صفحة 1
بحث دكتوراه: أثر الفكر الإباضي في الشعر العُماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
إعداد: محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
المشرف: الأستاذ الدكتور. عبد الجليل عبد المهدي
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الدكتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية
نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ 26 / 7 / 2001م
أعضاء لجنة المناقشة:
الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي / رئيساً
الأستاذ الدكتور إحسان عباس / عضواً
الأستاذ الدكتور هاشم ياغي / عضواً
الأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين / عضواً
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الجامعة الأردنية
كلية الدراسات العليا
قسم اللغة العربية
أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
إعداد
محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
المشرف
الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية
2001م
نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ 26/7/2001م
أعضاء لجنة المناقشة :
الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي / رئيساً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور إحسان عباس / عضواً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور هاشم ياغي / عضواً ... ... ... ... ... ...
الأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين / عضواً ... ... .. ... . ... ...
الإهداء
إلى من أعاد لعمان مكانتها الحضارية في خارطة الكون، فأطلق عنان النهضة المباركة، وفجّر ينابيع المعرفة، سلطان البلاد المفدّى
إلى من تحمّل قساوة البعد ومرارة الفقد، أبي
إلى من تجشمت عناء الغربة، ومشاق الاغتراب بجانبي، أم أزهر
إلى من حملته المسؤولية قبل أوانها، ماجد
إلى جميع ابنائي وفلذات كبدي
إلى من ينشد الحقيقة في رحاب الفكر الإسلامي الشامل، ذوي البصائر النيرة، والعقول المتفتحة، من لا يحجبهم عن نور الحقيقة ظلمات التقليد
أهدى ثمرة هذا البحث المتواضع
الشكر والتقدير
أجد لساني عاجزاً عن التعبير، ليس ببالغ مقام الشكر والإجلال في حق من أفاض عليّ من غزير علمه، وسعة أفقه، الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي المشرف على هذه الرسالة، المتابع لمراحل إنجازها، الذي منحني من وقته، متحملاً عناء متابعة هذا العمل، توجيهاً ونصحاً، ليشكل – بالنسبة لي- مدرسة علمية خلقية، تعكس خلق العالم النزيه، المتحلي بالموضوعية والتواضع، المتصف بالأناة والإخلاص، ما يستحق أن أقف له وقفة عرفان وتقدير. (1/1)
صفحة 2
كما أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى شيخي الجليل وأستاذي الكبير الأستاذ الدكتور إحسان عباس، من غمرني بأبوته، ونثر عليّ من جواهر علمه، وسديد ملاحظاته، ورعى هذا البحث منذ أن كان فكرة، وكان لآرائه أثر واضح في هذه الرسالة. وأتوجه بالشكر الجزيل، إلى الأستاذ الدكتور هاشم ياغي، والأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين أعضاء لجنة المناقشة الذين تفضلوا بالموافقة على مناقشة هذه الرسالة، وتقويمها، وأنا على يقين بأنه ستكون لملاحظاتهم وآرائهم صدى يضيء جوانب هذا العمل، مؤكداً عزمي على الإفادة من ملاحظاتهم، إثراء لهذه الرسالة وتهذيباً لها، والله عنده حسن الثواب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وله الشكر من قبل ومن بعد.
فهرس المحتويات
المحتوى ... الصفحة
قرار لجنة المناقشة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ب
الإهداء ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ج
الشكر والتقدير ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... د
فهرس المحتويات ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... هـ
ملخص باللغة العربية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ح
المقدمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ي
الفصل الأول: حول نشأة المذهب الأباضي وأصوله ... ... ... ... ... ... . ... 1-36
- أصل المذهب وجذوره ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 2-9
- نشأة الإباضية وتطورها ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 10-20
- الإباضية والصحابة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 21-27
- الإباضية والخوارج ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 28-33
- ركائز الفكر الإباضي ... 34-36
الفصل الثاني: الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي ... 37-90
(أثر الفكر العقائدي) ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أ- الذات الإلهية
1- التوحيد والتنزيه ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 39-41
2- الرؤية ... . ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 42-53
3- الصفات ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 54-62
ب- المعاد واليوم الآخر ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... 63-77
1- حكم مرتكب الكبيرة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 64-70
2- الشفاعة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 71-74
3- الصراط والميزان ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 75-77
جـ- الولاية والبراءة ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 78-83
د- خلق القرآن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 84-90
المحتوى ... الصفحة (1/2)
صفحة 3
الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 91-158
1- الإمامة وتقاليدها ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 92-97
2- الإمام وصفاته ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 98-100
3- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح ... ... ... ... ... .. ... 101-141
أ- المديح الفردي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 101-109
ب- المديح الجمعي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 110-113
جـ- شخصية الإمام ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 114-120
د- صورة الإمامة ... ... ... ... . ... ... ... ... .. ... ... ... 121-123
هـ- نصح الأئمة وإرشادهم ... ... ... ... ... ... ... ... ... 124-126
و- وصف جهاد الأئمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 127-130
4- تحريم الخروج على الإمام العادل ... . ... ... ... ... ... .. ... 131-134
5- موقف الإباضية من الحاكم الجائر ... ... ... ... ... ... . ... 135-139
6- الموقف من التكسب بالشعر ... . ... ... ... ... ... ... ... .. ... 140-141
7- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء ... . ... ... ... ... .. ... 142-158
أ- رثاء الأئمة ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... 142-148
ب- رثاء الإمامة ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 149-152
جـ- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية ... ... ... ... ... ... 153-158
الفصل الرابع: ظواهر أخرى ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 159-200
- شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي ... ... ... . ... 160-178
- الحماسة في الشعر الإباضي ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 179-188
- الشكوى في الشعر الإباضي ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 189-194
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي ... ... ... ... ... ... . ... 195-200
الفصل الخامس: السمات الفنية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... 201-293
- التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها ... ... ... ... ... ... ... ... 202-212
- بناء القصيدة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 213-228
المحتوى ... الصفحة
- اللغة والأسلوب ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 229-293
أولاً: المؤثرات العامة
1- القرآن الكريم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 232-240
2- الحديث الشريف ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 240-242
3- التراث الشعري ... ... ... .. ... ... ... .. ... ... ... 243-253
4- بين الشعر والتاريخ ... ... ... ... ... ... ... ... ... 254-259
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية ... . ... ... ... ... ... ... ... ... 260-293
1- ألفاظ وأساليب تراثية ... .. ... ... ... ... ... ... ... 260-262
2- ألفاظ ومصطلحات إباضية ... .. ... ... ... ... ... 263-273
3- التكرار ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 274-281
4- التوازي والتقسيم ... . ... .. ... ... ... ... ... ... ... 282-285 (1/3)
صفحة 4
5- الأسلوب الخطابي ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... 286-293
الصورة الشعرية ... ... . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -305
الخاتمة ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -313
المصادر والمراجع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -334
الملخص باللغة الإنجليزية ... .. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -337
الملخص
أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
إعداد : محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
المشرف: الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي
... سعت هذه الدراسة إلى الكشف عن أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين بغية التعرف على منطلقات الشاعر العماني، ومدى ارتباطه بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية. ومن أجل ذلك حاول الباحث إعطاء لمحة عن هذا الفكر لبيان مدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه.
... إن الأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم هذا الفكر وملامحه الكلية، لاستشراف أثره في الشعر العماني على وجه التعيين، دون إغفال للجانب الفني والأسلوبي.
... وقد ركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هوية المذهب الإباضي بما يهيء لإدراك عمقها التاريخي، لما تركته من سمات بارزة في إبداع المبدعين.
... وعنيت الدراسة بإلقاء الضوء على نشأة المذهب الإباضي وأصوله التاريخية، وركائزه الفكرية وأثر ذلك في شعر شعراء هذه الفترة الزمنية، وتوصل الباحث إلى أنّ حادثة التحكيم، وما نجم عنها تركت أثرا بينا في نفوس عدد من الشعراء الإباضيين الذين استلهموا عددا من نصوصهم الشعرية من هذه الحادثة كما اتضح من خلال الفصل الأول. (1/4)
صفحة 5
... بينما تكفل الفصل الثاني ببحث أثر الفكر العقائدي في نتاج الشعراء الإباضيين في الزمان المحدد، وتوصل الباحث إلى أنه قد تفاوت هذا الانعكاس بين رأي عقائدي وآخر، ففي حين بدا تأثر الشاعر الإباضي بمسألة الرؤية والصفات والتوحيد والتنزيه، فأخذت قضية الرؤية حيزا في شعرهم بين قصائد مستقلة، وانعكاس غير مباشر ضمن أغراض أخرى كما كشفت ذلك الدراسة، نجد أن هذا الأثر يخف في القضايا الخلافية الأخرى، مثل خلق القرآن والشفاعة والصراط والميزان.
... وجاء الفصل الثالث للحديث عن أثر الفكر السياسي، منتظماً في عدة مباحث درست أثر ذلك الفكر في الشعر، من خلال تأثيره في قصيدة المديح والرثاء على وجه الخصوص، سواء كان ذلك في المديح الفردي الذي تكفل بالإفصاح عن صفات الأئمة وصورتهم في المجتمع الإباضي، أو المديح الجمعي الذي رسم صورة أئمة الإباضية الأوائل، وهي صفات تعكس البعد السياسي للفكر الإباضي، ضمن تجسيد لملامح الأئمة الإباضيين وصفاتهم، وكما وصف الشاعر الإباضي شخصية الإمام، فإنه عكس صورة الإمامة ذاتها، فجسَّدها ووضح محاسنها. واسترعى انتباه الباحث قضايا وظواهر أثرت وتأثرت بالفكر الإباضي متمثلة في شعر الزهد والسلوك والحماسة والشكوى والمكان كما جاء في الفصل الرابع.
... وتخصص الفصل الخامس لدراسة أهم الخصائص الفنية التي اتسم بها الشعر الإباضي المتصل بجوانبه الفكرية، ومن خلال ذلك أمكن التعرف على مدى ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين بالانتماء الفكري، المتجذر في نفوسهم المتصل بعقيدتهم، واتضح أن عددا منهم أوجد نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة، ووظف كثير منهم فنه لخدمة فكره ومجتمعه، لتنطلق تجاربهم الشعرية ولغتهم وصورهم من بنيتهم الثقافية وخلفيتهم الفكرية.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة (1/5)
صفحة 6
يتميز الشعر العماني بسعة عطائه، وقوة انتمائه وخصوصية تفاعله، والشعر العماني – على وجه الخصوص- مرتبط أشد الارتباط بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية، وغير الفكرية. والجانب الفكري يعد أحد جوانب العمل الشعري وذلك إذا استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية والتعبيرية.
... وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولاً، فإن استيضاح أثر الفكر في الأدب عموماً وفي الشعر خاصة، أمر يستدعي مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين.
... وبما أن الشعر مرتبط أشد الارتباط بثقافة الشاعر، ومنطلقاته الفكرية، فإنّ مثل هذه الدراسة تعد مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة، ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
... والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلا عريضا لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين، بزمانها المحدد، دون إغفال للجانب الفني والأسلوبي.
... ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الأمة في عصر الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث، تمثل تيارات سياسية ودينية انثبق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهم الأصول الفكرية للمذهب قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني.
... ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هوية المذهب، كما تمثل رمز أصالته، بما يهيء لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين. (1/6)
صفحة 7
... ومن الطبيعي أن الفكر الإباضي يلتقي في كثير من أصوله مع فكر فرق إسلامية أخرى، وذلك ناشئ عن وحدة المصدر الذي تستمد منه كل تلك الفرق مبادئها وأفكارها، وما دام البحث محصوراً في الفرقة الإباضية، فلا ضرورة لبيان ما تفترق عنها الفرق الأخرى من مبادئ، لأننا إذا نجحنا في بناء أهم عناصر المنظومة الفكرية الإباضية، فإن ذلك كفيل بإبراز المواقف الخلافية لدى الفرق الأخرى.
... إن الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلامي شامل، فهو جزء من نسيجه، يخضع لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من خلالها.
... وقد سعى البحث للإجابة عن التساؤلات التالية:
- من هم الإباضية؟ ومن هو إمامهم ومؤسس مذهبهم الحقيقي؟ وما الضّيرُ في أن يُنْسبَ المذهب إلى عبد الله بن إباض، وهو واحد منهم؟ ولماذا لم ينسبوا إلى جابر بن زيد، في حين أنهم يرونه المؤسس الأول لمذهبهم، والمقعّد لفكرهم؟ ثم هل الإباضية فرقة من الخوارج كما تورد ذلك كتب المقالات؟ ولماذا يرفض الإباضيون إلحاقهم بالخوارج، وينفرون من الانتساب إليهم؟ وما الفرق بين الإباضية والخوارج؟ ومن هم الخوارج في نظر الإباضية؟ وما أهم أصول الفكر العقائدي والسياسي عند الإباضية؟ وإلى أي مدى أثر الفكر عند الشاعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين؟
... كل هذه الأسئلة وغيرها لا بد من التعرض لها، لأنها تشكل أهمية كبرى في فهم صيرورة الفكر الإباضي من جهة، ولأنها أمور شغلت بال الأدباء والشعراء الإباضيين عبر القرون من جهة أخرى.
... وتقوم خطة الدراسة على منهجين:
المنهج الأول: منهج تحليلي تاريخي، يُعنى برصد معالم الفكر الإباضي التي انعكست آثارها في الشعر العماني خلال الفترة المذكورة. (1/7)
صفحة 8
المنهج الثاني: منهج تحليلي أسلوبي وفيه يتم استشراف آفاق تجلي الفكر في الشعر وبيان أثره من خلال المزج بين الدراسة الفكرية وأثرها في الشعر، اعتمادا على النصوص الشعرية، للكشف عن أهم الموضوعات الفكرية التي انعكست آثارها في تلك النصوص.
... وفضلاً عن المصادر المعنية بالفكر عموما التي عاد إليها الباحث، وهي تمثل منظومة الفكر الإباضي، وتراثه المطبوعة والمخطوطة، فإن الباحث انصبَّ اهتمامه على استقراء النصوص الشعرية خلال قرنين من الزمان، توزعت بين دواوين مستقلة ومجموعات شعرية، ومختارات أدبية.
... وانتظمت خطة البحث في خمسة فصول وخاتمة.
... تكفل الفصل الأول بإلقاء الضوء على نشأة المذهب الإباضي وبيان أهم أصوله العامة.
... أما الفصل الثاني فقد عني ببحث أثر الفكر العقائدي، فدرس ذلك ضمن الظواهر الكبرى فيه ، وهي:
- الذات الإلهية.
- المعاد واليوم الآخر.
- الولاية والبراءة.
- خلق القرآن.
... وجاء الفصل الثالث للحديث عن أثر الفكر السياسي، منتظما في عدة مباحث درست أثر ذلك الفكر في الشعر متمثلاً في العناوين التالية:
- الإمامة وتقاليدها.
-الإمام وصفاته.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح.
- شخصية الإمام.
- صورة الإمامة.
- نصح الأئمة وإرشادهم.
- وصف جهاد الأئمة.
- تحريم الخروج على الإمام العادل.
- موقف الإباضية من الحاكم الجائر.
- الموقف من التكسب بالشعر.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء.
- رثاء الأئمة.
- رثاء الإمامة
- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية.
وتخصص الفصل الرابع لدراسة "قضايا وظواهر أخرى" تركت بصمات واضحة في نتاج الشعراء الإباضيين متمثلة في الموضوعات التالية:
- شعر الزهد والسلوك بين التأثر والتأثير.
- الحماسة في الشعر الإباضي.
- شعر الشكوى.
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي.
وجاء الفصل الخامس لدراسة أهم الخصائص الفنية التي اتسم بها الشعر الإباضي المتصل بجوانبه الفكرية ضمن المحاور التالية: (1/8)
صفحة 9
- التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها.
- بناء القصيدة.
- اللغة والأسلوب.
- الصورة الشعرية.
... وانتظمت هذه المباحث في مطالب جزئية عالجت فيها خصوصيات هذا الشعر وانطلاقاته الفكرية، مستعرضا خصوصية التجارب الشعرية لعدد من الشعراء الإباضيين، ومن ثم درست اللغة الشعرية مركزا على المؤثرات الدينية والحضارية، التي شكلت هذه اللغة وكيف تعاملوا معها، مع الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية البارزة في شعرهم، في محاولة لرصد بعض الأساليب والتقنيات اللغوية التي تعامل معها الشعراء الإباضيون في هذه الفترة.
... وأنهيت البحث بخاتمة تضمّنت أهم النتائج التي تم التوصل إليها، على ضوء دراسة الظواهر الكبرى للفكر الإباضي في شعر إباضية عمان في الزمن المحدّد.
... وإذا كان جمع المادة الشعرية المتصلة بالبحث أحد الصعوبات التي أخذت وقتاً وجهداً من الباحث، فإنّ تلك الصعوبة تهون في مقابل الصعوبات الأخرى، المتمثلة فيما اقتضته منهجية الدراسة بفصولها، ومباحثها، وذلك عندما جمع الباحث في دراسة "المكان عند الشاعر الإباضي" بين الجانبين الموضوعي والفني، مع حذر الباحث من الإمعان في هذا التداخل، كي لا يؤدي إلى كسر المنهجية، مع إيمانه الراسخ، أن هذه التقسيمات تؤدي كلها في النهاية لخدمة غرض الباحث في بيان ما تركه الفكر الإباضي من أثر لدى الشاعر العماني، موضوعياً وفنياً، فضلاً عن تركيز الدراسة على نتاج شعراء معينين، نظراً لانعكاس الفكر الإباضي في شعر أحدهم أكثر من غيره.
... وختاماً، فإن الباحث اعترافا بالجميل، يؤكد أنه ما كان لهذه الدراسة أن تصل إلى هذا المستوى، لولا توجيهات أساتذة فضلاء، وعلماء أجلاء، منحوه من وقتهم، ولم يبخلوا بسديد توجيهاتهم، وفي مقدمتهم شيخي الجليل، وأستاذي الفاضل العلامة الدكتور إحسان عباس، الذي فتح لي أبواب بيته العامر، ومكتبته الزاخرة، وعلمه الغزير، ما غمرني بأبوبته، مفيضا عليّ من نصائحه، وسديد ملاحظاته. (1/9)
صفحة 10
... كما أنه من الواجب علي أن أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى أستاذي الجليل، المشرف على هذا البحث، والمتابع لمراحل إنجازه، الذي طالما أزعجته فتحملني، الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي، حيث لم يأل جهداً، ولم يدّخر نصيحة فشكل –بالنسبة لي- مدرسة علمية خلقية، حين وجدته يعكس خلق العالم النزيه، المتحلّي بالموضوعية والتواضع، المتصف بالأناة والإخلاص ما يستحق أن أقف له وقفة عرفان وجميل.
... وأوكد أن إيجابيات هذه الرسالة، نتيجة حقيقية، لمضمون تلك التوجيهات، ودلالة تلك العناية، بينما سلبياتها، من نصيب الباحث وحده، الذي يلتمس العذر من أساتذته في تجشمه لموضوع بكر، لم تسبق معالجته، وحسبه أن قدّم دراسة، تثير عدداً من التساؤلات، قد تكون فاتحة لدراسات وبحوث قادمة، بمشيئة الله.
... كما أنه من الواجب الإشارة إلى أن الباحث، ينتظر ملاحظات لجنة المناقشة، التي سيكون لها أكبر الأثر في تقويم سقطاتها، وتهذيبها، بما يخدم موضوع الرسالة، سائلاً المولى عز وجل مزيداً من العناية والرعاية، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ رئيس قسم اللغة العربية وآدابها
تحية طيبة وبعد
... فان رسالة الطالب (محمود بن مبارك بن حبيب السليمي) التي يقدمها للمناقشة للحصول على درجة الدكتوراه، صالحة للمناقشة.
ولكم التقدير والاحترام
أ.د. عبد الجليل عبد المهدي (المشرف)
أ.د. إحسان عباس (عضواً)
أ.د. هاشم ياغي (عضواً)
أ.د. إبراهيم السعافين (عضواً)
الفصل الأول
حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله
- أصل المذهب وجذوره.
- نشأة الإباضية وتطورها.
- الإباضية والصحابة.
- الإباضية والخوارج.
- مدخل تاريخي:
-1-
أصل المذهب وجذوره (1/10)
صفحة 11
... شكلت موقعه صفين عام 37هـ (1) وما نتج عنها منحنى جديدا في التاريخ الإسلامي، حين أفضت إلى قضية التحكيم، وإلى ما نجم عن التحكيم نفسه، إذ وقف ضد التحكيم جماعة كبيرة من أنصار الإمام علي ورأوا في قبوله التحكيم – وهو إمام منتخب- مساواة له بموقف خصمه، وذهبت إلى أن التحكيم ليس من حق البشر بل من حق الله سبحانه وتعالى، ورأت رفض التحكيم كما رأت الاستمرار في قتال الفئة الباغية (2) منبّهة على ما ينطوي عليه الموقف من خديعة ومكر، كان الإمام عارفاً بها حتى قال لما رفعت المصاحف "والله ما كتاب الله يريدون" (3)
__________
(1) انظر: ابن سعد: الطبقات: 3/32، 4/255، 256، ابن خياط: التاريخ: 116.
(2) أبو الخطاب: عمر بن الحسين بن دحية الكلبي، أعلام النصر المبين. 84، 85.
(3) المصدر نفسه، 113. (1/11)
صفحة 12
... وعلى أثر هذا التحكيم، انفصل عن جيش الإمام علي مجموعة من القراء، لأنهم رأوا أن قبول التحكيم خطأ ارتكبه الإمام وهو يتحمل تبعة موافقته باعتباره رأس الحكومة الإسلامية، ونظرا لاعتقادهم أن منصب الخلافة بات شاغرا بفعل الموافقة على التحكيم، الذي أفقد الخليفة حقه في الإمامة (1) فقد اجتمعوا في بيت عبد الله بن وهب الراسبي (2) وقرّروا اختياره أميرا عليهم (3) واعتزلوا ناحية النهروان (4) ونسب اليهم مقتل الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت، على يد مسعر بن فدكي الذي كان قد انضم إلى راية أبي أيوب الأنصاري قبل موقعة النهروان، كما يروي ذلك البلاذري والأشعري. (5)
... وتذهب رواية المؤرخ الإباضي الشماخي، إلى أنه عندما وصل مسعر بن فدكي إلى أهل النهروان أنكروا ما فعله، وهمّوا بقتله، ففرّ منهم، وبرئوا منه، فخرج يستعرض الناس. (6) وكان عبد الله بن وهب "كارها لذلك كله، وكذلك أصحابه" (7)
... ويمكن للباحث أن يستنتج مما تقدم أموراً منها:
__________
(1) القلهاتي: الكشف والبيان، 2/241، وانظر: محمود اسماعيل، قضايا في التاريخ، 8.
(2) عبد الله بن وهب الراسبي (ت38هـ) ولد بعمان من قبيلة الأزد، هاجر إلى المدينة عام 9هـ، صحابي جليل، عرف بالعلم والصلاح والعبادة، شارك في فتوح العراق، وفي صفين، ولما حصل التحكيم، رفضه مع من رفض بايعه المحكمة، وقتل مع من قتل من أهل النهروان. انظر معجم أعلام الاباضية من ق1-ق15هـ الجزء الثالث 580-583.
(3) انظر هاشم بن غيلان: السير والجوابات، مخطوط، 160، أبو قحطان، السير، مطبوع: ج1، 107، الفكهاني: الكشف والبيان، 2/239. البرادي: الجواهر/ 129.
(4) الشماخي: السير، 1/50.
(5) البلاذري: الأنساب، 2/361، الأشعري، مقالات الإسلاميين، 43 الطبري: تاريخ 3/121 وانظر: السابعي: ناصر، الخوارج والحقيقة الغائبة، 127.
(6) الشماخي: السير 1/50.
(7) الأشعري : مقالات الإسلاميين، 43. (1/12)
صفحة 13
- أن مسعر بن فدكي لم يكن من الذين انحازوا إلى النهر بداية وأن ما قام به لا يمثل الاتجاه الذي سار عليه المحكمة وأن فعلته قد تبرّأ منها المحكمة، بدليل الروايات التي تشير الى طرده.
- ولا يمثل مسعر بن فدكي المحكمة في تصرفه، وبما أن كثيرا من الروايات تلقي على هذه الحادثة السبب في موقعة النهروان، فقد تكون هذه الحادثة مدبرة للإيقاع بين الإمام والمحكمة. (1)
... فالإباضية لا يقرون بالروايات التي تلقي بمسؤولية قتل عبد الله بن خباب على المحكة أهل النهروان، إذ يرون أن العصابة المعترضة ليست منهم، وهم براء من ذلك. (2)
... على أن رؤية الإباضية إلى هذه المسألة رؤية وسطية، تأخذ بالأحوط، فيعدونها فتنة بين الصحابة، يعذر فيها الجميع، نظرا للثقة في سلامة نية كل طرف، وحسن الظن بكل فريق، لاعتقاد كل فريق أن مسلكه هو الحق" (3) ولكنهم يطالبون بأن توزن الفتن الواقعة في صدر الإسلام كفتنة الدار والجمل وصفين، بميزان واحد، باعتبارها أحداثاً بين الصحابة، والظروف فيها متشابهة، والقائمون فيها من الجانبين طلاب حق، سواء أخطأوا فيه أم أصابوا" (4) أما أن يُكفَّرَ بعضُهم، ويُخْرَجَ من الملة، مع الإقرار بسلامة نيتهم، فإنه أمر لا يقبلون به.
__________
(1) انظر محمود اسماعيل، قضايا في التاريخ الإسلامي، 55، وسامي صقر: الإمام جابر بن زيد، ر.ج، 35.
(2) اطفيش: محمد بن يوسف، شرح لامية ابن النظر، مخطوط، ج2، 766.
(3) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 380.
(4) المصدر نفسه، 381. (1/13)
صفحة 14
... ونظراً لما تمثله هذه الحادثة في نفوس الشعراء الإباضيين، فقد انعكس في نتاجهم تأثيرها على شعرهم، مما يدل عل بقائها حية في نفوسهم، وتجلّت هذه الحادثة أكثر ما تجلّت لدى الشاعر العماني أبي مسلم الرواحي (1) فقد استلهم منها عددا من قصائده التي جاءت مطبوعة بطابع البعد الفكري، كما يبدو في قصيدتيه "النهروانية" و"أشعة الحق" (2)
... إننا لسنا بحاجة للحديث عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أوجدت هذا النص، ولكننا نتحدث عن الأساس الذي شكل منطلقاً للشاعر بما يكشف عن البنية الثقافية والمنطلقات العقائدية والخلفية التاريخية التي جعلته يمجّد هذا الفكر، ويستمد من ذلك العطاء، فاستطاع أن يجعل الشعر خادما للعقيدة أو ما يُسمّى عند النقاد بالتلازم بين الفن والعقيدة (3) . ومن يقرأ هذا النص لا يستطيع أن يتجاوز مجموعة الحقائق التاريخية بروآها الجدلية والسياسية، وما تختزنه ذاكرة التاريخ، دون الولوج في خضم تلك الحقائق والمعطيات التاريخية، والقناعات الفكرية للشاعر.
... وليس المهم في هذا النص مجموع الأفكار، بل ما فيه من بنية فنية تنتظم هذه الأفكار، على حد قول لوسيان جولدمان "المهم ليس الفكرة في حد ذاتها، بل المهم إدخالها في نسق عام، أو جعلها أساساً لنسق جديد" (4)
__________
(1) الرواحي: ابو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني الرواحي (1273هـ/1856م-1339هـ/1920م) عالم، قاض، مؤلف، محقق، شاعر، ولد بوادي "محرم" من أعمال مدينة "سمائل" في داخلية عمان، لقب بأعلم الشعراء، وأشعر العلماء، نبغ في الشعر، وفاق أقرانه، له عدد من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة. للمزيد ينظر: الخصيبي: محمد ابن راشد، شقائق النعمان، 3/205.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 204-218.
(3) د. إحسان عباس، شعر الخوارج، 204.
