صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: مرشد الطلاب تلخيص لشرح الشيخ العلامة محمد بن يوسف المصعبي على القصيدة الحائية المسماة تحريض الطلبة للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي النفوسي
المؤلف: أبو رضوان عاشور
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1420ه/ 2000م
الطبعة: د.ط
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4655&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/76
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 جمادى الآخرة 1446ه/ 14 - شهر 12 - 2024م. مرشد الطلاب
تلخيص لشرح الشيخ العلامة محمد بن يوسف المصعبي
على القصيدة الحائية المسماة:
تحريض الطلبة
للشيخ العلامة أبي نصر فتح بن نوح الملشائي
رحمهم
الله جميعاً
إعداد
أبو رضوان عاشور
مكتبة الاستقامة
مسقط (1/1)
صفحة 2
تحريض الطلبة (1/2)
صفحة 3
مرشد
تلخيص لشرح الشيخ العلامة محمد بن يوسف المصعبي
على القصيدة الحائية المسماة:
تحريض الطلبة
للشيخ العلامة
أبي نصر فتح بن نوح الملشائي الله جميعاً رحمهم
إعداد أبو رضوان عاشور
مكتبة الاستقامة
مسقط (1/3)
صفحة 4
الناشر: مكتبة الاستقامة - مسقط 1420 هـ ـ 1999/ 2000 م (1/4)
صفحة 5
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد:
قصيدة «تحريض الطلاب للشيخ العلامة فتح بن نوح الملشائي جاءت في مائة بيت على وزن البحر السريع، وتفعيلاته:
مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن
صاحب هذه القصيدة عالم جليل أشبع إيماناً وورعاً وزهداً، ورأى العزلة أنفع له في مجتمع تناوشه الجهلة من الناس وأصحاب النفوس المريضة والشهوات العريضة.
فكان في قصيدته هذه يدعو طلاب العلم إلى التمسك بالعلم والاغتراف من ينابيعه. ففيه الأنس والطمأنينة والسعادة. وقد رأى الناس في هذه الدنيا التي تلفها ظلمات الجهل من كل جانب إما آكلاً أو مأكولاً، وإما صقراً يفترس أو طائراً ضعيفاً يقتنص، وأرجع ذلك كله إلى الجهل الذي استحكم في قلوب الناس وأفسد الطبائع فحادوا عن نهج الاستقامة واستطابوا اللهو واللعب ومالوا مع النفس حيث تميل.
وزاد القصيدة رونقاً وبهاءً شرح العلامة الشيخ محمد بن يوسف المصعبي عليها فقد تناولها بالبيان والشرح بطريقة مبسطة وسهلة وسلسة لتصل إلى طلاب العلم بيسر. (1/5)
صفحة 6
ولما اطلعت على الكتاب رأيت أن ألخصه خدمة للطلاب، وإسهاماً مني في حسن توجيههم ونزولاً عند رغبة مشائخنا الكرام الذين طلبوا مني ذلك وشجعوني عليه فجزاهم الله كل خير.
هذا .. وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به شبابنا الذين هم في حاجة ماسة إلى النصائح الغالية والتوجيهات الرشيدة الصادقة والله من وراء القصد.
أبو رضوان عاشور بن يوسف
مسقط ربيع الأول 1419 هـ (1/6)
صفحة 7
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين الحمد لله ملهم العوارف والهادي إلى حقائق المعارف وواهب حياة العالمين ورافع درجات العالمين، والصلاة والسلام على خير بريته وخليقته محمد وعلى آله خير آل، وعلى جميع من حذا حذوه من الأصحاب ومن تبعهم بالإحسان إلى يوم المرجع والحساب.
وبعد .. فهذا اختصار لشرح العلامة الشيخ محمد بن. يوسف بن محمد المصعبي لقصيدة الشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملشائي الملقبة بتحريض ((الطلبة المشهورة عند الأصحاب بين الخاص والعام.
قال الناظم - رحمه الله تعالى -:
1 ـ الحمد لله على ما أتاح من أنعم أو نقم قد أزاح
الحمد: الوصف بالجميل على الجميل الاختياري، صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من الجوارح إلى ما خلق لأجله.
أتاح: قدر.
أزاح: أزال.
أصف الله تعالى بالثناء الجميل لأجل ما قدره من النعم وما أزاحه وأزاله من النقم، فهو مرادف للشكر لأنه في مقابلة النعمة. (1/7)
صفحة 8
والحمد في مقابلة النعمة شكر، وهو واجب بمعنى أنه يثاب عليه ثواب الواجب.
2 ـ أحمده حقاً وأشكره على الآلاء الظاهرات الوجاح
الشكر: فعل ينبيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً.
الآلاء: النعم.
الظاهرات:: المنكشفات.
الوجاح: الأستار.
أحمد الله تعالى على النعم الظاهرة الواضحة، المنكشفة أستارها ونعمه سبحانه على خلقه لا تحصى {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [سورة النحل الآية: 18] منها ما هو عام كالحياة، وهي أولها والعقل هي أشرفها، وصحة البدن، وسلامة الآلات، وسعة الأرزاق ومنها ما هو خاص كالإسلام والتوفيق للطاعة والجنة.
3 ـ والصلوات الطيبات على نبيه أحمد زين البطاح
زين البطاح: ج: أبطح وهو في الأصل المكان المتسع فيه دقاق الحصا ومنه أبطح مكة.
والمراد هنا جميع الأمكنة التي يحل فيها فيحصل لها الشرف والفضل لأن الأمكنة والأزمنة تتشرف بمن يحل فيها من أهل الفضل.
4 ـ ثم الرضا عن أهل قدوتنا أئمة الدين نجوم الفلاح
الرضا: معناه التجاوز وعدم السخط، أي من الله تعالى الرضا والمغفرة والتجاوز عن أهل قدوتنا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (1/8)
صفحة 9
أئمة الدين: جمع إمام، وهو المقتدى به والمتبع. نجوم الفلاح: النجم هو الكوكب المضيء بالليل، والفلاح ضد الغي.
إن أئمتنا المذكورين من الصحابة والتابعين لهم، وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا يهتدى بهم فيما يوصل إلى المقصود من السعادة الدينية كما يهتدى بالنجوم في الأسفار في البحر والبر وغير ذلك.
ه ـ وبعد حيي الله حزب الهدى تحية تحكي محيا الصباح
حيى: فعل ماض القصد منه الدعاء لحزب الهدى، ويطلق بمعنى التحية والسلام.
الحزب الجماعة.
الهدى ضد الغي.
معناه: تشابه محيا الصباح ومحيا الوجه، وشبه به في أول النهار؛ لأن أول ما يبدو ويظهر من الشخص المقبل إليك الوجه، وشبه به التحية في الوضوح والإنارة.
6 ـ يعبق رياها كنشر الشذا كالمسك ضوعا ومتى صين فاح
عبق به الطيب لزق به.
الريا: الرائحة الطيبة.
الشذا المسك ورائحته.
المسك: دم ينعقد في حيوان دون الظبا قصير الأرجل بالنسبة للأيدي له نابان معكوفان إلى الأرض، وقرنان في رأسه يتعوجان إلى ذنبه، شديد البياض فيها منافس يستنشق منها الهواء عوض المنخرين. (1/9)
صفحة 10
الضوع الحركة. أي تحرك المسك وانتشرت رائحته.
صين: مبني للمفعول أي حفظ وخبئ.
فاح: ظهرت رائحته.
وبعد الحمد والصلاة فأسأل من الله سبحانه تحية وسلاماً على حزب الهدى، وهو مذهب الحق والمراد أهله ظاهرة واضحة متشابهة في الوضوح والظهور لأول النهار، وتفوح رائحتها
کفوحان رائحة المسك في ظهور رائحته إذا خبئ وأظهر.
ـ أهلا بذكراهم وسهلاً بهم ومرحبا بالقسمات الوضاح
أهلاً: أي صادفت أهلاً لا غرباء.
سهلاً: أي صادفت سهلاً لا صعباً.
مرحبا من الرحب وهو الوسع.
القسمات: ج: قسامة، يطلق على الوجه وعلى الحسن. أهلاً ومرحباً وسهلاً بحزب الهدى وهم أهل مذهبنا الواضحين الوجوه المشهورين في الهدى والصلاح اشتهار واتضاح بياض الصبح.
إن ازدواج العقد مستحسن ووسط العقد جمال الوشاح العقد: بكسر العين القلادة، وهي خيط تنظم فيه اللآلئ وتعلق
في العنق. الازدواج: المقارنة
بين تلك اللآلئ، وضم كل إلى ما يناسبه.
الوشاح بالضم والكسر كرسيان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوفان أحدهما على الآخر. أو أديم عريض يرصع بالجوهر فتشده المرأة بين عاتقها وكشها (وهو ما بين
الخاصرة والضلوع. (1/10)
صفحة 11
تشبيه طلبة العلم عند حضور درس العلم وإدارتهم على العالم بالوشاح والعقد بجامع الحسن في الترتيب والإدارة. وأراد
بوسط العقد المعلم؛ إذ به يتم حسن المجلس وجماله.
9 - وصنعة الخاتم أعجوبة والفضل للفص لدى الالتماح الفص: ما يركب في أعلى الخاتم من حجر الياقوت وغيره. لمح: أبصر بنظر خفيف.
10 - إشارة يلمحها ذوالنهي ما أبين الصبح إذ هو لاح ذو النهى: ذو العقل بفهم دقيق واعتبار لطيف.
شبه المصنف طلبة العلم أهل حزب الهدى، وهو مذهب الحق، بخاتم في الحسن والدوران حين إدارتهم على الشيخ لأخذ العلم منه.
وشبه الشيخ الذين أحاطوا به بالفص في العلو والحسن.
11 ـ تهتز أعطافي إليهم هوى لكنني عنهم مهيض الجناح
تهتز: تتحرك وتشتاق.
أعطافي: جوانبي.
هوى محبة.
مهيض: مكسور.
تتحرك جوانبي إلى زيارة الإخوان من أهل حزب الهدى الكائنين في البقاع البعيدة من نحو عمان وبني مصعب وجربة مثلاً وغيرها من بلدان أهل الدعوة لمحبتي لهم، ولكن لا أستطيع ذلك لما بي من الموانع المذكورة وغيرها المانعة لي من الانتقال إليهم.
هذا في زمان فيه بقية من الخير وقوة في أهله؛ إذ كان في (1/11)
صفحة 12
الخمسين الأول من القرن السابع فكيف حال في آخر من كان القرن الثاني عشر الذي انقطعت فيه الزيارة للأحياء والأموات، وانقطع العلم وأهله.
12 ـ إن أقعدتني عنهم زمن في من الود إليهم مراح الآفة التي تحل بالحيوان فتمنعه السعي.
زمن: جمع
زمانة: وهي
النشاط المراح: والفرح والود والحب.
إن أقعدتني ومنعتني عن زيارة حزب الهدى حيثما قطنوا وكانوا، الآفات الحالة بي، المانعة لي من النهوض إليهم والزيارة لهم، فعندي من الحب لهم نشاط، والمرء مع من أحب.
13 ـ أكرم بحزب وبمحضرة تقطف أزهاراً لكتب فصاح
الحزب: الجمع، وكذلك المحضرة.
القطف: جني الثمار وأخذها من الأشجار.
الأزهار: ج: زهر وهو نور النبات.
ما أكرم وأحسن مجلساً يجتمع فيه أهله لحفظ العلوم ودراستها وأخذها من الكتب الصحاح الشبيهة تلك العلوم بالأزهار التي لها رائحة طيبة تستطيبها النفس وتلتذ بها.
14 - لولاهم إذهم مصابيح الدجى نادى عميد الجهل فيحي فياح
لولاهم: لولا وجودهم.
ناد: الأصل لنادي.
المصابيح: ج مصباح، وهو ما يقاد ليلاً للإضاءة به.
الدجى: ظلام الليل.
فيحي فياح: اتسعى اتساع.
