية: 125.
(3) قال العراقي في حمل الأسفار (10/ 1) رواه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود
بنحوه، وفي الخلعيات نحوه من حديث أبي هريرة. (4) المصدر السابق (10/ 1، (11) وقال: رواه أحمد من حديث معاذ، وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أنه قال ذلك لعلي. (5) المصدر السابق وقال: رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. (6) في الأصل: «أو». والتصويب من إحياء علوم الدين (11/ 1). (7) في الأصل: اشفعوا فيشفعوا ويشفعون». والتصويب من إحياء علوم الدين (11/ 1)، وقال العراقي في المغني بهامشه: رواه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
(8)
في الإحياء بالعلم المتعدّي بالتعليم لا العلم اللازم الذي لا يتعدى به. (1/77)
صفحة 78
62
قنطرة العلم
يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون (1). وعنه عليه السلام قال: من كتم علماً علمه الله إياه ألجمه الله بلجام من نار يوم
القيامة (2).
وعنه عليه السلام: نعم العطية ونعم الهدية كلمة حكمة تسمعها فتنطوي عليها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها، تعدل عبادة سنة (3).
وعنه عليه السلام أنه قال: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير (4).
إياه.
(0)
النملة في
وعنه عليه السلام قال: ما أفاد المسلم أخاه فائدة أحسن) من حديث حسن بلغه فبلغه
وعنه عليه السلام قال كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعمل بها ويعلمها خير له من
عبادة سنة (6)
وروي
ذات
أنه عليه السلام خرج يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله عز وجل [63/ب] / ويرغبون إليه، والثاني: يعلمون الناس، فقال: أما هؤلاء فيسألون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما بعثت معلماً». ثم عدل إليهم فجلس
معهم
(1)
(7)
وعنه عليه السلام أنه قال: مثل ما بلغني بل بعثني الله عز وجل به من العلم والهدى،
قال العراقي في المغني: (11/ 1) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو. (2) قال العراقي في الموضع والمصدر السابق رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة قال الترمذي حديث حسن.
(3) المصدر السابق وقال: الحديث رواه الطبراني من حديث ابن عباس نحوه بإسناد ضعيف. (4) المصدر السابق وقال: رواه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال: غريب وفي نسخة حسن. (0) في الإحياء، والمغني: «أفضل»، وقال العراقي في المصدر السابق الحديث ـ ذكره ـ ابن عبد البر من رواية محمد بن المنكدر مرسلاً نحوه ولأبي نعيم من حديث عبد الله بن عمرو: «ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردي». (6) قال العراقي في المغني: (11/ 1) رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق من رواية زيد بن أسلم مرسلاً نحوه، وفي مسند الفردوس من حديث أبي هريرة بسند ضعيف: كلمة حكمة يسمعها الرجل خير له من
عبادة سنة.
(7) وقال العراقي في المصدر والموضع السابق رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف. (1/78)
صفحة 79
قنطرة العلم
63
كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت الماء فنفع الله سبحانه به الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة قيعاناً لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً (1).
فالأول: ذكره. مثلاً، للمنتفع بعلمه والثاني: للنافع، والثالث: للمحروم منه. وعنه عليه السلام قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به. . . . (2) الحديث.
وعنه عليه السلام قال: الدال على الخير كفاعله (3).
وقال: على خلفائي رحمة الله قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: لا تمنعوا العلم أهله؛ فإن في ذلك فساد دينكم، والتباس بصائركم، ثم قرأ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...... ) (5)
الآية».
وعنه عليه السلام قال: «إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
النطق ينهض بالفتى ما لم يكن عي يشينه والعلم أجمل بالفتى من كل منفعة تزينه
وأما الآثار: فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: من حدَّث بحديث فعمل به فله مثل أجر ذلك العمل (7).
(1) وقال في المصدر السابق (12/ 1) متفق عليه من حديث أبي موسى.
(2) وقال فيه أيضاً رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (3) وفيه أيضاً: رواه الترمذي من حديث أنس وقال غريب، ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي مسعود البدري بلفظ من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
(4)
وفيه أيضاً: رواه ابن عبد البر في العلم والهروي في ذم الكلام من حديث الحسن، فقيل: هو ابن علي، وقيل: ابن يسار البصري فيكون مرسلاً ولابن السني وأبي نعيم في رياضة المتعلمين من حديث عليّ
نحوه.
(5) سورة البقرة الآية: 159. (6) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1). (1/79)
صفحة 80
البحر
(1)
قنطرة العلم
وعن ابن عباس رضي الله عنه: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في
وقال بعض / العلماء: العالم يدخل بين الله تعالى وبين خلقه فلينظر كيف يدخل (2). وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت له: ما أبكاك؟ قال: ليس أحد يسألني عن شيء (3). وقال بعض السلف: العلماء سرج الأزمنة، كل واحد منهم مصباح
(3)
عصره
(4)
زمانه، يستضيء به أهل. وقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم، يعني يخرجون الناس بالتعليم من
حد البهيمة إلى حد الإنسانية (5).
من
النفقة
في
وقال بعض مشايخنا رحمهم الله: مَنْ مشى إلى العالم، فإنه يوزن له سبعة أميال من ستة جهات، فإن مات في ذلك مات شهيداً. قال: والنفقة في طلب العلم أفضل الجهاد. وقال: والنظر في الكتاب عبادة. قال: وإن وقف له حرف فكان في ترديده فإنه في ذلك الوقت كالمتشحط بدمه في سبيل الله ونفسه في ذلك الوقت تسبيح، وتقليبه الورقات كالمتقلب من نزعة إلى نزعة في سبيل الله. وحكي عن عكرمة قال: إن لهذا العلم ثمناً. قيل: وما هو؟ قال: أن تضعه فيمن يحسن
حمله ولا يضيعه.
وعن يحيى بن معاذ قال: العلماء أرحم بأمة محمد عليه السلام من آبائهم وأمهاتهم. قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة (6). وبالله التوفيق.
فصل
وينبغي للإنسان بل يجب عليه فرضاً أن يتعلم دينه؛ لأن بمعرفة دينه والعمل به يستوجب
(1) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1).
(2) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1). (3) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1). راجع المصدر السابق.
(5) راجع المصدر السابق.
(6) راجع المصدر السابق.
(1/ 64] (1/80)
صفحة 81
قنطرة العلم الرضوان من ربه ويجهله يستوجب النيران من خالقه، إذ لا تصح عبادة وفاعلها يجهل صفة أدائها ولم يعلم شروط أجزائها، ولذلك قال عليه السلام عمل قليل في علم خير من عمل
كثير في جهل».
ويقال: ركعتان من عالم أفضل من / عبادة الجاهل سنة، ومسألة من العالم خير من [65/ب] عبادة الجاهل سنة.
وذكر عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم رحمه الله أنه اجتاز على معلم في بلد تنومات، وهو يريد التعلم عند أبي الربيع سليمان اللالوتي رحمه الله فقال له المعلم: أين تريد؟ فأخبره فقال له: جيد يا بني جيد الدنيا كلها ظلمة إلا العلم والعالم فيها ركعتان من عالم خير من عبادة الجاهل ستين سنة، وعبادة الجاهل كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح.
الله: وقال بعض مشايخنا رحمهم من لم تكن فيه خصلة. من خصال ثلاث فحياته كسائر الناس، والبهائم توطين النفس على الحج، كفعل جابر بن زيد رحمه الله، واظب عليه حتى حج أربعين حجة.
وتوطين النفس على الشرى في سبيل الله كفعل أبي بلال مرداس بن جدير رحمه الله. والثالث: توطين النفس على طلب العلم وإفادته كفعل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
رحمه الله مكث في التعليم أربعين سنة ثم مكث بعد ذلك في تعليمه أربعين سنة أخرى. وروي عن أبي يوسف مجدول التنزغتي أنه مكث في التعلم بعدما ولد خليل ابنه ثمان عشرة سنة، ويقال: أنه فقد في طلب العلم اثنتين وثلاثين سنة خمس عشرة سنة عند أبي محمد الكباوي وسبع عشرة سنة عند أبي محمد الدرفي.
وأن أبا زكريا الجناوي رحمه الله: مكث في التعلم اثنتين وثلاثين سنة، والله أعلم.
وقال بعض الحكماء: الناس ثلاثة قدوة ومقتد، والثالث لا يفلح.
وقال الأزدي: الناس ثلاثة عالم مرتفع ومتعلم منتفع وما سواهما منتقع. وعن علي عن النبي عليه السلام قال: ما انتعل عبد قط ولا تخفف، ولا لبس ثوباً ليغدو في طلب العلم إلا قد غفر له حيث يخطو عتبة باب بيته.
ويقال: اطلبوا العلم فإن نعمة الجاهل كروضة على مزبلة. وقال / بعض العلماء: كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحاً.
[66/ب] (1/81)
صفحة 82
66
وقال: اطلبوا العلوم (1) من مظانها أي من مواضعها التي يظن بها.
ويقال: أول العلم الصمت ثم الاستمتاع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره
(2)
قنطرة
وقال: علم علمك من يجهله، وتعلّم ممن يعلم، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت (3).
وقال عطاء: مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: موت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه.
وقال بعض العلماء: طلب العلم أفضل من النافلة.
وقال أبو الدرداء: من رأى أن الغدو إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حكمة فهو
يقضي بها، ويعلمها [الناس] (4) ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق (5). وأما الدليل على فضيلة التعلم والتعليم من شواهد العقل ومن كتاب الغزالي: فإنه لما
كان العلم أفضل الأشياء كان تعلمه طلباً للأفضل، وكان تعليمه للغير إفادة الأفضل لغيره. وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام في الدين إلا بنظام الدنيا، لأن الدنيا مزرعة للآخرة، وهي المطية والآلة الموصلة إلى الله تعالى لمن اتخذها آلة ومطية، ومنزلاً لمن اتخذها مستقراً ووطناً وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين وحرفهم
وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:
أحدها: أصول لا قوام للخلق إلا بها وهي أربعة:
أحدها: الزراعة للمطعم.
والثاني: الحياكة وهي للملبس.
(1) في الأصل العلم فاستبدلت الكلمة بما يناسب السياق.
(2) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1).
(3) راجع إحياء علوم الدين (12/ 1).
(4) ما بين المعقوفين من المصدر السابق.
(5) قال العراقي في المغني: (12/ 1): الحديث متفق عليه من ابن مسعود. (1/82)
صفحة 83
قنطرة العلم
والثالث: البناء وهو للمسكن.
الرابع: السياسة وهي / للتآلف والاجتماع والتعاون.
الثاني: ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها كـ:
الحدادة تخدم الزراعة وجملة من الصناعة وكالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة
بإعداد عملها.
الثالث: ما هي متممة للأصول ومزينة كـ:
الطحانة والخبز للزراعة، وكالقصارة وكالخياطة للحياكة.
وذلك بالإضافة إلى قوام الحيوان الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إليه فإنها ثلاثة: إما أصول: كالقلب والكبد والدماغ.
وإما خادمة له: كالمعدة والعروق والشريانات والأعصاب.
وإما مكملة لها ومزينة: كالأظفار والأصابع والحاجبين.
وأشرف هذه الصناعات أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح، ولذلك يستخدم لا محالة صاحب صناعة السياسة سائر الصناع.
والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة
تنقسم على أربعة مراتب:
الأولى: وهي العليا سياسة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وحكمهم على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم.
الثانية: سياسة الخلفاء والملوك والسلاطين على الخاصة والعامة جميعاً ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم.
الثالثة: سياسة العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على باطن الخاصة فقط ولا يرتفع فهم العامة إلى الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع.
الرابع: سياسة الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط.
وأشرف هذه السياسات الأربع بعد سياسة النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن
قناطر الخيرات ج/ 1/ 6
[1/ 67] (1/83)
صفحة 84
قنطرة العلم
[68/ب] الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى / الأخلاق المحمودة السعيدة المنجية وهو المراد بالعلم. قال: وإنما قلنا إن هذا شرف من سائر الصناعات لأن شرف الصناعات يدرك بثلاثة أمور. إما بالإلتفات إلى غريزة العقل التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العلوم العقلية على اللغوية. إذ تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع والعقل أشرف من السمع.
[69/ب]
"
وأما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة، إذ محل أحدها الذهب ومحل الآخر الميتة.
وليس يخفى أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما يدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان؛ إذ به قبل العبد أمانة الله عز وجل، وبه يصل إلى جوار الله سبحانه وأما عموم النفع فلا يستراب فيه، إذ ثمرة منفعته سعادة الآخرة.
وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنسان وأشرف جزء من شخص الإنسان قلبه، والمعلم مشتغل بتكميله وتحليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من جوار الله سبحانه فتعليم العلم من وجه عبادة الله تعالى، ومن وجه خلافة الله عز وجل وهو أجل خلائفه؛ لأن الله سبحانه قد فتح على قلب العالم خزانة العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن لأنفس خزائنه ثم هو مأذون في الإنفاق على كل محتاج إليه (1).
فأي رتبة أجلُّ من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين كل خلقه في تقريبهم إلى الله
عز وجل وسياقتهم إلى جنة المأوى. وبالله التوفيق.
الباب الثالث
في فرض العين
اعلم أن كل العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال / ولذلك قال النبي عليه السلام من ظن أن العلم غاية بخسه حظه ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله تعالى بها حيث يقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (2)).
(1) راجع إحياء علوم الدين (13/ 1، 14) بتصرف يسير.
(2) سورة الإسراء الآية: 85. (1/84)
صفحة 85
قنطرة العلم
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَام إلى قوله: {مَا نَفِدَتْ
كَلِمَاتُ اللَّهِ) (1).
وقال بعض الحكماء: ولو كنا نطلب العلم لتبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بالنقيصة، ولكننا نطلبه لننقص كل يوم من الجهل ونزداد كل يوم من العلم.
وقال بعض البلغاء: المتغمق في العلم، كالسابح في البحر ليس يرى أرضاً ولا يعرف طولاً ولا عرضاً، وينشد:
يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي والناس ما بين معموم ومخصوص شيء في هذه الدنيا تحيط به إلا إحاطة منقوص بمنقوص
فإذا لم يكن إلى معرفة جميع العلوم سبيل وجب صرف الاهتمام إلى معرفة أهمها والعناية بأولاها وأفضلها وأولى العلوم وأوجبها على الإنسان علم دينه؛ لأن الناس بمعرفته يرشدون وبجهله يضلون لقوله عليه السلام: طلب العلم فريضة على كل محتلم.
وفي حديث آخر: «على كل مسلم».
وقوله: «اطلبوا العلم ولو بالصين».
وفي كتاب الغزالي قال: اختلف الناس في العلم الذي هو فريضة على كل مسلم وتحزبوا فيه أكثر من عشرين فرقة.
قال: ولا نطول فيه بذكر التفصيل ولكن حاصله أن كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده (2). فقال المتكلمون: هو علم الكلام؛ إذ به يدرك التوحيد وتعلم ذات الله
وصفاته.
وقال الفقهاء: هو علم الفقه؛ إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام، وما يحرم من المعاملات وما يحل، وعُنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النادرة.
وقال المفسرون والمحدثون: هو علم القرآن والسنة؛ إذ بهما / يتوصل إلى العلوم [1/ 70]
كلها.
(1)
(2)
سورة لقمان الآية: 27.
في الأصل: بصددها. والتصويب من الإحياء. (1/85)
صفحة 86
قنطرة العلم
اللفظ
وقال بعض المتصوفة: هو علم العبد بحاله ومقامه من الله عز وجل. وقال بعضهم: هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان. وقال بعضهم: هو علم الباطن وذلك على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك وصرفوا
عن عمومه.
وقال أبو طالب المكي: هو العلم بما يتضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام (1). وهو قوله: «بني الإسلام على خمس (2).
لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفية العمل فيها وكيفية الوجوب والحق في هذا أن العلم المفروض على الإنسان الذي. هو القطب وعليه المدار وهو في الجملة ينقسم إلى
ثلاثة أقسام: اعتقاد وفعل وترك.
ما لا أما علم الاعتقاد: وهو علم التوحيد، وجميع يسع جهله كل عاقل عند حال بلوغه بالاحتلام أو بالسنين، ومعرفة فرائض القلب من الإخلاص والنية والتوبة والخوف والرجاء والتوكل والتفويض والرضا والصبر، وما يسلم به العمل على ما سيأتي إن شاء الله. ومعرفة الشرك وما ينفي به عن الله تعالى ما لا يليق من صفات خلقه، إذ أورد ذلك على
قلبه أو سئل عنه.
وكذلك يجب عليه معرفة دواعي الشر من الرياء والحسد والعجب والكبر وغير ذلك من مذموم أحوال القلب فإزالتها فرض عين ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة حدودها وأسبابها، ومعرفة علاجها فإن من لا يعرف الشر يقع فيه.
وأما الفعل فنعني به فعل الفرائض البدنية كالطهارة والصلاة والصوم، والفرائض
المالية من الزكاة والكفارات والنفقات، وغيرها وما لا يمكن فعله منها إلا بالبدن والمال [71/ب] كالحج والجهاد فهذه الفرائض إذا تعين فعلها / على العبد بدخول أوقاتها والتمكن لأدائها وجب عليه معرفة كيفية الإتيان بها.
مثل أن يعيش من ضحوة النهار إلى دخول وقت الظهر فيتجدد عليه معرفة الطهارة
والصلاة.
(1) راجع إحياء علوم الدين (14/ 1، 15).
(2) قال العراقي في المغني: (15/ 1) متفق عليه من حديث عمر. (1/86)
صفحة 87
[1/ VY]
قنطرة العلم
وهكذا بقية الصلوات، فإن عاش إلى رمضان تجدد بدخول وقته تعلم الصوم وهو
71
أن
ما
يعلم أنّ وقته من الصبح إلى غروب الشمس، وأن الواجب فيه النية والإمساك عن جميع ينقض الصوم واستكمال طرفي المفترض عنه، وهو أن يصام لرؤية الشهر ويفطر لرؤيته. فإن كان له مال عند بلوغه أو دخل في ملكه ما تجب فيه الزكاة لزمه معرفة ما يجب عليه عند تمام الحول وأدائه إلى أهله. وكذلك الحج إذا وجب عليه بشروطه، لكن لا تجب عليه المبادرة عند دخول أشهر
الحج؛ لأنه على التراخي في قول بعضهم فلا يكون علمه على الفور. ولكن ينبغي للعلماء أن ينبهوه على أن الحج فرض على من ملك الزاد والراحلة
وحصلت له الاستطاعة بالكمال.
(2)
وأنه على التراخي في قول بعضهم حتى ربما يرى الحزم لنفسه في المبادرة. فعند ذلك إذا عزم عليه، لزمه تعلم كيفية الحج وأركانه وواجباته دون نوافله، فإن تعلم ذلك، وتعلم النفل [فعلمه أيضاً] (1) نفل (2). وكذلك الجهاد إذا تعين عليه وذلك بأن يكون إماماً ومنظوراً إليه، لا يقوم فرض الجهاد إلا به، وهكذا بالتدريج في تعلم سائر الأفعال التي هي فرض عين.
وأما الترك: فنعني به ترك المعاصي بجميعها ظاهراً أو باطناً فيجب عليه تركها، ولا تضيق عليه معرفتها، أما خلا الشرك فإنه مضيّق عليه علمه ولا يسعه جهله. وأما غير الشرك من جميع الحرام فإنه يسعه جهله ما لم يرتكبه أو يتولى من ركبه أو يتبرأ ممن تبرأ منه أو وقف
وهذا معنى قول أصحابنا رحمهم الله: العلوم ثلاثة:
علم لا يسع جهله طرفة عين: كالتوحيد والشرك.
وعلم يسع جهله إلى الورود مثل صفة من / صفات الله تعالى إذا وردت عليه أو نبي أو ملك قامت به الحجة عليه.
:
قدمنا ذكره.
ومثل الفرائض الموسومات الأوقات كالصلاة والصوم وما قد
(1) ما بين المعقوفين زيادة من الإحياء لاستقامة وتوضيح السياق. (2) راجع الإحياء (15/ 1) وهو بتصرف كبير. (1/87)
صفحة 88
72
قنطرة العلم
والثالث: علم ما يسع جهله أبداً كقسمة المواريث ودقائق الربا وأرش الجراحات، وما أشبه ذلك. يسع جهل ذلك ما لم يبتلى بالعمل ويتقول على الله فيه الكذب. وبالله التوفيق. وأما إذا أتى بالتوحيد فمات قبل أن يجب عليه فرض أو يرتكب محرماً أو يعتقد بدعة
.
فقد مات على الإسلام إجماعاً فتبين بما قلنا أن قوله عليه السلام: اطلبوا العلم .. أن المراد به العلم بالله والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله والحشر والجنة والنار في سائر ذلك من وظائف التوحيد والعلم بالعبادات والفرائض حتى تؤديه بالكمال، والعلم بالمعاصي حتى لا تمتثل؛ لأن الإنسان في مجاري أحواله في يومه وليلته لا يخلو من وقائع في
عبادته ومعاملاته.
فيلزمه السؤال عن كل ما يقع من النوازل والمبادرة إلى تعلم ما يتوقع وقوعه على القرب غالباً. فإذن إنما أراد بالعلم المعرف بالألف واللام في قوله عليه السلام: «طلب العلم
فريضة.
أنه
I . . . .
علم العمل الذي هو مشهور الوجوب على المكلف لا غير، وقد اتضح وقت التدريج
في وقت وجوبه. وبالله التوفيق.
فصل
اعلم أن العلم والعمل جوهران لأجلهما كان جميع ما ترى وما تسمع من تصنيف المصنفين، وتعليم المعلمين.
بل لأجلهما أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، بل لأجلهما خلقت الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتِ إلى قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِ شَيْءٍ عِلْما) (1). فكفى بهذه الآية دليلاً على أشرف العلم لا سيما علم التوحيد. وقال عز من قائل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونَ (2). فكفى بهذه الآية
[73/ب] / دليلاً على شرف العبادة ولزومها.
(2)
فَاعْظِمْ بأمرين هما المقصود من خلق الدارين فحق على العبد ألا يشتغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما ولا ينظر إلا فيهما واعلم أن ما سواهما من الأمور باطل لا خير فيه ولغو لا
(1) سورة الطلاق الآية: 12. (2) سورة الذاريات الآية: 56. (1/88)
صفحة 89
قنطرة العلم
73
حاصل له، فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما ولذلك قال عليه السلام: فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي.
وعنه عليه السلام قال: ألا أدلكم على أشرف أهل الجنة». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هم علماء أمتي».
وعنه عليه السلام قال: «نظرة إلى العالم أحب إليَّ من عبادة سنة صيامها وقيامها». وروى هذا الحديث الغزالي في كتابه وقد ذكرنا في فضل العلم ما فيه كفاية، فبان لك أن العلم أشرف جوهراً من العبادة، ولكن لا بد للعبد من العبادة، وإلا كان عمله هباء منثوراً؛ فإن العلم بمنزلة الشجرة، والعبادة ثمرة من ثمارها والشرف للشجرة إذ هي الأصل، لكن الانتفاع إنما يكون بالثمرة فإذن فلا بد للعبد من كلا الأمرين يكون له منهما حظ
ونصيب.
كما قيل عن الحسن البصري أنه قال: اطلبوا هذا العلم طلباً ولا تضروا بالعبادة، واطلبوا هذه العبادة طلباً لا تضروا بالعلم.
ولما استقر أنه لا بد للعبد منهما جميعاً فالعلم أولى بالتقديم لا محالة؛ لأنه الأصل
والدليل ولذلك قال عليه السلام: العلم إمام العمل، والعمل تابعه.
وإنما صار العلم أصلاً متبوعاً فيلزمك تقديمه على العبادة لأمرين:
أحدهما لتحصل لك العبادة وتسلم، فإنه أحق من يجب أن تعرفه أولاً المعبود عز وجل ثم تعبده فكيف تعبد من لا تعرفه باسمه وصفات ذاته، وما يجب له وما يستحيل عليه في عز وجل؛ لأنه ربما تعتقد فيه شيئاً مما خالف الحق فتكون عبادتك هباء منثوراً، ثم
صفاته
يجب عليك أن تعلم ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية لتفعل ذلك على ما أمرت به وتعلم ما يلزمك تركه من المناهي / لئلا تقع في شيء من ذلك وأنت جاهل بتحريمه فتكون غير [1/ 74]
معذور؛ لأنه كيف تقوم بطاعات لا تعرف ما هي؟ وكيف هي؟ وكيف يجب أن تفعل؟ وكيف تتجنب المعاصي وأنت لا تعلم أنها معاصي حتى لا توقع نفسك فيها؟ ولذلك قال عليه السلام: عمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل».
فاعلم أن بناء أمر العبادة كلها على العلم، ولا سيما علم التوحيد والعبادة الباطنة. وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام فقال: يا داود تعلم العلم النافع.
: (1/89)
صفحة 90
[75/ب]
74
قنطرة العلم
فقال: إلهي وما العلم النافع؟ قال: أن تعرف جلالي وعظمتي وكبريائي وكمال قدرتي على كل شيء؛ فإن هذا هو الذي يقربك إليَّ.
واعلم أن الخطر العظيم فيمن طلب العلم ليصرف به وجوه الناس إليه، ويجالس به الأمراء، أو يباهي به النظراء ويتصيد به الحطام، فمن كان كذلك فتجارته بائرة وصفقته خاسرة. وقال بعض السلف: عملت بالمجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئاً أشد من العلم وخطره. وإياك أن يزين لك الشيطان فتقول: إذا كان العلم بهذه الحالة. من الشدة والخطر فتركه أولى وإياك أن تظن ذلك.
فقد ذكر الغزالي في كتابه عن النبي عليه السلام قال: اطلعت ليلة المعراج عن النار فرأيت أكثر أهلها الفقراء قالوا يا رسول الله من المال؟ قال: «لا، بل من العلم». فمن لم يتعلم العلم لا يتأتى له أحكام العبادة والقيام بحقوقها، ولو أن رجلاً عَبد الله
تعالى بعبادة الملائكة بغير علم لكان من الخاسرين.
هكذا ذكرت العلماء وقد قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَتَكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ..... )
إلى قوله: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعام (1).
وقال تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (2).
وقال سبحانه: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (3) الآية. فشمّر أيها المسترشد - أيدك الله - في طلب العلم / بالبحث والجد، والاجتهاد، واجتنب الكسل والملال والإقامة على خطر الضلال، ووفقنا الله سبحانه وإياك للعلم النافع والعمل به. وبالله التوفيق.
الباب الرابع
في العلم الذي هو فرض كفاية
ذكر الغزالي في كتابه فقال: اعلم أن الفرض لا يتميز من غيره إلا بذكر أقسام العلم، ثم
(1) سورة الكهف الآية: 104.
(2) سورة الزمر الآية: 47. (3) سورة المجادلة الآية: 18. (1/90)
صفحة 91
[1/ 76]
Yo
قنطرة العلم قال: والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى: شرعية، وغير شرعية. قال: وأعني بالشرعية: ما يستفاد من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ولا يرشد العقل إليه، وذلك مثل الحساب ولا ترشد التجربة إليه: مثل الطلب ولا السماع مثل: اللغة. قال: والعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى: ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى
ما هو مباح.
فالمحمود ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب. قال: وذلك ينقسم إلى: ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
قال: وأما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في أمر قوام الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الإنسان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها، فهذه هي العلوم التي لو خلا بها البلد عن من يقوم بها خرج أهل البلد،
وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن ا الآخرين.
قال: ولا تتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفاية.
قال: فإن أصول الصناعات من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة فإنه لو خلا البلد عن الحجام لسارع الهلاك إليهم وخرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله.
قال: وأما ما يعد فضيلة لا فريضة، فالتعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه / ولكنه يفيد زيادة قوة (1) في القدر المحتاج إليه.
مجراه.
قال: فأما المذمومة: فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعوذة، والتلبيسات. قال: وأما المباح منه: فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار وما يجري
وقال: وأما العلوم الشرعية: وهي المقصودة بالبيان فهي محمودة كلها.
قال: ولكن قد يلتبس بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة، وتنقسم إلى:
(1) في الأصل: «قبره» والتصويب من الإحياء. (1/91)
صفحة 92
76
قنطرة العلم
المحمودة، والمذمومة. قال: فأما المحمودة فلها أصول وفروع، ومقدمات، ومتممات
فهي أربعة أضرب:
الضرب الأول: الأصول وهي أربعة كتاب الله وسنة نبيه، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة رضي الله عنهم، فالإجماع أصل من حيث أنه يدل على السنة، وهو أصل في الدرجة الثانية، وكذلك الأثر: فإنه يدل أيضاً على السنة؛ لأن الصحابة قد شاهدوا الوحي والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم، وذلك بشرط موجود على وجه مخصوص.
الضرب الثاني: الفروع وهو ما فهم من هذه الأصول، لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبهت لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره، كما فهم من قوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان (1). إنه لا يقضي إذا كان حاقناً أو جائعاً أو
متألماً بمرض، وهذا على ضربين:
أحدهما أن يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه فن، الفقه والمتكفل به الفقهاء، وهم من
علماء الدنيا.
والثاني:: ما يتعلق بالآخرة: وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المذمومة والمحمودة، وما هو مَرْضِيٌّ عند الله وما هو مكروه، وكنحو العلم بما يترشح من القلب على الجوارح في
عباداتها وعاداتها.
الآلات، الضرب الثالث المقدمات وهو الذي يجري مجرى كعلم اللغة والنحو فإنهما آلة لعلم كتاب الله سبحانه وسنة نبيه عليه السلام وليس اللغة والنحو من العلوم الشرعية ولكن لزم الخوض فيهما بسبب الشرع؛ إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب، وكل شريعة فلا تظهر إلا بلغة، فيصير تعلم تلك اللغة آلة.
الآلات: ومن
تصور استقلال الحفظ
الغالب ضرورياً.
علم الكتابة والخط، إلا أن ذلك ليس ضرورياً، إذ كان النبي أُميا، ولو
ما بجميع يسمع لاستغني عن الكتابة ولكنه صار بحكم العجز في
الضرب الرابع المتممات وذلك في علم القرآن تنقسم إلى ما يتعلق باللفظ، كعلم
(1) قال العراقي في المغني: (17/ 1) متفق عليه من حديث أبي بكرة. (1/92)
صفحة 93
قنطرة العلم
VV
القراءات، ومخارج الحروف، وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير، فإن اعتماده أيضاً على النقل إذ اللغة بمجردها لا تستقل به، وإلى ما يتعلق بأحكامه: كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والباطن والظاهر في أمثال ذلك، وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ويتناول السنة أيضاً.
وأما المتممات في الآثار والأخبار: فالعلم بالرجال وأسمائهم ولا سيما في الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة والعلم بأحوالهم لتمييز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمالهم لتمييز المرسل من المسند، وكذلك ما يتعلق به.
قال: فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفاية.
قال: فإن قلت فلم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فأعلم أن الله تعالى أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من دافق فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة والنار. فهذا مبدأهم: وهذه غايتهم، وهذه منازلهم وخلق الدنيا زاداً للميعاد ليتناول منها / ما يصلح للتزود فلو [78/ب] تناولها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم يتناولونها بالشهوات فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به.
،
فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذ تنازعوا بحكم الشهرات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم؛ لتنتظم باستقامتهم
أمورهم في الدنيا.
ولعمري هو متعلق أيضاً بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا؛ فإن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا والمُلك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان. وطريق الضبط في فصل الخصومات الفقه، فكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو معين على ما لا يتم الدين إلا به فكذلك معرفة طريق السياسة فمعلوم أن الحج لا يتم إلا بمذرقة (1) تحرس من العرب في الطريق. ولكن الحج شيء، وسلوك الطريق إلى الحج شيء، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفة طريق الحراسة وحمايتها وقوانينها شيء رابع.
(1) في الإحياء ببذرقة. (1/93)
صفحة 94
VA
قنطرة العلم
و حاصل فن الفقه: معرفة طريق السياسة، والحراسة، ويدل على ذلك ما مسنداً: روي «لا يفتي للناس إلا ثلاثة: أمير، ومأمور، ومتكلف (1).
فالأمير هو الإمام، وكانوا هم المفتون والمأمور، نائبه والمكلف غيرهما، وهو الذي
(2)
يتقلد تلك العهدة من غير حاجة، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عنه حتى يحيل كل واحد منهم على صاحبه.
كان
وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة / ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الألف من الصحابة، ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا بضعة عشر رجلاً، وكان ابن عمر منهم، وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس ووضعها في عنقه. إشارة إلى أن الفتوى في القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي»؛ فإن من يتقلد خطر الفتوى وهو غير متعين
للحاجة فلا يقصد به إلا طالب الجاه والمال.
فإن قلت: هذا إن استقام لك في الأحكام والحدود والجراحات والغرامات، فلا
يستقيم لك في العبادات من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك من الحلال والحرام. فاعلم أن أقرب ما يتكلم فيه الفقيه من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام، والصلاة،
والحلال والحرام.
وإذا تأملت منتهى نظر الفقيه علمت أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة فإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر.
أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وما يفسد وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، أما القلب فخارج عن ولاية الفقيه، لعزل رسول الله لأرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال: هلا شققت عن قلبه (3) الذي قتل من تكلم بكلمة الإسلام. معتذراً بأنه قال ذلك من خوف السيف. بل الفقيه يحكم بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته، ولم يرفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة، ولكنه ميسر على
(1) قال العراقي في المغني (18/ 1) رواه ابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ لا
يقص على الناس، وإسناده حسن.
(2) في إحياء علوم الدين (18/ 1): يحترزون عن الفتوى.
(3) قال العراقي في المغني: (19/ 1) رواه مسلم من حديث أسامة بن زيد.
[1/ 89] (1/94)
صفحة 95
79
قنطرة العلم صاحب السيف؛ فإن السيف ممتد إلى رقبته واليد ممتدة إلى ماله وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله ما دامت له رقبة ومال وذلك في الدنيا، ولذلك قال عليه السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (1).
جعل أثر ذلك من الدم والمال، وأما الآخرة فلا تنفع فيها الأقوال بل أنوار / القلوب [80/ب] وأسرارها وأخلاقها، وليس ذلك في فن الفقه، وإن خاض الفقيه فيه كان خائضاً في غير فنه، كما لو خاض في الكلام والطب كان خارجاً عن فنه.
وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة، أي ما يفعله المصلي يحصل به إمتثال صيغة الأمر بالصلاة، وينقطع به عنه القتل والتعزير إذا أتى بصورة الأعمال مع الشروط الظاهرة وإن كان صلاته إلا عند تكبيرة الإحرام وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة، كما أن القول
غافلاً
في جميع باللسان لا ينفع ولكن الفقيه يفتي بالصحة.
وأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر فلا يتعرض له الفقيه، ولو تعرض له كان خارجاً عن فنه.
وأما الزكاة: فالفقيه ينظر إلى ما يقطع مطالبة السلطان حتى إنه إذا امتنع فأخذها السلطان قهراً حكم بأنه برئت ذمته.
كما حكي أن أبا يوسف كان يهب ماله لزوجته في آخر الحول ويستوهب مالها لإسقاط الزكاة، فحكي ذلك لأبي حنيفة فقال: ذلك من فقهه، وصدق ذلك من فقه الدنيا ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل خيانة، ومثل هذا العلم هو الضار.
أما الحلال والحرام فالورع عن الحرام من الدين ولكن الورع له أربع مراتب: الأولى الورع: الذي يشترط في عدالة الشهود، وهو الذي يخرج بعدمه الإنسان عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر البيَّن.
الثانية ورع الصالحين وهو التوقي في الشبهات التي تتقابل فيها الإحتمالات قال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2). وقال: «الإثم حزاز القلوب (3).
(Y),
(1) قال العراقي في المصدر السابق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، وعمر، وابن عمر. (2) في العراقي في المصدر السابق رواه الترمذي وصححه، والنسائي وابن حبان من حديث الحسن بن علي. (3) وقال في المصدر نفسه: رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن مسعود، ورواه العدني في مسند = (1/95)
صفحة 96
80
قنطرة العلم
الثالثة
ورع المتعين:
: وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف منه أن يؤدي إلى الحرام، قال
(1) ,
عليه السلام: «لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ مخافة ما فيه من البأس وذلك مثل التورع عن التحدث بأحوال الناس خيفة من أن يجر ذلك إلى / الغيبة، والتورع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر وكالتورع عن النظر المؤدي إلى مقارفة المحظورات.
الرابعة ورع الصديقين: وهو الإعراض عما سوى الله عز وجل، خوفاً من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله تعالى، وإن كان يعلم ويتحقق أن ذلك لا يفضي
إلى حرام. فهذه درجات الورع، وهي كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة الأولى، وهو ورع الشهود والقضاة، وما يقدح في العدالة والقيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة، وقال عليه السلام الوابصة: استفت قلبك يا وابصة وإن أفتوك، وأفتوك، وأفتوك (2).
والفقيه لا يتكلم في حزازة القلوب وكيفية العمل بها، بل فيما يقدح في العدالة فقط، فإذن جميع نظر مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة، فإن تكلم في الإثم، وصفات القلب، وأحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل.
كما قد يدخل في كلامه شيئاً من الطب والحساب والنحو وعلم الكلام، وكما قد تدخل الحكمة في النحو والشعر.
الآخرة،
قال: وكان سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر يقول: إن طلب هذا ليس من زاد رة، وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم ليعمل به فكيف يظن أنه علم اللعان والظهار والسلم والإجارة والصرف؟
ومَنْ تعلم هذه الأمور ليتقرب بتعاطيها إلى الله تعالى فهو مجنون وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات والشرف هو علم تلك الأعمال (3).
:
ومع. هذا فلا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم - أعني علم الفتاوى وعلم اللغة
موقوفاً عليه.
(1) وقال فيه أيضاً: رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث عطية السعدي. (2) قال العراقي في المغني: (201) رواه أحمد من حديث وابصة.
(3) راجع كل ما سبق من أول الباب في كتاب إحياء علوم الدين (17/ 1، 20) بتصرف يسير.
[1/ 81] (1/96)
صفحة 97
قنطرة العلم
81
والنحو المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك مما تقدم ذكره من أنواع العلوم التي هي فرض كفاية ـ ولا تفهمن من غلونا في الثناء على علم الآخرة تهجيناً لهذه العلوم. / فالمتكلفون بالعلوم كالمتكلفين بالثغور والمرابطين بها والغزاة مجاهدون في [82/ب]
سبيل الله فمنهم الردء المعاون ومنهم الذي يحفظ دوابهم، ويتعاهدهم، ولا ينفك واحد منهم عن الأجر إذ كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم، فكذلك العلماء، قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)
(1)
وقال: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) (2). ولا تظنن أن من نزل عن الرتبة القصوى فساقط القدر، بل الرتبة العليا الأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء الراسخون في العلم، ثم الصالحون على تفاوت درجاتهم، وبالجملة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ} (3).
إذا كان قصد بعلمه الله تبارك وتعالى، وأما من تجرد لعلم الخصومات والجدال وتفريعات الفتوى والنحو واللغة وتواريخ الأخبار من غير أن يمزج ذلك بشيء من العلوم الدينية فلا يزيد المتجرد لها مع الإعراض عن سواها إلا قسوة في القلب وغفلة. الله عن سبحانه، ولا برهان على ذلك كالتجربة والمشاهدة فانظر واعتبر واستبصر تشاهد ذلك في البلاد والعباد وبالله التوفيق.
مسألة
وبالجملة إن كل فرض يتعلق فعله على الكفاية فتعلم ذلك الفرض متعلق على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن تركه الجميع من الناس هلكوا، وذلك كعلم القضايا والأحكام وقسمة المواريث وقصاص الجراحات، وعلم آداء حقوق الموتى: من الغسل والكفن والصلاة عليهم ومواراتهم، وعلم الجهاد وتعلم القرآن ما خلا ما لا تجوز الصلاة إلا به وتعلم الرد على أهل البدع ونقل الشريعة. وبالله التوفيق.
الباب الخامس
في بيان حد الفقه والكلام في علم الدين وطريق الآخرة وحد الكلام والفلسفة
وهذا الباب يتوزع منه ثلاثة فصول:
(1) سورة المجادلة الآية: 11. (2) سورة آل عمران الآبة: 163.
(3)
سورة الزلزلة الآية: 7. (1/97)
صفحة 98
82
قنطرة العلم
الأول في حد الفقه: وقد تقدم الكلام في أنه مرتبط بمصالح / الدنيا لسياسة الأخلاق، كما أن علم الطب موضوع لاعتدال صحة الجسد في الدنيا.
فإن قيل قد سويت بين الفقه والطب، إذ الطب أيضاً يتعلق بالدنيا، وذلك يتعلق به أيضاً صلاح الدين وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق والفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه علم شرعي أي هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطب فليس هو من علم
الشرع هكذا ذكر الغزالي في كتابه.
والثاني: لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة، البتة، لا الصحيح ولا المريض، وأما الطب فليس يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون.
والثالث: أن علم الفقه مجاور لعلم الآخرة؛ لأنه نظر في عمل الجوارح، ومصدر الأعمال ومنشأها صفات القلب؛ فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب، وأما الصحة والمرض فمنشأها صفاء المزاج والإخلاط وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه وإذا أضيف علم الآخرة إلى الفقه ظهر أيضاً شرف علم الآخرة (1). وبالله التوفيق.
الفصل الثاني: في علم الدين والطريق الآخرة
فاعلم أنه قد ذكر الغزالي في كتابه أن علم طريق الآخرة قسمان:
أحدهما علم معاملة: وهو علم بأحوال القلب وهو نوعان: محمود ومذموم.
فالمحمود منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والتوبة، والرضا، والتوكل، والزهد والتقوى، والقناعة، والسخاوة، ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال، والخشوع، والإحسان، وحسن الظن، وحسن الخلق، وحسن المعاشرة، والصدق، والإخلاص، وما أشبه ذلك من محمود أحوال القلب، وصفاته ومعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي تكتسب ثمراتها وعلاماتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال يعود فذلك كله من علم الآخرة.
(1) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين (20/ 1). إلا كلام يسير للمؤلف.
[1/ ar] (1/98)
صفحة 99
"
83
قنطرة العلم / وأما المذموم منها: فخوف الفقر، وسخط المقدور، والغل، والحقد، والحسد، [84/ب] والغش، وطلب العلو، وحب الثناء، وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع، والكبر، والرياء، والغضب، والأنفة والعداوة والبغضاء والطمع، والبخل، والرغبة، والبذخ، والأشر، والبطر، وتعظيم الأغنياء، والاستهانة بالفقراء والفخر والخيلاء، والتنافس، والمباهات، والاستكبار عن الحق والخوض فيما لا يعني وحب كثرة الكلام والصلف، والتزيين للخلق، والمداهنة، والعجب، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس وزوال الحزن من القلب وخروج الخشية منه، وشدة الانتصار للنفس إذا نالها ذل، وضعف الانتصار للحق، وإتخاذ إخوان العلانية على عداوة السر، والأمن من مكر الله في سلب ما أعطوا، والإتكال على الطاعة والمكر، والخيانة والمخادعة، وطول الأمل، والقساوة، والفظاظة والفرح بالدنيا، والأسف على
وهي
فواتها، والأنس بالمخلوقين والوحشة لفراقهم، والجفاء، والطيش والعجلة، وقلة الرحمة. فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة وأضدادها الأخلاق المحمودة منبع الطاعات والقربات فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها، وثمراتها، وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة المفروض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا وبحكم فتوى فقهاء الدنيا (1). وبالله التوفيق.
القسم الثاني: علم مكاشفة وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عن تطهيره وتزكيته عن صفاته المذمومة فتنكشف / في ذلك النور أمور كان. يسمع بها [85/ب] من قبل أسمائها ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى، أو بصفاته التامات وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة. ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا والمعرفة بمعنى النبي والنبوة، وبمعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معادات الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السماوات والأرض، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه.
ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة والجنة، والنار، وعذاب
القبر، والصراط، والميزان، والحساب.
(1) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين للغزالي (21/ 1، 22) بتصرف يسير في بعض الفاظه. قناطر الخيرات ج/1 م/7 (1/99)
صفحة 100
84
قنطرة العلم
(1)
ومعنى قوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِنِياً) (1).
و معنى قوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (2).
ومعنى
لقاء الله سبحانه، ومعنى القرب منه، والنزول في جواره. ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى، ومقارنة الملائكة والنبيين.
ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم بعضاً كما يرى الكوكب الدري في السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله إذ الناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق ذلك أمثلة. بأصولها مقامات، فبعضهم يرى أن جميع
جو
وأن الذي أعده الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء.
وبعضهم رأى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهوم من ألفاظها.
ولهذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله تعالى الاعتراف بالعجز عن معرفته، وبعضهم [1/ 86] يدعي أموراً عظيمة في المعرفة بالله عز وجل، وبعضهم يقول: حد معرفة / الله. ما انتهى إليه أنه اعتقاد العوام: وهو موجود قادر عالم سميع بصير متكلم، فالمراد بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق في هذه الأمور إيضاحاً يجري مجرى العيان الذي لا شك فيه وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أنَّ مرآة القلب قد تراكم، صدؤها، وخبثها بقذورات الدنيا
وإنما معنى طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة التي هي الحجاب عن الله تعالى.
وعن معرفة صفاته وأفعاله وإنما تصفيته وتطهيره بالكف عن الشهوات والإقتداء بالنبيين في جميع أحوالهم، فبقدر صفاء مرآة القلب من الخبائث، وتحليه بأنوار الطاعات تظهر فيه صور الحقائق وتتلألأ فيه لوائح الصدق، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمجاهدة ورياضة النفس، وبالعلم والتعلم، تحقيقاً لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (3).
(3)
وهذا العلم هو الغاية القصوى - أعني علم الباطن - وهو المراد بعلم المكاشفة. وقد روي عن بعض العارفين أنه قال: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى النصيب منه التصديق به أو تسليمه لأهله.
(1) سورة الإسراء الآية: 14. (2) سورة العنكوت الآية: 64. (3) سورة العنكبوت الآية: 69. (1/100)
صفحة 101
قنطرة العلم
85
وقال آخر: من كانت فيه خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم بدعة أو كبر. وقيل: من كان محباً للدنيا ومُصِراً على هواه لم يتحقق به، وقد تحقق به سائر العلوم،
وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه وهو علم الصديقين والمقربين كما قدمنا.
وهذه هي العلوم التي يقولون إنها لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله سبحانه
عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وعلى طريق الإسرار. وهذا العلم الخفي الذي أراد النبي عليه السلام / بقوله: إن من العلم كهيئة المكنون لا [87/ب] يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز وجل: فإن نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله فلا تحقروا عالماً أتاه الله علماً فإن الله تعالى لم يحقره إذ أتاه إياه (1). وبالله التوفيق.
فصل
فعليك - أيدك الله وأرشدك وإيانا - بالبحث والطلب عن هذه العلوم التي هي أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة حتى تعرفها أولاً، ثم تطهير القلب من المذموم منها، وتحليته بالمحمود منها ثانياً، حتى يتضح لك الحق بحقائقها وتنظر بنور الله بين أصناف خلقه: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى (2).
وقد تراكم رين الذنوب على بصيرة قلبه، فهو يمشي مكباً على وجهه، فلا تظنن أصلحك الله أن من تجرد لعلم الجدال والممارات وأفنى عمره بتعلم فقه المعاش، والخصومات يتصف بشيء من هذه العلوم المتقدمة، ولو سئل أكثر من يدعي الفقه وتجرد لإحياء الدين بزعمه عن معنى من معاني هذه العلوم حتى عن الإخلاص مثلاً أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرياء، لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سئل عن مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والإجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عن من يقوم بها، ويكفيه مؤنة التعب فيها، ولو سئل عن شيء من هذا لأجاب سريعاً وما توقف حفظه فتراه يتعب في و درسه ليلاً ونهاراً ويغفل عن ما هو فرض عليه في نفسه وإذا روجع فيه
قال: اشتغلت به لأنه علم الدين.
(1) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين (20/ 1 (21) وعلق العراقي على الحديث بقوله: رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.
(2) سورة الزمر الآية: 22. (1/101)
صفحة 102
86
قنطرة العلم
كان
وهو فرض كفاية ويلبس على نفسه / وعلى غيره في تعليله، والفَطِنُ يعلم أنه لو غرضه أداء حق الأمر وإحياء علم الدين لقدّم على ذلك فرض نفسه فليت شعري كيف يجوز في الدين أن يهمل الإنسان فرض نفسه ويشتغل بفرض كفاية قد قام به جماعة؟ هل لهذا السبب إلا أن علم الآخرة ليس يتوصل به إلى جمع الحطام واستدرج العوام بكثرة الأتباع، والطغام، هيهات هيهات قد اندرس علم الآخرة بتلبيس العلماء السوء والله المستعان، وإياه نسأل أن هذا من الغرور الذي يُسخط الرحمن ويُضحك الشيطان وبالله التوفيق وعليه التكلان وهو
يعيذنا
حسبنا ونعم الوكيل.
الفصل الثالث: في حد الكلام وعلوم الفلسفة
أما الكلام فهو علم المتكلمين الذين يتكلمون في تحرير الأدلة لإثبات التوحيد والصفات وتفصيل السكون والحركات والجواهر والآراض والحدوث والقدم، وأشباه ذلك
ويضعون الأدلة في الرد على أهل البدع ونقضها عليهم وليس كتابنا هذا موضوعاً لذلك. وأما الفلسفة: فهي من علوم حكماء الأوائل المنكرين لشريعة الإسلام وهم الفلاسفة.
وذكر الغزالي في كتابه إنهم يصدقون بالصانع والنبوة، ويصدقون النبي عليه السلام ولكنهم يعتقدون أموراً تخالف نصوص الشرع ويقولون: النبي محق فما قصد بما ذكره لإصلاح الخلق، ولكن لم يقدر على التصريح بالحق لكلال أفهام الخلق عن دركه. قال: ويجب القطع
بتكفيرهم في ثلاث مسائل:
الأولى إنكارهم لحشر الأجساد والتعذيب بالنار والتنعيم في الجنة بالحور العين
والمأكول والملبوس.
قال والثانية: قولهم إن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات وتفصيل الحوادث، وإنما يعلم الكليات، وإنما الجزئيات تعلمها الملائكة السماوية.
والثالثة: قولهم إن العالم، قديم وإن الله سبحانه متقدم على العالم بالرتبة: مثل تقدم العلة على المعلول وإلا فلم يزالا في الوجود متساويين. قال: فهؤلاء إذا أوردت عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذات العقلية تقصر الأفهام عن دركها فمثل ذلك لهم باللذات الحسية، وهذا الذي قالوه شرك صريح فلا. للاشتغال بهم.
قال: وأما الفلسفة فليست علماً بذاتها بل هي على أربعة أجزاء:
معني
[1/ 88] (1/102)
صفحة 103
قنطرة العلم
87
أحدها: الهندسة والحساب وهما مباحان ولا يمنع عنهما إلا من يخاف عليه أن
يتجاوزهما إلى البدع
(1)
فالهندسة فعل المهندس وهي فيما وجدت في كتاب العلوم نوعان:
أحدهما: هندسة عملية وهي أن ينظر المهندس في خطوط وسطوح، إما في جسم خشب إن كان حداداً، أو في جسم حائط إن كان بناء، أو في سطوح أرضين أو مزرعات إن كان ماسحاً، وكذلك كل صاحب هندسة عملية، فإنه إنما يتصور في نفسه خطوطاً أو سطوحاً، وتدويراً وتثليثاً في جسم المادة التي هي الموضوع عة لتلك الصناعات العملية.
والنوع الثاني: هندسة نظرية، وهو أن ينظر المهندس في خطوط وسطوح في الأجسام على الإطلاق والعموم، ويتصور في نفسه الخطوط والسطوح، والتربيع والتثليث والتدوير في
الوجه الذي لا يبالي في أي جسم كانت وفي أي محسوس كان بل على الإطلاق من غير أن
يقيم في نفسه مجسماً هو من خشب أو من حديد أو من حائط.
قال: وهذا العلم هو والمجسمات على الإطلاق عن أشكالها ومقاديرها، وتساويها وتفاصيلها، وعن أصناف أوضاعها وعن جميع ما يلحقها مثل النقط والزوايا وغير ذلك.
الذي يدخل في جملة العلوم وهو / يفصح في الخطوط والسطوح [1/ 90]
قال: وكتاب إقليدس الفيتاغوري المعروف بكتاب الاستفصات وهو الذي يحتوي على أصول الهندسة وعددها وهي داخلة في علم الكلام. والله أعلم.
الحد
الجزء الثاني من الفلسفة المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه، ووجوه وشروطه (2) فصناعة المنطق تعطي بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو الصواب.
والحق في كل ما يمكن الغلط فيه من جميع المعقولات وذلك إن في المعقولات أشياء لا يغلط العقل فيها أصلاً، وهي التي يجد الإنسان نفسه كأنها فطرت على معرفتها: مثل أن الكل أعظم من الجزء، وأن كل ثلاث فهو عدد فرد وأشباه ذلك.
وأشباه يمكن الغلط فيها وهي التي يحتاج الإنسان في إدراكها إلى تفكر وقياس
(1) راجع إحياء علوم الدين (23/ 1). (2) نفس المرجع السابق. (1/103)
صفحة 104
88
قنطرة العلم
واستدلال، وفي هذه دون تلك يضطر الإنسان الذي يلتمس الوقوف عن الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين المنطق.
وهذه الصناعة تناسب صاعة النحو؛ وذلك أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى الألفاظ وهو يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين تخص ألفاظ أمة ما وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعمّ ألفاظ الأمم كلها فإن في الألفاظ أحوالاً تشترك فيها جميع أحوال الأمم: مثل إن الألفاظ منها مفردة، ومركبة، [91/ب] والمفردة: اسم، وكلمة، وأدوات منها ما هي موزونة، وغير موزونة وأشباه ذلك / وهاهنا أحوال تخص لساناً دون لسان مثل: أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، والمضاف لا يدخل
فيه ألف ولام التعريف، فإن هذا يخص بلسان العرب.
وما وقع في علم النحو من أشياء مشتركة لألفاظ الأمم كلها، فإنما يأخذ أهل النحو من
حيث هو موجود في ذلك اللسان الذي عمل النحو له.
كقول النحويين من العرب: أقسام الكلام ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف.
وكقول نحوي اليونانيين: أجزاء القول في اليونانية اسم، وكلمة، وأداة، وهذه القسمة ليست أنها توجد في العربية فقط أو في اليونانية فقط، بل في. الألسنة.
جميع
وأجزاء المنطق ثمانية - تركتها لئلا يطول الكتاب بلا فائدة وبالله التوفيق - وإنما ذكرت هذا أرشدكم الله لتعرفوا معنى الهندسة والمنطق وهما داخلان في علم الكلام فقط، والله أعلم. الجزء الثالث الإلهيات وهي بحث عن ذات الله تعالى وصفاته وهو داخل في علم الكلام والفلسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم، بل انفردوا بمذاهب بعضها شرك وبعضها بدعة، كما أن الاعتزال ليس علماً برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة وكذلك الفلسفة (1).
الجزء الرابع الطبيعيات فبعضها تخالف الشرع ودين الحق فهو جهل وليس بعلم حتى يورد في أقسام العلوم، وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها أشبه بنظر الأطباء إلا أن الطبيب ينظر في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض
وهو
ويصح.
(1) راجع المصدر والموضع السابق. (1/104)
صفحة 105
قنطرة العلم
وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغير وتتحرك / ولكن للطب فضل عليه؛ [1/ 92] وهو أنه محتاج إليه.
وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها، فإذن الكلام صار من جملة الصناعات
الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخييلات المبتدعة). وبالله التوفيق. فإن قيل: إن المشهورين من العلماء هم الفقهاء وهم أفضل الخلق عند الله فكيف تنزل درجتهم عن درجة علماء الدين فاعلم أنه مَنْ عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال فأعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكاً طريق الحق.
وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل فلا تغفلن عن الصحابة وفضلهم، ولم يكن تقدمهم بالفقه والكلام بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها.
وأما قولك إن المشهورين من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله تعالى شيء وما تنال به الشهرة شيء آخر.
ولقد كانت شهرة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة، وكان فضله بالشيء الذي وقر في صدره؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة، ولا بكثرة صيام ولكن بشيء وقر في صدره (2).
ولقد كان من المكاشفين فيما قيل فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر
النفيس والدر المكنون.
وكانت شهرة عمر رضي الله عنه بالسياسة، والعدل وكان فضله بالعلم بالله تعالى كما روي: أنه لما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله: مات تسعة
أعشار من العلم.
فقيل له: أتقول ذلك وفينا أجلة الصحابة؟ قال: لست أريد العلم بالفتوى والأحكام
وإنما أريد العلم بالله تعالى
(3)
(1) راجع المصدر والموضع السابق.
(2) قال العراقي في المغني (24/ 1) رواه الترمذي الحكيم في النوادر من قول أبي بكر بن عبد الله المزني
ولم أجده مرفوعاً. (3) راجع الإحياء (24/ 1). (1/105)
صفحة 106
[93/ب]
90
قنطرة العلم
فكان فضله بهذا العلم ويقصده التقرب إلى الله تعالى في ولايته / وشفقته على خلقه وهو أمر باطن في سره، وأما أفعاله الظاهرة فقد يتصور صدورها من طالب الجاه والإسم والسمعة، والراغب في الشهرة فتكون الشهرة فيما هو المهلك والفضل فيما هو سر لا يطلع عليه أحد من الناس.
فالفقهاء والمتكلمون مثل الخلفاء والقضاة قد انقسموا فمنهم من أراد الله تعالى بعلمه وفتواه وذبَّهُ عن دينه ولم يرد به رياء ولا سمعة أولئك أهل رضوان الله؛ لعملهم بعلمهم ولإرادتهم بفتواهم وجه الله تعالى فإن كل علم عمل؛ لأنه فعل مكتسب، وليس كل عمل علماً؛ فالطبيب يقدر أن يتقرب إلى الله تعالى بعمله فيكون مثاباً عليه من حيث أنه عامل الله
تعالي به.
،
والسلطان يتوسط بالعدل بين الحق، فيكون مرضياً عند الله سبحانه لا من حيث أنه
متكفل بعلم الدين بل هو متقلد عملاً يقصد به التقرب إلى الله تعالى. وأقسام ما يتقرب به إلى الله تعالى ثلاثة: علم مجرد وهو علم المكاشفة. و عمل مجرد كعدل السلطان مثلاً وضبطه الناس.
ومركب من علم وعمل: وهو علم طريق الآخرة؛ فإن صاحبه من العلماء والعمال جميعاً.
فانظر في نفسك لتكون في حزب علماء الله عز وجل، أو عمال الله، أو من حزبيهما وتضرب بسهمك مع كل فريق منهما، وهذا أهم لك من التقليد بمجرد الاشتهار، وينشد بيت
شعر:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل (1) وبالله التوفيق.
الباب السادس في طرق العلم
وتقاسيمه قسمة أخرى، اعلم أنا قد ذكرنا أقسام العلوم قبل هذا مجملة وسنشير هاهنا إن
(1) راجع الإحياء (24/ 1) النثر والشعر. (1/106)
صفحة 107
قنطرة العلم
91
شاء الله تعالى إلى قسمتها، موجزة، وفي طرقها منحصرة.
فنقول إن طرق العلم محصورة / في ثلاث طرق، وقيل في أربع: إحداها الحس، [1/ 94]
والثانية العقل، والثالثة السمع، والرابعة البديهة.
فهذه قسمة منحصرة تدور على ابن آدم في الدنيا والآخرة فلا يسئل العبد في الآخرة إلا عنها؛ لأنها منحصرة فيما يسئل عنه، فما شاهده ببصره، أو سمعه بسمعه، أو أدركه بعقله فكل علم داخل فيها وعنها يكون.
من
فالبصر هو ما يدرك به جميع المبصرات، والسمع هو ما يسمع به جميع المسموعات. الشرع وغيره والفؤاد راجع إلى القلب كما قال تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (1).
،
أي حاضر القلب والفؤاد والقلب واحد والمراد به العقل كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَكُمْ
(2)
تَشْكُرُونَ) (2).
وقال سبحانه: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) (3).
فجمع في هاتين الآيتين ما قدمناه من طرق العلم، أما الحس فينقسم ثلاثة أقسام: حس متصل، وحس منفصل، وحس بنية.
فالمتصل: كالملموسات والمذوقات والمشمومات فإن حاسة اللمس وحاسة الذوق لا تدركان إلا متصلتين بمحسوساتهما.
والمنفصل: كالمسموعات، والمبصرات؛ لأن حاسة السمع تدرك الكلام من غير اتصال بالمسموع، وحاسة البصر تدرك الأشخاص، والألوان بغير اتصال.
وحس بنية: هو ما يجده الإنسان في نفسه من غير طريق الحواس كالجوع والعطش والفرح والحزن وأشباه ذلك.
وأما العقل: فعلى ثلاثة أقسام: واجب، وجائز ومستحيل.
(1) سورة ق الآية: 37.
(2) سورة النحل الآية: 78. (3) سورة الإسراء الآية: 36. (1/107)
صفحة 108
[95/ب]
92
قنطرة العلم
فالواجب على ثلاثة أقسام: وجوب انحصار الحقائق، ووجوب اطرادها، ووجوب
اختصاصها بأحكامها.
والمستحيل: على ثلاثة أقسام: قلب الحقائق / ونقض الحقائق وبطلان الحصر. والجائز: متردد بين الواجب، والمستحيل، وهو جائز في حقنا وعند الله تعالى واجب
أو مستحيل.
وأما السمع فعلى ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع.
وأما البديهة: فكعلمنا أن الأكل مشبع، والشراب مروي فهذه طرق العلم. ثم نرجع إلى تقاسيمه فنقول أيضاً: إن العلم على ثلاثة أقسام: العلم بالدين، والعلم بالدنيا، والعلم بما يتوصل به إليهما مما جاءت به الرسل عليهم السلام.
العلم بالدين على ثلاثة أقسام: العلم بالله تعالى والعلم بما يجوز عليه، والعلم بما يستحيل عليه فأما العلم بما يجب له فهو ثلاثة الوجود والوحدانية، والكمال والذي يجوز عليه ثلاثة: إيجاد العالم، وإعدامه بعد وجوده وإعادته بعد إعدامه.
والذي يستحيل عليه ثلاثة: التشبيه والتشريك، والنقائص.
فأما العلم بوجوده فيبنى على نفي التشبيه.
والتشبيه على ثلاثة التقييد بالزمان والتقييد بالمكان، والتقييد بالجنس، وفي لفظ آخر على ثلاثة: التغير والتحيز والتأليف والعلم بالوحدانية ينبني على نفي التشريك. والتشريك على ثلاثة الاتصال والانفصال والحلول والكمال ينبني على نفي
النقائص.
الكلام.
والنقائص على ثلاثة منها ما ينفع الأفعال، ومنها ما يمنع الإدراك، ومنها ما يمنع
فالموانع من الأفعال: كالعجز، والجهل، وغير ذلك، والموانع من الإدراك: كالعمى، [96/ب] والصمم، وغير ذلك، والموانع من الكلام كالخرس، والبكم، وغير ذلك من / الآفات، وفي
لفظ آخر في النقائص.
والنقائص على ثلاثة: منها ما يدل على الحدوث، ومنها ما يمنع الأفعال ومنها ما يمنع
الإدراك. (1/108)
صفحة 109
قنطرة العلم
93
وأما العلم بالرسول عليه السلام فعلى ثلاثة أيضاً العلم بما يجب إثباته للرسول، والعلم بما يجب نفيه عنه، والعلم بما يجوز عليه.
وأقواله.
فالذي يجب إثباته للرسول عليه السلام الصدق والأمانة، واتباع الحق في أفعاله
والذي يجب نفيه عنه: الكذب والخيانة واتباع الباطل في أقواله وأفعاله. والذي يجوز عليه هو ما يجوز على البشر من الانتفاع والاستضرار، وفي لفظ آخر والذي يجوز عليه السراء والضراء والسهو الذي لا ينافي التكليف.
وأما العلم بما جاءت به الرسل عليهم السلام فعلى ثلاثة: الوحي، والتكليف، والجزاء على التكليف.
والوحي على ثلاثة: الأمر والنهي، والخبر.
،
والتكليف على ثلاثة: الإيمان والتقوى والورع وهو الاحتياط في الدين.
والفرق بين الوحي والتكليف أن الوحي: هو الأمر والنهي.
والتكليف: هو مقتضى الأمر والنهي وهو امتثال الأمر واجتناب النهي فحقيقة التكليف هي أفعالنا وتناولنا. والأمر والنهي راجعان إلى الخطاب الذي هو بالوحي. والخبر هو ما أخبر به من الغيوب، وهو جل الكتاب وأكثر ما فيه والجزاء على التكليف على ثلاثة أيضاً الحساب والثواب والعقاب.
فصل
والعلم بالدنيا على ثلاثة أقسام العلم بمنافعها والعلم بمضارها، والعلم بأسباب المعيشة فيها، وفي لفظ آخر في العلم بالدنيا أخبرنا أن عاقبة نعيمها إلى الزوال.
وأخبرنا أن عاقبة عمرانها إلى الخراب، وأخبرنا أن عاقبة عمارها إلى الهلاك، وأما ما [1/ 97]
يتوصل به إلى العلم بها فثلاثة اللغة، والإعراب، والحساب.
فاللغة بها جاءت شريعتنا، فإذا بطلت اللغة بطلت الشريعة والأحكام والإعراب أيضاً به تنصلح المعاني وتفهم، فإذا بطل الإعراب بطلت المعاني، وإذا بطلت المعاني بطل الشرع (1/109)
صفحة 110
94
قنطرة العلم
[98/ب]
أيضاً، وَيُطل جميع ما يدور عليه أمر المعاملات كلها من المخاطبات في الأقوال. وأما الحساب أيضاً فهو مما يتوصل به إلى معرفة الدين، والدنيا جميعاً.
أما الدين: فإن هذه العبادات الموقتة بالأزمان لا تعرف إلا بالحساب، به عرفت الأيام والجمع والشهور والسنين.
فالعبادات مرتبة فيها كصلاة الجمعة، فإذا جهل يوم الجمعة بطلت الصلاة، وكذلك الصيام، إذا جهل الحساب الذي به يعرف شهره بطل أيضاً، وكذلك السنون أيضاً في عبادة الزكاة والحج فالحساب أصل كبير في الدين.
وأما الدنيا: فيه تصح جميع المعاملات الدائرة بين الناس من المعاوضات، والأخذ
والعطاء وجميع منافع المعيشة به تصح. وبالله التوفيق.
الباب السابع
في آداب المتعلم والمعلم
وهذا الباب ينحصر في فصلين:
الفصل الأول: في آداب المتعلم وتنحصر آدابه في عشرة أقسام:
الأول: المبادرة إلى التعلم في أول وقت الإمكان ويرغب فيه رغبة متحقق لفضائله واثق بمنافعه ولا يلهيه عن طلبه كثرة مال وجدة، ولا نفوذ أمر وعلو منزلة، فإن من ينفذ أمره
فهو إلى العلم أحوج ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق.
وفي حديث أنس عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع
العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك (1).
وقال بعض الأدباء: كل عز لا يؤكده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة.
/ وقال بعض العلماء: إذا أراد الله بالناس خيراً جعل العلم في ملوكهم والملك في
علمائهم.
(1) قال العراقي في المغني (6/ 1) رواه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في بيان العلم، وعبد الغني الأزدي
في آداب المحدث من حديث أنس بإسناد ضعيف. (1/110)
صفحة 111
قنطرة العلم
وقال بعض البلغاء: العلم عصمة الملوك؛ لأنه يمنعهم من الظلم، ويردهم إلى الحكم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية، فمن حقهم أن يعرفوا حقه ويستنبطوا أهله. القسم الثاني: أن يكون قصده في التعلم إرادة وجه الله تعالى.
وإنفاء الجهل عن نفسه وإرشاد من قدر على إرشاده بنية خالصة وعزيمة صادقة، فإذا كان قصده ونيته ما ذكرنا فإنه يرجى أن يستوجب الفضل الذي جاء في الأحاديث المتقدمة. وقد روي عن النبي لا أنه قال: من أكرم عالماً فكأنما أكرم سبعين نبياً، ومن أكرم متعلماً فكأنما أكرم.) سبعين شهيداً، ومن أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته. هكذا وجدت في بعض آثار أصحابنا من أهل المشرق وليحذر طالب العلم: أن يطلبه لمراء أو رياء، فإن الممارى به مهجور لا ينتفع والمرائي به محقور لا يرتفع. وقد روي عن النبي أنه قال: لا تتعلموا العلم لتماروا به السفهاء، ولا تتعلموا العلم لتجادلوا به العلماء، فمن فعل ذلك منكم فالنار النار.
عليه.
فاسد
والمماري هو ا القاصد لدفع ما يرد. العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء لقي الله. وهو عليه غضبان. فمن طلب العلم لمباهات العلماء أو لممارات السفهاء أو لينتشر ذكره في الناس بحسن الثناء أو ليعظم قدره عندهم أو لاكتساب مال أو جاه فهو من الخاسرين، وينشد: لا يطلب إني رأيت الناس في دهرنا للعلم ــون العلـ
من وصحيح. وفي حديث آخر: «من تعلم
إلا مباهات لإخوانهم وحجة للخصم والظلـ
وليس المماري به هو المناظر فيه طلباً للصواب وقد بين ذلك / بعض العلماء فقال [1/ 99] لصاحبه: لا يمنعك حذراً المراء من حسن المناظرة، فإن المماري هو الذي يريد أن يتعلم منه أحد ولا يرجو أن يتعلم من أحد.
القسم ا الثالث: ينبغي لطالب العلم أن يقدم أولاً طهارة النفس من دناءة الأخلاق ومذموم الأوصاف؛ لأن العلم عمارة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله تعالى. فكما لا تصح صلاة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الجوارح من جميع الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته من خبائث الأخلاق، من: الغل، والكبر، والرياء، وغير ذلك. (1/111)
صفحة 112
96
قنطرة العلم
[100/ب]
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بني الدين على النظافة (1).
وهو لعمري كذلك باطناً وظاهراً، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)
تنبيهاً للعقول على أن الطهارة والنجاسة ليست مقصورة على الظواهر.
فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول الجسد ولكنه نجس الباطن بالشرك، وقد قال تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهر (3).
أي قلبك، فتق في بعض الأقوال.
فإن قيل: كم من رديء الأخلاق قد حصل العلوم قيل له: فهيهات ما أبعدك عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة، فإن من أوائله أن تظهر للعالم به أن المعاصي سموم مهلكة. وهل رأيت من بتناول شيئاً مع علمه بأنه سم مهلك؟ وإنما الذي تسمعه من المتشبهين بالعلماء في التشدق روايات ومسائل تلقفوها من غير معرفة بحقائقها، وليس ذلك من العلم في
شيء.
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: ليس العلم بكثرة الروايات، وإنما العلم نور يقذف
في القلب.
وقال بعضهم: إنما العلم الخشية؛ إذ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (4). فكأنه أشار إلى أخص ثمرات العلم وبالله التوفيق.
(0)
القسم الرابع: أن يقلل طالب العلم علائقه / من أشغال الدنيا، ولا يسوف نفسه بالمواعيد الكاذبة، ويمنيها انقطاع الأشغال المتصلة؛ فإن لكل وقت شغلاً وفي كل زمان عذراً.
وينشد قول الشاعر:
نروح ونغدو بحاجتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
(1) قال العراقي في المغني (49/ 1): لم أجده هكذا وفي الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة: تنظفوا فإن الإسلام نظيف وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف جداً من حديث ابن مسعود: النظافة تدعو إلى
الإيمان. سورة التوبة الآية: 28.
(3) سورة المدثر الآية: 4.
(4) سورة فاطر الآية: 28.
(5) راجع الإحياء (49/ 1، 50). (1/112)
صفحة 113
[1/ 1.1]
قنطرة العلم
97
إذا ليلة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتى وقد روي عن عيسى عليه السلام أنه قال: يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي شهوته من الدنيا؟ فمن أراد العلم بصحة الاجتهاد والجد فليبعد عن الوطن والأهل، فإن العلائق عن المطلوب، وصارفة عن درك المأمول، فمهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق، ولذلك قيل: العلم والوطوطة لا يجتمعان.
شاغلة
من
وقال بعض العلماء: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت عطائه إياك بعضه على خطر. ومثال الفكرة المتوزعة على أمور مفترقة كجدول نهر تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه
واختطف الهواء بعضه، فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزرع (1). وبالله التوفيق.
القسم الخامس: أن لا يتكبر عن العلم ولا يتأمر على المعلم، بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصحه إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق، فبذلك ينال مطلوبه بمأموله.
وقال بعض العلماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة احتمل ذل الجهل أبداً، وينشد: بني إذا ما مسك الذل قاهر عزيز فإن الذل للعز أحرز فلا تحملن يوماً عليه تعززاً فقد يورث الذل الطويل تعزز ولهذا قال ابن عباس: ذللت طالباً فعززت مطلوباً. وروي أنه كان ينام على أبواب الصحابة في الهواجر للتعلم منهم حتى تلفح وجهه / الهواجر.
وينبغي له أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته.
وعن الشعبي أنه قال: صلى زيد بن ثابت على جنازة فقدمت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه. فقال زيد خلّ عنه يا ابن عم رسول الله. فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء. فقبَّل زيد بن ثابت يده فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت
نبينا
(Y),
(1) ذكر الغزالي نحو هذا الكلام في الإحياء (50/ 1).
(2) قال العراقي في المغني (50/ 1) رواه الطبراني، والحاكم والبيهي في المدخل، إلا أنهم قالوا: هكذا
نفعل، قال الحاكم صحيح الإسناد على شرط مسلم. (1/113)
صفحة 114
98
قنطرة العلم
وروت عائشة عنه عليه السلام أنه قال: من وقرّ عالماً، فإنما قد وقر ربه عز وجل». وقال علي بن أبي طالب: لا يعرف فضل أهل الفضل إلا أهل الفضل. قال الشاعر: إن المعلم والطبيب كليهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما ثم ليعرف له فضل علمه وليشكر له جميل فعله ولا يمنعه من ذلك علو منزلته إن كانت له، وإن كان العالم خاملاً فإن العلماء بعلمهم استحقوا التعظيم لا بالقدرة والمال. له أن يتلطف به ويتذلل ويتملق إليه فعاله ولا يتجهل؛ لأن التملق للعالم يظهر
وينبغي
مكنون علمه، والتذلل له سبب لإدامة صبره.
وقد روي عن معاذ رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال: «ليس الملق من أخلاق
المؤمن إلا في طلب العلم (1). والملق معناه: التودد واللطف الشديد.
وقال بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير بحيث تحب قعدت وأنت كبير بحيث لا تحب. وبالله التوفيق.
يطلع
(2)
القسم السادس: أن لا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة إلا وينظر فيه، نظراً منه على مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه وإلا اشتغل بالأهم
فاستوفاه.
وتطرق (3) من البقية فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض ويستفيد منه في الحال
[102 / ب] الانفكاك / عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله فإن الناس أعداء ما جهلوا. ولذلك قيل عن يحيى بن خالد أنه قال لابنه: عليك بكل نوع من العلم فإن المرء عدو
ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدواً لشيء من العلوم وأنشد الماوردي لابن يزيد: جهلت فعاديت العلوم وأهلها كذاك يعادي العلم من هو جاهله متصدراً ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
ومن
كان
أن يهوى يري
(1) قال العراقي في الموضع والمصدر السابق رواه ابن عدي من حديث معاذ، وأبي أمامة بإسنادين
ضعيفين.
(2) راجع القسم كله بتفصيل أطول في الإحياء (50/ 1) الوظيفة الثالثة.
(3)
في الإحياء: «تطرف». (1/114)
صفحة 115
قنطرة العلم
99
ولا ينبغي أن يتكبر على فن من العلوم المحمودة؛ فإن العلوم على درجاتها: إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى، أو معينة على السلوك نوعاً من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد
من المقصود.
ومن تكبر الطالب للعلم أن يستنكف عن الاستفادة والتعلم إلا من المشهورين الكبراء، وذلك عين الحماقة، فإن العلم سبب النجاة، والسعادة، فمن طلب مهرباً من سبع ضارٍ يفترسه، لم يفرق بين أن يرشده إلى الهرب مشهور، أو خامل وضراوة سباع النار بالجهل بالله تعالى أشد ضراوة من كل سبع فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقه إليها كائناً من كان نبيهاً كان أو خاملاً، ولا يطلب الصيت وعلو الذكر باتباع أهل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم إلا أن يستوي النفعان، فيكون الأخذ عن من اشتهر ذكره، وارتفع قدره أولى؛ لأن الانتساب إليه أجمل والأخذ عنه أشهر، وقد قال الشاعر: إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد لعلمك إنساناً من الناس يقبله وإن صانك العلم الذي قد حملته أتاك له من يجتنيه ويحمله فمهما تكبر المتعلم عن العلم انحرف العلم عنه وصعب عليه بعد ذلك طلبه. ولذلك
المنازل
قال بعضهم:
العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي / ولذلك قيل: إن المتواضع من طلاب العلوم أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض [1/ 103] أكثر البقاع ماء (1). القسم السابع: ينبغي للمتعلم أن يحترز من مبدء الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ذلك من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة؛ لأن ذلك يدهش عقله، ذهنه، ويفتر ويحير رأيه ويؤيسه عن الإدراك. بل ينبغي له أن يتقن أولاً الطريقة الواحدة المرضية عند أستاذه إذا كان أستاذه نقاداً بصيراً بفنون العلم مستقلاً باختيار رأي واحد ومذهب واحد وإن كان أستاذه إنما عادته نقل المذاهب وما فيها ولم يعتقد رأياً واحداً فليحذر منه، فإن إضلاله أكثر من إرشاده. فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم فمن حاله هذا فهو بعد في عمى الحيرة،
ورتبة الجهل.
(1) راجع الوظيفة الخامسة في الإحياء (51/ 1، (52) وهذا الكلام فيها باختصار.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 8 (1/115)
صفحة 116
1046/ب]
قنطرة | رة العلم
وإن كان أستاذه بصيراً بالعلم متخيراً لنفسه قولاً واحداً يعتمد عليه ورعاً في دينه فليلق إليه المتعلم زمام أمره بحسن الإصغاء والقبول وليكن في ذلك لمعلمه كأرض ميتة نالت مطراً غزيراً فشربت بجميع أجزائها وأذعنت بالكلية لقبوله.
ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه؛ فإن خطأ مرشد أنفع له من صواب رأي نفسه إذ التجربة تطلع الإنسان على دقائق يستغرب سماعها مع أنه قد يعظم
نفعها.
وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام حيث قال الخضر: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرا (1).
ذكرا.
ثم شرط عليه السكوت فقال: فَإن اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْتَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ولم يزل في مراودته إلى أن كان ذلك سبب فراق ما بينهما. وبالجملة فكل متعلم استغنى بنفسه / رأياً دون اختيار المعلم فاحكم عليه بالخيبة
والخسران (2). وبالله التوفيق.
القسم الثامن: أن يحذر المتعلم الإذلال على من يعلمه، وإن أنسه وطالت صحبته معه؛
لأن الإذلال على العلماء من فعل الجهال وفيه فساد الأحوال.
وقيل لبعض الحكماء: مَنْ أذل الناس؟ قال: عالم يجري عليه علم جاهل. وقال: وكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية من السبي، فقال لها: من أنت؟ فقالت: بنت الرجل الجواد حاتم، فقال: ارحموا عني ثلاثة: غنياً افتقر، وعزيزاً ذل، وعالماً ضاع بين الجهال (3). وليحذر المتعلم إستهانة معلمه ولو وجد في نفسه استغناء؛ لأن ذلك كفر لنعمته واستخفافاً بحقه فيكون كمن تقدم فيه سائر المثل السائر لابن البطحاء:
اعلمه الره
كل يوم
فلما اشتد ساعده رمان
(1) سورة الكهف الآيتان: 67، 70. (2) راجع الإحياء (51/ 1) الوظيفة الرابعة بنحو ما هنا. (3) بنحوه ذكره العراقي في المغني (28/ 4) وقال: رواه ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس وعيسى ضعيف ورواه فيه من حديث ابن عباس إلا أنه قال تلاعب به الصبيان، وفيه أبو
البحتري، واسمه وهب بن وهب
أحد الكذابين. (1/116)
صفحة 117
رة العلم
قنطرة
101
وهذه الحالة من مصائب العلماء أن يصيروا عند من علموه مستجهلين، وعند من قدموه
مستذلين.
وقال: قال صالح ابن عبد القدوس:
وإن عناء أن تعلم جاهلاً ويزعم جهلاً أنه منك أعلم متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم متى ينتهي عن شيء من أتى به إذا لم يكن منه عليه تندم وقد رجح كثير من العلماء حق العالم على حق الوالد لأن الوالد يحفظه من نار الدنيا والعالم يحفظه من نار الآخرة.
هذا لا ومع ينبغي له أن يحملنه معرفة الحق له حتى يقيل كل شبهة أتت من جهة معلمه، ولا يدعوه ترك الإعنات له على التقليد فيما أخذ عنه، فإنه ربما غلا بعض الاتباع في عالمهم
حتى يروا أن قوله دليل، وإن لم يستدل.
وليكن المتعلم معتدل الرأي فيمن يأخذ عنه متوسط الاعتقاد فيمن يتعلم منه، حتى لا يحمله الإعنات على اعتراض المبكتين / ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين فإذا فعل ذلك [1/ 105] براء من المذمتين، وسلم العالم من المحنتين، فليس كثرة السؤال فيما التبس إعناتاً ولا قبول ما صح في النفس تقليداً.
وقد قيل لابن عباس: بما نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سول، وقلب عقول. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حسن السؤال نصف العلم. وأنشد المبرد المقنوي: سل الفقيه تكن فقيهاً مثله لا خير في علم بغير تدبر وإذا تعسرت الأمور فأرجها وعليك بالأمر الذي لم يعسر وربما تنبعث نفس المتعلم من بعد عنه من العلماء استهانة بمن قرب منه وطلب ما يصعب احتقاراً لما سهل عليه فلا يدرك محبوباً ولا يظفر بطائل. وقد قالت العرب في أمثالها: إن العالم كالكعبة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء. وأنشد الماوردي عن بعض شيوخه للمسيح بن حاتم: لا ترى عالماً يحل بقوم فيحلوه دار دار الهـ قل ما توجد السلامة والصحة مجموعتين في الإنسان
وان (1/117)
صفحة 118
[106/ب]
102
قنطرة العلم
فإذا حلنا مكاناً سحقياً فهما في النفوس معشوقتان
هذه مكة العزيزة بيت الله
يسعد
لحجها الثقلان
وترى أزهد البرية في الحج لها أهلها القرب بالمكان
وينبغي للمتعلم أن يكون في طلب العلم راغباً في ثواب الله، راهباً من عقابه. وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة. فإذا اجتمعت فيه الرغبة في ثواب الله والرهبة من عقاب الله أدياه إلى كُنه حقيقة الزهد، فإذا اقترن العلم والزهد فقد تمت
السعادة وعمت الفضيلة، وإن افترقا فيا ويح مفترقين ما أضر افتراقهما، وأقبح انفرادهما. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام / أنه قال: من ازداد في العلم رشداً، ولم يزدد في الدنيا زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً (1).
وقال مالك بن دينار: من لم يؤت من العلم ما يقمعه فما أوتي من العلم لا ينفعه. القسم التاسع: ينبغي لطالب العالم ألا يقصر في طلبه وينتهز الفرصة ولا يشتغل بالفراغ فإنه من الفراغ تكون الصبوة. قال الشاعر:
لقد هاج الفراغ عليك شغلاً وأسباب البلاء من الفراغ وقال بعض العلماء: من أمضى يومه في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد تله، أو
حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد غبن يومه وظلم نفسه. وقال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة، وينبغي له أن يبتداء العلم من أوله، ويأتيه من مدخله. ولا يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا جهله، فإن لكل يسع علم فضولاً مشغلة إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها. وقد قال ابن عباس: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه وينبغي أن لا
يغفل في الصغر عن التعلم؛ لأنه أحمد من التعلم في الكبر. وقد روي عن رسول الله لو أنه قال: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الصخرة والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء).
(1) حديث ضعيف ذكر نحوه الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص (288) كتاب الفضائل رقم (56). (1/118)
صفحة 119
103
قنطرة العلم
وقال علي: قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، وإنما كان كذلك؛ لأن الصغير أفرغ قلباً، وأقل شغلاً، وأيسر تبدلاً، وأكثر تواضعاً، وإما أن يكون
الصغير أضبط من الكبير إذا عرى من هذه المواضع، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع.
وحكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلاً يقول: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقال الأحنف الكبير أكثر عقلاً، ولكنه اشغل قلباً ولكن تعلم الكبير أوجب؛ لأن الأولى به أن يكون شيخاً متعلماً لا شيخاً جاهلاً / لأن الصغير أعذر وإن لم يكن في الجهل [1/ 107]
عذر.
ولذلك قيل في منثور الحكم جهل الشباب معذور وعلمه محقور، أما الكبير فالجهل به أقبح ونقضه عليه أفضح.
وينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغباً، ولمن رغب فيه أن يكون له طالباً، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثراً، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملاً، ولا يطلب لتركه احتجاجاً، ولا للتقصير فيه عذراً. قال الشاعر:
فلا تعذروني في الإساءة إنه شرار الرجال من يسيء فيعذر
[وقال] (1) آخر:
فإياك (2) والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذره
فما حسن
وينبغي للمتعلم أن يشعر قلبه الصبر على معانات الحفظ ولا يستثقل الدرس، والحفظ ويتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة إليها. والعرب تقول في أمثالها: حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. قال الشاعر:
لا
يعبر
عليك بالحفظ بعد الكتب تجهدها فإن للكتب آفات تفرقها فالفار يخرقها والنار تأكلها والماء يغرقها والكف يسرقها
وفي المثل: حرف في تامورك خير من ألف في دستورك. وقال العرب: لا خير في علم معك الوادي، ولا يعمر بك النادي. قال الشاعر:
(1) ليست في الأصل وأثبتها لإيضاح السياق.
(2) في الأصل: «فهياك». (1/119)
صفحة 120
[108/ب]
1.2
قنطرة العلم
إذا ما غدت طلابة العلم ما لها من العلم إلا ما تحصل في الكتـ غدوت بتشمير وجد عليه فمحبرتي أذني ودفترها
وأنشد عن الشافعي: علمي معي حيث ما يممت ينفعني قلبي وعاء له لا بطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق وينبغي للمتعلم أن يتفكر بعد الحفظ في معاني الألفاظ.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «همة السفهاء الرواية، وهمة العلماء
الرعاية».
ومثل الذي يحفظ الألفاظ ولا يفهم معانيها كالكاتب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة،
وكالحمار يحمل أسفاراً ولا يدري ما عليه. قال الشاعر يهجو قوماً:
زوامل للأشعار لا علم عندهم يجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر
وقال ابن مسعود رحمه الله: كونوا للعلم رعاة ولا تكونوا له رواة، فقد يرعوي من لا يروي أو يروي ما لا يرعوي. وحكي أن الحسن البصري حدّث بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد عمن؟ فقال: ما تصنع بعمن؟ أما أنت فقد نالتك عظته وقامت عليك حجته.
هذا لا ومع
ينبغي للمتعلم أن يعتمد على حفظه وتصوره ويغفل عن تقييد العلم في
الكتب، فإن هذا منه خطأ وغلط؛ لأن التشكيك معترض والنسيان طاراء.
وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيدوا العلم بالكتابة (1).
وشكى إليه رجل النسيان فقال له عليه السلام: استعمل يدك أي اكتبه حتى ترجع إذا
نسيت إلى ما كتبت.
وقال الخليل بن أحمد: اجعل ما في الكتب رأس المال وما في القلب النفقة.
(1) رواه الحاكم من قول عمر بن الخطاب ولم يرفعه وقال: وكذلك الرواية عن أنس بن مالك من صح قوله، وقد أسند من وجه غير معتمد (106/ 1).
من (1/120)
صفحة 121
[1/ 1.4]
قنطرة العلم
وقال بعض السلف: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين لانحل مع النسيان عقود
الآخرين.
وقال بعض البلغاء: إن هذه الآداب نوافر تند عن عقول الأذهان فاجعلوا الكتب عنها حماة والأقلام لها رعاة. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ (1). قال: يعني الخط. وعن مجاهد في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا) (2) يعني الخط.
(1) ,
وقال حكيم الروم: الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسدانية.
وقال حكيم العرب / الخط أصل في الروح وإن ظهرت بحواس الجسد. واختلف في أول من كتب الخط يذكر عن الماوردي: أنه ذكر عن كعب الأحبار: أن أول من كتب آدم عليه السلام كتب سائر الكتب قبل موته بثلاثمائة سنة في طين، ثم طبخه فلما غرقت الأرض في زمان نوح عليه السلام بقيت الكتابة فأصاب كل قوم كتابهم وبقي الكتاب العربي، إلى أن خص الله به إسماعيل عليه السلام فأصابها وتعلمها.
وحكي عن قتيبة: أن أول من كتب الخط إدريس عليه السلام. واختلف في أول من كتب بالعربية فذكر عن كعب الأحبار: أنه آدم عليه السلام ثم وجدها بعد الطوفان إسماعيل عليه السلام.
و منطقه.
وحكى ابن عباس: أن أول من كتبها ووضعها إسماعيل على لفظه وحكى عروة بن الزبير: أن أول من كتب قوم من الأولين وأسماؤهم: أبجد هوز، وحطي، وكلمن وصعفض، وقرست وكانوا ملوك مدين. وحكى ابن قتيبة في المعارف: أن أول من كتب بالعربية مرامر من أهل الأنبار، ومن
الأنبار انتشرت.
وحكى المدني: أن أول من كتب بها مرامر بن مروة وأسلم بن سدرة، وعامر بن خذرة، فمرامر وضع الصور، وأسلم وصل وفصل، وعامر وضع الإعجام، والله أعلم.
(1) سورة الأحقاف الآية: 4.
(2)
سورة البقرة الآية: 269. (1/121)
صفحة 122
[110/ب]
1.9
قنطرة العلم
القسم العاشر: في الشروط التي يتوفر بها علم الطالب - بعد عون الله تعالى وحسن توفيقه ـ وهي بالجملة عشرة.
أحدها: العقل الذي به يدرك حقائق الأمور؛ لأن معاني الأشياء التي يتوصل إليها مستودعة في كلام مترجم عنها وكل كلام مستعمل فهو يجمع لفظاً مسموعاً ومعنى مفهوماً. فاللفظ: كلام يعقل بالسمع والمعنى: تحت اللفظ يفهم بالعقل.
الثاني:: الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم، ولذلك قال بعض الحكماء: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه: عقل مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور.
فإذا عقل الكلام بسمعه فهم / معانيه، بقلبه وإذا فهم المعاني سقطت عنه كلفة استخراجها، وبقي عليه معانات حفظها واستقرارها؛ لأن المعاني شوارد تضل بالإغفال، والعلوم وحشية تفر بالإرسال.
الثالث: الذكاء الذي به يستقر حفظ ما تصوره وفهم ما علمه فإذا حفظ علمه بعد الفهم استقر، وإنس وإذا ذاكر به بعد القرار رسي وثبت.
وقد قال بعض الحكماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.
قال الشاعر:
إذا لم يذاكر ذوي العلوم بعلمه ولم يستفد علماً نسي ما تعلما فكم جامع للكتب في كل مذهب يزيد مع الأيام في جمعه علماً الرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل؛ لأن من صدقت شهوته في العلم وبعدت همته في الطلب لا بد أن يشعر قلبه الصبر بقوة شهوته، ويشعر جسده احتمال التعب لبعد همته فيعقبه ذلك إلحاح الملحين الأملين ونشاط المدركين فقل عنده كل كثير
وسهل عليه كل عسير.
وقد روي عن النبي أنه قال: «إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون
ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون».
وقيل في منثور الحكم: اتعب قدمك فكم تعب (1) قدمك.
(1) كذا في الأصل وأحسب أن صوابها «لعب». (1/122)
صفحة 123
قنطرة العلم
وقال بعض البلغاء: إذا اشتد الكلف، هانت الكلف.
الخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلفة الطلب، ولذلك قيل: لا يصح العلم لطالبه إلا بوجود أربعة الكتب الصحاح وسعة المؤنة، وذهن حاضر، وعالم نقاد بصير بفنون العلم. وقال بعض البلغاء: من بلغ أشُدَّهُ لاقى من العيش أَشَدَّه. ويقال: من اهتم ببصلة لم
ينتفع بمسألة.
وقال بعض مشايخنا رحمهم الله / بعكس هذا فقال: إنما يتعلم العلم مثل أبي عبيدة [1/ 111] البغطوري الذي يبل الشعير ويصره في طرفه، ثم يفطر عليه وعلى الخبيز وهو صائم، ولا يأكل العيش المطبوخ إلا من ليلة الجمعة إلى ليلة الجمعة الأخرى. والله أعلم.
السادس: الفراغ من العلائق، ولذلك قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وقد
تقدم هذا لأن به يكون التوفر في الطلب ويحصل به الاستكثار من العلم. السابع: عدم القواطع المذهلة من هموم واشتغال وأمراض ولذلك قال البلغاء: القلب إذا علق كالرهن إذا غلق.
وقيل في منثور الحكم الهم قيد الحواس، فإن كان ذا معيشة قطعته، وإن كان ذا رئاسة الهته. ولذلك قيل: تفقهوا قبل أن تسودوا.
الثامن: طول العمر، واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال. وقال الأسكندري يحتاج طالب العلم إلى أربع مدة وجدة، وقريحة، وشهوة، وتمامها في الخامس معلم ناصح، ولذلك قيل شعر: لا بد للعلم من ست لطالبه من فيلسوف ودود غير منان ومن زمان ومن أمن يشايعه ومن مكان وإمكان وإخوان
وقال آخر:
خصال العلـ
أربعة
فأولها التجرد له
وحفظك ثم فهمكه
وحملك
الحمله
خصال من تكونن فيه وإلا لم: ل أمله
التاسع: الظفر بعالم سمح بعلمه، متأنٍ في تعليمه صادق في كل كلامه، بصير بفنون
العلم ناصح للمتعلم. (1/123)
صفحة 124
108
قنطرة العلم
ولذلك قيل عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: رجل كذاب وإن كان يصدق في فتواه ورجل مبتدع في الدين ورجل سفيه مشهور السفه، ورجل لا يفرز مذهبه من مذهب غيره.
فإذا ظفر بمعلم ناصح ذي دين فعليه أن يوقره، ويتذلل لديه بحسن التأدب فبذلك ينال
بغيته منه إن شاء الله.
وقد قال أنوشروان لبزرجمهر: مَنْ أدبك؟ قال: قريحتي نظرت إلى ما استحسنت من غيري فاستحملته، وما استقبحته اجتنبته، ولقد استفدت من كل شيء محاسنه، وأخذت من الخنزير قناعته ومن الكلب محافظته، ومن القرد مساعدته ومن الحمار صبره، ومن الغراب بكوره، ومن السنور لطف المسألة عند الخوان. فقيل له: بماذا نلت ما نلت من العلم؟ فقال: بيكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير وصبر كصبر، الحمار، وتملق كتملق القط. وقيل لبعض السلف: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: بقلب ذكي، وأب غني فإذا
امتثل المتعلم ما ذكرنا كان جديراً بأن ينال من العلم مقصوده. وبالله التوفيق. العاشر: تقوى الله عز وجل الذي هو رأس كل بر وبه ينال المتعلم مقصوده من الخير في
الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (1). وقال النبي عليه السلام: من عمل بما علم أورثه الله عز وجل علم ما لم يعلم (2). وحديث علي بن أبي طالب فيه جميع وظائف الأدب التي يحتاج إليها المتعلم لمعلمه وذلك أنه قال: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تشير عليه بيدك ولا تفتش له سراً، ولا تغتاب عنده
،
أحداً، ولا تطلبن عثرته، فإن زلّ انتظرت أوبته وقبلت، معذرته وأن توقره وتعظمه الله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تمش، أمامه وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تتبر من طول محبته. فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى تسقط عليك منها منفعة، وإذا جئت فسلم على وخصه بالتحية، واحفظه شاهداً أو غائباً. وليكن ذلك كله الله، فإن العالم أعظم أجراً [1/ 113] من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات / العالم انثلمت من الإسلام ثلمة إلى يوم
القوم،
القيامة لا يسدها إلا خلف مثله، وطالب العلم تشيعه ملائكة السماء، وبالله التوفيق.
(1) سورة البقرة الآية: 282.
(2) قال العراقي في المغني (71/ 1) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه. (1/124)
صفحة 125
قنطرة العلم
109
فهذه وظائف ما على المتعلم من الآداب وما به يتوفر علمه وإذا استكملها فهو أسعد طالب، وأنجح متعلم والله أعلم وأحكم.
الفصل الثاني: في وظائف ما على العالم المعلم المرشد من الآداب
اعلم أن الإنسان في علمه أربعة أحوال كحاله (1) ذلك في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حالة استفادة فيكون مكتسباً، وحال ادخار لما اكتسبه فيكون به غنياً عن السؤال، وحال إنفاق على نفسه فيكون منتفعاً، وحال بذل لغيره فيكون به سخياً متفضلاً وهو أشرف أحواله.
وكذلك العلم يقتنى كالمال فله حال، طلب واكتساب وحال تحصيل يغني عن السؤال، وحال استبصار، وهو التفكر في المحصل والتمتع به وحال تبصير وتعليم لغيره، وهو أشرف الأحوال.
فمن عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ فهو الذي يدعى عظيماً في ملكوت السماوات؛ فإنه كالشمس
تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيب وهو طيب.
وأما الذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال عن العلم، والمَسَن الذي يشخذ غيره ولا يقطع وكالإبرة التي تكسوا غيرها وهي عارية وكفتيلة المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق وفي مثله يقال: صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق (2)
ومهما اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمراً عظيماً وخطراً جسيماً، فليحفظ وظائف آدابه (3)،
وتنحصر بالجملة في عشر وظائف:
إحداها: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه أولاً لئلا يكون كما قال / الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ [114/ب]
النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (4)
(1) في الأصل: كماله». والتصويب من الإحياء.
(2)
في الإحياء جاء الشعر على النحو التالي:
ما هو إلا ذبالة وقدت تضيء للناس وهي تحترق
(3) راجع إحياء علوم الدين (55/ 1).
(4) سورة البقرة الآية: 44. (1/125)
صفحة 126
110
(1).
وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) (1) إلى قوله: (يَحْمِلُ أَسْفَارا) (2).
وقال تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (3).
وعن قتادة في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ).
قنطرة العلم
يعني أنه عامل بما علم، فإذا خالف فعل العالم قوله سقطت حكمته، وامتنع الناس من قبولها؛ لأن الحكمة والعلم إنما يدركان بالبصائر، والعمل والقول يدركان بالأبصار أكثر فكل من تناول شيئاً، وقال للناس: لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه، وزاد حرصهم عليه، فيقولون: لولا أنه أعز الأشياء وألذها لما كان ينفرد به.
ولذلك قيل عن رسول الله له أنه قال: «لو منع الناس من فت البعر لفتوه وقالوا: ما
نهينا عنه إلا وفيه شيء (5). ولذلك قال الشاعر:
منعت شيئاً فأكثرت الولوع به أحب شيء إلى الإنسان ما منعا ومثال المعلم المرشد من المتعلم المسترشد: مثل العود من الظل، ومثل القلب من الجوارح فكيف يستوي الظل والعود أعوج؟ وكيف تستقيم الجوارح والقلب معوج؟
ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر، إذ يذل بذلته خلق كثير يقتدون به.
ومن سن سنة سيئة فله، وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة، ولذلك قيل عن علي بن أبي طالب أنه قال: قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك فالجاهل يغتر الناس بتنكسه والعالم ينفرهم بتهتكه. فالواجب على العالم أن يعمل بما يعلم، ولا يقول بما لا يفعل، ولا يأمر بما لا يأتمر ولا يُسِرٌ غير ما يظهر.
(1)
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: ويل لاتباع القول، وويل / للمصرين». يريد
باتباع القول الذين يستمعون القول ولا يعملون به.
(1) سورة الجمعة الآية: 5.
0
سورة الجمعة الآية:
(2)
(3) سورة الصف الآية: 3.
(4) سورة يوسف الآية: 68.
(0) قال العراقي في المغني: (57/ 1): لم أجده. قلت: أطراف الحديث في تذكرة الموضوعات (172)، وكشف الخفا (182/ 2، (228)، وإتحاف السادة المتقين (341/ 1).
(6) في الإحياء (58/ 1): «يغرهم وراجع الوظيفة الثامنة.
[1/ 110] (1/126)
صفحة 127
قنطرة العلم
111
ويروى أن الخضر عليه السلام قال لموسى عليه السلام تعلم العلم لتعمل به، ولا
تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره ولغيرك نوره.
وقيل في منثور الحكم لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به.
وقال بعض الحكماء: خير العلم ما نفع وخير القول ما ردع.
وعن علي أنه قال: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم. وكان يقال: خير من القول فاعله وخير من الصواب قائله وخير من العلم حاصله. وقال بعض البلغاء من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل
علمه لم يخل من رشاد ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
قال أبو تمام الطائي:
ولم يحمدوا من عالم غير عامل خلافاً ولا من عامل غير عالم رأوا طرق المجد عوجاً فظيعة وأقطع عجز عندهم عجز حازم واعلم أن أمر العالم غيره بما لا يعمل به مطرح وإنكاره بما لا ينكره من نفسه مستقبح
بل ربما كان ذلك سبباً لإغراء المأمور بترك ما أمر به عناداً وارتكاب ما نهى عنه كياداً. وقد حكي أن أعرابياً سأل ابن أبي ذئب عن كلام وقع منه في زوجته فأفتاه بطلاقها، فقال الأعرابي: انظر حسناً. قال: قد نظرت وقد بانت منك، فولى الأعرابي وهو يقول: أتيت ابن ذئب ابتغي الفقه عنده فطلق حتى البت بت أنامله اطلق من فتوى ابن ذئب حليلتي وعند ابن ذئب أهله وحلائله فظن بجهله أنه لا يلزمه الطلاق بقول من لم يلتزم الطلاق فما ظنك بقول يوجب اشتراك الأمر والمأمور فيه كيف يكون مقبولاً منه وهو غير عامل به، ولا قائل له؟ كلا، حتى يأتمر به ويعمل / به؛ لأن علمه لما كان فيه حجة على من أخذه عنه، أو اقتسبه منه كان عليه [116/ب] أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العمل قبل مرتبة القول كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل. وبالله
التوفيق.
الوظيفة الثانية (1): الشفقة على المتعلمين منه أن يجريهم مجرى بنيه في التعهد
(1) راجع الوظيفة الأولى في الإحياء (55/ 1). (1/127)
صفحة 128
112
قنطرة العلم
لأحوالهم، وقد روي عن النبي عليه السلام من طريق ابن عمر أنه قال: «وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه العلم».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تُعلمون وليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهله. فلما كان الأمر ما وصفنا كان جديراً على المعلم أن يشفق على المتعلمين منه شفقة الوالد على أولاده.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم (1). وذلك أن يقصد بتعلمهم إنقاذهم من نار الآخرة فهو أهم من إنقاذ الأبوين ولدهما من نار الدنيا، ولذلك صار حق العالم المعلم أعظم من حق الأبوين؛ لأنهما سبب لوجود الولد في الدنيا الفانية، والمعلم سبب لخلوده في نعيم الحياة الآخرة الدائمة - أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة ..
وأما المعلم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك نعوذ بالله من سوابق الشقاء، فكما أن حق أولاده الرجال أن يتحابوا، ويتعاونوا على المقاصد فحق تلاميذ المعلم الواحد التحاب، والتعاون ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة ولا يكون إلا التحاسد، والتباغض
إن كان مقصدهم الدنيا.
فإن العلماء، وأبناء الدنيا مسافرون إلى الله عز وجل وسالكون إليه الطريق، فالدنيا
وسنونها وشهورها منازل إليه.
فكما أن / المسافرين في الطريق إلى بعض الأمصار لا بد لهم من التعاون، والتواد؛ حتى يقطعوا الطريق إلى المصر، وإذا اختلفت كلمتهم وتباغضوا كان ذلك سبب هلاكهم في
الطريق.
فلما كان سفر الدنيا بهذه الحالة فالسفر إلى الله تعالى وإلى الفردوس الأعلى أحق بالترافق والتواد في طريقه، ولا ضيق في طريق سعادة الآخرة، ولذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع، ولا تباغض، ولا تحاسد. وأما السالكون بطريق تعلمهم وتعليمهم طلب الرئاسة فهم خارجون عن موجب قول الله
(1) ذكر نحوه الغزالي في الإحياء، وعلق عليه العراقي في المغني (55/ 1) بقوله: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة.
[1/ 117] (1/128)
صفحة 129
قنطرة العلم
(1)
113
تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَم (1). وداخلون في قوله تعالى: (الْأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
(2)
عَدُو إِلا الْمُتَّقِينَ (2).
الوظيفة الثالثة: أن يقصد العالم بتعليمه وجه الله تعالى ويقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه في أن يطلب ثواب الله في تعليم من علم وإرشاد من أرشد، ولا يطلب بذلك في الدنيا عوضاً ولا أجراً، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: (قُلْ لَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ) (3).
(4)
وقال تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) (1).
وعن أبي العالية قال: لا تأخذوا عليه أجراً وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أجر العالم كأجر الصائم القائم». فحسب من هذا أجره أن يلتمس عليه أجراً أو يرى لنفسه منة على المتعلمين منه، ولو كانت المنة لازمة لهم، بل ينبغي أن يرى لهم المنّة عليه إذا طهروا قلوبهم بأن يتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها كالذي يعيرك أرضه لتزرع فيها زراعة لنفسك، فالمنة لصاحب الأرض عليك، وثواب المعلم في التعليم أكثر من ثواب المتعلم، ولولاه ما نال المعلم ذلك الثواب الجزيل فلا ينبغي له أن يطلب الأجر إلا من الله تعالى وإلا فقد أبطل ثوابه، وخسر [118/ب]
سعيه، وإنما الأليق بالعلماء نزاهة النفوس عن شبهة المكاسب والقناعة بالميسور من كد
المطالب.
فبذلك تزكو نفوسهم ويسلم لهم دينهم وأعراضهم، ويتوفر علمهم، وتوجد له الحلاوة والقبول في أنفس المتعلمين والمنتفعين منهم؛ لأن شبهة المكسب عار في الدنيا ونار في العقبى، وكذا المطلب إذلال للنفس وإهانة للعلم وأنشد الماوردي لعلي بن عبد العزيز
القاضي الجرجاني:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
(1) سورة الحجرات الآية: 10. (2) سورة الزخرف الآية: 67. (3) سورة هود الآية: 29.
(4) سورة البقرة الآية: 41،. وسورة المائدة الآية: 44. (1/129)
صفحة 130
114
قنطرة العلم
أرى الناس من دناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما وما زلت منحازاً بعرضي جانباً من الذم اعتد الصيانة مغنما ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من في الأرض أرضاً منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما أنهها عن بعض ما قد يشينها مخافة أقوال العدا فيما أولما
فلو
ولكـ
ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لقيت لكن لأخدما اشقي به غرساً وأجنيه ذلة إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ـن أهانوه ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما انظر كيف انتهى أمر الذين يزعمون أنهم للعلم موضع وللدين مفزع، وأن مقصدهم به حشد الجهال وكثرة الاتباع ومخالطة ذي الأموال من الغوغاء والرعاع وأن غرضهم بهذا كله كما زعموا إحياء الدين وإقامة الحق المبين فاضطرهم حب الدنيا وطلب الرئاسة، وجمع 119/ 1] الحطام إلى استدراج العوام بالخدع الدينية واستعمال / المداهنة في الدين حتى اندرس الكلية، فصاروا ضحكه عند الجهال وخدّاماً لأرباب الأموال يتذلل أحدهم للجاهل من تلامذته، وينتهض له حماراً مسخراً لقضاء حاجاته، فإن قصر في ذلك ثار عليه وصار من أعد أعدائه. أخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم يفرح مع ذلك، برضاء الجاهل عنه، واجتماع السفلة عليه فصار من يدعي العلم والمعرفة يتضرع للجهال، ويتبصبص لذوي الأموال. كيف والمال وجميع ما في الدنيا خادم للبدن الذي هو مركب للنفس ومطيتها والمخدوم
هو العلم إذ به شرف النفس ونجاتها؟
فمن طلب المال بالعلم كان كمن مسح نعله برجله ليطهر النعل من الأنجاس، فجعل المخدوم خادماً والخادم مخدوماً.
ما هذا لعمري هو التعس والانتكاس على أم الرأس فكيف يفرح العاقل بهذه المنزلة ويرضى بها، ثم لا يستحي ويقول: إن غرضي إحياء الدين والتقرب إلى الله تعالى بإقامة الحق المبين فانظروا واعتبروا (1). وبالله التوفيق.
(1) راجع الوظيفة الثانية في الإحياء بنحو هذا الكلام (56/ 1). (1/130)
صفحة 131
قنطرة العلم
110
الوظيفة الرابعة: النصيحة للمتعلمين والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم؛ فإن ذلك أعظم الأجرهم، وإسناد لذكرهم، وأنشر لعلومهم وأرسخ لمعلومهم، ومن النصيحة للمتعلم أن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي.
ثم ينبهه على أن مطلب العلوم القرب من الله تعالى دون الرئاسة، والمباهات والمنافسة ويقبح في نفسه ذلك بأقصى ما يمكن من التقبيح فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما
يفسده.
واعلم أن المتعلمين ضربان مستدع وطالب. فأما المستدعي إلى العلم: فهو من استدعاه / العالم إلى التعلم لما ظهر له من جودة ذكائه وقوة خاطره، فإذا وافق استدعاء العالم [120/ب] شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك السعداء، وظفر النجباء؛ لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر. وأما الطالب للعلم لداع يدعوه وباعث يحدوه: فإن كان الداعي دينياً وكان المتعلم يقظاناً ذكياً وجب على العالم أن يكون عليه مقبلاً وعلى تعليمه متوافراً لا يخفى عنه مكنوناً ولا يطوي عليه مخزوناً.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال لعلي بن أبي طلب: لئن يهدي الله بك رجلاً
خير ممن طلعت عليه الشمس.
وإن كان بليداً بعيد الفطنة فينبغي ألا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه الكثير فيظلم، ولا يجعل بلادته ذريعة إلى حرمانه، فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا ولا تضعوه في غير أهله
فتأثموا».
وقال بعض الحكماء: لا تمنعوا العلم أحداً فإن العلم أمنع لجانيه. فإن لم يكن الداعي دينياً نظر فيه، فإن كان مباحاً كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة، وطلب الرئاسة، فالقول فيه يقارب التعليم له، إذ كان مطلوبه من العلم ما يرجاه أن يعطفه في الحال الثاني، وذلك مثل علم التفسير والحديث، وعلم الآخرة، ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها، وما أشبه ذلك مما كان الأولون يشتغلون به ولذلك حكي عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله. قناطر الخيرات ج/1 م/9 (1/131)
صفحة 132
116
قنطرة العلم
وقال ابن المبارك: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
وذلك العلم مثل ما قدمناه من علم التفسير والمواعظ، فإذا تعلمه الطالب وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه؛ فإنه ربما يتشمر له الطالب طمعاً في الوعظ به للجاه والاستتباع ولكنه ربما [1/ 121] يتنبه في آخر الأمر إذ فيه العلوم / المخوفة من الله عز وجل المحقره للدنيا المعظمة للآخرة. وذلك يوشك أن يرده إلى قصد الآخرة؛ حتى يتعظ بما يعظ به غيره ويجري تحبيب
القبول والجاه بذلك أول مرة مجرى الحب الذي ينثر حوالي الفخ ليقتنص به الطير. وقد فعل الله ذلك لعباده إذ خلق الشهوة؛ فيصل الخلق بها إلى بقاء النسل، وخلق أيضاً
حب الجاه ليكون سبباً لإحياء العلوم، وهذا متوقع في هذه العلوم.
وأما علوم المجادلات والفتاوى والخصومات والأشعار التي فيها السخف، وأشباه ذلك فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب، وغفلة عن الله سبحانه وتمادياً في الضلال وجمعاً للحطام إلا من تداركه الله سبحانه. برحمته.
وأما إن كان الداعي إلى التعليم شراً كامناً ومكراً باطناً يريد أن يستعملهما المتعلم في شبهة دينية وحيل فقهية لا يجد أهل السلامة عنها مخلصاً، ولا فيها مدفعاً. كما قال النبي عليه السلام: «لا أخاف عليكم مؤمناً ولا مشركاً؛ لأن المؤمن قد شغله إيمانه، والمشرك قد أذله الله
بشركه ولكن أخاف عليكم منافقاً عالم اللسان جاهل القلب. . . . . الحديث. وقال عليه السلام: أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد». وقيل: يا رسول
الله، أي الناس أشر؟ فقال: «العلماء إذا فسدوا». فينبغي للعالم إذا رأى من هذا حاله أن يمنعه من طلبته، ولا يعينه على إمضاء مكره وخديعته؛ فإن إعانة من هذه حالته بسلاح العلم يجري مجرى إعانة قاطع الطريق بالسلاح. وقد روي عن أبي المنيب حامد بن يانيس رحمه الله: أنه كان إذا أتاه أبو خليل الدركلي رحمه الله للتعلم، فإن وجده مضطجعاً قعد على نفسه أو مغطياً وجهه كشف عنه، [1/ 122] أخوه عمرو بن يانيس فإن وجده قاعداً، اضطجع أو مكشوفاً وجهه غطاه. فقيل / له في ذلك، فقال أبو خليل: إنما يتعلم الله وأما عمرو فإنما يتعلم ليؤذي المسلمين ويعنتهم. فكان الأمر كما
وإن أتاه
قال الشيخ: فكان أبو خليل قائماً بالدين قادة في الإسلام، فصار عمر وبالاً على المسلمين وصاحباً لخلف بن السمح فأحدث أحداثاً في الإسلام، فكان يتتبع زلات المسلمين ويكتب بها إلى الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فكتب إليه الإمام فقال: أعاذنا الله يا عمرو من النزول بعد (1/132)
صفحة 133
قنطرة العلم
117
الطلوع، ومن الترك بعد الاجتهاد، ومن بغض المسلمين بعد محبتهم، ومن نفاق تخفيه الأبدان، ومن أشياء ليس لها تجارب فقال: بلغوه الكتاب، وما أظن أن تدركوه إلا ميتاً،
(1)
فلعل أن تدركوا جنازته، فوجدوه كما [قال] حمل إلى القبر. والله أعلم.
وفي روايات أبي سفيان محبوب رحمه الله قال: كان رجل ممن يقر بهذه الدعوة يقال له: سلمة، ثم ظهرت منه أشياء كان يكتب بطائق يشتم فيها المسلمين ويعيبهم، ويلقيها في المجالس حتى وجدوا نيفاً على أربعين بطاقة من عيب المسلمين وشتمهم فاجتمعوا لذلك ليظهروا أمره للمسلمين ويتبرأوا منه.
قال: فتكلم أبو روح مغلس فقال: إنا وجدنا كتباً فيها عيب المسلمين، وشتمهم فوالله ما كتبها إلا شيطان فعلى من كتبها لعنة الله ثم تتابع المتكلمون على مقالة أبي روح، ولم يسموا
أحداً.
قال: فخرج سلمة إلى البحر فغرق فيه، فعافاهم الله تعالى من شره. فإذا رأى العالم في المتعلمين أمثال هؤلاء الفساق الذين يكون علمهم وبالاً على المسلمين، ومميتاً للدين فليقصم ولا يُفذهم العلم؛ لئلا يكون شريكهم في الشر والإثم.
وقد روي عن النبي عليه السلام من طريق أنس أنه قال: واضع العلم في غير أهله
كمقلد الخنازير اللؤلؤ.
وعن عيسى عليه السلام: «لا تلقوا اللؤلؤ للخنزير».
وفي حديث آخر: «لا تلقوا الدر في أفواه الكلاب».
/ فالعلم أفضل من اللؤلؤ ومن لا يستحقه شر من الخنزير.
وحكي أن تلميذاً سأل عالماً. عن بعض العلوم فلم يفده فقيل له: لم منعته؟ فقال:
لكل تربة غرس ولكل بناء أس.
وقال بعض البلغاء: لكل ثوب لابس، ولكل علم قابس.
وقال بعض الأدباء: إرث لروضة توسطها خنزير وإرث لعلم حواه شرير. قال الشاعر.
إني وتأبيني بمدحي معشراً كمعلق دراً على الخنزير
(1) هذه رواية يتضح فيها المبالغة حيث أن بها علماً للغيب الذي خص الله تعالى به نفسه. وكذا لم يجزم الشيخ بصحتها حيث عقب عليها بقوله: والله أعلم.
[123/ب] (1/133)
صفحة 134
118
قنطرة العلم
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها من أهلها، فتظلموهم.
العلماء:
ويقال: من أعطى الحكمة غير أهلها حاكمته الحكمة إلى ربها وأنشد بعض السلف من
لعمري لئن ضيعت في شر بلدة فلست مضيعاً عندهم غرر الكلم فإن فرج الله اللطيف بفضله وصادفت أهلاً للعلوم وللحكم صبرت مفيداً واستفدت ودادة وإلا فمخزون لدي ومكتتم ومن منح الجهال علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ومانع علم الدين ممن يريده بوء بأوزار وإثم إذا
ويروي
(1)
أن سفيان الثوري رؤي حزيناً فقيل له: مَا لَكَ؟ قال: صرنا متجراً لأبناء الدنيا يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل عاملاً أو قاضياً أو قهرمانا (2). والله أعلم.
وينشد للمتنبي:
قالوا: نراك تطيل الصمت قلت لهم: ما طول صمتي من عي ولا خرس لكنه أفضل الأمرين عاقبة عندي وأجمله من منطق شكس أأنشر البز فيمن ليس يعرفه أم أنثر الدر بين العمي في الغلس وأما إذا كانت زلة المتعلم بينه وبين الله تعالى فلا ينبغي أن يقصى، ويحرم العلم بل يلطف به لعلمه، ويتوب إذا كان الخير فيه مرجوا، والشر من قلبه مأموناً.
وفي روايات أبي سفيان محبوب / رحمه الله أنه قال: كان حاجب رحمه الله يقول لعبد الملك الطويل فيما يؤدبه فيه: يا عبد الملك إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في أشياء تكون
الله أن
بينه وبين الله تعالى فاستروا عليه وعظموه واحضروه مجالسكم وارفقوا جهدكم عسى يتوب عليه، وإذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في خلافهم في الدين يريد أن يشغب عليهم ويفتق عليهم، فتاقاً، فابدوا، عورته واهجروه، ولا تحضروه مجالسكم، وأَعْلِمُوا الناس به حتى يكونوا منه على حذر، أو يتوب (3). والله أعلم.
(1) نحو هذا الشعر في الوظيفة السادسة من الإحياء (57/ 1).
(2) راجع هذا الأثر بآخر الوظيفة الثالثة بالإحياء.
(3) راجع الوظيفة الثالثة في إحياء علوم الدين (56/ 1) فقد جاء بها بعض هذا الكلام دون الأشعار.
[1/ 12 (1/134)
صفحة 135
قنطرة العلم
119
الوظيفة الخامسة: ينبغي للعالم أن يكون له فراسة يتوسم بها أحوال تلامذته وغيرهم من المتعلمين منه من الناس فيعطي كل واحد منهم مبلغ طاقته وقدر استحقاقه، فيعطيه ما لا يجهله بذكائه، ولا يضعف عن بلادته، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم.
جميع
وقد روي عن النبي من طريق أنس بن مالك أنه قال: إن الله عباداً يعرفون الناس
بالتوسم.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا أنا لم أعلم ما لم أر، فلا علمت ما رأيت.
وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير ما لم ير برأيه ما لم ير بعينه.
وعن أبي عمر بن العلاء كان ابن العباس المعياً، قال أبو عبيدة: الألمعي الذي يهجم
بظنه على اليقين.
وقال أبو العيناء: سألت الأصمعي عن الألمعي، قال: هو الذي يلمع الحق في ظنه
فيهجم عليه بيقين.
وقال غيره: سألت أبا زيد عن الألمعي، فقال: الذكي المتوقد الذي يكون بظنه أوثق
منك بيقين. قال ابن الرومي: الألمعي يرى بأول امره آخر الأمر من وراء المغيب لو دعي له فؤاد ذكي ماله في فؤاده من ضريب
لا يروي ولا يقلب طرفاً واكف الرجال في التقليب ويروى أن أبا عبيدة مسلم رحمه الله قال لأحد حملة العلم عنه: افت بما سمعت مني [125/ب] وما لم تسمع، وهو الإمام عبد الرحمن بن رستم رحمه الله. وقال لآخر: افت بما سمعت مني وهو أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري الإمام رحمه الله. وقال للثالث: لا تفت أنت بما سمعت مني ولا بما لم تسمع وهو أبو داود القبلي. ثم كان الإمام عبد الوهاب رحمه زمانه عند أبي داود كالصبي قدام المعلم ما أوتي الإمام من العلم والعقل.
الله
في
انظر إلى فراسة أبي عبيدة في تلامذته حتى عرف مبلغ علم كل واحد منهم، ومبلغ عقله فأمره بما يليق بعلمه وعقله، ثم انظر إلى أبي داود: الذي حظر عنه الفتوى على كل حال وهو قد بلغ من العلم والفضل الدرجة التي يجلس من أجلها الإمام عبد الوهاب بين يديه كالصبي
بين يدي المعلم. (1/135)
صفحة 136
120
قنطرة العلم
ثم انظر إلى الذين عرّضوا أنفسهم لإحياء الدين، وإقامة الفتوى بزعمهم من أهل زمانك، حتى تعرف أحوال السلف الصالح من أهل زمانك، فإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيراً لم يضع له عناء ولم يخب على يده متعلم، وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكدّ، وتعب غير مجد، لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي يحتاج إلى الزيادة، وبليد يحتاج إلى القليل فيضجر الذكي، ويعجز البليد.
ومتى تردد أصحابه بين ضجر وعجز ملوه وملهم ولذلك قيل: كِلْ لِكُلِّ عبد بمكيال عقله، وزن له ميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، ينبغي أن يقتصر العالم بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفر منه، ولكن يقتدي بصاحب الشرع له حيث قال: نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونخاطب الناس على قدر عقولهم (1).
فلذلك
/ فإن كان المتعلم ممن يستقل بفهم الحقائق فليلقها إليه وإلا اقتصر على ما يفهمه. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «ما من رجل يحدث قوماً بما لم تبلغه عقولهم
إلا كان فتنة على بعضهم.
وفي حديث علي إشارة إلى صدره فقال: هاهنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة، وصدق فقلوب الأبرار قبور الأسرار.
وقال النبي عليه السلام كلموا الناس بما يعرفونه ودعوا ما ينكرونه، أتريدون أن
يكذب الله ورسوله».
وعنه عليه السلام أنه قال: من وضع الحكمة في غير أهلها جهل، ومن منعها من أهلها
ظلم، إن للحكمة حقاً، وإن لها أهلاً فاعط كل ذي حق حقه».
وفي لفظ آخر: «كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء موضع الداء» فلا ينبغي للعالم أن يفشي كل ما يعلمه إلى كل أحد هذا إذا كان من يفهمه من الناس وكان أهلاً لذلك العلم. والذي ينبغي للعالم أن لا ينشر للمتعلم رخص الفتاوى والمسائل إلا إذا كان مأموناً
(1) قال العراقي في المغني: (57/ 1): رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير من حديث عمر منه وعند أبي داود من حديث عائشة: أنزلوا الناس منازلهم. . . . . .
أخصر
8/ 126] (1/136)
صفحة 137
قنطرة العلم
121
للمضطرين، والمتعلم إذا لم يكن أميناً فإنه
على الدين أهلاً لذلك؛ لأن الرخص إنما هي. يستعمل الرخص مختاراً لا مضطراً.
وقد قال بعض العلماء لبنيه: إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون. وسئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت عن رسـ رسول الله علماً نافعاً أنه قال: (من كتم جاء القيامة ملجماً يوم بلجام من ناره (1). فقال: اترك اللجام واذهب؛ فإن جاء من يفقه فكتمته فليلجمني.
(Y),
وقال بعض العلماء في قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) (2).
قال: فيه تنبيه على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى.
وقال بعض العلماء: الحكماء خير من لا يقل ولا يمل.
وقال بعض العلماء: كل علم أكثر على السمع فلم يطاوعه الفهم ازداد عماً به القلب، وإنما ينفع السمع في الآذان إذا قوي فهم القلوب في الأبدان (3). وبالله التوفيق.
الوظيفة السادسة: ينبغي للعالم أن لا يُعَنّف / متعلماً، ولا يحقر ناشئاً، ولا يستصغر [127/ب] مبتدئاً؛ فإن ذلك أدعى إليه وأعطف للمسترشدين إليه، وأحث على رغبتهم فيما لديه.
وقد روي عن رسول الله له أنه قال: «علموا ولا تعنفوا؛ فإن المعلم خير من المعنف». ولكن إذا ظهر من المتعلم أخلاق السوء، ينبغي له أن يزجره عن ذلك بطريق التعريض دون التصريح ما أمكن له ذلك، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ؛ لأن التصريح بذلك والتوبيخ له يورث الجرأة على المخالفة، ويهيج الحرص على الإصرار، ويهتك حجاب الهيبة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو منع الناس من فت البعر لفتوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء (1).
وينبغي للعالم إذا لم يكن متكفلاً بجملة العلوم ألا يقبح في نفس المتعلم ما لم يحط به من العلوم، كالعالم باللغة مثلاً: لا يقبح علم الفقه والعالم بالفقه لا يقبح علم الحديث والتفسير، ويقول إن ذلك نقل محض وسماع وهو من شأن العجائز، ولا نظر للعقل فيه.
(1) قال العراقي في المرجع والموضع السابق: رواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد بإسناد ضعيف.
(2) سورة النساء الآية: 5.
(3) راجع الإحياء (57/ 1) الوظيفة السادسة. (4) سبق ذكر الحديث والتعليق عليه قبل قليل. (1/137)
صفحة 138
122
قنطرة العلم
وكذا العالم بالكلام لا يقبح علم الفقه ويقول: ذلك فرع وهو كلام في حيض النسوان،
فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن، فهذه أخلاق مذمومة من العلماء الذين تعرضوا للتعليم فينبغي أن يجتنبوها بل العالم المتكفل بعلم واحد ينبغي له أن يوسع على المتعلم طريق التعليم في غير فنه هو، وإن كان متكفلاً بعلوم مختلفة فينبغي أن يراعي التدريج في ترقي المتعلم من رتبة إلى رتبة. وبالله التوفيق (1).
الوظيفة السابعة: أن لا يبخل العالم بتعليم ما يحسن ولا يمنع من إفادة ما يعلم فإن البخل به لوم وظلم والمنع منه حسد وإثم. فكيف يساغ له البخل بما منحه. جوداً من غير بخل، وأوتيه عفواً من غير بذل أم كيف يجوز له الشح بما أن بذله زاد، وإن كتمه تناقص ووها
وينشد:
أبا بكر دعوتك إن أطعت إلى ما فيه حظك إن غفلت / إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن أمرت وإن نهيت ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك السبيل إذا ضللت ينالك عفوه ما دمت حياً ويبقى ذخره لك إن ذهبت وتحمل منه في دنياك تاجاً ويكسوك الجمال إذا اعتريت العضب المُهنَّدُ ليس ينبو تصيب به مقاتل من ضربت
وكنزاً لا تخاف عليه لا خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددت فكيف يبخل من هذه صفته ولو سن ذلك من تقدمه لما وصل منه عنده بغيته، ولا انقرض بانقراض الأولين ولصار على مرور الأيام من الجاهلين.
وقال بعض الحكماء: إذا كان من قواعد الحكمة بذل ما ينقصه البذل، فأحرى أن يكون من قواعدها بذل ما يزيده البذل.
وقال بعض الحكماء: كما أن الاستفادة ليست نافلة للمتعلم، كذلك الإفادة فريضة على
المعلم، ثم له بالتعليم نفعان:
،
أحدهما ما يرجوه من ثواب الله تعالى فقد جعل النبي عليه السلام التعليم صدقة فقال: تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده».
(1) راجع الإحياء (56/ 1، (57) الوظيفة الرابعة والوظيفة الخامسة ففيهما من هذا الكلام كثير.
[1/ 128] (1/138)
صفحة 139
قنطرة العلم
123
وعنه عليه السلام من طريق ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: تعلموا وعلموا؛ فإن أجر
العالم والمتعلم سواء قيل: وما أجرهما قال: مائة مغفرة، ومائة درجة في الجنة». والنفع الثاني: زيادة العلم وإتقان الحفظ. فقد قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك
دراسة لعلمك واجعل مناظرة المتعلم تنبيهاً على ما ليس عندك.
وقال بعض العلماء: ينبغي للعالم أن لا يعجل ببذل العلم لطالبه في أول أمره بل يردده ثلاث مرات ويُعده لا يونسه فإن وجده معاوداً طالباً ومتردداً راغباً أجاب مسألته وأعطاه بغيته، وإن وجده تاركاً للمعاودة فليس هو من أهل الفائدة.
:
وقد / رفع عن أبي عبد الله محمد بن بركة رحمه الله أنه كان يتردد إلى أبي مالك طالباً [129/ب] للتعلم منه وهو يدافعه دفعات، فلما تصور عنده رغبته وتحقق إرادته، أقبل إليه فعلمه وأكرمه. فينبغي للعالم إذا رضي من جاءه للتعلم أن يعلمه ولا يحرمه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «استودعوا العلم الأحداث إذا رضيتموهم».
وعنه عليه السلام أنه قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين. وإن رآه للجهل راكباً وعن التعلم ناكباً أعرض، إهمالاً ولم يجعل له بالا، بل يبعده عنه، ويوئسه منه. وبالله التوفيق.
عنه
الوظيفة الثامنة: ينبغي للعالم إذا سأله السائل متعلماً أن يجيبه، وإن عاوده مستفهماً أن يفيده، ولا يضجر؛ لأنه ربما لم يفهم عنه الجواب في أول إجابته وإن أبان له أن يسأله متعنتاً أو عابثاً أو طالب رخصة متأولاً. صمت عنه ولم يجبه.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه: أمسك عن إجابة المتعنت، وهو حبر الأمة وربانيها القائل: من يسألني عما دون العرش أخبره.
وقد روي
أن علياً.
بن أبي طالب سأله ابن الكواء وهو على المنبر، فقال: اجلس يا ابن الكواء فإنك متعنت ولست بمتفقه. فقال والله ما أنا بمتعنت وإني لمتفقه وإنك لإمام وأنا الرعية، وإن الله الحجة عليك. فقال: ويلك يا ابن الكواء اسأل تفهماً فبين أضلاعي علم جم.
فهذا عليّ توقف عن الجواب لما ظن أنه متعنت ثم أجابه إذ أقسم له أنه متفقه. والتعنت مأخوذ من العنت وهو إدخال المشقة على الإنسان؛ لأن المتعنت يريد بسؤاله / الأذى والامتحان. وأنشد الماوردي:
[130/ب] (1/139)
صفحة 140
124
قنطرة العلم
يحاول إعناتي بما قال أو رجي ليضحك مني أو ليضحك صاحبه وكان بعض العلماء إذا سُئل عن أمر يكره فيه الجواب تمثل بهذا البيت: أرى الصمت خيراً من أمور كثيرة إذا لم يكن للناطقين كلام
وقيل كان الشيخ أبو محمد من أصحابنا إذا سئل عن غير مذهبه تمثل بهذا البيت: تحاول مني شيمة غير شيمتي وتطلب مني مذهباً غير مذهبي وقيل: جاء أعرابي إلى المأمون ليستمنحه فأراد المأمون إمتحانه فقال: يا أعرابي كم عليك من صلاة؟ فقال: إن الصلاة أربع فاربع ثم ثلاث بعدهن أربع ثم صلاة الفجر لا تضيع وهي اثنتان فاستمع ما أشرع
ثم قال للمأمون: يا أمير المؤمنين كم فيك من كاف؟ ولم يدر المأمون قال: فأخبرني يا أعرابي. فقال: فيك الكاهل، والكتد، والكتف والكشح، والكبد، والكلية، والكرسوع، والكف، والكعب، فوصله وأحسن جائزته.
فالكاهل: مقدم الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى فيه ست فقرات. والكتد: ما بين الكشح إلى منتصب الكاهل والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع وهو موضع السيف من المقلد. والكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصرة والكادة من الفخذ موضع الكي من جاعرتي الحمار. والله أعلم.
الوظيفة التاسعة: ينبغي للعالم أن يكون أوسع الناس صدراً؛ وأكثرهم صبراً، وأجملهم لقاء، وأحسنهم أخلاقاً؛ لأن المتعلمين منه يحدون خلائقه ويتخذون طريقه. فيجب أن يكون لهم أسنا الأفعال منهاجاً، ومن غي الضلال سراجاً، فلا. يمنع طالباً، ولا يؤيس راغباً، ولا ينفر في ذلك من قطع الرغبة منه والزهد فيما لديه واستمرار ذلك مفض إلى انقراض العلم
متعلماً،
[1/ 131] / بانقراضه.
وقد روي عن النبي لو أنه قال: ألا أنبئكم بالفقيه من الفقيه»؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: «مَنْ لا يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر. وينبغي له أن يختبر المتعلم؛ ليعرف موضعه من المعرفة. وعن محمد بن القاسم قال: أتيت عبد الله بن داود الحراني لأسمع
منه،
فخرج إلي (1/140)
صفحة 141
[/132]
125
قنطرة العلم
فقلت: أرأيت أن تحدثني؟ قال: أقرأت القرآن. قلت: نعم. قال: اقرأ علي {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَا نوح). فقرأته فقال: أصبت. ثم قال: نظرت في الفرائض؟ فقلت: نظرت في شيء من الكبر وبعض الصلب. قال: أيما أقرب إليك ابن أخيك أم ابن عمك؟ قلت: ابن أخي. قال: ولم قلت؟ لأن ذلك من ولد جدي وذا من ولد أبي. قال: أصبت. ثم قال لي: نظرت في شيء من العربية؟ قلت نعم قال: ما معنى قول عمر رضي الله عنه حين ضربه أبو لؤلؤة يا لعباد الله يا للمسلمين؟ ولم يقل يا للعباد ويا للمسلمين. فقلت: استغاث مما نزل به. قال: أصبت لو كنت اليوم محدثاً لحدثتك.
فقد اختبره، ليعلم موضعه ويقف على ما معه فيعطيه من التعليم حقه، ولا يبخسه منه حظه. وينبغي للعالم إذا جاءه كتاب فيه سؤال عن نازلة أن يشاور في جوابها من بحضرته ممن يصلح لذلك، ويقرأ ما فيها عليهم؛ فإن ذلك اقتداء بالسلف قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر) (2). إلا إن كان في الكتاب ما ينبغي أن يكتم عن غيره، أو في الجواب ما ينبغي أن ينفرد به دون من بحضرته فليكتم عنهم قراءته، وليجب عن السؤال الذي فيه دون مشاورة
جلسائه.
(2)
كما قيل عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال: كان الشافعي إذا جاءته فتوى عرضها على أصحابه وسأل كل واحد منهم / عما عنده. قال الربيع: فجاءته رقعة في بعض الأيام فقرأها وتبسم وكتب الجواب من غير إعلامنا بذلك كالعادة. قال: وكان فيها سئل المفتي المكي هل في تزاور، وضمة مشتاق الفؤاد جناح؟ فأجاب عن ذلك فقال:
أقول معاذ الله أن يذهب التقا تلاصق أكباد بهن جراح
وقيل إن امرأة جاءت إلى الحسن البصري فقالت شعراً:
حسن البصرة يا ذا النهى إني إلى وجهك مشتاق
قل لي وأنت المرء ذو حكمة في هل جائز تقبيل رعبوبة وردي
فأجابها الحسن:
(1) سورة يونس الآية: 71. (2) سورة آل عمران الآية: 159.
ما تحكيه صداق
ــة الخدي
براق (1/141)
صفحة 142
126
قنطرة العلم
وي تواق
رقراق
رياق
وهي
حسناء
أقول والرحمن لي شاهد ما أنا بالفحشاء نطاق إن كنت للتقبيل ذا إربة مشتهـ ى للهـ حرمت في الجنة حورية وردية الخد فاستشعر التقوى وكن خاشعاً فإن تقوى وسألته امرأة أخرى فقالت: يا أبا سعيد أيحل للرجل أن يتزوج على امرأته جميلة؟ فقال: نعم. فقالت: بعيشك يا أبا سعيد لا تفتي الرجال بهذا، والله أعلم. فهذه وأمثالها مما ينبغي أن يتفرد المفتي بقراءة كتاب سؤالها وينفرد بالجواب عنها. وينبغي للمفتي أن يتأمل المسألة تأملاً شافياً كلمة بعد كلمة ويكون توقفه في المسألة السهلة كتوقفه في الصعبة، ليكون ذلك عادة له.
وينبغي له أن يختصر الجواب ولا يطيل وقد حكي أن بعض أمراء البصرة سأل الحسن وابن سيرين عن مسألة، فاختصر الحسن وأطال ابن سيرين فلما خرجا قال الأمير: أما الحسن ففقيه وأما ابن سيرين فقاصر. والله أعلم.
الوظيفة العاشرة: ينبغي للعالم إذا سئل أن لا يعجل بالجواب وإن كان له حافظاً؛ حتى [1/ 133] يتفكر فيه ويعرفه معرفة صحيحة فيجيب / بعلم ويقين فإن ذلك من آداب العلماء.
وقد روي في الحديث: المؤمن وقاف، والمنافق وتاب».
وينبغي إذا سئل عما يعلم أن يجيب ولا يقول: لا أدري؛ فإنه مكروه وكذب.
وقد قيل أن الرياء سبعة وسبعون باباً، أدناه حين يقول فيما يدري: لا أدري.
رضي
وعن ابن عباس ان عمر (الله عنهما سأل أصحابه عن قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَاب (1) الآية. فقالوا: الله أعلم. فغضب فقال: قولوا نعلم، أو لا
نعلم.
عمر
: قد خزينا إن كنا لا
وعن عمر أيضاً أنه سأل رجلاً عن شيء فقال: الله أعلم، فقال. نعلم أن الله يعلم، إذا سئل أحدكم عن شيء فإن كان يعلمه فليقله، وإن كان لا يعلمه قال: لا
علم لي بذلك، لأنه لما لم يكن لي الإحاطة بالعلم سبيل.
(1) سورة البقرة الآية: 266. (1/142)
صفحة 143
قنطرة العلم
127
فلا عار أن يجهل بعضه، وإن لم يكن في جهل بعضه عار لم يقبح به أن يقول: لا أعلم
فيما ليس يعلم.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من سئل وأفتى بغير علم فقد ضل وأضل». وقال بعض الحكماء: أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من
عقلك أن تنطق بما لا تفهم.
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده أطال فأملي أم تناهى فأقصر ويخبرني عن غائب المرء فعله كذا الفعل عما غيب المرء مخبر قال الله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (1) إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (2) ..
وقال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (3)
وقد روي أن رجلاً سأل النبي عليه السلام: أي البقاع، خير، وأي البقاع شر؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل».
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: خمس خذوهن عني فلو ركبتم فيهن الفلك ما وجدتموهن إلا عندي: ألا لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستنكف أن يتعلم ما ليس عنده، وإذا سئل / عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم ومنزلة الصبر من الإيمان كمنزلة [134/ب] الرأس من الجسد.
وعن عليّ أيضاً قال: ما أبردها على الكبد، قالها ثلاث مرات، وقالوا: وما ذلك يا أمير
المؤمنين؟
قال: إذا سئل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم أي أرض تسعني وأي سماء تظلني
إذا قلت على الله ورسوله ما لا أعلم.
وفي لفظ آخر قال: فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل.
(1) سورة الأعراف الآية: 33. (2) سورة الأعراف الآية: 33. (3) سورة الإسراء الآية: 36. (1/143)
صفحة 144
[1/ 135]
128
قنطرة العل
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يأنف أحدكم إذا سئل
عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: إذا ترك العالم قول: لا أدري أصيبت مقالته.
وقال بعض العلماء: هلك من ترك لا أدري.
وقال بعض البلغاء من قال لا أدري علم فدرى، ومن انتحل ما لا
فهوى. وقال ابن دريد
ومن
كان يهوى
أن
يري
متصدراً
يدري،
أهمل
ويكره لا أدري أصيبت مقالته
،
وحرام على الإنسان أن يتكلم بما لا يعلم ولا سيما في الدين فإنه لا يخلو أن يحل
(1) ,
حراماً أو يحرم حلالاً. وقد قالت "علماء: تحريم الحلال كتحليل الحرام وحَسْبُ المرء إذا سئل عما لا يعلم أن يجيب بما أجابت به ملائكة الله حين قالوا: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا (1). وينشد لعبد الله بن مصعب ولقد أحسن: ترى المرء يعجبه أن يقول وأسلم للمرء أن لا يقولا فأمسك عليك فضول الكلام فإن لكل كلام فضولا ولا تصحبن أخا بدعة ولا تسمعن له الدهر قيلا فإن مق يوشك افياؤها أن يزولا وقد أحكم الله آياته وكان الرسول عليها دليلاً فأوضح للمسلمين السبيل فلا تتبعن سواها سبيلا
كالضلال
/ فلا يجوز للمسؤول أن يجيب إلا بما يعلم صحته إما حفظاً أو رأياً، إن كان ممن يجوز له اجتهاد الرأي، ولا ينبغي للعالم وإن صار في طبقة العلماء الأفاضل أن يستنكف من تعلم ما ليس عنده ليسلم من التكلف له.
وعن عيسى عليه السلام قال: يا صاحب العلم تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجهال
ما علمت.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: لو كان أحد مكتفياً من العلم لاكتفى منه
(1) سورة البقرة الآية: 32. (1/144)
صفحة 145
قنطرة العلم
موسى عليه السلام حيث قال: هَلْ اتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِي مُمَا عُلِّمْتَ رُشْدا) (1).
129
وقيل للخليل بن أحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كنت إذا لقيت عالماً أخذت منه وأعطيته.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: اثنان منهومان لا يشبعان أبداً: طالب علم، وطالب دنيا، أما طالب العلم: فإنه يزداد قرباً من الرحمن، ثم قرأ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (2).
وأما طالب الدنيا: فإنما يزداد طغياناً، ثم قرأ كَلاً إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى) (3).
ولا ينبغي للعالم أن يجهل من نفسه مبلغ علمها ولا يتجاوز بها قدر حقها؛ لأن جهل حال نفسه كان لغيره أجهل.
وعن
عرف نفسه.
من
عائشة رضي ا الله عنها أنها قالت: يا رسول الله متى يعرف الإنسان ربه؟ قال: «إذا
وقد قسم الخليل بن أحمد أحوال الناس فيما علموه أو جهلوه أربعة أقسام متوالية لا يخلوا الإنسان منها فقال: الرجال أربعة أقسام رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم
(4)
فاسألوه (1).
ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، فذكروه (ه).
ورجل لا يدري ويدري. أنه لا. فذلك يدري مسترشد فأرشدوه.
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه)
(1)
وأنشد الماوردي لأبي القاسم الآمدي وأظن أن هذا البيت أول الأبيات:
(1) سورة الكهف الآية: 66.
(2) سورة فاطر الآية: 28. سورة العلق الآيتان: 6 7.
(3)
في الإحياء: فاتبعوه.
لم ترد تلك اللفظة في الإحياء.
راجع إحياء علوم الدين (59/ 1). (1/145)
صفحة 146
[136/ب]
130
قنطرة العلم
/ تمام العمى طول السكوت وإنما شفاء العمى يوماً سؤالك من يدري إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي بسائل من يدري فكيف إذا تدري جهلت ولم تعلم بإنك جاهل فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري إذا جئت في كل الأمور بغمة فكن هكذا أرضاً يطأك الذي يدري ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري
فصل
ومما يجب على العالم أن يلتزم التواضع ويتجنب العجب والتكبر، لأن التواضع عطوف والعجب والتكبر منفر صروف، وهو بكل أحد قبيح، وبالعلماء أقبح، ولأن العجب نقص يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وقد ورد الخبر به عن النبي عليه السلام وعنه عليه السلام أنه قال: «قليل الفقه خير من
كثير العبادة.
:
وكفى بالمرء علماً إذا عبد الله وكفى به جهلاً إذا عجب برأيه، وعلة إعجاب العلماء بأنفسهم انصراف نظرهم إلى من دونهم من الجهال وانحراف نظرهم عمن فوقهم من أ العلماء. وقد قيل: في منثور الحكم إذا علمت فلا تذكر كثرة من دونك من الجهال، ولكن انظر إلى من فوقك من العلماء. وينشد لابن العميد: من شاء عيشاً جيداً يستفيد به في دينه ثم دنياه إقبالا فلينظرن إلى من فوقه أدباً ولينظرن إلى من تحته مالا وقل من تجد بالعلم معجب (1) إلا من كان فيه مقلاً مقصراً؛ لأنه يجهل قدره ويحسب أنه قد نال بالدخول فيه أكثره، وأما من كان فيه متوهجاً ومنه مستكثراً فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك غايته مما يصده عن العجب به، وقد قال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
(Y),
إلا قليلاً) (2).
فالعلم أكثر من أن يحيط به البشر، وليس من عالم إلا وكان أعلم. منه، قال الله سبحانه:
[137/ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (3). وينشد:
(1) أي مفتخراً ومتكبراً. (2) سورة الإسراء الآية: 85. (3) سورة يوسف الآية: 76. (1/146)
صفحة 147
قنطرة العلم
131
وراء كل ذي علم عليم وينتهي إلى الله كل العلم ناهيك من أعطى وقال ابن محبوب رحمه الله: لا يزال العالم عالماً ما دام يتعلم، فإذا رأى أنه قد استكفى
فهو جاهل.
ومن
أبداً.
وعن الشعبي أنه قال: العلم ثلاثة أشبار من نال منه شبراً فشمخ بأنفه وظن أنه عالم، نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه جاهل وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد
اعلم
فصل
أنه قد يتعلق بالدين علوم كل علم منها فضيلة ينبغي للمتعلم التطرف من كل علم منها مثل: علم التفسير والحديث والقراءات، وتواريخ الأخبار، وعلم الغريب وأشباه ذلك.
6
وقد يقال علوم الشريعة عشرة أنواع: مزدوجات لا تصح فة أحدها إلا بالآخر وإلا معرف كان واهياً ضعيفاً وهي: الكلام واللغة والنحو والقرآن، والفقه والسنة، والفرائض والضرب، وطبائع الإنسان وطبائع الأغذية من علم الطب.
فمن لم يعلم. ذلك المقصود منه والمطلوب كَلَّ علمه وقل فهمه واختل حكمه.
ويجمع
وقد بين الشافعي فضيلة بعضها فقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم الغريب رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
ولعمري ان أس الفضائل كلها صيانة النفس عن الرذائل التي تصدر منها؛ لأن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه من العلم سلبه الجهال فضيلة علمه ووسموه بقبح تبدله لما في طباعهم من نقمة الحسد وتراع المنافسة فتنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساواء ولا سيما من كان بالعلم موسوماً وإليه منسوباً، فإن زلته لا تقال وهفوته لا تعذر؛ إما لقبح أثرها / واغترار كثير من الناس بها؛ لأنه قيل زلة العالم كالسفينة تغرق فهذا، وجه، وإما لأن الجهال [1/ 138] بذمه أغرى وعلى تنقصه أحرى ليسلبوه فضيلة التقدم ويمنعوه مباينة التخصص عناداً لما جهلوه، ومقتاً لما باينوه؛ لأن الجاهل يرى العلم تكلفاً ولوماً كما أن العالم يرى الجهل تخلفاً وذماً. وينشد عن الشافعي: فمنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه
قناطر الخيرات ج/ 1/ 10 (1/147)
صفحة 148
132
قنطرة العلم
[139/ب]
فهذا زاهد في قرب هذا وهذا أزهد منه في إذا غلب الشقاء على سفيه تنطع في مخالفة الفقيه فعلى العالم أن يلتزم الأدب والوقار والحلم والسكينة والعلم ولا يجالس الجهال، ولا يخض معهم فيما يخوضون فيه من الأقوال والأفعال.
وقال بعض الحكماء: من صاحب العلماء وقر، ومن صاحب الجهال حقر، على أن العلم عوض من كل لذة ومغن عن كل شهوة ومن كان صادق النية فيه لم تكن له همة فيما يجد بدأ منه.
وقد قال بعض الحكماء من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة ومن تسلى بالكتب لم تفته
سلوة. وينشد:
خير ما ورث الرجال بنيهم أدب صالح وحسن ثناء
هو خير من الدنانير والأوراق في يوم شدة أو هي تفنى والدين والأدب الصالح لا يفنيان حتى اللق إذا تأدبت يا بني صغيراً كنت يوماً تعد في
اء
[وقال] (1) غيره: قل لمن فاخر جهلاً بالنسب إنم ـا الناس لأم وأب هل تراهم خلقوا من فضة أو حديد أو نحاس أو ذهب أو ترى فضلهم في خلقه غير لحم فوق عظم وعصب / إنما الفخر بالعقل راجح وبأخلاق حسان وأدب فهذه جملة كافية في أداب المتعلم والعالم وما يليق بهما من الأخلاق الرضية والأفعال
المرضية. وبالله التوفيق.
الباب الثامن في آفات العلم وعلماء السوء
اعلم أن هذا الباب ينحصر في جملتين:
(1) زيادة لإيضاح المعنى. (1/148)
صفحة 149
قنطرة العلم
133
إحداهما: في آفات العلم.
والثانية: في الأخبار والآثار الواردة في علماء السوء.
الجملة الأولى في آفات العلم وهي كثيرة ونحن نذكر هاهنا منها ما لا بد منه:
فأول آفات العلم: انصراف القلب عن التعلم حتى لا تكون للإنسان همة في الطلب وذلك يكون بأسباب:
أحدها: علو منزلة واستصلاح رئاسة دخل فيها، فهذا إلى العلم أحوج كما قدمنا.
الثاني:: أن يمنعه عن التعلم إصلاح ماله ومرمة حاله، فهذا أضعف عذراً؛ لأن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة تبعد عن الرحمن والعلم أفضل من المال؛ إذ به تنال النجاة عند الله تعالى، وقد تقدم فضل العلم على المال.
الثالث: يمنعه عن التعلم كبر السن فيتركه استحياء من تقصيره في الصغر، وتعلمه في الكبر، فرضي بالجهل عن العلم، وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم لما كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى؛ ولأن يكون شيخاً متعلماً أولى من أن يكون شيخاً جاهلاً. الرابع:: أن يمتنع عن التعلم لتعذر المادة، وهذا أقل ما يكون إلا عند ذوي شره وشهوة
مستعبدة.
فينبغي أن يصرف إلى التعلم حظاً من زمانه؛ لأنه لا بد للمكتسب من أوقات عطلة أو
استراحة، ومن صَرَفَ كل عمره إلى الكسب فهو من عبيد الدنيا وأسراء الحرص.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: لكل شيء فترة فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا». الخامس: ربما منعه من التعلم ما يخشى من صعوبته وبعد غايته / ويخاف من قلة ذهنه، [1/ 140] وهذا الظن من اعتذار ذوي النقص وخيبة أولي العجز؛ لأن الخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال
القائل:
لا تكونن لأمور هوباً فإلى خيبة يصير الهيوب وقال رجل لأبي هريرة: أريد أن أتعلم العلم، وأخاف أن أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة.
فليس وإن تفاضلت الأذهان، وتفاوضت الفطن، ينبغي لمن قبل من العلم حظه أن ييأس من نيل القليل، وإدراك اليسير الذي يخرجه من حد الجهالة إلى ارتقاء مراتب التخصيص، (1/149)
صفحة 150
134
فالماء
قنطرة العلم
مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهي، وطالب
خلي لا سيما وطالب العلم معان؟
ذا السفاهة السادس: ربما منع
طلب العلم أن يصور في نفسه الحرمان من أجله، فإن من
رأى محبرة تطير منها أو وجد كتاباً أعرض عنه، وإن رأى متحلياً بالعلم هرب منه كأنه لم ير عالماً مقبلاً وجاهلاً، مدبراً وهذا لا يرجى له صلاح، ولا يؤمل منه اعتقد أن؛ لأن فلاح؛ من العلم شين وأن تركه زين، وأن الجهل إقبال والعلم إدبار، كان ضلاله مستحكماً ورشاده
مستبعداً.
وكان هذا
هو الخامس: الذي قال فيه علي بن أبي طالب اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو مجيباً ولا تكن الخامس فتهلك وقد روي هذا عن النبي عليه السلام مسند (1)، فنعوذ بالله من خدع الجهل المضلة، وبوار الحق المظلة، ونسأله السعادة بعقل رادع، وعلم نافع.
فإذا سلم العبد من آفات هذه الموانع وطلب العلم بالشهوة الصادقة، والجد القاطع، استقبلته آفة أخرى، وذلك بأن تكون في النفس أسباب فاسدة فيطلب نوعاً من العلوم لغرض يدعوه إلى ذلك، كرجل يؤثر القضاء والحكم بين الناس فيقصد من علم الفقه أدب القاضي،:141/ب] وما يتعلق عليه من الدعاوي والبينات / أو يجب الارتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات لئلا يصير موسوماً بجهل ذلك.
فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جوهره ونال منه مشهوره، ولم ير غير ذلك إلا صعباً طلبه، وعويصاً استخراجه فينبوا عنه لقصور همته على ما أدرك وانصرافها عما ترك ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك.
فإذن ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الكل ألوم ومنها أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب به أو لتجمل به فيقصد من العلم ما يشهر به من مسائل الجدال وطريق النظر ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق.
وبالجملة يقصد بعض العلوم التي لا تنفع (2) في الآخرة من علوم اللسان أو علوم العقل
مع ترك العلوم الدينية، أو علوم الدين. اعتقاد البدع فيه.
(1) في الأصل: مستنداً. (2) في الأصل: ينتفع. (1/150)
صفحة 151
قنطرة العلم
135
العلوم
ومنها: التقليد للآباء.
ومنها: قطاع طريقة الدين على المسلمين من أهل الإلحاد وفرق الموحدين.
ومنها: تلبيس إبليس عند لوامح الحق المبين، فإذا سلم من هذه الآفات كلها وحاز من أفضلها ومن الأعمال أصوبها وأكملها، فيحترز من الجدال والمراء كما يحترز من السم القاتل فإنه الداء العضال، وهو من آفات علماء السوء الذين بالغوا في التعصب للحق بزعمهم، ونظروا إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار حتى توفرت دواعيهم على طلب نصرة آبائهم ووقع البأس منهم، قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جدلاً) (1).
وفي الحديث: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدال» ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (2).
(2)
وعنه عليه السلام أنه قال: لا يجادل إلا منافق أو مرتاب».
وعن الأوزاعي أنه قال: إذا أراد الله بقوم شراً أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل.
وفي الخبر المشهور: أبغض الخلق إلى الله تعالى الألد الخصم.
وصحيح، وأما إذا قصد
والمجدال: هو الذي يقصد لدفع ما يرد عليه من فاسد، بالجدال مناظرة مبتدع لينقض بدعته ويطهر قلوب العوام من تشويش ضلالته، فذلك عادة السلف الصالح من المسلمين، وذلك فرض كفاية على علماء الدين ينفون عنه تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، لقوله عليه السلام: إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
واعتقاد العالم في ذلك الذب عن الدين بالبلاغة في المقال والمناصحة في الفعال والاعراض عن النضال ويقصد بذلك الدعاء إلى الحق المبين بالحكمة والموعظة الحسنة، فالمجادلة لغير ما ذكرنا ديدان السفهاء الجاهلين.
وأما المناظرة فهي أدب الفقهاء المحققين، ولكن لها شروط من حصلها بالكمال فلا حرج عليه في المناظرة، وإلا فهي مجادلة:
أحدها: أن يكون المناظر مجتهداً يفتي برأيه لا بمذهب أحد ممن تقدمه حتى إذا ظهر له
(1) سورة الكهف الآية: 54. (2) سورة الزخرف الآية: 58. (1/151)
صفحة 152
136
قنطرة العلم
الحق ترك رأيه وأفتى بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة والأئمة.
وأما من ليست له رتبة الاجتهاد، وهو حكم أهل عصرنا هذا وهو إنما يفتي فيه ناقلاً عن مذهب صاحبه ولو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم، ولو كانت مناظرته في المسائل التي فيها قولان لصاحبه لكان أشبه فربما يستفيد بالمناظرة الترجيح لأحد القولين.
الثاني: أن تكون مناظرته في المسائل الواقعة أو ما يقرب وقوعها غالباً كالفرائض، وأشباهها حتى لا يضيع أوقاته في المنازعات، ويتعرض للمخاصمات والآفات.
الثالث: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر، فإن الخلوة أجمع للفهم وأدرك، للحق وحضور الجمع يحرك دواعي الرياء ويهيج الحرص [143/ب] على نصرة كل واحد منهما لنفسه محقاً كان / أو مبطلاً.
الرابع: أن يكون في طلب الحق كناشد، ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يديه أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معاوناً لا خصماً ويشكره إذا عرفه الخطأ، وأظهر له الحق فهكذا كانت مشاورة الصحابة رضي الله عنهم، حتى ردت امرأة على. عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال: أصابت امرأة وأخطأ رجل.
وفي لفظ: كل يخاصم عمر حتى المرأة، وذلك حين تكلم في تنقص صدقات النساء. وسأل رجل علياً فأجابه فقال ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا. فقال: أصبت وأخطأت وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم. وذلك لما سئل أبو موسى عن رجل قاتل في سبيل الله فقتِلَ. فقال: هو في الجنة وكان أمير الكوفة. فقال ابن مسعود: أعد على الأمير فلعله لم يفهم، فأعاد وأعاد الجواب فقال ابن مسعود رضي عنه: أنا أقول إن قتل وأصاب الحق فهو في الجنة. فقال أبو موسى: ما قال، فهكذا أن يكون
إنصاف طالب الحق.
الله
ولو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه استبعد ذلك، وقال: لا يحتاج أن يقال أصاب الحق،
فإن ذلك معلوم لكل واحد.
(1) سورة يوسف الآية: 76. (1/152)
صفحة 153
قنطرة العلم
137
الخامس:: لا يمنع معينه على استخراج الحق بالنظر من الانتقال من دليل إلى دليل فهكذا كانت مناظرة السلف والصحابة رضي الله عنهم.
السادس: أن يناظر من يرجو الاستفادة منه ممن هو مستقل بالعلم فبهذه الشروط يتبين من يناظر الله سبحانه ممن يناظر لغرض يدعوه إلى ذلك في نفسه.
السابع: أن يسلم من آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق: من الكبر، والعجب، والحسد والمنافسة وتزكية النفس، وحب الجاه / والحقد على المناظرة، والغيبة، [1/ 144] والطعن عليه والكذب والبهتان، والتجسس وتتبع عورات الناس، والفرح بمسألتهم، والاستكبار عن الحق إذا ظهر، والرياء وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم، والمكر، والخديعة لدفع قول مناظره، وأشباه ذلك من رذائل الأخلاق؛ لأن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة، والإفحام للخصوم، وإظهار الشرف والفضل عند الناس واستمالة وجوههم هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله تعالى ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الحسد والكبر، وسائر ما قدمنا ذكره كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا، والقتل، والقذف والسرقة وسائرها.
كما أن الذي خُيّر بين شرب الخمر وسائر الفواحش فاستصغر الخمر، وأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره.
فكذلك
من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في الجدال والمناظرة؛ لأجل طلب الجاه، والمباهات به دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس، وهيج الأخلاق جميع
المذمومة.
منه
فلهذا قلنا إن الفقهاء الأولين وعلماء السوء المتمردين الذين فرقوا دينهم شيعاً ومزقوا الأمة قطعاً قطعاً دعاهم طلب الرئاسة، وحب الجاه والمنافسة إلى المجادلات والمناظرات والنظر إلى مخالفيهم بعين الازدراء والاستحقارات فانبعثت دواعي المخالفين بالمقابلة، والمكافات، وسمى كل فريق منهم ما صنفوا من المجادلات ذباً عن الدين ونضالاً المسلمين فكان ذلك على التحقيق سبباً لهلاك الخلق، ورسوخ البدع في نفوس الأمة إلا
المحسنين.
عن
فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون، ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم، ونحن نعوذ بالله من فتنة العمل، / ونعوذ بالله من التكلف لما لا [1/ 145] (1/153)
صفحة 154
138
قنطرة العلم
نحسن، كما نعوذ به من العجب مما نحسن، ونعوذ به من شر السلاطة والهذر كما نعوذ به من شر الغي والحصر. وبالله التوفيق.
الجملة الثانية في الأخبار والآثار الواردة في علماء السوء، اعلم أنه قد ورد في علماء السوء تشديدات عظيمة دلّت على أنهم أشد الخلق عذاباً يوم القيامة، قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لِيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ
سبيل الله)
(2)
وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لتبينَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (2). فلما لم يفعلوا غيرهم الله فقال: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوُا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (3) الآية. وقال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ إلى قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميْنَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقُّ) (4) الآية.
في أمثالها كثير وأما الأحاديث فكثيرة كقوله عليه السلام من طريق جابر بن زيد عن أنس بن مالك عنه عليه السلام أنه قال: ويل لمن لا يعلم ولم يعمل مرة، وويل لمن يعلم ولم
يعمل مرتين.
ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام أنه قال: من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات (5). وعنه عليه السلام أنه قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله تعالى بعلمه».
ويروى عنه عليه السلام أنه قال: لا يكون المرء عالماً حتى يكون بعلمه عاملاً (6). وعنه عليه السلام أنه قال العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله على ابن
آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع (7).
(1) سورة النور الآية: 34. (2) سورة آل عمران الآية: 187. (3) سورة آل عمران الآية: 187.
(4) سورة الأعراف الآية: 169.
(5) قال العراقي في المغني (59/ 1) رواه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد صحيح.
(1) قال العراقي في المغني (58/ 1) رواه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء والبيهقي في المدخل موقوفاً على أبي الدرداء ولم أجده مرفوعاً. (7) وفي المصدر السابق أيضاً قال: رواه الترمذي الحكيم في النوارد، وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا= (1/154)
صفحة 155
قنطرة العلم
139
=
والصغار
القيامة، يوم
وعنه عليه السلام أنه قال: من تعلم العلم للرفعة والعظمة أوقفه الله تعالى موقف الذل ة، ويجعله الله تعالى عليه حسرة / حين يكون العلم لأهله زيناً». وعنه عليه السلام أنه قال: يكون في آخر الزمان عباد جهال، وعلماء فساق (1). وفي حديث آخر عنه عليه السلام أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون أمناء خونة، وقراء فسقة ليست لهم رعة تغشاهم فتنة مظلمة يتهوكون فيها كما تتهوك اليهود في وعنه عليه السلام أنه قال: «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، فإذا فعلوا ذلك فاتهموهم على دينكم.
الظلمة».
وعنه عليه السلام أنه قال: لا تزال هذه الأمة تحت يد الله تعالى، وفي كنفه ما لم يمال قراؤها أمراءها وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن شرارها خيارها فإذا فعلوا ذلك الله عنهم يده وسلط عليهم جبابرة فساموهم سوء العذاب وضربهم بالفاقة والفقر وملأ قلوبهم رعباً.
رفع
وعنه عليه السلام أنه قال: «أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها».
وبلغنا أنه قيل: يا رسول الله: أي الشر شر؟ قال: اللهم عفواً شر شر شرار العلماء». وعنه عليه السلام أنه قال: «من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً (2). وعنه عليه السلام أنه قال: لا نأمن غير الدجال أخوف عليكم من الدجال». قيل: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «أئمة ضالون مضلون (3).
وعن حذيفة بن اليمان قال يا رسول الله هذا الخير الذي أتانا الله بك هل بعده من شر؟ قال: «نعم الفتنة». قال: وهل بعدها من خير؟ قال: نعم إغضاء على أقذاء، وهدنة على دخن». قال: وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم أئمة مضلون يقعدون على أبواب جهنم
بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد وأعله ابن الجوزي. (1) رواه الحاكم من حديث أنس وهو ضعيف قاله العراقي في المصدر السابق. (2) قال العراقي في المغني (59/ 1) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وحديث علي بإسناد
ثم
ضعيف إلا أنه قال: «زهداً»، وروى ابن حبان في روضة العقلاء موقوفاً على الحسن من ازداد علماً، ازداد بالله على الدنيا حرصاً لم يزدد من الله إلا بعداً، وروى أبو الفتح الأزدي في الضعفاء من حديث
علي: من ازداد بالله علماً ثم ازداد للدنيا حباً ازداد الله عليه غضباً.
(3) وينحوه في المغني (59/ 1) وقال: رواه أحمد من حديث أبي ذر بإسناد جيد.
[146/ب] (1/155)
صفحة 156
[1/ 147]
140
قنطرة العلم
ينادون إليها كل من أجابهم قذفوه فيها قال: جلهم لنا يا رسول الله فإني أخاف أن أدركهم،
قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بكلامنا».
وعنه عليه السلام أنه قال: أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم أو منافق يجادل / بالقرآن». وعن عيسى عليه السلام أنه قال: قيل له: أي الناس أشد فتنة؟ قال: زلة العالم إذا زل
بزلته عالم كثير.
وعنه عليه السلام أنه قال: يا علماء السوء تصلون وتصومون وتتصدقون، ولا تفعلون ما: تؤمرون، وتدرسون ما لا تعلمون فيا سوء ما تحكمون تتوبون بالقول والأماني، وتعملون بالهوى، وما يغني عنكم أن تتقوا جلودكم وقلوبكم دنسة بحق أقول لكم لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع
منها رغبته؟
بحق أقول لكم: إن قلوبكم تبكي من أعمالكم جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم، والعمل
تحت أقدامكم.
بحق أقول لكم أفسدتم آخرتكم، وصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة، وأي الناس أخسر منكم لو تعلمون ويلكم إلى متى تصفون الطريق للمدلجين، وأنتم مقيمون في محلة المتحيرين، كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم مهلاً مهلاً، ويلكم ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم.
كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم، وأجوافكم منه وحشة معطلة، يا عبيد الدنيا فلا كعلماء يعملون ولا كعبيد أتقياء، ولا كأحرار كرام، توشك الدنيا أن تقلعكم من أصولكم فتقلبكم على وجوهكم، ثم تكبكم على مناخركم، ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم، ثم يدفعكم العلم من خلفكم حتى يسلمكم إلى الملك الديّان عراة فرادى فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء أعمالكم. ا
هذا ما روي عن عيسى عليه السلام في كتاب المحاسبي قال: وبلغنا أن الله سبحانه أوحى إلى داود عليه السلام لا تستشر في أمرك عالماً أسكره حب الدنيا، فيقطعك بسكره عن [1/ 148] طريق محبتي / أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين.
هذه وأمثالها من الأخبار تدل على عظم خطر العلم، فإن العالم متعرض إما لهلاك الأبد (1/156)
صفحة 157
قنطرة العلم
181
أو لسعادة الأبد، وأنه بالخوض في العلم قد حرم السلامة إن لم يدرك السعادة. هذه الأخبار ما روي عن معاذ بن جبل رحمه الله موقوفاً ومرفوعاً: أن النبي
وأعظم من. عليه السلام قال: «إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع (1). وفي الكلام تنميق وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم، فمن العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار. العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من علمه أو تهون
ومن
بشيء من حقه غضب فذلك في الدرك الثاني من النار.
ومن العلماء من يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة
له أهلاً فذلك في الدرك الثالث. من النار.
العلماء ومن
الدرك الرابع من النار.
من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطأ والله يبغض المتكلفين فذلك في
ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس
من النار.
النار.
ومن العلماء من يتخذ علمه مرؤة ونبلاً وذكراً في الناس فذلك في الدرك السادس من
العلماء ومن
من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار، فعليك (3) بالصمت فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك بغير عجب أو
تمشي في غير أرب.
وفي خبر آخر: إن العبد لينتشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب، وما يزن عند الله
جناح بعوضة (3). والله أعلم.
وأما الآثار المروية في ذلك عن السلف فكثيرة منها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه
(1) قال العراقي في المغني (62/ 1): رواه أبو نعيم ابن الجوزي في الموضوعات. في الأصل:: عليك والتصويب من الإحياء (62/ 1).
(2)
(3) قال العراقي في المغني: (62/ 1): لم أجده هكذا وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة». (1/157)
صفحة 158
142
قنطرة العلم
قال: أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العالم؛ قالوا: وكيف يكون منافقاً عالماً؟ قال: عالم اللسان جاهل القلب.
وفي أخبار داود عليه السلام أن أدنى ما أصنع بالعالم إذ اثر شهوته أن أحرمه لذيذ مناجاتي يا داود: لا تسأل. عني. عالماً قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي. يا داود: إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، يا داود من رد إلي هرباً كتبته حميدا)، ومن كتبته حميد (2) لم أعذبه أبداً.
ولذلك قيل عن الحسن أنه قال: عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا
بعمل الآخرة.
ولذلك قال بعض العلماء: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلبت الدنيا بهما. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم؛ فإن كل محب يخوض فيما أحب.
(r)
وعن مالك ابن دينار أنه قال: قرأت في بعض الكتب أن الله عز وجل يقول: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا، أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه قال: وكتب رجل إلى أخ له: إنك أوتيت علماً فلا تطفين نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة. يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم. وقال الحسن: لا تكن ممن يجمع علم العلماء، وظرائف الحكماء، وتجري في العلم مجرى السفهاء.
(4)
وقيل لإبراهيم بن عيينة: أي الناس أطول ندامة؟ فقال: أما في عاجل الدنيا فصانع
المعروف إلى من لا يشكره، وأما عند الموت فعالم مفرط. وينشد: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه وهو من ذين أعجب)
(1) في إحياء علوم الدين (60/ 1): «جهبذا».
(2) في إحياء علوم الدين (60/ 1): «جهبذا».
(3) المرجع
السابق.
(4) المرجع السابق.
(5) المرجع السابق.
(0) (1/158)
صفحة 159
قنطرة العلم وقال بعض العلماء: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه، وإلا ارتحل.
143
وعن النبي عليه السلام أنه قال: إن العالم يعذب عذاباً / يطيف به أهل النار استعظاماً [1/ 150]
لشدة عذابه (1). أراد به العالم الفاجر.
أسامة وعن
بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار في الرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: ما لَكَ؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهي عن الشر وآتيه (2).
وقال بعض مشايخنا من أهل المشرق رحمهم الله في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ
(3)
شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (3). قال: ما أظن هؤلاء إلا علماء قومنا. وعنه عليه السلام أنه قال: أهلك أمتي رجلان: عالم فاجر وعابد جاهل (4). وقال بعض السلف: إنما جاء فساد الدين من قبل أربعة: عالم فاجر، وعابد جاهل، وطالب الدنيا بالدين وسلطان جائر. وينشد: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سـ سوء ورهبانها وعن أبي الدرداء أنه قال: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة، وويل لمن يعلم
،
ولا يعمل سبع مرات. وعن الشعبي أنه قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون لهم: ماذا أدخلكم النار؟ وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم؟ فيقولون: إنما كنا نأمر بالخير ولا
نفعله (ه)
وينشد:
وعامل بالفجور يأمر بالبر کهاد يخوض في الظلـ أو كطبيب قد شفه سقم وهو يداوي من ذلك السقم يا واعظ الناس غير متعظ ثوبك طهر أولاً فلا تلم
(1) قال العراقي في المغني (59/ 1): لم أجده بهذا اللفظ وهو معنى حديث أسامة المذكور بعده. (2) متفق عليه بلفظ الرجل بدل العالم قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) سورة مريم الآية: 69. (4) ذكره الغزالي في الإحياء بتمامه، وعلق عليه العراقي في المغني ((63/ 1) وقال: رواه الدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلاً بآخر الحديث نحوه وقد تقدم ولم أجد صدر الحديث.
(5) راجع الإحياء (63/ 1). (1/159)
صفحة 160
[/101]
182
قنطرة العلم
وعن الأوزاعي أنه قال: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار فأوحى الله تعالى إليها بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه، وينشد:
(1)
فسد (2) / يا معشر القراء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح أن ويروي الحسن انصرف من مجلسه فحمل إليه رجل من خرسان كيساً فيها خمسة درهم، وعشرة أثواب من دقيق البر، فقال: يا أبا سعيد هذه نفقة، وهذه كسوة فقال الحسن: عافاني الله ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا بذلك، إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقى الله تعالى يوم القيامة ولا خلاق له.
آلاف
وروى الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علماً فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشتر به ثمناً، فذلك الذي يصلي عليه طير الهواء، وحيتان الماء ودواب الأرض، والكرام الكاتبين يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيداً شريفاً حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله عز وجل علماً في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ به طمعاً واشترى به ثمناً يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار ينادي عليه مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ به طمعاً واشترى به ثمناً، فيعذب حتى يفرغ من حساب الناس (3).
وأشد
من
هذا ما
روي أن رجلاً كان يخدم موسى عليه السلام فجعل يقول: حدثني موسى نجي الله حدثني موسى نجي الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى صلوات الله عليه وعلى نبينا فجعل يسأل عنه فلا يحس له أثراً حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير، وفي عنقه حبل أسود - وفي بعض الروايات جاءه بأرنب في عنقها سلسلة ـ فقال لموسى عليه السلام: أتعرف فلاناً؟ قال: نعم. قال: هو هذا الخنزير. فقال موسى: يا رب أسألك أن ترده [152/ب] إلى حاله. حتى أسأله فيما أصابه هذا. فأوحى / الله عز وجل إليه لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكني أخبرك لِمَ صنعت هذا به؛ لأنه كان يطلب الدنيا بالدين
(4)
وروى أبو هريرة عنه أنه قال: من طلب علماً مما يبتغي به وجه الله سبحانه ليصيب
(1) راجع الإحياء (63/ 1).
(2) جاء هذا الشعر في الإحياء (60/ 1).
(م) قال العراقي في المغني: (61/ 1) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف.
(4) راجع الإحياء (61/ 1، 62). (1/160)
صفحة 161
قنطرة العلم
به عرضاً من الدنيا لم يجد ريح غرف الجنة يوم القيامة».
145
وقد وصف الله تعالى علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد فقال في علماء الدنيا {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيْثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلى قوله: {وَاشْتَرَوا بِهِ
تمنا (1).
وقال في علماء الآخرة: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ إِلَى قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (2) الآية.
وقال بعض السلف: العلماء يحشرون يوم القيامة في زمرة الأنبياء، والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين.
وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا بعلمه، وروى أبو الدرداء أنه قال: أوحى الله عز وجل إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس جلود الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخادعون وبي يستهزؤون لأيتحن عليهم فتنة تذر الحليم حيرانا (3).
وكان يحيى بن معاذ الرازي فيما بلغنا يقول: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية، وأبوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآئمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية فأين المحمدية، وينشد:
الشاة وراعي
(4)
يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب وقيل لبعض العارفين: أترى أن من تكون المعاصي قُرَّة عينه لا يعرف / الله؟ قال: ما [1/ 153] أشك أن من تكون الدنيا آثَرُ عنده من الآخرة أنه لا يعرف الله تعالى (5). وهذا دون ذلك بكثير. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو أن أهل العلم أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله تعالى من فوق عرشه ولأحبتهم ملائكته وأهل صفوته وأهل الأرض، ولكنهم
(1) سورة آل عمران الآية: 187.
(2) سورة آل عمران الآية: 199.
(3) قال العراقي في المغني: (61/ 1) رواه ابن عبد البر بإسناد ضعيف.
(4) راجع الإحياء (60/ 1).
(0) راجع الإحياء (60/ 1). (1/161)
صفحة 162
187
قنطرة العلم
أخذوه بغير حقه وطلبوا به الدنيا فمقتهم الله تعالى من فوق عرشه، ومقتهم أهل السماء وأهل الأرض وهانوا عليهم.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إن الذي بطانا عن. علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا
ولو عملنا بما علمنا لورث الله تعالى قلوبنا. علماً لا. أمثالنا. يقوم به
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: كيف يكون من أهل العلم من سيرة إلى آخرته وهو مقبل على دنياه؟ وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به لا ليعمل به؟! وأنشدوا:
بالسنة.
يا جاعل العلم له بازيا يصطاد ـوال المـ قد صرت مجنوناً بعد ما كن ت دواء للمجـ
ــانيـ
وعن صالح بن حسان البصري قال: أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من علم وعمل وعلم فذلك الذي يدعى عظيماً في ملكوت السموات ومن علم ولم يعمل فذلك الذي يضاعف له العذاب ضعفين، ومن لم يعمل ولم يعلم الذي يموت موتة جاهلية.
عصى
عن
علم
قال بعض علماء السلف: وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته؛ لأنه ولذلك قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (1). لأنهم تركوا بعد العلم وعصوا بعد المعرفة وجعل الله تعالى اليهود شراً من النصارى مع أنهم ما جعلوا الله [154/ب] سبحانه ولداً لأن / قولهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) (2) على جهة الرحمة في قول بعض العلماء وكذلك: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ (3). ولم يقولوا أيضاً: إن اللهَ ثَالِث ثلاثة) (1). فجعلهم شراً من النصارى، لأنهم أنكروا بعد المعرفة قال تعالى: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) (5). وقال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا تَفَرُوا به (6).
(1) سورة النساء الآية: 145.
(2) سورة التوبة الآية: 30.
(3) سورة المائدة الآية: 18.
(4) سورة المائدة الآية: 73.
(5) سورة البقرة الآية: 146، سورة الأنعام الآية: 20.
(6) سورة البقرة الآية: 89
(4) (1/162)
صفحة 163
قنطرة العلم
147
وقال تعالى في بلعم بن باعور: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} (1). حتى قال: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ (2) .. أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات، لأنه أوتي كتاباً فأخذ إلى الشهوات (3)، وأنشدوا لابن المبارك:
بين
الأساطين
ذر التزين في دنياك بالدين وأعمل ليوم تجازي بالموازين ليس اللباس لباس الصوف من عمل ولا لأخذك شعراً كالمجانين هذا اللباس مع الرهبان في شعث فهل تراه نجاة للرهابين قد يفتح المرء حانوتاً لمتجره فقد فتحت لك الحانوت بالدين الأساطين حانوتاً بلا غلق تبتاع بالدين أموال المساكين في سورة الكهف لو فكرت موعظة تنهاك عن خدع بين وفي الطواسين أخرى إن عملت بها نلت الرشاد بآيات الطواسين أما التي ذكرت في الكهف ناهية عن الرياء ثم أموال المساكين وآية القصص الأخرى فزاجرة عن التكبر أمثال الفراعين وعن عيسى عليه السلام أنه قال: مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر، لا هي شربت الماء، ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع، ومثل علماء السوء مثل قناة الحش ظاهرها، جص وباطنها نتن، وكمثل القبور ظاهرها عامرة، وباطنها عظام الموتى
(4)
ولا تظنن أن بترك (5) المال فقط به تلحق علماء الآخرة بل طلب الجاه أشر من المال. ولذلك قال بعض العلماء: حدثنا باب من أبواب الدنيا (7). ولذلك قيل / عن ابن سليمان [1/ 155]
الداراني قال: إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا (7). وإنما أراد به طلب الأسانيد العالية أو طلب الحديث الذي لا يحتاج إليه في طريق
الآخرة.
(1) سورة الأعراف الآية: 175.
(2) سورة الأعراف الآية: 176.
(3) راجع الإحياء (59/ 1، 60). (4) راجع المصدر السابق.
(ه) في الأصل: «ترك». واضفت الباء لإيضاح المعنى. (6) القائل بشر وراجع الإحياء (61/ 1). (7) القائل بشر وراجع الإحياء (61/ 1).
قناطر الخيرات ج/1 م/11 (1/163)
صفحة 164
[156/ب]
148
قنطرة | رة العلم
وعن الثوري أنه قال: فتنة الحديث أشد من فتنة المال والأهل والولد (1). ولذلك قال بعضهم: إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث، وإذا لم تشته فحدث؛ وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل نعيم في الدنيا فمن أجاب شهوته في ذلك فهو من أبناء الدنيا. وهذا عندي إذا كان قصده بالتحدث جر الجاه ومنفعته. والله أعلم. فهذه الأخبار والآثار التي أوردناها تبين العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخس حالاً عند الله وأشد عذاباً من الجاهل يوم القيامة، ولهذا قال بعض السلف: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص. وقال: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء سكرى إلا العاملين والعاملون مغرورون إلا المخلصين، والمخلص على وجل حتى يدري ما يختم له به. والله نسأله التوفيق وحسن | الخاتمة.
في
الباب التاسع
العلامات المييزة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة
ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء وهم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه، والمنزلة عند أهلها (2)، وهم الذين وردت فيهم الأخبار والآثار المتقدمة. ونعني بعلماء الآخرة العلماء بالله سبحانه العاملين له فهم الفائزون المقربون يوم القيامة ولهم علامات منها: أن لا يطلب بعلمه الدنيا، فإن أقل درجات العلم النافع، أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها، ويدرك عظم الآخرة ودوامها وبقاء نعيمها وجلالة ملكها. ويعلم / أن الدنيا والآخرة متضادتان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما سخطت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب في أحدهما كذلك تفرغ من الآخر، فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها، ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل، لأن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك، فكيف يكون. العلماء من لا عقل له؟ وإن من لا يعلم عظم الآخرة ودوامها فهو
مشرك مسلوب الإيمان.
(1) راجع المصدر السابق. (2) راجع الإحياء (58/ 1).
من (1/164)
صفحة 165
قنطرة العلم
149
فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له؟ وإنَّ من مضادة الدنيا والآخرة، وإن الجمع بينهما محال وطمع في غير مطمع فهو جاهل بشرائع الأنبياء كلهم بل هو كافر بالقرآن من أوله إلى آخره فكيف يعد من زمرة العلماء؟
ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان بعيد من الرحمن قد أهلكته شهوته وغلبت عليه، شقوته، فكيف يعد من أحزاب العلماء من هذه درجته
(1)
وقد روي عن جابر موقوفاً ومرفوعاً إلى رسول الله له أنه قال: «لا تجلسوا عند كل] (2) عالم إلا عالماً يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة (3).
(4)
قال الله سبحانه لنبيه عليه السلام: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ). وقال تعالى إخباراً عن قارون: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ (5) الآية.
الآية.
ثم قال: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاكم (6) [1/ 157]
فعرف أهل العلم مقدار الآخرة، وثواب الله فيها وخساسة الدنيا وحقارتها فعرف بذلك الجهال. والله أعلم.
ومنها لا يخالف فعله قوله، بل لا يأمر بالشيء إلا وهو أول عامل به، قال الله تعالى:
(8)
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) (7).
(1) راجع كل ما سبق في الإحياء (60/ 1). (2) ما بين المعقوفين من الإحياء (62/ 1).
(3) رواه أبو نعيم في الحلية، وابن الجوزي في الموضوعات قاله العراقي في المغني (62/ 1).
(4)
سورة النجم الآية: 30.
(5) سورة القصص الآيتان: 79، 80.
(6) سورة القصص الآيتان: 79، 80.
(7) سورة البقرة الآية: 44. (1/165)
صفحة 166
[158/ب]
150
قنطرة العلم
وقال تعالى في قصة شعيب عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ (1). وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لعن الله الأمرين بالمعروف التاركين له،
ولعن الله الناهين عن المنكر الفاعلين له.
وفيما يروى عنه أن الله عز وجل أوحى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك
فإن اتعظت فعظ غيرك وإلا فاستحيي مني (2). وأنشد:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً قد عبت منه أموراً أنت تأتيها يا كاسي الناس أثواباً وعورته للناس بادية ما إن يواريها (3) وعن الفضيل أنه قال: بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة
الأوثان (1).
وعن حاتم الأصم أنه قال: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علماً فعملوا به ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه وهلك [هو] (5). مالك بن دينار أنه قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زالت موعظته عن القلوب كما
وعن
تزل القطرة على الصفا (6). وينشد:
عود لسانك قلة اللفظ واحفظ كلامك أيما حفظ إياك أن تعظ الرجال وقد أصبحت محتاجاً إلى الوعظ
وعن الشيخ أبي نصر من مشايخ الجبل رحمهم الله أنه قال: لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا مثل ما يسلم من ضوء المصابيح إذا رفعوا من بيت إلى بيت في ليلة ذات ريح، ثم قال: هذا في العلماء فكيف الجهال؟ فالجهال دود لا يفلت منهم. أحد.
وعن النبي عليه السلام / أنه قال: مررت ليلة أسري بي بقوم كانت تقرض شفاههم
(1) سورة هود الآية: 88.
(2) راجع الإحياء (62/ 1).
(3) جاء البيت الأول بنحوه في الإحياء (63/ 1) في قصيدة دون البيت الثاني فلم يرد في أي من الأبيات
المذكورة.
(4) راجع المصدر السابق.
(5) ما بين المعقوفين من | المصدر السابق.
(1) راجع المصدر السابق. (1/166)
صفحة 167
قنطرة! رة العلم
بمقاريض من نار فقلت: من أنتم؟ قالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله» (1). وينشد:
151
لا تنه عن شيء وتأتي بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم فإذا جريت مع السفيه فلمته وفي مثل ما تأتي فأنت مليم ويروى أن في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لم تعلموا حتى تعملوا بما علمتم. ويحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه قال مررت بحجر مكتوب عليه اقلبني تعتبر، قال: فقلبته فإذا عليه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لا تعلم (2)؟! وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب، ولا ينتفع بالعلم يومئذ، عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا تجد لها عذوبة.
وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها عن الآخرة فعند ذلك يسلبهم الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفاء مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله سبحانه بلسانه والفجور بين في عمله.
فما أخصب الألسن يومئذٍ وما أجدب القلوب فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله (3).
وقال ابن السماك: كم من مذكر بالله ناس الله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله سبحانه، وكم من داع إلى الله عز وجل فار من الله تعالى، وكم من تال لكتاب الله عز وجل منفسخ من آيات الله جل جلاله.
(3)
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به / كمثل امرأة زنت [1/ 159] في السر فحملت فظهر حملها فافتضحت فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (5).
(1) رواه ابن حبان من حديث أنس قاله العراقي في المغني (62/ 1).
(2) راجع إحياء علوم الدين (63/ 1).
(3) راجع المصدر السابق.
(4) في المصدر السابق: «منسلخ».
(0) المصدر السابق. (1/167)
صفحة 168
152
قنطرة العلم
وعن معاذ رحمه
على زلته (1).
الله أنه قال: احذروا زلة العالم؛ لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه
وقال عمر] (2): ثلاث بهن يهدم الزمان: إحداهن زلة عالم.
وروي عن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا ندرس العلم في مسجد قباء، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تعلموا ما شئتم أن تتعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا (3).
(4)
وعن الأوزاعي: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع (4).
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال: لقد أعربنا في كلامنا فلا نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم
تعرب (ه).
يعلم
اعلم أن مثل العالم مثل القاضي، وقد قال: «القضاة ثلاثة: قاض قضى بالحق وهو فذلك في الجنة، وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو قضى وهو لا يعلم فهما في النار (6). وعن كعب أنه قال: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون يؤثرون الدنيا على الآخرة، يأكلون بألسنتهم يقربون الأغنياء دون الفقراء، يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره، أولئك الجبارون أعداء الرحمن
(V)
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنّ الشيطان ربما سبقكم بالعلم». قيل: يا رسول الله فكيف ذلك؟ قال: يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم، ولا تعمل حتى تعلم فلا يزال في العلم قائلاً، وللعمل مسوفاً حتى يموت وما عمل (8).
(1) المصدر السابق. (2) ما بين المعقوفين من المصدر السابق.
(3) رواه ابن عبد البر، وأسنده ابن عدي، وأبو نعيم، والخطيب في كتاب اقتضاء العلم للعمل من حديث معاذ فقط بسند ضعيف، ورواه الدارمي موقوفاً على معاذ بسند صحيح. قاله العراقي في المغنى (63/ 1).
(4) الغزالي في الإحياء (63/ 1).
(5) الغزالي في الإحياء (63/ 1).
(1) رواه أصحاب السنن من حديث بريدة وهو صحيح قاله العراقي في المغني (64/ 1). (7) الغزالي في الإحياء (64/ 1).
(8)
قال العراقي في المغني (64/ 1) الحديث في الجامع من حديث أنس بسند ضعيف. (1/168)
صفحة 169
قنطرة العلم
153
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: ليس العلم بكثرة الروايات، وإنما العلم الخشية (1). / وقال الحسن: السفهاء همتهم الرواية، والعلماء همتهم الرعاية (2).
وعن
مالك بن دينار أنه قال: إن طلب العلم، لحسن وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر إلى ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ولا تؤثرنّ عليه شيئا (3). وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: انزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملاً، وسيأتي قوم يبتغونه مثل الغناء ليسوا بخياركم والعالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء، والجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ولا يجدها (4).
وفي مثله يقول: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (5) والفضيل في انقطاع الإنسان من العلم
إلى العمل أو انقطاعه عن العمل إلى العلم إذا عمل بموجب العلم. هو ما حكي عن الزهري فيه وهو أنه قال: العلم أفضل من العمل به لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم.
فأما فضل ما بين العلم والعبادة إذا لم يخل بواجب ولم يقصر في فرض فقد روي عن النبي أنه قال: يبعث العالم والعابد فيقال للعابد ادخل الجنة، ويقال للعالم اتند حتى تشفع للناس». والله أعلم. ومن علامات علماء الآخرة أن يكون العالم غير مائل إلى الترفه في المطعم، والتنعم
في الملبس، والتجمل في الأساس والمسكن بل يلزم الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه في ذلك بالسلف الصالح، ويميل إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك كما ذكر أبو الحر علي بن الحصين رحمه الله في رسالته إلى الإمام عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله قال فيها: فالله الله يا أخي أن تعمى بعد البصر، وتضل بعد الهدى وبعد معرفة الإسلام، وبعد إخلاص طاعة الله بالتقوى؛ فإن أولي الألباب والنهي لم يكونوا أهل لهو ولا لعب ولم يكونوا أهل نسيان ولا ولا أهل راحة ولا فترة، ولا أهل تلذذ بالدنيا ومطايب عيشها، ولم يكونوا أصحاب نعيم
غفلة
[160/ب]
(1) الغزالي في الإحياء (64/ 1). (2) الغزالي في الإحياء (64/ 1).
(3) الغزالي في الإحياء (64/ 1). (4) الغزالي في الإحياء (64/ 1). (5) سورة الأنبياء الآية: 18. (1/169)
صفحة 170
154
قنطرة العلم
[1/ 161) ولا فخر، / ولا أهل إبل ولا بقر، ولا أصحاب خيلاء ولا كبر، ولا أهل رغبة في مال، ولا أهل ولا ولد إلا ما أعطاهم الله تعالى فإن كان كثيراً انقصوه عن أنفسهم، وآثروا به أهل الفاقة يفسدهم عن الله فيشروا ويبطروا ويمرحوا ويشغلهم ذلك عن الذي
[1/ 162]
خلقه تخوفاً أن من وكلوا به والذي هم به معنيون.
ذلك
فكان الأقل من الدنيا أحب إليهم من الأكثر، وكان الجوع أحب إليهم من الشبع ما لم يجهدوا، وهم في الشبع على أنفسهم أخوف، وفي الجوع أرجى وأذكر، وكان الفقر أحب إليهم من الغنى، وهم في الفقر أعبد الله وأتقى، وفي الغنى أنسى الله وأعصى، لضعفهم عن الشكر وحبسهم ما ليس لهم واستثثارهم به عن أهله وكان البلاء أحب إليهم من الرخاء للذي يرجون من الأجر في البلاء، ويخافون من الإثم في الرخاء، ولم يكونوا بطالين العشيات والضحى، ولكنهم كانوا يصبرون أنفسهم مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه.
وهي رسالة طويلة ذكر فيها حال النبي عليه السلام وأحوال الصحابة رضي الله عنهم،
في التقلل في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة وهي مكتوبة في كتاب رسائل الأئمة.
وكذلك أحوال مشايخ المسلمين من أهل المشرق وأهل المغرب، ومشايخ الجبل رحمهم الله في اقتصادهم في المعيشة وزهدهم في الدنيا - تركت ذلك هنا لئلا يطول الكتاب إذ ليس هذا موضعه ـ ويكفي في ذلك قول الله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا) (1) الآية. وقوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا (2).
وقوله عز من قائل إخباراً عن الكفار أبناء الدنيا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تأكُلُ الأَنْعَامُ) (3) الآية.
يشعر.
ويروى عن النبي عليه السلام أنه قال: من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه أخذ / حتفه وما
وفي كتاب المحاسبي عنه عليه السلام أنه قال: سيأتي بعدي قوم يأكلون أطايب
(1) سورة الأحقاف الآية: 20. (2) سورة الأعراف الآية: 31. (3) سورة محمد الآية: 12. (1/170)
صفحة 171
قنطرة العلم الأطعمة وألوانها، وينكحون أجمل النساء وألوانها، ويلبسون ألين الثياب وألوانها، ويركبون فرة الدواب وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، وأنفس من الكثير لا تقنع عاكفين على الدنيا يغدون ويروحون إليها، اتخذوها آلهة دون آلهتهم، ورباً دون ربهم إلى أمرها ينتهون وهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم، وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم، ولا يعود مرضاهم ولا يتبع، جنائزهم، ولا يوقر كبيرهم، ومن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام». وقال الله تعالى مخاطباً للمسلمين: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (1).
وقال بعض السلف: المؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع.
والتحقيق في هذا أن التزين بالمباح والتنعم بالحلال ليس بحرام، ولا محظور، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق عليه تركه واستدامة التنعم لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة.
ومراعاة الخلق ومراءاتهم وأمور لأجل كسب الدنيا، والتمتع بها، والحزم اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة، ولو كانت السلامة مبذولة مع الخوض في الدنيا لأحد لما كان النبي عليه السلام يبالغ في ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم وقال: إنها شغلتني عن صلاتي». ونزع أيضاً خاتم الذهب في أثناء الخطبة ورمى به ثم قال: «أما هذا فلا ألبسه أبداً». إلى غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله في / موضعه وقال تعالى لنبيه عليه السلام: {يَا أَيُّهَا [163/ب] النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) (2) الآية.
السلامة
من
فأمره بفراقهن إذا أردن زينة الدنيا فكيف إذا خضن فيها، فالوقوف على حدود المباح مع المداهنة والرياء، وسائر المحظورات عسير لا يقوى عليه إلا أهل اليقين من العلماء الأقوياء الموفقين والتنعم بالمباح خطره عظيم وهو بعيد من الخوف، والخشية الذين هما من علامات علماء الآخرة.
هذا في الحلال المحض فما ظنك في أمثالنا الغرقى في شبه المكاسب المحظورات،
(1)
سورة البقرة الآية: 197.
(2) سورة الأحزاب الآية: 28. (1/171)
صفحة 172
1??
قنطرة العلم
،
والمطامع المذمومات بل السلامة من المباح في التقلل والنجاة من الدنيا في الزهد والتوكل والله تعالى نسأله العصمة والتوفيق مع حسن) الخاتمة.
ومن علامات علماء الآخرة: أن تكون عناية العالم بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعة والقرب من الله تعالى، ويكون متقللاً أو متجنباً للعلوم التي يقل نفعها في طريق الآخرة، ويكثر فيها الجدال، والقال والقيل، وتصد عن ذكر الله تعالى.
وقد روي أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم؟ قال له: وما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه»؟. قال: وما رأس العلم؟ قال: «هل عرفت الله سبحانه؟ قال: نعم قال له: ما صنعت في حقه»؟. قال: ما شاء الله قال: هل عرفت الموت؟ قال: نعم قال: فما عددت له»؟ قال: ما شاء الله، قال: اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال نعلمك غرائب العلم (1).
بل ينبغي أن يكون تعلم العالم من جنس ما روي عن حاتم الأصم تلميذ شقيق البلخي،
معك
[1/ 164] إذ قال له شقيق: منذ كم صبحتني؟ فقال حاتم منذ ثلاث وثلاثين سنة. قال: / فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثمان مسائل قال شقيق إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري ولم تتعلم مني إلا ثمان مسائل!! قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها ولا أحب أن أكذب. فقال: هات هذه الثمان مسائل حتى أسمعها قال حاتم نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد
محبوبي،
يحب محبوبه، وهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر، فارقه، فجعلت الحسنات، فإذا دخلت القبر دخل معي محبوبي. قال: أحسنت يا حاتم فما الثانية؟ قال: نظرت إلى قول الله عز وجل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ الْمَأْوَى (2). فعلمت أن قوله سبحانه هو الحق، فأجهدت نفسي في دفع الهوى، حتى أستقر
هي
على طاعة الله تعالى. قال: فما الثالثة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له عنده قيمة ومقدار رفعه وحفظه، ثم إني نظرت في قوله عز وجل: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ (3) فكل ما وقع معي شيء له قيمة ومقدار، وجهته إليه ليبقى لي عنده. قال: فما الرابعة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال والحسب
(1) رواه ابن السني، وأبو نعيم في كتاب الرياضة لهما، وابن عبد البر من حديث عبد الله بن المسور مرسلاً
وهو ضعيف جداً.
(2) سورة النازعات الآية: 40.
(3) سورة النحل الآية: 96. (1/172)
صفحة 173
قنطرة العلم
157
والشرف والنسب، فنظرت فإذا هي لا شيء، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (1). فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً. قال: فما الخامسة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً، وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قوله عز وجل: وَنَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) (2). فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة عند الله سبحانه فتركت عداوة الخلق.
(3)
قال: فما السادسة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضاً فرجعت إلى قول الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوا (3). / فعاديته وحده [165/ب] واجتهدت في أخذ حذري منه؛ لأن الله شهد عليه أنه عدوي وتركت عداوة الخلق. قال: فما السابعة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق، فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل نفسه، ويدخل فيما لا يحل له، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (4). فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي، وتركت مالي عنده. قال: فما الثامنة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم متوكلين هذا على ضيعته وهذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحة بدنه، فكل مخلوق متوكل على مخلوق فتوكلت على الله فهو حسبي قال شقيق: يا حاتم وفقك الله، فإني نظرت في علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم وهو يدور على هذه الثمان مسائل، فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة (5).
فهذا الفن من العلم إنما يهتم بإدراكه والتفطن له علماء الآخرة، وأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعثت بها الأنبياء كلهم عليهم السلام (6). فمثال من يتعلم مسائل الفتاوى والجدال والخصومات وأعرض عن تعلم طريق الآخرة. وآفات الأعمال مثل رجل مريض به علل كثيرة، وقد صادف طبيباً حاذقاً في وقت ضيق يخشى فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية، وغرائب الطب وترك مهمة الذي
هو مؤاخذ به.
(1) سورة الحجرات الآية: 13. (2) سورة الزخرف الآية: 32.
(3) سورة فاطر الآية: 6. (4) سورة هود الآية: 6. (5) ذكر ذلك الغزالي في الإحياء (64/ 1، 65). (6) ذكر ذلك الغزالي في الإحياء (64/ 1، 65). (1/173)
صفحة 174
158
قنطرة العلم
وذلك لعمر الله محض السفه والله سبحانه نسأله العون والتوفيق والعصمة والتأييد إنه
قريب مجيب.
ومن علامات علماء الآخرة أيضاً أن يكون أكثر اهتمام العالم بتعلم علم الباطن ومراقبة [1/ 166] لقلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه بقوة المراقبة وشدة المجاهدة، ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله تعالى في الخلوة (1) حضور القلب بما في الفكر
والانقطاع إلى الله تعالى عن ما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف (3).
فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة؟ وكم من مقتصر على المهم في التعلم متوفر في العمل مع مراقبة القلب، فتح الله عز وجل له من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب.
ولذلك قال النبي: من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم) (3). وفي بعض الكتب السالفية: يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من راء البحر من يعبر يأتي به، العلم مجهول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين، وتخلقوا بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى
يعطيكم فيغمركم
(4)
ولولا أن أدرك قلب من له قلب بالنور الباطن، حاكم على علم الظاهر لما قال: استفت قلبك يا وابصة وإن أفتوك، وأفتوك، وأفتوك».
ومما يروى عن الله سبحانه أنه قال: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً، ويصراً. . . . (5) الحديث.
وفي الخبر: «إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتاً وزهداً فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة (6).
(1) يريد الجلوس في خلوة لذكر الله تعالى حتى لا يشغله شاغل أثناء التفكر والذكر. (2) إن كان يريد كشف غوامض العلوم والأشياء فنعم وإن كان يريد كشف الغيوب فلا. (3) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه قاله العراقي في المغني (71/ 1). (4) راجع الإحياء (71/ 1). (5) متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ: كنت سمعه وبصره وهو في الحلية كما ذكره المؤلف - الغزالي - من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني (71/ 1).
(6) رواه ابن ماجه من حديث ابن خلاد بإسناد ضعيف قاله العراقي في المغني (70/ 1). (1/174)
صفحة 175
قنطرة العلم
هو
159
وفي حديث آخر: «من أخلص الله عز وجل أربعين يوماً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه». وهذا العلم إنما يستفاد أكثره من العمل والمواظبة على المجاهدة، تصديقاً لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (1) الآية.
ومن
علامات علماء الآخرة أيضاً: أن يكون العالم شديد العناية بتقوية اليقين؛ فإن اليقين رأس المال في الدين ولا بد / للعبد من تعلم علم اليقين - أعني أوائله - ثم ينفتح للقلب [167/ب]
طريقه.
(4)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اليقين الإيمان كله (3). وقال: «تعلموا اليقين (3). روي عن الغزالي في كتابه قال: معناه جالسوا الموقنين واسمعوا منهم علم اليقين، وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما تقوى يقينهم وقليل منه خير من الكثير من العمل) وقال لما قيل له رجل حسن اليقين كثير الذنوب، ورجل مجتهد في العبادة قليل اليقين فقال: (ما من آدمي إلا وله ذنوب، ولكن من كان غريزته العقل، وسجيته اليقين لم تضره الذنوب، لأنه كلما أذنب تاب واستغفر وندم، فتكفر ذنوبه ويبقى له الفضل يدخل الجنة (5).
ولذلك قال: من أقل (6) ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطي حظه منهما لم
يبال ما فاته من قيام الليل أو صيام النهار) (7).
وفي وصية لقمان لابنه: يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين، ولا يعمل المرء إلا بقدر
يقينه ولا يقصر عمل العبد حتى ينقص يقينه
(1) سورة العنكبوت الآية: 69.
(^)
(2) رواه البيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن، قاله العراقي في
المغني (72/ 1).
(3) رواه أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد مرسلاً وهو معضل ورواه ابن أبي الدنيا في اليقين من قول خالد بن معدان، قاله العراقي في المغني (72/ 1).
(4) الإحياء (72/ 1).
(5) رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث أنس بإسناد مظلم، قاله العراقي في المغني (72/ 1).
(1) في الإحياء: «من أول». (7) قال العراقي في المغني (72/ 1) لم أقف له على أصل، وروى ابن عبد البر من حديث معاذ: «ما أنزل الله شيئاً أقل من اليقين ولا قسم شيئاً بين الناس أقل من الحلم». (8) راجع الإحياء (72/ 1). (1/175)
صفحة 176
17.
قنطرة العلم
فصل
وفي كتاب الغزالي قال: اعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء عليهم السلام من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين. قال: فإن اليقين عبارة عن معرفة مجموعة قال: ومتعلقات المعلومات التي وردت بها الشرائع لا مطمع في إحصائها. قال: ولكني أشير إلى بعض ا أمهاتها. فمن ذلك التوحيد وهو أن ترى الأشياء كلها من مسبب الأسباب، ولا تلتفت إلى الوسائط، بل ترى الوسائط مسخرة لا حكم لها.
فالمصدق لهذا مؤمن فإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إنكار الشك فهو موقن بأحد المعنين، فإن غلب على قلبه غلبة أزالت هيئة الغضب على الوسائط والرضا منهم والشكر لهم، [1/ 168] ويرى الوسائط / في قلبه منزلة القلم واليد في حق المنعم بالتوقيع، فإنه لا يشكر القلم ولا اليد، ولا يغضب عليهما، بل يراهما اللتين واسطتين، فقد صار موقناً.
بالمعنى الثاني: وهو الإشراف، وهو ثمرة اليقين الأول وروحه، وفائدته ومنها تحقق أن الشمس، والقمر والنجوم والجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره حسب تسخير القلم بيد الكاتب وإن القدرة الأزلية هي المصدر للكل استولى عليه التوكل والرضا والتسليم وصار بريئاً من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق.
تعالى.
قال: فهذا أحد أبواب اليقين (1)، وسيأتي له بيان مزيد في غير هذا الموضع إن شاء الله
ومن علامات علماء الآخرة: أن يكون حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركاته وسكونه ونطقه وسكوته لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكراً الله عز وجل، وكأن صورته دليل على علمه (2).
ولذلك روي أن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام إلى من:
الله؟ تكلنا بعدك يا روح قال: إلى من تذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله. فعلماء الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة، والتواضع، ولذلك قيل: ما ألبس الله
عز وجل عبداً لبسة أحسن من خشوع في سكينة؛ فهي لبسة الأنبياء، وسيما الصديقين
والصالحين والعلماء بالله.
(1) راجع إحياء علوم الدين (74/ 1). (2) راجع المرجع السابق (75/ 1). (1/176)
صفحة 177
قنطرة العلم
161
فأما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك والحدة في الحركة والنطق فكل ذلك من آثار البطر والأشر والغفلة عن عظيم عقاب الله عز وجل وشديد سخطه وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله عز وجل دون العلماء.
لما روي عن بعض علماء السلف (1) أنه قال: العلماء ثلاثة: عالم بأمر الله سبحانه لا بأيام الله تعالى وهم المفتون / بالحلال والحرام. قال: فهذا العلم لا يورث الخشية، وعالم بالله [169/ب] تعالى لا بأمر الله تعالى ولا بأيام الله تعالى وهم عوام المؤمنين، وعالم بالله جل جلاله
وبأيام الله سبحانه وهم الصديقون والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم
(2)
(r)
وأراد بأيام الله تعالى أنواع عقوباته الغامضة ونعمه الباطنة والظاهرة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه وظهر خشوعه إن شاء الله تعالى ويقال: ما آتى الله عز وجل عبداً علماً إلا آتاه معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورفقاً
فذلك العلم النافع.
وفي الخبر: «أن من أخيار أمتي قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله تعالى ويبكون سراً من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يتمشون بالسكينة، ويتقربون بالوسيلة (4).
(4)
وقال بشر بن الحارث من طلب الرئاسة بالعلم وتقرب إلى الله ببعضه، فإنه مقيت في
السماء والأرض (ه).
وروي
أنه
قيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال عليه السلام: «اجتناب المحارم، وأن لا يزال فمك رطباً من ذكر الله. قيل: فأي الأصحاب خير؟ قال: «صاحب إن ذكرت أعانك، وإن نسيت ذكرك». قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال عليه السلام: «صاحب إن سكت لم يذكرك، وإن ذكرت لم يعنك. قال: فأي الناس أعلم؟ قال: «أشدهم الله خشية». قالوا: فأخبرنا بخيارنا نجالسهم؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل». قالوا: فأي الناس شر؟
(1) هو سهل التستري قاله الغزالي في الإحياء (75/ 1).
(2)
هو سهل التستري قاله الغزالي في الإحياء (75/ 1).
(3) راجع المصدر السابق.
(4) رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه من حديث عياض بن سليمان، قاله العراقي في المغني
(1/ 0^) '
(5) راجع المصدر السابق. (1/177)
صفحة 178
[1/ 170]
162
قنطرة العلم
قال: اللهم عفواً». قالوا: أخبرنا يا رسول الله. قال عليه السلام: «العلماء إذا فسدوا (1). وذكر جابر بن يزيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأسامة بن زيد: «عليك بطريق الجنة وإياك أن تختلج. دونه. فقال أسامة: يا رسول الله ما أسرع ما يقطع به هذا الطريق. فقال عليه السلام الظمأ في الهواجر وكسر النفس عن لذات الدنيا يا أسامة عليك بالصوم وكثرة السجود فإن بهما يدرك ويباهي به الله الملائكة يا أسامة إياك وكل ذي كبد جائعة أن يخاصمك يوم القيامة، وإياك ودعاء عباد الله الذين أذابوا اللحوم وأحرقوا الجلود وغشيت أبصارهم فإن بهم يصرف الله البلاء والزلازل والفتن ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد نحيبه حتى ظنوا أنه أمر حدث من السماء ثم قال: يا ويح هذه الأمة ماذا يلقى منهم من أطاع الله عز
وجل بعدي.
وعنه أنه قال: «أكثر الناس أماناً في الدنيا أكثرهم فكراً في الدنيا، وأكثرهم ضحكاً
في الآخرة أكثرهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحاً في الآخرة أطولهم حزناً في الدنيا (2). وعن علي بن أبي طالب أنه قال في بعض خطبه: ذمتي رهينة وأنا زعيم لا يهيج علي التقوى زرع قوم ولا يظمأ عليَّ الهدى سنخ أصل، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمشر - أي جمع علما اغار في أغباش الفتنة سماه ـ إستاءه الناس وأرذالهم عالماً، ولم يغن في العلم يوماً سالماً بكر فاستكثر ما قلّ منه خير مما كثر حتى إذا ارتوا من أجر وأكثر من غير طائل جلس للناس مفتياً ليخلص ما التبس على غيره وإن نزلت به إحدى المبهمات هباء حسوا الرأي من رأيه فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت، أخطأ أم أصاب ركاب جهالات خباط عشوات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض [1/ 171] على العلم / بضرس قاطع فيغنم تبكي منه الدماء، وتستحل بقضائه الفروج الحرام، لا ملى والله بإصدار ماء ورد ولا هو أهل لما فرط به أولئك حلت عليهم النحبات والبكاء أيام حياة
لا يدري.
الدنيا (3).
(1)
قال العراقي في المغني: (75/ 1) لم أجده هكذا بطوله وفي زيادات الزهد لابن المبارك من حديث الحسن مرسلاً سئل النبي: أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تموت يوم تموت ولسانك رطب بذكر الله تعالى، وللدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلاً: ألا إن شر الشر شر العلماء وإن خير
الخير خيار العلماء». (2) قال العراقي في المغني (76/ 1): لم أجد له أصلاً. (3) راجع الإحياء (76/ 1). (1/178)
صفحة 179
قنطرة العلم
163
الحكمة
مصحفاً من
وروي في الإسرائيليات أن حكيماً من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين حتى وصف بالحكمة، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل لفلان قد ملأت الأرض بقاقاً
ولم تردني بشيء من ذلك لا أقبل من بقاقك شيئاً، فندم الرجل وترك ذلك وخالط أهل العامة ومشى في الأسواق وأكل مع بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي قل له: الآن وافقت رضائي.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل
فتمجه القلوب
الفهم
(4)
(1)
? (3)
وقال بعض ا السلف: من ضحك ضحكة مج [من] (2) العلم مجة ويقال: إذا جمع المتعلم ثلاثاً تمت النعمة به على المعلم العقل والأدب وحسن
وعلى الجملة الأخلاق التي ورد القرآن بها لا ينفك عنها علماء الآخرة؛ لأنهم يتعلمون القرآن للعمل لا للدراسة (5).
ولذلك قيل: خمس من الأخلاق وهي من علامات علماء الآخرة مفهومة من خمس آيات: وهي الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد. أما الخشية: فمن قوله تعالى: (إِنَّمَا يخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1).
وأما الخشوع: فمن قوله تعالى: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَسْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (). وأما التواضع فمن قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (8). وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (9) الآية.
(1) راجع الإحياء (76/ 1).
(2) ما بين المعقوفين من المصدر السابق.
(3) راجع الإحياء (76/ 1).
(4)
راجع إحياء علوم الدين (76/ 1).
(5) راجع إحياء علوم الدين (76/ 1). (6) سورة فاطر الآية: 28.
(7) سورة آل عمران الآية: 199. (8) سورة الشعراء الآية: 215. (9) سورة آل عمران الآية: 199.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 12 (1/179)
صفحة 180
164
قنطرة العلم
وأما الزهد فمن قوله تعالى: (وَقَالَ / الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [172/ب] وَعَمِلَ صَالِحام (1) الآية.
وعن ابن عمر قال: لقد عشنا برهة من الدهر فإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يتوقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده وينثره نثر الدقل (2).
وفي خبر آخر بمثل معناه قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتينا الإيمان قبل القرآن وسيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون حدوده [وحقوقه] (3)، يقولون: قرأنا، فمن أقرأ منا؟ وعلمنا، فمن أعلم منا؟ فذلك حظهم
وفي
(4)
لفظ آخر: أولئك شرار هذه الأمة (5). والله أعلم. ومن علامات علماء الآخرة أن يكون العالم منقبض (6) عن السلاطين، وأهل المنكر من الأغنياء المترفين. قال الله سبحانه: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ().
ينبغي
(7)
فلا ينبغي للعالم أن يركن إليهم ولا يدخل عليهم ما دام يجد سبيلاً إلى الفرار منهم، بل أن يحترز من، مخالطتهم وإن اقتربوا منه فإن الدنيا حلوة خضرة وزمامها بأيدي السلاطين، والمخالط لهم لا يخلو عن تكلف في طلب مرضاتهم، واستمالة قلوبهم مع أنهم ظلمة يجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدورهم بإظهار ظلمهم، وتقبيح فعلهم فالداخل عليهم إما أن يلتفت إلى تجملهم فيزدري نعمة الله تعالى عليه، أو يسكت على الإنكار عليهم فيكون مداهناً شريكاً لهم في ظلمهم، أو يتكلف في كلامه ما لا ينبغي طلباً لمرضاتهم، وتحسين حالهم، وذلك هو البهت الصريح أو يطمع في أن ينال من دنياهم، وذلك هو
السحت المحظور.
(1) سورة القصص الآية: 80. (2) راجع إحياء علوم الدين (76/ 1). (3) من المصدر السابق وقال العراقي تعليقاً: رواه ابن ماجه من حديث جندب مختصراً مع اختلاف. (4) من المصدر السابق وقال العراقي تعليقاً رواه ابن ماجه من حديث جندب مختصراً مع اختلاف. (5) من المصدر السابق وقال العراقي تعليقاً: رواه ابن ماجه من حديث جندب مختصراً مع اختلاف. (6) في الإحياء (67/ 1): مستقصياً». (7) سورة هود الآية: 113. (1/180)
صفحة 181
قنطرة العلم
?1?
(1)
ا وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح للشر وعلماء الآخرة طريقتهم الاحتياط في جميع [1/ 173]، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سكن البادية جفى، ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن (2).
الأمور
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون فمن
أنكر فقد براء ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع أبعده الله عز وجل (3). ومن طريق آخر فمن نابذهم، نجي، ومن اعتزلهم سلم أو كاد يسلم، ومن وقع معهم
في دنياهم فهو منهم.
قال الغزالي في كتابه وذلك أن من أعتزلهم سلم من إنمهم، ولكن لم يسلم من عذاب إن نزل بهم لتركه المنابذة والمنازعة.
يغمه معهم.
وعنه عليه السلام أنه قال: سيكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولم يرد علي الحوض.
وقال بعض علماء السلف في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك. وعن حذيفة رحمه الله أنه قال: إياكم ومواقف الفتن قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. وعن رسول الله من طريق أنس أنه قال: «العلماء أمناء الرسل على عباد الله عز وجل ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم ويروى أنه قيل للأعمش: لقد أحييت العلم بكثرة من يأخذ عنك. فقال: لا تعجلوا ثلث يموتون قبل الإدراك، وثلث يلزمون من السلاطين فهم شر الخلق والثلث الباقي لا يصح منهم
إلا القليل (5).
(E),
(4)
(7)
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه فإنه لص"
(1) راجع إحياء علوم الدين (67/ 1). (2) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث ابن عباس قاله العراقي في المغني (67/ 1). (3) رواه مسلم من حديث أم سلمة قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) قال العراقي في المغنى: (68/ 1) رواه العقيلي في الضعفاء وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
(5) راجع إحياء علوم الدين (68/ 1).
(6)
راجع إحياء علوم الدين (68/ 1). (1/181)
صفحة 182
196
قنطرة العلم
وفي رسالة أبي سفيان محبوب رحمه الله قال: وقديماً اتخذت الجبابرة عباد الله خولاً،
[174/ب] ودينه، رغلاً وماله، دولاً، واستحل الخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة، والسحت / بالهدية يأخذونها من غضب الله وينفقونها في معاصي الله ووجدوا على ذلك من خونة العلم أعواناً فيهؤلاء الأعوان خطب أهل الجور على المنابر وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في
العساكر، وبهؤلاء الأعوان اختفى العالم فلا ينطق ولا يفطن لذلك الجاهل فيسأل. وبهؤلاء الأعوان مشى المؤمن في طرقات الأرض بالتقية والكتمان، فهو كاليتيم المنفرد يسند به من لا يتقي الله.
وعن عبادة بن الصامت أنه قال: حب القاراء الناسك للأمراء نفاق، وحبه للأغنياء رياء وعن أبي ذر رحمه الله أنه قال: من كثر سواد قوم فهو منهم أي من كثر سوا اد الظلمة. وعن ابن مسعود رحمه الله قال: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا له. قيل له: ولم؟ قال: لأنه: يرضيه بسخط الله تعالى. وعن الأوزاعي أنه قال: ما من شيء أبغض إلى الله عز وجل من عالم يزور عاملاً (1). وعن النبي أنه قال: «شرار العلماء الذين يأتون الأمراء وخيار الأمراء الذين يأتون
دين
العلماء» (2).
وعن مكحول الدمشقي أنه قال: من تعلم القرآن وتفقه في الدين، ثم صحب تملقاً إليه، وطمعاً لما في يديه خاض في جهنم بعدد خطاه (3).
وقال بعض علماء السلف (4): ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا
يوجد
السلطان
ويسأل
عنه فيقال إنه عند الأمير قال: وكنت اسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وجاست نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك، وأنتم ترون ما ألقاه به منا الغلظة والفظاظة وكثرة المخالفة لهواه، ولو وددت | أني [175/ب] أنجو من الدخول كفافاً مع أني لا آخذ منهم شيئاً، ولا أشرب لهم شربة / ماء، ثم قال: وعلماء زماننا شر من علماء بني إسرائيل يخبرون السلطان بالرخص، وبما يوافق هواه، ولو
(1) راجع المصدر السابق. (2) رواه ابن ماجه بالشطر الأول نحوه من حديث أبي هريرة بسند ضعيف قاله العراقي في المغني (68/ 1).
(3) راجع الإحياء (68/ 1). (4) في الإحياء هو: «سمنون». (1/182)
صفحة 183
[1/ 176]
قنطرة العلم
167
(1)
أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقلهم وكره دخولهم وكان ذلك نجاة لهم عند ربهم وعن الحسن أنه قال: كان فيمن قبلكم رجل له قدم في الإسلام، وصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن المبارك - يعني سعد بن أبي وقاص - قال: وكان يغشى السلاطين ثم بعد عنهم، فقال له بنوه: يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام فلو أتيتهم فقال: يا بني آتي جيفة قد أحاط بها، قوم والله لئن استطعت لشاركتهم فيها. قالوا: يا أبانا إذن نهلك هزلاً. قال: يا بني لئن أموت مؤمناً مهزولاً أحب إلي من أن أموت منافقاً سمينا (2).
للإيمان.
قال الحسن: خصمهم والله إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن دون الإيمان (3). وفي هذه إشارة إلى أن الدخول على السلطان لا يسلم صاحبه من النفاق البتة وهو مضاد
وعن أبي ذر رحمه الله أنه قال لسلمة: يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين؛ فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا ما أصابوا من دينك أفضل.
منه
(4)
وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان يلقى إليه أن في وعظك لهم، ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعار الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول عليهم من الدين ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض في الثناء، والمدح، والدعاء،
وفيه هلاك الدين
(0)
وكان يقال: العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا
طلبوا فإذا طلبوا هربوا (6).
ويروي
أن
عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن: أما بعد / فأشر عليَّ بقوم استعين بهما
على أمر الله تعالى فكتب إليه: أما أهل الدين فلن يريدوك، وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
(3) راجع المصدر السابق.
(4) راجع المصدر السابق.
(5) راجع المصدر السابق. (6) راجع المصدر السابق. (1/183)
صفحة 184
[177/ب]
??
عليك بالأشراف؛ فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة (1).
في
قنطرة العلم
هذا في عمر بن عبد العزيز، وكان أزهد أهل زمانه - ولم ينقم عليه أصحابنا إلا في توقفه عثمان ومن كان مثله من أهل بيته ودخوله الإمارة بغير مشورة من المسلمين ـ فإذا كان شرط أهل الدين الهرب منه، فكيف ترجى السلامة في مخالطة غيره، ولم يزل علماء السلف مثل الحسن وجابر بن زيد وغيرهم من علماء الفرق والمذاهب يتكلمون في العلماء من أهل الدنيا لميلهم إلى الدنيا، ومخالطتهم السلطان (2). وبالله التوفيق.
ومن
علامات علماء الآخرة: أن لا يكون العالم مسارعاً إلى الفتوى بل يكون متوفقاً
محترزاً ما وجد إلى الخلاص سبيلاً.
فإن سئل عما يعلمه تحقيقاً بنص كتاب الله تعالى أو بنص حديث رسوله عليه السلام أو بإجماع الأمة أر بقياس جليّ أفتى وإن سئل عما يشك فيه قال: لا أدري.
وإن سئل عما يظنه باجتهاد أو تخمين رأي احتاط ودفع عن نفسه، وأحال على غيره إن كان في غيره غنية هذا هو الحزم؛ لإن تقلد خطر الاجتهاد عظيم "
(3)
ولذلك قال جابر بن زيد رحمه الله: لقد أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل أحدهم عن حادثة أو نازلة ودّ لو أن أخاه كفاه فتياها فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون من أن يسألوا فيجيبوا بما عندهم، وأنتم تنتصبون للناس وتسألونهم أن يستفتوكم ما أظنكم تحبون السلامة لأديانكم، ولا تخافون العقوبة من ربكم فاتقوا الله واحذروا الفتيا، فإذا سئلتم فإياكم أن تقدموا على ما ليس لكم به علم.
(1) ,
وفي الحديث: العلم ثلاثة كتاب ناطق، وسنة قائمة ولا أدري (4). وقد حكي عن / بعض المتقدمين أنه قال: لقد حويت العلم كله. فقيل له: من أين قلت
ذلك؟ قال: لعلمي بالفرائض.
وقد قال النبي عليه السلام: «الفرائض نصف العلم، ولأن أقول فيما لا أعلم الله أعلم.
(1) راجع المصدر السابق. (2) إحياء علوم الدين (69/ 1). (3) راجع المصدر السابق.
(4) رواه الخطيب في أسماء من روى عن مالك موقوفاً على ابن عمر، ولأبي داود، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً نحوه مع اختلاف قاله العراقي في المغني (69/ 1). (1/184)
صفحة 185
[1/ 178]
قنطرة العلم
(1)
169
وعن الشعبي أنه قال: لا أدري نصف العلم، ومن سكت حيث لا يدري الله سبحانه فليس بأقل أجراً ممن ينطق لأن الاعتراف بالجهل شديد على النفس وهكذا كانت عادة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم، ويروى أن ابن عمر كان إذا سئل الفتوى قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد بأمور الناس ووضعها في عنقه. وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: إن الذي يفتي للناس في كل ما يستفتونه لمجنون (2).
وقال جُنَّة: العلم لا أدري فإن أخطأها أصيبت مقاتله وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال: ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم، ويسكت بعلم. يقول: انظر إلى هذا سكوته أشد علي من كلامه (3) ووصف بعضهم الأبدال (4) فقال: أكلهم فاقة وكلامهم ضرورة أي ما يتكلمون حتى يسألوا فإذا سألوا ووجدوا من يكفيهم سكتوا، فإن اضطروا أجابوا، قال: وكانوا يعدون الإبتداء قبل السؤال من الشهوة الخفية للكلام).
ويروي
(0)
أن علياً بن أبي طالب مرّ بقاض يقص على الناس فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: أتعرف المحكم من المتشابه؟ قال: لا. فأخذ علي بيده وقال: إن هذا يقول: اعرفوني اعرفوني، ثم مرّ بقاص آخر فقال: أما أنا أسألك عن مسألتين فإن أجبت وإلا أوجعتك ضرباً. قال: سَلْ يا أمير المؤمنين قال ما ثبات الإيمان وزواله؟ قال: ثبات الإيمان الورع، وزواله الطمع. قال: قص فمثلك من يقص"
(1)
وقال بعض السلف: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسألة فكأنما تقلع ضرسه
(A)
(v)
وكان ابن عمر يقول: يريدون أن يجعلونا جسراً يعبرون / علينا في جهنم وقال بعض السلف: العالم هو الذي يخاف عند السؤال أن يقال له يوم القيامة: من أين
(1) راجع إحياء علوم الدين (69/ 1).
(2) راجع المصدر السابق.
(3) راجع المصدر السابق.
(4) الأبدال رتبة صوفية وكل ما ورد فيها من الأحاديث فهو ضعيف
(5) راجع المصدر السابق.
(6) في المصدر السابق باختصار.
(7) المصدر السابق.
(8) المصدر السابق. (1/185)
صفحة 186
170
قنطرة العلم
أجبت (1)؟ وكان بعضهم إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: لم تجدوا غيري حتى احتجتم
إلي (2).
وكان أبو العالية الرياحي وإبراهيم والثوري وابن أدهم يتكلمون مع اثنين وثلاثة، والنفر اليسير، فإذا كثروا انصرفوا (3).
فكيف يأنف العالم أن يقول فيما لا يعلم لا أدري، فهذه ملائكة الله سبحانه قالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا).
وفي كتاب الغزالي: وقد قال النبي عليه السلام: ما أدري أعزير نبي أم لا؟ وما أدري أتبع ملعون أم لا؟ وما أدري أذو القرنين نبي أم لا؟ (5).
وكان ابن عمر يسأل عن عشر مسائل، فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسع
وكان ابن عباس رضي الله عنه يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن تسع
(7)
واحدة (7).
(7)
ويسكت
ويشهد لحسن الاحتراز من تقلد الفتوى ما روي مسنداً أنه لا يفتي للناس إلا ثلاثة:
أمير، ومأمور ومتكلف (8).
والفتوى
وقال بعضهم: كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء: الأمانة والوديعة والوصية
(4)
"
(1)
وقال بعضهم: كان أسرعهم إلى الفتوى أقلهم علماً، وأشدهم دفعاً أورعهم. وكان شغل الصحابة والتابعين في خمسة قراءة القرآن وعمارة المساجد وذكر الله
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) سورة البقرة الآية: 32.
(5) رواه أبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (69/ 1).
(6) راجع إحياء علوم الدين (69/ 1).
(7) راجع إحياء علوم الدين (69/ 1). (8) المصدر السابق (70/ 1). (9) المصدر السابق (70/ 1). (10) راجع المصدر السابق. (1/186)
صفحة 187
قنطرة العلم
171
تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لما سمعوا من قوله: «كل كلام ابن
آدم عليه لا له، إلا ثلاثة أمراً بمعروف ونهياً عن المنكر، وذكر الله تعالى (1).
(2)
وقد قال الله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} (2) الآية.
قال: ورأى بعض العلماء بعض أصحاب الرأي من الكوفة في المنام فقال له: ما رأيت فيما كنت عليه من الفتوى والرأي؟ فكره وجهه وأعرض. فقال: ما
عاقبته والله أعلم
وجدت شيئاً، وما حمدنا
قال: كتب سلمان (4) رضي الله عنه إلى أبي الدرداء ـ وكان قد آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أخي بلغنا أنك قد اقعدت طبيباً تداوي المرضى فانظر فإن كنت طبيباً فتكلم فإن كلامك شفاء فإن كنت متطبباً فالله الله لا تقتل مسلماً.
فكان أبو الدرداء يتوقى بعد ذلك إذا سُئل (5).
وحكي
حفظه
أنه: روى صحابي في حضور الحسن عشرين حديثاً فسئل عن تفسيرها فقال: ما عندي إلا ما رويت فأخذ الحسن في تفسيرها حديثاً حديثاً، فتعجبوا من حسن. تفسيره. فأخذ الصحابي كفا من حصى ورماهم به وقال: تسألوني عن العلم، وهذا الحبر بين
وحسن
ماذا
أظهركم). والله أعلم. ومن علامات علماء الآخرة: أن يكون العالم أكثر بحثه عن علم الأعمال يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس، ويثير الشر، فإن أصل الدين التوقي من الشر،
ولذلك قيل:
وعن
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه (7) (1) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أم حبيبة قال الترمذي حديث غريب، قاله العراقي في المغني
(70/ 1)
(2) سورة النساء الآية: 114.
(3) راجع المصدر السابق. في الأصل: سليمان وهو تحريف. في الأصل: سليمان وهو تحريف. راجع إحياء علوم الدين (70/ 1).
3203
في الإحياء (77/ 1) جاء الشطر الأخير من البيت على النحو التالي:
ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه (1/187)
صفحة 188
172
قنطرة العلم
ولأن الأعمال الفعلية قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها.
وهذا مما يطول تشعبه ويكثر تفريعه وكل ذلك مما يكثر مسيس الحاجة إليه، وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة (1).
على ما سيأتي شرح بعض ذلك - إن شاء الله تعالى - في قناطر الكتاب. وذلك عادة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ولقد كان الحسن البصري فيما بلغنا أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء، وأقربهم هدياً من الصحابة اتفقت العلماء في حقه على ذلك.
وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساوس النفوس والخواطر، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس وقيل: له يا أبا سعيد، إنك تتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك / فمن أين أخذته؟ فقال: من حذيفة بن اليماني. وقيل لحذيفة: إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول الله، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني. وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير.
وفي! لفظ آخر كان الناس يقولون: يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا فيسألونه عن فضائل الأعمال؟ وكنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم). وكان حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقال إن جبريل عليه السلام أمره بذلك فخصه عليه السلام بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه ودقائق الفتن.
وكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضي الله عنهم ممن يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل عن المنافقين فيما بلغنا فيخبر بأعداد من بقي ولا يخبر بأسمائهم
من
ويروى ان عمر (
(r)
رضي الله عنه صلى على جنازة فلما رجع قال يا حذيفة رجل يموت أصحاب محمد ولا تحضر جنازته! قال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) راجع المصدر السابق.
(2) قال العراقي في المغني (77/ 1) الحديث أخرجاه مختصراً.
(3) راجع الإحياء (77/ 1).
[1/ 180] (1/188)
صفحة 189
قنطرة العلم
أسر إليَّ.
سر
173
فقال عمر: يا حذيفة أنشدك الله أمنهم كان قال: اللهم نعم. قال: أنشدك الله
أمنهم أنا. فقال حذيفة: لا والله يا أمير المؤمنين، ولا أومن بهذا أحد غيرك ـ يعني أنه يقول ليس من المنافقين .. فقيل لجابر بن زيد أتخاف النفاق؟ قال: وكيف لا أخافه وقد خافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان عمر رضي الله عنه فيما بلغنا إذا دعي إلى جنازة نظر فإذا نظر حذيفة صلى عليها، وإلا ترك وكان يسمى صاحب السر
(1)
فالعلانية بأحوال القلب ومقاماته هو دأب علماء الآخرة /؛ لأن القلب هو الساعي إلى [181/ب] قرب الله تعالى (2). وهذا إنما يعتني بالبحث عنه علماء الآخرة.
(2)
وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون ما تيسر لهم فطلب المعاش، وكسب الحطام من مسائل الخصومات، والأقضية، والأحكام ويتبعون في مسائل ينقضي الدهر ولا تقع، وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم.
وربما يجدون من يكفيهم ذلك، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم، ووساوسهم، وأعمالهم.
فما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر وقوعه إيثاراً للقبول، والتقرب إلى الخلق على التقرب من الله، وحرصاً أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فضلا عالماً، وجزاؤه من الله تعالى أن لا يشفع في الدنيا بقبول الخلق صافياً من الحوادث بل يتكدر صفوه بنوائب الزمان، ثم يرد يوم القيامة مفلساً متحسراً على ما يشاهده من رب العالمين، وفوز المقربين وذلك هو الحسران المبين، ولقد صدق من قال:
الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد لا يعرفون ولا تدري مقاصدهم فهم على مهل يمشون قصاد والناس في غفلة عما يراد بهم فجعلهم عن سبيل الحق حياد (3)
وعلى الجملة لا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطبائعهم، فإن الحق مرّ، والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد وطريقه مستوعر لا سيما معرفة صفات القلب،
وتطهيرها عن الأخلاق المذمومة.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
(3)
في الإحياء (77/ 1) الشعر كما هنا غير هذه الكلمة فقد جاء فيه بدلاً منها: «رقاد». (1/189)
صفحة 190
174
قنطرة العلم
وذلك نزع للروح على الدوام، وصاحبه ينزل منزلة شارب الدواء، فيصبر على مرارته
رجاء للشفاء وينزل منزلة من جعل العمر، صومه، فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت [1/ 182] / فمتى تكثر الرغبة في مثل هذا الطريق (1)، وهذا كما قيل قديماً توعرت السبل فقل السالكون،
وسهلت فكثر الهالكون. وبالله التوفيق.
ومن علامات علماء الآخرة: أن يكون اعتماد العالم في علومه على بصيرته وإدراك
صفاء قلبه لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما سمعه من غيره، وإنما المقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه فيما صح عنه أنه أمر به أو قاله.
إذا
وإنما يقبل قول الصحابة من حيث أن فعلهم يدل على سماعهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صح عند العالم أقوال الرسول عليه السلام وأفعاله وتلقاها عن الصحابة أو غيرهم بالقبول فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، فإن الصحابي أيضاً إنما يفعل الفعل لأن الرسول عليه السلام فعله ولم يفعله إلا لسر فيه.
وكان لا يسمى
(2)
فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال؛ فإنه إن اكتفى بحفظ ذلك دون التفكر فيه، فاته يكون وعاء للعلم لا عالماً، ولذلك كان يقال: فلان من أوعية العلم، عالماً إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع عن الحكم والأسرار فمن كشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية صار في نفسه متبوعاً فلا ينبغي أن يتبع غيره ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما خلا صاحب هذا القبر، فالتفت عن يمينه فأشار إلى قبر النبي عليه السلام" وحكي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد كان فيما بلغنا تعلم من زيد بن ثابت الفقه، وقرأ على أبي بن كعب ثم خالفهما في الفقه والقراءة (4). وقال بعض علماء السلف: ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه - على الرأس والعين ـ وما فنأخذ منه ونترك وما جاءنا عن التابعين فهم رجال / ونحن
الله [1/ 183] جاءنا عن الصحابة رضي رجال (ه).
(1) راجع الإحياء (77/ 1، 78).
عنهم
(2) راجع إحياء علوم الدين (78/ 1).
(3) في المصدر السابق نحو هذا الأثر منسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(4) راجع المصدر السابق.
(5) راجع المصدر السابق.
(3) (1/190)
صفحة 191
قنطرة العلم
175
وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله، واعتلاق قلوبهم أموراً تدرك بالقرائن فيسدد لهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبادة إذ أفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ، وإذا كان الاعتماد على المسموع عن الغير تقليداً غير مرضي فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد وأبعد، بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيئاً منها في زمان الصحابة وصدر زمان التابعين رضي الله عنهم، وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة التابعين، وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين
(1)
هكذا ذكر الغزالي في كتابه ثم قال: بل الأولون يكرهون كتابة الحديث وتصنيف الكتب، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتفكر وقال: احفظوا كما كنا نحفظ، قال: ولقد كره أبو بكر الصديق رضي ا الله عنه وجماعة من الصحابة رضي | الله عنهم تصحيف (2) القرآن في مصحف، وقالوا: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخافوا أن
تكال الناس على المصاحف.
وهمهم حتى
أشار عمر رضي
(4)
وقالوا (3): نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم الله عنه وبقية الصحابة بكتابة القرآن خوفاً من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذراً أن من يقع نزاع فلا يوجد أصل يرجع إليه في كلمة أو في قراءة من المتشابهات. فانشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك وجمع القرآن في مصحف واحد () وإني أظن أن القرآن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم [كان] (5) مكتوباً في الأكتاف والصحف حتى جمع بعد / ذلك في مصحف واحد لأنه كان له عليه السلام كتاب يكتبون الوحي. حتى حفظه على عهده [184/ب] وجمعه ستة رجال من الأنصار: زيد وأبو زيد وأبو أيوب، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعثمان بن مظعون دون غيرهم وما مات عليه السلام إلا والقرآن مجموع متلو. والله أعلم.
وفي كتاب الغزالي قال: وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك تصنيف الموطأ، ويقول:
ابتدع ما لم تفعله الصحابة.
(1) نفس المصدر.
(2) في الأصل تصنيف واثبت الأقرب إلى إيضاح المعنى وهو ما في الإحياء الموضع السابق. في الأصل: قال والتصويب من المصدر السابق.
(3)
(4) المصدر السابق.
(5) ما بين المعقوفين زيادة لإيضاح السياق. (1/191)
صفحة 192
176
قنطرة العلم
قال: وقيل أول كتاب صنف في الإسلام) كتاب ابن جريج في الآثار وحروف في التفاسير، عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس [بمكة])، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سنناً منثورة»، ثم كتاب الموطأ» بالمدينية لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري».
قال: ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض والجدال في أبطال
المقالات، وظهر علم الخلاف.
قال: وسبب
ذلك أن الخلافة تولاها بعد النبي عليه السلام الخلفاء الراشدون وكانوا أئمة وعلماء بالله تعالى، وفقهاء في أحكامه ومشتغلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يشتغلون بالفقهاء إلا نادراً، وفي وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة، وتجردوا لها وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على الله سبحانه بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرتهم قال: فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى قوم تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكام وكان قد بقي من علماء التابعين [1/ 185] من هو مستمر على الطريق الأول، وملازم صفو الدين ومواظب على سمت علماء / السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات. فرأى أهل تلك الأعصار عزّ العلماء وإقبال الولاة والأئمة عليهم مع إعراضهم عنه، فاشر أبوا لطلب العلم تواصلاً إلى نيل القدر ودرك الجاه من قبل الولاة وتفرغوا إليهم، وطلبوا الولايات والصَّلاة منهم، فمنهم من حُرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل عن الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين.
ذل
وبعد أن كانوا أعزة (2) بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله عز وجل في كل عصر من علماء دينه، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتوى، والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات ثم ظهر بعدهم من الأمراء من سمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعلم رغبته إلى المناظرة، والمجادلة في الكلام فانكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات و استخرجوا فنون المناقضات في المقالات.
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (79/ 1).
(2) في الأصل: «عزة» وأضفت الألف لإيضاح المعنى أكثر. (1/192)
صفحة 193
قنطرة العلم
177
وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله تعالى والنضال عن السنة، وقمع المبتدعة كما
زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين إشفاقاً على خلق الله تعالى ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الأمراء من لم يستصوب الخوض في الكلام، وقبح باب المناظرة فيه، لما كان قد تولد في فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء وإخراب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم، واندفعوا على المسائل الخلافية بين / الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك [186/ب] وسفيان وأحمد وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتفريع علل المذاهب، وتمهيد أصول الفتاوى فأكثروا فيه التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن.
قال: وليس ندري ما الذي قدّر الله تعالى فيما بعدنا من العصور فهذا هو الباعث على الانكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير.
قال: ثم مال الناس إلى ما ذكرنا من الكلام والمجادلات وإلى القصص والوعظ فأخذ علم المتقين في الاندراس من ذلك الزمان الأول فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان وأعرض عن ذلك إلا الأقلون فصار يسمى المجادل المتكلم عالماً، والقاص والمزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالماً.
قال: وهذا لأن العوام هم المستعمون إليهم وكان لا يتميز لهم حقيقة العلم عن غيره ولم تكن سيرة الصحابة وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون به مباينة هؤلاء لهم فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث القلب خلفاً عن سلف وأصبح علم الآخرة مطوياً وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم.
قال: هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف بزمانك هذا؟
وقد انتهى الأمر إلى أن صار مظهر الإنكار يستهدف بالنسبة إلى الجنون فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ويسكت إذا وسعه ذلك
ومن
(1)
علامات علماء الآخرة: أن يكون العالم شديد التوقي في محدثات الأمور وإن اتفق
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (79/ 1). (1/193)
صفحة 194
178
قنطرة العلم
عليها الجمهور، فلا يضره إطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة، وليكن حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، وما كان فيه أكثر أكان همهم، في التدريس، [1/ 187] والتصنيف /، والمناظرة، والقضاء والولايات وتولي الأوقاف، والوصايا ومال الأيتام، ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، أو كان أكثر همهم في الخوف، والحزن، والتفكر، والمجاهدة، ومراقبة الباطن والظاهر واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفس، ومكائد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن (1). وتعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان، وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخذ الدين، ولذلك قال علي: خيارنا اتبعنا لهذا الدين وذلك لما أن قيل له: خالفت فلاناً، فلا ينبغي أن تكترث لمخالفة أهل العصر في موافقة رسول الله عليه السلام، فإن الناس رأوا رياء فيما هم فيه لميل طبائعهم إليه، ولم تسمح نفوسهم بالإعتراف فإن ذلك سبب الحرمان من الجنة فادعوا أنه لا سبيل إلى الجنة
[1/ 188]
أهل
سواه.
عصر
(2)
ولذلك قال الحسن: هما محدثان أحدثا في الإسلام رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه ومترف يعبد الدنيا لها يغضب، ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما إلى النار، وإن رجلاً أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه، وصاحب هوى يدعوه إلى هواه قد عصمه الله تعالى منهما يحق إلى السلف الصالح يسئل عن فعالهم ويقتص آثارهم متعرض لأجر عظيم فكذلك كونوا (3).
وروي عن ابن مسعود رحمه الله موقوفاً ومسنداً أنه قال: «إنما هما اثنان: الكلام، والهدي، فأحسن الكلام كلام الله عز وجل، وأحسن الهدي هدي محمد عليه السلام، ألا وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ما هو آت قريب ألا وإن البعيد ما ليس بآت (4).
وفي رسالة أبي سفيان محبوب رحمه الله ذكر صفات أولياء / الله.
ثم قال: أولئك الذين لا تعتريهم، سامة، ولا تخترقهم رغبة، ولا ينظرون إلى الناس بعين
(1) راجع المرجع والموضع السابق.
(2) المرجع السابق.
(3) راجع المرجع السابق.
(4) المرجع السابق وعلق عليه العراقي في المغني بقوله رواه ابن ماجه. (1/194)
صفحة 195
قنطرة العلم
179
بغية، ولا يعتقدون لها على مودة، ولا يعرجون فيها على زينة، بل ضربوا في السهم الأوفر، ولزموا الطريق الأقصد، وسلكوا الطريق الأرشد، وهم أئمة التقى ونجوم الهدى، وأعلام الدين، ومنار الإسلام كلامهم، حكمة وسكوتهم حجة، ومباينتهم حسرة ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة.
فعليك أيها الزائغ عن طريقهم، الراغب عن سبيلهم بالإتباع؛ فإنه ليس الإتباع كالابتداع فعليك بطريق من كان بالله أعلم وبحلاله وحرامه منك لهذا قال أبو سفيان قال: وائل رحمهما الله: لقد أدركت بحضرموت رجالاً، إن كان الرجل منهم لو ولي على الدنيا كلها لاحتمل ذلك في عقله، وعلمه، وورعه.
:
وقد قال النبي عليه السلام في بعض خطبه: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وانفق مالاً اكتسبه من غير معاصيه وخالط أهل الفقه والحكمة، وجالس أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه وحسنت خليقته وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وانفق من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة (1).
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه كان يقول: حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير من العمل. ثم قال: إنكم في زمان خيركم فيه المسارع إلى الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيركم المثبت المتوقف لكثرة الشبهات (2).
فمن لم يثبت في هذا الزمان وافق الجماهير فيما هم عليه وخاض فيما خاضوا لهلك فيما هلكوا إلا من أعطاه الله تعالى عقلاً كاملاً يردعه عن هجوم الشهوات، وعلماً نافعاً عزيزاً يهديه عند ورود الشبهات فبالأحرى أن ينجو من / أصناف المهلكات.
وقد قال حذيفة بن اليمان رحمه الله: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وإن منكركم اليوم معروف زمان آت وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مستخف (3). هذا في زمان حذيفة فما ظنك بزماننا هذا.
(3)
(1) رواه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي بسند ضعيف، والبزار من حديث أنس أول الحديث وآخره، والطبراني، والبيهقي من حديث ركب المصري وسط الحديث وكلها ضعيفة، قاله العراقي في المغني
(1/ 07)
(2) راجع إحياء علوم الدين (80/ 1). (3) راجع المصدر السابق.
قناطر الخيرات ج/1 م/13
[~/119] (1/195)
صفحة 196
180
قنطرة العلم
وقال الغزالي في كتابه: أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة. قال: إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتنجيدها، وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عمارتها وفرش البسط الرفيعة فيها. قال: وقد كان يعد فروش البوادي في المسجد بدعة، وقيل إنه من محدثات الحجاج اللعين فقد كان الأولون قل ما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزاً. قال: وكان الاشتغال بدقائق الجدال والمناظرات التي هي من أجل علوم الزمان ويزعمون أنه أعظم القربات، وقد كان
ذلك
من المنكرات.
قال: ومن ذلك التلحين في الأذان والقرآن، قال: ومن ذلك التعسف في النظافة، والوسوسة في الطهارة، وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب، مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها إلى نظائر ذلك (1).
(2)
قال: وقد صدق ابن مسعود حيث قال: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعاً للهوى (2). قال: وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا؛ فإنهم قد أعدوا له جواباً، ولكن سلوهم عن ا السنة؛ لأنهم لا يعرفونها.
قال: وكان أبو سليمان الداراني (3) يقول: لا ينبغي لمن يقول: لا ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به في الأثر فيحمد الله تعالى، إن وافق ما في قلبه (4). قال: وإنما قال: هذا لأن ما أبدع من الآراء قد قرع الأسماع وعلق بالقلوب، فربما شوش صفاء القلوب فيتخيل بسببه الباطل حقاً فيحتاط فيه بالاستظهار بشهادة الآثار (ه).
قال: ولهذا لما أحدث مروان المنبر / في صلاة العيد عند المصلى. قام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا مروان ما هذه البدعة؟ قال: إنها ليست بدعة هي خير مما تعلم، إن الناس
(1) راجع المصدر السابق. (2) راجع المصدر السابق.
(3)
هو عبد الرحمن بن عطية. وداريا قرية من قرى دمشق من بني عبس وكان كبير الشأن في علوم الحقائق والورع مات سنة خمس عشرة ومائتين الطبقات الكبرى (68/ 1).
[1/ 14.]
(4) راجع الإحياء (80/ 1). (ه) راجع الإحياء (80/ 1). (1/196)
صفحة 197
قنطرة العلم
181
قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت. فقال أبو سعيد: والله لا تأتون بخير مما أعلم أبداً والله لا
(1)
صليت وراءك اليوم قال: وإنما أنكر ذلك؛ لأن رسول الله عليه السلام كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوس أو. لا على المنبر " عصى
(2)
وفي الحديث المشهور: من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد عليه (3). وفي خبر آخر: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» قيل:
يا رسول الله وما غش أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها (4). وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الله ملكاً ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
تنله شفاعته (ه).
ويحكى أن إبليس اللعين بث جنوده في وقت الصحابة رضي الله عنهم فرجعوا إليه خاسرين. فقال: ما شأنكم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء ما نصيب منهم شيئاً. قال: أتعبونا. فيقول لهم: لا تقدرون عليهم قد صحبوا نبيهم وشاهدوا تنزيل ربهم، ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا إليه منتكسين. فقالوا: ما رأينا أعجب من هؤلاء نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب، فإذا كان آخر النهار أخذوا في الاستغفار فتبدل سيئاتهم حسنات. فقال: إنكم لن تنالوا من هؤلاء لصحة توحياهم، واتباعهم سنة نبيهم، ولكن سيأتي بعدهم قوم تقر أعينكم بهم، تلعبون لعباً، وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم، لا يستغفرون فيغفر لهم، ولا يتوبون فتبدل سيئاتهم حسنات.
بهم
قال: فجاء قوم بعد القرن الأول فبث فيهم الأهواء، وزين لهم البدع / فاستحلوها [191/ب] واتخذوها ديناً لا يستغفرون منها ولا يتوبون عنها فسلط عليهم الأعداء وقادوهم أين شاؤوا، وذكر هذا الحديث الغزالي في كتابه "
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
(6)
(3) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ في أمرنا ما ليس منه، وعند أبي داود فيه، قاله العراقي في المغني
(81/ 1)
(4) رواه الدارقطني في الأفراد من حديث أنس بسند ضعيف جداً، المرجع السابق.
(5) لم أجد له أصل، راجع المصدر السابق.
(6) إحياء علوم الدين (81/ 1). (1/197)
صفحة 198
182
قنطرة العلم
وحكي مثل هذا عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قول الله عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) (1) إلى قوله: {رَحِيما) (2) قالت الشياطين لإبليس: ذهب عملنا في ابن آدم باطلاً. فقال: سأحدث لهم ذنوباً لا يمكن لهم التوبة والاستغفار منها، فأحدث لهم هذه الفرق والأهواء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء، وما سكت عنه السلف
فالكلام فيه تكلف.
(3)
ويقال: الحق ثقيل من جاوزه، ظلم، ومن قصر عنه عجز، ومن وقف معه اكتفى وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها، قال الله سبحانه: اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِبا) (1).
(4)
وقال تعالى: (أَفَمَنْ زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنا (5).
فكل ما أحدث بعد الصحابة مما جاوز قدر الضرورة والحاجة فهو من اللهو واللعب، وقد قال النبي عليه السلام عليكم بالنمط الوسطى إليه يرجع، العالي، ويرتفع إليه
الداني (6).
وفي كتاب الغزالي قال: مثل الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنة، بالنسبة إلى من يذنب ذنباً مثل من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمر الملك في خدمة
معينة، وذلك قد يغفر وأما قلب الدولة فلا (7).
وقال بعض العلماء: إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل، والنظر إلى العامة،
واستماع كلام أهل الغفلة (8).
(1) سورة النساء الآية: 110. (2) سورة النساء الآية: 110. (3) إحياء علوم الدين (81/ 1). (4) سورة الأعراف الآية: 51.
(5) سورة فاطر الآية: 8، والأثر في الإحياء (81/ 1).
(6) رواه أبو عبيد في غريب الحديث موقوفاً على علي بن أبي طالب ولم أجده مرفوعاً، قاله العراقي في
المغني (81/ 1).
(7) الإحياء (81/ 1).
(8) الإحياء (81/ 1). (1/198)
صفحة 199
قنطرة العلم
183
قال: فكل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى قوله، بل ينبغي أن يتهم فيما يقول؛ لأن كل إنسان يخوض فيما يحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه، ولذلك قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} (1) / الآية.
فالعوام العصاة أسعد حالاً
[1/ 197]
العلماء؛ لأن الجهال بطريق الدين المعتقدين أنهم من
من
هو
العامي معترف بتقصيره، ويستغفر ويتصور، وهذا الجاهل الظان أنه عالم، وإنما الذي مشتغل به من العلوم إنما هي وسائله إلى الدنيا لا يتوب ولا يستغفر بل لا يزال مستمراً عليه إلى الموت، فإذا غلب هذا على المنسوبين إلى العلم إلا مَنْ عصمه الله (2).
وذلك أعز من الكبريت الأحمر، ولهذا المعنى كتب بعض العلماء إلى بعض السلف فقال: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحداً يذكر الله معه إلا كان آثماً معه؟ وكانت مذكراته معصية؛ وذلك أنه لا يجد أهله، ولقد صدق فإن مخالط الناس لا ينفك عن غيبة، أو سماع غيبة، أو عن سكوت عن منكر، وأحسن أحواله أن يفيد علماً.
ولو تأمل علم أنَّ المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا، ووسيلة إلى الشر فيكون هو معيناً له على ذلك، ومهيئاً لأسبابه كالذي يبيع السيف لقاطع الطريق. فالعلم كالسيف وصلاحه للخير، كصلاح السيف للغزو، وذلك لا يرخص في البيع ممن يريد الاستعانة به على قطع الطريق (3)، ولذلك لا يجوز عند العلماء حمل السلاح إلى أرض العدو. والله أعلم.
فإذن قد وقع اليأس، وانقطع الطمع من إصلاح الناس إلا من شاء الله تعالى، فهذه اثنتا عشرة علامة من علامات علماء الآخرة.
تحتوي كل واحدة على جمل من أخلاق المتقين جمعتها من كتب علماء السلف، وأكثرها من كتاب الغزالي؛ لأنها موافقة للقرآن، ولما مضى عليه السلف الصالح من مشايخ
المسلمين رحمهم الله.
فكن يا أخي أرشدك الله أحد رجلين: إما متصفاً بهذه الصفات فتكون على سبيل المشايخ ذوي الكرامات أو معترفاً بالتقصير مع الإقرار بهذا العلم مقتبساً منه على قدر العون
(1) سورة الكهف الآية: 28. (2) إحياء علوم الدين (82/ 1). (3) المرجع السابق. (1/199)
صفحة 200
184
قنطرة العلم
والتيسير. وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تسمي علم المعاش باسم علم الآخرة،
[193/ب] وطريق الدين وتسمي سيرة البطالين / بسيرة العلماء الراشدين فتلتحق بجهلك وإنكارك بزمرة الهالكين نعوذ بالله من خدع الشيطان الغرور، فيها هلك الجمهور فالأسلم في هذا الزمان
(1)
لدين الإنسان العزلة والانفراد إن وجد إلى ذلك سبيلاً، والله المستعان.
الباب العاشر
في بيان العلم المذموم، وأسماء العلم المحمود من كتاب الغزالي
اعلم أن هذا الباب يشتمل على جملتين:
أحدهما فيما تعده العوام من العلوم المحمودة وليست كذلك، وفيها بيان الوجه الذي يكون به بعض العلوم مذموماً. والثانية: في أسماء العلوم الشرعية وبيان القدر المحمود منها من المذموم.
ثلاثة:
الجملة الأولى في العلم المذموم
في كتاب الغزالي قال: اعلم أن العلم لا يذم لعينه وإنما يذم في حق العباد لأحد أسباب
أحدها: أن يكون مؤدياً إلى ضرر إما بصاحبه وإما بغيره كما يذم علم السحر
والطلسمات.
أما السحر: فقد نطق به القرآن قال: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِمُونَ النَّاسَ السخر) (2).
وقد روي أن النبي وسحره بعض اليهود فمرض بسبب ذلك.
وروي عن الكلبي: أن الذي سحره لبيد بن أعصم اليهودي وقيل بناته: فمرض عليه السلام حتى انتشر شعره فلبث أشهراً أو ما شاء الله فبينما هو ـ نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه. فقال أحدهما لصاحبه: ما بال الرجل؟ فقال طُبَّ ـ أي سحر -. قال: طَبَّهُ؟ قال: ومن لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم. قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين
(1) راجع المصدر السابق. (2) سورة البقرة الآية: 102. (1/200)
صفحة 201
قنطرة العلم
هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة - أي صخرة - ببئر ذي أروان، وهي لبني زريق. قال: فانتبه النبي عليه السلام فبعث علياً، والزبير، وعمار بن ياسر رحمه الله فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود فيه / إحدى عشر عقدة مغروزة بالإبرة، فأنزل الله عز وجل سورتي التعويذ فكلما قرأ جبريل عليه السلام آية انحلت عقدة حتى قام عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما أنشط من عقال.
وجعل جبريل عليه السلام يرقيه يقول: بسم الله أرقيك والله يشفيك، من كل داء يؤذيك، من كل حاسد وعين.
فلأجل ذلك جوزوا الاسترقاء بما كان من كلام الله عز وجل، وكلام رسوله عليه السلام، وأما ما كان من العبرانية والسريانية والهندية أو ما كان من غير لغة العرب فلا يحل
عند العلماء اعتقاده.
واختلفوا في معنى السحر وكيفيته فقال قوم: معناه العلم والحذق بالشيء، ولطافة الفعل فيما خفي فهمه قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ) (1) ـ أي العالم ..
(2)
وقال آخرون: السحر هو تخييل وأحزان لا أصل له ولا حقيقة كالسراب غرّ من رآه واخلف من رجاه كما قال الله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (2). حكي هذا عن المعتزلة وحكي عن الشافعي أن السحر هو تمريض بما يتصل به كالذي
يخرج من فم المتثائب يؤثر في المقابل له.
وقيل: هو تعظيم الجن ليسهلوا ما عسر عليه وقيل: طلسم ينبيء عن تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس من زئبق عصى سحرة فرعون.
وفي كتاب الغزالي قال: السحر حق؛ إذ شهد القرآن به، وأنه سبب يتوصل به إلى التفرقة بين الزوجين قال: وهو نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص في المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع
?
(1) سورة الزخرف الآية: 49.
(2) سورة طه الآية: 66.
[1/ 194] (1/201)
صفحة 202
186
قنطرة العلم
ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، وتحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله تعالى به [195/ب] العادة أحوال / غريبة في الشيء المسحور
(1)
وفي كتاب الماوردي قال: قوم يقدر الساحر أن يقلبها الأعيان بسحره، فيحول الإنسان
جماراً وينشيء أعياناً وأجساماً.
وحكي فيه عن الشافعي كما قدمنا: أن الساحر قد يوسوس بسحره ويمرض، وربما قتل.
قال: لأن المرض بدء الوسوسة، والوسوسة به والمرض بدء التلف.
أبيه
عن
عائشة
وروى هشام بن عروة عن حتى كأنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما فعله.
رضي
الله عنها قالت: سحر النبي عليه السلام
وأما قول من قال: يقلب الساحر أعياناً وينشاء أجساماً فهو خطأ محض؛ لأنه لو كان في وسع الساحر انشاء الأجسام وقلب الأعيان عما هي به من الهيئات لم يكن بين الحق والباطل فصل ولا فرق، كيف وقد قال الله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (2) وقول من قال إن السحر، خدع ومعان يفعله الساحر فيخيل إلى الإنسان أنه بخلاف ما هو به كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء وكراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً حتى يخيل إليه أنّ ما عاين من الأشجار والجبال سائرة معه هذا القول ممكن سائغ، وكذلك قول الشافعي والله أعلم.
واختلفوا في تعلم السحر فقال قوم: لا يكون تعلمه كفراً، وإنما العمل به كفر، كما أن من تعلم الزنا لا يأثم به، وإنما يأثم العامل به.
وقال آخرون وهو الأصح إن شاء الله: إن تعلم السحر كفر، وكذلك تعليمه؛ لأن الله تعالى قال: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ) (3). ولم يقل ما يضرهم إن عملوا به، والله
أعلم.
فلما كان السحر لا يصح إلا للإضرار بالخلق كان تعلمه والعمل به جميعاً معصية،
ويقتل الساحر إذا قتل به أحداً. والله أعلم.
(1) راجع إحياء علوم الدين (29/ 1). (2) سورة طه الآية: 66.
(3) سورة البقرة الآية: 102. (1/202)
صفحة 203
قنطرة العلم
187
وأما الطلسمات وخواص الأحجار مثل حجر المغناطيس في جذبه الحديد، وحجر الماس في كسره الأجسام الصلبة بخصوصية / فيه، وحجر العقيق، والحجر الباغض للدم، [1/ 196]
وحجر البرادي وغير ذلك من خواص الأحجار والنبات وخواص الأشياء فالله أعلم ما سبب ذلك فهو تعالى قد استأثر بعلم الأشياء، وأظهر للعباد ما شاء لهم فيه الصلاح، واستأثر بعلم سائرها فلا تقف العقول على كنهها.
وفي كتاب المسعودي قال في العالم للحركات والفاعلة في الحيوان وغيره قال: يمكن أن يكون الله تعالى جعلها معجزة لبعض الأنبياء السالفة ثم رفع ذلك النبي، ويقيت
علومه.
قال: ولقد رأيت بمصر حية مصورة من حديد توضع على شيء، ويَدْنُ منها حجر المغنطيس فتحدث فيها حركة وسعى إليه وتعلق به.
قال: وإذا أصاب المغنطيس رائحة الثوم بطل فعله بالحديد وإن غسل بشيء من الخل أو ناله شيء من عسل النحل عاد إلى فعله الأول من جذب الحديد. وقال في كتابه: لا تنازع عند ذوي الفهم أن في مواضع من الأرض مدناً وقرى لا تدخلها عقرب ولا حية مثل: حمص، والمعرة، وأنطاكية.
قال: وقد كان ببلاد أنطاكية إذا أخرج الرجل يده خارج السور وقع عليها البق فإذا جذبها إلى داخله لم يبق عليها منه شيء إلى أن انكسر عمود من رخام في بعض المواضع فأصيب في أعلاه حق (1) من النحاس في داخله بق مصور من نحاس كنحو كف فما مضت أيام أو على القرب من ذلك حتى صار البق يعم الأكثر من دورهم، والله أعلم.
ووجدت في كتاب المقالات المنسوبة إلى أحمد بن الحسن قال: إن بعض المتكلمين قال في الطلسمات ونحوها إن ذلك من حيل الأوائل. قال: وذلك أن أعمارهم طالت حتى عرفوا من الأرض / المواضع التي تكون فيها الحيات وغيرها من الهوام والحشرات من المواضع [1/ 197] التي لا تكون فيها هذه الأشياء فعملوا الطلسمات في المواضع الخالية من الهوام توهماً أن
الطلسمات
هي
المانعة للهوام من الكون فيها والله أعلم بحقيقة هذا كله، وإنما كتبنا هذا ليقف
القاراء على ما قال الناس في هذه الأشياء.
السبب الثاني الذي يكون العلم به مذموماً:
(1) أي: علبة، أو وعاء صغير. (1/203)
صفحة 204
188
هو
قنطرة العلم
أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر، وذلك كعلم النجوم، فإنه في نفسه غير
مذموم لذاته إذ هو قسمان:
قسم حسابي: وقد نطق القرآن بأن مسير القمرين محسوب فقال تعالى: {وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (1).
وقال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (2) الآية.
وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ إلى قوله: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (3).
القسم الثاني الحكم بها وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب قال الغزالي في كتابه: وذلك يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض، وهو معرفة بمجارة سنة الله تعالى وعادته في خلقه ولكنه ذمه الشرع، وقد قال النبي عليه السلام: «إذا ذكر القدر فامسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا» (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: أخاف على أمتي بعدي ثلاثاً: جور الأئمة، وإيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر (5).
وعن بعض السلف قال: من قال في النجوم غير هذه الثلاث فهو آثم كاذب مغتر، قال
تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا (6).
(7)
وقال: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِين) (7).
وقال: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةَ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظا (8) الآية.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر ثم
(1) سورة الرحمن الآية: 5.
(2) سورة يس الآية: 39.
(3) سورة يونس الآية: 5. والقول في الإحياء (29/ 1).
(4) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن قاله العراقي في المغني (30/ 1). (5) رواه ابن عبد البر من حديث أبي محجن بإسناد ضعيف، المصدر السابق.
(6) سورة الأنعام الآية: 97.
(7) سورة الملك الآية: 5.
(8) سورة الصافات الآيتان: 7،6. (1/204)
صفحة 205
قنطرة العلم
189
(2)
أمسكوا (1)، الحديث. قال الغزالي (2): وإنما يزجر عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يضر بأكثر الخلق فإنه إذا / ألقى إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة؛ لأنها جواهر شريفة سماوية يعظم وقوعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتاً إليها ويرى الخير والشر محذوراً مرجواً من جهتها ويمحى ذكر الله تعالى عن القلب
فأما
(4)
ولذلك قال النبي عليه السلام مخبراً عن ربه عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن وكافر،
من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، ومن كذا وكذا فذلك كافر ومؤمن بالكواكب. بي
قال مطرنا بنوء
قال العزالي: وذلك أن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه.
قال: ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس مثل النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس فهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد فتعتقد أنه فعل القلم ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصبع، ثم منها إلى اليد، ثم منها إلى الإرادة المحركة لليد، ثم منها إلى الكاتب القادر المريد ثم منه إلى خالق اليد والقدرة سبحانه، فأكثر نظر الخلق مقصور على الأسباب القريبة السافلة منقطع عن الترقي إلى مسبب الأسباب هذا أحد أسباب
(4)
النهي عن النجوم. السبب الثاني: أن أحكام النجوم تخمين محض ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص لا يقيناً ولا ظناً، والحكم به حكم بجهل فيكون ذَمَّهُ على هذا من حيث أنه جهل لا من حيث أنه
علم.
ولقد كان ذلك معجزة لإدريس عليه السلام فيما يحكى، وقد اندرس ذلك العلم وامحق، وما يتفق من إصابة المنجم على نذور وإنما هو اتفاقي لكنه قد يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقيبها إلا بعد شروط كثيرة ليس في قدرة البشر الاطلاع عليها،
(1) الإحياء (30/ 1).
(2) الإحياء (30/ 1). (3) المصدر السابق.
(4) المرجع السابق.
[198/ب] (1/205)
صفحة 206
1900
قنطرة العلم
[1/ 199] وإن اتفق / أن قدر الله الأسباب وقعت الإصابة، وإن لم يقدر ذلك أخطأ ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم مهما رأوا الغيم يجتمع، وينبعث من الجبال فيتحرك ظنه بذلك، وربما يحمي النهار بالشمس فيتبدد الغيم، وربما يكون بخلافه، ومجرد الغيم ليس كافياً في المطر وبقية الأسباب لا تدرك قال: وكذلك تخمين الملاح أن السفينة تسلم اعتماداً على ما العادة في الرياح، ولتلك الرياح أسباب خفية ولا يطلع عليها فتارة يصيب في تخمينه، وتارة يخطاء، وبهذه العلة يمنع القوى أيضاً عن النجوم السبب الثالث: أنه لا فائدة فيها، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا تغني وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة غاية الخسران.
ألفه
من
وقد روي
(1)
أن النبي عليه السلام مر برجل والناس مجتمعون عليه فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: رجل علامة، فقال: «بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب، فقال عليه السلام: «علم لا ينفع، وجهل لا يضر»، ثم قال: إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة (2). والخوض في النجوم وما يشبهها اقتحام وخطر، وخوض جهالة من غير فائدة، فإنما قدر كائن والاحتراز عنه غير ممكن بخلاف علم الطب؛ فإن الحاجة ماسة إليه، وأكثر أدلته مما يطلع عليه، وبخلاف تعبير الرؤيا وإن كان تخميناً؛ لأنه جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ولا
(3)
خطر فيه (3).
الثالث: من الأسباب التي يذم العلم بها هو الخوض في علم لا يستقل الخائض فيه به فإنه مذموم في حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليها، وكالبحث عن أسرار الآلهية التي لا يستقل بالوقوف على طريق بعضها إلا الأنبياء والأولياء، ولقد تطلع الفلاسفة وأكثر المتكلمين إليها، ولم يستقلوا بها بل هلكوا من أجلها وقد قال عليه السلام: تَفَكَّرْ فِي الْخَلْقِ وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي 1/ 200] الْخَالِقِ». فيجب كف الناس / عن البحث عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع، ففي ذلك للموفق مقنع فكم من شخص خاض في العلوم فاستنصر بها، ولو لم يخض فيها لكان حاله أحسن في
الدين قبل الخوض فيها.
ولذلك قيل:
(1) المصدر السابق.
(2) رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وضعفه، وفي آخر الحديث إنما العلم آية محكمة إلى آخره وهذه القطعة عند أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قاله العراقي في المغنى (30/ 1). (3) إحياء علوم الدين (30/ 1). (1/206)
صفحة 207
قنطرة العلم
وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مهاو فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيَّكَ مَا فَهِمْتَ
191
انقضت
فلا تنكر كون العلم ضاراً لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير وأنواع الحلاوة اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رُبَّ شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور، ولقد ذكر أن بعض الناس شكي إلى طبيب عقم زوجته وأنها لا تلد فحبس الطبيب نبضها، وقال: لا حاجة لك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين إلى أربعين يوماً، وقد دلّ النبض عليه. فاستشعرت المرأة خوفاً عظيماً وتنقص عليها عيشها، وأخرجت أموالها وفرقت وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى المدة. فجاء زوجها إلى الطبيب فقال: إنها لم تمت. فقال الطبيب: قد علمت ذلك، فجامعها الآن؛ فإنها تلد إن شاء الله. قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على فم رحمها فعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت، فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة (1). فهذا ينبهك على استشعار الخطر من بعض العلوم، ويفهمك معنى قوله عليه السلام: أعوذ بالله من علم لا ينفع (2).
فاعتبر لهذه الحكاية ولا تكن بحاثاً عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها ولازم الاقتداء بالصحابة، واقتصر على اتباع السنة، فالسلامة في الإتباع، والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال والابتداع (3). فكيفيك في منفعة العقل أن يهديك إلى طريق النبي عليه السلام، ويفهمك بعض موارد إشاراته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فإنك لا تسلم إلا به قال: إن من العلم لجهلاً، وإن من القول لغيا (5).
،
(4)
ولذلك
/ ومعلوم أن العلم لا يكون جهلاً، ولكن منه ما يؤثر تأثير الجهل في الإضرار، وقال [201/ب]
عليه السلام: «قليل من التوفيق، خير من كثير من العلم (6).
وقال عيسى عليه السلام ما أكثر الشجر وليس كلها يثمر وما أكثر الثمار وليس كلها
(1) راجع المصدر السابق. (2) قال العراقي في المغني (31/ 1) رواه ابن عبد البر من حديث جابر بسند حسن، وهو عند ابن ماجه
بلفظ تعوذوا. (3) راجع إحياء علوم الدين (31/ 1).
(4) راجع إحياء علوم الدين (31/ 1).
(5) بنحوه قال عنه العراقي في المغني (321) رواه أبو داود من حديث بريدة وفي إسناده من يجهل. (6) لم أجعله أصلا، وقد ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء، قاله العراقي في المغني (32/ 1). (1/207)
صفحة 208
قنطرة العلم
192
بطيب، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع (1). والله تعالى نسأله العون والتوفيق. الجملة الثانية في أسامي العلوم الشرعية وبيان القدر المحمود منها:
اعلم أن هذه الجملة تنحصر في فصلين:
أحدهما: في أسامي العلوم الشرعية وكيفية التباسها بالمذمومة.
الفصل الثاني: في بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة.
الفصل الأول
ذكره الغزالي في كتابه فقال: اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية هو تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما كان عليه السلف الصالح والقرن الأول وهي خمسة ألفاظ الفقه والعلم والتوحيد، والتذكير، والحكمة، قال: فهذه أسماء محمودة والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين.
اللفظ الأول الفقه: قد تصرفوا فيه بالتخصيص لمعرفة الفروع في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها، فمن كان أكثر اشتغالاً بها، قيل هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقيه في العصر الأول مطلقاً على طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسد الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدل على ذلك قوله عز وجل: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجِعُوا إِلَيْهِمْ (2). والذي يكون به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة وأشباه ذلك من الفروع.
(2)
فهذا لا يحصل به إنذار ولا تخويف بل التجرد له على الدوام يقسى / القلب، وينزع منه الخشية كلما يشاهد من المتجردين له، وقد قال الله عز وجل: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ (3). وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى.
ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان لمعنى واحد، وقد قال تعالى: {لأَنتُمْ أَشَدُ
رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (4) الآية.
(1) راجع إحياء علوم الدين (32/ 1).
(2) سورة التوبة الآية: 122.
(3) سورة الأعراف الآية: 179
(4) سورة الحشر الآية: 13.
1/ 202] (1/208)
صفحة 209
قنطرة العلم
193
أحال قلة خوفهم من الله عز وجل واستعظامهم لسطوة الخلق على قلة الفقه، فانظر ذلك، ينتجه عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى أو ينتجه ما ذكرنا من العلوم؟. وقال عليه السلام: علماء حكماء فقهاء» (1).
وفي بعض الطرق: كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء للوفد الذين قدموا عليه. فقالوا: نحن قوم مؤمنون مسلمون، فذكروا الخمس عشرة خصلة تحقيقاً لإيمانهم، الحديث مشهور. وسئل بعضهم (3): أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم الله تعالى]. فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه أنها التقوى والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية، وقال عليه السلام: «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة (3).
وقال عليه السلام: لن يتفقه العبد كل التفقه حتى يمقت الناس في ذات الله. وروي هذا عن أبي الدرداء مرفوعاً مع قوله: ثم يقبل على نفسه فيكون أشد لها مقتاً». قال: وسأل فرقد السنحي الحسن عن شيء؟ فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد؛ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح
لجماعتهم.
(4)
ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى ولما احتضر جابر بن يزيد رحمه الله، دخل عليه الحسن فقال: قل لا إله إلا الله. فسكت فأعاد عليه فقال جابر: أنا من أهلها / ولكن [203/ب] نعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار. ثم قال: يا أبا سعيد: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نفساً إيْمَانُهَا (5). فقال الحسن: ما أفقهه ولو عند الموت!
قال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (6). ولم يرد
تعالى يفقهون فروع الفتاوى.
(1) رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضعيف قاله العراقي في المغني (32/ 1).
(2) هو مسعد بن إبراهيم الزهري، مصرح به في الإحياء (321)، وما بين المعقوفين زيادة منه. (3) رواه ابن عبد البر من حديث شداد بن أوس، وقال لا يصح مرفوعاً قاله العراقي في المغنى (32/ 1).
(4) راجع إحياء علوم الدين (33/ 1).
(5) سورة الأنعام الآية: 158.
(6) سورة المنافقون الآية: 7. (1/209)
صفحة 210
148
قنطرة العلم
ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولاً للفتاوى والأحكام الظاهرة، ولكن بطريق العموم والشمول، وبطريق الاستتباع، وكان إطلاقه على علم الآخرة أكثر فثار بهذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلب.
ووجدوا على ذلك معيناً من الطبع؛ فإن علم الباطن غامض، والعمل به عسير، والتوصل به إلى طلب الولاية، والقضاء، والجاه، والمال متعذر فوجد الشيطان مجالاً لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع (1)، وبالله
التوفيق.
وخلقه،
6
اللفظ الثاني العلم: وقد كان يطلق ذلك على العلم بالله عز وجل وبآياته وأفعاله في عباده حتى انه لما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم. عرفه بالألف واللام، ثم فسره بالعلم بالله سبحانه وقال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ) (2) الآية.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى (3) الآية.
(4)
[وقال]: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِسمْ (8) الآية.
و [قال]: قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ (5).
وقال: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) (1). وقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
وقال: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (8).
(V)
وقال في الخضر عليه السلام: آتَيْنَاهُ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْما) (9).
(1) راجع إحياء علوم الدين (33/ 1). (2) سورة آل عمران الآية: 18. (3) سورة الإسراء الآية: 107. (4) سورة الروم الآية: 56. (5) سورة القصص الآية: 80. (6) سورة يوسف الآية: 68. (7) سورة المجادلة الآية: 11.
(8) سورة الرعد الآية: 43. (9) سورة الكهف الآية: 65. (1/210)
صفحة 211
قنطرة العلم
195
وقال لنبيه عليه السلام: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (1).
وقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما) (2).
في جميع ما ورد / من فضائل العلم والعلماء بالله عز وجل وبأحكامه وصفاته وتصرفوا [1/ 204] فيه أيضاً بالتخصيص حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بمسائل الفتاوى والفروع والخصومات ولا يحيط من علم الشريعة بشيء يتقرب به إلى الله عز وجل فيعد من فحول العلماء مع بالتفسير والإخبار وسير الصالحين وعلم المذهب وغيره فصار ذلك سبباً مهلكاً لخلق كثير من
الطلبة
(r).
"
، وبالله التوفيق.
جهله
اللفظ الثالث التوحيد: وهو عبارة عن معرفة من وحَدَّ الله تعالى، وآمن به إيماناً يرى به الأمور كلها من قبل الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط والأسباب، فلا يرى الخير والشر إلا من الله جل جلاله وهو مقام شريف إحدى ثمراته: التوكل - كما سيأتي إن شاء الله ـ، ومن ثمراته أيضاً ترك الشكوى إلى الخلق، وترك الغضب عليهم، والتسليم لحكم الله والرضى به، وتفويض الأمور إليه وغير ذلك - كما سيأتي إن شاء الله - وكان التوحيد جوهراً نفيساً وله
قشران.
أحدهما: أبعد من اللب من الآخر.
فالقشر الأول: إقرار اللسان المجرد عن الاعتقاد، وهو أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، توحيداً مناقضاً للتثليث الذي تصرح به النصارى إن الله ثالث ثلاثة، ولكن هذا التوحيد ربما يصدر من الزنديق الذي يخالف سره جهره.
فهذا
يسمى
القشر الثاني:
: أن لا يكون في القلب إنكار لمفهوم الإقرار باللسان بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاد الوحدانية والتصديق به، وهو توحيد عوام المسلمين والمتكلمين الذي هم حراس هذا القشر عن تشويش أهل البدع المخالفين في صفات الله تعالى بتأويل الخطأ.
وأما اللب الذي هو داخل هذين القشرين فهو توحيد العلماء بالله الموقنين، وذلك هو رؤيتهم الأمور كلها من الله تعالى دون الأسباب والوسائط، وعبادتهم إياه تعالى بكلية قلوبهم
(1) سورة النساء الآية: 113.
(2)
سورة طه الآية: 114. (3) راجع إحياء علوم الدين (33/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 14 (1/211)
صفحة 212
قنطرة العلم
197
[205/ب] ويخرج عن هذا التوحيد / اتباع الهوى؛ لأن كل متبع هواه فقد اتخذه. معبوده، قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (1) ..
وقال عليه السلام: «أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى الهوى (2).
وسيأتي شرح التوحيد وثمراته إن شاء الله تعالى، فهذا هو توحيد العلماء لله تعالى.
انظر كيف جعله المتكلمون من العلماء عبارة عن صياغة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بمناقضة الخصوم، والقدرة على التشدق فيها وأكثر الأسئلة بالدلائل، والإلزامات حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، وسموا المتكلمين العلماء بالتوحيد مع خاصية هذه الصناعة لم يكن شيء منها في العصر الأول عن الرسول والصحابة
أن. ما جميع هو
رضي
الله
عنهم،
وإنما حدث عن افتراق الأمة وتوزعها
(3)
،
وبالله التوفيق.
اللفظ الرابع الذكر والتذكير: قال الله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (4). وقد ورد في الثناء على مجلس الذكر أخبار كثيرة كقوله عليه السلام: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها. قيل: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس الذكر (5). وكقوله عليه السلام في حديث أبي ذر حيث قال: حضور مجلس الذكر أفضل من صلاة ألف ركعة، وحضور مجلس العلم أفضل من عيادة ألف مريض، ومن حضور جنازة». قيل: يا رسول الله ومن قراءة القرآن؟ قال: وهل ينفع القرآن إلا بالعلم (6)؟! عطاء قال: مجلس ذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو.
وعن
ألف
في أمثال هذه الأخبار ستأتي في موضعها إن شاء الله. قال: فنقل ذلك إلى ما ترى أكثر الوعاظ في هذا الزمان يواظبون عليه وهو القصص والأشعار والشطح والطامات. أما القصص فهو بدعة، ورد نهي السلف عن الجلوس للقصاص وقالوا: لم يكن ذلك
(1) سورة الفرقان الآية: 43. (2) رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف قاله العراقي في المغني (34/ 1).
(3) راجع إحياء علوم الدين (33/ 1، 34).
(4) سورة الذاريات الاية: 55.
(5) رواه الترمذي من حديث أنس وحسنه قاله العراقي في المغني (34/ 1).
(6) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من حديث عمر، ولم أجده من طريق أبي ذر، قاله العراقي في المغني
(1/ 1) (1/212)
صفحة 213
قنطرة العلم
في
197
عصر / الرسول عليه السلام وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنما حدث ذلك [1/ 206] حين ظهرت الفتنة فظهر القصاص.
وروي عن ابن عمر انه خرج من المسجد فقال: ما أخرجني إلا القصاص، ولولاه ما
رجت (1)
وقيل للثوري (2): نستقبل القاص بوجوهنا؟ فقال: وَلُّوا البدع ظهوركم. قال: ودخل الأعمش جامع البصرة فرأى قاصاً يقص ويقول: حدثنا الأعمش، فتوسط الحلقة وأخذ ينتف شعر إبطيه. فقال القاص: يا شيخ أما تستحي؟ قال: [لِمَ] (3)؟ أنا في سنة وأنت في كذب؛ أنا الأعمش، وما حدثتك.
قال بعض العلماء (4): أكثر الناس كذباً القصاص، والسؤال.
قال: وأخرج علي القاص من مسجد البصرة. ولما سمع كلام الحسن لم يخرجه؛ إذ كان الحسن يتكلم في علم الآخرة، والتذكير بالموت، والتنبيه على عيوب النفس، وآفات الأعمال، وخواطر الشيطان، ويذكر بآلاء الله سبحانه ونعمائه وتقصير العبد في شكره، ويعرف حقارة الدنيا وخطر الآخرة.
في أمثال ذلك فهذا هو التذكير المحمود في الشرع (5) الذي وردت به الأخبار والآثار على ما سيأتي إن شاء الله فاتخذ المتحرفون تلك الأحاديث والآثار حجة على تزكية أنفسهم ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم، وذهلوا عن طريق الذكر المقصود واشتعلوا بالقصص التي يتطرق إليها الاختلاف والزيادة والنقصان، ويخرج عن القصص الواردة في القرآن ويزيد عليها؛ فإن في القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر وإن كان صادقاً فمن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار، فلأجل هذا نهي عن ا القصص. وأما إن كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بأمور دينهم، وكان القاص صادقاً. صحيح الرواية، فلست أرى به بأساً، ولكن فليحذر الكذب، وحكايات توماء إلى هفوات، ومساهلات / يقصر فهم العوام عن درك معانيها وعن كونها هفوة نادرة مردفة [1/ 207]
(1) راجع إحياء علوم الدين (35/ 1).
(2) القائل للثوري: هو ضمرة صرح به الغزالي في الإحياء الموضع السابق.
(3) ما بين المعقوفين من الإحياء (35/ 1).
(4) القائل هو أحمد.
صرح بذلك الغزالي في الإحياء الموضع السابق.
(5) راجع الإحياء الموضع السابق. (1/213)
صفحة 214
198
قنطرة العلم
بتكفيرات، ومتداركة بحسنات تغطي عليها، فإن العامي يعتصم بها في مساهلاته وهفواته، ويمهد لنفسه العذر في ذلك، ويحتج بأنه حكي كيت وكيت عن بعض المشايخ والأكابر، وكلنا بصدد المعاصي، فلا غرو وإن عصيت الله تعالى فقد عصاه من هو أكبر مني، ويفيده ذلك جرأة على الله تعالى من حيث لا يدري فبعد الاحتراز من هذين المحذورين فلا بأس به فعند ذلك ترجع القصص المحمودة إلى ما يشتمل عليه القرآن وصح في الكتب الصحيحة من
الأخبار
(1)
وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم، قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (2) الآية.
وقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) (3).
وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق في التواصف في العشق، وجمال المعشوق و مدح الوصال، وألم الفراق.
والمجلس لا يحوي إلا أخلاط العوام، وبواطنهم مشحونة بالشهوات وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى ما يحرك دواعيهم ولا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هي مستكنة فيها فتشعل فيها نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى فساد. ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة وحكمة على سبيل استشهاد (4)، وقال: إن في الشعر لحكمة (5). وبالله التوفيق.
فلا
واستثناس،
وأما الشطح: فهو عندهم نوعان من الكلام، أحدثهما بعض الصوفية.
أحدهما: الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعاوي الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب تعالى الله. عن ذلك علوا كبير (6).
(1) راجع الإحياء الموضع السابق.
(2) سورة الشعراء الآية: 224.
(3) سورة يس الآية: 69.
(4) راجع إحياء علوم الدين (36/ 1).
(5) رواه البخاري من حديث أبي بن كعب قاله العراقي في المغني (36/ 1).
(6) مثل هذا القول يبين مدى صحة عقيدة المؤلف رحمنا الله وإياه ومدى حرصه على صفاء الاعتقال = (1/214)
صفحة 215
قنطرة العلم
199
قال الغزالي: وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام حتى / ترك جماعة من أهل [208/ب] الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي.
قال: فهذا الفن من الكلام يتلذذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال ولا يعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلفيق كلمات مخبطة
مزخرفة.
قال: ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدال فالعلم حجاب والجدال عمى النفس.
قال الغزالي: فهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن، بمكاشفة نور الحق. قال: فهذا وفنه قد استطار في بعض البلاد شرره وعظم ضرره، ومن نطق بشيء منه
الله فقتله أفضل في دين من إحياء عشرة والله أعلم (1). والنوع الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر زائغة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل.
تعلمه
قال: وذلك إما أن تكون غير مفهومة عن قائلها بل يصدرها عن تخبط في عقله، وتشويش في خياله لقلة إحاطته بكلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم: طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام، إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويكون فهم كل واحد على مقتضى طبعه وهواه.
وقد قال عليه السلام: ما حدث أحدكم قوماً بحديث لا يفهونه إلا كان فتنة عليهم "
والله أعلم.
(2)
قال: وأما الطامات فيدخلها ما ذكرنا في الشطح وأمر آخر يخصها وهو: صرف الفاظ الشرع عن ظواهر المفهوم إلى أمور باطنة لا تسبق إلى الأفهام كدأب الباطنية في التأويلات
وإخلاص التوحيد الله سبحانه وتعالى، وإن كان نقله عن الغزالي إلا أنه علق عليه بقوله: تعالى الله عن
ذلك علواً كبيراً.
(1) راجع هذا القول في الإحياء (36/ 1). (2) ذكره العقيلي في الضعفاء، وابن السني، وأبو نعيم في الرياء من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف، ولمسلم في مقدمة صحيحه موقوفاً على ابن مسعود قاله العراقي في المغني (37/ 1). (1/215)
صفحة 216
200
قنطرة العلم
وهذا أيضاً حرام وضرره عظيم، فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام [1/ 209] فيها ينقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو / إليه من دليل العقل.
اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام؛ فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله عن وجوه شتى. قال: وإنما قصد أصحابها بها الإغراب لأن النفوس مائلة إلى الغريب، ومستلذة له.
قال: وبهذا الطريق توصلت الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها
على رأيهم.
قال: ومثال تأويل أهل الطامات كقول بعضهم في تأويل قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى
(1)
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (1).
أشار إلى قلبه، وقال: هو المراد بفرعون هو الطاغي على كل إنسان. وفي قوله تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) (2). أي كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما تعالى، فينبغي أن يلقيه.
سوي
الله
وفي قوله عليه السلام: تسحروا فإن في السحور بركة (3). أراد به الاستغفار بالأسحار. وأمثال ذلك حتى يحرفوا القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس، وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يُعلم بطلانها قطعاً كتنزيل فرعون على القلب؛ فإن فرعون شخص مخصوص تواتر إلينا وجوده ودعوة موسى عليه السلام] له كأبي لهب، وأبي جهل وغيرهما من الكفار، وليس من جنس الشياطين والملائكة، وما لا يدرك بالحسن حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظهما.
وكذلك حمل السَّحَر على الاستغفار؛ فإنه عليه السلام كان يتناول الطعام، ويقول:
تسحروا (4) وهلموا إلى الغداء المبارك (5).
(1) سورة طه الآية: 24.
(2) سورة القصص الآية: 31.
(3) متفق عليه من حديث أنس قاله العراقي في المغني (37/ 1).
(4) رواه البخاري من حديث أنس أن النبي وزيداً بن ثابت تسحرا. (ه) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث العرباض بن سارية وضعفه ابن القطان، (1، 2) قاله = (1/216)
صفحة 217
قنطرة العلم
201
فهذه أمور يدرك بالتواتر والحس بطلانها، وبعضها يعلم بغالب الظن، وذلك في أمور لا تتعلق بالإحساس، وكل ذلك جرأة وضلالة وبدعة شائعة عظيم ضررها، فقد عرفت كيف صرف / الشيطان دعاوي الخلق من العلوم المحمودة إلى المذمومة وكل ذلك بتلبيس علماء [210/پ]
السوء بتبديل الأسامي
(1)
6
والله المستعان.
اللفظ الخامس الحكمة: وهي التي اثنى الله تعالى عليها فقال: {وَمَنْ يُوَاتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
(2)
أُوتِيَ خَيْراً كَثيرا (2).
وقال عليه السلام:: كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها». وقال: الحكمة ضالة المؤمن.
في أمثال ذلك، ثم صار اسم الحكمة يطلق على الشاعر والمنجم وأمثالهم، وانظر إلى الذي كان اسم الحكمة عبارة عنه وإلى ماذا نقل، وقس في بقية الألفاظ، واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء؛ فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين، إذ الشيطان بواسطتهم يتوصل إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق
(r)
فقد عرفت العلم المحمود من العلم المذموم، ومثال الالتباس وإليك الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف أو تتدلى بحبل الغرور، وتتشبه بالخلف فكل ما ارتضاه السلف فقد اندرس، وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع محدث، والله المستعان (4).
وقد صح قوله عليه السلام: ((بدا (5) الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء». فقيل: وما الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس
ويحيون من سنتي ما أماته الناس.
وفي خبر آخر: هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم.
العراقي في المغني عن حمل الأسفار (37/ 1). (1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (37/ 1، 38) بتصرف.
(2) سورة البقرة الآية: 269.
(3) راجع إحياء علوم الدين (38/ 1، 39). (4) راجع إحياء علوم الدين (38/ 1، 39).
(0) رواه مسلم من حديث أبي هريرة مختصراً، وهو بتمامه عند الترمذي من حديث عمرو بن عوف، وحسنه. قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (39/ 1). (1/217)
صفحة 218
202
قنطرة العلم
وفي حديث آخر: «الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس كثير، من يبغضهم أكثر ممن
يحبهم (1)
وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذاكرها، ولذلك قال الثوري: إذا رأيت
العالم كثيرا الأصدقاء فاعلم أنه مختلط؛ لأنه لو نطق بالحق لبغضوه.
كتبت أكثر هذا الباب من كتاب الغزالي (3)؛ لأنه اتبع فيه فضائح علماء السوء منهم، [1/ 211] فأحببت أن تقفوا عليها إذ كان ما ذكره موافقاً للحق غير / خارج عن الشرع. وبالله التوفيق. الفصل الثاني: في بيان القدر المحمود من العلم المحمود
اعلم أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
قسم: وهو مذموم قليله وكثيره وهو الذي لا فائدة فيه في دين ولا دنيا أو فيه ضرر يغلب نفعه وهو ما قدمناه من علم السحر والطلسمات، والنجوم فبعضه لا فائدة فيه أصلاً، وصرف العلم الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان إليه إضاعة، وإضاعة النفائس مذمومة، ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا، والله أعلم.
القسم الثاني: قسم محمود قليله وكثيره، وكلما كثر كان أحسن وأفضل وذلك هو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا؛ فإن هذا علم مطلوب لذاته وليتوصل به إلى سعادة الآخرة فبذل المقدور فيه إلى أقصى غاية الجهد قصور عن الحد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره، وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يتيسر لهم.
بحسب
وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم على اختلاف درجاتهم اختلاف قوتهم وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم وهذا هو العلم المكنون الذي لا
من
يسطر في الكتب ويعين على التنبيه لهذا العلم مشاهدة أحوال علماء الآخرة كما قدمنا علاماتهم هذا في أول الأمر ويعين عليه في آخر الأمر المجاهدة والرياضة للنفس وتصفية القلب وتفريعه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بأنبياء الله تعالى، وأوليائه؛ ليتضح عنه لكل ساع إلى طلبه بقدر الرزق لا بقدر الجهد ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها، وبالله التوفيق.
(1) رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) راجع الإحياء (36/ 1، 39). (1/218)
صفحة 219
203
قنطرة العلم / القسم الثالث: يحمد منه مقدار الكفاية، ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه، [212/ب] وهي العلوم التي تقدمت قبل هذا في فروض الكفايات؛ فإن كل علم منها اقتصاراً هو الأول، واقتصاداً هو الوسط وإستقصاء لا مرد له إلى آخر العمر وهذه الأقسام الثلاثة كأحوال البدن؛ فإن منه ما لا يحمد قليله ولا كثيره كالقبح وسوء الخلق.
نفسك،
ومنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال؛ فإن التبذير لا يحمد فيها وهو بذل وكالشجاعة، فإن التهور لا يحمد فيه، وإن كان من جنس الشجاعة فكذلك العلم على هذا الحال. فكن أحد رجلين إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً إلى غيرك بعد الفراغ من وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك من معرفة الله تعالى، وما يتعلق بها من الأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم، وإنما الأهم الذي أهمله الكل وهو علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم إذ لا ينفك بشر من الصفات المذمومة: من الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها فجميع ذلك مهلكات أهمالها مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل، والتهاون بإخراج المادة من القيح والدم منها بالفصد والإمهال.
وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة كما تشير الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن، وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقلع
مغارسها وهي في القلب، وإنما فزع الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة دون تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح / واستصعاب أعمال القلوب كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب [213/ب] الأدوية المرة، فلا يزال يتعب في الطلاء وهي تزيد في المواد وتضاعف الأمراض؛ فإن كنت مريد الآخرة وطالباً للنجاة وهارباً من هلاك الأبد فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها على ما سيأتي إن شاء الله فإنك إذا فعلت ذلك انجر ذلك بك إلى المقامات المحمودة التي تأتي مشروحة إن شاء الله.
فإن القلب إذا فرغ من المذموم امتلاء من المحمود كالأرض إذا نقيت من الحشيش نبت فيها أصناف الزرع والرياحين، فإن لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات لا سيما وفي الخلق من قام به فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، فما أشد حماقة من الأفاعي والعقارب داخل ثيابه و همت بقتله وهو يطلب مذية يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا
دخلت (1/219)
صفحة 220
204
قنطرة العلم
يعنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذ هممن به.
وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظاهر الإثم وباطنه فصار ذلك ديدناً لك وعادة ميسرة فيك - وما أبعد ذلك - فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فيها، فابتدأ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسوله عليه السلام، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن من: علم الناسخ والمنسوخ، والمقطوع والموصول والمحكم والمتشابه، وكذلك في السنة، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلم، له العمر ويساعد فيه الوقت، ولا تستغرق عمرك في واحد منها طلباً للاستقصاء؛ فإن العلم كثير والعمر قصير وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها فكل ما [1/ 214] يطلب لغيره فلا يليق أن تنسى من أجله المطلوب وتستكثر / منه فاقتصر من شائع علم اللغة
بما يتسع
على ما تفهم به كلام العرب وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع
به
التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة ومن علم الكلام ما تحتفظ التوحيد والاعتقاد من تشويش المبتدعة على نفسك واختلاسها قلوب العوام من معتقدي مذهب المسلمين، وكن متيقظاً لمكايد النفس متحرزاً من شياطين الجن والإنس.
وبالجملة فالمُرضي عند العقلاء أن تعد نفسك في الدنيا وحدك الله تعالى، وبين يديك الموت والعرض والحساب والجنة والنار تأمل فيها بعينيك واشتغل فيما بين يديك، ودع
عنك ما سوى ذلك (1) والسلام.
مثال لهذه العلوم في سلوك طريق الآخرة، ذكر. معنى ذلك الغزالي في كتابه فقال: اعلم أنه لا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة. قال: وإذا لم يكن الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن، وشهد له من
نور العقل والبصائر ما يجري مجرى العيان، فالأهم ما يبقى أبد الآباد. قال: فعند ذلك تصير الدنيا منزلاً والبدن مركباً والأعمال سعياً إلى المقصد، ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى فيه النعيم كله، وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون. قال: والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله تعالى على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال قال: وهو أن العبد الذي علق عتقه وتمكينه من الملك بالحج وقيل له: إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك جميعاً، وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له، وعاقك
(1) راجع إحياء علوم الدين (39/ 1، 41). (1/220)
صفحة 221
205
قنطرة العلم
في الطريق مانع ضروري، فلك العتق والخلاص من شق الرق فقط دون سعادة الملك (1).
قال: فله ثلاثة أصناف من الشغل:
الأول: تهيئة أسباب شراء الناقة وخرز / الراوية وإعداد الزاد. الثاني:: السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلاً بعد منزل.
الثالث: الاشتغال بأعمال الحج ركناً بعد ركن ثم بعد النزوع عن هيئة الإحرام، وطواف الوداع استحقاق التعرض للملك والسلطنة.
السعادة كقرب من
وله في كل مقام منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخرها، ومن أول سلوك البوادي إلى آخره ومن أول أركان الحج إلى آخره، وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من ال هو بعد في إعداد الزاد والراحلة، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك بل أقرب منه (2). قال: والعلوم أيضاً ثلاثة أقسام: قسم: يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة وشراء الناقة وهو علم الطب والفقه وما يتعلق بمصالح البدن في الدنيا.
وقسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات وطلوع تلك العقبات الشامخة، التي عجز عنها الأولون والآخرون إلا الموفقون، فهذا سلوك للطريق وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله.
قال: فكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلوكها، كذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب، لكن المباشرة دون العلم غير ممكنة. وقسم ثالث: يجري مجرى نفس الحج، وأركانه وهو العلم بالله عز وجل وصفاته
وملائكته وأفعاله في جميع ما تقدم ذكره في ترجمة علم المكاشفة.
المقصد
[215/ب]
قال: وهاهنا نجاة وفوز بالسعادة، فالنجاة حاصلة لكل سالك الطريق، إذا كان غرضه وهو السلامة وأما الفوز بالسعادة فلا ينالها إلا العارفون وهم المقربون المنعمون في جوار الله عز وجل بالروح والريحان وجنة النعيم. قال: فأما الممنوعون من ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة / كما قال تعالى: {فَأَمَا إِنْ [216/ب]
(1) راجع الإحياء (53/ 1).
(2) راجع المصدر السابق. (1/221)
صفحة 222
206
قنطرة العلم
كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ * وَجَنَةٌ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ
وكل من لم يتوجه إلى القصد، ولم ينتهض له أو انتهض إلى جهته، لا على قصد الامتثال والعبودية بل لغرض عاجل فهو من أصحاب الشمال الضالين وله نزل من حميم
وتصلية جحيم.
واعلم أن هذا. هو اليقين عند العلماء الراسخين - أعني أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد التقليد بمجرد السماع، فحالهم حال من أخبر فصدق، ثم شاهد فتحقق وحال غيرهم حال من قبل بحسن التصديق والإيمان، أعني ما سبق إلى فهم عوام المسلمين والمتكلمين دون العارفين؛ لأنهم آمنوا وصدقوا، ولم يحيطوا
بالمشاهدة والعيان.
قال: والسعادة من وراء علم المكاشفة، وعلم المكاشفة من وراء علم المعاملة، التي هي سلوك طريق الآخرة، وقطع عقبات الصفات وسلوك طريق محو الصفات المذمومة، وراء علم الصفات، وعلم طريق المعالجة، وكيفية السلوك وراء علم سلامة البدن.
قال: ومساعدة أسباب الصحة وسلامة البدن بالاجتماع والتعاون الذي يتوصل به إلى الملبس والمطعم والمسكن، وهو منوط بالسلطان وقانونه في ضبط الناس وحملهم على نهج العدل والسياسة في ناصية الفقيه.
وأما أسباب الصحة ففي ناصية الطبيب، فمن قال العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان وأشار به إلى الفقه؛ فإنما أراد به العلوم الظاهرة الشائعة لا العلوم الغريزة الباطنة.
تارة يعبر
قال: فإن قلت: لم شبهت علم الفقه والطب بإعداد الزاد والراحلة؟
قال: فاعلم أن الساعي إلى الله سبحانه لينال قربه هو القلب دون البدن ولست أعني
لطائفه،
[1/ 217] / بالقلب اللحم المحسوس، بل سر من أسرار الله تعالى لا يدركه الحس، ولطيفة من عنه بالروح، وأخرى بالنفس المطمئنة، والشرع يعبر عنه بالقلب؛ لأنه المطية الأولة الحاملة لذلك السر وكشف الغطاء عن ذلك السر من علم المكاشفة وهو مظنون به، بل لا رخصة في ذكره وغاية المأذون أن يقال: هو جوهر نفيس ودرّ عزيز أشرف من هذه الأجسام
(1) سورة الواقعة الآيات: 88، 91. (1/222)
صفحة 223
قنطرة العلم
207
المرئية، وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (1)
الآية.
وكل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى، ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن
والله الخلق والأمر جميعاً، والأمر أعلى من الخلق.
وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السموات
والأرض والجبال؛ إذ أَينَ أن يحملنها، وأشفقن منها.
وإياك أن تفهم من هذا تعريضاً بقدمه، فالقائل بقدم الأرواح مغرور جاهل، لا يدري ما يقول، والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الله سبحانه ـ أعني الروح؛ لأنه من أمر الرب تعالى فمنه مصدره، وإليه مرجعه.
قال: وأما البدن فمطية الروح التي يركبها ويسعى بواسطتها فالبدن له في طريق الله سبحانه كالناقة للبدن في طريق الحج وكالراوية الخازنة للماء الذي يفتقر إليه البدن، فكل عمل مقصده مصلحة البدن فهو من جملة مصالح المطية، ولا يخفى أن الطب كذلك؛ فإنه يحتاج إليه في حفظ الصحة على البدن، ولو كان الإنسان وحده لاحتاج إليه، والفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده، ربما كان يستغني عنه، ولكنه خلق على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده إذ لا يستقل / بالسعي في طلب تحصيل طعامه بالحراثة والزراعة والطبخ وفي تحصيل الملبسر [218/ب]
والمسكن، وفي إعداد الآلات؛ لذلك كله فاضطر إلى المخالطة والاستعانة فمهما اختلط بالناس، وثارت شهواتهم تجاذبوا أسباب الشهوات وتنازعوا وتقاتلوا فحصل من قتالهم
هلاكهم بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب تضاد الأخلاط من داخل. وبالطبع يحفظ الاعتدال في الأخلاط المتنازعة من داخل، وبالسياسة والعدل يحفظ الاعتدال في التنافس من خارج، فعلم طريق اعتدال الأخلاط، طب، وعلم طريق اعتدال أحوال الناس في المعاملات وسائر الأفعال فقه وكل ذلك يحفظ البدن، الذي هو مطية، فالمتجرد لعلم الفقه والطب إذا لم يجاهد نفسه، ولم يصلح قلبه كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها، وشراء الراوية وخرزها إذ لم يسلك بادية الحج والمستغرق عمره في دقائق الكلمات التي تحرر في مجادلات الفقه، كالمستغرق عمره في دقائق أسباب الخيوط التي تخرز بها مزاوده، وراويته في
طريق الحج.
(1) سورة الإسراء الآية: 85. (1/223)
صفحة 224
قنطرة العلم
فنسبة هؤلاء من السالك طريق إصلاح القلب إلى الواصل إلى علم المكاشفة، كنسبة أولئك إلى سالكي طريق الحج أو ملابسي أركانها.
قال الغزالي: فتأمل هذا أولاً واقبل النصيحة مجاناً ممن قامت عليه غالبة، ولم يصل إليها إلا بعد جهد شديد وجرأة تامة على مباينة الخلق، والغاية في النزوع عن تقليدهم بمجرد
الشهوة
(1)، وبالله التوفيق.
فنسأل الله الذي بيده أزمة الأمور أن يعصمنا من زخارف القول والغرور، وأن يجعلنا من الذين لا تغرهم الحياة الدنيا، ولا يغرهم بالله الغرور، وأن يعيذنا من الخطأ والزلل في القول 1/ 219] والعمل فهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا / بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد مولانا النبي الكريم.
كمل كتاب قنطرة العلم بحمد الله وحسن عونه يتلوها قنطرة الإيمان والتوحيد إن شاء الله تعالى
(1) راجع إحياء علوم الدين (53/ 1، 55). (1/224)
صفحة 225
القنطرة الثانية
قنطرة الإيمان وسائر قواعد الاعتقاد والتوحيد
وهذه القنطرة التي للإيمان مرتبة على قنطرة العلم، وذلك أن سعادة الآخرة العلم، ثم الإيمان، ثم العمل، ثم التوفيق، ثم حسن الخاتمة.
وذلك أن الإنسان لما حصل له العلم الضروري المتيقن بأن المحدثات كائنة بعد جميع أن لم تكن وجب عليه أن يعرف أن لها مُحْدِثاً، أحدثها، ومكوناً كونها فيؤمن به، ويعتقد أن وموجده على ما هو عليه من صفاته وأفعاله فتشتمل حينئذ هذه القنطرة على خمسة
خالقه
أبواب.
الأول: في معرفة ذات الله تعالى وينحصر هذا الباب في عشرة فصول.
الفصل الأول
يحتوي على ترجمة العقيدة والاستدلال على وجود الله سبحانه بألفاظ وجيزة.
أما الترجمة: فهو أن الله تعالى أوجب على كل عاقل سلم عقله من الآفات، أن يعتقد أن الله سبحانه إله واحد لا شريك له، منفرد لا ند له قديم لا أول له، مستمر الوجود لا آخر له، ليس بجسم مصور ولا بجوهر مقدر، ولا يماثل الأجسام ولا يتجزأ بالانقسام، ولا تحله الجواهر والأعراض، ولا تعتريه الخواطر والأغراض، ولا تحويه الأقطار والجهات، ولا تكتنفه الأرض والسموات.
منزه عن التغير والانتقال مقدس عن الزوال، حي قادر جبار، قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم له الملك والملكوت والعزة والجبروت منفرد بالخلق [220/ب]
والاختراع، متوحد بالإيجاد والإبداع عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السموات، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. يعلم حركات الخواطر، وما يختلج في (1/225)
صفحة 226
210
قنطرة الإيمان والتوحيد
مكنون الضمائر، عالم بما كان وما يكون من ظاهر ومكنون يعلم ذلك بنفسه وبذاته، لا بعلم متجدد قائم بالذات تعالى عن حلول المعاني والآفات.
الأصوات، بصير
وهو تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات خالق لجميع الموجودات وأفعالها مقدر لأرزاقها وآجالها لا يقع كفر ولا إيمان ولا نكر ولا عرفان ولا سهو ولا نسيان إلا بقضائه ومشيئته وحكمه وإرادته لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه لم يزل واحداً حياً عالماً قادراً مريداً في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها لها، فوجدت في أوقاتها كما قدرها من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته وهو سبحانه سميع لا تخفى عنه لا تغيب عنه الألوان. لا يعزب عن سمعه مسموع، وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق يرى من غير حدقة ولا أجفان ويسمع من غير أصمخة ولا آذان. كما يعلم من غير قلب ولا جنان، وهو تعالى متكلم بلا شفة ولا لسان وآمر بالطاعة والإحسان، ناه عن الإساءة والعصيان واعد على طاعته ثواب الخلد، والجنان متوعد على معصيته عقاباً بين أطباق النيران وأنه تعالى حكيم في أفعاله عادل في أحكامه متفضل بالإنعام / ممتن بالإحسان لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (1) وَلَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) (2). وأنه تعالى بعث رسوله النبي الأمين محمد بن عبد الله خاتم النبيين إلى الجن والإنس أجمعين، فنسخ بشريعته جميع الشرائع المتقدمة، إلا ما لا ينسخ من التوحيد ومكارم الأخلاق المتممة، فختم به الأنبياء، وفضله على جميع أوليائه من الأنبياء، الأصفياء، ومنع سبحانه كمال التوحيد الذي هو قول لا إله إلا الله ما لم تقترن به الشهادة لرسوله بأنه محمد رسول الله، وألزم الخلق تصديقه في جميع ما قاله وأخبر عنه من أن الموت حق، وأن البعث حق وأن الحساب حق وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الله جملة الأنبياء والرسل وجملة الملائكة والكتب والإيمان بالقضاء والقدر وولاية أولياء الله من الأولين والآخرين، والعداوة لأعدائه من الإنس والجن أجمعين ومعرفة التوحيد والشرك وفرز كبائر الشرك من كبائر النفاق. ومعرفة تحريم دماء المسلمين وأموالهم، وسبي زراريهم بالتوحيد الذي معهم، ومعرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم وسبي زراريهم بالشرك الذي معهم، ومعرفة الملل وأحكامها واعتقاد العبودية الله تعالى بجميع أوصافها وبالله التوفيق (3).
(1) سورة يونس الآية: 44.
(2) سورة الأنبياء الآية: 23.
(3) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (89/ 1، 91) بمعنى ما هنا.
[1/ 221] (1/226)
صفحة 227
قنطرة الإيمان والتوحيد
211
فينبغي أن يلقن الصبي هذه العقيدة مشروحة في أول نشوءه ليحفظها حفظاً ثم لا يزال ينكشف له معناها في كبره شيئاً فشيئاً، فابتداؤه بالحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق
بها.
وذلك مما يحصل في قلب الصبي بغير برهان ثم لا بد من تقويته بتلاوة القرآن وتفسيره، وقراءة الحديث وفهم / معانيه ويشتغل بوظائف العبادات، فلا يزال اعتقاده يزداد [222/ب] رسوخاً بما يقرع. سمعه من أدلة القرآن وحججه، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يطلع عليه من أنوار العبادات ووظائفها، وبما يسري عليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم، فيكون أول التلقين كإلقاء البذور في أرض الصدر، وتكون هذ الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة في الصدر، أصلها ثابت وفرعها في السماء، ثم إذا وقع نشوء الصبي على هذه العقيدة مشروحة ولم ينفتح له غيرها، ولم يطلع على اختلاف الناس حتى يميز بين البدعة وغيرها. فاستمر على وظائف العبادات واجتناب المحرمات حتى مات على ذلك، فإنه ناج في الآخرة إن شاء الله إذ لم يكلف الرسول عليه السلام أجلاف العرب أكثر من التصديق والجزم بظاهر هذا الاعتقاد وهو الإيمان بالله وبرسوله وبما جاء به إنه حق من عند ربه.
فأما البحث والتفتيش عن اختلاف الناس وتكلف نظم الأدلة، لذلك فلم يكلفوا ذلك أصلاً وإن ساعده التوفيق في سلوك طريق الآخرة حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى، ونهى النفس عن الهوى واشتغل برياضة النفس والمجاهدة انفتح له أبواب من الهداية تكشف له عن حقائق هذه العقيدة بنور يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقاً لوعد الله تعالى إذ قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (1) وبالله التوفيق ()
فصل
(2)
وأما الأدلة على وجود الله تعالى فيكفي ذلك ما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله تعالى بيان قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَادا إلى قوله: {وَجَنَّاتٍ [223/ب]
ألفافا) (3).
(1) سورة العنكبوت الآية: 69.
(2) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (93/ 1، 94). (3) سورة النبأ الآيات: 6، 16.
قناطر الخيرات ج/1 م/ 15 (1/227)
صفحة 228
212
قنطرة الإيمان والتوحيد
وقال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) إلى قوله: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (1) الآية.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمْوَاتٍ طِبَاقاكم إلى قوله: {وَيُخْرِجُكُمْ إخراجا) (2).
وقال جل جلاله: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَه إلى قوله: {وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ) (3). فليس يخفى على من له أدنى عقل وتمييز، إذا تأمل بفكره مضمون هذه
الآيات، وأدار نظره على عجائب خلق الأرض والسموات وأصناف الحيوان والنبات.
إن هذا الأمر العجيب الذي أحكم غاية الإحكام، ورتب هذا الترتيب لا بد له من صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره، بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخير، ومصرفة بمقتضى تدبير، ولذلك قال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْض) (1).
(4)
وقال تعالى: (فِطْرَتَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ
القيم (5).
فإذا في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة برهان، ولكنا على سبيل
الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظار.
نقول في انطباق فطرة العقول: إن الحادث لا يستغني في حدوثه عن محدث يحدثه، فالعالم بأسره حادث؛ لأن كل حادث لا بد له أن يكون مختصاً بوقت يجوز في العقل تقدير تقدمه وتأخره واختصاصه بوقت معلوم يفتقر بالضرورة إلى المخصص.
أما قولنا: أن العالم حادث فبرهانه أن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان لأجل تعاقبهما ووجود البعض منهما عقيب الآخر، وذلك مشاهد في جميع الأجسام فما من ساكن إلا والعقل قاض بجواز، تحركه وما من متحرك إلا والعقل قاض
(1) سورة البقرة الآية: 164. (2) سورة نوح الآيات: 15، 18. (3) سورة الواقعة الآيات: 58، 73. (4) سورة إبراهيم الآية: 10. (5) سورة الروم الآية: 30. (1/228)
صفحة 229
213
قنطرة الإيمان والتوحيد بجواز سكونه فالطاراء منهما حادث الطرؤه، والسابق حادث؛ لأنه لو ثبت قدمه لاستحال [1/ 224] عدمه، فلما ثبت أن الأجسام لا تخلو عن الإعراض وأنها تتعاقب على الأجسام وهي حوادث فما لم يسبق الحادث فهو حادث مثله، وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات الضرورية وبالله التوفيق (1)
(1)
الفصل الثاني
العلم بأن الباري سبحانه قديم لا أول لوجوده والدليل على قدمه كونه قبل الحدث؛ لأن معنى الحدث ما لم يكن ثم كان ومعنى القديم ما كان بغير تكوين وهو ما الله سبحانه؛ لأنه كان ولا شيء معه، ثم كون الأشياء فلو لم يكن قديماً لكان محدثاً مفتقر إلى محدث يحدثه، وافتقر محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى غير نهاية.
وما تسلسل لم يتحصل وينتهي إلى محدث، قديم، وذلك هو المطلوب الذي هو صانع الأشياء وبارئها ومحدثها وموجدها {هُوَ الأَوْلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِ شَيْءٍ
عليم (2)
الفصل الثالث
العلم بأنه تعالى لا نهاية لوجوده ودوامه؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، والدليل على ذلك أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه، أو بمعدم هو غيره، فلو جاز أن ينعدم شيء يتصور دوامه بنفسه لجاز أن. يوجد شيء بنفسه.
فكما
يحتاج طرؤ الوجود إلى سبب، فكذلك يحتاج طرؤ العدم إلى سبب، وباطل أن
ينعدم بمعدم هو غيره؛ لأن ذلك المعدم لو كان قديماً لما تصور الوجود معه.
وقد ثبت بما قدمناه أنه قديم لا أول لوجوده، فكيف كان وجوده في القدم وحده، ومعه ضده؟ وإن كان الضد المعدوم حادثاً كان محالاً، إذ ليس الحادث بمضادته القديم حتى ينقطع وجوده بأولى من القديم في مضادته الحادث حتى يدفع / وجوده بل الدفع أهون من القطع [1/ 225] والقديم، أقوى من الحادث فثبت أنه لا آخر لوجوده ولا نهاية لدوامه وبالله التوفيق
(1) راجع إحياء علوم الدين (104/ 1، 105) بمعنى ما هنا. (2) سورة الحديد الآية، وراجع إحياء علوم الدين (106/ 1) بمعناه.
راجع الإحياء (106/ 1) بنحوه.
(3)
• (1/229)
صفحة 230
214
الفصل الرابع
قنطرة الإيمان والتوحيد
[226/ب]
العلم بأنه ليس بجوهر يتحيز ودليله إن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكناً فيه أو متحركاً عنه والسكون والحركة حادثان فما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر العالم، وذلك محال فثبت أنه موجود قديم ليس بجوهر تعالى عن ذلك (1).
الفصل الخامس
العلم بأنه تعالى ليس بجوهر مؤلف من جواهر، إذ الجسم عبارة عن المؤتلف من الجواهر، فلما بطل كونه جوهراً مختصاً بحيز بطل كونه جسماً؛ لأن كل جسم لا بد أن يكون مختصاً بحيز مركباً من جوهرين فصاعداً، والجوهر والجسم يستحيل خلوهما عن الحوادث من الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئات والمقدار فهذه دلائل الحدث تعالى عن.
علواً كبيرا (2).
الفصل السادس
ذلك
العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم في الجسم أو حال في محل، لأن العرض هو ما يحل في الجسم ويعترض فيه من حركة وسكون، فكل جسم حادث ومحدثه موجود قبله، فكيف يكون حالاً. في جسم و وقد كان في الأزل ولا شيء معه موجود؟
ثم أحدث الأجسام والأعراض ويتحصل من هذه الأصول إنه موجود قائم بنفسه ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عرض، فإن العالم كله جواهر وأعراض وأجسام فإذاً لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء لاستحالة مماثلة الصناعة صانعها (3).
الفصل السابع
العلم / بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، فإن الجهات إما فوق، وإما أسفل، وإما يمين أو شمال، أو قدام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها، فلو اختص بجهة ما لكان متحيزاً محدوداً، كاختصاص الجواهر والأجسام وتحيزها
بالأمكنة والجهات.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق بنحوه أيضاً.
(3) نفس المصدر. (1/230)
صفحة 231
قنطرة الإيمان والتوحيد
215
أنه
وقد ثبت استحالة كونه جوهراً أو جسماً فاستحال كونه مختصاً بجهة فمن زعم مختص بجهة فوقية قيل له: لو كان فوق العالم بجهة لكان محاذياً له، وكل محاذ لجسم، فإنه لا بد أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر، وكل ذلك تقدير يحوج إلى مقدر يتعالى عنه الواحد المدبر، وأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة للداعي وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء وتنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلا، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء (1).
الفصل الثامن
العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا تتطرق إليه سمات الحدث والفناء وهو استواء القهر والغلبة
والاستيلاء (2) (2) كما قال الشاعر:
قد استوي بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (3).
إذ حمل بالاتفاق على الإحاطة، والعلم فحمل قوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن على القدرة والقهر وحمل قوله (عليه السلام: «الحجر الأسود [1/ 227]
يمين الله في أرضه».
على التشريف والإكرام؛ لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال، فكذلك الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن للزم منه كون المتمكن جسماً مماساً للعرش إما مثله أو أكبر منه، أو أصغر وكل ذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال (4).
(1) من المعروف والمتفق عليه وما لا يختلف عليه بين اتباع الحق أن الله تعالى في السماء كما أخبر هو عن نفسه في قوله تعالى: (امتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) وكل ذلك بغير تحيز بل كما أخبر هو سبحانه عن نفسه لا تُدْرِكْهُ الأَبْصَارَ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) سبحانه لا يعلم قدره
غيره.
(2) عبارة استواء القهر والغلبة والاستيلاء كان لا يجب ذكرها لأنها تفيد أنه كان له مغالب فغلبه الله سبحانه تعالى عن ذلك علواً كبيراً. بل استوى بالمعنى الذي أراد كما قال المؤلف في أول كلامه.
(3)
سورة الحديد الآية: 4.
(4) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (107/ 1). (1/231)
صفحة 232
216
الفصل التاسع
قنطرة الإيمان والتوحيد
العلم بأنه تعالى منزه عن الرؤية والإدراك بالأبصار إذ هو تعالى مقدس عن الجهات والأقطار، لقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (1) فهذه مدحة امتدح تعالى بها عن الإدراك بالبصر كما امتدح بقوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (2). عن الغفلة، وحلول الآفة به من النوم والسنة.
(2)
فإن قال قائل: لا تدركه الأبصار يعني في الدنيا. قيل له: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (3) في الدنيا، فإن حاول بينهما فرقاً، لم يجد إلى ذلك سبيلاً (4). وقد استقصينا شرح هذه الفصول والحجج عليها في كتاب شرح قصيدة الشيخ أبي نصر
رحمه الله.
الفصل العاشر
العلم بأنه عز وجل واحد لا شريك له، فرد لا ندَّ له انفرد بالخلق والإبداع، وتوحد بالإيجاد الاختراع لا مثل له يساميه ويساويه لا ضد له فينازعه ويناوئه دليله قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلا اللَّهَ لَفَسَدَنَا (5) ..
وبيانه أنهما لو كانا اثنين وأراد أحدهما أمراً، فالثاني إن كان مضطراً إلى مساعدته كان مقهوراً له عاجزاً ولم يكن إلهاً قادراً، وإن كان قادراً على مخالفته ومدافعته كان الثاني قوياً قاهراً، والأول ضعيفاً قاصراً فلم يكن إلهاً قادراً.
فمدار هذا الباب على عشرة أصول وهي:
العلم بوجود الله تعالى وقدمه وبقائه وأنه ليس بجوهر ولا عرض وأنه ليس مختصاً بجهة
ولا مستقراً على مكان دون مكان وأنه مستو على العرش وأنه ليس بمريء وأنه واحد لا شريك
له (6).
(1) سورة الأنعام الآية: 103. (2) سورة البقرة الآية: 255. (3) سورة البقرة الآية: 255. (4) راجع الإحياء (107/ 1). (5) سورة الأنبياء الآية: 22. (6) راجع الإحياء (107/ 1، 108). (1/232)
صفحة 233
قنطرة الإيمان والتوحيد
217
الباب الثاني
في معرفة صفاته في ذاته
ويشتمل على عشرة أصول وهي: العلم بكونه حياً عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً منزّهاً عن حلول الحوادث، وأن صفاته هي هو، وأنها غير قائمة بالذات، غير متغايرة بينها البين
وبالله التوفيق.
الأصل الأول: العلم بأن الله تعالى عالم بجميع الأشياء ما كان منها وما لم يكن إن لو كان كيف كان يكون علم ذلك بنفسه وبذاته لا يعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال، لا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم وساوس الضمائر وهواجس الأفكار والسرائر صادق في قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ومرشد إلى صدقة بقوله: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1).
(1).
أرشد سبحانه إلى الاستدلال بالخلق على العلم، لأنه لا يستريب ذو عقل في دلالة الخالق اللطيف المحكم على الصنع الموثق بالترتيب والنظم العجيب ولو في الشيء الحقير على علم الصانع الخبير، فما ذكره الله سبحانه هو المنتهى في الهداية والتعريف لأهل العقول
والدراية (2).
الثاني: العلم بأنه تعالى قادر، وأنه جل وعلا في قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (3). صادق؛ لأن العالم بأسره محكم في صنعته، مرتب في خلقته، ومن رأى ثوباً من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتظريف، ثم توهم صدور ذلك من ميت لا استطاعة له إنسان لا قدرة له كان منخلعاً عن غريرة العقل منخرطاً في سلك أهل / الغباوة [1/ 229]
أو
من
والجهل
(4)
الثالث: العلم بأنه تعالى حي قيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم (ه) فإن من ثبت علمه وقدرته ثبتت بالضرورة حياته إذ الأموات استحالت منهم القدرة والعلوم.
(1) سورة الملك الآية: 14.
(2)
راجع إحياء علوم الدين (108/ 1).
(3) سورة الملك الآية: 1. (ع) راجع الإحياء (108/ 1). (5) سورة البقرة الآية: 255. (1/233)
صفحة 234
218
قنطرة الإيمان والتوحيد
ولو تصور قادر عالم فاعل مدبر دون أن يكون حياً لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عن ترددها في الحركات والسكنات بل في حياة أرباب الحرف والصناعات، وذلك انغماس في غمرة الجهالات (1).
الرابع: العلم بأنه تعالى مريد لأفعاله فلا موجود إلا هو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته، فهو تعالى المبداء المعيد الفعال لما يريد، وكيف لا يكون مريداً وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده مما يجوز عليه وما لا ضد له أمكن أن يصدر منه ذلك بعينه، وكيف يكون إلهاً قادراً من يكون في ملكه ما لا. يريده بل هو مستكره عاجز تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وهو تعالى مريد بذاته حي عالم بنفسه وبذاته (2).
الخامس: أنه تعالى سميع لا تخفى عليه الأصوات بصير لا تخفى عنه الألوان لا يعزب
النملة
عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فالسمع كناية عن درك الأصوات، والبصر كناية عن درك الألوان، وذلك نفس العلم وهما صفتان الله سبحانه في ذاته صفتا كمال في حقه سميع ليس بأصم بصير ليس بأعمى فهاتان صفتا كمال في المخلوق فكيف الخالق؛ لأنه لو لم يكن كذلك كيف تستقيم حجة إبراهيم الخليل عليه السلام على أبيه إذ كان يعبد الأصنام غيّاً
وجهلاً.
[230/ب] فقال: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) (3) ولو انقلب / عليه ذلك في معبوده، لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمُ) (4) الآية. حاشا خليل الرحمن عن مقالة أهل الطغيان فكما عُقِلَ كونه فاعلاً بلا جارحة عالماً بلا قلب ولا دماغ
فليُعقل كونه بصيراً بلا حدقة وسميعاً بلا أذان إذ لا فرق بينهما (5).
السادس: أنه تعالى متكلم ليس بأخرس وكلامه على وجهين:
أحدهما: الكلام الذي هو صفته على نفي الخرس عنه، فذلك صفة له في ذاته لم يزل
موصوفاً بها.
(1) راجع الإحياء (108/ 1). (2) راجع المصدر السابق. (3) سورة مريم الآية: 42. (4) سورة الأنعام الآية: 83.
(5) راجع إحياء علوم الدين (108/ 1). (1/234)
صفحة 235
قنطرة الإيمان والتوحيد
219
والثاني:: كلامه الذي القرآن وسائر كتبه المنزلة، فذلك فعل من أفعاله، لقوله تعالى:
هو
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} (1).
ولا يسمع الإنسان كلامه إلا بأذنيه وهذا المسموع فحدث، وتركنا ما وراء ذلك من الحجج مخافة التطويل - إذ ليس هذا فصل الجدال واتساع المجال.
أنه
وقد وصف الله تعالى كلامه الذي هو القرآن بالتشابه والتماثل والاتصال والإنفال، وأخبر في اللوح المحفوظ وفي صدور الذين أوتوا العلم، ووصفه بالذهاب والحدوث والنزول، وغير ذلك من دلائل الحدث ومعاني المخلوق وبالله التوفيق (2).
السابع:: أنه تعالى منزه عن حلول الحوادث والآفات كحلول الأعراض في الأجسام، بل هو سبحانه متصف بمحامد الصفات فلا تعتريه التغييرات؛ لأن محل الحوادث لا يخلو عن حوادث تعتقب عليه، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإنما ثبت نعت الحوادث للأجسام من حيث تعرضها للتغاير وتقلب الأوصاف، فكيف يكون خالقها مشاركها في قبول التغيير تعالى عن ذلك علواً كبيرا (3).
الثامن: أن صفاته تعالى هي هو لا غيره، ليس هناك معنى يفارقه أو يلازمه، فقولنا الله تعالى موجود (4)، إثباته ليس هناك) وجود غيره يخالفه أو يوافقه وقولنا: الله تعالى حي، إخبار عن الذات أنها ليست بميتة ولها التصرف في الغير.
وقولنا الله قادر: إخبار عن الذات أنها ليست بعاجزة ولا يعجزها شيء.
وقولنا الله مريد: إخبار عن الذات أنها غير مكرهة ولا يفوقها شيء، وكذلك سائرها، وليس في أن نفينا عن الذات هذه الأمور ما يقتضي أن معها شيء غيرها يقاومها فيضاهيها، وشيء تستعين به أو يكون جزءاً منها وذلك محال في ذات الباراء سبحانه والقديم سبق الحدوث والعجز والحاجة وجوده فمن حصل له اسم القدم حصلت له الألوهية، والصفات الكاملة، وذلك عن غير الله منفي، ولا قديم إلا الله، ولا إله إلا الله واستأثر الله بالكمال، ولم
يبر الغير من النقصان، وبالله التوفيق.
(1)
سورة التوبة الآية: 6.
(2) راجع إحياء علوم الدين (108/ 1، 109). (3) راجع إحياء علوم الدين (109/ 1) بنحوه هذا. (4) الأولى أن يقول: موجد. (1/235)
صفحة 236
220
قنطرة الإيمان والتوحيد
: أن صفات الله تعالى ليست معاني، غيره ولا هي قائمة بذاته تعالى عن. ذلك. التاسع: وإنما ذلك قول الأشعرية، وهذا شبيه بقول المتكلمين: إن الأعراض حالة في الأجسام، فلو جعلوا الأعراض قائمة بالجسم والمعاني الذي ذكروها حالة في ذات الباري سبحانه. لما زادوا فأتوا على معنى قولهم هذا بالمعنى الموجود في الأجسام صراحاً، ونحلوه ذات الباري سبحانه براحاً، فإن قالوا: إنكم أبطلتم المعنى المعقول في لغة العرب أنهم إذا وصفوا إنساناً بالشجاعة أو بالجبن أو السخاء أو البخل اثبتوها صفاتاً غيره.
قلنا: إن العرب إذا وصفت شيئتاً بصفة إنهم إنما يتوجهون إلى معنى تلك الصفة، وليس [232/ب] في لسانهم ما يقتضي أنها هي هواه أو غيره، وإنما / تدرك معرفة ذلك من وجه آخر من طريق من نظر في ذوات العالم، وعلى أن الجسمية صفة للجسم، وليس في ذلك ما يقتضي أنها غير
[233/ب]
الجسم، وكذلك العرضية صفة للعرض والخلق صفة للخلق، وهي هو وبالله التوفيق.
،
العاشر: أن هذه الصفات التي ذكرناها من العلم والقدرة وسائرها غير متغايرة بينها البين.
فإن قالوا: العلم هو القدرة في سائرها قلنا هذا ممنوع من جهة اللغة والتخاطب بين الناس، ولو أطلقه الإنسان لما جاوز خطاءه اللغة، أحسن حالاً. أخطأ صفات الله
تعالى.
وهو
ممن في
اعلم أن هذه الصفات التي ذكرناها صفات ذات لم يزل الله تعالى متصفاً بها في الأزل، والحال إذا لو حدث العلم لكان قبله جاهلاً، ولو حدثت القدرة لكان قبلها عاجزاً، ولو حدثت الحياة لكان قبلها مواتاً، ولو حدثت الإرادة لكان قبلها مستكرهاً، ولو حدث السمع والبصر لكان قبل ذلك أعمى وأصم، فهذه صفات ذات مهما انخرمت منها صفة اختلت الألوهية فإن قال قائل ولو حدث الكلام لكان قبله أخرس، فإن الخرس ضد الكلام ونقيضه، فالكلام إذاً من صفات الذات. قيل له: قد تقدم القول في ذلك أن كلام الله تعالى على وجهين:
فكلامه الذي هو صفة ذاته يوصف به على نفي الخرس عنه؛ لأنه تعالى متكلم ليس بأخرس، وليس الخرس بنقيض الكلام، وإنما الخرس آفة وزمانه لا يستقيم معها الكلام، كما أن العجز آفة لا يستقيم معها الخلق وهما منفيان عنه تعالى بالقدرة، وإنما ضد الكلام السكوت، لأنه قد يكون الحي ساكتاً لا متكلماً ولا أخرس.
والوجه الثاني: كلامه الذي هو القرآن / وسائر كتبه تعالى، هو فعل من أفعاله وخلق من
خلقه، إذ وصفه الله تعالى بصفات الحدث كما قدمنا. (1/236)
صفحة 237
قنطرة الإيمان والتوحيد
221
يوهم
عليه
واعلم أنه لا يجوز أن يقال: الله سبحانه علم بعلم وقدرة في سائرها؛ لأنه الاستعانة بها تعالى عن ذلك، وإنما يقال: علم بنفسه وبذاته وكذلك سائرها وبالله التوفيق.
الباب الثالث
في
أفعاله تعالى ومدارها يحتوي على عشرة أصول وهي أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى، وأنها مكتسبة للعباد وأنها مراده الله تعالى، وأنه متفضل بالخلق، وأن له تكليف العقلاء، وإن إيلام البريء عدل منه تعالى، وأنه لا يجب عليه رعاية الأصلح، وأنه لا واجب إلا بالشرع، وأن بعثه الأنبياء جائز، وأن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة مؤيدة بالمعجزات وبالله التوفيق.
الأصل الأول: العلم بأن كل حادث في العالم فهو خلقه وفعله واختراعه لا خالق له سواه، ولا محدث [له] إلا إياه خلق الخلق وصنعتهم وأوجد قدرتهم وحركتهم، فجميع أفعال العباد مخلوقة له ومتعلقة بقدرته تصديقاً لقوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)
(1)
وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (2). وقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ أَجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (3). أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأسرارهم وضمائرهم لعلمه موارد أفعالهم، واستدل على العلم بالخلق، وكيف لا يكون لفعل العبد خالقاً، وهو سبحانه يقول: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا
(E),
السير (1).
وقال: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (5). وقدرته تعالى تامة لا قصور فيها، متعلقة وهي بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة بها لذاتها / فما الذي يقصر تعلقها عن [1/ 234] بعض الحركات دون بعض مع تماثلها أو كيف يكون الحيوان مستبد بالاختراع والخلق، وقد يصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما تتحير فيه عقول ذوي
(1)
(2)
(3)
(4)
(0)
سورة الأنعام الآية: 102 سورة الرعد الآية: 16 سورة الزمر الآية: 62، سورة غافر الآية: 62.
سورة الصافات الآية: 96.
سورة الملك الآيتان: 13، 14.
سورة سبأ الآية: 18.
سورة النجم الآية: 43. (1/237)
صفحة 238
222
قنطرة الإيمان والتوحيد
الألباب، فكيف انفردت هي بخلقها واختراعها دون رب الأرباب جلّ جلاله وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب؟ هيهات هيهات دلّت المخلوقات على انفراد جبار الأرض والسموات بالخلق والاختراع والإنشاء، والابتداع والإيجاد والإبداع).
الأصل الثاني: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وسكناتهم، لا يخرجها عن كونها مقدرة للعباد عن سبيل الاكتساب. فالله سبحانه خلق القدرة والمقدور جميعاً والكسب والمكتسب جميعاً، فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليس بكسب له.
:
وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له؛ فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه فكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة.
فسميت باعتبار تلك النسبة كسباً، وكيف يكون الفعل جبراً محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة، والرعدة الضرورية أو يكون خلقاً للعبد، وهو لا يحيط علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وإعدادها فإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنها بالاكتساب (2) وقد قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ فأضاف القتل إلى العبادة والتعذيب إلى نفسه في فعل واحد، والتعذيب هو عين القتل بل
(r)
(4)
[235 / ب] صرّح وقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ إلى قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (1). بين النفي والإثبات ظاهراً، فكأنه قال: {وَمَا رَمَيْتَ (5). بالمعنى الذي يكون به العبد رامياً، فرد تعالى في هذه الآية على المعتزلة والمجبرة جميعاً، ولأنه من ضرورة تعلق القدر بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط إذ قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالمخلوقات ولم يكن الاختراع. حاصلاً بها وهي عند الاختراع متعلقة به نوعاً آخره من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها، فأفهمه فإنه معنى غامض وبالله التوفيق (6).
الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراد الله سبحانه،
(1) راجع إحياء علوم الدين (110/ 1). (2) راجع إحياء علوم الدين الموضع السابق. (3) سورة التوبة الآية: 14.
(4) سورة الأنفال الآية: 17.
(5) سورة الأنفال الآية: 17.
(6) راجع إحياء علوم الدين (110/ 1) بنحوه مختصراً. (1/238)
صفحة 239
قنطرة الإيمان والتوحيد
،
223
فلا تجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلا بقضاء الله تعالى وقدره، وبإرادته ومشيئته فمنه الخير والشر والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة، والعصيان والشرك والإيمان، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
(2)
يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (1)، لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) (2). ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقول الله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ مُدَاهَا) (3) {وَلَوْ يَشَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ
(4)
جميعا) (1).
عدو
ويدل عليه من جهة العقل إن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها، وإنما هي جارية على وفق إرادة إبليس لعنه الله، أنه الله سبحانه، والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو رَدَّ إليها سيد / ضيعة لاستنكف منها، إذ لو كان ما يستمر لعدو [1/ 236] السيد في قرية أكثر مما يستمر له لاستنكف من سيادته وتبرأ عن ولايته، والمعصية هي الغالبة على الخلق، وكل ذلك جار على قياد قول المبتدعة على خلاف إرادة الخالق، وهذا غاية الضعف والعجز تعالى رب العالمين عن قول الظالمين علوّاً كبيراً. ثم مهما ثبت أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى صح أنها مرادة له.
فإن قيل: كيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد قلنا الأمر غير الإرادة. ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر عبده بفعل ويخالفه بين يديه. فقال له: اسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد إمتثاله ولو لم يكن آمراً لما كان عذره عند السلطان متمهداً ولو كان مريداً لامتثاله لكان مريداً لهلاك نفسه. محال (ه). وهو
الأصل الرابع: أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع، ومتطول بتكليف العباد، ولم
(1) سورة النحل الآية: 93. (2) سورة الأنبياء الآية: 23.
(3)
سورة السجدة الآية: 13.
(4) سورة الرعد الآية: 31.
(0)
راجع إحياء علوم الدين (110/ 1، 111). (1/239)
صفحة 240
224
قنطرة الإيمان والتوحيد
يكن الخلق والتكليف واجباً عليه خلافاً للمعتزلة الذين زعموا أن التكليف لا يكون إلا من طريق
مصلحة العباد:
واستدل أبو يعقوب على فساد قولهم هذا بقول الله سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (1).
(1)
قال: وهذا تكليف عقوبة لا مثوبة، وهذا في حق الله سبحانه محال، إذ هو الموجب، ر، والناهي سبحانه وكيف يتعرض لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب؟ والمراد بالواجب
والأمر،
أحد أمرين:
إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل كما يقال: يجب على العبد أن يطيع الله تعالى. أو ضرر عاجل كما يقال: يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت. وإما أن يراد به الذي [237/ب] يؤدي عدمه إلى محال / كما يقال: وجود المعدوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال أن وهو يصير العلم جهلاً فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله تعالى على المعنى الأول فقد عرضه للإضرار، وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم، وإن أراد به معنى ثالثاً ـ فهو غير مفهوم.
وقوله: يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى، ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة، وأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا، ثم يهدفهم لخطر العقاب وهو الحساب فما في ذلك غبطة عند
ذوي الألباب
(2)
الأصل الخامس: إن الله سبحانه تكليف العباد إذ ركب فيهم العقول السالمة الآفات من وليس من الحكمة إهمالهم مع العقول لأن ذلك يؤدي إلى إباحة الشتم له والاجتراء عليه بما ليس من أهله فكيف وقد نزه الجليل سبحانه نفسه عن هذه الصفة فقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبا) (3) الآية وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدى (4).
أي مهملاً لا يؤمر، ولا ينهى فكما أنه ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل
(1) سورة النساء الآية: 160.
(2) راجع إحياء علوم الدين (111/ 1). (3) سورة المؤمنون الآية: 115.
(4) سورة القيامة الآية: 36. (1/240)
صفحة 241
[1/ 238]
225
قنطرة الإيمان والتوحيد
والتمييز إذ كان ذلك بمنزلة تكليف الأصم السمع، وبمنزلة الأخرس النطق فكذلك ليس من الحكمة إهماله مع العقل والتمييز.
وقد زعمت الأشعرية أو غيرهم أنه يجوز على الله تكليف العباد ما لا يطيقونه ولم تجز ذلك المعتزلة فيما حكي عنهم والله أعلم.
(1)
واستدل من أجاز ذلك أنه قال: لو لم يسغ ذلك لاستحال سؤال دفعه، قال: وقد حكى الرب سبحانه عن عباده أنهم سألوه دفع ما لا يطيقونه فقال مخبراً عنهم فقالوا: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قالوا: ولأن الله تعالى أخبر نبيه عليه السلام أن أبا جهل لا يصدقه. ثم أمره تعالى أن يصدق نبيه عليه السلام في جميع أقواله. قالوا: وقد كان في جملة أقواله، أنه لا يصدقه فكيف يصدقه فى أنه لا يصدقه؟ قالوا: فهذا محال وجوده وقول المعتزلة عندي في هذا أقرب إلى
الصواب والله أعلم.
(2)
6
الأصل السادس: واختلفوا هل يجوز على الله سبحانه إيلام الخلق، وتعذيبهم من غير جرم منهم سابق، ولا لعوض ثواب لهم لاحق فمنعت المعتزلة ذلك وإجازته الأشعرية أو غيرهم واستدلوا بأن قالوا: إن الله تعالى التصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه. قالوا: والظلم إنما هو عبارة عن التصرف في ملك الغير، وهو محال على الله سبحانه، فإنه لا يصادف لغيره ملك حتى يكون تصرفه فيه ظلماً.
واستدلوا أيضاً على جواز ذلك بذبح البهائم وذلك إيلام لها وبما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين، ولم تتقدم لها قبل ذلك جريمة، ولا لها في الآخرة ثواب. وليت شعري كيف قولهم في المجبرة الذين زعموا أن الله أجبرهم على أفعالهم ثم عذبهم عليها أو وصفوه بقولهم هذا بالظلم أم لا والله أعلم وقولنا في هذا وغيره من جميع ما يسع جهله قول المسلمين وبالله التوفيق (3).
الأصل السابع: أن الله سبحانه يفعل ما يشاء بعباده، فلا يجب عليه رعاية الأصلح لهم
ذلك لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه شيء.
(1) سورة البقرة الآية: 286. (2) راجع إحياء علوم الدين (111/ 1).
(3) راجع المصدر السابق بنحوه .. (1/241)
صفحة 242
226
قنطرة الإيمان والتوحيد
ولاتفاق
بل لا يعقل في حقه الوجوب، فإنه لا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (1)، الجميع أن الأمر في مقتضى اللغة لا يفيد حسن المأمور ولا النهي قبح المنهي عنه أن هذا حسن [239/ب] وإن هذا قبيح وإنما / يعلمان من جهة الشرع ولا يعلمان من جهة المصلحة خلافاً للقدرية الذين يقولون: إن الله عز وجل لا يكلف عباده إلا من جهة المصلحة.
وفي كتاب الغزالي قال: في هذه المسألة وليت شعري بم يجيب المعتزلي، وفي قوله:
إن الأصلح واجب على الله تعالى.
فقال:
بم
يجيب عن مسألة نفرضها عليه وهو أن تفرض مناظرة في الآخرة بين صبي
مات مسلماً وبالغ مات مسلماً، فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ، ويفضله على الصبي، لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ ويجب عليه ذلك عند المعتزلي. فلو قال الصبي: يا رب لم رفعت منزلته عليّ؟ فيقول الرب تعالى: لأنه بلغ واجتهد في الطاعات. فيقول الصبي: أنت أمتني في الصبا فكان يجب أن تديم حياتي حتى أبلغ فاجتهد، فقد عدلت عن العدل في التفضل عليه بتطويل العمر دوني فلم فضلته؟ فيقول الله تعالى: لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا، هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل. قال: فعند هذا ينادي الكفار من دركات لظى ويقولون: أما علمت أنا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا، فإنّا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم فيم يجاب عن ذلك؟ أو هل يجب عند هذا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن بميزان أهل الاعتزال وبالله
التوفيق (2).
الأصل الثامن: أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه، لا بمجرد العقل خلافاً للمعتزلة؛ لأن العقل إن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو 240/ب] محال؛ لأن العقل لا يوجب العبث وإما أن يوجبها لفائدة / وغرض، وذلك لا يخلو إما أن
يرجع إلى غرض المعبود، وذلك محال؛ فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه سيّان. وإما أن يرجع إلى غرض العبد وهو محال؛ لأنه لا غرض له في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه، وليس في المال إلا الثواب، ومن أين أن الله يثيب على المعرفة والطاعة ولا يعاقب عليها مع أن الطاعة والمعصية في حقه سيان
يعلم
إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا لأحدهما به اختصاص.
(1) سورة الأنبياء الآية: 23.
(2) راجع إحياء علوم الدين (111/ 1، 112). (1/242)
صفحة 243
قنطرة الإيمان والتوحيد
227
وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ولقد زلّ من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق
(1)
والمخلوق، حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من] (1) التلذذ بأحدهما دون الآخر. فإن قيل: فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر إلا بنظر المكلف فيه. فإذا قال المكلف للنبي: إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت إلا بالنظر، ولست أقدم على النظر، إذاً فيؤدي ذلك إلى إفحام الرسول. قلنا: هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع: إن وراءك سبعاً ضارياً، فإن لم تتزعج عن المكان قتلك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي فيقول الواقف: لا يثبت صدقك ما لم ألتفت وراثي، ولا انظر ما لم يثبت صدقك. فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتعرضه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إن] (2) وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفون صدقي بالالتفات إلى معجزتي فمن التفت عرف واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا / ضرر علي إن هلك الناس كلهم [1/ 241] أجمعون، وإنما علي البلاغ المبين».
والشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت العقل يفيد فهم كلامه والإحاطة
بإمكان ما يقوله في المستقبل.
والطبع يستحث على الحذر من الضرر، ومعنى كون الشيء واجباً أن في تركه ضرر، أو معنى كون الشرع موجباً أنه معرف بالضرر المتوقع؛ فإن العقل لا يهدي إلى التعرض للضرر بعد الموت عند إتباع الشهوات فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقرير الواجب لولا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتاً إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة والله أعلم (3).
(3)
الأصل التاسع: أنه ليس يستحيل بعثه تعالى للأنبياء عليهم السلام خلافاً للبراهمة حيث
قالوا: لا فائدة في بعثهم إذ لا يخلو ما جاءوا به أن يكون موافقاً للعقل أو مخالفاً له.
عنهم،
فمحال أن يخالف الشرع العقل، وإن كان موافقاً لما في العقل ففي العقل كفاية فالحجة عليهم إن العقل يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما يهدي إلى الأدوية المفيدة
(1) من إحياء علوم)
الدين.
(2) من الإحياء.
(3) راجع إحياء علوم الدين (112/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 16 (1/243)
صفحة 244
228
للصحة
قنطرة الإيمان والتوحيد
في الدنيا فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء، فكما يعرف صدق الطبيب بالتجربة كذلك يعرف صدق الرسول بالمعجزة والله أعلم (1).
الأصل العاشر: أن الله سبحانه قد أرسل محمد بن عبد الله خاتماً للنبيين، وناسخاً لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين، وأيده بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء. وما تفجر من بين أصابعه من الماء ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن فإنهم مع تمييزهم بالفصاحة والبلاغة تعرضوا [242 / ب] لسبه ونهبه وقتله ولم يقدروا على معارضته بمثله / إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه هذا ما فيه من أخبار الأولين مع كونه عليه السلام أمياً غير ممارس للكتب والأنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه في الاستقبال كقوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤْسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (2). وكقوله تعالى: آلم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ) (3).
(2)
ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسول إن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلاً لله تعالى. فمهما كان مقروناً بتحدي الرسول عليه السلام نزّل منزلة قول الله تعالى صدق رسولي. وذلك مثل القائم بين يدي الملك المدعي على رعيته إني رسول الملك فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقاً فقم على سريرك ثلاثاً وأقعد على خلاف عادتك، ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله: صدقت. وبالله التوفيق (4).
الباب الرابع
في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم
فيما ورد على لسانه من عند ربه تعالى اعلم أن هذا الباب يحتوي على مقدمة وعشرين مسألة تجري مجرى الأصول والأمهات في الاعتقاد الوارد على لسان الرسول في السمعيات.
(1) راجع إحياء علوم الدين (112/ 1).
سورة الفتح الآية: 27. (3) سورة الروم الايات: 1، 3. (4) راجع إحياء علوم الدين (113/ 1). (1/244)
صفحة 245
قنطرة الإيمان والتوحيد
229
أما المقدمة فهو أن تعلم أن جملة التوحيد واجبة على كل عاقل مكلف وهي ثلاث جمل لا يستغنى بعضها عن بعض وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به حق من عند الله. فهذه الثلاث جمل لا يسع جهلها كل عاقل مكلف عند أول بلوغه، ولا يخرج من الشرك ما لم يأت بها نطقاً باللسان واعتقاداً بالجنان، لقول الله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) (1).
ولقوله عليه السلام: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله / وأني [1/ 243] رسول الله، وأنه بعثني بالحق والبعث بعد الموت والقدر. فإذا أتى العبد بهذه الجملة فقد تم إيمانه فيما بينه وبين الناس واختلفوا فيما بينه وبين الله، فقال بعض العلماء: قد تم إيمانه فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس، روي هذا عن الإمام عبد الرحمن بن رستم وعمروس بن فتح، وغيرهما، وهذا هو الأشهر من دعوة الرسول عليه السلام أجلاف العرب، والأوفق لما عليه أوائل الأمة قبل وقوع الافتراق فلما وقعت الفرقة، وتوزعت الأمة شرعت أئمة المذاهب عقائد لاتباعها فيها زيادة تحتوي على بعض اعتقاداتها. فرأى مشايخ المسلمين حين تمسكوا بآثار السلف الصالحين، واعتصموا بحبل الله المتين، ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين: أن النطق بما تعبدوا به من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به حق ليس له طائل ومحصول إن لم يتحقق بتصديق القلب بما تضمنته الجلمة من الوظائف والأصول. فجمعوا ذلك بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وعرفوا أن كلمتي الشهادة على إيجازهما تتضمنان إثبات ذات الإله سبحانه وإثبات صفاته، وإثبات أفعاله، وإثبات صدق الرسول بما جاء به فقالوا: لا يتم إيمان المكلف حتى يأتي بعشر كلمات وأنا إن شاء الله أضيف إليها بعض ما ورد به الشرع من السمعيات فلنرسم هاهنا عشرين مسألة تجري مجرى الأمهات في أصول الاعتقادات:
أحدها: العلم بأن ورود الموت حق على كل مخلوق من سكان الأرض والسموات،
وما بينهما من جميع الحيوانات، وأن كل نفس ذائقة الموت وسالكة سبيل الفوت.
:
وفي الخبر أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء. وقال ملك / الحياة: أنا أحي الأموات فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سخرتما له [1/ 244] من الصنع وأنا المميت، والمحيي لا مميت ولا محي سواي. واختلفوا في كيفية قبض
(1)
A
سورة التغابن الآية: 8. (1/245)
صفحة 246
[245/ب]
230
قنطرة الإيمان والتوحيد
الروح، فقال بعض العلماء: إن ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغنطيس في جذبه للحديد، وأنه إذا ظهر الملك للروح طار إليه. وقال قوم: الله تعالى يخرج الروح فيتلقاها الملك. والصحيح: أن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت وهو أعلم بكيفية ذلك.
(1)
والثانية: العلم بأن قيام الساعة حق، وأنها آتية لا ريب فيها، وهي ما استأثر الله بعلمه لم يطلع عليها أحد. خلقه كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (1). من وقال تعالى: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي (2) الآية. يعني الساعة التي تقوم فيها القيامة.
وفي الحديث: بين النفختين أربعون سنة أو ما شاء الله فالأولى يميت الله تعالى فيها كل الله تعالى فيها كل ميت (3).
حي والثانية يحيي " والثالثة: اعتقاد كون البعث بعد الموت يوم الحشر والنشر، وقد ورد بهما الشرع وهو حق، والتصديق به واجب لأنه في العقل ممكن ومعناه الإعادة بعد الإفناء، قال الله سبحانه: كَمَا بَدَأْنَا أَوْلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (4). وذلك مقدور الله تعالى كابتداء الأشياء قال الله تعالى: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة (5). فدلنا بالابتداء على الإعادة. وقال تعالى: {مَا خَلَقَكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَة (1) والإعادة ابتداء ثان وهو ممكن كالأول فيحشر أجساد المكلفين مع أرواحها خلافاً للملحدين من اليهود والنصارى والفلاسفة الزاعمين أن الأرواح تحشر دون أجسادها وبالله التوفيق (7).
والرابعة: سؤال الملكين وهما منكر ونكير وقد وردت / بهما الأخبار، وذلك ممكن في العقل إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به يفهم الخطاب ولا يدفع ذلك بما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال، فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك في باطنه الآلام واللذات ما يحس تأثيره: ره عند انتباهه من النوم. وكان يسمع رسـ رسول الله كلام
(1) سورة لقمان الآية: 34. (2) سورة الأعراف الآية: 187.
(3) الحديث أخرجه البخاري (158/ 6)، وفي الفتح (370/ 11).
(4) سورة الأنبياء الآية: 104.
(5) سورة يس الآيات: 78، 79.
(6) سورة لقمان الآية: 28.
(7) ذكر ذلك مختصراً في كتاب الإحياء (113/ 1). (1/246)
صفحة 247
231
قنطرة الإيمان والتوحيد جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء الله تعالى، فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه، والله أعلم
(1)
والخامسة: عذاب القبر وقد ورد الشرع به قال الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عُدُّوا وَعَشِياً) إلى قوله: أَشَدَّ الْعَذَابِ) (2).
(2)
:
وقد اشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالحين الاستعاذة بالله من عذاب القبر، فالتصديق به ممكن ولا يمنع منه تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطير، فإن المدرك لألم العذاب أجزاء مخصوصة يقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها والله أعلم (3). المسألة السادسة: الميزان قال الله سبحانه: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِيتُه (1)
(4)
فقال أصحابنا ومن وافقهم ميزان الأعمال تمييزها وتفضيلها ووزن النيات المعتقدة لها دليلة وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ (5) فيثقل الحق يوم القيامة لصاحبه فينجو به، كما ثقل على نفسه في الدنيا فتحمله، فيخف الباطل عند الوزن لصاحبه فيهلك به كما خف على نفسه في الدنيا فارتكبه، ولأن الأعمال أعراض لا تظهر للعيان فتوزن بالميزان وإنما وزنها تمييزها وتفضيلها والمجازات بها هذا هو المعروف / في لغة العرب. يقول الرجل لصاحبه زن كلامك وأمورك [1/ 246] كما قال القائل:
وزنِ الكَلَامَ إِذَا نَطَقْتَ وَإِنَّمَا يُبْدِي عُيُوبَ ذَوِي العُقُولِ المَنْطِقُ
وقال أبو بلال رحمه حمه الله:
إنِّي وَزنتُ الذي يبقى بعاجلة تفنى وشيكاً فلا والله ما اتزَنا في أمثال هذا كثير هذا قول أصحابنا وقال مخالفهم: إنه ميزان على الحقيقة ذو كفتين ولسان عظمه مثل طباق السموات والأرض، توزن فيه الأعمال تطرح فيه صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله تحقيقاً لتمام العدل،
(1) راجع المصدر السابق.
(2) سورة غافر الآية: 46.
(3)
راجع إحياء علوم الدين (114/ 1). (4) سورة المؤمنون (الآية: 102، 103).
(5) سورة الأعراف الآية: 8. (1/247)
صفحة 248
232
قنطرة الإيمان والتوحيد
وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان واستدلوا بالآية المتقدمة وأخواتها فقالوا: إن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزناً بحسب درجاتها عند الله فتصير مقادير الأعمال معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل في العقاب، والفضل في العفو وتضعيف الأعمال
والله أعلم
(1)
السابعة: الصراد، وقد ورد به القرآن فقال أصحابنا الصراط هو طريق الإسلام ودليله:
(2)
إنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (2). وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (3). في أمثالها واستدلوا بقول الشاعر، وقيل هو
جرير:
أمير المؤمنين على صراط إذا أعوج الموارد مستقيم
وقال آخر:
أكر على الحروريين مهري لأحملهم على وضح الصراط هذا رجل يقاتل أبا بلال رحمه الله فأخذ فأتي به إلى أبي بلال مرداس فاعتذر أنه لم [247/ب] يخرج لقتاله فأطلقه ثم عاد فأوتي / به فقتله.
فقد كان اعتذر فقال أبو بلال مرداس: المؤمن لا يلسع من جحر أفعى مرتين. فقال مخالفونا الصراط هو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر، وأحد من السيف تزل عليه أقدام الكافرين، فيهوى بهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المسلمين فيعبرون عليه على تفاوت درجاتهم، منهم من يمر كالريح، وكالبرق، وكالفرس الجواد، وكالمسرع وغير ذلك. والذي عندي والله أعلم أن الصراط المذكور في القرآن على وجهين:
أحدهما: طريق الإسلام كما قدمنا.
والثاني: أنه الجسر الموضوع على متن جهنم المرتب عليه القناطر السبع التي هي مراصد ومجالس للعباد حتى يسئلوا عن السبع السؤالات المشهورة هذا مشهور في كتب أصحابنا،
(4)
ويدل على هذا قول الله تعالى: {فَاهُدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (1).
راجع إحياء علوم الدين (114/ 1).
(2) سورة الشورى الآية: 52. (3) سورة الفاتحة الآية: 6. (4) سورة الصافات الآيتان: 23، 24. (1/248)
صفحة 249
[1/ 248]
قنطرة الإيمان والتوحيد
إذ يستحيل حمل الصراط المذكور هاهنا على طريق الإسلام والله أعلم.
233
فهذا ممكن في العقل؛ لأنه ليس فيه ما يحيله ولا في الشرع ما يبطله فإن القادر على أن
يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط والله أعلم بكيفيته (1). الثامنة: الحساب والإيمان به واجب قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (2). وحساب الله تعالى يومئذٍ فصل وتمييز لا يشغله حساب أحد أحد، كما لا يشغله رزق أحد.
عن
عن
أحد.
وقيل لعلي: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم. فقال: كما يرزقهم على كثرة
حساب وهم
من
عددهم. ويتفاوت الخلق في الحساب من مناقش فيه إلى مسامح، وإلى من يدخل الجنة بغير المقربون، فيسأل الله تعالى من شاء / من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء تكذيب المرسلين، ويسأل أهل البدع عما أحدثوا من بدعهم، وعما تركوا من سنة نبيهم عليه السلام، ويسأل المسلمين عن الأعمال كما قال تعالى: {فَوَرَبَّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أجْمَعِينَ) (3) الآية.
الكفار عن
وقال تعالى: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (4).
عن الحسن قال: أسرع من لمح البصر، وفي الخبر أن الله تعالى يحاسب في قدر حلب شاة. ومعنى الحساب تعريف الله تعالى عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما قد نسوه، كما قال: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ إلى قوله: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ (5).
التاسعة: الشفاعة وهي حق فمن كذب بها فقد كذب القرآن، وهي المقام المحمود، قال الله لنبيه عليه السلام: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودا (6). يحمده فيه الأولون والآخرون، يحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة، لا يصل إليها أحد حتى يفتحها النبي عليه السلام ويحمده الآخرون حيث نجاهم الله من هول المقام، والشفاعة إنما هي للمسلمين الذين ماتوا على الطاعة؛ لأن الله سبحانه يقول: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مِنْ اتَّخَذَ
(1) راجع إحياء علوم الدين (114/ 1) وهو فيه باختصار.
(2)
سورة الأنبياء الآية: 47. (3) سورة الحجر الآية: 92.
(4) سورة النور الآية: 39.
(5) سورة المجادلة الآية: 6.
(1)
سورة الإسراء الآية: 79. (1/249)
صفحة 250
234
قنطرة الإيمان والتوحيد
[249/ب]
عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدا) (1). يعني بالعمل الصالح في أمثالها وقال تعالى مخبراً عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (2).
(2)
في أمثالها وكان جابر بن زيد رحمه الله يحلف: ما لأهل الكبائر من شفاعة. وكان يقول: والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا للتائبين. وكان يقول: ما نالت دعوة منافقاً قط والشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب ولكن الشفاعة
مؤمن
للمؤمنين زيادة لهم في الثواب وتشريف في المنازل وبالله التوفيق.
العاشرة: / الحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم قد إستفاض الحديث به، كقوله عليه السلام: وليذادن رجال من أمتي على حوضي (3) الحديث.
| (3)
في أمثالها، وقد فسر ذلك في قوله عز وجل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (4).
في بعض الأقوال أن الكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان في حوض النبي عليه السلام يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة، وبعد جواز الصراط من شرب منه شربة فلا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة عرضه مسيرة شهر أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريق عدد نجوم السماء. والله أعلم.
الحادية عشر: الجنة والنار وهما مما يجب اعتقاد كونها على كل مكلف، واختلفوا هل هما مخلوقتان أم لا. فقالت طائفة: هما مخلوقتان واستدلوا بقوله تعالى في الجنة: أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ) (5).
إجراء
(6)
وفي النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (1).
قالوا: والمعد لا يكون إلا حاضراً مع ما ورد في ذلك من الأحاديث، وقالوا: يجب جميع ذلك على الظاهر إذ لا استحالة فيه. وقال آخرون: ليستا مخلوقتين، إذ لا فائدة
في خلقها قبل يوم الجزاء.
(1) سورة مريم الآية: 87.
(2) سورة الشعراء الآيتان: 100، 101.
(3) أطراف الحديث عند ابن ماجه في السنن (4306)، وعند البيهقي في السنن الكبرى (78/ 4)، وأحمد
في
المسند (454/ 2).
(4) سورة الكوثر الآية: 1.
(5) سورة آل عمران الآية: 133.
(6) سورة البقرة الآية: 24، وآل عمران الآية: 131. (1/250)
صفحة 251
قنطرة الإيمان والتوحيد
235
والقول الأول عندي أقرب إلى الصواب، وقد قال تعالى حكاية عن نبيه عليه السلام: وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةَ الْمَأْوَى) (1). يعني محمداً رأى
جبريل عليه السلام.
وقد وجدت في بعض آثار أصحابنا من أهل المشرق أنه روي عن الحسن أو غيره عن النبي أنه قال: «الجنة مخلوقة وهي في السماء والنار مخلوقة وهي في الأرض». والله
أعلم.
وجواب بعض أصحابنا في ذلك إن كانتا كانتا، وإن لم تكونا فستكونا. والجنة حق مع ما فيها من المأكول والمشروب والمنكوح والملبوس وسائر الملاذ المحسوسة وغير / ذلك [1/ 250] من المساكن الطيبة.
وكذلك النار حق مع ما فيها من أصناف العذاب من الزقوم والحميم وسرابيل القطران والأنكال، والأغلال والغسلين وغير ذلك. فالنار جسم محسوس محرق ينضج الجلود، ويذيب الشحوم، هذا كله خلافاً لليهود والنصارى، والفلاسفة وسائر الملحدين الذين أنكروا حشر الأجساد، وردوا كل ما ورد في الآيات والأخبار من تحريق النار أهلها، ردوا ذلك إلى
آلام عقلية روحانية.
فقالوا: إن الأرواح هي التي تتألم، وكذلك ما ورد من نعيم الجنة ردوا ذلك إلى لذات عقلية، بأن الأرواح هي التي تستلذ وتتنعم، هذا كله فيما حكي عنهم في كتب التفسير وغيرها،
والله أعلم.
فالواجب على المكلف أن يعتقد أن الله سبحانه ثواباً لا يشبهه ثواب، وعقاباً لا يشبهه سكانهما من الأبرار، والفجار لا يموتون ولا هم
عقاب، وهما الجنة والنار وهما دائمان
منها يخرجون، وبالله التوفيق (2).
الثانية عشر: جملة الملائكة، وهي مما يجب على المكلف اعتقاده، ومعرفته، وذلك أن يعلم أن الله سبحانه جملة الملائكة وهي غير جملة الإنس والجن، قال الله سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِّنْ رَبِّهِ إلى قوله: (وَمَلائِكَيه) (3) الآية.
(1) سورة النجم الآيات: 13، 15.
(2) راجع إحياء علوم الدين (114/ 1) وهو فيه باختصار شديد.
(3) سورة البقرة الآية: 285. (1/251)
صفحة 252
236
هم
قنطرة الإيمان والتوحيد
في أمثالهم منهم حفظة يكتبون أعمال العباد، ومنهم رسل الله إلى أنبيائه، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) (1) الآية. ومنهم ملائكة غلاظ شداد خزنة للنيران، ومنهم خزنة للجنان، وهم كلهم ملزومون مأمورون مكتسبون، واختلفوا، هل لا؟ مكلفون أم " وهم كلهم مخلوقون للقرب، والسعادة يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا [251 / ب] يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون هم كما قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةَ رُسُلاً / أُولِي أجنحة (2). لا يوصفون بالشهوة، ولا بالتعب، ولا بالذكورية، ولا بالأنوثية ولا بالجنون، ولا بالطفولية، ولا باللحم لا بالدم ولا بالبول ولا بالخائط، وهم عقلاء وثوابهم واصلة إليهم لا محالة صلوات الله عليهم أجمعين.