(4) انظر: عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص، 65. (1/14)
صفحة 15
... وقد استطاع الشاعر أن يوائم بين صراحة التعبير وحرمة الشخصيات في قصيدته، ففي خطابه لبني هاشم عموما وللإمام أبي الحسن على وجه الخصوص، تتبدى مظاهر الحسرة والتفجع والتأثر بمقتل سادات النهروان، مستهلاً ذلك بالحديث عن افتراق الصحابة، وثبات عصابة قليلة على الحق، ثم ينتقل إلى معاتبة بني هاشم حيث يقول:
تحزّبت الأحزابُ بعدَ محمدٍ ... فكلّ إلى نهج رآهُ يصيرُ
وقرّت على الحقِّ المبين عصابةُ ... قليلُ وقلّ الأكرمينَ كثيرُ (1)
ثم ينتقل لمخاطبة بني هاشم بقوله:
بني هاشمٍ عمدْاً ثللتم (2) عروشكُمْ ... وفي عبد شْمس نجدةُ وظهورُ
على غيرِ ذنبٍ غير إنكار قسطهمْ ... وللجور من نفس المحقِّ نكيرُ
قتلتم جنوداً حكمّوا لله لا سوَى ... وقالوا عليّ لا سواهُ أميرُ
فيالدماء في حروراء غودرتْ ... تمورُ وأطباقُ السّماء تمورُ (3)
فالشاعر أبو مسلم الرواحى يرى أنّ أهل النهروان قتلوا ظلما، ولم يكن لهم من ذنب سوى رفض التحكيم، والتمسك بخلافة الإمام علي، وهم بذلك قد قضوا على أهم أنصارهم.
ويشير الرواحي إلى مكيدة رفع المصاحف قائلاً:
على أنْ علتّ فوق الرّماحِ مصاحفٌ ... ونادَوْ إلى حُكْم الكتابِ نصيرُ
مكيدةُ عمرو حيثُ رثّتْ حبالُه ... وكادت بحورُ القاسطينَ تغورُ (4) (5)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 208.
(2) ثللتم: الثلل، الهلاك، وُثلّ عرش فلان، هدم وزال، وثلّ الله عرشهم: أي هدم ملكهم، ينظر: اللسان، مادة: ثلل.
(3) المصدر نفسه، 210.
(4) المصدر نفسه، 270.
(5) رثّت حباله، رث: أي بليت وأخلقت، وحبل رث أي بال، ينظر: لسان العرب، مادة رثث. (1/15)
صفحة 16
ويحذر الشاعر الخليفة من هذا التحكيم، ومغبة الموافقة عليه، في نبرة عتابية، مضيفا هالة من التقدير والإجلال لشخص الإمام، ومبينا أهم الملاحظ التي يؤاخذ الإباضية الإمام عليا فيها، فهو وإن كان صحابياً جليلاً لكنه بشر، يصيب ويخطئ، وهذه مسألة مهمة عند الإباضية، ولذا نرى الشاعر يكرر النداء للإمام علي في ثمانية أبيات متتالية، وهو يسترجع تلك الأحداث وكأنه أحد شهودها، مبينا منطلقات خصمه، وسوابقه، منهياً خطابه بالإشادة بالإمام علي والتساؤل عما ألجأه إلى التحكيم قائلاً:
أبا حسنٍ ذرها حكومة فاسقٍ ... جراحاتُ بدرٍ في حشاه تفورُ
أبا حسنٍ أقدم فأنت على هُدى ... وأنت بغاياتِ الغويِّ بصيرُ
أبا حسنٍ لا تُعطينَّ دنيةً ... وأنت بسلطان القدير قديرُ
أبا حسنٍ لا تنس أحداً وخندقاً ... وما جرّ عير قبلها ونفيرُ
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ... ... ...
فمالك والتحكيمُ والحكمُ ظاهِرُ ... وأنت عليٌّ والشّآمُ تمورُ (1)
ويعقد الشاعر مقارنة بين موقف الإمام علي من معاوية وصحبه، حينما أوقف القتال، وبين موقفه من "المحكمة" "حزب الله" كما سماه:
أتغمدُه عن عبد شمس وحزبها ... ويلفح حزبَ الله منه سعيرُ (2)
ويأسف الرواحي على ما آل اليه أمر الإمام بعد مقتل أهل النهروان، حيث لم تقم له قائمة تذكر، ولم يجد من أهل العراق إلا التسويف والمماطلة على كثرة محاولاته، وتعدد خُطبه فيهم، وكأن قلوبهم صخور جامدة:
تنازعُها سلَّ السيوفِ فتلتوي ... وتخطبُ فيها والقلوبُ صخورُ (3)
وهنا يتخيل الشاعر تذكّرَ الامام علي أصحابه من أهل النهروان، الذين لم يتخلفوا عن دعوته قط. بل طالما لبوا نداءه، ومن ثم اتخذ أبو مسلم من هذا الموقف متكأ لمعاتبه الإمام أبي الحسن على إراقته دماء أولئك المؤمنين فيخاطبه، ويقيم معه حواراً مباشراً وصريحا حين يقول:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 210.
(2) المصدر نفسه، 211.
(3) المصدر نفسه، 211. (1/16)
صفحة 17
نشدت دويَّ النّحلِ لما فقدتَهمْ ... ويعسوبُ ذاك النحلِ عنه خبيرُ (1)
عليّا أمير المؤمنينَ بقيةَ ... كانّ دماءَ المؤمنين خمورُ
سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم ... فأنت على أيّ الذنوب نكيرُ
وما الناس إلا مؤمنُ أو منافقُ ... ومنهم حجودُ بالإله كفُورُ
وقد قلتَ ما فيهم نفاقُ ولا بهم ... حجودُ وهذا الحكمُ منك شهيرٌ
فهل أوْجبَ الإيمانُ سفكَ دمِائهم ... وأنت بأحكام الدّماء بصيرُ
تركتهم جزرَ السباع عليهم ... لفائفُ من إيمانهم وستورُ
مصاحفُهم مصبوغةُ بدمائِهم ... عليهنًّ من كَتْبِ السّهام سطورُ
وكنْت حفيّايا ابنَ عمّ محمدٍ ... بحفظِ دماءٍ ما لهنَّ خطيرُ
وكنت حفيّا أن يكونوا بقيةً ... لنصرك حيث الدائرات تدور (2)
ويخاطب أبو مسلم، في موقفٍ آخر من يعيب على الإباضية توليهم لأهل النهروان، عادا من يقدح في أهل النهروان كمن يقدح في دين الله ويعيبه، لإنهم حجة الله في أرضه مستخدماً لفظة أهل الإستقامة، وهو مصطلح إباضي:
يا منْ أعاب على الأبرار نخلتهم ... أعبتَ ويلكَ دينَ الله عن بصرِ
هم حجةُ الله أهلُ الاستقامةِ ما ... خامَتْ عزائُمهمْ عن آيةِ الزّمرِ (3)
محكمين بَراءُ من معاويةِ ... ومن عليِّ ويا ليت الأخير بري (4)
ويتمنّى الشاعر عدم حصول التحكيم رادا أسبابه لما يخفي وراءه من ضغائن، وما يحمله من أحقاد وما يتلبس وراءه من ثأر قديم، فيقول:
ليت الحكومة ما قامت قيامتها ... وليتها من أبي السّبطين لم تصر
ملعونةُ جعلتها الشام جُنّتها ... من ذي الفقار وقد أشفت على الخطرِ
عجّتْ بتحكيمِ عمرو بعد ما حكمت ... همدانُ فيها بحكم البيضِ والسّمُرِ
تباً لها رفعت كيداً مصاحفها ... ومقتضاهُنَّ منبوذُ على العفرِ
__________
(1) يعسوب: اليعسوبُ أمير النحل وذكرها وهو السيد والرئيس والمقدم، وأصله فحل النحل، ينظر لسان العرب: مادة: عسب.
(2) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 211.
(3) خام: أي نكص وجبن، ينظر: لسان العرب مادة: خَيَمَ.
(4) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 215. (1/17)
صفحة 18
مهلاً أبا حسنِ إن التي عرضتْ ... زوراءُ في الدين كنْ منها على حذر
ضغائنُ اللاّتِ والعُزّى رقلن بها ... تحت الطّليق وعُثمانيّة الأشر (1)
ويشير الشاعر إلى تعلق معاوية بشبهة الثأر لعثمان، الذي تقاعس عن نصرته في وقت الحاجة اليه، حتى إذا ما قُتل، استعمل هذه الحادثة حُجّة للمطالبة بدم عثمان، وهي كلها تعلقات لا تخفى على ما كان يهدف من ورائها يقول:
ما لابن هندٍ بثار الدار من غرض ... له مرامٌ وليتَ الدارَ في سقرِ
لقد تقاعدَّ عنها وهي مُحْرَجةٌ ... حتّى قَضت فقضى ما شاء من وطَرِ
ينوح في الشّام ثكلى ناشراً لهمٌ ... قميصَ عثمانَ نوْحَ الوُرق بالسّحرِ
حتّى إذا لَفَّ أولاها بآخرها ... بشبهة ما تُغطيّ نقرة الظّفرِ
أتاكَ يقرعُ ظنبوب الشقاق له (2) ... روقان في الكفر من جهلِ ومن بطرِ
يدير بين وزيريه سياستهُ ... عمرو وأبليس في ورد وفي صدَرِ (3)
ويخاطب الإمام عليا، متسائلاً كيف انطلت عليه خطة التحكيم وهو أعلم أهل الأرض قاطبة، فيقول:
متى جهلتَ أبا السبطين خطّتهُ ... وأنت أعْلم أهل الطين والوبرِ
حاكمته بعد ما ألحمته قرماً ... بعقر سبعين ألفاً عقرة الجُزرِ
حاكمته بعد عمّار وروحته ... إلى الجنان وبعد السادة الطهّرِ
حاكمتهُ بعَد حكم الله فيه بما ... يشفى الغليلَ وقد أيقنتَ بالظّفرِ
أقمت في البغي حدّ الله أولها ... ففيم تستنُّ بالتحكيم في الأخرِ (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 125.
(2) الظنبوب: حرف الساق اليابسِ من قِدمَ، وقرع لذلك الأمر ظنبوبه، تهيّء له، لسان العرب مادة: ظنب.
(3) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، 216.
(4) المصدر السابق، 216. (1/18)
صفحة 19
ثم يعاتبه على قبوله التحكيم مع أنه أعلم الناس بالدماء وأحكام البغاة، ويتساءل عن فائدة مقاتلة معاوية بعد ذلك، إذ يرى الشاعر أنه بعد الرضى بالتحكيم لم يصبح هنالك معنى للقتال لكل من رضي به أو عارضه، لماذا؟ لأن أبا مسلم الرواحي، كغيره من الإباضية المصوبين للمحكمة، يرى أن التحكيم قد أفقد الإمام حقه في الإمامة، حيث يقول:
فيم الحكومةُ أخزى الله ناصبَها ... لم يترك اللّهُ هذا الحكمَ للبشرِ
ولستَ في ريبةِ مما عنيت به ... ولا القضاءُ قياسيٌ على صورِ
فما قتالك يعد الحكم راضيه ... وما قتاُلك من لم يرض بالنّهرِ
وما قتالُ ابْن صخر بعدما انسكبتْ ... خلافة الله في بلعومه البخرِ
حكّمته في حدودِ الله ينسفُها ... نسف الزّعازعِ مندوفاً من الوبرِ (1)
وعاتب الإمام على طاعته لأمر الأشعث بن قيس الكندي ومشورته، متحدثا عن سوابقه التاريخية (2) كما يعاتب الإمام على قتله المحكمة موضحا أن الأسباب التي تذرّع بها القوم لقتلهم أسباب واهية لا تقوم دليلاً ولا تصحّ عذرا، يقول:
هانتْ عليكَ جباهٌ ظلت ترضخُها ... لطالما رضختها سجدُة السَّحرِ
لم تقتل القومَ عن سوءٍ بدينهمُ ... وإنما الأمر مبنيٌّ على القدرِ
قتلتهم برواياتٍ تقيمُ بها ... عُذْر القتال وليست عُذْر معتذرِ
ما ذو الثديّة إلا خدعةٌ نُصبتْ ... للحربِ توهم فيها صحةُ الخبرِ
وما حديثُ مروق القوم معتبرُ ... فيهم لمن سلك الإنصافَ في السيرِ
خلعت نفسك بالتحكيم منخدعاً ... وأنت أولى بها من سائر الفطرِ
فحكموا الله واختاروك أنت لها ... فكان قولهم نوعاً من الهذرِ (3)
-2-
نشأة الإباضية وتطورها :
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 216.
(2) ينظر: المصدر السابق، ص 216، 217.
(3) المصدر السابق، ص 217. (1/19)
صفحة 20
... الإباضية فرقة تتواصل بفكرها مع فكر المحكمة الأوائل، لها فكرها الذي تعتمد عليه، وأساسها الذي تنطلق منه، وقد عرفوا فيما بينهم بـ "الجماعة المؤمنة" أو جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة أو أهل الاستقامة" (1)
... إن مما يميز هذه الحركة أنها لم تسلك سلوكاً متطرفاً، بل ظلت وفية لمسلك الاعتدال الذي تبناه المحكمة الأوائل، وكان على رأس هذه الحركة أبو بلال المرداس بن حدير التميمي (2) الذي كانت سيرته مثالا للالتزام بالمبادئ والأفكار التي آمن بها، ودعا إليها، وتتلخص في إنكار العنف، وعدم استعراض المسلمين المخالفين بالسيف (3) ، وهو أول من سن في العقدة" (4) سياسة حربية إنسانية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، - صلى الله عليه وسلم - (5)
__________
(1) الكندي: أبو بكر احمد بن عبد الله بن موسى، كتاب الاهتداء، 237.
(2) المرداس بن حدير، المعروف بمرداس بن أدية التميمي (ت 61هـ 670م) تابعي من أئمة المذهب الإباضي الأوائل، لازم الإمام جابر بن زيد وأخذ عنه، شارك في صفين وأنكر التحكيم، انشأ جماعة سرية منظمة من أربعين شاريا، أنكر على الخوارج تعرضهم للناس بالسيف، قتل مع أصحابه وهم يصلون الجمعة، بعد هدنة متفق عليها، بينه وبين عباد بن أخضر الذي بعثه عبيد الله بن زياد سنة 61هـ. انظر: معجم أعلام الإباضية 4: 860-863.
(3) الأزكوي: محمد بن جعفر، جامع الأزكوي، 1، 322 .
(4) القعدة: مصطلح أطلق على زعماء الإباضية ومؤسسي مذهبهم، الذين رفضوا سلوك الخوارج في استعراضهم دماء المسلمين وأموالهم. أنظر: د.عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، 64 وما بعدها.
(5) د. محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، 85.. (1/20)
صفحة 21
وحين رأى السياسة الظالمة التي انتهجها عبيد الله بن زياد والي بنى أمية، قال عبارته المشهورة "إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم" (1)
... وكانت بين أبي بلال والإمام جابر بن زيد الأزدي (2) علاقة حميمة، ربطت بينهما حتى قيل "إنه كان يستشيره في خططه، وكانا يخرجان معا من البصرة إلى مكة لطلب العلم من الصحابة (3) وذلك بعد أن انضم الإمام جابر إلى هذه الحركة فأصبح رئيسها والمؤسس الحقيقي لها.
... وهكذا نجد أن المحكمة بقيادة أبي بلال، ثم جابر بن زيد، الذي تسلم القيادة من أبي بلال هم أصل الحركة الإباضية. (4)
__________
(1) المبرد: الكامل، 3: 258.
(2) جابر بن زيد الأزدي العماني البصري (أبو الشعثاء) (18هـ-93هـ) إمام محدث تابعي، من عمان، مؤسس المذهب الإباضي، من فقهاء عصره المعدودين، ولد بقرية فرق من أعمال نزوى في عمان، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وثقات الأنصار والمهاجرين، عاصر كثيرا من العلماء مثل: الحسن البصري وعمرو بن دينار وغيرهما، روى عنه الإمام الربيع مسنده عن طريق أبي عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي. كما روى عنه البخاري والترمذي والنسائي. انظر: دليل أعلام عمان، 45. معجم أعلام الإباضية، 2،217-222.
(3) محمد ناصر، منهج الدعوة 88 نقلاً عن الرقيشي، مصباح الظلام، مخطوط، 77.
(4) حسين غباش، عمان الديمقراطية، 41. (1/21)
صفحة 22
... ويذهب الدكتور عوض خليفات إلى أن الإمام جابر بن زيد كان "ذا علاقة وثيقة بحركة المحكمة الإباضية منذ وقت مبكر، وأصبح أحد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني للقرن الأول الهجري وقبل مقتل أبي بلال عام "61هـ" (1) يعلل ذلك أحد علماء الإباضية الأوائل قائلا "بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أئمة المسلمين، لم يكونوا يخرجون إلا بإذن إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني – رحمه الله- ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم وليكون ردئالهم". (2)
... وبذلك يكون أبو بلال ممثلاً للخط المعتدل لتيار المحكمة الأوائل الذي تنحدر منه الإباضية. وفي الحديث عن نشأة الإباضية يثار تساؤل: هل نشأت الإباضية على يد جابر بن زيد الأزدي (ت 93هـ/ 2711) أم استمدت أصولها من اجتهادات أبي بلال (ت61هـ/ 680م)، أم ترجع في نشأتها إلى عبد الله بن إباض (3) ، كما هو الشأن في نسبتها اليه؟
__________
(1) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، 10.
(2) الرقيشي: مصباح الظلام، مخطوط، 77.
(3) عبد الله بن إباض المرّي التميمي (ت 86هـ/705م) نشأ في مدينة البصرة، وعاصر الفتنة، شب في زمن معاوية وأدرك عبد الملك بن مروان، يعد من التابعين، أدرك كثيرا من الصحابة وإليه ينسب المذهب الإباضي نسبة غير قياسية، كما تتفق على ذلك المصادر الإباضية، واشتهر بمواقفه العلنية، من مخالفي الإباضية كالخوارج والقدرية والشيعة، وبرسائله إلى عبد الملك بن مروان، وكان يصدر في كل ذلك عن مشورة إمامه جابر بن زيد، فهو تلميذه في العلم وإن كان أكبر منه سنا. ينظر معجم أعلام الإباضية، 3: 551-553. (1/22)
صفحة 23
... يرى الباحث أن نشأة المذهب تعود إلى تضافر مجموعة من العوامل، وتكامل عدد من المواقف، وظهور مجموعة من الشخصيات البارزة، شكلت أعمدة قيادات الفكر الإباضي، ضمن قيادة جماعية عمادها الشورى، فلولا مواقف أبي بلال، وقيادة جابر بن زيد، وبروز عبد الله بن إباض، وحنكة أبي عبيدة، ومساعي حملة العلم، لما وصل المذهب الإباضي إلى ما وصل إليه، فلكلّ منهم موقف لا ينكر، ودور لا يخفى مع تفاوت في الأدوار، غير أنه من الثابت عند علماء المذهب أن تأسيس المذهب وتقعيد فكره، وبروز منهجيته كان الإمام جابر المؤسس الحقيقي لها.
... وبما أن لجابر هذا الدور الخطير، فلماذا سميت هذه الجماعة بالإباضية؟ ولم تسمّ بالجابرية؟
... الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على محاولة استقراء الأحداث، والنظر في
ملابسات نشأة الدعوة، ووضع الظروف السياسية والاجتماعية في الحسبان، ذلك أن الدعوة بدأت سرية تامة حفاظاً عليها من عيون الدولة، وبما أن جابر بن زيد على رأس القائمين عليها، المنظمين لدعوتها، كان لزاما على الحركة، حفاظا على بقائها، واستمرارية عطاء شيخها، وحياة مؤسسها، إخفاءهُ خوفا عليه من عنت الدولة التي عرفت بالشدة مع معارضيها.
... وهناك مسألة أخرى تضافرت مع الأولى، وهي مع علم الدولة وولاتها بمسؤولية الإمام جابر عن تلك الحركة، فإنه لم يكن من مصلحتها نسبتها إلى جابر حتى لا تجذب إليها الأنظار، لما له من مكانة سامية، وموقع أثير في نفوس الجماهير، فكان إخفاء شخصه عن الأنظار فيه مصلحة للحركة وللسلطة في آن معا فنسبت الحركة إلى غيره، نسبة من الخارج فرضت فأصبحت واقعاً. (1/23)
صفحة 24
... تجمع أغلب كتب التاريخ والملل والنحل وكتب التراجم، والطبقات، على نسبة الإباضية إلى عبد الله بن إباض المري التميمي. ومن خلال استقصاء ما ورد عن هذه الشخصية من تلك المصادر، يخرج الباحث بنتيجة مؤداها أن ابن قتيبة (1) والبلاذري (2) والبغدادي (3) والشهرستاني (4) والرازي (5) وابن حجر (6) والحميري (7) كلهم يجمعون على نسبة المذهب إلى الشخصية السابقة، وتحسن الإشارة في هذا المضمار إلى وجود روايتين متناقضتين، أورد إحداهما الملطى الذي تردد في النسب، ففي حين نسبهم إلى إباض بن عمرو (8) نجده في موضع آخر ينسبهم إلى عبد الله بن إباض (9) ورواية ابن حزم في الملل والنحل الذي نسب المذهب إلى عبد الله بن زيد الإباضي الفزاري الكوفي. (10)
... وهي روايات لا يمكن قبولها، لمخالفتها الروايات المتواترة في المصادر الإباضية وغير الإباضية، ولاضطراب المؤلفين في سرد هذه الروايات، ولمخالفة سلوك هاتين الشخصيتين لمبادئ الإباضية وفكرها. (11)
__________
(1) المعارف، القاهرة، دار المعارف، 1981، 622.
(2) أنساب الأشراف، القدس، 1938، ق2، 101، 102.
(3) الفرق بين الفرق، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1978، 82-84.
(4) الملل والنحل، مكتبة الأنجلوالمصرية، القاهرة، 1977، 137-140.
(5) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1978، 64.
(6) لسان الميزان، حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، 1971، ج3، 248.
(7) الحور العين، صنعاء، المكتبة اليمنية، 1985، 227-229.
(8) أبو الحسن الملطي: التنبيه والرد، مكتبة المعارف، بيروت، 1968، 52.
(9) السابق، 178.
(10) الفصل في الملل والأهواء والنحل، بيروت، دار المعرفة، 1986، ج2، 112.
(11) انظر علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، مكتبة وهبة، 22-23. (1/24)
صفحة 25
... أما المصادر الاباضية جميعها، فإنها مجمعة على نسبة المذهب إلى "عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة بن عبد، رهط الأحنف بن قيس، وهو الذي فارق جميع الفرق الضالة، نشأ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان" (1)
... وعلى ذلك يجد الباحث أن المؤرخين مجمعون على نسبة المذهب إليه، بغض النظر عمن أشاع هذه التسمية، وتحت أي مبررات مع أن المصادر الإباضية تجعله يصدر في كل أقواله وأفعاله عن إمامه في الدين جابر بن زيد كما ذكر ذلك كل من القلهاتي (2) والبرادي (3) والرُّقيشي (4) والشماخي (5) والحارثي (6) لتصبح النسبة إليه نسبة اصطلاحية غير قياسية للتمييز وليست للتشريع.
__________
(1) انظر ترجمته في المصادر الاباضية التالية:
- أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ق 3 هـ ) السير والجوابات ج2، 307.
- أبو الحسن البسيوي، السير والجوابات، ج2، 84.
- احمد بن عبد الله الكندي، كتاب الاهتداء، التراث، 337.
- الدرجيني (ق 7هـ) الطبقات ، 214.
- البرادي (ق 8 هـ) الجواهر ، 155.
- الشماخي (ق 9هـ) كتاب السير، 72، 73.
- القلهاتي، الكشف والبيان، ج2، 472.
- الرقيشي، مصباح الظلام، مخطوط (ق10هـ) ، 130.
(2) القلهاتي: الكشف والبيان، ج2، 471.
(3) البرادي: الجواهر، 155.
(4) الرقيشي: مصباح الظلام، 39.
(5) الشماخي: السير 1، 72 .
(6) الحارثي، العقود الفضية، ص 121، دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان. د ت. (1/25)
صفحة 26
... ومما يذكر في هذا المجال رأي يذهب إلى "أن ابن عباس كان المصدر العقائدي الأساسي، والينبوع الفكري الرئيسي لخوارج البصرة (يقصد الإباضية) في مدينة البصرة ثم في مدينة مكة". (1) ولعله يمكن توضيح هذا بالقول: إن المطلع على فكر الإمام جابر وعقيدته السياسية، يجد أنه مستمد في كثير من معطياته من فكر ابن عباس، ويعضد ذلك الأخبار والمواقف المروية عن عبد الله بن العباس، سواء مع المحكمة أو مع بني أمية، أو موقفه من التحكيم نفسه، ويعضد ذلك أيضا ما تركه الإمام جابر، وبما دوّنه بعض تلاميذه من بعده، أبو عبيدة (2) ثم الربيع بن حبيب (3)
__________
(1) رياض عيسى، الحزبية السياسية، 140.
(2) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء (ت 145هـ/ 762م) سياسي محنك، وعالم جليل، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب. أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وروايته عنه رواية تابعي عن مثله، وقد روى عن الكثير من الصحابة منهم جابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين، سجنه الحجاج بن يوسف الثقفي ت (95هـ) فافرج عنه بعد وفاته. تولى أبو عبيدة إمامة الإباضية بعد الإمام جابر بن زيد (ت 93هـ) نشأت في ظل إمامته دولتا: الجلندى بن مسعود في عمان، وأبي الخطاب بن الأعلى بن السمح في إفريقيه، له العديد من المؤلفات والرسائل. انظر من ترجم له: معجم اعلام الاباضية، 4، 873.
(3) الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي الفراهيدي، أصله من عمان، من غضفان، قصد البصرة وأدرك جابراً وأخذ عنه، وأكثر ما أخذ عن ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم، وإليه آلت رئاسة المذهب بالبصرة بعد أبي عبيدة، وعليه تخرج حملة العلم الى عمان وغيرها. عاد إلى عُمان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ذكر أنه ت (170هـ) له كتاب الجامع الصحيح في الحديث..انظر: السالمي، حاشية الجامع الصحيح 1، 3-5 الدرجيني: الطبقات 258 وما بعدها . (1/26)
صفحة 27
من مصنف في الحديث يعد "أقدم مصنف في الحديث النبوي" (1)
... وعند قراءة هذا المصنف يتضح أن "قرابة تسعين بالمئة منها سلسلة الإسناد فيها، أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أضف الى هذا أن جل الشروح مقتبسة عن ابن عباس" (2) مما دعا أحد المحققين غير الإباضيين لأن يصفه "بالسلسلة الذهبية في الإسناد" (3)
... ونتمثل في هذا المقام بقول الإمام السالمي:
وأكثرُ النقل مع الأصحاب ... عن نجل عبّاس الفتى الأُوابِ
ونقلوا أيضاً عن ابن عمراً ... ونجلِ مسعودٍ لديهم شُهراً
ونقلوا عن أنس كثيرا ... وغيره قد أثروا تأثيرا
سبعون بدريا حوى ما عندهُمْ ... جابرُ نا وقد وعى وقد علمْ
وأهل النهروانَ كانوا طُرّا ... قد عُرفوا بالفقها والقُرّا (4)
... وذلك يعني أن عبد الله بن إباض، قد أخذ عن إمامه جابر بن زيد، كما أخذ جابر عن عبد الله بن العباس "ومن ثم فإن مذهبه مذهب سلفي في هذه التعاليم التي أخذها عنهما (جابر وعبد الله بن العباس) ونقلها عنه أصحابه من بعده" (5)
... وهذا الرأي موافق لما يقول به الإباضية، إذ يعدون مذهبهم متصلاً في فكره وآرائه بجمع من الصحابة، وخاصة ابن عباس، الذي يعتبرونه من أوائل العلماء الذين أخذوا عنهم دينهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول العلامة ابن مدّاد "أول العلماء الذين أخذ عنهم أصحابنا دينهم عبد الله بن العباس" (6)
... ويظهر أن الإمام جابر بن زيد، قد انضم إلى جماعة الدعوة منذ وقت مبكر ولكن السرية المتبعة في إخفاء قادة الدعوة، أدّت إلى عدم التعرف على الوقت والكيفية التي انضم بها جابر.
__________
(1) رياض عيسى، الحزبية السياسية، 145.
(2) المصدر نفسه، 145.
(3) ينظر مقدمة شرح الجامع الصحيح للأمام السالمي 1/3-5.
(4) السالمي، جوهر النظام، 4، 187.
(5) عمار طالبي، آراء الخوارج الكلامية، 197.