لولا العلماء المبينون للدين بالتأليف والتعليم والتبيين للناس (1/12)
صفحة 13
والحث منهم على المتعلمين والمبالغة في النصيحة لهم لنادى عميد الجهل بقوله: فيحى فياح بمعنى أتسعى اتساع.
وهذا الكلام بتمامه كناية عن انتشار الجهل وإشاعته في الناس.
15 ـ أحيوا علوم الدين من بعد ما كادت لتذرها هبوب الرياح أحيوا من الحياة ضد الموت وإحياء علوم الدين تعلمها وتعليمها لغيرهم وتدوينها في الكتب لتبقى لمن بعدهم.
إن أئمتنا -رحمهم الله ـ قد أحيوا علوم الدين بالتعلم
والتعليم والتدوين لها وبيان ما هو الصحيح منها والفاسد، ولولا ذلك لانطمست آثار المذهب وانمحت وصارت بمنزلة الأموات التي بليت أجسادها واختلطت بالتراب وصارت بحيث تثير بها الرياح وتطيرها وتذهب بها في الجو بحيث لا يرى من آثارها شيء.
16 - هم لذة الدنيا وسر الفؤاد وقرة العين وأنس لصاح
اللذة: نقيض الألم.
الفؤاد:: فرحة الفؤاد وهو القلب هنا. سر
قرة العين: ما تسكن إليه العين مما هو محبوب للنفس. أنس: ما تستأنس به النفس ضد الوحشة.
لصاح: أصلها لصاحب. إن أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا تلتذ نفوسنا في الدنيا إلا بذكرهم وأخبارهم، وما كانوا عليه من صحة الديانة وما كابدوا وما قاسوه من المجاهدة في إحياء الدين، وما هم عليه من العبادة والإخلاص، وحرصهم على الهداية (1/13)
صفحة 14
للناس، وما هم عليه من ذلك حاد عن طريقهم القويم وسبيلهم المستقيم، كما نقل عنهم أهل السير. فمن نظر فيها حصل له سرور بهم، ولذة وسكون نفس إليهم لا يوازي ذلك شيئاً من نعيم الدنيا وسرورها إن كان
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن
لهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [سورة ق الآية: 37].
17 - من قام بالإسلام يحي به فهو كمن أحيا قتيل الجراح قام بالإسلام: تكفل بشأنه.
يحي به يثبت ويوجد.
18 ـ كذاك من مات على يديه كقاتل الناس جميعاً كفاح كفاح:: مواجهة.
معنى القيام بالإسلام، القيام بخصاله من فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعلم للعلم وتعليمه لمن لا يعلمه، ودعاء الناس للخير بالوعظ والتخويف. إن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلم والتعلم مع أهليته لذلك، وصلوحه واقتداء الناس به حتى ذهبت خصال الإسلام أو بعضها فحاله في ذهاب الإسلام من الناس واضمحلاله منهم بسببه كمن أمات الإسلام. ومن تسبب في ترك
الإسلام وذهابه كمن تسبب في قتل الناس جميعاً.
19 ـ جادتهم الرحمة واصبة ولا عادتهم سفحات النجاح جادتهم الرحمة غلبتهم وأصابتهم بكثرة. من جادت العين بالدمع إذا كثر الدمع منها. الرحمة في الأصل رقة القلب توجب الحنو. وإطلاقها على الله (1/14)
صفحة 15
بهذا المعنى محال فيراد بها في وصفه بها لازمها وهو الإنعام.
: سافحة سفحات: ج: بمعنى السائلة والجارية. من قولك سفح
الدمع والماء إذا سال وجرى.
النجاح: الظفر بالموجود من أمر الدين والدنيا.
الدعاء لأهل حزب الهدى بإصابة الرحمة الدائمة لهم، وبعدم
مجاوزة بلوغ المقصود وحصوله لهم.
20 - يا أيها الحزب اسمعوالم عوا قول الأخ النصبح أي النصاح اسمعوا أي ألقوا أسماعكم لما يلقى إليكم من النصائح والمواعظ.
عوا احفظوا.
النصيح: مبالغة الناصح وأي بالجر صفة له دالة على الكمال أي الكمال في النصيحة وهي نقيض الغش والخديعة.
النصاح: الخيط، والناصح الخياط.
شبه فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح ولم شعثه بلم الخياط خلل الثوب ولصق بعضه ببعض. ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه.
21 - شيخ تملـي دهره حقبا يغدى عليه بالفنا ويراح
تملي: عاش وصاحب.
الدهر: الزمان، والحقب: ثمانون سنة.
يغدي: من الغد وهو أول النهار.
يراح: من الرواح وهو آخر النهار.
الفناء: الموت والبلى إن الأخ الناصح لكم صاحب زمان طويل (1/15)
صفحة 16
وجرب أحواله، وتقلب عليه الحلو والمر، والخير والشر؛ لأنه عاش ثمانين سنة وهو ينتظر الموت متى ينزل به بالصباح والعشي.
22 - أوفى ثنيات الوداع على قصم الثنايا بعد غر صحاح
أوفى: أشرف. ثنيات الوداع: ج: ثنية وهي في الأصل الطريق في العقبة.
قصم: القصم الكسر للشيء.
الصحاح: ضد الكسر.
الثنايا: ج: ثنية وهي السن والغر البياض.
إن هذا الأخ الناصح لكم بلغ أوان الشيخوخة، وصار على طريق الوداع للدنيا ومسافر للآخرة، فقد تبدلت حاله من القوة إلى الضعف، ومن صحة الثنايا وبياضها إلى تحطمها وانكسارها وتغيرها وهذا كله علامات الموت. فإذا كان هذا حال الإنسان فليبادر إلى الأعمال الصالحة من علم وعمل ما دام صحيحاً قادراً عليها قبل نزول الموت وأسبابه فيندم حين لا ينفعه الندم.
23 ـ يوصيكم بالجد والاجتهاد وبازدياد الخير كل صباح الجد: الاجتهاد. وهو أن يبلغ طاقته في الشيء.
يوصيكم الأخ الموصوف بالأوصاف السابقة ببلوغ الطاقة في العلم والعمل والزيادة منها كل يوم وخص الصباح لشرفه. فإن لم يكن له زيادة في الخير كل يوم فيقل نجاحه.
24 ـ دعاكم الله لدار السلام قولوا ألا لبيك داع الفلاح
دعاكم طلبكم وندبكم.
دار السلام الجنة. (1/16)
صفحة 17
الفلاح ضد الغي، وهو الفوز بالمطلوب.
دعاكم الله إلى أسباب الجنة من الإيمان بالله تعالى وفعل جميع الواجبات وترك الشرك به وجميع المحرمات. فالدعوة عامة والهداية خاصة وقولوا ألا لبيك أن أجيبوه بهذا القول وهو لبيك قولاً وفعلاً أي أنا مقيم على طاعتك لإقامة بعد إقامة.
25 ـ فالله ثم الله في عزمكم ما دامت الأرسان طلقا فساح العزم: التصميم على الشيء والثبات عليه.
الأرسان: ج: رسن، وهو في الأصل اسم للحبل الذي تشد به الدابة.
الطلق: معناه مسيبة غير مربوطة إلى شيء. حياة الإنسان في الدنيا مطلقة غير مربوطة. فما دام فيها حياً يمكنه العمل للآخرة والسعي لها واستفادة العلوم وإفادتها ما دام صحيحاً قادراً على ذلك. فإذا مرض وبلغ أرذل العمر عجز عن ذلك كله أو بعضه ولا يليق له بعد موته إلا ما حصل في حال الحياة. 26 ـ جدوا فإن الأمر جد بكم والجد معوان الفهوم لقاح
لقاح: منتج. الجد: سبب الفهم.
إن الإنسان إذا بذل جهده وطاقته في طلب العلوم بنية صادقة فإن الله يفتح عليه بالفهم والحفظ بخلاف من استعمل الكسل والهويني. والجد سبب للفهم وحصول ثمرة العلم.
قال بعض الحكماء: تمنيت أن تمسي فقيهاً مناظراً بغير عناء فالجنون فنون (1/17)
صفحة 18
وليس اكتساب المال دون مشقة تحملتها، فالعلم كيف يكون وقال الشاعر:
بقدر الكد تعطى ماتروم فمن رام المني ليلا يقوم
وأيام الحداثة فاغتنمها لأن الحداثة لا تدوم
27 ــ لا يستوي من جد عزما كمن قيده العجز عن الاكتداح العجز: الضعف عن الفعل في الأصل.
الاكتداح: الاكتساب. لا يستوي من استعمل الجد والاجتهاد كمن تكاسل عنها واستعمل العجز عن طلبها. فإن الأول ينالها بعون الله والثاني تمنى ولم يعمل. قال بعضهم: إياكم والكسل فإنه شؤم وآفة عظيمة.
وقال بعضهم: فكل ذي عمل بالخير مغتبط وفي بلاء وشؤم كل ذي كسل وقال آخر:
فإن الثواني زوج العجز ابنة فأنقذها لما تزوجا مهرا فراشا وطيا ثم قال ارقدا معا فإن عشتما لا بد أن تلدا فقرا 28 - العلم زين والتقى شرف والورع الصدف تمام الصلاح العلم: خلاف الجهل، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
الزين: ضد الشين. التقى شرف: أي علو.
الورع:: الكف عن محارم الله وفعل الواجبات.
الصدف: الموافق للقلب. التقوى كلمة جامعة لأن يطاع الله فلا يعصى، ويذكر فلا
ينسي، ويشكر فلا يكفر. (1/18)
صفحة 19
كتب عمر لابنه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جازاه، ومن شكره زاده، فاجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك.
قال بعضهم:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً ولو كان كاسياً وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان الله عاصيا والورع عن الشبهات من الخصال التي تنور القلب وتصلحه
قال بعضهم:
دواء قلبك خمس عند قسوته قدم عليها تفز بالخير والظفر إخلاء بطن وقرآن تدبره كذا تضرع باك ساعة السحر كذا قيامك جنح الليل أوسطه وأن تجالس أهل الخير والحبر
29 ـ وأم دفر كلها ظلم والعلم فيها كتباشير الصباح الدفر: في الأصل النتن. وهنا كنية عن الدنيا. ظلم ج ظلمة. ويراد به الجهل المشبه بالظلام في عدم الهداية إلى المقصود.
تباشير الصباح أوله وشبه العلم به للاهتداء به والتواصل إلى
المقصود. الدنيا عدوة لأولياء الله؛ لأنها زينت لهم بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها، وعدوة لأعدائه لأنها استدرجتهم
بمكرها واقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها فخذلتهم.
30 ـ من ضيع التعليم في وقته فاخر الصاد يري كل صاح ضيع ترك باختياره وقصده. (1/19)
صفحة 20
فاخر الصاد يرى كل صاح أراد بقوله تعالى: {وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين سورة ص الآية: 88].
صاح: أفاق وهو من صحا الغفلة.
وليعلمن من ضيع التعليم في الصغر وحال الشباب. وهذا المثل مثل قولهم: الصيف ضيعت اللبن.
والمراد من صاح أي من صحا من الغفلة والانهماك في الدنيا وشهواتها هو الذي يندم على تضييعه العلم في وقته.
31 ـ من أدمن الدرس ونادمه بشراه بالعلم على الامتياح
أدمن الدرس: أي داوم الدرس.
نادمه: صاحبه ولازمه.
على الامتياح: أي مع السعي.
من داوم على درس العلم وصاحبه من الصغر وسعى في طلبه بشراه بحصوله له.
32 ـ من لم يعود نفسه دائباً قراءة الكتب كليل السلاح
نفسه: أي يروضها ويعلمها. يعود دائياً: دائماً.
السيف الكليل: الغير قاطع.