(2)
الثالثة عشر: جملة الأنبياء والرسل وهما جملتان يجب على المكلف الإيمان بهما، ومعرفة كل واحدة منهما على حدة لقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إبْرَاهِيمَ إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) (3) الآية.
فالأنبياء أعم من الرسل؛ لأن من الأنبياء أنبياء مرسلين أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليهم أجمعين ومنهم أنبياء غير مرسلين، فالرسول هو الذي نبيء بالوحي وأرسل إلى غيره، والنبي من نبيء بالوحي ولم يرسل إلى غيره وبالله التوفيق.
الرابعة عشر: جملة الكتب المنزلة وذلك مما يجب على المكلف الإيمان به، وذلك أن يعلم أن الله تعالى جملة الكتب أنزلها على رسله بواسطة الملائكة الكرام البررة، الذين هم سفرة خلقه ويقصد إلى القرآن فيؤمن به خصوصاً ويؤمن بغيره من الكتب عموماً، قال الله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قبْلُ إلى قوله: (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً) (1).
بين
الله تعالى وبين
(4)
والقرآن وغيره من الكتب هو كلام الله ووحيه وتنزيله وفرقاً نزل به الروح الأمين على قلب محمد ليكون به من المنذرين بلسان عربي. مبين، وبالله التوفيق.
الخامسة عشر: الإيمان بالقضاء والقدر، وذلك واجب على كل مكلف أن يعلم أن ما
(1) سورة الحج الآية: 75.
(2) سورة فاطر الآية: 1. (3) سورة البقرة الآية: 36. (4) سورة النساء الآية: 136. (1/252)
صفحة 253
قنطرة الإيمان والتوحيد
جميع
237
كان من خير وشر، ونفع وضر، وإيمان وكفر، ورشاد وخسر وعرفان ونكر، وشقاوة / وسعادة وغير ذلك قد سبق به قضاء الله سبحانه وقدره في أزليته قبل وجود عينة، فظهر [1/ 252] ذلك بحكمة الله سبحانه على وفق تقديره كل شيء في وقته من غير زيادة ولا نقصان ولا تأخير لشيء منه عند وقته ولا تقديم ولا تبديل في المقدور، ولا تحويل في المحتوم، فكل ما ظهر وجوده بعد عدمه من أصناف الخلائق فمن ملك الله تعالى فقد سبق به قضاءه وقدره، فالأرزاق مقسومة، والآثار محتومة، والأنفاس معدودة، والآجال محدودة، لا يستأخر شيء أجله ولا يسبقه ولا يموت أحد دون أن يستكمل رزقه، ولا يتعدى ما قدر له، كل ميسر لما خلق له، من خلق للنعيم يسر لليسرى، ومن خلق للجحيم يسر للعسرى، كل ذلك بقضائه وقدره، لا يخرج شيء عن تقديره ولا تتحرك ذرة فما فوقها في ظلمات الأرض إلا بقضاء وقدر، فعلى المكلف أن يؤمن بهذا ويتيقن به ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطيه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
عن
كما صح في النقل عنه عليه السلام أنه قال لعبادة بن الصامت: «إنك لن تجد، ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله. فقال: يا رسول الله كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: «أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار (1). وبالله التوفيق.
السادسة عشر: في معنى التوحيد والشرك وذلك مما يجب على العبد معرفته أيضاً،
لأنهم قالوا: لا يعرف الأشياء إلا من لا يعرف حقائقها.
أما التوحيد: فمعناه إفراد الرب سبحانه عن الخلق وجميع معانيهم، وترك التسوية / بينه [1/ 253] وبين العباد في جميع أفعالهم وصفاتهم، فحقيقة المعرفة به سبحانه أن تعلم أن الأشياء لا تشبهه ولا يشبهها من جميع الجهات في اسم ولا صفة ولا ذات ولا فعل لأنه لو أشبه شيئاً من الأشياء، ولو في أقل قليل لدخل عليه العجز من تلك الصفة. فلهذا وجب على المكلف أن يعرف حقيقة الوحدانية الله تعالى ويصفه بما يليق به من الصفات، وينفي عنه شبه الأشياء من جميع الجهات.
وأما الشرك: فمعناه التساوي في الأدوات والصفات ومعناه في الله تعالى التسوية بينه وبين خلقه في الذوات والصفات أو الأفعال، قال الله سبحانه: {إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبِّ
(1) طرفه عند الربيع بن حبيب في مسنده (19/ 1). (1/253)
صفحة 254
238
قنطرة الإيمان والتوحيد
الْعَالَمِينَ) (1) الآية. أي في العبادة والتعظيم وإثبات الألوهية. والشرك إذاً على وجهين: جحود ومساواة ويتصرف على وجوه تركت ذكرها مخافة التطويل؛ لأن أكثر هذا الباب موجود في كتابنا المسمى قواعد الإسلام، وفي غيره وبالله التوفيق.
السابعة عشر: فرز ما بين كبائر الشرك، وكبائر النفاق وقد شدد أصحابنا فيمن لم يفرز بينهما أن يبلغه ذلك إلى الشرك، والفرز بينهما الكاذب على الله منافق والمكذب الله مشرك. فالكاذب على الله مثل أهل الخلاف الذين كذبوا على الله، فتأوّلوا كتابه على غير تأويله في جميع ما كفرهم به المسلمون مثل: إدعائهم الرؤية الله سبحانه في الآخرة بتأويل الخطأ، وكنفيهم خلق القرآن، ونفيهم تخليد أهل الكبائر من هذه الأمة في النار بتأويل الخطأ (2). وغير ذلك مما يطول به الكتاب. وأما المكذب الله تعالى فهو مثل أهل الإلحاد الذين أنكروا الله سبحانه، وكذلك كل من
أنكر وجهاً من وجوه التوحيد الذي لا يسع جهله أو حرفاً من القرآن أو فرضاً منصوصاً فيه، أو [254/ب] حلل حراماً إما منصوصاً / تحريمه في القرآن، أو حرم حلالاً منصوصاً فيه، مما يطول شرح
تلك المعاني فهو مشرك وبالله التوفيق.
الثامنة
عشر:: ومما يجب على المكلف أن يعلم أن الله أمر بطاعته وأوجب عليها ثواباً، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقاباً، ويعلم الإسلام والمسلمين، والكفر والكافرين، ويعلم تحريم دماء المسلمين وأموالهم وسبي ذراريهم بالتوحيد الذي معهم.
ويعلم تحليل دماء ما ذكرنا من المشركين بالشرك الذي معهم، ويعلم أن الله تعالى ممتن على العباد بتكليفه إياهم طاعته وممتن بسائر نعمه عليهم ويعلم أن المخلوقات دلائل على الله سبحانه، ويخاف من عقاب الله تعالى ويطمع في ثوابه وبالله التوفيق.
التاسعة عشر: الولاية والبراءة في الجملة، وهما سواء لا عذر لمن جهلهما وهما واجبتان على كل مكلف عند حال بلوغه، وذلك أن يتولى الله سبحانه وأولياءه المسلمين من الثقلين أجمعين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، ويتبرأ من جميع أعداء الله والآخرين إلى يوم الدين.
(1) سورة الشعراء الآية: 98.
من
الأولين
(2) بل هو المتأول خطأ فيما قال، إلا أهل الكبائر فمنهم من هو مخلد كالمشرك بالله، والساحر، وقد اختلف
في القائل. (1/254)
صفحة 255
[1/ 255]
قنطرة الإيمان والتوحيد
239
فهذا واجب على كل مكلف في جملة اعتقاده للدين حتى يقع عليه الفرض في شخص معين إذا صح له فيه ما يوجب ولايته وبراءته؛ لأن الحكم النقلي يشهد أن الأمور ثلاثة: أمر بان رشده فاتبعوه، وأمر بان غيّه فاجتنبوه وأمر أشكل عليكم فكلوه إلى الله تعالى،
وبالله التوفيق.
العشرون: في معرفة الملل وأحكامها، وذلك واجب على كل مكلف في أول حال بلوغه، وشدد أصحابنا فيمن جهل ذلك أن يبلغه إلى الشرك، وشرح هذه الملل وأحكامها موجود في كتابنا المسمى بقواعد الإسلام، وفي غيره من كتب أصحابنا، فمن أراد معرفتها فليطلبها هناك؛ فإنه لا معنى لإعادة شرحها هاهنا / وبالله التوفيق.
فصل
اعلم أن التوحيد لا يبقى في الشرع مطلقاً، ولكن لا بد له أن يتقيد بسبع تقييدات منها: أن يكون صادراً من المكلف عن علم محقق لا عن جهل.
ومنها: أن يكون عن يقين لا عن شك.
ومنها: أن يكون عن إخلاص لا عن شرك.
ومنها: أن يكون مقروناً معه. معه العمل وإلا بطل واختتل.
ومنها: أن يصدر عن القلب واللسان جميعاً.
ومنها: أن يتكلم به ابتغاء وجه الله تعالى من غير طمع في الدنيا ولا خوف من أهلها. ومنها: أن: يستصحب حاله ويثبت عليه حتى يموت لا مبدلاً ولا مغيّراً. وبالله التوفيق. وكل هذه التقييدات ورد بها الحديث - تركتها مخافة التطويل. والله أعلم.
مسالة
من كتاب الضياء وقيل: جعل دين الله تعالى في هذه الأشياء الخمسة:
أولها: المعرفة بالله تعالى، والتوحيد له، أداء فرائض الله في أوقاتها بكمالها، واجتناب الكبائر، وولاية أهل الطاعة من المكلفين جميعاً أو فرادى من لدن آدم إلى أن يفنى
الخلق.
هذه الجملة دين المسلمين من الأولين والآخرين وهذه الخصال الخمس فرض على الخلق، من ترك خصلة منها فقد كفر. قال: وينبغي للعبد أن يتوب ويرجع إلى ما خرج منه إن كان وقع شك منه في (1/255)
صفحة 256
240
قنطرة الإيمان والتوحيد
التوحيد، أو رياء في فريضة أو تهاون بركوب كبيرة. ويقول آمنت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن من عصى الله ورسوله حياً كان أو ميتاً فمات ولم يتب فإن الله تعالى سيدخله النار خالداً فيها.
وآمنت بملائكة الله ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والجنة والنار بدوامهما لمن دخلهما
[256/ب] وأن / هذا الثواب والعقاب بعد الموت، والبعث وأنه ليس للإنسان هناك إلا ما إن كان سعي خير فخير دائم، وإن كان شر فشر دائم لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد، ووطنت نفسي على أداء كل فريضة فرضها الله عليّ أو سيفرضها. وعلي اجتناب كل ما حرمه عليّ، وعلي الكف عن التقدم إلى شيء حرّمه عليّ مما هو مشتبه عندي مما يسع الاشتباه فيه، وعلي أن لا أطيع مخلوقاً في شيء من معاصيه أبداً، وعلي أن لا أجحد كل ذي حق حقه، ولا أقر لأحد بباطل، ولا أتولى عدو الله ولا أعادي ولي الله وإن كان مني يوماً أو ليلة أو ساعة من ليل أو نهار تقصير في شيء من هذه الوظائف فإني تائب من ذلك مستغفر الله منه موطن النفس
على أن لا أعود إلى شيء من هذا أبداً، وبالله التوفيق.
من
الباب الخامس
في شرح بعض أسماء الشريعة
ذلك التوحيد: ومعناه إثبات الواحد جل جلاله ونفي ما سواه من إله أو شريك أو
ولي أو طاغوت، فكل ما يعبد سوى الله يجب نفيه والكفر به، والتبريء منه. وقد بين الرسول عليه السلام التوحيد وفسره بقوله: من وحد الله وكفر بما يعبد من
دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله (1). وبقوله: «بني الإسلام على خمس على أن يوحد الله تعالى ... ». الحديث. وبقوله في التلبية: «لبيك لا شريك لك».
فالمعنى بالتوحيد إثبات الواحد، ونفي ما سواه، وهو معنى لا إله إلا الله الواحد الحق، وأن ما دونه هو الباطل، نبه الله تعالى على ذلك في كتابه فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ * وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (2).
(r),
(1) رواه مسلم في الصحيح في كتاب الإيمان (38)، وابن أبي شيبة في المصنف (123/ 10، 371/ 12)،
أحمد في المسند (472/ 3، 394/ 6)، والطبراني في الكبير (382/ 8).
(2) سورة الحج الآية: 62. (1/256)
صفحة 257
قنطرة الإيمان والتوحيد
241
وقال: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَقِّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِ إِلا الضَّلال) (1). ووجدت في الأثر [1/ 257] عن أبي المؤثر أنه قال: من عرف أن الله عز وجل واحد ليس كمثله شيء، فقد عرفه تبارك وتعالى. فقال: فهذا أقل ما يكون به الإنسان موحداً.
والصحيح أنه لا يثبت التوحيد لأحد إلا بالإثبات بثلاث كلمات وهن: الإيمان بالله أنه رب وبمحمد أنه رسول وأن ما جاء به حق من عند الله. فمن أتى بهذا فهو موحد ما لم
جسم
يخطر بباله أنه تعالى أو ليس بجسم، أو محدود أو غير محدود، أو يرى بالأبصار أو يدرك بالحواس أو غير ذلك. فإذا خطر له هذا أو أشباهه فقد وقع في البلية، فعليه أن يعلم أن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأجسام، ولا شيئاً من الخلق وأنه ليس بمحدود، وأنه لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس فإن شك في شيء من هذا أو وصفه تعالى فهو هالك
کافر.
مسالة
والتوحيد لا يكون العدول فيه حجة دون العقل وهم حجة مع العقل، ولا يجوز التقليد في جميع الديانات بإتفاق الأمة، وهذا في جميع ما يكون الحق فيه في واحد، ومع واحد وضاق على الناس خلافه لأن الله سبحانه إذا تعبد بشيء من ذلك نصب عليه الدليل.
وقد نهى عز وجل عن التقليد في ذلك، وذم من قلد فيه كقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) (2) في أمثالها من القرآن. وأما الذي يجوز فيه التقليد للعالم الأمين فهو كل ما يسع
جهله مما تعبد الله به عباده مما لم ينص عليه في كتابه نصاً ظاهراً يدل على مراده فيه، ولم ينصب عليه دليلاً من كتاب ولا سنة ولا إجماع من الأمة ورد الحكم فيه إلى / العلماء [1/ 258]
المستنبطين، ليجتهدوا في استخراج الحكم به نحو أروش الجراحات، ومتعة المطلقات اللاتي لم تفرض لهن الصدقات إذا وقع الطلاق قبل الدخول بهن، وغير ذلك من مسائل الأحكام والنوازل، فهذا مما يجوز التقليد فيه من الدين. وما كان مثله مما كان طريقه طريق السمع ويرجع فيه إلى قول أهل العلم لعدم الدليل على حكمه ولا يجوز التقليد عند وجود دليل من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة أو حجة العقل؛ لأنه لا معنى للتقليد هناك لأن حقيقة
من
التقليد هو قبول قول القائل بغير دليل ولا برهان. وبالله التوفيق.
(1) سورة يونس الآية: 32.
(2) سورة الزخرف الآيتان: 22، 23. (1/257)
صفحة 258
242
فصل
قنطرة الإيمان والتوحيد
6
ويحكى والله أعلم أن رجلاً خرج سائحاً الله تعالى، حتى دخل بيت المقدس فوجد رجلاً يصلي في المسجد، فلما فرغ قال له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فرد فقال: السلام على أهل اليقين والتسليم والإسلام اجلس فجلس فلما اطمأن قال له: عبد أنت أم حر؟ قال: بل حر. فقال: مَنْ أعتقك؟ فاطرق المسؤول مليّاً متفكراً في جوابه ثم قال: لا بل عبد. فقال: من استعبدك؟ فقال المسؤول: الله استعبدني وهو معبودي والعبادة طاعة الله تعالى. فقال: الله الذي استعبدك اسم هو أم صفة أم فعل أم معنى؟ قال: اسم [قال]: لِمَنْ؟ قال:
أخبرني. عن الله تعالى. قال: فأي إلهين تعبد الاسم أم المسمى؟ فانقطع المسؤول وتحير في جوابه فقال المصلي: يا هذا إنما يعبد الله من يعلم ما الله، فأما مَنْ لم يعرف الله فإنما يعبد غير الله، ومن [259/ب] عبد غير الله فقد أشرك بالله. ثم قال: لا يدرك بعقد ضمير ولا إحاطة / تفكير ويقال: مَنْ عبد الله تعالى بتوهم القلب فهو مشرك، ومن عبد الإسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الإسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد الإسم دون الصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ومن عبد المعنى بحقيقة المعرفة فهو مؤمن حقاً وبالله التوفيق.
فصل
(1)
في حقيقة التوحيد فحكى عن ذي النون المصري (1) أنه سئل عن التوحيد فقال: أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج وصنعه لها بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه ولا علة
لصنعه تعالى بخلافه.
وسئل بعضهم عن التوحيد فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بأنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد بلا تكيف ولا تشبيه ولا تصوير، ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال بعضهم: التوحيد تلاشى الخلائق عند ظهور الحقائق وقال بعض العلماء: أشرف
(1) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (532/ 11): الزاهد شيخ الديار المصرية ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبا الفياض ولد أواخر أيام المنصور .... قال ابن يونس كان عالماً فصيحاً حكيماً توفي في ذي القعدة سنة خمس
وأربعين ومئتين.
وقال السلمي: حملوه على البريد من مصر إلى المتوكل ليعظه في سنة وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع، بكي. (1/258)
صفحة 259
قنطرة الإيمان والتوحيد
كلمة.
243
في التوحيد ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. فقال: ليس يريد الصديق رضي الله عنه أنه لا يعرف. قال: فالعارف عاجز عن معرفته والمعرفة موجودة فيه؛ لأن عند هؤلاء المعرفة ضرورية. وهذا كما قال بعضهم: ما عرف الله بالحقيقة سوى الله سبحانه.
وأما أقسام التوحيد فذكر الغزالي في ذلك ثلاثة أقسام، قال: إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام فقال: يا داود تعلم العلم النافع. قال: إلهي، وما العلم النافع. قال: أن [1/ 260] تعرف جلالي وعظمتي وكبرياءي وكمال قدرتي على كل شيء فإن هذا هو الذي يقربك إلي.
قال الغزالي: فالتوحيد جوهر نفيس وله قشران:
أحدهما: أبعد عن اللب من الآخر. قال: وخص الناس اسم التوحيد للقشر الأول، وبصنعة الحراسة للقشر الثاني أراد بذلك صنعة الكلام وأهملوا اللب بالكلية.
قال: فالقشر الأول هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله. فقال: هذا يسمى توحيداً مناقضاً للتثليث الذي تصرح به النصارى أراد قولهم: إن الله ثالث ثلاثة. قال: ولكن هذا التوحيد قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره، وهذا هو الزنديق عندنا.
قال: والقشر الثاني: هو أن لا يكون في القلب إنكار ولا مخالفة لمفهوم قول القائل: لا إله إلا الله بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به. قال: وهو توحيد عوام الخلق من المسلمين والمتكلمين الذين هم حراس هذا القشر الذي هو توحيدهم، وتوحيد عامة الموحدين يحرسونه عن تشويش المبتدعة أراد ينقضون عليهم بدعهم وخلافهم في التوحيد بالكلام الذي هو صفتهم. قال: والثالث لباب الجوهر الذي هو التوحيد قال: وذلك لا يفهمه أكثر المتكلمين فإن الله تعالى رؤية تقطع إلتفاته عن الإنسان الأمور كلها يري
من
فهموه لم يتصفوا به وهو أن الوسائط، والأسباب فلا يرى الخير والشر إلا من الله جل جلاله، وأن يعبده عبادة يفرده بها ولا يعبد معه غيره، وهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي إن شاء الله. ومن ثمراته / أيضاً ترك الشكاية إلى الخلق وترك الغضب عليهم والتسليم لحكم الله جل [1/ 261] جلاله فكان إحدى ثمراته قول أبي الدرداء لما قيل له في مرضه: أنطلب لك طبيباً. قال: الطبيب أمرضني. وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما مرض فقيل له: ماذا قال لك الطبيب في قناطر الخيرات ج/1 م/17 (1/259)
صفحة 260
244
قنطرة الإيمان والتوحيد
مرضك؟ فقال: إني فعّال لما أريد قال: ويخرج عن هذا التوحيد إتباع الهوى، فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوداً له، قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (1).
(1) ,
وقال عليه السلام: «أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى (2). قال: وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم، وإنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل، وميل النفس إلى المألوف أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى. قال: ويخرج عن الله الخلق والالتفات إليهم، فإن من يرى الكل من عن عز وجل كيف يسخط على غيره؟ فقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام، وهو من مقامات
الصديقين.
اسمه
وهو
هذا التوحيد التسخط
فانظر إلى ما حول وبأي قشر قنع، وكيف اتخذ هذا معتصماً في التمدح والتفاخر بما محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي. قال: وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، أول كذب يفاتح الله تعالى به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجهاً إلى الله عز وجل على الخصوص؛ فإنه إن أراد بالوجه وجه ظاهر بدنه فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرف إلا [262/ب] سائر الجهات والكعبة / ليست جهة للذي فطر السموات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجهاً إلى الله عز وجل تعالى عز وجل أن تحدّه الجهات والأقطار. وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد منه، فكيف يصدق قول من قلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتوجه بالكلية إليها فمتى وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض.
عن
وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد: فالموحد الحقيقي هو الذي لا يرى إلا الواحد الخالق جل جلاله ولا يوجه وجهه إلا إليه، وهو امتثال قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (3).
وليس المراد به القول باللسان إنما اللسان ترجمان يصدق، مرة، ويكذب أخرى، وإنما
موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب، فهو معدن التوحيد ومقره وبالله التوفيق (4). وأما الإيمان فأصله في اللغة التصديق بالشيء يقال: آمن فلان بكذا أي صدق به، وآمن
(1) سورة الفرقان الآية: 43.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (34/ 1) رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناده ضعيف.
(3) سورة الأنعام الآية: 91. (4) راجع إحياء علوم الدين (34/ 1). (1/260)
صفحة 261
قنطرة الإيمان والتوحيد
245
بالوثن والسحر أي صدق بهما، قال الله سبحانه حكاية عن أولاد يعقوب عليه السلام: {وَمَا أنتَ بِمُؤْمِنِ لَنَا (1).
أي بمصدق، ثم إن الشرع خصص هذا الإسم وقصره على الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءت به الرسل عليهم السلام، فاشتهر هذا الإسم حتى إذا قيل مؤمن: لا يعقل منه إلا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءت به فمن لم يؤمن بهذه الأشياء فلا يسمى مؤمناً في الشرع، فالمؤمن إذاً على وجهين لغوي وشرعي.
فاللغوي: بمعنى / المقر.
والشرعي: بمعنى الموفي بالدين. ومصداق الأول قول الله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنُ) (2). وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
(2)
(4)
أفرام (3) الآية. وقوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِدا) (4) الآية. وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} (5). دخل في هذه الآيات البار والفاجر.
ومصداق الثاني قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى
قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقام (1) وغيرهم المؤمنون باطلاً.
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (7) (ومن السنة قوله عليه السلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق
السارق حين يسرق وهو مؤمن
(A),
وقوله: «ليس المؤمن من بات شبعاناً وجاره جائع، وقوله: «المؤمن من أمن الناس من
لسانه ويده» في أمثالها.
(1) سورة يوسف الآية: 17. (2) سورة الإسراء الآية: 19.
(3) سورة الأحزاب الآية: 36. (4) سورة النساء الآية: 93.
(0)
سورة الأنبياء الآية: 94. (6) سورة الأنفال الآيتان: 2، 4.
(7) سورة الحجرات الآية: 15.
(8) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (119/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
[1/ 263] (1/261)
صفحة 262
246
قنطرة الإيمان والتوحيد
فاختلف الناس في هذا فقالت طائفة: يسمى صاحب الكبيرة مؤمناً بالإيمان الذي صدر منه وإن لم يكن. معه غيره وهم المرجئة. وقال قوم: يسمى مؤمناً مقصراً والموفى يسمى مؤمناً كامل الإيمان وهم الأشعرية. وقال قوم: يسمى مؤمناً، فاسقاً وهم المعتزلة. وقال أصحابنا: ومن وافقهم لا يجوز أن يسمى مؤمناً إلا الموفى بالدين قولاً وعملاً واعتقاداً:
وأما المنافق المضيّع يقال له: آمن ولا يقال له مؤمن قالوا: لأن المؤمن اسم البدن [26/ب] / وهو اسم مدح لا يسمى به إلا الولي الموفى، وآمن أي أقر، جائز أن يقال للمضيع آمن أي: أقر لأن الله تعالى يقول: (آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) (1) الآية.
واحتج الأولون بقول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (2) الآية. فسماهم مؤمنين وهم بغاة والاحتجاج في هذا يطول ليس هذا الكتاب موضوعاً لذلك، وبالله التوفيق.
اعلم أن للإيمان ثلاث مقامات:
فصل
أحدها: انطواء القلوب، وضمير النفوس على اعتقاد التوحيد لغة وشرعاً. أما اللغة فقد قدمنا ذكرها، وأما الشرع فكقول الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيْمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيْمَانِ) (3).
في أمثالها: وسئل النبي عليه السلام عن الإيمان فقال: إن الإيمان هاهنا». وأشار إلى صدره وقال عليه السلام الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواس على قرارها. ومن طريق جابر بن يزيد عنه عليه السلام أنه قال: الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن. وعن ضمام رحمه الله أن النبي عليه السلام قال لعمار بن ياسر رحمه الله: «الإيمان أحلى من العسل لا يدخل قلب مؤمن ثم يخرج منه.
في أمثالها من الأحاديث وجميع ما حكى الله تعالى في كتابه من ذم المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم دليل على أن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد القلوب حين ذمهم، إذ لم
يعتقدوه في قلوبهم.
(1) سورة النساء الآية: 137. (2) سورة الحجرات الآية: 9. (3) سورة النحل الآية: 106. (1/262)
صفحة 263
قنطرة الإيمان والتوحيد
247
المقامة الثانية: الإقرار باللسان نطقاً والإعراب عن الضمير وفقاً وقبله صدقاً وهذا دون الأول لأن / الأول يجزاء عن هذه العلل، ولا يجزي هذا عن ذلك على حال لغة أيضاً [1/ 265]
وشرعاً.
أما اللغة فلأن نطق اللسان وإقراره عبارة عن التصديق الذي حصل في القلب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا وقوله عليه السلام: «ما آمن من آمن بلسانه ولم
يخلص الإيمان إلى قلبه.
وقال الله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ) (1) الآية. وجميع ما قدمنا من ذم الله تعالى المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم دليل على أن الإيمان فيهما جميعاً بإثبات الله إياه في الأفواه وذمهم، إذ لم يكتسبوه بالقلوب، قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (2) الآية. والاتفاق واقع على هذا وإنما الكلام في الأعمال على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
المقامة الثالثة: من الإيمان هو العمل بالأركان وتحقيقه بالأفعال شرعاً وسمعاً. أما الشرع فقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيْمَانَكُمْ (3). أي صلاتكم إلى بيت المقدس في قول أهل التفسير، ولإتفاق الجميع أن الشرع طاراء على اللغة، وأن الشرع قد ورد في أشياء نقل لسان العرب إليها، فانتقل من ذلك اسم المنافق كان في اليربوع فانتقل إلى من أنسل من الإسلام من حيث لم يدخل فيه.
والوضوء في اللغة: الوضاءة والنظافة في الجوارح فزاد الشرع المسح.
والصلاة: الدعاء، فزاد الشرع الركوع والسجود، والغائط في اللغة: المطمئن من الأرض، فانتقل الإسم إلى النجس الذي يوضع فيه، فغلبت الشريعة / اللسان، ولهذا قال [1/ 266] تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيْمَانَكُمْ) أي صلاتكم كما قدمنا.
وأما السنة فكقول النبي عليه السلام: الإيمان مائة جزء أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
وقال عليه السلام الحياء شعبة من الإيمان وقال: الصبر والسماحة من الإيمان،
(1) سورة المائدة الآية: 41.
(2)
سورة الحجرات الآية: 14.
(3) سورة البقرة الآية: 143. (1/263)
صفحة 264
[267/ب]
248
قنطرة الإيمان والتوحيد
من
والبذاذة من الإيمان. وقال: حسن العهد من الإيمان». وقال: «الصبر نصف الإيمان، والوضوء نصف الصبر في أمثالها وهذه الأخبار عنه عليه السلام دالة على أن الأعمال الإيمان لما قدمنا من أحكام الشرع ونقله الأسماء عن مواضعها، وبالله التوفيق.
(1) ,
فإن قال قائل: فما الحكم فيمن انعرى من هذه المقامات الثلاث. قلنا: قول الله تبارك وتعالى فيهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (1). وإن كان في قلبه وانعرى منه لسانه، فهو من الذين قال الله فيهم من قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (2). وإن كان في القلب واللسان وانعرى منه العمل فهم من الذين قال الله عز وجل فيهم: المَ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (3). فهذا من الكاذبين، والأوسط من المفسدين، والثالث من الخاسرين. فصل في درجات الإيمان
(2)
اعلم أن الإيمان في اللغة التصديق كما قدمنا ولكنه يتفاضل المؤمنون في الإيمان على قدر ترقيهم فيه، وينحصر ذلك في خمس درجات:
إحداها درجة الإيمان:
(4)
وهو المعنى / الذي كلف الله تعالى عباده المؤمنين ثم رضيه منهم وذلك قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ (4) الآية. وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (5).
وهذه إشارة إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
وقوله: (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ في أمثالها.
وبهذا الإيمان رضي الله عز وجل عن خليله إبراهيم عليه السلام حين سأله فقال رَبِّ
(1) ,
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (1).
(1) سورة النحل الآية: 108.
(2) سورة النمل الآية: 14. (3) سورة العنكبوت الآيتان: 1، 3. (4) سورة البقرة الآية: 285. (5) سورة البقرة الآية: 256. (6) سورة البقرة الآية: 260. (1/264)
صفحة 265
قنطرة الإيمان والتوحيد
249
وذلك حين أراد عليه السلام الترقي في درجات الإيمان إلى أعلاه ولم يقتصر في الشرع على مبدأه فطلب مشاهدة إحياء الموتى معاينة، والذي رضي الله عز وجل به أولاً الظاهر من قوله: (بلي).
الأعرابي
وهو الإيمان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: عليكم بإيمان العجائز، وإيمان (1). وهذا الإيمان هو تصديق عامة المسلمين، واعتقادهم، وذلك بمنزلة العقدة على القلب من غير كشف ولا انشراح يشتد ويقوى تارة ويضعف ويسترخي تارة، كالعقدة على الخيط مثلاً.
وهذا موجود في اعتقاد المؤمنين والعمل يؤثر في نماء هذا الاعتقاد وزيادته، كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار علواً وفي رسوخ أصولها سفلاً ولذلك قال تعالى: {فَزَادَهُمْ إيمانا (2).
وقال تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ) (3).
وقد روي في بعض آثار أصحابنا قال: معنى هذه الزيادة أنهم أقروا بجملة الدين ثم أوفوا بها عند التفسير فزادهم الله إيماناً وتصديقاً ويقيناً فدل هذا على أن الإيمان / يزداد بالطاعة [1/ 268]
وينقص بالمعاصي؛ لأن الإيمان مائة خصلة أعلاها التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
وفي بعض الأخبار عن رسول الله أنه قال: «الإيمان يزيد وينقص (4). وذلك بتأثير الطاعات في القلب. ولهذا قال علي بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب، فإذا عمل العبد الصالحات نمت وزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو نكتة.
(1)
سوداء،
قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (753 حديث عليكم بدين العجائز، قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة حتى رأيت حديثاً لمحمد بن عبد الرحمن بن السلماني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء فعليكم بدين أهل البادين والنساء». وابن السلماني له عن أبيه عن ابن عمر: كان يتهم بوضعها. انتهى. وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن
السلماني. والله أعلم.
(2) سورة آل عمران الآية: 173.
(3) سورة الفتح الآية: 4.
نسخه
(4) قال العراقي في المغني: (120/ 1) رواه ابن عدي في الكامل، وأبو الشيخ في الثواب من حديث أبي هريرة، وقال ابن عدي باطل فيه محمد بن أحمد بن حرب الملحي يتعمد الكذب، وهو عند ابن ماجه
(74 75 موقوف على أبي هريرة وابن عباس، وأبي الدرداء. (1/265)
صفحة 266
[269/ب]
250
قنطرة الإيمان والتوحيد
فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك الختم وتلى: كلاً بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1).
(1)
الثانية درجة الظن: فإذا تحقق العبد الإيمان ورسى في قلبه، انتقل إلى درجة أقوى مما هو فيه وهي الظن الذي مدح الله به المؤمنين حيث قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (2). وقال تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ) (3). وهذا الظن درجة في الإيمان أعلى من أوائله، ولذلك مدح الله تعالى به المؤمنين، وذلك أن الظن في لغة العرب على وجهين:
أحدهما: بمعنى الشك كقوله تعالى: (إنْ تَظُنُّ إِلَّا ظَنَا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)
والثاني: معنى يقرب إلى اليقين، وهو ما قدمناه أولاً قال الشاعر:
(1)
فقلت لهم ظنوا بالفي مدجج سراتهم بالفارسي المسرد ظنوا أي تيقنوا وهذا هو الظن الممدوح به المؤمنون قال: وذلك إن سكنت نفسه إلى وجود الباري سبحانه ووقع في قلبه الإيمان به انتفى عنه الجهل وأعتوره الشك والظن، وهما طريقان: أحدهما يمنة، والآخر يسرة.
فالشك / تردد وتوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر نحو طريق الجهل والعلم، أحد الجانبين، فمهما ترجح جانب الظن إلى جانب العلم كان ظناً محموداً؛ لأنه جاوز حد الجهل والشكِ إلى الإيمان، فحقيقة الظن ميلان النفس إلى تحقيق ما اعتقده المؤمن
فالظن ترجيح
و آمن به.
الثالثة درجة العلم: وذلك أن الظن يؤل إلى العلم؛ لأن جل أحكام الشريعة إنما بنيت على غلبيات الظنون، فإذا قوي الظن صار علماً، وهو أن يلوح المعنى الذي اعتقده القلب فتطمئن إليه النفس، وربما يعضده الدليل فيتضح به السبيل.
وهذا العلم نور يقذف في قلب المؤمن فيتسع القلب به وينشرح قال الله سبحانه: {وَلَكِنْ
(1) سورة المطففين الآية: 14.
(2) سورة البقرة الآية: 46. (3) سورة التوبة الآية: 118.
(4)
سورة الجاثية الآية: 32. (1/266)
صفحة 267
قنطرة الإيمان والتوحيد
251
(1)
جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) (1).
وقال: أَوَمَنْ كَانَ مَيْناً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (2) الآية.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلى قول الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام (3) الآية.
(3)
و انفسح قيل: فهل لذلك
فقيل: ما هذا الشر الشرح؟ فقال عليه السلام: أن النور إذا قذف في القلب انشرح له القلب من علامة يعرف بها؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله (4).
(0) ,
فالعلم درجة في القلب أعلى من درجة الإيمان، ولذلك فرق الله تعالى بين درجة الإيمان ودرجة العلم فقال: يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتِ) (5). فلحن الخطاب يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة، والذين أوتوا العلم درجات.
وروي عن ابن عباس أنه قال: للعلماء درجات فوق المؤمنين درجة ما بين الدرجتين [1/ 270] مسيرة خمسمائة عام، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيْمَانَ (6) الآية. فإن ازداد العلم صار يقيناً.
الرابعة درجة اليقين: قال الله تعالى في صفة المؤمنين: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ})
قال: {وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (8).
وقال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتِ لِلْمُوقِنِينَ) (9)
وقال تعالى: كَلاً لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
(1) سورة الشورى الآية: 52.
(2) سورة الأنعام الآية: 122.
(3) سورة الأنعام الآية: 125.
(4) قال العراقي في المغني: (76/ 1) رواه الحاكم والبيهقي في الزهد من حديث ابن مسعود.
(5) سورة المجادلة الآية: 11.
(1)
سورة الروم الآية: 56.
(7) سورة البقرة الآية: 4.
(^) سورة الروم الآية: 60.
(9) سورة الذاريات الآية: 20.
(10) سورة التكاثر الآية: 5. (1/267)
صفحة 268
[271/ب]
252
قنطرة الإيمان والتوحيد
ومعنى اليقين إزاحة الشك وهو علم راسخ في القلب زائلته الشكوك وفارقه الاضطراب،
واستحكم في النفس حتى
كاد أن يكون عن. مشاهدة.
:
فلهذا قال نبينا عليه السلام من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر».
وقال لابن عباس: اعمل على الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير». وعنه عليه السلام أنه قال: لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا كراهية كاره، فإن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والفرج في الرضا واليقين، وجعل الهم
والحزن في الشك والسخط (1).
يرده
عنك
وقال بعض العلماء: إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ قلبه نوراً، وينفي عنه كل ريب، ويملأ القلب شكراً، ومن الله خوفاً.
وقال بعض السلف: التوحيد نور والشرك نار، وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين، وأراد به اليقين. وقد أشار القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع دلّ به على أن / اليقين هو الرابط للخيرات والسعادات وأنه أعظم ما يعطى للعبد من الهبات. وقال بعض العلماء: أول المقامات المعرفة، ثم اليقين ثم التصديق، ثم الإخلاص، ثم المشاهدة، ثم الطاعة.
سبحانه.
والإيمان اسم لجميع هذا كله أشار هذا القائل إلى أن أول الواجبات هو المعرفة بالله
وقال بعضهم: حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله. ويحكى عن ذي النون المصري) أنه قال: اليقين داع يدعو إلى قصر الأمل، وقصر
الأمل يدعو إلى الزهد والزهد يورث الحكمة والحكمة تورث النظر في العواقب. وقال بعض العلماء: ثلاث من أعلام اليقين: النظر إلى الله في كل شيء، والرجوع
إلى الله في كل أمر، والاستعانة به في كل حال.
(1) الحديث أخرجه الطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو نعيم في الحلية كلهم عن ابن مسعود، والمتقي الهندي في كنز العمال برقم (5961).
(2) سبق التعريف به والترجمة له. (1/268)
صفحة 269
قنطرة الإيمان والتوحيد
253
واختلف في معنى اليقين فقال بعضهم: اليقين علم مستودع في القلب، يشير هذا القائل إلى أنه غير مكتسب. وقال آخرون: اليقين تحقيق الأسرار بحكم المغيبات. وقال قوم: العلم التعلم بمعارضة الشكوك، واليقين لا شك فيه، وأشار إلى العلم الكسبي. وقيل: هو استقرار العلم الذي لا يتحول ولا يتقلب ولا يتغير في القلب. وقال بعضهم: اليقين هو وقيل: اليقين رؤية العيان بقوة الإيمان، والله أعلم.
فصل
المكاشفة،
ومن كتاب أحمد بن بكر قال: ومنازل العباد إلى الله تعالى على قدر تفاضلهم في اليقين وسواء في ذلك الملائكة والنبيون والمرسلون على قدر يقينهم، فالملائكة أعظم يقيناً من الأنبياء والرسل، وكذلك الأنبياء والرسل أعظم يقيناً من غيرهم من المسلمين، وأصل اليقين / العلم [1/ 272] والابلاغ فيه أن الأمور كلها من عند الله.
وقد يتفاضل الناس في الدوام عليه وقلة السهو على قدر تفاضلهم، واليقين يصيب المسلم وغير المسلم، ولكن لا يستحق به الثواب إلا المسلم الموفي بدينه، وأما غير المسلم فلا يستحق به الثواب في الآخرة، ويستجاب الدعاء باليقين للناس كلهم المؤمن وغيره، ولكن غير المؤمن لا يستجاب له إلا دعاء الدنيا خاصة.
ومن كثرة اليقين تكون البراهين والعلامات ولكن ليس في ذلك ما يستوثق به لأمر
الآخرة، ولكن يزيد بذلك الرغبة والاجتهاد.
وفي كتاب المحاسبي قال: وقالت طائفة من العلماء اليقين استقرار معرفة العارفين، وقالت طائفة: اليقين هو التصديق. وروى مثله عن النبي عليه السلام قال: واليقين يزيد بزيادة الإيمان وينتقص بنقصانه». قال: ويتزايد الناس في اليقين بلزوم القلب المعرفة التي يتولد منها اليقين. وقد قيل يا رسول الله بلغنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على الماء، قال: «ولو ازداد يقيناً لمشى على الهواء».
وأما الذي يضعف اليقين فالدخول فيها لا يعني، واستعمال أعمال أهل الريب والشهرة في الخلق بالملبس والمذهب والحلية وذلك بأن يدخل في بعض الأحوال مثل اللباس الشنيع، ويشتهر ويشتغل قلبه فعلى قدر شغل القلب به يضعف اليقين لعلة اشتغال القلب وإشارة الأصابع وكفى به شغلاً. (1/269)
صفحة 270
254
قنطرة الإيمان والتوحيد
وقد روي عن رسول الله له أنه: كان له خميصة يصلي فيها فبعث بها إلى أبي جهم
[273/ب] فقيل له في ذلك، فقال: «الهتني / أعلامها في الصلاة).
فمثل ذلك وشبهه يضعف اليقين. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي ضعف اليقين». والله أعلم.
فصل في تحقيق معنى اليقين
ومن كتاب الغزالي قال (1): فاعلم أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين. قال: أما النظار المتكلمون فيعنون به عدم الشك إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع
مقامات:
شخص
الأولى: أن يعتدل التصديق والتكذيب، ويعبر عنه بالشك، كما إذا سئلت عن أن الله تعالى يعاقبه أم لا؟ وهو مجهول الحال عندك، فإن نفسك لا تميل إلى الحكم فيه بإثبات ولا نفي، بل يستوي عندك إمكان الأمرين فيسمى هذا شكاً.
معين
الثانية: أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه، ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه لو مات على هذه الحالة هل يعاقب؟ فإن نفسك تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب، وذلك لظهور هذا فأنت تجوز إنتفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته، فهذا
علامات الصلاح، ومع التجوز مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه. قال: فهذه الحالة:
ظناً. تسمى
اعتقاد يسمى
الثالثة: أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها، ولا يخطر بالبال نقيضه، ولو خطر بالبال لأبت النفس عن قبوله، ولكن ليس ذلك مع معرفة تحققه إذ لو اختبر صاحب [274/ب] هذا المقام بالتأمل والإصغاء إلى التشكيك والتجويز لاتسعت / نفسه للتجويز وهذا. العوام في الشرعيات كلها، إذ رسخ في نفوسهم بمجرد السماع، حتى أن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها ومتبوعها، ولو ذكر لها إمكان خطأ إمامها لنفرت عنه. الرابعة: المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا شك فيه ولا يتصور
فيه، فإذا امتنع وجود الشك وإمكانه سمى ذلك يقيناً.
التشكيك
ومثاله إذا قيل للعاقل هل في الوجود شيء قديم فلا يمكنه التصديق به بالبديهة، لأن
(1) راجع إحياء علوم الدين (72/ 1). (1/270)
صفحة 271
255
قنطرة الإيمان والتوحيد القديم غير محسوس إلا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس، وليس العلم بوجود شيء قديم أيضاً ضرورياً مثل: العلم بأن الأثنين أكثر من الواحد، ولكن ذلك مثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال، فإن هذا أيضاً ضروري فحق غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على طريق الاعتدال والبديهة. ثم من الناس من يسمع ذلك ويصدق بالسماع تصديقاً جزماً ويستمر عليه وذلك الاعتقاد هو وهو حال جميع العوام، ومن الناس من يصدق به بالبرهان وهو أن يقال له: إن لم يكن في الوجود قديم فالموجودات كلها حادثة، فإن كانت كلها حادثة فهي حادثة بلا سبب وذلك محال فالمؤدي إلى المحال محال. فيلزم في العقل التصديق بشيء قديم بالضرورة لأن الأقسام ثلاثة:
إما أن تكون الموجودات كلها، قديمة، أو كلها حادثة، أو بعضها قديماً وبعضها حادثة. فإن كانت كلها قديمة فقد حصل المطلوب إذ ثبت على الجملة قديم.
وإن كان الكل حادثاً فهو محال؛ إذ يؤدي إلى حدوث بغير سبب، فثبت القسم الثالث [275 أو الأول، فكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقيناً سواء حصل بنظر مثل ما ذكرناه، أو حصل بحس، أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب، أو بتواتر كالعلم بوجود مكة، أو بتجربة كالعلم بأن المطبوخ مسهل، أو بدليل كما ذكرنا.
فشرط إطلاق الاسم عندهم عدم الشك فكل علم لا يشك فيه يسمى يقيناً عند هؤلاء،
فعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت في نفي الشك.
الاصطلاح الثاني: للفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء، وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك، بل إلى استيلائه وغلبته على القلب، حتى يقال: فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا شك فيه. ويقال: فلان قوي اليقين في إثبات الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه. فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو
المتحكم والمتصرف في النفس بالتحريض والمنع سمي ذلك يقيناً.
ولا شك في أن الناس مشتركون في القطع بالموت والإنفكاك عن الشك فيه، ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له، وكأنه غير مؤمن به، ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعاً لغيره فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة
،
اليقين. ولذلك قال بعضهم: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت.
وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالقوة والضعف، فمن شأن علماء الآخرة صرف (1/271)
صفحة 272
256
قنطرة الإيمان والتوحيد
[276/ب] / العناية إلى تقوية اليقين من كلا الوجهين وهما نفي الشك ثم تسليطه على النفس، حتى يكون هو الغالب المتحكم وهو المتصرف وإذا فهمت هذا علمت المراد من قولنا: إن اليقين ينقسم انقسامات بالقوة والضعف والقلة والكثرة، والخفاء والجلاء.
[277/ب]
أما بالقوة والضعف فعلى الاصطلاح الثاني، وذلك في الغلبة والاستيلاء على القلب، ودرجات اليقين في القوة والضعف لا تتناهى، وتفاوت الخلق في استعدادهم للموت بحسب تفاوت اليقين بهذه المعاني. وأما التفاوت بالخفاء والجلاء فلا ينكر أيضاً، أما فيما يتطرق إليه التجويز فلا ينكر عن الاصطلاح الثاني، وفيما انتفى عنه الشك أيضاً لا سبيل إلى إنكاره، فإنك تدرك تفرقة بين فلك مثلاً، ووجود وبين تصديقك بوجود موسى عليه السلام ووجود
مكة تصديقك بوجود يوشع عليه السلام مع أنه لا تشك في الأمرين جميعاً إذ مستندهما التواتر. ولكن ترى أحدهما أجلى وأوضح في قلبك من الثاني؛ لأن السبب في أحدهما أقوى وهو كثرة المخبرين.
وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات المعلومة بالأدلة فإنه ليس وضوح ما لاح له بدليل واحد كوضوح ما لاح بأدلة كثيرة مع تساويهما في نفي الشك. وهذا قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال.
وأما القلة والكثرة فذلك بكثرة متعلقات اليقين كما يقال: فلان أكثر علماً أي معلوماته أكثر. ولذلك قد يكون العالم قوي اليقين في جميع ما ورد الشرع به، وقد يكون قوي اليقين في
بعضه.
"
فإن قلت: قد فهمت اليقين وقوته وضعفه، وكثرته / وقلته وجلاءه وخفائه، بمعنى نفي الشك، وبمعنى الاستيلاء على القلب، فما متعلقات اليقين ومجاريه؟ وفي ماذا يطلب اليقين؟ فإني ما لم أعرف ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه.
فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء عليهم السلام من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين، فإن اليقين عبارة عن معرفة مجموعة، ومتعلقات المعلومات التي وردت بها الشرائع، فلا مطمع
في إحصائها ولكني أشير إلى بعض أمهاتها.
فمن ذلك التوحيد، وهو أن
يري الأشياء كلها من مسبب
الأسباب ولا يلتفت إلى (1/272)
صفحة 273
[1/ 278]
257
قنطرة! رة الإيمان والتوحيد
الوسائط بل يرى كل واسطة مسخرة لا حكم لها، فالمصدق بهذا مؤمن وإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إنكار الشك فهو موقن بأحد المعنيين.
فإن غلب على قلبه غلبة أزال عنه هيئة الغضب على الوسائط والرضا منهم، والشكر لهم، ويرى الوسائط في قلبه عند حق المنعم بمنزلة القلم واليد في توقيع الكتابة، فإنه لا يشكر
القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما بل يراهما آلتين وواسطتين فقد صار موقناً بالمعنى الثاني. وهو الأشراف وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته ومهما تحقق أن الشمس، والقمر، والنجوم والجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره، حسب تسخير القلم في يد الكاتب وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل، استولى عليه التوكل والرضا والتسليم وصار بريئاً من الغضب والحقد والحسد وسوء الظن فهذا أحد أبواب اليقين. ومن ذلك الثقة بضمان الله عز وجل الرزق في قوله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (1).
(1) ,
واليقين بأن ذلك يأتيه وأن ما قدر له سيساق إليه، فمهما غلب ذلك على قلبه كان مجملاً في الطلب، ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما يفوته وأثمر هذا اليقين أيضاً عن جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة.
ومن ذلك أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وهو اليقين بالثواب والعقاب، حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب كنسبة الخبز إلى الشبع، ونسبة المعاصي إلى العقاب كنسبة السموم والأفاعي إلى الهلاك، فكما يحرص على تحصيل الخبز طالب الشبع فيحفظ قليله وكثيره، فكذلك يحرص على الطاعات قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها.
فاليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين، وأما بالمعنى الثاني فيختص به المقربون، وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في الحركات، والسكنات، والخطرات، والمبالغة في التقوى والاحتراز عن السيئات، وكلما كان اليقين أغلب كان الاحتراز أشد، والتيسير أبلغ. ومن ذلك اليقين بأن الله عز وجل مطلع عليك في كل حال، ومشاهد لهواجس ضميرك
وخفايا خاطرك وفكرك، وهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول وهو عدم الشك.
(1) سورة هود الآية: 6. (1/273)
صفحة 274
258
قنطرة الإيمان والتوحيد
وأما بالمعنى الثاني وهو المقصود فهو عزيز يختص به الصديقون وثمرته أن يكون
الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أعماله كالمجالس لمشهد ملك عظيم نظر إليه، فإنه لا يزال [279/ب] مطرقاً قائماً متمادياً متماسكاً متحرزاً عن كل حركة يخالف هيئة الأدب فيها، ويكون / في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة، إذ يتحقق أن الله عز وجل مطلع على سريرته، كما يطلع الخلق على ظاهره، فيكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزينه لعين الله الكائنة أشد من مبالغته في تزيين ظواهره لسائر البشر.
وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار، والذل، والاستكانة، والخضوع، وجملة من الأخلاق المحمودة، وهذه الأخلاق تورث أنواعاً من الطاعات
رفيعة.
(1)
واليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة، وهذه الأخلاق في القلب كالأغصان المتفرقة منها، وهذه الأعمال والطاعات الصادرة من الأخلاق كالثمار والأنوار المتفرعة من الأغصان، فاليقين هو الأساس والأصل وله مجاري وأبواب أكثر مما عددناه وهذا الذي ذكرناه في اليقين كاف. والله أعلم الدرجة الخامسة درجة المعرفة، وذلك إذا قوي يقين العبد ترقى إلى درجة المعرفة، واختلفوا في معناها: فقال بعضهم: المعرفة هي العلم فكل علم معرفة وكل معرفة علم، وكل عارف بالله عالم به تعالى وعند هؤلاء القوم المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه
،
وصفاته، ثم صدق الله في معاملاته، ثم ينتفي عن أخلاقه الدينة وآفاته، ثم طال يباب الخدمة وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه فحظى من الله تعالى بجميل، إقباله، وصدق الله في جميع أحواله، وانقطع عنه هواجس نفسه، ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فإذا صار من [280/ب] الخلق أجنبياً، ومن صفات النفس برئياً، ومن المساكنات / والملاحظات نقياً وحق في كل لحظة إليه رجوعه، وصار من قبل الحق يتعرف أسراره، فيما يجري من تصاريف أقداره، سمي
عند ذلك عارفاً، وتسمى حالته معرفة.
وقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله: حصول الهيبة من الله تعالى، فمن ازدادت
معرفته ازدادت هيبته.
وقد روي عن رسول الله أنه قال: «إن دعامة البيت أساسه ودعامة الدين المعرفة بالله
(1) راجع إحياء علوم الدين (72/ 1، 74). (1/274)
صفحة 275
قنطرة الإيمان والتوحيد
259
واليقين والعقل القامع». قيل: وما العقل القامع؟ قال: الكف عن معاصي الله والحرص على
طاعة الله.
ومعنى المعرفة بالله سبحانه أن تعرفه بأياديه الكاملة وصفاته البالغة، وقدرته التامة، وأفعاله الجارية في خلقه من أصناف النعم وضروب النقم. فإذا عرفه عبده بهذه المعرفة لزمت قلبه الرهبة منه والرغبة إليه، وامتلأ قلبه له عظمة وحياء وتتزايد المعرفة في قلب العارف بحسن التفكر، والاعتبار في إتقان صنع الله الموجودات، وحسن تدبيره في أصناف المخلوقات. ومعرفة الله تعالى بحر لا يدرك له قعر، ولا يحيط به بشر، وإنما يحوم الخلق على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم من حسن عون الله، وألطافه، وما خاض أطراف بحر معرفته إلا الأنبياء، والأولياء، والراسخون من العلماء على اختلاف درجاتهم، بحسب اختلاف قواهم، وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم.
وهذه المعرفة إذا قويت في قلب العارف، واستحكمت لاح له من ربه اللطف الخفي، والصنع الحفيّ، والنور الجلي، واستولى على قلبه حب ربه واستأنس بذكره في الخلوات، ووثق بإسعافه في المهمات / وغلب نور قلبه على نور بصره، فأبصر الدنيا خيالاً، والآخرة [1/ 281] مثالاً، وتعرف مع ذلك المريد من ربه في المواطن وكان له ومعه في جميع الأماكن، حتى كأنه يناجيه عند همه ويناغيه عند غمه، وفي هذه الصفة الحديث الطويل الذي رواه أبو هريرة وأسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر أهل الانقطاع إلى الله عز وجل فقال: «لباسهم الخرق، ومسكنهم، العلق، تعرفهم بقاع الأرض، إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا. . .» الحديث. قال الشاعر:
قلوب العارفين لها عيون تري ما لا يراه الناظرون
وقال آخر:
فلولا الله يحفظ عارفيه لهام العارفون بكل واد
وفي المعرفة معنى الفطنة وعلم تقدمه جهل، فلذلك لا يسوغ على الباري سبحانه أن تقول: عارف بل عالم فهذه الدرجات الخمس التي ذكرناها رتب الأنبياء، والسابقين، والصديقين، والمتقين والصالحين كل يجاهد على قدر قوته ويقرب من الله تعالى على قدر معرفته، نسأل الله تعالى أن لا يخيبنا من رحمته التي وسعت كل شيء بمنه وكرمه. وبالله
التوفيق.
قناطر الخيرات ج/1 م/18 (1/275)
صفحة 276
260
فصل
قنطرة الإيمان والتوحيد
فأما الإسلام فمعناه في اللغة الخضوع والانقياد قال الله سبحانه حكاية عن بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام، وأسلمت مع سليمان الله رب العالمين وقال: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (1) الآية.
(Y),
وقال تعالى: {وَالْقُوا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ (2). يعني الاستسلام، وقال تعالى: {قَالَتْ
[282 / ب] الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (3). أي استسلمنا / فكان الإسلام على هذا
المعنى عبارة عن التسليم والاستسلام الله تعالى بالإذعان والانقياد وترك التمرد بالإباء والعناد
وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيْنَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) () الآية.
(5) الحديث.
وقال عليه السلام: بني الإسلام على خمس. وقوله عليه السلام في سعد أو مسلم وذلك أن سعد بن أبي وقاص نظر إلى رسول الله له وهو يقسم الغنائم ويعطي الأقوام، فنظر سعد إلى رجل كان أوثق في نفسه من هؤلاء الذين كان يعطيهم فقال: يا رسول الله: لم لا تعطي فلاناً؟ فلم يكترث به عليه السلام، قال سعد: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، ثم قمت ثانية فقلت: يا رسول الله ألا تعطي فلاناً فإني لا أراه مؤمناً؟ فالتفت إلي رسول الله الله في الثانية أو الثالثة فقال: «أو مسلماً». ثم قال: «يا سعد إني والله لأعطي هذا المال أقواماً وأكل آخرين إلى إيمانهم (6).
(1) ,
قال عليه السلام المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمهاجر من هاجر
السيئات.
ويروى أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: «الإسلام». فقيل: أي الإسلام أفضل؟ قال:
«الإيمان».
واعلم أن الناس قد اختلفوا في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد أو كل واحد منهما غير الآخر؟ وإن كان غيره فهل هو منفصل يوجد دونه أو هو مرتبط به وملازم له؟
(1) سورة آل عمران الآية: 83.
(2) سورة النحل الآية: 87. (3) سورة الحجرات الآية: 14. (4) سورة آل عمران الآية: 85.
(5) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار ((115/ 1) أخرجاه من حديث ابن.
(6) بنحوه ذكره العراقي في المغني (116/ 1) وقال: أخرجاه بنحوه. (1/276)
صفحة 277
قنطرة الإيمان والتوحيد
261
قيل: إنهما شيء واحد، وقيل: هما شيئان لا يتواصلان، وقيل: أنهما شيئان ولكن
يرتبط أحدهما بالآخر. فنقول أن هاهنا ثلاث مباحث:
إحداها: بحث عن موجب / اللفظين في اللغة. والثاني: بحث عن المراد بهما في إطلاق الشرع.
والثالث: بحث عن حكميهما في الدنيا والآخرة، فالبحث الأول لغوي والثاني تفسيري،
والثالث فقهي شرعي. البحث الأول: في موجب اللغة والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق قال الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا (1). أي بمصدق والإسلام عبارة عن الاستسلام، والانقياد،
والتصديق محل خاص وهو القلب واللسان ترجمانه.
(2)
وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح فإن كل تصديق بالقلب هو تسليم وترك للإباء، والجحود، وكذلك الاعتراف في اللسان، وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح. فموجب اللغة أن الإسلام أعمّ والإيمان أخص وكان الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام، فإذاً كل تصديق تسليم، وليس كل تسليم تصديق البحث الثاني: عن إطلاق الشرع والحق فيه أن الشرع قد ورد باستعمالها على سبيل الترادف والتوارد وورد على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل. أما الترادف ففي قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيْهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (3). ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد.
وقال تعالى: إِنْ كُنتُمْ آمَتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُسْلِمِينَ) (1).
وقال: «بني الإسلام على خمس. . . . . الحديث ش (ه).
وسئل مرة عن الإيمان فأجاب: بهذا الخمس)
(1) سورة يوسف (الآية: 17).
(2) راجع إحياء علوم الدين (115/ 1). (3) سورة الذاريات الآيتان: 25، 26. (4) سورة يونس الآية: 084
(T)
(5) قال العراقي في المغني (115/ 1) أخرجاه من حديث ابن عمر.
(1)
[1/ YAY]
قال العراقي في المغني (115/ 1) رواه البيهقي في الاعتقاد من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد قيس تدون ما الإيمان؟ والحديث في الصحيحين لكن ليس فيه ذكر الحج، وزاد: وأن تؤتوا = (1/277)
صفحة 278
262
قنطرة الإيمان والتوحيد
وأما الاختلاف فقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا
[284/ب] أَسْلَمْنَا) (1). ومعناه استسلمنا في الظاهر، وأراد بالإيمان هاهنا تصديق القلب / فقط. وبالإسلام الاستسلام الظاهر باللسان والجوارح. وفي حديث سعد المتقدم: ألا تعطى
فلاناً وإني لأراه مؤمناً فقال عليه السلام: «أو مسلماً». وقوله عليه السلام في حديث جبريل عليه السلام المشهور حين جاءه في صورة أعرابي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ فقال عليه السلام: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والحساب والقدر خيره وشره إنه من الله فقال: صدقت فما الإسلام؟ فقال عليه السلام: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً والغسل من الجنابة». قال: صدقت الحديث (2). فذكر عليه السلام الخصال الخمس فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول
والعمل. وأما التداخل فما روي عنه عليه السلام أنه سئل فقيل له: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام». فقيل له: أي الإسلام أفضل؟ فقال: «الإيمان (3). رواه الغزالي في كتابه فإن صح فهو دليل على التداخل فهذه الأحاديث دليل على الاختلاف والتداخل، وهو أوفق الاستعمالات في اللغة.
وأما الدين في اللغة فمعناه في اللغة الطاعة، ويتصرف فيها على وجوه يكون بمعنى الجزاء كقوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4). أي يوم الجزاء، ويكون بمعنى الحكم، قال تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ (5). أي في حكمه، ويكون بمعنى الحساب: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ (6). أي الحساب المستقيم.
خمساً من المغنم. (1) سورة الحجرات الآية: 14.
(2) قال العراقي في المغني (116/ 1): أخرجاه من حديث أبي هريرة ومسلم من حديث عمر دون ذكر
الحساب، فرواه البيهقي في البعث.
(3) وفي المصدر السابق قال: رواه أحمد والطبراني من حديث عمرو بن عبسة بالشطر الأخير، وقال رجل: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان». وإسناده صحيح.
(4) سورة الفاتحة الآية: 4. (5) سورة يونس الآية: 76. (6) سورة التوبة الآية: 36. (1/278)
صفحة 279
قنطرة الإيمان والتوحيد
ويأتي بمعنى العادة: (قُلْ أَتُعَلَّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) (1). أي بعبادتكم. والله أعلم.
263
واعلم أن الدين هو اسم لطاعة الله سبحانه قال الله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّين [1/ 285]
(2)
الْخَالِص) (2).
وقال تعالى: إن الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ) (3).
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ إلى قوله: (الْقَيِّمَةِ (4). أي دين الحنيفية
السمحة السهلة.
فإن قال قائل: قد نص رسول الله في حديث جبريل عليه السلام: إن الإيمان هو يتعلق بالقلب من الاعتقادات.
ويقوله عليه السلام: ألا إن الإيمان هاهنا». وأشار إلى صدره.
ما
وفيه أيضاً: «فهلا شققت عن قلبه للذي قتل الصارخ بالإيمان. وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات ولم يذكر الدين وأنت تتوجب أن الإيمان هو الإسلام، وأن الإسلام هو الإيمان وهما الدين.
فاعلم أن الإيمان أصله التصديق كما ذكرنا وأن الإسلام أصله الاستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل الاستسلام والخضوع إسلام والدين من قبل الإيمان تصديق، والإيمان من قبل الدين طاعة وأن الإسلام من قبل الدين طاعة.
والدين من قبل الاستسلام إسلام وكل خصلة من الإيمان فهي إسلام ودين وكل خصلة من الدين إيمان وإسلام وإلى هذا القول ذهب أصحابنا رحمهم. الله وهو الصواب إن شاء الله.
إذ لا يسعك أن تنفي الإيمان عن الصلاة، وأخواتها فإن اتسع لك فلا يسعك أن تنفي الإسلام عن الإيمان الذي هو الاعتقاد فيكون الواحد مؤمناً غير مسلم ومسلماً غير مؤمن قال الله
عز وجل: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (5).
(1) سورة الحجرات الآية: 16.
(2) سورة الزمر الآية: 3. (3) سورة آل عمران الآية: 19. (4) سورة البينة الآية: 5.
(5) سورة البينة الآية: 5. (1/279)
صفحة 280
[286/ب]
264
قنطرة الإيمان والتوحيد
وقال: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (1).
وقال: {وَمَنْ يَتَّغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيْنَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (2) الآية.
البحث الثالث: عن الحكم الشرعي في الإسلام والإيمان اعلم أن لهما حكمين: أحدهما: حكم أخروي وحكم دنيوي.
أما الأخروي: فالتخليد في النار أو الإخراج منها واختلفوا على ماذا يترتب هذا الحكم فمن قائل أن الإيمان إقرار باللسان.
ومن قائل إنه معرفة بالقلب دون إقرار باللسان ومن قائل أن الإيمان معرفة وإقرار، ومن قائل بمزيد ثالث وهو العمل بالأركان فالأقوال الثلاثة هو اعتقاد المرجئة في الإيمان على الاختلاف المتقدم، والقول الرابع قول سائر الأمة إن الإيمان قول وعمل واعتقاد فمن جمع. الثلاثة ومات عليها فلا خلاف أن مستقره الجنة، فهذه درجة (3).
هذه
الدرجة الثانية: ان يوجد إثنان وبعض الثالث وهو المعرفة والإقرار وبعض الأعمال،
ولكن ارتكب صاحبه كبيرة ومات مصراً عليها.
وقالت المرجئة هو مؤمن لا يعرض على النار، وقالت الأشعرية: هو مؤمن عاص في
مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه.
وقالت المعتزلة: خرج بهذا عن الإيمان، ولم يدخل في الكفر بل اسمه فاسق منزلته بين
المنزلتين، وهو مخلد في النار.
وقالت الإباضية ومن وافقها هو منافق كافر كفر نعمة لا كفر شرك، وهو
النار. والاحتجاج في هذا يطول تركته طلباً للاختصار (4).
مخلد
في
فإن قيل: فما حجة المرجئة والمعتزلة؟ قيل: إنهم احتجوا بعمومات القرآن. أما المرجئة فقالوا: لا يدخل النار، وإن أتى بكل المعاصي لقوله تعالى: {فَمَنْ يُؤْمِن
برَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً) (5) ..
(1) سورة آل عمران الآية: 19.
(2) سورة آل عمران الآية: 85.
(3) راجع إحياء علوم الدين (116/ 1، 117) باختصار.
(4) نحوه في المصدر السابق.
(5) سورة الجن الآية: 13. (1/280)
صفحة 281
[1/ 287]
قنطرة الإيمان والتوحيد
ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْلَئِكَ هُمْ الصَّدِيقُونَ) (1) الآية. وبقوله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيْهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا) إلى قوله: (فَكَذَّبْنَا) (2) الآية. وقوله: كُلَّمَا أُلْقِي) (3) عام، قالوا: فينبغي أن يكون المعنى: كلما ألقي فيها مكذب. وبقوله: لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى * الذي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (4).
265
فهاهنا حصر أن إثبات ونفي، ولقوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّنْ فَزَع يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (5). والإيمان رأس الحسنات في أمثال هذه العمومات ولا حجة في هذا لهم، فإنه تعالى
حيث ذكر الإيمان في هذه الآية أراد به الإيمان مع العمل على ما قدمنا قبل هذا. ودليل هذا التأويل آيات كثيرة وردت في عقوبة العاصيين كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيْهَا أَبَدا (6).
وتخصيصه بالشرك تحكم بغير دليل، وقوله: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ). وقوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالْسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) (8). فهذه العمومات في معارضة
عموماتهم، ولا بد من تسليط التخصيص والتأويل على الجانبين تركته مخافة التطويل. وأما المعتزلة فاحتجوا بأن صاحب الكبيرة فاسق عدواً الله، وأنه ليس بكافر، ولا مؤمن. فأظنهم قالوا: لأن المؤمن اسم مدح قال الله سبحانه: {بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضلا كبيرا (9)
وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (10).
(1) سورة الحديد الآية: 19. (2) سورة الملك الآيتان: 8، 9.
(3)
سورة الملك الآيتان: 8، 9.
(4) سورة الليل الآيتان: 15، 16.
(0) سورة النمل الآية: 89.
(6) سورة الجن الآية: 23. (7) سورة الشورى الآية: 45.
(8) سورة النمل الآية: 90. (9) سورة الأحزاب الآية: 47. (10) سورة السجدة: الآية: 18. (1/281)
صفحة 282
[288/ب]
266
وقال تعالى: {وَكَرَّةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانِ) (1) الآية.
قنطرة الإيمان والتوحيد
(2)
في أمثالها والحجة عليهم قول الله تعالى: (إنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) (2).
وقوله: (وَقَوْمُ نَوْحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً / فَاسِقِينَ) (3).
(4)
وقوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (1).
ولا يسوغ لأحد أن يجعل قوم نوح وإبليس فساقاً ليسوا بكفار. وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (5)
وقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوا لِلَّهِ إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (6)
فلما كان صاحب الكبيرة عدواً الله علمنا أنه كافر.
والاحتجاج في مثل هذا يطول، وليس هذا الكتاب موضوعاً لذلك، وبالله التوفيق. وأما الحكم الدنيوي فهو أن يشهد بشهادة الحق بلسانه ولكنه لم يصدق بقلبه فلا شك في هذا أنه في الآخرة من المشركين مخلد في النار.
وأنه في حكم الدنيا موحد بظاهر حاله لأن قلبه لا يطلع عليه، وعلينا أن نظن به أنه ما قاله إلا بلسانه ألا. وهو مصدق به في قلبه.
وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك بأن يموت له في هذا الحال قريب مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه، ثم يستفتي فيقول: إني كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت، والميراث الآن في يدي فهل يحل لي فيما بيني وبين الله، أو نكح مسلمة ثم صدق هل يلزمه إعادة النكاح هذا في محل النظر، فيحتمل أن يقال: أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهراً وباطناً، ويحتمل أن يقال: تناط بالظاهر في حق غيره؛ لأن باطنه غير ظاهر لغيره، وهو ظاهر له في نفسه بينه وبين ا الله.
(1) سورة الحجرات الآية: 7. (2) سورة التوبة الآية: 67. (3) سورة الذاريات الآية: 46. (4) سورة الكهف الآية: 50. (5) سورة آل عمران الآية: 131. (6) سورة البقرة الآية: 98. (1/282)
صفحة 283
قنطرة الإيمان والتوحيد
267
والأظهر والعلم عند الله تعالى أن يقال: أنه لا يحل له الميراث ويلزمه إعادة النكاح، ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه لا يحضر / جنازة من يموت من المنافقين وعمر رضي الله [1/ 289] عنه فيما بلغنا كان يراعي ذلك فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة.
جملة ما
والصلاة فعل ظاهر في الدنيا، وإن كانت من العبادات، والتوقي عن الحرام أيضاً في الله يجب تعالى كالصلاة، وليس هذا مناقضاً لقولنا: إن الإرث حكم الإسلام، وهو الاستسلام بل الاستسلام التام ما يشمل الظاهر والباطن فهذا مبحث فقهي، ومبني على ظاهر اللفظ والعموم، فلا ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث ورد في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع فما أفلح من نظر إلى ظاهر العلوم، وبالله التوفيق). فصل في معنى الكفر والنفاق والشرك
أما الكفر فهو في أصل اللغة الستر والتغطية، قال لبيد:
يعلو طريقة متنها متواتراً في ليلة كفر النجوم غمامها وأصل الكفر في مفهوم كلام العرب جحود المنعم نعمته، والكفر إذاً على وجهين: أوله كفر المنعم، والثاني كفر النعمة.
فأما كفران المنعم: فالذي جهل ربه أو تجاهل أو استجهل، أما من جهل ربه فالذي لا يعرفه ولا يثبته كالدهرية، والثنوية وجميع الملل غير ملة الإسلام. دليله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ .... ) (2) الآية.
فأما المتجاهل فالذي قصر عن بعض ما لا تصح المعرفة إلا به إثباتاً أو نفياً، كمن لا يعرف ما لا يسعه جهله من ذلك دليله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ (3) الآية. وأما المستجهل: فالمتعرض لأوصاف بارئه تعالى بما لا يليق به دليله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْره) (1) الآية.
(4)
/ والثاني: كفران النعمة بالفعل والمقال فهذا الكفر كفر من جهة اللغة ومن جهة [1/ 290]
الشريعة.
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (117/ 1، 118).
(2) سورة الفرقان الآية: 60.
(3) سورة النمل الآية: 14. (4) سورة الزمر الآية: 67. (1/283)
صفحة 284
268
قنطرة الإيمان والتوحيد
وقد اجتمعت الأمة على الكافر الأصلي وهو المشرك، واختلفوا في كفر النعمة فنفاه قوم وهم القدرية، والمرجئة وسائر الأشعرية وأثبته سائر الأمة من الإباضية والصفرية والشيعة. والكفر المعهود عند العرب كفران النعمة وورد في الشرع مصداقه قال الله تعالى حكاية
عن سليمان عليه السلام قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (1). وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: {وَمَنْ كَفَرَ (2). أي ترك الحج، وقوله عليه السلام حين سئل عن الحج أواجب في كل عام؟ فغضب فقال: «والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا إذاً لكفرتم».
وقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (3).
وقال عليه السلام: سباب المؤمن فسق وقتله كفر. وقال عليه السلام: «إن انتفى
الرجل من أبيه كفر، ومن ترك الصلاة كفر».
في أمثالها من الأحاديث فمن صادم هذه الآثار، فليحاسب نفسه وليراقب ربه. وأما النفاق فأصله في لغة العرب مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو أحد أبواب جحره يستعمله مستخفياً يخرج. منه عند الضرورة إذا خاف فأخفاه عن العيون وهو اسم شرعي فسّره
أهل العلم. فقالوا: إنه اختلاف في السريرة والعلانية واختلاف القول والعمل والمدخل والمخرج. وهذه المقالة تروى عن الحسن البصري ومعناها عن حذيفة بن اليماني رضي الله عنه وهو قول [291/ب] جل الصحابة رضي الله عنهم وقد / ذكر الله عز وجل المنافقين في آي كثيرة من كتابه فاختلف
الناس فيهم.
قولهم.
فقال قوم هم مشركون خالف قولهم اعتقادهم، وقال آخرون: بل خالف فعلهم
(4)
والأصل في هذا قول الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ (4) الآية. وذلك أن
(1) سورة النمل الآية: 40. (2) سورة آل عمران الآية: 97.
(3) سورة إبراهيم الآية: 7.
(4)
سورة النساء الآية: 88 (1/284)
صفحة 285
[1/ 292]
قنطرة الإيمان والتوحيد
269
أصحاب رسول الله عليه السلام اختلفوا فيمن خُلّفوا بمكة ممن آمن وصدق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: القوم على حقيقة ما أنتم عليه وهم إخواننا وإنما ثقل عليهم أمر الهجرة، والخروج من الوطن فهم مسلمون مؤمنون.
وقال آخرون: بل هم مشركون لتخلفهم عن الهجرة ولقعودهم بين ظهراني قوم مشركين فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية معاتبة للمؤمنين في اختلافهم ورداً على الفريقين فسماهم بخلاف ما سموهم به إذ سماهم البعض مؤمنين، والبعض مشركين، وقال تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا (1).
فأخبر أنهم ليسوا بمشركين ولا بمؤمنين لكنهم، منافقون، وأخبر أنه أركسهم بما كسبوا رداً على من سماهم مؤمنين وسماهم تعالى منافقين رداً على من سماهم مشركين، ثم قال عتاباً للمؤمنين: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) (2) الآية.
فوقع العتاب هاهنا على من سماهم مؤمنين ثم قال: {وَدَوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ) (3). فإن مودتهم أن يترك المؤمنون الهجرة كما تركوها هم، فيكفرون كما كفروا ثم قال: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (4) فقد انقطعت الولاية بين المؤمنين والكفار حتى يهاجروا في سبيل الله ثم قال: {فَإِنْ تَوَلَّوا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (5) / الآية.
فصح أنهم قبل التولي لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين إلا ترك الهجرة فإن وقع التولي وهو الارتداد كان لهم حكم آخر وهو القتل، فمن أثبت النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال فهو أقرب إلى الحجة والمحجة إن شاء الله؛ لأنهم استدلوا بظاهر هذه الآية، وقضوا
بأن النفاق في الأفعال.
واستدل من شركهم بقول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ إلى قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ
نفاقا (6) الآية.
(1) سورة النساء الآيتان: 88، 89
(2)
سورة النساء الآيتان: 88، 89
(3) سورة النساء الآيتان: 88، 89
(4) سورة النساء الآية: 89.
(5) سورة النساء الآية: 89 سورة التوبة الآيتان: 75 77
(1) (1/285)
صفحة 286
2/ب]
270
قد
قنطرة الإيمان والتوحيد
قالوا: فلما أخبر عن الوعد باللسان وعقب النفاق في القلب، علمنا إنما سلبهم الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة لهم، ولن يستقيم الإيمان والنفاق في قلب واحد. وقال آخرون: يصح ذلك، ويقاوم إيمان القلب، فإن هذا النفاق دغل وغش في قلوبهم إلى المؤمنين. والذين قضوا بأن النفاق في الضمير تعسفوا لأنهم لا يصلون إلى الاعتقادات إلا بنصوص الشارع، والذين قضوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشره؛ لأنهم هونوا قاعدة الخوف وسهلوا الطريق إلى الجنة.
والذين قالوا أنه في الأفعال: عظموا أسباب المخاوف فهم أحزم وهو الصحيح إن شاء الله، ولا يستحيل تصرفه في الوجهين جميعاً والاحتجاج في هذا يطول ـ تركته طلباً
للاختصار ..
وقد استفاض الحديث بذكر النفاق في الأقوال والأفعال كقوله عليه السلام: «أربع من كن فيه فهو منافق حقاً، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر
(1)
وهو حديث صحيح عند الفريقين، وقال عليه السلام: «أكثر منافقي هذه الأمة
قراؤها (2).
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله يصير بها منافقاً، وإني من أحدكم في اليوم عشر مرات. وقيل له: المنافقون اليوم أكثر إذ كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لأنهم كانوا يخفونه واليوم
يظهرونه (3).
لأسمعها
وقال أيضاً: إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما اليوم فقد كفروا كفراً مبيناً. وقيل للحسن: يقولون لا نفاق اليوم فقال: يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق، وقال هو أو غيره فيما بلغنا لو نبت للمنافقبين أذناباً ما قدرنا أن نطأ الأرض. قال:
(1) بنحوه ذكره العراقي في المغني عن حمل الأسفار (122/ 1) وقال: متفق عليه من حديث عبد الله بن
عمرو.
(2) وفي المصدر السابق أيضاً: رواه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر. (3) وفي المرجع السابق أيضاً قال العراقي: رواه أحمد بإسناد فيه جهالة وحديث حذيفة: المنافقيون اليوم أكثر على عهد. الحديث في البخاري إلا أنه قال: «شر» بدل: «أكثر». (1/286)
صفحة 287
قنطرة الإيمان والتوحيد
271
وسمع ابن عمر رجلاً يتعرض للحجاج فقال: أرأيت لو كان حاضراً كنت تتكلم به؟ قال: لا. قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله (1).
وعن رسول الله أنه قال: من كان ذا لسانين ووجهين في الدنيا، جعل الله له لسانين ووجهين في النار. وقال: شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه». وحكى الغزالي في كتابه (3) أن ابن مليكة قال: أدركت ثلاثين ومائة من أصحاب النبي عليه السلام كلهم يخافون النفاق.
(3)
وفي كتابه قال: قال رسول الله عليه السلام في دعائه: اللهم إني استغفرك لما علمت وما لم أعلم». فقيل له: أتخاف يا رسول الله فقال: وما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء (4).
وأراد بالأصابع القدرة، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: القلوب أربعة: / قلب [1/ 294] أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه - كالبقلة يمدها الماء العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي المدتين غلب حكم له بها). قال الغزالي: وفي لفظ آخر: «ذهب به».
ولما روى الغزالي في كتابه هذه الأحاديث في النفاق ولم يمكنه ردها اضطر فقال: النفاق نفاقان: أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين، ويسلك في زمرة المخلدين. قال: والثاني يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين (6). قال: وأصل هذا النفاق تفاوت السر والعلانية والأمن من مكر الله، والعُجب وأمور أخرى لا يخلو عنها إلا الصديقون (7).
(1) وقال في المصدر السابق أيضاً (123/ 1) رواه أحمد والطبراني بنحوه وليس فيه ذكر الحجاج.
(2) إحياء علوم الدين (123/ 1).
(3) إحياء علوم الدين (123/ 1).
(4) قال العراقي في المغني (123/ 1) رواه مسلم من حديث عائشة: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل، ولأبي بكر بن الضحاك في الشمائل في حديث مرسل وشر ما أعلم وشر ما لا
أعلم.
(0)
في
(1)
المصدر السابق (122/ 1) رواه أحمد من حديث أبي سعيد وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه. ما قاله الغزالي هو ما عليه أهل هذا الدين والعلماء المخلصين المتقنين وما خاله إلا خاطيء جانبه
الصواب وخانه التأويل أو فاته الدليل.
(7) راجع إحياء علوم الدين (123/ 1). (1/287)
صفحة 288
[295/ب]
272
قنطرة الإيمان والتوحيد
وقد روي عن جابر بن زيد وغيره في النفاق وكفر النعمة أحاديث وآثار كثيرة تركت
ذكرها إذ لا يمكن الاستدلال على الخصم إلا بما يقربه وبالله التوفيق.
وإنما هربوا من أن يجعلوا في الكبيرة كفر (1) ونفاقاً جنوحاً إلى الراحة، ومن قضى في
ذلك بالوعيد أذهب الطمع في البيد. والله أعلم.
وأما الشرك: فمعناه في اللغة التساوي كما قدمنا قال الله تعالى: {إِذْ نُسَوِيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (2). . وهو يتصرف على وجوه كثيرة منها: أن يقيم غير الباراء سبحانه في مقام البارى تعالى في العبادات والتسمية بالألوهية: كأهل الأوثان.
يتوهم / للغير
ومنها أن ينكر وجود ا الله تعالى، ومنها أن يجعل له شريكاً في خلقه مما لا تافي فيه شركة ولا صنع: كمن نسب جسماً من الأجسام إلى غير الله تعالى خلقاً. ومنها أن يصفه بما يخرجه من معنى الألوهية، وتكذيبه في كلامه، وتكذيب رسله
وجهله البعث والمعاد وغير ذلك مما لا. جهله. يسع
ومنها الشركة في الأفعال وذلك بأن يتقرب العبد إلى غير الله عز وجل رياء وسمعة كما
قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه (3) الآية.
ومنها شرك الإكراه ولكن لا يعاقب العبد عليه، لأنه قد أبيح له النطق به في حالة الإكراه بشرط طمأنينة الإيمان في القلب.
ومنها الشرك المركب في قلوب العباد من الجزع والهلع وقلة الثقة بموعود الله عز وجل
وثقتهم بأنفسهم وقواهم وحيلهم حتى أنهم ليثقون بكلابهم. ولذلك قال ابن عباس: لا تزالون تشركون تقولون لولا كلابنا لسرقنا ومن. هذا المعنى أخبر الله تعالى عنهم فقال: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (4)
قيل: كانوا يقولون: لولا استواء الريح لهلكنا وبالجملة إن الشرك يلحق العبد في أقل
(1) قلت: ليس كل كبيرة كفراً إلا أن تكون مخلة بكلمة الإخلاص) لا إله إلا أ) أو نفي النبوة أو انتقاصها
(محمد رسول الله) أو طعن في نبي ... الخ.
(2) سورة الشعراء الآية: 98. (3) سورة الكهف الآية: 110. (4) سورة العنكبوت الآية: 65. (1/288)
صفحة 289
قنطرة الإيمان والتوحيد
273
الخطرات كما قال عليه السلام: الشرك أخفى في أمتي من دبيب ذرة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء (1).
فإذا كان الشرك أخفى من دبيب الذرة فكيف السبيل منه إلا بعصمة الله تعالى.
وقد روي عن النبي الا الله وأنه قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «ألا أدلك على كلمات
،
إذا قلتها برئت من الشرك؟ قال: بلى يا رسول الله قال عليه السلام: «قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم. والله تعالى / نسأله التوفيق في القول والعمل [1/ 296] والعصمة من الخطأ والزلل فهو حسبنا ونعم الوكيل وقد رأيت أن أثبت هاهنا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته إلى كافة الخلق وأختم بها قنطرة التوحيد، إذ كانت من جنسها وموضعها هو الأليق بها وبالله تعالى العون والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليماً.
بن
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كتبها للعلاء بن الحضرمي هذا كتاب من محمد بن عبد الله عبد المطلب الهاشمي القرشي نبي الله ورسوله إلى خلقه كافة سيرة للعلاء بن الحضرمي، ومن من المسلمين، عهداً عهده نبي الله إليهم:
معه
أيها المسلمون أتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا للعلاء بن الحضرمي، فإني استعملته عليكم وأمرته بتقوى الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن يلين لكم الجناح، وأن يحسن فيكم السيرة بالحق، وأن يحسن ولايتكم ويشاروكم في الأمور كلها، وأن يحكم بينكم وبين من لقي من الناس بما أنزل الله في كتابه من العدل، فإذا حكم وعدل وأقسط، واسترحم فرحم فاسعموا له وأطيعوا وأحسنوا مؤازرته ومعونته.
فإن لي عليكم من الله حقاً عظيماً، وطاعة لا تقدرون على قدر ما يجب لي عليكم، ولا تبلغ العقول كنه عظمة حق الله وحق رسوله وكما أن الله ورسوله على الناس عامة وعليكم خاصة حقاً واجباً وطاعة ورضى ووقار. فمن / أعتصم بالطاعة وعظم حق أهلها، ولزم أمر الله [1/ 297] تعالى وما أمرناه به من ولاية المسلمين فإن له على المسلمين حقاً واجباً وطاعة.
(1)
قال العراقي في المغني (122/ 1) عن نحوه رواه أبو يعلى وابن عدي وابن حبان في الضعفاء حديث أبي بكر، ولأحمد، والطبراني نحوه من حديث أبي موسى.
من (1/289)
صفحة 290
[298/ب]
274
قنطرة الإيمان والتوحيد
واعلموا عباد الله أن في الطاعة دركاً لكل خير يبتغى ونجاة من كل شر يتقى، وإنا نشهد الله على من وليناه شيئاً من أمر المسلمين قل أو كثر ولم يعدل فلا طاعة له وهو خليع مما وليناه، وقد برئت للذين معه أيمانهم وعهودهم وذمتهم فليستخيروا والله عند ذلك، وليستعملوا عليهم من أفضل أفاضلهم سيروا على بركة الله وعونه وتوفيقه ونصره وعافيته ورشده، فمن لقيتموه فادعوه إلى كتاب الله المنزل وستته وسنة نبيه على أن يحلوا حلال ما أحل الله لهم في كتابه ويحرموا حرام ما حرم الله عليهم في كتابه، وأن يخلعوا الأنداد، وأن يبرؤا من الشرك والكفر والنفاق، وأن يتركوا عبادة الطواغيت واللات والعزى، وأن يتركوا عبادة اين وعزير ابن حروة، والملائكة والشمس والقمر والنيران، وكل شيء يتخذ، ويعبد من دون الله، وأن يتولوا الله ورسوله وأن يتبرؤا مما براء الله ورسوله منه، فإذا فعلوا ذلك وأقروا به فقد دخلوا في الولاية، فبينوا لهم بعد ذلك كتاب الله الذي تدعونهم إليه المنزل مع روح الله الأمين جبريل عليه السلام على صفيه من العالمين محمد بن عبد الله رسول الله ونبيه، أرسله رحمة للعالمين عامة: الأسود منهم والأبيض والجن والإنس، كتاب الله فيه بيان كل شيء كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم ليكون حاجزاً بين الناس يحجز به بعضكم عن بعض ويحرّم دماء بعضكم على بعض وأموال بعضكم على بعض.
عيسى
مريم
،
وهو كتاب الله مهيمناً على الكتاب ومصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل يخبركم
من
فيه بما كان قبلكم مما فاتكم دركه في آبائكم الأولين الذين أتتهم رسل الله وآياته كيف كان جوابهم وكيف تصديقهم بآيات الله يخبركم بشأنهم، وأعمالهم، وأعمال هلك منهم بعمله؛ لتجتنبوا أن تعملوا بمثله فيحق عليكم من عذاب الله وسخطه ونقمته مثل الذي حق عليهم عند ذلك من شر أعمالهم وتهاونهم بأمر الله، وأعمال من نجا منهم لتعملوا مثل أعمالهم رحمة منه لكم وشفقة من الله عليكم وهو هدى من الضلالة وبيان من العمى واستقالة من العثرة، ونجاة من الحيرة ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث وعصمة. من الهلكة، ورشد من الغواية وبيان من اليقين وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، فإذا عرضتم عليهم كتاب الله وأقروا لكم به فقد استكملوا الولاية فأعرضوا عليهم الإسلام والإسلام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وصيام شهر رمضان، والغسل من الجنابة والطهور عند الصلاة وبر الوالدين المسلمين وصلة الرحم المسلمين فإذا فعلوا ذلك فقد اسلموا، وأدعوهم إلى الإيمان وبينوا لهم، شرائعه ومعالم الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به حق وأن ما سواه (1/290)
صفحة 291
قنطرة الإيمان والتوحيد
275
باطل والإقرار بالملائكة والكتب والنبيين قبل محمد والرسل كلهم أجمعين، وأن الله بعثهم والإقرار بهذا الكتاب مصدقاً لما بين يديه / من الكتاب والإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار [1/ 299]
والموت والحياة فإذا فعلوا ذلك فهم مؤمنون ودلوهم على الإحسان أن يوفوا الله بالذي عهد إلى رسله وعهدت رسله به إلى خلقه وسلامة صدورهم من كل غائلة، وشتان للمسلمين والتصديق بموعد الرب والوداع من الدنيا في كل ساعة، والمحاسبة للنفس عند إستئناف كل يوم وليلة، والتعاهد لما فرض الله عليهم، وآداؤه في السر والعلانية فإذا فعلوا ذلك فهم محسنون. ثم بينوا لهم الكبائر، فإن الهلكة فيها وهي الشرك بالله والله لا يغفر أن يشرك به، والسحر والساحر ما له في الدنيا من خلاف، وقطيعة الرحم أولئك الذين لعنهم الله، والفرار من الزحف وباءوا بغضب من الله، والغلول: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (1) ثم لا يقبل منه. وقاتل النفس التي حرم الله جزاؤه جهنم والزاني يضاعف له العذاب، وقاذف المحصنة لعن في الدنيا والآخرة، وآكلة الربا فقد آذنهم الله ورسوله بحرب منه فإذا انتهوا عن الكبائر فقد
استكملوا التقوى.
فادعوهم إلى العبادة والعبادة الصيام والقيام، والخشوع، والركوع والسجود، واليقين والرجوع والإنابة والإخبارات والتحميد والتهليل والتسبيح، والتكبير، والصدقة بعد الزكاة، والتواضع والسكينة والشكر والمواسات والدعاء، والتضرع، والإقرار بالمملكة الله، والاستقلال لما عمل من عمل صالح، فإذا فعلوا ذلك فقد استكملوا العبادة. فأذنوهم عند ذلك بالجهاد، وبينوه لهم ورغبوهم فيما رغبهم الله فيه من فضل الجهاد، / وفضل [1/ 300]
ثوابه عند الله، فبايعوهم وادعوهم حين تبايعونهم إلى كتاب الله المنزل وسنة نبيه عليه السلام، عليكم عهد الله وذمته وميثاقه وسبع كفالات لا تنكثون أيديهم من بيعة ولا تنقضون أمر وال من ولاة المسلمين فإذا أقروا لكم بذلك. فإذا بايعوهم واستغفروا الله لهم، فإذا خرجوا يقاتلون في سبيل الله غضباً الله ونصراً لدينه فمن لقوا من الناس فليدعوه إلى مثل الذي يدعوا إليه من كتاب الله، واجابته، وبيانه، وإسلامه وإيمانه، وإحسانه وتقواه وعبادته، وهجرته فمن اتبعهم فهو المستجيب للمسلمين المؤمن المحسن المتقي العابد المهاجر له ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى هذا عليكم فقاتلوه حتى يفيء إلى أمر الله، والفيء إلى أمر الله إما أن يسلم وإما أن يعطي الجزية عن يد وهم صاغرون من الذين أوتوا الكتاب، وإن لم يفيء سفك دمه، وغنم ماله، وسبيت ذريته، ومن أقر لكم بالجزية وأعطيتموه الذمة فأوفوا له بها، ومن أسلم (1) سورة آل عمران الآية: 161.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 19 (1/291)
صفحة 292
[301/ب]
[302/ب]
276
قنطرة الإيمان والتوحيد
وأعطاكم الرضا فهو منكم ومن قاتلكم مجاهداً من بعد ما بينتم له فقاتلوه، وحاربكم فحاربوه، وكايدكم فكايدوه، وجمع لكم فاجمعوا له، وخادعكم فخادعوه من غير أن تعتدوا، واغتالكم فاغتالوه من غير أن تعتدوا وماكركم فماكروه من غير أن تعتدوا سراً وعلانية؛ فإنه من انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، واعملوا أن الله معكم يراكم ويرى أعمالكم، ويعلم ما تصنعون، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر.
وإنما هذه أمانة ائتمنني ربي
عليها أبلغها عباده عذراً منه / إليهم وحجة يحتج بها على خلقه فمن بلغه هذا الكتاب من الخلق أجمعين فعمل بما فيه نجا ومن اتبع ما فيه هدى، ومن خاصم بما فيه ظفر، ومن قال بما فيه نصر، ومن تركه ضلّ حتى يراجعه فيعمل بما فيه فاسمعوه آذانكم وأوعوه قلوبكم، فإنه نور الأبصار، وربيع الأفئدة، وشفاء لما في الصدور، و کفي به آمراً وزاجراً ومعتبراً وعظة وداعياً ومحتجاً وهو الخير من الله ورسوله الذي لا شر فيه.
كتاب من محمد بن عبد الله للعلاء الحضرمي حين بعثه إلى البحرين يدعو إلى الله ورسوله، ويدعو إلى ما فيه من حلال وينهى عن ما فيه من حرام، ويدل على ما فيه من رشد، وينهى عن ما فيه من غي.
كتاب ائتمن عليه نبي الله العلاء بن الحضرمي فإن أصابت العلاء بن الحضرمي مصيبة الموت فخالد بن الوليد سيف الله على المسلمين فليسمعوا له وليطيعوا ما عرفوا أنه على الحق حتى يخالف الحق إلى غيره، وخالد بن الوليد خليفة وقد أعذر إليهما في الوصية بما في هذا الكتاب إلى من معهما من المسلمين، ولم يجعل لأحد منهم عذراً في إضاعة شيء منه لا للوالي، ولا لجميع من صحبهما من المسلمين فمن بلغه هذا الكتاب فلا حجة له ولا عذر، ولا يعذر أحد بجهل شيء مما في هذا الكتاب ويسعهم جهل ما سواه. كتب هذا الكتاب لثلاث بقين من شهر ذي القعدة لأربع سنين مضين من ظهور نبي الله عليه السلام إلا شهرين. شهدا هذا الكتاب يوم كتب معاوية بن أبي سفيان وعثمان بن عفان يمليه عليه، ونبي الله عليه السلام جالس والنقباء رجل من قريش ورجل من بني سليم، ورجل من عفير، ورجلان من حمير ورجل من غسان ورجل من خزاعة ورجل من جهينة، وأربعة من الأنصار، والمختار بن قلس العدي، وأبو الدرداء السلمي، وحذيفة بن اليماني العبسي وقصي بن أبي عمرة الحميري والضحاك بن ربيعة الحميري وشبيب بن مرة الغساني، وميسر بن صعصعة الخزاعي وعواد بن جناح الجهني، وسعد بن معاذ الأنصاري، ونوفل بن طلحة الأنصاري وسعد بن عبادة الأنصاري، وزيد بن عمير الأنصاري، شهدوا هذا الكتاب (1/292)
صفحة 293
قنطرة الإيمان والتوحيد
دفعه حين
ما
277
نبي الله إلى العلاء بن الحضرمي وخالد بن الوليد وأنتمنهما عليه، وأوصاهما بما فيه، وختمه نبي الله بخاتمه، وجمعهما ومن أراد الخروج معهما، ثم أمر عثمان فقرأ عليه في هذا الكتاب بأعلى صوته، والله على كل شيء وكيل دعوة من نبيك ورسولك محمد يسألك أن تنصر من عمل بما في هذا الكتاب نصراً عزيزاً، وأعنه على ما استعانك عليه، وعافه ما أبقيته، واغفر له إذا توفيته، والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
جميع
بحمد
تمت قنطرة الإيمان والتوحيد بتمام سيرة الدعوة
الله وحسن عونه، والصلاة على محمد نبيه، تتلوها قنطرة الصلاة (1/293)
صفحة 294
القنطرة الثالثة
قنطرة الصلاة ووظائفها / من الطهارات
الحمد لله الذي غمد العباد بلطائفه وغمر قلوب أوليائه منهم بأنوار الدين ووظائفه، وكلف خلقه المفترضات وجعل من أفضلها الخمس الصلوات ورخص للعباد في مناجاته، ولم يقتصر على الرخصة في عباداته بل تلطف بالترغيب والدعوة، إهانة لضعفاء ملوك الخلق، الذين لا يسمحون بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة، سبحانه من ذي رحمة وإمتنان، وفضل وإحسان، والصلاة على نبيه صاحب بيعة الرضوان الذي أنزل عليه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أما
بعد فإن الله سبحانه فرض على المكلفين بعد معرفته وتصديق المرسلين عبادات الأبدان من الصلاة وصيام شهر رمضان، وقدمها على ما يتعلق من الحقوق في الأموال، لأن النفوس على الأموال أشح وبما يتعلق بالأبدان أسمح، فجعل الصلاة عصام معرفته، وعماد خدمته، وسيدة القربات وعزة الطاعات؛ لأنها تشمل على خضوع له، رهبة من سطوته، ومتضمنة على تضرع وابتهال إليه رغبة في فضل مثوبته، بعد أن شرع لها شروطاً لازمة من رفع الأحداث، وإزالة النجاسات ليستديم العبد النظافة للقاء ربه، والطهارة لأداء فرضه، فلما كانت الطهارة من شرائط الصلاة والنظافة من وظائفها الواجبات كان ينبغي لنا أن نقدم على الصلاة شرح الطهارات؛ إذ كانت مقدمة عليها في العبادات، وبالله التوفيق. مقدمة في أسرار الطهارة قال الله تعالى: {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِّرِينَ) (1).
وقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (2).
وروي عن البين عليه السلام أنه قال: الطهور شطر الإيمان (3).
(1) سورة التوبة الآية: 108.
(2) سورة البقرة الآية: 222.
(3) بنحوه ذكره العراقي في المغني (125/ 1) وقال رواه الترمذي من حديث رجل من بني سليم وقال.
[1/ 303]
[1/ 304] (1/294)
صفحة 295
قنطرة الصلاة
279
وقال عليه السلام: مفتاح الصلاة الطهور (1).
(2)
وقال تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (2). فليفطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر، إذ يبعد أن يكون المراد بقوله عليه السلام: الطهور شطر الإيمان.
عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء الطاهر، وتخريب الباطن بإبقائه مملوء بخبث
الأخلاق والضغائن. فهيهات هيهات (3)، ما أبعد هذا المراد في الدين الذي بني على الطهارة والنظافات وقد قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُظْهِرَ قُلُوبَهُمْ (4) الآية.
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (5). تنبيهاً على أن النجاسة ليست مقصودة على
الظواهر؛؛ لأنه قد يكون المشرك مغسول الثياب نظيف طاهر البدن.
وقال تعالى: وثِيَابَكَ فَطَهَّرْ (6). أي قلبك فنق في بعض الأقوال. وقال النبي عليه السلام فيما ورد عنه: بي الدين على النظافة). وهو لعمري كذلك
ظاهراً وباطناً فإذا الطهارة لها أربع مراتب:
الأولى: تطهير ظاهر البدن عن الأخباث والفضولات والأحداث.
والثانية: تطهير الجوارح من الجرائم والآثام.
والثالثة: تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة، والرذائل الممقوتة.
والرابعة: تطهير السر عما سوى الله عز وجل وهي طهارة الأنبياء والصديقين.
والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها؛ فإن الغاية القصوى من عمل / السر [305/ب]
ورواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري (وأشار إلى النص الذي هنا).
(1) وفي المصدر السابق قال رواه أبو داود والترمذي من حديث علي وقال الترمذي هذا أصح شيء في هذا
الباب وأحسن.
(2) سورة المائدة الآية: 6.
(3) راجع إحياء علوم الدين (124/ 1، 125).
(4) سورة المائدة الآية: 41.
(5) سورة التوبة الآية: 28.
(1)
سورة المدثر الآية: 4.
(7) قال العراقي في المغني (124/ 1): لم أجده هكذا وفي الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة: «تنظفوا فإن الإسلام نظيف والطبراني بسند ضعيف جداً من حديث ابن مسعود: النظافة تدعو إلى الإيمان». (1/295)
صفحة 296
280
قنطرة الصلاة
ينكشف للعبد جلال الله تعالى وعظمته ولا تعمر معرف رفة الله سبحانه بالحقيقة في سر الإنسان ما الله لم يرتحل منه ما سوى ا تعالى من العلائق والأشغال؛ ولذلك قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون) (1). لأنهما لا يجتمعان في قلب، ومَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبِيْنِ في جَوْنِهِ) (2)
وأما عمارة القلب فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة، والعقائد المشروعة، ولن يتصف بها ما لم يتنظف عن أضدادها من الرذائل المذمومة والعقائد الفاسدة فتطهيره أحد الشرطين: وهو الشرط الأول الذي هو شرط في الثاني، فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي المحرمة هو أحد الشرطين، وعمارتها بالطاعات
الشطر الثاني.
عن
ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا بعد أن يجاوز الطبقة السافلة، فلا يصل إلى طهارة السر الصفات المذمومة وعمارته بالأخلاق المحمودة من لم يتفرغ عن طهارة القلب من مذموم الأخلاق وعمارته بالمحمود منها ولن يصل إلى ذلك من لم يتفرغ من طهارة الجوارح من المناهي المحظورة وعمارتها بالطاعات المشروعة. فكلما عز المطلوب وشرف، صعب مسلكه، وطال طريقه، وكثرت، عقباته فلا نظنن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا، نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة، التي هي كالقشر الأخير بالإضافة إلى اللب المطلوب، فصار يستوعب أوقاته في الإستنجاء [1/ 306] / وغسل الثياب، وتنظيف ظاهر البدن، وطلب المياه الجارية الكثيرة ظناً منه بحكم الوسوسة أن الطهارة المطلوبة. هي. هذه فقط وجهلاً بسيرة الأولين، واستغراقهم جميع الهم في تطهير القلوب، وتساهلهم في الأمر الظاهر، حتى أنهم ما كانوا يغسلون أيديهم من الدسومات والأطعمة بل
كانوا يمسحون أيديهم وأصابعهم بأخمص أقدامهم، وعدّوا الأشنان من البدع المحدثة. ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد، ويمشون حفاة في الطرقات، وفي طين الشوارع، ويجلسون عليها، ويأكلون من دقيق البر والشعير وهو يداس بالدواب وتبول عليه، ولا يحترزون من عرق الإبل والخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات ولم ينقل قط عن واحد منهم سؤال في دقائق النجاسات فهكذا كان تساهلهم وبالله التوفيق (3).
(1) سورة الأنعام الآية: 91. (2) سورة الأحزاب الآية: 4.
(3) راجع إحياء علوم الدين (125/ 1). (1/296)
صفحة 297
قنطرة الصلاة
281
وإذا عرفت هذه المقدمة، واستبنت أن الطهارة لها أربع مراتب كما قدمنا فاعلم أنا لسنا نشرع في هذه القنطرة إلا في المرتبة الرابعة وهي نظافة الظاهر دون نظافة القلب والسرائر، فيتحصل منها ثلاثة أبواب:
الأول: في الطهارة عن الخبث والنجاسات.
والثاني: في الطهارة عن فضلات البدن، وهي التي تحصل بالتقليم، والاستحداد،
واستعمال النورة، والختان.
والثالث: الطهارة من الأحداث.
الباب الأول
في طهارة الأخبار ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: يتعلق بالمزال وهو النجاسات.
الثاني: يتعلق بالمزال به وهو الماء وسائر ذلك.
الثالث: بالإزالة وكيفيتها.
الفصل الأول
في المزال وهي النجاسات وأعيان النجاسة في الجملة ثلاث مائعات، وحيوانات،
وأجزاء حيوانات.
أما المائعات فظاهرة كلها إلا البول، والخمر وكل نبيذ مسكر، وكذلك القيء من الإنسان، والقلس، والمني، على اختلاف في أصله هل هو طاهر أو نجس، والمذي، والودي، والطهر من النساء.
وأما الحيوانات فكلها طاهرة إلا الكلب، والخنزير، والمشرك.
:
وقد اختلف فيهم أيضاً، وكذلك الهر، والفأر، وذو ناب من السباع، وذو مخلب من الطير، والكلب المعلم في هذا كله اختلاف وتفصيل تركته مخافة التطويل، وكذلك ما تولد من هذه الحيوانات من الرطوبات والمائعات مختلف فيه ما خلا البول والدم، وما خلا الخنزير فهو متفق على نجاسته فيما أعلم. (1/297)
صفحة 298
282
قنطرة الصلاة
والحيوانات كلها إذا ماتت فنجسة هي، وما ماتت فيه ما خلا الآدمي المتولي، والسمك والجراد، ودود الأطعمة، وما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء، والعنكبوت والنمل، وأشباه ذلك، ولا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه بخلاف الآدمي، إذا مات فيه. وأما أجزاء الحيوانات فقسمان:
أحدهما: ما يقطع من الحيوان فحكمه حكم الميت ما خلا الشعر والصوف والوبر.
واختلف في شعر الخنزير، وفي العظم، هل هما منجوسان أم لا؟
الثاني: الرطوبات الخارجة من باطن الحيوان فكل ما ليس يتغير، ولا له مقر في البدن فهو طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط والبلغم ونحوه، وما له مقر وهو يستحيل إلى غير أصله فهو نجس إلا ما كان غذاء الحيوان كاللبن؛ فإنه طاهر ما خلا لبن [1/ 308] الخنزير والمشركة / وما كان تابعاً للحمه في التحليل والتحريم فمختلف فيه كلحمه، وأما غير اللبن فهو نجس كالمني والمذي والودي، وبيض الدجاج، والقيح الذي غلب عليه الدم، وروث الإنسان، وما لا يأكل لحمه من ذي مخلب من الطير، وذي ناب من السباع، وروث الدجاج الأهلي والجلالة من البهائم وعرق السكران، والدم والبول من جميع الحيوانات فهذه كلها نجسة قليلها وكثيرها ولا يعفى عن شيء منها إلا عن خمسة: الأول: طين الشوارع وغبار الروث في الطرق؛ فإنه يعفى عنه مع تيقن النجاسة فيه، إذا
كان ذلك قليلاً لا يتلطخ بالإنسان؛ لأنه يتعذر عنه. الثاني: ما يلصق بأسفل الخف والنعل، وذيل المرأة من نجاسة لا تخلو الطرق عنها، فيعفى عنه بعد المشي والدلك للخف، والنعل، وكذلك ذيل المرأة يطهره ما بعده إذا كانت النجاسة يابسة فتعلقت به فسقطت عنه.
الثالث: دم البراغيث ما قل منه أو كثر فيعفى عنه إلا إذا جاوز حد العادة فينبغي أن يغسل إذا تفاحش في الثوب، وكذلك دم اللحم إذا غسل المذبح، ودم السمك لا بأس به.
واختلف في دم البعوض والبق والقمل فبعض شدد، وبعض رخص. الرابع: القيح الذي غلب على الدم أعني، الصديد وكذلك البزاق الذي غلب على الدم، وأشباه ذلك. مرخص فيه.
الخامس: حزق الفأر مرخص فيه إذا لم يغلب على الطعام الذي خالطه، ومسامحة (1/298)
صفحة 299
قنطرة الصلاة
283
الشرع في هذه النجاسات / الخمسة يعرفك أن أمر الطهارة على التساهل في هذه الأشياء وغيرها [309/ب]
والله أعلم
(1)
الفصل الثاني: في المزال به النجاسة
وذلك بالجملة عشرة أشياء:
أحدها بالماء الطاهر كغسل الثياب، وغيرها من جميع ما يمكن فيه الغسل.
الثاني بالمسح كالبدن الأملس، والحديد، وما شاكلهما. الثالث: بالنضح كالحصير المشكوك في طهارته، والتليس المملؤ طعاماً، إذا بال عليه التيس ونحوه.
الرابع: بالرشح، كالقلل المنجوسة من خارج، والزقاق وأشباه ذلك.
الخامس: بالنار كالأرض والحديد، والقلال المحمية بها.
السادس بالزمان كمعطن الإبل والمجزرة، والمزبلة إذا أزيل ذلك منها فمكث زماناً
سنة أو نحوها فإنه يصلى فيها.
ذلك.
السابع: الدباغ كجلد الميتة ونحوها.
الثامن: الترب بالتراب الأبيض كصوف الميتة، وأشباهها من الوبر والريش والشعر ونحو
التاسع: بالوطأ، كالنعل، والخف وأشباههما.
العاشر: بالريح والمطر والشمس كالموضع المنجوس خارجاً من البيت، إذا مكث أياماً على الاختلاف الواقع فيه. وهذه الأشياء قد أشرنا إلى شرحها في كتابنا المسمى بقواعد الإسلام، ولذلك اقتصرنا هاهنا على الإشارة والإجمال، دون الشرح والتفصيل، وكذلك ما سيأتي إن شاء الله إنما نشير إلى ما لا بد منه إشارة دون تفصيل وبالله التوفيق.
الفصل الثالث
في كيفية الإزالة نشير إلى جملتها إشارة لأنا شرحناها في غير هذا الكتاب.
(1) راجع إحياء علوم الدين (127/ 1، 128) بنحو ما هنا. (1/299)
صفحة 300
[1/ 310]
284
جسم
قنطرة الصلاة
اعلم أن النجاسة لا تخلو من أن تكون حكمية أو عينية، فالحكمية هي التي / ليس لها ظاهر محسوس كالبول اليابس في الثوب والماء المنجوس وأشباه ذلك مما لا ترى له
عين قائمة.
فهذه النجاسات يكفي في إزالتها إجراء الماء على مواردها ثلاث مرات. وأما النجاسة العينية فلا بد من إزالة عينها، وبقاء الطعم يدل على بقاء العين، وكذلك بقاء اللون يدل عليها إلا فيما يتعذر إزالته من الثوب إذا صار كالصبغ فيه فهو معفو عنه بعد العرك والذلك والقرض ونحوه لأنه لا يحل قطع الثوب من أجل نجاسته، كما لا يحل قطع الحناء المنجوس الذي طبع فيه، وكذلك الرائحة بقاءها يدل على بقاء النجاسة، ولا يعفى عنها إلا إذا كان الشيء له رائحة فائحة يعسر إزالتها، فالدلك والعصر مرات متواليات يقوم مقام الحك، والقرض كما قدمنا في اللون.
البدن من
والذي يزيل الوسواس أن تعلم أن الأشياء خلقت طاهرة بيقين، فما لم يشاهد عليها
نجاسة ولا قامت الحجة بها فحكمها الطهارة على الأصل الأول (1).
ولذلك قالت الأشياخ رحمهم الله: لولا ثلاث جعلوها للنجس لصب عليهم من السماء
كالمطر، ومن الأرض كالنبات:
أحدها: جعلوا النجس هو القاعدة في موضعه الذي فيه.
والثاني: جعلوا الطهارة هي القاعدة في الأشياء ما لم تر عليها نجاسة.
والثالث: جعلوا للنجس الحملان في المواضع المشكوك في حلول النجس فيها، ما لم يتيقن به والله أعلم.
ويدل على هذا ترخيص المشايخ أبان بن وسيم وغيره رحمهم الله في مسائل كثيرة يطول
[1/ 311] الكتاب بذكرها / وليس هذا الكتاب موضعاً لذلك، وبالله التوفيق.
الباب الثاني من الطهارة
التنظيف عن. الفضلات الطاهرة، وهي نوعان: أوساخ وأجزاء.
النوع الأول: الأوساخ والرطوبات المرشحة وهي ثمانية:
(1) راجع إحياء علوم الدين (129/ 1، 130). (1/300)
صفحة 301
285
قنطرة الصلاة الأول: ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل والتنظيف عنه مستحب بالغسل،
وبالترجيل، والتدهين إزالة للشعث، وكان رسول الله يدهن الشعر ويرجله غبا (1). وقالت عائشة: كان النبي يدني إلى رأسه فأرجله وهو معتكف. وكان عليه السلام يأمر بذلك ويقول: ادهنوا غباً (2).
ويروى عنه أنه قال: «من كانت له شعرة فليكرمها (3). أي ليصنها عن الأوساخ، ويروى أنه دخل عليه رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال عليه السلام: «أما كان لهذا دهن يسکن به شعره (1)
وأصحابنا لا يستعملون ذلك على رؤوسهم حتى يحتاج إلى الترجيل والتدهين، وإنما ذلك على النساء فحق عليهن إكرام شعر رؤوسهن بالترجيل والتدهين وفرقه عند الامتشاط؛ لأن ذلك من سنن إبراهيم عليه السلام.
الثاني: ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذان والمسح يزيل ما ظهر منه، وأما ما يجتمع في قعر الصماخ وهي ثقبة الأذن فينبغي أن ينظف برفق عند الغسل؛ فإن كثرة ذلك ربما
يضر بالسمع
(0)
•
الثالث: ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات المنعقدة الملتصقة بجوانبه ويزيل ذلك
(1)
بالاستنشاق والاستنثار) على ما سيأتي إن شاء الله.
الرابع: ما
(V)-
يجتمع على الأسنان وأطراف اللثات من الصفرة التي تعلوها فيزال بالسواك
والمضمضة (7) على ما يذكر إن شاء الله.
(1) قال العراقي في المغني (136/ 1) رواه الترمذي في الشمائل بإسناد ضعيف من حديث أنس: كان يكثر لحيته. وفي الشمائل أيضاً بإسناد حسن من حديث صحابي لم يسم: أنه عليه الصلاة
(2)
دهن
رأسه وتسريح والسلام كان يترجل غباً.
وقال أيضاً في المصدر السابق عن هذا الحديث: قال ابن الصلاح لم أجد له أصلاً، وقال النووي غير معروف، وعند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل النهي عن الترجل إلا غباً
بإسناد صحيح.
(3) وقال العراقي أيضاً في المصدر السابق من حديث أبي هريرة وقال به شعر فليكرمه، وليس إسناده
بالقوي.
(4) وقال في المصدر السابق أيضاً: رواه أبو داود والترمذي وابن حبان من حديث جابر بإسناد جيد. (5) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (136/ 1).
(1) راجع المصدر السابق. (7) راجع المصدر السابق. (1/301)
صفحة 302
286
قنطرة الصلاة
الخامس: ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد ذلك صاحبها، ويستحب إزالة ذلك بالغسل والتسريح بالمشط، وفي الخبر أن النبي عليه السلام كان لا يفارقه المشط والمدري [والمرآة] (1) في سفر ولا حضر.
وهي
سنة العرب. هكذا ذكر الغزالي في كتابه وزعم أنه عليه السلام كث اللحية قد ملات ما بين منكبيه وأنه يسرحها في اليوم مرتين والله أعلم بهذا.
السادس وسخ البراجم: وهي معاطف ظهور الأنامل كانت العرب لا تكثر غسل ذلك
لتركها غسل اليد عقيب الطعام.
،
وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه، فيجتمع لذلك في تلك الغضون وسخ، فأمرهم
(2)
عليه السلام بغسل ذلك (2
السابع: تنظيف الرواجب (3): وهي رؤوس الأنامل وما تحت الأظفار من الوسخ، كانت العرب لا يحضرها المقراض في كل وقت فيجتمع فيها أوساخ فأمرهم النبي عليه السلام بتنظيف ما تحت الأظفار، ووقت لهم في قلم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أربعين يوماً.
وجاء في الأثر: أن النبي عليه السلام استبطأ الوحي فلما هبط عليه جبريل عليه السلام فقال له: كيف ننزل عليكم وأنتم لا تغسلون براجمكم ولا تنظفون رواجبكم، و [قلحا] (4) لا
تستاكون مر أمتك بذلك.
ويقال لوسخ الظفر: الأف، ولوسخ الأذن التف، وقيل في قوله عز وجل: {وَلَا تَقُلْ
(6)
لَهُمَا أُفٍّ) (5). أي لا تعبهما بما تحت الظفر من الوسخ. قيل: لا تتأذى بما تحت الظفر (1
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (136/ 1) وقال العراقي في الموضع السابق تعليقاً على الخبر: أخرجه ابن طاهر في كتاب صفة التصوف من حديث أبي سعيد كان لا يفارق مصلاه سواكه ومشطه. رواه الطبراني الأوسط من حديث عائشة وإسنادهما ضعيف.
في (2) راجع الإحياء (137/ 1).
(3) قال العراقي في المغني (137/ 1) تعليقاً على الإحياء حديث الأمر بتنظيف الرواجب ـ رواه ـ أحمد من حديث ابن عباس: أنه قيل له: يا رسول الله، لقد أبطأ عنك جبريل، فقال: «ولم لا يبطاء وأنتم لا
تستنون ولا تعلمون أظفاركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجيكم». وفيه إسماعيل بن عياش.
(4) ما بين المعقوفين من الإحياء (137/ 1). (5) سورة الإسراء الآية: 23.
(6) راجع إحياء علوم الدين (137/ 1، 138). (1/302)
صفحة 303
قنطرة الصلاة
الحمام.
287
الثامن: الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار / الطريق وذلك يزيلها [1/ 313]
وقد روي
أن أصحاب رسول الله لو دخلوا حمامات الشام وقال بعضهم: نعم البيت بيت الحمام؛ يطهر البدن ويذكر النار، روي ذلك عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري فهذا
تعرض لفائدته.
وقال آخرون: بئس البيت بيت الحمام؛ يبدي العورة ويذهب الحياء فهذا تعرض لآفاته. ولكن لا بأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفاته بشرط أن يراعي داخل الحمام وظائف من
السنن والواجبات.
أما الواجبات: فصون عورته عن نظر الغير ومسه فلا يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، وأن لا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر، وفي إباحة مس ما ليس بعورة لإزالة الوسخ احتمال، ولكن الأقيس التحريم، وكذلك الواجب عليه في عورة الغير أن يغض بصره عنها، وأن ينهي عن كشفها؛ لأن النهي عن المنكر واجب على قدر الطاقة، ولمثل هذا صار الحزم
ترك دخول الحمام.
وقال بعضهم: لا بأس بدخول الحمام ولكن بإزارين إزار للعورة، وإزار للرأس يتقنع به
ويحفظ عينيه.
وأما السنن فعشر وهي: النية يقصد بدخول الحمام التنظيف المحبوب تزيناً للصلاة، ولا يدخله لعاجل دنيا، ولا عابثاً لأجل هوى.
ثم [ل] يعطى لصاحب الحمام الأجرة قبل الدخول؛ فإن ما يستو فيه مجهول، وما ينتظره الحمامي مجهول أيضاً، فتسليم الأجرة دفع للجهالة وتطييب لنفسه، ثم يرفع رجله اليسرى عند الدخول، ويقول: / بسم الله الرّحمن الرّحيم أعوذ بالله من الرجس النجس، [1/ 314] الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
ثم يدخل وقت الخلوة، أو يتكلف تخلية الحمام احترازاً عن النظر إلى عورات الناس، وتحفظاً من قلة الحياء بالنظر إلى أبدانهم مكشوفة.
ثم لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر صب الماء بل
(1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق. (1/303)
صفحة 304
288
قنطرة الصلاة
يقتصر على قدر الحاجة، فإنه المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمها الحمامي لكرهها، ولا سيما الماء الحار، وله مؤنة وفيه تعب.
وأن يتذكر. النار بحرارة الحمام ويقدر نفسه محبوساً في البيت الحار ساعة، ويقيسه إلى جهنم، فإنه أشبه بيت بجهنم النار من تحت والظلام من فوق ونعوذ بالله منها، بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة؛ فإنها مصيره ومستقره، فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة، فإن المرء ينظر بحسب همته، فإنه إذا دخل بزاز أو نجار أو حيّاك أو بناء دار معمورة فإذا تفقدتهم رأيت البزاز ينظر إلى العرش يتأمل قيمتها، والحياك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها، والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها والبناء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها.
فكذلك السالك لطريق الآخرة لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح الله له طريق عبرة، فإن نظر إلى سواد تذكر ظلمة اللحد، وإن نظر إلى حيّه تذكر أفاعي جهنم، وإن نظر إلى صورة قبيحة [315/ب] تذكر الزبانية ومنكراً ونكيراً، وإن سمع صوتاً هائلاً تذكر نفخة / الصور، وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة، وإن كلمة سمع رد أو قبول تذكر أمره بعد الحساب من الرد والقبول، وما
أجدر أن يكون هو الغالب على قلب العاقل إن لم يكن ممن اقفل قلبه وأعميت بصيرته. ومن السنن أن لا يسلم عند الدخول وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت إن
أجاب غيره وإن شاء قال: عافاك الله لا تبدأ الكلام، ولا بأس بالمصافحة.
من
ثم لا يكثر الكلام في الحمام، ولا يقرأ القرآن إلا سراً، ولا بأس بإظهار الاستعاذة. الشيطان، ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريباً من الغروب؛ فإن ذلك وقت انتشار
الشياطين.
وقد رخص بعضهم أن يدلكه غيره، ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة، فقد قيل: الماء الحار في الشتاء من النعيم الذي يُسأل عنه.
وعن ابن عمر قال: إن الحمام من النعيم الذي أحدثوه ذلك من جهة الشرع. وقيل: النورة في كل شهر مرة تطفاء الحرارة وتنقي اللون، وتزيد في الجماع. وقيل: نومة في
الصيف بعد الحمام تعدل شربة دواء.
وقال بعضهم: بولة في الحمام قائماً في الشتاء أنفع من شربة دواء وغسل الرجلين بماء
بارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس. (1/304)
صفحة 305
قنطرة الصلاة
289
ويكره صب الماء البارد على الرأس عند الخروج. وكذلك شربه هذا حكم الرجال. وأما النساء: فقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا يحل لرجل أن يدخل حليلته الحمام وفي البيت مستحم (1).
والمشهور أنه حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر وحرام على المرأة دخول
الحمام إلا نفساء أو مريضة.
عائشة روي عن
رضي
الله / عنها أنها دخلت حماماً من سقم بها. فإن دخلت لضرورة [1/ 316]
فلتدخل بمئزار، سابغ، ويكره للرجل أن يعطيها أجرة الحمام فيكون معيناً لها على المكروه (2). النوع الثاني: ما يحذف من أجزاء البدن وهي ثمانية:
الأول: شعر الرأس يستحب حلقه لمن أراد التنظف وقد قال عليه السلام: «اللهم ارحم المحلقين». ثلاثاً. وقيل: والمقصرين؟ قال: «والمقصرين». وذلك عند الإحلال من الإحرام، وقال تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (3). ولكن لا بأس بتركه لمن يدهنه ويمشطه، إلا إذا تركه، قزعاً أي تركه قطعاً متفرقة في الرأس؛ فإن ذلك. داب أهل الشطارة، وكذلك إرسال الذوائب على هيئة أهل الشرف، حيث صار ذلك شعاراً لهم؛ فإنه إذا لم يكن شريفاً صار ذلك تلبيساً.
منهي.
الثاني: شعر الشارب، وقد قال: حفوا الشواب واعفوا اللحى (4).
عنه، وهو
وقوله: «حفوا الشوارب» أي اجعلوها حفاف الشفة أي حولها وحفاف كل شيء حوله. ومنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (5).
(1) قال العراقي في المغني تعليقاً (139/ 1) رواه النسائي، والحاكم وصححه من حديث جابر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام. وللحاكم من حديث عائشة: الحمام حرام على نساء أمتي قال صحيح الإسناد، ولأبي داود، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر. فلا يدخلها الرجال بالإزار وامنعوها النساء إلا من مريضة أو
نفساء.
(2) راجع في ما سبق إحياء علوم الدين (138/ 1، 139). (3) سورة الفتح الآية: 27.
(4)
،
قال العراقي في المغني (140/ 1) متفق عليه من حديث ابن عمر بلفظ: «احفوا»، ولمسلم من حديث أبي هريرة: «جزوا»، ولأحمد من حديثه: «قصوا».
(5) سورة الزمر الآية: 75. (1/305)
صفحة 306
290
ذلك.
قنطرة الصلاة
وفي لفظ آخر: «احفوا» وهذا يشعر بالاستئصال، وقوله: «حفوا» يدل على ما دون
قال الله تعالى: (إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) (1). أي يستقصى عليكم. وأما حلق الشارب فلم يبلغنا فيه خبر والإحفاء قريب من الحلق، وقد نقل عن بعض التابعين، والله أعلم أنه نظر إلى رجل أحفى شاربه فقال: ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طال شاربي فقال: «تعال [317/ب] فقصه لي / على سواك (2).
عمر
ورخص بعض علماء السلف في ترك السبالين وهما طرفا الشارب قال: لأن ذلك لا يستر الفم، ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه، وزعم أن. فعل ذلك، وفعله غيره. وقوله عليه السلام: «اعفوا اللحى». أي كثروها نظيره (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا) (3). أي كثروا.
وفي الخبر: «أن اليهود يعفون شواربهم، ويقصون لحاهم فخالفوهم (4). وكره بعض
العلماء الحلق: ورآه بدعة.
الثالث: شعر الإبط، ويستحب نتفه في كل أربعين يوماً مرة، وذلك سهر على من تعود نتفه في الإبتداء، ولا بأس بحلقه على من تعوّد ذلك، إذ في التنف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة، وأن لا. يجتمع الوسخ في خللها، ويحصل ذلك بالحلق، وقد حدّ بعضهم لنتف الإبط إذا ألصق الإنسان عضده إلى جنبه خرج الشعر من الجانبين والله أعلم.
الرابع: شعر العانة ويستحب إزالة ذلك للرجال بالحلق وللنساء بالنتف أو بالنورة
(1) سورة محمد الآية: 37.
(2) في الأصل: (سود) والتصويب من الإحياء والمغني (140/ 1) وقال العراقي: رواه أبو داود، والنسائي،
والترمذي في الشمائل. (3) سورة الأعراف الآية: 95.
(4) راجع إحياء علوم الذين (140/ 1) وقال العراقي تعليقاً رواه أحمد من حديث أبي أمامة: قلنا، يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، فقال: (قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب». قلت والمشهور أن هذا فعل المجوس ففي صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر
في المجوس: أنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم. (1/306)
صفحة 307
قنطرة الصلاة
291
للجميع. ولا يتأخر عن أربعين يوماً، وقد حدّه بعضهم في ذلك إذا كان الشعر يدور بالإصبع. وقد روي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: لا أعلم في قص الشارب وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وحلق العانة حداً محدوداً إلا إذا طال فأزح ذلك عن نفسك. وقد قيل: إن دفن الشعر والأظفار بدعة، الله أعلم.
الخامس: تقليم الأظفار؛ وهو مندوب إليها لشناعة صورتها إذا طالت، ولما يجتمع فيها
من الوسخ. وقد روي عن النبي أنه قال: يا أبا هريرة قلم أظفارك، فإن الشيطان يقعد على ما طال منها (1) ولو كان تحت الظفر وسخ / فلا يمنع ذلك صحة الصلاة؛ لأنه كان عليه [1/ 318] السلام يأمر العرب بقلم الأظفار، وينكر ما تحت الأظفار من الأوساخ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة؛ إما لأنه لا يمنع وصول الماء، أو أنه يساهل فيه للحاجة لا سيما في أظفار الرجل، ولو أمر بذلك لكان فيه فائدة، وهو التغليظ والزجر عن
ذلك.
قال في كتاب الغزالي ولم أر في الكتب خبراً مروياً في ترتيب قلم الأظفار. قال: ولكن سمعت أنه بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبحة إلى الخنصر وختم بإبهام اليمني
(2)
قال في كتاب الغزالي: وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل والله أعلم.
قال: وفي كتاب الغزالي، واعلم أن العالم لا يكون وارثاً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا اطلع على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي إلا درجة واحدة وهي درجة النبوة الفارقة بين الوارث والموروث، إذ الموروث هو الذي حصل المال له باشتغاله به، واقتداره على تحصيله، والوارث هو الذي لم يشتغل بالتحصيل، ولم يقدر عليه ولكن انتقل إليه وتلقاه منه بعدما حصل له والله أعلم. السادس والسابع: قطع زيادة السرة، وقلفة الحشفة.
وأما السرة: فتقطع في أول الولادة، وأما التطهير بالختان فعادة اليهود اليوم السابع من
(1) قال العراقي في المغني (140/ 1) رواه الخطيب في الجامع بإسناد ضعيف من حديث جابر: قصوا أظافيركم فإن الشيطان يجري ما بين اللحم والظفر. (2) قال العراقي في المغني (140/ 1): حديث البراءة في قلم الأظفار بمسبحة اليمنى. أصلاً، وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي وشنع عليه به.
لم أجد له قناطر الخيرات ج/ 1/ 20 (1/307)
صفحة 308
[319/ب]
[320/ب]
292
قنطرة الصلاة
الولادة، فينبغي أن يخالفوا بالتأخير إلى أن يشتد الولد، وذلك أحب وأبعد من الخطر. وقد روي عن النبي عليه السلام / أنه قال: الختان للرجل سنة، وللنساء مكرمة (1). أن لا يبالغ في خفض المرأة، إذ قال لأم عطية، وكانت تخفضن: «يا أم عطية وينبغي أشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج (2). أي أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها.
انظر إلى جزالة لفظه عليه السلام في الكناية وإلى إشراق نور النبوة حتى انكشف له، وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره. فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجتمع لهم بيمن بعثته مصالح الدنيا والدين.
الثامنة: ما طال من اللحية، وقد اختلفوا فيما طال منها، فقيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس.
وقد روي عن ابن عمر أنه فعل ذلك وجماعة من التابعين ورخص في الأخذ منها أبو
عبيدة مسلم فيما وجدت عنه واستحسنه الشعبي وابن سيرين فيما وجدت عنهما. وقد زعم في كتاب الغزالي أن الحسن وقتادة كرها ذلك وقالا: تركها عافية أحب إلينا لقوله عليه السلام: «اعفوا اللحى». والأمر في هذا قريب، إذ لم ينته عن تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب؛ فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة، ويطلق السنة المغتابين بالنسبة إليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه
النية.
وعن النخعي أنه قال: عجبت لرجل عاقل طويل اللحية، كيف لا يأخذ من لحيته فيجعلها بين لحيتين؛ فإن التوسط في كل شيء حسن، ولذلك قيل: كلما طالت اللحية تشمر العقل (3).
فصل
وقال بعض العلماء في اللحية / عشر خصال مكروهة، وبعضها أشد من بعض وهي:
(1) قال العراقي في المغني: (142/ 1): رواه أحمد والبيهقي من رواية أبي المليح بن أسامة عن أبيه بإسناد
ضعيف.
(2) وقال العراقي أيضاً في الموضع السابق: رواه الحاكم والبيهقي من حديث الضحاك بن قيس ولأبي داود نحوه من حديث أم عطية، وكلاهما ضعيف.
(3) راجع إحياء علوم الدين (142/ 1). (1/308)
صفحة 309
قنطرة الصلاة
293
خضابها بالسواد، وتبيضها بالكبريت ونتفها، ونتف الشيب منها، والنقصان منها، والزيادة فيها، وتسريحها تصنعاً لأجل الناس، وتكرهها شعثة لإظهار الزهد، والنظر إلى سوادها عجباً بالشباب، وإلى بياضها تكبراً لعلو السن، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبيهها بالصالحين.
أما الأول: وهو الخضاب بالسواد.
فقد نهى عنه لقول النبي عليه السلام: خير شبابكم من تشبه بشيوخكم، وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم). والمراد بالتشبه بالشيوخ في الوقار والسكينة، لا في تبيض الشعر، ونهى الخضاب بالسواد وقال: «هو خضاب أهل النار (2).
عن
رضي
الله
(r),
عمر فرد
وفي لفظ آخر: الخضاب الأسود خضاب الكفار (3). ويقال تزوج رجل على عهد عمر عنه، وكان يخضب بالسواد، فنصل خضابه وظهر شيبه فرفعه أهل المرأة إلى. نكاحه، وأوجعه ضرباً وقال: غررت القوم بالشباب ولبست عليهم شيبك، حكاه الغزالي في كتابه. ويقال: أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله. وفي كتاب الغزالي عن ابن عباس الله عنه عن النبي لا أنه قال: يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد، كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» (4).
رضي
الله
الثاني: الخضاب بالصفرة والحمرة، وهو جائز تلبيساً على الكفار في الغزو والجهاد، فإن لم يكن على هذه النية بل للتشبه بأهل الدين فهو مذموم. وعن أبي عبيدة مسلم رضي ا عنه قال: سمعت أن رسول الله الا الله و لم يصبغ شعره قط بشيء. ويقال: إن أبا بكر / رضي الله [1/ 321] عنه كان يصبغ، وفي بعض أثر بعض أصحابنا قال: لا بأس بصبغ اللحية بالكتم والحمرة. وفي كتاب الغزالي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصفرة خضاب المسلمين، والحمرة
خضاب المؤمنين (5). وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة، وبالخلوق، والكتم للصفرة.
(1) قال العراقي في المغني (142/ 1): رواه الطبراني من حديث واثلة بإسناد ضعيف. (2) قال العراقي في الموضع السابق: رواه الطبراني، والحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: الكافر، قال ابن أبي حاتم: منكر.
(3)
قال العراقي في الموضع السابق: رواه الطبراني والحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: الكافر، قال ابن أبي حاتم: منكر.
(4) قال العراقي في المصدر السابق (143/ 1): رواه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس بإسناد جيد. (5) قال العراقي في المغني (143/ 1): رواه الطبراني، والحاكم بلفظ الإفراد من حديث ابن عمر، قال ابن أبي حاتم: منكر. (1/309)
صفحة 310
294
قنطرة الصلاة
قال: وخضب بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو. وينشد: يا خاضب الشيب بالحناء يستره أهلاً سألت له ستراً من النار لن يرحل الشيب عن دار ألم بها حتى يرحل عنها صاحب الدار وفي كتاب الغزالي قال: لا بأس بالخضاب بالسواد إذا صحت فيه النية)، وينشد: تغطي الشيب جهلك بالخضاب لتبقى فيك أبهة الشباب فكيف وقد كساك الشيب ثوباً كأبيض ما يكون من الثياب وقد روي أن ابن عباس رضي الله عنه: كان يخضب لحيته بالكتم، وهو صبغ يؤتى به من بلد السودان فيما أظن والله أعلم.
الثالث: تبيضها بالكبريت استعجالاً، لإظهار علو السن توصلاً بذلك إلى التوقير وقبول الشهادة، والتصديق بالرواية عن الشيوخ، وترفعاً عن الشباب وإظهاراً لكثرة العلم، ظناً بأن ذلك يعطيه فضلاً وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلاً، فالعلم ثمرة العقل، وهي غريزة لا يؤثر الشيب فيها، ومن كانت غريزته الحمق فطول المدة تؤكد حماقته.
وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم، كان عمر يقدم ابن عباس رحمه الله وهو
السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم.
حدث
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما أتى الله عز وجل عبده علماً إلا شاباً، والخير كله في الشباب ثم تلى قوله عز وجل: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (2).
وقوله عز وجل: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) (3) الآية.
(4)
وقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبيا) (1).
(2)
وكان أنس بن مالك يقول: فيما بلغنا قبض رسول الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. فقيل له يا حمزة وقد أسنّ رسول الله؟ فقال: لم يشنه الله تعالى بالشيب. فقيل: أو شين؟ فقال: كلكم يكرهه (5). ويقال: أن يحيى بن أكثم ولي القضاء وهو
(1) راجع إحياء علوم الدين (143/ 1).
(2) سورة الأنبياء الآية: 60. (3) سورة الكهف الآية: 13. (4) سورة مريم الآية: 12.
(5) قال العراقي في المغني (143/ 1) متفق عليه من حديث أنس دون قوله فقيل الخ، ولمسلم من حديثه: وسئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما شانه الله بيضاء. (1/310)
صفحة 311
قنطرة الصلاة
295
ابن إحدى وعشرين سنة، فقال له رجل في مجلسه يريد أن يخجله بصغر سنه: كم سن القاضي أيده الله؟ قال: مثل سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها (1).
فأفحمه.
لحية.
وروي عن بعض العلماء أنه قال: قرأت في بعض الكتب لا تغرنكم اللحى فإن التيس له
وعن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: إذا رأيت طويل القامة صغير الهامة، عريض اللحية فاقض عليه بالحمق، ولو كان أمية بن عبد شمس.
وعن أيوب السختياني أنه قال: أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه. وعن علي بن الحسين أنه قال: من سبق إليه العلم قبلك فهو أمامك فيه، وإن كان أصغر
سناً منك.
ويروى أنه قيل لأبي عمرو بن العلاء: أيحسن بالشيخ أن يتعلم من الصغير؟ قال: إن كان الجهل يقبح به، فالتعلم يحسن به (2). / الرابع: نتف بياضها استنكافاً من الشيبة، وقد نهى عليه السلام عن نتف الشيب وقال: [1/ 323] هو نور المؤمن (3). هو في معنى الخضاب بالسواد ..
وعن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: أكره نتف الشيب، قال: ولا يفعله إلا خسيس.
(4)
وعلة الكراهة ما سبق والشيب نور الله تعالى والرغبة عنه رغبة عن النور الخامس: نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة، ونتف الفنيكين بدعة، وهما جنبتا العنفقة.
(1) ذكره العراقي في المغني (143/ 1) وزاد: يوم الفتح وأنا أكبر من معاذ بن جبل حين وجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً على أهل، اليمن، ثم قال: رواه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه نظر، وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتاب بن أسيد فإنه كان حين ولاه ابن عشرين سنة بالنسبة إلى معاذ فإنما يتم له ذلك على قول يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وابن أبي حاتم أنه كان حين مات ابن ثمان وعشرين أنه مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثمانية عشر. والله أعلم.
سنة. والمرجح) (2) راجع إحياء علوم الدين (143/ 1، 144).
(3) قال العراقي في المغني (144/ 1): رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي من رواية عمرو بن شعيب
عن
أبيه عن جده. (4) راجع إحياء علوم الدين (143/ 1، 144). (1/311)
صفحة 312
[324/ب]
296
قنطرة الصلاة
ويقال: شهد عند عمير بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته. وروي عن بعض قضاة المدينة أنه: رُدَّ شهادة من كان ينتف لحيته. قال: وأما نتفها في أول الشباب تشبيهاً بالمرد فمن المنكرات الكبار؛ فإن اللحية زينة للرجال. ويقال أن الله سبحانه ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى وهي من تمام الخلقة، وبنا يتميز الرجال عن
النساء.
وحكي عن أصحاب الأحنف أنهم قالوا: وددنا أن نشتري للأحنف لحية بعشرين ألفاً.
وعن شريح القاضي أنه قال: وددت لو أن لي لحية بعشرة آلاف، وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس، وإقبال الوجه إليه، والتقديم على الجماعة ووقاية العرض، فإن من يشتم يعرّض باللحية إذا كان المشتوم بلا
لحية.
ويقال: إن أهل الجنة مرداً إلا هارون أخا موسى عليه السلام فإن / له لحية إلى سرته تخصيصاً له وتفضيلاً والله أعلم).
السادس: تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة، للتزيين للنساء والتصنع.
(2)
وعن كعب قال: يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم كذنب الحمامة، ويعرقبون عالهم كالمناجيل، أولئك لا خلاق لهم) السابع: الزيادة فيها، وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ وهو من شعر الرأس، حتى يجاوز عظم اللحى أو ينتهي إلى نصف الخد وذلك يباين هيئة أهل الصلاح (3). الثامن: تسريحها لأجل الناس.
(4)
وقال بعض العلماء في اللحية شركان تسريحها لأجل الناس، وتركها شعثة لإظهار
الزهد (1).
التاسع والعاشر: النظر إلى سوادها وبياضها بعين العجب وذلك مذموم في جميع أجزاء
(1) راجع إحياء علوم الدين (144/ 1).
(2) راجع المصدر السابق.
(3) راجع المصدر السابق.
(4) راجع المصدر السابق. (1/312)
صفحة 313
قنطرة الصلاة
297
البدن، بل في جميع الأخلاق والأفعال وبالله التوفيق (1)
فهذا ما أردنا أن نذكره من أنواع التزيين والنظافة وقد حصل من ثلاث أحاديث من سنن
الجسد إثنا عشر خصلة، خمس في الرأس، هي:
فرق شعر الرأس، والمضمضة والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك على ما سيأتي
شرحها في الوضوء إن شاء الله.
وثلاثة في اليد والرجل وهي:
تقليم الأظفار، وغسل البراجم، وتنظيف الرواجب.
وأربع في الجسد وهي:
تنظيف الإبط، والاستحداد والختان، والاستنجاء بالماء على ما سيأتي إن شاء الله.
فقد وردت الأخبار. ذلك (2)،
بمجموع
البدن، ولنشرع الآن في طهارة الأحداث.
، ولنقتصر الآن على هذا في تنظيف فضلات ظاهر
الباب الثالث
في طهارة الأحداث
وينحصر
هذا الباب في أربعة فصول:
الأول: في سبب الوضوء وهو قضاء حاجة الإنسان.
الثاني: في كيفية الوضوء.
الثالث: في الغسل من الجنابة.
الرابع: في كيفية التيمم، وبالله التوفيق.
الفصل الأول: في آداب قضاء الحاجة
قال الله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ) (3) تنبيهاً على أن البدء به قبل الطهارة، وفي الحديث: إذا سمعتم النداء وحضر الخلاء فابدأوا بالخلاء كل ذلك حث على فراغ الخاطر، والذي ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة من البول والغائط أن يبتعد عن الناس في
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع إحياء علوم الدين (144/ 1، 145).
(3) سورة النساء الآية: 43. (1/313)
صفحة 314
[326/ب]
298
قنطرة الصلاة
الصحراء، وأن يستتر بشيء إن وجده، وأن لا يكشف عورته قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس، وأن لا يستقبل الشمس والقمر والريح والطريق. وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها إلا إذا كان في بناء والانحراف أيضاً في البناء أحب إلي وإن استتر في الصحراء براحلته فقد أجاز ذلك بعض العلماء، وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس وأن لا يبول في الماء الجاري، ولا الراكد، ولا تحت الشجرة المثمرة، ولا في الأجحرة، ولا في حريم المسجد، ولا المقبرة، ولا في حرث الزرع، ولا في طرقات الناس، ولا في مواضع المضرة، وأن يتقي البول في المكان الصلب، وأن يتقي مهاب الرياح في البول تنزهاً في رشاشه. وأن يتكيء في جلوسه على الرجل اليسرى، وإن كان في بنيان أو غار قدّم الرجل اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج، ولا يبول قائماً.
عائشة
وقد روي عن. رضي | الله عنها أنها قالت من حدّثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه (1).
ورخص بعضهم في ذلك لعله الضرورة، ولا يبول في المغتسل قال عليه السلام:
فإن عامة الوسواس منه (2).
بسم
ولا يستصحب معه شيئاً عليه اسم الله عز وجل ورسوله عليه السلام، وأن لا يدخل بيت الماء حاسر الرأس، وأن يقول عند الدخول: الله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وأن لا يخلط البول مع الغائط ما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ لأنه فيما قيل الدعاء، وأن يعد النبل قبل الجلوس، وهي الحجارة الصغار للاستجمار، وأن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة، وأن يستبراء من البول بالتنحنح والنثر ثلاثاً، وإمرار اليد على أسفل القضيب ولا يكثر التفكر في الاستبراء فيتوسوس ويشق عليه الأمر، وكان أخفهم استبراء أفقههم، فتدل الوسوسة فيه على قلة الفقه.
يحجب
وفي الحديث عن. سلمان رحمه الله قال: علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام كل شيء بعظم ولا روث ونهانا أن نستقبل القبلة ببول ولا غائط (3).
حتى الخراءة أمرنا أن لا: نستجمر
(1) قال العراقي في المغني (130/ 1) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي هو أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
(2) قال العراقي في المصدر السابق: رواه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن مغفل، قال الترمذي غريب.
قلت وإسناده صحيح.
(3) قال العراقي في الموضع السابق: رواه مسلم. (1/314)
صفحة 315
قنطرة الصلاة
299
ويقال: إن رجلاً من الأعراب خاصم صاحبه فقال: لا أحسبك تحسن الخراءة. فقال:
،
بلي وأبيك، إني بها لحاذق أبعد الأثر، وأعد المدر، واستقبل الشيح، واستدبر الريح، وأقعى إقعاء الظبي، وأجفل إجفال النعام (1).
وفي كتاب الغزالي قال والإقعاء هاهنا أن يستوفز على صدور قدميه، والإجفال أن يرفع
الحجر
عجزه، وأن لا يسلم على من كان مشتغلاً بقضاء الحاجة ولا يرد إن سلم عليه ولا يقرأ القرآن، ولا يذكر اسم الله، فإذا فرغ فليستجمر بثلاثة أحجار غير / ملس ولا حرش، وقيل بالرخصة [1/ 327] بحجر واحد إذا كان له ثلاثة حروف، وإن لم يجد الحجر، فالمدر، وإن لم يجده فالتراب، ولا يستجمر بعظم ولا روث ولا زجاج ولا فحم ولا ما له حرمة الطعام كقصب الزرع وشماريخ النخل، وغير ذلك، ولا بما له حرمة في الشرع كحجارة المصلى، واللوح وورق الكتب. وكيفية الاستجمار: أن يأخذ الحجر بيمينه ويمسك القضيب بيساره، ويمسح بقضيبه، ويحرك اليسار فيمسح ثلاثاً ثم يأخذ الحجر بيساره فيضعه على مقدم المقعدة في موضع النجاسة، ويمره بالمسح والإدارة إلى المؤخر، ويأخذ الحجر الثاني فيضعه على المؤخر، ويمر به إلى مقدم المقعدة، ويأخذ الثالث فيديره حول المسر به إدارة، وإن عسرت الإدارة ومسح من المقدم أو المؤخر أجزأه ذلك، والله أعلم ثم يقول عند القيام: الحمد لله الذي اطعمني طعاماً طيباً، واذاقني لذته وأذهب عني مضرته.
كيفية الاستنجاء: فإذا انقطعت الرصوبة بالاستجمار، انتقل إلى الاستنجاء بالماء، ولا بد من الجمع بين الأحجار والماء؛ فالأحجار لتخفيف العين عن الموضع، والماء للإنقاء وإزالة
الأثر.
والمستحب في صفة إستعمال الماء أن يصب الماء على اليد قبل مباشرتها النجاسة فيغسلها ثلاثاً ثم يجلس على المستحم متمكناً على غير موضع صلب أو مكان نجس لئلا يتطاير شيء ثم يذكر الله تعالى مبتدئاً بغسل محل البول أولاً ثم ينتقل إلى محل الغائط، فيرسل الماء ويوالي الصب على يده اليسرى غاسلاً بها المحل، ويسترخي قليلاً ليتمكن من الإنقاء، ويجيد العرك / حتى ينقى وتزول اللزوجة وتطمئن النفس، وتطيب ويزول [1/ 328]
عليه
من
الغسالة
الشك عنها من غير تحديد عدد، لأن ذلك يختلف بالكثرة والقلة والغلظة والرقة. ثم ينفصل من المستحم بذكر الله تعالى، والدعاء إليه يقول: اللهم حصن فرجي بالإسلام، وطهر قلبي من
(1) في الأصل: «النعم» والتصويب من الإحياء (131/ 1). (1/315)
صفحة 316
300
قنطرة الصلاة
النفاق، وجسدي من النجاسات وزوجني من الحور العين برحمتك يا أرحم الراحمين. وليحذر أن يتعرض للباطن بإدخال الإصبع فيه، فإن ذلك منبع الوسواس، وليعلم أن كل ما لا يصل إليه الماء فهو باطن وما يحس به من بلل فليقدر أنه بقية الماء، وإن كان يؤذيه ذلك فليرش الماء عليه حتى يقوي في نفسه ذلك ولا يتسلط عليه الشيطان بالوسواس.
(1)
وفي الخبر أن النبي الي الاول و فعل ذلك: أعني رش الماء، ذكر ذلك ابن جعفر العماني وغيره والله أعلم، ثم إذا فرغ من الاستنجاء انتقل عن مستحمه إلى موضع آخر للوضوء الفصل الثاني: في فضل الوضوء
الآية.
وكيفيته قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (2)
ويروى عن النبي أنه قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشيء من أمر الدنيا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (3). وفي لفظ آخر: ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه».
الله
به
وعنه من طريق جابر بن زيد عن أنس بن مالك أنه قال: ألا أخبركم بما يمحو [329/ب] الخطايا ويرفع / به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء في المكاره، ونقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط». قالها ثلاثا).
وعنه من طريق جابر بن زيد رضي الله عنه عن أ أبي هريرة أنه عليه السلام قال: «إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع آخر قطر الماء، ثم إذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطش بهما، ثم كذلك حتى يخرج:
الذنوب (5).
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (131/ 1) بنحوه. (2) سورة المائدة الآية: 6.
(r)
!
نقياً من
قال العراقي في المغني (134/ 1): رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق باللفظين معاً، وهو متفق عليه من حديث عثمان بن عفان دون قوله: بشيء من الدنيا، ودون قوله لم يسه فيهما، ورواه أبو داود من حديث زيد بن خالد ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما. الحديث. (4) قال العراقي في المرجع السابق عن نحوه: رواه مسلم عن أبي هريرة. (0) وعن نحوه قال العراقي في المغني: (135/ 1) رواه أبو داود وابن ماجه من حديث الصنابحي إسناده صحيح ولكن اختلف في صحبته، وعند مسلم من حديث أبي هريرة وعمرو بن عنبسة نحوه مختصراً. (1/316)
صفحة 317
قنطرة الصلاة
وفي حديث آخر: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له (1).
وعنه عليه السلام أنه توضأ مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله سبحانه الصلاة إلا
به. ثم توضاً مرتين مرتين ثم قال: من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين (2). وفي لفظ آخر: مَنْ ضاعف ضاعف الله له». ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، فقال: «هذا
وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم عليه السلام (3). وعنه عليه السلام أنه قال: من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: الوضوء على الوضوء نور على نور (5).
وهذا حث على تجديد الوضوء، ويروى: أن الطاهر كالصائم».)
(1)
وعنه أنه قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء ثم قال: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة يدخل من أي باب شاء» (7).
وعن عمر رضي الله عنه أنه / قال: الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان وعن مجاهد أنه [1/ 330] قال: من استطاع أن لا يبيت إلا طاهراً ذاكراً مستغفراً فليفعل فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه (8)
وفي حديث الربيع عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امراء توضأ فأحسن وضوءه، ثم توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين
الصلاة الأخرى حتى يصليها».
(1) راجع التعليق على ما قبله.
(2) قال العراقي في المغني (134/ 1): رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف.
(3) قال العراقي في المغني (134/ 1) رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف. (4) وفي المرجع السابق أيضاً: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف. (5) وفيه أيضاً قال: لم أجد له أصلاً.
(6)
قال العراقي في المغني: (135/ 1) رواه أبو منصور الديلمي من حديث عمرو بن حريث الطاهر النائم كالصائم القائم وسنده ضعيف. (7) وفيه أيضاً قال: رواه أبو داود من حديث عقبة بن عامر وهو عند مسلم دون قوله: ثم رفع. هكذا عزاه المزي في الأطراف وقد رواه في اليوم والليلة من رواية عقبة بن عامر، وكذا رواه الدارمي في مسنده.
(8) راجع كل ما سبق في الإحياء (134/ 1، 135). (1/317)
صفحة 318
302
قنطرة الصلاة
وعنه عليه السلام أنه قيل له: كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: «إنهم يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء». والله أعلم.
كيفية الوضوء: ثم إذا فرغ من الاستنجاء وأزال كل نجس كان في بدنه، فليشتغل بالوضوء، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قط خارجاً من الغائط إلا توضأ، ويستحب للإنسان أن يبتداء بالسواك قبل الوضوء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك (1) فينبغي أن ينوي بالسواك تطهير فمه لقراءة الفاتحة وذكر اسم الله عز وجل في الصلاة، وقد قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة على إثر السواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير
سواك (2)
وعنه أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وكل
وضوء (3)
وعنه عليه السلام أنه قال: ما لي أراكم تدخلون علي قلحاً، إستاكوا» (4). وقوله: قلحاً» أي صفر الأسنان وكان عليه السلام يستاك في الليلة مراراً (5).
ظننا أنه
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لم يزل عليه السلام يأمر بالسواك حتى سينزل عليه فيه شيء (1). [331/ ب] وعنه / عليه السلام أنه قال: عليكم بالسواك؛ فإنه مطهرة للفم ومرضات للرب (7).
(1) قال العراقي في المغني: (131/ 1) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث علي، ورواه موقوفاً على عليّ
وكلاهما ضعيف.
(2) وقال في المرجع والموضع السابق: رواه أبو نعيم في كتاب السواك من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف، ورواه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي وضعفه من حديث عائشة وضعفه بلفظ من سبعين صلاة.
(3) قال العراقي في المغني: (132/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. (4) وقال في المرجع السابق: رواه البزار والبيهقي من حديث العباس بن عبد المطلب وأبو داود، والبغوي من حديث تمام بن العباس والبيهقي من حديث عبد الله بن عباس وهو مضطرب.
(5) وقال في المرجع السابق أيضاً: رواه مسلم من حديث ابن عباس.
(6) وقال فيه أيضاً: رواه أحمد.
(7) وفيه أيضاً قال: رواه البخاري تعليقاً موقوفاً من حديث عائشة والنسائي وابن خزيمة موصولاً قلت: وصل المصنف (أي الغزالي وكذا الجيطالي هنا هذا الحديث بحديث ابن عباس الذي قبله وقد رواه من حديث
ابن عباس الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان. (1/318)
صفحة 319
قنطرة الصلاة
303
وعن علي أنه قال: السواك يزيد في الحفظ، ويذهب البلغم. وكان أصحاب النبي عليه السلام فيما بلغنا يروحون والسواك على أذانهم.
وكيفيته: أن يستاك بخشب الآراك أو غيره من قضبان الأشجار مما يحسن، ويزيل القلح أعني صفرة الأسنان ويستاك طولاً وعرضاً، وإن اقتصر فعرضاً، ويستحب السواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء وإن لم يصل عقيبه، وعند تغير رائحة الفم بالنوم، أو طول الأزم، أو أكل ما تكره رائحته ثم عند الفراغ من السواك فليجلس للوضوء ويقول بسم ا الله الرحمن الرحيم؛ لأن النبي عليه السلام قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (1). أي لا وضوء كاملاً، ويقول عند ذلك: أعوذ بالله من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون. ثم يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء ويقول: اللهم إني أسألك اليمن والبركة، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة ثم ينوي بالوضوء رفع الحدث واستباحة الصلاة يقول في نفسه: ارفع هذا بوضوئي جميع الأحداث، وأتوضأ للصلاة طاعة الله ولرسوله عليه السلام، ويستديم النية إلى غسل الوجه، فإن نسيها عند الوجه فقد شدد بعضهم في وضوءه، إنه لا يجزيه ثم يأخذ غرفة من الماء لفيه فيتمضمض ثلاثاً ويغرغر فاه بأن يرد الماء إلى الغلصمة إلا أن يكون صائماً
فيرفق لئلا يبلع الماء. ويقول عند ذلك: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك، وأطعمني من ثمار جنتك، ثم يأخذ غرفة أخرى لأنفه، ويستنشق ثلاثاً / بأن يصعد الماء بالنفس [1/ 332]
إلى خياشمه، ويستتثر ما فيه ويقول في الاستنشاق: اللهم اشممني رائحة الجنة وأنت عني راض بفضلك وفي الاستنثار يقول: اللهم إني أعوذ بك من روائح النار، ومن سوء الدار؛ لأن الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إزالته وإن أراد أن يجمع الفم والأنف جميعاً بالمضمضة والاستنشاق فإنه يجزيه ذلك، ويجعل إصبعه في الفم والأنف عند ذلك إن لم يكن له عذر يمنعه من خروج الدم من الفم أو جرح في أنفه. ثم يغترف غرفة لوجهه، فيغسله من مبدإ سطح الجبهة إلى منتهى ما يقابل الذقن من الطول ومن الأذن إلى الأذن في العرض. وفي كتاب الغزالي قال: ولا تدخل في الوجه النزعتان اللتان على طرفي الجبين فهما من الرأس. قال: ويوصل الماء إلى مواضع التحذيف، وهو ما يعتاد الناس تنحية الشعر عنه، وهو القدر الذي يقع في جانب الوجه مهما وقع طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثاني على زاوية الجبين ويوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة، وهما الحاجبان والشاربان والأهداب والعذاران؛ لأنها خفيفة في الغالب، والعذاران هما ما يواري الأذنين من ممتد اللحية. ويجب
(1) قال العراقي في المغني: (132/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. (1/319)
صفحة 320
304
قنطرة الصلاة
إيصال الماء إلى منابت اللحية الخفيفة أعني ما يقابل من الوجه، وأما الكثيفة فلا، وحكم العنفقة حكم اللحية في الكثافة والخفة ثم يغسل ما ذكرنا ثلاثاً، ويفيض الماء على ظاهر ما
(1)
استرسل من اللحية، ويدخل الإصبع في محاجر العينين، وهو ما يبدو من النقاب منهما، وكذلك موضع الرمص ومجتمع الكحل فينقي ذلك كله، فقد روي أنه عليه السلام فعل ذلك [333/ب] / ويرجو عند ذلك.
خروج
الخطايا من عينيه.
يوم
تبيض
وكذلك عند كل عضو ويقول عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي بنورك وجوه أوليائك، وأعوذ بك أن تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك. وتخليل اللحية عند غسل الوجه مستحب، ثم يغسل يديه إلى مرفقيه ثلاثاً، ويحرك الخاتم إن كان في يده، ويطيل الغرّة، ويرفع الماء إلى أعالي العضدين فإنهم يحشرون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء كما ورد الخبر. وعنه عليه السلام أنه قال: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل (2). وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء ويبدأ باليمنى ويقول: اللهم اعطني كتابي بيمني
(Y),
وحاسبني حساباً يسيراً. ويقول عند غسل الشمال: اللهم إني أعوذ بك أن تعطني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري. ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويمسح من مقدم رأسه، وقد قرن رؤوس أصابع يديه حتى يبلغ القفا، ثم يردهما إلى حيث بدأ، ثم يصل كفيه إلى صدغيه إلى عظم أعالي اللحية، ثم يردهما إلى فوق ذلك؛ لأن العلماء أنزلوا الرأس منزلة العظمين، وهما حد حلق المحرم رأسه يفعل ذلك ثلاثاً. وإن مسح بعض رأسه أجزاء، ويقول عند مسح الرأس: اللهم غشني برحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك واظللني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما، وباطنهما بماء جديد أفضل وذلك بأن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه، ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم يضع كفيه على ظاهر الأذنين استظهاراً [334/ ب] ويكرره ثلاثاً ويقول: اللهم اجعلني من / الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اسمعني منادي الجنة مع الأبرار ويستحب مسح رقبته بماء جديد؛ لأنه قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة (3). ويقول: اللهم حرّم شعري، وبشري من النار،
(1) قال العراقي في المغني (133/ 1): حديث إدخاله الإصبع في محاجر العينين وموضع الرمص. رواه من حديث أبي أمامة كان يتعاهد الماقين، ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف:
أحمد
«أشربوا الماء أعينكم».
(2) قال العراقي في الموضع السابق: أخرجاه من حديث أبي هريرة. (3) قال العراقي في المصدر والموضع السابق: رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عمر، = (1/320)
صفحة 321
قنطرة الصلاة
305
وفك رقبتي من السلاسل والأغلال يوم الخزي والبوار وليس بواجب استئناف الماء للأذنين، بل استحباب؛ لأنه قد روي عنه عليه السلام أنه مسح أذنيه مع رأسه، ولم يذكر عنه استئناف الماء لهما. ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثاً ويخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل أصابع الرجل اليمنى، ويبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى، ويختم بالخنصر من اليسرى ويقول: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تثبت أقدام الأبرار. ويقول عند غسل اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تزل قدمي على الصراط يوم تزل أقدام المنافقين والكفار. ويبلغ بالماء إلى أنصاف الساقين ويبالغ في غسل بواطن القدمين كلتيهما، لقوله عليه السلام ويل للعواقب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار (1).
وذلك لمن ترك عرقوبيه وباطن قدميه في الوضوء. فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي استغفرك وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. ثم يزيد في الدعاء يقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك / الصالحين، واجعلني أذكرك ذكراً كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلاً. يقال: أن [1/ 335] من قال الكلمات الأولى بعد الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ورفع له تحت العرش فلا يزال الله ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة. ويكره في الوضوء أمور منها: أن يزيد على الثلاث، وأن يسرف في صبّ الماء، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ ثلاثاً فقال: «من زاد فقد ظلم وأساء (2).
يسبح
وعنه أيضاً قال: سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (3). ويقال: من
ضعف علم الرجل ولعه بالماء في الوضوء.
وقد روي
أن الله عبد بن معقل سمع ابناً له وهو يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. فقال: يا بني إذا سألت فاسأل الله الجنة، وتعوّذ به من النار؛ فإني سمعت
(1)
وهو ضعيف.
روى نحوه الستة، ومالك، وأحمد، والبيهقي، والدارمي، والدارقطني وعبد الرزاق، وابن خزيمة،
والحميدي وغيرهم.
(2) قال العراقي في المغني: (133/ 1) رواه أبو داود والنسائي واللفظ له، وابن ماجه من رواية عمرو بن
شعيب عن
أبيه
عن جده.
(3) وقال في الموضع السابق أيضاً رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن
مغفل. (1/321)
صفحة 322
306
قنطرة الصلاة
[336/ب]
النبي عليه السلام يقول: يكون في آخر الزمان قوم يعتدون في الدعاء والطهور». وقال بعض العلماء: أول ما يبدأ الوسواس من قبل الطهور، وعن الحسن قال: إن
شيطاناً يضحك بالناس في الوضوء يقال له: الولهان.
وفي حديث الربيع رحمه الله عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن لبدء الوضوء شيطاناً يقال له الولهان». قال الربيع: إنما قيل له الولهان؛ لأنه يلهي النفوس. ويكره أن ينفض اليد فيرش الماء، وأن يتكلم في أثناء وضوءه، وأن يلطم وجهه بالماء لطماً.
وكره قوم التنشف وقالوا الوضوء، نور قاله سعيد ابن المسيب والزهري ولكن قد روي عن معاذ رضي الله عنه أنه: مسح وجهه بطرف ثوبه
(1)
عائشة وروي عن رضي الله عنها أنه عليه السلام كانت له منشفة (2).
يمسح
أعضاءه بعد
/ قال الربيع: قال أبو عبيدة رحمهما الله: المعمول [به] عندنا أن لا. الغسل، وهو إستحباب من أهل العلم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه. ويكره أيضاً أن يتوضأ من إناء صفر، وأن يتوضأ بالماء المشمس، وذلك من جهة الطب
والله أعلم.
ومهما فرغ من وضوءه وأقبل على الصلاة ينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره، وهو موضع نظر الخلق فينبغي أن يستحي من مناجات الله تعالى من غير تطهير قلبه، وهو موضع نظر الرب جل جلاله وليتحقق أن طهارة القلب إنما هي: بالتوبة والخلو عن الأخلاق المذمومة، وإن مثل من اقتصر على طهارة الظاهر كمثل من أراد أن يدعو ملكاً إلى بيته فتركه مشحوناً بالقذورات، واشتغل بتجصيص الظاهر البراني من الدار فما أجدره بالتعرض للبوار، والله أعلم وبه الحول والتوفيق (3).
الفصل الثالث: في كيفية الغسل
ونذكر ما لا بد للمسترشدين منه قال تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَأَطْهَرُوا) (4). أي اغتسلوا.
(1) قال العراقي في المغني (134/ 1): رواه الترمذي وقال غريب وإسناده ضعيف. (2) وفي الموضع السابق أيضاً: رواه الترمذي وقال: ليس بالقائم، قال: ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
الباب شيء.
(3) راجع في هذا الباب إحياء علوم الدين للغزالي (131/ 1، 134). (4) سورة المائدة الآية: 6. (1/322)
صفحة 323
قنطرة الصلاة
307
وعن النبي عليه السلام أنه قال تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ونقوا البشر». فإذا أراد الإنسان الغسل من الجنابة بعد المراودة، وانقطاع الرطوبة فليقصد إلى موضع مستر عن الناس فليقعد على المستحم ويضع الإناء عن يمينه ثم الله عز وجل ويغسل يديه ثلاثاً ثم يستنجي كما وصفنا ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت به، ثم يتوضأ وضوء الصلاة كما سبق إلا غسل قدميه؛ فإنه يؤخرهما، وأن غسلهما ثم وضعهما على الأرض / كالإضاعة للماء [1/ 337]
يسمي
ثم يتمضمض ويستنشق ثم يبدأ بأم رأسه فيغسله ثم يبدأ بميامنه، ويصب الماء على شقه الأيمن ثلاثاً، ثم على شقه الأيسر ثلاثاً، ثم يدلك ما أقبل من بدنه وما أدبر، ويخلل شعر الرأس، ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منها أو خفّ، ويصب على ظهره وبطنه حتى يأتي على سائر جسده، ثم يتنحى عن موضعه فيغسل قدميه إلا أن يكون الموضع منحدراً فيغسل قدميه فيه أو في غيره وليتق أن يمس ذكره في أثناء الغسل، فإن فعل ذلك فليعد الوضوء، وإن توضأ بعد الغسل فحسن، وليس عليه ذلك إلا إن انتقض وضوءه الأول، ويتعهد معاطف البدن ويدخل يده في سرته، وليس عليه إلا غسل ما ظهر من بدنه، وليس على المرأة نقض ظفائر شعر رأسها إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلل الشعر فلتنقضها والله أعلم (1).
فهذه سنة الغسل والوضوء ذكرنا منها ما لا بد منه لسالكي طريق الآخرة من علمه وعمله، وما سوى ذلك من المسائل التي يحتاج إليها في عوارض الأحوال، فليرجع فيها إلى كتب الفقه.
والواجب من جملة ما ذكرناه في الغسل أمران النية واستيعاب البدن بالغسل مع إمرار اليد، ومن الوضوء النية، وغسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح ما ينطلق عليه الاسم من الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين.
وأما الترتيب والموالات فليستا واجبتين وما سوى هذا منا المضمضة والاستنشاق ومسح
الأذنين وغير ذلك سنن واستحباب والله أعلم
(2)
والغسل الواجب:/ أربعة: الغسل بخروج المني، ولالتقاء الختانين، والحيض، [1/ 338] والنفاس، وما عداه من الاغتسال سنة كالغسل للجمعة وللعيدين، وللإحرام، ولوقوف
عرفة، ولمبيت المزدلفة، ولدخول مكة.
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (135/ 1).
(2) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (135/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 21 (1/323)
صفحة 324
308
:
قنطرة الصلاة
وثلاثة اغتسال أيام التشريق ولطواف الوداع على قول وللمشرك إذا أسلم غير جنب، وللمجنون إذا أفاق ولمن غسل ميتاً، ولمن احتجم، فكل ما ذكرنا سنة وبالله التوفيق (1).
الفصل الرابع: في كيفية التيمم
ومستحب
قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طيبا) (2).
جميع
وقال عليه السلام: جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً». وينبغي أن يقتصر في هذه الطهارة أيضاً على ما لا بد منه بسالك طريق الآخرة، اعلم أن من تعذر عليه استعمال الماء بفقده بعد الطلب أو بمانع منعه عن الوصول إليه من سبع أو عدو حابس له، أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو عطش رفيقه أو كان ملكاً لغيره، فامتنع من بيعه له إلا بأكثر من ثمن مثله، أو كان به جروح أو قروح أو مرض خاف من استعمال الماء معه فساد بعض أعضائه، ولم يكن له عزل ذلك الموضع، أو خاف تأخير البرء أو زيادة المرض، فإنه يصبر حتى يدخل وقت الصلاة المفروضة، فإن كان آيساً من استعمال الماء بأحد هذه الأعذار. فليقصد إلى التراب الطاهر الذي يصلح للحرث والنبات ويثور منه الغبار، فلينو النية هذا في ذلك ويقول في نفسه: ارفع بتيممي الأحداث، وأتيمم للصلاة طاعة الله [339/ب] ولرسوله عليه السلام. وليقل: بسم الله، وليضع يديه مع كفيه وهما / يابستان مفرّقاً أصابعه على التراب اليابس ثم يرفعهما ويقرن بعضهما إلى بعض، وينفضهما نفضاً خفيفاً فيمسح بهما وجهه مستوعباً له ماراً بيديه من أعلاه إلى أن يستوفيه، وليراع الوترة وهي ما بين المنخرين، ولا يتكلف إيصال الغبار إلى ما تحت الشعور خف أو كثف يحصل ما ذكرنا الضربة الواحدة، وليقل حين يرفعهما إلى الوجه الله أكبر، ثم يردهما إلى التراب فيضرب بهما ضربة أخرى، ثم يرفعهما قارناً لهما من عند إبهاميه فيضع اليسرى على ظاهر اليمني ويمر بها على ظاهر الكف ثم يعمل بكفه اليمنى على ظاهر كف اليسرى. كذلك وإن أخطأ شيئاً من مواضع الوضوء لم يصبه التراب، فقد أجزأه وليس عليه أن يخلل بين أصابعه في التيمم فيما وجدت في الأثر؛ لأن هذا مسح لا غسل، فإذا صلى الفريضة بذلك التيمم فله
(1) راجع في الباب المصدر السابق. (2) سورة المائدة الآية: 6.
بين (1/324)
صفحة 325
قنطرة الصلاة
أن يتنفل كيف شاء، فإن لم يجمع بين فرضين فينبغي أن يعيد التيمم للثانية والله أعلم).
فصل
ويجب على المتطهر بالماء، أو التراب عند فقد الماء أن يستصحب حال وضوئه أو تيممه عند فعل الصلاة، وإن طرأ عليه ما ينقض طهارته وجب عليه الإتيان بها وإلا بطلت صلاته لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ». والذي ينقض الطهارة من الوضوء أو التيمم هو كل نجاسة تخرج من الجسد من أي موضع خرجت؟ وعلى أي جهة خرجت؟ سواء كانت من القبل مثل: البول، والمني والمذي والودي، والدم، أو كانت من الدبر: كالغائط والدم والدابة والحصاة والريح وغيرها. أو سالت من الأنف: كالرعاف أو من الفم / كالقيء والقلس أو سفحت من جرح أو قرح كالدم والصديد الذي غلب عليه [11/ 340 الدم، أو من سائر الجسد: كالفصد والحجامة، وكذلك كل نجاسة من هذه الأنجاس أو غيرها تلاقي بدن المتوضاء من غيره، سواء لاقته بإختياره: كلمسه النجس الرطب، أو غسل ميتاً غير متولي، أو ما أشبه ذلك، أو لاقته بغير إختياره كدابة تبول أو تذبح فيطير البول أو الدم إليه فيمس جسده. وكذلك لحم الخنزير والمنجوس من الطعام والشراب، وما أشبه ذلك إذا مست
بدنه.
مس
وينقض الوضوء أيضاً زوال العقل بإغماء، أو جنون أو سكر، أو مرض برسام، أو نوم مضطجعاً وأشباه ذلك. وكذلك الفروج مباشراً بباطن كفه من غير حائل بينه وبين الفرج ينقض الوضوء خطاً كان أو عمداً، وهذا إذا مس الذكر، أو موضع الغائط من عورته، وكذلك عورة غيره تنقض الوضوء إذا مسها وكذلك أبدان النساء الأجنبيات، إذا مس ذلك على غير سبيل المعالجة ما خلا الأمة؛ فإنه لا ينقض من مس بدنها إلا الفرج، وكذلك ذوات المحارم على هذا الحال، وإما إن قبل زوجته أو سريرته فلا نقض عليه (2). وكذلك غيبة المسلم، وقول الكذب، وقذف المحصنات، وبهتان البريء، والنميمة، ولعن البهائم، والأطفال، وجميع من لا يستحق اللعن والشرك بالله، وتسمية الفروج بأقبح أسمائها كل ذلك ينقض الوضوء. وكذلك الاستماع إلى جميع ما لا يحل استماعه: مثل غيبة المسلم، والسر من اثنين،
واللهو والمزمار واستماع النوح، والغناء، وغير ذلك ينقض / الوضوء.
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (136/ 1) بتوسع يسير. (2) كل ما قاله من ناحية المرأة أجنبية كانت أو من المحارم خالف فيه ابن حزم الذي يرى عكس ذلك
رحمنا ورحمهما الله.
مس
[1/ 341] (1/325)
صفحة 326
قنطرة الصلاة
وكذلك النظر إلى عورات الآدميين غير نفسه أو زوجته أو سريرته ينقض الوضوء،
وكذلك النظر في سر كتاب غير مباح كل هذا ينقض الوضوء عند أصحابنا والله أعلم. قد ذكرنا من النجاسات، والفضلات والطهارات الظاهرة على الأبدان ما لا بد منها لسالكي طريق الآخرة، وليتحققوا أن نجاسات الباطن وفضلاته، وأوساخه من الأخلاق المذمومة، والاعتقادات الفاسدة التي يجب التنظف منها أكثر من أن تحصى وبالله التوفيق كملت أسرار الطهارة بحمد الله وحسن عونه والصلاة على محمد نبيه يتلوها أسرار الصلاة إن شاء الله.
،
قنطرة الصلاة في ذكر أسرارها وفضائلها
اعلم أن الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرَّة الطاعات قدم الله تعالى فرضها على الصيام؛ لأن الصلاة أسهل عملاً، وأيسر فعلاً، وجعل الله لها شروطاً لازمة من رفع حدث، وإزالة، نجس كما قدمنا ليستديم العبد النظافة للقاء ربه والطهارة لأداء فرضه ثم ضمنها تعالى تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه من أوامره ونواهيه، ويعتبر بإعجاز ألفاظه ومعانيه ثم علقها بأوقات راتبة، وأزمان مترادفة ليكون ترادف أزمانها، وتتابع أوقاتها سبباً [342/ب] لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه فلا تنقطع الرهبة منه ولا الرغبة / فيه، فإذا لم تنقطع الرغبة والرهبة وضعفهما، يكون استيفاؤها على الكمال أو التقصير فيها عن حال الجواز، ثم من لطف الله سبحانه بخلقه أن جعل لهم من جنس كل فريضة نفلاً، وجعل لهم من الثواب قسطاً وندبهم إليه ندباً، وجعل لهم بالحسنة عشراً ليضاعف ثواب فاعله، ويضع العقاب عن تاركه، ونحن إن شاء الله في هذا الكتاب مقتصرون على ما لا للمكلف منه أعمال الصلاة من الظاهرة وأسرارها الباطنة، وكاشفون عن دقائق معانيها الخفية في معاني الخشوع والإخلاص والنية ما لم تجر العادة بذكرها في كتب الفقه ومرتبون ذلك إن شاء الله على ستة أبواب (1)
الباب الـ ب الأول في فضل المسجد، وفضل الأذان، وفضل الصلاة.
الباب الثاني: في تفسير الأعمال الظاهرة ومناهي الصلاة. الباب الثالث: في كشف معاني أعمالها الباطنة الخفية. الباب الرابع: في كيفية الإمامة فيها، وما على الأئمة. الباب الخامس في صلاة الجمعة، وسننها وآدابها المستحبة.
(1) رتب الغزالي ذلك في كتابه على سبعة أبواب راجع الإحياء (145/ 1). (1/326)
صفحة 327
قنطرة الصلاة
311
الباب السادس: في الصلوات المسنونة، والنوافل المرغوب فيها.
الأول في فضل المسجد، وفضل الأذان، وفضل الصلاة، وفضل الخشوع والركوع
والسجود، وإتمام الأركان، وصلاة الجماعة.
فيشتمل هذا الباب على هذا الحال على ستة فصول:
الفصل الأول: في فضل الأذان
قال الله سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحام (1) الآية.
مما
بين
فقيل أنها نزلت في المؤذنين، وقال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ (2) الآية. أراد بالنداء الأذان، وعن ابن / عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة [1/ 343] يوم القيامة على كثيبت من مسك أسود لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب حتى يفرغ الناس: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله عز وجل، وأم به قوماً وهم به راضون، ورجل أذن في مسجد سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعماً ودعا إلى الله ابتغاء وجهه، ورجل ابتلى بالرزق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عبادة ربه، وأدى حق مولاه (3).
وعنه أنه قال: «لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له.
القيامة» (4).
أذانه (0).
يوم
وعنه أنه قال: يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من وعن ابن عمر عنه أنه قال: المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط بدمه في
سبيل الله، ما دام في أذانه ويشهد له كل رطب ويابس، فإذا مات لم يدود في قبره. وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنه قال: لو كنت مؤذناً لما باليت أن لا أحج، ولا
أعتمر، ولا أجاهد.
(1) سورة فصلت الآية: 33. (2) سورة المائدة الآية: 58. .
(3) قال العراقي في المغني عن نحوه (145/ 1): رواه الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر مختصراً، وه
في الصغير للطبراني بنحو مما ذكره المؤلف (أي الغزالي). (4) وقال في نفس الموضع: رواه البخاري من حديث أبي سعيد.
وهو
(5) قال العراقي في المغني (146/ 1): رواه الطبراني في الأوسط، والحسن بن سعيد في مسنده من حديث
أنس بإسناد ضعيف. (1/327)
صفحة 328
312
قنطرة الصلاة
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو كنت مؤذناً لكمل أمري، وما باليت أن لا أنتصب لقيام ليل، ولا صيام، نهار سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغفر للمؤذنين، اللهم اغفر للمؤذنين.
قال: فقلت: يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف، فقال: «كلا يا عمر سيأتي على الناس زمان يتركون الآذان على ضعفائهم فتلك لحوم حرمها الله على النار». يعني
لحوم المؤذنين. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: من صلى بأرض فلاة صلى على يمينه. ملك. ملك، فإذا أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال. من
الملائكة.
شماله
وعن
[344/ ب] وعن / النبي عليه السلام أنه قال: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة
واغفر للمؤذنين.
ويقال: إن المؤذنين أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، وعنه أنه قال: «إذا سمعتم
الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن (1).
وفي حديث آخر: «ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله عز وجل وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة.
وعنه أنه قال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد.
وعنه عليه السلام أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً غفر له».
هذه
وفي حديث آخر عنه عليه السلام أنه قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً. محموداً الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة».
وروي
أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، قال عليه السلام: «أقامها الله وأدامها». وينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول
فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) قال العراقي في المغني (146/ 1): متفق عليه من حديث أبي سعيد. (1/328)
صفحة 329
قنطرة الصلاة
313
وفي قوله قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض.
وفي التثويب: صدقت وبررت، وعند فراغ المؤذن من الأذان يدعو بالدعوة المتقدمة في
الحديث.
وعن أم سلمة / رضي الله عنها أنه عليه السلام علمها أن تقول عند أذان المغرب: اللهم [1/ 345]
هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي. وبالله التوفيق (1).
الفصل الثاني في فضل المسجد
قال الله سبحانه: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مِنْ آمَنَ بِاللَّهِ) إلى قوله: {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ
(Y),
يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (2).
وقال تعالى: في بيوت: يعني المساجد، أذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ: أي تكرم وتصان وتعظم، وقيل ترفع: تبنى وَيُذْكَرَ فَيْهَا أَسْمُهُ) (3) الآية.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: من بنى مسجداً الله تعالى ولو مثل مفحص قطاة
بنى الله له تعالى قصراً في الجنة (4).
وعنه أنه قال: من ألف المسجد أَلِفَهُ الله تعالى (5).
وعنه أنه قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان (6).
وفي بعض الكتب يقول الله عز وجل: إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها هم عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره (7).
(1) راجع في الباب إحياء علوم الدين (145/ 1، 146).
(2) سورة التوبة الآية: 18.
(3) سورة النور الآية: 36.
(4) رواه
ماجة من حديث جابر بسند صحيح وابن حبان من حديث أبي ذر وهو متفق من حديث عثمان
دون قوله ولو مثل مفحص قطاة قاله العراقي في المغني (151/ 1).
(5) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد بسند ضعيف قاله العراقي في المغني (152/ 1). (6) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد قاله العراقي في المرجع
السابق.
(7) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي سعيد بسند ضعيف ... وهو في الشُّعب نحوه موقوفاً على أصحاب رسول الله بإسناد صحيح وأسند ابن حبان في الضعفاء آخر الحديث من حديث سلمان
وضعفه. (1/329)
صفحة 330
314
قنطرة الصلاة
وعنه أنه قال: إن الحصاة لتناشد الذي أخرجها من المسجد.
وفي حديث آخر أنه قال: «عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم
نسيها.
وعنه أنه قال: «يأتي في آخر الزمان ناس يأتون المساجد يقعدون فيها حلقاً حلقاً
ذكرهم الدنيا، وحب الدنيا فلا تجالسوهم فليس الله بهم من حاجة (1).
[346/ ب] وفي الخبر: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما / تأكل البهائم الحشيش (2). وعنه عليه السلام أنه قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى
فيه ما لم يحدث، أو يقم يقولون: اللهم اغفر له وارحمه (3).
وفي حديث آخر: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يُخدِث قيل: وما يحدث. قال: يفسو أو يضرط».
وعنه عليه السلام أنه قال: من أتى المسجد لشيء فهو حظه». وعنه عليه السلام أنه قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل:
اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك.
:
وفي حديث آخر عن عمر بن العاص عنه عليه السلام أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: عصم مني سائر اليوم.
(1) رواه ابن حبان من حديث ابن مسعود والحاكم من حديث أنس وقال: صحيح الإسناد. قاله العراقي في
المغني (152/ 1).
(2) لم أقف له على أصل. قاله العراقي في المرجع السابق.
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (151/ 1). (4) متفق عليه من حديث أبي قتادة قاله العراقي في المصدر السابق. (1/330)
صفحة 331
[1/ 347]
قنطرة الصلاة
315
وعنه عليه السلام أنه قال: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على النار. تنزوي: أي تنضم وتنقبض.
وفي حديث جابر بن عبد الله أنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا وفي يده عرجون بن طاب: يعني نوعاً من ألوان الثمر قال: فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحثها بالعرجون ثم قال: أيكم أحب أن يعرض الله عز وجل عنه». فقال: «إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا / يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا على فيه ثم دلكه «أروني غبيراً».
ووضعه
فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته، فأخذه عليه السلام فجعله على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة.
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم. وعن النخعي أنه قال: كانوا يرون
أن المشي في الليلة المظلمة إلى المسجد موجب للجنة (1).
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيراً أو يعلمه ثم يرجع إلى بيته كان كالمجاهد في سبيل الله يرجع. غانماً.
وقال عليه السلام: «رهبانية أمتي عمارة المساجد».
وعن الحسن بن علي أنه قال: من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى خمس خصال: أخاً مستفاداً في الله، أو رحمة مستنزلة، أو علماً مستطرفاً، أو كلمة تدل على هدى، أو تصرفه عن ردى، أو يترك الذنوب خشية أو حياء.
وعنه عليه السلام أنه قال: «المساجد بيوت المتقين». وقال: «إنما جعلت لذكر الله
والصلاة.
(2)
وعن أنس بن مالك أنه قال: من أسرج سراجاً في المسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد وضوءه وفي حديث الربيع عن ابن عباس عن النبي الله أنه قال: طهرت المساجد من ثلاثة: من
(1) ذكره الغزالي في الإحياء (152/ 1).
(2) راجع المصدر السابق. (1/331)
صفحة 332
[348/ب]
316
أن
قنطرة الصلاة
ينشد فيها بالضالة، أو يتخذ فيها طريق، أو يكون فيها سوق». وقال ابن عباس: ولا بأس من إنشاد الضالة على أبواب المسجد. وعن ميمونة مولاة النبي، / أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس. قال: أنتوه فصلوا فيه». وكانت البلاد إذ ذاك حرباً. فإن لم تأتوه وتصلوا فيه، فابعثوا بزيت يسرج في قناديله». والله أعلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال النبي عليه السلام: «ما أمرت بتشييد
المساجد.
ثم قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، وفي حديث أنس عنه أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».
وفي حديث أنس أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم أنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فقال لهم: ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: وكان فيه قبور المشركين وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل فأمر عليه السلام بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه
حجارة.
الله عنه
وفي حديث ابن عمر أنه قال: إن مسجد النبي عليه السلام كانت سواريه على عهده من جزوع النخل، أعلاه مظلل بجريدة النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر رضي فبناها بجذوع النخل، وبجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة عثمان فبناها بالآجر فلم تزل
ثابتة حتى الآن.
وفي حديث آخر: لم يزد فيه أبو بكر، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد النبي عليه
السلام باللبن، والجريد وأعاد عمده.
قال مجاهد: عمده خشب فغيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة [349/ ب] المنقوشة، وجعل عمده - / قال مجاهد: - من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، والله أعلم. ويروى أن علياً كتب إلى بعض قضاته فقال: احذروا التزاويق والشرافات في المسجد؛
فإن المسجد جم. (1/332)
صفحة 333
[1/ ro.]
317
قنطرة الصلاة
قيل: كالشاة الجماء التي لا قرون لها.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: جعلت لي الأرض مسجداً الحديث.
وعن
شهدت له
عطاء الخراساني أنه قال: ما من عبد سجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت.
ويقال: الصلاة في المسجد بأربع وعشرين صلاة، وفي المصلى باثنتي عشرة.
وفي الحديث: الصلاة في مسجد النبي عليه السلام خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة». والله
أعلم.
وعن أنس بن مالك أنه قال: ما من بقعة يذكر الله تعالى عليها بصلاة أو ذكر، إلا افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله عز وجل عليها إلى منتهاها من سبع أرضين، وما من عبد يقوم إلا تزخرفت له الأرض
(1)
ويقال: ما من منزل نزله قوم إلا أصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا مات العبد يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، ثم قرأ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ
وقال ابن عباس: تبكي عليه الأرض أربعين صباحا (3). والله أعلم.
الفصل الثالث في فضيلة الصلوات وعقوبتها
/ قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا) (1) أي فرضاً موقوتاً. وقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} (5) الآية.
وقال تعالى لنبيه عليه السلام: (أَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ} (6).
(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (151/ 1، (152) في هذا الباب باختصار. (2) سورة الدخان الآية: 29.
(3) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (151/ 1، 152) في هذا الباب باختصار.
(4)
(0)
سورة النساء الآية: 103.
سورة البقرة الآية: 238.
(6) سورة هود الآية: 114. (1/333)
صفحة 334
318
قنطرة الصلاة
(1)
وقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا))
وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام حين تكلم في المهد: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَا (2).
الآية.
وقال تعالى مخبراً عن إسماعيل عليه السلام: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) (3)
وقال تعالى مخبراً عن الأنبياء عليهم السلام: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامِ الصلاة) (4) الآية.
(4)
في أمثال هذه مما يطول به الكتاب. وصح عن النبي عليه السلام أنه قال: «لكل شيء
عمود، وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة، الخشوع، وخيركم عند الله أتقاكم». وعنه عليه السلام أنه قال: لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا
وضوء ولا صلاة لمن لا صوم، له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله. وعنه عليه السلام أنه قال: «الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الإيمان (5). وقال: بني الإسلام على خمس على أن يوحد الله تعالى، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.
وعنه عليه السلام أنه قال: من هانت عليه صلاته، كان على الله أهون».
يمحو
به الخطايا ويرفع به
وعنه عليه السلام أنه قال: «ألا أدلكم على ما الله الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله قال عليه السلام: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة [351/ ب] الخطى إلى / المساجد في الظلمات، وإنتظار الصلاة.
بعد الصلاة».
وعنه عليه السلام أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
(1) سورة طه الآية: 132. الآية: 31.
(2) سورة مريم
(3) سورة مريم الآية: 55.
(4) سورة الأنبياء الآية: 73.
(5) قال العراقي في المغني (146/ 1): رواه البيقي في الشعب بسند ضعيف من حديث عمر، قال الحاكم عكرمة لم يسمع من عمر قال ورواه ابن عمر، ولم يقف عليه ابن الصلاح فقال في مشكل الوسيط إنه
غير معروف. (1/334)
صفحة 335
قنطرة الصلاة
319
رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتبنت الكبائر (1). وعنه عليه السلام أنه قال: «الصلاة نور، والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك وعليك (2).
ومن أبي أمامة عنه عليه السلام أنه قال: من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه كأجر الحاج المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو فيها كتب في عليين.
تغنموا».
وعنه عليه السلام أنه قال: زكوا تفلحوا صلوا تنجحوا، وصوموا تصحوا وسافروا
وعنه عليه السلام) قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الفجر فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون».
الربيع بن حبيب عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم يضيع من حقهن شيئاً جاء وله عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن نقص من حقهن شيئاً جاء وله عند الله عهد أن يدخله
النار (3)
له، ومن
وعنه من طريق سلمان الفارسي رحمه الله أنه قال: «الصلاة مكيال فمن وَفَّى وُفِّي طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين». رواه جابر بن زيد عن سلمان موقوفاً. وعنه وقد ذكر أخوان عنده / هلك أحدهما فقال عليه السلام: وما يدريكم ما بلغت [1/ 352] به صلاته، إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فما ترون ذلك يبقى من درنه شيء». قالوا: لا شيء، قال: فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته.
(1) أطراف الحديث عند مسلم في الصحيح الطهارة (14، (15 (16) وابن ماجه في السنن (598)، والترمذي في الجامع الصحيح (214)، والبيهقي (466/ 2).
(2) أطرافه عند مسلم في الصحيح الطهارة (ب) 1 رقم (100)، والترمذي في الجامع الصحيح (3517)، النسائي في المجتبى الزكاة ب (1) وابن ماجه في السنن (280، 4210)، والدارمي في السنن
(167/ 1)
(3) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن (1420) والنسائي في المجتبى (230/ 1)، وأحمد في المسند (1311/ 15 (219) والبيهقي في السنن (361/ 1)، والحميدي في المسند (389). (1/335)
صفحة 336
[353/ب]
320
قنطرة الصلاة
وعنه عليه السلام قال: الصلاة علم الإيمان فمن حفظها وحافظ عليها لوقتها بحدودها، وفرائضها، وسننها فهو مؤمن.
وعنه عليه السلام قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونها (1). وعنه أنه قال: «من لقي الله وهو مضيع للصلوات لم يعب الله عز وجل بشيء من
حسناته.
وعنه أنه.، سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة لمواقيتها (2).
وعنه عليه السلام أنه قال: من حافظ على الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها كن له نوراً وبرهاناً يوم القيامة، ومن ضيعها حشر مع فرعون وهامان».
وعنه أنه قال: مفتاح الجنة الصلاة (3).
وعنه عليه السلام أنه قال: ما افترض الله عز وجل على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة، ولو كان شيء أحب إليه منها لتعبد به ملائكته فمنهم راكع ومنهم ساجد وقائم
وقاعده (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: من ترك الصلاة كفر (5). وقال عليه السلام: «العهد الذي بيننا وبينكم ترككم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
وفي خبر آخر من طريق الربيع بإسناد عنه عليه السلام قال: «ليس بين / العبد والكفر إلا
تركه الصلاة.
کافر.
وعن علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء أنهم قالوا: تارك الصلاة
وعن علي أيضاً: من ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان.
(1) أطرافه عند مالك في الموطأ (130)، والشافي في المسند (52)، البيهقي في السنن (59/ 3). (2) قال العراقي في المغني: (146/ 1): متفق عليه من حديث ابن مسعود.
(3) رواه أبو داود الطيالسي من حديث جابر، وهو عند الترمذي ولكن ليس داخلاً في الرواية. قاله العراقي
في المصدر السابق.
(4) لم أجده هكذا، وآخر الحديث عند الطبراني من حديث جابر، وعند الحاكم من حديث ابن عمر. العراقي في المصدر السابق.
(5) رواه البزار من حديث أبي الدرداء بإسناد فيه مقال عن نحوه قاله العراقي في المغني (147/ 1).
قاله (1/336)
صفحة 337
[1/ 354]
قنطرة الصلاة
321
أبو سفيان محبوب بن الرحيل العبدي رحمه الله عن المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالي قال: ما لقي الله عبد بذنب أعظم من ترك الصلاة.
وعن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قيل له: الصلاة يا أمير المؤمنين.
فقال وجرحه ينبعث دماً: نعم ولا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة.
وعن ابن مسعود رحمه الله قال: من لم يصل فلا دين له.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: من ترك الصلاة متعمداً فقد بريء من ذمة محمد (1). أن أول ما ينظر من عمل العبد يوم القيامة الصلاة، فإن وجدت تامة قبلت منه
ويروي
وقبل سائر عمله وإن وجدت ناقصة ردت عليه ورُدَّ سائر عمله (2).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يكتب إلى عماله أن: أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وقد عاب الله أقواماً وذمهم وتوعدهم بالوعيد الشديد والعذاب الأليم بتضييعهم بعض حقوقها فكيف التارك لها؟ فقال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ إلى قوله:
غيَّا (3).
وعن عمر بن عبد العزيز قال: أضاعوها أي ضيعوا حدودها ومواقيتها، وقوله: {فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَا (1) قيل: وادياً في جهنم.
وقال تعالى: / فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (5) الآية.
وقد أمر الله نبيه بجهاد العدو، ووضع السيف في أهل الكفر بالله، ولم يأمره بالكف عنهم إلا بعد تأدية الصلاة وقرنها بالإيمان به فقال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: {فَإِنْ تابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ (6) الآية.
(1) رواه أحمد، والبيهقي من حديث أم أيمن بنحوه ورجاله ثقات قاله العراقي في المصدر السابق. (2) رويناه في الطيوريات من حديث أبي سعيد بإسناد ضعيف، ولأصحاب السنن، والحاكم وصحح إسناده نحوه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المصدر السابق.
الآية: 59.
(3) سورة مريم
الآية: 59.
(4) سورة مريم
(5) سورة الماعون الآية: 4.
(6) سورة التوبة الآية: (
0 (1/337)
صفحة 338
[355/ب]
322
قنطرة الصلاة
وجاء عنه عليه السلام أنه نهى عن قتل المصلين فثبت بدليل الخطاب قتل غير المصلين، فلعمري أن الذي عليه أكثر سلف الأمة من كل المذاهب إستتابة تارك الصلاة، فإن تاب وارتدع وصلى وإلا ضربت عنقه.
وعنه عليه السلام أنه قال: يا أبا هريرة مر أهلك بالصلاة؛ فإن الله تعالى يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب (1)
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما بلغنا: إذا حضرت الصلاة قال: قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فاطفئوها (2).
(2)
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: من تهاون بالصلاة ثلاثة أيام مع لياليها عاقبه الله بخمس عشرة خصلة ست في حياته وثلاث عند موته وثلاث في قبره وثلاث في
المحشر. أما اللواتي في الحياة فينزع البركة من رزقه وعمره وينزع سيم الصالحين من وجهه،
ولا يستجاب دعاؤه، ولا يجد ثواب عمله.
وأما اللواتي عند الموت فأنه يموت جائعاً، عطشاناً، ذليلاً.
وأما اللواتي في القبر: فيضيق القبر وظلمته وعذابه في البرزخ حتى تقوم القيامة. وأما اللواتي في المحشر: فإنه يسحب على وجهه ويعذب عذاباً أليماً، وينادي عليه مناد هذا جزاء من ضيّع ما افترض الله عليه.
وعنه عليه / السلام أنه قال: ما أعطى العبد خيراً من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما». وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة مرضات الرب وحب الملائكة وسنة الأنبياء وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وراحة الأبدان وسلاح الأعداء، وكراهية الشيطان وشفيع لصاحبها عند الموت، وسراج في القبر، وفراش لجنبه وجواب منكر ونكير ومؤنس معه، وزائر له في قبره، فإذا كانت القيامة صارت الصلاة ظلاً فوقه وتاجاً على رأسه ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى بين يديه، وستراً بينه وبين النار وحجة بين يدي الرب تعالى وثقلاً في الميزان، وجوازاً على
(1) لم أقف له على أصل قاله العراقي في المغني (147/ 1).
(2) ذكره الغزالي في الإحياء (147/ 1). (1/338)
صفحة 339
قنطرة الصلاة
323
الصراط، ومفتاحاً للجنة؛ لأن الصلاة تحميد وتسبيح، وتمجيد، وتعظيم وقراءة ودعاء، فيها يتوصل العبد إلى الملك الأعلى وبها يصرف عنه البلاء».
:
كما حكي في الخبر أن آدم عليه السلام نزلت به قرحة في إبهام رجليه ثم ارتفعت إلى
قدميه ثم ارتفعت إلى ركبتيه ثم إلى حقويه، فقام يصلي فنزلت إلى ركبتيه، ثم قام يصلي فنزلت إلى قدميه ثم قام يصلي فذهبت من جميع. جسده.
وعن
عثمان بن
عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما توضأ عبد فأحسن الوضوء
ثم أتى الصلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين! الصلاة الأخرى».
فالتمست ذلك في كتاب الله تعالى، فإذا هو في سورة المائدة في قوله: / {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى [1/ 356] الصَّلاة إلى قوله: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (1).
حدثت
(1)
فعلمت أن تمام النعمة على المصلين تطهيرهم من الذنوب، وإتمام المغفرة.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: حضرت الوفاة رجلاً من الأنصار فقال: من في البيت؟ فقالوا: أهلك وإخوانك وجلساؤك في المسجد فقال: اقعدوني فأسنده ابنه إلى صدره، ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه السلام وقالوا خيراً فقال: أما إني أحدثكم حديثاً ما به أحداً منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحدثكم به إلا إيماناً واحتساباً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين، لم يرفع رجله اليمنى إلا كتبت له حسنة، ولا يضع رجله اليسرى إلا محيت عنه يأتي المسجد فليقترب أو يتباعد، فإذا صلى الصلاة انصرف وقد غفر له (2). وكان عبد الله بن عمر فيما بلغنا يقول: إن خطايا الإنسان في رأسه فإذا سجد انحطت الذنوب والخطايا من رأسه.
سيئة حتى!
وعن النبي عليه السلام أنه قال: أول ما يحاسب عليه الناس يوم القيامة الصلاة يقول الله تبارك وتعالى للملائكة انظروا إلى صلاة عبدي فإن كانت تامة اكتبوها تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا إلى ما له من تطوع فإن كان له تطوع قال: اكملوا فرضه من تطوعه رحمة منه على عبده. يريد ما نقص منها سهواً والله أعلم
(1) سورة المائدة الآية: 6.
(2) طرف الحديث عند البيهقي في السنن (111/ 2).
(r)
(3) راجع هذا الباب في إحياء علوم الدين للغزالي (146/ 1، 147) وفيه بعض ما هنا.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 22 (1/339)
صفحة 340
324
قنطرة الصلاة
الفصل الرابع: في فضل الخشوع
قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (1).
(2)
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) في أمثالها من الآيات، ومعنى الخشوع: الخوف الثابت في القلب، فإذا كان القلب خاشعاً خائفاً، أورث ذلك تيقظاً فيه وسكوناً في الجوارح كما قال عليه السلام وقد نظر إلى رجل يعبث بلحيته
فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه (3).
(4)
وقال تعالى: أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (1).
(0) ,
وقال تعالى: (وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (5).
وقال عز وجل: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (6). قيل: سكارى من كثرة الهم وقيل: من حب الدنيا وقيل: إن المراد به ظاهره وفيه تنبيه على سكر الدنيا إذ بين فيه العلة فقال: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (7). فكم من مصل لم يشرب الخمر وهو لا يعلم ما يقول في صلاته، وقال بعض العلماء: الخشوع في الصلاة والإعراض عما سواها.
هو جمع
الهمة لها
وعن عمر بن دينار قال: ليس الخشوع في الركوع والسجود ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. أن وقيل: هو لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال بعضهم: يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى يكون خاشعاً: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهمة وهذا هو الأصل.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى ركعتين لم يحدث فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما
(1) سورة البقرة الآية: 45. (2) سورة المؤمنون الآية: 1.
(3) رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث أبي هريرة بسند ضعيف والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب رواه ابن أبي شيبة في المصنف وفيه رجل لم يسم. قاله العراقي في المغني (150/ 1).
(4) سورة طه الآية: 14. (5) سورة الأعراف الآية: 205.
(6) سورة النساء الآية: 43. (7) سورة النساء الآية: 43. (1/340)
صفحة 341
[1/ 358]
325
قنطرة الصلاة
تقدم من ذنبه (1).
وهو مروي في الصحيح وقال له فيما بلغنا: إنما الصلاة تمسكن وتواضع / وتضرع وتبائس وتنادم وتقنع رأسك فتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج (2). وروي عن الله سبحانه في الكتب السالفة أنه قال: ليس كل مصل تقبل صلاته، إنما تقبل
صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتكبر عليّ، واطعم الجائع الفقير لوجهي. وقال: «إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله تعالى (3)، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود، والمطلوب عظمة، ولا هيبة، فما قيمة ذكرك. وقال صلى الله عليه وسلم الذي أوصاه: إذا صليت فصل صلاة مودع (4). قيل: معناه مودع لنفسه، مودع لهواه مودع لعمره، سائراً إلى مولاه كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ).
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) (5).
وقال: من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً، والصلاة مناجات فكيف تكون مع الغفلة (6).
وعن بكر بن عبد الله أنه قال من مثلك يا ابن آدم إذا أردت أن تدخل على مولاك بغير إذن دخلت قيل: وكيف ذلك؟ قال: تسبغ وضوءك وتدخل محرابك، فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن فكلمه بغير ترجمان (7).
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف من حديث صلة بن أشيم مرسلاً وهو في الصحيحين من حديث عثمان بزيادة في أوله دون قوله بشيء من الدنيا وزاد الطبراني في الأوسط إلا بخير. قاله العراقي في المغني
(10./1)
(2) رواه الترمذي والنسائي، بنحوه من حديث الفضل بن عباس بإسناد مضطرب قاله العراقي في المصدر
السابق.
صحيح
(3) رواه ابن ماجه من حديث أبي أيوب، والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال والبيهقي في الزهد من حديث ابن عمر، ومن حديث أنس بنحوه قال العراقي في المصدر السابق.
(4) سورة الانشقاق الآية: 6.
(5) سورة البقرة الآية: 223.
الإسناد
(6) رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث الحسن مرسلاً بإسناد صحيح، ورواه الطبراني في الكبير، وأسنده ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عباس بإسناد لين والطبراني من قول ابن مسعود من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر الحديث وإسناده صحيح. قاله العراقي في المغني
(10./1)
(7) ذكره الغزالي في الإحياء (150/ 1). (1/341)
صفحة 342
326
قنطرة الصلاة
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت [359/ب] الصلاة فكأنه لم يعرفنا، ولم نعرفه (1). اشتغالاً بعظمة الله تعالى وعنه: / «لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه بدنه. مع
ميلين.
وكان إبراهيم الخليل عليه السلام فيما بلغنا إذا قام إلى الصلاة.
يسمع
(2)
اضطراب قلبه على
وكان بعض العلماء إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته (2). ويروى أن الحسن نظر إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوجني من الحور العين. فقال له: بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت تعبث (3).
ويروى أنه قيل لخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في الصلاة فتطردها. فقال: لا أعود نفسي شيئاً يفسد علي صلاتي. قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال: فلان صبور ويفتخرون بذلك، فكيف وأنا قائم بين أفأ تحرك لذبابة؟! (4).
يدي ربي
ويروى عن مسلم بن يسار أنه: كان إذا أراد الصلاة قال لأهله: تحدثوا أنتم فإني لست
أسمعكم (ه).
ويروى عنه أنه كان يصلي يوماً في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد فاجتمع
الناس لذلك، ولم يشعر به حتى انصرف من الصلاة).
وكان علي بن أبي طالب إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون. فقيل له: ما لك يا أمير المؤمنين؟! فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها (7).
(1) رواه الأزدي في الضعفاء من حديث سويد بن غفلة مرسلاً كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الأذان كأنه لا يعرف أحداً من الناس. قاله العراقي في المغني (150/ 1).
(2) ذكره الغزالي في الإحياء (151/ 1).
(3) راجع المصدر السابق.
(4) راجع المصدر السابق.
(0) راجع المصدر السابق.
(6) راجع المصدر السابق. (7) راجع المصدر السابق. (1/342)
صفحة 343
قنطرة الصلاة
327
وروي عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء. فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم (1).
وعن ابن عباس رضي الله عنه / أنه قال: قال داود عليه السلام: إلهي من يسكن بيتك، [1/ 360] وممن تتقبل منه الصلاة؟ فأوحى الله تعالى إليه: إنما يسكن بيتي واتقبل الصلاة منه من تواضع لعظمتي، وقطع نهاره بذكري، وكَفَّ نفسه عن الشهوات من أجلي، يطعم الجائع، ويأوي الغريب، ويرحم المصاب، فذلك الذي يضيء نوره في السماء كالشمس إن دعاني لبيته، وإن سألني أعطيته، اجعل له في الجهل علماً، وفي الغفلة ذكراً، وفي الظلمة نوراً، وإنما مثله في الناس كالفردوس في الجنان لا تتيبس أنهارها، ولا تتغير ثمارها (2).
ويروى عن حاتم الأصم أنه سئل عن صلاته، فقال: إذا حان وقت الصلاة اسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم في مصلاي فأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني، والنار عن يساري، وملك الموت ورائي وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف فأكبر تكبيراً بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل واركع ركوعاً بتواضع، وأسجد بتخشع وأجلس على التمام، وأتشهد بالسنة، وأتبعها بالإخلاص ثم لا أدري أقبلت مني أم لا (3).
فصل
اعلم أرشدك الله وإيانا لطاعته، أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله تعالى وعظمته ومن رزق ذلك فإنه يكون خاشعاً في الصلاة، وفي غيرها بل في جميع خلواته فإن موجب الخشوع معرف رفة اطلاع الله تعالى على العبد، ومعرفة جلاله، ومعرفة / تقصير [1/ 361] العبد في حق عظمته تعالى، فمن هذه المعارف يتولد الخشوع، وليست مختصة بالصلاة. ولذلك روي عن بعضهم: أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من
وخضوعاً له.
الله تعالى
وفي كتاب الغزالي قال: وكان الربيع بن خُثيم (4) فيما بلغنا من شدة غضه للبصر،
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
(3) راجع المصدر السابق.
(4) الإمام القدوة العابد أبو يزيد الثوري الكوفي أحد الأعلام، أدرك زمان النبي، وأرسل عنه .. (1/343)
صفحة 344
328
قنطرة الصلاة
وإطراقه إلى الأرض، يظن بعض الناس أنه أعمى، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة، فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود ـ رحمه الله - صديقك ذلك الأعمى قد جاء. فكان يضحك ابن مسعود من قولها وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقاً غاضاً بصره،
وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول: وبشر المخبتين أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم الفرح بك (1). وفي لفظ آخر: لأحبك ومشى ذات يوم مع ابن مسعود على الحدادين، فلما نظر إلى الأكوار تنفخ، وإلى النيران تلتهب صعق وسقط وخر مغشياً عليه. وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة، ولم يفق فحمله على ظهره إلى منزله فلم يزل مغشياً عليه إلى الساعة التي صعق فيها، ففاتته خمس صلوات وابن مسعود عند رأسه يقول: هذا والله الخوف. وكان الربيع فيما بلغنا يقول: ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول، وما يقال لي، والله أعلم.
وروي عن أبي بلال مرداس (2) رحمه الله: أنه اجتاز على أعرابي يهنأ بعيراً له بالقطران، فلما رآه سقط مغشياً عليه فجعل الأعرابي يقرأ في أذنه ظن أنه مجنون، فلما أفاق قال له: ما ظننت، ولكني رأيت القطران فتذكرت / قطران النار. فقال الأعرابي: لا جَرَمَ، لا: لا
[362/ب] ليس بي
أفارقك.
:
وروي عن أبي بلال أيضاً أنه مرّ بحدادين هو وصاحب له، فلما نظر إليهم غشي عليه، فلم يزل الرجل يرش على وجهه الماء حتى أفاق ثم سارا فاستقبلتهما امرأة جسيمة بهية ذات كسوة وهيئة فلما نظر إليها أبو بلال سقط مغشياً عليه، فلم يزل صاحبه يرش الماء على جهه حتى أفاق فسارا فبينما هما يسيران إذا استقبلهما رجل على برذون في هيئة عجيبة، خلفه غلمان فلما نظر إليه أبو بلال سقط مغشياً عليه، فلم يزل صاحبه يرش الماء على وجهه حتى أفاق فقال له: يا أبا بلال يرحمك الله ما هذا الذي أرى؟ أما المرة الأولى: فقد علمت أنك عاينت النار بذلك، فحدّثني عنك حين رأيت المرأة والرجل؟ فقال: أما المرأة فإني لما رأيت عظمها وجسمها وما هي فيه ذكرت تقلبها في النار فكان ما رأيت. وأما الرجل
الربيع بن خثيم سنة خمس وستين قاله الذهبي في السير (258/ 4).
(1) ذكره أبو نعيم في الحلية (106/ 2)، وابن سعد في الطبقات (182/ 6). (2) هو: مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو موسى الأشعري قال عنه الذهبي في سيره (582/ 10) الإمام المحدث أحد علماء الكوفة ... لينه الدارقطني. . وأظنه مات قبل الثلاثين ومائتين وكان من أبناء التسعين. (1/344)
صفحة 345
قنطرة الصلاة
329
فكنت أراه كثيراً وهو يشهد مجالس المسلمين، فذكرت سوابق الشقاء فكان ما رأيت. وذكر في سيرة الأشياخ أن رجلاً من أهل تنضج (1) كان يصلي على ظهر دكان فعمل في باطنه الإسفنج فلم يشم رائحته اشتغالاً بما هو فيه.
وروي عن أم داود امرأة أبي هارون رحمه الله: أنها كانت تصلي فدخل الحنش في
كمها، وخرج من الكم الآخر، ولم تكسر الصلاة قالت: فحسيت لينه على فخذي. وكان عامر بن عبد الله فيما ذكر في كتاب الغزالي: من خاشعي المصلين قال: وكان إذا صلي ضربت ابنته الدف، وتحدث النساء بما يردن في البيت، ولم يكن يسمع ذلك ولا يعقله. وقيل له ذات يوم: هل تحدث / نفسك بشيء؟ قال: نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل، [1/ 363]
ومنصرفي إلى إحدى الدارين قيل فهل تجد شيئاً مما نجد من أمور الدنيا. فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد في الصلاة ما تجدون. وكان يقول فيما بلغنا: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. وكان مسلم بن يسار منهم، إذ لم يشعر فيما بلغنا بسقوط إسطوانة في المسجد.
وفي كتاب الغزالي قال: وتأكل طرف من أطراف بعضهم، واحتيج إلى القطع، ولم يمكن منه. فقيل: إنه في الصلاة لا بما يجري عليه، فقطعت وهو في الصلاة. وقال يحس بعضهم: الصلاة من الآخرة، فإذا دخلت في الصلاة خرجت من الدنيا. وقيل لآخر: هل تحدث نفسك في الصلاة بشيء من أمر الدنيا؟ فقال: لا في الصلاة، ولا في غيرها. فهذه صفة الخاشعين فثبت بما ذكرنا من الأخبار والحكايات أن الأصل في الصلاة الخشوع، وإحضار القلب على ما سيأتي إن شاء الله، وإن مجرد الحركات قليل الجدوى، والمنفعة في الآخرة، وبالله التوفيق.
الفصل الخامس: في فضل إتمام الأركان من الركوع والسجود
وغير ذلك في الصلاة، اعلم أنه لا يستحق ثواب الصلاة إلا المقيمون لها بحدودها، ووظائفها؛ لأن المصلين كثير والمقيمين قليل. ولذلك عظم الله سبحانه الصلاة فقال: {وَإِنَّهَا لكَبِيرَةُ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (2) الآية.
(2)
(1) كذا في الأصل، والذي وقفت عليه في معجم البلدان تنضب وقال قرية من أعمال مكة بأعلى نخلة
فيها عين جارية ونخل. (2) سورة البقرة الآية: 45. (1/345)
صفحة 346
330
قنطرة الصلاة
فكلما ذكر الله في كتابه صفة المؤمنين نسبهم في الصلاة إلى الإقامة بها، فقال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَإِقَامَ الصَّلاةِ) (1) الآية.
(Y),
وقال تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) (2).
[364/ ب] الذين يقيمون الصلاة في أمثالها. وقال في المنافقين: / فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) () وقال: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى (4). في أمثالها، لأن الصلاة هي. خدمة الله
سماء
جميع
(?)
تعالى في أرضه تتضمن على طاعات المتعبدين من الملائكة وغيرهم. ولذلك قيل: إن الله تعالى خلق سبع سموات وحشاها بالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون وتعبدهم بأنواع العبادات، فأهل سماء قيام حتى ينفخ في الصور، وأهل سماء ركع، وأهل سماء سجد، وأهل مرخية الأجنحة. من هيبة الله تعالى. وأهل عليين ومن حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين فجمع الله عبادتهم كلها على اختلافهم فيها للمسلمين في صلاة واحدة لينالوا حظاً من عبادة أهل السموات، وزادهم القرآن يتلونه فيها، فدل ما ذكرنا أن الصلاة أمر عظيم، وفرض جسيم وأنها معدن البر، وأساس الخير، والإتيان بها على الكمال أمر شديد إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ) (5).
ولذلك قال عيسى عليه السلام مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى. وعن يزيد الرقاشي أنه قال: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستوية كأنها موزونة. وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الرجلين من أمتي ليقومان إلى الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد، وأن ما بين صلاتيهما ما بين السماء والأرض (6). قيل: أشار بذلك إلى الخشوع. وعنه أنه قال: «لا ينظر الله عز وجل إلى عبد لا يقيم صلبه في ركوعه، وسجوده (7). وعنه
(1) سورة الأنبياء الآية: 73. (2) سورة النساء الآية: 162. (3) سورة الماعون الآية: 4. (4) سورة النساء الآية: 142. (5) سورة البقرة الآيتان: 45 46.
(1) ,
(6) رواه ابن المحبر في العقل من حديث أبي أيوب الأنصاري بنحوه، وهو موضوع، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن المحبر قاله العراقي في المغني (147/ 1).
(7) رواه أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح قاله العراقي في المصدر السابق. (1/346)
صفحة 347
قنطرة الصلاة
[1/ 365]
331
أنه قال: «أما يخاف الذي يحول وجهه / في الصلاة أن يحوّل الله وجهه وجه حمار (1). وعن ضمام بن السائب بإسناده إلى حذيفة بن اليماني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة، حتى يقول آخر هذه الأمة: ما فينا منافق، ولا كافر، وإنا لأولياء الله حقاً، وحق على الله أن يدركهم الدجال».
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضه في الإسلام وما أكمل الله صلاته. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها.
وروي عنه أنه رأى رجلاً لم يحسن صلاته، بقيام وركوع وسجود، فعلاه بالدرة فقال: والله لا نتركك تظهر النفاق. بين أظهرنا.
(2)
وسئل أبو العالية عن قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (2). فقال: هو الذي يسهو عن صلاته فلا يدري على كم ينصرف عن شفع أم وتر. وأنكر عليه الحسن فقال: هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى يخرج.
وقال بعضهم: هو الذي إن صلاها في أول الوقت لم يفرح، وإن أخرها عن الوقت لم
يحزن، فلا يرى تعجيلها براً ولا تأخيرها إثماً.
وعن مطرف بن عبد الله رفع الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال: بينما هو جالس في مسجد الكوفة: إذ دخل رجل بعد العصر، فجعل يصلي ولم يحسن صلاته في قيام وركوع وسجود. فقال ابن مسعود: ألا من محتسب يقوم فيضرب عنق هذا؟!
وروي عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وقال بعضهم: إن العبد يسجد السجدة عنده / أنه تقرّب إلى الله تعالى بها، ولو قسمت 1/ 366] ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا قيل: وكيف ذلك؟ قال: يكون ساجداً عند الله تعالى وقلبه مصغ إلى هوى أو مشاهد لباطل قد استوى عليه.
وعن حذيفة رضي الله عنه أنه نظر إلى رجل يصلي لا يقيم ظهره، فلما فرغ قال: أتألم
(1) رواه ابن عدي في عوالي مشايخ مصر من حديث جابر: ما يؤمنه إذا التفت ... ، قال منكر بهذا الإسناد وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله وجهه وجه
حمار. قاله العراقي في المصدر السابق. (2) سورة الماعون الآية: 4. (1/347)
صفحة 348
332
قنطرة الصلاة
ظهرك؟ قال: لا. قال: أما إنك لو مت على حالتك هذه كنت مخالفاً لسنة رسول الله عليه
السلام.
وأحسب أني رأيت في بعض الآثار: أن رجلاً خفف ركوعه وسجوده فقال له ابن مسعود منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة أو ما شاء الله. فقال: له ما صليت منذ أربعين
سنة.
وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال: من صلى الصلاة لوقتها، فأسبغ وضوءها، وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلى الصلاة لغير وقتها، ولم يسبغ وضوءها، ولم يتم ركوعها، ولا سجودها، ولا خشوعها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت بحيث شاء الله لفت كما يُلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها (1).
وروي عنه أنه قال: «ما ترون في الشارب والسارق، والزاني»؟ وذلك قبل أن ينزل فيهم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هن فواحش وفيهن العقوبة، وأسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها (2). والآثار والأخبار في تعظيم الصلاة كثيرة جداً ويكفي في ذلك تعظيم الله إياها في كتابه
[367/ب] / في غير موضع قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (3). فبدأ أعمالهم بخشوع الصلاة، وختمها بالمحافظة عليها، ثم عاب الإنسان وذمه بالجزع والهلع والمنع للخير إلا أهل الصلاة فقال: إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعا إلى قوله: إِلا الْمُصَلِّينَ) (1) فوصفهم بحسن أعمالهم، فختمها بالمحافظة على الصلاة. فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ فِي جَنَاتٍ مُكْرَمُونَ (5). ثم ندب إليها رسوله فقال: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} (6). ففي
(1) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند ضعيف والطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث عبادة بن الصامت بسند ضعيف نحوه قاله العراقي في المغني (148/ 1).
(2) قال العراقي عنه مختصراً في المنني: (148/ 1) رواه أحمد والحاكم وصحح إسناده من حديث قتادة.
(3) سورة المؤمنون الآية: 1. (4) سورة المعارج الآيتان: 19، 22.
(5) سورة المعارج الايتان: 34 - 35. (6) سورة العنكبوت الآية: 45. (1/348)
صفحة 349
قنطرة الصلاة
333
تلاوة القرآن جميع الطاعة واجتناب جميع المعاصي، ثم خصّ الصلاة بالذكر، وأمره أن يأمر أهله بها فقال: {وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (1).
ثم أمر المؤمنين فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (2) الآية. وكذلك لما أخبر عن المؤمنين الأولين فقال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (3). في أمثالها مما يطول به الكتاب.
الصلاة.
وحض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع حالاته حتى عند خروج نفسه فقال: «الصلاة
وفي
لفظ
آخر: «الصلاة الزكاة وما ملكت اليمين ثم قال رفيع الدرجات: «هل بلغت؟ (4). ثم لم يتكلم بعدها فيما قيل، والله أعلم.
الفصل السادس: في فضل صلاة الجماعة والوعد في تاركها
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا في بدو،
ولا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم / الشيطان».
ثم قال عليه السلام: وعليك بالجماعة، وإنما يأكل الذئب القاصية (5).
قال الراوي للحديث: يعني بالجماعة الصلاة في الجماعة.
وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة
(7) ?
فأحرق عليهم بيوتهم" ومن طريق آخر قال عليه السلام: «لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزماً من حطب ثم أتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فاحرقها عليهم.
(1) سورة طه الآية: 132.
(2) سورة البقرة الآية: 45. (3) سورة الأعراف الآية: 170.
(4) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن الأدب (134)، وأحمد في المسند (290/ 6)، الحاكم في
المستدرك (57/ 3)، ابن سعد في الطبقات (2:2: 44).
(0) أطراف الحديث عند
داود في السنن الصلاة ب (47) النسائي في المجتبى (106/ 2)، الدارمي في
السنن (461/ 1)، الحاكم في المستدرك (246/ 1)، والبيهقي في السنن (54/ 3). (6) متفق عليه. قاله العراقي في المغني (148/ 1).
[1/ 368] (1/349)
صفحة 350
334
قنطرة الصلاة
قيل للراوي: عن أبي هريرة الجمعة عَنِي أو غيرها. قال: صُمَّت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكر الجمعة ولا غيرها.
وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله قال: من سره أن يلقى الله مسلماً فليحافظ على الصلوات المفروضات حيث ينادي بهن في الجماعة، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد أتى علينا، زمان وما يتخلف عنهن إلا منافق، معلوم نفاقه، ولعمري لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وفي لفظ آخر: لكفرتم. ولقد رأيت الرجل يتهادى بين اثنين حتى يقام في الصف.
الله
وعن ابن عباس عنه أنه قال: من سمع المنادي فلم يمنعه من إتباعه عذر لم تقبل [369/ ب] منه الصلاة التي صلى قيل: وما العذر؟ قال: / خوف أو مرض. فقال ابن مكتوم: يا رسول إني رجل ضرير شاسع، الدار ولي قائد لا يلائمني فهل لي من رخصة أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء»؟ قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصة». ويقال: كان بينه وبين المسجد واد من نخل فأمر عليه السلام أن يشد له حبل من بيته إلى المسجد، فكان يمشي إليه. ومن طريق آخر قال ابن مكتوم يا رسول الله إن المدينة كثيرة السباع والهوام، فقال: أما ت ما تسمع حي على الصلاة.
حي
على الفلاح فحيهلا».
وأما فضلها فقد قال عليه السلام: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ
درجة (1)
بسبع وعشرين
وعن عثمان بن عفان عنه أنه قال: من صلى العشاء في جماعة كان كقيام ليلة». وعن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح فقال: «أشاهد فلان»؟ قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان»؟ قالوا: لا قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبوا على الركب وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله».
(1) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند ضعيف والطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث عباد بن الصامت بسند ضعيف نحوه. (1/350)
صفحة 351
قنطرة | ة الصلاة
335
وفي بعض آثار قومنا عن أبي سعيد الخدري عنه عليه السلام أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام بعد العصر، ومعه سبعون ألف ملك فقال لي: يا محمد إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: قد أهدى لك هدية / قال: فقلت يا جبريل وما هذه الهدية؟ قال: صلاة الوتر وصلاة [1/ 370]
الخمس في الجماعة فقلت له: يا جبريل وما لأمتي من صلاتها في الجماعة؟ فقال: يا محمد إن كانا اثنين كتب الله لكل واحد منهما بكل ركعة ثواب مائة وخمسين صلاة، وإن كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ثلثمائة صلاة وإن كانوا أربعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستمائة صلاة، وإن كانوا خمسة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ثواب ألف صلاة ومائتي صلاة وإن كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم لكل ركعة ثواب ألفي صلاة، وأربعمائة صلاة، وإن كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف صلاة وثمانمائة صلاة، وإن كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ثواب تسعة آلاف صلاة وستمائة صلاة، وإن كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ثواب تسعة وعشرين ألف صلاة ومائتين صلاة، وإن كانوا عشرة كتب الله لكل واحد منهم ثواب ثمانية وثلاثين ألف صلاة وأربعمائة صلاة فإن زادوا على العشر فلو كانت البحار مداداً والأشجار أقلاماً، والثقلان كتاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة من صلاة الجماعة. يا محمد تكبيرة ركعة واحدة يكبرها المصلي المؤمن مع الإمام خير له من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة واحدة يسجدها المؤمن مع الإمام خير له من عبادة سنة، وركعة واحدة يركعها المؤمن مع الإمام خير له من عتق رقبة والله أعلم. وعنه أنه قال: / من صلى أربعين يوماً صلاة الصبح في جماعة لا تفوته منها تكبيرة [1/ 371] الإحرام كتب الله له براءتين براءة من النفاق وبراءة من النار (1).
يرد به.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من سمع المنادي ثم لم يحب لم يرد خيراً ولم
خير
وعن أبي هريرة أنه قال: لأن تمتلاء أذن ابن آدم رصاصاً مذاباً. له
المنادي ثم لا يجيبه.
من
أن
يسمع
ويقال: إنه إذا كان يوم القيامة يحشر قوم وجوههم كالكوكب الدري فتقول لهم الملائكة: ما كانت أعمالهم؟ فيقولون: كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة ولا يشغلنا عنها
(1) رواه الترمذي من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات قاله العراقي في المغني (148/ 1). (1/351)
صفحة 352
336
قنطرة الصلاة
غيرها، ثم تحشر طائفة تحشر طائفة وجوههم كالشموس فيقولون بعد السؤال: كنا نسمع ا الأذان في المسجد.
وجوههم كالأقمار فيقولون بعد السؤال: كنا نتوضأ قبل الوقت، ثم
أن ويروي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني آتيان في نومي فقالا: انطلق معنا فانطلقت معهما فأتياني على رجل مضطجع وإذا بآخر قائم على رأسه بصخره يهوي بها إلى رأسه فيشدخه بها، ثم يأخذها ويرجع بها إليه فما يصل إليه حتى يرجع رأسه كما كان يفعل به مثل المرة الأولى فقلت: سبحان الله ما هذا؟! فقالا لي: إنه كان ينام عن صلاة العتمة.
ويقال: صلاة العشاء تثقل على من كان قبلنا ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لأنها
كالطابع على العمل.
ويروي
أن قوماً كانوا في سفر لا يستنزلون الله إذا نزلوا، ولا يستجمعون على إمام [372/ب] فعميت أبصارهم فنودوا ذلكم / بأنكم لا تستنزلون الله إذا نزلتم ولا تستجمعون على إمام، فتابوا إلى الله وتضرعوا فرد الله عليه أبصارهم.
ويقال عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما أذن المؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد. وعن محمد بن واسع أنه قال: ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثة: أخاً في الله إن تعوجت قومني، وقوتاً من الرزق عفواً بلا تباعة، وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها ويكتب لي فضلها. وعن الحسن قال: لا تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى العلماء.
وعن النخعي قال: مثل الذي يؤم بالناس بغير علم كمثل الذي يكيل الماء في البحر لا
يدري زيادته من نقصانه.
ويقال: من أخذ تكبيرة الإحرام مع الإمام كمن أنفق مائة ناقة سود الحدق. أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتهم التكبير الأول، ويعزون سبعاً
ويروي
إذا فاتتهم الجماعة.
وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها أو حضرها ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً (1). والله أعلم (2).
(2)
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (380/ 2)، (117/ 4، 151)، (6/ 140)، والبيهقي في السنن الكبرى (69/ 3)، والبغوي في شرح السنة (342/ 3).
(2) راجع في الباب إحياء علوم الدين للغزالي (148/ 1، 149). (1/352)
صفحة 353
قنطرة ا رة الصلاة
337
اعلم
الباب الثاني
في كيفية الأعمال الظاهرة من الصلاة
أنه ينبغي للمصلي إذا فرغ من الوضوء وطهارة الخبث من البدن، والثياب،
والمكان، ومن ستر العورة من السرة إلى الركبة للرجل، وجميع البدن للمرأة هذا أقل السترة، وإن كان الثوب واسعاً فليستر الرجل / ظهره، وعامة بدنه. فإن خرج إلى المسجد فليخرج بنية [1/ 373]
الزيادة، ويدخل المسجد بنية العبادة وينتصب للصلاة قائماً متوجهاً إلى القبلة بنية الخدمة الله تعالى بالعبودية مقراً له بالربوبية وليقم الصلاة وليؤذن أولاً إن رجا من يصلي معه، ولينتصب للصلاة جاعلاً بين رجليه مقدار مسقط نعل أو أربعة أصابع يراوح بذلك بين قدميه، ولا يضمهما، فإن ذلك فيما بلغنا مما يستدل به على فقه الرجل، هذا ما يراعي في رجليه عند القيام. ويراعي في ركبتيه ومعقد حزامه الانتصاب، وأما رأسه فإن شاء تركه على استواء القيام، وإن شاء أطرقه قليلاً، والاطراق أقرب للخشوع، وأغض للبصر، وليكن بصره ره محصوراً على مصلاه في موضع سجوده، فإن لم يكن مصلاً فليقرب من جدار أو ليخط خطاً؛ فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع تفرق الفكر ولا يخالف بين رجليه ولا يقف على أطراف أصابع إحدى رجليه وذلك هو الصفن المنهي عنه، وليرسل يديه إرسالاً مع بدنه، وليتخشع الله بقلبه، وجميع جوارحه، وليستقبل القبلة بوجهه، وقلبه وليعلم أنه مأمور بالصلاة والتوجيه بها إلى خائفاً. القبلة. وليعرف صلاته تلك ويومه وشهره، وليرج ثواب الله في أداء فرضه من في تضييع شيء من أوامره فإذا استوى قيامه واستقباله وتخشعه فليحضر النية على أداء صلاة معينة حضرية أو سفرية ويقول: رب إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت / اللهم أعني على أداء فريضتك التي فرضت عليّ أن أؤدي صلاة الظهر فريضة [1/ 374]
عقابه
افترضتها عليّ، ويقول بقلبه هذه الألفاظ ليتميز بقوله: أؤدي عن القضاء، وبالفريضة عن النقل، وبالظهر عن العصر. ولتكن معاني هذه الألفاظ حاضرة في قلبه، فإنها النية، والألفاظ مذاكرة، وليجتهد أن يستديم النية إلى آخر التكبير حتى لا تغرب عن قلبه، فإذا حضر هذه الألفاظ كما ذكرنا فإنه يقول: اللهم أعني على أداء فرضك الذي افترضت عليّ بأن أؤدي صلاة الظهر فريضة افترضتها علي في يوم معلوم، وشهر، معلوم متقرباً بها إليك، راجياً بها ثوابك، خائفاً بها من عقابك، مستقبلاً بها فرض قبلتك، وهي الكعبة التي هي قبلة لأهل المسجد الذي هو قبلة لأهل مكة التي هي قبلة لأهل الحرم الذي هو قبلة لأهل الأرض. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي (1/353)
صفحة 354
338
قنطرة الصلاة
من
«الله»
ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك الله أكبر. وينبغي له أن يضم الهاء. بضمة خفيفة من غير مبالغة ولا يدخل بين الهاء والألف شبه الواو، وذلك ينساق إليه بالمبالغة، ولا يدخل بين باء أكبر ورائه ألفاً كأنه يقول: اكبار ويجزم التكبير ولا يضمه، فإذا كبر. فليسكت مقدار ما يبلغ ريقه، وليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويعجم الذال من أعوذ ثم [375/ب] يقرأ الله الرحمن الرحيمن سراً في قراءة السر / وجهراً في قراءة الجهر. ثم يقرأ فاتحة الكتاب بتمام تشديداتها وحروفها جهراً في مواضع الجهر، وذلك في الصبح والركعتين الأولتين من المغرب والعشاء، ثم يقرأ سورة إن قدر أو ثلاث آيات من القرآن فما فوقها بعد الفاتحة جهراً ومعنى الجهر تحريك اللسان بقطع الحروف حتى يسمع أذنيه.
بسم
(1).
يسمع
الأذن،
وإن كان في صلاة السر اقتصر على الفاتحة وذلك في الظهر والعصر والركعة الأخيرة من المغرب والأخيرتين من العشاء، ومعنى السر تقطيع الحروف باللسان دون أن وإن لم يحرك لسانه فذلك تكييف ولا تجزيه والمستحب في قراءة الصبح أن يقرأ من طوال سور المفصل من سورة محمد عليه السلام إلى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ثم إلى عبس، ويقرأ في العتمة من عبس إلى: (وَالْفَجْرِ) (3). وفي المغرب من: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) (3) إلى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (4). ويقرأ في الصبح في السفر من السور القصار من: (إِذَا زُلْزِلَتْ (5) إلى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (6). وإن قرأ بغير ما ذكرنا فجائز، ثم إذا فرغ من قراءة السورة فليفصل بين القراءة وتكبير الركوع بقدر قوله سبحان الله. ثم يركع بتكبير يمده إلى انتهاء الركوع، وليمد ظهره مستوياً رأسه مع عنقه كالصفيحة الواحدة، لا يكون رأسه اخفض ولا أرفع. وليضع كفيه على ركبتيه وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة ولينصب ركبتيه ولا يثنيهما، وليجاف مرفقيه عن جنبيه والمرأة تضمهما وليقل سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وإن زاد عن الثلاثة إلى سبعة [376/ب] فلا بأس إن لم يكن إماماً. ثم يرتفع / من الركوع إلى القيام معتدلاً حتى يرجع كل عضو إلى مفصله وليقل: سمع الله لمن حمده إن كان وحده، وإن كان مع إمام فليقل: ربنا ولك الحمد
(1) سورة الملك الآية: 1.
(2) سورة الفجر الآية: 1.
(3) سورة القدر الآية: 1.
(4) سورة الإخلاص الآية: 1. (0) سورة الزلزلة الآية: 1. (6) سورة الكافرون الآية: 1. (1/354)
صفحة 355
قنطرة
ة الصلاة
339
ربي
ثم يهوي إلى السجود مكبراً فيضع ركبتيه على الأرض ثم كفيه مكشوفة ثم جبهته، وليكن أول ما يقع على الأرض منه ركبتاه، ثم يداه، ثم بعد ذلك جبهته أنفه، وليجاف مرفقيه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه والمرأة في جميع ذلك تضمها وليضع يديه على الأرض بين أذنيه وركبتيه، وليضم أصابعهما ولا يفترش ذراعيه على الأرض كافتراش الكلب، وليوصل إلى الأرض أكثر أصابع رجليه، وليسبح ثلاثة يقول: سبحان الأعلى وإن زاد على ثلاثة فحسن إلا إن كان إماماً فليقتصر على الثلاث ثم يرفع رأسه من السجود مكبراً حتى يطمئن جالساً معتدلاً. حتى يرجع كل عضو إلى مفصله. وليقعد بين رجليه وظاهر اليسرى مما يلي الأرض، وليضع يديه على فخذيه منشورة أصابعهما ثم يرجع إلى السجود مرة ثانية، وليفعل فيها كما فعل في الأولى، ثم يقوم إلى الركعة الثانية ولا يعتمد على يديه في حين القيام إلا أن يكون شيخاً كبيراً فلا بأس والذي ينبغي له أن يقوم من الأرض كقيام المهر إذا تمرغ في الأرض، ولا يقدم إحدى رجليه في حالة القيام ويمد التكبير حتى يستغرق ما بين القعود إلى انتهاء القيام، كما يمده في حال هبوطه إلى السجود مداً يستغرق ما بينهما، ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، ثم يجلس للتشهد واضعاً ظهر قدمه اليمنى في أخمص اليسرى، وظاهر اليسرى مما
يلى / الأرض.
وأما المرأة فلتفض إلى الارض بأوراكها، وترد رجليها إلى الجانب الأيمن فليقرأ التحيات إلى التشهد وليقم بالتكبير إلى إتمام الصلاة، ثم يفعل في بقية صلاته كما تقدم ثم يجلس في آخرها للتشهد حتى يتمها، ثم يسلم تسليمة واحدة يقول: السلام عليكم يصفح بها وجهه على اليمين ثم الشمال وينوي به الخروج من الصلاة.
وقيل: ينوي به التسليم على الحفظة، ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإمام من التسليم، وليحذف السلام حذفاً ولا يمده فهو السنة فهذه هيئة صلاة المنفرد وبالله التوفيق (1)
فصل في المناهي الواردة في الصلاة
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفن والصفد في الصلاة:
فالصفن: هو رفع إحدى الرجلين مع القيام على أطراف أصابعها ومنه قوله تعالى:
الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) (2).
(1) راجع إحياء علوم الدين (152/ 1، 154). (2) سورة ص الآية: 31.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 23
(1/ 377] (1/355)
صفحة 356
340
قنطرة الصلاة
وأما الصفد: فهو اقتران القدمين معاً، ومنه قوله تعالى: مُقَرَّبِينَ فِي الْأَصْفَادِ) (1). ونهى عليه السلام في الصلاة عن إقعاء الكلب، وهو عند أهل اللغة أن يجلس الإنسان على مقعدتيه ناصباً ركبتيه، ويجعل يديه على الأرض كالكلب.
وعند أهل الحديث: أن يجلس على ساقيه جائياً، وليس على الأرض إلا رؤوس أصابع الرجلين. ونهي عن التفات ونقر الديك، وذلك في الركوع والسجود، ونهى عن النظر قبل الوجه، ونهى عن افتراش الذراعين في السجود كما يفعل الكلب.
ونهى عليه السلام عن لباس السدل والكفت وعن الاختصار، وعن الصلب، وعن المواصلة، وعن صلاة الحاقن والحاقب، والحازق، وعن صلاة الجائع، والغضبان، والمتلثم وهو ستر الوجه.
[378/ب] أما السدل: فمذهب أهل الحديث فيه فيما / ذكر في كتاب الغزالي هو أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد كذلك وكان هذا فعل اليهود في صلاتهم فنهوا عن التشبه
ذلك
بهم، والقميص في معناه ولا ينبغي أن يركع ويسجد ويداه داخل القميص. ورخص في آخرون وهو فعل الربيع رحمه الله فيما ذكر أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله، ولباس السدل عند أصحابنا هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه، وقيل: هو لبس الإزار على الطول كما تسدل الدواب. والله أعلم. وأما الكفت: فهو أن يرفع ثيابه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود، وقد يكون الكفت في شعر الرأس فلا يصلين وهو عاقص شعره، والنهي في هذا للرجال خاصة، وفي الحديث: أمرت أن أسجد على سبعة أراب، ولا أكفت شعراً، ولا ثوباً (2).
وأما الاختصار: فهو أن يضع يديه على خاصرتيه ويجافي بين عضديه في القيام. والصلب في معناه فيما وجدت.
وأما المواصلة: فهي أربعة اثنان على الإمام وهو أن لا يصل قراءته بتكبيرة الإحرام ولا ركوعه بقراءته، واثنان على المأموم وهو أن لا يصل تكبيرة الإحرام بتكبيرة الإمام، ولا
تسليمه بتسليمه.
(1) سورة إبراهيم الآية: 49.
(2) متفق عليه من حديث ابن عباس قاله العراقي في المغني (157/ 1). (1/356)
صفحة 357
قنطرة الصلاة
341
وأما الحاقن: فمن البول.
والحاقب: من الغائط.
والحازق صاحب الخف الضيق، فإن كل ذلك يمنع الخشوع وفي معناه الجائع
والمهتم.
وفهم نهي الجائع في قوله عليه السلام: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا با مشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب (1). وفي الخبر: «لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو متعصب (2)، ولا يصلين أحدكم / وهو [1/ 379]
غضبان. ولذلك قال الحسن: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وفي الحديث: سبع أشياء في الصلاة من الشيطان الرعاف، والنعاس، والوسوسة،
والتثاؤب، والحكاك، والالتفات إلى الشيء) (3).
وزاد بعضهم: «السهو، والشك».
وقال بعض السلف: أربعة في الصلاة من الجفاء:
الحصباء، وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك.
: الالتفات ومسح الوجه، وتسوية
ونهي أيضاً أن يشبك بين أصابعه، أو يفرقهما، أو يستر وجهه، أو يضع كفه على
الأخرى، أو يدخلهما بين فخذيه في الركوع.
وحكي عن بعض الصحابة قال: كنا نفعل ذلك فنهينا عنه ونهى عن صلاة الرجل وهو يدافع الأخبثين، وأن ينفخ في الأرض عند السجود للتطهير.
الصلاة،
ويكره العبث بشيء من جوارحه، وأن يحمل في فمه أو في غيره ما يشغله. عن وأن يسوي الحصباء بيده فإنها أفعال مستغنى عنها ولا يستند في قيامه إلى حائط فإن استند
(1) متفق عليه من حديث ابن عمر قاله العراقي في المرجع السابق.
(2) كذا في الأصل وفي الإحياء والمغني (147/ 1): «مقطب». وقال العراقي: لم أجده. (3) رواه الترمذي من رواية عدي بن ثابت عن أبيه عن جده فذكر منها الرعاف والنعاس، والتثاؤب، وزاد ثلاثة أخرى، وقال حديث غريب ولمسلم عثمان بن أبي العاص يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي الحديث وللبخاري من حديث عائشة في الالتفات في الصلاة، وهو اختلاس يختلسه صلاة أحدكم، وللشيخين من حديث أبي هريرة التثاؤب من الشيطان ولهما من حديث أبي
الشيطان من
هريرة: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى. (1/357)
صفحة 358
[380/ب]
342
قنطرة الصلاة
بحيث أنه لو سل ذلك الحائط سقط فقد بطلت صلاته ولا يدخل أصبعه في أنفه، ولا في فيه، ولا في شيء من مغابن جسده، ولا يمس جسده حديد، ولا نحاس، ولا رصاص، ولا ذهب، ولا حرير ولا يستقبل النائم ولا الميت ولا النار، ولا العجل، ولا ما له صورة، وشرح هذه المعاني يطول، فليرجع فيه المسترشد إلى كتب الصلاة، أو سؤال أهل
التقى من
العلماء.
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن في الصلاة اثني عشرة مسألة، أركان الصلاة وبالله التوفيق (1).
فصل في تمييز فرائض الصلاة من سننها وفضائلها
أنا
جميع
ذلك
يجمع
/ اعلم قد ذكرنا هيئة الصلاة هاهنا مشتملة على ما فيها من الفرائض والسنن والفضائل وذلك مما ينبغي لمريد طريق الآخرة أن يراعى جميعها لأن الله تعالى قد أوجب علينا الصلاة وجعل لها أصولاً وأركاناً لا تتم إلا بها فمن ترك شيئاً منها عامداً انتقضت صلاته، وإن كان ساهياً إستدرك وسجد للسهو.
وسنّ فيها رسوله عليه السلام سنناً واجبات أكيدات فمن تعمد ترك شيء منها عامداً أعاد صلاته، وإن سهى سجد للسهو، وجعل فيها فضائل مندوباً إليها من أحزرها أجر ومن تركها لم يؤزر وبالله التوفيق.
أما جملة فرائضها فعشرون منها عشرة قبل الدخول فيها وعشرة بعد الدخول. فاللواتي
قبل الدخول فيها:
إحداها: الطهارة من الأحداث، وإزالة النجس قبل الطهارة.
والثانية: طهارة الثوب.
والثالثة: طهارة البقعة المصلى عليها.
والرابعة: دخول الوقت لأدائها.
والخامسة: الستر للعورة من الركبة إلى السرة للرجل وللمرأة الحرة جميع جسدها ما
خلا الوجه والكفين من زينتها.
والسادسة: القيام مع القدرة في حال فعلها.
(1) راجع إحياء علوم الدين في هذا الباب (156/ 1، 158). (1/358)
صفحة 359
[1/ 381]
قنطرة الصلاة
والسابعة: استقبال القبلة في جميعها.
والثامنة: النية بالقلب عند التلبس بها.
والتاسعة: استصحاب حكم النية في سائرها. والعاشرة: العلم بكيفيتها.
وأما العشرة التي بعد الدخول فيها:
فإحداها: الإحرام بلفظ التكبير، أو ما يقوم مقامه عند بعضهم في أ
والثانية: القراءة بأم القرآن فصاعداً.
والثالثة: الركوع فيها.
والرابعة: الاعتدال في الركوع والرفع منه في قول بعضهم.
والخامسة: / السجود بعد الركوع.
والسادسة: الفصل بين السجدتين والاعتدال فيهما على قول بعضهم.
والسابعة: الجلوس بعده.
343
والثامنة: التحيات على اختلاف بعض العلماء في أيتها الفريضة الأولى أو الأخيرة منها. والتاسعة: ترتيب الأفعال في جميعها.
والعاشرة: استصحاب الخشوع فيها من أولها إلى آخرها. وسننها عشرون أيضاً. إحداها: الأذان لها في المساجد، وحيث الأئمة فرض على الكفاية، وسنة لكل أحد في
خاصة نفسه للرجال دون النساء.
والثانية: الإقامة للصلاة في حق الرجال.
والثالثة: الصلاة بالجماعة.
والرابعة: التوجيه.
والخامسة: الاستعاذة بعد التكبير.
والسادسة: قراءة البسملة.
والسابعة: قراءة السور مع أم القرآن في الركعتين الأولتين من المغرب، والعشاء،
ولركعتي الفجر.
والثامنة: الجهر بالقراءة في موضع الجهر، وهو فيما قدمنا مع صلاة الجمعة. (1/359)
صفحة 360
[382/ب]
344
سمع
والتاسعة: الإسرار بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر وآخر المغرب والعشاء.
والعاشرة: الإنصات لقراءة الإمام إذا جهر.
والحادية عشر: قراءة فاتحة الكتاب للمأموم وراء الإمام.
قنطرة الصلاة
والثانية عشر: تكبير الركوع والسجود إلا عند الرفع من الركوع فيقول الإمام أو المنفرد:
الله لمن حمده ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد.
والثالثة عشر: التعظيم في حال الركوع ثلاثاً.
والرابعة عشر: التسبيح في حال السجود ثلاثاً.
والخامسة عشر: السجود على سبعة آراب.
والسادسة عشر: التحيات مع الإسرار بها.
والسابعة عشر: التسليم منها.
والثامنة عشر: التيامن بالسلام على اليمين / ثم اليسار.
والتاسعة عشر: الدعاء بعد الصلاة.
والعشرون الصلاة على النبي عليه السلام.
وفضائلها عشر:
إحداها: الأذان للمسافر.
والثانية: الإقامة للنساء.
والثالثة: توجيه إبراهيم عليه السلام.
،
والرابعة: إطالة القراءة في الصبح وتخفيفها في المغرب، وتوسطها في العشاء.
والخامسة: مباشرة الأرض بالجبهة والكفين عند السجود مع إيصال الأنف.
والسادسة: التجافي في الركوع والسجود بالضبعين عن الجانبين.
والسابعة: الدنو من السترة للإمام، والمنفرد.
والثامنة: الصلاة أول الوقت.
والتاسعة وضع البصر في موضع السجود.
والعاشرة: المشي إليها بالوقار والسكينة. والله أعلم. (1/360)
صفحة 361
قنطرة الصلاة
فصل
345
فإن قال قائل: تمييز فرائض الصلاة عن سننها معقول إذ تفوت صحتها بترك ركن من أركانها دون بعض سننها. فأما تمييز السنن عن الفضائل فغير معقول؛ لأنه إن كان الكل مأموراً به فما معنى سجود السهو لجبر السنة دون الفضيلة، فإن كان العقاب يتوجه لترك السنة فهي لاحقة بالفرض، وإن يتوجه فما معني تمييزها عن الفضيلة، إذ كان العقاب لا يتوجه إلى ترك الكل، والثواب
كان لا
مرجو على الكل.
فاعلم أن اشتراك الجميع في الثواب والعقاب، والاستحباب لا يدفع تفاوت درجاتها، وسينكشف لك ذلك بمثال ذكره الغزالي في كتابه قال: وذلك أن الصلاة كأنها صورة صورها الشرع، وتعبدنا باكتسابها ولا تكون كاملة إلا بمعان، باطنة وأركان ظاهرة كما أن الإنسان صورة صورها الله سبحانه ولا يكون إنساناً كاملاً إلا بمعان، باطنة وأعضاء ظاهرة فالمعنى
الباطن هو الحياة والروح.
والأعضاء الظاهرة قسمان: بعضها ينعدم الإنسان بانعدامها كالقلب، والدماغ، والكبد،
وكل عضو تفوت الحياة بفواته.
والقسم الثاني: أعضاء لا تفوت الحياة، بفواتها، ولكن تفوت بها منافع الحياة: كالعين، واليد، والرجل واللسان. وبعضها لا تفوت الحياة بفواتها، ولا تبطل منافعها، ولكن يفوت بها الحسن كالحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون. وبعضها لا يفوت بها الحسن والجمال ولكن يفوت بها الكمال: كاستقواس الحاجبين، وسواد شعر اللحية وتناسب خلقة الأعضاء، وامتزاج الحمرة بالبياض في اللون فهذه درجات، فكذلك العبادة صورة صورها الشرع، وأمرنا الله بامتثالها فروحها وحياتها الباطنة هي الخشوع والإخلاص والنية وحضور القلب كما سيأتي إن شاء الله فنحن الآن في أجزائها الظاهرة، والركوع والسجود، والقيام، وسائر الأركان تجري منها مجرى القلب والدماغ والكبد في صورة الإنسان إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها. والسنن التي ذكرناها من الإسرار، والإجهار، والتكبير في الركوع والسجود، والتعظيم، والتسبيح، وسائرها يجري منها مجرى اليدين والعينين والرجلين لا تفوت الصلاة بفواتها بالسهو كما لا تفوت الحياة بفوات هذه الأعضاء، ولكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموماً غير مرغوب فيه، فكذلك من اقتصر على فرائض الصلوات دون سنتها لا
[1/ 383] (1/361)
صفحة 362
346
تقبل منه، فلذلك.
قنطرة الصلاة
بسجود السهو؛ لأن من أهدى إلى ملك من الملوك جارية حية يجبر
نقصانها
[384/ ب] مقطوعة الأطراف / مشوهة الخلقة فقد استخف بالملك، وتعرض للعقوبة.
من
وأما الفضائل والهيئات من إتمام الصلاة وهيئة اللباس وأول الوقت وسائر ذلك الفضائل التي هي وراء السنن فتجري مجرى أسباب الحسن من الحاجبين، واللحية، والأهداب، وحسن اللون. وأما الهيئات، ولطائف الأداب في تلك السنن من إطالة القراءة والتفكر فيها، وطول
السجود، والدعاء، غير ذلك فهي مكملات للصلاة تجري مجرى استقواس الحاجبين، وإستدارة اللحية، وغيرها من أسباب الحسن والجمال، فالصلاة عندك قربة وتحفة تتقرب بها إلى ملك الملوك وتتحفه بها إلى ملك الملوك، وتتحفه بها كجارية يهديها طالب القربة إلى بعض السلاطين يتقرب بها إليه، وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر فإليك الخيرة في تحسين صورتها أو تقبيحها فإن أحسنت فلنفسك، وإن أساءت فعليها. ولا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتيمز لك السنة عن الفرض ثم يتعلق بفهمك إنه يجوز تركها إذ كانت فضيلة ولا تستدرك إذا كانت أكيدة، إذ لا عقاب عليها فتتركها، فإن ذلك يشبه قول الطبيب إن عمش العينين، وتشويه الخلقة لا يبطل وجود الإنسان، ولكنه لا يقبله السلطان إذا أهدي إليه بل ربما يعاقب مهديه إليه إذ كان ذلك استخفافاً بحقه فهكذا ينبغي أن تفهم مراتب السنن والهيئات والفضائل فكل صلاة لا يتم الإنسان ركوعها، وسجودها فهي التي تخاصم صاحبها في الدنيا قبل خصومة الرب تعالى يوم العرض الأكبر إذ [385/ ب] ورد / في الحديث أنها تقول: ضيعك الله كما ضيعتني فطالع الأخبار، والآيات التي أوردناها في إتمام أركان الصلاة يظهر لك وقعها. وسنشير بعد هذا إن شاء الله إلى شرح معانيها الباطنة، وفهم أسرارها الخفية ما تزداد به يقيناً إن شاء الله، وبه، الحول والتوفيق، ولا حول ولا قوة إلا
(1)
•
بالله العلي العظيم"
الباب الثالث
في الشروط الباطنة من أعمال القلب في الصلاة
وهذا الباب يشتمل على ثلاثة فصول:
(1) راجع إحياء علوم الدين (158/ 1، 159). (1/362)
صفحة 363
قنطرة الصلاة
347
إحداها: في ذكر ارتباط الصلاة بالخشوع، وحضور القلب.
الفصل الثاني: في معانيها الباطنة وحدودها، وأسبابها، وعلاجها.
الفصل الثالث: فيما ينبغي أن يحضر في كل ركن من أركان الصلاة لتكون صالحة لزاد الآخرة وبالله التوفيق.
الفصل الأول: في بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب
اعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله عز وجل: الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)
(1)
فظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته، كيف يكون مقيم الصلاة لذكره تعالى؟ وقوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (2).
نهي ظاهره التحريم، وقوله عز واجل: حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (3)
تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهمة في الوسواس وأفكار الدنيا. وقوله عليه السلام: «إنما الصلاة تمسكن وتواضع (4). حصرها بالألف واللام، وكلمة إنما للتحقيق، والتوكيد وقد فهم الفقهاء من قوله إنما الشفعة فيما لم يقسم الحصر بين
الإثبات والنفي.
وقوله: من لم تنهه / صلاته عن الفشحاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً [1/ 386] وصلاة الغافل لا تمنع من فحشاء الوساوس (5).
وعنه عليه السلام أنه قال: كم من قائم حظه من صلاته التعب، والنصب، وما أراد به إلا الغافل عن الاخلاص، وغيره من معاني الصلاة (6).
(1) سورة طه الآية: 14. (2) سورة الأعراف الآية: 205.
(3)
سورة النساء الآية: 43.
(4) رواه الترمذي والنسائي بنحوه من حديث الفضل بن عباس بإسناد مضطرب، قاله العراقي في المغني
(0)
(6)
(10+/1)
وفيه أيضاً: رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث الحسن مرسلاً بإسناد صحيح، ورواه الطبراني في الكبير وأسنده ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عباس بإسناد لين والطبراني من قول ابن مسعود من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر .. روي نحوه ابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي، وأحمد وإسناده حسن.
..
الحديث وإسناده صحيح. (1/363)
صفحة 364
348
قنطرة الصلاة
وقوله عليه السلام أيضاً: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (1). والتحقيق فيه أن المصلي يناجي ربه عز وجل كما جاء في الحديث عنه عليه السلام أنه قال: للمصلي ثلاث خصال؛: البر يتناثر على رأسه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، والملائكة تحف به من لدن قدميه إلى أعنان السماء وملك ينادي لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفلت في أمثاله من الأحاديث، والكلام مع الغفلة ليس بمناجات البتة.
وبيانه أن الزكاة وإن غفل الإنسان عنها فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس؛ لأنها إخراج مال محبوب إلى النفس وكذلك الصوم قاهر للهوى، كاسر للشهوة الله فلا يبعد أن يحصل منها المقصود إذا صحت النية في بدء الأمر مع
التي هي
آلة الشيطان عدو الغفلة في سائر عملها.
وكذلك الحج أفعال شاقة شديدة، وفيها من المجاهدة ما يحصل بها الابتلاء والامتحان، كان القلب حاضراً مع أفعاله، أو لم يكن إذا. صحت النية في ابتدائه.
وأما الصلاة فليس فيها إلا ذكر، وقراءة، وركوع وسجود، وقيام، وقعود.
أما الذكر فإنه محاورة ومناجات فلا يخلو أن يكون المقصود منه كونه خطاباً أو محاورة امتحاناً للقلب بالخضوع أو يكون المقصود منه الحروف، والأصوات امتحاناً للسان [387/ب] بأعمال التصويت كما تمتحن المعدة والفرج / بالإمساك في الصوم، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج، ويمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة وانقطاع المال المعشوق، ولا شك أن هذا القسم باطل، فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل؛ إذ ليس فيه امتحان من حيث أنه عمل، بل المقصود من حيث أنه نطق ولا يكون نطقاً إلا إذا أعرب عما في الضمير، ولا يكون معرباً إلا بحضور القلب، فأي سؤال في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (2). إذا كان القلب غافلاً، وإذا لم يقصد كونه تضرعاً، ودعاء؟ فأي مشقة في حركة اللسان به مع الغفلة لا سيما بعد إعتياد اللسان، ذلك هذا حكم الأذكار، بل أقول لو حلف الإنسان وقال: لأشكرن فلاناً، وأثنى عليه، وأسأله حاجة ثم خرجت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في
(1) لم أجده مرفوعاً وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلاً لا يقبل الله من عبد عملاً حتى يشهد قلبه بدنه، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي بن كعب ولابن المبارك في الزهد موقوفاً على عمار لا يكتب للرجل من صلاته ما سهى عنه قاله العراقي في المغني (160/ 1). (2) سورة الفاتحة الاية: 6. (1/364)
صفحة 365
قنطرة الصلاة
معه،
349
النوم، فيبعد أن يقال إن هذا بَرّ في يمينه ولو جرى هذا على لسانه في ظلمة، وذلك الإنسان حاضر، وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لما صار باراً في يمينه، إذ لا يكون كلامه خطاباً ونطقاً ما لم يكن حاضراً هو في قلبه، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل عنه لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار، ولم يقصده بالخطاب عند نطقه لم يصر باراً في يمينه، ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد، والثناء، والتضرع، والدعاء، والمخاطب هو الله عز وجل، وقلبه محجوب عنه بحجاب الغفلة. فلا يراه ولا يشاهده، بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت / لتصقيل القلب، وتجديد ذكر الله تعالى ورسوخ عقد الإيمان [1/ 388]
بذلك، هذه أحكام القراءة والذكر، وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق،
وتمييزها عن الفعل.
وأما الركوع والسجود فالمقصود التعظيم بهما قطعاً، ولو جاز أن يكون الله عز وجل بفعله، وهو غافل عنه لجاز أن يكون معظماً لصنم موضوعاً بين يديه، وهو غافل عنه أو يكون معظماً للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه، وإذا خرج عن كونه تعظيماً لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان، به ثم يجعل عماد الدين والفاصل بين الكفر، والإسلام ويقدم على الحج وسائر العبادات، ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص، ما أرى أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة، بلا أن يضاف إليها مقصور المناجات فأما إذا أضيف إليها حضور القلب بالمناجات فحينئذ تقدم على الصوم، والزكاة والحج وغيره من القربات والضحايا التي هي مجاهدة النفس لتعظيم الملك الأعلى، قال الله تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (1). أي الصفة التي استوليت على القلب وغلبت عليه حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة منكم، فكيف الأمر في الصلاة؟ فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب. فإن قال قائل: فإن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطاً في صحتها فقد خالفت به إجماع الفقهاء، فإنهم لم يشترطوا حضور القلب إلا عند تكبيرة الإحرام.
فاعلم أنه قد تقدم في قنطرة العلم أن الفقهاء لا ينظرون / في الباطن، ولا يشقون عن [1/ 389] القلوب، ولا في طريق الآخرة بل يبنون ظاهر أحكام الدنيا على ظاهر أعمال الجوارح، وظاهر الأعمال كاف لسقوط القتل وتعزير السلطان بفعل الصلاة.
(1) سورة الحج الآية: 37. (1/365)
صفحة 366
350
قنطرة الصلاة
فأما إنه هل ينفع في الآخرة؟ فليس ذلك من حدود الفقه بعلم الأحكام الظاهرة، على أنه لا يمكن إدعاء الاجماع في هذا إذ نقل عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وعن سفيان الثوري أنه قال: كل صلاة امرؤ لم يخشع فيها القلب فسدت.
وعن معاذ بن جبل: إذا عرف المصلى من على يمينه وشماله متعمداً
صلاة له.
وهو في الصلاة فلا
وروي أيضاً مسنداً عن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: أجمع علم العلماء على أن: ليس صلاته إلا ما عقل منها (1).
للعبد من
ورفع أيضاً مسنداً إلى النبي وادعى مثل هذا الإجماع عبد الواحد بن زيد فيما ذكر
الغزالي في كتابه.
وروي عن عمار بن ياسر رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن العبد ليصلي الصلاة ولا يكتب له منها، نصفها، ولا، ثلثها، ولا، ربعها إلى عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل
منها (2)
وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهباً فكيف لا يتمسك به، وما نقل من هذا الجنس عن
الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة المحتاطين أكثر من أن يحصى.
والحق: الرجوع إلى أدلة الشرع والأخبار، والآيات ظاهرة في هذا الشرط إلا أن مقام
القلب في جميع
[390/ب] الفتوى في التكليف الظاهر يتقيد بقدر قصور الخلق فلا يمكن أن يشترط على الناس / إحضار الصلاة، فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الخاشعين المخلصين، وقليل ما هم، وإذا لم يكن اشتراط ذلك في جميع الصلاة لضرورة العجز فلا بد أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم، ولو في اللحظة الواحدة، وأولى اللحظات لحظة تكبيرة الإحرام، فاقتصر الشرع في التكليف على ذلك، ونحن مع ذلك نرجو إن شاء الله أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك لها بالكلية، فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهراً وأحضر القلب لحظة، وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسياً صلاته باطلة عند الله تعالى، ولكن له أجر ما
(1) سبق التعليق عليه قبل قليل. (2) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث عمار بن ياسر بنحوه قاله العراقي في المغني
(161/ 1) (1/366)
صفحة 367
قنطرة الصلاة
351
يحسب فعله، وعلى قدر قصوره وعذره، ومع هذا الرجاء فنخشى أن يكون حال الساهي أشد من حال التارك، وكيف لا والذي يحضر خدمة الملك ويتهاون بالحضرة، ويتكلم بكلام الغافل المستحقر أشد حالاً من الذي يعرض عن الخدمة، وإذا تعارض أسباب الخوف والرجاء وصار الأمر مخطر في نفسه، فإليك الخيرة بعد في الاحتياط والتساهل، ومع فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما افتوا به من الصحة مع الغفلة فإن ذلك من ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه. ومن عرف ? الصلاة، علم أن الغفلة تضادها فلنقتصر على هذا القدر من البحث، فإن فيه مقنعاً للمريد الطالب لطريق الآخرة.
روح
وأما المجادل المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن، وحاصل الكلام أن حضور القلب هو الصلاة، فإن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير فالنقصان منه هلاك، فبقدر الزيادة عليه / تنبسط الروح في أجزاء الصلاة وكم من حي لا حراك به قريب من ميت، فصلاة [1/ 391] الغافل في جميعها إلا عند التكبير كحي لا حراك به، وبالله التوفيق).
الفصل الثاني: في بيان المعاني الباطنة التي بها تتم حياة الصلاة اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها، ولكن يجمعها ستة جمل وهي: حضور القلب، والتفهم والتعظيم والهيبة، والرجاء، والحياء.
فلنذكر تفاصيلها، ثم أسبابها، ثم العلاج في اكتسابها فيشتمل حينئذ هذا الفصل على
ثلاث جمل.
الأولى: في تفصيل هذه المعاني.
الثانية: في أسمائها.
الثالثة: في علاج اكتسابها.
الجملة الأولى: في التفاصيل وفيها ستة أقسام:
القسم الأول في حضور القلب: ومعناه تفريغ القلب عن غيرها هو ملابس له، ومتكلم به، فيكون العمل بالفعل والقول مقروناً بهما، ولا يكون الفكر جارياً في غيرهما، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه. وكان في قلبه ذكر لما هو فيه، ولم تكن فيه غفلة شيء هو مشتغل به، فقد حصل حضور القلب.
(1) راجع هذا الباب في كتاب الإحياء (159/ 1، 161).
عن كل (1/367)
صفحة 368
352
قنطرة الصلاة
القسم الثاني في التفهم لمعنى الكلام وهو أمر وراء حضور القلب فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً في معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو المراد بالتفهم، وهذا أمر يتفاوت الناس فيه؛ وإذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، فك من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته، ولم تكن قبل ذلك [392/ ب] حضرت بقلبه فمن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها / تفهم أمور، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.
الثالث التعظيم: هو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه، ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظماً له فالتعظيم زائد عليهما.
الرابع الهيبة: وهي زيادة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشأه التخويف، لأن من هائباً، والمخافة من العقرب وسوء الخلق من العبد، وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة، فالهيبة خوف
لا يخاف لا يسمى
مصدره الإجلال.
الخامس الرجاء ولا شك أنه، زائد فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه إذ يخاف سطوته، ولكن لا يرجو مبرته، والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله عز وجل، كما أنه خائف لتقصيره عقاب الله عز وجل.
السادس الحياء: هو زائد على الجملة، لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، ويتصور التعظيم، والخوف والرجاء من غير حياء، حيث لا يكون توهم تقصير، وارتكاب ذنب وبالله التوفيق (1).
الجملة الثانية: في أسباب هذه المعاني الستة:
أما حضور القلب: فإن سببه الهمة، فإن قلبك تابع لهمك، فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمر حضر القلب شاء أم أبى فهو مجبول عليه، ومسخر فيه فالقلب إذا لم يحضر
في الصلاة لم يكن متعطلاً، بل كان حاضراً فيما ألهمه مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا
أن
[393/ب] علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة / لا تنصرف إليها ما لم يتبين الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان، والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة
(1) راجع إحياء علوم الدين (161/ 1، 162). (1/368)
صفحة 369
قنطرة الصلاة
353
وسيلة إلى الآخرة. فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا، ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن يقدر على مضرتك، ومنفعتك فإذا كان لا يحضر عند المناجات. ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر، فلا تظنن أنه سبباً سوى ضعف الإيمان، فاجتهد الآن في تقوية الإيمان وطريقه يستقصى في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى.
وأما التفهم: فإن سببه بعد حضور القلب إدمان الفكر، وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجه هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر الشاغلة هو قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئاً أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة، فلذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر.
وأما التعظيم: فهي حالة للقلب تتولد في القلب من معرفتين: أحدهما: معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وذلك من أصول الإيمان، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه.
والثانية: معرفة حقارة النفس وخستها، وكونه عبداً مسخراً مربوباً، فيتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار / والخشوع الله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة [1/ 394] النفس بمعرفة جلال الرب لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع فإن المستغني عن غيره إلا من على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة، ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله؛ لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس، وحاجتها لم تقترن إليه.
وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله تعالى وسطوته، ونفوذ مشيئته فيه قلة المبالات به وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص ذلك. ملکه مثقال من ذرة، هذا مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب، وأنواع البلاء على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض، وبالجملة كلما ازداد العلم بالله تعالى إزداد
مع
الخشية والهيبة.
القدرة
وأما الرجاء: فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه، ولطائف صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعها الرجاء لا محالة. (1/369)
صفحة 370
354
قنطرة الصلاة
وأما الحياء فاستشعاره التقصير في العبادة، وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله
تعالى، ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها، وقلة إخلاصها وخبث دخلها وميلها إلى
الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله سبحانه، والعلم بأنه مطلع على السريرة، وخطرات القلب، وإن دقت وخفيت وهذه المعارف إذا حصلت يقيناً انبعثت 395/ ب] منها بالضرورة حالة تسمى الحياء، فهذه أسباب / هذه الصفات فكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السب معرفة العلاج، ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين أعني هذه المعارف التي ذكرناها ومعنى كونها يقيناً إنتفاء الشك، واستيلاؤها على القلب كما سبق في باب اليقين والله أعلم (1).
به
فصل
اعلم أن القلب يخشع بقدر اليقين، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه.
ويروي
أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذ ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل، وناجني بقلب وجل ولسان صادق (2).
وروي أنه أوحى إليه: قل لعصاة أمتك يذكروني؛ فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته، فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة هذا في عاص غير غافل فكيف إذا اجتمعت الغفلة
والعصيان؟!
يتمم
صلاته
وباختلاف المعاني التي قدمنا ذكرها في القلوب انقسم الناس إلى: غافل لا. ولم يحضر قلبه في لحظة منها، وإلى من يتمم ولم يغلب قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها، بحيث لا يحسي ما يجري بين يديه ولذلك لم يحس مسلم بن يسار فيما بلغنا [396/ب] سقوط إسطوانة في المسجد اجتمعت الناس عليها، وبعضهم يحضر الجماعة / مدة، ولم يعرف قط من على يمينه ويساره.
وما روي من أن وجيب قلب إبراهيم عليه السلام كان يسمع على ميل، وجماعة كانت
(1) راجع إحياء علوم الدين (162/ 1، 163).
(2) ذكره الغزالي في الإحياء (163/ 1). (1/370)
صفحة 371
قنطرة الصلاة
355
تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم وكل ذلك غير مستبعد؛ فإن أضعافه مشاهدة في همم بني الدنيا، وخوف ملوك الدنيا مع ضعفهم وعجزهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم، حتى يدخل الواحد منهم على ملك أو وزير ويحدثه بمهمة ويخرج من عنده، ولو سئل عن من حوله، أو عن ثوب الملك، لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه بنفسه عن ثوبه وعن الحاضرين حوله، {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (1) فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه،
يوم
وخشوعه، وتعظيمه، فإن موضع نظر الله سبحانه القلوب دون سائر الحركات. ولذلك قال بعض الصحابة: يحشر الناس القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة الطمأنينة والهدوء، من ومن وجود النعيم بها، واللذة. ولقد صدق؛ فإنه يحشر كلّ على ما مات عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويراعي في ذلك حال قلبه لا حال، شخصه فمن صفات القلوب تصاغ الصور يوم القيامة في الدار الآخرة، ولا ينجو منها إلا من أتى الله بقلب سليم وبالله التوفيق"
الجملة الثالثة:
عز
في بيان الدواء النافع في حضور القلب: اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظماً الله وجل، وخائفاً منه، وراجياً ومستحييّاً من تقصيره، ولا ينفك من هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن
كان قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسم الخاطر / وغيبة القلب عن المناجات، والغفلة عن الصلاة، ولا يلهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة [1/ 397) الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه، وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً.
أما الخارج:: فما يقرع السمع أو يظهر للبصر؛ فإن ذلك قد يتخطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجز منه الفكرة إلى غيره، ويتسلسل فيكون الإبصار سبباً للأفكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض فمن قويت رتبته وعلت همته لم يلهه ما يجري على حواسه، ولكن الضعيف لا بد أن يتفرق به فكره وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يقصر نظره في موضع سجوده، أو على طرف أنفه، وأن يقرب من غض البصر حتى لا يحقق النظر، أو يصلي في بيت مظلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع بصره. ويحترز من الصلاة على الشوارع والطرق وفي المواضع المنقوشة المصبوغة، وعلى الفرش المصنوعة، ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت مظلم صغير، سعته بقدر
مسافة
(1) سورة الأنعام الآية: 132. (2) راجع إحياء علوم الدين في الفصل (163/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 24 (1/371)
صفحة 372
[398/ب]
356
قنطرة الصلاة
السجود، ليكون ذلك أجمع للهمم، والأقوياء كانوا يحضرون المساجد، ويغضون البصر، ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن يعرفوا من على يمينهم وشمالهم. وكان ابن عمر لا يدع في موضع الصلاة مصحفاً ولا سيفاً إلا نزعه، ولا كتابة إلا
محاها.
وأما الأسباب الباطنة: فهي أشد؛ فإن من تشعبت به / الهموم في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض النظر لا يغنيه في ذلك، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف في الشغل فهذا طريقه أن يرد النفس قهر إلى فهم ما يقرأه في الصلاة، ويشغلها به عن غيره أو يعينه على ذلك بأن يستعد له قبل تكبيرة الإحرام ولو بطرفة عين ذكر الآخرة، وموقف المناجات، وخطر المقام بين يدي الله سبحانه، والعرض عليه، وهول المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة من جميع ما يهمه فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره.
قال الأوزاعي: كانوا يستحبون ذكر المعاد وشبهه عند حضور الصلاة فإنه قلما قام رجل
إلى الصلاة وقلبه مشغول بشيء إلا غلب عليه في صلاته.
(1)
وقد روي عن النبي عليه السلام قال لعثمان بن شيبة: إني نسيت أن أقول لك تخمر القربتين اللتين في البيت. أو قال: القدر الذي في البيت فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم.
فهذا طريق تسكين الأفكار، فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقطع مادة الداء من أعماق العروق، وذلك أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن إحضار القلب، ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهما بشهواته، فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات بقطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن [399/ بصلاته فهو ضد دينه وجند إبليس عدوه، فإمساكه / أضر عليه من إخراجه، فيتخلص عنه بإخراجه كما روي أنه لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم فصلى بها ثم نزعها بعد صلاته وقال: اذهبوا بها إلى أبي جهم؛ فإنها الهتني آنفاً عن صلاتي، وأتوني
(1) في الأصل: القرآن الذي في البيت والتصويب من المغني، وقال العراقي فيه (164/ 1): رواه أبو داود من حديث عثمان الحجبي وهو عثمان بن طلحة كما في مسند أحمد ووقع للمصنف (أي الغزالي) أنه قال ذلك لعثمان بن شيبة (كما هنا عند الجيطالي) وهو وهم. (1/372)
صفحة 373
قنطرة الصلاة
357
بأنبجانية له (1). . وهي كساة لأبي جهم، وأمر بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في الصلاة إذ كان جديداً فأمر أن ينزع عنه ويرد الشراك الخلق. وكان قد اتخذ نعلاً، فأعجبه حسنها فسجد وقال: «تواضعت لربي عز وجل كي لا يمقتني (2). ثم خرج فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر عليّاً فيما بلغنا أن يشتري له نعلين سبتيين جرداوين فلبسهما.
وكان الله في يده خاتم ذهب قبل التحريم، وكان على المنبر فرماه وقال: «نظرت إليه
ونظرت إليكم (3).
وروي
أن طلحة صلى في حائط له فيه شجر فأعجبه دبسي طار في الشجر يلتمس مخرجاً، فأتبعه بصره ساعة ثم لم يدر كم صلى؟ فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه من الفتنة، ثم
قال: يا رسول الله. هو
صدقة ضعه حيث شئت
(4)
وعن رجل آخر: أنه صلى في حائط له، والنخل مطوقة بثمرها، فنظر إليه فأعجبه، فلم پدر گم، صلى فذكر ذلك لعثمان، فقال: هو صدقة فاجعله في سبيل الله. فباعه عثمان ألفاً. فكانوا يفعلون ذلك قطعاً لمادة الفكرة، وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة، وهذا هو الدواء القامع / لمادة العلة ولا ينبغي غيره. وأما الذي ذكرناه من التلطف بالتسكين [1/ 400] والرد إلى فهم الذكر، فإنه إنما ينفع في الشهوات الضعيفة، والهمم التي لا تشغل إلا حواشي
بخمسين
القلب.
فأما الشهوة القوية المرهقة: فلا ينفع معها التسكين بل لا تزال تجاذبها، وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع صلواتك في شغل المجاذبة، ومثال ذلك: كمثل رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره فكانت أصوات العصافير تشوش عليه فلم يزل يطيرها بعصى هي في يده ويعود إلى فكره، فتعود العصافير ويعود إلى تطييرها بالعصا، فقيل له: إن هذا أسير السواني ولا ينقطع فإن أردت الخلاص فاقلع الشجرة. فكذلك شجرة الشهوة إذا اشتعلت في القلب
(1) متفق عليه من حديث عائشة قاله العراقي في المصدر السابق. (2) أخرجه أبو عبد الله بن حقيق في شرف الفقراء من حديث عائشة بإسناد ضعيف. قاله العراقي في المصدر
السابق.
(3) رواه النسائي من حديث ابن عباس بإسناد صحيح وليس فيه بيان أن الخاتم كان ذهباً ولا فضة إنما هو
مطلق. قاله العراقي في المغني (165/ 1). (4) رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري فذكره بنحوه قاله العراقي في الموضع
السابق. (1/373)
صفحة 374
358
قنطرة الصلاة
وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار، وكانجذاب الذباب إلى الأنجاس والأقذار، والشغل يطول في دفعها؛ فإن الذباب كلما ذُبَّ آب، ولأجله سمي ذباباً. فكذلك الخواطر وهذه الشهوات كثيرة، وقلَّ ما يخلو العبد منها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة، وأساس كل نقصان، ومنبع كل فساد، ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها ليتزودها وليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجات في الصلاة؛ فإن من فرح بالدنيا فلا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته، وهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع [401 / ب] هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة فهذا / هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع فبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضالاً حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثون فيهما أنفسهم بشيء من أمر الدنيا فعجزوا عن ذلك، وذلك لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته يسلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها عن الوسواس لنكون ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثال: الماء الذي يصب في قدح فيه خل فبقدر ما يدخل فيه من الماء يخرج الخل لا محالة ولا يجتمعان. فنسأل الله العفو والعافية مما ابتلينا به من الشهوات إنه مقيل العثرات (1).
الفصل الثالث من هذا الباب في بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب
عند كل ركن وشرط من الأعمال
اعلم أيها المسترشد لسلوك طريق الآخرة أنه ينبغي لك أن لا تغفل أولاً. التي في شروط الصلاة وأركانها.
عن
التنبيهات
أما الشروط والسوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة، واستقبال القبلة،
والانتصاب قائماً، والنية. أما الأذان: فإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة؛ فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوء بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار، فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم ا
(1) راجع إحياء علوم الدين (165/ 1).
القضاء. (1/374)
صفحة 375
قنطرة الصلاة
359
ولذلك قال: [بها] (1) أرحنا يا بلال».
قيل في كتاب الغزالي معناه: ارحنا بالصلاة وبالنداء إليها، إذ كانت قرة عينه
فيها.
ذاتك وهو
وأما في الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد، ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب، ثم في بشترك وهو قشرك الأدنى، فلا تغفلا عن لبك الذي هو قلبك فاجتهد له تطهيراً بالتوبة والندم على ما فرط منك وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك.
وأما ستر العورة: فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق؛ فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق فما رأيك في عورات باطنك؟ وفصائح سريرتك التي لا يطلع عليها إلا ربك
عز وجل؟
الله
فاحضر تلك الفضائح ببالك، وطالب نفس بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين سبحانه ساتر، وإنما يسترها الندم والحياء والخوف، فتستعد في إحضارها في قلبك، بانبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما فتذل بها نفسك، ويستكن تحت الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً رأسه من الحياء
والخوف.
وأما الاستقبال: فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوباً منك؟
هيهات، فلا مطلوب، سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن، وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها، والتفاتاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانفلتت به عن وجه الله عز وجل، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك.
[1/ 402]
واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف / عن غيره، فكذلك القلب لا [1/ 403] ينصرف إلى الله عز وجل إلا بالتصريف عن ما سوى الله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء، والمغني (165/ 1) وقال العراقي: رواه الدارقطني في العلل من حديث بلال، ولأبي داود نحوه من حديث رجل من الصحابة لم يسم:
بإسناد.
صحيح. (1/375)
صفحة 376
360
قنطرة الصلاة
العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه (1). وأما الانتصاب قائماً فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل، وليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً مطأطئاً مستكيناً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهاً على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبراء عن الترأس والتكبر، وليكن على قلبك هاهنا ذكر خطر المقام بين يدي الله عز وجل، وهول المطلع عند التعرض للسؤال، واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك. فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله وعظمته تعالى، بل قدّر في دوام قيامك في صلواتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالثة من رجل صالح من قومك وأهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح؛ فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك، وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك، عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله تعالى وحبه، أفلا تستحيين من اجترائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده، وتخشى الناس ولا تخشاه وهو أحق أن [404/ب] تخشاه. ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياء من الله؟ فقال: فاستحي منه كما / تستحي من الرجل الصالح من أهلك» (2).
وأما النية: فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة، وإتمامها، والكف عن نواقضها ومفسداتها، والإخلاص بجميع ذلك لوجه الله سبحانه، رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه وطلباً للقربة متقلداً للمنة منه تعالى؛ لإذنه لك في المناجات مع سوء أدبك، وكثرة عصيانك وعظم نفسك، قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف.
وأما التوجيه: فأول كلماته قولك: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وليس المراد بالوجه وجه ظاهر البدن؛ فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه مقدس أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك إليه. وإنما وجه القلب هو الذي يتوجه به إلى فاطر السموات والأرض، فانظر إليه أهو متوجه إلى أمانيك وهممك في البيت والسوق متبع
عن
(1) قال العراقي في المغني (166/ 1): لم أجده. (2) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في الشعب من حديث سعيد بن زيد مرسلاً بنحوه، وأرسله البيهقي بزيادة ابن عمر في السند، وفي العلل للدارقطني عن ابن عمر له وقال: إنه اشبه بالصواب لوروده
من حديث سعيد بن زيد أحد العشرة. قاله العراقي في المصدر السابق. (1/376)
صفحة 377
قنطرة الصلاة
361
للشهوات؟ أو مقبل على فاطر السموات والأرض؟ إياك أن يكون أول مفاتحتك للمناجات بالكذب والاختلاف، ولا ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه، فاجتهد في الحال في صرفه إليه، وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقاً. وإذا قلت: حنيفاً ومعناه مسلماً مائلاً عن غير الله إليه فينبغي أن تخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذباً، فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال.
فإذا قلت وما أنا من المشركين فاخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادِةِ رَبِّهِ أَحَداً)
(1)
أنزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس فكن منتفياً من هذا الشرك وغيره، واستشعر الخجلة في قلبك، إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة من هذا الشرك؛ فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه.
وإذا قلت: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، فاعلم أن هذا حال عبد مفقود عن نفسه، موجود لسيده، فإنه إن كان يصدر في إفعاله عن رضاه وغضبه في قيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت، فكان جميع ذلك لأمور الدنيا لم تكن ملائماً للحال، فاجتهد لإخلاص جميع أفعالك وأحوالك الله تعالى والتبراء عن حولك وقوتك إلا له تعالى. وأما التسبيح: في قولك: سبحانك اللهم، فاعتقد تنزيه الله تعالى عن جميع نقائص الصفات، في قولك: تبارك اسمك وتعالى جدك اعتقد تعظيم الله ووصفه الصفات وكمال الذات، ولا إله غيرك: اعتقد وحدانيته وإفراده عن. خلقه بالألوهية والعبادة وأنه لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه في اسم ولا صفة ولا ذات ولا فعل إلا له الخلق والأمر تبارك الله رب
العالمين.
أكبر
بجميع
محامد
[1/ 405]
وأما التكبير: فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه / قلبك، وإن كان في قلبك شيء هر [1/ 406]
من الله سبحانه فالله يشهد إنك لكاذب كما يشهد على المنافقين إنهم لكاذبون إذ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله فأنت أطوع له منك الله عز وجل، فقد اتخذته إلها وكبرته فيوشك أن يكون قولك: الله أكبر، كلاماً بمجرد اللسان وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار، وحسن الظن
(1) سورة الكهف الآية: 110. (1/377)
صفحة 378
362
قنطرة الصلاة
بكرم الله تعالى وعفوه واعتقد بالتكبير تعظيم الله عن كل شيء، وحرم على نفسك ما كان حلالاً لك في غير الصلاة.
وأما الاستعاذة: فإذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن. الله عز وجل حسداً لك على مناجاتك الله سبحانه، وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وأن استعاذتك بالله منه أن يعيذك منه هو ترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن من سبع أو عدو ليفتسره أو يقتله فقال له: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت في
قصده
من
مكانه غير هارب منه فإن ذلك لا ينفعه بل لا يعيذه إلا بتبديل المكان والهرب، فكذلك. يتبع الشهوات التي هي محارب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله تعالى من شر الشيطان وحصنه لا إله إلا الله، إذ قال الله عز وجل
[407/ب] فيما روي / عنه: «لا إله إلا الله حصني
والمتحصن به من لا
معبود له. سوي الله سبحانه، فأما. من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان
الشيطان لا في حصن الرحمن.
واعلم أن من مكايده شغله إياك في الصلاة بفكر الآخرة، وتدبير فعل الخيرات ليمنعك بذلك عن فهم ما تقرأ من القرآن لأن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس، فإن حركة اللسان غير مقصودة، بل المقصود معانيها، والله أعلم.
وأما القراءة: فالناس فيها ثلاثة: رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل، ورجل يتحرك لسانه
وقلبه يتبع
اللسان
فيفهم ويسمع.
منه كأنه
يسمعه من غيره وهي درجة أصحاب اليمين، ورجل
سبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه.
ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب، وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). فأنوبه التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أن معناه أن: الأمور كلها بالله وأن المراد بالاسم هاهنا هو المسمى، وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا الحمد لله معناه: أن الشكر الله إذ النعم كلها من الله، ومن يرى من غير الله عز وجل نعمة، أو
جرم
كان
(1) رواه الحاكم في التاريخ، وأبو نعيم في الحلية من طريق أهل البيت من حديث علي بإسناد ضعيف جداً، وقول أبي منصور الديلمي إنه حديث ثابت مردود عليه قاله العراقي في المغني (167/ 1). (1/378)
صفحة 379
قنطرة الصلاة
363
يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث أنه مسخر له من قبل الله تعالى ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر إلتفاته إلى غير الله تعالى، فإذا قلت: (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فاحضر في قلبك أنواع رحمته فينبعث به رجاؤك، ثم استشعر في قلبك التعظيم والخوف بقولك
لك لطفه لتتضح ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
مالکه
/ أما العظمة، فلأنه لا ملك إلا الله، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو [1/ 408] ثم جدد الاخلاص بقولك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
وجدد العجز والاحتياج والتبراء عن الحول والقوة بقولك: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
و تحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته، وأنّ له المنّة، إذ وفقك لطاعته، واستخدمك لعبادته، وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين. ثم إذا فرغت من التفويض بقولك: بسم الله، وعن التحميد وعن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقاً فعين بسؤالك، ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. الذين يسوقنا إلى جوارك، ويفضي بنا إلى مرضاتك وزد ذلك شرحاً وتفصيلاً، وتأكيداً واستشهاد بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين وأمثالهم من الضالين،
وبالله التوفيق.
فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله فيهم:: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال عليه السلام: «فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول الله تعالى: حمدني عبدي، فيقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فيقول الله: أثنى علي عبدي وهو معنى قوله: سمع الله لمن حمده».
قال عليه السلام: فيقول العبد: مُلِكِ يَوْمِ الدِّينِ فيقول الله: مجدني عبدي، فيقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيقول الله: هذه بيني وبين / عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول [1/ 409] العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فيقول الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل (1).
واعلم أنه لو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته، فناهيك به غنيمة، فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله؟ وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرأه من سورة كما
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (168/ 1). (1/379)
صفحة 380
[410/ب]
364
قنطرة الصلاة
سيأتي بعد ذلك في موضعه إن شاء الله، فلا تغفل عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه وأخبار أنبيائه، وذكر مننه وإحسانه ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر، والترك حق النهي، والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق أخبار الأنبياء عليهم السلام.
الله
فهكذا كان حال السلف الصالح عند قراءة القرآن وفي الحديث عن حذيفة رضي ا عنه أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأ بسورة البقرة، فكان لا بآية العذاب إلا يمر استعاذ؛ ولا بآية الرحمة إلا سأل، ولا بآية تنزيه إلا سبح.
تكلمت
وعن أبي بلال مرداس بن حدير رحمه الله أنه كان يقول: ما أتيت على آية من القرآن فيها ذكر خطيئة كنت عملت بها إلا استغفرت الله تعالى منها. قال: وإني لأحفظ كل شيء به منذ أصبحت مخافة أن اخطاء والله أعلم.
وعن الحسن أنه قال: ما قرأت آية فجاوزتها حتى تدبرت فيما أنزلت وما عُني بها. وقال قتادة: لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال الله سبحانه: وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ إلى قوله: (خَسَارا) (1).
ويقال: إن الملائكة تكتب صلوات / الناس بالزيادة والنقصان بقدر الخشوع فيها، فينبغي للإنسان أن يتفهم معاني القرآن تعظيماً الله عز وجل، أو تنزيه أو خبر عن من أهلكه الله تعالى فإن استطاع أن يموت فليمت وإلا فليتماوت.
ويروي
أن زرارة بن أوفى أمّ في صلاة الفجر فلما انتهى إلى قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي
اقور) (2) الآية، خر ميتاً.
أوصاله.
وكان إبراهيم النخعي إذا مر بمثل قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ. يغض صوته كالمستحي تنزيهاً وخضوعاً الله عن أن يذكره بشيء لا يليق به.
وكان بعضهم إذا سمع قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (4). اضطرب حتى تضطرب
(1) سورة الإسراء الآية: 82.
(2) سورة المدثر الآية: 8. (3) سورة المؤمنون الآية: 91. (4) سورة الانشقاق الآية: 1. (1/380)
صفحة 381
قنطرة
ة الصلاة
365
رؤي ابن عمر يصلي ويتأوه حتى لو رآه من يجهله لقال: أصيب الرجل وذلك فيما بلغنا
عند قراءته: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيَّقاً مُقَرَّنِينَ} (1) الآية. وقال بعضهم: رأيت ابن عمر يصلي مغلوباً عليه (2).
(2)
وحق له أن يحترق بوعد سيده ووعيده؛ لأنه عبد ذليل مذنب بين يدي رب جليل محسن.
وتكون هذه المعاني على قدر درجات الفهم، ويكون الفهم بحسب وفور العلم، وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر، والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات، هذا حق القراءة وهو حق الأذكار، والتسبيحات أيضاً، ويستعين على الفهم بترك العجلة في القراءة قال الله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (3).
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَرُوا آيَاتِهِ} (4).
وكانت قراءة رسول الله فيما بلغنا مفسره حرفاً حرفاً يمد بها صوته، وذلك أقرب للتأمل والفهم، / والله أعلم.
وأما دوام القيام: فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور، قال عليه السلام: إن الله تعالى مقبل على المصلي ما لم يلتفت (5).
وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة القلب عن الالتفات إلى غير الصلاة، فإن التفت [إلى غيره] (6) فذكره باطلاع الله عليك، وإقباله إليك فكيف أنت تتهاون بمناجاته بالغفلة والإعراض عنه، وقبح ذلك عليه حتى يعود إلى الصلاة، وألزم الخشوع للقلب حتى لا يلتفت فإن ثمرة الخشوع الإخلاص عن الالتفات ظاهراً وباطناً، فمهما خشع الباطن خشع الظاهر.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لما رأى مصلياً يعبث بلحيته: أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن
الرعية تتبع لحكم الراعي».
(1)
(2)
(3)
سورة الفرقان الآية: 13.
في الأصل: «مقلوليا» والتصويب من الإحياء (168/ 1).
سورة المزمل الآية: 4.
(4) سورة ص الآية: 29.
(0) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسنساده من حديث أبي ذر قاله العراقي في المغني (169/ 1).
(6) ما بين المعقوفين من الإحياء (169/ 1).
[1/ 411] (1/381)
صفحة 382
366
قنطرة ا ة الصلاة
وقد ورد في الدعاء: اللهم اصلح الراعي والرعية (1). قيل: أراد القلب والجوارح. وكان الصديق رضي الله عنه في الصلاة كأنه وتد، وكان ابن مسعود كأنه ثوب ملقى، وابن الزبير كأنه عود، وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه تظنه حائطاً، فكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا، فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك؟ عند من يعرف جلاله وعظمته ومن يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعاً، وتضطرب أطرافه بين يدي الله تعالى، ولا تخشع فإنما ذلك لقلة معرفته بجلال الله تعالى،
[412/ب] وقصور علمه باطلاعه تعالى / على سره وضميره.
وعن عكرمة في قوله تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِيْنَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (2) قال: قيامه، وركوعه، وسجوده، وجلوسه والله أعلم
(3)
وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد ذكر كبرياء الله تعالى وعظمته، وأنت متذلل متواضع ناكس رأسك عند ربك، كأنك في عرضة القيامة مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم وتجتهد في ترقيق قلبك، وتجديد خشوعك في ركوعك، وتستشعر ذلك وعز مولاك، واتضاعك، وعلو ربك وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة، فإنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار، ثم ترتفع من ركوعك راجياً أنه أرحم الراحمين راحم ذلك ومؤكد للرجاء في نفسك، وتقول: سمع الله لمن حمده، أي أجاب الله لمن شكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول: ربنا ولك الحمد، ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول: ربنا ولك الحمد، ثم تهوي إلى
أذل
السجود، وهو أعلى درجات الخضوع والاستكانة فمكن أعز أعضائك وهو الوجه من التراب. وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلاً فافعل؛ فإنه أجلب للخضوع وأذل
الأشياء وهو على التواضع والذل.
وقد جاء في الحديث ما تقرب العرب إلى الله تعالى بشيء أفضل من سجود خفي،
(4)
وأقرب ما يكون من ربه تعالى إذا كان ساجداً وذلك قوله تعالى: {وَأَسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) ()
(1) لم أقف له على أصل وفسره المصنف أي الغزالي) بالقلب والجوارح وكذا قاله الجيطالي). قاله العراقي
في المغني (169/ 1).
(2) سورة الشعراء الآيتان: 218، 219.
(3) راجع الإحياء للغزالي (169/ 1). (4) سورة العلق الآية: 19. (1/382)
صفحة 383
قنطرة الصلاة
وقيل في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ (1).
قيل: هو
367
ما يلتصق بوجوههم من الأرض عند السجود. وقيل: هو نور الخشوع؛ فإنه يشرق من الباطن على الظاهر وهو الأصح إن شاء الله.
وقيل: هي الغرر التي تكون في وجوههم / يوم القيامة من أثر الوضوء. أن رجلاً قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مرافقتك في الجنة، قال عليه
وروي
السلام: «أعْنَى بكثرة السجود».
السجاد.
وروي عن علي بن عبد الله بن عباس: أنه كان يسجد كل يوم ألف سجدة وكانوا يسمونه
[1/ 413]
أن عمر بن عبد العزيز: كان لا يسجد إلا على التراب، ثم إذا وضعت نفسك وروي
بالسجود موضع الذل فقد وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت وإليه رددت، فعندها جدد على قلبك عظمة الله سبحانه فقل: سبحان ربي الأعلى، وأكده بالتكرار فإن المرة الواحدة ضعيفة الأثر. فإذا رق قلبك وظهر ذلك، فليصدق رجاؤك في رحمة ربك فإن رحمته تسارع إلى الضعف والانكسار لا إلى الترفع والاستكبار، فارفع رأسك من السجود مكبراً، ثم أكد التواضع بالتكرار. فعد إلى السجود ثانياً كذلك.
وأما التشهد: فإذا جلست فاجلس متأدباً، وصرّح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي الأخلاق الطاهرة الله تعالى، وكذلك التحيات ومعناه الملك لله وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم، وقل: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه، ثم سلم على نفسك وجميع عباد الله الصالحين تعم به كل عبد صالح من سكان السموات والأرضين، وارج من الله سبحانه أن يرد عليك سلاماً وافياً بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له بالوحدانية ولمحمد بالرسالة مجدداً عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي / الشهادة، ومستأنفاً للشهادة بالجنة والنار والموت والبعث وَأَنْ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ [1/ 414]
(r),
فِيْهَا وَأَنْ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (2) ثم اقصد عند التسليم السلام على الملائكة الكرام الكاتبين وسائر المسلمين الحاضرين فانو بالسلام أيضاً الخروج من الصلاة، واستشعر شكر الله تعالى على توقيفه لك لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش
(1) سورة الفتح الآية: 29. سورة الحج الآية: 7.
(2) (1/383)
صفحة 384
368
قنطرة الصلاة
لمثلها، ثم تستغفر الله ثلاثاً، ذلك عنه عليه السلام وتعقد ذلك استغفاراً من تقصيرك في روي صلاتك وسائر ذنوبك ثم انصب في الدعاء بالتواضع والخشوع وارغب إلى ربك بالتضرع والابتهال، والصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك سائر المؤمنين والمؤمنات وتقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا بالسلام وادخلنا دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
في أمثالها من الدعاء ثم اشعر قلبك الاشفاق والوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخَفْ أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتاً بذنب ظاهر أو باطن ترد من أجله صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله.
(1).
كان بعض علماء السلف إذا صلى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآبة الصلاة، وكان بعضهم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض. فهذا تفضيل صلاة الخاشعين {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (1)، والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (2) وهم الذين يناجون الله عز [415/ب] وجل على قدر / إستطاعتهم في العبودية، فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة فبالقدر الذي له منها ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر، وفي مداومة ذلك ينبغي
يتيسر
يجتهد.
أن
وأما صلاة الغافلين فإنها مخطرة إلا أن يتغمد الله برحمته والرحمة واسعة، والكرم فائض فنسأل الله أن يغمرنا برحمته ويتغمدنا بمغفرته، إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.
(3)
وفي كتاب الغزالي قال: اعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات، وإخلاصها الله تعالى عن شوائب العاهات والمبطلات وأداءها بشروطها الظاهرة والباطنة من الخشوع والتعظيم وغير ذلك من المعاني المتقدمة. قال: فالإتيان بها على ما ذكرنا سبب لحصول أنوار في القلب، تكون تلك الأنوار مفاتيح لعلوم المكاشفة، فأولياء الله المكاشفون (4) بملكوت
(1) سورة المؤمنون الآية: 9.
(2) سورة المعارج الآية: 23. (3) سورة راجع الإحياء (170/ 1).
(4) لفظ أو اصطلاح صوفي إلا أنه لا يريد به ما يذهب إليه صوفية اليوم من إدعاء علم الغيب لسبق رده
عليهم في شطحاتهم. (1/384)
صفحة 385
قنطرة الصلاة
369
السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون بما في الصلاة ولا سيما ما في السجود إذ يتقرب به العبد من الله تعالى. كما قدمنا فينكشف الأمر لكل مصلّ على قدر صفاء قلبه عن كدورات الدنيا حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه، وينكشف لبعضهم بمثال كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة، والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها والله أعلم. وقال: ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلا أن يشاهد ذلك بالتجربة.
ويقال: مكتوب في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصلياً باكياً فأنا الله الذي اقتربت من / قلبك وبالغيب رأيت نوري قال: فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح الذي [1/ 416] يجده المصلي من دنو الرب سبحانه من القلب. قال: وإن لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكانية فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة. ويقال: إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشر صفوف من الملائكة كل صف منها عشرة آلاف وباهى الله عز وجل به مائة ألف ملك. قال: وذلك أن العبد قد يجمع فيهما بين القيام والقعود والركوع والسجود، وقد فرق ذلك على أربعين ألف ملك فالقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة، والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون قال: فإن ما رزق الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم مستمر على حال واحد لا يزيد ولا ينقص ولذلك قالوا: {وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (1). وفارق الإنسان الملائكة في الرقي من درجة إلى درجات فإنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى، فيستفيد بقربه مزيداً الدية إذ باب المزيد مسدود على الملائكة وليس لكل واحد منهم إلا رتبته التي هي وقف وعبادته التي هو مشغول بها، لا ينتقل إلى غيرها، ولا يفتر عنها ولا يستحسرون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتَرُونَ (2).
(2)
ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (3). فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضاً فقال تعالى في آخرها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ (4).
(1) سورة الصافات الآية: 164.
(2) سورة الأنبياء الآية: 20.
(3) سورة المؤمنون الآيات: 1، 2، 9، 10، 11. (4) سورة المؤمنون الآيات،1، 2، 9، 10، 11. (1/385)
صفحة 386
[417/ب]
[418/ب]
370
قنطرة الصلاة
ثم قال في ثمرة تلك الصفات: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيْهَا
خَالِدُونَ) (1). فوصفهم بالفلاح أولاً وبوراثة الفردوس آخراً. وما عندي أن هذه رمة اللسان. غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد، ولذلك قال تعالى في أضدادها: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (2) الآية. فالمصلون في الحقيقة هم ورثة الفردوس، وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون لدنوه وقربه من قلوبهم فنسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، فهيهات ما بيننا وبينهم ونحن نرغب إلى الله تعالى أن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله و قبحت أفعاله إنه الكريم المنان ذو الفضل والإحسان (3).
فصل
ويروى عن أبي الدرداء أنه قال: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل فيها بقلب فارغ وكان بعضهم يخفف الصلاة خيفة الوسواس، ويروى أن عمار بن ياسر رحمه الله صلى صلاة فخففها فقيل له: خففت يا أبا اليقظان فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فإني بادرت سهو الشيطان، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليصلي الصلاة ولا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها (1)
وكان يقول: إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها. ويقال: إن طلحة والزبير، وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا أخف الناس صلاة، وقالوا: نبادر بها وسوسة
الشيطان.
جبر
واعلم أن الصلاة قد يحسب بعضها ويكتب دون بعض كما دلت الأخبار عليه، إذ ورد نقصان الفرائض بالنوافل (5).
وفي الخبر / عن عيسى عليه السلام أنه قال: يقول الله عز وجل بالفرائض: نجا مني
عبدي، وبالنوافل يتقرب إلي عبدي.
(1) سورة المؤمنون الآيات،1، 2، 9، 10، 11. (2) سورة المدثر الآيتان: 42، 43.
(3) راجع إحياء علوم الدين (170/ 1، 171).
(4) رواه أحمد بإسناد صحيح .. وهو عند أبي داود والنسائي. قاله العراقي في المغني (172/ 1). (5) رواه أصحاب السنن، والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة: إن أول ما يحاسب به العبد عمله صلاته ..... الحديث. قاله العراقي في المصدر السابق.
من
يوم
القيامة (1/386)
صفحة 387
قنطرة الصلاة
371
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله تعالى: لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضت
عليه» (1).
وروي: أن النبي صلى صلاة فترك من قراءتها آية فلما انفتل قال: «ماذا قرأت»؟ فسكت القوم، فسأل أبي بن كعب فقال: قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما أدري أنسخت أم رفعت؟ فقال: «أنت لها يا أبي». ثم أقبل على الآخرين فقال: ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم، ونبيهم بين أيديهم لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم، إسرائيل كذا فعلوا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني قلوبكم باطلاً ما ترهبون (3).
ألا إن بني
وهذا يدل على أن استماع ما يقرأ الإمام وفهمه بدل عن قراءته السورة بنفسه، لأن الله تعالى يقول: {فَإِذَا قُرِى الْقُرْآنَ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا (3). وذلك خاص في قراءة السورة وراء الإمام والله أعلم.
فدلت هذه الأحاديث مع ما سبق أن الأصل في الصلاة الخشوع وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في الآخرة والله أعلم (4).
مسألة
(?)
ومن كتاب المحاسبي قلت ما المحافظة على الصلوات؟ قال: القيام عليها في أول أوقاتها بشدة مخافة وخضوع والتهيء لها قبل الدخول فيها بأحسن زينة من الوقار والسكينة فإذا استفتح جمع، همه واحضر ذهنه واشعر قلبه تعظيم من قام بين يديه قلت: وكيف الاخلاص فيها وفي غيرها من الأعمال؟
قال: / الاخلاص ضربان:
أحدهما: التوحيد الله وأن لا يراد بالعمل غيره، والآخر العمل من كل آفة تنقص فضله من الإصغاء والالتفات وحديث النفس بغيره، فإذا تحفظ فيه تم ثوابه إن شاء الله.
(1) لم أجده قاله العراقي في المصدر السابق. (2) رواه محمد بن نصر في كتاب الصلاة مرسلاً، وأبو منصور الديلمي من حديث أبي بن كعب، ورواه النسائي مختصراً من حديث عبد الرحمن بن أبزى بإسناد صحيح. قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) سورة الأعراف الآية: 204. (4) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (172/ 1، 173).
قناطر الخيرات ج/1 م/ 25
[1/ 219] (1/387)
صفحة 388
372
قنطرة الصلاة
قلت: أكل حديث يعرض في الصلاة ينقص منها؟
قال: يعرض فيها من حديث النفس ضربان وآخر من خواطر الوسواس: فأما ما كان من حديث النفس فيكون على تعمد وسهو فما كان من تعمد، فإن صاحبه
قد أساء وعليه الاستغفار لما مضى.
والسهو ضربان:
أحدهما:
سهو
أداه إليه حديث النفس متعمداً فملوم عليه.
والثاني: سهو صار إليه بغير، تعمد، فذلك موضوع عنه، إذ لم يتعمده، وأما ما كان من خواطر الشيطان فموضوع عنه ما لم يكن له تابعاً، فإن أصغى إليه بهواه فليكن عنه راجعاً، وللنفس عنه رادعاً، وبالله التوفيق.
الباب الرابع
في صلاة الإمامة وما على الإمام من وظائفها
الصلاة
قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: الَّذِي يَرَاكَ حِيْنَ تَقُومُ يعني وحدك في وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (1). يعني في الجماعة، وفي الحديث عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
مَنْ أم الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم». وعنه عليه السلام أنه قال: إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المساجد ولا يجدون
إماماً يصلي بهم (2). ويقال: إن قوماً تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم. وأما ما روي من. مدافعة الإمام بين الصحابة فسببه فيما وجدت إيثارهم من رأوه أولى بها [420/ب] أو خوف الخطر من ضمان الصلاة، فإن الأئمة / ضمناء وكان من لم يتعود ذلك ربما يشوش عليه الإخلاص في الصلاة حياء من المقتدين به لا سيما في جهره بالقرآن فكان الاحتراز ممن
(3)
احترز عنها من أسباب هذا الجنس والله أعلم 3
(1) سورة الشعراء الآيتان: 218، 219.
(2) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن (581)، أحمد في المسند (381/ 6)، والبيهقي في السنن
الكبرى (129/ 3).
(3) راجع الباب بتوسع في إحياء علوم الدين (173/ 1). (1/388)
صفحة 389
قنطرة الصلاة
فصل: فيما على الإمام من الوظائف في الصلاة وقبلها اعلم أن على الإمام وظائف قبل الصلاة والقراءة في أركان الصلاة وبعد السلام. أما الوظائف قبل الصلاة فست:
373
إحداها: أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه، فإن اختلفوا كان النظر وإن كان الأقلون هم أهل الخير والدين فالنظر إليهم أولاً.
وفي الحديث: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم العبد الآبق، وامرأة زوجها عليها ساخط، وإمام قوم هم له كارهون (1).
وكما ينهى عن التقدم مع كراهيتهم، فكذلك ينهى عنه إن كان وراءه من هو أفقه وأفضل منه إلا إذا امتنع من هو أولى منه فله التقدم إذا كان قائماً بشروط الإمامة، وعرف ذلك من
نفسه. والله أعلم. الثانية: إذا خُير المريد للآخرة بين الآذان والإمامة فاختلف السلف في ذلك وقال آخرون: الآذان أولى لما في الإمامة من خطر الضمان ولأنه عليه السلام قال: «اللهم ارشد
الأئمة واغفر للمؤذنين (2).
سبع سنين
فقد
وجبت
ومن
والمغفرة أولى بالطلب فإن الرشد يراد للمغفرة، ولما ورد في الحديث أن: «من أذن في مسجد أذن أربعين عاماً أدخل الجنة بغير حساب (3). له الجنة الله وغير هذا مما تقدم في فضل الأذان. قالوا: ولذلك نقل عن الصحابة رضي عنهم أنهم يتدافعون الإمامة.
وفي كتاب الغزالي قال: والصحيح / أن الإمامة أفضل إذ واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، [1/ 421] وأبي بكر، وعمر، وغيرهما من الأئمة. نعم فيها خطر الضمان والفضيلة مع الخطر كما أن رتبة الإمارة والخلافة أفضل لقوله: «اليوم واحد من سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين
سنة (4).
(1) رواه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال حسن غريب، وضعفه البيهقي. قاله العراقي في المغني
(173/ 1)
(2) جزء من حديث رواه البخاري من حديث لأبي هريرة. (3) رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عباس بالشطر الأول، نحوه، قال الترمذي: حديث غريب. قاله العراقي في المغني (173/ 1).
(4) رواه الطبراني من حديث ابن عباس بسند حسن بلفظ ستين، قاله العراقي في المصدر السابق. (1/389)
صفحة 390
[422/ب]
374
قنطرة الصلاة
ولكن فيه خطر ولذلك وجب تقديم الأفضل والأفقه وعنه عليه السلام أنه قال: «أئمتكم وفدكم إلى ربكم فإن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم (1).
(1) ,
وقال بعض السلف: ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين، لأن هؤلاء قاموا بين يدي الله عز وجل وبيني خلقه هذا بالنبوة، وهذا بالعلم، وهذا بعماد الدين وهي الصلاة.
وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر رضي الله عنه للخلافة، إذ قالوا: نظرنا
فإذا الصلاة عماد الدين، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، والله أعلم. الثالثة: أن يراعي الإمام أوقات الصلاة فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله سبحانه ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الدنيا هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما
بلغنا (2).
وفي الحديث: إن العبد ليصلي الصلاة في آخر، وقتها، ولم تفته وما فاته من أول وقتها خير من الدنيا وما فيها» (3).
ولا ينبغي أن تؤخر الصلاة لانتظار كثرة الجمع، بل عليهم المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت؛ فهي أفضل من كثرة الجماعة ومن تطويل السورة.
وقد قيل: كانوا إذا حضر إثنان في الجماعة / لم ينتظروا الثالث، وإذا حضر أربعة في
الجنازة لم ينتظروا الخامس.
وروي
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان في بعض أسفاره فتأخر عن صلاة الفجر للطهارة، فلم ينتظروه وتقدم عبد الرحمن بن عوف رحمه الله فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ذلك فقال: «قد أحسنتم هكذا افعلوا (4).
فقام يقضيها قال: فاشفقنا.
من
(1) رواه الدارقطني، والبيهقي، وضعف إسناده من حديث ابن عمر والبغوي وابن قانع، والطبراني في مجامعهم، والحاكم من حديث مرثد نحوه وهو منقطع، وفيه يحيى بن يحيى الأسلمي وهو ضعيف. قاله العراقي في المغني (174/ 1).
(2) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف. قاله العراقي في المصدر
السابق.
(3) رواه الدراقطني من حديث أبي هريرة نحو بإسناد ضعيف قاله العراقي بالمصدر السابق. (4) متفق عليه من حديث المغيرة قاله العراقي في المغني (175/ 1). (1/390)
صفحة 391
قنطرة الصلاة
375
وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه حتى جاء عليه السلام وهم في
الصلاة فقام إلى جانبه.
وليس على الإمام انتظار المؤذن، وإنما على المؤذن إنتظار الإمام للإقامة، فإذا حضر فلا
ينتظر غيره، والله أعلم.
الرابعة: أن يؤم لوجه الله تعالى مخلصاً ومؤدياً أمانة الله تعالى سبحانه في طهارته، وجميع شروط صلاته أما الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة، فقد أن روي النبي أمر عثمان بن أبي العاص الثقفي فقال: واتخذوا مؤذناً لا يأخذ على الأذان آجراً (1).
والأذان طريق إلى الصلاة فهي أولى بأن لا يؤخذ عليها أجر.
وفي كتاب الغزالي قال: فإن أخذ رزقاً من السجد وقد وقف على من يقوم بإمامته أو من السلطان أو من آحاد الناس فلا يحكم بتحريمه ولكنه مكروه والكراهية في الفرائض أشد منها في التراويح، ويكون له أجرة على مداومته على حضور الموضع ومراقبة مصالح المسجد في إقامة الجماعة لا على نفس الصلاة.
وأما الأمانة فهي الطهارة باطناً عن الفسوق والكبائر وعن الإصرار على الصغائر، فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك جهده، فإنه كالوفد والشفيع للقوم / فينبغي أن يكون [1/ 423] خير القوم وأفضلهم. وكذلك الطهارة عن الحدث والخبث لا بد أن يكون طاهراً متطهراً وذلك أيضاً أمانة لا يطلع عليه سواه فإن أحدث في صلاته بحديث يبني فيه فليأخذ بيد من يقرب منه وليستخلفه وليخرج فيتوضأ ثم يرجع فليدخل في الصلاة.
وفي كتاب الغزالي قال سفيان: صل خلف كل بار، وفاجر إلا مدمن خمر أو معلن بالفسوق، أو عاق لوالديه، أو صاحب بدعة، أو عبد آبق. الخامسة: أن لا يُكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يميناً وشمالاً فإن رأى خللاً أمر
بالتسوية.
قيل: كانوا يتحادون بالمناكب ويتضامون بالكعاب ولا يعجل المأمومين بالتكبير حتى
(1) رواه أصحاب السنن، والحاكم وصححه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، قاله العراقي في المصدر السابق. (1/391)
صفحة 392
[424/ب]
376
قنطرة الصلاة
يستعدوا للصلاة، وكذلك المؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد الناس. ففي الخبر: ليتمهل المؤذن بين الأذان والإقامة بقدر ما يفرغ الأكل طعامه من والمعتصر من اعتصاره، وذلك لأنه نهى عن مدافعة الأخبثين وأمر بتقديم العشاء على العشاء
طلباً لفراغ القلب. السادسة: أن من يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات وينوي الإمامة ويقول: أؤدي هذه الصلاة الأولى أو غيرها فريضة افترضتها علي بجميع من له صلاة وبكل من يصلي هذه الصلاة خلفي في هذا اليوم ليوم كذا فيبني بعد هذا على اعتقاد المنفرد كما تقدم وعليه في القراءة ثلاث وظائف.
أولها: أن يكون له في القيام للقراءة سكتتان، ورد بهما الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من
طريق سمرة بن جندب وعمران بن حصين عنه عليه السلام.
أحدهما: إذا كبر يسكت مقدار / ما يبلع ريقه. وقيل: مقدار ما يقول: سبحان الله. والثانية: بعد الفراغ من الفاتحة في صلاة السر أو إذا فرغ من السورة قبل أن يركع؛ لأنه قد نهى عليه السلام عن المواصلة.
الثانية: ينبغي الإطالة بالقراءة في صلاة الفجر، والتغليس بها سنة، ولا بأس بالخروج منها مع الأسفار، ولا بأس أن يقرأ فيها بأواخر السور، لأن ذلك لا يتكرر على الأسماع كثيراً يكون أبلغ في الوعظ وأدعى إلى التفكر. وإنما كره بعض العلماء قراءة بعض السور وقطعها وقد روي أنه قرأ بعض سورة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع. وروي أنه قرأ في ركعتي الفجر آية من البقرة وهي قوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) (1) الآية. وفي الثانية: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ (2). رواهما في كتاب الغزالي قال: بلالاً يقرأ
وسمع
من هاهنا وهاهنا فسأله. عن ذلك فقال: اخلط الطيب بالطيب. فقال: «أحسنت (3). ويستحب التوسيط في قراءة العشاء بأوساط سور المفصل، وفي المغرب بأواخر
المفضل.
(1) سورة البقرة الآية: 136. (2) سورة آل عمران الآية: 53.
(3) رواه أبو داود في السنن من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح نحوه قاله العراقي في المغني (176/ 1). (1/392)
صفحة 393
قنطرة الصلاة
377
من
ويقال: إن النبي عليه السلام قرأ في المغرب سورة (والمرسلات).
وروي
وبالجملة: التخفيف أولى ولا سيما إذا كثر الجمع لقوله عليه السلام: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (1). أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي بقوم العشاء فقرأ البقرة، فخرج رجل الصلاة وأتم لنفسه. فقالوا: نافق الرجل فتشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجر عليه السلام معاذاً وقال: «أفتان أنت يا معاذ اقرأ بسورة سبح والسماء والطارق، / والشمس وضحاها (2). الثالثة: الجهر بالقراءة في موضع السورة والإسرار بها مع الفاتحة فقط ما خلا الاستعاذة فإنه يسر بها على كل حال، والجهر بالفاتحة والسورة إنما يكون في الصبح وأولتي المغرب والعشاء وكذا المنفرد، ولكنه خلف الإمام يقتصر على قراءة الفاتحة سراً، ويستمع بعد ذلك لقراءة الإمام سراً. والله أعلم.
وعليه في الأركان ثلاث وظائف:
أولها: يخفف في تسبيح الركوع والسجود فلا يزيد فيه على ثلاث، وقد روي عن أنس أنه قال: ما رأيت أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام نعـ
روي
نعمه
(3)
[1/ 425]
أيضاً عن أنس مالك: أنه لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز وكان أميراً بن بالمدينة قال: ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الشاب. قال: فكنا نسبح
وراءه عشراً عشر (4).
وروي
أيضاً مجملاً أنهم قالوا: كنا نسبح وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود عشر اه). وهذا، حسن، ولكن الثلاث إذا كثرت الجماعة أحسن، وأما إذا لم يحضر إلا المتجردون للدين فلا بأس بالعشر هذا وجه الجمع بين الروايات وليقل الإمام عند رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده.
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (177/ 1). (2) متفق عليه من حديث جابر وليس فيه ذكر السماء والطارق وهي عند البيهقي. قاله العراقي في المصدر السابق. (3) متفق عليه قاله العراقي في المصدر السابق.
(4)
رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد وضعفه ابن القطان. المصدر السابق.
(5) لم أجد له أصلاً إلا في الحديث الذي قبله وفيه: فمررنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر
تسبيحات العراقي في المصدر السابق. (1/393)
صفحة 394
[426/ب]
[427/ب]
378
قنطرة الصلاة
الثانية: ينبغي للمأموم أن لا يسابق الإمام، بل يكون تبعاً له في المقال، والفعال، ولا يهوي إلى السجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى الأرض، ولا الركوع حتى يستوي الإمام راكعاً لقوله عليه السلام الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم.
ويقال: هكذا كان اقتداء الصحابة به عليه السلام والتشديد / في تكبيرة الإحرام وفي الركوع والسجود والرفع منهما، وفي التسليم فإن سبقه المأموم إلى أحد هذه الوجوه متعمداً انتفضت صلاته وناسياً فليرجع إلى اتباعه.
وقد قيل: إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام طائفة: بخمس وعشرين
صلاة، وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون بعد الإمام.
وطائفة: بصلاة واحدة وهم الذين يساوونه في الركوع والسجود وغير ذلك.
وطائفة: بلا صلاة وهم الذين يسبقون الإمام والله أعلم.
ووظائف التحليل ثلاث:
أولها: أن ينوي بالتسليم السلام على الحفظة وهم الملائكة عليهم السلام وسائر
المؤمنين.
وقيل: ينوي به الخروج من الصلاة، ولا ينبغي أن يجهر المصلي بقراءة التحيات بل يُسر
بها؛ فإن ذلك السنة. هو
الثانية: أن يتحول الإمام إذا سلّم فيصلي النافلة في موضع آخر.
روي أن ذلك فعل رسول الله وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقعد إلا قدر قوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
وإن كان خلف الإمام نسوة فلا يقم حتى ينصرفن. وقد استحب بعضهم أن يصلي سبحة المغرب في موضع الفريضة، ذكر ذلك في كتاب الصلاة لأهل المغرب من أصحابنا والله أعلم. الثالثة: ينبغي إذا قام أن يقبل بوجهه على الناس، ويكره للمأموم القيام قبل انتقال الإمام.
وفي كتاب الغزالي:
وروي عن طلحة والزبير أنهما صليا خلف إمام فلما سلما قالا / للإمام: ما أحسن (1/394)
صفحة 395
379
[1/ 428]
قنطرة الصلاة
صلاتك وأتمها إلا شيئاً واحداً؟ إنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك. ثم قالا للناس: ما أحسن صلاتكم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم ثم ينصرف الإمام حيث شاء عن يمينه أو شماله واليمين أفضل، ثم إذا دعا فلا يخص نفسه بالدعاء دون القوم بل يأتي بلفظ الجمع فيقول: اللهم اغفر لنا، ولا يقول: اغفر لي، في أمثالها، والله أعلم.
هذا ما على الإمام من وظائف الصلاة - اختصرنا ذلك من كتاب الغزالي (1) مخافة التطويل - إذ كان هذا موجوداً في كتب الصلاة، وبالله التوفيق.
الباب الخامس
في فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها (2)
وهذا الباب يشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: في فضل الجمعة
اعلم أن يوم الجمعة يوم عظيم عظم الله تعالى به الإسلام وخص به المسلمين وقال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَاسْعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) (3). حرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي للجمعة، وقال: «إن الله فرض
عليكم الجمعة في يومي. هذا في مقامي هذا (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر طبع الله على قلبه (0). وفي لفظ آخر: فقد نبذ الإسلام وراء ظهره».
ويروى عن مجاهد أنه قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس ما تقول في رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يحضر جمعة ولا جماعة ويموت على ذلك؟ قال: هو. في النار. قال: فاختلف إليه شهراً / يسأله عن ذلك ويقول: هو في النار.
(1) راجع إحياء علوم الدين (175/ 1، 178).
(2) من كتاب الغزالي.
(3) سورة الجمعة الآية: 9.
(4) رواه ابن ماجة من حديث جابر بإسناد ضعيف. قاله العراقي (178/ 1).
(5) رواه أحمد، واللفظ له وأصحاب السنن والحاكم وصححه من حديث أبي الجعد الضمري قاله العراق
في المغني (178/ 1). (1/395)
صفحة 396
380
قنطرة الصلاة
(1)
وفي الخبر أن أهل الكتابين أعطوا يوم القيامة فاختلفوا فيه، فصرفوا عنه، وهدانا الله له فأخره لهذه الأمة، وجعله عيداً لهم فهم أولى الناس به سبقاً، وأهل الكتابين لهم تبع وفي حديث أنس عن النبي عليه السلام أنه قال: أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآت [بيضاء] (2) فقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، قلت: فما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير. ساعة من دعا فيها بخير هو له قسم أعطاه الله أو ليس له قسم ذخر له ما هو أعظم منه أو تعوذ من شر هو مكتوب عليه إلا أعاده الله عز وجل من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا».
وعنه: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة (3). وفي الخبر: أن الله عز وجل في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام (4).
وعنه: إن الجحيم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا هذه الساعة إلا في يوم الجمعة؛ فإنه صلاة كله فإن جهنم لا تسعر فيه (5).
وعن كعب قال: إن الله عز وجل فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة. ويقال: إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضاً يوم الجمعة، فتقول: سلام سلام
يوم صالح.
[429/ب]
وعنه أنه قال: «من مات
يوم
الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر (6)،
والله أعلم
(7)
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة بنحوه قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) ما بين المعقوفين من الإحياء والمغني (179/ 1) وقال العراقي: رواه الشافعي في المسند، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه في التفسير بأسانيد ضعيفة. اختلاف.
(3) رواه مسلم من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) رواه ابن حبان في الضعفاء وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب من حديث عائشة، ولم أجده من
حديث أنس. المصدر السابق.
(ه) رواه أبو داود في السنن من حديث أبي قتادة وأعله بالانقطاع. المصدر السابق. (6) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث جابر، وهو والترمذي نحوه مختصراً من عبد الله بن عمر، وقال غريب ليس إسناده بمتصل. قلت: وصله الترمذي الحكيم في النوادر. قاله العراقي في المصدر السابق.
(7) راجع الباب في إحياء علوم الدين (178/ 1، 179). (1/396)
صفحة 397
قنطرة الصلاة
381
الفصل الثاني: في آدابها
وتنحصر آدابها في عشر جمل على ترتيب العادة:
الأولى: ينبغي للمريد أن يستعد لها يوم الخميس عزماً عليها واستقبالاً لفضلها فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر من يوم الخميس لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة.
وعن بعض السلف أنه قال: إن الله عز وجل فضلاً سوى أرزاق العباد لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة، ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها، ويعد الطيب إن لم يكن عنده ويفرغ قلبه من الاشتغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في
ألف
هذه الليلة صوم يوم الجمعة، فإن له فضلاً عظيماً، ويقال: من صامه كمن صام خمسين: سنة، ويقال: من صامه فإنه يبعد عن النار مسافة طيران فرخ الغراب منذ خرج من البيضة حتى يموت هرماً. وقيل: يجعل بينه وبين النار خندق مسافته ما بين مطلع الشمس إلى مغربها. ويقال: من صام أربعين جمعة غفرت ذنوبه، والله أعلم.
ولكن يقال: صوم الجمعة مفرداً مكروه حتى يضم إليه الخميس والسبت. ويقال: إن النبي عليه السلام نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه يوم أو يتأخره يوم، والله أعلم. وينبغي أن يشتغل بإحياء ليلة الجمعة بالصلاة وقراءة القرآن ويستحب عليها فضل يوم الجمعة ويجامع أهله في الليلة / أو في يوم الجمعة فقد استحب ذلك وحملوا عليه قول النبي [1/ 430] عليه السلام رحم الله من بكر وابتكر وغسل واغتسل (1). أي حمل أهله على الغسل، وقيل معناه: غسل ثيابه فروي بالتخفيف واغتسل جسده. وبهذا يتم آداب الاستقبال ويخرج من زمرة الغافلين الذين إذا أصبحوا قالوا: ما هذا اليوم؟
الثانية: إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحسن ليكون أقرب عهداً بالنظافة فالغسل مستحب استحباباً مؤكداً وبعض ذهب إلى وجوبه، ورووا في ذلك أن النبي عليه السلام قال: غسل يوم الجمعة واجب (2).
(r),
والمشهور في الحديث: من أتى الجمعة فليغتسل وكان أهل المدينة فيما بلغنا:
(1) رواه أصحاب السنن، وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أوس بن أوس: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر الحديث الترمذي وحسنه قاله العراقي في المغني (180/ 1).
(2) متفق عليه من حديث أبي سعيد. المصدر السابق. (1/397)
صفحة 398
382
قنطرة الصلاة
[431/ب]
يتسابون فيما بينهم فيقولون: لأنت شر ممن لا يغتسل.
أن ويروي
عمر رحمه الله قال لعثمان لما دخل عليه وهو يخطب: ما هذه البدعة؟! منكراً عليه ترك البكور - فقال: ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت. فعرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان.
وبما روي عن رسول الله له أنه قال: من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل (1). ويقال: معنى الحديث: من توضأ فيها ونعمت: أي فقد أخذ بالرخصة ونعمت الرخصة، ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه مرة أخرى على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزاء، والله أعلم.
الرائحة.
الطهارة.
الثالثة: الزينة وهي مستحبة في هذا اليوم وهي في ثلاث الكسوة، والنظافة، وتطييب
أما النظافة: فبالسواك وحلق الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وسائر ما تقدم / في
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه عز وجل داء وأدخل فيه شفاء. فإن كان قد دخل الحمام في الخميس والأربعاء فقد حصل المقصود، ويتطييب في هذا اليوم بأطيب طيب عنده ليغلب به الروائح الكريهة، ويوصل به الروح والراحة مشام الحاضرين في جواره، وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ظهر لونه وخفي ريحه روي ذلك في الأثر، ر، وقال بعض العلماء: من نظف ثوبه قل
E
(2)
همه، ومن طاب ريحه زاد عقله.
وأما الكسوة فأحبها البيض من الثياب، إذ أحب الثياب إلى الله عز وجل البيض، ولا
يلبس ما فيه الشهرة.
وفي كتاب الغزالي قال: لبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل بل كره جماعة النظر
إليه. قال: لأنه بدعة محدثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: والعمامة مستحبة في هذا اليوم.
(1) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي من حديث سمرة. المصدر السابق. (2) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (181/ 1). (1/398)
صفحة 399
قنطرة الصلاة
قال: وروى وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة (1).
قال: فإن أكربه الحر فلا بأس بنزعها قبل الصلاة وبعدها، ولكن لا تنزع في وقت الصلاة وعند صعود الإمام المنبر في خطبته والله أعلم.
الرابعة: ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر، وفضل البكور عظيم وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعاً متواضعاً ناوياً للاعتكاف في المسجد للصلاة قاصداً للمبادرة إلى إجابة نداء الله عز وجل إلى الجمعة / والمسارعة إلى [1/ 432] مغفرته ورضوانه وقد قال: من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام، فمن جاء بعد ذلك فإنما جاء بحق الصلاة ليس له من الفضل شيء (2).
والساعة الأولى إلى طلوع الشمس والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى إنبساطها حين ترمض الأقدام، والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال وفضلها قليل، ووقت الزوال
حق الصلاة ولا فضل فيه.
وعنه عليه السلام قال: ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا الإبل في طلبهن: الأذان،
والصف الأول، والغدو إلى الجمعة (3).
قال بعضهم: أفضلهن الغدو إلى الجمعة.
وفي الخبر: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف.
(1) رواه الطيالسي وابن عدي وقال: منكر من حديث أبي الدرداء، ولم أره من حديث وائلة. المصدر
السابق.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وليس فيه ورفعت الأقلام وهذه اللفظة عند البيهقي من رواية عمرو بن شعيب عن أيه عن جده. قاله العراقي في المغني (182/ 1). (3) رواه أبو الشيخ في ثواب الأعمال من حديث أبي هريرة ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن ما أخذن إلا بالاستهام عليها حرصاً على ما فيهن من الخير والبركة. قال: والتهجير إلى الجمعة في الصحيحين. من حديث: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا، ولو يعلمون
ما في التهجير لاستبقوا إليه. قاله العراقي في المصدر السابق. (1/399)
صفحة 400
قنطرة الصلاة
384
فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم.
وجاء في الأثر: أن الملائكة يتفقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضاً عنه ما فعل فلان، وما الذي أخره عن وقته. فيقولون: اللهم إن كان أخره فقر فأغنه، وإن آخره مرض فاشفه، وإن أخره شغل ففرغه لعبادتك، وإن أخره لهو فأقبل بقلبه على طاعتك. قال: وكان يرى في القرن الأول سحراً أو بعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس [433/ب] يزدحمون فيها إلى الجامع كأيام / العيد حتى اندرس ذلك. فقيل: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع.
قال: وكيف لا يستحي المؤمن من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع والكنائس يوم السبت والأحد وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى درجات الجامع للبيع والربح فلم لا يسابقهم طالب الآخرة.
وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل بكرة فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور فاغتم بذلك وجعل يقول لنفسه معاتباً لها: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد.
الخامسة: في هيئة الدخول فينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين أيديهم، وفي البكور يسهل عليه ذلك، فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب، وهو أن يجعل جسراً يوم
القيامة يتخطاه الناس
(1)
وروى ابن جريج مرسلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس حتى تقدم فجلس فلما قضى عليه الصلاة والسلام صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال: يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معناه؟ فقال: يا نبي الله قد جمعت. فقال عليه السلام: «أولم أرك تتخطى رقاب الناس»؟! أشار به إلى (2) أنه أحبط عمله.
(2)
هكذا ذكر في كتاب الغزالي قال: وفي الحديث مسنداً أيضاً قال: «ما منعك أن تصلي معناه؟ قال: أولم ترني؟ قال عليه السلام: رأيتك أتيت وآذيت (3). أي تأخرت عن البكور
(1) رواه الترمذي وضعفه، وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس قاله العراقي في المغني (183/ 1). (2) في الأصل: «بما لي». والتصويب من الإحياء (183/ 1) وقال العراقي في تعليقه: رواه ابن المبارك في
الرقائق.
(3) رواه أبو داود، والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن بسر مختصراً. العراقي في المغني
(183/ 1) (1/400)
صفحة 401
قنطرة الصلاة
385
وآذيت الحضور. قال: ومهما كان الصف الأول متروكاً خالياً فله أن يتخطى رقاب الناس؛ لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا موضع الفضيلة.
وعن الحسن أنه قال: تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة، فإنه لا حرمة لهم، وإذا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي / ألا يسلم عليهم، [1/ 434] فإنه تكليف جواب في غير محله.
السادسة: أن لا يمر بين يدي الناس ويجلس هو إلى قريب من أسطوانة أو حائط حتى لا يمر بين يدي المصلين فإن ذلك مكروه، وإن كان لا يقطع الصلاة إذ قال: لأن يقف الرجل أربعين سنة خير له من أن يمر بين يدي المصلي
وعنه هو أنه قال: لأن يكون الرجل رماداً رميماً تذروه الرياح له من أن يمر بين يدي المصلي (2).
(2)
وسوى في حديث آخر بيني المار والمصلي حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع فقال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه (3).
والأسطوانة والحائط والمصلى المفروش فيه حدّ المصلي فمن إجتاز به فينبغي أن يدفعه قال: ليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان (4).
قال: وكان أبو سعيد الخدري يدفع من يمر بين يديثه حتى يصرعه فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه مروان فيخبره أن النبي أمره بذلك، فإن لم يجد اسطوانة فلينصب بين يديه شيئاً طوله قدر الذراع ليكون ذلك علامة لحده.
السابعة: أن يطلب الصف الأول، فإن فضله كثير كما تقدم، وفي الخبر: «من غسل
(1) رواه البزار من حديث زيد بن خالد، وفي الصحيحين من حديث أبي جهم أن يقف أربعين. قال أبو النضر لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة مائة عام،
المصدر السابق.
(2) رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان وابن عبد البر في التمهيد موقوفاً على عبد الله بن عمر، وزاد: متعمداً.
المصدر السابق.
(3) رواه هكذا أبو العباس محمد بن يحيى السراج في مسنده من حديث زيد بن خالد بإسناد
المصدر السابق. (4) متفق عليه. المصدر السابق.
صحيح. (1/401)
صفحة 402
386
قنطرة الصلاة
واغتسل وبكر وابتكر ودنا من الإمام واستمع كان له كفارة ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة
أيام (1).
وفي لفظ آخر: غفر الله له إلى الجمعة الأخرى. وقد اشترط في بعضها إن لم يتخط
رقاب الناس قال: ولا يغفل عن | الصف الأول إلا بثلاثة أمور:
أولها: كأنه يرى بقرب الخطيب منكراً يعجز عن تغييره من لبس حرير من الإمام أو غيره 4356 / ب] أو صلاة / في سلاح كثير شاغل أو سلاح مذهب أو غير ذلك مما يجب عليه الإنكار من أجله، فالتأخر له أسلم وأجمع للهمم، فعل ذلك فيما بلغنا جماعة من العلماء طلباً للسلامة.
وقيل لبعضهم: نراك تبكر وتصلي في آخر الصفوف. فقال: إنما يراد قرب القلوب لا
قرب الأجساد، أشار به إلى أن ذلك أسلم لقلبه.
قال: ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حارث عند المنبر يستمع إلى الخطبة من أبي جعفر فلما فرغ من الصلاة قال: شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاماً ما يجب عليك إنكاره فلا تقو تقوم به؟
قال: ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد قال يا أبا عبد الله أليس في الخبر أذن واستمع؟ قال: ويحك ذلك. للخلفاء الراشدين المهتدين، وأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب إلى الله عز وجل.
وعن سعيد بن عامر قال: صليت إلى جنب أبي الدرداء فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف، فلما صلينا قلت له: أليس يقال خير الصفوف أولها؟ فقال: نعم إلا أن هذه مرحومة منظور إليها من بين سائر الأمم، فإن الله عز وجل إذا نظر إلى عبد في الصلاة غفر
أمة
(2)
لمن وراءه من الناس، وإنما تأخرت رجاء أن يغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه (2).
وفي بعض الروايات أنه قال: سمعت رسول الله قال ذلك فمن تأخر على هذه النية
إيثاراً وإظهاراً لحسن الخلق فلا بأس. وعند هذا يقال: الأعمال بالنيات.
الثاني:
: أنه إن لم تكن مقصورة عند الخطيب مقتطعة عند المسجد للسلاطين فالصف
[436/ب] الأول / محبوب وإلا فقد كره بعض العلماء دخول المقصورة.
(1) رواه الحاكم من حديث أوس بن أوس وأصله عند أصحاب السنن المصدر السابق. (2) لم أجده، قاله العراقي في المغني (184/ 1). (1/402)
صفحة 403
387
قنطرة الصلاة
وقيل: كان الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة ورأوا أنها قصرت على السلاطين وهي بدعة أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد.
ووجدت في كتاب المبرد: أن الحجاج بن عبد الله وهو أحد الثلاثة الذين اتفقوا على قتل علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان في ليلة واحدة. قال: فأتى الحجاج معاوية وهو يصلي فضربه مدبراً ففلق أليتيه. فقال: قتلتك يا عدو الله. فقال معاوية: كلا يا ابن أخي إن عمك أحمش من ذلك. قال: فلما أخذ قال: الأمان والبشارة، قتل علي في هذه الصبيحة فاستبقوني به حتى جاء الخبر فقطع معاوية يده ورجله وأمر حينئذ باتخاذ المقصورة. فقيل لابن عباس: ما تأويل المقصورة؟ قال: يخافون أن يبتهضه الناس فيقال: البأس بالباء، والمقصورة: بيت يتخذ في الجامع تصلي فيه السلاطين خاصة. ولذلك كرهت العلماء الصلاة فيه؛ لأن المسجد مطلق لجميع الناس.
وقد روي أيضاً أن أنس بن مالك، وعمران بن الحصين صليا في المقصورة طلباً للقرب
ولم يكرها ذلك، والله أعلم.
ولعل الكراهة تختص بحالة التخصيص والمنع وأما مجرد المقصورة إذا لم يكن منع فلا يوجب كراهة، والله أعلم.
الثالث: أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل. وعن الثوري أنه كان يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر وهو المتجه؛ لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب، ويسمع ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى. / وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة من | المسجد، وكان بعض الصحابة فيما بلغنا يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب، والله أعلم. الثامنة: أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام، ويقطع الكلام أيضاً بل يشتغل بإجابة المؤذن، ثم باستماع الخطبة. وفي كتاب الغزالي قال: وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين. قال: ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر لكنه إن وافق سجود تلاوة القرآن فلا بأس أن يمد الدعاء؛ لأنه وقت فاضل. قال: ولا يحكم بتحريم هذا السجود، لأنه لا. سبب لتحريمه.
قال: وقد روي عن عليّ وعثمان من استمع وانصت فله أجران، ومن لم يستمع وانصت قناطر الخيرات ج/1 م/26
[1/ 437] (1/403)
صفحة 404
388
قنطرة الصلاة
فله أجر واحد، ومن سمع ولغي فعليه وزران ومن لم يسمع ولغي فعليه وزر واحد. وعنه أنه قال: «من قال لصاحبه والإمام يخطب انصت أو مه فقد لغي، ومن لغى والإمام يخطب فلا جمعة له (1). وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بالإشارة أو رمي
حصاة لا بالنطق.
وفي حديث أبي ذر رحمه الله لما سأل أبيًا والنبي عليه السلام يخطب فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأوماء إليه أن اسكت، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبي: اذهب فلا جمعة لك. فشكاه أبو ذر إلى رسول الله، فقال: صدق أبي (2). وإن كان بعيداً من الإمام، فلا ينبغي أن يتكلم في العلم وغيره بل يسكت، وإذا كانت الصلاة مكروهة في وقت خطبة الإمام
فالكلام أولى.
التاسعة: أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها، فإذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ [438/ب] / سوى الفاتحة. ثم إذا فرغ من الجمعة قرأ سورة الحمد سبع مرات قبل أن يتكلم، وقل الله أحد، والمعوذتين سبعاً سبعاً فروي عن بعض السلف أن: من فعله عُصِمَ من الجمعة إلى الجمعة وكان حزراً له من الشيطان.
هو
ويستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة: اللهم يا غني يا حميد يا مبداء يا معيد يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عن من سواك. يقال: من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب. قال: ثم صلي بعد الجمعة ست ركعات فقد روي عن ابن عمر) أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين. وعن أبي هريرة عنه أربعاً، وعن علي وابن عباس ستاً، والكل صحيح فيما بلغنا في
أحوال مختلفة والأكمل أفضل والله أعلم.
(1) رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، دون قوله ومن لغى فلا جمعة له. قال الترمذي حديث حسن صحيح وهو في الصحيحين بلفظ: إذا قلت لصاحبك. وأبو داود من حديث علي: «من قال: صه فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له. قاله العراقي في المغني (184/ 1، 185). (2) رواه البيهقي وقال في المعرفة إسناده صحيح، وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي بن كعب بسند أن السائل له أبو الدرداء، وأبو ذر، ولأحمد من حديث أبي الدرداء: أنه سأل أبياً، ولابن حبان من حديث جابر أن السائل عبد الله بن مسعود، ولأبي يعلى من حديث جابر قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل لا جمعة لك، فقال له النبي: لم يا سعد؟ قال: لأنه كان يتكلم وأنت تخطب، فقال:
صحيح
صدق سعد المصدر السابق. (1/404)
صفحة 405
قنطرة | ة الصلاة
خائفاً
العاشرة: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر، فإن أقام إلى الغرب فهو الأفضل.
389
يقال: من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج. ومن صلى المغرب كان له ثواب العمرة، فإن لم يأمن التصنع ودخول الآفة عليه من نظر الخلق إلى اعتكافه أو خاف الخوض فيما لا يعني فالأفضل أن يرجع إلى بيته ذاكراً لله عز وجل مفكراً في آلائه شاكراً على توفيقه من تقصيره مراقباً لقلبه ولسانه إلى غروب الشمس حتى لا تفوته الساعة الشريفة. ولا أن يتكلم في الجامع ولا غيره من المساجد بحديث الدنيا، وقد جاء في الحديث: «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس الله تعالى بهم من حاجة (1)، والله أعلم
ينبغي
(2)
الفصل الثالث: في شروط الجمعة وحكمها
أما حكمها: فقد اتفقت الأمة على أن حكم الجمعة الوجوب، وأنها تصلى خلف الإمام العادل في الأمصار السبعة التي مصرّها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واختلفوا فيها [1/ 439] خلف الجبابرة: فذهب أكثر الإباضية إلى إيجابها خلفهم في الأمصار السبعة.
وذهب بعضهم إلى أنها لا تصلى خلف الجبابرة، وقد ذكرت هذا في كتابنا المسمى بقواعد الإسلام مشروحاً بأدلته واختلاف الناس في ذلك، وما اعتمد عليه أصحابنا فلا معنى لإعادته هاهنا؛ إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لتفريع مسائل الفقه، وإنما هو موضوع لما لا بد منه من حدود الفرائض وغيرها ظاهراً وباطناً.
وأما شروط وجوب الجمعة عند أصحابنا فهي عشرة البلوغ، والعقل، والإسلام، والذكورية، والصحة، والحرية والإقامة، والإمام، والمصر، والجماعة.
وقد شرحتها في كتاب القواعد فلا نعيدها هاهنا وبالجملة فلا تجب الجمعة إلا على بالغ عاقل مسلم ذكر صحيح حر مقيم في مصر: تحت حكم. سلطان سعه جماعة من الناس، ولا تجب على طفل، ولا على مجنون ولا على أنثى، ولا على مريض، ولا على عبد ولا على مسافر، ولا على من كان في غير مصر من الأمصار السبعة على قول بعض علمائنا، ولا على من كان في غير أرض تقام فيه الحدود بالسلطان، ولا على من كان في غير جماعة، هذه،
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث الحسن مرسلاً وأسنده، والحاكم من حديث أنس وصحح إسناده، وابن حبان من حديث ابن مسعود. المصدر السابق.
(2) راجع الباب في إحياء علوم الدين (180/ 1، 185). (1/405)
صفحة 406
قنطرة الصلاة
شروط الوجوب مجملة هاهنا مشروحة في غير هذا الكتاب، والله أعلم.
شروط:
وأما شروط صحة صلاة الجمعة فهي كسائر شروط الصلوات إلا أنها تتميز عنها بستة
أحدها: الوقت: فلو وقع تسليم الإمام منها في وقت العصر لكانت الجمعة فائتة في قول
بعضهم وعليه أن يتمها ظهراً.
[440/ب] الثاني: المكان فلا تصح في الصحاري والبوادي وبين / الخيام، بل لا بد من بقعة جامعة لأبنية لا تنقل تجمع جمعة ممن تلزمهم الجمعة بحضور سلطان أو بإذنه.
الثالث: العدد: وقد اختلف فيه من اثنين بالإمام إلى أربعين رجلاً ممن تلزمهم ذكوراً
مكلفين، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفاً.
الرابع: الجماعة: فلو صلوا فرادى لا تصح جمعتهم.
الخامس: أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخري في ذلك البلد إلا عند الضرورة.
السادس: الخطبة: لأنه إذا لم تكن الخطبة صلوا الظهر أربعاً، وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة، وقد اتفق جمهور العلماء على أن وقت الأذان هو إذا جلس الإمام على المنبر فإذا قال المؤذن: لا إله إلا الله، أخذ الإمام في الخطبة، ولا ينزل حتى يقول المؤذن: قد قامت الصلاة فيدخل الإمام فيها، والله أعلم هذه شروط صحة الصلاة والله أعلم).
الفصل الرابع: في سننها وفضائلها
أما السنن المختصة بها: فقد ذكرت في الجمل المتقدمة وهي الغسل عند الرواح لها، ولا يجزي إلا بعد الصبح والطيب، والسواك، والتجمل في اللباس، والبكور، والإنصات للإمام والاستقبال له بالوجه والجهر بالقراءة في الصلاة والله أعلم.
،
أما فضائلها فالتهجير لها، وصلة الغسل بالرواح لها واستعمال خصال الفطرة فيها: من قص الشارب ونتف الإبط، والاستحداد، وتقليم الأظفار والاقتصار في الخطبة مع بلاغة واختصار، وقراءة آية ولا يستعمل فيها غريب اللغة ولا يتمطى ولا يتغنى، وليتكيء على سيف أو عصى أو نحوه ولتكن مشتملة على الذكر، والثناء على الله تعالى والشهادتين،
(1) راجع الباب في إحياء علوم الدين (179/ 1، 180). (1/406)
صفحة 407
[1/ 441]
قنطرة الصلاة
391
والتذكير، والدعاء، والصدقة قبلها، وحضور مجلس العلم قبل الصلاة بكرة، أو بعدها، أو بعد / العصر، ولا يحضر مجلس القصاص.
وقد روي عن أنس في قوله تعالى: {فَإِذا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ (1).
قال: إما أنه ليس بطلب، دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وتعلم علم، وزيارة أخ في الله، وقد سمى الله تعالى العلم فضلاً في مواضع قال الله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (2).
يعني
وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِّنَّا فَضْلاً) (3). علماً، وينبغي أن يكون حسن المراقبة للساعة الشريفة التي ورد الخبر بها: لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه. وفي خبر آخر: لا يوافقها عبد يصلي فاختلف فيها، فقيل: أنها عند طلوع الشمس،
وقيل: عند الزوال، وقيل مع الأذان، وقيل: إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الخطبة. وقيل: إذا قام الناس إلى الصلاة، وقيل آخر: وقت العصر، وقيل: عند غروب
الشمس.
ويقال: كانت فاطمة رضي الله عنها تراعي ذلك الوقت فتأخذ في الدعاء والاستغفار إلى أن تغرب الشمس، وتخبر بأن تلك الساعة. هي المنتظرة. وقد روي عن كعب الأحبار: أنها في آخر ساعة من يوم الجمعة، فقال أبو هريرة: كيف والنبي عليه السلام يقول: لا يوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة؟ فقال كعب: ألم يقل: من قعد ينتظر الصلاة فهو في صلاة»؟ قال: بلى. فقال: تلك صلاة، فسكت أبو هريرة
(E).
وقال بعض العلماء: هي مبهمة في جميع اليوم والليلة مثل ليلة القدر حتى تكثر الرغبة في مراقبتها. وقيل: أنها تنتقل في ساعة يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر، وهذا هو الأشبه، ولكن
(1) سورة الجمعة الآية: 10. (2) سورة النساء الآية: 113. (3) سورة سبأ الآية: 10.
(4)
قال العراقي (187/ 1) وقع في الإحياء أن كعباً هو القائل إنها آخر ساعة وليس كذلك وإنما هو عبد الله بن سلام، وأما كعب فإنما قال: إنها في كل سنة مرة ثم رجع والحديث رواه أبو داود، والترمذي والنسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة وابن ماجه نحوه من حديث عبد الله بن سلام. (1/407)
صفحة 408
392
قنطرة الصلاة
[442/ب] ينبغي للإنسان أن يصدق بقوله عليه السلام: إن لربكم في دهوركم نفحات / ألا فتعرضوا
لها (1).
الجمعة من
جملة تلك الأيام، فينبغي أن يكون العبد متعرضاً لها بإحضار القلب ويوم وملازمة الذكر، والنزوع عن وسواس الدنيا فعساه أن يحظى بشيء من تلك النفحات والله
أعلم.
ويستحب أيضاً إكثار الصلاة فيه على النبي، فقد روي عنه أنه قال: «من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة. فقيل له: وكيف نصلي عليك؟ فقال: «تقول اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي ثم تعقد واحدة». وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار فإنه مستحب أيضاً في هذا اليوم.
ويستحب أيضاً أن يكثر فيه قراءة القرآن وخصوصاً سورة الكهف.
وقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما قالا من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها أعطى نوراً من حيث يقرأها إلى مكة، وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من الداء والذبيلة وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال (2).
ويستحب
أن يختم القرآن في يوم الجمعة أو ليلتها إن قدر، ولتكن ختمة القرآن في ركعتي الفجر إن قرأ في الليل أو في ركعتي المغرب أو بين الأذان والإقامة للجمعة فله فضل
عظيم.
مرة.
وقيل: وكان العابدون يستحبون أن يقرأوا يوم الجمعة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (3) ألف
ويقال: إن قرأها في في عشر ركعات أو عشرين ركعة فهو أفضل من ختمة، وكانوا يصلون على النبي عليه السلام ألف مرة ويقولون: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله
(1) رواه الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط من حديث محمد بن ولابن عبد البر في التمهيد نحوه من حديث أنس، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج من حديث أبي هريرة، واختلف في
إسناده. قاله العراقي في المغني (186/ 1). (2) لم أجده من حديثهما. قاله العراقي في المغني (187/ 1). (3) سورة الإخلاص الآية: 1. (1/408)
صفحة 409
[1/ 443]
393
قنطرة الصلاة
أكبر ألف مرة، وإن قرأ المسبحات الست في يوم الجمعة أو ليلتها فذلك حسن / جميل. ويقال: إن النبي عليه السلام لم يكن يقرأ سوراً بأعيانها إلا في يوم الجمعة أو ليلتها كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (1)، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (2). وفي صلاة العشاء سورة الجمعة، وسورة المنافقين.
وروي
(Y),
أنه كان يقرأهما في ركعتي الجمعة، وكان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة سجدة لقمان وسورة هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ) (3) والله أعلم وأحكم.
(?).
ويستحب أيضاً إذا دخل الجامع أن لا يجلس حتى يركع أربع ركعات يقرأ فيهن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (4). مائة مرة في كل ركعة خمسين مرة فقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: من فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له ولا يدع ركعتي التحية. وإن كان الإمام يخطب، ولكن يخفف قيل: أنه عليه السلام أمر بذلك، وقيل: أنه سكت للداخل حتى
صلاهما (ه)
ولذلك قال بعضهم: إن سكت له الإمام صلاهما، ويقال أنه يستحب في هذا اليوم أن يصلي أربع ركعات بأربع سور الأنعام، والكهف، وطه ويس، فإن لم يحسن قرأ يس، والسجدة ولقمان، وسورة الدخان وسورة الملك، ولا يدع أيضاً قراءة هذه الأربع سور في ليلة الجمعة ففيها فضل كثير، ومن لا يحسن القرآن قرأ ما يحسن، ويكثر من سورة الإخلاص. ويستحب أن يصلي فيه أيضاً صلاة التسبيح (6) كما سيأتي إن شاء الله في باب صلاة
التطوعات.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «صلها في كل جمعة (7).
(1) سورة الكافرون الآية: 1.
(2) سورة الإخلاص الآية: 1.
(3) سورة الإنسان الآية: 1. (4) سورة الإخلاص الآية: 1.
(0) رواه الدارقطني من حديث أنس وقال أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه والصواب عن معتمر عن أبيه
مرسلاً. قاله العراقي في المغني (188/ 1).
(1) رواه أبو دواد وابن ماجة، وابن خزيمة، والحاكم من حديث ابن عباس، وقال العقيلي وغيره: ليس فيها قاله العراقي في المصدر السابق.
حديث صحيح.
(7) رواه أبو دواد، وابن ماجة، وابن خزيمة، والحاكم من حديث ابن عباس، وقال العقيلي وغيره: ليس فيها = (1/409)
صفحة 410
394
قنطرة الصلاة
فكان ابن عباس فيما بلغنا لا هذه الصلاة بدع
جلالة فضلها.
يوم الجمعة بعد الزوال، وكان يخبر عن
وقيل: الأحسن أن يجعل وقته إلى الزوال للصلاة وبعد صلاة الجمعة إلى العصر
[444 / بالاستماع العلم وبعده إلى المغرب / للتسبيح والاستغفار.
وتستحب
فهذا مكروه.
هذا الصدقة في اليوم أيضاً؛ لأنها مضاعفة فيه إلا من سأل، والإمام يخطب
ومن العلماء من كره الصدقة على سؤال الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا إن سأل في مكانه قائماً أو قاعداً من غير تخطي.
:
أسألك
وعن كعب الأحبار أنه قال: من شهد الجمعة، ثم انصرف وتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة، ثم رجع فركع ركعتين يتم فيهما ركوعهما وخشوعهما، ثم يقول: اللهم إني باسمك الله الرحمن الرحيم، وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم لم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه.
وقال بعض السلف فيما بلغنا: من أطعم مسكيناً يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحداً ثم قال حين سلم الإمام بسم ا الله الرحمن الحي القيوم أسألك أن تغفر لي وترحمني وأن تعافيني من النار، ثم دعا بما بدا له استجيب له والله أعلم.
أشغال
والذي ينبغي لمريد الآخرة أن يجعل يوم الجمعة للآخرة فيكف فيه عن جميع الدنيا ويكثر فيه من أوراد العبادة ولا يبتداء فيه السفر. وقد روي أن من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه وهو بعد طلوع الفجر عند بعضهم حرام إلا إذا كانت الرفقة تفوت.
وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد ليشربه أو ليسبله حتى لا يكون مبتاعاً في المسجد فإن البيع والشراء فيه مكروه، وقالوا: لا بأس أن يعطي القطعة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد.
وبالجملة فينبغي أن يزيد في يوم الجمعة في أوراد العبادة وأنواع الخيرات فإن الله سبحانه
حديث صحيح. قاله العراقي في المصدر السابق. (1/410)
صفحة 411
قنطرة | ة الصلاة
395
إذا أحب / عبداً استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال، وإذا مقته استعمله فيها بسيء [445 / أ] الأعمال ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت الفاضل وبالله التوفيق (1).
مسألة
حُقَّ على من حضر الصلاة إذا رأى غيره يسيء الصلاة أن ينكر عليه فإن صدر عن جهل رفق بالجاهل وعلمه، فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع المنفرد بالوقوف خارج الصف والإنكار على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ذلك من الأمور فقد قال: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه (2). ولا يكون له الويل إلا بترك الفريضة.
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: من رأى من يساء صلاته ولم ينهه فهو شريكه، وجاء في الحديث: أن بلالاً كان يسوي الصفوف ويضرب عراقبهم بالدرة (3).
وينبغي أن يعاتب تارك الجماعة والمتخلف عنها، وقد كان الأولون يبالغون في الإنكار على ذلك، ويستحب أن يقصد يمين الصف، ولذلك تزاحم الناس عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: تعطلت الميسرة. فقال عليه السلام: من عَمَّر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر (4). والله أعلم وأحكمه).
الباب السادس
في المندوب إليه من الصلوات
اعلم أن ما عدا الفرائض من الصلوات ينقسم إلى أربعة أقسام: سنن، ومرغوبات،
ومتطوعات، ومستحبات.
أما السنن: فهو ما نقل عن رسول الله له المواظبة عليها والأمر بها / وذلك كصلاة الوتر [1/ 446] وصلاة الميت، وركعتي الفجر، وركعتي المغرب، وركعتي الطواف، وصلاة العيدين.
(1) راجع إحياء علوم الدين (188/ 1، 189). (2) رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني (192/ 1).
(3) لم أجده. قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) رواه ابن ماجة من حديث ابن عمر بسند ضعيف. المصدر السابق.
(5) راجع إحياء علوم الدين (192/ 1). (1/411)
صفحة 412
396
قنطرة الصلاة
وأما المرغوبات: فهي صلوات ورد الخبر بفضلهن، ولم يرد بالمواظبة عليهن وذلك: كصلاة الضحى، وصلاة الكسوف والخسوف والزلزلة، وصلاة الاستسقاء، وتحية المسجد. وأما المتطوعات فكركعات النوافل قبل الظهر وبعدها وقبل العصر، وقبل العشاء وبعدها، وكقيام الليل، وإحياء ما بين المغرب والعشاء، وركوع السحر.
:
وأما المستحبات فهي ما وراء هذه الصلوات المذكورة مما لم يرد في عينه خبر، ولكنه يتطويع به العبد رغبة في مناجات الله تعالى لقوله عليه السلام الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر (1).
ومن
هذا النوع: صلاة التسبيح، وصلاة الاستغفار وصلاة الأجر، وصلاة الدهر وصلاة الرجاء، وركعتان بعد الوضوء لئلا يتعطل، وركعتان عند الدخول في المنزل، وركعتان عند الخروج منه وعند السفر والقدوم منه، وصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة، وأشباه ذلك، وقد ذكرنا هذه الصلوات وفضائلها، وشرحنا جميع ذلك في كتابنا المسمى: بقواعد الإسلام، ولكنا نذكر هاهنا فضائل صلوات الأيام السبعة ولياليها لكل يوم وليلة منقول من كتاب الغزالي، وبالله
التوفيق.
أما الأيام فنبدأها بيوم الأحد: وفي كتاب الغزالي قال: وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن الرسول مرة كتب الله عز وجل له بعدد كل نصراني ونصرانية حسنات وأعطاه الله ثواب نبي وكتب له حجة وعمرة، وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله في الجنة بكل حرف مدينة من
أذفره (2).
مسك
وعن علي بن أبي طالب عنه عليه السلام أنه قال: وحدوا الله بكثرة الصلاة يوم الأحد؛ فإنه سبحانه واحد لا شريك له فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر أربع ركعات بعد الفريضة والسنة: قرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وتنزيل السجدة، وفي الثانية فاتحة الكتاب وتبارك الملك، ثم يتشهد ويسلم ثم قام فصلى ركعتين آخرتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وسورة الجمعة ويسأل الله حاجته كان حقاً على الله أن يقضي حاجته (3).
(1) رواه أحمد، وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أبي ذر قاله العراقي في المغني (196/ 1). (2) ذكره أبو موسى المديني من حديث أبي هريرة بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني (198/ 1). (3) ذكره أبو موسى المديني فيه بغير إسناد. المصدر السابق. (1/412)
صفحة 413
قنطرة الصلاة
يوم
397
الاثنين: روى جابر عن رسول الله له أنه قال: من صلى يوم الإثنين عند إرتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة وقل هو ا الله أحد مرة، والمعوذتين مرة، فإذا سلّم استغفر الله تعالى عشر مرات، وصلى على رسوله عليه السلام عشر مرات، غفر الله تعالى له ذنوبه كلها (1).
وروي عن أنس بن مالك عنه عليه السلام أنه قال: من صلى يوم الإثنين اثنتي عشر ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي مرة، ثم إذا فرغ قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اثنتي عشر مرة، واستغفر الله اثنتي عشر مرة نودي به يوم القيامة: أين فلان بن فلان ليقم الله فليأخذ ثوابه من عز وجل فأول ما يعطى من الثواب ألف حُلة ويتوج، ويقال له: ادخل الجنة فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يشيعونه حتى يدور / على ألف قصر من نور [1/ 448]
يتلألأ (2)
يوم الثلاثاء: روى زيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار.
وفي حديث آخر: «عند إرتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات لم تكتب عليه خطيئة إلى سبعين يوماً، فإن مات إلى سبعين يوماً مات شهيداً وغفر له ذنوبه سبعين سنة (3).
الأربعاء: أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى يوم الأربعاء اثنتي عشرة ركعة عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وآية الكرسي مرة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى به ملك عند العرش يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك، ودفع الله سبحانه عنه عذاب القبر وضيقه وظلمته، ودفع عنه شدائد يوم القيامة ورفع له من يومه عمل نبي
(1)
الخميس: عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى يوم الخميس
(1) ذكره أبو موسى المديني من حديث جابر عن عمر مرفوعاً، وهو حديث منكر. قاله العراقي في المصدر
السابق.
(2) ذكره أبو موسى المديني بغير سند وهو منكر. راجع المصدر السابق. (3) ذكره أبو موسى المديني بسند ضعيف، ولم يقل عند انتصاف النهار ولا عند ارتفاعه. المصدر السابق. (4) ذكره أبو موسى المديني، وقال رواته ثقات والحديث مركب قلت بل فيه غير مسمى، وهو محمد بن حميد الرازي أحد الكذابين. قاله العراقي في المغني (199/ 1). (1/413)
صفحة 414
[449/ب]
398
قنطرة الصلاة
بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الأولى: بفاتحة الكتاب وآية الكرسي مائة. مرة، وفي الثانية: بفاتحة الكتاب مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مائة مرة، ويصلي علي مائة مرة أعطاه الله ثواب من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل من آمن بالله سبحانه وتوكل عليه حسنات (1).
الجمعة: روي / عن عليّ عن النبي هو أنه قال: في يوم) الجمعة صلاة ما من عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس وارتفعت قيد رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ فأسبغ الوضوء وصلى سبحة الضحى ركعتين إيماناً واحتساباً كتب الله له مائتي حسنة، ومحى عنه مائتي سيئة، ومن صلى أربع ركعات رفع الله له في الجنة أربعمائة درجة، ومن صلى ثمان ركعات رفع الله تعالى له في الجنان ثمانمائة درجة، وغفر له ذنوبه كلها، ومن صلى اثنتي عشرة ركعة كتب الله له ألفاً ومائتي حسنة ألفاً ومائتين سيئة، ورفع عنه في الجنة ألفاً ومائتين درجة» (2).
عنه ومحى
وعن نافع عن ابن عمر عنه أنه قال: من دخل الجامع يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة الجمعة يقرأ في كل ركعة الحمد الله، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خمسين مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يُرى له» (3).
السبت: روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى يوم السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثلاث مرات فإذا فرغ قرأ آية الكرسي كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة، ورفع له بكل حرف أجر سنة وأعطاه الله بكل حرف أجر سنة، وأعطاه الله بكل حرف أجر شهيد وكان تحت ظل عرش الله مع النبيين والشهداء (4). وأما الليالي فليلة الأحد روي فيها عن أنس بن مالك عنه الا أنه قال: «من صلى ليلة
[450/ب] الأحد عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد الله مرة، / وقل هو الله أحد خمسين مرة، والمعوذتين خمسين مرة ويستغفر الله لنفسه ولوالديه والمؤمنين مائة مرة، ويصلي على النبي مائة مرة، ويتبرأ من حوله وقوته ويلتجيء إلى حول الله وقوته ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله الله وأشهد أن آدم صوفة الله، وفطرته وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله، وعيسى روح
(1) ذكره أبو موسى المديني بسند ضعيف جداً، المصدر السابق. أجد له أصلاً وهو باطل. المصدر السابق.
لم
يصح
وعبد الله
بن وصيف مجهول، والخطيب في الرواية
(3) رواه الدراقطني في غرائب مالك، وقال: لا مالك وقال: غريب جداً ولا أعرف له وجهاً غير هذا المصدر السابق.
عن
(4) ذكره أبو موسى المديني في كتاب وظائف الليالي والأيام بسند ضعيف جداً. المصدر السابق. (1/414)
صفحة 415
قنطرة الصلاة
399
و محمداً حبيب الله كان له من الثواب بعدد من ادَّعَى الله ولداً، وبعدد من لم يدعه الله تعالى، ويبعثه الله عز وجل يوم القيامة مع النبيين وكان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة مع النبيين (1). ليلة الإثنين: روي عن الأعمش عن أنس قال قال رسول الله: «من صلى ليلة الإثنين أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد الله، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات، وفي الركعة الثانية يقرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ) مرة، وفي الثالثة (الْحَمْدُ لِلَّهِ مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاثين مرة، وفي الرابعة (الْحَمْدُ لِلَّهِ مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أربعين مرة ثم يسلم، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد خمساً وسبعين مرة ويستغفر لنفسه، ولوالديه والمؤمنين خمساً وسبعين مرة ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم خمساً وسبعين مرة، ثم يسأل الله حاجته كان حقاً على الله أن يعطيه ما سأل وهي تسمى صلاة الحاجة» (2).
ليلة الثلاثاء: يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين خمس عشر مرة ويقرأ بعد التسليم آية الكرسي خمس عشرة مرة / ويستغفر الله [1/ 451] سبحانه خمس عشرة مرة.
ليلة الأربعاء: روي عن فاطمة أنها قالت قال رسول الله الله: «من صلى ليلة الأربعاء ست ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة: قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) (3) الآية، فإذا فرغ من صلاته قال سبعين مرة جزى الله عنا محمد ما. هو أهله، غفر الله له ذنوبه سبعين سنة، كتب له
براءة الله (4) من
ليلة الخميس: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي خمس مرات، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خمس مرات والمعوذتين خمس مرات، فإذا فرغ من صلاته استغفر الله تعالى خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه فقد أدى حقهما وإن كان عاقاً لهما فأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين والشهداء (5).
(1) ذكره أبو موسى المديني بغير إسناد، وهو منكر، وروى أبو موسى من حديث أنس في فضل الصلاة فيها ست ركعات وأربع ركعات وكلاهما ضعيف جداً. قاله العراقي في المغني (200/ 1).