(6) عبد الله بن مداد، سيرته، وزارة التراث، 1984، 5 (1/27)
صفحة 28
... وكان جابر بن زيد من زعماء الحركة إبّان ولاية عبيد الله بن زياد، فقد أورد الشماخي عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل (1) ، أن شخصا من الإباضية أُخذَ وجُلِدَ أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين (الإباضية) فلم يفعل، قال جابر: وكنت قريبا منه، وما كنت أنتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله (2) فكان جابر المرجع للدعاة الإباضية في مرحلة الكتمان، يقول الرقيشي "وقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير، وغيره من أئمة المسلمين، لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العماني ومشورته. (3)
... وبهذا يكون الإمام جابر هو "الإمام الروحي وفقيه الإباضية ومفتيهم، وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الإباضي" (4)
__________
(1) أبو سفيان، محبوب بن الرحيل القرشي، من الطبقة الرابعة من علماء الخمسين الثانية من المئة الثانية للهجرة، أخذ عن أبي عبيدة، والربيع بن حبيب، كان حجة في السيرة، وهو ممن دوّن أخبار أهل الدعوة الإباضيين، الدرجيني، الطبقات ، 263-273.
(2) الشماخي، السير، ج1، 86، التراث
(3) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 39.
(4) عوض خليفات، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية 9. (1/28)
صفحة 29
... ويشار في هذا المجال إلى أنه قد حصل خلط بين دور جابر بن زيد ودور عبد الله ابن إباض، في نشأة الحركة الإباضية، وهو خلط ناشئ عن المبالغة في إخفاء القيادة الحقيقية للمذهب، مما جعل عبد الله بن إباض في الواجهة. ويمكن القول هنا إن كلا منهما أدى دوره بكل إخلاص، فجابر بن زيد العالم الفقيه المحدث وضع الأسس، ووطّدَ أركان الدعوة ووضع قواعدها، وجعل الحركة الإباضية تنطلق من ركيزة قوية مبنية على أسس واضحة المعالم، وعبد الله بن إباض تكفل بعرض الفكر الإباضي على مستوى الأوساط الإسلامية ليصبح كالمتحدث باسم الجماعة، المدافع عن مبادئها، يعرض آراءها، ويناظر الحركات المتطرفة، ويتصدى لمقارعة حكام بني أمية، ويشرح وجهة نظر حركته من الأحداث يقول ابن جعفر أحد علماء عمان في القرن الثالث الهجري "وقد اشتهر أتباع جابر بن زيد بالإباضية نسبة إلى قائدهم عبد الله بن إباض مع أنهم لا يصدرون في جميع أمورهم، إلا عن رأي إمامهم جابر بن زيد" (1)
__________
(1) ابن جعفر، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوى، الجامع، 1، 5. (1/29)
صفحة 30
... ونجد الإمام السالمي (1) يبين سر التسمية فيقول: "لم يشرع لنا ابن إباض مذهبا وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق، أما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد لله" (2) وبذلك فلا غرابة في أن تنسب الحركة إليه دون أن تنسب الى جابر بن زيد، يقول الشماخي "كان ابن إباض المجاهد علناً في سبيل تحقيق الحقائق وتصحيح قضايا العقول فيما أحدثه أهل المقالات والبدع والافتراء" (3)
... فالإباضية لم يطلقوا على أنفسهم هذه التسمية بل لم ينتشر هذا المصطلح عند المؤلفين من الإباضية القدامى، وظلت هذه التسمية مغيبة من المصادر الإباضية حتى الربع الأخير من القرن الثالث الهجري" (4)
... وأيا كانت الأسباب فقد قبل الإباضية هذه التسمية، وإن جاءتهم من غيرهم وفي هذا المعنى يقول الإمام السالمي:
نحن الإباضيين لم يشرعْ لنا ... نجلُ إباض مذهباً يحملنا
فنحن في الأصلِ وفي الفروعِ ... على طريقِ السّلفِ الرفيعِ
فنأخذ الحقّ متى نراهُ ... لو كان مُبغضاً لنا أتاهُ
والباطل المردودُ عند ناولوْ ... أتى به الخلّ الذي له اصْطفوْا
فلا احترام عندنا لرجلِ ... قد خالفَ الحقّ ولو كان عليّْ
إن المخالفين قد سمَّوْنا ... بذاك غير أننا رضينا
وأصله أنّ فتى إباض ... كانَ محامياً لنا وما ضي
قد كان في المنعة من عشيرتهْ ... ولا يطاق بأسه لسطوته
__________
(1) السالمي: هو الشيخ العلامة نور الدين عبد الله بن حميد بن سلام السالمي (1286هـ 1869م-1332هـ 1914م) إمام علامة، فقيه، شاعر، كفيف البصر، عُدّ مرجع زمانه، انتهت إليه رئاسة العلم في عمان، له مؤلفات جمة، ينظر: الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان 3/10 دليل أعلام عمان، 112.
(2) السالمي، أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي ، مشارق أنوار العقول، 23.
(3) انظر عوض خليفات، الاصول التاريخية، 7
(4) د. عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرق الاباضية، 12 (1/30)
صفحة 31
ونسبوا من كان في طريقته ... إليه لاشتهار حُسْن سيرتهْ (1)
... إذن يرى الإباضية أن ابن إباض قد تكفل بإيضاح الرؤية الفكرية، والخط السياسي الذي تسير عليه هذه الجماعة لسبب معروف أشار اليه السالمي في أبياته ويصفه شاعر عمان عبد الله الخليلي قائلاً:
ورأينا ابن إباضِ رجلاً ... صامداً للّهِ رَغْمَ الزّائغينْ
كان في عهد فتى مروانَ في ... عزّهِ في الجبروتِ المستبينْ
وهو لا يدعوه إلاّ باسمه ... ثقةً بالله شأن المخلصينْ
لم يرُعه الملكُ في سلطانه ... وشباة الظلّم تفْرى الصادقينْ
فصحبناه لما بان لنا ... من هداه والهُدى نعْم القرينْ
صحْبةٌ كانت فكانت نسبةً ... وأخو المؤمن منه لا يَبينْ (2)
مبينا أن نسبة المذهب إليه ليست نسبة تبعية، ولكنها نسبة تمييزية، فبينه وبين الجماعة علاقة صحبة، لا علاقة تأسيس لقواعد المذهب وفكره، لذلك لا نجد له مسألة واحدة مرسومة في الكتب الفقهية الإباضية فهم يعتدون بانهم لا يقلدون الرجال في دينهم، بل يتوخون الحق أين كان وعند من كان، فيتبعونه يقول السالمي:
فنحن حيثُ أمَرَا لقرآنُ ... لا حيْثُ ما قال لنا فلانُ
فالأوّلون استخرجوا ما استخرجوا ... من الدليل وعليه عرّجوا
فهم رجالٌ وسواهم رجلُ ... والحقُّ ممّن جاء حتما يقبلُ (3)
أي أنهم لا يقلدون بل يقيدون فابن إباض وغيره مع فضلهم، ليسوا موضع تقليد، يقول الخليلي راسماً سياسة المذهب:
غير أنا لمْ نُقلدهُ ولا ... غيرهُ في ديننا بلْ نستبينْ
نقبل الحقّ ونُلقي ضدّهُ ... لانُبالى بأقاص أو بنينْ
كم لنا عن مالك والشّافعي ... وفتى حنبلهم والحنفينْ
كم لنا عنهم وعن أمثالهم ... من رجال العلم أحكامُ تزينْ
هذه أسفارنا ناطقةُ ... يجتليها الصدقُ بين المجتلينْ
لا نقول ابن إباضٍ قدوة ... قال حَقَّا أو ضلالاً فندينْ
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، كشف الحقيقة، مخطوط، 15
(2) الخليلي، عبد الله، ديوان وحي العبقرية، 144، التراث 1398/ 1978م
(3) السالمي، الجوهر ، ج (1/31)
صفحة 32
معَ ما نعلمُهُ من صدقِهِ ... رأينا التقيّيدُ لا التقليدُ دينْ (1)
وهذه المعاني سبق إليها الشيخ العلامة أبو نبهان الخروصي (2) في كلام له "وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال" (3)
... وعلى كل حال، فإن الإباضية تتولى عبد الله بن إباض، كما تتولى غيره من رموز قياداتها يقول السالمي:
إناندينُ بتصويب الأولى نكرواُ ... حكومة الحكمين حينما جُهلاً
والراسبيَّ أوالي بعد جملتهم ... ومن به نسبُ الإسلام قد وُصِلاً
عنيتُ نجلَ إباضٍ فهو حجتُنا ... أما ترى فخرَه للمسلمين حَلاً (4)
... ومن خلال ما تقدم، يمكن القول إن الإباضية في بداية نشأتهم لم يكونوا ميالين في الانتساب إلى شخصيات لتعلقهم بالأصل، وهو الإسلام في نقائه وأصالته، ولم يكن جابر ابن زيد، ولا عبد الله بن إباض وغيرهم، إلا حلقة وصل من التابعين. تصلهم بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي توصلهم بدورها بسيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ولو شاءوا الانتساب بداية، لانتسبوا إلى إمامهم الكبير، جابر بن زيد، لكن مرور الزمن كان كفيلاً بقبول ما فُرِضَ عليهم من تسمية.
-3-
الإباضية والصحابة :
... يرى الإباضية أن لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكانة سامية، وفضلاً كبيراً على الأمة، نالوا شرف صحبته، والجهاد معه والمشاركة في تبليغ الدعوة.
__________
(1) عبد الله الخليلي، وحي العبقرية، 144.
(2) أبو نبهان: الشيخ العلامة جاعد بن خميس الخروصي، المكنّى بأبي نبهان (1147هـ-1237هـ) من كبار علماء عصره، وكان شاعراً سلوكياً، لقب في عمان بالشيخ الرئيس. ينظر: دليل أعلام عُمان، 46.
(3) القنوبي، سعيد بن مبروك، الطوفان الجارف، ج3، ق1 ، 34.
(4) السالمي: عبد الله بن حميد، قصيدة غابة المراد، شرح القصيدة، للشيخ احمد بن حمد الخليلي، مطبوع علىالآلة الكاتبة، 52 (1/32)
صفحة 33
... ولئن وجد الباحثون أن في لهجة الإباضية الأوائل شدة في تناول الأحداث، وفي الإشارة إلى بعض الصحابة فإنما هي شدة تحاول أن تطبق قاعدة البشرية غير المعصومة.
... وهم يرون أن البحث عن الفتنة بغية الولاية والبراءة غير جائز، يقول أحد علماء الإباضية السابقين، وهو الإمام أفلح بن عبد الوهاب "لا يبرأ من المسلم مطلقاً بشهادة الشهود حتى يكون حاضراً يدافع عن نفسه" (1) وهو قول يحمل دلالة الإبقاء على أصل الولاية للمسلم فضلاً عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
... وليس صحيحا ما يقال عن الإباضية بإنهم يطعنون في بعض الصحابة أو يكفرونهم، أو يبغضونهم، ومهما بلغت ملاحظاتهم أو نقدهم لسلوك بعض الصحابة فإنه لا يتعدى ذكر الخطأ الذي بلغهم، ولا يتخذون السب والشتم دينا عندهم، يقول السالمي:
نحنُ الأُولى نسْكتُ عمَّا قَدْ مَضَى ... ولا نعّد الشتَم دنياً يُرْتَضَى
وفي صنوف طاعة الرحمن ... شُغلَ عن الفضولِ باللّسانِ
فهذه بلاُدنا لا تلقى ... فيها لسب الصًّحْبِ قطّ نطْقا
وكان من قولهم فيما مضى ... ليس علينا فيه أمرٌ فرضا
فما مضى قبلك لو بساعة ... فَدعهُ ليس البحُث عنه طاعةْ (2)
بل نجد أن الإمام السالمي يرى منع البحث والتنقيب في التاريخ لأجل البراءة، إذ عده نوعا من التجسس الممنوع، يقول:
وكان من قولهمُ لا تبحثنْ ... من حدثٍ لأجل منه تبرأَنْ
وقد تناسوا أمر ذاك الحدثِ ... من قولهم لا تبحثنْ لا تبحثِ (3)
...
__________
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 1، 84.
(2) السالمي: كشف الحقيقة، 49 ، 50.
(3) السالمي: عبد الله بن حميد، كشف الحقيقة، 51. (1/33)
صفحة 34
ويعلل العلامة خلفان بن جميل السيابي (1) (ت 1493هـ 1973م) سبب شدة بعض علماء الإباضية السابقين الى المشاهدة والعيان وقربهم الزمني من الأحداث يقول "أما الاحداث التي جرت بين الصحابة فكلهم مجتهد وملتمس للحق، أما القدماء فكانوا منهم المشاهد للأمر وحاضره، ومنهم من كان قريبا من ذلك، وتبلغهم الحقائق بصحيح النقل أو برفيعة من العدول ونقول: حكموا بما علموا وقامت به الحجة عليهم، أما اليوم فلسنا نحن مثلهم، ولا علمنا في ذلك كعلمهم، ولا نقلد ديننا الرجال، وما كلفنا الله التفتيش والتنقيب عن عيوب الناس. (2)
... ويقول هذا العالم النزيه في إجابته عن سؤال وجه إليه حول موقف المذهب من عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، ومن بعض الصحابة والتابعين الذين انخرطوا في الفتن قال: "أما الآن وقد طال الزمن، ومضت تلك القرون وكثرت التعصبات واختلفت النقول، فلا يلزمنا البحث عن حال من مضى، بل لا يجوز ذلك" ثم أردف قائلا.. "وإذا لم يكونوا هم الرجال، فمن إذن؟ أنحن وأمثالنا جيف الليل، ذباب النهار! فالسلامة في الكف عن الخوض في الأعراض، لا سيما الماضين من الصحابة والتابعين الذين هم خير القرون". (3)
... وقد وجهت تهمة الطعن في الصحابة إلى الإباضية لأجل تساوق وضعهم مع الخوارج ليؤصل انتساب الإباضية اليهم، وإلا فإن الإباضية يتورعون عن ذلك، بل يرون أن الصحابة كلهم عدول كما صرح بذلك القطب في قوله. "الصحابة ليسوا كغيرهم، كلهم عدول لما ورد في حقهم من نصوص صريحة". (4)
__________
(1) خلفان بن جميل السيابي (1308هـ/ 1890م – 1392هـ/1972م) علامة كبير، ومحقق جليل، من أهل سمائل، أصبح مرجعاً للفتيا له الكثير من المؤلفات في الفقه وأصوله، يمتاز بشاعرية جيدة، ينظر: دليل أعلام عمان، 58.
(2) السيابي: خلفان بن جميل، فصل الخطاب 2/20-21.
(3) المصدر نفسه، 37.
(4) اطفيش، محمد بن يوسف، الذهب الخالص، 43. (1/34)
صفحة 35
... إلا أنها عدالة ليست بمعنى أنهم جميعاً لا يخطئون وأن كل واحد منهم فوق كل نقاط الضعف، أو النقائص البشرية، أو أن أحدا منهم لم يخطئ قط.
... وما أورده الإباضية في كتبهم، ودونوه في رسائلهم، يتسم بتعظيم مقام الصحابة، واحترام حق الصحبة، ولكنهم يرون وجوب احترام الصحابة جميعا، كما يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1) إن الإباضية مستعدون أن يطووا صحائف تلك الفتن، ولا ينبسون فيها بنت شفة، ولا يخطوا فيها حرفاً واحدا، ولكن لابد من احترام أهل النهروان، أيضا وعدم النيل منهم حتى تعود للمسلمين وحدتهم". (2)
... وقد يجد الباحث في كتب الإباضية القدامى ما يشي بالشدة والقسوة في تناول الأحداث ونقدها، إلا أن الإباضية بمرور الزمن، يدعون إلى طي صحف الماضي، وعدم التنقيب في صفحات التاريخ.
... وقد انعكست هذه الرؤية على هذه الفترة فالشاعر محمد بن شيخان السالمي (3) يصف موقف الإباضية من الفتنة عموماً ومن الإمام علي خاصة، مركزاً على أمرين:
الأول: موقف الإجلال والتقدير لشخص الإمام علي، بحيث لا سبيل إلى نكران فضله.
الثاني: التركيز على مآخذ الشاعر على الخليفة لقتله سادة النهروان، فيقول:
أما عليُّ فلم نُنكِرْ فضَائلهُ ... فإنّها في الدَّجى كالوشْي في الطُّررِ
ولو شككنا بما قد صحّ منه رمت ... شكوكنا في ضياءِ الدين بالكدَرِ
__________
(1) وهو المفتي العام لسلطنة عمان، وعمدة الاباضية في العصر الحديث.
(2) مقابلة مع سماحة مفتي عمان، أحمد الخليلي، مجلة جبرين، ابريل 1984، 33.
(3) محمد بن شيخان السالمي (1284هـ/1867م-1346هـ/1926م) عالم لغوي شاعر، برع في اللغة، ونبغ في الشعر، له ديوان شعر مطبوع، يعرف بشاعر البيان لجودة شعره، ينظر دليل أعلام عمان، 147. (1/35)
صفحة 36
لكننا أخذتنا غيرةٌ نقمت ... عليه فعلاً بقتلِ السّادة الغُرَر (1)
... ويبدو مثل هذا واضحاً في قول الشيخ الأديب حمدان بن خميِّس اليوسفي (2) مطارحاً العلامة خلفان بن جميل السيابي متسائلاً:
وفي فتى درسَ التاريخ مجتهداً ... مما أفادته من تاريخها الأُمَمُ
أعني الصحابةَ والأتباعَ حيث حكى ... التاريخ عنهم بما يكبوبهَ القَلمُ
من فتنة عَظُمت في الدينِ محنتُها ... إلى القيامة لا يخبو لها ضَرَمُ
بما يراه من التشديد في كتب الـ ... أ صْحاب في تلكم الأحداث قد حكموا
وتارةً يجد الأعذارَ قد بسطتْ ... راحاتِها لهُم فانجابتِ الغُمَمُ (3)
فأجابه الشيخ خلفان السيابي بقوله:
والقول في فتن نيرانُها اضطرَمَتْ ... بين الصحابة حتى الآن تضطرمُ
فالخطب سهل بحمد الله قد برئتْ ... منه يداك فيبرا مقوَلٌ وفَمُ
فتلكمُ أمّةٌ من قبلكم سلفت ... عليها ما كسبت يجزون فعلهُم
لا يُسألون هُمُ عن فعلكم وكذا ... عن فعلهم أنتُم لا تسْألونهُمُ (4)
... ومما نلحظه أن التساؤل والإجابة حكيا بأدب جم، مع أولئك الصحابة الكرام، ملتزمين موقف الاحترام والتقدير، متسائلين عما يجدونه في بعض كتب المذهب من التشديد في الحكم على تلك القضية والمواقف الصادرة من بعض الصحابة مما حيّر عقول أولي الابصار، وهذا هو الشيخ خلفان السيابي بنادي مولاه، متعجبا مما جرت به
المقادير الإلهية، للاختلاف الحاصل بين الأمة الواحدة، حيث يقف العقل حائرا مندهشا:
__________
(1) انظر هذه القصيدة في عقد الأثر من قناوى ذوي البصر، جمع وترتيب علي بن جبر الجبري، مخطوط، رقم 216 مكتبة خاصة، صورة لدى الباحث، 47.
(2) حمدان بن خميّس اليوسفي (ت 1384هـ) نحويّ بارع، وشاعر متمكن، وقارئ مجوّد، لقب بسيبويه الثاني، صاحب خط بديع، تفنّن في الشعر، ينظر الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان 1/298.
(3) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 147.
(4) السابق، 153. (1/36)
صفحة 37
إلهيَ إنّ الاختلافَ الذي جرى ... به مبرُم التدبيرِ حارَ له العقلُ (1)
وحين سأله الأديب حارب بن محسن السيابي عن فتنة افتراق الأمة أجاب بأبيات وضّح فيها المنهج السليم، والطريقة المثلى التي تجنب صاحبها الوقوع في مزالق خضم الفتنة، استطاع العلامة خلفان السيابي أن يوائم في إجابته بين الفكرة والعاطفة، إذ تدفقت عاطفته بعد أن أهاجته أشجان تلك الفرقة فبدت في أبياته لواعج الأسى والحسرة، على ما أصاب الأمة من الوهن، نتيجة الفرقة والشتات داعيا إياها إلى لم الشمل فيقول:
سألت عن الصحب الكرام وما جرى ... هناك من الأحداث فالخطُب فادحُ
بذاك جرى في لوحه قلمُ القضا ... وما اللهُ قاضيه فما عنه جامحَ
تحزبتِ الأحزابُ من بعد أحمد ... وكلّ إلى تحقيق مرآه طامحُ
وما كان دينَ الله رثّ ولا وهى ... ولكن وهت عنه القلوبُ القوارِحُ
وما كان ديَن الله منفصِمَ العُرى ... ولكنّها الوثقى الشّدادَ الضّحاضحُ
وما كان ديَن الله مفترقَ القوى ... ولكن قواهُ شامخاتٌ طوامحُ
فوأسفا يا حسرتا حَزَني على ... تشتُّت شَمْلِ الديِن والدّمعُ سافحَ (2)
... وينادي أمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تسعة أبيات متوالية مكررا قوله "يا أمة المختار" وهذا التكرار له دلالته الأسلوبية، التي تنبئ عن رغبة الشاعر في استغلال المحبة العظمى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يترتب عليها من اتباع ما يحب وترك ما يكره، ومنها هذه الفرقة الحاصلة:
ويا أمّة المختار هَلاً تآلفي ... على كِلْمةِ التوحيد والحقّ واضحُ
ويا أمةَ المختارِ هلاً تعاطفي ... لودّ وإشفاق طوته الجوانِحُ
وحسبكِ من تشتيت دينك خطةُ ... عليها مضى الصحب الكرامُ الطحاطحُ
تواخَوا تصافوا بل تواصو تواصلوا ... على كلمة التّوحيد بِرّوا تناصحوا (3)
__________
(1) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 134.
(2) المصدر نفسه، 339.
(3) المصدر السابق، 342، 343. (1/37)
صفحة 38
ومما يتصل بهذه المسألة موقف العلامة حمد بن عبيد السلمي (ت 1390هـ) حين سأله العلامة سالم بن حمود السيابي (ت 1410هـ) عن موقف الإباضية من الإمام علي كرم الله وجهه فيقول السائل:
أبو الحسنين حيدرة المفدى ... خضَمُّ العِلْمِ حَسبى هل هَداهُ
علمنا فضله والزهد فيه ... ولكن البَلا حتماً دهاهُ
فماذا القول فيه أبا عبيِد ... وهذي فتنةً عمّت سواهُ (1)
لكن الشيخ السليمي رأى أن السكوت أسلم حين قال:
قضاءُ نازلٌ والقولُ فيه ... مضّرها زِلٌ فيما أراهُ
وما ولَغتْ يدي بدماء قوم ... وإني ساكت عمّا وراهُ
قضاءُ الله عم الكون طراً ... ولا نفعُ لأمر قد قضاهُ
فلا تحفل بما وسع البرايا ... وحسنُ الصَّمت قولي منتهاهُ (2)
والشاعر أبو مسلم الرواحي، يبين نهاية القول في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشيدا بهم معترفا بعجزه عن بلوغ ما يفي مقامهم، ولكنه يذكر حقيقة أخرى، فهم بشر مكلفون ومَدْحهم منوطٌ باستقامتهم على منهجِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الشاعر:
نهايةُ القول فيهم أنَّهم بشرٌ ... فازوا بما لم ينله سائرُ البشر
يا صحبَ أحمدَ يا أنصارَ حجتهِ ... والحائزين مقام القرب والنظَر
ما قدر مدحي وقول الله يمدحكَم ... لولا المحبةُ واستمدادُ مفتقر (3)
ويقول
وهُم وإن شرفوا من أجلِ صُحْبتهِ ... فحكم تُكليفهم كالحكِم في البشَرِ
ومدحُه لهٌم فرعُ استقامِتهم ... في طاعِة الله لامْدحاً على الغِيَرِ (4)
-4-
الإباضية والخوارج:
__________
(1) موسى بن عيسى البكري، مجموعة أسئلة واجوبة مخطوطة ، 42-43.
(2) السابق، 44.
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، 192.
(4) المصدر نفسه 214. (1/38)
صفحة 39
... إن من يتتبع مصطلح "الخوارج" يجد أنه كان يستخدم في اتجاهين متضادين، ففي حين استخدم قصد اللمز والذم عبر الربط بين الخوارج والمارقة، نجد أن المحكمة لم يكونوا يأنفون من إطلاقه عليهم، ليغدو المصطلح دالاّ على الثناء والتمدّح، مما يدل على أنه لم يكن يستخدم بصورته التي استقر عليها لاحقاً، كما يتضح ذلك من عبارة عبد الله بن إباض. (1)
... فكلمة "الخوارج" حين أطلقت على المحكمة لم تكن تحمل بعداً سلبياً، إذ كان خروجهم جهاداً في سبيل لله، وثباتاً على الحق، ورفضا لتحكيم الرجال وإنكاراً له ، فمعاوية في نظرهم باغِ، وعليّ - كرم الله وجهه- انتقضت بيعته، وبذلك فإنّ خروجهم لا يعد خروجا سياسيا في نظرهم وعلى فرض خروجهم عن الإمام علي، فإنهم لم يكونوا وحدهم في هذا الميدان، وكان أولى بهذه التسمية معاوية فهو الخارج على الإمام الشرعي.
... وهكذا فإن مصطلح "الخوارج" بدلالته الحادثة التي يُفْهمُ منها الخروج الديني لم تكن معهودة بداية "وانما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة" (2)
... يؤكد هذا القول أحد الباحثين قائلا: "إنّ اسم الخوارج لم يستخدم في الفترة الأولى على الاطلاق، فأحد الأسماء الذي كان متداولاً لفترة طويلة، هو "الحرورية"، والآخر هو "المحكمة"، وأول تاريخ لاستعمال اسم "الخوارج" نراه في المراسلات التي يظن أنها حقيقية، بين زعيم الإباضية المتأخرة، والخليفة عبد الملك بن مروان، حيث استخدم الخليفة اسم "الخوارج" تعبيراً عن الثوار، دون أن يشمل معهم الإباضية محبي الإسلام". (3)
...
__________
(1) عبد الله بن إباض، سيرته، كتاب السير والجوايات، 2، 342 وينظر: ناصر السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، 148.
(2) اطفيش، ابراهيم، الفرق بين الاباضية والخوارج، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 9.
(3) مونتغمري وات، الجماعة والفرق، مجلة الاجتهاد البيروتية، م5، ع/20، 1993، 21. (1/39)
صفحة 40
ويفترض هذا الباحث أن اسم "الخوارج" أصبح يستخدم تعبيراً دالاّ على مجموعة من الفرق التي تعتبر فاعل الكبيرة كافرا يجبُ إقصاؤه عن الجماعة (1) لأن كلمة "الكفر" عند الخوارج تترتب عليها أحكام، مما يخرج الإباضية من هذا المصطلح لأنهم لا يقولون بتكفير مخالفيهم ولا بتكفير مرتكب الكبيرة، على الوجه الذي ذهبوا إليه.
... ومن ذلك نتبين أن "المحكمة" الأولى غير "الخوارج" وعليه فإن صلة الإباضية بالمحكمة لا يعني التقاءهم بالخوارج البتة، وما قول الخوارج بإنكار التحكيم ورفض القرشية مبررا كافيا لحشر الإباضية معهم، ذلك أن تقارب الفرق فيما بينها، والتقاءها على بعض المبادئ لا يعني بحال من الأحوال انتسابها إلى بعضها، يقول الخليلي ولا يعني تقارب المذاهب أن مصدرها واحد، فالإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض الآراء، ويتفقون مع الأشاعرة من أهل السنة في بعض الآراء ويتفقون مع المعتزلة في بعض الآراء، أو هل يقال: إنهم معتزلة، أو أشاعرة، أو غيرهم لمجرد اتفاق الآراء"؟ (2)
... فالتقاء الإباضية مع الخوارج في بعض آرائهم، ليس دليلاً على أنهم منهم "إن الفارق بين الإباضية والخوارج، إنما هو في الغلو والاعتدال، فالإباضية معتدلون، بينما "الخوارج غلاة، لقد عرف الإباضية في اعتقادهم وفي سلوكهم وفي سلمهم وفي حربهم، أنهم من أعدل الطوائف" (3)
... إن إطلالة سريعة على فكر الإباضية، من خلال مصادر إباضية، تمد الباحثين بالمعلومات الاساسية التي توضح البعد الفكري بين الجانبين، الخارجي والإباضي، وذلك يحتاج إلى قراءة متجردة، لا تنظر إلى الموضوع من خلال حكم مسبق، وإنما بالتأمل في أصول المذهب، تستقرئ الأحداث التاريخية بشمولية، متوخية الموضوعية، ومتخذة الوصول إلى الحقيقة هدفا.