إن الشخص الذي لا يروض نفسه ويعودها قراءة الكتب ومطالعتها وحفظ المتون منها، والتأمل في شروحها دائماً تكون
حجته ضعيفة ومن يكثر المطالعة تكون حجته قوية، بمنزلة من له سلاح حاد قاطع وغيره تكون حجته كليلة ضعيفة بمنزلة الكليل المقلول. (1/20)
صفحة 21
33 ـ من حالف النوم ولازمه فآية الكهف له في اتضاح حالف: لازم. آية الكهف: {وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أبدا لله [سورة الكهف الآية: 20].
إن من لازم وصاحب النوم من طلبة العلم وغيرهم فلن يفوز بمقصوده من العلم والعمل؛ لأن النوم آفة عظيمة للطلبة.
قال أبو الربيع سليمان بن يخلف: إذا أراد الله بعبد أن يأتيه يوم القيامة فقيراً من الحسنات ابتلاه بكثرة النوم.
34 ـ ومن فارق الإبريق في نسكه جاحت عليه الصلوات وجاح
فارق: تركه ولم يصحبه معه.
النسك: العبادة وهنا الصلاة.
جاحت: فاتت.
هلك. جاح
الحث على مصاحبة آلة الوضوء حتى لا تفوت عليه الصلاة وإلا هلك بتركه ذلك مع تمكنه منه.
35 ـ والعمل المقبول الله لا لعلة أو لأجر نفع رقاح رقاح: کسب ـ الرقاحة: الكسب والتجارة، وترقح لعياله تكسب، وترقيح المال كسبه والقيام عليه.
لا يقبل من العمل شيء إلا إذا كان خالصاً الله لا رياء فيه ولا عجب، وإذا كان العمل لعلة دنيوية أو أجر دنيوي كأن يصلي إماماً ليأخذ عليها الأجرة، أو يؤذن ليأخذ الأجرة وغير ذلك فلا
ينفع صاحبه بل يضره ويضاعف عذابه.
36 ـ لا ينفع العلم بلا عمل ولا أجم القرن عند النطاح الأجم: الرجل بلا رمح والكبش بلا قرن. (1/21)
صفحة 22
لا ينفع العلم إذا لم يصاحبه العمل. لذلك قالوا: إن العلم والعمل توأمان لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
والعامل بلا علم لا ينتج من عمله ثمرة كالشاة التي لا قرن لها عند النطاح.
37 ـ وشجر الدفلي ذميم الجنى شبها لذي العلم العقيم المصاح شجر الدفلي بالكسر نبت مر قتال زهره كالورد الأحمر وحمله
كالخرنوب نافع للجرب وللحكة طلاء.
العقيم في الأصل هو الذي لا يولد له.
المصاح: شبه ذو العلم العقيم وهو من لم يعمل به بالشجر الذي لا يثمر ثمراً نافعاً كالدفلي.
لعله مأخوذ من قولهم: الصاحة للأرض التي لا تنبت.
38 ـ من صاحب الدنيا بغير التقى فهم غشاء وجفاء كساح الغثاء: الهالك البالي من ورق الشجر المخالط لزبد السيل. جفاء: غليظ جاهل.
كساح مأخوذ من الكسح وهو العجز. من صاحب الدنيا وعاش فيها ولم يصاحب تقوى الله تعالى بفعل الواجبات وترك المنهيات؛ بل دأبه الانكباب والانهماك في لذاتها لا يبالي بفوات فرض من صلاة في وقتها ولا بترك محرم فهو كالغثاء ووجه الشبه بينهما الرذالة والخساسة وعدم المبالاة. 39 ـ لا تجعلوا همتكم همماً فليس من هم الأذى مستراح الهمة بالكسر والفتح: ما هم به من أمر ليفعله.
الأذى ما يضر الشخص ويؤذيه. فليجعل الطالب همته واحدة وهي ما يقصده من العلم، ولا (1/22)
صفحة 23
يشغل قلبه بغيره؛ لأنه لا أحد مستراح من هم الأذى والضرر ولا ينفعه اهتمامه به قبل وقوعه ولا بعد؛ لأن كل ما قدره الله تعالى واقع لا محالة. فإذا كان كذلك فإن الاهتمام به عناء ومقوت لما هو بصدده من طلب العلوم.
قال بعضهم:
ما مضى فات والمأمول غيب ولك الساعة التي أنت فيها
40 ـ إن اقتسام المرء همته تعوقه عن طلبات ملاح
اقتسام:: افتعال من القسمة وهي التفصيل والتوزيع.
تعوقه: تحبسه وتبطئه عن مبتغاه.
ملاح: حسان.
41 ـ فليجعل الطالب هماته واحدة يغن بها لا براح هماته: ما يقصده ويطلبه من علم وغيره همة واحدة.
يغن بها: يهتم بها ويشتغل بها عما سواها.
لا براح لازوال البراح المتسع من الأرض لا زرع بها.
أمر الطالب للعلم أن يجعل هماته وعزائمه همة واحدة فيهتم بها ويشغل فكره بها لا يزول عنها.
وجاء في القناطر أن من شروط طالب العلم أن يقلل علائقه من أشغال الدنيا، ولا يسوّف نفسه بالمواعيد الكاذبة، ويمنيها بانقطاع الأشغال المتصلة، فإن لكل وقت شغلا وفي كل زمان عذرا.
42 ـ من عود النفس كرى عينها في مجلس الذكر غدا صفر راح
عود من العادة ـ والعادة الديدن.
الكرى: النوم. (1/23)
صفحة 24
غدا: يغدو صار هنا.
الراح الكف. سميت بذلك لارتياح الإنسان عليه عند القيام.
الصفر: الخالي. تشبيه من عود نفسه النوم في مجلس الذكر في خلوه من الفوائد ومن الثواب بباطن الكف الذي من شأنه الخلو من الشعر.
43 ـ كم فات من أجر أخانومة لا سيما في سحر وفلاح كم بمعنى كثير. وهي اسم لعدد مجهول الجنس والمقدار.
السحر: اسم للوقت الذي قبيل الصبح.
الفلاح: الفوز والنجاة والبقاء في الخير.
كما فات صاحب النوم في المجلس أو غيره أجر كثير وفلاح وفوز بالمقصود، وخصوصاً إذا كان ذلك وقت السحر.
44 ـ يا أيها النوام هبوا فقد هبت لكم بالفتيات رياح
هبوا انتبهوا من نومكم.
هبت لكم: ثارت لكم وتحركت.
الفتيات: ج: فتاة وهي الشابة وأراد بها حورات العين في الجنة.
45 - فاغتنموا أيامكم إنها سحائب الصيف فشاع سراح اغتنموا من الغنيمة وهي الفيء، والمراد هنا الفوز بالطاعات والمبادرة إليها.
46 ـ أعماركم أسفاركم فاقتضوا مآرب الأوبات قبل المراح اقتضوا اقضوا مآربكم وهو الحاجة. (1/24)
صفحة 25
المراح: المأوى.
يا أيها النوام استيقظوا من نومكم واشغلوا أنفسكم بعبادة الله تعالى؛ لأنه قد تحركت لكم الريح برائحة نساء الجنة. فاغتنموا أيامكم القليلة لأن ذهابها وانقضاضها سريع كانقضاض سحابة الصيف.
والحياة في الدنيا بمنزلة المسافة بين بلد وبلد. والوطن الحقيقي هو الآخرة إما الجنة وإما النار.
كما قيل:
وما هذه الأيام إلا مراحل تمر وتطوى والمسافر قاعد
47 ـ إن شباب القوم عارية كضيف ليل ومع الفجر راح
الشباب: حداثة السن.
القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه.
عارية: ما تداوله الناس بينهم أو تمليكه منفعة بلا بد. إن شباب القوم وحداثته وقوته لا تدوم، فليغتنم فيه ما ينفعه لآخرته من الأعمال الصالحة التي تصعب عليه عند زواله. والشباب في سرعة زواله وانتقاله عن الإنسان كالضيف النازل به ليلاً فيكرم ويحسن مثواه، فإذا زال الليل وانشق الفجر ذهب لحاله.
48 ـ فهذه الأنفاس مستامة يسومها الموت غدوا ورواح
الأنفاس: ج: نفس ويراد بها الأجساد والأشخاص. مستامة: من السوم. وهو في الأصل التزايد في ثمن السلعة لتشترى. (1/25)
صفحة 26
49 ـ فهذه الآجال موقوتة مجهولة الحين غياب المناح موقوتة: لها وقت معلوم عند الله عز وجل لا يتقدم ولا يتأخر.
مجهولة الحين: غير معلوم الوقت.
المناح: المقدار.
50 ـ وهذه الأنفاس معدودة وكل معدود سـيــنفد صاح
ينفد يفرغ. ونفد معناه الإمضاء والقضاء.
صاح يا صاحب.
51 ـ وهذه الأرزاق مقسومة فهي حظوظ مثل ضرب القداح
حظوظ: ج: وهو النصيب.
ضرب القداح: ج: قدم وهو السهم.
52 ـ وهذه الأسواق منفقة فانتهزوا فرصتها للرباح
منفقة: من نفقت السلعة إذا راجت نفقت السوق إذا قامت.
انتهزوا اغتنموا.
الرباح خلاف الخسارة.
نظر ملك الموت بالغدو وهو أول النهار، والرواح وهو آخر النهار في أجل كل نفس هل بلغ فيقبضها ويتوفاها. والآجال لها وقت معلوم عند الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر.
إن أرزاق الناس متفاوتة في القلة والكثرة، والسعة والضيق، كتفاوت أنصباء الأقداح وأن كل واحد لا يصل إليه منها إلا ما قدر الله له، فإذا كان كذلك فلا نشغل فكرنا به.
كون الإنسان في الدنيا حيا صحيحاً ككونه في السوق الذي تروج فيه السلعة ويحصل له فيه الربح. فإذا كان كذلك (1/26)
صفحة 27
فليبادر الفرصة والغنيمة من ربح الأعمال الصالحة
53 - إن بقايا العمر عزت بها يستدرك الفوت وتوسي الجراح
بقايا: -: ج: بقية وهو هنا آخر عمر الإنسان.
عزت: غلت قيمتها.
توسي: تداوي، من أسيت الجرح إذا داويته.
شبه ما أسلفه الإنسان من المعاصي والسيئات في أول عمره بالجروح بجامع الألم والضرر والإهلاك إن لم يسع فيما يزيله ويداويه. والجروح هي المعاصي، والدواء هي التوبة والكفارات والقضاء لما فات.
وفي الحديث القدسي المروي عن الله تبارك وتعالى: «أيها الناس مهلا، مهلا إن الله سطوات ونقمات فمن خشي سطواته فليد او جروحاته، شوقناكم فلم تشتاقوا وخوفناكم فلم تخافوا، فلولا شيوخ ركع، وبهائم، رتع، وصبيان رضع، لأصببنا عليكم العذاب صباً صباً».
54 ـ أعز من كبريت أحمرا في إعوازه والنور بعد الصواح الكبريت الأحمر: يضرب به مثلاً للشيء المفقود لأنه لا وجود له كالعنقاء.
في إعوازه: أي في فقده أو قلته في الصواح: اليبس والصوحان: اليبس.
إن بقايا العمر أعز من الكبريت الأحمر الذي لا وجود له، وأعز من نور الأشجار اليابسة.
55 ـ لكنها من نعم بسطت مجهولة القدر وشيكا تزاح
بسطت: مدت. (1/27)
صفحة 28
مجهولة القدر: أي المقدار، صفة للنعم.
وشيكا قربا. تزاح: تزال.
56 ـ ليس لها من عوض عادل فافهم كلامي ودع الامتزاح
عوض بدل.
عادل مساو.
الامتزاح: أي المزح واللعب.
إن بقايا عمر الإنسان عزيزة يستدرك فيها ما فات لكنها بسطها الله بنعم لا تحصى وتلك النعم مجهول قدرها ويغفل الإنسان عنها وعن شكرها، وهي سريعة الزوال والذهاب. فينبغي للإنسان المبادرة بشكرها باستدراك ما فات من الأعمال الصالحات، وليترك الهزل لأن الأمر جد لا هزل فيه.
57 ـ أقصى منى الموتى سويعتكم ليخلفوا الماضي فهيها البراح
أقصى: أبعد.