(2) ذكره أبو موسى المديني هكذا عن الأعمش بغير إسناد وأسند من رواية يزيد الرقاشي عن أنس حديثاً في
صلاة ست ركعات فيها وهو منكر. المصدر السابق.
(3) سورة آل عمران الآية: 26.
(4) ذكره أبو موسى المديني بسند ضعيف جداً. قاله العراقي في المغني (200/ 1). (0) ذكره أبو موسى المديني، وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف جداً وهو منكر. قاله = (1/415)
صفحة 416
[452/ب]
{ ..
قنطرة الصلاة
ليلة الجمعة: عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة الجمعة ما بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحدى عشرة مرة فكأنما عبد الله تعالى اثنتي عشرة سنة صبيام نهارها وقيام ليلها (1).
وصلى
ركعتي
وعن أنس عنه أنه قال: من صلى ليلة الجمعة صلاة العشاء الأخيرة في جماعة، السنة، ثم صلى بعدهما عشر ركعات يقرأ في كل ركعة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مرة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين مرة مرة ثم يوتر بثلاث ركعات ونام على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة فكأنما أحيا ليلة القدر (2).
وعنه أنه قال: «أكثروا من الصلاة عليّ في الليلة الغراء، واليوم الأزهر وليلة
الجمعة ويوم
الجمعة».
ليلة السبت: عن أنس عنه أنه قال: من صلى ليلة السبت ما بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني له قصر في الجنة وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة وتبرأ من اليهود
وكان حقاً على الله أن يغفر له (3) والله أعلم وأحكم.
فصل
ومن المرغوبات فيها أيضاً صلاة رجب، وصلاة شعبان.
أما صلاة رجب: فقد ذكر في كتاب الغزالي عن النبي عليه السلام أنه قال: «ما من أحد يصوم أول خميس من رجب، ثم يصلي بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (4) ثلاث مرات، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اثنتي عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة
العراقي في المغني (201/ 1). (1) باطل لا أصل له، المصدر السابق.
(2) باطل لا أصل له، وروى المظفر بن الحسين الأرجاني في كتاب فضائل القرآن، وإبراهيم بن المظفر في كتاب وصول القرآن للميت من حديث أنس: من صلى ركعتين ليلة الجمعة قرأ فيهما بفاتحة الكتاب، وإِذَا زُلْزِلَتِ) خمس عشر مرة، وقال إبراهيم بن المظفر خمسين مرة أمنه الله من عذاب القبر، ومن أهوال يوم القيامة، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من هذا الوحه، ومن حديث ابن عباس أيضاً، وكلها ضعيفة منكرة، وليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، والله أعلم. المصدر السابق.
(3) لم أجد له أصلاً. المصدر السابق. (4) سورة القدر الآية: 1. (1/416)
صفحة 417
قنطرة الصلاة
401
يقول: اللهم صلى على النبي الأمي وعلى آله ثم يسجد ويقول في سجوده سبعين مرة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت العلي الأعظم، ثم يسجد سجدة أخرى ويقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته في سجوده، فإنها تقضى إن شاء الله.
قال عليه السلام: لا يصلي أحد هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال وورق الأشجار، ويشفع في سبعمائة من أهل بيته (1). قال: وذكر أن أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يستحبون تركها، والله أعلم. [1/ 453] وأما صلاة شعبان: ففي كتاب الغزالي أنها في ليلة الخامس عشر منه يصلي مائة ركعة
كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات. قال: وإن شاء عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مائة مرة. قال: وكان السلف يصلون هذه الصلاة وربما صلوها جماعة.
قال: وروي عن الحسن أنه قال: حدثني ثلاثون من أصحاب النبي عليه السلام: أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله عز وجل إليه سبعين نظرة يقضي له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة (2). وأما صلاة الحاجة: فإنه يقال: إذا ضاق بالإنسان الأمر، ومست حاجته في صلاح دينه ودنياه إلى أمر تعذر عليه فليُصَلِّ هذه الصلاة.
فقد روي عن وهب بن الورد قال: أن من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بأم القرآن وآية الكرسي، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فإذا فرغ خرّ ساجداً وقال: سبحان الذي لبس العز. وقال به: سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل شيء علمه، سبحان ذي المن والفضل، سبحان ذي العز والكرم، سبحان ذي
الطول والقدرة.
أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك
(1) أورده رزين في كتابه وهو حديث موضوع قاله العراقي في المغني (203/ 1). (2) حديث صلاة ليلة النصف من شعبان حديث باطل رواه ابن ماجه من حديث علي: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا، نهارها وإسناده ضعيف. المصدر السابق (204/ 1). (1/417)
صفحة 418
402
قنطرة الصلاة
الأعلى وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، أن تصلى على محمد، ثم يسأل حاجته التي لا معصية فيها تجاب إن شاء الله.
[454/ب]
قال: قال وهب وبلغنا أنه كان يقال: / لا تعلموها سفهاءكم فيتعاونون بها على
(1)
معصية الله عز وجل
كملت قنطرة أسرار الصلاة بحمد الله وحسن عونه والصلاة على محمد نبيه عليه السلام تتلوها قنطرة الصوم إن شاء الله
(1) راجع في الفصل إحياء علوم الدين (201/ 1، 204). (1/418)
صفحة 419
القنطرة الرابعة قنطرة أسرار الصوم
(1)
الشهوات
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنّة بأن جعل الصوم لأوليائه من الشيطان حصناً وجنة، وفتح لهم من أجله أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم هي المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، والصلاة على نبينا محمد قائد الحق وممهد السنة، وعلى آله وصحبه أهل العقول المرجحة.
أما بعد: فإن الله سبحانه فرض على عباده الصيام وقدمه على زكاة الأموال لتعلق الصيام بالأبدان، فكان في إيجابه الصوم عليهم حثاً على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم لما قد قاسوه من شدة المجاعة في حال صومهم، ثم لما في الصوم من قهر النفس، وإذلالها، وكسر الشهوة المستولية عليها وإعلام النفس بأنها محتاجة إلى يسير من الطعام والشراب تسد
بها فاقتها.
فكان الصوم على هذا المعنى قمعا للشهوات ووسيلة الرحمة والعطف على ذوي الحاجات؛ إذ قال: معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم / يستطع [1/ 455] فليصم فإن الصوم له وجاء». يعني خصاء وذلك كناية عن كسر الشهوة.
وقيل ليوسف عليه السلام: أتجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع
فأنسى الجائع.
والصوم
سبب للجوع الذي هو منبهة على رحمة، الفقراء، وباب للعبادة التي هي وسيلة
السعداء، ومقمعة للشيطان الذي هو
أعدا الأعداء، إذ بواسطة الشهوة يتوصل إلى الإغواء
وإضلال الأشقياء، وإذ عظمت منفعته للعباد وجلّت مرتبته في الشرع الذي هو زاد المعاد.
فلنرسم فيه خمسة أبواب:
(1) وأسراره من كتاب الغزالي وغيره. (1/419)
صفحة 420
قنطرة أسرار الصوم
404
الأول: في فضيلته.
الثاني: في شروطه الواجبة وسنته المرتبة.
الثالث: في. مفسداته ولوازم إفساده. الرابع: في أسراره الباطنة.
الخامس: في صوم التطوع وفضيلته.
الباب الأول
في فضل الصوم
اعلم أن الصوم دعامة من دعائم الدين، وركن من أركان الإسلام لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ) (1) الآية.
ولقوله عليه السلام: «بي الإسلام على خمس. . .». فذكر فيهن الصوم.
ولقوله عليه السلام الصوم نصف الصبر) (2) و الصبر نصف الإيمان (3). فكان الصوم على هذا المعنى ربع الإسلام، ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان؛ إذ قال تعالى فيما حكى عنه نبيه عليه السلام كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ فإن الصوم لي وأنا أجزي به الجنة فارق عبدي شهوته وطعامه
(4)
وشرابه من أجلي (4).
وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ / حِسَاب (5). والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله. المسك (6).
من ريح
وعنه من طريق أبي هريرة أنه قال: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم
(1) سورة البقرة الآية: 183. (2) رواه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم، وابن ماجه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في
المغني (231/ 1).
(3) رواه أبو نعيم في الحلية والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسند حسن. المصدر السابق. (4) أخرجاه من حديث أبي هريرة. المصدر السابق.
(0) سورة الزمر الآية: 10.
(6) أخرجاه من حديثه وهو بعض الذي قبله. المصدر السابق.
10/ 207 (1/420)
صفحة 421
405
قنطرة أسرار الصوم تعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره ويزين الله تعالى جنته في كل يوم منه، ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن تلقى عنهم المؤنة والأذى ويصير إليك ويغفر لهم في آخر ليلة منه. قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: «لا ولكن العامل إنما يوفى أجره آخر عمله (1).
أقذف
أمة
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الجنة لتتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتصفق ورق الجنة وحلق المصاريع، فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فتتزين الحور العين حتى يقمن بين شرافات الجنة فينادين: هل من خاطب إلى الله فنزوجه منا، ثم يقلن: يا، رضوان فيجيبهن بالتلبية، فيقول: يا خيرات حسان، هذه أول ليلة من شهر رمضان ويقول الله تعالى: يا رضوان افتح أبواب الجنة للصائمين من محمد عليه السلام / ويا جبريل اهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وغلهم بأغلال، ثم [457/ بهم في البحر حتى لا يفسدوا على أمة محمد صيامهم والله عز وجل في كل يوم من رمضان عند طلوع الشمس وعند الإفطار ألف ألف عتيق يعتقهم من النار عبيد وإماء، ويعتق في آخر الشهر مثل ما أعتق من أول إلى آخره وله ملك ينادي من تحت العرش. هل من تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له هل من مظلوم ينصره الله هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى سؤاله». ويقال: إذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل عليه السلام فيهبط في كبكبة من الملائكة إلى الأرض ومعه لواء أخضر فيركزه على ظهر الكعبة فيسلمون تلك الليلة على كل أمة قائم وقاعد ومصل وذاكر من أ محمد عليه السلام ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر فينادي جبريل يا معشر الملائكة الرحيل فيقولون: يا جبريل ما فعل الله عز وجل في حوائج أمة محمد عليه السلام؟ فيقول: إن الله تعالى نظر إليهم وعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة قالوا ومن هم؟ قال: مدمن على خمر، وعاق لوالديه، وقاطع الرحم، ومشاحن». قيل: يا رسول الله ومن المشاحن؟ قال: «الذي لا يكلم أخاه، فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة فيبعث الله الملائكة في غداة الفطر فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع الخلائق إلا الجن والإنس فيقولون لأمة محمد عليه السلام: اخرجوا
6
(1) أطراف هذا الحديث عند أحمد في المسند (292/ 2) ابن حجر في المطالب العالية (932)، والطحاوي في مشكل الآثار (142/ 4). (1/421)
صفحة 422
406
قنطرة أسرار الصوم
[458/ب] إلى ربكم يعطي الجزيل ويغفر العظيم فإذا برزوا في مصلاهم يقول / الله تعالى: يا ملائكتي ما جزاء الأخير إذا عمل عمله؟ قالوا جزاؤه توفية أجره، فيقول الله عز وجل: يا ملائكتي إني جعلت ثوابهم من صيامهم رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي فيقول تعالى: يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً لدينكم ودنياكم إلا أعطيته لكم».
وعنه أنه قال: «الصوم جُنَّة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجهل، وإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم (1).
وعن سلمان الفارسي رحمه الله قال: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيامه تطوعاً من تقرب فيه إلى الله عز وجل بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وهو شهر المواساة يزداد فيه في رزق المؤمن وشهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من فطر فيه صائماً كان كمن أعتق رقبة وغفرت ذنوبه سقاه ربه من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة قالوا: يا رسول الله ليس كلنا ما يجد ما يفطر به الصائم؟ قال عليه السلام: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع فيه صائماً كان ذلك مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، ومن [459/با خفف فيه عن مملوكه أعتقه الله من النار، فاستكثروا فيه من أربع / خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرون لذنوبكم، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتتعوذون به من النار.
وعنه أنه قال: «نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله
مضاعف (2).
وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: من صام رمضان في إنصات، وسكوت، وذكر الله
(1) أخرجاه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (235/ 1). (2) رويناه في أمالي ابن مندة من رواية ابن المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر بسند ضعيف، ولعله عبد الله بن عمرو، فإنهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلا عنه، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن أبي أوفى وفيه سليمان بن عمرو النخعي أحد الكذابين. قاله العراقي في
المغني (232/ 1). (1/422)
صفحة 423
407
قنطرة أسرار الصوم عز وجل، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ولم يرتكب فيه فاحشاً إلا انسلخ عنه رمضان حين ينسلخ وقد غفرت ذنوبه كلها وبني له بكل تسبيحة وتهليلة بيت في الجنة من زمرد، في جوفها ياقوتة حمراء في جوف تلك الياقوتة خيمة من در مجوفة فيها زوجة من الحور العين. وعن ابن مسعود أيضاً عن رسول الله له أنه قال: لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنوا أن يكون السنة كلها فقال رجل من خزاعة حدثنا يا رسول الله بما فيه فقال: «إن الجنة لتتزين لرمضان من الحول إلى الحول، فإذا كانت أول ليلة هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق
بهم
الجنة فتنظر الحور إليها فيقلن: يا رب اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجاً تقر أعيننا. وأعينهم بنا، فما من عبد صام رمضان إلا زوّج زوجة من الحور العين في خيمة من دُرّ مجوفة كما قال الله تعالى في كتابه: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) (1). وعلى كل امرأة منهن سبعون حلة ليس فيهن حلة على لون الأخرى وتعطى سبعين لوناً من الطيب وكل امرأة منهن على / سرير من ياقوت أحمر منسوج بالدر عليه سبعون فراشاً بطانتها من استبرق لكل امرأة سبعون [1/ 460] وصيفة، هذا في كل يوم صامه من رمضان سوى ما عمل منا الحسنات.
وعنه عليه السلام أنه قال: شهر رجب شهر أمتي وفضله على سائر الشهور كفضل أمتي على سائر الأمم، وشعبان شهري وفضله على سائر الشهور كفضلي على سائر الأنبياء، ورمضان شهر الله وفضله على سائر الشهور كفضل الله تعالى على خلقه.
وعنه عليه السلام أنه قال: «اللجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون (2). وعنه عليه السلام قال: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه (3). وعنه عليه السلام أنه قال: لكل شيء باب، وباب العبادة الصوم. وقال: «نوم
الصائم عبادة.
(1)
وروي عن وكيع في قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (5).
قال: هي أيام الصيام إذ تركوا فيها الأكل والشرب.
(1) سورة الرحمن الآية: 72.
(2) أخرجاه من حديث سهل بن سعد قاله العراقي في المغني (232/ 1).
(3) أخرجاه من حديث أبي هريرة. المصدر السابق.
(4) رواه ابن المبارك في الزهد، ومن طريقه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف
المصدر السابق.
(0)
سورة الحاقة الآية: 24. (1/423)
صفحة 424
[461/ب]
408
قنطرة أسرار الصوم
وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رتبة المباهات بين الزهد في الدنيا وبين الصوم، فقال: إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب العابد التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي)
وقال عليه السلام في الصائم: يقول الله عز وجل يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي»،
وقيل في قوله عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخفي لَهُم مِن قرّة أعْيُنِ جَزَاءً بِما كانُوا
(2)
يَعْمَلُونَ) (2). .
قيل: عملهم الصيام لأنه قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (3). فيفرع للصابر / جزاؤه ويجازف جزافاً فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان الله تعالى ومشرفاً بالنسبة إليه وإن كانت العبادة كلها له، كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له وإنما كان كذلك لمعنيين:
أحدهما: أن الصوم كف وترك، وهو في نفسه سر ليس فيه عمل مشاهد، فجميع الطاعات يشاهدها الخلق ويراها إلا الصوم؛ فإه لا يراه إلا الله عز وجل، لأنه عمل في الباطن بالصبر
المجرد.
والثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل الذي هو الشيطان فإن وسيلته إلى إهلاك الإنسان هي الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، ولذلك قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالعطش والجوع (4).
وعنه أنه قال لعائشة رضي الله عنها: داومي قرع باب الجنة». قالت: بماذا؟ قال
(0) ,
بالجوع (5).
فلما كان الصوم قمعاً ففي قمع عدو الله نصرة الله تعالى ونصر الله موقوف على مَنْ نصره، قال الله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِتْ أَقْدَامَكُمْ) (1).
(1) رواه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني (232/ 1).
(2) سورة السجدة الآية: 17.
(3) سورة الزمر الآية: 10.
(4) متفق عليه من حديث صفية دون قوله: فضيقوا مجاريه بالجوع. المصدر السابق. (5) لم أجد له أصلاً. المصدر السابق.
(6) سورة محمد الآية: 7. (1/424)
صفحة 425
قنطرة أسرار الصوم
2.4
والبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية من الله تعالى ولذلك قال الله تعالى: {والذين
(1) ,
جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (1)
وقال تعالى: إن الله لا يُغَير ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا ما بأنفسهم) (2) وإنما التغيير بكثرة الشهوات التي هي مراتع الشيطان ومرعاهم وما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم، وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله تعالى، وكان محجوباً عن لقائه إذ قال عليه السلام فيما روي عنه: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم / النظروا إلى ملكوت السماء» (3). فمن هاهنا صار الصوم باب العبادة وجنة لأهل الزهادة ولن ينال فضله إلا من عرف حرمته، وصان فيه لسانه عن قبيح الكلام وفضوله، وتحفظ فيه عن الكذب ومجاريه، واحترز من الغيبة والنميمة وسائر مساوئه، وحفظ جوارحه كلها من المعاصي ظاهراً وباطناً، وأصلح طعمته التي بها صلاح قلبه الذي عليه المدار وكان خائفاً من رد صومه وسائر عمله عليه وراجياً لقبوله بفضل الله وإحسانه إليه وبالله التوفيق (4).
الباب الثاني
في الشروط الواجبة وسننه المرتبة
وفي هذا الباب فصلان:
أحدهما: في شروطه الواجبة.
والثاني: في سننه المشروعة فيها.
الفصل الأول: في الواجبات
وهي ستة:
أحدها: مراقبة الشهر في أوله وذلك برؤية الهلال، فإن غم فباستكمال ثلاثين يوماً من شعبان. ونعني بالرؤية العلم بدخول الشهر، ويحصل ذلك بقول عدل واحد، ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين إحتياطاً للعبادة، ومن سمع ذلك من عدل ووثق بقوله وغلب على ظنه
(1) سورة العنكبوت الآية: 69.
(2) سورة الرعد الآية: 11.
(3) رواه أحد من حديث أبي هريرة بنحوه قاله العراقي في المغني (233/ 1).
(4) راجع إحياء علوم الدين (231/ 1، 233).
[1/ 462] (1/425)
صفحة 426
21.
قنطرة أسرار الصوم
[463/ب]
صدقه لزمه الصوم، وإن لم يقض بها القاضي.
الثانية: النية الصومه، وقد اختلف فيها على قولين قال بعضهم: لا بد في كل ليلة من
نية معينة جازمة.
وقال آخرون: تكفيه نية واحدة من أول ليلة من الشهر، ولو نوى الصوم بالنهار لم يجزه للفرض ولا للتطوع، وكذلك لو نوى الصوم مطلقاً أو صوم الفرض مطلقاً لم يجزه حتى ينوي صوم رمضان فريضة من الله عز وجل عليه.
ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غداً إن كان من رمضان لم يجزه؛ لأنها ليست / بجازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهد عدل فاحتمال غلط العدل أو كذبه لا يبطل الجزم، وكذلك إذن استند إلى إستصحاب حال كالشك في الليلة الأخيرة من رمضان فذلك لا يمنع جزم النية.
وكذلك إن استند إلى اجتهاده كالمحبوس في المطمورة إذا غلب على ظنه دخول رمضان، باجتهاده فشكه لا يمنعه من النية، ومهما كان شاكاً ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان، فإن النية محلها القلب والقلب لا فيه جزم القصد الشك، كما لو قال في
يتصور
(1)
وسط رمضان أصوم غداً إن كان من رمضان، فإن ذلك لا يضره ترديد لفظ.
و محل النية لا يتصور فيه تردد بل هو قاطع بإنه من رمضان، ومن نوى ليلاً ثم أكل لم تفسد نيته. ولو نوت في الحيض ثم طهرت قبل الفجر صح صومها.
الثالثة: الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمداً. مع ذكر الصوم، ويفسد صومه بالأكل والشراب والسعوط من الأنف عمداً، ولا يفسد بالفصد والحجامة والاكتحال وإدخال المرود في الأذن والإحليل إلا أن يقطر فيه ما يبلغ المثانة.
ويكره الاحتقان في الدبر وأما ما يصل جوفه من غير قصد من غبار الطريق، أو ذبابة تسبق إلى جوفه، أو ماء سبق إلى جوفه بالمضمضة فلا يفطر بذلك إلا إذا بالغ في المضمضة، أو كان ذلك لغير الوضوء فينبغي أن يكون مفطراً يومه ذلك لأنه متعرض للإفطار وهو المراد
بقولنا عمداً.
وأما ذكر الصوم فأردنا به الاحتراز عن الناسي فإنه لا يفطر، ولكن يستحب له إعادة يوم [464/ب] مكانه. وأما من أكل عامداً / في طرفي النهار ثم ظهر له أنه أكل بالنهار بالتحقيق فعليه
(1) في الأصل: «القضي» والتصويب من الإحياء (233/ 1). (1/426)
صفحة 427
قنطرة أسرار الصوم
قضاء ذلك اليوم، وإن بقي على حكم ظنه واجتهاده فلا قضاء عليه، ولا ينبغي أن يأكل في
طرفي النهار إلا بغالب ظن واجتهاد أنه من الليل والله أعلم.
الرابعة: الإمساك عن الجماع وحَدَّه تغييب الحشفة، وإن جامع ناسياً فليعد يوماً مكانه،
وكذلك الإمساك الاستمناء
عن وهو إخراج المني واجب عليه الإمساك عنه سواء لقصد الجماع أو لغيره فإن فعل فقد افطر، ولا يفطر بقبلة زوجته ولا مضاجعتها ما لم ينزل المني دون المذي والودي لكن يكره، إلا أن يكون شيخاً كبيراً أو مالكاً لإربه فلا بأس بالتقبيل وتركه أحوط وأحسن وإذا كان يخاف الإنزال بالتقبيل ثم قَبَّل فسبق المني منه أفطر لأنه متعرض له.
الخامسة: الاغتسال من الجنابة قبل طلوع الفجر، فإن جامع أو احتلم ففرط في الغسل حتى الفجر فقد أفطر وإن لم يفطر فعليه يوماً مكانه. وكذلك إن فرط في الغسل نهاراً فقد أفطر وإن اغتسل في حين علمه بالجنابة فلا يفطر، وكذلك إن كان له عذر في إستعمال الماء للغسل ففرط في التيمم حتى أصبح أو في النهار مقدار ما يغتسل فيه فقد افطر بانهدام ما مضى من
صومه يقضيه بلا كفارة.
السادسة: الإمساك عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الشرك وبهتان البريء وقذف المحصن وأشباه ذلك من جميع الكبائر. فإن كذب أو اغتاب مسلماً أو قذف محصناً أو لعن غير المستحق أو ارتد إلى الشرك فقد انهدم صومه وكذا / إخراج القيء عمداً يفسد الصوم، [1/ 465] ء فلا يفطر بذلك، وكذلك إذا ابتلع نخامة أو بلغماً فلا يفطر، إلا إن ابتلع
وأما إن ذرعه القيء ذلك بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند بعضهم.
(1)
وأما شروط صحة الصوم فهي خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس والقدرة على الصوم، وقد شرحنا هذه الشروط في كتاب القواعد، ولذلك اقتصرنا هاهنا على ما لا بد للإنسان منه.
الفصل الثاني: في سننه المشروعة فيه
وهي ستة أيضاً وهي: تأخير السحور، وتعجيل الإفطار وينبغي أن يكون بالتمر واللبن قبل الصلاة، وترك السواك بعد الزوال رطباً كان أو يابساً لئلا يقطع خلوف فم الصائم الذي هو المسك. وكذلك الاستنقاع في الماء نهاراً لكسر العطش مكروه، ومن
عند الله أطيب من ريح
(1) راجع إحياء علوم الدين (233/ 1، 234). (1/427)
صفحة 428
412
قنطرة أسرار الصوم
سنته أيضاً القيام في ليالي رمضان بالجماعة في المساجد، وترك المبالغة في المضمضة والاستنشاق لقوله عليه السلام: إذا توضأت فأبلغ إلا أن تكون صائماً (1).
ومن فضائل رمضان مدارسة القرآن فيه والاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر الأواخر من رمضان وهي عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: كان إذا دخلت العشرة الأواخر طوى الفراش وشد المئزر فدأب وأدأب أهله (2). أي أدواموا التعب في العبادة إذ فيها ليلة القدر والأغلب أنها في أوتار العشر وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث، وخمس، وسبع، وليكن [466/ب] الاعتكاف متتابعاً، ولا يخرج من المسجد إلا / لضرورة: من قضاء حاجة للإنسان، أو إغتسال، أو تطهر للصلاة، وأشباه ذلك مما لا بد منه، ولا ينبغي أن يعرج على شغل آخر سوى ما هو فيه لما روي أن النبي عليه السلام كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يسئل عن المريض إلا مارا (3)، والله أعلم.
الباب الثالث
في مفسداته ولوازم إفساده
أما مفسدات الصوم فهي: ترك الواجبات المتقدمة بنفسها من النية، وسائر الإمساكات عن المفطرات لأنه لما كان عقد النية للصوم شرطاً في صحته كان قطع النية عن الصوم أو إهماله في بدء الأمر بغير نية مبطلاً للصوم، وكذلك إمساك الجوارح من جميع ما يفسده شرط في صحته وإطلاقها مبطل له أيضاً، وكذلك الغسل من الجنابة والحيض والنفاس شرط في صحة الصوم، وترك الغسل مبطل له، وبالله التوفيق.
وأما لوازم الإفطار فأربعة: القضاء، والكفارة، والفدية والإمساك بقية النهارة تشبيهاً
بالصائمين.
أما القضاء: فوجوبه عام على كل موحد مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر وهم
خمسة أصناف:
(1) أحمد في المسند (33/ 4) بنحوه.
(2) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المنزر. قاله العراقي في المغني
(234/ 1)
(3) متفق على الشطر الأول من حديث عائشة والشطر الثاني رواه أبو داود بنحوه بسند لين. المصدر
السابق. (1/428)
صفحة 429
قنطرة أسرار الصوم
أحدهم: المقيم إذا أفطر بعذر لضرورة التنجية فعليه قضاء ما أكل، وإن أفطر بغير عذر
فعليه قضاء ما مضى.
والثاني:: الحائض.
والثالث: النفساء يقضيان ما أكلا في شوال أو في غيره.
والرابع والخامس: المريض والمسافر يقضيان ما أكلا إذا لم يضيعا حتى يستهل عليهما هلال رمضان المقبل. واختلف / في المشرك يسلم نهاراً في بعض رمضان فقيل: عليه قضاء ما [1/ 467]
مضى، وقيل: لا شيء عليه، وكذلك الصبي والمجنون يبلغ هذا ويفيق هذا في بعض رمضان فأكثر القول أنه: لا قضاء عليهما، وصوم القضاء مشروط فيه التتابع فإن أفطر فيه متعمداً انهدم
ما مضى ولا كفارة عليه.
وأما الكفارة: فلا تجب إلا في الجماع أو الاستمناء نهاراً، أو الأكل والشراب متعمداً، وما عدا هذه الوجوه من تضييع الغسل ليلاً حتى أصبح أو نهاراً قدر ما يغتسل فيه ففيه الانهدام لما مضى ولا كفارة فيه.
والكفارة أقل ما قيل فيها: عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكيناً أكلتين مادومتين حتى يشبعوا ويقولوا: شبعنا وإن شاء اكتال لكل مسكين مدين وهما نصف صاع النبي عليه السلام وقيل: هو مخيّر في هذه الكفارة، وقيل: هي على الترتيب، والله أعلم. وأما الفدية: فتجب على الحامل والمرضع، والشيخ الهرم، والعجوز الهرمة، والمريض المدنف الذي لا يرجى برؤه، فيجب على هؤلاء الفدية بإطعام مسكين كل يوم. غداء وعشاء، أو فطور أو سحور إلا أن الحامل تطعم من مالها والمرضع تطعم من مال زوجها، ثم تقضيان بعد ذلك إذا أمننا على ولديهما، والمريض والمسافر إذا ضيّعا القضاء حتى يدخل عليهما رمضان المقبل يطعمان أيضاً عن كل يوم من الماضي مسكيناً ثم يقضيانه بعد انسلاخ هذا الحاضر صوماً وبالله التوفيق.
وإن لم يطعما فليوصيا به عند / حضور الموت أو قبل ذلك، والله أعلم. وأما الإمساك لبقية النهار: فيجب على من عصى بالإفطار، أو بالجماع، أو أفطر يوم ثم صح أنه من رمضان، أو الصبي يبلغ أو المجنون يفيق، أو المشرك يسلم فهؤلاء يجب عليهم الإمساك إذا انتقلوا عن حالتهم الأولى نهاراً في رمضان، ولا يجب على الحائض
الشك
[1/ 468] (1/429)
صفحة 430
414
قنطرة أسرار الصوم
والنفساء إذا طهرتا في بقية النهار، ولا على المسافر إذا قدّم من سفره مفطراً، وإن كان ينبغي لهؤلاء أن يُتِمُّوا بقية النهار صوماً، والصوم في السفر أفضل من الإفطار فيه إلا أن لم يطق، ولكن لا يفطر يوم يخرج وكان مقيماً في أوله، ولا يوم يقدم إذا قدم صائماً من وراء فرسخين، ولا يفطر المسافر إلا بتبييت نية الإفطار من الليل مع مجاوزة فرسخين في غير اليوم الذي خرج فيه، وكذلك المريض لا يفطر إلا بالنية من الليل مع العجز عن الصوم إلا إن طرأ عليه المرض نفسه إلى الليل ثم يصبح على نية الإفطار إن لم يطق الصوم، وبالله
فاضطر فله أن
ينجي
التوفيق (1).
الباب الرابع
في أسرار الصوم وشروطه الباطنة
اعلم أن الصوم في لغة العرب الإمساك مجملاً سواء كان الإمساك عن الطعام أو الكلام أو غيرهما، تقول: صامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب وصامت الخيل: إذا أمسكت عن الجري، والصوم في الشرع: الإمساك عن المفطرات بنية مخصوصة في زمان مخصوص.
فانقسم الناس في الصوم على ثلاثة أقسام:
[469/ب] أحدها: صوم السفهاء / الجاهلين.
والثاني: صوم الأتقياء الصالحين.
والثالث: صوم الأولياء الصديقين.
أما
صوم
التلفظ
السفهاء الجاهلين: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وإطلاق الجوارح والنميمة والأيمان الكاذبة والفحش وغير ذلك من موبقات اللسان، ولا يحفظ بصره عن النظر إلى العورات ومحاسن الناس الأجنبيات وغير ذلك. من أصناف نظر الشهوات، ولا يحفظ سمعه عن استماع الغيبة وغير ذلك من جميع المحرم من الكلام؛ لأن كل ما حرم به حرم الإصغاء إليه، وكذلك لا يحفظ حلقه من أكل الحرام عند الإفطار من الصوم، وكذلك سائر الجوارح من اليد والرجل لا يحفظهما عن المعاصي، بل يطلقهما على مقتضى شهوته ثم يفطر وقت الإفطار على الحرام.
مثال هذا الصائم مثال من يبني قصراً ويهدم مصراً، وفي مثله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كم من
(1) راجع إحياء علوم الدين (234/ 1) باختصار عما هنا. (1/430)
صفحة 431
قنطرة أسرار الصوم
صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش (1) فقيل: هو الذي يفطر على الحرام.
810
وقيل: هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ثم يفطر على لحوم الناس بالغيبة، وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام.
وأما صوم الأتقياء الصالحين: فهو إمساك الجوارح عن الآثام، وتمامه ستة أمور: الأول: حفظ اللسان عن الكذب وغيبة المسلم والنميمة بين الناس، وأضاف فواحش
اللسان من هذيان الكلام والتغني وغير ذلك، ثم إلزامه السكوت أو يشغله بذكر الله وتلاوة
/ القرآن فهذا
صوم
اللسان؛ لأنه إن لم يمسك لسانه عن كبائر اللسان من الكذب والغيبة [1/ 470]
والنميمة فقد بطل صومه لما روي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمس يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة، والكذب واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة (2).
(2)
وفي حديث الربيع بن حبيب رضي الله عنه بإسناده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء».
وفي الأثر أن الخصال الخمس المتقدمة في الحديث يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ويهدمن الأعمال هدماً». وعن سفيان الثوري أنه قال: الغيبة تفسد الصوم.
وفي كتاب الغزالي: عن ليث عن مجاهد قال: خصلتان تفسدان الصيام: الغيبة
والكذب (3)
وعن رسول الله أنه قال: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس». وفي حديث آخر: من لم يدع فعل المنكر». أو قال: «فعل المعاصي فليس بالله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه». وفي كتاب الغزالي قال: وجاء الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاذنانه في الإفطار فأرسل إليهما قدحاً وقال لهما: قيثا فيه ما أكلتما فقاءت أحدهما بضعة لحم غريضاً
(1) رواه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (236/ 1). (2) رواه الأزدي في الضعفاء من رواية جابان عن أنس، وقوله جابر تصحيف قال أبو حاتم الرازي هذا
كذاب. المغني (235/ 1). (3) راجع إحياء علوم الدين (235/ 1). (1/431)
صفحة 432
416
قنطرة أسرار الصوم
ودماً غبيطاً، وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه فعجب الناس من ذلك فقال عليه السلام: [471/ب] «هاتان صامتا عما أحل الله فافطرتا على ما حرم الله عليهما قعدت أحدهما إلى / الأخرى فجعلتا تغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم
(1) ,
الأمر الثاني: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم وما لا يحل النظر إليه وإلى كل ما يشغل القلب ويصد عن ذكر الله تعالى، قال الله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (2) الآية. وعن رسول الله و أنه قال: النظرة إلى ما لا يحل سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفاً من الله تعالى آتاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه (3). وعن عيسى عليه السلام أنه قال: إياكم والنظرة؛ فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى
بصاحبها فتنة.
وقال عليه السلام: خمس يفطرن الصائم فذكر فيهن النظر لشهوة. وفي أثر الفقهاء: خمس يفطرن الصائم منهن النظر إلى ما لا يحل من الفروج فصوم العين إمساكها عن النظر الحرام، والله أعلم.
الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل حرم القول به حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله تعالى بين المستمع وآكل السحت فقال: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
(4)
أَكَالُونَ لِلشختِ) (1).
(1)
وقال: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَالإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ (5).
وقال تعالى: {فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْره) (6
(8)
ثم قال: (إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ (7).:)
رواه أحمد
من حديث عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث بسند فيه مجهول. المغني (235/ 1).
(2) سورة النور الآية: 30.
(3) رواه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة عن نحوه العراقي في المصدر السابق.
(4) سورة المائدة الآية: 42.
(5) سورة المائدة الآية: 63. (6) سورة النساء الآية: 140. (7) سورة النساء الآية: 140. (1/432)
صفحة 433
قنطرة أسرار الصوم
417
ولذلك قال: «المغتاب والمستمع شريكان في الإثم (1). فالسكوت عن إنكار الغيبة
وأنواع المنكر حرام كما أن فعله حرام.
من
الرابع:: كف بقية الجوارح من اليد والرجل عن استعمالهما في المعاصي والمكاره، وكف البطن عن أكل الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم عن الحلال والإفطار على الحرام، وقد تقدم / مثل هذا الصائم، وهو كمن يبني قصراً ويهدم مصراً، وقد ذهب ما شاء الله [1/ 472] العلماء إلى إبطال الصوم للمفطر على الحرام مع تضعيف الكفارات عليه والله أعلم. وذلك لأن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه فالصوم إنما هو تقليل للطعام لتضعف شهوته فالتقليل من الطعام دواء، والكثرة منه داء، وتارك الاستكثار من الدواء خوفاً من ضرره إذا تناول من السم كان سقيماً هالكاً، فالحرام سم مهلك للدين والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره وقصد الصوم تقليله. ولذلك قال عليه السلام رب صائم حظه من صيامه الجوع
والعطش (2).
الخامس: أن لا يستكثر من أكل الحلال وقت الإفطار حتى يمتلاء؛ فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال، وكيف يستفيد من الصوم قهر الشيطان وقهر الشهوة عند إفطاره، ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى استمرت العادات من الناس أن يدخر أحدهم جميع الأطعمة لرمضان فيأكل من الطعام فيه ما
إذا تدارك الصائم
يأكل في عدة أشهر.
ومعلوم أن مقصود الصوم: الخوى وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، وإذا دبغت المعدة ضحوة النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها، ثم أطعمت من اللذات واشبعت من الشهوات زادت، لذتها وتضاعفت قوتها وانبعثت من الشهوات ما عسى أن تكون ساكنة على حالتها لو تركت على عادتها فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في قود الإنسان إلى الشرور ولن / يحصل ذلك إلا بالقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان [1/ 473] يأكلها كل ليلة لو لم يصم. فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلة فإنه لا ينتفع بصومه، بل من
(1) غريب، وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة. المغني للعراقي (236/ 1).
(2) ذكر العراقي نحوه في المغني (236/ 1) وقال: رواه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة. (1/433)
صفحة 434
418
قنطرة أسرار الصوم
الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار؛ حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في ليله قدرة وقوة من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده من العبادة فعسى الشيطان لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت.
وقد قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةِ (1).
ثم قال: فِيْهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (2).
ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلة من الطعام فهو عن ذلك محجوب، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب عن قلبه ما لم يخل همته عن غير الله عز وجل، وذلك هو الأمر المطلوب من الإنسان المكلف المملوك المستعبد لربه تعالى وبالله التوفيق. ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله.
السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدري أتقبل صومه فهو من المقربين أم رُدَّ عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة حالاته. فرغ منها بل في جميع وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه مرَّ بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال: إن الله
عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق أقوام فغاروا وتخلف أقوام [474/ب] فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم / الذي فاز فيه المسارعون، وخاب فيه المبطلون (3)، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وفي كتاب الغزالي: أي لكان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود يسد عليه باب الضحك. وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير فإن الصيام يضعفك. فقال: إني لأعده لشر يوم طويل، فالصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه. فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم وبالله التوفيق.
أما صوم الأولياء الصديقين: فهو صوم القلب وإمساكه عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية
وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالتفكر فيما سوى
(1) سورة الدخان الآية: 3.
(2) سورة الدخان الآية: 4.
:
(3) في الأصل المباطلون والتصويب من الإحياء (236/ 1). .
الله (1/434)
صفحة 435
819
قنطرة أسرار الصوم تعالى واليوم الآخر بالتفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك زاد الآخرة، وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود، لأنه قيل: سيئات الصديقين حسنات الأبرار الصالحين.
فهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين الذين أقبلوا على الله عز وجل بكلية قلوبهم وأعرضوا عما سواه بجميع هممهم امتثالاً لقوله تعالى: {قُلْ اللَّهُ ثُمْ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يلْعَبُونَ) (1).
فهؤلاء
هم
الذين راعوا من الصوم ما يقع به من الله لهم القبول الذي هو وسيلتهم إلى وصول المقصود ففهموا أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أوصاف الله عز وجل وهو الصمد؛ لأنه تعالى الصمد الذي يطعم ولا يطعم والاقتداء بالملائكة / في الكف عن الشهوات [1/ 475]
بحسب الإمكان فإن الملائكة منزهون عن الشهوات والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، وهي أيضاً دون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلى بمجاهدته فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بجملة البهائم، وكلما قمع شهوته ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة الذين هم مقربون من الله تعالى، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله تعالى بقربهم، فإن الشبيه من الشبيه قريب وليس القرب بالمكان بل بالصفات على قدر الإمكان. فإذا كان سر الصوم هذا عند أهل الألباب وأصحاب القلوب، فأي منفعة في: تأخير أكلة، أكلتين عند العشاء الانهماك مع في الشهوات طوال النهار. وإن كان فيه كثير منفعة وجدوى، فأي معنى لقوله عليه السلام: رب صائم حظه. من صومه الجوع والعطش (2).
وجمع
ولهذا قال أبو الدرداء فيما روي عنه: يا حبذا صوم الأكياس وفطرهم كيف يعيبون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من
المغترين.
ولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم، فالمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن المعاصي، ويأكل ويشرب.
(1) سورة الأنعام الآية: 91.
(2)
سبق التعليق عليه قبل قليل.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 28 (1/435)
صفحة 436
420
قنطرة أسرار الصوم
والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه في المعاصي، ومن فهم معنى
عضو من
[476 / ب] الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع، وأفطر بمواقعة الآثام / كمن مسح على أعضاء. في الوضوء ثلاث مرات فقد وافق في ظاهر العدد إلا أنه ترك الفرض الذي هو الغسل فصلاته مردودة عليه بجهله، ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاءه مرة مرة فصلاته متقبلة منه لإحكامه الأصل وإن ترك الفرع، ومثل من جمع بينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفرع وهو الكمال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته».
ولما تلى قوله عز وجل: إنْ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. وضع يده على
سمعه وبصره فقال: «السمع أمانة والبصر أمانة (1).
فلولا أنهما أمانات من الصوم لما قال عليه السلام: (وإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم أي أني أودعت لساني لأحفظه فكيف أطلقه بجوابك، فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهراً وباطناً وقشراً ولُباً، ولقشورها درجات ولكل درجة، طبقات، وإليك أيها المسترشد الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب، أو تتحيز إلى حيز ذوي العقول والألباب، والله
نسأله العون والتوفيق
(2)
الباب الخامس
في فضيلة التطوع بالصيام
اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأبام بعضها توجد في كل سنة، وبعضها توجد في كل شهر، وبعضها توجد في كل أسبوع.
أما
في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة ويوم عاشوراء، والعشر الأوائل من ذي [477/ب] الحجة، والعشر الأوائل من المحرم / وجميع الأشهر الحرم وهم رجب، وذو القعدة، وذو
الحجة، والمحرم.
وأما ما يتكرر في كل شهر: فأول الشهر، ووسطه وآخره والأيام البيض وهم: الثالث
6
عشر، والرابع عشر والخامس عشر. وأما في الأسبوع: فالإثنين والخميس.
(1) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة دون قوله: السمع أمانة قاله العراقي في المغني (237/ 1). (2) راجع إحياء علوم الدين (236/ 1، 237). (1/436)
صفحة 437
قنطرة أسرار الصوم
421
في
فهذه الأشهر الحرم والأيام هي زمن الصيام بعد رمضان وهي أوقات فاضلة. يستحب فيها الصوم وتكثير الخيرات ليضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات ونحن نحصرها إن شاء الله خمسة فصول ليسهل على الطالب قصدها ويتحصل للراغب فضلها.
الفصل الأول: في فضيلة يوم عرفة
اعلم أن صوم يوم عرفة مستحب لمن ليس واقفاً بعرفة وهو حاج، لما روي عن النبي
عر
عليه السلام أن سئل عن صوم يوم. رفة فقال: يكفر السنة الماضية والآتية (1). وفي حديث آخر عنه أنه قال: من صام يوم عرفة غفر الله له سنة خلفه وسنة أمامه». وروي عن إبراهيم النخعى أنه قال صوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبله وسنة بعده. وروي عن عطاء ومجاهد أنهما قالا: كنا لا نصوم عرفة حتى بلغنا أنه كفارة لهذه السنة والسنة الماضية وصمناه.
عائشة وروي عن
رضي!
الله عنها أنها قالت ما من يوم في السنة أحب إلي أن أصومه من يوم عرفة. وروي أنه دخل عليها رجلان يوم عرفة فقالت: يا جارية أخرجي لهما عسلاً فلولا إني صائمة لذقته فقال: يا أم المؤمنين / إنما منعنا من صيام هذا اليوم أنا خفنا أن يكون يوم [1/ 478]
النحر. قالت: غداً يوم ينحر الناس وجماعة المسلمين.
وأما من وقف بعرفات فلا يستحب له صيام يوم عرفة لئلا يضعفه عن الوقوف والدعاء والذكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك صومه ليتأسى بذلك أهل الموسم كما ورد في الحديث: أن أناساً تماروا عند أم الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس رضي الله عنه في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم. وقال آخرون: ليس بصائم. قال: فبعثت إليه أم الفضل بقدح من لبن وهو واقف على بعيره فشرب. وإنما فعل ذلك عليه السلام للرفق بالناس الذين أجهدهم السفر فخاف عليهم أن يضعفوا عن الوقوف والذكر. وأما من قوي على صيامه هناك فصيامه أفضل لما روي عن القاسم بن محمد: أن عائشة رفة يدفع الإمام ثم تقف حتى
عر
كانت تصوم يوم عرفة، قال القاسم: ولقد رأيتها عشية يوم يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض ثم تدعو بشراب ثم تفطر والله أعلم.
(1) أطراف هذا الحديث عند مسلم في الصحيح (الصيام (197)، وأحمد في المسند (297/ 5)، والبيهقي
في السنن (283/ 4)، والبغوي في السنة (343/ 6). (1/437)
صفحة 438
422
قنطرة أسرار الصوم
الفصل الثاني: في يوم عاشوراء
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه فقال عليه السلام: «نحن أولى بموسى منكم». فأمر بصيامه (1).
وفي حديث عائشة قالت: كان:
يوم
عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية، فكان النبي
[479/ب] عليه السلام يصومه / في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامهن وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان. هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه، ولكن في صيامه
ثواب وأجر عظيم. وعنه عليه السلام أنه قال: «يوم عاشوراء يوم كانت الأنبياء يصومونه فصوموه أنتم. وعن أبي موسى أنه قال: يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود تتخذه عيداً، فقال عليه السلام:
«صوموه أنتم.
وعن الأسود.
وعن
أسود بن يزيد أنه قال: سألت عبيد بن عمير عن صوم يوم عاشوراء فقال: إن قوماً أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت ألا يمر عليك إلا وأنت صائم فافعل. قتادة أنه قال: صوم يوم عاشوراء كفارة لما أضاع الرجل من زكاة ماله. قال بعض العلماء: يريد أنه أخر إخراجها عن وقت وجوبها بجهالة، ولم يرد أنه لم يخرجها قال: لأنه لا يجوز أن تسقط نافلة فرضاً بإجماع. وعن الزهري: أنه كان يأمر بإفطار رمضان في السفر، ويصوم يوم عاشوراء، فقيل له في ذلك، فقال: إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن يوم عاشوراء يفوت. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال للسائل: «احتسب
على الله كفارة سنة.
ستين
وعنه عليه السلام من طريق ابن عباس أنه قال: من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة سنة صيامها وقيامها ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف ملك، ومن صام [480/ب] يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب كل حاج ومعتمر
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (90/ 5)، مسلم في الصحيح (795)، أبي داود في السنن
(2444) (1/438)
صفحة 439
قنطرة أسرار الصوم
ني
جميع
محمد
423
ذلك العام، ومن أفطر عنده مؤمن في يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده. أمة ومن أطعم فيه جائعاً فكأنما أطعم جميع فقراء أمة محمد، وأشبع بطونهم، ومن مسح فيه على رأس يتيم رفعت له بكل شعرة درجة في الجنة». قالوا: يا رسول الله فضل الله يوم عاشوراء على الأيام؟ قال: نعم خلق الله السموات يوم عاشوراء، وفيه خلق الجبال، وفيه خلق اللوح وفيه خلق القلم، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه خلقت حواء، وفيه ولد إبراهيم، وفيه نجاه الله من النار، وفيه أغرق فرعون وفيه كشف البلاء عن أيوب، وفيه تاب الله على آدم وفيه غفر ذنب داود، وفيه رد ملك سلمان، وفيه ولد عيسى، وفيه رفعه الله تعالى، وفيه أيضاً رفع إدريس، وفيه ولد النبي عليه السلام، وفيه تقوم الساعة.
ومن طريق آخر عنه أنه قال: في اليوم العاشر من المحرم يكسى البيت، وفيه استوت سفينة نوح على الجودي، وفيه حجت الملائكة البيت المعمور، وفيه تاب الله على قوم يونس، وفيه أخرج الله يوسف من الجب، وفيه كسر إبراهيم الأصنام، وفيه جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وفيه أخرج الله يونس من بطن الحوت وفيه عبر موسى البحر، وفيه أخرج الله يوسف من السجن، وجمع بينه وبين أبيه وفيه رد الله على يعقوب بصره، فمن صام حج واعتمر / سبعين مرة، وأنفق سبعين ألفاً في سبيل الله، وكأنما صام [1/ 481]
ذلك
سبعين
اليوم فكأنما
ألف سنة.
الله
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من وسع على عياله ليلة عاشوراء وسع عليه سائر السنة. قال الراوي: فجربنا ذلك فوجدناه حقاً، واختلفوا أي يوم فقيل: هو العاشر من المحرم. وقيل اليوم التاسع منه.
ولذلك كان بعض الصحابة يصوم يوماً، قبله وكان ابن عباس فيما بلغنا يصوم يوم عاشوراء، ويوالي بين اليومين خشية أن يفوته، وقيل أنه كان يقول: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود، والله أعلم.
الفصل الثالث: في العشر الأوائل من ذي الحجة
قال الله تعالى: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرِ
(1) ,
وقال تعالى: (فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتِ) (2). وهي الأوائل من ذي الحجة.
(1) سورة الفجر الآية: 2. (2) سورة الحج الآية: 28. (1/439)
صفحة 440
424
قنطرة أسرار الصوم
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام. يعني أيام العشر، قيل ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) (1)
وفي حديث آخر: «إلا من عقر جواده وأهرق دمه». وقيل في قوله تعالى: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرِ) (2). إنها عشر أول من ذي الحجة، وفيهم كلّم الله موسى، وقربه نجياً وكتب الألواح له فيهن، وعن أبي الدرداء أنه قال: عليكم بصوم أيام العشر وأكثروا الدعاء والاستغفار والصدقة فيها فإني سمعت النبي عليه السلام يقول: الويل لمن حرم أيام العشر، وعليكم بيوم التاسع [482/ب] خاصة / فإن فيه من الخيرات أكثر من أن يحصيها العادون».
وعن
عائشة
الله
صوم
هذه
رضي عنها أن شاباً كان صاحب سماع، فكان إذا أهل هلال ذي الحجة أصبح صائماً فارتفع الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: «ما حملك على الأيام؟ فقال له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي إنها أيام المشاعر وأيام الحج فعسى الله أن يشركني في دعائهم، قال عليه السلام: فإن لك بكل يوم تصومه عدل مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة فرس تحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك فيه عدل ألفي رقبة، وألفي بدنة، وألفي فرس تحمل عليها في سبيل الله.
وفي حديث آخر: ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه تعدل قيام ليلة القدر». قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا والجهاد إلا من عقر جواده وأهرق دمه.
قال: وبلغنا أن الله تعالى أهدى إلى موسى بن عمران عليه السلام خمس دعوات في أيام
العشر جاء بهن جبريل عليه السلام:
أولهن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير
وهو على كل شيء قدير.
(1) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة دون قوله: قيل ولا الجهاد؟ الخ، وء". البخاري من حديث ابن عباس: ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد. قال: «ولا الجهاد إلا
رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء». قاله العراقي في المغني (238/ 1). (2) سورة الأعراف الآية: 142. (1/440)
صفحة 441
قنطرة أسرار الصوم
425
والثانية: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحداً فرداً صمداً لم يتخذ
صاحبة ولا ولداً.
والثالثة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم
يكن له كفواً أحد.
والرابعة: هي الأولى مع / زيادة وهو حي لا يموت.
والخامسة: حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى.
وذكر أن هذه الكلمات أنزلت في الإنجيل، وأن الحواريين سألوا عيسى عليه السلام عن فضلهن وذكر لهم من الفضل والثواب لمن قرأهن في أيام العشر ما لا يقدر على وصفه أحد
والله أعلم.
وفي بعض الأثر: أن رجلاً قالهن في أيام العشر فرأى في المنام كأن في بيته خمس طبقات من نور بعضها فوق بعض.
[1/ 483]
: أن النبي عليه السلام قال في الأيام العشر: أكثروا فيهن التكبير والتسبيح وفي
الخبر: والتهليل والتحميد».
فكان ابن عمر فيما بلغنا يكبر فيهن على فراشه ومجلسه، وعطاء بن أبي رباح يكبر في العشر في الطريق، وفي الأسواق.
قال بعض العلماء من كبر في نفسه كان أفضل إلا إن أراد إظهار الشريعة وتذكير الناس فلا بأس به والله أعلم.
الفصل الرابع: في صوم أيام من المحرم
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صام ثلاثة أيام من شهر المحرم كتب الله له
عبادة تسعمائة سنة.
ويروى عن القاسم بن محمد سئل عن هذه الأيام الثلاثة فقال: اليوم الثالث عشر والرابع
عشر والخامس عشر من المحرم.
وعن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي عليه السلام فقال: أي الصوم أفضل؟ فقال عليه
السلام شهر الله الذي تدعونه المحرم». (1/441)
صفحة 442
426
قنطرة أسرار الصوم
وفي حديث آخر: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله تعالى المحرم (1). ولأنه
[484 / ب] ابتداء / السنة فبدأها على الخير أفضل وأرجي لدوام بركته.
وعنه أنه قال: صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين مرة من غيره وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام (2).
(Y),
وفي الحديث: من صام ثلاثة أيام من كل شهر حرام الخميس، والجمعة، والسبت كتب الله له بكل يوم عبادة سبعمائة سنة (3).
وروي عن النعمان بن سعيد أنه سأل عليّاً فقال: أخبرني عن شهر أصومه بعد شهر رمضان. قال: فصم المحرم فإنه شهر الله تبارك وتعالى فيه تاب الله على قوم ويتوب على
قوم.
ويقال: في اليوم الثالث من المحرم إستجاب الله لزكرياء عليه السلام، ويستحب صومه لأن الإجابة ترجى فيه لمن صامه والله أعلم
(4)
الفصل الخامس: في الترغيب في صيام رجب وشعبان والأيام البيض وغير ذلك وعن أنس بن مالك أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان (5).
وعنه أنه قال: «رجب شهر الله الأصم فمن صام يوماً. منه كان كصيام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم السبعة، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه خمسة عشر يوماً نادى مناد من عند العرش استأنف العمل فقد [485 / ب كفيت ما مضى ومن زاد زاد الله / له».
ويقال: في رجب حمل الله نوحاً عليه السلام في السفينة، فصامه نوح وأمر من معه أن
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني (238/ 1). (2) لم أجده هكذا، وفي المعجم الصغير للطبراني من حديث ابن عباس: من صام يوماً من المحرم فله بكل ثلاثين يوماً. العراقي في المصدر السابق.
يوم
(3) ذكره الأزدي في الضعفاء من حديث أنس. المصدر السابق.
(4) راجع في الباب الإحياء (237/ 1، 238). (5) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (259/ 1) العجلوني في كشف الخفا (1/ 213)، الذهبي في الميزان (2824)، ابن السني في عمل اليوم والميلة (603). (1/442)
صفحة 443
[1/ 486]
قنطرة أسرار الصوم
427
يصومه، وجرت به السفنية ستة أشهر وآخر ذلك يوم عاشوراء، وفيه استقرت السفينة على الجودي فصامه نوح وأصحابه شكراً الله تعالى.
وعن عبد الله
بن عمر عن رسول الله الله و أنه قال: أعظم الليالي أربعة: ليلة الفطر وليلة الأضحى، وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان. وزاد بعضهم: «ليلة عاشوراء».
موته.
ويقال: من قام ليلة من هذه الليالي وصام يومها كتب الله له أجر شهيد في حياته وبعد
وعنه أنه قال: رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي». قيل: يا رسول الله ما معنى قولك: شهر الله؟ قال: «لأنه شهر مخصوص بالمغفرة فيه تحقن الدماء وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه انقذ أولياءه من أيدي أعدائه. ثم قال عليه السلام: «من صامه يستوجب من الله ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه وعصمة فيما بقي من عمره، وأمناً من العطش يوم العرض الأكبر». فقام شيخ ضعيف فقال: يا رسول الله أنا أعجز عن صيامه كله فقال له عليه السلام: صم أول يوم منه وأوسط يوم منه وآخر يوم منه؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها / فإنك تعطى ثواب من صامه كله (1).
وأما شعبان: فقد روي أن أسامة. بن زيد قال: يا رسول الله رأيتك تصوم شعبان صوماً لا تصومه إلا في رمضان فقال عليه السلام شهر يغفل الناس عنه بين رجب وشهر رمضان ترفع فيه أعمال الناس فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم.
وعنه عليه السلام أنه قال: شعبان شهري فمن صام فيه ثلاثة أيام لحبي وإختياري لهذا الشهر كان معي في الجنة كهاتين ثم قرن بين الوسطى والسبابة.
عائشة وعن
رضي
الله عنها أنها قالت: كان رسول الله عليه السلام يصوم حتى نقول لا
يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في
شهر أكثر صياماً منه في شعبان (3).
(1) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفا (510/ 1، 580)، الشوكاني في الفوائد المجموعة (116)، ابن الجوزي في الموضوعات (124/ 2، 205).
(2) أخرجاه من حديث عائشة، وابن عباس دون ذكر القيام والنوم، والبخاري من حديث أنس: كان يفطر من الشهر حتى يظن أن لا منه، شيئاً، يصوم. ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من
الليل مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته. المغني (239/ 1). (1/443)
صفحة 444
428
قنطرة أسرار الصوم
وفي حديث آخر عنها أنها قالت: كان عليه السلام يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان. وعنه عليه السلام أنه قال: من صام أول خميس من شعبان وخميساً من وسطه وآخر خميس منه كان حقاً على الله أن يدخله الجنة». والله أعلم.
وأما الأيام البيض: فإنها الثالث عشر، والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، وكان
النبي عليه السلام يصومها ويقول: تعدل صيام الدهر».
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً سأله عن الصيام فقال: لأحدثنك حديثاً [487/ب]
[488/ب]
هو عندي من التحف المخزونة إن أردت صيام داود خليفة الرحمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإن أردت صيام ابنه سليمان كان ثلاثة أيام من أول الشهر وثلاثاً من وسطه وثلاثاً من آخره، وإن أردت
يصوم
،
صيام عيسى عليه السلام فإنه كان يصوم الدهر فلا يفطر ويقوم الليل فلا ينام، وكان يلبس الشعر ويأكل الشعير ويبيت حيث أمسى ولا يحبس شيئاً، وكان رامياً إذا أراد الصيد لم يخط، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فمن كانت له إليه حاجة قضاها، وكان ينظر إلى الشمس فإذا رآها قد غربت قام فصفن بين قدميه قائماً ليلته حتى يراها قد طلعت فكان هذا شأنه حتى رفعه الله، وإن أردت صيام أمه فإنها كانت تصوم يومين وتفطر يوماً (1)، وإن أردت صيام خير البشر النبي العربي القرشي أبي القاسم ولو على سائر الأنبياء والرسل فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول: هي صيام الدهر وهو أفضل الصيام».
مريم
وروي عن كريب أنه قال: أرسلني ابن عباس وناس / من الصحابة إلى أم سلمة يسألونها أي الأيام كان النبي عليه السلام فيهن أكثر صياماً؟ فقالت أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم».
وعن عائشة أيضاً عنه عليه السلام أنه كان يصوم من الشهر السبت، والأحد، والإثنين،
ومن الشهر الآخر: الثلاثاء، والأربعاء، والخميس.
ومما يستحب صومه أيضاً يوم سابع وعشرين من رجب، ويوم خامس وعشرين من ذي القعدة. يقال: فيه أنزلت الكعبة على آدم عليه السلام وأنزلت معها الرحمة فترجي فيه الرحمة لمن صامه والله أعلم.
(1) طرفه عند ابن حجر في المطالب (1028)، المتقي الهندي في الكنز (24629)، وقال العراقي في المغني (239/ 1) أخرجاه من حديث عبد الله بن عمرو. (1/444)
صفحة 445
قنطرة أسرار الصوم
429
وأما صوم الدهر: فهو شامل لما قدمنا من صيام عدد الأيام، وغيرها من الشهور، وقد كره ذلك بعضهم لقوله عليه السلام: (من صام الدهر فلا صام ولا أفطر (1). والصحيح أنه إنما
يكره لشيئين:
أحدهما: أن لا يفطر في العيدين وأيام التشريق فهي الدهر كله. والآخر: أن يرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صومه بعض الأيام وإفطاره في بعضها، ثم
مع
أن
تؤتى
يجعل هو صيام الدهر حجراً لازماً لنفسه، ولا يفطر فيه أن الله سبحانه يحب رخصه كما يحب أن تمثل عزائمه فأما إذا لم يكن شيء من هذين الأمرين ورأى الإنسان صلاح نفسه في صيام الدهر فليفعل ذلك ولا بأس به فقد روي عن جماعة من الصحابة [1/ 489] والتابعين أنهم فعلوه. وقد روي عن النبي عليه السلام من طريق أبي موسى الأشعري أنه قال: (من صام الدهر كله ضيقت عنه جهنم. قيل: معناه لم يكن له فيها موضع.
(Y),
وروي عن عبد الله بن عمر عنه أنه قال: «صوم نوح عليه السلام الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصيام داود نصف الدهر، وصيام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر
الدهر».
فصوم داود عليه السلام هو أشد على النفس وأقوى في قهرها، لأن العبد فيه بين صبر
يوم وشكر يوم.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: عرضت عليّ خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت: يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً، أحمدك إذا شعبت وأتضرع إليك إذا جعت (3). ولهذا قال عليه السلام أفضل الصيام صوم أخي داود عليه السلام فإنه كان.
ويفطر يوماً».
يصوم يوماً
(1) الأحاديث الدالة على كراهية صيام الدهر رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو في حديث له لا صام من صام الأبد، ولمسلم من حديث أبي قتادة قيل: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر قال: لا صام ولا أفطر، والنسائي نحوه من حديث عبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الشخير. قاله العراقي في المغني (238/ 1). (2) رواه أحمد، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، وحسنه أبو علي الطوسي. قاله العراقي في المغني (239/ 1). (3) رواه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً. وقال حسن. قاله العراقي في المصدر السابق. (1/445)
صفحة 446
430
قنطرة أسرار الصوم
ومن ذلك منازلته عبد الله بن عمر في الصوم حين قال له: «ألم أخبرك أنك تقوم
الليل وتصوم النهار؟ قال: بلى قال: فلا تفعل نم وقم وصم وافطر فإن لنفسك عليك حقاً ولضيفك عليك حقاً وأنه عسى أن يطول بك عمر فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة فذلك [490/ب] صيام الدهر فالحسنة بعشر أمثالها. قال: إني أجد قوة قال: «صم من كل جمعة ثلاثة أيام. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم صيام نبي الله داود عليه السلام». قال: وما صوم داود؟، قال: نصف الدهر، وهو أعدل الصيام عند الله تعالى
[491/ب]
(1)
وقد روي أنه، ما صام شهراً كاملاً قط إلا رمضان ومن لا يقدر على صوم الدهر أو نصفه فلا بأس بثلثه وهو أن يصوم يوماً ويفطر يومين، فإذا صام ثلاثة أيام من أول الشهر وثلاثاً من أوسطه وثلاثاً من آخره فهو ثلث واقع في الأوقات الفاضلة، فإن صام الإثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث، فإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم، وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهمة الله عز وجل فإذا فهم ذلك فلينظر إلى أحواله فقد يقتضي الحال دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الإفطار ما خلا الفريضة من الصوم، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم فإذا فهم المعنى وتحقق جده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه، وذلك لا يوجب ترتيباً مستمراً.
ولذلك روي!
يصوم،
أنه عليه السلام كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا وينام حتى يقال لا يقوم، ويقوم حتى يقال لا ينام (2). وذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة
من القيام بحقوق الأوقات.
(2)
وقد كره العلماء أن يوالي الإنسان بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديراً ليوم العيد مع أيام التشريق وذكروا أن ذلك يقسي القلب ويولد رديء العادات ويفتح أبواب الشهوات، ولعمري هو. كذلك في حق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم والليلة مرتين أو أكثر والله نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه من القول والعمل
(3)
اعلموا أرشدكم الله أني إنما أوردت الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الأيام والليالي
(1) أخرجاه من حديثه. المصدر السابق.
(2) أخرجاه من حديث عائشة، وابن عباس دون ذكر القيام والنوم، والبخاري من حديث أنس: كان يفطر من شيئاً ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئاً وكان لا تشاء تراه من الليل
الشهر حتى يظن أن لا يصوم منه
مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته. المصدر السابق.
(3) راجع في الباب إحياء علوم الدين (238/ 1، 239). (1/446)
صفحة 447
431
قنطرة أسرار الصوم وغير ذلك من أحاديث فضل العلم والتعلم، وما أوردت من الأحاديث هاهنا في فضل رمضان وغيره من الأيام المتقدمة، وما سنورده في الفضائل إن شاء الله وإن كان أكثرها غير مستفيض عند أصحابنا، ولا موثوق بصحتها فإني إنما فعلت ذلك لحديث رأيته في آثار أصحابنا عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله وذلك قال: بلغني عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من بلغه حديث في الرغائب والفضائل في العمل فاجتهد فيه. قال: فإن كان الحديث عن نحو ما بلغه كان له أجران أجر حفظه الحديث وطاعته فيه وأجر عمله، به وإن كان الحديث على غير ما بلغه كان له أجره على نحو ما بلغه؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين فلا يذهب أجر إجتهاده الله ونصيحته لربه ما لم يكن إجتهاده في بدعة.
قال الشيخ أبو عبيدة رحمه الله فيما وجدت عنه: اعلم أن المسلم إذا رزقه الله نفساً [1/ 492] طيبة مستقيمة على طاعة الله كلما بلغه شيء يتقرب به إلى الله اجتهد فيه فيكون مأجوراً على نحو ما تقدم. قال: وإذا كان للإنسان نفس خبيثة مل العمل الله واستثقل العبادة فكان أكثر. في الجدال والمراء فإذا بلغه حديث فيه الرغبة في العمل عارضه بالقياس.
همه
وقال: إن هذا ليس بصحيح؛ لأن رأيه وما يوافق هواه ما ليس فيه العمل بطاعة الله تعالى. وأيضاً فإني وجدت في كتب فقهاء قومنا أنهم استسهلوا في نقل أحاديث الرغائب والمواعظ. وقالوا: لأن ذلك حث على طاعة الله تعالى ودعاء إليه ورووا في ذلك حديثاً عن ابن عباس عن رسول الله أنه قال: من قال عني خيراً قلته أو لم أقله فأنا قلته.
ورووا عن أبي هريرة عنه عليه السلام أنه قال: «ما بلغكم عني من قول حسن قلته أو لم أقله فأنا قلته». قالوا: إنما تشدد الأئمة من أهل العلم في أحاديث الأحكام التي بنيت عليها قواعد الإسلام التي فيها الأوامر والنواهي والحلال والحرام والحدود والفرائض ولعمري لكذلك ينبغي أن تكون ورووا أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حدث عني حديثاً / لم أقله [1/ 493] مما فيه دعاء إلى الله عز وجل فأنا قلته فإني إنما بعثت لذلك (1). والله أعلم.
وينبغي لسامع هذه الفضائل المروية في الأحاديث المتقدمة إذا سمع ما فيها من عظيم الثواب أن لا يستوحش من مثله، ولا يرد ذلك إلى عقله؛ لأن الذي أعد الله سبحانه لأوليائه المخلصين من الثواب المتصل غير المقطوع أعظم من كل منظور إليه ومسموع.
(1) نحو طرفه عند ابن الجوزي في الموضوعات (98/ 1)، ابن عدي في الكامل في الضعفاء (491/ 2)،
والمتقي الهندي في الكتر (29213، 29484). (1/447)
صفحة 448
[494/ب]
432
قنطرة أسرار الصوم
وقد قال عليه السلام حكاية عن ربه عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فأن يقع ما سمع وريء مما لم يسمع ولم ير، وثواب الله تعالى لعباده على قدر كرمه تعالى لأعلى قدر عمل العبد ومنزلته، وقد قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّنْ تُرَةِ أَعْيُنِ)
(1)
وكل ما ورد في هذه الأحاديث وشبهها من قوله: أعطي مثل ثواب أيوب، أو مريم أو غيرهما من الشهداء والأنبياء. فإنما معنى ذلك في شيء دون شيء، وفي العمل المذكور، خاصة إذا سلم من الآفات وحفظ منها في جميع الحالات؛ لأنه غير جائز أن يكون لأحد من أتباع الأنبياء مثل ثواب الأنبياء عليهم السلام.
وقد قال عليه السلام: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وقرن بين أصبعيه السبابة
والوسطى (2).
وهل يتوهم متوهم أن يكون أحد / ممن آمن بالنبي عليه السلام وأتبعه أن يكون معه في درجته، ومثل ذلك قول الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ منَ النَّبِيْنَ وَالصَّدِّيقِينَ (3) الآية. فلو كان المعنى على ظاهر الآية لاقتضى أنهم في درجات
الأنبياء.
"1
ولهذا قال عليه السلام حين وصف كتاب الله تعالى أن لكل آية ظاهراً وباطناً وقال: «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة».
فالتأويل المتقدم من الباطن الذي هو على غير تأويل معنى الظاهر، وكذلك حديث الرسول عليه السلام له أيضاً ظاهر وباطن ووجه وقفاً وإنما هلك. التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) سورة السجدة الآية: 17.
كملت قنطرة أسرار الصوم
وتتلوها قنطرة الزكاة في الجزء الثاني
هلك
من باتباع الظواهر، وبالله
(2) البخاري في الصحيح (18/ 7، 10/ 8)، أبو داود في السنن (5150)، البيهقي في الكبرى (283/ 6)، ابن حجر في المطالب (2533، 2537 الطبراني في الكبير (213/ 6، 351/ 8).
(3) سورة النساء الآية: 69. (1/448)
صفحة 449
فهرس محتويات الجزء الأول
من
قناطر الخيرات (1/449)
صفحة 450
[صفحة فارغة] (1/450)
صفحة 451
فهرس المحتويات
المقدمة
مقدمة المؤلف
الباب الأول: في بيان فضل العلم فصل فيما جاء في السنة
قنطرة العلم
فصل فيما جاء في فضل العلم من جهة المعاني والعقل الباب الثاني: في فضل التعلم والتعليم
الفصل الأول: في فضل التعلم
الفصل الثاني: في التعليم
الباب الثالث: في فرض العين
فصل أن العلم والعمل جوهران
الباب الرابع: في العلم الذي هو فرض كفاية
الباب الخامس: في بيان حد الفقه والكلام في علم الدين وطريق الآخرة الخ
وهذا الباب له ثلاثة فصول الفصل الأول: في بيان حد الفقه
الفصل الثاني: في علم الدين والطريق الآخرة
الفصل الثالث: في حد الكلام وعلوم الفلسفة
الباب السادس: في طريق العلم
فصل أن العلم له ثلاثة أقسام
الباب السابع: في آداب المتعلم والمعلم
الفصل الثاني: في وظائف ما على العالم المعلم المرشد في الآداب
فصل مما: يجب على العالم أن يلتزمه
فصل فيما يتعلق بالدين علوم كل علم منها فضيلة
الباب الثامن: في آفات العلم وعلماء السوء
قناطر الخيرات ج/ 1 م/ 29 (1/451)
صفحة 452
فهرس
المحتويات
أن هذا الباب ينحصر في جملتين الجملة الأولى: في آفات العلم
الجملة الثانية: في الأخبار والآثار الواردة في علماء السوء
الباب التاسع في العلامات المميزة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة
الباب العاشر: في بيان العلم المذموم وأسماء العلم المحمود من كتاب الغزالي
هذا الباب يشتمل على جملتين. الجملة الأولى: في العلم المذموم
الجملة الثانية: في أسامي العلوم الشرعية وبيان القدر المحمود منها الفصل الأول: أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية الفصل الثاني: في بيان القدر المحمود من العلم المحمود أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام
قنطرة الإيمان والتوحيد
قنطرة الإيمان وسائر قواعد الاعتقاد والتوحيد
معرفة ذات الله تعالى وينحصر هذا الباب في عشرة فصول الفصل الأول: يحتوي على ترجمة العقيدة والاستدلال على وجود الله فصل في أدلة على وجود الله تعالى
الفصل الثاني: العلم بأن الباري سبحانه قديم لا أول لوجوده
الفصل الثالث: العلم بأنه تعالى لا نهاية لوجوده ودوامه
الفصل الرابع: العلم بأنه ليس بجوهر يتحيز دليله
...
الفصل الخامس: العلم بأنه تعالى ليس بجوهر مؤلف من جواهر الفصل السادس: العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم في الجسم أو حال في محل الفصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالأمكنة والجهات الفصل الثامن: العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء الفصل التاسع: العلم بأنه تعالى منزه عن الرؤية والإدراك بالأبصار إذ هو تعالى مقدس عن
الجهات والأقطار
الفصل العاشر: العلم بأنه عز وجل واحد لا شريك له
الباب الثاني: في معرفة صفاته في ذاته
وهذا الباب يشتمل على عشرة أصول
الباب الثالث: في أفعاله تعالى ومدارها يحتوي على عشرة أصول
. (1/452)
صفحة 453
فهرس المحتويات
الباب الرابع: في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم
أن هذا الباب يحتوي على مقدمة وعشرين مسألة
المسألة الأولى: العلم بأن ورود الموت حق على كل مخلوق المسألة الثانية: العلم بأن قيام الساعة حق
المسألة الثالثة: اعتقاد كون البعث بعد الموت يوم الحشر والنشر المسألة الرابعة: سؤال الملكين وهما منكر ونكير
المسألة الخامسة: عذاب القبر
المسألة السادسة: الميزان
المسألة السابعة: الصراط
المسألة الثامنة: الحساب والإيمان به واجب
المسألة التاسعة: الشفاعة
المسألة العاشرة: الحوض المورود
المسألة الحادية عشر: الجنة والنار
المسألة الثانية عشر: جملة الملائكة المسألة الثالثة عشر: جملة الأنبياء
المسألة الرابعة عشر: جملة الكتب المنزلة المسألة الخامسة عشر: الإيمان بالقضاء والقدر
المسألة السادسة عشر: في معنى التوحيد والشرك
المسألة السابعة عشر: فرز ما بين كبائر الشرك المسألة الثامنة عشرة: ومما يجب على المكلف أن يعلم أن الله أمر بطاعته
المسألة التاسعة عشر: الولاية والبراءة في الجملة
المسألة العشرون: في معرفة الملل وأحكامها
مطلقاً
فصل أن التوحيد لا يبقى في الشرع. الباب الخامس: في شرح بعض أسماء الشريعة
فصل في حقيقة التوحيد
فصل أن للإيمان ثلاث مقامات
المقامة الأولى: انطواء القلوب المقامة الثانية: الإقرار باللسان نطقاً المقامة الثالثة: من الإيمان هو العمل بالأركان فصل في درجات الإيمان (1/453)
صفحة 454
ذلك
في خمس درجات وينحصر الدرجة الأولى: درجة الإيمان
الدرجة الثانية: درجة الظن
الدرجة الثالثة: درجة العلم
الدرجة الرابعة: درجة اليقين فصل في منازل العباد إلى الله تعالى
فصل في تحقيق معنى اليقين الدرجة الخامسة: درجة المعرفة فصل في معنى الإسلام لغة وشرعاً فصل في معنى الكفر والنفاق والشرك
قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات الطهارة لها أربع مراتب
قنطرة الصلاة
الباب الأول: في طهارة الأخبار ويشتمل على ثلاثة فصول الفصل الأول: في المزال وهي النجاسات
الفصل الثاني: في المزال به النجاسة الفصل الثالث: في كيفية الإزالة
الباب الثاني: في الطهارة
فصل في اللحية وقول العلماء فيه
الباب الثالث: في طهارة الأحداث
وينحصر
هذا الباب في أربعة فصول
الفصل الأول: في آداب قضاء الحاجة
الفصل الثاني: في فضل الوضوء
الفصل الثالث: في كيفية الغسل
الفصل الرابع: في كيفية التيمم
قنطرة الصلاة في ذكر أسرارها وفضائلها ولها ستة أبواب الباب الأول: في فضل المسجد وفضل الأذان وفضل الصلاة ويشتمل هذا الباب على هذا الحال على ستة فصول
الفصل الأول: في فضل الأذان
الفصل الثاني: في فضل المسجد
فهرس المحتويات (1/454)
صفحة 455
فهرس المحتويات
الفصل الثالث: في فضيلة الصلوات وعقوباتها الفصل الرابع: في فضل الخشوع فصل أن الخشوع ثمرة الإيمان
الفصل الخامس: في فضل إتمام الأركان من الركوع والسجود الفصل السادس: في فضل صلاة الجماعة والوعد في تاركها الباب الثاني: في كيفية الأعمال الظاهرة من
الصلاة
فصل في المناهي الواردة في الصلاة فصل في تمييز فرائض الصلاة من سننها وفضائلها
فصل في تمييز فرائض الصلاة عن سننها معقول
الباب الثالث: في الشروط الباطنة من أعمال القلب في الصلاة وهذا الباب يشتمل على ثلاثة فصول
الفصل الأول: في بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب
الفصل الثاني: في بيان المعاني الباطنة التي بها تتم حياة الصلاة
فصل أن القلب يخشع بقدر اليقين
الفصل الثالث: من. هذا الباب في بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن
وشرط من الأعمال
الباب الرابع: في صلاة الإمامة وما على الإمام من وظائفها
فصل فيما على الإمام من الوظائف في الصلاة وقبلها الباب الخامس: في فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها وهذا الباب يشتمل على أربعة فصول
الفصل الأول: في فضل الجمعة الفصل الثاني: في آدابها
الفصل الثالث: في شروط الجمعة وحكمها الفصل الرابع: في سننها وفضائلها
الباب السادس: في المندوب إليها من الصلوات ما عدا الفرائض من الصلوات ينقسم إلى أربعة أقسام
فصل في المرغوبات
قنطرة أسرار الصوم
القنطرة الرابعة قنطرة أسرار الصوم
الباب الأول: في فضل الصوم (1/455)
صفحة 456
{{.
الباب الثاني: في الشروط الواجبة وسننه المرتبة وهذا الباب فيه فصلان
الفصل الأول: في الواجبات الفصل الثاني: في سننه المشروعة فيه
الباب الثالث: مفسداته ولوازم إفساده الباب الرابع: في أسرار الصوم وشروطه الباطنة الباب الخامس: في فضيلة التطوع بالصيام الفصل الأول: في فضيلة. يوم عرفة
الفصل الثاني: في يوم عاشوراء
الفصل الثالث: في العشر الأوائل من ذي الحجة
الفصل الرابع: في صوم أيام من المحرم
الفصل الخامس: في الترغيب في صيام رجب وشعبان والأيام البيض وغير ذلك
فهرس المحتويات
فهرس المحتويات (1/456)
صفحة 457
قناطر الخيرات
تأليف
الإمام الفقيه أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي
من علماء النصف الأول من القرن الثامن
تحقيق
سيد كسروي حسن
خلاف محمود عبد السميع
المجلد الثاني
منشورات محمد علي بيضون
لنشر كتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان (2/1)
صفحة 458
ISBN 2 - 7451 - 2289 - 4
90000
صار الكن
جميع الحقوق محفوظة
Copyright © All rights reserved Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لحار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
1422 هـ ـ 2001 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري بناية ملكارت هاتف وفاكس: 364398 - 366135 - 378542 1 961) صندوق بريد: 1109424 بيروت - لبنان
1782745 122896
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebonon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St, Melkart Bldg, 1 st Floor Tel. & Fax: 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 POBox: 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Libon
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Mellart, lére Etage Tel. & Fax:00 (961) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P.: 11 - 9424 Beyrouth - Liban (2/2)
صفحة 459
بن
القنطرة الخامسة
في الزكاة المشروعة في الأموال (1)
/ الحمد الله الغني الحميد الواسع المجيد المبدئ المعيد ذي البطش الشديد، الفعال [1/ 2] لما يريد، احمده حمداً استوجب به من نعمه المزيد وأصلي على رسوله صلاة أرجو بها الله العون والتأييد، والعصمة والتسديد.
من
أما بعد: فإن الله تعالى شرّع الزكاة في الأموال بعد فروض الأبدان، وجعلها حقاً واجباً للفقراء في أموال الأغنياء، حكمة ألف بها بين قلوبهم لتبعثها على التعاون في إدراك مطلوبهم ونيل محبوبهم؛؛ لأن الراجي لغيره هائب له وصول والمرجو ما لديه مهيب موصول، إذ لو انقطعت رغبة الفقراء من ذوي الأموال لسقطت بذلك من قلوبهم هيبة الإجلال، فيفضي إلى التقاطع والتدابر / والتباغض والتنافر، فيؤول ذلك إلى خراب الدنيا، وانقطاع سكانها، [1/ 3]
ذلك
فكان في إيجاب الله تعالى الزكاة مواساة للفقراء، ومعونة لذوي الحاجات والضعفاء، تكفهم عن البغضاء، والتقاطع، وتبعثهم على التواصل والتراجع مع ما في أدائها من تمرين النفس على السماحة والبذل، ومجانبة الشُّح والبخل، لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق، والشح يصد عنها، ويهيج بين الناس القطيعة والعقوق، فامتحن الله تعالى عباده حين آمنوا به وصدقوه، وادعوا محبته وعبدوه فأمرهم أن ينفقوا أموالهم المحبوبة عندهم، فيكون ذلك تصديقاً لدعواهم محبته وإيثاراً منهم له على ما سواه لأنه إنما تمتحن درجة الحب بمفارقة المحبوب والأموال محبوبة عند الخلق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبها يأنسون إليها وينفرون من الموت لأجلها وإن كان في الموت لقاء فقال تعالى: ولَنْ تَنَالُوا الْبِرَ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا محبوبهم.
(1) منقول من كتاب الغزالي وغيره. (2/3)
صفحة 460
[4/ب]
2
قنطرة الزكاة
تُحِبُّونَ) (1). فاستنزلهم عن المال الذي هو معشوقهم، وعن النفس التي هي غاية محبوبهم، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) (2). وذلك بالجهاد، وهو مسامحة بالمهجة شوقاً إلى لقاء الله تعالى والمسامحة بالمال أهون إذ فيه ذريعة إلى تواصل الخلق، واتصاف للإنسان بالسخاء الذي هو أكرم أوصاف النفس، وتطهير القلوب من درن الذنوب ومثراة للمال وحصن حصين من الأحوال.
قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهَّرَهُمْ وَتُزَكِيهِمْ بِهَا) (3) الآية.
/ فأنزل الله تعالى فرض الزكاة في المدينة مجملاً فبين النبي عليه الصلاة والسلام حدودها وأنواعها، أسباب وجوبها وأجناسها، ونحن إن شاء الله تعالى نكشف، عن ورسم أسرارها الخفية وشروطها الجلية مع الاقتصار على ما لا يستغني عن معرفتها مؤدي الزكاة،
ذلك وقابضها، وينحصر في خمسة أبواب:
الأول: في فضل الزكاة ووعيد تاركها. الثاني: في أنواع الزكاة وأسباب وجوبها. الثالث: في أدائها وشروطها الباطنة والظاهرة. الرابع: في قابضها وشروط استحقاقه وآداب قبضه. الخامس: في صدقة التطوع وآداب أخذها وإعطائها.
ونحن نشرح هذه الأبواب إن شاء الله تعالى على الترتيب.
الباب الأول
في فضل الزكاة ووعيدها
اعلم أن الزكاة قنطرة الإسلام وطهارة للعبد من الآثام، قرن الله سبحانه وتعالى فرضها بالصلاة، وأفردهما بالذكر عن سائر الخيرات تنبيهاً على أنهما من أعظم القربات، فقال تعالى فضله بالرسل عليهم من الله الصلوات: أقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ
عن
مخبراً. قَرْضاً حَسَناك (1) الآية.
(1) سورة آل عمران الآية: 92. (2) سورة التوبة الآية: 111. (3) سورة التوبة الآية: 103.
(4) سورة المزمل الآية: 20 (2/4)
صفحة 461
قنطرة الزكاة
وروي عن رسول الله أنه قال: حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، واستدفعوا أنواع البلايا بالدعاء».
وعنه أنه قال: «ما نقص مال من صدقة ما تواضع عبد إلا رفعه الله تعالى، وما عفا عبد عن أخيه مظلمة إلا زاده الله تعالى بها عزاً».
وعنه عليه الصلاة والسلام / أنه قال: «الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، [1/ 5] والقرآن حجة لك أو عليك».
شح
وعنه عليه السلام أنه قال: من أدى زكاة ماله وأقرى الضيف وأدى الأمانة فقد وقى
نفسه.
وقال عليه السلام في بعض خطبه «أيها الناس لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، فاعبدوا الله ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم وأطيعوا ولات أموركم تدخلوا جنة ربكم».
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي
من أموالكم».
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الله تعالى الكثرة قال تعالى: {وَانفِقُوا مِنْ ما رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتَ فَيَقُول رَبِّ لَوْلاً أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (1). فقيل لابن عباس: اتق الله فإنا نرى هذا في الكافر يعني المشرك. فاحتج ابن عباس بأول الآية، ثم قال: هذه الآية أشد شيء على أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا، والتأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي الله أنه قال: مانع الزكاة يقتل. قال الربيع: قال
أبو عبيدة: ذلك إذا منعها من إمام يستحق أخذها.
وقال الله تعالى: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (2).
وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما قالت العرب: أما الصلاة
(1) سورة المنافقون الآية: 10.
(2) سورة التوبة الآية: 5. (2/5)
صفحة 462
قنطرة الزكاة
فنصلي، وأما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء، فقال أبو بكر: والذي نفسي بيده لأقاتلن من [6] فرق / بين الصلاة والزكاة، ولو منعوا مني عقالاً كانوا يؤدنه إلى رسول الله القاتلتهم عليه حتى ألحق بالله.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمانع
الزكاة. قالها ثلاثاً، والمعتدي فيها كمانعها.
ومن طريق أنس عنه عليه السلام أنه قال: «مانع الزكاة في النار».
ومن طريق عائشة عنه عليه السلام أنه قال: لا تخالط الصدقة مالاً إلا أهلكته». وقال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) (1).
معناه
(1).
وقال تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (2). قيل: إنه الزكاة في بعض الأقوال.
ولذلك توجه الوعيد على من منعه وقال بعض العلماء: الزكاة مال يؤدي إلى النار، قيل في ذلك من أخذها كما لا تحل له، ومن أعطاها لمن لا يستحقها، ومن منعها من
المستحقين لها فهم جميعاً في النار.
وعنه أنه قال: «ما نقض قوم العهد إلا ابتلاهم الله تعالى بالقتل، ولا منع قوم الزكاة
إلا منع الله عنهم القطر، ولا ظهرت فاحشة الزنا في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون». قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ (3). إلى قوله: {فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُون) (4) قال أهل التفسير: هذه الآية أنزلت في مانع الزكاة من أهل
القبلة.
(4)
هذا روي عن ابن عمر وقال: كل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت أرضين وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
سبع
وروي عن ابن عباس والضحاك والسدي مثله. وعن سعيد بن المسيب: أن رجلاً باع
(1) سورة فصلت الآيتان: 6، 7.
(2) سورة الماعون الآية: 7. (3) سورة التوبة الآية: 34. (4) سورة التوبة الآية: 35. (2/6)
صفحة 463
قنطرة الزكاة
V
أرضاً له، فقال له عمر رضي الله عنه: أحرز مالك الذي أخذت احفر له تحت فراش امرأتك، فقال: يا أمير المؤمنين أليس بكنز؟ فقال: ما أديت زكاته فليس بكنز.
وعن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس
وقال بعضهم: كل ما فضل عن حاجتك فهو كنز. رويد هذا عن عبد الواحد بن زيد. واستدل أصحاب هذا القول بما روي عن ثوبان أنه قال: لما أنزلت هذه الآية قال النبي عليه السلام: «تباً للذهب، تباً للفضة». يقولها ثلاثاً، فشق ذلك على أصحاب النبي. فقال المهاجرون: فأي المال نتخذ فسأل عمر رحمه الله النبي عن ذلك فقال: «لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه. وعن أبي ذر رحمه الله أنه قال: أتيت النبي عليه السلام وهو في ظل الكعبة مرتين، قال: فلما رآني قد أقبلت قال: هم الأخسرون ورب الكعبة» مرتين. قال: قلت: فداك أبي وأمي؟ قال: «الأكثرون، إلا من قال به في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله وخلفه
وقليل ما هم (1).
من هم
وعن أبي هريرة أنه قال: من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها». وعن أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كية». ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي عليه السلام: «كيتان». وعن علي بن أبي طالب قال: كل ما زاد على أربعة الاف درهم فهو كنز أديت زكاته أو [1/ 8] لم تؤد، وما دونها نفقة.
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو ما من رجل يكوى بكتر فيوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على
حدة.
وعن
الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة من ملأ قريش إذ جاء
(1) بنحوه ذكره العراقي في المغني (209/ 1، (210) وقال: أخرجاه: مسلم، والبخاري. (2/7)
صفحة 464
قنطرة الزكاة
رجل أخشن (1) الثياب أحسن (2) الوجه فقال: بَشِّر الكنازين برضيف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نقض كتفيه، ويوضع على نقض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه ويقال له: ذق كنزك فتكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم، قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، ثم أدبر فاتبعته حتى بلغ إلى سارية. فقلت: هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً. فإذا هو أبو ذر رحمه الله. وأولى الأقاويل بالصواب إن شاء الله القول الأول لأن الوعيد وارد في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال يدل عليه ما روي عن النبي الله و أنه قال: من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه ومن زاد فهو خير له». وقال: «نعماً بالمال الصالح للرجل الصالح». وقد اختلف العلماء في حكم الآية وفيمن نزلت فروي عن ابن عمر أنه قال: إنما كان
هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله تعالى طهارة للأموال.
وعن ابن عباس رحمه الله أنه قال: لما نزلت {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ [9/ب] وَالْفِضَّة ... (3) الآية. / كَبُر ذلك على المسلمين فقالوا: ما ندع لأولادنا؟ قال عمر: أنا أفرج عنكم. فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما تبقى من أموالكم وإنما فرض المواريث في أموال من يبقى بعدكم». ثم قال: «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته، واذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته.
وقال بعض الصحابة: هي في أهل الكتاب وفي المسلمين من كسب مالاً حلالاً فلم يعط الله منه كان كنز وإن قل كان على وجه الأرض أو في بطنها وما أعطى حق الله منه لم يكن كنز ولو كان كثيراً مدفوناً في الأرض.
حق
وعن أبي ذر رحمه الله تعالى قال: اختلفت أنا ومعاوية بالشام. فقال معاوية: نزلت في
أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم.
وقال بعضهم: نزلت في مانع الزكاة خاصة، وهو أولى الأقاويل لما روي عن أبي هريرة
(1) كذا بالأصل.
(2) كذا بالأصل.
(3) سورة التوبة الآية: 34. (2/8)
صفحة 465
قنطرة الزكاة
?
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب کنز لا يؤدي زكاته إلا حمى عليه في نار جهنم فتجعل صفائح فيكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يَوْمٍ كَانِ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعدُّونَ وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر أوفر ما كانت تسير عليه كلما مضت عليه آخرها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت [تسير] فتطأه بأظلافها وتنطحه / بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضت عليه [1/ 10] آخراها ردت عليه أولاها حتى يقضي الله تعالى بين خلقه في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ، قال الراوي: فلا أدري أذكر البقر أم لا (1).
وعنه أنه كان يقول: من ترك بعده مالاً ولم يزكه مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يتبعه يقول له: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلتقم يده فيقضمها، ثم يلتمس سائر جسده (2) والله تعالى أعلم.
الباب الثاني
في أنواع الزكاة وأسباب الوجوب
اعلم أن الزكاة باعتبار متعلقاتها ستة أنواع زكاة النعم والنقدين والتجارة، وزكاة الركاز والمعادن وزكاة المعشرات وزكاة الفطر.
أطفالاً،
النوع الأول: زكاة النعم: اعلم أن الزكاة لا تجب إلا على الموحدين بلغاء كانوا أو، عقلاء أو مجانين لقول النبي عليه السلام: أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في
فقرائكم.
فعم بالكاف والميم جميع أغنياء المسلمين، ولا تؤخذ من أغنياء المشركين كما لا تدفع إلى فقرائهم، لأن الزكاة لا تطهرهم ما داموا على شركهم وإنما تؤخذ من المسلمين الذين تكون الزكاة طهارة لهم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهَّرَهُمْ. (3) الآية. وهذا
شرط من عليه الزكاة.
(1) ذكر البيهقي نحوه في السنن الكبرى كتاب الزكاة، باب ما ورد من الوعيد فيمن كنز مال زكاة ولم يؤد
زكاته (81/ 4). (2) راجع المصدر السابق. سورة التوبة الآية: 103.
(3) (2/9)
صفحة 466
[11/ب]
10
الكمان.
قنطرة الزكاة
وأما المال فشروطه أربعة وهي أن يكون المال نعماً باقياً حولاً ونصاباً كاملاً مملوكاً على
الأول كونه نعماً: فلا زكاة إلا في الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. وأما: الخيل والبغال / والحمير والمتولد من الظباء بالغنم فلا زكاة فيها، واختلف في السوم هل هو شرط في الزكاة أو لا؟ فقال قوم: لا زكاة إلا في السائمة دون المعلوفة، وقال قوم: بل هي في الجميع.
الثاني الحول: لقول النبي عليه السلام: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1). هذا ويستثنى من إنتاج المال فإنه ينسحب عليها حكم المال فتجب الزكاة فيها بحلول الأصول ومهما (2) باع المال قبل حلول الحول أو وهبه انقطع الحول. الثالث كمال الملك والتصرف فتجب الزكاة في الماشية المرهونة لأنه هو الذي حجر على نفسه فيها التصرف، ولا تجب في المال الضال والمغصوب إلا إذا عاد إليه فتجب زكاة ما مضى عوده والله تعالى أعلم.
الرابع كمال النصاب: أما الإبل فلا شيء فيها حتى تبلغ خمساً ففيها جذعة. من الضان: وهي التي تكون في السنة الثانية أو ثنية من المعز؛ وهي التي تكون في السنة الثالثة، وفي عشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع، وفي خمس وعشرين بنت مخاض من الإبل؛ وهي الداخلة في السنة الثانية فإن لم تكن في المال فابن لبون ذكر؛ وهو الداخل في السنة الثالثة يدفعه في الزكاة وإن كان قادراً على شراء بنت، مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، ثم إذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة؛ وهي التي في السنة الرابعة، ثم في إحدى وستين جذعة؛ وهي التي في السنة الخامسة ثم في تمام ست وسبعين بنتا، لبون، ثم في إحدى وتسعين حقتان، فإذا صارت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون فإذا صارت مائة وثلاثين فقد
[12/ب] | استقر الحساب ففي كل خمسين حقة وفي كل / أربعين بنت لبون والله تعالى أعلم. وأما البقر فهي عند أصحابنا كالإبل حذو النعل بالنعل في الأربع والعشرين من البقر وما دونها في كل خمس شاة من المعز، وفي خمس وعشرين حولية نظيرة بنت مخاض، والثنية من
(1) رواه أبو داود من حديث علي بإسناد جيد وابن ماجه من حديث عائشة بإسناد ضعيف (العراقي في المغني 210/ 1). (2) كذا في الأصل وفي الإحياء، وأرى أن الأولى أن يقول: فإن باع المال. (2/10)
صفحة 467
قنطرة الزكاة
11
البقر مكان بنت لبون من الإبل والرباعية مكان الحقة والسدسة من البقر مكان الجذعة من الإبل فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل خمسين رباعية وفي كل أربعين ثنية. هذا عند أصحابنا في البقر وإما غيرهم من أهل الخلاف فلا شيء في البقر حتى تبلغ ثلاثين، ثم فيها تبيع؛ وهو الذي في السنة الثالثة ثم في أربعين مسنة؛ وهي التي بعد السنة الثالثة ثم في الستين تبيعان واستقر الحساب عندهم بعد ذلك ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع والله تعالى أعلم. وأما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان حتى تبلغ إحدى ومائتين ففيها ثلاثة شياه، إلى أربع مائة ففيها أربع شياه، ثم استقر الحساب في كل مائة شاة.
وصدقة الخليطين كصدقة المالك الواحد في النصاب فإذا كان بين رجلين أربعين من الغنم ففيها شاة وإن كان بين ثلاثة نفر مائة وعشرون شاة ففيها شاة واحدة على جميعهم حتى تكمل إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان على قدر حصصهم، وكذلك غير الغنم من الإبل والبقر يستتم الشريك فيها بنصيب شريكه في الأصل والنصاب ويحمل الضان على المعز والبقر على الجواميس والإبل على البخت.
وتؤخذ الزكاة من أوسط المال ويتم بالسخال والعجلان والفصلان ولا يؤخذ منهم، ولا تؤخذ مريضة ولا هرمة ولا ذات عوار / ولا تؤخذ كرائم الأموال ولا الأكولة؛ وهي [1/ 13] المعلوفة، ولا المخاض؛ وهي الحامل، ولا الربى؛ وهي التي تربي ولدها، ولا غراء المال؛ وهو الرديء السيء الغراء منه، بل تؤخذ من الكرائم كريمة ومن الليام ليمة والله تعالى
أعلم (1).
النوع الثاني: زكاة المعشرات فيجب العشر في البر والشعير والذرة والسلت والتمر والزبيب إذا كان مما سقته السماء والعيون وإن كان مما سقي بالدوالي والنواضح فنصف، العشر، وتجب الزكاة فيها بالإدراك وكمال النصاب فهو كمال خمسة أو ساق، وهي ثلاثة مائة صاع بصاع النبي، ويعتبر أن تكون الأوسق تمراً أو زبيباً أو حباً يابساً لا رطباً ولا عنباً ولا فريكاً، فإن نقصت. عن الثلاثمائة فليس فيها زكاة ويحمل البر على الشعير والسلت وهو جنس
من الشعير وتؤخذ الزكاة من الجملة.
(1) راجع الإحياء للغزالي فقد ذكر نحوه فيه (210/ 1، 211). (2/11)
صفحة 468
[14/ب]
12
قنطرة الزكاة
ويستم
وأما التمر والزبيب والذرة: فتخرج من كل واحد على حدة لأنها أجناس مختلفة الشريك في جميع الحبوب والثمار بنصيب شريكه وتؤخذ الزكاة من كل واحد على قدر حصته بعد اليبوسة والتنقية لا رطباً ولا عنباً إلا إن حلت بالأشجار آفة وكانت المصلحة في قطعها قبل تمام الإدراك فقد أجاز بعض العلماء أن تؤخذ الزكاة من الرطب فتكال تسعة للمالك وواحد للفقير. قال: ولا يمنع من هذه القسمة قولهم: إن القسمة بيع بل يرخص في مثل هذه للحاجة، ووقت الأداء بعد الجفاف والله أعلم (1)
:
•
النوع الثالث: زكاة النقدين وهما الذهب والفضة فتجب الزكاة في الذهب / المسكك إذا تم عشرون ديناراً خالصاً في ملك إنسان واحد وحال عليها الحول، وكذلك غير المسكك من التبر وغيره ـ أعني المصوغ حليباً ـ تجب الزكاة فيه بتمام عشرين مثقالاً ذهباً خالصاً فيخرج من العشرين ديناراً نصب دينار ومن العشرين مثقالاً نصف مثقال، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربع دنانير أو أربع مثاقيل، ثم فيها عشر دينار أو عشر مثقال.
مكة
وأما الفضة: فإذا تم الحول على مائتي درهم أوزنها بالوزن الشرعي؛ ويقال أنه وزن وهي نقرة خالصة ففيها خمسة دراهم وهي ربع العشر وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وإن نقص من نصاب الذهب أو الفضة حبة فلا زكاة، وتجب على من معه دراهم مغشوشة إذا كان فيها مقدار النصاب من النقرة الخالصة ويضم الذهب إلى الفضة وتخرج الزكاة منها، ولا يستم الشريك فيها بنصيب شريكه بل حتى يتم النصاب في حصته وتجب في الحلى ومراكب الذهب وأواني الفضة إذا تم فيه النصاب.
وتجب في الدين الذي هو على ملئ إذا كان حالاً وإن كان مؤجلاً فحتى يحل، ويسقط المزكى ما عليه من دين الذهب أو الفضة خاصة عند إخراج الزكاة منهما خاصة دون ما سواهما من أنواع الزكاة.
والدرهم قيراطان، والقيراط: ثلاثون حبة، هذا في كتب أصحابنا، وقد وجدت في أثار قومنا أن الدينار الشرعي فيه اثنتان وسبعون حبة من حب الشعير، وأن الدرهم الشرعي [15/ب] / فيه من حب الشعير خمسون حبة وخمساً حبة والله تعالى أعلم)
(2)
النوع الرابع: زكاة التجارة وهي زكاة الذهب والفضة وإنما ينعقد الحول من وقت ملكه
(1) راجع المصدر السابق (211/ 1). (2) نفس المصدر. (2/12)
صفحة 469
13
قنطرة الزكاة للنقد الذي به اشترى البضاعة إن كان النقد نصاباً وإن كان ناقصاً فتقوم البضاعة عند رأس الحول فإن كان في قيمتها مقدار النصاب أخرجت الزكاة منه، وإلا فلا ويقوم التاجر كل ما معه من الأمتعة والعروض والحب وغير ذلك من جميع ما أشترى للتجارة قيمة وسطاً، وقيل تقوم بسعر البلد، فإن كان ما اشترى به نقداً وكان نصاباً كاملاً، فلتقوم البضاعة المشتراة، فإن ازدات القيمة على النصاب أخرج زكاة القيمة، وإن نقصت على النصاب فليخرج زكاة النصاب المجعول فيها، ومن نوى التجارة في مال قنية، فلا ينعقد الحول بمجرد نيته حتى يشتري به شيئاً، ومهما قطع نية التجارة قبل تمام الحول فليؤد زكاة تلك السنة، وما كان من ربح في السلعة في آخر الحول وجبت الزكاة فيها بحول رأس المال، ولم يستأنف له حول كما في النتاج، وأموال الصيارفة لا ينقطع حولها بالمبادلة الجارية بينهما كسائر التجارات وزكاة ربح مال القراض على العامل وإن كان قبل القسمة إذا تم النصاب في حصة والله تعالى أعلم (1).
النوع الخامس: في الركاز والمعادن فالركاز دفين، الجاهلية وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيه الخمس، ويجوز أخذه في كل زمان وسبيله سبيل الغنيمة، فكل من لا يأخذ الغنيمة فلا يجوز له أخذه / كالمشرك، والمرأة والعبد والطفل، ولا يجوز أخذه إلا بعلامة تبين أنه للمشركين [1/ 16]
كالصليب، والتمثال ونحوه، وإن وجد فيه علامة أهل التوحيد أو لم يوجد فيه علامة أصلاً فلا يأخذه، وإن وجد كنزاً جاهلياً أخرج خمسه ودفعه إلى الإمام وإن لم يكن الإمام فليدفعه لمن تدفع له الزكاة من الفقراء الأولياء.
وأما معادن الذهب والفضة فعلى من أخرج منها شيئاً زكاته، وقد قيل في المعادن
(2)
الخمس والله أعلم (2). النوع السادس: في صدقة الفطر: وهي فضيلة عند أصحابنا من أهل الجبل دون غيرهم من أهل المشرق وقد ثبت أن النبي عليه السلام فرض زكاة الفطر على كل نفس من المسلمين: صاع من تمر أو صاع من شعير، حراً كان أو عبداً ذكراً أو أنثى. فظاهر هذا الخبر يقتضي الوجوب.
وثبت عنه أيضاً في حديث الأعرابي المشهور وذكر الزكاة فقال هل [علي] (3) غيرها؟ فقال: «لا إلا أن تطوع». فذهب من قال أنها فرض إلى أنها داخلة تحت الزكاة، وذهب الغير
(1)
المصدر السابق.
(2) ذكر الغزالي في كتابه الإحياء شيئاً على هذا النحو والمعنى فراجعه (212/ 1).
(3)
ما بين المعقوفين سقط من الأصل. (2/13)
صفحة 470
14
قنطرة الزكاة
إلى أنها غير داخلة - والله تعالى أعلم - وهي صاع بصاع النبي عليه الصلاة والسلام وهي زكاة الأبدان يخرجها المرء عن من يمونه (1) من أولاده الأطفال، ومماليكه، وزوجته، ولا تلزم من يتحمل من أجلها ديناً، ولكن يعطها من عنده فضل عن قوته هو وجميع من تلزمه نفقته يوم الفطر وليلته ويخرجها من جنس قوته أو من أفضل منه، فإن اقتات من الحنطة فلا يخرج من الشعير، وإن اقتات من حبوب مختلفة فليخرج من إيها أحب، ولا يخرج فطرة نفس [17/ب] واحدة / من جنسين، وإن كان يقتات من الثمار أو اللحوم أو البقول أو الألبان فليخرج منها
صاعاً.
وأفضل أوقاتها قبل صلاة العيد يوم الفطر وإن لم يخرجها في ذلك فهي فطرة إلى يوم الأضحى، ويخرجها عن جميع من زاد عنه من عياله ما لم تطلع الشمس يوم الفطر فليس عليه منه شيء، وكل من جازه من أولاده البلغ لا يجب عليه إخراجها عنه، وكذلك المغضوب أو الأبق من عبيده إذا لم يرجع ولم يُرج رجوعه، وقيل في المغصوب أنه يؤدي عنه إذا طمع في رجوعه إليه، وعبيد التجارة ليس عليه من فطرتهم شيء، وكذلك الزوجات ما لم يخليهن، ويخرج فطرة العبد المشترك كل من اشترك فيه على حصصهم، وإن تبرعت الزوجة بالإخراج على نفسها أجزأ ذلك زوجها، وللزوج الإخراج عنها دون إذنها، وإن كان عنده ما يؤدي عن بعض عياله دون بعض فليقدم في الإخراج من كانت نفقته عليه آكد.
ويقال: إن النبي عليه السلام قدم نفقة الولد على نفقة الزوجة، ونفقتها على نفقة الخادم، والله تعالى أعلم. فهذا المقدار من المسائل الفقهية لا بد للمسترشد من معرفتها وقد تعرض له نوازل خارجة عن هذا المقدار فليستفت عنها من يثق بعلمه وورعه من العلماء عند نزولها والله تعالى أعلم (2).
الباب الثالث
في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة
اعلم أنه يجب على مؤدي الزكاة مراعاة عشر وظائف:
الأولى: اعتقاد النية؛ وهو أن ينوي عند الدفع إخراج زكاة الفريضة طاعة الله ولرسوله
(1) في إحياء علوم الدين: «يقوته».
(2) أورد نحو هذا الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (212/ 1). (2/14)
صفحة 471
قنطرة الزكاة
عليه السلام، وليس عليه تعيين الأموال في قول بعضهم / فإن كان له مال غائب فقال: هذا عن ا مالي الغائب إن كان سالماً وإلا فهو نافلة، فقد قيل: أنه جائز لأنه لم يصرح به، فكذلك يكون عند اطلاقه، ونية الوليّ والخليفة تقوم مقام نية المجنون والصبي في إخراج زكاتهما، وإذا وكل بأداء الزكاة ونوى عند التوكيل فقد أجزأه وقد أجاز بعضهم أن وكل وكيله بعقد النية فأقام توكيله بالنية مقام نيته والله أعلم.
،
وقد وجدت في كتاب تنسب فيه المسائل إلى أبي عبيدة مسلم رحمه الله تعالى ذكر فيه فقال: وإذا حضر إخراج زكاة مالك من الذهب والفضة أو التجارة أو الحرث أو الماشية فاركع ركعتين وقل: اللهم قني شح نفسي واجعلني من المفلحين تردد هذا مرات، وأخرج أطيب مالك وأجوده، فإن الرب أحق بأطيب مال العبد، قال: وإذا أردت تفريقها بنفسك فقل: اللهم إنك فرضت الزكاة وأمرت بأدائها، وجعلتها مقرونة بالصلاة، اللهم ارزقني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن أضعها مواضعها وسددني وأرشدني وأهدني وسلمني من كل جبار فاسق وماكر مخادع وأهد قلبي وبدني لمواضعها كما ألهمتني إخراجها، اللهم إن أصبت مواضعها تقبل مني وبارك لي فيه واجعله لي طهارة وزكاة ووسيلة اللهم وإن أخطأت مواضعها فلا تمتني حتى ترزقني اخراجها وأن أضعها مواضعها إنك علام الغيوب، فإني لم أتعمد (1) خلافك ولا خلاف رسولك، فأرشدني ووفقني ولا تذرني في عماي ولا تسلمني إلى هوى ولا تزين
ذلك
(2)
(1/ 18]
لي ضلالة، ولا تعمني عن الهدى وارزقني ما يرضيك كما رزقتني ما يرضيني من سعة فضلك / فإن ذلك من عطائك وفضلك ورزقك فبارك لي في عطائك وبارك لي في فضلك [1/ 19] وبارك لي فيما أعطيتني واجعلني لأنعمك من الشاكرين.
الثانية: المبادرة إلى إخراجها في أول وقت الإمكان قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (3). يعني إلى العمل الذي تستوجبون به الغفران ومن أخر زكاة ماله مع التمكن فقد عصى، وقيل: من فرط فيها مع التمكن حتى يدخل حول في حول أنه هالك، وقيل: لا يهلك ما لم يمت مضيعاً لها، وأما إن تلف ماله بعد التمكن ومصادفة المستحق فلا تسقط
عنه الزكاة.
وفي أثر أصحابنا: إذا عرف مقدار كيل ماله لزمته الزكاة تلف ماله أو لم يتلف، والأول
(1) في الأصل: «اعتمد» وهو تحريف. (2) في الأصل: «على» وما أثبته أنسب للسياق.
(3) سورة آل عمران الآية: 133. (2/15)
صفحة 472
[20/ب]
16
قنطرة الزكاة
عندي أحسن وهو لا تلزمه إلا بالتفريط في إخراجها مع وجود مستحقها، ويجوز تعجيل الزكاة عن وقتها بشرط أن تقع بعد كمال النصاب وانعقاد الحول، أعني يعجل زكاة عامين في عام، ثم إن عجل فمات المسكين قبل تمام الحول أو ارتد أو صار غنياً أو تلف مال المالك أو مات فالمدفوع إلى المسكين ليس بزكاة واسترجاعه غير ممكن إلا إذا قيد الدفع بالاسترجاع فإنه ينبغي أن يدركها عليه والله أعلم)
(1)
•
الثالثة: أن يقصد بها أهل الولاية الأتقياء المعرضين عن الدنيا وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا تأكل إلا طعام تقي، ولا يأكل طعامك إلا تقي (2). وهذا لأن التقي يستعين بها على التقوى فتكون شريكاً له في طاعته بإعانتك إياه، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم الصالحين (3) وفي لفظ آخر: «أضف بطعامك من تحبه في الله (4).
الله سبحانه
وفي كتاب الغزالي قال: وكان بعض العلماء يؤثر / بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم، فقيل له: لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل، فقال: هؤلاء قوم هممهم وتعالى، فإذا طرقتهم فاقة تشتت هم أحدهم فلأن أردّ همة واحد منهم إلى الله تعالى أحب إليّ من أن أعطي ألفاً ممن همته إلى الدنيا، قال: فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه، وقال: هذا ولي من أولياء الله تعالى
(0)
وقال بعض العلماء: لا تعطي الزكاة إلا لمتولي ولا تؤخذ إلا من متولي، ولا يجوز أن تعطي لخمسة: مشرك، ومنافقة، وعبد، وغني، ومن تلزمه نفقته من الوالدين، وولد غير بالغ، وزوجة وأشباههم) فهؤلاء لا تعطى لهم الزكاة والله تعالى أعلم.
(1)
الرابعة: أن تعطيها لوجه خالصاً لا لرياء ولا طمعاً من مخلوق وقال الله تعالى: {الَّذِينَ
(1) نحو هذا القول في إحياء علوم الدين للغزالي (212/ 1، 213). (2) رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ: لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي». قاله العراقي في المغني (219/ 1).
(3) رواه ابن المبارك في البر والصلة من حديث أبي سعيد الخضري قال ابن طاهر غريب فيه مجهول (قاله العراقي في المصدر السابق).
(4) رواه ابن المبارك، أنبأنا جويبر عن الضحاك مرسلاً [قاله العراقي في المغني (229/ 1)].
(0) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (219/ 1، 220).
(6) عد سبعة وذكر في مقدم كلامه أنهم خمسة. (2/16)
صفحة 473
قنطرة الزكاة
17
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِيَاءَ النَّاسِ) (1). ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب .... (2) الآية.
(2)
أعني أن الناس يرون في الظاهر للمرائي عملاً كما يرى التراب على هذا الصفوان فإذا كان يقوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه لم يكن الله كما ذهب الوابل، وهو المطر الغزير ما كان على الصفوان؛ وهو الحجر الصلب الأملس من التراب فتركه صلداً أي أجرد لا شيء عليه. قالوا: [و] (3) جب على الإنسان أن يخلص عمله الله تعالى وإلا بطل قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاكم (4) الآية. ويقال: نزلت فيمن يتصدق بصدقة يلتمس
الأجر والثناء.
الخامسة: أن ينقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأطيبه في نفسه فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيْتَ مِنْهُ تَنفِقُونَ (5).
يعني لا تقصدوا إلى الرديء من أموالكم فتنفقوا منه ولو / أهدى إليكم ما قبلتوه إلا مع [1/ 21]
كراهية وحياة.
وفي الحديث: الاسبق درهم مائة ألف درهم (6). وذلك بأن يخرجه الإنسان من أطيب ماله راضياً فرحاً بإعطائه الله تعالى فيكون ذلك الدرهم أفضل من مائة ألف مع كراهية أو عدم إخلاص، قال الله تعالى مخبراً عن المنافقين: ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا
وَهُمْ كَارِهُونَ) (7).
ولذلك ذم الله أقواماً جعلوا الله ما يكرهون قال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (8). أي كسب لهم جعلهم الله ما يكرهون النار لأن الله تعالى جعل أهل السهام شركاء رب المال في ماله فكيف يمسك
(1) سورة النساء الآية: 38.
(2)
سورة البقرة الآية: 264.
(3) ما بين المعقوفين سقط سهواً من الناسخ.
(4) سورة الكهف الآية: 110.
(5) سورة البقرة الآية: 267.
(6) رواه النسائي وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة (المغني 219/ 1).
(7) سورة التوبة الآية: 54.
(8) سورة النحل الآية: 62.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 2 (2/17)
صفحة 474
18
قنطرة الزكاة
الجيد ولهم فيه حق ويعطي الرديء. وأما إن كان المال كله رديئاً فلا بأس بإعطاء الرديء إلا أن
يتطوع.
وأيضاً فإن إمساك الجيد وإخراج الرديء الله تعالى من سوء الأدب لأنه إن أمسك الجيد لنفسه ولأهله أو لعبده فقد آثر غير الله ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردئ طعامه لأوغر صدره، هذا إن كان نظره الله تعالى لا يريد منه عوضاً لنفسه وأما إن كان نظره لنفسه وثواب الله تعالى في الآخرة فليس بعاقل يؤثر غيره على نفسه وليس له من مال إلا ما تصدق فأمضى أو أكل فأفنى والذي يأكله قضاء حاجته في الحلال وليس من العقل صور النظر على العاجلة وترك الإدخار لما يقوم عليه في الآخرة.
السادسة: أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من المهلكات؛ وهو [22/ بمحبط للأعمال / قال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتُكُمْ كَثْرَتُكُمْ)
(1).
ويقال: إن الطاعة كلما استصغرت كبرت عند الله والمعصية كلما استكبرت صغرت
عند الله تعالى. ويقال: لا يتم المعروف إلا بثلاثة تصغيره، وتعجيله وستره، فالعجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل.
(2)
أما العلم: فهو أن تعلم أن العُشر وربع العشر قليل من كثير، وأن الله تعالى قد قنع من عبده بأحسن درجات العطاء والعبد جدير أن يستحيي من ذلك فكيف يستعظمه، وإن ارتقى في الدرجة العلياء في إعطاء ماله كله أو أكثره (3) الله تعالى وله المنة عليه إذا أعطاه ووفقه لبذله فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو من قبله (4) عز وجل وإن كان أعطاه الله تعالى ورجاء ثواب الآخرة فكيف يستعظم إعطاء ما ينتظر عليه أضعافه عند الله تعالى كما قال: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفُهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما) (5).
(4)
وأما العمل: فهو أن يعطيه عطاء الخَجِل المستحيي من البخل بإمساك بقية ماله
(1) سورة التوبة الآية: 25.
(2) في الأصل ودواءه وهو لحن والتصويب من إحياء علوم الدين (218/ 1).
(3) في الأصل أكثر. وأحسب أن الهاء سقطت من الناسخ. (4) في الأصل: قلبه وأحسب أن الناسخ قد قلب حروف الكلمة سهواً. (5) سورة النساء الآية: 40.
الله
عن (2/18)
صفحة 475
19
قنطرة الزكاة عز وجل فتكون هيئة الانكسار والحياء كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض لأن المال كله لله تعالى وبذل جميعه وهو الأحب عند الله تعالى: {إِنْ يَسْأَلُكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
تَبْخَلُوا) (1).
السابعة: ألا يفسد صدقة بالمن والأذى قال الله تعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنْ
(2)
وَالأَذَى) (2).
واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل: المنّ أن يذكرها والأذى أن يظهرها. وقال بعض السلف: من من / فسدت صدقته، فقيل: كيف المن؟ فقال: أن تذكرها [1/ 23] ويتحدث بها، وقيل: المن: أن تستخدمه بالعطاء، والأذى: أن تعيره بالفقر.
وقيل: المن: أن يتكبر عليه من أجل اعطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة،
وقد قال عليه السلام: «لا يقبل الله صدقة منان (3). وفي كتاب الغزالي قال: وعندي أن المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته، ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يري نفسه محسناً إليه ومنعماً عليه وإنما حقه أن يرى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله تعالى منه الذي هو طهارته ونجاته من النار وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهناً به، فحقه أن يتقلد منة من الفقير إذ جعل كفه نائباً عن الله عز وجل في قبض حقه إذ قال النبي عليه السلام: «أن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل (4).
فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته مسلماً إلى الله تعالى، ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت متته سفها وجهلاً، فإن المحسن إليه المتكفل برزقه، وأما هو فإنما يقضي الدين الذي لزمه لاستبراء ذمته، فهو ساع في حق نفسه فلم يمن به
على غيره.
(1) سورة محمد الآية: 37، وراجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين (218/ 1، 219). (2) سورة البقرة الآية: 264. (3) طرفه عند الزبيري في إتحاف السادة المقتين (123/ 4 (119) وقال العراقي في المغني (217/ 1) لم
أجده.
(4) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (217/ 1) رواه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عباس وقال غريب من حديث عكرمة عنه ورواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف. (2/19)
صفحة 476
20
قنطرة الزكاة
نفسه
ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة وأخذها لم ير محسناً إلا إلى نفسه وإما يبذل ماله إظهاراً لحب الله تعالى أو تطهيراً لنفسه عن رذيلة البخل، وشكراً على نعمة المال طلباً للمزيد فكيف ما كان؟ فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه [24/ب] محسناً إليه، ومهما جعل هذا فرأى في نفسه / أنه محسن للفقير تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المن وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة (1) والتوقير والقيام بالحقوق والتقديم له في المجالس والمتابعة في الأمور فهذه كلها ثمرات المنة، ومعنى المنّة في الباطن ما ذكرناه (2).
وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتعطيب (3) الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستحقار وباطنه وهو منبعه أمران:
محالة.
أحدهما: كراهية لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه، فإن ذلك يضيق الخلق لا
والثاني: رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير بسبب حاجته أخس (4) رتبة منه، وكلاهما منشأة الجهل، أما كراهية تسليم المال فهو حمق؛ لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوي ألفاً فهو شديد الحمق، ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله تعالى، وللثواب في دار الآخرة، وذلك أشرف من بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكراً لطلب المزيد، وكيف ما كان بالكراهية لا وجه لها.
(0)
وأما الثاني: فهو أيضاً جهل لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى، وعرف خطر الأغنياء لما استحقر) الفقير، بل ينزل أو يتمنى درجته إذ في الحديث: إن صلحا الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، ولذلك قال عليه السلام: هم الأخسرون ورب الكعبة (1).
(1) في الأصل: الحرمة والتصويب من إحياء علوم الدين (217/ 1). (2) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين للغزالي (217/ 1). (3) في الأصل: تغضيب. والتصويب من المرجع السابق. (4) في الأصل أخسر والتصويب من المصدر السابق. (5) في الأصل استخس والتصويب من الإحياء (218/ 1). (6) أطرافه عند البخاري في الصحيح (162/ 8) ومسلم في الصحيح (الزكاة (30)، والترمذي في الصحيح (617)، والنسائي في المجتبى (10/ 5)، أحمد في المسند (152/ 5، 158)، والبيهقي في السنن
الكبرى (97/ 4)، (27/ 10). (2/20)
صفحة 477
قنطرة الزكاة
21
(1)
فقال أبو ذر ومن هم؟ قال: الأكثرون أموالاً) الحديث. ثم قال: كيف يستحقر (1
الفقير وقد جعله الله تعالى متجراً (2) له إذ يكتسب المال بجهده ويستكثر منه ويجتهد في حفظه لمقدار الحاجة، وقد ألزم أن يسلم للفقير قدر / حاجته، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو [1/ 25]
سلمه إليه، فالغني مسخر للسعي في رزق الفقير، ويتميز عنه بتقلد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضالات إلى أن. يموت فيأكله أعداؤه فإذن مهما انتفت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له في أداء واجب الحق عليه وتقييضه الفقير له حتى تحمل عنه عهدته وصار غسالاً له من الذنوب لقبوله منه انتفاء الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه، وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة، فهذا منشأ المنّ والأذى، فإن قيل: فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسناً.
فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة، وهو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية هل كان يزيد استنكاره، واستبعاده له على ما كان قبل التصدق عليه فإن زاد فإن صدقته لم تخل عن شائبة المنّة، لأنه توقع بسببها ما لم يكن يتوقعه قبل ذلك، والله أعلم.
وظاهراً:
فإن قيل: فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه فما دواءه. فاعلم أن له دواء باطناً
أما الباطن: فالمعرفة فيها بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب، وهي المعاني المتقدمة فيعلم بها أن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره من الذنوب بالقبول منه.
وأما الظاهر: فالأعمال التي يتعاطاها مقلد المنة، منها ما روي:: أن بعضهم كان يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائماً بين يديه يسأله قبولها منه حتى يكون هو في صورة السائلين، وهو يستشعر مع ذلك كراهية لورودها / عليه.
ومنها ما روي عن بعضهم أنه كان يبسط كفه ليأخذ الفقير منها فتكون يد الفقير هي
العليا، ويد المعطي هي السفلى. ومنها ما روي أن عائشة وأم سلمة
رضي
الله عنهما إذا أرسلتا معروفاً إلى فقير قالتا
للرسول: احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى تخلص
لنا صدقتنا.
(1) في الأصل: يستخس. والتصويب من الإحياء.
(2) في الأصل يسخر، وفي الإحياء متجره، والتعديل لتقريب العبارة مع السياق.
:
[1/ 26] (2/21)
صفحة 478
22
قنطرة الزكاة
فكانوا لا يتوقفون الدعاء منه؛ لأنه شبه المكافأة فكانوا يقابلون الدعاء بمثله، وهكذا فعل
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله فيما بلغنا فهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم، ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة. ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل، وذلك من حيث العلم، ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل، وهذه الشريطة من الزكاة تجري مجرى الخشوع الصلاة، وثبت ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صدقة منان» (1). وبقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنْ وَالأَذَى (2). وإنما فتوى الفقيه بوقوعها
من
موقعها وبراءة ذمته منها دون هذا الشرط والله أعلم (3).
(Y),
الثامنة: أن يظهر الصدقة حيث يعلم أن الاظهار ترغيباً للناس في الاقتداء ويحرس سره
عن داعية الرياء فقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ. أي تظهروها.
نَنِعِمَّا هِي أي نعمت الخصلة. {وَإِنْ تُخْفُوهَا أي تسروها {وَتُؤْتُوهَا أي تعطوها الْفُقَرَاءَ في السر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (4) وأفضل، وكلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقة، ولكن [27/ب] صدقة السر أفضل، وفي التفسير قال أهل المعاني: هذه / الآية في صدقة التطوع لإجماع العلماء أن الزكاة المفروضة إعلانها أفضل، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل من إفرادها، وكذلك سائر الفرائض لمعنيين أحدهما ليقتدي به الناس والثاني لئلا يسو به الظن، ولا رياء في
الفرض.
وأما النوافل والفضائل فاخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات، فهكذا ينبغي لصاحب الزكاة أن يبديها حيث يقتضي الحال الإبداء للاقتداء ولازالت التهمة، وكذلك إذا سأل السائل على ملأ من الناس فلا ينبغي له أن يترك الصدقة خوفاً من الرياء في الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في الإظهار محذوراً (5).
(1) طرفه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (123/ 4، (119) وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (217/ 1) لم أجده.
(2) سورة البقرة الآية: 264.
(3) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين للغزالي (217/ 1 (218)، فهو فيه بنصه إلا تغيير يسير جداً في
بعض الأحرف.
(4) سورة البقرة الآية: 71.
(0) ذكر نحوه الغزالي في الإحياء مختصراً (216/ 1، 217). (2/22)
صفحة 479
قنطرة الزكاة
23
ثالثاً: سوى المن والرياء وهو هتك سر الفقير، فإنه ربما يتأذى أن يُرى في صورة المحتاج، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر فيه هذا المعنى في إظهاره بالصدقة عليه، وهذا كظاهر الفسق على من تستر به وتاب منه لأن إشاعة الفسق عنه، وإظهاره حرام محظور والتجسس فيه والاغتياب بذكره منهي عنه.
فأما من أظهره بنفسه فإقامة الحدّ عليه إشاعة ولكن هو السبب فيها ولمثل هذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (1).
من
(2)
وقد قال الله تعالى: {وَانفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةٌ (2). ندب إلى العلانية لما فيه فائدة الترغيب فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيها (3) من الرياء وحب الشهرة والسمعة؛ لأنه مهما كانت الشهرة مقصودة حبط عمله؛ لأن الزكاة إزالة للبخل وتهوين / لحب المال في القلب فحب الشهرة لاجتلاب الجاه أشد استيلاء على النفس من [1/ 28] حب المال، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة.
وقد يقال: صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقرباً لادغاً، وصفة الرياء تنقلب أفعى من الأفاعي والإنسان مأمور بتضعيفهما من نفسه أو قتلهما بدفع أذاهما، فمهما قصد الرياء والسمعة، فكأنه جعل بعض أطراف العقرب قوة للحيّة فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية، ولو ترك الأمر كما كان عليه من البخل لكان أهون عليه وقوة هذه الصفات إنما تضعف بمجاهدتها ومخالفاتها والعمل بخلاف مقتضاها فأي فائدة في أن يخالف داعية البخل ويجيب داعية الرياء فيضعف الأذى ويقوي الأقوى (4)، وليكن متيقظاً لهذه الغوائل ومتفطناً لما في الإعلان من الفوائد فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فقد يكون الإعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل (5)، والله تعالى أعلم.
(?)
التاسعة: أن يطلب بصدقته من فقراء أهل الولاية من تزكوا به الصدقة فإن عمومهم
(1) ذكره ابن عدي في الكامل، ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في
المغني (217/ 1). (2) سورة الرعد (الآية: 22).
(3) إلى هنا في الإحياء بنصه غير هذه الكلمة فإنها في الإحياء (فيه) (217/ 1)، ثم حول الكلام بعد ذلك في نقله فنقل من وظيفة الإسرار (216/ 1).
(4) وكل ما سبق بين الإشارتين السابقة وهذه من الإحياء بنصه (216/ 1). (5) وأغلب العبارات بنصها ما بين الإشارة السابقة وهذه من الإحياء (217/ 1). (2/23)
صفحة 480
24
قنطرة الزكاة
خصوصاً فليراع خصوص تلك الصفات وهي ست:
الصفة الأولى: أن يخصص بصدقته الزهاد الأولياء المعرضين عن الدنيا، وفي كتاب الضياء قال: ومن قصد بزكاته أهل الفضل كان أفضل له، وكذلك قالوا: من أعطى زكاته ثقة ضو عفت له أربع وعشرون زكاة (1).
والثانية: أن يكون من أهل العلم أو التعامل خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم [29/ب] / والتعلم؛ لأن العلم أشرف العبادات مهما صحت النية، ولذلك قيل: من أكرم عالماً فكأنما أكرم سبعين نبياً، ومن أطعم متعلماً فكأنما أطعم سبعين شهيداً.
ويروي
أن ابن المبارك كان يخصص بمعروفه العلم فقيل له: لو عممت. فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء، وإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم،
(2)
ولم يقبل على التعلم، فتفريغهم لأهل العلم أفضل)
وعد نعمة غيره
الصفة الثالثة: أن يكون صادقاً في التقوى والعلم بحقائق التوحيد حتى أنه إذا أخذ الصدقة حمد الله تعالى وشكره ورأى النعمة منه تعالى لا من خلقه، وإن الخلق وسائط مسخرة مقهورة بتسليط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطاه وهو مقهور، لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني لا تجعل بينك وبين ا وعن تعالى منعماً، الله عليك مغرماً فالصدقة على ذي يقين أفضل وأنفع للمتصدق من ثناء غيره وشكره الذي يرى العباد لأن شكره حركة لسان يقل في الأكثر جداوة وإعانة مثل هذا المؤمن المتيقن لا يضيع، وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فقد يذم المنع ويدعو بالشر عند الإيذاء (3) فأحوالهما متفاوتة.
النعمة
من
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث معروفاً إلى بعض الفقراء، وقال للرسول: «احفظ ما يقول. فلما أخذه قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، ولا يضيع من شكره. ثم قال: اللهم [إنك] (4) لم تنس فلاناً. - يعني نفسه ـ فاجعل فلاناً لا ينساك، فاخبر
30/ ب) الرسول النبي عليه الصلاة والسلام / بذلك فسُرَّ.
(1) ذكر بعضه الغزالي في الإحياء (219/ 1).
(2) اغلب هذا القول ذكره الغزالي في الإحياء (220/ 1).
(3)
في الأصل: الأداء والتصويب من إحياء علوم الدين للغزالي (220/ 1). (4) ما بين المعقوفين من الإحياء (220/ 1). (2/24)
صفحة 481
قنطرة الزكاة
وقال: قد علمت أنه يقول ذلك (1). فانظر كيف قصر إلتفاته على الله تعالى وحده.
ويروي
أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل: «تُب» فقال: أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد، فقال: «عرف الحق لأهله (2). وقيل: لما نزلت براءة عائشة رضي الله عنها في قصة أهل الإفك، قال لها أبو بكر رضي الله عنه: قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله.
وفي لفظ آخر قالت له: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك، فقال عليه السلام: دعها يا أبا بكر (3).
فلم ينكر ذلك مع أن الوحي وصل إليها على لسانه عليه الصلاة والسلام.
ورؤية الأشياء من غير الله تعالى من أوصاف الكفار قال الله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (4). ومن لم يصف قلبه عن رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط، فكأنه لم ينفك عن الشرك الخفي سره، فليتق الله تعالى في تصفية توحيده عن كدورات الشرك
وشرائبه
(0)
(1) قال العراقي: لم أجد له أصلاً إلا في حديث ضعيف من حديث ابن عمر، روى ابن مندة في الصحابة أوله ولم يسق هذه القطعة التي أوردها المصنف، وسمى الرجل حديراً فقد روينا من طريق البيهقي: أنه وصل لحدير من أبي الدرداء شيء فقال: اللهم إنك لم تنس حديراً فاجعل حديراً لا ينساك، وقيل: إن
هذا آخر لا صحبة له يكنى أبا جريرة وقد ذكره ابن حبان في الثقات التابعين (المغني 220/ 1). (2) رواه أحمد والطبراني في الكبير من حديث الأسود بن سريع بسند ضعيف (قاله العراقي في المغني
(220/ 1
(3) وقال العراقي عنه في المصدر السابق رواه أبو داود من حديث عائشة بلفظ: فقال أبواي: قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أحمد الله لا إياكما.
وللبخاري تعليقاً فقال: أبواي قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد كما، ولكن
أحمد الله.
وله ولمسلم فقالت لي أمي قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله.
وللطبراني: فقالت: بحمد الله لا بحمد صاحبك.
وله من حديث ابن عباس فقالت لا بحمدك ولا بحمد صاحبك.
وله من حديث ابن عمر فقال أبو بكر قومي فاحتضني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا والله، لا أدنو منه ..... الحديث وفيه: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: بحمد الله لا بحمدك.
(4) سورة الزمر (الآية: 45).
(0) كل ذلك ذكره الغزالي في الإحياء (220/ 1، 221). (2/25)
صفحة 482
26
قنطرة الزكاة
الصفة الرابعة: أن يكون مستراً مخفياً حاجته لا يكثر البث والشكوى أو يكون من أهل المرؤة، وممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التجمل، قال الله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَقُفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْتَلُونَ النَّاسَ الْحَافا (1) أي لا يلحقون بالسؤال لأنهم أغنياء بأنفسهم أعزة بصبرهم.
وهكذا ينبغي أن يطلب أهل الدين ويستكشف عن بواطن أحوال أهل / الخير والتجمل عن السؤال بالصبر ليضاعف ما يدفع إليهم من المعروف أضعاف ما يصرفه إلى المهاجرين بالسؤال (2).
الصفة الخامسة: أن يكون معيلاً أو محبوساً بمرض أو سبب من الأسباب فيوجد فيه معنى قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ (3). لأنهم مقصوصوا (4) الجناح مقيدوا الأطراف، فلهذه الأسباب كان عمر رضي الله تعالى عنه فيما بلغنا يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها، وكان لا يعطي العطاء على مقدار العيلة)، وسئل عمر عن جهد البلاء فقال: كثرة العيال وقلة المال (6).
الصفة السادسة: أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة، وفي صلة الرحم من الثواب ما لا يخفى، وعن عليّ أنه قال: لأن أصل أخاً من إخواني بدرهم أحب إلي أن أتصدق بعشرين درهماً، ولأن أصله بعشرين أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم، ولأن أصله بمائة درهم أحب إلى من أن أعتق رقبة.
من
والأصدقاء والإخوان في الدين أيضاً يتقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب فليراع هذه الدقائق فهي من الصفات المطلوبة، وفي كل صفة درجات فينبغي أن يطلب أعلاها فإن وجد من جمع. هذه الصفات فهي الذخيرة الكبرى والقيمة العظمى، ومهما اجتهد في ذلك وأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، فإن أحد أجريه في الحال
(1) سورة البقرة الآية: 273.
جملة من
(2) ذكر ذلك الغزالي في الإحياء (221/ 1).
(3) سورة البقرة (الآية: (273).
(4) في الأصل: مقصوصون. والتصويب من الإحياء.
(5) قال العراقي في المغني: (221/ 1) لم أر له أصلاً، ولأبي داود من حديث عوف بن مالك: أن رسول الله لو كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه وأعطى الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظاً.
(6) كل ما سبق في هذه الصفة ذكره الغزالي في الإحياء (221/ 1). (2/26)
صفحة 483
قنطرة الزكاة
27
تطهيره نفسه عن صفة البخل وتأكيد حب الله تعالى في نفسه واجتهاده في طاعته.
إليه من
وهذه الصفات / التي تقوى في قلبه، فتشوقه إلى لقاء الله تعالى والأجر الثاني ما يعود [32/ب] فائدة دعوة | ة الآخذ وهمته، فإن قلوب الأبرار لها آثار في الحال والمآل فإن أصاب حصل الأجران، وإن أخطأ حصل الأول دون الثاني، فهذا معنى تضاعف أجر المصيب في الاجتهاد هاهنا، وفي سائر المواضع والله تعالى أعلم بالصواب (1).
العلماء.
العاشرة من الوظائف المتقدمة ألا ينقل الصدقة من بلده إلى بلد آخر استحب ذلك أكثر
ذلك روي
عن طاوس وعمر بن عبد العزيز والنخعي وأكثر فقهاء الأمصار، وإن فرقها
في غير بلده فهو جائز في قول أصحاب الرأي.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه ردّ زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام فردّها إلى
خراسان، وأجاز بعضهم نقلها عن بلده إلى ذي قرابة روي ذلك عن الحسن والنخعي. وفي أثر أصحابنا عن أبي المؤثر، وقد سئل فقيل له رأيت إن كان في البلد فقراء فساق من أهل الدعوة وفي غيره قريباً منه أهل ولاية أتدفع الزكاة إلى فساق الفقراء من أهل البلد أم تنقل إلى أهل الولاية في غير البلد؟ فقال: الذي نرى أن فقراء أهل الدعوة من أهل البلد أحق بها حتى يستغنوا ولو كانوا فساقاً ولا تدفع إلى غيرهم وهم محتاجون والله تعالى أعلم
الباب الرابع
في القابض وأسباب استحقاقه ووظائف قبضه
(2)
اعلم أنه لا يستحق الزكاة إلا حر مسلم ليس بهاشمي ولا مطلبي اتصف بصفات الأصناف الثمانية المذكورين في كتاب الله تعالى، ولا تصرف زكاة إلى كافر ولا إلى عبد / ولا [33/ب] إلى هاشمي أو مطلبي.
وأما الصبي، والمجنون فيجوز الصرف إليهما إذا قبض وليهما إذا كان أبواهما متوليين
(1) راجع الصفة بأكملها في إحياء علوم الدين للغزالي (221/ 1). (2) جاء أول الصفة العاشرة في الإحياء في كتاب الزكاة في الفصل الثاني في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة
في الشرط الرابع (213/ 1). (2/27)
صفحة 484
28
قنطرة الزكاة
عند أصحابنا، فلنذكر من الأصناف الثمانية (1)، من مست إليه الحاجة وهم: الفقراء
والمساكين.
الصنف الأول الفقراء: وفي كتاب الغزالي: الفقير: هو الذي ليس له مال ولا قدرة له
على الكسب.
قال: فإن كان معه قوت يومه وكسوة حاله فليس بفقير ولكنه مسكين.
قال: فإن قدر على الكسب بآلة فهو فقير.
قال: ولا يخرجه عن الفقر كونه معتاداً للسؤال.
قال: وإن كان متفقهاً ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فهو فقير ولا تعتبر قدرته. قال: وإن كان متعبداً يمنعه الكسب عن وظائف العبادات وأوراد الأوقات فليكتسب لأن الكسب أولى منه.
وقد روي عنه الله أنه قال: الكسب فريضة بعد الفريضة (2). وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: كسب في شبهة خير من مسألة وإن كان مكتفياً بنفقة من تجب عليه نفقته فليس بفقير (3).
الصنف الثاني المساكين والمسكين هو الذي لا يفي دخله يخرجه فقد يملك ألفا (4) درهم وهو مسكين، وقد لا يملك إلا فأساً وحبلاً وهو غني والدويرة التي يسكنها والثوب الذي يستره على قدر حاله لا يسلبه اسم المسكين.
وكذلك أثاث البيت ـ أعني ما يحتاج إليه (5) ـ وذلك ما يليق به، وكذا كتب الفقه لا
تخرجه من المسكنة.
وأمثال هذه الحاجات لا تنحصر، ولكن كل ما تسع فيه الإنسان اقتحم خطر الشبهات
[1/ 34] في أخذ ذلك من الزكاة والمتورع / يأخذ بالأحوط والله أعلم. فحق على الفقير أن يعرف قدر نعمة الله تعالى ويتحقق أن فضل الله عز وجل عليه فيما
(1) راجع الإحياء للغزالي (221/ 1، 222).
(2) طرفه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (138/ 4).
(3) راجع إحياء علوم الدين (222/ 1).
(4) في الإحياء: ألف.
(0) راجع الإحياء للغزالي (222/ 1). (2/28)
صفحة 485
قنطرة الزكاة
رواه عنه أفضل من فضله فيما أعطاه كما سيأتي إن شاء الله تعالى وليراع في أخذ الصدقة. إحداها: أن يتحقق أن ما يأخذه من الزكاة إنما أخذه. الله
?
29
من سبحانه رزقاً له وعوناً على
الطاعة حتى يمدح من أعطاه ولا يذم. من منعه ولتكن نيته فيه أن يتقوى به على طاعة الله
تعالى وليصرف الفاضل عن حاجته إلى أهله إن استغنى عنه فإن استعان به على معصية الله كان كافراً لأنعم الله تعالى مستحقاً للبعد والمقت من الله سبحانه (1).
والثانية: أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يخرج عن
| (9)
كونه واسطة ولكنه طريق لوصول نعمة الله سبحانه إليه وللطريق جزء من الشكر من حيث جعله الله تعالى طريقاً وواسطة وذلك لا ينافي في رؤية (2) النعمة من ا الله عز وجل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل (3) وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها وفاطر القدرة عليها نحو قوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ))
(1).
إلى غير ذلك، وليقل القابض في دعائه: طهر الله قلبك في قلوب الأبرار، وزكى عملك في عمل الأخيار وصلى على روحك في أرواح الشهداء، وهذا إذا كان صاحب الزكاة متولاً، وأما إذا كان غير متولاً، فليقتصر على دعاء الدنيا والله أعلم.
وقد قال عليه السلام: «من أسدى إليكم معروفاً فكافؤه، فإن لم / تستطيعوا فادعوا له [35/ب] حتى يرى أن قد كافأتموه (5).
وقال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنْ لَهُمْ (6). أي ادع لهم إن دعواتك مما تسكن إليه قلوبهم وقال عليه السلام: اللهم صل على آل أبي أوفى» لما أتاه بزكاة ماله والله
علم.
ومن تمام الشكر أن يستر عيوب المعطي إن كان في عيب ولا يحقره ولا يذمه ولا يعيره
(1) راجع المصدر السابق (223/ 1).
(2) في الأصل رواية والتصويب من المصدر السابق.
(3) رواه الترمذي في الجامع الصحيح وحسنه من حديث أبي سعيد وله ولأبي داود وابن حبان نحوه من
حديث أبي هريرة وقال حسن صحيح (المغني 224/ 1).
(4) سورة ص الآية: 44.
(5) رواه أبو داود، والنسائي (في المجتبى) من حديث ابن عمر بإسناد صحيح بلفظ: من صنع. قاله العراقي
في المغني (224/ 1).
(1)
سورة التوبة الآية: 103. (2/29)
صفحة 486
قنطرة الزكاة
بالمنع إذا منع ويفخم عند نفسه وعند غيره من الناس ضيعته فوظيفة المعطي الاستصغار لما أعطاه ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام، وكل ذلك لا تناقض فيه ـ أعني التصغير والتعظيم لشيء واحد - لأن النافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ويضره خلافه، والأخذ بالعكس وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل؛ فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل وإنما المنكر إن يرى الواسطة أصلاً والله أعلم
(1)
(0)
الثالثة: أن ينظر فيما يأخذه فإن لم (2) يكن من حله (3) تورع عنه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (4) ولن يعدم المتورع عن الحرام فتوحاً من الحلال، فلا يأخذن من أموال العرب والأجناد وعمال السلاطين ومن أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق عليه الأمر، وكان ما يسلم إليه، شبهة فله أن يأخذ بقدر الحاجة، فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به، وهذا إذا عجز عن الحلال، فإذا أخذ لم يكن أخذه أخذ زكاته إذ لا تقع زكاته عن مؤديه وهو ريبة أو حرام (6) لا يعرف له مالك معين لأن الزكاة إنما تكون من وأما الشبهة: فليتصدق بها وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه والحرام الفرض عليه فيه التوبة
الحلال.
[1/ 36] من أخذه / والرد على صاحبه أو التصدق به إن لم يعرفه والله أعلم. الرابعة: أن يتوقى مواقع الريبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه فلا يأخذ إلا المقدار المباح، ولا يأخذ إلا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق، فإن كان يأخذ بالكتابة والغرامة فلا يزيد على مقدار الدين، وإن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة المثل، فإن أعطي زيادة أبى وامتنع إذ ليس المال للمعطي حتى يتبرع به، وإن كان مسافراً لم يزد على الزاد وكراء الدابة إلى مقصده. وإن كان غازياً لم يأخذ إلا ما يحتاج للغزو خاصة من خيل، وسلاح، ونفقة، وتقدير ذلك بالاجتهاد وليس له حدّ وكذا زاد السفر.
والورع: ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإن أخذ بالمسكنة، فلينظر أولاً: إلى أثاث بيته وثيابه وكتبه هل فيها ما يستغني عنه فيمكن أن يبدل بما يكتفي به أو يفضل بعض قيمته وكل
(1) راجع إحياء علوم الدين به (224/ 1). (2) في الأصل ما. والتصويب من المصدر السابق.
(3)
في الإحياء الموضع السابق: حل.
(4) سورة الطلاق (الآيتان: 2، 3).
(5) في الأصل: فتو. والتصويب من الإحياء.
(6) راجع إحياء علوم الدين (224/ 1). (2/30)
صفحة 487
31
قنطرة الزكاة ذلك إلى اجتهاده وفيه طرف ظاهر يتحقق معه أنه مستحق لأخذ الزكاة وطرف آخر مقابل له يتحقق معه أنه غير مستحق وبينهما أوساط مشبهة. ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهراً، وللمحتاج في تقديم الحاجات مقامات في التضيق والتوسيع ولا تنحصر مراتبه وميل الورع إلى التضيق وقيل المتساهل إلى التوسيع، حتى يرى نفسه محتاجة إلى فنون من التوسيع الذي هو ممقوت في الشرع، ثم إذا تحققت حاجته فلا يأخذن إلا ما يتم كفايته من وقت أخذه إلى سنة.
(1) -
فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث أن السنة إذا تكررت تكرر أسباب الدخل، ومن حيث أن رسول الله عليه السلام ادخر لعياله / قوت سنة (1)، فهذا ما يرخص فيه للفقير [37/ب] والمسكين ولو اقتصر على حاجة شهره أو يومه فهو أقرب للتقوى.
ومذاهب العلماء في القدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة، فمن بالغ في التقليل أوجب الاقتصار على قوت يومه وليلته وتمسك فيما ذكر في كتاب الغزالي بما رواه سهل بن الحنظلية عن رسول الله: أنه نهى عن السؤال، فسئل عن غناه فقال عليه الصلاة والسلام: «غداؤه وعشاؤه» (2).
وقال آخرون: يأخذ إلى حد الغنى وحد الغنى نصاب الزكاة، إذ لم يوجب الله عز وجل الزكاة إلا على الأغنياء فقالوا له: أن يأخذ لنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة، وقال قائلون: حد الغنى خمسون درهماً لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من سأل وله مال مغنية (3) جاء يوم القيامة في وجهه خموش فسئل: وما غناه؟ قال: «خمسون در هماً أو عدلها من الذهب وقال قوم: أربعون لما روي عن عطاء بن يسار منقطعاً عنه قال: «من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال (5). وبالغ أخرون في التوسيع فقالوا له: أن يأخذ مقدار ما يشتري به
(?) ,
(1) أخرجاه من حديث عمر: كان يعزل نفقة أهله سنة، وللطبراني في الأوسط من حديث أنس: كان إذا ادخر لأهله قوت سنة تصدق بما بقي قال الذهبي حديث منكر. قاله العراقي في المغني (224/ 1). (2) رواه أبو داود وابن حبان بلفظ من سأل وله مال يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. قاله العراقي في المغني (225/ 1). (3) في الإحياء: يغنيه.
(4) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي، وضعفه النسائي والخطابي قاله العراقي في المصدر والموضع السابق. (0) رواه أبو داود والنسائي من رواية عطاء عن رجل من بني أسد متصلاً وليس بمتقطع كما ذكر المصنف لأن الرجل صحابي فلا يضر عدم تسميته، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد قاله = (2/31)
صفحة 488
32
قنطرة الزكاة
ضيعة فيستغني بها طول عمره أو يهيء بضاعة ليتجر فيها ويستغني لأن هذا هو الغنى. وقد قال النبي عليه السلام: خير الصدقة ما أبقت غني».
وعن عمر رحمه الله أنه قال: إذا أعطيتم فاغنوا، حتى ذهب قوم [إلى] (1) أن من افتقر. فله أن يأخذ مقدار ما يعود به إلى مثل ماله ولو عشرة آلاف درهم إلا إذا أخرج عن الاعتدال، ويروى أن أبا طلحة الأنصاري لما شغله بستانه عن الصلاة قال: جعلته صدقة،
حدة
[1/ 38) فقال: اجعله في قرابتك / وهو خير لك. فأعطاه حساناً وأبا قتادة، فحائط من نخل لرجلين كثير مغن.
قال: وأما التقليل إلى قوت اليوم والليلة والأقوية فذلك ورد في كراهية السؤال والتردد على الأبواب، وذلك مستنكر وله حكم آخر، بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال وهو مائل إلى الإسراف والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة، فما وراءها فيه نظر، وفيما دونها تضييق وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزء بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم بما يقع له. ثم يقال للمتورع: استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك (2). كما قاله، إذ الأثم حزاز القلوب. وإذا وجد القابض في نفسه شيئاً مما يأخذه فليتق الله فيه ولا يترخص تعللاً بالفتوى من علماء الظاهر، فإن للغني قيود أو مطلقات من الضروريات وبين ذلك ريبات واقتحام شبهات والتقوى من الشبهات من شيم ذوي الدين وعادات السالكين لطريق الآخرة والله نسأله العون والتوفيق (3).
الباب الخامس
في صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها
هذا الباب يحتوي على ثلاثة فصول:
الأول: في فضيلة الصدقة.
والثاني: في بيان إخفائها وإظهارها.
العراقي في المصدر السابق.
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(2) أخرجه أحمد من حديث وابصة قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (20/ 1).
(3) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (225/ 1). (2/32)
صفحة 489
قنطرة الزكاة
والثالث: في بيان الأفضل من أخذ الزكاة والصدقة.
الفصل الأول: في فضيلة الصدقة من الأخبار والآثار
(1).
قال الله سبحانه: {أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (1).
وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سَرّاً وعَلانِيَّة) (2) الآية.
33
وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سنبُلَةٍ مِانَهُ حَة) (3).
النار.
ويروى / عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تصدقوا ولو بشق تمرة تكنونَ بها وجوهكم عن [39/ب]
وفي
لفظ آخر: تصدقوا ولو بتمرة فإنها تسد من الجائع وتطفئ الخطيئة كما يطفئ
الماء النار (4).
وفي حديث آخر: «اتقوا النار ولو بشق تمرة وإن لم تجدوا فبكلمة طيبة (5).
عز
وعنه أنه قال: «ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله وجل إلا طيباً إلا كان الله عز وجل يأخذها فيربيها كما أحدكم فسيلة حتى تبلغ التمرة مثل
أحد (1).
يربي
وعنه أنه قال لأبي الدرداء: إذا طبخت برمة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف (7).
(1) سورة البقرة الآية: 267. سورة البقرة الآية: 274.
(2)
(3) سورة البقرة الآية: 261.
شتري
(4) رواه ابن المبارك في الزهد من حديث عكرمة مرسلاً، ولأحمد من حديث عائشة بسند حسن: من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان ولأبي يعلى البزار من حديث أبي بكر: اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقوم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان»، وإسناده ضعيف وللترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه في حديث معاذ: والصدقة تطفئ الخطيئة
كما يطفئ الماء النار». قاله العراقي في المغني (226/ 1).
(0) أخرجاه من حديث عدي بن حاتم قاله العراقي في المصدر السابق.
(1) رواه البخاري تعليقاً ومسلم والترمذي والنسائي في الكبرى واللفظ له، وابن ماجه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني بهامش الإحياء (226/ 1). (7) رواه مسلم من حديث أبي ذر أنه قال ذلك له، وما ذكره المصنف أنه لأبي الدرداء وهم. قاله العراقي = قناطر الخيرات ج/ 3/ 2 (2/33)
صفحة 490
[1/ 40]
=
34
قنطرة الزكاة
وعنه أنه قال: «ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله عز وجل الخلافة على
تركته (1)
وعنه أنه قال: «الرجل في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضي بين الناس (2).
وعنه أنه قال: صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل.
وعنه أنه قال: «ما المعطي من سعة بأفضل أجراً من الذي يقبل من حاجة (3). وفي كتاب الغزالي قال: ولعل المراد به الذي يقصد من دفع حاجته التفرغ للدين فيكون مساوياً للمعطي الذي يقصد بإعطائه عمارة دينه.
قال: وسئل عليه السلام أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفاقة، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان (4).
وعنه / أنه قال يوماً لأصحابه: «تصدقوا». فقال رجل: إن عندي دينار، قال عليه السلام: «أمسكه لنفسك. قال: إن عندي آخر، قال: أنفقه على زوجتك». قال: إن عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك قال: إن عندي آخر قال: أنفقه على خادمك». قال: إن عندي آخر، قال له: «أنت أبصر به (5).
(0) ,
وعنه أنه قال: ردوا مذمة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام (6).
وعنه أنه قال: إذا سأل سائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه
في المغني (226/ 1).
مالك
(1) رواه ابن المبارك في الزهد من حديث ابن شهاب مرسلاً بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب فيمن روى عن من حديث ابن عمر وضعفه قاله العراقي في المصدر السابق. (2) رواه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم من حديث عقبة بن عامر قاله العراقي عن نحوه في تعليقه على الإحياء في كتابه المغني عن حمل الأسفار (226/ 1).
(3) رواه ابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط من حديث أنس، ورواه في الكبير من حديث ابن عمر بسند ضعيف قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) أخرجاه من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المصدر السابق.
(ه) رواه أبو داود والنسائي واللفظ له، وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة. قاله العراقي في المغني
(226/ 1)
(6) رواه العقيلي في الضعفاء من حديث عائشة قاله العراقي في المغني (227/ 1). (2/34)
صفحة 491
قنطرة الزكاة
35
بوقار ولين ويبذل يسير أو برد جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون كيف صنعكم فيما خوّلكم الله عز وجل».
أيام.
وعنه أنه قال: «لو صدق السائل ما أفلح من رده (1).
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من رد سائلاً خائباً لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة
وبلغنا: أن النبي لو كان لا يأكل خصلتين إلى غيره: كان يضع طهوره بالليل ويخمره،
(2)
وكان يناول المسكين بيده وبلغنا ـ والله أعلم -: أن الملائكة ينزلون بالليل يسألون فيتمثلون كبني آدم، فيأتون أبواب الصالحين في صور السؤال بالليل فإذا صعدوا إلى السماء قالت لهم الملائكة: كيف وجدتم بني آدم في المعروف؟ فيقولون: وجدنا فلاناً سخياً كثير العطية. فيقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارزقه وبارك له فيه وقنعه وإذا قالوا: وجدنا فلاناً شحيحاً مناعاً خشن القول. قالوا: اللهم
اجعله (. .
(F)( ..
،
وبلغنا عن رسول الله و أنه قال: «ليس المسكين الذي / تردُّه الثمرة والثمرتان واللقمة [41/ب] واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرأوا إن شئتم: لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافا) (4). وعنه أنه قال: «ما من مسلم يكسو مسلماً إلا كان في حفظ الله تعالى ما دامت عليه
رقعة منه (5)
وعنه أنه قال: «الصدقة تقي مصارع السوء، وتدفع ميتة السوء.
وعنه و أنه قال: «نفقة الرجل على أهله صدقة (6).
(1) رواه العقيلي في الضعفاء، وابن عبد البر في التمهيد من حديث عائشة، قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء، وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة بسند ضعيف. راجع المصدر السابق.
(2) رواه الدارقطني من حديث ابن عباس بسند ضعيف، ورواه ابن المبارك في البر مرسلاً. راجع المصدر السابق. (3) موضع النقط جاء تعليق عليه بالهامش نصه: بياض في الأصل.
(4) الحديث متفق عليه من حديث عائشة. قاله العراقي في المغني (227/ 1) والآية من سورة البقرة ورقمها:
(273)
(5) رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن عباس وفيه خالد بن طهمان ضعيف. قاله العراقي في المغني (227/ 1). (6) طرفه عند البخاري في الصحيح (107/ 5)، الترمذي في الجامع الصحيح (1965)، ابن حجر في الفتح (317/ 7)، الهيثمي في المجمع (102/ 3)، ابن عدي في الضعفاء (2257)، ابن أبي شيبة في = (2/35)
صفحة 492
36
قنطرة الزكاة
وعنه عليه السلام أنه قال: ردوا السائل ولو بظلف محرق».
وعنه عليه السلام أنه قال: من أطعم مسلماً ثمرة أطعمه الله من ثمار الجنة ومن.
جرعة سقاه الله من الرحيق المختوم.
سقاه
وعنه عليه السلام أنه قال: إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس.
وعنه عليه السلام أنه قال: من أنفق زوجين نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، كان من أهل الصيام دعي من باب الريان.
ومن
قال أبو بكر رضي الله عنه: ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة فهل يدعى
أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال عليه السلام: نعم وأرجو أن تكون أنت منهم (1). قال الربيع بن حبيب رحمه الله: قوله: انفق زوجين يعني خفين أو نعلين وما كان
زوجين مثلها.
وعنه أنه قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله لا يوم ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، [1/ 42) ورجلان / تحابا في الله اجتمعا وافترقا على ذلك، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله عز وجل ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما انفقت يمينه (2).
=
وعنه عليه السلام أنه قال: المال الحلال رائح بصاحبه إلى الجنة». ويقال: لما نزلت هذه الآية: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقرضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا) (3) الآية.
المصنف (106/ 9).
(1) أطرافه عند البخاري في الصحيح، (32/ 3، 135 (7/ 5) مسلم في الصحيح (الزكاة 85، 86)، والترمذي في الجامع الصحيح (3674)، النسائي في المجتبى (168/ 4)، (22/ 6، 47، 48)، وأحمد في المسند (386/ 4) البيهقي في الكبرى (171/ 9). (2) أطرافه عند البخاري في الصحيح (168/ 1)، (1382)، (126/ 8)، مسلم في الصحيح (الزكاة ب 3 رقم (91)، والترمذي في الجامع الصحيح (2391)، النسائي في المجتبى (222/ 8)، أحمد في المسند
(2/ 439)، ابن خزيمة في الصحيح (358)، البغوي في شرح السنة (354/ 2).
(3) سورة الحديد الآية: 11. (2/36)
صفحة 493
قنطرة الزكاة
37
قال أبو الدحداح: فداءك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض، قال: «نعم يريد أن يدخلكم الجنة». قال: فإني قد أقرضت ربي قرضاً يضمن لي به الجنة.
قال: «نعم من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة». قال وزوجتي أم الدحداح معي، قال: «نعم». قال: ناولني يديك، فناوله رسول الله يده فقال: إن لي حديقتين أحدهما بالسالفة، والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما جعلتهما قرضاً لله عز وجل. فقال عليه السلام: «اجعل أحدهما لله عز وجل والأخرى معيشة لك ولعيالك. قال: فأشهدك يا رسول الله إني جعلت خيرهما الله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: إذن يجزيك الله به الجنة». ثم قال: «كم من عذق رداح ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح (1). والله أعلم.
(2)
وأما الآثار فروي عن الضحاك في هذه الآية (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ إلى قوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) (2). فقال الضحاك: من أخرج درهماً من مائة ماله ابتغاء مرضاة الله فله في الدنيا بكل درهم سبع خلفاً عاجلاً وألف / ألف درهم [43/ب]
يوم القيامة.
درهم
وعن أبي هريرة قال كنا نحسب ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، نفقة الرجل على نفسه
ورفقائه وظهره في الجهاد ألفي ألف.
وفي الحديث: صدقة السر تطفئ غضب الرب تعالى وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين باباً من البلاء».
لمرقع.
ويروى عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها تصدقت بخمسين ألفاً، وإن درعها
وعن مجاهد في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه) (3). قال: وهم يشتهونه. أن ويروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: اللهم اجعل الفضل عند خيارنا لعلهم يعودون على أولي الحاجة منا.
(1)
بنحو هذا الحديث وبنحو طرفه الأخير أخرجه مسلم في الصحيح الجنائز ب 18 رقم 89 مکرر)، وعبد الرزاق في المصنف (9746)، والطبراني في الكبير، (242/ 2 (23)، والحاكم في المستدرك (20/ 2)، المتقي الهندي في الكنز (33181)، والهيثمي في مجمع الزوائد (324/ 9).
(2) سورة البقرة الآية: 261.
(3) سورة الإنسان الآية: 8. (2/37)
صفحة 494
38
قنطرة الزكاة
وقال بعض العلماء: الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه. وعن بعض السلف قال: الصدقة تفك لحي سبعين شيطاناً، وفضل سرها على علانيتها سبعين ضعفاً.
وعن ابن مسعود رحمه الله: أن رجلاً عبد الله تعالى سبعين سنة، ثم أصاب فاحشة فاحبط عمله، ثم مرَّ بمسكين فتصدق عليه برغيف فغفر الله عز وجل ذنبه، وردّ عليه عمل السبعين سنة. لقمان الحكيم أنه قال لابنه: إذا أخطأت خطيئة فاعط صدقة.
وعن
وقال يحيى بن معاذ فيما روي عنه: لا أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبَّة من الصدقة. وقال بعض العلماء: كانوا يقولون ثلاثة من كنوز الجنة كتمان المرض، وكتمان الصدقة، وكتمان المصائب. ويقال: كتمان الفاقة أيضاً.
وقد روي في الحديث مسند عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن الأعمال تباهت فقالت [1/ 44] الصدقة: أنا أفضلكن، وقد روي عن / النبي و أنه قال: «إن في الجنة قصراً من ياقوتة حمراء يرى ظاهره من باطنه».
قيل: لمن هو يا رسول الله؟ قال: لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وأفشى السلام،
وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام».
قيل: يا رسول الله ومن يطيق هذا؟ قال: «أنتم». قيل: فكيف يا رسول الله؟ قال: ألستم تقولون: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هذا طيب الكلام. قال: ألستم تنفقون عن أهليكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا إطعام الطعام. قال: أوليس الرجل منكم يلقاه أخاه فيسلم عليه»؟. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا إفشاء السلام قال: ألستم تصومون شهر رمضان»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا إدامت الصيام». قال: ألستم تصلون العتمة»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنها صلاة كانت تثقل على غيركم فهي صلاة بالليل والناس نيام والذي بعثني بالحق لا يلقى ربه بهذه الخمس إلا دخل الجنة».
أحد
أن عبد الله ويروي
بن عمر كان يتصدق بالسكر ويقول: سمعت الله تعالى يقول: لَنْ
تنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (1) والله يعلم أني أحب السكر.
(1) سورة آل عمران الآية: 92. (2/38)
صفحة 495
قنطرة الزكاة
39
وعن النخعي أنه قال: إذا كان الشيء الله عز وجل لا يسرني أن يكون فيه عيب. وعن عبيدة ابن عمير أنه قال: يُحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، فمن أطعم الله عز وجل أشبعه الله تعالى ومن سقى الله عز وجل سقاه الله تعالى ومن كسى الله عز وجل
كساه الله تعالى.
وعن الحسن أنه قال: لو شاء الله عز وجل لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم ولكنه / ابتلى [45/ب]
بعضكم ببعض.
وعن الشعبي أنه قال: من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد
أبطل صدقته وضرب بها وجهه.
وروي
أن الحسن مر به رجل معه جارية فقال: أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين. قال: لا. قال: فاذهب فإن الله عز وجل رضي في الحور العين بالفلس واللقمة، والله أعلم به
(1)
الحول والتوفيق (1).
الفصل الثاني: في بيان إخفاء أخذ الصدقة وإظهارها
اعلم أن طلاق الإخلاص قد اختلفت طرقهم في ذلك، فحال قوم إلى أن الإخفاء أفضل، ومال آخرون إلى أن الإظهار أفضل.
وفي كتاب الغزالي قال: ونحن نشير إن شاء الله إلى ما في كل واحد من المعاني والآفات، ثم نكشف الغطاء. عن الحق فيه.
أما الإخفاء ففيه خمسة معان:
الأول: إبقاء للستر على الأخذ فإن أخذه ظاهر هتك لستر المرؤة، وكشف عن الحاجة وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسبهم به الجاهل أغنياء من التعفف. الثاني: أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنه لربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون مع الاستغناء وينسبونه إلى أخذ زيادة والحسد وسوء الظن والغيب من كبائر الذنوب فصيانتهم عن هذه الجرائم أولى.
أنه أخذ
قال: وقد روي عن أيوب السختياني قال: إني لا أترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد.
(1) ذكر أغلب هذا بل الموضوع كله الغزالي في إحياء علوم الدين (226/ 1، 227). (2/39)
صفحة 496
40
هذا؟
قنطرة الزكاة
وعن بعض الزهاد قال: ربما تركت إستعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين له
وعن إبراهيم التميمي أنه رُئي عليه / قميص جديد فقال بعض إخوانه: من أين لك؟ قال: كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته (1).
الثالث: إعانة المعطي عن أسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء كبير. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: جعل الله عز وجل صدقة التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها بخمس وعشرين ضعفاً. وكذلك جميع الفرائض والنوافل، فإعانة المتصدق على كتمان صدقته من تمام أجرها، والإعانة على تمام المعروف معروف، والإتمام لا يتم إلا باثنين فمهما أظهر هذا انكشف أمر المعطي.
قال: ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئاً ظاهراً فرده ودفع إليه آخر شيئاً في السر فقيل له في ذلك، فقال: إن هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذلك أساء أدبه في عمله فرددته
عليه.
قال: وأعطاه رجل بعض الصوفية شيئاً في الملأ. فرده فقال له: لم ترد على الله عز
وجل ما أعطاك.
فقال: إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان الله، ولم تقنع بعين عز وجل فرددت
عليك شركك.
قال: وقبل بعض العارفين في السر شيئاً كان ردّه في العلانية. فقيل له في ذلك، فقال: إنك عصيت الله تعالى في الجهر فلم ألا عوناً لك على المعصية وأطعته بالإخفاء فاعنتك على
برك.
صلته (2)
(1)
وعن الثوري أنه قال: لو علمت أن أحدهم لا يذكر صلته، ولا يتحدث بها لقبلت
الرابع: إن في إظهار الأخذ ذلاً وامتهاناً وليس للمؤمن أن يذل نفسه، ويقال: كان
ورد هذا المعنى كله في إحياء علوم الدين للغزالي (228/ 1). (2) راجع الكلام بنصه في المصدر السابق.
(1/ 46] (2/40)
صفحة 497
قنطرة الزكاة
41
بعض العلماء يأخذ في السر ولا يأخذ في العلانية، ويقول: في إظهاره إذلال العلم / واستهانة [47/ب] أهله فما كنت بالذي أرفع شيئاً من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله (1).
الخامس: الاحتراز عن شبهة الشركة قال النبي عليه السلام: «من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها (2).
وكونها ذهباً أو ورقاً لا يخرجها عن اسم الهدية إذ قال عليه السلام: «أفضل ما أهدى
الرجل إلى أخيه ورقاً أو يطعمه خبزاً (3).
فجعل الورق هدية فانفراده بما يعطاه في المكروه إلا برضى جميعهم، ولا يخلو عن شبهة، فإذا انفرد سلم من هذه الشبهة والله أعلم
(4)
وأما الإظهار للمعروف والتحدث به ففيه أربعة معان:
الأول: الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبس الحال بالرياء.
الثاني: إسقاط الجاه والمنزلة، وإظهار العبودية والمسكنة، والتبري عن الكبرياء، ودعوى الاستغناء، وإسقاط النفس من أعين الخلق.
تخلو من
ويروى أن بعض العارفين قال لتلميذه: أظهر الأخذ على كل حال إن كنت أخذاً فإنك لا أحد رجلين: رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك، فذلك هو المراد ولأنه هو أسلم لدينك، وأقل لآفات نفسك، أو رجل يزداد في قلبه بإظهارك الصدق، فذلك الذي يريد أخوك لأنك تزداد ثواباً بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر إذ كنت سبب مزيد ثوابه.
الثالث: هو
أن العارف لا نظر له إلا إلى الله عز وجل، والسر والعلانية في حقه سواء،
فاختلاف الحال شرك في التوحيد.
وقال بعضهم:
: كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر ويرد في العلانية، والالتفات إلى
(1) هذا الكلام بنصه في المصدر السابق. (2) رواه العقيلي، وابن حبان في الضعفاء، والطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث ابن عباس، وقال العقيلي لا يصح في هذا المتن حديث (العراقي في المغني 228/ 1).
(3) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء وضعفه من حديث ابن عمر: إن أفضل العمل عند الله أن يقضى عن مسلم دينه، أو يدخل عليه سروراً، أو يطعمه خبزاً». ولأحمد والترمذي وصححه من حديث
البراء: من منح منحة ورق أو منحة لبن أو هدى رقاقاً، فهو كعتاق نسمة».
(ع) راجع في المعنى كله الإحياء (228/ 1) فهو فيه بنصه. (2/41)
صفحة 498
42
قنطرة الزكاة
1/ 48) الخلق حضروا أو غابوا نقصان في الحال، بل / ينبغي أن يكون النظر مقصوراً على الواحد
الفرد.
حكي أن بعض الشيوخ كان كثير الميل إلى واحد من جملة المريدين، فشق على الآخرين ذلك، فأراد أن يظهر لهم فضيلة ذلك المريد، فأعطى كل واحد منهم دجاجة فقال: لينفرد كل واحد منكم بها وليذبحها حيث لا يراه أحد، فانفرد كل واحد منهم بذبح دجاجته إلا ذاك المريد فإنه ردّ الدجاجة، فسألهم، فقالوا: فعلنا ما أمرنا به الشيخ.
وقال ذلك المريد: لم أقدر عليه فإن الله تعالى يراني في كل موضع. فقال الشيخ: لمثل
هذا أميل إليه؛ لأنه لا يلتفت إلى غير الله عز وجل.
الرابع: فَحَدِّتْ) (1).
(1)
أن الإظهار إقامة لسنة الشكر، وقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
والكتمان كفران للنعمة، وقد ذم الله عز وجل مَنْ كتم ما أتاه الله عز وجل، وفوته بالبخل فقال تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (2).
(2)
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن ترى عليه (3). قال: وأعطى رجل بعض العارفين شيئاً في السر، فرفع به يده وقال: هذا والعلانية فيها أفضل، والسر في أمور الآخرة أفضل.
من الدنيا
ولذلك قال بعضهم: إذا أعطيت في الملأ، فخذ ثم اردد في السر، والشكر محثوث عليه، قال عليه السلام من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل والشكر يقوم مقام المكافآت (4).
قال عليه السلام من أسدى إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تستطيعوا فائنوا به خيراً وادعوا
حتى تعلموا أن قد كافأتموه (5).
(1) سورة الضحى الآية: 11. (2) سورة النساء الآية: 37.
(3) رواه أحمد من حديث عمران بن حصين بسند صحيح وحسنه والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (المغني 229/ 1).
(4) رواه الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد وله ولأبي داود وابن حبان نحوه من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح (المغني 224/ 1). (5) رواه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح بلفظ: من صنع العراقي في المصدر السابق). (2/42)
صفحة 499
قنطرة الزكاة
43
وكما قالت المهاجرون في الشكر: يا رسول الله ما رأينا خيراً من قوم نزلنا عندهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا / بالأجر كله، قال عليه السلام: «كل ما شكرتم لهم [49/ب]
واثنيتم عليهم به أنه مكافأة (1) فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أن ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس اختلاف في المسألة، بل هو اختلاف حال يكشف الغطاء في. هذا لأنا لا نحكم حكماً بتاً بأن الإخفاء أفضل في كل حال، أو الإظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف النيات، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص.
(2)
فينبغي أن يكون المخلص مراقباً لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور، ولا ينخدع بتلبيس الطبع ومكر الشيطان، والمكر والخداع أغلب في معان الإخفاء منه في الإظهار أن له دخلاً في كل واحد منهما، فأما مدخل الخداع في الأسرار من ميل الطبع إليه لما فيه من حفظ الجاه والمنزلة وسقوط القدر عن أعين الناس ونظر الخلق إليه بعين الازدراء، وإلى المعطي بعين المنعم المحسن إليه، فهذا هو الداء الدفين المستكن في النفس والشيطان بواسطته يظهر معاني الخير حتى يتعلل بالمعاني الخمسة المتقدمة التي ذكرناها ومعيار كل ذلك ومحكه أمر واحد وهو أن يكون تألمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض أقاربه، وأمثاله: فإنه إن كان يتقي صيانة النفس عن الغيبة والحسد وسوء الظن أو يتقي انتهاك الستر وإعانة المعطي على الإسرار وصيانة العلم عن الابتذال فكل ذلك مما يحصل بانكشاف صدقة أخيه، فإن كان انكشاف أمره أثقل عليه من انكشاف أمر غيره، فتقديره الحذر المعاني أغاليط وأباطيل / من مكر الشيطان وخدعه فإن إذلال العلم محذور من حيث أنه علم [50/ب] لا من حيث أنه علم زيد أو علم عمرو والغيبة محذورة من حيث أنه تعرض لعرض مصون لا من حيث أنه تعرض لعرض زيد على الخصوص ومن أحسن ملاحظة هذا ربما يعجز الشيطان عنه وإلا فلا يزال كثير العمل قليل الحظ.
(r)
من
هذه
وأما جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث أنه تطييب لقلب المعطي واستحثاث له على ميله وإظهاره عند غيره أنه من المبالغين في الشكر حتى يرغبوا في إكرامه وتفقده وهذا داء دفين في الباطن والشيطان لا يقدر على المتدين إلا بأن يروج هذا الخبث في معرض السنة
(1) رواه الترمذي وصححه من حديث أنس، ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم وصححه،
قاله العراقي في المغني (229/ 1).
(2) في الأصل: المنع. والتصويب من الإحياء. (3) في الأصل: العل على. والتصويب من الإحياء. (2/43)
صفحة 500
قنطرة الزكاة
ويقول له: الشكر من السنة والإخفاء من الرياء ويورد عليه المعاني التي ذكرناها ليحمله على الإظهار وقصده في الباطن ما ذكرناه ومعياره ذلك ومحكمه أن ينظر إلى من يرغب في إعطائه وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في إخفائها وعادتهم أنهم لا يعطون إلا من يخفي ولا يشكر، فإن استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنة في الشكر والتحدث بالنعمة وإلا فهو مغرور ثم إذا علم أن باعثه السنة فلا ينبغي أن يغفل عن المعطي فينظر فإن كان هو ممن يحب الشكر فينبغي أن يخفي ولا يشكر لأن قضاء حقه أن لا ينصر على الظلم وطلبه الشكر ظلم. وإذا علم حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فعند [1/ 51] ذلك يشكره ويظهر صدقته، ولذلك قال الله للرجل الذي مدح بين / يديه: «ضربتم عنقه لو
سمعها ما أفلح (1).
من
(2)
قضاء حق
مع أنه: يثني على قوم في وجوههم لثقته بيقينهم وعلمه بأن ذلك لا يضرهم بل يزيد في رغبتهم في الخير فقال لواحد: إنه سيد أهل الوبر وقال في خبر آخر: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه (3). وقال حين سمع كلام بعضهم فعجبه: أن من البيان سحراً» (4) وقال: «إذا علم أحدكم من أخيه خيراً فليخبره، فإنه يزداد رغبة في الخير (5).
وعنه عليه السلام أنه قال: إذا مدح المؤمن ربي) الإيمان في قلبه».
وعن الثوري أنه قال: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس. وقيل عنه أنه قال ليوسف بن أسباط: إذا أوليتك معروفاً فكنت أنا أَسرَّ به منك، ورأيت ذلك نعمة الله من عز وجل عليّ (1) متفق عليه أبي بكرة بلفظ: ويحك قطعت عنق صاحبك زاد الطبراني في رواية: «لو سمعها ما أفلح أبداً. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان متكلم فيه وله نحوه من حديث أبي موسى. قاله العراقي في
المغني (230/ 1). (2) رواه الطبراني، وابن قانع في معاجمهم وابن حبان في الثقات من حديث قيس بن عاصم المنقري أن النبي ا ا ا ا ل ل له ذلك، قاله العراقي في المغني 230/ 1).
(3) رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر، ورواه أبو داود في المراسيل من حديث الشعبي مرسلاً بسند صحيح، وهو ضعيف، والحاكم نحوه من حديث معيد بن خالد الأنصاري عن أبيه وصحح
متصلاً
وقال: روي إسناده. المرجع السابق.
(4) رواه البخاري في الصحيح من حديث ابن عمر. المصدر السابق. (5) رواه الدارقطني في العلل من رواية ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال: لا يصح عن الزهري، وروى عن ابن المسيب مرسلاً. (المصدر السابق).
(6) في الأصل وفى والتصويب من الإحياء والحديث قال عنه العراقي في المصدر السابق: رواه الطبراني من حديث أسامة بن زيد بسند ضعيف: (2/44)
صفحة 501
قنطرة الزكاة
فاشكر وإلا فلا تشكر. فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعي قلبه فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماتة له لكثرة التعب وقلة النفع، ويقال إن من العلم الذي قيل فيه: أن تعلم مسألة واحدة أفضل من عبادة سنة إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهل به تموت عبادة العمر وتتعطل.
هذا
أن ينبغي
وعلى الجملة فالأخذ في الملأ والردّ في السرّ أحسن المسالك وأسلمها فلا يدفع بترويقات اللسان إلا أن تكمل المعرفة بحيث يستوي السر والعلانية وذلك هو الكبريت الأحمر يتحدث به ولا يرى، والله أعلم).
الفصل الثالث: في بيان الأفضل من أخذ الزكاة أو الصدقة
وفي كتاب الغزالي قال: كان إبراهيم الخواض والجنيد وجماعة يرون أن الأخذ من الصدقة أفضل فإن في أخذ / الزكاة مزاحمة للمساكين وتضييق عليهم، ولأنه ربما لا يكمل في [52/ب] أخذه الزكاة صفة الاستحقاق كما وصفنا في الكتاب (2)، وأما الصدقة فأمرها أوسع.
(3)
وقال قائلون: يأخذ الزكاة دون الصدقة لأنه إعانة على أداء الواجب قالوا: ولو ترك المساكين كلهم أخذ الزكاة لأثموا ولأنه لا منة فيه، وإنما هو حق واجب الله سبحانه رزقاً لعباده المحتاجين، ولأنه أخذ بالحاجة والإنسان يعلم حاجة نفسه قطعاً، وأخذه الصدقة أخذ بالدين، وأن الغالب أن المتصدق إنما يعطي من يعتقد فيه خيراً، ولأن موافقة المساكين أدخل في الذل والمسكنة وأبعد من التكبر إذ قد يأخذ الإنسان الصدقة في معرض الهدية وهذا تنصيص على ذل الآخذ وحاجته.
والقول الحق في هذا أن هذا يختلف بأحوال الشخص وما يغلب عليه ويحضره من النية فإن كان في شبهة من إتصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزكاة.
قضائه
وإذا علم أنه
مستحق قطعاً كما إذا حصل عليه دين صرفه إلى الخير وليس له وجه في وهو صالح في نفسه فهو مستحق قطعاً، فإذا خير هذا بين الزكاة وبين الصدقة فإن كان صاحب الصدقة لا يتصدق بذلك المال لو لم يأخذ فليأخذ الصدقة فإن الزكاة الواجبة يصرفها صاحبها إلى مستحقها، ففي ذلك تكثير للخير وتوسيع للمساكين، وإن كان المال
هو
(1) المعاني الأربعة في هذا الباب بنصها في إحياء علوم الدين للغزالي (228/ 1، 230). (2) في إحياء علوم الدين كما وصف في الكتاب العزيز. في ا الأصل للعباد والمحتاجين والتصويب من الإحياء.
(3) (2/45)
صفحة 502
46
قنطرة الزكاة
معرضاً للصدقة ولم يكن في أخذ الزكاة تضييق على المساكين فهو مخير والأمر فيهما يتقارب، [1/ 53] وأخذ الزكاة / أشد في كسر النفس وأذلالها في أغلب الأحوال والله أعلم)
(1)
مسألة
ومن الكتاب أجمع العلماء وهو مما ينسب إلى علي بن أحمد بن حزم من فقهاء قومنا قال واتفقوا أن المسألة حرام على كل قوي على الكسب أو غني إلا من تحمل حمالة أو سأله سلطان مالاً وما لا بد له منه قال: واتفقوا أن كسب القوت من الوجوه المباحة له أو لعياله فرض إذا قدر على ذلك، قال: واتفقوا أن المسألة لمن هو فقير ولا يقدر على الكسب بمقدار ما يقيم قوته مباحة، قال: واختلفوا في مقدار الغنى إلا أنهم (2) اتفقوا أن ما كان أقل من مقدار قوت اليوم فليس غنى، قال: والذي يذهب إليه من ذلك أن قوت اليوم فما زاد كفافاً، وأن قوت العام فما زاد غنى ويسار.
وأن المسألة لمن عنده قوت يوم حرام عليه وأنها لمن ليس عنده ذلك مباحة إذ لم يكن مكتسباً، وأنها فرض عليه إذا خشي في تركها الموت، هزلاً، وأن أخذ الصدقة الواجبة من الزكاة والكفارات مباح لمن ليس عنده قوت عامه له ولعياله من نفقة وكسوة وسكناً لأنه مسكين، وإن لم يكن فقيراً وكان عنده كفاف.
وإن أخذها حرام على من عنده قوت عامه له ولعياله مما ذكرنا لأنه غني والله أعلم وأحكم، وبه العون والتوفيق كملت قنطرة الزكاة وأسرارها بحمد الله تعالى تتلوها قنطرة أسرار
الحج.
(1)
ذلك كله في الإحياء للغزالي بنصه (230/ 1، 231). (2) في الأصل إلا أن أنهم وكلمة أن زائدة على السياق فحذفتها. (2/46)
صفحة 503
القنطرة السادسة قنطرة أسرار الحج
اعلم أن الله سبحانه فرض الحج على كل من استطاع إليه سبيلاً بعد استقرار سائر الفروض على الأبدان والأموال فكان في سفر الحج تذكير لسفر الآخرة وما هنالك من الأخطار والأهوال على ما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله بالكمال فكان الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الشرع بما يقتضيه وبه كمال الدين وتمامه إذ فيه أنزل الله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمَّتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ
ديناً) (1).
ويقال: فيه قال عليه السلام: من وجب عليه الحج ولم يحج فليمت يهودياً أو نصرانياً (2) فأعظم بعبادته بعدم الدين من أجلها بالكمال ويساوي تاركها اليهود والنصارى في الضلال فجدير أن نصرف العناية إلى شرحها وتفصيل أركانها وسننها وآدابها وفضائلها
وأسرارها.
وأنا إن شاء الله أنقل من كتاب الغزالي ومن كتاب روضة الحقائق جملتها، واتجنب ما خالفا فيه مذهب أئمتنا، كما فعلت فيما مضى من كتابنا، وبالله، عصمتنا، وتوفيقنا وفي كتاب الغزالي: اعلم أن ما ذكرناه من أسرار الحج ينحصر إن شاء في ثلاثة أبواب: الباب الأول: في فضائل الحج وفضائل مكة والبيت وفضيلة المقام بها وفضل المدينة وشروط وجوب الحج.
الباب الثاني: في أعماله الظاهرة على الترتيب من مبدأ السفر إلى الرجوع.
الباب الثالث: في آدابه الدقيقة وأسراره الخفية وأعماله الباطنة.
(1) سورة المائدة الآية: 3.
(2) رواه ابن عدي من حديث أبي هريرة والترمذي نحوه من حديث علي وقال: غريب وفي إسناده مقال.
قاله العراقي في المغني (240/ 1). (2/47)
صفحة 504
[1/ 00]
48
الباب الأول
ينحصر في خمسة فصول:
قنطرة الحج
الفصل الأول: في فضائل الحج
قال الله سبحانه: {وَأَذَنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ / رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ (1) وعن قتادة قال: لما أمر الله عز وجل إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه أن يؤذن في الناس بالحج نادى أيها الناس إن الله تعالى بيتاً (2) فحجوه.
وقال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (3) قيل: التجارة في الموسم، والأجرة في الآخرة. ويقال إنه لما سمع بعض السلف هذا قال غُفر لهم ورب الكعبة وقيل في تفسير قول الله عز وجل: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ().
(4)
إن بعضهم قال: إنه طريق مكة يقعد الشيطان عليها ليمنع الناس منها وقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُ الْبَيْتِ (5).
(1).
فتوجه الخطاب بالحج على الناس كافة فعلم الله تعالى العاجزين عنه فقال رحمة منه لهم: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (6). فأوجبه على المستطيعين خاصة، فأخبر النبي عليه السلام بما أوجب الله تعالى من الثواب لمؤدِ الحج على حسب ما يحبه ويرضاه فقال عليه السلام:
من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (7). وقال عليه السلام من العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له ثواب
إلا الجنة».
ويقال: إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة (8). وقد أسنده جعفر بن محمد
إلى رسول الله عليه السلام.
(1) سورة الحج الآية: 27. (2) في الإحياء: إن الله بني بيتاً فحجوه. (3) سورة الحج الآية: 28. (4) سورة الأعراف الآية: 16. (5) سورة آل عمران الآية: 97.
(6) سورة آل عمران الآية: 97.
(7) قال العراقي في المغني: أخرجاه من حديث أبي هريرة (240/ 1). (8) لم أجد له أصلاً. قاله العراقي في المغني (240/ 1). (2/48)
صفحة 505
قنطرة الحج
49
وعنه أنه قال: «من خرج من بيته حاجاً أو معتمراً فمات أجري عليه أجر الحاج القيامة، ومن في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له أدخل
المعتمر إلى: يوم الجنة» (1).
مات
وقال عليه السلام: (حجة مبرورة خير من الدنيا بما فيها (2). وعنه عليه السلام أنه قال: الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزوّاره، إن سألوه / أعطاهم وإن استغفروا غفر لهم وإن دعوا استجيب لهم وإن شَفَعوا شُفعوا» (3). وفي حديث مسند من طريق أهل البيت أعظم الناس ذنوباً من وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لم يغفر له» (4).
وعن ابن عباس عنه و أنه قال: «لينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة
ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين (5).
وفي الخبر: استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أول شيء تجدونه في صحفكم يوم
القيامة واغبط عمل تجدونه (6). ولهذا استحب الطواف ابتداء في غير حج ولا عمرة. وفي الخبر: «من طاف أسبوعاً حافياً حاسراً كان له كعتق رقبة ومن طاف أسبوعاً في المطر غفر له ما تقدم من ذنبه (7) ويقال أن الله عز وجل إذا غفر لعبده ذنباً غفر اكل من أصابه في ذلك الموقف.
(1) رواه البيهقي في الشعب بالشطر الأول من حديث أبي هريرة، ورواه هو الدارقطني من حديث عائشة الشطر الثاني نحوه وكلاهما ضعيف. المصدر السابق.
(2) أخرجاه من حديث أبي هريرة. .... المصدر السابق.
(3) رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة دون قوله وزواره، ودون قوله: إن سألوه أعطاهم، وإن شفعوا
شفعوا وله من حديث ابن عمر وسألوه فأعطاهم، ورواه ابن حبان. المصدر السابق (241/ 1). (4) رواه الخطيب في المتفق والمفترق وأبو منصور شهر دار بن شيرويه الديلمي في مسند الفردوس من
حديث ابن عمر بإسناد ضعيف. المصدر السابق.
(5) رواه ابن حبان في الضعفاء، والبيهقي الشعبي من حديث ابن عباس بإسناد حسن وقال أبو حاتم: حديث منكر. قاله العراقي في المصدر السابق. (1) رواه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر: استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. المصدر السابق.
(7) لم أجده، وعند الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر: من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة. لفظ الترمذي وحسنه المصدر السابق.
[56/ب]
قناطر الخيرات ج/ 2/ 4 (2/49)
صفحة 506
قنطرة الحج
وقال بعض السلف إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل عرفة وهو أفضل يوم في الدنيا وفيه حج النبي عليه السلام حجة الوداع وكان واقفاً إذ نزل قوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
(1)
قال أهل الكتاب: لو نزلت هذه الآية علينا لجعلناها عيداً فقال عمر رضي الله عنه: أشهد أن هذه الآية لقد أنزلت في يوم عيدين اثنين يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة. وعنه قال: «اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج (2).
وعن مجاهد وغيره من العلماء أن الحجاج إذا قدموا مكة تتلقاهم الملائكة فيسلمون
[57 /ب] على ركبان الإبل / ويصافحون ركبان الحمر ويعتنقون المشاة إعتناقاً. وعن الحسن أنه قال: من مات عقيب رمضان أو عقيب غزو أو عقيب حج مات شهيداً. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: الحاج مغفور له ولمن استغفر له في شهر ذي الحجة، والمحرم وصفر وعشر من ربيع الأول.
ويقال: إن من عادة السلف أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء ويبادرون بذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام.
وفي كتاب الغزالي قال: ويروى عن علي بن موفق قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة نمت بمنى في مسجد الخيف، فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه يا عبد الله، فقال الآخر: لبيك يا عبد الله، قال: أتدري كم
حج بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا أدري.
قال: حج بيت ربنا ستمائة ألف.
قال: أفتدري كم قبل منهم؟
قال: لا.
قال: ستة أنفس.
قال: ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعاً واغتممت غماً شديداً وأهمني أمري. فقلت: إذا قبل ستة أنفس فأين أنا أكون في ستة أنفس، فلما أفضت من عرفة نمت عند المشعر
(1) سورة المائدة الآية: 3.
(2) رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم. (المغني 242/ 1). (2/50)
صفحة 507
قنطرة الحج
01
الحرام أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم فإذا الشخصان قد نزلا كأول مرة على هيئتهما فنادى صاحبه وأعاد الكلام بعينه، ثم قال: أتدري ماذا وهب ربنا هذه الليلة؟
قال: لا.
قال: فإنه وهب لكل واحد من الستمائة ألف.
قال: فانتبهت وبي من السرور ما يحل عن الوصف والله أعلم).
ا وعنه هو أنه قال: للحاج الراكب بكل خطوة يخطوها بعيره سبعون حسنة، وللحاج [58/ب] الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل: وما حسنات الحرم يا رسول الله قال: «الحسنة بمائة ألف حسنة ولو أن الملائكة صافحت أحداً لصافحت الغازي في سبيل الله والبار بوالديه والطائف بيت الله الحرام». وبالله التوفيق.
الفصل الثاني: في فضيلة البيت ومكة
قال الله سبحانه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ البيتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ) (2) الآية.
وقال تعالى: {إِنَّ أَوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
للَّذِي بِتَكَةَ مُبَارَكاً ..... (3) الآية.
(4)
وقال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا البيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا) (1).
وقال مخبراً عن إبراهيم: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا) (5).
في أمثال هذه الآيات مما يطول الكتاب بذكرها مما خص الله به البيت الحرام.
وجاء عن النبي عليه السلام أنه حين أخرجه كفار قريش من مكة فقال: «والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله وإنك أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك» أو قال «المشركون أخرجوني منك ما خرجت (6).
وعنه عليه السلام: أن الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف
(1) كل ما ورد في باب فضائل الحج منقول عن كتاب الإحياء للغزالي وقد أشار هو في ذلك في أوله وفي
أثنائه وراجع (240/ 1، 242).
(2) سورة المائدة الآية: 97. (3) سورة آل عمران الآية: 96. (4) سورة البقرة الآية: 125. سورة | ة البقرة الآية: 126.
(0)
(6) عن نحو هذا قال العراقي في المغني (244/ 1) رواه الترمذي وصححه والنسائي في الكبرى، وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء. (2/51)
صفحة 508
52
قنطرة الحج
فإن نقصوا كملهم الله عز وجل بالملائكة، فإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها (1). وجاء عنه عليه السلام أنه / قال: أول من طاف بالبيت الملائكة، وما من نبي يهرب من قومه إلا هرب إلى الله بمكة يعبده بها حتى ني يموت (2). وعنه عليه السلام أنه قال: إن قبر نوح وهود وصالح وشعيب فيما بين زمزم
والمقام (3).
وقال: إن حول الكعبة لقبور ثلاثمائة نبي وإن ما بين الركن اليماني والركن الأسود لقبور سبعة أنبياء وكل نبي من الأنبياء إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم فأتى الكعبة فعبد الله تعالى
حتى يموت.
وعنه عليه السلام قال: إن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام شكا إلى الله تعالى حَرَّ مكة فأوحى الله إليه أنى أفتح لك باباً من أبواب الجنة في الحجر يجري عليك الروح إلى الروح
إلى يوم القيامة».
ويروي
أن عثمان بن عفان أقبل ذات يوم إلى أصحابه فقال لهم: ألا تسألوني من أين جنت؟ فقالوا: من أين جئت يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما زلت قائماً على باب الجنة وكان قائماً تحت الميزاب يدعو الله عنده.
وعنه الله أنه قال: إن الركن اليماني باب من أبواب الجنة والركن الأسود باب من أبواب الجنة وما من أحد يدعو الله تعالى عنده إلا استجاب وكذلك عند الركن اليماني وعند
الميزاب».
وعنه عليه السلام قال: «ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة».
وعنه عليه السلام أنه قال: من مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا، ومن مات في
أحد الحرمين حاجاً أو معتمراً بعثه الله.
(1) ,
يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب (4).
(1) لم أجد له أصلاً. المرجع السابق. (2) ذكره ابن كثير في التفسير (100/ 1). (3) ذكره السيوطي في الدر المنثور (46/ 1).
(4) طرفه الثاني عند ابن عدي في الكامل في الضعفاء (1455/ 4) وابن الجوزي في الموضوعات (218/ 2)،
والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (416/ 4).
[1/ 09] (2/52)
صفحة 509
قنطرة الحج
53
وعنه عليه السلام أنه قال: من نظر إلى البيت إيماناً واحتساباً / غفر له ما تقدم من ذنبه [60/ب] وما تأخر ويحشر يوم القيامة مع الآمنين».
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: من نظر إلى البيت من غير طواف ولا صلاة [كان] أفضل من عبادة سنة صائماً قائماً راكعاً ساجداً».
وعنه عليه السلام أنه قال: من جلس مستقبل الكعبة ساعة واحدة محتسباً لله ولرسوله وتعظيماً للقبلة كان له أجر الحاج والمعنمر والمرابط الصائم القائم».
وعنه عليه السلام أنه قال: من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه كله، وقام فيه ما تيسر له
كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة وكان له بكل يوم مغفرة وشفاعة (1).
وعنه عليه السلام أنه قال: من طاف حول بيت الله الحرام سبعاً في يوم صائف شديد الحر حاسراً عن رأسه، واستلم الحجر من غير أن يؤذي أحداً، وقل كلامه إلا من ذكر الله تعالى كان له بكل قدم يرفعها ويضعها سبعون ألف درجة وتكتب له سبعون ألف حسنة، وتمحى عنه سبعون ألف سيئة، ويعطيه الله تعالى فضل الماشي على الراكب، وفضل الماشي على الراكب كفضل القمر على سائر الكواكب (2).
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: «الكعبة محفوفة بسبعين ألفاً من الملائكة يستغفرون لمن
طاف بها ويصلون عليه.
وعنه عليه السلام أنه قال: من مرض بمكة كتب الله له من العمل الصالح الذي كان
يعمله عبادة ستين سنة».
وعنه عليه السلام أنه قال: من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت النار عنه
مسيرة مائة عام (3).
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: أقرب البقاع / إلى الله تعالى ما بين الركن والمقام وإن [61/ب] الطائف بالبيت ليخوض في حرمة الله تعالى وإن الله سبحانه ليباهي بالطائفين حول بيته
الملائكة.
(1) طرفه عند المنذري في الترغيب والترهيب (91/ 2).
(2) أورده العجلوني في كشف الخفاء (359/ 2)، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة (350). (3) أورده العجلوني في كشف الخفا (354/ 2)، والمتقي الهندي في كنز العمال (34704). (2/53)
صفحة 510
قنطرة الحج
وعنه عليه السلام أنه قال: «استكثروا من الطواف قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني أنظر
بمكة
إلى رجل من الحبشة أصلع أفيدع جالساً عليها فيهدمها حجراً حجراً، أو صدقة درهم بمائة ألف درهم، وفيها شراب الأبرار ماء زمزم وإن لمس الحجر الأسود تكفير للخطايا وإحطاط للذنوب يحطان للخطايا حطاً، ومن دعا بمكة أمنت له الملائكة، تقول: آمين آمين الله الحرام ومن نظر إلى مكة من غير طواف ولا صلاة كتب الله له عبادة الدهر،
حول بيت |
وصيام الدهر (1).
وعنه عليه السلام أنه قال: من حج حجة الإسلام، وطاف طواف الإفاضة يطوف يومئذ
ولا ذنب له.
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: إذا كان يوم عرفة يدنو الموقف في ذلك اليوم حتى يكون أدنى إلى السماء، فيباهي الله الملائكة، يقول: انظروا عبادي شعثا غبراً جاؤوا من كل فج عميق يرجون مغفرتي، قد غفرت لهم جميعاً، فينادي مناد يا أهل عرفة استأنفوا
بهم
العمل، فقد غفر لكم. وفي الحديث عنه عليه السلام: إن الحجر ياقوتة من ياقوت الجنة، وأنه يُبعث يوم [1/ 62] القيامة له عينان / ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق (2).
وكان عليه السلام فيما بلغنا يقبله كثيراً (3). وروي أنه سجد عليه. وروي: أنه كان يطوف على الراحلة ويضع المحجن عليه ثم يقبل طرف المحجن).
وروي
أن
الله
(4)
عمر رضي! عنه قبله ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفعه)، ولولا أني رأيت رسول الله عليه السلام يقبلك ما قبلتك ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى
(1) أورد طرفه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (273/ 4، 280). (2) رواه الترمذي وصححه، والنسائي من حديث ابن عباس: الحجر الأسود من الجنة». لفظ النسائي، وباقي الحديث رواه الترمذي وحسنه ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن عباس أيضاً الحاكم من حديث أنس: إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة»، وصحح ورواه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو قاله العراقي في المغني (242/ 1). (3) أخرجاه من حديث عمر دون قوله: كثيراً.
وأنه كان يقبله كل مرة ثلاثاً إن رآه خالياً قاله العراقي في المغني (243/ 1).
(4) رواه البزار والحاكم من حديث عمر، وصحح إسناده، المصدر السابق.
إسناده
(0) أخرجاه دون الزيادة التي رواها عليّ، ورواه بتلك الزيادة الحاكم وقال: ليس من شرط الشيخين. المصدر
السابق. (2/54)
صفحة 511
قنطرة الحج
55
ورواية فرأى عليّاً فقال: يا أبا الحسن هاهنا تكسب العبرات فقال علي: يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع، قال: وكيف؟
قال: إن الله سبحانه لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتباً ثم ألقمه هذا الحجر فهو أمين الله يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد للكافر بالجحود قيل: فذاك معنى قول الناس عند الاستلام إيماناً بك وتصدقاً بكتابك ووفاء بعهدك.
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: «الركن والمقام يأتيان يوم القيامة مثل أبي قبيس له عينان وشفتان ولسانان يشهدان لمن وافي بالوفاء.
وأظن أنه قال عليه السلام: «لم يبقى شيء في الأرض من الجنة غير الحجر ولولا ما مسه من أنجاس المشركين لما استشفى ذو عاهة إلا برأ».
(1)
وفي الخبر: أنه يستجاب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعاً تحت الميزاب، وخلف المقام، وفي الطواف، وفي الملتزم؛ وهو ما بين الباب والحجر الأسود، وفي عرفة، وفي منى، وفي المزدلفة وعند الجمرات الثلاث أيضاً مستجاب وعلى الصفا والمروة، وفي السعي وفي كل موضع من هذه المواضع مستجاب فمن اجتهد / فيهن في الدعاء ترجى له [63/ب] الإجابة والله أعلم.
وروي عن الحسن: أن صوم يوم في مكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكذا كل حسنة بمائة ألف. ويقال: طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة وثلاث عمرات يعدل حجة.
وفي حديث آخر: «عمرة في رمضان كحجة [معي] (2).
وعنه أنه قال: «[أنا] (3) أول من تنشق عنه الأرض، ثم أتي (4) أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أتي أهل مكة فأحشر بين الحرمين (5).
(1) في الأصل: عن. واحسبه سهو من الناسح.
(0) ,
(2) ما بين المعقوفين من الإحياء والحديث قال عنه العراقي في تعليقه عليه بالمغني (243/ 1): أخرجاه من حديث ابن عباس دون قوله: «معي فهي عند مسلم على الشك: تقضي حجة أو حجة معي»، ورواه
الحاكم بزيادتها من غير شك.
(3) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(4) في الأصل: يأتي، والتصويب من الإحياء.
(5) رواه الترمذي وحسنه وابن حبان من حديث ابن عمر قاله العراقي في المغني (243/ 1). (2/55)
صفحة 512
01/ 18
قنطرة الحج
وفي الخبر: [إن] (1) آدم عليه السلام لما قضى مناسكه لقيته الملائكة عليهم السلام فقالوا: بر الله حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام (2).
وجاء في الأثر: «إن الله سبحانه ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض فأول من ينظر إليهم أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم] (3) أهل المسجد الحرام، فمن رآه طائفاً غفر له، و من رآه مصلياً غفر له ومن رآه قائماً مستقبل الكعبة غفر له.
ويقال: لا تغرب الشمس من يوم إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال (4)، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد (ه)، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة لا يرى الناس] (6) لها أثر، قال: [وهذا] إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف، فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا تذكر منه كلمة ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدَّجال، وينزل عيسى عليه السلام ويقتله، والساعة عند ذلك بمنزله الحامل المقترب تتوقع ولادتها. ويقال: مكتوب في أسفل المقام إن الله ذو بكة / حرمتها يوم خلقت السموات
والأرض، ووضعتها بين هذين الجبلين، وحففتها بسبعة أملاك، فجعلتها حرمي وأمني. وفي الخبر: «أكثروا (8) من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع وقد هدم مرتين وسيرفع في
الثالثة (9).
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(2) رواه المفضل الجندي ومن طريقه ابن الجوزي في العلل من حديث ابن عباس وقال: لا الأزرقي في تاريخ مكة موقوفاً على ابن عباس. (3) ما بين المعقوفين من الإحياء (243/ 1).
يصح، ورواه
(4) الأبدال، والأوتاد مصطلحان لأهل التصوف ولا أساس لهما من الصحة في صحيح الأحاديث وأما الأبدال: فيقولون أنهم أربعون رجلاً صالحاً كلما مات رجل أبدل بآخر وذلك إلى آخر الزمان كما في اعتقادهم. (5) وأما الأوتاد أو الأقطاب فهم عندهم وخصوصاً أهل مصر أربعة: الدسوقي، والبدوي، والرفاعي، القناوي ويختلفون فيما بينهم حسب طرفهم ويعتقدون أنهم أوتاد الأرض وحفاظها عافانا الله وإياهم وإياكم من
مثل هذا الاعتقاد.
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (243/ 1). (7) ما بين المعقوفين من الإحياء (243/ 1). (8) في الإحياء: استكثروا.
(9) رواه البزار وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عمر استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم =
:
= (2/56)
صفحة 513
قنطرة الحج
57
ويروى عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره (1) (2).
هذا
وعن النبي أنه جاءه رجل يسأله عن الحج ما له فيه؟ فقال عليه السلام: «أتسألني أم أخبرك بما تريد أن تسألني عنه؟ قال: فإنك جئتني [تريد] أن تسأل عن خروجك تؤم البيت. قال نعم يا رسول الله قال: لك بكل خطوة تخطوها راحلتك حسنة وتمحي عنك سيئة وترفع لك بها درجة، وأما طوافك فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، وأما ركعاتك بعد الطواف فكعتق رقبة من ولد إسماعيل، وأما طوفك. بين الصفا والمروة فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك بعرفات فإن الله سبحانه يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول: عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر ورمل عالج وعدد أيام الدنيا لغفرت، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة تكفير كبيرة، وأما نحرك فمُدَّخر لك عند ربك فذلك أحوج ما تكون إليه، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تقع من رأسك نوراً يوم القيامة، وأما إستلامك الحجر فإنه يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لكل من استلمه / له وإنه أمين الله في الأرض يصافح به من يشاء من خلقه وإنه لمن الجنة». وقد اختلف فيه أيضاً فروي عن ابن عباس أنه من الجنة وأنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا المشركين.
ويشفع
وعن وهبة بن منبه: أنه كان كاللؤلؤة إبيضاضاً فسوده المشركون. وعن محمد بن الحنفية: أنه حجر من أحجار الوادي والله أعلم وأحكم، وبه الحول
والتوفيق.
الفصل الثالث: في فضيلة المقام بمكة حرسها الله وكراهيته اعلم أن المقام بمكة له فضل عظيم وأجر جسيم قال الله سبحانه: {سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيْهِ وَالْبَاد) (3). يعني المقيم فيه والطارئ به.
وأي موضع أعظم بركة وأعظم درجة من موضع تكتب لك فيه الحسنات وتمحى عنك
مرتين، ويرفع في الثالثة. (المغني 243/ 1).
(1) ليس له أثر. قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) وإلى هنا وارد في الإحياء على غير ترتيب (242/ 1، 243).
(3)
سورة الحج الآية: 25.
[65/ب] (2/57)
صفحة 514
58
قنطرة الحج
السيئات، وأنت قاعد، كما قدمنا في الحديث. لكن كره الخائفون من العلماء المحاطين المقام بمكة لمعاني ثلاثة:
أحدها: خوف التبرم والأنس بالبيت فإن ذلك ربما تؤثر في تسكين حرقة القلب في الحرم ولهذا كان عمر رحمه الله يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول: يا أهل اليمن يمنكم. ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم. ولقد روي عن عمر أيضاً: أنه هم بمنع الناس من كثرة الطواف وقال: خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت.
الثاني: تهيج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية الرجوع فإن الله سبحانه جعل البيت مثابة للناس وأمناً؛ أي يثوبون ويعودون إليه مرة بعد أخرى ولا يقضون منها وطراً. وقال بعض السلف: تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من
[1/ 66) أن تكون / فيه وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر. وقال بعض السلف: كم من رجل بخراسان وهو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به
والله علم.
الثالث: الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك شديد الخطر وبالحرى (1) أن
يورث المقت من الله تعالى وذلك لشرف الموضع وعلو درجته.
قال: روي عن مهيب بن الورد المكي قال: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاماً بين الكعبة والأستار يقول: إلى الله أشكو، ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائغين حولي من تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك لانتفضن إنتفاضة يرجع كل مني إلى الجبل الذي قطع منه.
حجر
وعن ابن مسعود رحمه الله: ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالهمة قبل العمل إلا مكة، وتلا
(2)
قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيْهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم (2) أي أنه مجرد الإرادة. ويقال
السيئات تضاعف كما تضاعف الحسنات.
أيضاً.
وعن ابن عباس أنه كان يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم. وقيل: الكذب
(1) في الأصل بالحر والتصويب من الإحياء (244/ 1).
(2) سورة الحج الآية: 25. (2/58)
صفحة 515
قنطرة الحج
09
وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضاً لأن أذنب سبعين ذنباً بركية أحب إلي من أذنب ذنباً واحداً بمكة؛ قال: وركية منزل بين مكة والطائف. ولخوف ذلك انتهى بعض المقيمين إلى أن لا يقضي حاجته في الحرم بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة. وبعضهم أقام شهراً وما وضع جنبه على الأرض. وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجرة دور مكة. ولا تظنن أن كراهية المقام مناقض فضل البقعة لأن / هذه كراهية علتها ضعف الخلق وقصورهم عن [67/ب] المقام بحق الموضع فمعنى قولنا أن ترك المقام به أفضل بالإضافة إلى المقام مع التقصير والتبرم، فأما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات وكيف.
:
(1)
ولما عاد إلى مكة استقبل الكعبة وقال: إنك خير أرض الله عز وجل وأحب
بلاد الله تعالى إلي ولولا أني أخرجت منك (2) ما خرجت». وكيف لا والنظر إلى البيت عبادة، والحسنات فيها مضاعفة كما ذكرنا، والله أعلم وأحكم (3)
(r)
الفصل الرابع: في فضل المدينة
اعلم أن مدينة الرسول عليه السلام أفضل البلاد بعد مكة والبيت الحرام وقد جعل لها عليه السلام حرماً كحرم مكة، فقال: إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة، وأنا حرمت المدينة وهو ما بين لابتيها. يعني حرتيها وهو ما بين عير إلى ثور؛ وهما جبلان بالمدينة.
وقال عليه السلام: «المدينة خير لهم لو كان يعلمون. ودعا لها عليه السلام وبارك عليها فقال: اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا (4). وعن الزبير بن العوام قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عمر فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت: إني أريد الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان فقال ابن عمر: اقعدي يا لكعاع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا أحد على شدتها ولأوائها إلا كنت له شفعاً أو شهيداً يوم القيامة ولا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه وإنها / لتنقي [68/ب] الناس كما ينقي الكير خبث الحديد (5).
يصبر
(1) في الإحياء: لخير. (2) في الإحياء لما. والحديث ذكره العراقي تعليقاً في المغني (244/ 1) وقال: رواه الترمذي وصححه، والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء.
(3) الفصل بتمامه وكلامه في الإحياء للغزالي (244/ 1).
(4) طرفه عند: مسلم في الصحيح (الحج 483)، والترمذي في الجامع (3454)، ومالك في الموطأ (885). (0) عن نحوه مختصراً في الإحياء قال العراقي في المغني (245/ 1): حديث أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد. (2/59)
صفحة 516
قنطرة الحج
وكان عليه السلام يقول في جبل أحد: هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني أحب البقاع إليك. فأسكنه المدينة وجعل فيها قبره فثبت بما بقعة أفضل منها بعد مكة والأعمال فيها أيضاً مضاعفة إذ قال: «صلاة في
ذكرنا أنه
مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (1).
وكذلك كل عمل بالمدينة بألف وبعد المدينة الأرض المقدسة، فإن الصلاة فيها بخمسمائة، وكذلك سائر الأعمال.
وروي عن ابن عباس عن النبي أنه قال: صلاة في مسجد المدينة بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة (2).
وعنه أنه قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فإنه لن يموت بها أحد إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة (3).
وما بعد هذه البقاع الثلاث: فالمواضع فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام للمرابطة له فضل عظيم ولذلك قال: لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي. والمسجد الأقصى (4).
هذا
وقد ذهب بعض العلماء إلى الاستدلال بهذا الحديث في المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء الصلحاء.
وفي كتاب الغزالي قال: وما تبين لي أن الأمر كذلك بل الزيارة مأمور بها قال: كنت نهيتكم عن زيارة المقابر ألا فزوروها ولا تقولوا هجراً (5).
والحديث إنما ورد في المساجد، وليس في معناها المشاهد / لأن المساجد بعد
ألف
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم من حديث ابن عمر قاله العراقي في المغني (244/ 1). (2) غريب لم أجده بجملته، ورواه ابن ماجه من حديث ميمونة بإسناد جيد في بيت المقدس: «ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، وله من حديث أنس: صلاة بالمسجد الأقصى بخمسين صلاة، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة وليس في إسناده من ضعف وقال الذهبي: إنه منكر. قاله العراقي في المغني (245/ 1). (3) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال الترمذي حسن صحيح، المرجع السابق. (4) متفق عليه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، راجع المصدر السابق.
(5) رواه مسلم من حديث بريدة بن الحصيب، راجع المصدر السابق.
[1/ 14] (2/60)
صفحة 517
61
قنطرة الحج المساجد الثلاثة متساوية ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر، وأما المشاهد فلا تتساوى بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله عز وجل، نعم لو كان في موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد وينتقل إليه بالكلية إن شاء، ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل شد الرحال إلى قبور الأنبياء مثل إبراهيم، وموسى، وغيرهم عليهم السلام والمنع من ذلك في غاية الإحالة، وإذا جوز ذلك فقبور الأولياء والعلماء والصلحاء في معناها ولا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة ومقاصدها كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد هذا في الرحلة.
وعيسى
(
(1)
وأما المقام فالأولى بالمريد أن يلازم مكانه إذ لم يكن قصده من السفر استفادة العلم مهما سلم له حاله في وطنه فإن لم يسلم فليطلب من المواضع ما هو أقرب من الخمول، وأسلم للدين، وأفرغ للقلب، وأيسر للعبادة، وذلك أفضل المواضع له، إذ قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البلاد بلاد الله عز وجل والخلق عباده فأي موضع رأيت فيه رفقاً فأقم وأحمد الله تعالى (2).
وفي الخبر: من رزق من شيء فليلزمه، ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه» (3).
وعن بعضهم (4) قال: رأيت سفيان قد جعل جرابه على كتفيه وأخذ قلته. بيده فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله؟ قال: إلى بلد أملأ فيه جرابي بدرهم.
وفي حكاية أخرى قال: بلغني قرية فيها رخص أقيم فيها. قال فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، إذا سمعت برخص في بلد فاقصده فإنه أسلم لدينك وأقل لهمك. وكان يقول: هذا زمان سوء لا يأمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين / هذا زمان ينتقل فيه [70/ب] الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن.
ويحكى أنه قال: والله لا أدري أي البلاد أسكن فقيل له خرسان. فقال: مذاهب مختلفة، وآراء فاسدة قيل: فالشام قال: يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة. قيل: فالعراق.
(1) في الإحياء ويحيى بدل عيسى وأحسب أن ما هنا محرف.
(2) رواه أحمد والطبراني من حديث الزبير بسند ضعيف قاله العراقي في المغني (245/ 1). (3) رواه ابن ماجه من حديث أنس بالجملة الأولى بسند حسن، ومن حديث عائشة بسند فيه جهالة بلفظ: إذا سبب الله لأحدكم رزقاً من وجه فلا يدعه حتى يتغير أو يتنكر له». المصدر السابق.
(4)
في الإحياء: أبو نعيم. (2/61)
صفحة 518
62
قنطرة الحج
قال: بلدة الجبابرة. وقيل: مكة. قال: مكة تذيب الكيس والبدن وقال له رجل: عزمت على المجاورة بمكة فأوصني. قال: أوصيك بثلاث؛ لا تصلين في الصف الأول، ولا تصحبن قرشيا (1)، ولا تظهرن صدقة. قال: وإنما كره الصف الأول لأنه يشتهر فيفتقد فيختلط بعمله التزين والتصنع. والله أعلم وأحكم (2).
(1)
(2)
الفصل الخامس: في شرائط وجوب الحج وصحته وأركانه وواجباته ومحظوراته
وهذا الفصل يشتمل على خمسة أقسام:
الأول في الشرائط: وهي نوعان:
أحدهما: شروط لزوم الحج.
والثاني: شروط صحته.
فأما شروط اللزوم فهي خمسة: البلوغ العقل، الحرية الإسلام، الاستطاعة. فكل من لزمه فرض الحج لزمه فرض العمرة، ومن أراد دخول مكة لزيارة أو تجارة لزمه الإحرام، ثم يتحلل بعمرة أو حج، إلا من يكثر الترداد على مكة كالحطابين فقد جاءت الرخصة في دخولهم
مكة بغير إحرام.
:
وأما الاستطاعة فنوعان: إحداهما: للمباشرة وذلك له أسباب أما في نفسه فالصحة، وأما في الطريق فبأن تكون مخصبة مأمونة بلا بحر مخطر ولا عدو قاهر. وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه كان له أهل أو لم يكن لأن مفارقة الوطن شديد، وبأن يملك [1/ 71) نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة، وأن يملك / ما يقضي به ديونه، وأن يقدر على راحلة أو
كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة.
وأما النوع الثاني من الاستطاعة فهو استطاعة العاجز عن الحج بمرض أو غيره ولكنه
يستطيع الحج بماله وذلك أن يستأجر من يحج عنه بعد فراغ الأجير من حجة الإسلام. وقال بعض العلماء: إذا عرض الابن طاعته على الأب المزمن صار به مستطيعاً، قال: لأن الخدمة بالبدن فيها شرف للولد وبذل المال فيه منة على الوالد، ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير ولكنه فيه على خطر فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه، وإن مات قبل الحج
(1) في الأصل: قريشاً. وهو تحريف من الناسخ.
(2) راجع الفصل في الإحياء فهو فيه بجملته (244/ 1، 245). (2/62)
صفحة 519
قنطرة الحج
63
لقي الله عاصياً بترك الحج، وإن أوصى به وكان [الحج] (1) في تركته يحج عنه من ثلث ما مات عنه، وإن استطاع في سنة ولم يخرج مع الناس فتلف ماله في تلك السنة قبل حج الناس، ثم مات لقي الله سبحانه ولا. حج ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله.
عليه.
إذ قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا، وفي لفظ آخر قال: لقد هممت أن أبعث إلى أمصار المسلمين فلا أجد رجلاً بلغ سناً وجب عليه الحج فلم يحج إلا وضربت عليه الجزية والله ما أولئك بالمؤمنين، قالها ثلاثاً.
وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد، وطاوس لو علمت رجلاً غنياً وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه. وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه.
وعن الربيع بن حبيب قال: إن لم يوص به وهو مضيع مات كافراً.
وعنه أيضاً عن مجاهد عن ابن عمر قال: من / مات صحيحاً موسراً ولم يحج كان سيماً [72/ب] بين عينيه كافراً ثم تلا: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (2).
وكان ابن عباس يقول: من مات ولم يحج ولم يزك سأل الرجعة إلى الدنيا وقرأ قوله عزوجل: (رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ (3). قال: أحج. والله أعلم. الثاني شروط الصحة وهي نوعان: الوقت، والإسلام.
أما الوقت: فهو شوال، وذو القعدة وتسعة أيام. من ذي الحجة، واختلف في ليلة النحر هل يجزي فيها الوقوف بعرفة أم لا؟ فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة، وجميع
السنة وقت العمرة.
وأما شروط وقوعه بالإسلام فإن المشرك لا يجزي حجه عن حجة الإسلام إلا إذا
أسلم قبل الوقوف بعرفة.
وأما البلوغ:: فقد اختلف فيه هل هو شرط في الحج أم لا؟ والصحيح أن الصبي إذا حج
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (246/ 1).
(2) سورة آل عمران الآية: 97.
(3) سورة المؤمنون الآية: 99. (2/63)
صفحة 520
64
قنطرة الحج
وهو غير بالغ فعليه إعادة، وكذلك العبد إلا إذا بلغ الصبي، وأعتق العبد قبل الوقوف بعرفة فإنه يجزي عن حجة الإسلام لأن الحج عرفة.
ويشترط هذه الشروط في وقوع العمرة عن فرض الإسلام عند وقت الإحرام لأن الإحرام
ذلك شرط في العمرة كالطواف والله علم.
عنه
وأما شروط وقوع الحج نقلاً عن الحر البالغ فهي براءة الذمة عن حجة الإسلام، ثم القضاء لمن أفسده، ثم النذر إذا أوجبه على نفسه، ثم قضاء حق الغير إذا تحمله أن يحج بخلافه أو نيابة، ثم النفل بعد ذلك لغيره والله أعلم (1).
القسم الثاني في الأركان التي لا يصح الحج دونها وهي ثلاث (2) متفق عليها عند
أصحابنا:
لزمه دم.
أحدها: الإحرام من الميقات أو من غيره لكن إذا أحرم من بعد / أن جاوز الميقات
الثاني: الوقوف بعرفات نهاراً، فإن غابت الشمس ولم يقف فلا حج له، وقيل إن وقف
ساعة قبل طلوع فجر يوم النحر فقد أجزاه.
الثالث: طواف الزيارة بعد التحلل من الإحرام يوم النحر فمتى الحاج بشيء من هذه الثلاث فقد بطل حجه، وكذلك المعتمر تبطل عمرته بترك الإحرام والطواف خاصة. واختلف في السعي بين الصفا والمروة؛ فقيل هو فرض وأكثر القول أنه سنة، وكذلك
ذكر الله عند المشعر الحرام مختلف فيه وأكثر القول أنه سنة. وأما اجتناب الصيد والجماع وما نهي المحرم عنه في الحج فهو فرض على الحاج والمعتمر والله أعلم.
القسم الثالث: في الواجبات التي تجبر بالدم فهي مثل ترك الإحرام من الميقات، وترك ركوع الطواف حتى يخرج من الحرم، وترك المبيت بالمزدلفة، وترك الوقوف بالمشعر الحرام، وترك ذكر الله عز وجل فيه وترك الحلق والذبح وجمرة العقبة، وترك رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق، وترك طواف الوداع، فمن ترك شيئاً من هذه المذكورات فعليه دم، والجمار
(1)
ورد أغلب الفصل في إحياء علوم الدين للغزالي (246/ 1). (2) في الإحياء: خمسة، وعدها.
[1/ vr] (2/64)
صفحة 521
قنطرة الحج
إن ترك ثلاث حصايات فصاعد الزمه دم والله أعلم.
القسم الرابع: في وجوب أداء الحج والعمرة وهي ثلاثة؛ تمتع، وقران، وإفراد.
أما المتمتع: فهو إفراد العمرة مجردة عن الحج فيحل منها ثم يردفها الحج في عامة ذلك
ولها ستة شروط:
أحدها: أن يحرم بها في أشهر الحج.
الثاني: أن يحل منها في أشهر الحج. والثالث: أن يحرم بالحج في عامه ذلك.
والرابع: أن يكون ذلك قبل الرجوع إلى أفقه أو مثل أفقه. الخامس: / أن تقع العمرة قبل الحج في عام واحد.
السادس: أن لا يكون من أهل مكة ولا ذي طوى. والمتمتع أيضاً نوعان: أحدهما: متمتع يسوق الهدي إذا قدم مكة فطاف وركع وشرب من ماء زمزم وسعى بين الصفا والمروة فليقم بمكة محرماً من غير حلق ولا تقصير حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر، فيحلق حينئذ ويقصر.
والثاني: متمتع لا هدي معه فإنه إذا فرغ من مناسك العمرة بالحلق والتقصير فقد حل له كل شيء من النساء والطيب وغير ذلك ما خلا صيد الحرم فإنه حرام على المحلين
والمحرمين.
وأما القرآن: فهو أن يجمع بين الحج والعمرة معاً فيصير محرماً بهما، وتكفيه أعمال الحج من السعي والطواف وعند تجديدهما للعمرة في قول بعض الفقهاء، وتندرج العمرة الوضوء تحت الغسل، إلا أنه إذا طاف وسعى قبل الوقوف فسعيه
كما تحت الحج، يندرج محسوب من النسكين في قول بعضهم، وأما طوافه فغير محسوب لأن شرط طواف الفرض والحج أن يقع بعد الوقوف والأحسن عندي: إذا قدم القارن مكة فليطف للعمرة ويركع ويشرب من زمزم ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا فرغ أقام محرماً ولا يطوفن بالبيت، ثم إذا رمى جمرة العقبة ذبح وحلق وحلّ من إحرامه ما خلا النساء والطيب ثم إذا طاف للزيارة وسعى، فقد حل له الحلال كله ويلزمه دم شاة لتركه الحلق من العمرة، والله أعلم. وأما الإفراد: فهو أن يحرم بالحج مفرداً ولا يطوف بالبيت إن قدم في عشر ذي الحجة قناطر الخيرات ج/ 2/ 5
[74/ب] (2/65)
صفحة 522
قنطرة الحج
[1/ 75) وأما قبنها فلا باس وإذا طاف أقام محرماً حتى / يرمي جمرة العقبة فيحل ويزور البيت، فإذا فرغ من الحج خرج إلى الحل لإحرام فيحرم بها من الجعرانة أو من التنعيم أو من الحديبية وليس على المفرد دم إلا أن تطوع والله أعلم.
[1/ 76]
والتمتع عند أصحابنا أفضل من الإفراد والإفراد أفضل من القران، ثم المتمتع يلزمه ما استيسر من الهدي إذا لم يكن المحرم من حاضري المسجد الحرام وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيه الصلاة وقيل: هم أهل الحرم، فإذا لم يكن المتمتع من حاضري المسجد الحرام فعليه، دم فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل النحر آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع في الطريق وقيل في الوطن، وبدل دم القرآن إذا لم يجد كدم المتمتع سواء والله أعلم (1). القسم الخامس في محظورات الحج والعمرة: وهي ستة:
أحدها: لبس القميص والسراويل والخف والعمامة بل ينبغي أن يلبس إزاراً، ورداء، ونعلين، فإن لم يجد نعلين فمكعباً من الأخفاف، وإن لم يجد إزاراً فسراويل، ولا بأس بشد الهميان (2) على وسطه لئلا تضيع النفقة، وكذلك الاستظلال بالمحمل والقباب والخيم وليحذر أن تمس رأسه أو يغطيه فإن إحرام الرجل في رأسه وأما المرأة فلها أن تلبس كل مخيط ما خلا الخز والحرير والديباج والحلي في عنقها بعد أن تستر وجهها ببرقع ولا بما يماسه بل إحرامها في وجهها والله أعلم (3).
(3)
: الطيب فليجتنب كل ما يعده العقلاء طيباً فإن تطيب أو لبس مخيطاً أو غطى رأسه
الثاني: متعمداً فعليه دم شاة.
الثالث: نزع الشعر وقلم / الأظفار فإن نزع أو قلم ثلاثاً فصاعداً فعليه دم وفيما دون ذلك لكل واحد طعام مسكين وكذلك إذا أدمى نفسه ولا بأس بالاكتحال والإدهان والتداوي بما لا طيب فيه.
الرابع: الجماع وهو مفسد للحج إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو وقع في العمرة فإن جامع
متعمداً فلا حج له لكن يؤمر بإتمامه وعليه أن يهدي بدنة والحج من قابل.
الخامس: مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة والنظر والمباشرة وشبهها فإن فعل شيئاً من
(1) نحو هذا القوم في الإحياء (246/ 1، 247).
(2) وهو ما يسمى اليوم بالكمر».
(3) وهذا القسم بنصه في الإحياء (247/ 1). (2/66)
صفحة 523
67
قنطرة الحج هذا فأمنى فقد فسد حجه كما تقدم وإن لم يمن ماء دافقاً فعليه دم إذا أمنى والله أعلم. السادس: قتل صيد البر الذي يؤكل منه أو ما هو متولد بين الحلال والحرام فإن قتل
صيداً فعليه دم. مثله وهوام البدن (2) و
(1)
،
من النعم يراعي فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ولا جزاء فيه فيه حبة أو ثمرة أو لقمة والله أعلم. اختصرنا هذه الأشياء اختصاراً لأن هذا كله
مشروح في كتاب الحج الذي ألفناه وبالله التوفيق.
الباب الثاني
في ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع
وهي عشر جمل:
الجملة الأولى في السنن من أول الخروج إلى الإحرام، وهي ثمانية: أحدها: في المال فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقة إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع، ويستصحب زاداً من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالضعفاء / والفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه، ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل لا تضعف، أو [77/ب] يكتريها، فإن اكترى فليظهر للمكاري ما يريد أن يحمله من قليل وكثير، ويحصل رضاه فيه.
الثانية: في الرفيق ينبغي أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير معيناً عليه إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه وإن جبن شجعه، وإن عجز، قواه، وإن ضاق صدره صبره، ويورع رفقاءه وإخوانه المقيمين ويلتمس أدعيتهم فإن الله تعالى جاعل له في أدعيتهم خيراً، والسنة في الوداع أن يقول: استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك (3) وكان يقول لمن أراد السفر: «في حفظ الله، وكنفه زودك الله التقوى وغفر ذنوبك، ووجهك للخير أينما توجهت (1)
(1) كذا ذكره الغزالي في كتابه الإحياء (247/ 1).
(2) هوام البدن كالقمل والبراغيث، والديدان الشرجية.
(3) رواه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث ابن عمر أنه كان يقول للرجل إذا أراد سفراً: أدن مني. حتى كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا العراقي في المغني (248/ 1).
(4) رواه الطبراني في الدعاء من حديث أنس وهو عند الترمذي وحسنه دون قوله: «في حفظ الله وكنفه».
المصدر السابق. (2/67)
صفحة 524
68
قنطرة الحج
فهذا ينبغي أن يدعى به للمتولي دون غيره.
الثالثة: في الخروج من الدار ينبغي إذا هَمَّ بالخروج أن يودع المنزل بركعتين يصليهما يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة الإخلاص ثلاثاً فإذا فرغ رفع يديه ودعى الله سبحانه عن إخلاص صادق ونية صادقة وقال: اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل والمال والولد، والأصحاب، احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم هون علينا السفر واطو لنا الأرض، وارزقنا في سفرنا هذا سلامة البدن والدين والمال، وبلغنا بيتك الحرام، وزيارة قبر نبيك محمد عليه السلام اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب [1/ 78] / وسوء المنظر في المال والأهل والولد والأصحاب، اللهم اجعلنا وإياهم في جوارك، ولا تسلبنا وإياهم نعمتك، ولا تغير ما بنا وبهم من عافيتك (1).
بسم
الرابعة: إذا حصل على باب الدار قال: الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، رب إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أذل أو أذل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ، اللهم إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة بل خرجت إتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك وقضاء فرضك وإتباع سنتك وشوقاً إلى لقائك، فإذا مشى قال: اللهم بك انتشرت، وعليك توكلت، وبك اعتصمت، وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي ورجائي، فاكفني ما أهمني وما لا اهتم به، وما أنت أعلم به مني، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، اللهم زودني التقوى،
(2)
واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت. ويدعو بهذا الدعاء في كل منزل يرحل عنه (2).
الخامسة: في الركوب وإذا ركب راحلته فليقل: بسم الله وبالله، الله أكبر، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إني وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وتوكلت في جميع أموري عليك أنت حسبي ونعم الوكيل. فإذا استوى على الراحلة واستوت تحته قال: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر سب مرات، وقال: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم أنت الحامل [1/ 79] على الظهر، / والمستعان على الأمور)
(1) كذا في الإحياء (248/ 1).
(3)
(2) في الإحياء بنصه. غير أنه قال في آخره: في كل منزل يدخل عليه (248/ 1).
(3) المصدر السابق بنصه.
سبع (2/68)
صفحة 525
قنطرة الحج
69
السادسة في النزول، والسنة في النزول أن لا ينزل حتى يحمى النهار ويكون أكثر سيره
بالليل، قال عليه السلام عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار (1). وليقلل نومه بالليل حتى يكون ذلك عوناً على المسير، ومهما أشرف على المنزل فليقل: اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين ورب البحار وما جرين، أسألك. خير هذا المنزل وخير أهله وخير من فيه وخير ما فيه، اصرف عني شر شرارهم يا أرحم الراحمين. فإذا نزل المنزل صلى فيه ركعتين، ثم قال: أعوذ بكلمات التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق. فإذا جن عليه الليل قال يا أرض وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دبّ ربي عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن ساكني البلد، ووالد وما ولد، وله ما سكن في الليل والنهار، وهو السميع العليم (2).
السابعة: في الحراسة وينبغي أن يحتاط بالنهار ولا يمشي منفرداً خارج القافلة لأنه ربما يغتال أو ينقطع ويكون بالليل متحفظاً عند النوم، فإن نام في ابتداء الليل افترش ذراعه، وإن نام في آخر الليل نصب ذراعه نصباً، وجعل رأسه في كفه هكذا كان ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره (3) فيما بلغنا لأنه ربما استثقل النوم فتطلع الشمس وهو لا يدري فيكون ما فاته من الصلاة أفضل مما يناله / من الحج. والأحب في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة فإذا نام [80/ب] فهو السُّنَّة، فإن قَصَدَهُ عدو أو سَبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي، وشهد الله وسورة الإخلاص والمعوذتين وليقل: بسم الله لا قوة إلا بالله، الله، توكلت على الله، ما شاء الله، لا يأتي بالخيرات إلا الله، ما شاء الله، السوء إلا الله، الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى، ولا دون الله ملجأ، الله وكفى حسبي كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز تحصنت بالله العلي العظيم، واستعنت بالحي
أحدهما
سبي
حرس
الآخر (4)
6
سمع
لا يصرف
(1) رواه أبو داود من حديث أنس دون قوله ما تطوي بالنهار وهذه الزيادة في الموطأ من حديث خالد بن معدان مرسلاً. قاله العراقي في المغني (248/ 1).
(2)
بنصه في المصدر السابق.
(3) رواه أحمد، والترمذي في الشمائل من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح وعزاه أبو مسعود الدمشقي والحميدي إلى مسلم ولم أره فيه. قاله العراقي في المغني (249/ 1).
(4) رواه البيهقي من طريق ابن إسحاق من حديث جابر في حديث فيه فقال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ فقال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري الحديث والحديث عند
أبي داود ولكن ليس فيه قول الأنصاري للمهاجري، المصدر السابق. (2/69)
صفحة 526
70
قنطرة الحج
الذي لا يموت، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت ثقتنا ورجاؤنا، اللهم اعطف علينا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت أرحم الراحمين (1).
الثامنة: مهما علا نشزاً من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثاً ثم يقول: اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال. ومهما هبط، سبّح، ومهما خاف الوحشة في سفره قال: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح جلل السموات بالعزة والجبروت. وبالله التوفيق (2).
(2)
الجملة الثانية: في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة، وهي خمسة:
الأول: أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام إذا انتهى إلى الميقات المشهور الذي يحرم غسله بالتنظيف والإتيان بخصال الفطرة من تقليم الأظفار، ونتف
يتم
(4)
الناس منه وينبغي له أن [/]] الأبطين / وحلق العانة، وقص، وغير ذلك من استكمال النظافة التي قدمت في الطهارة (3). الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة، ويتجرد عنها، ويلبس ثوبين للإحرام يستحب أن يكونا جديدين أو غسيلين لم يلبسا منذ غسلا فيرتدي أحدهما ويتزر بالآخرة والأبيض من الثياب أحب إلى الله تعالى الثالث: أن يركع ركعتين ويحرم على إثرهما إن لم تحصر صلاة مكتوبة، ثم إذا فرغ عقد النية للإحرام على ما أراد من تمتع أو قران أو إفراد، ويكفي مجرد النية لانعقاد الإحرام مع لفظ التلبية، فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك] (5) لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك [والملك] (6) لا شريك لك لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله وإن قرن فليقل: بحجة وعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله وإن أفرد فليقل: بحجة تمامها وبلاغها عليك يا الله. وإن شاء زاد في التلبية، فقال؛ لبيك وسعديك والخير كله بيديك (7)، والرغباء إليك، لبيك حقاً
(1) بنصه في الإحياء (249/ 1).
(2) بنصه في الإحياء الموضع السابق.
(3) نصه في المصدر السابق.
(4) في المصدر السابق بنحوه وأتم مما هنا.
(5) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبته من المصدر السابق. (6) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبته من المصدر " سابق. (7) في الأصل: بيدك والتصويب من المصدر السابق.
، (2/70)
صفحة 527
قنطرة الحج
حقاً تعبداً ورقاً اللهم صلى على محمد وآل محمد، وبالله التوفيق (1).
71
الرابع: ينبغي له أن يلبي إذا انبعثت به راحلته إن كان راكباً وإذا أخذ في السير إذا كان راجلاً. ويستحب له أن يقول: اللهم إني أريد العمرة أو الحج فيسره لي وأعني على أداء فرضك وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فرضتك في الحج فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك، واتبعوا أمرك واجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت وقبلت وكتبت / وسميت، اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وبشري وعصبي ومخي وعظامي، [82/ب]
وحرمت على نفسي النساء والطيب ولبس المخيط ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فليجتنب من حين أحرم المحظورات الستة التي (3) ذكرناها قبل (3)
(2)
الخامس: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام عند اصطدام الرفاق، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، وعند كل ركوب ونزول رافعاً بها (4) صوته، بحيث لا. حلقه، ولا ينهر، فإنه لا ينادي أصم ولا غائباً (5). كما ورد في الخبر، ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة فإنها مظنة المناسك - أعني المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد الميقات ـ وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت، وكان الله إذا أعجبه شيء قال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» (1).
الجملة الثالثة: في آداب دخول مكة إلى الطواف، وهي ستة:
الأولى: أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة ويقال الاغتسالات المستحبة، ويقال: المسنونات في الحج تسع؛ أحدها: اغتسال الإحرام، ثم لدخول مكة، ثم لطواف القدوم، ثم للوقوف بعرفة، ثم ثلاثة اغتسال لرمي الجمار الثلاث والغسل لطواف الزيارة، ولطواف الوداع، ولم ير ذلك بعضهم.
الثانية: أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارج مكة: اللهم هذا حرمك وأمنك
(1) بنحوه في المصدر السابق.
(2)
(4)
في الأصل: التي وهو لحن.
بنصه في الإحياء (249/ 1، 250).
في الأصل: به. وهو لحن.
(5) متفق عليه. حديث أبي موسى العراقي في المغني (250/ 1). من
(6) رواه الشافعي في المسند من حديث مجاهد مرسلاً بنحوه وللحاكم وصححه من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال: «إنما الخير خير الآخرة». المصدر السابق. (2/71)
صفحة 528
72
قنطرة الحج
[1/ 83] فحرم لحمي ودمي وبشري على النار وأمني من / عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من
أوليائك وأهل طاعتك.
الثالثة: أن يدخل مكة من جانب الأبطح وهي من ثنية كداء بفتح الكاف، يقال: أن رسول الله عليه السلام عدل إليها من جادة الطريق (1)، فالتأسي به أولى فإذا خرج فليخرج من ثنية كداء بضم الكاف وهي الثنية السفلى والأولى هي العليا.
الرابعة: إذا دخل مكة وانتهى إلى رأس الردم فعنده يقع بصره على البيت فليقل: لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام، فحينا يا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم فزده تعظيماً وزده تشريفاً وتكريماً ومهابة وزد من عظمه وشرفه وكرمه تكريماً وإيماناً ومهابة ممن حجه واعتمره من عبادك الصالحين، اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم.
الخامسة: إذا دخل المسجد الحرام فليدخل من باب بني شيبة اقتداء بالنبي عليه السلام وليقدم رجله اليمنى عند الدخول وليقل: بسم ا الله وبالله ومن الله، وإلى الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله فإذا قرب من البيت قال: الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك [1/ 84) ورسلك، وليرفع يديه وليقل: اللهم / إني أسألك في مقامي هذا في أول مناسكي أن تقبل توبتي، وتتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري الحمد الله الذي بلغني بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمنا وجعله مباركاً وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك، والبلد بلدك، والحرم حرمك، والبيت بيتك، جئت أطلب رضاك ورحمتك، وإتمام طاعتك، أسألك مسألة البائس الفقير المضطر إليك المستسلم لأمرك، الخائف من عقوبتك الراجي لرحمتك، الطالب لمرضاتك، أسألك أن تستقبلني بعظيم عفوك، وأن تجود لي بمغفرتك، وأن تعينني على أداء
فرائضك.
السادسة: أن تقصد الحجر الأسود بعد ذلك، وتمسه بيدك اليمنى، وتقبله، وتقول: اللهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته أشهد لي بالموافات. فإن لم تستطع التقبيل والمس، فقف
(1) متفق عليه من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء. ..... الحديث. العراقي في المغني (250/ 1). (2/72)
صفحة 529
قنطرة الحج
73
في مقابلته وقل ذلك، ثم لا تعرج على شيء دون الطواف، وهو طواف القدوم إلا أن تجد الناس في الصلاة المكتوبة فتصلي معهم، ثم تطوف (1).
الجملة الرابعة: في الطواف.
فإذا أراد القادم مكة افتتاح الطواف إما للعمرة أو للقدوم فينبغي أن يراعي أموراً ستة: الأول: أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث والخبث في الثوب والبدن، والمطاف، وستر العورة، والطواف بالبيت صلاة لكن أحل الله فيه الكلام، وليضطبع قبل ابتداء الطواف؛ وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه اليمنى، ويجمع طرفيه على منكبه الأيسر، / فيرخي طرفاً وراء ظهره، وطرفاً على صدره ويقطع التلبية عند ابتداء الطواف، ويشتغل [85/ب] بالأدعية التي سنذكرها.
الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره وليقف عند الحجر، وليتنح عنه قليلاً ليكون الحجر قدامه، فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ابتداء طوافه، وليكن بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات ليكون قريباً من البيت فإنه أفضل، ولكي لا يكون طائفاً على الشذروان، فإنه من البيت، وعند الحجر الأسود قد يتصل الشذروان بالأرض، ويلتبس به، والطائف عليه لا يصح طوافه لأنه طاف في البيت والشذروان هو الذي فضل من عرض جدار البيت بعد أن ضيق أعلى الجدار، ثم من هذا الموقف يبتدئ الطواف على يمينه.
الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحَجر في ابتداء الطواف بسم ا الله الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنتك وسنة نبيك محمد، ثم يأخذ في الطواف، فأول ما يجاوز الحجر ينتهي إلى باب البيت فيقول: اللهم هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك، اللهم قني شُح نفسي، واجعلني من المفلحين، واعذني من النار، ومن الشيطان الرجيم، وَحَرَّم لحمي ودمي على النار، وأمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة، ثم يسبح الله تعالى، ويحمده ويهلله، حتى يبلغ الركن العراقي فعنده يقول: اللهم إني / أعوذ بك من الشرك والشك والكفر [86/ب]
اللهم
والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد. فإذا بلغ الميزاب قال: أظلنا: تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظل عرشك، اللهم اسقنا من كأس نبيك محمد عليه السلام شربة لا نظمأ بعدها أبداً. فإذا بلغ الركن الشامي قال: اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً
(1) الجملة السابقة بتمامها في إحياء علوم الدين بنصها (250/ 1، 251). (2/73)
صفحة 530
[1/ 87]
74
قنطرة الحج
مشكوراً وذنباً مغفوراً وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور، اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم. فإذا بلغ الركن اليماني قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، ومن عذاب القبر، وضيق الصدر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وموقف الجزي في الدنيا والآخرة. ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. فإذا بلغ الحجر قد تمَّ شوط واحد فيطوف كذلك سبعة أشواط ويدعو بهذه الأدعية في كل شوط. الرابع: ترك الرمل في مشي الطواف؛ ومعنى الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهو دون العدو وفوق المشي المعتاد والمقصود منه ومن الاضطلاع إظهار الشطارة والجلادة والقوة وقد فعل ذلك النبي عليه السلام وأصحابه لما بلغ المشركين عنهم أنهم في جهد وشدة جوع، فأمرهم عليه السلام أن يرملوا لكي يرى المشركون أن. قوة وأنهم غير كما بلغهم عندهم، ثم ترك الرمل بعد ذلك.
مجهودين
بهم
وكان ابن عباس رحمه الله فيما بلغنا / لا يرى الرمل شيئاً ويقول: إنما فعل ذلك النبي عليه السلام للعلة المتقدمة. وكذلك عند أصحابنا لا يرون الرمل شيئاً وهو عندهم من متروك
(1)
السنن. والله أعلم.
الخامس: إذا فرغ من اسبوعه، فليركع ركعتين خلف المقام أو حيث أمكنه في المسجد، وهما من مؤكدات السنن فمن تركها حتى خرج من الحرم فليركعهما وليهرق دماً أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بفاتحة الكتاب وسورة قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة الإخلاص ثلاثاً.
ويستحب
السادس: يكره الطواف قبل طلوع الشمس وبعد العصر إلا أن يطوف أسبوعاً ثم يدع الركعتين حتى ترتفع الشمس فيصليهما وإذا صلى المغرب صلاهما أيضاً إن طاف بعد العصر وقيل إن شاء صلاهما قبل المغرب والله تعالى أعلم وأحكم (2).
(2)
وهنتهم
حمى
(1) حديث مشروعية الرمل والاضطباع قطعاً لطمع الكفار وبقيت تلك السنة أما الرمل فمتفق عليه من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون إنه يقدم عليكم قوم قد يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة الحديث، وأما الاضطباع فروى أبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه من حديث عمر قال: فيم الرملان الآن، والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله العراقي في المغني
(251/ 1، 252)
(2) راجع في الجملة الرابعة بأقسامها الإحياء فقد ورد بها أربع أقسام منه نصاً وبعض الخامس، والسادس
(251/ 1، 252) (2/74)
صفحة 531
قنطرة الحج
Vo
الجملة الخامسة: في زمزم والسعي.
فإذا فرغ من الركعتين فليأت زمزم وليشرب من مائها وليصب على رأسه وليقل: اللهم إني أسألك إيماناً تاماً ويقيناً ثابتاً، وديناً قيماً، وعلماً نافعاً وعملاً صالحاً، ورزقاً حلالاً واسعاً وشفاء من كل داء. ويستحب أن يكون في تلك الحالة مستقبلاً للقبلة: وجهه وذراعيه أيضاً.
وكان ابن عباس فيما بلغنا يقول: التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق.
ويمسح من
ذلك
وفي بعض كتب أصحابنا: إذا فرغ من الطواف فليأت الملتزم، وهو بين الحجر والباب، وهو موضع استجابة الدعاء / فليلصق بطنه بالبيت وليتعلق بأستار الكعبة وليدع بما فتح الله، [88/ب] وليخرج إلى الصفا من باب الصفا؛ وهو الباب الذي بحيال الحجر في مقابلته، ويسمى باب الجنائز، وليكن خروجه أولاً من بين الأسطوانتين المطليتين بالذهب، وهو يقول: اللهم أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعلني من لدنك سلطاناً نصيراً. فإذا بلغ الصفا صعد عليه ولا يعلوه ولكن بقدر ما يرى البيت وقيل إلى خمس درجات، ومن لم يستطع قام في أصله وكذلك المرأة تقوم في أصله وعند رقيه على الصفا ينبغي أن يستقبل البيت، ويكبر سبع تكبيرات ويثني على الله تعالى، ويصلي على رسوله، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات ويسأل الله حوائجه من أمر دنيا وآخرة ويستجب له أن يقول: الله أكبر الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا وأولنا وأحسن إلينا، الحمد الله بجميع محامده على نعمه، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. جميع ويميت وهو على كل يحيي شيء قدير، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من / الحي، [89/ب] ويحيي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون.
اللهم إني أسألك إيماناً دائماً، وعلماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وأسألك العفو
الله
والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ويصلي على محمد عليه السلام ويدعو ا تعالى بما شاء من حوائج دنيا وآخرة، ثم ينزل ويبتدئ في السعي وهو يقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ويمشي على هيئته حتى ينتهي إلى الميل الأخضر،
، وهو
على (2/75)
صفحة 532
76
قنطرة الحج
زاوية المسجد الحرام، فإذا بقي بينه وبين محازاة الميل ستة أذرع أخذ في السير السريع وهو الهرولة حتى ينتهي إلى الميلين الأخضرين، ثم يمسك عن الهرولة ويمشي، فإذا انتهى إلى المروة صعد عليها كما صعد على الصفا، وأقبل بوجهه على الصفا، وكبر ودعا بمثل دعاء الصفا، ثم ينزل ويسعى إلى الصفا ممتثلاً ما قدمناه من المشي والهرولة بين العلمين، يفعل هذا سبعة أشواط يبتدئ بالصفا حتى يصل إلى المروة، فيعود إلى الصفا، فيعد ذلك شوطاً واحداً، ولا يعد الرجوع إلى الصفا شوطاً، ولكن يعد من الصفا إلى المروة، ثم إلى الصفا شوطاً، حتى يتم سبعة، يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة، فإذا فعل ذلك فليقصر أو يحلق إن كان متمتعاً، وإن كان مفرداً أو قارناً فليقم على إحرامه حتى ينحر الهدي بمنى يوم النحر. والطهار في السعي مستحبة وليست بواجبة بخلاف الطواف والله أعلم.
وفي كتاب الغزالي قال: وإذا سعى فينبغي أن لا يعيد / السعي بعد الوقوف ويكتفي بهذا ركناً: قال: فإنه ليس من شرط السعي أن يتأخر عن الوقوف قال: وإنما ذلك شرط في طواف الركن، نعم شرط كل سعي أن يقع) بعد طواف أي طواف كان وهذا لغير المتمتع، والله أعلم
وأحكم.
(1)
الجملة السادسة: في الإحرام بالحج والخروج إلى منى.
من
المناسك،
والوقوف بعرفة فإذا أحل المتمتع من عمرته كما قدمنا وأقام بمكة حلالاً يطوف بالبيت متى ما شاء ويركع مع كل أسبوع ركعتين فإذا كان نصب النهار من يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة فليغتسل إن أمكنه وإلا أجزاء الوضوء، وليحرم بالحج كما قدمنا في العمرة والتلبية وغير ذلك، فإذا ركع وأحرم ولبى قام متوجهاً من الركوع إلى منى وهو يلبي، ولا يقف عند البيت بعد التلبية، فإذا بلغ منى قال: اللهم إن هذه منى، وهي مما دللت عليه أسألك أن تمن علي فيها وفي غيرها بما مننت به على أوليائك وأصفيائك، فها أنا عندك وبين يديك وفي قبضتك، فيصلي بها خمس صلوات آخرهن صلاة الفجر، ثم يمشي رويداً إلى عرفات، فإذا بلغ وادي محسر فليقف حتى تطلع الشمس، وحد منى فيما بلغنا من جمرة العقبة إلى وادي محسر، وهو الذي عند حياض الماء التي عند مجمع الجبلين، وهما: الجبل الذي عن يمين الذاهب إلى عرفات والجبل الذي يجتمع فيه ماء منى كلها والله أعلم. فإذا طلعت عليه الشمس فليدفع إلى عرفات وهو يلبي، وينبغي أن يقول: اللهم إليك أفضت، ومن
(1) في الأصل: يقعه. وهو تحريف. (2/76)
صفحة 533
VV
قنطرة الحج / عذابك أشفقت، وإليك، صمدت وإياك اعتمدت ورحمتك أردت اللهم اجعلها خير [91/ب] غدوة غدوتها قط، وأقربها إلى رضوانك وأبعدها من سخطك. أسألك أن تبارك لي في رزقي ورحيلي، وأن تلقني في عرفات حاجتي، وأن تباهي بي من هو أفضل مني، فإذا أتى عرفات فليضرب خباءه بنمرة قريباً من المسجد، ويقال: ثم ضرب رسول الله عليه السلام قبته (1)، ونمرة هي بطن عُرنة دون الموقف، ودون عرفة فيما وجدت وليغتسل للوقوف، ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وأقامتين ويقصر الصلاة، ثم يروح إلى الموقف ويقف بعرفة، ولا يقفن في وادي عُرنة.
ويستحب له المشي من مكة إلى المناسك إلى انقضاء حجة إن قدر وإلا فالمشي من مسجد إبراهيم عليه السلام إلى الموقف أفضل وأكد.
وفي كتاب الغزالي ويقال: صدر مسجد إبراهيم عليه السلام من وادي عُرنة وأخرياته من عرفة، فمن وقف في صدر المسجد لم يحصل له الوقوف بعرفة ويتميز مكان عرفة من المسجد بصخرات كبار فرشت هناك.
والأفضل أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام مستقبلاً للقبلة، وليكثر من أنواع التحميد والتسبيح والتهليل والثناء على الله عز وجل والدعاء والتوبة، ولا يصوم في هذا اليوم ليقوى على المواظبة على الدعاء، ولا يقطع التلبية يوم عرفة إلا بعد الغروب ليجمع في عرفة بين الليل
والنهار، وإن أمكنه الوقوف يوم الثامن ساعة عند إمكان الغلط في الهلال فهو الحزم وبه الأمن / من فوات الوقوف، ومن فاته الوقوف حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج باتفاق، [92/ب]
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن غابت الشمس ولم يقف فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بأعمال العمرة، ثم يهرق دماً لأجل الفوات، ثم يقضي الحج من عام قابل، ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج، والله أعلم. وليكن أهم اشتغال الواقف بعرفة الدعاء ففي مثل تلك البقعة ومثل ذلك الجمع ترجى أجابت الدعوات والدعاء المأثور عن رسول الله، وعن
(Y),
(1) رواه مسلم من حديث جابر الطويل؛ فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة .... الحديث. قاله العراقي في المغني (254/ 1).
(2) قال العراقي تعليقاً على ذلك في المغني (254/ 1): حديث الدعاء المأثور في يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحديث رواه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقال: حسن غريب وله من حديث علي قال: أكثر ما دعا به رسول الله لا عشية عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول لك صلاتي = (2/77)
صفحة 534
VA
قنطرة الحج
السلف في يوم عرفة أولى وأحق أن يدعي، به وقد ذكرت ذلك أو أكثره في كتاب مناسك الحج الذي ألفناه، فمن أراد ذلك فليطلبه هناك، وينبغي أن يلح في الدعاء والمسألة فإن الله سبحانه لا يتعاظمه ذنب يغفره، ولا مطلوب يمن به.
(1)
وقد روي عن مطرف بن عبد الله أنه قال وهو بعرفة: اللهم لا ترد الجمع من أجلي. وقال بعضهم: لما نظر إلى أهل عرفات ظننت أنه قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم. وهكذا ينبغي أن يكون من عرف الله تعالى يرهبه أشد رهبة ويرغب إليه أعظم رغبة وبالله التوفيق الجملة السابعة: في الدفع من عرفات والوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة. فإذا أفاض الحاج من عرفة بعد غروب الشمس، فينبغي أن يكون على السكينة والوقار وهو يلبي، وليجتنب الإسراع؛ فإن النبي عليه السلام نهى عن إسراع وجيف الخيل وإيضاع الإبل وقال: [1/ 93] «اتقوا الله / وسيروا سيراً جميلاً لا تطؤا ضعيفاً ولا تؤذوا] (2) مسلماً».
وروي
أنه عليه السلام لما دفع من عرفة دهم الناس بعيره من ورائه فقال: «أيها الناس على رسلكم». فإذا بلغ الحاج المزدلفة، وفي آخرها المشعر الحرام فينبغي أن يغتسل لدخولها؛ لأنها من الحرم، وإن قدر فليدخلها ماشياً؛ لأن ذلك أفضل وأقرب إلى توقير الحرم. ويقول إذا بلغ المزدلفة: اللهم هذه مزدلفة جمعت فيها السنة مختلفة نسألك حوائج
يجيء به
ونسكي، ومحياي ومماتي وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما الريح. وقال ليس بالقوي إسناده. وروى المستغفري في الدعوات من حديثه: يا علي إن أكثر دعاء من قبلي يوم عرفة أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في بصري نوراً، وفي سمعي نوراً وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر، وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الريح وشر بوائق الدهر، وإسناده ضعيف وروى الطبراني في المعجم الصغير من حديث ابن عباس. قال: وكان مما دعا به رسول الله اللي عشية عرفة: اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير. المسؤولين، وخير المعطين. . .»، وإسناده ضعيف، وباقي الدعاء من دعاء بعض السلف، وفي بعضه ما هو مرفوع، ولكن ليس مقيداً بموقف عرفة. اهـ. (1) راجع إحياء علوم الدين (255/ 1). (2) ما بين المعقوفين من الإحياء (256/ 1) وعلق العراقي على الحديث بقوله: رواه النسائي والحاكم وصححه من حديث أسامة بن زيد: عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل». وقال الحاكم: «ليس البر بإيجاف الخيل والإبل وللبخاري من حديث ابن عباس: فإن البر ليس بالإيضاع».
... فذكر الحديث إلى قوله: «يا خير (2/78)
صفحة 535
79
قنطرة الحج مؤتنفة، فاجعلني ممن دعاك فاستجبت له، وتوكل عليك فكفيته، ثم يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء قاصراً لها بأذان وإقامتين وليس بينهما نافلة، ولكن يجمع سبحة المغرب والوتر بعد الفريضتين يبدأ بركعتي المغرب ثم ركعتي الشفع ثم ركعة الوتر، هكذا يفعل الجامع في السفر وغيره فإن ترك النوافل المأثورة في السفر وغيره خسران ظاهر، ثم يمكث تلك الليلة بمزدلفة وهو مبيت النسك. ومن تركها أو خرج في النصف الأول من الليل فعليه دم، وإحياء مثل هذه الليلة الشريفة من أفضل القربات لمن قدر على ذلك، ثم مهما انتصف الليل فليأخذ في التأهب للرحيل، ويتزود الحصى منها ففيها حجارة رخوة فليأخذ سبعين حصاة فإنها قدر الحاجة ولا بأس بالزيادة عليها؛ لأنه ربما يسقط بعضه ولتكن الحصى خفافاً صغاراً ثم ليغسل بصلاة الصبح،
وليأخذ في السير حتى إذا انتهى إلى المشعر الحرام وهو آخر المزدلفة فيقف ويدعو إلى الأسفار ويقول: / اللهم بحق المشعر الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والركن والمقام بلغ روح [94/ب] محمد منا التحية والسلام وأدخلنا دار السلام يا ذا الجلال والإكرام. ثم يدفع منها قبل طلوع الشمس حتى ينتهي إلى وادي محسر فيستحب له أن يحرك دابته حتى يقطع عرض الوادي وإن كان راجلاً أسرع في المشي، ثم إذا أصبح يوم النحر خلط التكبير بالتلبية، فيلبي تارة ويكبر أخرى، فينتهي إلى منى ومواضع الجمرات الثلاث، فيتجاوز الأولى والثانية فلا شغل له فيهما يوم النحر حتى ينتهي إلى جمرة العقبة وهي عن يمين مستقبل القبلة في الجادة والمرمى مرتفع قليلاً في سفح الجبل، ورمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بقيد رمح.
فيرميها
وكيفيته: أن يقف مستقبلاً للقبلة وإن استقبل الجمرة فلا بأس ويأتيها من بطن الوادي بسبع حصيات رافعاً يده، يقول مع كل حصاة: الله أكبر ولله الحمد. هذا على طاعة الرحمن ورغم الشيطان. اللهم تصديقاً بكتابك واتباعاً لسنة نبيك عليه السلام. ثم إذا أراد أن يرمي بدل مكان التلبية التكبير فإذا رمى قطع التلبية والتكبير جميعاً إلا التكبير عقيب الصلوات المفروضات من ظهر يوم النحر إلى عقيب الصبح أو العصر آخر أيام التشريق، وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده] (1) لا إله إلا الله والله أكبر، يستحب هذا كله [95/ب]
والله أعلم (2).
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء.
(2) راجع إحياء علوم الدين للغزالي فقد توسع في هذه الجملة في كتابه (256/ 1، 258). (2/79)
صفحة 536
80
قنطرة الحج
الجملة الثامنة: في بقية أعمال الحج.
من الذبح والحلق وطواف الزيارة ورمي الجمار، فإذا رمى جمرة العقبة فلينصرف إلى
أضحيته فليذبحها إن كانت معه، والأولى أن يذبحها بنفسه، وليقل: بسم ا الله والله أكبر اللهم منك وإليك ولك، تقبل مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم عليه السلام. والضحية بالبدن أفضل من مشاركة سبعة في البدنة أو البقرة، والضأن أفضل من المعز، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأضحية الكبش الأقرن والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء» (1).
وعن أبي هريرة أنه قال: البيضاء أفضل في الأضاحي من دم سوداوين، وليأكل منه إن كان هدى التطوع، ولا يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء والشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء.
والجدع في الأنف والأذن القطع منهما، والعضب في القرن، وفي نقصان القوائم، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق والخرقاء من أسفل والمقابلة: المخروقة الأذن من قدام والمدابرة من خلف والعجفاء: المهزولة التي لا مخ فيها من الهزال.
(2)
ثم إذا ذبح أو نحر فليحلق رأسه، قال الله سبحانه {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (2). والسنة في الحلق أن يستقبل القبلة ويبتدئ بمقدم رأسه فيحلق الشق الأيمن [1/ 96] إلى العظمين المشرفين على / القفى ثم يحلق الباقي ويقول: اللهم بارك لي في تفتي، واشكر لي حلقي، واكتب لي بكل شعرة حسنة، وامح بها عني سيئة وارفع لي بها عندك درجة. والمرأة تقصر من شعرها ولا تحلقه لأن الحلق لها، مثلة والأصلع يستحب له إمرار الموسى على رأسه، ومهما حلق بعد الرمي فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل المحظورات إلا النساء والصيد فحتى يزور البيت ثم يفيض إلى مكة لطواف الزيارة ويسمى طواف الإفاضة، ثم يطوف بالبيت ويركع ويشرب من زمزم ويسعى بين الصفا والمروة كما قدمنا في العمرة، وهذا الطواف ركن من أركان الحج ولا حج لمن تركه قال تعالى: (وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (3) أراد
طواف الزيارة.
ويقال: أول وقته نصف الليل من ليلة النحر، وأفضل وقته يوم النحر، ولا آخر لوقته،
(1) رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت، والترمذي من حديث أبي أمامة قال الترمذي: غريب، وعفير يضعف في الحديث، راجع المغني (257/ 1، 258).
(2) سورة البقرة الآية: 196.
(3) سورة الحج الآية: 29. (2/80)
صفحة 537
81
قنطرة الحج بل له أن يؤخر أي وقت شاء، ولكن لا تحل له النساء إلا أن يطوّف، فإذا طاف تم التحلل، وحل الجماع، وارتفع الإحرام بالكلية، ولم يبق إلا رمي الجمار أيام التشريق. والمبيت بمنى والطواف لوداع البيت، ثم إذا فرغ من طواف الإفاضة عاد إلى منى للمبيت والرمي فيبيت تلك الليلة بمنى، وتسمى ليلة القر؛ لأن الناس في غدها يقرون بها ولا ينفرون فإذا أصبح في اليوم الثاني من العيد وزالت الشمس اغتسل للرمي وقصد الجمرة الأولى التي تلي عرفة وهي عن يمين الجادة ويرميها حصيات الجادة ووقف مستقبلاً للقبلة وكبر ودعى مع حضور القلب، وخشوع الجوارح، يقف قدر سورة البقرة مقبلاً كالأولى ويقف كما وقف للأولى، ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ويرميها بسبع حصيات ولا يعرج على شغل بل يرجع إلى منزله ويبيت تلك الليلة بمنى وتسمى هذه الليلة ليلة النفر الأول، ويصبح ثم إذا صلى الظهر في اليوم الثاني من أيام التشريق رمى في هذا اليوم إحدى وعشرين حصاة كاليوم الذي قبله ثم هو مخير بين المقام بمنى وبين الرجوع إلى مكة فإن خرج من منى قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وليدفن ما بقي من الحصى في أصل جمرة العقبة وإن صبر إلى الليل لم يجز له الخروج بل يلزمه المبيت حتى يرمي في يوم النفر الثاني إحدى وعشرين حصاة كما سبق.
: [97/ب] مع كل حصاة تكبيرة / فإذا تعداها انحرف قليلاً عن يمين بسبع
(1)
وله أن يزور البيت في ليالي منى بشرط ألا يبيت إلا بمنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يفعل ذلك ولا يترك حضور الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف؛ فإن فضله عظيم، فإذا أفاض من منى فالأولى أن يقيم بالمحصب من منى ويصلي العصر والمغرب والعشاء ويرقد السنة رواه جماعة عن الصحابة، هكذا في كتاب الغزالي قال: فإن لم يفعل فلا
رقدة (2)، فهي شيء عليه (3).
الجملة التاسعة: في طواف الوداع.
فمهما عَنَّ له الرجوع إلى الوطن بعد الفراغ من إتمام الحج / والعمرة فليجهز أولاً [98/ب]
(1) رواه أبو داود في المراسيل من حديث طاوس قال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض في ليالي منى. قال أبو داود: وقد أسند: قلت وصله ابن عدي عن طاوس عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور البيت أيام منى. وفيه عمرو بن رباح ضعيف والمرسل صحيح الإسناد، ولأبي داود من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمنى ليالي أيام التشريق. قاله العراقي في المغني (258/ 1). (2) رواه البخاري من حديث أنس: أن النبي صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع هجعة. المصدر السابق.
(3) راجع إحياء علوم الدين (258/ 1)، وقد أدخل الجملة الثامنة ضمن الجملة السابعة.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 6 (2/81)
صفحة 538
[1/ 49]
82
قنطرة الحج
أشغاله وليشد رحاله وليجعل آخر أشغاله وداع البيت ووداعه بأن يطوف به سبعاً كما سبق، فإذا فرغ منه صلى ركعتين خلف المقام، وشرب من ماء زمزم ثم يأتي الملتزم ويدعو ويتضرع وليقل: اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى اعتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وقربني إليك، زلفى، وإلا فمن الآن علي قبل أن أتباعد عن بيتك فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك، ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك.
اللهم أصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما ابقيتني، واجعل لي خير الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي من بيتك الحرام، وإن جعلته آخر عهدي فعوضني عنه الجنة.
وينبغي
ألا يصرف بصره عن البيت حتى يغيب عنه، ولا يبيع ولا يشتري بعد الوداع
ويمضي وهو محزون على فراق البيت والله أعلم وأحكم).
الجملة العاشرة: في زيارة مسجد المدينة وقبر النبي عليه السلام
وروي عن النبي الله أنه قال: «من زارني ميتاً كمن زارني حيا (2).
وعنه أنه قال: «من وجد سعة ولم يغد إليَّ فقد جفاني (3).
وقال عليه السلام: / من جاءني زائراً لا يهمه إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً (4). فمن قصد زيارة المدينة فليصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه كثيراً، فإذا وقع بصره على جدار المدينة وأشجارها فليقل: اللهم هذا حرم رسولك فاجعله لي وقاية من النار وأماناً من العذاب وسوء الحساب وليغتسل قبل الدخول من بئر الحرة وليتطيب وليلبس أفضل ثيابه وأنظفها، فإذا دخلها فليدخلها متواضعاً معظماً وليقل: بسم ا الله على ملة رسول الله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً. ثم ليقصد
مالك
(1) راجع إحياء علوم الدين (259/ 1). (2) عن نحوه قال العراقي في المغني: (259/ 1) رواه الطبراني والدارقطني من حديث ابن عمر. (3) رواه ابن عدي، والدارقطني في غرائب مالك، وابن حبان في الضعفاء والخطيب في الرواة عن من حديث ابن عمر: من حج ولم يزرني فقد جفاني وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وروى نحوه ابن النجار في تاريخ المدينة من حديث أنس بن مالك. المصدر السابق.
(4) رواه الطبراني من حديث ابن عمر وصححه ابن السكن قاله العراقي في المصدر السابق. (2/82)
صفحة 539
83
قنطرة الحج المسجد ويدخله ويصلي بجنب المنبر ركعتين ويجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن وليستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه فذلك موقف الرسول عليه السلام قبل أن يغير المسجد وليجتهد أن يصلي في المسجد الأول قبل أن يزداد فيه ثم يأتي قبر النبي عليه السلام فيقف عند وجهه، وذلك بأن يستدير القبلة ويستقبل جدار القبر على نحو أربع أذرع من السارية التي في زاوية جدار القبر ويجعل القناديل على رأسه، وليس السنة أن من الجدار ولا أن يقبله، بل الوقوف من بعيد أقرب إلى الاحترام والتوقي فيقف ويقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله حتى يستكمل التسليم عليه وحسن الثناء كما / وصفنا في الكتاب الذي صنفناه في المناسك، فإذا فرغ من ذلك فليتأخر قدر ذراع [100/ب]
يمس
ويسلم على أبي بكر رضي الله عنه ويثني عليه، ثم يتأخر قليلاً فيسلم على عمر بن الخطاب
رحمه الله كما ذكرنا في كتاب المناسك.
ولا يلصق نفسه بالقبر ولا يرفع صوته عليه بالتسليم ولا يخفضه ولا يقف عند رأس رسول الله عليه السلام بين القبر والأسطوانة اليوم، وليستقبل القبلة ويحمد الله عز وجل ويمجده، وليكثر من الصلاة على رسوله عليه السلام وليمتثل ما ذكرناه في كتاب المناسك من الاستغفار والتوبة والاعتراف بالتقصير ثم إن كانت له حاجة فليجعل النبي خلف كتفه وليستقبل القبلة وليسأل حاجته فإنها تقضي إن شاء الله. ثم يأتي المنبر فليمسحه وليأخذ برمانتيه السفلاوتين وليمسح بهما وجهه وعينيه (1)؛ فإنه يقال: أنهما شفاء للعين، وليقم هناك وليحمد الله تعالى وليصلي ركعتين وليكثر من الدعاء ما استطاع لقوله عليه السلام: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي (3). ثم يأتي مقام جبريل عليه السلام وهو تحت الميزاب فيما بلغنا؛ فإنه كان مقامه إذا استأذن على رسول الله عليه السلام، وليكثر من الدعاء والتضرع ما استطاع ثم بعد ذلك إذا دخل المسجد سلم على رسول الله، وإذا خرج فمثل ذلك، وليكثر من الصلاة في مسجده عليه السلام.
(Y),
وإذا زالت الشمس / فليصل ثمان ركعات وليصل ما استطاع، وينبغي أن يأتي سارية أبي [101/ب] لبابة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزلت توبته من السماء فيصلي ويدعو ما استطاع، وإن قام
(1) حديث وضعه يده عند الخطبة على رمانة المنبر لم أقف له على أصل، وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في تاريخ المدينة أن طول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان. قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (260/ 1).
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد قاله العراقي في المغني (260/ 1). (2/83)
صفحة 540
{
قنطرة الحج
بالمدينة فليصل ليلة الأربعاء عند سارية أبي لبابة ما استطاع، وليقعد يوم الأربعاء عندها ثم يأتي ليلة الخميس التي مما يلي مقام النبي عليه السلام فليجلس عنده ليلته ويومه، ويصوم يوم الخميس والجمعة، ثم يتقدم إلى مقام النبي وهو خلف الأسطوانة المخلقة التي أكثرهن خلوقاً ويجعلها بين يديه ويقوم قدام التي تليها من خلفها حتى يكون في مقام النبي عليه السلام، فليصل عندها ليلة الجمعة ويومها ويدعو الله تعالى، وليستحب له أن يأتي أحداً من يوم الخميس، ويزور قبور الشهداء، ويصلي الغداة في مسجد النبي عليه السلام حين يخرج ويعود إلى المسجد لصلاة الظهر فلا تفوته فريضة في الجماعة في المسجد.
وهي
ويستحب له أن يخرج إلى البقيع كل يوم بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلي في مسجد فاطمة رضي الله عنها، ويزور قبر إبراهيم بن رسول الله عليه السلام. ويستحب له أن يأتي مسجد قباء في كل سبت ويصلي فيه، يقال في الحديث: إن ذلك يعدل عمرة (1)، ويأتي بئر أريس ويقال أن النبي عليه السلام تفل فيها (2) عند المسجد فيتوضأ منها ويشرب من مائها، ويأتي مسجد الأحزاب وهو مسجد الفتح وهو على الخندق وكذا يأتي سائر المساجد والمشاهد فيقصد ما قدر عليه وكذلك يقصد الآبار التي كان يتوضأ منها ويشرب وهي سبعة [1/ 102] آبار يأتيها طلباً للشفاء وتبركاً به / عليه السلام وإن أمكنه الإقامة بالمدينة مع مراعاة الحرمة فلها فضل عظيم وقد تقدم ذلك. ثم إذا فرغ من أشغاله وعزم على الخروج من المدينة فيستحب له أن يأتي القبر ويعيد دعاء الزيارة كما تقدم، ويودّع النبي عليه السلام ويسأل الله تعالى أن يرزقه العودة إليه ويسأل السلامة في سفره، ثم صلى ركعتين في الروضة الصغيرة وهي موضع قيام رسول الله قبل أن تزاد المقصورة في المسجد فإذا خرج فليخرج رجله اليسرى أولاً، ثم اليمنى وليقل: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ولا تجعله آخر العهد بنبيك وحط أوزاري بزيارته، واصحبني في سفري ويسر لي رجوعي إلى أهلي سالماً يا أرحم الراحمين. وينبغي أن يتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدر عليه وليتبع المساجد التي بين مكة فيصلي فيها ويقال أنه عشرون موضعاً والله أعلم
(3)
فصل في سنن الرجوع من السفر
ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من غزو أو حج أو غيره يكبر على كل شرف من
رواه النسائي، وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بإسناد صحيح. العراقي في المغني (261/ 1). (2) لم أقف له على أصل وإنما ورد أنه تفل في بئر البصة، ويثر. قاله العراقي في المصدر السابق. (3) راجع الإحياء فقد توسع فيه الغزالي (259/ 1، 262). (2/84)
صفحة 541
85
قنطرة الحج الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أبيون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».
وينبغي
وفي بعض الروايات: وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم / وإليه ترجعون (1) [103/ب] أن يستعمل هذه السنة في رجوعه وإذا أشرف على موطنه وموضع قراره فليحرك الدابة ويقول: اللهم اجعل لنا بها قراراً ورزقاً حسناً، ثم ليرسل إلى أهله من يخبرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة، فذلك هو السنة (2)، ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلاً، ثم إذا دخل فليقصد المسجد ويصلي فيه ركعتين كذلك يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل قال: توباً توباً لربنا أويالاً يغادر علينا حوباً، فإذا استقر في منزله فلا ينبغي أن ينسى ما أنعم الله عليه من زيارة بيته وحرمه وقبر نبيه عليه السلام فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة واللهو فما ذلك علامة الحج المبرور، بل علامته أن: يعود زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة متأهباً للقاء رب البيت بعد لقاء البيت، والله أعلم وأحكم (3)
6
الباب الثالث
في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة
من كتاب الغزالي وهذا الباب يشتمل على جملتين:
أحدهما: في بيان دقائق الآداب وهي عشرة:
الأول: أن تكون النفقة، حلالاً، وتكون اليد خالية من تجارة تشغل القلب، بل يكون الهم الله تعالى مجرداً، والقلب مطمئناً منصرفاً إلى ذكر الله تعالى وتعظيم شعائره، وقد ورد في الحديث: يأتي على الناس زمان يحج الناس فيه وهم أربعة أصناف: سلاطينهم للنزهة وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة وقراؤهم للرياء والسمعة (4).
(1) متفق عليه من حديث ابن عمر، وما زاد في آخره في بعض الروايات من قوله: «وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) رواه المحاملي في الدعاء بإسناد جيد قاله العراقي في المغني (262/ 1). (2) لم أجد فيه ذكر الارسال وفي الصحيحين من حديث جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: «أمهلوا حتى ندخل ليلاه ـ أي عشاء - كي تمتشط الشعثة، وتستحد
المغيبة». قاله العراقي في المصدر السابق. (3) راجع إحياء علوم الدين (262/ 1). (4) رواه الخطيب من حديث أنس بإسناد مجهول، وليس فيه ذكر السلاطين ورواه أبو عثمان الصابوني في = (2/85)
صفحة 542
[1/ 104].
[1/ 1.0]
قنطرة الحج
وفي هذا الحديث إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي لا تتصور / أن تتصل بالحج،
فكل ذلك مما يمنع فضيلة الحج ويخرجه عن حد حج الخصوص، لا سيما إذا كان متجراً بنفس الحج بأن يحج لغيره بأجره فيطلب الدنيا بعمل الآخرة، وقد كره الورعون وأرباب القلوب ذلك إلا أن يكون قصده المقام بمكة ولم يكن له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد، لا ليتوصل بالدين إلا الدنيا بل بالدنيا إلى الدين وعند ذلك ينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله عز وجل، ومعاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه، وفي مثله ينزل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الله تعالى بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة الموصي بها، والمنفذ لها، والخارج (1) والحاج بها عن أخيه (2).
:
نفسه،
قال: ولست أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن سقط فرض الإسلام عن ولكن الأولى أن لا يفعل ولا يتخذ ذلك مكسبة ومتجرة فإن الله عز وجل يعطي الدنيا بالدين ولا يعطي الدين بالدنيا. وفي الخبر: مثل الذي يغزو في سبيل الله عز وجل ويأخذ أجراً مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها (3). فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على الحج مثل أم موسى فلا بأس بأخذه، فإنه يأخذ ليتمكن من الحج والزيارة فيه، وليس الحج بأخذ الأجرة كما كانت ليتيسر لها
الارضاع بتلبيس حالها عليهم.
الثاني:
: أن لا يعاون أعداء الله سبحانه بتسليم المكس إليهم وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة الأعراب المترصدين في الطرق.
قال: فتسليم المال / إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم فهو كالإعانة بالنفس ولكن فليتلطف في حيلة الخلاص فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء فليترك التنفل بالحج. قال: والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة.
قال: فإن هذه بدعة أحدثت وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة.
كتاب المائتين فقال: يحج أغنياء أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة، وفقراؤهم، وقراؤهم للرياء
والسمعة». المغني (263/ 1).
(1) هذا اللفظ زائد على السياق وليس في الإحياء أيضاً ولا نحوه.
(2) رواه البيهقي من حديث جابر بسند ضعيف قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) رواه ابن عدي من حديث معاذ وقال مستقيم الإسناد منكر المتن قاله العراقي في المصدر السابق. (2/86)
صفحة 543
قنطرة الحج
87
قال: وفي ذلك ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية.
،
قال: ولا معنى لقول القائل إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر فإنه لو قعد في البيت أو
رجع من الطريق لم يؤخذ، بل ربما يظهر أسباب الترفه فتكثر مطالبته فإن كان في زي الفقراء لم يطالب فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار.
الثالث: التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف، بل على الاقتصاد وأعني بالإسراف التنعم بأطيب الأطعمة والترفه بشرف أنواعها على عادة
المترفين.
وأما كثرة البذل فلا سرف فيه إذ لا خير في السرف ولا سرف في الخير كما قيل ذلك قديماً. وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل والدرهم بسبع مائة درهم، وعن من كرم الرجل طيب زاده في سفره وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية
ابن عمر
قال:
وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقيناً.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». قيل: يا رسول الله
ما بر الحج؟ قال: «طيب الكلام وإطعام الطعام
(1) ,
الرابع ترك الرفث والفسق والجدال / كما نطق به القرآن فالرفث: اسم جامع لكل لغو [106/ب] وخناء وفحش من الكلام، وتدخل فيه مغازلة النساء ومداعبتهن، والتحدث بشأن الجماع ومقدماته فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور والداعي إلى المحظور محظور.
طاعة الله والفسوق: اسم جامع لكل خروج عن عز وجل والجدال: هو المبالغة في الخصومة والممارات مما يورث الضغائن ويفرق في الحال الهمة ويناقض حسن الخلق وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى.
وقال بعض العلماء من رفث فسد حجه، وقد جعل النبي عليه السلام طيب الكلام مع إطعام الطعام من بر الحج والممارات تناقض طيب الكلام، فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجماله وعلى غيرهم من أصحابه بل يلين جانبه ويخفض جناحه للزائرين إلى
بيت الله عز وجل.
(1) رواه أحمد من حديث جابر بإسناد لين، ورواه الحاكم مختصراً وقال: صحيح الإسناد. قاله العراقي في المغني (264/ 1). (2/87)
صفحة 544
??
قنطرة الحج
وقيل: سمي السفر سفراً لأنه يسفر من أخلاق الرجال أن يكشفها، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لمن زعم أنه يعرف رجلاً هل صحبته في السفر يستدل به على مكارم الأخلاق قال: لا. قال: ما أراك تعرفه 1
رضي
يخطوها
ألف.
(1)
الخامس: ينبغي أن يحج ماشياً إن قدر عليه فذلك الأفضل ويروى أن عبد الله بن عباس الله عنه أوصى بنيه عند موته فقال: يا بني حجوا مشاة فإن للحاج الماشي بكل خطوة الحرم. قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة
سبع
مائة حسنة حسنات من
أكد
والاستحباب / المشي في المناسك والتردد من مكة إلى الموقف إلى منى الطريق وإن أضاف المشي إلى الإحرام من دويرة أهله فقد قيل: إن ذلك من إتمام الحج.
(2)
منه في
ذلك روي. عن علي، وعمر، وابن مسعود في معنى قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لله) (2).
وقال بعض العلماء: الركوب أفضل لما فيه من الإنفاق والمؤنة ولأنه أبعد عن ضجر النفس وأقل أذاها وأقرب إلى السلامة، وتمام الحج وهذا التحقيق ليس مخالفاً للأول، بل ينبغي أن يفضل فيقال: من سهل عليه المشي فهو الأفضل وإن كان يضعف ويؤدي به سوء الخلق وقصر عن عمل فالركوب له أفضل كما أن الصوم للمسافر والمريض أفضل ما لم يفض إلى ضعف وسوء خلق.
ذلك إلى
وسئل بعض العلماء عن العُمرة: المشي فيها أفضل أو يكتري حماراً بدرهم؟ فقال: إن كان وزن الدرهم أشد عليه فالكراء أفضل من المشي، وإن كان المشي أشد عليه كالأغنياء فالمشي له أفضل. فكأنه ذهب فيه إلى طريق مجاهدة النفس وله وجه، ولكن الأفضل له أن يمشي ويصرف ذلك الدرهم إلى خير فهو أولى من صرفه في كراء الدابة فإن كان لا تتسع نفسه في الجمع بين مشقة النفس ونقصان المال فما ذكره غير بعيد والله أعلم (3). السادس: أن لا ينبغي يركب إلا زاملة وأما المحمل فليجتنبه إلا إذا كان يخاف أن لا
يستمسك على الزاملة لعذر وفي ترك المحمل معنيان:
(1) راجع الإحياء (264/ 1) والكلام فيه بنصه. (2) سورة البقرة الآية: 196.
(3) راجع إحياء علوم الدين (264/ 1).
[1/ 107] (2/88)
صفحة 545
قنطرة الحج
89
[108/ب]
أحدهما: التخفيف عن البعير فإن / المحمل يؤذيه.
والثاني: إجتناب زي المترفين والمتكبرين، يقال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على راحلته،
(1)
وكان تحته رحل رثّ وقطيفة خلقة قيمتها أربعة دراهم، وطاف على الراحلة لينظر الناس إلى هدية وشمائله.
وقال عليه السلام: «خذوا عني مناسككم (2). وقيل: إن هذه المحامل أحدثها الحجاج، وكان العلماء في وقته ينكرونها.
قال: وروى سفيان بن سعيد عن أبيه أنه قال: برزت من الكوفة إلى القادسية للحج، وتوافت الرفاق من البلدان، فرأيت الحجاج كلهم على زوامل وجواليقات ورواحل، وما رأيت في جميعهم إلا محملين.
قال: وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحُجاج من الزي، والمحامل يقول: الحاج قليل والركب، ثم نظر إلى رجل مسكين رثّ الهيئة تحته جواليق. فقال:
الحجاج
(4)
(3)
نعم
هذا
من
السابع: أن يكون رثّ الهيئة أشعث أغبر غير مستكثر من الزينة ولا مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر، فيكتب في المتكبرين والمترفهين، ويخرج عن حزب الضعفاء، والمساكين الصالحين،، فقد أمر عليه السلام بالشعث والاختفاء (5) ونهى عن التنعم والرفاهية في
وخصوص حديث فضالة
بن عبيد
(6)
وفي الحديث أيضاً: «إنما الحج الشعث التفث (7) ويقول الله عز وجل: «انظروا إلى
(1) رواه الترمذي في الشمائل، وابن ماجه من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني (264/ 1). (2) رواه مسلم والنسائي واللفظ له من حديث جابر. قاله العراقي في المصدر السابق (265/ 1).
(3) في الأصل الراكب. والتصويب من الإحياء. (4) راجع إحياء علوم الدين (264/ 1، 265). (5) رواه البغوي والطبراني من حديث عبد الله بن أبي حدرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخشوشنوا، وانتضلوا، وامشوا حفاة». وفيه اختلاف، ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف، قاله العراقي في المغني (265/ 1). (6) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهي عن كثير من الإرفاه، ولأحمد من حديث معاذ: إياك والتنعم». المصدر السابق. (7) في الأصل: التفل والتصويب من الإحياء، وقال العراقي تعليقاً على الحديث في المغني (265/ 1): رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر وقال: غريب. (2/89)
صفحة 546
01/ 1.4]
قنطرة الحج
زوار بيتي فقد جاؤني شعثا غبراً من كل فج عميق (1). وقال تعالى: (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (2) والتفث: الشعث، والأغبار، وقضاء ذلك بالحلق وقص الأظفار. قال: وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد اخلولقوا / واخشوشنوا، أي: البسوا الخلقان، واستعملوا الخشونة في الأشياء.
وقد قيل: زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على هيئة التواضع والضعف وسيرة السلف،
روي
وينبغي أن يجتنب الحمرة في زيه على الخصوص والشهرة كيف ما كانت على العموم فقد) أنه: كان في سفر فنزل أصحابه منزلاً فسرحت الإبل فنظر إلى أكسيت حمر على الأقتاب، فقال عليه السلام: أرى هذه الحُمرة قد غلبت عليكم (3). قالوا: فقمنا إليها فنزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل (4).
الثامن: أن:
(4)
يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق والمحمل خارج عن حد طاقتها، والنوم عليها يؤذيها ويثقلها ويسرع في دبرها، كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة عن قعود، وكانوا لا يقفون عليها الوقوف الطويل.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي (5).
ويستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك فهو سنة، وفيها آثار عن السلف وكان بعض السلف يكتري بشرط ألا ينزل ويوفي الأجرة ثم كان ينزل ليكون بذلك محسناً إلى الدابة، فيكون في حسناته ويوضع في ميزانه لا في ميزان المكاري وكل من آذى بهيمة وحملها ما لا تطيق طولب به في القيامة.
وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال لبعير له عند الموت يا أيها البعير لا تخاصمني إلى [110/ 1 ربك، فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك. وعلى الجملة في كل ذات كبد حراء أجر. فليراع / حق الدابة، وحق المكاري جميعاً وفي نزوله ساعة ترويح الدابة وسرور قلب المكاري، ويروى
(1) رواه الحاكم وصححه من حديث أبي هريرة دون قوله: من كل فج عميق وكذا رواه أحمد.
عبد الله بن عمرو. المصدر السابق. (2) سورة الحج الآية: 29.
من حديث
(3) رواه أبو داود من حديث رافع بن خديج وفيه رجل لم يسم قاله العراقي في المصدر السابق. (4) راجع إحياء علوم الدين والموضوع فيه بنصه (265/ 1). (5) رواه أحمد من حديث سهل بن معاذ بسند ضعيف، ورواه الحاكم وصححه من رواية معاذ بن أنس عن
أبيه. قاله العراقي في المغني (265/ 1). (2/90)
صفحة 547
قنطرة الحج
91
أن رجلاً قال لابن المبارك: احمل لي هذا الكتاب معك لتوصله. فقال: حتى استأمر الجمال، فإني قد اكتريت.
فانظر كيف تورع من استصحاب كتاب ولا وزن له وذلك هو طريق الحزم في الورع،
وأنه إذا فتح باب القليل انجر، إلى باب الكثير يسيراً يسير (1).
التاسع: أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجباً عليه، ويستحب أن يكون من سمين النعم
ونفيسه، وليأكل منه إن كان تطوعاً، ولا يأكل إن كان واجباً.
قيل في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) (2). إنه تحسينه وتسمينه، وسوق الهدي من الميقات أفضل إن كان لا يجهده ولا يكده، وليترك المكاس في شرابه، فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية، والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمناً وأنفسه عند أهله.
وروي عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه أهدي نجيبة فطلبت منه بثلاث مائة دينار، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك وقال: «بل اهديها» (3). وذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون وفي ثلاث مائة قيمة ثلاثين بدنة وفيها تكثير اللحم.
(1) ,
ولكن ليس المقصود اللحم إنما المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزينيها بجمال التعظيم الله عز وجل: ووَلَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَتَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)) وذلك يحصل بمراعاة النفاسة والجودة في القيمة كثر العدد أم قل. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج؟ قال: «العج والثج (5). فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إهراق الدماء.
وروت عائشة عنه عليه السلام أنه قال: ما عمل أدمي عملاً أحب إلى الله عز وجل من النحر، وأنها لتأتي يوم القيامة في فرثها وقرونها وأشعارها وأصوافها وإن الدم ليقع
إراقة دم يوم
(1) الفقرة بنصها في الإحياء (265/ 1، 266).
(2) سورة الحج الآية: 32.
(3) أخرجه أبو داود، وقال: «انحرها». العراقي في المغني عن حمل الأسفار (266/ 1).
(4) سورة الحج الآية: 37.
(ه) رواه الترمذي واستغربه، ورواه ابن ماجه، والحاكم وصححه والبزار واللفظ له من حديث أبي بكر وقال
الباقولي أي الحج. العراقي في المغني (266/ 1). (2/91)
صفحة 548
92
قنطرة الحج
الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا (1). من
وفي الخبر: لكم بكل صوفة من جلدها حسنة وكل قطرة من دمها حسنة، وإنها لتوضع في الميزان فأبشروا (3). ويقال: فحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإنائها أفضل من ذكور المعز من إناثها وإناثها أفضل من الإبل في الضحايا.
وأما الهدايا فالإبل أفضل من البقر ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز، والله أعلم (3).
،
العاشر: أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي، وما أصابه من خسران أو مصيبة في مال وبدن وإن أصابه ذلك فإن ذلك من دلائل قبول حجه، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله عز وجل الدرهم بسبع مائة درهم، وهو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب ولا يضيع منه شيء عند الله عز وجل.
ويقال: إن من علامة قبول الحج أيضاً ترك ما كان عليه من المعاصي وأن يستبدل [111/ب] بإخوانه البطالين إخواناً صالحين وبمجالس اللهو / والغفلة مجالس الذكر واليقظة وبالله التوفيق (4).
الجملة الثانية: في بيان الأعمال الباطنة ووجه الإخلاص في النية وطريق الاعتبار
بالمشاهد الشريفة.
إن أول الحج الفهم - أعني فهم موقع الحج في الدين - ثم الشوق إليه، ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق المانعة منه، ثم شراء ثوبي الإحرام، ثم شراء الزاد ثم اكتراء الراحلة، ثم الخروج، ثم السير في البادية، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية، ثم دخول مكة، ثم استمام الأفعال كما سبق، وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر، وتنبيه للمريد الصادق، وتعريف وإشارة للفطن، فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها،
(1) رواه الترمذي وحسنه ابن ماجه وضعفه ابن حبان، وقال البخاري إنه مرسل ووصله ابن خزيمة. المصدر
السابق.
(2) رواه ابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي من حديث زيد بن أرقم في حديث فيه: «بكل شعرة حسنة». قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة»، وفي رواية للبيهقي بكل قطرة حسنة». قال البخاري لا يصح، وروى أبو الشيخ في كتاب الضحايا من حديث علي أما إنها يجاء بها
لحومها ودمائها حتى:، توضع في ميزانك يقولها لفاطمة قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) راجع إحياء علوم الدين (266/ 1). (4) راجع الباب في إحياء علوم الدين (266/ 1، 267).
القيامة يوم (2/92)
صفحة 549
قنطرة الحج
93
انكشف لكل خارج إلى الحج من أسراره ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة عمله. أما الفهم: اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن
اللذات والاقتصار عن الضرورات فيها والتجرد إلى الله سبحانه في جميع الحركات والسكنات،
(1)
ولأجل هذا انفرد الرهابين في الملل السالفة عن الخل وانحازوا إلى قلل الجبال، وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل، فتركوا الله سبحانه الذات الحاضرة، وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقة طمعاً في الآخرة، فأثنى الله عز وجل / عليهم في كتاب العزيز [113/ب]
فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (2). فلما اندرس ذلك، وأقبل
الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة الله تعالى وفتروا عنها، بعث الله عز وجل نبيه محمداً لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها فسأله أهل الملل عن الرهابنية والسياحة في دينه، فقال عليه السلام: «أبدلنا بها الجهاد والتكبير على كل شرف أعني الحج، (3).
وسئل عليه الصلاة والسلام عن السائحين، فقال: «هم الصائمون» (4).
وأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم فشرق البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصد العبادة وجعل باحواليه حرماً لبيته تفخيماً لشأنه، وتعظيماً، وجعل عرفات كالميدان على فناء، حرمه، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق شعثا غبراً متواضعين لرب البيت ومستكينين له خضوعاً لجلاله وإستكانة لعزه مع الاعتراف بتنزهه تعالى يحويه بيت أو يكتنفه موضع ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إدعائهم
أن: عن
وانقيادهم.
(1) كذا في الأصل، والإحياء أيضاً، واحسبها «قسم» والله أعلم. (2) سورة المائدة الآية: 82.
(3) رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله رواه الطبراني بلفظ: إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، ولكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدو». وللبيهقي في الشعب من حديث أنس: «رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله». وكلاهما ضعيف، والترمذي حسنه والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر قال: عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف». قاله العراقي في المغني (267/ 1). (4) رواه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وقال المحفوظ عن عبيد بن عمير عن عمر مرسلاً.
المصدر السابق. (2/93)
صفحة 550
قنطرة الحج
ولذلك وظف الله عز وجل عليهم فيها أعمالاً لا تستأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى
معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار فبمثل هذه [114/ 1] الأعمال يظهر كمال الرزق والعبودية فإن الزكاة / إرفاق بالفقراء وعلتها مفهومة، وللعقل إليها ميل، والصوم كسر للشهوة التي هي إله عدو الله الشيطان، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل والركوع والسجود تواضع الله عز وجل في الصلاة.
[1/ 110]
وأما ترددات السعي ورمي الجمار، وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس، ولا أنس للطبع فيها، ولا إهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث أنه أمر يحب إتباعه فقط وفيه عزل العقل عن تصرفه ومنع النفس
والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل معناه: مال الطبع إليه ميلاً ما، فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً له على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص: «لبيك بحجة حقاً تعيد أورقا (1). ولم يقل ذلك في صلاة وغيرها، فلما اقتضت حكمة الله سبحانه ربط الخلق ونجاتهم بأن تكون أعمالهم على خلاف ما تهوى طبائعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع فيرددون في أعمالهم على سبيل الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدي إلى معانيها أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق التي هي مقتضى الاسترقاق، فإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات وهذا القدر كاف في تفهم
أصل الحج
(2)
وأما الشوق: فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق / بأن البيت بيت الله عز وجل وأنه وضع على مثال حضرة الملوك، فقاصده (3) قاصداً إلى الله عز وجل، وزائر له، وأن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يحرم الرحمة في الآخرة، بل يستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الصادق. فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يسوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة هذا مع أن المحب يشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله تعالى فبالأحرى يشتاق إليه. هذه الإضافة فضلاً عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل (4).
بمجرد
(1) رواه البزار والدارقطني في العلل من حديث أنس قاله العراقي في المغني (213/ 1). (2) راجع إحياء علوم الدين فالكلام فيه بنصه (267/ 1، 268). (3) في الأصل: فقاد فقاصد واللفظ الأول زائد على السياق فحذفته. (4) راجع الفقرة في إحياء علوم الدين (268/ 1). (2/94)
صفحة 551
قنطرة الحج
وأما العزم: فليعلم أنه بعزمه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهاً إلى زيارة بيت الله عز وجل، فليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت، وليعلم أنه عز على أمر رفيع شأنه خطير أمره، وأن من طلب عظيماً خاطر بعظيمة، وليجعل خالصاً لوجه الله تعالى بعيد عن شوائب الرياء والسمعة وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص. وإن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الملك وحرمه، والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم، وليخلصه من كل ما فيه رياء وسمعة وليحذر أن يستبدل الذي. هو أدنى بالذي هو
عزمه
خير
(1)
وأما قطع العلائق: فمعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي، فكل مظلمة علاقة وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلابيبة ينادي عليه، ويقول له: أين أتقصد بيت ملك الملوك وأنت / مضيع أمره في منزلك هذا ومستهين به ومهمل له، أو [116/ب]
تتوجه
لا تستحي أن تقدم قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك؟ فإن كنت راغباً في قبول زيارتك فامتثل أوامره وَرُدَّ المظالم وتب إلى الله أولاً من جميع المعاصي، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما في ورائك لتكون متوجهاً إليه بوجه، قلبك كما أنت متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك، فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولاً إلا النصب والشقاء وأخراً إلا الطرد والردّ، ويقطع العلائق عن وطنه قطع من انقطع عنه وقدر أن لا يعود إليه، وليكتب وصيته لأولاده وأهله فإن المسافر لعلى خطر (3) إلا ما وقى الله تعالى.
بين يديه
وليتذكر عند قطعة العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة، فإن ذلك على القرب، وما يقدمه في هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر فهو المستقر، وإليه المصير، فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد لهذا السفر
(r)
وأما الزاد فليطلبه من موضع حلال، وإذا حس من نفسه الحرص على إستكثاره وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغ المقصد، فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا، وأن زاده التقوى، وأن ما سواه مما يظن أنه زاد يتخلف عنه عند الموت، فكونه يبقى معه كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر، فيبقى وقت الحاجة محيراً
(1) راجع الفقرة بكاملها في المصدر السابق. (2) في الأصل: قلة والتصويب من الإحياء. (3) الفقرة بنصها أيضاً في الإحياء (268/ 1، 269). (2/95)
صفحة 552
96
قنطرة الحج
[1/ 117] محتاجاً لا حيلة له، فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه / بعد الموت بل يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير
(1)
وأما الراحلة: إذا أحضرها فليشكر الله عز وجل بقلبه على تسخير الله عز وجل له الدواب لتحمل عنه الأذى، وتخفف عنه المشقة، وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل عليها، فإن أمر الوجه من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة، فلينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زاداً لذلك السفر على ذلك المركب أم لا، فما أقرب
ذلك منه.
وما يدري لعل الموت قريب فيكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للراحلة، فركوب الجنازة مقطوع به، وتيسير أسباب السفر مشكوك فيه، فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه، ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المتيقن (2).
(2)
وأما شروط ثوبي الإحرام: فليذكر عنده الكفن ولفه فيه (3) فإنه سيرتدي ويتأزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله تعالى وربما لا يتم سفره إليه، وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفاً في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى بيت الله عز وجل إلا مخالفاً عادته في الزي والهيئة، فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لأهل الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيهما مخيط كما في الكفن (1)
(4)
وأما الخروج من البلد: فليعلم عنده أنه يفارق الأهل والوطن متوجهاً إلى الله عز وجل
في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، فليحضر في قلبه أنه ماذا يريد؟ وإلى أين يتوجه؟ وزيارة من [1/ 118] يقصد؟ / وأنه متوجهاً إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له الذين نودوا فأجابوا، وشوقوا فاشتقاوا واستنهضوا فنهضوا وقطعوا العلائق، وفارقوا الخلائق، وأقبلوا على بيت الله عز وجل الذي فخم أمره وعظم شأنه ورفع قدره تسلياً بلقاء البيت عن لقاء رب البيت، إلى أن
يرزقوا منتهى مناهم، ويسعدوا بلقاء مولاهم.
وليحضر في قلبه رجاء الوصول والقبول لا إدلالاً بأعماله في الارتحال، ومفارقة الأهل
(1) وهذه الفقرة أيضاً كسابقتها في الإحياء (269/ 1). (2) راجع الفقرة في المصدر السابق.
(3) في الأصل فيها. والتصويب من الإحياء.
(4) راجع الفقرة في المصدر السابق. (2/96)
صفحة 553
قنطرة الحج
97
والمال، ولكن ثقة بفضل الله عز وجل ورجاء لتحقيق وعده لمن زار بيته، وليرج أنه إن لم يصل وأدركته المنية في الطريق لقي الله عز وجل وافداً إليه إذ قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِّن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى قوله: غَفُوراً رَحِيماً) (21).
وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ونكير، ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات، ومن إنفراده عن أهله وأقاربه ووحشة القبر وكربته ووحدته، وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزوداً لمخاوف القبر (3).
وأما الإحرام والتلبية من الميقات: فليعلم أن معناه إجابة نداء الله عز وجل، وليرج أن يكون مقبولاً / وليخش أن يقال له: لا لبيك ولا سعديك، وليكن بين الرجاء والخوف متردداً [119/ب] وعن حوله وقوته متبرئاً، وعلى فضل الله تعالى وكرمه متكلاً فإن وقت التلبية هي بداية الأمر وهو محل الخطر.
يعتريه
وعن سفيان بن عيينة أنه قال: لما حج علي بن الحسين فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه، وانتقض ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك، فلما لبّى غشي عليه ووقع عن راحلته، فلم يزل ذلك حتى قضى حجه. قال: وقال أحمد بن أبي الحواري: كنت مع أبي سليمان الداراني حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ملأ وأخذته الغشية، ثم أفاق وقال: يا أحمد إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام من ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري؛ فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة ويحك يا حماد بلغني أنه من حج من غير حلة، ثم لبى قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك فما نأمن أن يقال لنا ذلك.
وليتذكر الملبس عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابة لنداء الله عز وجل إذ قال: وَأَذُنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرِ) (1). وليتذكر أيضاً نداء الخلق عند نفخ
(4)
الصور وحشرهم من القبور وإزدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله عز وجل
(1) سورة النساء الآية: 100.
(2) راجع الفقرة في الإحياء بنصها (269/ 1). (3) راجع الفقرة في الإحياء بنصها (269/ 1). (4) سورة الحج الآية: 27.
قناطر الخيرات ج/ 2 م/7 (2/97)
صفحة 554
98
قنطرة الحج
[1/ 120) ومنقسمين إلى مقبولين، مردودين، فهم يترددون في أول الأمر / بين الخوف والرجاء لردد الحجيج في الميقات حيث لا يدرون أيبشر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا (1).
وأما دخول مكة: فليتذكر عندها أنه انتهى إلى حرم الله تعالى وهو حرم أمن وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عذاب الله سبحانه وليخش أن لا يكون أهلاً للقرب فيكون بدخوله الحرم خائباً مستحقاً للمقت، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات مقروناً بالخوف بل غالباً عليه فإن
(2)
الكرم عميم، وشرف البيت عظيم وحق الزائر مرعي، وذمام اللائذ المستجير غير مضيع وأما وقوع البصر على البيت: فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب، ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه وليرج أن يرزقه الله تعالى دار السلام كما رزقه الوصول إلى بيته الحرام وليشكر الله تعالى على تبليغه إياه هذه الرتبة بأن ألحقه بزمرة الوافدين إليه، وليذكر عند ذلك إنصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة أمنين لدخولها كافة.
ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين عن بلوغ المأمول انقسام الحجيج إلى مقبولين ومردودين، ولا يغفل عن تذكر أمور الآخرة في شيء مما يراه فإن كل أحوال الحاج دليل على أحوال الآخرة (3).
وأما الطواف بالبيت: فاعلم أنه صلاة واحضر قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء
[1/ 121] والمحبة ما تقدم في قنطرة الصلاة، واعلم أنك بالطواف مشبه بالملائكة / المقربين الحافين حول العرش الطائفين به، ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت بل المقصود طواف (4) لا تبتدئ في الذكر إلا منه ولا تختم إلا به كما تبتدئ الطواف من البيت
قلبك بذكر الله حتى
وتختم بالبيت.
واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر، وهي في عالم الملكوت كما أن البدن ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب، وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له الباب وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن
البيت المعمود في السموات بإزاء الكعبة.
(1) راجع إحياء علوم الدين (269/ 1، 270). (2) راجع الإحياء (270/ 1).
(3) راجع المصدر السابق.
:
(4) في الأصل طوافك والتصويب من المصدر السابق. (2/98)
صفحة 555
قنطرة الحج
99
وأن طواف الملائكة به كطواف الإنس بهذا البيت قال ولما قصر رتبة أكثر الخلق عن
مثل ذلك الطواف، أمروا بالتشبه بهم بحسب الإمكان، ووعدوا بأن من تشبه بقوم فهو منهم
والله أعلم (2).
(1)
وأما استلام الحجر: فاعتقد عنده أنك مبايع الله عز وجل على طاعته، فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك فمن غدر في المبايعة استحق المقت وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحجر يمين الله تعالى يصافح به عباده (3).
وأما التعلق بأستار الكعبة والالتزاق بالملتزم فلتكن نيتك في الالتزام طلباً لقرب إلى الله سبحانه وتعالى وشوقاً إليه وحباً له، ولبيته تبارك وتعالى تبركاً بالمماسة، ورجاء للتحصن
عن النار في كل جزء لاقى البيت، ولتكن نيتك في التعلق بالأستار الإلحاح في طلب المغفرة / وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه، المظهر له [122/ب] أنه لا ملجأ منه إلا إليه ولا مفزع له إلا إلى كرمه وعفوه، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل
(4)
الأمن في المستقبل (4)
وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائياً وذاهباً مرة بعد أخرى إظهاراً للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما يقضي به الملك في حقه من قبول أو ردّ، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى، وليذكر الصفا والمروة تردده عند وزن الأعمال. القيامة ناظراً إلى الرجحان والنقصان يوم
عند تردده بين متردداً بين العذاب والغفران (5).
وأما الوقوف بعرفة: فليتذكر عندما يرى من إزدحام الخلق، وإرتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، وإتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر إقتداء بهم، وسـ وسيراً بسيرهم، فليتذكر بذلك عرصات القيامة، وإجتماع الأمم مع الأنبياء، وإقتفاء كل أمة بنبيها، وطمعهم في
(1) رواه أبو داود من حديث ابن عمر بسند صحيح، قاله العراقي في المغني (270/ 1).
(2) الفقرة بتمامها كما هنا في الإحياء (270/ 1).
(3) رواه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر قاله العراقي في المغني (103/ 1)، والفقرة بتمامها
في الإحياء (270/ 1).
(4) راجع الإحياء الموضع السابق. (5) راجع إحياء علوم الدين (271/ 1). (2/99)
صفحة 556
قنطرة الحج
شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول، فإذا تذكرت ذلك فألزم قلبك الضراعة، والابتهال إلى الله تعالى كي تحشر في زمرة الفائزين، المرحومين.
وأيقن وحقق رجاؤك بالإجابة؛ فالموفق شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال
إلى كافة الخلائق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض ولا ينفك الموضع عن طبقة من [1/ 123] الأبدال / والأوتاد (1) وطبقات الصالحين وأرباب القلوب، فإذا اجتمعت هممهم، وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم، وامتدت إليه أعناقهم، وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة، فلا تظنن أنه يخيب أملهم، ويضيع سعيهم ويدّخر عنهم رحمة تغمرهم ولذلك قيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر الإنسان عرفات فيظن أن الله تعالى لم يغفر له.
فكان اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأمم من الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد وهو سر الحج وغاية مقصودة، فلا طريق في استدرار الرحمة من الله سبحانه وتعالى، مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد.
وأما رمي
الجمار: فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية، وانتهاضاً لمجرد
الامتثال من غير حظ للعقل والنفس في ذلك، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو ليفتنه بمعصية، فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله، فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه، [أما أنا] (2) فليس يعرض لي الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في عزمك ليفتر عزمك في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه ترغم أنف الشيطان وتقضم ظهره، [1/ 124] إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى / تعظيماً لمجرد الأمر من غير حظ
للعقل والنفس فيه
(3)
وأما ذبحه للهدي: فاعلم أنه تقرب إلى الله سبحانه بحكم الامتثال، وأكمل الهدي واجزائه وأرج أن يعتق بكل جزء منه جزء منك من النار، فهكذا ورد ال وعد، فكلما كان الهدي
(1) سبق الكلام عن الأبدال والأوتاد وأنها مصطلحات صوفية تفتقر إلى الدليل الشرعي الصحيح.
(2) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبته من الإحياء.
(3) راجع إحياء علوم الدين وهو فيه بنصه (271/ 1). (2/100)
صفحة 557
قنطرة الحج
أكثر وأجزاؤه أوفر، كان فداؤك به من النار أعم (1).
1.1
وأما زيارة المدينة: فإذا وقع بصرك على حيطانها فلتذكر أنها البلدة التي اختارها الله تعالى لنبيه عليه السلام وجعل إليها هجرته وأنها داره التي فيها شرع فرائض ربه عز وجل وسننه، وجاهد عدوه، فأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل، ثم جعل تربته فيها، وتربة وزيريه القائمين بالحق من بعده، ثم مثل في ذلك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته فيها، وأنه ما من موضع قدم تطاؤه إلا وهو موضع قدمه العزيزة، فلا تضع قدك عليه إلا على سكينة، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه وسكينته في المشي، وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكر مع ذكره حتى قرنه بذكر نفسه، وإحباط عمل من هتك حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته عليه السلام.
ثم تذكر ما مَنَّ الله به على الذين أدركوا صحبته، وسعدوا بمشاهدته، وسماع كلامه، وعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته، وصحبة أصحابه رضي الله عنهم.
ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا، وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر، وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة، وقد حيل بينك وبين قبوله إياك بسؤ عملك كما قال / عليه السلام: [125/ب]
يرفع إلي أقوام فيقولون: يا محمد يا محمد فأقول رب أصحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً) (2). فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه لعدو لك عن محجته، وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله بينك وبينه بعد أن رزقك الإيمان، وأشخصك من بلدك من أجل زيارته من غير تجارة، ولا في دنيا، بل لمحض حبك له وشوقك إلى النظر إلى آثاره وإلى حائط قبره، إذ سمحت نفسك بالسفر لمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته، فما أجدرك بأن ينظر الله سبحانه إليك بعين الرحمة. فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله عز وجل لنبيه، ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة.
وأن فرائض الله سبحانه وتعالى أول ما أقيمت في تلك العرصة، وأنها جمعت أفضل خلق الله حياً وميتاً، فليعظم أملك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه، فادخله خاشعاً معظماً، وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود، وأنس وغيرهما دون قوله: يا محمد يا محمد، قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (272/ 1). (2/101)
صفحة 558
102
عن
قنطرة الحج
كما حكي. وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغشي عليه فلما أفاق قال: أخرجوني فليس يلذ لي (1) بلد محمد فيه مدفون (2).
أبي سليمان أنه قال: حج أويس القرني رحمه الله، ودخل المدينة فلما
(1)
وأما زيارة المصطفى عليه السلام فينبغي أن يقف بين يديه كما وصفناه، ويزوره ميتاً كما يزوره حيّاً، ولا يقرب من قبره إلا كما كان يقرب من شخصه الكريم لو كان حياً، وما كان [1/ 126] يرى الحرمة في أن لا يمس شخصه ولا يقبله / بل يقف من بعد ماثلاً بين يديه.
وكذلك فافعل وإن المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى واليهود، واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك، وأنه يبلغه سلامك وصلاتك فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعاً في اللحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته في قلبك.
فقد روي عنه: إن الله وكل بقبره ملكاً يبلغه سلام من يسلم عليه من أمته (3). هذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقاً إلى لقائه، وإكتفاء بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاتته مشاهدة غرته الكريمة، وقد قال الله: «من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً (4).
فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ببدنه. ثم انت منبر الرسول و توهم صعوده المنبر، ومثل في قلبك طلعته البهية قائماً على المنبر، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار، وهو الله يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته وتسأل الله عز وجل أن لا يفرق بينك وبينه يوم القيامة فهذا وظيفة القلب في أعمال الحجة، فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الهم والحزن والخوف، وأنه ليس يدريه أقبل منه حجه وأثيب في زمرة المقبولين أم رد حجه وأُلْحِقَ بالمطرودين، وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله، فإن صادف قلبه قد ازداد تجافياً عن دار الغرور، وانصرافاً إلى دار الأنس بالله عز وجل، ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع، فليثق بالقبول؛ فإن الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه ومن أحبه، تولاه وأظهر عليه آثار محبته، [1/ 127] وكفّ عن سطوة عدوه إبليس، فإذا ظهر ذلك عليه دلّ على القبول وإن / كان الأمر بخلافه
(1) في الأصل: بلدي. والتصويب من الإحياء.
(2) راجع الفقرة في الإحياء بنصها (272/ 1).
(3) رواه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ: إن الله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام قاله العراقي في المغني (272/ 1).
(4) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، قاله العراقي في المصدر السابق. (2/102)
صفحة 559
103
قنطرة الحج
فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء والتعب، نعوذ بالله من ضلة المساعي، وإمحال
المراعي
فلما
احللت
اغتسلت
(1)
•
وقد روي عن بعض الصوفية أنه جاء إلى بكر الشبلي فقال له: إني أريد أن أحج. فقال الشبلي للرجل الذي يخدمه: أعط للرجل غرارتين ليحمل لنا بهما من المسجد الحرام رحمة نقسمها على أصحابنا فيكون ذلك حظنا من حجه. فأخذ الرجل غرارتين وودعه ومضى لحجه رجع سلم عليه فقال له الشبلي: أحججت يا فلان؟ قال الرجل: نعم. فقال له: حين من الميقات أتجردت من ثيابك واغتسلت وأحرمت؟ قال: نعم. قال: نويت أنك تجردت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟ قال: لا. قال له: حين اغتسلت نويت أنك من الخطايا والأوزار؟ قال: لا. قال له: حين تطييبت لإحرامك نويت أنك تطيبت بأنوار التوبة؟ قال: لا. قال له حين عقدت الحج حللت كل عقدة لغير الله عز وجل؟ قال: لا. قال له: صليت ركعتين؟ قال: نعم قال له: أيقنت المعونة من الله عز وجل؟ قال: لا. قال له: لبيت؟ قال: نعم. قال له وجدت جواب التلبية من الله تعالى؟ قال: لا. قال: ما تجردت ولا اغتسلت ولا تطيبت ولا عقدت الحج ولا لبيت ولا صليت. ثم قال له الشبلي: دخلت الحرم؟ قال: نعم. قال له: أحرمت على نفسك ألا تواقع كل محرم. قال: لا. قال له: فما دخلت الحرم. قال له: دخلت مكة؟ قال: نعم. قال له: نويت أنك دخلت في قرب عز وجل وشعاع رحمته؟ قال: لا. قال له فما دخلت مكة. قال له: رأيت الكعبة؟ قال: نعم. قال له: رأيت ما قصدت إليه؟ قال: لا. قال: له فما رأيتها قال له: طفت بالبيت؟ قال: نعم. / قال له: سعيت ثلاثة أشواط ومشيت أربعاً؟ قال: نعم. قال له: حين هرولت [128/ب]
الله
نويت أنك هرولت من المعاصي والأوزار؟ قال: لا. قال له حين مشيت أوجدت الأمن من الخطيئة والعفو من الذنوب؟ قال: لا. قال: فما هرولت ولا سعيت ولا مشيت. قال له: صافحت الحجر الأسود وقبلته؟ قال: نعم. قال: فصاح الشبلي صيحة منكرة: أواه من صافح الحجر الأسود فقد صافح الله عز وجل فانظر يا مسكين لا تصغر ما عظم الله عز وجل ولا تنقض المصافحة ثم، قال له: وقفت الوقفة عند المقام وصليت ركعتين؟ قال: نعم. قال له: رأيت مكانك من بساط الطاعة؟ قال: لا. قال له: فما وقفت ولا صليت. قال له: شربت من ماء زمزم؟ قال: نعم. قال: له نويت أنك أخرجت من قلبك وساوس الشيطان؟ قال: لا. قال: فما شربت إذاً. قال له: سعيت بين الصفا والمروة؟ قال: نعم. قال له: تردد قلبك بين
(1) إلى هنا جاء بنصه في إحياء علوم الدين (272/ 1، 273). (2/103)
صفحة 560
1. {
قنطرة الحج
الرجاء والخوف أو تردد بين الرجاء والشوق؟ قال: لا. قال له: خرجت إلى منى؟ قال: نعم. قال له: آمنت ونويت مفارقة الهوى؟ قال: لا. قال له: فما حضرت فيه. قال له: وقفت بعرفة؟ قال: نعم. قال له: وقفت وعرفت وعلمت اطلاع الله عز وجل ملك الملوك على قلبك وقبضة لصفحتك؟ قال: لا. قال له: بت بالمزدلفة؟ قال: نعم. قال له: سكنت إلى شعار أهل الولاية؟ قال: لا. قال له: فما بت بها قال له: وقفت بالمشعر الحرام؟ قال: نعم. قال له: رميت جمرة العقبة؟ قال: نعم. قال نويت أنك رميت عيوبك؟ قال: لا. قال له: فما رميت. قال له: حلقت شعرك؟ قال: نعم. قال له: نويت أنك أسقطت التبعات والأدناس؟ قال: لا. [129/ 1] قال له: فما حلقت قال له: ذبحت نسكاً؟ قال: نعم قال له نويت أنك ذبحت / عدوك إبليس اللعين برجوعك إلى طاعة الله عز وجل؟ قال: لا. قال له: فما ذبحت. قال له: رجعت إلى مكة وطفت طواف الإفاضة؟ قال له: نعم. قال له: رأيت أنك رجعت عن كل خلق يكرهه الله تعالى منك؟ قال: لا. قال له: فما رجعت ولا طفت ارجع فإنك لم تحج. قال: فجلس الرجل يبكي ورجع إلى الحج من عامه (1). والله أعلم.
نجزت قنطرة أسرار الحج
بحمد الله وحسن عونه والصلاة على محمد نبيه
(1) أبو بكر الشبلي البغدادي قيل اسمه دلف بن جخدر، وقيل اسمه: جعفر بن يونس، وقيل: جعفر بن دلف. أصله من الشبيلية، قرية ومولده بسمراء وكان أبوه من كبار حُجَّاب الخلافة، وولى هو حجابة أبي أحمد الموفق، ثم لما عُزل أبو أحمد من الولاية، حضر الشبلي مجلس بعض الصالحين، فتاب، ثم صحب الجنيد وغيره، وصار من شأنه ما صار. وكان فقيهاً عارفاً بمذهب مالك، وكتب الحديث عن طائفة، وقال الشعر، وله ألفاظ وحكم، وحال وتمكن، لكنه كان يحصل له جفاف دِماغ وشكر، فيقول أشياء يُعتَذرُ عنه فيها بأو أي كبر وفخر) لا تكون قدوة .... وسئل: ما علامة العارف؟ قال: صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه مطروح. توفي ببغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن نيف وثمانين سنة. الذهبي في سير أعلام النبلاء 367/ 15). (2/104)
صفحة 561
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر فضل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
اعلم أنا قلنا في الكتاب لا نتعرض لذكر الجهاد إذ هو من فروض الكفايات لأن الكتاب موضوع في ذكر قناطر الإسلام التي يلزم من كل إنسان. صح عقله عند بلوغ الاحتلام فرأينا أن نثبت هاهنا فضل فريضة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه القطب الأعظم في الدين وهو أهم الذي بعث الله من أجله النبيين أجمعين إذ لولا ذلك لطوى بساط الديانة وعمت الفتنة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلكت العباد ولم يشعر بالهلاك إلى يوم
التناد.
من
وقد كان السلف الصالح من المسلمين يبيعون أنفسهم وأموالهم تقرباً بها إلى ربّ العالمين فيخرجون مجاهدين في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم في ذات الله فخلف بعدهم خلف أهملوا من هذا الفرض وعمله فاندرس بالكلية حده ورسمه وأمحت من القلوب آثاره وحقيقته فاستولى / على الكل مداهنة المخلوقين واضمحلت من قلوبهم مراقبة الخالق [130/ب] ومعرفة الدين فاسترسل الناس في اتباع الهوى استرسال البهائم في المرعى وعز علي بسيط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصحبنا فيه وأمسينا في الدين من الاندراس والانطماس والانتكاس فيه على أم الرأس.
فمن سعى في إحياء هذه الفريضة وسد تلمتها الفظيعة كان منفرداً من بين الخلق بإحياء فريضة أفضى الزمان إلى امانتها ومستبداً بغربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها. ونحن نشرح ذلك في خمسة أبواب أجمع ذلك من كتب العلماء ذوي الألباب:
أحدها: في فضل الجهاد.
والثاني: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والثالث: في أركانه وشروطه.
والرابع: في بيان المنكرات المألوفة في العادات.
والخامس: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر. (2/105)
صفحة 562
قنطرة الجهاد
1.7
الباب الأول
في فضيلة الجهاد والرباط
قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُم وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة. إلى قوله: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعَتُم بِهِ ... (1) الآية.
الحسان
فهنيئاً للبائعين أنفسهم من الله بالتجارة الرابحة، يستوجبون بها من الله الغفران، والحور
في دار الجنان.
ويروي
أن بعض أصحاب النبي عليه السّلام قالوا يا رسول الله وددنا أن نعلم أفضل الأعمال فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (2) الآية.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم / أنه قال: هل تريدون من ربكم إلا أن يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. قالوا: بلى يا رسول الله قال: «فاغزوا في سبيل الله فلمقام أحدكم في سبيل الله أفضل. من صلاة أهله في ستين عاماً فمن قاتل في
سبيل الله ولو فواق ناقة وجبت له الجنة.
وعنه عليه السلام قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرء مسلم أبداً وما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيله إلا ويأتي يوم القيامة وجرحه يشخب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك.
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لأن أقف موقفاً في سبيل الله، مواجهاً للعدو، ولا أضرب بسيف، ولا أطعن برمح، ولا أرمي بسهم، أحب إلي من أن أعبد الله سنة لا سبعين
أعصيه.
وعن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: موقف ساعة في سبيل الله أفضل
من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود».
وروي عنه عليه السلام أنه قال: يقول الله عز وجل ما أذن لعبد في جهاد ولو قدر فواق ناقة إلا استحييت منه أن أرده إلى منزله ولم اعتقه. من النار.
(1) سورة التوبة الآية: 111.
(2) سورة الصف الآيتان: 9، 10.
[1/ 131] (2/106)
صفحة 563
قنطرة الجهاد
107
وعنه عليه السلام أنه قال: الموقف أحدكم في الصف في سبيل الله.
خير
له من عبادة في
أهله
سبعين سنة.
وعنه عليه السلام أنه قال: «ما جميع أعمال البر عند الجهاد إلا كثفلة في بحر لجى». وعنه عليه السلام أنه قال: «إن لكل طريق مختصراً وأقرب طريق إلى الجنة الجهاد في
سبيل الله.
وعنه عليه السلام أنه كان يقول: «فضل الجهاد في سبيل الله كمثل الصائم القائم لا يفتر
عن صيام ولا صلاة حتى يرجع / والذي نفس محمد بيده لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء [132/ب] يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح ا المسك.
ويروي
أن رجلاً جاء إليه فقال: يا رسول الله إن لي عملاً فهل يدركني المجاهد في سبيل الله؟ قال: «وما عملك؟ قال له: أصوم النهار وأقوم الليل، قال: «ما عملك عند المجاهد في سبيل الله إلا كنومة ينامها المجاهد». قال: يا رسول الله إن لي مالاً فإن أنا انفقته أيكون لي مثل أجر المجاهد؟ قال: وكم مالك؟ قال: ستة آلاف، قال: «فإن أنفقتها في سبيل الله لم تبلغ شراك نعل المجاهد في سبيل الله وما من أحد يغزو في سبيل الله إلا أعطاه الله من مؤمن وكافر صغير أو كبير ذكراً أو أنثى قيراطاً من الأجر».
بعدد خلقه
وعنه عليه السلام أنه بعث بعثاً مع معاذ بن جبل رحمه الله، فتقدم القوم فتخلف معاذ ليصلي الظهر مع رسول الله فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد سبقك القوم بشهر في الجنة فالحق أصحابك». قال: يا رسول الله أردت أن أصلي معك وتدعو لي فيكون لي الفضل عليهم، قال: بل لهم الفضل عليك الحق أصحابك فلو كان لك أحد وذهباً أنفقته في طاعة الله حتى لا يبقى شيء ما أدركت سبقة القوم الذين سبقوك.
وعنه عليه السلام أنه قال ليغزون ناس من هذه الأمة بغير رزق ولا عطاء أجورهم
كأجور أصحابي ولوددت أني أقاتل في سبيل فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل».
وجاء عنه عليه السلام أنه أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يجهز جيشاً نحو العدو، فأمر بجهازهم فجهزهم رجل ونسي منهم رجلاً يدعى جرير، فلم يجهزه فخرج / جرير صابراً [133/ب] محتسباً وجعل جرير يمشي في آخر العسكر، ولا يرفع قدماً ويضع أخرى إلا وهو يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، (2/107)
صفحة 564
1. A
[1/134]
قنطرة الجهاد
ونعم الزاد هذا يا رب فنزل جبريل عليه السلام على النبي عليه السلام فقال: «إن الله يقرءك السلام ويقول لك أنك جهزت العسكر إلا رجل يسمى جرير فإنك لم تجهزه فإنه يصعد منه كلام أبكي به ملائكة السموات فعجل بجهازه فبعث إليه بجهازه وقال للرسول: «اسمع منه ما يقول». فوصل إليه الرسول وسمع منه ما يقول: وقال له: دونك جهازك» فقال: أو رضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كان سخط عنيك حتى يرضى عنك، لكن نسيك حتى ذكره بك رب العالمين، فخر جرير ساجداً لرب العالمين، وجعل يقول: اللهم إنك لم تنس جرير فاجعل جريراً لا ينساك.
ويروى أنه عليه السلام ذكر الجهاد يوم بدر ورغب فيه ووعد بالجنة فقال رجل: يا رسول الله أريت إن قتلت في سبيل الله ماذا لي؟ قال: «الجنة».
وكان رجل يأكل ثمرات في يده فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرع هذه الثمرات فرمى بهن من يده وقاتل حتى قتل وكان عليه السلام يقول: «الجنة تحت ظلال
السيوف.
وكان الحسن فيما بلغنا يقول: من كثرت سيأته وقلت حسناته فليغزوا في سبيل الله، ألا وأن الذنوب لتحبس صاحبها عن الغزو في سبيل الله كما يحبس الغريم غريمه ومصداق قول الحسن قول الله تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةَ وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ أَنْبِعَاثَهُمْ فَتَبَطَهُمْ وَقِيل أقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ .... (1) الآية.
(1)
وقد / روى أبو هريرة فيما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما يؤذن للعبد بالخروج في سبيل الله حتى يفتح الله له سبعين باباً من الرحمة والمغفرة والله سبحانه أفضل وأكرم من أن يرده وقد بقي عليه شيء من ذنوبه لم يغفرها له ويعطيه مع ذلك ثلاث خصال أولها: يحمل خطاياه إلى باب بيته فإذا جاوزه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه الثانية لا تطلع شمس ولا تغرب إلا غربت بخطاياه الثالثة إن مات في وجهته تلك مات شهيداً.
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: من مرض يوماً في سبيل الله أو بعض يوم أو ساعة غفرت له ذنوبه، وكتب الله له من الأجر عدل مائة ألف رقبة قيمة كل رقبة منها ألف دينار». وعنه عليه السلام أنه قال: من صدع رأسه يوماً في سبيل الله ثم احتسب ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه، وما هلل مهلل وما كبر مكبر إلا بشر بالجنة ومن صلى ركعتين في سبيل الله
(1) سورة التوبة الآية: 46. (2/108)
صفحة 565
قنطرة الجهاد
109
خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن قرأ ألف آية في سبيل الله كتبه الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن كبر تكبيرة في سبيل الله رافعاً بها صوته كان له بها صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن، ومن قال في سبيل الله لا إله إلا الله والله أكبر رافعاً بها صوته كتب الله له بها رضوانه ومن كتب له رضوانه جمع بينه وبين إبراهيم ومحمد والمرسلين عليهم السلام في دار الجلال.
سبعين
وعنه عليه السلام أنه كان يقول: طوبى لمن أكثر ذكر الله في سبيل الله فإن له بكل كلمة ألف / حسنة كل حسنة بعشر أمثالها ما له عبد الله من المزيد ومن بث علماً في [135/ب]
سبيل الله أعطاه الله بكل حرف مثل رمل عالج حسنات، وكان له مثل عمل من عمل به إلى يوم القيامة ومن صام يوماً في رمضان في سبيل الله كان له خيراً من عبادة مائة ألف سنة وستمائة ألف حجة وستمائة ألف عمرة وستمائة ألف رقبة ويبعد الله وجهه من النار سبعين خريفاً ويجعل الله بينه وبين النار خندقاً عرضه ما بين السماء والأرض وكل نعيم مسؤول عنه صاحبه يوم القيامة إلا نعيماً في سبيل الله. وعنه عليه السلام أنه قال: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة
من النفاق.
وعن جابر بن عبد الله أنه خرج غازياً مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي فقيل له: يا صاحب رسول الله ألا تركب إذا حملك الله قال جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. فنزل الناس معه يمشون.
وروي عنه عليه السلام أنه قال: ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا عمهم الله بالعذاب وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا اقتتلوا فيما بينهم. وعنه عليه السلام أنه قال: من جهز غازياً فقد غزا ومن أظل رأس غاز أظله الله القيامة لا ظل إلا ظل عرشه وكان له مثل أجره حتى يرجع أو يموت».
وعنه عليه السلام أنه قال: لأن أشيع غازياً في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها».
يوم
وعنه عليه السلام / كان يقول: ما من أهل بيت لا يغزو منهم غاز ولا يجهزون غازياً [136/ب] ولا يخلفونه في أهله بخير إلا أصابهم الله بقارعة. قيل: يا رسول الله وما القارعة؟ قال: «بلاء في أنفسهم وأموالهم». (2/109)
صفحة 566
[1/ 137]
110
قنطرة الجهاد
وعنه عليه السلام أنه قال: أيما امرأة جهزت زوجها في سبيل الله ثم لم تخلفه في نفسها إلا بما يحبّه إلا جعل الله لها مثل أجره ولا ينقص من أجره شيء».
وعنه عليه السلام أنه قال: «إن ممن يدخل الجنة سراً والناس في الحساب من أمر
بالجهاد وحظ عليه».
له
وكان سعيد بن المسيب فيما بلغنا يقول: من حرض أخاه على الجهاد في سبيل الله قيل ادع يستجب لك. وتمن على الله يوم القيامة بما شئت يعطيك ومن حرض أخاه على القتال كان له مثل أجره ويعطي بكل خطوة خطاها في ذلك عبادة سنة. وعنه عليه السلام أنه قال: إن الملائكة لتصلي على الغازي في سبيل الله ما دامت حمائل سيفه عليه ودرعه وسلاحه.
ذلك
وعنه عليه السلام أنه رجلاً جاءه فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني ذنوبي؟ قال: نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل إلا أن يكون ديناً على أحد ثلاثة أوجه: فإن الله يقضيه عن صاحبه؛ رجل ضعفت قوته عن الجهاد في سبيل الله فتداين ليتقوى به على قتال عدوه ثم مات ولم يقضه فإن الله تعالى يقضيه عنه، ورجل مات عنده رجل من المسلمين فلم يجد ما يكفنه ولا ما يواريه إلا بدين فتداين ثم مات ولم يقضه فإن الله تعالى يقضيه عنه، ورجل أخذ ديناً ليعتصم به بتزويج أو لينفقه على أهله ثم مات ولم يقضه فإن الله
تعالى يقضيه عنه.
وعنه عليه السلام أنه قال: «ما تقدم رجل خطوة في سبيل الله إلا طلعت عليه الحور العين فإذا (1) تأخر [خطوة استحيين منه و] (2) استرن عنه (3) فإذا (4) استشهد كان (5) أول نضحت من دمه كفارة لخطاياه وتنزل عليه اثنان من الحور العين يمسحان (8) التراب
نضحة
(1) -
في الكنز وإن.
(V)
(2) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من الكنز.
(3)
في الكنز منه وأحسبه الصواب.
في الكنز فإن.
الكنز كانت.
الكنز شجه.
ست موجودة في الكنز.
في الكنز فينفضان. (2/110)
صفحة 567
قنطرة الجهاد
111
عن وجهه ويقلن (1): مرحباً مرحباً (2) قد آن (3) لك ويقول [هو مرحباً فـ] (4) قد آن (5)
لكمان (1)
دفعة
وعنه عليه السلام كان يقول: إن للشهيد عند الله تعالى ست خصال؛ يغفر له من أول من دمه ويتبوأ مقعده من الجنة ويتحلى بحلية الإيمان ويجار من عذاب القبر ويؤمن من الفزع الأكبر ويلقى على رأسه تاج من الياقوت خير من الدنيا وما فيها ويزوج ثنتين وسبعين
زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه وأهل بيته ممن كان على الإسلام». وفي حديث آخر عنه عليه السلام أنه قال: الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم
ألم القرصة».
وفي لفظ آخر: العظة نملة أشد على الشهيد من ألم السلاح بل هو أشهى إليه من الشراب البارد في يوم. صائف.
وعنه عليه السلام كان يقول: ليس بين حياة الشهيد في الدنيا وحياته في الآخرة إلا
كمضغ تمرة.
وعنه عليه السلام قيل: له ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهداء؟ فقال عليه السلام: «كفى ببارقة السيوف على رؤوسهم فتنة. وعنه عليه السلام أنه قال: أفضل الجهاد كلمة عدل تقال عند إمام جائر يقتل عليها
صاحبها».
وفي كتاب الحضرمي قال: وقيل لما فتحت خيبر قال عليه السلام لجرير: «هل تعجبك هذه الحلة»؟ قال: نعم يا رسول الله قال عليه السلام: لو رأيت منادياً في الجنة علمت أنها ليست مثل حلتك». قال: قلت: أهي لشهداء بدر قال عليه السلام: «بل لغيرهم من أمتي». قال: من هم؟ قال: قوم في آخر الزمان تأتيهم أشرار لهم مرجاً لشهيدهم مثل ما لسبعين رجلاً من شهداء بدر، الإيمان / راسخ في قلوبهم وأنا أعلم بأسمائهم من الوالد بولده وإن الجنة [138/ب]
(1) في الكنز ويقولان. (2) التكرار غير وارد بالكنز.
(3)
في الأصل قد نحن. (4) ما بين المعقوفين من الكنز.
(5) في الأصل أنا والتصويب من الكنز.
(6) ذكره المتقى الهندي في كتابه كنز العمال بحر 10698 وعزاه لهناد، والطبراني في الكبير عن يزيد بن شجرة. (2/111)
صفحة 568
112
قنطرة الجهاد
لتشتاقهم كما تشتاق الناقة إلى ولدها وذلك إذا وهن الدين وعطلت الحدود وظهر أهل الجور على أهل الحق انتبذت منهم فرقة من أمتي من تخلف عنهم من غير عذر فأنا منه بريء وهو مني بريء. قال: يا رسول الله هل أدرك ذلك الزمان؟ قال عليه السلام: «لا». قال: كيف لي حتى ابلغ إلى ذلك الثواب؟ قال عليه السلام: «لو تقربت إلى الله بمثل ثواب العابدين من الأولين والآخرين لكنت عسى. أن تدرك فضل نائمهم في رباط ساعة واحدة.
وعن أبي هريرة عنه عليه السلام أنه سمعه يقول في قوله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ) (1). قال: «الشهداء هم الذين استثناهم الله عز وجل من الصعق». قال: إذا سمعوا النفخة الأولى قالوا: كان هذا أذان المسلمين في الدنيا لا يموتون ولا يفزعون وهم تحت العرش متقلدين سيوفهم والذي نفسي بيده إن الشهداء ليأتون يوم القيامة سالين سيوفهم واضعيها على عواتقهم لو يمرون بإبراهيم خليل الله أو نبي من الأنبياء لخلاء لهم طريقهم يقول أهل الجنة هؤلاء الذين أهرقوا في سبيل الله دمائهم حتى يجلوا على منابر من نور ينظرون إلى الخلائق كيف يحاسبون وهم قد أمنوا الحساب وما لهم عند الله أفضل.
يوم
وفي كتاب الحضرمي قال ويقال أن المقتولين في سبيل الله يأتون القيامة متقلدين السيوف وجراحهم تنضح دماً على لون الزعفران ورائحة المسك ويقولون لاخلائق: أفرجوا لنا عن الطريق فنحن الذين ارقنا في الله دمائنا وأيتمنا فيه ابناءنا وأرملنا فيه نساءنا ويقول الله تعالى: أوليائي اراقوا لي دماءهم.
وعن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لو كنت / أنا وإبراهيم صلى الله عليهما «لأفرجنا لهم عن الطريق لما رأوا من كرامتهم على الله وقيل: إنه يكون من كرامتهم على الله أنه تكون لهم مواد تحت ظل العرش والناس في أهوال يوم القيامة وعن العلاء بن كثير أنه قال: إذا الله الخلائق ليفصل بينهم يقول الشهداء: اذهبوا بنا إلى ربنا ننظر كيف يحكم بين عباده وهم قد أمنوا ذلك.
جمع
الست
وعن كعب الأحبار أنه قال: يوجد على باب الجنة رجل وهو يبكي فيقال له ما يبكيك من أهل الجنة قال: بلى ولكن لم أقتل في سبيل الله إلا قتلة واحدة فلو أني قتلت في سبيل الله ألف ألف قتلة كان قليلاً عند ما أعد الله. من الكرامة.
(1) سورة الزمر الآية: 68.
[1/ 139 (2/112)
صفحة 569
قنطرة الجهاد
113
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: والذي نفسي بيده إن الملائكة لتتمنى منازل الشهداء الذين ماتوا على فرشهم، وأما الذين قتلوا في سبيل الله فلا يطمع أحد. من الملائكة أن يكون في منزلتهم، وما من ميت يموت ويريد الرجوع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يريد الرجوع إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة أخرى.
الصلاة
وعنه عليه السلام أنه قال: موطنان تزخرف عندهما الجنة وتتزين فيهما الحور العين عند وعند القتال فإذا انصرف المصلي من صلاته ولم يسأل الله الجنة ولا الحور العين قلن: هذا الذي لم يسأل من الله الحور وإذا كان عند القتال قالت زوجته من الحور العين أقدم أقدم ولا تحزني في صواحباتي».
ويع
6.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد بهم أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما طيب مشربهم، ومأواهم، ومناكلهم، وحسن منقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا
يعلمون ما
صنع
الله لنا، لئلا يذهدوا في الجهاد، ولا يستأخروا عن الحرب، / فقال الله [140/ب] تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ ..... ) (1) الآية.
(1)
وبالجملة أفضل الناس منزلة عند الله تعالى بعد الأنبياء والرسل الشهداء، كما قدمنا من
فضلهم. وقد قال عليه السلام القتيل شهيد وصاحب الهدم شهيد والمبطون شهيد والغريق أكله شهيد ومن السبع شهيد والسليم شهيد» ـ يعني اللديغ ـ ومن ذكر إذا دخل مضجعه ثم مات فهو شهيد والنفساء شهيد ومن مات على فراشه وهو يريد أن تكون كلمة الله وكلمة الذين كفروا السفلى شهيد.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال: الشهيد المرزوق من قتل بالسيف.
هي
العليا
وقد روي عن أبي مرداس مهاصر رحمه الله أنه لما التقى المشايخ مع خلف بن السمح بفاغيس واشتد القتال قال أبو مرداس ضمنت الجنة لمن مات هاهنا اليوم إلا من كان فيه ثلاث خصال، قتل النفس التي حرم الله، وأكل أموال الناس ظلماً، والقاعد على الفراش الحرام، وسأجعل له منهن مخرجاً إن شاء الله. أما من قتل النفس التي حرم الله فليقد نفسه لأولياء المقتول، فإن لم يحضروا فليشهد أنه إنما يقاتل بنفس غيره، وأما من كانت عليه أموال الناس
(1) سورة آل عمران الآيتان: 169، 170.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 8 (2/113)
صفحة 570
114
قنطرة الجهاد
فليعطهم، فإن لم يجد فلويصي بها، والقاعد على الفراش الحرام فليرفع نفسه. روي أن أبا عبيدة عبد الحميد الحناوني رحمه الله أنه فعل مثل ذلك حين التقى مع
وقد
خلف أيضاً والله أعلم.
والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، ما لم يتركوه استخفافاً بحقه أو ديانة بتركه ولا يجب إلا بإمام عادل وعدة وعدد يبلغ نصف العدو ولا ينبغي
[1/ 141] أن يخرج / الإنسان إلى الجهاد إلا بإذن أبويه إلا إن كان ممن لا يقوم الجهاد إلا به.
وقد روي أن النبي لو جاءه رجل للمبايعة على الجهاد فقال: يا رسول الله لقد جئتك وأبواي ليبكيان فقال عليه السلام: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبيكيتهما وإن علمت أن هواهما أن تقيم عندهما فأقم».
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: إن أصحاب الأعراف هم ناس خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله بغير إذن آبائهم فقتلوا فمنعوا من الجنة بمعصية آبائهم ومنعوا من النار بقتلهم في سبيل الله. ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل معه يوم أحد عبد مملوك فقال له عليه السلام: أ أذن لك سيدك؟ فقال: لا. فقال له: «لو قتلت لدخلت النار فقال له سيده هو حر رسول الله فقال له: «الآن فقاتل».
جميع
طاعته
وعنه عليه السلام أنه قال: من غزا غزوة في سبيل الله فقد أدى إلى الله وأدى الحق الذي لا تقصير دونه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فقالوا: يا رسول الله من يدع الجهاد على ما سمع منك؟ فقال: من لعنه الله وغضب عليه وأعد له عذاباً عظيماً وليكونن في آخر الزمان قوم يقولون: لا جهاد فمن لقي الله وهو يقول ذلك عذبه الله عذاباً لا يعذبه أحداً من
العالمين.
السماء
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما قطر القطر من وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراءهم ليس هذا زمان جهاد فمن أدرك ذلك الزمان فنعم زمان الجهاد». فقالوا: يا رسول الله أو يقول ذلك أحد؟ قال: نعم من عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين للمجاهد في ذلك الزمان ما للمجاهد هذا اليوم من الأجر».
وعنه عليه السلام أنه قال: الشهداء ثلاثة: رجل خرج بماله ونفسه ونيته لا يقتل ولا
[142/ 11 / يقتل وهو يكثر الناس بسواده وفسطاطه أصابه سهم فقتله فذلك يغفر له بأول قطرة تقطر من دمه ويؤتى بجسد من الجنة فيجعل فيه روحه ثم يؤتى بحلة من الجنة فيصب عليها ستون لوناً (2/114)
صفحة 571
قنطرة الجهاد
110
كشقائق النعمان ثم يعرج مع الملائكة حتى يؤتى به إلى الجنة ورجل خرج مجاهداً في سبيل الله بنفسه وماله ونيته أن يقتل ويقتل فذلك شهيد شاهد يتمنى على الله ما شاء يشفع في سبعين من جيرانه وما من امرئ مسلم يخرج في سبيل الله إلا ويأتي يوم القيامة وعليه طابع
الشهداء».
ويقال: الخيل تقسم ثلاثة أقسام: فرس للرحمن وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فإما فرس الرحمن فالذي يتخذ للقتال في سبيل الله وفرس الإنسان فالذي يتخذ للراحة، وفرس الشيطان فالذي يتخذ للمفاخرة وقوة على الإسلام.
من
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى الله عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من فتن القبر ويبعثه الله يوم القيامة أمناً. الفزع وهو في قبره مرابط إلى يوم القيامة ويبعث الله أقواماً يمرون على الصراط كهيئة الريح حتى يلحقوا الجنة». قيل: من هم؟ قال: أقوام أدركهم الموت وهم في الرباط».
وعنه عليه السلام أنه قال: رباط رجل في سبيل الله ليلة أفضل من ألف ليلة في أهله
يقوم لياليها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر».
،
وفضل الجهاد والرباط ما لا يحصيه كتاب، وقد ذكرنا من فضلهما ما فيه الكفاية، فالجهاد موضوع لقتل أعداء الله، وإعلاء كلمة الله والرباط لحقن دماء أولياء الله الذابين عن الله، / فحقن دمائهم أفضل من سفك دماء أعداء الله. وإنما يتم الجهاد بإمام عادل [143/ب) واختلف في الغزو مع الجبابرة فأجازه بعض ومنع منه آخرون.
دين
منه.
ويقال: من حرض رجلاً على الجهاد كان له مثل أجره وأجر نبي بلغ رسالة ربه ومن ثبطه عن الجهاد في سبيل الله فلو يفتدى يوم القيامة بملء الأرض ذهباً لم يقبل وفي الحديث عنه عليه السلام قال: مثل المجاهد في سبيل الله من أمتي كمثل جبريل وميكائيل في الملائكة وإنما ينال فضل الجهاد المسلم الذي يقاتل لتكون كلمة الله. فقتل على ذلك، ولم تزل أولياء الله في سالف الدهر يقتلون ويقتلون في سبيله فما نسيهم ربك، وما كان ربك نسيا، ولأجل ما ذكرنا من الفضل في الجهاد.
هي
العليا
قال أبو بلال رحمه الله تعالى لكل منية ظنون إلا القتل في سبيل الله وقال حين وقف على البثجاء ـ وهي امرأة من المسلمين قتلها الفاسق عبيد الله بن زياد ـ فقال أبو بلال: لو أني صرعت مصرع البثجاء لعلمت أني أبعث على الصراط السوي. وقيل عنه إنما قال يوم قتل: لو (2/115)
صفحة 572
116
قنطرة الجهاد
أن لي نفسين نفساً تقاتل في سبيل الله ونفس تقوم في حوائج المسلمين، ومما يختار من أشعاره قوله فيما ذكر المبرد في كتابه الكامل: أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا ارجى حَيَاةً أو أحب سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا رب سلم نيتي ويصيرتي وزدني التقى ألاقي أولائكا
وقوله:
إني وزنت الذي يبقى بعاجلة تغني وشيكاً فلا والله ما اتزنا تقوى الإله وخوف النار أخرجني وبيع نفسي بما ليس له ثمنا / من كان يرجو بقاء لا نفاد له فلا تكن جنة الدنيا له سجنا
وقوله:
ماذا نبالي إذا أرواحنا خرجت ما فعلتم بأجسادي وأوصالي نرجو الجنان إذا صارت جماجمنا تحت العجاج كمثل الحنظل البالي إني امرؤ باعني ربي لموعده إذا القلوب هوت من خوف أهوال وأدت الأرض منا مثلما أخذت وقربت لحساب القسط أعمال نفسي ظنون ولست الدهر آمنها من بعد كعب وطواف وغسال كان من أهل هذا الدين كان له ودي وشاركته في تالد المال إلا لوجهك دون العم والخال لا أحبهم ي
من
الله يعلم
وقد قال عمران بن حطان في آخر القصيدة التي رثا بها أبا بلال وأصحابه رحمهم الله: أتعجزون وترجون اللحاق بهم أنا يكون ذو عجز كأكياس
وقال:
لقد زاد الحياة إلي بغضاً وحباً للخروج أبو بلال أحاذر أن أموت على فراشي وأرجو الموت في دار العوالِ يك همه الدنيا فإني لها والله رب البيت قال فلو أني وثقت بأن حتفي كحتف أبي بلال لم أبال وله قصائد كثيرة تركناها إذا ليس هذا الكتاب موضوعاً لأخبار الشرات (1) وبالله التوفيق.
ومن
(1) هكذا بالأصل وأحسبها الشعر وقد تحرفت.
(1/ 144] (2/116)
صفحة 573
قنطرة الجهاد
117
وعلى هذا مضى أوائل المسلمين رحمهم الله ممن يطول الكتاب بتعدادهم أفنوا المخ واللحم في العبادة، فلم يرضهم ذلك في ذات الله، حتى أهرقوا عليه دمائهم، ومزقوا عليه أبدانهم، فرحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان، فإن الله وإنا إليه راجعون على مصيبتنا في أنفسنا، وضعف عزائمنا / في ديننا وبالله التوفيق.
الباب الثاني
في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضلهما والمذمة في إهمالهما وإضاعتهما
ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارة العقول السالمة إليه على ما سيأتي إن شاء الله الآيات والأخبار والآثار.
أما الآيات: فقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1).
فقوله: {وَلْتَكُن. أمر وظاهره الإيجاب والإلزام وفيه بيان الفلاح متعلق به وأنه فرض كفاية لا فرض عين إذا قامت به جماعة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال: وَلْتَكُن مِنكُمُ أُمَّةً فمهما قام به جماعة أو واحد سقط الأثم عن الباقين، وخص بالفلاح القائمين به المباشرين، له وإن تركه الجميع هلكوا إذا كانوا قادرين لا
محالة.
(Y),
وقال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). إلى قوله: (وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (2). فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ... ) (3) الآية، فوصفهم الله سبحانه وتعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي هجرهما خرج عن المؤمنين الموصوفين في هذه الآية.
(1) سورة آل عمران الآية: 104. (2) سورة آل عمران الآيتان: 113، 114. (3) سورة التوبة الآية: 71.
[145/ب] (2/117)
صفحة 574
01/ 189]
118
قنطرة الجهاد
وقال تعالى: {لمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إلى قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (1). وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم اللعنة بتركهم النهي عن المنكر. وقال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (2) الآية.
وهذا / يدل على فضيلة الأمر بالمعروف إذ بين أنهم كانوا به خير أمة.
وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ .... (3) الآية. فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضاً لأنه لا يتعلق الثواب والعقاب جميعاً إلا على الفرض.
وقال سبحانه: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَانَوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ ..... (4) الآية. فقرن ذلك بالصلاة والزكاة في نعت المؤمنين.
وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى ... (5) الآية. وهذا أمر جزم، ومعنى
التعاون الحث عليه وتسهيل طريق الخير وسد طريق الشر والعدوان بحسب الإمكان. وقال تعالى: (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا
€
كَانُوا يَصْنَعُونَ (6) فبين أنهم أثموا بترك النهي. وقال تعالى: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ إلى قوله: مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ (7). فبين أنه أهلك. جميعهم إلا قليلاً منهم كانوا ينهون عن الفساد. وقال تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ .... (8) الآية. فهذا أمر عام للقادرين
عليه.
(7)
(9) ,
وقال تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَخواهم إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ..... ) (9)
(1) سورة المائدة الآيتان: 78، 79 (2) سورة آل عمران الآية: 110. (3) سورة الأعراف الآية: 165. (4) سورة الحج الآية: 41. (5) سورة المائدة الآية: 2. (6) سورة المائدة الآية: 63. (7) سورة هود الآية: 116. (8) سورة النساء الآية: 135. (9) سورة النساء الآية: 114. (2/118)
صفحة 575
قنطرة الجهاد
119
الآية. وقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا الآية. والإصلاح نهي عن البغي وإعانة على الطاعة فإن لم يفعل فقد أمر بقتاله فقال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) (1). الآية (2). وذلك هو النهي عن المنكر.
(3)
وقال فيما حكي عن لقمان لابنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهِ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أصَابَكَ ... (3) الآية. فالخير كله داخل في الأمر بالمعروف والشر كله داخل في المنكر، وسمي المعروف معروفاً لأن العقول تعرفه، وتوجبه، وسمي المنكر منكراً لأن العقول تنكره وتأباه. وقد قالت العرب: الفاحشة كإسمها / والله أعلم.
وأما الأخبار: عن الرسول عليه السلام فكثيرة منها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة خطبها أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على خلاف تأويلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم (4). فإني سمعت
النبيصلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا
يوشك أن.
وهوى
يعمهم
الله بعذاب من.
عنده (ه)
وروي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (6). فقال: يا ثعلبة مر بالمعروف وانه عن المنكر فإذا رأيت شحاً مطاعاً متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع العوام إن من ورائكم فتناً كقصع الليل المظلم للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم قيل: بل منهم يا رسول الله قال: بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدونه (7).
ووجدت أن قوله تعالى: لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم (8). قيل: أن تهدوه إذا اهتديتم. وقيل: نزلت في ناس أسلموا دون عشائرهم فاغتموا فنزلت الآية والله أعلم.
(1) سورة الحجرات الآية: 9.
(2) ذكر الغزالي في الإحياء مثله في الجزء الثاني ص 303 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(3) سورة لقمان الآية: 17.
(4) سورة المائدة الآية: 105.
(5) ذكره الحافظ العراقي في المغني وعزاه إلى أصحاب السنن الأربعة.
(6) سورة المائدة الآية: 105.
(v)
قاله العراقي في المغني: رواه أبو داود والترمذي وحسنه ورواه ابن ماجه.
(8) سورة المائدة الآية: 105.
[147/ب] (2/119)
صفحة 576
120
قنطرة الجهاد
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه سئل عنها فقال: إن هذا ليس زمانها إنها اليوم مقولة (1)، ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا وتقولون ولا يقبل منكم فحينئذٍ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.
وعنه أنه قال: «التأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم). قيل: معنى ذلك تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم.
وعنه أنه قال: [يا أيها الناس] (3) إن الله تعالى يقول لتأمرن وتنهون عن المنكر قبل
[148/ 1] أن / تدعوا فلا يستجاب لكم (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: «ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفتة في بحر لجى وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفتة في بحر لجى (5). وعنه أنه قال: إن الله ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله العبد حجته قال: يا رب (6) وثقت بك وفرقت من الناس (7).
(v),
وعنه عليه السلام أنه قال: إياكم والجلوس على (8) الطرقات» إلا لما لا بد منه. قالوا: ما لنا بد] (9) إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: «فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها (10). قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر
(1) في الإحياء مقبولة. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البزار من حديث عمر بن الخطاب والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف وللترمذي من حديث حذيفة نحوه وقال هذا حديث حسن.
(3) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: «مروا وانهوا». وهو عند ابن ماجه دون عزوه إلى كلام الله تعالى وفي إسناده لين.
(5) قال الحافظ العراقي: رواه أبو منصور الديلمي من حديث جابر بسند ضعيف في مسند الفردوس واقتصر
على الشطر الأول.
(6) في الإحياء. قال: رب.
(7) قال الحافظ في المغني: رواه ابن ماجه. (8) جاءت في الأصل في والتصويب من الإحياء. (9) ساقط من الأصل، وأثبتناه من الإحياء. (10) جاءت بالأصل حقه والتصويب من الإحياء. (2/120)
صفحة 577
قنطرة الجهاد
121
بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله تعالى. وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الله ليعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه (2).
(†)
وعن أبي أمامة الباهلي عنه أنه قال: كيف بكم (3) إذا طغى نساؤكم وفسق شبابكم وتركتم جهادكم. قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف بكم) إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهو عن المنكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون». قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون؟ قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف بكم) إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول / الله [149/ب: تعالى لي حلفت لأتيحن عليهم فتنة يصير الحليم فيها حيران (6).
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقفن على رجل يقتل أو يضرب مظلوماً فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يرفع عنه (7).
وعنه أنه قال: لا ينبغي لامرئ شهد مقام فيه حق إلا أن يتكلم به فإن لن يقدم
أجله ولن يؤخره ولن يحرمه رزقاً هو له (8).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث أبي سعيد. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد من حديث عدي بن عميرة وفيه حديث أخيه العرس بن عميرة وفيه من لم أعرفه ج 2 ص 305.
والطبراني من
(3) جاءت بالإحياء «أنتم».
(4) جاءت بالإحياء «أنتم».
(0) جاءت بالإحياء «أنتم».
305
(1) ذكره ابن أبي الدنيا بإسناد ضعيف دون قوله: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف». ورواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة مقتصراً على الأسئلة الثلاثة الأول وأجوبتها دون الأخيرين وإسناده ضعيف. قاله الحافظ العراقي في المغني ج 2 ص (7) جاء بالإحياء بنحوه وقال الحافظ العراقي في المغني رواه الطبراني بسنده ضعيف والبيهقي في شعب الإيمان بسند حسن ج 2 ص 305. (8) جاء بالإحياء بنحوه وقال الحافظ العراقي في المغني رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند الحديث الذي قبله، وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد لا يمنعن رجلاً هيبة الناس = (2/121)
صفحة 578
[1/ 10.]
122
قنطرة الجهاد
وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغيره فإنه قال: اللعنة تنزل على حضر». ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذاراً بأنه عاجز.
ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغير وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق.
ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: ما ساح السواح وخلوا دورهم، وأولادهم، إلا لمثل ما نزل بنا، حين رأوا الشر قد ظهر، والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم، ورأوا الفتن، ولم يأمنوا أن تغيرهم وأن ينزل العذاب في أولئك القوم فلا يسلمون، ورأوا أن مجاورة السباع، وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (1).
(2)
قال: ففر، قوم، فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبؤة لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء، فيما بلغنا أن الملائكة تتلقاهم، وتصافحهم، والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت فتخبره وليس بنبي قال: وقال أبو هريرة قال قال رسول الله: من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها (3).
ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك بين يديه / فأما الحضور قصداً
فممنوع بدليل الحديث الأول.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبياً إلا وله حواري فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون
=
أن يقول الحق إذا علمه، ج 2 ص 305. (1) سورة الذاريات الآية: 50.
أدلة
(2) نقل هذا عن الإمام الغزالي ومع احترامنا وتقديرنا لعلمه إلا أننا نأخذ بما جاء صحيحاً وصريحاً. الكتاب والسنة اللذان يأمران بالأخذ بظواهر الأمور وترك بواطنها فأمثال هذه الأشياء لا تدل
مثلاً
من
وموقفنا
الشرع وهي على صلاح أو طلاح فقد تكون أمثال هذه الأشياء عظة أو تكرمة لعبد من عباد الله كالحضر. منها كموقف موسى عليه السلام مع الحضر، وقد يفعلها ساحر فموقفنا من مثل هذه الأشياء تطبيق الشرع الظاهر على من كانت معه والله أعلم. (3) رواه ابن عدي وفيه يحيى بن أبي سليمان قال البخاري منكر الحديث قاله الحافظ العراقي في المغني. (2/122)
صفحة 579
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - عقيدة - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: قناطر الخيرات
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي أبو طاهر
تحقيق: سيد كسروي حسن - خلاف محمود عبد السميع
الناشر: دار الكتب العلمية
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1422ه/ 2001م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 3
أصله: مخطوط
ردمك: 2-7451-2289-4
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3697&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/127
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 رمضان 1446ه/ 05 - شهر 03 - 2025م. قنطرة الجهاد
123
يعملون بكتاب الله ويأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر، يقولون ما تعرفون (1) ويعملون ما تنكرون (2) فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك إسلام (3).
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: كان أهل قرية يعملون بالمعاصي، وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون فقام أحدهم فقال: إنكم تعملون كذا وكذا، فجعل ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يدعون أعمالهم، فسبهم فسبوه، وقاتلهم فغلبوه، فاعتزل وقال: اللهم إني نهيتهم، فعصوني فسبيتهم فسبوني، وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب. ثم قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه، فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني فسبيتهم فسبوني، ولو قاتلتهم لغلبوني، ثم ذهب. ثم قام الثالث: فنهاهم فلم يطيعوه، فاعتزل عنهم ثم قال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني ولو سبيتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني، ثم ذهب. ثم قال الرابع فقال: اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ولو سبيتهم لسبوني، ولو قاتلتهم لغلبوني، ثم ذهب. قال ابن مسعود كان الرابع أدناهم منزلة وقليل فيكم مثله.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ ا رسول الله؟ قال: بتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله عز وجل (4).
بم
قال: «نعم». قيل: وعن جابر بن عبد الله عنه و / أنه قال: «أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب [151/ب] مدينة كذا وكذا على أهلها فقال: يا رب إن فيهم عبيدك فلان ألم يعصك طرفة عين؟! قال: اقلبها عليه وعليهم؟ فإنه لم يتمعر وجهه ساعة قط (5).
وعن
عائشة
رضي
الله عنها عنه الله أنه قال: إن الله تعالى عذب أهل قرية فيها ثمانية
عشر ألفاً عملهم عمل الأنبياء. قالوا: يا رسول الله كيف ذلك؟! قال: «لم يكونوا يغضبون الله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر (6).
(1) كذا بالأصل وجاءت بالإحياء يعرفون. (2) كذا بالأصل وجاءت بالإحياء ينكرون. قال الحافظ العراقي رواه مسلم نحوه المغني ج (4) قال الحافظ العراقي: رواه البزار والطبراني بسند ضعيف.
(3)
2 ص
306
(5) ذكر العراقي نحوه في المغني ج 306 وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب
(6)
2
ص
وضعفه وقال المحفوظ من قول مالك بن دينار.
قال الحافظ العراقي في المغني: لم أقف عليه مرفوعاً ج 2 ص 306. (2/123)
صفحة 580
124
قنطرة الجهاد
وعن عروة عن أبيه أن موسى عليه السلام قال يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يتسرع إلى هواي كما يتسرع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي، والذي يغضب إذا أتيت محارمي غضب كما يغضب النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا. فهذا يدل على فضل الحسبة مع شدة الخوف.
وفي أثر أصحابنا من أهل المشرق وقيل والله أعلم أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى الملائكة أن ينزلوا على أهل قرية فيهلكوهم فلما نزلت الملائكة وجدوا قوماً في المساجد والله بذلك أعلم فعرجت الملائكة فقالت: إلهنا أرسلتنا أن نهلك أقواماً في المساجد ـ وهو تعالى أعلم - فأوحى الله إليهم بأولئك، فأبدوا أولئك لم يعصوني ولكن شاربوهم وواكلوهم. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال أبو بكر: يا رسول الله هل من جهاد غير قتال المشركين؟ فقال: نعم يا أبا بكر إن الله مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء مرزوقين يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء، وتزين لهم الجنة كما تتزين (1) أم [1/ 152] سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: يا رسول الله من هم؟ قال: / «هم الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمحبون في الله والمبغضون في الله. قال: والذي نفسي بيده أن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث مائة [ألف] (2) باب منها الياقوت والزمرد والأخضر على كل باب نور وأن الرجل منهم ليزوج ثلاث مائة ألف حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفتت إلى] (3) واحدة منهن فنظر إليها فتقول: أتذكر وكذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر كلما التفتت (4) إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أم فيه بمعروف ونهي عن منكر (5).
(4)
يوم
كذا
وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي الشهداء أكرم على الله تعالى؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك، وإن عاش ما عاش (6).
(1) كذا بالأصل وجاءت - تزينت - بالإحياء ج 2 ص 307.
(2) ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء.
(3) ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء.
(4) كذا بالأصل وجاءت بالإحياء «نظر».
(0) (1)
قال الحافظ العراقي في المغني: الحديث بطوله لم أقف له على أصل وهو منكر. ج 2 ص 307. قال الحافظ العراقي في المغني: ذكر البزار دون قوله: «فإن لم يقتله» إلى آخره وهذه الزيادة منكرة وفيه = (2/124)
صفحة 581
قنطرة الجهاد
125
وعن الحسن البصري عنه هو أنه قال: أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة
وجعفر (1)
وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بئس القوم قوماً لا يأمرون بالقسط، وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر (2).
وعنه أنه قال: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإن ذلك لا يقرب أجلاً ولا يقطع رزقاً». وقال: «إذا كانت الأرزاق موافات فعلام التهافت في النار».
وأما الآثار: فقد روي
(3)
أن حذيفة رضي الله عنه سئل عن ميت الأحياء، فقال: الذي لا
ينكر المنكر بيده ولا بقلبه ولا بلسانه.
وقد روي
أيضاً
عن النبي عليه السلام وعن أبي الدرداء أنه قال: لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه / خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون فلا تنصرون (4)، ويستغفروا فلا يغفر [153/ب]
لهم
(0)
وفي الأثر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جندان من جنود الله فمن نصرهما نصر الله، ومن خذلهما خذل الله.
ويقال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينصبان يوم القيامة ويكونان صورتين
يشهدان يشفعان.
أبو الحسن غير مشهور لا يعرف.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: هذا حديث مرسل وللحاكم في المستدرك وصحح إسناده من حديث
جابر: ج 2 ص 307.
(2) رواه أبو الشيخ ابن حبان من حديث جابر بسند ضعيف وأما حديث عمر فأشار إليه أبو منصور الديلمي بقوله وفي الباب ورواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث الحسن مرسلاً. قاله الحافظ
في المغني.
(3) هكذا جاء بالأصل: وجاء بالإحياء ولا بلسانه ولا قلبه وهو الصواب لأن الإنكار باللسان يسبق الإنكار
بالقلب كما في الحديث.
(4) جاء بالأصل ينصرون) والتصويب من الإحياء.
(5) كذا بالأصل وجاءت في الإحياء «لكم». (2/125)
صفحة 582
126
قنطرة الجهاد
وفي رواية مشايخ الجبل: أن عجوزاً من أهل كرلين بعثت إلى أخت لها في الله يا أختاها إياك أن تتركي سهمك من الأمر والنهي، فإنه بلغني من أحيى سهمه منهما كمن يغدي المسلمين من غد، وأن من ترك سهمه منهما كمن قتل المسلمين وباع سهمه من الجنة.
مالك وعن
بن دينار أنه قال: كان حبر في بني إسرائيل يغشي منزله الرجال والنساء يعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يوماً وقد غمز بعض النساء. فقال: مهلاً يا بني مهلاً من سريره وانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه [في الجيش] (1) فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه ان أخبر فلاناً الحبراني لا أخرج من صلبك صديقاً أبداً أما كان من غضبك لي إلا
فسقط
أن قلت: مهلاً يا بني.