__________
(1) السابق، 21
(2) أحمد بن حمد الخليل: حوار مسجل، 15/4/1981 انظر عمر، دراسات في الفكر الإباضي، 86.
(3) عمربا، دراسات في الفكر الإباضي، 86. (1/40)
صفحة 41
... ما الذي عابه جمهور الأمة، ومنهم الإباضية كما سنرى، على الخوارج؟ لقد عابوا عليهم غلوهم في الدين وشططهم في الحكم على مخالفيهم من المسلمين، فهل ينطبق ذلك على الإباضية في تاريخهم الطويل؟
... لقد وقف الاباضية في وجه الخوارج فكريا وسياسيا وعسكريا، ومن يطلع على كتب الإباضية منذ القرن الأول الهجري وإلى اليوم، يجد ذلك جلياً "فالإباضية قد حكموا بضلال الخوارج وفسقوهم بل وحاربوهم" (1) ولقد جاء الرد على الخوارج في كتابات الإباضية القدامى، مما يفهم أن الإباضية والخوارج على طرفي نقيض" (2) ونتبيّن موقفهم من الخوارج من النظر في مجموعة من النصوص التي أثبتها الإباضية في كتبهم ورسائلهم قديما وحديثا، يقول عبد الله بن إباض "إنا براء الى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه.." (3) وهذا سالم بن ذكوان الهلالي (4) يشير إلى بدعة ابن الأزرق
وأفعاله، ونجدة وأصحابه، وغيرهم من الخوارج، الذين كفّروا مخالفيهم واستحلّوا
منهم ما يستحل من المشركين، واسترسل في ذكر بدعهم وما عابه المسلمون
عليهم قائلاً: "ليس من رأينا بحمد الله الغلوّ في ديننا، ولا الغشمُ في أمرنا، ولا العدا على من فارقنا" (5)
__________
(1) سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد، 42.
(2) أحمد بن حمد الخليل (سماحة المفتي) حوار مسجل بتاريخ 15/4/81.
(3) عبد الله بن إباض، رسالته، البرادي ، 165.
(4) سالم بن ذكوان الهلالي: من أهل توام (البريمي حاليا) أحد مشاهير العلماء بعمان، عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجريين، كان كاتب جابر بن زيد، انظر دليل أعلام عمان، 76.
(5) سالم بن ذكوان الهلالي، رسالته، انظر ملحق كتاب د. محمد ناصر، منهج الدعوة، 365. (1/41)
صفحة 42
... ونجد الشيخ محمد بن محبوب (1) من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين يرد على هارون بن اليمان حين أفتى بتشريك من قال بالتشبيه (2) بينما نجد الشيخ أبا قحطان خالد بن قحطان (3) ، وهو من علماء عمان في القرن الثالث الهجري يناقش الخوارج في بعض آرائهم، ويرد على بعض مقولاتهم، كقوله: "فإن قالت الخوارج السبيُ من أهل القبلة والغنيمة حلال، واحتجوا على ذلك بعلي وأبي بكر، فقد كذبوا على عليّ وعلى أبي بكر. (4)
... ويشير الى ما أخذ على الخوارج: "ثم إن الخوارج.. من مثل نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، خالفا المسلمين في سيرتهما بعد أن كانا على دين المسلمين، استحلا استعراض أهل القبلة بالقتل، وجعلوهم مشركين، واستحلا غنيمة أهل القبلة وسبي ذراريهم". (5)
__________
(1) محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي، من علماء عمان في القرن الثاني الهجري ومطلع القرن الثالث منه، كان رأس علماء الإباضية بالمشرق بعد أبيه، توفي بصحار، الثالث من شهر رجب الأصم سنة 260هـ، ينظر دليل اعلام عمان، 150.
(2) محمد بن محبوب، السير، مخطوط، ج1، 297.
(3) هو العلامة الفقيه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي، من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري من مؤلفاته كتاب "الجامع" المسمى "جامع أبي قحطان، يوجد منه قطعة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، سلطنة عمان، تحت رقم (36). ينظر: البطاشي: سيف بن حمود، إتحاف الأعيان، في تاريخ بعض علماء عمان، الطبعة الثانية، 1419هـ/1998م، 269.
(4) أبو قحطان، خالد بن قحطان، سيرته، ضمن كتاب السير والجوابات، 1، 109.
(5) المصدر السابق، 119. (1/42)
صفحة 43
... ويقول أبو الحسن البسياني (1) من علماء المذهب في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة، وتسميتهم بالشرك ففارقهم عبد الله ابن إباض وأنكر عليهم وبيّن ضلالهم، والمسلمون معه، ممن كان في عصره، مشهور فضلهم، خطأوا الخوارج وبّينوا ضلالتهم ولم يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم" (2)
... ومما ورد من الأحكام الصادرة عن أعلام الاباضية في الخوارج منذ القرن الأول وما تلاه يستدل على أن البعد الفكري الإباضي، والمنطلق العقدي له، لا يلتقي أبدا مع فكر الخوارج وعقيدتهم وسلوكهم العملي، يقول الإمام السالمي:
ومالُ أهل البغي لا يحلّ ... وإن يكنْ قومُ له استحلّوا
خوارجٌ ضلت وصارت مارقةْ ... من دينها صفريةٌ أزارقةْ
فحكموا بحكم المُشركينا ... جَهلاً على بغاة المسلمينا
وأمّةُ المختَار فارقتهمُ ... وضلّلتِهم وفسّقتهمُ
ووردت فيهم عن المختارِ ... جملةُ أخبارٍ مع الآثارِ
وفيهم المروقُ يعرفنا ... ومنهم لا شكّ نبر أناّ (3)
والباحث يرى أن وضع الإباضية في زمرة الخوارج ناتج عن أمور ثلاثة:
- الجهل بالمصادر الإباضية وفكرهم وأرائهم.
- التعصّب الأعمى وتضليل الحقائق.
__________
(1) هو الفقيه العلامة، صاحب التصانيف المقيدة، أبو الحسن على بين محمد بن علي البسيوي الأزدي، اليحمدي، من كبار علماء عمان وجهابذة فقهائها في القرن الرابع الهجري، ينظر: البطاشي: إتحاف الأعيان، 1/300، دليل اعلام عمان، 119.
(2) ابو الحسن البسيوي، سيرته، ضمن كتاب السير والجوايات، 2، 85.
(3) السالمي، جوهر النظام، 3، 153. (1/43)
صفحة 44
- ترديد ما أملته السياسة الأموية والعباسية، بغية تشويه صورة الإباضية باعتبارهم كانوا شوكة في حلوقهم، نظرا لأنهم كانوا يمثلون الاتجاه المعارض لسياستهم وحكمهم إذ أن الإباضية يرون جواز الخروج على الظلمة عند القدرة على ذلك "وهذا القول لم ينفردوا به بل وافقهم على ذلك جمهور الأمة". (1)
... وقد سجل عدد من الباحثين المنصفين آراءهم بكل جرأة وإنصاف، بعد أن اطلعوا على الحقائق، فلم تمنعهم الموضوعية والأمانة العلمية من الإشارة اليها، فجرت على ألسنتهم وأقلامهم أحكام ساقوها في خضم دراساتهم.
... ومن هؤلاء الذين توصلوا إلى هذه النتيجة الدكتور عوض خليفات (2) والدكتور عمربا (3) والدكتور عبد الحي محمد قابيل (4) والدكتور عبد العزيز المجذوب (5)
وغيرهم. وكلهم يؤكد أن الإباضية "ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل، وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص" (6)
... وعليه فإن الإباضية لا يجمعهم مع الخوارج أي جامع، ولا يربطهم بهم أي رابط في معتقدهم وسلوكهم، والإباضية تبرأوا منهم، ووقفوا موقفا مباينا لهم، يقول شاعر العرب أبو مسلم الرواحي:
تحزّبت الاحزابُ بعدَ محمد ... فكلٌّ إلى نهج رآه يصيرُ
وقرّت على الحقّ المبينِ عصابةٌ ... قليلٌ وقلّ الأكرمين كثيرُ
هم الوارثون المصطفى خير أمةٍ ... لمدحِهمُ آيُ الكتاب تشيرُ
أولئك قوم لا يزال ظهورهم ... على الحق ما دامَ السماءُ تدورُ
على هضبات الاستقامة خيّموا ... إذا اعوج أقوامٌ وضلٌ نفيرُ
تنافر عنهم رُفّضُ وخوارجٌ ... وحشويةٌ حشوَ البلاد تمورُ
__________
(1) الفنوبي: سعيد بن مبروك، السيف الحاد، 43، وانظر هنالك من وافق الاباضية على هذا القول.
(2) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ، 53.
(3) دراسات في الفكر الإباضي، 69.
(4) الاباضية وأراؤهم الكلامية، 12
(5) الصراع المذهبي بافريقية، 110، 111.
(6) عوض خليفات، الأصول التاريخية، 53 (1/44)
صفحة 45
رأو طرقاً غير الهدى فتنافروا ... إليها وبئستْ ضلّةٌ ونفورُ
لهم نصبٌ من بدعةِ وزخارفٌ ... بها عكفوا ما للعقول شعورُ
تدعّهم أهواؤهم في هلاكِهمْ ... كما دُعَّ في ذلّ الإسار أسيرُ (1)
... وأخيرا فان الخوارج الذين انتقدهم الإباضية على ما تقدم، وعبر ما سرده الباحث من بعض أقوال أئمة المذهب وعلمائه بحقهم، واستئناساً بما نقل عنهم من أحكام أخرى نسبت إليهم، ومنها القول بعدم وجوب الإمامة عند بعضهم، وعدم وجوب تطبيق الرجم، والقول بجواز جمع المرأة مع عمتها، كما روى ذلك ابن قتيبة (2) يستطيع الباحث أن يؤكد أن الإباضية يعارضون الخوارج في كل ما تقدم، فهم يقولون بوجوب الإمامة والرجم عندهم واجب نظرياً وعمليا، ولا يرون جواز الجمع بين المراة وعمتها (3) وعلى ذلك لم يعد هناك ما يربط بين الخوارج والإباضية، سوى القول برفض التحكيم، وعدم حصر الخلافة في قريش.
-5-
ركائز الفكر الإباضي :
... يعتمد الإباضية في فكرهم على أصول وثوابت، شكلت المنطلق الذي يميزهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى، وتتمثل هذه الأصول باختصار فيما يلي:
* أصل التشريع عند الإباضية، القرآن الكريم، ثم السنة النبوية الشريفة، ما لم تتعارض مع نص قطعي الدلالة، ثم إجماع الأمة، فالقياس، يقول السمالي:
الأصل للفقه كتاب الباري ... إجماع بعد سُنّةِ المختارِ
والاجتهاد عند هذي منعا ... و هالك من كان فيها مُبِدعَا
* حقيقة الإيمان والإسلام قول وعمل، وهي عندهم ثلاث مراحل:
1- الاعتقاد الراسخ في القلب.
2- التصريح باللسان، ترجمة عمّا في القلب.
3- العمل بالجوارح، قولا وفعلا، تصديقاً لاعتقاد القلب، ومنطوق اللسان.
__________
(1) ابو مسلم الرواحي، الديوان، مخطوط، 208.
(2) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، 241، 250.
(3) السالمي: جوهر النظام، 1، 177. (1/45)
صفحة 46
* تقوم العقيدة عند الاباضية – أساساً- على التنزيه المطلق لله عز وجل، وكل ما أوهم تشبيها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه، وأن الله سبحانه وتعالى واحد في ذاته واحد في صفاته.
* الأخذ بالاحوط في مسائل أصول الدين، والتوحيد وتتمثل في أمرين:
أ- تنزيه المولى عن التجسيد والتحيّز، والتشبيه فنفوا الرؤية.
ب- قالوا بالخلود الأبدي، ثوابا وعقابا، فمرتكب الكبيرة إذا مات مصرا على معصية لم يتب منها فهو مخلّد في عذاب الله.
* ومما يتصل بالوعد والوعيد والإيمان والعمل، إنكار أن تكون الشفاعة موعودة لأهل الكبائر، لأنها جزاء بلا عمل، وثمرة بلا جهد.
* ومن أصولهم أن مرتكب الكبيرة - منهم أو من غيرهم- كافر كفر نعمة، أخذا من كتاب الله ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، مع بقائه على الملة وعدم خروجه من دائرة الإسلام، ولذلك فالكفر عندهم كفران:
أ- كفر شرك أو جحود أو مساواة.
ب- كفر نعمة، أو كفر فسوق، أو كفر نفاق، وموجبه ترك فرض من فرائض الدين، أو انتهاك حرمة من حرمات الله، مع عدم الإخراج من الملّة، ودون التجريد من الحقوق.
* اعتبار باقي الطوائف الاسلامية الناطقة بالتوحيد إخوة في الله لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم
فمن أتى من بالجملتين قلنا ... إخواننا وبالحقوق قمنا (1)
* أفعال العباد خلق لله تعالى، وفي نفس الوقت كسب للإنسان، وعلى ذلك تدور مسألة حرية العبد وقدرته على الاختيار "وهديناه النجدين"
* يرى الإباضية أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله والله خالق كل شيء، ووصفه لله تعالى بذلك فهو عندهم مخلوق.
* من مبادئ الفكر الإباضي، الولاية والبراءة، أو ولاية الشخص وبراءة الشخص بحكم الظاهر.
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، كشف الحقيقة، مخطوط، 51. (1/46)
صفحة 47
* ومن أصول الإباضية التي ميزتهم عمن سواهم من الطوائف الاسلامية الأخرى، مسألة "الإمامة" ونوع الحكومة الاسلامية وطريقة اختيار الحاكم، وشروطه، فعند الإباضية تعد الإمامة منصب تكليف لا تشريف، يختار المسلمون لتولي هذا المنصب أكفأهم، وفق شروط ومقاييس مستنبطة من الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، دون تقيد بشخص أو بجنس أو بقبيلة أو بأسرة، بل المؤهلات الشرعية، من الكفاءة والقدرة والأفضلية، هي القياس.
... هذه هي أهم ركائز الفكر الإباضي التي سيتم بحثها بشيء من التفصيل ومعرفة أثرها عند الشعراء العمانيين في هذه الفترة. (1)
الفصل الثاني
الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي
أثر الفكر العقائدي
* الذات الإلهية
* المعاد واليوم الآخر
* الولاية والبراءة "الجانب الاجتماعي والبعد العقائدي"
* خلق القرآن
أولاً: الذات الإلهية
1- التوحيد والتنزيه
2- الرؤية
3- الصفات
__________
(1) لمعرفة هذه الأصول: ينظر المصادر التالية:
1- عمرو بن فتح النفوسي (أبو حفص) (ت 283هـ) أصول الدنيوية الصافية ت: حاج أبن أحمد بن حمود، مراجعة: مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي ط1، 1420هـ 1999م مطابع النهضة، سلطنة عمان.
2- الوارجلاني: أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم، الدليل والبرهان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403هـ 1983م، مطابع سجل العرب، القاهرة.
3- الكندي: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى، المصنف، الجزء العاشر، وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م.
4- أبو عمار، عبد الكافي، الموجز، تحقيق ودراسة د. عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978م.
5- الجيطالي: الإمام ابو طاهر، اسماعيل الجيطالي، قواعد الإسلام، صححه وعلق عليه، بكلي عبد الرحمن بن عمر، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر ، 1976م
6- السالمي: عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، صححه أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط2، 1978م . (1/47)
صفحة 48
التوحيد والتنزيه
... يستمد الإباضية آراءهم العقائدية من أصول ثابتة مصدرها القرآن الكريم، وسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم. وتقوم عقيدتهم أساساً على التنزيه المطلق لله عز وجل، فكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة، يجب تأويله بما يناسب المقام، ولا يؤدي إلى التشبيه" (1) ودستورهم في ذلك قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (2)
... ومن جانب آخر، فإن العقيدة عند الإباضية تقوم على ركنين أساسيين هما:
- الاعتقاد الصحيح
- والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد.
... وأطلقوا على ذلك مصطلح "جملة التوحيد"، "وهو اصطلاح خاص لا يوجد عند غيرهم من علماء الأمة الإسلامية" (3) يقول السالمي:
وبعدُ فالدينُ لا عذرٌ لجاهِلهِ ... إن كانَ من بعد تكليف به جَهِلا
وأوَّلُ الفرضِ من تأصيله جُمَلٌ ... ثلاثةٌ فزتَ إن تستحضرِ الجملا (4)
فالجملة لها أركان ثلاثة وهي: شهادة أن لا إله الا الله، وما يندرج تحتها، وأن محمدا رسول الله، وما تحتوى عليه، وأن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق اليقين. (5)
... وقد وضع علماء الإباضية لهذه الجملة تفسيرين، أطلقوا عليهما تفسير الجملة، الأول تفسير اعتقادي، ويدخل فيه جميع مستلزمات الإيمان بالله وصفاته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والحساب والعقاب والجنة والنار وما إلى ذلك.
__________
(1) علي يحيى معمر، الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مكتبة وهبة، 49.
(2) سورة الشورى، آية 11.
(3) الخليلي: أحمد بن حمد، الجملة وتفسيراتها، 3
(4) السالمي: عبد الله بن حميد، قصيدة غابة المراد، المجموعة القيمة، صححها وعلق عليها، أبو اسحاق ابراهيم اطفيش، مكتبة الغبيراء للطباعة والنشر والتوزيع، ط5، 1418هـ/1998 ، 22.
(5) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، مطبوع على الآلة الكاتبة، 3. (1/48)
صفحة 49
... أما الثاني فهو تفسير عملي، حيث لا يكتفي الإباضية من الإنسان للدلالة على حقيقة إيمانه وصدق إسلامه، أن ياتي بمجرد كلمات قد ينطق بها لسانه ولا تترجمها جوارحه (1) ، فالعمل عندهم ثمرة الإيمان ودليله الحقيقي، وهو نتيجة حتمية للقيمة المعنوية التي يحدثها التصديق بالقلب، في نظرة شمولية لأبعاد العقيدة والربط بينها وبين العمل، ويردون على من يفرق بين الإيمان والعمل، فقد فقالوا في مثل هؤلاء "حلوا عُرى الإسلام، وأبطلوا فائدة الحلال والحرام، وأرضوا الله بقول لا إله الا الله، ولو طمسوه بالآثام، وأوهنوا دعوة الأنبياء عليهم السلام، فمن لم يصدق قوله فعله فهو كاذب" (2)
... ولعل الناظر إلى حالة الأمة الإسلامية اليوم، يجد أنهم "يصدقون بالقلب، ولكنهم
لا يعملون بمقتضى تصديقهم في السلوك، فيجري هذا السلوك على غير مقتضى الاعتقاد". (3)
... وهي مسألة تنبَّه لها الإباضية منذ القدم، احترازاً منهم عن الاتكال على التصديق القلبي فحسب، فلابد من أن يعاد إلى الأذهان "ربط الصلة بين الإيمان بالعقيدة، وبين
كل نوازع المؤمن إلى الفكر والعمل" (4)
... ومع ذلك فإنهم يرون أن جملة التوحيد رباط مقدس، يربط بين مختلف طوائف الأمة، وأن المذاهب التي افترقت إليها الأمة لا تؤول إلى تضليل أحدهما الأخر، فجميعهم متعلق بالأصل، مستمسك بالعروة، تجمعهم كلمة لا إله الا الله، محمد رسول الله، وتأثرا بهذا المفهوم نجد العلامة الشاعر خلفان بن جميّل السيابي يقرر هذه المعاني قائلاً:
وما افترقوا في دينهِم لمذاهبٍ ... تؤولُ إلى التّضليل تلكم مقابحُ
__________
(1) انظر: الخليلي، أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 4.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، نثار الجوهر، 1/44 .
(3) د. عبد المجيد عمر النجار، الشهود الحضاري للأمة الإسلامية، 2 عوامل الشهود الحضاري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1999، 222.
(4) المصدر نفسه، 222 (1/49)
صفحة 50
وقد كانَ في بعضِ القضايا تخالفٌ ... لديهمْ فلا حقدٌ بل الودّ نافحُ
وتلكَ اجتهاداتُ لأحكامِ ربهّمْ ... وما أحدٌ منهم عن الجذْر جانحُ
وحسبُهم في الدين جُملةُ دينهِمْ ... إليها دعا المختارُ فيها التناصُحُ
هي العروةُ الوثقى فمستمسكٌ بها ... بلا شكَّ ناجِ إنْ تليها صَوالِحُ
ألا فاقرأوا مَنْ كانَ بالله مؤمناً ... ويكفر بالطاغوتِ فالحكمُ واضِحُ
وما كانَ يدعو المصطفى كلَّ من دعا ... إلى غيرِ هذا منْ أجابَ فصالحُ (1)
ويتجذّر لدى أبي مسلم البعد العقائدي في الربط بين الإيمان والعمل وبيان حقيقة التوحيد، فيؤكد تأكيداً جازماً أن الإيمان ليس بالمظاهر في قوله:
بيضُ العمائم لا تُجْدي إذا انكدرتْ ... بيضُ القلوبِ وللإيمانِ عُنْوانُ (2)
فعنوان الإيمان تتم ملاحظته من خلال الأعمال التي تترجم ذلك إلى حقيقة واقعية، وفي ذلك يقول السالمي:
إيمانُنا القولُ والتصدُيقُ معْ عملٍ ... فالقولُ مرَّ فصدّقهُ وكُنْ عَمِلاَ
بما عليك من الإيمان مُفْتَرضٌ ... والنّفْلَ ان تستطعْ فافعله مبتهلاً (3)
* الرؤية
... ومن المسائل المتعلقة بالتوحيد، التي بحثها الإباضية باستفاضة، مسألة الرؤية، فهم يعتقدون أن رؤية الباري مستحيلة في الدنيا والآخرة، لما يترتب على القول بها عندهم من أحكام، كما يقول السالمي:
ورؤيةُ الباري من المحالِ ... دينا وأخرى احكم بكل حال
لأنَّ من لازمِها التميُّزا ... والكيفَ والتبعيضَ والتحيُّزاَ
في جهةٍ تقابلُ الذي نَظَرْ ... فهذه وما أَتى بها السُّوَر
من قول لا تدركهٌ الأبصارُ ... ولن تراني فانتفَى الإبْصَارُ
__________
(1) السيابي، خلفان بن جميل بهجة المجالس، 343، ط2، التراث، 1409هـ/ 1989م
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخ، 242.
(3) السالمي: عبد الله بن حميد، قصيدة غاية المراد، ضمن كتاب، المجموعة القيمة صححها وقدم لها وعلق عليها أبو اسحاق اطفيش، 24. (1/50)
صفحة 51
لأنّه مَدْحٌ له ولا يَصِحْ ... زوالُ ما بهِ إلا لهُ مُمتَدحْ (1)
... ولا ريب أن كلا من المثبتين للرؤية والنافين لها يعتمدون على نصوص من القرآن والسنة، تؤيد مواقفهم، وقد أصبحت هذه النصوص منطلقاً لكل من الطرفين، لاحتمالها تأويلات مختلفة، فمنهم من وقف عند ظاهر النص، ومنهم من أوّل بغية التنزيه ونفي التشبيهه، وهدف الجميع واحد، دون أن يتخذ من ذلك ذريعة لتكفير من قصدوا تنزيه الله عن طريق التأويل. (2)
... وهذه النظرة العقائدية قال بها الإباضية منذ نشأتهم الأولى، اعتمادا على أقوال كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، وأخذاً عن حبر الأمة على وجه الخصوص، كما يدل على ذلك ما ورد من نصوص في مسند الإمام الربيع بين حبيب. (3)
... وكان موقفهم هذا "واضحا شديد الوضوح في النصف الثاني من القرن الأول، وقد ناقشه بعض أئمة الإباضية وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين، وعبد الله ابن عباس" (4)
... وأوضح نص يعتمد عليه الإباضية في نفي الرؤية قوله تعالى: "لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير" (5)
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، بهجة الأنوار، 82.
(2) الغزالي: محمد، عقيدة المسلم، 43، 44.
(3) هو: الإمام المحدث الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي العماني من بلد غضفان بولاية لوى من الباطنة خرج من عمان، وأقام بالبصرة، أدرك الامام جابر بن زيد، من آثاره كتاب المسند في الحديث، ويسمى الجامع الصحيح، توفي عام أربعين ومائة للهجرة أو قبلها بقليل، وذلك بعد رجوعه إلى عمان، وقبره معروف بولاية لوى في عمان.
انظر: سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان 1/86 وما بعدها، ط2، 1419هـ/1998، المطبعة الوطنية، سلطنة عمان. وانظر دليل أعلام عمان، 25.
(4) علي يحيى معمره، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 43-44.
(5) الأنعام (103) (1/51)
صفحة 52
... إذ يعدون هذه الآية نصا صريحا محكما ينفي الرؤية نفيا قاطعا، ويردون على من يفسر الإدراك هنا بمعنى الإحاطة مستثمرين معطيات اللغة واستعمالاتها، فهم يرون أن تفسيرالإدراك بالإحاطة "مخالف لما عليه الاستعمال العربي لكلمة الإدراك، ومشتقاتها، فإنه لا يفهم منه أنه بمعنى الإحاطة، فأقوال أساطين العربية المهرة، وشواهدها الصريحة الثابتة، دالة على أن الإدراك ليس بمعنى الإحاطة، بل لكل منهما معنى مستقل عن الآخر" (1) فإذا قال الإنسان "أنا أدركت حياة فلان، فلا تعني أنه أحاط بمجريات حياته" (2)
... ويذهب الخليلي إلى "أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، دلالة قاطعة، ويؤيد ذلك قوله تعالى "وهو اللطيف الخبير"، فإن قوله اللطيف كالتعليل لقوله تعالى "لا تدركه الأبصار " وقوله الخبير كالتعليل لقوله "وهو يدرك الأبصار" والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أبداً وأزلاً" كما يقول الخليلي. (3)
... واستند القائلون بالرؤية إلى قوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (4) واعترضوا بأن النظر أعم من الرؤية، فإنه يكون بمعنى محاولتها، ولو لم تتحقق، لجواز أن يقول قائل "نظرت إلى كذا فلم أره، مع عدم جواز أن يقول رأيته، فلم أره" (5)
__________
(1) الخليلي: أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 70
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، تنزيه الله سبحانه وتعالى، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1420هـ/2000م 38.
(3) الخليلي: أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 84، وانظر السالمي: بهجة الأنوار، 83
(4) القيامة 22
(5) الخليلي، أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 43-44. (1/52)
صفحة 53
... ويذهب الإباضية إلى أن مجيء النظر بمعنى الانتظار وارد، في كتاب الله، كقوله تعالى "ما تنظرون إلا صيحة واحدة" (1) وقوله "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" (2) وعليه يتعين عندهم حمل النظر في هذه الآية على الانتظار، لوجوه أجملها أحد علماء الإباضية بقوله:
1- إبعاد تأويل القرآن عن تعارض بعضه مع بعض.
2- الانسجام المعهود في القرآن وهو لا يكون إلا بتفسير النظر بمعنى "الانتظار" (3)
... وهذا التفسير للنظر بمعنى الانتظار، مروي عن السلف من الصحابة والتابعين، ومنهم الإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير (4) وروي هذا القول عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وعن عكرمة من التابعين وغيرهم (5) وهو قول السيدة عائشة رضي الله عنها. (6)
__________
(1) يونس 49.
(2) البقرة 210.
(3) الخليلي: أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 43-44.
(4) انظر المصدر السابق، 43.
(5) المصدر نفسه 46 نقلاً عن ابن حجر، فتح الباري، 13/425، المطبعة السلفية.