المني: من الأمنية وهو التمني.
فهيها: لغة في هيهات بمعنى: بعد.
البراح الزوال، والمعنى بعد زوالهم عما هم فيه.
يتمنى الموتى بعد فوات الأوان سويعة ليخلفوا ما فرطوا في حياتهم من الأعمال الصالحة وأني لهم ذلك، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَابِلُهَا} [سورة المؤمنون الآية: 100] رداً على قولهم: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلّي أَعْمَلُ صَلِحَا ... الآية [سورة المؤمنون الآية: 99، 100].
58 ـ أنى لهم ذكراهم بعدما قد غلق الرهن وضاقت فساح
أنى لهم: من أين لهم الرجوع. (1/28)
صفحة 29
غلق الرهن: إذا استحقه المرتهن وذلك إذا لم يف الراهن في الوقت المشروط. وحقيقة الرهن في اللغة: الحبس وفي الشرع: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه کالدين.
فساح: أي الواسع.
من أين لهم أن يعودوا بعدما أصبحوا مرهونين في أعمالهم وضاقت فساح أي الوسع الذي كانوا فيه قبل موتهم وكاتوا متمكنين من العمل.
59 ـ فالدين محض لبن خالص لا يحمل الشوب صافي الضياح
محض خالص.
الشوب: الخلط
صافي الضياح ضيحته وضوحته أي أسقيته إياه وضيحت اللبن مزجته بالماء.
الدين كاللبن المحض الخالص في أنه لا يحمل التشويب بشيء من الكدرات لصفائه وبياضه.
60 ـ إكماله تطهيره بالوفا من دنس الكسب وفعل القباح
إكماله: إتمامه.
الوفا: فعل جميع الواجبات.
من دنس الكسب الكسب الحرام.
إن الدين لا يكمل ولا يحصل ولا يوصف به إلا من تخلى عن جميع المحرمات التي نهانا الله عنها، وترك المال الذي اكتسبه من غير حله ووقي بجميع الواجبات.
61 ـ العرض صنو الدين داعمهما بالعلم والتقى وخلق سجاح العرض: النفس وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن (1/29)
صفحة 30
ينتقص، سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره.
الصنو: الأخ الشقيق.
داعمهما: الدعمة والدعامة والدعام عماد البيت والخشب المنصوب للتعريش.
خلق سجاح: أي حسان.
62 ـ يا لهما من جوهرين فمن نقاهما فاز وحاز النجاح
يا لهما: للاستغاثة.
جوهرين: الجوهر هو اللؤلؤة شبه الدين والعرض به لصفائه وحسنه وعزته وارتفاع قيمته. نقاهما: أزال ما بهما من الأوساخ.
المراد بتنقية الدين الحفظ لنفسه من جميع المحرمات، ومن ترك الواجبات. فإذا فعل ذلك فقد نقى دينه مما يشبنه، وعرضه من الطعن فيه. قال الشاعر:
من العرض وابذل كل مال ملكته فإن ابتذال المال للعرض أصون ولا تطلقن اللسان منك بسوءة فعندك عورات وللناس ألسن وعينك إن أهدت إليك معائب لقوم، فقل يا عين للناس أعين إن عرض الإنسان الذي هو موضع المدح والذم منه سواء كان في نفسه أو سلفه أو أهله شقيق الدين. فيجب عليه أن يقويهما بالعلم وخلق حسن وهما جوهران فمن نقاهما وطهرهما فاز ونال جميع المني.
63 ـ من نصب العلم له بازيا يصد به صيداً كنحل الجباح
نصب: اتخذ. (1/30)
صفحة 31
بازيا اسم طائر يصاد به. البازي في التثنية بازان، وفي الجمع بزاة.
كنحل الجباح الجباح خلية النحل وبيته الذي يبنيه بالشمع. من تعلم العلم ليأخذ به حطام الدنيا القليل الفاني الحقير بالنسبة إلى ما فوته من ثواب الله في الآخرة الباقي الدائم فقد صير علمه شبيهاً بالبازي الذي يصاد به الأشياء الحقيرة المماثل في حقارته لنحل الجباح بدل ما يصطاده غيره من ذوي الهمم العالية به من الأرانب والغزلان والحبارى.
64 ـ فالأكل بالدين حرام ولو كشربة الماء النمير القراح الأكل بالدين: أخذ المال بسبب بالدين كأخذ المال على الفتوى أو على أداء الشهادة بعد تحملها، أو على الصلاة إماماً. . الخ.
القراح الخالص. كالقريح والنمير، الماء الزاكي.
65 ـ وشرح ذاك الأكل عن سب سبب وما أتى عفوا فذاك مباح وما أتى عفواً فذاك مباح أي ما أتى من المال حالة كونه عفواً من غير سبب من الأسباب المذكورة فهو مباح.
اتقوا الله في عملكم ولا تكونوا جبابرة العلم، ولا تتعلموه إلا لوجه الله والعمل به طلباً للنجاة، واحذروا أن تطلبوه لتستأكلوا به الأغنياء، وتخادموا به الفقراء.
قيل: إنما جاء فساد الدين من قبل ثلاثة: عالم فاجر، وعابد جاهل، وطالب دنيا بالدين.
66 ـ إذا زکي کسب زکي عمل ليس النكاح المرتضى كالسفاح زكي: أي طهر من الحرام والشبهة ونما ثوابه. (1/31)
صفحة 32
السفاح: الزنا.
إن المال الحلال الذي لا شبهة فيه شبيه بالنكاح الصحيح في ترتب الثواب والانتفاع والكسب الحرام شبيه بالنكاح الفاسد والزنا في ترتب العقاب.
67 ـ فسعي ذي الكسب الخبيث خبث إن السلاح للحباري سلاح السلاح بضم السين بمعنى النجو أو الروث.
السلاح بالكسر: الآلة المعلومة كالسيف. . .
الحباري طائر مشهور، تصاد ولا تصيد.
تقول العرب: الحباري سلاحه سلاحه، وإذا قصدها الصقور لا يزال يعلو وينزل مع الصقر حتى يجد فرصة فيرميه بذرقه فيبقى الصقر مقيداً مثل المكتوف.
وفي البيت تشبيه السعي الخبيث المحرم بروث هذا الطائر في انتفاعه نتانته وخبثه وعدم به في المال، وإن انتفع به في الحال.
68 ـ قيد ربي بالقبول التقى وأصحبه الإيمان فعل الصلاح التقى: فرط الصيانة عما يؤذي.
الإيمان عندنا مركب من القول والعمل والاعتقاد، وأن من تخلى عن واحد منها لا مؤمناً، وإنما يسمى منافقاً وفاسقاً وكافراً بالنعمة.
6 ــ هاتان حكم فيصل بيننا وبين أهل الحشو والاجتماح هاتان الخصلتان بالتقى وكون الإيمان ما صاحبه العمل.
بيننا: ا أراد به أهل الاستقامة.
أهل الحشو: الحشوية والمرجئة ومن قال بقولهم.
الاجتماح: المرتكبين لهواهم. (1/32)
صفحة 33
70 ـ شادوا وعادوا هدموا ما بنوا ككاتب قرطاسة ثم ماح
شادوا بنوا.
هدموا: نقضوا وأزالوا ما بنوه.
ماح من المحو. وهو الإزالة للحروف المكتوبة بالماء.
إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عبد طاعة إلا إذا كان متق الله سبحانه وتعالى، آت بجميع الواجبات، وتارك لجميع المحرمات.
ولا يسمى مؤمناً إلا من كان صالحاً. وهاتان الخصلتان مما
يفرق بهما بين أهل الاستقامة والحشوية ومن قال بقولهم. حيث أنهم سموا مرتكب الكبيرة مؤمناً مسلماً وأنه لا يخلد في النار، فصارت حالتهم كحالة من بنى بناء فعمد إليه فهدمه، وكمن كتب قرطاسة ثم محاه وأبطله فلم يحصل له في آخر الأمر إلا العناء.
71 ـ لا بد من كشف المغطى غدا فما عسى يغني الظبا والرماح لا بد لا فرار ولا محالة.
الكشف: الإظهار ودفع الشيء عما يواريه ويغطيه. المغطى: المراد به ما يخفيه الإنسان من الأعمال السيئة.
الغد: المراد به يوم القيامة.
الظبا: ج: ظبة بالظاء المشالة، وهو حد السيف. والمراد هنا السيف نفسه.
72 ـ هناك لا يغنيك مال ولا بنون إلا من أتي بالصلاح
هناك: يوم القيامة.
لا يغني: لا ينفع. (1/33)
صفحة 34
73 ـ ها د لله الولاية لا كهذه ضوضأة وصياح
الولاية: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم.
الضوضاء: أصوات الناس في الحرب.
74 ـ هناك وجه ناعم ناضر والكالح الباسر وجه وقاح
وجه ناعم: حسن ذو بهجة وتنعم. الكالح: التكشر في عبوس.
الباسر: الشديد العبوس.
الوقاح: قليل الحياء.
75 - يا فرحة الصافي المليح ويا ترح المبهرج لدى الافتضاح
الصافي: المخلص في أعماله.
ياترح: يا هم.
المبهرج: الرديء. البهرج الباطل والبهرجة أن يعدل بالشيء عن الجادة.
الافتضاح: انكشاف مساويه.
إن الله تعالى سيظهر ما يخفيه الناس من عقائدهم الزائغة، وأعمالهم الفاسدة على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. في ذلك اليوم لا ينفع مال ولا بنون ولا سيوف ولا رماح، إنما ينفع ذلك اليوم الأعمال الصالحة التي قدموها في الدنيا. والولاية والحكم والسلطة الله وحده في ذلك اليوم لا كهذه الدنيا المشتملة على المنازعة والهرج ورفع الأصوات والصياح. إن وجه المحسن المطيع له حسن وبريق وبهاء وتهلل يوم القيامة، ووجه العاصي كليح باسر أي متعبس متكشر شديد السواد. (1/34)
صفحة 35
إن المحسن يحصل له الفرح والسرور، وأن العاصي يحصل له الهم والحزن الدائم عند افتضاحه وظهور ما كان يستره ويخفيه عن أعين الناس في الدنيا على رؤوس الأشهاد.
76 ـ هذا زمان ليس يحظي به إلا خمول الذكر بادي السماح بادي السماح ظاهر المسامحة والتجاوز لمن تعدى عليه.
77 ـ قعيد بيت وأخو عزلة حتى يوافيه الحمام المتاح
قعيد بيت ملازم لبيته لا يخالط أحداً.
الحمام المتاح: الموت المقدر.
إن هذا الزمن الذي نحن فيه شديد البؤس كثير الشر والفساد، والتعاون فيه على الإثم والعدوان دون البر والتقوى، ومن ثم لا يفوز فيه ويسلم له دينه إلا من كان خفي الذكر غير مشهور ومعتزل عن الناس، وهارباً منهم. قال الشيخ سليمان بن أيوب بن محمد بن عمر التناوتي رحمه الله تعالى لما لامه الناس على عزلته:
إذا ما كنت في زمن عبوس وفي ناس من البشر الخسيس لزمت البيت مصطبراً كأني أخو قبر دفنت بلا أنيس 78 ــ يحفظ من ذئب الهوى شاته ويأخذ القصد من أزكى المباح يحفظ من ذئب الهوى شاته الدنيا والهوى كالذئب. النفس هي كالشاة.
الهوى هواه أحبه وشرعاً ميل النفس إلى خلاف ما يقتضيه بل إلى ما تحبه النفس وتميل إليه. .
والهواء: ما بين السماء والأرض. جمعه: أهوية. (1/35)
صفحة 36
قال بعضهم: سكن الهواء مع الهوى في أضلعي فاستجمع وسط الحشا ناران فقصرت بالمدود عن وصل الظبا ومددت بالمقصور في أكفان
وقال بعضهم:
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوة وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما هواك عدو والخلاف صديق
يأخذ القصد: أي يطلب الحالة الوسطى من الدنيا من الحلال. أزكى المباح: الحلال.