(1)
وفي قول الله تعالى: {تَرى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (2). قيل: يا رسول الله ما
كانت ولايتهم؟ قال: يواكلونهم ويشاربونهم ويجالسونهم». وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم.
وفي الأثر: أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون عليه السلام أني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من شرارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وواكلوهم وشاربوهم.
وعن بلال بن سعد أنه قال: إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم
[1/ 154] تغير أضرت / بالعامة.
وقد قال الله جل جلاله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) (3) الآية. فأخبر أن الناهي ناج بنهيه فكان ألد عامل المعصية والراضي بها شريكين في عقوبة الله تعالى فصار النهي عن معصية الله تعالى منجاتاً من عذاب الله.
وعن كعب الأحبار أنه قال لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك في قومك؟ قال: حسنة. قال كعب: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: ما تقول؟ قال: تقول أن الرجل إذا أمر بالمعروف
ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم.
(1) ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (2) سورة المائدة الآية: 80.
(3) سورة الأعراف الآية: 165. (2/126)
صفحة 583
[/100]
قنطرة الجهاد
127
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف، ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله.
وقال بعض العلماء: أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر الله به، أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور، وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قام الله في زمانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قيل: معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه، فقد جاء بما هو الغاية في حقه. وقيل للفضيل: ألا تأمر وتنهى؟ فقال: إن قوماً أمروا ونهوا فكفروا، وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا به.
يشده؟
وعن الثوري أنه قيل له: ألا تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر؟ فقال: إذا انبثق البحر فمن
فقد ظهر بما ذكرنا من الأدلة أن الأمر والنهي فرضان واجبان مع القدرة على كل مكلف شاهد ذلك، حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، ولا يسقطان إلا بقائم يقوم بهما؛ لأنهما فرض على الكفاية فمن قدر أن ينكر بيده فليفعل، وإن لم يقدر فبلسانه، وإن لم يقدر فبقلبه وهو أضعف الإنكار، وليس ذلك عذر يمنعه / ولا ضعف يزيله.
وإن قدر أيضاً أن يظهر الإنكار على أهل المعاصي بالهجران، واكفرار الوجه فليفعل وإنما أجاز الله سبحانه للمسلمين ترك إظهار المنكر عند عجزهم رخصة منه تعالى لهم، ومن أظهر النكير طلباً للوسيلة فله ثواب ذلك، على ما قدمنا من فضيلته والله أعلم (1).
فصل
اعلم أن الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تأكيداً لتحريم زواجره، وامتثال أوامره؛ لأن النفوس الأشرة قد الهتها الصبوة عن إتباع الأوامر، وأذهلتها الشهوة عن تذكار الزواجر، فكان إنكار أهل جنسها أزجر لها، وتوبيخ المخالطين لها أبلغ فيها، فلا خلاف بين الناس.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن | المنكر مع المكنة وظهور القدرة واجب على من شاهد
(1) هذا الباب وما جاء به من آيات وأحاديث وآثار فمعظم ما جاء به منقول نصاً من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - وما أضافه المؤلف إلى الباب شيء قليل بجوار هذا النقل. ج 2 كتاب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر - طبعة دار إحياء الكتب العربية. (2/127)
صفحة 584
[1/ 109]
128
ذلك
قنطرة الجهاد
من فاعله، أو سمعه من، قائله وإنما اختلفوا من طريق، وجوبه هل وجب عليهم ذلك بالعقل، أو بالشرع، فذهب بعض المتكلمين إلى وجوب ذلك بالعقل؛ لأنه لما وجب بالعقل أن يمتنع عن القبيح، وجب عليه أيضاً بالعقل أن يمنع غيره منه.
وقد روي مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه قال: «إن قوماً ركبوا سفينة في البحر فاقتسموها فعمد رجل منهم إلى موضعه فأخذ فأساً ينقره بها، فقالوا: ما تصنع، فقال: هذا مكاني أصنع فيه ما شئت فإن أخذوا على يده ومنعوه سلم وسلموا، وإن تركوه هلك
وهلكوا.
وذهب آخرون إلى وجوب ذلك بالشرع لا بالعقل قالوا: لأن العقل لو أوجب النهي عن المنكر، ومنع التغيير عن القبيح لوجب مثله على الله سبحانه. قالوا: ولما ورد الشرع بإقرار أهل الذمة على كفرهم وترك التنكير عليهم، دل على أن وجوب ذلك بالشرع لا بالعقل والله
أعلم وأحكم.
/ الباب الثالث
في أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وشروطها
وهي
أربعة أركان المُختسبُ والمختسبُ عليه والمحتسب فيه ونفس
الاحتساب. وكل واحد من هذه الأربعة شروط مشروطة:
الركن الأول المحتسب: وهو المباشر للأمر والنهي، وله شروط، وهو أن يكون مكلفاً بالغاً عاقلاً موحداً قادراً، فيخرج منه الصبي والمجنون والعاجر ويدخل فيه العبد والمرأة
والفاسق.
وأما التكليف: فلا يخفي اشتراطه إن أريد به الوجوب وأما إن أريد به إمكان الفعل وحصول التمييز فلا يشترط فيه التكليف؛ لأن الصبي المميز الذي راهق البلوغ له أن يريق الخمر، وينكر المنكر، وإن لم يكن مكلفاً، ولم يكن لأحد منعه من حيث أنه ليس بمكلف لأن هذه قربة، وهو من أهلها ينال عليها الثواب، كما يناله على الصلاة، وسائر القربات قبل البلوغ، وليست كالولايات حتى يشترط فيها التكليف، ولذلك وجب على العبد وآحاد الرعايا.
نعم في المنع عن الفعل وإبطال المنكر نوع الولاية وسلطنة، ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك، وكسر الأصنام، فالمنع عن الفسق كالمنع عن الكفر، وكذلك الإيمان (2/128)
صفحة 585
129
قنطرة الجهاد
لا يخفي اشتراطه؛ لأن هذه نصرة للدين فكيف يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين؟
هذا
من جهة الشرط. وأما من جهة التكليف فلا، لأن المشرك مأمور بجميع الفرائض المعاصي من الأمر والنهي وغير ذلك.
منهي
عن جميع
وأما العدالة فقد اعتبرها قوم، وقالوا: ليس للفاسق أن يحتسب بالأمر والنهي، وربما استدلوا بالآيات والأخبار الواردة بالإنكار على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى: أنا مُرُونَ النَّاسَ بِالْبُرِ وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ) (1). وقوله: وكَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (2). وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
مريم
[157/ب]
قال: «مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ قالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهي عن المنكر ونأتيه. وبما روي أ أن الله تعالى أوحى إلى عيسى بن عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. وربما استدلوا من طريق القياس أن تقويم الغير فرع الاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره؟ ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ وكل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب بالأمر والنهي لأنه لا يشترط في الاحتساب العصمة عن المعاصي كلها. فمن زعم أنه لا يجوز لأحد أن يأمر وينهى حتى يكون معصوماً فقد خرق الإجماع وحسم باب أمر والنهي، إذ لا عصمة للصحابة فضلاً عن من دونهم والأنبياء قد اختلف في عصمتهم عن الصغائر، والقرآن دال على نسبة الأنبياء (3) إلى المعصية والظلم لأنفسهم ولهذا قيل عن أنه قال: إن لم يأمر بالمعروف ولا ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم
الأمر
سعيد بن جبير
يأمر أحداً بشيء.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر، وإن لم تنتهوا عنه كله (4). ولم تزل جنود أهل الإسلام مشتملة على البار والفاجر
(1) سورة البقرة الآية: 44. (2) سورة الصف الآية: 3.
(3) لم يصب المؤلف في نسبة الأنبياء إلى المعصية فإن كان القرآن نسب بعض الأنبياء إليها فلا بدل ذلك على تعميم هذه النسبة عليهم. (4) قال الحافظ العراقي في المغني رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط وفيه عبد القدوس بن حبيب أجمعوا على تركه. قناطر الخيرات ج/ 2/ 9 (2/129)
صفحة 586
130
قنطرة الجهاد
في الغزو والجهاد ولم يمنعوا عن ذلك في عصر الرسول عليه السلام وغيره من الأعصار. والتحقيق في هذا أن الاحتساب تارة يكون بالوعظ ولا ينفع وعظ من لا يتعظ عند من علم ذلك [1/ 158] منه ويكون الاحتساب تارة بالقهر والمنع فلا / حجر على الفاسق في إراقة الخمر وكسر الملاهي، وغيرها إذا قدر على ذلك، وكذلك إغاثة المظلوم وقمع الظالم وغيره من المنكر والله أعلم).
وأما الآيات والأخبار التي استدلوا بها في إنكار عليهم من حيث تركهم المعروف، وارتكابهم المنكر لا من حيث الأمر والنهي، لأن أمرهم ونهيهم دل على قوة علمهم وعقاب
العالم التارك أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه فالجاهل غير معذور فكيف العالم؟
(2)
وقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2). فالمراد به الوعد الكاذب.
وقوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُرِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (3). توبيخ من حيث أنهم نسوا أنفسهم لا من حيث أنهم أمروا، غيرهم إن ذلك أدل على علمهم وأقوى في تأكيد الحجة عليهم، عظ نفسك الحديث. هو في الاحتساب بالوعظ.
مريم.
وقوله: يا ابن وقد سلمنا أن وعظ الفاسق قليل الجدوى ساقط القبول عند من يعرف، ثم قوله: وإلا فاستحي مني لا يدل على تحريم وعظ الغير بل معناه لا تترك مهم: كما يقال احفظ أباك ثم جارك وإلا فاستحي والله أعلم.
نفسك وتشتغل بمهم
غيرك
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لعن الله الأمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر الفاعلين له.
وأما آحاد الرعية فإنما ذكرنا ذلك، لأن قوما اشترطوا في المحتسب أن يكون مأذوناً له من جهة الإمام أو الوالي وهذا الاشتراط فاسد فإن الآيات والأخبار التي قدمناها تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه مع القدرة على إنكاره فهو آثم عاص أينما رآه، وكيفما رأه على العموم، واستمرار علماء السلف في إنكارهم على السلاطين قاطع بصحة ذلك ووجوبه [1/ 159] من غير إذن الإمام فكل من أمر بالمعروف / سلطاناً أو والياً فإن كان راضياً به فذلك،
وإن كان
(1) ما جاء في هذا الباب بعد اختصار مخلاً لما جاء بكتاب الإحياء في نفس الموضوع في الجزء الثاني ص 309 طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(2) سورة الصف الآية: 2. (3) سورة البقرة الآية: 44. (2/130)
صفحة 587
قنطرة الجهاد
131
ساخطاً فسخطه لذلك أيضاً منكر منه يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟
وقد روي أن مروان بن الحكم خطب قبل الصلاة في العيد فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة. فقال له: مروان اترك ذلك يا فلان فقال له أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه. قال رسول الله: من رأى منكم منكراً فلينكره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (1).
وفي كتاب الغزالي: قال وروي أن المهدي لما قدم مكة لبث ما شاء الله، فلما أخذ في الطواف نحى الناس عن البيت قال فوثب عبد الله بن مرزوق فلبسه بردائه ثم هزه فقال له: انظر ما تصنع من جعلك بهذا البيت أحق ممن أتاه من البعد، حتى إذا صار عنده حلت بينه وبين البيت من جعل لك هذا فنظر في وجهه وكان يعرفه لأنه من مواليهم فقال عبد الله بن مرزوق: قال: نعم. فأخذ فجيء به إلى بغداد، فكره أن يعاقبه عقوبة تشنع العامة عليه في فجعله في إصطبل الدواب، ليسوس الدواب وضموا إليه فرساً عضوضاً سيء الخلق ليعقره
قد
الفرس، فأمن الله له الفرس ثم إنهم صيروه في بيت وأخذ المهدي المفتاح عنده فإذا هو خرج بعد ثلاث إلى البستان يأكل البقل فإذن له المهدي. فقال له: من أخرجك؟ قال: الذي حبسني. قال: فضحك المهدي ثم صاح وقال: ما اخلق بنا (3) أن أقتلك. فرفع إليه عبد الله رأسه يضحك وهو يقول: لو كنت تملك إحياء أو موتاً. قال: فما زال محبوساً مات حتى المهدي ثم خلوا عنه فرجع إلى مكة. قال: وكان قد جعل على نفسه نذراً إن خلصه الله من / [160/ب] يديه أن ينحر مائة، بدنة، فكان يعمل في ذلك حتى نحر مائة بدنة.
قال: وروي [عن] (3) حبان بن عبد الله قال: تنزه هارون المدعو بالرشيد بالدوين، ومعه سليمان بن أبي جعفر الهاشمي فقال له هارون قد كانت لك جارية تغني فتحسن فجئنا بها. قال: فجاءت فغنت فلم يحمد غناءها. فقال لها: ما شأنك؟ فقالت له: ليس هذا عودي. فقال للخادم جئها بعودها. قال: فجاء بالعود فوافق شيخاً يلقط النوى. فقال: الطريق يا شيخ، فرفع الشيخ رأسه فرأى العود فأخذه فضرب به الأرض فأخذه الخادم وذهب به إلى صاحب الربع. فقال: احتفظ بهذا فإنه طلبه أمير المؤمنين. فقال صاحب الربع: ليس ببغداد أعبد من هذا فكيف يكون طلبة أمير المؤمنين. فقال له: اسمع ما أقول لك ثم دخل على هارون فقال:
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم.
(2) كذا جاءت بالأصل المخطوط وإن كانت في الإحياء «ما تخاف».
(3)
ساقط من الأصل وأثبتناه من كتاب إحياء علوم الدين. (2/131)
صفحة 588
132
قنطرة الجهاد
إني مررت على شيخ يلقط النوى، فقلت له: الطريق، فرفع إلي رأسه فرأى العود فأخذه وضرب به الأرض. فاستشاط هارون وغضب واحمرت عيناه فقال له سليمان بن أبي جعفر: ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين ابعث إلى صاحب الربع بضرب عنقه ويرمى به في دجلة. قال: لا ولكن نبعث إليه ونناظره (1) أولاً، فجاءه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: نعم. قال: اركب. قال: لا. فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر. فقيل لهارون: قد جاء الشيخ فقال للندماء: أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ أو نقوم إلى مجلس آخر فقالوا نقوم إلى مجلس آخر أصلح، فقاموا صاغرين إلى مجلس آخر ليس فيه منكر ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي فيه النوى. فقال له الخادم: أخرج هذا [1/ 161) وأدخل على أمير المؤمنين. فقال: من هذا عشاء. الليلة فقال: نحن نعيشك / قال: لا حاجة لي في عشائك فقال له: هارون: أي شيء تريد منه؟ فقال: في كمه نوى. قلت له: اطرحه، وادخل على أمير المؤمنين. فقال له: دعه لا تطرحه. قال: فدخل له فسلّم وجلس. فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت؟ قال: وأي شيء صنعت؟ وجعل هارون أن يقول كسرت عوداً، فلما أكثر عليه. قال: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرؤون هذه الآية على المنبر: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِى ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ أ وَالْمُنكَرِ ... ) (2) الآية. ورأيت منكراً فغيرته. قال: فغيره والله ما قال إلا هذا. فلما خرج أعطى رجلاً بدرة وقال له: اتبع الشيخ فإن رأيته يقول قلت لأمير المؤمنين. وقال لي: فلا تعطه شيئاً وإن رأيته لا يكلم أحد فاعطه البدرة، فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت يعالجها ولم يكلم أحداً. فقال له: قال لك أمير المؤمنين خذ هذه البدرة. فقال: قل لأمير المؤمنين يردها من حديث أخذها.
يستحي
الْفَحْشَاءِ
ويروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة يعالج قلعها من الأرض وهو يقول: أرى الدنيا لمن هي في يديه هموماً كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه وفي التقوى من الدنيا بلاغ ورزق المرء مبعوث إليه إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه قال: وقد روي عن المأمون أنه بلغه أن رجلاً محتسباً يمشي في الناس يأمرهم بالمعروف
(1) كذا بالإحياء وجاءت بالأصل «مناظره». (2) سورة النحل الآية: 90. (2/132)
صفحة 589
قنطرة الجهاد
133
وينهاهم عن المنكر، ولم يكن مأمور من عنده بذلك فأمر بأن يدخل عليه فلما صار بين يديه. قال: بلغني أنك رأيت نفسك أهلاً للأمر بالمعروف من غير أن نأمرك؟
وكان المأمون جالساً على كرسي ينظر في كتاب أو قصة فأغفله فوقع / منه تحت قدمه [162/ب]
من حيث لم يشعر. فقال المحتسب: ارفع قدمك عن أسماء الله ثم قل ما شئت، فلم يفهم المأمون مراده فقال: ماذا تقول؟ حتى أعاد ثالثاً فلم يفهم منه. فقال: أما رفعت وأذنت لي حتى أرفع؟ فقال: قد أذنت، فنظر المأمون تحت قدمه فرأى الكتاب فأخذه وقبله وخجل. ثم عاد فقال: لم تأمر بالمعروف؟ وقد جعل الله ذلك إلينا أهل البيت ونحن الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) إلى قوله: {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ) (1) فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت كما وصفت نفسك من السلطان والتمكين غير أنا أعوانك وأولياؤك فيه ولا ينكر ذلك إلا من جهل كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (2) الآية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً (3). وقد مكنت في الأرض، وهذا كتاب الله وسنة رسول الله الله، فإن انقدت لهما شكت لما أعانك لحرمتهما، وإن استكبرت عنهما ولم تنقد لما لزمك منهما فإن الذي إليه أمرك وبيده عزك، أنه قد شرط أنه يضيع أجر من أحسن عملاً. . فقل الآن ما شئت فأعجب بكلامه وسر به، وقال: مثلك يجوز له أن يأمر بالمعروف فامض على ما كنت عليه بأمرنا وعن رأينا فاستمر الرجل على
لا
ذلك.
ففي سياق هذه الحكايات بيان الدليل على الاستغناء عن الإذن والله أعلم (4).
فصل
فإن قيل يجب الاحتساب للولد على الوالد والعبد على السيد، والزوجة على الزوج، والتلميذ على الأستاذ والرعية على الوالي مطلقاً، كما يجب للوالد على الولد والسيد على العبد، والزوج على / الزوجة والأستاذ على التلميذ والسلطان على الرعية أو بينهما فرق.
(1) سورة الحج الآية: 41.
(2) سورة التوبة الآية: 71.
(3) قال الحافظ العراقي: متفق عليه من حديث أبي موسى.
(4) ما جاء في هذا الباب يعد نقلاً من كتاب الإحياء. الجزء الثاني كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
طبعة دار - إحياء الكتب العربية ..
[163/ب] (2/133)
صفحة 590
134
قنطرة الجهاد
فاعلم أن الذي نراه أنه يجب أصل الاحتساب ولكن بينهما فرق ولنفرض ذلك من الولد مع الوالد فنقول أن الاحتساب خمس مراتب، وللولد أن يحتسب على الوالد باثنين منهما وهما التعريف والوعظ والنصح باللطف وليس له الاحتساب بالسب والتعنيف والتهديد ومباشرة الضرب وهي الرتبة الأخيرة، لأنه وإن ورد الأمر والنهي في الكتاب على العموم.
فقد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب استثناءه على العموم، إذ لا خلاف في أن الجلاد لا يباشر قيامة الحد على أبيه بل لا يباشر قتل أبيه المشرك، بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولا يقتل بابنه ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته وقد ورد في ذلك أخبار وثبت بعضها بالإجماع (1) فإذا لم يجزي إيذاءه بعقوبة هي حق على جناية سابقة فلا يجوز إيذاءه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة بل ذلك أولى.
وهذا الترتيب أيضاً ينبغي أن يجري في العبد والزوجة مع السيد والزوج فهما قريبان من
الوالد في لزوم الحق.
وأما الرعية مع السلطان:
فالأمر فيه عند قومنا أشد من الوالد في لزوم الحق، فليس لهم. معه عندهم إلا التعريف والنصح. وقد اختلف الناس في الخروج على السلاطين الجورة والإنكار عليهم ظلمهم، وليس هذا موضع ذكر.
وأما التلميذ والأستاذ:
فالأمر فيما بينهما أخف؛ لأن حرمة الأستاذ إنما تأكدت بالدين، وإفادته العلم للمسترشد ولا حرمة للعالم الذي لا يعمل بعلمه فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه. أنه سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على الوالد؟ قال: يعظه ما لم يغضب
وروي
عليه، فإن غضب سكت عنه.
وأما شرط القدرة على إنكار المنكر فلا يخفى / ذلك؛ لأن العاجز ليس عليه أن يحتسب إلا بقلبه إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها.
(1) ما أشار المؤلف إلى أن الإجماع ثابت عليه من علاقة الولد بوالده حال ارتكابه المنكر وحال قيامه بالحد عليه ومباشرة ذلك قال الحافظ العراقي في المغني لم أقف فيه إلا على حديث ابن عمر عند الترمذي وابن
ماجه وقال عنه الترمذي فيه اضطراب وهو لا يقاد الوالد بالولد».
[1/ 164] (2/134)
صفحة 591
قنطرة الجهاد
135
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوهكم فافعلوا.
واعلم أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروهاً أن يناله فذلك في معنى العجز وله أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويُضرب إن تكلم فلا يجب عليه الاحتساب، نعم يلزمه ألا يحضر مواضع المنكر، ويعتزل في بيته حتى لا يشاهده، ولا يخرج إلا في حاجة مهمة، أو قضاء واجب، ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة إلا إذا كان يرهق إلى الفساد، ويحمل على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات، فتلزمه الهجرة عندها إن قدر عليها فإن الإكراه لا يكون عذراً في حق من يقدر على الهروب من الإكراه.
الحالة الثانية: أن يعلم أن المنكر يترك بقوله أو بفعله ولا يناله مكروه فيجب عليه
الإنكار؛ لأن هذه هي القدرة المطلقة.
الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيده إنكاره لكنه لا يخاف مكروهاً فلا يجب عليه الاحتساب لعدم فائدتها ولكن يستحب ذلك لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين. الحالة الرابعة: عكس هذا وذلك أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله مثل أن يريق خمراً أو يكسر عوداً فيرجع إليه صاحبه فيضربه فهذا ليس بواجب ولا بحرام بل مستحب ويدل عليه الحديث الوارد في فضل كلمة حق عند إمام جائر.
وقد روي عن أبي سليمان الدارني أنه قال: سمعت كلاماً من بعض الخلفاء فأردت أن أنكر عليه، وعلمت أني أمثل ولا يمنعني القتل ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق فاقتل من غير إخلاص في الفعل.
وعلى هذا / المعنى قتل عروة بن جدير أخو أبي بلال رحمه الله وعمروس بن فتح [165/ب]
رحمه الله، وغيرهم من المسلمين رحمهم الله فيما بلغنا.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ (1) قلنا: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتله، وذلك أنه يكسر
يهجم
(1) سورة البقرة الآية: 195. (2/135)
صفحة 592
136
قنطرة الجهاد
قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالات وحبهم الشهادة في سبيل الله فيكسر بذلك شوكتهم.
تعالى.
وأما معنى
الآية: فقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهلكة ترك النفقة في طاعة الله
وعن البراء بن عازب أنه قال: التهلكة أن يذنب الإنسان ذنباً فييأس من التوبة. وقيل: هو أن يقعد عن الجهاد. وقيل: هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيراً حتى يهلك. وإذا جاز للإنسان أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضاً ذلك في الاحتساب، ولكن لو يعلم أنه لا نكاية لهجومه
على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة. وكذلك المحتسب إنما يجوز له بل ويستحب أن يعرض نفسه للضرب والقتل، إذا كان لاحتسابه تأثيراً في دفع المنكرات وفي كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقاً معه سيف وفي يده قدح خمر وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للاحتساب فيه وجهاً، وهو عين الإهلاك. فإن المقصود أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه، فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له في الدين بل ينبغي أن يكون هذا حراماً. فإن قيل: فما حد الأذى الذي يترك المنكر لأجله؟ قلنا: ينحصر ذلك في أربعة أشياء: في البدن والمال والعرض والأقارب.
أما البدن فلا يلزمه الاحتساب إذا كان يعلم أنه يقتل أو تقطع أطرافه، أو يجرح،
[1/ 166] / أو يضرب ضرباً مؤلماً، وإن كان يستحب له ذلك كما تقدم. وأما المال: فإذا كان يعلم أن داره تنهب أو ثيابه تخلب أو يسعى به من أجل ذلك إلى سلطان يقتله؛ فإنه يسقط عنه الوجوب ويبقى الاستحباب إذ لا بأس أن يفدي دينه بدنياه، ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة والكثرة، إذ لا يكترث بالحبة من المال واللطمة
الخفيفة.
وأما العرض: فيخاف أن يهتك منه من أجل الإنكار شيئان:
أحدهما زوال جاهه: بأن يطرح حبل في عنقه ويدار به في البلد، أو يسود وجهه كل، وذلك من غير ضرب وهذا قادح في الجاه مؤلم للقلب. فهذا ربما يرخص له في السكوت؛ لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع، وهذا يؤلم القلب ألماً يزيد على ضربات معدودة،
وفوت دريهمات قليلة. (2/136)
صفحة 593
قنطرة الجهاد
137
والثاني خوف زوال فضلات الجاه: بأن يتعرض للسب في حضرته بالتجهيل والتحميق،
والنسبة إلى الرياء والنفاق أو في غيبته بأنواع الشتم والافتراء عليه، والغيبة فهذا لا يسقط الوجوب إذ لو كان يترك الاحتساب بلوم لائم، أو باغتياب فاسق أو بسقوط المنزلة من قلبه لم يكن لوجوب إنكار المنكر أصل ثابت، إذ لا ينفك كل من ينكر المنكر عن مثل هذا الأذى، وقد قال تعالى: {وَأُمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ (1). اللهم إلا إن كان المنكر اغتياب مسلم وعلم أنه لو أنكر عليه لم يسكت بل يغتابه هو أيضاً ويشتمه فربما لا يجب عليه الإنكار؛ لأن ذلك سبب لزيادة، المعصية، لأن غيبته هو أيضاً معصية في حق
المغتاب، ولكن يستحب له أن يفدي عرض أخيه المسلم بعرض نفسه على سبيل الإيثار. وقد دلت الآيات والأخبار على تأكيد وجوب الاحتساب، وعظم الخطر في السكوت عنها، فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره والبدن والمال والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها. وأما فضلات الجاه ودرجات / التجمل وطلب ثناء الخلق، وجر المنافع فكل ذلك لا [167/ب]
خطر له.
وأما الأقارب: فيخاف على أولاده وسائر أرحامه أن يضربوا وتنهب أموالهم إن أنكر
منه،
المنكر فهذا الله به أعلم ولعله لا يجب عليه الإنكار؛ لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر أعظم وإن كان لا ينالهم الأذى في النفس، والمال، ولكن بالشتم والسب، فهذا فيه نظر ويختلف ذلك بدرجات المنكر، ودرجات الكلام والشتم المحذور في نكاية القلب والله أعلم. واعلم أن صاحب المنكر لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون قد فرغ من المنكرة ومقارفة المعصية فيجب عليه الحد والتعزير والنكال، وذلك إلى الأئمة والسلاطين لا إلى آحاد الرعية.
الثانية: أن يكون مباشر للمنكر بفعله كلبسه الحرير وإمساكه العود وشربه الخمر، فإبطال هذه المناكر واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى منكر أفحش منه، وذلك يثبت للآحاد والرعية ذكراناً كانوا أو إناثاً، أحراراً أو عبيداً مع القدرة على إزالته.
الثالثة: أن يكون مهيئاً للمنكر كمن يزين المجلس ويجمع الرياحين لشرب الخمر ولم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه، وربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد ولا للسلاطين سلطنة على العازم على شرب الخمر إلا من طريق الوعظ والنصح دون الضرب والتعنيف، إلا إذا
(1) سورة لقمان الآية: 17. (2/137)
صفحة 594
138
قنطرة الجهاد
كانت تلك المعصية معلومة منه بالعادة كوقوف الشبان على أبواب حمامات النساء للنظر إليهن، أو خلوة بعضهم، أو كلهم بالنساء الأجنبيات فهؤلاء يجب أن يمنعوا من الوقوف، ويفرق بينهم وبين النساء بالتعنيف والضرب؛ لأن ذلك منهم معصية وتنجر إلى أعظم منها، وكذلك اختلاط النساء بالرجال في الأسواق معصية يجب المنع منها والله أعلم.
الركن الثاني فيما فيه الاحتساب: وهو كل منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب بغير
[168/ 1] تجسس معلوم / كونه منكراً بغير اجتهاد. فهذه أربعة شروط:
الأول: كونه منكراً ونعني به محذور الوقوع في الشرع منهياً عنه، ويدخل في لفظ
المنكر كل ما ينكره العقل من صغير أو كبير ورد الشرع بالنهي عن فعله.
بالنهي. عن
الثاني: أن يكون موجوداً في الحال، إذ لا يحتسب على من فرغ من شرب الخمر إلا العودة إليها هذا في حق الأحاد. وأما السلطان فيجب عليه إقامة الحد عليه إذا صح من حاله. وإن أنكر عزمه عليه ولم تكن له علامة لم يجز وعظه بذلك؛ لأن ذلك تهمة وسوء ظن بالمسلم وإن بعض الظن إثم.
ذلك
الثالث: أن يكون المنكر ظاهراً من غير تجسس؛ لأن كل من ستر معصية في داره وأغلق
بابه فلا يجوز أن يتجسس عليه. قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا) (1) الآية.
وعن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله قال: حرست مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة بالمدينة، فبينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج، فلما دنونا منه إذا باب مغلوق على أقوام لهم أصوات ولغط فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شُرَّب فما تراه؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه فرجع عمر وتركهم.
وروي عن عمر أيضاً أنه تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت عصيت الله من وجه فقد عصيته من ثلاثة أوجه قال الله تعالى: {وَلاً تَجَسَّسُوا) (2). وقد تجسست، وقال: (وأتُوا البيوت مِنْ أَبْوَابِها (3).
وقد تسورت من السطح، وقال: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا
(1) سورة الحجرات الآية: 12.
(2) سورة الحجرات الآية: 12.
(3) سورة
الآية: (2/138)
صفحة 595
قنطرة الجهاد
139
عَلَى أَهْلِهَا) (1). وما سلمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة.
وكذلك ما. روي أن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف رحمه الله ذات ليلة: اغد عليّ بقوم ورآهم على حالة مكروهة، فلما رجع عبد الرحمن إلى بيته سألته امرأته: لما بطأ عنها فأخبرها
بقول / عمر.
فقالت: أما يكفي أمير المؤمنين ما يرفع إليه حتى يطلب الناس يحكم عليهم. [169/ب]
فأخبر عبد الرحمن عمر بذلك فقال: أبصرت شيئاً عمينا عنه. ولذلك شاور عمر الصحابة رضي عنهم وهو على المنبر وسألهم عن الإمام إذا شاهد منكراً بنفسه هل له إقامة الحد؟ فقال علي: إن ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه والله أعلم.
الله
وأما إذا ظهر المنكر من البيت أو الدار ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار: كأصوات المزامير، والملاهي، وأصوات السكارى، والكلمات المألوفات منهم فله دخول الدار وكسر الملاهي؛ لأنا قد أمرنا أن نستر ما ستر الله وننكر على من أبدى لنا صفحته.
والإيذاء له درجة فتارة يبدو لنا بحاسة السمع، وتارة بحاسة البصر، وتارة بحاسة الشم، بل المراد العلم وهذه الحواس تفيد العلم ومعنى التجسس طلب العلامات المعرفة، فإذا حصلت وأورثت المعرفة جاز العمل بمقتضاها وأما أن يبحث على العلامات المعرفة فلا
رخصة فيه أصلاً إلا من دخل مداخل السوء وظهرت عليه علامة السوء فلا تباعة على من اتهمه. الثالث: أن يكون منكراً معلوماً بغير اجتهاد، إذ لا ينكر على المجتهدين فيما خالف فيه بعضهم بعضاً في مسائل الفروع. وأما ما اختلفوا فيه من أصول الديانات مثل: مسألة الرؤية، وقدم الكلام، وإثبات الجسمية والصورة الله سبحانه، وغير ذلك مما يطول ذكره فيجب على المسلمين إنكار ذلك على المخالفين في جميع ما احدثوه من البدع التي لا يجوز إعتقاده، ولا الدنيوية بها، وبالجملة فالاحتساب على أهل البدع أهم من الاحتساب على أهل المنكرات، لكن إنما يتم ذلك بالسلطان العادل لأن إنكار الآحاد والعوام في ذلك ينجر إلى تحريك فتنة، لأن أهل الحق مبتدعون / عنه مخالفيهم كما عند المسلمين مبتدعون وكل يزعم أنه محق [170/ب]
والله أعلم.
هم
الركن الثالث: المحتسب عليه وشرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع في حقه منكراً، وعسى يكفي فيه أن يكون إنساناً ولا يشترط أن يكون مكلفاً؛ لأن الصبي والمجنون
يمنعان عن الزنا وشرب الخمر وأنواع الفساد.
(1) سورة النور الآية: 27. (2/139)
صفحة 596
140
قنطرة الجهاد
فإن قيل: فاكتف إذا بكونه حيواناً، فإن البهيمة تمنع من إفساد الزرع كما يمنع المجنون
من الزنا. قيل له: إن تسمية منع البهيمة حسبة لا وجه له، إذ الحسبة عبارة عن المنع عن المنكر لحق الله تعالى صيانة للممنوع من مقارفة المنكر، ومنع البهيمة عن الإفساد إنما هو راجع إلى حفظ مال المسلم ومنع المجنون والصبي عن الزني وإتيان البهيمة وشرب الخمر صيانة وتنزيه من حديث أنه إنسان وعلى هذا المعنى لا تمنع البهيمة عن أكل الميتات والأنجاس وقد اختلف في ذلك والله أعلم.
يصير
فإن قال: فكل من رأى بهيمة في زرع إنسان هل يجب عليه إخراجها؟ أو رأى مالاً للمسلم قد أشرف على الضياع هل يجب عليه حفظه؟ فإن قلتم: يجب عليه ذلك فهذا تكليف شطط يؤدي إلى أن الإنسان طول عمره مسخراً لغيره، فإن قلتم::لا يجب فلم يجب الاحتساب على من يغصب مال غيره وليس له سبب إلا مراعاة مال غيره. قيل له: مهما قدر على حفظه من الضياع من غير أن يناله تعب في بدنه، أو خسران في ماله، أو نقصان في جاهه وجب عليه ذلك وهو أقل درجات حقوق المسلم؛ لأنه لا خلاف في أن مال المسلم إذا كان يضيع بظلم ظالم وقدر على حفظه عليه بشهادة له عنده يتكلم بها وجب عليه ذلك بكتمان الشهادة، ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه.
وعصى
يجب عليه
وأما إن كان يلحقه التعب والضرر في حفظه فلا يجب عليه ذلك، كما أنه لا [1/ 171] السفر / في أداء الشهادة ويجب عليه الإقامة بها فيما دون ستة أميال، إذ ليس فيه ضرر وكثرة
وقد اختلف الفقهاء في التقاط اللقطة هل هو واجب أم لا؟ والحق في ذلك أنه إن كانت
اللقطة في موضع لا تضيع فيه بل يلتقطها من يعرف بها، يتركها: مثل مدرسة أو مسجد أهله كلهم أمناء فلا يلزمه الالتقاط، وإن كانت في موضع تضيع فيه نظر فإن كان عليه كثرة تعب في حفظها كبهيمة تحتاج علف وصيانة بيت فلا يلزمه ذلك، وإن كان ذهباً أو ثوباً لا ضرر عليه فيه ولا تعب إلا مجرد تعب التعريف فهذا ينبغي له أن يحفظه؛ لأنه ليس فيه كثير تعب، بل إنما هو بمنزلة تعب الشاهد في حضور مجلس الحكم والله أعلم.
الركن الرابع: في نفس الاحتساب وله درجات وآداب أما الدرجات فأولها التعرف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ والنصح والسب والتعنيف، ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب، ثم إيقاع الضرب، ثم شهر السلاح. ثم الاستظهار فيه بالأعوان وجمع الجنود. (2/140)
صفحة 597
قنطرة الجهاد
181
عنه
أما الدرجة الأولى: وهو التعرف ونعني به طلب المعرفة بجريان المنكر وذلك منهي. وهو التجسس الذي ذكرناه فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الملاهي، ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا يمس ما في ثوب إنسان ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر جيرانه عن ذلك، نعم لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار أن المنكر في دار فلان فله أن يدخل إلى إنكاره بغير استئذان كما أنه يضرب رأسه ليقمعه عن ظلم غيره من غير إذنه. وأما إن أخبره عدل واحد أو من لا تقوم به الحجة فالأولى أن يمتنع عن الدخول إلا بالإذن، ولا يسقط حق الاستئذان الثابت إلا بعدلين أو إشهار وقد قيل أنه نقش خاتم / لقمان عليه [172/ب] السلام: الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت.
الدرجة الثانية: التعريف وذلك مثل من
?
يحسن الركوع والسجود جهلاً منه بشروط الصلاة، فينبغي أن يعرف ذلك باللطف فيقال له: إن الإنسان لا يولد عالماً، وقد كنا جهالاً فعلمنا العلماء، ولعل قريتك خالية عن أهل العلم أو عالمها مقصر في شرح الصلاة، وإنما شرط الصلاة الطمأنية في الركوع والسجود.
كذلك يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء له بالنسبة إلى الجهل والحمق، فإن إيذاء المسلم حرام، وليس من العقلاء من يغسل النجس بالنجس، ومن أزال معرة الجهل، فالإذن الاستغناء عنه فقد غسل النجس بالنجس على الحقيقة. وأما الخطأ في غير الدين
للمسلم مع
فلا
ينبغي أن يرده عليه فإنه يستفيد منك علماً.
ويصير لك عدواً إلا إذا علمت أنه يغتنم العلم
وذلك عزيز جداً.
الدرجة الثالثة: النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله، وذلك فيمن يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكراً، أو أصر عليه بعد أن عرف أنه منكر كالذي يواظب على الشرب، أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين وأشباه ذلك فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى ويورد عليه الآيات والأخبار الواردة في ذلك، وكل ذلك بشفقة عليه من غير عنف بل ينظر إليه بعين الرحمة، وهاهنا آفة مهلكة فليتق فيها الجهل. فإن كان الباعث هذا فهو منكر، أقبح من المنكر
وذلك
الذي ينكر على من يتعاطاه؛ لأن النفس في الاحتكام على الغير لذة عظيمة من جهة العلم، يرجع إلى الرياء وهي الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي وله محك / ومعيار ينبغي [173/ب] يمتحن به المحتسب نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه، أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه فإن كانت الحسبة ثقيلة عليه فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان غير ذلك فليتق الله وليحتسب أولاً على نفسه. وعند هذا يقال له ما
أن (2/141)
صفحة 598
142
:
قنطرة الجهاد
قيل لعيسى ابن مريم عليه السلام عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
وقيل لداود الطائي: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط قيل له: إنه يقوى عليه. قال: أخاف عليه السيف. قيل له: إنه يقوى عليه. قال: أخاف عليه الداء الدفين وهو العجب.
ومثال المحتسب على غيره رياء، أو عجباً مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل وهذه منزلة عظيمة إلا من عرفه الله تعالى عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته والله أعلم). الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الغليظ، وذلك عند العجز عن المنع وظهور استهزائه بالوعظ، وذلك مثل قول إبراهيم عليه السلام: أَنَّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (2). ولا يسبه بالفحش والكذب. ولكن يقول له: يا فاسق، يا عدو الله، يا أحمق،
من
هذا
يا جاهل في إمساك هذا إذا كان أهلاً لذلك، وليقتصر على قدر الحاجة، فإن خاف. فليقتصر على ظهار الغضب والاستحقار له لأجل المعصية والاكفهرار في وجهه والهجران، فإن خاف فلينكر بقلبه مع الاجتناب له والله أعلم
(3)
•
الدرجة الخامسة: التغيير باليد وذلك ككره الملاهي وإراقة الخمر، وخلع الحرير عن رأسه وبدنه، ومنعه من الجلوس عليه ودفعه عن مال الغير، وإخراجه من الدار المغصوبة، ومن المسجد إذا جلس فيه وهو جنب وما يجري مجراه ويتصور ذلك في بعض المعاصي دون
[1/ 174] / البعض.
وأما معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها باليد، وإذا قدر أن يكلفه كسر الملاهي وإراقة الخمسر بنفسه، فلا يباشر التغيير بيده وكذلك الخروج من الدار المغصوبة ومن المسجد فلا ينبغي أن يجره أو يدفعه إذا كان يخرج بنفسه. وإن باشر ذلك بنفسه فليقتصر على القدر المحتاج إليه، وهو أن لا يأخذه بلحيته ولا برجله في حال الإخراج إذا قدر على جره بيده؛ فإن زيادة الأذى مستغنى عنه وإن كان لا يصل إلى إراقة الخمر إلا بكسر الغلال
(1)
ما جاء في هذا الباب بمعناه من كتاب الإمام الغزالي الإحياء طبعة دار إحياء الكتب العربية. كتاب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. (2) سورة الأنبياء الآية: 67.
(3)
ما جاء في هذه الدرجة جاء بمعناه في الإحياء الجزء الثاني طبعة دار إحياء الكتب العربية. كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (2/142)
صفحة 599
قنطرة الجهاد
التي هي.
143
فيها فليكسرها، وكذلك إن حيل بينه وبينها فليرمها بحجر يكسرها به، ولو سترها بيده فليضربها حتى يرفعها ليصل إلى إراقة الخمر والله أعلم. ولو أريقت الخمر أولاً لكان لا يجوز
،
(1)
كسر أوانيها؛ لأنها إتلاف مال إلا أن تكون لا تصلح إلا للخمر فلا بأس بكسرها والله أعلم الدرجة السادسة: التهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك، أو لأفعلن بك كذا وكذا، وما أشبه هذا، وهذا لا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه، ولا يهدده بما لا يجوز كقوله: لأنهين دارك، أو لأضر بن ولدك، أو لأسبن زوجتك
وما يجري مجراه فإنه إن قال ذلك عن عزم فهو حرام وإن قاله عن غير عزم فهو كذب. الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجل، وغير ذلك مما ليس فيه إشهار السلاح؛ وذلك جائز للآحاد في دفع المنكر، وإن كان لا بد من إشهار السلاح فله أن يتعاطاه كما لو قبض فاسق مثلاً على امرأة، أو يشرب خمراً أو يضرب مزماراً أو بينه وبين المحتسب نهر حائل أو جدار مانع فيقول: خل عنها أو لأرمينك بسهم، أو يسل سيفاً فيقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، ولا يقصد القتل لكن الساق والفخذ، وكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن / ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بحق الله وبين ما يتعلق بحق الآدميين والله أعلم. الدرجة الثامنة: أن لا يقدر على دفع المنكر بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح، وربما يستمد الفاسق أيضاً بأعوان فيتقابل الصفان ويتقابلان فيجوز للآحاد قتال أهل المنكر وأعوانه على ذلك دفعاً للمنكر، وذلك غير كبير في رضاء الله تعالى، ودفع معاصيه فإن قتل المحتسب على ذلك مظلوماً فهو شهيد إذا كان محقاً والله أعلم. وأما آداب المحتسب فجميع مصدرها من ثلاث صفات في المحتسب وهي: العلم
والورع وحسن الخلق.
أما العلم: فليعلم مواقع الاحتساب وحدودها ومجاريها لئلا يجعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً، وليقتصر على حد التسرع فيها ولا يغضب الله عز وجل أكثر مما يغضب لنفسه في كتابه، وغضب له رسوله في سنته وحدة المسلمون من بعده.
وأما الورع فليكفه. من مخالفة علمه فما كل من عمل بعلمه، بل ربما يعلم أنه مسرف في الاحتساب، وزاد على الحد المأذون فيه شرعاً، ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض وليكن
(1) ما جاء في هذا الباب منقول بمعناه من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - الجزء الثاني كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبعة - دار إحياء الكتب العربية.
[175/ب] (2/143)
صفحة 600
[1/ 176]
144
قنطرة الجهاد
كلامه ووعظه مقبولاً، فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب فيورث بذلك جرأة وإصرار ولسنا نعني بهذا أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعاً بالفسق ولكن يسقط أثره عن اللوب لظهور فسقه للناس. وقد روي عن أنس أن النبي لو قيل له: لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله، ولا ننهي عن المنكر حتى نجتنبه كله فقال: بل أمروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله (1). ولكن الفرض عليه الائتمار بالمعروف قبل الأمر به لئلا يدخل في قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) (2).
(2)
وعن الحسن أنه قال: إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فكن ممن أخذ الناس به وإلا
هلكت. ولذلك قيل:
لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثل
من ذم شيئاً وأتى مثله فإنما يزري على عقله
وأما حسن الخلق فليتمكن من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأساسه، والعلم والورع لا يكفي فيه وإذا هاج الغضب لا يقمعه مجردهما ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الغضب والشهوة وبه يصير المحتسب على ما أصابه في ذات الله وإلا فإذا أصيب عرضه أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الاحتساب وغفل عن دين وغضب لنفسه.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهي عنه، حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهي عنه، فقيه فيما يأمر عنه (3) به فقيه فيما ينهي.
وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فقيهاً مطلقاً بل فيما يأمر به وينهي عنه وكذا الحلم. قال: وأوصى بعض السلف بنيه فقال: إن أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من عند الله تعالى فمن وثق بالثواب من عند الله لم يجد مس الأذى. فإذن من آداب الاحتساب توطين النفس على الصبر، ولذلك قرن الله تعالى الصبر بالأمر
(1) قال الحافظ العراقي في المغني رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط وفيه عبد القدوس بن حبيب أجمعوا على تركه.
(2) سورة البقرة الآية: 44.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: لم أجده هكذا وللبيهقي في الشعب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف. (2/144)
صفحة 601
قنطرة الجهاد
140
بالمعروف فقال مخبراً عن لقمان عليه السلام يا بني أقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ
(1).
الْمُنْكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) (1).
المداهنة
ومن
الآداب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه وقطع الطمع عن الخلائق حتى يزيل عنه
فقد روي عن بعض أشياخ السلف: كان له سنور وكان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم: شيئاً من القدد لسنوره فرأى على القصاب / منكراً، فدخل الدار أولاً وأخرج السنور ثم جاء [177/ب]
واحتسب على القصاب، فقال له القصاب: لا أعطيك بعد هذا شيئاً لسنورك. فقال: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك. وهو كما قال وإن لم يقطع الطمع من الخلق لم يقدر على الاحتساب، ومن طمع في أن تكون قلوب الناس له طيبة، وألسنتهم بالثناء عليه منطلقة لم يتيسر له الاحتساب.
وقد قال كعب لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك بين قومك؟ قال: حسنة. قال: إن التوراة تقول أن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه. قال أبو مسلم: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم.
وقال بعض العلماء: إذا رأيتم القارئ محياً إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن؛ لأن الحق صعب قبوله مر، مذاقه قال تعالى: (وَأَكْثَرَهُم لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (2). وقال: (وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (3).
وعن أبي ذر رحمه الله أنه قال: تركني الحق وما لي من صاحب. ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذ وعظه واعظ وعنف له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيْناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ) (4). فليكن اقتداء المحتسب بالأنبياء عليهم السلام، قال الله لنبيه عليه السلام: (ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (5).
وقد روي عن أبي أمامة: أن غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في
(1) سورة لقمان الآية: 17. (2) سورة المؤمنون الآية: 70. (3) سورة الأعراف الاية: 79
(4) سورة طه الآية: 44. (5) سورة النحل الآية: 125.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 10 (2/145)
صفحة 602
146
(1)
قنطرة الجهاد
الزنا؟ فصاح الناس به فقال: أقربوه ادن فدنى حتى جلس بين يديه فقال له: «أتحبه لأمك»؟ فقال: لا، جعلني الله فداءك. فقال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ فقال: لا، جعلني الله فداءك. قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه
لأختك؟ (2).
وزاد / الراوي أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول كل ذلك: لا جعلني الله فداءك وهو يقول: «كذلك الناس لا يحبونه.
قالت الرواة: فوضع عليه السلام يده على صدره وقال: «اللهم طهر قلبه وحصن
فرجه». فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا.
وعن
حماد بن
سلمة قال: إن صلة ابن أشيم مر عليه رجل وقد أسبل إزاره، فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة فقال: دعوني أنا أكفيكم فقال يا ابن أخي إن لي إليك حاجة. فقال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع من إزارك. قال: نعم وكرامة، فرفع من إزاره. فقال لأصحابه: لو أخذتموه بشدة فقال: لا ولا كرامة وشتمكم.
رحمه الله
وحكايات السلف في مثل هذا كثيرة كالذي جرى لأبي الحر علي بن الحصين الحضرمي مع الغلام الذي يلازم مجلسه، ثم بعد ذلك أبطأ عنه فأخذ في البطالة والسفه حتى رده أبو الحر إلى مجلسه بلطف وتألف في حديث فيه طول، وكما جرى له أيضاً مع الفتى الذي خانه في قطعة من الذهب، وغير ذلك مما لو نقلناه لطال الكتاب. ولذلك قيل: المؤمن يأمر وينهي بالسياسة فيصلح، والمنافق يأمر وينهي بالرئاسة فيطلح.
(r)
وفي الحديث: ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا دخل الخرق في شيء إلا شانه. ويكون القصد في جميع ما ذكرناه في هذا الباب الذب عن دين الله ودفع المنكر غضباً لله وطلباً لثوابه والدعاء إليه خالصاً لوجهه لا لطلب جاه ولا رياء ولا سمعة.
فهذه الأبيات التي ذكرناها بها يصير الاحتساب من القربات وبها دفع المنكرات، فإن
(1) جاءت بالأصل «اقروه». والتصويب من التحفة.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد بإسناد جيد ورجاله رجال الصحيح. (3) هذا تصريح من المؤلف بالنقل وهذا النقل من كتب عديدة ومنها كتاب الإحياء للإمام الغزالي وإن كان صرح بذلك في أماكن أخرى من الكتاب ونقله هذا هند ما يختصره يكون الاختصار مخلاً للمعنى في
غالب الأمر.
1/ 178] (2/146)
صفحة 603
قنطرة الجهاد
147
فقدت لم يندفع المنكر بل ربما صار الاحتساب منكراً لمجاوزته حد الشرع فيها وبالله التوفيق.
الباب الرابع
في المنكرات المألوفة في العادات
ونحن ننقل (1) جملاً منها ليستدل بها على أمثالها إذ لا مطمع في حصرها واستقصائها. فمن ذلك منكرات المساجد.
اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة، وإلى محظورة. فإذا قلنا هذا منكر مكروه فاعلم أن المنع منه مستحب، والسكوت عليه مكروه وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب عليه عند بعضهم ذكره، لأن الكراهة حكمها في الشرع يجب تبليغه إلا من لا يعرفه. وإذا قلنا: منكراً محظوراً، أو قلنا: منكراً مطلقاً فنريد به المحظور فيكون السكوت عليه القدرة محرماً محذوراً، فممّا يشاهد كثيراً في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود، أو نقرها نقر الديك والالتفات، وكذلك ما يقدح في الصلاة من الثوب، أو انحراف عن القبلة في الظلام، أو اللحان الذي يبطل الصلاة في القراءة، أو مسابقة الإمام في التكبير أو الركوع، أو السجود؛ فكل ذلك منكر يجب التنبيه عليه.
نجاسة
ومنها أن يكون الخطيب لابساً لثوب أسود يغلب عليه الإبريسم، أو ممسكاً بسيف مذهب فهو فاسق، والإنكار عليه واجب ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة فلا يجوز حضور مجلسه إلا على قصد إظهار الرد عليه إن قدر على ذلك وإلا فلا يجوز سماع البدعة.
قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (2). ومهما كان كلامه مائلاً إلى الإرجاء وتجريه الناس على المعاصي فهو منكر يجب منعه؛ لأن فساد ذلك عظيم بل رجح خوفهم على رجائهم فذلك أليق وأقرب بطباع الخلق؛ فإنهم إلى الخوف أحوج وإنما العدل تعديل الخوف والرجاء.
كما قال عمر رضي الله عنه: لو نادى مناد يوم القيامة ليدخل النار كل الناس إلا رجلاً
(1) هذا التصريح بالنقل منصرف إلى النقل من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - الجزء الثاني كتاب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(2) سورة الأنعام الآية: 68.
[179/ب] (2/147)
صفحة 604
148
قنطرة الجهاد
واحداً لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل، ولو نادى مناد ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلاً واحداً [180/ 1 لخشيت أن أكون أنا ذلك / الرجل. ومهما كان الواعظ شاباً متزيناً للنساء في ثيابه وهيئته، وقد حضرت مجلسه فهذا منكر يجب منعه؛ لأن الفساد فيه أكثر من الصلاح، بل ينبغي أن يسلم الوعظ إلا لمن ظاهره الورع، وهيئته السكينة والوقار وزيّه زي الصالحين، وإلا فلا يزداد الناس به إلا تمادياً في الضلال ويجب أن يكون بين النساء والرجال حائل يمنع من النظر. فإن ذلك أيضاً مظنه الفساد والعادات تشهد بهذه المنكرات، ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ومجالس الذكر إذا خيفت الفتنة فقد منعتهن عائشة رضي الله عنها فقيل لها: إن رسول الله ل ما منعهن من الجماعات. فقالت: لو علم رسول الله ما أحدث النساء بعده
لمنعهن.
وأما اجتياز المرأة بالمسجد مستترة فلا تمنع منه إلا أن الأولى أن لا تتخذ المسجد طريقاً أصلاً وقراءة القراء بين يدي الواعظ مع التمديد والألحان على وجه بغير نظم القرآن، ويجاوز حد الترتيل منكر مكروه شديد الكراهة أنكره جماعة من السلف.
ومنها: الحلق يوم الجمعة لبيع الأطعمة والأدوية والتعويذات وقيام السؤال وقراءتهم للأشعار، وما يجري مجراه فهذه الأشياء منها ما هو حرام لكونه تلبيساً وكذباً كالكذابين من الأطباء وأصحاب التعويذات؛ لأنهم في الأغلب يتوصلون إلى بيعها بالتلبيس على الصبيان فهذا حرام في المسجد وغيره، ويجب المنع منه بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب عن المشتري فهو حرام، ومنها ما هو مباح خارج المسجد كالخياطة وبيع الأدوية والكتب والأطعمة فهذا أيضاً في المسجد لا يحرم إلا بعارض. وذلك بأن يضيق المكان على المصلين ويشوش [1/ 181] عليهم صلاتهم لكن الأولى تركه وإن كان ولا بد / ففي أوقات نادرة؛ لأنه حرام أن يتخذ المسجد موضعاً للبيع والشراء؛ لأن من المباحات ما يباح بشرط القلة فإن كثر صار صغيرة كما
أن من الذنوب ما يكون صغيرة بشرط عدم الإصرار.
ومنها دخول المجانين والصبيان والسكارى في المسجد لكن الصبي إذ لم يلعب فلا بأس
بدخوله المسجد.
وأما المجانين فلا تأثير لدخولهم في المسجد إلا أن يصدر منهم منكر كالنطق بالفحش، أو كشف العورة، أو تنجيس المسجد؛ فإن ذلك
يجب منعه منه.
والسكران في معنى المجنون فإن خيف منه القيء أو الأذى باللسان وجب إخراجه، (2/148)
صفحة 605
قنطرة الجهاد
149
والرائحة فاحت منه فهي منكر شديد الكراهية، وكيف لا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم والبصل عن حضور المسجد ولكن يحمل ذلك على الكراهية والأمر في الخمر أشد؛ فإن إظهار الفاحشة فاحشة.
والمعاصي يجب تركها وبعد الفعل يجب سترها وستر مآثاره؛ فإن كان مستتراً مخفياً لأثره فلا يجوز أن يتجسس عليه والرائحة قد تفوح من غير شرب بالجلوس في موضع الخمر بوصول الخمر إلى الفم دون الابتلاع فلا ينبغي أن يعول على ذلك.
منكرات الأسواق ومن المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب فمن قال مثلاً: اشتريت هذه السلعة مثلاً بعشرة وأربح فيها درهماً، وكان كاذباً فهو فاسق وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه، فإن سكت مراعاة القلب كان شريكاً له في الخيانة وعصى بسكوته وكذلك إذا علم به عيباً فيلزمه أن يبينه للمشتري وإلا كان راضياً بضياع مال أخيه المسلم وذلك حرام. وكذلك التفاوت في الزراع والمكيال والميزان يجب على كل من عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى الوالي حتى يغيره.
ومنها ترك الإيجاب والقبول / والاكتفاء بالمعاطات، ولكن ذلك في محل الاجتهاد فلا [182/ب] ينكر إلا على من اعتقد وجوبه. وكذا في الشروط الفاسدة المعتادة بين الناس يجب الإنكار فيها؛ فإنها مفسدة للعقود، وكذلك سائر التصرفات الفاسدة.
وكذلك
ومنها
بيع الملاهي وبيع
أشكال الحيوانات المصورة في أيام العيد لأجل الصبيان فذلك يجب كسره والمنع من بيعه كالملاهي وكذلك الأواني المتخذة من الذهب والفضة وكذلك بيع ثياب الحرير وملابس الذهب التي لا تصلح إلا للبس الرجال فكل ذلك منكر حضور، من يعتاد بيع الثياب المبتذلة المقصورة التي يلبس على الناس ابتذالها واستعمالها من أجل قصارتها ويزعم أنها جديدة، فهذا الفعل حرام والمنع منه واجب. وكذلك تلبيس انخراق الثوب بالرفق وما يؤدي إلى الالتباس من جميع العقود المؤدية إلى التلبيسات وذلك يطول إحصاؤه وليستدل بما ذكرناه على ما لم نذكره.
منكرات الشوارع: فمن المنكرات المعتادة في الشوارع وضع الأساطين وبناء الدكاكين متصلاً بالأبنية المملوكة، وغرس الأشجار ووضع الخشب وأحمال الأطعمة وغيرها على الطرقات فكل ذلك منكر إن كان يضيق الطريق ويضر بالمارة وإلا فلا منع فيه؛ لأن ذلك يشترك في الحاجة إليه كفاة الناس، وكذلك ربط الدواب على الطريق منكر بحيث يضيق الطريق إلا (2/149)
صفحة 606
[1/ 183]
150
قنطرة الجهاد
بقدر حاجة النزول والركوب؛ وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات.
ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر، إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق الثياب، وأمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا منع إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك.
/ وكذلك تحميل الدواب من الأجمال ما لا تطيقه منكر يجب منع الملاك منه. وكذلك ذبح القصاب على باب دكانه وتلويث الطريق بالدم منكر يجب المنع منه. وكذلك طرح الكناسة على الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق أو السقوط فكل ذلك من المنكرات وكذلك إرسال الماء من الميزاب المخرجة من الحائط إلى الطريق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب لضيق الطريق وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه بل يمنع صاحبه من ينام على الطريق أو يقعد قعوداً يضيق الطريق فكلبه أولى بالمنع منه.
منكرات الضيافة: فمن ذلك فرش الحرير للرجال فهو حرام، وكذلك يتخير البخور في مجمرة فضة أو ذهب وكذلك الشرب منها، وكذلك تعليق الستور عليها الصور ومنها سماع الأوتار وسماع القينات.
ومنها اجتماع النساء على السطح للنظر إلى الرجال مهما كان في الرجال شبان تخاف الفتنة منهم فكل ذلك منكر يجب تغييره ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج، ولم يجز له الجلوس فلا رخصة في الجلوس مع. مشاهدة المنكرات.
وأما الصور على النمارق والحصر المفروشة، أو على الأطباق والقصاع، فليس منكر إلا الأواني المتخذة على شكر، الصور، فإنه لا يجوز، وقد يكون أيضاً بعض رؤوس المحاصر على شکل طائر فذلك حرام يجب كسر مقدار الصورة منه.
وفي المكحلة الصغيرة من الفضة خلاف ومهما كان الطعام حراماً أو كان الموضع مغصوباً أو كانت الثياب المفروشة حراماً فذلك من أشد المنكرات، وإن كان فيها من يتعاطى شرب الخمر وحده فلا يجوز الحضور إذ لا يحل مجالسة الفاسق في حالة مباشرته الفسق. [1/ 184] وإنما النظر في مجالسته بعد ذلك، والصحيح أنه يجب بغضه / في الله ومقاطعته، وكذلك إن كان فيهم من لبس الحرير، أو خاتم الذهب فهو فاسق به لا يجوز الجلوس معه من غير ضرورة (2/150)
صفحة 607
قنطرة الجهاد
101
فإن كان الثوب على صبي غير بالغ فهذا في محل النظر، والصحيح إن ذلك منكر يجب نزعه عنه كما يجب منع الصبي من شرب الخمر لا لكونه مكلفاً، ولكنه لأنه يأنس به، فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه. نعم يحل التزين للنساء بالذهب والحرير من غير إسراف، ولا أرى رخصة في تثقيب أذن الصبية، لأجل تعليق حلق الذهب فيها، فإن ذلك جرح مؤلم موجب للقصاص، فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان، والتزين بالحلق غير بل من التفريط تعليقه على الأذن وفي المخانق والأسورة كفاية عنه وإن كان معتاداً فهو حرام والمنع منه واجب والأجرة المأخوذة عليه حرام إلا أن تثبت من جهة النقل فيه رخصة ولم تبلغنا فيه إلى الآن
رخصة.
مهم
ومنها أن يكون في الضيافة مبتدع فيجوز الحضور لمن يقدر على الرد عليه، وإلا فلا يجوز وإن كان لا يتكلم ببدعته فيجوز الحضور مع إظهار الكراهية له، وإن كان فيها مضحك بحكايات الفواحش والكذب فهو منكر يجب إنكاره، وإن كان يضحك بمزاح لا كذب فيه ولا فحش فما يقل منه فهو. مباح. وأما اتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح، وكل كذلك لا يخفى أنه كذبه ولا يقصد به التلبيس فليس هو من جملة المنكرات كقول الإنسان مثلاً: طلبتك اليوم مائة مرة وما يجري هذا المجرى مما يعلم أنه ليس يقصد به التحقيق فذلك لا يقدح في العدالة ولا
ترد به الشهادة.
ومنها: الإسراف في الإطعام وذلك على وجهين:
أحدهما: صرف المال في أنواع الفساد والمعاصي فهو منكر محظور. الثاني: إضاعة المال بلا فائدة وكذلك المبالغة في صرف المال إلى المباحات في حق / المقلين من المال دون المكثرين له. [185/ب] مثال ذلك: أن من لم يملك إلا مائة دينار مثلاً وله عيال وأولاد ولا معيشة لهم ولا كسب، فاتفق الجميع في وليمة فهو مسرف يجب منعه، قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَبْسُطُهَا كُلِّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُورا (1).
وفي كتاب الغزالي (2) قال: انزل هذا في رجل كان بالمدينة قسم جميع ماله ولم يبق شيئاً لعياله، فطولب بالنفقة فلم يقدر على شيء. وأما إن كان وحده ولم يكن له عيال وكانت له قوة
(1) سورة الإسراء الآية: 29.
(2) ما جاء قبل هذه العبارة منقول من نفس كتاب الغزالي بتصرف قليل - إحياء علوم الدين .. (2/151)
صفحة 608
152
خالياً
قنطرة الجهاد
في التوكل فلا بأس بإنفاق جميع ماله في سبيل الخير، ولو صرف جميع ماله إلى تزويق الحيطان، وتشييد البنيان لكان إسرافاً محرماً. وفعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام؛ لأنه كالتجمل بالثياب والأطعمة فذلك مباح في نفسه وهو يصير إسرافاً باعتبار حال الرجل في قلة ماله وكثرته وأمثال هذه المنكرات لا يمكن حصرها فلنقتصر على هذا القدر منها. المنكرات العامة ومن كتاب الغزالي قال: اعلم أن كل قاعد في بيته أين ما كان فليس في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى والبوادي؟ قال: وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية. قال: وواجب على كل فقيه فرغ من فرض نفسه وتفرغ لفرض الكفاية، أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل القرى والبوادي وغيرهم فيعلمهم دينهم وفرائض شرعهم. قال: ويستصحب معه زاد يأكله ولا يأكل من أطعمتهم، فإن كان أكثرها يكون شبهة. قال: فإن قام بهذا الأمر واحد سقط عن الآخرين، وإلا عمّ الحرج الكافة أجمعين. أما العالم فلتقصيره في الخروج، وأما الجاهل فلتقصيره في ترك التعلم. قال: وكل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره، وإلا فهو شريك في المأثم ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالماً بالشرع. وإنما [1/ 186] / يجب التبليغ على أهل العلم وكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم، وكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها، ولعمري الإثم على الفقهاء أشد؛ لأن قدرتهم فيه أظهر وهو بصناعتهم أليق؛ لأن المحترفين لو تركوا حرفهم لبطلت المعائش فهم قد تقلدوا أمراً لا بد منه في صلاح الخلق، وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وليس للإنسان منهم أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة، بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم، وكذلك كل من تيقن أن في السوق منكراً يجريه على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على تغييره فلا يجوز له أن يسقط نفسه بالقعود في البيت. بل يلزمه الخروج لتغيير ما يقدر عليه ولا يضره مشاهدة ما لا يقدر على تغييره، وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه بالمواظبة على المفروضات وترك المحرمات ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل ملته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل القرى المحيطة ببلده، ثم إلى أهل البوادي وكذا إلى أقصى العالم، فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد ولا حجر به كل قادر عليه قريباً كان أو بعيداً، ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه
ذلك
عن (2/152)
صفحة 609
قنطرة الجهاد
153
الأرض جاهل لفرض من فروض دينه وهو قادر على أن يسعى بنفسه ليتعلمه أو يسعى إليه من يعلمه فرضه فهذا حرج شديد وأمر عسير، ولكن لعمري الأمر فيه كما قال؛ لأن العلماء يجب عليهم التبليغ كما يجب على الرسول.
وقال: قال النبي الله عام حجة الوداع في خطبته: ألا هل بلغت»؟. قالوا: نعم. قال:
اللهم فاشهد ألا ليبلغ الشاهد الغائب».
وفي هذا شغل شاغل لمن يهمه / أمر دينه لأن الله سبحانه ما أخذ على الجهال أن [187/ب] يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا وبالله التوفيق (1).
الباب الخامس
في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر
ومن كتاب الغزالي قال: اعلم إن درجات الأمر والنهي قد ذكرناها: ومنها أن التخشين في القول لصاحب المنكر كقولك له: يا ظالم يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه. قال: فذلك إن كان لا يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيرها لم يجز.
قال: وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه، والذي عندي والله أعلم أن ذلك جائز إذا لم يكن قصده إلا إنكار المنكر أو إشهار الحق لعموم الآيات والأخبار في ذلك، وقد لحق المسلمين من عقوبات الجبابرة لأجل خروج أهل ولايتهم عليهم ما لو ذكرناه لطال الكتاب، فلم يمنعهم ذلك عن الخروج عن الجبابرة ولو كان ذلك غير جائز لكان لا يجوز لأحد أن يدفع عن نفسه ولا عن غيره ظلم ظالم إذا كان يخاف أن يعاقب على ذلك
غيره بعده.
قال في كتاب الغزالي: ولقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالات بهلاك المهجة والتعرض لأنواع العذاب لعلمهم بأن ذلك شهادة لقوله عليه السلام: خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك (2).
(1) ما جاء في هذا الباب بمعناه من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي الجزء الثاني كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح الإسناد. (2/153)
صفحة 610
104
قنطرة الجهاد
نفسه
وعنه عليه السلام أنه قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». قال: ووصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم تركه قوله الحق ما له من صديق). ولما علم المتصلبون في الدين أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان [1/ 188 جائر، وإن صاحب ذلك أن قتل فهو شهيد كما وردت به الأخبار أقدموا على ذلك. موطنين أنفسهم على الهلاك، ومحتملين لأنواع العذاب وصابرين عليه في ذات الله، كالذي جرى للبثجاء، وعروة أخي أبي بلال رحمهما الله بن زياد حين سأل البثجاء عن فقال: إيه ما تشهدين به علي فقالت شهد الله عليك ثلاث شهادات وشهادتين تشهدهما لنفسك، قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} و {الظَّالِمُونَ و الْفَاسِقُونَ (2). وشهادتك أنت أنك في أولك لزينة وفي آخرك لدعوى، فعظ على لحيته، وذلك علامة منه لقتلها، فقتلت بين يدي الفاسق بن زياد على ذلك، وقتل عروة بعد أبي بلال رحمهما الله أيضاً على ذلك وقصتهما مشهورة، وقتل إبراهيم بن أحمد ـ من مشايخ الإباضية -
على ذلك ما شاء الله من العدد.
من
الملك
مع عبيد الله
وفي كتاب الغزالي ويحكى أن حطيطاً الزيات جيء به إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: أنت حطيط؟ قال: نعم سل عما بدا لك فإني عهدت الله عند المقام على خلال إن سألت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن. قال: فما تقول في؟ قال: أقول إنك أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة. قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد بن مروان؟ قال: إنه أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه. فقال الحجاج: ضعوا عليه العذاب قال فانتهى به العذاب إلى أن شق له القصب ثم جعلوه على لحمه ثم شدوه بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبه حتى انتحلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئاً. قال: فقيل للحجاج إنه في آخر رمق. فقال: أخرجوه وأمروا به في السوق وقال جعفر: فأتيته أنا وصاحب [1/ 189) اله فقلنا: حطيطاً ألك حاجة؟ قال: شربة / فأتوه بها ثم مات وكان ابن ثمان عشرة. وقتلت الجبابرة على هذا من المسلمين ممن حضر أجله من لا يحصى كثرة شهادة رزقها الله لهم ومن لم يحضر أجله تكلم بحق الله في وجوههم فجعل الله له مخرجاً من بأسهم. منهم جابر بن زيد
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي بسند ضعيف مقتصراً على آخر الحديث من حديث علي رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مراً تركه الحق وما له من صديق وأما الحديث الأول فرواه الطبراني قال لكعب الأحبار كيف تجد، نعتي، قال أجد نعتك قرنا من حديد قال: وما قرن من حديد؟
(2)
أن
عمر
قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم.
سورة المائدة الآيات: 44، 45، 47. (2/154)
صفحة 611
قنطرة الجهاد
حين
سأله الحجاج فقال: أخبرني عن أول آية في سورة البقرة؟ قال: تلك في المؤمنين. قال: والثانية؟ قال: تلك في الكفار. قال: والثالثة؟ قال: فيك وفي أصحابك ـ يعني المنافقين. وكذلك أبو عبيدة مسلم رحمه الله المأمون حين بعث إليه يسأله واضمر في نفسه قتله إن عجز عن سؤاله، فسلّمه الله من بأسه قصتهما مشهورة.
ومن كتاب الغزالي قال: ويروي أن معاوية حبس العطاء، فقام إليه أبو مسلم الخولاني فقال: يا معاوية إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك. قال: فغضب معاوية ونزل من أعلى المنبر. فقال لهم مكانكم، فغاب عنهم ساعة ثم خرج عليهم. فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام، أغضبني، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الغضب من والشيطان خلق من النار وإنما تطفئ النار بالماء وإذا غضب أحدكم فليغتسل (1). وإني دخلت وصدق أبو مسلم ليس من كدي ولا من كد أبي فهلموا إلى أعطياتكم.
فاغتسلت
الشيطان
وعن الأصمعي أنه قال: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس
على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وهو بمكة فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال له يا أبا محمد حاجتك؟ وقال يا أمير المؤمنين اتق الله و حرم رسوله فتعاهده بالعمارة واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم
حرم
الله
في
جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن المسلمين وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسؤول / عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك [190/ب]
دونهم. فقال له: افعل، ثم نهض فقام فقبض عليه عبد الملك بن مروان. فقال: يا أبا محمد إنما سألتنا حاجة لغيرك فقد قضيناها فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج. فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك الشرف.
وروي أن الوليد بن عبد الملك قال لحاجبه يوماً قف على الباب فإذا مر بك رجل فأدخله ليحدثني، فخرج الحاجب فوقف على الباب مدة فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعرفه فقال له: يا شيخ أدخل إلى أمير المؤمنين فإنه أمرك بذلك. فدخل عطاء على الوليد ومعه عمر بن عبد العزيز فلما دنا عطاء من الوليد قال: السلام عليك يا وليد قال: فغضب الوليد على حاجبه فقال: ويلك أمرتك أن تدخل علي رجلاً يحدثني ويسامرني فأدخلت إلي رجلاً لم يرض أن يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي فقال له الحاجب: ما مر بي غيره. ثم قال
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو نعيم في الحلية وفيه من لا أعرفه. (2/155)
صفحة 612
1??
قنطرة الجهاد
لعطاء: اجلس ثم أقبل عليه يحدثه فكان فيما حدثه عطاء أن قال له: إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب أعده الله لكل أمير جائر في حكمه. قال: فصعق الوليد من قوله وكان جالساً بين عتبتي باب المجلس فوقع على قفاه إلى جوف المسجد مغشياً عليه. فقال لعطاء: قتلت
عمر
أمير المؤمنين، فقبض عطاء على ذراع. عمر فغمره غمرة شديدة فقال له يا عمران الأمر جد فجد، ثم قام وانصرف فبلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: مكثت سنة أجد ألم غمرته في
ذراعي.
بن مروان
قال: وكان ابن أبي شميلة (1) يوصف بالعقل والأدب فدخل على عبد الملك: فقال له عبد الملك: تكلم. قال: بم أتكلم قد علمت أن كل كلام يتكلم به المتكلم عليه وبال إلا ما كان الله تعالى. قال: فبكى عبد الملك. فقال: يرحمك الله لم يزل الناس يتواعظون. [1/ 191] / فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الرديء فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكى عبد الملك ثم قال: لا لأجعلن هذه الكلمات مثالاً
نصب عيني ما دمت حيا.
جرم
ويروى عن ابن أبي عائشة أنه قال: دعى الحجاج بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة قال: فدخلنا عليه ودخل الحسن البصري آخر من دخل فقال الحجاج: مرحباً يا أبا سعيد إليَّ إليَّ ثم دعا بكسر فوضع إلى جنب سريره فقعد فجعل الحجاج يذاكرنا إذ ذكرنا عليا فنال منه ونلنا مقاربة له وفرقا من شره والحسن ساكت عاض على إيهامه فقال: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتاً؟ قال: ما عسيت أن أقول؟ قال: أخبرني برأيك في أبي تراب. قال: سمعت الله يقول: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَم مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ إلى قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيع إيمَانَكُمْ (2). فعلي ممن هدى الله من أهل الإيمان.
فأقول: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأحب الناس إليه وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه ولا يحول بينه وبينها وأقول: أنها كانت لعلي هنات فالله حسيبه. قال: فسمر وجه الحجاج وتغير وقام عن سريره مغضباً فدخل بيتاً خلفه وخرجنا.
قال عامر الشعبي: فأخذت بيد الحسن. فقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت
(1) جاء في الأصل بن سلمة» والتصويب من الإحياء.
(2) سورة البقرة الآية: 143. (2/156)
صفحة 613
قنطرة الجهاد
157
صدره. قال: إليك عني يا عامر، يقول الناس: عامر الشعبي عامر أهل الكوفة أتيت شيطاناً من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه ويحك يا عامر هلا اتقيته إن سئلت فصدقت، أو سكتت فسلمت؟ قال: عامر: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم بما فيها. قال الحسن: فذلك أعظم في الحجة عليك وأشد في التباعة.
/ قال: وبعث الحجاج إلى الحسن فأتاه فقال: أنت الذي تقول: قتلهم الله قتلوا عباد الله [192/ب]
على الدينار والدرهم؟ قال: نعم. قال وما حملك على هذا قال ما أخذه الله على العلماء من المواثيق لتُبَيِّنَهُ للناس ولا يكتمونه) (1). قال: يا حسن امسك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فافرق بين رأسك وجسدك.
عن
أن وروي عمر بن هبيرة دعى بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها فجعل يسألهم فكلم عامر الشعبي فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده فيه علماً ثم أقبل على الحسن البصري فسأله ثم قال: هما هذان رجل أهل الكوفة ـ يعني الشعبي ـ وهذا رجل أهل البصرة - يعني الحسن - وأمر الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمر إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها، وقد يبلغني العصاب من أهل الديار والأمور وأخذ عليهم فيه فاقبض طائفة من عطاياهم فاضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرد عليهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضته على ذلك النحو فيكتب إلي أن لا أرده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة فهل عليَّ في هذا اتباعه وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت قال الشعبي: فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطئ ويصيب. فقال: فَسُرّ بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه قال: فلله الحمد. ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال: قد سمعت قول الأمير يقول: أنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة بليت بالرعية، ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد بما يصلحهم، وحق الرعية لازم لك ويحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة وإني / سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب [193/ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرعى رعية ولم يحفظها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة (3). وتقول: إنما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وإن يرجعوا إلي طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو فيكتب إلي أن لا أرده فلا أستطيع
(1) سورة آل عمران الآية 187. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البغوي في معجم الصحابة إسناد لين وقد اتفق عليه الشيخان بنحوه من رواية الحسن عن معقل بن يسار. (2/157)
صفحة 614
158
قنطرة الجهاد
رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين والله أحق أن يطاع ولا طاعة للمخلوق في معصية الله. فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقاً لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فأنبذه. يا ابن هبيرة اتق الله؛ فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطاناك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك، يا ابن هبيرة إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وأنه لا طاعة في معصية الله وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال: أي ابن هبيرة أربع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإنه صاحب العلم والحلم وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله أمر هذه الأمة لعلمه، به وما يعلم من فضله ونيته. فقال الحسن: يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط وعصى بعصى والله بالمرصاد. يا ابن هبيرة: إنك إن تلقى من ينصحك في دينك، ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك. فقام ابن هبيرة وقد سمر وجهه وتغير لونه. قال الشعبي: يا أبا سعيد أغضبت [1/ 194] الأمير، وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه / وصلته. فقال: إليك عني يا عامر. قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وبقينا فكان أهلاً لما أودى إليه وكنا أهلاً أن يفعل ذلك بنا فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي
بين المغاريف ـ يعني الهجه، وما شهدنا مشهد إلا برز علينا وقال الله تعالى وقلنا مقاربة لهواهم. قال الشعبي وأنا أعاهد الله ألا أشهد سلطاناً بعد هذا المجلس. بإجابته قال ودخل محمد بن واسع على بلال بن أبي بردة أمير البصرة فقال له ما تقول في القدر؟ فقال: جيرانك أهل القبور فتفكر فيهم، فإن فيهم شغلاً عن القدر. وكان ابن واسع من سادات العباد في
زمانه.
ومن كتاب سراج الملوك (1) قال: ودخل أيضاً على ابن أبي بردة، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، فقال له: بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟ قال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا هذا كان لباس من مضى وأنتم أطلتم ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة.
وروي
أيضاً أن بلال بن أبي بردة أمير البصرة خرج في جنازة فنظر إلى جماعة وقوف
بن
دينار
فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار ويذكر الناس فقال لوصيف له اذهب إلى مالك فقل له يرفع إلينا إلى القبر فجاء الوصيف فأدى الرسالة إلى مالك فصاح به مالك: ما لي إليه
(1) کتاب سراج الملوك أحد الكتب التي نقل المؤلف منها هذا الكتاب ـ قناطر الخيرات .. (2/158)
صفحة 615
قنطرة الجهاد
159
من
حاجة فأجيبه فيها، فإن كانت له حاجة فليجئ في حاجة نفسه، فلما دفنوا ميتهم مال بلال ومن معه إلى حلقة مالك فلما دنى منه نزل ونزل من معه ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس فلما رأه مالك سكت فأطال السكوت فقال له بلال: يا أبا يحيى ذكرنا. قال له: أنسيت شيئاً فأذكرك؟ قال: فحدثنا. قال: أما هذا فنعم، قدم علينا إمام قبلك في البصرة فمات فدفناه في هذه / الجبانة ثم أتينا بزنجي فدفناه إلى جنبه فوالله ما يدري أيهما أكرم على الله؟ فقال له [195/ب] بلال: يا أبا يحيى أتدري ما الذي أجراك علينا وما الذي يسكتني عنك؟ لأنك لم تأخذ دراهمنا شيئاً. قال: ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعية كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. فقال: كذبوا يا أمير المؤمنين أخليفة نبي أكرم على الله أم خليفة ليس بنبي؟ قال: بل خليفة نبي، قال: فأنا أحدثك يا أمير المؤمنين بأمر لا شك فيه، قال الله تعالى: {يَا دَاوُدَ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ الْنَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوى (1) الآية. يا أمير المؤمنين فهذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة ليس بنبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا.
(1).
وفي كتاب الغزالي: قال ويروى أن هشام بن عبد الملك قدم مكة حاجاً فلما دخلها قال: أنتوني برجل من الصحابة. فقيل: يا أمير المؤمنين قد فنوا. قال: فمن التابعي. فأوتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم بإمارة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك ولم يُكنّه ولكن جلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب غضباً شديداً حتى هم بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وفي حرم رسوله فلا يكن ذلك. فقال له: يا طاوس ما الذي يحملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً فقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمارة المؤمنين ولم تكنني، وجلست إزائي بغير إذن، وقلت كيف أنت يا هشام فقال: أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني اخلعها بين يدي رب العزة كل يوم / وليلة خمس مرات فلا يعاقبني ولا يغضب عليّ، وأما [196/ب] قولك، لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده لرحمة وأما قولك: لم أسلم بإمارة أمير المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمارتك فأخاف أن أكذب. وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه فقال: (يا داود) يا يحيى)، (يا عيسى) وكنى أعداءه فقال: (تبت يدا أبي لهب).
(1) سورة ص الآية: 26. (2/159)
صفحة 616
160
قنطرة الجهاد
وأما قولك: جلست إزاءك فإني سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال هشام: عظني. فقال طاوس: سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إن في جهنم حيات كالتلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا، وكانوا يغزون بأرواحهم في الانتقام الله ممن ظلم قال: ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال: أيها الأمير قرأت في بعض الكتب من أحمق من السلطان، ومن أجهل ممن عصاني، ومن أغر ممن اغتر بي، أيها الراعي السوء دعت إليك غنماً سماناً صحاحاً، فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاماً تقعقع. فقال له والي البصرة: أتدري ما الذي أجراك علينا وتحملنا عنك؟ قال: قلة الطمع إلينا وترك الابتهال بما في أيدينا. قال: وكان عمر بن عبد العزيز واقفاً مع سليمان بن الملك فسمع صوت الرعد فخرج ووضع صدره على مقدمة الرحل. فقال له صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه؟ ثم نظر سليمان إلى الناس فقال: ما أكثر الناس؟ فقال عمر: خصماؤك يا أمير المؤمنين. فقال له سليمان: ابتلاك الله.
عبد
بهم.
عمر:
هذا
وحكي أن سليمان أتى المدينة وهو يريد / مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال يا أبا حازم كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما أنا عند الله. قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله حيث قال: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (1). فقال له سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. قال سليمان يا أبا حازم أي عباد الله أكرم؟ قال: أهل المرؤة والتقى. قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: فأي اسمع؟؟ قال: قول الحق عند من يخاف ويُرجى. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودعى الناس إليها. قال: فأي الناس أخس؟ قال: من سعى في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو تعافيني؟ قال: لا ولكن نصيحة تلقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين إن آبائك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضي منهم حتى قتلوا مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم.
الدعاء
(1) سورة الانفطار (الآيتان: 13، 14).
[1/ 14 V] (2/160)
صفحة 617
161
قنطرة الجهاد
حازم.
من
وهو
فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت. قال أبو حازم إن الله تبارك وتعالى أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. قال: وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد؟ قال: أن تأخذ الشيء من حله فتضعه في حقه. قال سليمان ومن يقدر على هذا؟ قال: من يطلب الجنة، ويخاف من النار. وفي لفظ آخر قال: قلده الله. من الأمر ما قلدك؟ قال: عظني يا أبا قال: يا أمير المؤمنين إن / هذا الأمر لم يصل إليك إلا بموت من " كان قبلك، خارج عنك بمثل ما صار إليك. ثم قال: يا أمير المؤمنين نزه نفسك وربك في عظمته عن أن يراك حيث ينهاك، ويفقدك من حديث أمرك يا أمير المؤمنين إنما أنت سوق فما نفق عندك أحمل إليك من خير أو شر فاختر لنفسك أيهما شئت. قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: فما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني وإن أقصيتني أحزنتني، وليس لي مال أخافك عليه ولا عندي. أرجوك قال: فارفع إلينا حوائجك. قال: قد رفعنا لمن هو أقدر منك عليها فما أعطاني منها قبلت وما منعني منها رضيت بقوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ
به.
الدُّنْيَا (1).
مال
فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله له أو يزيد في قليل ما قسم الله له؟ خرج من عنده وجه إليه بمال فرده وقال للرسول قل: له يا أمير المؤمنين والله لا أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي؟
فلما
أن ويروي عمر بن عبد العزيز قال لأبي حازم عظني. قال: اضطجع ثم اجعل الموت تحت رأسك ثم انظر ما تحب أن تكون فيه تلك الساعة فخذ به الآن، وما تكره أن تكون فيه
تلك الساعة فدعه الآن فلعل تلك الساعة قريبة.
[198/ب]
ويروى أن أعرابياً دخل على سليمان بن عبد الملك فقال: تكلم يا أعرابي. فقال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته. فقال: يا أعرابي إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصيحته ولا نأمن غشه. قال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاهم ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك حرب للآخرة سلم / للدنيا فلا تأمنهم على ما [199/ب] أنتمنك الله عليه؛ لأنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً وفي الأمة خسفاً وعسفاً وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس غبناً (1) سورة الزخرف الآية: 32.
بسخط
قناطر الخيرات ج/ 2 م/11 (2/161)
صفحة 618
162
قنطرة الجهاد
من باع آخرته بدنيا غيره. فقال سليمان يا أعرابي أما أنك سللت لسانك وهو أقطع من سيفك. فقال: أجل يا أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك.
وفي
كتاب سراج الملوك (1) قال: ودخل الأحنف بن قيس على معاوية وعليه شملة ومدرعة صوف قال الأحنف: يا أمير المؤمنين أهل البصرة عدد. يسير وعظم كسير مع تتابع من المحول وإتصال من الدخول فالمكثر منها قد أطرق والمقل قد أصلق وبلغ به الخنق فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير، ويجبر الكسير ويسهل العسير، ويصفح عن الدخول ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ويزيل الإواء، ألا وأن السيد من يعم ولا يخص ويدعو الجفلاء ولا يدعو النقراء إن أحسن إليه شكر وإن أساء إليه غفر ثم يكون من وراء الرعية عماداً
يدفع عنهم الملمات ويكشف عنهم المعضلات فقال معاوية هاهنا غرت يا أبا بحر. وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (2).
ويروي
(2)
أن هارون المدعو بالرشيد لما حَجَّ ودخل على الفضل بن عياض فقال له: خذ لما جئنا فيه. فقال له وفيما جئت أخطأت على نفسك وجميع من معك أخطأوا عليك حتى لو سألتم عن انكشاف الغطاء فيك عنك وعندهم أن يتحملوا عنك شقصاً. من ذنب ما فعلوا ولكن أشدهم حباً لك أشدهم يأمنك. ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا [1/ 200] سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرضي ورجب / بن حيوة. فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ، فعد الخلافة بلاء وعددتموها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم بن عبد الله: وإن أردت النجاة غداً من عذاب الله تعالى فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك اباً، وأوسطهم عندك أخاً، وأصغرهم ولداً، فَير أباك وارحم أخاك وتحنن إلى ولدك. وقال له رجب بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله، فأوجب للمسلمين ما تحب لنفسك، ثم متى شئت مت، وإني لا أقول لك هذا، وإني لا أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام. قال الفضيل: فهل معك مثل هذا القوم؟ قال: فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشي عليه. فقال له الفضيل بن الربيع: ارفق يا أمير المؤمنين. فقال: يا ابن أم الربيع قتلته أنت وأصحابك وارفق أنا به ثم أفاق. فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز تشكى إليه فكتب إليه عمر: يا أخي اذكر سهر أهل النار وخلود الأبرار يطردان بك إلى ربك نائماً ويقظاناً، وإياك أن
(1) كتاب سراج الملوك أحد الكتب التي نقل منها المؤلف كتابه قناطر الخيرات. (2) سورة محمد الآية: 30. (2/162)
صفحة 619
قنطرة الجهاد
163
تزل بك قدمك عن هذا السبيل فيكون أخر العهد بك، ومنقطع الدخول منك فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه. قال له عمر: ما أقدمك؟ قال له: خلعت قلبي بكتابك لا وليت لك ولاية أبداً حتى ألقى الله سبحانه فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال له: زدني. فقال له:
يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له: يا عباس يا عم النبي نفس تحييها من إمارة لا تحصيها (2).
(1) ,
خير
(2)
إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون / أميراً فافعل». فبكى [201/ب] هارون بكاءً شديداً وقال: زدني فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسأله الله تعالى غداً عن هذا الخلق فإن استطعت أن تغني هذا الوجه عن النار فافعل وإياك أن تمسي وتصبح وفي قلبك غش لرعيتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح لهم غاشاً لم يشم رائحة الجنة». فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال: أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي إن لم يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني، والويل إن لم يلهمني حجتي. فقال: أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (3) الآية. فقال له هارون: هذه ألف دينار خذها وانفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله أنا أدلك على النجاة وتكافئني بمثل هذا سلمك الله، ثم صمت ولم يكلمه فخرجوا من عنده فقال هارون للفضيل بن الربيع: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا
سيد العالمين اليوم.
ويروي
أن أعرابياً قام بين يدي هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين أتت على الناس سنون ثلاث أما الأولى فأذابت الشحم. وأما الثانية فأكلت اللحم. وأما الثالثة: فهاضت العظم. وعندك فضول أموال، فإن كانت الله تعالى فاقسمها بين عباده، وإن كانت لهم فلم تحظرها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فأمر هشام بمال فقسم بين الناس، وأمر للأعرابي بمال فقال له: أكل المسلمين له مثل هذا؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: فلا حاجة لي بما يبعث لأئمة على أمير المؤمنين.
ويروى أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا مقاماً لا
(1) كذا بالأصل وكذلك بالإحياء وفي المغني للحافظ العراقي «تنجيها».
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً بغير إسناد، ورواه البيهقي من حديث ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً وقال: هذا هو المحفوظ مرسلاً.
جابر متصلاً
(3) سورة الذاريات الآية: 56. (2/163)
صفحة 620
164
فبكى عمر
قنطرة الجهاد
سيء
[1/ 202] يشغل الله عنك كثرة من تخاصم من الخلائق، يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، / ولا براءة من ذنب. بكاء شديداً ثم استرده الكلام فجعل يردده وعمر يبكي وينتحب ثم قال: حاجتك؟ قال: عاملك بأذرجان أخذ مني إثنا عشر ألفاً. فقال: اكتبوا له حتى يردها عليه. قال: ولما دخل زياد على عمر بن عبد العزيز قال يا زياد ألا ترى ما ابتليت به من أمر أمة محمد؟ فقال زياد والله يا أمير المؤمنين لو أن كل شعرة منك نطقت ما بلغت كنه ما أنت فيه، فاعمل لنفسك بالخروج مما أنت فيه يا أمير المؤمنين: كيف حال رجل له خصم الد؟ قال: الحال. قال: فإن كان له خصمان الدّان؟ قال: أسوأ حالة. قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنيه عيش. قال: فوالله ما أحد من أمة محمد إلا وهو خصمك. قال: فبكى عمر حتى تمنيت أن لا أكون قلت له شيئاً. قال: وحضر رجل بين يدي بعض الملوك فأغلظ له السلطان فقال له الرجل: إنما أنت كالسماء إذا رعدت وأبرقت، فقد قرب خيرها فسكن ما به، وأحسن إليه. أن ويروي رجلاً قال لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد في الطواف وقد أخلى له المسعى. فقال له: لا جزاك الله خيراً؛ كلفتني أمراً كنت عنه في غِنَى. ثم جاء إليه فقال له: يا هارون. فلما نظر إليه قال له: لبيك يا عم فقال له: كم ترى هاهنا من الخلق؟! قال: لا يحصيهم إلا الله تعالى فقال له: اعلم أيها الرجل إنّ كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تُسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون وجعلوا يعطون له منديلاً يمسح به الدموع. ثم قال له: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرع في مال المسلمين فيقال: أن هارون كان يقول بعد ذلك إني لأحب الحج في كل [1/ 203] عام فما يمنعني إلا عبيد الله / العمري.
ويقال إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة وفد إليه الوفود من كل بلد، فوفد إليه
أسن
الله
الحجازيون، فتقدم غلام منهم للكلام وكان حدث السن فقال له عمر: ليتكلم من هو منك. فقال له الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه، فإذا منح ا تعالى للعبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام وعلم من فضله. من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك. فقال له عمر: صدقت قل ما بدا لك. فقال الغلام أصلح الله أمير المؤمنين نحن وفد تهنية لا وفد مرزية، وقد أتيناك لمنّ الله تعالى الذي مَنْ علينا بك لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة. أما الرغبة فقد أتتنا منك في بلادنا وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك. فقال له عمر: عظني يا غلام فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناساً من الناس غرهم حلم الله عليهم (2/164)
صفحة 621
قنطرة الجهاد
ورضى الناس عليهم فزّلت بهم أقدامهم فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك بطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم فلا جعلك الله تعالى منهم وألحقك بصالحي هذه الأمة. ثم سكت الغلام فسأله عمر عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة ثم سأل عنه فإذا هو من ولد الحسين بن علي فتمثل عند ذلك عمر بهذين البيتين:
تعلّم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل وأن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وفي مثل هذا قيل لعتابي، وكان لا بيالي بما لبس ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما
يرفع المرء أدبه وعقله لا حيلته وحلته لحى الله امرءاً يرضى أن ترفعه هيئته وجماله، لا والله حتى يشرفه أصغراه لسانه / وقلبه ويعلو به أكبراه همته ولبه. قال: ولما دخل ضمرة بن [204/ب] ضمرة على المنذر بن المنذر وكان ملكاً وكان ضمرة ذا رداء وعقل حقرته عينه فقال: لأن تسمع بالمعيدي خيراً من أن تراه فقال له ضمرة: أبيت اللعن وكانت تحية الجاهلية أن القوم ليسوا بجزر تجزر إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه، فإذا نطق نطق ببيان وإذا قاتل قالت بجنان، والرجال لا تكال، بالقفزان ولا توزن بالقسطاس، فأعجب المنذر بكلامه.
مع
أصحابه، فنزلوا
كذلك
أن وروي روح بن زنباع كان في طريق مكة في يوم شديد الحر فضربت عليهم الظلال والخيام وقدم إليهم الطعام المجود والشراب المبرد فبينما هم " إذ مَنَّ بهم راع فدعاه إلى الطعام فأبى وقال: إني صائم. فقال روح: في مثل هذا اليوم الحار. فقال: أفادع أيامي تمضي باطلاً فقال روح:
لقد ضننت بأيامك يا راع إذ جاء عفواً بها روح بن زنباع
وروي عن بعضهم أنه قال: حج الحجاج، فنزل ببعض المياه بين مكة والمدينة فدعى بالغداء فلما حضر قال لحاجبه: انظر من يتغذى معي واسأله عن بعض الأمر فنظر في الجبل، فإذا براع بين شملتين نائم فضربه برجله وقال: أنت الأمير. فقال له الحجاج: أغسل يدك وتغد معنا. قال: قد دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله سبحانه دعاني إلى الصيام فصمت. قال له: في هذا الحر الشديد قال: نعم صمت ليوم هو أشد حراً منه. قال له: أفطر اليوم وتصوم غداً. فقال له: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بأجل لا تقدر عليه قال: لأنه طعام طيب. قال: لم تطيبه أنت وإنما طيبه الطباخ ولا الطباخ إنما طيبته العافية. (2/165)
صفحة 622
[1/ 200]
166
قنطرة الجهاد
ويحكى عن مالك بن أنس أنه قال: بعث إلى أبو جعفر المنصور فقال ابن / طاوس: فدخلنا عليه فإذا هو جالس على فرش قد نضدت وبين يديه انطاع قد بسطت، وبين يديه جلاوزة بين أيديهم السيوف يضربون الأعناق. فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فاطرق عنا طويلاً، ثم رفع رأسه إلى ابن طاوس فقال: حدثني عن أبيك قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فأدخل الجور في حكمه فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن
يملأني بدمه. ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فسكت عنه فقال: ما يمنعك أن تناولينها؟ قال: خشيت أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما. سمع ذلك قال: قوما عني. فقال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منك اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس
فضله.
ويروى عن بشر بن السري أنه قال: بينما الحجاج جالساً في الحجر إذ دخل رجل من أهل اليمن فجعل يطوف فوکل به بعض من معه. وقال: إذا فرغ من طوافه فأتني به. فلما فرغ أتاه به فقال: من أنت؟ فقال: من أهل اليمن. قال: ألك علم بمحمد بن يوسف؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عنه؟ قال: قد تركته أبيض غضاً سميناً طويلاً عريضاً. فقال له: ويحك ليس عن هذا أسألك. قال: عن أي شيء تسألني؟ قال: عن سيرته وطعمته. قال: يا جود السيرة وأخبث الطعمة وأعدى الأعداء على الله تعالى في أحكامه. قال: فغضب الحجاج فقال: ويلك، أما علمت بأنه أخي. قال: بلى، فأنت أما علمت بأن الله ربي، وأن الله لهو أمنع لي
منك وأكثر منك لأخيك.
وعن الأوزاعي (1) عبد الرحمن بن عمرو قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور فأتيته فسلمت عليه بالخلافة فرد علي، واستجلسني ثم قال لي ما الذي أبطأ بك علينا أوزاعي؟ [1/ 206] قال: قلت: وما الذي تريد / يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ منكم والاقتباس منكم. قال: قلت: فانظر يا أمير المؤمنين لا تجهل شيئاً مما أقول لك. قال: وكيف أجهل وأنا أسألك عنه
(1) حديث الأوزاعي المنصور موعظته له وذكر فيها عشرة أحاديث مرفوعة والقصة بجملتها رواها ابن أبي الدنيا في كتاب - مواعظ الخلفاء - ورويناها في مشيخة يوسف بن كامل الخفاف ومشيخة ابن طبرزد وفي إسنادها أحمد بن عبيد بن ناصح قال ابن عدي يحدث بمناكير وهو عندي من أهل الصدق وقد رأيت سرد الأحاديث المذكور في الموعظة لنذكر هل لبعضها طريق غير هذا الطريق وليعرف صحابي كل حديث أو كونه مرسلاً فأولها قاله الحافظ العراقي في كتابه المغني. (2/166)
صفحة 623
قنطرة الجهاد
167
وفيه وجهت إليك وأقدمتك له؟ قال: قلت: أن تسمعه ولا تعمل به. قال: فصاح بي الربيع
وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام فقلت يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه يزداد بها إثماً ويزداد بها من الله سخطاً [عليه] (1) (2). يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما وال مات غاشاً لرعيته حرّم الله عليه الجنة» (3). يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله الحق المبين، إن الذي يلين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أموركم لقرابتكم من نبيكم، وقد كان رؤوفاً رحيماً مواسياً لهم بنفسه وبذات يده محموداً عند الله
إن الله هو
الناس.
بهم
وعند
فحقيق أن تقوم له فيهم بالحق وأن تكون له بالقسط فيهم قائماً، ولعوراتهم ساتراً لا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم، وتبتس بما أصابهم من سوء قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عام الناس الذين أصبحت تملك أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم، وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام ليس منهم أحد إلا ويشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه. يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع / بها [207/ب] المنافقين فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم رعباً. فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين.
حدثني مكحول عن زياد عن حارثة عن حبيب بن سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابي لم يتعمده فأتاه جبريل عليه السلام فقال:
يا محمد إن الله لم يبعثك جباراً ولا متكبراً، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال: «اقتص مني
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء.
(E)
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء. (3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا فيه وابن عدي في الكامل في ترجمة أحمد بن عبيد. (4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا، وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه، وللحاكم من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه طعن رسول الله الله في خاصرة أسيد بن حضير فقال: أوجعتني قال: «اقتص» الحديث. قال: صحيح
الإسناد. (2/167)
صفحة 624
168
[1/ 208]
قنطرة الجهاد
فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي لا أفعل ذلك أبداً ولو أنت على نفسي فدعا له بخير. يا أمير المؤمنين رض نفسك بنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها: القيد قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها (1). يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين: أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا (2). قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك، وكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن؟! يا أمير المؤمنين: بلغني عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها. فكيف بمن حُرِم عدلك وهو على بساطك؟! يا أمير المؤمنين: أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {يَا دَاوُدَ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
رضي
الله عنه
الْهَوَى (3) الآية.
(Y),
قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك / فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلح على صاحبه، فأمحوك عن نبؤتي ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة. يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، فيجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء. يا أمير المؤمنين: إنك بليت بأمر لو عرض على السموات والأرضين لأبين أن يحملنه، وأشفقن منه. يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل من الأنصار على الصدقة فرءآه بعد أيام مقيماً. فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله؟ قال: لا. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من وال يلي شيئاً من أمور المسلمين (4) إلا أوتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه [لا يفكها إلا عدله] (5) فيوقف على جسر من النار فينتفض به ذلك الجسر انتفاضة يزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسناً نجا بإحسانه،
رجلا
(1) قال الحافظ العراقي: رواه ابن أبي الدنيا من رواية الأوزاعي معضلاً لم يذكر إسناده ورواه البخاري من
حديث أنس بلفظ لقاب.
(2) سورة الكهف الآية: 49.
(3) سورة ص الآية: 26.
(4) كذا بالأصل وجاء بالإحياء والمغني للحافظ العراقي «الناس».
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. وأثبتناه من الإحياء. (2/168)
صفحة 625
قنطرة الجهاد
179
وإن كان مسيئاً انخرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفاً (1).
قال عمر: فممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر وسلمان. فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا: نعم. وفي لفظ آخر: أي والله ومع السبعين خريفاً في واد يلتهب في النار إلتهاباً سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: واعمراه إنا لله وإنا إليه راجعون من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر من سلب الله أنفه، وألصق بالأرض خده. قال: فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني ثم قلت يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة على مكة والطائف واليمن فقال له النبي: يا عباس يا عم النبي نفس / تنجيها خير من إمارة لا [209/ب] تحصيها (2) نصيحة منه لعمه وشفقة عليه وأخبر أنه لا يغني من الله شيئاً إذا أوحى إليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (3). فقال: يا عباس عم النبي ويا صفية عمة النبي ويا فاطمة بنت محمد [إني] (4) لست أغني عنكم من الله شيئاً لي عملي ولكم عملكم))
(3)
(0)
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل أريب العقد لا يطلع منه على عورة، ولا يحنق منه على حرة، ولا تأخذه في الله لومة لائم. وقال: الأمراء أربعة أمير قوي ظلف نفسه وعماله، فذلك كالمجاهد في سبيل الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه، فهو على شفا هلاك إن لم يرحمه الله. وأمير ظلف عماله وارتع نفسه، فذلك الحطمة الذي قال فيه النبي عليه السلام: شر الرعاء الحطمة فهو الهالك وحده (6). وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعاً. وقد بلغني
(1) ,
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا فيه من هذا الوجه، ورواه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز عن يسار بن أبي الحكم عن أبي وائل أن عمر استعمل بشر بن عاصم فذكر أخصر منه وأن بشراً. سمعه من النبي ولم يذكر فيه سليمان. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً بغير إسناده، ورواه البيهقي من حديث جابر متصلاً، ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً وقال: هذا هو المحفوظ مرسلاً.
(3) سورة الشعراء الآية: 14. (4) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (5) هكذا جاء الحديث في الأصل، وجاء في الإحياء بلفظ يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة بنت محمد إني لست أغني عنكم من الله شيئاً إن لي عملي ولكم عملكم. وقال الحافظ العراقي في المغني بلفظ: «يا عباس ويا صفية ويا فاطمة لا أغني عنكم من الله شيئاً لي عملي ولكم عملكم». وقال: رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً دون إسناده. ورواه البخاري من حديث أبي هريرة متصلاً دون قوله: «لي عملي ولكم عملكم». (1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم من حديث عائذ بن عمر المزني متصلاً، وهو عند ابن أبي الدنيا عن الأوزاعي معضلاً كما ذكره المصف. (2/169)
صفحة 626
170
قنطرة الجهاد
أ
يا أمير المؤمنين أن جبريل عليه السلام أتى النبي الله فقال: أتيتك حين أمر الله بمنافيخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة فقال له: يا جبريل صف لي النار». فقال: إن الله تعالى أمر بها فأوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اصفرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهيبها، ولا يخمد جمرها والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً، ولو أن ذنوباً من شرابها صب في مياه أهل الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعاً من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعاً لذابت واشتعلت ولو أن رجلاً دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقته وعظمه فبكى رسول الله، وبكى [1/ 210] جبريل / لبكائه. فقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه»؟ قال: أخاف أن ابتلي بما بلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي، وأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء: يا جبريل ويا محمد إن الله قد آمنكما أن تعصياه فيعذبكما. [وفضل محمد على الأنبياء كفضل جبريل على سائر الملائكة (1)] (2).
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من قال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين. إن أشد الشدة القيام الله، بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، وأعزه ومن طلب بمعصية الله أذله الله ووضعه فهذه نصيحتي والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟ قلت: إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال: قد أذنت وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبولها. ويقال: أمر له بمان فلم يقبله وقال: أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا.
ويروي
أن رجلاً من السياحين دخل على المأمون فسلم عليه ثم قال له: يا ظالم وأنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم أستغفر الله من تقصيري فيك، أما تتقي الله عز وجل فيما ملكك وتكلم بكلام كثير. ثم أقبل يريد الخروج فقال له: المأمون من أنت؟ قال: أنا رجل من السائحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد نفسي فيه حظاً فتعلقت بموعظتك لعلي
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: الحديث بطوله رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً بغير إسناد. (2/170)
صفحة 627
قنطرة الجهاد
171
الحقهم. قال: فأمر بضرب عنقه، والله أعلم (1).
وفي كتاب الغزالي قال: كان أبو الحسن الثوري رجلاً قليل الفضول لا يسأل عما لا
يعنيه، ولا يفتش عما لا يحتاج إليه. وكان إذا رأى منكراً غيره ولو كان فيه تلف نفسه. قال: فنزل ذات يوم / إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين فتطهر للصلاة إذ رأى زورقاً [211/ب]
يتم به
فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأ وأنكر؛ لأنه لم يعرف في التجارات ولا في البيوع شيئاً يعبر عنه. لطف فقال للملاح: أي شيء في هذا الدنان؟ فقال: وأي شيء عليك امض لشغلك فلما سمع منه هذا القول ازداد تعطشاً إلى معرفته فقال: أحب أن تخبرني أي شيء في هذه الدنان؟ فقال الملاح: أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد أراد أن مجلسه. فقال النوري: هذا خمر قال: نعم. قال أحب أن تعطيني هذا المردي. فاغتاظ الملاح عليه فقال لغلامه: أعطه المردي حتى أنظر ما يصنع. فلما صار المردي في يده صعد إلى الزورق فلم يزل يكسرها دنا دناً حتى أتى على آخرها إلا دناً واحداً، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الحبس وهو يومئذ مؤنس بن أفلح فقبض على الثوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه، ولم يشك الناس أن سيقتله.
قال أبو الحسن: فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي من حديد وبيده عمود يقلبه. فلما رآني قال: من أنت؟ قلت: محتسب. قال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين؟ قال: فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي. وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: شفقة مِني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك. قال: فأطرف مفكراً في كلامي ثم رفع رأسه. فقال: كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ فقلت: في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال هات خبرني. فقلت: يا أمير المؤمنين إني أقدمت على الدنان بمطالبة الحق لله سبحانه وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذا الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فحدثت نفس كبراً أني قدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليها بالحالة الأولى، وكانت ملء الدنيا دناناً لكسرتها ولم أبال فقال / المعتضد: اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن [212/ب] تغيره من المنكر حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض
(1) ما جاء في الباب منقول من كتاب الإحياء للإمام الغزالي الجزء الثاني كتاب ـ أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر - طبعة دار إحياء الكتب العربية ص
344 (2/171)
صفحة 628
172
قنطرة الجهاد
أتيت. فقلت: يا أمير المؤمنين نقض التغيير؛ لأن كنت أغير عن الله فأنا الآن أغير شرطياً. فقال المعتضد: ما حاجتك؟ قال: تأمر بإخراجي سالماً، فأمر له بذلك فخرج إلى البصرة إلى أن توفي المعتضد، ثم رجع إلى بغداد والله أعلم. قال: وعن ابن المهاجر قال: قدم المنصور حاجاً وكان يخرج من دار الندوة في آخر الليل ليطوف ويصلي ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى الدار فإذا أقيمت الصلاة صلي بالناس. فبينما هو د ذات ليلة حين السحر يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ثم خرج وجلس في ناحية من المسجد فأرسل إليه فدعاه وقال: أجب أمير المؤمنين. فصلى ركعتين واستلم الركن فأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تقول من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلعني. فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي فلي فيها شغل شاغل. فقال له: أنت أمن على نفسك. فقال له: أنت الذي داخله الطمع. قال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء على يدي والحلو والحامض في قبضتي؟ قال: وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم بحاراً من الجص والأجر، وأبواباً من الحديد، وحجبة [1/ 213] معهم السلاح. ثم سجنت نفسك فيها عنهم وبعثت عمالك في جمع الأموال / وجبايتها واتخذت وزراء وأعواناً ظلمة إن نسيت لم يذكروك، وإن أحسنت لم يعينوك، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح، ولم تأمر بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر أسميتهم، وما أمرت بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع، ولا العاري، ولا الضعيف والفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق. فلما رآه هؤلاء النفر الذين أخلصتهم لنفسك وأثرتهم على رعيتك وأمرتهم أن لا يحجبوا عنك تجبي الأموال ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا نقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره. فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذو الثروة والقدرة من رعيتك ليناولوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله من الطمع بغياً وفساداً فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك (2/172)
صفحة 629
قنطرة الجهاد
173
وَجَدَك قد نهيت عن ذلك، وقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل وبلغ باطنتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته فإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفاً منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به، ويشكو، ويستغيث، وهو يدفعه، ويعتل عليه، فإذا جهد وأخرج، وأطرح بين يديك فيضرب ضرباً عنيفاً، ليكون نكالاً
لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، ولا تغير فما بقاء الإسلام وأهله على هذا، وقد كانت بنو أمية. وكانت العرب لا ينتهي إليها المظلوم / إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف. ولقد كان الرجل يأتي [214/ب] من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي: يا أهل الإسلام فيبادرونه ما لك ما لك، فيرفعون مظلمته لسلطانهم فينصف له. ولقد كنت يا أمير المؤمين أسافر إلى الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي. فقال له وزراءه: ما لك تبكي لا بكت عيناك. فقال: أما أني لست أبكي على المصيبة إذ نزلت بي ولكن المظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته. ثم قال: أما إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس لا يلبس أحد ثوب أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل طرفي النهار هل يرى مظلوماً فينصفه. هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبته رأفته بالمشركين على شح نفسه في ملكه، وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله صلى الله عليه وسلم لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك، فإنك لا تجمع المال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله عبراً في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فلا يزال الله تعالى يلطف لذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يشاء. وإن قلت: أجمع المال لأشيد سلطاني فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك ووالديك وما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد فإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا بمنزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟ قال: لا. قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله به وما أنت ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل، وإنما [215/ب] يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم؟ فما تقول إذا انتزع الحق المبين من ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب أيغني عنك شيئاً مما كنت فيه من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً وانتحب وارتفع صوته ثم قال: يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً. قال: كيف احتيالي فيما خولت ولم أر من الناس إلا خائناً؟ فقال: عليك بالأئمة الأعلام المرشدين. قال: ومن هم؟ قال: العلماء. قال: فروا مني. قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم ما ظهر من طريقك من قبل
: (2/173)
صفحة 630
174
قنطرة الجهاد
عمالك، ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم، وامنع من الظالم، وخذ الشيء مما حل وطاب، وأقسمه بالعدل، فأنا ضامن عمن هرب عنك أن يأتيك ويعاونك على صلاح أمرك ورعيتك، فقال المنصور: اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم. ثم قال للحرسي: عليك الرجل إن لم تأتي به لأضربن عنقك فاغتاظ عليه غيظاً شديداً إذ لم يوجد فخرج الحرسي يطلب الرجل فوجده يصلي في بعض الشعاب فطلبه أن ينطلق معه. فقال: ليس لي إلى ذلك من سبيل. قال: يقتلني. قال: ولا يقتلك. قال: فكيف؟ قال: فأخرج من زود كان معه رقاً فيه شيء مكتوب. قال: خذه، فإن فيه دعاء الفرج. قال: وما دعاء الفرج؟ قال: لا يرزقه إلا الشهيد وأن من دعا به مساء وصباحاً هدمت ذنوبه ودام سروره، واستجيب دعاءه وبسط له في رزقه، وأعطي مأموله وأعين على عدوه، وكتب عند الله صديقاً ولا يموت إلا شهيداً. تقول: اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت [1/ 216] بعظمتك على العظماء / وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت وأصبحت فيه فرجاً ومخرجاً. اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا استوجبه بما قصرت فيه، أدعوك آمناً وأسألك متأنساً وإنك المحسن إلي وإني المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم مع استغنائك عني، وأتبغض إليك بالمعاصي مع افتقاري إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فعد بفضلك وإحسانك إلي إنك أنت التواب الرحيم.
قال: فأخذته فَصَيّرته في جيبي فدخلت على أمير المؤمنين فنظر إليَّ وتبسم. قال: ويلك أتحسن السحر؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين وقصصت عليه أمري مع الشيخ. فقال: هات الرق الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال: قد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف درهم والله أعلم. فهكذا كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكنهم اتكلوا على الله سبحانه أن يحرسهم ورضوا بحكمه أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا فيه النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها.
(1)
(1) هذه القصة منقولة من كتاب - أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر ص 346 من كتاب ـ الإحياء - للإمام الغزالي، طبعة دار إحياء الكتب العربية. (2/174)
صفحة 631
قنطرة الجهاد
175
وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا ولو قصدوا الله وعملوا بمقتضى العلم لأفلحوا ففساد الرعية بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه على قلوبهم ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الاحتساب على الأرذال فكيف على الملوك والأكابر / والله [217/ب] المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم نجزت أبواب الأمر والنهي بحمد ا عونه والصلاة على سيدنا محمد نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
الله
وحسن (2/175)
صفحة 632
القنطرة السابعة
في ذكر التوبة وما تشتمل عليه من الأبواب
الحمد لله الذي جعل التوبة سترة لعورات الأعمال، وطهارة لنجاسة الأفعال، نعمة أنعم بها على عباده المؤمنين ومنة أمتن بها على أوليائه التائبين بعدما زلت بهم القدم، فإنه لا غرو فإن أذنب الأدمي واجترم، فهي شنشنة يعرف بها من اخترم وشيمة اقتدى بها بأبيه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم ولكن قرع آدم على خطئه سن الندم. وتاب مما سلف منه وتندم، فمن اتخذه قدة في الذنب دون الدتوبة فقد زلت به القدم. بل التجرد للخير دائماً هو دأب الملائكة المقربين والتجرد للشر دائماً دون الإقلاع عنه من شيم الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الشعر من ضرورة الآدميين، فالمتجرد للشر دون الإقلاع شيطان.
والمقلع عن الشر إلى الخير هو في الحقيقة إنسان؛ لأنه قد ازدوج في طينة الإنسان شائبتان، واصطحبت فيه سجيتان، فلا بد أن ينسب إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان، فالتائب قد أقام البرهان بصحة نسبه إلى آدم حين لم يخرج من طبع الإنسان، بما قارف من العصيان، إذ أقلع عنه بالتوبة والإحسان والمصر على المخالفة والطغيان قد صح نسبه في
ذلك إلى الشيطان.
وأما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد المحض / إلى الخير دائماً فأمر خارج من حيز الإمكان؛ فإن الشر معجون مع الخير في طينه آدم عجناً محكماً، لا يخلصه إلا إحدى نارين نار الندم أو نار جهنم فالاحتراق بالنار ضرورة في تخليص جوهر الإنسان من خبائث
الشيطان.
فعليك أيها المذنب باختيار أهون الشرين والمبادرة إلى أخف النارين قبل أن يطوى بساط الاختيار وإنسياق إلى دار الاضطرار إما إلى الجنة أو إلى النار، والصلاة والتسليم على أكرم مبعوث من معد ونزار محمد بن عبد الله النبي المختار وعلى آله وأصحابه الطاهرين الأبرار.
[1/ 218] (2/176)
صفحة 633
قنطرة التوبة
أما بعد
177
قلما كان شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان، وأنه قيد يمنع الإنسان
من المسارعة إلى خدمة الرحمن ويقسي قلبه حتى لا تؤثر فيه زواجر القرآن، وكانت التوبة حياة للقلوب بعد موتها بالإصرار على الذنوب وطهارة لها بعد نجاستها بأقذار العيوب. وجب علينا أن نبين فضيلة التوبة وحقيقتها ونوضح شروطها التي لا تتم إلا بها، فتشتمل هذه القنطرة على خمسة أبواب:
التوفيق.
الأول منها: في فضل التوبة وبيان وجوبها.
والثاني: فيما عنه التوبة وهو الذنوب على اختلاف صفاتها.
والثالث: في شروط التوبة التي لا تقبل إلا بها.
والرابع: في بيان أقسام التائبين وفي دوام التوبة.
والخامس: في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار وبالله
الباب الأول
في فضل التوبة ووجوبها
قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعا) (1) وهذا أمر على العموم.
وقال الله تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوح) (2). أي خالصة عن الشوائب / مأخوذ [219/ب]
من النصح.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب المرء ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
وعن
معاذ بن جبل، وأبي بكر بن كعب رضي الله عنهما مثل ذلك. قال: وسئل ابن عباس عنها فقال: التوبة النصوح أن يذنب الرجل الذنب، ثم يندم فيتوب منه، ولا يحدث نفسه بالرجوع إليه حتى يموت. قال: فإن عاد إلى الذنب عاد إلى التوبة وأجمع أنه عزم على أن لا يعود فيه ويندم على ما أتى، فمن كان كذلك كانت توبته توبة نصوحاً. وقال الله تعالى:
(1) سورة النور الآية: 31. (2) سورة التحريم الآية: 8.
قناطر الخيرات ج/ 2 م/ 12 (2/177)
صفحة 634
178
قنطرة التوبة
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ) (1).
ويقال: إن كل مذنب جاهل عند مواقعة الذنب وإن كان عالماً، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. ومما يدل على فضل التوبة قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِرِينَ) (2)
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب
له، وإذا أحب الله عبداً لم يضره ذنبه (3). ثم تلى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ (4) الآية. وعنه عليه السلام أنه قال: ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب». وقال سبحانه: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ الثَّوْبِ) (5) الآية. وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنْ السيئات (1)
وعنه عليه السلام أنه قال: إن الله يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها). وبسط اليد كناية عن طلب التوبة، والطالب وراء القابل قرب قابل ليس بطالب ولا طالب إلا وهو قابل.
وعنه عليه السلام أنه قال: «لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله
عليكم (8).
(1) سورة النساء الآية: 17. (2) سورة البقرة الآية: 222.
(3) قال العراقي عن الشطر الأول من الحديث. - وقد ذكر الغزالي الشطر الأول والثاني في: الإحياء - (5/ 4) رواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بالشطر الثاني دون الأول، وأما الشطر الأول فروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف: إن الله يحب الشاب التائب». ولعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبي يعلى بسند ضعيف من حديث علي: «إن الله يحب العبد
المؤمن المفتن التواب. (4) سورة البقرة الآية: 222.
(5) سورة غافر الآية: 3. (6) سورة الشورى الآية: 25.
(7) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (523/ 8) وقال العراقي في المغني (13/ 4): رواه مسلم من حديث أبي موسى بلفظ: يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ...... الحديث، وفي رواية للطبراني: لمسيء الليل أن يتوب بالنهار ..... الحديث. (8) رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن بلفظ: «لو أخطأتم». وقال: «ثم تبتم». راجع =
= (2/178)
صفحة 635
قنطرة التوبة
179
وقال عليه / السلام: إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة قيل: وكيف ذلك [1/ 220] يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينه تائباً باراً حتى يدخل الجنة (1). وعنه أيضاً أنه قال: كفارة الذنب الندامة (2).
وروي
أن حبشياً قال: يا رسول الله إني كنت أعمل بالفواحش فهل لي من توبة؟ قال: «نعم». فولى ثم رجع فقال: يا رسول الله أكان يراني وأنا أعملها؟ قال: «نعم». فصاح الحبشي صيحة خرجت فيها نفسه
(3)
لا
(0)
(4)
ويروى أن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة، فأنظره إلى يوم القيامة. فقال: وعزتك وجلالك لا خرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله: وعزتي وجلالي عنه التوبة ما دام فيه الروح وقال إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ وعن سعيد بن المسيب أنه قال: أنزلت هذه الآية: {إِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً (6). في الرجل يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب.
وعن الفضيل أنه قال: يقول الله عز وجل: بشر المذنبين أنهم إن تابوا قبلت منهم، وحذر الصديقين أني إن وضعت عدلي عذبتهم.
وعن طلق بن حبيب أنه قال: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد ولكن أصبحوا
تائبين وأمسوا تائبين.
=
المصدر السابق.
(1) رواه ابن المبارك في الزهد عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً، ولأبي نعيم في الحلية من حديث أبي هريرة: إن العبد ليذنب الذنب فإذا ذكره أحزنه فإذا نظر الله إليه أنه أحزنه غفر له .... الحديث وفيه صالح المري، وهو رجل صالح لكنه مضعف في الحديث ولابن أبي الدنيا في التوبة عن ابن عمر: إن الله لينفع العبد بالذنب يذنبه والحديث غير محفوظ. المصدر السابق.
(2) رواه أحمد، والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس، وفيه يحيى بن عمرو بن مالك اليشكري العراقي في المصدر السابق.
(3) قال العراقي في المغني (14/ 4): لم أجد له أصلاً.
(4) في الأصل غير واضحة واستوضحتها من الإحياء (14/ 4).
(5) رواه أحمد، وأبو يعلى، والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد أن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أزال أغوي عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني، أورده المصنف - أي الغزالي - بصيغة ويروى تكذا ولم يعزه إلى النبي، فذكرته احتياطاً.
قاله العراقي في المغني (14/ 4).
(6) سورة الإسراء الآية: 25. (2/179)
صفحة 636
[221/ب]
180
الكتاب
قنطرة التوبة
وعن عبد الله بن عمر قال: من ذكر خطيئة ألم بها فوجل منها قلبه محيت عنه في أم
(1)
أن نبياً من بني إسرائيل أذنب فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي لئن عدت ويروي لأعذبنك. فقال: يا رب أنت أنت وأنا أنا وعزتك وجلالك لئن لم تعصمني لأعودن
فعصمه الله.
وقال بعض السلف: إن العبد ليذنب الذنب فلا يزال نادماً حتى يدخل الجنة. فيقول إبليس: ليتني لم أوقعه في الذنب.
وعن حبيب بن ثابت أنه قال: تعرض علي الرجل ذنوبه يوم القيامة فيمر بالذنوب فيقول إني كنت مشفقاً منك فيغفر له.
ويروى أن رجلاً / سأل ابن مسعود رحمه الله عن ذنب أَلَمَّ به هل له من توبة؟ فاعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تغلق وتفتح إلا باب التوبة، فإن عليه ملكاً موكلاً به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس.
وعن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: تذكرنا مع عبد الرحيم توبة الكافر وقول الله تعالى: {إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف (2). فقال: إني لأرجو أن يكون المسلم أحسن حالاً عند الله تعالى وقد بلغني أن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام.
وعن عبد الله بن سالم أنه قال: لا أحدثكم إلا عن نبي مرسل، وكتاب منزل، إن العبد إذا عمل ذنباً ثم ندم عليه طرفة عين سقطت عنه أم عنه أسرع من طرفة عين.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: اجلسوا إلى التوابين؛ فإنهم أرق أفئدة. وقال بعض السلف: أنا أعلم متى يغفر الله لي. قيل: ومتى؟ قال: إذا تاب عليّ. وقال من أن أحرم التوبة أخوف من أن أُخرم المغفرة لأن المغفرة من لوازم التوبة
أنا بعضهم: وتوابعها لا محالة (3).
وعن الفضيل بن عياض أنه قال: لما عاين قوم يونس عليه السلام العذاب قام رجل منهم
(1) ذكرهما الغزالي في الإحياء (14/ 4).
(2) سورة الأنفال الآية: 38.
(3) كل ما سبق ذكره الغزالي في الإحياء (14/ 4). (2/180)
صفحة 637
قنطرة التوبة
181
فقال: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وعفوك أعظم منها وأجل فافعل بنا من الخير ما أنت أهله ولا تفعل بنا من الشر ما نحن أهله قال فكشف الله.
ويروي
عنهم العذاب. أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله عشرين سنة ثم عصاه عشرين سنة فنظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع قائلاً يقول: ولا يرى شخصاً أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، فإن رجعت إلينا قبلناك (1)
ومن كتاب حياة القلوب قال: وفيما يروى أنه كان في بعض من مضى رجل جرأ على [1/ 222]
معاصي الله ثم إن الله تعالى أراد به خيراً وتوبة فقال لزوجته: إني ملتمس شفيعاً إلى الله لأتوب إليه، فلعله يقبل توبتي فقالت له وكانت غير فقيهة: لا تذكر ربك؛ فإنك إن ذكرته عذبك عذاباً لم يعذبه أحداً من خلقه قال: فخرج الرجل إلى الصحراء يصيح يا سماء اشفعي لي يا جبال اشفعي لي يا أرض اشفعي لي يا ملائكة ربي اشفعوا لي، فما زال كذلك حتى أدركه الجهد فَخَرَّ مغشياً عليه، فبعث الله إليه ملكاً فأجلسه ومسح وجهه. فقال له: أبشر فقد قبل الله توبتك. قال: ومن كان شفيعي إلى الله؟ قال: خشيتك أشفعت لك. وينشد في
المعنى:
بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهداً ما الموت ويحك لم يمدد إليك يداً فإنما المرء في الدنيا على خطر إن لم يكن ميتاً في اليوم مات غداً ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه (2). وفي خبر آخر: «ما لم يغرغره الملك عند الموت».
ومن كتاب الضياء قال: ومن أمارات القيامة أن لا تقبل توبة كافر من كفره ولا صاحب كبيرة من كبيرته. ويقال: التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بخطمه، وكذلك المجنون ما لم يغير عقله من الجنون.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التوبة مقبولة من كل تائب إلى يوم القيامة إلا من ثلاثة: إبليس رأس الكفار، وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه هابيل ظلماً، ومن قتل نبياً فلا توبة
لهؤلاء الثلاثة.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عمر قاله العراقي في المغني (446/ 4). (2/181)
صفحة 638
182
قنطرة التوبة
وعن كعب الأحبار أن الله عز وجل يقول: أيها العبد الخاطئ تب قبل موتك، وقل: لا
إله إلا الله أجعلها لك نوراً أصلها في قبرك وفرعها في باب الجنة يهديك أصلها إلى فرعها. وقيل لأعرابي: ما أفضل ما يلقى الله عز وجل به؟ قال: نصيحة من قلب وتوبة من [223/ب] ذنب. ويقال: إن العبد / إذا تاب توبة نصوحاً أنسى الله حفظته وبقاع الأرض ذنوبه وخطاياه وينشد في هذا المعنى:
المرء يذنب والمولي يقومه والعبد يجهل والمولى يعلمه
إني ندمت على ما كان من زلل وزلة المرء يمحوها تندمه
ويروى أن الله تعالى لما خلق القلم قال له اكتب قال وما أكتب؟ قال: أكتب أنا التواب أتوب على من تاب.
وقال بعض السلف: إنه كان شاب قد تنسك ثم خرج إلى الأرض فواقع فيها معصية، ثم ذكر فنظر الله فخر ساجداً، وجعل يقول في سجوده: لا أعود يا سيدي لا أعود يا سيدي، فنودي في سجوده: ارفع رأسك فأنت أنت وأنا أنا أنت العبد وأنا السيد الرب، تعود إلى الذنب بالجهل، وأعود إلى المغفرة بالفضل.
شمالك
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صوت أحب إلى الله من صوت عبد مذنب تائب إذا قال: يا رب قال الله عز وجل: عبدي ها أنا ومن خلفك سل تعط، أنت عندي كبعض ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له (1).
ويروي
بين يديك وعن
وعن يمينك
أنه كان بعض الصالحين يطوف بالبيت وهو يقول: اللهم اعصمني. فنودي: كل
أحد يطلب منا العصمة فلو عصمناهم فعلى من يكون تفضلنا.
ومن كتاب حياة القلوب قال: وفيما يروى والله أعلم أن نبياً من أنبياء الله يسمى يورخ بن مارنا، أذنب ذنباً فأتى بحاراً فنادى أيتها البحار البعيدة غوراً، الكثيرة الأمواج، إني أذنبت الله ذنباً فهل أنت مغيثي عن الله ساعة؟ فأوحى الله إلى البحار أن تجيبه، فقالت له: يا يورخ بن مارنا أنت نبي بني إسرائيل تقول هذا ما فينا موجة إلا وعليها من الله حافظ، ولا قطرة إلا الله، بعين [224/ب] فأين تغيبك؟ فأتى جبالاً فنادى أيتها الجبال الكثيرة الأدوية / والشعاب إني أذنبت ذنباً فهل
(1) أطراف الحديث عند أبي نعيم في حلية الأولياء، (216/ 8) ابن عدي في الكامل في الضعفاء
(2561/ 7) المتقى المسند في كنز العمال (10280). (2/182)
صفحة 639
قنطرة التوبة
أنت
183
مغيبتي عن الله ساعة؟ فأوحى الله إلى الجبال أن تجيبه فقالت: يا بورخ بن مارنا أنت نبي بني إسرائيل تقول هذا، ما فينا شجرة إلا وعليها من الله حافظ، وما تسقط من [ورقة (1) إلا يعلمها. فصرع بورخ فقال: اللهم اقبض روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، واجعلني هملاً لا أحضر الحساب. فأوحى الله بل أتوفاك يا حبيبي وأسكنك جنتي.
وفيما يروى عن داود عليه السلام: أنه بكى عن خطيئته بكاء شديداً، فلم ينفعه شيء، فلما ضاق ذرعه واشتد، غمه قال يا رب أما ترحم بكائي؟ قال: فأوحى الله إليه يا داود نسيت ذنبك وذكرت بكاءك؟ فقال: إلهي وسيدي فكيف أنسى ذنبي وكنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري عن جريه، وتسكن هبوب الريح، وأظلتني الطير على رأسي، وأنست الوحوش إلى محرابي إلهي وسيدي فما هذه الوحشة التي بيني وبينك؟ فأوحى الله إليه: يا داود ذلك أنس الطاعة وهذه وحشة، المعصية يا داود آدم خلق من خلقي خلقته ونفخت فيه من روحي، وأسجدت له ملائكتي وألبسته ثوب كرامتي وتوجته بتاج وقاري، فشكى إلي الوحدة فزوجته حواء أمتي وأسكنته جنتي فعصاني فطردته عن جواري عرياناً ذليلاً. يا داود اسمع مني ما أقول والحق أقول: أطعتنا فأجبناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك.
بيدي،
وقيل: أوحى الله عز وجل إلى آدم عليه السلام يا آدم أورثت ذريتك التعب والنصب، وأورثتهم التوبة من دعاني منهم بدعوتك لبيته كتلبيتك يا آدم أحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب). فهذا القدر كاف في فضل التوبة، وأنها إذا صحت بشروطها مقبولة / لا محالة. والله أعلم وأحكم.
(2)
الباب الثاني
فيما عنه التوبة وهي الذنوب كلها
اعلم أن التوبة إقلاع عن الذنب وترك له، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجباً فمعرفة الذنوب إذا واجبة.
والذنب عبادة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى من ترك أو فعل وتفسير ذلك يطول،
(1) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، وأثبت ما يناسب السياق. (2) ذكر الغزالي الخبر بأتم مما هنا في إحياء علوم الديني (5/ 4).
[1/ 225] (2/183)
صفحة 640
184
قنطرة التوبة
ولكن نشير إلى منابعها من أخلاق الإنسان على ما ذكره الغزالي في كتابه. فنقول: إن مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات مركوزة في فطرة الإنسان: إحداها: صفة ربوبية وتقتضي من الإنسان النزوع والتشبه بصفات الرب جل جلاله وذلك كالكبر، والفخر والجبروت وحب المدح والثناء والعز، والغنى، وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، وهذه الصفة تنبعث (1) منها ذنوب كثيرة مهلكات وهي كالأمهات لأكثر المعاصي
(2)
والثانية: صفة شيطانية وهي التي ينبعث (3) منها الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر
بالفساد والمنكر، ويدخل فيها الغش، والمكر والحقد والنفاق، والدعوة إلى البدع، والضلال، وإضمار السوء للناس، وأشباه ذلك (4).
(4)
والثالثة: صفة بهيمية وهي الشهوة ومنها ينبعث الشره والتكالب على الدنيا، والحرص على قضاء شهوة الفرج والبطن ومنه يثور المنكر والفحشاء من الزنا، واللواط، والسرقة، وأكل أموال الأيتام، وارتكاب الآثام في جمع الحطام لأجل الشهوات (5).
والرابعة: صفة سبعية: ومنها ينبعث الغضب والحقد والجرأة، والتهجم على الناس 2201/ب/ بالضرب والشتم والقتل، واستهلاك الأموال (6)، وتمزيق الأعراض، وأشباه ذلك. وإنما كانت هذه الصفات مركوزة في الإنسان؛ لأن طينته معجونة من أربعة أشياء: من اليبوسة، والرطوبة، والحرارة والبرودة، وذلك أنه خلق من تراب وماء ثم جعل فيه نفس وروح، فيبوسته من التراب، ورطوبته من الماء وحرارته من النفس وبرودته من الروح، فثارت من هذه الطبائع المختلفة أخلاق غير متفقة كما قدمنا.
وقد يقال في كتاب الطب وما من أحد إلا وفيه من كل طبيعة وسوء غريزة، وإنما التفاضل بين الناس في مقابلة الطبائع السوء بأضدادها، وأما أن يسلم أحد من أن لا يكون فيه شيء منها فلا ولكن الرجل القوي الحليم العاقل يغلبها بالقمع لها بإذن الله تعالى؛ فكلما
(1) في الإحياء: يتشعب. (2) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (15/ 4) بنصه.
(3) في الإحياء: يتشعب.
(4) راجع المصدر السابق (15/ 4، 16). (5) راجع المصدر السابق وكل هذا بنصه فيه. (6) راجع المصدر السابق كل هذا بنصه فيه. (2/184)
صفحة 641
قنطرة التوية
185
تطلعت قمعها حتى تصير كأنها ليست فيه خاملة ولن ينال ذلك إلا بعون الله.
وهذه الصفات التي قدمنا لها تدريج في فطرة الإنسان فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولاً، ثم تتولها الصفة السبعية ثانياً، ثم إذا اجتمعتا استعملتا العقل في الخداع والمكر والحيلة وهي الصفة الشيطانية، ثم الصفة الربوبية أخرها وهي الكبر والفخر والعز وأمثالها فهذه الصفات أمهات الذنوب ومنابعها. ومنها تنفجر على الجوارح فبعضها في القلب كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس، وغيرها وبعضها على العين والسمع، وبعضها على اللسان وبعضها على البطن والفرج، وبعضها على اليدين والرجلين وذلك واضح لا يحتاج إلى تفصيل)
اعلم أن الذنوب على وجهين:
فصل
(1)
أحدهما: ذنوب بين العبد وبين الله وذلك: كترك الصلاة والصوم / وغيرهما مما يتعلق [1/ 227]
به من الواجبات.
والثاني: ما يتعلق به حق العباد وذلك كترك الزكاة والكفارات، والنفاق الواجبات، وقتل النفس، وغصب الأموال وتمزيق الأعراض، وأشباه ذلك، - مما يطول به الكتاب ـ فكل ما يتعلق به مظلمة العباد فالأمر فيه أغلظ وما بين العبد وبين الله فالعفو فيه أرجى وأقرب مع التوبة والاستغفار.
وقد جاء في الخبر أن الذنوب ثلاثة: ذنب يغفر وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، فالذنوب التي تغفر ذنوب العباد بينهم وبين الله تعالى، والذي لا يغفر الشرك بالله تعالى، والذي لا يترك ذنوب العباد (2). إن لم يتخلص منها في الدنيا أخذ بها في أشد الحالات.
فصل
ثم تنقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَم (3). يعني الصغائر، وقال الله تعالى: {وَلَا يُغَادِرُ صَغِيْرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) (1).
(4)
(1) راجع الإحياء وهو فيه غير أن المؤلف أضاف بعض الفقرات فصل بها بين الكلام (16/ 4). (2) عن نحوه قال العراقي في المغني (16/ 4) رواه أحمد والحاكم وصححه من حديث عائشة وفيه بن موسى الدقيقي ضعفه ابن معين وغيره وله شاهد من حديث سلمان، ورواه الطبراني.
صدقة
(3) سورة الشورى الآية: 37.
(4) سورة الكهف الآية: 49. (2/185)
صفحة 642
[228/ب]
186
(1)
قنطرة التوبة
وقال الله تعالى: {إِنَّ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت
الكبائر (2)
(4)
وقد اختلف الناس في هذا فقال بعضهم: كل مخالفة الله تعالى فهي كبيرة. ولذلك قيل: لا تنظر إلى المعصية ولكن انظر إلى من عصيت.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ليس فيما: الله به صغيرة». وهذا يعصي ضعيف لما قدمناه من الآيات والأخبار، وقال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين بإثبات الكبائر والصغائر.
واختلفوا في عددها من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة إلى ما فوق ذلك، وقال بعض السلف: كل ما وجب عليه الحد في الدنيا فهو كبيرة.
وقال أصحابنا ومن وافقهم الكبيرة كل / ما يجب عليه النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، والصغيرة ما سوى ذلك والكبائر منها معلوم ومنها غير معلوم، والصغائر كلها غير معلومة؛ إذ ليس من الحكمة تبيينها بعد ورود الاستثناء فيها.
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكبائر ما ذكر الله من أول سورة النساء لى قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) (4) الآية.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: الكبائر ما ذكر الله من أول سورة النور إلى
قوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعا (5) الآية.
وروي عن ابن عمر: أن الكبائر سبع فبلغ ذلك ابن عباس فقال: هي إلى سبعين أقرب
منها إلى السبع.
وقيل: إنها مبهمة لا يعرف عددها كليلة القدر، وساعة يوم الجمعة.
(1) سورة النساء الآية: 31.
(2) رواه مسلم من حديث أبي هريرة قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (16/ 4).
(3)
الأصل: فهو. وهو لحن، أو سهو من الناسخ.
(4) سورة النساء الآية: 31.
(5) سورة النور الآية: 31. (2/186)
صفحة 643
[1/ 229]
187
قنطرة التوبة
وفي كتاب الغزالي قال: وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة جمعتها من جملة الأخبار من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وغيرهم، وهي: أربعة في القلب وهو: الشرك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكره.
وأربعة في اللسان: وهي شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغاموس وهي التي يخق بها باطلاً ويبطل بها حقاً، وقيل: هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم باطلاً ولو سواكاً وسميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في النار. والسحر هو كل كلام يغير الإنسان وسائر الأجسام عن موضوعات الخلقة.
أراك، من
قال: وثلاثة في البطن وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم واثنتان في الفرج وهما الزنا واللواط. واثنتان في اليدين وهما: القتل والسرقة، وواحدة في الرجلين: وهي الفرار من الزحف يفر الواحد من اثنين، والعشرة من العشرين / وواحدة في جميع الجسد وهي عقوق الوالدين.
هذا ما قاله وهو قريب ولكن ليس يحصل به تمام الشفاء إذ تمكن الزيادة عليه. والصحيح ما قاله المسلمون أن الكبير كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ لأنه معلوم أن فقؤ العين، وقطع اليدين، وتعذيب المسلمين بالضرب، وأنواع العذاب، وأكل أموالهم ظلماً، والحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة، وقسمة المواريث بغير ما أنزل الله، وأشباه هذا كله. من الكبائر. وقد قال أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة: إنكم لتعملون أعمالاً أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر (1). وقال بعض السلف: كل
عمد كبيرة.
هي
أدق في
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: من هو مستكبر، ومنان بعطيته، ومنفق سلعته بيمينه وثلاثة لا تجاوز أعمالهم أذانهم: صاحب رياء وسمعة، ومسبل إزاره إذا مشى، وبائع الحكم بالرشا (2).
وقال عليه الصلاة والسلام ثلاثة مقتهم الله تعالى وثلاثة خصمهم الله: فأما الذين
:
(1) رواه أحمد، والبزار بسند صحيح، وقال من الموبقات بدل الكبائر، ورواه البخاري من حديث أنس، وأحمد، والحاكم من حديث عبادة بن قرص وقال صحيح الإسناد. المغني (18/ 4).
(2) بنحو طرفه الأول عند الطبراني في الكبير (391/ 12). (2/187)
صفحة 644
188
مفتهم.
الله: فالضاحك
قنطرة التوبة
من غير عجب، والأكل من غير جوع، والمعلم لما لا يعلم، والذين خصمهم الله: يتيم أكل ماله ظلماً، وامرأة ظلمت في صداقها وعبد ضربه مالكه بلا ذنب». وقال عليه السلام: سبعة من أمتي لا تطفئ نيرانهم يوم القيامة ولا ينظر الله إليهم: أعمى كذوب، وشيخ، زان ومؤذن مراء، ووال غشوم، وإمام يؤم بقوم وهم له كارهون، وامرأة خانت زوجها بالغيب وعبد أبق من مولاه لا يرجع إليه أبداً».
وقال عليه السلام: أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، ومن حلف يميناً فأدخل منها مثل جناح بعوضة، ثم لم تزل في قلبه نكثة إلى يوم القيامة، وقتل
[230/ب] النفس، وقول الزور. ثم اسْتَوْفر صلى الله عليه وسلم فقال: اليمين الغموس والفرار من الزحف، / وقذف المحسنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم (1).
(1) ,
وقال عليه السلام: «اشتد غضب الله على عبد ستر الله عليه ذنباً فأفشاه إلى غيره». وقال: «ما من إنسان يستمع كلام قوم وهم له كارهون إلا. وضع الله في أذنه الآنك. يوم القيامة». وقال: من استمع قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة والآنك الرصاص المذاب. وقال: «من كذب وأصر فهو في النار مخلد». وقال: «أعتى الناس على الله: من قتل غير قاتله، أو طلب بدمه من الجاهلية في الإسلام (2).
وعنه عليه السلام أنه قال: خمسة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم إلا أن يتوبوا النائمون عن العتمات والغافلون عن الغدوات، والشاربون القهوات والمتفكهون بسب الأمهات والقاذفون المحصنات المؤمنات.
فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن الكبائر غير محصورة بعدد جامع، فلا مطمع في حصرها إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: الكبائر تسع أو عشر ويفصلها وما قدمنا من عدد الكبائر في الأحاديث لم يقصد إبهامه ليكون العباد منه على وجل. نعم يمكن لنا أن نعرف أجناس الكبائر وأما أعيانها فتعرف بالظن والتقريب وينحصر أكثرها في ثلاث
مراتب:
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (14/ 9 (17) والبيهقي في السنن الكبرى (20/ 8)، (121/ 10)، أحمد في المسند (495/ 3)، ابن حجر في فتح الباري (191/ 12). (2) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن الكبرى (26/ 8) ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث
(1340) (2/188)
صفحة 645
قنطرة التوبة
إحداها ما يسد باب المعرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر وذلك هو الشرك بالله تعالى، والإنكار لرسله، وما جاءت به من عند الله فلا كبيرة فوق الشرك والجحود، وهو عين الجهل بالله تعالى، ويتلوه الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمته فإن هذا عين الجهل أيضاً، فمن عرف الله تعالى لم يتصور أن يكون آمناً ولا أن يكون آيساً، ويتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله على حسب تفاوتها، وعلى تعلقها بذات الله تعالى وأفعاله / وشرائعه [1/ 231] وأوامره ونواهيه، ومراتب ذلك لا تنحصر وهي تنقسم إلى ما يعلم أنها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في القرآن وإلى ما يعلم أنه لا يدخل وإلى ما يشك فيه.
المرتبة الثانية: ما يفسد حياة النفوس: وهو القتل لها وذلك لا محالة. من الكبائر، وإن كان دون الشرك، ويتلو ذلك قطع اليدين والرجلين وغير ذلك من كل ما يفضي إلى الهلاك حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض. ويقع في هذه المرتبة تحريم الزنا؛ لأنه يشوش الأنساب ويبطل التوارث، وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها، وكذلك اللواط؛ لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات لانقطع النسل، ولذلك لا يكون الزنا مباحاً في شريعة.
يتصور
أهله
وينبغي أن يكون الزنا في الرتبة دون القتل؛ لأنه ليس يفوت دوام الوجود للنفوس ولا ولكنه يفوت تمييز الأنساب ويحرك من الأسباب ما يكاد يفضي إلى التقاتل. وينبغي أن يكون أشد من اللواط؛ لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم أثر الضرر
يمنع
بكثرة هكذا في كتاب الغزالي (1).
المرتبة الثالثة: الأموال فإنها معائش الخلق فلا يجوز إباحتها، بل تحفظ لتبقى ببقائها النفوس إلا أن الأموال إذا أخذت أمكن استردادها، وإن أكلت أمكن غرمها، وأخذها بالباطل متفاوت بعضها أكبر من بعض؛ لأن أخذها بطريق يعسر استرجاعها أكبر من غيرها، أعني أن تتناول بالخفية، وهي السرقة فكيف يتدارك إذا لم يطلع عليها. وكذلك الولي أو القيم إذا أكل مال اليتيم وهو صغير لا يعرف فيعظم الأمر فيه بخلاف الغضب، فإنه ظاهر، وكذلك تفويت الأموال بشهادة الزور أو أخذ الوديعة أو غيرها باليمين الغموس؛ لأن هذه الطريقة لا يمكن [1/ 232] فيها التدارك ولا يجوز أن تختلف الشرائع في تحريمها أصلاً وبعضها أشد من بعض.
وأما الربا فهو: أكل مال الغير بالتراضي مع إسقاط شرط وضعه الشرع، فلا
(1) راجع إحياء علوم الدين (19/ 4 (20) على غير ترتيب أو اتصال في الباب من أوله.
يبعد
أن (2/189)
صفحة 646
14.
قنطرة التوبة
تختلف الشرائع في مثله، لكن عظم الشرع الربا بالزجر عنه، كما عظم الظلم والغضب والخيانة
أو أشد والله أعلم.
وأما الشرب للخمر وما يزيل العقل فهو حقيق أن يكون من الكبائر الموبقات، وقد دلّ عليه تشديدات الشرع، وطريق النظر أيضاً؛ لأن العقل محفوظ كالنفس بل لا خير في النفس بعد إزالة العقل. وكذلك تناول الأعراض بالقذف والشتم والغيبة واللعن لمن لا يستحق، فهو من الكبائر أيضاً دل عليه تشديدات الشرع أيضاً.
وكذلك السحر والعقوق والفرار من الزحف، والكبر، والحسد، وتبديل الحكم، وأكل الميتة والأنجاس والإفطار في صوم رمضان وغير ذلك مما يطول به الكتاب فذلك كله عندنا من الكبائر، دلت عليه قواطع القرآن وصحيح الأخبار وما أدرى إليه النظر والله أعلم. وأما غير هؤلاء من الذنوب فهي في محل الشك إذ يجوز أن تكون من الكبائر ويجوز أن تكون من الصغائر، وذلك كالنظر إلى بيوت الناس أو أبدانهم بشهوة ما خلا العورات والتجسيس عن بعض أحوال الناس، وسوء الظن بمن هو في الوقوف والكذب بالزيادة في الأخبار، وما لا تأخذه القيمة من أموال الناس، أو وطئ أبدانهم ولباسهم، وضرب الدف بغير التغني عليه والاستماع إلى الغيبة، وترك الأمر بالمعروف، وأكل الشبهات وسب الولد والغلام وضربهما بحكم الغضب زائد على حد المصلحة، وإكرام السلاطين الظلمة، ومصادقة [233/ب] الفجار والتكاسل عن تعليم الأهل والولد / ما يحتاجون إليه من أمر الدين، والاهتمام بالمعصية وتشهي القلب بها، وما أشبه ذلك مما يطول به الكتاب فهذا كله عندي في محل التوقف والله أعلم إلا أن أصر الإنسان على شيء منها، فيكفر بالإصرار، والصغيرة باقية على حالها؛ لأن الكبيرة لا تكفرها الصلاة والصغيرة تكفرها.
وقد جاء في الحديث: أن رجلاً قال: يا رسول الله عالجت امرأة فأصبت منها كل شيء إلا المسيس فاقض علي بحكم الله فقال عليه السلام: (أو ما صليت معنا الغداة»؟ فقال: بلى. فقال عليه السلام: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (2). فإن صح الحديث فإنه يدل على أن ما دون الزني من معالجة النساء صغيرة إذ جعل الصلاة كفارة له.
(2)
(1) راجع إحياء علوم الدين فهو فيه بتوسع (21/ 4). (2) سورة هود الآية: 114 والحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود دون قوله: «أو ما صليت معنا صلاة الغداة»، ورواه مسلم من حديث أنس وفيه: هل حضرت معنا الصلاة؟ قال: نعم. ومن حديث أبي
أمامة وفيه: ثم شهدت الصلاة معناه؟ قال: نعم. الحديث قاله العراقي في المغني (47/ 4). (2/190)
صفحة 647
قنطرة التوبة
191
وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى: {وَإِنَّ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1) الآية.
ولكن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر إذا اجتنبتها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من
مواقعة امرأة فيكف نفسه عن الجماع ويقتصر على نظر ولمس لغير العورة. وأما إن كان عنيناً فامتنع بالعجز أو كان قادراً فامتنع لخوف أو لأمور أخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلاً، وكذلك من لا يشتهي الخمر فاجتنابه لا يكفر الصغائر التي هي من مقدماته، وكل هذا أحكام أخروية يجوز أن يكون بعضها من المتشابهات ولا يعرف تفصيلها إلا بالنص وقد ورد في بعضها أنها كبائر، وبقي الباقي على عمومه والله أعلم (2).
الباب الثالث
في شروط التوبة التي لا تقبل إلا بها
اعلم أن الكف عن الذنوب فرض واجب على الإنسان قال الله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ
الإِثْمِ وَبَاطِنَه (3). فإن قارف منها ذنباً فالفرض عليه التوبة منه والإقلاع؛ وذلك لأمرين:
نكتة
أحدهما: ليحصل له توفيق الطاعة / لأنه كيف يوفق للخدمة من هو مصر على [1/ 234] المعصية، وفي الحديث عن رسول الله الله هو أنه قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكثت في قلبه سوداء، فإن هو فزع واستغفر صفت، وإن هو عاد زيد فيها حتى يغلق قلبه (4). . وهو الران الذي ذكره الله تعالى: {كَلاً بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (5). وفي حديث عمر رضي الله عنه: الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله الطابع فطبع على القلوب بما فيها (6).
(1) سورة النساء الآية: 31.
(2) راجع إحياء علوم الدين (22/ 4). (3) سورة الأنعام الآية: 120.
(0) ,
(4) أطراف هذا الحديث عند الترمذي في الجامع الصحيح (3334)، المنذري في الترغيب والترهيب (469/ 2)، (92/ 4)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (229/ 7)، المتقى الهندي في كنز
(10189)
(5) سورة المطففين الآية: 14.
العمال
(1) أخرجه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر وهو منكر. قاله العراقي في المغني
(52/ 4) (2/191)
صفحة 648
[235/ب]
192
قنطرة التوبة
وفي حديث مجاهد: القلب مثل الكف المفتوحة، فكلما أذنب [العبد] (1) ذنباً انقبضت أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فتشتد (2) على القلب فذلك هو الطبع (3) (4). وعن الحسن أنه قال: إن بين العبد وبين الله حداً في المعاصي معلوماً إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه بعدها بخير.
وعن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: كل كبيرة يختم بها على قلب صاحبها، قال الله سبحانه: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب (5). قيل: معناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن تندم عليها أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فيعسر محوه، ولذلك قال عليه السلام: «اتبع السيئة الحسنة تمحها (6).
ويمحو
وقال لقمان لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغته. وقال الله تعالى: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (7).
(7)
وفي كتاب محجة السعادة قال: سارعوا بالتوبة عن عصياني واعرفوا مني إحساني تستوجبوا جنتي ورضواني. قال: وفي بعض الأثر: أن الله تبارك وتعالى لما أمر الماء أن يخرج لهلاك قوم نوح عليه السلام، فالذي بادر من الماء وسارع جعله الله عذباً ينتفع به إلى يوم القيامة، والذي لم يبادر ولم يسارع جعله الله أجاجاً وزعاقاً. ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان
عظيمين.
بين
خطرين
أحدهما: أن تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه حتى / يصير ريناً وطبعاً فيعسر محوه.
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (52/ 4).
(2) في الإحياء: يسد. (3) في الأصل: القفل والتصويب من الأحياء.
(4) قلت: هكذا قال المصنف - الغزالي - وفي حديث مجاهد وكأنه أراد به قول مجاهد وكذا ذكره المفسرون من قوله وليس بمرفوع، وقد رويناه في شعب الإيمان للبيهقي من قول حذيفة، قاله العراقي في المغني
(52/ 4)
(5) سورة النساء الآية: 17.
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (153/ 5، 158، 228، 236)، والدارمي في السنن (323/ 2)، أبي نعيم في حلية الأولياء (376/ 4)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (512/ 5)، (319/ 7). (7) سورة آل عمران الآية: 33. (2/192)
صفحة 649
قنطرة التوبة
193
والثاني: أن يعاجله المرض والموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الآنَ) (1)
الآية.
وفي الخبر: إن أكثر صياح أهل النار من التسويف فما هلك من هلك إلا بالتسويف. والثاني من الأمرين تلزمه التوبة لتقبل طاعته عنه فإن رب الدين لا يقبل الهدية، وذلك أن التوبة من المعاصي، وارضاء الخصوم فرض لازم، فمتى ما أصر على المعصية فهو كافر مردود عليه عمله، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (2). فمن ركب كبيرة كفر في وقت
(2)
ركوبه، ومن ركب ما دونها فإنما يكفر بالإصرار وترك التوبة لا بركوبه.
وقد قال عليه السلام: هلك المصرون». وتحبط بذلك جميع طاعته، ولكنه إذا تاب رجونا أن يرد الله عليه صالح عمله وأيضاً فإن التوبة منجاة من عاجل العقوبة في الدنيا. وقد روي عنه لهم من طريق علي بن أبي طالب أنه قال: «الذنوب التي تغير النعم البغي، والتي توجب الندم القتل والتي تعجل النقم الظلم، والتي تذهب الفهم شرب الخمر، والتي تحبس الرزق الزنا، والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم والتي تحجب الدعاء عقوق الوالدين، والتي تبتر العمر ترك الصلاة والتي تورث الذل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». والله
أعلم.
فصل
وأما توبة اللسان فبالاستغفار، قال الله سبحانه وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا) (3). وقال: (وأن أسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (1).
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وهو إستغفار بالقلب واللسان. ويقال: لكل شيء نور ونور المذنبين الاستغفار. وعنه أنه قال لزوجته زينب: هل أعلمك كلمات / تجوزين بهن يوم القيامة على [1/ 236] الصراط». قالت: هذا الذي أريده منك يا رسول الله. قال: قولي اللهم إني استغفرك من كل
(1) سورة النساء الآية: 18.
(2)
سورة المائدة الآية: 27.
(3) سورة نوح الآية: 10. (4) سورة هود الآية: 3.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 13 (2/193)
صفحة 650
142
قنطرة التوبة
ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه، واستغفرك مما أعطيتك من نفسي ثم لم أوف به لك، واستغفرك من كل خير أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، واستغفرك من النعمة التي أنعمت بها علي فتقويت بها على معصيتك. فإن كان أحد من الناس اطلع على ذلك الذنب منه، فعليه إظهار التوبة له حتى يحسن به الظن ويتولاه.
وقد قال عليه السلام لمعاذ بن جبل في بعض عهوده إليه يعرفه التوبة ويبين له صفاتها: السر بالسر والعلانية بالعلانية (1). فهذا يدل على أن التائب من الذنب الذي لم يطلع الناس عليه لا يجور له إظهاره لغيره ويعترف بينه وبين خالقه بالاستغفار منه والندم عليه والاعتقاد لترك العودة إلى مثله، ويعني بالاستغفار طلب الغفران بصحة الإرادة والله أعلم.
فصل
والتوبة في نفسها ومعناها: الانقلاع عن الذنب، وترك العودة إليه، وتوطين النفس على تركه، ويجمعها ستة شروط، كما روي أن ابن المبارك سمع رجلاً يقول: استغفر الله. فقال له: أما علمت أن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين قال له: وكيف ذلك؟ قال: إن
للاستغفار است علامات:
أولها: الندم على ما مضى.
والثانية:: أن تعتقد بقلبكم أن لا تعود إلى ذنب أبداً.
والثالثة: أن تؤدي إلى كل ذي حق حقه.
والرابعة: أن تعيد الفرائض التي ضيعتها.
والخامسة: أن تعمد إلى البدن الذي ربي بالسحت فتذيبه بالهموم والأحزان. والسادسة: أن تذيقه ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك قل: استغفر الله.
أما
الندم فهو توجع القلب على ما فرط في الطاعة وفرط منه من الغفلة والانهماك في [237/ب] الخطيئات، فكلما طال خوفه وكثر / تألمه كان ذلك أقرب لتنظيفه من أوساخ السيئات. وعلامات صحة الندم: رقة القلب وغزارة الدمع وفي الحديث: «جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة (2). فإذا صح الندم أورث ترك الذنوب في الحال وعزم على أن لا يعود ود إليها في
(1)
رواه البيهقي في الشعب من حديث معاذ، وفيه رجل لم يسم ورواه الطبراني من رواية عطاء بن يسار عن معاذ ولم يلقه بلفظ: أو ما عملت من سوء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر. ..... الحديث. قاله العراقي في المغني (47/ 4).
(2) لم أجده مرفوعاً، وهو من قول عون بن عبد الله رواه ابن أبي الدنيا في التوبة، قال: «جالسوا التوابين فإن = (2/194)
صفحة 651
قنطرة التوبة
195
المال. وأما عقد القلب على ترك الذنب في المستقبل فغرض لازم، وهو أن يعقد مع الله عقداً مؤكداً أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وهذا العزم يتأكد في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني الأحوال، ولكن لا يكون تائباً ما لم يتأكد عزمه في الحال. فعلى العبد العزم والصدق وعلى الله الإتمام، فإن تم على عزمه في الاستقبال فهو الموفق حقاً، ولا يتصور أن ذلك للتائب في أول مرة إلا بالعزلة والصمت
وقلة الأكل والنوم.
لم يبتل بها.
يتم
وقال بعض علماء السلف من صدق في ترك شهوته وجاهد نفسه الله تعالى سبع مرات
وقال بعضهم: من تاب من ذنب واستقام عليه سبع سنين لم يعد إليه أبداً، وإن نقض
أن
التوبة مرة أو مراراً، ثم حملته الإرادة على تجديدها، فقد يكون مثل هذا كثيراً فلا ينبغي يقطع رجاؤه عن التوبة، وقد قال النبي عليه السلام: ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم
سبعين مرة. وهو عبارة عن الاستغفار بالقلب.
الله
وعن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أذنب ثم أتوب. قال: إذاً يتوب | عليك». قال: ثم أذنب، ثم أتوب؟ قال: «إذا يتوب الله عز وجل عليك». قال: ثم أذنب ذنباً آخر، ثم أتوب. قال: إذاً يتوب الله عليك، ولن يمل الله حتى تملوا».
وعنه من طريق علي أنه قال: خياركم كل مفتن تواب (1). أي كثير الابتلاء بالذنب
كثير التوبة منه.
وقال سبحانه: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا) (2) الآية. وأما الخروج من الذنوب والتخلص منها فهي بالجملة ثلاثة أقسام: / أحدها: ذنوب بين العبد وبين الله تعالى مما لا يتعلق به حق مخلوق ولا ترك فرض [1/ 238] كالنظر إلى المحرم، والكذب الذي لا مظلمة فيه لأحد، وضرب المزامير واستماع الملاهي، وكالحسد والكبرياء والعصبية، وأكل الحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير، والأنجاس،
رحمة الله إلى النادم أقرب»، وقال أيضاً: «فالموعظة إلى قلوبهم أسرع، وهم إلى الرقة أقرب»، وقال أيضاً: التائب أسرع دمعة وأرق قلباً». قاله العراقي في المغني (34/ 4). (1) رواه البيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار
(44/ 4)
(2) سورة آل عمران الآية: 135. (2/195)
صفحة 652
[239/ب]
196
قنطرة التوبة
ودخول المسجد، وهو جنب ومس مصحف وقراءة القرآن مع جنابة، واعتقاد بدعة وأشباه ذلك من شرب الخمر وغيرها مما لا يتعلق بمظالم العباد، فالتوبة منها بالندم والتحسر على ما مضى، والنزوع عنه في الحال والاضمار ألا يعود ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها ليمحوها، لقوله عليه السلام: «اتبع السيئة الحسنة تمحوها (1).
(2)
وقوله تعالى: (إن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (2).
ويكفر سماع الملاهي بسماع القرآن ومجالس الذكر، ويكفر القعود في المسجد جنباً بالاعتكاف فيه على العبادة، ويكفر مس المصحف جنباً بإكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه، ويأن يكتب مصحفاً ويجعله، وقفاً، وهكذا سائر الذنوب يكفر كل معصية بما يناسبها من
الطاعات.
وفي بعض آثار مشايخنا من أهل الجبل الله أن إذا عمل كبيرة فعليه مغلظة رحمهم التوبة والاستغفار والله أعلم.
مع
القسم الثاني من الذنوب: هو ترك واجبات الله تعالى من صلاة أو صوم أو زكاة أو كفارة أو غيرها فإن ترك صلاة واحدة أو أكثر، أو صلى بثوب نجس، أو على غير وضوء، أو قبل الوقت، أو بغير نية أو بإخلال شرط من شروطها أو ركن من أركانها مما يطول شرح تلك
النواقض والمفسدات فعليه قضاء ذلك كله مع الكفارة المغلظة إذا تركها عمداً.
وأما الصوم: فإن كان تركه في سفر، ولم يقضه، أو أفطر عمداً، أو ترك الغسل / من الجنابة عمداً حتى أصبح أو في النهار مقدار ما يغتسل فيه أو أفسد بالجماع نهاراً أو بالاستمناء عمداً ولم يعقد له نية فعليه قضاء مع الكفارة إن أفسده بالإفطار، أو بالجماع، أو بالاستمناء
عمداً و ا والله أعلم.
:
وأما الزكاة فإن لم يؤدها جهلاً، أو تسويفاً، أو أداها إلى غير مستحقها، أو أخرج من ماله بما لا يجزي عنه في الزكاة فعليه الإعادة إلى مستحقها في جميع ذلك، وإن حضره الموت
فليوص بها.
وكذلك الحج: إن تركه بعد الاستطاعة أو أفسده ببعض مفسداته من جماع، أو ترك
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (153/ 5)، الدارمي في السنن (323/ 2)، وأبو نعيم في حلية
الأولياء (376/ 4)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (512/ 5).
(2) سورة هود الآية: 114. (2/196)
صفحة 653
قنطرة التوبة
197
وقوف بعرفة، أو طواف بالبيت فعليه الحج إن فرّط فيه بعد اللزوم، أو أفسده بعدما دخل فيه، وإن حضره الموت فليوص به وكذلك ما لزمه من كفارات الأيمان أو المغلظات أو الحنث بماله أو غير ذلك مما يطول شرحه.
والقسم الثالث: ذنوب بين العبد وبين غيره من الناس، وهي المظالم، وذلك أصعبها على الإنسان وهي في خمسة أشياء في المال والنفس والعرض والدين فلا تقبل توبته إلا هذه المظالم إلى صاحبها باتفاق العلماء، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أخطأ أحدكم
بالتنصل من
خطايا حتى
تملأ ما بين السماء والأرض ثم تاب تاب الله عليه إلا من كانت معه مظلمة لأحد
من الناس فإنه لا.
له پردها» (1).
يستجيب حتى
أما المال فما لزمه من غضب أو خيانة أو غبن في معاملة بنوع غش أو تلبيس لتجويز در هم زائف، أو ستر عيب من المبيع أو منع أجرة أجير أو غير ذلك من أكل مال الغير بالباطل. وليحاسب نفسه على الحبات والذرات من أول يوم جنايته إلى يوم توبته، قبل أن يحاسب في القيامة وليناقشها قبل أن يناقش فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه، فإذا عرف مجموع ما عليه بظن غالب فليؤد إلى كل ذي حقه حقه فإن لم يعرف أرباب المظالم [1/ 240] فليتصدق بما عليه على الفقراء، وإن كان معدماً فعليه الاعتراف لأرباب المظالم ويسعى
ويجتهد وينوي الرد متى يجد.
من
عاقلته
وأما النفس فإن قتلها خطأ فتوبته تسليم الدية إلى ولي المقتول، إما منه أو وتحرير قبة، وإن كان عمداً موجباً للقصاص فعليه التوبة والتعريف إلى ولي الدم وتحكيمه في روحه فإن شاء عفى عنه وإن شاء قتله، وإن عفى عنه على أن يعطى الدية فليؤدها له مع تحرير رقبة مؤمنة، وإن عفى عن الدية فعليه تحرير رقبة مؤمنة، ولا يجوز له أن يخفى ذلك عن ولي الدم. وليس هذا كما لو زنا أو سرق أو قطع الطريق، أو شرب الخمر أو باشر ما يجب به حد الله، فإنه لا يلزمه فيه أن يفضح نفسه ويهتك ستره، بل عليه أن الله بستر بستر ويقيم حداً الله على نفسه بأنواع المجاهدة والتعذيب، فالعفو في محض حقوق الله قريب من التائبين المحسنين، وإن أبى ولي الدم أن يقتص منه ولا أن يعفو عنه فليعتق رقبة مؤمنة، وليبتهل إلى الله تعالى أن يرضيه عنه: يوم القيامة.
(1) أطراف الحديث عند ابن ماجه في السنن (4248)، أحمد في المسند (238/ 3)، المنذري في الترغيب والترهيب (90/ 4)، العجلوني في كشف الخفا (217/ 2)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (524/ 8). (2/197)
صفحة 654
198
قنطرة التوبة
وقد ابتلى بعض أصحابنا من المسلمين بمثل ذلك حين قتلوا إخوانهم من الموالي بأمر الفاسق ابن زياد، فطلبوا أولياء الموالي أن يستفيدوا منهم فأبوا وقالوا: تلقونهم عند الله وقد كان منهم قريب والزحاف، فلما أعياهما الأمر خرجا في سبيل الله فكانا فيما يزعمون يقول أحدهما كلما ضرب منه عضو: اللهم عضو بعضو حتى قتلا رحمهما الله.
فالتنصل من
?
يستحق ذلك،
وأما العرض: فإن قذف أحداً، أو شتمه أو اغتابه، أو بهته وهو ذلك أن يكذب نفسه بين يديه ويستحله إن لم يخف من ذلك زيادة شراً وتهيج غيظ، وإن خاف من ذلك فليتودد إليه بأحسن الثناء وإظهار المحبة له والشفقة عليه حتى يستميل قلبه ونسخو نفسه بالاحلاك، فإن أبى وامتنع كان تلطفه به واعتذاره إليه من جملة حتى يجبر يوم القيامة كمن اتلف مالاً فجاء بمثله فامتنع
مظلمته
حسناته. وليكثر من ذلك صاحبه عن القبول له وعن الإبراء، فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أو أبي كذلك يحكم يوم القيامة أحكم الحاكمين والله أعلم.
وجه لإظهار
وأما الحرمة: فإن خانه في أهله أو ولده أو أمته أو دابته أو نحو ذلك فلا ذلك والاستحلال منه؛ لأنه يولد فتنة وشراً ويهتك عن نفسه ستراً، بل يغرم الصداق للمرأة البالغة إن كانت مكرهة وعقر الأمة لسيدها، وصداق الصبية أو المجنونة لوليهما على الرضى والكراهية. وقد قال بعض تذبح البهيمة ويغرم الناكح قيمتها والله أعلم بذلك.
وقيل: ناكح الصبي في الدبر يغرم صداق الثيب والله أعلم فإذا تاب وأدى ذلك رجونا له التوبة إن شاء الله تعالى.
وأما الدين فإن أكفره أو ضلله بإتباعه إياه على بدعته فهو أصعب الأمر فلا بد له أن يكذب نفسه بين يدي من شرع له بدعته ويستحل منه إن أمكنه وإلا فالابتهال إلى الله سبحانه والتضرع إليه جداً، والتندم إليه لعله يرضيه عنه. يوم القيامة.
وفي كتاب الغزالي قال: وفي الإسرائيليات أن عالماً كان يضل الناس بالبدعة ثم أدركته توبة فعمل في الإصلاح دهراً فأوحى الله إلى نبيهم: قل له: إن ذنبك لو كان بيني وبينك لغفرته لك، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: ويل للعالم من الاتباع يزل زلة فيرجع عنها فيتحملها الناس فيذهبون بها في الأفاق بهذا لك أن أمر العلماء مخطر فعليهم في الذنب خصلتان: أحدهما: ترك الذنب.
يبين (2/198)
صفحة 655
قنطرة التوبة
199
والآخر:: إخفاؤه، فكما تتضاعف أوزارهم على الذنوب والبدع إذا اتبعوا عليها كذلك تتضاعف حسناتهم إذا اتبعوا عليها والله أعلم (1)
فصل
ومن كتاب حياة القلوب ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم / من طريق الفضل بن عباس أنه خطب [1/ 242]
هو، وأنه قد دنا
مني
خفوق
بين
الناس فقال: «أما بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا. أظهركم فمن كنت جلدت له ظهراً فليستقدمني ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذه، ولا يقولن رجل إني أخشى من قبل رسول الله الله إلا وأن الشحناء ليست من طبيعتي ألا وأن أحبكم إلي من أخذ إن كان له أو حاللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغن عني شيئاً حتى أقوم فيكم مراراً».
قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد لمقالته. فقام رجل فقام: يا رسول الله إن لي عليك ثلاثة دراهم فقال: «أما أنا أكذب قائلاً ولا أستحلفه فبم كانت لك عندي»؟ فقال: يا رسول الله أتذكر يوم مر عليك مسكين فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم. فقال: «أعطه يا فضل». وأمره فجلس ثم قال: أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقول: فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة. فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله وكنت إليها محتاجاً. فقال: «خذ منه يا فضل (2).
وبالجملة فأكثر ما يدخل الموحدين النار مظالم العباد؛ لأنه الذنب الذي لا يترك. وأما غيرها من الذنوب فمرجوة مغفورة إن شاء الله لمن استعمل التوبة والاستغفار وسلم مذهبه من البدعة والإصرار، قال الله تعالى سبحانه وتعالى: (خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّءٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ (3).
وأما مظالم العباد فلا بد من التخلص منها، وقد جاء في الحديث: «إن العبد ليوقف بين يدي الله سبحانه وتعالى وله من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لدخل الجنة، فيقوم أصحاب المظالم فيكون قد سب عرض هذا، وأخذ مال هذا حتى لا تبقى له حسنة» (4).
راجع إحياء علوم الدين للغزالي (31/ 4، 32).
(2) أطراف الحديث عند الذهبي في ميزان الاعتدال (6855)، وابن حجر في لسان الميزان (1454/ 4). (3) سورة التوبة الآية: 102.
(4) طرفه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (562/ 8)، (27/ 10). (2/199)
صفحة 656
200
قنطرة التوبة
وهذا الحديث موجود عن ضمام بن السائب رحمه الله وفيه زيادة في كتب قومنا،
[243/ب] وذلك أن الملائكة / تقول: يا ربنا قد فنيت حسناته وبقي الطالبون كثير. فيقال: «ألقوا من سيئاتهم على سيئاته وصكوا به صكاً إلى النار، والله أعلم.
[244/ب]
فصل
وفي الأثر ما يدل على أن الذنب إذا اتبع بثمانية أشياء كان العفو عنه مرجواً أربعة من القلب وهي: التوبة والعزم عليها وحب الإقلاع عن الذنب وخوف العقاب عليه، ورجاء المغفرة له بعد التوبة وأربعة من أعيان الجوارح وهو أن يصلي عقب الذنب ركعتين بعد الغسل الثيابه والتطهر لبدنه في موضع. خال.
وفي بعض الأثر أربع ركعات ثم يستغفر الله بعدها سبعين مرة، ويقول: سبحان الله
العظيم ويحمده مائة مرة ثم يتصدق بصدقة ويصوم شهرين أو ما قدر عليه.
وفي الخبر: «فإذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تكفرها السر بالسر والعلانية بالعلانية (1). ولذلك قيل: صدقة السر تكفر ذنوب الليل وصدقة الجهر تكفر ذنوب النهار. وينبغي أن يكثر البكاء، ويتمرغ في التراب ويذكر ذنوبه واحداً واحداً، ويوبخ نفسه عليها، ويقول: أما تستحين يا نفسي، أما آن لك أن تتوبين؟ ألك طاقة بعذاب الله؟ ألك حاجة بسخط الله؟ في مثل هذا كثير. ويقول: إلهي عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصي رجع إلى الصلح، عبدك المذنب أتى بالعذر، فاعف عني بجودك، وتقبلني بفضلك وانظرني برحمتك، اللهم اغفر لي ما سلف من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من الأجل، فإن الخير كله بيدك، وأنت بنا رؤوف رحيم ثم يدعو بدعاء ذكر أنه دعاء الشدة وهو: يا مجلي عظائم الأمور، ويا منتهي المهمومين، ويا من إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون أحاطت بي ذنوبي، أنت المدخور
لها يا مدخور كل شدة كنت ادخرتك لهذه الساعة، فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم.
فصل
همة
ويقال: التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثراً من المعصية لا سراً ولا جهراً. ويقال: علاستها / ثلاثة أشياء: مخالفة الهوى وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ.
بن يسار عن
(1) رواه البيهقي في الشعب من حديث معاذ وفيه رجل لم يسم ورواه الطبراني من رواية عطاء بـ معاذ ولم يلقه بلفظ: «وما عملت من سوء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر ..... الحديث. قاله العراقي في المغني (47/ 4). (2/200)
صفحة 657
201
قنطرة التوبة
ولا تقبل التوبة ما لم تكن فيها ثلاثة شروط خوف أن لا تقبل ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات، ولها ثلاث مقامات: الندم والاستغفار والحقيقة.
ومعنى الندم: هو عزم التحول بوجود مرارة المعاصي والاستغفار: طلب الغفران
بصحة الإرادة والحقيقة في الرجوع إلى الله عز وجل. ويقال: من علامات التوبة النصوح أن يتمكن العبد من ذنب تاب منه عشر مرات مع وجود الأسباب ثم يعتصم من ركوبه.
وعن أبي المؤثر أنه قال: إذا قال العبد لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، رب إني عملت سوء وظلمت نفسي، فإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت تبت إلى الله، واستغفر الله من كل سيئة مكروهة عند الله تعالى.
قال أبو المؤثر: إذا قال هكذا فقد تاب كما وصفنا ثم نقض التوبة هو والله أعلم.
مسألة
فإن تاب كما وصفنا ثم نقض التوبة فأعاد إلى الذنب ثانياً، فليعد التوبة مبادراً، وليقل لعلك أن تموتي قبل أن تعودي إلى الذنب هذه المرة، وكذا ثالثاً ورابعاً، فكما لنفسه: توبي اتخذ الذنب والعودة إليه، حرفة فليتخذ التوبة والعودة إليها، حرفة ولا يأس ولا يمنعه الشيطان
من التوبة. بسبب ذلك؛ فإنه دلالة الخير أما تسمع قوله صلى الله عليه وسلم: خياركم كل مفتن تواب (1). أي كثير الابتلاء بالذنب كثير التوبة منه، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ يَجِدُ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيْما (2).
وعن يحيى بن معاذ أنه كان يقول: إلهي لا أقول لا أعود لما أعرف من خلق، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعلم من ضعفي، ثم أنا أقول: لا أعود لعلي أموت قبل أن أعود والله
أعلم.
ويقال: إن من علامة التوبة الصادقة أن تتمكن مرارة تلك الذنوب من قلب التائب كما تتمكن فيه قبل ذلك حلاوتها فيستبدل / بالميل كراهية وبالرغبة نفرة.
ويروى في الإسرائيليات أن الله تعالى قال لبعض أنبيائه عليهم السلام وقد سأله
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف، قاله العراقي في المغني (44/ 4). (2) سورة النساء الآية: 110.
عن
[1/ 245] (2/201)
صفحة 658
202
قنطرة التوبة
(1)
قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في العبادة، ولم ير قبول توبته، فقال: وعزتي وجلالي لو شفع في أهل السموات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه) وقال بعض علماء السلف: أول ما يؤمر به التائب بعد الندامة والإقلاع أن يتحول عن الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة الموجودة في العلم قال: ولا تصح له التوبة مع ذلك حتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصح له الخلوة إلا بأكل الحلال، ولا يصح له أكل الحلال إلا بأداء حق الله، ولا يصح له أداء حق الله إلا بحفظ الجوارح، ولا يصح له ما ذكرنا إلا
بعون الله وتوفيقه.
(2)
وعن يحيى بن معاذ (2) أنه قال: من أراد إدامة التوبة إذا ظفر بها فليلزم ثلاثة أشياء وليدم عليها أن لا يأخذ من الدنيا إلا حلالاً، وليلزم صيام النهار وقيام الليل، وليلزم رجلاً عالماً دليلاً مشفقاً والله أعلم. وينبغي له أن يهجر إخوان السوء وإن لم يفعل أو شك أن يشوشوا عليه صحة عزمه ويردوه على عقبيه ناقضاً توبته وما عزم عليه والله المستعان.
طبقات:
الباب الرابع
في بيان أقسام التائبين في دوام التوبة
قال الله تعالى: (تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا) (3). ويقال: الناس في التوبة على أربع
الطبقة الأولى: أن يتوب كما قدمنا ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ولا يحدث نفسه بالعودة إلى ذنوبه إلا الزلات التي لا ينفك العبد عنها في العادة. فهذه هي التوبة النصوح
(1) راجع إحياء علوم الدين (34/ 4).
(2)
يحيى بن معاذ الرازي الواعظ من كبار المشايخ له كلام جيد ومواعظ مشهورة. وعنه أنه قال: لست أبكي على نفسي إن ماتت إنما أبكي على حاجتي إن فاتت. لا يفلح من شممت رائحة الرئاسة منه.
مسکين ابن آدم قلع الأحجار أهون عليه من ترك الأوزار.
لا تستبطئ الإجابة وقد سدد طريقها بالذنوب.
الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهو يسألك عن جناح بعوضه.
الدرجات سبع: التوبة، ثم الزهد، ثم الرضى ثم الخوف ثم الشوق، ثم المحبة، ثم المعرفة.
الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/ 13).
(3) سورة التحريم الآية: 8. (2/202)
صفحة 659
قنطرة التوبة
203
وصاحبها هو السابق بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: سبق المفردون المستهترون بذكر الله تعالى وضع الذكر [عنهم] (1) أوزارهم فوردوا [246/ب] القيامة خفافاً» (2). وهذه إشارة إلى أنهم تحت أوزارهم وضعها الذكر عنهم.
النفس
الطبقة الثانية: أن يتوب ويسلك سبيل الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر المعاصي إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وتحرير قصد، ولكن يبتلى بها في مجاري بعض أحواله، ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على التشمر للاحتراز من أسبابها التي تعرضه لها. فهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة، والأولى المطمئنة، فهؤلاء أيضاً لهم حسن الوعد من الله سبحانه لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَبْئَاتِكُمْ ونُدْخِلَكُمْ مَدْخَلاً كَرِيما) (3). وإلى هؤلاء الإشارة بقوله عليه السلام: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين المستغفرون (4).
بالتوبة.
(r),
هي
وقال أيضاً: «المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعة (5). أي واه بالذنوب راقع
وفي خبر آخر: «المؤمن كالسنبلة تفيء أحياناً وتميل أحياناً، (6).
وفي خبر آخر لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفنية بعد الفنية) أي الحين بعد الحين قال الله سبحانه: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ (8). فما وصفهم بعدم السيئة أصلاً والله أعلم (9).
(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (43/ 4).
(2) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وحسنه قاله العراقي في المغني (43/ 4).
(3) سورة النساء الآية: 31.
(4) رواه الترمذي واستغربه والحاكم وصحح إسناده من حديث أنس وقال: «التوابون» بدل: «المستغفرون». قلت: فيه علي بن مسعدة ضعفه البخاري. قاله العراقي في المغني (44/ 4).
(5) رواه الطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث جابر بسند ضعيف، وقالا: فسعيد بدل فخيرهم. العراقي في المصدر السابق.
(1) رواه أبو يعلى، وابن حبان في الضعفاء من حديث أنس والطبراني من حديث عمار بن ياسر، والبيهقي في من حديث مرسلاً وكلها ضعيفة وقالوا: «تقوم بدل: «تفيء». وفي الأمثال للرامهرمزي إسناد
الشعب. جيد لحديث أنس. المصدر السابق.
(7) رواه الطبراني، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بإسناد حسن. المصدر السابق. (8) سورة القصص الآية: 54.
(9)
راجع في الطبعة الإحياء وهي فيه بتوسع (43/ 4، 44). (2/203)
صفحة 660
204
الذنوب
قنطرة التوبة
الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب فيفارقها عمداً لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعة، وتاركاً جملة من القدرة والشهوة، وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة، وهو عند الفراغ يتندم عليه ويقول يا ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها، لكنه تسول له نفسه، ويسوق لذلك التوبة، فهذا إذا كان الذنوب كبير فقد حبط عمله وإن كانت صغيرة أصر عليها [1/ 247] فقد هلك بالإصرار / ولم يبادر إلى التوبة والاستغفار لكنه تمادى على التسويف للتوبة، ويخشى أن يلقى الله تعالى قبل النزوع عن الخطيئة، فهذا هو التمادي الذي اتفق عليه المسلمون أنه من أهل الخزي والعقوبة إن اختطف قبل التوبة، وعلق أمره أهل الخلاف وحكمه على مشيئة الله، ولا يقطعون فيه بالتوبة ولا بالعقوبة ويشبه أن يكون هذا حال إخوة يوسف عليه السلام حين: قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ أَطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالحين) (1) أي تائبين والله أعلم (2).
(2)
الطبقة الرابعة: أن يتوب ويمضي على الاستقامة مدة ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة والتأسف على ارتكاب خطيئة بل ينهمك انهماك الغافل
في اتباع شهوته.
فهذا جملة من المصرين؛ لأن الفرق بين المتمادي والمصر أن المتمادي لم يعتقد أن يلقى الله تعالى على غير توبة ولكنه يرجوها يوماً ما، والمصر هو الذي عزم أن يلقى الله تعالى بغير توبة وكلاهما عند المسلمين هالكان، والمصر أعظم في القياس، وإن كان المتمادي مصراً أيضاً بظاهر اللغة؛ لأن الإصرار على الشيء التمادي عليه، وقد قال عليه السلام: «هلك المصرون (3). فعم ولم يخص والله أعلم (4).
الباب الخامس
في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار
اعلم أن السبب الباعث على التوبة هو الإيمان بأصل الشريعة، ومعناها: هو
(1) سورة يوسف الآية: 9.
(2) راجع في هذه الطبقة الإحياء (44/ 4، 45) وهي أوسع مما هنا.
(3) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (204/ 4).
(4) ذكر هذه الطبقة أيضاً الغزالي بأوسع مما هنا (45/ 4، 46).
أن يعلم (2/204)
صفحة 661
قنطرة التوبة
205
الإنسان علماً يقيناً أن للسعادة في الآخرة سبباً وهو الطاعة، وللشقاوة سبباً وهو المعصية،
ويعلم أنه لا بد من دليل يدله على فعل الطاعة وترك المعصية وهو الرسول عليه السلام، ويعتقد أن كل ما يقوله الرسول عليه السلام هو حق وصدق لا خلل فيه / ولا كذب. فإذا [248/ب] اعتقد ما قلنا فليلق سمعه إلى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والتحذير من الذنوب واتباع الهوى وليصدق بجميع ذلك تصديقاً لا يخالطه شك، وليكثر التفكر فيه حتى ينبعث منه الخوف الذي يقوى به على الصبر، وليكن أكثر استماعه إلى الآيات المشتملة على الذنوب التي ارتكبها ثم إلى الآيات التي تدله على الصبر على تركها. ثم العلم بكيفية تكفير ما سبق منها، وهذه علوم يختص بها أطباء الدين وهم العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام، والعاصي إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب وهو العالم، وإن كان لا يدري أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم الذي شاهد ذلك منه أن يعرفه ذلك وينكره عليه.
بل لا ينبغي له أن يصبر إلى أن يُسأل عنه، لكنه يتصدر لدعوة الناس وإرشادهم اقتداء بالأنبياء عليهم السلام الذين يطلبون الناس واحداً واحداً في الإبتداء ويرشدونهم إلى طريق الاهتداء؛ لأن مريض القلب بالجهل والذنوب لا يعرف مرضه كما أن الذي ظهر على وجهه برص ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره، وهذا فرض عين على العلماء، فإن العلماء لا يولدون إلا جهالاً فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع؛ فالدنيا دار مرض إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم ومرض القلب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل: إحداهن: أن المريض فيه لا يدري أنه مريض لاستيلاء الجهل عليه.
الثانية: أن عقوبته غير مشاهدة في الدنيا، بخلاف مرض البدن؛ فإن عاقبته موت تنفر منه النفوس وما بعد الموت غير، مشاهد فقَلَّت النفرة عن الذنوب، وإن علمها مرتكبها فلذلك تراه يتكل على فضل الله ويجتهد في علاج مرض البدن من غير إتكال.
الثالثة: فقد الطبيب؛ فإن الأطباء هم العلماء وقد / غلب عليهم اليوم الداء المهلك الذي [249/ب]
هو حب الدنيا، فلم يقدروا على تحذير الخلق منه؛ خوفاً من أن يقال لهم: ما بالكم تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عمّ الداء، وعظم الوباء، وانقطع الدواء، وهلك الخلق لفقد الأطباء، بل اشتغال الأطباء بفنون الإغواء، فصاروا فتنة على الخلق إلا من عصمة الله منهم وقليل ما هم، فَلَيَّتَهُم إذ لم ينصحوا، ولم يصلحوا، لم يغشوا، ولم يفسدوا، والله نسأله السلامة والتوفيق وأنّى نجدهما بغير سلوك الطريق. (2/205)
صفحة 662
206
قنطرة التوبة
وأما كيفية العلاج في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على التوبة من الذنوب فذلك أمر يتسع شرحه ولا يمكن استقصاءه ولكنا نشير إلى أربعة أنواع. النافعة في ترك المعاصي لمن
سبق له التوفيق.
هي
النوع الأول: أن يعظه العالم الذي هو من أهل الدين، ويخوفه بما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين وينذره بما ورد من الأحاديث وآثار الصالحين مثل قول النبي عليه السلام: ما من يوم طلع فجره، ولا ليلة غاب، شفقها إلا وملكان متجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، ويقول الآخر: يا ليتهم إذ خلقوا عملوا بما علموا (1). وفي حديث آخر: «تجالسوا فتذاكروا ما عملوا، فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا
بما علموا تابوا مما عملوا».
وقال بعض السلف: إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال وهو أمين عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها. وقال بعضهم: ما من عبد يعصي الله إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به واستأذن من السماء أن / يسقط عليه كسفاً. فيقول الله تعالى للأرض والسماء: كُفّا عن عبدي وأمهلاه، فإنكما لم تخلقاه، ولو خلقتماه لرحمتماه لعله يتوب إليّ فاغفر له لعله يستبدل صالحاً
[1/ 250] سقفه
فأبدله له حسنات.
قال: فذلك معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) (2) الآية.
والأخبار والآثار في ذم العاصيين ومدح التائبين كثيرة لا تحصى، فينبغي أن يستكثر الوعاظ منها على العاصي الجاهل حتى يرق قلبه لعله يوفق للتوبة على يديه، فيكون له أجر سبعين صديقاً كما ورد في الخبر والله أعلم
(3)
النوع الثاني: حكايات الأنبياء عليهم السلام وغيرهم من السلف الماضين وما جرى
(1) غريب لم أجده هكذا، وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردذوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف: إن الله ملكاً ينادي في كل ليلة: أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده ..... الحديث وفيه: «ليت الخلائق
لم يخلقوا، وإذ خلقوا علموا لماذا خلقوا فتجالسوا بينهم فتذاكروا. .... الحديث. قاله العراقي في
المغني (51/ 4).
(2) سورة فاطر الآية: 41.
(3) راجع إحياء علوم الدين (51/ 4). (2/206)
صفحة 663
قنطرة التوبة
207
عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم عليه السلام في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة.
حتى روي أنه لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته، فأخرج هو وزوجته من جوار رب العالمين إلى الدنيا دار التعب والهوان البين بعدما قيل له في الجنة: إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَطْمَؤُا فِيْهَا وَلَا تَضْحَى) (1).
(1) ,
وكذلك ما روي أن نوحاً عليه السلام لما قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ} (2) الآية. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) (3) إلى قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (1).
(t).
قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَلَا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ
الْخَاسِرِينَ) (0).
وقد روي أنه لم يرفع رأسه إلى السماء. بعد ذلك أربعين سنة حياءً من الله تعالى.
وروي
لأجل التمثال.
أن سليمان عليه السلام عوقب على خطيئته، وقد اختلفوا فيها ما
؟
هي
فقيل:
وقد روي أنه عبد في داره أربعين يوماً وقيل أن امرأة سألته أن يحكم لأبيها. فقال: نعم ولم يفعل. وقيل: / بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها، فسلب [251/ب] ملكه أربعين يوماً فهرب تائهاً على وجهه، وكان يسأل بكفه ولا يطعم فإذا قال: أطعموني فإني
سليمان بن داود شُح وضرب وحكي أنه استطعم من بيت امرأة فطردته وبزقت في وجهه.
وفي رواية أخرى فأخرجت عجوز جَرَّة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن أخرج له الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين (أيام العقوبة قال: فجاءت الطيور فعكفت على رأسه، وجاءت الشياطين والإنس والوحوش فاجتمعت حوله، واعتذر إليه بعض من جنى عليه. فقال: لا ألومكم فيما فعلتم من قبل ولا أخمدكم في عذركم؛ لأن هذا أمر كان من
السماء لا بد منه.
(1) سورة طه الآية: 118. (2) سورة هود الآية: 45.
(3) سورة هود الآية: 46.
(4) سورة هود الآية: 47.
(5) سورة هود الآيتان: 45 47. (2/207)
صفحة 664
208
قنطرة التوبة
وروي في الإسرائيليات أن رجلاً تزوج امرأة من بلد فأرسل عبده إليها يحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها واستعصم قال: فنبأه الله ببركة تقواه، فكان نبياً في بني إسرائيل.
وفي قصص موسى عليه السلام أنه قال للخضر عليه السلام بم أطلعك الله على علم الغيب؟ قال: بترك المعاصي لأجل الله.
وروي أن الريح كانت تسير بسليمان عليه السلام، فنظر إلى قميصه نظرة، وكان عليه قميص جديد فكأنه أعجبه، فوضعته الريح فقال: لِمَ فعلت ولم آمرك؟ قالت: إنما نطيعك إذا أطعت الله. وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر كالذي جرى ليونس وغيره من الأنبياء عليهم السلام، والمراد بها الاعتبار والاستبصار؛ ليعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار، وكيف يتجاوز عن غيرهم في الموبقات الكبار.
:
نعم كانت سعادتهم بأن عوجلوا بالعقوبة في الدنيا ولم يؤخروا إلى الآخرة، والأشقياء
إنما يمهلون ليزدادوا إثماً، فإن عذاب الآخرة أشد وأبقى.
فهذا أيضاً مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي
[1/ 252] التوبة لمن أراد الله إرشاده / وهداه (1)
النوع ا الثالث: أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو سبب خطاياه، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله تعالى في الدنيا أكثر؛ لفرط جهله.
فينبغي أن يخوف به، فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر كما تقدم
في قصة سليمان عليه السلام. وكما حكى الله تعالى في قصة يونس عليه السلام في قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (2). إلى قوله: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (3). ثم ذكر القصة إلى قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مَائَةِ أَلْفَ أَوْ يَزِيدُونَ) (4) الآية. فكل ذلك من
(2)
(3)
(1) راجع النوع الثاني كله في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (52/ 4، 53) بأوسع مما هنا.
(2) سورة الصافات الآية: 39
(3) سورة الصافات الآية: 147.
(4) سورة الصافات الآيات: 39 147. (2/208)
صفحة 665
قنطرة التوبة
209
شؤم الذنب، وقد يبلغ من شؤمه حتى قد يضيق على العبد رزقه بشؤم ذنوبه، وقد تسقط منزلته عن القلوب ويستولي عليه أعداءه قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِّنْ مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ) (1).
(Y),
وفي الحديث عن رسول الله له أنه قال: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (2). وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: إني لأحسب أن العبد ينسى العلم بذنب يصيبه. وفي الأثر: وذكر بعض العلماء أن ذلك هو معنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قارف ذنباً فارقه عقل لا يعود إليه أبداً».
وفي الأثر أن بعض القراء نظر إلى غلام بشهوة، فعوقب بنسيان القرآن.
وقال بعض السلف أيضاً: ليست اللعنة سواداً في الوجه، ونقصاناً في المال، وإنما اللعنة الطرد، والإبعاد، فإذا لم يوفق للخير، ويسر له الشر فقد أبعد والحرمان من زرق التوفيق أعظم حرماناً، وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف الوزر عليه، فيحرم العبد به التوفيق ومجالسة الصالحين، فتتراكم الذنوب على قلبه فيطبع عليه بطابع الهالكين.
وحكي عن بعض العارفين أنه كان يمشي في وسط الوحل جامعاً ثيابه متحرزاً حتى زلقت رجله وسقط، فقام وهو يمشي في وسط / الوحل ويبكي ويقول: هذا مثل العبد لا يزال [253/ب] يتوقى الذنوب وبجانبها حتى يقع في ذنب وذنبين فعندها يخوض الذنوب (3) خوضاً وهو إشارة إلى أن الذنب يتعجل عقوبته بالانجرار إلى ذنب آخر.
وقال بعض العلماء: ما انكرت من تغيير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك. وقال بعضهم: إني لأعرف العقوبة حتى في، فاريتي، وبعضهم يقول: أعرف العقوبة من ذنبي في سوء خلق حماري.
وقال بعض العلماء: إن العبد ليذنب ذنباً إلا ويسود وجه قلبه، فإذا كان سعيداً ظهر السواد على ظاهره لينزجر، وإن كان شقياً أخفي عنه حتى ينهمك ويستوجب النار.
(1) سورة الشورى الآيات: 30.
(2) رواه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده واللفظ له إلا أنه قال: «الرجل». بدل: «العبد». من حديث ثوبان قاله العراقي في المغني (53/ 4).
(3)
في الأصل: الذنب وهو تحريف من الناسخ والتصويب من الإحياء.
قناطر الخيرات ج/ 2 م/14 (2/209)
صفحة 666
210
قنطرة التوبة
والأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره، بل من شؤم الذنب
في الدنيا، على الجملة أن يكتسب به العبد ما يبعده عن ربه، فإن ابتلي بشيء كان عقوبة عليه ويحرم جميل الصبر فيتضاعف شقاؤه، فإن أصابته نعمة كان إستدراجاً له، ويحرم جميل الشكر فيعاقب بقرائن الأحوال على خفايا الصفات فيتعرض لما وقف عليه من ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له رجل: أوصني ولا تكتم علي قال: «لا تغضب» (1). وقال الآخر: أوصني. فقال: عليك باليأس بما في أيدي الناس، فإن ذلك هو الغنى، وإياك [1/ 254) والطمع، فإنه الفقر الحاضر، / وصل صلاة مودع، وإياك وما تعتذر منه (2). وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. فقال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة. فقال: كيف لي بذلك؟ فقال: إلزم الزهد في الدنيا فكأن النبي عليه السلام توسم في السائل الأول مخائل الغضب، فنهاه عنه، وفي الآخر مخائل الطمع في الناس وطول الأمل، فأمره بترك ذلك، وتخيل محمد بن واسع في السائل مخائل الحرص في الدنيا. وقال رجل لمعاذ: أوصني. فقال: كن رحيماً أكن لك بالجنة زعيماً. فكأنه تفرس فيه أثر الفظاظة والغلظة.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: أوصني فقال: إياك والناس، وعليك بالناس، ولا بد من الناس؛ فإن الناس هم الناس وليس كل الناس بالناس ذهب الناس وبقي النسناس وما أراهم بالناس، بل غمسوا في ماء الناس. وكأنه تفرس فيه آفة المخالطة، أو أخبر عما كان هو الغالب على حاله في وقته أو كان أذاه بالناس فالكلام على قدر حال السائل أولى
يكون بحسب حال القائل.
من
أن
وروي أن معاوية كتب إلى عائشة رضي الله عنها: أن اكتبي لي كتاباً توصيني فيه، فكتبت
إليه: من عائشة إلى معاوية سلام عليك.
(F),
أما بعد، فإني سمعت رسول الله يقول: من التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن التمس رضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس (3). والسلام عليك. انظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التي تكون الولاة مشتغلة بها، وهو مراعات الناس
وطلب مرضاتهم.
(1) قال العراقي في المغني (161/ 3) تعليقاً على نحوه في الإحياء رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني في والأوسط بإسناد حسن.
(2) رواه ابن ماجه قاله العراقي في المغني (54/ 4).
(3) رواه الترمذي والحاكم وفي مسند الترمذي من لم يسم قاله العراقي في المغني (55/ 4).
الكبير (2/210)
صفحة 667
قنطرة التوبة
211
وكتبت مرة أخرى: أما بعد فاتق الله؛ فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس، وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك. من الله شيئاً، والسلام عليك. فإذا على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية، وتوسم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم، فإن حكاية جميع مواعظ / الشرع مع كل أحد غير ممكن. والاشتغال بالوعظ بما هو مستغنى عنه: تضيع زماناً، [255/ب] وإن كان الواعظ يتكلم في جمع)، أو سأله من لا يدري باطن حاله إن يعظه، فليقصد إلى المواعظ التي تشترك كافة الخلق في الحاجة إليها إما على العموم وإما على الأكثر فإن في علوم الشرع أغذية وأدوية، فالأغذية للكافة والأدوية لأرباب العلل.
(1)
ومثاله ما روي أن رجلاً قال لأبي سعيد الخدري: أوصني. فقال: عليك بتقوى الله؛ فإنه رأس كل خير وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام وعليك بالقرآن فإنه نور لك في أهل الأرض وذكر لك في أهل السماء، وعليك بالصمت إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان. وقال رجل للحسن: أوصني. فقال: أعز أمر الله يعزك الله. وقال لقمان لابنه: يا بني زاحم العلماء بركبتك ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وأنفق فضول تكسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالاً؛ وعلى أعناق الرجال كلاً، وصم صوماً يکسر شهوتك ولا تصم صوماً يضر صلاتك؛ فإن الصلاة أفضل من الصوم، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين. وقال أيضاً لابنه: لا بني لا تضحك من غير عجب، ولا تمش من غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك؛ فإنه مالك ما قدمت ومال غيرك ما تركت يا بني إن من يرحم يُرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير
ا.
يغنم، ومن يقل الشر يأثم ومن لا يملك لسانه يندم. وقال رجل لأبي حازم: أوصني. فقال: كل ما لو جاءك الموت عليه رايته غنيمة فالزمه وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه. وقال موسى للخضر عليهما السلام أوصني. فقال له كن بساماً ولا تكن غضاباً، وكن نفاعاً ولا تكن ضراراً، وانزع عن اللجاجة، ولا تمش من غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخاطئين بخطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. وقال رجل [256/ب] لمحمد بن حازم ـ فيما بلغنا -: أوصني. فقال: اجتهد في رضاء خالقك بقدر ما تجتهد في
رضاء نفسك.
ويروى أن رجلاً قال لحامد اللفاف: أوصني. فقال: اجعل لدينك غلافاً كغلاف
(1) في الأصل: جميع. وهو سهو من الناسخ والتصويب من إحياء علوم الدين (55/ 4). (2/211)
صفحة 668
212
[1/ 257]
قنطرة التوبة
المصحف لئلا تدنسه الآفات قال: وما غلاف الدين؟ قال: ترك طلب الدنيا إلا ما لا بد منه، وترك كثرة الكلام إلا ما لا بد منه، وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فخف ما خوفك الله، واحذر ما حذرك الله، وخذ مما في يدك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن أيضاً يسأله أن يعظه فكتب إليه .. أما بعد، فإن الهول العظيم، والأمور المفظعات أمامك، ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما
بالعطب.
واعلم أن من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجى، ومن أطاع هواه، ضل، ومن حلم غنم، ومن خاف أمن ومن أمن اعتبر، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، فإذا زللت فارجع إذا ندمت فاقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فامسك. قال: وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من لا عقل له وبها يغتر من لا علم عنده فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى علي بن أرطأة.
أما
بعد، فإن الدنيا عدوة أولياء الله وعدوة أعداء الله، أما أولياء الله فغمتهم، وأما
أعداؤه فغرقتهم.
وكتب أيضاً إلى بعض عماله: أما بعد فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد، فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك.
واعلم أنك لا تأتي / إلى الناس شيئاً إلا كان زائلاً عنهم باقياً عليك، واعلم أن الله تعالى آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام. فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة، ووعظ من لا يدري وخصوص، واقعته فهذه المواعظة كالأغذية التي تشترك الكافة في الانتفاع بها، وإذا كان طلب الطبيب أول علاج المرض، فطلب العلماء أول علاج العاصين، فهذا أحد أصول العلاج وأركانه (1).
الأصل الثاني: الصبر فإنه لا بد للعاصي أن يعالج مرارة الصبر على المعاصي فإن كان
(1) راجع النوع الثالث بأتم مما هنا في إحياء علوم الدين (53/ 4، 56). (2/212)
صفحة 669
قنطرة التوبة
213
شاباً لا يقدر على حفظ جوارحه من غلبة الشهوة عليه فإنه ينبغي له أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يتفكر في الآيات والأخبار المخوفة التي جاءت فيه من كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام. فإذا اشتد خوفه فليتباعد عن الأسباب المهيجة لشهوته.
ومهيج الشهوة من خارج هو حضور المشتهي والنظر إليه وعلاجه الهرب والعزلة. ومن داخل: هو تناول لذائذ الأطعمة، وعلاجه الجوع والصوم الدائم كما قال عليه السلام: معاشر الشبان من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فليصم؛ فإنَّ الصوم له
وجاء (1)
وهو كناية عن كسر الشهوة، والعزلة، والصوم لا يتمان إلا بصبر، ولا إلا عن يصبر خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار، وعن سماع وتقليد، فأول الأمر حضور مجالس الذكر، ثم الاستماع من قلب مجرد عن الشواغل، مصروف إلى السماع، ثم التفكر فيه لتمام الفهم، وينبعث من تمام الفهم الخوف فإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر، ويسهل عليه وانبعثت الدواعي لمطلب العلاج، وتوفيق الله عز وجل وتيسيره من وراء ذلك، فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء، واستشعر الخوف فاتقى، وانتظر الثواب، وصدق بالحسنى، فسييره الله لليسرى.
وأما من بخل واستغنى وكذب / بالحسنى فسييسره للعسرى، ثم لا يغني عنه ما اشتغل [258/ب] ' به من لذة الدنيا مهما هلك وتردى، وما على الأنبياء عليهم السلام إلا شرح طريق الهدى، وإنما الآخرة والأولى الله سبحانه العلي الأعلى، فهذا علاج الشهوة.
وأما علاج تسويف التوبة: فإنما ينبغي أن يعالج بالفكر في أكثر صياح أهل النار من التسويف؛ لأن المسوف يبقي الأمر على ما ليس إليه وهو التقى، ولعله لا يبقى فإن بقي فلا يعذر على الترك غداً كما لا يعذر عليه اليوم، فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة، والشهوة ليست، تفارقه غداً، بل تتضاعف إذ تتأكد بالاعتياد فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها، وعن هذا هلك المسوفون؛ لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ولا يظنون في أن الأيام متشابهة فإن ترك الشهوات فيها شاق شديد على النفس أبداً.
(1) بنحو هذا الطرف عند البخاري في الصحيح (3/ 7) مسلم في الصحيح (النكاح 1، 2)، والنسائي في المجتبى (169/ 4، (171) ابن ماجه في السنن (1845)، أحمد في المسند (387/ 1، 424، 425)،
البيهقي في السنن (296/ 4)، والدارمي في السنن (132/ 2)، الحميدي في المسند (115). (2/213)
صفحة 670
214
قنطرة التوبة
وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، كلما طال عمره ازداد ضعفه فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف، فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه وقوي الضعيف، والله تعالى
وهو
أعلم (1).
وقد روي في الحديث أن عمار بن ياسر رحمه الله سأل علي بن أبي طالب عن (2) الكفر: فقال: على ماذا بني؟ فقال: على أربع دعائم على الجفاء والغفلة، والعمى، والشك. فمن جفى احتقر الحق، وجاهد بالباطل، ومقت العلماء ومن عمى نسي الذكر، ومن غفل حاد عن الرشد، وغرته الأماني، فأخذته الحسرة والندامة، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب. والله تعالى نسأله العون والتوفيق تمت قنطرة التوبة بحمد الله تعالى وحسن عونه والصلاة والسلام [1/ 259] / على نبيه محمد عليه السلام تتلوها قنطرة العلائق، وهي أربع: إحداهن قنطرة الدنيا وسنشير إلى شرحها إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
:
(1) راجع في هذا الأصل إحياء علوم الدين (56/ 4، (58) وهو فيه: (2) في الأصل على والتصويب من الإحياء (59/ 4).
ناوت يسير. (2/214)
صفحة 671
القنطرة الثامنة قنطرة الدنيا
الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها، فنظروا إليها فإذا هي في الظاهر كأنها صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها تتزين لطلابها، حتى إذا صاروا من أحبابها، كشرت لهم عن أنيابها، فأذاقتهم قواتل سمها ورشقتهم بصوائب سهمها، بينما أصحابها في سرور وإنعام، إذ ولت عنهم كأنها أضغاث أحلام، ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد، ووارتهم في أكفانها (1) تحت الصعيد، إن ملكت واحداً منهم جميع ما طلعت عليه الشمس، جعلته حصيداً كأن لم تغن بالأمس، تمني أصحابها سروراً، وتعدهم غروراً. ثم يأملون كثيراً، فيبنون قصوراً، فتصبح قصورهم قبوراً، بوراً وسعيهم هباء منثوراً، وجمعهم وكان أمر الله قدراً مقدوراً، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى من كان من آله وأصحابه له في الدين ظهيراً وعلى الظالمين نصيراً، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فإن الدنيا دار غرور و موطن، ثبور تزينت / الأولياء الله بزينتها ونضارتها حتى [260/ب]
تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها واستدرجت أعداء الله مكرها ومكيدتها، واقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها فعولوا عليها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها، فاجتنوا (2) منها حسرة تنقطع دونها الأكباد، ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكايدها يستغيثون فلا يغاثون، بل يقال لهم: أَخْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (3)، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَيَاةِ الدُّنيا بِالآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) (1).
(4)
(1) في الأصل: واورتهم في أكنافها والتصويب من إحياء علوم الدين (197/ 3).
(2) في الأصل فاجتنبوا - والتصويب من المصدر السابق.
(3)
سورة المؤمنون الآية: 108.
(4) سورة البقرة الآية: 86. (2/215)
صفحة 672
216
الحكمة
قنطرة الدنيا
وإذا عظمت غوائل الدنيا وشرورها، فلا بد أولاً من معرفة حقيقة الدنيا ما هي؟ وما غرورها، وشرورها؟ فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه، ويوشك أن يقع
في خلقها
فيه. ونشرح ذلك في خمسة أبواب:
الأول: في ذم الدنيا.
والثاني: في مدحها.
والثالث: في ذكر أمثالها.
والرابع: في حقيقتها وتفصيل معانيها.
والخامس: في تركها والزهد فيها. وبالله التوفيق.
الباب الأول
في ذم الدنيا
قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) وقال تعالى: {قُل
مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (2).
في أمثالها من الآيات، وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا، وصرف الخلق عنها، بل هو مقصود الأنبياء، ولم يبعثوا إلا بذلك فلما حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها، وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها، فقد روي عن النبي أنه قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى
(r),
وعنه أنه قال: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (4).
وعنه / أنه
بشاة ميتة فقال: أترون هذه الشاة هيئة على صاحبها؟». قالوا: نعم. قال: «الذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذه الشاة على صاحبها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة [ماء] (5).
(1) سورة آل عمران الآية: 185.
(2) سورة النساء الآية: 77
(3) رواه أحمد والبزار والطبراني، وابن حبان والحاكم وصححه. المغنى (197/ 3). (4) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا، والبيهقي في شعب الإيمان من طريقه من رواية الحسن مرسلاً. قاله العراقي في المغني (197/ 3).
(5) رواه ابن ماجة والحاكم وصحح إسناده من حديث سهل بن سعد وآخره عند الترمذي وقال حسن.
[1/ 261] (2/216)
صفحة 673
قنطرة الدنيا
217
وعنه أنه قال: من أشرب قلبه حب الدنيا، وركن إليها التاط منها بشغل لا ينفك عنه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يبلغ مداه (1).
وروي عنه الله أنه قال: من تكن الدنيا همه يجعل الله فقره بين عينيه ويشتت عليه أمره في الدنيا ويفارقها أرغب ما كان فيها، ومن تكن الآخرة. همه يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه حاجته من الدنيا ويفارقها أزهد ما كان فيها (2)).
وعن زيد بن أرقم أنه قال: كنا مع أبي بكر رضي الله عنه فدعى بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا وسكت، ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته. قال: ثم مسح عينيه. قالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أبكاك؟ قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع. معه أحد، فقلت: يا رسول الله نفسه شيئاً ولم أر. ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها: إليك إليك عني، ثم رجعت فقالت: إنك إن أفلتت مني، لم يفلت مني من بعدك (3).
=
عن
وعنه أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، إن بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت تاهوا في الحلية والنساء والطيب والثياب (4). وينشد:
أرى الدنيا لمن هي في يديه هموماً كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه / إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه إن التقوى من الدنيا بلاغ ورزق المرء مبعوث إليه وعن عيسى عليه السلام أنه قال: الدنيا لإبليس مزرعة وأهلها له حراث.
ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث المستورد بن شديد دون هذه القطعة الأخيرة، ولمسلم نحوه من حديث جابر. المصدر السابق وما بين المعقوفين من الإحياء.
(1) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلبة (120/ 8)، المنذري في الترغيب والترهيب (176/ 4)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (295/ 9 (332) والطبراني في معجمه الكبير (201/ 1).
(2) طرفه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (8/ 10)، أبي نعيم في تاريخ أصبهان (345/ 1). (3) رواه البزار بسند ضعيف بنحوه، والحاكم وصحح إسناده، وابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بلفظه. المغني (198/ 3). (4) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي سعيد دون قوله: إن بني إسرائيل ... الخ، والشطر الأول متفق عليه، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث الحسن مرسلاً بالزيادة التي في آخره ـ (المغني 198/ 3).
[262/ب] (2/217)
صفحة 674
218
قنطرة الدنيا
وعنه عليه السلام أيضاً أنه قال: «لا تتخذوا الدنيا رَبَّا فتتخذكم عبيداً اكثروا كتزكم من لا يضيعه؛ فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفات وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفات». وعنه أنه قال: (يا معشر الحواريين إني قد اكببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي؛ فإن من خبث الدنيا أن الله يعصى فيها وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها فاعبروا الدنيا ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها
حزناً طويلاً.
وقال أيضاً: بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها فلا تنازعكم فيها النساء والملوك. أما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا؛ فإنهم لن يعرضوا لكم ما تركتموهم ودنياهم. وأما النساء: فاتقوهن بالصوم والصلاة. وقال أيضاً الدنيا طالبة ومطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه. وقال بعض الشعراء: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم فمن غافل عنها وليس بغافل ومن نائم عنها وليس بنائم وروي عنه أنه قال: «من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا
بتركها».
وفي الخبر أن الخضر قال لموسى عليهما السلام يا موسى أعرض عن الدنيا وأنبذها [1/ 263) | وراءك؛ فإنها ليست لك بدار، ولا فيها محل قرار وإنما جعلت بلغة للعباد / ليتزودوا منها
للمعاد.
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.
وعن النبي و أنه قال: إن الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم
ينظر إليها (1).
وروي أن سليمان عليه السلام مر في مركبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه
(1) أطراف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (38/ 8)، والمتقى الهندي في الكنز (6102)، السيوطي في جمع الجوامع (4967)، وفي الدر المنثور (341/ 6). (2/218)
صفحة 675
قنطرة الدنيا
219
ويساره. قال: فمر بعابد من عباد بني إسرائيل فقال: والله يا ابن داود لقد أتاك الله ملكاً عظيماً. فقال له سليمان عليه السلام: تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود، فإن ما أعطي
ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى.
وعنه أنه قال: «لما نزل قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَكَاثر) (1) يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. وعنه أنه قال: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يسعى من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من
لها (2).
لا يقين
وعنه أنه قال: (من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال: هماً لا ينقطع. عنه أبداً، وشغلاً لا ينفك منه أبداً، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً وأملاً لا يبلغ
منتهاه أبداً (3).
وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله: يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعاً ما فيها؟». قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي وادياً من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤس ناس وعذرات وخرق وعظام بلا جلد ثم قال: يا أبا هريرة هذه الرؤوس تحرص
ک حرصكم وتأمل كأملكم ثم هي اليوم عظام بلا جلد ثم هي صائرة رفاتاً وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم فأصبحت والناس / يتحامونها، [264/ب]
وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا يتعجبون بها ويقطعون عليها أطراف البلاد (4)، فمن كان باكياً على الدنيا فليبك (5). قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا.
(1) سورة التكاثر الآية: 1، والحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن الشخير قاله العراقي في المغني
(199:198/ 3)
(2) رواه أحمد من حديث عائشة مقتصراً على هذا ولها يجمع من لا عقل له». دون بقيته، وزاد ابن أبي الدنيا والبيقهي في الشعب من طريقه: ومال من لا مال له وإسناده جيد. المغني (199/ 3). (3) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر دون قوله: «وألزم الله قلبه ... الخ، وكذلك رواه ابن أبي الدنيا من حديث أنس بإسناد ضعيف، والحاكم من حديث حذيفة، وروى هذه الزيادة منفردة صاحب
الفردوس من حديث ابن عمر وكلاهما ضعيف. قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) في الإحياء: ينتجعون عليها أطراف البلاد. (0) لم أجد له أصلاً قاله العراقي في المصدر السابق. (2/219)
صفحة 676
220
قنطرة الدنيا
أن الله ويروي عز وجل لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال له: يا آدم ابن للخراب، ولد للفناء واجمع للذهاب.
يوم
لأحد
ويقال: مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم، إني قد قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك، وما خلقت خلقاً أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك. خلقتك ألا تدومي ولا يدوم لك أحد، وإن بخل بك صاحبك وشح عليك، بغضتك يوم خلقتك، طوبى للأبرار الذين أطلعوك من قلوبهم على الرضا، ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة، طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم [إلا] (1) لنور يسعى أمامهم، والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي وقال بعض العلماء يؤتى بالدنيا يوم القيامة فيؤخذ منها ما كان الله خالصاً ويلقى ما بقي في النار.
وقال لقمان لابنه: يا بني الدنيا بحر عَميق قد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها إيمان بالله وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو ولا ولا أراك ناجياً.
،
ويروى عن رسول الله أنه قال: «الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله لا ينظر إليها وتقول يوم القيامة: يا رب اجعلني لأدنى أوليائك نصيباً اليوم، فيقول: اسكتي يا لا شيء إن لم أرضك لهم في الدنيا فكيف أرضاك لهم اليوم (2). وأنشد:
/ تسمع من الأيام إن كنت حازماً فإنك فيها بين ناه وأمر فلن تعدل الدنيا وجناح بعوضة ولا وزن در من جناح لطائر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن ولا رضى الدنيا عقاباً لكافر وروي عن رسول الله هو أنه قال: «الدنيا يومان يوم فرح، ويوم هم، وكلاهما زائل عنك، فدعوا ما يزول، وأتعبوا أنفسكم في العمل لما لا يزول».
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: لا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فيناز عوكم في دينكم
فلا دنياهم أصبتم ولا على دينكم أبقيتم.
وقال بعض الحكماء: الدنيا إما مصيبة موجعة وإما منية مفجعة. وأنشدوا:
(1) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (199/ 3).
(2) قال العراقي في المغني: (199/ 3): الحديث تقدم بعضه من رواية موسى بن يسار ولم أجد باقيه.
[1/ 265] (2/220)
صفحة 677
قنطرة الدنيا
يعق
أم تعق
نسله
ـس فـ
إنهـ
والمنـ
وقها
والأم
تغـ
وإذا استحل
الحلو
221
يستوي في ضريحها عبد أرض وحـ
ويروى في الأخبار: أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تحركت معدته بخروج الثفل، ولم يكن ذلك مجعولاً في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة؛ فلذلك نهى عن أكلها. قال فجعل يدور في الجنة، فأمر الله ملكاً يخاطبه. قال: قل له أي شيء تريده. فقال آدم: أريد أن أضع ما في بطني من الأذى. فقيل للملك: قل له في أي موضع تضعه؟ أعلى العرش أم على السرير؟ أم على الأنهار؟ أم تحت ظلال الأشجار؟ هل ترى ها هنا موضعاً يصلح لذلك؟ ولكن أهبط إلى الدنيا.
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم / أنه قال: ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات أمثال [266/ب]
جبال تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً ويصيرهم إلى النار. قالوا يا رسول الله يصلون؟ قال: نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون وهناً من الليل ولكنهم إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه فأحبط الله أعمالهم إذ لم تكن لهم سريرة (1).
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.
ويروى أن جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا؟ قال: كداً ولها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
وقيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت بيتاً؟ قال: يكفينا خلقان
من قبلنا.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: أحذروا الدنيا؛ فإنها سحر من هاروت وماروت (2).
(1) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث سالم مولى أبي حذيفة بسند ضعيف، وأبو منصور الديلمي من حديث أنس وهو ضعيف أيضاً. قاله العراقي في المغني (200/ 3).
(2) رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب من طريقه من رواية أبي الدرداء الرهاوي مرسلاً، وقال البيهقي إن بعضهم قال عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة قاله الذهبي لا يدري من أبو الدرداء قال: وهذا = (2/221)
صفحة 678
222
[1/ 267]
قنطرة الدنيا
وعن الحسن أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم فقال: «هل منكم من
يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيراً
Si
وفي حديث آخر أنه قال لأصحابه: ألا هل فيكم أحد يريد أن يعطيه الله علماً بغير تعلم، وهدى بغير هداية ويذهب العمى عن قلبه ويجعله بصيراً. قالوا: كلنا يريد ذلك بآبائنا أنت وأمهاتنا يا رسول الله قال: «من زهد في الدنيا وقصر أمله فيها، أعطاه الله علماً بغير تعلم، وهدى بغير هداية، وأذهب العمى عن قلبه وجعله بصيراً، ومن رغب في الدنيا، وقصر أمله فيها، أعطاه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير هداية، وأذهب العمى عن قلبه، وجعله بصيراً، ومن رغب في الدنيا وأطال أمله فيها أعقبه الله جهلاً، وأعمى قلبه على قدر ذلك، ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالعجز والبخل، ولا المحبة إلا باتباع الهوى إلا من أدرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل، وهو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه الله أعطاه الله ثواب
=
سبعين
(1) صديقاً (2).
أن ويروي
عيسي
عليه السلام اشتد به المطر والرعد والبرق يوماً فجعل يطلب شيئاً يلجأ إليه، فرفعت له خيمة من بعيد فأتاها، فإذا فيها، امرأة، فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل، فأتاه، فإذا فيه أسد، فوضع يده على رأسه فقال: إلهي جعلت لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي مأوى فأوحى الله إليه مأواك في مستقر رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف سنة، يوم منها كعمر الدنيا ولآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا؟ زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم.
وقال عليه السلام ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها ويأمنها وتغره، ويثق بها وتخذله (3)، ويل للمغتربين كيف أرتهم ما يكرهون وفارقتهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون، ويل لمن أصبحت الدنيا، همه والخطايا عمله، كيف يفتضح غداً بذنبه؟ وقيل: أوحى الله إلى موسى عليه السلام يا موسى ما لك ولدار الظالمين إنها ليست
منكر لا أصل له. العراقي في المصدر السابق.
(1) في الإحياء (200/ 3) خمسين بدل سبعين.
(2) رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه هكذا مرسلاً، وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو
حاتم قاله العراقي في المغني (200/ 3).
(3) في الأصل: تخلد له والتصويب من الأحياء (200/ 3). (2/222)
صفحة 679
قنطرة الدنيا
223
لك بدار أخرج منها همك، وفارقها بعقلك، فبئست الدار، هي إلا لعامل)، يعمل فيها فنعمت الدار هي يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه!
وروي
للمظلوم.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاءه بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافق صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى عليه السلام انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة يقدم بشيء». قالوا: أجل يا رسول الله قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكنني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فتهلكم كما أهلكتهم (2).
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض». قيل: ما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا» (3).
[1/ 269]
وعنه أنه قال: «لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا (4). فنهى عن ذكرها فضلاً عن [268/ب]
إصابة عينها، وأنشد الماوردي عن أبي العتاهية:
هي الدار دار الأذى
والقذى ودار العنـ ـــــــاء ودار الغيـ
فلو نلتها بحذافرها لمت ولم تقض منها الوطر أيا من يؤمل طول الحياة فطول الحياة عليه إذا ما كبرت وبات الشباب فلها خير في العيش بعد الكبر
أن ويروي
عليه السلام مر بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق. فقال: يا عيسي معشر الحواريين إن هؤلاء ماتوا عن سخطه ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا. فقالوا: يا روح الله وددنا أننا علمنا أخبارهم. فسأل ربه فأوحى الله تعالى إليه إذا كان الليل فنادهم فيجيبوك، فلما كان الليل أشرف على نشر ثم نادى يا أهل القرية فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله. فقال: ما حالكم وما قصتكم؟ قالوا: بتنا في العافية فأصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ قالوا:
(1) في الأصل: فبشت الدار هي دار الأعمال. وفي الإحياء فبئست الدار هي إلا العمال. فضبط العبارة
وحذفت الزائد.
(2) متفق عليه من حديث عمرو بن عوف البدري العراقي في (المغني (201/ 3). (3) متفق عليه. قاله العراقي في المصدر السابق. (4) رواه البيهقي في الشعب من طريقه وابن أبي الدنيا من رواية محمد بن النضر الحارثي مرسلاً. المصدر
السابق. (2/223)
صفحة 680
224
قنطرة الدنيا
لأمه،
بحبنا الدنيا وطاعتنا لأهل المعاصي. قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي إذا أقبلت فرحنا وإذا أدبرت حزنا وبكينا. قال فما بال أصحابك لم يجيبوني. قال: لأنهم
فلما نزل
بهم
ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال: فكيف أجبتني أنت من بينهم. قال: لأني كنت فيهم ولم أكن معهم. العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شقير جهنم، لا أدري أنجو منها أم أكبكب فيها؟ فقال المسيح عليه السلام للحواريين: لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الله في الدنيا والآخرة.
وأنشدوا:
يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت منعمة كر الجديدين إقبالاً وإدبارا يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسي ويصبح في دنياه سفارا / هلا ترکت من الدنيا معانقة حتى تعانق في الفردوس أبكار إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها فينبغي لك أن لا تأمن النار وعن أنس قال: كانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي بناقة له فسبقتها، فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه» (1). وأنشدوا:
يا خاطب الدنيا إلى نفسها
ح عن خطبتها إن التي تخطب غدارة قريبة العرس من
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من ذا الذي يبني على موج البحر داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً.
وقيل لعيسى عليه السلام علمنا عملاً واحداً يحبنا الله تعالى به. قال: ابغضوا الدنيا
يحبكم الله.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة (2). ثم قال أبو داود: من قبل نفسه لو تعلمون ما
(1) رواه البخاري قاله العراقي في المغني (201/ 3). (2) رواه الطبراني دون قوله: «لهانت .... الخ، وزاد: ولخرجتم إلى الصعدات. .» الحديث. وزاد الترمذي، وابن ماجة من حديث أبي ذر وما تلذذتم بالنساء على الفرش» .. وأول الحديث متفق عليه من
حديث أنس، وأفراد البخاري من حديث عائشة قاله العراقي في المصدر السابق. (2/224)
صفحة 681
قنطرة الدنيا
225
أعلم لخرجتم إلى الصعداء تبكون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه، ولكن تغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة، وحضرها الأمل، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم، وصرتم كالذين لا يعلمون، فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة ما في عاقبته ما لكم لا تتحابون ولا تتناصحون وأنتم إخوان على دين واحد، فما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم.
،
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: يا معشر الحواريين ارضوا بدنى الدنيا مع سلامة الدين،
كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع. سلامة الدنيا، وفي معناه قيل:
أرى رجالاً بأدني الدين قد قنعوا ولا أراهم رضوا في العيش بالدون / فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين [270/ب] وعن عيسى عليه السلام أنه قال يا طالب الدنيا لتبرّ تركك الدنيا أبر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «لتأتينكم الدنيا بعدي تأكل أيمانكم كما تأكل النار الحطب الرقيق (1).
ويروي
أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: أن يا موسى لأتركنن إلى -
فلا تأتيني بكبيرة هي أشد عليك منها.
حب الدنيا
ويروى أن موسى عليه السلام مر برجل وهو يبكي. فقال موسى: يا رب عبدك يبكي من مخافتك. فقال: يا ابن عمران لو نزل دغامه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى تسقط، لم اغفر له
وهو يحب الدنيا.
وأما الآثار: وعن علي أنه قال: من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلباً، ولا عن النار مهرباً من عرف الله فأطاعه وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الأخوة فطلبها.
فاتقاه
وعن الحسن أنه قال: رحم الله أقواماً كانت الدنيا وديعة عندهم، فأدوها إلى من ائتمنهم
عليها، ثم راحوا خفافاً.
وعنه أيضاً: من نافسك في دينك فنافسه نافسك
ومن في دنياك فألقها في نحره. وينشد:
طلق الدنيا ثلاثاً وأطلبين زوجا سواها
إنهـ
قحبة.
وء
لا تبالي من أناها
(1) لم أجد له أصلاً. العراقي في المغني (202/ 3).
قناطر الخيرات ج/ 2/ 15 (2/225)
صفحة 682
226
قنطرة الدنيا
أنت تعطيها مناها وهي تعطيك قفاها وعن الفضيل أنه قال: طالت فكرتي في هذه الآية: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لها) (1) إلى قوله: (صَعِيداً جُرُزا) (2).
فلا
وقال بعض الحكماء: إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا عشاء ليلة وغذاء يوم أكلة وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة. فإن رأس مال الدنيا / الهوى وربحها
[1/ 271] تهلك نفسك في
النار.
وقيل لبعض الرهبان: كيف ترى الدهر؟ قال: يهلك الأبدان ويجدد الآمال، ويقرب المنية، ويبعد الأمنية. قيل: فما حال أهلها؟ قال: من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. وقد
قيل:
ومن يحمد الدنيا بعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها وإذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثير همومها
وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا ولم أكن فيها، وذهبت الدنيا ولم أكن فيها، فلا أسكن إليها، فإن عيشها نكد وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، أما نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية.
وقال بعضهم: من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحد ما يستحق لكنها إما أن تزيده أو تنقصه. وقال بعض العلماء: أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها. وعن أبي سليمان أنه قال: من طلب الدنيا على المحبة لها لم ينل منها شيئاً إلا أراد أكثر، وليس لها غاية، ولا لهذا نهاية.
وروي أن رجلاً قال لأبي حازم إني أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار. فقال: انظر ما أتاك الله منها فلا تأخذه إلا من حله ولا تضعه إلا في حقه، ولا يضرك حب الدنيا. قال: وإنما قال هذه لأنه لو أخذ نفسه بذلك لأتعبه حتى يتبرم ويطلب الخروج منها. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الدنيا حانوت شيطان فلا تسرق من حانوته شيئاً فيجيء
فيأخذك.
(1) سورة الكهف الآية: 7.
(2) سورة الكهف الآية: 8. (2/226)
صفحة 683
قنطرة الدنيا
227
عن الفضيل أنه قال: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة بخزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفاً يبقى على ذهب يفنى فكيف وقد أخترنا خزفاً يفنى على ذهب يبقى. وينشد:
اغ
رور
إنم
ا الدنيا كبيـ
حاجة العاقل فيهـ
في الدنيا ثبوت
العنكب
وت
ست
ر عورات وقوت
[272/ب]
وعن أبي حازم أنه قال: إياكم والدنيا، فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظماً للدنيا. فيقال: هذا عظم ما حقره الله. وعن النبي له أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع وعين لا تدمع وأعوذ بك من شر هؤلاء الأربعة هل ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال شر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر».
،
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: أوحى الله سبحانه إلى الدنيا من خدمني فأخدميه، ومن خدمكي فاستخدميه. وقال أبو العتاهية:
إن الـ تخط
ان وإن لا ن لأهل
لمخـ
اشن
دعوت
وبه المتحركا ت كأنهن سواك وقال: وسمع رجل رجلاً يقول لصاحبه: لا أراك الله مكروهاً. فقال له: كأنك عليه بالموت إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلا بد أن يرى مكروهاً وينشد: تروح لك الدنيا بغير الذي غدت وتحدث من بعد الأمور أمور وتجري الليل باجتماع وفرقة وتطلع فيها أنجم وثغور فمن ظن أن الدهر باق سروره فذاك محال لا يدوم سرور عفى الله عن من صير الهم واحد وأيقن أن الدائرات تدور فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم جلوس والقلوع تطير وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مردودة. ويُنشد للبيد بن ربيعة:
وما المال والأهلون إلا وديعة فلابد يوماً أن ترد الودائع
/ وعن ابن السماك أنه قال: من جرعته الدنيا بحلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة [273/ب]
مرارتها بتجافيه عنها. (2/227)
صفحة 684
228
قنطرة الدنيا
وقيل لزاهد: قد خلعت الدنيا فكيف سجنت نفسك عنها؟ فقال: إني أيقنت أني أخرج منها كارها فرأيت أن أدعها طائعاً.
وقال لقمان لابنه: يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً ولا تبع أخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.
وقال مطرف بن الشخير لا تنظر إلى خفض عيش الملوك وليث رياشهم، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء ء منقلبهم. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء: جزء للمؤمنين، وجزء للمنافقين وجزء للكافرين، فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. وقال بعضهم: الدنيا جيفة، فمن أراد شيئاً منها فليصبر على معاشرة الكلاب. وقيل لإبراهيم ابن أدهم: كيف أنت؟ فقال:
(1)
نرقع دنيــانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وبى لعبد أثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع بن دينار أنه قال: اتقوا السحارة؛ فإنها تسحر قلوب العلماء - يعنى الدنيا ..
مالك وعن وقال بعض البلغاء من نكد الدنيا ألا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة تصلح جانباً بإفساد جانب وتسر صاحباً بمساءة صاحب فالكون فيها خطر، والثقة فيها غرر.
ويروى أن أبا جعفر المنصور كان نائماً فأتاه آت في منامه فقال: كأني بهذا القصر قد باد أهله وأوحش منه أهله ومنازله وصار عميد القصر من بعد بهجة إلى حدث تبنى عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه تنادي بليل معولات تواكله قال: فاستيقظ مرعوباً ثم أنشد:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله لا بد واقع فهل كاهن أعددته أو منجم أبا جعفر عنك المنية دافع وعن أبي أمامة الباهلي أنه قال: لما بعث محمد عليه الصلاة والسلام أتت إبليس
(1) راجع في كل الآثار والأشعار الواردة هنا إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (202/ 3: 203 وما بعدها)
وأكثر مما هنا.
[1/ 274] (2/228)
صفحة 685
قنطرة الدنيا
229
جنوده. فقالوا: قد بعث نبي وأخرجت أمة قال: هل يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم. قال: لئن كانوا يحبونها ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان، وأنا أغدوا عليهم وأروح بثلاثة: أخذ المال من غير حله، وإنفاقه في غير حله، وإمساكه في غير حقه، والشر كله لهذا اتبع.
وقيل لعلي بن أبي طالب صف لنا الدنيا قال وما أصف، من دار أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب وحرامها عقاب من صح فيها، سقم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن سعى إليها فاتته، ومن قعد عنها أنته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها أبصرته.
وقال وهب بن منبه مثل الدنيا والآخرة مثال ضرتين إن أرضيت أحدهما أسخطت
الأخرى وأنشدوا: أيها المرء إن دنياك بحر طامح موجه فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها منيـ
وهو
أخذ الكفاف والقوت منها
وقال وهب بن منبه: أصيب على عمدان وهو قصر يوسف بن ذيزان (1) بأرض صنعاء باليمن، وكان من الملوك الجلة مكتوب القلم السرياني فترجم بالعربية فإذا هي هذه الأبيات الجليلة والمواعظة العظيمة:
باتوا على قلل الجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا من أعالي عز معقلهم وأسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا أين الأسرة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار والكلل فافصح القبر عنهم حين سائله تلك الوجوه عليها الدود تقتل قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وعن الحسن البصري أنه قال: الدنيا مطية المؤمن عليها يرتحل إلى ربه فأصلحوا مطاياكم تبلغوا إلى إلى ربكم.
وقال يحيى بن معاذ (2): إذا أصبحت نفسك بالدنيا مشغوفة أصبحت الخيرات عنك مصروفة. وقال بعض الحكماء: الدنيا وإن بقيت لك لم تبق لها. وقال بعضهم: الدينا دار
(1) كذا في الأصل، واحسبه سيف بن ذي يزن.
(2) سبق أن ترجمت له وهذه الآثار أغلبها من كتاب الإحياء غير أن الأشعار أغلبها ليس منه. (2/229)
صفحة 686
قنطرة الدنيا
230
تجارة، فالويل لمن تزود منها الحسرات. ويُنشد:
إن الذين اشتروا الدنيا بآخرة لم يربحوا في افتراق البيع بل خسروا باعوا جديداً جميلاً باقيا حسناً بيابس خلق يا بئس ما اتجروا وعن عيسى عليه السلام أنه قال: الدنيا من ظفر بها مات عليها.
وعن الحسن البصري: نعمت الدار والله كانت الدنيا للمؤمن عمل فيها قليلاً، وأخذ منها زاده إلى الجنة، وبئست الدار والله كانت الدنيا للكافر تمتع فيها قليلاً وأخذ منها زاده إلى
النار.
وعن أبي سليمان أنه قال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها، وإذا كانت
الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة؛ لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة.
وهذا تشديد عظيم، ونرجو أن يكون ما ذكره بعض السلف صحيحاً وذلك أنه قال: الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعاً له. وعن مالك بن دينار أنه قال: بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك، ويقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك.
أن وروي رجلاً قال للحسن: ما تقول في رجل أتاه الله مالاً فهو يتصدق، ويصل منه، ويحسن فيه أله أن يتعيش منه يعني بالنعم. قال: لو كانت الدنيا كلها له ما كان له منها إلا الكفاف، ويقدم ذلك ليوم فقره. وينشد: أيها المتعـ سب جهلاً نفسه تطلب الدنيا حريصاً جاهداً
(1)
لا لك الدنيا ولا أنت لها فاجعل الهمين هماً واحداً
/ وعن الفضيل أنه قال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت أقذرها كما يقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقيل: قدم عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بناقة مخطومة بحبل فسلّم وسأله، ثم أتى منزله ولم ير فيه إلا سيفه وترسه، ورمحه، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً. فقال له: يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل.
وقال بعض العلماء: خذ. من الدنيا لبدنك ومن الآخرة لقلبك. وعن الحسن قال: والله
(1) الأثر في الإحياء (204/ 3) بنحو مما هنا.
[1/ 276] (2/230)
صفحة 687
قنطرة الدنيا
231
لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام، بعد عبادتهم الرحمن، بحبهم الدنيا.
وعن وهب أنه قال: قرأت في بعض الكتب الدنيا غنيمة الأكياس وعقبة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها، فسألوا الرجعة فلم يرجعوا.
وقال لقمان لابنه: يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها أقرب إلى دار تباعد منها.
راض،
وعن سعيد بن مسعود د (1) أنه قال: إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته، وهو بذلك، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه ولا يشعر.
وعن عمرو بن العاص أنه قال على المنبر: والله وما رأيت قوماً قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد فيه منكم، والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي
له (2).
وعن الحسن أنه تلى هذه الآية: {لَا تَغُرَّنَّكُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا (3). فقال: من قال هذه؟
?
فقال: من خلقها فهو أعلم بها إياكم إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح الرجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب. وقال أيضاً: مسكين ابن أدم رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عقاب، إن أخذه من حله حوسب بنعمته، وإن أخذه من حرام عذب / به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله يفرح بمصيبة في [277/ب] دينه، ويجزع عن مصيبة في دنياه.
ويروى أنه قدم على معاوية رجل من نجران عمره مائنا سنة فسأله: عن الدنيا كيف وجدها؟ فقال: سنيات بلاء وسنيات رخاء، يوم فيوم وليلة فليلة، يولد ولد ويهلك هالك، فلولا المولود لباد الخلق، ولولا الهلاك ضاقت الدنيا بمن فيها قال له: سل ما شئت. قال: عمر مضى فترده أو أجل حضره فتدفعه؟ قال: لا أملك ذلك. قال: لا حاجة لي إليك. وقال داود الطائي: يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بإنقضائه أجلك، ثم سوفت بعملك كأن منفعته لغيرك.
(1)
هو سعيد بن مسعود بن عبد الرحمن أبو عثمان المروزي المحدث المسند أحد الثقات. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين وكان من أبناء التسعين الذهبي في سير أعلام النبلاء (504/ 12). (2) رواه الحاكم وصححه ورواه أحمد وابن حبان بنحوه قاله العراقي في المغني (204/ 3). (3) سورة لقمان الآية: 33. (2/231)
صفحة 688
232
قنطرة الدنيا
وقال بعض العلماء: من سأل الله الدنيا فإنه يسأله طول الوقوف بين يديه. وعن أبي حازم أنه قال: ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد ألصق به شيء يسوك. وعن الحسن أنه قال: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يشبع جمع، ولم يدرك ما أمل ولم يحسن الزاد لما قدم عليه، وقيل لبعض العباد: قد بلغت الغنى. قال: إنما نال الغني من أعتق من رق الدنيا.
مما
بالآخرة.
وعن أبي سليمان أنه قال: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله
وعن
مالك
بن دينار أنه قال: اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضه بعضاً، ولا يدعنا الله تعالى أنه قال: إصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضاً، ولا يدعنا الله تعالى على هذا فليت شعري، أي عذاب الله ينزل بنا.
وعن أبي حازم أنه قال: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة.
وعن الحسن أنه قال: أهينوا الدنيا فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها.
عني
الدنيا.
وقال أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك فإذا نفذ عاد عليه، وإذا هان عليه عبد خيراً أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك فإذا نفذ عاد عليه، وإذا هان عليه عبد بسط له بسطاً، وكان بعضهم يدعو: يا ممسك السماء أن تقع على الأرض أمسك. وعن محمد بن المنكدر قال: أرأيت لو أن رجلاً صام الدهر لا يفطر، وقام الليل لا يفتر، وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله وأجتنب محارم الله غير أنه يؤتي به يوم القيامة، فيقال: هذا عظم في عينيه ما صغره الله، وصغر في عينيه ما عظمه الله). وقال بعض
الشعراء:
ألا إنما الدنيا مقيل لراكب قضى وطراً من منزل ثم هجرا فراح ولا يدري عَلامَ قدومه ألا كل ما قدمت تلقى موفراً وقيل ليحيى بن معاذ: لمن الدنيا؟ قال: لمن تركها. قيل: فلمن الآخرة؟ قال: لمن طلبها، ومن ادعى أنه يجتمع في قلبه حب الدنيا وحب خالقها فقد كذب. وقال بعض السلف: رجلان يعذبان على الدنيا. رجل أعطي الدنيا فهو فيها متعب
(1) الأثر في الإحياء بنحو مما هنا والشعر لم يورده (205/ 3).
[1/ YVA] (2/232)
صفحة 689
قنطرة الدنيا
233
مشغول، ورجل زويت عنه الدنيا فنفسه تتقطع عليها حسرات. وينشد في ذم الدنيا: ومنتظر للموت في كل ساعة يشيد ويبني دائماً ويحصن له حين يبنيه حقيقة موقن وأفعاله أفعال من ليس يُقن عياناً كإنكار وكالجهل علمه بمذهبه في كل ما يتيقن
وقد قال لقمان لابنه: يا بني لا تركن إلى الدنيا تشغل قلبك بحبها؛ فإنك لم تخلق لها، ولم تخلق لك، وما خلق الله خلقاً أهون عليه منها؛ لأنه لم يجعل نعيمها ثوباً للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.
وقال الحسن البصري: الدنيا مطية إن ركبتها حملتك، وإن حملتها قتلتك. وقيل له: ما بال الناس يكرمون صاحب الدنيا، ولا فضل له عليهم؟ قال: لأن معشوقهم عنده. ويُنشد في ذم الدنيا: لولا شماتة أعداء ذوي حسد وإن أنال ينفع من يرجيني لما خطبت إلى الدنيا محاسنها ولا بدلت لها عرضي ولا ديني لكن منافسة الأكفاء تحملني على أمور أراها سوف ترديني وقد خشيت بأن أبقى بمنزلة لا دين عندي ولا دنيا تواتيني
[279/ب]
ما سواها لترضيني إلا ينقض لها عرى ديني
/ وقال آخر: عيني لحين: دير مقلتها تطل أف لدنيا أبت تواتيني
وقيل لمحمد بن واسع: إنك لترضى بالدون. فقال: إنما يرضى بالدون من رضي بالدنيا. وعن شقيق البلخي أنه قال: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة فوجدت ذلك في حرفين وهو قوله عز وجل: {وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا وَمَا عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى (1).
(1) ,
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: ألا إن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وإلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فإذ أتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم.
(1) سورة القصص الآية: 60. (2/233)
صفحة 690
234
قنطرة الدنيا
وعنه أيضاً أنه قال: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء
والنار في إناء واحد.
وقال بعضهم
(1): الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا؟!! وقال بعض الحكماء: الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمرها. وأنشدوا: ألا إنما الدنيا غداة أيكة إذا أخضر منها جانب جف جانب هي الدار ما الأمال إلا فجائع عليها ولا اللذات إلا مصائب ولا تكتحل عينيك منها بعبرة على ذاهب منها فإنك ذاهب وقال أبو حازم اشتدت علينا مؤنة الدنيا والآخرة، أما الآخرة فإنك لا تجد عليها
أعواناً، وأما الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجراً سبقك إليها.
وعن أبي هريرة أنه قال: الدنيا موقوفه بين السماء والأرض كالسقاء البالي، تنادي ربها [1/ 280] منذ خلقها إلى يوم يفنيها. يا رب لم تبغضني؟ فيقول لها: اسكتي يا لا شيء اسكتي يا لا
شيء.
وقال ابن المبارك: حب الدنيا والذنوب في القلب قد احتشوته فمتى يصل الخير إليه. وقال وهب بن منبه: من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة، ومن جعل شهوته
تحت قدميه فرّ الشيطان من ظله، ومن غلب علمه على هواه فهو الغالب. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل
أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه (2).
وقال بعض السلف من أراد أن يستغنى بالدنيا عن الدنيا كان كمن يطغى النار بالتين. وقال بعضهم: من أقبل على الدنيا أحرقته (3) نيرانها يعني الحرص حتى يصير رماداً. ومن أقبل على الآخرة صفته نيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع به. ومن أقبل على الله أحرقته نيران التوحيا، فصار جوهراً لا حد لقيمته.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه: أيها الناس ألا إن الأيام تطوى، والأعمال
(1) في الأصل بعض والتصويب من إحياء علوم الدين (205/ 3). (2) الأثر والآثار السابقة قبله وردت كلها بإحياء علوم الدين في المواضع التي أشرت فيها إلى بعض التصويبات وقبلها وبعدها غير أن الأشعار أتى بها المؤلف من غيره أو قد تكون منه من مواضع متفرقة.
(3) في الأصل احترقته والتصويب من الإحياء (206/ 3).
: (2/234)
صفحة 691
قنطرة الدنيا
235
تحصى، والأبدان في الثرى، تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد ويأتيان بكل موعود.
وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات. وأنشد لعبد
الله بن المعتز: نسير إلى الأجال في كل ساعة وأيامنا تطوى وهن مراحل ولم أر مثل الموت حقاً كانه إذا ما تخطته الأماني باطل فما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب في الرأس شامل ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام تعد قلائل ويروى أن الله تعالى لما بعث موسى وهارون إلى فرعون قال: لا يروعكما لباسه الذي لبس؛ فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرق ولا يتنفس إلا بإذني، ولا يعجبنكما ما متع به منها، فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون / حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي [281/ب] ذلك عنكما. وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مواضع الهلكة وإني لأجنبهم سلوتها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرة وما ذلك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً، إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف والتقى ينبت في قلوبهم فيظهر على أبدانهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الذي يظهرون، وضميرهم الذي يستشعرون وتجارتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم الذي إياه يأملون، ومجدهم الذي به يفتخرون، وسيماهم التي بها يعرفون. فإذا ألقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة والله أعلم وبه العون والتوفيق)
(1)
الباب الثاني
في مدح الدنيا
قال الله سبحانه لنبيه عليه السلام: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبَ) (2).
(1) راجع في هذا الفصل إحياء علوم الدين (197/ 3: 206).
(2) سورة الشرح الآية: 7. (2/235)
صفحة 692
236
قنطرة الدنيا
قال بعض أهل التأويل: يعني إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. قال تعالى ممتناً على عباده: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أنْهَاراً (1). وقال تعالى: {وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَبِّكَ) (2). الآية.
وليس هذا منه تعالى ترغيباً في الدنيا ولكن حثّ وترغيب في أخذ البلغة منها. وعلى هذا المعنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه ومن هذه (3).
وفي حديث آخر: ولكن خيركم من لا تشغله دنياه عن آخرته ولا آخرته عن دنياه (4).
وروي عنه أنه قال: نعمت المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم / الآخرة».
ويروى أن رجلاً ذم الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: لا تسبوا الدنيا فنعمة مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه» (5).
وحكي عن مقاتل أنه روى أن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه وعلى نبينا قال: يا رب حتى متى أتردد في طلب الدنيا. فقيل له: أمسك عن هذا فليس طلب المعاش من طلب
الدنيا.
وفي خبر آخر: أنه لام نفسه ورمى المسحة من يده، فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن
طلب الحلال ليس هو من الدنيا في شيء.
وعن سفيان الثوري أنه قال مكتوب في التوراة إذا كان في البيت بر فتعبد وإن لم يكن
فتطلب، يا ابن آدم حرّك يدك يسبب لك رزقك.
(1) سورة نوح الآية: 12. (2) سورة الكهف الآية: 82.
(3) أطرافه عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان (179/ 2)، العجلوني في كشف الخفا (238/ 2)، السيوطي في
الحاوي للفتاوي (89/ 2، 110).
(4) أطرافه عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان (179/ 2)، العجلوني في كشف الخفا (238/ 2)، السيوطي في
الحاوي للفتاوي (89/ 2، 110).
(5) أورده ابن عدي في الكامل في الضعفاء ((304/ 1) وأطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (110/ 1)، والعجلوني في كشف الخفا (496/ 2).
(1/ 282] (2/236)
صفحة 693
قنطرة الدنيا
وقال بعض الحكماء: ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها. وقال بعض الأدباء: ليس من الحرص اجتلاب ما يقوي البدن وينشد لمحمود الوراق: الدنيا وأيامها ذما وإن دارت بك الدائرة
من شرف الدنيا ومن فضلها إن بها تستدرك الآخرة
(1) ,
237
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: التمسوا الرزق في خبايا الأرض (1). يعني الزرع. وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب في المنام فناولني مسحة. فقال:
خذها فإنها مفتاح خزائن الأرض. وقال رجل لزهري: دلني على ما أعالجه. فقال: تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوماً أن تجاب فترزقا فيؤتك مالاً واسعاً ذا مشابة إذا ما مياه الأرض فارت تدفقا / فصل
واعلم أن الدنيا هي الليل والنهار بجميع ما فيهما من كل ما للإنسان فيه غرض ونصيب وشهوة وحظ عاجل، وهي حالة من أحوال القلب.
:
فالقريب الداني منها يسمى دنيا، وهي كل ما قبل الموت، وللمتراخي المتأخر يسمى: بعد الموت، فالدنيا اسم عام يتناول كل حظ عاجل قال الله سبحانه: (يَأْخُذُونَ
ما آخرة، وهو عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى (2).
(2)
فالمال بعض أجزاؤه الدنيا، والجاه بعضها واتباع شهوة البطن أخرج بعضها، وتشهى الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها، والكبر بعضها وطلب العلو والرئاسة بعضها. أولها: أبعاض كثيرة يجمعها كل ما للإنسان فيه حظ عاجل. ونحن نشير هاهنا إلى مدح
المال ثم إلى ذمه ثم إلى وجه الحكمة في الجمع بين مدحه وذمه. وأما المدحة: فقد قال الله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرا (3). يعني مالاً فسماه خيراً. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نِعْمَ المال (4) الصالح للرجل الصالح». وكل ما جاء في
(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا (203/ 1)، والمتقى الهندي في كنز العمال (9303). (2) سورة الأعراف الآية: 169. (3) سورة البقرة الآية: 180.
(4) في الأصل: نعما بالمال والتصويب من الأحياء (228/ 3) وقال العراقي في هذا الموضع بالمغنى تعليقاً على الحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند =
[283/ب] (2/237)
صفحة 694
238
قنطرة الدنيا
ثواب الصدقة والحج فهو ثناء على المال إذ لا يمكن الوصول إليهما إلا به.
ويروي
أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر؟ فإنه ما افتقر أحد إلا أصابته ثلاثة خلل: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مرؤته، وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به.
وقال بعض الحكماء: حفظك لما في يدك أولى بك من طلب ما في يد غيرك.
وقال بعض الحكماء: خصلتان لا تزال بخير ما حفظتهما درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعم العون على تقوى الله المال (1).
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: لا دين لمن لا دنيا له.
وعن قيس بن عاصم أنه قال لبنيه يا بني عليكم بالمال واصطناعه، فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللثيم، وإياكم ومسألة الناس؛ فإنها أخزى كسب الرجال.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني عليك بطلب المال؛ فإنه يرفع الكريم ويغنى عن
[1/ 284] اللثيم، / ويكسب الحمد ويورث المجد، وينقى من دنس العرض وأنشدوا: أرى ذا الغنى في الناس يسعون حوله وإن قال قولاً بايعوه وصدقوا فذلك دأب المرء ما كان في غنى فإن زال عنه المال يوما تفرقوا
وقال آخر:
يغطي عيوب المرء كثرة ماله يصدقه الأقوام وهو كذوب ويزري بعقل المرء قلة ماله يحمقه الأقوام وهو مصيب وقيل لبعضهم إنك تحب الدراهم وحبها يدنيك من حب الدنيا. فقال: إنها وإن أدنتني إليها فقد صانتني عن أهلها. وقيل لابن عون: إنك تحب الدراهم. فقال: من نفعه شيء أحبه، ولو لم تحبها لم
تسألني عن حبي لها.
صحيح: «نعما» وقالا: للمرء». قلت إنا محققه سيد كسروى - وزاد في موضع آخر (101/ 4) على رواته أبي يعلى. (1) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية محمد ابن المنكدر عن جابر، ورواه أبو القاسم البغوى من رواية ابن المنكدر مرسلاً من طريقه رواه القضاعي في مسند الشهاب هكذا مرسلاً ـ قاله
العراقي في المغنى (101/ 4). (2/238)
صفحة 695
قنطرة الدنيا
239
وقال بعض العلماء: المال في زماننا هذا صلاح المؤمن.
وعن وهب بن منبه أنه قال: الدنانير والدراهم خواتم رب العالمين، وضعها في الدنيا لمعاش الناس لا تؤكل ولا تشرب أينما توجهت بخاتم منها قضيت حاجتك. ويقال: إن المأمون قال يوماً لجاريته.
هل تعلمين وراء الحب منزلة تدنيني إليك فإن الحب أقصاني فأجابته فقالت:
اجعل شفيعك منقوشاً تقدمه فلم يزل مدنياً من ليس بالداني وقيل لبعض الحكماء: لِمَ يقتني الرجل المال وهو شيخ كبير؟ فقال: لأن يموت فيخلف مالاً لأعدائه خير له من أن يحتاج لأصدقائه.
وعن سفيان الثوري أنه قال: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أحتاج إلى الناس ..
وقيل لابن سيرين: إنك تحب الدراهم. قال: لأنها تنفعني. وكان عبد الرحمن بن عوف رحمه الله يقول: حبذا المال أصون به وجهي وأتقرب به
إلى ربي.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق (1). أن ويروي عيسى / عليه السلام لقي رجلاً فقال له: ما تصنع؟ فقال: أتعبد. قال: فمن [285/ب] يعولك؟ قال: أخي. قال: أخوك أعبد منك.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال: بلغني أن من أوقف موقف مذلة في طلب الحلال
له الجنة.
وعن أبي سليمان أنه قال: من بات تعباً من كسب الحلال بات والله راض عنه. وفي حديث النبي لا أنه قال: من طلب الحلال تغنياً وتعففاً جاء
كالقمر ليلة البدر (2).
(1)
يوم
وجبت
القيامة ووجهه
بنحو هذا الطرف عند الزبيدي في الإتحاف (416/ 5) المتقى الهندي في الكنز (9342)، ابن حجر المطالب العالية (1368)، والسيوطي في الدر المنثور (144/ 2).
في
(2) أطراف نحو هذا الحديث عند ابن أبي شيبة في المصنف (16/ 7)، وأبي نعيم في الحلبة (110/ 3)، = (2/239)
صفحة 696
240
قنطرة الدنيا
وقال أبو سليمان ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوتك، ولكن ابدأ برغيفك، فاحرزها.
ويروى عن النبي أنه قال: إن أحساب أهل الدنيا هذا المال (1).
الله
وعن مجاهد أنه قال: الخير في القرآن كله المال: {إِنَّهُ لِحُبُّ الخَيْرِ) (2). يعني المال. أحْيَيْتُ حُبَّ الخَيْرِ) (3). يعني المال. وقال شعيب عليه السلام: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرِ) (4). يعني الغنى والمال، وإنما سمى المال خيراً إذا كان في الخير مصروفاً؛ لأن ما أدى إلى الخير فهو في نفسه خير. وعن السدي وابن زيد في قوله تعالى: {رَبَّنَا أَتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةٌ (5). قال: هي
المال. وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ (6). قال: هي الجنة.
وقال بعض الحكماء: من أصلح مالاً فقد صان الأكرمين الدين والعرض.
وفي منثور الحكم من استغنى كرم على أهله قال ومر رجل من أرباب الأموال ببعض العلماء فتحرك له وأكرمه. فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إلى هذا من حاجة؟ قال: لا ولكن رأيت ذا المال مهيباً.
وقيل في منثور الحكم الفقر، مخدعة والغنى مجدلة والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة. وكان يقال: الدراهم كالمراهم؛ لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح. وأنشد لأوس بن
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها وأحرى إذا حالت بأن أتحولا فإني وجدت الناس إلا أقلهم خفاف العمود يكثرون التنقلا بني أم ذي المال الكثير يسرونه وإن كان عبداً سياداً لأمر جحفلاً
(215/ 8)، والمتقى الهندي في الكنز (9245)، والزبيدي في الإتحاف (414/ 5)، (122/ 8). (1) أطرافه عند أحمد في المسند (361/ 5)، والبهقي في السنن (135/ 7). (2) سورة العاديات الآية: 8.
(3) سورة ص الآية: 32.
(4) سورة هود الآية: 084 (5) سورة البقرة الآية: 201. (6) سورة البقرة الآية: 201. (2/240)
صفحة 697
قنطرة الدنيا
241
/ وهم لقليل المال أولاد علة وإن كان محظاً في العشيرة مخولا
وقال آخر:
أجلك قوم حين صرت إلى الغنى وكل غني في العيون جليل ليس الغنى إلا غنى زين الغنى عشية يغدى أو غداه ينيل
وعن أبي قلابة قال: ذكر عند البني رجل فذكر فيه خير. فقالوا: يا رسول الله خرج حاجاً معنا فإذا نزلنا منزلاً لم يزل يصلي حتى ترتحل فإذا رحلنا لم يزل يذكر الله. حتى ينزل. قال: «فمن كان يكفيه علف ناقته وصنع طعامه». فقالوا: كلنا. قال: «فكلكم خير منه (1).
والله أعلم.
وأما مذمة المال وكراهية حبه: فقد ورد في ذلك من الآي والأخبار والآثار ما لا. كثرة، قال الله تعالى: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله) (2).
(2)
وقال: المَالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحَيَاةِ) (3) الآية. وقال: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلادُهُمْ (4) الآية. وقال: {أَلَهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (5). وقال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (6). في أمثالها من الآيات.
وأما الأخبار: فقد روي عن رسول الله أنه قال: حب المال والشرف ينبتان النفاق
كما ينبت الماء البقل (7).
وعنه أنه قال: «ما ذئبان ضاربان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فساد فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم (8).
(A),
(1) بنحو هذا الطرف عند ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (برقم 1912).
(2) سورة المنافقون الآية: 9.
(3) سورة الكهف الآية: 46.
(4) سورة التوبة الآية: 55. (5) سورة التكاثر الآية: 1. سورة العلق الآيتان: 6 7.
(6)
(7) طرفه عند ابن الجوزي في تذكرة الموضعات (177) الزبيدي في اتحاف السادة المتقين (141/ 8). (8) أطرافه عند الحاكم في المستدرك (4203)، (أبي نعيم في حلية الأولياء (210/ 3)، ابن أبي حاتم في العلل (1799)، ابن حجر في المطالب (3272)، الطبراني في الكبير ((388/ 10)، العقيلي في الضعفاء (487/ 3)، الزبيدي في الإتحاف (144/ 8).
قناطر الخيرات ج/ 2 م/16
[286/ب] (2/241)
صفحة 698
242
قنطرة الدنيا
وعنه الله أنه قال: «هلك الأكثرون مالاً إلا من قال فيه في عباد الله هكذا وهكذا وقليل ما هم (1). وقيل: يا رسول الله أفي أمتك الشر؟ قال: «الأغنياء (2).
(1) ,
وعنه أنه قال: سيأتي بعدي قوم يأكلون أطايب الأطعمة وألوانها، وينكحون أجمل [1/ 287] النساء وألوانها، ويلبسون ألين الثياب وألوانها، ويركبون فرّه الخيل / وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع وأنفس بالكثير لا تقنع عاكفين على الدنيا، يغدون إليها ويروحون، اتخذوها آلهه من دون إلههم، ورباً من دون ربهم إلى أمرها ينتهون وهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن الله لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم، وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم، ولا يعود مرضاهم، ولا يتبع جنائزهم ولا يوقر كبيرهم، ومن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام (3).
عبد
وعنه عليه السلام قال: دعوا الدنيا لأهلها من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه
وهو لا يشعره (1).
أن وروي
مال»؟
رجلاً قال: يا رسول الله ما لي لا أحب الموت. قال: «هل معك. من قال: نعم يا رسول الله، قال: قدم مالك فإن قلب المرء مع ماله أن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب أن يتخلف معه» (5).
وعنه عليه السلام أنه قال: أخلاء ابن آدم ثلاثة؛ واحد يتبعه إلى قبض روحه، والثاني
(1) رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن أبزي بلفظ: «المكثرون»، ولم يقل: «في عباد الله، ورواه أحمد من حديث أبي سعيد بلفظ: «المكثرون»، وهو متفق عليه من حديث أبي ذر «هم الأخسرون» فقال أبو ذر من هم؟ فقال: هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا الحديث. قال العراقي في المغنى
(226/ 3)
(2) غريب لم أجده بهذا اللفظ، وللطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث عبد الله: «شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به يأكلون من الطعام ألواناً». وفيه أصرم بن حوشب ضعيف، ورواه هناد بن ابن السري في الزهد من رواية عروة بن رويم مرسلاً، والبزار من حديث أبي هريرة بسند ضعيف: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم وتنبت عليه أجسامهم قاله العراقي في المغنى (226/ 3). (3) رواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث أبي أمامة: سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب يتشدقون في الكلام أولئك شرار أمتي». وسنده ضعيف، ولم أجد فيه أصلاً. قاله العراقي في المغنى (227/ 3).
(4) رواه البزار من حديث أنس وفيه هاني بن المتوكل ضعفه ابن حبان، راجع المصدر السابق. (5) لم أقف عليه - العراقي في المصدر السابق. (2/242)
صفحة 699
قنطرة الدنيا
243
إلى قبره، والثالث إلى محشره فالذي يتبعه إلى قبض روحه، فماله، والذي يتبعه إلى قبره فأهله، والذي يتبعه إلى محشره عمله (1).
وقال الحواريون لعيسى عليه السلام ما لك تمشي على الماء، ولا نقدر نحن على ذلك؟ قال لهم: ما منزلة الدنانير والدراهم عندكم؟ قالوا: حسنة. قال: لكنهما عندي والمدر
سواء.
وروي أن سلمان رحمه الله كتب إلى أبي الدرداء يا أخي إياك أن تجمع من الدنيا مالا تؤدي شكره، فإني سمعت رسول الله الله يقول: (يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه، فكلما تكفى به الصراط قال له امضي قد أديت حق الله في ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها، وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له: ويلك ألا أديت حق الله في فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور (2) وكل ما تقدم من الأخبار في ذم الدنيا فهو يتناول / ذم المال بحكم العموم؛ لأن المال أعظم أركان الدنيا.
وقد قال فيما بلغنا: لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا (3).
وقال أيضاً: «إذا مات العبد قالت الملائكة: ما قدم؟ وقالت الناس: ما خلف (4)؟. وأما الآثار: فقد روي عن الحسن البصري أنه قال: والله ما أعز الدنانير والدراهم أحد إلا أذله الله عز وجلا.
وقيل: أول ما ضرب الدنانير والدراهم رفعهما إبليس ووضعهما على جبهته [ثم قبلهما] (5)، فقال: من أحبكما فهو عبدي حقاً. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّة (6) الآية. ويقال: إنها لما نزلت هذه الآية، قال النبي: «تباً للذهب، تباً للفضة».
(1) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث النعمان بن بشير بإسناد جيد نحوه، ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو الشيخ في كتاب الثواب والطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند جيد أيضاً وفي الكبير من حديث سمرة بن جندب وللشيخين من حديث أنس يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد الحديث - قاله العراقي في المغنى (227/ 3). (2) قلت ليس هو من حديث سلمان إنما هو من حديث أبي الدرداء أنه كتب إلى سلمان كذا رواه البيهقي في الشعب وقال بدل الدنيا المال وهو منقطع. قاله العراقي في المصدر السابق. (3) رواه الترمذي والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود بلفظ فترغبوا قاله العراقي في المغنى (228/ 3). (4) رواه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة يبلغ به. (المغنى 227/ 3).
(5) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (228/ 3).
(1)
سورة التوبة الآية: 34.
[288/ب] (2/243)
صفحة 700
244
[1/ YA 9]
قنطرة الدنيا
فشق ذلك على أصحابه فقالوا وأي مال نتخذ؟ فقال: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه (1).
وعن أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره ديناران. فقال عليه
السلام: «کيتان (2).
أن وروي رجلاً نال من أبي الدرداء وأراه سوءاً فقال: اللهم من فعل في سوءاً فأصح جسمه، وأطل عمره، وأكثر ماله فانظر كيف رأى مع كثرة المال غاية البلاء مع صحة الجسم وطول العمر؛ لأنه لا بد أن يفضي به ذلك إلى الطغيان. أن علياً بن أبي طالب وضع في كفه ذهباً ثم قال: أما إنك ما لم تخرج عني لا
تنفعني.
وروي
وروي
أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى زينب بنت جحش زوجة النبي صلى الله عليه وسلم بعطائها، فقالت: ما هذا؟ قالوا: أرسل إليك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالت: غفر الله له. ثم حلت ستراً كان لها فقطعته صرراً، وقسمته بين أهل رحمها وأيتامها، ثم رفعت يديها وقالت:
اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فكانت أول نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقت به. وقال بعض العلماء: إن الدنانير والدراهم أزمة / المنافقين يقادون بها إلى النار. وينشد:
النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء بينهما إن لم يكن ورعا ماذا يكابد بين الهم والنار وذلك أن الدينار والدرهم هما الدنيا كلها إذ يتوصل بهما إلى جميع أصنافها، فمن صبر على الدنيا ولذلك قيل:
عنها صبر
إني وجدت فلا تظنن غيره هذا التورع بين هذا الدرهم وإذا ظفرت برهم فترکته فاعلم بأن تقواك تقوى مسلم وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لكل أمة عجل يعبدونه، وعجل أمتي هذان الحجران الذهب والفضة (3).
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (366/ 5). المتقى الهندي في الكنز (6112، 6312، 6313). وابن كثير في التفسير (81/ 4).
(2) رواه أحمد من رواية شهر بن حوشب عنه قاله العراقي في المغنى (271/ 4). (3) رواه أبو منصور الديلمي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي من حديث حذيفة بإسناد فيه جهالة. قاله = (2/244)
صفحة 701
قنطرة الدنيا
245
وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الدرهم عقرب فإن أحسنت رقيته فخذه، وإلا فلا تأخذه؛ فإنه إن لدغك قتلك سمه. .. قيل: وما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. وينشد: لا يغرنك من المرء قميص رقعه وإزار فوق كعب الساق منه رفعه ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه
وعنه أنه قال: «ما من أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتا» (1).
وعنه عليه السلام أنه قال: «طوبى لمن رزق الإسلام وهدى له وكان عيشه كفافاً ورزق
القنوع فقنع (2). وكان الأوزاعي كثيراً يتمثل بهذه الأبيات:
المال ينفد حله وحرامه يوماً وتبقى بعد أنامه المتقي بمتق لإلاهه حتى يطيب طعامه وشرابه ويطيب ما يجني ويكسب أهل ويطيب من لفظ الحديث كلامه وعن يحيى بن معاذ أنه قال: مصيبتان لم يسمع الأولون والأخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته. قيل: وما هما؟ قال: / يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله وأمثال هذه الآثار كثيرة. [290/ب]
بيان وجه الحكمة في الجمع بين مدح المال وذمه
اعلم أن الله سبحانه قد سمى المال خيراً في مواضع من كتابه وسماه فتنة أيضاً، وجعل الدنيا دار تكليف وعمل كما جعل الآخرة دار جزاء وقرار وخلق الإنسان للعبادة، وجعله محتاجاً إلى أمور لا تقوم البنية إلا بها، ولا يعيش الإنسان إلا من أجلها من الطعام والشراب، واللباس والمسكر. وجعله محتاجاً عاجزاً فجعل لنيل حاجته أسباباً ولدفع عجزه حيلاً دله بالعقل عليها وأرشده بالفطنة إليها، فقال تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (3). فقال مجاهد: قدر أحوال خلقه فهدى إلى أسباب سبل الخير والشر.
العراقي في المغني (198/ 4).
(1) رواه ابن ماجة من رواية نفيع بن الحارث عن أنس، ونفيع ضعيف قاله العراقي في المغني (232/ 3). (2) رواه الترمذي وصححه، والنسائي في الكبرى من حديث فضالة بن عبيد، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه قاله العراقي في المصدر السابق. (3) سورة الأعلى الآية: 3. (2/245)
صفحة 702
246
قنطرة الدنيا
وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (1). قال: يعني الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، ثم لما كان العقل دالاً على أسباب ما تدعو الحاجة إليه، جعل تعالى الأمور والأرزاق موقوفة على ما قسم وقدر لكيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فطنهم لتدوم له الرغبة والرهبة ويظهر منه تعالى الغنى والقدرة ولذلك قيل:
كم من حريص عليها لا تساعده
وعاجز نال دنياه بتقصير
لم يرزقوها بعقل عندما قسمت لكنهم رزقوها بالمقادير لو كان عن حيلة وعن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير
وقيل لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. قال وما أصنع بالقدر والمناظرة فيه، رأيت ظاهراً فاستدللت به علي،باطن رأيت جاهلاً مرزوقاً وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس
إلى العباد. فلما كان الإنسان مضطراً كما قدمنا لزمه أن يصرف إلى دنياه حظاً من عنايته؛ لأنه لا
غنى به عن التزود منها لآخرته ولا له به عن سد الخلة فيها عند حاجته. وليس / في هذا الكفاية عن الرغبة فيها بل الراغب فيها ملوم، وطالب فضولها مذموم والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة والفضول إنما ينطلق على ما زاد على الكفاية. ومقصد الأكياس وأرباب البصائر وسعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم، والملك
المقيم، إذ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» (2).
وفي خبر آخر: سئل عن أكرم الناس وأكيسهم. فقال: أكثرهم للموت ذكراً وأشدهم له استعداد». فهذه السعادة لا تنال إلا بثلاثة أشياء: في الدنيا وهي الفضائل النفسية: كالعلم، وحسن الخلق والفضائل البدنية كالصحة والسلامة والفضائل الخارجة عن البدن: كالمال، وسائر أسباب التمتع فأعلاها النفسية، ثم البدنية، ثم الخارجة وهي أخسها، والمال من جملة الخارجات وأدناها الدنانير والدراهم؛ لأنهما خادمان لدرك حاجات النفس المطلوب سعادتها ولا خادم لهما؛ لأنهما ممن أدان لغيرهما لا لذاتهما، إذ هما حجران لا يؤكلان ولا يشربان والنفس تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق، لتحصلها صفه في ذاتها،
(1) سورة البلد الآية: 10. (2) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن أوس قاله العراقي في المغني (368/ 3).
[1/ 191] (2/246)
صفحة 703
قنطرة الدنيا
والبدن يخدم النفس بالأعضاء والحواس والمطعم والملبس والمنكح يخدمن البدن.
247
أما المطعم والملبس فلبقاء البدن، وأما المنكح فلبقاء نسله، فالبدن يخدم النفس لتزكيتها وتزينها بالعلم والعمل فمن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال، ووجة شرفه، وأنه خير من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي. ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة بقاء النفس التي تطلبه لها السعادة. فتبين مما ذكرنا أن المال خير، ويصلح أن يتخذ إله للمعاصي التي هي الصارفة للإنسان سعادة الآخرة فهو إذا فتنة وشر فمن اتخذ من الدنيا عن أكثر ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر كما / ورد به الخبر، ولما كانت الطباع مائلة إلى إتباع [292/ب]
وعدة
الشهوات القاطعة عن طريق الآخرة، وكان المال مسهلاً لها وعدة لها عظم الخطر فيما يزيد على الكفاية، فاستعاذ الأنبياء من شره حتى قال نبينا عليه السلام: اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا (1). فلم يطلب من الدنيا إلا ما لا بد منه وكان خيراً له فلما كان المال يحتوي على فوائد منجية وغوائل مهلكة كان ينبغي لنا أن نشير إلى مجموع فوائده وتفصيل غوائله، وبالله التوفيق (2).
فصل: في بيان تفصيل غوائل المال وفوائده
اعلم أن المال مثل الحية فيها سم ناقع، وترياق نافع ففوائدها ترياقها الذي يعمل من لحمها وآفاتها سمومها، فمن عرف غوائلها وأفاتها أمكنه أن يحترز من شرها، وينتفع بخيرها. وأما الفوائد فهي تنقسم إلى: دنيوية يشترك الناس في معرفتها ولولا ذلك لم يتهالكوا في طلبها، وإلى دينية تنحصر بجميعها في ثلاث أنواع:
الأول: أن ينفقه على نفسه إما في عبادة يؤديها كالحج والجهاد، وهما من أمهات القربات، والفقير المحروم من فضلهما. وأما أن ينفقه فيما يقويه على العبادة، وذلك هو المطعم، والملبس والمنكح وضرورات المعيشة، فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة
على الدين من الفوائد الدينية، ولا يدخل فيها التنعم، لأنه من حظوظ الدنيا.
الثاني: ما يصرف إلى الناس وهو أربعة أقسام:
أحدها: الصدقة، ولا يخفى ثوابها؛ فإنها تطفئ غضب الرب تعالى.
(1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (152/ 8)، (283/ 9). وقال العراقي في المغني (229/ 3):
متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(2) راجع معظم الباب في الإحياء (229/ 3). (2/247)
صفحة 704
248
قنطرة الدنيا
الثاني: المروءة ونعني به صرف المال في الأغنياء والأشراف في هدية، وضيافة،
وإعانة، وما يجري مجراه؛ فإنها أيضاً من الفوائد الدينية إذ به يكسب العبد الإخوان والأصدقاء [1/ 293] / ويتصف بالسخاء والجود، وهذا أيضاً مما يعظم الثواب فيه، فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات، وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها.
[1/ 294]
والثالث: وقاية العرض ونعني به (1) بذل المال لقطع ألسنة السفهاء ودفع شرهم واغتنابهم إذا قال: «ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة (2). فكيف لا وفيه منع المغتاب من معصية الغيبة، وإحتراز عما يؤثر من كلامه من العداوة التي تحمل على المكافأة
والانتقام.
الفكر
الرابع: الاستخدام وذلك أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسباب المعيشة كثيرة لو تولاها الإنسان بنفسه ضاعت أوقاته، ولم يصل إلى العلم والعمل فضلاً والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين لطريق الآخرة، ومن لا مال له فيحتاج إلى خدمته
ذلك
عن
بنفسه من كسب القوت وعلاجه وغير ذلك فيشتغل عن العلم والعمل والذكر والفكر. النوع الثالث: ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام: كبناء المساجد، والمدارس والرباطات، ونصب الأخباب في الطرق، وحفر الأنهار والآبار للآجر، وما أشبه من الخيرات المؤبدة الدائمة بعد الموت المستجلبة أدعية بركة الصالحين إلى أوقات متمادية، وناهيك بها خيراً، فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الإخلاص من ذل السؤال، وحقارة، الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق، وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء والتوقير والكرامة في القلب، وكل ذلك مما يقتضيه المال في الحظوظ الدنيوية. وأما آفات المال أيضاً فتنقسم إلى: دينية ودنيوية.
أما الدينية: فثلاثة:
،
الأولى: أن يجر إلى المعاصي بإتباع الشهوات؛ لأن المال نوع من / القدرة يحرك داعية المعاصي وإرتكاب الفجور، فإن اقتحم ما اشتهاه هلك، وإن صبر وقع في شدة، إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
الثانية: أن
يجر إلى التنعم في المباحات هذا أقل الدرجات، فإن اعتاد التنعم واشتد أنسه
(1) في الأصل بها. وهو لحن أو سهو من الناسخ والتصويب من الإحياء (230/ 3). (2) رواه أبو يعلي من حديث جابر. قاله العراقي في المغني (230/ 3). (2/248)
صفحة 705
قنطرة الدنيا
249
بها ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات وسائر الأخلاق الردية لينتظم له أمر دنياه، ويتيسر له التنعم فيها، فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس فينافقهم ويداريهم ويداهنهم، ويعصي الله تعالى في طلب مرضاتهم ليسلم له ماله، وإن قل ماله، وهو قد اعتاد التنعم فلا بد من مباشرة المحضورات ليتيسر له من الناس قضاء الحاجات، ومن الحاجات إلى الخلق تثور العداوة والصداقة، وينشأ عليها الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وسائر معاصي القلب واللسان، ويتعدى ذلك أيضاً إلى معاص الجوارح، وكل ذلك من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه. والثالثة: يشغله إصلاحه عن ذكر الله وقد قال تعالى: (لَا تُلْهِيكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله) (1).
وكل ما شغل العبد عن ذكر الله فهو حسرات ولذلك قال عيسى عليه السلام: من المال ثلاثة: أن تأخذه من غير حله قيل: إن أخذه من حله (2)؟ قال: أن يضعه في غير حقه. قيل: إن وضعه في حقه؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله تعالى وفي خبر آخر قال عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة والمال فيها داء كبير.
قيل:: فما دواءه؟ قال: «يأخذه من حله ويضعه في حقه. قيل: فإن فعل؟ قال: «يشغله إصلاحه عن ذكر الله تعالى (3) وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادة ومخها ذكر الله تعالى [295/ب]
والتفكر في أفعاله ويستدعى ذلك قلباً فارغاً، وصاحب المال مشغول القلب بالتفكر في إصلاح ماله وأسباب حفظه، وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها والذي معه قوت يومه في سلامة
جميع
ذلك إذا رزق القناعة.
من
وأما الآفات الدنيوية: فهي ما يقاسيه أرباب الأموال من الأخطار والأهوال والهم والتعب وخوف القطاع والسلاطين الظلمة ودفع الحساد وأصحاب الطمع عنه وغير ذلك من تجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه، فإذا ترياق المال أخذ القوت وصرف الباقي إلى الخيرات وما هموم وآفات، وبالله التوفيق (4)
عداه
(1) سورة المنافقون الآية: 9.
(Y)
(4)
في الأصل من غير حله. ولفظ غير زائد على السياق فحذفته والتصويب من الإحياء (231/ 3). (3) قال العراقي عن الشطر الأول. في المغنى (197/ 3) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا، والبيهقي في
شعب الإيمان من طريقه من رواية الحسن مرسلاً.
(4) راجع الباب في إحياء علوم الدين:2303: 231). وفيه تفصيل أكثر. (2/249)
صفحة 706
250
فصل
قنطرة الدنيا
ومن كتاب الضياء وغيره قال: وقد اختلف الناس في تفضيل الغنى والفقر. اتفاقهم إن ما أحوج إلى الفقر فمكروه، وما أبطر من الغنى فمذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر؛ لأن الغنى مقتدر والفقر عاجز والقدرة أفضل من العجز قال: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.
وروي عن النبي أنه قال: كاد الحسد أن يغلب القدر، وكان الفقر يكون كفراً (1).
وقال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة وإن كان شيء مثلها فالغنى وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثله فالفقر. وقال في منثور الحكم: القبر خير من الفقر. قال: وجد في نيل مصر مكتوب على حجر عاقبة الصبر نجاح، وغنى ورداء الفقر من نسج الكسل. وقد روى عن النبي له أنه قال: «الفقر الموت الأحمر». وقال في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر (2). وقد تقدم من الأدلة على فضل الغنى [1/ 296) ما يكفي قال: وذهب أخرون إلى تفضيل / الفقر على الغنى. قالوا: لأن الفقير تارك، والغني ملابس وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال: وهذا مذهب من غلب عليه حب
السلامة.
وقد روي عن النبي أنه قال: «أول من يقرع باب الجنة فقراؤكم، وأهل الجنة ضعفائكم، وشرار أمتي من يساق إلى النار بالأقماع». قيل: ما الأقماع؟ قال: «الذين إذا أكلوا بعوا (3).
وعنه عليه السلام: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة. وذلك خمسمائة سنة، والفقير أفضل من الغني لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه خزائن السموات الأرض فاختار تركها فصبر على الفقر، فمحال أن يختار أدنى الحالتين بل اختار
أفضلها والله أعلم. قال: وعيّرت اليهود عيسى عليه السلام بالفقر. فقال: من الغنى أتيتم.
(1) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (8/ (52) ابن الجوزي في تذكرة الموضوعات (174)، والعجلوني في كشف الخفا (159/ 2) العقيلي في الضعفاء (254/ 1) (206/ 4)، ابن أبي شيبة في المصنف (94/ 9)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (320/ 2). (2) أطراف الحديث عند النسائي في المجتبى (267/ 8)، أحمد في المسند (36/ 5، 39، 42)، الحاكم في المستدرك (35/ 1، (252) وابن السن في اليوم والليلة (67، 85، 98). (3) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (4/ 1)، المنذري في الترغيب والترهيب (27/ 3)، وأبي نعيم في الحليلة (49/ 3)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (264/ 2). (2/250)
صفحة 707
قنطرة الدنيا
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: من نيل الفقراء أنك لا تجد أحداً.
فأخذه محمود الوراق فقال:
يا عايب الفقر ألا تزدجر
251
يعصي
الله ليفتقر،
الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله على الغني لو صح منك النظر
إنك تعصي كي تنال الغنى ولست تعصي كي
وقال ابن المقفع:
تفتقر
دليلك أن الفقر خير من الغنى وأن قليل المال خير من المثر
لقاءك مخلوقاً عصى الله بالغني
ولم تر مخلوقاً عصى الله بالفقر
وعن أبي الدرداء قال رسول الله: «ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وعلى جنبها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين يا أيها الناس هلموا إلى ربكم / إن ما قل [297/ب] وكفى خير مما كثر وألهى (1). وقد تقدم أيضاً من دليل الفقر ما فيه كفاية.
وقد روى أبو ذر رحمه الله: كان يقال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام لا تنساني على كل حال؛ فإن نسياني يقسي القلوب، وإن كثرة المال تكثر العيوب يا موسى إذا رأيت المال مقبلاً فذلك ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين.
وقد روي عن النبي أنه قال: إن هذا الدرهم والدنيا أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم (2). قال: وسئل عبد ا الله بن عباس عن الدرهم والدنيار. فقال: أما الدرهم فدار هم، وأما الدنيار فدار نار. والأخبار في مثل هذا كثيرة.
قال: وذهب أخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج من حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين ويسلم من، مذمة الحالين، وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن خير الأمور أوسطها وبذلك نطق القرآن قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (3).
(1) أطراف الحديث عند المنذري في الترغيب والترهيب، (49/ 2)، (199/ 4)، والزبيدي في الإتحاف (612/ 8)، والسيوطي في الدر المنثور (26/ 6)، والمتقى في الكنز (162 43).
(2) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلية (112/ 4)، الطبراني في الكبير (117/ 10)، الهيثمي في
المجمع (122/ 3)، والمتقى الهندي في الكنز (6107).
(3) سورة الفرقان الآية: 67. (2/251)
صفحة 708
252
قنطرة الدنيا
قال لنبيه عليه السلام: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبَسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً) (1). فتبين أن الاعتدال في الإنفاق خير من الإسراف والإقتار هذا مع ما وردت به السنة عن النبي عليه السلام أنه قال: (خير الأمور أوسطها (2).
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: خير الأمور النمط الأوسط إليه يرجع العالي وبه يلحق
الداني وينشد:
لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعاً وسطا
وقال آخر:
عليك بأوسط الأمور فإنها نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعباً وحكي عن أبي المعتمر السلمي أنه قال: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء، / وفقراء وأوساط. فالفقراء: موتى إلا من أغناه الله بعز القنوع، والأغنياء: سكارى إلا. عصمه الله، من بتوقع الخير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط، وأكثر السوء مع أكثر الفقراء والأغنياء، لسخف الفقر وبطر الغنى. وقال بعض الشعراء:
أعوذ بك اللهم من بطر الغنى ومن نهكة البلوى ومن ذلة الفقر ومن أمل يمتد في كل شارق ويرجعني منه بحظ يد صفر إذا لم تدنسني الذنوب بعارها فلست أبالي بما تشعب من أمر وهذا القول عندي في أعدل الأقاويل؛ لأن النبي عليه السلام إستعاذ من الفقر المدقع ومن الغنى المبطر وسأل ربه الكفاف وهي النجاة والعفاف، وبالله التوفيق.
الباب الثالث في أمثلة الدنيا
اعلم أن الدنيا سريعة الفناء وشيكة الانقضاء تعد بالبقاء، ثم تغلف في الوفاء، تنظر
(1) سورة الإسراء الآية: 29.
(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلاً. قاله العراقي في المغنى (56/ 3)،
(165/ 3)
[1/ 298] (2/252)
صفحة 709
قنطرة الدنيا
253
إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيراً عنيفاً، ومرتحلة ارتحالاً سريعاً. ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يتحسر عند إنقضائها ومثالها في ذلك كالظل، فإنه متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر، لا تدرك حركتها بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة. ويروي أنه ذكرت الدنيا عند الحسن فقال:
أحلام نوم أو كل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع
ومن كتاب سراج الملوك: وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام يستفيد منه شيئاً فوجده مشغولاً عنه بذكر الله، والفكر لا يفتر ثم التفت إليه في اليوم السابع.
"
فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل / خير، والتوفيق تاج كل بر. فقال: كيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلاً من الحكماء قد [299/ب]
سنة،
شبه الدنيا بسبعة أشياء: بالماء المالح يغر ولا يروي، يضر ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يغر ولا يمطر، وبظل الغمام يغر، ويخذل ويزهر الربيع يغر بنظرته ثم يصفر فتراه هشيماً، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل. قال: فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين ثم زدت عليها حرفاً آخر فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها. ثم رأيت جدي في المنام فقال لي: يا بني أنت وأنا منك والله كالغول تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها قال: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالصبر، والصبر بالعبر، والعبر بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها ولا أراك خلفي متجرداً بقول دون فعل. فكان ذلك آخر العهد وكان الحسن بن علي يتمثل ويقول:
مني
هي
يا أهل لذة دار لا بقاء لها إن إغتراراً بظل زائل حمق
وكان
يري أنه من قوله. ويقال: نزل أعرابي بقرم فقدموا له طعاماً، فأكل ثم قام إلى ظل
خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه وقام وهو يقول:
ألا إنما الدنيا كظل بنيته ولا بد يوماً أن ظلك زائل وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون أو معاقبون (1). وقيل لحكيم: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: أحلام النائم.
(1) لم أجد له أصلاً قاله العراقي في المغنى (210/ 3). (2/253)
صفحة 710
254
قنطرة الدنيا
وقال بعض العلماء: ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما [1/ 300] يحب، فبينما هو كذلك إذا انبته فكذلك / الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به (1).
مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها بنيها: اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولاً، والتوصل إلى الهلاك آخراً، وهي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحتهم
ذبحتهم.
وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: لا أحصيهم. فقال: أو كلهم مات عنك أو كلهم طلقوك؟ فقالت: بل كلهم قتلت فقال عيسى بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم (3) واحداً واحداً فلا يكونون منك على حذر؟ مثال آخر: وقد روي عن علي بن أبي طالب كتب إلى سلمان الفارسي رحمه الله بمثال الدنيا فقال: مثل الدنيا مثل الحية يلين مسها ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك هموماً، لما أيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها، أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما إطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها إلى مكروه والسلام. وينشد: هي الدنيا كحية تنفث السم وإن كانت المحشة لانت مثال آخر، في تعذر الخلاص من تباعاتها بعد الخوض فيها: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي على الماء هل يتسطيع الماشي على الماء أن لا تبتل قدماه (3). وينشد: ألقوه في اليم مكتوفاً فقالوا له: إياك إياك أن تبتل بالماء
فهذا يعرفك جهالة أقوام ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم، وقلوبهم عنها [1/ 301] مطهرة، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة / ذلك مكيدة الشيطان، بل لو اخرجوا مما هم فيه لكانوا أعظم المتفجعين بفراقها كما أن الماشي في الماء يقتضي بللاً يلتصق بالقدم لا محالة،
(1) في الأصل بها - والتصويب من الإحياء (210/ 3).
(2) في الأصل: تهلكم وهو تحريف والتصويب من المصدر السابق. (3) رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشُّعب من رواية الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكره، ووصله البيقهي في الشعب، وفي الزهد من رواية الحسن عن أنس قاله العراقي في المغنى (211/ 3). (2/254)
صفحة 711
قنطرة الدنيا
255
فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب لا محالة بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع
حلاوة العبادة.
وقد روي عن عيسى عليه السلام أنه قال: بحق أقول لكم كما ينظر المريض إلى طعامه
ما
ولا يستلذ به من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع. يجد من حب الدنيا، بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت، وتنصب بالعبادة تقسو وتغلظ.
وبحق أقول لكم: إن الزقاق ما لم تنخرق أو تنحل توشك أن تكون وعاء للعسل، كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوة، أو يدنسها الطمع، أو يقسها النعيم، يوشك أن تكون أوعية
للحكمة.
وقال نبينا عليه السلام: إن ما بقى من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله (1).
مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة إلى ما سبق عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل هذه الدنيا كثوب شق من أوله إلى آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع (2). مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض لدرجة الهلاك وعن عيسى عليه السلام أنه
قال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها لنضارة أوائلها وحيث عواقبها: اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوة الأطعمة في المعدة، وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهية / والتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها، وكما أن [302/ب] الطعام كلما كان ألذ طعماً وأكثر دسماً، وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتناً وكذلك كل
في
شهوة في القلب هي أشهى وألذ فتنتها وكراهيتها والتأذى بها عند الموت أشد، بل هي الدنيا مشاهدة، فإن من نهبت داره وأخذ ماله وأهله فتكون مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقده بقدر لذته فيها وحبه لها وحرصه عليها فكل ما كان عند الوجود أشهى وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر، وما للموت معنى إلا فقد ما في الدنيا.
(1) رواه ابن ماجة من حديث معاوية، فرّقه في موضعين ورجاله ثقات المرجع السابق. (2) رواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب، وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس
بسند ضعيف. المصدر السابق. (2/255)
صفحة 712
256
قنطرة الدنيا
وقد روي أن النبي، قال للضحاك بن سفيان الكلابي: ألست تؤتي بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه اللبن والماء؟ قال: بلى قال: «فإلى ما يصير؟». قال: إلى ما قد علمت يا رسول الله، قال: فإن الله ضرب مثل الدنيا إلى ما يصير إليه طعام ابن آدم (1). وعن أبي بن كعب أو غيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم
مثلاً وضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلاً وإن قزحه وملحه (2).
قال الحسن: قد رأيتهم يطيبونها بالأفاويه والطيب ثم يرمون بها حيث رأيتم. وينشد: ولقد سألت الدار عن أخبارهم فتبسمت عجباً ولم تبدى حتى وقفت على الكنيف فقال لي: أموالهم بكمالها عندي وقال الله سبحانه: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) (3).
وعن ابن عباس قال: إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر: أريد أن أسألك وأستحي. واسأل. قال: إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه؟ قال: نعم إن
قال: لا تستحي
الملك يقول له انظر هذا ما بخلت به صار إلى ما صار.
وكان فيما بلغنا بعض السلف يقول: انطلقوا / بنا حتى أريكم الدنيا، فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم. مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلنيظر بماذا.
يرجع إليه) (4)
مثال آخر: لاغترار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم بقوله تعالى في تحذيره إياهم بغوائل الدنيا. قال الحسن: بلغني أن النبي الا الله وقال لأصحابه: «إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي، وقد أنفدوا الزاد وأحسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا: قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا
(1) رواه أحمد، والطبراني بنحوه وفيه علي بن زيد بن جدعان مختلف فيه. قاله العراقي في المغنى
(212/ 3)
(2) رواه الطبراني، وابن حبان بلفظ: «إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً. رواه عبد الله بن أحمد في
زياداته بلفظ: (جعل) - المصدر السابق.
(3) سورة عبس الآية: 24.
(4) رواه مسلم من حديث المستورد بن شداد المصدر سابق.
[1/ 303] (2/256)
صفحة 713
قنطرة الدنيا
257
من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء. قالوا: ما هذا؟ قال: على ما أنتم؟ قالوا: على ما ترى. قال: أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئاً. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله أن لا يعصوه شيئاً. قال: فأوردهم ماءً رواءً ورياضاً خضراء فمكث فيهم ما شاء الله. ثم قال لهم: يا هؤلاء. قالوا: ما هذا؟ قال: الرحيل قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم. فقال أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لا نجده وما نصنع بعيش خير من هذا؟ قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله أن لا تعصوه. ره شيئاً وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم، فبدر بهم العدو فأصبحوا من بين أسير وقتيل (1) مثال آخر لتنعم الناس في الدنيا ثم تفجعهم على فراقها: اعلم أن مثل الناس فيما [304/ب]
(1)
أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ داراً وزينها، وهو يدعو إلى داره قوماً على الترتيب واحداً بعد واحد فدخل واحد الدار فقدم إلى طبق ذهب عليه بخور ورياحين يشمه ويتركه لمن يلحقه، لا لمن يتملكه ويأخذه فجعل رسمه فظن أنه قد وهب ذلك منه فتعلق قلبه به لما ظن أنه له. فلما استرجع منه ضجر وتفجع ومن كان عالماً رسمه انتفع به فشکره ورده بطيب قلب واستراحة فكذلك من عرف سنة الله في الدنيا، علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منه، وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري فلا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها.
صدر،
مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم في نعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة، وخسرانهم لها: واعلم أن أهل الدنيا في غفلتهم مثلهم كمثل قوم ركبوا سفينة وإنتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحوائج وحذرهم المقام فيها وخوفهم مرور السفينة وإستعجالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم الحاجة وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خالياً، فأخذ أوسع الأماكن وأوفقها لمراده، وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها، وأنوارها العجيبة، وغياضها الملتفة، وطيورها الطيبة، فصار يلحظ من زينة أحجارها، وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقوش، ثم تنبه لخطر فوات
(1) رواه ابن أبي الدنيا هكذا بطوله لأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان الحديث وفيه فقال: أي أحد الملكين إن مثل هذا وكمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فذكر نحوه أخصر منه وإسناده حسن قاله العراقي في المغنى (213/ 3: 214).
قناطر الخيرات ج/ 2 م/17 (2/257)
صفحة 714
258
قنطرة الدنيا
السفينة، فرجع إليها ولم يصادف فيها إلا مكاناً ضيقاً حرجاً فاستقر فيه، وبعضهم أكب على [1/ 305] تلك الأصداف والأحجار فأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه / بإهمالها، فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكاناً ضيقاً وزادته الحجارة ضيقاً وصارت ثقلاً عليه ووبالاً، فندم على أخذه ولم يقدر على رميه ولم يجد مكاناً لوضعه فحمله في السفينة على عنقه متأسف وهو على أخذه، وليس ينفعه التأسف وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب، وقعد في متفرجه، ومتنزهه حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار والنسيم لتلك الأنوار، والتفرج بين تلك الأشجار، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع غير خال من السقطات والنكبات، ولا ينفك عن شوك ينتشب بثيابه وغصن يجرح، بدنه وصوت هائل يفزع منه، فلما بلغهم نداء السفينة انصرف بعضهم مثقلاً بما معه، ولم يجد في المركب موضعاً وبقي على حتى مات جوعاً. وبعضهم لم يبلغه النداء، فسارت السفينة، فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك، ومنهم من مات في الأوحال، ومنهم: من نهشته الحيات وتفرقوا كالجيف المنتنة، وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه الحجارة المزبرجة، فقد استرقته وشغله الحزن لحفظه، والخوف من فواته، وقد ضيق عليه مكانه، فلم يلبث إلى أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت ألوان الأحجار، فظهر نتن ريحتها، فصارت مع عفنها مضيقة عليه، ولم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هرباً منها، وقد أثر فيه ما أكل منها، فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بتلك الروائح فبلغ سقيماً. ومن رجع قريباً، ولم يسعه المكان فتأذى بضيقه مدة ولكن لما وصل إلى الوطن استراح، ومن رجع أولاً وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالماً.
الشط
من
فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم عاقبة أمرهم، وما أقبح بمن يزعم بصير عاقل أن تغره حجارة الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبات وهي [1/ 306] زينة الدنيا / وشيء منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كله وبالاً عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله منهم وقليل ما هم
(1)
مثال آخر للدنيا ولابن آدم وقد ضرب حكماء الهند مثلاً للدنيا ولابن آدم فقالوا: مثل ابن آدم، والدنيا، وملك الموت كمثل رجل طرده الفيل فدخل له بستاناً فإذا فيه بئر فيه ثعبان فاتح فاه فدلى رجليه في البئر، فاستقرت على رؤوس أربع حيات صغار، وقد اعتمد هو على قصبة يخرج منها شيء حلو يمتصه، وفي أصل القصبة جرذان يقرضانها: أحدهما أبيض
(1) راجع المثال في إحياء علوم الدين للغزالي (212/ 3: 213). (2/258)
صفحة 715
قنطرة الدنيا
259
والآخر أسود فشغله ذلك الشيء الحلو الذي يمتصه عن الفيل الذي خلفه والثعبان الذي تحته، فبينما هو كذلك إذ ثار عليه بعض تلك الحيات فنهشته فوقع في فم الثعبان. قالوا: فالفيل ملك الموت يطرد الإنسان لقبض روحه منذ خرجه من بطن أمه والبستان مثل الدنيا، والبئر مثل القبر، والحيات الأربع الطبائع الأربع التي ارتكبت عليها الأجسام وهي المرة السوداء والصفراء والدم والبلغم، والقصبة عمره، والشيء الحلو رزقه والجرذان الليل والنهار يقطعان عمره، فإذا ثارت عليه إحدى الطباع كان ذلك سبب إنقطاع أجله فيموت فيقع في البئر وهو القبر والله أعلم. وقال بعض العلماء: الناس في الدنيا على ثلاث درجات:
إحداها: درجة الفائزين وهم الذين لم تدنسهم الدنيا بأهل ولا مال يحاسبون عليها. والثانية: درجة المخاطرين وهم المقتصدون في الأهل والمال في الدنيا، فإن نوقشوا عذبوا، وإن سومحوا نجوا.
والثالثة: درجة الهالكين وهم الذين رضوا بالحياة الدنيا وإطمأنوا بها: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّار) (1). ومثال هؤلاء الثلاثة والدنيا: كمثل ثلاثة نفر اجتازوا في سفر
(1).
،
على بستان قد تزخرفت أنواره، وأينعت فواكهه واطردت أنهاره، فائتمروا فيما بينهم على أخذ الزاد منه، فاعتذر أحدهم بحاجة واستمر في طريقه / فمال الإثنان إلى البستان فأخذ أحدهما منه [307/ب] زاده ولحق بصاحبه الأول بعد أن كابد مشقة، وبقي الثالث في البستان يتنعم بالفواكه والأنهار، حتى دخل عليه الخريف فغارت تلك الأنهار، ويبست تلك الفواكه والأزهار فهلك ولم يصل
إلى المقصود.
فالأول: من الفائزين.
والثاني: من المقتصدين.
والثالث: من الراغبين وبالله التوفيق.
من
بعد
أن
فهذه أمثلة الدنيا وغوائلها، وقد ضرب الله مثلاً للدنيا هو أعم هذه الأمثلة وصفها بخمس صفات مذمومات: لعب ولهو، وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد. فقال تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرُ (2). إلى قوله:
حُطاماً) (3).
(1) سورة هود الآية: 16. سورة الحديد الآية: 20.
(2)
(3)
سورة الحديد الآية: 20.
(Y), (2/259)
صفحة 716
260
قنطرة الدنيا
والكفار هاهنا الزراع فكما أن الزرع يكون في أوله ناعماً أخضر أحسن ما يكون في مرئي
العيون، ثم يهيج فتراه مصفراً، يعني: يجف، ثم يصفر ويحترق، ثم يدرس فيكون حطاماً أي تبناً مكسوراً، فكذلك مثل بني آدم يخرجون صغاراً، ثم يصيرون شباباً يعجبون الآباء، ويفتنون ذوي العقول والأحلام، ثم يهرمون فيصيرون شيوخاً منكسة رؤوسهم مقصوفة ظهورهم، قد ذهب حسنهم ونضارتهم، وتغير شبابهم وجمالهم، فيموتون؛ ثم يصيرون حطاماً في القبور كفتات الزرع، لأنهم مخلوقون من الأرض، وإليها مرجعهم، ومنها مبعثهم.
وقد روي في الخبر: رجلين تنازعا في أرض فانطق الله لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: إني كنت ملكاً من الملوك، ملكت الدنيا ألف سنة فأخذني خزاف وصيرني لبنة، فأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة فلم تتنازعان في هذه الأرض. والله أعلم وأحكم وبه العون
والتوفيق.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: الدنيا ستة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومركوب ومنكوح، ومشموم. فأشرف المطعومات العسل وهو مدقة الذباب، وأشرف المشروبات الماء يتسوى فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج [1/ 308] دودة، وأشرف المركوبات الفرس وعليها يقتتل / الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال. والله إن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأشرف
المشمومات المسك وهو دم حيوان.
أنا
بين يديك فخذ
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ضرب للدنيا مثلاً، ولابن آدم عند الموت كمثل رجل له ثلاث أخلاء فلما حضره الموت قال لأحدهم: كنت لي خلا موثراً مكرماً وقد حضرني من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله لا استطيع أن أنقض عنك، ولا أكشف كربك، ولكن ها مني زاد ينفعك. ثم يقول للثاني: كنت عندي أبر الثلاثة وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول: هذا من أمر الله غلبني عليك ولا أقدر أن أنقض كربك، ولكن سأقوم عليك في مرضك فإذا مت اتقنت غسلك وسترت جسمك وعورتك. وقال للثالث: قد نزل بي من أمر الله ما تراه وقد كنت أهون الثلاثة عليَّ فماذا عندك؟ فقال: إني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة ولا أدخل معك قبرك حتى تدخله ولا أخرج منه دونك ولا أفارقك أبداً». فقال عليه السلام: الأول، ماله، والثاني أهله، والثالث عمله، والله أعلم (1).
(1) راجع الأمثال الواردة في الدنيا في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فقد ذكرها وزاد عما هنا = (2/260)
صفحة 717
قنطرة الدنيا
261
الباب الرابع
في حقيقة الدنيا وتفصيل جملة معانيها
اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف المذموم منها والمحمود المندوب إلى الأخذ منها، فنقول: دنياك وآخرتك عبارة (1) عن حالتين من أحوال قلبك، فالقريب الداني منها
(2)
بعد
يسمى دنيا، وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى: آخرة، وهي ما الموت، فكل ما لك فيه حظ ونصيب وشهوة في عاجل الحال قبل / الوفاة فهي الدنيا في [309/ب] حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وشهوة فليس بمذموم بل هو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يصحبك في الآخرة وتبقى ثمرته معك بعد الموت وهو شيئان: العلم والعمل فقط؛ ونعني بالعلم العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعته.
ذلك
وأعني بالعمل: العبادة الخالصة لوجهه تعالى وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير. ألذ الأشياء عنده، وكذلك العباد، وقد يأنس بالعبادة الله تعالى فيستلذها، حتى لو منع منها لكان أعظم العقوبة عليه، حتى قال بعضهم: ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بني وبين قيام الليل. وكان آخر يقول: اللهم ارزقني قوة الصلاة والركوع والسجود في القبر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حبب إليَّ من دنياكم ثلاثة: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة (3). فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا، وذلك لأن كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من الدنيا والتلذذ تحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا. فذلك أضافها إلى الدنيا فقد صار العلم والعمل من الحظوظ العاجلة في الدنيا ولكن إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعن هذين منها أصلاً.
القسم الثاني: وهو المقابل للأول، وهو الطرف الأقصى وذلك كل ما للإنسان فيه حظ في الدنيا ولا ثمرة له في الآخرة، أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والمرغوبات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب
(1)
=
(~/ b+A: 314)
في الأصل عبارتان والتصويب من إحياء علوم الدين (214/ 3).
(2) في الأصل ملك والتصويب من المصدر السابق.
:
(4)
(3) رواه النسائي، والحاكم من حديث أنس دون قوله: «ثلاث». العراقي في المغنى (214/ 3).
(ع) في الأصل القناطر والتصويب من الإحياء (214/ 3). (2/261)
صفحة 718
262
قنطرة الدنيا
والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والجواري والنساء والقصور والدور، ورفيع الثياب [310/ 1) ولذائذ الأطعمة، فحظ العبد من هذا كله الدنيا المذمومة، وفيما يعد منها من الفضول / نظر
طويل.
هي
فاتخذ
إذ روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استعمل أبا الدرداء على حمص كنيفاً أنفق عليه در همين فكتب إليه من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عويمر، قد كان لك في بناء فارس والروم ما تكتفي به من عمران الدنيا حين أذن الله بخرابها، فإذا أتاك كتابي هذا فقد سيرتك أنت وأهلك إلى دمشق (1) فلم يزل بها حتى مات. فهذا رآه فضولاً في الدنيا
فتأمل فيه. القسم الثالث: وهو متوسط بين الطرفين وذلك كل حظ للإنسان في عاجل الدنيا معين على أعمال الآخرة كالقوت من الطعام والثوب الواحد الخشن وكل ما لا بد منه ليتأتى منه للإنسان البقاء والصحة التي تتوصل إلى العلم والعمل فهكذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه
معين عليه.
فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به متناولاً للدنيا ولم يصير به من أبناء الدنيا، وإن كان باعثه وقصده قضاء شهوته دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني فصار من جملة الدنيا، فلا يبقى عند العبد بعد الموت إلا ثلاث صفات؛ صفاء القلب، أعني طهارته من أدناس الدنيا، وأنسه بذكر الله تعالى، وحبه الله تعالى، فصفاء القلب وطهارته لا يحصل للعبد إلا بالكف عن شهوات الدنيا والأنس لا يحصل له إلا بكثرة ذكر الله والمواظبة عليه، والحب لا يحصل له إلا بالمعرفة ولا تحصل له معرفة الله إلا بدوام
الفكر، وهذه الصفات هي المنجيات المسعدات عند الموت، وهي الباقيات الصالحات. فإذا سلوك طريق الآخرة هي المواظبة على أسباب هذه الصفات الثلاث؛ وهي الذكر، والفكر، والعمل الذي يعصم العبد عن شهوات الدنيا ويبغض إليه لذاتها ويقطعه عنها، وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا بقوت وملبس ومسكن، وكل ذلك [1/ 311] يحتاج إلى أسباب. فالعذر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة / إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة، وإن أخذ ذلك الحظ للنفس وقصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها، إلا أن الرغبة في حظوظ الدينا تنقسم إلى ما
(1) في الأصل: ذي مشق والتويب من المصدر السابق. (2/262)
صفحة 719
قنطرة الدنيا
263
يعرض صاحبه للعذاب في الآخرة ويسمى ذلك حراماً، وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب ويسمى ذلك حلالاً، والبصير يعلم أن طول الموقف في
خسيسة هو
عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضاً عذاب إذ: من نوقش في الحساب فقد عذب (1). وقال عليه السلام حلالها حساب وحرامها عقاب (2). بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوته من الدرجات العلى في الجنة، وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها لحظوظ أيضاً عذاب، وقس به حالك في الدنيا إذا نطرت إلى أقرانك وقد سبقوك إلى سعادة دنيوية كيف يتقطع عليه قلبك حسرة؟ مع علمك بأنها سعادة منصرفة لا بقاء لها، ومنغصة بكدورة لا صفاء لها، فما حالك في فوات سعادة لا يحيط الوصف بعظمتها، وتنقطع الدهور دون غايتها، فكل من تنعم في الدنيا ولو بسماع صوت طائر وبالنظر إلى خضرة أو بشرية ماء بارد فإنه ينقص من حظه في الآخرة أضعافه وهو المعنى بقوله عليه السلام لعمر: هذا النعيم الذي تُسئل عنه يوم القيامة» (3). أشار إلى الماء البارد.
وللتعرض
من
نقصان
لجواب السؤال فيه ذل وخوف وخطر ومشقة وإنتطار، وكل ذلك من الحظ. ولذلك قال عمر رضي الله عنه: اعزلوا عني حسابها حيث كان به عطش، فعرض عليه ماء بارد بعسل فاداره في كفه ثم امتنع عن شربه فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها مذمومة إلا ما أعان على تقوى الله تعالى، فإن ذلك القدر / ليس (4) من الدنيا، فكل من كانت [312/ب] معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد.
حتى روي أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام، ثم رماه (ه) إذ تمثل له إبليس وقال: رغبت في الدنيا.
وحكي أن سليمان عليه السلام في ملكه كان يطعم الناس لذائد الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدة فإن الصبر على لذائذ الأطعمة أشد
مع وجودها.
(1) متفق عليه من حديث عائشة قاله العراقي في الغنى (215/ 3). (2) رواه البيهقي في الشُّعب من طريقه موقوفاً على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع، بلفظ: امها النار ولم أجده مرفوعاً. المصدر السابق.
(3) أطرافه عند أحمد (3/ 338) والنسائي في المجتبى الوصايا ب (4) الطبراني في الصغير (69/ 1)، في الكبير (252/ 19 254 (258، السهمي في تاريخ جرجان (360).
(4)
(0)
اللفظ في الأصل. فحذفت التكرار. رماها والتصويب من الإحياء (216/ 3).
في الأصل:: تكرر في الأصل: (2/263)
صفحة 720
264
قنطرة الدنيا
فلهذا زوى الله الدنيا على نبينا محمد و فكان يطوي أياماً (1)، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع. ولهذا سلط البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك نظر لهم وأمتنان عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكة ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحباً له لا بخلاً عليه.
وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس الله فهو من الدنيا وما الله تعالى فذلك ليس من الدنيا فإن قيل: فما الذي هو الله تعالى؟ فاعلم إن الأشياء ثلاثة أقسام:
منها: ما لا يتصور أن يكون الله، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة صورة ومعنى.
الآخرة
ومنها: ما صورته الله تعالى ويمكن أن يجعل لغير الله
وهي ثلاثة؛ الذكر، والفكر،
فهي
والكف عن الشهوات، فإن هذا الثلاثة إذا جرين سراً ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الله وليست من الدنيا وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للشرف وطلب القبول [1/ 313] من الخلق باظهار المعرفة، أو كان / الغرض من ترك الشهوات حفظ المال، أو المحبة لصحة البدن، أو لاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان يظن بصورته أنه الله تعالى. ومنها: ما صورته لحظ النفس، ويمكن أن يجعل معناها الله تعالى وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، وإن كان القصد للاستعانة على التقوى فهو الله تعالى بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا. وقد قال عليه السلام: «من طلب الدنيا حلالاً مكاثراً لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافاً عن المسألة. وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر (2). انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، والنبة فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعتبر عنه بالهوى وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (3).
(Y),
(1) رواه محمد بن خفيف في شرف الفقراء من حديث عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله، عجباً لمن بسط الله لهم الدنيا وزواها عنك ... الحديث وهو من طريق إسحاق معنعنا، وللترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس: أن النبي الله كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله. الحديث قال الترمذي حسن صحيح. العراقي في المعنى (216/ 3).
(2) رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف. قاله العراقي في
المغنى (217/ 3). (3) سورة النازعات الآية: 40. (2/264)
صفحة 721
قنطرة الدنيا
265
الآية. ومجامع الهوى خمسة أمور: وهي؛ ما جمعه الله سبحانه وتعالى في قوله: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَانُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ (1) ..
والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة هي سبعة فجمعها تعالى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) (2) إلى قوله تعالى: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (3).
وقد عرفت أن كل ما هو الله تعالى فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت لا بد منه وما لا بد منه من مسكن وملبس هو الله إن قصد به وجه الله تعالى والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة طرف يقرب من الضرورة فلا يضر، فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن وطرف يزاحم حيز التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر وبينهما وسائط متشابهة ومن يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه والحزم في الحذر والتقوى والتقريب من حد الضرورة ما أمكن للاقتداء بالأنبياء والأولياء إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة.
حتى روي أن أويس القرني رحمه الله / كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه [314/ب]
فبنوا له بيتاً على باب دارهم فكان تأتى عليه السنة والسنتان والثلاثة ولا يرون له وجهاً، وكان يخرج أول الأذان ويأتي إلى منزله مراراً بعد العشاء الأخيرة، وكان طعامه أن يلقط النوى، فكل ما أصاب من الحشف خبأه لإفطاره، فإن أصاب ما يقوته من الحشف تصدق بالنوى فإن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى واشترى ما يقوته، وكان لباسه مما يلقطه من المزابل من قطع الأكسية فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها فكان ذلك لباسه، وكان ربما مر بالصبيان فيرجمونه ويظنون أنه مجنون، فيقول لهم يا أخوتاه إن كنتم ترجموني فارموني بحجارة صغار فإني أخاف أن تدموني فتحضر الصلاة ولا أصيب الماء. فهكذا كانت سيرته ولهذا أعظم النبي الله، أمره، وأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أن يقرأه عنه السلام. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل شفاعته مثل ربيعة ومضر)
(4))
(1) سورة الحديد الآية: 20.
(2) سورة آل عمران الآية: 14. (3) سورة آل عمران الآية: 14.
(4)
يريد، أويساً، ورويناه في جزء ابن السماك من حديث أبي أمامة: يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة وإسناده حسن، وليس فيه ذكر لأويس بل في آخره، فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل بن عفان العراقي في المغنى (217/ 3).
عثمان (2/265)
صفحة 722
266
قنطرة الدنيا
وقصته مع عمر رضي الله عنه مشهورة وكذلك مع هرم بن حيان. وفي أثر أصحابنا أن أويساً قتل مع أهل النهروان رحمهم الله. فهذه كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدنيا، وقد عرفت بما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء وما أقلته الغبراء إلا ما كان الله عز وجل من ذلك. وضد الدنيا الآخرة، وهو كل ما أريد به الله عز وجل مما يؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا لأجل (1) قوة طاعة الله تعالى ليس من الدنيا لأن البدن مركب النفس يقطع به مسافة العمر، فتعهد البدن، فما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة وليس من الدنيا، نعم إذا قصد تلذذ البدن وتنعمه بشيء هذه الأشياء كان منحرفاً عن الآخرة بقدر ذلك، ويخشى عليه القسوة والله أعلم فهذه حقيقة الدنيا في حقك وبالله التوفيق (2).
من
| فصل: في بيان هيئة الدنيا وتفصيل أعيانها
اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة، وللإنسان فيها حظ، وله في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن أحدها وليس كذلك.
أما الأعيان الموجودة التي هي الدنيا عبارة عنها فهي: الأرض وما عليها: قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَة لَهَا} (3) الآية. فالأرض فراش الآدميين، ومهاد، ومسكن، ومستقر، وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح. ويجمع على الأرض ثلاثة أقسام: المعادن والنبات، والحيوان.
أما النبات: فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي.
وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والحديد والرصاص، وللنقد كالذهب
والفضة، وغير ذلك من المقاصد.
وأما الحيوان فينقسم إلى؛ الإنسان، والبهائم.
وأما البهائم: فتطلب لحومها للأكل وظهورها للمركب والزينة.
وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان، أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان، أو يطلب قلوب الناس ليملكها بأن يغرس فيها
(1) في الأصل لأجر والتصويب من الإحياء (219/ 3).
(2) راجع الباب في إحياء علوم الدين بأوسع مما هنا (214/ 3: 219).
(3) سورة الكهف الاية: 7.
[1/ 315] (2/266)
صفحة 723
قنطرة الدنيا
267
التعظيم والإكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين، فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا، وقد جمعه الله تعالى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ). إلى قوله: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1). وهما من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرهما من اللآلئ واليواقيت وغيرهما، والخيل الموسومات والأنعام؛ وهي البهائم والحيوانات، والحرث وهو النبات والزرع، فهذه أعيان الدنيا إلا أن لهما مع العبد علاقتين:
إحداهما: علاقة مع القلب؛ وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير
جميع
قلبه كالعبد أو كالمحب المستهتر الذي غلب عليه حب الدنيا. ويدخل في هذه العلاقة. صفات / القلب المتعلقة بالدنيا: كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة [316/ب] وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر فهذه هي الدنيا الباطنة. وأما الظاهرة فهي الأعيان التي
ذكرناها.
اشتغاله
العلاقة الثانية: مع البدن وهو بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون مبها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومثابهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين؛ علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف الإنسان نفسه، وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى؛ وأعني بالدابة البدن، فإنه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن كما لا تبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال.
ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثل الحاج الذي يقف في بعض منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويحمل إليها أنواع الحشيش ويسقيها حتى تفوته القافلة، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته، والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا بالقدر الذي يقدر به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة.
والحج إنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل المرحاض إلا بالضرورة، ولا فرق بين إدخال الطعام في الجوف وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن، فمن همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه.
وأكثر ما شغل الناس عن الله تعالى هو البطن، فإن القوت ضروري، وأما المسكن
(1) سورة آل عمران الآية: 14. (2/267)
صفحة 724
268
قنطرة الدنيا
والملبس فهو أهون فلو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور وأقتصروا عليها لم تستغرقهم [1/ 317] أشغال الدنيا، وإنما / استغرقتهم بجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظها، ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا واتصل بعضها ببعض، فتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الاشتغال ونسوا مقصورها وبالله التوفيق
(1)
الباب الخامس
في ترك الدنيا والزهد فيها
قال الله سبحانه لنبيه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنهُم إلى قوله:
(2)
خَيْرٌ وَأَبْقَى (2).
وعن أبي رافع قال ضاف رسول الله ضيفاً فلم يلق عنده ما يصلحه فأرسلني إلى رجل من يهود خيبر وقال لي: قل له قال لك محمد أسلف لي أو بعني دقيقاً إلى هلال رجب». قال: فأتيته فقال: لا والله إلا برهن. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «أما والله إني لأمين في أهل السماء وأمين في أهل الأرض ولو باعني أو أسلفني لأديت إليه، اذهب إليه بدرعي هذه فلما خرجت نزلت هذه الآية (3): {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) الآية. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: من لم يتأدب بأدب الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات (4). وفي. خبر آخر قال: ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر علمه، وحضر عذابه ومن نظر إلى ما في يد غيره طال حزنه، ولم يشف غيظه». قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (5) الآية. فأمر الله تعالى بفراقهن إن آثرن الدنيا على الآخرة.
من
وروي عن النبي لو أنه قال: «أوحى إليَّ كلمات، فدخلن في أذني، ووقرن في قلبي: أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على
(1) راجع في هذا الباب إحياء علوم الدين (219/ 3: 225) بتفصيل أكثر.
(2) سورة طه الآية: 131.
(3) سورة طه الآية: 131.
(4) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (312/ 1)، المتقى الهندي في الكنز (31937)، السيوطي في
الدر المنثور (313/ 4).
(5) سورة الأحزاب الآية: 28. (2/268)
صفحة 725
قنطرة الدنيا الكفاف (1)
269
وعن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله ما يكفي من الدنيا؟ قال: «ما سد جوعتك، وستر عورتك، فإن كان دار فذاك، وإن كان حمار، فبخ بخ، فلق من خبز، وجزء [318/ب] من ماء، وأنت مسؤول عما فوق الأزار (2).
وفي قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (3). قال مجاهد: كل من ملك بيتاً، وزوجة،
وخادماً فهو ملك.
وروي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المعنى صحيح، لأنه بالزوجة، والخادم مطاع في أمره، وبالبيت محجوب إلا بأمره.
وعنه أنه قال: والذي نفسي بيده ليدخلن فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمس مائة سنة، يأكلون فيها ويشربون ويتمتعون، والآخرون جائون على ركبهم، وليقولن لهم الجبار جل جلاله: أنتم كنتم ملوك الناس، وحكامهم وأهل الغنى فأروني ماذا صنعتم فيما
أعطيتكم (4).
وروي عنه أنه قال: ألتقى مؤمنان على باب الجنة فقير، وغني كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنة واحتبس الغني ما شاء الله أن يحتبس، ثم دخل الجنة، فلقيه الفقير، فقال: يا أخي إني احتبست بعدك محتبساً فظيعاً كريهاً، وما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده
ألف: كلها أكلت خمطاً لصدرت منه) منه رواة (5).
بعير
أن وروي عليه السلام قال: يا رب أي عبادك أغني؟ قال: أقنعهم بما أعطيته.
موسي
وينشد علي بن أبي طالب:
أفادتني القناعة كل عز وهل
أجل من القناعة
(1) راجع كنز العمال للمتقي الهندي (16165).
(2) أطرافه عند الحاكم في المستدرك (163/ 4)، ابن حجر في المطالب (3275)، المنذري في الترغيب
(110/ 1)
(3) سورة المائدة الآية: 20.
(4) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (3021)، الزبيدي في الإتحاف (571/ 10)، المتقى الهندي في الكنز (10359)، الهيثمي في مجمع الزوائد (216/ 10).
(5) عن نحوه قال العراقي في المغنى (221/ 4) رواه أحمد من حديث ابن عباس: «التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير. . . . الحديث وفيه: إني حبست بعدك محبساً فظيعاً وما وصلت إليك حتى العرق ما لو ورده ألف بعيراً كله حمض لصدرت عنه رواة وفيه دريد غير منسوب يحتاج إلى
سال مني معرفته قال أحمد حديثه مثله. (2/269)
صفحة 726
270
قنطرة الدنيا
فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعة
تحرز حين تغنى عن لئي
وتنعم في الجنان
بصبر
ساعة
كفافاً وقنع به» (1)
وعن النبي أنه قال: «طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه وقال: «ما من أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتاً في الدنيا» (2).
وقال: «ليس الغنى من كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس (3).
العيش ساعات تمر وخطوب أيام تر بعيشك ترضه واترك هواك وأنت حر
حتف ساق
ذهـ
ـــــاقوت ودر
وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ فقال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك وقيل لحكيم: ما مالك؟ قال: الغني في الظاهر، والقصد في الباطن، والإياس مما في أيدي الناس.
وروي
أن الله عز وجل قال: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت وإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فإنا لك محسن. وينشد:
حتى متى أنا في حل وترحال وطول سعي وإدبار وإقبال ونازح الدار لا أنفك مغترباً عن الأحبة لا يدرون ما حال بمشرق الأرض طوراً [ثم) مغربها (4) لا يخطر الموت من حرص على بال لو قنعت أتاني الرزق في دعة إن القنوع الغنى لا كثرة المال
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم بما أستحل من مال الله تعالى: حلتان لستتائي وقيظي، وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي، وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش، لست بأرفعهم ولا بأوضعهم، والله لا أدري أيحل ذلك أم لا، كأنه شك في أن هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها والله أعلم
(0)
(1) رواه الترمذي وصححه، والنسائي في الكبرى من حديث فضالة بن عبيد، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه، قاله العراقي في المعنى (232/ 3). (2) رواه ابن ماجة من رواية نفيع بن الحارث عن أنس، ونفيع، ضعيف المصدر السابق. (3) متفق عليه من حديث أبي هريرة. المصدر السابق.
:
(4) في الأصل عشرق، وعغربها. والتصويب والزيادة من الإحياء (234/ 3). (5) راجع الخبر، وغيره من الأخبار والأحاديث في إحياء علوم الدين (230/ 3: 234).
[1/ 319] (2/270)
صفحة 727
قنطرة الدنيا
271
في
فصل: في حكايات تدل على الزهد في الدنيا
وعن وهب بن منبه أنه قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إن أردت أن تسكن حظيرة الفردوس فكن في الدنيا فريداً وحيداً مهموماً وحيشاً بمنزلة الطائر الوحداني الذي يظل النهار في الفلوات ويأكل من رؤوس الأشجار ويشرب من ماء العيون فإذا كان / الليل [320/ب] آوى وحده ولم يأو مع الطير استئناساً بربه. ولبعضهم:
كم للحوادث من صروف عجائب ونوائب موصولة بنوائب ولقد تقطع من شبابك وانقضى ما ليس أعلمه إليك بآيب تبغي من الدنيا الكثير وإنما يكفيك منها مثل زاد الراكب وروي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مزمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه فدمعت عيناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الذي أبكاك يا
ابن الخطاب.
وحبيبه
قال: ذكرت کسري و قيصر وما هما فيه من الملك، وذكرتك وأنت رسول الله وصفيه نائم على سرير مزمول بشريط، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولا تكون لهم الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فذلك كذلك». ثم قال رسول الله: إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سافر في يوم صائف فرفعت له شجر فأستظل تحتها ثم راح وتركها (1).
وفي كتاب سراج الملوك: قال مالك بن أنس: بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام انتهى إلى قرية قد خربت حصونها ونسفت أشجارها فنادى يا خراب أين أهلك ثلاثاً؟ فنودي بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة، عيسى بن مريم فجد. قال: ومر بعض الملوك ببقراط الحكيم وهو نائم فركضه برجله فقال: قم، فقام غير مرتاع منه ولا ملتفت إليه. فقال له الملك: إلا تعرفني؟ قال: لا، ولكن أرى فيك طبع الدواب لأنها تركض برجلها. فغضب فقال: أتقول لي هذا وأنت عبدي؟ فقال بقراط له: بل أنت عبد عبدي. قال: وكيف ذلك؟ لأن شهواتك ملكتك وأنا ملكت الشهوات فقال: أنا الملك/ ابن [321/ب] الأملاك أملك من البلاد كذا وكذا ومن الرجال كذا وكذا ومن الأموال كذا وكذا. فقال: أراك
(1) أطراف الحديث عند مسلم في الصحيح (1107)، البيهقي في السنن الكبرى (46/ 7) ابن ماجة في
السنن (4153). (2/271)
صفحة 728
[1/ 322]
272
قنطرة الدنيا
تفتخر علي بما ليس من جنسك وإنما سبيلك أن تفتخر علي بجنسك، ولكن تعال نخلع ثيابنا ونترامى في هذا النهر فنتكلم فحينئذ يتبين الفاضل من المفضول. فانصرف الملك خجلاً. وروي أن الإسكندر
(1)
مر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك فبادوا، فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذا المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون بالمقابر، فدعا به فأتاه فقال له: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من غيرهم فوجدت ذلك سواء لا يتميز لي. فقال له: هل لك أن تتبعني فأحي بك شرف آبائك إن كانت لك همة. فقال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياه لا موت، وشباب لا هرم معه، وغنى لا يتبعه فقر، وسرور لا يغيره مكروه. فقال له الإسكندر: لا أقدر على هذا. فقال:
فانفذ لشأنك وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده فقال الإسكندر: هذا أحكم من رأيت. قال وروى الجاحظ قال: وجدت في حجر يا ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك ولرغبت في الزيادة من علمك ولقصرت في حرصك وحينتك، وإنما يلقاك غداً ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأنصرفت عنك أهلك، وحشمك، وتبرأ من صحبتك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد، ولا إلى أهلك عائد. وقال بعض الشعراء:
من
كان
يعلم أن الموت مدركه والقبر مسكنه والبعث مخرجه وأنه بين جنات ستبهجه يوم القيامة أو نار ستنضجه كل شيء سوى التقوى به سمج وما أقام عليه فهو أسمجه يرى الذي اتخذ الدنيا له وطناً لم يدر أن المنايا سوف تزعجه وقيل لبعض الزهاد: ما لك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: لأعلم
أني مسافر، وأنها دار بلغة وأن العصا من آلات السفر. فنظمه بعض الشعر فقال: حملت العصى لا لضعف أوجب حملها علي ولا إلى تحنيت من كبر ولكنني أكرهت نفسي حملها لأعلمها أن المقيم على سفر وعن وهب بن منبه أنه قال: خرج عيسى عليه السلام فلما ارتفع النهار مروا بزرع قد أمكن من الفرك. فقالوا: يا بني الله إنا جياع. فأوحى الله تعالى إليه أن أئذن لهم في قوتهم فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب
(1)
في ا الأصل: الاسكندري. وذكر بعد قليل على الصواب.
ذات
يوم مع
جملة
من
أصحابه (2/272)
صفحة 729
قنطرة الدنيا
273
الزرع، وهو يقول: زرعي وأرضي ورثتها من أبي بإذن من تأكلون يا هؤلاء؟ قال: فدعا عيسى عليه السلام ربه، فبعث الله عز وجل جميع من ملك تلك الأرض من لدن آدم عليه السلام، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله رجل وامرأة، كلهم ينادي: أرضي وزرعي ورثتها من أبي، ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى عليه السلام وهو لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة إليك يا رسول الله إني لم أعرفك زرعي ومالي لك حلال فبكى عليه السلام وقال: ويحك لا أرض لك ولا مال لك. وينشد لأبي العتاهية:
وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خف
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن
وأرتك قبرك في القبور
وأنت
إن المني
ولربما اتصل الشمات فحل بالقوم الشمت
/ وعن الأصمعي قال: لما زخرف الرشيد مجالسه وذوقها وضع فيها طعاماً كثيراً، [323/ب] وأرسل إلى أبي العتاهية فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا فقال:
عش ما بدا لك آمنا في ظل شاهقة القصور
قال: أحسنت ثم ماذا؟ قال:
يسعى
عليك بما اشتهيت
البكور لدى الرواح
فقال: أحسنت ثم ماذا؟ قال:
فـ
إذا النف
تقطع
وس
في ضيق حشرجة الصدور
فهاك تعلم موقاً هل كنت إلا في غرور
(2)
وينشد:
قال: فبكى هارون بكاء رحمه من حوله فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك (2) أمير المؤمنين لتسره، فأحزنته، فقال هارون: دعه فإنه رآنا في عمى كثير فكره أن يزيدنا عمى إن كنت تسمو إلى الدنيا وزينتها فانظر إلى ملك الأملاك هارون رام الأمور فأعطته مذاقها وسخر الناس بالتشديد واللين
(1) في الأصل: يا شاتماً. واحسبه تحريف والسياق بعده يؤكد ما أثبت. والله أعلم. (2) قوله: فقال الفضل بن يحيى بعث إليك. مكرره من الأصل، وحذفت التكرار.
قناطر الخيرات ج/ 2 م/18 (2/273)
صفحة 730
274
وعن
قنطرة الدنيا
حتى ظن أن لا شيء غالبه ومكنت قدماه أي تمكين راحت عليه المنايا روحة تركت ذا الملك والعز تحت الماء والطين الأصمعي أنه قال: إن النعمان بن امرؤ القيس الأكبر الذي بني الخورنق، أشرف عليه يوماً فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة في الدنيا، ونفوذ الأمور وإقبال الخلق والوجوه نحوه، فقال لأصحابه ما أوتي أحد مثل ما أوتيت فقال حكيم من أصحابه: أيها الملك هذا الذي أوتيت شيء لم يزل أو لا زال أو شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك؟ قال: بلى، [1/ 324] شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إليّ وسيزول / قال: أفسررت بشيء تزول عنك لذته وتبقى تبعاته؟! قال: فأين المهرب؟ قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة الله أو تلبس مسوحاً وتلحق
[1/ 325]
خير
فيما
بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس حتى يأتيك الموت. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت، وشباب لا يهرم وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى. قال: فأي. يغني والله لأطلبن عيش لا يزول أبداً. فانخلع عن ملكه، ولبس المسوح وسار في الأرض، وتبعه الحكيم يسبحان ويعبدان الله حتى ماتا وفيه يقول عدي بن زيد:
إلي ــه
وتذكر أخا الخورنق إذا أشـ رف يوماً وللهدى تفكير ره حاله وكثرة ما يمـ لك والبحر معرضاً والسدير فارعوى قلبه فقال وما غب طة حي إلى الممات يصير اين کسري كسرى الملوك أنو شر وان أم أين قبله سابور؟ وأخو الحصن إذ بناه وازدج لة الخبور اده مر مراً وجلله كل ساً فالطير في داره وكور لم يهبه ريب المنون فباد المـ للك عنه وبابه مهجور ان. عيسى عليه السلام كان مع صاحب له يسبح الله تعالى؛ فأصابهما الجوع وقد أتيا إلى قرية، فقال عيسى عليه السلام لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً. في هذه القرية، فقام عيسى يصلي، فجاء رجل بثلاثة أرغفة، فأبطأ عليه انصرف عيسى من الصلاة فأكل رغيفاً. فلما انصرف عيسى قال: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ما كان إلا اثنان قال فمرا على وجوههما حتى مرا بظباء فدعى عيسى عليه السلام ظبياً منها فذكاه فأكلا منه، ثم قال له عيسى: ثم بإذن الله الموتى فإذا يشتد، فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى عليه السلام: بالذي أرك هذه الآية من صاحب الرغيف؟ فقال: ما كان إلا اثنان.
محيي
وروي
فمضيا/ على وجوههما فمرا بنهر عجاج عظيم فأخذه عيسى عليه السلام فمشيا على (2/274)
صفحة 731
قنطرة الدنيا
الماء
حتى جاوزاه. فقال الرجل: سبحان الله. فقال عيسى عليه السلام: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف؟ فقال: ما كانا إلا اثنان فمشيا حتى أتيا قرية عظيمة خربت فإذا قريب منها لبن ثلاثة من ذهب. فقال الرجل: ما هذا؟ فقال عيسى عليه السلام: أجل هذا مال واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف. فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف. فقال عيسى: هي
لك كلها.
ثم فارقه فأقام هو عليها ليس. معه من يحملها عليه فمر ثلاثة نفر فقتلوه فأخذوا اللبن. فقال اثنان لواحد منهم: انطلق إلى القرية فأتنا بطعام فذهب فقال أحد الباقين: نقتل هذا الرجل إذا جاء فنقسم المال بيننا. فقال الذي ذهب: اجعل لهما في الطعام سماً، فأقتلهما وأخذ اللبن فلما جاء، قتلاه، وأكلا من الطعام الذي جاء به، فماتا، فمر بهم عيسى عليه السلام وهم حول اللبن قتلى. فقال: هكذا تصنع الدنيا بأهلها.
وبيده رقعة
وعن محمد زيد قال دخلت على المأمون وكان يومئذ وزيره فرأيته قائماً فقال: يا محمد أقرأت ما فيها؟ فقلت هي في يد أمير المؤمنين، فرمى بها إلي فإذا بها
مكتوب:
إنك في دار لها مهلة يقبل فيها عمل العامل ما ترك الموت محيطاً بها تقطع فيها أمل الأمل تعجل الذنب لما تشتهي وتأمل التوبة من قابل والموت يأتي بك ذا غفلة ماذا يفعل الحازم العاقل فلما قرأتها، قال المأمون: هذا أحكم شعر قرأته والله أعلم.
فصل
اعلم رحمك الله أن الدنيا إذا وصلت تباعات، موبقة وإذا فارقت فجعات محرقة، تقبل
إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب وتصل وصال الملول وتفارق فراق العجول، فخيرها / وعيشها قصير، وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة، ولذاتها، فانية وتباعاتها، باقية، فاغتنم غفوة [326/ب] الزمان، وانتهز فرصة الإمكان، وخذ، من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لرمسك.
حكاية من كتاب حياة القلوب
قال: وروي عن
مالك بن دينار أنه كان ماشياً
في
أزقة البصرة، وإذ هو بجارية من
جواري الملوك راكبة ومعها الخدم والحفدة، فسمع مالك حسها خلفه فالتفت، فرأى زهوها (2/275)
صفحة 732
276
فكان
من
قنطرة الدنيا
وهيئتها وجمالها فأثبت فيها بصره، ثم نادها يا جارية أيبيعك مولاك فلما فجأتها منه هذه الكلمة، وهو في هيئته تلك في عباءته وتواضعه قالت أمسكوا مطيتي، كيف قلت يا شيخ؟! قال: أقول لك هل يبيعك مولاك؟ قالت: ويلي عليك ولو باعني هل لمثلك ما يبتاعني به؟ قال: نعم، وخير منك فاستضحكت وقالت لغلمانها: سيروا به. قال: فحفوا به. قال: خلوا عنى أنا أسير إليكم فسار معهم حتى أتت قصرها، فقام حجبة الدار لها، فدخلت فأنزلوها، فبقى مالك بالباب فدخلت إلى مولاها فقالت يا مولاي ألا تتعجب لشيخ لقيني شأنه كذا وكذا، فحدثته فأضحكته. فقال: أين هو ويلك؟ قالت: قد جئت به هو بالباب. قال: ادخلوه، فدخل مالك ولم يعرفه الرجل فلما وقف بباب مجلس إذا ببيت منجد بضروب سرية من الوطئ والمتكأ، فإذا هو قاعد على فراش من قدره وشأنه فشخص مالك ينظر. فقال: أدخل أيها الشيخ فقال: لا أدخل أو ترفع هذا الوطئ بشرفه وفتنته عني حتى لا أطأ منه شيئاً ولا أنظر إليه. قال: فألقى الله له الهيبة والطاعة في قلبه، فأمر برفع الوطئ والبسط حتى كشف الرخام فقعد ورب البيت على كرسيه قال: اجلس أيها الشيخ كما أحببت. قال: لا والله أن تنزل معي. على هذا المرمر، وتنزل عن كرسيك. قال فجلس وجلس [1/ 327] / الملك معه. فقال له الرجل: قل حاجتك يا شيخ قال جاريتك التي دخلت عليك آنفاً
اتبيعنيها. قال: وهل لك ما تبتاعها به؟ قال: وما ثمنها؟ قال: إن من شأنها وقدرها وحالها كذا وكذا إنها تساوي كذا وكذا ألفاً قال: ما بيني وبينك من قيمتها إلا يسير، ثمنها عندي نواتان مسوستان. قال: فضحك وضحكت الجارية من وراء الستر وضحك خدمة الدار. قال مالك: ما أضحككم؟ قال: وكيف كان ثمنها عندك بهذه الخساسة؟ قال: لكثرة عيوبها. قال: وما أعلمك بها؟ قال: أنا أعلمك بعيبها ما تعلم به علمي بها. قال: فقل. قال: فإنها إن لم تتعطر دفرت، وإن لم تستك بخرت، وإن لم تغتسل وضرت وإن لم تمشط وتدهن قملت وشعثت، وإن تعمر عما قليل هرمت فذات، بخر ودفر، وبصاق ومخاط وقمل، وشعث، وهرم وحيض، وبول، وغائط، وأقذار جمة، وآفات بينات كيف لا تغلو عليّ بنواتين مسوستين فلعلها لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لتنعمها بك وتنعمك بها، لا تفي بوعدك، ولا تصدق في ودك، ولا يخلف عليها أحد إلا رأته مثلك، وأجد بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت. من سلاله الكافور، ولو مزج بريقها الأجاج لطاب، ولو دعي ميت بكلامها لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت، دونه، ولو برز لسواد الليل لسطع فيه نوره، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتزخرفت، ولو نفخ ريح ذوائبها الأرض لأرجت العطر ولم تتعطر الشكلة، ولو تصنعت لقسمت المتعشقة التي نشأت بين رياض المسك والزعفران (2/276)
صفحة 733
قنطرة الدنيا
277
و قصرت في أكنان النعيم، وغديت بماء النسيم، فلا يكسف بالها، ولا يتوقع ضدها، فأيهما أحق برفعة الثمن أيها المغبون؟
قال: التي والله وصفت. قال: فإنها الموجودة بالثمن القريب الخطب. قال: فما ثمنها رحمك الله؟ قال: اليسير المبذول إن تتفرغ ساعة / من ليلك فتقوم بركعتين تخلصهما لربك، [328/ب]
وأن يوضع طعامك وتذكر جائعاً وتؤثره الله على شهوتك، وأن تخطر بالطريق فتعزل منه حجراً أو مدراً، وأن تحرك لسانك بطيب من الكلام ذاكراً، وأن تقطع أيامك بالبلغة، وترفع همك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القنوع ربحاً، وتأتي غداً إلى موقف الكرامة آمناً، وتنزل على الملك الكبير مخلداً.
قال: فما برح الرجل أن قال: يا جارية قالت: لبيك يا مولاي. قال: أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قالت: نعم سمعت. قال: أصدق أم كذب؟ قالت: بلى والله صدق، وبر، ونصح. قال: فأنت إذا حُرة لوجه الله تعالى، وضيعة كذا وكذا عليك صدقة، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا وهذه الدار صدقة بما فيها وجميع مالي في السبيل، وبسط يديه إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فأجتذبه فرمي به عليه فاستتر به قالت الجارية: لا عيش لي دونك فرمت بكسوتها ولبست ثوباً خشناً فخرجت معه فودعها مالك ودعى لهما. قال: وأخذا طريقاً، وأخذ مالك آخر. قال ناقل الحكاية فذكر أنهما لم يزالا متعبدين الله تعالى عاملين حتى لقيا الله تعالى على ذلك والله أعلم.
فصل في الزهد
ويروى عن رسول الله أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً أزهده في الدنيا وأرغبه في الآخرة وبصره عيوب نفسه (1).
وعنه أنه قال: «أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». وعنه أنه قال: «من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعليم وهدى بغير هداية فلزهد في الدنياه (2).
وعنه أنه قال: «من إشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن خاف النار لهى عن
(1) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله: ورغبه في الآخرة» وزاد: «فقهه في الدين». وإسناده ضعيف العراقي في المغنى (219/ 4).
(2) لم أجد له أصلاة. المصدر سابق. (2/277)
صفحة 734
278
قنطرة الدنيا
[1/ 329] الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب (1). قال ابن عيينة: الزهد ثلاثة أحرف زاي وهاء ودال فالزاي: أن تترك زينة الدنيا، ومعنى الهاء: أن تترك هواها ومعنى الدال أن تترك الدنيا بأثرها، فإذا كان هكذا فحينئذ زاهداً. وقال إبراهيم بن أدهم الزهد ثلاثة أصناف فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد
يسمى
سلامة.
:.
فإما الزهد الفرض: فالزهد في الحرام والزهد الفضل فالزهد في الحلال، والزهد السلام: فالزهد في الشبهات.
وقيل لبعض العلماء: ما الزهد؟ قال: التقى. وقال: لما يزهد الرجل في الدنيا إلا نطقت الحكمة على لسانه.
وقال بعض الحكماء الزهد زهدان زهد في الدنيا وزهد في الرئاسة فمن زهد في الدنيا ولم يزهد في الرئاسة لم ينفعه زهده في الدنيا، ومن زهد في الرئاسة كان في الدنيا أزهد. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الزهد في الدنيا راحة القلب والجسد. وعن أبي سليمان الداراني قال: ليس الزاهد من نفى هموم الدنيا واستراح منها، وإنما الزاهد من زهد في الدنيا وتعب فيها للآخرة.
وقيل لبعض العلماء: ما رأس الزهادة؟ قال أخذ الأشياء من حلها، ووضعها في حقها. وقال بعض الحكماء الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الذهب والفضة لأنه يبذل
الذهب والفضة في طلب الرئاسة.
وعن أبي سليمان قال: كل ما شغلك عن الله من أهل ومال فهو مشؤم. وقال: الزهد
عندنا ترك كل شيء يشغلك عن الله عز وجل. وقال رجل لسفيان بن عيينة: أشتهي أن أرى عالماً، زاهد قال سفيان: ويحك تلك
ضالة لا توجد.
وعن وهب بن منبه أنه قال: إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل
البوابون يقولون: وعزة الله لا يدخلها أحد قبل الزاهدين والعاشقين للجنة.
(1) رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بن أبي طالب قاله العراقي في المصدر السابق. (2/278)
صفحة 735
قنطرة الدنيا
279
وعن يحيى بن معاذ أنه قال: إذا رأيت الزاهد يستريع إلى الرخص / فاعلم أنه قد بدا له [330/ ب]
في طلب الزهد.
وقيل له متى يكون الرجل زاهداً؟ قال: إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا كحرص الحريص على طلبها. وقال بعض السلف: إني أشتهي من الله ثلاث خصال؛ أن أموت يوم أموت ولي في ملكي درهم ولا يكون على دين ولا على عظمي لحم. فقيل: إنه أعطى ذلك. وعن عبيدة بن عمير أنه قال: كان عيسى بن مريم عليهما السلام يأكل الشجر ويلبس
وروي
الشعر وليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام. وقيل: لو اتخذت حماراً. فقال: أنا أكرم على الله أن يشغلني بحمار. أنه كان ماشياً في يوم صائف وقد مسه حر الشمس والعطش فجلس في ظل خيمة فخرج إليه صاحب الخيمة. فقال له: يا عبد الله قم من ظلنا فقام عيسى عليه السلام: فقال لست أنت الذي أقمتني إنما الذي لم يرد أن أصيب منها شيئاً. وقال: يا معشر الحواريين أنه من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير)
(1)
وعن ابن عباس قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول:
إذا أردت شريف الناس كلهم فانظر إلى ملك في زي مسكين ذاك الذي حسنت في الناس سيرته وكان يصلح للدنيا والدين
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن الزهد فقال: «أما إنه ليس بإضاعة المال، ولا بتحريم الحلال، ولكن إنما تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يدك، وأن يكون ثواب
المصيبة أرجع عندك من
بقائها.
وقال بعض السلف:
إلى يوم القيامة.
من ضبط بطنه ضبط دينه، وكان بلية أبيكم آدم من أكله وهي بليتكم
وقد اختلف علماء السلف في الزهد ما هو؟، فمنهم من قال: الزهد إنما هو الحرام لأن
الحلال مباح من قبل الله سبحانه.
وقيل: / الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد. وقال آخرون الزهد في الدنيا إنما هو [331/ب]
قصر الأمل. وقيل: الزهد الثقة بالله مع الفقر.
(1) راجع إحياء علوم الدين (225/ 4). (2/279)
صفحة 736
280
[1/ 332]
(1)
قنطرة الدنيا
وهذان القولان من أمارات الزهد لا الزهد نفسه لأنه لا يقوى العبد على (1) الزهد إلا
بقصر الأمل والثقة بالله عز وجل.
وعن يحيى بن معاذ أنه قال: لا يبلغ أحدكم حقيقة الزهد حتى تكون فيه ثلاثة: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رئاسة.
وقال بعضهم الزهد ثلاثة أوجه ترك الحرام وهو زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث زهد ما يشغل القلب عن الله تعالى وهو زهد العارفين. وفي مثلهم قيل:
فما صحبوا الأيام إلا تعففا وما وجدوا من حب سيدهم بدا أفاضيل صديقين أهل ولاية إلى سيد السادات قد جعلوا القصدا تحلل عقد الصبر من كل صابر وما حلل الأيام من عقدهم عقدا وقال بعض الحكماء الزاهد نظره في الدنيا، عبرة وكلامه فيها حكمة، وسكوته فيها القضاء. عند البلاء ويشكر عند الرخاء ويرضى بجميع
فكرة، يصبر.
وعن يحيى بن معاذ قال: الزاهد الصادق قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أدرك الدنيا سجنه والقبر، مضجعه والخلوة مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والتقوى إرادته والصمت غنيمته والصبر معتمده، والتوكل حسبه، والعقل دليله والعبادة حرفته، والجنة مبلغه.
فصل
اعلم أرشدك الله أن الزهد في الدنيا يفيد الإنسان أمرين:
أحدهما: كثرة العبادة فإن الرغبة في الدنيا يشغل ظاهر الإنسان بالطلب وباطنه بالمحبة لها وحديثه النفس باشتغالها فالنفس واحدة والقلب واحد وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه فمهما اشتغل القلب بشيء انقطع عن ضده.
وعن أبي الدرداء أنه قال حاولت الجمع بين العبادة والتجارة فلم يجتمعا فاقبلت وتركت التجارة. وعن عمر رضي الله عنه قال: لو كانتا مجتمعتين لأحد غيري لاجتمعتا (2) إلي لما أعطاني الله من القوة فإذا كان الأمر هكذا فاضرر بالفانية والسلام.
(1) في الأصل عن وهو تحريف والسياق يقتضي ما أثبت. (2) في الأصل: لاجتمعت. وهو لحن أو سهو من الناسخ. (2/280)
صفحة 737
قنطرة الدنيا
281
وقد روي عن النبي أنه قال: من أحب دنياه أضر بآخرته من أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى
وقد روي عن سليمان الفارسي رحمه الله أنه قال: إن العبد إذا زهد في الدنيا استنار قلبه بالحكمة وتعاونت أعضاؤه في العبادة. فبان بهذا أن العبادة لا تكثر ولا تستقيم إلا بالزهد. والأمر الثاني: الذي يفيد الزهد هو شرف العمل وعظم قدره به.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ركعتان من رجل زاهد قلبه خير وأحب إلى الله عبادة المتعبدين إلى أخر الدهر أبداً سرمداً (2).
من
فإذا كانت العبادة تشرف وتكثر بذلك فحق لمن طلب العبادة أن يزهد في فضول الدنيا
ويتجرد عنها.
وقد قال بعض العلماء: الزهد زهدان زهد مقدور للعبد، وزهد غير مقدور؛ فالذي هو
مقدور ثلاثة: أشياء ترك طلب المفقود من الدنيا وتفريق المجموع منها، وترك إرادتها.
وأما الزهد الذي هو غير مقدور للعبد: فهو برودة الدنيا على قلب الزاهد. ولكن الزهد الذي هو مقدور للعبد هو مقدمات الزهد الذي هو غير مقدور له، فإذا أتى به العبد بأن لا يطلب ما ليس عنده من الدنيا، ويفرق ما عنده فيها، ويترك بالقلب إرادتها أورثه برودة الدنيا على قلبه. لأجل الله تعالى وعظم ثوابه، وهذا هو الزهد الحقيقي. والشأن كله في الإرادة قال الله سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيْدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتَهَا (3) الآية. وقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ (4) الآية. في أمثالها أما ترى الإشارة كلها إلى الإرادة فالأمر المهم إذاً حب الدنيا / وإرادتها لأن [333/ب] حب الشيء يعمي، ويصمّ، لكن العبد إذا إستقام على الأولين - أعني الترك والتفريق - فمأمول من فضل الله تعالى دفع هذه الإرادة والحب عن قلبه إذ قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (5). الآية.
(1)
قال العراقي في المغنى: (197/ 3) حديث أبي موسى الأشعري: من أحب دنياه أضر بأخرته .... الحديث - رواه ـ أحمد، والبزار والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه.
(2) أطراف الحديث بنخوه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (290/ 5)، أبي نعيم في تاريخ أصبهان
(212/ 1)
(3) سورة هود الآية: 15. (4) سورة الإسراء الآية: 18. (5) سورة العنكبوت الآية: 69. (2/281)
صفحة 738
282
قنطرة الدنيا
ثم الذي يبعث على الترك والتفريق، ويهون ذلك على قلبه ذكر آفات الدنيا، وعيوبها. إذ قال بعضهم: تركت الدنيا لقلة غنائها وكثرة، عنائها، وسرعة فنائها، وخسة شركائها. وقال بعضهم: إن الدنيا عدوة الله عز وجل، ومن أحب أحداً أبغض عدوه ـ والله أعلم إن كان يجوز هذا القول على الدنيا مجازاً أم لا (1)؟ والأصل أن الدنيا في حقيقتها وسخة جيفة إذ كان آخرها إلى الغدر والتلاشي والاضمحلال لكنها جيفة ضمخت بطيب، وكسيت بزينة، فأعزت بظاهرها الغافلون، وزهد فيها العاقلون، أما الصالحون فزهدوا في حرامها ورأوه عذاباً.
حبها؟
وأما الصديقون: فزهدوا في حلالها ورأوه كالميتة لا يتناولونها إلا بالضرورة.
فإن قيل: كيف تصير الدنيا في شهواتها ولذاتها بمنزلة النار أو الميتة فطباعنا تقتضي
فاعلم أن من وفق التوفيق وعلم آفاتها على التحقيق فإنها تصير عنده كذلك وإنما يتعجب بهذا الراغبون العميان عن (2) آفاتها المغترون بظاهرها.
سم قاتل
ويتبين لك هذا بمثال، وذلك لو أن إنساناً صنع طعاماً لذيذاً، ثم طرح فيه قطعة. فأبصر ذلك رجل ولم يبصر آخر ووضع بين أيديهما طيباً مزيناً فالذي أبصر ذلك السم يكون
عنده بمنزلة النار ولما يعلم من آفاته لا يتناول منه على حال والرجل الجاهل بالسم يحرص عليه ويتعجب من صاحبه بل ربما سفهه. فهذا مثل حرام الدنيا مع البصراء المستقيمين، والجهال الراغبين فإن لم يطرح فيها السم، ولكن بزق فيه وامتخط ثم ضمخه وزينه، فالذي. [1/ 334] |شاهد منه ذلك الفعل يستقذره، وينفر عنه ولا يكاد / يتقدم عليه إلا عند الضرورة وشدة الحاجة، والذي لم يشاهد ذلك فهو بآفاته مغتراً بظاهره حريص عليه، فهذا مثل حلال الدنيا مع أهل البصيرة والاستقامة وأهل الرغبة والغفلة، وإنما إختلف حال الرجلين مع تساويهما في الطبع لعلم كان لأحدهما، وجهل كان مع الأخر.
فإن قيل: لا بد لنا من قوت يكون لنا قواماً فكيف نزهد في الدنيا؟ فاعلم أن الزهد في الفضول مما لا يحتاج إليه في قوام البنية، وإنما المقصود بالقوة التقوية على العبادة فإن سكنتك
(1) هذه إشارة طيبة منه وإلتفاتة جيدة قد تفوت على كثير من الناس إلا من رحم الله فالله أسأل أن يجعلها له
في ميزان حسناته وأن يرحمنا وإياه برحمته أمين.
(2) في الأصل على. وهو تحريف لسهو من الناسخ، والله أعلم. (2/282)
صفحة 739
قنطرة الدنيا
283
إرادتك فالله تعالى يقويك على العبادة بما شاء كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (1) الآية.
وإن لم تتقو على ذلك وطلبت وأردت، فأنو بذلك العدة والتقوى والطاعة دون الشهوة واللذة فإنك إذا نويت ذلك كان الطلب والإرادة منك خيراً وطلبا للآخرة، بالحقيقة لا للدنيا، ولا يقدح ذلك في الزهد والتوكل على الله تعالى. نسأله العون والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
تمت القنطرة الثامنة بحمد الله وحسن عونه والصلاة على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
(1) سورة الطلاق الآية: 2. (2/283)
صفحة 740
القنطرة التاسعة
من الكتاب قنطرة الخلق
اعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق ابن آدم لعبادته كلفه العمل بطاعته، فكان مفتقراً إلى الاجتماع مع جنسه محتاجاً إلى الاستماع بأنسه لتدوم به الألفة الجامعة، وتحدث بسبب اجتماعهم الذرية النافعة فافتقروا إلى أبنية محكمة، وبيوت متميزة لينفرد كل إنسان [335/ ب] بأهله، ويتميز من غيره ما كان من نسله، فاضطروا إلى الخلطة والتآلف. ولمن يصلح إلا على التعاون والتعفف لأن الإنسان مقصود بالأذية، محسود بالنعمة، فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً، وبالمعونة معروفاً، تخطته أيدي، حاسديه، وتحكمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مودة، فإذا كان ألفاً مالوفاً، ويبذل المعونة موصوفاً، انتصر بالإلفة على أعدائه، واستظهر بأهل معروفه على حساده فسلمت نعمته منهم وصفت مودة عنهم، وإن كان صفو الزمان عسيراً، وسلمة خطر.
وقد روي عن جابر بن زيد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس (1) وإذا كانت الإلفة بها يجمع الله الشمل، ويظهر من أجلها التعاون والوصل، والتناصر والبذل، ويمتنع بها الإنسان من الذل، ويكسب بها أنواع الفضل اقتضت الحكمة ذكر أسبابها مشروحة بأبوابها وأسبابها. الألفة ثمانية وهي؛ الدين النسب والمصاهرة والجوار، والملك، والإخاء، والمروة، والإفضال، ونحن نشرحها إن شاء الله في ثمانية أبواب.
الباب الأول في الدين
وهو الأول من أسباب الألفة فإنه يبعث على التناصر ويمنع من التقاطع والتدابر.
(1) قال الحافظ العراقي في المغنى: رواه أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد، والحاكم من حديث أبي هريرة. لكن لم تذكر فيه وخير الناس أنفعهم للناس، وجاء الإحياء دون ذكر هذه الزيادة. (2/284)
صفحة 741
قنطرة الخلق
285
قال الله سبحانه ممتناً على نبيه عليه السلام: هُوَ الَّذِي أَيَدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَكَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلْفُتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكنَّ اللَّهُ أَلْفَ بينهم) (1) الآية.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يرضى لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً / وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويكره لكم [1/ 336] ثلاثاً قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
وكل هذا منه حث على الألفة والعرب تقول: من قل ذل وينشد لقيس بن عاصم:
إن القداح إذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو حنق وبطش أيد عزت ولم تكسر وإن هي بددت فالهون والتكسير للمتبدد فلما كان غير الدين يقتضي الألفة كان الدين أولى وأحق وبمثل ذلك وصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوانا (2).
قد كان بين الأوس والخزرج من الاختلاف والتباين أكثر ما كان في غيرهم إلى أن أسلموا فذهبت إحنهم وأنقصعت عداوتهم فصاروا بالإسلام إخواناً متواصلين وبالألفة الدين أعواناً متناصرين قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمُ أَعْدَاء) (3).
(4)
يعني في الجاهلية: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) (1). بالإسلام.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وَدَا (5). يعني
محبة في قلوب الناس.
وعلى حسب
التآلف على الدين تكون العداوة فيه إذا اختلف بأهله فإن المسلم قد يقطع
(1) سورة الأنفال الآية: 63.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني في حديث نصه لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم رواه مسلم من حديث أبي هريرة وأوله متفق عليه من حديثه وحديث أنس لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً» متفق عليه من من حديث أبي هريرة.
(3) سورة آل عمران الآية: 103. (4) سورة آل عمران الآية: 103.
(5) سورة مريم الآية: 96. (2/285)
صفحة 742
[337/ب]
286
قنطرة الخلق
في الدين من كان به باراً وعليه مشفقاً هذا أبو عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر وأتى برأسه إلى الرسول لا طاعة الله ورسوله حين بقي على شركه تغليباً للدين على النسب وطاعة الله على طاعة الأب.
وفيه أنزل الله تعالى: {لا تَجِدُ قُوماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه
(1) ,
وَرَسُولَهُ إلى قوله: {وَأَيَّدَهُم بروح منه) (1). فلما كان الدين بهذه المنزلة اقتضى بين حقوقاً لا محالة. ونحن نجمع ذلك في ستة فصول:
الفصل الأول: في / الولاية والمحبة لهم والعداوة والبعض لمن خالفهم
أهله
وهما من أوثق عرى الإسلام قال الله سبحانه: {اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات) (2). وقال أيضاً: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (3) الآية.
فكما تجب الولاية لهم فكذلك تجب العداوة والبراءة ممن خالفهم قال الله سبحانه: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوكُمُ أَولِيَاءَ) (4). وقال: لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ. إلى قوله: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (5) ..
وقال مخبراً عن إبراهيم الخليل: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّا بُرَاءُ مِنْكُمْ). إلى قوله: (حَتَّى
(1) ,
تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ (6). في أمثالها من الآيات. وأما الأخبار:
فقد روي عن رسول الله هو أنه قال: يا ابن مسعود أي عرى الإسلام أوثق قال: الله ورسوله أعلم. قال عليه السلام الحب في الله والبغض في الله (7). وهما حقيقة الإيمان عند
أصحابنا ومن لم يدن بهما عندهم فلا دين عنده.
(1) سورة المجادلة الآية: 22.
(2) سورة الآية:
(3) سورة التوبة الآية: 71.
(4)
سورة الممتحنة الآية: 1.
(0) سورة التوبة الآية: 23.
(6) سورة الشعراء الآية: 70.
(7) قال الحافظ العراقي في المغني في حديث نصه أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله» رواه
من حديث البراء بن عازب وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه والخرائطي في مكارم الأخلاق من
أحمد حديث ابن مسعود بسند ضعيف. (2/286)
صفحة 743
قنطرة الخلق
287
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء: أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت
الراحة، وأما انقطاعك إليَّ فقد تعزرت بي ولكن هل واليت لي ولياً أو غاديت لي عدواً. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: والله لو صمت النهار ولا أفطرت وقمت الليل ولا أنامه وأنفقت مالي في سبيل الله علقاً علقا أموت يوم أموت وليس في قلبي حباً لأهل طاعته وبغض لأهل معصيته ما نفعني ذلك شيئاً.
وقال بعض العلماء: من هجر في ذات الله الأقرباء عوضه صحبة الأولياء. وقال ابن السماك عند موته: اللهم إنك تعلم إن كنت عصيتك كنت أحب من يطيعك فاجعل ذلك قربة مني إليك.
دار
وقال بعض السلف في بعض كلامه: هل تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في مع النبيين والصديقين والشهداء / والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي غيط [1/ 338] كظمته بأي رحم قاطع وصلته بأي زلة لأخيك غفرتها، بأي قريب باعدته في الله، بأي بعيداً
قاربته في الله.
،
وقال النبي يا اللي في بضع خطبه: «أنه من أعطى الله ومنع الله وأحب في الله وأبغض في الله
فقد استكمل خصائل الإيمان.
أن الله ويروي
عز وجل أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام هل عملت لي عمل قط؟ قال: اللهم صليت لك وصمت لك وتصدقت: قال الله عز وجل: إن الصلاة لك. برهان، والصوم لك جنة، والصدقة ظل، والذكر نور، فأي عمل عملت لي؟
قال
موسي
عليه السلام: إلهي دلني على عمل هو لك حتى أتيه. قال: يا موسى هل أوليت لي ولياً أو عاديت لي عدواً قط فاعلم يا موسى إن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض
في الله.
وعن الحسن قال: مصارمة الفساق قربة إلى الله تعالى.
وعنه أيضاً قال: لا يغرنك قول من يقول المرء مع من أحب فإنك لا تلحق الأبرار إلا بأعمالهم وإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم.
وروي
أن الله عز وجل أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني عبادة أهل السموات
وأهل الأرض وحب في الله ليس معك وبغض في الله ليس معك ما أغنى ذلك عنك شيئاً. (2/287)
صفحة 744
288
قنطرة الخلق
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: لو أن رجلاً أقام بين الركن والمقام يعبد ا
سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب.
الله
سبعين
ويروى عن كعب الأحبار أنه قال: أن الله عز وجل كتب كلمتين ووضعهما تحت العرش
قبل أن يخلق لم تعلم الملائكة بهما وأنا أعلم قال: يا أبا إسحاق ما هما؟
قال إحداهما كتب لو أن رجلاً يعمل عمل جميع العالمين بعد أن تكون صحبته من الفجار أنا الذي أجعل عمله إثماً وأحشره مع الفجار والأخرى لو أن رجلاً يعمل عمل جميع
[339/ ب] الأشرار بعد أن تكون / صحبته مع الصالحين والأبرار ومحبتهم فأنا الذي أجعل إثمه حسنات واحشره يوم القيامة مع الأبرار والصالحين.
ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم والتمسوا رضا الله بسخطهم قالوا يا روح الله فمن نجالس؟ قال: جالسوا من تذكر الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله. ولا بد في الولاية للمسلمين من اعتقاد الحب لهم في القلوب وإظهار الاستغفار لهم باللسان، وكذلك في البراءة من الكفار لا بد فيها من إعتقاد البغض لهم في القلوب وإظهار الشتم لهم باللسان. وقد ذكرنا شروط الولاية والبراءة وأقسامهما في كتاب قواعد الإسلام فاقتصرنا في. الكتاب على ذكر الحقوق وبالله التوفيق.
الفصل الثاني: في السلام
وهو من حقوق أهل السلام والابتداء به سنة ورده واجب
(1)
(2)
قال الله تعالى: (وَإِذَا حُبِيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (2).