(6) انظر صالح مهدي المقبل، العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ ، دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1405هـ 1985م، 199. (1/53)
صفحة 54
... أما حديث الرؤية الذي يستدل به القائلون بثبوتها، فيقول فيه السالمي من علماء الإباضية "الاستدلال به باطل، لآنه خبر آحاد، وهو معارض لنص "لا تدركه الأبصار" (1) ويعلق عليه العلامة محمد زاهد الكوثري بقوله: اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان، ولم يسبق أن عرفوه على صورة، فعلم أنه قد فعلت الروايات في الحديث ما فعلت، وبهذا تبدو معارضة بعض ألفاظ الحديث لنص القرآن على رأي من يقول إن المنافقين محجوبون يوم القيامة عن ربهم، بمعنى الرؤية إن لم تحمل على التأويل، ويضيف إلى ذلك إن جمهور العلماء يقبل سنن الآحاد في الأحكام العملية والفروع الفقهية، ولا ينقلها إلى ميدان العقيدة الذي لا يقوم الأمر فيه إلا على القطع. (2)
... إن مسألة "الرؤية" ليست من مسائل أصول الدين التي لا يتم التوحيد إلا بها، وهي لا تبلغ حد تكفير من نفى وقوعها، أو يقول بحدوثها، لأن الأمور تؤخذ بالمقاصد، فلكل قوم أدلتهم وحجتهم، فإنه "لما تشابهت الآيات والأحاديث في مثل رؤية الانسان لله، ذهب كل فريق إلى ما رآه أليق لعظمة الله، بل إن تكفير من قال بعدم الرؤية لا يجوز، لأنه تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومن وافقها من الصحابة والتابعين في نفي الرؤية". (3)
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، مشارق الأنوار، 186.
(2) محمد زاهد الكوثري، هامش (2) 292، الأسماء والصفات، البيهقي.
(3) المقبل: صالح بن مهدي (ت1108هـ) العلم الشامخ، 199. (1/54)
صفحة 55
... وأخيراً فإن هنالك من القائلين بالرؤية ومن النافين لها، من قال أنه لا مانع من أن يقصد بالرؤية كمال العلم بالله سبحانه وتعالى أي معرفة الله تعالى بالقلب معرفة لا تؤدي إلى التحديد والتشبيه (1) يقول أحد علماء الإباضية ولو حملوا الرؤية على العلم لكان خيرا لهم، ولزال اللبس، واستقام المعنى، وبطل التجسيم والتشبيه" (2) كما يقول الإمام الغزالي في ذلك "الرؤية نوع كشف وعلم" (3)
... وقد تركت هذه المسألة صدى واسعاً عند الشعراء الإباضيين عبر ما جاء على لسان مجموعة منهم، سواء كان ذلك من خلال تخصيص قصائد بعينها، من أمثال العلامة البطاشي، والخليلي، والرواحي، أو ما انعكس في شعرهم، ضمن أغراض مختلفة، تأثروا فيها بهذا البعد. وفي هذا المجال نرى أبا مسلم الرواحي يخاطب ربه، وهو في مقام التوسل والذكر، مبينا عظم شأنه، مادحاً إياه بالعجز عن إدراكه قائلاً:
ويا مَنْ له الإكبارُ في كبريائهِ ... لغيرِ انتهاءٍ يا كبيرُ لمُدّةِ
ومن تحسرُ الألبابُ عن وصْفِ كبرِهِ ... فما ثمّ إدراكٌ لكُنْهِ الحقيقةِ
الى أن يقول:
ولا ثمَّ أبعادٌ ولا ثمَ جَوْهَرٌ ... فيلزمُ ذاتَ الحقّ نقصُ السِّوِيةِ
تردّى رداءَ الكبرياءِ وحقَّهُ ... تردَّى بلا ند وجزء وشركةِ
إلهي مقامُ العجزِ والفقرِ والفنا ... وكبري خضوعي يا كبيرُ وذلّتي
فكبّر حظوظي منكَ في كلِ مطلبٍ ... وفي كلّ ما يُرضيكَ عزميِ وهمّتي (4)
__________
(1) جهلان، عدون ، الفكر السياسي الإباضي، 65.
(2) الثميني: عبد العزيز، معالم الدين، وزارة التراث، مطابع سجل العرب، القانون’ 1407هـ، 1986م، 48.
(3) الغزالي: أبو حامد، إحياء علوم الدين 1/187، دار الكتاب العربي، بيروت، د.ط، د.ت.
(4) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخـ، 30. (1/55)
صفحة 56
... فهو يمدح الذات الإلهية بضعف المخلوق عن بلوغ كنه وصفه، وعجزه عن إدراك حقيقة ذاته، فلا يجوز عليه التحديد والتبعيض، لأن ذلك من صفات النقص، وهو سبحانه متصف بالكبرياء، لا ند له ولا شريك ولا شبيه، وهي أمور تعكس رؤية المذهب إلى هذه القضايا العقائدية التي يعتمدها الإباضية أساساً لمعتقدهم.
... ويقول في مقام التعلق باسمه "الظاهر" مشيرا إلى أن ظهوره للكون من غير رؤية، وإنما هو ظهور إحسان ولطف وعناية، من خلال آياته، وبديع صنعه، ليبقى نفي الإدراك ملازما لأبي مسلم في خطابه فيقول:
ظهرتَ لعينِ الكونِ منْ غَيْر رُؤْيةٍ ... وغيرِ ابتداءٍ ظاهرِ الأحديّةِ
ظهورُك بالإحسان يا ظاهر انجلى ... على وَجْهِ ذرّاتِ الوجودِ البديَعةِ
ظهرتَ عياناَ لا لإدراكِ باصرٍ ... ولكن بتفريج الكروبِ العظيمةِ (1)
... وفي توسله باسمه "الباطن" يستثمر الشاعر ما يحمله هذا الاسم من دلالات لغوية، ومعانٍ عقائدية، فالباطن لا يدرك بالحس إدراكاً حقيقياً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفي ذلك أيضا تأثر جاء ممتزجاً بالخلفية الثقافية والفكرية لدى الإباضية، كما يبدو في قول الشاعر:
ويا باطنَ الذاتِ اختفيتَ بلا اختفا ... بطوناً عن الأفكارِ والنَّظريَّةِ
بَطُنْتَ فلا إدراك للحّسِ والنُّهى ... بدُنيا ولا أُخرى لعينِ الحقيقةِ (2)
... وفي مجال مخاطبة النفس وتبكيتها، وتنبيهها من محاولة هتك حجب الجلال الإلهي، يدعو أبو مسلم الإنسان إلى إلجام هذه النفس، لتعرف قدرها، فلا تحاول طلب رؤية الباري، عز وجل، فذلك أمر بعيد المنال، كما هو في مستقر عقيدة الشاعر وقناعته الفكرية، وهو بذلك يرد هذه النفس الى أصولها البشرية القاصرة، ويركز خطابه على العاطفة والعقل معا فيقول:
هنَةُ النًّفْسِ وافتقارُ الطبيّعي ... وقَيْدُ التَّعْبيدِ والاعْتلالُ
حاولت هتكّها الجلال الالهـ ... ـي وقالت دَرْكٌ وكَشْفٌ وحالُ
__________
(1) المصدر نفسه، 37.
(2) المصدر نفسه، 47، 48. (1/56)
صفحة 57
كلُّ درك وَكلُّ كشف وحالٌ ... حدُّهُ الحدُّه والفنا والمثالُ
ما رأت في التحقيق إلاّ حدوداً ... ورسوماً وما ادَّعتْه ضلالُ
أيُّها العجزُ لا تطُلْ قيد شبر ... دونَ ما رُمْتَ عزَّةٌ وجلالُ
دون ما رمتَ لنْ ولا وأنا ... الله ... وأنت المخلوقُ والأحوالُ
أنت في ركن افتقارك ثاوٍ ... فإلى أينَ الشدُّ والتّرْحَالُ (1)
... وينطلق الشاعر السلوكي سعيد بن خلفان الخليلي، من ثنايا هذا الفكر، وهو في غمرة مناجاته حين كان يمزجها بالنصائح السلوكية، التي يتوصل بها السالكون إلى الحضرة الالهية، داعيا إلى معرفة الله سبحانه معرفة من غير رؤية، ففي عدم الإدراك إدراك، فيقول:
فمهما يوجِّهْها إلى وجهِ ربِّها ... تَعُدْ بشعاع يَبْهرُ العقلَ فتّانِ
يريك بها وجه الحبيب جمالُها ... به شرفاً يسمو بأشرفِ سكّان
إذا عرجوا فيها لعرش صفاتها ... لمعنى وراءَ الوصف باء برُفعانِ
يُريك عباراتِ الصفاتِ إشارةً ... لها كَلَّ عن تعبيرِها كلُّ سبْحانِ
غَدتْ حيرةَ الألبابِ لكن ذهولُها ... بها للهدُى يَهدي بها كَلَّ حيرانِ
ففي عدم الإدراكِ إدراكُ عارفٍ ... طوى نشرَهُ أعلامُ فقدٍ ووجدانِ
فعرّج بتجريدٍ لتفريدِ واحدٍ ... وخَلِّ السِّوى يخلو فما ثمَّتَ اثنانِ (2)
... ويخاطب الشاعر عبد الله الخليلي في قصيدة سلوكية له، وهو في مقام الأذكار، عاطفة الانسان مستغلاً ضعف هذا الكائن البشري الذي قد تطاول على مولاه، فطلب محالاً، وركب صعبا، فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وكفى بذلك دليلاً على عجز العبد عن بلوغ كنهه، وهو مجرد ماء وطين، والله سبحانه أجل من أن تراه العيون، أو تدركه الأوهام، أو تتخيّله العقول، كما يبدو في قول الشاعر الخليلي:
وامتزجْ من عوالم الذكر بالذّا ... ت وغِبْ فيه عنكَ حتّى تراهُ
فوَحقِّ الجلالِ من مُجتْلَى الأنـ ... ـوار حيث الكمالُ في مستواهُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 174.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخطوط، 36. (1/57)
صفحة 58
حيثُ تلقى الأبصارَ حَسْرى عن الدرْ ... كِ عليها منْ "لن تراني" غِشاهُ
لنْ تراه فأنتَ ماءٌ وطينٌ ... وهو منْ ليس مثلهُ أشباهُ
جَلَّ من أن تْراه عينٌ وأن يُدْ ... ركَهُ الوهمُ والذّكا حاشاهُ (1)
... والله سبحانه وتعالى يستدل عليه من خلال آياته وعجائب مخلوقاته، اتخذ الكبر رداء مانعا عن طلب رؤيته، كما يبدو في قول الخليلي:
هُوَ ما قدْ عرفَت فيكَ ولكنْ ... أينَ طوقُ الإدراكِ منْ مَرآهُ
قد جلادونه الدلائلَ فاعْجَبْ ... لمجلٍّ قد اختفى في جَلاهُ
حجب الخلقَ عنه واتخذ الكبـ ... ـرَ رداءً فما أعزّ ارتداه (2)
ويتوجه في خطابه إلى الإنسان مقارناً بين النقص والكمال، والحضيض والحق، وأنت وهو، مبيناً تلك المفارقة العجيبة المعتمدة على الثنائية، حين يقول:
أيها النّقصُ في كمال جلال الـ ... ـوصل هل عاقَ قَصْدَك الاشتباهُ
قُمْ وسارع فالقصدُ غيرُ بعيدٍ ... وبلوغُ المرامِ أن تخشاهُ
غبتَ عنه فغابَ عنك ليلقا ... كَ فهل صدّك الهوى عن هواهُ
وتجلىّ لكنَّهّ فيك فانظر ... بك فيك الإجلالَ في مَجْلاهُ
أنت لولاه لم تَطُلْ قيد شبرٍ ... أنت في مركز العفا لولاه (3)
__________
(1) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 55.
(2) المصدر نفسه، 56.
(3) المصدر نفسه، 57. (1/58)
صفحة 59
... ونجد الشيخ الشاعر عبد الله بن عامر العزري (1) يركز على الأدلة العقلية التي تنفي وقوع الرؤية، نظرا لما تقتضيها الرؤية من احتواء المكان والجهة، ومبينا أن المرئي لا بدّ أن يكون متحيزاً في جهة محددة، والله سبحانه وتعالى من صفاته الوجود في كل مكان، لا تحويه الأمكنة، ويرد أيضا على الدليل العقلي الذي يذهب اليه القائلون بالرؤية، وهو أن كل موجود يرى، حيث يؤكد أن هنالك موجودات لا ترى كالريح وما شابهها، فيقول:
ما حوتهُ جهةٌ أو زَمَنٌ ... كيف يحوي ذاتَه دَرْكُ البَصَرْ
ما نفينا كونَه في جهةٍ ... إنْ وصفناهُ بإدراكِ البصَرْ
إنْ زعمتم كلُّ موجودٍ يُرى ... هل تُرى الريحُ وأرواحُ البْشرْ (2)
...
ويرى الإباضية أن نفي الرؤية من لوازم التنزيه لله سبحانه عن مقتضيات الرؤية ومتطلبات الإبصار، فكل مرئي حال في مكان، وهو متبعض، يقول الشاعر العلامة سفيان ابن محمد الراشدي:
واقذف من التنزيه نورا يدفعُ التـ ... تشبيه يزهقْه ولا تتحمّل
أتراك قد نزهته إذ قلت قد ... يأتي ويذهبُ أو يُرى الربُّ العلي (3)
... هذا بعض التأثير الذي تجلى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقائدي، أما أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانبا عقائديا بحتا، فلا ريب أنها كانت مقصودة قصدا موظفاً، ليغدو الفكر العقائدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال العاطفي والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية، فهل ينجح الشاعر في ذلك؟
__________
(1) هو الشيخ العلامة عبد الله بن عامر بن مهيل (بتشديد الياء) العزري، أحد قضاة الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي، وهو أديب شاعر، توفي سنة 1358هـ. ينظر الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3: 216-218.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3: 217.
(3) المصدر نفسه، 3 : 245. (1/59)
صفحة 60
... الناظر في قصيدة أبي مسلم الرواحي "طمس الأبصار" يجد أنها تميزت بأسلوب الحوار، وخروج الفكر من خلال العاطفة المتقدة وقد ظهر عليها الجانب الفلسفي والجدلي، ممتزجا بالحرص على عرض الأدلة، وتفنيد حجة الخصم، وهي من القصائد القليلة التي تشي بحالة أبي مسلم النفسية وهو ينشئها، إذ عكست شدة في الموقف، وعنفاً في الخطاب، وتعصباً للرأي، وإن كان تعصباً قائماً على إيمان راسخ بصدق المعتقد.
... وقد لا يستغرب ذلك منه، إذا علم أن القصيدة جاءت في سياق الردّ على شاعر عماني رمى الإباضية بفساد عقيدتهم، وسوء تأويلهم، فانبرى أبو مسلم للرد عليه، يدلنا على ذلك أسلوب القصيدة منذ مطلعها، إذ نجد فيها نبرة الهجوم، وقد جاء استهلالها منبئا عن موضوعها، وإن بناه الشاعر على المباشرة في الخطاب، ولكن الحوار وقوة العاطفة منح القصيدة نجاحاً موضوعياً، ويبدو ذلك جلياً في مستهل قصيدة الرواحي:
نزّه إلهَك أن يُرى كيْ تعرفَهْ ... أتُراكَ تعرفُهُ وتثبت ذي الصّفةْ
واعرفْ مقامَك دونَ ما حاولتَهُ ... إنَّ التي حاولتَها لك مُتْلفَةْ
أتعبتَ نفْسَك في ظُنونٍ قُلّبٍ ... والحقُّ أنَّ ظنونَ وَهْمكَ مُخْلفَةْ
عَجَباً تُوحِّدهُ وَتَجْعلهُ لأعـ ... ـراض الطبيعة عرضَةً مستهدفةْ
وفررت من تحديده ونصبتهُ ... غرضاً لعينك من وراءِ البلكفةْ (1)
... ونجد الشاعر هنا يحاور مخالفه محاولاً قطع حجته، وسد ذرائعه، ومناقشاً أدلته، بصورة يغلب عليها الطابع الكلامي ضمن أسئلة افتراضية، وعاطفة متقدة، فالشيء المرئي محدد، معلوم، متحيز كما يبدو في قوله:
إنْ كنتَ تعقلُ ما تراه فهذه ... ماهيةٌ محدودةٌ متوقِّفَةْ
أولستَ تَعقْلهُ فأنتَ مخلِّطٌ ... درْكُ ولا دركٌ فأينَ المعرفةْ
إن قلتَ معلوماً أحطتَ بذاتِهِ ... وجعلتَ عجزَكَ قدرةً متصرّفةْ
أو قلت مجهولاً فأنت مُعَطِّلٌ ... أعبدَت مجهولاً وعطَّلتْ الصِّفةْ (2)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 175.
(2) المصدر نفسه، 175. (1/60)
صفحة 61
... وبالجملة فإنَّ القصيدة تمثل عرضاً لرأي المذهب الإباضي في نفي الرؤية، لما يلزم المدرك المرئي – في نظر علماء المذهب- من التحيز والحلول والتكيف،بما يتعارض مع عقيدة التنزيه لله سبحانه وتعالى.
... واللافت للنظر، أن أبا مسلم يخاطب شخصاً بعينه، منذ بداية القصيدة إلى نهايتها، ولو ذهبنا نحصي ضمير الخطاب لوجدنا أنه لا يكاد يخلو بيت من هذا الضمير، وبحسبنا أن نعرض بعضاً منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وذلك عندما عرض لدليل القائلين بالرؤية من خلال سؤال سيدنا موسى عليه السلام لها قائلاً:
فإذا نصبتَ سُؤال موسى حُجَّةً ... ونبذتَ أحكامَ العقول مزيَّفةْ
قُلْ لي: أموسى كانَ يعلمُ منعها ... من قبل صاعقة النكيرِ المُرجفَة
فتشوبُهُ النقصانَ في توحيده ... وتكون أكمل في الحجا والمَعرفةْ
أم كان يعلم منعها وأرادها ... عدوا فتنسب للرسالة عَجْرفَةْ
أم كان يَعْلَمُ منعَها بحياتهِ الد ... نيا فأعجَل رَبّهُ ليشرّفه
وعلى الثلاثةِ فالنقيصةُ عِنْدَه ... بسؤالها أو لا فليَسك منصفه (1)
... ومن الواضح أن الشاعر يوجه سهام نقده، إلى أحد الأدباء العمانيين من أهل السنة، وقد كان معاصرا له، وهو الشيخ الأديب علي بن خميس البرواني (2) الذي قال قصيدة عاب فيها قصيدة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (3) ،
__________
(1) المصدر نفسه، 177.
(2) هو الشيخ الأديب علي بن خميس بن سالم بن راشد البرواني، كان مقيما في زنجيار، ثم عاد إلى عمان، مشهور بالعلم ت 1304هـ انظر الغيثي: سعيد بن ناصر، ت 1361هـ، ايضاح التوحيد، 1: 424.
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 38. ويذكر أن للشيخ العلامة سلطان بن محمد البطاشي من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري، قصيدة على هذا الوزن والروى يقول فيها
ما بالكم ولكم لكم من نكتة في كتب كشف المشكلات مصنفة
شبّهتموه بخلقه في قولكم في ذاته بالرؤية المستنكفة
لابد للمرئي من إحدى الجها ت الست أو من هيئة متكيفة
انظر الخصيبي، محمد بن راشد، الشقائق، 1: 155. (1/61)
صفحة 62
يقول الخليلي في مستهل قصيدته:
سبحانه مَنْ ليسَ يُدْركُ ذاتَهُ ... نظرٌ بعين للذّوات مكيِّفة
خَلَقَ العقولَ لتهتدي بصفاتِهِ ... للذّات إذْ للذات قد تُنْهى الصِّفَةْ
ويقول البرواني في معرض نقده لرأي المذهب، دون أن ينقض أدلة، ولا يناقش رأيا، وقصيدته تحمل طابع التعصب، من بدايتها، يقول في بعض منها:
لعصابة وهمُوا فقالوا إنّهمْ ... أهلُ استقامةِ منهجٍ ما أشَْرفَهْ
وتمدّحوا جَهْلاً وظنّوا أنَّهمْ ... للحقِّ أهلُ قد أصابوا في السَّفةْ
وتشبثوا بأدلةٍ مظنونة ... شُبه كنسْج العنكبوت مُزَخْرفََةْ
نسبوا إلى أهلِ البصائرِ والهوى ... والعلم كُلَّ ضلالَة متحرّفةْ
ظلماً وعدواناً ووثبة مُبْطل ... طوعاً لميل هوى وذلك متْلفةْ
وإذا طلبتَ دليلَ قولِ منهمُ ... قالوا جميعاً كلنَّا لن نعرفَهْ
لكن أئِمتُنا الأولى دَرَجُوا بذا ... أفتْوَا وأنَّ مقامهم لن نصرِفَهْ
هذا وقد منعوا من التقليد يا ... عجبُ لقومٍ قد أتوا بالسفسفة (1)
ففي هذه القصيدة تعريضْ لقصيدة الخليلي، التي أشاد فيها بالزمخشري في تفسيره لقوله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير" حين يقول:
الله أكبرُ يا لشيخ زمخشرٍ ... تهْ بينَ أربابِ العُلى بالمعرفَةْ
ولأنْتَ بدرٌ في سماءِ بلاغة ... لا مطمعٌ لمعارضٍ أن يَخْسفَهْ (2)
فيقول البرواني معرضاً:
الحمدُ لله الذي أغناني عن ... فخر المخُالف في بيان أسْلفهْ
أو ليس لي سلفٌ فأذكر مجدهم ... لم لا وهم عددُ الرمالِ المشرفهْ (3)
__________
(1) الغيثي: سعيد بن ناصر، إيضاح التوحيد، بنور التوحيد، 1: 421.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخطوط، 42.
(3) الغيثي: سعيد بن ناصر، إيضاح التوحيد، 1: 421. (1/62)
صفحة 63
... ومن هذا نتبين قول أبي مسلم في نهاية قصيدته، شارحاً فيها سياسة المذهب التي تقتضي عدم تقليد الرجال في دين الله، وقبول الحق أين كان، وعند من كان، مبينا أن توحيد الإباضية مستنبط من كتاب الله ناعياً على الشاعر تضليله لرجال المذهب وتسفيهه لآرائهم، مفتخرا بحقيقة عقيدته، حين يقول:
لله نحلتُنا ونعْم سياقُها ... أَصْلاً وَفَرْعاً لا تُخالفُ مُصْحَفَهْ
هي عينُ ما نزلَ الأمين به على ... الهادي البشير وما عداها زخرفةْ
من عجزنا عن دَرْكِه هُو دَرْكُهُ ... لادركُ ما هياتِنا المُستْأنَفَةْ
ونجلّه عن رُؤية بالعين أوْ ... بالعقل في دنيا وأخرى مُشْرفَةْ
والدينُ نأبى أن تقلَدهَ رُجا ... لاً غيرَ معصومينَ عَمَّا حَرَّفهْ
ونُقلِّدُ الرَّأي المطابق أصلهُ ... لمحقق استنباطه عن مَعّرفَةْ
أفلْتَّ سانحة الهُدى فارْبع على ... ضَلْع العَمَى وابغ الضلالةَ مزلفةْ
أضللت صَدّيقيّةً عُمريَّةً ... وَهْبيّة تهبُ الهداية مُنصْفَةْ
لا تدَّعي هتكَ الجَلالِ بُرؤيَةٍ ... حسبُ العقولِ من المقامِ المعرفةْ (1)
...
لقد جاءت قصيدة أبي مسلم مخاطبة ومناظرة، مشحونة بالمنطق من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى وقد استطاع الرواحي توظيف الشعر للحديث عن القضايا الدينية والعقائدية دون أن يثقل الفكر كاهل القصيدة وذلك راجع إلى قدرة الشاعر على المواءمة بين فنه ومعتقده كما يقول الأستاذ الدكتور إحسان عباس (2) مع أن موضوع القصيدة أقرب الى روح الفلسفة والمنطق منها الى الشعر.
3- الصفات
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 179-181.
(2) ينظر شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، مقدمة الطبعة الثانية، 1963، 8. (1/63)
صفحة 64
... يقسم الإباضية صفات الله إلى قسمين، صفات الذات وصفات الفعل (1) أما صفات الذات فهي التي لا يمكن أن تجامع ضدها في الوجود مع اختلاف المحل أو اختلاف الزمن" (2) وقد جمعها أحدهم قائلاً:
حيُّ عليمُ قدير والكلامُ له ... فردٌ سميعٌ بصيرٌ ما أراد جرى (3)
... أما الصفات الفعلية فيمكن أن تجامع أضدادها في الوجود باختلاف المحل أو باختلاف الزمن (4) "كأن يوسّع في رزق زيد ويضيق في رزق عمرو" (5) وهم يرون أن صفات الذات هي عين الذات، وهذا القول لا يعني التعطيل للصفات ذلك أن الإباضية لم ينفوا الصفات، ولكنهم أثبتوها بما يتناسب مع عقيدة التنزيه عندهم، خوفا من الوقوع في مغبة التجسيم لله سبحانه، وغاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن الافتقار إلى الغير" (6) ، فالله سبحانه بصير بذاته، سميع بذاته، قدير بذاته، عليم بذاته، غير محتاج إلى صفة زائدة عليه كما يبدو في قول السالمي:
صفاتُه لذاته هي ذاتُهُ ... لا غيرَها دَّلت بذا آياتُه
فهو عليّم لا بعلم جُلبا ... وهو سميعٌ لا بسمع رُكّبا
وهو بصيرٌ لا بعين نظرت ... وهو قديرُ لا بقدرة عرت
وهكذا في سائرِ الصّفاتِ ... لأنها في الأصلِ عينُ الذاتِ (7)
__________
(1) انظر د. فرحات الجعبري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، 299.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، صفات الله سبحانه، مكتبة الاستقامة، 7 وانظر السالمي، بهجة الأنور، 79 وما بعدها ط2، 1991.
(3) داوود التلاتي، شرح العقيدة، 27، نقلاً عن د. فرحات: البعد الحضاري، 230.
(4) الخليلي: أحمد بن حمد، صفات الله سبحانه، 8.
(5) د. فرحات، البعد الحضاري للعقيدة الاسلامية، 245.
(6) المصدر السابق، 269.
(7) السالمي: عبد الله بن حميد، بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ط2 ، 1411هـ ، 1991، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 8 (1/64)
صفحة 65
... وعلى ذلك يذهب الاباضية إلى أن صفاته تعالى معان اعتبارية، وُصف بها الحق تعالى كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والكلام، وأنها مغايرة للمعاني الحقيقية القائمة بخلقه الموصوفين بها، إذ أنها ليست زائدة على ذات الحق تقدس وتعالى، ولا حاجة إلى دعوى معان زائدة عليه قائمة به، توجد بها تلك المقتضيات، فوجوده سبحانه كافٍ في انكشاف جميع المعلومات له، ولا حاجة إلى دعوى صفة أزلية قائمة بذاته تنكشف عليها المعلومات. (1)
... ويكشف السالمي وجهة نظر الإباضية في صفات الله، فيقول:
ندين أن إله العرش ليس له ... شبهٌ وليس له ندّولا مثَلا
وأنه ليس جسماً لاولا عرضاً ... لكنه واحدٌ في ذاته كمُلاً
وواحد في الصفات والعبادة والـ ... أفعال طرّاً فلا تبغوا به بدلاً (2)
... تقوم فلسفة الإباضية في تفسير آيات الصفات على تأويل كل ما من شأنه أن يوهم التشبيه، من متشابه القرآن الكريم والسنة المطهرة، بما يتناسب مع سياق النص، وينسجم مع قوله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (3)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، نثار الجوهر، مخطوط، ص31، انظر الجيطالي، قواعد الإسلام، 1، 33-34.
(2) السالمي، عبد الله بن حميد، قصيدة غاية المراد، ضمن المجموعة القيمة، 22.