يأخذ المرء من الحلال ما يستعين به على عبادة الله تعالى ويقتصر على ذلك. قال عليه السلام: «من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وتعطفاً على جاره وسعياً على عياله جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.
79 - لا يرتعي حول الحمى حذراً من وقعة في الحرمات الصراح 80 ــ فكل راع شبهات الحمى فليس في غيبته من جناح لا يرتعي: الارتياع هو الإقامة والبسط في الأكل والشرب، ومنه قول إخوة يوسف لنرتع ونلعب أي نتنعم ونلعب. الصراح: الواضحة الظاهرة. على المرء أن يحفظ نفسه من الهوى الذي هو كالذئب في الاختلاس لئلا يؤديه هواه وشهوته إلى ما هو محرم عليه فيهلك بذلك ويأخذ من الدنيا ما يكفيه لقوته وعياله من الحلال الصافي، ويتجنب كل شبهة مما لم يقم عنده دليل على تحليلها مخافة من أن يقع فيما هو حرام من غير شعور له بذلك، أو ينتقل من تساهله في الشبهات إلى ما هو حرام. (1/36)
صفحة 37
81 ـ من يدعي الإسلام ليس به فهو كزند ليس يوري شحاح
يدعي: يزعم.
الزند: العود الذي يقدح به النار.
يوري: تخرج منه النار ورى الزند خرجت ناره
شحاح نار زند شحاح لا يوري ناراً.
82 ــ باب الدعاوى عسر مخرجاً لكنه سهل لدى الافتتاح باب الدعاوى: ج: دعوى، وهو ما يدعيه الإنسان وينسبه لنفسه حقاً أو باطلاً. وفي الشرع: قول يطلب به الإنسان إثبات حق على الغير.
عسر: ضد سهل.
83 ـ أشهى من الشهد ولوجاً ولا محصول للدعوى سوى الافتضاح
أشهى: أي ألذ وأحلى إلى النفس.
الشهد: العسل.
الافتضاح: الانكشاف والاتضاح.
إن من يدعي الإسلام أي خصال الإسلام أو العلم أو نحو ذلك ولم يكن متصفاً به في الواقع فلا يحصل بيده عند الامتحان ممن هو متصف به سوى الافتضاح والكشف عن حاله على رؤوس الأشهاد، وحاله كالزند الذي ليس به نار في عدم الانتفاع بذلك، وأن باب الدعاوى سهلة شهية على النفس لكن يصعب التفصي عنها والخروج منها عند الامتحان.
84 ـ حقائق الإسلام واضحة منيرة غز وضاح نصاح
حقائق الإسلام واضحة: ظاهرة ومنيرة ومضيئة. (1/37)
صفحة 38
غز: ج: غرة، وهي في الأصل بياض في جبهة الفرس والمراد
هنا: الوضوح. وضاح نصاح: أي خالص.
85 - لها تلألؤ وإشراقها يألفها القلب على الانشراح
التلألؤ: البريق واللمعان والمراد الظهور والاشتهار.
يألفها: أي يجامعها القلب ويصاحبها ويحبها.
حقائق الإسلام ظاهرة على من اتصف بها حقيقة بأن يظهرها الله عليه ويألفها القلب، وينشرح إليه، ويكون له محبة في قلوب الخلق.
قال: «من أسر سريرة حسنة ألبسه الله رداءها ومن أسر سريرة سيئة ألبسه الله رداءها».
86 ـ عشنا بعصر ما سمعنا به في أعصر من مات فيه استراح
عشنا: من العيش الذي هو الحياة. ما سمعنا بمثل هذا الدهر في الأعصر الماضية والمراد به أهله التاركين للتقوى والصلاح المشتغلين بالدنيا المتكالبين عليها ولا تجد من يأمر بالمعروف ولا من ينهى عن المنكر ولا من يعين على التقوى والمؤمن فيه ذليل والمنافق عزيز حتى أن المؤمن يتمنى فيه الموت ليستريح من همومه وخوفاً على دينه، ولذلك فإن من مات فيه استراح.
87 ـ فأهله ذباب أطماعهم واهو الديانة سراع الذباح
واهو: ج واه ضعيف واهو الديانة: ضعاف الديانة. الذباح الشق والقطع في الرقبة. (1/38)
صفحة 39
لهم هراش في معاشهم ولهث في سعيهم ونباح هراش: التحريش بين الكلاب.
أهل هذا الزمان غلب عليهم الطمع وإيثار الدنيا على الآخرة، فمثلهم كمثل الذباب في وقوعهم في المهالك بسبب طمعهم وحرصهم على ما يصيبون من الدنيا ولو بذهاب دينهم، يوقعون أنفسهم في الذنوب المهلكة لهم، وأنهم لهم هراش وتنازع على الدنيا كتهارش الكلاب على الجيف ولهم صياح فيها كنباح الكلاب.
89 ـ لا تسألوا عن شأن هذا الورى كل غريق ليس يدري السباح
السؤال: البحث والتفتيش.
الشأن: الأحوال.
الورى في الأصل الخلق والمراد هنا الآدميون. السباح: العوم في الماء والمراد هنا الجهل بكيفية التخلص من الآثام.
شبه حال أهل زمانه في إهلاك أنفسهم بارتكاب المعاصي وجهلهم بكيفية التخلص منها بحال الغريق الذي لا يعرف السباحة.
90 ـ لم تلق إلا ذيباً أو أسداً أو ثعلباً أو عقرباً أو أماح ذيب: يهمز ذئب. ولا يهمز: والأنثى ذيبة.
إماح: الحيات وجميع الهوام المؤذية.
91 - حذار من ذينك أن يخطفها خطف عقبنات لحوم الأضاحي
الخطف: أخذ الشيء بسرعة.
عقبنات: ج: عقاب وهو سيد الطير. (1/39)
صفحة 40
لحوم الأضاحي أصله الأضاحي أي اللحوم المنشورة في الأعياد.
لا تسألوا عن حال هذا الخلق لأنهم قد هلكوا بالعصيان والآثام التي يتعسر خروجهم منها بسبب جهلهم بكيفية التخلص منها وعدم فزعهم إلى التوبة وأن أهل زمانه لا يوجد فيهم إلا من يشبه الذئب في الدهاء والتختل والأسد في سوء الأخلاق والجهامة على ظلم العباد في أبدانهم وأموالهم، ومثل الثعلب في التحيل. فاحذر على دينك أن يخطفوه بسرع عة كخطف العقاب لحوم الأضاحي.
92 ـ فالدين فدبل طريد غريب مقلص الأفياء واه قراح
فد: الفد المهزوم. وقوم فد، منهزمون.
مقلص الأفياء: التشمير. والأفياء: ج: فيء وهو الظل.
واه: ضعيف.
قراح: بلغ الغاية في الضعف.
الدين في ذهابه ورجوعه وانعكاسه كالجيش المنهزم من عدوه في سرعة توليته وذهابه واضمحلاله. والدين موصوف بالغربة لما يحصل له من الذل لعدم من ينصره ويقيم شرائعه.
93 ـ لم يبق إلا رسم رسمه واسمه وحرمات الله قد تستباح
رسمه: الرسم ما يبقى من أثر الديار المندرسة. اسمه أي التسمية بالإيمان والإسلام وخصاله كالصلاة والصوم والزكاة ... الخ.
تستباح: يفعل الحرام جهاراً دون أن ينكر ذلك أحد على فاعله. (1/40)
صفحة 41
ليبك باك أو ينح ناح فما عسى يجديه صاح وناح
فما عسى يجديه: أي ينفعه بكاؤه وصياحه.
الدين. إلا رسمه وأن محارم الله تعالى تفعل جهاراً
لم يبق من من غير إنكار على فاعله كأنها مباحة فليبك باك أو يرفع صوته
نائح عليه فلا ينفعه شيء من ذلك البكاء أو النياح.
95 ـ وأنشد الله أديباً رأى عيباً أقام العذر لي وأشاح
أنشد الله: أي اسأله بالله.
الأديب: العالم.
الديب: الوصمة والقبح والنقصان والمعنى هنا أنه رأى عيباً.
أقام: أي إقامة. أشاح: أعرض.
96 ـ فلست أعني رابعاً للخليل ولا الضليل مجنون الملاح 97 ـ لكن خطابي للذي يعتني بالعلم والأدب والافتضاح لست أعني رابعاً للخليل: يريد لست أقصد بكلامي هذا.
للخليل: الخليل بن أحمد.
الرجال أربعة:
1 - رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه.
2 - ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه.
3 ـ ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.
4 ـ ولعل الرابع يكون في هذا البيت:
إذا أنت لم تدر ولم تك بالذي يسائل من يدري فكيف إذا تدري (1/41)
صفحة 42
لضليل: أي وليس لكلامي وخطابي لمن كان كثير الضلال كامرئ القيس الذي نظمه وشعره في العشق وذكر النساء وأوصافها.
مجون الملاح: مخالط الملاح النساء. ليس كلامي وخطابي لمن كان كثير الضلال كامرئ القيس الذي نظمه وشعره في العشق وذكر النساء وأوصافها، لكن عنايتي وقصدي بنظمي ووعظي الرجل الذي يهتم بالعلم والتعلم والتعليم والأدب، ويفهم الكلام الفصيح ويعتني به ويتدبر المعاني ويقبل النصح والحق ممن جاء به.
98 ـ هذا كلامي والسلام على كل أديب ما أضاءت بواح
أديب: عالم متأدب بأدب الشرع.
أضاءت: أشرقت ولمعت. بواح: بباء وواو بعدها ألف وحاء: بوح: اسم للشمس.
99 ـ أبناء جنسي حيث ما قطنوا وأين ما حلوا بأقصى النواح
أبناء جنسي:: أهل الدعوة.
حيث: ظرف مكان.
قطنوا: أقاموا وحلوا، ونزلوا وسكنوا.
بأقصى النواح: أبعد الجهات.
100 ـ خصوا أخاكم بالدعاء إذا قرأتموها واعملوا بالنصاح
خصوا أخاكم: خصوا ناظم القصيدة. إذا قرأتم هذه القصيدة فادعوا للمسلمين من أهل نحلتكم وخصوا أخاكم في الدين وهو ناظمها من بينهم لما أسدى إليكم من المعروف الذي في هذه المنظومة من المواعظ والنصائح لقوله (1/42)
صفحة 43
: «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا ذلك فادعوا له بخير.
فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين بالجنة العالية وجمعنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء وسائر العلماء العاملين. (1/43)
صفحة 44
ملحق (1)
أورد الشارح في آخر الكتاب جملة من المواعظ الموجهة الطالب العلم وهي متنوعة بين آية وحديث وشعر وحكمة، رأيت أن الوردلها ملحقاً بما سبق لما فيها من الفوائد الجمة. إذ لا يستغني عنها طالب العلم وغيره ممن يسعون إلى تنوير عقولهم بالمعارف والحكم وفاء بغرض الناظم والشارح رحمهما الله. وقد نقلتهما كما جاء في الكتاب دون أن أضيف شيئاً لأننا لسنا بصدد تحقيق الكتاب؛ إنما نحن بصدد عرض للفوائد والفرائد. قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن
مُدَّكِرٍ} [سورة القمر الآية: 17] أي: فهل من طالب علم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم ولو بالصين. وقال أيضاً: عليكم بالعلم فإن المرء لا يدري متى يختل إليه». أي متى يحتج إليه، والخلة: الحاجة.
وقال عمر رضي! الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا». يريد تعلموا في الصغر قبل أن تكونوا منظورين فتستحيوا من التعلم عند الكبر فتبقوا جهالاً. وفسر مكحول قوله عز وجل: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [سورة الجمعة الآية: 10]. يعني به طلب العلم. (1/44)
صفحة 45
روي عن النبي الله أنه قال: «اطلبوا العلم فإنه فيه حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف به يبلغ العبيد منازل الأحرار، وتبلغ الأحرار منازل
الملوك ومجالستهم والدرجات العلى في الدنيا والآخرة». وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تنغل عبد ولا تخفف ولا لبس ثوباً ليغدو في طلب العلم إلا غفر له حيث يخطو عتبة باب بيته.