هذا
وروي عن النبي أنه قال: والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: هو أن يسلم عليه إذا لقيه، فذكر عشر خصال رواه الشيخان من حديث أبي هريرة حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس، وفي رواية لمسلم حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته تسلم عليه، وزاد عليه إذا استنصحك فانصح له وللترمذي وابن ماجة من حديث عليّ للمسلم على المسلم». فذكر منها ويحب له ما يحب لنفسه وقال: وينصع له إذا غاب أو شهد». ولأحمد من حديث معاذ وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وفي الصحيحين من حديث البراء أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع فذكر منها وإبرار القسم ونصر المظلوم. (2) سورة النساء الآية: 86. (2/288)
صفحة 745
قنطرة الخلق
289
تؤمنون حتى تحابوا أفلا أدلكم على عمل إذا عملتموه تحاببتم؟». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفشوا السلام بينكم (1).
وفي حديث آخر: «ألا أدلكم على شيئين إذا فعلتموهما تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم
وتهادوا (2).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ثلاثة يثبتن الود في قلب أخيك؛ تسلم
عليه إذا لقيته، وتزحزح له في المجلس، تدعوه بأحب اسمائه إليه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا سلم المسلم على المسلم ورد عليه [1/ 340] صلت عليه الملائكة سبعين مرة (3).
عنه أنه قال: «الملائكة تتعجب من المسلم يمر على المسلم فلا يسلم عليه (4). وعنه أنه قال: يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم (ه).
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: السلام اسم من اسماء الله عز وجل وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإن المسلم إذا مر: بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كانت له عليهم فضيلة ودرجة لأنه ذكرهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب الملائكة
عليهم السلام.
وعن قتادة أنه قال: تحية من كان قبلكم السجود فأعطى الله عز وجل هذه الأمة السلام، وهي تحية أهل الجنة.
قال الله سبحانه وتعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ} (6). وقال أيضاً: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ
(1) قال الحافظ العراقي في المغني رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
(2) ذکر
الحافظ العراقي حديثاً بنحوه في المغني وقال رواه البيهقي من حديث أبي هريرة. (3) قال الحافظ العراقي في المغني: ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي هريرة ولم يسنده ولده في
المسند.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني لم أقف له على أصل.
(0) قال الحافظ العراقي المغني: رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلاً ولأبي داود من حديث علي يجزي عن الجماعة إذ مروا أن يسلم أحدهم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم». وفي الصحيحين من
حديث أبي هريرة يسلم الراكب على الماشي». (6) سورة إبراهيم الآية: 23.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 19 (2/289)
صفحة 746
290
قنطرة الخلق
(1).
عَلَيْهِم مِن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (1).
وكان بعض السلف يمر بالقوم ولا يسلم عليهم، فقيل له في ذلك؟ فقال: أخشى أن لا يردوا فتلعنهم الملائكة، وذلك عن جابر بن زيد أنه لا يسلم على من لا يرد السلام من الجبابرة، فقيل له في ذلك قال؟ لئلا يكون مني سبب تضييع الفريضة.
ورحمه
وروي عن النبي الله أنه قال: «أنهو السلام إلى حيث أنهته الملائكة». يريد إلى قوله: الله وبركاته. وروي أن رجلاً قال: السلام عليكم قال عليه السلام: عشر حسنات. فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون حسنة». ثم جاء ثالث فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال عليه السلام: ثلاثون حسنة (2) (3).
ويقال أيضاً: إذا رُدَ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته كتب للراد ثلاثون حسنة.
[341/ ب] ويقال: من سلم على المسلم فهو كمن أعتق رقبة / ويقال السلام بين الناس أمان يطمئنون به فيما بينهم. وذكر في معنى السلام عليك أي الله شهيد رقيب عليك فاتقه. وكذلك معنى قول الآخر إذا رد عليه أي عليك بالله فاتقه. ويجوز أن يسلم الإنسان على جميع أهل التوحيد البلغ العقلاء إلا ما استخصوه من أهل المعاصي والملاهي في حالتهم تلك، ومانع الحق والطاعن في الدين أو المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، وأهل الفتنة كلهم، والمبتدع في الدين.
ولا يسلم على أهل الشرك وإن سلم أحد من اليهود فليرد عليه وليقل عليك مثلما قلت. ومن سلم على ذمي وهؤلاء يعلم فلا شيء عليه وقيل يقول له: رد علي سلامي ولا يسلم على من كان مشتغلاً بالخلاء أو بالأذان، أو بالإقامة أو بالصلاة، أو بقراءة القرآن أو الكتاب، أو كان في مجلس الذكر، أو في المسجد ومن سلم على هؤلاء فليس عليهم أن يردوا عليه، وقيل من أمكنه الرد منهم مثل من كان في المسجد أو في المجلس فليرد.
وقيل: إن أحق بالسلام من كان في المسجد، أو في المجلس، أو في ذكر الله تعالى. واختلف في السلام على الأطفال وقيل: إن عمر رضي الله عنه كان يسلم عليهم، وأما العبيد
(1) سورة الرعد الآيتان: 23، 24.
(2) هذه زائدة عن ما جاء في الإحياء والمغني فلم ترد بهما.
(3)
قال الحافظ العراقي في المغني رواه أبو داود والترمذي من حديث عمران بن حصين قال الترمذي غريب
وقال البيهقي في الشعب إسناده حسن. (2/290)
صفحة 747
قنطرة الخلق
291
وذوات المحارم من النساء فلا بأس بالسلام عليهم، وأما غير ذوات المحارم من النساء فلا يسلم عليهن الرجل في غير المنزل لما يخاف من الريبة، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سلم على امرأة فنهرته فقالت له: إن كلام الرجال إلى النساء كصهيل الخيل إلى الرماك، ولكن إن لم يسترب كل واحد من الرجل والمرأة صاحبه فليسلم عليه. والسلام إنما يكون قبل الكلام وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بدأ بالكلام قبل
السلام فلا تجبه حتى يبدأ بالسلام (1).
وقال بعضهم: دخلت على رسول الله له ولو لم أسلم فقال عليه السلام. إرجع / وقل [1/ 342]
السلام عليكم أأدخل (2) (13)
الفصل الثالث: في الاستئذان
قال الله سبحانه وتعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكَمُ حَتَّى تَستَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أهْلِهَا، إلى قوله: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} (5)
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يدخل دار من دار المسلمين سلم ثلاثاً من خارج
يقول: «السلام عليكم أأدخل؟ (6). فإن أذنوا له وإلا رجع. وقال عليه السلام: «الاستئذان ثلاثة فإن أذنوا لك وإلا فارجع فالأول يستنصتون والثاني يستصلحون والثالث يأذنون أو يردون (7).
ولا يجوز لأحد من العقلاء أن يدخل بيتاً مسكوناً حتى يستأذن، وإن كان غير مسكون
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في اليوم والليلة واللفظ له من
حديث ابن عمر بسند فيه لين.
(2) جاءت بالأصل وادخل). والتصويب من المغني للحافظ العراقي وفي الأحياء وادخل». قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث كلدة بن الحنبل وهو صاحب
(3)
(4)
القصة.
ما ذكر في هذه الباب جاء بمعناه من كتاب الإحياء كتاب حقوق المسلم للإمام الغزالي الجزء الثاني
ص 200 طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(5) سورة النور الآيتان 26: 27.
(1) الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دخل بدون إذن رواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث كلدة بن الحنبل وهو صاحب القصة. قاله الحافظ العراقي في المغنى.
(v)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الدارقطني في الإفراد بسند ضعيف وفي الصحيحين من حديث أبي الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع».
موسى (2/291)
صفحة 748
292
قنطرة الخلق
فلا بأس. قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ مَسكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لكُمْ) (1). يعني منفعة من الحر والبرد، فكل من دخل بيت غيره بغير إذن فقد عصى ربه، وعلى من دخل عليه بغير إذن ينهاه عن الدخول بغير إذن، ويأمره أن يخرج، ثم يستأذن وإن لم ينهه عن ذلك فقد عصى ربه، وإن دخل بغير إذن ناسياً فليخرج ثم يستأذن، وكذلك إن نسي المدخول عليه بغير إذن أن ينهاه، فإذا ذكر ذلك فليأمره بالخروج ثم يستأذن، وكل بيت لا يدخل إلا بإذن لا يجوز أن ينظر إلى داخله.
وقد قال عليه السلام: إنما جعل الاستئذان لأجل النظر». وقال: «من نظر من صير باب فقد دمر»، أي دخل ويقال: النظر في بيوت الناس بغير إذن من الذنوب التي تحجب
الدعاء.
وكل بيت لا تقطع يد السارق إذا سرق منه لا يحتاج الإنسان في دخوله إلى الاستئذان وذلك مثل المسجد، والمدرسة وقصر العامة والفندق والحمام والمعصرة، وبيت الطاحونه [343/ ب / والحانوت ومجلس الذكر، والصلاة ومجلس الحكم، وبيت الصانع، وما أشبهه ذلك. وكل من اضطر بالعدو والسباع، أو البرد أو الثلج أو بمعنى يخاف منه تلف نفسه فوجد
بيتاً لغيره فإنه يستأذن ثم يدخل أذنوا له، أو لم يأذنوا. واختلفوا إذا خاف تلف ماله. وكل بيت كان فيه منكر مثل المخمر والنبيذ المسكر، أو خائن فيه، أو كان فيه مانع لحق، أم من يضرب عياله جزافاً، فإنه يجوز لمن أراد أن يغير ذلك المنكر أن يدخل بغير استئذان وإن أغلقوه فليكسره عليهم أو منعوه فليدخله على كره منهم وكذلك يدخل بغير إذن إلى تنجية الأنفس والأموال وتجهيز الميت وأشباه ذلك، ويجوز الدخول بإذن كل من في بيت غيره حراً كان أو عبداً، طفلاً كان أو بالغاً ذكراً كان أو أنثى، وبالله التوفيق.
ويروي
الفصل الرابع: في زيارة الإخوان
كان
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أن رجلاً زار أخاه في الله فأرسل الله له ملكاً فقال: أين تريد فقال: أريد أخي فلاناً قال لحاجة لك عنده قال: لا، قال: فلقرابة بينك وبينه قال: لا قال فلنعمة لك عنده، قال: لا قال: فيما قال: أحبه في الله قال فإن الله أرسلني إليك أبشرك فإنه يحبك بحبك إياه وأوجب لك الجنة (2).
(1) سورة النور الآية: 29.
(2) ورد بمعناه في المغني للحافظ العراقي قال: رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (2/292)
صفحة 749
[1/ 344]
293
قنطرة الخلق
أنه: ويروي
: «ما زار رجل أخاً له في الله شوقاً إليه ورغبة في لقائه إلا ناداه ملك من
خلفه طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً (1).
وروي عن النبي أنه قال: «يقول الله عز وجل وجبت محبتي للذين يتزاودون من أجلي وحقت محبتي للذين يتعارفون من أجلي وحقت محبتي للذين يتصافحون من أجلي / وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي (2). وذكر عن الشيخ أبا مسور عمن حدّث عنه أنه قال: إذا كان التزاور بين قوم فقد تم لهم العزم والاجتهاد فيها بينهم وبين خالقهم، وإذا لمن يكن بينهم التزاور فقد تم عليهم الكسل فيما بينهم وبين خالقهم فنعوذ بالله من الكسل والترك بعد الاجتهاد.
وعن بعض المشايخ أنه قال: تزاوروا فإنكم إذا تزاورتم تعارفتم، وإذا تعارفتم تحاببتم، وإذا تحاببتم تواليتم فإذا تواليتم دخلتم الجنة، فإذا لم تتزاوروا لن تتعارفوا، فإن لم تتعارفوا لم تتحاببوا، فإن لم تتحاببوا تتعادوا، فإذا تعاديتم دخلتم النار.
وعن ابن صالح أنه قال: ثلاثة لا توجد في أهل آخر الزمان التزاور في الله، وقراءة القرآن
لما عند الله، وكثرة الدعاء إلى الله والتضرع إليه.
ويقال: من مشى لزيارة توزن له سبعة أميال من ست جهات إلى السماء السابعة ومن فوق إلى الأرض السابعة من تحت.
ويقال: من زار أخاه في الله ففرش له فراشاً فرش الله له سبعين فراشاً في الجنة، وإذا أطعمه طعاماً أطعمه الله في الجنة سبعين طعاماً، وإذا علف دابته فله بكل حبة حسنة، وإذا أمسك له الركاب ركبه الله على سبعين مهراً في الجنة وغفر له أربعين كبيرة والله أعلم.
وقد روي عن داود الطائي أن رجلاً زاره فقال له: ما جاء بك؟ قال: زيارتك. قال: أما أنت فقد علمت خير حين رزت ولكن انظر ماذا ينزل بي، أنا إذا قيل لي: من أنت فتزار من العباد، أنت لا والله أمن الزهاد أنت؟ لا والله أمن الصالحين؟ أنت لا والله، ثم أقبل على نفسه
(1) ذكره الحافظ العراقي في المغني بمعناه وقال: رواه ابن عدى من حديث أنس دون قوله: «شوقاً إليه ورغبة في لقائه ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وقال الترمذي غريب ((321/ 4) ح (2008) سنن الترمذي وقال حسن غريب.
(2) ذكره الحافظ العراقي في المغني بمعناه وقال: رواه أحمد من حديث عمرو بن عنبسة وحديث عبادة بن الصامت ورواه الحاكم وصححه. (2/293)
صفحة 750
294
قنطرة | ة الخلق
يوبخها ويقول: كنت في الشبيبة فاسقاً فلما شخت صرت مراعياً والله للمراءى أشد من الفاسق [345/ ب] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرواح أجناد / مجندة فما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها اختلف» (1). وأخذه بعض الشعراء فقال:
إن القلوب لأجناد مجندة لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو متألف فما تناكر منها فهو مختلف
وبالله التوفيق.
فصل: في إخوان السوء
وعن الأعمش قال: أدركت أقواماً كان رجل منهم لا يلقى أخاه شهراً أو شهرين فإذا لقيه لم يزده كيف أنت؟ وكيف الحال؟ ولو سأله شطر ماله لأعطاء إياه ثم أدركت أقواماً لو كان أحدهم لا يلقى أخاه يوماً لسأله عن الدجاجة في البيت ولو سأله حبة من ماله لمنعه إياها. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: بئس الصديق صديقاً يحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديقاً يلجئك إلى الاعتذار وبئس الصديق صديقاً تحتاج أن تقول له اذكرني في
دعائك.
وسأل رجل الثوري عن الإخوة في الله فقال: يا أخي تلك الطريق نبت عليها العوسج.
وقال مالك بن دينار: وجدت أخوة زماننا مثل مرقة الطباخ طيبة الريح لا طعم لها. | وهكذا إخوة زماننا وليتهم كانوا هكذا ولكنهم إخوان العلانية أعداء السريرة إن رضوا
فظاهرهم الملق وإن غضبوا فباطنهم الحنق والله المستعان.
الفصل الخامس: في عيادة المرضى
(2)
يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عاد مريضاً قعد في مخاريف الجنة حتى إذا قام [346/ ب] وكل به سبعون ألف ملك / يصلون عليه حتى الليل وقال عليه السلام: إذا عاد الرجل المريض - ابتغاء وجه الله - خاض في الرحمة فإذا
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم من حديث أبي هريرة والبخاري تعليقاً من حديث عائشة. (2) قال الحافظ العراقي: رواه أصحاب السنن والحاكم من حديث علي من أتى أخاه المسلم عائدا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس عمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسى وإن كان مساء». الحديث لفظ ابن ماجة وصححه الحاكم وحسنه الترمذي. ولمسلم من حديث ثوبان من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة». (2/294)
صفحة 751
قنطرة الخلق
وهو
295
قعد عنده استنقع فيها استنقاعاً (1). وعنه أنه قال: إذا مرض العبد بعث الله ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو إذا جاؤه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك [إلى الله] (2) أعلم فيقول قولا (3) لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته (4) أن أبدله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وأن أكفر عنه سيئاته» (5).
وعنه أنه قال: «أنه قال من يرد الله به خيراً يصب منه (6). وعنه أنه قال: «لا تسبو الحمى فإنها والذي نفسي بيده تذهب بذنوب المؤمن كما تذهب النار بخبث الحديد». أن من وعك يوماً فلم يشتك به ربه سقى يوم الظمأ، الآخرة كما ستر على بلاء الله عنده في الدنيا».
ويروي
ولدته أمه الله
وستر
عليه في
وخرج من ذنوبه كيوم
وعنه أنه قال: «إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء». وعن عثمان عفان أنه قال: بن مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد والذي لم يكن له كفواً أحد من شر ما تجد (7) مراراً.
أسألك
وروي أنه دخل علي بن أبي طالب وهو مريض فقال له: «قل اللهم إني تعجيل عافيتك أو صبراً على بلائك (8) أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك فإنه ستعطى
إحداهن (9).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني في حديث بنحوه: رواه الحاكم والبيهقي من حديث جابر وقال انغمس فيها قال الحاكم صحيح على شرط مسلم وكذا صححه ابن عبد البر وذكره مالك في الموطأ بلاغاً بلفظ قرت فيه ورواه الواقدي بلفظ استقر فيها وللطبراني في الصغير من حديث أنس فإذا قعد عنده غمرته الرحمة وله في الأوسط من حديث كعب بن مالك وعمرو بن حزم «استنقع فيها».
(2) ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء.
(3) لم ترد إلا في الأصل والأرجح أنها زائدة.
(4) جاءت في الأصل «اشفيته» وبالإحياء «شفتيه» فاثبتناه.
(5) قال الحافظ العراقي في المعني: رواه مالك في الموطأ مرسلاً من حديث عطاء بن يسار، ووصله ابن عبد البر في التمهيد من روايته عن أبي سعيد الخدري وفيه عباد بن كثير الثقفي ضعيف الحديث، وللبيهقي من حديث أبي هريرة وإسناده جيد.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
(7) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن السنى في اليوم والليلة والطبراني والبيهقي في الأدعية من
(^)
حديث عثمان بن عفان بإسناد حسن. جاءت بالأصل هكذا وبالإحياء بليتك».
(9) قال الحافظ في المغني: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرضى من حديث أنس بسند ضعيف أن رسول =
= (2/295)
صفحة 752
296
قنطرة الخلق
وعن الربيع بن خيثم أنه قال: ليس للمريض عندنا إلا العسل، ولا للنفساء إلا الرطب. وأظن هذا مأخوذ من قوله تعالى في النحل: {يَخرُجُ من بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ) (1). وقال في النفساء وهي مريم إذ نفست بعيسى عليه السلام: {وَهُزِّي إِلَيكِ (1/ 347 / بجذع النخلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبَاً جَنيا) (2).
(2)
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا اشتكى أحدكم بطنه فليسأل امرأة شيئاً من صداقها بماء السماء فيجمع الله له الهنيء والمريء والشفاء المبارك.
فليشتر به
عسلا
وروي عن جعفر بن محمد أنه دخل على عليل فقال له: قل اللهم إنك عيرت قوماً فقلت: {قُل أَدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمُ وَلا تَحولاً) (3). واعلم أنك القادر على كشف ضري فأكشفه عني وحوله إلى أعدائك الجاحدين فقالها العليل ساعة. فعفى من.
أن وروي رسول الله لا عاد مريضاً من وعك كان به فقال له: «أبشر فإن الله عز وجل يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ليكون حظه في الآخرة من النار». وعنه أنه قال: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئاً
وهو يطيب نفس المؤمن.
وعنه أنه قال: أنين المريض تسبيح وصياحه تهليل ونفسه صدقة وفومه عبادة ويكتب له أحسن ما كان يعمل في صحته ويقوم ولا ذنب له. وعن سليمان الفارسي رحمه الله أنه قال: مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا سليمان كشف الله ضرك إلى مدة أجلك أما إن لك في مرضك ثلاث خصال: أما أولهن فذكر الله تعالى لك. وأما الثانية فتكفير الخطايا عنك وأما الثلاثة فادعو الله يا سليمان يجب دعوتك. وعنه أنه قال: «إذا دخلتم على مريض فمروه يدعو لكم فإن دعاء المريض كدعاء
الملائكة.
الله دخل على رجل وهو يشتكي ولم يسم علياً. وروى البيهقي في الدعوات من حديث عائشة أن جبرئيل علمها للنبي وقال: إن الله يأمرك أن تدعو بهؤلاء الكلمات.
(1) سورة النحل الآية: 69.
(2) سورة مريم الآية: 25. (3) سورة الإسراء الآية: 56. (2/296)
صفحة 753
قنطرة الخلق
297
وروي
أن جبريل عليه السلام أتى النبي بهذه الرقية: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك ومن عين تبغيك خذها فلتهنيك».
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا عاد مريضاً مسح بيده المباركة على وجهه وصدره يقول: أذهب الباس رب الناس أشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقماً». ويروى عنه أنه قال: «من عاد مريضاً فقال: الله أسأل الله العظيم رب العرش
العظيم أن يشفيك شفاء عوفي إن لم يكن حضر أجله.
بسم
وكان عبد الله بن المبارك يقول: أقسمت عليك أيتها العلة بعزة عزة الله، وبعظمة عظمة
الله ويجلال جلال الله وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله، وبما جرى به القلم من عند الله، وبلا حول ولا قوة إلا بالله وبحمد رسول الله إلا ما انصرفت إلى من كفر
بالله.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن ربكم
يطعمهم ويسقيهم.
وقال بعض السلف: إذا مرض العبد المؤمن قيل لصاحب الشمال لا تكتب عليه سيئة وإن عملها وقيل لصاحب اليمين اكتب له أحسن ما كان يعمل في ا الصحة. ويقال: إن الرجل إذا اشتكى ثم عوفي فلم يحدث خيراً ولم يكف عن سوء لقيت
الملائكة بعضها بعضاً فقالت: إن فلاناً داويناه فلم ينفعه الدواء.
لك
[348/ ب]
ويروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له في مرضه: ألا ندعوا لك طبيباً؟ فقال: قد رآني الطبيب قالوا له: فأي شيء قال لك؟ قال: قال لي: (إني فعال لما أريد). قال: فمرض أبو الدرداء فعادوه فقالوا له: أي شيء تشتهيه؟ قال: الجنة. قالوا: ندع طبيباً؟ قال: أضجعني. قال له رجل من أصحابه أتريد أن أسامرك الليلة؟ فقال له أبو الدرداء: أنت معافى وأنا مبتلى فالعافية / لا تدعك أن تسهر والبلاء لا يدعني أن أنام أسأل الله [349/ب] الذي لا إله إلا هو أن يهب لأهل العافية الشكر ولأهل البلاء الصبر.
هو
قال: ودخل رسول الله على شاب مريض فقال له: كيف تجدك». قال يا رسول الله: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال له: لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموضع إلا
أعطاه الله ما
يرجو وأمنه مما يخاف.
وعن عبيد الله بن عبيد قال: عدت مريضاً فقلت له كيف تجدك؟ فأنشأ يقول: (2/297)
صفحة 754
298
قنطرة الخلق
خرجت من الدنيا وقامت قيامتي غداة أقل الحاملون جنازتي وعجل أهلي حفر قبري وصيروا خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط صورتي غداة أتى يوم علي وساعتي وقيل للربيع بن خثيم في مرضه ألا ندعو لك طبيباً؟ فتفكر ساعة. فقال: أين عاد وثمود وأصحاب الرس وقرون بين كثيراً قد كانت فيهم الأدواء وكانت لهم الأطباء فلا أرى المداوى بقي ولا المداوي كل قد فني ومضى والله لا أدعو طبيباً أبداً والله أعلم.
وآداب العائد خمسة وهي خفة الجلسة، وقلة السؤال، وإظهار الرقة والدعاء له
بالعافية، وغض البصر عن عورات الموضع.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو. وقال: تمام تحيتكم المصافحة (1). والله أعلم. الفصل السادس: في جملة من حقوق المسلم
منها النصحية: قال رسول الله: «الدين النصحية». قالها ثلاثاً. قيل: يا رسول الله [1/ 350] لمن؟ قال: الله ولرسوله ولكتابه ولدينه ولأئمة / المسلمين وعامتهم وخاصتهم». وعنه أنه قال: المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه (2).
وعنه أنه قال: المؤمن مرآة أخيه فإذا رأى به شيئاً فليمطه عنه (3).
خدم
عمره (4)
وعنه هو أنه قال: من قضى لأخيه المؤمن حاجة فكأنما الله وعنه أنه قال: «من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة (5). وقال: «من مشى في
(1) ذكر الحافظ العراقي أحاديث بنحو هذا وقال: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وهو عند الترمذي من حديث أبي أمامة وضعفه وذكر أحاديث في المصافحة وعزاها إلى ابن عدي من حديث أنس وقال غير محفوظ، ومن حديث عمر عند البزار في مسنده والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب وفي إسناده نظر. ومن حديث أنس إذا التقى المسلمان فتصافحا .... رواه الخرائطي بسند ضعيف والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وفيه الحسن بن كثير بن أبي يحيى بن كثير. وهو مجهول.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: لم أره بهذا اللفظ.
(3) قال الحافظ العراقي في نحوه رواه أبو داود والترمذي.
(4) قال الحافظ العراقي المغني: رواه البخاري في التاريخ والطبراني والخرائطي كلاهما في مكارم الأخلاق
من حديث أنس بسند ضعيف مرسلاً.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق بإسناد ضعيف مرسلاً. (2/298)
صفحة 755
قنطرة الخلق
299
حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها وجبت له الجنة (1) أو نحوها. وعنه أنه قال: «من فرج عن مكروب أو أعان مظلوماً غفر الله له ثلاثاً
مغفرة (2).
وسبعين
وعنه أنه قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال: يا رسول الله هذا أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم (3). وعنه: من حمى مؤمناً من غيبة منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه
القيامة (4).
من النار يوم
وعنه أنه قال: لا يحل للمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه». وعنه أنه قال: إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله فلا يحل لأحدهما أن يفشي على
صاحبه ما يكره (5).
وعنه أنه قال: «من استمع [خبر]) قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك
القيامة» (7).
يوم
وعنه أنه قال: خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر الشرك بالله والضرر لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شيء من البر الإيمان بالله والنفع لعباد الله (8).
اعتکاف
(1) قال الحافظ العراقي في حديث نحوه دون ذكر: وجبت له الجنة». وذكر كان خيراً له من شهرين، قال رواه الحاكم وصححه من حديث ابن عباس لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته وأشار بأصبعه أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين وللطبراني في الأوسط من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكافه عشر سنين. وكلاهما ضعيف.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني في معناه: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن حبان في الضعفاء وابن عدي من حديث أنس بلفظ من أغاث ملهوفاً».
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه. (4) قال الشارح: لم يذكر العراقي ورواه ابن المبارك وأحمد وأبو داود وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والطبراني
عن سهل بن معاذ بن أنس الجهيني عن أبيه ـ في معنى هذا الحديث. (5) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديثه ابن مسعود بإسناد ضعيف ورواه ابن المبارك في الزهد من رواية أبي بكر بن حزم مرسلاً، والحاكم وصححه من حديث ابن
(6)
عباس إنكم تجالسون بينكم بالأمانة».
بين المعقوفين جاء بالأصل إلى سر قوم وما أثبتناه من الإحياء. (7) قال الحافظ العراقي: البخاري من حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً عليه وعلى أبي هريرة.
(8) قال الحافظ العراقي في المغني: ذكره صاحب الفردوس في مسنده من حديث علي ولم يسنده ولده في مسنده. = (2/299)
صفحة 756
قنطرة الخلق
[351/ ب]
وعنه أنه قال: «لا يؤمن أحدكم بالله حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وعنه أنه قال: من لم يهتم للمسلمين فليس منهم
وعنه أنه قال: «إن من أحب الأعمال إلى إدخال / السرور على المؤمن أن يفرج عنه غماً أو ية د يقضي عنه ديناً أو يطعم من جوع (2).
ومنها تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى لقوله عليه السلام: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين فإذا قال ذلك فليقل من عنده يرحمك الله وليرد عليه يهديكم الله ويصلح بالكم (3). وقال: «تشميت العاطس إذا عطس ثلاثاً وإذا زاد فهو زكام (4). ومنها تشييع جنازته لقوله عليه السلام: من شيع جنازة فله قيراط وإن أقام حتى يدفن فله قيراطان (5). وفي الخبر: «القيراط: مثل جبل أحد (6).
ومنها أن يزور قبره والمقصود في ذلك الدعاء والاعتبار لقوله: «ما رأيت منظر إلا والقبر أفظع منه (7).
ومنها أن يعزيه عن ميته والتعزية سنة. ومنها توقير الكبير في الإسلام، ورحمة الصغير لقوله صلى الله: «ليس منا من لا يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» (8) وقال: من إجلال الله إجلال ذي الشيبة في الإسلام (9).
(1) قال الحافظ العراقي: رواه الحاكم من حديث حذيفة والطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر وكلاهما
ضعيف.
(2) قال الحافظ العراقي: رواه الطبراني في الصغير الأوسط من حديث ابن عمر بسند ضعيف. (3) ذكر الحافظ العراقي أحاديث بمعناه وطعزاها إلى البخاري وأبو داود من حديث أبي هريرة، والنسائي في اليوم والليلة وقال حديث منكر من حديث ابن مسعود. ورواه أبو داود والترمذي من حديث سالم بن عبد الله وأختلف في إسناده. (4) ذكر الحافظ العراقي في معنى هذا الحديث حديثاً وقال: رواه أبو داود من حديث أبي هريرة «شمت أخاك
ثلاثاً، وإسناده جيد. (5) ذكر الإمام الغزالي هذا الحديث بلفظ من شيع جنازة فله قيراط من الأجر فإن وقف حتى تدفن فله قيراطان، وقال الحافظ العراقي في المغني رواه الشيخان من حديث أبي هريرة. (6) قال الحافظ العراقي: رواه مسلم من حديث ثوبان وأبي هريرة وأصله متفق عليه. قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث عثمان وقال وقال الترمذي حسن غريب.
(7)
صحيح
الإسناد
(8) قال الحافظ العراقي: رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف وهو عند أبي داود والبخاري في الأدب من
حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن.
(9) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد حسن. (2/300)
صفحة 757
قنطرة الخلق
ومنها أن يستر عورات المسلمين لقوله عليه السلام: من ستر عورات المسلمين ستر الله عليه في الدنيا والآخرة (1).
ومنها إصلاح ذات البين بين المسلمين لقوله تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (2). وقوله: أَوْ إصلاح بَيْنَ النَّاسِ) (3)
وقال عليه السلام: «أفضل الصدقات إصلاح ذات البين (4) ومنها المواساة لقوله عليه السلام: ليس المؤمن ما بات شبعان وجاره جائع.
وقال عليه السلام: الإسلام أن تسلم قلبك الله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك (5). وليس كف الأذى يقضي ما لزم من الحق في النصيحة وإسداء الخير، فمن قنع بكف الأذى والسكوت عن الإخوان فليصحب أهل القبور. ومنها أن لا يقبل في المسلم ما يسمعه من أهل النميمة والحسد فيه لقوله تعالى: (إن جَاءَكُمُ فَاسِقٌ بِنَبَةٍ فَتَبَيَّنُوا (6) الآية.
(7)
ومنها أن / لا يسيء الظن بالمسلم لقوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ [1/ 352) إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا (7). وقوله: {وَلَولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبينٌ) (8).
وقال عليه السلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (9) ومنها أن لا يزيد في هجرات المسلم مهما غضب عليه أكثر من ثلاثة أيام لقوله عليه السلام: «لا يحل للمسلم أن فوق ثلاثة أيام يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
أخاه يهجر
(1) ذكر نحوه الحافظ العراقي في المغني وقال: رواه مسلم من حديث أبي هريرة وللشيخين من حديث ابن
عمر.
(2) سورة الحجرات الآية: 9. (3) سورة النساء الآية: 114.
(4)
قال الحافظ العراقي رواه الطبراني في الكبير والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو
فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعفه الجمهور.
(0) قال الحافظ رواه أحمد من حديث عمرو بن عنبسة بإسناد وصحيح.
(6) سورة الحجرات الآية: 6.
(7) سورة الحجرات الآية: 12.
(^)
سورة النور الآية: 12.
(9) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2/301)
صفحة 758
302
قنطرة الخلق
والخصلة الجامعة لهذه الآداب والحقوق أن يستصغر أحداً من المسلمين ولا ينظر إلى
أهل الدنيا بعين التعظيم لدنياهم.
وهذا الذي قدمناه في أهل الولاية من أهل الوفاق دون الفساق وأهل الخلاف ما خلا أدب المعاشرة فإنها عامة لجميع الناس لقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسناً (1).
(2)
فهذه جملة من حقوق الإسلام اختصرناها مخافة التطويل وبالله التوفيق"
الباب الثاني
في حق النسب
وهو الثاني من أسباب الألفة فإن تعاطف الأرحام وحماية القرابة يبعثان على التناصر والألفة ويمنعان من التخاذن والفرقة أنفة من إستيلاء الأباعد على الأقارب.
من
عادها
وقد روي عن النبي أنه قال: إن الرحم إذا تناست تقاطعت». ولذلك حفظت أنسابها لما امتنعت سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها لتكون بها متناصرة على من حتى بلغت بإلفة الأنساب وتناصرها عن الأقوياء ذوي السلطنة الأمراء وقد أعذر [353/ب] لوط نفسه حين عدم عشيرة تنصره فقال: / / لَو أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكنٍ شَدِيدِ)
من
نبي
(3)
الله
يعني إلى عشيرة مانعة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ـ يعني
الله - قال: فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه».
وعن وهب بن منبه قال: ولقد جاءت الرسل على لوط وقالوا إن ركنك الشديد وروي عن النبي لو كان لا يترك المرء مفرد حتى يضم إليه قبيلة يكون منها، كل ذلك منه حث على الألفة وكف على الفرقة فإذا كان النسب بهذه المنزلة اقتضى بين أهله حقوق لا بد من مراعتها وقد تعرض لهذا عوارض تبعث على قطيعتها وجملة الإنسان ثلاثة أقسام:
أحدها: والدون وهم الأباء والأمهات.
(1) سورة البقرة الآية: 83.
(2) ما جاء في هذا الباب منقول من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي. كتاب آداب الألفة والأخوة. باب
حقوق المسلم. الجزء الثاني.
ص
154 طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(3) سورة هود الآية: 80. (2/302)
صفحة 759
ننطرة الخلق
برهما.
والثاني: مولدون وهم البنون والبنات. الثالث: مناسبون، وهم القرابة والأرحام.
ونحن نذكر ذلك إن شاء الله في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في حقوق الآباء والأمهات وما ينافيها من العقوق والآفات قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانا) (1). يعني
وقال تعالى: أن أشكر لي وَلِوَالِدَيكَ إِلَى الْمَصِيرُ (2).
وروي عن النبي هو أنه قال: «الجنة يوجد ريحها مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق لوالديه ولا قاطع رحم (3).
وعنه أنه قال: «من أصبح مريضاً لأبويه أصبح له بابان مفتوحين إلى الجنة ومن أمسى مثل ذلك وإن كان واحداً فواحداً أو من أصبح مسخطاً لأبويه أصبح له بابان / مفتوحين [1/ 354] إلى النار ومن أمسى مثل ذلك ولو كان واحداً فواحد وإن ظلما وإن ظلما وإن ظلما» (4).
وعن ابن عباس عنه لا أنه قال: «إلا من أسخط والديه فقد أسخط الله أغضبهما ومن فقد أغصب الله إلا أن يأمراك بمعصية الله وإن أمراك أن تخرج من ملك وأهلك بحق الله فاخرج وما من مسلم أعتقهما من الرق فإنه إن كان مسلماً يرجى له أن من النار. وعنه أنه قال: «لا يجزئ ولد عن والده إلا أن يجده مملوكاً [فيشتريه] (5)
فيعتقه (1)
يعتقه الله
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أقام الصلوات الخمس ولم يركب الكبائر السبع
نودي أن يدخل الجنة من أي باب شاء بسلام.
(1)
سورة الإسراء الآية: 3.
(2) سورة لقمان الآية: 14.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني في الصغير من حديث أبي هريرة دون ذكر القاطع وهي في الأوسط من حديث جابر إلا أنه قال: من مسير ألف عام، وإسنادهما ضعيف.
(4) ذكر الحافظ العراقي نحوه في المغني وقال: رواه البيهقي من الشعب من حديث ابن عباس ولا يصح. (5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (2/303)
صفحة 760
304
قنطرة الخلق
فقال رجل لابن عمر أهن من رسول الله؟ قال: نعم عقوق الوالدين، والشرك بالله، وقذف المحصنات، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتم
وأكل الربا.
وروي عن جبريل عليه السلام قال: من أدرك أحد والديه فدخل النار أبعده الله قل يا محمد آمين. فقال: «آمين».
من
وروي عن أنس بن مالك قال: قلت: يا رسول الله رغيف اتصدق به أحب إليك أم مائة ركعة تطوعاً؟ قال: رغيف تتصدق به أحب إلي من مائتي ركعة تطوعاً». قلت: يا رسول الله قضاء حاجة للمسلم أحب إليك أم مائتي ركعة تطوعاً؟ قال: قضاء حاجة للمسلم أحب إليّ ألف ركعة تطوعاً». قلت: ترك لقمة من الحرام أحب إليك أم ألف ركعة تطوعاً؟ قال: ترك لقمة من الحرام أحب إلي من ألفي ركعة». قال: قلت يا رسول الله ترك الغيبة أحب إليك أم ألفي ركعة؟ قال: ترك الغيبة أحب إلي من عشرة آلاف ركعة» قال: قلت: قضاء [355/ب] حاجة أرملة أحب عندك أم عشرة ألاف ركعة؟ قال: / قضاء حاجة أرملة أحب إلي من ثلاثين ألف ركعة». قال: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أفضل أم الجلوس في المسجد؟ قال: «بل الجلوس مع العيال أفضل من الاعتكاف في مسجدي هذا». قلت: يا رسول الله النفقة على العيال أحب إليك أم النفقة في سبيل الله؟ قال: إنفاق» درهماً على العيال أحب إلي من إنفاق ديناراً في سبيل الله. قال: قلت يا رسول الله بر الوالدين أحب إليك أم عبادة ألف سنة؟ قال: يا أنس قد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً بر الوالدين أحب إلي من عبادة ألفي سنة».
وقال عليه السلام من أحزن والديه فقد عقهما. ومن عقهما وجفاهما إلى مماتهما فيقال: إن توبته أن يستغفر ربه من ذلك ويندم وأمره إلى الله.
وروي
أن رجلاً جاء إلى ابن عباس أو غيره من الصحابة فسأله عن مثل ذلك فقال: انظر إن كان لأمك أخت فبرها أو أمها يعني جدته أم أمه فبرها. وقيل إذا أدى عنهما ديناً أو وصية بعد الموت فهو من برهما ويتوب إلى الله تعالى
وينشد:
زر والديك وقف على قبريهما وكأنني بك قد نقلت إليهما لو كنت في القبر وكانوا في البقاء زارك حبواً لا على قدميهما (2/304)
صفحة 761
[1/ 356]
قنطرة الخلق
ما كان ذنبهما إليك وطالما منحاك محض الود من نفسيهما كانا إذا سمعا أنينك أسبلا دمعيهما جرياً على خديهما وتمنيا لو صادفاك راحة فلتلحقنهما غداً أو
305
بعده
ما يحويه ملك يديهما بجميع حتماً كما لحقا هما أبويهما
ولتقدمن على فعالك مثلما قدما هما أيضاً على فعليهما
ويروي
أن يعقوب عليه السلام لما دخل على يوسف عليه السلام لم يقم له فأوحى الله إليه تتعاظم أن تقوم لأبيك فعزتي وجلالي / لا أخرجت من صلبك نبياً.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ماذا على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها لأبويه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء (1).
وقال عليه السلام: «بر الوالدة على الوالد ضعفان ودعوة الوالدة أسرع إجابة (2). وقيل: يا رسول الله لما ذلك؟ قال: هي أرحم من الأب دعوة الرحم لا تسقط».
ويروي
أن الله سبحانه لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون قال له: قل له قولاً ليناً. قال: يا رب أقول له قولاً ليناً وهذا قال فيك ما قال: إنه الذي رباك وأنا أولى من كعايته عنك.
وينشد:
خلل خليل أباك وأرعى أخاه وأعلم بأن أخا أبيك أخاك وينينك ثم بني بنينك فكن بهم براً فإن بني بنيك بنوك وألطف بجدك رحمة وتعطفاً وارحم فإن أبا أبيك أبوك
واعلم بأن الآباء والأمهات موصون على سلامة أحوالهم بخلقين: أحدهما: لازم بالطبع؛ وهو الحذر والاشفاق وذلك لا ينتقل عن الولد بحال. والثاني: حادث باكتساب؛ وهو المحبة تنمى مع الأوقات وتتغير مع تغير الحالات. أما الذي هو لازم بالطبع: فقد يكسب للوالدين أوصافاً وقد قال عيسى عليه السلام:
الولد مبخلة مجهلة مجنبة محزنة.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند ضعيف دون قوله: إذا كانا مسلمين.
(2)
قال الحافظ في المغني: غريب بهذا اللفظ وقال في دعوة الوالدة أسرع إجابة» لم أقف له على أصل.
20
قناطر الخيرات ج/ 2 م/ 20 (2/305)
صفحة 762
[357/ب]
306
قنطرة الخلق
فأخبر أن الحذر عليه يكسب هذه الأوصاف وقال أيضاً لكل شيء ثمرة وثمرة القلب
الولد. وأما المحبة فقد قال عليه السلام الولد أنوط». يعني أن حبه يتعلق بنياط القلب فإن انصرف الوالد عن حب ولده فليس ذلك لبغض منه ولكن لسلوى حدثت من عقوق أو تقصير مع بقاء الحذر والاشفاق الذي لا يزول عنه.
واختلف المشايخ أيهما أعظم حقاً فقال بعضهم: الأب أعظم حقاً ويمكن أن تكون حجتهم قوله عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك».
وقال عليه السلام: أفضل ما آكل الرجل كسبه وإن ولده من كسبه ولم يقل ذلك للأم. وقد روي أن رجلاً كلم أباه وهو شيخ كبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا يعني أباه يأخذ مالي وينفقه على عياله فبكى الشيخ أي عيال هو يا رسول الله إنما هي أمه وإختاه فأنشاء يقول مخاطباً لابنه:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجبى عليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت لشكوى إلا ساهراً أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل وواليتني حق الجوار ولم تكن علي بمال دون مالك تبخل وسميتني باسم المقتد رأيه وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل
وبحسب
فرق له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أنت ومالك لأبيك». وقال الآخرون: الأم أعظم حقاً لما باشرت من الولادة وقاست من التربية وقد حملته في بطنها وغذته بلبنها وأفرشته حجرها وأولته الخير والشفقة حين لا يطيق لنفسه دفعاً ولا حيلة ولا نفعاً. وأنها أرق قلباً وألين نفساً. ذلك يجب أن يكون التعطف من الولد عليها أوفر جزءاً لفعلها وكفاء لحقها وإن كان الله تعالى قد أشركهما في البر وجمع بينهما في الوصية فقال: {وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالِدَيهِ حُسنا) (1). أن رجلا أتى النبي / فقال: إن لي أماً أن امطيتها اقعدها على ظهري ولا
[358/ ب] وقد روي
(1) سورة العنكبوت الآية: 8. (2/306)
صفحة 763
قنطرة الخلق
307
أصرف عنها وجهي وأرد إليها كسبي فهل جازيتها قال: لا ولا بزفرة واحدة». قال: ولما؟ قال: لأنها كانت تخدمك وتحب حياتك وأنت تخدمها وتحب موتها.
وهات.
وعن الحسن البصري أنه قال: حق الوالد أعظم وبر الوالدة الزم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنهاكم عن عقوق الإمهات ووأد البنات وعن منع
وعن
خالد بن معد المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى يوصيكم بإمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب».
وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله له من أحق الناس مني بحسن الصحبة؟ قال: «أمك». فقلت: ثم من؟ قال: «أمك». فقلت: ثم من؟ قال: «أمك». قلت: ثم من؟ قال:
«أبوك (1).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نمت فرأيت الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا حارثة بن النعمان وكان من أبر الناس بأمه
فقلت: كذلكم البر كذلكم البر».
ويروي
أن أبا هريرة كان إذا غدا من منزله لبس ثيابه ووقف على أمه فقال: السلام عليكم
صغيراً وترد عليه وأنت يا بني جزاك الله
يا أماه ورحمة الله وبركاته جزاك الله كما خير ربيتني عني خيراً كما بررتني كبيراً ثم يخرج وإذا رجع فعل مثل ذلك.
وقيل لعمرو بن دينار كيف كان بر ابنك لك: قال ما مشيت نهاراً قط إلا مشى خلفي
وما مشيت ليلاً قط إلا مشى أمامي ولا رقي سطحاً وأنا تحته.
وعن النبي الله و أنه قال: هل تعلم أي نفقة أفضل من نفقة في سبيل الله». قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: «نفقة الولد على الوالدين».
وكان يقول: «من وقر أباه أطيل في أيامه ومن وقر أمه / رأى في بيته ما يسره ومن أحد [1/ 359]
النظر إلى أبويه فقد عقهما.
وقيل إذا صلح قميص الوالد على الولد تمنى موته، وذكر أن امرأة برت أباها في كبره
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم والبخاري واللفظ لمسلم. (2/307)
صفحة 764
308
قنطرة الخلق
كانت تحمله على ظهرها فمرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لها: من هذا؟ قالت: أبي. قال لها: لو مهدت له لمكان أوطى عليه قالت: فالصبي إذا جاع انطفى، وإني لأكره أن أودعه في المنزل فيجوع ولا أعلم به، وإني لأصغر أولاده، وإن له لمائة سنة، وإني لبكر وقد أدر الله عز وجل ثديي لبناً، فإذا جاع أرضعته من قريب فقال عمر لأصحابه: أترون ما بلغت هذه المرأة من بر أبيها؟ قالوا نعم قالت يا عمر ما بلغت بره قال: وكيف؟ قالت: إني كنت في مثل حاله صغيرة يتمنى بقائي وأتمنى موته. قال عمر: أنت أفقه من عمر والله أعلم. وجملة حقوق الوالدين: أن يبرهما أحياء وأمواتاً، وأبراراً كانا أو فجاراً.
أما في الحياة: فلزوم طاعتهما وإجابة دعوتهما وخفض جناح الرحمة لهما وتعاهدهما بالسلام عليهما والقيام بحوائجهما، ولا يخرج من أمرهما ورأيهما إلا أن تبين لهما الرشد، في خلاف رأيهما، وإن كانا فقيرين أعانهما بنفسه وواساهما بماله ويأثرهما على نفسه، وتولهما إن كانا أهلاً للولاية، وإلا فلا يظهر البراءة في وجوههما، ولا ينظر شزراً إليهما، ولا يمسك على أنفه إن شم سوء رائحة من هما، ويمتثل أوامرهما إلا إن أمراه بمعصية من ترك صلاة، أو أو ترك تعلم ما يلزمه من أمر دينه بارتكاب محرم، أو أمره بترك ما يحل له من النكاح، والبيع والشراء، وكسب ما لا بد منه من الحلال، فلا يضيق عليه خلافهما لقول رسول الله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
صوم،
وقال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (1) الآية.
[360/ ب] وعنه عليه السلام لأبي هريرة / لا تشتم والديك حيين ولا ميتين قال قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أشتمهما ميتين ولا أراهما؟ قال: إذا شتمت إمهات الرجال شتموهما فأنت إذا
شتمتهما إذا تعرضت لشتمهما».
(Y).
وأما حقهما بعد موتهما: فهو ما روي أن رجلاً (2) سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل بقى عليَّ من بر أبوي شيء أبرهما به؟ قال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما». هذا إن كانا متواليين قال: وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل
إلا بهما» (3).
(1) سورة العنكبوت الآية: 8.
(2)
هو رجل من بني سلمة.
(3) قال الحافظ العراقي: حديث مالك بن ربيعة رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح
الإسناد. (2/308)
صفحة 765
قنطرة الخلق
فإن عقهما في حياتهما وأدى عنهما هذه الحقوق بعد موتهما فقد برهما بعد التوبة والاستغفار من تضييع واجب الحق لهما والله أعلم.
الفصل الثاني: في حقوق الأولاد
اعلم أن الأولاد وبنيهم مختصون أيضاً مع سلامتهم بخلقين:
أحدهما: لازم. وهو الألفة للآباء وذلك في مقابلة إشفاقهم على الأبناء وقد لحظ هذا المعنى أبو تمام فقال:
فأصبحت يلقاني الزمان من أجله بإعظام مولود وإشفاق والد والثاني: خلق متنقل: وهو الإذلال على الأباء وذلك في مقابلة محبتهم للأبناء لأن المحبة بالآباء أخص والإذلال بالأبناء أمس. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله ما بالنا نرق على أولادنا ولا يرقون علينا قال: «لأنا ولدناهم ولم يلدونا».
ثم الإذلال في الأبناء قد ينتقل مع الكبر إلى أحد الأمرين إما إلى البر والإعظام، وإما إلى الجفاء والعقوق فإن كان الولد رشيداً وكان الوالد باراً عطوفاً صار الإذلال براً وإعظاماً، وإن كان الولد غاوياً والوالد جافياً صار الإذلال قطيعة وعقوقاً. فلما كان الأمر بين الوالد والولد / على ما [1/ 361) وصفنا وجب على الوالد حق ولده حتى يعطفه عليه.
وقد روي عن عمر بن شرحبيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجرير بن عبد الله: «إن حق الوالد على ولده أن يخشع له عند الغصب ويؤثره على نفسه عند السعاية والنصب».
وقد تقدم في ذلك ما يكفي ووجب على الوالد أيضاً حق ولده حتى يبره الولد فيكون
رشيداً باراً.
وقد روي أن رجلاً قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبر؟ قال: «بر والديك». قال: ليس لي والدان. قال: بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق (1).
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو عمر التوقاني في كتاب معاشرة الأهلين من حديث عثمان بن عفان دون قوله فكما أن لوالديك الخ وهذه القطعة رواها الطبراني من حديث ابن عمر، قال الدارقطني في العلل إن الأصح وقفه على ابن عمر. (2/309)
صفحة 766
[362/ب]
310
قنطرة الخلق
وقال عليه السلام: رحم الله والدآ أعان ولده على بره (1). قيل: يعطيه ويحسن إليه
حتى يبره. وقال بعض العلماء: إنما سموا الأبرار أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء.
وقد بشر عمر رضي الله عنه بمولود فقال: ريحانة أشمها ثم هي عن قريب ولد بار أو عدو ضار. وقال بعض الحكماء: ولدك ريحانة سبعاً، وخادمك سبعاً، ووزيرك سبعاً، ثم هو صديق أو عدو. وفي منثور الحكم العقوق ثكل من لم يثكل.
وفي الحديث: «بروا آباءكم يبركم أبناءكم». ويقال: الأدب من الآباء والصلاح من الله. وقيل في منثور الحكم: من أدب ولده أرغم حاسده ومن أدب ولده صغيراً سربه كبيراً.
وقد روي عن النبي الله و أنه قال: لمن ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له
ستراً من النار.
وعنه أنه قال: «إن للجنة باباً يسمى باب الفرح لا يدخله إلا من يفرح الصبيان. قال: «أكثروا قبل صبيانكم فإن لكل قبلة أجراً». وقال: «من حمل طرفة من السوق إلى ولده كان كحامل صدقة وليبدأ بالإناث قبل الذكور فإن الله يرق للبنات وللإناث ومن رق للأنثى كان كم بكى من خشية الله ومن بكى من خشية الله غفر الله له.
/ ومن فرح أنثى فرحه الله يوم الحزن من كان له ثلاث بنات أو مثلهن من الأخوات فكفلهن وأعانهن وسترهن وجبت له الجنة. قيل: يا رسول الله واثنتان؟ قال: «واثنتان». وقال: إذا نظر الوالد إلى ولده فسره كان له بكل نظرة ثلاثمائة حسنة». . قيل: فإن نظر
إليه في اليوم ثلاثمائة نظرة؟ قال: ذلك أكثر وأطيب لك.
أفسدته.
وقال عليه السلام: لا تدع على ولدك بالموت لأنه يورث الفقر».
وقيل: شكا رجل إلى ابن المبارك ولده فقال: هل دعوت عليه؟ فقال:: نعم. قال: أنت
أن
وقال عليه السلام يلزم الوالدين من العقوق ما يلزم الولد من عقوقهما». وروي معاوية سأل الأحنف بن قيس عن الولد فقال: يا أمير المؤمنين ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا
(1)
قال الحافظ العراقي في المغنى: رواه أبو الشيخ بن حبان في كتاب الثواب من حديث علي بن أبي طالب وابن عمر بسند ضعيف ورواه التوقاني من رواية الشعبي مرسلاً. (2/310)
صفحة 767
311
قنطرة الخلق فنحن لهم أرض ذلولة وهم لنا سماء ظليلة وبهم حصول كل جليلة وبهم نصل إلى كل فضيلة فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم يمنحونك ودهم ويحبونك جهدهم ولا تكن عليهم ثقلاً فيملوا حياتك ويحبوا وفاتك. فقال معاوية: أنت والله يا أحنف لقد دخلت علي وأنا مملوء غيظاً على يزيد وقد أصلحت له من قلبي. فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بألف درهم ومائتين ثوب فبعث يزيد إلى الأحنف بنصف ذلك.
اعلم أن محبة الولد طبع وحدوثها حتم ولذلك قال بعض الحكماء لرجل نظر إلى ابنه
يمشي أمامه فقال: أما إنه إن عاش فتنك وإن مات أحزنك.
وقيل ليحيى بن زكريا عليهما السلام ما بالك تكره الولد؟ فقال: ومالي وللولد إن عاش كدني وإن مات هدني وعن محمد بن علي أنه قال: إن الله عز وجل رضي الآباء للأبناء فحذرهم فتنتهم ولم يوصهم بهم ولم يرض للآباء خلق الأبناء فأوصاهم بهم وإنما لأن ابن الرجل عضده في حياته وخلفه بعد وفاته وسبب لبقاء ذكره واتصال عقبه وقرة لعينه وثمرة قلبه [1/ 363]
وغيظ عدوه. وقد روي أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يتوكى على مخصرة
وأنشده:
تركت أباك مرعشة يداه وأمك ما تسيغ لها شراباً إذا غنت حمامة بطن وج على بيضاتها ذكرت كلاباً
وقال عمر رضي الله عنه: وما ذاك؟ قال: وجهت ابني إلى الشام مجاهداً. فبكى رضي الله عنه بكاء شديداً وكتب من ساعته إلى يزيد بن أبي سفيان أن يرحله، فلما قدم قال له بر وأبويك وكن معهما حتى يموتا وأنشد في الولد:
لولا بنيات كزغب القطاء جمعن من بعض إلى بعض لكان لي مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرض وإنما أولادنا بيننـ أكبادنا تمشي على الأرض
عمر
عمر
فلما كان إشفاق الوالدين على الولد بهذه الحالة ونزل بهما بهذه المنزلة، كان يحب عليهما أن يعناه على برهما بالإحسان والتأديب له ليبرهما ويعرف واجب الحق لهما وتدور
الألفة بينهما.
وجملة حقوق الولد على والده: أن يتزوج أمه أولاً من موضع لا يسب به. وقال أبو (2/311)
صفحة 768
312
قنطرة الخلق
الأسود الدؤلي لبنيه: قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد. قال: اخترت لكم من الأمهات ما لا تسبون بها. وأنشد الرقاشي: وأول إحساني إليك تخيري لماجدة الأعراق باد عفافها ثم يقوم بحقوق أمه على الكمال مع حسن التأديب والصيانة عن الإهمال لئلا تطمع عينها إلى غير من الرجال فيكون ذلك سبباً لفساد فراشه واختلال نسبه.
[364/ ب] ثم إذا ولد سماه بأحسن / الأسماء وأصدقها فأحسنها أسماء الأنبياء وأصدقها عبد الله وعبد الرحمن، وإن كان المولود سقطاً لا يدري ذكراً هو أم أنثى فليسمه باسم يجمع الذكر والأنثى كحمزة وعمرة وأشباه ذلك، ويذبح عنه شاة العقيقة.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يعق عن الولد في اليوم السابع ويماط عنه الأذى» (1) ويقال: يحلق رأسه ويتصدق بوزن شعره ذهباً أو فضة ويطلى بالزعفران بدلاً. من فعل الجاهلية يطلونه بالدم. ثم قال عليه السلام: «فإذا بلغ ست سنين أدب وإذا بلغ سبع سنين عزل عن فراشه فإذا بلغ ثلاثة عشر ضرب على الصلاة» (2).
وفي حديث آخر: يؤمر بالصلاة ابن ثمان ويضرب عليهما ابن عشر فإذا بلغ ستة عشر
زوج». ثم يأخذه بيده فيقول له قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك. وبالجملة أن الصبي أمانة عند والديه وقلبه طاهر كأنه جوهرة خال من كل نقش وصورة قابل لكل ما نقش فيه مائل إليه كما قال عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون
من
(1) قال الحافظ العراقي حديث أنس الغلام» يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب فإذا بلغ سبع سنين عزل فراشه فإذا بلغ ثلاثة عشر ضرب على الصلاة والصوم فإذا بلغ ستة عشر زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال: قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة. وقال رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الضحايا والعقيقة إلا أنه قال: «وأدبوه لسبع وزوجوه السبع عشرة ولم يذكر الصوم وفي إسناده من لم يسم - قلنا ولكن المؤلف قسم هذا الحديث وأدخل فيه كلامه شارحاً له فقسم الحديث حتى أنه أدخل بين أجزاء الحديث أحاديث أخرى. (2) قال الحافظ العراقي حديث أنس الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب فإذا بلغ سبع سنين عزل فراشه فإذا بلغ ثلاثة عشر ضرب على الصلاة والصوم فإذا بلغ ستة عشر زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال: قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة. وقال رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الضحايا والعقيقة إلا أنه قال: «وأدبوه لسبع وزوجوه لسبع عشرة ولم يذكر الصوم وفي إسناده من لم يسم - قلنا ولكن المؤلف قسم هذا الحديث وأدخل فيه كلامه شارحاً له فقسم الحديث حتى أنه أدخل بين أجزاء الحديث أحاديث أخرى.
من (2/312)
صفحة 769
[1/ 365]
قنطرة الخلق
313
أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمسحانه فإذا أدب وعود الخير نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه أبويه في ثوابه وكل معلم له وإذا عود الشر أهمل إهمال البهائم ثم شقي وهلك وكان الوزر على أبويه والولي عليه. وقد قال تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمُ وأَهْلِيكُمْ نَاراً) (1). وقال عليه السلام: فإن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهل بيته أمر الله». فمهما كان الآن يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه من نار الآخرة أولى وأحق، وذلك بأن يؤدبه ويعلمه مكارم الأخلاق، ووقت ذلك إذا ظهر فيه أوائل الحياة فإذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأحوال وليس ذلك إلا بإشراق نور العقل عليه فرأى / بعض الأشياء قبيحة مخالفة للبعض فيستحي من شيء دون شيء. فينبغي أولاً أن لا يسترضع إلا لبن امرأة صالحة تأكل الحلال لأن اللبن الحرام إذا نبت
منه البدن انعجنت طينته من الخبث فيميل إلى ما يناسبه من سوء الأخلاق. ومهما ظهرت فيه مخائل التمييز والحياة فلا ينبغي أن يهمل بل يؤدب فيقال: أول ما سبق إليه من الصفات شره الطعام فيؤدبه فيه بأن لا يأكل بشماله ويقول الله عند أخذه إلى غير ذلك من آداب الطعام يطول شرحها.
ويعود
بسم
د أكل الخبز في بعض الأوقات بلا إدام ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبهه صاحبه بالبهائم. ولا يعود التنعم والرفاهية بل يعود القناعة والإثار بالطعام لغيره، وأن يأكل أي طعام وجد، ويلبس أي لبس تيسر، ويعوده الخشونة في الفراش والملبس والمطعم، ويحفظ من قرناء السوء، ومن الصبيان الذين عودوا التنعم ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يفسده، ثم يعلمه القرآن وأحاديث النبي، وحكايات الصالحين وأحوالهم لينغرس في قلبه حبهم، ويحفظ من اللغو وقبح الكلام، ومن أشعار العشاق ويعود التواضع في جلوسه ومشيه وجميع أحواله ويمنع من كثرة الكلام، ويعود الأدب في جميع الأحوال، وتوقير الأكابر
والمشايخ.
وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء، وتعليم محاسن الأخلاق، فإن الصبي إذا أهمل في أول نشوءه يخرج في الأكثر رديء الأخلاق كذاباً سروقاً نماماً لجوجاً ذا فضول وشره وخبث وأشر وخيانة ومكر، فإذا حفظ من ذلك كله ونشأ على الأدب ومحاسن الأخلاق خرج
أديباً فاضلاً كيساً عاقلاً.
(1) سورة التحريم الآية: 6. (2/313)
صفحة 770
314
قنطرة الخلق
وإن أهمل في أول نشوئه حتى ألف اللعب والفحش والوقاحة والرفاهية والتنعم والتفاخر
[366/ب] / نبأ عن قبول الحق نبوء الحائط عن التراب اليابس. فأوائل الأمر هي التي ينبغي أن تراعى. وقد روي عن بعض زهاد قومنا يقال له سهل التستري أنه قال: كنت ابن ثلاث سنين وكنت أقوم بالليل انظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك الله معي الله ناظري الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته. فقال: قله كل ليلة تسع مرات. فقلت ذلك ثم أعلمته. فقال: قله في كل ليلة إحدى عشرة مرة. فقلت ذلك فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة. قال: احفظ ما علمت ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنتين فوجدت له حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده كيف يعصيه إياك والمعصية. فكنت إلى المكتب فقلت: أخشى أن يفترق على همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع، فحفظت القرآن وأنا ابن ست سنين أو سبع وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشر سنة.
أخلو فبعث بي
قال: فوقعت لي. مسألة وأنا ابن ثلاثة عشر سنين فسألت أن يبعثوا بي إلى البصرة ففعلوا، فسألت علمائها فلم يشف عني أحد شيئاً فخرجت إلى عبدان إلى رجل يعرف بأبي حمزة بن الله عبد العبداني. فسألته عنها فأجابني، فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصار على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن [367/ب] فيخبز لي فأفطر عليه عند السحر كل ليلة أوقية واحدة بحتاً بلا ملح ولا إدام فكان / يكفي ذلك الدرهم سنة ثم ثلاث ليال ثم أفطر، ثم خمساً، ثم سبعاً ثم خمس وعشرين ليلة. قال: وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنتين، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله، والله أعلم.
فهكذا ينبغي أن يروض الإنسان نفسه ويجاهد شهوته ولكن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء. فَمَن يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَسْرَحُ صَدرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلُ صَدرَهُ ضَيِّقاً
حَرَجاً) (1) الآية.
فالدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وأطعمتها إنما هي أدوية المقصود بها التقوي على
(1) سورة الأنعام الآية: 125. (2/314)
صفحة 771
قنطرة الخلق
315
عبادة الله والموت منتظر عند كل ساعة والكيس العاقل من تزود من الطاعة حتى تعظم عند الله درجة وتتسع في الجنة نعمته وبالله التوفيق ونسأل الله الهداية.
الفصل الثالث: في حق المناسبين للإنسان
وهم من عدا الآباء والأمهات من العصبة والقرابة والأرحام والذي يختصون به هو المحبة
الألفة
الباعثة على نصرة الأقارب لئلا يستولي عليهم الأعداء من الأباعد والحمية أدنى رتبة من لأن الألفة تمنع من التعظم والخمول معاً والحمية تمنع من التعظم فليس لها في كراهية الخمول نصيب، إلا أن يقترن بها ما يبعث على الألفة، لأنها معرضة لحسد الأقارب فإن حرست حمية النسب بالحمية والود تأكد بها أسباب الألفة، ولذلك قيل لبعض قريش أيما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ فقال: أخي إذا كان صديقاً.
وإن أهملت الحال بين المتناسبين ثقة بلحمة النسب وإعتماداً على حمية الأقارب دون مواصلتها بالبر وحياطها / عن أسباب الضير غلب عليها مقت الحسد ومنازعة التنافس فصارت [1/ 368] المناسبة عداوة والمقاربة تباعداً.
:
ولذلك قال الكندي في بعض رسائله الأب أب والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب. وقال عبد الله بن المعتز:
لحومهم لحمي وهم يأكلونه وما داهيات المرء إلا أقاربه ولأجل هذا المعنى أمر الله بصلة الأرحام وأثنى على واصلها فقال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَحْشونَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (1).
(1) ,
قال المفسرون: هي الرحم التي أمر الله بوصلها ويخشون ربهم في قطعتها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها. وقال تعالى: {وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَألُونَ بِهِ، والأَرْحَامَ) (2). أي اتقوا الله بحقه والأرحام بحقها فلا تقطعوها وواجب اللعنة على قطيعتها فقال: {فَهَلُ عَسِيتُمْ إِن تَوَلَّيتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ ... (3) الآية. وحث النبي على صلتها فقال: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام.
وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل أنا الرحمن وهي
(1) سورة الرعد الآية: 21. سورة النساء الآية: 1.
(2)
(3)
سورة محمد الآية: 22. (2/315)
صفحة 772
316
قنطرة الخلق
الرحم شققت لها إسماً من أسمي (1) فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته (2) (3). وعنه أنه قال: صلة الرحم منماة للعدد مثمرات للمال محبة في الأهل منساة في
الأجل (4).
وعن علي عنه و أنه قال: صلة الرحم تزيد في العمر. قال: فقلت: يا رسول الله قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يُستَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يُستَقْدِمُونَ). فقال: «إن الله تعالى يخرج من صلبه ذرية يعملون بطاعته فليحقه عملهم فذلك الزيادة في العمر». وفي الحديث: [369/ ب] إذا كان. يوم القيامة / جاء الرحم فيتكلم بلسان طلق دلق يقول اللهم صل من وصلني وأقطع من
قطعني.
الله الأسدي:
وعن النبي أنه قال: «أيها الناس اتقوا الله وصلوا أرحامكم فإنه بقاء لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة». وينشد لمحمد بن عبد وحسبك من ذل وسوء صنيعة مناواة ذي القربي وإن قيل قاطع ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه لترجعه يوماً على الرواجع
وعن النبي أنه قال: أحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأشياء إليه الكفر بالله ثم قطعية الرحم ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف».
وعن مالك بن دينار أنه قال: احذروا ثلاثة فإنهن معلقات بالعرش النعمة يا رب كفرت والأمانة تقول: يا رب أكلت والرحم يقول: يا رب قطعت وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأسرع الشر عقوبة البغي (6).
وفي الحديث عنه قال: من كان قاطعاً لرحمه فلا يصحبنا فخرج رجل من عنده ثم
(1) جاءت في الأصل أسمائي والتصويب من الإحياء.
(2) جاءت في الإحياء بنته.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني الحديث متفق عليه من حديث عائشة. (4) ذكره الحافظ العراقي بمعناه في المغني وقال: حديث من سره أن يسأله في أثره ويوسع له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه وقال متفق عليه من حديث أنس دون قوله: فليتق الله وهو بهذه الزيادة عند أحمد
والحاكم من حديث علي بإسناد جيد. (5) سورة النحل الآية: 61.
(6) ذكر الحافظ العراقي في المغني حديث نحوه وقال: رواه ابن حبان من حديث أبي بكرة، والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف. (2/316)
صفحة 773
قنطرة الخلق
317
رجع» فقال: «ما لك؟ قال: كنت صارماً لرحم لي فوصلته وأعتبته فسر بذلك عليه السلام وقال عليه السلام في الرحم: هي شنجة من الله تعالى. قال أبو عبيدة: يعني قرابة مشتبكة. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: وجدت في مقام إبراهيم عليه السلام كتاب مكتوب بالعبرانية أي أنا الله ذوبكة خلقت الرحم فشققت له اسماً من أسمائي فمن وصلها ومن قطعها قطعته.
وصلته
وروي
أن رجلاً قال: يا رسول الله إن / لي أقارب أصل ويقطعون وأحسن ويسيئون [1/ 370] وأعفو فيظلمون أفأكافهم بما يصنعون؟ فقال عليه السلام: «لا (1).
وفي
خبر
آخر: «إذا يرفضكم الله جميعاً ولكن إذا قطعوا فصل وإذا ظلموا فأعف ولن
يزال من الله لك عليهم ظهير.
وقال بعض العلماء: صلوا أرحامكم فإنها لا تبلى عليها أصولكم ولا تهتظم عليها
فروعكم.
ويقال: من لم يصلح لأهله لم يصلح لك ومن لم يذب عنهم لم يذب عنك. وأنشد لعبد الله بن الزبير:
ولا يستوي في الحكم عبدان واصل وعبد لإرحام القرابة قاطع وقال بعض البلغاء: من وصل رحمه وصله الله ورحمه ومن أجار جاره وأعانه أجاره الله وأعانه. ويقال: من مشى إلى قرابته أو ذي محرم منه فسأله عنه أو زاره أعطاه الله أجر مائة شهيد، وإن سأل عنه ووصله بنفسه وماله كان بكل خطوة أربعون ألف حسنة ورفع له بكل خطوة أربعون ألف درجة وكأنما عبد الله مائة سنة، ومن مشى في قطيعة الرحم غضب. الله عليه ولعنه وكان عليه من الوزر ما لمن وصل الرحم من الأجر. ويقال سر سنتين في صلة الوالدين وسر سنة في صلة الرحم.
مسألة
وقد أجمع الناس على وجوب صلة الأرقاب والأرحام فقيل القرابة ما دون الشرك وقيل إلى سبعة أباء وقيل خسمة أباء وقيل إلى أربعة أباء.
(1) ذكر الحافظ العراقي في المغني حديث بمعناه وقال: رواه الطبراني والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو وهو عند البخاري دون قوله معلقة بالعرش فرواها مسلم من حديث عائشة. (2/317)
صفحة 774
[371/ب]
318
قنطرة الخلق
قال الله تعالى: {وَأَنذِر عَشِيرَتكَ الأقربين} (1). فقيل: جمع عليه السلام إلى أربعة آباء وكذلك الأرحام إلى أربعة آباء ومن كتاب الضياء: قال أبو محمد: ليس لصلة الرحم حد يعرف ولكن على قدر النية والوصول إلى ذلك متى قدر بنفسه وماله.
ويجب / على الإنسان أن يصل قرابته وأرحامه الأقرب فالأقرب، ويصل أجداره وهم بمنزلة الأبوين ويصل إخوته.
وقد قال عليه السلام: «حق كبير الأخوة على الصغير كحق الوالد على ولده» (2).
وكذلك الأعمام يصلهم بما قدر عليه وقد قال عليه السلام ردوا على أبي. يعني. العباس: وقال: «أنا والعصباء للعباس». كل ذلك يدل على تعظيم حق العم.
عمه
وجملة حق القرابة: أن يواسيهم الإنسان بنفسه وماله إذا خاف عليهم أن يهلكوا جوعاً. ويقال أفضل الصلة أن يصلهم بالهديا وأضعفها أن يرسل إليهم بالسلام، وعليه أن يحضر لفرحهم وحزنهم وإن نهوه عن ذلك فلا يشتغل بهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وإن منعه خوف من زيارتهم فليصلهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يجوز له أن يقطعهم ولو
قطعوه.
ويقال: إن عمر رضي الله عنه أمر الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا، وإنما فعل ذلك لأن التزاور يوجب التراحم، والتجاور يوجب التزاحم على الحقوق وربما يؤدي ذلك إلى
القطيعة والعقوق.
ولذلك قيل من تباعد عن قرابته دامت بينهم المودة ومن أراد أن يكثر عمله ويكون حليماً فليجالس غير عشيرته. ويقال: من كان ممنوعاً من صلة قرابته فلينظر إلى الجهة التي كانوا فيها فهو صلتهم والله أعلم وأحكم.
وقال بعض الحكماء: العيادة بعد ثلاثة واجبة والتعزية بعد ثلاثة تجديد المصيبة، والتهئنة
بعد ثلاثة استخفاف بالمودة وبالله التوفيق.
(1) سورة الشعراء الآية: 214.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة ورواه أبو داود في المراسيل من رواية سعيد بن عمرو بن العاص مرسلاً ووصله صاحب مسند الفردوس فقال
عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده سعيد بن العاص وإسناده ضعيف. (2/318)
صفحة 775
319
[1/ 373]
قنطرة الخلق
الباب الثالث
في المصاهرة
وهي السبب الثالث من أسباب الألفة لأنها استحداث مواصلة وتمازج مناسبة صدرا عن رغبة واختيار وانعقدا عن خير واختيار فاجتمع منها أسباب الألفة.
قال الله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتَه أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَل بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ (1). يعني بالمودة المحبة، وبالرحمة الحنو والشفقة وهما من أوكد أسباب الألفة.
وقيل: المودة النكاح والرحمة. الولد. وقد تعالى: وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة. واختلفوا في الحفدة.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه: هم ولد الرجل وولد ولده وقيل عنه:: أنهم بنوا امرأة
الرجل من غير وسموا حفدة لتحفدهم في الخدمة وسرعتهم في العمل.
ولم تزل العرب تجتذب البعداء وتتألف الأعداء بالمصاهرة حتى يرجع النافر مؤانساً ويصير العدو مؤالفاً بل يصير الصهر ألفة بين القبيلتين وموالات بين العشيرتين. وحكي عن. خالد بن يزيد بن معاوية أنه قال: كان أبغض خلق الله إلي آل الزبير بن العوام
حتى تزوجت أرملة فصاروا أحب الناس إلي وفي ذلك يقول:
أحب بني العام طرا لحبها ومن أجلها احببت أخوالها كلبا وإن تسلمي نسلم وإن تنتصري يحط رجال بين أعينهم صلبا
ولذلك قيل الرجل على دين زوجته لما يحتذب له حبها من الموافقة والمتابعة.
وإذا كانت المصاهرة بالنكاح بهذه المنزلة من الألفة كان ينبغي لنا أن نذكر الوجوه المطلوبة بالنكاح وطرفاً من الحقوق التي يقتضيه على الانشراح وينحصر. ذلك في ثلاثة فصول:
الأول: الوجوه المطلوبة بالنكاح.
الثاني: في حقوق الزوجة. / الثالث: في حقوق الزوج.
(1) سورة الروم الآية: 21. (2/319)
صفحة 776
320
قنطرة الخلق
الفصل الأول: في الوجوه المطلوبة بعقد النكاح
اعلم أن الإنسان قد يبتغي بعقد النكاح أحد خمسة أوجه: وهي؛ المال، الجمال، والدين، والتعفف والألفة:
وقد روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تنكح المرأة لأربع خصال لمالها أو لجمالها أو لحسبها أو لدينها فعليك بذات الدين تربت يداك (1). ويقال: لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يفتنها ويؤذيها ولا لمالها فلعل مالها يطغيها ويورث الفقر، ناكحها، ولا لعزها فلعل عزها يورث الذل خاطبها وانكح المرأة لدينها (2).
فإن كان عقد النكاح لأجل المال فالمال إذا هو المنكوح فإن وصل إليه فقد تقضي سبب الألفة إذا لا يقترن به غيره من الأسباب ولا سيما إذا غلب عليه حب الطمع وقل منه الوفاء، وإن لم يصل إلى المال أعقبه ذلك استهانة للزوجة فصارت الوصلة فرقة والألفة عداوة. ولذلك قيل: من ودك لطمعه فيك أبغضك إذا أيس منك. وإن كان العقد رغبة في الجمال فذلك أدوم ألفة من المال لأن المال صفة زائلة والجمال صفته لازمة، ولذلك قيل حسن الصورة أول السعادة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعظم النساء بركة أحسنهم وجهاً وأرخصهن مهراً (3). وإن سلمت الحال من الإذلال المفضي إلى الملل استدامت الألفة، وقد
كانوا يكرهون الجمال البارع لما يخاف فيه من بلوى المنازعة.
كما
روي أن رجلاً شاور حكيماً في التزويج فقال: افعل وإياك والجمال البارع فإنه
[374/ ب] مرعى أنيق. قال الرجل: وكيف؟ قال: كما قال / الشاعر:
ولن تصادف مرعا ممرعاً أبداً إلا وجدت به آثار مأكول وأما لما يخافه اللبيب من شدة الصبوة ويتوقاه الحازم من عواقب الفتنة وقد قال بعض
(1) قال الحافظ في المغني: متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2) ذكر الحافظ حديثاً يؤكد هذا المعنى: وقال فيه رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس من تزوج امرأة لم يزده الله إلا ذلاً ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ومن تزوج امرأة لم بها إلا أن يغض بصره ويحض فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه ورواه
حب في الضعفاء.
(3) ذكر الحافظ العراقي نحوه وقال: رواه ابن حبان من حديث ابن عباس خير من أيسر من صداقاً، وله من حديث عائشة من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها، وروى أبو عمر التوقاني في كتاب معاشرة
الأهلين إن أعظم النساء بركة أحببهن وجوهاً وأقلهن مهراً، وصححه. (2/320)
صفحة 777
قنطرة الخلق الحكماء: إياك ومخالطة النساء فإن لحظ المرأة سهم ولفظها سم.
321
ورأى بعض الحكماء صياداً يكلم امرأة فقال: يا صياد احذر أن تصاد. ويقال إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع امرأة تقول:
إن النساء رياحين خلقن لكم وكلكم يشتهي شم الرياحين
فقال عمر: إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين وقال لقمان لابنه يا بني استعذ بالله من شرار النساء وكن من خيارهن على حذر فإنهن لا يسر عن إلى خير وهن إلى الشر أسرع.
وعن إياس بن معاوية أنه قال: ما خلق الله خلقاً أشر من النساء تصارعهن فيصرعن ويغلبن ولا يغلبن، ما مثلهن إلا كالحجر إن وقعت عليه عقرك وإن وقع عليك دمغك والناجي من شرهن قليل.
وقيل لبعض الحكماء: أي السباع أحسن صورة؟ قال: النساء. ورأى بعض الحكماء رأس امرأة معلقاً من على الشجرة فقال: يا ليت كل شجرة تحمل مثل هذه الثمرة. ونظر بعض الحكماء إلى رجل يريد العرس وقد زين داره وكتب على بابه لا يدخل هذا الباب شيء من الشر فقال له: امرأتك من أين تدخل؟
وقال بعض الحكماء: مقاساة سبعين شيطاناً أسهل من امرأة تطلب منك حظ نفسها. وقال بعض الحكماء: النساء فخ منصوب فليس يقع فيه إلا من اغتر به.
وقال: ولا ضرار أضر من الجهل ولا شر / أشر من النساء قال: ونظر إلى سقيمة وقال: [1/ 375] الشر بالشر يكفي، قال: ونظر إلى جنازة امرأة والنساء خلفها يعولن ويويلن قال: الشر يتوجع
بفقد الشر.
ويقال: النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن. . وقال المعري:
دنيا الفتي ذه عدو
غناه فيها عن الغـ
تغـ ـك غدراً بمنصليها ريـ
أجمل. ن فقر إليها
وقال بعض الحكماء الكيس: من لم تصده النساء فإنه إن وقع قص جناحاه ولم ينبت أبداً.
وقال من أراد أن يقوى على طلب الحكمة فليكف على تمليك النساء على نفسه. وقال المعري: قناطر الخيرات ج/ 2/ 21 (2/321)
صفحة 778
322
قنطرة الخلق
[376/ب]
توق النساء على عفة ليحزيك الواح فأبكارهن أبكارا البلي وأيمهن هي اللي
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعس عبد المرأة. وعن الحسن البصري أنه قال: والله ما أصبح رجل يطيع امرأة فيما تهوى إلا أكبه الله في النار.
ومع
هذا كله فإن الأمور لا تصلح إلا بالنساء وهن أحفظ للبيوت وأحصن للفروج وإن كن كانوا سبب التناسل والتكاثر كما قال عليه السلام: تزوجوا فإني أكاثر بكم الأمم (1). وقال أيضاً: النساء حاملات والدات مرضعات رحيمات لولا ما يسئن إلى أزواجهن لدخلا مطيعاتهن الجنة» والله أعلم.
وإن كان العقد رغبة في الدين متبع له ومن اتبع انقاد له فاستقامت حاله وأمن زلله. ولذلك قال عليه السلام: فعليك بذات الدين تربت يداك (2). ففيه تأويلان: أحدهما: / تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين والثاني: أنها كلمة تذكر للمبالغة ولا يراد بها سوء. كقولهم ما أشجعه قاتله الله.
فإذا كانت المرأة متدينة استقامت بها العشرة ودامت لزوجها منها الألفة ولا سيما إن كان
الزوج ذا سياسة ودين.
وقال النبي: خير ما أعطى المرء لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة (3). وقال الله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) (4). قال محمد بن كعب: المرأة الصالحة {وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ (5). يعني الجنة. وقال بعض العلماء: المرأة الصالحة ليست من الدنيا في شيء، يعني أنها تعين على
الآخرة.
(1) ذكره الحافظ العراقي بمعناه في المغني قال: رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر دون قوله «حتى بالسقط» وإسناده ضعيف وذكره بهذه الزيادة البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه بلغه.
(2) شطر حديث أبي هريرة المتفق عليه.
(3) ذكر الحافظ العراقي نحوه في المغني وقال: رواه الترمذي وحسنه وفيه انقطاع.
(4) سورة البقرة الآية: 201.
(5) سورة البقرة الآية: 201. (2/322)
صفحة 779
قنطرة الخلق
323
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أعطي المرء بعد إيمان بالله خيراً من امرأة
صالحة. والله أعلم.
وإن كان العقد رغبة في الألفة: فهذا يكون على أحد وجهين: إما أن يقصد المكاثرة واجتماع الفريقين والمظافرة بتناصر الفئتين. وإما أن يقصد به تأليف أعداء مسلطين استكفافاً لمعادتهم وتسكيناً لصولتهن.
وهذان الوجهان قد يكونان في الأماثل وأهل المنازل وداعي الوجه الأول: هو الرغبة.
وداعي الوجه الثاني: هو الرهبة.
وهما سببان في غير المتناكحين فإن استدام السبب دامت الألفة وإن زال السبب بزوال الرغبة والرهبة خيف زوال الألفة إلا أن ينظم إليها أحد الأسباب الباعثة عليها والمقوية لها وإن كان العقد رغبة في التعفف فهو الوجه الحقيقي المبتغى به عقد النكاح وما سواه فأسباب متعلقة
به ومضافة إليه.
نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
لما وروي وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجِهَا) (1).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خلق الرجل من التراب وهمه في التراب / وخلقت المرأة من الرجل [1/ 377]
وهمها في الرجل». وقال عليه السلام: «من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي (2). وقال: «المتزوجون هم المتطهرون المبرؤون من الخنا».
وقال: «شرار أمتي عزابها». وكان عبد الله بن مسعود يقول فيما بلغنا: لو لم من يبق عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج ولا ألقى الله عازباً.
ويقال إن معاذ بن جبل ماتت امرأته في الطاعون فقال: زوجوني فأنا أكره أن ألقى الله وأنا عازب وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا يتم نسك الناسك إلا بالتزويج.
(1) سورة النساء الآية: 1. (2) ذكره الحافظ العراقي في المغني بنحوه وقال فيه رواه ابن الجوزي في العلل من حديث أنس بسند ضعيف وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ فقد استكمل نصف الإيمان وفي المستدرك وصحح إسناده بلفظ من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه». (2/323)
صفحة 780
324
[378/ب]
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا يمنع النكاح عجزاً وفجور.
قنطرة الخلق
وروي أن شاباً سأل ابن عباس من بعدما خلا مجلسه فقال: إني شاب وليس لي زوجة فربما خشيت العنت فأستمني بيدي فأعرض عنه ابن عباس ثم قال: أف وتف نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنى.
وروي أن ابن عمر ربما كان يفطر على الجماع دفعاً للوسواس. وروي في قوله تعالى: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفا) (1). إنه لا يصير على الجماع ويضعف عن تركه. وقيل في قول الله تعالى: ربَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَة لنا به (2). به) (2). قيل شدة الغلمة. وفي نوادر التفسير في قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3). أنه الذكر إذا قام.
وقال بعض السلف: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلث عقله أو قال ثلثا دينه.
أن وروي النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعكاف بن وداعة الهلالي: يا عكاف ألك زوجة؟». قال: لا. قال: «فأنت إذاً من إخوان الشياطين إن في رهبان النصارى فالحق بهم وإن كنت منا فمن ستنا النكاح. فإن هذا منه حثاً على التعفف عن ا الفساد وباعثاً على طلب المكاثرة بالأولاد. أن / بلالاً وصهيباً رحمهما الله أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل لهما
ويروي
من أنتما؟ قال بلال: أنا بلال وهذا أخي صهيب كنا ضالين فهدانا الله وكنا مملوكين فأعتقنا الله وكنا عائلين فأغنانا الله فإن تزوجنا فالحمد الله وإن رددتمونا فسبحان الله. قالوا: بل تزوجون والحمد لله. وقال صهيب لبلال: لو ذكرت مشاهدنا سوابقنا مع رسول الله؟ فقال بلال: اسکت فقد صدقت فأنكحك الصدق.
فلما كان التعفف وطلب الولد هما الوجهان اللذان وضع النكاح لأجلهما لزم حينئذ في عقد التعفف أن تراعى فيه ثلاثة شروط: أحدها: الدين المفضي إلى الستر والعفاف المؤدي إلى القناعة والكفاف. ولذلك قال أبو هريرة: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي
عائشة وعن
رضي
خلقاً.
الله عنها أنها قالت: «النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته (4)، وقد روي أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد إن لي بنتاً أحبها وقد خطبها إليَّ غير
(1) سورة النساء الآية: 28. (2) سورة البقرة الآية: 286. (3) سورة الفلق الآية: 3.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو - التوقاني في معاشرة الأهلين موقوفاً على عائشة وأسماء:
عمر
= (2/324)
صفحة 781
قنطرة الخلق
325
واحد فممن ترى أن أزوجها؟ فقال: زوجها من رجل يتقي الله فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها
لم يظلمها.
وقال عليه السلام: «من زوج وليته فاجراً فقد قطع رحمها (1) وروي أن رجلاً خطب إلى ابن عباس يتيمة كانت عنده قال: لا أرضاها لك. قال: ولما وفي دارك نشأت؟ قال: إنها تتشرف. قال: لا أبالي قال الآن لا أرضاك لها. ولهذا قال بعض الحكماء: من رضي بصحبة من لا خير فيه لم يرضى بصحبته من فيه خير.
فإذا الدين مطلوب من كليهما ولا سيما الرجل في حق المرأة عند التزويج لأن المرأة يقدر الرجل على الاستبدال بها بطلاق والمرأة إذا / زوجت من فاسق أو دني فهي أسيرة لا [1/ 379] سبيل إلى فكها من رقه إلا بالموت والله أعلم.
الشرط الثاني: العقل الباعث على حسن التقدير للأمر بصواب التدبير.
وقد روي عن النبي الله أنه قال: «العقل حيث كان ألوف مألوف».
وروي عن النبي الله أنه قال: عليكم بالودود والولود ولا تنكحوا الحمقاء فإن صحبتها
بلاء وولدها ضياع (2). الشرط الثالث: الأكفاء الذين ينتفي بهم العار ويحصل بهم الاستكثار.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تخيروا النطفكم ولا تضعوها إلا في الأكفاء (3). وعنه عليه السلام أنه قال: انظر أين تضع ولدك فإن العرق دساس (4) وقال اكتم بن
ابنتي أبي بكر قال البيهقي وروى ذلك مرفوعاً والموقوف أصح. (1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس ورواه في الثقات من قول الشعبي بإسناد صحيح.
(2) ذكر نحوه الحافظ العراقي وقال: رواه البيهقي من حديث ابن أبي أدية الصدفي قال البيهقي: وروى بإسناد صحيح عن سعيد بن يسار مرسلاً وقال رواه أبو داود والنسائي من حديث معقل بن يسار تزوجوا الودود والولودة وإسناده صحيح. (3) ذكر الحافظ العراقي بمعناه حديثاً وقال: رواه ابن ماجة من حديث عائشة مختصر دون قوله: «فإن العرق». وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس، وروى أبو موسى المديني في كتاب تضييع العمر والأيام من حديث ابن عمر وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس، وكلاهما ضعيف.
(4) ذكر الحافظ العراقي بمعناه حديثاً وقال: رواه ابن ماجة من حديث عائشة مختصر دون قوله: «فإن العرق». وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس»، وروى أبو موسى المديني في كتاب تضييع العمر والأيام من حديث ابن عمر وانظر في = (2/325)
صفحة 782
[380/ب]
326
قنطرة الخلق
صيفي لولده يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن طراحه النسب فإن نكاح اللئيمة مدرجة
للشرف.
وقال عليه السلام: «إياكم وخضر الدمن (1). يعني المرأة الحسناء في المنبت السوء. وقد ينضم إلى هذا الشرط من صفات الذات وأحوال النفس وما يلزم التحرز عنه لبعد الخير عنه وقلة الرشد فيه فإن كثيراً من الأخلاق بادية في الصور والأشكال.
كالذي روي عن النبي الله أنه قال لزيد بن حارثة: تزوجت يا زيد؟». قال: لا. قال: تزوج تستعفف. النساء خمساً قال وما هن يا رسول الله؟ قال: «لا عفتك ولا تتزوج من! مع
تتزوج شهبرة ولا لهبرة ولا نهبرة ولا هيدرة ولا لفوت: قال يا رسول الله لا أعرف مما قلت شيئاً؟ قال: «أما الشهبرة فالزرقاء البدية وأما اللهبرة فالطويلة المهزولة وأما النهبرة فالعجوز المدبرة وأما الهيدرة فالقصيرة الذميمة وأما اللفوت فذات الولد من غيرك.
وأوصى بعض العرب ابن له في التزويج فقال: إياك / والحنانة والمنانة والأنانة؛ فالحنانة التي تحن إلى زوج كان لها والمنانة التي تمن على زوجها بمالها؛ والأنانة التي تنين كسلاً وروي قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: التي إذا نظر إليها زوجها سرته
وتمارضاً. أنه
وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته» (2).
وقال لقمان لابنه: اعلم يا بني أن المرأة الصالحة كالتاج على رأس الملك والمرأة السوء
كالحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير. وينشد:
أرى صاحب النسوان يحسب أنها سواء وبون بينهن بعيد
فمنهن جنات تفيء ظلالها ومنهن نيران لهن وقود
وقال: أوفى بن دلهم النساء أربع فمنهن مقمع لها شينها أجمع، ومنهن تبع ترى ولا تنفع، ومنهم مدق تفرق ولا تجمع، ومنهن غيث وقع ببلده فامرع. وقيل للحسن البصري: من
أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس، وكلاهما ضعيف. (1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الدارقطني في الأفراد والرامهر مزي في الأمثال من حديث أبي سعيد الخدري وقال الدارقطني تفرد به الواقدي وهو ضعيف. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه النسائي من حديث أبي هريرة نحوه بسند صحيح وقال: «ولا تخالفه في نفسها ولا مالها وعند أحمد في نفسها وماله ولأبي داود نحوه من حديث ابن عباس
بسند صحيح. (2/326)
صفحة 783
قنطرة الخلق
أطيب الناس عيشاً؟ قال: من رزق امرأة قانعة ولحقة حافظة عند حاجته غير مانعة. وأنشد أبو العيناء عن أبي زيد: إن النساء كأشجار نبتن معاً منهن مر وبعض المر مأكول إن النساء لو صورن من ذهب فيهن من هفوات الجهل تخييل إن النساء متى ينهين عن خلق فإنه واجب لا بد مفعول وما وعدنك من شر وفين به وما وعدنك من خير فممطول
ويقال: النساء ثلاثة: هيئة لينة عفيفة مسلمة تورد الأمور مواردها وتصدرها مصادرها. وأخرى: وعاء للولد لا خير فيها لغير ذلك. وأخرى: غل يضعه الله في عنق من يشاء. ويقال أكله فسيبه من قبل النساء من ذلك آدم عليه السلام بسبب به
الله أصل كل ذنب عصى الشجرة إنما كان من قبل حواء امرأته.
عليها.
من
وإنما / قتل قابيل أخاه هابيل على أخته حين أراد أن يتزوجها فأبى عليه ذلك. ولم يمتحن يوسف عليه السلام بالسجن إلا بكيد امرأة العزيز حين راودته عن نفسها فأبى
ولم يصب داود الخطيئة إلا على يد امرأة أورياء ولم يصب برصيص الفتنة والبلاء بعد عبادة أربعمائة سنة فما زعموا إلا على امرأة.
الله وإنما مدح يحيى عليه السلام حين جعله حصوراً لا يأتي النساء ثم مع سلامته ولم
يسلم من شر النساء وإنما قتل على يد امرأة حين استفتته لما منعها هواها. وزعموا أن سليمان عليه السلام إنما ذهب ملكه أربعين يوماً بسبب جارية من جواريه. وقيل غير ذلك وقد أخبر الله عن نوح ولوط عليهما السلام وذكر ما امتحنا به من
زوجتيهما حيث يقول: {ضَرَبَ الله مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أمرأةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ .. ) (1) الآية. فهن أصل كل بلاء وفتنة وقال عليه السلام لأزواجه انكن صواحبات يوسف (2). وهن أمهات المؤمنين فما ظنك بغير هن وقال عليه السلام: «النساء حبائل الشيطان (3).
(1) سورة التحريم الآية: 10.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه.
(3)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب من حديث خالد بن زيد الجهني
بإسناد فيه جهاله.
[1/ 381] (2/327)
صفحة 784
[382/ب]
328
قنطرة الخلق
وقال: باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء وخير شيء للنساء أن لا يرون الرجال ولا
يرونهن (1).
وقال عليه السلام: ما تركت على أمتي أضر عليها من فتنة النساء فاتقوهن بالصوم
والصلاة (2).
وعن
عائشة رضي.
الله عنها أنها قالت: من شقوتنا جعلنا الله مقدم الشهوات. تريد قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءَ) (3) الآية. ثم قالت: عجباً للرجال كيف يختارون هؤلاء الحيض المناتين وقد زهد الله فيهن ودل على ما هو خير منهن فقال: (قُل أونَبئُكُم بِخَيرٍ مِن ذَلِكُمُ. إلى قوله: وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ (1).
(4)
وقد ضعف الله كيد الشيطان عن كيدهن / فقال إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (5). وقال في النساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (1).
ولكن لا بد منهن لعله الابتلاء بهن لتسكين الشهوة وبقاء النسل.
وقد قال أبو سليمان الدراني: الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار والله أعلم (7).
فصل
اعلم أن باعث الإنسان على طلب النساء لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداهما: أن يكون لطلب الولد فالأحمد التماس الحداثة والبكارة لأنها أخص بالولادة وقد روي عن النبي أنه قال: (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير (8). ومعنى قوله أنتق أرحاماً: أي أكثر أولاداً.
(1)
الحافظ العراقي نحوه وقال: رواه البزار والدارقطني في الإفراد بسند ضعيف. (2) ذكره الحافظ بمعناه وقال: متفق عليه من حديث اسامة بن زيد.
(3) سورة آل عمران الآية: 14.
(4) سورة آل عمران الآية: 15.
(5) سورة النساء الآية: 76. (6) سورة يوسف الآية: 28.
(7) ما جاء في هذا الباب منقول من كتاب الإمام الغزالي إحياء علوم الدين ـ الجزء الثاني ـ كتاب آداب
النكاح. طبعه دار إحياء الكتب العربية.
(8) ذكره الحافظ العراقي في المغني بمعناه وقال: متفق عليه من حديث جابر. (2/328)
صفحة 785
قنطرة الخلق
وقد
329
وعن معاذ بن جبل رحمه الله أنه قال: عليكم بالأبكار فإنهن أكثر حياء وأقل خناء. وهذه الحال هي أول الأحوال الثلاثة لأن النكاح موضوع لها والشرع وارد بها. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سوداء» أو قال سواء ولود خير من حسناء عاقر (1) والعرب تقول: من لم يلد فلا ولد. وكانوا يحتارون لمثل هذا الحال إنكاح البعداء والأجانب ويرون ذلك أنجب للولد وأبهى لخلقه ويجتنبون نكاح الأهل والأقارب ويرونه مضوياً لخلق الولد بعيداً من نجابته.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اغتربوا ولا تضووا» (2).
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يا بني السائب قد أضويتم فانكحوا في الغرائب وقد قال الشاعر: تجاوزت بنت العم وهي حبيبة مخافة أن تضوي على سليلي
سن بين العشرين
وكان حكماء المتقدمين يرون أنجب الأولاد خلقاً وخُلقاً من كانت أمه والثلاثين، وسن أبيه ما بين / الثلاثين والخمسين والعرب تقول: إن ولد الغيراء لا ينجب وأن [1/ 383] النساء الفروك لأن الرجل يغلبها على الشبه لزهدها في الرجل.
والحال الثاني: أن يكون المقصور بالنكاح ما تتولاه النساء من تدبير المنازل بها وهذا وإن كان مختصاً بمعانات النساء فإن الأحمد في ذلك التماس ذوي الأسنان والحكمة ممن خبر تدبير المنازل وعرف عادات الرجال فإنه أقوم بهذا الحال:
الحال الثالث: أن يكون المقصود به الاستمتاع وهي أذم الأحوال الثلاثة وأوهنها للمروءة لأنه ينقاد فيه لأخلاقه البهيمية ويتابع شهواته الذميمة. ولذا قال الحارث بن النظر الأسدي: شر النكاح نكاح الغلمة إلا أن يفعل ذلك لكسر الشهوة وتسكين النفس عند المنازعة حتى لا تكمح عين تريبه ولا تنازعه نفسه إلى فجور فلا يلحقه في ذلك ذم وهو بالحمد أجدر، ثم هي أخطر الأحوال بالمنكوحة لأن بالشهوات غايات متناهية يزول بزوالها ما كان متعلقاً بها فتصير
له
(1)
(2)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن حبان في الضعفاء عن رواية حكيم بن يهز عن أبيه عن جده ولا
يصح.
قال الحافظ العراقي في المغني في معناه: قال ابن الصلاح لم أجد له أصلاً معتمداً. قلت: ـ أي الحافظ ـ إنما يعرف من قول عمر إنه قال لآل السائب قد أضويتم فانكحوا في النوابغ رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث وقال معناه: تزوجوا الغرائب قال ويقال اغربوا ولا تضووا. (2/329)
صفحة 786
330
قنطرة الخلق
الشهوة في الابتداء كراهة في الانتهاء ولذلك كرهت العرب البنات ووأدتهن إشفاقاً عليهن وحمية لهن من أن يبتدلهن اللثام بمثل هذا الحال وكان من تخوف من قتل البنات لرقة ومحبة كان موتهن أحب إليه وآثر عنده. ويقال خطب إلى عقيل علفه ابنة فقال:
إني وإن
المهر
ألف وعبدان و دود عشـ
أحب أصهاري إلى القبر
قال عبيد الله بن طاهر:
[384/ب]
لكل أب بنت يراعي شؤونها ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر ا فبعل يراعيها وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبر الفصل الثاني: في حقوق الزوجة
اعلم أن عقد النكاح يقتضي حقوقاً بين الأزواج بمراعتها تدوم بينهم ونحن نبدأ بذكر حقوق الزوجة.
الألفة والاجتماع
قال الله عز وجل: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (1). وقال تعالى: {فَإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تسْرِيح بِإِحْسَان (2). وقال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (3) إلى (4) قوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (5). قيل: هي الزوجة في قول بعض أهل التفاسير.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان أخذتموهن
بأمانة الله واستحلتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (6). ويقال إن من الفواحش التي لم يبين ذكرها في القرآن أن يتزوج الرجل امرأة فإذا كبر سنها طلقها. وعن عمر بن الخطاب رضي عنه أنه قال: ليس كل بيت بني على المودة ولكن الناس
يتعاشرون بالأخلاق.
(1) سورة النساء الآية: 19.
(2) سورة البقرة الآية: 229.
(3) سورة الإسراء الآية: 26.
(4) لعل قصد المؤلف - الآية 36 ـ من سورة النساء وما جاء بالأصل هو المثبت.
(5) سورة النساء الآية: 36.
(6) ذكر الحافظ العراقي نحوه وقال: رواه النسائي في الكبر وابن ماجة من حديث أم سلمة ومن حديث جابر الطويل وفيه فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله». (2/330)
صفحة 787
قنطرة الخلق
331
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً والطفهم
بأهله» (1).
وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله: أرحم الناس بالعيال والصبيان. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينبغي للرجل أن يكون من أهله مثل الصبي فإذا التمس ما عنده وجد رجلاً.
وروي عن رسول الله أنه قال: ولسانه يتلجلج: الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم (2). يعني أسيرات.
وقال تعالى في تعظيم حقهن: (وَأَخَذَنَ مِنكُمُ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (3) ..
وجملة حقوق الزوجة: أن يحسن إليها الزوج في معاشرتها / كما قال الله تعالى: [1/ 385]
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ (4).
أن يصبر ويحتمل على سوء خلقها.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله الأجر مثل ما أعطى أيوب عليه السلام على بلائه (5).
أن
من
الله عنها فأوحى الله إبراهيم الخليل عليه السلام أراد أن يطلق امرأته سارة رضي وروي إليه أن ألبسها على ما كنت تلبسها عليه ما لم ترى عليها جرحة في دينها فإني خلقتهن من ضلع أعوج فمن رام قوامه انكسر وانكساره الطلاق ومن استمتع به استمتع على عوج. ومنها أن ينبسط في وجهها ما لم ير منها منكراً.
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان من أفكه. نسائه. مع
ويقال هلك رجل من العرب فقيل لأهله: صفي بعلك فقالت: والله إن كان ما علمت لضحوك إذا ولج كسوباً إذا خرج آكلاً ما وجد غير سائل عما فقد.
ومنها أن يعدل بين نسائه في الجماع أو غيره من النفقة والكسوة.
(1) قال الحافظ العراقي: رواه الترمذي والنسائي واللفظ له والحاكم وقال رواته ثقات على شرط الشيخين. (2) ذكر الحافظ العراقي نحوه: وقال رواه النسائي في الكبرى وابن ماجة من حديث أم سلمة.
(3)
سورة النساء الآية: 21.
(4) سورة النساء الآية: 19.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني: لم أقف له على أصل. (2/331)
صفحة 788
332
(1) ,
قنطرة الخلق
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء. يوم القيامة وأحد شقيه مائل (1). ولا يتوعدها بالضارة ولا يهددها بالطلاق، ولا يهجر فراشها إلا إن كانت ناشزة فليتدرج في تأديبها بالوعظ والتخويف أولاً، فإن لم ترتدع ولاها ظهره في المضجع وهجرها في البيت إلى ثلاث ليال فإن لم ترتدع ضربها ضرباً غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يدميها
ولا يضرب وجهها.
وذلك معنى قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
وَاضْرِبُوهُنَّ) (2).
الله عنها
وفي الأثر عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: جاءت الخولاء إلى عائشة رضي وكانت امرأة عطارة وشكت إلى عائشة زوجها عثمان بن مظعون فقالت: إني لأتعطر لزوجي [386/ ب] حتى أنزل نفسي / كالعروس تزف إلى زوجها فإذا دخلت معه في لحافه أعرض عني بوجهه ولا أراه إلا يبغضني فقالت عائشة رضي الله عنها: امكثي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء عليه السلام فشم في البيت رائحتها فقال: إني لأجد ريح الخولاء فهل أتتكم اليوم»؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: نعم يا رسول الله قال: «فهل ابتعتم من عطرها شيئاً؟ قالت: لا ولكن أتت تشكو زوجها فقال لها: «ما شأنك يا خولاء؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني لأتعطر لزوجي حتى أنزل نفسي كالعروس تزف إلى زوجها فإذا دخلت معه في لحافه أعرض عني بوجهه ولا أراه إلا يبغضني. فقال عليه السلام: «أما إنه لو علم ما عليه في ذلك لما فعل. قالت عائشة رضي الله عنها: وما عليه في ذلك رسول الله؟ فقال عليه السلام: «إن الرجل إذا أراد امرأته كتب عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ورفعت له في الجنة عشر درجات فإذا أخذ بيدها كتبت له عشرون حسنة ومحيت عنه عشرون سيئة ورفعت له عشرون درجة فإذا عانقها وقبلها كتب له أربعون حسنة ومحيت عنه أربعون سيئة ورفعت له أربعون درجة فإذا غشيها ثم اغتسل كتب له من الحسنات بعد كل شعرة يمر عليها الماء في بدنه ورأسه». قالت عائشة: هذا للرجل فما للمرأة؟ قال عليه السلام: إن المرأة إذا أخذت في شيء مما يصلح لزوجها ولزينة تريد بذلك رضاه كتب الله لها عشر حسنات ورفعت لها في الجنة عشر درجات فإن دعاهها فأطاعته ثم حملت منه كان لها مثل أجر الصائم القائم المجاهد في سبيل الله فإذا
(1) قال الحافظ العراقي: رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان من حديث أبي هريرة قال أبو داود وابن حبان فمال مع إحداهما». وقال الترمذي: فلم يعدل بينهما». (2) سورة النساء الآية: 34. (2/332)
صفحة 789
قنطرة الخلق
333
أخذها الطلق / والنفاس كان لها بكل طلق مثل أجر من أعتق رقبة مؤمنة فإذا وضعته لم يعلم [1/ 387] أحد ما لها من الأجر فإذا أرضعت ولدها كان لها بكل مصة يمصها من ثديها كمن أعتق عشر رقبات فإذا استكملت الرضاع وفطمته ناداها ملك من السماء استأنفي العمل لقد غفر الله لك ما مضى. فقالت عائشة رضي الله عنها رضينا يا رسول الله رضينا.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النساء عي وعورات فداووا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اعروا النساء يلزمن البيوت وإنما قال ذلك لأنهم لا يرغبن في الخروج بالهيئة الرئة وقيل لبعض من تركت عند أهلك؟ فقال: الخليفتين الجوع حتى لا يمرحن والعرى حتى لا يبرحن.
ولا ينبغي أن يفرط في الانبساط حتى تذهب هيبته ولا ينقبض عنها حتى يوحشها بل يراعى الاعتدال في جميع الأمور. وقد قال عمر رضي الله عنه: شاورهن وخالفهن. ويقال في خلافهن بركة. وقال عليه السلام: تعس عبد الزوجة ولا انتعش.
وإنما قال ذلك لأنه عكس القضية لأن الله تعالى سمى الزوج سيداً فقال: {وأَلْفَيَا سَيّدِهَا لَدَى الْبَابِ) (1). وقال تعالى: الرجال قوامون على النساء) (2). يعني مسلطون على تأديبهن، وجعل الطلاق في حكم الرجال وأمر بالإنفاق عليهن وقال: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوالَكُمْ. الآية إلى قوله: {وَقُولُوْا لَهُمْ قَولاً مَعرُوفاً) (3). فإذا شاورها وأطاعها عكس القضية.
ويقال: إن نساء العرب يأمرن بناتهن باختبار أزواجهن تقول إحداهن لبنتها اختبري زوجك فتقول لها: كيف أختبره يا أماه؟ فتقول: انزعي زج رمحه فإن سكت فاقطعي اللحم على ترسه فإن سكت فاكسري العظام بسيفه فإن سكت فاعلمي أنه حمارك / احملي عليه أكافك وامتطيه. وعن أنس بن مالك قال ذكر النساء يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعفن وقال: يغلبن الكرام
ويغلبهن اللثام (4).
(1) سورة يوسف الآية: 25. سورة النساء الآية: 34.
(2)
[1/ 388]
(3)
سورة النساء الآية: 5.
(4) ذكر الحافظ العراقي معناه في شطر حديث قال فيه: رواه مسلم من حديث ابن عمر واتفقا (2/333)
صفحة 790
334
قنطرة الخلق
وعن أنس بن مالك أنه قال ذكر النساء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تمكنوهن يدبرون أمر العيال يبكين وهن ظالمات ويشهدون وهن غائبات ويحلفن وهن كاذبات فاستعيذوا بالله من أشرارهن وكونوا من خيارهن على حذر.
فقال حسان بن ثابت وكان حاضراً يا رسول الله خطر على قلبي أبيات فقال: «قل»، فقال:
ولا تـ ــق بعهـ ـودهـ
ـروجهن
ـن
والغدر جاش قلوبهن
لا تركنن إلى النسـ
فرضاؤهن وسخطهن
يلقين وداً. ــادق
يوسف اختبره تجده أعظ
أسلمن
ـن العزيز فكان أعظم
رهن
ــون النساء جميعهن
المهيمن لعنة تغل
الفاجرات الفاسقات الخائنات بعولهن
إلا النساء الصالات الحافظات فروجهـ ــن
وعن حاتم الأصم أنه قال: إني في البيت كالدابة المربوطة إن قدم لي شيئاً أكلت وإلا سكتت.
ويروى أن نبياً من الأنبياء شكى إلى ربه أمر زوجته فأوحى الله إليه أني جعلت لك حظك من العذاب.
وبروي أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو امرأته فسمع امرأة عمر تراجعه بكلام يقرب من العنف فرجع وقد رأى عمر مكانه فبعث في إثره وسأله عن رجوعه [389/ب] بعدما أتى موضعه؟ فقال يا أمير المؤمنين إني أتيتك أشكوا امرأتي / فلما سمعت امرأتك تراجعك وأنت لا ترد عليها قلت أين أنا من أمير المؤمنين فرجعت كاظماً غيظي. فقال عمر:
=
نعم اصبر لها لأنها طباخة لمعيشتي غسالة لثيابي ظير لولدي ستر ما بيني وبين النار.
قال عليه السلام: خياركم خياركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي (1).
حديث أبي سعيد ولم يسق مسلم لفظه.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه النسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة دون قوله «أنا خيركم لنسائي، وله من حديث عائشة وصححه (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم». (2/334)
صفحة 791
قنطرة الخلق
أنه ويروي
335
قيل: يا رسول الله ما حق المرأة على زوجها قال: «يطعمها إذا طعم ويكسوها
إذا اكتسى ولا يقبح لها وجهاً ولا يضربها إلا ضرباً غير مبرح (1). والله أعلم.
وبالجملة أن لها عليه حسن الصحبة وجميل المعاشرة ولا يضرها في نفسها ولا في شيء من مالها وليطعمها مما يأكل وليلبسها مما يلبس ولا يلطم لها خداً ولا يشوهه لها وجهاً وله أن يغضب عليها ويهاجرها في أمر الدين من ثلاث إلى عشر وإن لم ترتدع هجرها من عشر إلى شهر ولا يفشي سرها في النكاح (3).
(2)
ويقال: من يحدث بما يخلو به من أمر امرأته فهو كمن فعل ذلك حراماً ولا ينبغي أن يكون سريع الطلاق بغير عذر.
وقد جاء في الحديث: «ما أحل الله حلالاً أحب إليه من النكاح ولا أبغض إليه من
الطلاق بغير عذر.
ويقال: كان أهل الكتاب يتزوج الرجل المرأة وما يثبت على ثديها خيط يدركهما الهرم جميعاً ولا يرغب أحدهما عن صاحبه؛ ويقال أن ذلك من الفواحش التي لم تذكر في
الكتاب.
وإن كان له عذر في الطلاق فلا بأس وقد قال تعالى: {عَسَى رَبِّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِّلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنكُن) (3). ولكن إن طلقها فليعطها شيئاً يمتعها به ليطيب نفسها لما فجعها من ألم الفراق ولا يفشي سرها في ذلك.
وقد روي عن بعض السلف أراد أن يطلق زوجته فقيل له: ما الذي يربك منها؟ فقال: لا ينبغي للعاقل أن يهتك ستر امرأته فلما طلقها قيل له / لماذا طلقتها؟ فقال: ما لي ولامرأة غيري. [1/ 390]
ومن حق المرأة على زوجها أن يعلمها ما عليها من أمر دينها ووضوئها وصلاتها وقرأتها
(4)
وما يلزمها من حيضها والغسل من جنابتها لأنه أميرها وراعيها وكل راعي مسؤول عن رعيته فالرجل راعي على أهل بيته مسؤول عنهم. وقال تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَاراً
(1) ذكر الحافظ العراقي حديثاً نحوه وقال: رواه أبو داود والنسائي في الكبرى وابن ماجة من رواية معاوية بن
حيدة بسند جيد.
(2) جاء حديث في معنى هذا الأمر في الإحياء وقال الحافظ العراقي رواه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله الله و إن أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يفشى سرها».
((3) (4)
سورة التحريم الآية: 5. سورة التحريم (الآية: 6. (2/335)
صفحة 792
336
قنطرة الخلق
أي علموهم وأدبوهم والله أعلم وأحكم (1).
(Y),
الفصل الثالث: في حقوق الزوج
قال الله تعالى مخبراً عن النساء. وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ درجة ((2). فأخبر أن حق الرجال عليهن أعظم ثم ذكر علة ذلك فقال في آية أخرى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعضَهُم عَلَى بَعْضٍ) (3).
وعن
رضي
عائشة الله عنها أن فتاة قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخطب وأنا أكره التزويج فما حق الزوج على المرأة؟ فقال: «لو كان من قرنه إلى قدميه صديداً فلحسته فما أدت شكره». قالت: فلا أتزوج قال: بلى تزوجي فإنه خير (4).
ويروي
أن امرأة كانت
من خثعم.
حقه
سألته عليه السلام عن حق الزوج فقال: «إن من عليها إذا أرادها [فراودها] (5) على نفسها وهي على ظهر بعير فلا تمنعه من نفسها ومن. حقه أن لا تعطي شيئاً من ماله إلا بإذنه فإن فعلت كان الأجر له والوزر عليها، ولا تصوم تطوعاً إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يقبل منها، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها الملائكة حتى ترجع وتتوب (6).
وعنه عليه السلام أنه قال: المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان (7).
[391/ ب] وعنه عليه السلام أنه قال: المرأة عشر عورات فإذا / تزوجت ستر الزوج عورة واحدة فإذا ماتت ستر القبر العشر عورات (8).
(1) ما جاء في هذا الباب ذكر نحوه الإمام الغزالي في كتاب الإحياء في الجزء الثاني كتاب أدب النكاح طبعة
دار إحياء الكتب العربية. (2) سورة البقرة الآية: 228.
(3) سورة النساء الآية: 34.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الحاكم وصحح إسناده من حديث أبي هريرة دون قوله: «بلى فتزوجي فإنه خيره ولم أره حديث عائشة.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (6) ذكره الإمام الغزالي في الإحياء ولكن المؤلف نقله بمعناه وترك لفظه وأدخل عليه كلامه هو. غير أنه ما ترك المعنى وغلب عليه لفظ ما جاء في الإحياء. وقال الحافظ العراقي في المغني: رواه البيهقي مقتصراً
على شطر الحديث ورواه بتمامه من حديث ابن عمر وفيه ضعيف.
(7) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان من حديث ابن مسعود. (8) قال الحافظ العراقي: رواه الحافظ أبو بكر محمد بن عمر الجعابي في تاريخ الطالبين من حديث علي بسند ضعيف والطبراني في الصغير من حديث ابن عباس للمرأة ستران قبل وما هما الزوج والقبر. (2/336)
صفحة 793
قنطرة الخلق
كانت
ويروي
زوجها وهي.
337
أن رجلاً دخل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أصحاب رسول الله إن لي
الله
امرأة سليطة اللسان مؤذية الجيران فقال أبو بكر من يبلغها قول النبي؟ فقال حذيفة رضي ا عنه: أنا أمضي إليها برسالتكم فقال أبو بكر قل لها إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشها فأبت عليه فهي سخط الله حتى تتوب وترجع». وسمعته يقول: «أيما امرأة تقول لزوجها ما لي منك خير وما رأيت منك خيراً إلا أحبط الله عملها سبعين سنة ولو تصوم النهار وتقوم الليل إلا أن تتوب وترجع وسمعته يقول: «أيما امرأة خاصمت ظالمة إلا. حشرت يوم القيامة مع هامان وقارون في الدرك الأسفل من النار إلا أن تتوب وترجع». وسمعته يقول: «أيما امرأة خربت من بيتها بغير إذن زوجها إلا لعنها كل ما طلعت عليه الشمس إلا أن تتوب وترجع». وسمعته يقول: «أيما امرأة خانت زوجها في فراشه فعليها نصف عذاب هذه الأمة إلا أن تتوب وترجع وسمعته يقول: «أيما امرأة أغضبت زوجها لعنها الله والملائكة والناس أجمعين إلا أن تتوب وترجع». وسمعته يقول: «أيما امرأة منت على زوجها بمالها فقالت: إنما أنت تأكل مالي فلو أنها تصدقت به في سبيل الله لم يقبل منها إلا أن تتوب وترجع». وسمعته يقول: «أيما امرأة قالت لزوجها لعنك الله إلا لعنها الله وكل شيء. ء خلقه الله الجن والإنس إلا أن تتوب وترجع وسمعته يقول: «أيما امرأة كلت في وجه زوجها تدخل به عليه غماً إلا كانت في سخط الله / إلا أن تتوب وترجع ولو أن امرأة [1/ 392] عبدت الله تعالى عبادة مريم ولم يرضى عنها زوجها لم يقبل الله منها وأدخلها النار مع الداخلين إلا أن تتوب وترجع وأيما امرأة كلفت زوجها من النفقة ما لا يطيق لم يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلا أن تتوب وترجع ولو أن امرأة قدمت بين يدي زوجها ثديها شواء أو طبيخاً لم تبلغ حق
زوجها».
حتى
ويروى أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا رسول النساء المؤمنات إليك أعلمك شأنهن وليس منهن امرأة إلا على مثل مقالتي إنكم معشر الرجال فضلكم الله بالجماعة والجهاد والحج في العام بعد العام وحمل الجنازة وعيادة المرضى وغير ذلك، ونحن معشر النساء قاضيات شهواتكم وحاملات أثقالكم ومربيات أولادكم وحافظات بيوتكم ومؤتمنات على جميع أموركم فإذا خرج الرجل منكم إلى الحج أو إلى الجهاد أو إلى الرباط أو غير ذلك من الأسفار صرنا قواعد بيوتكم نحرس عليكم نفوسنا وبيوتكم ونربي أولادكم أفنشارككم في أجوركم؟ فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه فقال: هل رأيتم أو سمعتم مثل عقل هذه المرأة ومعرفتها وسؤالها عما يعنيها من أمر دينها»؟! قناطر الخيرات ج/ 2/ 22 (2/337)
صفحة 794
338
قنطرة الخلق
قالوا: بلى يا رسول الله ما ظننا أنه يبلغ عقل امرأة إلى مبلغ عقل هذه المرأة! فقال لها عليه السلام: اذهبي فبلغي عني النساء المؤمنات أنه ما منكن امرأة تخشى ابتغاء مرضات الله وتخشى علام إتباع مرضات زوجها وسرته إلا كان لها من الأجر يعدل ما ذكرت وإذا هي [393/ب] حملت من زوجها وولدت كان لها بكل مصة ترضعه أجر من أعتق رقبة / من ولد إسماعيل فأنصرفك المرأة ضاحكة مستبشرة فاعلمت النساء بذلك فما عليهن يوم أكمل سروراً من
ذلك اليوم.
ثم قال لها أيضاً: أيما امرأة أعانت زوجها على الحج والجهاد فهي شريكته في الأجز ... وحقوق الزوج كثيرة وقد قال بعض المشايخ لابنته أزوجك اليوم ممن له عليك سبعون حقاً
فقالت يا أبت أردها إلى ثلاثة إن دعاني أجبته وإن أمرني ائتمرت وإن نهاني انتهيت. والقول الجامع لها من غير تطويل أن تراعي أمرين أحدهما الصيانة والستر، والثاني ترك
المطالبة، بما وراء الحاجة والتعفف عن كسبه إذا كان حراماً، ولا تكفر إحسان زوجها. وقد قال عليه السلام رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء والأغنياء». قيل يا رسول الله لأي شيء كان ذلك؟ قال: بكفرهن». قيل أيكفرن بالله قال: لا، يكفرن بالعشير ويكفرن. بالإحسان ولو أحسنت إليهن الدهر كله ثم أسأت إليهن في الدهر مرة واحدة فيكفرن بالإحسان
أجمع».
وفي حديث آخر: إلا ترى إلى أحدهن تكون مع زوجها طول دهرها وهو يحسن إليها فإذا رأت منه ما يسؤها قالت ما رأيت منك. خير قط». وما فعلت لي وما صنعت لي. ولتكن راضية بزوجها قانعة في يسره وعسره. وتريه البشاشة في جميع أحوالها، ولتكن قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها ولا تزور إلا من تطلب الثواب في زيارته من أهلها أو غيرهم إلا بإذن زوجها. وقد روي أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر عن زوجته وقد أمرها أن لا يتخرج من بيتها وهي ساكنة في العلو من الدار وأبوها في أسفلها فمرض أبوها فاستاذنت النبي صلى الله عليه وسلم في عيادة أبيها فقال لها: «أطيعي الله وأطيعي زوجك». توفي أبوها فاستاذنته أيضاً في حضور جنازته فقال: «أطيعي الله وأطيعي زوجك». فأوحى الله إلى نبيه، عليه السلام أنه قد غفر الله لأبيها لطاعتها لزوجها). والله أعلم. وعليها أن تحسن تربية أولادها ولا تنام إلا على فراشه ولتحفظه في نفسه وماله وحشمه
(1)
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند ضعيف. (2/338)
صفحة 795
قنطرة الخلق
339
وعياله ولا تنفق ماله بالتبذير ولتراعي في ذلك حسن التقدير ولا تعطي من ماله شيئاً بغير إذنه فمتى غاب عنها زوجها في حج أو رباط فحفظت نفسها بعده كان لها من الأجر مثل أجره ولا ينقص من أجره شيء ولتشتغل ببره جهدها فإن أول ما تسأل عنه المرأة من حدود دينها عن حق زوجها ويجب على المرأة إذا بلغت حد الحيض أو قاربته أن تستتر في ممشاها ولا ترفع له صوتها حيث يسمع من لا يحل له ذلك منها. ولا يحل لها أن تتزين إلا لزوجها في بيتها حيث لا يراها أحد من الرجال الذين [ ... ] (1) يحل لهم نكاحها ولا يحل لها أن تدخل بيت زوجها رجلاً غيره ولا غلاماً قد بلغ الحلم أو راهقه إلا بإذن زوجها إلا أن يكون من ذوي محارمها، ولا يحل لها أن تملي عينيها من غير زوجها ولا تبدي له زينتها، ولا تكتحل، ولا تستاك ولا تأكل معه، ولا تشرب ثم تنازله، ولا تضحك عنده ولا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، ولا تتعرى في بيت غيرها.
فإذا فعلت ما ذكرنا فقد أخذت بحظها من العذاب وإن هي أحصنت فرجها، وصلت خمسها وأدت زكاة مالها إن كان ذلك يلزمها، وأطاعت زوجها وحفظت لسانها، وغضت بصرها إلا على زوجها، ولم تضرب برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها دخلت الجنة.
وروي عن تميم الداري أنه قال حق الرجل على المرأة أن لا تحنث له قسماً، ولا تهجر له مضجعاً، ولا تكفر اله نعمة ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد في رحله بشيء [395/ب]
يكرهه.
وقد روي عن النبي أنه قال: من صبر من النساء على سوء خلق زوجها أعطاها الله
من الأجر مثل ما أعطى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وعن الأصمعي قال: دخلت البادية فإذا بامرأة مختضبة بالحناء وعليها قميص أحمر وبيدها سبحة فقلت ما أبعد هذا. هذا فقالت:
من
فلله مني جانب لا أضيعة وللهو مني والبطالة جانب
قال فعلمت أنها امرأة صالحة وأن لها زوجاً تتزين له. قال الأصمعي أيضاً دخلت البادية فإذا بامرأة من أحسن الناس وجهاً تحت رجل من أقبح الناس وجهاً فقلت: يا هذه أترضين لنفسك أن تكوين تحت مثل هذا؟ فقالت لي: يا هذا أسأت في قولك لعله أحسن فيما بينه وبين الله فجعلني، ثوابه، ولعلي أسات فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي أفلا أرضى بما رضي الله لي؟!! قال: فأفحمتني والله أعلم.
(1) جاء بالأصل بين المعقوفين لفظ «لا» ولا يستقيم المعنى بوجودها. (2/339)
صفحة 796
340
قنطرة الخلق
[1/ 396]
الباب الرابع
في حق الجوار
اعلم أن الله تعالى خلق بني آدم محتاجين، وفطرهم عاجزين، ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز، يمنعانهم من طغيان الغنى وبغي القدرة لأن الطغيان مركوز في طبائعهم إذا استغنوا، والبغي مستول عليهم إذا قدروا.
وقد أخبرنا الله تعالى بذلك فقال: كَلاً إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَن راه أَسْتَغْنَى). ثم ليكون ذلك أقوى الأمور شاهداً على نقصانهم وأوضحها دليلاً على عجزهم. وأنشد لابن الرومي: / عيرتني بالنقص والنقص شامل ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل وأشهد أني ناقص غير أنني إذا قيس بي قوم كثير تقلل تفاضل هذا الخلق بالدين والحجي ففي أيما هذين أنت مفضل
لبقاء نسله
ولو منح الله الكمال ابن آدم لخلده والله ما شاء يفعل ثم جعل الله الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان حتى افتقر إلى الاجتماع مع جنسه ثم لا يكفيه ذلك ما لم يجتمع مع طائفة يتكفل كل واحد منهم بصناعة، ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذوا بالحر والبرد واللصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ينفرد فيها كل واحد منهم بأهله وآلات صناعته فاضطروا إلى المواساة والتعاون بالقوى والآلات والتناصر على الأعداء ودفع أصناف الأذى، فاقتضى الجوار بينهم حقوقاً من المواساة، فضلاً عن كف الأذى والمضرات، إذ لو لم يتواسوا ويتعاونوا لصاروا بمنزلة أصحاب القبور وبمثابة الوحوش والطيور، ولذلك أكد الشرع حق الجوار فضلاً عن حق الإسلام والنسب.
فصل
قال الله تعالى: (وَبِذِي الْقُرْبَى. إلى قوله: (وَالجَارِ الْجُنُبِ (1).
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الجيران ثلاثة؛ جار له حق واحد وجار له حقان
(2)
وجار له ثلاثة حقوق فهو الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام وحق [1/ 397] القرابة، وأما الجار الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق / الإسلام وأما الجار الذي
(1) سورة النساء الآية: 36.
(2) جاءت بالأصل هكذا وجاءت في الإحياء فهو». (2/340)
صفحة 797
قنطرة الخلق
له حق واحد فهو الجار المشرك له حق الجوار (1).
وعنه أنه قال: «ما زال حبيبي سيورثه كالولد من والده (3).
(2)
341
جبريل عليه السلام يوصيني الجار حتى ظننت أنه
وعنه عليه السلام أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره (4). وعنه عليه السلام أنه قال: لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه (5). وعنه عليه السلام أنه قال: «أول خصمين يوم القيامة جاران (6). وعنه أنه قال: إذا أنت رميت كلب جارك فقد آذيته (7).
ويروي
أن رجلاً أتى إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال له: إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي. فقال له: اذهب فإن هو عصى | الله فيك فأطع الله فيه.
ويقال: إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة ويقول: يا رب سل هذا لم منعني
معروفه وسد بابه دوني. وعنه عليه السلام أنه قال: الجار» قبل الدار والرفيق قبل الطريق». وعنه أنه قال: «ما من إمرء بات شبعاناً وجاره طاو، وعلم به ولم يطعمه إلا كان الله بريئاً منه وأنا بريء منه. وعنه عليه السلام أنه قال: ليس المؤمن من بات شبعاناً وجاره جائعاً». . وعنه عليه السلام أنه قال: حرمة الجار على جاره كحرمة على أمه». وروي أنه قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل وتؤذي جيرانها؟ فقال: «هي في النار (8).
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الحسن بن سفيان والبزار في مسنديهما وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية من حديث جابر وابن عدي من حديث عباد الله بن عمر وكلاهما ضعيف.
(2) لم ترد في الإحياء وكذا بالأصل. (3) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث عائشة وابن عمر ـ قلت لم ترد به «كالولد من
والده:
(4) قال الحافظ العراقي: متفق عليه من حديث أبي شريح.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البخاري من حديث أبي شريح.
(6) قال الحافظ العراقي: رواه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر بسند ضعيف. (7) قال الحافظ العراقي: لم أجد له أصلاً.
(8) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح الإسناد. (2/341)
صفحة 798
342
قنطرة الخلق
[398/ب]
ونهى: أن يبول الرجل / في أصل جدار جاره. ويقال: غزى رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة فلما بلغ موضع المنزل نادى: «ألا من كان مؤذي لجيرانه فلا يصحبنا». فقال رجل: ما أذيت رجلاً قط غير أني أبول في أصل جداره فرده نبي الله وقال لا تصحبنا».
ونهى عليه السلام أن يصدق الرجل ابنه على جاره أو امرأته. وقيل أن رجلاً قال لجابر بن فريد رضي الله عنه: يا أبا الشعثاء إن لي جار يؤذيني. فقال له جابر: إنما تؤذيك نفسك أصلح الذي بينك وبين الله تعالى حتى يعطف الله قلب جارك عليك.
وعن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى النبي فشكا إليه جاره فقال له عليه السلام: اصبر له». ثلاث مرات ثم قال له في الرابعة اطرح متاعك في الطريق». قال: ففعل؟ فجعل الناس يمرون عليه فيقولون فيقول: ما لك؟ فيقول: أذاه جاره. فيقولون: لعنه الله. فجاء جاره فقال له: رد متاعك لا والله لا أوذيك أبد (1). وفي الحديث: «من صبر على أذى جاره
ملکه الله داره.
ويقال: ركوب البحر خير من مجاورة الجار السوء. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا إستاذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه (3). فنكسوا فقال: ما لي أراكم عنها معرضين لألقينها بين أكتافكم. وينشد لأبي العتاهية:
والجار لا تترك كرامة بيته وأغصب لكلب الجار إن هو أغضبا وارزع أمانته وكن ركناً له حصنا وغما ساءه متجنباً
كن لينا للجار تحمي عرضه كرماً ولا تك للجار عقرباً
[399/ ب] وعن الحسن أنه قال: / يجيء الرجل يوم القيامة متعلقاً بجاره فيقول: يا رب إن هذا خانني فيقول وعزتك وجلالك ما خنته في أهل ولا مال قال يا رب: صدق ولكن رأني في معصية ولم ينهني عنها فيؤجر.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح على شرط مسلم. (2) ذكر بمعناه الحافظ العراقي في المعنى وقال: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق هكذا ـ وهو متفق عليه بلفظ: «لا يمنعن أحدكم جارة أن يغز خشبة في حائطه ورواه ابن ماجة بإسناد ضعيف واتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة. (2/342)
صفحة 799
قنطرة الخلق
343
ويروى أن رجلاً شكا إلى النبي ما اجاره فأمر عليه السلام من ينادي على باب المسجد: ألا أن أربعين داراً جاره (1).
مسألة في حق الجار
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتدرون ما حق الجار؟ إن إستعان بك فأعنه وإن استقرضك فأقرضه وإن افتقر جدت عليه وإن مرض عدته وإن مات اتبعت جنازته فإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه وإذا اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغترف له منها، أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحمه
الله (2)
حاله
ومن حقوق الجار أيضاً، أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن السؤال، ويصفح عن زلاته، ولا يتطلع من السطح على عوراته ولا يضايقه في رفع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء من ميزابه ولا يطرح التراب في فنائه ولا يضيق الطريق إلى داره، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى بيته وليستر ما ينكشف له من عوراته، ولينعشه من ضرعاته، وليحسن إليه في جميع أموره ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا / يستمع عليه [1/ 400] كلامه، ويغض بصره عن حرمته ولا يدوم النظر إلى خادمه وليتلطف لولده في كلمته ولير شده إلي ما يجعله من أمر دينه ودنياه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، على قدر طاقته، فإن لم يتركه فلا يجب أن يرتحل من داره لأجل ذلك والله أعلم.
مسألة
واختلفوا في حد الجار فقيل إلى أربعين بيتاً من أربع جهات كل بيت كان أقرب كان حقه أوجب. وقيل: مقدار ما يحميه الكلب، وقيل: إلى عشر بيوت من جانب وقيل: سبعة، وقيل: ثلاثة وقيل مقدار ما تبلغه رائحة القدور والله أعلم.
ويجب حق الجار على الإنسان إذا كان على هذا المعنى ما لم يقطع جواره طريق جائز
أو واد جائر أو سوق جامع والله أعلم وبه العون والتوفيق.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود في المراسيل ووصله الطبراني من رواية الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه ورواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة قال: أربعون ذراعاً، وكلاهما ضعيف. (2) ذكر الحافظ العراقي نحوه وقال: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدى في الكامل وهو ضعيف. (2/343)
صفحة 800
344
قنطرة الخلق
[401/ب]
الباب الخامس
في حق ملك اليمين
قال الله سبحانه: {وَبِذِي الْقُربَى). إلى قوله: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ) (1).
أنه ويروي من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما أكرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم (2).
وعنه عليه السلام أنه قال: «العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين (3). وعنه عليه السلام أنه قال: للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما
(1) ,
لا يطيق (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: «لا يدخل الجنة خب ولا ماكر ولا خائن ولا سيء
المملكة (5).
ويقال: / إن عمر رضي الله عنه كان يذهب كل يوم سبت إلى العوالي فإذا وجد عبداً في
عمل لا طاقة له به وضع عنه منه.
وعن عبد الله بن عمر قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم نعفو عن
(1) سورة النساء الآية: 36. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: هذا مفرق في عدة أحاديث فروى أبو داود من حديث عليّ كان آخر كلام رسول الله اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم وفي الصحيحين من حديث أنس كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ولهما من حديث أبي ذر اطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينهم» لفظ رواية مسلم وفي رواية لأبي داود من لايمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ومن
لا يلا يمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله تعالى، وإسناده صحيح.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث ابن عمر. (4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه مسلم من حديث أبي هريرة. (5) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد مجموعاً والترمذي مفرقاً وابن ماجة مقتصراً على سيئ من حديث أبي بكر وليس عند أحد. . منهم منكر وزاد أحمد والترمذي، البخيل والمنان وهو ضعيف
المملكة
وحسن الترمذي أحد طريقيه. (2/344)
صفحة 801
345
قنطرة الخلق
الخادم فصمت عنه لا ثم قال: «أعف عنه كل يوم سبعين مرة (1).
ويروى أن أبا هريرة رأى رجلاً على دابة وغلامه يسعى. خلفه فقال: يا عبد الله أحمله فإنه هو أخوك روحه مثل روحك فحمله، ثم قال: لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما مشى
خلفه.
ويروى أن جارية قالت لأبي الدرداء إني سممتك منذ سنة وما فعل فيك شيئاً. قال: لم فعلت ذلك؟ قالت: أردت الراحة منك. فقال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى.
وعن الزهري أنه قال: متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر.
وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم. قيل له: فما بلغ حلمه؟ قال: بينما هو جالس في داره إذ أتته خادم له بسفود عليه شواء فسقط السفود على ابن من يدها فعقره فمات فدهشت الخادم. فقال: ليس يسكن روع هذه الجارية إلا العتق، فقال لها: أنت حرة لا بأس عليك.
له
ويروي
أن ضيفاً ضاف ميمون بن مهران فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة ومعها مائدة مملؤة، فغثرت فاهزقتها على رأس سيدها ميمون فقال: يا جارية قد أحرقتني. قالت: يا معلم الخير ومؤدب الناس إرجع إلي ما قاله الله. قال: وما قال؟ قالت: {وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ. قال: كظمت غيظي. قالت: وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). قال: قد عفوت عنك. قالت: والله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) (2). قال: أنت حرة / لوجه الله.
(2)
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تضربوا إماءكم على كسر إنائكم فإن لها أجالاً كاجالكم». وعنه عليه السلام أنه قال: «إذا كفى أحدكم مملوكاً فليكن أول ما يطعمه الحلو فإنه أطيب لنفسه (3).
وعنه أيضاً أنه قال: إذا اشترى أحدكم مملوكاً صنعة طعامه فكفاه حره ومؤنته وقربه إليه فليجلسه وليأكل معه أو ليأخذ لقمة فيضعها في يده وليقل كل هذه (4).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود والترمذي وقال حسن غريب. (2) سورة آل عمران الآية: 134.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني في الأوسط والخرائطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف. (4) قال الحافظ في حديث نحوه متفق عليه مع اختلاف لفظ وهو في مكارم الأخلاق للخرائطي باللفظين اللذين ذكرهما المصنف غير أنه لم يذكر علاجه وهذه اللفظة عند البخاري.
[1/ 402] (2/345)
صفحة 802
346
قنطرة الخلق
قائماً
وعن الأحنف أنه قال: العبد الصالح له كفلان من الأجر وعليه نصف الوزر. وقيل: إن بعض المماليك سأل المبيع فقيل له: ما سببك فقال: مولاي يصلي جالساً ويضربني ويعرب إذا سبني ويلحن إذا قرأ.
وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: انتهى إلى رسول الله وأنا أضرب غلاماً فقال: يا أبا مسعود إن الله عز وجل الآن يراك وهو أقدر عليك منك على هذا الغلام (1). قال فأعتقته
الله تعالى.
ويقال: إن أبا الدرداء قال لغلام له وقد غفل عن علف ناقة له وتوانا، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: أردت أن أغضبك.
بوجه
قال أبو الدرداء: لأجمعن مع الغضب أجراً اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.
ويروي
بعض أصحاب النبي عليه السلام ضرب عبداً له فجعل العبد يقول. أسألك
يده
فقال
الله فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح العبد فانطلق إليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليه السلام: سألك بوجه الله ولم تعفه فلما رأيتني أمسكت بيدك قال: فإنه حر لوجه الله يا رسول الله. قال له: «لو لم تفعل لسفعت وجهك النار» (2).
[403 /ب] / ويقال: إن رجلاً كان له مملوك فكان السيد يسمع حس المملوك بالليل فاطلع عليه السيد ذات ليلة من حيث لا يراه العبد فسمعه وهو يقول يا مولاي ومولاي مولاي لولا خدمة مولاي لخدمتك أيام حياتي فلما سمعه سيده قال له: بل أنت مولاي ومولاك مولاي فأنت حر لوجه الله، والله أعلم. والآثار في هذا كثيرة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: كل راع مسؤول عن رعيته يوم القيامة (3) ويقال: المملوك أخوك لأبيك وأمك ابتليت به وابتلى بك فله أجران وعليك فيما فرطت الحساب.
وقال عليه السلام: إذا دعى الرجل مملوكه فقال: لبيك فقال له: لا لبيك ولا سعد بك تقول له الملائكة بل أنت لا لبيك ولا سعد بك».
(1) قال الحافظ العراقي في معناه. رواه مسلم. (2) قال الحافظ العراقي: رواه ابن المبارك في الزهد مرسلاً وفي رواية لمسلم في حديث أبي مسعود. (3) قال الحافظ العراقي في حديث ابن عمر كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته متفق عليه من حديث ابن (2/346)
صفحة 803
قنطرة الخلق
347
وعنه عليه السلام أنه قال: للمملوك على مولاه ثلاث خصال لا يعجله عن صلاته ولا
طعامه
يقيمه عن ويبتعه إذا استباعه».
وجملة حقوق المملوك: أن يشبع بطنه ويدفي ظهره ولا يكلفه فوق طاقته ولا يستخدمه بعد العشاء إن استقصى خدمته بالنهار ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفو عن زلاته،
6
ويتفكر في غضبه عليه بهفوته وجنايته في هفوته هو وجنايته على حق الله وتقصيره في طاعته، مح أن قدرة الله عليه فوق قدرته والله أعلم.
فصل: في حق السيد على عبده
وفي الحديث عن النبي يا الله أنه قال عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار / فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة الله ونصح [1/ 404] لسيده وفقير (1) متعفف ذو عيال وأما (3) أول ثلاثة النار فأمير متسلط، وذو ثروة لا يعطي حق
الله وفقير فخور (3). وبالجملة إن حق السيد على عبده أن ينصحه في ضيعته، ويحفظ له ما أنتمنه عليه، ويحسن خدمته، ولا يعصيه في جميع أحواله إلا إن أمره بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يصلي نافلة إلا بإذنه ولا يصوم تطوعاً إلا بإذنه، لأن ذلك يضعفه عن الخدمة لأنه مسؤول عن القيام بحق سيده كما أن سيده مسؤول عن. حقه.
قال أبو الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل راع مسؤول عن رعيته فالرجل راعي أهل بيته ومسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه وعبد الرجل راع على ملك سيده وهو مسؤول عنه فكلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته (4).
وقد جاء في حديث آخر: «أن الراعي مسؤول يوم القيامة عن رعيته فالإمام يسأل عن رعيته، والرعية تسأل عن إمامها والزوجة تسأل عن القيام بحق زوجها وعن ما ضعت والرجل يسأل عن حق زوجته والعبد يسأل عن القيام بحق، مولاه وما ضيع من حقه، والمولى يسأل
(1) جاءت هكذا في الأصل وجاءت في الإحياء «عفيف».
(2) لم ترد في الإحياء ووردت في الأصل هكذا.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي وقال حسن وابن حبان من حديث أبي هريرة. (4) قال الحافظ العراقي رواه الطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس. وذكر فيه يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ومتفق عليه من حديث ابن عمر كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». (2/347)
صفحة 804
348
قنطرة الخلق
عما ضيع من حق عبده، والجار يسأل عن حق جاره، والولد يُسأل عن حق والده، والوالد
يسأل عن حق ولده».
وكذلك قال الحكم العدل: فَوَرتِكَ لنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (1). وبالله
التوفيق.
[405/ب]
الباب السادس
في الإخاء
/ وليعلم أن المؤاخاة في الله والمودة من أسباب الألفة؛ لأنها تكسب بصادق الميل إخلاصاً ومصفاة وتحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماتا، وهذا أعلى مراتب الألفة لأن أصل الألفة الصفاء ونتيجتها الوفاء ولذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه لتزيد ألفتهم ويقوى تطافرهم وحث على المؤاخاة فقال عليه السلام عليكم بإخوان الصدق فإنهم زينة في الرخاء وعصمة في البلاء».
وعنه عليه السلام أنه قال: «ما أحدث العبد أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في
الجنة (2)
وعنه عليه السلام أنه قال: المرء كثير بأخيه ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق
مثل ما يرى لنفسه.
وعنه عليه السلام أنه قال: المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يغشاه ولا يخونه ولا يخذله (3).
وعنه عليه السلام أنه قال: مثل المسلمين كاليدين تغسل إحداهما الأخرى (4).
(1) سورة الحجر الآية: 92. (2) ذكره الحافظ العراقي بلفظ من آخى أخاً وقال ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان من حديث أنس ما أحدث عبد أخاً في الله». وقال إسناده ضعيف. (3) ذكره الحافظ العراقي في حديث وقال فيه: رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقال أوله متفق عليه وهذا
آخره. (4) ذكره الحافظ العراقي بلفظ مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ... الحديث». وقال: رواه السلمي في آداب الصحبة وأبو منصور الديلمي في مسند الفارسي من حديث أنس وفيه
أحمد بن محمد بن غالب الباهلي - كذاب - وهو من قول سلمان الفارسي في الأول من الحزبيات. (2/348)
صفحة 805
قنطرة الخلق
349
وعنه عليه السلام أنه قال: المسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً (1).
وقال عليه السلام: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إن إشتكى بعضه تداعي سائره بالحمى والسهر
(2)
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ألا تسمعوا إلى أهل النار: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ)
وعن عمر رضي الله عنه قال: لقاء الإخوان جلاء الأحزان.
خالد وعن
(3)
بن صفوان أنه قال: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وإن أعجز منه
من ضيّع من ظفر به منهم.
وقال علي بن أبي طالب لابنه الحسن يا بني الغريب من ليس له حبيب.
وقيل لبعض الحكماء ما العيش؟ فقال: إقبال الزمان وعز السلطان وكثرة الإخوان. وقال ابن المعتز: من إتخذ إخواناً كانوا له أعواناً. / وقال بعض الأدباء: أفضل الذخائر أخ وفي. [1/ 406] وقيل: حلية المرء كثرة إخوانه.
وقال بعض البلغاء صديق مساعد عضد وساعد وقال بعض الشعراء:
هموم رجال في أمور كثيرة وهمي في الدنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين قسما فجسمهما جسمان والروح واحد ويروى أن بعض العلماء زاره بعض إخوانه فلم يجده في منزله ففتحوا الباب فدخلوا فإذا بسفرة فيها خبز وجبن فتناولوا منه فأتاهم فوجدهم يأكلون فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكر تموني إخوان السلف وعاملتموني بأخلاق الصالحين ولست منهم. ويقال: إنما سمي الصديق صديقاً لصدقه والعدو عدواً لعدوه عليك.
وعن ثعلب أنه قال: إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلى القلب، ولا تدع فيه
خللاً إلا ملائته وينشد قول بشار:
قد تخللت مسلك الروح مني
وي
الخليل خليلاً
(1) ذكر الحافظ العراقي نحوه وقال متفق عليه من حديث ابن موسى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
(2) ذكر الحافظ العراقي بلفظ غيره مثل المؤمنين ... الحديث رقال: حديث النعمان بن بشير متفق عليه. (3) سورة الشعراء الآيتان: 100، 101. (2/349)
صفحة 806
350
قنطرة الخلق
فصل
اعلم أن المؤاخاة في الناس قد تكون من وجهين:
أحدهما: أخوة مكتسبة بالاتفاق الذي يجري مجرى الاضطرار.
والثاني: أخوة مكتسبة بالقصد والاختيار.
فأما المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالاً؛ لأنها تنعقد على أسباب يقودها إليها الطبع ثم في غاية أحواله إلى سبع مراتب:
فأول أسباب الإخاء التجانس في حالة يجتمعان فيها ويتألفان بها.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أن النبي الله قال: «الأرواح أجناد مجندة
[407 / ب] ما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها / اختلف (1).
فإن قوي التجانس قوي الائتلاف وإن ضعف كان به ضعيفاً ما لم يحدث عقداً دينياً. فإذا
عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من كل وجه.
وقد قيل في منثور الحكم الأضداد لا تتفق والأشكال لا تفترق. وينشد:
ت قولا فيه إنصاف ساس أشك ال وآلاف
وقائل لم تفرقتما فقل لم يكن من شكلي ففارقته والن فثبت في التجانس وإن تنوع أصل الإخاء وقاعدة للائتلاف وهذا واضح. وينشد: فلا تحقرن وأنت خليلها وكل إمرء يصبو إلى من يجانس
وقال آخر:
فقلت أخي فقالوا أخ من قرابته فقلت لهم إن الشكول أقاربي نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي وإن فرقتنا في الأصول المناسب ويقال: لا تجالس إلا من تجانس، ولا تواكل إلا من تشاكل، ولا تماشي إلا من تواتي. ثم قد يحدث التجانس المواصلة بين المتجانسين وهي الرتبة الثانية من رتب الإخاء وسبب المواصلة بينهما وجود الاتفاق؛ لأن عدم الاتفاق منفر ولذلك قيل كما لا تثبت المكاتبة على الماء كذلك لا تثبت المحبة في قلب من خالفته. وينشد:
(1) قال الحافظ العراقي في المغنى رواه مسلم من حديث أبي هريرة والبخاري من حديث عائشة. (2/350)
صفحة 807
351
تقنطرة الخلق
الناس إن وافقتهم عذبوا أولاً فإن جفاهم مـ من رياض لا أنيس بها تركت لأن طريقها وعر
ثم تحدث عن المواصلة رتبة ثالثة: وهي المؤانسة وسببها الانبساط، ثم تحدث عن المؤانسة رتبة رابعة: وهي المصافاة وسببها خلوص، النية، ثم تحدث عن المصافاة رتبة خامسة: وهي المودة وسببها الثقة، وهذه الرتبة أدنى الكمال في أحوال الإخاء وما قبلها أسباب [1/ 408]
هي
تقود إليها، فإن اقترن بها المعاضدة فهي المصداقة، ثم تحدث عن المودة رتبة سادسة: وهي المحبة وسببها الاستحسان وإن كان الاستحسان لفضائل النفس حدثت منه رتبة سابعة: وهي الإعظام وإن كان الاستحسان للصورة والحركة حدثت منه رتبة ثامنة: وهي العشق وسببها الطمع. قال المأمون:
أول العشق مزاح وولع
ثم
زداد إذا زاد الطمع
كل من يهو وإن عالت به رتبة الملك لمن يهوى تبع
وهذه الرتبة هي آخر الرتب المحمودة وليس لمن جاوزها رتبة مقدرة، ولا حال محدود، لأنها قد تؤول إلى ممزاجة النفوس وإن تميزت، ذواتها وتفضي إلى مخالطة الأرواح وإن تفرقت أجسادها وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها ولا الوقوف على نهايتها.
وقد قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك. ومثل هذا القول يحكى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنه لما ولى أقطع طلحة بن عبد الله أرضاً وكتب له كتباً وأشهد فيه ناساً من عمر فأتى طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه فامتنع عليه، فرجع طلحة مغضباً إلى أبي بكر فقال: والله لا أدري الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: بل عمر لكنه أنا.
وأما الأخوة المكتسبة بالقصد فلا بد من داع يدعو إليها وباعث يبعث عليها، وذلك من
وجهين: رغبة وفاقة.
أما الرغبة: فهي أن تظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه ويتوسم بجميل يدعو إلى إصطفائه، وهذه الحالة أقوى من التي بعدها / لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف لطلبها، [1/ 409] وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع فليس كل من أظهر الخير كان أهله، من ولا كل من
يخلق بالحسن كان من طبعه والتكلف للشيء مناف له، إلا أن عليه مستحسناً له
العقل، ومتديناً به في الشرع، فيصير الطبع له فيه طباعاً، والتكلف له.
يدوم
هوى
مطاعاً.
في (2/351)
صفحة 808
[410/ب]
352
قنطرة الخلق
وأما أن تكون جميع أخلاق الفاضل كاملة بالطبع فلا وإنما الأغلب أن تكون بعض فضائله بالطبع، وبعضها بالتطبع الجاري بالعادة حتى يصير ما تطبع به في العادة أغلب عليه مما كان مطبوعاً عليه، إذا خالف العادة ولذلك قيل العادة طبع ثان. وقد تقدم قول الحكماء: ليس في الطبع أن يكون ما ليس في الطبع وينشد لابن الرومي:
واعلم بأن الناس من طينة يصدق في القلب لها الثالب لولا علاج الناس أخلاقهم إذا لفاح الحماء اللازب وأما الفاقة: فهو أن يفتقر الإنسان لوحشة، إنفراده ومهانة وحدته إلى إصطفاء من يأنس
بمؤاخاته، ويثق بنصرته وموالاته.
وقد قال الحكماء: من لم يرغب في ثلاث بلى بست من لم يرغب في الإخوان بلي بالعداوة والخذلان ومن لم يرغب في السلامة بلي بالشدائد والامتهان، ومن لم يرغب في المعروف بلي بالندامة والخسران.
النوائب.
ولعمري إن إخوان الصدق من أنفس الذخائر وأفضل العدد؛ لأنهم سماء النفوس وأولياء
وقد قال الحكماء: رُبَّ صديق أود من شقيق. وقيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: صديق يحيني إلى الناس. وقد قال الشاعر:
لمودة ممن يحبك مخلصاً خير من الرحم القريب الكاشح
فصل
فإذا عزم الإنسان على إصطفاء الإخوان فليكشف عن أخلاقهم قبل إصطفائهم ولا تبعثه الوحدة على الإقدام قبل الخبرة وليس فيمن يكون النقاق والملق بعض سجاياه خير يجري ولا
صلاح يأمل.
لا
ولأجل ذلك قالت الحكماء: اعرف الرجل من فعله لا من كلامه واعرف محبته من عينه من لسانه. قال حماد بن عجرد:
كم من أخ لك ليس تنكره مادمت من دنياه في يسر ـك في مودته يلقاك بالترحيب والبشرى وإذا عدا والدهر ذو غير عدى عليك إذا مع الدهر (2/352)
صفحة 809
قنطرة الخلق
353
على أن الإنسان موسوم بمن قارب ومنسوب إليه أفاعيل من صاحب. وفي الحديث: المرء مع من أحب».
وقال ابن مسعود رحمه الله: ما شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب وقال: يظن بالمرء ما يظن على قرينه وينشد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى
فلزم من هذا الوجه أيضاً أن يحترز عن أخلاء السوء ومصاحبة أهل الريب.
وقد قال بعض البلغاء: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار. وينشد: مجالسة السفيه سفاه رأي ومن عقل مجالسة الحليم فإنك والقرين معا سواء كما قد الأديم من الأديم
/ فلما لزم سبر الإخوان قبل إخائهم وخبرة أخلاقهم قبل إصطفائهم فالخصال المعتبرة [1/ 411] في إخائهم بعد المجانسة التي هي اصل الاتفاق أربع خصال: أحدها عقل موفور يهدي إلى مراشد الأمور فإن الأحمق لا ثبت معه مودة ولا تدوم لصاحبه استقامة.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: البذاء لؤم وصحبة الأحمق شؤم (1). وقال بعض الحكماء: عداوة العاقل أقل ضرراً من مؤاخاة الأحمق؛ لأن الأحمق ربما ضر ويظن أنه ينفع والعاقل لا يتجاوز الحد في مضرته. وينشد:
إذا ما كنت متخذاً خليلاً فلا تثق بكل أخ إخاء وإن خيرت فـ بأهل العقل منهم والحياء فإن العقل ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من
ــق
كفاء
والخصلة الثانية: الدين الواقف بصاحبه على الخيرات فإن تارك الدين عدو نفسه فكيف
ترجى منه مودة غيره.
وقال بعض الحكماء: استصف من الإخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب فإنهم رداء لك عند حاجتك ويد عند نائبتك وأنس عند وحشتك وزين عند عافيتك. وينشد
لحسان بن ثابت.
(1) ذكر الحافظ العراقي سطره الأول في حديث أبي أمامة بسند ضعيف وقال رواه الترمذي وقال حسن غريب والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
قناطر الخيرات ج/ 2/ 23 (2/353)
صفحة 810
[412/ب]
354
قنطرة الخلق
أخلاء الرخاء هم كثير ولكن في البلاء هم قليل فلا تغررك قلة من تؤاخي فمالك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفي ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل له حسب ودين وذاك لما يقول هو الفعول والخصلة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق مرضى الأفعال مؤثر للخير آمراً به تاركاً للشر ناهياً عنه فإن مودة الشرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق ولا خير في مودة تجلب عداوة وثورة ندامة وملامة وقال ابن المعتز إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. والخصلة الرابعة: أن يكون لكل واحد منهم ميل إلى صاحبه ورغبة في مؤاخاته فإن ذلك أوكد في حال المؤاخاة، وأشد الأسباب المصافاة، لأنه ليس كل مطلوب إليه طالباً ولا كل مرغوب فيه راغباً، ومن طلب مودة ممتنع عليه ورغب في زاهد فيه كان معنى خائباً كما قال
البحتري:
طلبت منك مودة لم أعطها إن معنى طالب لا يظف وقال العباس بن الأحنف:
فإن كنت لا بدنيك إلا شفاعة فلا خير في ود يكون بشافع وأقسم ما تركي عتابك عن قلى ولكن لعلمي أنه غير نافع فإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً فلابد منه مكروهاً غير طائع
فإذا استكملت هذه الخصال في الإنسان وجب إخاءه وتعين اصطفائه وبحسب وفورها فيه يجب أن يكون الميل إليه والثقة به، فإن الإخوان على طبقات مختلفة لكل واحد منهم. يختص بها في المشاركة وثلمة يسدها في الوازرة وليس تتفق أحوال جميعهم على حالة
واحدة.
وقال بعض الحكماء: الرجال كالشجر شرابه واحد وثمرته مختلفة.
حال
وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات؛ طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء
[413/ب] يحتاج اليها أحياناً / وطبقة كالداء لا يحتاج إليها أبدا. ولعمري إن الناس كلهم على ما وصف وليس
كان من
منهم
كالداء
من الإخوان
المعدودين، بل هم من الأعداء المحذورين، وإنما يداجون بالمودة إستكفافاً. من شرهم وتحذراً (2/354)
صفحة 811
قنطرة الخلق
355
من مكاشفتهم، وقد قال بعض الحكماء مثل العدو الضاحك إليه كالحنظلة الخضرة أوراقها، القاتل مذاقها وينشد لزيد بن الحكم الثقفي:
الشعراء:
تكاشرني كرهاً كأنك ضاحك وعين تبديء أن صدرك لي دوي لسانك معسول ونفسك علقم وشرك مبسوط وخيرك منطوي فليت کفافا كان خيرك كله وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي وقال بعض الصحابة: إنا نصافح أيدينا نرى قطعها.
وقال أبو ذكر أو غيره إنا لنضحك في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. وقد قال بعض
رب من انضجت غيظاً صدره قد تمنى لي موتاً لم يطع حلقه عسراً مخرجه ما يزع
ويرانى كالشجاء في
ي
إذا لاقيت
ــه
وإذا يخلو له الحمي رتع
فإذا خرج من كان كالداء من عدد الإخوان فالإخوان هم | الصنفان الآخران من كان منهم كالغذاء وكالدواء؛ لأن الغذاء قوام النفس وحياتها والدواء علاجها وصلاحها، فأفضلهم من كان كالغذاء، لأن الحاجة إليه أعم فينبغي لمن أوجده الزمان مثله وقل أن يكون له مثل؛ لأنه أعز من الكبريت الأحمر وأغلى من نفيس الجوهر فالواجد لهذا ينبغي له أن يعض عليه بنواجذه، ويكون به أشد شحاً من ذخائر أمواله، لأن نفع الإخوان أعم نفع المال. / وينشد [1/ 414]
للفرزدق:
يمضي أخوك فلا تلقى له خلفا والمال بعد ذهاب المال يكتسب
ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين يكرههما منه إذا رضى سائر أخلاقه، فإن
أن
الكمال معوز. وقال الكندي: كيف تريد من صديق خلقاً واحد وهو ذو طباع أربع، مع نفس الإنسان لا تجيب إلى طاعته أحياناً فكيف بنفس غيره، وحسبك. أن يكون لك من أخيك أكثر. وقد قال أبو الدرداء: معاتبة الأخ خير من فقده. وينشد لأبي تمام الطائي:
ما غبن المغبون مثل عقله من لك بأخيك كله
وقد قال بعض الحكماء: طلب الإنصاف من قلة الإنصاف. قال الشاعر:
ومن الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معائبه (2/355)
صفحة 812
[415/ب]
356
قنطرة الخلق
وروي عن جعفر بن محمد أنه قال لابنه: من غضب من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك سوءاً فاتخذه لنفسك خلا.
وعن الحسن بن وهب أنه قال: من حق المودة أخذ عفو الإخوان في الإغضاء عن تقصير إن كان.
وعن علي من قوله تعالى: (فَأَصْفَح الصَّفْحَ الجَمِيلَ (1). قال: الرضا بغير عتاب. وهكذا أن لا يسيء الظن به ما لم يتيقن تغيره. ينشد لابن الرومي:
هم الناس والدنيا ولا بد من قذى يلم بعين أو يكدر مشربا ومن قلة الإنصاف أنك تبتغي المهذب في الدنيا ولست المهذبا وأما الملوك من الإخوان فهو سريع التغير وشيك التنكير فوداده خطر، وإخاءه غرر.
وهم نوعان:
منهم من يكون ملله استراحة / ثم يعود إلى المعهود من إخائه فهذا أسلم المللين وأقرب الرجلين يسامح في وقت استراحته ليرجع إلى الحسنى من مودته وإن تقدم المثل بما نظمه
الشاعر حين يقول:
وقالوا: يعود
الماء
من النهر بعد ما عفت منه آثار وجفت مشارعه
فقلت: إلى أن الماء عائداً
يرجع
وتشعب شطاه تموت ضفادعه
ولكن من هذا ملله لا ينبغي أن يطرح حقه بالتوهم وتسقط حرمته بالظنون.
ومنهم من يكون ملله تركاً وأطرحاً ولا يرجع إخاء ولا ود ولا يتذكر حفاظاً ولا عهدا وهذا أذم الرجلين حالاً، لأن مودته من وساس الخطرات وعوارض الشهوات فينبغي أن يقلع عنه قبل الخلطة بحسن المتارك ومثل هذا كما قال هرمة.
فإنك وأطراحك وصل سلمى لأخرى في مودتها نكوب كثاقبة لحمى مستعار بإذنيها فشانتها الثقوب فادت حلى جارتها إليها وقد بقيت بإذنيها ندوب فصل: في حق الأخوة والصحبة
اعلم أن الأخوة نوعان:
(1) سورة الحجر الاية: 85. (2/356)
صفحة 813
قنطرة الخلق
357
أحدهما: أخوة الدين.
والثاني: أخوة الدنيا.
فأخوة الدين أثبت في الدنيا والآخرة وأحمد عاقبة وأكثر منفعة وأرجي يوم القيامة شافعة ألا ترى إلى قوله تعالى: الأَخِلاهُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعض عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ) (1). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخ يذكرك أمر آخرتك خير لك من أخ يعطيك كل يوم دينار.
وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: دعوة الأخ لأخ في الله / تستجاب. وروي أنه قيل [1/ 416] يا رسول الله أي الأصحاب خير؟ قال: الذي إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكرك (2). وقد تقدم من حقوق الأخوة في الله ما يكفى، وقد قال أبو بلال مرداس رحمه الله: كان من أهل هذا الدين كان له ودي وشاركته في تالد المال إلا لوجهك دون العم والخال
من
الله
يعل أن
وأما أخوة الدنيا فإنما يحتاج إليها الإنسان للاستعانة بها في المهمات وجر المنافع ودفع النوائب والملمات ولكن ينبغي للإنسان أن يختار لنفسه من صفته كما قال الشاعر: اصحب من الإخوان من وده أصفى من الياقوت والجوهر ن إذا رك أودعته لم يذكر السر إلى المحشر ومن إذا أذنبت ذنباً أتى معتذراً عنك ولـ
وم
ومن إذا ما غبت من عينه
أقلقه الشوق ولـ
وقد قال بعض الحكماء: أخلص الناس مودة من لم تكن مودته عن رغبة ولا رهبة وهذا قليل من الوجود، لأن الكمال معدوم غير موجود، ثم إذا صفت عند الإنسان أخلاق من اختبره وأتخذه أخاً يرجو أنفعه وخيره لزمته حقوقه ووجبت عليه حرمته.
وقد قال بعض السلف: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق.
وقال بعض الحكماء: من جادلك بمودة فقد جعلك عديل نفسه فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسه بالانبساط إليه في غير محرم، ثم نصحه في السر والعلانية.
(1) سورة الزخرف الآية: 69.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو داود وهو غريب بهذا اللفظ والمعروف أن ذلك في الأمير، وابن الأثير في الكامل ولأبي عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة من حديث علي من سعادة المرء أن
إخوانه صالحين. (2/357)
صفحة 814
[417/ب]
358
قنطرة الخلق
وقد قال / عليه السلام: «ما من صاحب يصحب صاحباً ولو ساعة في نهاره إلا يسأل عن صحبته يوم القيامة هل أدى فيها حق الله أو ضيعه».
وقال أيضاً: «ما اصطحب اثنان إلا كان أحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه (1).
وعن الزيدي أنه قال: أتيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعد على طنفسة فوسع لي فكرهت التضييق عليه وقال إنه لا يضيق سم الخياط على متحابين ولا تسع الدنيا على متباغضين.
قد قال: لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما لا يرى لنفسه». ومنها تخفيف الأثقال عنه ثم معاونته فما ينوبه من حادثة أو يناله نكبة فإن مراقبته في
الظاهر دون السر نقاق وتركه في الشدة لوم وذلك من طباع إخوان العلانية أعدأ السريرة. وقد روي عنه أنه قال: «خير أصحابكم المعين لك على دهرك وشرهم من سعى لك بسوء في يومك. وعن علي أنه قال: خير إخوانك من واساك وخير منهم من كفاك. وينشد: وكل أخ عند الهوينا ملاطف ولكنها الإخوان عند الشدائد وقيل لبعض السلف: ما الذي يجب على الإخوان إذا اجتمعوا؟ قال التواصي بالحق والتواصي بالصبر. قال الله تعالى: {وَتَوَاصَوا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوا بالصَّبرِ) (2)
ومن حق الصاحب على الصاحب: أن يحفظه من جميع ما يسوءه أو أراد ظلمه إذا قدر على ذلك ويواسيه بنفسه وماله ويروى أن رجلاً جاء إلى أبي هريرة وقال: إني أريد أن أواخيك. فقال: أتدري ما حق الإخاء؟ قال: لا. قال: لا تكن أحق بدينارك ودرهمك وثوبك [418 / ب / مني. قال: إن لم أبلغ هذه المنزلة؟ قال: فاذهب إذاً.
وكان يقول: لأن أعطي أخاً في الله درهماً أحب إلي من أن أتصدق بعشرين ولأن أعطي أخاً في الله عشرين أحب إلي من أن أتصدق بمائة، وهدية أهديها أخي في الله أحب إلي من أن أعتق رقبة وينشد لصالح بن عبد القدوس.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الحاكم وابن حبان من حديث أنس وقال صحيح الإسناد.
(2) سورة العصر الآية: 3. (2/358)
صفحة 815
قنطرة الخلق
شر الإخاء من كانت مودته مع الزمان إذا ما خاف أو رغب إذا وثرت أمرءا فاحذر عداوته من يزرع الشوق لا يحصد به عنبا إن العدو وإن أبدى مسالمة إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا وينبغي أن يتوقى الإفراط في محبته فإن الإفراط داع إلى التقصير لأن تكون الحال باقية أولى من أن تكون متناهية.
:
359
بينهم
وقد روي عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما (1).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفاً. وينشد لأبي
الأسود الدؤلي:
الأذى
وكن معدنا للخير واصفح عن فإنك راء ما عملت وسامع وأحبب إذا أحبت حباً مقارباً فإنك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت غير مبائن فإنك لا تدري متى أنت راجع
وإنما يلزم من حق الإخاء بذل المجهود في النصح والتناهي في رعاية ما بينهما من الحق وتستوي حالتها في المغيب والمشهد.
الملل.
وهكذا يقصد التوسط في زيارته فإن تقليل / الزيارة داعي إلى الهجران وكثرتها سبب [1/ 419]
وقد قال عليه السلام: يا أبا هريرة زر غباً تزدد حباً». وقال للبيد: توقف عن زيارته كل يوم إذا أكثرت ملك من تزور
وقال آخر: إذا شئت أن تغلى فزر متواتراً وإذا شئت أن تزداد حباً فزر غباً ذلك فليكن عتابه لأخيه فإن كثرة العتاب سبب القطيعة، وإطراح جميعه دليل وبحسب على قلة الاكتراث بأمر الصديق وقد قال بعض الحكماء: لا تكثرن معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال غريب ـ قلت ـ أي الحافظ العراقي - رجاله ثقات رجال مسلم ولكن الراوي تردد في رفعه. (2/359)
صفحة 816
[420/ب]
360
قنطرة الخلق
ومن حق الإخوان أيضاً أن يغفر هفواتهم ويستر زلاتهم؛ لأن من رام بريئاً من الهفوات سليماً من الزلات رام أمراً معوذاً وطلب وصفاً معجزاً.
وقد قالت الحكماء: أي عالم لا يهفو وصارم لا ينبو وجواد لا يكبو. وقال بعض العلماء: لا تصحب من يحب أن لا يراك إلا معصوماً.
وقالوا: من حاول صديقاً يأمن من زلته كان كضال الطريق الذي لا يزداد لنفسه أتعاباً إلا إزداد عن غايته بعداً. وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال: من غفر زلتي، وقطع عللي، وبلغني أملي. وينشد لبشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم يبق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مراراً على القدا ظمات وأي الناس يصفو مشاربه فغش واحد وصل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه قال: تناس/ مساوئ الإخوان يدم لك وهم. وأوصى بعض الأدباء أخاً له فقال: كن للود حافظاً وإن لم تجد محافظاً وللخل واصلاً وإن لم
تجد مواصلاً.
وعن أكتم بن ضيفي أنه قال: من تشدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف في التغافل.
وعن شبيب بن شيبة أنه قال: الأديب العاقل هو الفطن المتغافل.
وقال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجاوز إلا بالتغافل. وينشد: ليس الغنى يسيد في قومه ولكن سيده قومه المتعالي ومن حقوق الأخ أيضاً عليه؛ أن ينصحه في أمر دينه ودنياه، ويعلمه ما جهل من العلم الواجب عليه ويواسيه بنفسه وماله ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وإن رأى له زلة فليز جره عنها وليستتبه منها وليسترها عليه وليحب له ما يحب لنفسه ومهما أساءه إليه أخوه فأعتذر إليه
فليقبل عذره.
وقد قال عليه السلام من إعتذر إليه أخوه فلم يقبل كان عليه مثل وزر صاحب مكس). وينشد لأبي العتاهية:
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن ماجة وأبو داود في المراسيل من حديث جوادن واختلف في صحبته وجهله أبو حاتم وباقي رجاله ثقات ورواه الطبراني في الأوسط من حديث = (2/360)
صفحة 817
[1/ 421]
361
قنطرة الخلق
=
إن في صحة الإخاء من الناس وفي الوفاء لعلة فالبس الناس ما استطعت على النقص وإلا لم تستقم لك خلة عش وحيداً إن كنت لا تقبل العذر وإن كنت لا تجاوز زلة من أب وحد وأم خلقنا غير أنا في المال أولاد علة
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: خيركم من وصل وأعان ونفع.
وعن الحسن أنه قال: كان أحدهم يشق لأخيه إزاره باثنين. وسئل أبي عمر ما حق المسلم على المسلم فقال: أن لا تشبع ويجوع وتلبس ولا يلبس. وينبغي أن لا يبحث عن حفى أحوال الناس / فضلاً عن أخيه وقد قال:
ما كدت أفحص عن أخى ثقة إلا زممت عواقـ
فصل
الفحص
وينبعي للعاقل أن يتألف العداء بإظهار التودد والمدارة وقد قال الله تعالى: {وَقُولُوا للنَّاس حسنا) (1).
وعن النبي الله أنه قال: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس وأمرت بمدارة الناس كما أمرت بالفرائض.
وقد قال بعض البلغاء من استصلح عدوه زاد في عدده. ومن استفسد صديقه نقص من عدده. والتودد والمدارة من سمات الفضل وشروط السؤدد فإنه ليس أحد يعدم عدواً ولا يفقد وبحسب وفور النعمة تكثر الأعداء والحسدة، فمن أغفل تألف الأعداء. وظهور الحسد توالى عليه من مكر حليمهم وبارده سفيههم ما تصير به النعمة غراماً عليه.
حاسداً،
مع وفور النعمة
وقال بعض الأدباء: العجب ممن يطرح عاقلاً كافياً لما يظهر من عداوته ويصطنع عاجزاً جاهلاً لما يظهره من محبته وهو يقدر على استصلاح من يعاديه بحسن صنائعه وأياديه. وينشد
للتنوخي:
الق العدو بوجه لا قطوب به يكاد يقطر من ماء البشاشات فأحزم الناس من يلقي أعاديه في جسم حاقد وثوب من مودات
جابر بسند ضعيف.
(1) سورة البقرة: الآية 83. (2/361)
صفحة 818
[422/ب]
362
قنطرة الخلق
الرفق يمن وخير القول أصدقه وكثرة المزح مفتاح العداوات وللشافعي فيما قيل:
لما عفوت ولم أقدر على أحد أرحت نفسي من هم العداوات / إني أحيي عدوي عند رؤيته لا دفع الشر عني بالتحيات وأظهر الشر للإنسان أبغضه كأنما قد حشا قلبي مودات الناس داء وداء الناس قربهم وفي اعتزالهم قطع المودات وقال بعض الحكماء من علامات الإقبال إصطناع الرجل.
وروي
أن حكيماً سمع رجلاً يذم الزمان وأهله وأنه فسد الزمان ولم يبق أحد يصحب فقال له: يا هذا أنت طلبت صاحباً تؤذيه فلا ينتصر وتنال منه ولا ينتصف وتأكل رحله ولا يزوؤك بشيء وتجفو عليه ويحلم فلم تنصف في الطلب، فمن ذلك لم تجد حاجتك، ولكن أردت صاحباً يؤذيك فلا تنتصر، ويحفوك ولا تنتقم، ويأكل رحلك فلا تنال منه شيئاً وجدت أصحاباً وإخواناً وخلانا وأنا أول من يصحبك.
وهذا كما قال بعض المشايخ: إن أردت أن تصطحب مع أهل زمانك فاجعل قبيحهم إحساناً واعوجاجهم استقامة وإن ظلموك فثب لهم كما قيل:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكموا وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وهذا من أخلاق الصديقين وأنبياء الله المرسلين والذي يعامل هذه المعاملة جعله المأمون من داء الإخوان لا من أدوائهم، ومن سمهم لا من غذائهم.
هو
الذي
وقد قال بعض الحكماء: أشر ما في الكريم أن يمنعك خيره وخير ما في اللثيم أن يكف عنك شره، غير أن فساد الزمان وتغير أهله يوجب شكر من كان شره مقطوعاً وإن كان خيره ممنوعاً كما قال المتنبي:
إنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحساناً وإجمال وقد روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: التارك للإخوان متروك. ومن كان كذلك فهو
[423 / ب كالصورة الممثلة: يروعك حسنها ويخونك / نفعها. وفي
مثله قال بعض الحكماء: إذا كان لك أخ لا تنتفع به فصور مثاله في الحائط وأظن
أنه قال: فهو زين في العين وأخف في الحائط. وينشد لابن الرومي: (2/362)
صفحة 819
قنطرة الخلق
لنيراكم.
363
غذرنا النخل في إبداء شوكه ترد به الأنامل عن جنا فما للعوسج المذموم أبدى لنا شوكاً بلا ثمر نراها وأما الفرق بين المداراة والمداهنة. فالمداراة: مأمور بها لدفع شر الأشرار، وتألفهم لجر المنافع وكفاية العار وطلب الثأر. كما قيل عن أبي عبيدة مسلماً رحمه الله: لا تكرهوا غوغاكم فإنها مسدة لمياهكم ومطفية
وعن عمرو بن العاص أنه قال: أكرموا سفهاءكم فانهم يكفونكم العار والنار. وقيل لا يستقيم هذا الدين إلا بالفقهاء والسفهاء والسيوف. فالمداراة معناها مخالفة الناس على أخلاقهم على وجه يسلم لك دينك.
وقد روي عن بعض الأنبياء عليهم السلام أنه قال: يا رب دلني على عمل يحبني به الناس وأسلم فيما بيني وبينك. قال: خالق الناس على أخلاقهم فأهل الدنيا بأخلاق الدنيا وأهل الآخرة بأخلاق الآخرة. فإذا سقمت المداراة صارت مداهنة والمداهنة معناها مداراة الناس على وجه يذهب فيه دينك كما قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدهنُ فَيُدهِنُونَ (1).
(1)
ويقال سبب نزول هذه الآية أن قريشاً قالوا: يا محمد أعبد الهتنا سنة نؤمن بك فأبى، فقالوا: فشهراً فأبى، فقالوا: فيوما، فأبى فقالوا: فساعة فأبى قالوا فاستلمها بيدك نؤمن بك فتوقف عليه السلام وطمع إن فعل أن يؤمنوا فنزلت الآية وقيل له: لَوْلا أَن تَبَتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت تركن إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (2) الخ الآية / وهذا اختلط على أكثر الناس فداهنوا وهم يحسبون أنهم [1/ 424] يدارون. وقال الإمام الخضري:
لم يرض أولنا قدما مداهنة وفي دينهم وكذا لم يرضى آخرنا فليس الإنسان وإن كان مأمور بتألف الأعداء ومداراتهم فلا ينبغي أن يكون إليهم راكناً، ولا بهم واثقاً، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرز، فإن العداوة إذا إستحكمت في الطباع صارت طبعاً لا تستحيل ولا تزول، فإنما يستدفع بالتآلف إظهارها، كالنار يستدفع بالماء إحراقها ويستفاد به إنضاجها وإن كانت محرقة بطبع لا يزول ولا يتغير وقد قال بعض
الشعراء:
(1) سورة القلم: الآية 9. سورة الإسراء: 1: الآية 74.
(2) (2/363)
صفحة 820
[425/ب]
364
قنطرة الخلق
وإذا عجزت عن العدو فداره وامزح له إن المزاح وفاق فالنار بالماء الذي هو ضدها تعطى النضاج وطبعها الإحراق
غيره:
إذا بسط العدو إليك كفا ولم تستطع لها دفعاً ومنعاً فقبلها وع ــد لها الليـ فإن أمكنتها يوماً مقطعاً
اعلم أن الأخ الصديق الناصح الشفيق هو الذي يعينك على التقوى ويميط عنك الأذى، ويواسيك في الشدة والرخاء، ويهدي لك عيوبك ويقومك عند اعوجاجك ويحفظك حياً وميتاً، وينتصر لك في مغيبك شفقة لك وحمية كما وصفه الشافعي فيما قيل:
أحب من الإخوان كل مواتي وكل غضيض الطرف عن عثرات يوفقني في كل أمر أريده ويحفظني حيا وبعد ممات فمن لي بهذا البيت أني أصبته أقاسمه ما لي من الحسنات تصفحت إخواني فكان أقلهم على كثرة الإخوان أهل ثقات
/ وحقوق الإخوان أكثر من يأتي عليها كتابي هذا وفيما ذكرنا كفاية والله المستعان.
الباب السابع
في حق المروءة والبر وإسداء المعروف والخير
وهو من أسباب الألفة واجتماع القلوب على المحبة ولذلك ندب الله عز وجل إليه وقرنه بالتقوى، وقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البُرِ وَالتَّقْوَى) (1).
لأن في التقوى رضى الله، وفي البر والمواساة رضى الناس فمن جمع بين رضى الله ورضى الناس فقد كملت سعادته.
ونعني بالمروءة والبر: صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة، لأن بذلك يكسب العبد الإخوان والأصدقاء ويلتحق بزمرة الأسخياء الذين هم سادات الناس في الدنيا فلا. يوصف بالجود إلا من يصنع المعروف ويسلك سبيل المروءة.
(1) سورة المائدة: الآية 2. (2/364)
صفحة 821
365
[1/ 426]
قنطرة الخلق
وقد روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها».
وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أن ذكر عبادي إحساني إليهم فإن عبادي
لا يحبون إلا من أحسن إليهم.
وفي الحديث: الناس كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله». ونظمه بعضهم فقال: الناس كلهم عيال الله تحت ظلاله فاحبهم طرأ إليه أنفعهم لعياله
وهذا الباب ينحصر في فصلين:
أحدهما: في المروءة والبر.
والثاني: في إسداء المعروف وحق الضيف وابن السبيل وإغاثة / الملهوف.
الفصل الأول: في واجب المروءة والبر
اعلم أن الواجب بالمروءة هو المسامحة وترك المضايقة في المحقرات والاستقصاء في المعاملات. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «السماحة
(1) ,
والصبره (1).
وعنه هو أنه قال: المؤمن سمح إذا باع سمح إذا اشترى».
وعنه أنه قال: كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان (2).
(2)
(Y),
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أبو يعلى وابن حبان في الضعفاء بلفظ «سئل عن الإيمان». وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفه في الجمهور ورواه أحمد من حديث عائشة وعمرو بن عنبسة بلفظ ما الإيمان قال الصبر والسماحة وفيه شهر بن حوسب ورواه البيهقي في الزهد بلفظ «أي الأعمال أفضل قال الصبر والسماحة وحسن الخلق وإسناده صحيح. هذا الحديث نص حديثين وردا في المغني وقال فيهم الحافظ العراقي في الشطر الأول: رواه ابن عدي والدارقطني - في المستجاد - والخرائطي والبيهقي في الشعب من حديث جابر وفيه عبد الحميد بن الحسن الهلالي وثقة ابن معين وضعه الجمهور والجملة الأولى منه عند البخاري من حديث جابر وعند مسلم من حديث حذيفة. أما الشطر الثاني. قال فيه: رواه الدارقطني في المستجاد ـ من رواية الحجاح بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والحجاح ضعيف وقد جاء مفرقا ـ وقد جاء متفرقاً فالجملة الأولى تقدمت قبله والجملة الثانية تقدمت في العلم من حديث أنس وغيره والجملة: الثالثة رواها أبو يعلى من حديث أنس أيضاً وفيها زياد النميري ضعيف. (2/365)
صفحة 822
[427/ب]
366
قنطرة الخلق
وعنه عليه السلام أنه قال: إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام ولكن دخلوها بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للمسلمين (1).
وروي أن معاوية سأل الحسن بن علي عن المروءة والنجدة والكرم؟ فقال: أما المروءة: فحفظ الرجل دينه، وحرزه نفسه وحسن قيامه بصنيعه، وحسن المنازعة والإقدام في الكراهية. وأما النجدة: فالذب عن الجار والصبر في المواطن، وأما الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإنعام في الجدب والرأفة بالسائل مع بذل النائل. قال بعض الشعراء:
من المروءة غير خال
أعطاك قبل اله وكفاك مكروه السؤال / ويقال المروءة ست خصال: ثلاثة في السفر وهي بذل الزاد، وحسن الخلق،
ومداعبة الرفيق.
وثلاثة في الحضر: وهي تلاوة القرآن ولزوم المساجد، وعفاف الفرج. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة
بسماحته.
حفظ
وقال بعض علماء السلف: البخل هو إمساك المال عن العرض الذي هو أهم من. المال، وصيانة الدين أهم من حفظ المال فمانع الزكاة والنفقة بخيل قال: وصيانة المروءة أهم من حفظ المال قال: المضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه، هاتك ستر المروءة هو أيضاً بخيل والله أعلم.
وأما البر وإسداء المعروف: فيبعث عليهما سماحة النفس وسخاءها للمألوف وهي في
ذلك قسمان:
أحدهما صلة بالحقوق الواجبة في أموال المثرين من الزكاة، والكفارات، وأصناف النفقات، وغير ذلك من حقوق المساكين وابن السبيل، وغيرهم من تنجية المضطرين بالجوع والعطش والدفع عن المظلومين.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الدارقطني في المستجاد وأبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس وفيه محمد بن عبد العزيز المبارك الدينوري أورد ابن عدي له مناكير. وفي الميزان أنه ضعيف منكر الحديث، ورواه الخرائطي في مكارم من حديث أبي سعيد نحوه وفيه صالح المري متكلم (2/366)
صفحة 823
قنطرة الخلق
367
والقسم الثاني: إسداء المعروف وهو أيضاً يتنوع نوعين: قولاً، وعملاً.
فأما القول: فهو طيب الكلام وحسن البشر والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقه الطبع، وينبغى أن يكون محمود فإنه إن أسرف فيه كان مقلداً مذموماً، وإن اقتصد فيه كان معروفاً وبراً محموداً.
وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَالْبَاقِياتُ الصَّالِحَاتُ (1). الآية. إنها
الكلام الطيب.
الجانب
وعن سعيد بن جبير أنها الصلوات الخمس. ويقال: أدب الله رسوله بخمس؛ لين
الأجانب، وحسن
/ الخلق
الخلق، والمشاورة عند المحاورة، والاستغفار [1/ 428] لذوي الاستكثار والعفو في العمد والسهو وجمعهن في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهُ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظّاً غليظ القلب لانفَضُّوا من حولِكَ فَاعْفُ عَنهُمُ وأَسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرهُم في الأثري) (2)
وقال بعض الشعراء:
بنى إن الخير شيء هين وجه طليق وكلام لين وقيل للعتابي إنك تلقى العامة ببشر وتقريب فقال: دفع ضغينة بأيسر مؤنة وإكتساب إخوان بأهون مبذول.
وقيل في منثور الحكم من قل حياؤه قل أحباؤه. وأنشد لعضهم: رء لا يعرف مداره مالم يبن للناس أفعال
وكل من يمنعن
بشرة فقل ما ينعفن
وأما العمل: فهو بذل الجاه والإسعاد بالنفس والمعونة في النائبات وهذا يبعث عليه حب الخير للناس، وإيثار الصلاح لهم، وليس في هذه الأمور سرف لأنها وإن كثرت فهي أفعال خير
تعود بنفعين:
نفع على فاعلها من إكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المعان بها في التخفيف
عنه والمساعدة له.
(1) سورة الكهف الآية: 46. (2) سورة آل عمران الآية: 159. (2/367)
صفحة 824
368
قنطرة الخلق
[429/ب]
وأهله».
وقد روي عن النبي هو أنه قال: «كل معروف صدقة».
وعنه أيضاً أنه قال: المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف
وعن عيسى عليه السلام أنه قال كل معروف عملته في غني أو فقير فهو صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة الملهوف.
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: استشكروا من شيء لا تأكله النار قيل: وما هو؟ قال
المعروف.
وعنه عليه السلام / أنه قال: «أصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من هو ليس بأهله فإن أصبت أهله وإلا فأنت أهله (1).
خلقه
وعنه عليه السلام أنه قال: إن الله عز وجل جعل للمعروف وجوهاً من إليهم المعروف وفعاله ووجه طلاب المعروف إليهم، ويسر عليهم إعطائه كما يسير إلى البلدة الجدبة فيحيها ويحي بها أهلها (2) والله أعلم.
الباب الثامن
في الإفضال الواجب في الأموال
حبب
الغيث
قال الله سبحانه: (وَلكنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر) (3). إلى قوله: (وَآتَى المال عَلَى حُبِّهِ، ذُوِي الْقُرْبَى واليتامى والمساكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرَّقَابِ) الآية (4). وأما ذوي القربي: فقد تقدم الكلام فيهم.
الله.
وأما اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلون فسنشير إلى لمع من حقوقهم إن شاء
(1) ذكره بمعناه الحافظ العراقي في المغني وقال: رواه الدارقطني في المستجاد من جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرسلاً.
(2) قال الحافظ العراقي في المعنى رواه الدارقطني في - المستجاد - من رواية أبي هرون العبد عنه وأبو هرون ضعيف ورواه الحاكم من حديث علي وصححه.
(3) سورة البقرة الآية: 177. (4) سورة البقرة الآية: 177. (2/368)
صفحة 825
قنطرة الخلق
369
وأما اليتامى: فهم ضعفاء الله في أرضه وقد أمر الله العباد بالإحسان إليهم وأوجب لهم حقوقاً وأنفذ الوعيد الشديد في أكله أموالهم فقال: إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلماً (1). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ربي يتيماً من أبوين مسلمين حتى يستغنى فقد وجبت له الجنة» (2).
وعنه أيضاً أنه قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى (3). وقال: «من وضع يده على رأس يتيم ترحماً كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة (4).
وقال عليه السلام: خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم / يساء إليه (0).
فصل
غير
وحقوق اليتامى واجبة على كافة المسلمين في جميع مصالحهم إن لم يكن لهم الأولياء والأوصياء، فعلى حاكم المسلمين القيام بهم، وإن لم يكن فجماعة المسلمين، وليستخلفوا لهم أميناً ثقة يقوم بصالحهم، كما يقوم به لنفسه، وإن قام بهم أحد من أن يكون لهم خليفة فقد أجزأ عن الناس. سجد أيضاً، وكذلك الغياب وجب أيضاً على الناس حفظ أموالهم بالخلائف يعملون فيها كل ما يصلح لهم حتى يقدموا عليها أو يموتوا فتصلح لورثتهم. وقد رخص الله تعالى للأوصياء في مخالفة اليتامى فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إصلاح لَهُم خَيْرٌ (1) الآية. وإن لم يكن لليتيم مال ولا يقدر على الاكتساب فعلى المسلمين القيام به من أموالهم ولا يترك للضيعة وكذا الفقير والمسكين والمنبوذ، وإن تركوهم حتى
(6)
(1) سورة النساء الآية: 10. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد والطبراني من حديث مالك بن عمر وفيه علي بن زيد بن جدعان متكلم فيه. (3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البخاري من حديث سهل بن سعد وسلم من حديث أبي هريرة ـ ولم يقولا بالسبابة والوسطى ـ وقالا باصبعيه.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف دون قوله ترحماً، ولابن حبان في الضعفاء من حديث ابن أبي أوفى من مسح يده على رأس يتم رحمة له». (5) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة وفيه ضعف. (6) سورة البقرة الآية: 220.
[1/ 430]
قناطر الخيرات ج/ 2/ 24 (2/369)
صفحة 826
[431/ب]
370
قنطرة الخلق
ماتوا جوعاً وهم يقدرون على تنجيتهم فقد هلكوا والله أعلم وأما الساكين فقد أوجب الله لهم الحقوق أيضاً وقال: وَآتِ ذَا القُربَى حَقَّهُ، وَالْمِسكين. . (1). وذم من لم يحض على طعام المسكين ولا يكرم اليتيم فقال: بَل لا تُكرِمُونَ اليَتِيمَ وَلَا تَحَضّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ) (2). ثم أخبر عن أهل النار حين سئلوا: مَا سَلَكُمْ في سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكَ نُطْعِمُ
المِسْكِينَ ... ) (3) الآية.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً احشرني في
زمرة المساكين (1).
وكان سليمان عليه السلام / مع ما آتاه الله مسكين فجلس إليه فقال: مسكين جلس إلى مسكين.
من الملك إذا دخل المسجد فنظر إلى
وقيل: ما من كلمة كانت تقال لعيسى عليه السلام أحب إليه من أن يقال له: يا مسكين. وعن كعب الأحبار أنه قال: ما في القرآن من يا أيها الذين آمنوا فهو في التوراة: يا أيها المسكين وعن الفضيل أنه قال: بلغني أن نبياً من الأنبياء قال: يا رب كيف لي أن أعلم علامة رضاك عني؟ قال: علامة ذلك أن تنظر كيف رضي المساكين عنك. وينشد:
لا تعد عيناك مسكينا تلاقيه فإنما قسام وأرزاق وكم محب له يرجو شفاعته وللمساكين الحشر أسواق يوم وجملة حقوق المساكين أن لا يتكبر الإنسان عليهم من أجل فقرهم، وأن يعطيهم الحقوق التي أوجبها القرآن لهم من الزكاة والكفارات وخمس الغنيمة، وواجب الصدقات وأن يعطف عليهم، وينظر إليهم بعين الرحمة وأن لا يتركهم يموتوا جوعاً أو عطشاً وهو قادر على إنجائهم، من ذلك ويوفيهم جميع حقوق أهل القبلة وإن كانوا أهلى ولاية فلهم أهلها من المودة والاستغفار والله أعلم.
عن
وأما ابن السبيل: فله أيضاً حق على من إجتاز إليه وهذا إذا أخرج عن الأميال، وأنقطع أهله وماله، ولم يجد من يسلف له ولا يبيع له. وأما من يتردد في البلدان متفرجاً من كرب
(1) سورة الإسراء الآية: 26. (2) سورة الفجر الآيتان 17، 18.
(3) سورة المدثر الآية: 43.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي من حديث أنس وابن ماجة والحاكم وصحح إسناده من
حديث أبي سعيد. (2/370)
صفحة 827
قنطرة الخلق
371
البطالة وليست له حاجة هو قاصد إليها فلا حق له في الضيافة.
وأما حق الضيف: فهو واجب على من نزل به لقول النبي عليه السلام: من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (1).
جائزته يوماً / وليلة. والضيافة ثلاثة أيام وما وراء ذلك صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده [1/ 432] حتى يخرجه. وقال: «لا خير فيمن لا يضيف (2).
ويقال: الأضياف ثلاثة، ضيف يسير في طلب العلم، وضيف يسير زيارة من ينبغي له أن يزوره من أخ في الله أو رحم، وضيف صاحب حاجة أدركه الليل قبل الوصول إليها، فهؤلاء واشباههم أضياف تجب على الناس ضيافتهم كافة إذا لم يكن طعام والله أعلم.
وقد ذكرت جملة من حقوق الضيف وغيره في كتابنا المسمى بقواعد الإسلام فلا نطيل الكلام بإعادتها هنا والله أعلم.
فصل
وأما السائلون فقد أوجب الله تعالى حقهم فقال: وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ). إلى قوله:
وَالسَّائِلِينَ) (3).
وذلك إذا دعتهم الضرورة إلى السؤال وإلا فعز المؤمن تجعله في فاقته واستغناء بربه عن خلقه، وقد أثنى الله على قوم فقال: (يَحْسَبهُم الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَقُفِ) (1). إلى قوله: الْحَافاً.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: عز المؤمن استغناءه عن الناس». وقال: إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال (5). وقال أيضاً: «سلوا الله وأفضل العبادة انتظار الفرج فإن الله يحب أن يسئل من فضله.
(1)
(2) (3)
فضله
من
ويقال: كثرة طلب الحوائج إلى الناس تميت القلب وتورث الذل وتذهب بنور الوجه.
قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث أبي سريح. قال الحافظ العراقي في المغني: رواه أحمد من حديث عقبة ابن عامر وفيه ابن لهيعة.
سورة البقرة الآية: 177.
(4) سورة البقرة الآية: 273.
(5) قال الحافظ العراق في المغني: رواه ابن ماجة من حديث عمران بن حصين بسند ضعيف. (2/371)
صفحة 828
372
وعن عبد
قنطرة الخلق
الله بن سلام أنه قال: قلت لكعب الأحبار ما الذي يذهب العلوم من قلوب
هذا حتى
العلماء بعد إذ وعوه وعقلوه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج. فقيل للفضيل: فسر [433/ب] لي قولة / كعب قال: يطمع الرجل في الشيء فيطلبه فيذهب عليه دينه، والشره تشره النفس لا تحب أن يفوتها شيء، فتكون لك إلى هذا حاجة، وإلى هذا حاجة، في هذا وفي فإذا قضاها لك خزم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك وخضعت له، فمن حبك للدنيا سلمت عليه إذا مررت به وعدته إذا مرض لم تسلم عليه الله، ولم تعده الله فلو لم يكن لك إليه حاجة لكان خيراً لك ثم قال له: هذا خير لك من مائة حديث عن فلان وفلان.
وعن علي بن أبي طالب أو غيره أنه قال: استغن عمن شئت فأنت نظيره فاحتج إلى من شئت فأنت أسيره فأحسن إلى من شئت فأنت أميره ويقال: اترك الطمع يتركك الفقر واحمل نفسك على مالك يحملك وانزع الطمع من قلبك يحل القيد من رجلك.
ويقال: من طمع في مال غيره نزعت البركة من ماله.
ويقال: من طمع في سؤال الناس عز عليهم.
وعن النبي الا الله و أنه قال: اليد العليا خير من اليد السفلى.
وعنه عليه السلام أنه قال: «لا تلحوا في المسألة فإنه لا يسألني إنسان فيخرج له في السؤال شيء وأنا كاره إلا لم يبارك له فيه.
وعنه عليه السلام أنه قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي به رأس جبل فيحتطب ثم يحمله فيبيعه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو لم يعطوا».
وروي عنه عليه السلام أن رجلاً أتاه فقال له: إن بني فلان أغاروا عليَّ فذهبوا بإبلي
[434/ب] وابني فقال عليه السلام: إن آل محمد لكذا وكذا أهل بيت ما عندهم مد». / أو قال: «صاع من طعام فاسأل الله». فرجع الرجل إلى امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها فقالت له: نعم ما ردك إليه، فما لبث أن رد الله عليه إبله وابنه فأتى النبي فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأنثى عليه فأمر الناس بمسألة الله والرغبة إليه وقرأ: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَل لَهُ مَخْرَجا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (1).
وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصبحت يوماً وليس عندنا طعام وقد عصبت على
(1) سورة الطلاق الآيتان: 2، 3. (2/372)
صفحة 829
قنطرة الخلق
373
بطني حجراً من الجوع فقالت لي امرأتي: لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فتسأله فقد سأله فلان فأعطاه فأتيته كي التمس شيئاً فذهبت أطلب فأنتهيت إلى النبي وهو يخطب ويقول في خطبته: «من يتسعفف يعففه الله ومن يستغن يغنه الله ومن سألنا فوجدناه أعطيناه وواسيناه ومن استغنى عنا واستعفف فهو أحب إلينا ممن يسألنا». قال فرجعت وما سألته شيئاً فرزقنا الله حتى لا أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالاً منا.
فيما يروى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني إذا افتقرت فافزع إلى ربك وحده فادعه وتضرع إليه واسأله من فضله وخزائنه فإنه لا يملكها غيره فلا تسأل الناس فتهون عليهم ولا يسدوا إليك شيئاً. وينشد لمحمود الوراق:
شاد الملوك قصورهم وتحصنوا من كل طالب حاجة أو راغب فإذا تلطف في الدخول إليهم عاف تلقوه بوعد كاذب اطلب إلى ملك الملوك ولا تكن يا ذا الضراعة طالبا من طالب
وروي عن عطاء السلمي غلق دونك بابه وجعل عليه حجابه، ولكن أنزلها إلى من بابه مفتوح إلى يوم القيامة أمر عباده
أنه قال: قال لي طاوس / اليماني يا عطاء لا تنزلن حاجتك بمن [1/ 435]
بالدعاء وضمن لهم الإجابة. وينشد:
لا تضر عن لمخلوق على طمع فإن ذلك
منك
وهن في الدين
واسترزق الله مما في خزائنه فإنما الرزق بين الكاف والنون
ويقال: لو علم السائل ما عليه لجعل الحجر في فمه حتى لا يسئل، وروي أن أعرابياً سأل النبي الله فالح عليه يقول: يا رسول الله أطعمني فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المنزل فأخذ بعضادتي الحجرة فأقبل على الناس بوجهه فقال: والذي نفسي بيده لو تعلمون من المسألة ما أعلم ما سأل رجل رجلاً وهو يجد ليلة تبيته. ثم أمر له بطعام: ويقال المسألة على ثلاثة أوجه؛ مسألة محرمة، ومسألة مباحة، ومسألة مكروهة.
نفسه
معني معلوماً،
فأما المسألة المحرمة: فهي مسألة من أظهر على نفسه الفقر وليس بفقيراً، وأظهر على وهو لم يرده مثل الحج والنكاح، أو انتسب إلى قوم وليس منهم، وما أشبه ذلك، لأن هذا من باب أكل أموال الناس بالخداع والاحتيال وقد قال عليه السلام: «المكر
والخديعة في النار.
وأما المسألة المباحة: فهو مسألة من لا يجد عنا يغنيه وذلك غداءه وعشاءه وفي (2/373)
صفحة 830
374
قنطرة الخلق
الحديث عنه عليه السلام أنه قال: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جهنم» قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «ما يغديه ويعشيه».
وعنه عليه السلام أنه قال: من سأل ومعه أوقية فقد سأل الناس إلحافا» والأوقية:
أربعون درهماً.
موجع.
وعنه عليه السلام أنه قال: «لا تحل المسألة إلا لثلاث غرم مفضع أو فقر مدقع أو دم
وروى قبيصة بن مخارق أنه قال: تحملت بحمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: نؤديها عنك إذا جاءت إبل الصدقة يا قبيصة إن المسألة حرمت علي إلا في ثلاث رجل تحمل بحمالة فالمسألة حلال حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة حتى جاحت ماله يسئل حتى يصيب قوام العيش ثم يمسك ورجل أصابته حاجة أو فاقة حتى شهد له ثلاثة من أهل الحجا من قومه ويسألهم حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك
فهو سحت».
وأما المكروهة: فهي مسألة من له أوقية كما تقدم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من
قيل
سأل على ظهر غني جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو كدوحاً في وجهه». وما حد الغنا؟ قال: خمسون درهماً أو عدلها فضة». أو قال: «ذهباً» ويقال: «لن تزال
المسألة بالعبد حتى يوم القيامة وليس في وجهه مدغة لحم.
فصل
والذي ينبغي للمسلم والأليق به التعفف عن السؤال وصيانة النفس والتجمل يحسن
الحال ويكون كما قال الشاعر حيث يقول:
وقد يكتسي المرء حر الثياب ومن دونها حالة مضنته
كما يكت
وجهه حمرة وعلتها ورم في الرئة / ويقال من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر ولا ينبغي أن يتدنس بمطالب الشوم ومطالع اللوم ويتضرع للأرذال ويتذلل للأندال.
وقد يقال في التوراة من تضعضع لغني لينال ما في يده أحبط الله ثلثي دينه، وأما إذا كان السؤال لضرورة نازلة وفاقة حالة فلا حرج عليه في السؤال ولا لوم وقد قال بعض الحكماء: الضرورة توقع الصورة وينشد للكميت:
[1/ 437] (2/374)
صفحة 831
قنطرة الخلق
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فلا أرى للمضطر إلا ركوبها ويحكى عن بعض الماضيين أنه قال: خرجنا حجاجاً فلما ضربنا ببعض المناهل غشينا فقراء البادية من كل جانب وجعلت جارية منهم تتخطى الرقاب وتسأل بلسان أعذب. الماء من وأرق من الهون قال: فقمت إليها فنظرت إلى وجه بملأ العيون حسناً فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم. فلما وقفت على رحلنا قلت لها: يا جارية أيحل لك أظهار هذا الوجه في مثل هذا الموقف؟ فلطمت وجهها لطماً رفيقاً وقالت:
قد صنته وحجبته حتى إذا لم يبق لي طمع ومات الهيثم أبرزته من خدره مقهورة والله يشهد لي بذاك ويعلم كشف الزمان قناعه في بلدة قل الصديق بها وعز الدرهم ويعز ذاك علي إلا أنه زمن يجور كما تراه ويظلم قال: فقلت لها: من أنت؟ قالت بنت الهيثم الشيباني توفي وبقيت في حال الله به عليم. قاله: فأعطيتها بعض ما كان عندي من النفقة. ويقال: لو علم المسؤول ما عليه لأعطى حتى لا يمسك شيئاً.
وينبغي للسائل المضطر أن يتخير من المسؤولين من يرجو عنده نجح حاجته وإدراك [438/ب] بغيته، وفي الحديث: اطلبو الحوائج إلى حسان الوجوه.
وقيل للحسن وهو من نقلة هذ الحديث يعني صباح الوجوه فقال: إنما يعني البشر والتهلل في الوجوه عند قضاء الحوائج.
ويروي
أن سائلاً سأل مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى تصدق بشيء علي فدخل مالك
بيته فلم يجد إلا شيئاً من التمر فناوله إيّاه. فقال: يا أبا يحيى رضي الله عنك وأعتقك من النار. فقال: إلي تقول؟ فقال: أنتم فدخل بيته فلم يجد إلا قطيفة كان يلبسها في الشتاء ويفترشها في الصيف فناوله إياها فقال له: يا أبا يحيى رضي عنك وأعتقك من النار. فقال: إلي تقول هذا؟ فقال: نعم. فنزع عمامته من على رأسه فناوله إياها فقال السائل: يا أبا يحيى الله عنك وأعتقك من النار. فقال: يا هذا لم يبق معي شيء فخذ بيدي وأدخلني السوق فبعني بأي ثمن شئت فانصرف السائل عنه وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من رد سائلاً لم تغش الملائكة بيته سبعة أيام.
رضي
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يناول المسكين بيده. ويقال: إن الله وجوهاً في خلقه (2/375)
صفحة 832
376
قنطرة الخلق
اختصمهم بالنعم لمنافع العباد فإذا منعوها حولها إلى غيرهم (1). فينبغي لمن وقف عليه السائل
أن يعطيه من خير ما عنده.
وذكر أن رجلاً بالبصرة رأسه في حجر امرأته تطعمه التمر والزبد إذ وقف عليه سائل
بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل الدار أطعموني مما تأكلون قال: فقامت المرأة لتعطيه
[1/ 439] التمر والزبد فانتهرها. فقال لها: أعطه كسرة يابسة ففعلت فلما أن / مضى السائل شرق زوجها بالتمر والزبد فمات فأقامت المرأة ما شاء الله فتزوجت فبينما هي مع زوجها تطعمه التمر الزبد كفعلها مع زوجها الأول إذ وقف سائل بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل الدار أطعموني مما تأكلون. فقامت المرأة لتعطيه كسرة. فقال: أعطه تمراً وزبداً. فضحكت المرأة. فقال لها: ما يضحكك؟ فقالت له: ترى هذا المال الذي تنعمت فيه أنت؟ قال: نعم. قالت: كان صاحبه كما كنت وأخبرته الخبر. فقال: ذلك زوجك؟ قالت: نعم. قال: أنا والله ذلك السائل الحمد لله الذي أورثني ماله وأسكنني داره وأوطأني زوجته ثم قام مبادراً إلى السائل فقال: أدخل يا هذا فوالله لأشاطرنك ما أنعم الله به علي فقال له السائل: لست من سؤال الدنيا وأنا من الملائكة بعثني الله إليك ليختبر شكرك الحمد لله الذي جعلك لنعمته شاكراً ولفضله ذاكر ثم غاب عنه.
[1/ 400]
زوجي
ملك
وينبغي للسائل أن لا يصرح بالسؤال ما وجد عنه مندوحة، لأن في التعريض صيانة من ذل الطلب، كالذي حكي أن رجلاً ساير بعض الولاة فقال: ما أهزل بردوتك فقال: يده مع أيدينا فوصفه اكتفاء بهذا التعريض الذي بلغ ما لا يبلغه صريح السؤال.
وفي كتاب الأدب قال: وحكي أن عبيد الله بن سليمان لما تقلد وزارة المعتضد كتب إليه
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول:
أيا دهرنا أسعفنا في نفوسنا وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له نعماك فيهم أتمها ودع أمرنا إن المهم المقدم
/ فقال عبيد الله: ما أحسن ما شكى أمره بين أضعاف مرحه وقضى حاجته. ويروى أن أعرابياً قدم على علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة
(1) قال الحافظ العراقي في المغني في معنى هذا من حديث ابن عمر رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم وفيه محمد بن حسان السمتي وفيه لين ووثقه ابن معين يرويه عن أبي عثمان عبد الله بن زيد الحمصي
ضعفه الأزدي. (2/376)
صفحة 833
قنطرة الخلق
377
الحياء يمنعني أن أذكرها لك؟ فقال: يا أعرابي خطها في الأرض. وخطها، فيها أني فقير. فقال علي لغلامه: قنبر يا قنبر أكسه حلتي فكساه الحلة فأنشأ الأعرابي يقول: كسوتني حلة تبلى محاسنها فسوف اكسوك من حسن الثناء حللاً إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة ولست تبغي بما قد نلته بدلاً إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه كالغيث يحيى نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في عرف بذلت به كل أمرء سوف يجزى بالذي فعلا فقال علي: يا قنبر زده مائة دينار، فأعطاه إياها فلما ولى الأعرابي قال له قنبر: يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت به من شأنهم قال مه يا قنبر لا تفعل؛ فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اشكروا من أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه». ويقال: الملائكة تنزل من السماء فيطوفون على الأبواب لينظروا كيف صنع الناس فيما
أعطاهم الله وأكثر ما يأتوهم بعد صلاة المغرب.
ولذلك قيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا السائل بوقار ولين / وحسن كلمة أو [441/ب] برد جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان لينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله.
وفي الحديث: ردوا مذمة السائل ولو بمثل رأس طائر».
في الحديث: لولا أن السائلون يكذبون ما أفلح من ردهم».
وفي الأثر أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنقود عنب فسأله مسكين فأعطاه إياه فانصرف ذلك المسكين ليبيعه، فأدركه الرجل فاشتراه منه، فأعطاه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثانية فسأله ذلك المسكين فأعطاه له ففعل ذلك ثلاث مرات فقال له عليه السلام: «يا هذ أردت أن تكون تاجراً». فأنزل الله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر) (1).
(1)
وفي بعض الكتب: أن إبليس اللعين قال لموسى عليه السلام أوصيك بثلاث؛ لا ترد سائلاً، ولا تخل بامرأة لا تحل لك، ولا تقبل أمانة فانصرف اللعين وهو يضرب وجهه ويقول: أخبرته بهن يحذر الناس منهن.
فالواجب على من وقف عليه السائل أن لا يخيبه إن قدر على ذلك أي سائل كان لقوله
(1) سورة الضحى الآية: 10. (2/377)
صفحة 834
378
قنطرة الخلق
عليه السلام: «أعط السائل وإن جاء على فرس ولا سيما سائل المسجد لأنه ضيف الله أوى
بيت الله.
وذكر في بعض الكتب أن رجلاً سأل أهل مسجد بليل ليطعموه فتفرقوا عنه فلم يشتغلوا به فلما أصبحوا وجدوه ميتاً فأخذوا في جهازه فدفنوه فرجعوا إلى المسجد فوجدوا الكفن في المحراب مكتوب فيه كفنكم مردود عليكم والرب ساخط عليكم، والله أعلم وأحكم.
/ فصل: في التحذير عن مخالطة الناس والحث على العزلة قال الله سبحانه وتعالى حكاية عن خليله عليه السلام: {فَلَمَّا أَعْتَزلَهُم وَمَا يَعبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسحق وَيَعقُوبَ) (1). الآية.
وقال مخبراً عن أصحاب الكهف: {وَإذا اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه فَأْوُوا إِلَى
الكهف) (2) الآية.
وعن رسول الله: إن أعجب الناس أتى منزلة رجل يؤمن بالله ورسله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعمر. ماله ويحفظ دينه ويعتزل الناس. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: المجالس ثلاثة فأجملها وأشرفها مجلس بين المسلمين وبين عدوهم والثاني في بيت من بيوت الله يذكرون الله تعالى والثالث ببيت الرجل حيث لا يرى ولا يُرى».
الله. وعن عبد بن عمرو بن العاص أنه قال: قال لي عليه السلام: «يا عبد الله بن عمرو كيف إذا بقيت في. حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأمانتهم وكانوا هكذا؟». وشبك عليه أصابعه. قلت: يا رسول الله ما تأمرني به؟ قال: «آمرك أن تتقي الله وأن تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر وعليك بخويصة نفسك وإياك والعامة» (3).
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: احذروا الناس؛ فإنهم ما ركبوا ظهر بعير! إلا أدبروه ولا
ظهر جواد إلا عقروه ولا قلب مؤمن إلا حرّفوه.
وفي خبر آخر عنه عليه السلام في حديث عبد الله قال: «ذلك أيام الهرج». فقيل وما
(1) سورة مريم الآية: 49. (2) سورة الكهف الآية: 16.
(3) قال الحافظ: العراقي في المغني في نحو: رواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة بإسناد حسن.
[1/ 442] (2/378)
صفحة 835
قنطرة الخلق
أيام الهرج؟ قال: / حين لا يأمن الرجل جليسه (1).
379
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال للحارث بن عمير أنه إن يدفع عن عمرك فسيأتي عليك زمان كثير خطباءه قليل علماء كثير سؤاله قليل معطوه الهوى فيه قائد العلم قال: ومتى ذلك؟ قال: إذا ميتت الصلاة وقُبِلَتْ الرشا ويُباع الدين بعرض يسير من الدنيا بالنجاة ويحك ثم
النجاة.
وعن سفيان الثوري أنه كان يقول: ما رأيت للإنسان خيراً من أن يدخل في حجره، وكان يقول: هذا زمان السكوت ولزوم البيوت، وكان يقول أنكر المعرفة عند من يعرفك ولا تتعرف إلى من لا يعرفك.
وروي عن الحسن بن جني أنه فقد شاباً كان يجالسه فخرج إلى منزله فضرب عليه الباب فخرج إليه الشاب فقال له: الحسن ما لي لم أرك؟ فقال: إنما هذه دار ليست بدار لقاء وإنما هي دار عمل واللقاء هناك. ثم انصرف فما رأه الحسن بعد. ذلك حتى مات. وينشد:
دعوه لا تلوموه دعوه فقد علم الذي لم تعلموه واعلم بالهدى فسمى إليه وطالب مطلبا لم تطلبوه وقام بحقه وأضعتموه
جاب دعاءه
من فطن لبيب تذوق مطعماً لم تطعموه
الصمت
ذاك بنفسي وعن وهيب بن الورد أنه قال: كانوا يقولون العافية عشرة أجزاء تسعة منها في والعاشر في اعتزال الناس. قال وهيب: ولقد عالجت الصمت ولم أجد نفسي تقبل منه على ما أحب فرأيت أن أيسر هذه الأجزاء عاشرها والتزمته.
وعن عمر بن الخطاب رضي!
الله عنه أنه قال في العزلة: راحة من خلطاء السوء.
وروي عن الحسن البصري أنه كان ربما جلس في بيته واعتزل الناس أياماً، وأن رجلاً من أصحابه دخل عليه يوماً فقال له يا أبا سعيد أما استوحشت في وحدتك؟ فقال: يا ابن أخي لا يستوحش مع الله إلا أحمق. وينشد:
ووحده المرء بلا أنيس
له من
الجليس
(1) ذكر الحافظ العراقي بنحوه في المغني: وقال رواه أبو داود مختصراً والخطابي في العزلة بتمامه وفي إسناده عند الخطابي انقطاع ووصله أبو داود بزيادة رجل اسمه سالم يحتاج إلى معرفته.
[443/ب] (2/379)
صفحة 836
380
قنطرة الخلق
خير
وقال بعض العلماء: إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة أنسه بالوحدة وأغناه بالقنوع وبصره عيب نفسه فمن أعطي ذلك فقد أعطي الدنيا والآخرة. ويقال: مكتوب في الإنجيل من اعتزل الناس نجا، وروي عن ذي النون المصري أنه قال: وصف لي عابد في الجبل فدخلت فيه أطلبه لأعرف مكانه الذي يأوى إليه فبينما أنا في بعض الليل إذ سمعت صوتاً ينادي يا من بيده ملكوت كل شيء يا من هو بالنفوس عليم قد طال شوقي إلى لقائك. فاتبعت الصوت فإذا أنا به في وسط شجر ملتف فلما بصر بي فزع مني [1/ 445) فقال لي: يا هذا من أنت؟ فقد أفزعتني. فقلت: من هرب إلى الله لا يفزعه / آدمي. فقال: لم أفزع منك لأنك آدمي ولكن كل من جهز جهازاً خاف على جهازه. قلت: وما جهزت فتخاف عليه؟ قال: جهزت بدني أطلب به ربحاً من سيدي وكان خوفي منك من فتنك. قال وقلت: وما رأيت من فتني؟ قال: لأن بني آدم لصوص القلوب إلا من عصمه الله. قلت: إنما أتيتك أستهديك الطريق قال: بالعقل تدرك ما تريد قلت وما العقل؟ قال: الصدق والحلم
والمبادرة.
وروي عن عروة بن الزبير أنه خرج من المدينة ونزل العقيق، فقالوا له في ذلك فقال لهم فررت منكم. قالوا ولم؟ قال: رأيت مساجدكم لاغية وأسواقكم لاهية والفواحش في حواشيكم بادية خوفت أن ينزل بلاء بكم فيصيبي معكم.
وروي عن إبراهيم بن عبد الله أنه قال: قيل للحسن البصري يا أبا سعيد هاهنا رجل لم نره قط إلا جالساً وحده خلف سارية. فقال الحسن: إذا رأيتموه فأخبروني به. فنظر إليه ذات
يوم فقالوا للحسن: هذا الذي أخبرناك به وأشاروا إليه فمضى إليه الحسن. فقال: يا عبد الله
قد
حببت إليك العزلة فما منعك مخالطة من الناس؟ فقال: أمر شغلني عن الناس. قال: فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه؟ قال: أمر شغلني عن الناس وعن الحسن. قال له الحسن: وما ذلك الشغل يرحمك الله؟ قال: إني أصبح وأمسي بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار عن الذنب وأشكر الله على النعمة. قال له 1/ 446] الحسن: يا عبد الله أنت من الحسن فالزم ما أنت / فيه. وينشد في العزلة:
عندي أفقه.
إذا ما كنت في زمن عبوس وفي ناس من البشر الخسيس لزمت البيت مصطبراً كأني أخوة قبر دفنت بلا أنيس
وينبغي لمن طلب السلامة أن يعتزل الناس وينفرد عنهم وذلك لأمرين. (2/380)
صفحة 837
قنطرة الخلق
381
أحدهما: أنهم يشغلونه عن عبادة ربه عز وجل، بل يمنعونه منها، بل يوقعونه في الشر والهلاك. على ما روي عن حاتم الأصم أنه قال: طلبت من هذا الخلاق خمسة أشياء فلم أجدها؛ طلبت منهم الطاعة والزهدة فلم يفعلوا، فقلت أعينوني عليها إن لم تفعلوا فلم يفعلوا، فقلت: ارضوا عني إن فعلت فلم يفعلوا فقلت: لا تمنعوني عنها إذاً فمنعوني، فقلت لا تدعوني إلى ما لا يرضى الله ولا تعادوني عليها إن لم أتابعكم ففعلوا فتركتهم وأشتغلت بخاصتي. وقد ذكر عن سفيان الثوري أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة في هذا الزمان.
ففي كتاب الغزالي قال: ولئن حلت في زمانه ففي زماننا هذا وجبت وافترضت وفي مثل زماننا هذا يقول الشاعر:
هَذَا الزمان الذي كُنا نُحَاذِرَه في قول كعب وفي قول ابن مسعود قدماً تحدث من أكوانه عجباً حتى وقفنا على تلك المواعيد دهر به الخير مفقود بِأَجْمَعِهِ والشر والجُور فِيهِ غَيرُ مَفْقُودٍ / إن دام هذا ولم يحدث له غير لَمْ نَبِّكِ مَيْتاً ولم نَفَرحُ بِمَوْلُودِ والأمر الثاني: الذي يطلب من أجله التفرد عن الناس أن الناس يفسدون عليك ما يحصل من العبادة إن لم يعصمك الله تعالى، بسبب ما يعرض من قبلهم من دواعي الرياء والتزين. ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال: رؤية الناس بساط الرياء.
وهؤلاء الزهاد قد خافوا على أنفسهم. من هذا المعنى حتى تركوا الملاقاة والتزاور. وقد ذكر عن هرم بن حيان أنه قال لأويس القرني رضي الله عنه: يا أويس صلنا بالزيارة واللقاء. قال أويس: قد وصلتك بما هو أنفعك لك منها بدعاء على ظهر الغيب.
وعن داود الطائي أنه قال: صم عن الدنيا وأجعل فطرك الموت، وفر من الناس فرارك من الأسد. ولقد حكى عن بعض العلماء أنه جلس مع بعض العارفين فتذاكرا ملياً ثم دعوا في آخر حديثهما فقال العالم للعارف: ما أظن أني جلست مجلساً أنا أرجى له من مجلسي هذا فقال له العارف لكني أنا جلست مجلساً أخوف منه من مجلسي هذا ألست تعمد إلي أحسن حديثك علومك فتنشرها وتظهرها بين يدي وأنا كذلك؟ فقد وقع الرياء. قال: فبكى العالم حتى غشى عليه وكان بعد ذلك يتمثل بهذين البيتين:
يا ويلتي من موقف مابه
أخوف من أن يعدل الحاكم
[447/ب] (2/381)
صفحة 838
382
قنطرة الخلق
يا رب عفواً منك عن مذنب أسرف إلا أنه نادم فهذه أهل الزهد والرياضة في ملاقاتهم، فكيف حال أهل الرغبة والبطالة؟ بل حال أهل النشرة والجهالة واعلم أن الزمان قد أصبح في فساد عظيم، وأصبح أهله في ضرر كبير وضلال جسيم، فاحترز منهم جهدك، فأنهم يشغلونك عن طاعة الله حتى لا يكاد يحصل لك منها شيء، ثم يفسدون عليك ما حصل حتى لا يكاد يسلم لك منها شيء فلزمتك العزلة عنهم والاستعاذة بالله من شر هذا الزمان وأهله.
وقد ورد في الحديث: يأتي على الناس زمان يكون الناس فيه ذئاباً فمن كان ذئباً أكل مع الذئاب ومن لم يكن ذئباً أكلته الذئاب.
وفي الحديث أيضاً.
عنه عليه السلام أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يسلم فيه لذي
دين دينه إلا من يعز بدينه من قرية إلى قرية ومن جحر إلى حجر يفر ويروغ كما يروغ الثعلب». قيل: يا رسول الله متى ذلك؟ قال: «إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله عز وجل فإذا
كان ذلك الزمان فقد حلت فيه العزوبة والعزلة «الغربة.
قيل: وكيف وقد أمرتنا بالتزويج؟ قال: إذا كان ذلك الزمان يكون فيه هلاك الرجل على يد أبويه فإن لم يكونا فعلى يد قرابته فإن لم تكن فعلى يد زوجته. قيل: فكيف ذلك؟ قال: «يعيرونه بضيق ذات اليد فيتكلف من الأمور ما لا يطيقه فيورده
ذلك موارد الهلاك (1).
وفي الحديث أيضاً: «يأتي على الناس زمان يخرج الرجل من بيته / ومعه دينه ويرجع وليس معه شيء». والله أعلم. فإن قيل ما حكم العزلة والحد الذي يجب منها؟ قيل له: قد ذكر في أثر بعض العلماء أنه قال: الناس في ذلك رجلان رجل لا حاجة بالخلق إليه في علم و بيان حكم، فالأولى لهذا الرجل التفرد عن الناس فلا يخالطهم إلا في جمعة أو جماعة أو عيد أو حج أو زيارة أو إقامة حق ميت أو مجلس علم بالسنة أو حاجة في معيشة لا بد له من ذلك، وإلا فيوارى شخصه ويلزم بيته لا يعرف ولا يعرف، وأما إن أحب هذا الرجل أن ينقطع عن الناس ولا يخالطهم في أمر من الأمور البتة من دين ودنيا وجماعة وجمعة وغيرها، لما رأى في من مصلحته فإنه لا يسعه ذلك إلا بأحد أمرين:
ذلك
(1) ذكرها الحافظ العراقي في المغني وقال: رواه الخطابي في العزلة من حديثه وحديث ابن مسعود نحوه والبيهقي في الزهد نحوه من حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف وذكره الحافظ العراقي في النكاح والعزلة.
[1/ 448]
[1/ 449] (2/382)
صفحة 839
قنطرة الخلق
383
هذه
الأمر الأول: إما أن يصير إلى موضع لا تلزمه هناك هذه الفروض كرؤوس الجبل وبطون الأودية ونحوها، ولعل من أحد الوجوه التي دلت العباد على تلك المواضع البعيدة عن الناس. والأمر الثاني: أن يتيقن بالحقيقة أن الضرر الذي لحقه في. مخالطة الناس بسبب الفروض أعظم من تركها محينئذ ربما يكون له عذراً. قال ولقد رأيت أنا بمكة ـ حرسها الله - بعض الشيوخ المتفردين من أهل العلم وهؤلاء يحضر الجماعة في المسجد الحرام مع قربه منه وسلامة حاله فحاورته في ذلك فذكر من عذره ما أشرنا إليه وهو أن ما يجده من الثواب لا يفيء بما يلحقه من الآثام والتباعات في الخروج إلى المسجد ولقاء الناس.
قال: وجملة الأمر: فلا عتب على المعذور والله تعالى أولى بالعذر وهو عليم بذات / الصدور. ولكن الطريق العدل هو الأول بأن يشارك الناس في الجمعة والجماعة وصنوف [450/ب] الخيرات، ويبانهم فيما سوى ذلك، فإن أحب الطريق الثاني بأن ينقطع عن الناس بمرة فسبيله الخروج إلى مواضع لا تتوجه إليه هذه الفروض هنالك، لأن كونه مع الناس في مصر واحد لا يحضر جمعة ولا جماعة لعذر يداه في ذلك من وزر أو تباعة فإنه يحتاج إلى نظر دقيق وعلم لا يسقط عنه ذلك فيه خطر الغلط والأولان أسلم وأحفظ والله ولي الهداية بمنه.
غامض حتى
وأما الرجل الثاني: فرجل يكون قدوة في العلم بحيث يحتاج الناس إليه في أمر دينهم لبيان حق، أو رد على مبتدع أودعوة إلى خير بفعل أو قول أو نحو ذلك فلا يسع هذا الرجل الاعتزال عن الناس بل ينصب نفسه بينهم ناصحاً لخلق الله تعالى، ذاباً على دين الله مبيتاً
لأحكام الله. وقد روي عن رسول الله لو أنه قال: إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَكْتِمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى. وإلى قوله: وَتِلْعَنهُمُ اللأَعِنُونَ (1).
هذا إذا كان بينهم وإذا خرج بينهم فلا يجوز له أيضاً. وذكر أن بعض العلماء قصد أن ينفرد عن الخلق لعبادة الله تعالى فبينما هو في الجبال إذا سمع صوتاً ينادي: يا فلان إذا صرت الله على خلقه تركت عبادة الله فرجع فكان هذا سبب صحبته الخلق. قال: واعلم أن
من حجج
(1) سورة البقرة الآية: 159. (2/383)
صفحة 840
384
قنطرة الخلق
[1/ 451] مثل هذا الرجل المحتاج إليه في باب الدين يحتاج في صحبته / الخلق إلى أمرين شديدين: أحدهما: طويل وحلم عظيم ونظر لطيف واستعاذة دائمة. صبر
[1/ 452]
والثاني: أن يكون في هذا منفرداً عنهم وإن كان بالشخص معهم، فإن كلموه كلمهم وإن زاوره عظمهم على قدرهم وشكرهم وإن سكتوا عنه وأعرضوا استغنم ذلك منهم، وإن كانوا في حق وفي خير ساعدهم وإن صاروا إلى لغو وشرٍ خالفهم وهاجرهم بل رد عليهم وزجرهم، إن رجا قبولهم ثم يقوم بجميع حقوقهم من الزيارة والعيادات وقضاء الحاجات التي ترفع إليه ما أمكنه، ولا يطالبهم بالمكافأت ولا ذلك منهم ولا يريهم من نفسه استيحاشاً يرجو لذلك ويباسطهم بالقول إن قدر وينقبض عنهم في الأخذ إن أعطى، ويتحمل منهم ويظهر لهم البشر ويتجمل بظاهره لهم ويكتم حاجته عنهم ويقاسيها في سره وباطنه، ثم يحتاج ذلك أن ينظر لنفسه خاصة ويجعل لها حظاً من العبادات الخالصة، كما قال عمر بن الخطاب: إن نمت الليل لأضيعن نفسي وإن نمت النهار لأضيعن الرعية فكيف لي بالنوم مع
هاتين.
قال: وفي مثل هذا المعنى عرضت لي أبيات من الشعر وهي:
الأذى
فإن كنت في هدى الأئمة راغباً فوطن على أن ترتكبك الوقائع بنفس وقور عند كل كريهة وقلب صبور وهو في الصدور مانع لسانك مخزوم وطرفك ملجم وسرك مكتوم لدى الرب ذائع / وذكرك معمور وبابك مغلق وثغرك بسام وبطنك جائع وقلبك مجروج وسوقك كاسد وفضلك مدفون وظنُّك شائع وفي كل يوم أنت جارع غصة من الدهر والإخوان والقلب طائع فدونك هذا العلم خذه ذريعة ليوم عبوس عز فيه الذرائع نعم فالنفس معهم والقلب ما أبعده عنهم وذلك لعمري أمر شديد وعيش نكيد وفيه يقول بعض العلماء في وصيته يا بني عش مع أهل زمانك ولا تقتدِ بهم ثم قال: ما أشد هذا العيش مع الأحياء والاقتداء بالأموات.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خالط الناس وزائلهم ودينك لا تكلمنه، وقال أيضاً: كن كابن لبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب فهذه نكثة مقنعة، قال ثم أقول: إذا هاج الفتن بعضها في بعض، وتراجع الأمر، فتولى الناس عن أمر الدين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا يطلبون عالماً، ولا يعنهم أمر دينهم البتة، وترى الفتنة تعم الناس، وتدب بين (2/384)
صفحة 841
قنطرة الخلق
385
الخاصة، فللعالم العزلة وله العذر فيها، ويتفرد عن الناس بدينه ويدفن العلم ويعبد الله بكتمان علمه، وأخاف أن يكون هذا الذي ذكرناه هو حال زماننا الذكر الصعب الذي عمت فيه الفتنة
وأطبق الكتمان وعظم البلاء ومات الدين وتنكرت الدنيا والله المستعان وعليه التكلان. وأما الجاهل لأمر دينه فعليه بملازمة أحد رجلين عالم يرشده إلى طريق الآخرة، وخدن ينتفع به فيما لا بد له من أمر دنياه وما سوى هذين فليعزله وإن قيض له رجلاً جامعاً له ما يحتاج إليه من / أمر دينه ودنياه ويدع ما سواه والله أعلم.
وأما مدارس علماء الآخرة أهل الاجتهاد في العلم والعبادة المتعاونين على البر والتقوى، فهم أجل إخوان في الله وأعوان على طاعة الله، فلا تشغل الإنسان عنهم عزلة؛ لأنهم جمعوا فائدتين:
إحداهما: العزلة عن العوام ومخالطته أمورهم.
والثانية: اكتساب الثواب الجزيل في مشاركتهم في الجمعة والجماعة ومجالس الذكر وتكثير شعار الإسلام مع ما للناس فيهم من الهداية والبركات والنصيحة فصار الكون معهم أعدل طريقين وأحسن حالاً، وهذا إذا كانت المدارس ثابته على
الصالحين.
رسم
المتقين وسير
السلف
وأما الآن فقد تغيرت الأمور وعظمت البلية واندرس الدين والسير المورثة عن المشايخ فلا سلامة يجدها الإنسان إلا من رزقه والله العمل والتوفيق فليزم بيته ويكف لسانه، ويشارك الناس في أصناف الخيرات من المجالس والخيرات. ويجانبهم في سائر أحوالهم وأمورهم وما هم فيه من الآفات إن وجد إلى ذلك سبيلاً وإلا فليزم. العزلة والغربة والله المستعان وعليه التكلان. وأما الذي يهون عليك العزلة فثلاثة:
أحدهم: استغراق وقتك في العبادة، وقد قال عليه السلام» إن في العبادة لشغلاً». واعلم أن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس فإذا أعطيت العبادة حقها وجدت حلاوة المناجاة فاستأنست كتاب الله فحينئذ تستوحش من الخلق وتشتغل عن صحبتهم وكلامهم.
تخاف
[453/ب]
الثاني: قطع الطمع عنهم / بمرة واحدة فيهون عليك أمرهم؛ لأن من ترجوا نفعه ولا [454/ب] ضره فوجوده وعدمه سواء.
والثالث: تذكر ما في مخالطتهم من الآفات وتكرر ذلك على قلبك. فإن هذه الأمور الثلاثة
إذا لزمتها الطردتك عن صحبة الخلق إلى باب الله تعالى والتفرد لعبادته والله ولي التوفيق والعصمة. قناطر الخيرات ج/ 2/ 25 (2/385)
صفحة 842
بسم
القنطرة العاشرة قنطرة الشيطان
الله الرحمن الرحيم، ويه [نستعين] (1) وصلى الله على سيدنا محمد النبي
وعلى آله وسلّم.
لمعاداتنا
الأمي
قد تجرد
فاعلم يا أخي أرشدنا الله وإياك لطاعته أن الشيطان للإنسان عدو مضل مبين في كل وقت وحين فليزمنا أن نستعيذ بالله ذي القوة المتين أن يعيذنا من مكائد هذا الكلب اللعين، وقد حكى عن مجاهد أنه قال: إن لأبليس خمسة أمراء عن أولاده، عقد لكل واحد منهم على شيء من أمره، ثم سماهم تبوراً والأعور، ومسوطاً وداسماً، وزنبوراً. قال:
(2)
فأما ثبوراً: فصاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى
الجاهلية.
والأعور: صاحب الزنا الذي يزينه للناس ويأمر به.
ومسوط صاحب الكذب الذي يشيعه يلقى الرجل فيخبره الخبر فيذهب ذلك الرجل [1/ 405] فيقول: لقد رأيت رجلاً ما أعرف وجهه ولا أسمه أخبرني كذا وكذا وما / هو إلا مسوط.
وداسم: وهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله فيغضبه عليهم.
(r).
وزنبور: (3) صاحب السوق الذي يركز رأيته ولواءه في السوق.
(1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق واحسبه سقط من الناسخ. (2) ما كان ينبغي أن يذكر مثل هذه الكلمة لما فيها من الاسفاف ثم أن الكلب ليس بلعين كما هو حال إبليس عليه اللعنة والذي أظنه والله أعلم أنه سبق قلم من المؤلف رحمنا الله وإياه، لفرط غيظه منه جنبنا الله وإياكم شر وساوسه. آمين. (3) ذكر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (37/ 3 أسماء أولاد إبليس اللعين على هذا النحو: ثبر، والأعور، ومبسوط وداسم، وزلنبور. (2/386)
صفحة 843
قنطرة الشيطان
فإذا كان اللعين قد اجتهد كل الاجتهاد في إهلاكك فليس لك منه ملجأ ولا منجى إلا التضرع، والاستعاذة منه بخالقك وقد أمر أكرم الخلق بذلك، فقال: {قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (1)
فالواجب على العبد التشمر لمحاربته لأنه عدو مطمع فيه في مصالحته بل لا يقنعه إلا إهلاك الإنسان وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوه عَدُوّاً) (2).
وقال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) (3).
(2)
وقد ذكر في بعض الكتب عن إبليس اللعين أنه قال: فضلنا على الناس بثلاث؛ نَرى ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود كهلنا فتي.
وقد ذكر في كتاب النقاش أن بعض العلماء قال: إن الشياطين يتوالدون ولا يموتون، وأما غيرهم من الجن فإنهم يتوالدون ويموتون والله أعلم.
(1) ,
وقال تعالى لنبيه عليه السلام مع عصمته: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ). إلى قوله: (يُوَسوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ) وذكر بعض العلماء أنه قال: إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، وأحسب أن بعضهم قال رأسه كرأس الحية فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا غفل وسوس.
وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم من اللحم
فيضيقوا مجاريه بالجوع والعطش (5).
الشر إلا
وذكر بعض العلماء أن الله تعالى جعل قلب ابن آدم مثل الزجاجة فلا يعمل شيئاً من [456/ب] له ملك موكل عليه نهياً من الله تعالى وزجراً ينكر ذلك عليه ويلقي الأمر بالطاعة
رمي
(1) سورة المؤمنون الآية: 97.
(2) سورة فاطر الآية: 6.
(3) سورة الأعراف الآية: 27. (4) سورة الناس الآيات: 1، 5.
(5) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (64/ 3)، (100/ 4، 150)، (60/ 8) (87/ 9)، مسلم في الصحيح الدم (24)، أبو داود في السنن الصيام) ب،78 والأدب ب (88)، والترمذي في الجامع الصحيح (1172)، ابن ماجة في السنن (1780)، أحمد في المسند (156/ 3، 285)، الدارمي في السنن (320/ 2)، الطحاوي في مشكل الآثار (29/ 1). (2/387)
صفحة 844
388
[1/ 457]
قنطرة الشيطان
إليه فذلك منه نور يتلألأ وذلك فجورها وتقواها قال: ويلقى إليه الملك الخبر فينور ويتلألأ فيستدل إبليس أنه الأمر من الله تعالى بالخير والطاعة فيلقي إليه الوسوسة بالمعصية فذلك قوله تعالى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ) (1). يعني من ذرية إبليس الذين هم ا الجن
وأبوهم الجان وهو إبليس اللعين.
(1) ,
وذكر بعض العلماء: أن الشياطين توسوس إلى الجن من غير الشياطين كما توسوس إلى
الناس والله أعلم.
وذكر أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله يتعرض لقلوبنا أشياء لأن يقع أحد من السماء إلى الأرض فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق أحب إليه من أن يتكلم به قال عليه السلام «أوجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك. الإيمان (2). صريح قال الغزالي:: هذا يحمل على الكراهية الصارفة للوسوسة لأن الوسوسة صريح الإيمان،
والله أعلم.
ويروى أن.
هم:
ثلاثة أصناف صنف
يحيى بن زكريا عليهما السلام سأل إبليس عن أحوال بني آدم عندهم فقال:
منا معصوم
وهم
أمثالك، وصنف كالكرة في أيدي الصبيان؛ وصنف ثالث هم أشد علينا يعني أهل الوقوع في الخطايا المستغفرين منها يجتهد فيهم حتى يوقعهم في المعاصي فيستغفرون منها ثم يوقعهم، ثانية ثم يفزعون إلى التوبة فيفسدون عليه اجتهاده
فيهم
(3)، والله أعلم.
/ فصل
اعلم أن الشيطان منصوب لمحاربتك مستعداً لعداوتك، فهو آناء الليل وأطراف النهار يرميك بسهامه ولا يرضى حتى يهلك الإنسان رأساً، وهذا حاله مع عوام الناس أهل الرغبة والبطالة، فكيف بمن تجور لطاعة الله ودعوة الخلق إلى عبادة الله فله إذاً مع سائر الناس عداوة ومع أهل الاجتهاد عداوة خاصة وإن أمرهم له أهم، ومعه عليهم أعوان، أشدها على
عامة،
(1) سورة الناس الآيتان: 5، 6. (2) رواه مسلم من حديث ابن مسعود مختصراً سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، فقال: «ذلك محض الإيمان والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه، ورواه النسائي فيه من حديث
عائشة، قاله العراقي في المغني (305/ 3).
(3) ذكر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (38/ 3) نحو هذه القصة. (2/388)
صفحة 845
قنطرة الشيطان
الإنسان نفسه وهواه وله أسباب ومداخل وهو عنها غافل.
389
ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال الشيطان فارغ وأنت مشغول، والشيطان يراك وأنت لا تراه وأنت تنساه وهو لا ينساك، فإذاً لا بد من محاربته وقهره. وقد حذر الله منه جميع الناس فقال: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ) (1). ولم يسلما منه في الجنة دار الأمن والسرور بعد أن نبههما على عداوة الشيطان فقال: {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ ولزَوْجِكَ (2). مع أنه لم ينههما إلا عن شجرة واحدة وأطلق لهما ما وراء ذلك، فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو في الجنة من كيد الشيطان، فكيف يجوز لغيره أن يأمن في الدنيا وهي منبع الفتن والمحن ومعدن البلاء والشهوات المنهى عنها؟
(2)
وقد قال موسى عليه السلام هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (3). وقال لنبيه عليه السلام: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إِلا إِذَا تَمَنَّى الْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمنيته ... ) (1) الآية.
فصل: في مجاهدة الشيطان
(4)
فإن قال قائل أراك قد عظمت مكر الشيطان ومكائده فكيف الطريق إلى مجاهدته فأعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: ينبغي للإنسان أن يشتغل بعبادة الله تعالى ولا يلتفت إلى الشيطان بل يجعل بدل التحرز منه طاعة الله تعالى. وقال آخرون: التحرز من الشيطان، وأخذ الحذر منه مقام التوكل على الله عز وجل والاعتماد عليه، إذ لا قدرة للشيطان على إضلال ولا إغواء إلا بمشيئة الرحمن.
وهاتان الطائفتان غالطتان مخالفتان لنصوص القرآن واتفاق أهل الإسلام على وجوب التحرز من الكفار، وإعداد ما استطاعوا لهم من قوة وكراع، وسلاح وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (5). فكيف يكون أمر الله شغلاً أو توكلاً على غيره.
وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين مكة وعلى رأسه المغفرة وظاهر يوم أحد
بين
بدر عين، فإذا أمرنا بعدو يرانا ونراه فكيف بعد ويرانا ولا نراه؟ ويجري منا مجرى الدم، وقد
(1) سورة الأعراف الآية: 27.
(2) سورة طه الآية: 117. سورة القصص الآية: 15.
(3)
(4) سورة الحج الآية: 52. (5) سورة النساء الآية: 71. (2/389)
صفحة 846
قنطرة الشيطان
أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من جميع الشياطين بقوله: {وَقُلُ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرون (1). أي في شيء من أحوالي كلها، والتحرز من الشياطين أولى من التحرز من الكافرين، لأن الشيطان إذا أنكبك بشيء من مكره كنت من [1/ 459] العاصين الخاسرين والكفار إذا انكبوك بشيء من مكرهم / كان ذلك مكفراً لسيئاتك فالصواب أخذ الحذر منه كما أمر رب العالمين هكذا في مختصر كتاب الرعاية وقال بعضهم: التدبير في دفع الشيطان الاستعاذة بالله منه لا غير فإن الشيطان كلب سلطه الله عليك فإن اشتغلت بمحاربته وتعبت وضاع عليك وقتك وربما يظفر بك فيعقرك، فإن الرجوع إلى رب الكلب. ليصرفه عنك أولى. وقال آخرون: الطريق المجاهدة، والقيام عليه بالدفع والردّ والمخالفة. والصواب في ذلك أن يجمع بين الطريقين وهو أن يستعيذ بالله تعالى أولاً من شره كما أمرنا وهو الكافي من شره، ثم إنه إذا نازغنا وغلب علينا علمنا أن ذلك إبتلاء من الله ليرى صد مجاهدتنا وقوتنا في أمر الله تعالى وصبرنا كما أنه يسلط علينا الكفار مع قدرته أن يكفينا أمرهم وشرهم ليكون لنا حظ من الجهاد والصبر والتمحيص والشهادة قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ الله لانتصر مِنْهُمْ (2)) الآية. وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ. . . (3)). الآية، فكذلك الشياطين.
وهذا التسليط تسليط تخلية لا تسليط أمر وقهر كما قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ) (4). وأراد إرسال تخلية أي خلى بينهم وبين الكافرين والله أعلم.
واختلف القائلون بمجاهدة الشيطان في كيفية مجاهدته والتحرز منه. فقالت طائفة. منهم: ينبغي أن يؤخذ الحذر منه في أغلب الأحوال توقياً لخطرة يخطرها. وقال آخرون: يؤخذ الحذر منه عند كل طاعة تعرض مخافة أن يدخل فيها ما يفسدها.
وقال بعض العلماء: مجاهدته في ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعلم الإنسان مكائده وحيله فلا يتخالس (5) على الإنسان حينئذ كاللص إذا
[1/ 460] علم أن صاحب / الدار قد أحسن فَرَّ وهرب.
(1) سورة المؤمنون الآية: 98.
(2) سورة محمد الآية: 4.
(3) سورة محمد الآية: 31. (4) سورة مريم الآية: 83.
(5) في الأصل يتجالس. وهو تصحيف - والسياق يرجح. ما أثبت. (2/390)
صفحة 847
قنطرة الشيطان
الثاني:: أن يستخف دعوته فلا يُعلق قلبه به ويتبعه فإنه بمنزلة الكلب النابح إن أقبلت عليه ولع بك ولح وإن أعرضت عنه سکت.
(1)
والثالث: أن تديم ذكر الله تعالى بلسانك وقلبك.
وقد روي عن رسول الله أنه قال: إن ذكر الله في جنب الشيطان كالأكلة في جنب ابن آدم. فإن قال قائل كيف تعلم مكائده؟ وكيف الطريق إلى معرفة ذلك؟ فاعلم أن له وساوس بمنزلة السهام التي ترميها وذلك إنما يتبين بمعرفة الخواطر وأقسامها، وله أيضاً حيل بمنزلة الشبكات التي تنصبها، وذلك يتبين بمعرفة المكائد وأوضاعها ومجاريها.
فأما أصل الخواطر فاعلم أن الله تعالى وكل بقلب ابن آدم ملكاً يدعوه إلى الخير يقال له الملهم، ولدعوته إلهام وقرن به أيضاً شيطاناً في مقابلة الملك يدعو إلى الشر يقال له: الموسوس ولدعوته وسوسة فالملهم لا يدعو إلا إلى الخير، والموسوس لا يدعو إلا إلى الشر في قول أكثر العلماء.
عظيم
وقد حكي عن بعضهم أن الشيطان ربما يدعو إلى الخير وقصده في ذلك الشر، بأن يدعوه إلى المفضول من الخير ليحرمه درجة الفاضل، ويدعوه إلى الخير ليجره بذلك إلى ذنب لا يوفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره فهذان داعيان قائمان على قلبه يدعوانه وهو يسمع وقلبه يحس! بذلك على ما روي في الأخبار: أنه إذا ولد لابن آدم مولود قرن الله سبحانه ملكاً، وقرن الشيطان به شيطاناً، فالشيطان جائم على أذن قلب ابن آدم اليسرى، والملك جاثم على أذن قلبه / اليمنى فهما يدعوانه. وقد روي عن رسول الله أنه قال: للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة». يعني نزلة بالدعوة من قولهم لم بالمكان وألم به إذا نزل، ثم ركب الله في بنية الإنسان طبيعة مائلة إلى الشهوات ونيل اللذات كيف ما كانت من حسن أو قبيح فتلك هي (2) النفس الصارفة إلى الآفات
فهذه ثلاث دعات.
ثم اعلم بعد هذه المقدمة أن الخواطر هي آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الأفعال والترك وتدعوه إليها وسميت خواطر لأضطرابها مأخوذ من خطرات الريح ونحوها وحدوثها جميعاً في قلب العبد من | الله بالحقيقة لكنها أربعة أقسام:
(1) في الأصل عليه وهو تحريف. وسياق يوضح التحريف.
(2) في الأصل: فذلك هو. وهو تحريف ظاهر أحسبه سهو من الناسخ، والله أعلم.
[461/ب] (2/391)
صفحة 848
392
قنطرة الشيطان
منها ما يحدث الله تعالى في القلب ابتداءً فيقال له: الخاطر فقط. وقسم يحدثه موافقاً لطبع الإنسان فيقال له: الهوى وينسب إليه. وقسم يحدثه عقب دعوة الملهم فينسب إليه فيقال له: إلهام. وقسم يحدثه عقب دعوة الشيطان فينسب إليه ويقال له الوسوسة وتنسب إليه بإنها خواطر من الشيطان، وأنما في الحقيقة حادثة
[1/ 462]
هي
ينسب إليه، فهذه أربعة أقسام من الخواطر.
عن دعوته، فهو كالسبب في ذلك ولكنه
ثم اعلم بعد هذا التقسيم أن الخاطر الذي من قبل الله إبتداء قد يكون بخير إكراماً وإلزاماً للحجة، وقد يكون بشر امتحاناً وتغليظاً للمحنة، والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون إلا بخير إذ هو أنصح مرشد لم يرسل إلا لذلك.
والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلا بشر اغواء واستزلالاً، وربما يكون بالخير مكراً وإستدراجاً، والذي يكون من قبل النفس يكون بالشر وبما لا خير فيه تمنعاً وتعسفاً. ولقد روي عن بعض السلف / أيضاً أن هوى النفس قد يدعو إلى خير والمقصود منه
شرك الشيطان فهذه أنواعها.
ثم بعد هذه إنك محتاج إلى معرفة ثلاثة فصول لا بد لك منها البتة وفيها المقصود: أحدها: الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشر في الجملة. والثاني: الفرق بين خاطر شر ابتدائي أو شيطاني أو هوائي إذا تفرق بينهما فإن لكل واحد منهما دفعاً من نوع آخر.
،
الله تعالى
والثالث: الفرق بين خاطر خير إبتدائي والهامي أو شيطاني ليتبع ما يكون من أو من الملهم ويتجنب ما يكون من الشيطان وكذلك الهوائي على قول من يقول به. أما الفصل الأول: فقد قالت العلماء إذا أردت أن تعلم خاطر الخير من خاطر الشر وفرق بينهما فزنه بأحد الموازين الأربعة بين لك حالة:
فالأول: أن تعرض الأمر الذي خطر ببالك على الشرع: فإن وافق جنسه فهو خير وإن
كان بالضد بشبهة أو رخصة فهو شر. فإن لم يبن لك بهذا الميزان. [الثاني] (1): فاعرضه على الإقتداء فإن كان فعله اقتداء بالصالحين فهو خير، وإن كان
(1) ما بين المعقوفين زيادة تصنيفية لإيضاح مراد المؤلف وتقيسماته للموازين الأربعة في الفصل. (2/392)
صفحة 849
قنطرة الشيطان
بالضد إتباعاً للطالحين فهو شر. فإن لم يستبن لك بهذا الميزان.
393
[الثالث]، و [الرابع): فاعرضه على النفس والهوى: وانظر إن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع لا نفرة خشية وترهيب فاعلم أنه خير وإن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع وجبلة لا ميل رجاء إلى الله تعالى وترغيب فهو شر إذا النفس أمارة بالسوء لا تميل بأصلها إلى خير فبأحد هذه الموازين إذا أمعنت النظر يستبين لك خاطر الخير من خاطر الشر والله تعالى ولى الهداية بفضله إنه جواد كريم. وأما الفصل الثاني: إذا أردت أن تفرق بين خاطر شر يكون من قبل الشيطان وبين خاطر شر يكون من هوى النفس أو من الله تعالى ابتداءً فانظر فيه من: ثلاثة أوجه: أحدها: إن وجدته مصمماً راتباً على حالة واحدة فهو من الله تعالى أو من هوى النفس
وإن وجدته متردداً مضطرباً فاعلم أنه. من الشيطان.
قال وكان بعض العارفين يقول مثل هوى النفس مثل النمر إذا حارب لا ينصرف إلا بمقمع بالغ وقهر ظاهر ومثل الشيطان الذئب إذا اطردته من جانب دخل من جانب. وثانيها: إن وجدته عقب ذنب أحدثته فهو من الله تعالى إهانة وعقوبة لشؤم ذلك الذنب قال الله تعالى: كَلأَ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (2).
(2)
،
والثالث: إن وجدته لا يضعف ولا يقل بذكر الله تعالى ولا يزول فهو من الهوى، فإن وجدته يضعف ويقل بذكر الله تعالى فهو من الشيطان كما ذكر في تفسير قوله تعالى: {مِنْ شَرَّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (3). إنه الشيطان جائم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله تعالى خنس وإذا غفل
وسوس
(4)
وأما الفصل الثالث: وإذا أردت أن تفرق بين خاطر خير يكون من الله تعالى أو من الملك فانظر في ذلك من ثلاثة أوجه:
(1)
ما بين المعقوفين زيادة تصنيفية لإيضاح مراد المؤلف وتقيسماته للموازين الأربعة في الفصل.
(2) سورة المطففين الآية: 14.
(3) سورة الناس الآية: 4.
في
أثناء حديث: إن
(4) حديث: وإذا ذكر الله خنس - رواه - ابن أبي الدنيا وابن عدى من حديث أنس الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ... الحديث قاله العراقي في المغني (42/ 3).
[463/ب] (2/393)
صفحة 850
394
[465/ب]
قنطرة الشيطان
[الأول] (1): فإن كان قوياً مصمماً فهو من الله تعالى وإن كان متردداً فهو من الملك إذ هو بمنزلة الناصح يدخل معك في كل وجه ويعرض عليك كل نصح رجاء إجابتك ورغبتك في
الخير.
(3)
والثاني: إن كان ذلك عقب إجتهاد منك وطاعة فهو من الله تعالى قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (2). وقال: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدَى (3). وإن كان مبتدأ فهو من ال الملك في الأغلب.
والثالث: إن كان من الأعمال الباطنة فهو من الله تعالى وإن كان من الفروع والأعمال الظاهرة فهو من الملك في الأكثر إذ الملك لا سبيل له إلى معرفة باطن العبد في قول أكثرهم.
وأما خاطر الخير الذي يكون من قِبَل الشيطان إستدراجاً إلى شر يزيد على ذلك الخير، فلقد
مع
قال بعض العلماء: انظر إن وجدت نفسك في ذلك الفعل الذي خطر بقلبك. نشاط لا ومع عجلة لا مع تأن، ومع أمن لا مع خوف، ومع عمى العاقبة لا مع بصيرة، فاعلم
خشية،
أنه
من
خشية لا.
الشيطان فاجتنبه. وإن وجدت نفسك على ضد ذلك عجلة، ومع خوف لا مع أمن، ومع بصيرة وعلم بالعاقبة لا
من الله تعالى أو من الملك.
تأن لا مع نشاط، ومع وجهالة، فاعلم أنه
عمي
قال الغزالي: قلت: أنا وكان / النشاط خفة في الإنسان للفعل من غير بصيرة وذكر ثواب لينشطه فلا خير فيه وإن كان بضد ذلك فهو خير وأما الثاني فمحمود إلا في مواضع معدودة ذكر في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العجلة من الشيطان إلا في خمسة تزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب وتجهيز الميت إذا مات واقراء الضيف إذا نزل والتوبة من الذنب إذا
أذنب (1).
وأما الخوف فيحتمل أن يكون في إتمامه وآدائه على وجهه وحقه وقبول الله تعالى إياه. وأما بصارة العاقبة أن يبصر ويتيقن أنه رشد وخير، ويحتمل أن يكون لرؤية الثواب في العقبى ورجائه فاعلم ذلك موقناً.
(1) ما بين المعقوفين زيادته توضيحيه.
(2) سورة العنكبوت الآية: 69. (3) سورة محمد الآية: 17.
(4) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن الكبرى (104/ 1)، (104/ 10)، الزبيدي في الإتحاف (251/ 5، 252)، المنذري في الترغيب والترهيب، (437/ 1)، العجلوني في كثف الخفا (762/ 2). (2/394)
صفحة 851
قنطرة الشيطان
395
فهذه الفصول الثلاثة التي لزمتك معرفتها في فصل الخواطر فارعها وامعن النظر فيها ما استطعت فإنها من العلوم اللطيفة والأسرار الشريفة في هذا الباب والله الموفق للصواب بفضله. أما فصل الحيل والمخادعة من الشيطان: فمجرى ذلك ومثاله أن مكائد الشيطان مع ابن آدم في الطاعة. من سبعة أوجه:
الله عصمه
متي
ورده
أحَدُهَا: أن ينهاه عنها فإن عصمه الله ورده بأن يقال أني محتاج إلى ذلك جداً، أنه لا بد لي من التزويد من هذه الدنيا الفانية إلى الآخرة التي لا إنقضاء لها، ثم يأمره بالتسويف، فإن بأن يقول: أجلي ليس بيدي وعلي أني إن سوفت عمل اليوم إلى غد فعمل غد أعمله، فإن لكل يوم. عملاً، ثم يأمره ره بالعجلة فيقول له عجل عجل لتفرغ لكذا وكذا، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول له: قليل العمل مع التمام خير من كثير النقصان. ثم يأمره بإتمام العمل مراءة للناس، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول: / ما أصنع بمراءة الناس أفلا [، يكفيني رؤية الله تعالى. ثم يريد أن يوقعه في العجب، فيقول: ما أعملك وما أيقظك، فإن عصمه الله ورده بإن يقول المنة الله تعالى في ذلك دوني وهو الذي خصني بتوفيقه وجعل لعملي قيمة بفضله ولو فضله فماذا كان قيمة هذا العمل في جنب نعمة الله تعالى علي وجنب معصيتي له. ثم يأتيه من وجه سادس وهو أعظمها ولا يقف عليه إلا متيقظ وهو أن يقول: اجتهد أنت في السر فإن الله تعالى سيظهره عليك ويلبس كل عامل رداء عمله، وأراد بذلك ضرباً من الرياء، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول: يا ملعون إلى الآن كنت تأتيني من وجه إفساد عملي، والآن تأتيني من وجه إخلاصه لتفسده عليّ، إنما أنا عبد ا الله تعالى وهو سيدي إن شاء أظهر، وإن شاء أخفى وإن شاء جعلني خطيراً، وإن شاء جعلني حقيراً، وذلك إليه ولا أبالي أظهر ذلك للناس أو أخفاه عنهم فليس بأيديهم شيء. ثم يأتيه من وجه سابع ويقول لا حاجة لك إلى هذا العمل لأنك إن خلقت سعيداً لم يضرك العمل، وإن كنت شقياً لم ينفعك عملك، فإن عصمه الله تعالى. ورده بأن يقول: إنما أنا عبد وعلى العبد امتثال الأمر لعبوديته، والرب أعلم بربوبيته يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، ولأنه ينفعني العمل كيف ما كنت لأني إذا كنت سعيداً احتجت إلى العمل زيادة للثواب، وإن كنت شقياً فأنا محتاج إليه كي لا ألوم نفسي على أن الله تعالى لا يعاقبني على الطاعة بكل حال ولا يضرني وعلى أني إن دخلت النار وأنا مطيع أحبّ إلي من أن أدخلها وأنا عاص، فكيف ووعده وقوله صدق وقد وعد على الطاعة بالثواب فمن لقي الله تعالى على الإيمان والطاعة / لن يدخل النار البتة ودخل الجنة لأنه [1/ 467] يستحقها بعمله ولكن لوعد الله الصادق ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن السعداء إذا قالوا: (2/395)
صفحة 852
396
قنطرة الشيطان
الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) (1). فعلى العبد أن يحترز من الشيطان والهوى كل الاحتراز، وأن يستعين على مجاهدته ورد خطراته بذكر الله تعالى بالقلب واللسان، ويكثر الاشتغال بالطاعة والقربان وكثرة الذكر والاستغفار وتلاوة القرآن ولا تضره الوسوسة بالمعصية ما
يوجب
لم يعزم عليها، وكذلك الغفلة عن الشيطان في أكثر الأوقات ما لم يترك فرضاً أو يرتكب محرماً بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، ألا ترى أن من اهتم بشيء ثم رقد أن اهتمامه انتباهه لأجله، وإذا كان الاهتمام موجبا انتباه النائم فإيجابه لتذكر الغافل أولى، فليأخذ العبد حذراً من شياطين الأنس والجن أجمعين وليستعين بالله على ذلك فهو نعم المستعان ونعم
المعين.
فتيقظ: يا أخي رحمك الله فإن الأمر كما ترى وتسمع، وقس على ما ذكرنا سائر الأفعال والأحوال، وأستعن بالله وأستعذ به فإن الأمر بيده ومنه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
تم الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث وأوله القنطرة الحادية عشرة قنطرة النفس
(1) سورة الزمر الآية: 74. (2/396)
صفحة 853
فهرس المحتويات
قنطرة الزكاة
الباب الأول: في فضل الزكاة ووعيدها الباب الثاني: في أنواع الزكاة وأسباب الوجوب
النوع الأول: زكاة النعم
النوع الثاني: زكاة المعشرات
النوع الثالث: زكاة النقدين النوع الرابع: زكاة التجارة
النوع الخامس: في الركاز والمعادن
النوع السادس: في صدقة الفطر
الباب الثالث: في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة الباب الرابع: في القابض وأسباب استحقاقه ووظائف قبضه الباب الخامس: في صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها الفصل الأول: في فضيلة الصدقة. الأخبار والآثار
من
الفصل الثاني: في بيان إخفاء أخذ الصدقة وإظهارها الفصل الثالث: في بيان الأفضل من أخذ الزكاة أو الصدقة قنطرة الحج
الباب الأول: ينحصر في خمسة فصول
الفصل الأول: في فضائل الحج
الفصل الثاني: في فضيلة البيت ومكة
الفصل الثالث: في فضيلة المقام بمكة حرسها الله وكراهيته
الفصل الرابع: في فضل المدينة الفصل الخامس: في شرائط وجوب الحج وصحته وأركانه وواجباته ومحظوراته
الباب الثاني: في ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع
الجملة الأولى: في السنن من أول الخروج إلى الإحرام الجملة الثانية: في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة الجملة الثالثة: في آداب دخول مكة إلى الطواف (2/397)
صفحة 854
398
فهرس المحتويات
الجملة الرابعة: في الطواف الجملة الخامسة: في زمزم والسعي
الجملة السادسة: في الإحرام بالحج والخروج إلى منى
الجملة السابعة: في الدفع من عرفات والوقوف بالمشعر الحرام ورمي.
الجملة الثامنة: في بقية أعمال الحج
الجملة التاسعة: في طواف الوداع
الجملة العاشرة: في زيارة مسجد المدينة وقبر النبي عليه السلام
فصل في سنن الرجوع من السفر
الباب الثالث: في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة
الجملة الأولى: في بيان دقائق الآداب
حجرة العقبة
الجملة الثانية: في بيان الأعمال الباطنة ووجه الإخلاص في النية وطريق الاعتبار بالمشاهد
الشريفة
قنطرة الجهاد
ذكر فضل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الباب الأول: في فضيلة الجهاد والرباط
الباب الثاني: في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضلهما والمذمة في إهمالهما
وإضاعتهما
فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الباب الثالث: في أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
شروطها وهي أربعة أركان المحتسب والمحتسب عليها والمحتسب فيها ونفس الاحتساب
الركن الأول: المحتسب الركن الثاني: فيما فيه الاحتساب
الركن الثالث: المحتسب عليه الركن الرابع: في نفس الاحتساب
الباب الرابع: في المنكرات المألوفة في العادات
الباب الخامس: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر
قنطرة التوبة
الباب الأول: في فضل التوبة ووجوبها الباب الثاني: فيما عنه التوبة وهي الذنوب كلها فصل أن الذنوب على وجهين (2/398)
صفحة 855
فهرس المحتويات
أحدهما ذنوب بين العبد وبين الله الثاني ما يتعلق به حق العباد
فصل أن الذنوب تنقسم إلى قسمين صغائر وكبائر
الباب الثالث: في شروط التوبة التي لا تقبل إلا بها الباب الرابع: في بيان أقسام التائبين في دوام التوبة الناس في التوبة على أربع طبقات الطبقة الأولى: أن يتوب كما قدمنا ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره
الطبقة الثانية: أن يتوب ويسلك سبيل الاستقامة في أمهات الطاعات
الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة الطبقة الرابعة: أن يتوب ويمض على الاستقامة
الباب الخامس: في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقد الإصرار
قنطرة الدنيا
الباب الأول: في ذم الدنيا
الباب الثاني: في مدح الدنيا
الباب الثالث:
في
أمثلة الدنيا
الباب الرابع: في حقيقة الدنيا وتفصيل جملة معانيها
الباب الخامس: في ترك الدنيا والزهد فيها
فصل في الزهد
فصل أن الزهد في الدنيا يفيد الإنسان أمرين كثرة العبادة - شرف العمل وعظم قدره به.
الباب الأول: في الدين
قنطرة الخلق
الفصل الأول: في الولاية والمحبة لهم والعداوة والبغض لمن خالفهم
الفصل الثاني: في السلام
الفصل الثالث:
الاستئذان في
الفصل الرابع: في زيارة الإخوان
الفصل الخامس: في عيادة المرضى
الفصل السادس: في جملة من حقوق المسلم
الباب الثاني: في حق النسب
الفصل الأول: في حقوق الآباء والأمهات وما ينافيها من العقوق والآفات
الفصل الثاني: في حقوق الأولاد (2/399)
صفحة 856
{ ..
الفصل الثالث: في حقوق المناسبين للإنسان الباب الثالث: في المصاهرة
الفصل الأول: في الوجوه المطلوبة بعقد النكاح الفصل الثاني: في حقوق الزوجة
الفصل الثالث: في حقوق الزوج الباب الرابع: في حق الجوار مسألة في حق الجار
الباب الخامس: في حق ملك اليمين
فصل في حق السيد على عبده
الباب السادس: في الإخاء فصل في حق الأخوة والصحبة
الباب السابع: في حق المروءة والبر وإسداء المعروف والخير
الفصل الأول: في واجب المروءة والبر
الفصل الثاني: في إسداء المعروف وحق الضيف وابن السبيل وإغاثة الملهوف
الباب الثامن: في الإفضال الواجب في الأموال
فصل في حقوق اليتامى واجبة على كافة المسلمين فصل في السائلون فقد أوجب الله حقهم فصل في التحذير عن مخالطة الناس والحث على العزلة قنطرة الشيطان
فصل أن الشيطان منصوب لمحاربتك مستعداً لعداوتك
فصل في مجاهدة الشيطان
مجاهدته في ثلاثة أشياء
أحدها: أن يعلم الإنسان مكائده وحيله فلا يتخالس الثاني: أن يستخف دعوته فلا يعلق قلبه به الثالث: أن تديم ذكر الله تعالى بلسانك وقلبك
فهرس المحتويات (2/400)
صفحة 857
قناطر الخيرات
تأليف
الإمام الفقيه أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي
من علماء النصف الأول من القرن الثامن
تحقيق
سيد كسروي حسن
خلاف محمود عبد السميع
المجلد الثالث
منشورات محمد علي بيضون
لنشر كتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان (3/1)
صفحة 858
ISBN 2 - 7451 - 2289 - 4
90000
جميع الحقوق محفوظة
Copyright ©
All rights reserved Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Libc. Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, ;ans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
1422 هـ ـ 2001 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري بناية ملكارت هاتف وفاكس: 1364398 - 366135 - 378542 1 961) صندوق بريد: 119421 بيروت لبنان
41782745122896
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com
baydoun @al-Ilmiyah.com
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St, Mellart Bldg, Ist Floor Tel. & Fax:00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 POBox: 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Mellart, lére Etage Tel. & Fax:00 (611) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P.: 11 - 9424 Beyrouth - Liban (3/2)
صفحة 859
ين
الله الرحمن الرحيم
/ القنطرة الحادية عشر
قنطرة النفس
وبالله التوفيق، قال الله سبحانه حكاية عن يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّاءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَة بالسُّوءِ إلا ما رحم ربي (1) الآية. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعدى عدوك: نفسك التي بين جنبيك، ثم أهلك، ثم عيالك (2).
الشعراء
وروي أن أعرابية دعت لرجل فقالت: كبت (3) الله كل عدو لك إلا نفسك، فأخذه بعض
اء فقال:
قلبي إلى ما ضرني داعي يكثر أسقامي وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي فإذا كانت النفس أضر أعداء الإنسان وبلاؤها عليه أشد بلاء يجري به الزمان، فحقيق على الإنسان أن يشتغل بمعالجتها وقمعها عن الانهماك في شهواتها، وأن يسيء الظن بها في جميع حالاتها؛ لأن جنس الظن / بها ذريعة إلى تحكيمها وتحكيمُها داع إلى سلاطتها، [3]
وفساد الأخلاق بها.
نفسه.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: العاجز من عجز عن سياسة
(1) سورة يوسف الآية: 53.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه البيهقي في الزهد من حديث ابن عباس وفيه محمد بن
عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين.
(3) في الأصل كتب وأحسبه تصحيف لسهو الناسخ.
[2] (3/3)
صفحة 860
4
قنطرة النفس
وقال بعض الحكماء من ساس نفسه سادَ. ناسه وقال النبي عليه السلام: «الشديد من
غلب نفسه (1)
وعن عون بن عبد الله أنه قال: إذا عصتك نفسك فيما كرهت، فلا تطعها فيما أحببت، ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك، فيلزم الإنسان أن يشتغل بعلاج نفسه؛ لأن داءها أعضل الداء، ودواؤها أشكل الدواء، وإنما ذلك لأمرين:
أحدهما: أنه عدو من داخل واللص إذا كان من داخل صعبت الحيلة فيه، وعظم الضرر منه. وقد قال النيسابوري:
ما حيلة الريح إذا من داخل هبت وفلك أوتيت من ساحل والثاني:: أنه عدو، محبوب والإنسان أعمى من عيب محبوبه لا يكاد يبصره، وقد قال النبي عليه السلام: حبك الشيء يُعمي ويصم). كما قال الشاعر:
(2)
برحمته،
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فإذا يستحسن الإنسان من نفسه كل قبيح، ولا يكاد يطلع لها على عيب يدنسها، فإذا كان كذلك، فما أوشك أن توقعه في فضيحة وهلاك وهو لا يشعر إلا إن عصمه الله. وإنما كانت أشد الأعداء؛ لأنها لا يمكن التجرد عنها، ولا أن يقهرها بمرة فيشتغل بغيرها لأنها مطيته التي يقطع بها مسافة العمر، ولا مطمع له في الموافقة على الطاعة والخير؛ لأنها مجبولة على اتباع الشهوة التي هي معدة كل شيء. فحياة الإنسان مقرونة بحياتها، وموته متعلقة بموتها، كما قال القائل:
ولقد هممت بقتلها من أجلها كيما تكون خصيمتي في المحشر ثم ارتجعت فقلت روحي روحها فإذا هممت بقتلها لم أقدر
فلما كان حال النفس هكذا كان الإنسان محتاجاً إلى أن يلجمها بلجام التقوى، / لتبقى له فلا تنقطع، وتنقاد فلا تطغى وتمرح، فيستعملها في المصالح والمراشد، ويجنبها طرق المهالك والمفاسد؛ لأن هذه النفس دابة جموح ومطية صعبة، إن أسرفت عليها في التأديب
(1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (5/ 8). (2) أطرافه عند أبي داود في السنن (5130)، أحمد في المسند (194/ 5)، (450/ 6) التبريزي في مشكاة المصابيح (4908)، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (117/ 3) وقال العراقي في المغني (31/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف.
[4] (3/4)
صفحة 861
قنطرة النفس
أهلكتها وأهلكت نفسك وإن أهملتها أضرت بك وصرعتك، فتحتاج إلى طريقة بين طريقتين: تربية وتغذية بقدر ما تحتمل من فعل خير وترك شر، فأنت من أمرها في علاج شديد ونظر
لطيف.
فإن قيل: فما الحيلة في تذليل هذه الدابة حتى تنقاد بلجام التقوى؟ فاعلم أن العلماء قالوا: إنما تذلل النفس ويكسر هواها بثلاثة أشياء:
إحداها: منع الشهوات بالصوم وغيره فإن الدَّابة الحرون، تلين إذا نقص من علفها ولذلك قال عليه السلام معاشر الشباب من استطاع منكم الباء فليتزوج ومن لم يستطع فليصم؛ فإن الصوم له وجاء» (1). . يعني خصاء والمعنى في ذلك أن الصوم يضعف النفس
ويكسر شهواتها.
والثاني: حمل أثقال العبادة فإن الحمار إذا زيد في حمله مع نقصان علفه تذلل وإنقاد. الثالث: الاستعانة بالله والتضرع إليه أن يعينك وإلا فلا مخلص لك من شرها. أما تسمع قول الصديق عليه السلام: {وَمَا أُبَراءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُ، بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ فإذا واظبت على هذه الأمور الثلاثة انقادت لك النفس الجموح، بإذن الله تعالى فحينئذ
تبادر أن تلجمها وتملك أمرها وتأمن من شرها.
(4)
فإن قيل: فبين الان ما هي التقوى، حتى نعلمها (4)؟ فاعلم أن العلماء قالوا: التقوى تبرئة القلب عن ذنب لم يسبق عندك مثله، حتى تجعل للعبد) من قوة العزم على تركها وقاية بينه وبين المعاصي؛ وذلك لأن أصل لفظة التقوى في اللغة هو الوقاء بالواو، وهو مصدر وقى يقي وقاية ووقوا فأبدلت الواو ياء كما في الوكلان والتكلان ونحوها فقالوا: تقوى فإذاً لما حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي / من قوة عزمه على تركها وتوطين قلبه على ذلك [0] فيوصف (1) بأنه متق ويقال لذلك: التنزيه والعزم والتوطين تقوى.
(6)
(1) قال الحافظ العراقي في معنى هذا الحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فليصم فإن الصوم له وجاء».
(2)
سورة يوسف الآية: 53.
(3) في الأصل: هو.
(4) في الأصل: تعلمه. (5) في الأصل: العبد.
(6)
جاء بعدها في الأصل حرف (ح) ووضع فوقه علامة (ص) أي هكذا بالأصل المنقول عنه فحذفتها من
السياق وأثبتها هنا بالهامش. (3/5)
صفحة 862
قنطرة النفس
والتقوى: أصل جامع لخير الدنيا والآخرة وهي وصية الله الذي هو أرحم الراحمين وأنصح الناصحين لعبادة الأولين والآخرين قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله) (1).
هي
ولو كانت في العلم خصلة. هذه الخصلة التي هي التقوى لكان الله سبحانه أمر عباده بها وأوصى خواصه بذلك
أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم في الأجر وأعظم في
القدر من
(2)
لكمال حكمته ورحمته وكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فجعلت تحت هذه الخصلة الواحدة
التي هي التقوى.
أضاف إليها من.
،
وتأمل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير وكم وعد عليها من ثواب، وكم سعادة يطول ذكر ذلك، ويكفي فيه قول الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهُ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى في الدُّنْيَا وَفِي الحياة الآخرة (3) الآية. ثم الذي يخص هذا الشأن من أمر العبادة ثلاثة أصول:
أحدها: التوفيق والتأييد.
أولاً: وهو التوفيق كما قال الله تعالى: {إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقوا (4) الآية.
الثاني: إصلاح العمل وتمام التقصير وهو للمتقين كما قال الله تعالى: {اتَّقُوا الله وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (5) الآية.
والثالث: قبول العمل وهو للمتقين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَقَينَ (6). ومدار العبادة على هذه الأمور الثلاثة: التوفيق أولاً حتى يعمل، ثم الإصلاح للتقصير حتى يتم، ثم القبول إذا تم وهذه الثلاثة من أجلها يتفرغ العابدون إلى الله تعالى. ويسألون ويقولون: ربنا، وفقنا لطاعتك، وأتمم تقصيرنا وتقبل منا وقد وعد الله ذلك للمتقين سألوا [6] أو لم يسألوا إلى سائر ما وعد لهم من أصناف الخيرات / وأنا أذكر بعضها لتستدل بها على
جملتها منها.
(1) سورة النساء الآية: 131.
(2) جاء بعدها لفظ: بها» وهو زائد على السياق فحذفته.
(3) سورة يونس الآيات: 62، 63، 64.
(4) سورة النحل الآية: 128.
(5) سورة الأحزاب الآيتان: 70، 71.
(6) سورة المائدة الآية: 27. (3/6)
صفحة 863
قنطرة النفس
Y
المدحة والثناء: قال الله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (1) الآية. ومنها: الحفظ والحراسة من الأعداء. قال الله تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ
كَيْدُهم شَيْئًا (2).
ومنها: النجاة من الشدائد والرزق من الحلال: قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهُ يَجْعَل لَّهُ مُخْرِجَاً، وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (3).
ومنها: المغفرة: قال الله تعالى: {وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ
(4)
ذُنُوبَكُمْ (1) الآية.
ومنها: محبة الله تعالى: قال الله تعالى: {وَإِنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ}))
ومنها: الإكرام والإعزاز: قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (1) {وَالله وَلِيُّ المتقين (7) ومنها: البشارة عند الموت: قال الله تعالى: {الَّذِينَ ءامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البشرى في الْحَياةِ الدنيا وفي الآخِرَة (8).
ومنها: النجاة من النار: قال الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا (9). ومنها: الخلود في الجنة: قال الله تعالى: {أُكُلُهَا دَائمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا (10). وبالجملة إن كل خير وسعادة في الدارين تحت هذه التقوى رزقنا الله منها أوفر حظ ونصيب.
فصل: في ذم النفس والجامها بلجام التقوى
قال الله سبحانه: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللّوامَةِ) (11). قال بعض السلف: النفس
(1) سورة آل عمران الآية: 186. (2) سورة آل عمران الآية: 120. (3) سورة الطلاق الآيتان: 2، 3. (4) سورة الأحزاب الآيتان: 70، 71. (5) سورة التوبة الآية: 4.
(6) سورة الجحرات الآية: 13.
(7) سورة الجاثية الآية: 19. (8) سورة يونس الآيتان: 63، 64. (9) سورة مريم الآية: 72. (10) سورة الرعد الآية: 35. (11) سورة القيامة الآية: 2. (3/7)
صفحة 864
قنطرة النفس
الأمارة بالسوء هي الداعية إلى الهلاك المعينة للأعداء المتبعة للهوى، المتمتعة بأنواع
الأسواء.
وقيل لبعض العلماء: متى يصير داء النفس دواؤها؟ فقال: إذا خالفت هواها. وقال بعض العلماء: النعمة العظمى الخروج من النفس؛ لأن النفس أعظم حجاب بينك
وبين الله.
وتأمل أصلحك الله نكثة واحدة في النفس تقنعك، وهي أنك إذا نظرت وجدت أصل كل قبيحة، وخزي وفضيحة وهلاك وفتنة وقعت في الخلق من أول الدنيا إلى آخرها إنما جاء من قبل هذه النفس. إما بها وحدها أو بمعونتها ومشاركتها ومساعدتها، فأول المعصية الله، إنما كانت من إبليس اللعين وكان سببه بعد القضاء السابق هو النفس بكبرها وحسدها [7] ألقته بعد عبادة ستة آلاف سنة وقيل: ثمانين ألف / سنة فيما ذكر في الكتاب، فألقته في بحر الضلال أبد الآبدين إذ لم تكن هناك دنيا ولا شيطان؛ بل كانت النفس بكبرها وحسدها فعملت ما عملت ثم ذنب آدم وحواء عليهما السلام طرحتهما شهوة النفس في ذلك، وحرصها على البقاء والحياة حتى اغتر بقول إبليس، فكان ذلك بعون النفس وشركتها حتى خرجت من جوار الله تعالى وقرار الفردوس إلى هذه الدنيا الحقيرة النكدة الفانية المهلكة، ولقي أولاده ما لقوا من ذلك اليوم إلى الآخرة
ثم حديث قابيل وهابيل كان سببه الحسد والشح، ثم هلم جرّه إلى يوم القيامة، فلا نجد في الخلق فتنة، ولا فضيحة ولا ضلالاً ولا معصية إلا وأصلها النفس وهواها، وإلا كان الخلق في سلامة وخير.
فصل: في التقوى
وقد تقدم معناها وإلجام النفس بلجام التقوى ولكن نشير إلى طرف من فضلها ومدحه المتصف بها وفي الحديث جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أوصيني. قال: «عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله فإنه نور
لك (1).
،
(1) أطراف الحديث عند الطبراني في الصغير (66/ 2)، السيوطي في الدر المنثور (99/ 6)، المتقي في الكنز (43437)، الهيثمي في مجمع الزوائد (215/ 4)، (301/ 10). (3/8)
صفحة 865
قنطرة النفس
(1) ,
وعن بعضهم قال: سمعت ابن عطاء يقول: للتقوى ظاهر وباطن، فظاهرها (1) محافظة
الحدود، وباطنها (2) النية والإخلاص.
وعن
تتادة قال: مكتوب في التوراة يا ابن آدم اتق الله ونم حيث شئت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا، ولا يعجبه إلا ذو تقى. وتأمل نكثة واحدة في فضل التقوى وهي: هب أنك جاهدت في العبادة طول عمرك، حتى حصل لك ما تمنيت أليس الشأن كله في القبول؟ وقد قال الله تعالى: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله مِن الْمُتَّقِينَ (3). فرجع الأمر كله إلى التقوى فعليك يا أخي بهذه التقوى إن أردت عبادة الله، بل أردت سعادة الدنيا وكرامة الآخرة. ولقد صدق القائل:
من اتق
الله فذاك الذي سيق إليه المتجر الرابح
/ آخر:
ا يصنع العب
ــة الله فذاك الشقـ
الغني
والعز كل العز للمتق
ن عرف الله فلم تغنه معرفة
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي
الأتقياء. وينشد: ما بال من أوله نطفة وجيفة آخـ لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهـ
المحشر
الآخرة
فإن قيل: فقد عظمت التقوى غاية الإعظام حتى عظم، موقعها، ومست الحاجة إلى علمها والعمل بها، فبين لنا تفصيلها؟
فاعلم أنها لعمر الله أمر عظيم وخبر جسيم، ولكنك تعلم أن كل خطير وكبير يحتاج في اجتلابه إلى طلب كثير وتعب كثير، وجهد شديد وهمة عالية ونفس عن دناءة الأخلاق آبية؛ لأن من طلب عظيماً خاطر بعظيمة، وإن المكارم على حسب احتمال المكاره، والله در
القائل:
(1) في الأصل: فظاهره. في الأصل: وباطنه.
(2)
(3)
سورة المائدة الآية: 27.
[8]
3 (3/9)
صفحة 866
10
قنطرة النفس
لا تحسب المجد تمر أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر لا يدرك العلم بطال ولا كسل ولا ملول ولا يلقاه من نظر وليس يدركه إلا فت يقظ قد كابد الجد والدوب والسهر
ي
اعلم أن التقوى في اللغة قد تقدم معناها، وأما في القرآن فإنها تنطلق على ثلاثة أشياء: إحداها: معنى الخشية والهيبة، قال الله تعالى: {وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ (1). {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى الله) (2).
(2)
والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تقاته (3) الآية. عن ابن عباس: أطيعوا الله حق طاعته. قال مجاهد: هو أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، وأن يشكر ولا يكفر.
والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى؛ لأن محل التقوى القلب، قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (4). قال بعض العلماء: يستدل على [9] تقوى / الرجل بثلاثة بحسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضى فيما قد نال، وحسن على ما فات. قال الله تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهُ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (0)
(6)
الصبر
ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فتبين أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق منك مثله. ثم قال العلماء: منازل التقوى ثلاثة: تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدعة، وتقوى عن المعاصي الفرعية.
قالوا: وقد أشار القرآن إلى هذه المنازل الثلاث. قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقُوا وآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وَآمَنُوا ثُمَّ
اتقوا وأَحْسَنُوا) ().
(1) سورة البقرة الآية: 41.
(2) سورة البقرة الآية: 281. (3) سورة آل عمران الآية: 102.
(4) سورة الحج الآية: 32. سورة النور الآية: 52.
(0)
(6)
في الأصل: قالت. (7) سورة المائدة الآية: 93. (3/10)
صفحة 867
[1]
11
قنطرة النفس
التقوى الأولى: عن الشرك، فالإيمان في مقابلة التوحيد.
:
والتقوى الثانية عن البدعة والإيمان الذي ذكر معها إقرار لمخالفتها. والتقوى الثالثة: عن المعاصي الفرعية ولا إقرار في هذه المنزلة، فقابلها الإحسان وهو الطاعة فالآية جمعت المنازل الثلاثة.
وقد ورد في الحديث أيضاً: أن التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وذلك قوله عليه السلام: إنما سمى المتقون متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة ما فيه البأس». فالتقوى على هذا المعنى هو اجتناب كل ما تخاف منه ضرراً في دينك وذلك قسمان: ومحض الحرام والمعصية، وفضول الحلال؛ لأن الانهماك في الحلال يفضي بصاحبه إلى العصيان، وذلك لشَرَةِ النفس وطغيان الهوى، فمن أراد أن يأمن في دينه الضرر اجتنب كل ما فيه الخطر، وامتنع من فضول الحلال حذراً إن يجره إلى محض الحرام على ما قاله عليه السلام: «التركهم ما لا بأس به حذراً عما به البأس، يعني لتركهم فضول الحلال حذراً من الوقوع في الحرام، فالتقوى الجامعة البالغة اجتناب / كل ما فيه ضرر لأمر الدين وهو المعصية والفضول. وأما حد التقوى على موضع الشرع فهو: تبرئة القلب عن شر لم يسبق منك مثله بقوة
العزم على تركه حتى يصير ذلك وقاية بين الإنسان وبين كل شر. ثم الشرور ضربان: شر أصلي: وهي المعاصي المحضة. وشر غير أصلي وهو ما نهي عنه تأديباً، وذلك فضول الحلال كالمباحات المأخوذة
بالشهوات.
فالأولى: تقوى فرض يلزم بتركها عذاب النار. والثانية: تقوى خير وأدب يلزم بتركها الحساب والتوبيخ فمن أتى بالأونى فهو في الطاعة. الدرجة الأولى من التقوى، وهي منزلة مستقيمي | ومن أتى بالأخرى فهو في الدرجة الأعلى من التقوى، وذلك منزلة مستقيمي المباح، جمع العبد بينهما على اجتناب كل معصية وفضول فقد استكمل معنى التقوى، وقام بحقها، وذلك هو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين، فهذا معنى التقوى وبيانها في الجملة وبالله التوفيق.
وإذا
فصل: في كيفية إلجام هذه النفس التي عنينا بها
اعلم أن إلجام النفس بلجام التقوى هو أن تقوم عليها بقوة العزم، فتمنعها عن كل معصية (3/11)
صفحة 868
12
قنطرة النفس
وتصونها عن كل فضول، فإذا فعلت ذلك كنت قد اتقيت الله تعالى في عينك، وأذنك، ولسانك، وقلبك، وبطنك، وفرجك وجميع أركانك وألجمتها بلجام التقوى، وشرح ذلك يطول، ولكنا نشير إلى ما لا بد منه. فنقول: من أراد أن يتقي الله عز وجل، فليراع جوارحه التي هي نعمة من الله تعالى بها عليه وأمانة ائتمنه عليها، ولا يعصيه بها؛ لأن الاستعانة بنعمة الله على معاصية غاية الكفران وخيانته في أمانة أودعها عنده غاية الطغيان، [11] فأعضاء العبد رعاياه فلينظر كيف يرعاها وفي الحديث: كلكم راع وكلكم مسؤول / عن
رعيته (1).
وجوارح الإنسان تشهد عليه يوم القيامة على رؤوس الخلائق، قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِم وأَرْجُلُهُم (3). وقال: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ) (3).
(r),
جاء في التفسير أن الجلود هاهنا الفروج فاحفظ يا أخي - أصلحك الله ـ جوارحك وخصوصاً أعضاؤك الثمانية فإنهن الأصول وهن القلب واللسان والعين، والأذن، والبطن، والفرج، واليدان والرجلان.
:
فتحترس عليها بالصيانة لها عن كل ما تخاف منه ضرراً في أمر الدين من معصية وحرام وفضول وإسراف في حلال، ولا سيما منهن خمس وهي: القلب، واللسان، والعين، والأذن، والبطن، فإنه إذا حصل الإنسان صيانة هذه الأعضاء، فمرجو أن يكفي سائر جوارحه فينحصر ذلك حينئذ في مقدمة، وخمسة أبواب.
فصل: في بيان المقدمة في ذكر الهوى
قال الله سبحانه: (أَفَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه (4) الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم قرأ: (أَفَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ. وعن علي بن أبي طالب أنه قال: أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى، وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن
الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث ابن عمر.
(2) سورة النور الآية: 24.
(3)
سورة فصلت الآية: 22.
(4) سورة الجاثية الآية: 23. (3/12)
صفحة 869
[12]
قنطرة النفس
13
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: أقرعوا هذه النفس عن شهواتها؛ فإنها طلاعة تنزع إلى شر، غاية أن هذا الحق ثقيل مريء وأن الباطل خفيف وبيء.
وترك الخطيئة خير من معاندة التوبة، وربما نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت
حزناً طويلاً.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: «طاعة الشهوة داء وعصيانها دواء». وعن عكرمة في قوله تعالى: {وَلَكِنَّكُم فتنتُم أَنفُسَكُمْ / بالشهوات وَتَرَبَّصْتُمْ يعني. بالتوبة. {وَارْتَبْتُم يعني في أمر الله تعالى {وَغَرَّتكُمْ الأَمَانِيُّ). بالتسويف. حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله. يعني الموت. {وَغَرَّكُم بالله الْغَرُورُ (1). . يعني الشيطان. وعن الشعبي أنه قال: إنما سمي الهوى هوا؛ لأنه يهوي بصاحبه. ويُنشد لهشام بن عبد
الملك:
(1) ,
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى كل ما فيه عليك مقال وقال بعض الأعراب: الهوى هوان ولكن قلب اسمه، فنظمه بعض الشعراء فقال: إن الهوى هو الهوان قلب اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا وفي منثور الحكم من أطاع هواه فقد أعطى عدوه مناه. وقال بعض الحكماء: العقل صديق مقطوع، والهوى عدو متبوع. وقال بعض البلغاء: أفضل الناس من عصى هواه وأفضل منه من رفض دنياه. وقال
بعض الشعراء:
إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى فقد ثكلته عند ذاك تواكله وقد أشمت الأعداء جهلاً بنفسه وقد وجدت فيه مقالاً عواذله وما يردع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا حازم الرأي كامله
فلما كان الهوى على الإنسان غالباً وإلى سبيل المهالك، موردا، جعل العقل عليه رقيباً مجاهداً، يلاحظ غرة غفلته، ويدفع سطوته، بادرته ويوضح خداع حيلته؛ لأن سلطان الهوى قوي، ومدخل مَكْرِه خفي. ولذلك قال بعض الحكماء: الهوى ملك غشوم، ومتسلط ظلوم.
سورة الحديد الآية: 14.
(1) (3/13)
صفحة 870
14
قنطرة النفس
فأما الوجه الأول: فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه فيكل العقل من دفعها مع وضوح قبحها في العقل المقهور بها، وحسم ذلك أن يستعين العقل بالنفس النفورة، فيشعرها [13] ما في عواقب الهوى من شدة / الضرر وكثرة الأوزار.
وقد قال عليه السلام: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات (1).
فأخبر عليه السلام أن الطريق إلى الجنة احتمال المكاره والطريق إلى النار اتباع الشهوات. وقال علي: إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم، فإن عاجلها ذميم، وآجلها وخيم، فإن لم تنفع فيها الرهبة فشوبها بالرغبة؛ فإنهما إذا اجتمعتا على النفس ذلت وانقادت، وقد قال الشاعر:
صبرت على الأيام حتى تولت فألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
فإذا انقادت النفس للعقل، تم له الحظ الأوفى من ثواب الخالق وثناء المخلوقين، وقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّة هَيَ الْمَأْوَى (2). وعن الحسن أنه قال: أفضل الجهاد جهاد النفس، ويُنشد:
قد يدرك الحازم ذو الرأي الحسن بطاعة الحزم وعصيان الهوى وقال بعض العلماء ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، وينشد:
القبيح
بسببين:
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوة عاجل وأما الوجه الثاني: فهو أن يخفي الهوى مكره حتى تتموه أفعاله على العقل فيتصور حسناً، وقد قال تعالى: (أَفَمَن زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَأَىهُ حَسَنام (3). وذلك إنما يكون
(1) قال العراقي في المغني (4/ 57) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(2) سورة النازعات الآية: 40.
(3) سورة فاطر الآية: 8. (3/14)
صفحة 871
قنطرة النفس
10
أحدهما: حب/ النفس ذلك الشيء فتعمى عن عيبه، وقد قال عليه السلام: «حبك [14] الشيء يعمي ويصم (1). وينشد لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ولست براء عيب ذي الود كله ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا والسبب الثاني: هو اشتغال الفكر في تمييز ما اشتبه وطلب الراحة في اتباع ما تسهل حتى يظن أن ذلك أحمد الأمرين فيتورط بخدع الهوى وزينة المكر في أقبح الحالتين، ولذلك قيل عن عامر بن المطرب أنه قال: الهوى يقظان، والعقل راقد. وقيل في المثل: العقل وزير ناصح والهوى وكيل فاضح، وينشد:
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا فحسم السبب الأول أن يجعل فكر قلبه حكماً على نظر عينيه، فالعين رائد (2) الشهوة، والشهوة من دواعي الهوى والقلب رائد (3) الحق والحق من دواعي العقل، ثم يتهم نفسه في صواب ما أحبته ليستبين له الحق فإن الحق أثقل محملاً فإن اشتبه عليه أمران اجتنب أحبهما إليه، لأن النفس تنفر عن الحق وتؤثر الهوى.
وقد قال العباس بن عبد المطلب: إذا اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك، وخذ أثقلهما عليك وعلة هذا القول: أن الثقيل تبطاء النفس عن التسرع إليه، فيتضح مع الإبطاء، وطول الزمان صواب ما أستبهم والمحبوب السهل تسرع النفس إليه، فيقصر الزمان عن تصفحه لفكره، ويفوت استدراكه لتقصير فعله فلا ينفع التصفح بعد العمل، والاستبانة / بعد [15] الفوت، وينشد:
أليس طلاب ما قد فات جهلاً ودرك المرء ما لا يستطيع
C
ولقد وصف بعض البلغاء الهوى وما يقارنه من محن الدنيا فقال: الهوى مطية الفتنة والدنيا دار المحنة فانزل عن الهوى تسلم واعرض عن الدنيا تغنم فلا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفتنك دنياك بحسن العواري فمدة الهوى تنقطع وعارية الدهر ترتجع. فيتبقى عليك ما ترتكبه من المحارم وتكسبه من المخازي والمآثم. وقال بعض علماء السلف: سمعتني امرأة في الطواف وأنا أنشد:
(1) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (31/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي داود بإسناد ضعيف.
(2) في الأصل زائد بالزاي المعجمة. في الأصل زائد، بالزاي المعجمة.
(3) (3/15)
صفحة 872
16
قنطرة النفس
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدين فقالت: هما ضرتان (1) فدع أيهما شئت وخذ الأخرى. وأما الفرق بين الهوى والشهوة مع اجتماعهما في العلة والمعلول فهو أن الهوى مختص بالآراء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل المستلذات فصارت الشهوة من نتائج الهوى فهي أخص والهوى أضل وهو أعم، ونحن نسأل الله أن يكفينا دواعي الهوى، ويصرف عنا سبل الرّدى، ويجعل التوفيق لنا قائداً والعقل لنا مرشداً.
وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
ونحن كما قال بعض السلف: قلوب تعرف وألسنة، تصف وأعمال تخالف. فالله تعالى نسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة فلما كان العقل رقيب الهوى وسراجاً في القلب، الذي هو أشرف الأعضاء، كان لنا أن نبتداء بذكر القلب وعلاجه ونرتب [16] عليه ذكر الجوارح / وبالله التوفيق.
الباب الأول
في ذكر القلب
(Y),
قال الله سبحانه: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلا من أتى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فأخبر أن سلامة القلب وطهارته من الغوائل هي سبب لنجاة الإنسان من عذاب القبر. فعليك يا أخي وفقك الله وإيانا بإصلاح القلب وبذل المجهود في ذلك؛ فإنه أعظم الأعضاء خطراً، وأدقها أمراً، وأشقها إصلاحاً، وأذكر لك فيه خمسة أصول، مقنعة لك عن كثرة
الفصول.
أحدها: قول الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (3). وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (4). وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
في
الأصل ضارتان، وهو تحريف واضح. سورة الشعراء الآيتان: 88، 89
(3) سورة غافر: الآية: 19.
(4)
(4) سورة البقرة الآية: 235. (3/16)
صفحة 873
قنطرة النفس
(1)
17
الصدور. وكم كرر ذكره في القرآن فكفى باطلاع العليم الخبير تحذيراً وتهديداً للخواص من العباد؛ لأن المعاملة مع علام الغيوب خطرة عسرة، فانظر ماذا يعلم من قلبك.
(Y),
والأصل الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم (3). أو قال: أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب إذا موضع نظر رب العالمين فيا عجباً ممن يهتم بوجهه الذي هو موضع نظر الخلق فينظفه من الأدناس ويزينه لئلا يطلع عليه مخلوق فيه على عيب ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين فيطهره ويزينه ويطيبه كيلا يطلع الرب تعالى على دنس فيه وشين وعيب وآفة بل يهمله ويملأه بقبائح وأقذار وفضائح، لو أطلع الخلق على واحدة منها لهجروه وتبرأوا منه وطردوه، والله المستعان. الأصل الثالث: إن القلب ملك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها له تبع، فإذا صلح / التابع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، يبين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في [17] الجسد مضغة (3) إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله القلب (4). خزانة كل جوهر صرف العناية إليه.
الأصل الرابع: أن القلب خزانة كل جوهر نفيس للإنسان وكل معنى خطير، أولها العقل، وأجلها معرفة الله عز وجل التي هي سبب سعادة الدارين ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله عز وجل ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، ثم سائر الأخلاق الشريفة: من الجود، والكرم، والصبر، والشكر اليقين والزهد والرضى، والتوكل والرحمة والرأفة والحلم، والرفق، وغير ذلك مما يطول الكتاب بتعداده.
وحقيق لمثل هذه الخزانة أن تحفظ من الأدناس، وتطهر من الأنجاس، وتحرس من السراق والقطاع، وتكرم بضروب الكرامات بل تعمر بأصناف الخيرات وأنواع القربات لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس أو يظفر بها عدو مهلك.
(1)
سورة الملك الآية: 13.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (351/ 4) عن نحوه: رواه مسلم من حديث أبي
(3)
هريرة.
في! الأصل: «بضعة» والتصويب من إحياء علوم الدين (356/ 4). (4) قال العراقي في المغني بهامش المصدر السابق تعليقاً على هذا الحديث والذي جاء فيه بنحوه: متفق عليه
من حديث النعمان بن بشير.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 2 (3/17)
صفحة 874
18
قنطرة النفس
الأصل الخامس: وهو أن العلماء تأملت أحوال القلب فوجدتها خمسة ليست لغيره من
الأعضاء.
أحدها: أن العدو قاصد إليه مقبل عليه ملازم له كما ورد في الحديث: «إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم (1) فهو منزل الإلهام والوسوسة يقرعه الملك والشيطان بالدعوتين
أبداً.
والثاني: أن الشغل له أكثر فإن الهوى والعقل كلاهما فيه، فهو معترك العسكرين الهوى [18] وجنوده، والعقل وجنوده فهو أبداً بين تحاربهما. وتناقضهما / فيحق بالثغر أن يحرس ويخض
ولا يغفل عنه.
والثالث: أن العوارض له أكثر فإن الخواطر كالسهام لا تزال تقع فيه كالمطر، لا تزال تمطر عليه ليلاً ونهاراً لا تنقطع عنه ولا أنت تقدر على منعها فتمتنع، فليس بمنزلة العين التي هي بين جفنين تغمض فتستريح (2)، أو تكون في موضع خال، أو ليل مظلم فتكفي رؤيتها. واللسان الذي هو وراء الحجابين: الأسنان والشفتين وأنت القادر على منعه، بل القلب
عرض للخواطر لا تقدر على منعها والتحفظ عنها بحال، ولا هي تنقطع عنك بوقت. ثم النفس مسارعة إلى اتباعها فالامتناع عن ذلك في مجهود الطاقة أمر شديد ومحنة
عظيمة.
والرابع: أن علاجه عليك عسير إذ هو غُيّب عنك فلا تكاد تشعر حتى تدب فيه آفة، وتحدث له حالة فتحتاج أن تبحث عن ذلك أتم البحث بطول الجهد ودقيق النظر وكثرة
الرياضة.
الخامس: أن الآفات إليه أسرع، وهو إلى الانقلاب أقرب فلقد قيل: إن القلب أسرع، وهو إلى الانقلاب أقرب. فلقد قيل: إن القلب أسرع انقلاباً من القدر في غليانها (3) ولذلك قيل
فيه:
ما
القلب إلا من تقلبه والرأي يضرب بالإنسان أطوارا
(1) أورده القرطبي في تفسيره (262/ 20).
(2) في الأصل: تسريح. وهو تحريف.
(3) ذكر الحافظ العراقي حديثاً في معنى هذا القول وقال فيه رواه أحمد والحاكم وصححه من حديث
المقداد بن الأسود: قلب المؤمن أشد تقلباً من القدر في غليانها». (3/18)
صفحة 875
قنطرة النفس
14
ثم إن زل القلب والعياذ بالله فزلله عظيم، ووقوعه أصعب وأفظع، أدناه قسوة وميل هو أبى
إلى غير الله سبحانه ومنتهاه ختم وإنكار الله جل ذكره أما تسمع قول الله تعالى: وَاسْتَكُبَر (1). وكان الكبر من قلبه فحمله على الإباء والكفر بظاهره.
أما تسمع قوله: (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) (2). فكان الميل واتباع الهوى
بقلبه حمله على ذلك الذنب المشؤوم بنفسه.
أما تسمع قوله: {وَتُقَلْبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارِهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي [19] طُنُيَانِهُمْ يَعْمَهُونَ) (3).
-
عسى
ولهذا المعنى ـ أيها الرجل - خاف الخواص من عباد الله على قلوبهم فبكوا عليها وصرفوا عنايتهم إليها قال الله سبحانه في وصفهم. {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (4). جعلنا الله من المعتبرين بالعبر المهتمين لمواضع الخطر الموفقين لإصلاحها بحسن النظر إليه إنه أرحم الراحمين فإن قيل: إن أمر هذا القلب لمهم جداً، فأخبرنا عن المعاني التي تصلحه، وعن الآفات التي تعترضه فتفسده؟ أن نوفق للاجتهاد في العمل بذلك. يقال له: اعلم أن تفصيل هذه المعاني يطول، وإنما علماء الآخرة عنوا باستخراج ذلك، وقد حكى بعضهم أنهم ذكروا فيما يحتاج إليه من ذلك نحو تسعين خصلة محمودة، وكذا في أضدادها المذمومة. ثم من الأفعال والمساعي الواجبة والمحظورة نحو ذلك في سائر تفاصيلها، ولعمري إن من أهمه أمر دينه ووفق للنظر لنفسه فلا يكون ذلك في العمل به عليه
كثيراً.
•
وذكر عن بعض العلماء في الكتاب أنه قال: إذا سلم الإنسان من عشر خصال مهلكات فمرجو أن يسلم من غيرها ولهي الكبر والعجب والحسد والرياء وشدة الغضب، وشره الطعام، وشره الوقاع، وحب المال، وحب الجاه.
،
قال: وإذا حصل من الخصال المنجيات عشراً فمرجوة له النجاة إن شاء الله وهي: الندم على الذنب والصبر على البلاء، والرضى بالقضاء والشكر على النعماء، واعتدال الخوف
(1)
سورة البقرة الآية: 34. (2) سورة الأعراف الآية: 176.
سورة الأنعام الآية: 110.
سورة النور الآية: 37.
(3)
(4) (3/19)
صفحة 876
[20]
20
قنطرة النفس
والرجاء، والزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال، وحسن الخُلق مع الخلق، وحب الله تعالى والخشوع له والله أعلم.
اعلم أن شرح الصفات المذمومة في القلب طويل وتطهير القلب / من رذائلها شاق على النفس عسير، وسبيل العلاج فيه غامض وقد اندرس بالكلية علمه وعمله لغفلة الناس عن أنفسهم واشتغالهم بقضاء شهواتهم.
ونحن نشير إن شاء الله هاهنا إلى ست صفات من خبائث القلب، وهن مهلكات ولسواهن من الخبائث أصول وأمهات وهي: الأمل والحرص، والغضب، والحقد، والبخل، والعجلة، فنشرح ذلك في ستة فصول.
الفصل الأول: في الأمل
قال الله سبحانه لنبيه عليه السلام وعيداً وتهديداً للكفار: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (1).
وعن النبي عليه السلام أنه قال: أشد ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فإنه
يحبب الدنيا.
ثم قال: ألا إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن يبغض، فإذا أحب الله عبداً أعطاه الإيمان ألا إنَّ للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مقبلة، ألا وإنكم في يوم عمل (2).
ويروى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع ذات عشية على الناس فقال: «أيها الناس ألا تستحيون من الله؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون وتبنون ما لا تسكنون (3).
وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: اشترى أسامة بن زيد من زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار [21] إلى شهر، فسمعنا رسول الله يقول: لا تتعجبوا من أسامة / المشتري إلى شهر إن أسامة لطويل
(1) سورة الحجر الآية: 3.
(2) ذكره الغزالي بنحوه وأتم مما هنا في الإحياء (437/ 4) وعلق عليه العراقي في المغني بهامش فقال: حديث علي ... رواه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل، ورواه أيضاً من حديث جابر بنحوه وكلاهما
ضعيف.
(3) وقال عن هذا أيضاً حديث أم المنذر ابن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي في الشعب بإسناد ضعيف. (3/20)
صفحة 877
قنطرة النفس
21
الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة حتى ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت».
(1)
ثم قال: يا بني أدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون، لآت وما أنتم بمعجزين) وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم و كان يخرج يهريق الماء فيتمسح بالتراب، فأقول له: يا رسول الله الماء منك قريب. فيقول: «ما يدريني لعلي لا أبلغه (2).
الخط،
وروي أنه أخذ ثلاثة أعواد فغرز عوداً بين يديه والآخر إلى جنبه، وأما الثالث فأبعده، فقال: «أتدرون ما هذا؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: «هذا الإنسان، وهذا الأجل، وذلك الأمل يتعاطاه ابن آدم فيختلجه الأجل دون الأمل (3) وعنه من طريق ابن الله أنه عليه السلام خط خطاً مربعاً وخط في وسطه خطاً وخط خطوطاً إلى. جنب وخط خطاً خارجاً فقال: أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: «هذا الإنسان» للخط الأوسط وهذا الأجل محيط به، وهذه الأغراض تنهشه يعني الخطوط المخطوطة. قوله: «إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذلك الأمل للخط الخارج (4).
عبد
وقال ابن مسعود رحمه الله: هذا المرء وهذه الحتوف حوله سوارع إليه فإن أخطته الحتوف قتله الهرم وهو ينظر إلى الأمل.
[22]
(5)))
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يهرم ابن آدم ويبقى فيه اثنان الحرص والأمل». وفي رواية أخرى: ويشب منه اثنان: الحرص على المال والحرص على العمر)
(1) قال العراقي في المغني (437/ 4): رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والطبراني في مسند الشاميين، وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب بسند ضعيف. (2) وقال في الموضع نفسه: رواه ابن المبارك في الزهد وابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والبزار بسند
ضعيف.
(3) قال العراقي في المغني (438/ 4): رواه أحمد وابن أبي الدنيا في قصر الأمل واللفظ له، والرامهرمزي في الأمثال من رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري، وإسناده حسن، ورواه ابن المبارك في
الزهد، وابن أبي الدنيا أيضاً من رواية أبي المتوكل مرسلاً.
(4) قال العراقي في الموضع السابق: رواه البخاري. (5) وقال أيضاً في نفس الموضع: رواه مسلم بلفظ الثاني، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل باللفظ الأول بإسناء
صحيح (3/21)
صفحة 878
22
قنطرة النفس
وعنه أنه قال: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل
والأمل (1). وفي الخبر: أن عيسى عليه السلام بينما هو جالس وشيخ يعمل بمسحاة يلين بها الأرض. فقال عيسى عليه السلام: اللهم أنزع عنه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة، فقال عيسى: اللهم اردد إليه الأمل، فقام فجعل يعمل فسأله عيسى، فقال: بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي: إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير؟ فألقيت المسحاة فاضطجعت، ثم قالت لي نفسي:: والله لا بد لك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي
(2)
وعن الحسن عنه الله هو أنه قال: أكلكم يحب أن يدخل الجنة»؟. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «قصروا من الأمل واجعلوا (3) آجالكم بين أبصاركم واستحيوا من الله حق
الحياء (4).
وعنه عليه السلام أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع الآخرة، وأعوذ بك من أمل يمنع. العمل، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات» (5).
خير
خير
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أهل القبور فإذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً».
وفي الخبر أن الله تعالى لما أخرج الذرية من صلب آدم / عليه السلام قالت الملائكة: يا رب إن الأرض لا تسعهم قال: إني جاعل فيهم موتاً. قالت: لا يهنئهم العيش. قال: إني جاعل فيهم أملاً.
(1) وقال في الموضع السابق أيضاً رواه ابن أبي الدنيا فيه من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده.
(2) أورده الغزالي في الإحياء (438/ 4). (3) في الإحياء: وثبتوا».
(4) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (438/ 4): رواه ابن أبي الدنيا فيه هكذا من حديث الحسن
مرسلاً.
(5) أورده الغزالي في الإحياء (438/ 4) مع تقديم وتأخير وعلق عليه العراقي في المغني بالهامش فقال: رواه ابن أبي الدنيا فيه (أي في قصر الأمل من رواية حوشب عن النبي، وفي إسناده ضعف وجهالة، ولا أدري من حوشب؟
[23] (3/22)
صفحة 879
قنطرة النفس
23
وقال بعض العلماء: بلغني أن الإنسان خلق أحمق ولولا ذلك لما تهنا عيشاً. وقال سلمان الفارسي رحمه الله: ثلاثة أبكتني حتى أضحكتني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فاه لا يدري أساخط عنه رب العالمين أم راضي. قال: وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني فراق محمد ا و و و و وحزبه الأحبة وهول المطلع، والوقوف بين يد ربي لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أم إلى النار.
وقال بعض العلماء: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولبس العباء. وقيل للحسن: يا أبا سعيد ألا تغسل قميصك؟ فقال: الأمر أعجل من ذلك. وكان يقول: الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من ورائكم.
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم
أن ويروي
(1)
النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعض خطبه: «أيها الناس إن الأيام تطوى والأعمال تحصى، والأبدان في الثرى، تبلى وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، ويأتيان بكل موعود».
وفي ذلك عباد الله: ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات. وقال معسر: كم من مستقبل يوماً لا يكمله، ومنتظر غداً لا يبلغه ولو رأيتم الأجل ومسيرة أبغضتم الأمل
:
وغروره وعن علي بن أبي طالب / قال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم:
جَهُولًا أَمَلَة يَمُوتُ مَنْ جَاءَ أَجَلَهُ
منْ حَنْفِهِ لَمْ تُغْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيْلَهُ
والم
رْءُ لَا يَصْحَبُهُ
قَدْغَابَ عَنْه أَوَلَهُ
القبر ألا عملة
رأيت
وروي عن الجاحظ أنه قال في كتاب البيان: وجد مكتوباً على حجر يا ابن آدم إنك لو يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حصرك وحيلك، وإنما يلقاك غداً ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك. وحشمك وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب.
(1) الأثر وما قبله من آثار أوردها الغزالي في الإحياء (438/ 4: 439).
[24] (3/23)
صفحة 880
24
قنطرة النفس
وفيما يروى: أنه ليس من يوم يأتي إلا قال: يا ابن آدم تزود مني فإني يوم جديد، وإني على ما صنعت في شهيد وإني ذاهب فلا أعود. ثم ختم عليه بخاتم فلا يكسر إلى يوم القيامة وينشد:
مَضَى أَمْسُكَ المَاضِي شَهيداً معدّلاً وَأَعْقَبَهُ يَوْمٌ عَلَيْكَ شَهِيدُ فَإِنْ كُنْتَ بِالأمْسِ اقْتَرَفْتَ إِسَاءَةَ فَبَادِرْ بِإِحْسَانٍ وَأَنْتَ حَمِيدُ وَلَا تُبقِ فِعْلَ الصَّالِحَاتِ إِلَى غَدٍ لَعَلَّ غَداً يأتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ إذَا مَا الْمَنَايَا أَخْطَأَنَّكَ وَصَادَفَتْ حَمِيْمَكَ فَاعْلَمْ أَنَّهَا سَتَعُودُ
فصل
اعلم أن الأمل أحدقوا عد الدنيا التي لا تعمر إلا بها، وذلك أن العلماء حصروا ما يصلح به الدنيا إلى ستة أشياء وهي دين متبع، وسلطان قاهر وعدل كامل، وأمن عام، وخصب
دار، وأمل فسيح.
:
أما الدين المتبع: فإنه يصرف النفوس عن شهواتها فيصير رقيباً عليها في خلواتها.
وأما السلطان القاهر: فإنه تتألف برهبته الأهواء / وتنكف بسطوته الأيدي المتعادية، ولذلك قال بعض الحكماء: الأدب أدبان أدب شريعة وهو ما أدى الفرض، وأدب سياسة وهو ما عمر الأرض.
وأما العدل الشامل: فإنه يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتتعمر معه الأرض وتثمر به الأموال والنسل، ويأمن به السلطان؛ لأنه لا شيء أسرع في خراب الدنيا ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف على حد ونهاية.
وأما الأمن العام فإنه تطمئن إليه النفوس وتنتشر ويأنس به الضعيف فينبعث فليس
لخائف راحة والا لحاذر طمأنينة ولذلك قيل: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش. وأما الخصب الدار فلأنه يؤل إلى الغنى، والغنى يحدث الأمنة، والسخاء فتتمتع النفوس في التوسع وتكثر المواساة والتواصل. وأما الأمل الفسيح: فلأنه يبعث على إقتناء ما يقصر العمر عن استيعابة، ولولا أن الثاني يرتفق بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنياً لافتقر أهل كل. إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأرض الحرث. وفي ذلك من الأعواز وتعذر الإمكان ما لا خفاء به، فأرفق الله
عصر
[20] (3/24)
صفحة 881
[27]
25
قنطرة النفس
سبحانه الخلق باتساع الأمل حتى عمّر به الأرض فتمَّ صلاحها فصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن فيثمر الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها ويرم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها، لتكون أحوالها على ممر الإعصار ملتئمة وأمورها منتظمة ولو قصرت الأمال لما تجاوز الواحد حاجة يومه ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من يأتي بعد خراباً لا يجد فيها بلغة، ولا يدرك / منها حاجة، ثم تنقل إلى من يجيء بعد بأسوء من ذلك حالاً، حتى لا ينتمي لها نبت، ولا يمكن فيها لبث.
ولذلك روي عن رسول الله له أنه قال: «الأمل رحمة من الله عز وجل لامتي ولولاه ما غرس غارس شجراً ولا أرضعت أم ولداً. وعن مطرف بن عبد الله أنه قال: لو علمت متى أجلي لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله تعالى مَنْ على عبادة بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنوا عيشاً ولا قامت بينهم الأسواق وقد قال الشاعر:
وللنفوس وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجَل من المَنيَّةِ آمَالٌ تُقوّيها فالْمَرْءُ يَبْسُطُهَا وَالدَّهْرُ يَقْبِضُهَا والنَّفْسُ تَنشُرهَا وَالْمَوتُ يَطْوِيها
،
فلما كان الأمل من أقوى الأسباب في عمارة الدنيا، كان في الآخرة من أعظم أسباب غفلتها وخرابها وقلة الاستعداد لها؛ لأن طول الأمل. العائق عن كل خير هو والجالب لكل شر، وأنه الداء العضال الذي يوقع الخلق في أنواع الفتن والبلايا، ولقد أفصح لبيد بن ربيعة مع أعرابية بما بين به حال الأمرين. فقال: أكذب النَّفْسَ إِن حَدَّتُهَا إِنَّ صِدْقَ النفس يَزْرِي بالأمل غَيْرَ أن لا تُكْذِبتها في التقى وأخرهَا بِالْبِرِ الله الأجل
اعلم أن طول الأمل يهيج للإنسان أربعة أشياء:
أحدها: ترك الطاعة والكسل فيها؛ لأنه يقول سوف أفعل والأيام بين يدي ولا يفوتني ذلك. ولقد صدق داود الطائي فيما يروى عنه حيث قال: من خاف الوعيد قرب إليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الأمل قاطع من كل خير والطمع مانع من كل حق والصبر صائر إلى كل ظفر والنفس داعية إلى كل شر.
والثاني: ترك التوبة وتسويفهم يقول: سوف أتوب وفي الأيام سعة، وأنا شاب وسني قليل، هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها ليتيسر له بذلك العيشة فيها وأقل (3/25)
صفحة 882
26
قنطرة النفس
ما في الباب أن يشتغل ويضيع وقته باهتمام أشياء لعله لا يدركها.
وقد روي فيه عن أبي ذر رحمه الله أنه قال: قتلني هَم يوم لم أدركه. قيل: وكيف ذلك يا أباذر؟ قال: إن أملي جاوز أجلي.
والثالث: القسوة في القلب، قال الله سبحانه: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} (). لأن القلب إنما يصفو ويرق بذلك الموت، والقبر والجنة والنار فإذا طال أمله كان فكره وذكره
الدنيا وأسبابها.
والرابع: نسيان الآخرة كما ورد في الحديث: «إنَّ طول الأمل ينسي الآخرة، فإذا طال أمل الإنسان قلت طاعته وتأخرت توبته وكثرت معصيته واشتد حرصه، وقسى قلبه، وعظمت غفلته عن الآخرة».
فأي حالة أسوأ من هذه، وأي آفة أعظم من هذه وكل هذا سبيله طول الأمل. وحد الأمل إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم وقصر الأمل هو ترك الحكم فيه، بأن يقيد بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وعلمه بالذكر أو بشرط الصلاح والإرادة.
وأما علاجه فبأن يخطر الإنسان في قلبه ذكر الموت والقبر، وخساسة الدنيا، في جنب شرف الآخرة وجلالتها ويتفكر أيضاً في إخوانه وأقرانه الذين غافلهم الموت في وقت لم
يحتسبوه.
ويقول: لعل حالي مثل حالهم ويتذكر قول عيسى عليه السلام: الدنيا ثلاثة أيام: أمس [28] مضى ما بيدك منه شيء، وغد لا تدري أنت تدركه أم لا، ويوم أنت فيه فاغتنم منه. ثم قول أبي الدرداء: الدنيا ثلاث ساعات ساعة مضت، وساعة أنت فيها، وساعة لا تدري أتدركها أم لا، فلست تملك بالحقيقة إلا ساعة واحدة، إذ الموت من ساعة إلى ساعة.
ثم يقول بعض العلماء: الدنيا ثلاثة أنفاس نفس مضى عملت فيه ما عملت، ونفس أنت فيه ونفس لا تدري أتملكه أم لا، إذ كم من يتنفس نفساً ففاجأه الموت قبل النفس الآخر فلست تملك في الحقيقة إلا نفساً واحداً، لا يوماً ولا ساعة، فيتبادر في هذا النفس الواحد إلى الطاعة قبل أن يفوت وإلى التوبة، ولعله في النفس الثاني يموت.
وليوبخ نفسه يقول: احذري يا نفسي الغرور ولا تهتمي بالرزق المقدور فلعلك لا تبقين
(1) سورة الحديد الآية: 16. (3/26)
صفحة 883
قنطرة النفس
27
لتحتاجي إليه. فيكون وقتك ضائعاً والهم فضلاً، وما عسى أن يهتم الإنسان ليوم أو ساعة أو نفس واحد، فإذا تذكر الإنسان هذه الأذكار وواظب عليها بالإعادة والتكرار قصر أمله بإذن الله
تعالى.
فحينئذ يرى نفسه تبادر إلى الطاعة وتعجل التوبة وتجنب المعصية، وتزهد في الدنيا وطلبها وتتذكر الآخرة، وأهوالها فتزول عن قلبه القسوة وتبدو فيه الرقة والصفوة، وتستشعر عند ذلك الخوف من الله تعالى والخشية، فيستقيم له أمر العبادة ويقوى له الرجاء في أن يسعد في الآخرة، وكل ذلك بعد فضل الله تعالى بقصر الأمل، وبالله التوفيق.
وأما الفرق بين الأمل والأماني:
فالأمل: ما تقيدت بأسباب وذلك أن الرجاء والأمل إنما يكونان بعد تمهيد العمل، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا جَاهَدُوا فِي سَبِيلْ اللَّه أَوْلَئِكَ يَرْجُون رَحَمْتَ [29] الله). وهذا مثل من زرع زرعاً فيأمل في منفعته.
وأما الأماني: فهي ما تجردت عن أسباب قال الله تعالى: وغَرَّتكُمُ الأماني (2). وقال عليه السلام الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد المر - العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (3).
وعن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: إياكم والأماني فوالله ما نال بها عبد خيراً فيما مضى ولا يناله فيما بقي، وقال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانَتِكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلُ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. غير أن الأماني تروح القلب إذا اغتم قال الشاعر:
(E),
آخر:
حرك مناك إذا اغتم مت فإنها مراوح
إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المغاليس
والله سبحانه نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه.
(1) سورة البقرة الآية: 218.
(2) سورة الحديد الآية: 14.
(3) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (368/ 3) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن
أوس.
(4) سورة النساء الآية: 123. (3/27)
صفحة 884
قنطرة النفس
28
الفصل الثاني: في الحرص
قال الله سبحانه: {وَتُحبُّونَ الْمَالَ حُبَّاً جَمَّا) (1). وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أنه قال: «إياكم وأمهات الخطايا؛ فإنهن ثلاثة: الحسد، والحرص، والكبر».
ومن كتاب الضياء قال وأصل البلاء والشرّ في ست خصال منها تتوالد الذنوب. وقيل: إن عدو الله إبليس قال: إذا كانت خصلة منها في شيطان كان مارداً فإذا اجتمعن في شيطان واحد فلا تسأل عنه.
أولهن الكبر: وهو ذنب إبليس اللعين.
والثاني: العجب: وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
والثالثة: البخل: وصاحبه محروم من خير الدنيا والآخرة.
والرابعة: البغي وهو راجع على صاحبه، قال الله سبحانه: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى
أنفسكم) (2).
والخامسة: الحسد: وصاحبه أبداً مغموم.
والسادسة: / أظنها الحرص؛ والله أعلم.
وينشد:
قَدْ شَابَ رَأْسِي وَرَأْسُ الدَّهْرِ لَمْ يَشِبٍ إِنَّ الْحَرِيصَ عَلَى الدُّنْيَا لَفِي تَعَبِ وذلك أن الإنسان إذا غلب عليه حب المال، وبعد الأمل، بعثه الحب على طلبه، ودعاه الأمل إلى الشُّح والحرص والشح والحرص أصل كل ذنب وسبب لكل لؤم، ولذلك قيل: الحرص مفسدة للدين، وللمرؤة.
ويروى أن أعرابياً عاتب أخاه على الحرص فقال: يا أخي أنت طالب ومطلوب بطلبك من لا تفوته، وأنت تطلب كل ما قد كفيته فكان ما غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك يا أخي لم تر حريصاً محروماً وزاهداً مرزوقاً وقد قال الشاعر:
أَرَاكَ يَزِيدُكَ الإِكْثَارُ حِرْصاً عَلَى الدُّيْنَا كَأَنَّكَ لَا تَمُوتُ فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْماً إِلَيْهَا قُلْتَ: حَسْبِي قَدْ رَضِيْتُ
(1) سورة الفجر الآية: 20. (2) سورة يونس الآية: 23.
[30] (3/28)
صفحة 885
قنطرة النفس
29
خصال
هي
وحكي عن الشعبي أنه قال: أن رجلاً صاد قنبراً فقال: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك وآكلك. فقالت: والله ما أشفى من ضر ولا أشبع من جوع، ولكن اعلمك ثلاث خير لك من أكلي، أما واحدة فأعلمكها وأنا في يدك، وأما الثانية: فإذا صرت على الشجرة وأما الثالثة: فإذا صرت على الجبل. فقال: هاتي الأولى. فقالت: لا تلهفن على فائت. فخلاها فلما صارت على الشجرة قال: هاتي الثانية. قالت: لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون، ثم طارت فوقفت على الجبل، فقالت: يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين في كل واحدة عشرون مثقالاً. قال: فعض على شفتيه وتلهف وقال: هاتي الثالثة: فقال: أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة؟ أمل أقل لك / لا تلهفن على ما فاتك ولا [31] تصدقن بما لا يكون أنه يكون وأنا لحمي وريشي ودمي لا يكون عشرين مثقالاً فكيف يكون في حوصلتي درتان في كل واحدة عشرون مثقالاً ثم طارت وذهبت. قال بعض العلماء: وهذا مثال لفرط طمع الآدميين فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر
ما لا يكون. وروي عن أبي محمد اليزيدي أنه قال: دخلت على الرشيد فوجدته ينظر في ورقة مكتوب فيها بالذهب فلما رآني تبسم. فقلت: فائدة أصلح الله أمير المؤمنين. قال: نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتها وقد أضفت إليهما ثالثة وأنشدني: إذَا سُدَّ بَابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ فَدَعْهَا لِأُخْرَى يَنْفَتِحْ لَكَ بَابُها فَإِنَّ خَرَابَ الْبَطْن يَكْفِيكَ مِلْتَهُ وَيَكْفِيكَ سُوْآتِ الأُمور اجْتِنَابُها وَلَا تَكُنْ مُبْدِلًا لِعَرْضِكَ وَاجْتَنِبْ ركُوبَ الْمَعَاصِي يَجْتَنِبُكَ عِقَابُها
ويقال: الحريص أسير مهانة لا ينفك أسره. وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود وأهنأهم عيشاً القنوع، واصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع، وأخفضهم عيشاً أرفضهم الدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط.
وقيل لبعض الحكماء: أي أيسر للعاقل وأيها أعون على دفع الحزن. قال: أيسرها إليه ما قدم من صالح العمل، وأعونها على دفع الحزن الرضى بمحتوم القضاء.
وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت فحفظ منها أن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لاخلاق لهم ولو أن لابن آدم وادياً من ذهب لتمنى ثانياً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا / التراب ويتوب الله على من يشاء.
[32] (3/29)
صفحة 886
قنطرة النفس
المال» (1). وقد ذكرنا
وعن النبي أنه قال: «منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم في قنطرة الدنيا من هذا المعنى ما يكفي والله المستعان ولما كان الحرص وحب المال في الآدمي جبلة ضرورية وطبيعة مضلة مهلكة رأينا أن نضيف إلى هذا الفصل باباً في ذكر القناعة التي. ضد الحرص وقد أثنى الله ورسوله على القناعة كما سيأتي إن شاء الله.
مي
باب في ذكر القناعة
اعلم أن القناعة برزق الله تعالى أول منازل الرضى عن سبحانه، وإذا أراد الله بعبد خيراً أغناه بالقنوع، وأرضاه بما قسم له، قال الله سبحانه: {مَنَ يَعْمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنَحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (2). قال مجاهد؛ هي ا
القناعة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم أنه قال: طوبى لمن هدى للإسلام وكان عيشة كفافاً وقنع به» (3). وروي عن النبي أنه قال: الحريص الجاهد والقانع الزاهد يستوفيان أكلهما غير
منتقص منه شيء.
وروي
أنه قال للمسيح عليه السلام ما بال المشايخ أحرص على الدنيا من الشباب؟ قال: لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشباب وقال بعض الحكماء: من قنع كان غنياً، وإن كان فقيراً، وإن كان مكثراً.
وقال بعض البلغاء: إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فمن أطاع الله عز نصره ومن لزم القناعة زال فقره.
وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: ليس الغنى عن كثرة العرض؛ إنما الغنى غنى
النفس (1).
(1)
وعن أبي حازم أنه قال: ثلاثة من كن فيه كمل عقله، ومن كان فيه واحدة منهن كمل
قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. (2) سورة النساء الآية: 124.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه الترمذي وصححه، والنسائي في الكبرى من حديث فضالة بن عبيد، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمر وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث أبي هريرة.
[33] (3/30)
صفحة 887
[34]
قنطرة النفس
ثلث عقله: من عرف نفسه وحفظ لسانه وقنع بما رزقه الله، وأنشد لأبي العتاهية: نصف القنوع وأينا يقنع وأينا يرضى بما يجمع أصفى معايشهم وما أوس تهدى خلائقه فلا يطمع
الله
در ذوي القنـ ــاعـ ة
ــن
کان
يبغي
أن يغر وأن
31
فغر النفوس بقدر رغبتها وغنى النفوس بقدر ما تقنع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا شئت أن تحيى غنياً فلا تكن في حالة إلا رضيت بدونها. وعنه أنه قال: «ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب فإن قنع واقتصد أتاه رزقه، وإن هتك الحجاب لم يزد في رزقه».
أوجه:
وقال أكثم بن ضيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة والقناعة على ثلاثة
فالأول: أن يقنع الإنسان بالبلغة من دنياه، ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه، وهذا أعلى منازل أهل القناعة.
القناعة
وقد روي عن مالك بن دينار قال: أزهد الناس من لم تجاوز رغبته من الدنيا بلغته. وقال بعض العلماء: الرضا بالكفاف يؤدي إلى العفاف وأنشد بعض أهل الأدب، وذكر أنها لعلي بن أبي طالب: أفادتني القناعة كل عز وهل عز أجل من فصيرها لنفسك رأس المال وصير بعدها التقوى بضاعة تحرز حين تغنى عن ليثم تنعم في الجنان الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ويحذف الفضول والزيادة وهذا أوسط أحوال
المقتنع.
وقال بعض الحكماء: طلب ما فوق الكفاية إسراف وينشد: / إن القن ـاعة والعاف
بصبر
ساعة
فإذا صبرت عن المنى فاشكر فقد نلت المنى
والوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف إلى ما سنح فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيراً وهذا الحال أدنى أهل المنازل القناعة. (3/31)
صفحة 888
32
(1)
قنطرة النفس
وفي مثلها قد حكي عن ذي النون المصري) أنه قال: من كانت قناعته سمينة طابت له
كل مرقة.
وعن النبي أنه قال: «الدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ومن انقطع رجاءه مما فاته استراح، بدنه ومن رضي بما رزقه الله قرت
عينه.
وعن أبي حازم الأعرج أنه قال: وجدت الدنيا شيئين: شيء هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة أهل السماوات والأرض، وشيء هو لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري
وأهلك نفسي.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير أمتي الذين لم يعطوا حتى يبطروا، ولم يقتر عليهم حتى يسئلوا والله سبحانه نسأله أن يحسن لنا التوفيق فيما منح ويصرف عنا الرغبة فيما
منع.
وأما الدواء الذي يكسب القناعة ويزول الحرص به:
فهو مركب من ثلاثة أركان الصبر والعلم والعمل، ومن مجموع ذلك خمسة أمور:
الأول: وهو العمل: الاقتصاد في المعيشة والرفق بالانفاق، فمن أراد عز القناعة فليقتصر في جميع أحواله على ما لا بد منه، بل إن كان وحده ينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن، ويقنع [35] بأي طعام وجد / ويقلل من الإدام ما أمكنه ويوطن نفسه عليه. وإن كان له عيال فليرد كل واحد منهم إلى هذا القدر، فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد، ويمكن معه الإجمال في الطلب، والاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق إذ قال
: إن الله يحب الرفق في الأمر كله (2). وقال أيضاً: ما عال - أي افتقر - اقتصد» (3). - من
البريد من مصر
(1) هو: ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبا الفياض، شيخ الديار المصرية الزاهد، ولد في أواخر أيام المنصور قال السلمي: حملوه على إلى المتوكل ليعظه في سنة (244)، وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع بكي، واختلف في تاريخ وفاته فقيل سنة (245) وقيل: سنة (248). (سير أعلام النبلاء 532/ 11 بتصرف). (2) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث عائشة. (3) قال الحافظ العراقي: رواه أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود وراوه من حديث ابن عباس بلفظ
مقتصد. (3/32)
صفحة 889
قنطرة النفس
33
وقال: «ثلاثة منجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضى والغضب (1).
وروي أن رجلاً أبصر أبا الدرداء وهو يلتقط حباً من الأرض وهو يقول: إن من فقهك
قصدك في معيشتك.
وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم قال: «الاقتصاد، وحسن السمت، والهدى الصالح، جزء من بضع وعشرين جزءاً من النبوة (2).
وفي الخبر: التدبير نصف المعيشة (3).
وقال عليه السلام: من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله (4).
وقال: «إذا أردت أمراً فعليك بالتؤدة حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً (5). والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور.
الثاني:: أنه إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الإضطراب لأجل الاستقبال ويعينه على ذلك قصر الأمل والتحقيق بأن الرزق الذي قدر له لا بد أن يأتيه وإن لم يشتد حرصه عليه. وينبغي أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى.
إذ قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُهَا (6). ويقال: الاهتمام بما لم يكن
بلاء كائن وفي مثل ذلك قيل:
(1) قال العراقي في المغني (235/ 3): رواه البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب من حديث أنس
بسند ضعيف.
(2) وقال في المصدر نفسه: رواه أبو داود من حديث ابن عباس مع تقديم وتأخير، وقال: «السمت الصالح» وقال: «من خمسة وعشرين وقال ورواه الترمذي وحسنه من حديث عبد الله بن سرجس وقال: «التؤدة» بدل: «الهدى الصالح»، وقال: «من أربعة». (3) وقال في المصدر السابق أيضاً: رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس وفيه خلاد بن عيسى جهله العقيلي ووثقه ابن معين. (4) وقال في المغني أيضاً (236/ 3): رواه البزار من حديث طلحة بن عبيد الله دون قوله: «ومن ذكر أحبه الله وشيخه فيه عمران بن هارون البصري قال الذهبي شيخ شلا يعرف حاله أتى بخبر منكر ـ أي هذا الحديث ـ ولأحمد وأبي يعلى في حديث لأبي سعيد: ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله». (5) وقال العراقي في المصدر السابق أيضاً: رواه ابن المبارك في البر والصلة. (6) سورة هود الآية: 6.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 3 (3/33)
صفحة 890
34
قنطرة النفسر
وَمَن يُنفِق السَّاعَاتِ في جَمْعَ مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرِ فَالَّذِي صَنَعَ (1) الْفَقْرُ وقد قال عليه السلام لابني خالد: لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قمش، ثم يرزقه الله (2).
ويروى أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ بابن مسعود وهو حزين فقال له: «لا تكثر همتك ما قدر لك يكن
وما ترزق يأتيك (3).
وقال: «أيها الناس اجملوا في الطلب؛ فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له منها وهي راغمة، ولا ينفك الإنسان عن الحرص إلا ثقته، بتدبير الله في تقدير أرزاق العباد» (4) وإن ذلك بحسن يحصل لا محالة الإجمال في الطلب بل ينبغي أن يعلم أن رزق الله العبد من حيث لا يحتسب أكثر، فإن انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه فلا ينبغي أن يضطرب قلبه من أجله. وقد قال عليه السلام: «أبى الله أن يزرق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب» (5). وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي من أين معاشك؟ قال: بزاد الحاج. قلت: فإذا صدروا. فبكى فقال: لو لم نعش إلا من حيث ندري لم نعش.
وقيل لحكيم: من أين تنفق؟ فقال: لو علمت ذلك لنفد. وقال رجل لأبي حازم: إنك فقير. فقال: كيف أكون فقيراً ومولاي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. فقال: أتراه يلقى عليك الخبز من السماء فقال: لو لم تكن الأرض له لكان يلقى عليَّ الخبز من السماء. فقال رجل: لا أقوى على مجادلتك. فقال أبو حازم: كذلك الباطل لا يقوى على الحق فهذا دواء القناعة من جهة المعرفة لا بد منه لدفع تخويف الشيطان (وإنذاره) (6) بالفقر، قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْر (7) الآية.
(1) في إحياء علوم الدين (238/ 3): فعل. (2) قال العراقي في هامش المصدر السابق رواه ابن ماجة من حديث حبة، وسواء ابني خالد. (3) قال العراقي في المصدر السابق رواه أبو نعيم من حديث خالد بن رافع وقد اختلف في صحبته ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب من رواية مالك بن عمرو المغافري مرسلاً.
(4) قال العراقي في المغني (232/ 3) رواه الحاكم من حديث جابر بنحوه وصحح إسناده. (0) قال العراقي في المغني (236/ 3): رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بإسناد واه، ورواه ابن
الجوري في الموضوعات.
(1) ما بين القوسين من إحياء علوم الدين ((236/ 3) والفقرة بأكملها فيه.
(7) سورة البقرة الآية: 268.
[36] (3/34)
صفحة 891
قنطرة النفس
35
الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الطمع والحرص من الذل، فإن تحقق عنده ذلك انبعثت رغبته في القناعة؛ لأنه في الحرص لا يخلو من تعب، وفي الطمع لا يخلو من ذل وليس في / القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات والفضول وهذا ألم لا يطلع عليه [37] أحد وفيه ثواب الآخرة.
وأما ذل الطمع وتعب الحرص: فهو مما يظهر للناس وفيه الوبال والإثم، وفوت عز النفس، والعجز عن إقامة الحق فإن من كثر حرصه وطمعه كثرت حاجته إلى الناس فلا تمكنه دعوتهم إلى الحق وفي ذلك المداهنة وهلاك الدين. ومن لا يؤثر عز النفس عن شهوات البطن فهو ركيك العقل ضعيف الإيمان إذ قال: «عز المؤمن استغناءه عن الناس» (1). وفي الخبر: «ما استغنى أحد بالله إلا افتقر إليه الناس». فقيل: استغن بالله فكل امرء أصبحت ترجوه فقير إليك.
الرابع: أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى، وأرذال الناس، والحمقاء، والسفهاء، ومن لا دين له ولا عقل. ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء وإلى سمت، الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويستمع أحاديثهم ويتطلع أحوالهم ويخير عقله بأن يكون على شبه أرذال الخلق أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله تعالى. حتى يهون عليه بذلك الصبر على القليل والقناعة باليسير فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلاً منه، وإن تنعم في الجماع فالخنزير أعلى رتبة منه ـ فيما قيل. وإن تزين باللباس ففي اليهود والروم والسفهاء من هو أعلى رتبة منه وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء وبالله التوفيق" الخامس: أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما تقدم في أفات المال، وما فيه من خوف السرقة والنهب والضياع وما في خلو اليد منه من الأمن والفراغ مع الحبس يوم القيامة في الموقف عن باب الجنة خمس مائة / عام. فإنه إذا لم يقنع بما يكفيه التحق بزمرة الأغنياء ذلك بأن ينظر أبداً إلى من هو دونه في الدنيا.
(1)
(2)
ويتم
قال العراقي في المغني: (237/ 3) رواه الطبراني في الأوسط والحاكم وصحح إسناده أبو الشيخ في كتاب الثواب، وأبو نعيم في الحلية من حديث سهل بن سعد أن جبريل قاله للنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث وفيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة وكلاهما مختلف فيه وجعله القضاعي في مسند الشهاب من قول
النبي. (2) الفقرة بالنص في الإحياء (237/ 3).
[3] (3/35)
صفحة 892
36
قنطرة النفس
وقد روي عن أبي ذر رحمه الله أنه قال: أوصاني خليلي: أن انظر إلى من هو دوني لا
(1)
إلى من هو فوقي. - يعني في أمر الدنيا - فهذه الأمور تكسب القناعة وعماد الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أياماً قليلة هو سبب التمتع دهوراً لا غاية لها فيكون
(2)
كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه في انتظار الشفاء، وذلك لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه، نسأل الله تعالى أن يرزقنا ذلك بمنة وكرمه وفضله إنه أرحم الراحمين.
الفصل الثالث: في ذم الغضب
قال الله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّة حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّة) (3). ذم الله الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنعم من
السكينة.
وفي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله مرني بعمل يدخلني الجنة وأقلل، قال: «لا وعن ابن عمرو أنه سأله عليه السلام فقال: ماذا ينقذني من غضب الله؟ قال: «لا
تغضب (5).
وعن ابن مسعود عنه عليه السلام أنه قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟». قلنا: الذي لا
يصرعه الرجال. قال: ليس ذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب (6). وفي حديث آخر: «ليس الشديد بالصرعة إنما من كفا غضبه ستر الله عورته». وقال بعض البلغاء: من رد غضبه هَد. وعن داود أو سليمان عليهما السلام - الشك مني - أنه قال: يا بني إياك وكثرة الغضب؛ [39] فإن كثرة الغضب / تستخف فؤاد الرجل الحليم.
من
غضبه.
(1) قال العراقي في المغنى (237/ 3) رواه أحمد وابن حبان في ا (2) الفقرة بنصها في إحياء علوم الدين (237/ 3).
(3) سورة الفتح الآية: 26.
أثناء حديث.
(4) أطراف الحديث عند البخاري (35/ 8)، والترمذي، (2020)، أحمد (175/ 2)، البيهقي في السنن
الكبرى (105/ 10)، الحاكم (615/ 3)، وقال العراقي في المغني (161/ 3) رواه البخاري. (0) قال العراقي في المغني (161/ 3) رواه الطبراني في مكارم الأخلاق وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن، وهو عند أحمد، وأن عبد الله بن عمرو هو السائل.
(6) قال العراقي في المصدر السابق: رواه مسلم (3/36)
صفحة 893
قنطرة النفس
37
وعن عكرمة في قوله تعالى: {وَسَيِّداً وحَصُورا) (1). قال: السيد الذي لا يغلبه
الغضب.
وعن أبي الدرداء قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: «لا
(2)
وعن يحيى بن زكريا أنه قال لعيسى عليهما السلام لا تغضب. قال: لا أستطيع أن لا أغضب إنما أنا بشر. قال: لا تقتن مالاً.
قال: هذا عسى.
وعن النبي لو أنه قال: الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل (3). وعنه أيضاً أنه قال: «ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم» (4). وقال رجل: أي شيء أشد من جهنم؟ قال: «غضب الله». قال: فما يبعدني من غضب الله؟ قال: «أن لا تغضب)
(o),
وعن الحسن أنه قال: يا ابن آدم كلما غضبت وثبت يوشك أن تثب وثبة فتقع في النار. وعن ذي القرنين رحمه الله: أنه لقي ملكاً من الملائكة فقال: علمني علماً ازداد به إيماناً ويقيناً. قال: لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فردّ الغضب بالكظم وأسكنه بالتؤدة وإياك والبعيد ولا تكن جباراً عنيداً.
وعن وهب بن منبه أن راهباً كان في صومعة فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع، فجاءه حتى ناداه فقال: افتح فلم يجبه. فقال: افتح فإني إن ذهبت ندمت، فلم يلتفت إليه. فقال: المسيح. فقال الراهب: وإن كانت المسيح فما أصنع بك، ألست أمرتنا بالعبادة والاجتهاد
أنا
،
(1)
ووعدتنا القيامة، فلو جئتنا اليوم بغير ذلك لم نقبله منك. قال: فقال: إني الشيطان وقد أردت أن أضلكم فلم استطع فجئتك لتسألني عما شئت فأخبرك. قال: ما أريد أن أسألك عن
(1) سورة آل عمران الآية: 39.
(2)
(3)
(4)
قال العراقي في المغني (161/ 3) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير، والأوسط بإسناد حسن. قال العراقي في المصدر السابق: رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده بسند ضعيف.
وقال العراقي في المصدر السابق رواه البزار وابن عدي من حديث ابن عباس: للنار باب لا يدخله إلا من شفي غيظه بمعصية الله وإسناده ضعيف.
(5) قال العراقي في المغنى (162/ 3) رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمر وبالشطر الأخير منه، قال أيضاً: رواه الطبراني في مكارم الأخلاق، وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن، وهو عند أحمد، وأن
عبد الله بن عمرو هو السائل.
(6) في الأصل: إنه هو» والتصويب من إحياء علوم الدين (162/ 3). (3/37)
صفحة 894
38
قنطرة النفس
[40] شيء. قال: فولى مديراً. فقال له الراهب ألا تسمع؟ / قال: بلى قال: أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال: الحدة، إن الرجل إذا كان حديداً قلبناه كما تقلب الصبيان
الكرة.
وقال بعض العلماء: إن الشيطان يقول: وكيف يغلبني ابن آدم؟ فإذا رضي جئت حتى
أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه.
وعن جعفر بن محمد أنه قال: الغضب مفتاح كل شيء. وقال بعض الأنصار: رأس الحمق الحدة، وقائده الغضب، ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم [و] (1) الحلم، زين ومنفعة، والجهل شين ومضرة والسكوت عن الأحمق جوابه.
وعن مجاهد أنه قال: قال إبليس: ما أعجزني بنوا آدم ولم يعجزوني في ثلاث: إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامتيه، وقدمناه حيث شئنا وعمل لنا بما أجبنا، وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم و نبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه.
وقيل لحكيم: ما أملك فلاناً لنفسه؟! فقال: إذاً لا تذله الشهوة، ولا يصرعه الهوى،
،
ولا يغلبه الغضب. وقال بعضهم: إياك وغرة الغضب فإنه يصيرك إلى ذل الاعتذار. وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب، وما علمك بأمانته إذا لم يطمع.
أن ويروي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله: أن لا تعاقب عند غضبك فإذا غضبت على رجل فاحبسه، وإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر
سوطاً.
وقال بعض السلف لابنه: يا بني لا يثبت العقل عند الغضب كما لا يثبت روح الحي في [41] التنور المسجود، فأقل الناس غضباً، أعقلهم، فإن كان للدنيا كان داهياً / مكراً وإن كان للآخرة
كان علماً وحلماً.
ويقال: الغضب عدو العقل والغضب غول العقل وكان عمر رضي الله عنه إذا خطب يقول في خطبته: أفلح منكم من حفظ عن الهوى والطمع والغضب. وقال بعض العلماء: من
أطاع غضبه وشهوته، أدياه إلى النار.
(1) ما بين المعقوفين زيادة من إحياء علوم الدين الموضع السابق. (3/38)
صفحة 895
39
قنطرة النفس
وقيل: إنه قيل لابن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة. فقال: ترك الغضب. ويروى أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لمن معه من تكفل لي أن لا يغضب فيكون في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا، ثم أعاد عليه فقال الشاب: أنا. ووفى له فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل في قول بعضهم: سمي به لأنه؛ تكفل بترك الغضب فوفي به وعن وهب بن منبه أنه قال: للكفر أربعة أركان: الغضب والشهوة
معي
والخرق والطمع
(1)
بيان حقيقة الغضب
اعلم أن الله سبحانه لما خلق الحيوان معرضاً للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه، وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحيمه من الهلاك والفساد إلى وقت الأجل المعلوم. أما السبب الداخل: فهو أنه (2). ركبه من الرطوبة والحرارة فهما متعاديتان متضادتان والحرارة تجفف الرطوبة حتى تتغشى أجزاءها، وتصير بخاراً يتصاعد منها، ولو لم يتصل بالرطوبة مدد الغذاء يجبر ما أنحل من أجوائها لفسد الحيوان. فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعث على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وتحلل ليكون ذلك حافظاً له من الهلاك بهذا السبب "
من
(3)
وأما الأسباب الخارجة: فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها / فافتقر إلى [42] قوة وحمية تثور من باطنه، فيدفع بها المهلكات عنه، فخلق الله الغضب فعجنه بطينة الإنسان فمتى قصد بمكروه اشتعلت نار الغضب، وثارت ثوراناً يغلي بها دم القلب وينتشر من العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر.
فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة بصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها وإنما ينصب الدم إذا غضب على من دونه، واستشعر القدر عليه. فإن صدر الغضب عَمَّن فوقه وكان معه إياس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجسد إلى جوف القلب وصار جزعاً، ولذلك يصفر اللون وإن كان على نظير شك فيه تولد منه تردد من انقباض و انبساط فيحمّر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الغضب
(1) الفقرة بتمامها في إحياء علوم الدين (162/ 3: 163). (2) في الأصل: «أن». والتصويب من المصدر السابق. (3) راجع السبب الداخل بنصه في المصدر السابق. (3/39)
صفحة 896
قنطرة النفس
محلها القلب، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها. فالانتقام قوة هذه القوة وهي على درجات ثلاث: في أول الفطرة من التفريط، والإفراط والاعتدال.
(2)
أما التفريط: ففقده هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه لا حمية له. ولذلك قال الشافعي: من استغضب ولم يغضب فهو حمار ومن استرضى ولم يرض فهو شيطان؛ لأن فقد قوة الغضب، والحمية فهو ناقص جداً وقد وصف الله تعالى الصحابة من بالشدة والحمية فقال: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ (1). وقال لنبيه عليه السلام: وجاهد الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (2) الآية. وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب. وأما الإفراط فهو أن تغلب عليه هذه الصفة / حتى يخرج من سياسة العقل والدين فمهما اشتدت نار الغضب اعمت صاحبها وأصممته عن كل موعظة ولا تبقي للمرء معها بصيرة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده الغضب عماً وصمماً، وإن استضاء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر
إذ ينطفاء نور العقل بدخان الغضب.
فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه وتسود الدنيا بأسرها ويكون دماغه مثل كهف أضرمت فيه نار فاسود وجهه وحمي مستقره وامتلأت بالدخان جوانبه وكان فيه سراج ضعيف، وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح أحسن حالاً وأرجى سلامة من النفس المضطربة غيظاً؛ إذ في السفينة من يحتال لتسكينها.
وأما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته إذ أعماه الغضب وأصمه وربما تقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب، فيموت صاحبه غيظاً كما تقوى النار في الكهف فيتشقق، وتنهد أعاليه على أسافله، فهكذا حال القلب مع الغضب.
وأما آثار الغضب في الظاهر: فانقلاب صورته وتغير وجهه، وارتعاد أطرافه، وانطلاق لسانه بما يستحيى من ذكره، وخفة عقله ووثوبه من مجلس كأنه نمر، وسرعة التفاته يميناً كأنه وشمالاً كأنه قرد، وعدم فهمه ما يسمع بهيمة، وقلة التفاته إلى من يعظه كأنه أحمق، ولو رأى الغضبان قبح صورته في حال غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته. وفي كتاب سراج الملوك: قال / وكان سبب موت مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين
(1) سورة الفتح الآية: 29. (2) سورة التحريم الآية: 9.
[43]
[44] (3/40)
صفحة 897
قنطرة النفس
41
أخيه سليمان بن عبد الملك كلام فعجّل عليه سليمان فقال: يا من يلحق أمه. ففتح فاه ليجيبه فأمسك. عمر بن عبد العزير على فيه وردّ كلامه وقال: يا ابن عبد الملك أخوك وإمامك. قال: قتلتني يا أبا حفص. قال: وما صنعت بك؟ فقال: رددت في جوفي أحر من الجمر، ثم مال بجنبه فمات من وقته.
وأما أثر الغضب في القلب مع المغضوب عليه: فالحقد والحسد، وإضمار السوء والشماتة بالمساءات، والحزن بالمسرات والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء وغير ذلك من القبائح فهذه ثمرة الغضب المفرط (1).
الذل
وأما ثمرة الضعيف الغضب (3) فقلة الأنفة من التعرض للحرم والزوجة والأم واحتمال من الأخساء، وهو أيضاً مذموم إذ من ثمرته عدم الغيرة على الحرم.
وقد روي عنه أنه قال: إن سعداً لغيور وأنا أغير من سعد والله أغير منا» (3). وقيل:، وإنما خلقت الغيرة لحفظ الأنساب إذ لو تسامح الناس فيها
لأجل ذلك حرم الفواحش،
لاختلطت الأنساب.
ضعف
ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها، ومن الغضب أيضاً الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات وقد قال عليه السلام: «خير أمتي أحداؤها (4) يعني في الدين. وقال تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله) (5). بل من فقد الغضب عجز من رياضة نفسه؛ لأن الرياضة إنما تثمر بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة، ففقد الغضب مذموم والله أعلم. وقال بعض العلماء: أول الغضب جنون / وآخره ندم. وفي الحكمة من أطاع الغضب حرم السلامة ومن عصى الحمق [45]
غمره الذل.
(1) راجع هذه الفقرة في المصدر السابق. (2) في الإحياء الحمية الضعيفة، (164/ 3).
(3)
قال العراقي في المغني (164/ 3): رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وهو متفق عليه من حديث المغيرة
بنحوه.
(4) قال العراقي في المغني (165/ 13): الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث علي بسند
ضعيف، وزاد الذين إذا غضبوا رجعوا.
(5) سورة النور الآية: 2. (3/41)
صفحة 898
42
قنطرة النفس
وأما الاعتدال في الغضب فهو الذي ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفاء حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عبادة وهو الوسط الذي وصفه عليه السلام حيث قال: «خير الأمور أوسطها» (1). وقد قال الله لنبيه عليه السلام: جَاهِدِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (2). وقال
أيضاً: {وَاخْفِضْ جِناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (3).
ويروى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني لا تكن حلواً عند السفهاء فيبتلعونك ولا مراً عند الفقهاء فيرفضوك.
وفي المثل: لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر إشارة إلى وسط الأمور، فمن مال غضبه إلى الفتور والضعف حتى أحس من نفسه ضعيف الغيرة واحتمال الذل في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوي غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه ليكسر من فوره الغضب ويقف على الأوسط بين الطرفين وهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف فهذه حقيقة الغضب ودرجاته.
فصل
وأما هل يمكن إزالة الغضب بالرياضة فقد اختلف في ذلك، ولكن الحق فيه، ما نذكره وذلك أن الذي يغضب الإنسان من أجله ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما هو ضرورة في حق الكافة وهو القوت المسكن والملبس وصحة البدن، فمن قصد بدنه بالضرب أو الجرح فلا بد أن يغضب، وكذلك ما يواري عورته أو يسد جوعته، [46] أو إخراج من داره لا يخلو الإنسان من غيظ على / من أخذ منه هذه الأشياء.
الثاني: ما ليس بضروري كالجاه وفضول المال، فإن الزاهد في الدنيا ربما لا يغضب إذا
أخذ منه لعدم حبه له، وأما الراغب فيها فإنه يغضب لأنه محبوب عنده.
الثالث: ما يكون ضرورياً في حق بعض الناس كأدوات الصناع، وكتب العالم، فإن هؤلاء يغضبون إذا أخذت منهم لأنهم بها يتوصلون إلى المكاسب فصارت محبوبة عندهم وهذا
(1) قال العراقي في المغني: (165/ 3): رواه البيهقي في الشعب مرسلاً.
(2) سورة التحريم الآية: 9. (3) سورة الشعراء الآية: 215. (3/42)
صفحة 899
قنطرة النفس
43
أيضاً يختلف بالأشخاص وإنما الحب الضروري ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أصبح أمِنَا في سربه معافاً في بدنه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (1). ومن كان بصيراً بحقائق الأمور وسلمت له هذه الثلاثة. يتصور أن لا يغضب في غيرها.
وأما إزالة الغضب من القلب: فهو مقتضى الطبع فذلك غير ممكن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب حتى تحمر وجنتاه حتى قال: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر (2) وعن
(2)
علي بن أبي طالب أنه قال: كان عليه السلام لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه الحق لم يقربه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له فكان لا يغضب إلا على الحق (3)
(3)
ونعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري إذا كان القلب مشغولاً بضروري أهم منه فلا يكون في القلب متسع للغضب لاشتغاله بغيره فإن استغراق القلب ببعض المهمات يمنع الإحساس بما عداه، وهذا كما حكي أن سلمان رحمه الله لما شتم قال: إِن خَفَّت موازيني. شر مما تقول، وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول فكان همه مصرو مصروفاً إلى الآخرة فلم يتألم
قلبه بالشتم.
فأنا
ولذلك شتم الربيع بن خيثم، فقال: يا هذا قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة، إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول. وروي أن رجلاً [47] سب أبا بكر رضي الله عنه فقال: ما ستر الله عنك أكثر. فكأنه كان مشغولاً بالنظر في: نفسه فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة
قدره.
تقصير
أن وروي امرأة قالت لمالك بن دينار يا مرائي فقال ما عرفني غيرك فكأنه كان مشغولاً بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء فلم يغضب لما نسب إليه. فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا؛ لاشتغال قلوبهم بمهمات دينهم ويحتمل أن يكون قد أثر في قلوبهم ولكنهم لم يشتغلوا به والله أعلم (4).
(1)
(2)
قال العراقي في المغني (166/ 3) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبيد الله بن محصن دون قوله بحذافيرها» قال الترمذي حسن غريب.
قال العراقي في المغني: (167/ 3) رواه مسلم من حديث من جابر: كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه وللحاكم كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه واشتد غضبه. (3) قال العراقي في المصدر السابق رواه الترمذي في الشمائل.
(4) راجع هذه الآثار في إحياء علوم الدين للغزالي (167/ 3). (3/43)
صفحة 900
[48]
22
فصل: فيما يهيج الغضب
قنطرة النفس
وروي أن.
يحيى
قال لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد؟ قال: غضب الله. قال: فما يقرب من غضب الله؟ قال: أن تغضب. قال: فما يبدي الغضب؟ قال عيسى: الكبر، والفخر، والتعزز، الحمية.
وأما الأسباب التي تهيج الغضب فهي الزهو، والعجب والمزح، والهزل، والهزء، والتعيير، والمماراة والمضارة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً، فلا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالتها بأضدادها. فينبغي أن يميت الزهو بالتواضع ويميت العجب بالمعرفة بنفسه، ويزيل الفخر بأنه من جنسه عبده، إذا الناس يجمعهم في النسب آدم عليه السلام وإنما اختلفوا في الفضل. وأما المزح: فيزيله بالاشتغال بالمهمات الدينية التي يستوعب العمر دونها.
وأما الهزل فيزيله: بالجد في طلب الفضائل والعلوم الدينية. وأما الهزء: فيزيله بالتكرم عن إيذاء / الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ به. وأما التعبير: فبالحذر عن القول القبيح.
وأما شدة الحرص على فضول العيش: فيزال بالقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء وهكذا كل خلق رديء يزال بضده ويفتقر في ذلك إلى رياضة وتحمل مشقة، حتى يصير بالعادة مألوفاً هيناً على النفس (1) والله أعلم.
أمور:
فصل: في علاج الغضب
اعلم أن الغضب إنما يعالج عند هيجانه، بمعجون العلم والعمل، أما العلم فهو خمسة
أحدها: أن يتفكر من الأخبار التي تأتي من فضل كظم الغيظ والحلم ويرغب في ثوابها
فيمنعه عن التشفي والانتقام وينتفي غضبه.
وعن مالك بن أوس قال: غضب عمر على رجل وأمر بضربه، فقلت: يا أمير المؤمنين خُذِ العَفْوَ وَأْمُر بِالْعُرْفِ) (2) وكان وقافاً (3) على كتاب الله مهما تلي عليه، كثير التدبر فيه،
(1) راجع هذه الأسباب بشيء من التفصيل في كتاب إحياء علوم الدين (168/ 3).
(2) سورة الأعراف الآية: 199. (3) في الأصل: «واقفاً» وهو تحريف. (3/44)
صفحة 901
[49]
45
قنطرة النفس
فتدبرها وخلي الرجل. قال: وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم تلى قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (1). قال لغلامه: خلّ عنه.
الثانية: أن يخوف نفسه بعذاب الله تعالى وقد روي أن الله سبحانه يقول في بعض الكتب: يا ابن آدم اذكرني حيث تغضب أذكرك حيث أغضب فلما أمحقك فيمن أمحق. أن ويروي
النبي صلى الله عليه وسلم بعث وصيفاً إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال: «لولا القصاص
لأوجعتك (2) أي القصاص في القيامة.
قيل: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة وفيها: أرحم المساكين واخش الموت وأذكر الآخرة فكان يقرأها حتى يسكن غضبه.
الثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وتشمر العدو بمقابلته، والسعي في هدم / أغراضه والشماتة بمصائبه، فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة، وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب، وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه إلا أن يكون محذوره أن يشوش فراغه للعلم أو للعمل للآخرة فيكون مثاباً عليه.
الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند غضبه، بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه، ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي، ومشابهة التارك للغضب للأنبياء والحكماء، ويخير نفسه بأن يشبه الكلاب والسباع وأراذل (3) الناس، وبين أن يشبه الأنبياء والعلماء ليميل بالاقتداء إليهم إن كان قد بقي معه مسكة
من عقل.
الخامس: أن يتفكر من السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ولا بد أن يكون له سبب مثل قول الشيطان له: إن هذا عمل منك بالعجز والمهانة تصير به حقيراً في أعين الناس، فليقل لنفسه: ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين، من خزي يوم القيامة أفلا تحب أن تكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة: ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفي فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يقرره على نفسه.
(1) سورة آل عمران الآية: 134.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (169/ 3) رواه أبو يعلى من حديث أم سلمة بسند ضعيف. (3) في الأصل: «أرذال». والتصويب من إحياء علوم الدين (169/ 3). (3/45)
صفحة 902
46
قنطرة النفس
وأما العمل فبأن يقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن
يقول عند الغضب
(1)
ويروى أنه عليه السلام كان إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال: «يا عويش قولي اللهم
رب محمد اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن (2).
أن يقول ذلك، فإن لم يزل بذلك فليجلس إن كان قائماً وليضطجع إن كان ويستحب [50] جالساً وليقرب من الأرض التي منها خلق؛ ليعرف بذلك ذل نفسه وليطلب بالجلوس والاضطجاع السكوت فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة.
وقد روي عن النبي لو أنه قال: إن الغضب جمرة تتوقد في القلب ألم تروا إلى انتقاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليجلس وإن كان جالساً فلينم، فإن لم يزل ذلك فليتوضأ أحدكم بالماء البارد وليغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء (3).
وعنه أيضاً قال: «إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإن الغضب من النار» (4). وفي رواية أخرى: «إن الغضب من الشيطان وأن الشيطان خلق من نار وإنما تطفاء النار بالماء».
أن وروي عمر رضي الله عنه غضب يوماً فدعا بماء فاستنشق وقال: إن الغضب من الشيطان وهذا يذهب الغضب. وقال بعض الحكماء: داووا الغضب بالكسوت وروي عن عوف بن محمد قال: لما استعملت على اليمن قال لي أبي: أوليت؟ قلت: نعم. قال: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم انظر إلى خالقهما. وروي أن أباذر قال لرجل: يا ابن الحمراء من خصومة بينهما فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر بلغني أنك اليوم عترت رجلاً بأمه». قال بلى فانطلق أبو ذر ليرضي صاحبه فسبقه الرجل فسلم عليه. فذكر
(1) كذا في الأصل وفي إحياء علوم الدين الغيظ، وقال العراقي تعليقاً على الحديث: متفق عليه من حديث سليمان بن صرد قال كنت جالساً مع النبي ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه. الحديث .. وفيه: لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد، فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. الحديث.
(2) قال العراقي في المغني (170/ 3) رواه ابن السني في اليوم والليلة من حديثها. (3) قال العراقي في المصدر السابق: رواه الترمذي من حديث أبي سعيد دون قوله: «توقد» وقد تقدم ورواه
بهذه اللفظة البيهقي في الشعب.
(4) وقال في المصدر نفسه: رواه أبو داود من حديث عطية السعدي. (3/46)
صفحة 903
قنطرة النفس
47
ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر ارفع رأسك وانظر، ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل» ثم قال: إذا غضبت فإن كنت قائماً فاضطجع (1).
وعن المعتمر بن سليمان أنه قال: كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد عليه غضبه فكتب ثلاث صحائف، فأعطى كل صحيفة منها رجلاً وقال الأول: إذا غضبت فاعطني / هذه. [51] وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فاعطني هذه وقال للثالث: إذا ذهب غضبي فاعطني هذه فاشتد غضبه يوماً، فأعطي الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت وهذا الغضب؟ إنك لست باله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً، فسكن بعض غضبه. فأعطي الثانية: فإذا فيها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. فأعطى الثالثة فإذا فيها: خذ الناس بحق الله؛ فإنه يصلحهم إلا ذلك أي لا تعطل الحدود. قال: وغضب المهدي يوماً على رجل، فقال: شبيب لا تغضبن؛ الله بأشد من غضبه لنفسه. فقال: خلوا سبيله (2 له (2).
لا
فصل: في فضيلة كظم الغيظ
(3)
قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (3). فذكر ذلك في معرض المدح وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره، ومن خزن
لسانه
ستر الله عورته» (4).
وعنه أنه قال: «أشدكم من غلب نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا
القدرة (5).
بعد
(1) قال العراقي في المغني: (171/ 3) رواه ابن أبي الدنيا في العفو وذم الغضب بإسناد صحيح، وفي الصحيحين من حديثه قال: كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ولأحمد أنه قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى ورجاله ثقات.
(2) راجع الباب بأكمله في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (169/ 3: 171). (3) سورة آل عمران الآية: 134. (4) قال العراقي في المغني: (171/ 3) رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي وفي شعب الإيمان واللفظ من حديث أنس بإسناد ضعيف ولابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر من ملك غضبه وقاه الله عذابه
الحديث.
(5) قال العراقي في المصدر السابق: رواه ابن أبي الدنيا من حديث على بسند ضعيف، والبيهقي في الشعب بالشطر الأول من رواية عبد الرحمن بن عجلان مرسلاً بإسناد جيد، وللبزار، والطبراني في مكارم
الأخلاق واللفظ له من حديث أشدكم أملككم لنفسه عن الغضب وفيه عمران القطان مختلف فيه. (3/47)
صفحة 904
48
قنطرة النفس
وعنه عليه السلام: (من كظم غيظاً لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم رضا (1). وفي رواية أخرى: «ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً».
القيامة
وعن ابن عمر عنه عليه السلام قال: ما جرع عبد جرعة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله (2). وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لجهنم باباً لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كظم غيظه وهو يقدر (3) على أن ينفذ دعاه الله
[52] على رؤوس الخلائق يختار أي الحور شاء».
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة، ولا تشف غيظك بفضيحتك، واعرف قدرك تنفعك معيشتك.
وقال بعض العلماء: حلم ساعة يدفع شراً كثيراً ويقال: أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع قال: وشتم رجل بعض العلماء فقال: لست أدخل في حرب الغالب فيها شر من المغلوب.
خير
ويروي أن رجلاً قال لأبي ذر رحمه الله: أنت الذي نفاك معاوية من الشام لو كان فيك ما نفاك. فقال: يا ابن أخي إن من وراثي عقبه كؤد إن نجوت منها ما ضرني ما قلت، وإن لم أنج منها فأنا شر مما قلت. وقال رجل لأحنف بن قيس: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً. فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع مني واحدة قال: وسب رجل بعض الحكماء فاعرض عنه. فقال: إياك عني. فقال له الحكيم وعنك أعرض. وفي هذا المعنى
قال الشاعر:
قل مَا بَدَا لَكَ من زور ومن كذب حلمي أعم وأذني غيرُ صَمّاء
(1) وقال أيضاً عن هذه الحديث رواه ابن أبي الدنيا بالرواية الأولى من حديث ابن عمر، وفيه سكين بن أبي سراج تكلم فيه ابن حبان، وأبو دواد بالراوية الثانية من حديث رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه،
ورواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة وفيه من لم يسم.
(2) وقال العراقي أيضاً عنه في نفس المصدر: حديث ابن عمر ... رواه ابن ماجه. (3) في الإحياء (146/ 3، 172): «قادر». وقال العراقي في المغني بهامش الرقم الأول: رواه أبو داود،
والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث معاذ بن أنس. (3/48)
صفحة 905
قنطرة النفس
49
وقيل لعمر بن عبيد: إن فلاناً نال منك. فقال: الموت يعمنا والحشر يضمنا، والقيامة
تجمعنا، والرب يقضي بيننا.
ويروى أن امرأة كانت تغزل فجاءت صبية فقطعت لها غزلها سبعين مرة، فلم تغضب.
فقيل لها في ذلك فقالت: يجزيني الله فأجتهد. أكون من الصالحات.