(3) سورة الشورى، أية 11. (1/65)
صفحة 66
... لا سيما أن اللغة محتملة لذلك التأويل، ومستوعبة لذلك التفسير، فالله سبحانه وتعالى خاطب العرب بلغتهم، ولغتهم – كما هو معروف- فيها الحقيقة وفيها المجاز، بل إن العدول عن المجاز في كثير من الأحيان، يفضي إلى جملة إشكالات يقع فيها المفسر، كقوله تعالى: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" (1) فإنه لابد من اللجوء إلى الانزياح اللغوي، أو المجاز في "وجه" ليقول إن الوجه هنا بمعنى الذات، فوجه الله أي ذات الله، وإلا كان التفسير الحرفي مشكلا كما لا يخفى. وحكى الفخر الرازي الإجماع على أن جميع فرق الإسلام، مقرّون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن" (2) ثم ذكر جملة من الألفاظ والأساليب الواردة في القرآن والأخبار، يتعين تأويلها، بما يتناسب مع تنزيه الله عن الجهة والتجسيم، كالوجه واليد، والعين والساق والجنب والمعية، والنفس والفوقية، والإصبع، والصورة واللقاء والمجيء والنزول والحجاب" (3) وهو عين منهج الإباضية الذي أخذوا به في تأويل المتشابه. (4)
... يقول العلامة خلفان بن جميل السيابي (ت 1393هـ- 1973م) مبيّنا ما يجب على الإنسان اعتقاده في صفات الله، ومنبها على ما ورد من الألفاظ التي يقتضي ظاهرها التجسيم والتشبيه، ممثلاً على ذلك بالاستواء والوجه واليد، وتفسيرها تفسير لا يتناقض مع صفات الكمال الإلهي المنزه عن كل نقيصة فيقول:
فليعلمنَّ صفات الله واجبها ... و المستحيل عليه حينما عَقلا
وليعتقدْ مع ذا تنزيه خالقِهِ ... عن كلّ نقصٍ له سبحانهُ وَعَلا
__________
(1) سورة الرحمن، آية 27.
(2) البيهقي: الأسماء والصفات، تحقيق محمد زاهد الكوثري، 290.
(3) الفخر الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين، أساس التقديس في علم الكلام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر 1354هـ/ 1935م، 79.
(4) انظر في ذلك أبو عمار عبد الكافي، الموجز، 1/398-399، الشقصي: خميس بن سعيد، منهج الطالبين، 1/399-405. (1/66)
صفحة 67
وما من الآي والأخبار ظاهرُهُ ... قد يقتضي الجسم والتشبيَه والحللا
كالاستواءِ على العرش العظيم وما ... كالوجهِ أو كيدٍ أو شبه ذا نزلاً
فنزّهِ الله عن كُلّ النقائص ... واعلم ... أنه جلَّ في أوصافه كَمُلا (1)
... ويشير الشاعر إلى نظرة السلف من الأمة في مثل تلك الألفاظ، وموقف الخلف منهم قائلاً:
والحكمُ في تلكمُ الآيات للعلما ... في مذهبين أتى عنهم لنا نُقلاً
فمذهبُ السلف الماضيين أن سكتوا ... وَفوّضوا علمَها لله عزّ عَلا
مع اعتقادهُم تنزيهَ خالقهم ... عن كلّ ما مِنْ سماتِ النَّقْص قد جُعلا
ومذهبُ الخلف الآتين بعَدهُم ... تأوَّلوا ظاهراً منها بما قبلاً
كالوجهِ بالذاتِ والعين الرعايةُ والـ ... ـحفظ الوثيقُ الذي لا يقبُل الخللا
والاستواءُ على العَرشِ العظيمِ هو اسـ ... ـتيلاؤه قهْره للخلق حيثُ عَلا
والأيدي قدرته أو نعمة شَمَلتْ ... كُلَّ الخليقة بالأرزاقِ قد كَفلا (2)
... ويعبر الشيخ العلامة سلطان بن محمد البطاشي (3) عن هذه المسألة مبينا أن صفاته تعالى مخالفة لصفات المخلوقين، فهي صفات تنفي أضدادها، أي هي عين الذات، التي هي كافية لانكشاف المعلومات، فيقول راسما هذه المعاني، ومشيراً إلى أن الناس في سعة من أمرهم ما لم "يركبوا هذا الباب، قائلاً:
ثمَّ الصِّفاتُ له تعالى لم تَكُنْ ... قامت بهِ كفضائلِ الإنسانِ
بل باعتبارِ النفيِ عنه بضِّدها ... كالموت أو كالجهلَ والنسيانِ
والذاتُ كافيةٌ لمعَناها فََدعْ ... ما قال أهلُ الزورِ والبُهتَْان (4)
والناسُ ما لم يركبوا ذا الباب في ... سعةٍ وإنْ جهلوهُ يا إخْوَاني
__________
(1) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس 41.
(2) المصدر نفسه، 41.
(3) هو العلامة الشاعر، سلطان بن محمد بن صلت بن مالك البطاشي، عالم فقيه، عاش في القرن الثالث عشر الهجري أقام بسمائل في عهد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، مجاورا له، انظر دليل أعلام عمان، 82.
(4) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان 1: 157. (1/67)
صفحة 68
لا يهلكون بشكِّهمْ فيه ولوْ ... أفتاهٌم في عِلْمهِ الثقَلانِ (1)
ويشير إلى المشبهة الذين وقفوا عند ظاهر الآيات ومتشابهها، ولم يحملوا هذا المتشابه على ما جاء محكما، فيقول:
ثم المشبِّهةُ اجتروا فيما أتى ... عنهم على مُتَشَابهِ الفُرقانِ
حَمَلوا الذي فيه لمولاهم على ... مَفْهومِهِ المعروف في الجثمانِ
وَجَروَا بذلك صاح في العرش استوى ... والوجه والأيدي وفي الأعيانِ
والكشفِ عن ساقٍ وَطيّ يَمينِهِ ... وإليهِ ناظرةٌ بغير تواني (2)
وينتقد الشيخ هؤلاء، وكيف أنهم لم يحملوا هذه المعاني على صفات الكبرياء العلية فيقول:
ما بالهم لم يحملوهُ على الذّي ... للكبرياء مُوافِقٌ ومُداني
والأمْرُ أجلى فيه من شمسِ الضُّحى ... عند البليغِ العالمِ الربَّانِي
ويوضح كيف يمكن أن تحمل تلك الألفاظ وتوجه تلك الصفات:
فيفسر المولى على العرش استوى ... أيْ أمرُهُ في الخلقِ بالإتقانِ
والملكٌ ثم الحكمْ فيه بعدْ لهِ ... والقهُرِ والتدبيرِ والسلطانِ
لا بالقعودِ عليه واستقرارُه ... إذ لا يليقُ به تعالى ذانِ (3)
ويعلل الشاعر لماذا خص العرش بالذكر، إذا لم يُرَدْ به الاستواء قائلاً على سبيل الحوار والمجادلة:
إن قيل هذا بابُه التعميمُ في الْـ ... أشيا فما تخصيصُه بمكانِ
قلنا إذا ذُكرَ العظيمُ وما عَلا ... أغنى عن المُلغى من الأدوانِ
والعَرْشُ أعظمُ خَلْقه ولكَوْنِهِ ... أعلى مكانٍ كان سقفَ جنانِ
فيما روي وبه من الملكوتِ ما ... أن لا يُحيط به مقالُ لسَانِ
فيكون الاستيلا عليه داخلاً ... في مقتضى مفهومه الكَوْنانِ
ويجوز أخذُ خلاصة المعنى بلا ... نظربه للعرشِ ذي الأركانِ
فيرادُ من مجموع ذلك أنَّهُ ... استولى بقدرتهِ على الأكوانِ
قبلَ الوجودِ وبعدهَ وهو الذي ... هو كُلُّ يومٍ كائنٌ في شانِ (4)
__________
(1) المصدر نفسه، 158
(2) المصدر نفسه، 158
(3) المصدر نفسه، 158، 159.
(4) انظر القصيدة في الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان،1 : 159. (1/68)
صفحة 69
وينتهي الشاعر إلى بيان أن كل ما يوهم التشبيه والتجسيد والتجزيء من رؤية ومجيء ونزول بما لا يليق بكبرياء الله، فيجب تأويله، اقتضاء بما يتوافق مع الكمال الالهي فيقول:
وجميعُ ما هو مُوهِمٌ عُضْواً له ... أو كونُ معنى فيهِ كالإنسانِ
أو رؤيةٌ في ذاتهِ ومجيؤهُ ... ونزولهُ إذْ هي ذاتُ دخَانِ
فبلائق في الكبرياءِ مؤَوَّلٌ ... وكما له وجلالِه الصّمداني (1)
ويختم قصيدته مخاطبا مولاه راجيا إخلاص توحيده، وتنزيه ذاته:
سبحانَ ربي قد تعالى جَدّه ... عن أنْ يعودَ إليهِ ذاكَ بذانِ
لا شَيْء يُشْبهُهُ وليس كمثله ... شيء فلا وَجْهٌ ولا عينانِ
وهلمّ جرّا في ظواهر ما جرى ... مجراه فهو الواسعُ الميدانِ
واسلكْ به منهاجَ أهل الحقّ في التَّـ ... ـأويل واْقتَدْ صعَبهُ بعنانِ (2)
... وقد أول الإباضية قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (3) كما أوله غيرهم من علماء الأمة، فقد ذهب صاحب الموجز من الإباضية إلى أن هذه الآية متساوية في سبكها، متقاربة في معناها، مع قوله تعالى "والله غالب على أمره" (4) وقوله "وهو القاهر فوق عباده" (5) فتقابل كل مما يأتي:
هو/ الله/ الرحمن، وتقابل: على/ فوق/ استوى، وتقابل: أمره/ عباده/ العرش، واستنتج من ذلك أن الآيات الثلاث متشابهة العبارة، متقاربة المعنى. (6)
__________
(1) المصدر نفسه 1602.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 1/ 161.
(3) سورة طه، آية 5 .
(4) سورة يوسف، آية 21.
(5) سورة الأنعام، آية 181.
(6) أبو عمار عبد الكافي، الموجز، 1/397. (1/69)
صفحة 70
... وقد نص إمام الحرمين على تغليب رأي حمل الاستواء على القهر والغلبة، حيث يقول "ولم يمتنع مثل حمل الاستواء على القهر والغلبة، وذلك سائغ في اللغة. إذ تقول العرب "استوى فلان على الممالك والملك" فإن الاستواء بمعنى الاستقرار، ينبئ عن اضطراب سابق، والتزام ذلك كفر" (1) ويعلل أبو حامد الغزالي هذا الموقف بقوله: "إن الله تعالى منزّه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش، فإن كل متمكن على جسم والمستقر عليه مقدر لا محالة فإما أن يكون أكبر منه، أو أصغر أو مساويا، وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلاجسم" (2)
... ولا ريب أن مجيء هذه الألفاظ إنما هي للتقريب إلى الأذهان، وعليه ينبغي الابتعاد عن الحرفية المباشرة في التفسير، خشية الوقوع في التشخيص والتجسيم، والعدول عن التصريح إلى الكناية عن بعض الحقائق من الأساليب المحببة، لما فيها من حسن وجمال، "فبهذا الأسلوب الرمزي، ترتسم في الخيال صورة حسية عن الفكرة المجردة، وتقرب إلى الناس في جميع الأجيال أسمى الحقائق بوساطة الخيال". (3)
... وُينْكَرُ على من يفسِّر قوله تعالى "يوم يكشف عن ساق" (4) تفسيراً ظاهراً على أنها ساق الرحمن، فيقول د. صبحى الصالح "ومن هنا انتهى الخلف، وبعد رجعتهم إلى النصوص، وتمرسهم بأساليب العربية، إلى هذه الصورة التمثيلية الحية، التي رسمت في الأخيلة لوحه فنية شاخصة، عن شدة الرعب يوم الهول والفزع الأكبر" (5)
... وقد ترسخت هذه النظرة العقائدية عند الشعراء الإباضية فانعكست أثارها
في شعرهم، فالشاعر خلفان بن جميل السيابي يخاطب مولاه متوسلاً بعظمته وكبريائه فيقول:
__________
(1) البيهقي: الأسماء والصفات، هامش الكتاب، 406.
(2) الغزالي: أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، 84.
(3) صبحي الصالح: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، 3، 369، تعليق على الهامش.
(4) سورة القلم، آية 42.
(5) صبحى الصالح، فلسفة الفكر الديني، 3، 374. (1/70)
صفحة 71
تعاليتَ عن كيفٍ وأين وعن متى ... ومالك كفءٌ أو نظيرٌ ولا مثْلُ
تعاليتَ عن كيفٍ وكيًّفت كيْفَنَا ... وُقدِّسْتَ عن أين نُعوتا لمن حَلّوا (1)
... إذ نجد أثر هذا الفكر في الدعوات الإلهية التي يتوجه بها الشعراء الإباضيون وأكثر هؤلاء الشعراء تأثراً بهذا البعد العقائدي أبو مسلم الرواحي فقد انسابت أفكار المذهب في شعره عبر دعواته الإلهية وجاءت عفوية في مقام خلواته، وفي مقام التذلل والمديح النبوي، وفي غمرة الخضوع والاستكانة لمولاه، بعيدا عن روح الجدل والحجاج، كأن يخاطب المولى عز وجل باسمه "السميع جل جلاله" قائلاً:
إلهيَ لا مسموع يعزبُ عنك يا ... سميّعُ بجهر كانَ أو بخفيّة
إلهيَ سَمعُ الله دركٌ لذاتهِ ... تجلّى له مسموعُه بالحقيقةِ
إلهي سَمْعُ الحقِّ ليس بآلة ... ولاصفة بالذات قامت وحَلَّتِ
ولكنّه علمٌ قديمٌ مطابِقٌ ... لماهيّة المعلوِم باللاّزميَّةِ (2)
... إنه يمتدح الذات الإلهية تهيئة لدعائه، الذي ينطلق فيه من قاعدة عقائدية إباضية عامة مؤداها أن صفات الذات، هي عين الذات، فالله سميع لا بآلة سمعٍ وإنما هو سميع بذاته غير محتاج إليها لانكشاف المعلومات والمسموعات، والله ليس كمثله شيء ولو كان الله سميعاً بآلة سمع لكان في ذلك مشابهة بخلقه كما يرى الإباضية
... وفي خطابه داعياً باسمه "لبصير جل جلاله" نراه يثبت هذه الصفة بما يتناسب مع معتقده، فهو بصير بذاته، لا بحلول صفة زائدة عن الذات، مشيرا إلى من يثبت حلول الصفات بالذات، لأنه غير محتاج إلى صفة زائدة عليه كما يقول الرواحي:
بَصُرْتَ بكلّ الكائناتِ إحاطةً ... بغيرِ انطباعٍ يا بصيُر وُمقْلةِ
بَصُرْتَ بما لم يبصر الخلق كلّهم ... به مطلقاً للذات لا بوسطيّة
بَصُرتَ البصيُر الحقُّ بالذات لا بما ... يقولونَ من حَلِّ الصفاتِ القديمةِ
__________
(1) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 134.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سلم بن عديم، الديوان، مخ، 25. (1/71)
صفحة 72
وما الحقُّ إلا أنَّ ذاتك مدركٌ ... بصيٌر بلا استئثارِ باء استعانةً (1)
... ويقول في اسم "الواحد جل جلاله" منزّها المولى عن التحديد، والجزئية، والأعراض والجوهر، مبينا أن الله واحد حقيقة بينما وحدة المخلوق في حد ذاتها مجاز، ذلك أنها تقبل التركيب والتجزيء بينما الله واحد فرد ثابت، كما يقول أبو مسلم:
ويا واحدُ الباقي بوحدةِ ذاتِهِ ... كما كانَ قبل القبل والأَزَليّةِ
تعاليتَ ليست وحدةُ الذاتِ وحدةً ... تؤولُ إلى التحديد والجزئيّةِ
ولا وحدةُ الأوصافِ وحدةُ فطرةٍ ... تعالت عن الأعراضِ والجَوهَرِيَّة
وأنتَ إلهي واحدٌ الحِقِّ والسّوَى ... مجازٌ إليه نسبة الوَاحِديّة
وجودُك قبلَ الجوهرِ الفردِ ثابتٌ ... وما يقبلُ التركيبَ ليس بَوحْدَةِ (2)
... وحين تَتصَّل دعواته بالذات العلية، مستدرا بركاتها، متعلقاً بأستار الألوهية، مستعظماً جلال الله، فإنه يستصغرُ شأن مدحته، إذ لا تبلغ في مقام الله، ما يستحقه من ثناء، فالله أكبر من أن يدركه وهم، أو يتصوره فكر، أو يحيط به علم، أو أن تحتاج ذاته إلى صفة زائدة عليها، وهو أكبر من أن تحده جهة، أو أن تدركه عين، وهي أمور كلها تتناغم مع الفكر العقائدي الإباضي، ضمن أبيات تواشجت فيها العاطفة مع الفكر حين يقول:
اللهُ أكبرُ عن إطرْاء مدْحَتنَا ... أصْغْرِ بإطرائنا في جانبِ اللهِ
اللهُ أكبرُ عن وَهْمٍ وعن فِكَرِ ... حسبُ النُّهى دركُ أنْ لا دركَ للهِ
اللهُ أكبرُ عن علمٍ يحيطُ به ... العلمُ بالكُنْه مما اختصّ باللهِ
اللهُ أكبرُ عن كنهٍ يحلُّ وَعَنْ ... حلول أغيارِ عينِ الذاتِ باللهِ
اللهُ أكبرُ عن فقرٍ إلى صفةٍ ... سواهُ في السَّلبِ والايجابِ للهِ
اللهُ أكبرُ عن كيفٍ وَهَلْ ولمَا ... تقدَّسَ اللهُ لا تعليلَ للهِ
اللهُ أكبرُ عن حَدّ وعنْ جهَةٍ ... وعن مقابلة الأشياء للهِ
__________
(1) المصدر نفسه، 6 .
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه، مخطوط، 43. (1/72)
صفحة 73
اللهُ أكبرُ عن نقصٍ يؤثّره ... دركُ العيون ودَرْكُ العقْل للهِ (1)
... وعلى كل حال فإن الشاعر يبقى حائراً معترفاً بعجزه عن الوصول إلى مقام صفاته الجليلة وإن تعلق بها ودعا بأسمائها، فإن الذي دفعه إلى ذلك شدة حاجته إليه اعترافا بفضله عليه، وإحلالاً لمقامه لديه، كما يقول أبو مسلم:
إلهي جليلَ الشأن أين مداركي ... وذكري وفكري في الصفات الجليلة
نهايةُ ما آتي به حمدُ حائرٍ ... ولهجةُ مضطرِّ وإجلالُ دهشة (2)
ثانياً: المعاد واليوم الآخر
- حكم مرتكب الكبيرة.
- الشفاعة.
- الصراط والميزان.
حكم مرتكب الكبيرة :
... اختلفت الامة اختلافاً اجتهاديا حول مسألة حكم مرتكب الكبيرة، من حيث الوصف الذي يطلق عليه، فهل هو كافر كفراً يخرجه من الملة؟ أم هو مسلم عاص؟ واختلفوا فيما يترتب على مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً على ذنب لم يتب منه، فهل هو مخلد في النار، أم سيخرج منها؟
... فما هي الكبيرة؟ وما الفرق بينها وبين الصغائر من الذنوب؟ نجد هنالك اتفاقا بين الإباضية وبين بعض علماء الأمة في تعريفهم لمفهوم الصغائر والكبائر، فابن تيمية يعد الصغيرة بأنها ما دون الحديّن حد الدنيا وحد الأخرة (3) ويرى السالمي من الإباضية أن "الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة أما الصغيرة، فهي ما عدا الكبيرة من الذنوب" (4)
__________
(1) المصدر نفسه، 151.
(2) المصدر نفسه، 32.
(3) انظر ابن تيمية، مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ج1 (التصوف) 650-651 جمع وترتيب عبد العزيز بن محمد النجدي الحنبلي، ط1 دار العربية، بيروت، 1338هـ
(4) السالمي: عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، 2/ 270،271. (1/73)
صفحة 74
... ومع الاتفاق في تحديد مفهوم الصغيرة والكبيرة إلا أن الاختلاف قائم في مآل مرتكبها في الآخرة وحكمه في الدنيا، يقول شارح العقيدة الطحاوية "إن أهل السنة متفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقله عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين". (1)
... وعلى ذلك فإن الإباضية متفقون أيضا مع أهل السنة بعدم تكفير مرتكب الكبيرة كفرا يخرجه من الملة كما فعل الخوارج ما لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة" (2) إلا أنَّ "ما ينسبه الذين لا يتبيّنون من تكفير أصحابنا لأهل الكبائر، فإنهم لم يدركوا اصطلاحهم (3) ولا ريب أن الكفر الذي يقصد به إخراج الإنسان من الملة لمن يرتكب الكبيرة لا يقول به الإباضية، بل عدوه أحد زلات الخوارج. (4)
... إن مسألة الكفر عند الإباضية، وإطلاقه على مرتكب الكبيرة، ينبغي أن يدرس ضمن سياقه التاريخي واللغوي، والمتتبع لهذه القضية عندهم يجد أن الإباضية قد قسموا الكفر إلى قسمين بينهما بون شاسع، وهما كفر جحود وكفر نعمة، ولعل حكم عبد الله بن إباض على نافع بن الأزرق وبراءته منه، يشير إلى الفرق الكبير بين الإباضية والخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة من جهة، وفي تفريقهم بين كفر النعمة وكفر الجحود من جهة ثانية.
__________
(1) صدر الدين، علي بن علي بن محمد الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية 473-474.
(2) القنوبي: السيف الحاد، 41، ط3.
(3) أبو اسحاق اطفيش: النقد الجليل للعتب الجميل ، 30.
(4) انظر المرجع السابق، 32. (1/74)
صفحة 75
... ومفهوم كفر النعمة عندهم مرادف لمفهوم الفجور والعصيان (1) ويقترب من ذلك قول ابن تيمية "ومرتكبو الكبيرة لا ينطبق عليهم وصف الإيمان المطلق، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - "ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (2)
... وهناك قضية جديرة بالتناول، وهي أن الإباضية يقسمون الناس إلى ثلاثة أصناف مؤمن وكافر وما بينهما ويعبرون عنه باسم المنزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الإيمان والكفر، ويسمونها منزلة النفاق. (3)
... ويثير هذا التقسيم تساؤلاً حول صلة هذا المفهوم بتقسيم المعتزلة لأصناف الناس، إذ لا يخفي أن المعتزلة يقصدون بالمنزلة بين المنزلتين فيما يتصل بالجزاء في الآخرة، بينما يأتي تقسيم الإباضية متصلاً بواقع الناس في الدنيا، من خلال موقعهم من الإيمان والكفر، وعلى ذلك فالمنزلة المذكورة بين الإيمان والكفر هي منزلة صاحب الكبيرة. (4)
__________
(1) انظر أحمد الشماخي، الرد على صولة الغدامسي، نقلاً عن د. فرحات ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، 513.
(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوي ج3 مجموع عقيدة السلف، 151،152.
(3) انظر مصطفى بن الناصر، آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش العقدية ، 314.
(4) انظر المرجع السابق، 314 و 315 . (1/75)
صفحة 76
... وتأتي قضية الوعد والوعيد، والخلود في النار لمرتكبي الكبائر إذا ماتوا مصرين على كبائرهم، مثار جدل وخلاف بين الاباضية وغيرهم، انطلاقا من ربطهم الإيمان بالعمل، كما تقدم، وهي مسألة ذات صلة بالعدل الإلهي، المتعلق بالوعد والوعيد، وما ينتج عنه من ثواب وعقاب، فإن الله تعالى يقول "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها" (1) تأكيداً للأبدية النهائية، ودفعا للالتباس، ويقول في صفات المؤمنين "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ... ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحا.." (2)
... يرى الإباضية أنه "لا يدخل النار إلا من يخلد فيها مشركا أو فاسقاً، فإن قوله تعالى "ويخُلد فيه مُهانا" جاء بعد ذكر الشرك وما دونه، فان ادُّعي أن الخلود المكث الطويل فقد لزم أن يخرج المشرك من النار، أو أن تفنى وذلك باطل، وإن قيل أراد بالخلود الدوام في حق المشرك والطول في حق الفاسق، كان كمن يجمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة. (3)
__________
(1) سورة الجن، آية 3.
(2) سورة الفرقان، آية 63-70.
(3) محمد بن يوسف اطفيش: شرح اللامية، مخ ج2ق ، 53-54 وحول عقيدة الخلود للاباضية انظر المصادر التالية: الموجز لأبي عمار ج2، 84، المحروقى، الفكر والاعتبار، مخطوط، 14، الكندي: الجوهر، ص 123. الشقصي: منهج الطالبين، ج1، 523. (1/76)
صفحة 77
... ففي قوله تعالى: "ومن يَعْصَ الله ورسوله.." (1) وقوله "وعباد الرحمن" وعيد لأهل لأهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم" (2) ومع ذلك فإنهم يرون أن عقيدة الخروج من النار أمنية يحتاج اليها كل إنسان لشدة تقصيره في حق ربه وهي أمنية بعيدة المنال، وعليه يجب توطين النفس على طاعة الله، ولزوم أوامره يقول أحد الإباضية "لو وجدنا سبيلاً في الحق إلى تصحيح القول بالخروج من النار، لكنا إلى ذلك في غاية الاحتياج، لقبح أعمالنا، وتفريطنا في حق مولانا الواحد القهار، على أننا نرجو ثوابه، إنه كان حليما غفورا، ونخشى عذابه إن عذاب ربك كان محذورا" (3)
... وعلى ذلك فإن الإباضية يرون أن من مات مصرا على معصية لم يتب منها فهو خالد في النار، وقد وقف هذا الموقف في أحد أقواله، كل من محمد عبده ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار، يقول الشيخ محمد عبده في تعليقه على تفسير قوله تعالى "وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة إلى "من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون" يقول: "وظاهر الآية أن العاصي المتعدي للحدود يكون خالداً في النار، ويقول فيمن يقترف جريمة قتل متعمد: "فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة" (4) ويقول محمد رشيد رضا في تعليقه على نفس الآية "والقرآن فوق المذاهب يرشد أن من تحيط به خطيئته لا يبقى مؤمنا" (5) ومع ذلك فإن لدى مرتكب الكبيرة فرصة للتوبة والإقلاع عن الذنب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وبالتالي إذا مات صاحب الكبيرة مصرا دون أن يتوب منها، فهو واقع ضمن وعيد الله عز وجل بتخليده في النار.
__________
(1) سورة النساء، 14.
(2) أبو عمار، عبد الكافي، الموجز 2/ 112، 113.
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الايمان 2/ 15 وزارة التراث، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1407/1986م
(4) محمد عبده، المنار، 4/432.
(5) محمد رشيد رضا، المنار 5/341، وانظر 1/363. (1/77)
صفحة 78
... ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سدّ الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم "الحكمة من خلود أهل النار، أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى ربا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم" (1)
... ولا يخفي أن من يرى خلف الوعيد وإمكانية الخلاص، تهون عنده ارتكاب المعاصي، وإتيان المنهيات، اعتمادا على ما وعد به من الخلاص، فاعتقاد عدم الخلود يحمل الإنسان على الجرأة بارتكاب المعصية وهو غرور عظيم، كما رأى ذلك الطاهر بن عاشور. (2)
... ومما ينبغي الإشارة إليه أن الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطاً وثيقاً، وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد، فالإيمان قول وعمل، مرتبط ارتباطا جوهريا بمبدأ الوعد والوعيد، وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فيتولى، ومن يخل بشيء منه، فُيتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أن تتحول الى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة، فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.
... ويتجلى أثر هذا المعتقد في ثنايا قصائد الشعراء، فهذا أبو مسلم يقول وهو يناجي ربه سائلاً إياه بأن يتداركه برحمته، مستعيذاً به من خلود الفجار في دار عدله، فيقول:
ويا مُحييَ الأجسادِ بعدَ انحلالِها ... وإفنائِها من عالمَ البرزخيَّةِ
ويا مُحييَ الأبرارِ في دارِ قُدسْهِ ... حياةَ خلودٍ لا تَحدُّ بمدّةِ
ويا مُحييَ الفجّارِ في دارِ عَدْلِهِ ... معاذكَ من تلكَ الحياةِ المُقيمةِ (3)
__________
(1) الشقصي: خميس بن سعيد ، منهج الطالبين، 1/ 523.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير 1/579 وانظر المنار، محمد رشيد ص 1/363.
(3) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخ، 40 (1/78)
صفحة 79
... ويدعو الشاعر أبو مسلم الرواحي الإنسان الذي حاقت به سيئاته ألاّ يقنط من رحمة الله، ذلك أنهم يرون أن المؤمن مهما بلغت به الذنوب وأحاطت به العيوب، فإن باب التوبة أمامه مفتوح، وهو السبيل إلى تجاوز العثرات، ولذلك فهم يدعون إلى المبادرة بالمتاب، قبل مجيء يوم الحساب فإن الدنيا دار عمل والأخرة دار جزاء فيقول:
ارفقْ بنفسكَ لا تقوى على سَقَرٍ ... وَافْزَعْ إلى الله من ذنبِ سَيخُزيَها
إرحَمْ عظامك أنْ تَصْلى بزفرتها ... وَخْزُ البعوضةِ لو فكّرتَ يَكفيهَا
ألا يهولُك ما قدّمتَ من خطأ ... إنّ الذنوبَ ديونٌ سوفَ تُوْفيهَا (1)
...