وقال: سيأتي بعدي ناس من أقطار الأرض يلتمسون العلم فاستوصوا بهم خيراً».
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا؛ أما طالب العلم فإنه يزداد للرحمن رضا، وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغياناً». ثم قرأ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَى أَن رَوَاهُ استغنى} [سورة العلق الآية: 6، 7].
وعن النبي الله أنه قال: سألت جبريل عليه السلام فقلت: أي الجهاد أفضل؟ قال: طلب العلم. قلت: ثم ما بعده؟ قال:
زيارة العلماء». وروي عن ابن عباس عن النبي الله أنه قال: «صحبة العلماء دين، ومجالستهم كرم والنظر إليهم عبادة، والمشي معهم فخر، ومخالطتهم عز، والأكل معهم شفاء، تنزل عليهم ثلاثون رحمة، وعلى غيرهم رحمة، واحدة هم أولياء الله، طوبى لمن خالطهم، خلفهم الله شفاء للناس، فمن حفظهم لم يندم، ومن خذلهم ندم، وشرف الله قلوب العلماء وسوى بين قلوبهم وبين اللوح المحفوظ فقال: وبَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدُ فِي لَوحِ تَحْفُوظ [سورة البروج الآيتان: 21، 22]. (1/45)
صفحة 46
وقال: بَلْ هُوَ ايَنتُ بننتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلم [سورة العنكبوت الآية: 49].
وقال أبو علي رحمه الله: «العالم يسأل الجاهل، ويحفظ حفظ العاقل.
وقال أبو عبد الله: أول العلم الصحة، والثاني الاستماع
والثالث الحفظ، والرابع نشره والعمل به.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وقال: اطلبوا العلم قبل أن يرفع، ورفعه ذهاب أهله». وقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.
وقيل: العلم حياة الإسلام وعماد الدين. وقال: «العلم يزيد الشريف شرفاً، ويرفع المملوك حتى يدرك رتب الملوك، والعلم خير من المال؛ المال محروس والعلم حارس، والمال ينقصه الإنفاق والعلم يزداد على الإنفاق. وقال: ذللت طالباً وعزرت مطلوباً، وإذا أراد الله بالناس خيراً جعل العلم في ملوكهم، والملك في علمائهم».
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وجدت عامة علم رسول الله - - عند هذا الحي من الأنصار، وإني كنت لأقيل عند باب أحدهم في الهواجر، ولو شئت لأذن لي ولكن ابتغي طيبة نفسه، والخفة على قلبه».
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم».
وقال: «العلم زين للغني وعون للفقير».
وقال عروة بن الزبير لبنيه: تعلموا فإن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار آخرين». (1/46)
صفحة 47
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «تعلموا العلم فإن تعلمه
الله خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. العلم أنيس في الوحشة، وصديق في الغربة ومحدث في الخلوة، وصاحب في السراء والضراء، وزين عند الأخلاء، وسلاح عند الأعداء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير أئمة يقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهي إلى رأيهم».
وقال: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والرفق أخوه، والبر والده، والصبر أمير جنوده».
وينبغي لطالب العلم أن يجتهد في طلبه ولا يدخله حياء في محفل ولا يرق وجهه عند السؤال.
وقيل لبعض ملوك العجم: أيحسن بالشيخ الكبير أن يتعلم؟ فقال: ما أحسنت الحياة فالعلم يحسن.
وقيل: كتب رجل لابنه يا بني: اطلب العلم فإنه خير لك من أبيك وأمك، فإن استغنيت كان لك جمالاً، وإن افتقرت كان لك ثروة ومالاً». وكتب رجل إلى أخيه: إنك قد أوتيت علماً أنار الله به قلبك فلا تطفئن نور علمك بالذنوب فتكون في الظلمة يوم القيامة يسعى أهل العلم بما آتاهم الله فتكون من الأخسرين».
وقيل: كتب رجل إلى عبد الله بن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله. فكتب إليه عبد الله: العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خميص البطن من أموال الناس، سليم الظهر من دمائهم، كافاً لسانك عن أعراضهم، لازماً لجماعتهم فافعل».
وقيل: للعالم خصال يعرف بها ويتميز بها من غيره: يحلم (1/47)
صفحة 48
عمن ظلمه، ويتواضع لمن، دونه ويسابق من هو فوقه، وإن رأى عمن باباً معروفاً انتهزه ولا يفارقه الخوف إن تكلم غنم، وإن سكت سلم وإن عرضت له فتنة اعتصم بالله عز وجل».
وقيل: «لا يحب العلم إلا من أحبه الله، ولا يبغض العلم إلا من أبغضه الله.
وقيل: «لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلاً».
وقيل: «الجهل داء والعلم، دواء والجهل عورة تستر، وللعلم زينة تظهر والجهل أقبح ما في الإنسان، والعلم أصلح ما فيه، ومن جهل شيئاً فقد عاداه.
وقيل: من علامة الجاهل أنك تجده للعلم معادياً، وعليه زارياً، وعنه منصرفاً. يظلم من خالطه، ويعتدي على من هو دونه، ويطاول على من هو فوقه ويتكلم بغير تدبير، وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سقط فيها، وإن رأى فضيلة أعرض عنها، وقل ما تكون محنة فاضل إلا من ناقص، وبلوى عالم إلا من جاهل». وقال أبو الدرداء: علامة الجاهل العجب والنطق فيما لا
يعنيه، وأن ينهى عن شيء يأتيه». وقال عمر بن عبد العزيز: يعرف الجاهل؛ بكثرة الالتفات، وسرعة الجواب».
وقيل: «ليس حالة أوضع لقدر الإنسان، ولا أضر عليه، ولا أجلب للشر إليه، ولا أقبح لذكره ولا أحط لقدره، ولا أذم لأمره من الجهل وهو الداعي إلى العار والهادي إلى النار، والمبعد عن السلامة، والمدني من الندامة، والسبب لكل معرة، والجالب لكل مضرة، والذاهب بخير الدنيا والآخرة. فالجاهل ميت وإن كان حياً (1/48)
صفحة 49
ميتاً، وإن كان شيئاً فقيراً وإن كان غنياً. فبالعلم يعرف الله ويوحد، وبه يطاع ويعبد يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء». وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لم يتعلم العلم عذبه الله على الجهل.
وقال علي بن أبي طالب: «كفى بالعلم شرفاً أن كل أحد يدعيه وإن لم يكن من أهله وكفى بالجهل حزناً أن كل أحد يتبرأ منه وإن كان به موسوماً».
وقيل: «العلم خير كثير من العبادة، والملوك حكام على
الناس، والعالم حاكم على الملوك». وقيل: «العلماء ورثة الأنبياء، وملح الأرض، ومصابيح الدنيا، والأدلاء عند العماء والمشهورون في الأرض والسماء، ووفود الناس إلى الجنة.
وقال: «سألت جبريل عن صاحب العلم فقال: هو سراج أمتك في الدنيا والآخرة طوبى لمن عرفهم وأحبهم، وويل لمن أنكر معرفتهم وأبغضهم. وكفى بكتاب الله عز وجل حجة وشفاء في تفضيل العلم وأهله قوله تعالى: {وَبَلْ هُوَ ايَتُ بَيِّنَتُ فِي صدور الذينَ أُوتُوا الْعِلم ال [العنكبوت الآية: 49] وقال: {إِنَّمَا يخشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا} [سورة فاطر الآية: 28]. وقال: وهَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الزمر الآية: 9]. وقيل: «مثل جليس الصدق كحامل الطيب إن لم يصبك منه أصابك من عرفه، ومثل جليس السوء مثل الكير إن لم يصبك شراره أصابك دخانه».
وقال حذيفة بن اليمان: ويل لطالب الدنيا بالدين، ومستحل الشبهة بالشهوة والمفرق بين الناس بالنميمة. (1/49)
صفحة 50
وقال الخليل بن أحمد كن على مدارسة ما في قلبك أحرص منك على ما في كتبك واجعل ما في كتبك رأس مالك، وما في قلبك للنفقة.
وقيل: لا كنز أنفع من العلم ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أرفع من الأدب».
وقال بعض البلغاء: من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة، ومن آنسته قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان، ومن أدب العلماء النصح لمن يعلموا والرفق بهم، ولا يعنفوا معلماً، ولا يحقروا ناشئاً متعلماً، ولا يتسصغروا مبتدئاً.
فقد روي عن النبي - - أنه قال: «علموا ولا تعنفوا فإن العلم خير من: العنف. وقال أيضاً: «وقروا من تتعلمون منه، ووقروا من تعلمونه العلم.
وقيل: لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ولا يكد نفسه،
ولا يصبر عليه، إلا. من يرى العلم مغنماً والجهالة مغرماً». وقال أبو محمد رحمه الله تعالى: «هذا العلم لا يدرك إلا من أسهر ليله بالتلاوة، وأشغل نهاره بالبحث عن الرواية، حتى يحفظ لفظ الآيات، ويعرف المحكمات من المتشابهات، والناسخات من المنسوخات. فأما من أنبذ القرآن وراء ظهره، وقطع بالبطالة أيام عمره ثم يعرض للخوف فيه، ولم يقف على معانيه، لم يكن له عدو أعدى لسانه ولا ناصح أعدل من من شأنه. فرحم الله امراً اقتدى بفرائض الله وسنة نبيه محمد - - وجعل العلم شعاره و دثاره وأخذ نفسه بالتعلم، وجعل الفقه (1/50)
صفحة 51
همه، واقتدى بأشياخه السالفين واتبع آثارهم، واهتدى بمن أدرك منهم وأجاد الاستماع عنهم، وصدق الرواية، ونصح جل اسمه، وأحب الله ورسوله وأبغض لهما، وراح متعلماً أو
عالماً أو مستمعاً واهتدى بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ به». وقال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف أن يقال لي علمت فما عملت فيما علمت.
وقيل: «الفقيه بلا ورع كالسراج في البيت يحرق نفسه ويضيء للناس».
ومن كتاب سير بعض أصحابنا: «العلم نور والجهل ظلمة، فمن رزقه الله العلم فقد رزقه خير الدنيا والآخرة، ومن فاته حرم عليه خير كثير، وأن العلم لا يكون إلا بالطلب، ولا ينفع إلا بالعمل به. ومن أراد العلم فليحقر نفسه ويتواضع قدام معلمه، عسى أن يستخرج ما عنده من العلم، ولا يزعم في نفسه المعرفة ولو عرف، ويأخذ منه كلما سمعه مما أفتاه مما وافق الصواب، فإن زل عالمه في الجواب أعاد عليه السؤال فربما يكون الزلل من المتعلم وربما يكون من العالم إذا خالط قلبه ما يشغله لأنهم قالوا: ثم أوقات لا يسأل فيها العالم ويستحب للعالم أن يحرص فيمن يتعلم عنده ويفهمه إذا كان لذلك أهلاً.
أخبار من سير الصالحين:
قال أبو محمد رحمه الله: إن أبا يوسف التنزغتي قعد للتعلم اثنين وثلاثين سنة خمسة عشر عند أبي محمد الكباوي، وسبعة عشر عند أبي محمد الدرفي.
وأبو زكريا الجناوني مكث في التعليم اثنين وثلاثين سنة، (1/51)
صفحة 52
وكان مفتي نفوسه بعد الشيخ أبي الربيع، وربما سئل ولا يقول الله أعلم في مسألة لكثرة علمه وقيل عنه إذا سئل وأحسن السائل سؤاله أجابه، وإن لم يحسنه حسنه فأجابه به. ويقول: لولا أن لكل ساقطة لاقطة لسكتنا عن هذا الجواب. (1/52)
صفحة 53
فائدة
دعاء يدعى به عند المطالعة وعند القعود في الدرس، وما يعين على الحفظ، وما يورث النسيان.