ويروي
حتى
أن عيينة بن حصن كان له ابن أخ وكان عمر رضي الله عنه يدنيه، فدخل عيينة
يوماً مع ابن أخيه على عمر. فقال عيينة: والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل.
/ فغضب عمر حتى عرف الغضب في وجهه، فقال ابن أخي عيينة: يا أمير المؤمنين ألم [53]
تسمع قول الله تعالى: (خُذ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (1). فقال عمر: صدقت، فكأنما كنت (2) ناراً فاطفئت. وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله، إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
ويروى أن رجلاً قال لسلمان رحمه الله: يا أبا عبد الرحمن أوصني. فقال: لا تغضب. قال: لا أقدر. قال: فإن غضبت فأَمسِكَ لسانك ويدك (3) والله أعلم.
فصل: في فضيلة الحلم
تكلف
اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم: وهو الحلم بالمجاهدة حتى يكون له ذلك عادة، فإذا هاج غيظه لم يكن عليه في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل، وإنكسارة قوة الغضب، وخضوعها له، ولكن ابتداء التحلم وكظم الغيظ تكلف.
وقد قال عليه السلام: إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه» (4). أشار بهذا أن اكتساب الحلم طريقة التحلم. أولاً وتكلفه، كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم. وقيل للأحنف بن قيس: ما أحلمك؟! فقال: لست بحليم ولكني أتحلم،
(1) سورة الأعراف الآية: 199.
(2) في الإحياء .. كانت (172/ 3).
(3) راجع الباب مختصراً في إحياء علوم الدين الموضع السابق.
(4) قال العراقي في المغني (172/ 3) رواه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند
ضعيف.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 4 (3/49)
صفحة 906
[54]
قنطرة النفس
والله إني لأسمع الكلمة وأحمى لها ثلاثاً وما يمنعني من جوابها إلا خوف من أن أسمع شراً
منها. وقد قال الشاعر:
وليس يتم الحلم للمرء راضياً إذا كان عند السُّخط لا يتحلَّمُ كما لا يتم الجود للمرء موسراً إذا كان عند العسر لا يتحشّم وعن أكثم بن صيفي أنه قال: لا يكون الرجال حليماً حتى يقول السفيه / إنه لضعيف مستذل، ولا يكون مخلصاً حتى يقول الأحمق إنه لمفسد. ويقال إن (1) أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الْجَهْلِ وَالْخَنَا أَصَبْتَ حَلِيماً أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ
فَتُصْبِحُ أَمَّا نَالَ عِرْضَكَ جَاهِلٌ سفية وَإِمَّا نِلْتَ مَا لَا تُحَاوِلُ فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد واجتلاب الحمد. وعن سفيان ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزلت علي هذه الآية: خُذ العفو). قال: يا جبريل: ما هذا؟». قال: لا أدري حتى أسأل العليم، ثم عاد جبريل فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتُعطِيَ من حَرَمَك وتعفو عمن ظلمك. أنه قال: «لما تركت الآية قال جبريل: يا محمد إني أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة: خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (2). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
وروي
خمس من سنن المرسلين: الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر (3). وعنه أيضاً أنه قال: إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جباراً وما يملك إلا أهل بيته (4).
وعنه أيضاً أنه قال: «إن الله يحب الحليم الحيى ويبغض الفاحش البذيء» (5) وعن
(1) في الأصل: من وأحسبه تحريف من الناسخ. (2) سورة الأعراف الآية: 199. (3) قال العراقي في المغني (173/ 3) رواه أبو بكر بن أبي عاصم في المثاني والأحاد، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية مليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده، والترمذي وحسنه من حديث أبي أيوب أربع فأسقط الحلم والحجامة وزاد: النكاح.
(4) وقال العراقي المغني في الموضع السابق: رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف. (0) أورد الغزالي في الإحياء أتم منه (174/ 3) وعلق عليه العراقي بهامشه فقال: رواه الطبراني من حديث
سعد: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. (3/50)
صفحة 907
قنطرة النفس
01
علي بن أبي طالب أنه قال: من حلم ساد، ومن تفهم ازداد وقال بعض العلماء: من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة السلم، وينشد:
أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعِيبَ وأَنْ أُعَابَا وَأَصْفَحُ عَن سِبَابِ النَّاسِ حِلْماً وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ يَهْوى السَّبَابَا
وَمَن هَابَ الرِّجَالَ تَهَيَّبُوه وَمَنْ حَفَرَ الرِّجَالَ فَلَنْ يُهَابَا ويروى أن بعض السلف من المسلمين قال: اللهم ليس عندي / صدقة أتصدق بها فأيما [0]
رجل أصاب من عرضي شيئاً فهو عليَّ صدقة. فأوحى الله إلى النبي: أنه غفر له (1). وعن النبي لا أنه قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم». قالوا: وما أبو ضمضم؟ قال: رجل ممن كان قبلكم إذا أصبح يقول: اللهم إني أتصدق اليوم بعرضي على عبادك (2). وقيل في قوله تعالى: {رَبَّانِيِّينَ) (3). أي علماء حكماء. وحد الحلم ضبط النفس عند هجيان الغضب وهذا يكون لباعث وسبب. وأسباب الحلم الباعثة عن ضبط النفس
عشرة:
(r),
(?)
أحدها الرحمة للجاهل: وذلك من خير يوافق رقة. وعن الحسن في قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما (4). قال: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وعن عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً). أي حلماء.
صفحوا.
وعن مجاهد في يقوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغَوِ مَرُّوا كِرَاماً (5). أي إذا أوذوا
ويروى أن ابن مسعود رحمه الله مرّ بلغو معرضاً، فقال عليه السلام: «أصبح ابن مسعود
(1) قال العراقي في المغني (173/ 3) رواه أبو نعيم في الصحابة، والبيهقي في الشعب من رواية عبد المجيد بن أبي عيسى بن جبر عن أبيه عن جده بإسناد لين، زاد البيهقي عن علية بن زيد، وعلية هو الذي قال ذلك كما في أثناء الحديث وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنه رواه ابن عيينة عن عمرو بن
دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلاً من المسلمين ولم يسمه - وقال أظنه أبا ضمضم ـ قلت: وليس بأبي ضمضم وإنما هو علية بن زيد أبو ضمضم ليس له صحبة وإنما هو متقدم.
(2) طرفه في موضع أوهام الجمع والتفريق للبغدادي (27/ 1). سورة آل عمران الآية: 79.
(3)
(4)
سورة الفرقان الآية: 63.
(5) سورة الفرقان الآية: 72. (3/51)
صفحة 908
52
قنطرة النفس
وأمسى كريما (1) ثم تلى إبراهيم بن ميسرة وهو الراوي فيما قيل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُوا کر امام. وقيل في منثور الحكم من أوكد الحلم رحمة الجهال.
ويروي
أن رجلاً سَبَّ الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل، وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله هاهنا؛ فإني أخاف أن يسمعه فتيان الحي
فيؤذوك.
وعن أبي الدرداء أنه قال للرجل وقد اسمعه كلاماً: يا هذا لاتفرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً؛ فإنا لا نكافاء مَنْ عصَى فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. قالوا: واغتاظت عائشة رضي [56] الله عنها على خادم لها /، ثم رجعت إلى إلى نفسها فقالت: الله در التقوى ما تركت لذي غيظ
شفاء.
عليه.
وحسن
الثقة
والثاني من أسباب الحلم القدرة على الانتصار: وذلك من. سعة الصدر وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة
وقد روي أن معاوية قسم قطفاً، فأعطى شيخاً من أهل ذي مشق قطيفة فلم تعجبه، فحلف أن يضرب بها رأس، معاوية فأتاه فأخبره، فقال معاوية أوف بنذرك وليرفق الشيخ
بالشيخ.
والثالث من أسبابه الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة كما قالت الحكماء شرف النفس أن تتحمل المكاره كما تتحمل المكارم وقد قيل: إن الله عز وجل سمّى يحيى سيد الحلمة. قال الشاعر.
لَنْ يَبْلُغَ الْحِلْمَ أَقْوَامٌ وَإِنْ كَرُمُوا حَتَّى يَذِلُّوا وَإِنْ عَزَّوا الأَقْوَام ويشتموا وَتَرَى الأَلْوَانَ مُسْفِرة لا صَفَح ذُلُّ وَلَكِن صَفح إكرام والرابع من أسبابه الاستهانة بالسباب: وذلك عن ضرب من الكبر والاعجاب، كما حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق وجلس يوماً لعطاء الجند فأمر مناديه فنادى ابن عمر بن جرموز وهو الذي قتل أباه الزبير فقال: أيها الأمير إنه قد باعد في الأرض، فقال: أوظن الجاهل أني اقيده بأبي عبد الله فليظهر آمناً وليأخذ عطاه موفراً. فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر. وفي مثل ذلك قال بعض الشعراء:
(1) قال العراقي في المغني (173/ 3) رواه ابن المبارك في البر والصلة. (3/52)
صفحة 909
قنطرة النفس
اوَكُلَّمَا طَنَّ الدُّبَابُ طَرَدْتُه إِنَّ اللُّبَابَ إِذَا عَلَيَّ كَرِيمُ
53
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من لم تكن فيه واحدة
منهن فلا يُعتَدَّن / بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله وحلم يكف السفيه به، [57] وخلق يعيش به في الناس (1).
الخامس من
(1) ,
أسبابه الاستحياء من جزاء الجواب وهذا يكون من صيانة النفس وكمال المروءة، قال بعض الحكماء: احتمال السفيه أيسر من التحلي بصورته والأغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته. وقال بعض الأدباء: ما أفحش حليم ولا أوحش كريم. وينشد للقيظ بن
زرارة:
وَقُلْ لِبَني سَعْدٍ فَمَالِي وَمَالَكُمْ تَرْقَوْنَ مِني مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَعْتَقِ اغَركُمْ أَنِي بِأَحْسَنِ شِيمةٍ بَصِيرٌ وَأَنِّي بِالْفَوَاحِشَ أَخْرَق وَإِنَّكَ قَدْ فَاحَشْتَنِي فَقَهَرَتْنِي هَنِياً مرئياً أَنْتَ بِالْفُحْشِ أَحْدَق والسادس من أسبابه التفضّل على السباب: وهذا قد يكون من الكرم وجب التألف كما أنه قيل للإسكندر: إن فلاناً وفلاناً ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهما، فقال: هما بعد العقوبة اعذر في تنقيصي وثلبي. فكان هذا تفضلاً منه وتألفاً. وقد روي عن النبي أنه قال: اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان: لا يتبعون فيه
روي
العليم
(2)، ولا يستحيون فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب». وروي أنه عليه السلام قال للأشح وقد وفد عليه وكان ذميم الصورة، فأناخ راحلته، ثم طرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العبية ثوبين حسنيين فلبسهما، وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن جلود الرجال لا يستقى فيها الماء وإنما يحتاج من المرء إلى أصغريه - يعني القلب، واللسان - فقال عليه السلام: بلى فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله». قال: وما هيتا؟ قال: «الحلم والأناة». فقال: هذا شيء حدث أم شيء / جبلت عليه؟ فقال: «شيء جبلت عليه (3). فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.
(1)
قال العراقي في المغني (174/ 3): رواه أبو نعيم في كتاب الإيجاز بإسناد ضعيف، والطبراني من حديث
أم سلمة بإسناد لين.
(2) في الأصل العلم والتصويب من الإحياء والمغني (173/ 3) وقال العراقي رواه أحمد من حديث
سهل بن سعد بسند ضعيف.
(3) قال العراقي عن نحوه في المغني (174/ 3) متفق عليه.
[0] (3/53)
صفحة 910
54
قنطرة النفس
وقد حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما عداني أحد إلا أخذت في أمره بأحد ثلاث خصال: إن كان أعلى مني رفعت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان عديلي تفضلت عليه. فأخذه محمود الوراق، وقيل: الخليل بن أحمد ونظمه شعراً فقال:
(1)
سَألْزِمُ نَفْسِيَ الصَّفْحَ عَنْ كُلِ مُذْنِبِ وَإِنْ عَظُمَتْ مِنْهُ إِلَيَّ الْجَرَائِمُ وَمَا النَّاسُ إِلا وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمِثْلي) مُقَاوِمٌ فأمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِفُ قُدْرَهُ وأَتَّبِعُ فِيهِ الْحَق وَالْحَقَّ لازم فَأَمَّا الَّذِي دُوْنِي فَإِنْ قَالَ صَنَتْ عَنْ إجَابَتِهِ عَرْضِي وَإِنْ لَامَ لَائِمُ وَأَمَّا الَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلُّ أَوْهَنَا تَفَضَّلْتُ إِنْ الْفَضْلَ بِالْحُرِ (2) حَاكِمُ والسابع من أسبابه استكفاف الساب وقطع السباب: فهذا يكون من الحزم كما حكي أن رجلاً قال الضرار بن القعقاع والله لو قلت واحدة لسمعت عشراً فقال ضرار: والله لو قلت عشراً لم تسمع واحدة. وعن علي بن أبي طالب أنه قال لعامر بن مرة الزهري: من أحمق الناس؟ قال: من ظن أنه أعقل الناس قال: صدقت فمن أعقل الناس؟ قال: من من لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال. وينشد في الحلم:
وفي الْحِلْمِ رَدْعُ لِلْسَفِيهِ عَنِ الْأَذَى وَفِي الْخَرْقِ إِغْرَاء فَلَا تَكُ أَخْرَقَا فَتَدَمُ إِذْ لَا تَنْفَعَنَّكَ نَدَامَةٌ كَمَا نَدِمَ الْمَغْبُونُ لَمَّا تَفَرَّقَا
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم. وعن
(r)
علي قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، [09] وأن [ل] تباهي الناس / بعبادة ربك، فإذا أحسنت حمدت الله، وإذا أسأت استغفرت الله. وقال أكثم: دعامة العقل الحلم، وجماع الخير الصبر.
والثامن من أسبابه الخوف من العقوبة على الجواب: وهذا يكون من ضعف النفس وربما
أوجبه الرأي واقتضاه الحزم. وينشد:
أَرْفقُ إِذَا خِفْتَ مِنْ ذِي هَفْوَةٍ خَرْقاً لَيْسَ الْحَلِيمُ كَمَنْ فِي أَمْرِهِ خَرَقُ
(1) في الأصل: «مثل». والتصويب من الإحياء (175/ 3).
(2) في الإحياء الموضع السابق: «الحلم».
(3) في الإحياء: علمك وأحسبه الأصوب والأنسب
(4) ما بين المعقوفين من الإحياء (174/ 3). (3/54)
صفحة 911
[60]
55
قنطرة النفس
وفي منثور الحكم: الحلم حجاب الآفات.
والتاسع من أسبابه الرعاية ليد سالفة وحرمة لازمة وهذا يكون من الوفاء وحسن العهد. وقيل في منثور الحكم من ظهر غضبه قل كيده وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله وينشد:
تُعَاقِبُ أَيْدِينَا وَيَحْلُمُ رَأَيْنَا وَنَشْتِمُ بِالْأَفْعَالِ لا بالتكلم والعاشر من أسبابه المكر وتوقع الفُرص الخفية وهذا يكون من الدهاء والخفية. فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم وبعضها أفضل من بعض، وإنما الأولى بالإنسان أن يدعوه إلى الحلم أفضل أسبابه، وأفضلها ما اجتمع فيه سلامة الدنيا مع ثواب العقبى فإن عرى الحلم من أحد هذه الأسباب كان ذلاً ولم يكن حلماً لأنه قد تقدم في حدّ الحلم أنه ضبط النفس عند هيجان الغضب فإذا قعد الغضب عند سماع ما يغضب به كان ذلك من ذلك النفس، وقلة الحمية، ولذلك قال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة. قال الشاعر: / ليست الأَحْلامُ في حَالِ الرَّضَى أَنَّمَا الأحْلامُ فِي حَالِ الْغَضَب
آخر:
ومن
مَنْ يَدَّعِي الْحِلْمَ فَأَغْضِبْهُ لِتَعْرِفَهُ لا يُعْرَفُ الْحِلْمُ إِلَّا سَاعَةَ الْغَضَبِ فقد الغضب في الأشياء المغضبة حتى استوت حالتاه قبل الإغضاب وبعده فقد عدم من فضائل: النفس الشجاعة والأنفة، والحمية، والغيرة، والدفاع، والأخذ بالثأر لأنها خصال مركبة من الغضب. ويُنشد للنابغة وأنشدها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
وَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يَكْترا وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرًا
ويقال: لما أنشدها النابغة قال النبي: لا يفضض الله فاك (1).
(1) قال العراقي في المغني تعليقاً على الحديث (272/ 2) رواه البغوي في معجم الصحابة وابن عبد الاستيعاب بإسناد ضعيف من حديث النابغة واسمه قيس بن عبد الله قال: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا نرجو فيه فوق ذلك مظهرا الأبيات. ورواه البزار بلفظ: علونا العباد عفة وتكرما. الأبيات. وفيه فقال: أحسنت يا أبا ليلى لا يفضض الله فاك، وللحاكم من حديث خزيم بن أوس سمعت العباس يقول: يا رسول الله إني أريد أن = (3/55)
صفحة 912
[61]
قنطرة النفس
وشكر قوله، فإذا فقد الإنسان ما ذكرنا من الخصال التي هي نتائج الغضب فقد فَقَدَ المهابة، ومن فقد المهابة كان سفساف الأخلاق رذل الطباع فلا يبقى لسائر فضائله موضعاً. وقد حكي عن المنصور أنه قال: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة. وقال بعض الحكماء: العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم. وعن عمرو بن العاص أنه قال: أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم الثأر والعار. وقال مصعب بن الزبير: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا، وأنشد لأبي تمام الطائي: وَالْحَرْبَ تَرْكَبُ رَأْسَهَا فِي مَشْهَدِ عدل السَّفِيةُ بِهِ بَأَلْفِ حَلِيم
وقال آخر:
لَئِنْ كُنتَ مُختَاجاً إلَى الْحَلِيم إنَّنِي إِلَى الْجِهْلِ فِي بَعْضِ الْأَحَائِينِ أَحْوَجُ
فصل: في آثار واردة في الحلم
وعن ابن المبارك في قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (1). قال: هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت كاذباً يغفر الله لك وإن كنت صادقاً يغفر الله لي. وعن بعضهم قال شتمت فلاناً من أهل البصرة فحلم عني فاستعبدني بها زماناً من الدهر، قال: وسب رجل ابن عباس رضي الله عنه فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها، فنكس الرجل رأسه واستحيى.
ويروي
شهادتك.
أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز: أشهد أنك لمن الفاسقين، قال: ليس تقبل
وعن علي بن الحسين بن عليّ أنه سبه رجل فرمى عليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع في ذلك خمس خصال: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الزجل مما يبعده عن الله، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى المدح بعد الذم جمع
بشيء من الدنيا يسير.
أمتدحك، فقال: قل لا يفضض الله فاك فقال العباس:
ذلك
من قبلها طبت في الظلال وفي
الأبيات.
(1) سورة فصلت الآية: 34.
مست
الورق (3/56)
صفحة 913
قنطرة النفس
57
وعن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: لعرابة بن أوس بماذا سدت في قومك يا عرابة؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل فعلى فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير
منه.
وقال وهب بن منبه: من يرحم يُرحم ومن يَصمت يسلم، ومن يجهل يُغلب، ومن يعجل يُخطاء، ومن يحرص على الشر لا يسلم ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشتم) يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتولى الله يمنع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن لا يكن مع الله (2) / يخذل، ومن يستعن بالله يظفر. [62]
(1)
وعن أبي الدرداء أنه قال: أدركت الناس ورقاً لا شوك فيه فأصبحوا شوكاً لا ورق فيه، إن تقربهم أبعدوك، وإن تركتهم لم يتركوك. قالوا: كيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك. وقال علي: إن أول عوض الحليم أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل. وعن معاوية أنه قال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ
ذلك إلا بقوة الحلم.
وقال معاوية لعمر بن الأهتم: أي الرجال أشجع؟ قال: من رد جهله بحلمه. قال: أي الرجال أسخى؟ قال: من بذل دنياه لإصلاح دينه. وعن الأحنف بن قيس أنه قال لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه فإن أنصفك وإلا فاحذره.
وحكي أن أسلم بن نوفل سيد بني كنانة ضربه رجل من قومه بسيفه فأخذ فأُوتي به إليه فقال: أما خشيت انتقامي؟ قال: فلم سودناك إذا إلا أن تكظم الغيظ، وتعفو عن الجاني،
وتحلم عن الجاهل، وتتحمل المكروه في النفس والمال، فخلى سبيله فقال قائلهم:
يَسُودُ أقْوَامٌ وَلَيْسُوا بِسَادَةِ بَلْ السَّيِّدُ الْمَعْرُوفُ سَلَم بن نوفل الأحنف أنه قال: إياكم ورأي الأوغاد قال: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون العفو والصفح عاراً. وسئل الأحنف عن الحلم، فقال: هو الذل تصبر عليه ولست بحليم
وعن
ولكني صبور.
قال: ومرّ المسيح عليه السلام على قوم من اليهود فقالوا شراً، وقال خيراً، فقيل له في
ذلك، فقال: كل ينفق مما عنده.
(1) في إحياء علوم الدين (175/ 3): الشر، وأحسبه الأصوب. (2) في الموضع السابق ومن يأمن مكر الله. (3/57)
صفحة 914
58
قنطرة النفس
وقال بعض العلماء: الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمّى به. وقال رجل لأبي بكر [63] رضي الله عنه: والله لأسبنك سباً يدخل / معك قبرك، قال معك لا.
[64]
معي.
وقيل لبعض الصالحين: إن فلاناً يقع فيك فقال: لأغضبن من أمره. قال: ومن أمره؟ قال: الشيطان. وقال رجل لأخيه مررت بفلان وهو يقع فيك ويذكر أشياء رحمتك منها. قال: سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: فإياه أرحم.
وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان الأحنف يغضب؟ قال: لو لم يغضب ما بان حلمه كان يغضبه الشيء فيتبين في وجهه اليوم واليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم.
ويروي
أن بعض الحكماء دخل عليه صديق له فقدم له الطعام، فخرجت امرأة الحكيم وكانت سيئة الخلق فرفعت المائدة، وأقبلت على شتم الحكيم، فخرج الصديق مغضباً فاتبعه الحكيم، وقال: تذكر يوماً كنا في منزلك نطعم فسقطت على المائدة دجاجة فأفسدت ما عليها فلم يغضب منها أحد منا؟ قال: نعم.
قال: فاحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة، فسرى عن الرجل فأبصر، وقال: صدق الحكيم [الحلم] (1) شفاء من كل ألم. وروي أن رجلاً ضرب قدم حكيم فأوجعه، فلم يغضب فقيل له في ذلك فقال: أقمته مقام حجر عثرت بها وربحت الغضب. ومن أحكم ما قيل في تدبير الحلم والغضب هذه الأبيات:
إِذَا أَمِنَ الْجُهَّالُ جَهْلَكَ مَرَّةً فَعَرْضُكَ لِلْجُهَالِ عَنْمُ مِنَ الْغَنْمِ فَعَمَّ عَلَيْهِ الْحِلْمُ وَالْجِهْلُ وَالْقِيهِ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْعَدَاوَةِ والسِّلْ إذا أنتَ جَارَيْتَ السَّفِيةَ كَمَا جَرَى فَأَنْتَ سَفِيْهُ مِثْلَهُ غَيْرَ ذِي حِلْمِ وَلَا تَغْتبَنَّ عَرْضَ السَّفِيةَ وَدَارِهِ بِحِلْم فَإِنْ أَعْبَا عَلَيْكَ فَبِالصَّرْمِ فَيَرْجُوكَ تَارَةً وَيَخْشَاكَ تَارَة تَأْخُذُ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِالْحَزْمِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ بُداً مِنَ الْجِهْلِ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِجَهَالِ فَذَاكَ مِنَ الْعَزْمَ
/ فهذا التدبير إنما يستعمل فيمن لم يجد الإنسان من مقاربته ولا سبيل إلى إطراحه إما لخوف شره أو للزوم، أمره، فأما من أمكن إطراحه فلم يضر إبعاده، فالاعراض عنه أصون،
وعلى النفس أهون، والله أعلم.
(1)
ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين للغزالي (175/ 3) ومعظم الآثار الوارده هنا منه. (3/58)
صفحة 915
[70]
قنطرة النفس
59
فصل: في بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام قال الله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعُدَ ظُلْمِهِ فَأَوْلَئِكَ مَا عَلِيْهِم مِّنْ سَبِيلِ) (1). وهذا في
القصاص والغرم على ما ورد به الشرع. وقال عليه السلام: «إذا قال الرجل لصاحبه يا كافر، وقال له الآخر كذلك، فقد باء بالكفر أحدهما، والبادي أظلم (3). ولكن ورد الشرع بأشياء من الظلم لا تجوز مقابلة الظلم بمثله فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ولا التجسس بالتجسس، ولا القذف بالقذف، ولا الشرك بالشرك، ولا السب بالسب وقد قال عليه السلام: «المتسابان
شيطانان يتهاتران.
عنه
فلما
قال: «وإن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعير بما فيه ويروى أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله وهو ساكت فلما ابتدا ينتصر منه قام النبي الله فقال أبو بكر: كنت ساكتاً لما شتمني تكلمت قمت؟ قال: «لأن الملك كان يجيب عنك فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أكن أجلس في مجلس فيه الشيطان (3).
وقال قوم: تجوز المقابلة بما لا كذب فيه ونهيه عليه السلام عن التعبير بمثله نهي تنزيه، والأفضل تركه ولكنه لا يعصي والذي رخص فيه أن يقول: من أنت؟ وهل أنت إلا من فلان، كما روي عن سعيد أنه قال لابن مسعود: وهل أنت إلا من بني هذيل؟ فقال ابن مسعود: وهل أنت إلا من بني أمية؟ ومثل قوله: يا أحمق.
بني
من
/ وقال بعضهم: كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الناس أقل حماقة بعض، وكذلك قوله يا جاهل إذ ما من أحد إلا وفيه جهل، وكذلك يا ستيء الخلق يا صفيق الوجه، ويا ثلاب الأعراض وما أحقرك في عيني بما فعلت، ولو كان فيك حياء ما تكلمت بهذا في أمثال ذلك.
وأما النميمة والغيبة والكذب وسب الوالدين والنسبة إلى الزنا والفحش فحرام بالاتفاق، وإنما الرخصة في مقابلة الإيذاء بالصدق جزاء على إيذائه السابق وعنه عليه السلام أنه قال:
(1) سورة الشورى الآية: 41.
(2) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (32/ 8)، أحمد في المسند (47/ 2)، البغوي في شرح السنة (131/ 3)، الطحاوي في مشكل الآثار (368/ 1)، الهيثمي في مجمع الزوائد (63/ 8)، الطبراني
في الكبير (194/ 18 المنذري في الترغيب والترهيب (465/ 3). (3) قال العراقي في المغني (175/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة متصلاً ومرسلاً، وقال البخاري:
المرسل أصح. (3/59)
صفحة 916
قنطرة النفس
المتسابان على ما قالا حتى يعتدي المظلوم (1). فأثبت للمظلوم انتصار إلا أن يعتدي وهذا رخصة، ولكن الأفضل تركه فإنه يجر إلى ما وراءه، ولا يمكن الاقتصار على مقدار الحق فيه، والسكوت عن أصل الجواب أيسر من الشروع من الجواب والوقوف على مقدار الشرع فيه، ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه عند فورة الغضب ولكن يعود. د سريعاً، ومنهم من يكف في الابتداء ولكن يحقد في الدوام والناس في الغضب أربعة: فبعضهم كالحلفاء الخمود، وبعضهم كالغضا بطيء الوقود بطاء الخمود وبعضهم بطيء الوقود سريع الخمود وهو الأجمل ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة، وبعضهم سريع الوقود بطاء الخمود وهذا أشر منهم.
الوقود سريع
سريع
وفي الحديث: المؤمن سريع الغصب سريع الرضى فهذه بتلك (2)، وعن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن بني آدم خلقوا على طبائق شتى منهم بطاء الغضب سريع الفيء، الفيء فتلك بتلك، فمنهم سريع الغضب بطاء الفيء / ألا وإن خيرهم البطيء الغضب السريع الفيء، وشرهم السريع الغضب البطاء الفيء».
[66] ومنهم سريع
أحداً
الغضب سريع
ولما كان الغضب يهيج في الحال ويؤثر في كل إنسان وجب على السلطان أن لا يعاقب في حال غضبه عليه لأنه ربما يتعدى الواجب أو يكون شافياً غيظه ومريحاً نفسه، وإنما الواجب انتقامه وانتصار الله تعالى لا لنفسه، وقد روي أن عمر رضي الله عنه رأى سكراناً فأراد أن يأخذه فيعزره، فشتمه السكران، فرجع فقيل له في ذلك؟ قال: لأنه أغضبني ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي، ولم أحب أن أضرب مسلماً حمية لنفسي. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل أغضبه: لولا أنك أغضبتني لعاقبتك (3)، والله أعلم.
عمر
الفصل الرابع: في الحقد ونتائجه من الحسد وغيره
اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقداً ومعنى الحقد أن يلزم قلبه اشتغاله والغضبة له والنفار منه وأن يدوم ذلك ويبقى، وقد قال: «المؤمن ليس بحقود (4). والحقد يثمر ثمانية أشياء:
(1) قال العراقي في المغني (176/ 3): رواه مسلم. قال العراقي في المغني (183/ 2): لم أجده هكذا وللترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري، ثم
(2)
ذكر النص الثاني.
(3) راجع الآثار والتعلقيات والشروح في إحياء علوم الدين واغلبها نقل منه نصاً (3/ 175: 177). (4) قال العراقي في المغني: (46/ 1): لم أقف له على أصل. (3/60)
صفحة 917
[67]
[68]
قنطرة النفس
الأول: الحسد وهو أن يحمله الحقد على أن يتمنى زوال النعمة، فيغتم بنعمة إن
أصابها، ويُسر بمصيبة إن نزلت عليه.
الثاني: أ: أن يزيد على اضمار الحسد في الباطن فيشمت بما يُصيبه من البلاء. الثالث: أن يهجره ويصارمه وينقطع عنه وإن طلبه وأقبل عليه فلا يلتفت إليه. الرابع: وهو دونه أن يعرض عنه استصغاراً له.
والخامس: أن يتكلم فيه بما لا يحل من كذب / أو غيبة وافشاء سر وهتك ستر وغيره. السادس: أن يحاكيه استهزاء به وسخرية منه.
السابع: إيذاءه بالضرب وما يؤلم بدنه.
والثامن: أن يمنعه حقه. صلة. أو قضاء. أو
من
رحم
دين
رد
مظلمة.
وكل ذلك حرام وأقل درجات الحقد أن يحترز من الآفات الثمانية المذكورة فلا يخرج بسبب إلى ما يعصي الله تعالى به ولكن يستثقله بالباطن ولا ينهى قلبه عن بعضه حتى يمتنع عما كان يتطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجة والمجالسة معه على ذكر الله، والمعاونة على المنفعة له، أو يترك الدعاء له والثناء عليه، والتحريض على يده ومواساته، فهذا كله مما ينقص درجته عند الله تعالى ويحول بينه وبين الفضل العظيم والثواب الجزيل وإن كان لا يستحق به العقاب، ألا ترى إلى أبي بكر رضي الله عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح وكان قريبه، ولكن تكلم في واقعة أهل الإفك الذين خاضوا في أمر عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر زوج النبي صلى الله عليه وسلم فحلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح لأجل ذلك فأنزل الله تعالى: وَلا يَأتل أُوْلُوا الْفَضْل مِنكُمُ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ). إلى قوله: {أَلَا يَحُبّونَ أَن يَغْفَر اللَّه لَكُمْ (1) فقال أبو بكر: يا رب نحب ذلك، وعاد إلى الإنفاق عليه فالأولى للمسلم أن يبقى على ما كان عليه وإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة للنفس وارغاماً للشيطان فذلك هو مقام الصديقين فهي من فضائل أعمال المقربين. واعلم أن للحقود ثلاثة أحوال عند القدرة: أحدها: أن يستوفي حقه من المحقود عليه من غير زيادة ولا نقصان / والثاني: أن يحسن إليه بالعفو والصلة وذلك هو الفضل. الثالث: أن يطالبه بما لا يستحق فذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل (2).
(1) سورة النور الآية: 22.
(2) في الأصل الأرذال. والتصويب من إحياء علوم الدين (177/ 3).
وهو العدل. (3/61)
صفحة 918
62
قنطرة النفس
والثاني اختيار الصديقين والأول هو منتهى درجة الصالحين، ولنذكر هاهنا فضيلة العفو
(1).
والإحسان (1) وبالله التوفيق.
باب
في فضل العفو
اعلم إن العفو هو أن تستحق حقاً فتسقطه وتبراء غريمك منه من قصاص أو غرامة، وهو غير الحلم وكظم الغيظ فلذلك أفرد له، باب وقد قال الله تعالى: {خُذ العفو) (2) الآية. وقال تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (3). .
صدقة
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت حالفاً حلفت عليهن: ما نقصت من مال فتصدقوا، ولا عفا عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله بها عزاً يوم القيامة، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» (4). وعنه أنه قال: «التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يَعِزَّكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا ير- الله» (ه). يرحمكم: وعنه أنه قال: الخير ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا قدر عفا».
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك [69] غضباً، / وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما (6). وعن عقبة بن عامر قال: لقيت النبي يوماً، فبادرته فأخذت بيده أو بادرني فأخذني
(1) راجع الباب كله في المصدر السابق.
(2) سورة الأعراف الآية: 199.
(3) سورة البقرة الآية: 237.
(4) قال العراقي في المغني: (178/ 3) رواه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري، ولمسلم وأبي داود
نحوه من حديث أبي هريرة. (5) قال أيضاً في الموضع السابق تعليقاً على هذا الحديث رواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب، وأبو منصور الديلمي مسند الفردوس من حديث أنس بسند ضعيف.
(6) قال العراقي في المغني: (178/ 3) رواه الترمذي في الشمائل، وهو عند مسلم بلفظ آخر. (3/62)
صفحة 919
قنطرة النفس
63
بيدي فقال: «يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من من حرمك وتعفو عمن ظلمك (1).
قطعتك، وتعطي
وعنه أنه قال: قال موسى عليه السلام يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفا (2) لذلك سئل أبو الدرداء من أعز الناس؟ قال: الذي يعفو إذا قدر، فاعفوا يعزكم
الله
وروي أن رجلاً جاء إلى النبي يشكو مظلمة فأمره النبي أن يجلس وأراد أن يأخذ له بمظلمة، فقال عليه السلام: إن المظلومين هم المفلحون يوم القيامة» (3) فأبى أن يأخذها
حين سمع
وعن
الحديث.
عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من دعا على من ظلمه فقد انتصر» وعن أنس بن مالك عنه عليه السلام أنه قال: إذا بعث الله الخلائق، نادى مناد من تحت العرش: يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم وليعف بعضكم عن بعض (4).
(1) ,
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى البيت فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون وما تظنون؟». قالوا نقول خيراً ونظن خيراً أخ وابن عم حليم رحيم قالوا ذلك ثلاثاً، فقال: «وأنا أقول مثل ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» (5). فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام وفي حديث / آخر عن سهيل بن عمير قال لما قدم مكة وضع يديه على بابي الكعبة [70]
والناس حوله فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». ثم قال: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون». قال: قلت: يا رسول الله نقول خيراً
(1) رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف. راجع المصدر
السابق.
(2) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وفيه ابن لهيعة.
(3) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العفو من رواية أبي صالح الحنفي مرسلاً. المصدر السابق. (ع) رواه أبو سعيد أحمد بن إبراهيم المقراء في كتاب التبصرة والتذكرة بلفظ ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة. . وإسناده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ نادى مناد يا أهل الجمع تتاركوا المظالم بينكم ... وله من حديث أم هانى ينادي مناد يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب. المصدر السابق.
(ه) رواه ابن الجوزي في الوفاء من طريق ابن أبي الدنيا وفيه ضعف العراقي في المغني (179/ 3). (3/63)
صفحة 920
64
قنطرة النفس
نقول أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال: فإني أقول كما قال أخي يوسف عليه
السلام لا تثريب عليكم اليوم
(1) ,
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقف العباد يوم القيامة نادى مناد: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة». قيل: من ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب (2).
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه والله عفو يحب العفو - ثم قرأ - وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا (3). الآية. وعن جابر قال: قال رسول الله: ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء من أدى ديناً خفياً، وقرأ دبر كل صلاة قل هو الله أحد عشر مرات، وعفا عن قاتله (4) وقال بعض العلماء: إذا أراد الله أن يتحف عبداً قبض له من يظلمه.
ويروى أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز، فجعل يشكو إليه رجلاً ظلمه ويقع فيه، فقال عمر: إنك تلقى الله ومظلمتك كما. خير لك من أن تلقاه وقد انقصتها.
هي.
وعن زيد بن ميسرة أنه قال: إن ظللت تدعو على من ظلمك فإن الله يقول إن آخر يدعو [71] عليك أنك ظلمته / فإن شئت استجبنا لك وأجبنا عليك وإن شئتما آخرتكما إلى يوم القيامة
فيسعكما عفوي.
وعن مسلم بن يسار أنه قال لرجل يدعو على ظالمه: كل الظالم إلى ظلمه فإنه أسرع من دعائك عليه إلا أن يتداركه بعمل وقمن أن لا يفعل.
وعن ابن عمر عن أبي بكر أنه قال بلغنا أن الله عز وجل يأمر منادياً يوم القيامة فينادي: من كان له شيء عند الله فليقم، فيقوم أهل العفو فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس. وعن هاشم بن محمد أنه قال: أوتي النعمان بن المنذر برجلين أحدهما قد أذنب ذنباً
عظيماً فعفا عنه، والآخر أذنب ذنباً صغيراً فعاقبه وقال:
تَعْفُو الْمُلُوكُ عَن الْعَظِي مِ مَنِ الذُّنُوبِ لِفَضْلِهَا
(1) لم أجده قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (179/ 3).
(2) رواه الطبراني في مكارم الأخلاق وفيه الفضل بن يسار ولا يتابع على حديثه. المصدر السابق. (3) سورة النور الآية: 22 والحديث قال عنه العراقي في المصدر السابق رواه أحمد والحاكم وصحح (4) رواه الطبراني في الأوسط وفي الدعاء بسند ضعيف. (3/64)
صفحة 921
قنطرة النفس
وَقَدْ تُعَاقِبُ في البَسِ رِوَلَيْسَ ذَاكَ لِجَهْلِهَا الأليغرف عِلْمُهَا وَيُخَافُ شِدَّةَ بَطْشِهَا وعن عمر بن عبد العزيز قال: ما قُرِنَ شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو
إلى قدرة.
ويروي
أن الأحنف شفع في محبوس إلى سلطان فقال: إن كان مذنباً وسعه العفو، وإن كان برئاً وسعه العدل. وقيل لبعض الحكماء: بلغ عند أمير المؤمنين أمر سوء فقال: إن كان وسعني عفوه، وإن كان كذباً وسعني عدله.
حقاً
هو
وروي أن الفيل دخل دمشق فحشر الناس لرؤيته وصعد معاوية في عليه له متطلعاً فبينما كذلك إذ أبصر في حجرة قصره رجلاً مع امرأة من حرمه، فأتى الحجرة فدق الباب، فلم يكن بد من فتحه، فوقعت عينه على الرجل، فقال له يا هذا في قصري وتحت حجابي تهتك حرمتي وأنت في قبضتي؟! ما حملك على هذا؟ فبهت الرجل / ثم قال حلمك أوقعني فقال [72] معاوية: إن عفوت عنك سترتها عليَّ؟
قال: نعم، فخلى سبيله وهذا من الدهاء العظيم والعقل الواسع أن يطلب الستر من الجاني وهو موافق لمعنى قول الشاعر: إِذَا مَرِضْنَا أَتَيْنَاكُمْ نَعُودُكُم وَتَذْنِبُونَ فَنَاتَكُمْ فَنَعْتَذِرُ وعن معاوية أنه قال: عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال.
وروي أن راهباً دخل على هشام بن عبد الملك فقال للراهب: أرأيت ذا القرنين أكان نبياً؟ فقال: لا ولكن إنما ما أعطى بأربع خصال كنّ فيه: كان إذا قدر عفا، وإذا وعد وفّى، وإذا حدث صدق، ولا يجمع اليوم لغد.
وقال بعض السلف: ليس الحليم من ظلم فحلم ولكن الحليم من ظلم فحلم، ثم قدر
فعفا. قال الشاعر:
صَفُوحٌ عَنِ الْأَجْرَامِ حَتَّى كَأَنَّهُ مِنَ الْعَفْوِ لَمْ يَعْرِفْ مِنَ النَّاسِ مُجْرِماً فَلَيْسَ يُبَالِي أَنْ يَكُونَ بِهِ الأَذَى إِذَا مَا الْأَذَى بِالْكُرْهِ لَمْ يَغْشَ مُسْلِماً وعن زياد أنه قال: العذر يذهب الحفيظة ـ يعني الحقد والغضب ـ وروي أن هشاماً أوتي قناطر الخيرات / ج 3/ مه (3/65)
صفحة 922
66
قنطرة النفس
برجل بلغه عنه أمر فلما أقيم بين يديه جعل يتكلم بحجته فقال له هشام: وتتكلم أيضاً؟! فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) (1). أفيجادل الله ولا تكلم أنت كلاماً؟ فقال هشام: بلى ويحك تكلم.
ويروي
أن سارقاً دخل خباء عمار بن ياسر رحمه الله بصفين فقيل له: اقطعه إنه من أعدائنا فقال: بل استر عليه لعل الله يستر علي يوم القيامة.
وجلس ابن مسعود في السوق يبتاع متاعاً، فابتاع ثم طلب الدراهم وكانت / في عمامته، فوجدها قد حلت فقال: لقد جلست وإنها لمعي فجعلوا يدعون عليه اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها فقال ابن مسعود: اللهم إن كان أخذها لحاجة فبارك له فيها، وإن كان حمله جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنبه.
وعن الفضل أنه قال: ما رأيت أزهد من رجل من أهل خرسان جلس إليّ في المسجد الحرام، ثم قام ليطوف فسرقت دنانير كانت معه فجعل يبكي فقلت: أعلى الدنانير تبكي؟ قال: لا ولكن مثلتني وإياه بين يدي الله فأشرف عقلي على ادحاض حجته، فبكائي رحمة له. وقال مالك بن دينار: أتينا منزل الحكم بن أيوب وهو على البصرة ليلاً، وجاء الحسن وهو خائف، فدخلنا عليه مع الحسن، فما كان معه. إلا بمنزلة الفراريج، فذكر الحسن قصة. عليه السلام وما صنع به إخوته من بيعهم إياه وطرحهم له في الجب؛ فقال: باعوا أخاهم، وأحزنوا أباهم، وذكر ما لقي من كيد النساء ومن الحبس، ثم قال: أيها الأمير ما صنع الله به؟
يوسف
قال: أداله عليهم، ورفع ذكره، وأعلى كلمته على خزائن الأرض. قال: فماذا صنع حين كمل الله له أمره، وجمع له أهله؟ قال: قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ} (2). يعرض الحكم بالعفو على أصحابه. قال الحكم وأنا أقول: لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلا ثوبي [هذا] (3) لواريتكم تحته.
قال: وكتب ابن المقفع إلى صديق له يسأله العفو عن بعض إخوانه: فلان هارب من زلته إلى عفوك لائذ بك منك، واعلم أنه لن يزداد الذنب عظماً إلا إزداد العفو فضلاً. قال وأتي عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث. فقال: لرجاء ابن حيوة ما ترى؟ فقال: إن الله قد
(1) سورة النحل الآية: 111.
(2) سورة يوسف الآية: 92.
(3)
ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (180/ 3).
[vr] (3/66)
صفحة 923
قنطرة النفس
67
أعطاك ما تحب من الظفر / فاعط الله ما يحب من العفو فعفا عنهم. ويحكى عن المأمون أنه [74] قال لعمه إبراهيم بن المهدي وكان مع أخيه عليه مظلمة: إني شاورت في أمرك، فأشاروا عليَّ بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك. فقال: يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا تطير لك وأنشأ يقول:
البر منك وطاء العذر عنك لي فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك
فاحتج عندك بي
لي
مقام شاهد عدل غير متهم لئن حجدتك معروفاً مننت به إني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به فلا عدمناك عاف
وروي
من
ومنتقم أن زياداً أخذ رجلاً من الخوارج أو من المحكمة فأفلت منه فأخذ أخاً له، فقال: إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك. فقال: أرأيت إن جئت بكتاب من أمير المؤمنين أتخلي سبيلي؟ قال: نعم. قال: فأنا أتيك بكتاب من الله العزيز الحكيم وأقيم عليه شاهدين عدلين إبراهيم وموسى أنه أَمَ لَمْ يُنَبَأُ بِمَا فِي صَحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (1). فقال: زياد خلوا سبيله، هذا رجل لقن حجته. وقيل: مكتوب في الإنجيل: من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان (2). والله أعلم.
قد
(Y).
فصل: في الحسد
تقدم أن الحسد من ثمرات الحقد ونتائجه، والحقد من نتائج الغضب، فهو فرع فرع
الغضب والغضب أصل أصله، ثم للحسد من الفروع المذمومة ما لا يكاد يحصى.
وقد روي في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة قال صلى الله عليه وسلم «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل [75] النار الحطب (3). وعنه أنه قال: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا (4). وعن أنس أنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة. قال: فطلع رجل من الأنصار تنضف لحيته من وضوء، قد علق نعليه بيده فسلم فلما كان. من الغد، قال عليه السلام مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل، وقاله
(1) سورة النجم الآيات: 36، 37، 38.
(3)
(2) راجع الفصل بأكمله زيادات ونقص وتقديم وتأخير في إحياء علوم الدين (177/ 3: 180). قال العراقي في المغني: (183/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة وابن ماجة من حديث أنس. (4) متفق عليه قاله العراقي في المصدر السابق. (3/67)
صفحة 924
68
قنطرة النفس
المدة
في اليوم الثالث، فلما قام عليه السلام تبع الرجل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: لا حيث أبي ـ أي نازعت ـ فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي ا فعلت، فقال: نعم، فبات عنده ثلاث ليال، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله تعالى، ولم يقم حتى يقوم لصلاة الفجر قال: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحقر عمله، فقلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا فأردت أن نعرف عملك؟ فلم أرك تعمل عملاً كثيراً، فما الذي بلغ بك ذلك؟ قال: ما هو إلا ما رأيت فلما وليت دعاني. فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أنى لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: هي التي بلغت بك وهي التي لا نطيق. (1)
وعنه أنه قال: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد الظن والطيرة، والحسد، وسأحدثكم [76] بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت/ فلا تبغ» (2).
وفي رواية أخرى: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقلّ من ينجو منهن (3). فأثبت هذه في. الرواية إمكان النجاة. وعنه أنه قال: دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد، والبغضاء، الحالقة للدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ افشوا السلام بينكم» (4) وعنه أنه قال: «كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)
والبغضة
هي
(0)
(1) رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار وسمى الرجل في رواية له: سعداً، وفيها ابن
لهيعة.
(2) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث أبي هريرة وفيه يعقوب بن محمد الزهري، وموسى بن يعقوب الزمعي ضعفهما الجمهور، والرواية الثانية رواها ابن أبي الدنيا أيضاً من رواية عبد الرحمن بن معاوية وهو مرسل ضعيف وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه، قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث أبي هريرة وفيه يعقوب بن محمد الزهري، وموسى بن يعقوب الزمعي ضعفهما الجمهور والرواية الثانية رواها ابن أبي الدنيا أيضاً من رواية عبد الرحمن بن معاوية وهو مرسل، ضعيف وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه، قاله العراقي في المصدر السابق.
(4) بنحوه الإحياء وعلق عليه العراقي في الموضع السابق بقوله: رواه الترمذي من حديث مولى الزبير عن
الزبير.
(ه) رواه أبو مسلم الكشي والبيهقي في الشعب من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد ضعيف، ورواه = (3/68)
صفحة 925
[vv]
قنطرة النفس
??
وعنه أنه قال: «سيصيب أمتي داء الأمم. قالوا: وما داء الأمم؟ قال: «الأشر،
والبطر، والتكاثر، والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي، ثم يكون الهرج (1). وقال: لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك (2).
وروي أن.
موسى عليه السلام لما تعجل إلى ربه رأى رجلاً في ظل العرش فغبطه بمكانه
عن
فقال: إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه، فلم يخبره باسمه، وقال: أحدثك. عمله بثلاث، كان لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله وكان لا يعق والديه، ولا
يمشي بالنميمة.
وعن زكريا صلوات الله عليه قال: قال الله تعالى: الحاسد عدو لنعمتي مسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.
وعنه أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا ويقتتلون (3). . وعنه عليه السلام أنه قال: استعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي نعمة
محسود (4)
وعنه أيضاً أنه قال: إن لنعم الله أعداء» فقيل ومن ذلك؟ قال: «الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله / من فضله (5).
الطبراني في الأوسط من وجه آخر بلفظ: كادت الحاجة أن تكون كفراً وفيه ضعف أيضاً: قاله العراقي في المغني (184/ 3).
(1) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد، الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة بإسناد جيد. قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) رواه الترمذي من حديث وائلة بن الأسقع، وقال: حسن غريب، وفي رواية ابن أبي الدنيا. فيرحمه الله. قاله العراقي في المصدر السابق.
(3) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث أبي عامر الأشعري وفيه ثابت بن أبي ثابت جهله أبو حاتم الصحيحين من حديث أبي سعيد إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، ولهما من حديث عمرو بن عوف البدري: والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا .. الحديث، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو: إذا فتحت عليكم فارس والروم. الحديث وفيه يتنافسون ثم يتحاسدون، ثم يتدابرون .. الحديث، ولأحمد والبزار من حديث عمر! لا تفتح الدنيا على أحد. إلا ألقى الله بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة. قاله العراقي في المصدر السابق. (4) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف، قاله العراقي في المصدر السابق. (5) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس: إن لأهل النعم حساداً فاحذروهم. قاله العراقي في
المصدر السابق. (3/69)
صفحة 926
قنطرة النفس
وعنه أنه قال: هلك ست بست الأمراء بالجور والعرب بالعصبية، والدهاقين
بالتكبر، والتجار بالخيانة وأهل الرساتيق بالجهالة، والعلماء بالتحاسد (1).
الآثار: قال بعض السلف: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السَّماء ـ يعني حسد إبليس
لأدام عليه السلام، وأول ذنب عصي الله به في الأرض يعني حسد ابن لأخيه حتى قتله. وقال بعض الحكماء من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد. وعن مجاهد في قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلى قوله: {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ، قال: معناه ادفع بالسلام إساءة المسيء.
عصي
من جنة عرضها
وحكي أن [أحد] (3) علماء السلف دخل على المفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط، فقال: إني أريد أن أعظك بشيء. فقال ما ذاك؟ فقال: إياك والكبر فإنه أول ذنب الله به في السماء، ثم قرأ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ. إلى قوله: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (4) وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله السموات والأرض يأكل منها إلا شجرة واحد نهاه الله عنها فأكل منها فأخرجه الله ثم قرأ: أهْبِطُوا مِنْهَا ... (5) الآية. قال: وإياك والحسد فإن به قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَا ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِ ... ) (6) الآية قال: وإذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسكت، وإذا ذكر القدر، فاسكت وإذا ذكرت النجوم فاسكت. وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود: نفس دائم، وهم لازم، وقلب هائم. فنظمه بعض الشعراء فقال:
إِنَّ الْحَسُودَ الظُّلُومَ فِي كَرْبِ يَخَالُهُ مَنْ يَرَاهُ مَظْلُوْماً
(1) عن نحوه قال العراقي في المصدر السابق رواه أبو منصور الديلمي من حديث ابن عمر، وأنس بسندين
ضعيفين.
(2) سورة المؤمنون الآية: 96.
(3) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق، وقد صرح الغزالي باسمه في إحياء علوم الدين، فقال: وحكي أن عون بن عبد الله دخل على المفضل بن المهلب (184/ 3) قلت وقد ورد بالإحياء الفضل المهلب فضبط الاسم على الصواب وهو من مشاهير الأمراء وله رواية عند أبي داود والنسائي.
(4) سورة البقرة الآية: 34. (5) سورة البقرة الآية: 38. (6) سورة المائدة الآية: 27.
[78] (3/70)
صفحة 927
[79]
قنطرة النفس
71
ذَا نَفَس دَائِم عَلَى نَفَس يُظْهِرُ مِنْهُ مَا كَانَ مَكْتُوماً معاوية أنه قال: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل
وعن
إلى المحسود. وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحسود أن يغتم في وقت سرورك. وفي منثور الحكم عقوبة الحاسد من نفسه. وعن الأصمعي قال: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت. وقال رجل لشريح القاضي: أني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم، ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولا ضرني. وأنشد لعبد الله بن المعتز:
أصبِرْ عَلَى شَرِّ الْحَسُودِ فإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُه وَالنَّارُ تَأَكُلُ بَعْضَهَا إنْ لَمْ تَجِدُ مَا تأَكُلُه
حكاية في الحسد: وحكي عن بكر بن عبد الله أنه قال: كان رجل يغشى بعض الملوك، فيقوم بحذاء الملك ويقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء سيكفيك مساوئه، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك. وقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر منتن الفم. فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنفه أن لا يشم رائحة البخر. فقال: انصرف حتى أنظر. فخرج من عند الملك فدعى الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك. فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء سيكفيك
مساوئه.
فقال له الملك: أدن مني / فدنا فوضع يده على فيه مخافة أن يشم منه الملك ريح الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا وقد صدق قال وكان الملك لا يكتب بيده إلا جائزة أو صلة فكتب كتاباً بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك صاحب كتابي فاذبحه واسلخه واحشي جلده تبناً وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب فخرج فليقه الرجل الذي سعى به. فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: خط الملك لي بصلة. فقال: هبه لي (1). . فقال: هو لك. فأخذه ومضى إلى العامل. فقال العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك. فقال: إن الكتاب ليس هو لي، الله الله في أمري حتى أراجع الملك. فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه وحشى جلده تبناً وبعث به إلى الملك، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله فتعجب الملك!!
(1) في الأصل مني والتصويب من إحياء علوم الدين (185/ 3). (3/71)
صفحة 928
72
أنك
قنطرة النفس
فقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له. قال الملك: إنه ذكر لي تزعم أني أبخر الفم: قال ما فعلت. قال: ولم وضعت يدك على أنفك؟ قال: كان أطعمني طعاماً فيه الثوم فكرهت أن تشمه. قال: صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء مساوئه. وعن فرقد السنجي: أنه قال: الحسد داء زوي لا يميته إلا الزهد في الدنيا، ومن
زهد في الدنيا لم يصبه الحسد إلا قليلاً، ومن رغب في الدنيا لم يفارقه الحسد إلا قليلاً. وعن ابن سيرين قال: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: لا تعادوا نعم الله؛ قالوا ومن يعاد نعم الله؟! قال: [0] الذين يحسدون الناس. ويروى أن عبد الملك بن مروان قال يوماً للحجاج: أنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه فاذكر عيبك. قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: والله لتفعلن. قال الحجاج: إني لجوج في الخصومة حقود، حسود. قال له عبد الملك: ما في الشيطان شر وعن الحسن أنه قال: يا ابن آدم لم تحسد أخاك فإن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله، فإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار.
من
هذا
وقال بعض الحكماء: الحسد خلق دنيء ومن دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ما كان الله على أحدٍ نعمة إلا وجد له حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لم يعد غامزاً. وعن أبي الدرداء أنه قال: ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل
فرحه وقل حسده.
وعن معاوية: أنه قال: كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا
زوالها. وأنشد لمحمود الوراق:
أعطيت كُل النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرّضَى إلا الحَسُودُ فَإِنَّهُ أَعْيَانِي مَا إِنَّ لِي ذَنباً إِلَيْهِ عَمِلْتَهُ إِلَّا تَظَاهَر نِعْمَةَ الرَّحْمَنِ وَأَبَى فَمَا يُرْضِيْهِ إِلَّا ذِلَّتِي وَذِهَابَ أَمْوالِي وقَطعَ لِسَانِي
وقال بعض الحكماء الحسد.
لا
جرح يبرأ وحسب الحسود ما يلقى. وقال أعرابي: ما
رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد أنه يرى النعمة عليك عليه. وينشد:
قُلْ لِلْحَسُودٍ إِذَا تَنَفَّسَ ضِغْنَةً بَاظَالِماً وَكَأَنَّهُ مَظْلُومُ (3/72)
صفحة 929
قنطرة النفس
وينشد:
73
إِنَّ يَحْسِدُونِي فَإِنِّي غَيْرَ لَائِمهم قَبْلِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا فَدَامَ لِي وَلَهُمْ وَمَا بِهمْ وَمَاتَ أَكْثَرُنَا غَنَّا بِمَا يَجِدُ وقال بعض العلماء: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً / ولا ينال. إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً، وغماً، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاً، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالاً (1).
النعمة
من الملائكة [81]
يَا حَامِداً دُونَكَ مَاء الْعَلْقَم فَاشْرَبُ بِهِ تَبْرُدُ الحَسَرَاتِ أوْ صَخْرَةً أَوْ جَنْدَلاً أو جبلاً فَانْطَحْ بِهِ في كُلِ يَوْمٍ آتِ
اعلم أن حقيقة الحسد
وحب
هي
فصل: في حقيقة الحسد
شدة الأسى على الخيرات تكون للأفاضل من الناس، فاذا
كره الإنسان نعمة الله على أحد من عباده وأحب زوالها عنه فهو حاسد، والحسد حده كراهة زوالها من المنعم عليه، وهو غير المنافسة، لأن المنافسة: طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر على الفاضل والحسد مصروف إلى الضرر، فإذا أنعم الله على الإنسان نعمة فأحب عبد زوالها عنه لتكون له أو زوالها عنه فقط فهو حاسد وحالته تسمى حسداً، فإذا لم يحب زوالها ولكنه تمنى لنفسه مثلها فهو غابط، وحالته تسمى غبطة. وقد روي عن النبي أنه قال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» (3). فهذا هو الفرق بين المنافسة والحسد، فالمنافسة: فضلية محمودة لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بالأفاضل قال الله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (3).
نعم إن كانت تلك النعمة دينية كالإيمان والصلاة والزكاة ونحوها فالمنافسة فيها واجبة، وهي محبة الإنسان أن يكون مثل المؤمن، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بمعصية وذلك محرم، وإن كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات، فالمنافسة فيها مندوب إليها، وإن كانت نعمة يتنعم بها على وجه الصلاح فالمنافسة فيها مباحة، وكل ذلك
(1) أغلب الآثار الواردة هنا من إحياء علوم الدين للغزالي (183/ 3: 185) (2) قال العراقي في المغني (186/ 3): لم أجد له أصلاً مرفوعاً، وإنما هو من قول الفضيل بن عياض، كذلك رواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد.
(3) سورة المطففين الآية: 26. (3/73)
صفحة 930
[AY]
74
قنطرة النفس
إلى إرادته أن يساويه ويلحق به في النعمة وليس فيها كراهة / النعمة، وكان تحت هذه يرجع
النعمة أمران.
أحدهما: راحة المنعم عليه.
والآخر ظهور نقصان غيره وتخلف عنه وهو يكره أحد الوجهين تخلف نفسه وهو ويجب مساواته له ولا حرج على من يكره تخلف نفسه ونقصانها في المباحات. نعم ذلك ينقص الفضل ويناقض الزهد والتوكل ولكنه لا يوجب العصيان وينشد.
نَافِسْ عَلَى الْخَيْرَاتِ أَهْلَ الْعُلَاء فَإِنَّمَا الدُّنْيَا أَحَادِيثُ گل امرى في شَانِهِ كَادِحٌ مَوَارِثُ مِنْه وَمَورُوثُ
وقد يستعمل لبعض المنافسة ويوضع موضع الحسد ويوضع الحسد موضع المنافسة، فلا ا حرج في الأسامي بعد فهم المعاني. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يعمل بها
ويعلمها الناس (1).
فسمّى المنافسة باسم الحسد، ثم فسّر ذلك بحديث آخر مروي عن أبي كبشة الأنصاري فقال: «مثل هذه الأمة مثل أربعة رجال رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً ويقول: لو أن لي مالاً مثل مال فلان كنت أعمل فيه بمثل عمله فهما في الأجر سواء»، فهذا منه محبّة لأن يكون له من المال مثل ما كان له من غير حب زوال النعمة عنه قال: ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في معاصي الله، ورجل لم يؤته مالاً ويقول: لولا أن لي مالاً كنت أعمل فيه بمثل عمله فهما في الوزر سواء (2). فذمه عليه السلام من جهة تمنيه المعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة ما كان له فإذاً لا. حرج على من [83] يغبط غيره في نعمة ويتمنى لنفسه مثلها ما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها، / وأما تسمية الحسد. منافسة فهو ما روي عن قثم بن العباس بن عبد المطلب أنه قال لعلي بن أبي طالب حين أراد قثم. هو والفضل بن عباس أن يأتيا النبي و فيسألانه أن يؤمرهما على الصدقة فقال لهما علي: لا تذهبا إليه فإنه لا يؤمركما عليها. فقال له قثم: ماذا منك إلا منافسة
والله لقد
(1) قال العراقي في المغني (187/ 3) متفق عليه من حديث ابن عمر. (2) قال العراقي عن مثله في الإحياء أتم منه (187/ 3) رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن
صحيح. (3/74)
صفحة 931
قنطرة النفس
Yo
زوجك رسول الله ابنته فما نافسنا ذلك عنك ـ أي هذا منك حسد ـ وما حسدناك على تزويج
فاطمة والله أعلم.
فالحسد حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر فهو يستعين بهما على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذا الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث نعمة هي بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فسادها لم يغمك تنعمه بها، ويدل على تحريم الحسد الأخبار المتقدمة، وأن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، وذلك لا عذر فيه ولا رخصة وأتي معصية تزيد على كراهيتك نعمة مسلم من غير أن تكون لك فيه مضرة، وإلى هذا أشار القرآن بقوله تعالى: {وَإِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبَكُمُ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} (1).
(3)
وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة متلازمان وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً) (2). فأخبر أن حبهم لزوال نعمة الإيمان حسد، وقال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوْاءَ} (3). الآية، وذكر تعالى حسد إخوة يوسف له وعبر عما في قلوبهم إذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا). الآية فلما أحبه أبوه دونهم ساءهم ذلك فأحبوا زوالها عنه فغيبوه عنه، وقال تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مَمَا أُوتُوا (5).
قيل: معناه تضيق صدورهم / ولا يغتمون فأثنى عليهم بعدم الحسد. وقال تعالى في [84] معرض الإنكار: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا أَتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ). وقال تعالى: {وَكَانَ النَّاسُ أُمَّةً. إلى قوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ (7). قيل في التفسير حسداً. وقال: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (8). قيل: معناه أنزل الله العلم ليتألفوا به على طاعته فتحاسدوا إذ أراد كل واحد منهم أن ينفرد بالرياسة وقبول القول، فرد بعضهم على بعض.
(1) سورة آل عمران الآية: 120.
(2) سورة البقرة الآية: 109. (3) سورة النساء الآية: 89.
(4) سورة يوسف الآية: 8.
(5) سورة الحشر الآية: 9. (6) سورة النساء الآية: 54. (7) سورة البقرة الآية: 213. (8) سورة الشورى الآية: 14. (3/75)
صفحة 932
76
قنطرة النفس
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت اليهود قبل أن يبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا: نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا ما نصرتنا. فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به فقال تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِين) إلى قوله: أَن يَكْفُرُوا بمَا أَنْزَلَ الله بَغْياً) (1). أي حسداً.
ويروى أن صفية بنت حيي بن أخطب زوجة النبي الله قالت له: جاء أبي وعمي عندك يوماً، فقال أبي لعمي: ما تقول فيه؟ قال: أقول أنه النبي الذي يبشر به موسى عليه السلام قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة. فهذه حقيقة الحسد وأما مراتب الحسد فهي
ثلاثة:
أحدها: أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها مثل رغبته في دار حسنة، أو امرأة جميلة، أو ولاية نافذة نالها غيره، فهو يحب أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها فهذا هو الحسد المذموم.
والثانية: أن لا يشتهي عين النعمة بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز من مثلها أحب زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما، فهذه فيها مذموم وغير مذموم، وتسميتها حسداً توسعاً [85] ومجازاً قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ، بَعُضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ (2). فتمنيه مثل ذلك
غير مذموم، وإنما المذموم تمنيه عينه. والثالثة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم تصل إليه فلا يحب زوالها. وهذا الأخير هو
(r)
المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والله أعلم.
فصل: في بيان المنافسة وأسباب الحسد
أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة فإن كان أمراً دينياً فسببه حب الله وطاعته، وإن كان أمراً دنيوياً فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها، وإنما الكلام هاهنا في الحسد المذموم. وتنحصر جملة أسبابه في سبعة أشياء وهي العداوة والتعزاز، والكبر، والعجب،
:
والخوف من فوات المقاصد المحبوبة وحب الرياسة، وخبث النفس، وذلك إنما يكره
(1) سورة البقرة الآيتان: 89، 90. (2) سورة النساء الآية: 32.
(3) راجع هذا الفصل في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (1853 (188) ففيه أغلب ما هنا من أحاديث وآثار، وما في الإحياء أوسع مما هنا. (3/76)
صفحة 933
قنطرة النفس
VV
النعمة
النعمة عليه، إما لأنه عدو له فلا يريد الخير له بسبب إساءته إليه وإما أن يستكبر عليه بتلك وهو المراد بالتكبر، وإما أن يفاخره بها لعزة نفسه وهو المراد بالتعزز، وإما أن تكون النعمة عظيمة فيتعجب من فوز مثله بتلك النعمة وهو التعجب، وإما أن يخاف من فوت مقاصده بسبب مزاحمته إياه بتلك النعمة، وإما أن يكون بحب الرياسة التي يحب أن لا يساوى فيها فيكره تلك النعمة له لئلا يلحقه بها، وإما أن يكون لا بسبب بل بخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى ولا بد من شرح هذه الأبواب بالاختصار إن شاء الله الملك القهار.
السبب الأول: العداوة والبغضاء وهو أشد أسباب الحسد فإن من آذاه إنسان بسبب
أبغضه قبله ورسخ في نفسه الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن عجز أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان / وربما يحمل ذلك على كرامة نفسه عند الله فمهما أصابت [86]
عدوه بلية فرح وظن ذلك مكافأة من جهة الله تعالى له على بغضه وأنه لأجله، ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد، مراده، وربما يظن أنه لا منزلة له عند الله تعالى حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه.
وبالجملة فالحسد يلزم البغضة والعداوة ولا يفارقهما، وإنما غاية التقوى أن لا يبغي وأن يكره ذلك من نفسه، وإما أن يبغض إنساناً ويستوي عنده مسرته وإساءته فهذا غير ممكن فهذا ما وصف الله تعالى به الكفار ـ أعني الحسد بالعداوة ـ إذ قال: {وَدُّوا مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أكْبَرُ) (1). الآية. والحسد سببه البغض، وربما يفضي إلى التقاتل واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل والسعاية وهتك الستر ونحوه.
والسبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية، أو علماً، أو مالاً خاف أن يتكبر عليه بذلك وهو لا يطيق تفاخره عليه، فليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع تكبر غيره عليه، فإنه قد رضي بمساواته دون ترفعه عليه.
السبب الثالث: أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستخدمه فإذا نال نعمة خاف أن لا يتحمل تكبره ولا ينقاد لخدمته، وربما أن يتشوق إلى مساواته أو إلى أن يرتفع عليه فيعود متكبراً بعد إن كان مُتَكَبَّراً عليه.
ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر الكفار للنبي عليه السلام إذ قالوا: كيف يتقدم علينا
(1) سورة آل عمران الآية: 118. (3/77)
صفحة 934
VA
قنطرة النفس
غلام يتيم؟ وكيف تطأطئء له رؤوسنا؟ {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هذا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّن الْقَرْيَتَيْنِ أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه إذا كان / عظيماً.
[87] عظيم
(1)
وقال تعالى: يصف قريشاً إذا قالوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ الله عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنَا (2). كالاستحقار
لهم والأنفة منهم.
السبب الرابع: التعجب: كما أخبر تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: مَا أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مثْلُنَا) (3)، (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا (4). في أمثال هذه الآيات فتعجبوا أن يفوزوا برتبة الرياسة والقرب والوحي من الله تعالى وهم بشر، أمثالهم وأحبوا زوال نعمة النبوة عنهم جزعاً أن يتفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدم عداوة أو غيرها وقالوا متعجبين: أَبَعَثَ الله بَشَراً رَسُولاً) (). وقالوا: وَلَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا المُلائِكَةُ. الآية) (7). فقال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مُنكُمْ ... الآية (7).
(v).
السبب الخامس: الخوف من فوات المقاصد وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقصود الزوجية، وتزاحم الإخوة على نيل المنزلة في قلوب الأبوين، وكذلك تحاسد التلميذين لأستاذ واحد وتحاسد الواعظين على أهل بلدة واحدة، وكذلك العالمان المتزاحمان على طائفة من المتفقهة، إذ يطلب كل ممن ذكرنا نيل منزلة دون صاحبه.
سمع
السبب السادس: حب الرياسة وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في بعض الفنون إذا غلب عليه حب الثناء أنه فريد العصر في فنه وأنه لا نظير له فإذا سمـ بنظير له في أقصى الأرض ساءه ذلك واحب، موته أو زوال النعمة التي شاركه فيها من شجاعة، أو علم، أو عبادة، أو صناعة أو جمال، أو ثروة، وليس السبب في هذا سوى محض الرياسة بدعوى [8] الانفراد، وهذا وراء ما بين آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس / للتوصل إلى
(1) سورة الزخرف الآية: 31.
(2) سورة الأنعام الآية: 53. في الأصل: أهؤلاء الذين فحذفت الكلمة الزائدة.
(3) سورة يس الاية: 15.
(4) سورة المؤمنون الآية: 47.
(5) سورة الإسراء الآية: 94.
(6) سورة الفرقان الآية: 21. (7) سورة الأعراف الآية: 69. (3/78)
صفحة 935
قنطرة النفس
79
الرئاسة. وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم مهما نسخ علمهم.
السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برئاسة ولا مال إذا وصف له حسن حال عبد من عباد الله فيما أنعم به عليه شق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وتنقص عيشهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل على عبادة كأنه إنما يأخذون ذلك من خزائنه، ويقال: البخيل يبخل بمال نفسه والشحيح هو
الذي يبخل بمال غيره.
بنعم ا
الله
فهذا يبخل بنعمة الله على عباده لا بسبب عداوة ولا رابطة بينهم وبينه وليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة الطبع. ومعالجته شديدة لأن الحسد الذي ثبت بسبب يتصور إزالته إذا زال ذلك السبب وهذا هو خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته إذ هو مستحيل في العادة أعني زواله.
فهذه أسباب الحسد وقد يجتمع كلها أو بعضها في شخص واحد فيعظم الحسد لذلك حتى لا يقدر صاحبه على الإخفاء والمجاملة معه بل يهتك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة والله أعلم.
والحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم هذه الأسباب المذكورة ولا سيما إذا تجاوروا في مسكن، أو سوق، أو مدرسة أو بدلة اجتمعوا فيها على مقاصد كل واحد يرغب فيها فتتناقض أغراضهم، فيثور من التناقض التنافر والتباغض، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم والتاجر يحسد التاجر، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه [89] أكثر ما يحسد الأجانب، والمرأة تحسد ضرتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكافِ فلا يتزاحمون على المقاصد، إذا مقصد البزاز ثروة المال ولا يحصله إلا بكثرة الزبون وإنما ينازعه فيه بزاز آخر وهكذا الشجاع يحسد الشجاع، والطبيب يحسد الطبيب، وأصل ذلك التزاحم على مقصد واحد، وذلك لا يجمع متباعدين بل متناسبين، فلذلك يكثر الحسد بينهم.
نعم من اشتد
فيها، ومنشأ
جميع
حرصه على الجاه فإنه يحسد كل من في الدنيا في الخصلة التي يشاركه ذلك الدنيا لأنها هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما الآخرة فلا ضيق (3/79)
صفحة 936
80
قنطرة النفس
فيها، ومثال الآخرة مثال نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى وصفاته لم يحسد غيره إذا عرفه أيضاً لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم واحد يعرف بألف ألف عام ويلتذذ بمعرفته ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة. فلذلك لا يكون بين علماء الآخرة محاسدة لأن مقاصدهم معرفة الله تعالى والمنزلة عنده، وذلك بحر واسع لا ضيق فيه ـ أعني المعرفة والمنزلة.
نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال هو أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر. ومعنى الجاه: هو ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص منه لا محالة، فيكون ذلك سبباً للمحاسدة بينهم، وليست المعرفة كذلك لأن القلب إذا امتلأ بالفرح بمعرفة الله لم يمنع. ذلك أن [90] يمتلاء به قلب غيره وأن يفرح به / فالفرق بين العلم والمال أن المال: لا يحل في يد ما لم يرتحل عن أخرى والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره بتعليم من غير أن يرتحل عن قلبه لأن الدنيا وأموالها لها، نهاية، والآخرة والعلم بها لا نهاية لهما، فإن فرض كثرة العارفين لم يكونوا متحاسدين بل يكونوا كما قال الله فيهم رب العالمين. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلَّ، وقال: إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (1). فإذا لا يتصور أن تكون في الجنة محاسدة ولا تقع بين أهل المعرفة في الدنيا أيضاً محاسدة، لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا محاسدة، ولا تنال إلا بمعرفة الله التي لا مزاحمة فيها في الدنيا ولا مضايقة، فأهل الجنة بالضرورة براء عن الحسد في الدنيا والآخرة، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين، ولذلك وسم به إبليس اللعين حين حسد آدم النبي الأمين.
فعليك أرشدك الله إن كنت بصيراً وعلى نفسك مشفقاً أن تطلب نعيماً لا زحمة فيها، ولذة لا مكدر لها، فلا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله وصفاته وعجائب ملكوته من وسمواته، ولا تنال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة والعمل بها فإن كنت لا تشتاق إلى
أرضه
معرفة الله تعالى تجد لها لذة، فلا غروى أن العنين لا يشتاق إلى لذة الجماع، والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك؛ فإن هذه اللذات يختص بإدراكها الرجال دون المخنثين والصبيان، فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فلا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم؛ لأن الشوق بعد الذوق ومن لم يذق لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن
(1) سورة الحجر الآية: 47. (3/80)
صفحة 937
قنطرة النفس
81
لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل سافلين، {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيْضِ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ (1) أعاذنا الله الخذلان؛ فإنه سبب الحرمان (2).
فصل: فيما ينفى به مرض الحسد عن القلب
من [91]
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، أما العلم النافع لمرض الحسد فهو أن تعلم حقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به في الدنيا والدين، فمهما عرفت هذا يقيناً ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة.
إما كونه ضرراً عليك في الدين فهو إنك بالحسد ساخط لقضاء الله تعالى غير راض بقسمته وهذه جناية على حدقة التوحيد، وقذى في عين الإيمان وناهيك بها جناية في الدين، وكان يقال: الحسود ساخط على ربه في إنقاذ أقداره؛ إذ ليس يرى قضاء الله عدلاً ولا لنعمة الناس أهلا، من، وقد انضاف إلى هذا أنك غاش لرجل من المسلمين تارك لنصيحته، مفارق لأولياء الله في حبهم الخير لعباده، مشاركٌ لإبليس والكفار في محبتهم البلاء للمسلمين، وزوال النعم عنهم وهذه خبائث في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وإما كونه ضرراً في الدنيا، فهو يتألم بحسرات الحسد، وينحل من أجلها الجسد، ثم لا يجد لحسراته انتهاء، ولا يرجو لسقام جسده شفاء، وقد قال ابن المعتز: الحسد سقام الجسد. ثم تنحط رتبته وتنخفض منزلته لنفور الناس عنه، ولذلك قيل: الحسود لا يسود. مع ما يظهر الأخلاق الذميمة. وقد قال بعض العلماء للحاسد ثلاثة علامات: يتملق إذا حضر
منه من
ويُغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة. وقال ابن المعتز: / الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه، طالباً لما لا [92] يجده، فما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط الله تعالى وعذابه من غير نفع يناله يتحمله وغم يلازمه، فيُهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة.
ضرر
وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه، فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، فلا بد من دوامها إلى أجل محدود. ويقال شكا نبي من الأنبياء من امرأة ظالمة
(1) سورة الزخرف الآية: 36.
(2) راجع الفصل في إحياء علوم الدين بتفصيل (188/ 3: 190).
قناطر الخيرات/ج 3/ م 6 (3/81)
صفحة 938
82
قنطرة النفس
مسئولية على الناس، فأوحى الله إليه فرّ من قدامها حتى تنقضي أيامها. فمهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا إثم في الآخرة، فلو كانت النعمة تزول بالحسد لكان لم يبق الله عليك من نعمة أيضاً، لأنك لا تخلو من عدو يحسدك، ولزالت على المؤمنين نعمة الإيمان لأن الكفار يحسدون لهم الإيمان قال الله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ (1). ... الآية.
نعم فالحسود ضال بإرادته الضلال لغيره فإن إرادة الكفر كفر فهو ضال بإرادته، ولا تزول النعمة بحسده فكما لا تزول النعمة عنك بحسد غيرك فكذلك غيرك لا تزول عنه النعمة
بحسدك.
وأما نفع المحسود بحسدك في الدنيا والدين فهو واضح، أما منفعته في الدنيا فإنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل باللعنة والشتم وذكر مساوئه، وذلك أيضاً هدايا منك تهدي إليه حسناتك فإنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل فأضفت إليه نعمة
حسناتك فأضفت إلى نفسك شقاوة غم الحسد إلى شقاوة الخيبة في الحسنات.
وأما منفعته في الدنيا، فهو أن أهم أغراض الخُلق مساءة الأعداء، وأن يكونوا معذبين [93] | مغمومين ولا / عذاب ولا غم أعظم فما أنت فيه من ألم الحسد فقد فعلت بنفسك ما هو مراد
أعدائك ولذلك قيل:
لا مات أعدَاءَكَ بَلْ خُلُدُوا حَتَّى يَروْا مِنكَ الَّذِي يُحْمَدُ لا زِلْتَ مَحْمُوداً عَلَى نِعْمَةٍ فَإِنَّمَا الْكَامِلُ مَنْ يُحْمَدُ
وقد روي عن بعض العلماء بعض العلماء أنه قال: المحسود من الهم كساقي السم فإذا سري سمه سرى عنه. همه وقد قيل: العجب لغفلة الحساد. عن سلامة الأجساد. وربما كان الحسد أيضاً منبها على فضل المحسد ونقصان الحسود كما قال أبو تمام:
وَإِذَا أَرَادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة طُويَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودٍ لَوْلَا اسْتِغَالُ النَّارِ فِيْمَا جَاوَرَتْ مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيْبُ عَرْفِ الْعُودِ لَوْلَا التَّخَوْفُ لِلْعَوَاقِبِ لَمْ تَزَلْ لِلْحَاسِدِ النَّعْمَا عَلَى الْمَحْمُودِ
فإذا تفكر الحاسد فيما ذكرنا واتبع الدين والعقل في اجتناب الحسد، وأكله الحسنات، (1) سورة آل عمران الآية: 69. (3/82)
صفحة 939
قنطرة النفس
83
وما يستقبحه العقل من نتائج الحسد التي هي أذم المذمومات فساعد ورضي به كل الرضا دعاه ذلك إلى ترك الحسد، وشارك الأولياء في المحبة للمسلمين، فقهر حينئذ نفسه على مذموم خلقها بالرياضة والتهذيب فيتظاهر بالتخلق حتى يصير بالمواظبة والعادة كالخُلق، قال أبو تمام: فَلَمْ أَجِدِ الأَخْلَاقَ إِلَّا تَخَلُقاً وَلَمْ أجيد الأفضَالَ إِلا تَفَضُلاً
ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل: كن عالماً، فإن لم تستطع فكن متعلماً، فإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم. فقال: سبحان الله لقد جعل الله مخرجاً. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المرء مع من أحب» (1).
وفي الحديث / عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل الجنة ثلاثة المحسن، والمحب [له] (2)، [94] والكاف عنه (3). أي يكف عنه الأذى والبغض والكراهة فهذه هي أدوية الحسد فهي نافعة جداً إلا أنها مرة جداً، ولكن النفع في الدواء المر، فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة
الشفاء.
ولكن ما دام الإنسان محباً للدنيا وللجاه فلا بد أن يحسد من استأثر بهما وحظي بالرياسة دونه، وأن يغمه ذلك لا محالة، وإنما غاية المجاهدة فيه أن يكره ذلك من نفسه ولا يغمه ولا يظهره بقول ولا فعل، فإذا كف ظاهره ومنع جوارحه عن إيذاء المحسود وألزم قلبه ذلك مع كراهة ما يترشح عنه من حب زوال النعمة عنه حتى كأنه يمقت نفسه على ما في طبعه فتكون تلك الكراهة من جهة الفعل في مقابلة الميل من جهة الطبع فقد أدى الواجب عليه ولا يقدر الإنسان إلا على هذا ولا يدخل تحت اختياره في أغلب الأحوال أكثر. من هذا ما دام ملتفتاً إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير قلبه مستغرقاً بحب الله تعالى مثل السكران الواله فقد. ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاضل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين الرحمة، ويرى العباد وجميع أفعالهم أفعالاً الله تعالى وهم له مسخرون، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع
القلب بعد ذلك إلى طبعه والشيطان إلى منازعته إياه بالوسوسة.
وذهب آخرون إلى أن الحاسد لا يأثم إذا لم يظهر أثر الحسد على الجوارح لما روي عن
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (48/ 8) مسلم في الصحيح (البر والصلة 165)، الترمذي في الجامع الصحيح (2385) أبي داود في السنن (5127)، الدارقطني في السنن (132/ 1).
(2) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (194/ 3).
(3) قال العراقي في المغني (194/ 3): لم أجد له أصلاً. (3/83)
صفحة 940
190;
84
قنطرة النفس
الحسن أن رجلاً سأله: هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ قال: نعم ولكن غمه في صدرك فلا يضرك ما لم تعديه يد أو لساناً.
(1)
وروي عنه موقوفاً / ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما وجدت والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرنا من أن تكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل في مقابلة حب الطمع لزوال تلك النعمة فإن ما جميع ورد من الأخبار في ذم الحسد يدل في ظاهره على أن كل حاسد آثم، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال، ومحله القلب دون الجوارح، وكل محب مساءة المسلمين فهو حاسد لأن له فيهم ثلاثة أحوال:
قطعاً.
أحدها: أن تحب مساءتهم بطبعك، وتكره حبك لذلك، وميل قلبك إليه بعقلك، وتمقت نفسك عليه، وتود أن لو كان لك حيلة في إزالة الميل منك، وهذا معفو عنه الثانية: أن تحب ذلك بقلبك، وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهو الحسد المحظور قطعاً.
الثالثة: وهي بين الطرفين أن تحسد بقلبك من غير مقتك نفسك على حسدك ولا إنكار منك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها، وهذا محل الخلاف والأظهر أن لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك وضعفه، والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق (2)
الفصل الخامس: في ذم البخل
قال الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَمَا أَتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرِّ لَّهُمْ (3). وقال: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1)، وقال: (الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (5) ... الآية.
وروي عن رسول الله لو أنه قال: «طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء». أنه وروي سمع رجلاً يقول: الشحيح أغدر من الظالم فقال: لعن الله الشحيح، ولعن الظالم، وعنه أيضاً [96] قال: إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا / دماءهم واستحلوا
(1) في الأصل على وأحسبه تحريف من الناسخ والله أعلم.
(2) راجع هذا الفصل في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (1923: 195) زيادات ونقص.
(3) سورة آل عمران الآية: 180.
(4) سورة الحشر الآية: 9.
(5) سورة النساء الآية: 37. (3/84)
صفحة 941
قنطرة النفس
85
محارمهم ودماءهم فقطعوا أرحامهم (1) وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنة: بخيل، ولا خب، ولا خائن، ولا سيء الملكة (2).
وفي رواية ولا جبار». وفي رواية ولا منان وعنه عليه السلام أنه قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه (3). وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الله يبغض ثلاثة: الشيخ) الزاني والبخيل المنان والمعيل المختال (5).
(4)
وقال: مثل المنفق (6) والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق (7) لا ينفق شيئاً إلا اتسعت على جلده حتى تخفى بنانه وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا قلصت ولزمت كل حلقة مكانها حتى أخذت بتراقيه فهو يوسعها فلا تتسع
(A),
وقال عليه السلام: «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق (9) وقال في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل
العمر
(1+)
(11)
وقال: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وإياكم والفحش فإن الله لا
(1) رواه مسلم من حديث جابر بلفظ، واتقوا الشح فإن الشح ... الحديث ولأبي داود، والنسائي في الكبرى وابن حبان، والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا - قاله العراقي في المغني
(247/ 3)
(2) رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي بكر واللفظ لأحمد دون قوله ولا منان فهي عند الترمذي، وله ولابن ماجة: لا يدخل الجنة سيء الملكة ـ قاله العراقي في المغني (247/ 3).
(3) رواه البزار، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي في الشعب من حديث أنس بإسناد ضعيف. قاله العراقي في المغني (16/ 1).
(4) في الأصل: الشحيح. وهو تحريف والتصويب من الإحياء (247/ 3). (5) رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي ذر دون قوله البخيل والمنان وقال فيه: الغني الظلوم، والطبراني في الأوسط من حديث علي: إن الله يبغض الغني الظلوم والشيخ الجهول والعائل المختال وسنده
ضعيف. قاله العراقي في المغني: (247/ 3).
(6) في الأصل: المنافق وهو تحريف.
(7) في الأصل: المنافق وهو تحريف.
(8) متفق عليه من حديث أبي هريرة ـ قاله العراقي في المغني (247/ 3).
(9) رواه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال غريب قاله العراقي في المغني (247/ 3). (10) رواه البخاري من حديث سعد قاله العراقي في المغني (247/ 3).
(11) في الأصل ظلمة والتصويب من الإحياء (247/ 3). (3/85)
صفحة 942
86
قنطرة النفس
يحب الفحش ولا التفحش يوم القيامة، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (1).
وروي
أنه قال للأنصار: من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس على بخل به. فقال عليه السلام: وأي داوء أدوى من البخل؟ قالوا: وكيف ذلك يا رسول؟ قال: «إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم وقالوا: ليبعد الرجال منا النساء يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال ففعلوا وطال ذلك بينهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء».
عن
حتى
وفي رواية / أخرى أنه قال: يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال: أي داء أدوى من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح» (2). وفي رواية أخرى: قالوا: سيدنا الجد بن قيس قال: «بم سودتموه؟ قالوا: إنه أكثرنا مالاً وأنا على ذلك لتنزه بالبخل. قال: وأي داوء أدوى من البخل ليس ذلك سيدكم». قالوا: ومن سيدنا يا رسول الله؟ قال: «سيدكم بشر بن البراء (3). وعنه أنه قال: «شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع (4). قال: وقتل شهيد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكته باكية فقالت: واشهيداه. فقال النبي عليه السلام: «وما يدريك أنه شهيد فلعله قد يتكلم بما لا يعنيه أو يبخل فيما لا ينقصه (ه)
وعن جبير بن مطعم قال بينما نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الناس مقبلة من حنين إذ
(1) رواه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو دون قوله أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا، قال عوضاً عنها وبالخيل فبخلوا بالفجور ففجروا، وكذا رواه أبو داود مقتصراً على ذكر الشح ... ولمسلم من حديث جابر: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح. فذكره بلفظ آخر ولم يذكر الفحش قاله العراقي في المغني (247/ 3: 248). (2) أطراف الحديث عند الحاكم في المستدرك (219/ 3) الطبراني في الكبير (81/ 19)، ابن سعد في
الطبقات (1122/ 3 الهيثمي في مجمع الزوائد (315/ 9)، والمتقي في الكنز (36/ 58). (3) وعن نحوه قال العراقي في المغني: (249/ 3) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم بلفظ: يا بني سلمة وقال سيدكم بشر بن البراء، وأما الرواية التي قال فيها: سيدكم عمرو بن الجموح فرواها الطبراني
في الصغير من حديث كعب بن مالك بإسناد حسن.
(4) قال العراقي في المغني (248/ 3): رواه أبو داود من حديث جابر: بسند جيد. (5) رواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وللبيهقي في الشعب من حديث أنس أن أمه قالت: ليهنك الشهادة. وهو عند الترمذي، إلا أن رجلاً قال له: أبشر بالجنة. قاله العراقي في المغني الموضع
السابق.
[97] (3/86)
صفحة 943
87
قنطرة النفس علقت رسول الله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة (1) فخطفت رداءه فوقف عليه السلام فقال: «اعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضدة نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً» (2).
قال
وعن عمر قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسماً، فقلت غير هؤلاء كانوا أحق به منهم به منهم، فقال
،
عليه السلام: «إنهم يخيرونني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلونني ولست ببخيل» (3). وعن أبي سعيد الخدري قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلان، فسألاه ثمن بعيرة، فأعطاهما دينارين، فخرجا من عنده فلقياهما عمر فأثنيا وقالا معروفاً وشكرا ما صنع بهما، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالا فقال رسول الله: «لكن فلاناً أعطيته ما بين عشرة / إلى مائة ولم يقل ذلك، إن أحدكم يسألني فينطلق بمسألته متأبطها وهي نار». فقال [98] عمر: فلم تعطيه ما هو نار؟ فقال: «ما يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» (4). وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «الجود من جود الله، فجودوا يَجدِ الله عليكم، ألا إن الله خلق الجود فجعله في صورة رجل، فجعل له رأساً راسخاً في أصل شجرة طوبى، وشبك أغصانها بأغصان سدرة المنتهى ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا، فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة، ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة، وخلق البخل ومقته، وجعل له راساً راسخاً في أصل شجرة الزقوم، ودلّى بعض أغصانها إلى الدنيا، فمن تعلق بعض منها أدخله النار، ألا إن البخل من الكفر والكفر في النار (5).
وعنه عليه السلام أنه قال: «السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة إلا سخي والبخل شجرة تنبت في النار ولا يلج النار إلا بخيل (6). وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الله
يبغض البخيل في حياته السخّي. عند موته (7).
(1) في الأصل، والإحياء سمرة. وأحسبه تحريف. (2) رواه البخاري، قاله العراقي في المغني (248/ 3).
(3) في الإحياء بباخل والحديث رواه مسلم قاله العراقي في المغني الموضع السابق.
(4) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار نحوه، ولم يقل أحمد أنهما سألاه ثمن بعير، ورواه البزار من رواية أبي سعيد عن عمر ورجال أسانيدهم ثقات قاله العراقي في المصدر السابق.
(ه) ذكره صاحب الفردوس (أي الديلمي) ولم يخرجه ولده في مسنده، ولم أقف له على إسناد. قاله العراقي في المغني (248/ 3).
(6) قال عنه العراقي كما قال على الذي قبله غير أنه قال: من حديث على. (7) ذكره صاحب الفردوس، ولم يخرجه ولده في مسنده ولم أجد له إسناداً. العراقي في المغني (249/ 3). (3/87)
صفحة 944
??
قنطرة النفس
وعن أبي برزة عنه أنه قال: «السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل» (1). وعن
أبي هريرة عنه أنه قال: «لا يجتمع الشحَّ مع الإيمان في قلب عبده (2) وقال أيضاً: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلاً ولا جبانا (3) وعنه عليه السلام أنه قال: «يقول قائلكم الشحيح، أغدر من الظالم وأي ظلم أعظم عند الله من الشح حلف الله بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل (4).
وروي
أن رسول الله كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: بحرمة البيت إلا غفرت لي ذنبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذنبك صفه لي؟».
/ قال هو أعظم من أن أصفه لك قال: ويحك ذنبك أعظم أم الأرض؟ قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله. قال: فذنبك أعظم أم البحار؟ قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله. قال: فذنبك أعظم أم السموات؟». قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله. قال: فذنبك أعظم أم العرش؟» قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله. قال: ذنبك أعظم أم الله؟ قال: بل الله أعظم وأعلى قال: ويحك نصف لي ذنبك.
فقال: يا رسول الله أنا رجل ذو ثروة من المال وإن السائل ليأتيني يسألني، فكأنما يستقبلني بشعلة من نار، فقال رسول الله: إليك عني لا تحرقني بنارك فوالذي بعثني بالهداية والكرامة لو قمتم بين الركن والمقام، ثم صليت ألف ألف عام، وبكيت حتى تجري من دموعك الأنهار، وتسقي بها الأشجار، ثم مت وأنت لئيم لكبك الله في النار، ويحك أما علمت أن البخل كفر، والكفر في النار، ويحك أما علمت أن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (5).
الآثار: وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما خلق الله تعالى جنة عدن قال لها: تزيني فتزينت، ثم قال لها: أظهري أنهارك، فأظهرت عين السلسبيل، وعين الكافور، وعين التسنيم، ففجر منها في الجنان وأظهرت أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن، فقال لها: أظهري سرورك وجمالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت، فنظر إليها فقال:
(1) رواه الترمذي بلفظ: ولجاهل سخي ... العراقي في المصدر السابق. (2) رواه النسائي وفي إسناده اختلاف العراقي في المصدر السابق. (3) لم أره بهذا اللفظ. المصدر السابق.
(4) لم أجده بتمامه وللترمذي من حديث أبي بكر لا يدخل الجنة بخيل. المصدر السابق. (5) سورة الحشر الآية: 9، والحديث بطوله باطل لا أصل له قاله العراقي في المغني (249/ 3).
[49] (3/88)
صفحة 945
قنطرة النفس
89
تكلمي، فقالت: طوبى لمن دخلني فقال تعالى: وعزتي لا أسكننك بخيلاً.
وعن
أخت عمر بن عبد العزيز أنها قالت: أف للبخيل لو كان البخل قيمصاً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته. وعن طلحة بن عبد الله أنه قال: إنا نجد بأموالنا ما يجد البخيل، ولكنا نتصبّر. وقال بعض الحكماء / البخل جلباب المسكنة. وقال بعض البلغاء: البخيل [100] حارس نعمة، وحازن ورثته وأنشد لبعض الشعراء:
إذَا كُنتَ جَمَّاعاً لِمَالِكَ مُمْسِكاً فَأَنتَ عَلَيْهِ خَازِنٌ وَأَمِينُ تُؤَدِّيه مَنْمُوماً إلى غَيْر حَامِدٍ قاكُلَهُ عَفْواً وَأَنْتَ دَفِينُ
وقال بعض الأدباء: البخيل ليس له خليل وعن محمد بن المنكدر أنه قال: كان يقول: إذا أراد الله بقوم شراً أمَّرَ عليه أشرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم. وقال الشعبي: لا أدري أيهم أبعد غوراً في جهنم، البخيل أو الكذاب؟
مشفقاً.
وعن عليّ أنه قال في بعض خطبه: أنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك. قال الله تعالى: {وَلَا تَنْسَوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (1). وقيل ورد على أنو شران حكيم الهند، وفيلسوف الروم فقال للهندي، تكلم. فقال: خير الناس من ألفى عند السؤال سخياً، وعند الغضب وقوراً في القول متأنياً، وفي الرفعة متواضعاً، وعلى كل ذي وقام الرومي فقال: من كان بخيلاً ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح، وأهل الكذب مذمومون، وأهل النميمة يموتون فقراء، ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه. وحكي أن بعض ذوي النباهة تظاهر بحب الثناء. إمساك فيه فقال بعض الشعراء: أراك تُؤَمِّل حُسْنَ الثَّنَاءِ وَلَمْ يَرْزُقُ الله ذَاكَ الْبَحْيلا وَكَيْفَ يَسُودُ أَخُو بِطْنَة يَمُنُّ كَثِيراً وَيُعْطِي قَلِيلا
رحم
الضحاك وعن
(2)
في قوله: جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) (2). قال: البخيل يعني أمسك الله
أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى.
وعن كعب أنه قال: ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان / يناديان اللهم عجل للمسك [101] ماله تلفاً، وعجل للمنفق خلفاً. وفي رواية عن أبي الدرداء ما من يوم غربت شمسه إلا وملكان
يناديان. الحديث.
(1) سورة البقرة الآية: 237.
(2) سورة يس الآية: 8. (3/89)
صفحة 946
قنطرة النفس
وعن عروة بن الزبير قال قال رسول الله السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار (1). وعنه أنه بلغه عن الزبير إمساك فجبذ عمامته إليه فقال: «يا زبير أنا رسول الله إليك وإلى غيرك يقول أنفق أنفق عليك ولا توك فأوك عليك.
وعن الأصمعي قال: سمعت أعربياً وقد وصف رجلاً فقال: لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينيه فكأنما يرى السائل إذا راه ملك الموت إذا أتاه. وذكر في كتاب العقد: أن عبد الله بن الزبير كان من البخلاء وكان تكفيه أكلة في أيام ويقول: إنما بطني شبر في شبر فما أن يكفيه قال: فقال فيه أبو وجره مولى الزبير:
عسى
لو كان بطنك شبراً قد شبعت وقد ابقيت خيراً كثيراً للمساكين فإن تصبك من الإيام جائحة لم تبك على دنيا ولا دين ما زلت في سورة الأعراف تدرسها فؤادي كمثل الخزفي المين إن امراً كنت مولا فصيعني يرجو الفلاح لعندي حق مغبون
حتى
قال: وأقبل إليه أعرابي فقال له: أعطني وأقاتل عنك أهل الشام. فقال: إذهب فقاتل فإن أعييت أعطيتك. فقال: أراك جعلت روحي نقداً ودراهمك نسيئة. قال وأتاه أعرابي يسأله حملانا ويذكر أن ناقته نقبت عليه. فقال: أنعلها بسبت فقال الأعرابي: إنما أتيتك مستوصلاً [102] ولم آتك مستوصفاً: وقال: فلا حملت ناقة حملتني إليك. فقال: إن وصاحبها. قال وابن الزبير القائل: أكلتم تمري وعصيتم أمري، فقال فيه الشاعر:
رأيت أبا بَكْرِ وَرَبِّكَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرٍ يَرْجُو الْخِلَافَةَ بِالتَّمْرِ
(2)
وعن أبي حنيفة قال: لا أعزل بخيلاً لأنه يحمل البخل على الاستقصاء فيأخذ أكثر من حقه خيفة أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة. وقال علي: والله ما استقصى كريم قط قال الله تعالى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضُ عَنْ بَعْضٍ (2). يعني عرف النبي عائشة ـ أي أعلمها - إفشاء بعض حديثه إياها وهو تحريمه مارية القبطية، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ قيل: حديثه لها أن الخلافة تكون لأبيها بعده أعرض عنه لئلا تنشر، والله أعلم.
وعن الجاحظ أنه قال: ما بقي عن اللذات إلا ثلاث؛ ذم البخلاء، وأكل القديد، وحك
(1) قال العراقي في المغني (240/ 3): رواه الترمذي وقال غريب ولم يذكر فيه وأدوا الداء البخل ورواه بهذه الزيادة الدارقطني فيه قلت وكان ذكر في الإحياء بأتم مما هنا. (2) سورة التحريم الآية: 3. (3/90)
صفحة 947
قنطرة النفس
91
الجرب. وعن بشر بن الحارث أنه قال: البخيل لا غيبه، له قال ومدحت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صوامه قوامة إلا أن فيها بخلاً قال: «فما خيرها إذا (1).
وعن بشر أنه قال: النظر إلى البخيل يقسي القلب، ولقاء البخلاء كرب على قلوب
وعقد
المؤمنين. وفي كتاب العقد ومن أمثال العرب في البخيل قولهم: ما هو إلا ابنة عطا رشا. لأن عقد الرشا المبلول لا تكاد تنحل. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: يأبى القلب للأسخياء إلا حباً ولو كانوا فجاراً، وللبخلاء إلا بغضاً ولو كانوا أبراراً. وقال ابن المعتز: أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه.
وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما السلام لقي إبليس اللعين في صورته فقال: يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغضهم عنك. فقال: أحب الناس إلي المؤمن البخيل، وأبغضهم إلي الفاسق السخي. قال: لِمَ؟ قال: لأن البخيل قد كفاني / بخله، والفاسق السخي أخاف أن [103] يطلع الله عليه في سخائه فيقبل، ثم ولى وهو يقول: لولا أنك يحيى ما أخبرتك.
ويقال: ضيف البخيل آمن التخمة. من ومن كتاب العقد قال: قيل لمدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يرده قيل: فما الذل؟ قالت: وقوف الشريف إلى باب الدنيء ثم لا يؤذن له قيل فما الشرف؟ قالت: اتخاذ المنن في رقاب الرجال. قال: وتقول العرب لمن لم يظفر بحاجته وجاء خائباً: جاء فلان على حاجبيه صوفة. وأنشد لأبي عطاء السندي في يزيد بن عمرو بن هبير. ثلاث حكتهن لقوم قيس طلبت بها الأخوة والثناء
رجعن على حواجبهن صوف
وعند الله
الجزاء (2)
فصل
ومن كتاب سراج الملوك قال: الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل.
كان عليه السلام يدعو: اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووسواسها» (3) قال: وفرّق مفرقون بينهما فقالوا: الشح أشد من البخل؛ فالبخل أكثر ما يقال في النفقة
(1) أطرافه عند ابن المبارك في الزهد (257) الخرائطي في مكارم الأخلاق (59)، الزبيدي في إتحاف
السادة المتقين (539/ 7).
(2) راجع أغلب الآثار في إحياء علوم الدين (249/ 3: 250).
(3) أورد القرطبي في تفسير (30/ 18). (3/91)
صفحة 948
قنطرة النفس
92
وأسبابها، قال الله تعالى: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} (1)
والشيح مبني على الكراهة والامتناع، فهو يكون في المال وفي سائر البدن قال الله تعالى: (أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ) (2) الآية. قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ (3). الآية. وعن طاوس قال: الشح أن يبخل الرجل بما في أيدي الناس والبخل أن يبخل بما في يده. وعن قال: الشح أشد من البخل، لأن الشحيح هو الذي يشح بما في يد غيره حتى. يأخذه ويشح بما في يده فيمسكه، والبخيل هو الذي يبخل بما في يده، ولذلك قال ابن المبارك: سخاء النفس بما في أيد الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
ابن عمر
وقال رجل لابن مسعود / إني أخاف أن أكون هلكت سمعت الله يقول: {وَمَنْ يُوْقَ شُحَ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الآية. وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء. قال: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله، ولكن الشح أن تأكل لحم أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وليس بالشح. قال ابن عباس: يتبع هواه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بربي من الشح من أدى الزكاة، وأقرى الضيف، وأعطى في النائبة (4). وقال ابن زيد من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح إلى منع شيء أمره الله به فقد وقى شح نفسه. واعلم أن البخل يكون سوء الظن بالله تعالى أن يخلف ولا يثيب، وهذا يوهن التصديق بما تكفل الله به، ويؤدي ذلك إلى الامتناع من جميع أوامر الله التي بين العبد وبين وبين الخلق من ترك معاونتهم والنصح لهم.
وروي
الخالق،
أن كسرى قال لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. قال: الشح أضر
من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح لا يشبع، والله أعلم.
فصل: في أخبار البخلاء
ومن كتاب العقد قال: أجمع الناس على بخل أهل مرو ثمّ أهل خراسان. قال: وقال ثمامة بن أشرس ما رأيت الديك في بلد قط إلا وهو يدعو الدجاج لتلتقط الحب معه إلا بمرو؛ فإني رأيته يأكل وحده فعلمت أن لؤمهم في الماء. قال ورأيت بمرو طفلاً صغيراً وبيده بيضة
(1) سورة محمد الآية: 38. (2) سورة الأحزاب الآية: 19. (3) سورة التغابن الآية: 16.
(4) رواه الطبراني في المعجم الكبير (241/ 4).
[104] (3/92)
صفحة 949
قنطرة النفس
93
فقالت: أعطني هذه البيضة. فقال: ليس تسع يدك فعلمت أن اللؤم والمنع فيهم طبع
مركب.
قال: واشتكى رجل مروزي صدره من سعال فدلوه على سويق اللوز، فاستثقل النفقة، فرأى الصبر على الوجع أخف عليه، فبينما هو يماطل الأيام إذ أتيح له بعض الموفقين فدله [105] على ماء النخالة فقال: إنه يجلو الصدر.
فلما حضر
فأمر بالنخالة فطبخت، له فشرب من مائها فجلى صدره، فوجده يعصم، غداءه أمر به فرفع إلى العشاء فقال لأم عياله: أطبخي لأهل بيتنا النخالة، فإني وجدت ماءها ويجلو الصدر. فقالت: قد جمع الله لك بهذه النخالة دواء، وغذاء فالحمد لله على هذه
يعصم
النعمة.
وقال رجل مروزي دخلت على رجل من أهل خراسان بليل، فإذا هو بمسرجة فيها فتيل في غاية الرقة، وقد ألقي في دهن المسرجة شيء من ملح وقد علق عليها عود بخيط معقود إلى المسرجة فإذا عشى المصباح أشخص رأس الفتيلة بالعود فقلت له: ما بال هذا العود
مربوطاً.
ومع
قال: قد شرب الدهن، فإذا لم نحفظه وضاع احتجنا إلى غيره فلم نجده إلا عطشاناً، فإذا كان هذا دائماً ضاع من دهننا في الشهر بقدر ضياء ليلة. قال: فبينما أنا أتعجب وأسأل الله العافية إذ دخل عليه شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال: أيا فلان فررت من شيء فوقعت فيما هو شر منه أما علمت أن الريح والشمس يأخذان من سائر الأشياء؟ أوليس بهذا العود البارحة عند انطفاء السراج إرواء؟ وهو عند إسراجك الليلة أعطش؟ قال: قد كنت جاهلاً مثلك حتى وفقنا الله لما هو أرشد اربط عافاك الله مكان العود إبرة كبيرة أو مسلة صغيرة؛ فإن الحديد أبقى ذلك غير نشاف والعود والقصبة ربما تتعلق به الشعرة من قطن الفتيلة فتنقص منها، وربما كان ذلك سبباً لانطفائها. فقال الخراساني: ألا وإنك لا تعلم أنك المسرفين حتى تسمع بأعمال الصالحين قال: وكان ثمامة بن أشرس يقول: / إياكم وأعداء [106] الخبز إن تأدموا بها، واعلموا أن أعدى عدو له المملوك، فلولا أن الله أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل. وكان يقول: كلوا الباقلاء بقشره؛ فإن الباقلاء يقول: من أكلني بقشري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشري فأنا أكلته قال ومن البخلاء هشام بن عبد الملك، قال بن صفوان دخلت في هشام فحدثته وأظرفته فقال: سل حاجتك. فقلت: تزيد في عطائي عشرة دنانير. فأطرق ملياً ثم قال: لِمَ؟ وقيم؟ وبم؟ العبادة أحدثتها أم لبلاء حسن ابتليته
خالد
من (3/93)
صفحة 950
94
قنطرة النفس
أمير المؤمنين؟ ألا يا ابن صفوان ولو كان أكره السؤال لم يحتمله بيت المال. فقلت: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسددك وأنت كما قال الأول:
إذَا الْمَالُ لَمْ يُوْجِبُ عَلَيْكَ عَطَاؤُهُ صَيْعَةَ قُرْبَى أَوْ صَدِيقَ تُوَامِقَهُ منَعْتَ وَبَعْضُ الْمَنْعِ حَزْمٌ وَقُوةٌ وَلَمْ يَسْتَلِيْكَ الْمَالَ إِلَّا حَقَائِقَهُ فقيل لخالد ما حملك على تزيين البخل؟ فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه. قال: وخرج هشام بن عبد الملك متنزهاً ومعه الأبرش الكلبي، فمر براهب في دير فعدل إليه فأدخله الراهب بستاناً له فجعل يجتني له أطيب الفاكهة فقال له هشام يا راهب بعني بستانك هذا فسكت عنه ثم أعاد عليه الكلام فسكت فقال: ما لك لا تجيبني؟ فقال الراهب: وددت أن الناس ماتوا كلهم غيرك. قال: لماذا ويحك؟ قال: لعلك تشبع. هشام إلى الأبرش الكلبي فقال: أسمعت ما يقول هذا؟ فقال: والله ما إن لقيك حُرِّ مثله. قال: وحضر أعرابي صفرة هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل معه إذ تعلقت شعرة في لقمة [107] الأعرابي فقال له هشام عندك شعرة في لقمتك يا أعرابي. قال: وإنك تلاحظني / ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي، والله لا أكلت عندك أبداً فخرج وهو يقول:
والموتُ خَيْرٌ مِنْ زِيَارَةِ بَاخِلٍ يُلاحِظُ أَطْرافَ الْأَكِيلِ عَلَى عَمْدٍ
وقال آخر:
(1)
فالتفت
وَلَوْ عَلَيْكَ الكَالِي فِي الغَذَاءِ إِذا لَكُنتُ أَوْلَ مَدْفُونَ مِنَ الْجُوعِ يَقُولُ عَندَ دُعَاءِ الضَّيْفِ مُبْدِنَا صَوْتَ دَلِيلِ وَدَاعِ غَيْر مَسَمُوعِ ومن كتاب الغزالي قال: وكان بالبصرة رجل موسر بخيل فدعاه بعض جيرانه فقرب إليه طياهجة بيض، فأكل منه وأكثر وجعل يشرب الماء، وانتفخ بطنه فنزل به الكرب والموت، وجعل يتلوّى فلما أجهده الأمر وصف حاله لطبيب فقال: فقال: لا بأس عليك تقيأ ما أكلت. فقال: هاه أتقيأ طياهجة بيض، أموت ولا أتقيأ طياهجة بيض.
وقيل: أقبل أعرابي يطلب رجلاً وبين يديه تين فغطّى بكسائه التين. فجلس الأعرابي فقال له الرجل: هل تحسن شيئاً من القرآن. قال: نعم وقرأ: {وَالزَّيْتُونِ (2) وَطُوْرِ
(1) راجع إحياء علوم الدين (350/ 3).
(2) جاء قبلها: (والتين). فحذفتها اعتماداً على السياق بعدها ثم أنه موافق لما في إحياء علوم الدين للغزالي
(251/ 3) (3/94)
صفحة 951
[18]
قنطرة النفس
سينين
خالد
95
فقال: وأين التين؟ قال: تحت كسائك. قال: ويحكى أن محمد بن يحيى بن بن برمك كان بخيلاً قبيح البخل فسئل نسيب له كان يألفه عنه وقال له قائل: صف لي مائدته فقال: هي فتر في فتر، وصحافة منقورة من حب الخشخاش. قال: فمن يحضرها؟ قال: الكرام الكاتبون. قال: أفما يأكل معه أحد؟ قال: بلى الذباب. وقال: سوأتك بدت وأنت (2) خاص به وثوبك مخرق فقال: أي والله ما أقدر على إبرة أخيط بها، ولو ملك محمد بيتا (3) من بغداد إلى الكوفة مملوءاً إبراً، ثم جاء جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يضمنون منه إبرة وسألوه: أعرناها لنخيط (5) بها قميص يوسف ابنه الذي قُدَّ / من د
ما فعل.
(4)
وفي كتاب العقد قال: أخذ المعنى، محمد بن مسلمة يهجو به ابن الأغلب فقال: لَوْ أَنَّ قَصْرَكَ يَا ابْنَ أَغَلَبَ مُمْتَل إبْراً عَلَى سَعَة الفَضَا وَالْمَنْزِلِ وَأَنَاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيْرُكَ إِبْرَةً مِنْهَا لِقَدُ فَمِيْصِهِ لَمْ تَفْعل
وقال آخر:
دبر
لِسَانَكَ أحْلَى مِنْ جَنَا عَسَلٍ وَعْدا وكَفُكَ بِالْمَعْرُوفِ أَضْيَقُ مِنْ قُفْلِ تمنى الذي يَأْتِبِكَ حَتَّى إِذَا انتَهَى إِلَى أَمَدٍ نَاوَلَتُهُ طَرَفَ الْحَبْلِ ومن كتاب العقد قال بعضهم: دخلت على يحيى بن خالد بن عبد الله بن أمية وقوم معه، فمد يده إلى رغيف من الخوان فرفعه وجعل يرطله، بيده، ويقول: يزعمون أن
يأكلون.
خبزي صغير فمن هذا الزاني ابن الزانية الذي يأكل من هذا نصف رغيف. قال: ودخلت عليه مرة أخرى والمائدة موضوعة والناس قد أكلوا، فمددت يدي لاكل. فقال: اجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحاء. يقول: عَرَّض للدجاجة التي نيل منها والفرخ المنزوع الفخذ وأما الصحيح فلا تتعرض له. قال: وشوي لأبي جعفر الهاشمي دجاج، ففقد فخذاً من فأمر فنودي في عقر داره من هذا الذي فعقر والله لا يخبز في هذا التنور شهراً أو يرد. ابنه الأكبر: لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. قال دعبل: كنا يوماً عند سهل بن هارون فأطلنا
(1) أول سورة التين.
:
،
(2) في الأصل: «سوءة له أنت». والتصويب من إحياء علوم الدين (251/ 3).
في الأصل: «بيقا». والتصويب من المصدر السابق.
(4) في الأصل: «عنه». والتصويب من المصدر السابق.
(0)
في الإحياء الموضع السابق: إعارتهم إياها ليخيط.
دجاجة،
فقال (3/95)
صفحة 952
96
قنطرة النفس
الحديث حتى ضربه الجوع، فأتي بغدائه، فإذا بصحفة قديمة فيها مرق ديك قد هرم لا يجز فيه سكين ولا يؤثر فيه ضرس فأخذ قطعة خبز فقلب بها ما في الصحفة ففقد الرأس. فبقي مطرقاً ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرأس؟ قال: رميت به قال: ولم؟ قال: ظننت أنك [10] لا تأكله. قال: / ولأي شيء ظننت ذلك، والله إني لأمقت من يرمي برجله فضلاً رأسه، عن والرأس زين وفيه الحواس ومنه يصيح الديك ودماغه عجب، وفيه عينه التي يضرب بها المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه ينفع لوجع الكلية، ولم ير عظم قط أهش من عظم رأسه، فإن كان بلغ من جهلك الا تأكله فإن عندنا من يأكله انظر أين هو؟ قال: والله لا أدري اين رميت به. قال: والله أدري رميت به في بطنك.
[\\-]
وفي كتاب الغزالي قال: ويقال كان مروان ابن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلاً حتى يقرم فيرسل، غلامه فيشتري له رأساً فيأكله. فقيل له: نراك لا تأكل إلا الرأس في الصيف والشتاء؟ قال: نعم الرأس أعرف بسعره فآمن من خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغشني فيه، وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، وأما الرأس إن مس أذناً أو عيناً أو خداً وقفت على ذلك، وآكل منه ألواناً أكل عينه لوناً وأذنه لوناً وغلصمته لوناً ودماغه لوناً، وأكفى مؤنة طبخه فقد اجتمعت لي فيه موافق. قال: وخرج يوماً يريد المهدي الخليفة فقالت له امرأة من أهله: مالي عليك إن رجعت بالجائزة قال: إن أعطيت مائه ألف أعطيتك درهماً، فأعطى ستين ألفاً فأعطاها أربعة دوائق. قال: واشترى لحماً بدرهم فدعاه صديق له فَردّ اللحم إلى القصاب بنقصان دانق. وقال: أكره الإسراف. وفي كتاب العقد قال: وقد وقع درهم بيد سليمان بن مزاحم فجعل يقلبه ويقول في شق: لا إله إلا الله وفي شق آخر: قل هو الله أحد، ما ينبغي لهذا أن يكون إلا أن يكون إلا تعويذاً أو رقية ورمى به في الصندوق.
ومن البخلاء: / أبو الأسود الدؤلي قال: ودخل أعرابي وهو في فسطاط له وبين يديه طبق رطب فقال: السلام عليكم. فقال أبو الأسود: كلمة مقولة. قال الأعرابي: أدخل. قال: وراءك أوسع لك. قال: إن الرمضاء أحرقت قدمي. قال: بل عليهما تبردان. قال: أتأذن لي فاكل معك. قال: سيأتيك ما قدر لك. قال: بالله ما رأيت رجلاً الأم منك. قال: قد رأيت إلا أنك نسيت. ثم أقبل أبو الأسود يأكل حتى لم يبق في الطبق إلا تميرات نبذها إلى الأعرابي فجعل يمسحها بكسائه. فقال له أبو الأسود يا هذا إن الذي تمسحها به أقذر من الذي تمسحها منه. قال: أكره أن أدعها للشيطان. قال: والله ولا لجبريل وميكائيل ما كنت لتدعها. الهيثم بن عدي قال: نزل على أبي حفصة والد مروان بن أبي حفصة الشاعر رجل باليمامة فأخلى له (3/96)
صفحة 953
97
قنطرة النفس
المنزل ثم هرب مخافة أن يلزمه قراه تلك الليلة، فخرج الضيف فاشترى ما يحتاج إليه ثم رجع
وكتب إليه:
يَا أَيُّهَا الْخَارِجُ مِن بَيْتِهِ وَهَارِياً مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ضَيْفُكَ قَدْ جَاءَ بِزَادِ لَهُ فَارْجِعْ تَكُنْ ضَيْفاً عَلَى الضَّيْفِ قال آخر في هذا المعنى:
تَرَاهُمْ خَشْيَةَ الأَضْيَافِ خُرْساً يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ بِلا أَذَانِ وقال آخر هذا المعنى:
قَوْمٌ إِذَا أَكَلُوا أَخْفَوا كَلَامَهُمْ وَأَسْتَوْتَقُوا مِنْ رتَاجِ الْبَابِ وَالدَّارِ قَوْمٌ إِذَا نَبِحَ الأضياف كَلْبُهُمْ قَالُوا لأَمْهِم بُولِي عَلَى النَّارِ وأنشد لبعض الأعراب:
إِنَّ هَذَا الفَتَى يَصُونُ رَغِيْفاً مَا إِلَيْهِ لَنَاظِرِ مِنْ سَبِيل هُوَ فِي صُفْرَتَيْنِ مِنْ أدم الطَّا يُفِ فِي سُلَّتَيْنِ فِي مِنْدِيْلِ / فِي جِرَابِ فِي جَوْفِ تَابُوتِ مُوسَى وَالْمَفَاتِحُ عِنْدَ مِنكَاتيل وأخبار البخلاء والأشعار المقولة فيهم كثيرة تركتها مخافة التطويل بلا فائدة التحصيل. احتجاج البخلاء في بخلهم ومن كتاب العقد الأصمعي، قال أبو الأسود الدؤلي: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنا أسوء حالاً منهم وقال لبنيه: لا تطيعوا المساكين في أموالكم؛ فإنهم لا يقنعون منكم حتى يروكم في مثل حالهم. وقال: لا تحادوا الله عز وجل ولو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، ولكنه علم أن قوماً لا يصلح لهم إلا الفقر، وقوم لا يصلح لهم إلا الغنى.
أسألك حتى
وقال رجل من تغلب: أتيت رجلاً من كندة أسأله فقال يا أخا بني تغلب إني لم أحرم من أقرب منك إليَّ، إني والله لو مكنت الناس من داري لنقضوها طوبة طوبة، والله يا أخا بني تغلب ما بقي من يدي من مالي وأهلي وعرضي إلا ما منعته من الناس، وهذا نظير معنى قول الآخر: من أعطى في الفضول قصر في الحقوق.
وقال لقمان لابنه: يا بني أوصيك باثنين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك قناطر الخيرات/ج 74/ 3
[111] (3/97)
صفحة 954
98
قنطرة النفس
لمعاشك ودينك لمعادك (1). وقال أبو الأسود الدؤلي إمساكك ما في يدك خير من طلبك ما في يد غيرك وأنشد في هذا المعنى:
يَلُومُونَنِي فِي الْبُخْلِ جِهْلاً وَضِلَّةَ وَلَلْبُخْلُ خَيْرٌ مِنْ سُؤَالِ بَخِيل
ونظيره قول الملتمس:
وَحِفْظُ الْمَالِ أَيْسَرُ مِنْ لَقَاءِ وَضَرْبٌ فِي الْبِلَادِ بِغَيْرِ زَادِ وإضلَاحُ الْقَلِيلْ يَزِيدُ فِيهِ وَلا يَبْقَى الْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ
وقيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه. قيل: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله قال: لا ولكني أخاف أن لا أموت في أوله. وقال الجاحظ: قلت للحيراني: أترضى أن يقال لك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ لأنه لا يقال لي بخيل إلا وأنا ذو مال، فسلّم لي المال وسمني بأي اسم شئت.
وجمع
لذلك الاسم
جمع
الحمد
قلت: ولا يقال لك سخي إلا وأنت ذو مال، فقد الله لهذا الاسم المال والحمد، المال والذم. قال: بينهما فرق عجيب إن في قولهم بخيل سبباً لمكث المال في ملكي وفي قولهم سخي سبب لخروجه من ملكي واسم البخل فيه حزم واسم السخاء فيه تضييع والمال نافع ومكرم لأهله، والحمد ريح سخرية لأهله، وما أقل غني عنه إذا جاع بطنه وعرى جسده وجاع عياله وشمت عدوه. وقال محمد بن الجهم من شان من استغنى عنك الا معك، ومن احتاج إليك أن لا يزول ومن حبك لصديقك وظنك بمودته الا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف له فيما
يحوجه إليك.
يقيم
وقد قيل في مثل هذا اجع كلبك يتبعك وسمنه يأكلك فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقطع أسبابه من الشكر والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزين الفجور شريك الفاجر.
(1) أرى أن هذا القول وإن كان ظاهر مقبول إلا أنه يجب أن لا يوضع في موضع البخل والشح هذا إن لم يكن غير صحيح وأريد به الطعن من طرف خفي في لقمان عليه السلام فإن لقمان وصفه الله تعالى بالحكمة فلو صح. هذا القول إليه وليس مقصوده ما ذهب إليه من وضعه في هذا الباب بل هو التوسط في الانفاق بين الإسراف والتقتير وليست الصدقة من الإسراف بل هي مما ينمي المال ومن أعلم الناس بذلك من آتاه الله الحكمة وأظن أن المؤلف رحمه الله تعالى لم ينتبه إلى ذلك وكان عليه أن يذكره في باب الاقتصاد مثلاً، هذا والله أعلم.
[112] (3/98)
صفحة 955
قنطرة النفس
99
وقال يزيد بن عمرو الأسدي لبنيه: يا بني تعلموا الرد فإنه أشد من العطاء، فلان تعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف أعظم في أعينهم ممن لو قسمها عليهم، ولأن يقال لأحدكم بخيل وهو غني خير من أن يقال له سخي وهو فقير. وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة قال: وأنا لي إليك حاجة.
قال: وما حاجتك إلي؟ قال: لا أذكرها حتى تضمن قضاءها. قال: قد فعلت. قال: حاجتي إليك أن لا تسألني حاجة. قال فانصرف الرجل. وقال حصين / بن المنذر: وددت [113] لو أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع منه بشيء. قيل: فما كنت تصنع به؟
قال: لكثرة من يخدمني عليه؛ لأن المال مخدوم. وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيماً والنفع فيه عظيماً. ومن الأشعار التي يتمثل بها البخلاء:
وَزَهْدَنِي فِي كُلِ خَيْرٍ صَنَعْتَهُ إِلَى النَّاسِ مَا جَرَّبْتَ مِنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ
وقال آخر:
ارْفَعْ فَمِيْصَكَ مَا اهْتَدَيْتَ لِجَيْبِهِ فَإِذَا أَضَلَّكَ جِيْه فَاسْتَبْدِلِ وقول ابن هرمة:
قَدْ يُدرك الشرف الفتى وَرِدَاءَهُ خلق وَجَيْب قَمِيصِهِ مَرْفُوعُ وقال سهل بن هارون: لو قسمت بين الناس مائة ألف لكان أكثر للائمي، وقوله قول ابن الجهم: منع الجميع إرضاء الجميع ولسهل في كتاب العقد رسالة مشهورة يحتج فيها للبخل تركتها مخافة التطويل، والذي يقطع به جميع احتجاج البخلاء هو أن الله أمر بالانفاق ووعد عليه الفضل والخلف والثواب والمغفرة ونهى عن البخل وذمه ووعد عليه العقاب وأمر بمجاهدة الهوى في إنفاق المال الذي هو محبوب النفس أعظم المجاهدة لها، ونهى تعالى عن موافقة الهوى، وفي إمساك المال أعظم شهوات النفس.
وأيضاً أن السخي محبّب إلى القلوب وقد اتفقت الألسن على مدحه، والبخيل مبغض إلى القلوب وقد اتفقت الألسنة على ذمه والله تعالى يوصف بالجنود والكرم ولا يوصف بالشح والبخل، والبخيل يسيء بالله والسخي بخلافه، والله المستعان (1).
(1) راجع بعض حكايات وأخبار البخلاء في إحياء علوم الدين منها ما هو هنا ومنها ما ليس مذكور في هذا = (3/99)
صفحة 956
[114]
فصل
قنطرة النفس
اعلم أن البخل ذريعة إلى كل مذمة وقد يحدث في الإنسان بسببه / أربعة أخلاق وناهيك بها ذماً وهي؛ الحرص، والشرة، وسوء الظن، ومنع الحقوق.
=
فأما الحرص: فهو شدة الكدح والإسراف في الطلب.
وأما الشره: فهو استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة، فهذا فرق بين الحرص والشره لا يجديه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما يغنيه وقال بعض الحكماء: الشره من عزائم اللوم.
من
بحسب
ما
وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كانت بالخالق كانت شكاً يؤل إلى الضلال، وإن كانت بالمخلوق كانت استخانة يصير بها مختاناً وخواناً، لأن ظن الإنسان بغيره ا يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيراً ظنه بغيره، وإن رأى منها سوءاً اعتقده في الناس. وقد قيل في المثل: كل إناء ينضح بما فيه. فإن قيل: قد تقدم من قول الحكماء: أن من الحزم سوء الظن. قيل: تأويله قلة الاسترسال إليهم لا اعتقاد السوء فيهم. وأما منع الحقوق: فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق، محبوبها، فإذا مال البخيل إلى هذه الأخلاق المذمومة لم يبق معه خير موجود لإصلاح مأمول، والله أعلم.
فصل: في علاج البخل
اعلم أن البخل سببه حب المال، ولحب المال سببان: أحدهما: حب الشهوة التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان قصير الأمل ولكن له أولاد قاموا في قلبه مقام طول الأمل، وقد جاء في الحديث: «الولد مبخلة مجبنة مجهلة (1). فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بضمان الرب تعالى قوي البخل
لا محالة.
السبب الثاني: أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه طول عمره إذا اقتصر على ما جرت به العادة في النفقة ويفضل ألفاً وهو شحيح، وربما يكون شيخاً كبيراً ولا ولد
الكتاب (250/ 3: 251).
(1) قال العراقي في المغني (255/ 3 زاد في رواية: محزنة)، رواه ابن ماجة من حديث يعلى بن مرة دون قوله: «محزنة»، رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزار من حديث أبي سعيد، والحاكم من حديث الأسود بن
خلف وإسناده صحيح. (3/100)
صفحة 957
قنطرة النفس
101
ا له ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار [115] محباً للدنانير عاشقاً لها يتلذذ بوجودها فيكنزها تحت الأرض، وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه، ومع هذا لا تسمح نفسه أن يأكل أو يتصدق وهذا مرض في القلب عظيم عسير العلاج ولا سيما في كبر النفس فهو مرض مزمن لا يرجى علاجه؛ لأن المقصود بالمال قضاء الحاجة والفاضل عن قضاء حاجة الإنسان بمثابة الحجر فمحب الدنانير بلا قضاء حاجة كمحب الحجر وذلك غاية الضلال، فهذه أسباب حب المال.
وإنما علاج كل علة بما يضاددها فعلاج حب الشهوة بالقناعة باليسير والصبر، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت، وبموت الأقران، ويعالج إلتفات القلب إلى الولد بأن الذي خلقه تكفل برزقه، وكم من ولد لم يرث من أبيه شيئاً وحاله أحسن ممن ورث، وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده ليتركه بخير وينقلب هو إلى شر، فإن كان ولده تقياً صارت له المنفعة، وإن كان
فاسقاً استعان بماله على المعصية ويكثر التأمل أيضاً في أحول البخلاء ونفرة الطبع عنهم.
إلا
ويعالج أيضاً قلبه بأن يتفكر في مقصود المال، ولماذا خلق من أجله فلا يحفظ منه بقدر حاجته والباقي يدخره لنفسه ثواباً ليوم فقره، ويتفكر في شؤم البخل به وفي قوله تعالى: وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهُ لَئِنْ أَتَانَا مِن فَضْلِهِ. إلى قوله: بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعِرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ تفاقاً (1). الآية. وبلغنا أن هذه الآية نزلت في ثعلبة بن خاطب
(2)
قصة ثعلبة بن خاطب وذلك أنه روي عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة قال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني / مالاً. قال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». فألح عليه [116] مرتين. فقال: يا ثعلبة أمالك في أسوة؟ أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ أما والذي نفسي الجبال ذهباً وفضة لسارت». قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت
بيده لو شئت أن تسير معي! الله أن يرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه ولأفعلن ولأفعلن. فقال عليه السلام: «اللهم ارزق ثعلبة مالاً». فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر مع الجماعة ويدع ما سواهما فنمت وكثرت حتى ترك الصلاة في الجماعة إلا الجمعة، فطفقت تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، وطفق يلقى الركبان في يوم الجمعة فيسألهم عن الأخبار، فقال: ما فعل ثعلبة بن
(1) (2)
سورة التوبة الآيات: 77،76،75.
في الأصل: تغلبة بن خاطب وهو تحريف، وهو أنصاري بدري قتل بأخد وما يدور حول قصته هذه
محض كذب وافتراء. (3/101)
صفحة 958
102
إلى خير
(1).
قنطرة النفس
حاطب؟» فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، وأخبر بأمره كله. فقال: «يا ويح ثعلبة ثلاثاً. قال: وأنزل الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ (1) الآية. فبعث رسول الله رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم وكتب لهما كتاباً بأخذ الصدقة، وأمرهما أن يخرجا ويأخذا الصدقة من المسلمين وقال: مُرَّا بثعلبة بن حاطب وبفلان من بني سليم وخذا صدقتهما». فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرأه كتاب النبي عليه السلام، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليَّ، فانطلقا نحو السلمي، فسمع بهما فقام أسنان إبله فعزلهما للصدقة، ثم استقبلهما بها فلما رأياها قالاً: لا يجب عليك هذا، أو ما نريد نأخذ هذا منك. قال: بل خذاها ونفسي بها طيبة فإنما هيأتها لتأخذاها فلما فرغا من [117] صدقاتهما حتى مرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: أروني / كتابكما فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأهما قال: «يا ويح ثعلبة». قبل أن يعلماه، ودعا للسلمي فأخبراه بالذي صنع ثعلبة وبالذي صنع السلمي فأنزل الله تعالى في ثعلبة. {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ أَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِين) (2) الآية. وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ما نزل فيه، فخرج حتى أتى ثعلبة فقال: لا أمّ لك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك. فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثي التراب على رأسه فقال عليه السلام: هذا عملك أمرتك فلم تطعني. فلما أبي، أن يقبل منه رجع إلى منزله، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه، وجاء بها إلى عمر رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه، فتوفي ثعلبة بعد خلافة عثمان (3)، فهذا طغيان
المال وشؤمه.
فصل
وحكي أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس في أيديهم شيء مما ينتفع به من دنياهم، قد احتفروا قبوراً فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها وصلوا عندها، ورعوا البقل كما ترعى البهائم، وقد قيض الله لهم في ذلك معايش من نبات الأرض فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقيل له: أجب الملك ذا القرنين. فقال: ما لي إليه حاجة. فأقبل إليه ذو القرنين،
(1) سورة التوبة الآية: 103.
(2) سورة التوبة الآية: 75.
(3) قال العراقي في المغني: (266/ 3): رواه الطبراني بسند ضعيف. (3/102)
صفحة 959
قنطرة النفس
103
فقال له: أرسلت إليك لتأتيني فأبيت حتى جئت أنا. فقال: لو كانت [لي] إليك حاجة لأتيتك. فقال ذو القرنين: ما لي أراكم على الحال التي لم أر أحداً من الأمم عليها؟ قالوا: وما ذلك؟ قال: ليس لكم دنيا ولا شيء، أفلا اتخذتم من الذهب والفضة / فاستمتعتم بهما؟ [118] قالوا: إنما كرهناها لأن أحداً لم يعط منها شيئاً إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه. فقال: ما لكم احتفرتم قبوراً فإذا أصبحتم تعهدتموها وكنستموها وصليتم عندها؟ قالوا: أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا منعتنا قبورنا من الأمل. قال وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها. قالوا: كرهنا أن نجعل بطوننا قبوراً لها، ورأينا في نبات الأرض بلاغاً، وإنما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام؛ فإن ما جاوز الحنك لم يجد له طعماً كائناً ما كان من الطعام، ثم بسط يده ملك تلك الأرض خلف ذي القرنين فتناول جمجمة. فقال: يا ذا القرنين أتدري من هذا؟ قال: لا أدري. قال: هو ملك من ملوك الأرض، أعطاه الله سلطاناً على أهل الأرض، فغشم وظلم، فلما رأى الله ذلك منه حسمه بالموت، فصار كالحجر الملقي، قد أحصى الله عليه عمله حتى يجازيه به في آخرته ثم تناول جمجمة ثانية وقال: يا ذا القرنين أتدري من هذا؟ قال: لا، ومن هو؟ قال: هذا ملك ملكه الله، بعده قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الظلم والغشم، فتواضع وخشع الله، وأمر بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجازيه في آخرته ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين، فقال: وهذه الجمجمة كأن قد كانت كهذه فانظر يا ذا القرنين هلا كنت في صحبتي فأتخذك أخاً ووزيراً شريكاً فيما أتاني الله من هذا المال. قال: ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعاً. قال: ذو القرنين ولم؟ قال: من أجل أن الناس كلهم لك عدوّ ولي صديق. قال: ولم؟ قال: يعادونك لما في يدك من الملك والمال والدنيا، ولا أجد أحداً يعاديني [119] لذلك ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء. قال: فانصرف عنه ذو القرنين متعجباً
لرفضي
ومتعظاً. به والله أعلم
شاء الله
(2)
منه
فهذه المعاني والحكايات أدوية لعلاج البخل من جهة العلم والمعرفة مع ما سنورده إن من الأخبار والحكايات في مدح السخاء وفضله، فإذا تأمل الإنسان ذلك بنور البصيرة عرف أن إعطاء المال خير له من إمساكه في الدنيا والآخرة، فإذا تحقق ما ذكرنا هاجت رغبته
(1) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (267/ 3).
(2) راجع قصة ذي القرنين مع الملك في الإحياء وكثير مما في الباب (267/ 3: 268). (3/103)
صفحة 960
1.2
قنطرة النفس
في البذل إن كان عاقلاً فإذا تحركت الداعية فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف لأن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ليصده عن ا الصدقة.
ويقال: كان بعض مشايخ السلف في موضع الخلاء، فدعا تلميذاً له فقال: انزع القميص عني وادفعه إلى فلان فقال: هلا صبرت حتى تخرج قال: لم آمن على نفسي أن تتغير وكان قد خطر لي بذله. ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفاً كما لا يزول العشق إلا بالسفر عن مستقر المعشوق ثم يتكلف أمر الصبر فيسلو عنه قلبه.
فكذلك الذي يريد أن يعالج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفاً مع الجهد مرة بعد أخرى حتى يميت من نفسه صفة البخل فيصير السخاء له طبعاً ويسقط عنه التعب فيه.
وعن وهب قال: ما تخلق عبد بخلق أربعين صباحاً إلا جعل الله ذلك طبيعة فيه، ومن عرف آفة المال لم يأخذ منه إلا قدر الحاجة، ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل؛ لأن ما أمسكه لحاجته فليس إمساكه ذلك بخلاً منه وما لا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه بل يبذله وإنما كالماء على شاطاء النهر لا يبخل به أحد لقناعة / الناس منه بقدر الحاجة. فهذه أدوية من جهة العمل في علاج البخل أيضاً؛ لأن من لم يسلك هذا السبيل حتى يتجافى قلبه عن متاع الدنيا أنس بها وأحبها، فإن كان له مثلاً ألف متاع كان له ألف ولذلك إذا سرق له واحد منها ألمت به مصيبته بقدر حبه، له فإذا مات نزلت به ألف مصيبة دفعة
هو
محبوب،
واحدة؛ لأنه كان يحب الكل وقد سلب عنه، بل هو في حياته على خطر المصيبة بالفقد والهلاك.
وقد
روي أنه حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجراهر لم ير له نظير ففرح الملك به فرحاً شديداً. فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى هذا؟ قال: أراه فقراً أو مصيبة. قال: وكيف؟ قال: إن انكسر كان مصيبة لا جبر لها وإن سرق صرت فقيراً إليه ولم تجد مثله، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر.
ثم اتفق أن كسر يوماً فعظمت مصيبة الملك فيه فقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا. وهكذا شأن جميع أسباب الدنيا، فإن الدينا عدوة لأعداء الله إذ تسوقهم إلى النار، وعدوة لأولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها، وعدوة الله؛ إذ تقطع طريقه على عباده، وعدوة نفسها؛ فإنها تأكل نفسها، فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس ولا يمكن تحصيلهما إلا بالمال وهو بذل الدنانير والدراهم، فالمال يأكل غيره ثم نفسه حتى يفنى كالنار تأكل غيرها فإذا أعدمته أكلت نفسها فماتت وها نحن نذكر بفضيلة السخاء.
[120] (3/104)
صفحة 961
قنطرة النفس
1.0
فصل: في فضل السخاء
اعلم أن المال إن كان مفقوداً فينبغي أن يكون حال: العبد القناعة وقلة الحرص، وإن كان موجوداً فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء / واصطناع المعروف والتباعد من الشح [121]
والبخل فإن السخاء من أخلاق الأنبياء، وهو أصل من أصول النجاة، وعنه عبر عليه السلام حيث قال: «السخاء شجرة في الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض فمن أخذ منها غصناً قاده ذلك الغصن إلى الجنة» (1).
وعن
وعن جابر عنه أنه قال عن جبريل عن ربه عز وجل: «إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما استطعتم. وفي رواية: «ما صحبتموه» (2) عائشة عنه عليه السلام أنه قال: ما جَبَّلَ الله ولياً له إلا على السخاء. وحسن الخلق» (3). وعنه أيضاً أنه قال: خلقان يحبهما الله، وخلقان يبغضهما الله فأما اللذان يحبهما الله: الخلق وأما اللذان يبغضهما، فالبخل وسوء الخلق، فإذا أراد الله بعبده خيراً استعمله على حوائج الناس» (4). وعنه عليه السلام أنه قال: «تجافوا عن ذنب السخي فإن
فالسخاء،
الله أخذ
وحسن
عثر (0) كلما بيده
وعن ابن مسعود رحمه الله عنه و أنه قال: الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين
(1) رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث عائشة، وابن عدي، والدارقطني في المستجاد من حديث أبي هريرة، وأبو نعيم من حديث جابر وكلاهما ضعيف، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من حديثهم،
ومن حديث الحسين وأبي سعيد قاله العراقي في المغني (238/ 3).
(2) رواه الدارقطني في المستجاد. قاله العراقي في المصدر السابق. (3) رواه الدارقطني في المستجاد دون قوله وحسن الخلق بسند ضعيف، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات، وذكره بهذه الزيادة ابن عدي من رواية بقية عن يوسف بن أبي السفر عن الأوزاعي عن
الزهري عن عروة عن عائشة ويوسف ضعيف جداً. المصدر السابق. (4) رواه أبو منصور الديلمي دون قوله في آخره: وإذا أراد الله بعبد خيراً، وقال فيه: الشجاعة بدل حسن الخلق، وفيه: محمد بن يونس الكديمي كذبه أبو داود، وموسى بن هارون وغيرهما ووثقه الخطيب، وروى الأصفهاني الحديث موقوفا على عبد الله بن. بن عمرو، وروى الديلمي أيضاً من حديث أنس:
جميع
إذا أراد الله بعبده خيراً صير حوائج الناس إليه، وفيه يحيى بن شبيب ضعفه ابن حبان. قاله العراقي في المغني (238/ 3). (5) رواه الطبراني في الأوسط، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وقال الخرائطي أقيلوا السخي زلته، وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، ورواه الطبراني فيه، وأبو نعيم من حديث ابن مسعود نحوه بإسناد ضعيف، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني. قاله العراقي في المغني (239/ 3). (3/105)
صفحة 962
1.7
الملائكة (1) إلى ذروة البعير، وإن الله ليباهي بمطعم الطعام
(2)
قنطرة النفس
وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثيرة من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة (2). وعن ابن عمر عنه أيضاً قال: إن الله عباداً يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل وأمسك عن العباد نقلها الله إلى غيره (3).
وعن الهلالي أنه قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى من بني العنبس (4) فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلاً. فقال علي: يا رسول الله الرب واحد والدين واحد والذنب واحد فما بال هذا من بينهم. فقال عليه السلام نزل جبريل عليه السلام فقال: اقتل هؤلاء واترك هذا فإن الله شكر [122] له / سخاء فيه (5).
وعن أبي سعيد الخدري عنه عليه السلام أنه قال: يقول الله عز وجل اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإني جعلت فيهم، رحمتي، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي وعنه أيضاً أنه قال: من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال (7).
(1) ,
(1) لم أجده من حديث ابن مسعود، ورواه ابن ماجة من حديث أنس، ومن حديث ابن عباس بلفظ: الخير أسرع إلى البيت الذي يغشى وفي حديث ابن عباس الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير، ولأبي الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر: الرزق إلى أهل البيت الذي فيه السخاء .. الحديث، وكلها ضعيفة ـ المصدر السابق.
(2) رواه مسلم، قاله العراقي في المصدر السابق. (3) رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وأبو نعيم) وفيه محمد بن حسان السمتي وفيه لين ووثقه ابن معين، يرويه عن أبي عثمان عبد الله بن زيد الحمصي ضعفه الأزدي - المصدر السابق.
(4)
في الإحياء: «من بني العنبر». (5) لم أجد له أصلاً. العراقي في المغني (239/ 3).
(6) رواه ابن حبان في الضعفاء والمتروكين والخرائطي في مكارم الأخلاق والطبراني في الأوسط وفيه
محمد بن مروان السدي الصغير ضعيف ورواه العقيلي في الضعفاء فجعله عبد الرحمن السدي، وقال إنه مجهول، وتابع محمد بن مروان السدي عليه عبد الملك بن الخطاب وقد غمزه ابن القطان وتابعه عليه عبد الغفار بن الحسن بن دينار قال فيه أبو حاتم لا بأس بحديثه وتكلم فيه الجوزجاني، والأزدي، ورواه الحاكم من حديث علي وقال: إنه صحيح الإسناد، وليس كما قال: قاله العراقي في المغني
(239: 238/ 3)
(7) رواه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بلفظ: ما عظمت نعمة الله على عبد إلا ذكره، وفيه: أحمد بن مهران، قال أبو حاتم مجهول والحديث باطل، ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من = (3/106)
صفحة 963
107
قنطرة النفس
ويروي
أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فإنه سخي. وعن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً وجعل عليهم قيس بن سعد ابن عبادة، فجهد وأفخر لهم قيس تسع ركائب فحدثوا رسول الله بذلك فقال: إن الجود من شيم أهل هذا البيت (1) الآثار: وعن عليّ بن أبي طالب قال: إذا أقبلت الدنيا فأنفق منها فإنها لا تبقى، وإذا أدبرت عنك فانفق منها فإنها لا تبقى وأنشد: لا تَخْلَنَّ بِدُنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ فَلَيْسَ يُنْقِصُهَا التَّبْذِيرُ والسَرَفُ فَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا فَالْحَمْدُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ
وقال بعض البلغاء جود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده. وقال بعض الفصحاء: خير المال ما استرق حراً، وخير الأعمال ما استحق شكراً. وقيل في منثور الحكم: الجود أعز موجود ويروى أن معاوية سأل الحسن بن عليّ عن المروءة، والنجدة، والكرم. فقال: أما المروءة: فحفظ الرجل دينه وحرزه نفسه وحسن قيامه بضيعته، وحسن المنازعة، والإقدام في الكراهة.
وأما النجدة: فالذب عن الجار والصبر في المواطن.
وأما الكرم: فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل. . وأنشد لصالح بن عبدوس: ويُظهِرُ عَيْبَ الْمَرءِ فِي النَّاسِ بُخْله وَيَسْرْهُ عَنْهُم جميعاً سَخَاؤُهُ تَغَطَّ بِأَلْوَابِ السَّخَاءِ فَإِنَّنِي أرى كُلّ عَيْبِ فَالسَّخَاءُ عَطَاؤُهُ
عن
قال: ورفع رجل إلى الحسن بن عليّ رقعة فقال: حاجتك مقضية فقيل له: يا ابن رسول الله لو نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ذلك. فقال: يسألني الله ذل مقامه بين يدي حتى اقرأ رقعته. وعن ابن السماك قال: عجباً لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بفعاله. ويروى أن النعمان بن المنذر قال لجلسائه من أفضل الناس عيشاً وأنعمهم بالاً وأكرمهم طبعاً وأجلهم في النفوس قدراً؟
:
حديث عمر بإسناد منقطع وفيه حليس ابن محمد أحد المتروكين ورواه العقيلي من حديث ابن عباس، قال ابن عبدي يُروى من وجوه كلها غير محفوظ قاله العراقي في المغني (240/ 3). (1) رواه الدارقطني فيه من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر ولا يعرف اسمه ولا حاله. قاله العراقي في المغني (241/ 13).
[1236 (3/107)
صفحة 964
1. A
قنطرة النفس
فسكت القوم فقام فتى فقال: أبيت اللعن أفضل الناس عيشاً من عاش الناس في فضله. قال: صدقت. وقيل لبعض الأعراب من سيدكم؟ قال: من احتمل شتمنا، وأعطى سائلنا، وأغضى عن جاهلنا. وعن علي بن الحسين قال: ليس السخي من وصف ببذل ماله لطلابه، وإنما السخي من يبتدى بحقوق الله في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له إذا كان
يغنيه بثواب الله تاماً.
وعن جعفر الصادق أنه قال: لا مال أعود - أي أنفع - من العقل (1)، ولا مصيبة أهم من الجهل، ولا مظاهرة كالمشورة، ألا وإن الله يقول: إني جواد كريم لا يجاورني لئيم، واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار، والجود والكرم من الإيمان وأهل الإيمان في الجنة.
قال: ورأى الأحنف رجلاً وفي يده، درهم وقال لمن هذا الدرهم؟ فقال لي. فقال: أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. وفي معناه قول العرب: مالك إن أنفقته كان لك وإن أمسكته كان عليك. قال قائلهم:
ذريني أكن للما رباً ولا يكن لي المال ربا تحمدي عقبة غدا أريني كريماً مات هزلاً لعلني أرى ما ترين أو بخيلاً تخلدا
/ وقال آخر:
أنت للمال الذي أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك قال: وورث بعض السلف خمسين ألف درهم، فبعث بها إلى اخواته صرراً، وقال: قد كنت أسأل الله الجنة في صلاتي لأخواتي فأبخل عليهم بالدنيا. وعن أسماء بن كان يقول: ما أحب أن أرد أحداً عن حاجته؛ فإنه إن كان كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيماً
(r).
(2)
خارجة أنه
أصون. عنه عرضي. ويقال: كان مورق العجلي يتلطف في إدخال الرزق على إخوانه فيضع عند أحدهم ألف درهم ويقول: امسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل إليهم أنتم في حل منها. قال العتبي عن الحكم بن عبد المطلب أنه أعطى جميع ما يملكه، فلما نفد ما عنده ركب فرسه وأخذ رمحة يريد الغزو فمات بمسح. فأخبرني رجل من أهل مسح قال: قدم علينا الحكم، وهو مملق لا شيء معه فأغنانا. قال: وكيف أغناكم وهو مملق؟ فقال: ما أغنانا بمال ولكن
(1) في إحياء علوم الدين (241/ 3): لا مال أعون من العقل.
(2) في الأصل: بنت. وهو تحريف. (3) في الأصل: مورقي - وهو تحريف.
[124] (3/108)
صفحة 965
قنطرة النفس
109
علمنا الكرم فعاد بعضنا على بعض فاستغنينا. وقال الحسن: بذل المجهود في بذل الموجود غاية الجود. وقيل لبعض الحكماء من أحب الناس إليك. قال: من كثرت أياديه عندي. قيل: فإن لم يكن؟ قال: من كثرت أيادي عنده. قال: وقال المهدي لشيب بن شيبة: كيف رأيت الناس في داري؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الرجل منهم ليدخل راجياً ويخرج راضياً. قال: وتمثل متمثل عند عبد الله بن جعفر.
إن الصنيعة لا تكون صنيعة
يصاب بها طريق المصنع
فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها لله أو لذي القرابة أو دع وقال عبد الله. بن جعفر: إن هذين البيتين ليبخلان الناس ولكن / أمطر المعروف مطراً [125]
فإن أصاب الكرام كانوا أهلاً له وإن أصاب اللثام كنت له أهلاً ودخل المنكدر على عائشة رضي الله عنها فقال: يا أم المؤمنين أصابتني فاقة. فقالت: ما عندي شيء فلو كانت عندي عشرة آلاف لبعثتها إليك. فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف من خالد بن أسيد، فقالت: ما أسرع ما ابتليت فأرسلت بها في أثره، فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ثلاثة أولاد: محمد، وأبو بكر وعمر بنو المنكدر، فكانوا عُبَّاد المدينة. وقال أكثم بن صيفى: صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ والله أعلم. قال الشاعر:
إذا تكرمت عن بذل القليل ولم تقدر على سعة لم يظهر الجود بث النوال ولا يمنعك قلته وكل ماسد فقراً فهو محمود حكايات الأسخياء
ومن كتاب سراج الملوك عن الأصمعي قال: كانت حروب البادية ثم اتصلت بالبصرة، فتفاقم الأمر حتى مشى بين الناس في الصلح فاجتمعوا في المسجد الجامع. قال: فبعثت أنا و غلام إلى ضرار بن القعقاع بن، دارم فاستأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو في شملة يخبط نوى لعنزة حلوب، فأخبرته بمجمع القول، فأمهل حتى أكل العنزة، ثم غسل القصعة. وقال: يا جارية غدينا فأتت بزيت وتمر. قال: فدعاني فقذرته أن أكل معه، فلما فرغ وثب إلى طين في الدار ملقى، فغسل يده ثم صاح يا جارية استقيني بماء فلما شرب مسح فضله على وجهه. ثم قال: الحمد لله ماء الفرات وتمر البصرة بزيت الشام متى يؤدى شكر هذه النعمة. ثم قال: علي بردائي فأوتي برداء عدني فارتدى به على تلك الشملة قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحاً لزيه فدخل المسجد فصلى ركعتين، فمشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاماً ما كان بين الأحباء من / ديات الأموات في ماله وانصرف. له ثم جلس فتحمل جميع
[126] (3/109)
صفحة 966
110
عائشة
قنطرة النفس
رضي
الله
وفي كتاب الغزالي: وعن محمد ابن المنكدر عن أم درة وكانت تخدم عنها قالت: أن ابن الزبير بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت يا جارية هات فطوري فجاءتها بخبز وزيت. فقالت: لها أم درة: ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لحماً تفطرين عليه. فقالت: كنت لو ذكرتني لفعلت. وعن أبان ابن عثمان قال: أراد رجل أن يضار عبد الله بن عباس فأتى وجوه قريش، الله تغدون اليوم عندي، فأتوه حتى ملأوا عليه الدار. فقال: ما هذا؟ فقال: يقول لكم عبد فأخبر الخبر فأمر عبد الله بشراء فاكهة، فأمر قوماً فطبخوا وخبزوا، وقدم إليهم الفاكهة، فلم يفرغوا حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى صدروا.
فقال عبد الله لوكلائه: أموجود هذا كلما أردت؟ قالوا: نعم. قال: فليتغد هؤلاء عندنا كل يوم إلى انقضاء شهر. وعن مصعب بن الزبير قال: حج معاوية فلما انصرف من المدينة قال الحسين بن علي لأخيه الحسن: لا تلقه ولا تسلم عليه. فلما خرج معاوية قال الحسن بن علي: إن عَلَيَّ ديناً ولا بد من إتيانه، فركب في أثره حتى لحقه، فسلم عليه فأخبره بدينه فمروا عليه ببختى عليه (1). ثمانون ألف دينار، وقد أعيى وتخلف عن الإبل وقوم يسوقونه. فقال معاوية: ما هذا؟ فذكر له فقال: اصرفوه بما عليه لأبي محمد وعن واقد بن محمد الواقدي قال: حدثني أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر له فيها كثرة الدين، وقلة صبره عليه. فوقع المأمون على ظهر رقعته: إنك رجل اجتمعت فيك خصلتان سخاء وحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فهو الذي يمنعك من تبليغنا ما أنت عليه وقد أمرت لك 1276] بمائة ألف درهم، فإن كنت قد أصبت فازدد / في بسط يدك، وإن لم أكن أصبت فجنايتك على نفسك، وأنت حدثتني إذ كنت على قضاء الرشيد.
عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أن النبي و قال الزبير بن العوام: «يا زبير
اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث إلى كل عبد بقدر نفقته فمن كثر كُثر له ومن قلل
قلل عليه (2).
مائة
قال الواقدي: فوالله لمذاكرة المأمون إياي بالحديث أحب إلي من الجائزة ومن ألف. قال: وسأل رجل الحسن بن علي حاجة له فقال له يا هذا حق سؤالك إياي يعظم
(1) في الأصل: فأمر له ببختى عليه. والتصويب من إحياء علوم الدين (242/ 3). (2) رواه الدارقطني فيه وفي إسناده الواقدي عن محمد بن إسحاق عن الزهري بالعنعنة ولا يصح. قاله العراقي في المغني (242/ 3). (3/110)
صفحة 967
قنطرة النفس
111
علي، ومعرفتي بما يجب لك يكثر عليّ ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلف من واجبك فعلت فقال: يا ابن رسول الله، أقبل وأشكر العطية، واعذر على المنع، فدعا الحسن بوكيله فجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال: هات الفاضل من الثلاث مائة ألف فأحضر خمسين ألفاً. قال: فما فعلت الخمسمائة دينار؟ قال: هي عندي. فقال: أحضرها. فأحضرها فرفع الدنانير والدراهم إلى الرجل، فقال: هات من يحملها لك، فأتاه بحمالين فدفع له الحسن رداءه لكراء الحمالين فقال له مواليه: والله ما عندنا فقال: ولكني أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم. قال: واجتمع قراء البصرة إلى
درهم.
الله عبد
بن عباس وهو عامل البصرة فقالوا: أجارٌ لنا صوّام قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله، وقد زوّج بنية له من ابن أخيه وهو فقير، وليس عنده ما يجهزها به. فقام ابن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلهم داره وفتح صندوقاً فأخرج منه ست. بدر. فقال: احملوها، فحملوها. فقال ابن عباس: ما أنصفناه حيث / أعطيناه ما يشغله عن صيامه وقيامه ارجعوا بنا نكون أعواناً [128] على تجهيزها فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمناً عن عبادة ربه، وما بنا من التكبر ما لا نخدم أولياء الله، ففعل ففعلوا.
قال: وحكي أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن أسعد أميرهم فقال: والله لأعلمن الشيطان إني عدوه فَعَالَ محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار، ثم عزل عنهم فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم ورهنهم بها حلي نسائه وقيمته خمس مائة ألف ألف، فلما تعذر عليه ارتجاع الحلى كتب إليهم ببيعة، ودفع الفاضل منه عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته. وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء، فقال للشاعر: والله ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وأدع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها فإن أهلي لا يتركونني محبوساً ففعل، فلم يمس حتى دفعت إليه عشرة آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من
الحبس.
عندي
ما
قال: وكان معن بن زائدة عاملاً على العراقيين بالبصرة، فحضر ببابه شاعر، فأقام مدة وأراد الدخول إلى معن فلم يتهيأ له فقال يوماً لبعض خدم معن: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، فلما دخل أعلمه فكتب الشاعر بيتاً على قصبة وألقاها في الماء الذي يدخل ببستان
معن، وكان معن على رأس الماء فلما أبصر بالقصبة أخذها وقرأها فإذا فيها مكتوب: أيا جود معن ناج معن بحاجتي فما لي إلى معن سواك شفيع (3/111)
صفحة 968
112
قنطرة النفس
قال: فدعا بالرجل فأنشد البيت فأمر له بعشر بدر، ووضع الأمير الخشبة تحت بساطه ثم
قرأ معن البيت في اليوم الثاني فأمر له بمائة ألف درهم فهرب لئلا تؤخذ منه. ثم قرأه بعد ذلك [129] فدعا به / فلم يوجد. فقال: حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي دينار ولا درهم. ومن كتاب سراج الملوك قال: وأما طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف
بطلحة الطلحات قال: وإنما سمي بهذا الاسم لأنه كان عظيم البذل في كل وجه، وكان يبتاع الرقاب فيعتقها وكان كل معتق يولد له ولد ذكر اسمه طلحة فبلغ عددهم ألف رجل، كل يسمى طلحة فسمي لذلك طلحة الطلحات وفيه يقول القائل:
الله
أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
قال أبو الحسن المدني خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجاً فعالتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب؟. قالت: نعم فأناخوا إليها، وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت: احلبوها وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك نقالوا: هل من طعام؟ قالت: لا إلا هذه فليذبحها أحدكم. حتى أهييء لكم ما تأكلون. فقام ليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاماً فأكلوا، فلما أبردوا وارتحلوا، فقالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون بك خيراً ثم
ارتحلوا.
وأقبل زوجها وأخبرته خبر القوم والشاة، فغضب فقال: ويلك تذبحين شاة لقوم لا تعرفينهم، ثم تقولين نفر من قريش قال: ثم بعد ذلك ألجأتهما الحاجة إلى المدينة، فدخلاها فجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة، فإذا الحسن بن علي جالس على باب داره فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث الحسن غلامه فدعا العجوز. فقال لها: يا أمة الله أتعرفيني؟ قالت: لا. قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا. وقالت العجوز: بأبي أنت [130] وأمي هو؟! قال: نعم، ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شاء الصدقة ألف شاة / ثم أمر لها معها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى الحسين. فقال لها: الحسين بكم وصلك أخي؟ قالت:
غلامه إلى عبد
الله
بن
بألف شاة وألف دينار فأمر لها الحسين بمثل ذلك، ثم بعث بها جعفر. فقال لها: بكم وصلك الحسن والحسين؟ فقالت: بألفي دينار وألفي شاة. فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار فقال لها: لو بدأت بي لأتعبتهم، فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار. قال: وقدم رجل من قريش من السفر، فمرّ برجل من الأعراب على قارعة الطريق وقد (3/112)
صفحة 969
قنطرة النفس
113
أقعده الدهر وأضرّ به المرض. فقال: يا هذا أعِنَّا على الدهر. فقال الرجل لغلامه: ما بقي من النفقة فادفعه إليه فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم، فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف فبكى، فقال له الرجل: ما يبكيك؟ لعلك استقللت ما أعطيناك. قال: لا ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.
بتسعين
قال: واشترى عبد الله بن عامر من خالد ابن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق
ألف
درهم،
فلما كان
في الليل
سمع
بكاء أهل خالد، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قال:
يبكون لدارهم. فقال: يا غلام أتتهم واعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً. قال: وقيل أنفذها هارون الرشيد إلى مالك بن أنس بخمس مائة دينار. فبلغ ذلك الليث بن سعيد وأنفذ إليه ألف دينار. فغضب هارون فقال: أعطيته خمس مائة دينار وأعطيته أنت ألف دينار وأنت من رعيتي فقال: يا أمير المؤمنين إن في غلتي كل يوم ألف دينار، فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم. وحكي أنه لم تجب عليه زكاة مع أن دخله كل يوم ألف دينار، وفي مثله يقول القائل:
ملات يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَاراً فَمَا طَمِعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِ / ولا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاة مَال وَهَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عِلَى جَوَادِ
وروي أن امرأة سألت الليث بن سعد (1) شيء من عسل فأمر لها بزق وقال: إنها سألتنا على قدرها ونعطوها على قدر النعمة علينا وقال: كان الليث بن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاث مائة وستين مسكينا (2).
وعن الأعمش قال: اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغدو والعشي ويقول: هل استوفت، علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها؟ وكان تحتي لبد اجلس عليه فإذا خرج قال: خذ ما تحت اللبد حتى وصل إليّ في علة الشاة أكثر من مائة دينار من بره، حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ.
(1) في الأصل الليث بن سعيد، وهو تحريف وهو الفقيه المصري الشهير.
(2)
ثلاث
قلت: اشتهر الإمام الليث بن سعد بالزهد والكرم والثراء، وما زال نسله إلى اليوم بالقاهرة يقدمون مشروب الشاي كل يوم بعد صلاة الفجر لكل المصلين الذين يصلون بالمسجد الذي دفن فيه بمصر، وكانوا قبل فترة قصيرة يقدمون وجبة إفطار كاملة لكل المصلين ثم اقتصروا الآن على مشروب الشاي ولما سألت عن ذلك أخبرت أنهم على ذلك العهد منذ وفاته رحمه الله، فأرجو منه الله أن يوسع عليهم وأن يعودوا لما كانوا عليه من الإطعام، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم وأن يجعل أجر تلك السنة لجدهم الليث بن سعد وأن يرحمنا جميعاً بكرمه. آمين (سيد).
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 8
[131] (3/113)
صفحة 970
114
قنطرة النفس
أن ويروي عبد الملك بن مروان قال لأسماء ابن خارجة: بلغتني عنك خصال فحدثني
بها قال: هي من غيري أحسن منها منّي. قال: عزمت عليك إلا تحدثني بها. قال: يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس قط، ولا صنعت طعاماً فدعوت عليه قوماً إلا كانوا أمَنَّ علي مني عليهم، ولا نصب لي رجل وجهه قط ليسألني شيئاً فاستكثرت شيئاً أعطيه إياه. قال: ودخل سعيد بن خالد على سليمان ابن عبد الملك وكان سعيد رجلاً جواداً فإذا لم يجد شيئاً كتب لمن سأله الضكاك على نفسه حتى يخرج عطاءه، فلما نظر إليه سليمان تمثل
بهذا البيت: إني سمعت مع الصباح منادياً يا من يعين على الفتى المعوان قال: ما حاجتك؟ قال: ديني. قال: وكم هو؟ قال: ثلاثون ألف دينار. قال الملك: لك دينك ومثله. وقيل: مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخذ الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر منادي فنادى: من كان عليه لقيس حق فهو منه في حل. قال: فعسرت درجته بالعشي لكثرة من [132] / أن الشافعي لما مَرِضَ مَرَضٌ موته قال: مروا فلاناً يغسلني. فلما توفي بلغه خبر موته فحضر فقال: ائتوني بتذكرته فأتي بها فنظر فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم، فكتبها على نفسه فقضاها عليه فقال: هذا غسلي إياه، أي إرادته هذا.
،
عاده وروي
وعن الشافعي قال: لا أزال أحب حماد ابن سليمان لشيء بلغني. عنه، أنه كان ذات يوم اكباً حماراً فحركه، فانقطع زره فَمَرَّ على خياط فأراد أن ينزل ليسوي زره، فقال الخياط: والله لا نزلت، فقام الخياط إليه فسوّى (1) زره فأخرج صرة فيها عشرة دنانير فسلمها إلى الخياط
واعتذر إليه من قلتها.
قال الربيع بن سليمان قال: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال: يا ربيع اعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقال الربيع: سمعت الحميدي يقول: قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه في موضع خارجاً من مكة فنشرها على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه فقبض قبضة فأعطاه حتى صلى الظهر فنفض الثوب وليس عليه شيء وأنشد الشافعي لنفسه فيما قيل:
(1) في الأصل سوى والتصويب من إحياء علوم الدين (245/ 3). (3/114)
صفحة 971
[133]
110
قنطرة النفس
يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَالٍ أَجُودُ بِهِ عَلَى الْمُقِلِّينَ مَنْ أَهْلِ المُرُوآتِ إِنَّ اعْتَذِارِي إِلَى مِنْ جَاءَ يَسْأَلُنِي مَا لَيْسَ عِنْدِي مِنْ إِحْدَى الْصُيِّبَاتِ وعن أبي ثور قال: أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال وكان قلما يمسك شيئاً من سماحته فقلت له: ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك. قال: فخرج ثم قدم علينا فسألناه عن ذلك المال فقال: ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها وقد وقف أكثرها ولكن بنيت بما معي ما يكون لأصحابنا إذا حجوا أن ينزلوا فيها وأنشد
للشافعي:
أرى نفسي تتوقى إلى المعاني ويقصر دون مبلغهنَّ ما ومالي لا يبلغني فعالي / فلا نفس تساعدني ببخل
فلما
وعن محمد بن عباد المهلبي قال: دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم. قدم من عنده تصدق بها فأخبر بها المأمون، فلما عاد إليه عاتبه المأمون في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين منع الموجود سوء الظن بالمعبود فوصله بمائة ألف أخرى.
قال: وجاء رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فقال: يا غلام أعطه خمس مائة فرجع الغلام مستفهماً فقال: دنانير أو دراهم؟ فقال: ما أردت إلا دراهم فأما إذا رجعت فصيرها دنانير. فقعد الرجل يبكي فقال ما يبكيك؟ فقال: أبكي أن الأرض تأكل مثلك. وسأل سعيداً رجلاً آخر فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال سعيد: ما يبكيك؟ فقال: أبكي أن الأرض تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى. وينشد في هذا المعنى:
لعمرك ما المصيبة هدم دار ولا شاة تموت ولا بعير ولكن المصيبة موت حر يموت لموته بشر كثير
قال: ودخل أبو تمام على إبراهيم بن شكلة بأبيات امتدحه فيها فوجده عليلاً، فقبل منه المدحة وأمر حاجبه بنيله ما يصلحه وقال: عسى أن أقوم من مرضي فأكافئه فأقام شهرين، فأوحشه طول المقام فكتب إليه: أن حراماً قبول مدحتنا وترك ما يرتجى من الصفد
ثلاثين
كما الدنانير بالدراهم في الصرف
رام إلا يداً
بي
فلما وصل البيتان إلى إبراهيم قال لحاجبه: كم أقام بالباب؟ قال: شهرين. قال: أعطه
ألفاً
وجئني بدواة فكتب إليه: (3/115)
صفحة 972
[134]
116
قنطرة النفس
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا قلا فلو أمهلتنا لم يقلل وخذ القليل وكن كأنك لم تقل ونكون نحن كأننا لم نفعل
/ ويروي
أنه كان لعثمان على طلحة خمسون ألف درهم فقال طلحة: قد تهيأ مالك
فاقبضه. قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك وفي مثله قال الشاعر: إذا أسيل معروفاً تبسم ضاحكاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله وفي مثله قال الشاعر:
كريم إذا ما جئت تطلب نائله حياك بما ضمت عليه أنامله فلو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله قال: وقالت سعدى بنت عوف ودخلت على طلحة فرأيت. معه ثقلاً فقلت: ما لك؟ فقال: اجتمع عندي مال قد غمني قلت: وما يغمك أدع قومك. فقال: يا غلام علي بقومي، فسألت الخادم كم كان؟ فقال: أربع مائة ألف.
فقسمه بينهم.
قال: وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله فتقرب إليه برحم فقال: إن هذا الرحم ما سألني به أحد قبلك إن لي أرضاً قد أعطي فيها عثمان ثلاث مائة ألف فإن شئت فاقبلها وإن شئت بعتها
لعثمان ودفع إليك الثمن. فقال: الثمن. فباعها من عثمان ودفع الثمن إليه وينشد: وَإِمَّارَةٌ بِالْبُخْلِ قُلْتُ لَهَا أُقْصِرِي فَذَلِكَ شَيْءٍ مَا إِلَيْهِ سَبِيْلُ أرى النَّاسَ خِلان الْجَوَادِ وَلا أَرَى بَخِيْلاً لَهُ فِي الْعَالَمِينَ خَلِيْلُ ومِنْ خَيْرِ حَالَاتِ الفتى لَوْ عَلِمْتَهُ إذَا نَالَ شَيْاً أن يَكُونَ يُبْلُ فَإِنِّي رَأَيْتُ الْبُخْلَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ فَأَكْرَمْتُ نَفْسِي أَنْ يُقَالَ بَخِيْلُ ومن كتاب الجواهر: ويحكى أن عبد الله ابن عباس خرج يريد معاوية فأصابته سماء فرفعت له خيمة فتيممها فإذا بها شيخ من الأعراب وامرأته وابنتاه وعندهم عنز، ورحب به [135] وأنزله. فقال الشيخ: اذبحها / الضيفي. فقالت المرأة: تموت ابنتاي جوعاً. فقال: الموت خير من اللؤم، فأخذ الشفرة وهو يقول:
يا مرتنا لا توقظي ابنتيه إن توقظا تنبعثا إليّ
وتنزعا الشفرة من يديه
بهذا وبها إليه (3/116)
صفحة 973
قنطرة النفس
من
117
قال: فذبح العنز فأضافه بها، فلما أصبح ابن عباس رضي الله عنه قال لغلامه: كم بقي النفقة؟ قال: خمسمائة دينار فقال؛ صبها للأعرابي. قال: يكفيك ضعف قيمة الشاة. قال: سبحان الله جاد علينا بدنياه كلها أفلا نجود له ببعض دنيانا. قال: فأعطاها الشيخ فارتحل يريد معاوية فلما انصرف من عنده اجتاز على الشيخ فوجده صاحب إبل ومراج فكان الشيخ ينشد فيه:
توسمته لما رأيت مهابة عليه فقلت المرء من آل هاشم وإلا فمن آل المزار فإنهم ملوك ملوك من ملوك أعاظم فقمت إلى عنز بقية أعنز فأذبحتها فعل امراء غير عاتم فعوضني منها غنائي ولم يكن يساوي الحميمي غير خمس دراهم بخمس مئين من دارهم صرفت إلي فما جادت بها كف آدم فقلت لعرسي في الخلا وصبيتي ءالحق هذا أم هو أضغاث حالم؟ فقالوا جميعاً لا بل الحق هذه تخب بها الركبان وسط المواسم
قال: فبلغ ذلك معاوية فقال: الله در ابن عباس من أي بيضة خرج وفي أي عش درج. وهذه الحكايات قرأتها قديماً فحفظي فيها مضطرب ولعلي إن لم آت بصريح ألفاظها فقد أتيت بمعناها وأنا استغفر الله على ما بدلت من الألفاظ وغيرها.
ويحكى أن رجلاً أتى إلى صديق له في أربع مائة دينار عليه فأخبره بها، فوزن له أربع مائة فعاد يبكي. فقالت له امرأته: لم أعطيته إذ شق / عليك؟ فقال: إنما أبكي لأني لم اتفقد [136] حاله حتى احتاج لمفاتحتي والله أعلم وحكايات الأسخياء كثيرة، ولو استقصيناها لطال
الكتاب
ما
(1)
فصل
اختلف الناس في حد البخل والسخاء. فقال قوم: حد البخل منع الواجب فكل من أدى وجب عليه فليس ببخيل. وقال آخرون البخيل هو الذي يستصعب العطية. وهذان القولان قاصران إذ من يرد اللحم إلى القصاب أو الخبز إلى الخباز بنقصان حبه أو نصف حبه لا يعد بخيلاً بالإنفاق، وكذلك لا يكون بخيلاً باستصعاب العطية دون الإمساك.
(1) أورد الغزالي من ذلك كثير أيضاً في كتابه إحياء علوم الدين فراجعه (242/ 3: 246) غير أن هذا فاق عليه في ذكر الشعر فقد أورد منه أكثر مما يورد الغزالي رحمنا ورحمهما الله. (3/117)
صفحة 974
118
قنطرة النفس
وقد روي عن طلحة أنه قال نجد في أموالنا ما يجد البخيل ولكنا نتصبر. وكذلك تكلموا في السخاء والجود: فقال قوم: السخاء أن تسخو نفسك بما في يديك ونهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس ولا تبالي بمن أكل الدنيا. وقال قوم: الجود عطايا بلا من. وقيل: الجود
عطية بغير مسئلة على رؤية التقليل. وقيل: الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن. وقيل: السخاء هو الرتبة الأولى، ثم الجود، ثم الإيثار، فمن أمسك البعض وأتى البعض فهو صاحب سخاء، ومن أعطى الأكثر وأمسك لنفسه الأقل فهو صاحب جود، ومن قاس الضرّ وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار، ومن لم يبذل شيئاً فهو بخيل. ويقال: أصل هو السماحة وأن يؤتي ما يؤتيه عن طيب نفس فإن أعطى عن منازعة نفس فهو متسخ
السخاء
وليس بسخي.
(1)
وفي كتاب الغزالي قال: وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة البخل والجود، قال: بل ونقول المال خُلِقَ لصلاح حاجات، الخلق، ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن إعطاؤه إلى ما لا يحسن الإعطاء فيه، ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو [137] يحفظ حيث يجب الحفظ / ويبذل حيث يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل
حيث يجب الامساك تبذير وبينهما وسط وهو المحمود.
أن
وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يُؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقيل له: {وَلَا تَجْعَلُ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنْقِكَ وَلَا تَبْسُطَها كُلَّ الْبَسْطِ (2). وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتَرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَاً) (3). والجود وسط بين الإسراف والإقتار، وبين القبض والبسط، فإن كان بذله في موضعه بطيبة نفس فهو سخي، وإن كان عن صبر ومنازعة فهو متسخ. وهذا القول عندي أعدل الأقوال؛ لأن من زاد على حد السخاء فهو مبذر، ومن قصر عنه فهو بخيل، ومن وقف عليه فهو كريم.
وحد السخاء على هذا المعنى هو بذل ما يحتاج إليه مستحقه عند الحاجة؛ ولأن الحكماء قالت: الفضائل هبات متوسطة بين خلتين ناقصتين، وأفعال الخير توسط بين رذيلتين، فالشجاعة: متوسطة بين الجبن، والتهور والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس،
(1) راجع الإحياء (254/ 3) وإن كان ما قبل ذلك من قول منه أيضاً فلا أدري لما ذكره.
(2) سورة الإسراء الآية: 29. (3) سورة الفرقان الآية: 67. (3/118)
صفحة 975
قنطرة النفس
بين
119
والحلم واسطة بين إفراد الغضب، وعدمه والمودة واسطة بين الملال وجساء الخلق، والحياء: واسطة بين الوقاحة والخفر والوقار واسطة بين الهزل والسخافة، والظرف: واسطة الخلاعة والعدلمة، والعلة واسطة بين الشره وضعف الشهوة والحكمة: واسطة بين الشر والجهالة، والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير والله أعلم؛ فأوسط الأمور أعدلها فلذلك كان عليه السلام ما خُيّر قط بين أمرين إلا اختار أوسطهما. وقال بعض الحكماء: الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي واحد، وينشد:
لا تجد بالعطاء في غير حق ليس في منع غير ذي الحق بخل / إنما الجود أن تجود على من هو للبذل والعطاء منك أهل واعلم أن السرف والتبذير قد يفترق معناهما؛ فالسرف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف مخطاء في الزيادة، والمبذر مخطاء في الجميع وقد قال معاوية: كل سرف فبإزائه حق مضيع.
وصدق لأن المال أقل من
أن
العلماء: الحلال لا يحتمل السرف.
يوضع في كل موضع من حق أو غيره، وقد قال بعض
واعلم أنه لا يتم السخاء حتى تسخو نفس الإنسان عما بيد غيره، فلا يميل إلى طلب ولا يكف عن بذل. وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال: لا رب قال: لأني رأيتك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ.
وعن أيوب السجستاني أنه قال: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان العفة عن أموال الناس والتجاوز عنهم قال: وكتب كسرى إلى ابنه هرمز: يا بني استقلل الكثير مما تُغطي، واستكثر القليل مما تأخذ، فإن قرة عيون الكرام في الإعطاء وسرور اللثام في الأخذ، ولا تعد الشحيح أميناً ولا الكذاب حُراً؛ فإنه لا عفة مع الشُّح، ولا مروءة مع الكذب. وقال: بعض البلغاء: السخاء أن تكون بمالك متبرع رعاً، مال غيرك متورعاً. وينشد: وعن
إذا لم تكن نفس الشريف شريفة وإذ كان ذا قدر فليس له شرف
والبذل على وجهين:
أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال.
والثاني:
ما كان عن طلب وسؤال فالمبتداء أطبعهما سخاءً وأشرفهما عطاء، وقد سئل
عن السخاء فقال: ما كان منه ابتداء، وأما ما كان منه عن مسألة فحياء وتكرم. وقال بعض
[138] (3/119)
صفحة 976
120
قنطرة النفس
الحكماء: أجل النوال ما وصل قبل السؤال وقيل للحسن البصري: ما السخاء؟ فقال: أن تجود بما لك في الله. قيل: فما الحزم؟ قال: أن تمنع ما لك فيه. قيل: وما الإسراف؟ قال:
الإنفاق لحب الرئاسة.
فصل
اعلم أن النوال الذي يقع ابتداء يكون لأسباب:
منها: أن
فاقة يتمكن من إزالتها، فلا يدعه الكرم أو الدين إلا أن يكون زعيم يري
إصلاحها رغبة في الأجر أن تدين وفي الشكر أن تكرم.
ومنها: أن يكون في ماله فضل على كفايته فيضعها حيث تكون له ذخر اليوم فقره، أو
حسن ثناء وحمده من أهله وينشد:
وما ضاع مال ورث الحمد أهله
(1)
ولكن أموال البخيل تضيع
ومنها: أن يكون بتعريض يتنبه إليه بفطنته فلا يدعه الكرم أن يغفل ولا الحياء أن يكف وكالذي حكي: أن رجلاً ساير بعض الولاة فقال: ما أهزل برذونك! فقال: يده مع أيدينا. فوصله اكتفاء بهذا التعريض الذي بلغ ما لم يبلغه صريح السؤال.
ومنها: أن يكون ذلك لرعاية يد أو جزاء على صنيعة، فيرى تأدية الحق عليه طوعاً ليكون من رق الإحسان عتيقاً، وقد قال بعض الحكماء المعروف رق والمكافئات عتق قال أبو
العتاهية (2).
وليست أيادي الناس عند غنيمة ورُبَّ يد عندي أشد.
من
الأسر
ومنها: أن يستعطف الناس بذلك ليذعنوا لرئاسة هو لها، محب، وعلى طلبها منكب. وقد قال بعض الأدباء: بالإحسان يرتبط الإنسان وقال بعضهم: من أبذل ماله أدرك آماله.
ويُنشد:
أترجو أن تسود ولن تغنا فكيف يسود ذو الدعة البخيل
(1) في الأصل: لتعريض يتنبه عليه بفطنته وأرى أن العبارة قد أصابها غموض، أو تحريف. فكتبتها على ما هو مباشر ومتبادر إلى الفهم والذهن.
(2) هو شاعر الزهد والحكمة إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان أبو إسحاق العنزي الكوفي كان في أول حياته ماجناً فوصفوه بالعته ثم تاب الله عليه وزهد في الدنيا وكتب من الأشعار ما يرقق أفئدة العاصين
ويؤمل القانطين ويشرح صدور اليائسين فعليه وعلينا رحمات الله آمين. (3/120)
صفحة 977
[18+]
قنطرة النفس
121
ومنها: أن يدفع به سطوة الأعداء ليكونوا له إخواناً إما لصيانة عرض أو حراسة مجد قال
أبو تمام:
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصدي ولا المجد في كف امراء والدراهم ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه مغارم في الأقوام وهي مغانم ومنها: أن يربي بها صنيعة أولاها كي لا ينسى ما أولاه؛ لأن مهمل الإحسان / مقطوع
منسى قال:
وسمت امرء بالعرف ثم اطرحته ومن أفضل الأشياء رب الصنائع ومنها: أن يكون ذلك لمحبة يؤثر بها المحبوب على ماله؛ لأن النفس إلى محبوبها أشوق فلا يبخل عليه بماله.
ومنها: أن يعطي ذلك لغير سبب، وإنما هي سجية فطر عليها، وشيمة طبع عليها فلا يميز بين مستحق ومحروم كما قال بشار (1):
ليس يعطيك للرجاء وللخوف ولكن يلذ طعم العطاء وقد اختلف في هذا فقال: قوم هذا هو السخاء طبعاً وللمدح منسوب والتمييز شطر البخل، والبذل لسبب الجاه ضرورة. وقال الحسن بن سهل: إذا لم أعط إلا مستحقاً فكأني أعطيت غريماً. وقال بعض السلف العجب لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه وأنشد
لبشار:
وما الناس إلا صاحبان فمنهم سخي ومغلول اليدين من البخل وسامح يداً ما أمكنتك فإنها تغل وتشري والعواذل في شغل وقال آخرون: هذا خارج عن السخاء المحمود إلى التبذير المذموم؛ لأن العطاء إذا كان لغير سبب كان المنع لغير سبب؛ لأن المال يقصر عن الحقوق فما يناله من الذم غير المستحق أكثر مما يناله من حمد غير المستحق وحسبك بمن كانت أفعاله تصدر من غير تمييز وتوجد لغير علة قال الشاعر:
(1) هو بشار بن برد أبو معاذ البصري الضرير المُرَعَّث الشاعر المشهور قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (24/ 7): قال أبو تمام هو أشعر الناس والسيد الحميري في وقتهما .. قلت: أي الذهبي اتهم بالزندقة فضربه المهدي سبعين سوطاً ليقر فمات منها. وقيل: كان يُفضّل النار، وينتصر لإبليس. هلك سنة.
وستين ومائة، وبلغ التسعين.
سبع (3/121)
صفحة 978
122
قنطرة النفس
لو كان المال يأتينا فكنا نبذره وليس لن عقـ ــول أفلما أن تولى المال عنا عقلنا حين ليس لنا فضول
وأما إذا كان البذل عن سؤال فشروطه معتبرة في السائل والمسؤول، أما ما كان معتبراً في السائل فهو ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون السؤال لضرورة فلا لوم عليه ولا حرج، قال الشاعر:
ــــإنـ
/ الا قبح الله الضرورة إنها تعلم أعلى الخلق أدنى الخلائق والله در الاتس ساع. يبين فضل السبق من غير سابق فإن ارتفعت الضرورة ودعت الحاجة إلى السؤال لدفع ضرر يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون فإن النفس تحتمل من الضرر ما أطاقت ومن الشدة ما تحملت ليبقى تجملها، قال
الشاعر:
على كل حال يأكل المرء زاده على البؤس والضراء والحدثان فالفضل في مثل هذا ما قيل لبعض الزهاد لو سألت حمارك لأعطاك. قال: والله لا
أسأل الدنيا من يملكها فكيف من لا يملكها. ووصف بعض الشعراء قوماً فقال:
صريح
إذا افتقروا عضواً على الضر حسبه وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر وإما أن يسأل لغير ضرورة مست ولا لحاجة دعت فذلك. اللؤم ومحض الدناءة، وقلّ ما تجد مثله ملحوظاً وممولاً محظوظاً؛ لأن الحرمان ساقه إلى أخبث المطاعم فلم يبق لوجهه ماء إلا أراقه ولا ذل إلا أذاقه ولو استقبح العار لوجد غير السؤال، مكسباً يمونه وقد قال الشاعر:
ولا تطلبن معيشة بتذلل فليأتينك رزقك المقدور واعلم بأنك آخذ كل الذي هو في الكتاب محبّر مسطور
والثاني: من شروط السؤال: أن يضيق الوقت على إبطائه فلا يجد لنفسه في التأخير فسحة فيصير حينئذ من المعذورين، وداخلاً في عدد المضطرين، وأما إذا كان الوقت متسعاً فتعجيل السؤال لؤم وقنوط قال: أبى لي إغضاء الجفون على القذا يقيني أن لا عسر إلا مفرج الا ربما ضاق الفضاء بأهله وأمكن من بين
الأسنة مخرج
[141] (3/122)
صفحة 979
قنطرة النفس
123
/ والشرط الثالث: اختيار المسؤل أن يكون مرجو الإجابة مأمول النجح إما لحرمة [142] السائل، أو كرم في المسؤول فإن من سأل لئيماً لا يرى حرمة ولا يولى مكرمة فهو في اختياره ملوم وفي سؤاله محروم.
وقد قال بعض الحكماء المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة وقال بعض البلغاء:
أنذل من الليثم سائله وأقل من البخيل نائله. قال الشاعر:
من
كان يأمل أن يرى من ساقط نيلاً سنياً فقد رجا أن يجتبى من عوسج رطباً جنياً وأما الشروط المعتبرة في المسؤول فثلاثة أيضاً:
أحدها: أن يكتفي بتعريض السائل دون سؤاله ليصونه عن ذل الطلب فإن الحال ناطقة وربما فهم المسؤول الإشارة فصرّح بالعبارة تهجيناً للسائل ليستحيى فكيف كما قال أبو تمام (1):
من كان مفقود الحياء فوجهه من غير بواب له أبواب
والثاني:: أن يتلقا بالبشر والترحيب ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع. وقال: وحكى ابن لبكر أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة فلم يقضها وظهر له منه ضجر
فقال:
لا تدخلنك ضجرة من سائل فلخير دهرك أن تُرى مسؤولا لا تجبهن بالرد وجه مؤمل فبقاء عزك أن ترى مأمولاً تلقى الكريم فتستدل ببشرة وترى العبوس على اللثيم دليلاً واعلم بأنك عن قليل صائر خبراً فكن خبراً يروق جميلاً والشرط الثالث: تصديق الأمل وتحقيق الظن به ثم اعتبار حاله وحال السائل فإنها لا تخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون السائل مستحقاً والمسؤول متمكناً، فالإجابة هاهنا تستحق كرماً وتلزم
(1) شاعر العصر أبو تمام حبيب بن أوس بن قيس الطائي من حوران أسلم وكان نصرانياً مدح الخلفاء والكبراء وشعره في الذروة، وكان أسمر طوالاً فصيحاً عذب العبارة مع تمتمة قليلة، ولد في أيام الرشيد وكان أولاً حدثاً يسقي الماء بمصر، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم وكان يتوقد ذكاء، وسحت قريحته بالنظم البديع ... وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة. (والذهبي في سير أعلام النبلاء 63/ 11). (3/123)
صفحة 980
124
قنطرة النفس
مروءة، وليس إلى الرد سبيل إلا من استولى عليه البخل فيكون كما قال فيه عبد الرحمن بن
حسان (1):
أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا / إني رأيت من المكارم حسبكم فإذا تذكرت المكارم مرة في مجلس أنتم به فتقلعوا فإذا لم يكن للرد في مثل هذه الحالة سبيل نظر فإن كان التأخير مضراً عجل بذله، وقطع مطله وكانت إجابته فعلاً لا قولاً وقد قال بعض الحكماء: من مروءة المطلوب إليه أن لا يلجأ إلى الإلحاح عليه قال: محمد بن الحازم.
ومنتظر سؤالك بالعطايا وأشرف من عطاياه السؤال إذا لم يأتك المعروف طوعاً فدعه فالتنزه عنه مال فإن كان في التأخير فسحة فقد اختلفت مذاهب الفضلاء فيه: فذهب بعضهم إلى أن الأولى تعجيل الوعد قولاً ثم يتعقبه الإنجاز فعلاً فيكون السائل مسروراً بعاجل الوعد، ثم بأجل الإنجاز، ويكون المسؤول مرهوناً بالكرم ملحوظاً بالوفاء وفي الحديث: «العدة عطية» (2). ومنهم من ذهب إلى أن تعجيل البذل فعلاً من غير وعد أولي، وإنما يقدم الوعد أحد رجلين: إما معوز ينتظر جدةً، وإما شحيح يروض نفسه توطئه للعطاء، وليس للوعد في غير هاتين الحالتين وجه يصلح لما يخاف في الوعد من تغيير حال الإنسان من يسار إلى أعسار قال بعض الشعراء:
يا أيها الملك المُقدَمُ أمره شرقاً وغرباً فامنن بختم صحيفتي ما دام هذا الطين رطباً واعلم بأن جفافه مما يعيد السهل صعباً
والحالة الثانية: أن يكون السائل غير مستوجب والمسؤول غير متمكن، ففي الوعد فسحة وفي المنع عذر غير أنه يلين عند الرد ليناً يقيه الذم ويظهر عذراً ينفي عنه، اللوم، فليس كل مقل يعرف ولا كل معذور ينصف.
(1) هو ابن حسان بن ثابت الأنصاري المدني الشاعر ابن الشاعر وأمه هي سيرين خالة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم توفي سنة أربع ومائة قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء (64/ 5: 65). (2) رواه الطبراني في الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث بن مسعود، ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث الحسن مرسلاً. قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (129/ 3):
[143] (3/124)
صفحة 981
قنطرة النفس
125
والثالثة: أن يكون السائل مستوجباً والمسؤول / غير متمكن فيعطي ما أمكن من يسير ويوضح من القول أن يظهر من التوجع ما يعذر به كما قال النظر العتبي:
ليسد خلة،
ولست ملتمساً الله يعلم أني لست ذا بخل
في البخل لي عللا
لكن طاقة مثلي غير خافية والنمل يعذر في القدر الذي حملاً الحالة الرابعة: أن يكون السائل غير مستوجب المسؤول متمكناً فينظر فإن خاف بالرد قدح عرض أو قبح هجاء ممكن كان البذل مندوباً صيانة لا جوداً.
وعن الأصمعي قال: كتب الحسن بن علي إلى أخيه الحسين: أنه يعاب علينا إعطاء الشعراء فكتب إليه: خير المال ما وقى العرض. فإن أمكن ذلك فمن الناس من غلب المسألة وأمر بالبذل لئلا يقابل الرجاء بالخيبة ولما فيه من اعتياد البذل المفضي إلى السخاء كذلك اعتياد الرد مفض إلى الشح. وأنشد الأصمعي:
كأنك في الكتاب وجددت لالا محرمة عليك فلا تحل فما تدري إذا أعطيت مالاً أيكثر من سماحك أم يقل إذا حضر الشتاء فأنت صيف وإن حضر المصيف فأنت ظل ومن الناس من غلب المنع في هذا إذا كان العطاء في غير حق يقصر به عن الحقوق إذا عرضت والله أعلم.
[144]
وأما من وعد بالبذل النوال، فلا سبيل له إلى الرد والمنع لأنه قد صار بوعده مرهوناً وصار وعده بالوفاء مقروناً، فإن رد السائل استوجب مع ذم المنع لوماً ولخلف الوعد، ومقت الغادر وهجنه الكذوب، ثم لا سبيل إلى مطله بعد الوعد لما في المطل من تكدير المنع، وتمحيق الشكر والعرب تقول: المطل أحد المنعين واليأس أحد النجحين وقال بشار بن برد: أظلت علينا منك يوماً غمامة أضاءت لنا برقاً فأبطأ رشاشها فلا غيمها يجلى فيأس طامع ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها / ثم إذا أنجز وعده بالعطاء فليكن مسروراً بما أولى إذ كانت الأرزاق مقدرة فجعلت [145] على يده جارية ومن جهته واصلة.
وحكي أن رجلاً شكى كثرة عياله إلى بعض الزهاد، فقال: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله فحوله إلى منزلي ويروى عن بعض السلف أنه كان يقول: إذا جاءكم المسكين (3/125)
صفحة 982
126
قنطرة النفس
جاءكم الغسال. وقال عليه السلام: اليد العليا خير من اليد السفلى» (1). اليد العليا المنفقة واليد السفلى السائلة. قال الشاعر:
فإنك لا تدري إذا جاء سائل أأنت بما تعطيه أم هو أسعد عسى سائل ذو حاجة إن منعته من اليوم سُؤلاً أن يكون له غد أن ويروي
سيرين قال لرجل كان يأتيه على دابة ففقدها قال: ما فعل برذونك؟ قال: اشتدت عليّ مؤنته فبعته. قال: أفتراه خلق رزقه عندك وأنشد لابن الرومي:
إن الله مرعاك مرعـ
إن الله
ب
ترتعيه وغير مائك ماء
ــرية الطفاً سبق الأمهات والآباء
فإذا سخطت نفسه بالعطية فأولاها فينبغي أن يكون قصده ابتغاء وجه الله تعالى ليرضاها ولا يضيع عنده جزاءها كالذي حكي عن أبي مهاصر رحمه الله أنه أعطى بغلاً له ليحمل عليه مريضاً من الغرباء. فقالوا: أين نلقاك؟ فقال بالبربرية: آسَ آنْ وَندَدْ مَغْرَنْ ـ أراد يوم
القيامة.
وروي أن امرأة وقفت ببابه سائلة فقال: أدخلي. فاعتذرت إليه من رثاث ثيابها فرمى إليها كساءة كحلا وهي الطاق بالبربرية ـ وأعطاها ويبة شعير وويبة تين فخرجت، ثم رمت بالطاق. فقال: ما أعطيته لك لترديه. وروي أن أعرابياً أتى. عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
يا عمر الخير جزيت الجنه اكس بن
وكن لنا من الزمان جنه
وأمهنه
واجعل وابي إنْ أَنّ أنه
أقسم بالله لتفعلنه
قال عمر رضي الله عنه: فإن لم أفعل فماذا يكونن؟ فقال: إذا أبا حفص لأذهبنه. قال:
إن ذهبت فماذا يكونن؟ قال:
تُسئل عن حالي وحالتهنّه وموقف المسؤول بينهنه
إمَّا إلى نارٍ وإمَّا إلى جنّه
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (139/ 2)، ومسلم في الصحيح (717)، أبي داود في السنن (1648)، الترمذي في الجامع الصحيح (2343) والنسائي في المجتبى (69،61/ 5) مالك في الموطأ (998)، وأحمد في المسند (4/ 2)، عبد الرزاق في المصنف (20041)، ابن أبي شيبة في
المصنف (211/ 3). (3/126)
صفحة 983
قنطرة النفس
فبكى عمر رحمه [الله] (1).
127
حتى أخضلت الدموع لحيته، فقال عمر) لغلامه: أعطه فعسى
،
طلب
لذلك اليوم لا لشعره أما والله لا أملك غيره. فإذا كان العطاء على هذا الوجه خلا عن جزاء وشكر، وعرى عن امتنان ونشر فكان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للسائل، أما إذا كان العطاء لطلب الشكر والثناء فالمعطى خارج عن حكم السخاء والكرم، وإن طلب به الجزاء والمكافأة كان تاجراً مربحاً بالتجارة.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (2). أنه الذي يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وعن الحسن قال: معناها لا تمنن بعملك تستكثره
على ربك.
إنما ينبغي لمن عنده فضل من المال أن يجعله براً مدخوراً لهول يوم النشور لأن له في ماله شريكين يأخذانه من غير مشورته؛ وهما المصائب والرثة فإن استطاع أن لا يكون أخس
الثلاثة فليفعل. وقيل للبخيل: لم حبست مالك؟ قال: للنوائب قيل: قد نزلت بك. قال: مالك من مالك إلا الذي قدمت فابذل طائعاً مالكاً تقول أعمالي ولو فتشوا رأيت أعمالك أعمى لكا
فينبغي لمن قدر على إسداء المعروف أن يعجله حذر فواته ويتبادر به خيفة عجزه وقد روي عن النبي الله وسلم أنه قال: «من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق
عنه (3).
وعنه أيضاً أنه قال: «ثمرة المعروف تعجيل السراح (4). وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف ولا تصنعه حتى يفوت. / وقال بعض السلف: [147] من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. قال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها ولا تدري السكون متى يكون
واعلم أن للمعروف شروطاً لا يتم إلا بها.
(1) لفظ الجلالة سقط سهواً من المخطوط واثبتناه بين معقوفين. (2) سورة المدثر الآية: 6.
(3) أطراف الحديث في كنز العمال للمتقي الهندى (4334)، الزهد لأحمد بن حنبل (394). (4) طرفة عند: الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (175/ 8)، القرطبي في التفسير (384/ 5). (3/127)
صفحة 984
128
من
ذلك:
ا.
قنطرة النفس
ستره وقد قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره فإذا اصطنع
إليك فانشره على أن ستر المعروف من أقوى أسباب ظهوره وأبلغ دواعي نشره لما جبلت عليه النفوس من إظهار ما أخفى وإعلان ما كنتم وأنشد لسهل بن هارون:
خل إذا جنّه يوماً لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا ومن شروط المعروف: تصغيره وتقليله. وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره، فإذا عجلته فقد هنيته، وإذا صغرته فقد عظمته، وإذا سترته فقد أتممته. قال الشاعر:
زادك معروف عندي عظماً إنه عندك مستور حقير و تناسيت كان لم تأته وهو عند الناس مشهور كثير ومن شروط المعروف مجانبة الامتنان به لما فيه من إسقاط الشكر وإحباط الأجر.
قال الشاعر:
أبطلت بالمن ما قدمت من حسن ليس الكريم إذا أعطى بمنان وقد روي عن النبي أنه قال: إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر» ثم تلى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنْ وَالأَذَى (1). وينشد للشافعي:
لا تحملن لمن يمن علي ك
واخت
لنف ـك حظهـ
ــن الأنام منـ واصبر فإن الصبـ من الرجال على القلوب أشد من وقع الأسنه
ومن شروط المعروف أن لا يحقر منه شيئاً: فإن فعل الخير أفضل من تركه. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا يمنعكم من المعروف صغره وقال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة (2). على أن المعروف ما لا مشقة فيه على موليه وإنما هو حباة يستظل به الأدنى ويرتفق به التابع. وقال الشاعر:
ظل الفتى ينفع من دونه
ظل
حظ
(1) الآية 264 من سورة البقرة، والحديث أورده القرطبي في تفسير (312/ 3). (2) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (126/ 2): مسلم في الصحيح (الزكاة 68)، البيهقي في السنن الكبرى (225/ 5) وابن خزيمة في الصحيح (2428)، الدارمي في السنن (190/ 1). (3/128)
صفحة 985
قنطرة النفس
129
واعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يوسع جميع الناس معروفه ولكن ينبغي أن يعتمد به أهل
(1) ,
الفضل والرعاية ليكون معروفه فيهم نامياً وصنيعه عندهم زاكياً. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين (1). وقال: إذا أراد الله بعبد خيراً جعل صنائعه في أهل الحفاظ» (2).
وقيل في منثور الحكم لا خير في معروف إلى غير معروف. وقال بعض الحكماء:
على قدر المغارس يكون اجتناء الفارس: فنظمه الشاعر فقال:
لعمرك ما المعروف في غير أهله وفي أهله إلا كبعض المزارع فمستودع ضاع الذي كان عنده ومستودع. ما عنده غير ضائع فمزرعة طابت واضعف نبتها ومزرعة كدت على كل زارع وما الناس في شكر الصنيعة عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارع
أما
من أهدي إليه معروفاً فقد صار به موثوقاً ولزمه إن كان من أهل المكافئات أن يكافيء عليها وإلا فليقابل المعروف بنشرة ويقابل الفاعل بشكره. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من أودع معروفاً فلينشره ومن نشره فقد أدى شكره وإن كتمه فقد كفره. / وعن عائشة [149] رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أتمثل بهذين البيتين:
ارفع ضعيفك لا يحوبك ضعفه يوماً فتدركه العواقب قد نما يجزيك أو يثني عليك فإن من اثنى عليك بما فعلت فقد جزى
فقال عليه السلام: رُدّي على قول اليهودي قاتله الله لقد أتاني جبريل عليه السلام برسالة من ربي تعالى أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد لها جزاء إلا الدعاء والثناء فقد كافأه. وقيل في منثور الحكم المعروف رق والمكافأة عتق. وقال بعض الأدباء:
يقول:
شكر الإله
بحسن
الثناء
وشكر النظير بحسن الجزاء
وشكر الولاة بصدق الولاء
العطاء وشكر من دون بسيب
وقال بعض العلماء: من لم يشكر الأنام فاعدوه من الأنعام. ومن أشكر الناس الذي
(1) طرفه عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (364/ 4)، ابن عدي في الكامل (774/ 2). (2) أورد نحوه المتقي الهندي في كنز العمال (12633).
قناطر الخيرات / ج 3/ 94 (3/129)
صفحة 986
130
قنطرة النفس
لأشكرنك معروفاً هممت به إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر فالشيء بالقدر المحتوم معروف وفي الحديث عن رسول الله و أنه قال: «لا يشكر الله من لم يشكر الناس (1) فإن من شکر معروف من أحسن إليه فقد أدى حق النعمة التي عليه ولم يبق عليه إلا استدامة ذلك اتماماً لشكره ليكون مستحقاً للمزيد من جهة صاحب الإحسان المفيد، وصلى الله على سيدنا محمد.
فصل: في الإيثار وفضله
اعلم أن السخاء والبخل ينقسم كل واحد منهما إلى درجات، فأرفع درجات السخاء: مع الحاجة إليه، كما أن أخس درجات البخل أن يبخل على نفسه
يجود بالمال.
الإيثار وهو أن مع الحاجة، فيمرض ولا يتداوى، ويشتهي الشيء فيمنعه البخل من قضاء شهوته، فهذا يبخل [150] على نفسه مع / الحاجة، وذلك يؤثر غيره على نفسه مع الحاجة فانظر ما بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، وقد أثنى الله على
الصحابة فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (2).
وعن أنس قال: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهوداً، فبعث به إلى رجل له فوجه به إلى بيت آخر فتداولته سبع بيوت حتى رجع إلى الأول فنزلت الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ).
وعن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوماً إلى اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك فأشار إليَّ نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت له: أسقيك فسمع آخر يقول: آه فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته، فإذا هو قد مات ورجعت إلى هشام فإذا. هو قد مات، ورجعت إلى ابن عم لي فإذا. هو وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما رجل اشتهى شهوة وآثر على نفسه أخاه غفر له (3).
قدمات.
(1) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن ((4811) أحمد في المسند (203/ 2)، البيهقي في السنن الكبرى (182/ 6)، الطبراني في الكبير (162/ 1)، المنذري في الترغيب والترهيب (77/ 2)، البغوي في
شرح السنة (187/ 13).
(2) سورة الحشر الآية: 9.
(3) قال العراقي في المغني: (251/ 3: رواه ابن حبان في الضعفاء وأبو الشيخ في الثواب من حديث ابن = (3/130)
صفحة 987
قنطرة النفس
توجد
?
131
وعن نافع قال: اشتهى ابن عمر سمكة بعدما نقه من مرضه، فالتمست له بالمدينة فلم بعد كذا وكذا، فاشتريت بدرهم ونصف وشويت وجيء بها على رغيف فوضعت بين يديه فقام السائل بالباب فقال: لفها برغيفها فادفعها إليه. فقال له الغلام: أصلحك الله قد اشتهيتها منذ كذا وكذا. فقال: لفها فادفعها إليه.
منه
قال: ففعل الغلام فقال للسائل هل لك أن تأخذ درهماً وتردها؟ قال: فأخذها نعم. ووضعها بين يديه. فقال: لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول الحديث المتقدم.
/ وعن عائشة رضي) الله عنها أنها قالت: ما شبع رسول الله له ثلاثة أيام متواليات حتى! فارق الدنيا ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا (1). قال: ونزل ضيف برسول صلى الله عليه وسلم فلم يجد عند أهله شيئاً فذهب به رجل من الأنصار إلى أهله فوضع بين يديه الطعام، وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف الطعام، فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد عجب الله من صنيعكم إلى ضيفكم (2). ويقال أيضاً: فيه نزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ (3).
فالجود من
الله حتى
الله
أخلاق الأنبياء، والإيثار أعلى درجات السخاء، وكان ذلك من دأب رسول سماه الله عظيماً فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4). وعن سهل بن عبد قال: إن موسى عليه السلام قال يا رب أرني بعض درجات محمد وأمته، قال: يا موسى إنك لن تطيق ذلك، لكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي. قال: وكشف له عن ملكوت السماء ونظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها.
قال: يا رب بماذا بلغته به هذه الكرامة؟ قال بخلق أخصصته به من بينهم هو الإيثار، يا قد عمل به وقتاً من عمره إلا استحييت من محاسبته وبوّأته من جنتي
موسى لا يأتي أحد.
عمر بسند ضعيف.
منهم
(1) رواه البيهقي في الشعب بلفظ: ولكنه كان يؤثر على نفسه، وأول الحديث عند مسلم بلفظ ما شبع رسول الله ثلاثة أيام تباعاً من خبز بر حتى مضى لسبيله وللشيخين ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة
ثلاث ليال تباعاً حتى قبض، زاد مسلم من طعام. قاله العراقي في المغني (252/ 3).
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة. المصدر السابق.
(3) سورة الحشر الآية: 9.
(4) سورة القلم الآية: 4.
[101] (3/131)
صفحة 988
132
حائط
قنطرة النفس
حيث يشاء. وقيل: خرج عبد الله بن جعفر ـ وهو أحد الأجواد ـ إلى ضيعة له فنزل على قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أوتي الغلام بقوته ثلاثة أقراص ودخل الحائط كلب فدنى من الغلام فرمى إليه بقرص فأكله ثم رمى إليه بالثاني والثالث: فأكلهما، وعبد ينظر. فقال عبد الله: يا غلام كم قوتك كل يوم؟
الله
قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب إنه جائز مسافر الله:
[152] بعيد جائع فكرهت ردّه. قال فما أنت صانع اليوم؟ قال: / أطوى يومي هذا. قال عبد ألام على السخاء؟! فهذا أسخى مني فاشترى الغلام والحائط وما فيه من الآلات فأعتق الغلام
فوهبه له.
وعن بعض الصوفية قال: كنا بطرسوس، فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد، فاتبعنا كلب من البلد، فلما بلغنا باب الجهاد إذ بدابة ميتة، فصعدنا إلى موضع خال فقعدنا، فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد، ثم رجع بعد ساعة ومعه مقدار عشرين كلباً، فجاء إلى تلك الميتة فقعدنا ناحية ووقعت الكلاب بالميتة حتى أكلتها وذلك الكلب ينظر، ثم رجعت الكلاب إلى البلد، فقام ذلك الكلب إلى تلك العظام فأكل ما بقي على العظم قليلاً ثم
انصرف.
(1)
ومن كتاب سراج الملوك قال: أن ويروي إبراهيم بن أدهم قال لشقيق الزاهد علام بنيتم أمركم هذا؟ قال: إذا وجدنا أكلنا وإذا لم نجد صبرنا. قال إبراهيم: هكذا تعمل الكلاب ببلخ إذا وجدت أكلت وإن منعت صبرت، قال: نحن إذا وجدنا آثرنا وإن لم نجد صبرنا. ويروى أن امرأة. من المتعبدات قالت ليحيى بن هلال وهو في جماعة من أصحابه: ما السخاء عندكم في الدنيا؟ قال: البذل والإيثار. قالت: فما السخاء في الدين؟ قال: أن تعبد الله سبحانه سخية به نفسك غير مكرهة. قالت: أفتريدون على ذلك أجراً؟ قال: نعم لأن الله وعد على أمثالها. قالت: فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشراً فبأي شيء سخيتم؟ وإنما السخاء أن تعبدوا الله متلذذين بطاعته غير كارهين لا تريدون بذلك أجراً، ألا تستحيون أن
الحسنة
بعشر
(1) الإمام العارف سيد الزهاد أبو إسحاق العجلي، وقيل: التميمي، الخراساني، البلخي، نزيل الشام، مولده غير حدود المئة .. كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم والمراكب والجنائب والبزاة (أي الصقور) فينا إبراهيم في الصيد على فرسه يركضه، إذ هو يصوت من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا العبث أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَناً) (المؤمنون: (115) اتق الله، عليك الزاد ليوم الفاقة، فنزل عن دابته ورفض الدنيا .. وتوفي سنة اثنتين وستين ومئة وقبره يُزار وترجمته في تاريخ دمشق في ثلاث وثلاثين ورقة سير أعلام النبلاء 387/ 7). (3/132)
صفحة 989
قنطرة النفس
133
يطلع الله على قلوبكم فيعلم منها أنها تريد شيئاً بشيء. ويقال: السخاء في الدين أن تسخُو بنفسك وتتلفها بإراقة دمك الله تعالى سماحة من غير كراهة لا تريد بذلك ثواباً عاجلاً ولا آجلاً حتى يفعل الله بك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك والله أعلم.
الفصل السادس: / في الاستعجال
قال الله تعالى: {وَيَدْعُوا الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولا) (1). وقال أيضاً: خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجِل (2). قيل: من طين، وقيل: هو من المقلوب تقديره: خلق
العجل من الإنسان.
وعن حاتم الأصم أنه قال: كان يقال: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: إطعام الضيف إذا دخل، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب.
بحجتي.
[153]
وفي الخبر أن نوحاً عليه السلام قال لإبليس - لعنه الله ـ وذلك أن الله أوحى إلى نوح عليه السلام أن كلمه سأنطقه فإني عليه فقال: أي عدو الله، أي أخلاق بني آدم أعون لك ولجنودك على إضلاله؟ فقال إبليس: نعم الخبير سألت ـ إذا وجدنا ابن آدم شحيحاً أو حريصاً أو حسوداً أو جباراً أو عجولاً، تلقفناه، فإن اجتمعت لنا فيه هذه الإخلاق سميناه فينا: شيطاناً مريداً، رجيماً، وسأخبرك عن هذه الأخلاق بما تعرف به الحق: ألم تعلم أن الله أسكن أباك آدم الجنة، ثم فوضها إليه بجميع ما فيها وحرم عليه شجرة واحدة وحمله الحرص على تناولها فخرج بالحرص من جميع الجنة؟ ألم تعلم أن الله تعالى عرضنا للسجود لآدم فأدركني الحسد والبغي فخرجت بذلك من ملكوت السموات وصرت شيطاناً لعيناً؟ ألم تعلم أن ابن آدم قابيل شَحَّ بأخته على أخيه فحمله الشح على أن قتل أخاه فصيره إلى العقوق وإلى النار؟ ألم تعلم إنما هلك من هلك من قومك بالتجبر في الأرض والتكبر فصاروا بذلك إلى النار؟ ألم تعلم أن العجلة والحدة حملاك على أن دعوت الله على ابنك فغيرت دعوتك لونه وألوان أولاده من بعده إلى يوم القيامة؟ والله أعلم. واعلم أن العجلة تبدو منها أربع آفات: أحدها: أن العابد ربما يقصد منزلة في الخير فيجتهد فربما يستعجل في إدراكها وليس بوقتها، فإما / أن يفتر ويترك الاجتهاد وييأس منها فيحرم تلك المنزلة، وإما أن يغلو في [154]
ذلك
(1) سورة الإسراء الآية: 11. (2) سورة الأنبياء الآية: 37. (3/133)
صفحة 990
134
قنطرة النفس
الجهد، وإتعاب النفس فينقطع عن تلك المنزلة، فهو بين إفراط وتفريط وكلاهما نتيجة الاستعجال. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى (1). وقال: «شر السير
الحفحفة. وهو الإسراع، وفي المثل السائر: إن لم تستجل تصل: قال الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل والثانية: أن تكون للعابد حاجة فيدعو الله تعالى ويكثر الدعاء ويجد، فربما استعجل الإجابة قبل وقتها فلا يجدها فيفتر ويسأم ويترك الدعاء ويُحرم حاجته.
الثالثة: أن يظلمه إنسان فيغيظه فيستعجل في الدعاء عليه، كالذي قدمنا من دعاء نوح عليه السلام على ابنه حام، فربما يهلك مسلم بسببه، أو يتجاوز الحد في الدعاء عليه فيقع في
معصية.
الرابعة: أن أصل العبادة وملاكها الورع وأصل الورع النظر والبحث التام في كل شيء معرض للمتورع من أكل أو شرب أو لبس أو كلام أو فعل، فإذا كان الرجل مستعجلاً في الأمور غير متأمل ولا متثبت لم يقع توقف ونظر في الأمور كما ينبغي فيقع في الحرام والشبه والخطأ والغلط فيفوته الورع، وأي خير في عبادة بلا ورع، ولذلك قيل للمؤمن وقاف، والمنافق وثاب وفي الحديث: «المؤمن: كيس فطن، حذر مثبت، وقاف لا يعجل، عالم ورع، والمنافق: همزة لمزة حطمة كحاطب الليل لا يبالي من أين اكتسب وفيما انفق (2) وإذا كان في العجلة الانقطاع عن منازل الخير وحرمان الحاجات، وهلاك المسلمين وهلاكه، وخطر فوات الورع الذي هو رأس المال فحقيق على الإنسان أن يهتم لها بالإزالة وإصلاح
النفس منها.
وحقيقة العجلة: هي المعنى الراتب في القلب، والباعث على الإقدام على الأمر، فأول [155] / خاطر دون التوقف فيه والاستعجال إتباع ذلك والعمل به، وضدها الإناءة: وهي المعنى الراتب في القلب الباعث على الاحتياط في الأمور والنظر فيها، والتأني في اتباعها والعمل
بها.
(1) رواه أحمد من حديث أنس والبيهقي من حديث جابر. قاله العراقي في المغني (77/ 4). (2) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفاء (405/ 2)، ابن حجر في الضعيفة (760).
في الفتح (530/ 10)، الألباني (3/134)
صفحة 991
قنطرة النفس
135
:
وأما التوقف فضده التعسف، قال بعض العلماء: الفرق بين التوقف، والتأني: أن التوقف قبل الدخول في الأمر حتى يستبين له رشده. والتأني: بعد الدخول فيه حتى يعطي الكل جزاء حقه. ثم مقدمات الإناءة ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض الإنسان وضروب الآفات المخوفة فيها، وذكر ما في النظر والتثبت من السلامة وما في التعسف والاستعجال من الندامة.
فصل
اعلم أن الحلم والرفق والإناءة خصال محمودة في الإنسان، وأظنها نتيجة حسن الخلق، أما الحلم فحده ضبط النفس عند هيجان الغضب، والتحلم تكلف ذلك، وقد قيل للأحنف بن قيس (1): أنت حليم قال: لا إنما أنا أتحلم. فقيل له: من أين تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم. قيل: وما كان من حلمه؟ قال: كان ذات يوم في مجلس متقلداً سيفه عاقداً حبوته وهو يحدث جلسائه، إذ جيء بأحد بنيه، مقتولاً، وبابن أخيه مكتوفاً، فمضى على حديثه أتمه ثم التفت إلى أحد بنيه فقال: ما هذا؟ قال: هذا ابنك قتله ابن أخيك. قال: فوالله ما تغير له لون ولا تلجلج له لسان ولا حلّ حبوته، فنظر إلى ابن أخيه فقال: رميت سهمك في جسمك، وقطعت يدك بيدك. ثم قال لابنه: اطلق كتاف ابن عمك وادفن أخاك، وادفع لأمه مائة ناقة، فإنها غريبة فينا مسكينة. ثم أنشأ يقول:
حتى
أقول للنفس تأسياً وتعزيه إحدى يدي أصابتني فلم نزد كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حيث أنعوه وذا ولد
وقد تقدم في فضل الحلم ما يكفي. وأما الرفق فضده العنف والخرق، ونتيجة الرفق: الإناءة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق ومعنى حسن الخلق / أن يكون الإنسان سهل [156] العريكة لين الجانب طلق الوجه قليل النفور طيب الكلمة. وأما الأناة: فقد تقدم
قال الشاعر:
معناها،
(1) الأمير الكبير العالم النبيل أبو بحر التميمي أحد من يضرب بحلمه وسؤدُدِه المثل .. كان من قواد جيش علي يوم صفين .. قال قتادة عن الحسن ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف وقيل: كانت عامة صلاة الأحنف بالليل، وكان يضع أصبعه على المصباح، ثم يقول: حَسَّ (كلمة تقال عند ا الألم) ويقول: ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا كذا؟ الأحنف: عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! قال الفسوي: مات الأحنف سنة. سبع وستين، وقال غيره: توفى سنة إحدى وسبعين، وقال جماعة: مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق رحمه الله، قاله الذهبي في. أعلام النبلاء (86/ 4: 97). ?
يوم عن (3/135)
صفحة 992
136
قنطرة النفس
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً فما أنا بألواني وإلا الصرع العمر
فصل: في فضيلة الرفق
اعلم أن الرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب، وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال، ولأجل ذلك اثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الرفق وبالغ فيه فقال: يا عائشة أنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا من خير الدنيا والآخرة (1). والآخرة، ومن حرم. من الرفق حرم حظه.
حظه
وعنه عليه السلام أنه قال: «إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق» (2) وقال: «إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا [محبة الله] (3). وقال عليه السلام: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف (4). وقال عليه السلام: يا عائشة أرفقي، فإن الله تعالى إذا أراد بأهل بيت خيراً يدلهم على باب الرفق (5). . وعنه عليه السلام: أيما» والي ولى فلان ورفق رفق الله به يوم القيامة» (6). وقال عليه السلام: أتدرون من يحرم على النار؟ كل لين سهل قريب (7). وقال عليه السلام: الرفق يمن والخرق شؤم (8) وقال: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» (9) وينشد:
(v),
(1) رواه أحمد والعقيلي في الضعفاء في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وضعفه، عن القاسم عن عائشة، وفي الصحيحين من حديثهما: يا عائشة أن الله يحب الرفق في الأمر كله قاله العراقي في
المغني (181/ 3).
(2) رواه أحمد بسند جيد والبيهقي في الشُّعب بسند ضعيف من حديث عائشة. المصدر السابق. (3) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (181/ 3) وعلق العراقي على الحديث بهامش فقال: رواه الطبراني في الكبير من حديث جرير بإسناد ضعيف.
(4) رواه مسلم من حديث عائشة العراقي في المغني (181/ 3).
(5) رواه أحمد. من حديث عائشة وفيه انقطاع ولأبي داود يا عائشة ارفقي: المصدر السابق. (6) رواه مسلم من حديث عائشة، وفي حديث فيه ومن ولى من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به. المصدر
السابق.
(7) رواه الترمذي من حديث ابن مسعود. المصدر السابق. (8) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود والبيهقي في الشعب من حديث عائشة وكلاهما ضعيف.
المصدر السابق.
(9) رواه أبو يعلى من حديث أنس، ورواه الترمذي وحسنه من حديث سهل ابن سعد بلفظ الأناة من الله.
المصدر السابق. (3/136)
صفحة 993
قنطرة النفس
137
الرفق يمن والأناة سعادة والطيش أقبح بالرجال وأخرق
لو سار ألف مدجج في حاجة لم يقضها إلا الذي يترفق ويروى عنه عليه السلام أن رجلاً أتاه فقال: رسول الله إن الله قد بارك الجميع
المسلمين فيك فاخصصني منك بخير. فقال: الحمد الله مرتين أو ثلاثاً. ثم أقبل عليه فقال: هل أنت مستوص» مرتين أو ثلاثاً: قال: نعم. قال: إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته، فإن كان [157] رشداً فامضه، وإن كان سوى ذلك فانته (1). . وعن عائشة أنها كانت معه عليه السلام في سفر على بعير صعب، فجعلت تصرفه يميناً وشمالاً فقال: يا عائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (3).
وفي الخبر موقوفاً مرفوعاً إلى رسول الله له أنه قال: «العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله والعمل قيمه والرفق والده والبر واللين أخواه، والصبر أمير جنوده (3). الآثار: قال بعض العلماء لأصحابه: أتدرون ما الرفق؟ قالوا: قل.
قال: قد قيل أن تضع الأمور مواضعها الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه. هذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق. كما روي عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني لا تكن حلواً عند السفهاء فيبتلعوك، ولا مُرَّاً عند الفقهاء فيرفضوك. ويُنشد:
وضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى فالمحمود وسط بين العنف واللين كما في سائر الأخلاق، ولكن لما كانت الطباع إلى العنف أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر.
وعن عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله: ما الرفق؟ قال: أن تكون ذا أناة، وتلاين الولاة. قال: فما الخرق؟ قال: معاداة إمامك، ومناوأة من يقدر على ضرك.
(1) رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق من حديث أبي جعفر هو المسمى عبد الله بن مسور الهامشي ضعيف جداً، ولأبي نعيم في كتاب الإيجاز من رواية إسماعيل الأنصاري عن أبيه عن جده: إذا هممت بأمر
فاجلس فتدبر عاقبته. وإسناده ضعيف قاله العراقي في المغني (181/ 3: 182). (2) رواه مسلم العراقي في المغني (182/ 3). رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، وفضائل الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف، ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وكلاهما ضعيف. المصدر السابق.
(3) (3/137)
صفحة 994
138
قنطرة النفس
ويروى أن. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بلغه أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله، فأمرهم أن يوافوه، فلما أتوه، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيتها الرعية، إن لنا عليكم حق النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، أيتها الرعاة: إن للرعية عليكم حقاً، واعلموا أنه لا حلم أحب إلى الله ولا أعظم من حلم إمام ورفقه وليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم من [158] جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن / بين ظهرانيه يرزق العافية ممن هو دونه.
وقال وهب بن منبه: الرفق من الحلم. وقال بعض السلف: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى عمل. وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد فإن التفهم في الخير زيادة رشد، وأن الرشيد من رشد عن العجلة، وأن الخائب من خاب عن الأناة، وأن المتثبت (1) مصيب أو كاد أن يكون مصيباً، وإن العاجل مخطاء أو كاد أن يكون مخطئاً، وإن من لم ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي. فأجابه عمرو: اعلم أنه وإن حث الشرع على الرفق فإن العنف في محله حسن أيضاً. وقد روي عن ابن عون الأنصاري أنه قال: ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة تجري مجراها. وقال أبو حمزة الكوفي:: لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد لك منه فإن مع كل إنسان شيطاناً واعلم أنه لا يعطونك بالشدة شيئاً إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه.
فهذا ثناء أهل العلم على الرفق؛ وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال، وأغلب الأمور، والحاجة إلى العنف قد تقع ولكن على الندور، وإنما الكامل من يميز موضع الرفق من العنف ويستعمل كلاً في موضعه، وإن أشكل عليه بعض الوقائع فليكن ميله إلى الرفق،
مواضع
فإن النجاح صعب في الأكثر (2)، والله أعلم.
فصل: في حسن الخلق
قال الله لنبيه عليه السلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
قلت لعائشة
رضي
الله
(3)
وعن عبد
قال: الله بن عمر
عنها صفي لي خلق رسول الله، فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن. وحسبك بهذا الاسم منقبة بالرسول وتعريفاً له بحسن الخلق، إذ القرآن يجمع كل
(1) في الأصل: القبث. والتصويب من إحياء علوم الدين (182/ 3). (2) راجع في معظم الآثار الواردة هنا إحياء علوم الدين (181/ 3: 182). (3) سورة القلم الآية: 4. (3/138)
صفحة 995
[109]
139
قنطرة النفس
فضيلة وينهى عن كل نقيصة ورذيلة، قال الله تعالى: {خُذُ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال عليه السلام: / ما هذا يا جبريل؟».
(1)
•
قال:: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من أساء إليك. فانظر أين أخلاق الخاصة اليوم فضلاً. عن العامة، فإن أحدهم ليقطع من أعطاه، ويظلم من سالمه ويغضب على التهمة. وإنما اقتصر على هذه الكلمة لأنها أصل الفضائل وينبوع المناقب: لأن في أخذ العفو صلة القاطع، والصفح عن
وصله، ويحرم من
الظالم وإعطاء المانع.
وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الرحم، وصون اللسان، وغض الطرف عن المحرمات، وفي تقوى الله تدخل جميع آداب الشرع فرضها ونفلها، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم وتنزيه النفس عن مجازاة السفية وممارة اللجوج، فهذه الأصول الثلاثة تتضمن محاسن الشرع نصاً وتنبيهاً، وقال عليه السلام: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق (2). وعنه أيضاً سئل: أي المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال: «أحسنهم خلقا (3).
وقال إن الله اختار لكم الإسلام ديناً فأكرموه بحسن الخلق والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما». قال عليه السلام: أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن (4) وقال معاذ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسن خلقك للناس».
وقال عليه السلام: «يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق (5) وقال رجل: يا رسول الله أوصني. قال: اتق الله حيثما كنت قال: زدني. قال: خالق الناس بخلق حسن (6). قال عليه السلام: «أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون (7).
(1) سورة الأعراف الآية: 199.
(2) رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة (المغني 48/ 3). (3) رواه أبو داود والترمذي والنسائي، والحاكم من حديث أبي هريرة وتقدم في النكاح بلفظ أكمل المؤمنين وللطبراني من حديث أبي أمامة أفضلكم إيماناً أحسنكم خلقاً.
(4) رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء. المصدر السابق.
(5) رواه البيهقي في الشعب من رواية الحسن عن أبي هريرة ولم يسمع منه قاله العراقي في المغني في ما هو أتم منه (155/ 2).
(6) رواه الترمذي من حديث أبي ذر وقال حسن صحيح. المصدر السابق. (7) قال العراقي عن نحوه في المصدر السابق: رواه الطبراني في مكارم الأخلاق من حديث جابر بسند
ضعيف. (3/139)
صفحة 996
140
قنطرة النفس
وقال: حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار». وقال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدوى الداء؟ قالوا: بلى. قال: الخلق الدنيء والسؤال البذيء. وقال بعض البلغاء: من ساء خلقه ضاق رزقه وعلة هذا القول ظاهرة.
وقال بعض البلغاء: الحسن الخلق من نفسه في راحة والناس منه في سلامة، والسيء
[160] الخلق / الناس منه في بلاء وهو من نفسه في عناء. وقال بعض الأدباء: عاشر أهلك بأحسن أخلاقك فإن السواء فيهم قليل وقال عليه السلام: ما حسّن الله خلق امراء وخلقه فتطعمه
(1) النار وينشد:
يضيق بهم الفسيح من البلاد
إذا لم أخلاق قوم إذا ما المرء لم يخلق لبيباً فليس اللب عن قدم الولاد وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٌ (2). أنه لا يُخَاصَم ولا
(Y),
يخاصم من شدة معرفته بالله عز وجل. وقيل: معناه لم يؤثر فيك جفاء الخُلق بعد معرفتك بالخلق. وقيل: حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ما إليك، وقيل: حسن الخلق تحمّل أثقال الخلق، وقيل: هو كف الأذى واحتمال الجور وقيل حسن الخلق احتمال المكروه بحسن المداراة. وقيل: حسن الخلق قبول ما يرد عليك من جفاء الخلق، وقضاء الحق بلا ضجر ولا ملق. وقال بعض الحكماء: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه وقل معادوه فسهلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب. وفي الحديث عنه عليه السلام أنه قال: [إنكم] لن تسعوا الناس بأموالكم فاسعوها ببسط الوجوه وحسن الخلق (3). وهذا الفصل واسع جداً تركت بعضه، واختصرت مخافة التطويل والله أعلم.
الباب الثاني في اللسان
اعلم أن اللسان ترجمان القلب يعبر عن مستودعات ضمائره، ويخبر عن مكنونات
(1) رواه ابن عدي والطبراني في مكارم الأخلاق في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة قال ابن عدي في إسناده بعض النكرة قاله العراقي في المغني (155/ 3).
(2) سورة القلم الآية: 4. (3) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين ن (49/ 3) وعلق عليه العراقي بهامشه بقوله: رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة، وبعض طرق البزار رجاله ثقات. (3/140)
صفحة 997
قنطرة النفس
181
سرائره، فيحق على العاقل أن يحذر من زلله بالإمساك عنه أو بالإقلال منه؛ لأن اللسان أشد الأعضاء جماحاً وطغياناً، وأكثرها فساداً وعدواناً.
وروي
بعض الصحابة قال: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ عليه السلام
بلسان نفسه ثم قال: «هذا». وقال عليه السلام: لا يستكمل العبد الإيمان حتى يخزن من
لسانه.
/ وروي
أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يستقيم أحدكم حتى يستقيم دينه، ولا يستقيم [161] دينه حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» (1) وعنه عليه السلام أنه قال: أفضل العبادات الصمت وحسن الخلق وقال عليه السلام: «رحم الله من قال خيراً فسلم أو سكت عن شر فسلم (2). وقال لمعاذ: يا معاذ أنت سالم ما سكت فإذا تكلمت فلك أو
عليك».
وقال بعض العلماء: وجدت نفسي تحتمل مؤنة الصوّم في الحر الشديد بالبصرة، ولا تحتمل ترك كلمة لا تعنيها. وعن أبي هريرة أنه قال: من لم ير أن كلامه من عمله، وأن خلقه من دينه هلك وهو لا يشعر.
قال: بعض العلماء: سعد لسانه
من
صموت وطعمه قوت وعن ابن مسعود رحمه الله
أنه قال: ما شيء أحق بطول. سجن من اللسان.
رحمه الله أنه
وعن ابن عمر أنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وعن ابن عباس رئي بين الركن والمقام قائماً آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم واسكت عن شر تسلم. فقيل له: يا ابن عباس: ما لك آخذاً بثمرة لسانك فقال: بلغني أن العبد ليس عليه شيء من جسده بأحنق منه على لسانه يوم القيامة. فعلى الإنسان أن يحتفظ منه جداً فليذكر في ذلك خمسة أصول:
أحدهما: ما روي عن ابن سعيد الخدري أنه قال: إذا أصبح ابن آدم قالت أعضاؤه كلها
للسانه: نناشدك الله فينا، فإنك إذا استقمت استقمنا وإن اعوججت أعوججنا.
(1) رواه الطبراني بنحوه في الكبير (280/ 10)، وقال العراقي في المغني (106/ 3) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق بسند فيه ضعف.
(2) أطرافه بنحوه عند العجلوني في كشف الخفا (514/ 1)، السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث
المشتهرة (89). (3/141)
صفحة 998
142
قنطرة النفس
قيل: المعنى في ذلك أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان نحو ما مالك دينار أنه قال: إذا رأيت قسوة في قلبك ووهناً في بدنك وحرماناً في رزقك روي عن فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك.
الثاني:
بن
: حفظ الوقت لأن أكثر ما يتكلم به الإنسان من غير ذكر الله تعالى أقله أن يكون لغواً يضيق الوقت. به. وذكر عن حسان بن أبي سنان أنه مَرَّ على غرفة فقال: مذ كم بنيت هذه [162] الغرفة؟ ثم أقبل على نفسه فقال: يا نفس الغرور تسئلين عما لا يعنيك / فعاقبها بصوم سنة. وفي الخبر أن رجلاً قتل في المعركة فقال قائل: هنيئاً له بالجنة، فقال عليه السلام: «فما
:
يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه). ولقد أحسن القائل:
أغنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت مستريحاً
وإذا ما هممت بالنطق في الباطل فاجعل مكانه تسبيحاً
الأصل الثالث: حفظاً لأعمال الصالحات فإن من يُكثر الكلام لا بد له أن يقع في غيبة
المسلمين، والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعات كما روي أن مثل من يغتاب الناس مثل من نصب منجيقاً يرمي به حسناته شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً.
به
الأصل الرابع: السلامة من آفات الدنيا. وقال بعض السلف: لا تتكلم بلسانك ما تكسر، أسنانك وقال بعض ا الحكماء: مقتل الرجل بين فكيه. قال الشاعر:
أيا رب السنة كالسيوف تقطع أعناق أصحابها
وما ينتقص من سباب الرجال يزد في نهاها وألبابها
وقال بعض البلغاء: كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل، واقصر [163] منه على القليل / وإياك وما يسخط سلطانك، أو يوحش إخوانك فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية، ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية. وقال بعضهم: لا تبسطن لسانك فيفسد عليك
شأنك. ويُنشد لابن مطيع: لسان المرء ليث في كمين إذا خلا عليه له أغاره
فسه عن الخنا بلجام صمت تکن
، في بليته ستاره
(1) أطراف الحديث عند المنذري في الترغيب والترهيب (541/ 3)، الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 303) وابن عبد البر في التمهيد (228/ 10) السيوطي في الدر المنثور (196/ 6)، والقرطبي في
التفسير (188/ 5). (3/142)
صفحة 999
[163]
143
قنطرة النفس
الأصل الخامس: ذكر أفات الآخرة وعاقبتها وقد قال عليه السلام لمعاذ: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (1). . وفي حديث آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيهوى بها في نار جهنم سبعين خريفا (2). فإذا تحقق العبد هذه الأصول وعلم أن لسانه إنما خلق لذكر الله تعالى وتلاوة كتابه وإرشاد الخلق إلى طريقه ولإظهار ما في ضميره من حاجات نفسه ديناً ودنيا فليستعمله في مقتضى هذه المعاني، وإلا فقد كفر نعمة الله فيه واستحق العقوبة بمساوئه، والواجب عليه أن يحفظ لسانه من كل لفظ قبيح ولا سيما أشياء كأصول وسنذكر ذلك في فصول. الفصل الأول: في الكذب
فليحفظ منه اللسان جهده لا في جد ولا في هزل؛ لأنه جماع كل شر، وأصل كل ذم، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بَآيَاتِ الله) (3) الآية. وقال تعالى: نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَة الله عَلَى الكَاذِبِينَ (4). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكذب فاتحة الكفر». وقال: «من كذب وأصر فهو في النار خالداً مخلداً». أو قال عليه السلام: «الكذب ريبة والصدق طمأنينة (5). وعن صفوان بن سليم أنه قال: قيل يا رسول الله أفيكون المؤمن جباناً؟ قال: «نعم» قيل: أفيكون بخيلاً؟ قال: «نعم». قيل: أفيكون كذاباً؟ قال: «لا».
وقال بعض الحكماء: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك والكذاب يسرق عقلك. وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة. وقال بعض الشعراء:
في
وما شيء إذا فكرت فيه بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه وأذهب بالبهاء من الرجال
وعن النبي أنه قال: «تحروا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة ففيه النجاة، وتجنبوا
(1) أطراف الحديث عند الترمذي في الجامع الصحيح (2616)، وابن ماجة في السنن (3793)، وأحمد المسند (236/ 5، 237)، المنذري في الترغيب والترهيب (529/ 3، 530). (2) أطراف نحو هذا الحديث عند الترمذي في الجامع الصحيح (2314) أحمد في المسند (236/ 2)، المنذري في الترغيب والترهيب (536/ 3)، الهيثمي في مجمع الزوائد (95/ 8)، (297/ 10).
(3) سورة النحل الآية: 105. (4) سورة آل عمران الآية: 61.
(0) أطرافه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (85/ 10)، السيوطي في الدر المنثور (589/ 3). (3/143)
صفحة 1000
122
قنطرة النفس أنه قال:
الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة (1). وعن عمر بن الخطاب رضي. الله عنه لأن يضعني الصدق وقلّ ما يفعل أحب إلي من أن يرفعني الكذب. وقال بعض العلماء: ليكن مرجعك إلى الحق ومفزعك إلى الصدق والحق أقوى معين والصدق أفضل قرين. ويُنشد:
عود لسانك صدق القول تحظ به إن اللسان لما عودت منقاد
موكل بتقاضي ما منت له في الخير والشر فانظر كيف ترتاد / وفي منثور الحكم من قلّ صدقة قل صديقه. واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات
دالة عليه:
منها: أنه إذا لقته الحديث تلقنه، ولم يكن بين ما تلقنه وبين ما ما أورده فرق عنده. ومنها: أنك إذا أشككته فيه تشكك. حتى كاد أن يرجع، ولولاك ما تخالجه فيه شك. ومنها: أنك إذا أوردت عليه قوله حصر وارتبك ولم يكن عنده برهان الصدق. ولذلك قال علي: الكذاب كالسراب. ومنها: ما يظهر عليه من ريبة الكاذب وذلة المتهوم لأن هذه الأمور لا يمكن للإنسان نفسه لما في الطبع من آثارها. ولذلك قالت الحكماء: العينان أنم من اللسان. وقال بعض العلماء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا. ويُنشد:
دفعها عن
تريك أعينهم ما في صدورهم إن العيون يود سرها النظ وإذا اتهم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة وزيادات معقولة حتى يصير الكاذب مكذوباً عليه. وقال بعض الشعراء:
حسب الكذوب من البلية بعض ما يحكى عليـ ا إن سمعت بكذب
من غيره نسبت إليـ وعن محمد بن مسلم أنه قال: ما كان شيء أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب وما اطلع عليه السلام على كذبه من أحد إلا خرجت من صدره حتى يحدث الآخر توبة وكان يقول: علة الكذوب أقبح علة وزلة المرتقى أشد زلة. وقال ميمون: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقة. وصَدَق لأنه إن تحرى الصدق اتهم حتى لا يعتقد قوله: قال الشاعر:
(1) أطراف الحديث عند المنذري في الترغيب والترهيب (5903) الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (71/ 10)، المتقي الهندي في كنز العمال (24044، 24066).
[164] (3/144)
صفحة 1001
قنطرة النفس
120
إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكن يصدق في شيء وإن كان صادقاً ومن آفة الكذاب نسيان كذبه وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقاً
والكذب جماع كل شر وأصل كل إثم ألا ترى أن شاهد الزور كاذب مردود / الشهادة، وكذلك الحاكم بغير ما أنزل الله، وكذلك القاذف كاذب وقال ابن المقفع: لا [165] تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال الحق. وفي منثور الحكم: لا يلزم
الكذب شيئاً إلا غلب عليه، ويُنشد:
كان يخلق ما يقول فحيلت
لي حيلة فيمن ينس
فعلي
الملف ق والمزوّر
في الكذاب حيله
فيه قليل ــة الله العظيم
وأنا المهذب ليس لي في الزور والبهتان شيمه واعلم أن الكذب من أمهات الكبائر ولكن قد وردت السنة بإرخاص الكذب في: الحرب، وإصلاح ذات البين على وجوه التورية والتأويل دون التصريح؛ لأن السنة لا تجوز أن ترد بإباحة الكذب لما فيه من التنفير، وإنما ذلك على طريق التورية والتعريض، كما سئل عليه السلام وقد تطرف بدراً، وانفرد عن أصحابه فقال له رجل ممن أنت؟ فقال: «من ماء». فورى عن الإخبار بنفسه بأمر محتمل، فظن السائل أنه عنى القبيلة المنسوبة إلى ذلك، وإنما أراد عليه السلام أنه من الماء الذي خلق منه الإنسان فبلغ ما أحب من إخفاء نسبه وصدقه في خبره وقد قال عليه السلام في المعارض لمندوحة عن الكذب (1). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن في المعارض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب، والله
أعلم.
وليحذر أن. يعد
الفصل الثاني: خلف الوعد
أحد وعداً ثم يخلفه؛ فإن إخلاف الوعد من خبائث الأخلاق وأمارات النفاق وفي الحديث عن النبي أنه قال: إذا وعدت أخاك قليلاً أو كثيراً فلا تخلفه فتستبدل بالمودة بغضاً لإن عدة المؤمن أخذ بالكف (2).
(1) طرف الحديث عند ابن السني في عمل اليوم والليلة، (322) الزبيدي في إتحاف السادة المتقين
(72/ 10)
(2) أطراف نحو هذا الحديث عند العجلوني في كشف الخفا (108/ 1)، الطبري في تفسيره (132/ 10). قناطر الخيرات/ ج 3/م 10 (3/145)
صفحة 1002
?
146
قنطرة النفس
وقال عليه السلام: «العدة عطية (1). وقال في صفة المؤمن: «إنه من إذا تحدث صدق وإذا أؤتمن لم يخن وفي صفة المنافق: أنه إذا تحدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان قال الشاعر:
/ نفاق المرء يعرف في ثلاث وإن عرفوا له طول السجود إذا كذب الحديث وخان فيه أمانته ولم يف بالعهود وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا تعد أحداً وعد ولكن من اسمع ما تقول: فإن يقدر الله شيئاً يكن إن شاء الله، فإن وعدته فلا تخلفه فإنه من أبواب النفاق. وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل في ذلك فقال: {واذْكُرْ في الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ
الْوَعْدِ) (2).
قيل: كان بينه وبين إبليس لعنه الله موعداً أن لا يبرح حتى يعود إليه، وكان في ضميره أنه لو أقام سنة لم يخلف موعده، حتى أتى جبريل عليه السلام فقال: إن الفاجر الذي سألك أن تقعد حتى يعود إليك إبليس فلا تقعد له ولا كرامة فسماه الله صادق الوعد. وروي أن النبي وعد رجلاً عند شجرة بظاهر المدينة فنسى الرجل الوعد فقعد النبي عليه السلام بعيد عن المدنية ثلاثة أيام فخرج الناس في طلبه، والرجل معهم: ناسياً لوعده فقال له عليه السلام: إنك لو لم تأتني لكان الحشر من هاهنا وكذلك لا يعطي أحداً عهداً إلا وفي به قال تعالى: وَأَوْنُوا بِعَهِدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ (3).
وقال عليه السلام: لا دين لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا له (4) عهد ومن كتاب الضياء قال أبو مالك بين العهد والوعد، فرق قال: وصفة العهد هو أن ينقض عهداً بينه وبين الله فيما تعبده به من أمر الدين أو نقض عهداً أخذه عليه إمام عادل أو كان فيه لأحد إتلاف مال أو نفس أو إدخال ضرر كثير، قال: فهذه صفة العهد.
(1) رواه الطبراني في الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود، ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث الحسن مرسلاً.
العراقي في المغني (129/ 3).
(2) سورة مريم الآية: 54. (3) سورة النحل الآية: 91.
(4) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (296/ 8)، عبد الرزاق في المصنف (20192)، أحمد في
المسند (135/ 3)، البيهقي في السنن الكبرى (231/ 9) الهيثمي في مجمع الزوائد (96/ 1)، وفي
موارد الظمآن (47)، ابن عبد البر في التمهيد (255/ 9)، المنذري في الترغيب والترهيب (81/ 1).
[166] (3/146)
صفحة 1003
قنطرة النفس
147
وأما صفة الوعد فهو ما لا يتعلق به حق لمخلوق، ولا يؤدي إلى ضرر. فقال: وهذا مما يأثم به الناس دون الكفر والهلاك قال أبو محمد من وعد وعداً ثم أخلفه فتلف به مال أو نفس ضمن والله أعلم.
ونحوه
وأما أسير المشركين إذا أعطاهم العهد على أن / يرجع إليهم فلا يحل له الوفاء بذلك؛ [167] لأنه رجوع إلى الشرك، وأما أسير أهل القبلة فلا يحل له أن ينقض العهد بل يرجع إليهم والله أعلم. والذي ينبغي للإنسان أن لا يعد أحداً شيئاً بل يكون إحسانه فعلاً لا قولاً، وإذا تكلم بكلام صدقه بعمل وينشد لمحمود الوراق (1):
القول ما صدقه الفعل والفعل ما وكده العقل
لا يثبت القول إذا لم يكن
يطلب ه من نه الأصل
وعن سفيان الثوري أنه قال: إن للكذاب منازل فأسوأها أثراً وأعظمها ضرراً خلف الوعد
والله أعلم.
الفصل الثالث: في الغيبة
وليحفظ لسانه من الغيبة؛ لأنها وإن كانت صدقاً فهي في القبح والمعرة تزيد على الكذب ونقض العهد؛ لأنها جناية وهتك ستر يحدثان عن حسد وغدر، قال الله تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتَاً) (2). ويعني والله أعلم أنه كما لا
يحل له لحمه ميتاً فلا تحل له غيبته حياً.
وفي الخبر: الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام (3). وروي أن امرأتين على عهد النبي و وجعلها تغتابان الناس، فأخبر بذلك النبي عليه السلام فقال: «صامتا على ما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله عليهما (4).
(1) هو محمود بن الحسن الوراق البغدادي خير شاعر مجود سائر النظم في المواعظ .. سير أعلام النبلاء للذهبي (461/ 11). (2) سورة الحجرات الآية: 12.
(3) بنحو هذا الطرف عند ابن أبي حاتم في العلل (2474)، المنذري في الترغيب والترهيب (511/ 3)، التبريزي في المشكاة (4874)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (533/ 7)، الهيثمي في مجمع الزوائد
(91/ A)
(4) رواه أحمد من حديث عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه رجل لم يسم، ورواه أبو يلعى في مسنده فأسقط منه ذكر الرجل المبهم، قاله العراقي في المغني (139/ 3). (3/147)
صفحة 1004
148
وروي
قنطرة النفس
أنه قال: «يا أبا هريرة إن أحببت أن يغشي الله لك الثناء الحسن في الدنيا والآخرة فكف لسانك عن غيبة المسلمين. وعنه عليه السلام أنه قال: نظرت في النار ليلة أسري بي فإذا بقوم يأكلون الجيف فقلت ما هذا يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
وقال أيضاً: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس. وعن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه
أنه قال: لا يعجبنكم من الرجل طنطنته ولكن من أدى الأمانة وكفّ عن أعراض الناس فهو
الرجل.
مالك
وعن ابن عباس أنه قال: اذكر أخاك / إذا توارى عنك بما تحب أن يذكرك إذا تواريت عنه. وعن بن دينار أنه قال: كفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً ويقع في الصالحين. وقال عدي بن حاتم: الغيبة رعي اللثام. ويُنشد:
لا تكشفن من مساوي الناس ما ستروا فيكشف الله تراً عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهـ بما فيكا وعن الحسن البصري أنه كان يقول: الغيبة فاكهة الناس. وقال ابن السماك: لا تعن
عن
:
اقطع لسانك
الناس على غيبتك بسوء عيبك وقد روي عن النبي أنه قال لمعاذ رحمه الله حملة القرآن، وطلاب العلم، ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب النار (1). وعن أبي قلابة أنه قال: إن في الغيبة خراب القلب من الهدى. فنسأل الله العصمة، وحسبك من الغيبة شؤماً محقها الحسنات وإبطالها الطاعات، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء (2).
وبلغنا عن الحسن أنه قيل له: إن فلاناً اغتابك فبعث إليه بطبق فيه رطب، فقال: بلغنا أنك أهديت لنا حسناتك فأردنا أن نكافئك بهذا فاعذرني على التمام. فقال: إبراهيم بن أدهم لما بلغه: يا مكذوب بخلت بدنياك عن أصدقائك وجدت بحسناتك على أعدائك فما أنت بما تبخل عنهم بمعذور ولا أنت فيما سخوت به بمشكور.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احذروا على حسناتكم أن تنسل منكم بالاغتياب كما ينسل
(1) نحو طرف هذا الحديث عند الزيلعي في نصب الراية (482/ 2)، أبي نعيم في تاريخ أصبهان (276/ 2) العجلوني في كشف الخفا (163/ 2)، الربيع بن حبيب في المسند (25/ 1، 63).
(2) انظر تخريج الحديث السابق.
[168] (3/148)
صفحة 1005
[169]
قنطرة النفس
الماء
189
من يد أحدكم وعنه أيضاً أنه قال: «ما النار باليبيس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد (1) وعن ابن السماك أنه قال: لو كنت مغتاباً لاغتبت أمي لأنها أحق بحسناتي.
وذكر عن حاتم الأصم أنه فاته القيام ذات ليلة فلما أصبح عزته زوجته فقال: إن أقواماً صلوا بالليل البارحة فلما أصبحوا نالوا مني فتكون صلاتهم في ميزاني يوم القيامة، ومعنى الغيبة أن تذكر إنساناً / بما يكره لو سمعه.
وقد روي عن النبي الا الله وأنه سئل عن الغيبة فقال: هي أن تقول في أخيك ما يكره فإن كنت صادقاً فقد اغتبته وإن كنت كاذباً فقد بهته (2). وروي أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله ما أقصرها فقال: «مهلاً إياك والغيبة». قالت:
المرائين، وهو
غمني
ما
يا رسول الله إنما قلت ما فيها. قال: أجل ولولا ذلك لكان بهتاناً، ويقال: إياك وغيبة القراء أن تفهم المقصود من غير تصريح مثل قولك: أصلح الله فلاناً لقد جرى عليه فيجمع بين خبيثين أحدهما الغيبة إذا حصلت بالتفهم، والأخرى تزكية النفس والتمدح بالصلاح؛ لأنه إن كان المقصود بقوله: أصلحه الله الدعاء له فليدع في السر، وإن اغتم بسبب فعله فلا يظهره للناس والذي يمنع الإنسان من الغيبة أن ينظر في عيوبه، فإن عجز عن تطهير نفسه منها، ذلك لا ومع يحب من يفضحه، فليعلم أن عجز أخيه كعجزه هو وكراهة
من يفضحه ككراهته هو، والله أعلم.
والغيبة المحرمة إنما هي غيبة المسلم وأما المنافق والمبتدع فلا لقوله عليه السلام: اذكر الفاسق بما فيه ليعرفه الناس (3). وعنه عليه السلام أنه قال: «ثلاثة لا غيبة لهم: الإمام الجائر، وشارب الخمر، والمعلن بفسقه.
وقال أيضاً: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (4) وأما المسلم إذا اغتابه أو قذفه فعليه التوبة والمحاللة منه، وقد ورد في الحديث: أن الغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها» وإن تاب
(1) لم أجد له أصلاً، قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (145/ 3). (2) نحو هذا الطرف عند ابن أبي حاتم في العلل (1881)، الألباني في الصحيحة (1992)، وعن نحوه أيضاً قال العراقي في المغني (141/ 3) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
(3) بنحو هذا الطرف عند: العجلوني في كشف الخفا. (114/ 1)، (492/ 2)، ابن حجر في الكاف الشاف
(10 v)
(4) رواه ابن عدي، وابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في المغني
(217/ 1) (3/149)
صفحة 1006
150
قنطرة النفس
ولم يجد من اغتابه أن يحالله فإنه قد ورد في الحديث: أنه يستغفر له فيكون ذلك كفارة له» (1). والمستمع للغيبة شريك للمغتاب وإنما الواجب عليه أن ينكر على المغتاب وإن لم يقدر فليعتزله وروي عن النبي لو أنه قال: من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقاً على الله أن يحرم لحمه على النار (2).
وأخسس بأخ يرى الكلاب تمزق في لحم أخيه فلا تحركه الشفقة على الذب عنه
(r)
والله
[170] أعلم. ويقال: من يغتاب الناس كمثل الجعل يعجز عن نيل الطرائف / وينكب على العذرة فالغيبة مراتع الشيطان وإذام السنة الغافلين وهي فاكهة القراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفصل الرابع: في النميمة والسعاية
اعلم أن النميمة تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشراً وتضم إلى لؤمها دناءة وغدراً؛ لأنها تؤل إلى تقاطع المتواصلين وتباغض المتحابين قال الله تعالى في وصف الكافر: {هَمَّازٍ مَشَاءِ،
(4)
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: شراركم المشاؤن بالنميمة المفسرون بين الأحبة الباغون للناس العيوب (5) وعنه أيضاً قال: ملعون ذو الوجهين ملعون ذو اللسانين ملعون كل شغار ملعون كل قتات، ملعون كل
منان (6).
الشغار: المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة. وفي حديث آخر: «ملعون من حرش بين بهيمتين. والقتات النمام وقيل: النمام: هو الذي يكون مع قوم يتحدثون فينم حديثهم، والقتات: والذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون فينم حديثهم والمنان: هو الذي يصنع الخير ويمن به قال الشاعر:
(1) قال العراقي في المغني (150/ 3) عن نحوه: رواه ابن أبي الدنيا في الصمت، والحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بسند ضعيف.
(2)
(3)
عن نحوه قال العراقي في المغني: (143/ 3) رواه أحمد والطبراني من رواية شهر بن حوشب عن
أسماء بنت يزيد.
في الأصل عليه وأحسبه تحريف من الناسخ.
(4) سورة القلم الآية: 11.
(5) رواه أحمد من حديث أبي مالك الأشعري (المغني 151/ 3).
(6) طرفه عند العجلوني في كشف الخفا (301/ 2). (3/150)
صفحة 1007
قنطرة النفس
فلا زلت منسوباً إلى كل نعمة ولا زلت منسوباً إليك النعائم تمشيت فينا بالنميم وإنما يفرق بين الأحباء النمائم
وقيل في منثور الحكم النميمة سيف قاتل: وقال بعض الأدباء: لم يمش ماش شر من واش. قال الشاعر:
من نم في الناس لا تؤمن عقاربه على الصديق ولا تؤمن أفاعيه كالسبيل بالليل لا يدري به أحد من أين جاء ولا من أين يأتيه وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنة قتات» (1). وعنه أيضاً قال: «من مشى بنميمة بين اثنين سلط الله عليه ناراً تحرقه في قبره إلى يوم القيامة» وقال عليه السلام: «شر الناس ذو الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» (2).
وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام مَرَّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير / أما أحدهما فكان لا يستبراء من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». ثم أخذ [171] بجريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم يبسا وذلك ببركة يديه عليه السلام.
(r),
وأما السعاية: فهي شر من الغيبة والنميمة وهي المهلكة الحالقة؛ لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة التغرير بالنفوس، والأموال، والقدح في المنازل، والأحوال. ومعنى السعاية: أن إنسان إلى ذي سلطان بإنسان آخر فيهلكه، وقد روي عن ابن قتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة ديوث ولا قلاع (4).
يسعى
(1) أطراف الحديث عند: البخاري في الصحيح (21/ 8)، ومسلم في الصحيح (الإيمان ب 45 رقم 169، 170)، أبي داود في السنن (4871) الترمذي في الجامع (2026)، النسائي عن المجتبى (318/ 8)، المسند (382/ 5)، البيهقي في السنن (166/ 8).
أحمد
(2) عن نحوه قال العراقي في المغني (155/ 3) متفق عليه بلفظ تجد من شر الناس لفظ البخاري وهو عند أبي الدنيا بلفظ المصنف (أي الغزالي وهو نحوه).
(3)
وعن نحوه قال العراقي في المغني: (140/ 3) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت، وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب بإسناد جيد وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس إلا أنه ذكر فيه النميمة بدل الغيبة، وللطيالسي فيه أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة
نحوه بإسناد جيد.
(4) أطرافه عند: عبد الرزاق في المصنف (20437)، ابن حجر في المطالب العالية (2145)، المتقي الهندي في الكنز (43749). (3/151)
صفحة 1008
152
قنطرة النفس
فالديوث: هو الذي يجمع بين الرجال والنساء سمي! بذلك لأنه يذب عنهم والقلاع: هو الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء، فلا يزال يقع في الرجل المتمكن عند الأمير حتى يقلعه ولذلك سمي قلاعاً.
وقال بعض الحكماء: الساعي بين منزلتين قبيحتين إما أن يكون صدق فقد خان الأمانة، وإما أن يكون كذب فقد خان في المروءة. وقال بعض حكماء الفرس: الصدق يزين كل أحد إلا السعاية؛ فإن الساعي أذمّ وأنم ما يكون إذا صدق، وأنشد للستالي:
فعل
الملف ـق والمـ
زور
لعن
إن كنت تفخر بالسعاية
فأنا المهذب ليـ
قال الراجز:
ــة الله العظيم
ــازة والنميم
الزور والبهتان شيمه
يا أيها المولع السعاية شلت يدا مخطيك في الرمايه أضرمت ناراً ما لها من غاية أخسس بذاك الحظ والعنايه تلك لعمري خطة الخزاية للقاعدين القعد الفسايه أن أسقف نجران لما لقي عمر بن الخطاب الله عنه قال: يا أمير المؤمنين احذر [172] قاتل الثلاثة قال: وما قاتل الثلاثة؟ قال: رجل يأتي الإمام / بالحديث الكذب فيقتله الإمام فيكون قد قتل نفسه وصاحبه، وإمامه. فقال: ما أراك أبعدت.
ويروي
أن ويروي
رجلاً سعى بجار له إلى الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: أما أنت فتخبرني أنك جار سوء، وإن شئت أرسلنا معك فإن كنت صادقاً أبغضاك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت تركناك؟ فقال: اتركني يا أمير المؤمنين. قال: قد تركناك.
وروي
أن رجلاً سعى برجل إلى الفضل بن سهيل، فوضع الفضل على ظاهر كتابه: نحن نرى قبول السعاية شراً منها؛ لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز؛ لأن من فعل شر ممن قال فاتقوا الساعي فإنه إن كان في سعايته صادقاً كان أثماً إذا لم يحفظ الحرمة ويستر العورة.
وقال حكيم العرب: إياك والسعاة فإنهم أعداء عقلك ولصوص عدلك يغرقون بين قولك وفعلك وفي المثل السائر من أطاع الواشي ضيّع الصديق ويروى أن الإسكندر قال لساع سعى إليه برجل: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك الشر. (3/152)
صفحة 1009
قنطرة النفس
153
وقال بعض البلغاء: النميمة دناءة والسعاية رداءة وهما رأس الغدر وأساس الشر. وعن كعب قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى عليه السلام فخرج ببني إسرائيل يستسقي مراراً فلم يُسقوا فأوحى الله تعالى إليه لا استجيب لك ولا لمن معك فإن فيكم نماماً. قال: يا رب دلني عليه حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله إلى موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمّاماً، فتابوا جميعاً فَسُقوا. وقال مروان بن زنباعة العبسي: يا بني عبس من نقل إليكم
نقل عنكم.
وكان بعض الحكماء يقول: من أراد أن يسلم من الإثم وتبقى له الإخوان، فليكن قاضياً حكيماً بينه وبينهم بالعدل، ولا يقبل قول أحد في أحد ولا في نفسه إلا بشهادة عدول. قال: فإنا قد أحببنا بقول أقوام وأبغضنا بقول أقوام فأصبحنا على فعلنا نادميين. ويقال: من لطف الله تعالى في النميمة أن حكم بفسق صاحبها حتى لا يقبل له قول / ويستريح الخلق من شره لما [173] علم الله من شؤمها، واستظهاره شرها وعموم مضرتها في الورى، والله أعلم)
ذلك
من
الفصل الخامس: جامع لجملة من منكرات اللسان
يجب على الإنسان التحفظ منها
(1)
صوت الغناء والمزامير عند اللهو والنعمة قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مِنَ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثَ (2). قيل: هو الغناء والباطل. وفي الحديث: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (3).
ومنها: الدعاء بالويل والثبور، ورفع الصوت عند النياحة، قيل في قوله تعالى: {وَلاً يُعصِيَنكَ فِي مَعْرُوفِ) (4). أي لا ينخن. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نعمة ومرنة عند مصيبة (0). وبكى عليه السلام لما مات
(1) راجع باب الغيبة والنميمة في إحياء علوم الدين في آفات اللسان (138/ 3: (154) فقد فصل فيها تفصيلاً
(2)
مفيداً. فجزاه الله خيراً.
سورة لقمان الآية: 6.
(3) قال العراقي في المغني (283/ 3) قال المصنف: (أي الغزالي والمرفوع غير صحيح لأن في إسناده من لم يسم رواه أبو داود وهو في رواية ابن العبد ليس في رواية اللؤلؤي ورواه البيهقي مرفوعاً وموقوفاً. (4) سورة الممتحنة الآية: 12. (0) أطراف الحديث عند الربيع بن حبيب في المسند (55/ 2)، المنذري في الترغيب والترهيب (350/ 4)، الهيثمي في مجمع الزوائد (13/ 3)، المتقي الهندي في الكنز (4066). (3/153)
صفحة 1010
104
قنطرة النفس
ولده إبراهيم فقيل له: أتبكي وتنهانا عن البكاء. فقال: إنما بكيت رحمة له ولكن إنما نهيتكم. . . . الحديث.
ومنها: القذف بالزنى وهو من أعظم الكبائر؛ لأن على صاحبه الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ). إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1).
(1)
ومنها: الحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ والظَّالِمُونَ) والْفَاسِقُونَ) (2). وقال عليه السلام: «الحكام ثلاثة: اثنان في النار
(4)
وهما: الحاكم بالهوى، والحاكم بالجهل وواحد في الجنة: وهو الحاكم بالحق» (3). ومنها: شهادة الزور وقال عليه السلام: عدلت بشهادة الزور الشرك بالله» ثم قرأ: فَاجْتَنِبُوا الرَّجُسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الرُّور) (1). ومنها: القول بغير علم وهو مقرون بالشرك وغيره قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ إلى قوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ (5). . وفي الحديث: «من أفتى مسألة بغير علم أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء وصادف بئراً لا قعر له ولو أنه
•
أصاب الحق (6).
ومنها: لعن المخلوقات من طعام أو أرض أو حيوان ما خلا أهل الكبائر من الجن [174]. والإنس، وفي الحديث / المؤمن لا يكون طعاناً ولا لعاناً (7). وقال عليه السلام: «إذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا الربه (8).
ومنها: الثناء على النفس، قال الله تعالى: {فَلاَ تُزَكُوا أَنْفَسُكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن
(1) سورة النور الآية: 23.
(2) سورة المائدة الآيات: 44، 45، 47. (3) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (2752/ 7). (4) سورة الحج الآية: 30.
(5) سورة الأعراف الآية: 33.
(6) طرفه عند الربيع بن حبيب في المسند (12/ 1، 16).
(7) طرف الحديث بنحوه عند الحاكم في المستدرك (13/ 1).
(8) بنحو هذا الطرف عند الحاكم (312/ 4)، ابن الجوزي في العلل المتناهية (313/ 2)، الذهبي في الميزان (3495)، ابن حجر في لسان الميزان (332/ 3، 1550). (3/154)
صفحة 1011
قنطرة النفس
اتَّقَى
(1)
155
وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟ قال: ثناء المرء على نفسه. وصدق لأن
ذلك يورث المقت عند الله تعالى ويحط القدر والمكانة عند الناس ومنها التجسيس عن أخبار الناس والبحث عن عوراتهم قال الله تعالى: (وَلاَ تَجَسَّسُوا) (2).
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (3).
فأوجب العذاب لمن أحب ذلك فكيف بمن أذاعه وأفشاه.
ومنها: التنابز بالألقاب قال الله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقَ بَعْدَ
(4)
الإيمان) (1).
(0)
ومنها: السخر قال الله تعالى: {لَاَ يَسْخَرُ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ .. وعن عبد الرحمن بن زيد أنه قال أنه استهزاء المسلم بمن أعلن بفسقه والله أعلم.
ومنها: الدعاء بالسوء على أحد من الخلق وإن كان ظالماً، فإنه ينبغي للمظلوم أن يكل أمره إلى الله. وفي الحديث: من دعا على من ظلمه فقد انتصر» (6) وفي حديث آخر:: إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم فضل عنده يطالبه به يوما القيامة ويروى أن بعضهم طوّل لسانه على الحجاج، فقال بعض السلف: إن الله لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه، كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.
ومنها: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام فإن ذلك أذى للمخاطب وتجهيل له الثناء على النفس والاتصاف بمزيد أو فضل والفهم في ذلك والتعرض لعداوة الناس، فإنه لا يماري سفيها إلا أذاه ولا حليماً إلا حقد عليه وجفاه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(7)
من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في رياض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له ببيت في أعلى الجنة». والشيطان يستجم الحمقى إلى الشر في معرض الخبر بأن يقول لهم: أظهروا
(1)
سورة النجم الآية: 32. (2) سورة الحجرات الآية: 12.
(3) سورة النور الآية: 19. (4) سورة الحجرات الآية: 11. (5) سورة الحجرات الآية: 11.
(6) قال العراقي في المغني: (122/ 3): لم أقف له على أصل وللترمذي من حديث عائشة بسند ضعيف:
من دعا على من ظلمه فقد انتصر.
(7) في إحياء علوم الدين (48/ 1): ريض، وعلق العراقي على الحديث بهامشه في المغني فقال: رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أنس اختلاف، قال الترمذي حسن. (3/155)
صفحة 1012
156
قنطرة النفس
الحق ولا تداهنوا. نعم إظهار الحق حسن مع من يقبل من الإنسان ويفهم عنه ولكن ذلك على وجه النصيحة والذب عنه.
الفصل السادس: في فصول حفظ اللسان
/ التي هي من بقية قنطرة النفس، وهي تحتوي على كتمان السر، والمشورة،
والنصيحة.
فصل: في كتمان السر
فالواجب على الإنسان حفظ لسانه عن إذاعة السر المودع فيه؛ لأنه أمانة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا حدث الرجل حديثه ثم التفت فهو أمانة ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم سماه سراً، ولو لم يستكتمه فكيف إذا استكتمه. وروي عن النبي الله أنه قال: «استعينوا على الحاجات فإن كل ذي نعمة. محسود عليها (1).
وعن علي بن طالب أنه قال: سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني كن جواداً بالمال في موضع الحق، ضنيناً بالأسرار عن جميع الخلق. وقال النبي: المجالس بالأمانات (2).
وقال بعض الأدباء من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سره كان الخيار عليه. وقد قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصُ رَؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} (3). فلما أفشى يوسف عليه رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته فحلّ ما حل. واعلم أن حمل ثقل الأموال أخف من حمل ثقل الأسرار لما يلحقه في كتمان السر من القلق والكرب فإذا أذاعه استراح قلبه، فكأنما ألقى عن نفسه حملاً فمن قلق بسره فغيره به أقلق. ويُنشد:
إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق إذا المرء أفشى سره بلسانه فلام عليه غيره فهو أحمق
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: القلوب أوعية والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل امراء مفتاح سره ويقال إن من أعجب الأمر أن أغلاق الدنيا كلما كثر خزانه كان أضيع له. قال الشاعر وهو أنس بن أسيد:
(1) قال العراقي في المغني (184/ 3) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف. (2) قال العراقي عن أتم منه في المغني (176/ 2): رواه أبو داود من حديث جابر من رواية ابن أخيه غير
مسمى عنه.
(3) سورة يوسف الآية: 5.
[175] (3/156)
صفحة 1013
[176]
[177]
157
قنطرة النفس
لا تفش سترك إلا إليك فإن لكل نصيحة نصيحا / ألم تر أن غواة الرجال لا يتركون أديماً صحيحا وكان يقال: أصبر الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر فيفشيه.
وكان يقال: لا تطلع النساء على سرك يصلح لك أمرك. وقال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات.
واعلم أن إذاعة الرجل سر غيره أقبح من إظهار سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين إما الخيانة إن كان مؤتمناً، أو النميمة إن كان مستودعاً وإما الضرر فربما استويا فيه أو تفاضلا وكلاهما مذموم قال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدكم بسره حتى يحدث به ثم يقول: أكتمه عليّ. وفي أمثال الفرس: إذا أفشيت لي سرّك وأوصيتني أن لا أبوح به فهلا بذا توصي
نفسك. قال الشاعر: إذا ما ضاق صدرك عن حديث وأفشيته الرجال فلا تلوم وسرى عنده فأنا الظلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي وقيل لبعض الحكماء ما أصعب الأشياء على الإنسان؟ قال: أن يعرف ويكتم سره.
وقيل لبعضهم: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. وفي منثور الحكم صدور الأحرار قبور الأسرار.
واعلم أن كتمان السر على جواهر الرجال، فكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها، كذلك لا خير في إنسان لا يمسك سره. ويقال: من صفات أمين السر أن يكون ذا عقل صادق، ودين حاجز، ونصح مبذول وود موفور وكتوماً بالطبع فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة فمن كانت فيه فهو عنقاء مغرب. ويُنشد الجعفر بن. عثمان:
أن تسمعه
يا ذا الذي أودعتني سره لا ترج الم أجره قط على خاطري كأنه لم يجر في أذن
واعلم أن الاسترسال بالسر يدل على ثلاثة أحوال كلها مذمومة. أحدها: ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يتسع لسر، ولا يقدر على صبر.
الثانية: يدل على الغفلة عن تحرز العقلاء والسهو عن فطنة الأذكياء.
الثالثة: يدل على أنه ارتكب الغرر ولم يتوق من الخطر. وقد قال بعض الحكماء: سرك (3/157)
صفحة 1014
158
قنطرة النفس
دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته. وقال بعضهم: تفرد بسرك ولا تذعه حازماً فيزل، ولا من
جاهلاً فيخون.
واعلم أن من الأسرار ما لا استغناء به عن مطالعة صديق واستشارة ناصح، وليختر العاقل لسره أميناً إن لم يجد إلى كتمانه سبيلاً، وليتحر في اختياره أمين السر الذي قدمنا صفاته إن وجده وإلا فليختر خير من وجد وليحذر أن يودعه عند من يحب الوقوف عليه: لأن طالب
الوديعة خائن. وقيل في منثور الحكم لا تنكح خاطب سرك إنه للسر خوان. قال صالح بن عبد القدوس: لا تذع سراً إلى طالبه منك إن طالب السر مذيع. وليحذر
كثرة المستودعين لسره؛ لأن ذلك سبب الإذاعة لأمرين:
أحدهما: أن اجتماع شروط الأمانة في الكثرة معوز.
والثاني: أن كل واحد يبتغي إذاعة السر عن نفسه ويضيف ذلك إلى غيره. قال الشاعر: وسرك ما كان عند امراء وسر الثلاثة غير
وقال قيس بن حطيم:
أجود بمكنون التلاد وإنني بسرك عمن سألني لضنين إذا جاوز الاثنين سر فإنه يبث وتكثير الوشاة قمين قال بعض: أراد بالاثنين المودع والمودع فيه، ولا يريد به الشفتين، وأيضاً فإن يبعد أن
من سلم السر من إذاعتهم لم يسلم صاحبه من استطالتهم عليه. ولذلك قالت الحكماء: من أفشى سره كثر المتآمرون عليه فإن اضطر فأودع سره أميناً وجب على المستودع فيه حفظ [178] الأمانة بالتناسي / حتى لا يخطر له بباله ويرى ذلك حرمة يرعاها ولا يستطيل على صاحبه. وحكي أن رجلاً أسرّ إلى صديق له حديثاً سراً فقال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت.
قال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. قال بعض الشعراء:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره إذ كنت من نشرها يوماً على خطر وحكي أن عبد الله بن طاهر (1) تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال عبد الله:
مصر
(1) هو الأمير العادل أبو العباس، حاكم خراسان وما وراء النهر. له يد في النظم والنثر. قلده المأمون. وإفريقية، ثم خراسان وكان ملكاً مطاعاً سائساً مهيباً جواداً ممدحاً من رجال الكمال، وقيل: إنه وقع:
= (3/158)
صفحة 1015
[179]
159
قنطرة النفس
ومستودع سراً تضمت
فأودعته من مستقر الحشا قبرا
فقال ابنه عبد الله:
وما السر من قلبي كثا وبحفرة لأني أرى المدفون منتظر الحشرا ولكنني أخفيه حتى كأنه من الدهر يوماً ما أحطت به خبرا ومن كتاب الضياء وحكي أن النبي عليه السلام رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منيره كما يتداول الصبيان الكورة، فخلاً بأبي بكر وعمر رحمهما الله، فقص عليهما رؤياه، فلما تفرق سمع عليه السلام الحكم بن أبي العاص يخبر برؤياه فاشتد ذلك عليه، فاتهم بإفشاء سره وبرأ أبا بكر فقال: أشهد أن أبا بكر ما فعل فقال عمر: ولا أنا والله يا رسول الله. قال: «فمن أظهر حديثي. فقال عمر: تعود إلى مجلسك حتى نتحدث كما كنا نتحدث، فأنا آتيك بمن أفشى سرك. ففعل عليه السلام، فأقاموا في الحديث حتى كاد عليه السلام أن ينسى ما قعد له، ثم خرج عمر مبادراً فإذا الحكم يستمع، فنفاه عليه السلام من المدينة.
عمر
مسألة
يحب
وعن الوضاح بن عقبة أنه قال: إذا استسر معك أخوك سراً، وأنت تعلم أنه لا إظهاره فأظهرته فأنت، آثم، فإن تقدم عليك فيه فأظهرته فأنت منافق. وقال بعض الحكماء: من طلب لسره موضعاً فقد أشاد به وصدق إلا المضطر، فلا لوم عليه إذا اختار له موضعاً حصيناً / وأميناً كتوماً. كما قال الشاعر: ومستودع سراً كتمت مكانه عن الحس خوفاً أن ينم به الحس وخفت عليه من هوى النفس شهوة وأودعته من حيث لا يبلغ النفس
فصل: في المشورة
قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: {وَشَاوِرُهُمْ فِي الأَمْرِ) (1). وعن قتادة قال: أمر بمشاورتهم تألفاً لهم وتطيباً لأنفسهم. وقال الضحاك أمر بمشاورتهم لما فيه من الفضل. وقال الحسن: ليستن به المسلمون وإن كان من مشورتهم غنياً.
مرة على رقاع بصلات فبلغت ألفي ألف وسبع مئة ألف ومات بالخانوق سنة ثلاثين ومئتين. (سير أعلام
النبلاء 10/ 684).
(1) سورة آل عمران الآية: 159. (3/159)
صفحة 1016
17.
قنطرة النفس
وقد شاور عليه السلام أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فاختلفا عليه، فمال إلى رأي أبي بكر فعاتبه الله على أخذ الفداء فقال: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ) (1). الآية. وقد شاور عليه السلام أصحابه حين أراد النزول نحو بدر وقد أمرهم لما اجتمع الأحزاب، بمصالحة عيينة بن حصن الفزاري على بعض الثمار، فأشاروا بترك ذلك
فقبله.
فصح بما ذكرنا من الحزم لذي لب أن لا يبرم أمراً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح ألا ترى إلى إبراهيم عليه السلام حين أمر بذبح ابنه عزيمة عليه، الأدب على المشاورة فقال لابنه: {فَانْظُر مَاذَا تَرَى (2). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
فحمله
حسن
قال: «المشورة حصن من الندامة وأمان من الملامة.
(2)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيصدرها برأيه ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً.
وعن ابن عباس قال: الرجال ثلاثة رجل ونصف رجل ولا شيء، فالرجل هو المشاور في أموره، ونصف الرجل المشاور في بعض أموره ولا شيء الذي لا يشاور.
وقيل: إن عمر رحمه الله يشاور حتى المرأة، وقال سيف بن ذي يزن: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيداً. وقيل في منثور الحكم: المشورة راحة لك
[180] وتعب على غيرك. وقال بعض الحكماء: / ما خاب من استخار ولا ندم من استشار. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أضل اللؤلؤ فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها كذلك الحازم يجمع وجوه الرأي فيضرب بعضها ببعض حتى يخلص الصواب. وقال عمر رحمه الله: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين، والثلاثة الآراء لا تكاد تنقطع، وينشد لبشار ابن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشوري عليك غضاضة مكان الخواف قوة للقوادم
(1) سورة الأنفال الآية: 68.
(2) سورة الصافات الآية: 102. (3/160)
صفحة 1017
قنطرة النفس
161
وقال بعض الأعراب: ما عثرت حتى عثر قومي. قيل: له وكيف؟ قال: لا أفعل شيئاً
حتى أشاورهم ويقال لو لم يكن في فضيلة المشورة إلا أن الإنسان إذا استبد برأيه فأصاب سلبت فائدة إصابته، وإن كانت حسنة؛ لأنه لا بد من قائل يقول هذا اتفاق، ولو فعل كذا لكان أحسن، فإذا شاور فأصاب حمدت الجماعة رأيه؛ لأنهم إنما يحمدون أنفسهم، فإذا أخطأ حملوا خطأه؛ لأنهم عن أنفسهم يكافحون والله أعلم. فإذا عزم على المشاورة فليختر من
اجتمعت فيه خمس خصال.
(1) ,
إحداها: عقل كامل مع تجربة سالفة، فإن بكثرة التجارب تصح الرؤية؛ لأنه قيل في منثور الحكم كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استر شدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا (1) وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم. فقالوا: نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وقال بعض السلف لابنه: احذر مشاورة الجاهل وإن كان ناصحاً، كما تحذر عداوة العاقل إذا كان عدواً. وكان يقال: إياك ومشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب، أو كبير قد أخذ الدهر عقله كما أخذ من جسمه. والثانية: أن يكون ذا دين وتقي؛ لأنه مأمون السريرة موفق العزيمة، وقال عليه السلام: من أراد أمراً فليشاور / امراً مسلماً أرشده الله لأرشد أموره (2).
من
والثالثة: أن يكون ناصحاً ودوداً؛ فإن النصح والمودة يمحصان الرأي. وقال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود، وإياك ومشاورة النساء؛ فإن رأيهن إلى الأفن، وعزمهن إلى الوهن.
والرابعة: أن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل؛ لأن الرأي لا يسلم مع الهموم. وقد قالت الحكماء: لا تشاور معلماً ولا راعي غنم، ولا كثير لقعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضائها ولا جائعاً ولا من يرهقه أحد السبيلين. وقالوا: لا رأي لحاقن، ولا لحاقب ولا لحازق ولا تشاور من لا دقيق عنده. فالحاقب: الذي يجد في بطنه رزاء والحازق: الذي يضيق عليه الخف، والله أعلم.
(1) أطراف الحديث عند الذهبي في الميزان (3496)، ابن حجر في لسان الميزان (333/ 3)، (808/ 4)،
والألباني في الضعيفة (617).
(2) نحو طرفه عند ابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (734).
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 11
[141] (3/161)
صفحة 1018
1620
قنطرة النفس
الخصلة الخامسة: أن لا يكون له في الأمر المستشار غرض يتابعه ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد، ويُنشد: وقد تحكم الأيام من كان جاهلاً ويردى الهوى ذا الرأي وهو لبيب ويحسد في الأمر الفتى وهو مخطاء ويعذل في الإحسان وهو مصيب فإذا استكملت هذه الخصال في رجل كان أهلاً للمشورة ومعدناً للرأي فلا يعدل عنه الإنسان استيثاقاً برأيه فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم، وهو إلى الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلوة من الهوى والشهوة، وقد قال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي: وينشد:
خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا على اليوم ما تريان
وقال بعض البلغاء: إذا اشتكلت عليك الأمور فارجع إلى رأي العقلاء، فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبد وتندم. وقد قيل في منثور الحكم من أكثر المشاورة لم يعدم عند [182] الصواب مادحاً، وعند / الخطأ عاذراً وإن كان الخطأ من الجماعة بعيداً ثم إذا استشار الجماعة، وقد اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه أو إفراد كل واحد منهم، فمذهب الفرس أن الاجتماع أولى ليذكر كل واحد ما نتجه فكرة حتى إن كان فيه قدح نقض عليه بالمناظرة. وذهب غيرهم إلى أن انفراد كل واحد منهم أو ليحيل رأيه طمعاً في الحظوة والصواب
والله أعلم. ثم إذا أشار على الإنسان من استَشَاره بالرأي أخذ به، وأمضاه فإن أصاب فذاك، وإن أخطأ فلا يوجه اللوم على المستشار، فإنما على الناصح الاجتهاد دون ضمان النجاح، ولا سيما والأقدار غالبة تجري على ما ليس في التقدير. إذا ظفر برأي خامل اغتنمه، فإن الرأي كالضالة تؤخذ حيث ما وجدت ولا تترك لذلة صاحبها والدرة لا يضيعها مهانة غائصها، والله أعلم.
فصل: في النصيحة
اعلم أن النصيحة للخلق أجمعين من سنة، المرسلين قال الله تعالى حكاية عن شعيب صلوات الله على نبينا وعليه: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ فكيف آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)، في أمثالها من
القرآن.
(1) سورة الأعراف الآية: 79. (3/162)
صفحة 1019
قنطرة النفس
163
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» (1). قالها ثلاثاً، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «الله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم وخاصتهم». والنصح في اللغة: فعل الشيء الذي به الصلاح تقول العرب: هذا قميص منصوح أي مخيط مأخوذ من النصاحة وهي السلوك التي يخاط بها.
وعن معاذ عنه الله أنه قال: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: العمل الله، ومناصحة أولي الأمر، والاعتصام بجماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم (2). / وقال عليه [183] السلام: «إن العبد إذا نصح لسيده وأدى عبادة الله فله أجره مرتين (3).
وعن أبي الدرداء أنه قال: العلم يبلغه البار والفاجر والحكمة ينطق بها البر والفاجر، والنصيحة الله لا تثبت إلا في قلوب المؤمنين الذين نصحت قلوبهم، وصدقت نياتهم، فالنصيحة لله سبحانه وصفه بما هو أهله وتنزيهه عما لا يليق به والخضوع له ظاهراً وباطناً، والقيام بتعظيمه، والبعد عن مساخطته وموالات من أطاعه ومعادات من عصاه، والجهاد في رد العصاة إليه قولاً وفعلاً، والقيام بحقوقه والرغبة في محابه، وإرادة ما ذكرنا لعباده.
:
والنصيحة لكتابه: إقامة حدوده وتلاوته بالتفكر في معانيه والذب عنه، وحفظه من تأويل المحرفين والنصيحة لرسوله مؤازرته ونصرته حياً وميتاً، واتباع. سنته، وإحياء طريقته في بث الدعوة، وتأليف الكلمة والنصيحة للأئمة: معاونتهم ونصرتهم في جمع الكلمة لهم ما استقاموا على الطريقة، وإقامة الحق، والنصح لخاصة المسلمين: الشفقة عليهم وموالاتهم. والنصيحة لعامتهم: أن يحلم عنهم، ويعلموا دينهم، والنصيحة لجميع الملل أن. إسلامهم ويدعوهم إليه بالقول وبالسيف إن كان ذا سلطان حتى يسلموا، أو يكونوا ذمة، فيؤدي حقوقهم، وأن يصانوا عن الظلم والله أعلم.
يحب
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (22/ 1)، مسلم في الصحيح (الإيمان ب 23 رقم 95)، الترمذي في الجامع (1926)، النسائي في المجتبى (157/ 7)، أحمد في المسند 297/ 2)، الدارمي في السنن (311/ 2)، ابن أبي عاصم في السنة (519/ 2). (2) أطراف الحديث عند: أحمد في المسند (80/ 4)، والدارمي في السنن (75/ 1)، الحاكم في المستدرك 88/ 11)، ابن أبي عاصم في السنة (516/ 2)، الترمذي في الجامع (2568)، وقال العراقي في المغني (364/ 4): رواه الترمذي وصححه من حديث النعمان ابن بشير. (3) أطرافه عند مسلم في الصحيح الإيمان: (43)، وأبي داود في السنن (5169)، البيهقي في السنن (12/ 8)، البخاري في الأدب (202)، البغوي في شرح السنة (344/ 9)، المنذري في الترغيب
والترهيب (24/ 3). (3/163)
صفحة 1020
قنطرة النفس
واعلم أن النصيحة مرة لا يقبلها إلا أولوا العزم كان عمر رحمه الله يقول: رحم الله
[184] عبداً أهدى إلي عيوبي. وعن ميمون / بن مهران أنه قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا. أخاه ينصح حتى يقول له في وجهه ما يكره. وكان يقال:
[110]
أخوك من احتمل ثقل نصيحتك. ويُنشد عن أبي العيناء:
النصح أرخص ما باع الرجال فلا تردد على ناصح نصحاً ولا تلم إن النصائح لا تخفى مناهجها على الرجال ذوي الألباب والفهم
وقيل في منثور الحكم ودك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. والنصيحة الله في أرضه هي التي بعث بها المرسلون ولكن النفوس مستثقلة لها مائلة إلى ما يوافق هواها، ولبعضهم:
عرضت نصيحتي مني ليحيى فقال أكون أعيب يحيى ويحي
وما
بي
ولكن قد أناني أن
يحي
لي والنصح مر طاهر الأخلاق بر
يقال
في نفعاء شر
فقلت له تجنب كل شيء يعاب عليك إن الحر حر
وعن وهب أنه قال: إنما يُحسن الاختيار لغيره من يُحسن الاختيار لنفسه. وقالت العلماء: لا ينصحك امرء لا ينصح نفسه وقال بعضهم: رأيي ورأيك في المعرفة أمثل لنفسك. من رأيك؛ لأنه خلق من هواك، قال الله تعالى عن نبيه عليه السلام: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِن لا تُحبُونَ النَّاصِحِينَ} (1). قال الشاعر:
وعد
النصيح نصيحتي وعلي عصيـ ان النصيح
وعن أبي الدرداء أنه قال: إن شئتم لأنصحن لكم إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويعملون في الأرض نصحاً. قال:
أجب أخاك إذا استشارك ناصحاً وعلى أخيك نصيحة لا تردد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حق المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه» (2). اعلم
(1) سورة الأعراف الآية: 79
في
المسند
(2) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (90/ 2)، مسلم في الصحيح (1704)، أحمد (540/ 2)، البيهقي في السنن (347/ 5) البخاري في الأدب (925) ابن السني في عمل اليوم والليلة
(206) (3/164)
صفحة 1021
[186]
قنطرة النفس
أنه لا عذر لمن استشير أن يكتم رأياً عدواً كان المستشير له أو صديقاً؛ لأن النبي عليه السلام قال: «المستشير معان والمستشار مؤتمن (1) ولا ينبغي للإنسان أن يشير قبل أن يستشار إلا فيما مست الحاجة إليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن لقمان: قال لابنه: إذا استشهدت فاشهد وإذا استعنت فاعن وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر». وقال الشاعر:
من الناس من أن يستشرك فتجتهد له الرأي يستغششك ما لا تتابعه فلا تمنحن الرأي من ليس أهله فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
وإنما ذكرنا باب النصيحة ها هنا لأنه باب التحفظ آفات اللسان، من
من
وهي
مما
ينبغي
أن يتكلم بها الإنسان؛ لأن النصيحة من حق المستشير على المستشار فذكرناها بجانب فصل
المشورة، والله تعالى نستهديه الرشاد والهداية.
الفصل السابع: في حفظ اللسان عن المدح والتمدح
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تمادحوا واحثوا التراب في وجوه المادحين». وعن مكحول عنه الله أنه قال: «لا تكونوا عيابين ولا لعانين ولا متمادحين ولا متماوتين» (2). أن بعض الصحابة قيل له: لا تزال بخير ما أبقاك الله، فوجد من قول المادح، فقال: إني لا أحسبك أعرابياً وما يدريك ما يُغلق عليه بابي. وروي عن النبي أنه يزكي رجلاً فقال له: «قطعت مطاه لو سمعك ما أفلح بعدها.
وروي
سمع رجلاً
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: المدح / ذبح. وقال ابن المقفع: قابل المدح كمادح نفسه. وعن النبي الله أنه قال: «إياكم والتمدح فإنه الذبح إن كان أحدكم يمدح أخاه لا محالة فليقل: أحسب ولا أزكى على الله أحداً (3).
وقال بعض الحكماء: من رضي أن يُمدح بما ليس فيه فقد أمكن التساخر منه الساخر. وقيل فيما أنزل الله من الكتب السالفة: عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه، كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب! قال بعض الشعراء:
(1)
بنحو
هذا الطرف عند أبي داود في السنن، (5128) الترمذي في الجامع (2822)، ابن ماجة في السنن (3745)، أحمد في المسند (274/ 5) البيهقي في السنن (112/ 10)، الدارمي في السنن (219/ 2)، الحاكم في المستدرك (131/ 4).
(2) اطراف الحديث عند الدارمي في السنن (132/ 2)، المتقي الهندي في كنز العمال (43994). (3) أطراف الحديث عند ابن ماجة في السنن (3743)، أحمد في المسند (92/ 4)، والطبراني في الكبير
(350/ 19)، ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 9). (3/165)
صفحة 1022
قنطرة النفس
166
يا جاهلاً غره إفراط مادحه لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك
أثنى وقال بلا علم أحاط به وأنت أعلم بالمحصول من ربئك وروي أن بعض الخلفاء سأل رجلاً عن شيء فقال: يا أمير المؤمنين أنت خير منا وأعلم فغضب وقال: لم آمرك أن تزكيني وروي أن رجلاً مدح بعض السلف فغضب فقال: اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك وأشهدك على مقته. وحكى الأصمعي: أن أبا بكر الصديق رضي عنه كان إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. وقال الشاعر:
الله
إذا المرء لم يمدح بحسن فعاله فمادحه يهذي وإن كان مفصحاً وينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عن المدح ويمقت نفسه عند سماعه من غيره، لأن المدح عادة المتملقين وحرفة المتقربين إلى الجورة من الجهال والسلاطين، جعلوا النفاق عادة ومكسباً، والتملق خديعة وملعباً، فإذا وجدوه / مقبولاً إلى العقول الضعيفة غروا أربابها باعتقاد كذبهم، وجعلوا ذلك ذريعة إلى استخالهم والاستهزاء بهم. وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها المدح ويمنعها من تصديق المادح لها، فإن للنفس ميلاً إلى حب الثناء وسماع المدح كما قال الشاعر.
عندهم
يهوي
الثناء مبرز ومقصر
الثناء طبيعة الإنسان
ويعلم أن المتقرب إليه بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع المنع والإباء، ولتكن تهمة المادح أغلب عليه، فقلّ مدح كان جميعه صدقاً، ولا يغلبه حسن الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته، فإن لم يفعل وسامح نفسه في مدة الصبوة وتابعها على هذه الشهوة، تشاغل بذلك عن الفضائل الممدوحة ولهى بها عن المحاسن الممنوحة، فصار الظاهر من مدحه كذباً، والباطن من ذمه صدقاً وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين والله أعلم.
واعلم أن المدح ربما خل بصاحبه إلى أن يصير مادح نفسه إما لتوهمه أن الناس قد غفلوا عن فضله وإما أن يخدعهم بتدليس نفسه، فيعتقدوا أن قوله حق متبع، وإما ليتلذذ بسماع. الثناء ويسر نفسه بالمدح والإطراء، كما يتغنى لنفسه طرباً إذا لم يسمع. صوتاً مطرباً، ولا ير ذلك كان فهو الجهل والنقص الفاضح، كما قال الشاعر:
وما شرف أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقاً تذم وتمدح
[JAV] (3/166)
صفحة 1023
قنطرة النفس
167
وما كل حين يصدق المرء ظنه ولا كل أصحاب التجارة يربح ولا كل من ترجو لغيبك حافظ ولا كل من ضم الوديعة يصلح وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم / أصفياء القلوب ومرايا المحاسن [188] والعيوب على ما ينبهون عليه من مساوئه التي صرفه حسن الظن عنها، فإنهم أمكن نظراً وأسلم فكراً، ويجعل تنبيهم إياه على مساوئه عوضاً من تصديق المدح فيه. وقد قال عليه السلام: المؤمن مرآة المؤمن إذا رأى فيه عيباً أصلحه (1).
وقد قال عمر رضي الله: الله عبد أهدى إلينا مساوئنا. وقيل لبعض الحكماء:
رحم
أتحب أن تهدى إليك عيوبك؟ قال: نعم من ناصح. وقيل في منثور الحكم: من أظهر عيب نفسه فقد زكاها، والله أعلم.
الفصل الثامن: في حفظ اللسان من الاسترسال في المزاح والضحك
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى». وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا المزاح فإنها حمقة تورث ضغينة وقال: إنما المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك وقيل في منثور الحكم المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. وقال النخعي: المزاح من سخف أو بطر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والمزاح فإنه
فيه التذابح إن خيره لا ينال وشره لا يقال» (2) قال النيسابوري.
شر مزاح المرء لا يقال وخيره يا صاح لا ينال وقال بعض الأدباء من كثر مزاحه زالت هيبته ومن كثر خلافه طابت غيبته. وقال بعض البلغاء: من قل عقله كثر هزله ويقال: المزاح مخلفة للصداقة مذهبة للمروءة مكسبة
للعداوة.
ويقال لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح. وقيل المزاح: لقاح الضغينة وسباب النوكا. ويقال: المزاح / أوله فرح وآخره ترح قال النيسابوري.
(1) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن (4918)، البيهقي في السنن (375/ 3)، البخاري في الأدب (239)، ابن الجوزي في تذكرة الموضوعات (14)، ابن عدي في الضعفاء (2236/ 6)، العجلوني في
كشف الخفا (406/ 2).
(2) أطراف الحديث عند ابن عدي في الكامل في الضعفاء (1527/ 4)، ابن حجر في لسان الميزان (1509/ 1)، العجلوني في كشف الخفا (324/ 1).
[119] (3/167)
صفحة 1024
168
قنطرة النفس
إن المزاح بدوه حلاوة لكنما آخره عداوه وقد يقال: إن كثر المزاح من الفتى تدعو إلى التلاح يحقد منه الرجل الشريف، ويجتراء بسخفه السخيف. وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني، إياك والمزاح فإنه يذهب ببهاء المؤمن ويطفاء نوره ومن يكثر من شيء عرف به قال وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: امنع الناس من المزاح فإنه يذهب المروءة ويوغر الصدر.
وحكي أن خالد بن صفوان (1) ذكر المزاح فقال يصك أحدكم بأشد من الجندل وينقشه أحرف من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك. ويروى أن بعض الأشراف مازح صديقاً له بكلمة فتهاجرا حتى ماتا. ويُنشد.
أما اللجاجة والمزاح فدعهما خلقان لا أرضاهما الصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما لمجاور دان ولا لرفيق ويقال: إنما سمي المزاح مزاحاً لأنه أزيح عن الحق ولعمري إن المزاح يزيح عن الحقوق، ويخرج إلى القطيعة والعقوق، ويصم المازح بزوال الهيبة والبهاء، وجرأة السفهاء عليه والغوغاء، ويؤذي المماذح بلدغته، ويحزن قلبه بحرقته إن أمسكه عنه تغيظ وإن أجاب صاحبه تورط بسقوط الأدب، وحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمه مساوئه. قال:
فإياك إياك المزاح فإنه يجري عليك الطفل والدنس الرذلا / ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ويورث بعد العز صاحبه ذلا
اعلم أن المزاح قل ما يعرى منه من كان سهلاً، فإذا كان لا بد للعاقل منه فليتوخ به إيناس المصاحب والتودد إلى المخالط وليقتصد في مزاحه فإن الأفراط منه يذهب البهاء، ويجراء السفهاء. والتقصير فيه يقبض المؤانس، ويوحش المصاحب وليكن مزاحه بما حسن من القول وبسط من مستحسن الفعل نحو ما روي عن الشعبي أنه سئل عن أكل لحم الشيطان؟ فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.
وقيل له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذلك نكاح ما شهدناه. وقد كان صهيب بن
سنان
(1) العلامة البليغ فصيح زمانه أبو صفوان المنقري الأهتمي البصري، وقد وفد على عمر بن عبد العزيز، ولم أظفر له بوفاة: إلا أنه كان في أيام التابعين ... وهو القائل: ثلاث يعرفون عند ثلاثة: الحليم عند
الغضب والشجاع عند اللقاء، والصديق عند النائبة (الذهبي في سير أعلام النبلاء 226/ 6).
[19] (3/168)
صفحة 1025
قنطرة النفس
169
رحمه الله مزاحاً فقال له النبي: «أتاكل تمراً وبك رمد؟». فقال: يا رسول الله إنما أمضغ على الناحية الأخرى (1).
وإنما استجاز لصهيب ليتعرض له المزاح لأن استخباره عليه السلام قد كان يتضمن المزاح، فأجابه بما وافق استخباره مساعدة له وتقرباً من قلبه، لأن من جعل جواب الرسول عليه السلام هزلاً فقد عصى الله تعالى، وصهيب كان أطوع الله ولرسوله من أن يكون منه بهذه المنزلة. وقد قال عليه السلام: «أنا سابق العرب وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبش (2) ووجه آخر يجوز فيه المزاح أيضاً وهو أن ينفي الإنسان بمزاحه عن نفسه ما يطرأ عليه من هم أو منام أو يبس طبيعة أو حادث وحشة، ولذلك قال أبو الدرداء أو غيره: إني لاستجم نفسي بشيء من اللهو. وقديماً قيل: لا بد للمصدور أن ينفث لأن النفس ملولة ولها في اللهو / والمزاح استراحة ونشاط إلى مملول العبادة. قال الشاعر: أفد طبعك المكدود بالهم راحة يجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يبعد أن يكون على هذا الوجه وقد قال عليه السلام: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا (3). فمن مزاحه عليه السلام مثل قوله للعجوز التي قالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: «إن الجنة لا تدخلها العجائز».
ما
فصرخت فتبسم وقال لها عليه السلام: «أما قرأت إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أبْكاراً (4). ومثل قوله لمحمد بن أبي طلحة وكان له نغير فمات فإذا رآه قال: «أبا فعل النغير (5). وهو طير.
عمير
(1) قال العراقي في المغني: (127/ 3) رواه ابن ماجة والحاكم من حديث صهيب ورجاله ثقات. (2) أطراف الحديث عند ابن أبي حاتم في العلل (2577)، ابن عدي في الضعفاء (2624/ 7)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (199/ 6)، وأبي نعيم في تاريخ أصبهان (49/ 2)، وعبد الرزاق في المصنف (20442)، والطبراني في الكبير (131/ 8)، والصغير (104/ 1). (3) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (391/ 12)، العجلوني في كشف الخفا (572/ 1)، الهيثمي في مجمع الزوائد (17/ 9)، الشفا للقاضي عياض (424/ 2). سورة الواقعة الآية: 35، 36 والحديث عن نحوه قال العراقي في المغني (125/ 3: 126): رواه الترمذي في الشمائل هكذا مرسلاً وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف.
(4)
(5) متفق عليه (من حديث أنس). المغني (126/ 3).
[191] (3/169)
صفحة 1026
170
قنطرة النفس
هذا أو مثله من المزاح وهو حق كله. ويروى أن علياً أوتي برجل ومعه خصم له فقال له الخصم إنه احتلم على أمي فقال عليّ: أرى أن يقام في الشمس ويضرب ظله الحد. وفي رواية قال الرجل: احتلمت على أمي فقال علي: هذه القولة.
أن ويروي رجلاً قال الغلام بكم تعمل معي؟ قال: بطعامي. قال: أحسن قليلاً. فقال الغلام: أصوم الاثنين والخميس. هذا وأمثاله من المزاح لا بأس به وأما الاسترسال في ممازحة العدو فليحذره العاقل لئلا يجعل له طريقاً إلى إعلان المساوي ويفسح له في التشفي. وقد قال بعض الحكماء: إذا مازحت عدوك ظهرت عيوبك.
وأما ما فيه إغراء إلى ريبة أو يتوهمه الجاهل إرخاص في معصية فينبغي أن يتوقى نحو ما روي عن أبي صالح بن حسان أنه قال لأصحابه يوماً مازحاً أفقه الناس وضاح اليمن في قوله:
إذا قلت هات نوليني تبرمت وقالت معاذ الله من فعل ما حرم فما تولت حتى تضرعت عندها وانبأتها ما أرخص الله في اللمم هذا ومثله يتوهمه الجاهل إذا سمعه إن الله تعالى رخص في الصغائر من الذنوب فيجتري على القبلة المحرمة والنظرة والمحسة ويظنها صغائر والله تعالى لم يرخص في ارتكاب معصية صغيرة ولا كبيرة.
وكذلك المزاح الذي يخرج إلى حد الخلاعة ويورث الهجنة والمذمة كالذي حكى عن أبي معاوية الضرير وكان محدثاً أنه خرج يوماً على أصحابه وهو يقول: فإذا المعدة جاشت، فارمها بالمنجنيق بثلاث من نبيذ ليس بالحلو الرقيق
براء
ممن
منه
أنت؟
انظر إلى ما جنى على نفسه بخلاعته حيث جعل للتهمة عليها طريقه فيما لعله ومن مستسمح المزاح ما حكي أن القيشري وقف عليه شيخ من الأعراب فقال: فقال: من بني عقيل. قال: من أي عقيل؟ قال: من بني خفاجة. فقال القشيري: رأيت شيخاً من بني خفاجة فقال الأعرابي: ما شأنه؟ فقال له إذا جن الظلام حاجة فقال الأعرابي: ما هيه؟ قال: كحاجة الديك إلى الدجاجة. فاستفز الأعرابي ضاحكاً، فقال: قاتلك الله ما أعرفك
بسرائر القوم.
وهذا غاية ما يتسامح به الكبراء من الخلاعة والنزاهة عن مثل هذا أولى، وليحذر الإنسان
من الاسترسال في المزاح.
[192] (3/170)
صفحة 1027
قنطرة النفس
171
وذكر أن أبا هريرة كان مسترسلاً في مزاحه قال وحكى ابن قتيبة في المعارف أن مروان كان يستخلفه على المدينة فيركب حماراً مشدوداً ببرذعة فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير، قال: وربما أتى الصبيان وهم يلعبون فلا يشعرون حتى يلقى نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيفرون. وهذا خروج عن القدر والمزاح المستسمح به ولا يبعد أن يكون له تأويل عندهم يسوغ [193]
في الشرع، وإنما الأحسن ما قدمناه من مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روي أيضاً أن امرأة أتته عليه السلام في حاجة لزوجها فقال لها: ومن زوجك؟ قالت: فلان قال: «الذي في عينه بياض» قالت: لا. فقال: «بلي». فانصرفت عجلى إلى زوجها فجعلت تتأمل عينه، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني النبي عليه السلام أن في عينيك بياضاً، فقال لها: أما ترين أن بياض عيني أكثر من سوادها (1).
ويروى أن ابن سيرين سأله رجل عن رجل فقال له: توفي البارحة فلما رأى جزع السائل عليه تلى هذه الآية: (الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا (2) ... الآية والله أعلم.
(2)
فصل: في الضحك والفرح
الله عنها
اعلم أن كثرة الضحك وإظهار الفرح بالدنيا ليس من أخلاق الصالحين، واعتياد الضحك أيضاً شاغل عن ا الأمور المهمة وليس لمن أكثر منه وقار ولا هيبة. وعن. عائشة رضي أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان. يتبسم. وعن أبي ذر عنه عليه السلام أنه قال: إياك وكثرة الضحك إنه يميت القلب ويذهب بنور وعنه عليه السلام أنه قال: «أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وطهروها بالجوع تنظروا إلى
الوجه (3)
عظمة الله» (4).
وقال: اعطوا قلوبكم حظها من قلة الطعام يكثر فكرها ويقل ضحكها فإن الله يبغض كل
غافل وضاحك وعن الحسن أنه قال: يا ابن آدم إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلوب.
(1) عن نحوه قال العراقي في المغني (126/ 3): رواه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبدة بن سهم. الفهري اختلاف.
(2) سورة الزمر الآية: 42. (3) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلية (168/ 1)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (357/ 6)، الهيثمي في مجمع الزوائد (296/ 10)، المتقي الهندي في الكنز (44158).
(4) قال العراقي في المغني (82/ 3): لم أجد له أصلاً. (3/171)
صفحة 1028
[194]
172
قنطرة النفس
وعن عروة بن الزبير / أنه قال: إنما أفرح في ساعة الغفلة، فكيف يفرح من يمشي بين الجنة والنار ولا يدري إلى أيتهما يصير. ويقال: أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك. وروي عن طلحة أنه ضحك يوماً، فوثب على نفسه فقال: فيم الضحك؟ إنما يضحك من قطع الأهوال وجاز الصراط. ثم قال: آليت أن لا افتر ضاحكاً حتى أعلم بم تقع الواقعة، فما رأى ضاحكاً حتى صار إلى الله تعالى.
وروي عن وهيب بن الوردي أنه نظر إلى قوم يضحكون في يوم الفطر فقال: إن كان هؤلاء غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، ولئن كانوا لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين.
ويُنشد:
عجبت لضحك المرء والموت خلفه وللمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أعجب وروي عن مالك بن دينار أنه قال: ما رأيت محمد بن واسع قط ضاحكاً، ولقد كان يبكي حتى نرحمه، قال: ولقد ذكرت له ذلك فقال: وكيف يضحك من لا يدري بم يختم له. وروي أنه جلس يوماً إلى ثابت البناني فسمعه يمزح فقال له محمد: تمزح في مجلسك، ولقد كنا نجلس إلى الحسن فكان إذا خرج إلينا خرج كأنه قد عاين الآخرة ثم جاء يحدثنا عنها. وعن جعفر بن سليمان أنه قال: كنت إذا وجدت من قلبي قساوة ذهبت فنظرت إلى إليه حسبته وجه ثكلى وعن ابن عباس رضي الله عنه في
ت
(1) ,
محمد بن واسع وكنت إذا نظر قوله تعالى: لا يُغَادِرُ صَغِيرَة (1). أنها التبسم، {وَلَا كَبِيرَةً أنها الضحك مع الاستهزاء. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من كثر ضحكه قلت هيبته. وعن علي بن
[195] أبي طالب أنه قال: إذا ضحك العالم ضحكة مج من / العالم مجة. وقيل في منثور الحكم: ضحك المؤمن غفلة من قلبه وحسبك وعيداً على الضحك وتهديداً قول الله تعالى:
فَلِيَضْحَكُوا قَلِيْلاً وَلِيَبْكُوا كَثيراً) (2).
والقول في الضحك كالقول في المزاح، إن تجافاه الإنسان نفر عنه، وأوحش منه، وإن ألفه كانت حاله كما وصفنا فليكن حاله عند الإيناس بدل الضحك تبسماً وبشرى؛ لأن النبي عليه السلام كان يبتسم حتى تبدو نواجذه وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك الذي يكون
(1) سورة الكهف الآية: 49.
(2) سورة التوبة الآية: 82. (3/172)
صفحة 1029
قنطرة النفس
173
استهزاءاً وتعجباً. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التبسم دعابة. والله أعلم ويه الحول
والتوفيق.
ويروي
الفصل التاسع: في كف اللسان عن الشماتة وعما لا يعنيه
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (1) علي بن أبي طالب أوتي برجل قد جنى جناية فرأى ناساً يسيرون خلفه فقال: لا
أن
مرحباً بوجوه لا ترى إلا عند سوءة.
بي
وقال الله تعالى حكاية عن هارون عليه السلام قال لأخيه: {فَلا تشمت الأعداء) (2). ويروى في قصة أيوب عليه السلام أنه قيل له: أي الأشياء كان في بلائك أشد عليك؟ قال: شماتة الأعداء. قال الشاعر:
إذا ما الدهر جر على أناس کلا کله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
وقال آخر:
ذهب الذين من الثقات عرفتهم لم يبق إلا شامت أو حاسد فإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد وأين ذاك الواحد
وعلى الإنسان أن يضبط نفسه حتى لا تفرح بمساءة أحد، ويكف لسانه حتى لا يشمت بأحد؛ فإن ذلك ليس من أخلاق العقلاء والأولياء؛ لأن العاقل قد تيقن أن الدنيا دار البلايا،
وأن من كان فيها فلا يعطى له الأمان من الرزايا والأولياء من صفاتهم الرحمة لأهل البلاء.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى موسي عليه السلام يا موسي ارحم عبادي المبتلى منه والمعافى قال يا رب هذا المبتلى، فما بال المعافى؟ قال: لقلة شكره إياي على عافيتي له.
فصل
وينبغي للإنسان أن يحترز من كثرة الكلام فيما لا يعنيه فيكفيه منه ما بلغ به حاجته، فلا ينبغي أن يكثر الحكايات ولا السؤال عن تفاصيل البلاد إلا أن يريد الانتقال إليها.
(1) قال العراقي في المغني (184/ 3): رواه الترمذي من حديث وائلة بن الأسقع وقال حسن غريب، وفي
رواية ابن أبي الدنيا: فيرحمه الله.
(2) سورة الأعراف الآية: 150. (3/173)
صفحة 1030
174
قنطرة النفس
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (1) وعنه أيضاً أنه قال: «أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً فيما لا يعنيه (2).
أنه
وقيل لبعض الحكماء ما خير ما أعطي العبد؟ قال: فراغ القلب عما لا يعنيه، ليتفرغ قيل للقمان الحكيم: بماذا نلت ما نلت من الحكمة؟ قال: بثلاث خصال، بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا. يعنيني.
لما يعنيه. ويروى
ويقال: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به. وفي أثر العلماء أن في المباح من الكلام أربعة أمور:
:
أحدها: شغل الكرام الكاتبين بما لا فائدة فيه وحق على المرء أن يستحيى منهما، قال الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدِيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (3).
الثاني: إرسال كتاب إلى الله سبحانه من اللغو والهدر / فليحذر العبد من ذلك وليخش الله تعالى.، ويروى أن بعض السلف نظر إلى رجل يتكلم بالخنا فقال: «يا هذا إنما تُملي كتاباً إلى ربك فانظر ما تملى.
الشدائد بين
الثالث: قراءته بين يدي الملك الجبار يوم القيامة، على رؤوس الأشهاد والأهوال عطشاناً عرياناً جوعاناً مقطوعاً عن الجنة محبوساً عن النعمة. الرابع: اللوم والتعبير لماذا قلت وانقطاع الحجة والحياء من رب العزة، وقد قيل: إياك والفضول، فإن حسابه يطول وكفى بهذا واعظاً لمن اتعظ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن اللسان أملك شيء للإنسان، وإن كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا: ذكر الله تعالى أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو إصلاحاً بين مؤمنين. ثم لم تمض الأيام حتى نزلت هذه الآية: ولا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاح بَيْنَ النَّاسِ (4). والله أعلم.
الفصل العاشر: في الصمت وفضيلة الكلام
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كيف يدخل أحدكم الجنة. لسانه
مع
من تكلم فليقل
(1) قال العراقي في المغني: (109/ 3) رواه الترمذي وقال غريب وابن ماجة من حديث أبي هريرة. (2) أطراف الحديث عند العقيلي في الضعفاء (424/ 3) ابن الجوزي في العلل المتناهية (216/ 2)، المنذري في الترغيب والترهيب (540/ 3)، والزبيدي في الإتحاف (462/ 7).
(3) سورة ق: الآية: 18. (4) سورة النساء الآية: 114.
[197] (3/174)
صفحة 1031
قنطرة النفس
خيراً أو ليصمت». وعنه عليه السلام أنه قال: إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله ربه ويعلم ما يقول (1) وينشد: وإذا خشيت ملامة من منطق فاخزن لسانك في اللهات وأطرق واحبس لسانك أن تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق
ويروى أن أعرابياً كان يجالس الشعبي فكان يكثر الصمت فقال له الشعبي يوماً: ما لك لا تتكلم. قال: أسكت فأسلم وأسمع فأعلم.
يحسم
/ وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت السكوت. قال: ومتى [198] أسكت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام. وكان بعض العلماء الرخصة في الكلام فيقول: إذا جالست الجهال فانصت لهم، وإذا جالست العلماء فانصت لهم. قال: فإن إنصاتك إلى الجهال زيادة في الحلم، وفي إنصاتك إلى العلماء زيادة في العلم. ويُنشد:
لعمر كان صمتك ألف عام لأصلح من كلامك في الفضول فأمسك أو ترى للقول وجهاً يبين صوابه لذوي العقول
وقال بعض الحكماء: إذا تكلمت فلا تتكلم إلا بخير، فلعله أن يكون آخر كلامك من
الدنيا. وكان بعض السلف يقول: اطلب من يسكت، فإن من يتكلم كثير.
ويروي
أن يونس عليه السلام كان يطيل الصمت بعد ما خرج من بطن الحوت، فقيل
له: ألا تتكلم قال: الكلام صيرني إلى بطن الحوت. وينشد لأبي نواس (2):
ل جنبيك لرام وامض عنه
مت بداء الصمت خير
من داء الكلام
إنما السالم من الجسم فاه بلجام
کـم كلام ساق ختفاً
(1) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلية (160/ 8، 352)، الخطيب في تاريخ بغداد (329/ 9)، ابن
أبي شيبة في المصنف (234/ 3). (2) هو: رئيس الشعراء أبو علي الحسن بن هاناء الحكمي وقيل ابن وهب ولد بالأهواز ونشأ بالبصرة. . قيل: لقب بهذا (أي بأبي نواس لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه أي تضطربان. . ولأبي نواس أخبار وأشعار رائقة في الغزل والخمور، وحظوة في أيام الرشيد والأمين مات سنة خمس أو ست وتسعين ومئة وقيل سنة ثمان وتسعين عفا الله عنه - و ه وعنا معه آمين - الذهبي في سير أعلام النبلاء 279/ 9).
: (3/175)
صفحة 1032
176
وبما استفت والمن
ـايـ
قنطرة النفس
المزح
ـاليـ
ــق الحـ
أكلات شاربات له
وعن مجاهد أنه قال: ما شيء تكلم به العبد إلا أحصى عليه حتى أنينه في مرضه. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من لم يعد كلامه من عمله كثرة خطاياه.
وقال بعض البلغاء: احبس لسانك قبل أن يطيل حبسك، أو يتلف نفسك، فلا شيء [199] أولى / بطول حبس من لسان يقصر عن الصواب ويسرع إلى الجواب. وعن طاوس أنه كان يقول: لساني سبع إن أرسلته أكلني. ويُنشد لبعضهم:
اللسان منع فإذا نطقت فكن لربك ذاكراً لا تنسه وأحمده في الحالات ويروى عن داود عليه السلام أنه قال: رب كلام ندمت عليه، وما ندمت على صمت قط. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال: من اتقى الله لم لم يدر ما يقول، فإنه يخاف من كل ما يتكلم به من الخير والشر، إن تكلم بالخير خاف المقت أن يقول ما لا يفعل، وإن تكلم بشر خاف العقوبة. وقال بعض السلف: إذا طلبت صلاح قلبك، فاستعن عليه بحفظ لسانك، وأنشدوا:
من الكلام لأنه كهف البلاء وجالب الآفات
القول كاللبن المحلوب ليس له رد وكيف يرد الحالب اللبنا في ضرعه وكذا القول ليس له في الصدر رد قبيحاً كان أو حسنا وقال بعض الحكماء: ألزم الصمت تعد حكيماً جاهلاً كنت أو عالماً. وقال بعض الفحصاء: اعقل لسانك إلا عن حق توضحه أو باطل تدحضه أو حكمة تنشرها، أو نعمة تشكرها. وقيل لبعضهم: إنك قد أطلت سجن لسانك فقال: إنه غير مأمون إذا أطلق. قال
الشاعر:
رأيت اللسان على أهله إذا ساسه الجهل ليثاً مغيراً ويروى عن أبي الحجاج العابد أنه كان ألزم نفسه أن لا يكلم أحداً وكان لزم مكة فدخل عليه هارون الرشيد فكلمه فلم يجبه، فكلم في ذلك فكتب لهم في الأرض: هو: [200] وقد أمره ونهاه، ويقبل مني أنا؟ إني أجل الله من أن أنزل نفسي / هذه المنزلة. وعن بعض أصحاب الربيع بن خُتَيم (1) أنه قال: صحبت الربيع عشرين سنة، فما أعلم
لا يقبل من
(1) في الأصل: الربيع بن خثيم وهو تحريف، وهو الإمام القدوة العابد أبو يزيد الثوري الكوفي أحد = (3/176)
صفحة 1033
قنطرة النفس
177
أني سمعت منه في تلك العشرين إلا كلمة تصعد. ويقال: لما قتل الحسين ابن علي قال قوم: اليوم يتكلم الربيع، فاتوه فقالوا له قتل الحسين قتل ابن فاطمة فقال: قتلوه، فمد بها صوته ثم قال: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَمواتِ والأَرْضِ عَالَمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادِةِ أَنْتَ تَحْكُمْ بَيْنَ عِبَادِكَ) (1) ....
الآية.
وروي عن بلشة زوج يوسف بن أسباط أنها قالت: كان إذا دخل شهر رمضان لم يكلم يوسف أحداً حتى يفطر، وكان إذا جاء السحر جاء إلى الزنبيل معلقاً فأدخل يده فيه، فما أصاب من شيء أكله، ثم يخرج إلى صلاة الفجر ثم لا ينصرف حتى يصلي العشاء فإذا انصرف صلى إلى السحر فلا يزال دأبه ذلك حتى يفطر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه: «أيها الناس ألا أدلكم على أمرين خفيف، مؤنتها عظيم أجرها لم يلق الله بمثلهما طول: الصمت، وحسن الخلق». ومن أحسن ما يُنشد في الصمت:.
أيها المرء لا تقولن قولاً لست تدري ماذا نجاتك منه وإذا الناس أكثروا في حديث ليس مما يزينهم فأله عنه واخزن القول إن في الصمت حكماً وإذا أنت قلت قولاً فزنه
ويروي
أن رجلاً أتى بعض العلماء فاثنى عليه في وجهه ثم سأله عن الزهد في الدنيا ما هو؟ فقال: يا بطال تسأل عن الزهد في الدنيا، وأنت لا تزهد في الكلام فكيف تزهد في الدنيا، اذهب فاعمل في ضبط لسانك عشرين سنة ثم بعد ذلك فاسأل عن الزهد والله أعلم. فصل: في فضيلة الكلام
اعلم أنه وإن أطنبنا في فضل الصمت، فإن الكلام الحسن أفضل منه؛ لأن في الصمت السلامة وفي التكلم بالخير الغنيمة والكرامة ألا ترى إلى قوله عليه السلام: «رحم الله من قال خيراً فغنم أو سكت عن شر فسلم (2).
وقال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام مع الملك فلما كلمه قال: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا
الأعلام، أدرك زمام النبي وأرسل. عنه ... وكان يعد من عقلاء الرجال. .... روي منصور عن إبراهيم قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب .. قيل توفي الربيع بن خثيم قبل سنة خمس وستين. (الذهبي في سير أعلام النبلاء). (1) سورة الزمر الآية: 46.
(2) نحو هذا الطرف عند العجلوني في كشف الخفاء (514/ 1)، السيوطي في الدرر المنتشرة (89).
قناطر الخيرات / ج 3/ م 12
[201] (3/177)
صفحة 1034
178
بسبعين
(1)
قنطرة النفس
وإنما بأن فضله بكلامه. ويقال أن يوسف لما دخل على الملك كلمه الملك لساناً، فأجابه يوسف عنها كلها ثم كلمه يوسف بالعبرانية، فلم يكن عند الملك منها شيء فقال: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، ثم كلمه يوسف بالعربية فلم يعرفها الملك. فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان نبي يبعث في آخر الزمان وهو لسان أمته، وهو كلام أهل الجنة في الجنة. فقال له الملك: يا يوسف بارك الله لك في العقل الذي به فهمت، وبارك الله لك في الفهم الذي به نطقت وبارك الله لك في المنطق الذي به فسرت وعبرت ويقال: من أفضل الكلام أن الصمت يمدح بالكلام، ولا يمدح الكلام بالصمت، وما عبر عن شيء فهو أفضل منه.
وقال بعض العلماء: ما أحسن الكلام، وأحسن منه معناه، وما أحسن المعنى، وأحسن منه استعماله، وما أحسن العمل، وأحسن منه، ثوابه وما أحسن الثواب، وأحسن منه رضى
من
علمت له. قال:
لولا الكلام لما تبين الهدى وتفصلت في ديننا الأحكام ويقال: الصمت منام، والكلام يقظة. وقال بعض الأدباء / كلام المرء وافد أدبه وقال
بعض البلغاء: يستدل على عقل الرجل بقوله، وعلى أصله بفعله.
وعن سليمان بن عبد الملك أنه ذم الكلام في مجلسه فقال: كلا إن من تكلم فأحسن
قدر أن يسكت فيحسن وأنشد لأبي الفتح البسي:
ويروي
تكلم وسدد ما استطعت فإنما كلامك حي والسكوت جماد فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله فصمتك عن غير السداد سداد وقال بعض الحكماء: إن الله رفع درجة اللسان عن سائر الجوارح فانطقه بتوحيده. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس: يعجبني جمالك» قال: وما جمال الرجل يا رسول الله؟
قال: «لسانه».
وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان هل كان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. وقال بعض الحكماء: اللسان وزير الإنسان. قال أبو تمام (2):
(1) سورة يوسف الآية: 54.
(2) شاعر العصر أو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي من حوران من قرية جاسم، أسلم وكان نصرانياً. قاله الذهبي في. ? أعلام النبلاء (63/ 11).
[202] (3/178)
صفحة 1035
قنطرة النفس
179
ومما كانت الحكماء قالت لسان المرء من خدم الفؤاد
وقال الشاعر:
رأيت العز في أدب وعقل وفي الجهل المذلة والهوان وما حسن الرجال لهم بحسن إذا لم يسعد الحسن البيان كفى بالمرء عيباً أن تراه له وجه وليس له لسان واعلم أن للكلام شروطاً لا يسلم المتكلم من الذلل إلا بها ولا يعرى من النقص إلا بإستيعابها وهي أربعة شروط:
أحدها: أن يكون الكلام لداع يدعوه إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضر؛ لأن ما لا
داعي له ولا سبب؛ هذيان وهجر. ومن سامح نفسه في الكلام إذا عرض ولم يراع صحة دواعية وإصابة / معانيه كان قوله مردوداً ورأيه مغلولاً كالذي حكى ابن عائشة أن شاباً كان [203]
يجالس الأحنف ويطيل الصمت فأعجب ذلك الأحنف فخلت الحلقة يوماً فقال الأحنف: تكلم يا ابن أخي فقال: يا عم أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد، أكان يضره شيء. فقال: يا ابن أخي ليتنا تركناك مستوراً ثم تمثل الأحنف بقول الأعور الشيخي: وكأين ترى من ساكت لك معجب زيادته ونقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فقال:
وكالذي حكي عن أبي يوسف الفقيه: أن رجلاً كان يجلس إليه فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تسأل؟ قال: بلى متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس. قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل. قال: فتبسم أبو يوسف، وتمثل ببيتي الخطفاء جد جرير عجبت بإزراء العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما وفي الصمت ستر للعيي وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلما
وانظر كيف أبان الكلام عن جهل هذين إذ لم يكن لهما داع إليه ولا روية فيما تكلما
به،
ولو صدر عن روية ودعي إليه داع لسلموا من شينه وبرؤا من عيبه، ولذلك قال عليه السلام: لسان العاقل) من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه فإن كان له تكلم وإن كان عليه
أمسك وقلب الجاهل من وراء لسانه يتكلم بكل ما عرض له (2).
(1) في الإحياء: «المؤمن».
(2) قال العراقي في المغني (107/ 3): لم أجده مرفوعاً وإنما رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من رواية -
= (3/179)
صفحة 1036
180
قنطرة النفس
الشرط الثاني: أن يأتي بالكلام في موضعه فإن الكلام في غير حينه لا يقع موقع
[204] الانتفاع به، وما لا ينتفع به من الكلام فهو هجر وهذيان / فإن قدم ما يقتضي التأخير كان عجلة وخرفاً، وإن أخر ما يقتضي التقديم كان توانياً وعجزاً؛ لأن لكل مقام قولاً وفي كل زمان
[205]
=
عملاً. وأنشدوا:
تحدث بصدق إن تحدثت وليكن لكل حديث من حديثك حين وما القول إلا كالثياب فبعضها عليك وبعض في التخوت مصون وقال آخر:
تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعده نزر
الشرط الثالث: الاقتصار منه على قدر الحاجة؛ لأنه إن لم ينحصر كان إما عياً وحصراً إن قصر، وإما هدراً وخطلاً إن كثر. ويروى أن أعرابياً تكلم عند النبي عليه السلام فطوّل، فقال له عليه السلام: كم دون لسانك من حجاب»؟ فقال: شفتي وأسناني. قال: «فإن الله يكره الانبعاق في الكلام فنضر الله وجه امراء أوجز في كلامه واقتصر على حاجته (1) وحكي أن بعض الحكماء رأى رجلاً يكثر في الكلام ويقل السكوت فقال: إن الله عز وجل إنما خلق لك أذنين ولساناً واحداً ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به.
وذهب بعضهم إلى أن الكلام إذا كثر وكان صواباً فهو البيان والسحر الحلال. وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام قال: أفتسمعون صواباً أو خطأ. قالوا: لا بل صواباً. قال: فالزيادة من الخير خير.
وروي عن الجاحظ أنه قال: ليس الأمر كما قال لأن للكلام غاية ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال ودعي إلى الاستقلال والملال فذلك الفاضل هو الهدر. وقال بعض البلغاء من تسلم به خير من نطق تندم عليه / فاقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك وإياك وفضوله؛ فإنها تزل القدم وتورث الندم. وقال بعض الفصحاء: فم العاقل ملجم، وإذا هَمَّ بالكلام أحجم، وفم الجاهل مطلق كلما شاء أطلق وقال الشاعر:
إن الكلام يغر القوم حلوته حتى يلج بهم غي وإكثار
الحسن البصري قال: كانوا يقولون.
(1) أطرافه عند:: الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (467/ 7)، السيوطي في الدر المنثور (112/ 3). (3/180)
صفحة 1037
[206]
قنطرة النفس
181
وقول الجاحظ أمثل؛ لأن الإكثار من الكلام وإن كان صواباً يمل السامع ويكل الخاطر، فهو صادر عن إعجاب لولاه لقصر عنه، ومن أعجب بكلامه استرسل فيه فيكثر زلله ويدوم عثاره. وفي الحديث عن رسول الله لو أنه قال: «إن أبغضكم إلي المتفيهق المكثار والملح المهدار» والله أعلم.
الشرط الرابع: هو اختيار اللفظ الذي يتكلم به: لأن اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن، محصوله فلزمه أن يكون بتهذيب ألفاظه جديراً، وليس يصح اختيار الكلام إلا لمن اعتاد البلاغة ولزم الفصاحة، فلا يأتي بلفظ مستكره، ولا بمعنى مختل؛ لأن البلاغة ليست معاني مقدرة، ولا ألفاظ عارية وإنما البلاغة أن تكون المعاني الصحيحة مستودعة ألفاظ صحيحة فصيحة فتكون فصاحة الألفاظ. مع. صحة المعاني هي البلاغة.
في
وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: اختيار الكلام، وتصحيح الأقسام. وقيل للرومي، فقال: حسن الاقتصاد عند البديهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للعربي، فقال: ما حسن إيجازه، وقل مجازه. وقيل للحضرمي، فقال: ما كثر إعجازه وتناسبت صدوره وأعجازه. / قال الشاعر:
الكلام قليل
معنى قصيـ
لفظ طويل
وفي الكلام فضول وفي قال وقيل
وأما صحة المعنى: فتكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: إيضاح تفسيرها حتى لا تكون مشكلة ولا مجملة.
والثاني:: استيفاء تقسيمها حتى لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج عنها ما هو منها. والثالث: صحة مقابلاتها أعني مقابلة المعنى بما يوافقه في الائتلاف، أو بما يضاده مع
الاختلاف.
وأما فصاحة الألفاظ: فتكون من ثلاثة أوجه:
لا أحدها: مجانبة الغريب الوحشي حتى
يمجه
سمع
ولا ينفر منه طبع.
والثاني: تنكب اللفظ المستبذل والعدول عن الكلام المسترذل، حتى لا يستسقطه
خاصي، ولا ينبؤ عن فهمه عامي.
والثالث: أن تكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة، ومطابقة فالمناسبة معناها أن يكون
المعنى يليق ببعض الألفاظ والمطابقة معناها أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا يزيد (3/181)
صفحة 1038
182
قنطرة النفس
عليها ولا ينقص منها. وقد قال بعض البلغاء: لا يكون البليغ بليغاً حتى يكون معنى أسبق إلى فهمك من لفظه إلى سمعك.
کلامه
وأما معاطات الإعراب، وتجنب اللحن: فإنما هو من صفة الصواب، والبلاغة أعلى منه رتبة وأشرف منزلة وليس لمن لحن في كلامه مدخل في الأدباء، فضلاً عن أن يكون في عدد [207] البلغاء الفصحاء واعلم أن للكلام آداباً إن أغفلها / المتكلم أذهب رونق كلامه وشغل الناس عن محاسن لفظه مساواء أدبه.
منها: أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرق في ذم وعلى أن السلامة من الكذب فيهما متعذرة، وحكي عن الأحنف أنه قال: سهرت ليلتي أتفكر في كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما وجدتها.
وعن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل يدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه دين. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يرضيه بما يسخط الله تعالى قال: وسمع ابن الرومي رجلاً يصف رجلاً ويبالغ في مدحه فقال ابن الرومي إذا ما وصفت أمر الأمراء فلا تغل في وصفه واقصد
الظن
(1)
ن فيه إلى الأمـ
فإنك إن تغل تغل الأبعد فيضوئل من حيث فحمته بفضل المغيب على المشهد
ومنها: أن لا تبعثه الرغبة ولا الرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عن الوفاء
بهما، فإن من أطلق بهما لسانه، ولم يستقل بهما فعله صار وعده نكثاً ووعيده عجزاً. وحكي أن سليمان عليه السلام مر بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول لها؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال: إنه يخطبها إلى نفسه وهو يقول زوجيني نفسك اسكنك أي غرف دمشق شئت.
قال سليمان عليه السلام وكذب العصفور غرف دمشق مبنية بالصخر وليس يقدر أن يسكنها هناك ولكن كل خاطب كذاب.
(1) شاعر زمانه مع البحتري، أبو الحسن علي بن العباس ابن جريح مولى آل المنصور، له النظم العجيب، والوليد الغريب، رتب شعره الصُّولي، وكان رأساً في الهجاء، وفي المديح .. مولده سنة إحدى وعشرين ومئتين، ومات لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة أربع. قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء (490/ 13). (3/182)
صفحة 1039
قنطرة النفس
183
ومنها: أن يراعي مخارج کلامه بحسب مقاصده فإن كان ترغيباً قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيباً قرنه بالخشونة والعنف / لئلا يتعطل المقصود بهما ويصير الكلام لغواً. وقد قال [208] أبو الأسود الدؤلي لابنه: إذا كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من فوقك فيمقتوك ولا بكلام من
دونك فيزدروك. ومنها: أن لا يرفع بكلامه صوتاً مستقبحاً، ولا ينزعج انزعاجاً مستهجناً، وليكف عن
حركة تكون طيشاً وعن إشارة تكون عبثاً، فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد.
ومنها: ان يتجافى هجر القول وفحش الكلام وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ليبلغ الغرض ولسانه نزه. وعن محمد بن علي في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كراماً (1). قال: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. ومما يجري مجرى فحش القول في وجوب اجتنابه ما كان مستنكر الظاهر، وإن كان مع التأمل سليماً، مثل قول الشاعر:
إنني شيخ كبير كافر بالله سيري أنت ربي وإلهي رازق الطفل الصغير
يريد بقوله كافر أي لابس؛ لأن الكفر في اللغة التغطية، وقوله: بالله سيري أقسم عليها بالله أن تسير، وقوله: أنت ولدك، وإلهي رازق الطفل الصغير كما أنه رازق
الكبير.
ربي يعني مربي
انظر إلى هذا التكلف البشيع ما اعتاض به صاحبه إلا لو ما بعد الكفران أحسن فيه الظن، أو ذماً أن قوي فيه الارتياب، ولعل ما يكون ذلك إلا من خليع بطر أو مرتاب أشر.
ومنها: أن يجتنب أمثال العامة الغوغاء ويتخصص بأمثال العلماء والأدباء، فإن لكل صنف من الناس أمثالاً تشاكلهم، فلا تجد لساقط الأمثال ساقطاً، قال الصنوبري:
وللسقاط أمثال فمنهـ
إذا ما كنت ذا بول ص
ولذلك علتان:
(1) سورة الفرقان الآية: 72.
تمثلهم لذا
يب
ألا فاضرب وجه الطبيب (3/183)
صفحة 1040
184
قنطرة النفس
إحداهما: أن الأمثال من هواجس الهمم مع تجرد لذي الهمة الساقطة، فلم تجد لذي
الهمة الساقطة إلا مثلاً مرذولاً.
والثاني:
هم
عليه تكون
: أن الأمثال مستخرجة من أحوال المتمثلين بها، فبحسب ما أمثالهم. واعلم أن للأمثال مواقع في الأسماع، وتأثيراً في القلوب؛ لأن المعاني بها لائحة، والعقول لها موافقة، ولذلك ضرب الله الأمثال في كتابه، وأوضح بها الحجة على خلقه؛ لأنها
مقبولة في القلوب ولها أربعة شروط:
أحدها: صحة التشبيه وإصابة التمثيل.
والثاني: أن يكون العلم بها سابقاً والكلام عليها موافقاً.
والثالث: أن يسرع وصولها إلى الفهم من غير كد فكر في استخراجها.
والرابع:: أن يناسب حال السامع ليكون أبلغ تأثيراً وأحسن موقعاً. فإذا جمعت الأمثال هذه الشروط الأربعة كانت زينة الكلام وحلى المعاني، والله أعلم وأحكم وبه الحول والتوفيق.
الباب الثالث في تنزيه السمع
اعلم أرشدك الله أن كل لفظ يجب العقاب عليه حرام عليك الاستماع إليه، فإن القائل والمستمع شريكان في شر القول وخيره، قال الله سبحانه: {وَقَد نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا .... إلى قوله: (إِنَّكُمُ إِذا مِثْلُهُمْ) (1).
وفي الحديث: «المستمع شريك القائل والمستمع إلى الغيبة أحد المغتابين (2) الواجب على الإنسان أن يصون سمعه عن لفظ المنكر والبدعة والفحش والخنا، كما أنه واجب عليه أن يصون لسانه عن التكلم به، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ... (3) [210] الآية. قيل: إنها نزلت في استماع الغناء. وعن ابن مسعود / رحمه الله أنه قال: الغناء ينبت
النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع.
(1) سورة النساء الآية: 140.
(2) عن نحوه قال العراقي في المغني (243/ 3): رواه الطبراني من حديث ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة وهو ضعيف.
(3) سورة لقمان الآية: 6. (3/184)
صفحة 1041
قنطرة النفس
185
وروي عن نافع أنه قال: سمع ابن عمر في سفر صوت زمارة راع، فعدل راحلته عن الطريق وجعل أصبعيه في أذنيه وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، حتى إذا قلت لا أرسل أصبعيه وعاود الطريق. ويقال: الاستماع إلى الغناء ينبت النفاق في القلب ويحرق خصب الإيمان. وفي الحديث: من سمع صوت غناء فالتذ به لم تقبل له صلاة إلى ذلك الوقت من الغد».
ومن غنى كذلك ورد الخبر وعن محمد بن المنكدر أنه قال: بلغنا أن الله عز وجل يقول يوم القيامة أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان، احلوهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني.
وسئل القاسم بن محمد عن الغناء أحرام هو؟ فسكت ثم أعيد عليه السؤال. فقال ما حرمه الله في القرآن أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله عز وجل في
للسائل: إن الحرام: هو أيهما يكون الغناء؟ قال السائل: في الباطل. قال له القاسم: وأنت فافت لنفسك.
وروي عن النبي لو أنه قال: من استمع إلى حديث قوم وهم يفرون منه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» (1). وقال بعض العلماء: إذا رأيت قوماً اجتمعوا لصوت الغناء فلعبوا ولهوا، فاجتنبوهم فإنهم عن سبيل الحق قد ضلوا وعموا وقال: نزهوا أصواتكم عن صوت الغناء والشتم فإنه يقسي القلوب، ويصم الهمم، ويخرج عظمة الله من قلب سامعه، وينبت خصب النفاق في قلب قائله ولا تصغو الفحشاء الكلام؛ فإنه شر لكم، ووبال عليكم، فإن الشر إذا ثبت في القلب صعب على العبد معالجة زواله والخير إذا رسخ في القلب سهلت على العبد
معالجة كماله.
سمع
ويقال: نزه سمعك / عن كلام النساء فإن فيه لذة ومكامن الفتنة، فمن كلاماً والتذ [211] به اشتاق إلى الرؤية، فعلى العبد صيانة سمعه عن الخنا، وفضول الكلام وذلك لأمرين:
أحدهما: كما قدمنا أن المستمع شريك القائل. قال الشاعر:
تحر من الطرق أوساطها وعد عن الجانب المشتبه وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند اع القبيح شريك لقائله فانتبه
(1) قال العراقي في المغني (199/ 2) عن نحوه رواه البخاري من حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً عليه وعلى أبي هريرة أيضاً. (3/185)
صفحة 1042
186
قنطرة النفس
والأمر الثاني:: أن ذلك يهيج الوساوس في القلب، ثم تبدوا الاشتغال من البدن، فما يبقى بعد ذلك شيء للعبادة. ويقال: مثل الكلام الذي يقع في قلب الإنسان وسمعه، كالطعام الذي يقع في جوفه منه الغذاء النافع ومنه السم الناقع.
بل بقاء الكلام في القلب أعظم وأطول لأن الطعام يزول عن المعدة، وله دواء يزيل عن الجسم أثره. وأما الكلام في القلب فربما يبقى طول عمر الإنسان ولا ينساه، فإن كان كلاماً رديئاً فلا يزال يتبعه، ويعنيه وترد بسببه وساوس في القلب يحتاج أن يعرض عنها وعن ذكرها، ويستعيذ بالله من شرها ولا يأمن أن تحمله على بلية توقعه في آفة عظيمة بسبب ذلك؛ ولو حفظ سمعه عما لا يعنيه هذه المؤنة مستريحاً. قال:
لكان من
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه کان به عن كل فاحشة وقراً سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ولا مانع خيراً ولا قائل هجراً وروي عن الحسن أنه قال: إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله تعالى يعلم أنه مأخوذ عليه في لسانه وسمعه وسائر جوارحه والله أعلم.
(1) ,
،
/ الباب الرابع
في غض البصر
اعلم أن لكل شيء سبباً وسبب العفة غض البصر فليحذر الإنسان أن ينظر إلى ما حرم الله عليه تلذذاً وليحفظ من خطاب سيده ما عهد به إليه قال الله سبحانه وقُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم ... ) (1) الآية. يعني يكفوا عن النظر إلى ما لا ينبغي لأن الله تعالى إنما خلق العينين: ليهتدي بهما العبد في الظلمات ويستعين بها في الحاجات وينظر بهما إلى ملكوت الأرض والسموات، فيعتبر بما فيهما من الآيات، فالواجب أن يحفظهما الإنسان من ثلاثة
أشياء:
أحدها: أن لا ينظر إلى غير ذات محرم منه وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النظر إلى محاسن النساء سهم مسموم من نبال إبليس فمن غض بصره أذاقه الله عبادة
يجد طعم لذتها».
(1) سورة النور الآية: 30.
[212] (3/186)
صفحة 1043
قنطرة النفس
وعن
187
وروي عن أبي مرداس مهاصر رحمه الله: أنه نظر إلى امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة. محمد بن سيرين أنه قال ما تثبت في وجه امرأة قط إلا ثلاث نسوة أمي وأختي وامرأتي. ويقال: أن حسان بن أبي سنان انصرف من العيد فقالت له امرأته: كم من امرأة حسناء نظرت إليها اليوم؟ فقال لها ويحك ما جاوز بصري إبهامي منذ خرجت عنك حتى رجعت إليك. وقال بعض العلماء: النظرة الأولى فجأة والثانية فتنة والثالثة ريبة.
ومن كتاب محجة السعادة قال: ولا تجعل محاسن النساء علفاً لعينيك فتخرج عظمة الله من قلبك، فإن النظر إلى محاسن النساء خربة للدين فإنهن شباك نصبن فيصطاد بهن اللعين، فاحذروهن فإنهن كحل جهنم لاعينكم وسموم أرقيمها لفروجكم، وقسوة تميت قلوبكم، ومرض يشين إيمانكم، وداء يبعدكم عن مليككم، فلهن تمثيل يعرض عنها خياركم ويستنشقها شراركم. [213] الله: ه محاسن النساء بحر من سم ناقع، وغض البصر سفينة من عود مانع،
•
وقال ابن عبد فمن ركب السفينة نجا ومن: تخلف عنها غرق وقال بعض المتقدمين: لا يجوز ترديد النظر إلى امرأة شابة من ذوي المحارم إلا عند الضرورة كالشهادة ونحوها، وإنما أبيح النظر إلى النساء القواعد التي لا يرجون نكاحاً والسلامة من ذلك أفضل.
وقال ابن عبد الله:
ه يا ابن آدم دينك قطن ومحاسن النساء، زيت، ومكائد الشيطان نار،
وإياك والجمع بينهم فإنه مراد الشيطان وأمنيته.
والثاني: لا ينظر بهما إلى الصور المليحة بشهوة قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ إلى قوله: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ. ويقال في هذه الآية ثلاثة معان: تأديب، وتنبيه،
وتهديد.
وأما التأديب: فقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا .... الآية وهو أمر واجب لا بد للعبد
من أمتثاله والتأديب بآداب سيده، وإلا فقد استحق العقاب والطرد والحجاب. وأما التنبيه: فقوله: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ. أي أطهر لقلوبهم لأن الزكاة الطهارة، وقيل أَزْكَى لَهُمْ أنمى لخيرهم وأكثر لأن الزكاة في الأصل النمو والزيادة فنبه أن في غض البصر، وتطهير القلب، وتكثير الطاعة والخير، وفي إرساله بالنظر إلى الحرام تعمداً ذنب كبير وربما فسد به القلب أبداً.
به أبداً.
وقد ورد في الخبر: أن العبد لينظر النظرة ينفل فيما قلبه كما ينفل الأديم في دباغ لا ينتفع (3/187)
صفحة 1044
[214]
188
قنطرة النفس
وأما التهديد: فقوله: (إنَّ الله خَبِيْرُ بِمَا يَصْنَعُونَ) (1). وقوله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا. تُخْفِي الصُّدُور) (3). وينشد:
/ إن العيون على القلوب إذا جنت كانت بليتها على الإنسان وقد روي عن عيسى عليه السلام أنه قال إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب شهوة،
وكفى بها لصاحبها فتنة. وقال علي بن أبي طالب: العيون مصائد الشيطان. وقال النبي عليه السلام لعلي بن أبي طالب: لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك والثانية
عليك (3). وفي قوله: «لا تتبع النظرة النظرة»: تأويلان.
أحدهما: لا تتبع نظر عينك نظر قلبك.
والثاني: لا تتبع النظرة الأولى التي وقعت سهواً بالنظرة الثانية التي توقعها عمداً. وقال الحكماء: من أرسل طرفه أورده حتفه وأطال أسفه. وقال ذو النون: نعم حاجب الشهوة غض البصر قال الشاعر:
بعض
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لعينك يوماً اتبعتك المناظر رأيت الذي لأكله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر وفي المثل: رب حرب جنيت من لفظة، وعشق غرس من ومن كتاب محجة السعادة: قال ابن عبد الحميد غضوا أبصاركم من محارم الله عز وجل تجل عظمته في قلوبكم
وتجول في ملكوت السماء عقولكم.
لحظة.
وقال ابن عبد الله: غضوا أبصاركم فإنه يزيد الإيمان كمالاً، ويزيد المؤمن جمالاً،
ويزيد الشيطان نكالاً.
وتتجدد لذات الطاعة في قلوبكم وتبدو معالم الإيمان في صدوركم.
قال ابن عبد الحميد: رأيت امرأة كنت أعرفها مجتازة لبعض حاجاتها، فمرت برجل فاهتز لرؤيتها اهتزازاً عظيماً وأنا انظر إليه، فنظر إليه ابن عبد الله وقال له: اردد نظرك، [215] واغضض بصرك واغتنم عمرك، واحذر الإناث، وانبذ الشهوات / فإن العرض آت، وكل شهوة تزول تورث حزناً يطول، ولا تقرع من الشر باباً هو عندك مقفول فإنه شر الذكور من
(1) سورة النور الآية: 30. (2) سورة غافر الآية: 19.
تلذذ
(3) أطراف الحديث عند الترمذي في الصحيح، (2777)، وأبو داود في السنن (النكاح ب 44)، الدارمي في السنن (298/ 2)، والحاكم في المستدرك، (123/ 3)، وأحمد في المسند (351،3/ 5). (3/188)
صفحة 1045
قنطرة النفس
189
بالمحظور وهتك المستور، ولا تجعل دينك نفقة لشهواتك، ولا محرماً طعماً لمقلتك، ولا تحول دنياك من آخرتك، فإن النظر إلى الشر شر، والوقوف مع الحق مر، ولن يخفى على الله من أمرك أمر، ولو عرفت ما خلقت له لاشتغلت عما أنت فيه (1) لكن الغافلون في سكرة
وحيرة.
وروي
أن بعض العلماء كان إذا مشى لم يلتفت وكان يقول: هون (2) العالم أن يكثر الالتفات إذا مشى. ويقال كثرة الالتفات من علامة النفاق.
وروي
أن رجلاً وقف على باب النبي عليه السلام ليستأذنه فوقف على الباب فقال له النبي عليه السلام: هكذا عنك إنما الاستئذان لأجل النظر» (3) وعن سعد بن حبير أنه قال: إنما جاءت فتنة داود عليه السلام من أجل النظرة، فقال: دواد لابنه سليمان عليه السلام امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة.
بن
وقيل ليحيى بن زكريا عليه السلام ما بدأ الزنا؟ قال: النظر والتمني. وعن عبد الله. مسعود رضي الله عنه: لأن يزاحم أحدكم جملاً أجرب مطلياً بقطران أحب إليه من أن يزاحم
امرأة.
وقال مجاهد: غض البصر يورث محبة الله تعالى. ويقال: كان الربيع بن خيثم من مداومته على غض البصر أن النساء إذا مررن به كن يقلن: ما أجمله إلا أنه أعمى.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى عمرو بن الأسود، كان إذا خرج من بيته خرج متقنعاً بثوبه آخذاً بيمينه على يمشي إلى المسجد وينظر إلى موضع قدميه وإذا دخل المسجد قال: الحمد لله العالمين الذي عافاني من الخبيث. وأنشدوا لمحمود الوراق:
شماله
من أطلق الطرف اجتنى شهوة وحارس الشهوة غض البصر يطوي لسان المرء أخباره والطرف لا يملك طيء الخبر
وللدارمي:
(1) جاء بالهامش لفظ عليه) وجاء فوقها حرف الخاء.
(2) جاء بالهامش لفظ: «وهن» وجاء فوقها حرف الخاء.
رب
(3) طرف الحديث عند أبي داود في السنن الأدب ب (137) ابن أبي شيبة في المصنف (569/ 8)، السيوطي في الدر المنثور (29/ 5)، وابن كثير في التفسير (37/ 6) ابن حجر في فتح الباري
(244/ 2) (3/189)
صفحة 1046
19.
قنطرة النفس
ماضر جار إلى اجاوره أن لا يكون لباب
غيره:
وإذا بدت لي جارتي فرأيتها فمن المروءة أن أغض جفوني ويقال: نظر بعض القراء إلى غلام بشهوة فعوقب بنسيان القرآن. ويقال نظر حماد بن الهيثم إلى غلام فقال: كم من عزيز أذله الله بنظرة جعلها سبباً لخسران دنيا وآخرته، فلقيه وهو عليه بها ساخط شغله بوجه حائل (1) وبلاء قاتل، فأحبط الله عمله وخيب من عفوه أمله.
قال: ونظر طلحة بن رويم إلى غلام فقال: ويحك يا عين كم تنظرين، ومن نظر الله إليك لا ترعوين ومن أليم عقابه لا ترهبين ومن شديد وعيده لا تخافين، وفيما يُدنيك من أنا جناته لا ترغبين حتى متى من نظرك في منك عناء، وقلبي منك في بلاء، وجسمي ضنى، أتاح الله لك العمى، وحكم لي عليك بأحسن القضاء، حتى لا تنظرين أرضاً ولا سماء، وعوضني منك جميل الرضى.
(2)
في
قال: ونظر غانم بن هشام إلى غلام فقرأ {ذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِبُ بِهَذَا الْحَدِيْثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (2). ثم قال: اللهم لا تستدرجنا من حيث لا نعلم وارجع بنا إلى توبة تقربنا من رحمتك وتدنينا من عفوك ولا تسلط علينا لحظات هي أعمل في قلوبنا من السيوف [217] المرهفات / والمنايا القاضيات. قال بعض الشعراء:
ساق طرفي إلى فؤادي البلايا إن طرفي على الفؤاد مشؤوم إن يكن ينفع البكاء عليهم فابك حتى تموت يا محروم
وقال: ونظر تميم بن علوان إلى غلام فقال: واشؤم نظري واشؤم صباحي قيل له: ما أمرك؟ قال: نظرت إلى وجه خلقه الله بلاء على الناظرين وفتنة للعاصين وقد تخوفت أن أكون في نظري هذا من جملة الفاسقين.
قال: ونظر أمية بن الصلت إلى غلام فقال: أين الفرار من سجن وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد تبارك الله ما أعظم ما امتحنني به من النظر إلى هذا الغلام ما شبهت نظري إليه إلا يوم ريح عاصف فما أبقت ولا تركت ثم قال: استغفر الله مما جنته
بنار وقعت في قصب
(1) جاء بالهامش لفظ مائل) وجاء فوقها حرف (خ) ووضع على حائل علامة تشير إلى ما جاء بالهامش.
(2) سورة القلم الآية: 44. (3/190)
صفحة 1047
قنطرة النفس
191
،
ثم
عيناي على قلبي لقد خفت أن لا أنجو من معرته ولو وافقت القيامة بعمل سبعين صديقاً، بكي حتى كاد أن يقضي ثم قال: يا طرفي والله لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء. ونظر الحكم إلى غلام فقال: عيون تنظر، وقلوب تشغل، ونفوس تذهل، وأرواح تذهب، وأجساد تضنى وأعمار تفنى، وصحف لا تطوى، وكتب لا تبلى، وذنوب لا تنسى،
فسبحان
6
من أضحك هذه العيوب بالنظر إلى المنايا القاضيات، فليتها إذا نظرت ما أبت ولا
رجعت قال الشعر:
يقولون لا تنظر فتلك بلية بلى كل ذي عينين لا بد ناظر
وقال بعض الصوفية: رأيت راهباً في بلاد الشام قد أشرف من صومعته وهو يكلم غلاماً جميلاً من النصارى ويتبسم إليه: فقلت له: ينبغي لمن كان بهذه المنزلة أيها / الراهب أن لا [218] يتبسم في وجه من لا تؤمن فتنته عليه، ولا سرعة احتيال الشيطان إليه. قال: فبكى فقال: هو لعمري كما قلت غير أني أعاهد الله تعالى أن لا أفتح عيني سنة عقوبة لها، ثم غض عينيه وأدخل رأسه في صومعته فانصرفت عنه وهو يبكي وينتحب.
قال: ونظر علي بن طاهر إلى، غلام فقال: إن العيون رسل القلوب إلى حاجتها، مساعدة لها على شهواتها ولا أعلم رسولاً أشد خيانة ولا أدل على بلية كامنة منها، أحذرك يا نفسي من نظر يكون أوله حيرة وآخره حسرة.
قال: ونظر أحمد بن أبي الحواري إلى رجل يضاحك غلاماً جميلاً، فقال: أيها الناظر إلي هلكته، والواقف على معرته لقلة معرفته، هل تدري بين يدي من أنت واقف؟ قال: وبين يدي من أنا؟ قال: بين يدي من تمور السماء لهيبته وتسير الجبال لخشيته، وتقف المياه بقدرته، وتسكن الرياح لعظمته وتذل الملوك لعزته، فقال: فسقط الرجل مغشياً عليه.
وأنشدوا:
نظرت
منظراً وافق شين
وفي الحديث عن رسول الله هو أنه قال: العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج (1).
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (372/ 2)، الطبراني في الكبير (192/ 10)، الهيثمي في مجمع الزوائد (256/ 6)، الزيلعي في نصب الراية (248/ 4)، الربيع بن حبيب في المسند (55/ 2). (3/191)
صفحة 1048
192
[219]
قنطرة النفس
الثالث: أن لا ينظر / بهما إلى عورة آدمي ذكراً كان أو أنثى. وقد قال عليه السلام: ملعون من نظر إلى عورة أخيه أو قال: إلى فرج أخيه» (1). وقال: «لعن الله الناظر والمنظور إليه (2). يعني في أمر العورة قالا: [ال] (3) نثى عورة بجميع بدنها وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، والأمة مثل الرجل في العورة، ولكن نظر الشهوة حرام إلى الرجال والنساء. وعن أبي الدرداء أنه قال: من غض بصره عن نظرة الحرام زوج من الحور العين حيث أحب، ومن اطلع في بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى. وعن داود الطائي أنه قال لرجل وقد أحد النظر إلى بعض من ينظر إليه قال: يا هذا اردد نظرك إليك، فإنه بلغني أن الرجل يسئل عن فضل نظره كما يسئل عن فضل عمله.
قال وسئل يحيى بن معاذ عن سبب الذنب؟ فقال: اعقل ما تقول فإنها من مسائل الصديقين أكشفه لك، فإن للمذنب أسباباً ظاهرة وباطنة فأول سببه: الخطرة فإن تداركتها ذهبت وإلا تولدت منها الفكرة فإن تداركتها ذهبت وإلا امتزجت الوسوسة بالفكرة، فتولدت بينهما الشهوة، فإن تداركت الشهوة بطلت، وهذا كله بعد في الباطن، وإلا تولد منها الطلب فتقع في أسباب الظاهر في الطلب والسعي والوجود والموافقة قال: فحرب الصديقين مع الخطرة وحرب الأبدال (4) الفكرة، وحرب الزاهدين مع الشهوة وحرب التوابين مع الطلب،
وحرب أهل التخليط مع الفكرة. وقال غيره أول أسباب الذنب النظرة، ثم الخطرة إلى سائر أسبابه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «من اطلع في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في النار (5).
:
وجملة الأمر أن الله حرم النظر بالشهوة والنظر إلى كل عورة، والنظر إلى كل مستور عن الناس من كتاب سراً، وبيت فيه حرمة والنظر إلى المسلم بعين المحقرة، والنظر إلى
الدنيا بعين الرغبة.
(1) رواه الربيع بن حبيب في المسند (56/ 2).
(2) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفا (570/ 2)، التبريزي في المشكاة (3125)، المتقي
الهندي في الكنز (19162).
(3) ما بين المعقوفين سقط. من
الأصل.
(4) مصطلح صوفي يزعمون أن الأرض لا تخلو من أربعين رجلاً من الصالحين كلما مات واحد منهم أبدل بآخر ويبنون ذلك على أحاديث ضعيفة.
(5) أطراف الحديث عند أبي داود في السنن الدعاء ب (1) الحاكم في المستدرك (270/ 4)، الزيلعي في نصب الراية (6213)، العقيلي في الضعفاء (341/ 4)، البغوي في شرح السنة (74/ 11). (3/192)
صفحة 1049
193
قنطرة النفس
وأما النظر إلى المباح فليس بحرام، ولكن التنزه عن كثرة النظر أفضل. وفيما يروى عن بعض الحكماء أنه قال: أصل فساد الدنيا والدين في الفضول الأربعة: فضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول اللباس، وفضول النظر.
وقال بعض العلماء كل كلام ليس بذكر الله فهو لغو، وكل صمت ليس فيه تفكر فهو سهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فهو لهو. وقال بعضهم البصر شبيه بالمرآة المصقولة، ومحاسن النساء تتجلى فيها، والقلب ناظر كما يتجلى في المرآة، فيلتذ به فيكون ضعف همته، وعمى بصيرته بقدر ما تمكن فيه من لذة ما يتجلى في المرآة فإذا نظر في أنواع الملكوت عشى عنها، وإذا نظر إلى ظلمة ما يتجلى في المرآة ارتاح إلى ذلك. قال: ومثله أيضاً كمثل العين المرمودة إذا نظرت إلى شعاع الشمس أو ضوء النهار ذلك، وإذا نظرت إلى سواد الظلمة ارتاحت إليها فمن كانت هذه صفته كانت ناصيته بيد الشيطان قال الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكِرْ الرَّحْمَنِ نُقَيْضُ لَهُ شَيْطَاناً ... (1)
عشيت عن
الآية.
فهذه صفة القلب الأعمى على الحقيقة {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ) (2). واعلم أن حفظ الجوارح فريضة وترك الفضول فضيلة. قال الله سبحانه: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (3). وينشد لإبراهيم الشامي: يا من يبيت على اللذات معتكفاً هل أنت عن طلب اللذات مزدجر وعامل لمحل سوف تشهده يوماً تكور فيه الشمس والقمر لا تحقرن يسير الخير تفعله فرب نفع لسيء وهو يحتقر وجانب الشر لا تسلك طريقته ولا يكن لك في أصحابه أثر فكل نفس ستجزى بالذي عملت وليس للخلق من ديانهم وزر تأتي الجلود وأيدينا وأرجلنا فيشدون معاً والسمع والبصر فنبتني كل من كانت جوارحه هي الشهود عليه كيف يعتذر؟ أم أين يهرب أم ماذا يقول وهل يطيق دفعاً لها أم كيف ينتصر؟
(1) سورة الزخرف الآية: 36. (2) سورة الحج الآية: 46. (3) سورة الإسراء الآية: 36.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 13
[221] (3/193)
صفحة 1050
قنطرة النفس
198
فصل: في ضبط الفرج عن الحرام
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ... ) (1) الآية. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب العفاف إلى الله الفرج والبطن». وقال عليه السلام: من وقى شر ذبذبة، ولقلقة، وقبقبة، فقد وقى يريد بذبذبة فرجه، ولقلقة لسانه، القبقب البطن.
الصبر على
وروي أن معاوية سأل عمر عن المروءة فقال: تقوى الله وصلة الرحم. وسأل المغيرة فقال: العفة عما الله، والحرفة فيما أحل الله. وسأل يزيد ابنه فقال: البلوى، والشكر على النعماء، والعفو عند المقدرة، فقال معاوية أنت مني. حقاً.
حرم
هي
وقال أنوشروان لابنه هرمز الكامل المروءة من حصَّن دينه ووصل رحمه، وأكرم إخوانه. وقال بعض الحكماء من أحب المكارم اجتنب المحارم ويقال: عار الفضيحة يكدر لذتها. وأنشد للحسن بن علي:
الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار
والله من هذا أو هذا جار
اعلم أنه لا يصل العبد إلى حفظ إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن / الفكرة،
وحفظ البطن عن الشبهة، والشبع، فإن هذه مفارس الشهوة ومحركاتها، فإذا لم يحترس من ذلك غاية الاحتراس، فإنه قلَّ ما ينجو من شر فرجه، فإن فكر في الزنا ولم يفعله كان كما روي عن عيسى عليه السلام أنه قال يا معشر بني إسرائيل إن موسى نهاكم عن الزنا فنعما نهاكم عنه، وإني أنهاكم أن تحدثوا به أنفسكم، فإن مثل من حدث به نفسه ولم يعمل به كمثل بيت مزخرف يوقد فيه فإن لم يحترق إسود من الدخان؛ فلعمري [أنه] (3) لكذلك، فإن وقع في زنا الفرج مسلب الإيمان وإذا تاب ألبسه.
وقال عليه السلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (4) مع ما ينضم إلى سلب
(1) سورة المعارج الآية: 29. (2) قال العراقي في المغني (105/ 3 رواه أبو منصور الديلمي من حديث أنس بسند ضعيف بلفظ: فقد
وجبت له الجنة.
(3) ما بين المعقوفين سقط من الأصل والسياق يقتضيه. (4) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (178/ 3)، مسلم في الإيمان (الإيمان ب 24 رقم 100)، أبي داود في السنن (4689)، الترمذي في الجامع (2625) النسائي في المجتبى (64/ 8)، ابن ماجة في السنن (3936).
[222] (3/194)
صفحة 1051
قنطرة النفس
195
الإيمان من عقوبات الدنيا والآخرة. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والزنا فإن فيه ست خصال ثلاثاً في الدنيا وثلاثاً في الآخرة، فاللواتي في الدنيا: يقطع الرزق، ويذهب بالبهاء، ويعجل الفناء، واللواتي في الآخرة: سوء الحساب، وسخط الرحمن والخلود في
الناره (1).
(2)
وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (2). وأوجب عليه الحد في الدنيا يتحمل صاحبه من العار سواء هذا الزنا كان منه بالإناث أو بالذكور أو
ما بالجلد والرجم مع بالبهائم. وقد قال الله تعالى مخبراً عن لوط عليه السلام أتَأْتُونَ الْذُكْرَانَ مَنَ الْعَالَمِينَ. . . (3)
الآية.
وقال عليه السلام: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط». قالها ثلاثاً ثم قال: «من
الله
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به (4). وذكر عن أبي بكر رضي عنه في رجل وجد في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة وقامت عليه بذلك بينة / فكان أشدهم فيه قول علي بن أبي طالب وقال: إن هذا ذنب لم تعص الله به أمة من الأمم [223]
إلا أمة واحدة فصنع الله بها ما علمتم أرى أن تحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فحرقه بالنار فيما غير واحد من الامراء وأوجبت طائفة على فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن روي ذلك عن عليّ أيضاً وابن عباس وجابر بن زيد والشعبي وغيرهم. وذكروا عن رسول الله الله أنه قال: «اقتلو البهيمة وناكحها» (5).
وقيل: إن امرأة سألت جابر بن زيد رضي الله عنه فقالت: إن زوجي كان يأتي شاتي أفيحل لي لبنها؟ فقال: تسألين عن لبن شاتك وقد حرم عليك زوجك فكره جابر لبنها. وقد كرهوا أن يستمنى الرجل بيده لقوله تعالى: والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (6).
وروي أن ابن عباس أو غيره سئل عن ذلك فقال: ذلك نائك نفسه. ويقال إنه يجيء يوم
(1) أطراف الحديث عند أبي نعيم في الحلية (111/ 4)، ابن حبان في المجروحين (98/ 1)، ابن الجوزي في الموضوعات (107/ 3)، الذهبي في الميزان (18، 8527)، ابن حجر في لسان الميزان (30/ 1).
(2)
سورة الإسراء الآية: 32. (3) سورة الشعراء الآية: 165.
(4) أطراف الحديث عند أحمد في المسند: (309/ 1)، الهيثمي في موارد الظمآن (53)، والطبراني في
الكبير (11، 218)، المنذري في الترغيب والترهيب (287/ 3).
(5) طرفه عند أحمد بن حنبل في المسند (269/ 1). (6) سورة المؤمنون الآية: 5. (3/195)
صفحة 1052
196
قنطرة النفس
القيامة ويده حبلى منه. وروي أن شاباً كان في مجلس ابن عباس فلما افترق المجلس بقي الشاب فسأله ابن عباس؟ فقال: أردت أن أسألك وأنا أجلك وأهابك فقال ابن عباس: العالم بمنزلة الوالد فما أفضيت به إلى والدك فافض به إلى عالمك فقال: ليست لي زوجة وربما استمني بيدي فأعرض عنه ابن عباس، ثم قال: أف وتف نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنا
والله أعلم وأحكم.
أن ويروي قوم لوط كانت فيهم عشر خصال فأهلكهم الله بها: كانوا يتغوطون في الطرقات، وتحت الأشجار المثمرة، وفي المياء الجارية وفي شطوط الأنهار، وكانوا يقذفون [224] الناس بالحصى فيعورونهم، فإذا اجتمعوا في المجالس أظهروا المنكر / بإخراج الريح منهم، واللطم على رقابهم وكانوا يرفعون ثيابهم قبل أن يتغوطوا، ويأتون الطامة الكبرى وهي اللوطية - قال الله تعالى: أَننَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالِ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنَكَرَ) (1). ويلعبون بالحمام ويرمون، بالجلامق، وضرب الدفوف وشرب الخمور، وقص اللحية، وتطويل الشارب والتصفيق ولبس الحرير وتزيد عليهم هذه الأمة بإتيان النساء بعضهم بعضاً.
اعلم أن الداعي للزنا شيئان:
فصل
أحدهما: إرسال الطرف، وقد تقدم فيها ما فيه الكفاية.
والثاني: اتباع الشهوة؛ لأنها خداعة للعقول مستحسنة للقبائح وليس عطب إلا وهي له سبب، ولذلك قال النبي عليه السلام: أربع من كن فيه وجبت له الجنة وحفظ من الشيطان: ملك نفسه حين ترغب، وحين ترهب، وحين تشتهي، وحين تغضب» وقهرها عن هذه الأمور يكون بثلاثة أمور:
من
أحدها: غض الطرف عن إثارتها فإنه الرائد المهلك، والرسول الخائن المهلك. وروي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تقبلوا إليَّ بست أتقبل لكم بالجنة». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم (2).
(1) سورة العنكبوت الآية: 29.
(2) أطراف الحديث عند الحاكم في المستدرك (359/ 2) الهيثمي في مجمع الزوائد (301/ 10)، ابن حجر في المطالب العالية (2610) المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 4). (3/196)
صفحة 1053
قنطرة النفس
197
والثاني: ترغيبها في الحلال عوضاً، وإقناعها بالمباح بدلاً، لأن الله عز وجل ما حرم شيئاً إلا وأغنى عنه بمباح من جنسه لما علمه من نوازع الشهوة وتركيب الفطرة ليكون ذلك عوناً على طاعته، وحاجزاً عن مخالفته. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما أمر الله بشيء إلا وأعان عليه، ولا نهى عن شيء / إلا وأغنى عنه.
الثالث: إشعار النفس بتقوى الله عز وجل في أوامره واتقاؤه في زواجره، وإلزامها ما ألزم من طاعته، وتحذيرها ما حذر من معصيته، وإعلامها أنه لا يخفى عليه ضمير، ولا يعزب عنه قطمير، وإنه يجازي المحسن ويكافيء المسيء، بذلك نزلت كتبه، وبلغت رسله. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن آخر ما نزل من القرآن: {وَاتَّقُوا يوماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله .. (1) الآية.