وفي تنفيذ وعيد الله لمقترفي معاصيه، يشير الرواحي إلى أنّ المعاصي والاستهانة بوعيد الله سبب لما عليه الأمة من الهوان، حين تركت كتاب ربها، واستخفّت بما جاء به، وهو انعكاس مباشر لأثر العقيدة عنده:
فما من وعيد الله يمنُع عاصمٌ ... إذا لم يَزعْ من حُرمةِ الله وازِعُ
نضجُّ ضجيج النيبِ مما ينوبُنا ... ونحنُ إلى ما يقتضيهِ نُسارِعُ
نطاوعُ أسوْاءَ المغبَّةِ رغبةً ... ولسنا لمحمودِ الجزاءِ نُطاوعُ
وما هذه الأوقارُ فوقَ رقابنا ... يُدافعُ عقباهَّن عنَّا مُدافعُ (2)
... ويشير إلى أن عذابه وثوابه عدل منه، ويحذر من عاقبة الإصرار على الذنوب
قائلاً:
وفي عدِلِه حسبَ اقتضاءِ شؤونهِ ... تدابيرُ وحدانية لا تُمانعُ
فلا تخبطنْ في فهمِ أحكامِ عَدْ لهِ ... إذا اختلفت أشكالها والمواقع
ورُبّ بلاءٍ حلَّ في شكلِ عَدْ لهِ ... وما هو إلا الفضلُ واللطفُ واقعُ
إلى أن يقول محذرا من الاتكال على خلف الوعيد والشفاعة للمصرين من أهل الكبائر، داعيا الى التوبة:
وعاقبةُ الإصرارِ إنفاذُ وُعدهِ ... حذارِكَ مما قيل خُلْفٌ وشافعُ
فقمْ نحوَ ما يدعو إليهِ بفضلهِ ... فداعَيك قيّومٌ برُحماه واسعُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخ، 356.
(2) المصدر نفسه، 256. (1/79)
صفحة 80
ستعلمُ إنْ خالفتَه كيفَ بطشُهُ ... فمالك إلاّ صحة التَّوبِ نافعُ (1)
... ويؤكد الشيخ عامر بن خميس المالكي (2) على أن العاصين في خطر إذا لم يبادروا بالمتاب فإن المصر على الذنوب هالك، مبينا ما يطلق عليه من مصطلح "الكفر"، أو كفر النفاق، وهو كفر النعمة، حيث يقول:
إنّ المُصرَّ على العصيانِ في خَطَرٍ ... إنْ لم يتب ما له مأوى سوى سَقَرِ
إن المصريَن هُلْكُ لا نجاة لهم ... قد جاء في محكم القرآن والأثَرِ
وسمّه كافرا كفر النفاقِ ولا ... تَرْكنْ إلى الوقفِ إنّ الله منه بري (3)
... ويحذر الشاعر سعود بن سعيد بن سليّم القصابي (4) صاحب المعصية المجترئ على محارم الله، والمعتمد على المغفرة الإلهية، دون أن يعمل من أجلها، إذ أن المغفرة قرينة التوبة، مقيما حجته على معطيات ونتائج، في تأثر بالأسلوب الكلامي، فكما أن الله غفار الذنوب، فهو الرزاق، فلماذا يرجو الإنسان العفو من غير توبة، بينما لا يرجو الرزق إلا بالسعي فيقول:
تقولُ مَعَ العصيانَ ربّيَ غافرٌ ... صَدَقْت ولكن غافرٌ بُعدَ توبةِ
وربُّك رزّاقٌ كما هو غافرٌ ... فلِمْ لا تصدّقْ فيهما بالسَّويّةِ
فإنك ترجو العفوَ من غير توبةٍ ... ولَسْتَ تُرجّى الرّزق إلاّ بحيلةِ
على أنه بالرزق كَفّلَ نَفْسَهُ ... لكلٍ ولم يكفلْ لكلٍ بجنّةِ (5)
- الشفاعة :
... الشفاعة من القضايا المتصلة بقضية الوعد والوعيد ومرتكب الكبيرة الذي يموت مصرا على معصيته غير تائب منها.
__________
(1) المصدر نفسه، 256، 257.
(2) هو الشيخ العلامة عامر بن خميس بن مسعود المالكي (1280هـ 1863م – 1346هـ/1927م) عالم، شاعر من أقطاب دولة الإمام سالم الخروصي، أنظر دليل أعلام عمان 111.
(3) المالكي: عامر بن خميس، الدر النظيم، 63-64.
(4) هو الشاعر سعود بن سعيد بن سليم القصابي، عاش في القرن الرابع عشر
(5) مجموعة شعرية، مكتبة السالمي، 133. (1/80)
صفحة 81
... وموقف الإباضية من الشفاعة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفهم من مفهوم الإيمان والعمل، والوعد والوعيد وما يترتب على ذلك من مآل، فهم يرون أنها "ليست لمن استوجب العقاب، فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادة لهم في الثواب، وتشريف في المنازل" (1)
... إن حجة القائلين بأن أهل الكبائر أحوج إلى الشفاعة من المؤمنين حجة قوية، لكن الإباضية يجيبون عن ذلك بقولهم "فإن قال قائل: إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم إلى الشفاعة؟ أجابوا بما يلي "فقل له إن الشفاعة زيادة في الثواب، وتشريف في المنازل وحاجة الشفاعة ناتجة عن الذنوب والتبعات وما أشبه ذلك" (2)
... وقد احتجَّ كل من القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر والنافين لها، بآيات تكاد تكون واحدة، مع الاختلاف في التفسير والتوجيه لتلك الآيات، كقوله تعالى "لا يقبل منها شفاعة" (3) وقوله "لا يشفعون إلا لمن ارتضى" (4) وقوله "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" (5) وقوله "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (6) إذ احتج بها الطرفان مع اختلاف في التوجيه، وتباين في التفسير والمنطق.
... فقد رأى مثبتو الشفاعة فيها دليلاً على موقفهم كالرازي (7) والقرطبي (8) والإيجى (9) بينما نجد أن منكري الشفاعة لأهل الكبائر قد احتجوا بنفس النصوص القرآنية الواردة في سياق الآيات المذكورة، واعتبروها للمؤمنين، لا لأهل الكبائر العاصين والفجار الفاسقين. (10)
__________
(1) الجيطالي: القناطر ، 1/321.
(2) المحشي: حاشية الترثيب 8، 102، و د. فرحات الجعبيري، البعد الحضاري 659.
(3) البقرة 48
(4) الأنبياء 28.
(5) غافر 18
(6) المدثر 48
(7) التفسير الكبير 1/65، 3/95، 22/60.
(8) الجامع لأحكام القرآن 1/379-380.
(9) المواقف 1/450.
(10) السالمي: المشارق 287. (1/81)
صفحة 82
... ولا يخفي ما في هذه النظرة من احتراز في الوقوع في المعاصي، والانهماك في المخالفة الربانية، ما دام يعتقد الإنسان أنه غير داخل في دائرة من يشفع له مهما عمل واقترف من المعاصي والآثام.
... أما حديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فإن الإباضية يرون أن هذا الحديث حديث آحاد ومعلوم عند جمهور المحدثين، أن خبر الآحاد يفيد الظن، ولا يحتج به في العقائد، يقول الجويني: "الأحاديث التي يتمسكون بها لا تفضي الى العلم، ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغا، لكنا نومئ إلى تأويل ما دون منها في الصحاح" (1) ولو كانت الشفاعة نصا لأهل الكبائر، لتقرب إليه المتقربون بالكبائر، يقول القاضي عبد الجبار ردا على المرجئة: "ثم يقال لهؤلاء المرجئة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة فلو كان الأمر على ما ذكرتموه، لكان يجب أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق" (2)
... ونجد أن بعض المحققين من العلماء المعاصرين يحذرون الأمة من اتكالهم على الشفاعة وهم منغمسون في المعاصي، ومنهمكون في الملذات يقول أحدهم "العجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة، وهم يقرأون قول لله تعالى "ليس بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا" . (3)
__________
(1) الجويني: أبو المعالي: إمام الحرمين: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ت: محمد يوسف موسى وعلى عبد المنعم عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1362هـ 1950م، 161.
(2) القاضي: عبد الجبار (ت: 405/ 1014م) شرح الأصول الخمسة، تعليق الإمام أحمد بن الحسن ابن أبي هاشم، حققه وقدم له د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، 1965 ، 692.
(3) النساء 23 (1/82)
صفحة 83
... ويشير الشيخ محمد رشيد رضا إلى انتفاء وجود نص قطعي من القرآن الكريم، للدلالة على الشفاعة فيه لأهل الكبائر فيقول: "وفي القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقاً كقوله تعالى في وصف القيامة "لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة" وأخرى ناطقة بنفي الشفاعة كقوله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" وآيات تفيد النفي إلا بإذنه" "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها" (1)
... ويصور الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، حقيقة الشفاعة عند الإباضية ولمن تكون؟ وكيف تكون؟ ومتى تكون؟ وأدلتها عندهم؟ فيقول ممتدحا مذهبه، الذي نفى حصول الشفاعة لأهل الكبائر في قوله:
ألا تتبعنَّ رواةَ القصيدْ ... مقال سراة نحاريرَ صيْدْ
لقد خالفوا البطلَ إذْ وافقوا ... على الحقّ آي الكتاب المجيدْ
فما لظلوم شفيعٌ يطاعُ ... نفت كونَها لغوي مريدْ
ولا يشفعونَ لمن لا ارْتضى ... بها ثَبتَتْ لوليِّ سعيدْ
فلا تثبتنّ من الإثم جُرْ ما ... شفاعته من كبير شديدْ
ولكنه شافع للورى ... بيومِ القيامة يومَ الوعيْد
اذا اشتدَّ كربّ لطول الوقو ... ف وَغصَّت بذاكَ نفوسُ العبيدْ
فيأتون آدم يستشفعون ... لتفريج شدة كرب مديدْ
فينهض خاتمهم شافعاً ... ويُلْهمُ كُل الثناءِ الحميدْ
فيأتي ويشفعُ فيهم ... ويُعطى ... لوا الحمد في يده والسعودْ
فهذا ومحتمل غيُره ... لأهل التقى في جنان الخلودْ
كرفع محلّ وتقريبه ... وتعظيم منزلةٍ للسعيدْ (2)
ويرد على من يرى أنها لأهل الكبائر من الأمة:
وأما مقالُهَُم إنٍّها ... لأهل الكبائر غيرِ الجحود
فهذا خلافُ لما جاء عنْ ... إلهِ السموات ربِّ ودودْ
فخذ ما أتاك وَدَعْ غيرَه ... وربَّك فاشكر تفز بالمزيدْ (3)
__________
(1) محمد رشيد رضا، المنار 1/307.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوان الخليلي، مخ، 114.
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 112. (1/83)
صفحة 84
ويعلل الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، هذه المسألة مبيناً أن الشفاعة لو كانت موعودةً لأهل الكبائر، لكانت كالبشارة للعصاة في التحريض لهم على إتيان المعاصي لنيل الشفاعة، ما داموا موعودين بها، كما يقول:
فلو صَحَّ هذا عن المصطفى ... بأن الخلودَ انتفى في سَقَرْ
وأن الشفاعةَ موعودةٌ ... لأهل الكبائر ممَّن أَصَرْ
لكانا بشارةَ عبد عصى ... ولكنّ خلافٌ لنصِّ ظَهَرْ
كلا يشفعون لمن لا ارتْضى ... وفي جنة الخلد مأوى البشرْ
وأمثال هذا من الآي أو ... حديث عن المصطفى قد شهرْ (1)
... ففي هذه الأبيات يرى الخليلي أنَّ في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر مخالفة لدلالة آيات الكتاب العزيز، ومن ثم بيّن الشاعر معنى شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الإباضية، وهي شفاعة يقصد بها رفع منزلة الموفّين، ودفع كرب المؤمنين لطول الوقوف يوم القيامة، وهي إحدى كراماته - صلى الله عليه وسلم - .
- الصراط والميزان :
__________
(1) الخليلي: الامام محمد بن عبد الله بن سعيد، الفتح الجليل من أجوبة ابي خليل، طبع باشراف عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، 1385هـ- 1965م، 121. (1/84)
صفحة 85
... يذهب الإباضية إلى أن الميزان والصراط حق يجب الايمان بهما (1) وهم يفسرون الصراط تفسيرا معنويا لا حسيا، ويرون أنه "دين الله القيم الذي افترض الله على عباده، والعدل الذي أنزله، وهو دقيق لا يوافق الملك، ولا الهوى ولا الشهوات، ولذلك شبّهوه بحد السيف المرهف، وضبّته، والشفرة الرقيقة الدقيقة، لا يميزها إلا ذو الحجى.." (2) بمعنى أن الصراط هو دين الله الواضح، الذي لا يميزه إلا أصحاب العقول الصحيحة، ولذلك أمر تعالى عباده باتباعه والتزام حدوده "وإن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" (3) "اهدنا الصراط المستقيم" (4) .
... والصراط هو طريق الإسلام كما ذكر الجيطالي (5) والدين، كما هو عند الثميني (6) أما تأويله بالجسر فهذا مما لم يره أغلب الإباضية وإن لم يتخذوا جانبا متشدداً ممن يرى ذلك، ويبدو أنهم رأوا أن هذه المسألة ليست من المسائل ذات الشأن الخطير في تفسيرها الاعتقادي، فيكفي المسلم جملة الإيمان بالصراط والميزان، وأنهما حق، ويكل أمرهما إلى الله، لا سيما وأنهما "ليسا من المسائل القطعية، لعدم ورود القاطع فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية.. ولا يخطأ القائل فيهما برأيه". (7) وتبعا لذلك أوّل أحد علماء الإباضية الصراط على وجهين:
الأول: طريق الإسلام.
__________
(1) انظر عبد العزيز الثميني، معالم الاسلام، 2/ 191، الجيطالي" القناطر، 1: 145.
(2) تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطي كتاب أصول الدين، ت: د. عمرو النامي، ضمن رسالته، تاريخ الفكر الإباضي، صورة من الكتاب المحقق مع مجموعة أخرى بالجامعة الأردنية.
(3) سورة الانعام، 153.
(4) سورة الفاتحة آية 6.
(5) الجبطالي: قناطر الخيرات، 1/146.
(6) عبد العزيز الثميني، معالم الدين، 2 ، 189-190.
(7) السالمي: بهجة الانور، 106. (1/85)
صفحة 86
الثاني: الجسر الموضوع على متن جهنم، وأن ذلك التفسير ممكن في العقل، لأنه ليس فيه ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله، فان القادر على أن يُطيّر الطير في الهواء، قادر على أن يسيّر الإنسان على الصراط والله أعلم بكيفيته. (1)
... وقد أشار السالمي إلى مجموعة من علماء الإباضية، جمعوا بين الرأيين قائلاً: "فقد ذهب إلى مثل ما ذهبوا إليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم، وأبو القاسم البرادي، والشيخ إسماعيل في القناطر، وقطب الأئمة في الهيميان، وجامع الشمل" (2) فقد رأى القطب اطفيش أن "ترك المفهوم المعنوي الى المفهوم المادي ليس قدحاً في التوحيد، ويوكل أمر الصراط -لخفائه- الى الله تعالى" (3) وهو ليس من الأصول التي لا يتم الإيمان إلا بها، فإثبات كون الصراط على ظاهره من الفروع" (4) "ولا بأس بكونه جسرا على جهنم" (5)
... أما الميزان: فإن الإباضية يرون أنه ليس ميزانا حقيقيا، له كفتان وعمود، بل المقصود به العدل والحق، الذي وضعه الله بين خلقه يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، "ونضع الموازين القسط يوم القيامة" وأنزلنا معهم الكتاب والميزان فميزان الله هو "العدل بين خلقه بما علم منهم، لأنه يحكم فيهم بسرائرهم، وما تخفي صدورهم، مع أن أفعال العباد أعراض لا تجري عليها الخفة والثقالة" (6) ويرى السالمي أنه قد "ذهب أصحابنا
__________
(1) الجيطالي: قناطر الخيرات، 1/118-139.
(2) السالمي: المشارق ، 286.
(3) اطفيش: محمد بن يوسف، إزالة الاعتراض، 4.
(4) اطفيش: محمد بن يوسف، كشف الكرب، الذات 1/12.
(5) اطفيش: محمد بن يوسف، شرح اللامية، ج2، 1036 مخطوط
(6) تبغورين: كتاب أصول الدين تحقيق عمرو النامي، 72. (1/86)
صفحة 87
-يقصد الإباضية- وجمهور المعتزلة الى أنه "الميزان" عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين على سبيل الاستعارة التمثيلية، حيث شبه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين، والعمل السيء بخفتها، على وجه لا يظلم أحد منه شيئاً" (1) وهذا رأي وجيه، وتعليل مقبول، إذ أن الطاعات والمعاصي ليست أعراضاً قابلة للوزن عقلا، وما جاء بلفظ الميزان انما هو على سبيل التمثيل لا الحقيقة.
... ويبدو هذا جلياً في قول السالمي:
وإنما الميزانُ في الحسبان ... عدلٌ وانصافٌ من الرحمن
لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا ... يؤوّلنه كفةً وأعمُْدا
وقوله الصراطُ فهو الحقُ لا ... جسر كما بعضهم تأولاً (2)
ويقول الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي في الميزان:
وما قيلَ في ميزانِ أعمالنِا لَهُ ... عمودٌ وكفّاتُ ووزنٌ يضارعُ
فيحتملُ التصوير حتماً لوزنهَا ... إذا كانَ حقّاً وهو ما شاءَ صانعُ
وأكثرُهم قالوا مجازُ عبارة ... عن العدلِ، والتثقيلِ والحقُّ تابعُ
فتخفيف فعل الخيرِ إحباطُه له ... ليجزي بفعلِ السوءَ والخيرُ صانعُ
وتثقيلهُ فهو القبولُ له وأنْ ... يكونَ له من عفِو مولاه طالعُ (3)
فقوله "وهو ما شاء صانع" يحتمل أنه يريد القول أن الله سبحانه قادر على تحويل الأعراض إلى أجسام، فتكون قابلة للوزن وذلك على الله يسير.
... وقد وجد الباحث أن الشواهد الشعرية في هذا المجال قليلة جدا، وذلك ناشئ عن أن المسألة ليست من المسائل التي كانت تشغل بال الشعراء. كما أن الباحث أحجم عن الاستشهاد بالأراجبز والمتون التي اهتمت بهذا الموضوع نظرا لكونها لا تشكل ظاهرة شعرية فلا تتعدى مجال النظم في هذا الباب.
ثالثاً: الولاية والبراءة
الجانب الاجتماعي والبعد العقائدي
__________
(1) السالمي: المشارق، 2/125.
(2) السالمي: بهجة الأنوار، 12.
(3) الخليلي: الإمام محمد بن عبد الله، الفتح الجليل 125. (1/87)
صفحة 88
... من منطلق الصلة بين العقيدة والعمل، يذهب الإباضية إلى أن التعامل مع الناس، يجب أن تكون مرجعيته هذه العقيدة التي تتحدد العلاقة بموجبها، ولذلك عدّوا الولاية والبراءة أصلاً من أصولهم العقائدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا لها شروطا، وحددوا لها مواصفات، وتشددوا في تطبيقها في مجتمعاتهم، حتى قيل "إنه من لم يدن بها لا دين له" (1)
... ويدور مفهوم الولاية حول الحب لأولياء الله (2) وقيل هي "الحب بالجنان، والذكر باللسان، والميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته" (3) أما البراءة فهي البغض لأعداء الله، وقيل هي "البغض بالجنان، والشتم باللسان، والميل بالقلب والجوارح عن عاص لعصيانه" (4) وأصل الولاية "الموافقة في الحق، فالمتوافقان فيه متواليان" (5) وهي واجبة لقوله تعالى في الولاية "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (6) وآيات اخرى ذكرتها مصادر الإباضية في ذلك (7) بينما يرجعون فرضية البراءة إلى قوله تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا" (8) وقوله تعالى "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادَّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" (9) وفي ذلك يقول أبو مسلم الرواحي:
__________
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/45، ابن رزيق، الصحيفة القحطانية، مخطوط، 614، محمد ناصر، منهج الدعوة، 182.
(2) البشري: موسى بن عيسى، مكنون الخزائن، 1/ 265، التراث، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1403هـ/ 1982م
(3) الثميني: عبد العزيز، معالم الإسلام، 2/115.
(4) المصدر نفسه 2/115.
(5) الرواحي: أبو مسلم، العقيدة الوهبية، مخطوط، 86.
(6) سورة التوبة، آية 71.
(7) انظر هذه الأيات في أبو حفص، عمرو بن جميع، مقدمة العقيدة وشروحها، 101.
(8) سورة الأنفال، آية 72.
(9) سورة المجادلة، آية 22. (1/88)
صفحة 89
والحبُّ والبغضُ فرضانِ استحقَّهما ... خصمانِ في الله مْن بَرِّ وَمْن فَجَرِ
والأمرُ يُبنْىَ على الأعمالِ كيف جَرَت ... والمدحُ والذمُّ بحثاَ غيرُ معتبرِ (1)
ومن هذا المنطلق أعلن أبو مسلم، ولايته وحبه لأهل النهروان، انطلاقا من مبدأ عقائدي، حين يقول:
جزى الله أهلَ النهروان رضاءه ... وما فوق مرضاة الإله أجورُ
ندين لوجه الله طوعاً بحبّهم ... وما شنآنُ الملحدينَ مضيرُ
هم القوم بلّتهم مخافةُ ربهّمْ ... ودارتْ عليهم أبْطنٌ وظهورُ (2)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 214.
(2) المصدر نفسه، 213. (1/89)
صفحة 90
... وقد رأى الإباضية أن المسلم الذي يعلن بين الملأ قول لا إله الا الله، محمد رسول الله، ثم يجترئ على أوامر الله، فيتخلّى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب المحظورات، لا ينبغي أن يوضع بالتساوي مع المؤمنين، فتشمله المحبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن تعلن البراءة منه، ويقلل التعامل معه، حتى يعود إلى حظيرة الإسلام (1) وبذلك فإن البراءة في جانبها العملي تشكل بعدا اجتماعيا هاما (2) كما تشكل "بعداً عقائدياً لا نجد له مثيلا عند أتباع الفرق الإسلامية الأخرى" (3) وهي مسألة تربوية اجتماعية ترمي إلى تقويم أفراد المجتمع بغية إصلاح أحواله، "وقد منحوه بعدا سياسياً ودينياً دقيقاً" (4) وغدا فكرا متميزاً لا يتساوى فيه الطائع والعاصي، وهذا ما جعل أحد كتابهم يفخر بهذه المنقبة قائلاً "هذه القضية يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة" (5)
... على أننا نجد العلماء في كتاباتهم ينبهون من اتخاذ هذه القضية مدخلاً للتشهير، ووسيلة من وسائل النيل من الأشخاص، فالعلامة أبو مسلم الرواحي يحذر من اتخاذ مبدأ الولاية والبراءة منطلقاً للبحث عن عورات الناس، والقدح فيهم، وتتبع عثراتهم، فمثل أولئك ليس همهم إلا التفتيش عن نقائص عباد الله، وبالخصوص العلماء العاملون، والبحث عن عيوبهم الشرعية وإن كانت احتمالية (6)
وقد قال أبو مسلم في مثل هؤلاء من قصيدة له:
__________
(1) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 1، 54/852.
(2) انظر د. محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، 187.
(3) د. عوض خليفات، دراسات في النظم والعقائد الإباضية، مجلة المؤرخ العربي، ع17، 1981م، 205-206.
(4) المصدر نفسه، 206.
(5) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة1، 103-104.
(6) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، نثار الجوهر 1/67. (1/90)
صفحة 91
إذا رأوا حسناً في كاملٍ وقفوا ... وإنْ رأوا سيِّئاً في رأيهمْ نشروُا
أولئكَ القومُ أعداءُ الحقيقة لا ... يرضونَ حقاً ولا يُرْضيهم بشرُ
إذا دعاهم غويٌّ للهوى عَطَفوا ... عَطْفَ المطافيل أو داعي الهُدى أشرُ (1)
حذارِ منهم، ثعابينُ العبادِ فكَمْ ... بسمّهم قتلوا الدنَّيا وَكَمْ حَشَرُوا (2)
والأصل في المسلم الثقة، حتى قيل إن الإنسان إذا "شاهد وليه يأكل في نهار رمضان، فلا يعاجله بالبراءة، وليحسن به الظن لأمانته على دين نفسه حتى تصحّ خيانته" (3)
وفي ذلك يقول الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي:
إن الولاية فرضٌ من فرائضنا ... فلا يزحزحها شيءُ من التُّهمِ
إذا رأيت وليّ الله يأكلُ في ... شهر الصيامِ بلا سَفْر ولا سَقَمِ
فالظنَّ أحسنه واثْبُتْ في وَلايته ... واسألهْ إن شئتَ واسْكُتْ عنه لا تَلمُ
السّقمُ يظهرُ أحياناً وآونةً ... في باطنِ الجسمِ يدريه أولو الألم
لو حالَ من دونِ من حَقَّت ولايُته ... نسجُ العناكب حولَ الهتكِ لم تَحُمِ
إن البراءة نارُ حيثُ يحجرها ... شَرْعٌ فمنْ فرَّ عنها فازَ بالسَّلمِ (4)
... وفي هذا تحذير من التعجل في البراءة، لأن الأصل في المسلم الثقة، وهذه الثقة لا تتزعزع إلا بيقين، يؤدي إلى زوالها، بوجود قرينة صارفة عنها.
... ونجد الخليلي يتحدث في إحدى قصائده السلوكية عن الرسل والملائكة الكرام، وما ينتج عن الإيمان بهم، ما يستفيد من الاقتداء بطريقتهم، فيجعلهم قدوته في حركاته وسكناته، مشيرا إلى أنهم هم الذين علموه مواضع الولاية، ومواضع البراءة فيقول:
__________
(1) المطافيل: مطافل ومطافيل: النوق معها أولادها، ويشير الشاعر هنا إلى سرعة انعطاف الغواة لداعي الهوى انظر لسان العرب، مادة طفل، 402.
(2) الرواحي: أبو مسلم، نثار الجوهر، 1/67
(3) المصدر نفسه، 1/67
(4) الخليلي: الإمام محمد بن عبد الله، الفتح الجليل، المطبعة العلمية بدمشق 1382هـ-1965 بإشراف عز الدين التنوخي، 123. (1/91)
صفحة 92
وبالرُّسْل والأملاكِ آمنتُ أقتْدِي ... بهم في شؤوني كلِّها كُلَّ أحيانِ
فهم في طريق قُدوتي وأئمّتي ... لدى كُلّ أعمالي مَدَى كُلَّ أزمْاني
فمن شرْعَة الأملاكِ عندي نسخةٌ ... أطالعُ في ديوانها رَسْمَ عنوْاني
فأذكارهم كانتْ شريفَ عبارتي ... وذكري بتهليلٍ وحَمْدٍ وسُبْحانِ
وَهمْ عَلّموني دعوةً أرتجي بها ... لنفسي، ومن في الأرض رحمةَ غَفْرانِ
وَهُم علّموني مَوْضعاً لبَراءةٍ ... وَموْضعَ رُشْدٍ بالولاية لبَّاني (1)
ويحذر ابن شيخان السالمي (2) من موالاة أعداء الله، ومخاصمة أوليائه قائلاً:
لا تخطبَنَّ من الأعدا موّدتهم ... على حياةٍ فهم لا شكَّ حيّاتُ
وكنْ على حذرٍ من كيدهم فلهُمْ ... على معاداةِ أهلِ الحقَّ عاداتُ
تبدي الحروبُ من الأعداء ما ستروا ... إن الكنايات تمحوها النِّكاياتُ
والكفرُ للدينِ ضدٌّ كَيْفَ تَصْدقُه ... إحْدى الطَّريقين للأخرى مصافاتُ
إنّا بريئونَ من أعدْائنا فعلى الكـ ... ـكُفر العفاء وللدينِ المعافاة (3)
... إذ يظهر في هذه الأبيات التأثر بهذا البعد العقائدي، الصادر عن إيمان بوجوب الحذر من موالاة أعداء الله.