قال في المستطرف: وفي الأثر إذا أردت أن تكون أحفظ الناس فقل عند رفع الكتاب أو المصحف أو ابتداء القراءة في كل شيء أردت:
الحمد الله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل حرف كتب أو يكتب أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
اللهم افتح علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك، يا ذا الجلال والإكرام. آمنت بالله الواحد الأحد لا شريك له، وكفرت بما سواه ففهمناها سليمان يا حي يا قيوم، يا رب موسي وهارون، ويا رب إبراهيم ويا رب محمد ـ ـ ألزمني الفهم وارزقني العلم والحكمة والعقل برحمتك يا أرحم الراحمين.
وجاء في بعض الكتب:
وأقوى أسباب الحفظ؛ الجد والمواظبة، وتقليل الغذاء، وصلوات الليل وقراءة القرآن من أسباب الحفظ.
قيل ليس شيء أزيد للحفظ من قراءة القرآن نظراً؛ لقوله: «أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن نظراً». (1/53)
صفحة 54
أو السواك، وشرب العسل، وأكل الكندر وهو اللبان مع السكر. وأكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق تورث الحفظ، ويشفي من كثير من الأمراض والأسقام. وأكل ما يقلل البلغم والرطوبات يزيد في الحفظ، وأكل ما يزيد في البلغم يورث النسيان. ومما يورث النسيان المعاصي وكثرة الذنوب والهموم والأحزان في أمور الدنيا وكثرة الأشغال والعلائق.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بجوامع الكلم والبيان والحمد الله رب العالمين. (1/54)
صفحة 55
ملحق (2)
القصيدة
1 - الحمد لله على ما أتاح من نعم أو نقم قد أزاح
2 - أحمده حقاً وأشكره على الآلاء الظاهرات الوضاح
3 - والصلوات الطيبات على نبيه أحمد زين البطاح
4 - ثم الرضا عن أهل قدوتنا أئمة الدين نجوم الفلاح
5 - وبعد حيا الله حزب الهدى تحية تحكي محيا الصباح
6 - يعبق رباها كنشر الصبا كالمسك ضوعاً ومتى صين فاح
7 - أهلاً بذكراهم وسهلاً بهم ومرحباً بالقسمات الوضاح
8 - إن ازدواج العقد مستحسن ووسط العقد جمال الوشاح
9 - وصنعة الخاتم أعجوبة والفضل للفص لدى الالتماح
10 - إشارة يلمحها ذوالنهى ما أبين الصبح إذا هو لاح
11 - تهتز أعطافي إليهم هوى لكنني عنهم مهيض الجناح
12 - إن أقعدتني عنهم زمن في من الود إليهم مراح
13 - أكرم بحزب وبمحضرة تقطف أزهاراً لكتب فصاح
14 - لولاهم إذ هم مصابيح الدجى نادى عميد الجهل فيحي فياح
15 - أحيوا علوم الدين من بعد ما كادت لتذرها هبوب الرياح
16 - هم لذة الدنيا وسر الفؤاد وقرة العين وأنس الجح لصاح
17 - من قام بالإسلام يحيا به فهو كمن أحيا قتيل الجراح
18 - كذلك من مات على يديه كقاتل الناس جميعاً كفاح (1/55)
صفحة 56
19 - جادتهم الرحمة واصبة ولا عادتهم سفحات النجاح
20 - يا أيها الحزب اسمعواثم عوا قول الأخ النصيح أي النصاح
21 - شيخ تملى دهره حقباً يغدي عليه بالفنا ويراح
22 - أوفى ثنيات الوداع على قصم الثنايا بعد غر صحاح
23 - يوصيكم بالجد والاجتهاد وبازدياد الخير كل صباح
24 - دعاكم الله لدار السلام قولوا ألا لبيك داعي الفلاح
25 - فالله ثم الله في عزمكم ما دامت الارسان طلقاً فساح
26 - جدوا فإن الأمر جد بكم والجد معوان الفهوم لقاح
27 - لا يستوي من جد عزماً كمن قده العجز عن الاكتداح
28 - العلم زين والتقى شرف الصدق تمام الصلاح
29 - وأم دفر كلها ظلم والعلم فيها كتباشير الصباح
30 - من ضيع التعليم في وقته فاخر الصاد يرى كل مطلع صباح
31 - من أدمن الدرس ونادمه بشراه بالعلم على الامتياح
32 - من لم يعود نفسه دائباً قراءة الكتب كليل السلاح
33 - من حالف النوم ولازمه فآية الكهف له في اتضاح
34 - من فارق الإبريق في نسكه جاحت عليه الصلوات وجاح
35 - والعمل المقبول الله لا لعلة أو الجرنفع رقاح
36 - لا ينفع العلم بلا عمل ولا أجم القرن عند النطاح
37 - وشجر الدفلى ذميم الجنى شبها لذي العلم العقيم المصاح
38 - من صاحب الدنيا بغير التقى فهم غثاء وجفاء كساح
39 - لاتجعلوا همتكم همماً فليس من هم الأذى مستراح
40 - إن اقتسام المرء همته تعوقه عن طلبات ملاح
41 - فليجعل الطالب هماته واحدة يغن بها لا براح
42 - من عود النفس كرى عينها الذكر غدا صفر راح (1/56)
صفحة 57
43 - كم فات من أجر أخانومة لاسيما في سحر وفلاح
44 - يا أيها النوام هبوا فقد هبت لكم بالفتيات رياح
45 - فاغتنموا أيامكم إنها سحائب الصيف قشاع سراح
46 - أعماركم أسفاركم فاقتضوا مآرب الأوبات قبل المراح
47 - إن شباب القوم عارية كضيف ليل ومع الفجر راح
48 - فهذه الأنفاس مستامة يسومها الموت غدوا ورواح
49 - فهذه الآجال موقوتة مجهولة الحين غياب المناح
50 - فهذه الأنفاس معدودة وكل معدود سينفد صاح
51 - وهذه الأرزاق مقسومة فهي حظوظ مثل ضرب القداح
52 - وهذه الأسواق منفقة فانتهزوا فرصتها للرباح
53 - إن بقايا العمر عزت بها يستدرك الفوت وتوسي الجراح
54 - أعز من كبريت أحمرا في إعوازه والنور بعد الصواح
55 - لكنها من نعم بسطت مجهولة القدر وشيكاً تزاح
56 - ليس من عوض عادل فافهم كلامي ودع الامتزاح
57 - أقصى من الموتى سويعتكم ليخلفوا الماضي فهيها البراح
58 - أنى لهم ذكراهم بعدما قد غلق الرهن وضاقت فساح
59 - فالدين محض لبن خالص لا يحمل الشوب صافي الضياح
60 - إكماله تطهيره بالوفا من دنس الكسب وفعل القباح
61 - العرض صنو الدين داعمهما بالعلم والتقى وخلق سجاح
62 - يا لهما من جوهرين فمن نقاهما فاز وحاز النجاح
63 - من نصب العلم له بازياً يصد به صيداً كنحل الجباح
64 - فالأكل بالدين حرام ولو كشربة الماء النمير القراح
65 - وشرح ذاك الأكل عن سبب وما أتي عفواً فذاك مباح
66 - إذا زكى كسب زكى عمل ليس النكاح المرتضى كالسفاح (1/57)
صفحة 58
67 - فسعي ذي الكسب الخبيث خبث إن السلاح للحباري سلاح
68 - قيد ربي بالقبول التقى وأصحب الإيمان فعل الصلاح
69 ـ هاتان حكم فيصل بيننا وبين أهل الحشو والاجتماح
70 - شادوا وعادوا هدموا ما بنوا ككاتب قرطاسة ثم ماح
71 ـ لا بد من كشف المغطى غداً فما عسى يغني الظبا والرماح
72 - هناك لا يغنيك مال ولا بنون إلا من أتى بالصلاح
73 - هناك الله الولاية لا كهذه ضوضاة وصباح
74 ـ هناك وجه ناعم ناضر والكالح الباسر وجه وقاح
75 - يا فرحة الصافي المليح ويا ترح المبهرج لدى الافتضاح
76 - هذا زمان ليس يحظى به الأخمول الذكر بادي السماح
77? قعيد بيت وأخو عزلة حتى يوافيه الحمام المتاح
78 - يحفظ من ذيب الهوى شاته ويأخذ القصد من أزكى المباح
79 - لا يرتعي حول الحمى حذراً من وقعة في الحرمات الصراح
80 - فكل راع شبهات الحمى فليس في غيبته من جناح
81 ـ من يدعي الإسلام ليس به فهو کزند ليس يوري شحاح
82 ـ باب الدعاوى عسر مخرجاً لكنه سهل لدى الافتتاح
83 - أشهى من الشهد ولوجاً ولا محصول للدعوى سوى الافتضاح
84 ـ حقائق الإسلام واضحة منيرة غر وضاح نصاح
85 - لها تلألؤ وأشرفها يألفها القلب على الانشراح
86 - عشنا بعصر ما سمعنابه في أعصر من مات فيه استراح
87 ـ فأهله ذبان أطماعهم واهو الديانة ساع الذباح
88 - لهم هراش في معاشهم ولهث في سعيهم ونباح
89 - لا تسألوا عن شأن هذا الورى كل غريق ليس يدري السباح
90 - لم تلق الأذيباً أو أسداً أو ثعلباً أو عقرباً أو أماح (1/58)
صفحة 59
91 - حذار من ذينك أن يخطفوا خطف عقبات لحوم الأضاح
92 - فالدين فذبل طريد غريب مقلص الأفياء واه قراح
93 - لم يبق إلا رسمه أو اسمه وحرمات الله قد تستباح
94 ـ فليبك باك أو ينح نائح فما عسى يجد به صاح وناح
95 ـ وأنشد الله أديباً رأى عيبا أقام العذر لي وأشاح
96 ـ فلست أعني رابعاً للخليل ولا لضليل مجون الملاح
97 .. لكن خطابي للذي يعتني بالعلم والأدب والافتضاح
98 - هذا الكلام والسلاح على كل أديب ما أضاءت براح
99 ـ أبناء جنسي حيثما قطنوا وأينما صلوا بأقصى النواح
100 - خصوا أخاكم بالدعاء إذا قرأتموها واعملوا بالنصاح (1/59)
صفحة 60
ملحق (3)
نسب الدين لإباضية المغرب
الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد فهذا ما ثبت عن العدول الثقاة من مشايخنا العلماء من تسلسل رواية الدين المعبر عنه (نسب الدين)، خلفاً عن سلف من يومنا هذا إلى مصدر الدين كله {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [سورة الزمر الآية: 3].