وآخر ما نزلت من التوراة إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وآخر ما نزل من الإنجيل: شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، وآخر ما نزل من الزبور: من يزرع خيراً يحصد غبطة. وأعون الأشياء على ترك الزنا ومخالفة الهوى الصبر وإدامة الصوم مع تقليل الطعام، واشتغال
النفس مع الحياء وهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: حياؤه من الله تعالى.
والثاني: حياؤه من الناس.
والثالث: حياؤه من نفسه.
رضي الله
فأما حياؤه من
تعالى: فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره، وعن ابن مسعود
عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء». قيل: يا رسول الله
كيف نستحيى من الله حق الحياء؟ قيل: يا رسول الله كيف نستحي من الله حق الحياء؟
قال: «من حفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر
الموت والبلا، فقد استحى من الله الحياء» (2) أن علقمة.
حق
وروي
بن علاثة قال: يا رسول الله
عظني، فقال: استحيى من الله استحياءك من ذي الهيبة من قومك (3).
(1) سورة البقرة الآية: 281. (2) أطراف الحديث عند الترمذي (2458)، والحاكم (323/ 4)، أحمد في المسند (387/ 1)، الطبراني في الكبير (246/ 3)، في الصغير (177/ 1)، أبي نعيم في الحلية (358/ 1).
(3) طرف الحديث عند ابن عساكر في التاريخ (66/ 7)، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (140/ 3)،
والمتقي في الكنز (5750).
[225] (3/197)
صفحة 1054
198
قنطرة النفس
وهذا النوع من الحياء يكون من قوة اليقين وقد قال عليه السلام: «الحياء نظام الإيمان، فإذا انحل نظام الشيء تبدد ما فيه وتفرق».
وأما حياؤه من الناس فيكون بكف / الأذى والمجاهرة بالقبيح، وقد قال عليه السلام: إن من تقوى الله اتقاء الناس. وروي أن حذيفة رضي الله عنه أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس فقال: لا خير فيمن لا يستحيى من الناس. ويُنشد لبشار بن برد:
ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء حياء وجبة في السواد أمسك النفس بالعفاف وأمسى ذاكراً في الغد حديث الأعاد
وهذا النوع من الحياء يكون من كمال المروءة وحب الثناء، ولذلك قال عليه السلام: من ألقى جلبات الحياء فلا غيبة له (1) لقلة مروءته. وقال أيضاً: «من مروءة الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه وإلفه وجليسه». وأنشد لبعض الشعراء:
يعني
وأعرض عن مطاعم قد أراها وأتركها وفي بطني إنطواء أما والله ما في العيش خبير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء إذا رزق الفتى وجهاً لقوحاً تقلب في الأمور كما يشاء وعن النبي صلى الله عليه وسلم يقال: مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت (2) قيل: معناه إذا لم يستحيى دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء فليستحيي فإن الحياء يردع الإنسان. وقيل: معناه إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بها فلم تستحيى منها لخستها، فاصنع ما شئت، منها قال الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فافعل. ما تشاء
آخر:
إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ولم تخش مخلوقاً فما شئت فاصنع
(1) أطرف الحديث عند البيهقي في السنن ((210/ 10)، إتحاف السادة المتقين (117/ 4)، الخطيب في
التاريخ (171/ 4) ابن الجوزي في تذكرة الحفاظ (169، 170).
(2) رواه أحمد في المسند (273/ 5).
[226] (3/198)
صفحة 1055
قنطرة النفس
199
وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة المخلوقات / وقد قال بعض الحكماء، ليكن [227 استحياءك من: نفسك أكثر من استحياءك من غيرك.
وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر مع ما قدمنا من مجاهدة النفس وترك الخلوة بمن لا تؤمن منه الفتنة والتباعد عنهم، فإن ذلك من أقوى أسباب السلامة قال الشاعر:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا وعن شتم ذي القربى خلائق أربع حياء، وإسلام، وتقوى، وإنني كريم، ومثلي من يضر وينفع ولا ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه فيخلو بمن لا تؤمن فتنته من امرأة أو غلام اعتماداً على إنه قوي على مجاهدة نفسه عند هجوم الشهوة عليه. قال الشاعر: لا تأمنن على النساء أخا أخي ما في الرجال على النساء أمين كل الرجال وإن تعفف جهده لا بـ د أن بنظرة سيخون
وهذا يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه في عصمته يقول: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسوء ... ) (1) الآية. وقال: {رَبِّ السَّجْنُ أَحَبُّ إِليَّ مِما يَدْعُونَنَي إِلَيْهِ وإِلا تَصْرِفُ عَنِّي
(2)
كَيْدَهُنَّ وَأَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ (2) .... الآية. وقال عليه السلام: «لا يخلون أحدكم بامرأة ليست بذات محرم منه فإن الشيطان أحدهما» (3). أو قال: «ثالثها» وليحذر أيضاً من مواضع التهمة، فإن من يدخل مداخل السوء يتهم وكفى بصاحب التهمة شراً إن صحت عليه التهمة افتضح وإن لم تصح ارتهن في الأئمة المتهومين، وتحمل ذلة المذنبين، وقد قال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (4). وليحذر أن يجعل إلى نفسه سبيلاً من تصديق التهم، فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة، هذا أبعد خلق الله من الريب وأصونهم عن التهم، وقف مع زوجته صفية ذات ليلة
رسول الله وهو
(1)
(2)
سورة يوسف الآية: 53.
سورة يوسف الآية: 33، 34.
(3) أطرافه عند أحمد في المسند (18/ 1)، المنذري في الترغيب والترهيب (39/ 3).
(4) أطرافه عند الترمذي (2518)، النسائي في المجتبى (الأشربة ب (48)، أحمد في المسند (200/ 1)، البيهقي في السنن (335/ 5)، الحاكم في المستدرك (13/ 2) بالطبراني في الكبير (75/ 3).
[228] (3/199)
صفحة 1056
200
قنطرة النفس
على باب مسجده يحادثها وكان معتكفاً، فمرَّ به رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما: على رسلكما إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله أو يتخالجنا شك فيك يا رسول الله؟ فقال: مه إن الشيطان ليجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه، فخشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً فكيف بمن تخالجت فيه الشكوك وركبت فيه الشهوات وليس بمعصوم؟ هل يعرى في مواقف الريب من قاذف محقق ولائم مصدق. وقد روي عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين شيخاً يعدون من الأبدال، كلهم أوصوني عند فراقي أياهم، وقالوا: اتق معاشرة الأحداث.
وفي كتاب عن بعض العلماء قال: من أصعب الأفات صحبة الأحداث، قال: ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك، فإجماع الشيوخ أن ذلك عبد أهانه الله وخذله، بل عن نفسه قد شغله ولو بألف كرامة أهله قال: وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعده هيناً، قال الله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيْناً وَهُوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ) (1).
وروي أنه قيل لبعض العلماء: الزاهد العارف يزني؟ فأطرق ثم رفع رأسه فقرأ: {وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُورَاً) (2). والمانع من التهمة شيئان: الحياء، والحذر، فإذا استعملهما الإنسان ترك مظان التهم، ولم يقف موقف الاعتذار، ولم يختلج في نزاهته شاك، ولم يقدح في عرضه
آفك.
وقال سهل بن هارون مؤنة التوقف أيسر من تكلف التعسف. وقال بعض الحكماء: من أحسن ظنه فيمن لا يخاف الله تعالى فهو مخدوع، وينشد لأبي بكر الموصلي يقول: أحسنت ظني بأهل دهري فحسن ظني بهم لا آمن الناس بعد هذا ما الخوف إلا وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا لم يشق امرء إلا بما عمل فقد سعد» والله
أعلم.
فصل: في حكايات الأعفاء من الرجال والنساء
(3)
الأمان من
قال الله سبحانه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (3). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم
(1) سورة النور الآية: 15. (2) سورة الأحزاب الآية: 38. (3) سورة الرحمن الآية: 46.
الله
[229] (3/200)
صفحة 1057
قنطرة النفس
لا ظل إلا ظله» (1) ظله
يوم
وجمال فقال: إني أخاف الله.
201
يريد ظل عرشه فذكر منهم رجلاً رعته امرأة ذات حسن
ويقال دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها: يا بثينة ما أرى شيئاً مما كان يقول جميل. فقالت: يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسه. قال: وكيف في. علته؟ فقالت: كما وصف نفسه حيث يقول:
صادفته
لا والذي تسجد الجباه له ما كان لي دون ثوبها خبر ولا بفيها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر
أخرى وحكي أن.
عبد
الملك بن مروان وجد على بعض عماله، فحبسه فقيده في داره،
فأشرفت عليه جارية لعبد الملك فنظر إليها وأنشأت تقول:
أيها الرامي بالطرف وفي الطرف الحتوف إن ترد الوصل فقد أمكنك الظبي الألوف
فأجابها الفتى:
إن تريني زاني العينين فالفرج عفيف ليس إلا النظر القاتل والشعر الظريف
فأجابته:
/ قد أردناك على أن تعتنق ظبياً رسوفاً فتأبيت فلا زلت لقيدك حليفاً
فأجابها:
بي
براً لطيفاً
ما تأبيت لأني كنت للظبي عنوفاً غير إني خفت رباً كان قال: فبلغ ذلك عبد الملك فدعا به فزوجها إياه، ودفعها إليه والله أعلم. أخرى: وحكي عن محمد بن السماك أنه قال: كان عندنا بالكوفة فتى من الزهاد، وكان يخرج من منزله إلى المسجد، فهويته جارية من العرب على طريقه، فلما عيل صبرها، ترصدت له في الطريق ونادت يا فتى سألتك بمن ترجوه لشدتك إلا توقفت علي قليلاً واستمعت كلامي، فلما ذلك الفتى ارتعد وقال: تكلمي وامض فإن هذا. موقف التهمة، ويحك ما كلام النساء للرجال الذين ليسوا لهن بمحرم؟ فقالت الجارية: والله ما حملني على
سمع
(1) طرف الحديث عند البخاري في الصحيح (168/ 1)، مسلم في الصحيح (الزكاة ب 3 رقم 91)، الترمذي في الجامع (2391)، النسائي في المجتبى (222/ 8)، أحمد في المسند (439/ 2)، ابن خزيمة
في الصحيح (358)، البغوي في شرح السنة (354/ 2). (3/201)
صفحة 1058
202
قنطرة النفس
ذلك جرأة تقدمت مني على كلام الرجال، غير أن المقادير تسوق العباد إلى مثل هذا، والذي حملني على أني لقيتك بنفسي في هذا الأمر أني أعلم أنكم معاشر النساك أمثال القوارير أدنى شيء يعيبه وجملة ما أكلمك به أني قد أصبحت وقلبي فارغ من أحوال الدنيا كلها إلا منك، فالله الله في أمري فإني أسأل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما عسر من أمرك والسلام. قال: كلامها تغير لونه وأطرق ملياً، ثم قال: أف لشيطان علمك هذا الكلام، والله لأكيدنه
فلما
سمع.
فيك. ثم انصرف إلى مسجده وكان طويل الصلاة فعارضته الفكرة فيها فاستعاذ بالله منها، فانصرف إلى منزله فقدم فطوره فقال: لا حاجة لي فيه وانقطع عن ورده تلك الليلة، وعرضت 2316] له وساوس من أمر الجارية، فلما أن أصبح / دعى بدواة وقرطاس فكتب:
جنة
الله
بسم
الله الرحمن الرحيم
أما بعد: يا جارية إنك تدعونني إلى المعاصي كأنما لي ولك
من عذاب الله، اعلمي أن الله تعالى إذا عصي
ستر وحلم، فإذا عاد العبد إلى المعصية عاد في ستره وحلمه فإذا اتخذ العبد المعصية شعاراً وجعلها دثاراً غضب الله عليه غضباً لا يقوم لغضبه السموات والأرضون وما فيهن وعليهن يا جارية إن يكن ما ذكرت باطلاً فإني أحذرك: يوم الطامة والصاخة والواقعة يوم تكون السماء كالمهل وتجث الملائكة على الركب لصولة الجبار، لا يستمكن منه الحجاب وتطايرت منهم الكتب بالأيمان والشمائل، فالسعيد يومئذ من قدم عملاً يكون أنساً له في وحدته وأخاً مساعداً له في وحشته. وإن يكن ما ذكرت حقاً فإني أدلك على الطبيب الشقيق الرفيق الذي يداوي، فعليك بصدق المسألة، وحقيقة الاستكانة، لعله يكشف عنك ما ذكرت فإني متشاغل عنك بقوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) (1). ثم طوى الكتاب، وخرج فإذا الجارية جالسة، فرمى الكتاب في حجرها فأخذته مسرورة، ورجع الفتى إلى منزله فأقام أياماً لا يخرج إلى مسجده، فلما كان بعد أيام قال: والله لأخرجن لعلها انقطعت فنظر إليها جالسة فهم بالرجوع.
فلما
الله
فنادته: يا فتى سألتك بالله لما وقفت عليّ أكلمك فهذا آخر يوم أكلمك إلا بين يدي ا سمع وقف فقالت: قد فهمت ما خوفتني به والله إني لكذلك، وعلم يا فتى أنه كلما طالت [232] المدة عظم البلاء فعظني فوالله لأقطعن حنجرة طمعي فيك باليأس / ولأنفضن كفي منك بالإفلاس فقال لها: يا جارية أحذرك من نفسك لنفسك، وفكيها من حبسك، ثم ذهب ليولى
فتعلقت به فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: تحفظ عني هذه الأبيات وهي:
(1) سورة غافر الآية: 18. (3/202)
صفحة 1059
[233]
قنطرة النفس
لا أنسى ما أنسى منه يوم موقفه إذ جئت انبثه جهدي ويلواي وقد نشرت له صحفي فغض لها منه الجفون ولم ينصت لشكواي وطرفه خاشع من خوف سيده يا حسنه خائفاً من خوف مولاي لهذا الدهر مدرعة وأهجرن هواي خوف عقباي
لألس
ولا أبوح بما قد كنت تكرهه ولا أدعيت ولو حققت معناي قال: فانصرفت إلى منزلها فلم تزل راكعة ساجدة قائمة صائمة وكان إذا غلب عليها الأمر تدعو بكتابه وتضعه على عينها، فيقال لها وما يغني عنك هذا؟ فتقول: وهل دواء غيره. وكانت إذا جن عليها الليل نادت:
من
يا واهب الأرض هب لي منك مغفرة فكدت أفعل فعل الماجن الزاني وانظر إلى قلقي يا مشتكى حزني بنظرة منك تجلو كل أحزاني قال: فلم تزل كذلك حتى فارقت الدنيا فبلغ الفتى وفاتها فحزن عليها، وأخبر والدته. فقالت: يا بني ألا أخبرتني بأول حديثها كنت أزوجك بها حلالاً؟ فقال: إليك عني يا أماه والله لقد وهبتها الله تعالى منذ أول نظرة نظرت إليها، فكنت استحيى أن أرجع في شيء وهبته له. فلبث الفتى كذلك مدة والجارية ما تختلج بقلبه، ثم أنه رآها في المنام وعليها ثياب بيض، قال: فلانة. قال: فلانة. قال: ما فعل الله بك. قالت: غفر لي بثلاث دعوات كنت أقولهن دبر كل صلاة، اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة وأعوذ بك من أمل يمنع. العمل وأعوذ بك/ خير حياة تمنع خير الممات. قال الفتى: فهل تذكرينني؟ قالت: والله إني لكثيرة الذكر لك، وقد سألت ربي أن يجمع بيني وبينك في الآخرة، فما لبث الفتى إلا أياماً حتى لحق بالجارية» (1). أخرى: حكي أن فتى من المتعبدين أحب جارية في حيه، فبعث إليها يا هذه إنك وقعت في قلبي موقعاً شغلتني به عن كثير مما كنت أحبه من طاعة الله عز وجل وذكر الآخرة، فكيف السبيل إلى الإتصال بك؟ فأرسلت إليه؛ أما كان في طاعة الله وذكر الآخرة ما يشغلك عن التمسك بحبائل النساء. فاستحيى حياءً شديداً وقال المعذرة إلى الله فيما صنعت، وندم على الذي كان وأنشأ يقول: ولربما عدل الفتى عن رشده فيرى البصيرة بعدها فيراجع
غيره:
(1) راجع إحياء علوم الدين (103/ 3: 104) ففيه القصة بنحوها وقصص أخرى. (3/203)
صفحة 1060
قنطرة النفس
204
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وخوف الله والحذر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم وليس لي في حرام متهم وطر ويكفي في حفظ الفرج قوله تعالى: وَالَّذِين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) (1) الآية. وقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُونَ فُرُوجَهُمْ ... (2) الآية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً.
الباب الخامس
في حفظ البطن وإصلاحه
(2)
وليعلم أن البطن أشق الأعضاء إصلاحاً على الإنسان، وأعظمها ضرراً عليه؛ لأنه المنبع والمعدن ومنه تهييج الأمور في الأعضاء عفة من وجماع وقوة وضعف، فعلى الإنسان حفظه عن الحرام والشبهة أولاً، ثم عن فضول الحلال ثانياً، ثم كيفية تناوله من الحلال. وهذا الباب
يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: في مذمة/ الحرام.
والثاني: في فضيلة الحلال.
والثالث: في حد الحلال والحرام وكيفية التناول من الحلال.
الفصل الأول: في مذمة الحرام
وليعلم أن الحرام والشبهة يلزم الإنسان البحث عنهما لثلاثة أمور:
أحدها: حذراً من نار جهنم. قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ... ) (3) الآية. وقال النبي عليه السلام: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به (4). وقال النبي عليه السلام: من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله
أي باب أدخله النار (5).
(1) سورة المؤمنون الآية: 5.
(2) سورة النور الآية: 30. (3) سورة النساء الآية: 10.
من
(4) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (136/ 19)، في الصغير ((225/ 1)، القيسراني في تذكرة
الموضوعات (597).
(5) قال العراقي في المغني: (91/ 2) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عرم قال =
[234] (3/204)
صفحة 1061
=
قنطرة النفس
205
وقال عليه السلام: «القليل من أموال الناس يورث النار (1) وعنه عليه السلام أنه قال:
من اكتسب المال من حرام فإن تصدق به لم يتقبل منه وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار (2) وفي حديث آخر: «من أصاب مالاً من مأثم ووصل به رحماً أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله الله ذلك جمعاً ثم قذفه في النار (3). جمع
والثاني:: أن أكل الحرام والشبهة مطرود عن خدمة الله غير موفق لطاعته إذ لا يصلح لخدمة الله إلا كل طاهر مطهر ألا ترى أن الله تعالى منع الجُنب من الدخول إلى بيته ومنع المحدث عن مس كتابه فقال تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ. إلى قوله: {وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سبيل) (1).
وقال: {وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (5). مع أن الجنابة والحدث أثر مباح فكيف بمن هو منغمس في أقذار الحرام ونجاسة الشبهة والحطام متى يدعى إلى خدمة الغني العزيز وذكره الشريف كلاً فلا يكون ذلك.
وقد روي عن يحيى بن معاذ أنه قال: الطاعة مخزونة في خزائن الله تعالى، ومفاتيحها الدعاء، وأسنانها لقمة الحلال. فإذا لم يكن للمفتاح اسنان فلا ينفتح / الباب، وإذا لم ينفتح [235] باب الخزانة كيف يصل إلى ما فيها من الطاعة؟
الثالث: إن أكل الحرام والشبهة محروم وأن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه غير مقبول منه فإذاً لا يكون له من ذلك إلا العناء والكدر وشغل الوقت. وقد روي عن ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الله ملكاً على بيت المقدس ينادي: من أكل الحرام لم يقبل منه صرف
ولا عدل (6).
قيل: الصرف النافلة، والعدل الفريضة وعنه عليه السلام أنه قال: «من اشترى ثوباً
ابن العربي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي أنه باطل لم يصح ولا يصح. (1) رواه الربيع بن حبيب في مسنده (66/ 2).
(2) قال العراقي في المغني (91/ 2) رواه أحمد من حديث ابن مسعود بسند ضعيف، ولابن حبان من مالاً حديث أبي هريرة من جمع. من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه.
(3) رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة مرسلاً، المصدر السابق.
(4) سورة النساء الآية: 43. (5) سورة الواقعة الآية: 79.
(6) قال العراقي في المغني (90/ 2): لم أقف له على أصل، ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود من أكل لقمة من حرام لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة الحديث وهو منكر. (3/205)
صفحة 1062
206
قنطرة النفس
بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه) (1) وعن ابن عباس أنه قال: لا يقبل الله صلاة امرء وفي جوفه حرام ولما ذكر رسول الله الله الحريص على الدنيا قال: [رب] (2) أشعث أغبر مشرداً في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه ويقول: يا رب فلا يستجاب لذلك.
وفيما يحكى عن إبليس اللعين أنه كان يقول: خصلة واحدة أريدها من بني آدم، ثم أخلى بينه وبين ما يريد من العبادة، أراد كون كسبه حراماً، إن صلى صلى بحرام، أو صام فأفطر على حرام، أو حج حج بحرام لم يقبل منه.
أنفق.
لسان
وعن سفيان الثوري أنه قال: من من الحرام في طاعة الله كمن طهر الثوب بالبول والبول لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال. وروي في أثر السلف: أن الواعظ إذا جلس للناس قالت العلماء تفقدوا منه ثلاثاً؛ فإن كان معتقداً للبدعة فلا تجالسوه فإنه عن ا الشيطان ينطق، وإن كان سيء اللقمة فعن الهوى ينطق، فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد [236] بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه. ويقال: إذا طاب / المكسب زكي العمل، ويقال: من أكل من الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه. وهو تأويل قوله تعالى: {كَلاً بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ) (3). وفي حديث أبي هريرة أنه قال: المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم (4) ومثل الطعام من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس أو اعوج إنهار البنيان ووقع، وقد قال الله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ... (5).
الفصل الثاني: في فضيلة الحلال
قال الله تعالى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحام (6). أمر بالأكل من الطيبات وهي
(1) رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند ضعيف. (2) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (90/ 2) وعلق العراقي على الحديث بقوله: رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر.
(3) سورة المطففين الآية: 14.
(4) رواه الطبراني في الأوسط والعقيلي في الضعفاء وقال باطل لا أصل له قاله العراقي في المغني 91/ 2.
(5) سورة التوبة الآية: 109. (6) سورة المؤمنون الآية: 51. (3/206)
صفحة 1063
قنطرة النفس
207
الحلال قبل العمل. وعن ابن معسود رضي الله عنه عن النبي لطلب العلم فريضة على كل
مسلم (1).
ولما قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم قال بعض العلماء: أراد به طلب علم الحلال والحرام، وجعل المراد بالحدثيين واحداً. وعنه أنه قال: «من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله، طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة
الشهداء» (2).
ومن
وعنه أنه قال: «من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة قلبه (3) وفي رواية: «زهده الله في الدنيا».
وروي
من
أن سعداً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله إن يجعله مجاب الدعوة فقال له: «أطب
طعمتك تستجب دعوتك» (4).
وعنه [237]
وقال / عليه السلام: «العبادة عشرة أجزاء فتسعة منها في طلب الحلال (5) عليه السلام أنه قال: من أمسى وانياً في طلب الحلال بات مغفوراً له وأصبح والله عنه
راضي (1).
وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأله؟ فقال: تكهنت لقوم فأدخل أصبعه في فيه وجعل يقيء حتى كادت نفسه أن تخرج، ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء.
وروي أن النبي الا الله أخبر بذلك فقال: «أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل في جوفه إلا
(1) رواه ابن ماجة من حديث أنس وضعفه أحمد والبيهقي وغيرهما قاله العراقي في المغني (3/ 1). (2) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة من سعى على عياله ففي سبيل الله، ولأبي منصور في مسند الفردوس من طلب مكسبه من باب حلال يكف بها وجهه عن مسألة الناس وولده وعياله جاء يوم النبيين والصديقين وإسنادهما ضعيف قاله العراقي في المغني (90/ 3). (3) رواه أبو يعلى في الحلية من حديث أبي أيوب من أخلص الله أربعين يوماً ظهرت ينابيع الحكمة على لسانه ولابن عدي نحوه من حديث أبي موسى وقال حديث منكر. المصدر السابق.
القيامة
من
قلبه
(4) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفيه من لا أعرفه. المصدر السابق. (5) رواه أبو منصور الديلمي من حديث أنس إلا أنه قال: تسعة في الصمت والعاشر كسب اليد من الحلال، وهو منكر. (المغني 91/ 3).
(6) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس: من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له، وفيه
ضعف، المصدر السابق. (3/207)
صفحة 1064
208
قنطرة النفس
طيباً (1). وكذلك روي أن عمر رضي الله عنه شرب من إبل الصدقة غلطاً وأدخل إصبعه وتقياً. وعن بعض السلف أنه قال: لم يدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل في جوفه.
وعن
من
عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول من المسلم؟ قال: «الذي إذا أمسى سأل. اين كسرته قالت: يا رسول أو كُلف الناس هذا؟ قال: نعم ولكنهم غشموا المعيشة غشماً. وقال بعض العلماء: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى تكون فيه أربع خصال: أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي عن الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى
الموت.
وقال: من أحب أن يكاشف باب الصديقين فلا يأكل إلا حلالاً، ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة. وقال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من الحلال يغفر له بها ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كما تساقط ورق الشجر
والله أعلم.
فصل: في الشبهة
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور [238] متشابهات / لا يعلمها كثير من الناس، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (2). وقال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (3).
وقال عليه السلام: «الأمور ثلاثة أمر بان رشده فاتبعوه وأمر بان غيه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه فلما كان الأمر على ما وصفنا كان الواجب على الإنسان استعمال الحلال واجتناب الحرام، والورع عن الشبهات.
وقد قال بعض العلماء ردّ درهم من الشبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى تبلغ ستمائة ألف وقال: اجتمع الفضيل، وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة فذكر الرطب فقال وهيب: هو من أحب الطعام إلي إلا أني لا أكله لاختلاط رطب
(1) رواه البخاري من حديث عائشة: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، وقال له الغلام أتدري ما هذا؟ فقال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت
لإنسان في الجاهلية، فذكره دون المرفوع منه فلم أجده قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير: قاله العراقي في المغني (99/ 2). (3) رواه النسائي والترمذي والحاكم وصححاه من حديث الحسن بن علي قاله العراقي في المغني عن
حمل الأسفار. (3/208)
صفحة 1065
209
قنطرة النفس
مكة ببساتين زبيدة وغيرها. فقال ابن المبارك: إن نظرت إلى هذا ضاق عليك الخبز.
بني
فلان.
قال: وما سببه؟ قال: إن أصول الضياع بالصوافي. فغشي على وهيب. فقال سفيان: قتلت الرجل. قال ابن المبارك: ما أردت إلا أن أهون عليه. فلما أفاق قال: الله علي أن لا أكل خبز أبداً فكان يشرب اللبن؛ فأتته امرأة بلبن فسألها؟ فقالت: هو من شاة عن ثمنها وأنه من أين له، فذكرت ذلك، فلما أدناه من فيه قال: بقي أنها أين كانت ترعي؟ فسكتت فلم يشربه. قال: لأنها كانت ترعى من موضع للمسلمين فيه حق. فقالت له أمه: اشرب يغفر الله لك. فقال: ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرة بمعصيته والله
فسأل
أعلم.
الفصل الثالث: في حد الحرام والشبهة والتناول من الحلال اختلف العلماء في حد الحرام والشبهة، فقال بعضهم ما تيقنت كونه ملكاً / للغير، منهياً [239] عنه في الشرع فهو حرام، محض، وأما إذا لم يكن لك يقين بذلك ولكن يغلب في ظنك أنه
كذلك فهو شبهة. وقال آخرون: بل الحرام المحض ما يكون به علم أو غالب ظن، لأن غلبة الظن مما يجري مجرى العلم في كثير من الأحكام. وأما إذا تساوى الأمران في ذلك حتى تبقى نشاكاً لا يكون لأحدهما ترجيح عندك فذلك شبهة يشبه أنه حلال ويشبه أنه حرام. ثم الامتناع عن الذي هو حرام محض فرض لازم وعن الذي هو شبهة تقوى وورع وذلك عن ثلاث درجات: أحدها ورع الصالحين، وهو الامتناع عن كل ما يتطرق إليه احتمال التحريم وذلك كالأكل ممن أكثر ماله حلال ولكنه لا يتقي الحرام فالورع اجتنابه لقوله عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1). وقد قال أصحابنا: الريبة على وجهين: محققة، ومعارضة. فالمحققة: مثل ما يكون في أيدي السرايا وقطاع الطرق، حدثان غارتهم، وذلك
كالحرام المحض.
(1) ,
معاملته والمعارضة: مثل ما يكون في أيدي من لا يتقي الحرام فليخرج عن
الصالحين.
ورع
(1) رواه النسائي والترمذي والحاكم وصححاه من حديث الحسن بن علي. قاله العراقي في المغني عن حمل
الأسفار.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 14 (3/209)
صفحة 1066
[240]
210
قنطرة النفس
الدرجة الثانية: ورع المتقين وهو كل ما لا شبهة في حله، ولكن يخاف منه أن يؤدي إلى محرم وهو ترك ما لا بأس فيه مخافة ما فيه البأس.
وقال عليه السلام: إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة البأس (1). وقال ابن عباس: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام. وقال أبو الدرداء: إن تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً فيكون حجاباً بينه وبين النار:
الدرجة الثالثة: ورع الصديقين وهو ترك ما لا بأس فيه أصلاً، ولا يخاف أن يؤدي إلى ما به البأس ولكنه يتناول لغير الله أو يقصد به غير التقوى على عبادة الله.
كما روي عن بعضهم أنه شرب دواء فقالت له امرأة لو مشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء فيك. فقال؛ هذه مشية لا أعرفها فكأنه لم تحضره نية تتعلق بالدين في مشيته
تلك.
كما روي عن ذي النون المصري: أنه كان جائعاً محبوساً فبعثت له أخته في الله طعاماً على يد السجان، فلم يأكل فاعتذر إليها وقال: جأني على طبق ظالم ـ يعني القوة التي أوصلت إليه الطعام اكتسبت بالغذاء الحرام.
وهذه أقصى درجات الورع أعني ورع، الصدقين، والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عن كل ما تحرمه الفتوى وذلك الورع وفرض واجب وله غاية، وهو ورع الصدقين وهو الامتناع عن كل ما ليس الله مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه، أو اتصل بسببه مكرو. وبينهما درجات في الاختلاط وكلما كان العبد أشد تضيقاً على نفسه كان أخف ظهراً يوم
القيامة.
مسالة
فإن قيل ما تقول في قبول جوائز السلطان في هذا الزمان؟ فاعلم أن بعض السلف قال: قد اختلف العلماء في ذلك فقال قوم: كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه. وقال آخرون: لا يحل أن يأخذ ما لا يتحقق أنه حلال لأن الأغلب في هذه الأعصار على أموال السلاطين الحرام، والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز.
(1) عن نحوه قال العراقي في المغني: (95/ 3): رواه ابن ماجة. (3/210)
صفحة 1067
قنطرة النفس
211
وقال قوم: إن صلات السلاطين تحل للغني والفقير إذا لم يتحقق أنها حرام، وإنما التباعة على المعطي قالوا لأن النبي عليه السلام قبل هدية المقوقس ملك الأسكندرية، واقترض من اليهود مع / قوله تعالى فيهم: أَكَالُونَ لِلْسُحْتِ) (1). قالوا: وقد أدرك جماعة من الصحابة أيام الظلمة وأخذوا منهم الأموال منهم: أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب وجرير بن عبد الله وجابر، وأنس المسور بن مخرمة، وابن عباس، وابن عمر، فاخذا أبو سعيد وأبو هريرة من مروان ويزيد من عبد الملك، وأخذ ابن عمر وابن عباس من
الحجاج، وأ وأخذ كثير من التابعين منهم الشافعي والحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وقال آخرون: لا يحل من أموالهم شيء لغني ولا لفقير إذ هم موسومون بالظلم والغالب على أموالهم السحت والحرام والحكم للأغلب فيلزم الاجتناب. وقال آخرون: ما لا يتقين أنه حرام فهو حلال للفقير دون الغني إلا أن يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب، فليس له أخذه إلا أن يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب فليس له أخذه إلا أن يرده على مالكه ولا حرج على الفقير أن يأخذه من مال السلطان لأنه إن كان ذلك من مال السلطان فله أخذه بلا شك، وإن كان من فيء أو خراج أو عشر فللفقير فيه حق، وكذلك أهل العلم.
وقد روي عن علي أنه قال: خذ من السلطان ما أعطاك فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر. .. وعن علي بن أبي طالب أيضاً أنه قال: من دخل الإسلام وقرأ القرآن ظاهراً فله في بيت مال المسلمين كل سنة مائتا درهم وفي رواية مائتا دينار فإن لم يأخذها في الدنيا أخذها في الآخرة. قالوا: فإذا كان الأمر كذلك فالفقير والعالم يأخذ من حقه، قالوا وإذا
[241]
كان مختلطاً بمال مغصوب ولا يمكن تمييزه أو غصباً لا يمكن رده على صاحبه وذريته فلا مخلص للسلطان منه إلا أن يتصدق به، وما / كان الله ليأمره بالصدقة على الفقير وينهي الفقير [242] عن قبوله أو يأذن للفقير في القبول وهو عليه حرام.
فإذا للفقير أن يأخذ إلا عين الغصب والحرام، والذي أرى والله أعلم أن أموال السلاطين اليوم الغالب عليها الحرام لأن أكثرها من الخراج المضروب على المسلمين، ومن المكوسات والغصب بخلاف الأموال التي كانت في أيدي الملوك والجبابرة الماضين من الأمويين والعباسيين وغيرهم، ولذلك ساغ لجابر بن زيد وأبي بلال مرداس وغيرهم من الصحابة
والتابعين الأخذ منهم.
(1) سورة المائدة الآية: 42. (3/211)
صفحة 1068
212
قنطرة النفس
من جارك
وقد روي أن جابر بن زيد سأله رجل عن جار له عشار يهدي إليه؟ فقال: خذ ما أعطاك. وروي عن سعيد بن جبير أنه أكل من طعام العشارين والتنزه عن مثل هذا أفضل.
مسالة
فإن قيل ما تقول في صلة أهل الأسواق وغيرهم ممن ليس له نظر في المعاملات؟ قيل له إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر فلا حرج على الأخذ منه ولا يلزم البحث بأن يقول فسد الزمان لأن ذلك سوء ظن بالمسلمين وتجسس عن أحوالهم. ثم اعلم ما هو الأصل في هذا الباب وهو أن هاهنا شيئين:
أحدهما: حكم الشرع الظاهر الموضوع على اليسر والسماحة وهو أن تأخذ ما أتاك من ظاهره الصلاح ولا تسأل إلا إن استربته أو تيقنت أنه حرام أو غصب بعينه.
أنه
به
والثاني: حكم الورع الموضوع على التضييق والتشديد كما قيل: الأمر على المتقي أضيق من عقد التسعين فحكم الورع أن لا يأخذ شيئاً من أحد حتى يسأل أو يبحث غاية البحث [243] كما سأل أبو بكر غلامه عن اللبن الذي شربه / فتقيأه، وكما سأل عمر عن اللبن الذي شربه فأخبر من إبل الصدقة، والورع أيضاً من الشرع وكلاهما في الأصل واحد ولكن للشرع حكمان: حكم جواز، وحكم الأفضل الأحوط، فحكم الجواز يقال له: حكم الشرع، وحكم الأحوط الأفضل يقال له: حكم الورع، وهما واحد في الأصل غير أن حكم الورع شديد فمن سلك طريقه فلا بد له أن يوطن نفسه على احتمال الشدائد وإلا فلا يتم له ذلك. وليكن عنده أكل ما يتداوله الناس في أيديهم بمنزلة الميتة لا يقدم عليها إلا عند الضرورة، ثم لا يتناول منها إلا مقدار ما يبلغه إلى الطاعة فيكون له عذر في ذلك ولا يضره إن كان في أصله شبهة، أو هو حرام مجهول فإن الله تعالى أولى بالعذر. ولهذا قال الحسن البصري: إذ فسد السوق فعليكم بالقوت.
وقد روي عن وهيب بن الورد أنه كان يجوع نفسه يوماً أو يومين أو ثلاثة ثم يأخذ رغيفاً فيقول: اللهم إنك تعلم إني لا أقوى على العبادة وأخشى الضعف وإلا لم آكله، اللهم وإن كان فيه شيء من خبث أو حرام فلا تؤاخذني ثم يبل الرغيف في الماء فيأكله.
ويقال: إن بعض الورعين قيل له: من أين تأكل؟ فقال: مما تأكلون، ولكن ليس من يأكل ويبكي مثل من يأكل ويضحك وقال: يد أصغر من يد ولقمة أصغر من لقمة. فهكذا كانوا يتحرزون من الشبهات فهذه طريقة الطبقة العليا من أهل الورع فيما بلغنا. وأما من دونهم (3/212)
صفحة 1069
[244]
قنطرة النفس
213
فلهم احتياط وبحث على مقدار ولهم أيضاً من الورع على مقدار، وبقدر ما يعتني الإنسان يكون ما يتمنى والله تعالى / لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
الفصل الرابع: في الأخذ من الحلال
فإن قال قائل: فهذا جانب الحرام قد بينته فأخبرنا عن جانب الحلال؟ وما حد الفضول الذي يلزم منه الحساب؟ وما المقدار الذي إذا أخذه العبد يكون ذلك أدباً ولا يكون فضولاً ولا عليه فيه حبس ولا حساب؟ قيل له: قال بعض السلف: اعلم أن أحوال المباح في الجملة ثلاثة
أقسام:
أحدها: أن يأخذها العبد مكاثراً مفاخراً مباهياً، مرائياً، فيكون الأخذ منه فعلاً منكراً يستوجب على ظاهر فعله الحبس والحساب واللوم والتعبير وهو منكر وشر يستوجب على باطن فعله الذي هو التكاثر والتفاخر عذاب النار، وذلك القصد منه معصية وذنب لقوله تعالى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُو (1). الآية.
وقال النبي عليه السلام: «من طلب الدنيا حلالاً مباهياً مكاثراً مفاخراً مرائياً لقي الله وهو عليه غضبان (2). فالوعيد حصل له على قصده ذلك بقلبه.
القسم الثاني: أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير فذلك شر يستوجب عليه الحبس والحساب لقوله تعالى: لَتُسْتَلُنَّ يُوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (3). وقال عليه السلام: «حلالها
حساب (1)
القسم الثالث: أن يأخذ من الحلال في حال العذر قدراً يستعين به على عبادة الله تعالى ويقتصر على ذلك فذلك منه خير وحسنه وأدب ولا حساب عليه ولا عتاب، بل مستوجب عليه الأجر والمدحة لقوله تعالى حكاية عن المسلمين (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً. إلى قوله: أوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا (5).
(1) سورة محمد الآية: 39. سورة التكاثر الآية: 8.
(2)
(3) قال العراقي في المغني (217/ 3) عن نحوه. رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب من حديث
أبي هريرة بسند ضعيف.
(4) رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب من طريقة موقوفاً على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع بلفظ: وحرامها النار، ولم أجده مرفوعاً. قاله العراقي في المغني (215/ 3: 216).
(5) سورة البقرة الآيتان: 201، 202. (3/213)
صفحة 1070
214
[245]
قنطرة النفس
وقال عليه السلام: من طلب الدنيا حلالاً/ استعفافاً عن المسألة وتعطفاً على جاره وسعياً على عياله جاء القيامة كالقمر ليلة البدر (1). وذلك لما قصد بها هذه المقاصد المحمودة الله يوم
سبحانه.
فصل: في آفات فضول الحلال
هي
من
اعلم أن فضول الحلال آفة العبادة، وبلية الاجتهاد، قال عليه السلام: «من أخذ حلال الدنيا أكثر ما يكفيه أخذ حتفه وما يشعر ر (2). قال بعض العلماء: تأملت آفات الفضول فإذا هي عشر آفات هن أصول في هذا الشأن.
الأول: أن في كثرة الأكل قسوة للقلب وذهاب نوره وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء» (3) وقد شبه بعض العلماء بأن المعدة كالقدر تحت القلب تغلي والبخار يرتفع إليه وكثرة البخار
تكدره وتسمجه.
6
الثانية: أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وانبعاثها للفضول والفساد، وقد روي عن النبي أنه قال: إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين، مورثة للقسم،، مكسلة العبادة» (4). عن وقد صدق فإن الرجل إذا كان شبعاناً بطراً اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه، من الحرام والفضول، والأذن الاستماع إليه، واللسان التكلم به، والفرج الشهوة، والرجل المشي إليه، وإذ كان جائعاً كانت الأعضاء كلها ساكنة لا تطمح إلى شيء منها.
وقال بعض العلماء: البطن عضو إن جاع هو شبع سائر الأعضاء، وإن شبع جاع سائر الأعضاء. وجملة الأمر أن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه إن أدخل الحرام [246] خرج الحرام، وإن / أدخل الفضول خرجت الفضول كأن الطعام بدل الأفعال والأفعال تبدو منه. والثالثة: أن في كثرة الأكل قلة العلم والفهم؛ لأن البطنة تذهب الفطنة، ولقد صدق
(1) تقدم قبل الذي قبله.
(2) عن نحوه قال العراقي في المغني: (229/ 3) رواه البزار من حديث أنس وفيه؛ هاناء بن المتوكل ضعفه
ابن حبان.
(3) قال العراقي في المغني (78/ 3) لم أقف له على أصل. (4) أطراف الحديث عند ابن حبان في المجروحين (123/ 1) ابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (353) ابن حجر في لسان الميزان (1271/ 3) المتقي الهندي في الكنز (6309). (3/214)
صفحة 1071
[247]
215
قنطرة النفس
بعض الحكماء حين قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل وهذا أمر ظاهر علمه لمن اختبره.
والرابعة: أن في كثرة الأكل قلة العبادة، وإذا كثر الأكل ثقل بدنه، وغلبته عيناه، وفترت أعضاؤه فلا يجيء منه شيء وإن اجتهد وقد ذكر عن يحيى عليه السلام أن إبليس بدا له وعليه معاليق. فقال يحيى: ما هذه؟ قال: الشهوات التي أصيد بها بني آدم. قال: هل تجد لي شيئاً؟ قال: لا إلا أنك شبعت ذات ليلة، فثقلناك عن صلاتك. فقال يحيى: لا جرم أني لا أشبع بعدها أبداً. فقال إبليس لعنه الله: لا جرم أني لا أنصح بعدها أحداً أبداً. فهذا فيمن لم يشبع في عمره إلا ليلة واحدة فكيف بمن لم يجع في عمره ليلة ثم يطمع في العبادة؟ قال بعض العلماء: العبادة حرفة حانوتها الخلوة، وآلاتها المجاعة.
إلى لقاء
والخامسة: أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: ما شبعت منذ أسلمت لأجل حلاوة عبادة ربي ولا رويت منذ أسلمت اشتياقاً وهذه صفة المكاشفين. وكان رضي الله عنه مكاشفاً وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما فضلكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام وإنما هو شيء وقَرَ في نفسه (1). وقال بعض السلف: أحلى ما تكون العبادة / إذا التزق ظهري ببطني.
ربي
والسادسة: أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام؛ لأن الحلال لا يأتيك إلا قوتاً
والحرام يأتيك جزفاً جزفاً.
ثم
والسابعة: أن فيه شغل القلب والبدن بتحصيله أولاً، وبتهيئته ثانياً، ثم بأكله ثالثاً، بإفراغه والتخلص منه رابعاً، ثم بالسلامة منه خامساً، من أن تبدو منه في البدن آفة أو آفات وعلل، وقد قال عليه السلام أصل كل داء البردة». يعني الحمة. وأصل كل دواء اللازم (3).
يعني الحمية.
ويقال: من رفع يده من الطعام وهو يشتهيه ولا يأكل إلا وهو يشتهيه، واستفرغ بدنه من البول قبل النوم لم يحتج إلى طبيب أبداً. ويقال: مكتوب على مائدة كسرى: ليهنى طعام من (1) عن نحوه قال العراقي في المغني (24/ 1): رواه الحكيم الترمذي في النوادر من قول أبي بكر بن عبد الله المزني ولم أجده مرفوعاً. (2) أطراف الحديث عند ابن عدي في الكامل (5231/ 2)، (986/ 3)، ابن الجوزي في العلل المتناهية (178/ 2)، ابن حبان في المجروحين (202/ 1) الذهبي في الميزان (1341)، ابن حجر في ا الميزان (1670/ 3)، العجلوني في كشف الخفا (146/ 1).
لسان (3/215)
صفحة 1072
[248]
216
أكله من
قنطرة النفس
حله، وأفضل على ذوي الحاجة من فضله ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما أكلت وأنت لا تشتهيه فقد أكلك.
ويقال: اجتمع أربعة من الأطباء عند هارون الرشيد أو غيره من الملوك، طبيب هندي ورومي وعراقي وسوداوي فقال الملك ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الهندي: هو الإهليلج الأسود. وقال الرومي: هو حب الرشاد الأبيض. وقال العراقي: هو
الماء الحار.
يرخي
وقال السوداوي: الإهليلج يعفن المعدة، وحب الرشاد يرقق المعدة، والماء الحار المعدة. فقالوا له: ما الدواء الذي لا داء فيه؟ قال: أن لا تضع يدك في الطعام إلا وأنت تشتهيه وترفع منه وأنت تشتهيه. فقالوا صدقت. وأيضاً فإن في كثرة الأكل مقت النفس وتكثير الوضوء، وإن المسلمين يدورون في المساجد والكثير الأكل يدور في المزابل.
وعن
مالك بن دينار / أنه كان يقول مع زهده: يا هؤلاء لقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت مع ما في هذا من طلب الدنيا، والطمع إلى الناس، وتضييع الوقت بسبب الأكل ما لا
يخفى.
الثامنة: من أمور الآخرة شدة سكرات الموت، وقد ورد في الخبر أن شدة سكرات الموت على قدر لذات الدنيا، فمن أكثر من هذا أكثر له من تلك.
الدُّنْيا (1) الآية
التاسعة: نقصان الثواب في الآخرة وقال الله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمُ فِي حَيَاتِكُمْ أنه ويروي بقدر ما يأخذ العبد من لذات الدنيا ينقص له من لذات الآخرة وقد أن الله تعالى عرض الدنيا على نبينا محمد عليه السلام فقيل له: ولا ينقص لك من آخرتك شيء خصه بذلك، فدلّ أن لغيره النقصان إلا أن يتفضل الله عليه بذلك.
روي
ويروى أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير، ويطعم عياله دقيق القمح، ويطعم المساكين الحواري. وروي أن عمر رضي الله عنه عطش فدعى بماء، فأعطاه رجل أدواة فيها ماء نبذ فيها ثمرات، فلما قربها عمر من فيه وجد الماء بارداً حلواً، فأمسك فقال: أوه. فقال الرجل: ماء الوته حلاوة. فقال عمر: ذلك الذي منعني، ويحك لولا الآخرة لشاركناكم في
عيشكم.
(1) سورة الأحقاف الآية: 20. (3/216)
صفحة 1073
قنطرة النفس
217
والعاشرة: أن كثرة الأكل تنسي أهل الجوع في الدنيا حتى لا يتفضل عليهم مع ما
يناله في الآخرة من الحبس والحساب والتوبيخ واللوم في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوة، والله أعلم. فهذه جملة العشر وفي واحدة منها كفاية لمن نظر واعتبر فعليك أيها المجتهد بالاحتياط البالغ في القوة لئلا تقع في حرام أو شبهة فيلزمك العذاب، ثم الاقتصار من الحلال على ما يكون عمدة على عبادة الله تعالى لئلا تقع / في شر وتبقى في [249]
الحساب.
شرطين.
فصل
فإن قيل: شرط المباح حتى يصير خيراً أو حسنة؟ قيل له: يحتاج في الأصل إلى
أحدهما: الحال.
والثاني:: القصد.
فأما الحال: فهو أن يكون في حال عذر وضرورة وإن لم يأخذ البلغة ينقطع بسبب) عن فرض أو سنة أو نفل هو أفضل من ترك المباح فذلك حال العذر.
ذلك
وأما القصد: فهو أن يقصد بأكله التقوى على طاعة الله والاستعانة به على عبادته، ومعنى القصد أن يذكر بقلبه لولا ما فيه من التوصل إلى عبادة الله لما أخذ ذلك، فإن كان في حال عذر لم يكن له هذا القصد، أو كان به هذا القصد ولم يكن في حال عذر فلا يصير ذلك الفعل من جملة الخيرات، ثم الاستقامة على حفظ ذلك الأدب يحتاج إلى بصيرة وقصد مجمل، بأنه لا من الدنيا إلا للاستعانة بها على العبادة، حتى أنه إن سهى عن ذكر الحجة في بعض الأحوال أجزاء ذلك القصد المجمل عن تجديد ذكر الحجة.
يأخذ
فإن قيل: فإن أخذ الحلال بشهوة فهل هذا معصية؟ أو يلزمه عذاب؟ وهل الأخذ بالعذر فرض أم لا؟ قيل له: إن ذلك فضيلة وخير وحسنة والأمر فيه أمر تأديب، وليس في تركه معصية ولا عذاب وإنما عليه الحبس عن الجنة والحساب عليه مدة، بأن يُسأل العبد يوم القيامة عما ذا اكتسب؟ وفيما انفق؟ وماذا أراد بذلك؟ والحبس عن الجنة مقدار الحساب في عرصة القيامة بين أهوالها ومخاوفها عطشاناً عرياناً وكفى بذلك بلية. فإن قيل: فالله تعالى قد أحل لنا هذا الحلال فاللوم والتعبير في أخذه لماذا؟ / قيل له: لترك الأدب كمن أجلس على مائدة الملك فترك الأدب فإنه يعير بذلك [250] (3/217)
صفحة 1074
218
قنطرة النفس
ويلام، والأصل في هذا الباب أن الله تعالى خلق العبد لعبادته وهو عبد الله تعالى من كل وجه، فحق العبد أن يعبد الله تعالى من كل وجه يمكنه ذلك ويجعل أفعاله كلها عبادة من أي أمكنه، وإن لم يفعل ذلك وآثر شهوته واشتغل عن عبادة ربه وجه
مع
تمكنه ذلك
من من غير
عذر - والدار دار خدمة وعبادة لا دار تنعم وشهوة - فقد استحق الملوم بذلك والتعيير من
سيده، فتأمل هذا الأصل راشداً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فصل
واعلم أن الداعي إلى الأكل والشراب شيئان: حاجة ماسة وشهوة باعثة.
فالحاجة: تدعو إلى ما سد الجوعة وسكن العطش وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد النهي عن الوصال في الصوم؛ لأن يضعف
الجسد ويعجز عن العبادة.
وأما الشهوة: فعلى نوعين:
أحدهما شهوة في الإكثار على مقدار الكفاية.
والثاني: شهوة في تناول الألوان الملذة.
فأما النوع الأول: وهو شهوة الزيادة على قدر الحاجة فهو ممنوع في الشرع والعقل؛ لأن تناول ما زاد على الكفاية نهم وشره مضر كما كان قدر الكفاية مندوباً إليه في العقل والشرع وقال بعض العلماء: الرغب لؤم والنهم شؤم. قال الشاعر:
أكلة
فكم من منعت أخاها بلذة ساعة أكلات دهر فكم من طالب يسعى لأمر وفيه هلاكه لو كان يدري وروي عن النبي أنه قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شر من البطن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن لم يفعل فثلثاً للطعام، وثلثاً للشراب، وثلثاً للريح (1). وأما النوع الثاني: وهو شهوة الأشياء الملذة وطلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في أن ذلك مختلفة فمنهم من يرى صرف الناس عنها أولى ليذل له قيادها حتى لا تطغى؛ لأن شهواتها غير متناهية فإن أعطاها ذلك صار الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، ومن كان كذلك لا
يرج
له صلاح وينشد لأبي الفتح البستي:
(1) عن نحوه قال العراقي في المغني (4/ 2) رواه الترمذي وقال حسن، والنسائي، وابن ماجة من حديث
المقداد بن معد يكرب.
[701] (3/218)
صفحة 1075
قنطرة النفس
وروي
219
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته لتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة ويشتهيها فيقول: موعدك الجنة. وقال آخرون: بل تمكين النفس من لذاتها أولى لما في ذلك من ارتياحها ونشاطها بنيل شهواتها فتخسر عنها لذة المقهور وبلادة المحصور فلا تقصر عن درك مأمول، ولا تكل عن استعانة في الأمور. وقال آخرون: بل توسط الأمرين أولى؛ لأن في إعطائها كل شهواتها سلاطة، والنفس السليطة معاندة، وفي منعها من جميع شهواتها بلادة والنفس البليدة عاجزة وفي منعها عن البعض كف السلاطة وفي تمكينها من البعض حسم لها عن البلادة وهذا لعمري أشبه المذاهب بالسداد؛ لأن التوسط في الأمور أحمد والله أعلم.
لها عن
ثم عليك أيها الطالب بالأدب في الأكل وإلا كنت حمالاً للطعم، مضيعاً للأيام، إذ علمنا يقينا أن العبادة لا يجيء منها شيء إذا امتلأت / المعدة وإن أكرهت النفس على ذلك فلا [252] تكون لتلك العبادة لذة ولا حلاوة ولذلك قيل: لا تطمع بحلاوة العبادة مع كثرة الأكل فأي نور في نفس بلا عبادة وفي عبادة بلا حلاوة.
ولهذا المعنى روي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: صحبت أكثر رجال الله تعالى فكانوا يوصونني: إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع: قل لهم من يكثر الأكل لا يجد لذة العبادة، ومن ينم كثيراً لا يجد في عمره بركة، ومن يطلب رضى الناس فلا ينتظر رضى الرب تعالى، ومن يكثر الكلام بفضول وريبة فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام.
(1)
وقال بعض العلماء: جماع الخير كله في هذه الخصال الأربعة وبها صارت الأبدال أبدالاً؛ إخماص، البطون والصمت والاعتزال عن الخلق، وسهر الليل. وقال بعض الحكماء: جاهد نفسك بأنواع الرياضات والرياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، قلة والغمض في المنام، والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام. فيتولد من الآفات، الطعام موت الشهوات، من قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات.
فصل
فعليك أرشدك الله بمراعاة هذه الأعضاء الخمسة المشروحة في هذه الأبواب المتقدمة
(1) سبق أن تكلمت عن تعريف الأبدال. (3/219)
صفحة 1076
[253]
220
قنطرة النفس
وهي: القلب واللسان والعين والسمع والبطن، فاحترس عليها غاية الإحتراس، حتى لا توقعك في معصية وحرام وفضول وإسراف من حلال، فإذا حصلت صيانة هذه الأعضاء فمرجو أن تكفي شر سائر الأركان من اليدين والرجلين؛ لأنهما تبع لهذه الأعضاء /.
/ واحفظ اليدين من أن تضرب بهما أحداً ظلماً، أو تناول بهما مالاً حراماً، أو تلمس
بهما ملموساً حراماً، أو تؤذي بهما أحد من الخلق أو تكتب بهما ما لا يحل النطق به؛ فإن القلم أحد اللسانين فاحفظ القلم. مما حفظ اللسان منه.
يجب
وأما الرجلان فاحفظهما عن المشي بهما إلى حرام أو تسعى بهما إلى باب سلطان ظالم بغير ضرورة؛ لأن ذلك تواضع له وتكثير لسواده وقد قال عليه السلام: «من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه (1). هذا في غني صالح فما ظنك بغني ظالم.
وعلى الجملة فإن حركاتك وسكناتك بأعضائك عمل من أعمالها فلا تحرك شيئاً منها في معصية الله تعالى أهلاً واستعملهما في طاعة الله. واعلم أن العبادة شطران.
أحدهما: شطر اكتساب الخيرات.
العدة
والشطر الثاني: ترك السيئات وهي التقوى، فشطر اجتناب المعاصي والسيئات على كل حال أسلم وأصلح وأشرف من شطر اكتساب الطاعات. ولذلك قال العابد الثاني ليونس عليه السلام يا يونس من الناس من حببت إليهم الصلوات فلا يؤثرون عليها شيئاً وهي عمود. بالنيات الله تعالى والصدق والتضرع والابتهال، ومنهم من حبب إليهم الصوم فلا يؤثرون عليه شيئاً، ومنهم من حببت إليهم الصدقة فلا يؤثرون عليها شيئاً.
يا يونس وأنا مفسر لك هذه الخصال فاجعل صومك الصمت عن كل سوء، واجعل صدقتك كف الأذى فإنك لا تتصدق بشيء أفضل منه ولا تصم بشيء أزكى منه فإذا جانب الاجتناب للمعاصي أولى بالرعاية والاجتهاد فيه، فإن حصل لك الشطران جميعاً واكتساب [254] الطاعات واجتناب المعاصي فقد استكمل أمرك / وحصل مرادك، ولقد سلمت وغنمت، فإن لم تبلغ إلا إلى أحدهما فليكن ذلك جانب اجتناب المعاصي فتسلم إن لم تغنم، وإلا خسرت الشطرين جميعاً، فما ينفعك قيام الليل وتعبه ثم يحبط بإرادة واحدة، وما ينفعك صيام نهارك
وتفسده بكلمة واحدة.
(1) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفا (234/ 2)، السيوطي في الدرر المنتشرة (157)، على القاراء في الأسرار المرفوعة، (339)، المغني في تذكرة الموضوعات (175). (3/220)
صفحة 1077
قنطرة النفس
221
ولقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قيل له: ما تقول في رجلين أحدهما كثير الخير كثير الشر والآخر قليل الخير قليل الشر؟ فقال: لا أعدل بالسلامة شيئاً. ومثال ما قلناه حال المريض وذلك أن معالجة المرض صنفان صنف هو الدواء وصنف الاحتماء إذا اجتمعا فكأنك بالمريض قد براء وصح وإلا فالاحتماء به أولى، إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدواء، وقد قال عليه السلام: «أصل كل دواء الحمية». والمعنى والله أعلم أنها تغني عن كل دواء وبالله التوفيق.
هو
فصل
اعلم أن هذه القناطر الأربعة المتقدمة
هي
قناطر العوائق عن الله، وعن سلوك طريق
الآخرة وهي الدنيا، والشيطان، والخلق، والنفس.
أما الدنيا: فحق لك أن تحذرها وتزهد فيها؛ لأن الأمر فيها لا يخلو من ثلاثة أوجه: إن كنت من أهل البصائر فحسبك أن الدنيا عدوة الله تعالى وهو حبيبك ووليك، وأن الدنيا نقيضة عقلك والعقل قيمتك.
وأما إن كنت من ذوي الهمم في عبادة الله تعالى والاجتهاد فيها فحسبك أن الدنيا بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادة العبادة فضلاً. عن اكتسابها.
وأما إن كنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك بالحقائق ولا همة لك تبعث على اكتساب المكارم، فحسبك / أن الدنيا لا تبقى إما أن تفارقها أو تفارقك كما قال الحسن: إن [255] بقيت لك الدنيا لم تبق لها. فأي فائدة إذاً في طلبها، وإنفاق العمر العزيز عليها؟ ولقد أحسن
القائل:
ب الدنيا تساق إليك عفواً
ذاك إلى زوال
وما دنياك إلا مثل ظل أظلك ثم آذن بار تحال
فإذا نظرت بعقلك وعلمت أن الدنيا لا بقاء لها، وأن نفعها لا يفييء بضرها، وتبعاتها من كد البدن وشغل القلب في الدنيا، والعذاب الأليم والحساب الطويل في الآخرة، زهدت في فضولها ولا تأخذ منها إلا ما لا بد لك منه لتستعين به على عبادة ربك وتدع التلذذ والتنعم إلى الجنة دار النعيم في جوار رب العالمين. وأما الشيطان: فيكفيك منه ما قال الله لنبيه عليه السلام: {وَقُلْ رَبِّ أَعْوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ (3/221)
صفحة 1078
222
قنطرة النفس
الشَّيَاطِينِ) (1). الآية فإذا كان الرسول عليه السلام مع معرفته بربه وعصمته من عدوه محتاجاً إلى أن يستعيذ من الشيطان، فكيف بك مع جهلك ونقصك وخبث الشيطان وتجرده لمعاداتك، فإذاً لا ينجيك منه إلا الاستعاذة بالله من مكائده والجد في طاعة الله ودوام ذكره.
فإن فعلت ذلك وأظهرت عزيمة الرجال يئس منك الشيطان قال الله سبحانه: {إِنَّهُ لَيْسَ
(2)
لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُوا) (2) ... الآية ولقد صدق أبو حازم حيث قال: ما الدنيا؟ وما إبليس؟ أما الدنيا: فما بقي فحلم وما مضى فأماني، وأما الشيطان: فوالله لقد أطيع فما نفع ولقد عصى فما ضر، والله أعلم.
وأما الخلق فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في أهوائهم / أثمت وأفسدت أمر آخرتك، وإن خالفتهم تعبت بأذاياتهم وجفواتهم، وكدرت عليك أمر دنياك، ثم لا تأمن أن يلجئوك إلى معاداتهم فتقع في شرهم ولأنهم مدحوك وعظموك أخاف عليك الفتنة والعجب، وإن دموك وحقروك أخاف عليك الحزن تارة، والغضب لغير الله أخرى فكلا الأمرين آفة
مهلكة.
ثم اذكر حالك
معهم
بعد ما
صرت في القبر ثلاثة أيام كيف يتركونك ويهجرونك وينسونك، فلا يكادون يذكرونك كأنك لم ترهم يوماً ولم يروك، فلا يبقى إلا الله سبحانه وصالح عملك. أفلا يكون من الغبن العظيم أن تضيع أيامك مع هؤلاء الخلق مع قلة الوفاء منهم، وقلة البقاء معهم وتترك خدمة الله تعالى الذي إليه مصيرك وبه حولك وتوفيقك، ولا يبقى لك إلا هو أبد الأبدين، فعوّل عليه يا مسكين في جميع حاجاتك، واتكل عليه في جميع
وعند جميع مهماتك، وبالله التوفيق.
أمورك، تجده أ أمامك، وأما النفس فحسبك منها ما تشاهده من حالاتها ورداءة إرادتها وسوء إختيارتها فهي في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفيلاً، وفي حال النعمة تراها فرعوناً، وفي حال الجوع تراها مجنوناً، وفي حال الشبع تراها مختالاً، إن أشبعتها بطرت وإن جوعتها صاحت وجزعت، وهي كما قال الأول:
كحمار السـ وء أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق فإياك أيها الرجل أن تغفل عنها فإنها كما قال خالقها العالم بها جل جلاله: {إِنَّ النَّفْسَ
(1) سورة المؤمنون الآية: 97.
(2) سورة النحل الآية: 99.
[256] (3/222)
صفحة 1079
قنطرة النفس
223
[257]
الأمارة بالسوء (1). وكفى بهذا تنبيها لمن عقل ولقد صدق القائل وأحسن:
توق نفسك واحذر من غوائلها فالنفس أخبث من سبعين شيطاناً فتنبه رحمك الله لهذه الخداعة الأمارة بالسؤ ووطن على مخالفتها قلبك بكل حال تصب
وتسلم، ثم عليك بالجامها بالتقوى لا حيلة لها سواه. وقد قال القائل: إني ابتليت بأربع يرمونني بالنبل من قوس لها تأثير إبليس والدنيا ونفسي والهوى أنت يا رب على الخلاص قدير ونسأل الله خير مسؤول أن يمدنا بحسن التوفيق وأن يعيننا على سواء الطريق
فإنه الكافي لكل مهم وهو على كل شيء قدير
(2)
تمت قنطرة النفس بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه بمنه وكرمه (2
(1) سورة يوسف الآية: 53. (2) تناثر مضمون هذه القنطرة في إحياء علوم الدين من الجزء الأول إلى الرابع الأخير. (3/223)
صفحة 1080
وفيها أربعة أبواب:
القنطرة الثانية عشرة
قنطرة العوارض
أحدها: باب الرزق وتطالب النفس به وكفايتها بالتوكل.
والثاني: باب الأخطار التي تخطر على القلب من شيء يخافه الإنسان أو يرجوه أو يريده أو يكره ولا يدري صلاحه في ذلك أو فساده وكفايتها بالتفويض.
والباب الثالث: باب المصائب والشدائد وكفايتها بالصبر. والباب الرابع: القضاء الله سبحانه بالخلق والأمر يرد عليه حالاً فحالاً، والنفس من تسارع إلى السخط وكفاية هذا الباب بالرضى عند نزول القضاء. فهذه الأربعة هي العوارض [258] التي تعترض الإنسان فتشغله عن العبادة، فالواجب عليه أن يسد سبيلها لئلا تشغله /عن مقصوده من عبادة الله سبحانه.
باب في الرزق
اعلم يا أخي رحمك الله أن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين عباده على ما شاء من تدبيره، وأن القدر سيجري عليك بقسمك منه، ويوفيكه غير متزايد فيه، بحولك وقوتك، ولا منقص منه بضعفك وعجزك قال الله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيْشَتَهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا) (1).
(2)
الآية. وقال تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّموات والأرْض يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ (2).
(3)
وقال: وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوُا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءَ) (3).
(1) سورة الزخرف الآية: 32. (2) سورة الشورى الآية: 12. (3) سورة الشورى الآية: 27.
(1). (3/224)
صفحة 1081
قنطرة العوارض
225
في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل
الآية. وقال النبي: أن القدس نفث روح رزقها، واتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا شيئاً من فضل الله بمعصيته، فإنه لن ينال ما عند الله إلا بطاعة الله (1).
وعنه عليه السلام أنه قال: إن الجليل جل جلاله لما استوى على عرشه قال: عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتهموني بما تكفلت لكم، فاطلبوا إلي أرزاقكم، وارفعوا إلي حوائجكم، فقضاءها بيدي انصفوا من أنفسكم أصب عليكم أرزاقكم، عبادي: أنفقوا انفق عليكم، ووسعوا أوسع عليكم فلا تضيقوا فأضيق عليكم، ولا تضروا أحداً فأضركم، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سموات، موصل إلى العرش، لا يغلق ليلاً ولا نهاراً، أنزل الرزق على كل امرء بقدر نيته وعطيته وصدقته ونفقته من أكثر أكثر له ومن أمسك
أمسك عنه.
ويقال: إن الله تعالى خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام ثم بسطها بين السماء والأرض / ثم أمر الرياح ففرقتها إلى مشارق الأرض ومغاربها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فمنكم من وقع رزقه في ألفي موضع ومنكم من وقع رزقه في خمسمائة موضع وغير ذلك».
وقال عليه السلام: «لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه الموت (2) وعن أبي حازم أنه قال: وجدت الدنيا شيئين فشيء منها هو لي فلن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فذلك ما لم أنله فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين فني عمري، ووجدت ما أعطيت من الدينا شيئين فشيء يأتي أجله قبل أجلي وأغلب عليه وشيء يأتي أجلي قبل أجله فأموت وأخلفه لمن بعدي ففي أي هذين أعصي ربي وقد قال الله سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رَزْقُهَا) (3).
فكما لا يخفى عليه أمرها فكذلك لا يضيعها في رزقها. وقد روي عن أنس بن مالك أنه قال: جئت يوماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بماء ليتوضيء وطير على شجرة أعمى يضرب بمنقاره في الشجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس أتعرف ما يقول هذا الطائر؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال عليه
(1) أطراف الحديث عند الشهاب في مسنده (1151، 1152)، البغوي في شرح السنة (304/ 14). (2) أطراف الحديث عند الطبراني في الصغير (22/ 1) المنذري في الترغيب والترهيب (236/ 2)، العجلوني في كشف الخفا (266/ 1)، الهيثمي في مجمع الزوائد (72/ 4). (3) سورة هود الآية: 6.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 15
[259] (3/225)
صفحة 1082
226
قنطرة العوارض
السلام: يقول يا رب أنت خلقتني وسويت خلقتي وأعميت بصري وقد جعت فأطعمني». قال أنس: فما أتم النبي عليه السلام الكلام حتى جاءت جرادة إلى فم الطائر فأكلها ثم جعل يضرب بمنقارة على الشجرة، فقال النبي عليه السلام: يا أنس أتدري ما يقول؟» قلت: الله ورسوله
[260] أعلم. قال: يقول الطائر ومن يتوكل على الله / لا ينساه. وقال تعالى: {وَفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (1). قيل: المطر، وقيل: مكتوب في السماء رزق فلان كذا وفلان كذا.
(1)
{وَمَا تُوعَدُونَ. قيل: من خير وشر مكتوب في السماء. وقيل: وَمَا تُوْعَدُونَ يعني الجنة. {فَوَرَبِّ السَمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقِّ مِثْلَ مَا إِنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (2).
ويروي
(Y),
أنه لما نزلت هذه الآية اشتمل قوم من أصحاب النبي يا الله على سيوفهم فقالوا: يا رسول الله من هذا الذي ضمن الله له رزقه فلم يرض به حتى أقسم له بنفسه دلنا عليه. قال: «وما تصنعون به؟» قالوا: نضربه بسيوفنا وعن الأصمعي أنه قال: خرجت ذات يوم من مسجد البصرة إذ طلع عَليَّ أعرابي حافياً متقلداً بسيفه فقال لي من الرجل؟ قلت: من بني الأصمعي. قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الله. قال: أو الله كلام يتلوه الأدميون؟ قلت: نعم. قال: اتلي عليَّ منه. فابتدأت بالذاريات حتى بلغت. {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. فقال: يا أصمعي هذا كلام ربي. فقلت: أي والله. فقال: حسبك، فمال إلى ناقته فنحرها وقسم لحمها وكسر سيفه وولى وهو يقول: وَفِي السَّمَاءِ رِزُقُكُمْ وَمَا تُوْعَدونَ. فقضى الله لي الحج مع هارون الرشيد، فبينما أنا أطوف إذ أنا بالأعرابي مصفر اللون فسلم علي فأجلسني فقال: اتل علي ما كنت تتلوه، فعرفته حتى بلغت: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوْعَدُونَ ... ) (3) الآية. فصاح فقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً يا أصمعي، هل غير هذا؟ فقلت: نعم: {فَوَرَبِّ السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقِّ. . . (4) الآية. [261] فصاح الأعرابي فقال: من ذا الذي أغضب الجليل جل جلاله حتى / أقسم، وخرجت نفسه. وكان يقال: من لم يقنع برزقه عذب نفسه وأنشدوا:
على آية أقتل النفس هم وقد قسم الله رزق الأمم وأقسم في سورة الذاريات على الرزق من ليس بالمتهم
(1) سورة الذاريات الآية: 22.
(2) سورة الذاريات الآية: 23.
(3) سورة الذاريات الآية: 22.
(4) سورة الذاريات الآيتان: 22، 23. (3/226)
صفحة 1083
[262]
قنطرة العوارض
227
من حيث
فمن كان في ظلمات ثلاث فلابد للرزق يأتيه ثم الأكل ما كان أو ما يكون فقد جف عنه مداد القلـ فإذا كنت يا أخي تعرف ربك وتعرف عدله، فلا تتهمه في رزقك، فلا يحملنك الحرص وضيق النفس على أن تستبطاء رزقه وفضله، فإنه لا يدعك حتى يأتيك بما قسم لك. لا تعلم. وروي عن موسى عليه السلام أنه قال في مناجاته: إلهي إني جائع، فأوحى الله إليه: إني أعلم بذلك يا موسى قال إلهي فأطعمني. قال: حتى أريد. قال تعالى: الله يَبْسِطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ (1). فدلنا تعالى بهذه الآية على التوكل والثقة، فلتسكن يا أخي من اضطرابك، ودع حيلتك، وسل من بيده البسط أن يوسع عليك وأنشدوا:
(1) ,
جرى قلم القضاء بما يكون فستان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى برزق ويرزق في غشاوته الجنين ويروى أن هرم بن حيان قال لأويس القرني (3) رحمه الله: أين تأمرني أن أكون؟ فأومى إلى الشام. فقال: هرم كيف المعيشة بها؟ قال أويس: أف لهذه القلوب لقد خالطها الشك فما تنفعها الموعظة، فعليك يا مسكين بطلب الأرزاق ممن تكفل لك بها، ولا تطلبها من طالب مثلك لا ضمان عليه وإن وعدك أخلفك وأنشدوا لعلي بن أبي طالب:
(2)
/ أتطلب رزق الله من عند غيره وتصبح من خوف العواقب آمنا أترضى بصراف وإن كان مشركاً ضميناً ولا ترضى بربك ضامنا كأنك لم تعرف بما في كتابه فأصبحت مدخول اليقين مباينا
(1) سورة الرعد الآية: 26. هو هَرِمُ بن حبان العبدي ويقال: الأزدي البصري أحد العابدين .. ولي بعض الحروب في أيام عمر، وعثمان ببلاد فارس قال ابن سعد: كان عاملاً لعمر، وكان ثقة له فضل وعبادة، وقيل: سمي هَرماً لأنه ستين حتى طلعت أسنانه قال أبو القاسم بن عساكر قدم هرم دمشق في طلب أويس
بقي
القرني.
حملا
عن سعدويه عن يوسف ابن عطية حدثنا المعلي بن زياد: قال كان هَرِم يخرج في بعض الليل وينادي بأعلى صوته: عجبت من الجنة كيف نام طالبها؟! وعجبت من النار كيف نام هاربها؟! ثم يقول: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بأَسُنَا بَيْتاً} [الأعراف: 97]. قاله الذهبي في سير | الأعلام (48/ 4). أما أويس القرني فهو: القدوة الزاهد سيد التابعين في زمانه أبو عمرو أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني، وقرن بطن من مراد وفد على عمر، وروي قليلاً عنه وعن علي .. وأخبار أويس مستوعبة في تاريخ الحافظ ابن عساكر. قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء (19/ 4). قلت: وترجمته جليلة طويلة مفيدة ذكرها الذهبي في سيره فراجعها إن أحببت (19/ 4: 33). (3/227)
صفحة 1084
228
فصل
قنطرة العوارض
وقال أهل العلم: إن الرزق ينقسم على أربعة أقسام: مضمون ومقسوم، ومملوك وموعود. فالمضمون: هو الغذاء وما به قوام البنية دون سائر الأسباب، فالضمان من الله تعالى لهذا النوع والتوكل يجب بإزائه بدليل العقل والشرع على ما سيأتي إن شاء الله بيانه؛ لأن الله تعالى كلفنا خدمته وطاعته بأبداننا فضمن ما يسد به خلل البنية لتقوم بما كلفنا. وروي عن بعض مشايخ الكرامية: أن ضمان أرزاق العباد واجب في حكمة الله تعالى لثلاثة أوجه: أحدها: أنه السيد ونحن العبيد وعلى السيّد مؤنة كفاية العبيد كما أن على العبد خدمة
السيد.
الثاني:
: أنه إنما خلقهم محتاجين إلى الزرق ولم يجعل لهم سيبلاً إلى طلبه إذ لا يدرون ما هو رزقهم؟ وأين هو؟ ومتى هو ليطلبوه بعينه من مكانه في وقته ليصلوا إليه فوجب أن يكفيهم أمر ذلك ويوصلهم إليه.
والثالث: أنه كلفهم الخدمة وطلب الرزق شاغل عنها فوجب أن يكفيهم المؤنة ليتفرغوا للخدمة، والقائل بالوجوب على الله مخطاء إلا أن أراد أن ذلك واجب في جوده وكرمه
فنعم
(1)
والله أعلم.
وأما الرزق المقسوم: فهو ما قسم الله سبحانه وكتبه في اللوح المحفوظ من جميع ما
يأكله ويشربه ويلبسه كل واحد بمقدار مقدر ووقت مؤقت لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر [263] عما كتبه / بعينه قال عليه السلام: الرزق مقسوم مفروغ منه، ليس تقوى تقي يزايده، ولا فجور فاجر يناقصه (2).
وأما الرزق المملوك: فهو ما يملكه الإنسان من أموال الدنيا على حسب ما قدر الله تعالى وقسم له أن يملكه، وهو من رزق الله تعالى، قال الله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ (3). أي مما ملكناكم.
(1) قلت: هذا تعليق طيب من المؤلف رحمنا الله وإياه يدل على صحة عقيدته وعدم شططه أو غلوه في بعض المسائل العقائدية.
(2) نحو هذا الطرف عند العجلوني في كشف الخفا (517/ 1)، والقيسراني في تذكرة الموضوعات
(1061)
(3) سورة المنافقون الآية: 10. (3/228)
صفحة 1085
قنطرة العوارض
229
وأما الموعود: فهو ما وعد الله تعالى للمتقين من عبادة بشرط التقوى، حلالاً من غير
كد، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (1). فهذه أقسام الرزق والتوكل، إنما يجب بإزاء المضمون منها فاعلم ذلك وبالله التوفيق.
فصل: في التوكل
قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ
(2)
(3)
خَبِيراً) (2). قيل: قرأ بعض العلماء بهذه الآية فقال: ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. وقال تعالى: {وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيون يمرون ومعهم الرهط والنبي ليس معه أحد حتى رفع إلى سواد عظيم فقلت: ما هذا؟ هذه أمتي؟ قيل: هذا موسى وقومه، قيل لي: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، فقيل لي: هذه أمتك، ويدخل الجنة مع هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب تضيء وجوههم إضاءة القمر». ثم دخل ولم يبين لهم، فأفاض القوم فقالوا: نحن الذين آمنوا واتبعوا رسوله فنحن هم أو أولادنا؟ ولدوا على الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية. وفي حديث آخر: فقال بعض المسلمين: نحن قد ذقنا الشرك، وربما هؤلاء الأنبياء ومن يأتي من أبنائنا، فبلغ ذلك النبي / صلى الله عليه وسلم فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، [264]
بعد من
وعلى ربهم يتوكلون» (4). وقال عليه السلام: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور تغدو خماصاً وتروح بطانا). من توكل عليه كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال: سأل بعض الحكماء من أين تأكل؟ فقال: ليس هذا العلم عندي ولكن سل ربي من أين يطعمني؟ وقال رجل لأعرابي في فلاة: من أين معيشتك؟ فقال: لو كنا لا نعيش إلا من حيث نعلم لطال جوعنا. وكان يقال: متى رضيت بالله وكيلاً وجدت إلى كل خير سبيلاً.
وقال: دخل جماعة إلى بعض الزهاد فقالوا: نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم أين هو فاطلبوه. فقالوا: نسأله؟ فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه وقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟
(1) سورة الطلاق الآية: 2، 3.
(2) سورة الفرقان الآية: 58.
(3) سورة المائدة الآية: 23.
(4)
عن نحو هذا الحديث العراقي في المغني (531/ 4): رواه البخاري. (0) قال العراقي في المغني (239/ 4) رواه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر. (3/229)
صفحة 1086
قنطرة العوارض
230
قال: التجربة شك. قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.
وعن أويس القرني (1) رحمه الله قال: لو عبدت الله تعالى بعبادة أهل السموات وأهل الأرض لما تقبل منك حتى تصدقه. قيل: فكيف نصدقه؟ قال: تكون آمناً بما تكفل الله به من أمر رزقك ويرى جسمك فارغاً لعبادته.
ويروى أن قوماً من الأعراب زرعوا زرعاً فلما بلغ أصابته، آفة، فاشتد ذلك عليهم حتى: راء فيهم فخرجت أعرابية منهم فقالت: ما لي أراكم جلوساً مغيرة ألوانكم ميتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما شاء وليرزقنا من حيث شاء ثم قالت:
لو أن في صخرة في البحر راسية صماء ململمة ملساء نواحيها رزقنا لنفس براها الله لانفلقت حتى تؤدي إليها كل ما فيها / أو كان بين طباق السبع مسلكها لسهل الله في المرقى مراقيها تنال الذي في اللوح خط لها فإن أتته وإلا سوف يأتيها وعن سعيد بن جبير أنه قال: التوكل جماع الإيمان.
حتى
فصل
اعلم أن التوكل محله القلب ومعناه مأخوذ من قولك: توكل فلان على فلان وهو أن
أن
يتخذه بمنزلة الوكيل القائم بأمره. وحقيقة التوكل هو سكون القلب في ضمان الرب، وهو أن الله تعالى لم يترك أمراً مهملاً بل فرّغ من الأشياء، وقدرها، وإن اختلف منها شيء في المعقول، أو تشوش في المحسوس، أو اضطراب في المعهود، فهو المدبر وشأنه سوق
تعلم أ
المقادير إلى المواقيت.
فحقيقة التوكل يرجع إلى أصل واحد وهو أن تعلم أن الله تعالى ضامن لما تقوم به
بنيتك، مقدّر لما يجري عليك فتوطن نفسك على ذلك، وتريح قلبك من التعلق إلى غيره. وأما حصن التوكل الباعث عليه فهو ذكر ضمان الله تعالى وحصن حصن التوكل ذكر عظمة الله وكماله ونزاهته عن الخلف والسهو والعجز فإذا واظب القلب على هذه المعاني بعثته على التوكل على الله تعالى في أمر الرزق؛ لأنه تعالى قرن الرزق بالخلق فقال: وخَلَقَكُمْ
(2)
ثُمَّ رَزَقَكُمْ)
(1) سبق أن ترجمت له ترجمة مختصرة قبل قليل.
(2) سورة الروم الآية: 40.
[265] (3/230)
صفحة 1087
قنطرة العوارض
(1) ,
231
فدل أن الرزق منه تعالى لا غيره كالخلق، ثم لم يكتف بالأدلة حتى وعد فقال: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ) (1). ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرضِ إِلَّا عَلَى الله رَزْقُهَا (2). ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم فقال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والْأَرْضَ إِنَّهُ لَحَقِّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (3). ثم لم يكتف بذلك كله حتى أمر بالتوكل فأبلغ وأنذر فقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيَّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (4).
فمن لم يعبأ بقوله ولم يكتف بوعده ولم يطمئن / الضمانه، ولم يقنع بقسمه، ثم لم يبال [266] بأمره ووعده ووعيده فانظر ماذا يكون حاله، فهذه والله محنة عظيمة ومصيبة جسيمة وقد قال الحسن: لعن الله أقواماً أقسم لهم ربهم فلم يصدقوه.
ويروي
أن الملائكة قالت عند نزول هذه الآية: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية. هلكت
بنو آدم أغضبوا ربهم حتى أقسم لهم على أرزاقهم والله أعلم وأحكم.
مسألة
اعلم أن الجاهل قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، والتدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجاهل، وذلك حرام في الشرع؛ لأنه قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بارتكاب محرماته بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده، وذلك محصور في أربعة أوجه:
أحدها: إما أن يكون لجلب نافع مفقود يحصله بالكسب، أو لحفظ موجود عنده يصونه بالإدخار، أو لدفع ضر لئلا ينزل به: كاللص والسباع أو لإزالة ضار قد نزل به: كالتداوي من المرض، فمقصود حركات العبد لا تعد وهذه الوجوه.
وإما جلب نافع: فيكون على ثلاثة أوجه:
أحدها مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها، بتقدير الله عز وجل ارتباطاً مطرداً لا يختلف مثل الطعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج إليه، فلا يمد اليد إليه فيقول:
(1)
سورة الذاريات الآية: 58.
(2) سورة هود الآية: 6. سورة الذاريات الآية: 23.
(3)
(4) سورة الفرقان الآية: 58. (3/231)
صفحة 1088
232
قنطرة العوارض
أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد سعي وحركة وكذلك مضغه بالأسنان فهذا جنون، وليس من التوكل في شيء فإنه إن انتظر أن يخلق الله فيه شبعاً دون أكل الخبز، ودون [267] أن يتحرك إليه، أو انتظر أن يسخر / له ملكاً يمضغ له فقد جهل سنة الله في البلاد والعباد، وكان بمنزلة من طمع في الزرع بغير بذر ولا حرث، وطمع في الولد بغير جماع زوجة وأمثال هذا مما يكثر فليس التوكل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعلم.
وأما العلم فهو أن يعلم أن الله خالق الطعام واليد وأنه الذي يطعمه ويسقيه. وأما الحال فيكون سكونه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام إذ تجف اليد ويسلب الطعام في الحال، فإذا كان هكذا علمه وحاله فليمد اليد إليه فإنه متوكل.
والوجه الثاني: الأسباب التي ليست متعينة لكن الغالب أن المسبب لا يحصل دونها
كالذي يسافر في البادية بغير زاد فهذا متوكل بشرطين.
أحدهما: أن يكون قد راض نفسه على الصبر على الطعام أسبوعاً أو ما قاربه. والثاني: أن يكون بحيث يتقوت بالحشيش أو الأشياء الخسيسة. فبين الوجهين فرق،. في. هذا الوجه يحتمل أن يجد طعاماً أو ينتهي إلى محلة أو قرية، والوجه الأول أن يتحرك الطعام ممضوغاً في فيه فبينهما فرق ولكن الثاني قريب من معنى ا الأول.
لأنه
وقد
روي أن زاهداً أقام في جبل أسبوعاً وقال لا أسأل أحد فأوحى الله إليه فوعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار، ففعل فأتاه الناس بالطعام فأوحى الله إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك أما علمت أني أرزق عبدي على أيدي عبادي أحب إلي أن أرزقه بيد
قدرتي.
ولذلك قال بعض العلماء: لو انحاز إليّ جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرقه إنسان وجلس فيه متوكلاً لكان آثماً مساعياً في إهلاك نفسه. فلما كان الأمر على ما وصفنا، كان [268] التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة، فالأول / متوكل بالحال والعلم، والثاني متوكل بالحال والعلم والشرط إذ يمكن أن يؤخذ الزاد من صاحبه فيموت جوعاً والله أعلم.
الوجه الثالث: القاعد في مسجد قرية تاركاً للكسب فهذا متوكل ولكنه أضعف من الأول؛ لأنه بالقعود في المصر متعرض لأسباب الرزق ولكن هذا لا يبطل توكله إذا كان نظره إلى مسخر سكان البلد لا إلى الساكن في البلد والله أعلم.
وكما روي أن عابداً كان بالحرم، وكان رجل يأتيه كل يوم بقرصيتن يفطر عليهما ولا (3/232)
صفحة 1089
قنطرة العوارض
233
يشتغل بغير الله عز وجل فقالت له نفسه يا هذا أسكنت إلى هذا المخلوق ونسيت رازق المخلوقين والله ليرزقنك على يد غيره ما هذه الغفلة وما هذا السكون لغير الله تعالى، فبينما هو يعاتب نفسه فإذا هو بالرجل قد أتاه بالقرصتين فردهما عليه وانتهره وبقي العباد ثلاثة أيام لمن يفتح عليه بقوت، فشكي ذلك إلى الله تعالى فرأى في منامه كأنه واقف بين يدي الله، فقال له: عبدي لم رددت عبدي بما أرسلته به إليك. فقال: يا رب بما قام في نفسي من السكون إلى غيرك. فقال: عبدي من أرسله إليك؟ قال: أنت يا رب. قال: فأنت. منك يا رب. قال: فخذ لا تعد فنام الرجل الذي يأتيه بالقرصتين فرأى كأنه واقف بين يدي ا تعالى، فقال له: لم قطعت عن عبدي القرصتين؟ فقال: يا رب ردهما علي وانتهرني. قال: لمن كنت تعطي؟ قال: لك يا رب. قال: فمر على عادتك وثوابك الجنة.
ممن
تأخذه؟ قال:
الله
الوجه الرابع: أن يكتسب على الوجه المباح في الشرع يرى كسبه وبضاعته بالإضافة إلى: قدرة الله تعالى كما يرى القلم في يد الكاتب، فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك الكاتب بماذا يتحرك / وإلى ماذا يميل فإذا كان هكذا فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع [269] فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة
كما تقدم.
وقد قال بعض علماء السلف: التوكل بالقلب والاكتساب، بالبدن، فإذا اكتسبت ببدنك، واتكلت على الله بقلبك فأنت متوكل، وإن تركت العمل ببدنك واشتغل قلبك بالخلق فلست بمتوكل وسيأتي شرح ذلك إن شاء الله في باب القدر.
وأما حفظ الموجود الذي في أيدي الإنسان بالصيانة والإدخار: فإنه إن استوثق بما في يده
وظن أنه لا يزول ولا يفارقه فهذا اتكال على غير الله.
وأما إن اتكل على هذا وأيقن أنه. عند الله من
وهو قادر على إزالته وذهابه ولم يمنع حقاً
من حقوقه فهذا اتكال على الله.
ويقال: من ضعف اليقين الإستيثاق بما في يده دون ما في يد الله.
وقيل أيضاً: الثقة بالموجود سوء ظن بالمعبود والله أعلم.
وأما دفع ضار لم ينزل به من لص أو سبع أو غير ذلك من جميع المضار من الحر والبرد وغيرهما: فإن ذلك أمر مأمور به في الشرع قال الله تعالى: (خُذُوا حِذْرَكُمْ .... (1) الآية.
(1) سورة النساء، الآية: 71. (3/233)
صفحة 1090
234
قنطرة العوارض
وقد روي: أن النبي الظاهر بين ذرعين واتخذ خندقاً حول المدينة ليحترس به من العدو، وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب، وقد قال تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. . . (1) الآية.
وأما إزالة ضار قد نزل به: كالتداوي من المرض، فذلك مباح في الشرع أيضاً فـ[270] أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمداوات وقال: إن الذي أنزل الداء / أنزل الدواء» (2).
فقد روي
(3)
ويقال أنه عليه السلام شرب السناء بالتمر، واستعاط بالسمسم. وقال: «عليكم بالحبة السوداء فإنها شفاء من كل داء إلا السام» يعني الموت.
أن ويروي
موسي
عليه السلام قال: ممن الداء؟ قال: مني. قال: فممن الدواء؟ قال: مني. قال: فما ينفع الأطباء؟ قال: يطيبون نفوس عبادي.
فهذه الأخبار تدل على إباحة التداوي وإزالة المضار إذا كان نظر الإنسان إلى رب الدواء يتوقع الشفاء والفَرَجُ من عنده لا إلى الدواء في نفسه أنه ينفع العلاج به أو يضر تركه والله أعلم. فإن قيل: أليس قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استرقى واكتوى فقد براء من
التوكل (1). قلنا: أليس قد ظاهر بين ذرعين وشرب الدواء وسائر ما ذكرناه آنفاً؟ فإن قيل: فما المخرج؟ قيل قال بعض العلماء من استرقى أو اكتوى متوكلاً على الرقية والكي وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من التوكل ويلحقه برتبة الكفر إذا كان يضيف الحوادث إلى غير الله. وأما من آمن بمسبب الأسباب وخالق الأدوية، وتعاطى المداوات بها على ما جرت عادة الله تعالى في خلقه غير معتمد على شيء من تلك الأسباب بل هو واثق القلب أن ما حصل من ذلك فبتيسيره وما تعسّر، فبتقديره فهذا متوكل على الله بشرط أن يسلك في جميع ذلك طريق الشرع والطاعة ولا يسلك طريق المعصية والمخالفة، وبالله التوفيق.
(1) سورة النساء، الآية: 102. (2) نحو هذا الطرف عند أحمد في المسند (443/ 1)، الحاكم في المستدرك (197/ 4)، البيهقي في السنن الكبرى (343/ 9)، الطبراني في الكبير (148/ 1)، ابن أبي شيبة في المصنف (360/ 7) والزيلعي في
نصب الراية (283/ 4).
(3) طرفه عند أحمد. في المسند (510/ 2)، (138/ 6).
(4) طرف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (389/ 9). (3/234)
صفحة 1091
قنطرة العوارض
235
الباب الثاني
باب الأخطار
التي تخطر على القلب من شيء يخافه الإنسان أو يرجوه أو يريده أو يكرهه، ولا يدري فساده في ذلك أو صلاحه، فإن عواقب الأمور مبهمة فيشتغل قلبه بذلك، فإنه ربما يقع في فساد أو مهلكة، وتلك الأخطار في الجملة على وجهين:
أحدهما: خطر الشك بأنه يكون أو لا يكون، أو أنك تصل إليه أو لا تصل إليه، وهذا
يحتاج إلى الاستثناء، أو يقع في باب النية والأمل، قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (1).
وأصل الاستثناء رد المشيئة إلى الله تعالى مثل قولك: إن شاء الله، وإن أراد الله، أو إن قدر الله، أو إن كان ذلك في علم الله، أو إن كان ذلك في اللوح المحفوظ، وترك الاستثناء ذنب من الذنوب، وذلك إن قال: أنا فاعل هذا غداً.
وأما إن قال: أنا فاعل بعد غداً وجميع الأوقات المستقبلية غير غد ففيه قولان، والذي ينبغي للإنسان أن يعتمد في ذلك على الله ويستخيره قال الله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَى لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (2).
وعن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني، وأصرفني. لي الخير حيث كان وارضني به، ويسمي.
حاجته (3).
وعنه عليه السلام أنه قال: من سعادة ابن آدم استخارته الله.
(1) سورة الكهف، الآيتان: 23، 24.
(2) سورة الكهف، الآية: 10.
عنه،
وقدر
(3) قال العراقي في المغني 207/ 1 حديث صلاة الاستخارة - رواه - البخاري من حديث جابر قال أحمد
حديث منكر. (3/235)
صفحة 1092
236
قنطرة العوارض
والوجه الثاني: / خطر الفساد بأن لا تستيقن فيه الصلاح لنفسك وهو الذي يحتاج فيه
إلى التفويض.
ثم اختلفت عبارة العلماء في الخطر، فقال بعضهم: الخطر في الفعل هو أن تكون دونه نجاة ويمكن أن يجامعه ذنب، فأما الإيمان وإتباع السنة والاستقامة على ذلك فلا خطر فيها إذ لا تمكن دونه، الإيمان نجاة والاستقامة لا يجامعها ذنب فإذا تصح إرادة الإيمان والاستقامة بالحكم. وقال آخرون: الخطر في الفعل الأولى هو ما يمكن أن يتعرض فيه ما يكون الاشتغال بالعوارض أولى من الإقدام على ذلك الفعل، وذلك يقع في المباحات، والسنن،
والفرائض.
ألا ترى أن من يضيق عليه وقت الصلاة وقصد أداءها فقصد حريق أو غريق يمكن إنقاذه، فالاشتغال بإنقاذ النفس من الحريق والغريق أولى من الإقبال على صلاته فلا تصح إذاً إرادة المباحات والسنن وكثير من الفرائض بالحكم والله أعلم.
فصل
فالواجب على العبد أن يستكفي عارض الأخطار بتفويض الأمر كله إلى الله تعالى قال الله سبحانه حكاية عن مؤمن آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) (1) الآية.
ثم قال جل وعلا: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا. ... ) (2) الآية.
وقال عليه السلام لابن مسعود: ليقل همك، ما قدر أتاك وما لم يقدر لا يأتيك». وقوله: ليقل همك». أمر له بالتفويض. ويُنشد:
ما قد قضى سيكون فاصطبري له ولك الأمان من الذي لم يقدر كي تعلمي أن المقدر كائن لا بد منه صبرت أو لم تصبري
فعليك بتفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وذلك لأمرين:
أحدهما: / للطمأنينة في القلب في تلك الحالة فإن الأمور إذا كانت خطرة مبهمة العواقب لا يدري صلاحها من فسادها فمن لم يطمئن قلبه بتفويض الأمر إلى مالكه فإنه يبقى
(1) سورة غافر، الآية: 44.
(2) سورة غافر، الآية: 45.
[272]
[273] (3/236)
صفحة 1093
[274]
237
قنطرة العوارض
مضطرب البال مختل الحال فإذا فوض الأمر إلى الله تعالى اطمأن قلبه وأمن من الخطر وارتاح، وقد قال بعض السلف: دع التدبير إلى خلقك من، تسترح.
ويروى أن الله سبحانه أوحى إلى داود عليه السلام تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. وينشد:
يريد العبد أن يؤتي مناه
الله إلا ما أراد
يقول العبد فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاد
والثاني من الأمرين: حصول الصلاح والخير في الاستقبال؛ وذلك لأن الأمور بالعواقب مبهمة، فكم من شر في صورة خير وكم من ضر في صورة نفع، وكم من سم في هيئة شهد، وأنت الجاهل بالعواقب والأسرار، فإذا أردت الأمور قطعاً وأخذت فيها باختيارك متحكماً فما أسرع ما تقع في هلاك وأنت لا تشعر.
ولقد حكي أن بعض العباد كان يسأل الله أن يريه إبليس اللعين، فقيل له: سل الله العافية، فأبى إلا ذلك فأظهره الله تعالى، فلما رآه العابد قصده بالضرب، فقال له إبليس: لولا أنك تعيش مائة سنة لأهلكتك وعاقبتك، فاغتر بقوله وقال في نفسه: إن عمري بعيداً أفعل ما أريد ثم أتوب، فوقع في الفسق فترك العبادة فهلك.
ففي هذا ما ينهيك عن ترك التحكم في إرادتك واللجاج في مطلوبك. وأما إذا فوضت الأمر إليه تعالى وسألته أن يختار لك ما هو صلاحك لم تلق إلا السداد والخير / إن شاء الله تعالى.
ثم إذا استخرت ربك وفوضت إليه أمرك فلا تتهمه فيما اختار لك وإن كان مكروهاً عندك، فَرُبَّ خير في صورة شر، ومحبوب في صورة مكروه، وقد قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَل اللَّهُ فِيْهِ خَيْراً كَثِيراً) (1).
وفي قصة الخضر مع موسى عليه السلام في سورة الكهف ما يدلك على ما ذكرناه: من خرق الخضر سفينة المساكين وقتل الغلام وتسوية الجدار وإنكار موسى عليه السلام ذلك عليه بظاهر الأمر، حتى فسّر ذلك الخضر عليه السلام قال الله تعالى حكاية عن العبد
(1) سورة البقرة، الآية: 216. (3/237)
صفحة 1094
[275
238
قنطرة العوارض
(1)
الصالح: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ ... (1) إلى آخر الآية.
أما ترى كيف أعقبه ذلك من الأسواء والنصرة على الأعداء والله أعلم.
فصل
فإن قيل بين لنا موضع التفويض ومعناه وحده، وضده قيل له:
أما موضعه فاعلم أن المراد ثلاثة: مراد يعلم يقيناً أنه فساد وشرك النار والعذاب، وفي الأفعال كالكفر والمعاصي فلا سبيل إلى إرادة ذلك.
الثاني: مراد يعلم قطعاً أنه صلاح كالجنة والإيمان والطاعة فلك إرادتها بالحكم لا موضع للتفويض فيه إذ لا خطر فيه ولا شك لك أنه صلاح وخير.
الثالث: مراد لا يعلم يقيناً أنه صلاح لك أو فساد وذلك نحو: النوافل والمباحات فهذا موضع التفويض فليس لك أن تريدها قطعاً بل باستثناء وشرط الخير والصلاح فإن قيدت إرادتك بالاستثناء فهو تفويض، وإن أردت ذلك بغير استثناء فهو طمع مذموم منهى عنه، فموضع الاستثناء إذا كل مراد فيه الخطر وهو أن لا تستيقن صلاحك فيه.
وأما معنى التفويض: فقد اختلفت فيه / عبارات العلماء فقال بعضهم: معناه ترك اختيار ما فيه الخطر إلى اختيار المدير العالم بمصلحة الخلق.
وقال آخرون: هو ترك الطمع والطمع هو إرادة الشيء المخاطر بالحكم. وقيل التفويض هو إرادة أن يحفظ الله عليك مصالحك فيما لا تأمن فيه الخطر. وأما ضد التفويض على هذا المعنى فهو عندهم الطمع، والطمع عندهم في الجملة يجري على وجهين:
أحدهما في معنى الرجاء تريد شيئاً لا خطر فيه أو فيه خطر فتريده بالاستثناء وذلك ممدوح قال الله تعالى: أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي) (2)، (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبَّنَا
خَطَايَانَا) (3).
(1)
والثاني: إرادة الشيء بمخاطرة بالحكم، قال: وهذه الإرادة تقابل بالتفويض والله أعلم.
سورة. ة غافر، الآية: 44.
(2) سورة الشعراء، الآية: 82.
(3) سورة الشعراء، الآية: 51. (3/238)
صفحة 1095
قنطرة العوارض
وينشد:
أبى الله إلا ما أراد وقدرا وإن بيت الإنسان رأياً ودبرا ريد الفتى قصدا بعزم ونية فتصرفه الأقدار عنه وما درا فكم مركب في البحر لبلدة فدارت به الأرياح دورا إلى أخرى وكم آخذ نهج اليمين بعزمه فقادته إنفاذ المقادير لليسرا ففوض إلى الرحمن قصدك كله والق إليه في عزائمك العرا
الباب الثالث
باب المصائب والصبر
239
قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوْعِ .... ) إلى قوله: {وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (1). اعلم أن الله تعالى أخبر المسلمين في هذه الآية أنه سيبتليهم بأنواع البلايا فأمرهم بالصبر لأن الصبر هلاك كل فضيلة وبه ينال كل خير ومكرمة، قال الله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) (2). ويقال: إن الله سبحانه ذكر الصبر في كتابه في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر فقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (3).
(Y),
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيْمَةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا (4) فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)، {وَأَصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (1)
(1)
فمن أمارات حسن التوفيق وعلامة السعادة الصبر في الملمات والرفق في الأمور وقد جمع الله للصابرين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال: أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
(7)
وَأَوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) (7).
(1) سورة البقرة الآية: 155. (2) سورة الأعراف الآية: 137. (3) سورة الزمر، الآية: 10. (4) سورة السجدة، الآية: 24. سورة النحل، الآية: 127.
(0)
(6) سورة الأنفال، الآية: 46. (7) سورة البقرة، الآية: 157. (3/239)
صفحة 1096
240
قنطرة العوارض
وكان عمر رضي الله عنه يقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين. يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالرحمة الهدى والعلاوة ما يحمل فوق العدلين على ظهر البعير. وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: «ما من مصيبة وإن عظمت إلا والصبر خير
منها.
وسئل عليه السلام عن الإيمان؟ فقال: «الصبر والسماح (1). وفسر ذلك بعض العلماء فقال: الصبر الله على طاعته والسماح الله بفرائضه. وقال عليه السلام: «الصبر كنز من كنوز الجنة (2). وقال عليه السلام: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس (3).
وقال عليه السلام: «الصبر نصف الإيمان (4). وقال عليه السلام: «أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امراء منكم بما عمل جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا، فينكر بعضكم بعضاً، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر [277] واحتسب / ظفر بكمال آية ثم قرأ: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفُدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ. . . (5) (6) الآية. وقال عليه السلام لابن عباس: اعمل على الرضى واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير
كثير.
وقال عيسى عليه السلام: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، وقال
عليه السلام: لو صبر رجلاً لكان كريماً، والله يحب الصابرين (7).
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: بني الإسلام على أربع دعائم؛ اليقين، والصبر،
والجهاد، والعدل.
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (385/ 4)، وابن أبي شيبة (33/ 11)، الربيع بن حبيب في
المسند (6/ 3)، ابن حجر في المطالب (3/ 22).
(2) قال العراقي في المغني (60/ 4) غريب لم أجده.
(3) لا أصل له مرفوعاً وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس، قاله العراقي في المغني (61/ 4).
(ع) رواه أبو نعيم والخطيب من حديث ابن مسعود قاله العراقي في المصدر السابق. (5) سورة النحل، الآية: 96.
(6) قال العراقي في المغني (60/ 4): لم أجده هكذا بطوله.
(7) رواه الطبراني في الكبير من حديث عائشة وفيه صبيح بن دينار ضعفه العقيلي. قاله العراقي في المغني
(61/ 4) (3/240)
صفحة 1097
قنطرة العوارض
241
وقال أيضاً: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس له ولا
إيمان لمن لا صبر له.
وعن أبي الدرداء قال: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب».
:
وقال علي بن أبي طالب الصبر مطية لا تكبو والقناعة سيف لا ينبو.
وقال بعض العلماء: لم أسمع بأعجب من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما ركبت وعن عبد الله بن عباس أنه قال: أفضل العدة الصبر على الشدة.
وقيل في منثور الحكم من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً. وينشد لعبيد الله
الأبرص:
اصبر النفس عند كل
لا تضيقن بالأمـ
مور
ربما تجزع النفوس من
إن في الصبر حيلة المحتال يكشف غماءها بغير احتيال
الأ مرله فرجه كحل العقال
وقال بعض البلغاء: إن لكل شيء ثمرة وثمرة الصبر الظفر.
وروي أن ابن المقفع قال في كتاب التميمة الصبر صبران فاللثام أصبر أجساماً والكرام أصبر نفوساً، وليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون الرجل قوي الجسد على الكد والعمل، صفة / الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوباً، وللأمور محتملاً ولجأشه عند [278]
لأن هذا
من
الغضب مرتبطاً وبالله التوفيق.
بيان الأسامي التي تتخذ للصبر: اعلم أن الصبر ضربان: ضرب بدني: كتحمل المشاق والثبات عليها من أعمال الطاعة وغيرها أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والمرض وغيرهما وقد يكون محموداً إذا وافق الشرع. والضرب الثاني: الصبر النفسي وهو ضبط النفس عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى وهذا هو الصبر التام المحمود، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه فإن أساميه عند الناس مختلفة كاختلاف المكروه الذي عليه الصبر، فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع، وهو إطلاق دواعى الهوى في رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب وغيرها، وإن كان في
قناطر الخيرات / ج 3/ 165 (3/241)
صفحة 1098
[279]
242
احتمال الغنى سمي
قنطرة العوارض
ضبط النفس وتضادده حالة تسمى البطر، وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ويضادده، الجبن وإن كان في كظم الغيظ سمي حلماً ويضادده التذمر، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي سعة الصدر ويضادده الضجر والتبرم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء الكلام سمي كتمان السر وسمي صاحبه كتوماً، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً ويضادده، الحرص وإن كان صبراً على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضادده الشره، فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر.
فلذلك لما سئل النبي عليه السلام مرة عن الإيمان فقال: «هو الصبر» (1). لأن أكثر
أعماله وأعزها كما قال: «الحج عرفة (2).
(?)
وقد جمع الله / أقسام ذلك وسمى الكل صبراً فقال تعالى: {وَالصَّابِرِيْنَ فِي الْبَأْسَاءِ (3). أي في المصيبة. وَالضَّرَاءِ (4). أي الفقرا. {وَحِيْنَ الْبَأْسِ (5). أي في القتال والحرب. أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا .... ) (6) الآية.
فإذا هذه أقسام الصبر بجميع متعلقاتها، ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه أحوال مختلفة في أذواتها وحقائقها من حيث رداء الأسامي مختلفة، والذي ينظر بنور الله تعالى ينظر المعاني أولاً فيتطلع على حقائقها، لأن الأسامي إنما وضعت دالة على المعاني، والمعاني هي الأصول والألفاظ هي التوابع وبالله التوفيق
(^)
فصل
اعلم أن الصبر على ستة أقسام، وهو في كل قسم منها محمود.
فأول أقسامه: وأولاها الصبر على امتثال أوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه: لأن
به
(1) قال العراقي في المغني (60/ 4): أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ويزيد ضعيف.
(2) أطراف الحديث عند أبي داود المناسك ب (69) الترمذي، (889) النسائي في المجتبى (256/ 5)، ابن ماجه (3015)، البيهقي (152/ 5)، الحاكم (264/ 1)، ابن خزيمة (2822)، الدارقطني
(241/ 2)
(3) سورة البقرة، الآية: 177. (4) سورة البقرة، الآية: 177.
(5) سورة البقرة، الآية: 177.
(6) سورة البقرة، الآية: 177.
(7) راجع الباب بتمامه في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (65/ 4، 66). (3/242)
صفحة 1099
قنطرة العوارض
تخلص الطاعة
ويصح
243
الدين وتؤدى الفرائض ويستحق الثواب كما قال في محكم التنزيل:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (1).
ولذلك قال عليه السلام: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (3). وليس لمن
قل صبره على طاعة الله حظ من بر ولا نصيب من صلاح، وقد قال الحسن: يا من يطلب من الدنيا ما لا يلحقه أترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه. وقد قال بعض العلماء: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة.
على
صبر
وقال عمر بن عبد العزيز للقاسم بن محمد: أوصني فقال: عليك بالصبر في مواطن الصبر. وقال بعض العلماء من نوى الصبر على طاعة الله صبره الله عليها وقواه، ومن عزم على الصبر عن معاصي الله عصمه الله منها. ثم من العبادة ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما جميعاً نحو الحج والجهاد، فالصبر الطاعة على الشدائد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا (3). قيل معناه على ما فرض الله عليكم. {وَصَابِرُوا (4). قيل: معناه صابروا عدوكم. {وَرَابِطُوا. فيه تأويلان أحدهما رابطوا على الجهاد والثاني: رابطوا على انتظار الصلاة بدليل قوله عليه السلام: الا أدلكم على ما. يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله قال: «إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط (0) قالها ثلاثاً. . واعلم أن المطيع يحتاج إلى الصبر على طاعة الله في ثلاثة أحوال:
الأولى: قبل الشروع في الطاعة، وذلك في تصحيح النية والإخلاص والصبر على شوائب الرياء ودواعي الآفات وذلك من الصبر على الشدائد عند من يعرف حقائق النية والإخلاص وآفات الرياء ومكائد النفس، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «الأعمال بالنيات ولكل امرو ما نوي (6).
(1) سورة الزمر، الآية: 10.
(2) قال العراقي في المغني (60/ 4): رواه أبو منصور الديلمي من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً.
ويزيد ضعيف.
(3) سورة آل عمران الآية: 200. (4) سورة آل عمران، الآية: 200.
(0) أطراف الحديث عند مسلم (الطهارة: (41) الترمذي في الجامع (51)، البيهقي (62/ 3)، ابن خزيمة
(5)، أبي نعيم في الحلية (248/ 8).
(6) متفق عليه من حديث عمر قاله العراقي في المغني (69/ 4). (3/243)
صفحة 1100
244
(1) ,
قنطرة العوارض
وقال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .... (1) الآية. ولهذا
المعنى قدم الله الصبر على العمل فقال: إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (2). الحالة الثانية: حالة العمل كي لا يغفل عن الله تعالى في أثناء عمله، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه، ويلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، وهذا أيضاً من شدائد الصبر ولعله المراد بقوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَالِمِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا (3). أي صبروا على إتمام
العمل.
الحالة الثالثة: بعد الفراغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للرياء [281] والسمعة، والصبر عن النظر إليه بعين الإعجاب وعن كل ما يحيط عمله قال الله / تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنَّ وَالْأَذَى (4).
فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله، والطاعات تنقسم إلى: فرض، ونفل وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعاً وقد جمعهما الله في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِسْتَاءِ ذِي الْقُرْبَى (5) الآية. فالعدل: قيل هو الفرض، والإحسان: قيل هو
النفل، وإيتاء ذي القربى. هي المروءة وصلة الرحم وكل ذلك يحتاج إلى صبر. وكذلك الصبر على المعاصي من أعظم الشدائد وقد جمع الله أنواع المعاصي في قوله:
وينهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبِقي (6).
وقد قال عليه السلام: المهاجر من هاجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه (7).
وقد قال عليه السلام: رجعنا من الجهاد الأصغر». يعني جهاد العدو «إلى الجهاد
الأكبرة (8). يعني جهاد النفس.
(1) سورة البينة، الآية: 5.
(2) سورة هود، الآية: 11. (3) سورة العنكبوت، الآيتان: 58، 59.
(4) سورة البقرة، الآية: 264.
(5) سورة النحل، الآية: 90. (6) سورة النحل، الآية: 90.
(7) قال العراقي في المغني (69/ 4) رواه ابن ماجه بالشطر الأول، والنسائي في الكبرى بالشطر الثاني
کلاهما حديث فضالة بن عبيد بإسنادين جيدين.
(8) قال العراقي في المغني: (7/ 3): رواه البيهقي في الزهد من حديث جابر وقال: هذا إسناد فيه ضعف. (3/244)
صفحة 1101
(282]
قنطرة العوارض
245
وقال الحسن البصري: الصبر صبران صبر عند المصيبة وصبر عند ترك ما نهى الله عنه
وهو الأفضل.
ثم إن كانت تلك المعاصي مما يتيسر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس، كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة، والكذب، والمراء، والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً، وأنواع المزاح المؤذي للقلوب، وأنواع الكلمات التي يقصد بها الازدراء والاستحقار، وذكر الموتى والقدح فيهم، وفي علومهم وسيرهم وكل ذلك يحتاج في الكف عنه إلى الصبر الشديد، فمن لم يصبر على الطاعة ويكف عنه المعصية لينال جزيل الثواب ويسلم من أليم العذاب كان بعيداً عن الرشاد، حقيقاً بالضلال، ويُنشد لأبي العتاهية:
أراك امرء ترجو من الله عفوه وأنت على ما لا يحب مقيم تدل على التقوى وأنت مقصر أيا من يداوي الناس وهو سقيم
/ وهذا النوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع وشدة الخوف فإن من خاف الله على طاعته، ومن جزع من عقابه وقف عند أوامره.
صبر
القسم الثاني: الصبر على ما انقضت أوقاته من رزية أجهده الحزن عليها: مثل موت الأعزة، وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض، وعمى العين وفساد الأعضاء.
وبالجملة فسائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة وصبر على محارم الله فله ستمائة درجة، وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة.
وإنما فضلت هذه الرتبة على ما قبلها لأن ذلك شديد على النفس، وقد قال عليه السلام في دعائه: وأسألك من اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا.
فهذا.
صبر مستنده حسن اليقين.
وعن علي أنه قال: الصبر على المصيبة ثلاثمائة درجة وعلى الطاعة ستمائة درجة، وعلى المعصية تسعمائة درجة.
وقال بعض السلف: والله ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي (3/245)
صفحة 1102
246
قنطرة العوارض
مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديونا (1).
وقال عليه السلام: انتظار الفرج بالصبر عبادة» (2).
وقال: «من أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيراً منها إلا فعل الله له ذلك (3).
وعزى عليه السلام امرأة / أصيبت بابن لها فقال: «إن الله ما أخذ من عباده، وله ما بقي،
ولكل أجل. مسمى، فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة». وقال عليه السلام: إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن جزع فله
الجزع.
وقال أيضاً: إن من إجلال الله عز وجل ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك وأن لا تشكو
مصيبتك (4).
وروي عنه أنه قال: «ما من مؤمن ولا مؤمنة يذهب الله حبيبتيه فيصبر فيرضى الله له بثواب غير الجنة.
ويروى عنه أنه قال: قد يدرك الرجل درجة في الجنة لا يدركها بصيام ولا بقيام ولا حج ولا جهاد». قيل: فيم يدركها؟ قال: «ببلية أتت عليه في جسده فصبر واحتسب». وعنه عليه السلام أنه قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا. ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه (5).
(1)
€
وقال: من يرد الله به خير يصب
منه (6)
هم
طرف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (27/ 9، 142). (2) رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث ابن عمر وابن عباس وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة من حديث علي دون قوله بالصبر، وكذلك رواه أبو سعيد الماليني في مسند الصوفية من حديث ابن عمر، وكلها ضعيفة، وللترمذي من حديث ابن مسعود أفضل انتظار الفرج، قاله العراقي في المغني (71/ 4).
(3) رواه مسلم من حديث أم سلمة. المصدر السابق. (4) لم أجده مرفوعاً، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات من رواية سفيان عن بعض الفقهاء، قال: من الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ولا بوجعك ولا تزكي نفسك. المصدر السابق. (0) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (303/ 2) ابن أبي شيبة في المصنف (230/ 3)، المنذري في
الترغيب والترهيب (284/ 4).
(6) رواه البخاري من حديث أبي هريرة والعراقي في المغني (128/ 4).
[YAY] (3/246)
صفحة 1103
قنطرة العوارض
247
وكان بعض إذا قرأ هذ الآية: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (1). قال: واعجباً أعطى وأثنى - أي أعطى الصبر وأثنى عليه - وقال النبي عليه السلام: «ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي (2). ويُنشد:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد وقال بعض العلماء: إن الله ليبتلي عبده المؤمن بالبلاء بعد البلاء حتى يمشي على الأرض وما عليه من ذنب.
وقيل: حبس الشبلي في المارستان فدخل عليه جماعة، فقال: من أنتم؟ فقالوا: أحبابك / جاؤوك زائرين. فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون. فقال: لو كنتم أحبابي [284] لصبرتم على بلائي. وقال بعض السلف: إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل
أهله بالخير.
وعن داود قال لسليمان عليهما السلام: يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضى فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد فات. وقال الحسن: لولا ثلاثة ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض، والموت، وإنه مع
ذلك لوئاب.
وقال شقيق: من يرى ثواب الشدة لا يشتهي الخروج منها.
وقال حاتم الأصم: إن الله عز وجل يحتج يوم القيامة بأربعة أنفس على أربعة أجناس: على الأغنياء بسليمان وعلى الفقراء بعيسى، وعلى العبيد بيوسف، وعلى المرضى بأيوب
صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين.
وقال لقمان لابنه: يا بني الذهب يجرَّب بالنار والعبد الصالح يجرب بالبلاء.
وقال عليه السلام: «الجزاء على قدر البلاء» (3).
(1) سورة ص، الآية: 30.
(2) رواه مالك في الموطأ (236). (3) لم أقف عليه فيما لدي من مصادر. (3/247)
صفحة 1104
[YAO]
248
قنطرة العوارض
وكان يقال: الصبر سلامة والطيش ندامة، ويقال: أوحى الله تعالى إلى عزير إذا نزلت بك مصيبة أو بلية فلا تشتكي إلى خلقي كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساوئك
وفضائحك.
ويروى عن أنس بن مالك أنه قال: مات ابن لأبي طلحة الأنصاري، فقالت أم سليم لأهلها لا يعلمن أحد أبا طلحة حتى أكون أنا أعلمه، فأمسى صائماً فراح إليها من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأفطر ولم تره جزعاً، ثم اغتمّ فدخلت مخدعاً لها فتطيبت، ثم دخلت معه اللحاف فأصابها، فلما كان في السحر قالت له: يا أبا طلحة إن رجلاً أعار أهل بيت عارية فاستمتعوا بها، ثم أخذ عاريته فسخطوا عليه.
قال: بئس / ما صنعوا صاحب العارية أحق بعاريته قالت: فاحتسبك ولدك فلاناً. قال: فهلا أعلمتني قبل أن أقع هذا الموقع، فصلى الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال: نمتما عريسين وفي ناحية بيتكما ميت بارك الله لكما في ليلتكما» (1). قال: فولدت غلاماً فسماه. عبد الله، فحمل القرآن وهو ابن سبع سنين، فما كان لأم سليم من أبي طلحة ولد شبيهه وكان يقال ثلاثة من رأس الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا تشكو مصيبتك، ولا تزكي
نفسك.
أن ويروي عروة بن الزبير قدم على عبد الملك فسأله دفن أخيه فأذن له وقدم معه ابنه محمد على الوليد بن عبد الملك، فنفحت محمداً دابة فمات ووقعت في رجل عروة الأكلة فقطعها من الساق ولم يمسكه أحد وهو شيخ كبير ولم يدع وطره تلك الليلة إلا أنه قال: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَباً) (2). وتمثل بهذه الأبيات:
(2)
لعمر ما أهويت كفي لريبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولا دلني رأي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
وقال: اللهم إن كنت ابتليت فلقد عافيت، وإن كنت أخذت فلقد أبقيت، أخذت عضواً وتركت أعضاء، وأخذت ابناً وتركت أبناء.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني ج 4 ص 115 أخرجه الطبراني ومن طريقه أبو نعيم في الحلية والقصة في
اختلاف
الصحيحين مع من حديث أنس.
(2) سورة الكهف، الآية: 62. (3/248)
صفحة 1105
قنطرة العوارض
249
قال وقدم على الوليد في تلك الليلة رجل أعمى من عبس فسأله عن عينيه، فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسياً يزيد ماله على مالي، فطرقنا سبيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي وكان البعير صعباً فاتبعته فما جاوزت الصبي إلا يسيراً حتى سمعت صوته فرجعت فأصبت / رأس الذئب في بطنه، ثم اتبعت البعير لأخذه فنفحني [286] وجهي فحطني فأصاب فأصبحت لا أهل لي، ولا مال، ولا ولد، ولا
برجله فأصاب
بعير.
عيني
فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الأرض من هو أعظم منه بلاء.
وكان يقال: العاقل لا يذل بأول نكبة ولا يفرح بأول نعمة فربما أقلع المحبوب عن ما
يحبه، وأجلى المكروه عن ما يسره.
وقال بعض السلف: مكاره الدنيا تنقسم قسمين:
فقسم فيه حيلة والاضطراب دواءه، وقسم لا حيلة فيه والاصطبار شفاؤه.
وعن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده تبارك اسمه إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده تعالى إذ لم يجعلها في ديني.
وعن المدائني أنه قال: رأيت في البادية امرأة لم أر أنضر جلداً ولا أحسن وجهاً منها فقلت: بالله إن فعل هذا بك إلا اعتداء السرور.
فقالت: كلا والله إني لبدع أحزان وحلف هموم كان لي زوج وكان لي منه ابنان، فذبح أبوهما شاة فقال أحدهما ابني لأخيه: هلم افعل بك كما فعل أبونا بالشاة فذبحه فلما رأى الدم فزع ففر نحو الجبل فأكله الذئب فخرج أبوه في أثره فتاه فمات عطشاً. قال: فقلت لها كيف رأيتك والصبر؟ فقال: لو دام لي لدمت ولكنه كان جرحاً فاندمل.
وفي رواية محمد بن خالد القرشي يرفعه قال: خرجت حاجاً فبينما أنا أطوف إذا بامرأة قد أضاء ما حولها من حسن وجهها فقال رجل كان إلى جنبي والله ما رأيت مثل هذه قط نضارة
وحسناً وما ذاك إلا من
قلة الهم والحزن فلما سمعت ذلك قالت: يا هذا الرجل / والله إني [287]
مكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان ما يشاركني فيها أحد.
قال لها الرجل: كيف ذلك؟ قالت: ذبح زوجي شاة ضحى بها ولي ولدان صغيران (3/249)
صفحة 1106
250
قنطرة العوارض
يلعبان وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع لهم منها طعاماً فقال ابني الأكبر للأصغر: ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال: نعم.
فأضجعه ووضع الشفرة على حلقه فما رفع الشفرة حتى ذبحه، فلما رأى الدم وعلا الصراخ خرج الصبي فاراً نحو الجبل فرمقه الذئب فأكله، فانطلق أبوه في أثره فمات عطشاً. فقمت ووضعت الطفل في الأرض وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم فدب الطفل يده إلى البرمة التي على النار فوضع يده فيها فصبها على نفسه وهي تغلي فتناثر لحمه من على عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فضربت بنفسها الأرض فماتت فأفردني الدهر من فقال لها الرجل: كيف صبرك على هذه المصائب الجليلة؟ قالت: يا هذا ما. من أحد ميز الصبر والجزع إلا وجد بينهما منهاجاً، أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأما الجزع
بينهم.
فصاحبه غير معوّض عوضاً.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيكم يحب أن يصح ولا يسقم»؟ قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: «أتحبون أن تكونوا مثل الحمير الصيالة ألا تحبون أن تكونوا من أصحاب الكفارات؟ والذي بعثني بالحق إن الرجل لتكون له الدرجة في الجنة ما يبلغها بشيء من فيبتليه الله تعالى بالبلاء فيبلغ تلك الدرجة (1).
عمله
ويقال: ما كرم عبد على الله تعالى إلا زاد البلاء عليه شدة. واعلم أن الصبر على المصائب يعقب الإنسان الراحة ويكسب الأجر والثواب عنها،
[288] فينبغي للإنسان أن / يصبر طائعاً، وإلا احتمل هماً لازماً وصبراً كارها آثماً. وقد قال عليه السلام: ليس المصاب من أصيب بمصيبة ولكن المصاب من حرم أجر
المصيبة».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجوراً، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزوراً».
وقالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر ففي الجزع التعب والوزر وفي الصبر الراحة
والأجر. وينشد:
(1) أطراف الحديث عند السيوطي في الدر المنثور (228/ 2) الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (9: 524) والجامع الكبير المخطوط الجزء الثاني (666/ 2) والبخاري في التاريخ الكبير: (7: 267)، وابن معد في
الطبقات (7) 198/ 2) (3/250)
صفحة 1107
قنطرة العوارض
251
فإذا تصبك مصيبة فاصبر لها عظمت مصيبة مبتلى
وقال آخر:
وعودت أجراً من فقيد فلا يكن فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
وعن علي بن أبي طالب أنه قال للأشعث بن قيس: إن تجزع فقد استحقت ذلك منك الرحم وإن تصبر ففي ثواب الله عز وجل، وإنك إن تصبر جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور. فذكر ذلك أبو تمام فقال:
خلقن
وقال علي في التعازي لأشعث وخاف عليه بعض تلك المأثم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة فتؤجر أو تسلو سلو البهائم رجالاً للتجلد والعزا وتلك الغواني للبكاء والمأثم وقال شبيب بن شبت للمهدي: إن أحق ما يصبر عليه ما لم يوجد سبيل إلى دفعه. فإن قيل فيماذا درجة الصبر؟ في المصائب وليس الأمر فيه اختيار الإنسان.
فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب، وضرب الخدود، والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في الملبس وغيره فهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضى بقضاء الله تعالى ويبقى مستمراً على عادته ويعتقد أن / ذلك كانت وديعة فاسترجعت ويقال: الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب [289] المصيبة من غير والله أعلم.
وأما توجع القلب وفيضان الدمع على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية، ولذلك لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له: أما نهيتنا عن هذه؟ فقال: «إنما بكيت من عباده الرحماء ولكن إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين خدش
الله رحمة له إنما يرحم. الخدود وشق الجيوب». والله أعلم.
القسم الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة يرجوها ومسرة يأملها.
فإن الصبر عنها يعقب السلو عنها والأسف عليها بعد الإياس منها يجدد الحزن والكمد من أجلها، وقد قال الله تعالى: {لكَيْ لاَ تَأْسَوُا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا
أَناكُمْ) (1).
(1) سورة الحديد، الآية: 23. (3/251)
صفحة 1108
252
قنطرة العوارض
وروي عن النبي أنه قال: «من أعطي فشكر ومنع فصبر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (1).
وقال بعض الحكماء: اجعل ما طلبته من الدنيا فلم تنله مثل ما لم يخطر ببالك فلم تقله، وقال آخرون: إن كنت تجزع على ما فات من يدك فاجزع على ما لم يصل إليك. فنظمه الشاعر فقال:
لا تطل الحزن على فائت فقل ما يُجدى عليك الحزن سيان محزون على فائت ومضمر حزناً لما لم يكن
وقال بعض الرواة: دخلت مدينة يقال لها: ظفار فرأيت مكتوباً على باب قصر خراب هذه
الأبيات: يا من ألح عليه الهم والفكر وغيرت حاله الأيام والغير أما سمعت بما قد قيل في مثل عند الإياس فأين الله والقدر نم للخطوب إذا أحداثها طرقت فاصبر فقد فاز قوم لها صبروا فكل ضيق له من بعده سعة وكل فوت وشيكا بعده الظفر قال وتحته مكتوب بخط آخر لو كان كل من صبر أعقب الظفر صبرت ولكنا نجد الصبر في العاجل يغني العمر ويدني من القبر وما كان أحسن لذي عقل موته وهو طفل.
القسم الرابع: الصبر فيما يخشى حدوثه من نكبات الزمان وصولات الأعداء، فلا يتعجل الإنسان إلى نفسه هَمَّ ما لم يأت فإن أكثر الهموم كاذبة، والأغلب من الخوف مدفوع. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة» (2).
وقال الله تعالى في أصحاب نبيه عليه السلام: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ .... ) (3) الآية.
(1) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (284/ 10) والمنذري في الترغيب والترهيب (278/ 4). (2) قال الحافظ العراقي في المغني: أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من حديث ابن عمر وابن عباس وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة من حديث علي دون قوله بالصبر» وكذلك رواه أبو سعيد الماليني في مسند الصوفية من حديث ابن عمر وكلها ضعيفة وللترمذي من حديث ابن مسعود «أفضل العبادة انتظار
ص
الفرج». المغني الجزء الرابع 113 طبعة دار الحديث. (3) سورة آل عمران الآية: 173. (3/252)
صفحة 1109
[291]
قنطرة العوارض
وينشد
وقال عليه السلام: بالصبر يتوقع الفرج».
وعن الحسن البصري أنه قال: تحملن على يومك
هم
253
غدك فحسبك كل يوم
همه
فضل والمقدر كائن فعلى م يشغل قلبه الإنسان
وأنشد الحارثة بن بدر:
إذا الهم أمسى وهو داء فامضه ولست بممضيه وأنت تعاذله
وقل للفؤاد إذا نزا بك نزوة من الهم افرح أكثر الهم باطله القسم الخامس: الصبر فيما ينتظر الإنسان من رغبة يرجوها ومسرة ينالها؛ فإنه إن أدهشته التطلع إليها انسدت عليه سبل المطالب، واستفز قلبه توسل المطالع، فكأن ذلك أبعد لرجائه / وأعظم البلائه. وإذا كان مع الرغبة وقوراً وعند الطلب صبوراً انجلت عنه عماية الدهش وحيرة الطلب، فأبصر رشده وعرف قصده والله أعلم إنه يكشف الحيرة ويوضح حقائق الأمور. وقال أكتم بن صيفي: من صبر ظفر وقال النبي عليه السلام: «من يدمن قرع الأبواب
،
يلج. وأنشد لمحمد بن بشير: إن الأمور إذا انسدت مطالبها فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا لا تيأسن ولو طالت مطالبة إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا وقال بعض الحكماء: بحسن التأني تسهل المطالب، ويقال: الصبر مفتاح الدرك. وقال بعض البلغاء: من صبر نال المنا ومن شكر حصل النعماء. القسم السادس: الصبر على ما نزل بالإنسان من مكروه القضاء، وحلّ به من
الأعداء، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: (وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ). وقال تعالى: {وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (2).
مكائد
وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (3) فأمر بالصبر على ذلك
(1) سورة الطور، الآية: 48. (2) سورة لقمان، الآية: 17. (3) سورة الحجر الآية: 97. (3/253)
صفحة 1110
254
قنطرة العوارض
فقال: (وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (1). وقالت الرسل: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا عَاذَيْتُمُونَا) (2).
وقال: لَتَبْلَونَ فِي أَمْوَالَكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ..... إلى قوله: أَذِى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (3).
الآية.
(o).
وقال لنبيه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ] (4) رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذَّبُوا وَأُذُوا. ... (5)
ويقال: مكتوب في الإنجيل: قال عيسى صلوات الله على نبينا وعليه: لقد قيل لكم من [292] قبل أن السن بالسن والأنف بالأنف، وأنا أقول: / لا تقاوموا السن بالسن بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه خدك الأيسر، ومن أخذ ردائك فأعطه إزارك، ومن سخرك للمشي ميلاً فسر معه ميلين، وكل ذلك أمر بالصبر على الأذى.
أن ويروي رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسمة فقال بعض الأعراب: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحمرت وجنتاه فقال: رحم الله أخي موسى قد أوذي
بأكثر. من
هذا فصبر». والله أعلم.
والصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر، واعلم أن بالصبر تستدفع مكائد الأعداء ويه تنفتح للإنسان وجوه الآراء، قال الله تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ
شَيْئاً (6).
واعلم أن الصبر معناه الحبس ومنه الحديث نهي عن قتل البهائم صبراً، وقال تعالى:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (7). أي احبسها، وقال عنترة: فأصبرت عارفة لذلك جرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع عارفة: يعني نفساً عارفة، فكل من لم يصبر نفسه على مفروض الشرع ولم يضبطها عن
سورة المزمل، الآية: 10.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 12. (3) سورة آل عمران الآية: 186.
(4) جاءت بالأصل استهزى) برسل، ولعله سهو من الناسخ.
(5) سورة الأنعام، الآية: 34.
(6) سورة آل عمران الآية: 120.
(7) سورة الكهف، الآية: 28. (3/254)
صفحة 1111
قنطرة العوارض
255
مقتضى شهوات الطبع وإظهار الجزع والهلع فقد استكمل الشر بحذافره، واستوجب عقوبة
الدارين عند ربه.
واعلم أن الصبر على السراء وتتابع النعماء أشد من الصبر على الضراء وأنواع البلاء، فإن من لم يضبط نفسه عن الاسترسال في شهوات الدنيا والتنعم بملاذها والانهماك فيها أخرجه
ذلك إلى البطر والطغيان قال الله تعالى: {كَلاً إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى (1).
وقال بعض العارفين: البلاء يصبر عليه المؤمن، والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق. / وقال بعضهم: الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء، ويروى أنه لما فتحت [293] أموال الدنيا على الصحابة قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر. فلذلك حذر الله عباده من فتنة المال والزوجة والولد، فقال تعالى: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ
وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (2).
وقال: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} ()
وقال عليه السلام: «الولد مبخلة مجبنة محزنة» (4).
فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها هو أن لا يركن إليها، وأن يعلم أن ذلك مستودع عنده، وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها، ولا ينهمك في اللهو واللعب والتنعم بها وأن يراعي حقوق الله تعالى في ماله بالإنفاق، وفي يده ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصدق، وفي سائر ما أنعم الله تعالى عليه بإقامة الشكر، وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة فمعلوم أن الجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا أحضرته الأطعمة اللذيذة، وقدر عليها، ولهذا عظمت فتنة السراء والله أعلم.
فصل في دواء الصبر على البلايا والأقسام المتقدمة
اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقاً على النفس فتحصيله ممكن في المعقول، فنقول: الصبر على المصائب والشدائد يهون على النفس
(1) سورة العلق، الآيتان: 6 - 7.
(2)
(3)
سورة المنافقون، الآية: 9.
سورة التغابن، الآية: 14.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 108 طبعة دار الحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث
أبي سعيد. (3/255)
صفحة 1112
[294]
[295]
256
قنطرة العوارض
موقعها بأسباب منها إشعار النفس بما تعلمه من حلول الفناء وتقضي المسار إذ ليس في الدنيا حال تدوم لأحد، ولا يبقى عليها أحد. كما قال الشاعر:
اصبر لدهر نال منك فهک
ـذا مضـ
رح وحزن تـ ـــــارة لا الفـ رح دام ولا السـ
ـرور
ويروى أنه لما قتل بزرجمهر وجد في جيب قميصه رقعة مكتوب فيها إذا لم يكن جد
ففيما الكد، وإذا لم لكن للأمور دوام ففيم السرور، وإذا لم يرد الله دوام ملك ففيم الحيلة.
وأنشد لسعد بن سليم:
دنيا هبات وع
ـوال مستـ
رده
ـدة بعـ د رخاء
ده
قال أنوشروان: إن أحببت أن لا تغنم فلا تفتن، فنظمه الشاعر فقال:
فعله يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى فلا يتخذ شيئاً يبال به فقدا
ألم تر أن الدهر من سوء
أن لا ومن سره
يري ما
يسوءه
وقال آخر:
لحكيمها بقراط خير قضية ووصية تنفي الهموم الركدا قالوا: الهموم تكون من طمع الورى في لبث ما في طبعه أن ينفدا فإذا اقنيت من الزجاجة قابلاً للكسر فانكسرت فلاتك مكمدا ومنها أن يتصور انجلاء الشدائد وانكشاف الهموم عند اشتدادها عليه كما قال بعض البلغاء: عند انسداد الفرج تبدو مطالع الفرج.
وروي عن ابن عباس أن سليمان بن داود عليهما السلام لما استكد شياطينه في البناء شكوا ذلك إلى إبليس اللعين فقال: ألستم تذهبون فرغاً وترجعون مشاغل؟ قال: ففي هذا لكم راحة، لكم نصف دهركم.
فبلغ ذلك سليمان فشغلهم ذاهبين وراجعين، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ألستم
تستريحون بالليل. قالوا: بلى. قال: ففي هذا لكم راحة، لكم نصف دهركم. فبلغ ذلك سليمان، فشغلهم بالليل والنهار فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: الآن / جاءكم الفرج، فما لبث سليمان أن أصيب ميتاً على عصاه. فإذا كان هذا في نبي من أنبياء الله تعالى، لا يعمل إلا بأمره فكيف بما جرته الأقدار من (3/256)
صفحة 1113
[296]
قنطرة العوارض
257
أيد أعاديه وساقه القضاء من حوادث نازلة هل تكون مع التناهي إلا منقرضة، وعند بلوغ الغاية إلا منحسرة، وأنشد لعثمان:
حلت
خليلي لا والله ما من ملمة تدوم على حي وإن هي فإن نزلت يوماً فلا تخضعن لها ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت
وكم من كريم قد بلي بنوائب فصابرها حتى مضت واضمحلت وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة تلقيتها بالصبر حتى تجلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة فلما رأت صبري على الذل ذلت
ويقال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود عند تناهي شدتي يكون فرجي وعند حلول بلائي يكون رجائي والله أعلم، فإذا تصور الإنسان انجلاء الشدائد عند اشتدادها، وانقضائها عند تقضي أوقاتها لا تنصرم قبلها ولا تستديم بعدها، ولا تنقضي بجزع ولا تطول بصبر، وإن كل يوم يمر به فهو يذهب بشطر منها حتى تنقضي وهو عنها غافل.
فإذا تصور ما ذكرنا قويت نفسه على الصبر وأنست به وحكي أن الرشيد حبس رجلاً ثم سأل عنه بعد زمان فقال للموكل به قل له كل يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي مثله
والأمر غريب والحكم الله تعالى.
الله عنه أنشد حين حضرته الوفاة:
أن عمر بن الخطاب رضي ا ويروي
ألم تر أن ربك ليس تحصى أياديه الجديدة والقديمه تسل عن الهموم فليس شيء يقيم وما همومك بالمقيمه / لعل الله ينظ بعد هذا إليك بنظرة منه رحيمه ومنها أن يعلم أن فيما وقى من الرزايا ما هو أعظم من رزيته، ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفع، ولذلك قال عليه السلام: إن الله في أثناء كل محنة منحة». شعر: يصاب الفتى في أهله برزية وما بعدها منه أهم وأعظم فإن يصطبر فيها فاجر موفر وإن يك مجزاعاً فوزر مقدم
وقيل للشعبي في نائبة: كيف أصبحت؟ قال: بين نعمتين خير منشور وشر مستور. قال الشاعر:
لا تكره المكروه عند نزوله إن العواقب لم تزل متبائنه كم نعمة لا تستقل بشكرها الله في طي المكاره كامنه قناطر الخيرات/ ج 3/ م 17 (3/257)
صفحة 1114
258
قنطرة العوارض
وعن خباب بن الأرت أنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون (1).
ومنها أن يتأسى بذوي المصائب ويعلم أنهم الأكثرون عدداً، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ألصقوا بذوي الغير تتسع قلوبكم.
ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل عليه السلام دلني على أعبد أهل الأرض، [297] قال: فدله على رجل قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره وسمعه وهو يقول: / اللهم متعتني ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا وصول.
حكاية وقال بعض العلماء كان في بعض الأزمنة جبار يعذب الناس على دينهم، فأوتي بامرأة فأمر بقطع يديها ورجليها فقطعتا وما تكلمت فلما أوتي بالنار لتكوى صرخت بالبكاء، فقيل لها في ذلك فقالت: والله ما جزعت من ناركم ولا أسفت على الدنيا، ولكن ذكرتني " هذه النار نار جهنم فصرخت من أجل ذلك، قال: وكحلت عيناها بمرود محمى بالنار. وقيل: لما أمر بها لتقطع يداها ورجلاها قالت: الحمد لله على السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء، لقد كنت آمل في ذات الله ما هو أكثر من هذا، فلما قطعت يداها ورجلاها جعل الدم يفور ولا ينقطع فلما أحست بالموت قالت: حياة كدورة وموتة طيبة، لئن نلت ما أملت من جزيل الثواب، لقد نلت سروراً عظيماً لا يضر معه كدر الدنيا الفانية إذا صرت إلى الراحة الدائمة ثم اضطريت حتى ماتت.
حكاية أخرى وعن الحسين البصري أنه قال: تعبّد رجل على رأس جبل وكان اسمه عقيباً، وكان في ذلك الزمان جبار يعذب الناس ليرجعوا عن دينهم، فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا الجبار فأمرته بتقوى الله كان أوجب عليّ، فنزل من الجبل فقال: يا هذا اتق الله في عباده. فقال له الجبار: مثلك يأمرني بتقوى الله لأعذبنك بعذاب لم أعذب به أحد من العالمين،
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 203 طبعة دار الحديث) أخرجه البخاري. (3/258)
صفحة 1115
قنطرة العوارض
259
شديدة،
وأمر به أن يسلخ وهو حي من قدمه إلى رأسه فلما بلغ السلخ إلى بطنه أنَّ أنَّة فأوحى الله تعالى إليه: يا عقيب اصبر أخرجك / دار الحزن إلى دار الفرح، ومن دار الضيق [298] إلى دار السعة والسعادة فلما بلغ السلخ إلى وجهه صاح فأوحى الله إليه يا عقيب أبكيت أهل سمواتي وأهل أرضي وأذهلت ملائكتي عن تسبيحي لئن صحت الثالثة لأصبن عليهم العذاب صباً فصبر حتى سلخ وجهه مخافة أن يؤخذ قومه بالعذاب.
حتى
حكاية أخرى وكان على عهد بني إسرائيل جبار يدعو الناس إلى أكل لحم الخنزير، فأوتي بامرأة تسمى سارة لها سبعة أولاد، فدعى بأكبر بنيها ليأكل لحم الخنزير فقال: ما كنت لأكل شيئاً حرمه الله تعالى علي أبداً، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وجميع جسده عضواً عضواً حتى مات فدعى بالذي يليه أيضاً فامتنع عن الأكل فأمر بقدر من نحاس فمليء زيت فأحمى غلا ثم ألقي فيه فتناثر لحمه من على عظامه، ثم دعى بالذي يليه فامتنع فقال: لأنت أهون علي وأحقر من أن آكل ما لا أحله الله لي فقال لأصحابه: أتدرون ما أراد هذا؟ أراد أن يغضبني فأعجل بقتله، فأمر به فسلخ جلده وهو حي، فلم يزل يقتل كل واحد بقتلة غير التي قتل بها صاحبه حتى بقي أصغرهم فالتفت إليه وإلى أمه فقال: انطلقي بابنك واخلي به ومريه أن يأكل لقمة واحدة ويعيش لك فقالت نعم فخلت معه فقالت له يا بني تعلم أن إخوتك لي عليهم حق واحد ولي عليك حقان وذلك أني أرضعت كل واحد منهم عامين، وأرضعتك أربعة أعوام، وذلك أن أباك توفي وأنا حامل بك فنفست بك فأدركني الإشفاق عليك فسألتك بالله أن
تصبر كما صبر إخوتك ولا تأكل ما حرم الله عليك، فتلقى إخوتك يوم القيامة وتلحق بهم. فقال الطفل: يا أماه / الحمد لله الذي أسمعني منك هذا وإنما كنت أخاف أن تريدي [299] مني غير هذا، فجاءت بابنها إلى الملك فقالت له: دونك قد عزمت عليه فأبى أن يأكل فألحقه بإخوته ثم قال لأمهم ويحك كلي لقمة واحدة وأصنع بك ما شئت وأعطيك ما شئت، فامتنعت وقتلها والله أعلم.
حكاية أخرى: وعن الحسن بن علي بن أبي مريم أنه قال: كان رجل بالمصيصة قد مرت الأكلة بنصف بدنه، فلم يبق منه إلا نصف روحه في بعض جسده وهو على سرير مثقوب للبول وغير ذلك فدخلت عليه فقلت له كيف أصبحت؟ قال أصبحت ملك الدنيا مشتاقاً إلى الله ما لي عليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام.
حكاية أخرى قال أبو عبد الله وكان لي صديق فابتلاه الله بالجذام حتى ذهبت يداه (3/259)
صفحة 1116
260
ورجلاه وعيناه فأتيت به فجعلته.
فقلت: يا هذا إني غفلت عنك.
مع.
قنطرة العوارض
المجذومين، وكنت أتعاهده فغفلت عنه أياماً ثم ذكرته فأتيته
فقال لي: إن لي من لا يغفل عني. فقلت: إني نسيتك. فقال: إن لي من لا ينساني. ثم قلت: والله ما ذكرتك فقال: إن لي من يذكرني ثم قال: إليك عني لا تشغلني عن ذكر الله تعالى. فقلت: ألا أزوجك من امرأة تنقيك وتغسلك من هذه الأقذار. فقال: تزوجني وأنا ملك الدنيا وعروس الآخرة. فقلت: وما بيديك من الدنيا وأنت ذاهب اليدين والرجلين والعينين تأكل كما تأكل البهائم. فقال: رضاءي عن الله عز وجل حين أبان جوارحي وأطلق لساني. قال: فما لبث إلا أياماً يسيرة فمات فأخرجت كفناً كان فيه طول فقطعت ما فضل [300] منه، وكفتته فيه فدفنته فبينما أنا في منامي إذا أنا / برجل قد وقف علي لم أر أحسن منه صورة فقال لي: بخلت على ولي الله بكفن طويل دونك كفنك قد رددناه إليك وكفناه بالسندس والاستبرق فاستيقظت مرعوباً به، وإذا الكفن عند رأسي.
حكاية أخرى وعن عطية بن سليمان أنه قال: صليت الجمعة فجلست إلى يونس بن عبيدة حتى صليت العصر، فقال: هل لكم في مشاهدة جنازة فمضيت وصليت على الجنازة، فقال: هل لكم في زيارة فلان العابد فقلنا: نعم؛ فأدخلنا على رجل قد وقعت في فمه الأكلة حتى سقطت أضراسه فكان إذا أراد أن يتكلم دعي بعقب فيه ماء وبقطنة قبل لسانه حتى ابتل وكذلك يتكلم فلما أراد أن يتكلم دعى بالإناء وبالقطنة إذ سقطت عيناه في الإناء فأخذهما بيده ثم استقبل القبلة فقال: الحمد لله الذي متعني بهما في صحتي وشبابي حتى فنيت أيامي وحضر أجلي أخذهما ليبدلني خيراً منهما ثم شهق شهقة ففاضت نفسه والله أعلم.
وعن وهب بن منبه أنه مر برجل أعمى مجذوم مقعد عريان وهو يقول: الحمد لله على هذه النعمة فقال له رجل كان. مع وهب: وأي شيء عليك من النعمة وأنت أعمى مقعد مجذوم عريان، فقال له يا هذا ارم ببصرك إلى أهل هذه المدينة ليس فيهم رجل يعرف الله مثلي
أحمده على هذه النعمة.
ويروي
أفلا
أن موسى عليه السلام قام في بني إسرائيل بخطبة أحسن فيها وأعجب بها. فقالت له بنو إسرائيل أفي الناس أعلم منك يا موسى؟ قال: لا، فأوحى الله إليه يا موسى أعلم منك عبد من عبيدي حملته الرسالة وبعثته رسولاً إلى ملك جبار عنيد فقطع يديه ورجليه وأجدع أنفه [301] / فصرفت إليه يديه ورجليه وأنفه كما كان أول مرة ثم أعدته رسولاً فمضى وهو يقول: (3/260)
صفحة 1117
قنطرة العوارض
261
رضيت يا رب رضيت يا رب ولم يقل كما قلت أول وهلة: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَن
يَقْتُلُون) (1).
وبصري
حكاية أخرى وروي عن قاضي فلسطين أنه قال: بينما أنا أمشي إذ سمعت قائلاً يقول: اللهم لك الحمد حمداً يوافي شكر ما أنعمت به علي وأشكرك شكراً استتم به دوام إحسانك إليَّ فقلت: لأذهبن فانظر قائل هذا فذهبت فإذا أنا برجل ليست له يدان ولا رجلان ملقى على ظهره، قال: فقلت أي نعمة الله عليك تحمده عليها، وأي عطاياه عليك تشكره عليها. فقال: سبحان الله أما ترى ما صنع بي سلبني يدي ورجلي شغلني عن المعاصي ووهب لي سمعي أتفكر في السموات والأرض، ومع هذا لو ضربني بنار من السماء لم أزدد له على العطية إلا شكراً وعلى البلاء إلا صبراً ثم قال: إن لي إليك حاجة. قال: فقلت في نفسي إن قضاء حاجتك يقرب إلى الله تعالى ثم قلت: وما هي؟ قال لي: كان لي ولد هاهنا يطعمني إذا جعت ويسقيني إذا عطشت ففقدته منذ ثلاثة أيام فإن رأيت أن تلتمسه. قال: فالتمسته فإذا أنا بسبع قد افترسه فأكل بعضه فجمعت ما بقي من جسده فدفنته، ثم رجعت إلى الشيخ وأنا أفكر ما أعزيه به فذكرت أيوب المبتلى عليه السلام فجلست فقال: ألست صاحبي؟ قلت: بلى. قال: فما فعلت في الحاجة؟ قلت: أيُّما أعظم منزلة عند الله أنت أم أيوب المصطفى عليه قال لي: سبحان الله ألجئت إليَّ السؤال. فقلت: إنما هو مثل مضروب. / قال: بل [302]
السلام؟ أيوب. قلت: كيف وجد الله عبده إذ أخذ ماله وفرّق جمعه وشتت عياله؟ قال: صابراً محتسباً. قال: قلت اصبر واحتسب ولدك. قال: ما وراءك؟ قلت: إن ابنك افترسه السبع فأكله. فقال: آه آه الحمد لله الذي لم يدع في قلبي حسرة إلا أخرجها. قال: ثم غمض عينيه وطبق شفتيه فإذا هو ميت قال فغطيته بشملة كانت عليه وجلست عنده أتفكر كيف أدفنه فإذا أنا بقوم قد أقبلوا فقلت لهم: أعينوني على هذا الميت حتى ندفنه، فقال لي بعضهم: أكشف عنه لعلنا نعرفه فكشفت عنه الشملة فانكب عليه أحدهم فجعل يقبله وهو يقول: يا أبي طالما سجدت والناس نيام فقلت له: هل تعرفه؟ قال: نعم هذا أبو قلابة صاحب ابن عباس ابتلي بهذا البلاء فاعتكف في هذا الموضع صابراً محتسباً منذ خمس عشرة سنة. ثم قال لي: إنه كان له ولد فما فعل؟ فأخبرته الخبر، فقال لي: طال ما سمعته وهو يقول: اللهم تخلف لي ذرية تعصيك فتدخلها النار فالحمد لله الذي استجاب دعوته. قال: فنمت من ليلتي تلك فرأيته في المنام في روضة خضراء عليه حلل خضر وحلل صفر وهو يتلو الوحي وهو
أما
(1) سورة الشعراء، الآية: 14.
لا (3/261)
صفحة 1118
262
قنطرة العوارض
يقول: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (1). فقلت: ألست صاحبي. قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك؟ قال: إني قدمت على ربي فغفر لي فإن الله عز وجل درجة لن تنالوها إلا بالشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء.
حكاية أخرى: ويروى أن يونس عليه السلام قال: يا جبريل أرني أعبد أهل الأرض، [30] قال: فأوقفه على رجل قطع الجذام يديه ورجليه وهو يقول: / يا إلهي متعتني بهما ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وبقي لي فيك الأمل يا بار يا وصول، قال يونس: يا جبريل أحب أن تريني صواماً قواماً، قال إنه كذلك في صحته وقد أمرت أن أسلب عينيه فأوميء جبريل عليه السلام بعينه إلى عيني المبتلي فسالتا على وجهه فرفع رأسه إلى السماء فقال: متعتني بهما حيث شئت وسلبتنيهما حيث شئت وبقي لي فيك الأمل يا بار يا وصول. فقال يونس: يا عبد الله هل لك أن تدعو الله ونؤمن على دعائك الله ويرد عز وجل عليك جوارحك وتقوم إلى عبادة ربك. قال: لا حاجة لي في ذلك. قال له: ولم؟ قال: إن كانت محبة ربي في هذا فأنا أكره أن أؤثر محبتي على محبته.
فقال جبريل عليه السلام: يا يونس إنه لا يوصل إلى ثواب الله عز وجل إلا بالشكر عند
الرخاء والصبر عند البلاء.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يود أهل العافية لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء (2).
فإذا تفكر العاقل في هذه الحكايات وأمثالها وتسلى بأصحابها أورثه ذلك حسن العزاء
فخف شجوه وقلّ هلعه وعلى هذا كانت مراثي الشعراء، حتى قال البحتري: فلا عجب للأسد أن ظفرت به كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردا وموت علي من حسام ابن ملجم وفي بعض الحكمة: طوبى لمن غلب بتقواه، هواه وبصبره شهوة نفسه ألا وأن الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عليه.
(1) سورة الرعد، الآية: 24.
(2) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن الكبرى (375/ 3)، والترمذي، (202)، والمنذري في الترغيب والترهيب (282/ 4) والمتقي الهندي في كنز العمال (6661) والسيوطي في اللآلاء المصنوعة
(214/ 2). والتبريزي في مشكاة المصابيح (1570). (3/262)
صفحة 1119
قنطرة العوارض
263
وما من عبد وهب الله له صبراً على الأذى، وصبراً على البلاء، وصبراً على المصائب
إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان. قال أبو فراس:
المرء بين مصائب لا تنقض
ضي
حتى يوارى شخصه في رمسه
فمعجل يلقى الردى في أهله ومؤجل يلقى الردى في نفسه وقال عليه السلام: «أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة». قيل: وما هن
يا رسول الله؟ قال: قلب شاكر ولسان ذاكر وبدن صابر وزوجة عفيفة لا تخونه في نفسه وماله (1). قال الشاعر:
صبرت وكان الصبر خير معول وهل جزع يجدي علي فأجزع صبرت على ما لو تحمل بعضه جبال شرور أوشكت تتصدع
ورددت دمع العين حتى رددته إلى باطني فالعين في القلب تدمع ومنها أن تعلم أن النعمة زائدة وأنها لا محالة زائلة، فعلى قدر السرور منها يكون الحزن، وقد قال في منثور الحكم المفروح به هو المحزون عليه، وقيل: من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره.
0
بسم
وقال بعض الحكماء من علم أن كل حادثة إلى انقضاء حسن عزاه عند نزول البلاء. وقيل للحسن البصري: كيف ترى الدنيا؟ فقال: شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها. وأنشد لبعض الشعراء: حياتك بالهم مقرونة فلا تقطع الدهر. ــر إلا بهـ حلاوة دنياك ممزوجة فلا تأكل الشهد إلا. ومنها أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره، كما أن حزنه مقرون بسرور غيره، إذا كانت الدنيا تنتقل من صاحب إلى صاحب فتكون سروراً لمن وصلته وحزناً لمن فارقته. ولذلك قال النبي عليه السلام: «ما قرعت عصى على عصى إلا فرح لها قوم وحزن آخرون». وقال البحتري:
متى أردت الدنيا نباهة خامل فلا ترتقب إلا خمول نبيه
(1) أطراف الحديث عند المنذري في الترغيب والترهيب (398/ 2، (41/ 3). والسيوطي في الدر المنثور (150/ 1)، والمتقي الهندي في كنز العمال (43416)، وفي أمالي الشجري (256/ 1)، والشكر لابن
أبي الدنيا (24). (3/263)
صفحة 1120
قنطرة العوارض
264
فأوضحه المتنبي فقال:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد / ومنها أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنة من شواهد نبله، ولذلك إحدى علتين: إما لأن الكمال معور والنقص لازم، فإذا توفر الفضل عليه في أمر صار النقص
فيما سواه.
وقد قيل: من زاد في عقله نقص من رزقه، وقد روي عن النبي أنه قال: «ما
انتقصت جارحة من الإنسان إلا كانت ذكاء في عقله». وينشد:
إذا جمعت بين امرأين صناعة فاحببت أن تدري الذي هو أحذق فلا تتفقد منهما غير ما جرت به لهما الأرزاق حين تفرق فحيث يكون النقص فالرزق واسع وحيث يكون الفضل فالرزق أضيق وإما لأن الفضل محسود وبالأذى مقصود، فلا يسلم من طعن حاسد وترة معاد. وقد
قال الصنوبري: محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى كالنار مخبرة بفضل العنبر وقل ما تكون محنة فاضل إلا من جهة ناقص وبلوى عالم إلا على يد جاهل؛ لاستحكام العداوة بينهما: بالمباينة وحدوث الانتقام لأجل التقدم. قال الشاعر:
فلا غرو أن يبلى أديب بجاهل فمن ذنب التنين تنكسف الشمس
ومنها ما يستفيد من الحكمة بنوائب عصره، فيطلب عدوه ويستقيم حاله بما جرب من حالتي دهره في الشدة والرخاء، ويتعظ أيضاً بما اختبر من أمور زمانه فلا يغتر برخاء ولا يطمع في استواء ولا يأمل أن تبقى الدنيا على حالة، فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها. وأنشد لبعض الأدباء:
يسعى
إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها فإذا ميع أمورها تفني / وبلوت أكثر أهلها فإذا کل، في شانه أسنى منازلها وأرفعها في العز أقربها من المهوى تقفو مساؤها محاسنها لا فرق بين النعي والبشرى ولقد مررت على القبور فما ميزن ن العبد والمولى
[r.o]
[306] (3/264)
صفحة 1121
[307]
قنطرة العوارض
265
أتراك تذكر كم رأيت من الأحياء ثم رأيتهم موتى ومنها أن يتفكر في حلاوتها عاقبة الصبر، وما أعد الله للصابرين من الثواب الجزيل. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما أنعم الله على عبد نعمة انتزعها منه وعوضه الصبر منها إلا كان ما عوضه منها أفضل مما انتزع منه وقرأ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حساب (1)
وروي عن النبي لو أنه قال: «ما من مصيبة وإن عظمت إلا والصبر خير منها» (2). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان يوم القيامة الله الخلائق نادى مناد أين وجمع أهل الصبر؟ فيقوم ناس قليل فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتستقبلهم الملائكة فتقول لهم: إنا نراكم سراعاً إلى الجنة هل حوسبتم؟ فيقولون: ليس علينا حساب لأنا أهل الصبر أو ما سمعتم الله تعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فتقول لهم الملائكة: على م صبرتم فيقولون: صبرنا على طاعة الله وعن معصية الله فتقول لهم الملائكة: ادخلوها: سلام عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) (3) الآية (4).)
وقال عليه السلام: «أول ما يقضى فيه يوم القيامة الدماء وأول من يعطى الثواب الذين ذهبت أبصارهم وأهل البلاء. وأما أهل الراية فتعقد لهم الراية فيبدأ بمن ذهبت أبصارهم، ثم يعطى الناس على قدر أسقامهم، / فيعطون من الثواب حتى أنهم يودون لو قرضوا في الدنيا بالمقاريض (5). فإذا تذكر المصاب هذا الثواب وظفر بأحد هذه الأسباب التي قدمناها تخففت عنه أحزانه، وتسهلت عليه أشجانه فصار وشيك السلوة قليل الجزع، حسن العزاء. وقد قال بعض الحكماء: من حاذر لم يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقعاً لم
يلف متوجعاً. قال الشاعر:
(2)
(1) سورة الزمر، الآية: 10. قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 96 طبعة دار الحديث) من حديث ابن عباس. (3) سورة الرعد، الآية: 24.
معني
هذا الحديث أخرجه الترمذي
(4) أطراف الحديث عند المتقي الهندي في كنز العمال (293)، ولأبي: نعيم في تاريخ أصبهان (251/ 1). (0) أطراف الحديث عند أبي نعيم في حلية الأولياء (88/ 7 (127) ابن أبي شيبة في منصفه (14: 100)، النسائي (84/ 7) وابن ماجه (2615، 2617) والبخاري (8) (138)، أحمد (388/ 1، 442) وابن أبي
شيبة (426/ 9). وفي مسند الشهاب (212). (3/265)
صفحة 1122
266
فكل
قنطرة العوارض
هون عليك فكل الأمر ينقطع وخل عنك عنان الهم يندفع له من بعده فرج وكل أمر إذا ما ضاق يتسع إن البلاء وإن طال الزمان به فالموت يقطعه أو سوف ينقطع وقال آخر:
تطل
ما يكون الأمر سهلاً كله إنما الدهر سهول وحزون هون الأمر تعش في راحة قل ما هونت إلا سيهون حة في دار الفنا ضل من يطلب شيئاً لا يكون وعن وهب بن منبه أنه قال: ليس بفقيه كامل الفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وذلك أن البلاء يتبعه الرخاء والرخاء يتبعه البلاء. قال الشاعر:
يقولون أعمى قلت أن وربما أكون وإني من فتى لبصير إذا أبصر القلب المروءة والتقى فإن عماء العين ليس يضير فإن العمى أجر وذخر وعصمة وإني إلى هذا البلاء لفقير
فإذا تصور العاقل الرزايا قبل أن ينزلن به هانت عليه عند نزولها، قال الشاعر: تمثل ذو اللب في لبه ائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت نحوه لم ترعه لما كان في نفسه مثلا
رأى الأمر يقضي إلى آخر فصي
آخر
ره أولا
/ وذو الجهل يأمن أيامه وينسي مصارع من قد خلا فإن دهمته صروف الزمان ببعض مصائبه أو غلا ولو قدم الحزن في نفس لعلم
وقال آخر:
ــه الصبر عن د البلا
تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً لنائبة أو كان يغني التذلل لكان التعزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أولى وأجمل وكيف وكل ليس يعد وحمامه وما لامرء عما قضى الله مزحل فإن تكن الأيام فينا تبدلت ببؤس ونعما والحوادث تفعل فما لينت فينا قناة صليبة ولا دللتنا للتي ليس تجمل ولكن أحلناها نفوساً كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل
[30] (3/266)
صفحة 1123
قنطرة العوارض
267
ومن لم يشعر نفسه ما ذكرناه من أحوال الدنيا وتقضي مسارها، ثم مصير أهلها إلى القبور صرعاً بين الجنادل والصخور، قد فارقهم الأحباب حين سكنوا التراب، ألفته الحوادث جازعاً وتضاعف عليه من شدة الأسى ما لا يطيق عليه صبراً ولا له دفعاً.
ومما يعين على شدة الجزع ويبعث على المصائب أسباب الهلع، تذكره المصائب النازلة، وتصوره المسار المنقضية حتى لا يجد. التذكار سلوة، ولا يخلط مع التصور تعزية.
الله عنه لا تستغزر الدموع بالتذكر، وينشد:
وقد قال عمر بن الخطاب رضي ولا يبعث الأحزان إلا التذكر
ويروي
أن الحجاج بن يوسف لما مات ابنه محمد جزع عليه جزعاً شديداً فقال: إذا غسلتموه فأروني ذلك، فأعلموه فلما دخل البيت عليه قال متمثلاً: الآن لما كنت أجمل من مشى وأفترنا بك عن شباب القادح / وتكاملت فيك المروءة كلها وأعنت ذلك بالفعال الصالح
(1).
فقيل له: اتق الله أيها الأمير واسترجع فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (1).
ثم أنشأ أبياتاً تركتها مخافة التطويل.
ومما يبعث علي الجزع أيضاً شدة الأسف والحسرة، فلا يرى للمصيبة عوضاً، ولا لمفقوده بدلاً فيزداد بالأسف ولعاً، وبالحسرة هلعاً ولذلك قال الله تعالى: {لكَيْلاً [تَأْسَوا] (2) عَلَى مَا فَاتَكُمْ (3) الآية. وقال بعض الشعراء:
الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو اليأس يقطع أحياناً بصاحبه لا تأسفن فإن الصانع الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامراء حيلة فيما قضى الله ومما يبعث على الجزع أيضاً كثرة الشكوى وبث الجزع وقيل في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (4): إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث.
(1) سورة البقرة، الآية: 156.
(2) ساقطة من المخطوط. (3) سورة الحديد، الآية: 23. (4) سورة المعارج، الآية: 5. (3/267)
صفحة 1124
[310]
قنطرة العوارض
عداني
وقال عليه السلام: «ما صبر من بث (1). قال الشاعر: سأكسب صبراً واحتساباً لأني أرى الصبر سيفاً ليس فيه فلول أن أشكو إلى الخلق أنني عليل ومن أشكو إليه عليل ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما ألقاه قبل أقول وقال تعالى حكاية عن نبيه يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُوا بَنِي وَحُزْنِيَ إلى الله) (2). وقيل: مكتوب في التوراة من اشتكى بمصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه.
وحكي أن أعرابية دخلت من البادية فسمعت صوارخ في دار فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم ميت فقالت ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، ومن قضائه يتبرمون، وعن ثوابه
يرغبون وينشد:
لا تكثر الشكوى إلى الصديق وارجع إلى الخالق لا المخلوق
لا يُخْرَجُ الغريق بالغريق
وقيل في منثور الحكم من ضاق / قلبه اتسع لسانه. ويبعث على الجزع أيضاً: اليأس من جبر مصيبته والنظر إلى من سلمت نعمته فيجتمع حزن المصيبة قنوط اليأس، وأنه أفرد بالرزية من بين الناس فلا يتفق معهما صبر ولا عليه مع. يتسع لهما صدر، ولذلك قيل: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. وأنشد لامرأة من الأعراب:
الإنس
ـان صبـ
را
إن بعد د العسـ
لم يک
بالأم
حراً
ــــــراً وشـ
راً
رب الصبـ
وإن
ـان
الصب
أمراً
وأنشد لبعض أهل الأدب:
يراع الفتى للأمر تبدو صدوره فيأس وفي عقباه يأتي سروره ألم تر أن الليل لما تكاملت دجاه بداية الصباح ونوره
(1) قال الحافظ العراقي في معنى هذا في المعنى (ج) 4 ص 114 طبعة دار الحديث). لم أجده مرفوعاً وإنما رواه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات من رواية سفيان عن بعض الفقهاء قال: «من الصبر أن لا
تتحدث بمصيبك ولا بوجعك ولا تزكي نفسك». (2) سورة يوسف، الآية: 86. (3/268)
صفحة 1125
[311]
قنطرة العوارض
269
فلا تصحبن اليأس إن كنت عالماً لبيباً فإن الدهر تنشر أموره واعلم أنه قد قلّ من صبر على شدة إلا كان انكشافها سريعاً، وقد حكي أن بعض الكتاب يقال له: أبو أيوب حبس في السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته، وقلّ صبره،
فكتب إلى بعض إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره ورد عليه جواب رقعته فقال: صبراً أبا أيوب صبر مفرج إذا عجزت عن الخطوب فمن لها إن الذي عقد الذي انعقدت له عقد المكاره فيك يملك حلها صبراً فإن الصبر يعقب راحة ولعلها أن تنجل ولعلها
فأجابه أبو أيوب: صبرتني ووعظتني وأنا لها وستنجلي بأن لا أقول لعلها ويحلها من كان صاحب عقدها كرما به إذ كان يملك حلها
/ قال: فلم يلبث في السجن بعد ذلك إلا أياماً حتى أطلق مكرماً والله أعلم. وهذا الذي ذكرناه من الأشياء المتقدمة هو دواء الصبر على سائر أنواع البلايا والله أعلم. دواء الصبر عن شهوة البطن والفرج، فإنه إذا غلبت عليه بحيث لا يملك فرجه، أو يملك فرجه ولا يملك عينيه، أو يملك عينيه ولكن لا يملك قلبه ونفسه، إذ لا يزال تحدثه بمقتضيات الشهوة وتصرفه عن المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحات.
فالسبيل إلى تضعيف باعث الشهوة ثلاثة أمور:
أحدها: أن يقطع مادة الشهوة وهي الأغذية اللذيذة فلا بد من تغليلها بالصوم الدائم مع الاقتصار عند الإفطار وعلى طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللحم والأطعمة
المهيجة للشهوة، وهذا يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح لتضعف فتسقط قوته. الثاني: قطع أسباب الجماع المهيجة له في الحال؛ فإنه إنما يهيج بالنظر إلى الصور المشتهات ولذلك قال عليه السلام: النظر سهم مسموم من سهام إبليس (1) لأنه يحرك القلب، والقلب يحرك الشهوة؛ وهذا يحصل بالعزلة وتغميض الأجفان والهروب من صوب
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 365 طبعة دار الحديث). أخرجه الحاكم وصححه إسناده من حديث حذيفة. وقال المحقق أخرجه الحاكم (314/ 4) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق واه وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه، وقال الألباني في الضعيفة / 1065) ضعيف
جداً. (3/269)
صفحة 1126
270
قنطرة العوارض
رمي إبليس؛ فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور المشتهات فإذا اعتزلتها لم يصبك رمي
إبليس.
والثالث: تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه وذلك بالنكاح فإن كل ما يشتهيه
الطبع ففي المباحات ما يغني عن المحرمات.
وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر، فإن قطع الغذاء يقطع عن سائر الأعمال، ثم [312] / لا يقمع الشهوة قمعاً شافياً في حق الأكثر، ولذلك قال عليه السلام: «معاشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء» (1).
فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج:
الأول: يضاهي قطع علف البهيمة الجموح لتسقط قوته.
والثاني: يضاهي تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة حتى لا تتحرك بواطنه
المشاهدة لذلك. بسبب
والثالث: يضاهي تسليتها بشيء قليل كما يميل إليه طبعها حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب والله أعلم، وكذلك علاج الشهوة من الطعام على هذا الحال، وقد تقدم في باب الزهد والقناعة وشهوة البطن ما يغني عن ذلك.
فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر، وإنما أشدها كف القلب عن حديث النفس، وإنما يشتد ذلك عن متفرغ له، فإن قمع الشهوة الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر، فإن الوساوس لا تزال تجاذبه من جانب إلى جانب، وهذا لا علاج له البتة إلا قطع علائق الدنيا عن القلب ظاهراً وباطناً بالفرار عن الأهل والأولاد، والمال، والجاه، والأصدقاء والاعتزال من جبل إلى جبل إن قدر على ذلك. مع يسير من القوت والقناعة ثم لا يكفي كل ذلك ما لم تصر الهموم هماً واحداً وهو الله سبحانه.
ثم إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم يكن له مجال في ملكوت السموات والأرض وسائر معرفة الله تعالى وعجائب صنعه وإن لم يكن له مسير بالباطن إلى الله تعالى فلا إلا العبادة المتصلة المرتبة في كل لحظة من القراءة والذكر والصلاة / مع إحضار القلب
[313] ينجيه
معها.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 2 ص 36 طبعة دار الحديث في نحوه متفق عليه من حديث ابن
مسعود. (3/270)
صفحة 1127
قنطرة العوارض
المبين، ومع
271
واعلم أن هذا لا يمكن إلا لمن رزقه الله قوة اليقين، ومنحه الصبر ومجاهدة الهوى بالجد ذلك لا يسلم له إلا أقل الأوقات إذ لا يخلو عن حوادث تشغله عن الفكر والذكر من مرض أو خوف أو أذى إنسان أو تعلق قلب بأسباب المعيشة ولكن بعد قطع العلائق كلها تسلم له أكثر الأوقات إن لم تنزل به ملمة واقعة وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر الفكر وهذا أقصى ما يقدر عليه الإنسان بالمجاهدة.
وقال بعض العلماء: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، وهجر الخلق في جنب الحق شديد والمسير بالنفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع ا الله أشد، فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه، وعلاجهما: الاعتزال وإخمال النفس ولا يصلح ذلك إلا بالزهد الكامل والمجاهدة التامة حتى يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان للشرع وذلك هو
الحقيقي.
الملك
وقد حكي عن بعض الملوك قال لبعض الزهاد هل لك من حاجة؟ قال وكيف اطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك؟ قال: وكيف؟ قال: من أنت عبده فهو عبدي، قال: أنت عبد شهوتك، وغضبك، وفرجك، وبطنك وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيدي. فإذا هذا الملك
هو في الدنيا الذي يسوق صاحبه إلى ملك الآخرة لا الملك الذي لا يخلو من المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبرات مع انقطاعه بالموت والفناء وبقاء تباعته على الإنسان في العقبى.
فما أعظم اغترار الإنسان / إذ ظن أنه ينال ملك الآخرة بطلبه ملك الدنيا الذي يصير به [314] الإنسان مملوكاً لشهوته وغضبه وبطنه وفرجه ومثل هذا لا يكون إلا منكوساً في الدنيا معكوساً في الآخرة والله أعلم.
وأما علاج الصبر عن الرئاسة والجاه فيحصل بثلاثة أمور:
أحدها: بالهرب عن مواضعها حتى لا يشاهد أحد أسبابه فيعسر عليه الصبر.
ذلك
والثاني: أن يكلف نفسه ترك الأعمال التي تقتضي التكبر ويستعملها أعمالاً تفيده التواضع في جميع أحواله من ملبس أو مطعم أو مأكل، أو مركب، حتى يرسخ نفسه فيكون متواضعاً.
في (3/271)
صفحة 1128
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - عقيدة - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: قناطر الخيرات
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي أبو طاهر
تحقيق: سيد كسروي حسن - خلاف محمود عبد السميع
الناشر: دار الكتب العلمية
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1422ه/ 2001م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 3
أصله: مخطوط
ردمك: 2-7451-2289-4
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3697&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/127
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 رمضان 1446ه/ 05 - شهر 03 - 2025م. 272
قنطرة العوارض
والثالث: أن يراعى التدريج بالإشارة لقوله عليه السلام: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى (1). فهذا علاج الرئاسة وحب الجاه.
ويروى عن بعض العلماء أنه قيل له: بماذا يقوى الصابر على صبره؟
قال: إذا علم أن في صبره رضى مولاه جل جلاله أما سمعت قول الحكيم: رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي من الأمر ما فيه رضي صاحب الأمر
حبس
فصل
اعلم أن للصبر شروطاً لا بد من مراعاتها منها أن تعلم كيف تصبر؛ لأن الصبر معناه
النفس عن الجزع، ومعنى الجزع اضطراب النفس في الشدة والصبر ترك ذلك. ومنها أن تعلم لمن تصبر؛ لأنه قيل في قول الله تعالى: (أَصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا (2). أي اصبروا من الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله.
ومنها أن تعلم ما تريد بصبرك وقد ذكرنا ثواب الصبر، وجملة ذلك أن الصبر النجاة من 31] الشدائد، والنجاح في الأمور، والظفر بالأعداء، والتقدم على / الناس، ونيل الإمامة، وحسن الثناء، والبشارة، والصلاة، والرحمة وتحقيق الهدى والثواب الذي لا غاية له ولا نهاية، وذكر الآيات المذكور فيها ما ذكرنا من الكرامات يطول الكتاب بها.
ومنها حسن النية واحتساب الأجر على ما صبر عليه ولمن يصبر) له فإذا أتى الإنسان بهذه الشروط صار من الصابرين الذين يوفى لهم الأجر بغير حساب، وإلا فهو مثل البهيمة نزل بها البلاء فاضطربت لذلك ثم هدى ذلك عنها فهدأت وبالله التوفيق.
وقد روي عن بعض العلماء أنه قال: من عزم على قطع طريق الآخرة فليجعل في نفسه أربعة ألوان من الموت الأبيض والأحمر والأسود والأخضر فالموت الأبيض الجوع، والأسود ذم الناس، والأحمر مخالفة الشيطان، والأخضر الوقائع والشدائد بعضها في أثر بعض والله أعلم، وهذا كله لا ينال إلا بتوفيق الله تعالى وحسن عونه.
(1) ذكر الحافظ في المغني (ج 4
ص
يصح
حديث جابر وقال في (ج) ص 531) ولا إسناده قال المحقق: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ..... الحديث ذكره الألباني في (صحيح الجامع (2246) وقال: حسن.
125 طبعة دار الحديث). أخرجه أحمد من حديث أنس والبيهقي من
(2) سورة آل عمران الآية: 200. (3/272)
صفحة 1129
قنطرة العوارض
ولقد روي
273
أن الله تعالى أوحى إلى أيوب عليه السلام يا أيوب لا تعجبن من صبرك؛
فإني قد علمت ما تجد كل شعرة من لحمك ودمك، ولولا أني أعطيت كل شعرة من صبراً ما صبرت وبالله التوفيق.
الباب الرابع
في القضاء والقدر وورود د أنواعهما
ذلك
قال الله سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (1). وقال تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (2).
إن ذلك
يعني العلم في كتاب الآية. وفي الحديث: أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: يا رب وما أكتب؟ قال: أكتب علمي في خلقي، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم
القيامة (3).
وفي الحديث أن الرسول عليه / السلام قال: قال الله تعالى: أنا الله الذي لا إله إلا أنا [316] خلقت الخير والشر فقدرته على يدي من يكون فطوبى لمن خلقته للخير وقدرته على يديه وويل لمن خلقته للشر وقدرته على يديه» (4).
وعنه عليه السلام أنه قال: لكل أمة.
هذه الأمة القدرية» (5). مجوس ومجوس
ويروى أنه لما احتضر عبادة بن الصامت قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني. قال: أجلسوني، فلما جلس قال: يا بني اتق الله ولن تتقي الله حتى تؤمن بالله ولن تؤمن بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره من الله أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: القدر» على هذا فمن مات على غيره دخل النار.
وتعلم
(1)
سورة القمر، الآية: 49.
(2) سورة الحج، الآية: 70.
(3) أطراف الحديث عند ابن أبي عاصم في السنة (48/ 1، 49).
(4) ذكر الحافظ العراقي نحوه في (ج 4 ص 528 طبعة دار الحديث وقال: أخرجه ابن شاهين في شرح
السنة عن أبي أمامة بإسناد ضعيف.
(5) أطراف الحديث عند أبو داود (4692)، وأحمد (86/ 2)، الهيثمي في مجمع الزوائد (7: 207) والمتقي الهندي (554، 555 (647 والسيوطي في الدر المنثور (6 (138) وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (647)، وابن عدي في الكامل للضعفاء (6: 2317). والسيوطي في اللآلاء المصنوعة (133/ 1، 134) وابن كثير في التفسير (459/ 5).
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 18 (3/273)
صفحة 1130
274
مالك وعن
قنطرة العوارض
بن دينار قال: قرأت في اثنتين وسبعين كتاباً من كتب الله عز وجل أن من أضاف إلى نفسه شيئاً من الاستطاعة فقد كفر، ولعله يريد شيئاً من القدر. وعن محمد بن الحسن قال: اختلف رجلان في القدر فتراضيا بأول رجل يلقيانه، فلقيا رجلاً فقالا له: ما تقول فيما اختلفنا؟ فقال: أقول إن الذي جعل الشهد في النحلة هو الذي جعل السم في الحية.
وعن ابن قتيبة أنه قال: بلغني أن رجلاً من المتكلمين لقي نصرانياً فقال له: ألا تسلم؟ فقال النصراني: إن الله لم يرد فقال له المتكلم بل أراد ولكن الشيطان لا يدعك. قال النصراني: إني مع أقوالهما وقال الله تعالى الفعال لما يريد، جل ربنا وتعالى أن يكون في ملكه
ما لا يريد.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لو أراد الله أن لا يعضى ما خلق إبليس، فهو رأس [317] الخطيئة، وقد بين ذلك في آي من كتابه وفصلها / عقلها من عقلها وجهلها من جهلها فقال: مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (1)
وعن ابن عباس أنه قال: ما يأتي أحد من أهل الأهواء فيخاصمني أبغض إلي من القدرية؛ وذلك أنهم لا يعلمون قدر عظمة الله تعالى؛ لأن الله لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، أما يقرؤون هذه الآية: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (2) كفاراً ومؤمنين.
أن ويروي بني إسرائيل اختصموا في القدر خمسمائة سنة ثم انتهوا إلى عالم من علمائهم، فقالوا: صف لنا القدر بكلام قليل نفهمه عنك. فقال: حرمان العقل وظفر
الجاهل.
ويروي أن رجلاً سأل علي بن أبي طالب عن القدر. فقال: تسئلني عن شيء تملكه. الله أو من دون الله إياك أن تتكلم فأضرب عنقك. فقال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم إن قلت تملكه الله فقد جعلت نفسك شريكاً مع الله، وإن قلت تملكه من دون الله فقد جعلت نفسك معبوداً من دون الله. فقال: وما المخرج يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت المالك لما مَلَكَكَ الله، والقادر على ما عليه، قدرك ولا حول لك على معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة لك على
طاعة الله إلا بتوفيقه، أما سمعت الناس يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) سورة الصافات، (الآيتان: 162، 163). (2) سورة الأعراف الآية: 29. (3/274)
صفحة 1131
قنطرة العوارض
275
فصل
اعلم يا أخي أن الأمور مفروغ منها خير وشر وشقاوة وسعادة وغنى وفقر وخلق وخلق
:
ورزق وأجل وغير ذلك فلا يجري في العالم من حركة وسكون، ونفع، وضر، وطاعة، ومعصية، وإيمان، وكفر إلا بما جرى به القلم وسبق به القضاء والقدر.
وكذلك لا يطير طائر بجناحيه، ولا يدب حيوان على بطنه أو رجليه، ولا تسقط ورقة، ولا تطير / بعوضة إلا بقضاء وقدر، وإرادة من الله تعالى ومشيئة، كما لا يجري شيء [318] من ذلك إلا وقد سبق به علمه قال الله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (1). يعني من قبل أن نخلقها يعني النفس وقيل: من قبل أن نخلق المصيبة. وقال لنبيه عليه السلام: (قُلْ لَّن يُصِينَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا (2).
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (3).
فالواجب على الإنسان امتثال ما أمر به واجتناب ما نهي عنه، ولا يتكلف الخوض في القضاء والقدر فإن ذلك من مخزون علم الله الذي استأثر به عن الخلق {وَلَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) (4)
(?).
وقد روي عن النبي أنه قال: إن الله عز وجل افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدوداً فلا تتعدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من ربكم فاقبلوها.
وقال عليه السلام: اعملوا فكلكم ميسر) لما خلق له (ه).
(1) سورة الحديد، الآية: 22. (2) سورة التوبة، الآية: 51.
(3) أطراف الحديث عند الترمذي (2156) وأحمد (169/ 2)، والقرطبي في التفسير (52/ 9) والمتقي الهندي في كنز العمال (497، 610) والبيهقي في الأسماء والصفات (374) وفي تاريخ أصفهان لأبي نعيم (327/ 1)، وكشف الخفا للعجلوني (38/ 2) والسيوطي في الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة
(4)
(121)
سورة الأنبياء، الآية: 23.
(0) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 4 ص 139 طبعة دار الحديث) من حديث علي وعمران بن حصين = (3/275)
صفحة 1132
قنطرة العوارض
276
وقال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (1).
فصل في الجمع بين القضاء والقدر وبين الطلب والحذر
فإن قال قائل: كيف العمل فيما سبقت به الأقدار وجفت به الأقلام وفرغ من قسمته؟ وكيف الحذر مما لا بد من كونه؟ قيل له: اعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان، والتوكل والكسب لا يتضادان وذلك أن تعلم أن كل ما قضى الله تعالى كائن لا محالة كما أن ما علم الله أن يكون فهو كائن لا محالة.
ومن
الله
خالف المسلمين في القضاء والقدر فقد / وافقهم في العلم فرب أمر قدر وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إليك إلا بالطلب والطلب أيضاً من القدر، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب في إنهما مقدوران، فمن هاهنا ثبت أنهما لا يتنافيان.
وكذلك التوكل مع الكسب وأخذ الحذر مع الشروع في العمل؛ لأن التوكل والحذر محلهما القلب والكسب والعمل محلهما الجوارح قال الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ (2). وقال تعالى: (خُذُوا حِذْرَكُمْ فَأَنفِرُوا ثُبَاتِ) (3) الآية.
وحكي أن رجلا أتى النبي الله على ناقة فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكل. فقال عليه
السلام: «أعقلها وتوكل (4).
وحكي أن إبليس لعنه الله قال لعيسى ابن مريم عليه السلام ألست تقول أنه لن يصيبك إلا ما قدر الله عليك؟ قال: نعم. قال: فارم نفسك من ذروة الجبل فإنه إن يقدر لك السلامة تسلم. فقال له: يا ملعون إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه.
فالتوكل والاعتصام بالقدرة يستمدان من الأمر فالتوكل هو الثقة بما ضمنه الله، والقطع يكون ما يحكم به فعلى العبد أن يتحقق أن التقدير من قبل الله تعالى فإن تعسر شيء فبتقديره،
،
قال المحقق هو حديث متفق عليه من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخرجه البخاري في الجنائز (1362/ 3) فتح والتفسير (4945/ 8، 4949) ومسلم في القدر (7/ 4/ ص - 304).
(1) سورة الزخرف، الآية: 32. (2) سورة آل عمران، الآية: 159. (3) سورة النساء، الآية: 71.
يحيى
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 429). أخرجه الترمذي من حديث أنس، قال: منكر ورواه ابن خزيمة في التوكل، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد «قيدها».
القطان
[319] (3/276)
صفحة 1133
قنطرة العوارض
277
وإن اتفق شيء فبتيسيره وليعتمد في ذلك على الله سبحانه مسبب الأسباب، ومسخر الخلق والألباب بشرط ملازمة الطاعة والأمر؛ لأنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته.
وقد قال علي من ابتغى أمراً بمعصية الله كان له أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى، ومن ظن أن الطلب والأسباب يناقضان التوكل فقعد في بيته متوكلاً على ربه كان عن العقل خارجاً وفي تيه الجهل والجاً.
ويقال له: فيجب من هذا إذا جعت وحضر الطعام / أن لا تمد يدك إليه ولا تفتح فمك [320] فإن قال: نعم. كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة والدليل على أن الطلب مأمور به أمر إباحة قوله تعالى: {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (1).
(1) ,
وقال بعض العلماء: من قول الله تعالى: {وَلَوْ بَسط اللهُ الرَّزْقَ لِعَبَادِهِ لَبَغَوْا فِي
الأرض) (2).
قال: لو رزقهم من غير كسب ألا ترى أن الله قال لمريم: {وَهُزِّيَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ (3) الآية. وأنشد في هذا المعنى:
ألم تر أن الله قال لمريم فهزي بجذع النخل يساقط الرطب
له
سبب
خماصاً
وتروح
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزة إليها ولكن كل شيء ويقال في التوراة يا ابن آدم حرك يديك يسبب لك رزقك، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور تغدو بطانا (4). فلم يقل: تحمل أرزاقها إلى أوكارها بل ألهمها طلبه بالغدو والرواح. ويحكى أن بعض الملوك يرى من تصديق القدر وتكذيب الطلب دون أهل زمانه من الملوك ما يحجزه عن الطلب والتدبير فأخرجه إخوته من سلطانه وقهروه على مملكته.
(r)
(1) سورة الجمعة، الآية: 9. (2) سورة الشورى، الآية: 27. سورة مريم الآية: 25. (4) ذكر الحافظ العراقي في المغني (ج) 375 طبعة دار الحديث بلفظ لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله. . الحديث. وقال أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر.
..
ص
وأطراف الحديث عند الهيثمي في موارد الظمآن (2548) وعند ابن الجوزي في زاد المسير (8: 292)، وعند العجلوني في كشف الخفا (218/ 2)، وعند ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث (1832). (3/277)
صفحة 1134
278
قنطرة العوارض
فقال له بعض الحكماء: إن ترك الطلب يضعف الهمة، ويذل النفس، وصاحبه صائر إلى أخلاق ذوات الأجحرة من الحيوانات كالضب، وسائر الحشرات تنشأ في أجحرتها وفيها يكون موتها.
:
ثم جمعوا بين القدر والطلب فقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر إن حمل في واحد منهما أرجح مما حمل في الآخر سقط حمله وتعب ظهره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره. وضربوا في ذلك مثلاً عجيباً وقالوا: إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقر وضر ولا قائد [321] للأعمى ولا حامل للمقعد، فكان في القرية رجلا يطعمهما كل يوم / قوتهما احتساباً فلم يزالا في عافية إلى أن هلك الرجل المحتسب. فلبثا بعده أياماً فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمع رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد فيدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما، فلو لم يفعلا ذلك لهلكا.
فكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه قال: فأخذ ذلك الملك في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه وكان يقول بعد ذلك: لا تدعن الطلب اتكالاً على القدر ولا تجهدن نفسك في الطلب معتمداً عليه مستهيناً بالقدر، فإذا أجهدت نفسك بالطلب بوجوه التدبير مصدقاً بالقدر نلت ما تحاول وإن التوت مع ذلك عليك الأمور فذلك من عوق القدر وأنك قد أتيت ذنباً، وتفقد جوارحك وتب إلى الله من كل ذنب واخرج من كل مظلمة فإذا أنت فعلت قابلك الحظ وساعدك القدر إن شاء الله.
فصل
فإن قال قائل: هل يزيد الرزق بالطلب أو ينقص بترك الطلب أم لا؟ قيل له: عند بعضهم لا؛ لأن المكتوب في اللوح المحفوظ مقدر مؤقت لا تبديل لحكم الله ولا تغيير لقسمته
وكتابته.
ويروى عن بعض العلماء من أصحاب حاتم وشقيق: أن الرزق لا يزيد ولا ينقص بفعل العبد ولكن المال يزيد وينقص، وهذا عند أصحاب القول الأول فاسد؛ لأن الدليل في الموضعين واحد وهو الكتابة والقسمة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لْكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ) (1).
(1) سورة الحديد، الآية: 23. (3/278)
صفحة 1135
قنطرة العوارض
279
ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع إذ هو قصر حتى فاته وشمر حتى حصله، وقد قال عليه السلام: «ولو لم تأتها لأتتك (1).
فإن قال: الثواب والعقاب أيضاً مكتوبان في اللوح المحفوظ، ثم يلزمنا طلبه فيزيد [322] بالطلب وينقص بالترك.
فاعلم أن طلب الثواب إنما وجب، لأن الله تعالى أمر به أمراً حتماً وأوعد على تركه ولم
يضمن الثواب على غير فعل منا.
من غير شرط
وزيادة الثواب والعقاب إنما هي بفعل العبد والفرق بينهما في نكثه، وهو ما قال بعض العلماء أن المكتوب في اللوح المحفوظ قسمان: قسم هو مكتوب مطلقاً وتعليق بفعل العبد وهو الأرزاق والآجال ألا ترى كيف ذكرهما الله تعالى مطلقاً فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (2). وقال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلَهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (3).
وقال النبي عليه السلام: أربع فُرغَ منهن: الخَلقُ والخُلُقُ والرزق والأجل.
(2)
وقسم مكتوب بشرط معلق بمشروط وهو فعل العبد وذلك هو الثواب والعقاب، ألا ترى كيف ذكرهما الله في كتابه معلقتين بفعل العبد فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقُوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (4). وهذا بين فاعلمه.
فإن قال: نحن نجد الطالبين يجدون الأرزاق والأموال والتاركين يعدمون ويفتقرون.
قيل له: كأنك
ذلك لا تجد طالباً محروماً فقيراً وفارغاً مرزوقاً غنياً، بلى إن هذا. مع
الأكثر ليعلم أن ذلك تقدير العزيز العليم.
هو
وقد قيل لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. قال: وما أصنع بالمناظرة بالقدر رأيت ظاهراً به على باطن، رأيت أحمق مرزوقاً وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس إلى
فاستدللت
العباد وأنشدوا:
(1) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (477/ 9) وعند أبي نعيم في تاريخ أصبهان (160/ 1). وعند
ابن أبي عاصم في السنة (117/ 1).
(2) سورة هود، الآية: 6. (3) سورة الأعراف، الآية: 34. (4) سورة المائدة الآية: 65. (3/279)
صفحة 1136
280
قنطرة العوارض
وكم قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف وكم ضعيف ضعيف في تقلبه كأنه من خليج البحر يغترف / هذا دليل على أن الإله له في الخلق سر خفي ليس ينكشف وفي الخبر أن العقل استأذن على البخت فقال: اذهب لا حاجة لي بك. فقال العقل:
ولم؟ قال: إنك تحتاج إلي ولا احتاج إليك.
ويروي
أن حكيماً قال لابنه: يا بني رزقك الله جداً يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك الله
عقلاً تخدم به ذوي الجدود.
وكان يقال: إفراط جد العاقل مضرباً لجد.
وروي
أن رجلاً خُيّر في أمر فأبى أن يختار فقال: أنا بجدي أوثق مني بعقلي فأقرعوا. وفي الا الأمثال: أسع: بجد لا بكد أسع بجد أو دع جدك لا كدك، الكد أغنى من الجد. ويقال: إذا أقبل جد امرء فالأيام تساعده والأسواء تباعده، وإذا أدبر فالأيام تعاديه،
والنحوس تراوحه وتغاديه.
واعلم أن زمام الأمور التوفيق ولم ينزل من السماء إلى الأرض أقل من التوفيق وهو
مقرون بالاجتهاد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (1) الآية. وروي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: أرأيت إن جنبني الهدى وسلك بي طريق الردى أحسن لي أم أساء؟
قال
علي:: إن كنت استوجبت عليه شيئاً فقد أساء وإلا فهو يفعل ما يشاء.
وسأله رجل عن القدر فأعرض عنه فأبى إلا الجواب. فقال علي: أخبرني أخلقك الله كيف شئت أو كيف شاء؟ فأمسك الرجل فقال عليّ للحاضرين: أترونه يقول كما شاء إذا والله أضرب عنقه؟ فقال الرجل: كما يشاء. قال علي: أيحييك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال علي: أيميتك كيف يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: فيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. قال: فليس لك من الأمر شيء. وينشد لبشار بن برد
الأعمى:
(1) سورة العنكبوت، الآية: 69.
[323] (3/280)
صفحة 1137
قنطرة العوارض طبعت على مابي غير مخير هواي ولو خيرت كنت المهذبا أريد فلا أعطي وأعطي ولم أرد وقصر علمي أن أنال المغيبا واصرف عن قصدي وعلمي مقصر وأمسي فما أعقبت إلا التعجبا
281
واعلم أن الهارب مما هو مقضى عليه كالمتقلب في يد الطالب كما قيل: وإذا خشيت من الأمور مقدراً وفررت منه نحوه تتوجه وذكر في كتاب سراج الملوك أن رجلاً أخلى من خدمة السلطان بمدينة إسكندرية فظفر به عرفاءه فبينما هو يقتادونه إذ مر على بئر فترامى الرجل فيها. قال: ولهذه المدينة أسراب يسير
الرجل فيها قائماً من أولها إلى آخرها، فما زال الرجل يمشي تحت الأرض حتى وجد بئراً صاعدة فتعلق بها فإذا هو في دار السلطان فقبضه وأدبه ففر بزعمه من السلطان فمشى إليه
طائعاً.
ويقال: وقع الطاعون بالكوفة، فمر ابن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشداً
يقول:
لن يسبق الله على حمار
ولا
أو يأتي الحتف على مقدار فيصب
ذي ميعة طيار الله أمام السـ
ار
فكر راجعاً إلى الكوفة فقال: إذا كان الله أمام السار فلا مهرب.
ومن كتاب الباجي أن رجلاً أراد التوجه إلى أرض بها الطاعون فتردد فحدي به غلام
أعجمي فقال:
يا أيها المشعر هما لا
إنك إن تكتب لك الحما تحم
ولو علوت شاهقاً من العلم كيف تواقيك وقد جف القلم
وروي في الإسرائيليات أن نبياً مَرّ بفخ منصوب وإذا قريب منه طائر فقال الطائر: يا نبي الله هل رأيت أقل عقلاً من هذا؟ / نصب هذا الفخ ليصيدني فيه وأنا أنظر إليه؟ قال: [325] فذهب فرجع وإذا بالطائر في الفخ كذا وكذا. فقال: يا نبي الله إذا جاء الحين لم تبق أذن ولا
عين، وبالله التوفيق.
وعن
فصل في الرقى والتمائم والطب والكي
عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أسترقى من العين. (3/281)
صفحة 1138
282
قنطرة العوارض
وعن أم سلمة أنه عليه السلام رأى في بيتها جارية في وجهها سعفة فقال: «استرقوا لها
فإن بها النظرة» (1).
•
وعنه عليه السلام: لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين (2).
تسرع
وقال لحاضنتي ابني جعفر: ما لي أراهما ضارعين (3). فقالت: يا رسول الله إليهما العين، ولا يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك. فقال: «استرقوا لهما» (4).
وعن ثابت أنه قال: اشتكيت فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله؟
قال: بلى قال: قل: اللهم رب الناس مذهب البأس أشف أنت الشافي لا شافي إلا
أنت اشف شفاء لا يغادر سقماً (5).
عائشة وعن
رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: «بسم الله تربة أرضنا ورقية
بعضنا تشفي سقيمنا بإذن ربنا (6).
وروي عنه أنه كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه بقل هو الله أحد، والمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن نفعل به ذلك.
وروي عن ابن عباس أن نفراً من أصحاب النبي عليه السلام مروا بماء فيه لديغ أو سليم.
(1) الحديث عند البخاري (171/ 7) والحاكم في المستدرك (212/ 4) والبغوي في شرح السنة (163/ 12). وفي مصنف عبد الرزاق (19769).
(2) أطراف الحديث عند مسلم (في السلام ب 16 رقم (42 والترمذي (2059، 2062، وابن ماجه (3510) وأحمد (438/ 6) والبيهقي في السنن (351/ 9 (438) والطحاوي في مشكل الآثار (75/ 4) والطبراني في المعجم الكبير (20/ 11) والكحال في الأحكام النبوية في الصناعة الطبية (154/ 1) والمتقي الهندي في الكنز (17664، (17665) وابن عبد البر في التمهيد (267/ 2، 271، 240/ 6، 246) والسيوطي في الحاوي (580/ 1) والخرائطي في مكارم الأخلاق (89)، والذهبي في الطب النبوي (135) وعند الحميدي في مسنده (330)، وأبي حنيفة في جامع المسانيد (118/ 1، 163، 173)، (307/ 2). وابن كثير في التفسير (229/ 8 231) وابن عدي في الكامل للضعفاء (1575/ 4) والألباني السلسلة الصحيحة (1252).
(3) أطراف الحديث عند القرطبي في تفسيره (227/ 9) وفي الموطأ (939).
(4) أطراف الحديث عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان (358/ 2). وفي ميزان الاعتدال (4637). (0) أطراف الحديث عند أبي داود (3890) وأحمد (151/ 3) وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (257/ 4) وعند المتقي الهندي في كنز العمال (28367). والسيوطي في جمع الجوامع (9683).
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 504. طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث عائشة. (3/282)
صفحة 1139
قنطرة العوارض
283
فقال رجل من أهل الماء هل فيكم من راق؟ فانطلق رجل منهم فجعل يقرأ بفاتحة الكتاب ويجمع بزاقه فيتفل فيه / فبرء، فأتوا بشاة فقالوا: لا نأخذها حتى نسئل رسول الله. فسألوه [326] فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية أصبتم فخذوها واضربوا لي سهماً إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله عز وجل (1).
عظيم.
وروي
أن عائشة رضي الله عنها كانت ثرى البثرة الصغيرة في يدها، فتلح عليها بالتعويذ. فيقال لها: إنها صغيرة فتقول: إن الله يعظم ما شاء من صغير ويصغر ما شاء من
وقال بعض العلماء: استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم، وكان معدناً لا يزال يصيب الناس من قبل الجن، فشكوا ذلك إلى زيد فأمرهم بالآذان وأن يرفعوا أصواتهم به ففعلوه فارتفع ذلك عنهم.
وعن ابن عباس أنه قال: مر عيسى عليه السلام ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا روح الله ادع الله أن يخلصني. فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها.
فألقت ما في بطنها، فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.
وعن ابن عباس أنه قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحكيم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد الله رب العالمين.
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) (2).
كأنهم يوم يرون ما يوعدون) (3): إلى آخر السورة.
الله أن جبريل عليه السلام رقى النبي عليهما السلام فجعل جبريل يقول: بسم ا وروي
أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك من. حاسد
وعين.
ولهذا جواز الاسترقاء بما كان من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله، وأما ما كان بالسريانية والهندية مما لا يعرف معناه فإنه لا يحل اعتقاده عند العلماء. والله أعلم.
(1) أطراف الحديث عند مسلم في السلام (ب) 23 رقم (65) والبخاري (((70) وأحمد (44/ 3) وفي فتح الباري (198/ 10). وفي تفسير القرطبي (113/ 1، 318/ 10).
(2) سورة النازعات، الآية: 46.
(3) سورة مريم، الآية: 75. (3/283)
صفحة 1140
284
[327]
قنطرة العوارض
/ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه السلام كان يأمر بالكلمات من الفزع حين شكى إليه خالد بن الوليد أنه يفزع في منامه فقال: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده و من همزات الشياطين وأن يحضرون».
فكان عبد الله بن عمرو من أدرك من ولده علمه إياهن وأمره أن يقولهن إذا أراد أن
ينام، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه والله أعلم.
وأما الطب فروي عن النبي عليه السلام أنه قال: الذي أنزل الدواء أنزل الداء» (1). وعنه عليه السلام أنه قال: [الكماة] من المن وماءها شفاء للعين (2). وقيل: أنه يخلط
في الأدوية.
(2)
وروي أنه سئل سهل بن سعد: بأي شيء دوي جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كسر على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضة وأدمى وجهه وكسرت رباعيته.
وكان علي يختلف بالماء في المجين وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقته وألصقته على جرح النبي عليه
السلام فرق الدم.
وعن
عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما ثقل النبي عليه السلام واشتد عليه وجعه، استأذن أزواجه أن يُمَرَّض في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، فقال النبي عليه السلام بعدما دخل بيتها واشتد وجعه اهرقوا عليّ ماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس (3).
(1) ذكر الحافظ نحو هذا في المغني (ج 4 ص 435 طبعة دار الحديث) وقال في حديث: «ما من داء إلا له دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام». رواه أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود دون قوله: إلا السام». وهو عند ابن ماجه مختصراً دون قوله: «عرفه .... إلى آخره». وإسناده حسن وللترمذي وصححه من حديث أسامة بن شريك إلا الهرم وللطبراني في الأوسط والبزار من حديث أبي سعيد الخدري والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس وسندهما ضعيف والبخاري من حديث أبي هريرة «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ولمسلم من حديث جابر لكل داء دواء. وفي حديث بلفظ: «تداووا عباد الله. . . . . رواه الترمذي وصححه وابن ماجه واللفظ له من حديث أسامة بن شريك. (2) أطراف الحديث عند البخاري (22/ 6،،، (164/ 7) ومسلم في الأشربة (157) والبيهقي في السنن الكبرى (345/ 9) وابن حجر في فتح الباري (163/ 8)، (163/ 10) والمتقي الهندي في الكنز (38308) والسيوطي في الدر المنثور (70/ 1، 78/ 428). وفي شرح السنة للبغوي (333/ 11) وفي الطب النبوي للذهبي (78). وعند ابن عدي في الكامل للضعفاء (1356/ 4، 1357، 1453، 2000). (3) أطراف الحديث عند البخاري (16/ 1) والبيهقي في السنن (311) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين = (3/284)
صفحة 1141
قنطرة العوارض
285
قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي عليه السلام، فطفقنا نصب عليه مر
تلك القرب حتى جعل يشير إلينا. أن قد فعلتن.
قالت: فخرج / إلى الناس فصلى بهم، ثم خطبهم.
[328]
قال: ويحتمل أن يكون النبي عليه السلام أمر أن
يصب عليه الماء من القرب التي لم
تحلل أوكيتها، مع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عنه عليه السلام من تفضيل من لا يكتوي ولا يسترقي ليبين جواز ذلك مع أن تركه أفضل.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كويت من ذات الجنب والنبي عليه السلام حي، وشهدني أنس بن النضر وزيد بن ثابت وكواني أبو طلحة.
عبد
وقد روي
أن سعد بن زرارة اكتوي في زمان النبي عليه السلام من الذبحة فمات، وأن الله بن عمر اكتوي من اللقوة ورقي من العقرب، ويحتمل ذلك أن يكون النبي عليه السلام إنما فعل ذلك بوحي أوحي إليه أنه إذا فعل ذلك سيبرأ ويعهد إلى الناس ويبلغهم ما أمر بتبليغه، وسائر الناس إنما يقدم على التداوي رجاء أن يبرأ دون قطع بذلك ولا يقين ولهذا تأثير
في الشرع.
وقد أباح الله أكل الميتة للمضطر؛ لأنه متيقن زوال جوعه بها، ومنعت العلماء شرب الخمر للعطش والتداوي؛ لأنه غير متيقن ببرء دائه بها والله أعلم. وقد روي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشفاء في ثلاثة: لعقة عسل وشرطة محجم وكية نار وأنا أنهى أمتي عن الكي) وفي حديث آخر: إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم. ففي شرطة محجم وشربة عسل ولدغة نار توافق الدواء وما أحب أن أكتوي».
(1)
خير
قال وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: أخي يشتكي بطنه. قال: «اسفه عسلاً». ثم أتاه
(287/ 10) والبخاري في التاريخ الكبير (408/ 1). وابن سعد في الطبقات (29/ 2/2) والمتقي الهندي في الكنز (28234). (1) أطراف الحديث عند البخاري (159/ 7) وابن ماجه (3491) وأحمد (246/ 1) والبيهقي في السنن الكبرى (341/ 9) والسيوطي في الدر المنثور (123/ 4) وابن حجر في الفتح (136/ 10، 137)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (4516)، والمتقي الهندي في الكنز (8171) وابن عبد البر في التمهيد (274/ 5) وابن كثير في التفسير (502/ 4) والقرطبي في التفسير (139/ 10). (3/285)
صفحة 1142
286
قنطرة العوارض
فقال: «اسقه عسلاً» ثم أتاه الثالثة فقال: «اسقه عسلاً». ثم أتاه فقال: «صدق الله وكذب [329] / بطن أخيك اسقه عسلا (1) فسقاه فبراء.
وعنه عليه السلام أنه قال: في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام (2).
قال ابن شهاب: السام الموت والحبة السوداء الشُّونيز (
وقد روي
(3)
أن أقواماً قالوا: لا يجوز شرب الدواء إلا لمرض قد وقع بالمريض وإما شربه لدفع إصابة داء فممنوع، وأجاز ذلك آخرون وهو مثل الحجامة لا تفعل غالباً إلا لتوقع داء لم
يوجد.
الفساد.
وقد قال عليه السلام: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري» (4).
وقد يصلح الإنسان غرسه بالسقي ويلقح أشجاره وكل ذلك لدفع ما يحذر حدوثه من
وعن علي أنه قال: من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله تعالى عنه سبعين نوعاً من البلاء. ومن أكل كل يوم سبع ثمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه واللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب، ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله. من الداء، ولن تستشف النفساء بشيء أفضل من الرطب، والسمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن والسواك يذهب البلغم، ومن أراد
(1) أطراف الحديث عند البخاري ((159/ 7 (166) ومسلم في السلام (91) والترمذي (282) وأحمد (19/ 3، 92) والبيهقي في السنن الكبرى (344/ 9) والحاكم في المستدرك (402/ 4) والبغوي في شرح السنة (147/ 12) والسيوطي في الدر المنثور (123/ 4) وتفسير ابن كثير (501/ 4). (2) أطراف الحديث عند أحمد (423/ 2، 146/ 6). والهيثمي في مجمع الزوائد (88/ 5) والمتقي الهندي في الكنز (28251) وفي تاريخ بغداد للبغدادي (437/ 11) والبخاري في التاريخ الكبير (186/ 5). والألباني في الصحيحة (1069، 1819). من البزر فارس الأصل وهكذا ينطقونه بضم الشين وهو من شتر بكسر الشين عن أبي حنيفة هذه الحبة
(3)
?3
السوداء (لسان العرب 362/ 5).
(4) أطراف الحديث عند البخاري (163/ 7)، والبيهقي في السنن (339/ 9) والسيوطي في مجمع الجوامع (6291) والتبريزي في المشكاة (4522)، والساعاتي في بدائع المنن (1771) والشافعي في مسنده (191) وشرح السنة للبغوي (155/ 12). وابن حجر في الفتح (148/ 10، 150) والذهبي في الطب النبوي (75) والألباني في الصحيحة (43/ 3) وابن أبي حاتم في علل الحديث (2273). وابن أبي شيبة
في مصنفه (441/ 7). (3/286)
صفحة 1143
[330]
قنطرة العوارض
287
البقاء، ولا بقاء إلا الله فليباكر الغداء وليقلل غشيان النساء، وليخفف الردى يعني الدين. وروي أن الحجاج قال لبعض الأطباء: صف لي صفة لآخذ بها ولا أعدوها. قال: لا تنكح من النساء إلا فتاة، ولا تأكل من اللحم إلا فتياً، ولا تأكل المطبوخ حتى ينعم نضجه ولا تشرين دواء إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجاً ولا تأكل طعاماً إلا أجدت مضغه وكل ما أحببت من الطعام ولا تشرب عليه فإذا شربت / فلا تأكل عليه شيئاً ولا تحبسنا الغائط والبول، فإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة وتقول العرب في معناه: تغد تمد تعش تمش، يعني تمدد.
وقال حكيم لسمين: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فما هي؟ قال: أكل لباب
البر، وصغار المعز، وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان.
قيل لأعرابي: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحار وشربي القار والإتكاء على شمالي. ويقال: أربعة تقوي البدن أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع،
ولبس الكتان.
وأربعة تهين البدن: كثرة الجماع وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة
أكل الحموضة.
ويقال خمس خصال تهد العمر وربما قتلن دخول الحمام على البطنة، والمجامعة على
الامتلاء وأكل القديد الجاف وشرب الماء البارد على الريق، ومجامعة العجوز. وعن قتيبة قال: ثلاثة يورثن الهزال: شرب الماء على الريق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
وقال يحيى بن خالد شيئان يورثان العقل: التين اليابس إذا أكل ودخان اللبان إذا بخر به. وسبعة أشياء تفسد العقل الإكثار من أكل البصل والباقلاء، والجماع، والخمر،
وكثرة النظر في المرآة، والاستفراغ في الضحك، ودوام النظر في البحر. وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تورث النسيان أكل التفاح، وسؤر الفار، ونبذ القملة».
وفي رواية أخرى: والحجامة على النقرة، والبول في الماء الراكدة.
وقال ابن قتيبة: إذا خرج الطعام قبل ست ساعات فهو مكروه، وإذا بقي أكثر من أربع وعشرين ساعة فهو ضرر والله أعلم. (3/287)
صفحة 1144
[331]
[332]
288
قنطرة العوارض
وهذا الذي قدمناه من الأدوية مباح / استعمالها، وإن ترك المداوات اتكالاً على الله ورضى بقضائه فذلك. من أعلى مقامات التوكل.
وقد قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: قد دعوته. قيل: فما قال لك. قال: قال لي إني فعّال لما أريد.
وقيل لأبي الدرداء: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟ قال: الجنة. قيل: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: هو الذي أضجعني. وقيل لبعض الأطباء وقد أنهكته علة ألا تعالج؟ قال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأمل، وبئس الدواء الأجل. وينشد:
ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرأ مثله فيما مضى هلك المداوي والمداوى والذي جلب الدواء وباعه ومن اشترى
فصل
فيما ورد من النهي عن التصديق بالنجوم والكهانة وفي الحديث أن النبي صلى الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على القوم فقال: «هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم بالغيب قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن به وكافر بالكوكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب (1).
بي
فأما
وذكر أهل العلم في معنى هذا الحديث: إن من جعل الفعل للكواكب أو قضى بنزول المطر عن حلول الكوكب في موضع من المواضع فهو كافر بالله. وأما من وصف ذلك بأن الله ينزل المطر متى ما شاء ويمسكه متى ما شاء ولا فعل فيه ولا تأثير للكوكب ولا لغيره،
ولكن الله أجرى العادة بإرساله المطر في أوقات ما، وإمساكه في أوقات ما.
وأن هذا هو الأغلب مما أجرى الله العادة به، وأنه قد تنقض هذه العادة؛ لأنها ليست
(1) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (281/ 10)، (12/ 19، (143) والهيثمي في مجمع الزوائد (302/ 1). والمتقي الهندي في الكنز (3048 (19030، 19032 والسيوطي في الدر المنشور (295/ 1، 296) وفي الإتحافات السنية (281)، (282 وعند البيهقي في الأسماء والصفات (134)، والسهمي في تاريخ جرجان (296). (3/288)
صفحة 1145
قنطرة العوارض
بلازمة وإنما هي غالب الحال وكذا في أوقات الأنواء وبين ذلك قوله عليه السلام في حديث آخر: «أن نشأت بحرية ثم تشامت فتلك عين غديقة».
هو غالب
فحكم على السحاب إذا كان على هذه الصفة بالغدق، وكثرة المطر؛ لأن هذا عادة تلك الجهة لا أن لكونها بحرية وتشامها بعد ذلك تأثيراً في نزول المطر أو كثرته أو قلته. وعن عبد الله بن عمر عن النبي عليه السلام أنه قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا يعلم أحد ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر (1).
وسئل بعض العلماء عن الرجل ينظر في النجوم فيقول: الشمس تكسف غداً، والرجل يقدم وما أشبه ذلك. فقال: أرى أن يزجر عن هذا، فإن لم يزجر أدب والله أعلم. وينشد لمنصور:
ف
ان يخشى زحلاً أو كان جو المشتري
وله:
وإن
كان أب الأدن
بري
ولا نفـ
الأو
ــات والسمـ
ت
سل
من
وأما الكهان فقد روي عن عائشة أن أناساً سألوا النبي عليه السلام عن الكهان فقال: ليسوا بشيء فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون أحياناً بشيء فيكون. فقال: «تلك الكلمة الجن يخطفها الجني فيقرأها في أذن وليه فيخلطون معها مائة / كذبة (2).
وقال عليه السلام: «من أتى عرّافاً أو كاهناً وصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على
(r),
محمد (3). قال الشاعر:
(1) أطراف الحديث عند البخاري (99/ 6 142/ 9). وابن حجر في الفتح (375/ 8)، (361/ 13). والسيوطي في الدر المنثور (169/ 5) وأحمد (52/ 2)، وتفسير الطبري (56/ 21). والبغوي في شرح
السنة (422/ 4).
(2) أطراف الحديث عند البخاري (58/ 8) مسلم السلام (ب) (123/ 25) وأحمد (87/ 6). والطحاوي في مشكل الآثار (114/ 3). وعبد الرزاق في مصنفه (20347). وابن حجر في الفتح (595/ 10). (3) أطراف الحديث عند البيهقي (8) (138) والمنذري في الترغيب والترهيب (36/ 4) والحاكم في المستدرك (8/ 1) والمتقي الهندي في الكنز (17678).
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 19
[333] (3/289)
صفحة 1146
290
الآية.
أعلم.
قنطرة العوارض
لا يعرف المرء يوماً ما يتممه إلا كواذب ما يخبره الفال والفال والزجر والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال وقد قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) (1)
(Y),
(1),
وقد قال: قُل لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ) (2). وأحسب أني رأيت عن جابر بن زيد أنه لا يفرق بين الساحر والمنجم في الضلال والله
فصل في الفال والطيرة
قال الله سبحانه: (قَالُوا اطَّيَّرَنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ (3). وقال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَّعَهُ. ... ) (1) الآية.
(4)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من الجذام فرارك من الأسد (5).
قال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمال لكأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال عليه السلام: فمن أعدى الأول (6). فالعدوى: هو ما يظنه الناس من تعدي العلل والأمراض فأخبر أنه لا يعدي. فقيل: يا رسول الله: إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر البعير فيعدي إلى جميعه، قال: «فما أعدى الأول».
(1) سورة الجن، (الآيتان: 26، 27).
(2) سورة النمل، الآية: 65.
(3) سورة النمل، الآية: 47. (4) سورة الأعراف الآية: 131.
(0) أطراف الحديث عند البخاري (ج) (164/ 7 أحمد (22/ 2) (222) (434 وابن ماجه (86، 3539، 3540) والطبراني في الكبير (54/ 17) والهيثمي في مجمع الزوائد (102/ 5) والبغوي في شرح السنة (167/ 12) والتبريزي في مشكاة المصابيح (4577) والألباني في الصحيحة (782 و 783) والمتقي الهندي في الكنز (286/ 4، 28599، 28600، 28603، 28611، 28612، 28622، 28623)، وابن حجر في الفتح (215/ 10، (158) والزيلعي في نصب الراية (255/ 3). (6) أطراف الحديث عند البخاري (166/ 7، 179، (180) ومسلم في السلام (101) وأبو داود في ب (34) وابن ماجه (3540) وأحمد (269/ 1، 328، 434/ 3) والبيهقي (216/ 7، 217) وابن حجر في الفتح (161/ 10).
الطب (3/290)
صفحة 1147
قنطرة العوارض
291
وأما الطيرة: فإن العرب كانت إذا أرادت سفراً نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيامنت وإن طار شأمة رجعت وتشامت فنهى النبي عليه السلام عن ذلك فقال: «أقروا الطير على وكناتها (1).
وقد روي أن النابغة الذبياني تجهز هو وزبان بن يسار الفزاري / للغزو فسقطت على 3346] النابغة جرادة فقال: جرادة تجرد وذات لونين فتطير وبقي فمضى زبان ورجع فقال:
تخير طيرة فيها زياد لتخبره وما فيها خبير
أقام مكان لقمان
ــــم أنه لا طيـ
بلى شيء يوافق بعض شيء
عاد بن أشار له بحكمته مشير إلا على متطير وهـ الثبور ا وباطله كثيرا
ومن يترح به لا بد يوماً يجيء به نعمى أو بشير وحكي عن عكرمة قال: كنا جلوساً عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم: خير. فقال ابن عباس: لا خير و ولا شر.
واعلم أنه لا شيء أفسد للرأي، وأضر بالتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء أو يدفع مقدوراً، فقد جهل حكم الله وساق إلى نفسه الحرمان، واتسم بالإدبار بل قضاء الله نافذ قال الشاعر:
طيرة الناس لا ترد قضاء فاعذر الدهر لا تسبه بلوم بسعود والمنايا ينزلن في كل يوم
أي
وم
ليس يوم إلا وفيه سعود ونحوس تجري لقوم وقوم
وقد كانت الفرس فيما بلغنا أكثر الناس طيرة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا حسدتم فلا تبغوا وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله توكلوا (2).
فينبغي لمن مني بالطيرة ويلي بها أن يصرف عن نفسه وساوس النوكا، ودواعي الخيبة والحرمان ولا يجعل للشيطان سلطاناً عليه في نقض عزائمه ومعارضة خالقه / وليعلم أن [335]
(1) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (106/ 5).
(2) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفا (111/ 1) وابن عبد البر في التمهيد (125/ 6). (3/291)
صفحة 1148
292
قنطرة العوارض
قضاء الله نافذ ورزق العبد له طالب وأن الحركة سببه فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقاً ولا يدفع مقدوراً، وليمض في عزائمه واثقاً بالله تعالى إن أعطى وراضياً به إن منع. وينشد: وما عاجلات الطير تدني من الفتى نجاحاً ولا عن ريثهن يخيب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب ورب أمور لا تضير رك طيرة وللقلب من مخشاتهن وجيب فإن قال قائل: إن النبي عليه السلام قال: «لا يردن هائم على مصح» (1). قيل له:
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الله تعالى قد أجرى العادة بمرض الصحيح عند مجاورة المريض بنوع
من الأمراض له.
والثاني: يحتمل أن يريد به ما يطرأ نفسه على نفس المصح من الإشفاق والمخافة فنهى عن ذلك لأجل الأذى والله أعلم.
وأما الهامة المذكورة في الحديث المتقدم فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده أن القتيل إذا ظل دمه ولم يؤخذ بثأره صاحت هامته من القبر اسقوني. قال الزبرقان بن برد: يا عمرو تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
الا
(2)
وفي كتاب المسعودي قال: وزعمت طائفة من العرب أن النفس طائر ينبسط في
جسم الإنسان فإذا مات لم يزل طائفاً به متصوراً في صورة طائر يصرخ على قبره ويسمونه الهامة ويزعمون أنه يكون صغيراً ثم يكبر حتى يصير كالبوم، فأبطل النبي عليه السلام ذلك فقال: «لا
هامة ولا صفره (3).
وهي كالحية تكون في الجوف تصيب الماشية والناس وهي عندهم أعدى / من
الجرب. قال الشاعر:
لا يثأر لما في القدر يرقبه ولا يعض على شر سوفه الصفر
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده (20/ 1).
(2) راجع معجم المؤلفين (ج) 7.
ص
10، 272
ص 126، 155، 22، 259، 17/ 12) وإن كان الراجح
أن المؤلف يريد السعودي ـ علي بن الحسين - أبو الحسن 345.
(3) أخرجه أحمد (328/ 1، 440).
[336] (3/292)
صفحة 1149
قنطرة العوارض
وينبغي للإنسان بل يجب عليه أن يتوكل على الله، ولا يتطير وقد قال عليه السلام: كفارة الطيرة التوكل على الله.
293
وليقل الإنسان إذا عارضه في الطيرة ما يكره عنه عليه السلام أنه قال: «من تطير فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك ولا يأتي بالخيرات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1).
وروي أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله إنا نزلنا دار فكثر فيها عددنا وأموالنا ثم تحولنا إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وعددنا. فقال عليه السلام: «ذروها
ذميمة (2).
وليس هذا منه على وجه الطيرة ولكن على طريق التبرك بما فارق وترك ما استوحش عنه
إلى ما أنس به والله أعلم.
وأما الفال: ففيه تقوية على العزم وباعث على الجد ومعونة على الظفر، وقد روي أن النبي عليه السلام كان يتفاءل في غزواته وحروبه.
وروي
أنه كلمة فأعجبته فقال: «أخذنا فالك. فيك (3).
سمع
من
وروي عنه عليه السلام أنه قال: من يحلب هذه اللقحة»؟. فقال رجل: أنا، فقال: «ما اسمك؟ فقال: موت، فقال: «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال: أنا، فقال: «ما اسمك؟ قال: يعيش فقال له: «حلب».
وروي
أن عمر بن الخطاب رضي. الله عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: شهاب. قال: مِنْ مَنْ؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار. [337] قال: بأيها؟ قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. فكان كما قال عمر
رحمه الله.
قال بعض الحكماء: فقد فرّق الحُذاق من أهل النظر بين الطيرة والفأل.
(1) أطراف الحديث عند ابن حجر في الفتح (4/ 38، 213/ 10) وابن سعد في الطبقات (13/ 2/4). (2) أطراف الحديث عند أبو داود (3924) الطبراني في الكبير (247) والتبريزي في مشكاة المصابيح (4589) والمتقي الهندي في الكنز (2857/ 8، (3924) والألباني في الصحيحة (790). (3) أطراف الحديث عند أبو داود (2917)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (285، 286)، والعجلوني في كشف الخفا (68/ 2) والزبيدي في الإتحاف (556/ 10) والمتقي الهندي في الكنز (28582). (3/293)
صفحة 1150
[33]
قنطرة العوارض
فقال: الطيرة كانت العرب ترجع إلى ما تمضيها وتجري على ما تقضيها، فمن هم بهم فرأى ما يتطير منه رجع عنه.
والفأل لا يرد المريد عما يريده، وإنما يقوي منته، ويسر مهجته.
وينبغي لمن تفاءل أن يتأوّل الفأل بأحسن التأويل ولا يجعل لسوء الظن إلى نفسه سبيلاً، وقد قال النبي عليه السلام: «إن البلاء وكل بالمنطق» (1).
وقد حكي أن يوسف عليه السلام شكى إلى الله سبحانه طول السجن فأوحى الله إليه: يا يوسف أنت حبست نفسك قلت: رَبِّ السَّجِنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (2). لو قلت: العافية أحب إلي لعوفيت. وحكي أن المؤمل بن إميل الشاعر لما قال:
شف المؤمن يوم الحيرة النظر ليت المؤمل لم يخلق له بصر عمي، فأتاه آت في منامه فقال: هذا ما طلبت. وحكي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوماً في المصحف، فخرج قوله عز وجل: {وَاسْتَفْتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (3) فمزق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كل جبار
إذا ما جئت ربك يوم.
فها أنا ذاك
فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث أياماً إلا وقتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده فنعوذ بالله من غضبه.
واعتمد يا أخي على الله تعالى وتوكل عليه فإنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، وينشد:
تقيم وقد أحا ط بك العدوّ ولا تفر
/ فأجبتهم والشير
لم ينتفع بالعلم غر
لا نل
بقي
إن كن
أن غـ
ت ولا عداني الدهر شر الله ينفع أو يض
غيره:
ما قدر الله لا بد يدركني
من ذا الذي يدفع المقدور بالحذر
(1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (389/ 7).
(2) سورة يوسف، الآية: 33.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 15. (3/294)
صفحة 1151
قنطرة العوارض
الله أول بنا منا لأنفسنا إن نحن إلا مماليك لمقتدر
غيره:
أقام عن المسير وقد أنيخت
وغرد
وقال أخاف عادية الليالي على نفسي وأن ألقى رداها مشينا في خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها
وأرزاق لنا قسمت علينا
295
تعالى.
غيره:
ه بأرض فليس
لم تأته منا أناها وت في أرض سواها
علينا يوافق المقدور ر
الأمور
يس كل الذي بدار من الأم الله ما لنا وعلينا قبل أن. يبرم العدو
فصل في الرضى بقضاء الله والتسليم لأمره
اعلم يا أخي أن كفاية ما يجري به المقادير هو الرضى بقضاء الله فيها، والتسليم لأمره
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: أول ما كتب الله في اللوح المحفوظ: أنا الله لا إله إلا أنا وأن محمد رسولي،، من استسلم لقضائي، وشكر نعمائي، وصبر لبلائي كتبته صديقاً، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي فليتخذ رباً سواي.
الله أنا خير
أن ويروي عيسي عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين / يعالج [339] وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثيراً من خلقه. فقال له عيسي عليه السلام: أي شيء من البلاء أراه مصروفاً عنك. فقال: يا روح ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته فقال له: صدقت هات يدك، فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأفضلهم هيئة قد أذهب الله عنه ما كان به، فصحب عيسى عليه السلام وتعبد به. فالواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله عز وجل لأمرين:
أحدهما: ليتفرغ للعبادة؛ لأنه إذا لم يرض بالقضاء يكون مشغول القلب مهموماً أبداً بأنه لم كان كذا وكذا، ولم لا يكون كذا وكذا، وقد قال بعض العلماء: إن حسرة الأمور الماضية وتدبير الآتية قد ذهبت ببركة ساعتك. (3/295)
صفحة 1152
[340]
296
قنطرة العوارض
والثاني من الأمرين: خطر ما في السخط من عذاب الله تعالى، وقد روي في الخبر أن نبياً من الأنبياء شكى إلى الله سبحانه ما ناله من المكروه فأوحى الله تعالى إليه: إلى كم تشكوني ولست بأهل ذم ولا شكوى هكذا كان بدء شأنك في علم الغيب فكم تسخط قضاءي عليك أتريد أن أغير الدنيا لأجلك أو أبدل اللوح المحفوظ بسببك، فأقضي ما تريد دون ما أريد فبعزتي حلفت لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأسلبنك ثوب النبوة، ولأوردنك النار ولا
أبالي.
يا أخي انظر إلى هذه السياسة العظيمة، والوعد الهائل مع أنبيائه وأصفيائه فكيف ما غيرهم، ثم استمع ما يقول: لئن تلجلج في صدرك مرة أخرى.
هذا
في حديث النفس فكيف بمن يصرخ ويستغيث / ويشكو وينادي بالويل والصراخ من ربه على رؤوس الملأ، ويتخذ على ذلك أعواناً وأصحاباً هذا لمن سخطه مرة فكيف بمن في السخط على الله تعالى طول عمره، وهذا لمن شكى إليه فكيف بمن شكى إلى غيره نعوذ بالله من شرور أنفسنا وينشد:
هو
إن شئت أن تنقضي محياك طيبة فاعط الرضى بالذي يرضى به الله فاختر إرادته فيما كرهت وما احببت فالخير فيما الله أولاه وقال بعض الحكماء: العالم بالله تعالى يعمل على بصيرة الإعطاء والمنع عنده سواء. وقال بعضهم: من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء، وقال بعض العلماء: الرضى عن الله، والرحمة للمخلوقين درجة المرسلين. وقال بعضهم:
الله لي
رضيت
كما أحسن الله فيما مض
وفوضت أمري إلى خالقي
كذلك يحسن فيما بقي
فإن قيل: ما معنى الرضى بالقضاء وحقيقته وحكمه؟ فاعلم أن أهل العلم قالوا: الرضى ترك السخط والسخط ذكر غير ما قضى الله بأنه أولى به وأصلح له فيما لا يستيقن فساده
وصلاحه هكذا الشرط فيه.
ذلك؟
فإن قيل: أليس الشرور والمعاصي بقضاء الله وقدره فكيف يرضى العبد الشرور ويلزمه
فاعلم أن الرضى إنما يلزم بالقضاء، وقضاء الشر ليس بشر فإنما الشر هو المقضي فلا (3/296)
صفحة 1153
[341]
قنطرة العوارض
297
يكون رضى بالشر حينئذ، وقد قالت المشايخ المقتضيات أربع: نعمة وشدة وخير وشر. فالنعمة يجب الرضى فيها بالقاضي والقضاء والمقضي وعليه الشكر من حيث أنه نعمة. والشدة يجب الرضى فيها بالقاضي والقضاء والمقضي وعليه الصبر من حيث أنه شدة، والخير يجب عليه فيه الرضى بالقاضي والقضاء / والمقضي وعليه ذكر المنة. حيث أنه. ووفقه الله له، والشر يجب عليه فيه الرضى بالقاضي والقضاء والمقضي من حيث أنه من حيث أنه شر والله أعلم.
من
خير مقضي
مقضي
لا
وجملة الأمر أن أفعال الله تعالى على وجهين نعمة ونقمة، فالواجب على العبد أن يعلم أن كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه، عدل ويرضى بذلك ولا يجور الله تعالى ولا يسخط فعله، فإن فعل فهو هالك وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل. (3/297)
صفحة 1154
القنطرة الثالثة عشرة
قنطرة الخوف والرجاء
وتسمى قنطرة البواعث وذلك أن العبد لما قطع قنطرة العوارض، ورجع إلى العبادة، فنظر فإذا النفس كسلى فاترة لا تنشط للخير، ولا تنبعث للعبادة كما يجب وينبغي، وإنما ميلها أبداً إلى غفلة وراحة وبطالة، بل إلى شر وفضول وبلية وجهالة فاحتاج معها هاهنا إلى سائق يسوقها إلى الخير والطاعة وينشطها، له وإلى زاجر يزجرها عن الشر والمعصية ويفترها عنه وهما: الخوف من عذاب الله والرجاء في ثوابه عز وجل مع توابعهما من العذر والإشفاق من مكر الله والمحبة والشوق إلى لقائه. فينبعث. هذه القنطرة بابان:
من
أحدهما: باب الخوف.
والثاني: باب الرجاء.
الباب الأول
في الخوف
اعلم أن منازل العباد عند الله على قدر مخافتهم منه، وأعلمهم به أبعدهم أماناً من مكره [342] ومخافة / عقابه وقد ذكر الله عز وجل أقواماً ووصفهم بالوجل عند ذكره والإشفاق من عذابه فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (1) الآية. أي رقت الله مخافة
(2)
من عذابه. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ (2).
وروي عنه أنه قال: «يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين إن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة وإذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة.
(1) سورة الأنفال، الآية: 2. (2) سورة المعارج، الآية: 27. (3/298)
صفحة 1155
قنطرة الخوف والرجاء
299
وعنه عليه السلام أنه قال: «ما جاءني جبريل قط إلا وهو يرتعد فرقاً من الجبار جل
جلاله (1)
وعنه عليه السلام أنه قال: المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله
صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه (2).
وعن وهب بن منبه أنه قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً كان
يسمع
خفقان قلبه من بعيد.
وروي أن النبي عليه السلام قرأ يوماً: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا عُدَّةٍ وَعَذَاباً
أليما) (3). فصعق به.
وقال بعض الحكماء: إن الله عباداً أسكنتهم خشية من غير عيّ بهم ولا بكم، وإنهم لهم النبلاء الفصحاء العالمون بالله وآياته ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى عز وجل تقطعت قلوبهم وكلّت ألسنتهم وطاشت عقولهم فرقاً من الله عز وجل وهيبة له. وأنشد في أصحاب أبي بلال مرداس رحمه الله:
الا
في الله لا في الناس شالت بداود وإخوته الجذوع مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلبا تحوم عليهم طير وقوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع إذا ما الليل أظلم ا بدوه فيسفر
ركوع
/ ويروى والله أعلم لما ظهر على إبليس لعنه الله ما ظهر طفق جبريل وميكائيل يبكيان [343] زماناً طويلاً فأوحى الله تعالى إليهما: ما لكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا ربنا لا نأمن مكرك. فقال الله لهما: فكذلك كونا لا تأمنا مكري.
وعن حاتم الأصم أنه قال: لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة، فلقي آدم فيها ما لقي، فلا تغتر بكثرة العلم؛ فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم فانظر ماذا لقي، ولا
(1) قال الحافظ العراقي في نحوه في المغني (ج) 4 ص (279. لم أجد هذا اللفظ وروى أبو الشيخ في كتاب العظمة عن ابن عباس قال: إن جبرائيل عليه السلام يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار تبارك وتعالى ترتعد فرائضه فرقا من عذاب الله الحديث. وفيه زميل بن سماك الحنفي يحتاج إلى معرفته.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 3 ص 317 طبعة دار الحديث). أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن عن رجل من أصحاب النبي وفيه انقطاع.
(3) سورة المزمل (الآيتان: 12، 13). (3/299)
صفحة 1156
قنطرة الخوف والرجاء
تغتر برؤية الصالحين، فلا شخص أكبر من المصطفى عليه السلام، فلم ينتفع بلقائه أقاربه
وأعدائه.
وقال معاذ بن جبل رحمه الله: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته حتى يخلف
جسر جهنم.
وقال بعض العلماء: ليس الخائف الذي يبكي ويعصر عينيه، ولكن الخائف من ترك ما يخاف أن يعذب عليه.
وقال الحكيم: من خاف الله هرب إليه ومن خاف من شيء هرب منه، ويقال علامة
الخوف الحزن الدائم.
وسئل ذو النون: متى يتيسر على العبد سبيل الخوف؟ قال: إذا أنزل نفسه منزلة السقيم،
يختفي من كل شيء يخاف منه طول السقم.
وقال بعضهم: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب.
وقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف.
وقال بعض العلماء: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً منها وباطناً.
عائشة وعن
رضي
الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله: الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم
وجلة، هو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا ولكن الرجل يصوم ويتصدق ويصلي
ويخاف أن لا يقبل منه ذلك) (1).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل عليه السلام كان عنده فصار مثل / الفرخ فقال له: «مالك»؟ قال: هبط إسرافيل إلى الأرض ولم يهبط، قبلها، فظننت أنه أمر بي ثم بكى. فقال: إبليس عبد الله ثمانين ألف سنة ثم صار إلى ما صار إليه، فما زالا يبكيان حتى ناداهما مناد من السماء: قوما فإن الله آمنكما أن يبتليكما بمعصية فيعذبكما عليها (2). والله أعلم.
(1) أخرجه السيوطي في الدر المنثور (11/ 5). (2) أطراف الحديث عند البخاري (132/ 7) وأبو داود في الخراج ب (20) والنسائي في الصيام (ب 83). وابن ماجه (535، 2680). وأحمد، (208/ 2، 434/ 6) والبيهقي في السنن (224/ 4، 80/ 10) وابن سعد في الطبقات (203/ 8) وأبي حنيفة في جامع المسانيد ((263/ 1) والطبراني في المعجم الكبير (37/ 7) والهيثمي (24/ 5 (2709 (161/ 10 والزبيدي في الإتحاف (188/ 7). والمتقي الهندي في الكتر (13742، (37802) وابن كثير في التفسير (133/ 2).
[344] (3/300)
صفحة 1157
[3456
قنطرة الخوف والرجاء
فصل
اعلم أن استقامة العبادة لا تصح لطالبها إلا باستشعار الخوف والرجاء والتزامهما، أما الخوف فيجب التزامه لأمرين:
أحدهما: الزجر عن المعاصي فإن هذه النفس الأمارة بالسوء ميالة إلى الشر، طماحة إلى الفتنة، لا تنتهي عن ذلك إلا بتخويف عظيم وتهديد بالغ وليست هي في طبعها حرة يهمها الوفاء ويمنعها الحياء عن الجفاء، وإنما هي كما قال القائل:
العب
د يقرع بـ
العصى والحر تكفيه الملامة
والتدبير في أمرها أن تقرعها أبداً بسوط التخويف قولاً وفعلاً نحو ما ذكر عن بعض الصالحين أن نفسه دعته إلى معصية فانطلق ونزع ثيابه وجعل يتمرغ في الرمضاء ويقول: ذوقي فإن نار جهنم أشد حراً من هذه يا جيفة بالليل بطالة بالنهار.
والثاني: لئلا تعجب بالطاعة فتهلك، بل يقمعها بالذم والعتب والنقص من الأسواء والأوزار التي فيها ضروب الأخطار، وذلك نحو ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أخذني الله أنا وأخي عيسى بما عملت هاتان الأصبعان لعذبنا بعذاب لم يعذب به أحد».
وعن الحسن كان يقول: ما يؤمن أحدنا أن يكون قد أصاب ذنباً، فأطبق باب المغفرة دونه وهو يعمل في غير معمل. وعن ابن السماك فيما يعاتب به نفسه تقولين قول الزاهدين وتعملين عمل المنافقين، وفي الجنة تطمعين هيهات هيهات إنّ للجنة قوماً آخرين ولهم أعمال غير / ما تعملين. فهذه وأمثالها مما يلزم العبد تذكيرها للنفس وتكريرها عليها لئلا تعجب بطاعة الله أو تقع
في معصيته.
(1) ,
وعن ابن المبارك أنه قال: الذي يهيج الخوف حتى يسكن في القلب دوام المراقبة في السر والعلانية وقد فرض الله على العباد أن يخافوه وقال تعالى: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) () وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (2) وقال: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) (3) في أمثالها.
(1) سورة آل عمران الآية: 175.
(2) سورة البقرة، الآية: 40. (3) سورة المائدة، الآية: 44. (3/301)
صفحة 1158
قنطرة الخوف والرجاء
(1) ,
ومن الآيات التي تهيج الخوف نحو قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَناً (1).
وكقوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيهِمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجزَ بِهِ) (2). ونحو قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (3).
(4)
وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْشُورا) (1).
في أمثالها فينبغي للإنسان أن يتفكر فيما أوردناه من الأخبار والآيات حتى يتمكن الخوف من قلبه، ويتفكر أيضاً في أفعال الله سبحانه ومعاملاته أصنافاً خلقه:
من
من ذلك أولاً إبليس اللعين الذي عبد الله سبحانه في كتب أصحابنا ستة آلاف سنة أو ما شاء الله، وفي كتاب الغزالي ثمانين ألف سنة، فلم يترك الله تعالى موضع قدم إلا تعالى فيه، سجدة، ثم ترك له أمراً واحداً فطرده عن بابه ولعنه إلى يوم الدين، وأعد له عذاباً أبد
وسجد
الآبدين. ثم آدم عليه السلام صفيه ونبيه الذي خلقه بيده وأسجد له ملائكته، فأكل أكلة واحدة لم يأذن له فيها، فنودي أن لا يجاورني من عصاني فاهبط إلى الأرض، فلم تقبل توبته فيما روي حتى بكى على ذلك مائتي سنة ولحقه من الهوان ما لحقه فبقيت ذريته في تبعات ذلك إلى
الأبد.
ثم إن نوحاً شيخ المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين الذي احتمل من أمر الدين ما احتمل لم يقل إلا كلمة واحدة على غير وجهها إذ نودي: {فَلَا تَسْتَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ علم (5) الآية. حتى روي أنه لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله أربعين سنة.
به
ثم إبراهيم خليل الرحمن لم تكن منه إلا هفوة واحدة، ويقال: ثلاث هفوات / كلها يماحل بها عن الدين: وذلك قوله حين كسر الأصنام وعلق الفأس على الكبير منها، فلما قيل
(6)
له: أَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِأَلِهَتَنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (1). وقوله مكراً بهم: إني
(1) سورة المؤمنون، الآية: 115. (2) سورة النساء الآية: 123.
سورة الزمر، الآية: 47. (4) سورة الفرقان، الآية: 23. (5) سورة هود، الآية: 46. (6) سورة الأنبياء، الآية: 63.
[346] (3/302)
صفحة 1159
قنطرة الخوف والرجاء
303
(1). وقوله للجبار في امرأته: إنها أختي، فكم خاف وتضرع وقال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الَّذِينَ) (2).
(2)
حتى روي أنه كان يبكي من شدة الخوف فيرسل الله تعالى إليه الأمين جبريل عليه السلام فيقول: يا إبراهيم هل رأيت خليلاً يعذب خليله بالنار؟ فيقول: يا جبريل إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلته.
ثم موسى عليه السلام، لم تكن منه إلا وكزة الكافر بالله قبطي، إلا أنه لم يؤمر بذلك، فكم خاف واستغفر وقال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي (3).
(3)
وفيما أوحي إليه: يا موسى لو أن النفس التي قتلت آمنت في طرفة عين إني خالقها ورزاقها لأذقتك بها أليم العذاب.
ثم في زمانه بلعام بن باعوراء ذكر الغزالي في كتابه أنه كان بحيث نظر يرى العرش،
وزعم أنه هو المراد بقوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) (1).
ولم يقل آية واحدة مال إلى الدنيا وأهلها ميلة واحدة، وترك لولي من أولياء الله حرمة واحدة سلبه الله، معرفته وتركه بمنزلة الكلب المطرود: إن تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَت) (5).
حتى روي في كتاب الغزالي قال: سمعت بعض العلماء يقول: أنه كان في بدء أمره بحيث يكون في مجلسه اثني عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، ثم صار فيما زعم بحيث كان أول من صنف كتاباً: أن ليس للعالم صانع، نعوذ بالله من سخطه وخذلانه، وفظيع عذابه وعقابه، الذي لا طاقة لنا به وذكر في بعض الكتب أن بلعام فضحته أتانه فقالت:: ويلك يا بلعام تنكحني بالليل وتركبني بالنهار فانظر إلى حب الدنيا / وشومها ماذا يجلب [347] للعلماء فتنبه، فإن الأمر خطير، والعمر قصير، وفي الأعمال تقصير، والناقد بصير، فإن ختم
بالخير أعمالنا وأقالنا عثراتنا فما ذلك عليه بعسير.
(1) سورة الصافات، الآية: 89
(2) سورة الشعراء، الآية: 82.
(3) سورة القصص، الآية: 16. (4) سورة الأعراف، الآية: 175. (5) سورة الأعراف الآية: 176. (3/303)
صفحة 1160
304
قنطرة الخوف والرجاء
ثم انظر إلى داود خليفة الله في أرضه، أذنب ذنباً واحداً فبكى عليه حتى قيل: أن العشب نبت من دموعه، وعن بعض العلماء أن داود عليه السلام خرّ ساجداً أربعين سنة (1)، فرفع رأسه وما في جبهته نخارة لخم وعن الأوزاعي قال: كانت عينا داود كالقربتين تنطفان الماء، ولقد كانت الدموع أخذت في وجهه كجرية الماء في الأرض.
وعن مجاهد قال: مكث أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه، فنودي يا داود أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى فأجيب في غير ما طلب، فنحب نحبة فاحترق العشب من حر جوفه، ثم أنزل الله عليه التوبة المغفرة. فقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي.
فما كان يبسط كفه لطعام ولا شراب ولا شيء سوى ذلك إلا رآها فأبكته. وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء فإذا تناول أبصر خطيئته فما يضعه على شفتيه حتى يفيض
من دموعه، وزعموا أن توبته لم تقبل إلى أربعين يوماً وقيل إلى أربعين سنة والله أعلم. ثم انظر إلى يونس عليه السلام غضب غضبة واحدة في غير موضعها، فسجنه الجبار في بطن الحوت تحت قعر البحار أربعين يوماً: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (2). فسمعت الملائكة صوته فقالوا: إلهنا صوت معروف في موضع
مجهول.
(Y),
فقال تعالى: ذلك عبدي يونس. فشفعت فيه الملائكة، ثم مع ذلك غير اسمه ونسبه إلى سجنه فقال: {وَذَا النُّونِ (3) الآية. فقال: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ) (4) الآية. ثم ذكر نعمته ومنته عليه فقال: لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) (5) الآية.
فانظروا إلى هذه السياسة أيها / المسكين وكذلك هلم جرا إلى سيد المرسلين أكرم الخلق على الله تعالى بقوله له: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا) (6) الآية.
(1) جاء على هامش المخطوط لفظ «ليلة» وفوقها حرف (خ) وإشارة إلى أن موضعها مكان لفظة «سنة».
(2) سورة الأنبياء، الآية: 87.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 87. (4) سورة الصافات، الآية: 142. (5) سورة القلم، الآية: 49. (6) سورة هود، الآية: 112.
[348] (3/304)
صفحة 1161
قنطرة الخوف والرجاء
حتى
05
كان عليه السلام يقول: شيبتني سورة هود وأخواتها (1). قيل: يعني هذه الآية وأشكالها في القرآن. وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (2) إلى أن من الله عليه بالغفران فقال: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) (3) الآية. وقال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ (4).
فكان بعد ذلك عليه السلام يصلي الليل حتى تورمت قدماه فيقولون: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً (5). وكان يقول: «لو أخذني الله أنا وأخي عيسى بما فعلت هاتان الأصبعان لعذبنا
بالنار».
وفي حديث آخر: العذبنا عذاباً لم يعذب به أحداً من العالمين». وكان يصلي الليل ويبكي ويقول: أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (6).
ثم الصحابة الذين هم خير قرن من هذه الأمة كان يبدو أمنهم شيء من المزاح، فنزل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) () الآية.
ثم وضع في هذه الأمة
مع كونها أمة مرحومة من الحدود والسياسة العظيمة حتى كان
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 263 طبعة دار الحديث). أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث ابن عباس وهو في الشمائل من حديث أبي جحيفة. وقال الحاكم صحيح على شرط
البخاري.
(2) سورة محمد، الآية: 19.
(3) سورة الشرح، الآية: 2.
(4) سورة الفتح، الآية: 2.
(127
(0) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 545 ـ طبعة دار الحديث) متفق عليه وفي (ج 4 ص قال أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طريقه ابن الجوزي في الوفا وفيه أبو جناب واسمه يحيى بن أبي حبة ضعفه الجمهور ورواه ابن حبان في صحيحه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء دون قولها وأي أمره لم يكن عجباً وهو عند مسلم من رواية عروة عن عائشة مقتصراً على آخر الحديث. ونص ما في (ج) 4 (127) (أفلا أكون عبداً شكوراً ولم لا أفعل ذلك وقد أنزل الله
ص
تعالى علي: إن في خلق السموات والأرض الآية. وبه حكاية عن السيدة عائشة. (6) قال الحافظ العراقي في المغني ج 4 ص (136). أخرجه مسلم من حديث عائشة «أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ... الحديث.
(7) سورة الحديد، الآية: 16.
قناطر الخيرات/ج 3/م 20 (3/305)
صفحة 1162
306
قنطرة الخوف والرجاء
بعض العلماء يقول: لا يأمن من قطع في خمسة دراهم خير عضو منه أن كون عذابه هكذا غداً، نسأل الله البار الرحيم أن لا يعاملنا لا بمحض كرمه إنه أرحم الراحمين.
(1)
فصل
وفي كتاب المحاسبي قال: معنى الخوف هو مطالعة القلب لسطوات الله تعالى ونقماته، فيولد ذلك في القلب فزعاً من خوف الوعيد وعلامته: الفرار من مواطن العقوبات رجاء السلامة وشدة الحركة عند ذكر النار وأهوال القيامة، والفرار من الخلق، وشدة البكاء، والنفور من ذكر المعصية والعاصين، وتغير اللون عند الحوادث مثل: الريح العاصف، والرعد القاصف والظلمة والزلزلة والخسوف وأشباه ذلك.
وقد روي أن النبي لو كان إذا ـ اسمع الريح تغير وجهه، ودخل وخرج.
وقد روي عن عطاء السلمي أنه نظر إلى سحابة نشأت في السماء فوضع يده على أم 349) رأسه وجعل يبكي ويقول: (فَلَمَّا رَأَوْهُ / عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) إلى قوله: رِيحٌ فِيهَا
(Y),
عَذَابٌ أَلِيمٌ (2). وقد روي أن رجلاً من خثعم قرأ: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَنْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (3). فاضطرب مسروق وكان من الخائفين فقال: أعد علي، ويحك فإني أراني من المجرمين ولست من المتقين فأعادها عليه فشهق شهقة لحق منها إلى
الآخرة.
قال: ويكون حاله عند سكون هيجان الخوف عنه قاعداً مستوفزاً كأنه ينظر شيئاً يريده أو يراد به كما قال ابن المبارك: مستوفزيـن على رجل كأنهم ركب يريدون أن يمصوا وينتقلوا قد صيروا ليلهم إبلاً لخدمته فلن يحطوا رحال الإبل أو يصلوا
(1)
تصانيفه
هو الحارث بن أسد المحاسبي البصري (أبو عبد الله صوفي متكلم، فقيه محدث ولد بالبصرة، وحدث عن يزيد بن هارون وطبقته وروى عنه أبو العباس بن مسروق الطوسي وغيره وتوفي في بغداد ومن بالتفكر والاعتبار ـ الرعاية في الأخلاق والزهد وكتب كثيرة في الزهد وأصول الديانات والرد على المخالفين من المعتزلة والشيعة معجم المؤلفين (173/ 3).
(2) سورة الأحقاف، الآية: 24.
(3) سورة مريم
الآيتان: 85، 86. (3/306)
صفحة 1163
قنطرة الخوف والرجاء
307
قال: والحركة التي يظن أنه مأخوذ بها مثل الهدة والوجبة والضجة على غفلة أو كلمة يرجف منها قلبه مثل ما روي عن زرارة بن أوفى أنه قرأ في محرابه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) (1). فشهق شهقة نقل بها من محرابه ميتاً.
(1) ,
وقد روي عن بعضهم أنه كان يقد تحت قدر له فأصاب وجهه شيء من سواد القدر. فقالت له ابنته: يا أبتاه وجهك قد اسود، فصاح صيحة فخر مغشياً عليه، فلما أفاق مسح
وجهه بيده وقال: خفت أن يكون الله عز وجل سَوَّد وجهي في الدنيا قبل الآخرة.
ألا ترى أنه لما صادفت الكلمة ما قام في وهمه من المخاوف فاستقرب قلبه في تعجيل نكال الآخرة، قال: وتزايد الخائفين في الخوف يكون على قدر لزوم القلب للأسباب المهيجة للخوف كالتي قدمناها: فمنهم من يهيج به الخوف فيؤلمه وينحله ويشغله على قدر ما وافق من رقة القلب وصفاء الذهن ثم يأخذ الخوف في سائر الجسد على قدر قوة العلم في السطوة والنقمة.
قال: ومثلهم في ذلك كركاب السفينة كلما اشتد عليهم هيجان الأمواج وتلجلجت اشتدت المخاوف وهكذا إذا هاجت أسباب المعرفة من القلوب بسطوات الله تعالى ونقماته وجلاله وعظمته هاج في القلب خوف تلف النفس حتى يكون كالغريق الذي لا يحسن السباحة فقد اشتد مخاوفه لخوف قلبه والله أعلم.
الباب الثاني
في الرجاء
قال الله تعالى: / إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ [350]
رَحْمة الله) (2).
(1)
(3)
وقال تعالى: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ((3).
(4)
وقال سبحانه: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ) (1).
سورة المدثر، الآية: 8.
(2) سورة البقرة، الآية: 218.
(3)
سورة الزمر، الآية: 53.
(4) سورة الأنفال، الآية: 38. (3/307)
صفحة 1164
308
قنطرة الخوف والرجاء
وقال تعالى: (رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (1) الآية. فحدّث عن
رحمة الله الواسعة ولا حرج. وفي الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى مائة رحمة فواحدة منها قسمها بين الجن والإنس والبهائم فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وادّخر منها تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة (2).
وفي خبر آخر: أنه تعالى قابض تلك الرحمة الواحدة فتم بها مائة رحمة يرحم بها عباده
يوم القيامة.
وفي خبر آخر: أن الله تعالى يقول للمؤمنين يوم القيامة: أما ما بيني وبينكم فقد وهبته
لكم، فتواهبوا فيما بينكم فادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم (3).
وقد روي أن النبي عليه السلام دخل من باب بني شيبة فرأى قوماً يضحكون فقال لهم: لم تضحكون لا أراكم حتى إذا كان عند الحجر رجع إليهم القهقرى فقال: «جاءني جبريل فقال: يا محمد إن الله تعالى يقول: لا تقنط عبادي من رحمتي: نَبِي عِبَادِيَ أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرحيم (4) الآية. وقال عليه السلام:: الله أرحم لـ العبده المؤمن من الوالدة الشفيقة لولدها (0). في أمثالها كثير، فمن ذا الذي يعرف غاية رحمة الله أو يحسن وصفها إذ يغفر لعبده كفر مائة سنة أو ما شاء الله بإيمان ساعة واحدة كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (6). وقال: قُولُوا حِطَّةٌ يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) (7). قيل معناه: احطط عنا
خطايانا، وقيل: قولوا لا إله إلا الله، وقال عليه السلام: جب لما قبله».
(1)
سورة الأعراف، الآية: 153.
ص
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص (234) طبعة دار الحديث. في نحوه متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي (ج) (187) في باب سعة رحمة الله تعالى. قال أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسليمان غير أنه قال: البهائم والهوام». وقال: «وأخر» ولم يقل: «ادّخر» ولم يقل لنفسه». (3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 5 ص (188 طبعة دار الحديث رويناه في سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس وفيه الحسين بن داود البلخي قال الخطيب: ليس بثقة.
(4) سورة الحجر، الآية: 49.
(0) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (571/ 10) البيهقي في الأسماء والصفات (497)، الطبراني في
المعجم الصغير (98/ 1).
(6) سورة الأنفال، الآية: 38.
(7) سورة البقرة، الآية: 58. (3/308)
صفحة 1165
[351]
قنطرة الخوف والرجاء
309
فسوغ الله تعالى للمشرك إذا أسلم جميع ما في يده من الأموال والأنكحة، وإن اكتسبها حراماً ولم يطالبه بشيء من مظالم العباد من الدماء وغيرها وهذا من سعة رحمته.
انظر إلى سحرة فرعون جاءوا لحربه، وحلفوا بعزة فرعون، فلما آمنوا بصدق من قلوبهم الله، وأفرغ عليهم الصبر وجعلهم على رؤوس الشهداء في الجنة أبد الآبدين، هذا لمن / عرفه ساعة بعد الكفر والضلال فكيف بمن أفنى عمره في معرفته وطاعته؟
قبلهم
وانظر إلى أصحاب الكهف وما كانوا عليه وما كانوا عليه من الكفر طول أعمارهم حتى
ألهمهم فقالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (1) الآية.
كيف قبلهم ثم أعزهم وأكرمهم فقال: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) (2). ثم الزمهم الحشمة والمهابة حتى قال لأكرم الخلق عليه: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ قرارا (3)
بل كيف أكرم كلبهم تبعهم حتى ذكره في كتابه العزيز مرات، ثم جعله معهم في الدنيا محجوباً، ويدخله الجنة معهم مكرماً فيما بلغنا فهذا فضله مع کلب خطا خطوات مع قوم عرفوه ووحدوه أياماً معدودة، فكيف فضله. مع عبده المؤمن الذي وحده وعبده سبعين. سنة، أو ما شاء الله ونيته أن لو عاش سبعين سنة لما جحده ولا كفر به.
ثم انظر كيف عاتب يونس بن متى عليه السلام في شأن قومه حين انتبه من النوم وقد تيبست الشجرة التي أظلّته فقال فيما بلغنا تحزن على شجرة من يقطين أنبتتها في ساعة وأيبستها في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون.
وفي الخبر أن الله تعالى لما رفع إبراهيم إلى الملكوت رأى رجلاً على فاحشة فدعى الله تعالى عليه فأهلكه، ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله إليه يا إبراهيم دع عنك عبادي فإن عبدي لا يخلو من ثلاث إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج من صلبه ذرية تقدسني، وإما أن يستكمل أجله فيكون خشبة في جهنم ـ أو كلام هذا معناه.
(1) سورة الكهف، الآية: 14.
(2)
سورة الكهف، الآية: 18.
(3) سورة الكهف، الآية: 18. (3/309)
صفحة 1166
310
قنطرة الخوف والرجاء
وفي الخبر أيضاً أن الله تعالى عاتب موسى عليه السلام في أمر قارون فقال: استغاث بك قارون فلم تغثه فوعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته.
في مثل هذا من الأخبار والأحاديث التي تدل على سعة رحمة الله وفضله، فإذا كان الله عز وجل قد أعطى عبده المؤمن من معرفته وأفاض عليه من نعمه الغزيرة، ومنته الكثيرة ما يستغرق الوصف من النعم الظاهرة والباطنة فمرجو من فضله العظيم أن يتم ذلك له في الآخرة [352] فإن من بدأ بالإحسان والنعم قبل الاستحقاق فعليه الإتمام بأن يجعل له من / التسع والتسعين رحمة الحظ الأوفر فنسأل الله تعالى أن لا يخيب آمالنا من فضله العظيم، وأن يحقق رجاءنا من إحسانه العميم إنه جواد كريم منان رحيم.
فصل
واعلم أن الأمر كله يرجع إلى أصل واحد وهو خاتمة العمل؛ لأن ملاك الأعمال خاتمتها فهذه هي التي تقصم الظهور، وتذيب الأكباد وتدمي عيون العباد، وقد قال بعض العلماء: الغموم ثلاثة: غم الطاعة أن لا تقبل، وغم المعاصي أن لا تغفر، وغم المعرفة أن
تسلب.
وقال أهل التحقيق بل الغم كله غم القبول لأن من قبل الله منه حسنة واحدة فقد فاز جملة واحدة؛ لأنه إذا وقع القبول زالت المؤاخذة. وقد روي عن معاذ رحمه الله أو غيره قال: لو قبل الله مني حسنة واحدة لا أبالي أو كلام.
هذا معناه.
وقال آخرون: الغم كله في خوف نزع المعرفة عند الموت، وهذا قريب من الأول، لأن الله تعالى يقول: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله
الظالمين).
فصل
فعلى العبد أن يكون راغباً راهباً؛ لأنه إذا غلب عليه رهبة العقاب خيف عليه أن يكون من الآيسين يسين من رحمة الله وقد قال تعالى: لا يَبْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (1). وإن غلب عليه الرغبة والرجاء لثواب الله خيف عليه أن يكون من الآمنين من مكر الله.
(1) سورة يوسف، الآية: 87. (3/310)
صفحة 1167
[353]
311
قنطرة الخوف والرجاء
وقد قال تعالى: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (1).
وقد روي عن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني خف الله خوفاً لا تيأس فيه من رحمته، وأرجه رجاء لا تأمن فيه من عقابه فقال يا أبتاه كيف وأنا لي قلب واحد؟ فقال: يا بني إن المؤمن لو شق قلبه وجد فيه نور رجاء ونور خوف ولو وزنا لم يمل أحدهما بصاحبه. وهذا كما ورد في الحديث لو وزن خوف المؤمن ورجاءه بميزان تريص ما زاد
أحدهما على الآخر» (2). ومعنى تريص: قيل محكم.
وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين فقال: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعَ يَدْعُونَ رَبَّهِمْ خَوْفاً وَطَمَعاً (3). وقال تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) (1). وينشد لأبي تمام الطائي: أخاف إلهي ثم أرجو تواله ولكن خوفي غالب لرجائيا ولولا رجائي واتكالي على الذي تفرد لي بالصنع كهلاً وناشياً لما ساغ لي عذب من الماء بارداً ولا لذلي نوم ولا زلت باكياً على سوء ما قد كان مني جهالة ليالي فيها كنت الله غاضباً وهذا كما قال بعض العلماء: الخوف ما كان الإنسان صحيحاً أفضل فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل.
وقد روي عن حذيفة بن اليمان رحمه الله أنه لما احتضر قال مرحباً بزائر جاء على فاقة لا فرح من ندم، اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء، فالآن الرجاء فيك أمثل. وقد روي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: ينبغي أن يكون الخوف أغلب من الرجاء؛
لأنه إذا غلب الرجاء فسد القلب.
(1) سورة الأعراف الآية: 99
(2) أطراف الحديث عند الفتن في تذكرة الموضوعات (11) وعلى القاري في الأسرار المرفوعة وابن عراق في تنزيه الشريعة (402/ 2، والسيوطي في الدرر المشرة في الأحاديث المشتهرة (133). ابن تيمية في
أحاديث القصاص (25). (3) سورة السجدة، الآية: 16. (4) سورة الأنبياء، الآية: 90. (3/311)
صفحة 1168
312
قنطرة الخوف والرجاء
وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال: رجاء المؤمن أكثر من خوفه وإلا كان قلقاً. قال: وذلك أن الخوف من الغضب والرجاء طمع في الجنة، وقد سبق من قضائه إنّ
رحمته سبقت غضبه.
وعن وهب ابن منبه قال: بلغ ابن عباس أن مجلساً كان في المسجد الحرام يجلس فيه ناس من قريش فيختصمون فترتفع أصواتهم فقال ابن عباس: انطلق بنا إليهم، فانطلقنا حتى وقفنا عليهم فقال لي ابن عباس: أخبرهم بالكلام الذي كلم به الفتى أيوب عليه السلام في بلائه. قال: قلت قال الفتى أما كان من عظمة الله ذكر الموت ما يكل لسانك، ويقطع قلبك ويكسر حجتك. يا أيوب أما علمت أن الله عباداً أسكنتهم خشية الله تعالى من غيركم وأنهم لهم البلاء الفصحاء الألباء العالمون بالله وآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تقطعت قلوبهم، وكلت السنتهم وطاشت عقولهم وأحلامهم فرقاً من الله وهيبة له فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون له القليل، يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين وأنهم لتراهم أبراراً ومع المضيعين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء ناحلون ذائبون.
فصل
واعلم أن الرجاء الحقيقي لا ينفك عن الخوف الحقيقي كما أن الخوف الحقيقي لا ينفك عن الرجاء الحقيقي ولذلك قيل: الرجاء كله لأهل الخوف إلا الأمن والخوف كله لأهل الرجاء إلا الإياس. وينشد:
/ وذي حرق اخفى مضيض اكتئابه فنم عليه دمعه بانسـکـابه بكت عينه لما بكت عين قلبه ولولا بكاء العين لم يدر ما به أذاب بخوف الله صحة جسمه وأبلى بتقواه رداء شبابه تراه من الخوف المبرح والأسا کميت دعاه ربه لحسابه تفرد بالمولى ففر بدينه إلى جبل يأوي لبعض شعابه إذا انصرف المحبوب من عند ربه تبادرت الأملاك أخذ ركابه إلى جنة فيها الحرير لباسهم ودر ومرجان سروج دوابه كأمثال البدور نواعم يلاعبنه في الخلد خلف قبابه ولي للإله مشهد إذا رقد النوام قام بابه
وحور
[354] (3/312)
صفحة 1169
قنطرة الخوف والرجاء
313
يهيم
فما
يدري من الخوف والرجاء يابي يـديه أخذه لكتابه
واعلم أن العبد إذا كان صحيحاً فالخوف أولى به فإذا ضعف ومرض وأشرف على الآخرة فالرجاء به أمثل كما تقدم عن حذيفة رحمه الله، وذلك لما روي أن الله تعالى يقول: أنا عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي فيصير رجاءه أولى في ذلك الوقت لانكسار قلبه وخوفه المتقدم في زمان صحته ولذلك يقال لهم: أَلا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) (1).
فصل
فإن قيل أليس قد جاءت الأخبار الكثيرة في حسن الظن بالله تعالى كقوله: أنا عند ظن
ما شاء.
:
عبدي بي فليظن بي في أمثالها قيل له: إن من حسن الظن بالله تعالى الحذر من معصيته، والخوف من عقابه، والاجتهاد في طاعته، وذلك ثمرة التصديق بوعد الله تعالى ووعيده وذلك أن الرجاء لا يكون إلا على أصل ثابت صحيح إذا اجتهد العبد في طاعة الله تعالى، وانتهى عن معصيته فيرجو حينئذ أن يتقبل الله منه، ويتم له تقصيره ويعظم له الثواب، ويعفو عن الزلل.
فإن أحسن الظن على هذا فهو الرجاء قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَة الله) (2).
الآية.
(2)
وقال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ أَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحَمَةَ رَبِّهِ) (3)
فمثاله / كمن زرع واجتهد وجمع بذراً ويقول: أرجو أن يحصل لي. منه مائة قفير، [355]
فذلك منه رجاء.
وأما إن طمع ورجا بغير عمل: فذلك منه أمنية لا أصل لها ولا طائل، كمن لا يزرع ولا يعمل فيقول: أرجو أن يحصل لي مائة قفيز فيقال له: من أين لك هذا الرجاء، وإنما ذلك أمنية لا أصل لها، فكذلك إذا غفل عن الطاعة وارتكب المعاصي ولم يبال بسخط الله ورضاه ووعده
ووعيده.
(1) سورة فصلت، الآية: 30. (2) سورة البقرة، الآية: 218. (3) سورة الزمر، الآية: 9. (3/313)
صفحة 1170
314
قنطرة الخوف والرجاء
ثم يقول: أرجو من الله الجنة والنجاة من النار فذلك منه أمنية لا حاصل لها، سماها رجاء وحسن ظن بل ذلك خطأ وضلال.
وقد قال الله تعالى مخبراً عن المنافقين وغرتكم الأماني وقال: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} (1).
وقال جابر بن زيد رحمه الله: إياكم والأماني فوالله ما نال بها عبد خيراً قط فيما مضى ولا يناله فيما بقي. وقال: إن المؤمن أحسن الظن فأحسن العمل ثم قرأ: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي
(Y),
ملاق حسابية) (2
والمنافق أساء الظن فأساء العمل ثم قرأ: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بَرَبِّكُمْ
أَرْدَاكُمْ (3) الآية.
ومما يبين
هذا الأصل قول النبي: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت (4). والعاجز من اتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني.
وفي ذلك يقول الحسن البصري: إن أقواماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة يقول: إني أحسن الظن بربي وكذب أو أحسن الظن بربه لا حسن العمل ثم تلى قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرَدَاكُمْ (5) الآية.
وعن جعفر الضبعي قال: رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد قلت:
(1) سورة النساء، الآية: 123.
(2) سورة الحاقة، الآية: 20.
(3) سورة فصلت، الآية: 23. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 3 - حديث شداد بن أوس.
ص
587) طبعة دار الحديث قال أخرجه الترمذي وابن ماجه من
قال محقق كتاب الأحياء طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي (2459) وابن ماجه (4260) وأحمد (124/ 4) والحاكم (57/ 1) وقال صحيح على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بقوله: «لا والله أبو بكر واه وقال الحاكم في موضع آخر (251/ 4) صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي مؤيداً صحيح (فتعجب) قال المحقق والحديث مداره على ابن أبي مريم الغساني قال الحافظ في التقريب ضعيف»
وذكره الألباني في ضعيف الجامع (4310) وقال ضعيف. دان نفسه» حاسب نفسه في الدنيا.
(5) سورة فصلت الآية: 23. (3/314)
صفحة 1171
[356]
قنطرة الخوف والرجاء
315
يرحمك الله إن رحمة الله واسعة. فغضب فقال: هل رأيت ما يدل على القنوط: إن رحمة الله قريب من المحسنين) (1
(1)
قال: فأبكاني قوله فإذا كل الرسل والأبدال والأولياء مع كل هذا الاجتهاد في الطاعة
والحذر من المعصية.
بجوده
أتقول: ما كان لهم حسن الظن بالله؟ بلى؛ فإنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأحسن ظناً منك، ولكن علموا أن ذلك دون الاجتهاد في الطاعة أمنية وغرور، وليس لها حاصل ولا طائل إلا أنها تروح على القلب ويغتبط بها المتمنى. كما قال القائل: حرك مناك إذا اختممت فإنهن مراوح / إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً
وقال آخر:
إن المنى رأس أموال المغاليس
فاعتبر بهذه النكتة من اجتهاد أهل الصفوة المجتهدين في الخدمة، وتنبه من رقدتك والله
تعالى ولي التوفيق.
فصل
ومن تمكن الخوف يكون الحزن والإشفاق من الذنوب، ولذلك قيل عن الحسن أن النبي عليه السلام قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (2).
حدث
عن
قال الحسن: فوالله ما أصبح فيها مؤمن إلا حزيناً. قال: وكيف لا يحزن المؤمن وقد الله تعالى أنه وارد جهنم ولم يأته أنه صادر عنها والله ليلقين أمراضاً ومصائب وأموراً تغيظه وليظلمن فما ينتصر يبتغي بذلك الثواب من الله عز وجل، فما يزال حزيناً فيها حتى يفارقها فإذا فارقها أفضى إلى الراحة والكرامة وقال ما عبد الله تعالى بمثل طول
الحزن.
خرب.
وقال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن
(1) سورة الأعراف الآية: 56.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني ج 3 ص (314 طبعة دار الحديث باب ما ورد في ذم الدنيا. أخرجه
مسلم من حديث أبي هريرة. (3/315)
صفحة 1172
316
قنطرة الخوف والرجاء
ويروى عن حبيب بنت ثابت أنه قال: إن حاجبي يعقوب قد وقعا على عينيه، فقيل له: ما بلغ بك هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني. فقال: يا رب خطيئة اخطأتها فاغفر لي.
وقال الحسن: وذكر هذه الآية: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) (1). قال: المؤمنون قوم ذلل ذلت والله الأسماع والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى والله ما بالقوم من مرض وأنهم لأصحاء ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، وقالوا: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) (2).
(Y),
والله ما أحزنهم حزن الناس ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الله، أبكاهم الخوف من النار وأنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قلّ علمه وحضر عذابه. قال: وسمع سفيان الثوري يقول: واحزناه. فقيل له: قل واقلة حزناه وينشد:
احزن على أنك لا تحزن ولا تسيء إن كنت لا تحسن اضعف عن الشر كما تدعي ضعفاً عن الخير وقد يمكن وقال الحسن: إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن في عمله ما يكفرها سلطت عليه [357] / الغموم فتكون كفارة لذنوبه.
وعن ابن مسعود قال: إن المؤمن ليرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وأن الفاجر يرى أن ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا، ومد يده فوق أنفه.
وعن
عائشة
رضي
الله عنها أنها قالت: من سره أن يسبق الذائب المجتهد فليكف نفسه
عن الذنوب فإنكم لن تلقوا الله بشيء
خير
لكم
من
قلة الذنوب. ويقال: لا تنظر إلى صغر
الذنب ولكن انظر إلى من عصيت.
منك فيغفر له.
وعن عروة بن عامر قال: إن العبد لتعرض عليه ذنوبه ويقول: لذنب منها قد كنت مشفقاً
وعن الحسن أن الرجل ليذنب الذنب فلا يزال به كثيباً حتى يدخل الجنة.
(1) سورة الفرقان الآية: 63.
(2) سورة فاطر، الآية: 34. (3/316)
صفحة 1173
قنطرة الخوف والرجاء
317
وقيل لبعض العرب: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت عوداً ركوباً موقراً نعماً وذنوباً. ويروى أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في بعض الكتب. قال: تجد اسمي ونسبي؟ قال: لا ولكني وجدت
صفتك
وسيرتك. فقال عمر:
أيوعدني كعب ثلاثاً أعدها ولا شك أن القول ما قاله كعب وما بي حذار الموت إني لميت ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب ويقال: إنّ للذنوب ضعفاً في القوة وظلمة في القلب، وأنّ للحسنات قوة في البدن ونوراً
في القلب.
علينا.
وكان الأوزاعي إذا رأى رجلاً من الجند قال: استغفر الله من ذنوب سلط بها هؤلاء
وعن الحسن قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وقيل لسفيان الثوري:
لو دعوت | الله لنا قال: ترك الذنوب هو الدعاء ولبعض بني عامر: ألم يأن لي يا قلب أن أترك الصبا وأن أزجر القلب اللجوج عن الهوى وما عذر من يعصي وقد شاب رأسه وأبصر أبواب الضلالة والهدى وإن كان ليل كان بالليل نائماً وأصبح بطال العشية والضحى ولو قسم الذنب الذي قد أصبته على الناس خاف الناس كلهم الردى
وعن الحسن قال: إنما المؤمن من جمع إحساناً وشفقة وتلى هذه الآية: {وَالَّذِينَ / هم [358] مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ (1). وأن المنافق من جمع إساءة وأمنا وتلى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلم عِنْدِي (2). وينشد:
خلقت من التراب فصرت شيئاً وعلمت الفصيح من الخطاب فعدت إلى التراب فظلت فيه كأني ما برحت من التراب
قال: ولقي حكيم حكيماً فقال له: إني لا أحبك في الله. فقال: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله. فقال له الأول: ولو أعلم من نفسي ما تعلمه أنت من نفسك لكان لي فيما أعلمه من نفسي شغل عن بغضك وقيل آخر شعر قاله ذو الرمة:
(1) سورة المعارج، الآية: 27. (2) سورة القصص، الآية: 78. (3/317)
صفحة 1174
318
قنطرة الخوف والرجاء
يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت علماً يقيناً لد أحصيت آثاري يا مخرج النفس من جسم إذا احتضرت وفارج الكرب زحزحني عن النار
وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال: إذا عملت الحسنة فأله عنها؛ فإنها عند من
يضيعها، وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينك وأنشدوا:
يا خارب القلب عامر الأمل عشت وغرتك صحة البدن لا أنت قصرت في القبيح ولا محوت بعض القبيح بالحسن
فصل
?
واعلم أن الحزن إذا كثر في القلب واشتد لا بد أن يثمر البكاء من خشية الله وأقرب ما يكون العبد من عفو الله ورحمته إذا كان باكياً من خشيته.
وقد نعت الله أقواماً وقال: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} (1) الآية. وقال: {خَرُوا سُجَّداً وبكيَّاً) (2). وكان عليه السلام يبكي ويأمر بالبكاء والتباكي.
وقال: أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم على وجوههم كأنها جداول ثم تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن السفن أجريت
فيها لجرت (3). وكان عليه السلام يصلي ويسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل، وروي أنه قال لابن مسعود: «اقرأ عليّ. فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإني أحب أن أسمعه من غيري قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء شَهِيداً (4) رأيت عينيه
تذرفان فقال لي: «حسبك (5).
وعن / عقبة بن عامر الجهيني قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: «ليسعك بيتك
وابك على خطيئتك وامسك عليك لسانك (6).
(1) سورة الإسراء، الآية: 109.
(2) سورة مريم، الآية: 58.
(3) أخرجه ابن حجر في لسان الميزان (1034/ 4). (4) سورة النساء الآية: 41.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول ص. 433: متفق عليه من حديث ابن مسعود.
2
ص
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 349) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث عقبة وقال حسن. أطراف الحديث عند أحمد (148/ 4، (158) الهيثمي في مجمع الزوائد (299/ 10) الزبيدي في =
[359] (3/318)
صفحة 1175
قنطرة الخوف والرجاء
319
وعن داود عليه السلام أنه قال: إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه
على وجهه؟ قال: جزاءه أن أحرّم وجهه على لفح النار، وأن أؤمنه يوم الفزع الأكبر. وعن معاذ بن جبل رحمه الله أنه قال: من بكى من خشية الله غفر الله له ذنوبه، فإن لم
يبك فليتباكى، أعطاه الله أجر الحزين المصاب، الصلاة والرحمة والهدى. وعن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل
دموعي على وجهي أحب إلي من أن أتصدق ولو بجبل من ذهب.
وقال وهب: فقد زكريا ابنه يحيى عليهما السلام فوجده مضطجعاً بعد ثلاث على قبر وهو يبكي فقال: ما هذا يا بني؟ فقال: أخبرتني أن جبريل أخبرك أن بين الجنة والنار مفازة لا يطفاء حرها إلا الدموع. قال: إبك يا بني.
ودعا بعض الحكماء فقال: إلهي ارزقني عينين هطالتين يبكيان من خشيتك، قبل أن
تكون الدموع دماً، والأضراس جمراً.
وقال عبد الله بن عمر: لإن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار. وقيل لبعضهم: إن كثرة البكاء تذهب البصر. قال له ذلك شهادة فبكى حتى عمي. وقيل لبعضهم: مم تبكي هذا البكاء الطويل؟ فبكى ثم قال:
بكيت على الذنوب لعظم جرمي وحق لكل من يعصي البكاء فلو كان البكاء يرد ايرد عنِّي لأسعدت الدموع معا دماء ثم بكى حتى غشي عليه فقام الرجل عنه وتركه. قال: وكان الضحاك يبكي كل عشية ويقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله أنه أتي بطعام وكان صائماً فقال: قتل حمزة وهو خير مني ولم نجد ما نكفنه به، وقتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة إن غطي رأسه بدت، رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، لقد خفت أن أكون قد عجلت لي حسناتي في الدنيا، ثم بكى حتى سمع نشيجه وحتى برد الطعام.
وينشد:
الإتحاف (339/ 6 450/ 7 والعجلوني في كشف الخفا (446/ 2) الشجري في الأمالي (156/ 2)، الطبراني في المعجم الكبير (210/ 10). (3/319)
صفحة 1176
[360]
قنطرة الخوف والرجاء
الزهد في الدنيا
عبي
ات
اق
ـان الخلـ د پشت الرحمن آباق
ات فاشتاقوا
وراق
لي
فما اناقوا
تلق
ن
سكينات وإطراق
من الخدم
ـاح وأرهاق
بسك
أعناق
مام
ــون إلـ الله
مليك الملـ ـك خلصنـ
وإذا
ن ذاق ـذي ذاق
وا
ـن مهـ
راق
كشفت سـ
اق
اعت
ـاق ـك أعتـ
اق
وقتـ
ــاه إط
لاق
ـك الملـ ـك اعتقنـ
الملك هل
أعن
ـاقاط ي
من الآثام أطواق
وفيما روي أن قوماً وقفوا بعابد وهو يبكي، فقالوا: ما الذي أبكاك يرحمك الله؟ قال: روعة يجدها الخائفون في قلوبهم قالوا وما هذه الروعة؟ قال: روعة النداء بالعرض على الله تعالى. ولبعضهم:
يا كثير البكاء أظنك ممن صيرته الذنوب مثلي ظليلاً إخوتي كيف لا يطول بكائي وبجهلي عصيت رباً جليلاً يا مقيل العثرات كن لي مقيلاً
قم فناد إذا الخلائق
وآخر:
الله ساهر ليله ما يهجع
وكل الفؤاد من الذنوب مصدع
يبكي بدمع ساكب هفواته والليل في جلبابه متبرقع ندماً على ما كان من عصيانه ملكاً تذل له الملوك وتخضع يا رب ما للذنب غيرك غافر وإليك منك يا إلهي المفزع يا رب عبدك ضارع فاغفر له مالم يزل يدعوك فيه ويضرع
وقال عيسى ابن مريم عليهما السلام طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته. (3/320)
صفحة 1177
قنطرة الخوف والرجاء
كنت
وقال بعضهم: كنا نجلس إلى بعض العباد فيبكي ويبكينا ويقول:
كل ذي غيبة سيرجع يوماً غير غياب زائرات القبور وسئل بعض من بكى عند حضرة الموت فقال: تذكرت ساعات أضعت مرورها من العمر الماضي فأنّى لي الذكرى فلم ينحصل لي الآن غير دميعة تسيل وما تجدي وقد حقت العسرى
فصل
321
وجملة الأمر أنك إذا ذكرت سعة رحمة الله التي سبقت غضبه ووسعت كل شيء، ثم من هذه الأمة المرحومة الكريمة على الله تعالى ثم غاية فضله العظيم عليك وعلى غيرك، ثم كثرة أياديه إليك ونعمه الظاهرة والباطنة لديك من غير إحسان سبق منك. وتذكرت من جانب آخر كمال عظمته وجلاله، وهيبته وعظيم سلطانه، ثم شدة غضبه الذي لا يقوم له السموات والأرض، ثم غاية غفلتك وكثرة ذنوبك وجفوتك دقة أمره، وخطر معاملته، وفي إحاطة علمه وبصره بالغيوب، ثم حسن وعده وثوابه الذي لا تبلغ كنهه الأوهام وشدة وعيده وأليم عقابه التي لا تحتمل ذكره القلوب تارة تنظر إلى فضله، وتارة تنظر إلى عذابه، وتارة تنظر إلى رحمته وتارة تنظر إلى نفسك وجفواتها وخياناتها تأدى بك جميع ذلك إلى الخوف والرجاء.
مع
وكنت قد سلكت السبيل الأقصد والمنهاج الأرشد وعدلت عن الجانبين المهلكين: الأمن والإياس فلم تغتر ببرودة الرجاء حتى تهلك مع الآمنين، ولا بحرارة الخوف حتى تهلك مع الآيسين، بل شربت من النهرين واستقيت من العينين فوجدت النفس قد جدّت في الطاعة راجية ثوابها، واجتنبت المعاصي راهبة عقابها كما قال بعض الماضين: أنه إذا ذكرت الجنة طال شوقه، وإذا ذكرت النار طار نومه.
فصرت حينئذ من الأصفياء العابدين الذين وصفهم الله تعالى في قوله: {إِنَّهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (1).
[361]
والحمد لله رب العالمين، فإذا جاوزت قنطرة الخوف والرجاء فأشرع في العبادة بنفس شديدة غير كسلى، / ولا عاجزة وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام [362]
المرسلين والحمد لله رب العالمين.
(1) سورة الأنبياء، الآية: 90.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 21 (3/321)
صفحة 1178
القنطرة الرابعة عشر قنطرة العبادة
الحمد لله الذي شرف أولياءه بخدمته وعبادته، وكَرَّمهم بالتزام وظائف طاعته، والصلاة والسلام على أكرم بريته محمد بن عبد الله خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى
والمرسلين.
جميع
الأنبياء
المعاد،
أما بعد فإن الله سبحانه خلق الدنيا مزرعة للعباد، وجعل لهم الأرض ذلولاً سلسلة القياد لا ليستقروا في مناكبها، بل ليتزودوا منها خير الزاد لينجوا بذلك من سطوته يوم ويتحققوا أن الأعمار تسير بهم سير السفن بين الأمواج الملتطمة، وأهلها دود على عود إن سقطوا غرقوا، وإن تمسكوا فرقوا فلا راحة ولا قرار حتى يقطعوا أهوال تلك البحار، وتحط السفينة بأولئك السفار.
فالناس في هذه الدنيا أضياف مرتحلون وكركب يسار بهم وهم نائمون، فأول منازلهم المهد وآخرها اللحد، والوطن الجنة والنار، وهم بأعمالهم تجار، ربحها التنعم في دار القرار، والحلول في دار البوار، جعلنا الله من الفائزين برحمته الناجين من سطوته قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون) (1).
وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (2).
العبادة هي القيام، والخشوع والركوع والسجود، والصيام، والخضوع، والحج، والجهاد، والتسبيح، والتكبير والتمجيد والتحميد والسكينة، والذلة والإقرار الله بالمملكة، والدعاء، والشكر، والمواساة وذكر المنة والرضى عن الله تعالى والتسليم لأمره، والصبر على [363] بلائه، / والإنابة إليه والإخبات إليه، تعالى، والتضرع وغير ذلك من معاني العبادة ووظائف العبودية، وقد ذكرنا في السفر الأول والثاني أكثر من هذه المعاني.
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(2) سورة النساء، الآية: 36. (3/322)
صفحة 1179
قنطرة العبادة
323
ولنشرع الآن في هذا السفر في شرح أدب تلاوة القرآن والذكر والدعاء والتضرع للرحمن وترتيب ذلك على أوقات الليل والنهار من الزمان فتشتمل حينئذ هذه القنطرة على أربعة
أبواب:
الأول: في أدب تلاوة القرآن.
الثاني: في الذكر والإستغفار.
الثالث: في الدعاء والتفكر في المخلوقات.
الرابع في ترتيب هذه العبادات على الأوقات. والله أعلم وبالله التوفيق.
الباب الأول
في فضل القرآن وآداب تلاوته الظاهرة والباطنة (1)
الحمد لله الذي امتن على عباده برسوله الأمين وبكتابه المستبين، وأوضح فيه دينه القويم وصراطه المستقيم بما فصل فيه من الأحكام وفرّق بين الحلال والحرام، فهو الضياء والنور، والنجاة من الهلكة والغرور من آمن به فقد وفق ومن قال به فقد صدق، ومن حكم به فقد عدل، ومن عمل به فقد فاز وفضل ومن تمسك به فقد هدى إلى صراط مستقيم وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (2). ومن أسباب حفظه أن جعله في القلوب محفوظاً، وفي المصاحف مكتوباً، وبالألسن، مقرؤاً، وبالآذان مسموعاً، ومن التغيير والتبديل مصوناً. وطاً فمن واظب على دراسته وتلاه حق تلاوته مع القيام بآدابه الظاهرة والباطنة كان كمن أدرجت النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه فلا بد / من بيان فضله وتفصيل آدابه [364]
مضبو
وينحصر ذلك في أربعة فصول:
الأول: في فضل القرآن وأهله.
الثاني: في آداب تلاوته في الظاهر.
الثالث: في الأعمال الباطنة.
(Y).
الرابع: في فهم القرآن وتفسيره بالرأي وغيره.
(1) هذا الباب مأخوذ من كتاب الإحياء بتصرف قليل المجلد الأول. 422 طبعة دار الحديث كتاب آداب.
تلاوة القرآن.
ص
(2) سورة الحجر، الآية: 9. (3/323)
صفحة 1180
قنطرة العبادة
الفصل الأول: في فضل القرآن وأهله وذم المقصرين في تلاوته
وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين:
الأول في فضل القرآن وأهله.
والثاني: في ذم المقصرين في تلاوته.
القسم الأول: في فضل القرآن وأهله
قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزيز (1) الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ القرآن ثم ظن أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله عز وجل (2).
وعنه عليه السلام قال: «ما من شفيع أعظم منزلة عند الله عز وجل يوم القيامة من القرآن لا نبي ولا ملك (3). وقال: أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن (4).
وقال: «إن الله تعالى قرأ سورة طه قبل أن يخلق الخلق بألف عام فلما سمعت الملائكة بالقراءة قالت: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تنطق بهذا (ه).
وقال عليه السلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه (6).
وقال عليه السلام: يقول الله عز وجل من شغلته قراءة القرآن عن دعائي ومسئلتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين (7).
(1) سورة فصلت الآية: 42.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 423) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 423 طبعة دار الحديث رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلاً وللطبراني من حديث ابن مسعود: القرآن شافع مشفع، ولمسلم من حديث أبي أمامة: «اقرؤوا القرآن فإنه يجيء يوم القيامة شفيعاً لصاحبه قال المحقق حديث القرآن شافع مشفع
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1647) وقال: رواه الطبراني وفيه الربيع بن بدر وهو متروك.
(4) قال الحافظ العراقي (ج 1 ص 423) طبعة دار الحديث أخرجه أبو نعيم في فضائل القرآن من حديث النعمان بن بشير وأنسي وإسنادهما ضعيف.
(0) قال الحافظ في المغني (ج 1 ص 423) طبعة دار الحديث أخرجه الدارمي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 423 طبعة دار الحديث أخرجه البخاري من حديث عثمان بن عفان.
(7) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (423 طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد شغله القرآن عن ذكري أم مسئلتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وقال حسن غريب ورواه ابن =
من (3/324)
صفحة 1181
قنطرة العبادة
325
وقال عليه السلام: أهل القرآن أهل الله وخاصته (1).
وقال عليه السلام: ثلاثة يوم القيامة على كتيب من مسك أسود لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب حتى يفرغ ما بين الناس (3). وذكر فيهم رجلاً قرأ القرآن وأم به قوماً وهم به
راضون.
وقال عليه السلام: إن القلوب تصدى كما يتصدى الحديد (3) قيل: فما جلاءها؟ قال: تلاوة القرآن وذكر الموت» (4).
وعن أبي أمامة الباهلي قال: اقرؤوا القرآن ولا تغرنكم هذه / المصاحف المعلقة، [365] فإن الله لا يعذب قلباً هـ وعاء القرآن. هو
وعن ابن مسعود قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين، فاقرؤوا القرآن فإنكم تؤجرون بكل حرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم (آلم) حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف.
وقال: لا يسئل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن ويعجبه فهو يحب الله
سبحانه ورسوله وإن كان يبغضه فهو يبغضهما.
وعن عمرو بن العاص قال: كل آية في القرآن درجة في الجنة ومصباح في بيوتكم، ومن قرأ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه.
وعن أبي هريرة قال: إن البيت الي يتلى فيه القرآن اتسع بأهله، وكثر خيره وحضرته
شاهين بلفظ المصنف قال: محقق الإحياء أخرجه الترمذي (2926) وقال: حسن غريب قال الألباني في الضعيفة (1335) ضعيف. (1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (423 طبعة دار الحديث أخرجه النسائي في الكبرى وابن ماجه والحاكم من حديث أنس بإسناد حسن. (2) قال الحافظ في المغني (ج 1 ص (232) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر وهو في الصغير للطبراني بنحو مما ذكره المؤلف. قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي (1986) وقال حسن غريب والطبراني في الصغير (230) وذكره الألباني في ضعيف الجامع
مختصراً.
(2578) وقال: ضعيف.
(3) أطراف الحديث عند المتقي الهندي في كنز العمال (3924) والذهبي في ميزان الاعتدال (1918)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (347/ 2) وابن عدي في الكامل للضعفاء (258/ 1).
(4)
قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (424 طبعة دار الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من
حديث ابن عمر بسند ضعيف. (3/325)
صفحة 1182
326
قنطرة العبادة
الملائكة وخرجت منه الشياطين والبيت الذي لا يقرأ فيه يضيق بأهله، ويقل خيره، وتخرج عنه الملائكة وتحضره الشياطين.
وقال بعض السلف: ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد حاجة ولا إلى الخلفاء ومن دونهم، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه.
وقال: حامل القرآن حامل راية لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو،
ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن.
ويقال: إذا قرأ الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه، وعن عمرو بن ميمون قال: من قرأ
في المصحف حين يصبح مائة آية رفع الله له مثل أعمال أهل الدنيا. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على خالد بن عقبة: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (1) الآية. قال: أعد، فأعاد فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما يقول هذا بشر
الشهداء.
(2)
وقال الحسن: والله ما دون القرآن من غنى / ولا بعده من فاقة. وقال بعض السلف: من قرأ خاتمة الحشر حين يصبح ثم مات من يومه ختم له بطابع
وقال علي: ثلاث يزدن في الحفظ ويذهبن البلغم: السواك والصيام وقراءة القرآن. وقيل لبعض النساك: هل هاهنا أحد تستأنس به؟ فوضع المصحف في حجره وقال:
هذا، والله أعلم.
عن
القسم الثاني في ذم تلاوة الغافلين
أنس بن مالك قال: رُبّ تال للقرآن والقرآن يلعنه وعن بعضهم: الغريب هو
القرآن في جوف الفاجر، والرجل الصالح في قوم سوء والمصحف في بيت لا يقرأ فيه. وقال أبو سليمان الدراني: الزبانية أسرع إلى حملة القرآن الذين يعصون الله عز وجل
(1) سورة النحل، الآية: 90. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 425 طبعة دار (الحديث ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد ورواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند جيد إلا أنه قال: «الوليد بن المغيرة بدل
خالد
بن عطية وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة بنحوه.
[366] (3/326)
صفحة 1183
قنطرة العبادة
327
منهم إلى عبدة الأوثان حين عصوا الله بعد القرآن. وقال عليه السلام: «أكثر منافقي هذه الأمة
قراءهاي (1)
وقال: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها خبيث ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر ولا
ريح لها (2)
وقال بعض السلف: ندمت على استظهاري القرآن؛ لأنه بلغني أن أصحاب القرآن يسئلون عما تسئل عنه الأنبياء يوم القيامة.
وقال ابن مسعود: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون. وقال عليه السلام: اقرأ القرآن ما نهاك وإذا لم ينهك فلست تقرأه» (3).
وقال / بعض السلف: إن العبد ليفتتح السورة فتصلي عليه: حتى يفرغ منها، وإن العبد [367] ليفتتح السورة فتلعنه حتى يفرغ منها. قيل: فكيف ذلك؟ قال: إذا أحلّ حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته.
وقال بعضهم: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (4) وهو ظالم لنفسه ويقول: ألا لعنة الله على الكاذبين، وهو منهم.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 425 طبعة دار الحديث أخرجه أحمد من حديث عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو وفيها ابن لهيعة.
(2) أطراف الحديث عند البخاري (235/ 6، 99/ 7 (198/ 9) ومسلم في صلاة المسافرين (343)، أبو داود في الأدب (ب (19) والنسائي (125/ 8) وابن ماجه 214 والترمذي (2865) وأحمد (397/ 4، 404) الدارمي في السنن (442/ 2) وعبد الرزاق في المصنف (2093/ 3) وشرح السنة للبغوي (43/ 4) والمنذري في الترغيب (2/ 346) وابن حجر في الفتح (555/ 9). والمتقي الهندي (734، 2337، 2338) والشجري في الأمالي (1) (83). وتفسير القرطبي (6/ 1) وأبي نعيم في حلية الأولياء (60/ 9) والعقيلي في
الضعفاء (159/ 1)، والفرياني في صفة النفاق (72) والبيهقي في الأسماء والصفات (263). (3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (425 طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني من حديث
عبد الله بن عمرو بسند ضعيف.
(4) سورة هود الآية: 18. (3/327)
صفحة 1184
328
قنطرة العبادة
وعن الحسن قال: قراء القرآن ثلاثة قوم قرؤوه فاتخذوه بضاعة ونقلوه من مصر إلى مصر
لينالوا به ما في أيدي الناس وقوم قرؤوه فثقفوه تثقيف الفتى القدح وألقوا حدوده في زواياه، واستطالوا به على أهل بلادهم فهم فيه أشد تيها من الأمراء إذا طلعوا على أعوادهم يلقى الرجل أخاه فيقول: والله ما أسقط من القرآن شيئاً والله ما ألحن في القرآن حرفاً، فهم الذين أفسدوا في الأرض فقد كثرت هذه الطبقة من حملة القرآن فلا أكثرهم الله.
وقوم قرؤوه فأسهر نومهم وأسال دموعهم على خدودهم، وكدوا في محاريبهم فيهم ينزل الله الغيث، فبهم ينفي العدو فهذه الطبقة من حملة القرآن أقل من الكبريت
الأحمر.
وعنه أيضاً قال: إنكم اتخذتم القرآن مراحل وجعلتم الليل جملاً فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله وأن من كان قبلكم رواة رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها
بالنهار.
من
وقال ابن مسعود: أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملاً، إن أحدهم ليقرأ القرآن فاتحته إلى خاتمته فلا يسقط منه حرفاً / وقد أسقط العمل به.
وفي حديث ابن عمرو حديث جندب: لقد عشنا دهراً واحداً يؤتي الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد عليه السلام فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما، آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ينثره نثر
الدقل.
فاتحة بين
وقد روي في التوراة: يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله، فتقرأه وتدبره حرفاً حرفاً حتى لا يفوتك منه شيء. وهذا كتابي أنزلته إليك انظر كم وصل لك فيه من القول، وكم كررت عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، أفكنت عليك أهون من بعض إخوانك، يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل إليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه إن كف وها أنا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني أفجعلتني أهون عليك من بعض إخوانك. والله نسأله العصمة
والتوفيق.
[368] (3/328)
صفحة 1185
[369]
329
قنطرة العبادة
الفصل الثاني في ظاهر آداب التلاوة وهي عشرة (1)
الأول: في حال القاراء وهو أن يكون على الوضوء واقفاً على هيئة الأدب إما قائماً وجالساً مستقبل القبلة مطرقاً رأسه غير متربع ولا متكيء ولا متكبر، ويكون جلوسه وحده کجلوسه بين يدي / أستاذه.
وأفضل أحواله: أن يقرأ في الصلاة في المسجد قائماً، وإن كان غير متوضء أو في الفراش مضطجعاً فله أيضاً فضل ولكنه دون ذلك قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (2) فأثنى على الكل ولكن قدم القيام على سائر الأحوال.
وعن علي قال: من قرأ القرآن في الصلاة قائماً فله بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأه جالساً. في الصلاة فله بكل حرف خمسون، ومن قرأه في غير صلاة وهو متوضاء فله خمس وعشرون، وغير متوضاء فعشر حسنات، وفي الليل أفضل لفراغ القلب.
قال أبو ذر: كثرة السجود بالنهار، وطول القيام بالليل.
الأدب الثاني: مقدار القراءة، وللقراء عادات مختلفة: منهم من له ختمة في اليوم والليلة، وبعضهم، مرتين وبعضهم ثلاثاً، وبعضهم في الشهر مرة، وأولى التقديرات قول النبي وقد قال: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفهمه (3).
سکت.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سمعت رجلاً يهد القرآن هدا ما قرأ هذا ولا
وأمر عليه السلام ابن عمر أن يختمه في سبع، وكذا كان عثمان وأبي بن كعب وابن مسعود وزيد يختمونه في كل جمعة، وقد كره جماعة الختم في اليوم والليلة؛ لأنه غاية الاقتصار كما أنها في الشهر غاية الاستكثار والأحسن ختمه في سبع أو ختمتان بالليل ختمة وبالنهار ختمة.
(1) هذا الفصل نقله مؤلف القناطر من الإحياء للإمام الغزالي الجزء الأول طبعة دار الحديث ص 427 تحقيق سيد إبراهيم.
(2) سورة آل عمران الآية: 191.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني الجزء الأول ص 427 باب أداب التلاوة طبعة دار الحديث، أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمرو وصححه الترمذي. غير أنه قال: «لم يفقهه» ولم يقل «لم
يفهمه. (3/329)
صفحة 1186
[rv.]
330
قنطرة العبادة
وينبغي أن تكون في أول نهار الاثنين، وأول ليلة الجمعة؛ فإن الملائكة تصلي عليه / إن كان نهاراً حتى يمسي وإن كان ليلاً فحتى يصبح والتفصيل في مقدار القراءة إن كان من العابدين السالكين طريق العمل فختمتان في سبع وإن كان سالكاً طريق الفكر أو مشغولاً بنشر
العلم فختمة، وإن كان نافد الفكر في القرآن فمرة في الشهر لحاجته إلى كثرة التأمل. الثالث: في وجه القسمة إما من ختم مرة في الأسبوع فإنه يقسم القرآن على سبعة.
وروي
أن عثمان كان يفتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة، وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم موسى وفرعون، وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى صاد، وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن، ويختم ليلة الخميس.
وابن مسعود يقسمه أيضاً سبعة ولكن على غير هذا الترتيب، وقيل أحزاب القرآن سبعة: فالأول ثلاث سور، والثاني خمس والثالث سبع، والرابع تسع والخامس إحدى عشرة، والسادس ثلاث عشرة، والسابع المفصل.
قال: فهكذا أحزبته الصحابة ويقرؤونه كذلك، وفيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا قبل أن تعمل الأخماس والأعشار والأحزاب وما سوى هذا فهو محدث. الرابع: في الكتابة ولا بأس بالنقط والعلامات بالحمرة وغيرها، فإنها تزيين وتبيين وضبط عن اللحن.
وروي أن الحسن وابن سيرين ينكران الأخماس والأعشار، والشعبي وإبراهيم يكرهان النقط بالحمرة، والظن بهم أنهم كرهوا ذلك خوفاً من أن تنجر الزيادة، وحرصاً على حراسة
[371] القرآن، فإذا لم يؤد ذلك إلى محذور / فلا بأس، وقد استقر أمر الأمة على ذلك. وقيل: أن الحجاج هو الذي أحدث ذلك وأحضر القُرَّاء حتى عدوا كلمات القرآن
وحروفه وسووا أحزابه.
(1) ,
الخامس: هو الترتيل وهو المستحب قال الله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (1) .. وقد نعتت أم سلمة زوج النبي عليه السلام قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. وقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أتدبرهما أحَبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآن كله
(1) سورة المزمل، الآية: 4. (3/330)
صفحة 1187
قنطرة العبادة
331
هذرمة. وقال أيضاً: لأن أقرأ: (إذا زلزلت)، و (القارعة). أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة
وآل عمران تهديراً.
واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبير بل أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيراً
في القلب من الاستعجال.
السادس: البكاء قال عليه السلام: اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا» (1). يعني
فلتكلفوا البكاء.
وعن ابن عباس قال: إذا قرأتم سجدة (سبحان) فلا تتعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن فمنه ينشأ البكاء. قال عليه السلام: إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا (2).
ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد، والوثائق، والعهود، ثم يتأمل تقصيره في الأوامر، وارتكاب الزواجر فيحزن لا محالة، ويبكي، فإن لم يحضره البكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن فذلك أعظم المصائب. السابع: أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجدة سجد وكذا إذا سمعها من غيره،
وسجد التالي فليسجد.
وهذا إذا كان على طهارة، ثم يدعو في سجوده بما / يليق بالآية التي قرأها مثل قوله: [372] خَرُوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (3). فيقول: اللهم اجعلنا من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك وعلى أوليائك. وإذا قرأ: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} (4). فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك
الخاشعين لك وكذا سائرها.
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني الجزء الأول ص 429 دار الحديث ـ باب ظاهر آداب التلاوة ـ أخرجه ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص بإسناد جيد.
وقال محقق الإحياء طبعة دار الحديث إسناده ضعيف أخرجه ابن ماجه (1337) وفيه إسماعيل بن رافع:
قال الحافظ في التقريب ضعيف الحفظ.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول ص 430 طبعة دار الحديث أخرجه أبو يعلى وأبو نعيم في
الحلية من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
(3) سورة السجدة، الآية: 15. (4) سورة الإسراء، الآية: 109. (3/331)
صفحة 1188
332
قنطرة العبادة
ويشترط فيها شروط الصلاة من ستر العورة والطهارة واستقبال القبلة، وإن لم يكن على طهارة فإذا تطهر، سجد ورخص آخرون أن يسجدوا ولو على غير طهارة من الثوب
والبدن.
والثامن: أن يقول عند ابتداء القراءة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وليقرأ سورة الحمد الله (1)، وقل أعوذ برب الناس) (2) وليقل عند فراغه من كل سورة: صدق الله تعالى وبلغ رسوله عليه السلام اللهم انفعنا به وبارك لنا فيه الحمد لله رب العالمين استغفر الله الحي القيوم.
وفي أثناء قراءته إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر، وبآية دعاء واستغفار دعا واستغفر، وإن مرّ بمرجو سأل، وبمخوّف استعاذ، يفعل ذلك بلسانه وبقلبه فيقول: سبحان الله نعوذ بالله، اللهم
ارزقنا اللهم ارحمنا.
وعن حذيفة قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فابتدأ بسورة البقرة فكان لا. يمر بآية عذاب إلا استعاذ ولا بآية رحمة إلا سأل ولا بآية تنزيه إلا سبّح، ثم إذا فرغ قال: ما كان يقوله عليه السلام عند ختم القرآن وهو: اللهم ارحمني بالقرآن العظيم واجعله لي إماماً ونوراً وهدى [373] ورحمة اللهم ذكرني منه ما نسيت وعلمني منه ما جهلت / وارزقني تلاوته آناء الليل والنهار واجعله لي حجة يا رب العالمين.
التاسع: في الجهر بالقراءة، يجهر به إلى حد يسمع نفسه فإن لم يفعل لم تصح صلاته إذا القراءة عبارة عن تقطع الصوت بالحروف، ولا بد من صوت وأقله ما يسمع نفسه.
وأما الجهر بأن يسمع غيره فمحبوب من وجه، ومكروه من وجه.
فالوجه المحبوب قوله عليه السلام: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته (3).
وقد سمع جماعة يجهرون بالليل فصوّب ذلك. ومر عليه السلام بثلاث من أصحابه مختلفي الأحوال مرّ على أبي بكر وهو يخافت القراءة فسأله عن ذلك فقال: إن الذي أناجيه هو
(1) سورة الفاتحة، الآية: 1. (2) سورة الفلق، الآية: 1.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول طبعة دار الحديث ص 432: رواه بنحوه بزيادة فيه. أبو بكر البزار ونصر المقدسي في المواعظ وأبو شجاع من حديث معاذ بن جبل وهو حديث منكر منقطع. (3/332)
صفحة 1189
قنطرة العبادة
يسمعني،
333
، فمرّ على عمر وهو يجهر فسأله فقال: أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان. ومر على بلال وهو يقرأ آية من هذه السورة وآية من هذه فسأله فقال: اخلط الطيب بالطيب فقال: «كلهم قد أحسن وأصاب (1).
وفي بعض كتب أصحابنا أنه أمر أبا بكر أن يجهر قليلاً وأمر. أن يخفض قليلاً، عمر
وأمر بلال إذا دخل السورة يتمها.
وأما الوجه المكروه فقوله عليه السلام فضل قراءة السر على العلانية كفضل صدقة
السر على العلانية» (2).
وقوله: «خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي (3).
وفي الخبر العام: يفضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفاً. وفي الخبر: لا يجهر بعضكم على بعض بين المغرب والعشاء» (4).
ووجه الجمع بين هذه الأحاديث / أن: الإسرار أبعد من الرياء والتصنع، فهو أفضل في [374] حق من يخاف ذلك وإلا فإن لم يشوّش بالجهر على غيره فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه أكثر وفائدته تتعدى إلى غيره، ولأنه يوقظ قلب القاراء، ويجمع همه إلى الفكر ويطرد النوم برفع الصوت، ويزيد في نشاطه، ويقلل من كسله، ويوقظ نائماً للصلاة، ويكون ذلك بسببه، ويشوّق إلى الخدمة بطالاً غافلاً، فمهما أحضره شيء من هذه النيات تضاعف أجره، وبكثرة النيات تركوا أعمال الأبرار.
(1) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (494/ 4) والمتقي الهندي في الكنز (16975)، وأبو داود في التطوع (267) والسيوطي في الدر المنثور (11/ 3). (2) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول طبعة دار الحديث ص 431: وفي لفظ آخر: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث عقبة بن عامر باللفظ الثاني. قال المحقق للإحياء طبعة دار الحديث صححه الألباني في صحيح
الجامع (3105).
ص
(3) قال الحافظ العراقي في المغني 431 المجلد الأول طبعة دار الحديث أخرجه أحمد وابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(2886)
(4) قال الحافظ العراقي في المغني طبعة دار الحديث ج 1 ص 431 رواه أبو داود من حديث البياض دون قوله: بين المغرب والعشاء». والبيهقي في الشعب من حديث علي قبل العشاء وبعدها، وفيه الحارث
الأعور وهو ضعيف. (3/333)
صفحة 1190
[375]
334
قنطرة العبادة
وإن كان في العمل الواحد عشر نيات كان فيه عشرة أجور، ولهذا كان قراءة المصحف أفضل إذ يزيد عمل البصر وتأمل المصحف وحمله، وقد قيل الختمة المصحف النظر في المصحف عبادة.
من
يسبع لأن
العاشر: تحسين القراءة من غير تمديد مفرط يغير النظم وروي أن النبي عليه السلام كان ينتظر عائشة فأبطأت فقال: «ما حبسك»؟
فقالت: كنت استمع قراءة رجل ما سمعت أحسن منه صوتاً، فقام حتى استمع إليه فقال: «ذلك سالم مولى حذيفة رضي الله عنه الحمد الله الذي جعل في أمتي
طويلاً ثم رجع مثله» (1)
واستمع أيضاً ذات ليلة إلى ابن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله أراد أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبده (2).
عنهم
فقال: «من
واستمع أيضاً إلى قراءة أبي موسى الأشعري وقال: «لقد أوتي هذا من مزامير آل داوده (3). وفي الخبر أن عمر رضي الله عنه قال لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فقرأ عليه حتى كاد وقت الصلاة يتوسط فقيل له: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة فقال: أولسنا في الصلاة إشارة إلى قوله: (وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ (4).
(?)
وقال عليه السلام من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل / كانت له نوراً يوم القيامة» وفي خبر آخر كتب له عشر حسنات (5).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول ص 433 طبعة دار الحديث: أخرجه أبو داود من حديث
عائشة ورجاله إسناده ثقات.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول طبعة دار الحديث أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى من حديث عمر والترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود أن أبا بكر وعمر بشراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن يقرأ الحديث قال الترمذي حسن صحيح. (3) حديث لقد أوتي هذا من مزامير آل داود متفق عليه من حديث أبي موسى قاله الحافظ العراقي في المغني في المجلد الأول ص. 433 طبعة دار الحديث. (4) سورة العنكبوت الآية: 45. (5). قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول طبعة دار الحديث ص 434: أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتب له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة» وفيه
ضعف وانقطاع. (3/334)
صفحة 1191
قنطرة العيادة
335
ومهما عظم أجر الاستماع وكان التالي هو السبب كان شريكاً في الأجر إلا إن كان قصده الرياء والتصنع والله أعلم.
الفصل الثالث: في إعمال الباطن في التلاوة (1)
وهي عشرة فهم أصل الكلام، ثم التعظيم، ثم حضور القلب، ثم التدبر، ثم التفهم، ثم التخلي عن موانع الفهم، ثم التخصص، ثم التأثر، ثم الترقي، ثم التبري. الأول: فهم عظمة الكلام وعلوه ولطف الله سبحانه في إيصاله إلى أفهام خلقه.
وعلو درجته.
عظمته
قال الغزالي: وقد عبر بعض العارفين عنه، وزعم أن كل حرف من كلام الله عز وجل في اللوح، أعظم من جبل قاف وأن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يقلوه لما طاقوا حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيقله بإذن الله ورحمته لا بقوته ولكن الله
قواه عليه.
قال الغزالي: ولولا تثبيت الله موسى عليه السلام لما أطاق سماع كلامه، كما لم يطق الحبل مباداء تجليه حيث صار دكاً.
قال: ولا يمكن أن يفهم عظمة الكلام إلا بمثله قال: ولقد تأنق بعض الحكماء في التعبير على اللطف وجه في إيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان مع قصور رتبته، وضرب له مثلاً قال: وذلك أنه دعى بعض الملوك إلى شريعة الأنبياء.
فقال: كيف يطيق الناس حمل كلام الله؟ قال الحكيم: إن الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب أو الطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها، ورأوها يقصر تمييزها عن فهم كلامهم على أنوار قلوبهم مع حسنه ونظمه وضعوا لها أصواتاً لائقة بها من النقر والتصفير والأصوات القريبة من أصواتها / لكي يطيقوا حملها، فكذلك الناس لما عجزوا [376]
عن فهم كنه كلام الله تعالى فصاروا بالأصوات المرتجعة بينهم يسمعون الحكمة المخبرة في كلامه تعالى، فكأن الصوت للحكمة جسداً ومسكناً والحكمة للصوت نفساً وروحاً، والله
أعلم.
الثاني: التعظيم للمتكلم وذلك إذا خطر بباله العرش والكرسي، والسموات والأرض
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي الإحياء المجلد الأول ص 434 طبعة دار الحديث. (3/335)
صفحة 1192
336
قنطرة العبادة
وما بينهما من المخلوقات وعلم أنه الخالق لجميعها، والقادر عليها وأنهم مترددون بين رحمته وسطوته، وأنه الذي يقول: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهذه غاية العظمة فالتفكر في مثل هذا يحقق تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام. الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس، قيل في التفسير: {يَا يَحْيى خُذِ الْكِتَابَ (1). أي بجد واجتهاد، فالجد أن يكون متجرداً له منصرف الهم إليه.
بقوة
وقيل لبعضهم: تحدث نفسك بشيء إذا قرأت القرآن؟ قال: أو شيء أحب إلي من القرآن أحدث به نفسي.
ويقال: إن في القرآن ميادين ويساتين ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ورياض، وخانات؛ فالميمات ميادين القرآن والراءات بساتينه والحامدات مقاصيره، والمسبحات عرائسه والحاميمات، ديابيجه والمفصل رياضه والخانات ما دون ذلك.
فإذا دخل القاراء في الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديباج وتنزه في الرياض، وسكن غرف الخانات استغرقه ذلك وشغله عما سواه، ففي القرآن ما يستأنس به إن كان التالي لذلك أهلاً فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزهات ومتفرجات والله أعلم.
الرابع: التدبر وهو من وراء حضور القلب؛ فإنه قد يحضر ولا يتدبر بل يقتصر على
[377] السماع، والمقصود من القراءة التدبر، قال الله تعالى: ليَدَّبَرُوا آيَاتِهِ (2) / في أمثالها. وقال علي: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها، وإنما سن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن والله أعلم، وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد، إلا
أن يكون خلف إمام.
وقد روي أن النبي عليه السلام: قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة (3)،
وإنما رددها ليتدبر في معانيها.
(1) سورة مريم، الآية: 12. (2) سورة ص الآية: 29.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول ص 437 طبعة دار الحديث رواه أبو ذر الهروي في
معجمه من حديث أبي هريرة بسند ضعيف. (3/336)
صفحة 1193
قنطرة العبادة
337
وعن أبي ذر قال: «قام بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بهذه الآية يرددها: إن تعذبهم فإنهم عبادك) (1) (2)
وقام تميم الداري بهذه الآية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) (3) إلى آخر الآية،
وقام سعيد بن جبير يردد هذه الآية: {وَأَمْتَارُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) (4)
وقال بعضهم: إني لأفتح السورة فيوافقني بعض ما أشهد فيها من الفراغ منها حتى يطلع الصبح، وقال بعضهم: كل آية لا أتفهمها، ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثواباً. وعن سليمان الدارني قال: إني لا أتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمساً ولولا إني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.
الخامس: التفهم وهو أن
يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل، وذكر أحوال أنبيائه وذكر أحوال المكذبين لهم، وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
أما صفاته تعالى فكقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (5) وقوله: (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ) (6) الآية.
فيتأمل معاني هذه الأشياء لينكشف له أسرارها ولهذا أشار علي بقوله: ما أسر إلي
رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كتمه على الناس إلا أن يؤتى الله عز وجل عبداً فهماً في كتابه. قال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليؤثر القرآن، واستقصاء شرح ما يتدبر
فيه لا نهاية له: (قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِذَ الْبَحْرُ) (7) الآية. وقد روي عن علي قال: / لو شئت أوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب.
(1) سورة المائدة، الآية: 118.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 437 طبعة دار الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه بسند
صحيح.
(3) سورة الجاثية، الآية: 21.
(4) سورة يس، الآية: 59 (5) سورة الشورى، الآية: 11. (6) سورة الحشر، الآية: 23. (7) سورة الكهف، الآية: 109.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 22
[378] (3/337)
صفحة 1194
قنطرة العبادة
والغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهم ليفتح بابه وأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فهم لما في القرآن، ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مَنْ عِنْدِكَ إلى قوله: أَوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (1).
والطوابع الموانع التي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله.
وقيل: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن أن كل ما يريد، ويتعرف فيه النقصان من المزيد، ويستغني بالمولى عن العبيد.
السادس: التخلي عن موانع الفهم، وإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن بأسباب، وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن. ولذلك قال النبي عليه السلام: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت (2). ومعاني القرآن من جملة الملكوت لأن كل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا
بنور البصيرة فهو من الملكوت.
وحجب الفهم أربعة أولها أن يكون القلب منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقرّاء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، فيكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف.
والثاني: علم مذهب سمعه تقليداً ولمثل هذا قالت المتصوّفة: إن العلم حجاب وأرادوا به العقاب التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد.
وأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف بنور البصيرة فلا يكون حجاباً؛ لأنه منتهى الطلب وهذا التقليد قد يكون باطلاً فيكون مانعاً كمن يعتقد في الاستواء على العرش الحلول والتمكن، وكذلك سائر ما لا يجوز اعتقاده في الله تعالى.
وقد يكون حقاً مانعاً أيضاً عن / الفهم والكشف؛ لأن الحق له مراتب ظاهراً وباطناً، فجمود الطبع على العلم الظاهر يمنعه الوصول العلم الباطن والله أعلم.
الثالث: أن يكون مصراً على الذنب أو متصفاً بكبراً وبهوى مطاع، فيكون ذلك ظلمة
(1) سورة محمد، الآية: 16. (2) قال الحافظ العراقي في المغني ج 3 ص 14 باب بيان خاصية قلب الإنسان طبعة دار الحديث: أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه قال محقق الإحياء أخرجه أحمد في مسنده (353/ 2) بنحوه وفيه علي بن زيد (ضعيف) وذكره الحافظ في غير موضع.
[rv 1] (3/338)
صفحة 1195
339
قنطرة العبادة على القلب كالخبث على المرآة وبه حجب الأكثرون فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة والرياضة للقلب بإزالة الشهوات مثل تصقيل المرآة.
ولذلك قال عليه السلام: إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزعت منهم هيبة
الإسلام (1).
وقد شرط الله تعالى في الفهم الإنابة والتبصرة، والتذكر فقال: تَبْصِرَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنيب (2) وقال: {وَما يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنيبُ) (3) وقال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا
الألباب
(1)
والذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب.
والرابع: أن يكون قرأ تفسيره ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن مجاهد وابن عباس وأن ما سوى ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ من النار، فهذا أيضاً من الحجب العظيمة، وسيأتي بيان التفسير بالرأي في الفصل الرابع
مقعده
إن شاء الله.
السابع:: التخصيص، وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهي والمأمور.
فما
سمع
وإن وعداً أو وعيداً فكمثل ذلك وإن سمع قصص الأولين علم أن ذلك ليعتبر به، قصة من في القرآن إلا مفيدة في حق النبي عليه السلام وأمته، ولذلك قال الله تعالى: لِنُتَبتَ بِهِ فُؤَادَك) (5).
فليقدر العبد أن الله سبحانه يثبت به فؤاده بما يقص عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الأذى وغير ذلك، وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما نزل للنبي / خاصة بل هو شفاء ورحمة [380]
للمؤمنين.
(1) ذكره الحافظ العراقي بزيادة في آخره: وإذا تركوا الأمر بالمعروف حرموا بركة الوحي، وقال: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلاً من حديث الفضل بن عياض قال: ذكره عن نبي.
(2) سورة ق، الآية: 8. سورة ة غافر، الآية: 13. (4) سورة آل عمران، الآية: 7.
(3)
(5) سورة الفرقان، الآية: 32. (3/339)
صفحة 1196
340
قنطرة العبادة
ولذلك أمر الله تعالى كافة الناس بذكر نعمة الكتاب فقال: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ) (1) الآية.
وقال: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلْنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) (2) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ): في أمثالها: قال الله تعالى: (وَأَوْحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (3).
(r).
وقال محمد بن كعب القرضي من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله فليقدر القاراء أنه المقصود بجميع ما في القرآن.
ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا بعهوده نتدبرها في
الصلوات، ونقف عليها في الخلوات ونتفقدها في الطاعات بالسنن المتبعات. وكان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن، إنَّ القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض.
قال قتادة: لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً) (4).
(E).
الثامن: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فتكون له بكل فهم حالة يتصف بها قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره فمهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فيتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة، فعند الوعيد وتقييده المغفرة بالشرط كقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (5)
فيتضاءل من خيفته كأنه كاد يموت. وعند التوسع ووعد المغفرة، يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر أسماء الله تعالى يتطأطأ خضوعاً لعظمته، وعند ذكر الكفار ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد يتكسر باطنه حياء من قبح مقالتهم، وعند ذكر الجنة ينبعث شوقاً إليها،
وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها.
(1) سورة البقرة، الآية: 231. (2) سورة محمد، الآية: 3.
(3)
سورة الأنعام، الآية: 19.
(4) سورة الإسراء، الآية: 82.
(5) سورة طه، الآية: 82. (3/340)
صفحة 1197
قنطرة العبادة
341
ولهذا قال عليه السلام لابن مسعود لما قرأ عليه فبكى: / حسبك (1). لأن تلك الحالة [381] استغرقت قلبه بالكلية.
ولقد كان من الخائفين من خرّ مغشياً عليه عند آيات الوعيد ومنهم من مات من سماع الآية، فبمثل هذه الأحوال يخرج عن أن يكون حاكياً في كلامه، وإذا قال: إني أخاف إن عذاب يوم عظيم فإذ لم يكن خائفاً كان حاكياً.
عصيت ربي
(Y),
وإذا قال: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) (3). ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكياً. وإذا قال: {وَلْنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَايتُمُونَا) (4) فليكن حاله الصبر والعزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة، وإلا كان حظه حركة اللسان
مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: ألا لعنة الله على الظالمين (5). وقوله: كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ (6). وقوله: (وهم في غفلة معرضون) (7). ومَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (8). في أمثالها. وكان داخلاً في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِيوْنَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِي) (9).
(7)
التلاوة المجردة.
يعني
وفي قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَى عَنْ ذِكْرِنَا) (10) الآية. وفي قوله: {وَكَأَيِّنِ مِن آيَةٍ فِي الْسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرَرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (11). لأن القرآن هو
(11)
(1) أطراف الحديث عند البخاري (441/ 6) ومسلم في العيدين (19) البيهقي في السنن (231/ 10) وابن حجر في الفتح (440/ 2، (445 والزبيدي في الإتحاف (355/ 5، 493/ 6، 551) والمتقي الهندي في كنز العمال (28473) والسيوطي في الدر المنثور (163/ 2) وأبو نعيم في الحلية (383/ 4).
(2)
سورة الأنعام، الآية: 15. (3) سورة الممتحنة، الآية: 60.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 12.
(5) سورة هود، الآية: 18. (6) سورة الصف، الآية: 3.
(v)
سورة الأنبياء، الآية: 1. (8) سورة الحجرات، الآية: 11.
(9) سورة البقرة، الآية: 78. (10) سورة النجم، الآية: 29. (11) سورة يوسف، الآية: 105. (3/341)
صفحة 1198
342
قنطرة العبادة
المبين لتلك الآيات في السموات والأرض ومهما تجاوزها ولم يتأثر فيها كان معرضاً
عنها.
ويقال: إن من لم يكن متصفاً بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله: مالك وكلامي
وأنت معرض عني، دع عنك كلامي إن لم تتب.
ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة كان أبعد من الاستهزاء، واستحقاق المقت.
ولذلك قال بعض السلف: إني لأهم بقراءة القرآن / فإذا تذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والاستغفار فالمعرض عن العمل به داخل في قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (1) الآية.
ولذلك قال عليه السلام: اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرأونه وفي بعضها: «فإذا اختلفتم فلستم تقرأونه وفي بعضها: «فإذا اختلفتم فقوموا عنه (2).
قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى قوله: إيمَاناً) (3).
وقال عليه السلام: «إن أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ علمت أنه يخشى الله عز وجل فالقرآن يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به وإلا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروف خفيفة (4).
وقال الغزالي: ولقد مات عليه السلام عن عشرين ألفاً من الصحابة، ولم يحفظ القرآن إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة وآل عمران من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله: {فَمَنْ
منهم
(1) سورة آل عمران الآية: 187. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 444 طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله البجلي في اللفظ الثاني دون قوله: «ولانت جلودكم».
(3) سورة الأنفال، الآية: 2. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 444) أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف.
أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (521/ 4).
[382] (3/342)
صفحة 1199
قنطرة العبادة
343
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ: فقال: يكفيني هذا فانصرف. وقال عليه السلام: «انصرف الرجل وهو فقيه (1).
وإنما العزيز أن الله
يمن عز وجل عليه بتلك الحالة على قلب عقيب فهم الآية، فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى فالتالي باللسان المعرض عن العمل جدير أن يكون هو المراد بقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا (2) الآية. إلى قوله: فَنَسِيتَها: أي تركتها ولم تنظر إليها وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى. فالمقصر في الأمر ناس
وتلاوة القرآن يشترك فيها اللسان، والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان مترجم والعقل موقظ والقلب متعظ.
التاسع: الترقي أعني أن يترقى العبد حتى كأنه يسمع الكلام من الله تعالى لا من نفسه،
فدرجات القراءة ثلاثة:
أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرأه / على الله تعالى، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه [383]
و مستمع منه فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال. الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه، ويناجيه بأنعامه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.
الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الأنعام به من حيث أنه منعم عليه، بل يكون مقصور الفهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره وهذه درجة المقربين، وما قبلها درجة أصحاب اليمين وما خرج من هذا فهو درجة الغافلين.
ص
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج. 445) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى وابن حبان والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر وقال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرثني
يا رسول الله ..... الحديث وفيه فأقرأه رسول الله و إذا زلزلت حتى فرغ منها فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبداً ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح الرويجل أفلح الرويجل ولأحمد والنسائي في الكبرى من حديث صعصعة. الفرزدق أنه صاحب القصة فقال:
أن لا أسمع غيرها. (2) سورة طه، الآية: 124.
عم
حسبي
لا أبالي (3/343)
صفحة 1200
344
قنطرة العبادة
وقال عثمان وحذيفة لو ظهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن قالوا: ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام.
قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين، وتمتعت به عشرين.
وبمشاهدة الكلام دون ما سواه يكون العبد ممتثلاً لقوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلهَا آخَرَ (1).
فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره، وذلك الشرك الخفي بل التوجه الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله تعالى.
العاشر: التبري، وأعني أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضى والتزكية، فإذا تلى آية الوعد والمدح للصالحين، فلا يشهد لنفسه عند ذلك، بل يشهد للموقنين والصديقين ويتشوق أن يلحقه الله بهم.
وإذا تلى آيات المقت، وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هنالك، وقدّر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً.
(2)
ولذلك كان ابن عمر يقول: اللهم إني استغفرك لظلمي وكفري.
قيل: هذا الظلم، فما بال الكفر؟ فتلى قوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) وقيل لبعضهم بماذا تدعو؟ قال: / بماذا أدعو، استغفر الله عز وجل من تقصيري
سبعين مرة.
فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في قراءته، كانت رؤيته سبب قربه، فمن أشهد البعد في القرب، لطف له في الخوف حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءه، ومن أشهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه. ومهما كان مشاهداً لنفسه بعين الرضى صار محجوباً بنفسه، فإذا جاوز حد الالتفات إلى
نفسه، ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته، انكشف له الملكوت.
(1) سورة الذاريات (الآيتان: 51 52).
(2) ذكر محقق الإحياء طبعة دار الحديث أن هذا الكلام الذي أورده المؤلف خالياً من السند فنسبته إلى ابن
عمر
لا نستطيع قولها. (3) سورة إبراهيم، الآية: 34.
[384] (3/344)
صفحة 1201
قنطرة العبادة
345
ولذلك قال بعضهم:: لما صليت العتمة، والوتر وكنت في الدعاء منه رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة، فما زلت انظر إليها حتى أصبحت.
وهذه غاية المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس وعدم الالتفات إلى هواها، ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف، فحيث يتلو آية الرجاء يغلب على حاله الاستبشار، فتنكشف له صورة الجنة، فكأنه يراها عياناً، وإن غلب عليه الخوف كوشف بصورة النار كأنه يرى أنواع عذابها، وذلك أن المسموع مختلف إذ فيه كلام راض، وكلام غضبان، وكلام منعم، وكلام منتقم، وكلام جبار متكبر لا يبالي وكلام رحيم حنان متعطف لا يهمل.
،
الفصل الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل (1)
فإن قيل: لقد عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن، وما ينكشف لأرباب القلوب الزاكية من معانيها فكيف يجوز ذلك؟ وقد قال عليه السلام: «من فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (2).
(2)
وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف في تأويل كلمات القرآن على
خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين وذهبوا إلى أنه كفر.
فإن صح ما قاله / أهل التفسير، فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره؟ وإن لم يصح [385] فما معنى قول النبي عليه السلام من فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مصيب في الإخبار عن حد نفسه، ولكنه مخطاء في رد كافة الخلق إلى درجته، بل الأخبار والآثار تدل على أن معاني القرآن متسعة لأرباب الفهم.
قال علي: إلا أن يؤتى الله عز وجل عبداً فهماً في القرآن.
وقال عليه السلام: إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً (3).
(1) هذا الفصل منقول من كتاب الإمام الغزالي الإحياء (ج 1 ص 447) طبعة دار الحديث. (2) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (526/ 4) الفتن في تذكرة الموضوعات (84). والشوكاني في الفوائد المجموعة (317) وابن عراق في تنزيه الشريعة (274/ 1) وهو عند الزبيدي في الإتحاف
(257/ 1، 526/ 4)
(3) أطراف الحديث في إتحاف السادة المتقين (65/ 2، 527/ 4). (3/345)
صفحة 1202
346
قنطرة العبادة
وقال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوهاً، وفي الخبر: لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوه كثيرة.
وترديد النبي عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم عشرين مرة لا يكون إلا لتدبره باطن معانيه وإلا فترجمة تفسيره ظاهرة، وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليؤثر القرآن.
وسبعين
وقال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم وقال آخرون: القرآن يحتوي على سبعة ألف علم ومائتي علم إذ لكل كلمة علم، ثم تتضاعف كذلك أربعاً لكل واحد ظاهر
وباطن وحد ومطلع.
وقول عليّ: لو شئت أوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب وتفسير ظاهرها في
غاية الاختصار.
وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله تعالى وصفاته وفي القرآن إشارة إلى
(2)
مجامعها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن والتمسوا غرائبه (1). فكل ما اختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن رموز إليه ودلالات يختص أهل الفهم بدركه. وقال ابن عباس في قوله: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ (2). قال: يعني الفهم في القرآن فكل هذا [386] يدل على أن في فهم القرآن مجالاً متسعاً وأن المنقول من ظاهر التفسير / ليس منتهى الإدراك. وأما نهيه عليه السلام عن تفسير القرآن بالرأي (3)، وقول أبي بكر رحمه الله: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأيي. إلى غير ذلك مما ورد في الآثار والأخبار في النهي عن تفسير القرآن بالرأي؛ فإنه لا يخلو أن يكون به الاقتصار على النقل المسموع دون الاستنباط والتفهم، أو المراد به أمر آخر فمحال قطعاً أن يراد به أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا
بما سمع لوجوه:
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 441 طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو يعلى الموصلي والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بلفظ «أعربوا» وسنده ضعيف. (2) سورة البقرة، الآية: 269. (3) قال الحافظ العراقي حديث النهي عن تفسير القرآن بالرأي غريب قاله في المغني (ج 1 ص 449) طبعة
دار الحديث. (3/346)
صفحة 1203
قنطرة العبادة
347
أحدها: يشترط أن يكون مسموعاً من النبي مسند إليه، وذلك لا يوجد إلا في بعض القرآن، وأما تفسير ابن عباس، وابن مسعود من قبل أنفسهم، فينبغي أن لا يقبل منهم، ويقال هو تفسير بالرأي؛ لأنهم لم يسمعوه من النبي عليه السلام وكذلك غيرهم من الصحابة والمفسرين. الثاني:: أن الفقهاء من الصحابة وغيرهم من المفسرين قد قالوا في تفسير الآيات بأقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينهما، فمحال أن تكون كلها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو صح في واحد لبطل الباقي، فصح أن كل مفسر قال بما ظهر له.
الثالث: أنه عليه السلام دعى لابن عباس فقال: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل (1). فلو كان تفسيره مسموعاً كالتنزيل فما معنى تخصيصه بذلك.
الرابع:: أنه تعالى قال: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (2). فأثبت الاستنباط للعلماء وهو وراء السماع فثبت بما ذكرنا تناقض هذه الشبهة التي أودد وبطل اشتراط السماع في التفسير وجاز لكل عالم أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وعقله.
وأما النهي فإنه يدل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وميل من هواه فيتأول القرآن على وفق مراده لتصح له بدعة، وهذا تارة يكون مع / العلم أنه ليس المراد بالآية ذلك الرأي، ولكن يلبس على خصمه. [387]
وتارة يكون مع الجهل إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى هواه ورأيه.
وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (3).
ويشير إلى قلبه وأنه المراد بفرعون وهذا يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة
(1) أطراف الحديث عند البخاري (48/ 1) ومسلم في فضائل الصحابة (138) وأحمد (266/ 1، 314، 327، 328، 335)، والعجلوني في كشف الخفا (220/ 1) والتبريزي في مشكاة المصابيح (6139) والسيوطي في جمع الجوامع (10039). والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (435/ 14) والزبيدي في الإتحاف (258/ 1، 532/ 4، (259/ 7، 647/ 9 والقرطبي في التفسير، (33/ 1، 18/ 4) والهيثمي في مجمع الزوائد (276/ 9)، والطبراني في المعجم الصغير ((197/ 1) وعند ابن أبي شيبة في المصنف (112/ 12)، والبيهقي في دلائل النبوة (192/ 6) وابن حجر في الفتح (170/ 1).
(2) سورة النساء، الآية: 83.
(3) سورة طه، الآية: 24. (3/347)
صفحة 1204
348
قنطرة العبادة
ترغيباً للمستمع، وتستعمله الباطنية يتأولوا القرآن على وفق مرادهم، وهم يعلمون قطعاً أنه غير مراد به، فهذا التفسير ممنوع وهو أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير سماع ولا نقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة، والمبدلة، والاختصار والحذف، والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم هذه المعاني وبادر إلى استنباط ذلك بظاهر العربية كثر غلطه، ودخل في جملة من يفسر القرآن بالرأي ولا بد من سماع التفسير أولاً ليتقي به مواضع ثم بعد ذلك يتسع الفهم.
الغلط
والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع فنون كثيرة، قال الغزالي (1): ونحن نرمز إلى جملة منها ليستدل بها على أمثالها ولا مطمع في ذلك إلا بإحكام ظاهر التفسير أولاً، وهذا كمن يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم، وهو لا يحسن لغة الترك فلا مطمع إلى الباطن إلا بفهم الظاهر أولاً؛ فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم ولا بد فيها من استماع فنون كثيرة منها الإيجاز بالحذف والإضمار كقوله: وَأَتَيْنَا ثَمُودَ الْنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بها) (2) معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها.
وقوله: (وَأُشْرِبُوا / فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ) (3). معناه: حب العجل فحذف. وقوله: إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (4). أي ضعف عذاب الأحياء
وضعف عذاب الموتى.
وقوله: (وَسَتْلَ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِير) (). أي أهل القرية وأهل العير. وقوله: ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (6). أي خفي علمها على أهل السموات والأرض، والشيء إذا خفي ثقل.
(1) ترددت هذه العبارة قال الغزالي وبما أنها توحي بأنها تدل على أنها تسبق استشهاداً من أقوال الغزالي على أقوال المؤلف فإن هذا الإيحاء في غير موضعه لأن الكلام من أول الفصل للإمام الغزالي وليس ما
يلي العبارة فقط وإن كان المؤلف اعتاد ذلك ولقد أشرنا في بداية الفصل أنه. من كتاب الإمام الغزالي.
(2) سورة الإسراء، الآية: 59.
(3) سورة البقرة، الآية: 93. (4) سورة الإسراء، الآية: 75.
(5) سورة يوسف، الآية: 82. (6) سورة الأعراف، الآية: 187.
[388] (3/348)
صفحة 1205
قنطرة العبادة
349
(1) ,
وقوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنكُمْ تُكَذِّبُونَ (1). أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب.
وقوله: {وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ (2). أي على السنة رسلك. وقوله: إنَّا أَنْزَلْنَاهُ) (3) يعنى القرآن.
وقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ). يعني الشمس ولم يسبق لها ذكرها. وقوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ما نعبدهم) (0). أي يقولون ما نعبدهم.
وقوله: (فَمَا لِهَؤلاَءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ (1) الآية.
معناه لا يفقهون ما يقولون.
ومَا أَصَابَكَ) الآية. ولولا هذا لكان مناقضاً لقوله: {قُلْ كُلِّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ (7). ولفهم منه مذهب القدرية.
ومنها المنقول المنقلب كقوله تعالى: {وَطُورِ سَنين. أي [طور] سيناء.
وقوله: سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِين. أي على إلياس، وقيل: إدريس؛ لأن في حرف ابن مسعود سَلَامٌ عَلَى إِدارَسِين. ومنها المكرر القاطع لوصل الكلام كقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ إلى قوله: إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّن (8). معناه
(^) ,
وقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ [شُرَكَاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّن) (9) {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ). معناه: لمن أمن من
الذين استضعفوا.
(1+) ,
(1)
سورة الواقعة، الآية: 82.
(2) سورة آل عمران، الآية: 194.
(3) سورة القدر، الآية: 1.
(4) سورة ص، الآية: 32. سورة الزمر، الآية: 3.
(0)
(6) سورة النساء، الآية: 78. (7) سورة النساء، الآية: 78.
(8) سورة يونس، الآية: 66.
(9) سورة يونس، الآية: 66. (10) سورة الأعراف، الآية: 75. (3/349)
صفحة 1206
350
قنطرة العبادة
ومنها المقدم والمؤخر كقوله: {وَلَوْلاً كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامَاً وَأَجَلٌ مسَمَّى (1). معناه: ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً.
وقوله: (يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ / عَنْهَا) (2) معناه: يسئلونك عنها كأنك حفي. وقوله: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) (3). فهذا الكلام غير متصل، وإنما هو عائد إلى قوله: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (4). كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. فصارت الأنفال لك إذ أنت راض بخروجك، وهم كارهون فاعترض بين الكلام الأمر بالتقوى وغيره.
ومنها المبهم وهو اللفظ المشترك بين معاني من كلمة أو حرف: أما الكلمة فالشيء والقرين والأمة والروح ونظائرها قال تعالى: {عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (5). يعني نفقه مما رزق. وقوله: أَحَدُهُمَا أَبكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ). أي الأمر بالعدل.
(A)
(6)
وقوله: {فَلَا تَسْتَلَنِي عَنْ شَيْءٍ). يعني من علم صفات الربوبية وهي العلوم التي لا يحل السؤال عنها، حتى يبتداء بها العارف. وقوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (8). أي من غير خالق فربما يتوهم به أنه يدل على أن لا يخلق شيئاً إلا من شيء.
وأما القرين فكقوله تعالى: (هَذَا مَا لَدَى عَتِيدٌ (9). أراد به الملك الموكل به.
(1) ,
وقوله: {وَقَالَ قَرِينَهُ رَبَّنَا مَا أَطغَيْتُهُ (10). أراد به الشيطان.
وأما الأمة فتطلق على ثمانية أوجه منها الجماعة أمة من الناس يسقون، ومنها اتباع الأنبياء نحن أمة محمد، ومنها رجل جامع للخير يقتدى به: وإِن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ. ومنها
(1) سورة طه الآية: 129. سورة الأعراف الآية: 187.
(2)
(3) سورة الأنفال، الآية: 3. (4) سورة الأنفال، الآية: 1. (5) سورة النحل، الآية: 75. (6) سورة النحل، الآية: 76. (7) سورة الكهف، الآية: 70. (8) سورة الطور، الآية: 35. (9) سورة ق الآية: 23. (10) سورة ق، الآية: 27.
[389] (3/350)
صفحة 1207
قنطرة العبادة
351
(1).
الدين: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) (1). ومنها الحين: إلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ}. {وَاذَكَرَ بَعْدَ والأمة القامة أيضاً، والأمة الإثم، والأمة رجل منفرد بالدين، ومنه يبعث زيد بن
أمة
(2)
عمرو أمة وحده.
والروح أيضاً ورد في القرآن على وجوه يطول ذكرها، وقد يقع الإبهام في الحرف: فَأَتَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (3). فالباء الأولى كناية عن حوافر الخيل الموريات، والثانية الإغارة وهي من: المغيرات صبحا / فَوَسَطنَ بِهِ جَمْع: جمع المشركين فأغاروا [390]
كناية عن
وقوله: فأنزلنا به: يعني بالسحاب. فأنبتنا به يعني بالماء. مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
وأمثال هذا في القرآن لا ينحصر، والقرآن كله غير خال من هذا الجنس؛ لأنه نزل بلغة العرب فكان مشتملاً على كلامهم من إيجاز، وتطويل وإضمار، وحذف، وإبدال، وتقديم، وتأخير، ليكون معجماً لهم ومعجزاً في حقهم.
فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية فبادر إلى التفسير من غير نقل ولا إحكام لهذه المعاني، فهو داخل في زمرة من فسر القرآن برأيه مثل أن يفهم من تفسير الأمة معنى واحداً مشهوراً فإذا لفظها في موضع آخر مال رأيه إلى الذي أولاً من مشهور معناها فإذا
سمع
سمع
حصل له السماع وعلم هذه الأمور فإنه يفهم ظاهر التفسير دون فهم حقائق المعاني.
(4)
•
ومثال ذلك قال الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامض فإنه إثبات للرمي ونفي له وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه ومن الوجه الذي لم يرم رمى الله تعالى.
وكذلك قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِبَهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ). فإذا كانوا هم القاتلون كيف يكون سبحانه هو المعذب، وإذا كان الله تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال؟ فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير وهو أن يعلم
(1) سورة الزخرف، الآية: 22.
(2) سورة يوسف، الآية: 45. سورة العاديات، الآيتان: 4، 5.
(3)
(4) سورة الأنفال، الآية: 17.
(5) سورة التوبة، الآية: 14. (3/351)
صفحة 1208
352
قنطرة العبادة
وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة ويفهم وجه ارتباطها بقدرة الله تعالى حتى ينكشف بعد
(1).
إيضاح علوم كثيرة غامضة صدق قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (1).
فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في ظاهر التفسير وظاهر التفسير لا يغني عنه والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق.
الباب الثاني
في أصناف الأدعية والأذكار الاستغفار (3)
الحمد الله الذي وسعت رحمته وشملت رأفته فدعا إلى طاعته الداني والقاصي، وعم إحسانه المطيع والعاصي، فرغبهم في الدعاء والسؤال وأفاض عليهم أنواع النعم والنوال فقال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. والصلاة على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأصحابه وخير أصفيائه وسلم كثيراً.
أما بعد فليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله بقلب منيب إليه، وخالص الأدعية بإحضار قلب متضرع إليه والاستغفار من كل سوء سلف منه لديه، ونحن
نشرح ذلك في ثلاثة فصول:
(1)
الأول: في الدعاء.
والثاني: في الذكر.
والثالث في الاستغفار والصلاة على النبي عليه السلام.
الفصل الأول في الدعاء وأنواعه وآدابه
وهذا الفصل يتوزع منه خمسة أقسام:
الأول: في فضيلة الدعاء قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي
وقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيه) (4) الآية.
سورة الأنفال، الآية: 17.
(2) هذا الباب مأخوذ من كتاب الإحياء للإمام الغزالي ج 1 ص 456 طبعة دار الحديث.
(3) سورة البقرة، الآية: 186.
(4) سورة الأعراف، الآية: 55.
الآية. (3/352)
صفحة 1209
قنطرة العبادة
353
وقال تعالى: (قُل أدْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ (1) الآية. {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لكم (2)
وعن النبي أنه قال: «الدعاء مخ العبادة (3).
وقال: «الدعاء هو العبادة (4) ثم قرأ: ادعوني أستجب لكم.
وقال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (5). وقال: «إن العبد لا يخطيه من إحدى ثلاث: إما ذنب يغفر له وإما خير يعجل له وإما خير يدخر له» (6).
(V),
وينشد:
الدعاء
وعن أبي ذر قال: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح. وقال عليه السلام اسئلوا الله من فضله وأفضل العبادة انتظار الفرج وإني لأدعو الله والأمر ضيق علي فما ينفك أن يتفرجا / وَرُبَّ فتى سدت عليه وجوهه أصاب لها في دعوة الله مخرجا القسم الثاني: في أدعية منتخبة من القرآن قال الله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ الْتَوَّابُ الرَّحِيمُ) (8). {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (9).
(1) سورة الإسراء، الآية: 110. (2) سورة غافر، الآية: 60.
(3) أخرجه الترمذي من حديث أنس وقال غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. قاله الحافظ العراقي في المغني ج 1 ص 471 طبعة دار الحديث.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني ج 1 ص 471 طبعة دار الحديث أخرجه أصحاب السنن والحاكم وقال صحيح الإسناد وقال الترمذي: حسن صحيح.
(6)
صحيح
الإسناد.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني ج 1 ص 471 طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وقال: غريب، وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال. قال الحافظ العراقي في المغني ج 1 ص 471 طبعة دار الحديث: أخرجه الديلمي في الفردوس من حديث أنس وفيه روح أخرجه ابن مسافر عن أبان بن عياش وكلاهما ضعيف، ولأحمد والبخاري في الأدب والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد إما أن تعجل له دعوته وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها».
(7) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 471 طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال حماد بن واقد ليس بالحافظ قلت ـ أي الحافظ العراقي - وضعفه ابن معين وغيره. (8) سورة البقرة، الآيتان: 127، 128).
(9) سورة البقرة، الآية: 201.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 23
[392] (3/353)
صفحة 1210
354
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبَتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (1)
قنطرة العبادة
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى
(2)
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (3) ..
رَبَّنَا إِبْنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (4).
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (5).
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (6).
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (8).
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا
(4) ,
سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (9).
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (10). رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ / أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ
لَدُنَّكَ نَصِيراً) (11).
(1) سورة البقرة، الآية: 250. (2) سورة البقرة، الآية: 286. (3) سورة آل عمران الآية: 8. (4) سورة آل عمران الآية: 16. (5) سورة آل عمران الآية: 38. (6) سورة آل عمران الآية: 53. (7) سورة آل عمران الآية: 147. (8) سورة آل عمران الآية: 191. (9) سورة آل عمران، الآية: 193. (10) سورة آل عمران، الآية: 194.
(11) سورة النساء، الآية: 75.
[393] (3/354)
صفحة 1211
قنطرة العبادة
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ()
رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (3).
355
أَنتَ وَلِيْنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
(1) ,
الْآخِرَةِ إِنَّا هُدَانَا إِلَيْكَ (4).
فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَالْحِقْنِي
بالصَّالِحِينَ (0).
ورَبِّ اجْعَلَنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (6).
رَبِّ ادْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَّدُنكَ سُلْطَاناً
نصيراً) (7).
رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيْءٌ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً) (8).
رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (9).
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (10). ورَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (11)
(1) سورة الأعراف الآية: 23. (2) سورة يونس، الآيتان: 85، 86. (3) سورة الأعراف الآية: 89 (4) سورة الأعراف، الآية: 155. (5) سورة يوسف، الآية: 101. (6) سورة إبراهيم، الآيتان: 40، 41. (7) سورة الإسراء، الآية: 80.
(8) سورة الكهف، الآية: 10.
(9) سورة الفرقان، الآية: 65. (10) سورة الفرقان، الآية: 74. (11) سورة الأنبياء، الآية: 89. (3/355)
صفحة 1212
قنطرة العبادة
356
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري (1)
رَبِّ أَنْزِلْنِي منزلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (2).
رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (3)
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَأَجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي
(4)
مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (1). رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتِكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ (5) وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (6).
(1) ,
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي / مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (3).
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا
إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (8).
رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (9).
رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ورَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
(11)
الاتباراً) (11).
(1) سورة طه، الآية: 25.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 29. (3) سورة المؤمنون، الآيتان: 97، 98. (4) سورة الشعراء، الآيات: 83، 84، 085 (5) سورة الأحقاف، الآية: 15.
(6) سورة النمل، الآية: 19. (7) سورة الأحقاف، الآية: 15. (8) سورة الحشر، الآية: 10. (9) سورة الممتحنة، الآية: 4. (10) سورة التحريم، الآية: 8. (11) سورة نوح، الآية: 28.
[394] (3/356)
صفحة 1213
قنطرة العبادة
357
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
العالمين.
القسم الثالث: في أدعية مستحسنة
اللهم صل على محمد، وعلى من صلح من آل محمد وبارك على محمد، وعلى من صلح من آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد
مجيد.
اللهم اجعلنا ممن صدقه بتوفيقك واتبعه بإرشادك وتسديدك وأمتنا على ملته بنعمتك، وأحشرنا في زمرته برحمتك.
اللهم بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا، وفي كنفك أصبحنا وأمسينا، أنت الأول فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، نعوذ بالله من الفشل والكسل ومن عذاب القبر ومن
فتنة الغنى والفقر.
اللهم نبهنا لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملنا بطاعتك في أيام المهلة، وانهج لنا إلى
محبتك طريقاً سهلة.
اللهم اجعلنا ممن آمن بك فهديته، وتوكل عليك فكفيته، وسألك فأعطيته، وتضرع
إليك فرحمته.
اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من
كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وقلباً خاشعاً ولساناً صادقاً وعملاً زاكياً وإيماناً / خالصاً وأن تهب لي إنابة المخلصين، وخشوع، المخبتين وأعمال الصالحين، ويقين [395] الصديقين، وسعادة المتقين ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل، وأحلم من نسألك أن تهب لي جزيل عطائك والسعادة بلقائك والفوز بجوارك والمزيد من آلائك وأن تجعل لنا نوراً في حياتنا، ونوراً في مماتنا ونوراً في قبورنا، ونوراً في محشرنا، ونوراً نتوسل به إليك، ونوراً نفوز به لديك، فإنّا ببابك سائلون، ولنوالك متعرضون، ولأفضالك
عصي،
راجون.
اللهم
اهدنا إلى الحق، واجعلنا من أهله، اللهم اجعل شغل قلوبنا بذكر عظمتك، وأفرغ (3/357)
صفحة 1214
قنطرة العبادة
358
أبداننا في شكر نعمتك وانطق ألسنتنا بوصف منتك، وقنا نوائب الزمان، وصولة السلطان، ووساوس الشيطان، واكفنا مؤنة الاكتساب وارزقنا بغير حساب.
اللهم اختم بالخير آجالنا، وحقق بالرجاء أعمالنا، وسهل في بلوغ رضاك سبلنا، وحسن في جميع الأحوال أعمالنا.
اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء، اللهم اقسم لنا من الدنيا ما تعصمنا به من فتنتها وما تغنينا به عن أهلها، واجعل في قلوبنا من السلو عنها، والمقت لها، والزهد فيها، والبصر بعيوبها مثل ما جعلت في قلوب من فارقها زهداً فيها من أوليائك المخصلين، وأصفيائك المعصومين.
اللهم إليك نشكو قساوة قلوبنا وجمود أعيننا، وطول، آمالنا، واقتراب آجالنا، وكثرة ذنوبنا، فنعم المشكو إليه أنت فارحم ضعفنا وارحم تضرعنا واعطنا لمسكنتنا، واغفر لنا ما قدمنا، وأخرنا، وأسررنا، وأعلنا وما أنت أعلم به منا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا.
/ اللهم لا بد لنا من لقاءك، فاجعل عند ذلك عذرنا مقبولاً، وخطأنا محمولاً، وذنبنا مغفوراً، وحظنا موفوراً، وسعينا مشكوراً.
اللهم إن لنا إليك حاجة، وبنا إليك فاقة، فما كان منا من تقصير فأجبره بسعة عفوك
وتجاوز عنه بفضل رحمتك، واقبل منا ما كان صالحاً وأصلح منا ما كان فاسداً. اللهم أصبح ذلنا مستجيراً بقوتك، وخوفنا مستجيراً بأمنك، وظلمنا مستجيراً بعفوك،
أعذنا
وجهلنا مستجيراً بحلمك، اللهم اجعل خوفنا كله منك، ورجاءنا كله فيك. اللهم إنا نسألك النصرة والعصمة والرحمة والنعمة ونعوذ بك من المحنة والفتنة، اللهم من وجوب سخطك، وحلول نقمتك، وزوال نعمتك اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا غمّاً إلا فرجته ولا كرباً إلا كشفته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عدواً إلا كفيته، ولا عيباً إلا أصلحته ولا مريضاً إلا أشفيته، ولا غائباً إلا أدنيته ولا خلة إلا سددتها، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها منفعة إلا قضيتها في يسر
وعافية.
لنا منه.
منك
اللهم اجعل في الموت خير غائب ننتظره، والقبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيراً
[396] (3/358)
صفحة 1215
قنطرة العبادة
359
اللهم نور قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وآنس وحشتنا وآمن روعتنا، وابعثنا آمنين من عقابك موقنين بثوابك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت، ووسع لنا فيما رزقت، وبارك لنا فيما أعطيت وحبب إلينا طاعتك وارزقنا العون على عبادتك، والحفظ / بكفايتك والعزة بولايتك.
واغفر لنا ولمن صلح من آبائنا وأزواجنا وذرياتنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وامنن علينا وعليهم بالهداية والغفران والرضى والرضوان.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين واجعلنا أهل بيت صالحين، وأئمة متقين، واغفر لنا ولعامة المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات والصلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وعلى جميع
ولمحمد بن حازم الباهلي:
أيا من لا يخيب عليه راج ولم يبرمه إلحاح المناج ويا ثقتي على سرفي وظلمي وإيثار التمادي في اللجاج
آخر:
أقلني عثرتي وتلاف أمري وهب لي منك عفواً واقض حاجي الي غير إقراري وعلمي بعدلك حجة يوم احتجاجي
[397]
آخر: يا رب إني راغب أدعو وأرجو نفلك أنت حفي لمن تحب دعوة راج أملك فاعطني من سعتك يا من تعالى جلك سبحانك اللهم ما أجل عندي مثلك القسم الرابع: في أدعية منسوبة إلى الأنبياء والصالحين مما يستحب أن يدعو بها الإنسان صباحاً ومساء، وبعقب كل صلاة:
فمنها دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر، قال ابن عباس: بعثني العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو في بيت خالتي ميمونة فقام يصلي في الليل، فلما صلى الركعتين قبل صلاة الفجر عندك اللهم إني أسألك رحمة من. تهدي بها قلبي وتجمع بها شملي وتلم بها / شعثي [398]
قال:
وترد بها العين عني وتحفظ بها غائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتبيض بها وجهي وتبلغني بها رشدي وتعصمني بها من كل سوء اللهم اعطني إيماناً صادقاً ويقيناً ليس بعد كفر (3/359)
صفحة 1216
360
قنطرة العبادة
ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء والنصرة على الأعداء مرافقة الأنبياء.
اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن ضعف رأيي وقصر عملي وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ومن دعوة
الثبور ومن فتنة القبور.
اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملي ولم تبلغه نيتي وأمنيتي من خير وعدته أحداً من عبادك أو خيراً أنت معطيه أحداً من خلقك فإني راغب إليك فيه وأسألكه يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين حرباً لأعدائك سلماً لأوليائك نحب بحبك النار ونعادي بعداوتك من خالفك من
خلقك.
اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ذي الحبل الشديد والأمر الرشيد أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود الركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وأنت تفعل ما تريد سبحان الذي تعطف بالعز وقال به سبحان الذي لبس المجد وتكرم به [399] سبحان الذي / لا ينبغي التسبيح إلا له سبحان ذي الفضل والنعيم سبحان ذي العزة والكرم سبحان الذي أحصى كل شيء علمه (1).
اللهم اجعل لي نوراً في قلبي ونوراً في قبري ونوراً في سمعي ونوراً في بصري ونوراً في لحمي ونوراً في دمي ونوراً في عظمي ونوراً في مخي ونوراً في عصبي ونوراً يسعى بين يدي ونوراً من أمامي ونوراً من خلفي ونوراً عن يميني ونوراً عن شمالي ونوراً من فوقي ونوراً
من تحتي (2).
(1) أطراف الحديث عند الترمذي (3419) وابن حجر في الفتح (118/ 11) والزبيدي في الإتحاف (63/ 5) والقاضي عياض في الشفاء (176/ 1) والمتقي الهندي في كنز العمال، (4987)، (4988)، وابن حبان في المجروحين (230/ 1) وفي مناهل الصفا (12) وعند الذهبي ميزان الاعتدال (2633) وعند ابن حزيمة في صحيحه (1119) وابن عساكر في تهذيب التاريخ (207/ 5)، والكامل لابن عدي في الضعفاء
(957/ 6)
(2) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن (29/ 3) والمتقي الهندي في الكنز (3608) والبخاري في الأدب المفرد (396). والزبيدي في الإتحاف (65/ 5، 958/ 7). (3/360)
صفحة 1217
قنطرة العبادة
361
اللهم زدني نوراً واعطني نوراً واجعل لي نوراً (1).
عائشة وعن
رضي
الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم أعوذ بك من الكسل والهرم
والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من النار ومن فتنة النار وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر وشر فتنة المسيح الدجال اللهم اغسل خطايانا بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب».
وعن أنس أنه عليه السلام كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال (2).
أسألك
من
وعنه عليه السلام قال لعائشة: عليك بالجوامع الكوامل قولي: اللهم إني الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل وأسألك من الخير ما سألك به عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأستعيذك مما استعاذك به عبدك ورسولك محمد / ه وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته [400] رشداً برحمتك يا أرحم الراحمين
(3)
وعن عيسى عليه السلام كان يعلم أصحابه يقول: لو كان على أحدكم جبل ذهب ديناً ثم دعى بذلك قضاه الله عنه: اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها أنت فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (486 طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وقال غريب ولم يذكر في أوله بعث العباس لابنه عبد الله ولا نومه في بيت ميمونة وهو بهذه الزيادة في الدعاء للطبراني. (2) أطراف الحديث عند البخاري (23/ 4، 199/ 72 (97/ 8 1 (98) والنسائي (257/ 8، 280) والترمذي (3484)، (3503) وأبو داود (1541، (1546) وأحمد (159/ 3، 220، 226، 240) والبيهقي (304/ 6 125/ 9) والحاكم في المستدرك (533/ 1) والشجري في الأمالي (227/ 1) والبخاري في الأدب المفرد (801) وابن حجر في الفتح (554/ 9، (173/ 11، (178) والتبريزي في المشكاة (2458)، والمتقي الهندي في الكنز (3693، 3763، (3821 وتفسير القرطبي (416/ 3) والزبيدي (100/ 5) في الإتحاف والمنذري في الترغيب (614/ 2) والبغوي في شرح السنة (155/ 5، 24/ 11) والسيوطي في جمع الجوامع (9580 (9688)، والبيهقي في دلائل النبوة (228/ 4) وعند ابن أبي شيبة في المصنف (192/ 10) وفي سنن سعيد بن منصور (قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (487) أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه من حديثها.
(3)
(2676) (3/361)
صفحة 1218
362
قنطرة العبادة
وروي أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض طاف بالبيت سبعاً وصلى حذاء الملتزم ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي وأسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وارضني بقضائك.
ذريتك،
وفي رواية بما قسمت لي فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك ولم يأت أحد من ويدعونني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت له وكشفت غمومه، وهمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وأتجرت له من وراء كل تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها.
فافتحه
دعاء الخليل عليه السلام كان يقول إذا أصبح: اللهم إن هذا خلق جديد علي بطاعتك، واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تتقبلها مني وزكها وضاعفها لي، وما عملت فيه من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود كريم، قال: فمن دعى بهذا الدعاء فقد أدى شكر يومه.
دعاء عيسى عليه السلام كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك [401] أنفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت / مرتهناً بعملي فلا فقير أفقر مني.
اللهم
لا تشمت.
بي
عدوي ولا تسوء بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل
ولا تسلط علي من لا يرحمني.
الدنيا أكبر همي دعاء الخضر عليه السلام يقال أنَّ الخضر وإلياس عليهما السلام إذا التقيا في كل موسم لم يفترقا إلا عن هذه الكلمات: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة من الله، ما شاء الله الخير كله بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، فمن قالها ثلاث مرات إذا أصبح أمن من الحرق والغرق والسرق.
وروي عن ابن عمر أنه دعا فقال: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك. ومن طاعتك ما تبلغنا به رحمتك ومن اليقين ما تهون علينا به مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث، منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا منتهى علمنا ولا تسلط علينا يرحمناه (1)
من
(1) أطراف الحديث عند الترمذي (3502) والحاكم في المستدرك ((528/ 1، (142/ 2) والتبريزي في مشكاة المصابيح (2492) والعجلوني في كشف الخفا (221/ 1) والسيوطي في جمع الجوامع (9851) = (3/362)
صفحة 1219
[402]
363
قنطرة العبادة
بالطاعة.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أعنا على الدنيا بالقناعة وعلى الدين
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: أغننا بالافتقار إليك ولا تفقرنا بالاستغناء عنك. وعن عمار أنه دعا فقال: اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحييني ما كانت الحياة خير لي وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي. اللهم إني أسألك كلمة الإخلاص في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنا، وخشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك الرضا بالقدر، وأسألك نعيماً لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع ولذة العيش / بعد الموت شوقاً إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء ومن فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة القرآن، وألبسنا لباس التقوى واجعلنا هداة مهتدين، ولا تجعلنا ضالين
ولا مضلين.
وعن أم معبد أنها دعت فقالت: اللَّهم طَهِّر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق،
لا
وعملي من الرياء، وبصري من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولبعض الشعراء يقال أنها لابن الخطيب، وقد استعطف فلما طال به السجن يئس فقال: يا من يرى ما في الضمير فيسمع ويرى فلا يخفى عليه موضع تسلمني حيث أسلمني الورى فإليك بالشكوى يفر الموجع يا رب إنك قلت أدعوني أجب فأجب فإني راغب متضرع يا رب قد جهد البلاء وشقني وتضايقت حالي وأنت المفزع يا رب كيف تضيق عني رحمة هي من ذنوب الخلق طرأ أو
سمع
ولبعضهم: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلم الليل البهيم الأليل ويري منابت شعرها في نحرها والمخ في تلك العظام النحلُ ويرى دبيب النمل في دق الصفا كل بتقدير العزيز الأفضل فامنن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول
والبغوي في شرح السنة (174/ 5) والمتقي الهندي في الكنز (3615، 3764) والشجري في الأمالي (238/ 1) والزبيدي في الإتحاف (78/ 5، 186/ 6) وابن السني في اليوم والليلة (440) والسيوطي في الدر المنثور (127/ 6) وابن حجر في الكشاف (93). وابن المبارك في الزهد (144). (3/363)
صفحة 1220
364
آخر:
قنطرة العبادة
أدعوك ربي لأمر أنت تعلمه كفى بعلمك فيما فيه ابتهل فارحم إنابة عبد ليس مفزعه إلا إليك إذا ضاقت به الحيل واصرف هواي عن الدنيا ولذتها فإنني طال ما قد غرّني الأمل
وعن أبي الدرداء أنه قال: من قال كل يوم سبع مرات: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [403] الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَلَّتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (1). / كفاه الله ما يهمه من أمر
آخرته.
ربي
وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال هذه الكلمات ليلا أو نهاراً لم يضره شيء: اللهم أنت لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم».
القسم الخامس: في أدعية مستحسنة عند أوقات مخصوصة وأفعال مخصوصة محذوفة
الأسانيد:
(2)
منها عند إسباغ الوضوء (2) يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، يقال: من قالها فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء».
محمداً
ومنها إذا خرج إلى المسجد فليقل: اللهم اجعل لي في قلبي نوراً، واجعل في لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل خلفي نوراً، وأمامي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً واجعل فوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأعطني نوراً (3). اللهم إني أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت إتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تنقذني
(1) سورة التوبة، الآية: 129.
(2) أطراف الحديث عند مسلم في الصلاة (131) والطبراني (181/ 1) وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 1) وأحمد (19/ 1، 35، (265 والزبيدي في الإتحاف (10/ 5) وابن حجر. في الفتح (315/ 2) والمتقي الهندي في الكنز (139، 3724 (3898 وابن الجوزي في العلل (351/ 2).
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 499 طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس. (3/364)
صفحة 1221
قنطرة العبادة
من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (1).
365
ومنها عند الآذان قال عليه السلام: «قولوا»، قالوا: فماذا نقول؟ قال: «قولوا اللهم
نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة».
دعاتك وحضور صلواتك اغفر لي (2).
وقال لأم سلمة: قولي عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات
وكان إذا سمع الآذان قال: «اللهم
رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها
دعوة الحق وكلمة / الإخلاص أحيني عليها وتوفني عليها واجعلني من صالح أهلها [404]
عملا (3).
وقال: «من قال حين سمع النداء اللهم. رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم ا القيامة (4). وقيل: «من قال إذا سمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً غفر له ذنبه (ه).
ومنها إذا خرجت من المنزل فقل: الله رب أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أجهل أو
يجهل عليّ.
بسم
وعن أنس بن مالك قال: إذا خرج الرجل من منزله، فقال: «بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قيل له: حسبك هديت ووقيت وكفيت».
ومنها إذا أراد دخول المسجد فليقل: اللهم صلّ على محمد وسلم واغفر لي ذنوبي
(1) من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد حسن قاله الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 499) طبعة دار
الحديث.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 504) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وأبو داود وقال غريب والحاكم من حديث أم سلمة دون قوله: وحضور صلواتك فإنها عند الخرائطي في مكارم الأخلاق والحسن بن علي المعمري في اليوم والليلة. قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث أخرجه الحاكم (199/ 1) وصححه ووافقه الذهبي والترمذي (3589) وقال: حسن غريب. (3) أورد ابن السني في عمل اليوم والليلة (96). (4) أطراف الحديث عند البخاري (159/ 1، 108/ 6) أحمد (302/ 3) (354) وابن أبي حاتم في علل
الحديث (2011) والمتقي الهندي في الكنز (20983، 21016، 21019، 21020، 11022). (0) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (42/ 1) والدولابي في الكنى والأسماء (46/ 1). (3/365)
صفحة 1222
366
قنطرة العبادة
وافتح لي أبواب رحمتك (1). ويقدم رجله اليمنى، فإذا فرغ من الصلاة فليقل: «اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام (2) ويدعو بما شاء الله.