أخذت الدين أصوله وفروعه عن شيوخي: الشيخ عدون - شريفي سعيد بن الحاج - والشيخ ناصر بن محمد مرموري، والشيخ بكير بن عمر بيوض والشيخ إبراهيم بن عمر آداود، والكل من أهل الحق والدعوة والاستقامة، وهؤلاء جميعاً أخذوا عن الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض والشيخ إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان، كما أني أخذت عن هذين الشيخين مباشرة خاصة عن الشيخ بيوض إبراهيم عن شيخه الحاج إبراهيم بن عيسى الإبريكي والشيخ الحاج عمر بن يحيى ويرو الحاج يحيى، وهذان مع الشيخ أبي اليقظان إبراهيم أخذوا عن قطب الأئمة الشيخ الحاج محمد بن يوسف أطفيش صاحب شرح النيل، وغيره من مؤلفاتها الموسوعية في التفسير والحديث وأصول الدين والفقه واللغة، وأخذ القطب الحاج محمد بن يوسف أطفيش عن (1/60)
صفحة 61
أخيه إبراهيم بن يوسف أطفيش جد الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن الحاج محمد أطفيش كما أخذ القطب أيضاً عن الحاج سعيد بن يوسف وأخذ أيضاً عن الشيخ عمر بن سليمان اليزجني، وهذا عن الشيخ بالحاج بن كاسي بن إسماعيل، وهذا أخذ علمه عن الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم ضياء الدين الثميني صاحب كتاب النيل وشفاء العليل عن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي المليكي عن الشيخ يوسف بن محمد المصعبي عن سليمان أحمد بن الحيلاني الجربي عن أبي القاسم سعيد عن أبي زيد عبد الرحمن بن أحمد الحيلاني، وهؤلاء الثلاثة كلهم من جربه عن أبي يوسف يعقوب بن صالح التندمرتي النفوسي نسبة إلى مدينة تندميرة كانت وما زالت قرية معروفة في جبل نفوسة الجبل الغربي من ليبيا، عن أبي النجاء يونس بن سعيد التعاريتي عن أبي زكرياء أفلح الصدغياني، وصدغيان من جربه، عن أبي عمران موسى بن أيوب ـ (هلا يكون صاحب أو أحد مشايخ ديوان الغار) ـ، عن الشيخ سعيد بن أحمد عن أبي القاسم بن إبراهيم البرادي عن أبي البر صالح بن النجم المغراوي عن أبي عثمان سعيد الزراتي عن إيفاو الأبديلاني النفوسي عن ميمون بن عكيس الورغمي الأبدلاني، (ولعله الأبدلاني كما له نظير في التاريخ أبو الحسن الأبدلاني)، عن الشيخ عيسى النفوسي اليفرني نسبة إلى يفرن إحدى مدن جبل نفوسة المعروفة إلى اليوم بليبيا، عن أبي يعقوب يوسف الباطي عن أبي عمرو عثمان بن خليفة المرغني السوفي عن أبي العباس أحمد أحمد بن بن بكر عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي عن أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (صاحب وواضع نظام الحلقة - حلقة أو نظام العزابة الذي ما زال قائماً إلى (1/61)
صفحة 62
الآن في ميزاب ووارجلان جنوب الجزائر)، عن أبي نوح سعيد بن زمغيل عن أبي خزر يغلى بن زلتاف عن أبي القاسم الحامي عن سحنون بن أيوب عن أبي عثمان سعيد بن أبي يونس عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي عن أبيه عبد الوهاب أبيه عبد الرحمن بن رستم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني عن صحابة رسول الله الله رضي عنهم عن محمد بن عبد الله رسول الله وخاتم النبيين عن الروح الأمين جبريل عليه السلام عن اللوح المحفوظ عن قلم القدرة والعزة عن الله رب العالمين.
تحقيقاً بيد العبدين الفقيرين إلى مزيد من علم الله وهديه وعفوه ومغفرته وفضله ورحمته ورضوان منه أكبر وذلك هو الفوز العظيم.
ناصر بن محمد المرموري
ومحمد بن بابه الشيخ بالحاج القرارة وادي ميزاب الجزائر (1/62)
صفحة 63
ملحق رقم (4)
أعده (أبو عبد الله الرواحي)
لقد حث نبينا محمد على طلب العلم وبين أهميته في حياة المسلم وفضله الذي يحصل عليه طالبه الله تعالى، حتى قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام (طلب العلم فريضة على كل مسلم.
اشتغل علماؤنا بالتعلم والتعليم وألفوا جماً من المدونات رحمهم الله تعالى ونشروا العلم والسيرة الحسنة في بقاع الأرض وما ذلك إلا امتثالية لأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا دليل على اهتمام شيوخنا بالنشء وحضهم على طلب العلم ليسلكوا سبيلاً مستقيماً بالعلم والعمل الصالح الذي يرفعه الله سبحانه وتعالى إليه، وبالعلم يمكننا معرفة مدى تمسكنا بالكتاب والسنة الصحيحة وأن منهجنا اعتقاداً وسلوكاً هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتبعه.
وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ال [سورة الأنعام الآية: 153].
ومن فضل الله تبارك وتعالى أن حفظ لنا معشر الاستقامة ديننا وسلوكنا عبادة ومعاملة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا سواء في المشرق أو في المغرب رغم بعد المسافة (1/63)
صفحة 64
بينهما، فإن عقيدتنا نظيفة واحدة وفقهنا متين متحد وسلوكنا مستقيم ومنسجم، دون الخوض في الفتن والبدع إلا لإظهار الحق واتباع سبيل المسلمين وذلك واضح بين لمن يريد رؤية الحقيقة وسلوك الطريق السوي المستقيم.
الكتب والمخطوطات التي دونها علماؤنا منذ العهد القديم موجودة ناطقة بوحدة المعتقد وقوة الحجة ومتانة المنهج منذ أن دخل الإسلام إلى عمان وانتشر بعد ذلك في المغرب العربي شمالاً وجنوباً.
لقد دون التاريخ ما للعمانيين من شرف وفضل، فإسلامهم كان طواعية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأول من قصد المدينة المنورة مسلماً مازن بن غضوبة السمائلي كما هو معروف. يروى مازناً المذكور قال للنبي صلى الله عليه وسلم - ادع الله تعالى لأهل عمان، فقال رسول الله: اللهم اهدهم وأثبهم فقلت زدني يا رسول الله، فقال: «اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم، فقلت يا رسول الله، البحر ينضح بجانبنا فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا. فقال: «اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم قلت زدني فقال: «اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم قل يا مازن آمين فإن آمين يستجاب عنده الدعاء قال مازن قلت آمين.
ثم إن مازناً وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عام وذكر له أن الله قد هدى قوماً من أهل عمان إلى الدين الإسلامي وما بها من الخصب والخير. فقال: ديني دين الإسلام، سيزيد الله أهل عمان خصباً وصيدا فطوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى ثم طوبى (1/64)
صفحة 65
لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وأن الله سيزيد أهل عمان إسلاماً».
كما نعلم أيضاً وصول وفد عمان إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي الله حيث أثنى الصديق رضي الله عنه على العمانيين، وذلك يدل على سبق الفضل والتقدير من الصحابة رضوان الله عليهم نحو أهل عمان. فالعمانيون إذن أخذوا تعاليم الدين الإسلامي من مصدره ومنبعه ألا وهو الرسول محمد ومن الصحابة، وقد تكفل التاريخ بذكر ذلك. وانتشار الكتب والمخطوطات دليل آخر على استمرار العلم والسيرة الحسنة.
ومنذ ذلك الزمن - أعني زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصحابة استمر العلماء في حفظ السيرة ونشر العلم في عمان وخارجها إلى يومنا هذا ما يدل على عدم التغيير وعدم الانحراف عن صراط الله المستقيم، فلله الحمد والشكر.
إن حملة العلم من العمانيين لا يمكن إحصاؤهم. وفي زماننا هذا - زمن النهضة المباركة تحت قيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله وأبقاه ـ التي أولت اهتماماً بالغاً بنشر العلم في كل الميادين اشتهر علماء أجلاء منتشرون في أنحاء سلطنة عمان بل وخارجها وعلى رأسهم العلامة الجليل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، أبقاه الله تعالى وبارك فيه وفي جميع إخوانه من العلماء وناشري العلم الصحيح. ذلك هو نهج الأباضية - أهل الاستقامة - يقول العلامة الشيخ ناصر بن سالم الرواحي: (رحمه الله):
تحزبت الأحزاب بعد محمد فكل إلى نهج رآه يصير (1/65)
صفحة 66
وقرت على الحق المبين عصابة الميل وقل الأكرمين كثير
هم الوارثون المصطفى خير أمة لمدحهم أي الكتاب تشير
أولئك قوم لا يزال ظهورهم على الحق ما دام السماء تدور
على هضبات الاستقامة خيموا إذا اعوج أقوام وضل نفير
وقال في موضع آخر:
إن يشرف الناس في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإتقان
الله ما جمعوا الله ما تركوا الله إن قربوا الله إن بانوا
هم الأباضية الزهر الكرام لهم بعزة الله فوق الخلق سلطان
لا يعرف العدل إلا في استقامتهم لم يوف إلا لهم في العدل ميزان
وقال:
تدارك وصايا الحق والصبر إنما يفوز محق بالفلاح صبور
وخذ بكتاب الله حسبك أنه دليل مبين للطريق خفير
فما ضل من كان القرآن دليله وما خاب من سيرا القرآن يسير
تمسك به في حالة السخط والرضا وطهر به الآفات فهو طهور
وحارب به الشيطان والنفس تنتصر فكافيك منه عاصم ونصير
دعيت لأمر ليس بالسهل فاجتهد وسدد وقارب والطريق منير
وأسس على تقوى من الله توبة نصوحاً على قطب الكمال تدور
وزن صالح الأعمال بالخوف والرجاء هما جنة للصالحات وسور
وبالعدل والإحسان قم واستقم كما أمرت وبادر فالمعاش قصير
وراقب وصايا الله سراً وجهرة ففي كل نفس غفلة وفتور
وجرد على الإخلاص جدك في التقى ففوقك بالشرك الخفي خبير (1/66)
صفحة 67
وكن في طريق الاستقامة حاذر كمين الأعادي فالشجاع حذور
يجوز طريق الاستقامة حازم على حرب قطاع الطريق قدير
ورافق دليل العلم يهدك إنه طريق يحار العقل فيه وعير (1/67)
صفحة 68
هل تعلم
أن الأباضية لم يكن لمذهبهم اسم، وإنما عرفوا بأهل الاستقامة، وقد سماهم غيرهم بأسماء شتى ومنها ـ الأباضية - نسبة إلى عبد الله بن إباض رحمه الله تعالى.
1 ـ أن جابر بن زيد الأزدي عماني، وهو من التابعين رضي الله عنه، وقد أدرك السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن عباس وسبعين بدرياً من الصحابة رضي الله عنهم، وأخذ العلم منهم جميعاً. ثم إنه أس المذهب الأباضي وسراجه المنير رضي الله عنه وأرضاه.
2 - أن كتاب الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب هو أول كتاب لأحاديث الرسول و و و و و و أن أحاديثه كلها صحيحة ذات السلسلة الذهبية.
- أن الجامع الصحيح قد شرحه نور الدين العلامة المحقق الشيخ عبد الله بن حميد السالمي شرحاً وافياً رحمه الله تعالى. 4 - أن أهل الاستقامة متمسكون بالقرآن والسنة الصحيحة وأن سيرتهم تدل على ذلك. ه ـ أن الأباضية أقاموا العدل والسلام في الأرض بعد زمن الخلفاء الراشدين كما أمرهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ في الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَ اتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمورِ) [سورة الحج الآية: 41]. (1/68)
صفحة 69
6 - أن الأباضية يؤمنون بوحدة الأمة الإسلامية فكتاب الله سبحانه وتعالى واحد ونبينا واحد والدين واحد فالحق مقبول والباطل مردود على صاحبه، يقول الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء الآية: 92].
7 - أن كل العمانيين كانوا من أهل الاستقامة والتاريخ شاهد على ذلك وإنما جاء التغيير بالاختلاط وعدم معرفة أصول العقيدة.
8 - أن في زمن الحجاج عندما كان والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان كان الحجاج يغزو عمان تارة وأخرى، وكان القائم بأمر عمان سليمان وسعيد أبناء عباد بن عبد ابن الجلندى، فخرجا ومن معهما إلى شرق أفريقيا، فربما كان ذلك سبباً في انتشار الإسلام هناك منذ فجر الإسلام.
9 ـ أن متى عرفت وعلمت الصراط المستقيم فلا ينفعك ذلك شيئاً إلا إذا كانت حياتك كلها مبنية على الاستقامة.
10 - أن الخاتمة الحسنة للمتقين والتقوى هي الاستقامة.
والله ولي التوفيق (1/69)
صفحة 70
فهرس الموضوعات
ملحق (1) 44
أخبار من سير الصالحين 51
فائدة ............ 53
ملحق (2) 55
القصيدة .... 55
ملحق (3) 60
نسب الدين لإباضية المغرب 60
ملحق رقم (4) 63
أعده (أبو عبد الله الرواحني) 63
هل تعلم 68 (1/70)