(Y),
ومنها إذا قام من المجلس فليقل: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (3). يقال: هذا الدعاء كفارة للغو المجلس.
ومنها إذا دخل السوق فليقل: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد
يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير
(4)
بسم
الله اللهم إني أسألك. هذا السوق وأعوذ خير
[405] بك من الكفر والفسوق، اللهم إني أعوذ بك / من شرها ومن شر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يميناً فاجرة أو صفقة خاسرة)، فإن كان عليه دين فليقل: «اللهم اغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك (6).
ومنها إذا لبس ثوباً جديداً فليقل: اللهم كسوتني هذا الثوب فلك الحمد أسألك خيره
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 500 طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الترمذي: حسن وليس إسناده بمتصل ولمسلم من حديث أبي حميد وأبي أسيد إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وزاد أبو داود في أوله فليسلم
على النبي. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 501 طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث
ثوبان.
ص
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (496 أخرجه البيهقي في الدعوات من حديث علي وفي (ج 1 501) أخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث رافع بن خديج بإسناد حسن قال المحقق في اليوم والليلة (428: 430). وهو صحيح. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 501 طبعة دار الحديث من حديث عمرو قال غريب والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث: بل هو ضعيف ذكره الألباني في ضعيف الجامع (3496) قلنا غير أنه ورد به زيادة في آخره لم ترد هنا وهو حي
وهو على كل شيء قدير».
لا يموت
(5) قال الحافظ العراقي في (ج 1 ص 501 طبعة دار الحديث). أخرجه الحاكم من حديث بريدة وقال أقربها لشرائط هذا الكتاب حديث بريدة. قلت - أي الحافظ العراقي - فيه أبو عمر جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان الأسدي مختلف فيه. (1) قال الحافظ العراقي (ج 1 ص 502 أخرجه الترمذي وقال حسن غريب والحاكم وقال. من حديث علي بن أبي طالب.
صحيح
الإسناد (3/366)
صفحة 1223
قنطرة العبادة
وخيره ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له (1).
367
ومنها إذا رأى شيئاً من طيرة يكرهه فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله (2).
(Y),
ومنها إذا رأى الهلال فليقل بعد التكبير ثلاثاً: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله جعلك الله هلال رشد وخير آمنت بخالقك، اللهم اجعله هلالاً مباركاً، اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وخير القدر وأعوذ بك من شر يوم
الحشره (3).
ومنها إذا رأى الريح هاجت من ليل أو نهار يقول: «اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت إليه وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت إليه (4). ومنها إذا مات ميت فليقل: «إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم اكتبه في المحسنين واجعل كتابه في عليين واخلف على عقبه في الغابرين، اللهم لا تحرمنا أجره ولا
تفتنا بعده.
ومنها إذا تصدق فليقل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العليمُ) (5).
(1) قال الحافظ العراقي (ج 1 ص (502 طبعة دار الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن والنسائي في اليوم والليلة من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه ابن السني بلفظ المصنف، قال محقق الإحياء - سيد إبراهيم ـ أخرجه النسائي 306 عمل اليوم والليلة وأبو داود (4020) والحاكم (192/ 4) وصححه ووافقه الذهبي وأحمد (30/ 3) وغيره وهو صحيح.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة وأبو نعيم في اليوم والليلة والبيهقي في الدعوات من حديث عروة بن عامر مرسلاً ورجاله ثقات وفي اليوم والليلة لابن السني عن عقبة بن عامر فجعله مسنداً. قاله الحافظ العراقي (ج 1
ص 502).
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (522) طبعة دار الحديث أخرجه الدارمي من حديث ابن عمر إلا أنه أطلق التكبير ولم يقل ثلاثاً» ورواه الترمذي وحسنه من حديث طلحة بن عبيد الله دون ذكره التكبير، وللبيهقي في الدعوات من حديث قتادة مرسلاً. كان النبي إذا رأى الهلال كبر: ثلاثاه. وذكره الألباني في الصحيحة (1816). (4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 502 طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح والنسائي في اليوم والليلة من حديث أبي بن كعب. قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث: أخرجه النسائي في اليوم والليلة (933) وأحمد (123/ 5) والبخاري في الأدب المفرد (719) والترمذي
(242/ 3) وقال: حسن صحيح.
(5) سورة البقرة، الآية: 127. (3/367)
صفحة 1224
368
قنطرة العبادة
ومنها إذا خسر فليقل: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبَدِ لَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ
(r)
(1)
ومنها إذا أمر فليقل: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً) (2). رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّر لِي أَمْرِي ومنها إذا نظر إلى السماء فليقل: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ [406] النَّارِ) (4) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا / سِرَاجاً وَقَمَراً منيراً) (5). ومنها إذا سمع الرعد فليقل: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته (6).
ومنها إذا رأى صاعقة فليقل: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك» (7). ومنها إذا مطرت السماء فليقل: اللهم سيباً هنيئاً، وصيباً نافعاً، اللهم اجعله صيد رحمتك ولا تجعله سبب عذابك» (8).
ومنها إذا غضب فليقل: اللهم اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي، وأجرني من الشيطان
الرجيم (1).
ومنها إذا خاف قوماً فليقل: اللهم اردد كيدهم في نحورهم ونعوذ بك من
شرورهم (10).
(1) سورة القلم، الآية: 32. (2) سورة الكهف، الآية: 10. (3) سورة طه، الآيتان: 25، 26. (4) سورة آل عمران، الآية: 191. (5) سورة الفرقان، الآية: 61.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 503) طبعة دار الحديث: أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن الزبير موقوفاً ولم أجده مرفوعاً.
(7) قال الحافظ في المغني (ج 1 ص 503). أخرجه الترمذي وقال غريب والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن عمر وابن السني بإسناد جيد. وقال محقق الإحياء ضعيف وفي الإسناد علتان وذكر الألباني في الضعيفة (1042). (8) قال الحافظ العراقي في المغني (503/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن ماجه «سيبا» بالسين في أوله. والنسائي في اليوم والليلة اللهم اجعله صيبا هنيئاً». وإسنادهما صحيح.
(9) قال الحافظ العراقي في المغني (503/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه ابن السني في اليوم والليلة من
حديث عائشة بسند ضعيف.
(10) قال الحافظ العراقي في المغني (503/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة:
= (3/368)
صفحة 1225
قنطرة العبادة
369
ومنها إذا غزى فليقل: «اللهم أنت عضدي ونصري وبك أقاتل (1).
ومنها إذا طنت أذنه فليقل: اللهم صل على محمد ذكر الله من ذكرني
ومنها إذا رأى إجابة الدعاء فليقل: الحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات، وإذا أبطأت فليقل: الحمد الله على كل حال.
ومنها إذا أصابه هم فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك ماض في حكمك
من
نافذ في قضاؤك أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابه، أو أعطيته أحداً. خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري،
وجلاء عماي، وذهاب حزني وهمي
فرجا.
(r),
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحداً حزن فقال ذلك إلا أذهب الله هَمَّه وأبدل الله مكانه
ومنها إذا وجد وجعاً في جسده أو جسد غيره فليرقه برقية النبي، كان إذا اشتكى الإنسان قرحاً أو جرحاً وضع سبابته على الأرض ثم رفعها وقال: «بسم الله تربة أرضنا برقية بعضنا تشفي به سقيمنا بإذن الله) (4).
ومنها إذا وجد وجعاً في جسده فليضع يده / على موضع الوجع وليقل: «بسم الله [407] ثلاثاً، وليقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».
:
ومنها إذا أصابه كرب فليقل (5): «لا إله إلا الله العلي الحليم، لا إله إلا الله رب العرش
من حديث أبي موسى بسند ضعيف.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (503/ 1). طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أنس قال الترمذي: حسن غريب.
(2)
قال الحافظ العراقي في المغني (504/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني وابن عدي وابن السني في اليوم والليلة من حديث أبي رافع بسند ضعيف. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (504/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود وقال صحيح على شرط مسلم ان سلم من إرسال عبد الرحمن عن أبيه فإنه مختلف في سماعه
عن أبيه.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (504/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث عائشة. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (504/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث عثمان بن أبي قناطر الخيرات/ ج 3/ م 24
العاص. (3/369)
صفحة 1226
370
قنطرة العبادة
العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض رب العرش الكريم (1).
ومنها إذا أراد النوم: «فليتوضأ أولاً ثم يتوسد يمينه مستقبلا القبلة، ثم يكبر أربعاً وثلاثين وثلاثين ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين (3). ثم يقول: «أعوذ برضاك من سخطك ويسبح
ثلاثاً
(Y),
وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك، اللهم لا أستطيع ثناء عليك ولو حرصت أنت كما أثنيت على نفسك (3). اللهم باسمك أحيى وأموت (4)، اللهم رب السموات ورب الأرض ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومُنزّل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر). اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك محياها ومماتها، اللهم إن أمتها فاغفر لها وإن أحييتها فاحفظها اللهم إني أسألك العافية [في الدنيا والآخرة] (6) «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فاغفر لي ذنبي، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة منك، ولا منجأ ولا ملجأ منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت (9) ـ ويكون هذا آخر دعائه ..
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (504/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 505 طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث علي. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1) أخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث علي وفيه انقطاع. قال محقق الإحياء: جاء بسند متصل صحيح يعضد الأول ويقويه وصححه الألباني في صحيح الجامع (1280) من حديث عائشة.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه البخاري من حديث حذيفة ومسلم
من حديث البراء.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 505) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن عمر. (7) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الله بن عمر بسند جيد وللشيخين من حديث أبي هريرة باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وقال البخاري: «فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك
الصالحين.
(8) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1) أخرجه الترمذي من حديث حذيفة وصححه من حديث البراء
وحسنه.
(9) قال الحافظ العراقي في المغني (505/ 1 طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث البراء. (3/370)
صفحة 1227
قنطرة العبادة
371
وإن كان يفزع من نومه فليقل ما قال الخالد / بن الوليد حين شكى إليه أنه يفزع في [408] نومه فقال له: إذا أخذت مضجعك فقل: بسم الله أعوذ بكلمات الله من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون (1).
وكان ابن عمر يأمر من أدرك من أولاده أن يقولها وإن لم يدرك كتبها وعلقها عليه.
ومنها إذا قام للتهجد في الليل فليقل: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض، ولك الحمد أنت السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق والنار حق، والساعة
حق (2)
اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت، وفيك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله
إلا أنت.
ومنها إذا استيقظ عند الصباح فليقل: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه البعث والنشور (3)، أصبحنا وأصبح الملك لله والعظمة الله والسلطان الله والعزة الله والقدرة الله (4) أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين (5). اللهم إني أسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير، ونعوذ بك
(1) أطراف الحديث عند البيهقي في الأسماء والصفات (185)، وأحمد (181/ 2) والمنذري في الترغيب (456/ 2) والسيوطي في الدر المنثور (14/ 5). (2) أطراف الحديث عند البخاري (86/ 8) ومسلم في صلاة المسافرين (199) وابن ماجه (1355) والترمذي (3418) وأحمد (298/ 1)، (308) والبيهقي () 4 (5) في السنن والزبيدي في الإتحاف
(165/ 5)
(3) قال الحافظ العراقي في المغني: (506/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه البخاري من حديث حذيفة ومسلم من حديث البراء.
(4)
قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص (506) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد والحول والقوة والقدرة والسلطان والسموات والأرض وكل شيء الله رب العالمين وله في الدعاء من ابن أبي أوفى أصبحت وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والليل والنهار وما سكن فيها الله وإسنادهما ضعيف ولمسلم من حديث ابن مسعود «أصبحنا وأصبح الملك الله».
ص
(5) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 506) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الرحمن بن أبزى بسند صحيح ورواه أحمد من حديث ابن أبزى عن أبي بن كعب مرفوعاً. (3/371)
صفحة 1228
372
قنطرة العبادة
أن نجترح فيه سوءاً أو تجره إلى مسلم فإنك قلت: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لْيَقْضَى أَجَلٌ مُسمى ... ) (1) (2) الآية.
أسألك اللهم فالق الإصباح خير هذا اليوم وخير ما فيه» «بسم) الله ما شاء الله لا قوة
إلا بالله، ما شاء الله كل نعمة فمن الله ما شاء الله خير كله بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السوء [409] إلا الله (3)، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا
وإليك المصير.
آخذ
وإذا أمسى قال: «أمسينا بالله إلى آخر الدعاء، ويقول: أعوذ بكلمات الله التامات العامات وأسمائه من شر ما ذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر، ومن شر كل دابة ربي بناصيتها. . . الآية».
ومنها إذا ضل شيء فليقل: اللهم رب الضالة وهادي الضالة، تهدي من الضلالة أردد
علي ضالتي بقدرتك وسلطانك، فإنها بيدك ومن. عطاءك وفضلك».
ومنها إذا اشترى خادماً أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك خيره وخير ما
جبل عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه (4).
(1) سورة الأنعام، الآية: 60.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (506/ 1) طبعة دار الحديث: لم أجد أوله والترمذي من حديث أبي بكر في حديث له وأعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن نقترف على أنفسنا سوءاً أو نجره إلى مسلم رواه أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري بإسناد جيد.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (506/ 1) طبعة دار الحديث هو مركب من حديثين فروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل مسكناً والشمس والقمر حسباناً أسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ما فيه قلت ـ أي الحافظ العراقي: هو مركب من حديثين فروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد قال: كان رسول الله لا يدعو اللهم فالق الإصباح جاعل الليل مسكناً والشمس والقمر حسبانا أقض عن الدين وأغنني من الفقر ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده». وأبو داود من حديث أبي مالك الأشعري اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وهداه وبركته وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، وسنده جيد. وللدارقطني في الأفراد من حديث البراء والحديث عند مسلم في المساء خير هذه الليلة»، وللعسف بن علي المعمري في اليوم والليلة من حديث ابن مسعود ثم قال مسلم: «وإذا أصبح قال ذلك أيضاً». (4) قال الحافظ العراقي في المغني (507/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند جيد. (3/372)
صفحة 1229
قنطرة العبادة
373
(1) ,
ومنها إذا هنا بالنكاح مسلماً فليقل: «بارك الله فيك وبارك عليك
وجمع
بينكما
ومنها إذا قضيت الدين فقل للمقضي له: بارك الله لك في أهلك ومالك (2). ومنها إذا رأى مبتلاً فليقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضلني عليه وعلى كثير من خلقه تفضيلاً».
ومنها إذا مرض فليقل: اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك، وصبراً على بلائك، وخروجاً من الدنيا إلى رحمتك».
ومنها إذا فرغ من الأكل فليقل: الحمد لله الذي يطعم، ولا يطعم مَنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ولا مكافاء ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام وسقانا من الشراب وكسانا من العراء، وهدانا من الضلالة، وبصرنا من العمى وفَضَّلنا على كثير من خلقه تفضيلاً».
ومنها إذا خاف من سلطان ودخل عليه فليقل: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يرام ولا أهلك وأنت / رجائي فكم من نعمة أنعمت بها علي قل [410] عندي شكري فلم تحرمني وكم ابتليتني بها قل عندها صبري فلم تخذلني، اللهم إني أعوذ بك من شره، واجعل كيده في نحره (3)
6
وقال ابن مسعود: إذا خفت ظلم سلطان فقل: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم كن لي جاراً من فلان وأشياعه وأتباعه من الجن والإنس أن يفرط علي أحدهم، أو يطغى عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك».
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوماً قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من
شرورهم (4). والأدعية في هذه الأحوال كثيرة وفميا ذكرنا كفاية وبالله التوفيق.
(1)
(2)
قال الحافظ العراقي في المغني (507/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال الترمذي: حسن صحيح.
قال الحافظ العراقي في المغني (508/ 1): أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن أبي ربيعة قال: استقرض مني النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألفاً فجاءه مال فدفعه إلي، قال فذكره وإسناده حسن. (3) أطراف الحديث عند المتقي الهندي في الكنز (3441) وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (312/ 5). (4) أطراف الحديث عند أبو داود (1537) وأحمد (415/ 4) والمتقي الهندي في الكنز (18002) والزبيدي في الإتحاف (105/ 5) وفي الأذكار للنووي (114، 202). (3/373)
صفحة 1230
قنطرة العبادة
374
وهي بالجملة عشرة:
القسم السادس: في آداب الدعاء
الأول: أن يترصد له أوقاتاً معلومة شريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور، وليلة الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من الليل، وعند نزول المطر، وحضرة الآذان، وحضرة الصف في سبيل الله، فإن هذا كله قد وردت فيه آثار ـ تركتها مخافة الإكثار .. الثاني: أن يغتنم الدعاء عند الأحوال الشريفة مثل خلف الصلاة، وبين الآذان والإقامة، وفي السجود عند إفطار الصائم، ونزول الغيث وغير ذلك كما تقدم ـ تركت الآثار في مخافة التطويل ..
ذلك
الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة رافعاً يديه بحيث يرى بياض إبطيه، وذلك مروى عن النبي، وقال سليمان عليه السلام إن ربكم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما
صفراً.
وقال أبو الدرداء: ارفعوا / هذه الأيدي قبل أن تغل بالأغلال.
ثم ينبغي أن يمسح بهما وجهه عند آخر الدعاء روى ذلك عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: كان إذا دعا عليه السلام ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه ولا يرفع بصره إلى السماء، قال عليه السلام: لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم (1).
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر.
أعناق
وعن أبي موسى قال: قدمنا النبي صلى الله عليه وسلم فلما دنونا من المدينة رفع الناس أصواتهم بالتكبير فقال: «أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإن الذي تدعون بينكم وبين رقابكم قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخِفْيَةً) (2) (3).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (473/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال
عند الدعاء في الصلاة. (2) سورة الأعراف الآية: 55.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1. ذكره المصنف لأبي داود.
ص
473) طبعة دار الحديث متفق عليه مع اختلاف اللفظ الذي
[411] (3/374)
صفحة 1231
قنطرة العبادة
375
ووصف زكريا فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً) (1).
الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء؛ فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال تضرع والتكلف لا يناسبه، قال عليه السلام: سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور (2). وقيل في قوله تعالى: إنه لا يحب المعتدين (3). قيل معناه: التكلف للأسجاع.
(3)
وقال عليه السلام: «إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم أن يقول: اللهم إني أسلك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل (4) والأولى أن لا يتجاوز الدعوات المأثورة المتقدمة.
،
وقال بعض السلف: ادع الله بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
السادس: التضرع والخشوع مع إحضار القلب، قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخفية. وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً (5).
وقال عليه السلام: إذا أحب الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه (6).
وفي الحديث: إن الله تعالى أوحى إلى بعض الأنبياء هب لي / من عينيك الدموع ومن [412] نفسك الخضوع ومن قلبك الخشوع ثم ادعني فإني قريب مجيب وفي الخبر أوحى الله إلى بعضهم: ادعني وفرائصك ترتعد ولا بد من إحضار القلب.
وفي الحديث: «إن الله لا يستجيب من قلب ساه ولا لاه). وينبغي أن يجزم بالدعاء
الآية: 3.
(1) سورة مريم (2) قال الحافظ العراقي في المغني (474/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان
والحاكم من حديث عبد الله بن مغفل.
(3) سورة الأعراف الآية: 55.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 474 طبعة دار الحديث غريب بهذا السياق وللبخاري عن ابن عباس وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعلون إلا ذلك، وابز ماجه والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد من حديث عائشة عليك بالكوامل وفيه وأسألك الجنة. إلى آخره.
(5) سورة الأنبياء، الآية: 55.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (475/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس إذا أحب الله عبداً صب عليه البلاء صباً .... الحديث» وفيه «دعه فإني أحب
أمامة أن أسمع صوته» وللطبراني من حديث أبي وسندهما ضعيف. (7) قال الحافظ العراقي في المغني (475/ 1) طبعة دار الحديث في معنى هذا الحديث: أخرجه الترمذي = (3/375)
صفحة 1232
376
قنطرة العبادة
ويؤمن بالإجابة، وفي الحديث: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ليعزم على المسألة فإن الله لا مكره له فإذا دعا أحدكم فليعزم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء» (1). وليلح في الدعاء ويكرره ثلاثاً، ولا ينبغي أن يستبطاء الإجابة لقوله عليه السلام: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي فإذا دعوت فاسأل الله كثيراً فإنك تدعو كريماً (2). وقال بعضهم: إني دعوت الله منذ عشرين سنة حاجة فما أجابني، وأنا أرجو الإجابة.
قيل: وما وهي؟ قال: أن يوفقني لترك ما لا يعنيني.
وقال: إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف فيه الإجابة فليقل: الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أبطأ عنه شيء من ذلك فليقل: الحمد الله على كل حال (3). وقيل في قوله تعالى مخبراً عن موسى وهارون قال: (قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا) (1).
(?)
قيل: دعا موسى فأمَّن هارون عليه فوقعت بعد أربعين سنة من يوم ا الدعاء. وقيل: أن نوحاً عليه السلام دعا على قومه فوقعت بعد مائة سنة قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمَّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ). وأَنشدوا:
زأ بالدعاء وتزدريه
الدعاء وما يدريك ما صنع
ام الليل قاتلة ولكن إلى أمد وللأمد انقضاء
وينبغي له أن [413] بالسؤال، ويقال أنه عليه السلام / يستفتح الدعاء ويقول: «سبحان الأعلى الوهاب (6). وقال: «إذا سألتم الله حاجة فابدأوا بالصلاة علي فإن الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي
يستفتح الدعاء بذكر الله والصلاة على رسوله والتوبة من ذنوبه ولا يبدأ
(1)
ربي
من حديث أبي هريرة وقال غريب والحاكم وقال مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد البصرة قلت ـ أي الحافظ ـ لكنه ضعيف. قال الحافظ العراقي في المغني (475/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: (475/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال الحافظ العراقي في المغني (476/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه البيهقي في الدعوات من حديث أبي هريرة وللحاكم نحوه من حديث عائشة مختصراً بإسناد ضعيف.
222
(3)
(4) سورة يونس، الآية: 89. (5) سورة العنكبوت الآية: 53.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني: (476/ 1): أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد قلت ـ أي
الحافظ: فيه عمر بن راشد اليماني ضعفه الجمهور. (3/376)
صفحة 1233
قنطرة العبادة
377
أحدهما ويرد الأخرى (1) وليخلص الدعاء الله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل من مسمع. السابع: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله تعالى بقلب متضرع وهو السبب القريب في
الحاجة.
وعن كعب قال: خرج موسى بن عمران يستسقي بالناس ثلاثاً فلم يسقوا، فأوحى الله إليه أن فيكم نمّاماً فلا أستجيب لك ولا لمن معك، قال: يا رب من هو حتى نخرجه؟ قال: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمّاماً. قال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى الله بأجمعكم من النميمة. فتابوا فسقوا (2).
وعن سفيان قال: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة والأطفال، وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال ويتضرعون، فأوحى الله إلى أنبيائهم، لو مشيتم إلي بأقدامكم حتى تحفى ركبكم، وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم بالدعاء فإني لا أجيب لكم داعياً ولا أرحم لكم باكياً حتى تردوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا.
وقال مالك بن دينار: قحط بنو إسرائيل فخرجوا مراراً، فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعداً.
) ويروى أن سليمان عليه السلام خرج يستسقي فَمَرَّ بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنا بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
الحجر.
/ وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا ربك. فقال: أنتم تستبطؤون المطر وأنا استبطاء [414]
ويروى أن
عيسي
عليه السلام خرج بالناس يستسقي فلما أسحروا قال لهم: من أصاب منكم ذنباً فليرجع، فرجعوا إلا رجلاً واحداً فقال له عيسى: أما لك من ذنب؟ فقال: والله ما أعلم من شيء غير أني ذات يوم أصلي فمرَّت امرأة فنظرت إليها بعيني هذه، فلما جاوزت أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها فأتبعت المرأة بها.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (476/ 1) طبعة دار الحديث: لم أجده مرفوعاً وإنما هو موقوف على أبي
الدرداء.
(2) هذا لا سند له ولا يصح إلا بسند صحيح وإنما هي من قبيل الإسرائيليات. (3/377)
صفحة 1234
378
قال له عيسى: ادع، فدعا فتجللت السماء سحاباً ثم صب فسقوا.
قنطرة العبادة
وقال يحيى الغساني: أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام، فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا يستسقون فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا
إننا ظلمنا أنفسنا فاعف عنا.
وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا فاعتقنا.
وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذ وقفوا بأبوابنا، اللهم إنّا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا، فسقوا.
ويروى أن عمر استسقى بالعباس فلما فرغ عمر رحمه الله من دعائه، قال العباس: اللهم إنه لا ينزل البلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، ولقد توجه بي القوم لمكاني من نبيك عليه السلام، فهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، فأنت الراعي فلا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغيائك قبل أن يقنطوا فيهلكوا؛ فإنه لَا يَيَأْسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمَ [410] | الْكَافِرُونَ (1). قال: فما أتم كلامه حتى أرخت السماء / كالجبال، وفي ذلك يقول حسان بن
ثابت:
سأل الخليفة إذ تتابع جدبه فسقى الغمام بغرة العباس عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس أحى المليك به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد اليأس وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت؟ قال: سألت الله بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .... ) (2) الآية. وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (3).
(2)
الثامن: أن يكون مطعم الداعي ومشربه حلالاً؛ فإن ذلك عليه المدار وهو شرط في
إجابة الدعاء.
(1) سورة يوسف، الآية: 87. (2) سورة نوح، الآية: 11. (3) سورة هود، الآية: 90. (3/378)
صفحة 1235
قنطرة العبادة
379
قال سعد: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مجاب الدعاء قال: «إذا أردت ذلك فطيب
طعمتك».
الحلال.
ويقال: الرحمة مخزونة في مخازن الله تعالى ومفاتيحها الدعاء، وأسنان المفاتيح لقمة
ويقال: إن أهل آخر الزمان يعيشون بالحرام المجهول فلا يقبل دعاءهم ولكن لا
يؤاخذون به.
وقيل: لا يقبل به دعاء الدنيا خاصة دون الآخرة.
التاسع: أن يأتمر الداعي بأوامر الله وينتهي عن مناهيه فإن المتقي كريم على الله والعاصي والفاجر ممقوت عند الله، قال الله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) (1). إلا أن يكون الداعي مظلوماً فإن دعاءه مقبول على من ظلمه.
وفي الحديث: اتقوا دعوة المظلوم فإنها ترفع فوق السحاب يقول الله: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين (3). ولكن لا ينبغي للعاصي / أن يترك الدعاء لما يعلم من نفسه [416]
ولكن يتوب ثم يدعو.
وقال سفيان: لا يمنع أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله تعالى قد أجاب شر الخلق إبليس قال: انظرني إلى يوم يبعثون (3).
ولا ينبغي أن يسأل الدعاء من غيره ويتمادى على الإصرار. قال رجل لعدي بن قيس:
ادع الله لي.
قال: يا ابن أخي سألت من قد عجز عن نفسه، ولكن أطع الله يغفر لك دون دعاءي. العاشر: أن لا يتجاوز العد في الدعاء فإن ذلك يقع موقع التحكم على الله تعالى.
(1) سورة الرعد، الآية: 14.
(2) أطراف الحديث عند البخاري في التاريخ الكبير (186/ 1) وابن أبي حاتم الرازي (634) والعجلوني في كشف الخفا (19/ 1) والألباني في الصحيحة (77، 1380 554/ 22) والسيوطي في الدر المشور (352/ 1) والترمذي (1970 و 2646 و 3668) والطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد (152/ 10) والمنذري في الترغيب (188/ 3) والحاكم في المستدرك (92/ 1). (3) سورة الأعراف الآية: 14. (3/379)
صفحة 1236
380
قنطرة العبادة
وذلك أن يقول: اللهم أحيني ولا تمتني أو أحي من مات من أهلي قبل يوم القيامة، واجعل درجتي مثل درجة الأنبياء عليهم السلام وهب لي ملكاً مثل ملك سليمان عليه السلام.
وكذلك لا يدعو دعاء يوقع موقع السخط على الله تعالى: مثل أن يقول: اللهم أهلكني وافقرني وما أشبه إلا أن يقيد ذلك فيقول: أمتني إن كان الموت خيراً لي أو أفقرني إن كان الفقر خير لي والله أعلم.
فإن قيل: ما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له؟ قيل له: إن القضاء رد البلاء بالدعاء؛ فإن الدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك البلاء والدعاء يتعالجان، وليس من شروط الاعتراف بقضاء الله أن لا تحمل السلاح وقد قال تعالى: {خذوا أنه قال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لناكم.
حذرك
(1)
وقد روي أن إبليس اللعين قال لعيسى عليه السلام: يا روح الله الست تزعم أنه لن [417] يصيبك إلا ما قدر الله لك. قال: بلى. قال: فارم نفسك إذاً من ذروة الجبل فإن / قدر لك السلامة فتسلم قال: يا عدو الله إن الله يختبر عبده وليس للعبد أن يختبر ربه.
مع وهو منتهى
ثم في الدعاء أيضاً من الفائدة: أنه ذكر الله ويستدعي حضور القلب الله العبادة، وقد قال عليه السلام: «الدعاء مخ العبادة (2).
والغالب على الخلق أن لا تنصرف قلوبهم إلى الله إلا عند نزول الحاجة بهم أو حلول قارعة، والإنسان إذا مسه شر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله تعالى بالتضرع والاستكانة ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء والأولياء؛ لأنه يرد القلب بالتضرع وأما الغنى فبسبب البطر والطغيان في غالب الأحوال، قال تعالى: {كَلاً إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَّاهُ اسْتَغْنَى) (3). وبالله التوفيق.
(1) سورة النساء، الآية: 71.
(2) اطراف الحديث عند الترمذي ((3371) والزبيدي في الإتحاف (84/ 2) (29/ 5) والتبريزي في مشكاة المصابيح (2231) وابن حجر (94/ 11) والمتقي الهندي في الكنز (3114) والمنذري في (482/ 2) والعجلوني في كشف الخفا (485/ 1).
(3)
سورة العلق، الآيتان: 6 7.
الترغيب (3/380)
صفحة 1237
[418]
381
(1)
قنطرة العبادة
الفصل الثاني: في فضيلة الذكر
ويتفرع منه أربعة أقسام:
الأول: في فضيلته على الجملة ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي
(2)
أَذْكُرْكُمْ) (2).
ذلك؟
وعن ثابت البناني قال: إني أعلم متى يذكرني ربي. ففزعوا منه، فقالوا: متى تعلم
قال: إذا ذكرته ذكرني. وقال: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً) (3). وقال: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً) (1).
قال ابن عباس: بالليل والنهار في البر والبحر والحضر والسفر والغنى والفقر والصحة والمرض والسر والعلانية. وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ .... (5) الآية. وقال في ذم المنافقين: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيْلاً) (6). وقال: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). قال ابن عباس له
وجهان:
(1) ,
أحدهما: ذكر الله لكم أعظم من ذكركم إياه.
والآخر:
: أن ذكر الله أعظم من كل عبادة سواه في سائر الآيات.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ذكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم (8)
وذكر الله في الغافلين كالمقاتل / بين الفارين.
وقال: «يقول الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت شفتاه بي (9).
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإحياء للإمام الغزالي.
(2) سورة البقرة، الآية: 152.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 41. (4) سورة آل عمران الآية: 191. (5) سورة الأعراف، الآية: 205.
(6) سورة النساء، الآية: 142. (7) سورة العنكبوت، الآية: 45.
(8) قال الحافظ العراقي في المغني (457/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر ضعيف وقال: «في وسط الشجر» الحديث. (9) قال الحافظ في المغني (457/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه البيهقي وابن حبان من حديث أبي هريرة والحاكم من حديث أبي الدرداء وقال صحيح الإسناد. (3/381)
صفحة 1238
382
قنطرة العبادة
وقال أيضاً: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» قالوا: ولا
الجهاد؟ قال: «إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع (1). قالها ثلاثاً، وقال: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى (2).
(Y),
وسئل عن أفضل الأعمال؟ فقال: أن تموت ولسانك رطب بذكر الله تعالى (3) [أصبح وأمسي ولسانك رطب بذكر الله] تصبح وتمسي وليس عليك خطيئة» (4).
وقال عليه السلام: «لذكر الله بالغدو والعشي أعظم من حطم السيوف في سبيل الله. إعطائك المال سجا (5).
ملأ
ومن
وقال: «يقول الله تعالى: إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في خير من ملأه وإذا تقرب مِنّي شبراً تقربت منه ذراعاً وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا مشى إليَّ هرولت إليه (6). يعني بالهرولة سرعة الإجابة.
(V)
وقال: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: ومن جملتهم رجل ذكر الله حالياً ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله تعالى وعن أبي الدرداء عنه عليه السلام قال: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (457/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في حديث معاذ بإسناد حسن. (2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف ورواه الطبراني في الدعاء من حديث أنس وهو عند الترمذي بلفظ: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قاله الحافظ العراقي في المغني
1
(ج 1.
ص 457) طبعة دار الحديث. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (458/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن حبان والطبراني في الدعاء والبيهقي في الشعب من حديث معاذ. (4) قال الحافظ العراقي في المغني: (458/ 1) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث أنس من أصبح وأمسى ولسانه رطب بذكر الله يمسي ويصبح وليس عليه خطيئة» وفيه من لا
يعرف.
(5) قال الحافظ في المغني (458/ 1) طبعة دار الحديث: رويناه من حديث أنس بسند ضعيف في الأصل وهو معروف من قول ابن عمر كما رواه ابن عبد البر في التمهيد.
(6) قال الحافظ العراقي في المغني ((458/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (7) قال الحافظ العراقي في المغني (458/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (3/382)
صفحة 1239
قنطرة العبادة
383
فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: «ذكر الله عز وجل (1). وقال عليه السلام: يقول الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين (2).
وقال بعض السلف: بلغنا أن الله عز وجل قال يا ابن آدم اذكرني / بعد الصبح ساعة [419] وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما.
وقال بعض العلماء: إن الله تعالى يقول: أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه.
وقال الحسن: الذكر ذكران ذكر الله عز وجل بين نفسك وبين الله تعالى ما أحسنه، وأعظم وأفضل من ذلك ذكر الله عز وجل عند ما حرم الله.
ويروى أن: كل نفس تخرج من الدنيا عطشى إلا ذاكر الله عز وجل، وعن أبي موسى
عنه قال: «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت».
:
وعن أبي هريرة عنه عليه السلام قال: إن الله ملائكة يطوفون بالطرق يلتمسون أهل الذكر فإن وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبحونك ويكبرونك ويمجدونك، فيقول: ما يسألونني قالوا: يسألونك الجنة. قال: يقول وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها. قال: فيقول: وكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً رطلباً وأعظم فيها رغبة. قال: وكذلك النار على هذا الحال. قال: فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك فيهم: فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة. قال: هم قوم لا يشقى جليسهم (3).
(1)
وصحح
قال الحافظ العراقي في المغني (458/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي والحاكم وابن ماجه إسناده من حديث أبي الدرداء. (2) قال الحافظ في المغني (458/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه البخاري في التاريخ والبزار في المسند والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب وفيه صفوان بن أبي الصفا وذكره ابن حبان في الضعفاء وفي الثقات أيضاً. قال محقق الإحياء طبعة دار الحديث: إسناده حسن بشواهد عند الترمذي (2926) والدارمي (441/ 2) وأبو نعيم في الحلية (106/ 5) من حديثين والبيهقي في الشعب وإن كان لا يخلو من ضعف والله أعلم. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (460/ 1) رواه الترمذي من هذا الوجه والحديث في الصحيحين من = (3/383)
صفحة 1240
384
قنطرة العبادة
[420]
القسم الثاني: في فضيلة مجلس الذكر
قال: ما جلس قوم مجلساً يذكرون الله عز وجل إلا حفت الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده (1).
بهم
الملائكة وغشيتهم
وقال / أيضاً: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله تعالى لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفوراً لكم وبدلت لكم سيئاتكم حسنات (2).
وقال: «ما قعد قوم مقعداً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا علي فيه إلا كان عليهم حسرةً
القيامة» (3). يوم
وعن داود عليه السلام قال: إلهي إذا رأيتني أجاوز مجلس الذاكرين إلى مجلس الغافلين فاكسر رجلي دونهم فإنها نعمة تقع بها علي. وقال النبي: المجلس الصالح يكفر عن المؤمن ألفي ألف مجلس من مجالس
السوء (4)
وعن أبي هريرة:
،
ة: أن أهل السماء ليتراؤون بيوت أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم ويقال: إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان الدنيا، فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ فتقول: دعهم فإذا افترقوا أخذت بأعناقهم. وعن أبي هريرة أنه دخل السوق فقال: أراكم هاهنا وميراث محمد صلى الله عليه وسلم تقسم في المسجد، فذهب ناس إلى المسجد فقالوا ما رأينا ميراثاً، تقسم قال: ماذا رأيتم؟ قالوا: قوما
حديث أبي هريرة وحده وأطراف الحديث عند البخاري ((607/ 8) ومسلم في الذكر والدعاء (25) والنسائي (43/ 3) والترمذي (3600) والمنذري في الترغيب والترهيب (401/ 2) وابن حجر في الفتح
(286/ 2، 208/ 11 والزبيدي في الإتحاف (125/ 9) والسيوطي في الدر المنثور (150/ 1). (1) قال الحافظ العراقي في المغني ج 1 ص (459 طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (459/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف من حديث أنس.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (459/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وحسنه من حديث أبي
هريرة.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (459/ 1) طبعة دار الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث ابن وداعة وهو مرسل ولم يخرجه ولده وكذلك لم أجد إسناده. (3/384)
صفحة 1241
قنطرة العبادة
385
(1)
يذكرون الله ويقرؤون القرآن قال: فذلك ميراث رسول الله (1)
وقال: «من
القسم الثالث: في فضيلة التهليل
قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له (2). قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل [421]
قدير في كل يوم.
أكثر من
ذلك» (3)
وعن ابن مسعود أنه قال: إن الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، لا إن الله يعطي المال من يحب ومن يحب، ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب، ومن يبخل بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده فليكثر من قول: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد الله والله أكبر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها فإنها كلمة التوحيد وكلمة الإخلاص وهي كلمة التقوى وهي الكلمة الطيبة وهي دعوة الحق وهي العروة الوثقى (4).
وقال لأبي هريرة: «إن كل حسنة تعمل توزن يوم القيامة إلا شهادة أن لا إله إلا الله فإنها لو وضعت في ميزان من قالها صادقاً ووضعت السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ذلك (0) كان لا إله إلا الله أرجح من
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: من قال في سوق من الأسواق: لا إله إلا الله وحده لا
في
الصلاة
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (459/ 1) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير بإسناد فيه جهالة وانقطاع. (2) أورد ابن عبد البر في التمهيد (38/ 6) في طريق طلحة بن عبيد الله بن كريز وقال ذكر مالك. وفي الحج (ص 291، 955). (3) قال الحافظ العراقي في المغني (460/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (4) قال الحافظ العراقي (461/ 1) المغني. أخرجه ابن عدي والطبراني في الدعاء وأبو يعلى وحديث الطبراني أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها، وفيه ابن وردان.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني (461/ 1) طبعة دار الحديث وصية أبي هريرة موضوعة وآخر الحديث رواه المستغفري في الدعوات ولو جعلت لا إله إلا الله وهو معروف من حديث أبي سعيد مرفوعاً «لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة مالت بهن لا إله إلا الله» رواه النسائي في اليوم والليلة وابن حبان والحاكم وصححه.
قناطر الخيرات/ ج 252/ 3 (3/385)
صفحة 1242
[422]
386
قنطرة العبادة
شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، كتبت له ألف ألف حسنة، ومحيت عنه ألف ألف سيئة، وبني له بيت في الجنة.
ويروى أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله، أتت إلى صحيفته فلا تمر على خطيئة إلا محتها حتى تجد حسنة مثلها فتجلس إلى جنبها.
القسم الرابع: في التسبيح
عن أبي هريرة عنه عليه السلام قال: من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة في كل يوم حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (1).
وقال /: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده (2).
العالمين
قال بعضهم: سمعته عليه السلام يقول إذا قام من الليل: سبحان الله رب الهوى من الليل يعني بالهوى ساعة ثم يقول: سبحان الله وبحمده الهوى». وعن ابن عباس أنه عليه السلام مر بجويرة بنت الحارث وهي في مصلاها تسبح وتذكر الله، ثم مر بها بعدما ارتفع النهار فقال: لو تكلمت بأربع كلمات أعدتهن ثلاث مرات هي أفضل مما قلت: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته
والحمد الله كذلك».
وعن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات إنها قول العبد: الله أكبر وسبحان الله ولله الحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولحاتم بن زياد:
سبحان من ست
القبيح
يزل براً بعبده
لا تعجبن
ــق
نال الغني ن غير كده
سل لا
فكله
ولصرمة بن أنس:
سبحان الله شرق كل صباح طلعت شمسه وكل هلال السر والبيان لدنيا ليس ما قال ربنا بضلال
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (463/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2) قال الحافظ العراقي في المغني. (465/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. (3/386)
صفحة 1243
قنطرة العبادة
آخر:
سبحان من لا يخيب من
قصده
من قصد الله صادقاً وجده
قد شمل الخلق فضل نعمته كل إلى فضله يمد يده
ولزيد بن عمر أو لورقة بن نوفل:
له يدوم
سبحان ذي العرش سبحاناً رب البرية فرد واحد صمد سبحانه ثم سبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجودى والجمد
387
وعن أبي هريرة قال: من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبَّر / مثل ذلك وحمد الله [423] ذلك وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه ولو كانت ت مثل زبد البحر.
مثل
الفصل الثالث في الاستغفار والصلاة على النبي المختار (1)
قال الله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (2)، وقال: {وَمَنْ يَعْمل سُوْءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً) (3)، وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ. ... (4) إلى آخر الآية.
وعن ابن مسعود قال في كتاب الله آيتان ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له، قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً .... (5) إلى آخره، وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (6). وكان عليه السلام يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت
التواب الرحيم.
وروي
أنه قال لهم في طريق الحديبية وقد أفض من وعر إلى سهل: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه». ففعلوا فقال: «إنها الحطة التي عرضت على بني إسرائيل. فلم يقولوها». وقال:
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي الإحياء (ج) 481/ 1). طبعة دار الحديث تحقيق الأستاذ سيد
إبراهيم.
(2)
(3)
سورة نوح، الآية: 10.
سورة النساء، الآية: 110.
(4) سورة النساء، الآية: 64.
(5) سورة آل عمران الآية: 135.
(6) سورة النصر، الآية: 3. (3/387)
صفحة 1244
[424]
388
قنطرة العبادة
من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا
وقال عليه السلام: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة» (2). وقال: «إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في كل يوم مائة مرة (3).
وعن علي قال: عجبت ممن يهلك والنجاة معه. قالوا وما هي؟ قال: الاستغفار. وعن وهب قال: لقي إبليس اللعين يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال: أخبرني عن طبائع ابن آدم عندكم. قال: صنف مثلك لا نقدمنه على شيء، وصنف: معصوم أشد علينا ندرك من
منهم
هم
ثان
هم
في أيدينا كالكرة في أيدي الصبيان قد كفونا أنفسهم وصنف ثالث أحدهم حاجتنا ثم يفسدها بالاستغفار فلا نحن نيئس منه ولا نحن ندرك ما نريد. / وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر أو عدد الرمل أو عدد أوراق الشجر أو عدد أيام الدنيا (4).
هو
وفي حديث آخر: غفرت له ذنوبه وإن كان فاراً من الزحف (5).
وعن حذيفة قال: كنت ذرب اللسان فقلت: يا رسول الله خفت أن يدخلني لساني النار، قال: «أين أنت من الاستغفار في اليوم مائة مرة (6).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (482/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد من حديث ابن عباس وضعفه ابن حبان. (2) قال الحافظ العراقي في المغني. (482/ 1) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة إلا أنه قال أكثر من سبعين مرة. وهو في الدعاء عند الطبراني كما ذكره المصنف.
(3) قال الحافظ العراقي: أخرجه مسلم من حديث الأغر غير أنه قال: «حتى أني لأستغفر». (4) قال الحافظ العراقي في المغني (482/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن الوليد الوصافي. قلت ـ أي الحافظ: ضعيفاً فقد تابعه عليه عصام بن قدامة وهو ثقة ورواه البخاري في التاريخ دون قوله: «حين يأوي إلى
فراشه وقوله: (ثلاث مرات.
الوصافي وإن كان
(5) قال الحافظ العراقي في المغني (482/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث زيد مولى النبي وقال: غريب قلت - أي الحافظ: رجاله موثوقون ورواه ابن مسعود والحاكم من
حديث ابن مسعود وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم. (1) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) أخرجه النسائي في اليوم والليلة وابن ماجه والحاكم وقال
صحيح
على شرط الشيخين. (3/388)
صفحة 1245
[425]
389
قنطرة العبادة
وقال لعائشة: إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله فإن التوبة من الذنب الندم
والاستغفار (1).
وكان يقول في استغفاره: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطيئتي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير
(2)
وقال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك عندي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وأعوذ بك من شر ما صنعت من قالها نهاراً موقناً فمات قبل أن. فهو من أهل الجنة ومن يمسي قالها ليلاً قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة (3).
وعن علي قال: إذا حدثني أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حلفته، وإذا حلفته صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد مؤمن يذنب ذنباً ثم يحسن الطهور ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له ثم قرأ: {والذين إذا فعلوا فاحشة. (4) الآية.
وعن أبي هريرة قال: إن المؤمن إذا أذنب كمانت نكته سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: وكلاً بل ران على قلوبهم) (5) (6).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه دون قوله: «فإن التوبة. الخ». وزاد أو توبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه وللطبراني في الدعاء فإن
العبد إذا أذنب ثم استغفر الله غفر له.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي موسى واللفظ
المسلم. (3) قال الحافظ العراقي في نحوه في المغني (484/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه البخاري من حديث شداد بن أوس دون قوله: وقد ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ودون قوله: ذنوبي ما قدمت منها وما أخرت» ودون قوله: «جميعاً». (4) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي. سورة المطففين، الآية: 14. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وصححه النسائي في اليوم =
(0) (3/389)
صفحة 1246
قنطرة العبادة
وعنه [أن الله سبحانه] ليرفع لعبده الدرجة في الجنة فيقول: يا رب أنّى لي هذه، فيقول: بالاستغفار (1). ولذلك قال: اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا (2). وقال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (3).
=
وقال قتادة: القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فالذنب دائكم والاستغفار دوائكم، وقال الربيع بن خيثم: ليقولن أحدكم استغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنباً وكذبة إن لم يفعل، ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي.
يعلم.
وقال بعض الحكماء: من قدم الاستغفار على الذنب، كان مستهزءاً على الله
وهو
?
وقال: وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم إن استغفاري مع إصراري للوم، وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز، فكم تتحبب إلي بالنعم مع عني، وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفى، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين.
غناك
وقال أبو عبد الله الوراق: لو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوباً لمحيت عنك إذا دعوت بهذا الدعاء مخلصاً - إن شاء الله تعالى ـ وهو: اللهم أستغفرك من كل ذنب، تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ثم لم أوف لك به، وأستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك، وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيت به في ضياء النهار وسواد الليل في ملأ، وخلاء وسر وعلانية يا حليم ويقال أنه استغفار الخضر عليه السلام. ولأبي العتاهية:
لخطاء
إني وإن كنت مستور أستغفر الله من جرمي ومن جنفي
والليلة وابن ماجه وابن حبان والحاكم. (1) قال الحافظ العراقي في المغني (483/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أحمد بإسناد حسن. غير أنه قال في آخره: «باستغفار وذلك لك».
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (484/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن ماجه وفيه علي بن زيد بن
جدعان مختلف فيه.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (484/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر وقال: غريب وليس إسناده قوي. (3/390)
صفحة 1247
قنطرة العبادة
[426]
391
/ لم تبك نفسك أيام الحياة لما تخشى وأنت على الأموات بكاء وكان عامر بن عبد القيس يغدو فيقعد على قارعة الطريق الأعظم، والناس متصرفون في حوائجهم، فإذا رآهم ذاهبين يميناً وشمالاً قال: يا رب غدا الفارون في حوائجهم وغدوت إليك أسألك المغفرة، ولبعضهم: إن تقف عن عبد مسيء ففي فضلك مأوى للفضل والمنن
أتيت ما استحق من
خطاء فجد بما تستحق من
فصل في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وشرف وكرم وعظم وأحسن
(1).
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: {إِنَّ الله وملائكته يصلون على النبي. . . (2)
الآية.
وروي أن النبي جاء ذات. يوم
والبشرى يرى على وجهه فقال: «جاءني جبريل عليه
السلام فقال: أما ترضى يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً ولا يسلم عليك إلا سلمت عليه عشراً (3).
وقال: «من صلى عليّ صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقلل أو ليكثر (4).
وقال: «إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة (5).
وقال: فحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي (6).
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإحياء للإمام الغزالي (478/ 1) طبعة دار الحديث. (2) سورة الأحزاب، الآية: 56. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (479/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي وابن حبان من حديث أبي طلحة بإسناد جيد.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (479/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث عامر بن ربيعة بإسناد ضعيف والطبراني في الأوسط بإسناد حسن. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (479/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال: حسن غريب وابن حبان. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (479/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه قاسم بن أصبغ من حديث الحسن بن علي هكذا والنسائي وابن حبان من حديث أخيه الحسين البخيل من ذكرت عنده فلم يصل
علي، ورواه الترمذي من رواية الحسين بن علي عن أبيه وقال: حسن صحيح. (3/391)
صفحة 1248
392
قنطرة العبادة
وقال: «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة (1). وقال: «من صلى علي من أمتي كتبت له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات (2).
وقال: «من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك
الكتاب (3).
وقال: إن في الأرض ملائكة سائحين يبلغوني عن أمتي السلام وقال: «ليس أحد يسلم
علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام (4). الأرد
وبلغنا عن كعب بن جعرة أنه لما أنزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي .... الآية. قلنا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على نبيك محمد وعلى من صلح من آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد (5).
ومن غيره وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين
إنك حميد مجيد.
وقال بعض العلماء: الصلاة على النبي فريضة وهذا يؤيده قول الملائكة: من ذكرت
[427] عنده يا محمد ولم يصل عليك أبعده الله /؛ لأن الفرض ما يتعلق بتركه العقاب. وقال بعضهم: إنها فريضة عن كل صلاة وقال أصحابنا فيما وجدت إنما فرض ذلك
مرة واحدة مع الذكر وبعد ذلك ما صلى كان تطوعاً.
وعن ابن مسعود قال: إذا صليتم على النبي فأحسنوا الصلاة عليه؛ فإنها فريضة (1) قال الحافظ العراقي (479/ 1) في المغني طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري من حديث أوس بن أوس وذكر ابن أبي حاتم في العلل
وحكى عن أبيه أنه حديث منكر .. (2) أخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث عمرو بن دينار وزاد فيه مخلصاً من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات. وله في السير ولابن حبان من حديث أنس نحوه دون قوله:
مخلصاً من قلبه» ودون ذكر محو السيئات ولم يذكر أيضاً ابن حبان «رفع الدرجات». (3) قال الحافظ العراقي في المغني (480/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في الثواب والمستغفري في الدعوات من حديث أبي هريرة بسند ضعيف.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (480/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة بسند
جيد.
(0) قال الحافظ العراقي في المغني (480/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي حميد الساعدي. (3/392)
صفحة 1249
قنطرة العبادة
393
أمركم الله بها، وقيل: لم تؤمر أمة أن تصلي على نبيها إلا هذه الأمة فضلاً. من الله ونعمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم عليّ فصلوا على الأنبياء فإنهم أرسلوا كما أرسلت (1).
والله أعلم.
فصل في التفكر والاعتبار.
اعلم أن التفكر مرآة القلب وبالتفكر الخالص يتوصل إلى استقامة القلوب، وباستقامة القلوب يتوصل إلى الصدق في الأعمال، وقد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه من مواضع لا تحصى، وأثنى على المتفكرين فقال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
الآية.
(7).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإن بهذا المغرب أرضاً نورها بياضها مسيرة الشمس فيها أربعون يوماً بها خلق من خلق الله عز وجل لم يعصوا الله طرفة عين»، قالوا: يا رسول الله فأين الشيطان منهم؟ قال: ما يدرون أخلق الشيطان أم لا»، قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: «وما يدرون أن خلق آدم (3).
وقد ذم الله تعالى أقواماً ووبخهم لتركهم التفكر والنظر فقال: أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض .... الآية. يعني: ملك السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء أي وإلى ما خلق الله من شيء يعني مما يرونه فيتفكروا فيعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يحيي الموتى، وأن. أن يكون قد اقترب أجلهم فيبادروا بالتوبة قبل
الموت.
عسى
ويروى أن أبا ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من بعض غزواته فتوضأ ثم قام في مسجده، فقرأ سورة ثم أخرى، ثم كذلك حتى أذن المؤذن، فأتته امرأته فقالت له: غبت في غزوتك ثم قدمت فلم يكن لي منك حظ ولا نصيب.
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (265/ 2) وابن كثير في التفسير (116/ 4) وابن حجر في الفتح (169/ 11). والشجري في الأمالي (125/ 1) والعجلوني في كشف الخفا (96/ 1).
(2) سورة آل عمران، الآية: 4. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (4/ 5) طبعة دار الحديث رويناه في جزء من حديث عبد الله بن سلام. قال محقق الإحياء ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (175/ 8) وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد وذكره الألباني في صحيح الجامع (356/ 1). بلفظ «عباً» بدلاً من «غباً» وقال: صحيح. (3/393)
صفحة 1250
394
قنطرة العبادة
فقال: والله ما خطرت على بالي ولو ذكرتك لكان لك عليّ حق. قالت: فما الذي [2428 شغلك؟ قال: لم يزل قلبي يهوى / فيما وصف الله في الجنة من أزواجها ونعيمها حتى
المؤذن.
أذن
وقال الحسن: إن من أفضل العمل الورع والتفكر ومن لم تكن حياته في التفكر في
خطيئته فليحتسب حياته، وقال: تفكر ساعة غير من قيام ليلة.
وقال الحواريون لعيسى عليه السلام: هل على الأرض اليوم مثلك؟ قال: نعم، من نطقه ذكراً وصمته تفكراً ونظره عبرة فإنه مثلي.
كان
وقال لقمان الحكيم: طول الوحدة أجمع للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الآخرة، وقيل في قوله تعالى: (سَأصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ .... ) (1) الآية. قيل: معناه أمنع قلوبهم عن التفكر فيها.
ويقال: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك، ويروى أن الله تبارك وتعالى قال في بعض كتبه إني لست أقبل كلام كل حكيم ولكن أنظر إلى همته وهواه لي، جعلت صمته فكراً وكلامه
حمداً.
وقال عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله تعالى أفضل العبادات، وقال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليل بلا قلب.
وقال بعض الحكماء الفضائل أربعة أحدها الحكمة وقوامها الفكرة، والثانية العفة وقوامها في الشهوة، والثالثة القوة وقوامها في الغضب والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس، والله أعلم.
فصل
اعلم أن مجاري الفكر غير منحصرة وثمراتها غير متناهية ونحن نضبط مجاريه بالإضافة إلى أمهات الأعمال الدينية والأعمال المكتسبة بها في أربعة فصول، والخامس في
المخلوقات:
الأول: في المعاصي والسيئات. الثاني: في الطاعات.
(1) سورة الأعراف، الآية: 165. (3/394)
صفحة 1251
قنطرة العبادة
395
الثالث: في الصفات المهلكات. الرابع: في المنجيات.
الفصل الأول: في المعاصي والسيئات
فينبغي للعبد أن يتفكر في صبيحة كل يوم ويفتش جميع أعضائه السبعة تفصيلاً ثم بدنه مجملاً هل هو في الحال ملابس لمعصية فيتركها، أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم، أو هو معترض لها في نهاره فيحترز منها بالتباعد عنها، فينظر في اللسان فيقول إنه متعرض: للغيبة، والكذب وتزكية النفس والاستهزاء والنميمة والمزاح والممارات، والمداهنة، والخوض فيما لا يعني / والتغني والنياحة والبهتان وغير ذلك من معاصي اللسان فيقدر [429] أولاً. في نفسه أنها مكروهة عند الله منهي عنها ثم يتفكر في وعيد القرآن والسنة الوارد فيها الدال على شدة العذاب لمن يتعاطاها، ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا
يشعر.
،
يتم
ثم لا يتفكر كيف يحذر منها ويعلم أنه لا. ذلك إلا بالعزلة والإنفراد ولا يجالس إلا صالحاً ديناً ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه ثم يتفكر في سمعه إنه يصغي به إلى الغيبة والكذب واللهو والبدعة، وإنه يسمعه من زيد مثلاً أو غيره من السفهاء والجهال فيحترز بالاعتزال عنهم أو بالنهي لهم عن ذلك مهما سمعه منهم. ويتفكر في عينه أنه متعرض للنظر إلى ما لا يحل من محاسن امرأة أو عورة إنسان فيحترز بالاغضاء للعين والتباعد عن مواضع ذلك، ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله فيه إما بكثرة الأكل والشرب من الحلال فتقوى عليه بذلك الشهوة، أو يأكل من الحرام فيبطل عمله، أو من الشبهة فيطول عليه التوبيخ في المعاد ولا يصفو له قلب للعبادة.
ويتفكر في طرق الحلال ومداخله ثم يتفكر في وجوه الاكتساب منه والاحتراز عن الحرام، وأن الله لا يقبل صلاة في جوفه أو في ثوبه أو ماله درهم حرام، وإن أكل الحلال أساس العبادات كلها، فهكذا يتفكر في أعضائه فمهما حصلت له بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ أعضاءه كلها.
الفصل الثاني: في الطاعات
فلينظر أولاً في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها، أو كيف يحرسها عن التقصير | والنقصان، أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل ثم يرجع إلى أعضائه عضواً عضواً فيتفكر في (3/395)
صفحة 1252
396
قنطرة العبادة
[430] الأفعال / التي تتعلق بما يحبه الله فيقول مثلاً: إن العين خلقت للنظر في ملكوت السماوات والأرض عبرة، ويتفكر في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام فيقول: أنا قادر أن أستعمل العين في مطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله؟ وأنا قادر أن أنظر إلى فلان بعين التعظيم وإدخال السرور على قلبه، وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الاحتقار حتى يكون ذلك زجراً له عن معصية الله تعالى فلم لا أفعله.
وكذلك يقول في سمعه: إني قادر على استماع حكمة أو علم أو قراءة أو ذكر أو كلام ملهوف فيقول: كفرت بنعمة الله في تعطيله وتضيعيه.
وكذلك يتفكر في اللسان فيقول: إني قادر أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم، والوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسؤال عما يعنيني وبالتودد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال على الفقراء وإدخال السرور عليهم ولو بكلمة طيبة فإنها صدقة.
،
ويقول: إني قادر على أن أتصدق بفضول مالي فإني مستغن عنه ولعل تباعة أو مظلمة كانت في ذمتي فأتداركها قبل أن يزول عني وأزول عنه بالموت، ومهما احتجت فإن الله يرزقني من حيث لا أحتسب أو احتجت إليه الآن فإني إلى ثواب الإيثار به لغيري، وقضاء تباعتي أحوج أعضائه، وجملة بدنه وأمواله وأولاده وإنه قادر أن يطيع الله تعالى فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها، وفيما يرغبه إلى المبادرة إليها، ويتفكر في إخلاص النية فيها، ويطلب لها مكان الاستحقاق، حتى يزكو بها عمله وقس على هذا سائر
فيفتش عن
الطاعات
من القلب والجوارح كلها.
الفصل الثالث: في الصفات المهلكات
بجميع
ذلك
التي محلها القلب من الشهوة والغضب والبخل، والتكبر، والعجب، والرياء،
[431] والحسد وسوء الظن والغفلة، والغرور، وسخط المقدور والإصرار، والأمن، / والإياس وغير ذلك فليتفقد من قلبه هذه الصفات فإن وجدها فيه أو بعضها فليبادر إلى علاج قلبه منها والتوبة عنها فإن كان منزهاً عنها فليتفكر في كيفية امتحانه فإن النفس تدعي البراءة من المذموم، وتسخو بالوعد من المحمود، فإذا امتحنت ظهر منها غير ذلك، فإذا دعت مثلاً التواضع والبراءة
من الكبر.
فينبغي أن يجرب نفسه بحمل حزمة حطب أمام الناس إن كان منظوراً إليه عند الناس وكذلك الأولون يفعلون، فإذا ادعت الحلم جرب نفسه بالتعريض لشتم سفيه إياه، ثم يجربها (3/396)
صفحة 1253
قنطرة العبادة
397
في كظم الغيظ عنه، وكذلك في سائر الصفات فإذا دلت العلامات على وجود هذه الصفات فيه
بادر إلى علاجها والتوبة بها.
وإذا أحس من نفسه العجب بعمله أو بحاله فيتفكر ويقول: إنما عملي بيدي وجوارحي وقوتي فإن ذلك ليس مِنِّي ولا إلي إنما هو من خلق الله وفضله علي فهو الذي خلقني وخلق قدرتي وإرادتي وحرك أعضائي بقدرته فكيف أعجب بنفسي أو عملي ولا قوام لنفسي إلا بخالقي.
وإذا أحس من نفسه شهوة الطعام والجماع، تفكر في أن هذه صفات البهائم، ولو كان ذلك صفة كمال لكان للمقربين فمهما كان الشره عليه أغلب كان من البهائم أشبه ومن الملائكة أبعد، وكذلك يقدر في نفسه الغضب ثم يتفكر في طريق العلاج. منه، وكذلك سائر الصفات
ولا بد له من العلم بها وعلاجها.
الفصل الرابع: في المنجيات
وهي التوبة والندم والصبر على البلاء والشكر على النعماء، والخوف، والرجاء، والزهد في الدنيا والإخلاص والصدق في الطاعات ومحبة الله تعالى وتعظيمه، والرضى بأفعاله، والشوق إليه، والخشوع والتواضع له، وغير ذلك.
فليتفكر العبد كل يوم هل هو متصف بهذه الصفات المقربة إلى الله تعالى أم لا؟ / فإن [432] اتصف بها فليحمد الله وليحرص على الزيادة منها والثبات عليها وإن لم يتصف بها فليتبادر إلى
اكتسابها.
فإن أراد أن يكتسب لنفسه حال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولاً، وليتفكر في الوعيد الوارد فيها وليحقق لنفسه أنه متعرض لمقت الله حتى ينبعث له حال الندم، وإن أراد أن يكتسب حال الشكر فلينظر في إحسان الله وأياديه ونعمه إليه وفي إرساله جميل الستر عليه مع تضييعه شكر نعمه والتعرض لسخطه فإن ذلك يبعثه على الشكر حتى يتصف به.
فإن أراد محبة الله والشوق إليه فليتفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه، وذلك بالنظر في أفعاله وعجائب حكمته، ثم ينظر في الموت وسكرته، والقبر ووحشته، ثم أهوال المحشر ثم الحساب ومناقشته ثم خطر الأمر عنده، وليتفكر في الجنة ونعيمها، والنار وأنواع عذابها، وليكن فكر العالم في خفايا صفات قلبه، وفي استنباط طريق الخلاص منها. (3/397)
صفحة 1254
قنطرة العبادة
أما أمثالنا الغرقى في الذنوب والجهل، والخطايا، فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوي بيوم الحساب، إذ لو رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعاً: إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار فإن من خاف شيئاً هرب منه، ومن رجا
إيماننا
شيئاً طلبه. وقد علمنا أن الهروب من النار ترك الشبهات والحرام والمعاصي فنحن منهمكون فيها وإن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات فنحن مقصرون في الفرائض منها فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا والتكالب عليها فيقال: لو كان هذا مذموماً، لكان العلماء أولى باجتنابه منا فليتنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا فما أعظم الفتنة التي تعرضنا لها لو تفكرنا فنسئل الله تعالى أن يصحلنا ويصلح بنا ويوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا إنه الكريم اللطيف بناء المنعم علينا والله أعلم.
الفصل الخامس: في التفكر في المخلوقات
اعلم أن التفكر في الخلق بحر لا يدرك غوره جملة ولا تفصيلاً ولكن نشير إلى بعض جملته؛ لأن كل ما في الوجود نوعان: الله سبحانه وفعله والتفكر في ذات الله وصفاته محظوراً لقوله: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق (1).
ويقال أن الله تعالى أوحى إلى بعض الأنبياء: لا تخبروا عبادي بصفاتي فينكرون أو قال: فيتكبرون الشك مني، ولكن أخبروهم عني بما يفهمون.
وإنما على الإنسان الإيمان بالله تعالى على ما هو عليه من حقيقة وجوده وحقائق صفاته، أما المخلوقات فمنها ما لا يعرف أصلها فلا يمكن التفكر فيها إلا من حيث أنها مخلوقة مصنوعة محتاجة عاجزة وذلك قوله تعالى: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا .... إلى: {وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ، وقال: ما لا تعلمون) (2).
ومنها ما يعرف أصلها ولا يشاهد بالبصر منا وذلك كالملائكة والجن والشياطين
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (4/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه آخر أصح منه ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وقال هذا إسناد فيه نظر. قلت - أي الحافظ العراقي: فيه
الوازع بن نافع متروك. (2) سورة يس، الآية: 36. (3/398)
صفحة 1255
قنطرة العبادة
399
والعرش والكرسي وغيرها ومجال الفكر فيها غامض على الراسخين من العلماء فكيف غيرهم؟ ومنها ما يعرف أصلها ويدرك بالبصر: وذلك كالسماوات وملكوتها كالشمس والقمر والنجوم وغيرها وكالأرض وما فيها وعليها من الجبال والشجر والدواب والبحار وغيرها، وكالجو وما فيه من الغيوم والثلوج والأمطار والرعود والصواعق والأرياح والشهب وغيرها فهذه الأجناس لا تنحصر أنواعها، ولا يدرك العقل أقسامها وصفاتها وهيئاتها ومعانيها الظاهرة ذلك مجاري الفكر فلا تتحرك ذرة في السماوات والأرض من جماد ونبات وحيوان وفلك وكواكب إلا ومحركه الله تعالى، وفي حركاتها وتقلبها علم / غامض لا يعلمه [434]
والباطنة، وجميع
إلا الله تعالى، وحكم لا يحيط بها إلا خالقها، وكل ذلك دلائل على وحدانيته وجلاله وكبريائه وهي الآيات الدالة عليه، وأشار القرآن إلى الحث على التفكر فيها كما قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ .... إلى قوله: لآيات لأولي الألْبَاب (1). في أمثالها من القرآن والإشتغال بشرح معنى من معاني هذه الآيات يستدعي إلى تصنيف مجلدات ينقضي العمر دونها، ولكن من رزقه الله عقلا رادعاً يردعه عن هجوم الشهوات وعلماً نافعاً يعتصم به عن ورود الشبهات، فلا بد أن يرزقه النظر في ملكوت الأرض والسماوات وقد قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2) ثم قال: {وَمَا تَغْنِي الآيَاتُ وَالنَّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (3).
فنسئل الله العصمة والعون والتوفيق.
في
وروي عن بعض العلماء أنه قال: إن الله أقواماً أنعم عليهم فعرفوه، وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر له فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين، وبيوتاً للحكمة، وتوابيت العظمة وخزائن القدرة، فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون، وقلوبهم تجول في الملكوت، وتلوذ بمحجوب الغيوب ثم ترجع ومعها من لطيف الفوائد ما لا يمكن لواصف أن يصفه، فهم في باطن أمورهم كالديباج حسناً، وهم في الظاهر منادل مبذلون لمن أرادهم تواضعاً فهذه طريقة من الفكر لا يبلغ إليها بالتكلف، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ولأبي
العتاهية:
إن للدهر فاعلمن أثاراً فإلى كم أن لا ترى الأقدار من رأى عبرة ففكر فيها لم يزده فكره إلا اعتبارا
(1) سورة آل عمران الآية: 190. (2) سورة يونس، الآية: 101. (3) سورة يونس، الآية: 101. (3/399)
صفحة 1256
قنطرة العبادة
لو عقلنا إذ النهار يسوق الليل والليل إذ يسوق النهارا يطويان الأعمار الآثارا
لرأيناهما
بمرء
/ وروي عن النبي هو أنه قال: «التفكر نصف العبادة والجوع العبادة (1). وعن عون بن عبد الله قال: قلت لأبي الدرداء أي عبادة أبي الدرداء كان أفضل؟ قال:
التفكر والاعتبار.
ويروى أن أم أبي ذر سئلت عن عبادة أبي ذر قالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر
فهذا الذي نبهنا عليه فيه كفاية لمن رزقه الله التفكر وبالله التوفيق.
الفصل الرابع في ترتيب العبادة على الأوراد والأوقات (2)
(r),
اعلم أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بأوراد العبادة على سبيل الدوام، ولذلك قال: أحب العباد إلى الله تعالى الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة بذكر الله تعالى (3) فلا تظنن المراد بسير الشمس والقمر على حساب معلوم وما خلق الله الظل والنور والنجوم أن يستعان بها على أمر الدنيا، بل ليتعرف بها مقادير الأوقات ليشتغل فيها بالطاعات والتجارة لدار الآخرة، يدل على ذلك قوله تعالى: جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً (4). أي يخلف أحدهما الآخر فيتدارك ما فات في الآخر وبين أن ذلك للذكر والشكر وبالله التوفيق.
فأما ترتيب الأوراد في العبادة ففي النهار سبعة أوراد، فمن بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وورد من طلوعها إلى زوالها، وردان ومن الزوال إلى العصر وردان ومن العصر إلى المغرب، وردان وفي الليل أربعة أوراد ومن المغرب إلى وقت النوم وردان ومن الآخر إلى الفجر وردان.
فأما الورد الأول من النهار فهو وقت شريف؛ لقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس).
النصف
(1) أورده الزبيدي في الإتحاف (387/ 7): وقال رواه أبو نعيم في الحلية من طريق سالم بن أبي الجعد قال قيل لأم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء فقالت: التفكر.
(2) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي (الإحياء» (512/ 1) طبعة دار الحديث. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (511/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني والحاكم وقال صحيح
الإسناد من حديث ابن أبي أوفى بلفظ: «خيار عباد الله».
(4) سورة الفرقان، الآية: 62.
[435] (3/400)
صفحة 1257
قنطرة. العبادة
401
وأقسم به لفضيلته، أما ترتيبه فإذا انتبه المريد للعبادة من نومه فينبغي أن يبدأ بذكر الله فيقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه / النشور، إلى آخر الدعاء الذي ذكرناه، قبل [436]
هذا.
وينوي بلبس ثوبه ستر عورته، ثم يقضي حاجة الإنسان ممثلاً لآدابها، ومجتنباً للمناهي
الواردة فيها، ثم يستاك إن قدر على ذلك، وليتوضأ ممتثلاً للسنن والآداب فيه، ثم يركع ركعتي الفجر في بيته اقتداء بالنبي، ثم يخرج إلى المسجد داعياً في طريقه بالدعاء المتقدم قبل هذا ويمشي وعليه السكينة والوقار، ويدخل المسجد مقدماً رجله اليمنى داعياً كما تقدم ثم يقف في الصف الأول إن وجد متسعاً، ولا يزاحم ولا يتخطى رقاب الناس ثم يصلي ركعتي تحية المسجد إن صلى ركعتي الفجر في بيته وإلا فليصلهما، ثم يدعو منتظراً للجماعة.
:
ولا ينبغي أن: يدع الصلاة في الجماعة عامة، وفي الصبح والعشاء خاصة فلهما زيادة فضل، والمستحب التغليس) في الفجر اقتداء بالنبي، وفي حديث أنس عنه قال في صلاة الصبح من توضأ ثم توجه إلى المسجد يصلي فيه الصلاة كان له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة والحسنة بعشر أمثالها فإذا انصرف بعدما صلى عند طلوع الشمس كتبت له بكل شعرة في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة وإن جلس حتى يركع الضحى كتبت له بكل ركعة ألف ألف حسنة ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بحجة مبرورة (2) وكان عادة السلف دخول المسجد قبل طلوع الفجر.
وقد روي أن أبا هريرة قال لرجل دخل المسجد قبل الفجر: أبشر فإنا كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد في هذه الساعة بمنزلة غزوة في سبيل الله (3). ثم لا ينبغي أن يشتغل الإنسان بعد ركعتي الفجر بالتسبيح والدعاء والاستغفار إلى أن تقام الصلاة فيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا الحي / القيوم، وأسأله التوبة سبعين مرة [437] وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم يصلي الفريضة مراعياً آدابها ظاهراً وباطناً في الصلاة والقدوة، فإذا فرغ منها قعد في المسجد إلى طلوع الشمس يذكر الله تعالى.
هو
(1) حديث التغليس متفق عليه من حديث عائشة قاله الحافظ العراقي في المغني (513/ 1) طبعة دار
الحديث.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (514/ 1): لم أجد له بهذا السياق أصلاً وفي شعب الإيمان للبيهقي من حديث أنس بسند ضعيف.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (514/ 1) طبعة دار الحديث: لم أقف له على أصل.
قناطر الخيرات/ ج 3/ 265 (3/401)
صفحة 1258
402
قنطرة العبادة
وقد روي عن النبي أنه قال: «لأن أقعد في مجلس أذكر الله تعالى فيه من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب (1).
(2)
الله وقد قيل أنه كذلك يفعل، وروي في فضل ذلك ما لا يحصى، وقال فيما يرويه عن تعالى: يا ابن آدم اذكرني بعد الفجر ساعة ومن بعد صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما (2). أن لا يتكلم ويشتغل بالدعاء وذكر الله وقراءة القرآن، وينبغي أن يكرر هذه
وينبغي
الكلمات العشر، فقد ورد في تكريرها فضائل يطول ذكرها:
فالأولى: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي
لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير (3).
الثانية: (سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم (4).
الثالث: سبوح قدوس رب الملائكة والروح (5).
والرابعة: «سبحان الله العظيم وبحمده» (6).
الخامسة: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأسأله التوبة (7).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: (514/ 1) أخرجه أبو داود من حديث أنس.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (515/ 1): أخرجه ابن المبارك في الزهد هكذا مرسلاً.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث تقدم من حديث أبي أيوب تكرارها عشراً دون قوله: «يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير فإنها في اليوم والليلة للنسائي من حديث أبي ذر
لا دون قوله: «وهو حي يموت وهي كلها عند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف فيما يقال عند الصباح والمساء. وتقدم تكرارها مائة ومائتين وللطبراني في الدعاء من حديث عبد ا الله بن عمر وتكرارها
ألف مرة وإسناده ضعيف. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد الخدري استكثروا من الباقات الصالحات فذكرها. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث لم أجد ذكرها مكررة ولكن عند مسلم من حديث عائشة أنه كان يقولها في ركوعه وسجوده وقد تقدم ولأبي الشيخ في الثواب من حديث
البراء اكثر من أن تقول سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح».
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(7) قال الحافظ في المغني (516/ 1) أخرجه المستغفري في الدعوات من حديث معاذ فيه ضعف وهكذا رواه الترمذي من حديث أبي سعيد في قولها ثلاثاً والبخاري من حديث أبي هريرة ولمسلم من حديث
الأعرابي. (3/402)
صفحة 1259
قنطرة العبادة
403
السادسة: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معط لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك
الجده (1).
السابعة: «لا إله إلا الله الملك الحق المبين (2).
الثامنة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع
العليم (3).
التاسعة: اللهم صل على محمد وعلى من صلح من آل محمد عبدك ورسولك النبي
الأمي (1).
العاشرة: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ربِّ إني أعوذ / بك من همزات [438]
الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون (5).
وهو
أفضل من
أن
فهذه العشر كلمات إذا كرر كل واحدة منها عشر مرات حصل له مائة يكرر ذكراً واحداً مائة؛ لأن لكل واحدة من هذه الكلمات فضلاً على حياله، وللقلب بكل
واحدة نوع استراحة.
(1)
قال الحافظ لم أجد تكرارها في حديث وإنما وردت مطلقة عقب الصلوات وفي الرفع من الركوع. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه المستغفري في الدعوات والخطيب في الرواة عن مالك من حديث علي وفيه الفضل بن غانم ضعيف ولأبي نعيم في الحلية وفيه سليم الخواص ضعيف. وقال فيه: أظنه عن علي. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وصححه من حديث عثمان قال الترمذي حسن صحيح غريب.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (516/ 1) طبعة دار الحديث: ذكره أبو القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي في فضائل القرآن من حديث ابن أبي أوفى من أراد أن يموت في السماء الرابعة فليقل كل يوم ثلاث مرات فذكره وهو منكر: قلت ـ أي الحافظ العراقي - ورد التكرار عند الصباح والمساء من غير تعبير لهذه الصيغة رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء بلفظ: «من صلى علي حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة» وفيه انقطاع. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (517/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث معقل بن يسار الحديث ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة وقال: حسن غريب ولابن أبي الدنيا من حديث أنس مثل حديث مقطوع قبله: من قالها حين يمسي عشر مرات أجير من الشيطان إلى الصبح .. ولأبي الشيخ في الثواب من حديث عائشة ألا أعلمك كلمات تقولها ثلاث مرات قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون والحديث عند أبي داود والترمذي وحسنه الحاكم وصححه فيما يقال عند الفراغ دون تكرارها ثلاثاً من حديث عبد الله: بن عمرو.
الحديث (3/403)
صفحة 1260
404
قنطرة العبادة
وأما الدعاء: فيدعو بما قدر عليه من الأدعية المأثورة المتقدمة، وأما القراءة فيستحب له أن يقرأ جملة من الآثات منها: سورة الحمد، وقل اللهم مالك الملك .... ) الآيتين وقوله: (لقد جاءكم رسول .... الآية، وقوله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق .... ) إلى آخرها، وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً. . . . (1) الخ، وخمس آيات من أول الحديد وثلاثاً من آخر سورة الحشر، وقل الله أحد والمعوذتين، وقل يا أيها
هو
الكافرون، وآية الكرسي كل واحدة من هذه السور يقرأها سبعاً وإن أضاف إليها غيرها من
القرآن فحسن (2).
وبالجملة فالقرآن جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان يتدبر كما تقدم فضل ذلك، وقد اقتصر أصحابنا في ذلك على قراءة القرآن وقد قال عليه السلام: «أفضل عبادة أمتي
قراءة القرآن (3).
وينبغي له التفكر أيضاً كما تقدم فيما ينفعه من المعاملة بينه وبين ربه، وأن يحاسب نفسه فيما سبق من تقصيره، وليحضر في قلبه النيات الصالحات في أعماله وليتفكر في نعم الله تعالى
ليكثر شكره عليها.
وينبغي له أن يتخذ للشيطان مجناً وهو الصوم ليضيق به مجاري الشيطان الصارف له عن [439] سبيل الرشاد، وليس بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر / وفرض الصبح إلى الطلوع، وكان عليه السلام وأصحابه يشتغلون فيه بالأذكار فهو الأولى.
والورد الثاني: ما بين طلوع الشمس إلى ضحوة النهار، أعني بالضحوة انتصاف ما بين الطلوع إلى الزوال، وذلك مقدار ثلاث ساعات أو ما شاء الله فله فيه وضيفتان:
أحدهما: صلاة الضحى والأولى فيها أن يصلي ركعتين إذا ارتفعت الشمس مقدار رمح، وهو المراد بالإشراق في قوله: يسجن بالعشي والإشراق لأن الصبح تقع وقت الكراهية إذ قال عليه السلام: إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها فيصلي أربعاً أو ستاً أو ثمانياً إذا رمضت الفصال وضحيت الأقدام بحر الشمس (4).
(1) سورة الإسراء، الآية: 111.
(1) ,
(2) أورده الحافظ العراقي في المغني (517/ 1 (518) أن الوارد في كل هذه الآيات ضعيف. (3) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (464/ 4) والمتقي الهندي في كنز العمال (2356، 2358،
(2264، 2265
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 324 طبعة دار الحديث). أخرجه النسائي من حديث عبد الله = (3/404)
صفحة 1261
قنطرة العبادة
405
كما
روي أنه عليه السلام خرج على أصحابه وهم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته: أَلا أَنَّ صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال (1).
والوضيفة الثانية: في هذا الوقت ينبغي له أن يشتغل بنوع من الخيرات، إما تشييع جنازة، أو عيادة مريض، أو إعانة على بر وتقوى أو حضور مجلس علم أو ما يجري مجراه من قضاء حاجة مسلم أو إشتغال بكسب معاش إن كان تاجراً فبصدق وأمانة، وإن كان صانعاً فبنصح وإتقان وكذا ما أشبه هذا. من وجوه المكاسب.
ولا ينبغي أن ينسى ذكر الله في جميع أشغاله فمهما حصلت له الكفاية فليرجع إلى بيت ربه وليتزود لآخرته، وقد قيل: لا يوجد المؤمن إلا في ثلاثة مواطن: مسجد يعمره أو بيت يستره أو حاجة لا بد له منها، وقل ما يجد الإنسان ما لا بد له منه؛ لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فيصغون إليه فيجمعون ما لا يأكلون ويزعمون أنه لا بد لهم منه والله يعدهم مغفرة منه وفضلاً فيعرضون عنه. الورد الثالث / من ضحوة النهار إلى الزوال. فينبغي له أن يشتغل فيه بما تقدم من وجوه الخير مع لا بد منه من كسب المعاش، ثم لا ينبغي له أن يغفل عن القيلولة، فهي سنة يستعين بها على قيام الليل كما يستعين بالسحور على صوم النهار، فإن كان لا يقوم الليل ولكن لو لم ينم لم يشتغل بخير فالنوم أحب إليه من مخالطة أهله للغفلة إذ في النوم الصمت
والسلامة.
وقد قيل: يأتي على الناس زمان الصمت والنوم فيه أفضل أعمالهم، فإن لم ينم واشتغل بأعمال الخير فذلك أفضل أعمال النهار وفضل ذلك الوقت كفضل إحياء الليل؛ لأنه وقت غفلة الناس، ثم إذا نام فينبغي أن ينتبه قبل وقت الزوال ليستعد بالوضوء للصلاة والله أعلم.
الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الغابر، فإذا استعد فلينصت لفراغ المؤذن وجوابه، وليصل أربع ركعات قيل: يفصل بينهما بالسلام، وقيل: لا يفصل إذ صلاها النبي عليه السلام وقال: «أحب أن يرفع لي فيها عمل ثم يصلي الظهر ثم يصلي ركعتين ثم أربعاً».
الصنابحي وهو مرسل ومالك هو الذي يقول عبد الله الصنابحي ووهم فيه والصواب عبد الرحمن ولم ير النبي.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (522/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم دون قوله: «فنادى بأعلى صوته وهو عند مسلم دون ذكر الإشراف.
[440] (3/405)
صفحة 1262
406
قنطرة العبادة
ثم كره ابن مسعود أن تتبع الفريضة بمثلها ثم يجمع بين التسبيح والذكر والدعاء كما تقدم. الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر يستحب فيه العكوف في المسجد مشغولاً بالذكر، أو بالصلاة، أو بفنون الخير من التعلم والتعليم أو الوعظ، فإن كان بيته أسلم لدينه فالبيت أفضل في حقه ويكره النوم فيه لمن نام قبل الزوال إذ تكره نومتان في النهار، ولكن لما كان النوم. غذاء الروح بد من استيفاء حقه بالليل أو بالنهار وليراع الاعتدال لأن إقلاله ربما يفضي إلى اضطراب البدن إلا أن يتعود السهر تدريجاً فقد تمرن النفس عليه من غير
اضطراب.
كان لا
الورد السادس: دخول صلاة العصر وهو العشي الذي أقسم الله به في قوله تعالى: والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (1).
وليس في هذا الورد إلا أربع ركعات بين الأذانين ثم يصلي العصر / ويشتغل بالأقسام
المذكورة في الورد الأول.
الورد السابع: إذا اصفرت الشمس وترى صفرة في ضوءها فيستحب فيه التسبيح والاستغفار كما تقدم لقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنَبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} (2). فجميع ما ذكرنا طريق إلى الله تعالى، وفي الخبر: الإيمان ثلاث وثلاثون وثلاثمائة طريقة من لقي الله بالشهادة على طريق منها دخل الجنة (3).
وقال بعض العلماء: الإيمان ثلاثمائة وثلاثة عشر خلقاً بعدد الأنبياء، فكل مؤمن على خلق منها فهو سالك للطريق فالناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصراط، فأقربهم إلى الله أعرفهم به وأعبدهم له، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (4) كما ورد في الحديث، وقد قال عليه السلام: من عوده الله عبادة فتركها ملالة
•
مقته الله (5)
(1) سورة العصر، (الآيتان: (1، 2). (2) سورة غافر، الآية: 55.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (541/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه ابن شاهين والألكائي في السنة والطبراني والبيهقي في الشعب من رواية المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده الإيمان ثلاثمائة وثلاث وثلاثون شريعة
من وافي شريعة منهن دخل الجنة وقال الطبراني والبيهقي ثلاثمائة وثلاثون وفي إسناده جهالة. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (541/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث عائشة. (0) قال الحافظ العراقي في المغني (541/ 1) طبعة دار الحديث: موقوف على عائشة.
[441] (3/406)
صفحة 1263
قنطرة العبادة
وسئلت عائشة
407
عن. عمله عليه السلام فقالت: كان عمله ديمة (1)، ويحب أن يقرأ عند
الغروب والشمس، والليل، والمعوذتين، ولتغرب الشمس وهو في الاستغفار، وإذا سمع المؤذن قال: اللهم هذا إقبال ليلك ... الدعاء كما تقدم، وقد انتهت أوراد النهار فينبغي
أن يحاسب نفسه ولا يغفل والله أعلم.
بيان أوراد الليل: وهي. خمسة:
الأول: إذا غربت الشمس فإنه يصلي المغرب وركعتين بعدها يقرأ فيهما بـ قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وهوقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ويصليهما عقيب المغرب من غير أن يتكلم بينهما، ثم يصلي أربعاً يطيلها ثم يصلي إلى غيوبة الشفق ما تيسر له.
وعن
عائشة عنه عليه السلام قال: أفضل الصلوات عند الله تعالى صلاة المغرب لم
يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعده ركعتين / بنى الله له قصرين في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له [442] ذنب عشرين، أو قال: (أربعين سنة (2).
وفي حديث آخر: من صلى بعد المغرب ست ركعات عدلت له عبادة سنة، وكأنه
صلى ليلة القدر (3).
وعنه عليه السلام قال: من عكف نفسه ما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو بقرآن كان حقاً على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منها مائة عام ويغرس له بينهما غروساً لو ضافه أهل الدنيا لوسعهم»، وقال: «من صلى بين المغرب والعشاء فذلك صلاة الأوابين». وقال الأسود: ما أتيت ابن مسعود في هذا الوقت إلا ورأيته يصلي، ويقال فيه نزل: تتجافى جنوبهم عن المضاجع).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (541/ 1) طبعة دار الحديث رواه مسلم كان عمله ديمة وكان إذا عمل
عملاً أثبته.
(2) أطراف الحديث عند المتقي الهندي في كنز العمال (19431) والهيثمي في مجمع الزوائد (309/ 1) والسيوطي في الدر المنثور (300/ 1). (3) أطراف الحديث عند ابن ماجه (1374) والزبيدي في الإتحاف (182/ 5) والمتقي الهندي (19430) والألباني في السلسلة الضعيفة (448). (3/407)
صفحة 1264
408
قنطرة العبادة
الورد الثاني: دخول وقت العشاء إلى وقت نومة الناس وهو استحكام الظلام، ينبغي أن يراعى فيه ثلاثة أمور:
الأول: أن يصلي سوى فرض العشاء عشر ركعات، أربعاً قبل الفرض إحياء لما بين الأذانين، وستاً بعد الفرض ركعتين ثم أربعاً يستحب أن يقرأ فيهن آخر البقرة، وآية الكرسي، وأول الحديد وغيرها. الثاني: أن يصلي ثلاث عشرة ركعة إحداهن الوتر، فإنه أكثر ما روي أن النبي عليه السلام صلى به من الليل والأكياس يأخذون أوقاتهم أول الليل والأقوياء من آخره والحزم التقدم، فإنه ربما لا يستيقظ، أو يثقل عليه القيام إلا إذا كان له ذلك عادة، فآخر الليل أفضل ثم يقرأ في هذه الركعات ما كان يكثر قراءته عليه السلام مثل يس والسجدة، ولقمان، وسورة الدخان، وتبارك الملك والواقعة، والزمر.
ويروي
،
أنه كان يقرأ المسبحات كل ليلة ويقال: فيها آية أفضل من ألف آية، وفي خبر [443] آخر أنه: كان يقرأ في ركعات الوتر: سبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون / فإذا فرغ قال: سبحان الملك القدوس»، ثلاثاً.
الثالث: الوتر، فليوتر إن لم يكن عادته القيام وإلا فآخر الليل أفضل، إذ قال عليه
السلام: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة».
الورد الثالث: النوم، ولا بأس أن يعد من الأوراد إذا حسنت فيه النية، لأنه قيل: إذا نام العبد على طهارة ذاكراً الله عز وجل، فإنه يكتب مصلياً حتى يستيقظ، ويدخل في شعاره ملك، فإذا تحرك وذكر الله استغفر له الملك ودعا له.
وقال معاذ لأبي موسى الأشعري: كيف تصنع في قيام الليل؟ قال: أقوم الليل أجمع وأتفوق القرآن فيه تفوقاً. قال معاذ: لكني أنام ثم أقوم فأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «معاذ أفقه منك».
و آداب النوم عشرة: الأول: الطهارة والسواك، قال عليه السلام: «إذا نام العبد على
طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة وإن لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق (1).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني: (529/ 1): أخرجه ابن المبارك في الزهد موقوفاً على أبي الدرداء
= (3/408)
صفحة 1265
قنطرة العبادة
الغيب.
409
وهذا أريد به طهارة الظاهر والباطن جميعاً، وطهارة الباطن هو المؤثر في كشف حجب
الثاني:: أن يعد طهوره وسواكه عند رأسه وينوي القيام للعبادة عند التيقظ، فكلما انتبه استاك كذلك عادة السلف ويقال أن النبي عليه السلام يستاك مراراً عند نومه، وإن لم تمكنه الطهارة فليمسح أعضاءه بالماء، قيل: يستحب ذلك وإن لم يجد فليقعد وليستقبل القبلة وليشتغل بالذكر والدعاء والتفكر فذلك يستحب وقال عليه السلام: (من أتى فراشه وهو ينوي
أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من الله تعالى (1). الثالث: أن لا يبيت إلا ووصيته عنده مكتوبة، فإنه لا يأمن من القبض في النوم، ويقال: إن من مات من غير وصية / لم يؤذن له في الكلام في البرزخ إلى يوم القيامة، فتتزاور الأموات [444] ويتحدثون وهو لا يتكلم فيقول بعضهم لبعض: هذا المسكين مات من غير وصية.
الرابع: أن ينام تائباً سليم القلب لجميع المسلمين وعن النبي عليه السلام قال: «من آوى
إلى فراشه لا ينوي ظلم أحد ولا يحقد على أحد غفر الله له ما جرم (2). الخامس: أن لا يتنعم بتمهيد الفراش وكان أهل الصفة لا يجعلون بينهم وبين التراب حاجزاً، ويقولون: منها خلقنا وإليها نعود وكانوا يرون ذلك أرق لقلوبهم، ومن لم تسمح
نفسه فليقتصد.
السادس: أن لا ينام ما لم يغلبه النوم، ولا يتكلفه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام آخر الليل، فقد كان الأصفياء نومهم غلبة وأكلهم، فاقة وكلامهم ضرورة ولذلك وصفوا: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون).
السابع: أن ينام مستقبل القبلة وذلك على وجهين إما مستلقياً على قفاه وإما على جنبه
الأيمن ووجهه إلى القبلة كاستقبال اللحد.
والبيهقي في الشعب موقوفاً على عبد الله بن عمرو بن العاص وروى الطبراني في الأوسط من حديث
عليه. وهو ضعيف.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (530/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي
الدرداء بسند صحيح.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (531/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الدنيا من حديث أنس من أصبح لم يهم بظلم أحد غفر له ما أجترم، وسنده ضعيف. (3/409)
صفحة 1266
410
قنطرة العبادة
الثامن: الدعاء كما تقدم قبل هذا (1).
ويستحب أن يقرأ الآيات المخصوصة مثل: آية الكرسي وآخر البقرة، وإلهكم إله واحد. ... ) الآية، ويقال: أن من قرأه عند النوم يحفظ عليه القرآن فلا ينساه ويقرأ: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض .... الآية، وقل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن .... إلى آخر بني إسرائيل.
يقال أنه يدخل في شعاره ملك موكل يحفظه ويستغفر له ويقرأ المعوذتين في يديه ويمسح بهما وجهه وجسده، روي ذلك من فعل النبي عليه السلام وليقرأ عشراً من أول الكهف، وعشراً من آخرها وهذه الآي للاستيقاظ لقيام الليل وكان علي يقول: ما أرى أن رجلاً مستكملاً عقله ينام قبل أن يقرأ الآيتين من سورة البقرة وليقل خمساً وعشرين مرة
[445] سبحان الله والحمد / الله ولا إله إلا الله والله أكبر ليكون مجموع هذه الكلمات مائة مرة. التاسع: أن يتذكر عند النوم نوع وفات والتيقظ نوع بعث، قال الله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فكما أن المستيقظ يشاهد أحوالاً لا تناسب أحواله في النوم، كذلك المبعوث يرى ما لا يخطر بباله ومثل النوم بين الحياة والموت مثل البرزخ بين الدنيا والآخرة.
تنم
وقال لقمان: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا. كما أنك تنام، فكذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه كما أنك تنتبه بعد نومك فكذلك تبعث بعد موتك، فيحق على العبد أن يفتش عن قلبه على ماذا ينام أما الغالب على قلبه حب الله ولقاءه، أو حب الدنيا، وليتحقق أنه يتوفاه على ما هو الغالب عليه ويحشره على ما يتوفاه فإن المرء مع من أحب وما
أحب.
العاشر: الدعاء عند تلقباته، بما كان عليه السلام يقوله، وذلك: «لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (2). وليجتهد أن يكون آخر ما يرد على قلبه عند النوم ذكر الله فهو أول ما يرد على قلبه عند
(1) الدعاء المأثور عند النوم باسمك اللهم رب وضعت جنبي .. الحديث إلى آخر الدعوات المأثورة التي
سبق ذكرها.
.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (533/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن السني وأبو نعيم في كتابيهما عمل اليوم والليلة من حديث عائشة. (3/410)
صفحة 1267
قنطرة العبادة
811
التيقظ فهو علامة الحب، ولا يلازم القلب في هاتين الحالتين إلا ما هو الغالب عليه فليجرب نفسه، فإنها علامة تكشف عن باطن القلب فإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور إلى آخر الدعاء المتقدم.
الورد الرابع: يدخل بمضي النصف الأول من الليل إلى أن يبقى سدسه، وبه أقسم الله تعالى: والليل إذا سجى، وفي هذا الوقت لا تبقى عين إلا وهي نائمة إلا الحي القيوم،
وسئل النبي عليه السلام: «أيُّ الليل أسمع فقال: «جوفه (1)). وقال داود / عليه السلام: إلهي أحب أن أتعبد إليك فأي وقت أفضل؟ فأوحى الله إليه: [446] يا داود لا تقم أول الليل ولا آخره؛ فإنه من قام أوله نام آخره، ومن قام آخره لم يقم أوله، ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وارفع إليَّ حوائجك، وسئل النبي عليه السلام: أي الليل أفضل؟ قال: نصف الليل الغابر» (2). يعني الباقي، وقال: «ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي لفرضتها عليهم وعنه عليه السلام قال: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خير إلا
أعطاه إياه».
(r),
وقال: يا أبا هريرة أتريد أن تكون نعمة الله عليك حياً ومقبوراً أو مبعوثاً فقم من الليل فصل وأنت تريد رضى ربك يا أبا هريرة صل في زوايا بيتك يكن نور بيتك في السماء كنور الكواكب والنجوم عند أهل الدنيا» (4).
وقال: عليكم» بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله وتكفير للذنوب
" (0)
ومطردة للداء عن الجسد ومنهاة عن الإثم (5).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (533/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث عمرو بن عنبسة. قال محقق الإحياء الترمذي أخرجه من حديث أبي أمامة وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2782).
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (533/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه ابن حبان وأحمد من حديث أبي ذر دون قوله الغابر وهي في بعض طرق الحديث عمرو بن عنبسة. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (545/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه آدم بن إياس ومحمد بن نصر المروزي في كتاب فيام الليل من رواية حسان بن عطية مرسلاً ووصله أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمرو لا يصح.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (545/ 1) طبعة دار الحديث: باطل لا أصل له. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (545/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي من حديث بلال وقال: = (3/411)
صفحة 1268
412
الله وقال: «رحم وجهها الماء (1)
قنطرة العبادة
رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في
وقال: «من استيقظ فأيقظ امرأته وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً
والذاكرات (2).
وقال يوسف بن مهران: بلغني أن تحت العرش ملكاً على صورة ديك براثينه من اللؤلؤ وصيصته من زبرجد أخضر، فإذا مضى ثلث الليل ضرب بجناحه فزقا فقال: ليقم القائمون، فإذا مضى ثلثا الليل ضرب بجناحه وزقا فقال: ليقم المصلون فإذا أصبح ضرب بجناحه وزقا فقال: ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم. ويروى أن الله تعالى قال: إن عبدي الذي هو عبدي. حقاً [447] هو الذي لا ينتظر لقيامه / صياح الديك.
=
فصل
اعلم أن قيام الليل عسيراً إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً، أما الظاهرة فأربعة:
للنوم.
الأول: أن لا يكثر الأكل فيكثر الشراب فيغلبه النوم، ويثقل عليه القيام. الثاني:: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال التي تعيي بها الجوارح؛ فإن ذلك مجلبة
الثالث: أن لا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها سبب لتقليل النوم بالليل.
الرابع: أن لا يكتسب الأوزار بالنهار؛ فإن ذلك يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، فالذنوب كلها تقسي القلب، وتمنع من قيام الليل ولا سيما أكل الحرام، ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن الرجل ليأكل أكلة، أو يفعل فعلة يحرم بها قيام سنة.
وصحيح
غريب ولا يصح، ورواه الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة بسند حسن وقال الترمذي: إنه أصح. (1) قال الحافظ العراقي في المغني (547/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال محقق الإحياء: قال الألباني في صحيح الجامع (3494) المشكاة (1230). (2) قال الحافظ العراقي في المغني (547/ 1) طبعة دار الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بسند صحيح. قال محقق الإحياء أخرجه أبو داود والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع (6030). (3/412)
صفحة 1269
قنطرة العبادة
413
وأما الميسرات الباطنة فأربعة: الأول: سلامة القلب من الحقد وفضول الدنيا، فالمستغرق بهموم الدنيا لا يتسنى له القيام، و إن قام فلا يتفكر إلا في مهماته، وفي مثل ذلك قيل وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم.
الثاني: خوف غالب في القلب مع قصر الأمل كما قال بعضهم: إذا ذكرت النار اشتد
خوفي، وإذا ذكرت الجنة طال شوقي، فما أقدر أن أنام، ولذي النون: منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا وهموا من الملك الجليل كلامه فرقابهم ذاك لكيما يخضعا وقال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين.
الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع هذه الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم بذلك رجاءه، وشوقه لثوابه فيهيجه الشوق فطلب المزيد رغبة في درجات الجنة وخوفاً من
النيران.
الرابع: حب | الله تعالى وهو أشرف البواعث له وذلك / من قوة الإيمان فإنه في قيامه لا [448] يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه، وإذا أحب الله عز وجل أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بمناجاته، ولا ينبغي أن يستبعد هذا إذ يشهد له العقل والنقل:
أما العقل فليعتبر حال المحب لشخس بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه كيف يتلذذ بالخدمة له، والخلوة به حتى لا يأتيه النوم والرجاء في حق الله سبحانه أصدق، وما وعده تعالى أنفع وأبقى، وأما النقل فأكثر من أن. يحصى.
وقال بعض العلماء: إن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين: إن لي عباداً يحبونني وأحبهم، ويشتاقون إليَّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم، وينظرون إليَّ وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقتهم أحببتك، وإن عدلت. مقتك.
عنهم
قال: يا رب ما علامتهم؟ قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلي أقدامهم وافترشوا إليَّ وجوههم وناجوني بكلامهم، وتملقوا إليَّ بإنعامي عليهم، فهم بين صارخ وباك وبين متأوه وشاك، يعني ما يتحملون من أجلي، أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني وبسمعي ما يشتكون من حبي. أخبر عنهم، والثانية: لو كانت السماوات السبع والأرض في موازنهم لاستقللتها لهم، والثالثة:
كما (3/413)
صفحة 1270
[124]
414
قنطرة العبادة
أقبل بوجهي عليهم، أفترى من أقبلت بوجهي عليه، أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه. وشكى بعض المريدين إلى أستاذه طول سهر الليل وطلب حيلة تجلب النوم. / فقال أستاذه: إن الله عز وجل نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطاء القلوب النائمة، فتعرّض لتلك النفحات فقال: يا أستاذي تركني لا أنام بالليل ولا بالنهار. ومطلوب القائمين تلك الساعة، وهي مبهمة في جوف الليل كليلة القدر في رمضان، وساعة يوم الجمعة، وبالله التوفيق.
وهذا هو الورد الخامس: وفيه يستحب السحور، وذلك عند خوف طلوع الفجر، الوظيفة في هذين الوقتين الصلاة فإذا طلع الفجر انقطعت أوراد الليل ودخلت أوراد النهار فيقوم فيصلي ركعتي الفجر وهو المراد بقوله: فسبحه وإدبار النجوم، ثم ليقرأ: وشهد الله أنه لا إله إلا هو. .. إلى آخرها فيقول: وأنا أشهد بما شهد الله به لنفسه، وشهدت له به ملائكته، وأولوا العلم من خلقه، واستودع الله هذه الشهادة وأسأله حفظها عليَّ حتى يتوفاني عليها حتى ألقاك عليها غير مبدل تبديلا.
فهذا ترتيب الأوراد للعبادة وقد كانوا يستحبون أن يجمعوا مع ذلك أربعة أمور: صوماً، وصدقة وإن قلت، وعيادة مريض وشهادة جنازة، وفي الخبر: «من جمعها كل يوم غفر له» وفي رواية أخرى: «دخل الجنة». وفي الخبر: يصبح ابن آدم وعلى كل سلامي من جسده صدقة، - يعني مفاصل جسده، وهي ثلاث مائة وستون مفصلاً ـ فأمرك بالمعروف صدقة ونهيك عن المنكر صدقة وحملك على الضعيف صدقة وهدايتك إلى الطريق صدقة وإماطتك الأذى صدقة»، حتى ذكر التسبيح والتهليل ثم قال: وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله (1). والله نسأله الفوز والتوفيق والعصمة من الخطأ والذلل وصلى الله على سيدنا محمد سيد
الأولين والآخرين والحمد لله رب العالمين.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (537/ 1) طبعة دار الحديث: أخرجه مسلم من حديث أبي (3/414)
صفحة 1271
القنطرة الخامسة عشرة قنطرة القوادح في الطاعات
[450]
وهما الرياء والعجب وما ينشأ عنهما من مفسدات العبادة ومحبطات الطاعات، وهذه
القنطرة تحتوي على بابين، وخمسة فصول.
الباب الأول في الرياء
احذر يا أخي على عملك مما يفسده عليك؛ فإن الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك، والمرائي ممقوت عند الله، وقد شهدت بذلك الآيات والأخبار والآثار. أما الآيات فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ .... ، إلى قوله: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (1)، وقوله: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ) (2).
فحكي عن مجاهد أنه قال: هم أهل الرياء، وقال تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّن اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ الله (3)، قيل: أنهم عملوا أعمالاً لا يرونها في الدنيا حسنات بدت لهم يوم
القيامة سيئات.
وكان بعض العلماء إذا قرأ هذه الآية قال: ويل لأهل الرياء، وقال الله تعالى: فمن كان
يرجو لقاء ربه. الآية.
.
يقال: أنها نزلت فيمن طلب الأجر والثناء بعمله ويقال: نزلت في رجل كان إذا صلى وصام أو تصدق فذكر بخير ارتاح لذلك وزاد في عمله لمقالة الناس. وأما الأخبار فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك
(1)
سورة الماعون، الآيات: 4، 5، 6. (2) سورة فاطر، الآية: 10.
(3) سورة الزمر، الآية: 47. (3/415)
صفحة 1272
416
قنطرة القوادح في الطاعات
الأصغر»، قيل: وما هو؟ قال: الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء»، وسأله رجل فقال: يا رسول الله فيم النجاة؟ قال: أن لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس» (1).
وفي الحديث عنه عليه السلام أن الله تعالى يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشركة فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته له كله فإني لا أقبل إلا ما كان خالصاً لي (2).
(2)
وقيل: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة إذا التمس ثواب عمله: ألم نوسع لك في المجالس؟ ألم تكن المرؤوس في الدنيا؟ ألم يرخص بيعك وشراؤك؟ ألم تكرم؟ .... وما
أشبه هذا.
وعن النبي / عليه السلام أن الجنة تكلمت فقالت: أنا حرام على كل بخيل
ومرائي.
جمع
وعن أبي هريرة عنه قال: إن أول ما يدعى يوم القيامة للحساب رجل قد القرآن ورجل قاتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله تعالى للقاراء ألم أعلمك ما أنزلت على رسلي فيقول: بلى يا رب فيقول: ما عملت فيما علمت فيقول: يا رب قمت به أناء الليل وأطراف النهار فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة كذبت فيقول الله: بل أردت أن يقال فلان قاراء فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد فيقول: بلى يا رب فيقول: ما عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة كذبت فيقول الله: بل أردت أن يقال فلان سخي فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول: ما فعلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت فيقول الله: بل أردت
أن يقال: فلان
جريء فقد قيل
ذلك (3).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (455/ 3) طبعة دار الحديث في نحوه أخرجه أحمد والبيهقي في الشعب من حديث محمود بن لبيد وله رواية ورجاله ثقات ورواه الطبراني من رواية محمد بن لبيد عن
رافع بن خديج. (2) أطراف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (263/ 8)، (63/ 10، 51) والبيهقي في والصفات (213) والمنذري في الترغيب والترهيب (69/ 1) والربيع بن حبيب في مسنده (17/ 1). (3) قال الحافظ العراقي في المغني (455/ 3) طبعة دار الحديث رواه مسلم.
الأسماء
[201] (3/416)
صفحة 1273
قنطرة القوادح في الطاعات
417
قال: ثم ضرب رسول الله له على ركبتي أبي هريرة فقال: «يا أبا هريرة أولئك أول
خلق الله تسعر بهم نار جهنم.
فأخبر عليه السلام أنهم لم يتوبوا وأن ريائهم هو الذي أحبط أعمالهم، وعن ابن عمر قال: قال عليه السلام من رآئي رآئي الله به ومن سمّع سمع الله به (1).
وقال عليه السلام: «استعيذوا بالله من جب الحزن قيل وما هو يا رسول الله؟ قال: «واد في جهنم أعد للقراء المرائين (2).
لئلا
ويمسح
شفتيه
وقال عيسى عليه السلام: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه، فإن الله
يقسم الثناء كما يقسم الرزق.
وقال عليه السلام: لا يقبل الله عملاً فيه مثقال ذرة من رياء» (3).
لمعاذ / وقال عمر
بن جبل ورآه يبكي ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من صاحب هذا [452]
القبر ـ يعني النبي عليه السلام - يقول: «إن أدنى الرياء شرك» (4).
وقال عليه السلام: أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهرة الخفية». وهذا إيماء إلى خفايا الرياء، وقال عليه السلام: إن المرائي ينادي عليه بأربعة أسماء: يا فاجر يا غادر يا خاسر ضل عملك وحبط أجرك اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له (5).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (455/ 3) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من رواية شيخ يكنى أبا يزيد عنه بلفظ الله من سمع الناس سمع به سامع خلقه وحقره وصغره وفي الزهد لابن المبارك ومسند أحمد بن منيع
أنه
من حديث عبد الله بن عمرو.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (456/ 3) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال: غريب وابن ماجه من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عدي.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (456/ 3) طبعة دار الحديث: لم أجده هكذا. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (456/ 3) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني هكذا والحاكم بلفظ اليسير من الرياء شرك، قال محقق الإحياء ضعيف جداً وذكره الألباني في ضعيف الجامع (1379). (5) قال الحافظ العراقي في المغني (456/ 3) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية جبلة اليحصبي عن صاحبي لم يسم وزاد يا كافر يا خاسر ولم يقل يا مرائي، وإسناده ضعيف.
قناطر الخيرات/ ج 3/م 27 (3/417)
صفحة 1274
418
،
قنطرة القوادح في الطاعات
وعن شداد بن أوس قال: رأيت النبي عليه السلام يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: «إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولكنهم ليراؤون بأعمالهم (1). وقال عليه السلام لما خلق الله الأرض فمادت بأهلها فأوتدها بالجبال فقالت الملائكة ما خلق ربنا خلقاً أشد من الجبال فخلق الله الحديد فقطع الجبال ثم خلق النار فأذابت الحديد ثم أمر الله الماء فأطفأ النار فأمر الريح فركدت الماء فاختلفت الملائكة فقالت: نسأل الله فقالت يارب ما أشد. من خلقت من خلقك؟ فقال الله لم أخلق شيئاً أشد من ابن آدم حين تتصدق يمينه فيخفيها عن شماله فهذا أشد خلقاً خلقته (2).
وروي أن رجلاً قال لمعاذ رحمه الله حدثني حديثاً سمعته من رسول الله، قال؛ فبكى معاذ حتى ظن الرجل أنه لا يسكت ثم سكت ثم قال: سمعت رسول الله قال: يا معاذ، قلت له: لبيك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال: إني لأحدثك حديثاً إن أنت حفظته نفعك وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله يوم القيامة يا معاذ إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم خلق السماوات والأرض فجعل لكل سماء من السبع ملكاً بواباً عليها قد جللها عظماً فتصعد الحفظة بعمل العبد من حيث أصبح إلى 453] أن أمسى له نور كنور الشمس حتى إذا طلعت به إلى سماء الدنيا ذكرته فكثرته فيقول / الملك للحفظة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي ألا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، قال: ثم تأتي الحفظة بعمل صالح أعمال العبد فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به إلى السماء الثانية فيقول لهم الملك بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان يفختر على الناس في مجالسهم»، قال: فتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج له نور من صدقه وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة فيجاوزون به الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إني ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إنه كان يتكبر على الناس في قال: فتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدري له دوي من
مجالسهم»،
من
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (457/ 3) طبعة دار الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم بنحوه. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (457/ 3): أخرجه الترمذي من حديث أنس مع ا اختلاف وقال: غريب. قال المحقق: ذكر ابن حجر في الفتح حديثاً عند الإمام أحمد برواية أنس نحواً من ذلك وقال: إسناده
حسن (172/ 2) الفتح. (3/418)
صفحة 1275
قنطرة القوادح في الطاعات
819
تسبيح وصلاة وحج وعمرة حتى يجاوزوا بها إلى السماء الرابعة فيقول لهم الملك: بها قفوا واضربوا بهذا العمل ظهره وبطنه أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان إذا عمل عملاً أدخل العجب في عمله»، قال: (وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى يجاوزوا به إلى السماء الخامسة كأنه العروسة المزفوفة إلى زوجها، فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه أنا ملك الحسد إنه كان يحسد الناس ومن يتعلم ويعمل بمثل عمله فكل من كان يأخذ فضلاً من العبادة يحسدهم ويقع فيهم أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري وتصعد الحفظة بعمل
يرحم
العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة وصيام فيتجاوزون إلى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنه كان لا إنساناً قط من عباد الله أصابه بلاء أو ضر أضر به بل كان يشمت به آناء ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع / عمله [454] يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة له دوي كدوي الرعد وضوء كضوء الشمس ومعه ثلاثة آلاف ملك
"
ونفقة واجتهاد وورع فيجاوزون به إلى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا به جوارحه اقفلوا على قلبه إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به وجه ربي إنه أراد بعمله غير الله إنه أراد به رفعة عند الفقهاء وذكراً عند العلماء وصوتاً في المدائن أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري وكل عمل لم يكن الله خالصاً فهو رياء ولا يقبل الله عمل المرائي قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله تعالى فتشيعه ملائكة السموات حتى يقفوا بين يدي الله تعالى ويشهدوا له بالعمل الصالح المخلص لله»، قال: فيقول الله لهم: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه إنه لم يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه لعنتي فتقول الملائكة كلها عليه لعنتك ولعنتنا وتقول السماوات كلها عليه لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السموات السبع ومن فيهن، قال معاذ: قلت: يا رسول الله أنت رسول الله وأنا معاذ فكيف النجاة مما ذكرت؟ قال: «اقتد وإن كان عملك تقصير يا معاذ حافظ على لسانك من
بي
في
الوقيعة في الناس وعن إخوانك من حملة القرآن واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم ولا تزك نفسك بذمهم ولا ترفع نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة ولا تتكبر في مجلسك لكي يحذر الناس من سوء خلقك ولا تناج رجلاً وعندك آخر ولا تتعظم على الناس فينقطع عنك خير الدنيا والآخرة ولا تمزق عرض المسلمين فتمزقك كلاب النار يوم (3/419)
صفحة 1276
420
قنطرة القوادح في ا
الطاعات
هي بأبي يطيق
من
[455] القيامة / في النار قال الله: والناشطات نشطا (1) أتدري ما هن يا معاذه؟ قلت: ما أنت وأمي؟ قال: «كلاب النار تنشط اللحم والعظم قلت: بأبي وأمي يا رسول الله هذه الخصال ومن ينجو منها؟ قال: يا معاذ إنه ليسير على من يسره الله عليه (2). قال: فما رأيت أكثر تلاوة القرآن من معاذ حذراً مما في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. وأما الآثار فروي عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يطأطاء رقبته فقال: يا صاحب
الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلب. قال: ورأى أبو أمامة رجلاً في المسجد يبكي في سجوده فقال: أنت أنت لو كان هذا في
بيتك.
وقال علي للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثنى عليه وينقص إذا ذُمّ. وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله ومحمدة
الناس.
قال: لا شيء لك، فسأله ثلاثاً كل ذلك يقول: لا شيء لك ثم قال في الثالثة إن الله يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشركة.
وسأل رجل ابن المسيب فقال: أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر فقال له:
أتحب أن تمقت؟ قال: لا قال: فإذا عملت الله عملاً فاخلصه. وقال الضحاك: لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقال: هذا الله والمرحم فإن الله لا شريك له والآثار في هذا كثيرة تركتها حباً للاختصار.
الفصل الأول في بيان حقيقة الرياء
(3)
اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع وأصله طلب المنزلة في
(1) سورة النازعات، الآية: 2. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (459/ 3) طبعة دار الحديث عزاه المصنف إلى رواية عبد ا الله بن المبارك بإسناد عن رجل عن معاذ وهو كما قال رواه في الزهد وفي إسناده كما ذكر من لم يسم ورواه ابن الجوزي في الموضوعات. (3) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - طبعة دار الحديث (460/ 3). (3/420)
صفحة 1277
قنطرة القوادح في الطاعات
421
قلوب الناس بأرائتهم خصال الخير فالمرائي هو العابد والمرائى هم الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم. والمرائى به: هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها وينحصر ذلك / في خمسة أقسام [456]
هي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهي البدن والزي والقول والعمل، والإتباع والأشياء الخارجة، وكل أهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال غير الطاعة أهون من الرياء بالطاعة، فيرائي أهل الدين والدنيا بأبدانهم، وأموالهم، وأعمالهم، وزيهم في أبدانهم، ولباسهم.
فأما رياء أهل الدين ببدنهم فيرائي العبد بالنحول واصفرار اللون ليوهم الناس أنه شديد الاجتهاد، وبالخوف والحزن وضعف الصوت، وغور العيون، وذبول الشفاه إعلاماً للناس أنه صائم، فالنحول دليل على قلة الغذاء وكثرة الأحزان والإصفرار دليل على قيام الليل، وليس هذا رياء على الحقيقة، وإنما هذا تسميع بلسان الحال لا بلسان المقال. وأما رياء أهل الدنيا بالأبدان فسمنها وحسنها وصفاء ألوانها، وأما رياء أهل الدين بالزي: فبشعث الرؤوس، وحلق الشوارب واستيطال الشعر وفرقه إظهاراً لكونه متابعاً للرسول في زيه وكذلك غلظ الثياب وآثار السجود، وتشمير القمص، وقصر الأكمام، وخصف النعال وحذوها على زي أهل الدين، ومن هؤلاء من يؤثر حمد أهل الدين والدنيا ليحمده الفريقان فينفق عندهم ليصل إلى أغراضه منهم فيلبس الثياب الحسان لينفق عند أهل الدنيا، ويقصر أكمامها ويشمر ذيولها لينفق عند أهل الدين وكذلك يلبس النعال الخشان محذوة على نعال أهل الدين ويبالغ في جودة الثياب ليتقرب من السلاطين زعم أنه إنما يتقرب حوائج المسلمين ومنهم من يتصنع بالطاعة لينفق عند المسلمين والمخالفين، ومن هؤلاء لو أعطي من الأموال الخطيرة ما أعطي لما خرج عن زيّه الذي عرف به لئلا يقال: خرج من الاقتداء بنبيه عليه السلام.
إليهم
القضاء
وأما الرياء بالأقوال: فيرائي أهل الدين بالنطق بالحكم وإقامة الحجج عند أهل المنازل، / وبالحفظ للحديث، وأقوال المختلفين وذكراً الله بالألسن والأمر بالمعروف والنهي عن ا المنكر، وتضعيف الصوت عند رد الجواب وتحسينه ورفعه عند القراءة، والتأوه عندها ليدل بذلك على المخافة ويرائي أهل الدنيا بالنطق بالطاعة، وغيرها من الفصاحة عند المحاورة وحسن الصوت وإنشاد الشعر والنحو والغريب واللغة وكان السلف إذا اجتمعوا يكرهون أن يذكر الرجل أحسن ما عنده.
[457] (3/421)
صفحة 1278
422
قنطرة القوادح في الطاعات
وأما الرياء بالأعمال فيرائي أهل الدين بطول الصلاة وتحسين ركوعها وسجودها وبالصوم
والغزو والحج وطول الصمت وبذل الأموال وإطعام الطعام والإخبات في المشي، إذا ألقى الناس بإرخاء الجفون وتنكيس الرؤوس، والتثبت عند السؤال، ومنهم من يمشي سريعاً فإذا اطلع عليه أهل الدين مشى مشية أهل الدين، فإذا جاوزهم عاد إلى ما كان عليه ويرائي أهل الدنيا بصحبة أهل الدين من العلماء والعباد ليقال: فلان العالم أو العابد، ويصحبه ويتردد إليه إما لينفق عند الملوك أو ليولى القضاء أو ليستشهد أو يستودع أو يوصى إليه فيخون الأمانة والله أعلم.
الفصل الثاني في مراتب نفي الرياء
من مختصر الرعاية، قال للشيطان في الرياء ثلاثة أحوال: إحداهن: أن يخطر الرياء، والثانية: أن يزينه للعبد والثالثة: أن يدعوه إليه ويحثه عليه بعد أن يحببه إليه فأسعد الناس من يدفع الخطرة عن قلبه ويليه الذي يدفعها بعد تحسينه له، ويليه الذي لا يتعاطاه بعد حث الشيطان عليه ودعائه إليه، وهذا جار في جميع المعاصي، قال: ويندفع دعاء الشيطان إلى الرياء وإلى جميع أنواع المعاصي بشيئين: أحدهما كراهيته المعصية والرياء، والثاني: الامتناع مما كرهه، وإنما تحصل الكراهية بتذكره ما في تلك المعصية من سخط الله وبما ذكرناه من [458] مضار الدارين / فإن الله تعالى جبل الإنسان على محبة ما ينفعه وكراهية ما يضره، وخلق النفس ميالة إلى ما ينفعها غافلة عما يضرها والشيطان عون لها على ذلك، وخلق العقل ليدفع أعظم الضررين بأدناهما، ويقدم أعلى النفعين على أدناهما.
من
فالشرع هو المعرف للضرر، والنفع والعقل كالبصر يرى النفع والضرر إلا في نور الشرع كما أن البصر لا يرى الحسن والقبيح إلا في نور، وإذا زين الشيطان المعصية وحببها إلى النفس امتلأ القلب بحبها، فنسي العبد ما كان عزم عليه من الطاعة، والإخلاص فيغفل عما في الفعل من مضرته في دينه ودنياه، وإنما ينقطع ذلك باستجلاب التذكر لما في الذنب المفاسد التي تزيد على ما في الشهوة من المصالح فإذا علم ما في طاعة الشهوة من الضرر العظيم كرهتها النفس حينئذ؛ لأنها مجبولة على دفع أعظم الضررين بالتزام أخفهما، ولا شك أن ضرر الذنوب في الدنيا والآخرة أعظم من ضرر فوات شهوة فانية فإذا اطلعت النفس على ذلك صارت مع العقل فغلب جند الرحمن جند الشيطان إذ لا يتصور في العادة أن يتذكر العبد ما في الطاعة والإخلاص من مصالح الدنيا والآخرة وما في الرياء والمعصية الدنيا والآخرة، وما في الرياء والمعصية من مفاسد الدنيا والآخرة، ثم يقدم على الرياء
من
مفاسد (3/422)
صفحة 1279
قنطرة القوادح في الطاعات
والعصيان
يبعده
مع
423
مع علمه بما فيهما من فوات المصالح وحصول المفاسد والذي يضعف دواعي الرياء يذكر الإنسان الآيات والأخبار المتقدمة وما يحرمه الله توفيقه وإصلاح قلبه، ومقته تعالى له على ذلك إذا اطلع على قلبه وهو معتقد للرياء ويحبط عمله ويحرم ثواب الآخرة ويعاقبه إذا تحبب إلى العباد بما يبغضه عند الله، ويزين لهم بما يشينه عنده ويتقرب إليهم بما أنهم لا يملكون له نفعاً ولاضراً ولا مواتاً ولا حياة ولا نشوراً بما يبعده أنهم لا يملكون له نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً أن مع رضاهم غاية لا تدرك فقد يرضى بعضهم ما يسخط الآخرين / مع أنه يجهل ما يصلح له من المنزلة في قلوبهم [459] وما يناله من منافعهم، ولا يأمن أن يطلعهم الله تعالى على رياءه فيمتقونه ويحرمونه ويضرونه ولا ينفعونه، فيخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، فإذا تحقق ما ذكرناه وواظب عليه اضمحل دينه ورياءه شيئاً فشيئاً ويندرج إليه الإخلاص شيئاً فشيئاً إلى أن يصير من
المخلصين.
فائدة: فإذا أخطر الشيطان قلبه الرياء في شيء من الطاعات كالصلاة مثلاً فلا يلتفت إليه ولا يشغل به فتنقص صلاته، ولكن يزيد في تحسينها بإحضار الخشوع وإتمام الركوع والسجود إرغاماً للشيطان وكذلك الطاعات.
فائدة أخرى: اعلم أن الشيطان يدعو أولاً إلى ترك الطاعة؛ فإن أطاعه الإنسان وتركها فهو مراده، وإن لم يطعه دعاه إلى الرياء بها، فإن أطاعه أبطلها عليه، وإن لم يطعه أوهمه أن ترك العمل خيفة الرياء إخلاص.
فاعلم أنه كاذب في إيهامه إذ ليس ترك العمل من أجل الناس خوفاً لمرائاتهم إخلاصاً، إنما الإخلاص إيقاع الطاعة خالصة لله تعالى دون الناس، فلا يترك الإنسان الطاعة لأجل ما ذكرنا عن الشيطان، فإن عارضه في أثناء الطاعة وقال له: إنك مراء فلا يتركها لكن يزيد فيها ويحسنها ولا يشتغل به وبالله العون والتوفيق.
الفصل الثالث: في الإخلاص
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ. ... (1) الآية، وقال:
ألا الله الدين الخالص.
(1) سورة البينة، الآية: 5. (3/423)
صفحة 1280
[460]
424
قنطرة القوادح في ا
الطاعات
وقال النبي عليه السلام ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم منها «إخلاص العمل الله
تعالي (1)
وقال: «إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وصلاتهم (2). وقال عليه السلام يقول الله تعالى الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادي (3).
وقال لمعاذ: «من أخلص العمل الله أربعين / يوماً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على
لسانه (4).
ويقال: كتب بعضهم إلى أخ له اخلص النية في أعمالك يكفك القليل منها (5). وقال بعض العلماء: في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز، فالعلم بذر والعمل زرع وماءه الإخلاص، ويقال مراد الله تعالى من عمل الخلق الإخلاص، وقال الحسن: إن الله عباداً عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى
أبواب البر أجمع. وقال بعض العلماء الأمر كله يرجع إلى أصلين؛ فعل من الله لك، وفعل منك له
فارض بما فعل واخلص فيما تفعل فإذا فعلت بهذين فزت في الدارين.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (575/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وصححه من حديث النعمان بن بشير. قال المحقق: أخرجه الترمذي (2658) من حديث ابن مسعود بلفظ في أوله «نصر الله
امرءاً سمع مقالتي ... وفي آخره ثلاث لا يغل عليهن ..... الحديث قال الألباني: صحيح. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (576/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه النسائي وهو عند البخاري بلفظ: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». (3) قال الحافظ العراقي في المغني (576/ 4) طبعة دار الحديث رويناه في جزء من مسلسلات القزويني مسلسلاً يقول كل واحد من رواته: سألت فلاناً عن الإخلاص فقال، وهو من رواية أحمد بن عطاء الهجيمي عن عبد الواحد بن زيد عن حذيفة عن النبي الله عن جبريل عن الله تعالى وأحمد بن عطاء وعبد الواحد كلاهما متروك وهما من الزهاد ورواه أبو القاسم الفشيري في الرسالة من حديث علي بن أبي طالب بسند ضعيف. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (576/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه ابن عدي ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات وعن أبي موسى. (0) أورد الحافظ العراقي في معنى ذلك حديثاً في المغني (576/ 4) طبعة دار الحديث: أن النبي قال لمعاذ: أخلص العمل يجزك منه القليل وقال أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ
وإسناده منقطع. (3/424)
صفحة 1281
الطاعات قنطرة القوادح في
425
مسألة: واختلفت أقوال العلماء في معنى الإخلاص، فقيل: معناه أن يكون سكون العبد وحركته الله خالصة، وقال بعضهم: الإخلاص في العمل أن لا يطلع عليه شيطان فيفسده، ولا ملك فيكتبه، وقيل: الإخلاص تصفية العمل من الكدورات.
وقال المحاسبي: هو إخراج الخلق عن معاملة الرب، وقيل: دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها، وقيل: سئل النبي عليه السلام عن الإخلاص فقال: «أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أمرت». أي لا تعبد هواك ولا تعبد إلا ربك وأن تستقيم في عبادته كما أمرت، فهذا هو الإخلاص حقاً.
وقال بعض العلماء أجمع الفقهاء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى والصدق الله تعالى في الأعمال وطيب المطعم والله أعلم.
مسألة والإخلاص معناه أن يريد الله تعالى بطاعته ولا يريد بها سواه، وله أقسام: أحدها: أن يريد الخلاص من العقاب والثاني: أن يريد الفوز بالثواب، والثالث: أن يريدهما جميعاً، والرابع: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى، والخامس: أن يفعل ذلك حب الله تعالى من غير ملاحظة ثواب ولا عقاب والسادس أن يفعل ذلك إجلالاً الله / تعالى وتعظيماً، وأما [461] الرياء فهو أن يريد الناس بطاعة الله سبحانه وهو ضربان:
أحدهما: أن لا يريد بتلك الطاعة إلا الناس.
والثاني:: أن يريد الناس ورب الناس، وهذا أخف الريائين؛ لأنه أقبل على الله من وجه وعلى الناس من وجه وأما الأول فقد أعرض عن الله تعالى بالكلية، وكلاهما محبط للعمل لقوله: من عمل عمل أشرك فيه غيري تركته لشريكي ولا يتصور شرك الرياء ممن عبد الله تعالى تعظيماً وإجلالاً؛ لأن تعظيمه يمنعه من أن يعصيه بشرك الرياء، وكذلك الحياء أيضاً يمنعه، وكذلك الحب مانع من عصيان المحبوب فيما يتقرب به إليه والله تعالى أعلم.
الفصل الرابع: فيما يورثه الرياء من الخصال المذمومة
منها حب الرياسة والمباهاة بالعلم والعمل والتفاخر بالدين والدنيا، ومحبة العلو والتكاثر بالمال وغيره من الدنيا، وبالعلم والعمل والتحاسد عليهما من غير منافسة بل خوفاً أن ينال من يحاسده مثل منزلته والحمد بما لم ينله ولم يفعله ورد الخلق عن غيره من العلماء إليه (3/425)
صفحة 1282
426
لئلا يقال: هو
قنطرة القوادح في الطاعات
أعلم. منه، وحب الغلبة في المناظرة وترك تعلم ما لا يستغنى عنه وحب التعظيم والإجلال له وتسخير العباد والاحتقار لهم، وأن لا يرد عليه شيء من أقواله وأفعاله وأن لا يساوى في العلم بأمثاله، وأن يصر على الخطأ كي لا تنكسر رئاسته وإن وعظ عنف وإن وعظ أنف والمبادرة بالجواب خير يسأل هو أو غيره، يريد بذلك أن يعلو عليه وأمثال هذا مما يطول بها ويشرحها الكتاب.
[462]
الفصل الخامس: في إظهار العمل للاقتداء
هي
وله حالان: أحدهما: أن يكون ممن لا يقتدى به فلا يظهر شيئاً. من أعماله التي تطوع؛ لأنه لا يأمن على الرياء ولا يثق بالاقتداء، وأما الفرائض فيجب إظهارها لئلا يساء به
الظن أو يبرأ منه.
وأما إن كان / ممن يقتدى به فإن كان ذلك العمل من أعمال العلانية كالجهاد والحج وغيرهما وأمن من الرياء فله أجران أجر العمل وأجر النسبة إلى الاقتداء؛ لأن الدال على الخير كفاعله، وقد ورد في الخبر: أن عمل العلانية يضاعف سبعين ضعفاً إذا كان إظهاره على نية الاقتداء كما أن إسراره خوفاً من الرياء يضاعف سبعين. ضعفاً» (1).
وأما إن عمل الطاعة فأخبر بها الناس، فإن ذلك ليعظم عند الناس فهذا مسمع، الله وفي الخبر من سمع سمع به وإن أخبر بها ليقتدى به فإن كان ممن يقتدى به فلا بأس، (2).
وقد حكي فعل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بهم بأقوالهم وأفعالهم، وإن كان لا يقتدى به فلا يتحدث بشيء من ذلك مخافة التسميع والتصنع للناس
وبالله التوفيق.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (492/ 3) طبعة دار الحديث في: نحوه: أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء مقتصراً على الشطر الأول بنحوه وقال: هذا من أفراد بقية عن شيوخه المجهولين قلت: الشطر الأول هذا ليس بهذا الحديث الموجود معنا - وقال: وله من حديث ابن عمر «عمل السر أفضل من عمل العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء». وقال: تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران وله من حديث عائشة: يفصل - أو يضاعف - الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه ضعفاً، قال تفرد به معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف. (2) الشعر الأول من الخبر ورد فيه نص سبق الكلام عليه.
بسبعين (3/426)
صفحة 1283
قنطرة القوادح في الطاعات
الباب الثاني
في العجب وأسبابه
427
اعلم أن العجب قادح في العمل مهلك لصاحبه وهو آفة المتعبدين من الأولين والآخرين، وآفته أعظم من آفات الذنوب لأن الذنوب، ربما انتبه العبد فتاب منها، والمعجب لا يكاد يتوب أعاذنا الله تعالى منه، وقد قال النبي عليه السلام: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» (1).
وقال عليه السلام: النادم» ينتظر التوبة والمعجب ينتظر المقت»، وقال: «لو لم تكونوا مذنبين لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب (2).
(Y),
وقال عليه السلام: «لو أن عبداً قدم على الله بأعمال أهل السماوات وأهل الأرض من أنواع البر والتقوى لم يزن ذلك عند الله مثقال ذرة الإعجاب وأذى المسلمين والقنوط من
الرحمة) (3).
وعن ابن مسعود رحمه الله قال الهلاك في اثنين القنوط والعجب وصدق رحمة الله؛ لأنه إذا أعجب زكى نفسه ولم يتهمها وقد قال تعالى: فلا تزكوا أنفسكم، قيل: لا تبرؤها. / وعن مطرف بن عبد الله قال: لإن أبيت قائماً فأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت [463]
قائماً فأصبح معجباً، وعن عيسى عليه السلام قال كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد أفسده العجب، فدلّ ما ذكرنا على أن العجب مفسد للطاعات، وهو من أكبر الآفات على المتعبدين؛ لأن من أعجب بعمله لم ير لنفسه ذنباً فيتوب منه فيفضي به ذلك إلى العزة والتكبر على العباد حتى يصير المعجب كأن له المنة على الله تعالى لاستعظامه أعماله، وكذلك يمن على العباد بما يسديه إليهم من معروفه وإحسانه في زعمه فما أجدره بأن يحبط الله سبحانه عمله بإعجابه ويكله إلى نفسه وبالله التوفيق.
(1) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (91/ 1) وفيه محمد بن عون الخرساني وهو ضعيف جداً. قاله محقق
الإحياء طبعة دار الحديث. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (572/ 3) أخرجه البزار وابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أنس وفيه سلام بن أبي الصهباء قال البخاري منكر الحديث: وقال أحمد: حسن الحديث ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد ضعيف جداً. (3) أورده المتقي الهندي في كنز العمال (43941). وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي الدرداء وفيه عمرو بن بكر السكس وهو (واه). (3/427)
صفحة 1284
قنطرة القوادح في
الطاعات
428
فصل: في أسباب العجب
اعلم يا أخي وفقك الله أن سبب العجب استعظام واستكثار لما فيك من خير وعمل بزعمك فأما العلم فمعرفة الكتب والسنة وإجماع الأمة، ويقع الإعجاب أيضاً بالرأي للصواب: وهو القياس الصحيح ويقع أيضاً بالرأي للخطأ: وهو من وجوه، أحدها: زيغة عن الحق، والثاني: فرحة بالباطل والثالث: أنه تعجب بما لا يجوز إعجابه والعجب فرحة بالنفس بإضافة العمل إليها، وحمدها عليه مع نسيان أن الله تعالى هو المنعم به عليه، والتفاضل بالتوفيق له وأما إذا فرح بذلك لكونه منة من الله عليه واستعظامه لما يرجو عليه من ثواب الله عز وجل، ولم يضف ذلك إلى نفسه ولم يحمدها عليه فليس بمعجب.
قال بعض العلماء: وكذلك إذا علمت أن كل نعمة.
من الله تعالى ثم استعظمت شيئاً من أعمالك ناسياً غافلاً عن كونه من الله تعالى، ومن نفسك غير حامد لنفسك عليه فلست بمعجب، ولو أحضرت كونه نعمة. من الله تعالى كان ذلك بأفضل.
قال: لأن الفرح بنسبة النعمة إلى الله تعالى مأموراً به في كتاب الله تعالى / قال عز وجل: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (1).
وإنما الشر والإعجاب في نسبة تلك النعمة إلى النفس، ونسيان كونها من الله تعالى، فما أجدر من فعل ذلك أن يكله الله تعالى إلى نفسه كما فعل تعالى بأصحاب نبيه عليه السلام يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فنسبوا النصر إلى الكثرة ونسوا نسبته فخذلوا وانهزموا مع أنهم خير خلق الله تعالى، وقد يؤدي العجب إلى الإدلال على الله تعالى، وهو أن يرى العبد أنه له عند الله قدراً عظيماً قد استحقه واستحق الثواب عليه من الأمن من عقاب الله تعالى، وليس رجاء المغفرة مع الخوف من الله تعالى إدلالاً وللإدلال علامات: منها أن يناجي ربه بإدلاله عليه بعمله، ومنها أن يستنكر أن ينزل به بلاء، ومنها أن يستنكر أن عليه غيره أو تردّ دعوته مع كونه عاملاً بالعمل الذي استعظمه حتى حمله على العجب والإدلال فما أجهل المدل على الله تعالى بعلمه أو بعمله كيف يدل على ربه؛ لأن إنعامه عليه وإحسانه إليه والشكر لربه على نعمه أولى به من الإدلال عليه والشكر على النعم من
جملة النعم.
ينصره
ولذلك قيل: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه، والله تعالى يقول:
(1) سورة يونس، الآية: 58.
[464] (3/428)
صفحة 1285
قنطرة القوادح في الطاعات
429
(1) ,
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً (1).
وقال سيد الأولين والآخرين: «ما منكم من أحد ينجيه عمله»، قالوا: ولا أنت
يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته (2).
اعتقاده
فائدة: لا يقع العجب إلا لصفة كمال أو ما يعتقد أنه صفة كمال، فمن أخطأ في أو في مسألة فرع من الفروع، فإنما أعجب من جهة ظن أنه على الصواب، فأعجب بصوابه، إذ يصح الإعجاب إلا بما يعلم أو يظن أنه من باب السرور، وما فرح أهل البدع بخطاياهم إلا لاعتقادهم أنهم مصيبون / وقد ذم الله فرحهم في قوله تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً [465] كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
فصل: فيما ينفي الإعجاب بالعلم والعمل والرأي والصواب
ينفى ذلك باستحضارك أن الذي وفقك للعمل إنما هو الله عز وجل، وإن النفس لا صنع لها في ذلك، وإن من الخطأ أن تنسب الخير إلى من تعرفه إلا بالشر وتقطعه عن من له الأمر كله، وإن النعم كلها من الله فإذا لاحظت ذلك، وداومت عليه ارتفع عنك العجب، فإن عدت إلى الإعجاب ونسيت رب الأرباب فعاودها بالدواء الذي قلت لك.
فصل: فيما ينفى به الإعجاب بالرأي الخطا
خطأ
ومنه ما
من
الله
فاعلم أن الخطأ ليس بنعمة حتى يقع به الإعجاب وإنما هو بلية يتوهم أنها نعمة تعالى فيعجب بها، وطريق نفي العجب به أن يعلم أنه من جملة بني آدم، وأن بني آدم أخطؤوا في كثير من الفروع والأصول وأعجبوا بخطاياهم ظناً منهم أنه صواب وهو بشر مثلهم يجوز عليه ما جاز عليهم مآخذ الحق الحق والصواب موجود في الكتاب والسنة، فمن ذلك ما هو محكم ظاهر لا يقع فيه هو متشابه قابل للخطأ والصواب فيجب عليه أن يتوقف فيه، وأن لا يجزم برأي حتى يقف على دليل شرعي يعتمد على مثله فإن لم يقف على دليل يرشده إلى مراد الله ورسوله من ذلك المتشابه فليسأل العلماء فإن أوقفوه على المعتمد عليه قبله وإلا أمن بالمتشابه حتى يقف على دليل شرعي موجب لتأويل المتشابه؛ لأن على العامة منهم، الإيمان بالمتشابه، ورد معناه إلى العلماء، وقد يقع الإعجاب بالأعمال بناء على عزمه وجزمه،
(1) سورة النور، الآية: 21. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (578/ 3) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (3) سورة المؤمنون، الآية: 53. (3/429)
صفحة 1286
430
قنطرة القوادح في الطاعات
وما جربه من: نفسه ناسياً منة ربه ومضيفاً له إلى نفسه الأمارة بالسوء.
فصل: فيما يقع به الإعجاب من الأسباب الدنيوية
فمن ذلك إعجاب المرء بحسن صورته ناسياً النعمة الله عليه في ذلك حتى ربما حمله [466] حسن / صورته على الفجور وينفي ذلك بنظره في بدء خلقه، وأنه خلقه من نطفة قذرة، وفيما يتقلب فيه من الأقذار وبما يصير إليه من سيلان صديده ونتنه، وتغير صورته، وقبح رائحته، وينظر في تضييعه واجب شكر ربه، وأنه متعرض لسخطه ودخول النار المغيرة لحسن
صورته.
(1)
ومن ذلك الإعجاب بالقوة والاتكال عليها دون خالقها كما قالت عاد: {مَنْ أَشَدُ مِّنَا
ونفي العجب بذلك أن يعلم أنها نعمة من الله ابتلاه الله بها هل يطيعه فيها أو يعصيه؟ وأنه تعالى قادر أن يسلبها منه فيصبح أضعف خلق الله.
ومن ذلك العجب بالعقل والذهن والفطنة باستحسان ذلك والاتكال عليه أن يدري به من أمور دينه ودنياه ما لا يصل إليه غيره ناسياً لإنعام الله تعالى به عليه، والتوكل عليه في ذلك كله، وقد يحمله ذلك على الجدال بالباطل، واستصغار علم العلماء وعملهم من البر والخير
من
الله
مع تضييعه هو العمل بذلك اجتزاء منه بفهمه وفطنته، وينفي ذلك بأن يعلم أن ذلك نعمة. أنعم بها عليه ليؤكد بها الحجة عليه أكد من غيره وأنه لا يأمن أن يسلبه ذلك كما فعل بغيره، وكيف ينفعه فهمه إذا كان غيره أطوع الله منه فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء .... الآية.
أنه
ومن ذلك العجب بالحسب وهو أن يتعظم بنسبه إلى من عظم الله قدره في الدين بالعلم والرسالة والنبوة ناسياً لإنعام الله عليه وتحقيراً لعباد الله سبحانه وأن له الحق عليهم وقد يعتقد أحدهم ينجو بغير عمل مع فجوره ونفي العجب، بذلك بأن يعده من نعم الله عليه وأن الأحساب لا تجلب شيئاً من الثواب ولا تدفع شيئاً من العذاب، وإن أكرم الناس عند الله تعالى أتقاهم له، وأن النبي عليه السلام قال لابنته فاطمة وعمته صفية: «لا أغني عنكما من الله
شيئا (2).
(1) سورة فصلت، الآية: 15.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (581/ 3) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وأخرجه = (3/430)
صفحة 1287
قنطرة القوادح في الطاعات
431
وأن يعلم أن أسلافه الذين يفتخر بهم إنما / شرفوا بطاعة الله سبحانه واجتناب معصيته [467]
ولا يغتر بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشفاعة لبني عبد المطلب فإنه لا يشفع في أحد من ذوي الأحساب، وغيرهم إلا من ارتضى منهم فهو وغيره ممن لا حسب له سواء، وقد يبلغ الحمق بأحدهم بأن يعجب بالانتماء إلى الملوك المشركين من غير العرب استعظاماً لقدره ونسياناً لما صاروا إليه من العذاب ونفي العجب بذلك أن يعلم أن سطوتهم وبال عليهم
من الله تعالى.
ومنهم من يعجب بكثرة عدد أولاده ومماليكه وعشائره وأصحابه ويتكل عليهم دون ربه، وقد يحمله ذلك على أن يسطو على من عانده اعتماداً عليهم، ونفي العجب من ذلك أن يعلم أن النصر من الله، وأن النصرة لا تغني شيئاً كما لم تغن كثرة أصحاب النبي عليه السلام يوم حنين شيئاً مع أنهم خير عصابة على وجه الأرض، وأن كثرة عدده ومدده لا تغني عنه يوم القيامة: {يَوْمَ يَفْرُ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ وَأُمَّهِ وَأَبِيهِ
(1)
ومنهم من يعجب بكثرة الأموال فيفتخر بها على الفقراء، وينفي عجبه بذلك أن يعلم أن الأموال فتنة ومحنة ابتلى الله بها العبد وإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ أَسْتَغْنَى (2).
(Y),
وأن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، وأن غنى قارون كان سبباً لهلاكه، وأن الله عافي الفقراء من التعرض لهذه الفتنة وخلصهم من هذه المحنة وبالله التوفيق.
فصل: في الكبر
قال الله تعالى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِيرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيه) (3).
عن ابن عباس قال: عظمة لم يبلغوها، وقال ابن جريج علواً في الأرض وتعظيماً، وقال
تعالى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر جبار) (5).
(4)
،
وقال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِ قَلْبِ
مسلم من حديث عائشة وأخرجه مسلم بزيادة إلا أن لكما رحما سأبلها ببلالها». من حديث أبي هريرة.
(1) سورة عبس، (الآيتان: 34 35).
(2)
سورة العلق (الآيتان: 6، 7).
(3) سورة غافر، الآية: 56. (4) سورة غافر، الآية: 27. (0) سورة غافر، الآية: 35. (3/431)
صفحة 1288
432
[468]
قنطرة القوادح في الطاعات وعن كعب قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة / أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان حتى يسلكوا في نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار (1). وعن النبي عليه السلام قال: يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحد منهما ألقيته في ناري (2). وعن كعب الأحبار قال: ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإن تواضع رفعه الله
(Y),
وقال: انتعش نعشك الله، وإن تكبر وضعه الله وقال: اتضع وضعك الله.
وعن عيسى عليه السلام قال: إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبر ألا ترون أنه من شمخ رأسه إلى السقف شجه، ومن تطأطأ أظله، والآيات والأخبار والآثار في ذم الكبر كثيرة تركتها حباً
للاختصار.
فصل
والكبر معناه أن يتعاظم الإنسان على غيره أنفة واحتقاراً وأخلاق الكبر كلها تسمى كبراً، وقد تكون من الحقد والحسد والرياء والعجب؛ لأن أوله في القلب استعظام القدر، فإذا استعظم العبد قدره تعظم فإذا تعظم أنف وتعزز وافتخر واستطال ومرح واختال، فالتكبر: التعظم وله أسباب من جملتها العجب وهو أكثرها، ولذلك يطلق الكبر على العجب؛ لأنه
مسبب عنه.
منة وينسي
ويقال: الفرق بين الكبر والعجب أما في الدين فقد يعجب بعمله فيحمد نفسه. ربه، بذلك ولا يتكبر على أحد، وربما أخرجه العجب إلى أن: أنه يري خير من غيره فيحقره ويأنف منه، فيكون حينئذ متكبراً معجباً، وأما بأمر الدنيا فقد يعجب بجماله وماله وقوته، ولا يتكبر وقليلاً ما ينفرد العجب بالدنيا دون أن يخرج صاحبه إلى الكبر والمرح والخيلاء، ألا ترى إلى قول النبي عليه السلام: «بينما رجل يتبختر في بردين له قد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض
(1) أطراف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (343/ 8) والبغوي في شرح السنة (168/ 13) والترمذي (2492) وأحمد (178/ 2) والمنذري في الترغيب والترهيب (388/ 4) والسيوطي (333/ 5). (2) قال الحافظ العراقي في المغني (520/ 3) طبعة دار الحديث في: نحوه: أخرجه الحاكم في المستدرك دون ذكر «العظمة» وقال صحيح على شرط مسلم وقال في موضع آخر: أخرجه مسلم وأبو داود وابن
ماجه واللفظ له وقال أبو داود: «قذفته في النار وقال مسلم: «عذبته وقال «رداؤه بالغيبة وزاد
هريرة أبا سعيد أيضاً. قلت قال: ألقيته في جهنم» ولم يقل في «ناري» كما ذكر المصنف هنا.
أبي (3/432)
صفحة 1289
قنطرة القوادح في الطاعات
433
فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (1) فوصفه عليه السلام بالعجب / في تبختره [469]
وخيلائه.
وللكبر أقسام منها الكبر عن بعض طاعة الله، ومنها الكبر عن مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومنها الكبر عن عباد الله
وهو
أن يرى
أنه
خير منهم فيحقرهم فلا يقبل الحق منهم، وأصله كما
قدمنا التعظيم على الناس، ورد الحق مع العلم به ويحقق ذلك قول النبي عليه السلام حين قال ثابت بن شماس أو غيره: يا رسول الله إني امرؤ قد حبب إليَّ الجمال أفمن الكبر هو؟ قال: «لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس (2).
وفي حديث آخر: من سبقه الحق وغمص الناس (3) يعني خفرهم.
فائدة: قال بعض العلماء: قل أن يخلوا عالم أو عابد أو عارف عن نوع من الكبر، ولكن قد تخلو قواه عن آثار الكبر فإن تكبر بقلبه لم يحمله ذلك على رد الحق، وعلى شيء من أفعال الجوارح، المذمومة وقد جاء عن حذيفة رضي الله عنه أنه ترك إمامة قومه، لأن نفسه حدثته أنه أفضل منهم فيما قال، واستأذن عمر رضي الله عنه إمام قوم أن يدعو بدعوات بعد الصلاة فمنعه خوفاً عليه من الكبر وقال: أخاف أن ينتفخ حتى يبلغ الثريا.
فصل
قال الغزالي في كتابه أو غيره فإن قيل فهل سوى العجب والرياء من قادح في العمل قيل له: أجل إن فيه لقوادح سواهما لكن خصصناهما بالذكر؛ لأنهما الأصل الذي يدور عليهما
معظم الباب.
وقد قال بعض المشايخ: إن حق العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة أشياء: النفاق، والرياء، والتخليط، والمَنّ، والأذى، والندامة، والعجب، والحسرة، والتهاون، وخوف ملامة الناس ثم ذكر ضد كل خصلة منها وأضرارها بالعمل فضد النفاق إخلاص، وضد التخليط التفريد وضد المَنِّ تسليم العمل الله، وضد الأذى تحصين العمل، وضد الندامة تثبيت
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (525/ 3) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (534/ 3) طبعة دار الحديث: أخرجه من حديث أثناء حديث ابن مسعود في أثناء حديث وقال: «بطر الحق وغمط الناس» ورواه الترمذي فقال: من بطر الحق وغمص الناس» من حديث عقبة بن عامر بلفظ المصنف يعني - من سفه الحق وغمص
وقال: حسن صحيح
ورواه أحمد. الناس - ورواه البيهقي في الشعب من حديث أبي ريحانة هكذا. (3) انظر الحديث السابق له.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 28 (3/433)
صفحة 1290
434
قنطرة القوادح في الطاعات
[470] النفس، وضد العجب ذكر المنة، وضد الحسرة اغتنام الخير / وضد التهاون تعظيم التوفيق، وضد خوف الملامة الخشية.
[471]
واعلم أن النفاق يحبط العمل والرياء يوجب رده والمن والأذى يحبطان الصدقة في الوقت، وعند بعضهم يبطلان، أضعافها، وأما الندامة فإنها تحبط العمل في قول بعضهم جميعاً، والعجب يذهب أضعاف العمل، والحسرة وخوف الملامة والتهاون تخفف الأعمال فتذهب
رزانته.
فصل
اعلم أن هذه القوادح المتقدمة من الرياء والعجب وأسبابهما، قد اجتمعت فيهن ثلاثة أمور: الغبن الشديد والخطر العظيم، الأول أن الأمر دقيق جداً، فإن مجاري الرياء والعجب في الأعمال دقيقة خفية على الناقد البصير في أمر الدين فكيف الغافل النوم؟
ويحكى أن عطاء السلمي نسج ثوباً فحسنه جداً فعرضه على البزاز فاسترخصه وقال: إن فيه عيوباً كيت وكيت، فأخذه عطاء وأخذ يبكي بكاء شديد فندم الرجل على ذلك فاعتذر إليه، وجعل يبذل له في ثمنه ما يريد، فقال عطاء: ليس ذلك مما تظن إنما أنا عامل في هذه الصناعة وقد اجتهدت في تحسين هذا الثوب حتى لا يوجد فيه عيب، فلما عرض على البصير بعيوبه أظهر فيه عيوباً كنت غافلاً عنها، فكيف بأعمالنا هذه إذا عرضت على الله غداكم يبدو فيها من العيوب والنقصان الذي نحن اليوم عنه غافلون.
وعن بعض الصالحين قال: كنت ليلة في وقت السحر في غرفة لي شارعة، أقرأ سورة طه، فلما إن ختمتها غفوت غفوة فرأيت شخصاً نزل من السماء بيده صحيفة فنشرها بين يدي، فإذا فيها سورة طه وإذا تحت كل كلمة عشرة حسنات مثبتة إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محواً ولم أر تحتها شيئاً، فقلت والله لقد قرأت هذه الكلمة ولا أرى لها ثواباً، ولا أراها
أثبتت.
فقال الشخص: صدقت قرأتها / وكتبناها إلا أنا سمعنا منادياً من قبل العرش امحوها وأسقطوا ثوابها، فمحوناها فبكيت في منامي وقلت: لما فعلتم ذلك؟ قالوا: مر رجل فرفعت بها صوتك لأجله فذهب ثوابها.
سنة.
وأما الغبن الشديد فإن الرياء والعجب آفة تقع في لحظة فربما تفسد عليك عبادة سبعين (3/434)
صفحة 1291
قنطرة القوادح في الطاعات
435
وحكي أن رجلاً أضاف سفيان الثوري وأصحابه فقال لأصحابه هاتوا الطبق الذي أتيت به
في الحجة الأولى بل الذي أتيت به في الحجة الثانية، فنظر إليه سفيان وقال: مسكين قد أفسد
عليه بهذا حجتيه.
الله
ووجه آخر من الغبن: إن أقل طاعة سلمت من هذا الرياء والعجب يكون لها من ا تعالى ما لا قيمة لها ولا نهاية، وعن علي قال: لا يقل عمل البتة وكيف يقل عمل مقبول. وسئل النخعي عن من عمل كذا وكذا ما ثوابه؟ قال: إذا قبل لا يحصى ثوابه، ولمثل هذا المعنى وقع نظر أولي الأبصار من العباد في مثل هذه الدقائق فاهتموا بمعرفتها ثم رعايتها ثم التحفظ عنها، ولم تغنهم كثرة الأعمال في الظاهر وقالوا في هذا الشأن في الصفوة لا في الكثرة وقالوا: جوهرة واحدة خير من ألف خرزة. وأما الذين قل عملهم في هذا الباب وقل نظرهم جهلوا المعاني وأغفلوا ما في القلوب من العيوب واشتغلوا بإتعاب النفوس في الركوع والسجود وغير ذلك ولم ينظروا ما فيها من المخ والصفوة وما يغني عدد الجوز ولا لب فيها وما يغني رفع السقوف ولم تحكم مبانيها، وما يعقل هذه الحقائق إلا العالمون بالله المكاشفون والله تعالى نسأله الهداية.
وأما الخطر العظيم فإن عظمه من وجوه أحدها ملك لا نهاية لعظمته وله عليك نعم لا تعد ولا تحصى، وبدن معيوب بعيوب جمة خفية ومؤف بآفات كثيرة، وأمر مخوف، فإن وقع مع تسارع النفس إليه فيحتاج أن يستخرج عملاً صافياً / من بدن معيوب ونفس أمارة [472]
ذلك
بالسوء على وجه يصلح لرب العالمين في جلاله وكثرة أياديه ومننه، ويقع موقع الرضى والقبول فيه فيفوتك الربح العظيم الذي لا تتسمح النفس بفوته بل ربما تصيبك فيه مصيبة لا طاقة لك بها وهذا والله شأن عظيم، وخطب جسيم.
أما جلال الله وعظمته فإن الملائكة يتعبدون له بأنواع العبادة الليل والنهار إلى نفحة
الصور، فينادون بأجمعهم: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
وأما النعم: فكما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (1).
وعلى ما روي أنه يحشر الناس على ثلاثة دواوين ديوان الحسنات وديوان السيئات وديوان النعم فقابلوا الحسنات بالنعم فلا يؤتى بحسنة إلا أوتي بنعمة حتى تعم الحسنات وتبقى
(1) سورة إبراهيم، الآية: 34. (3/435)
صفحة 1292
436
قنطرة القوادح في الطاعات
الذنوب والسيئات، والأمر المخوف أن العبد يعمل سبعين سنة غافلاً عن عيوبه فربما لا يكون واحد منها مقبولاً، وربما يتعبد أعواماً فيفسد بساعة واحدة، وأعظم خطراً من هذا كله ربما ينظر الله إلى العبد يراعي بعمله وخدمته العباد دونه فيطرده طرداً لا مرد له والعياذ بالله تعالى. ولما كان الأمر في الدقة والصعوبة إلى هذا الحد من الخطر نظر أولوا الأبصار فخافوا على أنفسهم حتى قال بعضهم: ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئاً، وقال آخر: اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك.
وروي عن بعضهم كان يقول: إني أعلم ما عملت من الطاعات غير مقبولة عند الله تعالى فقيل له في ذلك فأجاب: إني أعلم ما يحتاج إليه الفعل حتى يكون مقبولاً، وأعلم أني لست أقوم بذلك فعلمت أنها غير مقبولة، قيل له: فلم تفعلها؟ قال: إن يصلحني الله تعالى يوماً فتكون النفس متعودة لفعل الخير، فلا أحتاج أن أعودها ذلك من الرأس، فهذه أحوال أهل
المجاهدات. وينشد:
فانظر لنفسك صحبة مع غيرهم وقع الإياس وخابت الأمال / هيهات تدرك بالتواني سادة كدوا النفوس وساعد الاقبال
فاعتصم يا أخي بمولاك ذي العظمة والكمال، والزم الباب بالتضرع والابتهال والبكاء آناء الليل وأطراف النهار مع المتضرعين المبتهلين إن وجدتهم من عباد الله الخاشعين، فإنه لا ناج من هذا الأمر إلا برحمته ولا سلامة من هذا البحر إلا بعنايته فتنبه من رقدة الغافلين وجاهد في هذه القنطرة المخوفة لعلك لا تهلك الهالكين، فنسأل الله تعالى أن يتغمدنا مع برحمته إنه أرحم الراحمين، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
نفسك
[473] (3/436)
صفحة 1293
[474]
القنطرة السادسة عشرة قنطرة الحمد والشكر
فعليك وفقك الله لطاعته بلزوم الحمد والشكر الله على أياديه ونعمته؛ فإن الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير ودوام لأيادي الله وإحسانه إليك.
6
(?) ,
وقد أمر الله تعالى به عباده فقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونَ) (1)، وقال: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (2)، وقال: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالاً طَيِّباً] وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ (3). في أمثالها من الآيات، ولعلو رتبة الشكر طعن اللعين إبليس في أكثر الخلق فقال: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (4)، وقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (5)، وقطع تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (6)، أخلاق الربوبية، قال تعالى: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ، وجملة مفتاح كلام أهل الجنة فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ (8)، وقال: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (9)، وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وعن النبي عليه السلام قال: «المؤمن الذي يغلب الحلال / شكره والحرام صبره.
وهو
(1)
خلق من عنهم.
وقال عليه السلام: الخصلتان
سورة البقرة، الآية: 152.
(2) سورة البقرة، الآية: 57. (3) سورة النحل، الآية: 114.
(4)
سورة الأعراف، الآية: 17.
(5) سورة سبأ، الآية: 13. (6) سورة إبراهيم، الآية: 7. (7) سورة التغابن، الآية: 17. (8) سورة الزمر، الآية: 74.
(9)
سورة يونس، الآية: 10.
(10) سورة الأنعام، الآية: 53.
(7)
من كانتا فيه كتبه الله شاكراً، صابراً، ومن لم تكونا فيه لم (3/437)
صفحة 1294
438
قنطرة الحمد والشكر
يكتبه شاكراً ولا صابراً من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على فضله به عليه (1).
(1) ,
وروي عنه أنه قال: لا تنظروا إلى من فوقكم وانظروا إلى من دونكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم (2)، وروي عنه أنه قال: يحاسب ابن آدم يوم القيامة بكل نعمة أنعمها الله عليه ويسأل عن شكرها غير أربع: خبز يأكله، وماء قراح يشربه، وثوب يواري به عورته، وبيت يسكن فيه من الحر والبرد؛ فما أعطى فضلاً عن هذا حوسب به، وسئل عن
شکره.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة الله (3)، قال: أما الظاهرة فالإسلام وما حسن من خلقك وأفضل عليك في الرزق، وأما الباطنة: فما ستر عليك من الذنوب والعيوب، قال: وسمع رجل رجلاً يقول: الحماء الله على نعمة الإسلام؛ فقال: إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة، وقال سفيان: لما جاء البشير يعقوب بيوسف عليه
،
السلام قال على أي دين تركته قال على الإسلام قال: الحمد الله الآن تمت النعمة.
وروي عن كعب قال: ما أنعم الله على عبد في الدنيا نعمة فشكرها إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد نعمة فلم يشكرها إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له بها طبقاً في النار.
وقال النبي عليه السلام: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» (4)، وعن وهب بن منبه
(1) أطراف الحديث عند الترمذي (2512) والتبريزي في مشكاة المصابيح (5206)، السيوطي في الدر المنثور (154/ 1). وشرح السنة للبغوي (293/ 14) وابن حجر في المطالب العالية (2589) والمتقي الهندي في الكنز (6493). والألباني في الضعيفة (633). وابن المبارك في الزهد (50). وابن السني في
عمل اليوم والليلة (304). (2) أطراف الحديث أحمد (254/ 2) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (360/ 6). وأبي نعيم في تاريخ أصبهان (257/ 1) والألباني في الضعيفة (633).
(3) سورة لقمان، الآية: 20.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (127/ 4) طبعة دار الحديث علقه البخاري وأسنده الترمذي وحسنه ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة ورواه ابن ماجه من حديث سنان بن سنة وفي إسناده اختلاف. قال محقق الإحياء: أخرجه الترمذي (2486) وأحمد (283/ 2 (289) وابن ماجه (1764)، وابن حبان (315/ 1) في الإحسان، والحاكم (422/ 1) وصححه ووافقه الذهبي وقال الألباني في الصحيحة (655)
صحيح. (3/438)
صفحة 1295
قنطرة الحمد والشكر
439
قال داود: يا رب ابن آدم ليس منه شعرة لا تحتها ولا فوقها منك نعمة؛ فمن أين يكافئها بما أعطيته؟ فأوحى الله إليه: يا داود إني أعطي الكثير، وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني.
لفظ
وعن النبي / ال: قال: ينادي يوم القيامة ليقم الحامدون فيقومون زمرة فينصب لهم لواء [475] فيدخلون الجنة، قيل: ومن الحامدون؟ قال: الذين يشكرون الله على كل حال، وفي آخر: «على السراء والضراء» (1). وقال: «الحمد رداء الرحمن» (2).
ويقال أن الله تعالى أوحى إلى أيوب عليه السلام أني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل، وأوحى الله إليه في صفة الصابرين دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام، وعند الشكر أستزيدهم.
ويروي
أنه لما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر رضي الله عنه: فأي المال نتخذ؟ قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «ليتخذن أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً (3).
فأمر به بدلاً من المال وقال ابن: مسعود الشكر نصف الإيمان، وقال عمر بن عبد العزيز: تذاكروا النعم؛ فإن ذكرها، شكر، وكان مطرف بن عبد الله يقول: إلهي منك تكون النعمة، وعليك تمامها وأنت تعين على شكرها وعليك، ثوابها وقال بعضهم: الشكر قيد النعمة، ومفتاح المزيد، وثمن الجنة. وقيل: موضع الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف إن وجده لم يرم، وإن عدمه لم يقم. وقال بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا بقاء للنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت وإن شكر زيادة من المنعم
وأمان من الفقر.
ويروي
أن داود عليه السلام بينما هو في محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها؛ فقال: ما يعبأ الله عز وجل بخلق هذه فأنطقها الله فقالت يا داود أتعجبك نفسك؟ لأنا على قدر ما أتاني الله عز وجل لأذكر الله وأشكر له منك.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (127/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بلفظ: أول من يدعى إلى الجنة الحمادون. الحديث. وفيه قيس بن الربيع ضعفه الجمهور.
(2)
33
قال الحافظ العراقي في المغني (128/ 4): لم أجد له أصلاً وفي الصحيح من حديث أبي هريرة «الكبر
رداؤه. . . . الحديث».
(3) هذا الحديث تقدم غير مرة وهو في النكاح. (3/439)
صفحة 1296
[476]
قنطرة الحمد والشكر
ويروى عن الحسن بن علي أنه التزم الركن فقال: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكراً، وابتليتني فلم تجدني صابراً؛ فلا أنت سلبت النعمة بتركي الشكر ولا أنت أدمت الشدة بتركي
الصبر، إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم، ولا من الجافي إلا الجفا.
6
وعن علي قال: لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أولي / ويبتغي الزيادة فيما بقي ينهى ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ولا يدعها في طول حياته.
وقال حاتم الأصم: يصبح الناس كل يوم على ثلاث فرق فرقة طردوا من باب الخالق، وفرقة طردوا من خدمته ولم يطردوا عن بابه وفرقة اكرموا بخدمته؛ فالواجب على الشاكرين أن يقولوا الحمد لله الذي لم يجعلنا من المطرودين من بابه وهم الكفار، ولا من المطرودين من الفساق وجعلنا من المكرمين بخدمته وهم أهل المساجد.
خدمته وهم
وقال سفيان: قال لي جعفر بن محمد إذا جاءك ما تحب فأكثر الحمد، وإذا جاءك ما تكره فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، قال سفيان: فانتفعت بهذه الموعظة.
فصل
فإن قيل فما حقيقة الحمد والشكر وما معناهما وحكمهما فاعلم أنه ذكر الغزالي في كتابه فقال: إن العلماء فرقوا بينهما عند التحصيل فإن الحمد من أشكال التسبيح والتهليل فيكون من المساعي الظاهرة والشكر من أشكال الصبر والتفويض فيكون من المساعي الباطنة؛ ولإن الشكر يقابل الكفران والحمد يقابل اللوم - وصدق .. قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (1) وقال القائل في
الحمد وضده:
واعلم بأن الضيف بر حل سوف يحمد أو يلوم
قال: ولأن الحمد أعم والشكر أخص فثبت أنهما معنيان متميزان، قال: ثم إن الحمد الثناء على أحد بالفعل الحسن قال وأما الشكر فتكلموا في معناه، فعن ابن عباس قال: بجميع الجوارح لرب الخلائق في السر والعلانية. وقال بعضهم في تفسير
الطاعة الشكر هو
(1) سورة النمل، الآية: 40. (3/440)
صفحة 1297
قنطرة الحمد والشكر
441
(1) ,
قول الله تعالى: {أَعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكراً) (1)، قال: الصلاة شكر، وكل عمل يعمل الله فهو شكر، والصوم شكر وأفضل الشكر الحمد، وقال بعضهم: الشكر الاحتراس عن اختيار / معاصي الله تحترس على قلبك ولسانك وأركانك حتى لا تعصي الله بشيء من هذه الثلاثة [477]
بوجه من هذه الوجوه، قال: وذلك بتذكر إحسانه، وحسن حال الشاكر في شكره، وقبح حال الكافر في كفرانه قال: إن أقل ما يستوجبه المنعم بنعمته ألا يتوصل بها إلى معصيته، وما أقبح حال من جعل نعمة المنعم سلاحاً على عصيانه، فعلى العبد إذاً. من فرض الشكر في حقيقته أن يكون له من تعظيم الله سبحانه ما يحول بينه وبين معاصيه على حسب تذكر النعمة، فإذا أتى بذلك فقد أتى بما هو الأصل فيه، قال: ثم يقابل ذلك بجد في الطاعة، وجهد في القيام بالخدمة، إذ هو من حقوق النعم، ولا بد من الاحتراس عن المعصية ـ وبالله التوفيق ..
فصل
اعلم أن الشكر الله على النعمة من الله تعالى لا يقدر عليه الآدمي إذا تحقق ذلك؛ لأن الشكر على النعم إنما يكون بتوفيق الله تعالى، فالتوفيق نعمة أخرى يستحق به الله تعالى عليه الشكر، فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له، كما قال الحسن: يا ابن آدم متى تنفك من شكر النعم وأنت مرتهن، بها كلما شكرت نعمة تجد ذلك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت لا تنفك بالشكر من نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها، وأنشدوا:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بمنة وإن طالت الأيام واتصل العمر إذا مس بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر هما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبر والبحر
فمـ
وفي مثل هذا قال داود: يا رب فكيف أشكرك وأنت الذي تنعم علي؟ ثم رزقتني على النعمة الشكر النعمة منك، والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ فأوحى الله إليه الآن عرفتني حق معرفتي وشكرتني.
يؤدي
وفي مثل هذا روي / عن موسى عليه السلام: قال يا رب كيف استطاع آدم أن. شكر ما صنعت إليه؟ خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك واسجدت له ملائكتك، واسكنته
[478]
(1) سورة سبأ، الآية: 13. (3/441)
صفحة 1298
[479]
قنطرة الحمد والشكر
جنتك، فقال: يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكر ما صنعت، وأنشد لأبي العتاهية:
أحمد الله وهو ألهمني الحمد على الحمد والمزيد لديه کم زمان بكيت فيه فلما
ولمحمد بن حازم:
الله أحمد ـد شـ ـاک
غيره بكيت عليه
مسروراً معاً ـأبين أنعم
فبلاؤه
أصبح
من الأحزان خف الظهـ
القلي
ـوق علـ
سل
وينشد للبيد:
وبإذن الله ريثي وعجل
داً فلا من لمخ
إن تقوى ربَّا خير نفل أحمد الله فلاند له
الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال وَمَن شاء أضل
ويروي أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: الحمد الله الذي من نطق سمع نطقه، ومن صمت علم ما نفسه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه مصيره، أنا الفقير الذي أغنيت، والجائع الذي أشبعت، والعاري الذي كسوت والراجل الذي حملت، والخائف الذي أمنت، الحمد لله رب العالمين، اللهم إنك خلقتني كيف شئت، فارحمني كيف شئت، ووفقني لطاعتك حتى تكون ثقتي كلها بك، وخوفي كله منك، وسرعتي كلها إليك، اللهم حبب إليّ الخير كحبي له يوم أرى ثوابه وأبغض إلي الشر كبغضي له يوم أرى عقابه، فإن القوم الذين رحمتهم كانت رحمتك لهم قبل طاعتهم لك، وقد قلت رحمتي وسعت كل شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.
ويروي أن دانيال عليه السلام لما جاءه أرميا عليه السلام / وهو في سجن بخت نصر، قال دانيال من أرسلك إليّ، قال الله تعالى قال دانيال أو قد ذكرني؟ قال: نعم، قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى غيره، والحمد الله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا عند سوء الظن بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاءنا حين ينقطع الرجاء. (3/442)
صفحة 1299
قنطرة الحمد والشكر
443
قال: وقال آخرون وهو الأولى أن شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها؛ لأنها نعم بالحقيقة بدليل أنها تعرض للعبد المنافع عظيمة، ومثوبات جزيلة تتلاشى في جنبها مشقة هذه
الشدائد وأي نعمة تكون أكبر من هذه، ومثال ذلك كمن يسقيك دواء مراً كريهاً أو يفصدك أو يحجمك لعلة عظيمة فيؤدي ذلك إلى صحة النفس، وسلامة البدن / وصفوة العيش، فيكون [480] إيلامه إياك بمرارة الدواء وجراحة الفصد والحجامة نعمة بالغة بالحقيقة ومنة ظاهرة، وإن كان في صورته مكروهاً ينفر منه الطبع، وتستوحش منه النفس، وأنت تحمد الذي تولى منك ذلك بل تحسن إليه ما أمكنك، فكذلك حكم هذه الشدائد.
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف حمد الله وشكره على الشدائد كشكره على المسار حيث قال: الحمد لله على ما أساء وستر»، وقد قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وقال: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلْ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (2) وما سماه الله خيراً كثيراً فهو أكثر مما يبلغه وهمك والله أعلم.
فصل
اعلم أن الشكر يستفيد به الشاكر خصلتين:
أحدهما: دوام النعمة؛ لأن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالشكر قيد النعمة به، تدوم وبتركه، تزول قال النبي عليه السلام إن للنعم أوابد كأوابد الوحش، فقيدوها بالشكر، وقال عز وجل: {فَكَفَرَتَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ .... (3) الآية، وقال: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهَذَا بِكُمْ إِنْ شَكَرْتُم وَآمَنْتُمْ} (4)
والخصلة الثانية: حصول الزيادة، قال الله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (5)، وقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوُا زَادَهُمْ هُدًى (6)، وقال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا .... (3)
الآية.
(1) سورة البقرة، الآية: 216. (2) سورة النساء، الآية: 19. (3) سورة النحل، الآية: 112. (4) سورة النساء، الآية: 147.
(0) سورة إبراهيم، الآية: 7. (6) سورة محمد، الآية: 17. (7) سورة العنكبوت الآية: 69. (3/443)
صفحة 1300
[481]
قنطرة الحمد والشكر
والسيد الحكيم إذا رأى العبد قد قام بحق نعمة أنعم عليه أخرى ويراه أهلاً لها، وإلا
قطع ذلك عنه.
ثم النعم قسمان: دنيوية ودينية.
فالدنيوية ضربان: نعمة نفع، ونعمة دفع.
فنعمة النفع هي ما أعطاك الله من المصالح والمنافع وهي نوعان: الخلقة السوية في سلامتها، وعافيتها والملاذ الشهية من المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها من فوائدها.
ونعمة الدفع أن صرف عنك المفاسد والمضار وهي: ضربان: أحدهما في النفس بأن سلمك من زمانتها، وسائر آفاتها.
والثاني دفع ما يلحقك من ضرر أنواع العلائق، ويقصدك بسوء من إنس أو جن، وسباع، وهوام، ونحوها.
وأما النعم الدينية فضربان: نعمة التوفيق للإسلام والسنة والطاعة / والثاني نعمة العصمة من الشرك والكفر والبدعة والضلال وسائر المعاصي. وتفصيل ذلك لا يحصيه إلا السيد العليم الذي أنعم عليك بها، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (1).
وإن دوام هذه النعم كلها والزيادة عليها من كل باب منها ما لا يبلغه وهمك، فكلها متعلق بشيء واحد وهو الشكر والحمد لله، فالخصلة التي تكون لها هذه القيمة، ويكون لها كل هذه الفائدة لحقيق أن يتمسك بها فإنها جوهر ثمين وكيمياء عزيز - والله ولي التوفيق بفضله ..
فصل
فإن قيل فما موضع الشكر؟ فاعلم أن موضعه هو النعم الدينية والدنيوية على أقدارها، وأما الشدائد والمصائب في الدنيا في نفس أو أهل أو مال، فتكلمت العلماء في ذلك هل يلزم العبد الشكر عليها؟ قال بعضهم: لا يلزم العبد عليها من.، وإنما يجب فيها الصبر، وأما الشكر فإنما هو على النعمة لا غير.
قالوا: ولا شدة إلا وفي جنبها نعم الله تعالى فيلزم الشكر على تلك النعم المقرونة بها ما قاله ابن عمر ما ابتليت ببلية إلا كان الله تعالى علي فيها
دون نفس الشدة، وتلك النعم هو
(1) سورة إبراهيم، الآية: 34. (3/444)
صفحة 1301
قنطرة الحمد والشكر
445
أربع نعم إذ لم تكن في ديني، وإذ لم تكن أعظم منها، وإذ لم أحرم الرضى، وإذ رجوت
الثواب عليها.
وقيل أيضاً: تلك من
النعم
أن تلك الشدة زائلة غير دائمة وأنها من الله تعالى وإن كانت
بسبب مخلوق، فإنها لك عليه لا له عليك، فإذاً يلزم العبد الشكر على النعم المقترنة بالشدة.
فصل
فإن قلت فالشاكر أفضل أم الصابر؟ فاعلم أنه قيل أن الشاكر أفضل بدليل قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (1)، فجعلهم أخص الخواص وقال في نوح عليه السلام: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً (2)، وقال في إبراهيم عليه السلام: شَاكِراً لأَنْعُمِهِ (3)؛ ولأنه في منزلة الإنعام والعافية، ولذلك قيل: لأن أنعم فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر.
وقيل: بل الصابر أفضل؛ لأنه أعظم مشقة فيكون أعظم ثواباً، وأرفع منزلة، وقال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ (1)، وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الْصَّابِرُرْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
(4)
حساب (ه)، وقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (6).}
من
قال الغزالي: الشاكر بالحقيقة لا يكون إلا صابراً، والصابر بالحقيقة لا يكون إلا شاكراً؛ لأن الشاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر عليها لا محالة ولا يجزع، والصابر لا يخلو نعمة كما ذكرنا في الشدائد أنها نعم على الحقيقة على ما تقدم، فإنه شكر على الحقيقة إذا نفسه عن الجزع تعظيماً لله تعالى، وهذا هو الشكر بعينه، إذ هو تعظيم يمنع من العصيان؛ ولأن الشاكر يمنع نفسه عن الكفران فيصبر على المعصية، وحمل على نفسه الشكر والطاعة، فصار بصبره على الطاعة صابراً على الحقيقة.
صبر
لأنه
حبس
والصابر عظم الله حتى منعه تعظيمه عن الجزع فيما أصابه، وحمله على الصبر فقد / شكر الله تعالى فصار شاكراً بالحقيقة؛ ولأن. النفس عن الكفران قصد النفس لها [482] مع عليها الشاكرون وتوفيق الصبر والعصمة نعمة يشكر عليها الصابرون، فأحدها لا
شدة
يصبر
(1) سورة سبأ، الآية: 13.
(2) سورة الإسراء، الآية: 3.
(3) سورة النحل، الآية: 121.
(4) سورة ص، الآية: 44. (5) سورة الزمر، الآية: 10. (6) سورة آل عمران الآية: 146.
حبس (3/445)
صفحة 1302
227
قنطرة الحمد والشكر
ينفك عن الآخر؛ ولأن البصيرة الباعثة عليهما واحدة وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا، - وبالله التوفيق ..
فصل
فعليك يا أخي ببذل المجهود في قطع هذه القنطرة اليسيرة المؤنة، الكبيرة القدر، العظيمة النافع، وتأمل أصلين:
،
أحدهما: أن النعمة إنما تعطى لمن يعرف قدرها وذلك هو الشاكر لها، دليل ذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار والرد عليهم حين قالوا للمؤمنين على طريق الإنكار والاستهزاء: ما بال هؤلاء الفقراء من العبيد والأحرار أعطوا نعمة الإسلام بزعمهم دوننا، وذلك قوله: أهؤلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنْ بَيْنِنَا، فأجابهم الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَاكِرِينَ
(1)
ظنوا أنما يعطى النعمة العظيمة أكثرهم مالاً، وأعظمهم حسباً ونسباً، فأجابهم الله تعالى بما تقدم، وتقدير الكلام أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته لمن عرف قدرها، وهو الذي أقبل بنفسه وقلبه على مراعاتها، ولا يعبأ بالمشقة في تحصيلها.
وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء هم القائمون بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم ولا جاهكم فأنتم تظنون النعمة إنما هي الدنيا وحطامها، وعلو الأحساب والأنساب لا الدين والحق معرفته وإنما تعظمون ما ذكرنا من الأموال
والأنساب.
أولا ترون أنكم لا تكادون تقبلون هذا الدين إلا بمنة على من أتاكم به، وذلك لاستحقاركم إياه، وأن هؤلاء الضعفاء، قبوله، وبذلوا مهجهم فيه ولا يبالون بما فاتهم من [483] الدنيا، ولا / بمن عاداهم لمعرفتهم بقدر هذه النعمة نعمة الدين، ورسوخ تعظيمها في قلوبهم فاستغرقوا العمر في أداء شكرها؛ فلذلك استحقوا نعمة الدين في سابق علمنا، وخصصناهم بها
دونكم فهذه هذه.
قال الغزالي: وكذلك كل من خص بعلم أو عبادة، فإنك تجده أعرف الناس بقدر ذلك، وأشدهم تعظيماً له، وأجدهم في تحصيله وأقومهم بشكره، والمحروم ذلك إنما حرمه لقلة
تعظيمه لحقه بعد القضاء السابق.
(1) سورة الأنعام، الآية: 53. (3/446)
صفحة 1303
قنطرة الحمد والشكر
447
قال: فلو كان تعظيم العلم والعبادة في قلوب السوقة والعامة مثل ما في قلوب العلماء والمتعبدين لما آثروا سوقهم عليهما.
ألا
تري أن فقيهاً إذا ظفر بتعليم مسألة كانت عليه ملتبسة كيف يرتاح قلبه ويعظم سروره بها حتى ربما لو وجد ألف ألف دينار لما كان يعدل ذلك؟ ثم ربما تبين مثل هذه المسألة لسوقي أو متعلم كسلان يرى أنه مثل ذلك الفقيه في الرغبة في العلم، فلا يستمع إليها
حق الاستماع وربما طال عليه الكلام فيها فيملها، وإن تبين له ذلك فلا يعدله بكبير أمر.
عسى
قال: وكذلك المنيب إلى الله تعالى، كم يتضرع إليه؟ أن يرزقه ساعة مناجاة بصفوة وحلاوة، فإذا ظفر بها عد ذلك أكبر منة ونعمة، فكم يسر بذلك ويفرح ويشكر الله تعالى عليه؟
ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادة لا تسمح نفسه بترك نوم ليلة أو ترك كلمة لا تعنيه في تحصيل مثل تلك العبادة، وإن اتفق له في النادر حصول عبادة في صفوة، فلا يعدها كبيرة في نفسه، ولا يعظم شكره الله عليها إنما يعظم، سروره، ويكثر في الظاهر حمده إذا حصل درهماً أو كسرة أو طابت له مرقة أو صحة بدن، فيقول: الحمد الله / فأنى يساوي هؤلاء [484] العاجزون بأولئك المجدين الفائزين.
وكذلك قسم الأمر أحكم الحاكمين، وهو أعلم بالعالمين فهذا تفصيل قول الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. فتهمه وارع حقه، وابذل المجهود في حق تعظيم هذه النعمة؛ ليمن الله عليك في دوامها كما من عليك بإعطائها أولاً ـ وبالله التوفيق ..
الأصل الثاني: أن النعمة إنما يسلبها الكفور الذي لا يعرف قدرها ولا يؤدي شكرها، وذلك قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي مَاتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ..... الآية، ثم قال: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (1) إلى آخر الآية.
(1) ,
تقدير الكلام أنما أنعمنا على هذا العبد بالنعم العظيمة في باب الدين، بما مكناه من الرتبة الكبيرة، ليكون رفيع القدر عندنا ولكنه جهل قدر نعمتنا، فمال إلى الدنيا الحقيرة، فآثر شهوة نفسه الردية ولم يعلم أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة في أدنى نعمة من نعم الدين، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الشرف والإكرام من الإهانة والاحتقار، إنما الكرامة عنده في كسرة يأكلها، أو عظم يرمى له يتعرقه سواء عنده، تقعده معك على السرير أو
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 175، 176. (3/447)
صفحة 1304
448
قنطرة الحمد والشكر
تقيمه على التراب والقذر بين يديك، فهذا العبد السوء إذا جهل قدر كرامتنا، فآثر عليها لذة خسيسة، ودنيا حقيرة نظرنا إليه بالعدل والسياسة فسلبناه كرامتنا ونزعنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ غاوياً من جميع فضلنا، فصار كلباً طريداً ـ فنعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه إنه بنا رؤوف رحيم -.
ثم اقنع بمثال ملك يكرم عبداً له فيخلع عليه خاصة ثيابه وجعله فوق جميع حجابه، فأمره بملازمة، بابه، ثم أمر أن تبنى له القصور وتوضع له الأسرة وتنصب له الموائد، وتزين له الجواري، وتقام له الغلمان في بلدة أخرى حتى إذا رجع من الخدمة أجلس هنالك ملكاً مخدوماً مكرماً، وما بين خدمته وذلك الملك إلا ساعة من نهار أو أقل فإن انصرف هذا العبد [485] / عن باب الملك يتبع سائساً للدواب ليأكل رغيفاً، أو كلباً يمضغ عظماً، واشتغل به عن خدمة الملك بنظره إليه واقباً له عليه ولا يلتفت إلى ما أعد له من الخلع والكرامة، فيسعى إلى ذلك السائس ليأكل رغيفاً معه أو يزاحم الكلب على عظمه أليس الملك إذا نظر إليه ـ على مثل هذه الحالة ـ يقول: إن هذا السفيه لم يعرف حق كرامتنا وقربنا مع ما أعددنا له الذخائر؟ ما هذا إلا ساقط عظيم الجهل قليل التمييز أسلبوه الخلع واطردوه عن بابنا، فهذا
،
،
من
حال العالم إذا مال إلى الدنيا والعابد إذا اتبع الهوى بعدما أكرمه الله بعبادته ومعرفة آياته وشريعته، ثم لم يعرف قدر ذلك، وآثر عليه أحقر الأشياء عند الله، وكذلك من خصه الله تعالى بأنواع توفيقه وعصمته وزينه بأنوار خدمته، ويديم النظر إليه بالرحمة في أكثر أوقاته، ويباهي به ملائكته، وأنزله منزلة الأعزة، حتى صار بحيث لو دعاه لأجابه، ولو شفع في العالم لشفعه فيهم، وأرضاه، ولو خطر بباله شيء لأعطاه قبل أن يسأله، فمن كانت هذه حاله، ثم لم يعرف قدر هذه النعم فعدل عنها إلى شهوة نفس ردية أو لعقه من دنياه دنية مع ما أعد الله له في الآخرة من الثواب العظيم والنعيم المقيم فما أسوأه من عبد؟، وما أفحش صنعه؟ ـ فنسأل الله تعالى أن يصحلنا بسعة رحمته إنه أرحم الراحمين ..
فصل
فعليك أيها الرجل ببذل المجهود حتى تعرف قدر النعمة، فإذا أنعم الله عليك بنعمة الدين، فالتفت إلى الدنيا فذلك منك تهاون بما أولاك الله من نعم الدين، أما تسمع قوله لسيد المرسلين: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ .... (1) الآية.
(1) سورة الحجر، الآيتان: 87، 88
(1) , (3/448)
صفحة 1305
قنطرة الحمد والشكر
229
تقديره أن كل من أوتي القرآن العظيم حق له أن لا ينظر إلى الدنيا فضلاً عن أن يرغب
يمن
الله
فيها، فيلزم الشكر على ما أعطي؛ فإنه الكرامة التي حرص عليها النبي عليه السلام أن بها على عمه فلم يفعل، وحرص عليها الخليل عليه السلام أن يمن بها على أبيه فلم يفعل، وأما / حطام الدنيا فإنه يصبه على كل كافر وفرعون وملحد وزنديق، وفاسق، ويصرفه عن كل [486]
6.
نبي وصفي وصديق وعالم وعابد الذين هم أعز خلق الله عليه، حتى أنهم لا يكادون يصيبون كسرة ولا خرقة يمن عليهم بأن لا يلحظهم بقدرها، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً. ... إلى قوله: {وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (1).
فانظر الفرق بين الأمرين وقل: الحمد الله الذي من علي بمنن أولياءه وأصفيائه، وصرف عني فتنة أعدائه، ولتخص بالحمد والشكر الأوفر النعمة العظمى التي هي خصوصاً، وسائر النعم عموماً.
نعمة الإسلام
فإن كنت لا تعرف قدرها، فاعلم يقيناً أنك لو خلقت من أول الدنيا وأخذت في شكر الإسلام إلى الأبد لما كنت تقوم بذلك، أما تسمع قوله لنبيه عليه السلام: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (2)، وقال لقوم: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمان (3). وقال عليه السلام وقد سمع رجلاً يقول: الحمد لله على نعمة الإسلام، فقال: إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة، وإياك أن تفعل الشكر، وتغتر بما أنت عليه من الإسلام والمعرفة والتوفيق، فإن ذلك موضع الأمن منك والغفلة، فإن الأمور بالعواقب»، ويقال: ما من أحد أمن على دينه إلا سلب ويقال لا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
وينشد:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
والله نسأله التوفيق والعون والهداية والطول إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين.
(1) سورة الزخرف، الآيات: 33، 34، 35.
(2) سورة النساء، الآية: 113. سورة الحجرات الآية: 17.
(3)
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 29 (3/449)
صفحة 1306
[487]
القنطرة السابعة عشر
/ قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر وما بعد ذلك من أمور القيامة
اعلم أن هذه القنطرة تحتوي على جملتين كل واحدة منها تشتمل على فصول.
الجملة الأولى: في الاجتهاد والمراقبة.
والجملة الثانية: في ذكر الموت وما بعده من أهوال يوم القيامة.
(2)
الجملة الأولى: في الاجتهاد والمراقبة
قال الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (1)، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (2)، وقال: أَعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولَهُ .... (3) الآية، وقال: يَوَمْ تَجِدُ كُلِّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً) (4)، وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (5)، وقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَما كَانُوا يَعْمَلُونَ (6)، وقال: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (7)، وقال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ .... ) إلى قوله: {وَلَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (8)، وقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةً خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ (9).
(1) سورة الحج، الآية: 78. (2) سورة العنكبوت الآية 69. (3) سورة التوبة، الآية: 105. (4) سورة آل عمران الآية: 30. (5) سورة البقرة، الآية: 235. (6) سورة الحجر، الآيتان: 92، 93. (7) سورة الأنبياء، الآية: 47. (8) سورة الكهف، الآية: 49. (9) سورة الزلزلة، الآيتان: 7، 8. (3/450)
صفحة 1307
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
451
فعرف أولوا الألباب والأبصار أن الله لهم بالمرصاد وأنهم سيحاسبون على القليل والكثير والنقير والفتيل والقطمير من الحركات والسكون واللحظات، وتحققوا أنهم لا ينجيهم إلا لزوم الاجتهاد، والمجاهدات، وصدق المراقبات ومطالبة النفس في الأنفاس، والخطرات، ومحاسبتها عند هواجس الفكرات عما صدر منها من السكنات والحركات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في يوم القيامة حسابه، وحسن منقلبه ومابه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وقادته إلى الخزي سيئاته، فلما انكشفت لهم هذه الحالة علموا أنهم لا ينجيهم إلا طاعة الله لا محالة.
وقد أمرهم بالصبر والمرابطة، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا .... (1) الآية، فربطوا أنفسهم أولاً بالمشارطة، ثم بالمراقبة لها ثانياً، ثم بالمحاسبة لها ثالثاً، ثم بالمعاقبة رابعاً ثم بالمجاهدة خامساً، ثم بالمعاتبة / سادساً، فكانت لهم في [488] المرابطة ست مقامات فلنشرحها في ستة فصول.
الفصل الأول في المشارطة
وهذا تشبيه بمشارطة الشريك لصاحبه في التجارة يشارطه أولاً، ثم يراقبه ثانياً، ويحاسبه ثالثاً، ويعاتبه رابعاً، ويقاسمه الربح خامساً.
(2)
فتجارة الآخرة يشترك فيها العقل والنفس، فمطلب العقل تزكية النفس إذ به فلاحها، قال الله تعالى: {وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَاهَا .... ) (2) الآية، فيحتاج العقل أن يشارط النفس أولاً، ويرتب عليها وظائف العبادات، ويشترط عليها شروطاً، ويرشدها إلى طريق فلاحها، ثم لا يغفل عن مراقبتها؛ لأنها أمارة بالسوء في جميع أخلاقها ثم بعد فراغها يحاسبها، ويطالبها بالوفاء لما اشترط عليها.
وهذه التجارة ربحها النجاة من العذاب الأليم ودخول الجنة في النعيم المقيم، فحتم على كل ذي حزم ولب آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن النفس في جميع حركاتها وسكناتها، ويضيق عليها في لحظاتها وخطراتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشتري بها كنزاً في الجنة لا ثمن له فيها، فإذا صلى الصبح فينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس بأن يقول: يا نفسي مالي بضاعة إلا العمر، فمهما ضيعته
(1) سورة آل عمران، الآية: 200.
(2) سورة الشمس، الآية: 9. (3/451)
صفحة 1308
452
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ضاع رأس المال، وهذا اليوم جديد قد أمهلني الله فيه، ولو توفاني لتمنيت أن يرجعني إلى الدنيا؛ لعلي أعمل صالحاً.
عصى
وهب أنك توفيت ثم ارجعت فإياك أن تضيعي هذا اليوم والليلة، فإن كل ساعة منها جوهرة لا قيمة لها، فقد ورد أنه ينشر للعبد في كل يوم وليلة أربعة وعشرون خزانة مصفوفة، يفتح له منها خزانة مملوءة نوراً من حسناته التي عملها فيها فيناله من الفرح والسرور ما لو فرغ على أهل النار لأدهشهم عن ألم النار، ثم يفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة فيفوح نتنها، [489] ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي. الله فيها فيناله من الفزع ما لو قسم / على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها، ثم تفتح له خزانة فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما الساعة يسوءه، وهي التي نام أو أغفل أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسر على خلوها تحسر العاجز على الربح الكثير، والملك الكبير حتى فاته، وناهيك به خسارة وغبناً، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه: اجتهدي في تعمير خزائن أوقاتك بكنوزك التي هي أسباب ملكك.
وهب أن الله قد عفا عنك أليس قد فاتك ثواب المحسنين؟ فهذه وظيفة نفسه في أوقاتها، ثم يستأنف أخرى في أعضائه السبعة العين والأذن واللسان، والبطن، والفرج، واليد والرجل؛ لأنها رعية خادمة للنفس، وبها تتم أعمال هذه التجارة.
أما العين: فتحفظها عن النظر إلى عورة بالغ، أو محاسن امرأة محرمة، أو نظر إلى مسلم بعين الاحتقار، بل يحفظها عن كل فضول مستغنى عنها، إذ يسأل العبد عن فضول النظر كما يسئل عن فضول الكلام، ثم يستعملها في النظر إلى عجائب الملكوت، وفي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه السلام وكتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة، وهكذا في كل عضو ولا سيما اللسان والفرج والبطن.
وأما اللسان: فخفيف المؤنة في النطق عظيم الجناية، وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ فليحفظه عن محرمات الكلام من الكذب والغيبة والنميمة، وتزكية النفس ومذمة الخلق وغيرها من المحرمات فيه والفضول التي لا تعنيه ويشغله بالذكر والتذكير، وتكرار العلم والتعليم وإرشاد العباد إلى الصلاح والأمر والنهي، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك من أنواع الخيرات، ويشترط على نفسه ألا يحرك اللسان طول النهار إلا بالخيرات
وما يعنيه من المباحات، إذ المؤمن نطقه ذكر، وصحته فكر، ونظره عبرة. (3/452)
صفحة 1309
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
453
وأما الفرج: فيستعين على حفظه بغض البصر، وإسبال الثوب عليه وكسر شهوته بالصوم
والتباعد عن مظنات التهم. وأما البطن: فيشترط عليه ترك الشره، وتقليل الأكل من الحلال، وترك الشبهات [490] والحرام، فإن خالف شيئاً من ذلك عاقبه بالمنع عن شهوات البطن، وهكذا سائر الأعضاء. واستقصاء ذلك يطول، ولا تخفى معاصي الأعضاء ثم يستأنف عليها وصيتها وشروطها كل يوم وليلة.
فإن النفس بطبعها متمردة، وعن الطاعة نافرة، ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها، وذكرها فإن الذكرى تنفع المؤمنين. وهذه مشارطة النفس في أول أمرها. الفصل الثاني في المراقبة (1)
فإن الإنسان إذا أوصى نفسه، وشرط عليها ما ذكرناه، فلا تبغي له إلا مراقبتها عند الخوض في الأعمال وملاحظتها بالعين الكائنة في جميع الأحوال، فإنها إن تركت مهملة غطت متمردة، فلنذكر أولاً لمعاً من فضيلة المراقبة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (2)، وسئل النبي لي في حديث جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (3).
(Y),
وقال بعض العلماء: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة ثم المراقبة، وسياسة عمله بالعلم وقال بعضهم: إذا جلست إلى الناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك.
وحكي أن تلميذاً لبعض المشايخ فكان يكرمه، ويقدمه على شيوخ أصحابه، فقيل له في ذلك فدعا بمدة طيور، فناول كل واحد منهما طيراً، فقال: ليذبح كل واحد منكم طيره في موضع لا يراه أحد، فدفع إلى التلميذ الشاب كذلك، فرجع كل واحد منهم بطيره مذبوحاً إلا التلميذ، رجع والطير في يده، فقال: مالك لم تذبح وقد ذبح أصحابك، فقال: لم أجد
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - المجلد الرابع (607) طبعة دار
الحديث.
(2) سورة المعارج، الآية: 32.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (607/ 4) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ورواه مسلم من حديث ابن عمر. (3/453)
صفحة 1310
454
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
موضعاً لا يراني فيه أحد، إذ الله في كل مكان فاستحسنوا مراقبته وقالوا: حق لك أن تكرم
[491] وينشد /:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ساعة ولا أن ما تخفى عليه يغيب
ولا تحسبن الله يغفل ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غداً للناظرين قريب وقال سفيان: عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة.
اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه، وذلك إذا غلب على القلب علم يقين لا شك فيه، كالعلم بالموت وأمور الآخرة، ومعرفة عظم الرب تعالى وجلاله، والمراقبون بهذه المعرفة هم الصديقون من المقربين وأصحاب اليمين، فمراقبة الصديقين بالتعظيم والإجلال الله تعالى، وذلك إذا استولى على القلب حب الله تعالى وعظمته، فابصر حينئذ الدنيا خيالاً، والآخرة مثالاً، فصار همه واحداً، فكفاه الله سائر الهموم، وصاحب هذه الحالة ربما يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من حضر معه، ولا يسمع ما يقال له، وهذا لا يستبعد؛ لأنه قد يعرض بخدام الملوك المعظمة في الدنيا، فلا يعرف الخادم ما يجري في مجلس الملك لشدة استغراق قلبه في خوف الملك هبة وإجلالاً، بل قد يعرض للرجل مهم حقير فيتفكر فيه وهو يمشي فربما يخطاء الموضع الذي قصده.
وقد
أن روي يحيى بن زكريا عليهما السلام مر بامرأة، فدفعها، فسقطت على وجهها فقيل له لم فعلت هذا فقال: ما ظننتها إلا جداراً فهذه درجة المراقبين الذين غلب على
قلوبهم الإجلال والتعظيم، فلم يبق فيها متسع لغير ذلك.
من
الله
وأما مراقبة أهل الورع من أصحاب اليمين: فهي مراقبة قوم غلب عليهم الحياء تعالى، فلا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بعد التثبت ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به يوم القيامة، فإنهم يرون أن الله تعالى مطلع عليهم، ويعرف الفرق بين مراقبة أهل التعظيم والإجلال الله [492] تعالى / وبين مراقبة أهل الحياء منه بالمشاهدة؛ فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالاً فيحضرك صبي، فتعلم أنه مطلع عليك فتستحي منه فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك، لا عن إجلال للصبي وتعظيمه بل حياء منه، ويدخل عليك بعض الملوك والأكابر فتترك ما أنت فيه حياء منه وتعظيماً له.
وهكذا تختلف مراتب العبادة، فمن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراعي جميع حركة
تركاته (3/454)
صفحة 1311
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
455
ولحظاته، بل جميع خطراته، فينظر قبل العمل إلى ما تحرك به عقله وخاطره، أهو الله خالصة أو للنفس ومتابعة الشيطان؟ فيتوقف ويتثبت حتى يتبين له الحق فإن كان الله سبحانه أمضاه وإن كان لغير الله فيستحي ويكف، وهذا التوقف في بدء الأمر واجب محتوم، فإن في الخير تنشر للإنسان في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين الأول: لم، والثاني: كيف، والثالث: لمن، ومعناه لم فعلت هذا كان لك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه لشهوتك وهواك، فإن سلم عنه بأن كان عليه أن يفعل ذلك لمولاه.
سئل عن الديوان الثاني فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فإن الله عليك في كل عمل شرطاً وحكماً لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له: كيف فعلت بعلم محقق أم بعلل وظن؟ فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو المطالبة بالإخلاص فيقال: لمن فعلت؟ ألوجه الله تعالى خالصاً وفاء بقولك: لا إله إلا الله فيكون أجرك على الله أم لمراءاة خلق مثلك فخذ أجرك منه؟ أم عملته لتنال عاجل دنياك وقد وفيناك نصيبك من الدنيا؟ أم عملته بسهو وغفلة فقد سقط أجرك، وبطل عملك، وخاب سعيك، وإن عملته لغيري فقد استوجبت عقابي ومقتي إذ كنت عبد إلى تأكل رزقي، وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول: {وَإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ} (1). ويحك أما سمعتنى أقول: ألاً لِلَّهِ الَّذِينَ الْخَالِصُ) (2). فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات / والتوبيخات طالب نفسه قبل أن يطالب، وأعد للسؤال [493]
(2)
جواباً، وللجواب صواباً، فلا يبداء ولا يعيد ولا يحرك جفناً ولا أنملة إلا بعد التثبيت والتأمل وقد قال النبي عليه السلام لمعاذ: إن الرجل ليسأل عن كحل عينيه وعن فت الطين وعن لمسه
ثوب أخيه» (3).
فهذا
هو
النظر الأول هذه المراقبة، ولا يخلص من هذا العلم المتين والمعرفة في الحقيقية بأسرار الأعمال، وأعوان النفس ومكائد الشيطان وإلا فلا يسلم.
بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً،
(1) سورة الأعراف الآية: 194.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
(3) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (103/ 10) وقال رواه أبو نعيم في الحلية في حديث طويل أوله يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أستر يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه .... ) وفيه يا معاذ إن المؤمن ليسئل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي الحديث». (3/455)
صفحة 1312
207
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ولا تحسب أن الجاهل فيما يقدر على تعلمه يعذر بجهله هيهات طلب العلم فريضة على كل محتمل ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم؛ لأنه يعرف ما ذكرناه من آفات الأعمال فيتقيها والجاهل لا يعرفها فكيف يحترز منها؟ بل لا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة. فالواجب على العبد أن يستضيء بنور الدين في كل خطرة، ونازلة نزلت به، فإن لم يعرفها فليسئل علماء الدين المقبلين على الآخرة، وليفر من علماء السوء المقبلين على الدنيا الأسد بل أشد، فالقلوب المظلمة بحب الدنيا محجوبة عن الله تعالى؛ فإن مستقر أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على الدنيا، والتكالب فيها، وقد قال عليه السلام: من قارف ذنباً فارق عقلاً لا يعود إليه أبداً وحب الدنيا رأس كل خطيئة (1).
فراره من
وقد قال عليه السلام: إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات (2).
والعقل الكامل عند هجوم الشهوات أو معرفة آفات الأعمال، قد اندرست من قديم الزمان، فكيف هذه الأعصار، فإن الناس قد هجروا هذا العلم قديماً واشتغلوا بفقه طلب [494] المعاش وعلم فصول الخصومات والمسائل الطبوليات وأمّا / اليوم فقد هجروا جميعاً فأصبحوا في ظلمة لا يعمهون في أعمال الدنيا والدين والحمد لله رب العالمين.
النظر الثاني: للمراقبة عند الشروع في العمل، وذلك أن تفقد حسن النية له، وكيفية أدائه على أكمل ما أمكنه، وهذا لازم له في جميع أحواله؛ فإنه لا يخلو فيها من حركة وسكون، فإذا راقب الله في جميع ذلك قدر على عبادته فيه بالنية وحسن الفعل، وذلك أنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة فيراقبها بالإخلاص ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات، وإما في معصية فيراقبها بالتوبة والندم والاشتغال بالفكر والحياء منها، وإما في مباح فيراقبه بمراعاة الأدب وشكر المنعم على نعمته فيها، وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة، فإن الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب على العبد فيها كيف ما انقضت، وساعة مستقبلة لا يدري أيدركها أم لا، والساعة التي هو فيها فيجاهد نفسه، وليراقب ربه قبل انقضائها فإن عاش إلى الساعة المستقبلة لم يتحسر على التي جاهد فيها، وليستوف حق الثانية كما استوفى حق الأولى، ولا يطول عمره
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (614/ 4) طبعة دار الحديث: لم أجده. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (614/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين وفيه حفص بن عمر العدني ضعفه الجمهور. (3/456)
صفحة 1313
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
خمسين
457
سنة فتطول عليه المجاهدة والمراقبة بل يكون ابن وقته، ولعله في آخر أنفاسه فيدركه الموت على حالة مرضية، ولتكن جميع أحواله مقصورة على ما روي من حكم داود النبي عليه
السلام.
وعلى العاقل أن تكون أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب، فإن في هذه الساعة عوناً له على الساعات.
ولا ينبغي أن يغفل فيها أيضاً عن أفضل الأعمال وهو الذكر والفكر فإن الطعام الذي يتناوله فيه من العجائب ما لو تفكر فيه كان أفضل من كثير أعمال الجوارح فإن الناس فيه على
أربعة أقسام: قسم ينظرون فيه بعين البصيرة فيتفكرون في عجائب صنعه وهم ذووا الألباب، وقسم ينظرون فيه بعين المقت / والكراهة فيتناولون مضطرين يودون أن لو كانوا فيه بالشهوة [495]
مقهورين وهم الزاهدون، وقسم يرونه صنعة للصانع، ويترقون منه إلى صفات الخالق فينفتح لهم بسببه زيادة في محبته وهم العلماء بالله المحبون له وقسم رابع ينظرون إليه بعين الحرص والرغبة فيتأسفون على ما فاتهم منه، ويفرحون بما حضر من جملته، ويذمون منه مالاً يوافق طبائعهم ويعيبون الطبخ وطابخه ولا يعلمون أن الفاعل للطبخ والطبّاخ هو الله تعالى المسخر للجميع وبقدرته وعلمته وأن من عاب الصنعة فقد عاب الصانع، فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام، وشرح ذلك يطول.
الفصل الثالث في محاسبة النفس بعد العمل
(1) ,
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (1).
وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال، وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة، شريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل وكان عمر يضرب قدميه بالدرة إذا جنه الليل ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟
وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها الله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، ثم فسّر المحاسبة فقال: إن المؤمن يفجأه الشيء فيعجبه فيقول: إنك لتعجبني، وإنك لمن حاجتي، ولكن هيهات حيل بينك وبيني وهذا حساب قبل العمل، ثم قال: ويفرط منه الشيء فيرجع على نفسه يقول: ما أردت بهذا والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله.
(1) سورة الحشر، الآية: 18. (3/457)
صفحة 1314
458
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وحقيقة المحاسبة: إنما هو إذا شارط نفسه أول النهار على سبيل التوصية فليطالبها آخر
النهار على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل تجار الدنيا في آخر كل سنة أو شهر فكيف لا [496] يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به / السعادة أو الشقاء أبد الآباد ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة
[497]
والخذلان فنعوذ بالله منها.
من
ومعنى المحاسبة للشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران ليتبين له الزيادة النقصان فما كان من فضل استوفاه وما كان من نقصان طالبه بضمانه في المستقبل فكذا العبد رأس ماله من دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي ومؤنته هذه التجارة ومعاملة النفس الأمارة بالسوء، فليحاسبها على الفرائض، فإن أدتها على وجهها شكر الله على ذلك ورغبها في مثله، وإن أهملت شيئاً طالبها بالقضاء، وإن أدتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكبت معصية عاقبها وعاتبها ويستوفي منها ما يكفرها به وينبغي أن يفتش أعماله طول نهاره بل عن خواطره وأفكاره وأكله وشربه ونومه حتى عن سكوته أنه لم سكت أو لم تكلم فإذا عرف مجموع الواجب على النفس، فليكتبه على صحيفة قلبه، وليطالبها بالغرامة والضمان، ولا يمكن شيء من ذلك إلا بعد تحقيق الحساب.
عن
ثم ينبغي أن يحاسب النفس على جميع العمر يوماً يوماً في جميع أعضائه الظاهرة والباطنة كما نقل عن بعض السلف أنه حاسب نفسه يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها
فإذا
هي
يوم
أحد وعشرون ألف: وخمس مائة يوم فصرخ فقال: يا ويلتي: بأحد وعشرين ألف ذنب وخمس مائة ذنب، كيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلاً يقول: يا لها ركضة إلى الفردوس الأعلى.
فهكذا ينبغي لك أن تحاسب على معاصي القلب والجوارح كل ساعة، ولو رمى العبد بكل معصية حجراً في داره لامتلأت في مدة قريبة، ولكنه يتساهل في المعاصي، والملكان يحفظان عليه أحصاه الله ونسوه، وينشد:
/ لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
الفصل الرابع في معاقبة النفس على تقصيرها
وذلك مهما حاسب نفسه فلم يسلم عن مفارقة، معصية أو ارتكاب تقصير في حق الله تعالى فينبغي ألا يعملها لأنه إن فعل عسر عليه بعد ذلك فطامها عن المعاصي فتهلك مع الهالكين، ولكن ينبغي أن يعاقبها فإذا أكل مثلاً لقمة بشهوة نفس فليعاقب البطن بالجوع وإذا
، (3/458)
صفحة 1315
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
459
نظر إلى محرّم فينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر وكذلك كل عضو من أعضائه، فينبغي أن يعاقبه بمنع شهوته هكذا كانت عادة سالكي طريق الآخرة.
وقد روي أن رجلاً من العباد طلب امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها فوضع يده في النار حتى تيبست، وحكي أنه كان في بني إسرائيل رجل متعبد في صومعته وأنه أشرف ذات يوم فافتن بامرأة فأخرج رجله لينزل إليها فتداركه الله تعالى فندم فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال: هيهات هيهات رجل خرجت تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي لا يكون ذلك والله أبداً، فتركها متعلقة من الصومعة حتى تقطعت بالرياح والشمس والأمطار فشكر الله ذلك له، وأنزل الله ذكره في بعض الكتب ذكر هذه الحكاية الغزالي في كتابه ولعل هذا جائز في شريعة بني إسرائيل، ألا ترى أنه قيل: إذا عمل أحدهم ذنباً أصبح مكتوباً على بابه المخرج منه كذا وكذا أما قطع بعض أطرافه وغير ذلك والله أعلم، وقد قال لأصحاب العجل: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .... الآية.
وقد روي أن أبا مرداس مهاص رحمه الله تعالى: أنه نظر إلى امرأة مكشوفة الرأس فصام بعض أصحاب النبي عليه السلام تصدق بحائط له شغل قلبه في الصلاة والله
سنة، وروي
تعالى أعلم.
أن
/ الفصل الخامس في المجاهدة
وهذا إذا حاسبها فرآها قارفت معصية فعاقبها بما ذكرناه ثم إذا رآها تتكاسل عن الفضائل فينبغي أن يثقل عليها أوراد العبادة تأديباً وتداركاً لتفريطها هكذا يعمل عمال الله تعالى.
وقد روي
أن عمر (
رضي
الله عنه فاتته صلاة العصر في جماعة، فتصدق بأرض له قيمتها مائة ألف درهم، وكان ابن عمر فيما بلغنا إذا فاتته صلاة في جماعة أحيى تلك الليلة، ويقال: أنه أخر صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فاعتق رقبتين وفاتت بعضهم ركعتا الفجر فأعتق رقبة وكان بعضهم يجعل على نفسه سنة أو الحج ماشياً أو التصدق ماله، كل ذلك مؤاخذة للنفس بما فيه من نجاتها.
صوم
بجميع
فإن قيل: إن نفسي لا تطاوعني على الاجتهاد فما علاجها؟ قيل: أسمعها ما ورد من أخبار المجتهدين أو اطلب صحبة عبد مجتهد في العبادة فتقتدي به وكان بعضهم يقول: إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى اجتهاد محمد بن واسع فعملت عليه أسبوعاً ولكن هذا الناس اليوم معدوم، فينبغي أن يعدل إلى سماع أخبار المجتهدين من الأولين وما كانوا فيه من
من
[498] (3/459)
صفحة 1316
460
قنطرة الاجتهاد مخافة. سوء
الخاتمة وذكر الموت والقبر
الجهد الشديد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله أقواماً يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى (1).
ربهم
منهم
ما
قال الحسن: أجهدتهم العبادة وأدركت ناساً أو قال: أقواماً وصحبت طوائف كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يأسفون على شيء منها أدبر، وإنها كانت في أعينهم أهون من هذا التراب وإن كان أحدهم يعيش عمره ما فرش لأحدهم ثوب ولا أمر أهله بصنعة طعام قط، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط وأدركتهم عاملين بكتاب وسنة نبيهم إذا [499] جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم / تجري دموعهم على خدودهم، ينادون ربهم في فكاك، رقابهم، إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا في شكرها، وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم، فسألوا الله تعالى أن يغفرها لهم والله ما زالوا كذلك وعلى ذلك، والله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة.
ويحكى أن قوماً قدموا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه فإذا فيهم شاب ناحل الجسم فقال له عمر يا فتى ما الذي بلغ فيك ما أرى؟ فقال: يا أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة فصغرت عندي زهرتها وحلاوتها واستوى عندي حجرها وذهبها فكأني أنظر إلى عرش ربي والناس يساقون إلى الجنة والنار فأظمأت لذلك نهاري وأسهرت ليلي، وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه.
ويقال: كان داود الطائي، يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز، فقيل له في ذلك، فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية وسأل الفاسق بن زياد خادماً لعروة بن جدير الله بعدما قتل عروة عن حاله فقال أأجمل أم أفسر؟ قال: بل أجمل، قال: ما صنعت له طعاماً قط، ولا فرشت له فراشاً بليل قط. فقال الفاسق: لقد قلناه صالحاً.
رحمه
وكان أبو بلال رحمه الله يقول: فيما بلغنا حين أراد الخروج إلى الشراء لو أن لي نفسين نفساً تقاتل في سبيل الله، ونفساً تقضي حوائج المسلمين، وكان فيما بلغنا يقول: إني لا أحفظ ما تكلمت به حتى أمسي مخافة أن أخطاء.
وكان عبد الله بن وهب رحمه الله يجتهد حتى دبرت جبهته وركبتاه وكان يسمى التفنات تشبيهاً بتفنات ركبتي البعير، قال فيه أبو بلال وغيره:
ذا
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (626/ 4) طبعة دار الحديث: لم أجد له أصلاً في حديث مرفوع ولكن رواه أحمد في الزهد موقوف على عليّ في كلام له قال فيه: ينظر الناظر فيقول: مرضي وما بالقوم من
مرض. (3/460)
صفحة 1317
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
[ ... ]
461
/ أبعد بن وهب ذي النزاهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا أحب. اة أو أرجي سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا رب سلم نيتي وبصيرتي وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا وكان أبو بلال رحمه الله يقول: إن لكل منية ظنوناً إلا القتيل في سبيل الله، وكان وقف على البشجا رحمة الله عليها وهي امرأة من المسلمين قتلها اللعين ابن زياد فقال أبو بلال: لو أني صرعت مصرع البثجا لرجوت أن أمر على الصراط مستوياً، وخرج رحمه الله حتى قتل شارياً، ويقال: أنه طعن فمشى في الرمح حتى قتل قاتله والله أعلم. وقال أبو بلال في
قصيدة له:
نرجو الجنان إذا صارت جماجمنا تحت العجاج كمثل الحنظل البال
ومثل هذه الأخبار يطول به الكتاب، وذكر الغزالي في كتابه: أن في الصحابة من ورده في اليوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، قال: وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفاً، قال: وكان فيهم من ورده ثلاث مائة ركعة إلى ست مائة ركعة إلى ألف ركعة، قال: وأقل ما نقل من أورادهم في الصلاة مائة ركعة في اليوم والليلة.
قال: وكان بعضهم أكثر أوراده في القرآن فكان يختم الواحد منهم في اليوم مرة، وروي عن بعضهم مرتين، قال: وكان بعضهم يقضي اليوم والليلة في تفكر آية واحدة يرددها. قال: وكان أويس القرني رحمه الله يقول: هذه ليلة الركوع فيحيي الليل كله في ركعة فإذا كانت الليلة الآتية قال: هذه ليلة السجود فيحيي الليل كله في السجدة.
قال: وكان بعض المجتهدين يصلي كل يوم ألف ركعة، حتى أقعد فكان يصلي
جالساً ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبا ثم قال: عجبت للخليقة كيف استأنست قلوبها بذكر
سواك.
/ قال: وكان ثابت البناني قد حببت إليه الصلاة، فكان يقول: اللهم إن كنت آذنت لأحد [501] أن يصلي لك في قبره فاذن لي أن أصلي في قبري.
وعن عبد الواحد بن زيد: قال مررت بصومعة راهب في الصين فناديته يا راهب فلم يجبني حتى ناديته ثلاثاً فأشرف عليّ فقال: يا هذا ما أنا براهب إنما الراهب من رهب الله في أسمائه وعظمه في كبريائه، وصبر على بلائه، ورضي بقضائه، وحمده على آلائه، وشكره على نعمائه وتواضع لعظمته، وذلَّ لعزته، واستسلم لقدرته، وخضع لمهابته وفكر في حسابه (3/461)
صفحة 1318
462
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وعقابه، فنهاره، صائم وليله، قائم قد أسهره ذكر النار، ومسائلة الجبار فذلك هو الراهب، وأما أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة من الناس لئلا. اغفرهم. فقلت يا راهب فما الذي قطع الخلق عن الله بعد إذ عرفوه؟ فقال: يا أخي لم يقطع الخلق عن ا الله إلا الدنيا وزينتها؛ لأنها محل المعاصي والذنوب فالعاقل من رمى بها عن نفسه، وتاب إلى الله من ذنبه وأقبل على ما يقربه من ربه.
حب
منهم
وحكايات المجتهدين من الرجال والنساء غير محصورة تركتها مخافة التطويل، فمن أرادها فالكتب مملوءة بها، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد أن يعرف أهل زمانه من أهل الاجتهاد الماضين، وبعد أهل زمانه عن صفات أهل الدين، فإن حدثتك نفسك بالنظر إليهم دون الأئمة الماضية، وقالت: إنما تيسر الخير في تلك الأزمنة لكثرة الأعوان على الخير، فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنوناً وسخروا منك فوافقهم فيما هم عليه فلا يجري عليك إلا ما يجري عليهم، والمصيبة إذا عمت طابت فقل لها: أرأيت لو هجم سيل يغرق الناس ولم يحذوره جهلاً. [502] بحقيقة الحال، وقدرت على / ركوب سفينة تنجو بها دونهم فهل تختلج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت أم تترك موافقتهم وتستجهلهم في صنيعهم وتأخذ حذرك وتنجو مما دهاك، فإذا كنت تفعل خوفاً من غرق ساعة فعذاب الآخرة أشد وأبقى، فلم لا تهربين منه وأنت متعرضة له في كل حال؟ ومن أين تطيب المصيبة إذا عمت؟ ولأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص، ولم يهلك الكفار إلا بموافقتهم أهل زمانهم حيث قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة .... الآية.
فعليك بموافقة نفسك وتوبيخها واحملها على الاجتهاد وقرعها بسوء نظرها لنفسها
لعلها تتزجر عن طغيانها وبالله التوفيق.
الفصل السادس في توبيخ النفس ومعاتبتها
اعلم أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلفت أمارة بالسوء حيالة إلى الشر، نافرة عن الخير وأمرت بتزكيتها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة خالقها، ومنعها عن شهواتها، فإن أهملتها جمحت ولم تقدر بعد ذلك عليها وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة كانت هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى الدخول في زمرة عباد الله راضية مرضية. فلا تغفلن عن تذكيرها ولا تشتغل بوعظ غيرك ما لم تشتغل بوعظ نفسك، فقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام: يا ابن مريم نفسك فإن اتعظت فعظ نفسك، وإلا فاستح مني، وقال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ
الآن
عظ (3/462)
صفحة 1319
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
463
الْمُؤْمِنِينَ (1). وسبيلك أن تقبل عليها فتعرفها جهلها وحماقتها فإنها تتعزز بفطنتها وهدايتها استنكافاً وأنفة إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها: / ما أعظم جهلك تدّعين الحكمة والذكاء [503] والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وجفاء أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنت صائرة إلى أحدهما على القرب فما لك تضحكين وبين يديك هذا الخطر العظيم الجسيم، وعساك اليوم تخطفين أو غداً فأراك ترين الموت بعيداً ويراه الله قريباً أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بات أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ولا مواعدة، وإنه لا يأتي في زمان دون زمان ولا في حالة من العمر دون حالة بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يأتي فيه الموت فجأة، وإن لم يأت فجأة فالمرض يأتي فجأة فيفضي بك إلى الموت فما لك تستبعدين الموت وهو أقرب إليك من كل قريب.
أما تتدبرين قول الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابَهُمْ. به الآية إلى قوله: ولاهية
(2)
قُلُوبُهُمْ) (2).
ويحك يا نفسي كيف تجرأت على معصية الله إن اعتقدت أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن علمت بإطلاعه عليك فما أقل حياءك، ويحك لو راجعك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهين كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت ربك وغضبه وشديد عقابه؟ أتظنين أنك تطقين عذابه فإن ظننت ذلك فاحبسي نفسك في الشمس أو في الحمام ساعة أو قربى اصبعك من النار ليبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك فما لك لا تعوّلين على كرمه في مهمات دنياك من دفع الأعداء، وتحصيل الحاجات بلا سبب منك حتى / يبعث لك جنداً يدفع عنك ويظهر لك كنزاً فتستغني | به عن كسبك، أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة لا في الدنيا وقد علمت أن سنة الله لا تبديل لها وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟
ويحك ما أبين نفاقك ودواعيك الباطلة تدعمين الإيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل مولاك {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (3). وقال: في أمر الآخرة وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (8).
[504]
(1)
(2)
سورة الذاريات، الآية: 55.
سورة الأنبياء، الآيات: 1، 2، 3.
(3) سورة هود، الآية: 6.
(4) سورة النجم، الآية: 39. (3/463)
صفحة 1320
464
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
فقد تكفل لك بأمر الدنيا، ووكل أمر آخرتك إلى سعيك فكذبته بأفعالك بتكالبك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة.
ويحك لو كان الإيمان باللسان يغني دون الأفعال فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟ ويحك كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب أو تحسبين أن تترك سدّى ألم تكونين نطفة من مني تمنى ثم كنت علقة فخلق فسوى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟
فإن كان هذا إضمارك فما أكفرك وأجهلك، أما تتفكرين مماذا خلقك بل من نطفة خلقك ثم السبيل يسرك ثم أماتك فأقبرك أفتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكوني مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك، ولو أن يهودياً أخبرك عن الذي أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه، وتركته أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول الله تعالى في كتبه المنزلات أصدق عندك من قول يهودي يخبرك عن حدس وتخمين.
فالعجب ولو أن صبياً أخبرك عن عقرب في ثوبك لرميت به في الحال من غير مطالبة له
من
على ذلك ببرهان أفكان قول الأنبياء، والعلماء والحكماء، وسائر الأولياء أصدق عندك. [505] جملة الأغبياء أو صار حر جهنم مع أصناف عذابها أحقر عندك من عقرب / ما هذه أفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لسخرت منك ومن عقلك، فإن كنت عرفت ذلك وآمنت به فما لك لا تستوفين العمل والموت لك بالمرصاد ولعله يقصدك من غير مهل؟
هب أنك وعدت بالإمهال مائة سنة، أفتظنين من يطعم الدابة في حضير أسفل العقبة يفلح أو يقدر على قطعها فما أعظم جهلك إن ظننت ذلك، أرأيت لو أن رجلاً سافر بلا نفقة فأقام متعطلاً في أرض غربة سنين، يعد نفسه بالنفقة في السنة الأخيرة من رجوعه إلى وطنه، هل كنت تضحكين من. عقله؟
هب أن الجد آخر العمر نافع فلعلك في آخر يوم منه، فلم لا تشتغلين فيه بذلك؟ فإن أوحى إليك بالإمهال فما المانع لك من المبادرة هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة هواك؟ أفتظنين يوماً يأتيك لا يعسر فيه مخالفة هواك، هذا يوم لم يخلقه الله قط، ولا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره فإذا أنت عجزت عن مخالفة الشهوة اليوم، فأنت في غد أعجز وأعجز، وهل الشهوة إلا كالشجرة الراسخة التي يريد الإنسان قطعها وهو شاب قوي، فأخرها إلى سنة أخرى وقد علم أن الشجرة تزيد بطول المدة في الأرض رسوخاً، ويزيد القاطع بذلك ضعفاً وهرماً، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه في الضعف والهرم. (3/464)
صفحة 1321
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
465
فإن كنت تفهمين هذا وتركنين إلى التسويف فمالك تدعين الحكمة؟ وأي حماقة تزيد
على هذه الحماقة؟ ولعلك تقولين: ما يمنعني عن الاستقامة إلا لذة شهوتي، وقلة صبري عن
مخالفتها، فما أقل اعتذارك؟ فإن كنت صادقة فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية أبد الآباد في الجنة، وما قولك في عقل مريض أشار عليه بترك شرب الماء. / ليصح ويتهناه طول العمر، [506]
من
وحذره إن شربه مرض طول العمر، فجميع عمرك في طول نعيم الدنيا وطول عذاب النار أقل ثلاثة أيام بالإضافة إليه، فالصبر على مخالفة الشهوة أيسر من طول العذاب، وفوات النعيم، فما هذا إلا ضعف الإيمان بالثواب والعقاب، وبهذا الجهل تستحقين صفة الحماقة في قول النبي الكيس من دان نفسه وعمل ما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (1).
ويحك لا تغرنك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور فانظري لنفسك ولا تضيعي أوقاتك، فإن الأنفاس معدودة فإذا مضى نفس فقد مضى بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها، كما تستعدين للشتاء بقدر طول المدة الحطب والطعام والكسوة، أفتظنين أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدة من الشتاء؟ أم تظنين أن العبد ينجو منها بغير عمل؟ هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالحطب والكسوة وكذلك حر النار لا يندفع إلا بأسباب من حسن التوحيد والطاعات، وإنما كرم الله لك في أن عرفك أسباب التحصين منها بالطاعات كما أن كرمه في دفع برد الشتاء فإن عرَّفك الصناعات وخلق لك النار والحطب والهمك استخراجها من الأحجار حتى يندفع بها البرد، وكذلك ألهمك طريق النجاة فمن أحسن فلنفسه) ومن أساء فعليها والله غني عن العالمين.
ويحك فسيء آخرتك بدنياك كما بدأنا أول خلق نعيده ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ما أراك
أحوال: عن
القيامة. يوم
إلا ألفت / الدنيا، أنك غافلة هب أما إنك مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك؟ أفترين أن من يدخل من باب دار ملك ويخرج من الجانب الآخر، وثم يستغرق قلبه بعشق جارية فيها وهو مضطر إلى مفارقتها
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (515/ 2) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن وابن ماجه من حديث شداد بن أوس قال المحقق: أخرجه الترمذي (2459) ابن ماجه (4260) وأحمد (124/ 4). والحاكم (57/ 1). وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. قال الذهبي تعليقاً عليه: لا والله أبو بكر واه وذكره الألباني في ضعيف الجامع (4310) وقال ضعيف.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 30
[o.V] (3/465)
صفحة 1322
466
أبعد
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
من العقلاء أم من الحمقاء، فالدنيا دار ملك الملوك، وكل من فيها ضيف مجتاز، وما في يده عارية مردودة على صاحبها، أما سمعت قول سيد المرسلين: «إن روح القدس نفث في روعي أحبب من شئت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به. فكل من ألف ملاذ الدنيا واستكثر منها فإنما يستكثر من الحيرة، ويتزود من السم المهلك عند مفارقته إياها، أما تنظرين إلى الماضين كيف بنوا وأعلوا وذهبوا وخلوا؟ فهل حمق أعظم ممن يعمر دنياه، وهو مرتحل عنها ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعاً.
أما تستحين من مساعدة الحمقاء المنكبين على الدنيا؟ وهب أنك تؤثرين الاقتداء، فقس عقول أهل الدنيا بعقول الأنبياء والحكماء، واقتد بأعقل الفريقين ولعلك أسكرك حب الجاه. وهب أن كل من على بساط الأرض سجدوا لك أما تعرفين أن بعد خمسين سنة لا تبقى أنت ولا أحد من أولئك أما سمعت عن الملوك الذين قبلك فكيف تبيع ملكاً يبقى أبد الآباد بملك لا يبقى أكثر من خمسين سنة، إن بقي مع كدورته بأنواع المصائب واحتفاف الحساد، والأعداء به من كل جانب.
فما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك. مع رذالتها وخسة شركائك فيها من اليهود والنصارى والغوغاء والسفهاء، وترغب أن تكوني في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين في الدنيا، وفي جوار رب العالمين في العقبي.
ويحك فمن ذا الذي يصلي عنك ويصوم بعد الموت، مالك إلا أياماً معدودة وهي 50] بضاعتك / وقد ضيعت أكثرها ويحك أما تعلمين أن الموت موعدك، وأن القبر بيتك، والتراب فراشك والفزع الأكبر بين يديك؟ أما علمت أن عسكر الموتى على باب بلدك وقد حلفوا بالأيمان المغلظة أنهم لا يرحلون حتى يأخذوك؟ أما تعلمين أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فرطوا وأننا في أمنيتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا كلها لاشتروه لو قدروا وأنت ضيعته في البطالة، ويحك أما تستحين؟
تتزينين بظاهرك للخلائق وتبارزين الله في السر بالعظائم تذكرين بالله وأنت له ناسية، تأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل، ولو عرفت نفسك حق المعرفة، ظننت أن الناس لا يصيبهم بلاء إلا من أجلك ويحك قد جعلت نفسك حماراً لإبليس يقودك حيث يشاء ويريد، هذا فتعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده ثمان ألف سنة أو ما شاء الله، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه صفيه ولن ينجو إلا
ومع (3/466)
صفحة 1323
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
467
بالاعتراف والتوبة والعجب منك تفرحين بزيادة مالك ولا تحزنين بنقصان عمرك فما ينفع مال
يزيد وعمر ينتقص.
يسأله
عن
واحذري يا مسكينة يوماً إلى الله فيه يسأل نفسه أن لا يترك عبداً أمره في الدنيا ونهاه حتى عمله دقيقة وجليلة سره وعلانيته، فانظر بأي بدن تقفين بين يديه، وبأي لسان تجيبين وأعدّي للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، واعملي في دار العمل بالاختيار قبل أن تخرجي منها خروج الاضطرار ولا تفرحين بما ساعدك من زهرات الدنيا، فرب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر ويل لمن له الويل وهو لا يشعر يضحك ويلهو وقد حق عليه في الكتاب إنه من وقود النار.
فاعلم
/ واعلمي سير به، وإن لم يسر فاتعظي يا نفسي بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن النصيحة والموعظة فقد رضي بالنار ولا أراك بها راضية ولا لهذه الموعظة واعية، فإن كان هذا لقساوة قلبك فاستعيني عليه بدوام الاتعاظ وطول التهجد والقيام وإلا فبالمواظبة على الصيام وإلا فبقلة المخالطة والكلام وإلا فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، وإن لم تزل القساوة أنه قد طبع على قلبك، فوطني نفسك على النار فكل ميسر لما خلق له. فاقنطي ولا سبيل إلى القنوط؛ فإنه من الكبائر ولا سبيل إلى الرجاء مع انسداد طرق الخير عليك فليس ذلك برجاء بل هو اغترار فانظري هل تبكين أو تحزنين على هذه المصيبة؟ فإن حزنت وسحت عيناك بالبكاء فمستقى الدمع من بحر الرجاء فقد بقي فيك موضع للرجاء، فتواظبي على النياحة والبكاء اقتداء بآدم عليه السلام واستغيثي بأرحم الراحمين لعله أن: ضعفك فقد انقطعت عنك الحيل، فلا مذهب ولا مستغاث ولا ملجأ إلا إلى مولاك فافزعي إليه بالتضرع والتلهف؛ فإنه يرحم المتضرع الذليل ويجيب دعوة المتلهف المضطر الخائف الوجل فقد أصبحت والله مضطرة إلى رحمته محتاجة؛ فإن العفو شامل والكرم فائض والرحمة واسعة فقولي: يا أرحم الراحمين عجل إغاثتي وفرجي وأرني آثار رحمتك وبرد عفوك يا أكرم الأولين والحمد لله رب العالمين.
أنه ليس للدنيا عوض، ولا للجسد خلف فمن كانت مطيته الليل والنهار [509]
يرحم
وروي عن منصور بن عمار قال: سمعت في بعض الليالي بالكوفة عابداً يناجي ربه وهو يقول: يا رب وعزتك ما أردت بمعصيتي / مخالفتك، ولا عصيتك إذ عصيتك وأنا بمكانك [510] جاهل، ولا لعقوبتك متعرض ولا بنظرك مستخف ولكن سولت لي نفسي وأعانتني على ذلك شقوتي، وغرَّني سترك المرخى عليّ فعصيتك بجهلي وخالفتك والله بقلة عقلي فمن الآن من (3/467)
صفحة 1324
468
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
عذابك ينقذني، أو بحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عني واسوأتاه من الوقوف بين يديك غداً إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط، ويلي كلما كبرت سني كثرت ذنوبي ويلي كلما طال عمري كبرت معصيتي إلى كم أتوب وإلى كم أعود أما آن لي أن استحي من ربي.
وعن وهب بن منبه قال لما أهبط الله آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقى له دمعة فاطلع الله عليه في اليوم السابع وهو محزون كتيب كظيمن منكس رأسه، فأوحى الله إليه: يا آدم ما هذا الجهد الذي أرابك فقال: يا رب عظمت مصيبتي وأحاطت بي خطيئتي، وأخرجت من ملكوت ربي فصرت في دار الهوان بعد الكرامة وفي دار الشقاء بعد السعادة، وفي دار النصب بعد الراحة وفي دار البلاء بعد العافية وفي دار الزوال بعد القرار، وفي دار الفناء والموت بعد الخلود والبقاء، فكيف لا أبكي على خطيئتي فأوحى الله تعالى إليه: يا ابن آدم ألم أصطفك لنفسي واحللتك داري، وخصصتك بكرامتي وحذرتك سخطي، ألم أخلقك بيدي، ونفخت فيك من روحي وأسجدت لك ملائكتي فعصيت أمري، ونسيت عهدي، وتعرضت لسخطي فوعزتي لو ملأت الأرض مثلك كلهم رجالاً يعبدونني، ويسبحونني، [511] فعصوني / لأنزلتهم منازل العاصين فبكى عند ذلك آدم ثلاثمائة عام.
فهذه طريقة القوم في مناجاة مولاهم وفي معاتبة أنفسهم وإنما طلبهم بالمناجاة للاسترضى، ومن المعاتبة التنبيه والاستدعاء، فمن أهل المعاتبة والمناجاة لم يكن لنفسه مغاضباً، ويوشك أن يكون الله له يوم القيامة معاتباً، والله أعلم.
فصل
فعليك أيدك الله بتوبيخ نفسك، وحقارة عملك، وتعظيم نعمة الله عليك، فإذا فعلت ذلك، وقع فعلك من الله تعالى موقع الرضى والقبول وصارت له قيمة لا نهاية لشرفها، إذ بسببه تستوجب النعيم والملك العظيم وإلا صار سعيك مثبوراً، وعملك مردوداً، محقوراً ألا ترى إلى الأجير يعمل طول النهار، والحارس يحرس طول الليل بدرهمين وكذلك أصحاب الصناعات والحرف يعمل الواحد منهم الليل والنهار فيكون قيمة عمله دراهم معدودة، فإن صرت الفعل إلى الله تعالى فصمت له يوماً قال: {إِنَّمَا يُوفَّى الْصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب (1). وقال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
(1) سورة الزمر، الآية: 10. (3/468)
صفحة 1325
قنطرة الاجتهاد مخافة الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
879
قلب بشر (1). فهذا يومك الذي قيمته در همان مع احتمال التعب العظيم صار له هذه القيمة بتأخير غداء إلى عشاء، ولو قمت ليلة الله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرةِ أَعْيُن) (2). فهذا الذي قيمته دانقان أو درهمان صارت له هذه القيمة العظيمة.
شرف من
فحق إذاً على العبد أن يرى حقارة عمله من حيث هو، وأن لا يرى إلا منة الله عليه فيما عمله وأعظم من جزائه، وأن يحذر على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح الله ولا يرضاه فتذهب عنه القيمة ويعود إلى ما كان عليه في الأصل من الثمن الحقير من دراهم / أو [512] دوانيق أو أخس من ذلك ومثاله أن عنقود العنب قيمته دانق فإذا أهداه أحد إلى الملك فيقع منه موقع الرضى فيهب له عليه ألف دينار وإذا لم يرضه ورده رجع إلى قيمته الأولى فذلك ما نحن عليه فتنبه وأبصر منة الله تعالى وصن فعلك عما يشينه عند الله عز وجل وأيضاً أما تعلم أن الملك في الدنيا إذا أجرى على أحد جراية من طعام أو كسوة أو دراهم أو دنانير معدودة فانية، فإنه يستخدمه ويستعمله بضروب الخدمة الليل والنهار، وربما ظهر له عدو فيحتاج لقتاله فيبذل له روحه التي لا خلف لها لأجله فربك الذي خلقك فسواك ثم أنعم عليك من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يبلغ كنهها وهمك، ثم إنك تصلي ركعتين مع ما فيهما. من المعائب ومع ما وعد عليهما في المستقبل من حسن الثواب فتستعظم ذلك منك وتعجب به فليس هذا من شأن عاقل إذا نظرت فهذه هذه.
مقاماً
وأيضاً فإن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والكبراء، ويطلب مدحته العلماء والحكماء إذا أذن لسوقي برأفته عليه أن يزاحم على بابه أولئك الكبراء في خدمته، ويجعل له من حضرته وكرامته وينظر إلى خدمته المعيوبة بعين الرضى أليس يقال: لقد عظمت على هذا الحقير المنة من الملك فإن أخذ هذا الحقير يمن على الملك خدمته ويعجب بها، أليس يقال أن هذا السفيه جداً أو مجنون لا يعقل شيئاً، وأيضاً فإن إلهنا الذي يسبح ا له السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة الروحانيين والكروبيين وسائر الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين في مراتبهم الشريفة وعبادتهم الجليلة، ثم من العلماء والأئمة الأبرار والزهاد في خدمتهم الخالصة وأذل الخدام / على بابه.
ملوك الدنيا يخرون له ساجدين فمع هذه العظمة والكمال قد أذن لك في حقارتك وجلاله أن تعبده وترفع إليه حوائجك، ثم أنه يرضى ركعتيك في عيوبها، وأعد لك عليهما
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (476/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
(2) سورة السجدة، الآية: 17.
[513] (3/469)
صفحة 1326
470
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ثواباً لا نهاية له، فتستعظم ذلك منك وتمنه على ربك، فما أسوأك من عبد، وما أجهلك من إنسان، والله المستعان وإليه المشتكى من هذه النفس الجاهلة.
وأيضاً إذا أذن الملك الأعظم بإدخال الهدايا من الجواهر الثمينة والأموال الجليلة من الأمراء والكبراء، فإن جاء بقال بدستجة بقل أو قروي بسلة عنب تساوي دانقاً فيزاحم الأمراء الملك والأغنياء بهداياهم، فإذا قبل من هذا الحقير هديته، وأمر له بخلع نفيسة وكرامة بالغة، أليس ذلك من الملك غاية الكرم والفضل، فإذا أخذ هذا الحقير يمن على الملك بهديته الحقيرة وينسى منته العظيمة أليس ذلك منه غاية الجهل والحماقة.
فالآن إذا صليت ركعات فتفكر كم صلى الله تعالى في تلك الساعة في أقطار الأرض والسماوات من الملائكة والصديقين والأنبياء والصالحين من عبادة صالحة بقلوب صافية، وركعاتك إذا بذلت المجهود فيها إنما صدرت عن قلب غافل مختلط بأنواع العيوب، وبدن نجس بأقذار الذنوب، ولسان متلطخ بأنواع المعصية والفضول، فكيف تصلح أن تحمل إلى تلك الحضرة وتهدي إلى رب العزة؟ وانظر أيها العاقل هل وجهت قط صلاة من صلواتك كما توجه مائدة منك إلى بيوت الأغنياء قال: وكان أبو بكر الوراق يقول: ما فرغت قط من صلاة [514] إلا استحييت حين فرغت منها أشد حياء من امرأة / فرغت من الزني، ثم إن الرب سبحانه بمحض كرمه وفضله عظم هذه الركعات ووعد عليها جزيل الثواب وأنت عبده وفي جرايته، وعملت ذلك بتوفيقه ثم بعد ذلك تعجب بعملك، وتنسى منة الله عليك، هذا والله أعجب العجب لا يكاد يذهب مثله إلا عن جاهل لا فكر له، فنسأل الله الكفاية بمنه.
فصل
فانتبه من رقدتك أيها الغافل، وإلا كنت من الخاسرين فإن هاتين القنطرتين أشد القناطر إليهما تنتهي ثمرة ما مضى من القناطر إذ هما قنطرة العمل وآفاته والشكر وثمراته، وإن سلمت غنمت وربحت وإلا فقد ضاع السعي كله وبطل العمر، وخاب الأمل.
واعلم أنك كلما صرت أقرب فأمرك أخوف وأصعب، والمعاملة أشد وأدق، والخطر عليك أعظم؛ فإن الشيء كلما كان أبلغ علواً إذا انقلب كان أصعب وقوعاً، كما قيل: ما طار طير فوقع، إلا كما طار وقع، فإذن لا سبيل إلى الأمن وإغفال الشكر قال: وكان إبراهيم بن
(1).
أدهم يقول: كيف تأمن وإبراهيم الخليل يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (1).
(1) سورة إبراهيم، الآية: 35. (3/470)
صفحة 1327
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ويوسف عليه السلام يقول: (تَوَفَنِّي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (1).
471
وقال بعضهم: تأملت سفياناً الثوري فبكى الليل أجمع فقلت: بكاءك هذا على الذنوب. قال: فحمل تبناً. فقال: الذنوب أهون على الله من هذا إنما أخشى أن يسلبني
الإسلام.
قال الغزالي: وسمعت أنا بعض العارفين يقول: إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام بن باعوراء وطرده بعد تلك الآيات والكرامات فقال الله له: لم يشكرني يوماً من الأيام على ما أعطيته ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته، فتيقظ أيها الرجل واحتفظ / بذكر الشكر [515] جداً وأحمد الله على منته في الدين أعلاها الإسلام وأدناها مثلاً توفيق تسبيح أو عصمة من كلمة لا تعنيك عسى أن يتم نعمته عليك ولا يبتليك بمرارة الزوال، فإن أمر الأمور وأصعبها الإهانة بعد الإكرام، فكلما أغفلت شكره، أو اقترب عاودت واجتهدت، وتضرعت، وقلت: يا الله يا مولاي كما بدأت بالإحسان بفضلك قبل الاستحقاق فأتممه أيضاً بفضلك من غير استحقاق، وتناديه نداء الأولياء، المستغيثين الذين مدوا إليه الأكف مبتهلين ونادوا في الخلوات مستصرخين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبَ لَنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ (2).
قال الغزالي والله أعلم: تقديره إنا وجدنا منك نعمة فطمعنا في أخرى أنت الجواد الوهاب، فكما وهبت منة الإنعام في الابتداء فهب لنا منة الاتمام في الانتهاء أما تسمع ويحك؟ إن أول دعاء علمه رب العالمين عباده المسلمين هذا الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (3): أي ثبتنا عليه وأدمه لنا هكذا تضرع إليه فإن الخطر عظيم.
وقد قيل: أن الحكماء نظروا وأفردوا مصائب العالم ومحنهم إلى خمس: المرض في الغربة، والفقر في الشيب والموت في الشباب والعمى بعد البصر، والنكرة بعد المعرفة، وأحسن من ذلك قول من: قال:
لكل شيء إذا فارقته عوض وليس الله إن فارقت من عوض
آخر:
(1) سورة يوسف، الآية: 101. (2) سورة آل عمران، الآية: 8. (3) سورة الفاتحة، الآية: 6. (3/471)
صفحة 1328
472
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
فنسأل الله ونتضرع إليه، أن يمن علينا بالعصمة والتوفيق وأن يرزقنا التوبة على التحقيق، وأن يجعلنا من العارفين العلماء بالدين التائبين المتجردين للخدمة الشاكرين للنعمة، القاهرين للهوى والشيطان المتقين حق التقوى بالقلب والأركان الخاشعين له المتوكلين عليه [516] / المفوضين الأمور إليه، الراضين بقضائه الصابرين على بلائه الشاكرين لآلائه، إنه أرحم الراحمين والصلاة والتسليم على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب
العالمين.
الجملة الثانية: في ذكر الموت وأهوال يوما القيامة
اعلم أن من كان الموت، مصرعه والتراب، مضجعه والدود أنيسه، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أن لا يكون له فكراً إلا في الموت، وفيما بعده وإن كل آت قريب، لأن في التفكر في ذلك ما يهون عليه مصائب الدنيا ويدعوه إلى ترك الرغبة فيها، والفرح بها، والحسد عليها وتشمل هذه الجملة على جملة فصول.
الفصل الأول في ذكر الموت
قال الله جل جلاله: كل نفس ذائقة الموت. . . .) (1) الآية.
وروي عن رسول الله لو أنه قال: «أكثروا ذكر هادم اللذات (2).
وروي
أن سائلاً سأله فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ فقال: «أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم له استعداداً أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة (3). وروي عنه أنه قال: «لو أن البهائم والطير تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها
سميناه (1).
(1) سورة آل عمران الآية: 185.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (44/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
(3) قال الحافظ في المغني (46/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن ماجه مختصراً وابن أبي الدنيا بكماله
بإسناد جيد.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (44/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أم
حبيبة الجهنية. (3/472)
صفحة 1329
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
عنه وروي
473
أنه كان إذا رأى غفلة من الناس وقف بباب المسجد فأخذ بعضادتي الباب ثم صاح بأعلى صوته: «يا أيها الناس الموت الموت جاءكم بالوجبة سعادة أو شقاوة جاءكم الموت بما جاء بالروح والراحة والكرة الرابحة جنة عالية لأولياء الله من أهل دار الخلود الذين لها ورغبتهم فيها جاءكم الموت بما جاء بالخزي والندامة والكرة الخاسرة في نار حامية لأولياء الشيطان / من أهل دار الغرور الذين سعيهم لها ورغبتهم فيها لأن لكل ساع غاية وغاية [517] كل ساع الموت فسابق ومسبوق».
سعيهم
وعن
عائشة قالت: يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: «نعم من يكثر ذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة (1) وإنما هذه الفضيلة لأن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور ويدعو إلى الاستعداد إلى الآخرة.
وعنه قال: «الموت تحفة المؤمن (2). إنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن والموت إطلاق له منه، فصار تحفة له في حقه، وقال: «الموت كفارة لكل مسلم (3). أراد المسلم حقاً المؤمن صدقاً، عليه السلام بمجلس قد استغرقهم الضحك فقال: «شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات قالوا وما هو؟ قال: «الموت» (4). وقال أيضاً: «أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحق الذنوب ويزهد في الدنيا (0). وقال: «كفى بالموت واعظاً (6).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث: سبق ذكره. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرسلاً بسند جيد. قال المحقق: «سيد إبراهيم» أخرجه الحاكم (319/ 4) وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: ابن زياد هو الأفريقي ضعيف، والبيهقي في الشعب (9884، (10208) من طريق ابن زياد أيضاً وأبو نعيم في الحلية (185/ 8). وقال الألباني في ضعيف الجامع (2403) ضعيف. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب والخطيب في التاريخ من حديث أنس قال ابن العربي في سراج المريدين: إنه حسن صحيح، وضعفه ابن الجوزي وقد جمعت طرفه في جزء. (4) قال العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت مرسلاً ورويناه في أمالي الجلال من حديث أنس ولا يصح. (5) قال الحافظ العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد ضعيف جداً. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (45/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث عمار بن ياسر بسند ضعيف وهو مشهور من قول الفضيل بن عياض رواه البيهقي في الزهد. وقال المحقق قال الألباني ضعيف جداً (419). (3/473)
صفحة 1330
474
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وذكر عنده عليه السلام رجل فأحسنوا في الثناء عليه فقال: «كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: وما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت، فقال: إن صاحبكم ليس هناكم (1). وعن الحسن أنه قال: فضح هذا الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحاً، وقال كعب: من
عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها.
وشكت امرأة إلى عائشة قساوة قلبها فقالت: أكثري ذكر الموت يرق قلبك ففعلت فرق
قلبها فجاءت تشكر عائشة رحمة الله عليها.
وقيل: أن عيسي
عليه السلام إذا ذكر عنده الموت تقطر جلده دماً، وقيل: أن داود عليه
السلام إذا ذكر الموت والقيامة بكى حتى تنخلع أوصاله.
اعلم أن الناس في ذكر الموت على ثلاثة أصناف أحدهم: المنهمكون في الدنيا فلا [18] يزيدهم ذكر الموت من الله إلا بعداً لأنهم بذكره / يتأسفون على الدنيا، فهم الذين قال الله فيهم: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ. ... ) (2) الآية.
الثاني: التائب المخلص يزيده ذكر الموت خوفاً وخشية وربما يكره الموت خوفاً أن يفاجأه قبل تمام التوبة والاستعداد للآخرة، الثالث: العارف بالله الذي أحبه فاشتاق إليه فهذا يتمنى الموت ضجراً من الدنيا وشوقاً إلى لقاء حبيبه كما قال حذيفة رحمه الله: لما احتضر مرحباً بزائر جاء على فاقة لا فرح من ندم ففي ذكر الموت ثواب وفضل، وإن كان الإنسان منهمكاً في الدنيا؛ لأنه يستفيد به تنقيص نعيم الدنيا، وتكدير عيشها فكل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب النجاة والله أعلم.
فائدة: اعلم أن أنفع دواء للقلب بذكر الموت هو التفكر للإنسان في أقرانه الذين مضوا فيذكر مصرعهم تحت التراب وكيف تبددت أجزاؤهم في القبور؟ وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أولادهم وتعطلت منهم المجالس والقصور، فمهما ذكر رجلاً منهم أحضر في قلبه صورته وكيفية أحواله وأعماله وتصرفه وآماله ونسيانه الموت وانخداعه بموتات الأسباب، حتى جاء الموت في وقت لم يحتسبه فعند ذلك يتفكر أنه مثلهم، وغفلته كغفلتهم، وستكون عاقبته كعاقبتهم فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى،
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (46/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت من حديث أنس بسند ضعيف وابن المبارك في الزهد قال: أخبرنا مالك بن مغول فذكره بزيادة فيه. (2) سورة الجمعة، الآية: 8.
: (3/474)
صفحة 1331
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
يجد ذكر الموت في القلب حتى يصير نصب عينيه، فعند ذلك يوشك أن يستعد له، وبالله التوفيق. وينشد لأبي العتاهية:
يا مؤثر الدنيا للذته والمستعد لمن يفاخره قل ما بدا لك أن تنال من الدنيا فإن الموت آخره كم قد ثكلنا من أخي ثقة ومعاشر کنا نعاشره يا من يزيل الموت مهجته لا شك ما لك لا تبادره / أين الملوك وأين غيرهم صاروا مصيراً أنت صائ
هل أنت معتبر بمن خربت منه غداة فضا دساکره وتبرأت منه عشـ
أذل الدهر مصر خلت منه أسرته ويمن
درست محاسن وجهه ونفي
وتعطلت منه منـ
[19]
(1)
يسم ثرى يباشره
والموت لو صح اليقين به
وسبيلنا بالموت مشترك
ولعدي:
بالعيش ذاكره
ره أصاغره
أين أهل الديار من قوم نوح ثم عاد من بعدهم وثمود بينما هم على الأسرة والأنماط أفضت إلى التراب الجلود ثم لم ينتقض الحديث ولكن بعد ذا الوعد كله والوعيد والأطباء بعدهم لحقوقهم ضل عنهم سقوطهم واللدود أضحى يعود مريضاً هو أدنى للموت ممن يعود
وصحيح
ولآخر:
مي
قد آن أن يسمعك الصوت أنائم قلبك أم ميت يا باني البيت على غرة أمامك المنزل والبيت
وإنما الدنيا على طولها
ولبعض الشعراء:
الموت حق ناعلمي نازل
ة مطلعهـ
قد كنت ذا مال فلا والذي أعطان
ـري
الحدي وأكفان المال وأغناني
(1) الدساكر جمع دسكر: وهو بناء كالقصر حوله بيوت - هكذا جاء بالهامش بالمخطوط .. (3/475)
صفحة 1332
[520]
476
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ما قرت العين به ساعة ألا تذكرت فأشجان علمي بأني صائر للبلا وفاقد أهلي وجيران / وتارك مالي على حاله نهباً لشيطان ابن شيطان أما ترى والهوى قائدي أأجمع المال لأختاني لامرأة ابني وزوج ابنتي يال من غي وخسران وثالث اغبط من ذا وذا
فيه زوجها
يسعد في مالي وأشقى به قوم ذووا غ ل. إن أحسنوا كان لهم أجره ذلك وخف من
ان
فإذا تفكر الإنسان كما قدمنا فيمن مات من أقرانه وفجع به من إخوانه، وكيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوه، وأن من كان له مستعداً فقد فاز فوزاً عظيماً، وإن من كان مغروراً فقد خسر خسراناً مبيناً، ولينظر أيضاً في حال نفسه، ويتفكر كيف يكون جسمه طعمة للديدان، وما ينتظر بعد ذلك من أهوال القيامة ودركات النيران ودرجات الجنان، فبمثل هذه الأفكار يتجدد ذكر الموت على قلبه.
ولكن الداء العضال الذي أهلك الأولين والآخرين: اتباع الهوى وطول الأمل، فاتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة، وسبب ذلك الجهل وحبّ الدنيا، ولكن من رزقه الله الفكر الصافي بالقلب الحاضر فيما قدمناه من أخبار الموت وما بعده مع قصر الأمل ومخالفة الهوى، فإنه لا بد أن يندفع عنه الجهل، ويستشعر قلبه الخوف والوجل. وأما حب الدنيا، فإخراجه من القلب شديد ولا علاج له إلا الإيمان بالله واليوم الآخر وما يشتمل عليه من الأهوال والثواب والعقاب، فمهما حصل بما ذكرناه اليقين مع الصبر على ترك الدنيا، وعلى المجاهدة في الدين تجدد ذكر الموت على القلب لا محالة واشتغل بالاستعداد له على أي حالة وبالله التوفيق.
/ فصل في خروج نفس الميت
عزيمة
قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ .... (1) الآية. ففي كتاب النقاش قال:
يقبض أرواحكم مأخوذ من توفية العدد أي يقبض أرواحكم أجمعين.
ويقال: أن جبريل عليه السلام قال لملك الموت كيف تستطيع قبض الأنفس عند الوباء
(1) سورة السجدة، الآية: 11.
[521] (3/476)
صفحة 1333
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
477
هاهنا عشرة آلاف وهاهنا كذا وكذا فقال ملك الموت: تزوى إلى الأرض حتى كأنها بين فخذي
فأحاول فيها كذا وكذا.
وعن زهير بن محمد أن النبي سئل عن مثل هذا فقال: إن الله جعل الدنيا لملك الموت كطست بين يدي أحدكم فهل يفوته منها شيء».
وفي كتاب النقاش في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي منامها. (1) الآية. قال معناه: يميتها حين يجيء أجلها والتي لم تمت في منامها فهي من بقية أجلها تتقلب فيه حتى يجيء أجلها فيميتها أيضاً كما ماتت التي جاء أجلها قال: والذي يتوفى في المنام نفس التمييز لا نفس الحياة.
قال: لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، قال: فهذا الفرق بين
توفي نفس النائم في النوم وتوفي نفس الحي.
قال: ويقال: أن الإنسان له حياة وروح ونفس، فإذا نام خرج طرف من نفسه التي بها يعقل الأشياء ولها شعاع إلى الجسد كشعاع إلى الأرض فيرى الرؤية بالنفس التي خرجت منه كأنه بأرض أخرى، وتبقى الحياة والروح في الجسد فيه يتقلب ويتنفس فإذا حُرك رجعت النفس إليه في أسرع من طرفة العين، فإذا أراد الله أن يميتها في المنام يمسك النفس الخارجة ويقبض الروح أيضاً ويموت في منامه.
السماء قال: وعن ابن مسعود وابن عباس قالا: سبب في بين المشرق والمغرب، فأرواح الموتى وأرواح الأحياء إلى ذلك السبب فتتعلق نفس الميت بنفس الحي، فإذا أذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها لتستكمل رزقها إلى فناء أجلها أمسكت النفس الميتة وأرسلت الأخرى / إلى أجل مسمى أي إلى منتهى أجلها، قال: وكان ابن عباس يقول: إنما الإرسال [522]
من الإمساك.
ومن كتاب عيون المعاني لابن عيسى قال: يقبض عن تصرف الأرواح مع بقائها في الجسد فيمسك المقضي أجله بإزالة حقيقتها، ويرسل الأخرى بإعادة تصرفها، [قال] (2) ابن جبير: يقبض أرواح الأموات عند الموت وأرواح الأحياء عند النوم، فيتعارفون ما شاء الله،
(1) سورة الزمر، الآية: 42.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه ليستقيم السياق. (3/477)
صفحة 1334
478
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
السماء
فيمسك أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء قال عليّ: فما رأته نفس النائم في فهي الرؤية الصادقة، وما رأته بعد الإرسال يتلقاها الشيطان فهي الكاذبة، وقال في موضع آخر:
(توفته رسلنا) قال: فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون والله يزهق الروح.
وعن
وقيل: ملك الموت يدعو الروح فتجيبه وأعوانه ينزعونها والله تعالى يخلق فيه الموت، قتادة قال: خلق الله الموت ليعز به نفسه ويذل به عباده وقوله: (وجاءت سكرة الموت بالحق) أي غمرته التي تذهب العقل (بالحق): أي بلقاء الله الذي لا بد منه، وعن الكلبي في قوله: خلق الموت، قال: وهو على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا
مات.
وعن زهير بن محمد قال ملك الموت على معراج بين السماء والأرض وله رسل من الملائكة، فإذا كانت النفس في نقرة النحر، رأى ملك الموت جالساً على معراجه شخص بصره إليه آخر ما يموت.
«الميت
وفي كتاب السؤالات قال: يخرج الله الروح فيتلقاه الملك، وقيل: أن الروح إذا رأى الملك طار إليه كما يطير الحديد إلى حجر ا المغنطيس،، وعن النبي عليه السلام أنه قال: تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان قال: «فيقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فتستفتح فيقال: من هذا؟ فيقال فلان ابن فلان، فيقال لها: [523] مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب / ادخلي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة فإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وابشري بحميم وغساق وآمر أزواج ويقولون لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: فيقولون فلان فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك فترسل بين السماء والأرض ثم تصير إلى القبر))
(1)
من
أيتها
شکله
هذا؟ من
وعن ابن عباس قال: إذا احتضر العبد عمر ملك الموت وتينه يعني ـ عروق نياط القلب - قال: فعند ذلك يعاين ملك الموت ويشخص بصره ويذهل عن أهل الدنيا.
(1) أطراف الحديث عند ابن ماجه (4262) والتبريزي في مشكاة المصابيح (1627) وتفسير الطبري (129/ 8)، والسيوطي في الدر المنشور (83/ 3). وتفسير ابن كثير (410/ 3). (3/478)
صفحة 1335
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
479
يعني
وفي كتاب النقاش في قوله تعالى: {والنازعات غرقا. قال: ملك الموت ينزع روح الكافر حتى إذا بلغ ترقوته غرقها في حلقه فيعذبه في حياته قبل أن يميته ثم ينشطها من حلقه كما ينشط السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فذلك قوله تعالى: {والناشطات نشطا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شدة الموت وكربته على المؤمن أشد من ثلاث مائة ضربة
بالسيف».
وفي الخبر عن ابن مسعود: أن نفس المؤمن تخرج رشحاً وأن نفس الكافر تخرج من
شدقه» (1).
ويقال في الخبر أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قيل له: كيف وجدت الموت؟ قال: يا رب كشاة تسلخ وهي حية فقيل له: أما أنا قد خففنا عنك.
أن وروي
عمر بن الخطاب رضي |
الله عنه قال لكعب الأحبار: حدثنا عن الموت، فقال:
إن الموت كغصن شوك أدخل في جوف الرجل فأخذت كل شوكة بعرق فجدبها رجل شديد الجذب جذبة واحدة فقطع منها ما قطع وأبقى منها ما أبقى.
أن ويروي
النبي عليه السلام رئي حين حضره الموت وهو يمد يده ويقول: يا جبريل أين أنت ثم يقبضها ويبسطها» / ويقول: يا جبريل اشفع لي عند ربك يهون علي سكرات [524]
الموت» (2).
عائشة وذكر عن. رضي الله عنها أنها سمعت جبريل وهو يقول: لبيك لبيك، وفي خبر آخر: «إن نفس المؤمن تسيل من جسده كما تسيل القطرة من السقاء». وهذا فيه ما فيه والله
أعلم.
وفي بعض الكتب يعسر خروج النفس كما يعسر خروج الولد من المرأة البكر، وهذا أمر لا يدرك حقيقته ولا يعلمه إلا الله تعالى ثم من ذاق الموت، وأما القياس فإنه يشهد أن كل عضو لا روح فيه فإنه لا الألم فإذا كان فيه الروح يحس الألم، فلما كان الأمر هكذا دل
يحس
(1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (274/ 10) وأطرافه عند الترمذي (980) وأبو نعيم في الحلية (59/ 5) والهيثمي في مجمع الزوائد. (326/ 2) والشجري في الأمالي (295/ 2، 298)، والمتقي الهندي
في الكنز (42187، 42189).
(2) لم أقف على هذا في ما لدي من مصادر. (3/479)
صفحة 1336
[525]
480
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
أن الروح الذي تفرقت أجزاؤه في الجسد حتى استغرقه فإذا نزع بالكلية كان ألمه وشدته أعظم ما يكون والله أعلم.
وأما علامة موت السعيد من الشقي فقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ارقبوا الميت عند ثلاث إذا رشح جبينه ودمعت عيناه وتبسمت شفتاه فذلك من رحمه الله قد نزلت به وإن احمّر وجهه وازبد وغط غطيط المجنون فذلك. عذاب الله نزل به» (1). من
وفي الخبر أن جابر بن زيد رحمه الله لما احتضر دخل عليه الحسن البصري فقال جابر: يا أبا سعيد ما آية خروج نفس المؤمن؟ فقال: برد يجده على كبده ونفس طامعة فقال جابر: اللهم إني أجد برداً على كبدي ونفسي طامعة اللهم حقق رجاءها وآمن محذورها، ثم لم يتكلم بعدها فيما قيل والله أعلم.
وفي بعض آثار أصحابنا أن نفس المؤمن تخرج رشحاً كالعرق، وفي كتاب الغزالي: أن نفس المؤمن تخرج من منخره الأيمن في صورة نحلة خضراء، وأن نفس الكافر تخرج من منخره الأيسر في صورة جرادة، وفي بعض حديثهم عن النبي عليه السلام: «إن المؤمن تنزل عليه الملائكة بيض الوجوه معهم كفن وحنوط من الجنة. في حديث طويل تركته والله
أعلم.
(Y) ....
الفصل الثاني في ذكر القبر
/ وينبغي للإنسان أن يذكر القبر وظلمته وضيقته ووحشته؛ فإن في ذلك ما يحزن قلب المؤمن ويبكي عينيه ويروى أن النبي كان يستعيذ بالله من عذاب القبر، وروي أنه قال: مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ورضع لم يحب أن يرجع إلى مكانه فكذلك المؤمن يجزع من الموت فإذا أفضى إلى ربه لم يحب أن يرجع إلى الدنيا كما لا يحب الجنين أن يرجع إلى بطن أمه. وقيل له عليه السلام: إن فلاناً مات فقال: «مستريح أو مستراح منه (3). أشار إلى
المستريح أنه المؤمن والمستراح منه أيضاً أنه الفاجر.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (68/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي في نوادر الأصول من حديث سليمان ولا يصح.
(2) ذكر الحافظ العراقي حديث نحوه في المغني (120/ 5) وقال: أخرجه ابن أبي الدنيا مع اختلاف والبزار. (3) أطراف الحديث عند الألباني في الصحيحة (1710) وعبد الرزاق (6254) في المصنف والبغوي في شرح السنة (270/ 5) والسيوطي (166/ 6) والتبريزي في إتحاف السادة المتقين (230/ 10، 384). (3/480)
صفحة 1337
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وروي
عنه
481
أنه عليه السلام لما دفنت ابنته جلس عند القبر فتزيد وجهه ثم سرى عنه فسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال: ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر فدعوت الله أن يفرج عنها وأيم الله لقد ضمت ضمة ثم أرخى عنها (1).
عائشة وروي عن رضي الله عنها عنه أنه قال: «إنما فتنة القبر من أجلي فإذا سئلتم فلا تشكوا قالت فقلت: يا رسول الله فكيف أصنع وأنا امرأة ضعيفة؟ قال: «يثبت الله الذين آمنوا. . . .» الآية.
عني
وقال بعض العلماء من أكثر ذكر القبر وجده روضة ومن أغفل ذكره وجده حفرة من حفر النار، وروي عن الربيع بن خيثم أنه قد حفر في داره قبراً وكان إذا وجد في قلبه قساوة اضطجع فيه ما شاء الله ثم يقول رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت (2)، ثم يرد على نفسه: يا ربيع قد رجعتك فيقوم فيرى ذلك وروي أن النبي عليه السلام قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف بك يا عمر إذا دخلت قبرك ودخل عليك فتانا القبر منكر ونكير؟ فقال عمر: وما هما يا رسول الله؟ / قال: ملكان أسودان أزرقان يطآن شعورهما [526] ويبحثان الأرض بأنيابهما معهما مرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوها وهي هذا أهون عليهما من ورفع شيئاً من الأرض». فقال عمر: فكيف أنا يومئذ يا رسول الله؟ قال: كهيئتك اليوم». قال: إذن كفيهما يا رسول الله (3).
وروي عنه أنه قال: «المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له فيه سبعون ذراعاً ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر أتدرون فيما أنزلت {فَإِنْ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا (4)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً يلحسونه وينفخون في قبره إلى يوم يبعثون (5).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (125/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت من رواية سليمان الأعمش عن أنس ولم يسمع منه. (2) سورة المؤمنون، الآية: 99.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (124/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور مرسلاً ورجاله ثقات، قال البيهقي في الاعتقاد رويناه من وجه صحيح عن عطاء بن يسار مرسلاً: قلت أي الحافظ: ووصله ابن بطة في الإبانة من حديث ابن عباس ورواه البيهقي في الاعتقاد من حديث ابن عمر وقال: غريب بهذا الإسناد تفرد به، مفضل، ولأحمد وابن حبان من حديث عبد الله ابن عمر، فقال عمر: أيرد إلينا عقولنا؟ فقال: «نعم كهيئتكم اليوم» فقال عمر: الحديث. (4) سورة طه، الآية: 124.
.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني (120/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه ابن حبان.
قناطر الخيرات/ ج 3/ 314 (3/481)
صفحة 1338
482
أن
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
قال الغزالي:: فلا ينبغي يتعجب من هذا العدد على الخصوص، فإن أعداد هذه
الحبات والعقارب بقدر أعداد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد، وسائر الصفات فإن لها أصولاً معدودة تتشعب منها فروع معدودة، وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي التي تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين، والضعيف يلسع لسع العقرب، وأرباب البصائر يدركون بنور البصيرة هذه المهلكات وإنشعاب فروعها وبالله التوفيق. فصل
اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنوناً كاذبة، فالملحدون ظنوا أن الموت هو العدم، وإن موت الإنسان كجفاف النبات، وأنه لا بعث ولا ثواب ولا عقاب وزعمت اليهود والنصارى والفلاسفة فيما وجدت أن الأجساد لا تبعث أصلاً وأن الأرواح هي التي تبعث وتستلذ وتتألم. وزعمت المعتزلة والنكاث والحسنية فيما وجدت أن الأموات لا تتنعم ولا تتألم في القبور، وإنما الثواب والعقاب في الآخرة، وذهب أصحاب الحديث والأشعرية أن الروح باقية 527] إما / معذبة وإما منعمة، حتى تبعث الأجساد فتدخل فيها، وإنما الموت إنما هو تغيير حالها، وانقطاع تصرفها عن الجسد يخرج الجسد عن طاعتها، والأعضاء عن استعمال الروح إياها؛ لأنها تبطش باليد وتبصر بالعين وتسمع بالأذن وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب وهو عبارة عن الروح التي تحزن وتفرح وتلذ، وتتوجع وأن هذه كلها تتعطل بموت الجسد إلى أن يعاود الروح إليه واختلفوا في كيفية عذاب القبر، فقيل: السؤال المروح دون الجسد وقيل: يكون الروح في الجسد إلى الصدر، وقيل: يكون الروح في الكفن والجسد، وقيل: يمكن أن يعاد إلى الجسد ويمكن أن يؤخر إلى البعث والله تعالى أعلم بما حكم على عباده.
هاهنا
6
قالوا: ويدل على أن الموت ليس عبادة عن انعدام الروح وإدراكها آيات وأخبار كثيرة قد ذكرنا طرفاً منها، فأما الآيات فمن ذلك قوله تعالى في الشهداء: بل أحياء عند ربهم يرزقون .... ) الآية، وفسر فيها ابن عباس فقال: تجعل أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة .... الحديث المشهور، وقول النبي عليه السلام: إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في الجنة (1).
(1) اطراف الحديث عند النسائي (108/ 4) وابن ماجه (4271) وأحمد (455/ 3، 456) والساعاتي في منحة المعبود (740) وابن كثير في التفسير (27/ 8) وأبو نعيم في الحلية (156/ 9) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (23/ 5 (387/ 10)، والبخاري في التاريخ الكبير (305/ 4) وابن عبد البر في تجريد التمهيد (467) والتمهيد (248/ 5) والمتقي الهندي في الكنز (42691). (3/482)
صفحة 1339
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
483
أي نتناول وقول الله تعالى في الكفار النار يعرضون عليها غدواً وعشيا، وقوله: وسنعذبهم مرتين .... ) الآية.
إن الثاني عذاب القبر وروي أن النبي عليه السلام كلَّم قتلى بدر فقيل: يا رسول الله هم أموات فقال: «والذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقتدرون على رد الجواب (1). قالوا: فكل من آمن بالله والوحي والملائكة فكيف لا يجوز هذا في الميت؟ قالوا: فكما أن الملائكة لا تشبه الآدميين والحيوانات، فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر
ليست من حيات الدنيا وإنما هي من جنس آخر يدرك بحاسة أخرى. قالوا: ولأن المؤلم من الحية السم ونفس السم ليس / هو الألم، وإنما الألم عذابك في الأثر الذي يحصل فيك. [528]
قالوا: ويمكن أن تكون الصفات المهلكات في الإنسان تنقلب مؤذيات كلدغ الحيات من غير وجود الحيات، كما أن العشيق إذا مات المعشوق انقلب صفة مؤذية محزنة للعاشق، قالوا: ومثل عذاب القبر والتنعم فيه في حق الميت مثل لدغ الحية في حق النائم وتنعمه بوقاع جاريته في نومه ولا ترى حية حوله ولا جارية، فالعذاب والتنعم حاصلان ولكنه غير مشاهدين في حق اليقظان، وهذا الذي قاله أصحاب الحديث في عذاب القبر ليس في الشرع ما يبطله ولا في العقل ما يحيله.
وقد روي عن جابر بن زيد بثبوت عذاب القبر وأنا أقول به، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ ولقد ضغطه ضغطة اختلفت منها
أضلاعه» (2).
وقال في ابنته زينب: إن الله قد خفف عنها ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين
الخافقين (3).
وجلس عليه السلام في جنازة رجل فجعل ينظر في القبر ثم قال: يضغط المؤمن في هذا ضغطة تردى منها حمائله» (4).
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني (113/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث عمر بن
الخطاب.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (125/ 5): أخرجه أحمد بإسناد جيد. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (126/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية سليمان
الأعمش عن أنس ولم يسمع
منه.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (125/ 5) طبعة دار الحديث: رواه أحمد بسند ضعيف. (3/483)
صفحة 1340
484
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وفي حديث سؤال الملكين مشهور تركته مخافة التطويل واختلف في مستقر الأرواح بعد الموت فقيل: أرواح المسلمين في عليين وأرواح الكفار في سجين، وقيل: أرواح المسلمين في بئر بالشام وأرواح الكفار في واد برهوت باليمن أو بحضرموت، وفي الحديث: أحد إلا وهو يعرض على مقعده بالغداة والعشي من
ما منكم.
(1) ?
وأظن أني وجدت في بعض الآثار: أن الروح تحوم حول القبر والله أعلم، وينشد: بينما الفتى في لهوه وهناته متبختراً يختال في لذاته قد غره الأمل الكذوب فهمه في كل ما يدنيه من شهواته / إذ جاءه ملك النفوس بسكرة تركته ملقى الجسم بين نعاته فتنكرت أسبابه وتخرمت وتنكر المعروف من حالاته
لا يستجيب لمن دعاه ولا يرى شق الجيوب عليه بعد وفاته ولعبده بن الطيب: ولقد علمت بأن قصري حفرة غبراء يحملني إليها شرجع" وتركت في غبراء يكره وردها تسفي علي الريح حين أودع
عمر
إن الحوادث يخترمن وإنما يسعى ويجمع جاهداً مستهتراً وليس
في
أهله
كل ما
(2)
مستودع
مع
حتى إذا وفى الحمام لوقته ولكل جنب لا أبا لك مضجع وروي عن مجاهد أن أول من يكلم ابن آدم حفرته، فتقول: بيت الدود، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الغربة، أنا بيت الظلمة هذا ما أعددت لك فما أعددت لي؟
وروي عن بعض الحكماء أنه قال: يقول القبر للميت حين يوضع فيه: ويحك يا ابن آدم ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود؟ ما غرك بي إذ كنت تمر فدادا؟ قال: فإن كان مصلحاً أجاب عنه مجيب القبر يقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر؟ قال: فيقول: القبر: إني إذا أعود عليه خضراء، ويعود جسده نوراً، ويصعد بروحه إلى رب العالمين، وينشد:
بي
(1) أطراف الحديث عند المتقي الهندي في الكتز (4706) وأحمد (140/ 1) والزبير في الاتحاف (61/ 9).
والسيوطي في الدر المنثور (359/ 6).
(2) شرجع النعش. كذا بالهامش للمخطوط.
[529] (3/484)
صفحة 1341
قنطرة الاجتهاد مخافة الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
إن كنت تعلم أن الله يا عمر يرى ويسمع ما تأتي وما تذر وأنت في غفلة من ذاك تركب ما نهاك عنه فأين الخوف والحذر تجاهر الله إقداما عليه ومن حثالة الناس تختفي وتستر فانظر لنفسك يا مسكين في مهل ما دام ينفعك التفكير والنظر قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها الله درك ماذا تست الحفر؟ ففيهم لك يا مغرور موعظة وفيهم لك يا مغت
الفصل الثالث في أشراط الساعة
معتبر
485
وهذا الفصل يحتوي على مقدمة وستة أقسام ـ أما المقدمة فنذكر فيها علامات تدل على أشراط الساعة، وذلك نحو ما روي عن النبي عليه السلام في مسائلة جبريل عليه السلام إياه وقد جاءه في صورة أعرابي فقال: متى الساعة؟ فقال النبي عليه السلام: «ما المسؤول عنها أعلم من السائل ولكن سأخبرك بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربها وربتها وتطاولت رعاة البهم في
البنيان» (1).
وقوله في حديث آخر لسائل سأله عن الساعة: ما المسؤول عنها أعلم من السائل ولكن أشراطها عشرة: يقرب فيها الأجل ويظرف فيها العاجز ويعجز فيها المنصف وتكون الصلاة مناً والزكاة مغرماً والأمانة مغنماً والاستطالة للفقراء (2).
وقوله: «لا الساعة
تقوم
حتى يسود كل قوم منافقوهم وحتى تلي رقاب الناس الحفاة
العراة الجوع وأن يكون سيد القوم لكع بن لكع وتظهر أولاد البغية ـ يعني أولاد الزاني - ويعظم رب المال وتعلو أصوات الفساق في المساجد ويظهر أهل المنكر على أهل الحق (3). وقوله: «لا الساعة تقوم
حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله وحتى يقبض
(1) أطراف الحديث عند البخاري (20/ 1، 144/ 6) ومسلم في الإيمان (1،،، 7) وأبو داود في السنة (ب 16) والترمذي (2610) والنسائي في الإيمان (ب) (5، 6) وابن ماجه (63، 64، 4044) والهيثمي في مجمع الزوائد (40/ 10) والسيوطي في الدر المنثور (170/ 1، 1/ 290، 169/ 5، 50/ 6) وابن حجر في الفتح (114/ 1، 513/ 8).
(2) انظر الحديث السابق.
(3) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (327/ 7) وابن حجر في الفتح (13/ 84) وابن عدي في الكامل للضعفاء (764/ 2). (3/485)
صفحة 1342
486
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان ويكثر الهرج وهو القتل ـ وحتى يفيض المال ويكثر وحتى يهم رب المال من يقبل صدقاته وحتى يعرضه ويقال: لا أرب لي فيه وحتى يمر الرجل بقبر الرجل ويقول: يا ليتني مكانه (1).
وكنحو ما روي عن الراهب الذي كلم نظلة بن معاوية فقال: اقرؤوا عني السلام عمر [531] وقولوا له: / سدد وقارب فقددنا الأمر فإذا ظهرت في أمة محمد عليه السلام عشر خصال فالهرب الهرب إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتسبوا إلى غير أنسابهم فلم يرحم كبيرهم صغيرهم ولم يوقر صغيرهم كبيرهم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتعلم عالمهم العلم لينال به الدراهم والدنانير، فكان المطر قيظاً والولد غيظاً (2) - يعني قليل - ويشيدون البنيان واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واستخفوا بالدماء، وقطعوا الأرحام وباعوا الحكم وطولوا المنارات، وفضضوا المصاحف، وزخرفوا المساجد، وأظهروا الرشي، وأكلوا الربا، وصار الغنى عزاً وركبت الفروج السروج، في أمثالها مما يطول به الكتاب تركته رغبة في الاختصار. وعنه عليه السلام قال: «لا الساعة تقوم
حتى
تكون قبلها عشر خصال: طلوع الشمس من مغربها والدجال ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان ونار تحشر الناس). والله أعلم.
القسم الأول في طلوع الشمس من مغربها
(3)
وقد زعم بعضهم أنها أول آية خروجاً، والدابة إحداهما قريبة من الأخرى، وقيل أولها الدجال والله أعلم، وقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ. إلى قوله تعالى: أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ .... (4) الآية. قيل: هو طلوع الشمس من مغربها،
(1) أطراف الحديث عند البخاري (243/ 4، 22/ 9، (74) ومسلم في الفتن (ب 4 رقم 17) وأحمد (313/ 2) والهيثمي (244/ 7، 248 وعبد الرزاق في مصنفه (18658) والتبريزي في مشكاة المصابيح (5410) والبغوي في شرح السنة (229/ 10، 38/ 15) وابن حجر في الفتح (303/ 12، 81/ 13، (82) والمتقي الهندي (31203) (38373) والبداية والنهاية لابن كثير (243/ 6). (2) هذا معنى حديث أورده الحافظ العراقي في المغني (305/ 2) طبعة دار الحديث وقال: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عائشة والطبراني من حديث ابن مسعود وإسنادهما ضعيف.
(3) أطراف الحديث عند ابن ماجه (4041 4055 والحاكم في المستدرك (428/ 4) وابن أبي شيبة
(15/ 130 (163) والمتقي الهندي في الكنز (38650).
(4) سورة الأنعام، الآية: 158. (3/486)
صفحة 1343
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
487
وعن النبي عليه السلام قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا جميعاً حيث لا ينفع نفس إيمانها (1).
وعن ابن عمر قال: سمعت النبي عليه السلام يقول: إن الشمس إذا غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فيؤذن لها / حتى إذا أراد الله أن يطلعها من مغربها [532]
استأذنت
من تحت العرش في الرجوع فلا يرد عليها شيئاً ثم تعود فتستأذن فلا يرد عليها شيئاً فعلمت أنه لو أذن لها لم تدرك المشرق وقالت: يا رب ما أبعد المشرق فمن لي بالناس حتى إذا كان الليل كالطوق استأذنت قيل لها اطلعي من مكانك ثم قرأ: يوم يأتي بعض آيات ربك نفساً إيمانها. . . . (2) الآية». ويقال: أن باب التوبة ينسد عند طلوعها والله أعلم.
لا ينفع
وقد روي
أن
(2)
القسم الثاني في الدجال
النبي عليه السلام كان يتعوذ بالله من فتنة الدجال، وعنه أنه قال: «إن الدجال خارج وهو أعور العين اليمنى وأنه يبري الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول
للناس: أنا ربكم فمن قال:: أنت ربي فقد فتن ومن
من فتنته» (3)
الله قال: ربي
حتى يموت على ذلك.
عصم
وعن أبي سعيد عنه عليه السلام قال: إن الدجال محرم عليه أن يدخل أنقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي بالمدينة فترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ويخرج إليه رجل وهو خير الناس أو من خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر فيقولون: لا فيقتله ثم يحييه فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه.
قال بعض العلماء: فبينما الناس في بلد إذ يسمعون الإقامة يريد الصلاة فتغشاهم غمامة
فإذا بعيسى ابن مريم قد نزل.
(1) أطراف الحديث عند البخاري (73/ 6، 132/ 8) ومسلم في الإيمان (ب) 72 رقم 248) وأبو داود (4312) وابن ماجه (4068).
(2) أورد الطبراني في جامع البيان في تفسير القرآن المجلد الخامس ج 8 ص 73 طبعة دار المعرفة: قال: من طريق أبي ذر.
(3) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (336/ 7) وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (196/ 1)، والسيوطي في الدر المنثور (242/ 2)، وأحمد (13/ 5) والطبري (267/ 7). (3/487)
صفحة 1344
[orr]
488
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
القسم الثالث في نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء أخوة لعلات / أمهاتهم شتى ودينهم
واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس نبي بيني وبينه وإنه نازل لا محالة فإذا رأيتموه الخلقة فاعرفوه فإنه رجل مربوع | بين ممصرتين الحمرة والبياض سبط الرأس كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل الأمانة كلها إلا الإسلام حتى تقع في الأرض فيرتعي الأسد مع الإبل والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم ويلعب الغلمان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضاً».
وفي حديث آخر: يضع الجزية وتضع الحرب أوزارها فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً (1).
وفي كتاب النقاش (2) في قوله تعالى: وإنه لعلم الساعة. يقول: نزول عيسى من السماء السابعة علامة، يقال: ينزل على ثنية أفيق وهو جبل بيت المقدس.
وعن ابن عمر قال: ينزل عيسى فإذا رآه الدجال ذاب كما تذوب الشحمة فيقتله فتفترق عنه اليهود فيقتلون حتى أن الحجر ليقول: يا عبد الله المسلم هذا يهودي: تعال فاقتله. والأخبار في هذا كثيرة تركتها مخافة التطويل.
القسم الرابع في خروج يأجوج وماجوج
قال الله تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج .... الآية. فتحت أرسلت، قيل: هما أخوان شقيقان من ذرية يافث بن نوح عليه السلام قال الكلبي: لا يموت الرجل من ذرية يافث حتى يولد له ألف رجل من صلبه.
وعن كعب قال: يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف؛ فصنف أمثال النخل الطوال نساءهم منهم، وصنف أربعة أذرع طولاً وأربع عرضاً، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون الأخرى لهم خراطيم کخراطيم الكلاب، فإذا بلغ أجلهم انكسر السد الذي بناه ذو القرنين وقيل هما مائة [534] ألف أمة / لا تشبه أمة أخرى.
(1) طرف الحديث عند الحميدي في مسنده.
(2) هو محمد بن علي بن عمرو بن مهدي الأصبهاني الخليلي النقاش الحنبلي أبو سعيد محدث فقيه عارف بالرجال من مؤلفاته طبقات الصوفية. توفي عن 82 عاماً تقريباً. (3/488)
صفحة 1345
قنطرة الاجتهاد مخافة الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
وعن
489
قتادة هما اثنتان وعشرون قبيلة فسد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة،
وكانت قبيلة منها غازية وهم الأتراك.
قال: خلقهم
وعن الأوزاعي قال: هما أمتان كل أمة منها أربع مائة ألف، وعن ابن عمر ثلاث أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى وتاريس ومنسك ويقال: يحفر يأجوج ومأجوج السد في كل يوم، فإذا أمسوا قالوا: نجيء غداً نفتحه ولا يقولون إن شاء الله، فيجيئون من الغد وقد أعاده الله كما كان، فإذا أراد الله فتحه قالوا: نجيء إن شاء الله غداً نفتحه فيجيئون فيفتحون ويخرجون، فيتحصن الناس منهم حتى يأتوا على دجلة والفرات فيشربون ما فيهما، فيجيء آخرهم فيقولون: أقد كان هاهنا ماء، مرة، فيسلط الله عليهم النغف فيقتلهم.
وفي حديث كعب قال: «فيفر الناس منهم في البرية والجبال فيقولون قد قهرنا أهل الأرض فهلموا إلى السماء فيرمون بنشابهم إليها فترجع تقطر دماً فيقولون قد فزعنا من أهل الأرض وأهل السماء فيبعث عليهم أضعف خلقه النغف وهو دودة تأخذهم في رقابهم فتقتلهم حتى تنتن الأرض من جيفهم فيرسل الله إليهم الطير فتلقى جيفهم في البحر، ثم يرسل الله السماء فتطهر الأرض، ثم تخرج الأرض زهرتها وبركتها فترجع الناس حتى أن الرمانة لتشبع أهل البيت فيبعث المسلمون جيشاً فلا يصلون إليهم ولا يرجعون إلى أصحابهم حتى يبعث الله إليهم ريحاً طيبة يمانية من تحت العرش فتكفت روح كل مؤمن ثم لا أجد مثل الساعة إلا كرجل انتج مهراً فهو ينتظر متى يركبه فمن تكلف من أمر الساعة ما وراء هذا فهو
متكلف.
وفي
خبر
آخر:. «أن عيسى عليه السلام إذا قتل الدجال أوحى الله إليه أني قد أخرجت / عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي في الطور فيبعث الله يأجوج ومأجوج كما قال [535]
.
وهم من كل حدب ينسلون. . . . . الحديث كما تقدم.
وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج (1). القسم الخامس في الدابة
قال الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم، قيل معناه: وجب الغضب عليهم وقال النبي
(1) أطراف الحديث عند البخاري (182/ 2) وأحمد في مسنده (27/ 3، (64) والحاكم في المستدرك (453/ 4) والسيوطي في الدر المنثور (338/ 4) والمتقي الهندي في كنز العمال (38866) والقرطبي في التفسير (298/ 3) وابن كثير في التفسير (266/ 1، 371/ 5) وأبو نعيم في الحلية (16/ 9). (3/489)
صفحة 1346
[536]
490
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
عليه السلام ذلك حين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوجب السخط عليهم». أخرجنا لهم دابة من الأرض.
،
"
من كتاب عيون المعاني قيل: ذات زغب ووبر وريش لها أربع قوائم، قال ابن الزبير: رأسها كرأس ثور، وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة فهد وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم البعير، وكل مفصل من مفاصلها اثني عشر ذراعاً تخرج ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتختم وجه المؤمن بخاتم سليمان فيبيض ويكتب سعد سعادة لا يشقى ووجه الكافر بالعصي على عكس المؤمن.
وعن عليّ على صورة إنسان مقاتل ذات جناحين طولها ما بين السماء والأرض يرى رأسها وعنقها من المشرق والمغرب وتزلزل الأرض ذلك اليوم ست ساعات، فيصبحون وقد جاءهم الدجال قوله تعالى: من الأرض، أي من بعض أودية تهامة، وقيل: من مكة،
وقيل: من بحر سدوم.
وروي
أن ابن عمر ضرب رجله على الأرض بالطائف وقال: من هاهنا تخرج دابة الأرض، وقيل: بين الصفا والمروة، وفي الحديث تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة على الله بينما عيسى يطوف والمسلمون معه إذا الأرض تضطرب تحتهم تحرك القناديل فينشق الصفا عن دابة الأرض (1).
/
وعن ابن عباس قال: الدابة هو الثعبان الذي كان في البيت بين أبي قبيس وبين بنيان البيت فأرسل الله عقاباً فاختطفه فطرحه بأصل حراء حيث خسف بالعماليق، يقال: لها أربع قوائم وزغب وريش ولها جناحان واسمها أفصا، ولا يخرج منها غير رأسها فيبلغ السحاب وكلام الدابة من آيات القيامة وهو الوقت الذي لا تقبل فيه توبة.
من
قال صاحب كتاب عيون المعاني: الأقرب إلى العقل أن يكون أنسياً فقيهاً مناظراً يناظر أهل البدع والكفر فيجادلهم، ليهلك هلك ويحيي من حي عن بينة، وذكروا أن عن بينة يريه الدابة فخرجت ثلاثة أيام ولياليها لا يرى طرفيها الساعة قال: لا تقوم حتى يجتمع
موسى عليه الصلاة والسلام سأل
ربه أن
فرأى منظراً كريهاً فقال يا رب ردها فرجعت وعن ابن عمر
(1) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 8) والطبراني في تفسيره (11/ 20) والسيوطي في
الدر المنثور (116/ 5). (3/490)
صفحة 1347
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
491
أهل البيت على الإناء الواحد وهم يعرفون مؤمنهم وكافرهم، فذكر الدابة كما تقدم تمسح جبهة المؤمن نكته بيضاء، وجبهة الكافر نكته سوداء، قال حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقول هذا: كيف تبيع يا مؤمن، ويقول الآخر: كيف تبيع يا كافر والله أعلم.
وفي بعض الكتب: أن الدابة فصيل ناقة صالح عليه السلام وفيها غير ما ذكرنا تركته حباً
للاختصار.
القسم السادس في الخسوف وغير ذلك
وعن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كائن فيكم الخسف والمسخ والقذف». قالوا وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قال: «نعم إذا ظهرت فيهم الأربع المغنيات والمعازف
والخمور والحرير».
وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام قال: ليبيتن أقوام من أمتي على معازف وشراب فيصبحون ممسوخين قردة» أو قال: «وخنازير».
وعن حذيفة قال: كيف بكم / إذا خرج أحدكم من حجلته فمسخ خنزيراً فيرجع يطلب [537]
أهله فيفرون منه.
وعن أبي بن كعب في قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثْ عَلَيْكُمْ عَذَاباً من
(1)
فَوْقِكُمْ).
قال: وهي خلال أربع هن واقعة لا محالة فمضت اثنتان بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس، بعض، واثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم.
ويقال: لا تقوم الساعة حتى يرفع البيت ويرفع القرآن من القلوب فترجع الناس إلى المصاحف فإذا الورق بيض فيرجعون إلى أخبار الجاهلية وأغانيهم فتقوم الساعة ولا تقوم على مؤمن بإجماع من الأمة فيما وجدت والله أعلم.
السماء
وأما الدخان فقيل: هو الجدب في زمان النبي عليه الصلاة والسلام وقيل: ينزل من
يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين ويأخذ المؤمنين منه كالزكام والله أعلم.
(1) سورة الأنعام، الآية: 65. (3/491)
صفحة 1348
[538]
492
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
فصل في قيام الساعة
قال الله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ..... الآية. أي بسرعة البصر، قيل: أن البصر يلمح مسيرة خمس مائة عام إلى السماء، وعن النبي عليه السلام قال: «لتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما بينهما ليتبايعاه فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يلبط حوضه فلا يستقى فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها (1).
وعنه عليه السلام قال: كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع
(2)
يؤمر فينفخ (2).
وقال: بعث إلي حين بعث إلى صاحب الصور (3).
الأذن متى
وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين / فقرن بين أصبعيه كادت أن تسبقني فسبقتها وقد انفرد الله تعالى بعلم الساعة لا تأتيكم إلا بغتة».
وزعم بعضهم أن الساعة في يوم الجمعة في شهر مارس وأن الشمس إذا غابت ليلة الجمعة فكل دابة مصيغة بإذنها إلى قيام الساعة حتى يصبح إلا الثقلين والله تعالى أعلم. صفة نفخ الصور
قال الله تعالى: (ونفخ في الصور) (4) من قرأ بفتح الواو فجمع صورة ينفخ فيها فتحيى بإذن الله وهو مروي عن الحسن وقتادة وأكثر القول أن الصور قرن دليله ثم نفخ فيه
(1) أطراف الحديث عند البخاري (1328، (749) والسيوطي في الدر المنثور (265/ 5) وابن الجوزي في زاد السير (298/ 3) وابن حجر في الفتح (352/ 11). (2) قال الحافظ العراقي في المغني (138/ 2) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال: حسن ورواه ابن ماجه بلفظ إن صاحبي القرن بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان متى يؤمران وفي رواية ابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطأة مختلف فيه.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (139/ 2) طبعة دار الحديث: لم أجده هكذا بل ورد: إسرافيل من حين ابتداء الخلق وهو كذلك كما رواه البخاري في التاريخ وأبو الشيخ في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال البخاري ولم يصح وفي رواية لأبي الشيخ ما طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قيل أن يرتن إليه طرفه كأن عينيه
کوکبان دريان» وإسناده جيد.
(4) سورة الكهف، الآية 99 (3/492)
صفحة 1349
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
493
أخرى) (1) ولم يقل فيها إلا أن تكون الصور في القرن فإذا نفخ فيه فقد نفخ في الصور وعن مجاهد الصور قرن كقرن الثور وزعموا أن النبي عليه السلام قال: «الصور قرن من نور والذي بعثني بالحق لعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض ينفخ فيها ثلاث نفخات: نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث (2).
وفي رواية عن أبي بن كعب: «نفختان». قال: «فيأمر الله تعالى إسرافيل في النفخة الأولى فينفخ فيه فيفزع من في السماوات ومن في الأرض وهو قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنِ فِي الْسَمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) (3).
قال ابن عباس: هم الشهداء، وقيل: هم الأنبياء، وقال مقاتل: هم الملائكة، قال: فتزلزل الأرض وَتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ إلى قوله: شَدِيدٌ (4). فيصير الولدان شيباً، وتطير الشياطين هاربة، وذلك قوله تعالى: {اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنْ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .... الآية.
ألف
يوم
ويقال: نزلت هذه الآية في غزوة بني المصطلق ليلاً فقرأها عليهم النبي عليه السلام فلم أكثر باكياً. ير من تلك الليلة وذلك حين قال لهم: أتدرون أي يوم هو؟ ثم قال: «ذلك يقول الله لآدم عليه السلام ابعث نصيب النار / من ذريتك فيقول: كم يا رب فيقول: من كل [539] تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فهنالك يشيب الصغير ويسكر الكبير. الحديث (5)، فلما نزلوا رأى الناس من بين باك حزين وبين متفکر ساکت فقال لهم سددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل
(1) سورة الزمر، الآية: 68.
(2) أطراف الحديث عند أبو داود (4742) والتبريزي في مشكاة المصابيح (5528) وابن الجوزي في زاد المسير (69/ 3) والألباني في الصحيحة (1080) والمتقي الهندي في كنز العمال (38904) والطبري في
(3)
(4)
تفسيره (30/ 6، 6/ 30).
سورة | النمل، الآية: 87. سورة الحج، (الآيتان: 1، 2).
(0) قال الحافظ العراقي في نحو هذا الحديث في المغني (233/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث عمران بن حصين وقال حسن صحيح قلت - أي الحافظ: هو من رواية الحسن البصري عن
عمران ولم يسمع منه وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي سعيد. (3/493)
صفحة 1350
494
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
الجنة فكبروا وحمدوا الله». وقال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وإني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منهما أمتي ويدخل الجنة منها سبعون ألفاً بغير حساب». فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «أنت منهم». وقال آخر مثل ذلك فقال: «سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة».
وقوله: إِنْ زَلْزَلَةَ السَّاعَةَ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (1)، قيل: أشراطها، وقيل: الرجفة عند البعث، وعن أبي قال: النفخة الأولى ويقال: ذلك قبل النفخة الأولى ينادي مناد من السماء يا أيها الناس أتى أمر الله فيسمع صوته جميع أهل الأرض فيفزعون فزعاً شديداً ويموج بعضهم في بعض فيشيب فيه الصغير ويسكر الكبير وتضع الحوامل ما في بطونها وتدع المراضع البنين من
الفزع.
وعن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة قال بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فدكت الأرض واضطربت ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت [540] الدواب والطيور والوحوش وماجت بعضهم في بعض، {وَإِذَا الْوُحُوسُ / حُشِرَتْ (2)، قال: اختلطت، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَت) (3) قال: أهملها أهلها {وَإِذَا الَّبِحَارُ سُجِرَت. قال: الجن تأتيكم بالخبر فانطلقوا فإذا هي نار تتأجج فبينما هم كذلك جاءتهم ريح وعن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: من أراد أن ينظر إلى القيامة رأى العين فليقرأ إذا الشمس كورت.
صفة النفخة الثانية
(4)
فأهلكتهم.
قال الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الْصُورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي الْسَمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) يعني مات شدة الصوت والفزع إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) (4) قال كعب: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام ثم يموتون بعد، وقيل: الشهداء، وقيل: رضوان ومالك والزبانية والحور
من
والولدان.
(1) سورة الحج، الآية: 1. (2) سورة التكوير، الآية: (3) سورة التكوير، الآية: 6. (4) سورة الزمر، الآية: 68. (3/494)
صفحة 1351
[011]
495
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
قال: يقول الله للملائكة المستثنين موتوا فيموتون فيقول: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ) (1). يجيبه أحد فيقول: والله الواحد القهار.
شاء الله.
فلا
وعن ابن عباس: ينفخ في الصور فيموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من الملائكة المتقدمة ثم يموتون ويموت إبليس فيمن يموت. وقوله تعالى: إن
وهم
(2)
كَانَت إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخصمُونَ (2). قيل: في أسواقهم يتبايعون وعن الحسن قال: بين النفختين أربعون والله أعلم عاماً أم شهراً أم يوماً فأما النفخة الأولى فأماتت كل حي، وأما النفخة الآخرة فأحيت كل ميت.
وعن الربيع بن أنس قال: قسم الله الماء الذي كان عرشه عليه قبل أن يخلق السماوات قسمين فجعل نصفه تحت العرش وهو البحر المسجور، ولا ينقص منه قطرة حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فينزل الله منه بين النفختين مثل المني على الأرض فينبت منه أجسام من هو مبعوث من الجن والإنس وذلك قوله: {كَذَلِكَ يُخْرِجُ الْمَوْتَى وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى والله أعلم بغيبه وأحكم.
صفة النفخة الثالثة
(3)
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي / الصُّوْرِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ .... (3) الآية.
ففي كتاب النقاش قال: هي النفخة الأخيرة قال وبين النفختين أربعون سنة، قال: ثم تمطر السماء أربعين يوماً كمني الرجال ومن غيره، فيكون الماء فوق كل شيء اثني عشر ذراعاً فينبتون به في قبورهم كما ينبتون في بطون أمهاتهم.
وفي حديث النبي عليه السلام: «حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت ثم يقول الله تعالى: لتحيى حملة العرش فيأمر إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان بأمر الله تعالى ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها فيجعلها في الصور ثم يأمر إسرافيل فينفخ نفخة البعث».
وفي كتاب النقاش أنه يقول: أيتها العظام البالية وأيتها العروق المتقطعة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الأشعار الساقطة اجتمعوا لأنفخ فيكم أرواحكم ويجازيكم بأعمالكم فيديم
(1) سورة غافر، الآية: 16.
(2) سورة يس، الآية: 49. (3) سورة يس، الآية: 51. (3/495)
صفحة 1352
496
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
الملك الصوت فتجتمع الأرواح كلها في القرن وطوله كطول السماوات والأرضين وعرضه كذلك، ثم تخرج الأرواح مثل النحل سود وبيض وشقي وسعيد، فتهبط أرواح المؤمنين بيضاً كأمثال النحل من السماء العليا إلى واد بدمشق يقال لها: الجابية وهو خير واد في الأرض، وتخرج أرواح الكافرين من الأرض السفلى سود مثل الذر إلى واد بحضرموت يقال له برهوت، وهو شر واد في الأرض، وكل روح أعرف بجسد صاحبها من أحدكم إلى منزله فيأتون أفواجاً ثم ينزل إسرافيل من فوق السماء السابعة فيجلس على صخرة بيت المقدس ويأخذ أرواح المؤمنين والكفار كالذر السود والبيض، فيجعلهم في القرن، ودائرة فم القرن مسيرة خمس مائة عام ما. بين السماء والأرض فتطير الأرواح حتى تطيق ما بين السماء والأرض مثل النحل فيذهب 542] / كل روح فيقع في جسد صاحبه، فيخرجون من قبورهم فوجاً فوجاً، وفي قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي، قيل: هو إسرافيل يقول: أيتها العظام النخرة ـ كما تقدم ـ ثم
وقيل: من
(1) ,
قال: مِن مَّكَانٍ قَرِيب قال الحسن: وأي شيء أقرب من أنهم بينما هم في بطنها إذ نودوا فإذا هم على ظهرها، مكان قريب عن مقاتل من صخرة بيت المقدس، ويقال: قربت من السماء بثمانية عشر ميلاً، ثم قال: يوم تشقق الأرض عنهم فيخرجون من الأجداث سراعا إلى إجابة الداعي، والصوت الذي سمعوا، وقوله: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ، أي القبور، إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، يخرجون سراعاً.
وعن مجاهد قال: إن للكفار هجعة قبل يوم القيامة فإذا صبح بأهل القبور {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا، وقيل: إن الكفار لا يعذبون في القبور بين النفختين، هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ أي قال لهم: المؤمنون، وقيل: الملائكة الذين يكتبون أعمالهم هذا ما وعد الرحمن .... ) (2) الآية.
صفة المحشر وأهواله
قال الله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ .... (3) الآية، قيل: تبدل هذه التي عليها بنو آدم أرضاً بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها معصية، وهي أرض الصراط، ويقال: عمق الصراط مسيرة خمس مائة عام وتبدل السماء فلا تكون سماء،
(1) سورة ق الآية: 41. (2) سورة يس، الآية: 52. (3) سورة إبراهيم،، الآية: 48. (3/496)
صفحة 1353
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
497
وخرجوا من قبورهم في أرض مستوية، ليس فيها جبل ولا بناء ولا نبت، ولا يستترون بشيء. وعن ابن عباس يزاد فيها وينقص فتذهب، أشجارها، وجبالها، وأوديتها، وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك عليها دم، ولم تعمل عليها خطيئة، والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها ويقال: إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء وطمست الشمس والقمر / وأظلمت الأرض نجوم! كذلك إذ مارت السماء من فوق رؤوسهم، وانشقت السماء
هم
سراجها، فبينما غلظها مائة عام، والملائكة قيام على حافتها، ثم تسيل كالفضة المذابة، يخالطها صفرة فصارت وردة كالدهان، فصارت كالمهل فكانت الجبال كالعهن واشتبك الناس كالفراش،
خمس
وكانوا حفاة عراة.
ويقال: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال النبي عليه السلام: يحشر الناس يومئذ - ثلاثة أصناف - مشاة وركباناً وعلى وجوههم، فقال رجل: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم (1).
وعنه عليه السلام قال: يحشر الأنبياء على الدواب فيوافي المؤمنون من يومهم
الحشر». ويقال: إذا كانت النفخة الآخرة، خرجت الخلائق على وجه الأرض من قبورهم، فأما المؤمنون فيسرعون إلى الداعي، وأما المنافقون والمشركون فيتثاقلون، فيبعث الله عليهم ناراً أو دخاناً تسوقهم إلى المحشر، فذلك قوله: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) (2).
صفة العرق
وعنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعون
ذراعاً فيلجمهم ويبلغ آذانهم (3).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (141/ 5) طبعة دار الحديث رواه الترمذي وحسنه وفي الصحيحين من حديث أنس: أن رجلاً قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه على
الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
(2) سورة طه، الآية: 102.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (142/ 5) طبعة دار الحديث أخرجاه في الصحيحين كما ذكره المصنف - أي الغزالي الذي أخذ منصف القناطر منه هذا الباب ..
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 32
[543] (3/497)
صفحة 1354
498
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وعنه أنه قال: «تدنوا الشمس من الأرض يوم القيامة فتعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف ساقيه ومنهم إلى ركبتيه ومنهم إلى فخذه، ومنهم إلى خاصرته، ومنهم إلى فيه ـ وأشار بيده والجمه إياه، ومنهم من يغطيه عرقه ـ فضرب بيده على رأسه هكذا (1).
وذلك أنه قيل: لا يبقى على الأرض ظل إلا ظل عرش رب العالمين، ويستظل به من [544] يشاء الله من عباده المقربين والمخلصين، وعنه / تلى قوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (2)، فقال: كيف بكم إذا اجتمعتم كما تجتمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم؟ (3).
ويقول: «طول يوم القيامة على المؤمن مثل ما بين الظهر والعصر».
وعنه عليه السلام أنه قال: والذي نفسي بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها (4).
القيامة
الخلائق،
ألف سنة
وعن كعب وقتادة قال: يقوم الناس لرب العالمين ثلاثمائة عام، وقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قيل: من سنين الدنيا مقدار موقفهم حتى يفصل بين ممدود يوم أبداً لا غاية له وقيل لوهب يوم القيامة مقدار خمسين قياماً لا ينطقون فقال: إن المقدار ما بين السماء والأرض إلى العرش مقدار خمسين سنة؛ ولعل يوم القيامة يكون يوماً من أيام الدنيا على الله أو أقل، يقول: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ
ويوم
الْعِقَابِ).
ألف
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (142/ 5) طبعة دار الحديث رواه أحمد وفيه ابن لهيعة. (2) سورة المطففين الآية: 6. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (143/ 5) طبعة دار الحديث قلت - أي الحافظ العراقي - إنما هو عبدالله بن عمر، ورواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الرحمن بن ميسرة ولم يذكر له ابن أبي حاتم راوياً غير
ابن ولهم غير عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي أربعة هذا أحدهم مصري والثلاثة الآخرون شاميون. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (143/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب من حديث أبي سعيد الخدري وفيه ابن لهيعة وقد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث بدل ابن لهيعة وهو حسن ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة بإسناد جيد يهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب ورواه البيهقي في الشعب إلى أن قال: أظنه رفعه بلفظ: «إن الله ليخفف على من يشاء من
عباده طوله کوقت صلاة مفروضة. (3/498)
صفحة 1355
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
299
وعن إبراهيم قال: يصل إليهم من المكروه في ذلك اليوم مقدار ما يصل في خمسين
ألف سنة ـ والله أعلم ..
صفة الوقوف في المحشر
قال الله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدا (1)، ففي كتاب النقاش قال: وذلك أن الله يبعث الأجساد التي كانت في الدنيا من حيث كانت من بطون السباع، وحواصل الطيور، ومن البحور، وبطون الأرض وظهورها؛ لأن جميع ذلك قد صار تراباً، وأجزاء متبددة، فيجمع ذلك كله حتى يصير جسداً واحداً، فيدخل كل روح في جسده، فيحشرون إلى أرض تسمى الساهرة، فيقوم جميع الثقلين على أرجلهم مستديرين كالصفوف حول الكعبة، وحشر سائر الخلائق كل أمة صفاً، الخيل صفاً، والبقر صفاً، وكذلك / سائرها، وذلك قوله تعالى: {وَمَا [545] مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ .... (2) إلى قوله: يُحْشَرُونَ)، وقال: {فَوَرَبَّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ. . . . (3)، ـ ومن غيره -. قال بعضهم: لا يحشر إلا الثقلين؛ لأن غيرهم لا يجري عليهم التكليف في الدنيا، ولا ثواب لهم، ولا عقاب عليهم في العقبى.
(3)
وقال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} (4)، قال الحسن أمره وقضاؤه، وَالْمَلَكُ صَفَا صَفًّا (5)،
وذلك أن السماوات تنشق فينزل ملائكة كل سماء وتقوم على حدة.
وعن ابن عباس قال: أهل سماء الدنيا وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وأنسهم بالضعف، ثم أهل كل سماء أكثر من الذين تحتهم من أ ن أهل السماوات وأهل الأرض بالضعف، لا من الجن ولا من الإنس، ثم تفيض أهل السماء السابعة فينتشر أهلها على وجه الأرض، فهم وحدهم أكثر من جميع أهل السماوات وأهل الأرض جنهم وإنسهم وملائكتهم بالضعف، قال: كذلك إذ جيء يء بجهنم فيراها الخلق كلهم يقال: من مسيرة خمس مائة عام، عليها سبعون ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك يحبسونها عن الخلائق، وجوههم كالجمر، وأعينهم كالبرق، فإذا تكلم أحد تناثر من فيه النار، بيد كل ملك مرزبة، عليها سبعون ألف رأس
فبينما
(1)
هم
سورة الكهف، الآية: 47. (2) سورة الأنعام، الآية: 38. (3) سورة مريم، الآية: 68. (4) سورة الفجر، الآية: 22. (0) سورة الفجر، الآية: 22. (3/499)
صفحة 1356
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
كأمثال الجبال، وهي أخف في يده من الريش له رؤوس كرؤوس الأفاعي، وأعينهم زرق تريد أن تنقلب على الخلائق من غضب الله عز وجل قال: هذا كله قول الصحابة.
على من
وفي كتاب الغزالي (1) قال: فيقول الجبار جل جلاله عند ذلك: يا جبريل ائت بجهنم فيأتيها فيقول لها أجيبي خالقك، فلم يلبث أن طارت وزفرت إلى الخلائق غضباً الله، على من عصى فيسمع الخلائق منها ذلك، وانتفضت خزنتها متوثبين إلى الخلائق غضباً خالف أمر الله، فيتساقطوا جثياً على ركبهم، وولوا مدبرين، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة. .. ) (2) الآية، وسقط بعضهم على بعض على الوجوه منكسين، وينادي الظالمون بالويل والثبور، وينادي الصديقون نفسي نفسي، فبينما هم كذلك إذ زفرت النار ثانية فتساقطوا على وجوههم، ثم زفرت ثالثة فتساقطوا على وجوههم أيضاً، وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفي - فعند ذلك تنتهض قلوب الظالمين لدى الحناجر كاظمين، وذهلت عقول السعداء والأشقياء أجمعين.
ويقال إذا اجتمعت الخلائق ببيت المقدس زفرت جهنم فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ظن أنه لو جاء بعمل سبعين نبياً ما نجا ـ فعند ذلك تاهت عقول المرسلين ـ فيقال لهم: ماذا أجبتم في التوحيد قالوا لا علم لنا - ثم رجعت عقولهم بعد ذلك ـ فيشهدون على قومهم أنهم قد بلغوا الرسالة عن ربهم، فذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ .... ) (3) الآية.
صفة الحساب والمسائلة
وفي الخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ينادي مناد يوم القيامة: سيعلم الجمع لمن الكرم اليوم؟ ليقم الحامدون الله على كل حال فيقومون ويسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: سيعلم الجمع لمن الكرم اليوم؟ ليقم الذين تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ .... ) (4) الآية فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: سيعلم الجمع لمن الكرم اليوم؟ ليقم الذين لاً
(1) هو الإمام أبو حامد الغزالي حجة الإسلام صاحب الإحياء الذي اعتمد المصنف في قناطر الخيرات على هذا الكتاب بجانب كتاب النقاش وابن عيسى وبعض الكتب الأخرى التي ذكرها المصنف في أماكن
متفرقة من الكتاب. (2) سورة الجاثية، الآية: 28. (3) سورة هود، الآية: 18. (4) سورة السجدة، الآية: 16. (3/500)
صفحة 1357
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
501
تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .... (1) الآية، قال: فيسرحون إلى الجنة، قال: ثم يخرج عبق من النار - لها لسان فصيح وعينان بصيرتان فتشرق على الخلائق - فتقول: إني وكلت بثلاثة: وكلت بكل جبار عنيد فتلقطهم لقط الطير حب السمسم فتخنس بهم في جهنم، ثم تقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فتلقطهم فتخنس بهم / في جهنم، ثم تقول: إني [547]
وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم إلى جهنم فإذا أخذ هؤلاء نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب، وذلك قوله تعالى: {فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلْنَ الْمُرْسَلِينَ .... ) (2) الآية.
ويقال: إن أول من يدعى يوم القيامة للحساب إسرافيل فيقول له الله: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد بلغت جبريل، فيقال له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم - فيخلا عن إسرافيل - فيقال لجبريل: وما صنعت بعهدي؟ فيقول: قد بلغته الرسل فتدعى الرسل فيسألون - ويقولون: نعم قد بلغناه الأمم - فتدعى الأمم فيسألون ـ فمكذب ومصدق، فيقول الرسل لنا عليهم شهداء، فيقول تعالى: من؟ - وهو أعلم ـ فيقولون: أمة محمد - فتدعى الأمة - فيقال لهم: أتشهدون بأن الرسل بلغت الأمم؟ فيقولون: نعم، فيقول الأمم: يا ربنا كيف يشهدون علينا ولم يدركونا؟ فيقول الله لهم ذلك، فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً، وأنزلت عليه كتابك، فقصصت علينا أن قد بلغوا، وذلك قوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ .... ) (3) الآية، وقوله: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين، وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (4)، وقال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِين) (5)
وعن
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا عذب قالت: قلت يا رسول الله: أليس قال: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) (6)؟، قال: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب إلا عذب»، وقيل: النقش هو الاستقصاء، ثم قال: «أبشروا فإنه ما استقصى كريم قط».
(1) سورة النور، الآية: 37.
(2) سورة الأعراف الآية: 6.
(3) سورة البقرة، الآية: 143.
(4) سورة الحجر، الآية: 92. سورة الأنبياء، الآية: 47.
(0)
(1)
سورة الانشقاق، الآية: 7. (3/501)
صفحة 1358
[548]
[549]
502
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وفي الحديث: لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسئل عن خمس: / عن عمره وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن ماذا عمل فيما
فيما أفناه؟
علم»؟
وعن الحسن بن محمد قال يحاسب الله المسلمين بالمنة والفضل، والكفار بالحجة والعدل، ولبعض الشعراء:
يوم
جمع
تسربل شوب الحلم واعرض عن الجهل وبادر بتقوى الله ما دمت في المهل تذكر غداً. الحساب وهوله إذا. الله الخلائق للفصل هنالك لا جور يخاف وإنما يخاف هناك الخائفون من العدل وقال بعض العلماء في قوله تعالى: وإن تدع مثقلة إلى حملها .... الآية، قال: هي الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني ألم يكن بطني لك وعاء؟ وثديي لك سقاء؟ فيقول: بلى يا أماه فتقول: يا بني لقد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنباً واحداً، فيقول: إليك عني يا أماه إني اليوم عنك مشغول، وينشد لابن عبد ربه:
يا ويلتا من موقف مابه أخوف من أن يعدل الحاكم
ارز الله
بعصيان
يا رب غفرانك عن مذنب
لي من دونه راحم
ـرف إلا أن
وعن ابن مسعود قال: وددت أن حسناتي فضلت سيئاتي مثقال ذرة، ولو أني وقفت بين الجنة والنار، لا أدري إلى أيهما أصير؟ ثم قيل: تمن لتمنيت أن أكون تراباً.
صفة الصحف
يوم
وعن النبي عليه الصلاة والصلام) قال: الكتب يوم القيامة تحت العرش، فإذا كان القيامة بعث الله ريحاً فتطيرها في الأيمان والشمائل (1). وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بيمينه ... ) (2) الآية.
وعن بعض السلف قال: أول خط في الكتاب إقرأ كتابك. . . . / الآية، ويقال:
سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً.
(1) الحديث عند العقيلي في الضعفاء (466/ 4).
(2) سورة الانشقاق، الآية: 7. (3/502)
صفحة 1359
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
503
وقال بعض العلماء: ثلاثة مواطن لا يسأل فيها أحدٌ أحداً إذا تطايرت الكتب حتى يعلم
أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله؟، وإذا وضعت الموازين حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وعند الصراط حتى يعلم أيجوز أم لا؟
وفي التفسير قال: إذا كان الرجل في الخير رأساً يدعو إليه دعي باسمه، واسم أبيه، فيخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه الحسنات، وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك، وقد غفرت لك فيفرح، ثم يقلب الكتاب فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحاً، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه حسناتك، وقد ضوعفت لك، ويوضع تاج على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى منه كل مفصل، ويطول ستين ذراعاً ـ وهي قامة آدم عليه السلام ـ فيقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فإذا أدبر قال: {هَاؤُمُ اقْرَوا كِتَابَيَة .... (1) الآية، فيقول لأصحابه: أما تعرفونني؟ فيقولون: غيرتك كرامة الله من أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا قال: وإذا كان في الشر رأساً يدعو إليه نودي باسمه واسم أبيه، فيقوم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في ظاهره الحسنات، وفي باطنه السيئات فيبدأ بالحسنات فيقرأها فيفرح ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ في آخره وجد فيه هذه حسناتك وقد ردت عليك فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه ويقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً، ولا يزداد وجهه إلا سواداً، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك / فيعكر، وتزرق عيناه ويسود وجهه ويكسى سرابيل القطران فيقال له: انطلق [550]
،
،
إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل ذلك، فإذا أدبر فينطلق وهو يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَة .... (2) الآية، فينادي أصحابه أما تعرفونني؟ فيقولون: ما ندري ولكن قد نرى ما بك من الحزن من أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان إن لكل إنسان منكم مثل هذا
والله أعلم.
صفة الحوض
،
وعن النبي عليه السلام قال: حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب
من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبداً.
(1) (2)
سورة الحاقة، الآية: 19.
سورة الحاقة، الآية: 25. (3/503)
صفحة 1360
504
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وفي حديث آخر قال: «ألا إن لكل نبي حوضاً يدعو إليه من عرفه من أمته، وإنهم ليتباهون من هو أكثر، وارده ما بين جنبتي حوضي كما بين صنعاء وأيلة، فيه عدد نجوم السماء، آنيته ذهب وفضة شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً (1).
وقال: «ما بين منبري وحوضي روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (2).
صفة الميزان
وعند علمائنا
رحمهم
الله إن الميزان معناه فصل وتمييز للأعمال والنيات، قال الله
تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ (3)، وقالت الأشعرية وأشياعها: إن الميزان المذكور في القرآن هو ميزان على الحقيقة له عمود وكفتان ورووا أن الحسنات يؤتى بها في أحسن صورة فتوضع في كفة، وأن السيئات يؤتى بها في أقبح صورة فتوضع في كفة أخرى، ـ وهذا عند أصحابنا باطل؛ لأن الأعمال أعراض ولا يتصور وزن ما ليس صورة ـ والله تعالى أعلم.
صفة الصراط
قال الله تعالى: {فَاهُدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (4)، قالت الأشعرية: إن الصراط أحد من السيف، وأرق من الشعر، له كلاليب وحسكا، وخطاطيف تخطف الناس يميناً وشمالاً، [551] / وعلى جنبيه ملائكة يقولون: اللهم سلم اللهم سلم.
ولم يقل أصحابنا بهذا إنما الصراط المستقيم عندهم طريق الإسلام، ولا أدري قول الله تعالى: (صِرَاطِ الجحِيمِ)، أهي القناطر السبع المذكورة في تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (1)، أم لا؟
(1)
قال الحافظ العراقي في المغني (165/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وقال: غريب، قال: روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي مرسلاً ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (404/ 1) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة
وعبد الله بن زبير.
(3) سورة الأعراف الآية: 8. (4) سورة الصافات، الآية: 23. (5) سورة الصافات، الآية: 23. (6) سورة الفجر، الآية: 14. (3/504)
صفحة 1361
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
505
وفي كتاب النقاش من فقهاء قومنا قال: حدثنا أيفع بن عبيدة وأبو اليمان قال: إن لجهنم
من
سبع قناطر ثلاثة دون الرب تعالى والله تعالى على الرابعة الوسطى، والصراط أحد السيف، وأرق من الشعر، فيقول الله تعالى حين يبلغون القنطرة الأولى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ) (1) فيحاسبون على الصلاة، فيهلك من هلك، وينجو من نجا، ثم يحاسبون على القنطرة الثانية على الأمانة، ثم يحابسون على الثالثة وهي أدنى من الرب، فيحاسبون على صلة الرحم فيهلك من هلك، وينجو من نجا، فيمرون بالرب فيؤخذ بالنواصي والأقدام، وهذا منهم تصريح للتحديد تعالى الله أن. يحده مكان قاتلهم ا الله أنى يؤفكون.
ما جاء في القصاص
عن ابن مسعود عن النبي عليه السلام قال: أول ما يقضى بين الناس في الدماء» (2). وعنه أنه قال: «من كانت له عند أخيه مظلمة فليحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن تؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته فطرحت
عليه» (3).
وعنه قال: ليحبسن أهل الجنة بعد أن يجاوزوا الصراط، ولم يدخلوا الجنة حتى يؤخذ لبعضهم من بعض مظالمهم التي تظالموها في الدنيا، فيدخلون الجنة، وليس في قلب بعضهم على بعض غل (4) ـ والله أعلم.
في الشفاعة
وهو حق نطق بها القرآن، وذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: عَسَى أَنْ يَبْعَتُكَ رَبَّكَ مَقَامَاً مَحْمُوداً) (5)، وقال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ (1)، في أمثال هذه
الآي كثير.
(1) سورة الصافات، الآية: 24.
(2) أطراف الحديث عند البخاري (319) مسلم في القسامة (28) والنسائي (84/ 7) والبيهقي (21/ 8) والطبري في التفسير (234/ 10) والمنذري في الترغيب (292/ 3) وابن كثير في التفسير (332/ 2) وأبو نعيم في الحلية (87/ 7، 88) وابن حجر في الفتح (395/ 11، 187/ 12). (3) قال الحافظ العراقي في المغني (240/ 3) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (4) أخرجه الحاكم في المستدرك (372/ 4) من حديث أبي سعيد وقال: (5) سورة الإسراء، الآية: 79.
(6) سورة البقرة، الآية: 255.
صحيح. (3/505)
صفحة 1362
506
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
والشفاعة عند أصحابنا / إنما هي للمؤمنين دون أهل الكبائر لقوله عليه السلام: «لا ينال شفاعتي سلطان ظلوم غشوم للناس ورجل لا يراقب الله في اليتيم. وقال: (صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي وهما ملعونان على لسان سبعين نبياً القدرية
والمرجئة (1).
وعند قومنا أنها ثلاث شفاعات فيما وجدت في كتبهم أحدها: شفاعة المحشر، والثانية: للسبق إلى الجنة والثالثة لأهل الكبائر الموحدين يخرجون بها من النار عندهم
وأحاديث الشفاعة مستفيضة في الكتب وصفتها مشهورة تركنا جميع ذلك مخافة التطويل.
وهي
عند أصحابنا في الحساب بعد طول مقام على أرجلهم، وبعد أن بشر أصحاب الإيمان وأخذوا كتبهم بأيمانهم فشفع لهم، حتى أراحهم الله من الموقف، وهي تشريف لمنازلهم، وترفيع لدرجاتهم؛ لأن من أوجب له القرآن الخلود في النار لا شفاعة له، واختلف في أصحاب الأعراف قيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقيل: قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم واستشهدوا وقيل: قوم فيهم عجب، وقيل: ذراري المشركين، ومعنى الأعراف جبل فيه أشراف متفاوتة كعرف الديك وهو الحجاب الذي قال الله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) (2) وهم أهل الجنة. (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُم تَحْزَنُونَ) (3) والله
أعلم.
صفة جهنم - أعاذنا الله منها -
قال الله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لموعِدَهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ .... (4) الآية. قيل: هي دركات جهنم بعضها أسفل من بعض كل باب منها أشد حراً من الذي فوقه جزءاً، بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم
بسبعين الجحيم ثم الهاوية ثم سقر.
(0)
وفي كتاب النقاش قال: معنى جهنم / الواسعة الجوف قال: وأبواب النار كلها فيها،
(1) أطراف الحديث عند الهيثمي في مجمع الزوائد (235/ 5) والألباني في الصحيحة (471).
(2) سورة الأعراف الآية: 46.
(3) سورة الأعراف، الآية: 46.
(4) سورة الحجر، الآية: 43.
(5) سبق الكلام عنه ونشير هنا إلى أنه أحد العلماء الذين أخذ المصنف منهم أبواب كتابه قناطر الخيرات.
[552]
[oor] (3/506)
صفحة 1363
قنطرة الاجتهاد مخافة
الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
507
اشد
قال: وأما السعير فهي أبداً تسعر وتزداد حراً، وأما لظى فإنها تتلاظى عليهم حراً بعد حر من الأول، وأما سقر فتفسيرها المهينة فيها ألوان من كل ضرب وتقول العرب: سقرته بلساني أي أهنته، وأما الجحيم فذات الجمر العظام، فالجحيم الجمر، وهو جمر أسود ليس لها نور، وأما الحطمة فلا يدخلها الكفار حتى تحطم كل عظمة في جسده ووجهه من ضيقها، وأما الهاوية فهي سجين وسميت الهاوية؛ لأن صاحبها تهوي به أبداً لا يبلغ أسفلها.
وعن النبي عليه السلام قال: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم». قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية قال: فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءاً كلهن مثل حرها (1).
وعن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إذ سمعنا وجبة فقال: «أتدرون ما حجر أرسل في جهنم. سبعين خريفاً فالآن حين ينتهي
هذه؟ قلنا: الله ورسوله قال: «هذا
إلى قعرها» (2).
منذ
وقال أيضاً: «أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت فأوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم
داء مظلمة». أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سود
وعنه عليه السلام قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لي بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهريره (3).
وعنه عليه السلام قال: «إن أهون أهل النار عذاباً رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم (4).
وعن ابن مسعود في قوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) قال: نهر في جهنم يسيل من صديد
أهل النار.
وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَالْشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ / فِي الْقُرآنِ) قال: الزقوم إذا [554]
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (313/ 2) والحاكم في المستدرك (593/ 4) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (513/ 10) والمتقي الهندي في الكنز (39477، (39497)، والعجلوني في كشف الخفا (450/ 2) والسيوطي في الدر المنثور (36/ 1).
(2)
قال الحافظ العراقي في المغني (167/ 5)، طبعة دار الحديث: رواه مسلم. (3) قال الحافظ العراقي في المغني (168/ 5) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (4) قال الحافظ العراقي في المغني (167/ 5) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث النعمان بن بشير. (3/507)
صفحة 1364
0.1
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فانسلخت وجوههم، حتى لو أن ماراً مرّ عليهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فإذا أكلوا منها ألقى عليهم العطش استغاثوا فأغيثوا بماء كالمهل، والمهل الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم أنضج حره الوجوه، ويصهر به ما في بطونهم أراد الأمعاء، فيضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على
حياله فيدعون بالثبور.
(1).
وعن أبي هريرة قال: لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لماتوا، وقال بعض أهل العلم في قوله تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ (1) إنها تلفحهم لفحة واحدة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن دلوا من غساق جهنم ألقي في الدنيا لنتن أهل الأرض فهذا شرابهم إذا استغاثوا من العطش (3). وقال تعالى: {لَاكِلُونَ مِنْ شَجَرٌ مِنْ زَقُومٍ (3). ثم بينها فقال: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمُ .... ) إلى قوله: {لَشَوْباً مِنْ حميم (1).
(4)
وعن النبي عليه السلام قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لفسد عن الناس معايشهم فكيف من يكون طعامه ذلك (5). وقال عليه السلام: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع فيستغيثون فيغاثون بطعام ذا غصة فيذكرون أنهم يجبرون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيدفع لهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا أدنت من وجوههم شوت وجوههم. قال: «فيدعون خزنة جهنم أَنْ أَدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ) فيقولون: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ [000] بِالْبَيِّنَاتِ .... (1) الآية. / فيقولون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فيجيبهم: (إِنَّكُم
(1) سورة المؤمنون، الآية: 104. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (168/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال: إنما نعرفه من
حديث رشد بن سعد وفيه ضعف.
(3) سورة الواقعة، الآية: 51.
(4) سورة الصافات، الآيتان: 64، 68.
(5) قال الحافظ العراقي في المغني: (169/ 5): أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح وابن ماجه.
(6) سورة غافر، الآيتان: 49، 50. (3/508)
صفحة 1365
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
0.9
مَا كِثُونَ) (1) (2). فيقولون: ادع ربكم لا أحد خير من ربكم فيقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا .... إلى قوله: {فَإِنَّا ظَالِمُونَ قال فيجيبهم اخْسَؤوا فِيهَا وَلَا تُكَلِمُونَ) (3) فعند ذلك أيسوا من كل خير فأخذوا في الزفير والحسر والعويل».
وقال عليه السلام في قوله تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيفه. ... (4) الآية. قال: يتكرهه فإذا أدنى منه سوى وجهه [ووقعت] (5) فروة رأسه (6).
وقال عليه السلام في النار حيات كأمثال أعناق البخت تلسع اللسعة فيجد حمتها أربعين خريفاً (7).
وقال: «إن فيها العقارب كالبغال الموكفة يلسع اللسعة فيجد حمتها أربعين خريفاً». وقال عليه السلام ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد وغلظ جسده مسيرة ثلاثة أيام وإن شفته السفلى ساقطة على صدره والعليا قالصة قد غطت وجهه (8)
وقال عليه السلام: «إن الكافر ليجر في سجين (9) يوم القيامة (10).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (169/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من رواية سمرة بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، قال الدارمي: والناس لا يعرفون هذا الحديث، وإنما روي عن الأعمش عن سمرة بن عطية عن شهر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال المحقق: وشهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام كما قال الحافظ في التقريب، وذكر الألباني في ضعيف الجامع
(6461) وقال ضعيف.
(2) أسقط المؤلف قول الأعمش من السياق وهي [قال الأعمش: أنبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك لهم ألف عام قال] ولعله من الناسخ. سورة المؤمنون، (الآيات: 106، 107، 108).
(3)
(4) سورة إبراهيم، الآية: 17.
(0) جاءت في الأصل ورقت) وأثبت ما في المغني.
(v)
(6) قال الحافظ العراقي في المغني (170/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي وقال: غريب. قال الحافظ العراقي في المغني (170/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة عن دراج عن عبد الله بن الحارث بن جزء.
(8) قال الحافظ العراقي في المغني (170/ 5) طبعة دار الحديث: رواه مسلم.
(9) جاء بهامش المخطوط ليجر لسانه» وكتب فوقها حرف (خ).
(10) جاء الحديث بلفظ: «إن الكافر ليجر لسانه فرسخين يوم القيامة يتواطؤه الناس، في المغني ولعله هنا خطأ من الناسخ. وقال الحافظ في المغني (171/ 5) أخرجه الترمذي من رواية أبي المخارق عن ابن عمر
وقال: غريب وأبو المخارق لا يعرف. (3/509)
صفحة 1366
01.
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
قال الحسن في قوله تعالى: كُلَّمَا نَضَجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (1). قال:
تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فيعودن كما كانوا. وعن النبي عليه السلام في قوله تعالى: إنا اعتدنا للكافرين سلاسلاً .... الآية قال: ينشاء الله لأهل النار سحابة سوداء مظلمة فيقال لهم: أي شيء تطلبونه فيذكرون بها سحائب الدنيا، فيقولون: يا ربنا الشراب فتمطر هم أغلالاً وسلاسلاً تزيد في سلاسلهم وحميماً تلتهب عليهم (2).
وفي كتاب النقاش في قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلَى ظِلِ ذِي ثَلَاثِ شُعَبْ.
قال: يقال لهم إذا زفرت جهنم زفرة يخرج عنق من النار فيحيط بأهلها ثم تزفر زفرة [556] أخرى ويخرج عنها آخر / فيحيط بهم ثم تزفر ثالثة فيخرج عنها فيحيط بالآخرين فيصير حولهم سراديق من نار فيخرج دخان جهنم فوقهم فيظن أهل النار أنه ظل وأنه سيمنعهم من النار فيساقون كلهم فيستظلون تحتها فيجدونها أشد حراً من السرادق فذلك قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلَاثِ شُعَب (3)، لأنها تتقطع ثلاث قطع لا ظليل ولا يغنى من اللهب لهب السرادق الذي
أحاط
بهم.
وعن الحسن في قوله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً) (4). ويقال: ترصد أهلها كما يرصد الأسد الوحش نزلت في الوليد بن المغيرة ثم ذكر كم يلبثون في النار فلم يوقت لهم، فقال: لاثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (5) أي أزمنة لا يدرى كم عددها، والأحقاب جمع حقب، ويقال: الحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاث مائة وستون يوماً كل يوم منها كألف سنة، وإنما ذكر الأحقاب لأنها أعظم من الأيام ودل على أنها أحقاب بعد أحقاب لا إلى غاية، وفي قوله تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيْتِ} (6).
وفي كتاب النقاش قال: يقال يعرق في اليوم سبع مرات ثم يعاد إلى عذاب يأكل النار
(1) سورة النساء، الآية: 56.
(2) أطراف الحديث عند السيوطي في الدر المنثور (357/ 5) وابن عدي في الكامل للضعفاء (2390/ 6)
والمنذري في الترغيب والترهيب (473/ 4).
(3) سورة المرسلات، الآية: 30.
(4) سورة النبأ، الآية: 21. (5) سورة النبأ، الآية: 23.
(6) سورة إبراهيم، الآية: 17. (3/510)
صفحة 1367
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
011
وتأكله، وهو في النار لباسه النار وعلى رأسه نار وفي عنقه نار وفي كل مفصل منه سبعة ألوان من العذاب، لا يرحم ولا يشفع، ولا يموت أبداً، ولا يعيش ولا معيشة طيبة والله عليه غضبان، والملائكة غضاب، وجهنم غضبي.
ويقال: لما نزلت {فَلا أَقْتَحِمُ الْعَقَبَةَ بكى النبي عليه السلام يوماً وليلة، قال أبو ذر: نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، هلكنا وما هذه العقبة؟ قال: «عقبة كؤد سوداء في جهنم من أسفلها إلى أعلاها مسيرة ألف عام كلما بلغوا إلى أعلاها انزلقوا، وهي جمرة واحدة عليها القياض. / والأفاعي والعقارب تضرب أحدهم الحية بفقارها فيتناثر لحمه على قدميه». [557] قال: فبكى المسلمون فأنزل الله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةَ يا محمد لا ينجو منها إلا من اعتق رقبة أو أطعم في يوم ذي مسبغة يتيماً ذا مقربة. الآية كلها، وقوله: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يعني شدة العذاب، وهو في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه حجر ضخم مثل الجبل العظيم من جبل الكبريت يشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه فتشتعل في وجهه لا يطيق دفعها عنه من أجل الأغلال التي في يديه وعنقه.
(1)
وفي قوله تعالى: {إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ (1) قيل: إذا عاينوا النار شخصت أبصارهم وأخذتهم رعدة من الخوف فشهقوا شهقة زالت قلوبهم من أماكنها فتنتشب في حلوقهم فلا هي تخرج ولا هي ترجع أبداً.
وعن
الضحاك قال: يحشر الكافر وبصره حديد ثم يزرق ثم يعمى والقلب يتقلب في فلا يخرج يستطيع فيثب فيقع في الخمجرة فذلك قوله: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى
جوفه ويريد أن
الحناجر.
وعن محمد بن كعب قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم ا الله تعالى في أربع فإذا كانت الخامسة لم يكلموا بعدها أبداً: يَقُولُونَ رَبَّنَا أَمِتْنَا اثْنتين .... ) (2) الآية. فيجيبهم: ذلِكُمْ بأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ (3). ويقولون: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا). فيجيبهم: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ .... (1) الآية، ويقولون: (رَبَّنَا أَخْرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ .....
(1)
(2)
سورة. ة غافر، الآية: 18.
سورة غافر، الآية: 11.
(3) سورة غافر، الآية: 32.
(4) سورة السجدة، الآيتان: 12، 13. (3/511)
صفحة 1368
[001]
512
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
(1).
الآية فيجيبهم: أَوْلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِّنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ من زَوَالٍ (1). ويقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلُ صَالِحاً .... الآية. فيجيبهم وأَوْلَمْ نُعَمِركم .... ) (2) الآية. ويقولون: ربنا أخرجنا منها ..... الآية فيجيبهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
ولا يتكلمون / بعدها أبداً وذلك غاية شدة العذاب.
وعن زيد بن أسلم في قوله: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا .... ) الآية. قال: جزعوا
(3)
مائة سنة وصبروا مائة سنة فقالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزَعْنَا أَمْ صَبَرْنَا .... (3) الآية. قد ذكرنا طرفاً من أصناف عذاب جهنم على الجملة وتفصيل أنواعها لا نهاية لها، وأعظم الأمور على أهلها من شدة ما يلاقونه من شدة العذاب حسرة فوات نعيم الجنة ورضا الله تعالى عنهم، مع علمهم لأنهم باعوا كل ذلك بشهوة خسيسة ودنيا حقيرة في أيام قصيرة، فنسأل الله تعالى ونتضرع إليه أن ينجينا من غضبه وعذابه ومن فوات ثوابه، والله أرحم
الراحمين.
صفة الجنة وأصناف نعيمها
قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. إلى قوله: (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (1).
وعن علي بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية فقال: إذا وصلوا إلى باب من أبواب الجنة، وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من أحدهما فيذهب ما في بطونهم من أذى وبأس، فيتطهرون من الآخرى فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أشعارهم ولا تشعب رؤوسهم أبداً ثم تستقبلهم الملائكة خزنة الجنة فيقولون لهم: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طبم. 000) الآية. قال: ثم تتلقاهم الولدان فيقولون لأحدهم: أبشر بما أعد الله لك من الكرامة قال: ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به قالت أنت رأيته؟ قال: أنا رأيته بأثري فيستخف إحداهن [559] الفرح حتى تقوم على اسكفة، بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه / فإذا جندل
(1) سورة إبراهيم، الآية: 44.
(2) سورة فاطر، الآية: 37. (3) سورة إبراهيم، الآية: 21. (4) سورة الزمر، الآيتان: 73، 74. (3/512)
صفحة 1369
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
013
اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأصفر من كل لون ثم ينظر إلى سقفه فإذا هو مثل البرق فلولا أن الله عز وجل قدر الا يذهب بصره لذهب، ثم يطأطئ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ثم اتكأ فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ .... ) الآية. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا .... ) الآية. ثم ينادي مناد يحيون فلا يموتون أبداً، ويقيمون فلا يظعنون أبداً، ويصحون فلا يمرضون أبداً.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غرفاً من أصناف الجوهر كله يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها وفيها من النعيم واللذات والسرور ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت». قال جابر: قلت يا رسول الله لمن هذه الغرف؟ قال: لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام قال: قلت يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: «أمتي يطيقون ذلك وسأخبركم. عن ذلك فمن لقي أخاه المسلم وسلم عليه، أو رد عليه السلام فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر فقد أدام بالليل والناس نيام يعني اليهود والنصارى والمجوس (1).
(1) ,
وسئل عليه السلام عن قوله تعالى: {وَمَساكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (2). قال: «قصر من اللؤلؤ في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمرد أخضر في كل بيت سرير على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون / لوناً من الطعام في كل بيت سبعون [560] وصيفة ويعطى المؤمن في كل غداة ـ يعني من القوة - ما يأتي على ذلك أجمع (3).
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (15/ 2) في معنى هذا الحديث أخرجه الترمذي من حديث علي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق: وقد تكلم فيه من حفظه. قال المحقق للإحباء طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي، وأحمد في المسند (156/ 1) وصححه الألباني في صحيح الترمذي
(2)
(2660/ 2)
من حديث علي. سورة التوبة، الآية: 72.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (177/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب العظمة والآجري في كتاب النصيحة من رواية الحسن بن خليفة عن الحسن قال: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين في هذه الآية ولا يصح والحسن بن خليفة لم يعرفه ابن أبي حاتم والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة على قول الجمهور. قلت: إن الحافظ أورد طرف الحديث «قصور من لؤلؤ» والمصنف هنا أورده قصر من اللؤلؤ». قناطر الخيرات/ ج 3/م 33 (3/513)
صفحة 1370
514
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: جنة عدن قصر في الجنة له عشرة آلاف باب على كل باب خمس وعشرون ألفاً من الحور العين.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وترابها زعفران وطينها
مسك (1).
وسئل أيضاً.
عن تربة الجنة قال: «درمكة بيضاء مسك خالص (2) وقوله تعالى:
ويهديهم ربهم بإيمانهم .... ) الآية.
تحتهم
آلاف
معهم
ففي كتاب النقاش قال يهديهم ربهم إلى الفرائض ويثيبهم الجنة بإيمانهم تجري من الأنهار يعني من تحت قصورهم نور في نور قصور الدر والياقوت، وأنهار تجري من تحت غرفهم في جنة النعيم، لا يكلفون فيها عملاً أبداً، ولا تصيبهم مشقة أبداً، دعواهم فيها سبحانك اللهم، قال: فهذا علم بين أهل الجنة وبين الخدم إذا أرادوا الطعام والشراب قالوا: سبحانك اللهم فإذا المائدة وضعت ميلاً في ميل، قوائمها اللؤلؤ ودخل عليهم الخدم من أربعة صحائف الذهب سبعون ألف صحيفة في كل صحفة لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله كلما شبع ألقى عليه ألف باب من الشهوة كلما شبع أتى بشربة تهضم ما قبلها أربعين ويأتون بألوان الثمار وتجيء الطير أمثال: البخت مناقرها وأجنحتها لون وظهورها وبطونها لون، تتلألأ نوراً حتى تقف بين يديه في البيت فرسخ في فرسخ وهي غرفة فيها سرر موضونة الوضين مشبكة وسطها بقبضان الياقوت والزمرد الرطب اللين من الحرير، قوائمه [561] اللؤلؤ، وجناحاه ذهب / وفضة عليه من الفرش مقدار سبعين غرفة في دار الدنيا، لو أن رجلاً وقع من تلك الفرش لم يبلغ قرار الأرض سبعين عاماً، فيأكلون ويشربون، والطير بين يديه وتقول له: يا ولي الله رعيت في روضة كذا وكذا، شربت من عين كذا وكذا، كذا وكذا، فأيتها أعجبته نعتها وقعت على مائدته سبعون ألف لون من الطير ألواناً،
تصطف
وريحي
ونصف شواء فيأكل منها ما أحب ثم تطير إلى الجنة؛ لأنه ليس في الجنة من يموت.
قال: {وَتَحِيتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ. يعني من عند الرب قال: وذلك أنه يأتيه ملك يعني من
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (177/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي بلفظ «ملاطها المسك». وقال ليس إسناده بذلك القوي وليس عندي بمتصل ورواه البزار من حديث أبي سعيد بإسناد فيه مقال ورواه موقوفاً عليه بإسناد صحيح. (2) قال الحافظ العرافي في المغني (177/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أن صياداً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فذكره. (3/514)
صفحة 1371
[562]
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
عند الرب، فلا يصل إليه حتى يستأذن له حاجبه فيقوم بين يديه فيقول: يا ولي الله ربك يقرأ عليك السلام فإذا فرغوا من الطعام والشراب قالوا الحمد لله رب العالمين. وذلك قوله
تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ يعني كلامهم وليس يعني أخر ما يتكلمون به، ولكن آخر ما قبله.
وقوله: جَنَاتِ عَدْنٍ قال الحسن: عدن اسم من أسماء الجنة والجنة كلها عدن
وقوله: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِ بَابٍ. على مقدار يوم من أيام ثلاثة عشرة مرة التحف من الله جنات عدن وعن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن في الجنة شجرة
معهم
يسير الراكب فيه ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم وظل ممدود (1).
قال: وأقبل إليه أعرابي فقال: يا رسول الله وقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال: وما هي؟ قال: السدر فإن لها شوكاً قال: «قال الله تعالى في سدر مخضود يخضد الله شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمر ثم تنقسم الثمرة منها على اثنين وسبعين لوناً من طعام ما منها لون / يشبه الآخر (2).
وروي
أن سليمان رحمه
الله أخذ عوداً صغيراً فقال لجرير بن عبد الله: يا جرير لو طلبت
في الجنة عُوَيداً مثل هذا لم تجده قال: قلت: فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها الثمر، وقال تعالى: {فِيْهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَان.
وذكر عن الحسن قال: نخل الجنة جزوعها من ذهب وسعفها حلل، ورطبها مثل قلال هجر أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وألين من الزبد.
وعن ابن عباس قال: جذوع نخل الجنة ذهب أحمر وكروبها زبرجد أخضر وشماريخها در أبيض وسعفها الحلل ورطبها أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس في شيء منها عجم طول العذق اثنا عشر ذراعاً منضود من أعلاه إلى أسفله أمثال القلال لا يؤخذ منه شيء إلا أعاده الله كما كان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: ثم أعطيت الكوثر فسلكته حتى انفجر بي في الجنة فإذا الرمانة من رمان الدنيا حبة من رمان الجنة».
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (178/ 5) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (178/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه ابن المبارك في الزهد عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر مرسلاً من غير ذكر لأبي أمامة. (3/515)
صفحة 1372
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
قال الحسن: أحسبه قال لا يأكله المنافق وقال تعالى: يحلون فيها أساور من ذهب .... ) الآية.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كضوء النجوم في السماء لا يبصقون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يُرى مخ ساقيها من وراء اللحم لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا».
/ وفي رواية أخرى: «على كل زوجة سبعون حلة (1).
وقال عليه السلام في قوله تعالى: {يُحَلَوْنَ فِيْهَا أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ .... الآية. قال:
إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب (2).
وقال تعالى: (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ أي مجوسات فهي الْخِيَامِ) (3) وهي جمع خيمة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراه الآخرون (4).
وقال ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وقال عليه السلام في قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (5) قال: «ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض (6).
(1) ,
وعن ابن مسعود في قوله تعالى: {ومزاجه من تسنيم قال: يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفا.
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (179/ 5): متفق عليه.
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (179/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد دون
إلا من حديث راشد بن سعد.
ذكر الآية وقال لا نعرفه. (3) سورة الرحمن، الآية: 72.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (179/ 5) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي موسى
الأشعري.
(5) سورة الواقعة، الآية: 34. (6) قال الحافظ العراقي في المغني (179/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه الترمذي بلفظ: «ارتفاعهما كما بين السماء والأرض وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث راشد بن سعد.
[563] (3/516)
صفحة 1373
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
017
وقال أبو الدرداء في قوله تعالى ختامه مسك، قال هو شراب أبيض مثل الفضة يختم به آخر، شرابهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا
وجد طيبها.
:
وعن الحسن عن النبي لو أنه قال: إن أهل الجنة لا يدخلونها كلهم رجالهم ونساؤهم إلا في ثلاثة وثلاثين سنة على طول آدم ستين ذراعاً، لا يبولون، ولا يتمخطون، والنساء عرباً أتراباً لا يحضن، ولا يلدن، ولا ينفخضن، ولا يقضين حاجة ـ يعني ليس فيهن قذر»، وقال: «لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت وملأت ما بينها ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ـ يعني خمارها».
وقال في قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمُرْجَانُ} (1)، قال: «تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين / المشرق والمغرب، ويكون [564] عليها سبعون ثوباً ينفذها البصر حتى يُرى مخ ساقيها من وراء ذلك».
وقال عبد الله بن عمر: إن أدنى أهل الجنة منزلة من كان عنده ألف خادم على عمل ليس عليه صاحبه، وقال عليه السلام: إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمس مائة حوراء، وأربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف ثيب يعانق كل واحدة منهن قدر عمره في الدنيا (2).
النار،
وروي عن الحسن البصري جملة في وصف الجنة فقال: إن رمانها مثل الدلاء، وأنهارها مثل اللبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفى لم تصفه الرجال، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لا تسفه الأحلام، ولا تصدع منه الرؤوس، وإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ملوك ناعمون أبناء ثلاث وثلاثين سنة في سن واحد، وطول أحدهم ستون ذراعاً في السماء كحل جرد مرد قد أمنوا العذاب، واطمأنت وإن أنهارها لتجري على رضراض من ياقوت وزبرجد وإن عروقها ونخلها وكرمها اللؤلؤ، وثمارها لا يعلم علمها إلا الله وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام، وإن لهم فيها لخيار هفافة رحالها وأزمتها وسروجها من ياقوت يتزاورون فيها، وأزواجهم الحور العين كأنهم بيض مكنون وإن المرأة لتأخذ بين أصبعيها سبعين حلة تلبسها، فيرى مخ ساقيها من وراء تلك
(1) سورة الرحمن، الآية: 58.
،
بهم
(2) قال الحافظ العراقي في المغني (182/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين وفي كتاب العظمة من حديث ابن أبي أوفى إلا أنه قال: «مائة حوراء». ولم يذكر فيه عناقه لهن وإسناده
ضعيف. (3/517)
صفحة 1374
018
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
السبعين حلة، قد طهر الله الأخلاق من السوء، والأجساد من الموت لا يتمخطون فيها، ولا يبولون، ولا يتغوطون وإنما هو جشاء ورشح مسك لهم ززقهم فيها بكرة وعشيا، أما أنه ليس لدليل بكر فيه الغدو على الرواح، والرواح على الغدو، وأن آخر من يدخل الجنة أدناهم منزلة، [565] من يمد له في بصره / رة مائة عام في قصور الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ، ويفسح له في بصره حتى ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، يغدى عليه بسبعين ألف صحفة من ذهب، ويراح عليه بمثلها، في كل صحفة لون ليس في الأخرى، يجد طعم آخره كما. يجد طعم أوله، وإن في الجنة لياقوتة فيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألف بيت ليس فيها صدع ولا
ثقب.
مسيره
وعن مجاهد قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يسير في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما
يرى أدناه.
وقال سعيد بن المسيب ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة إسورة سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ.
وعن أبي هريرة قال: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى عن يمينها يسارها سبعون ألف وصيفة وهي تقول: أين الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ وقال عليه السلام لأصحابه: ألا هل مشمر إلى الجنة؟ إن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة كثيرة وزوجة حسناء جميلة في كثرة ونعمة، وفي مقام أبداً، ونظرة في دار عالية بهية سليمة قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: قولوا إن شاء الله ـ ثم ذكر الجهاد وحرض عليه)، ـ وبالله العون
والتوفيق ..
قد ذكرنا من صفة الجنة ما ينبه العاقل على الشوق إليها والتشمر لها، ولا مطمع في تفصيل أصناف نعيم الجنة، إذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والله تعالى أعلم وأحكم وبه الحول والتوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلي اللهم بجلالك على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم الرؤوف الرحيم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، والحمد
بجميع
محامده
(1) أطراف الحديث: الهيثمي في موارد الظمآن (2620) والسيوطي في جمع الجوامع (9085). والسيوطي في الدر المنثور (36/ 1، (187/ 2) وابن كثير (117/ 4، 569/ 6، 408/ 8). والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (548/ 10) والمتقي الهندي في الكنز (1236) والأسماء والصفات للبيهقي (170). (3/518)
صفحة 1375
قنطرة الاجتهاد مخافة
الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
519
ما علمت منها وما لم أعلم - وأنا أستغفر الله تعالى من كل ما زلت به القدم، وطغى به القلم
في كتابنا هذا وغيره من كتبنا.
وإنما ألفناه
من كتب شتى، وأكثره من كتب قومنا امتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام: إقبل الحق ممن جاءك به / حبيباً كان أو بغيضاً، ورد الباطل على من جاءك به حبيباً كان أو [566] بغيضاً (1).
من جميع
فاستخرجت العلم النافع من كل كتاب ولم أهتبل بمؤلفه على خطأ كان أو صواب، ونقلت الحق المفهوم من بين الشوك والسموم، إذ حجة الله على الإنسان فهم الحق وعلمه من أي لغة سمعها ولسان - وبالله التوفيق ـ وأنا أستغفر الله أقوالي التي خالفت أفعالي، وأستغفره من كل نعمة أنعم بها عليّ فتقويت بها على معصيته وأستغفره من كل وعد وعدته من نفسي ثم لم أوف به، وأستغفره من كل علم وعمل أردت به وجهه فخالطه ما ليس له، وأستغفره من كل خطوة وخطرة ونظرة وحركة خالفت ما ليس الله فيه رضا، أو دعانا إلى تصنع ورياء من كتاب ألفناه أو كلام أو علم أو أمر أو نهي أظهرناه ونحن نرجو بعده التوبة والاستغفار أن تشملنا رحمة الله ومغفرته فيما صنفناه وقلنا؛ لأن رحمته واسعة، وكرمه عميم، وجوده على أصناف الخلق فائض - وبالله التوفيق والهداية -
--
قد تم طبع الجزء الثالث من كتاب قناطر الخيرات
بالمطبعة البارونية الكائنة بطيلون بمصر المحمية على ذمة ملتزمه حضرة الأستاذ الشيخ محمد الباروني وشركاه كان الله في عونهم بجاه خير أنبياءه وقد وافق انتهاؤه في جمادى الثانية سنة 1307.
(1) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (43152) من طريق ابن عباس وعزاه إلى الديلمي بزيادة في آخره واردد الباطل على من جاء به من صغير أو كبير وإن كان حبيباً. (3/519)
صفحة 1376
[صفحة فارغة] (3/520)
صفحة 1377
فهرس الموضوعات
القنطرة الحادية عشرة
فصل في ذم النفس والجامها بلجام التقوى
قنطرة النفس
فصل في التقوى
فصل في كيفية إلجام النفس
فصل في المقدمة وذكر الهوى الباب الأول: في ذكر القلب الفصل الأولى: في الأمل وما يتعلق به
فصل في الأمل وهو أحد قواعد الدنيا
الفصل الثاني: في الحرص وبيان الستة خصال التي هي أصل البلاء والشر
بيان القناعة وهي ثلاثة أوجه
بيان الدواء الذي يكسب القناعة وهو خمسة
الفصل الثالث: في ذم الغضب
بيان حقيقة الغضب
فصل فيما يهيج الغضب
فصل في علاج الغضب
فصل في فضيلة كظم الغيظ
فصل في فضيلة الحلم
فصل في آثار واردة في الحلم
فصل في بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي من الكلام
الفصل الرابع: في الحقد ونتائجه من الحسد وغيره باب في فضل العفو (3/521)
صفحة 1378
فهرس الموضوعات
فصل في الحسد حكاية في الحسد فصل في حقيقة الحسد
فصل في بيان المنافسة وأسباب الحسد
فصل فيما ينفي به مرض الحسد عن القلب الفصل الخامس: في ذم البخل فصل في أخبار البخلاء
فصل في علاج البخل
فصل في حكاية ذي القرنين فصل في فضل السخاء
ذكر حكايات الأسخياء
فصل في اختلاف الناس في حد البخل والسخاء
فصل في بيان النوال الذي يقع ابتداء يكون لأسباب صل في بيان الإيثار وفضله
الفصل السادس: في الاستعجال
فصل في فضيلة الرفق
فصل في -
حسن الخلق
الباب الثاني: في اللسان
الفصل الأول: في الكذب وما يتعلق به
الفصل الثاني: في خلف الوعد
الفصل الثالث: في الغيبة الفصل الرابع: في النميمة والسعاية
الفصل الخامس: جامع لجملة من منكرات اللسان
الفصل السادس: في فضول حفظ اللسان
فصل في كتمان السر
فصل في المشورة
فصل في النصيحة
الفصل السابع: في حفظ اللسان على المدح والتمدح (3/522)
صفحة 1379
فهرس الموضوعات
الفصل الثامن: في حفظ اللسان من الاسترسال في المزاح والضحك
فصل في الضحك والفرح
الفصل التاسع: في كف اللسان. عن الشماتة, وعما لا يعنيه
الفصل العاشر: في الصمت وفضيلة الكلام
فصل في فضيلة الكلام
الباب الثالث: في تنزيه السمع
الباب الرابع: في غض البصر
فصل في ضبط الفرج عن الحرام فصل في بيان دواعي الزنا وهي شيئان
فصل في حكايات الأعفاء من الرجال والنساء
الباب الخامس: في حفظ البطن وإصلاحه وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول: في مذمة الحرام
الفصل الثاني: في فضيلة الحلال
فصل في الشبهة وما يتعلق بها
الفصل الثالث: في حد الحرام والشبهة والتناول من الحلال مسألة في جوايز السلاطين في هذا الزمان مسألة في صلاة أهل الأسواق وغيرهم ممن ليس له نظر في المعاملات الفصل الرابع: في الأخذ من الحلال وفيه ثلاث أقسام
فصل في آفات فضول الحلال وهي عشرة آفات فصل في بيان شرط المباح حتى يصير خير وحسنة فصل في بيان الداعي إلى الأكل والشراب وهو شيئان فصل في مراعات الأعطاء الخمسة
الباب الأول: في الرزق وما يتعلق به فصل في بيان أقسام الرزق وهي أربعة
فصل في محل التوكل ومعناه مسألة في معنى التوكل
القنطرة الثانية عشرة
قنطرة العوارض (3/523)
صفحة 1380
الباب الثاني: باب الأخطار التي تخطر على القلب فصل في تفويض الأمور الله تعالى
فصل في بيان موضع التفويض ومعناه وحده وضده
الباب الثالث: باب المصائب والصبر
فصل في بيان أقسام الصبر وهي ستة فصل في دواء الصبر على البلايا
ذكر حكايات متعددة
فصل في بيان شروط الصبر التي تراعى
الباب الرابع: في القضاء والقدر وورود أنواعهما
فصل في بيان الأمور المفروغ منها خير وشر وشقاوة وسعادة
فصل في الجمع بين القضاء والقدر وبين الطلب والحذر فصل في الرقا والتمايم والطب والكي
بيان الأشياء التي تفسد العقل
فصل في بيان ما ورد من النهي عن التصديق بالنجوم والكهانة
فصل في الفأل والطيرة
فصل في الرضا بقضاء الله والتسليم لأمره
الباب الأول: في الخوف
القنطرة الثالثة عشرة
قنطرة الخوف والرجا
فصل في بيان العبادة التي لا تصح لطالبها إلا بشروط الباب الثاني: في الرجاء
فصل اعلم أن الأمر كله يرجع إلى أصل واحد وهو خاتمة العمل فصل واعلم أن الرجاء الحقيقي لا ينفك عن الخوف فصل فإن قيل أليس قد جاءت الأخبار الكثيرة في حسن الظن
فصل ومن تمكن الخوف يكون الحزن فصل في بيان الحزن إذا كثر في القلب واشتد فصل وجملة الأمر أنك إذا ذكرت سعة رحمة الله التي سبقت غضبه
فهرس الموضوعات (3/524)
صفحة 1381
فهرس الموضوعات
القنطرة الرابعة عشرة
قنطرة العبادة
الباب الأول: في فضل القرآن وآداب تلاوته الظاهرة والباطنة الفصل الأول: في فضل القرآن وأهله وذم المقصرين وفيه قسمان
الفصل الثاني: في ظاهر آداب التلاوة وهي عشرة الفصل الثالث: في أعمال الباطن في التلاوة وهي عشرة
الفصل الرابع: في فهم القرآن وتفسيره بالرأي الباب الثاني: في أصناف الأدعية والأذكار والاستغفار الفصل الأول: في الدعاء وأنواعه وآدابه القسم الأول: في فضيلة الدعاء
القسم الثاني: في أدعية منتخبة من القرآن القسم الثالث: في أدعية مستحسنة
القسم الرابع: في أدعية منسوبة إلى الأنبياء والصالحين
بيان دعاء النبي عليه السلام
دعاء أبونا آدم عليه السلام
بيان دعاء الخليل عليه السلام
دعاء عيسى عليه السلام
بيان دعاء الخضر عليه السلام
القسم الخامس: في أدعية مستحسنة عند أوقات مخصوصة وأفعال مخصوصة
القسم السادس: في آداب الدعاء وهي عشرة
الفصل الثاني: في فضيلة الذكر
القسم الأول: في فضيلته على الجملة
القسم الثاني: في فضيلة مجلس الذكر
القسم الثالث: في فضيلة التهليل
القسم الرابع: في التسبيح
الفصل الثالث: في الاستغفار والصلاة على النبي عليه السلام
فصل في فضل الصلاة على النبي عليه السلام
فصل في التفكر والاعتبار
فصل في بيان مجاري الفكر وضبطها بالإضافة إلى الأعمال الدينية والأعمال المكتسبة (3/525)
صفحة 1382
الفصل الأول: في المعاصي والسيئات الفصل الثاني: في الطاعات
الفصل الثالث: في الصفات المهلكات الفصل الرابع: في المنجيات وما يتعلق بها
الفصل الخامس: في التفكر في المخلوقات
فهرس الموضوعات
فصل في ترتيب العبادة على الأوراد والأوقات وبيان أوراد النهار وهي سبعة
بيان أوراد الليل وهي خمسة
بييان آداب النوم وهي عشرة فصل في بيان شروط قيام الليل
الباب الأول: في الرياء وما يتعلق بها
الفصل الأول: في بيان حقيقة الرياء
الفصل الثاني: في مراتب نفي الرياء الفصل الثالث: في الإخلاص
القنطرة الخامسة عشر
قنطرة القوادح في الطاعات
مسألة واختلف أقوال العلماء في معنى الإخلاص
مسألة أيضاً في. معنى الإخلاص وما يتعلق به الفصل الرابع: فيما يورثه الرياء من الخصال المذمومة الفصل الخامس: في إظهار العمل للاقتداء وله حالان الباب الثاني: في العجب وأسبابه وما يتعلق به فصل في أسباب العجب وما يتعلق به فصل فيما ينفي الاعجاب بالعلم والعمل
فصل فيما ينفي به الاعجاب بالرأي الخطأ فصل فيما يقع به الاعجاب من الأسباب الدنيوية فصل في الكبر وما يتعلق به
فصل في معنى الكبر وما يتعلق به فائدة قال بعض العلماء قلّ أن يخلو عالم أو عارف من الكبر فصل فإن قيل فهل سوى العجب والرياء من قادح في العمل (3/526)
صفحة 1383
فهرس الموضوعات
فصل في القوادح المتقدمة من الرياء والعجب وأسبابهما
القنطرة السادسة عشرة
قنطرة الحمد والشكر
فصل في حقيقة الحمد والشكر ومعناهما وحكمهما فصل في الشكر على النعمة من الله تعالى لا يقدر عليه الآدمي فصل في أن الشكر يستفيد به الشاكر خصلتين
فصل فإن قيل فما موضع الشكر
فصل فإن قلت فالشاكر أفضل أم الصابر
فصل فعليك يا أخي ببذل المجهود في قطع هذه القنطرة بيان الأصل الأول الذي عليك به بيان الأصل الثاني أيضاً
فصل فعليك ببذل المجهود حتى تعرف النعمة
القنطرة السابعة عشرة
قنطرة الاجتهاد مخافة. سوء الخاتمة
وذكر الموت والقبر وما بعد ذلك من أمور القيامة
الجملة الأولى: في الاجتهاد والمراقبة
الفصل الأولى: في المشارطة وهذا تشبيه بمشارطة الشريك لصاحبه في التجارة
الفصل الثاني: في المراقبة وما يتعلق بها الفصل الثالث: في محاسبة النفس بعد العمل الفصل الرابع: في معاقبة النفس على تقصيرها الفصل خامس: في المجاهدة وما يتعلق بها الفصل السادس: في توبيخ النفس ومعاتبتها الفصل فعليك أيدك الله بتوبيخ نفسك وحقارة عملك فصل فانتبه من رقدتك أيها الغافل وإلا كنت من الأخسرين الجملة الثانية: في ذكر الموت وأهوال يوم القيامة وفيها جملة فصول
الفصل الأول: في ذكر الموت وما يتعلق به فائدة اعلم أن أنفع دواء للقلب بذكر الموت التفكر
فصل في خروج نفس الميت (3/527)
صفحة 1384
فهرس الموضوعات
ذكر علامات موت السعيد من الشقي الفصل الثاني: في ذكر القبر وما يتعلق به الفصل اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنوناً كاذبة بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد الموت الفصل الثالث: في أشراط الساعة وفيه مقدمة بيان المقدمة في علامات تدل على أشراط الساعة القسم الأول: في طلوع الشمس من مغربها القسم الثاني: في الدجال
القسم الثالث: في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام القسم الرابع: في خروج يأجوج ومأجوج
القسم الخامس: في الدابة
القسم السادس: في الخسوف وغير ذلك
فصل في قيام الساعة
صفة نفخ الصور
صفة النفخة الثانية
والنفخة الثالثة
صفة المحشر وأهواله وأهله
صفة العرق يوم القيامة
صفة الوقوف في المحشر
صفة الحساب والمسألة
صفة الصحف
صفة الحوض وصفة الميزان وصفة الصراط
بيان ما جاء في القصاص يوم القيامة
ذكر الشفاعة يوم القيامة
صفة. أعاذنا الله منها جهنم
صفة الجنة وأصناف نعيمها (3/528)