... ويؤكد أبو مسلم الرواحي، أن مديحه للإمام سالم بن راشد الخروصي، ترجمة لما تدعوه إليه عقيدته، فهو لم يمدحه لمطالب دنيوية ولا لمآرب ذاتية، ولكنه أعاد ذلك إلى الوجوب الديني المتمثل في الولاية لأهل الله والحب لهم، فالإنسان يحشر مع من أحب حيث يقول مخاطباً الإمام:
أبرّزُ فيكَ الحَمْدَ واللّسنُ أخْرسٌ ... وأبْسُطُ فيك المدحَ والعيُّ واقِمُ
وأسْترشدَ الأفكارَ فيك فأنثني ... بأوضحِ أفهامِي كأنِّي واهِمُ
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان: ديوانه، مخطوط، 29 ، 30.
(2) السالمي: محمد بن شيخان (1284هـ 1867م – 1346هـ 1926م) عالم لغوي شاعر، برع في اللغة، ونبغ في الشعر، له ديوان شعر مطبوع، ينظر دليل أعلام عمان 147.
(3) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان، 285. (1/92)
صفحة 93
وهيهات لم تبلغُ بدائعُ مدْحَتي ... لفَضْلكَ إلاّ حيثُ تَعيْىَ التراجِمُ
وَلَكنَّ حُرَّ القولِ ينحو مَقَرًّهُ ... كما أنَّ للتيجانِ تنحو العَمائِمُ
وحمدُ وليَّ الله عينُ ولايةٍ ... وتوقيرهُ فَيْضٌ من الله ساجمُ
فكلُّ رجائي بالثّناءِ عَليكُمُ ... ذخائرُ عند اللهِ لي ومغانمُ
وأسنْى حظوظي إنْ أُوفّقْ معيّةُ ... وَحبٌّ إلى يوم القيامةِ دائمُ
فإنَّ محبَّ القوم لا ريبَ منْهَمٌ ... قسيُمهمُ إنْ مغنمٌ أوْ مَغارِمُ (1)
... وهي أبيات تدل على سر الإلحاح العقائدي والصدق العاطفي فيها، إذ تغدو العقيدة هي المسيّر للإنسان في علاقاته الاجتماعية، وحياته العملية، وهنا يظهر التلازم التام بين العقيدة والسلوك، وفي الأبيات التالية ما يدل على ذلك:
على أنّني واليتُ في الله أهْلَهُ ... وعاديتُ من نيطتْ عليه المَآثمُ
وَمَنْ لهمٌ أن أخذلَ الحقَّ ظالماً ... ويظفرُ منّي بالولايةِ ظالمُ
وهذا محالٌ لا ينالونَ نَيْلَهُ ... ولو ضَغَمَتْ جْسمي عليه الضَّياغِمُ (2)
ييرونني عن سالم وأريغُهَ ... وجلدةُ بينَ العينِ والأنْفِ سالمُ
ولو نصبوا جسمي وجرّوا جيوشهم ... لرفع حياتي لم تَرُعْني الجوازمُ
وما آنس الأعداء منّي هشاشةً ... أبى الله إلا حيثُ تدّعو المكَارمُ (3)
... فهذه الأبيات في حقيقتها -بما اشتملت عليه من عاطفة قوية- انعكاس حقيقي لمقتضى العقيدة المتجذرة في نفس الشاعر، من الموالاة لأولياء الله والبغض لأعدائه والتحدّي لطغاة الكون، مهما بلغت بهم أساليب الإغراء والتخويف، في ثنيه عن توجهه وموالاته للإمام، فإنهم لن يحصلوا من ذلك على طائل، لأنه موقف صادر عن بعد عقائدي.
... وتبلغ هذه الموالاة والمحبة لأولياء الله المتمثلة في الرمز الديني الإمام الخروصي -في ذلك الوقت- ذروتها في قوله:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 250، 251.
(2) ظغمت: الضغم العض، والضيغم الأسد الواسع الشدق، اللسان، مادة: ضغم
(3) المصدر نفسه، 251. (1/93)
صفحة 94
بُحِّب أمير المؤمنين ابن راشدٍ ... أَدينُ وأَنْفُ الخصم خزيانُ راغمُ
محبّة منْ باعَ الضلالة بالهُدى ... يبيعُ ويَشْرِي مؤمناً ويساومُ
مَحَبَّة من لا يتِّقي الموتَ مُسْلماً ... يُحاربُ في دينِ الهُدى ويُسالِمُ (1)
... لنرى أن أبا مسلم ينظر إلى أن محبة الإمام وطاعته ومناصرته ليست من حقوقه فحسب، وإنما هي دين يتقرب به إلى الله، فمحبة الإمام بالنسبة إلى غيره كمن يبيع الضلالة بالهدى، متحدثا عن نفسه، في نبرة تختلط فيها الذات مع أصول العقيدة.
... ويؤكد الشاعر منصور بن ناصر الفارسي أن حبه للإمام الخليلي وصحبه
ولاية دينية يتقرب بها إلى الله سبحانه، وأن بغض الإمام وصحبه كفر، تجب مجانبته، فيقول:
أُحبُّهُم في الله حُبَّ ولايةٍ ... وصفواً مدى الأيام تصفو مَشارِبُهْ
وَحُبُّهمُ في الله دينٌ أدينه ... وبغضُهُم في الله كُفْر أجانبُهْ
فحبَّ إمام المسلمينَ مُحمَّد ... له فرضُ عينٍ قام لله واجبُهْ
وحُبُّ الأولى قاموا لديه وجاهدوا ... بأنفسهم حتى استتبَّتْ مَطالبُهْ
أولئكَ أقوامي وإيلافُ مُهْجتي ... وهم مبتغى قلبي هُمُ وحَبائبُهْ
أولئكمُ أحبابُ قلبي وجيرتي ... أولئكَ هُمْ أقصى المُنى وأقارِبُهْ (2)
رابعاً: خلق القرآن
... الحديث في طبيعة القرآن الكريم هل هو قديم أم محدث، يتصل بما دار من خلاف بين اتجاهات الفكر الإسلامي المختلفة.
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 252.
(2) الفارسي: منصور بن ناصر بن محمد، ديوان سموط الفرائد، 151. (1/94)
صفحة 95
... والناظر إلى هذه المسألة يجد بوضوح، أنها من مسائل علم الكلام التي كان المسلمون في غنى عن طرحها، فليس من مستلزمات العقيدة أن يعلم المسلم أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ويكفيه أن يعلم أنه كلام الله ووحيه وتنزيله. والمتأمل في الأحداث التي رافقت موجة التيار الاعتزالي في القول بخلق القرآن، وما نتج عن ذلك التيار من مغالاة، يجد أن زعماء الفكر الإباضي في ذلك الوقت، لم يشاءوا الانغماس في نار تلك الفتنة "ولم يقعوا تحت تأثير العواطف، فكان بحثهم في القضية موضوعيا صرفا لأنهم انطلقوا من قاعدة الحجة والدليل، لا من واقع السخائم والأحقاد" (1) كما يقول الشيخ أحمد الخليلي على سبيل المثال.
__________
(1) الحق الدامغ، 107. (1/95)
صفحة 96
... وقبل أن تطرح هذه القضية لم يشأ الإباضية الخوض فيها، حرصا على وحدة الأمة، ونظرا لأنها ليست من مسائل أمهات الدين، ولكنهم رأوا أنه بعد طرحها لابد لهم من اتخاذ موقف، خشية على عوام الناس من الوقوع في مغبة الفتنة، لا سيما أنه موقف يتعلق بكتاب الله، وذكر أنه "اجتمع الأشياخ بدما (1) محمد بن هاشم (2) ومحمد بن محبوب (3) وغيرهما، فتذاكروا في القرآن، فقال محمد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محمد بن هاشم وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها، فظن محمد بن محبوب أنه يعني له، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان، لأني فيها غريب، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني مت قبل اليوم، ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك، فرجع محمد ابن محبوب عن قوله (4) واجتمع قولهم على أن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله.." (5)
__________
(1) اسم مكان في سلطنة عمان يعرف حاليا بالسيب من مدن العاصمة، مسقط.
(2) محمد بن هاشم: هو محمد بن هاشم بن غيلان، من أهل "سيجاء" إحدى قرى وادى سمائل بداخلية عمان، ومن كبار العلماء بعمان في القرن الثالث الهجري، ينظر دليل أعلام، عمان، 151.
(3) محمد بن محبوب هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي، كان رأس علماء الإباضية بالمشرق بعد أبيه، توفي بصحار يوم الجمعة، لثلاث خلون من شهر المحرم، سنة 260هـ. ينظر: إتحاف الأعيان، للبطاشي، 1/250.
(4) موسى بن عيسى البشري، مكنون الخزائن، ج1، 141 .
(5) السالمي، روض البيان، ص 48. (1/96)
صفحة 97
... وهو موقف جدير بالملاحظة والتحليل، يتسم بالاعتدال واحترام وجهات النظر، وقد اتفقت كلمتهم على الأخذ بما أجمعوا عليه، والسكوت عما اختلفوا فيه، دون أن يلزم كل طرف الآخر على قبول ما يراه، وهو موقف يدل على حرص إباضية عمان على جمع الكلمة ورأب الصدع، وكان مثلاً يحتذى في الاتفاق على الثوابت، والسكوت عن المسائل الخلافية، لا سيما أن المسألة قابلة للاجتهاد، وهي أقرب إلى الاستنباط منها إلى القول الفصل فلكل أدلته.
... ويظهر أن إباضية عمان، لم يحسموا هذه القضية بداية، مكتفين بالإجمال دون التفصيل، وبالتلميح دون التصريح، حتى القرن السادس الهجري الذي حصل فيه الاتفاق على القول بخلق القرآن وذلك واضح عبر المؤلفات الفقهية والعقدية (1)
... أما إباضية المغرب فقد اتفقت كلمتهم على القول بخلق القرآن منذ البداية كما جاء في رسالة أبي اليقظان المغربي (2) التي أثبتها البرادي في الجواهر.
__________
(1) انظر الوارجلاني: الدليل البرهان 3/151 ، ط1 . د. فرحات: البعد الحضاري، 353-354.
(2) أبو اليقظان المغربي هو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 281هـ 849م) خامس الأئمة الرستميين، له رسالة في خلق القرآن وكتاب في الرد على المخالفين، تولى الإمامة سنة 261هـ 847م. ينظر معجم أعلام الاباضية 4، 752-755. (1/97)
صفحة 98
وقد ترتب على ذلك حكم آخر في الولاية والبراءة، فقد نقل عن الفضل بن الحواري (1) بأن من قال ان القرآن مخلوق له ولاية، ومن قال بغير ذلك فلا تقطع ولايته (2) ويقول أبو نبهان الخروصي (3) وأكثر فحول العلماء من أصحابنا، وأكثر أهل المغرب من أصحابنا، يقولون انه مخلوق، وأن ما سوى الله مخلوق، وأنه منسوب إلى الله، فهو كلام الله، كما أن عيسى كلمة الله، وروح الله، وكما يقال شمس الله، وسماء الله" (4) وأهم من ذلك كله فإن الناس لا يلزمهم معرفة أن القرآن مخلوق أم لا. (5)
على أنهم ينظرون إلى أن "مسألة خلق القرآن، ليست من مسائل الدين التي تعبّد الله بها عباده، ولا ألزمنا إياها، كما ألزمنا صنوف العبادة، وليس على وجوبها من دليل والتحقيق أنه ان أريد بالقرآن الحروف الملفوظة، المتلوة المخطوطة، فانها حادثة قطعا، وإن لوحظ منها علمه تعالى بالمعاني المطروحة فيها، فإنّ علمه سبحانه وتعالى لا شك أنه قديم، لأن العلم من صفات الذات العلية". (6)
__________
(1) الفضل بن الحواري: عالم فقيه، عاش في القرن الثالث الهجري، ينظر دليل أعلام عمان، 129 وينظر البطاشي: إتحاف الأعيان.
(2) البشري: موسى بن عيسى، مكنون الخزائن، 1/141.
(3) ابو نبهان الخروصي: هو جاعد بن خميس الخروصي، المكنى بأبي نبهان، (1147هـ-1237هـ) من كبار العلماء في عصره كان عالما، وشاعرا لقب في عمان بالشيخ الرئيس، ينظر دليل أعلام عمان، 46.
(4) السابق، ج1، 142.
(5) السابق، ج1، 142.
(6) السيابي: خلف بن جميل ، فصل الخطاب، 1، 11. (1/98)
صفحة 99
فالخلاف على ذلك خلاف لفظي، منشؤه توجيه الاستدلال، فالعلم غير المعلوم، والتلاوة غير المتلو "فالكتب المنزلة هي في الحقيقة مدلولات علمه، الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى، لا نفس صفة العلم الذي هو صفة لذاته القديمة" (1) وقد عدّ العلامة أبو اسحاق اطفيش الخلاف بين الطرفين خلافا لفظيا، فالقائلون بخلقه قصروا القول على القرآن المتلو المحفوظ في الصدور والمصحف والموصوف من الله بالمحدث والمنزل والجعل والذهاب، ولم ينظروا في القرآن الذي هو علم الله، إذ لا ريب في قدمه. والآخرون قصروا القول على القرآن القديم الذي هو علم الله وصفته وكلامه، فقالوا بقدمه وبالسكوت عن المحفوظ في المصحف والصدور..الخ. وكما ترى الاختلاف لفظي بين الفريقين لا غير (2)
...
وفي هذه المعاني يقول السالمي:
والحقُّ ما قالت به الأعلامُ ... بأنه لربنا كلامُ
ووحُيه وأنَّه تنزيلُهْ ... سبحانه صَحًّ لنا دليلُهْ
لكن أقولُ الأحرفُ الملحوظةْ ... في الكُتْبِ في ألسننِا ملفوظَةْ
بأنها مخلوقةُ للباري ... قلت كذا المعنى فلا تُمارِي
لأنها مظروفةُ للأحرفِ ... وكُلًّ مظروف حدوثٌ فاعرِفِ
وذاك غير علمه تعالى ... وإنْ يكُنْ يعلمُه كمََالاً
فالعلمُ والمعلومُ ليس واحِدا ... كالضّربِ والمضروبِ قد تباعَدا
وأنه في اللّوحِ قطعاً رُسمَا ... كذاك أيضا في صدورِ العُلما (3)
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان ، تمهيد قواعد الايمان، 1، 1029.
(2) اطفيش: ابراهيم ، تعليق عدد 3 على مقدمة التوحيد وشروحها، لعمرو بن جميع، القاهرة 1353هـ ص112، وانظر الشقصي: خميس بن سعيد، منهج الطالبين، 1، 203.
(3) السالمي، جوهر النظام، 1/ 13 (1/99)
صفحة 100
... قال شارح هذه الابيات: "وأحرفه الملحوظة خطا، الملفوظ بها قولاً، المسموعة صوتاً، مخلوقة لله تعالى، كالمعاني لأنها مظروفة للحروف، والحروف ظروف لها، وكل مظروف حادث، وذلك غير علمه، الذي هو صفته الذاتية، وإن كان لا مخرج له من علمه عن جميع الوجوه، أنه معلوم له، وأنت خبير أن العلم غير المعلوم، ولا رتسام القرآن في اللوح وفي صدور الخلق، وهما مخلوقان ولا قائل بأن الحادث يحوي القديم". (1)
... أما أدلة الإباضية النقلية على مسألة خلق القرآن، فهي تتمثل في مجموع الصفات الدالة على خلقه التي ذكرها الله سبحانه في كتابه العزيز، على اعتبار أن هذه الصفات لا تكون إلا في المخلوقين، وهو داخل ضمن قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء" (2) فهل القرآن شيء أم لا؟ فإن قلنا شيء فهو داخل في عموم الخلق، وإن لم يكن شيئا فهو معدم (3) فالإباضية يقولون: "إن كل موجود لابد أن يكون خالقاً او مخلوقا، والمخالف يقول إن القرآن موجود، وشيء، ومن زعم أنه ليس بشيء فقد كذب الله بقوله "أن يقولوا ما أنزل الله على بشر من شيء.." (4)
... أما الصفات التي وردت في القرآن الكريم، الدالة على خلقه، حسب توجيه الإباضية لمفهوم الخلق استنتاجا، فهي ما دلت على الحدث "ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث"، والذكر والإنزال "وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون" والجعل "إنا جعلناه قرآنا عربيا".
__________
(1) ابو مسلم الرواحي، نثار الجوهر، 1/43.
(2) سورة غافر، آية 62.
(3) انظر البرادي: الجواهر المنتقاة، الرسالة 183-185. السالمي: ينظر فيض المنان 69، الخليلي: الحق الدامغ ، 166. د. فرحات: البعد الحضاري، 358.
(4) الموارجلاني: الدليل والبرهان، 1، 7 . (1/100)
صفحة 101
... فالنزول والإحداث والجعل وقدرة الله على الذهاب به، والتشابه والمماثلة والتجزوء كلها دالة على الخلق (1) أما من الحديث الشريف فان ذلك يستنتج أيضا من قوله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله خلق طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" (2)
... وقد انعكست هذه النظرة في نتاج الإباضيين الشعراء، فقد فرق الشيخ العلامة خلفان السيابي بين المعاني وبين اللفظ والأصوات حيث قال:
إن القراءة للقرآن من أحد ... ولفظهَ وكذا الأصواتَ حين تَلا
فكلُّ ذلك مخلوقٌ ومَخْتَرعٌ ... له تعالى جميعاً فاتركِ الجََدلا
أما المعاني التي من لفظه فُهَمتْ ... قديمةٌ من صفاتِ الذاتِ جَلَّ علا (3)
وحينما سئل العلامة حمد بن عبيد السليمي عن هذه المسألة اتسّم رده بالاحترام والتقدير لأصحاب الرأي المخالف والموافق، يقول:
أما القرآنُ فقد جاء الخلافُ بهِ ... بينَ الفحولِ وكُلُّ حجةٌ نُقِلا
قالوا قديمٌ لأن الله قائلُه ... والقولُ يتبعُ من قد قال فاحتفِلا
والله جلُ قديمٌ قد قضى أزلا ... ما شاءَ في الخلقِِ إنْ قولاً وإنْ عَمَلا
أما القضايا وتنجيمُ القضاء بها ... فتلك حكمتُه في الكونِ جَلَّ عَلا
وقال بالخلق قومٌ واحتجاجُهُمُ ... بخالق كلَّ شيء فافهمِ المَثَلا
وإنما هو شيءُ لا نزاعَ به ... فمن هنالك حكمُ الخلقِ قد شمَلا
لكنّهم جمعوا القولين فاتفقوا ... بأنه قوله بالوحي قد نزلا (4)
والله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، والقرآن شيء فهو مخلوق، يقول العلامة سالم بن حمود السيابي:
خلقَ الورى وجميعُ ما في كونهِ ... خَلْقٌ له من إنْسهم والجانِ
وله السَّما والأرض خلقُ هكذا ... مَعْ ما حوَى كُرسيُّه النَّوراني
__________
(1) انظر د. فرحات، البعد الحضاري، 357.
(2) رواه البخاري، الترمذي، واحمد بن حنبل وابن ماجة، انظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ونسنك 2/72.
(3) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 99.
(4) السليمي: حمد بن عبيد، قلائد المرجان، 137، 138. (1/101)
صفحة 102
والَّلوْحُ مع ما خُطَّ فيه كُلَّه ... والكاتبونَ وحامِلو الديوانِ
وجميع ما أقلامُه يوماً جرَت ... طبعاً به أو أعرَبتْ بلسانِ
والوحيُ والمُوحى به خلقٌ له ... وبذاك صحَّ الخلقُ للقرآن
ويقول:
إنّ الحروفَ خلائقٌ معروفة ... بحدوثها في الزَّيد والنقصانِ
علْم الإله بما حوته ثابتٌ ... صفةٌ له في السًّر والإعْلانِ (1)
وللإمام السالمي قصيدة في القول بخلق القرآن، ابتدأها بقوله:
أبدت لنا في خلقها السُّوَرُ ... برهانَها يا قومُ فاعتبرُوا
قد قالَ ربُّ العرش في نظمها ... لكلّ شيء خالقٌ فطرُ
وإنما القرآن شيءٌ بلا ... شكلٍ لمن بالعقلِ يَفْتكِرُ (2)
وللشيخ سعيد بن حمد الراشدي قصيدة بعنوان "فيض المنان في الرد على من ادّعى قدم القرآن" يقول فيها:
نظمٌ يدلّ على معان شاهدٌ ... لحدوثِه والعقلُ بالبرهانِ
آياتُ حقِّ تُفحمُ البُلغاء والـ ... ـخطباءً مُحدثة من الرحمن
إنزاله حَسْبَ المصالح مُنْجماً ... يهدي إلى إيجاده بزمانِ
سبحانَ من أوْحاهُ أعظمَ آيةٍ ... لرسالةِ المبعوثِ من عدْنانِ
نسخَ الشرائع كُلَّها بنزولِهِ ... ومحا الشكوك بواضح التبيان (3)
وهي قصيدة طويلة توزع فيها الحديث حول الكلام والصفات وخلق القرآن والاستدلال على إثبات خلقه منه. (4)
الفصل الثالث
أثر الفكر السياسي
1- الإمامة وتقاليدها
2- الإمام وصفاته
3- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح
أ- المديح الفردي
ب- المديح الجمعي
جـ- شخصية الإمام
د- صورة الإمامة
هـ- نصح الأئمة وإرشادهم
و- وصف جهاد الأئمة
__________
(1) السبابي، سالم بن حمود، معالم الإسلام في الأديان والأحكام، وزارة التراث مطابع العقيدة، مسقط 1440هـ/1984، 177-178.
(2) السالمي، مجموع المناظيم، مخطوط، مكتبة السالمي، قصيدة خلق القرآن.
(3) الراشدي: سعبد بن حمد، فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن، انظر القصيدة في الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3، 160.
(4) انظر القصيدة في شقائق النعمان كاملة، 156-160. (1/102)
صفحة 103
4- تحريم الخروج على الإمام العادل والموقف من الخارجين عليه
5- موقف الإباضية من الحاكم الجائر
6- الموقف من التكسب بالشعر
7- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء
أ- رثاء الأئمة
ب- رثاء الإمامة
جـ- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية
أولاً: الإمامة وتقاليدها :
... تمثل الإمامة عند الإباضية أهمية كبرى، وتأخذ حيزاً كبيراً من فكرهم السياسي، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الفرق الإسلامية الكبرى، لكن ما ينفرد به الإباضية في هذه القضية يتمثل في أمرين:
الأمر الأول: مسألة من يصلح أن يتولى الإمامة الكبرى.
الأمر الثاني: كيف يتولى الحاكم الحكومة.
... يقوم فكر الإباضية السياسي على أصول فكريّة مرتبطة بمعطيات الإسلام في منابعه الأولى، وهو تجسيد حيّ لمبدأ أساسي يقوم عليه الفكر السياسي الإسلامي، وهو مبدأ الشورى والاختيار والمساواة بين الناس على أساس "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (1) وهو تفاضل يقوم على ميزان دقيق قائم على القيم الخلقية، لا على الانتماء في النسب، وعليه فإنهم لا يرون القرشية شرطا في الإمامة، إذا توافرت الشروط في غير القرشي، فهم يرون "أن الحكم أمانة في الأعناق، وأن الناس أسمى وأشرف من أن يكونوا قطعاناً من الأغنام يحكمون بالقهر والاستبداد، فتتوارثهم قبيلة معينة، فالناس قد خلقوا أحراراً، ويجب أن يبقوا أحراراً، والذي يبايعونه لابد أن يستخلفوه من تلقاء أنفسهم ولا يرى الإباضية، أي شرط من ناحية النسب" (2)
__________
(1) سورة الحجرات، آية 13.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، حوار مسجل معه بتاريخ 10/6/1980 نقلاً عن عمريا، دراسات في الفكر الإباضي، 94 و95. (1/103)
صفحة 104
... ولذلك عدت الشورى عصب الفكر السياسي عند الإباضية كما عُدّت المميّز لروح هذه المدرسة (1) ، ومن هنا كان الإباضية يقدمون أئمتهم على هذا الأساس (2) ، بل إن "الشورى على الإمام فرض فإذا تركها كفر، عالما كان أم ضعيفا" (3)
... وعليه ألا يقطع أمرا دون مشورة من علماء الأمة ورجالها، ويبدو صدى هذا جلياً في الشعر في عمان آنذاك، فهذا ابن شيخان السالمي، يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي، لأنه يأخذ بهذه السياسة الشرعية وهو لا يقطع أمراً دون مشورة، كما يبدو في قوله:
أمَرهُ شورى فلا خُلْفٌ لما ... يرتضيه العلماءُ النُّقبا (4)
... ويدعو الشاعر عبد الرحمن الريامي (5) الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى الاهتمام بالشورى وعدم الاستهانة بالاستشارة، فهي واجب سياسي ديني وعلى الإمام أن يلتزم بمقتضاها، يقول الشاعر الريامي مخاطباً الإمام:
يا من يريدُ طريقةً دينَّيةً ... عوّلْ على أكفائها وسراتهَا
لا تحسب الشَّورى عليك غضاضةً ... كَمْ في الزّوايا من كنوزِ هباتهَا
فلربّما رأيٌ يُقَهْقر جحْفلاً ... ويدكًّ عليا الشُّم من ذرواتها
قد جاء من مُسْتحقَرٍ مسْتضعفٍ ... وهو القمينُ بها للِّم شتاتها (6)
__________
(1) غباش: د. حسين عبيد، عمان الديمقراطية، 74.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، الحقوق في الاسلام، حلقة 6، مجلة النهضة، عمان، ع 929، 1420هـ/ 1999م، 22.
(3) الكندي، أحمد بن عبد الله، من علماء القرن السادس الهجري، المصنف، 10/81، التراث.
(4) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان، 186.
(5) عبد الرحمن بن ناصر الريامي (ت 1374هـ-1954م) أديب عالم، أقام بنزوى ملازما لعلمائها، اتصل بالامام محمد بن عبد الله الخليلي، ثم رحل إلى زنجبار، ثم عاد إلى عمان، نظم الشعر في الإلهيات والاستغاثات له ديوان شعر مخطوط من جزأين. ينظر: دليل أعلام عمان 112، الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان.
(6) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخطوط ، 115. (1/104)
صفحة 105
... والإباضية يوجبون نصب الإمام، فالإمامة عندهم فريضة (1) لأن الأمة لا تصلح دون وجود راع يقوم على مصالحها، ويقيم العدل بينها، ولما يترتب على وجودها من إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وحماية بلاد الإسلام، فكل هذه لا تتم إلا في ظل وجود إمام يقوم بتنفيذها. (2)
... ولا يتوصل إليها إلا بالعقد فهي "فريضة والعقد فيها وسيلة" (3) ولأهمية العقد، وضعت له نصوص متعددة، بحسب الظروف السياسية وحالة المعقود عليه ، يلتقي كلها في تعهد الإمام بتنفيذ حدود الله، والحكم بما أمر الله به، وإقامة الحق، وجهاد الفئة الباغية، وما إلى ذلك. (4)
... وقد أضحت تلك النصوص بمثابة الدستور المحدد لنوع المسلك الذي يتخذه الإمام ويسير بموجبه في علاقته بالأمة، وعقد الإمامة عندهم تختلف صيغته باختلاف نوع الإمامة، وباختلاف الظروف، التي بويع الإمام في ظلها، وهنا نلحظ أن هذه العقود السياسية تنظم العلاقة بين الحاكم ورعيته، ويعد كل منهم ملزما بالوفاء بموجب العقد الذي وصل الإمام بمقتضاه إلى ذلك المنصب. وعليه تترتب أحكام الوفاء والمناصرة، والقيام بالواجب تجاهه، ما كان عاملاً بمقتضى العقد، وإلا ترتب عند الإخلال به أحكام من مثل العزل والخروج عليه وعدم مناصرته، وكل ذلك يدخل ضمن تنظيم وثيق، للعلاقة بين الإمام والأمة، وهي فلسفة تعد امتدادا لعقود البيعة التي كانت تتم مع الخلفاء الراشدين يقول السالمي:
__________
(1) انظر الكندي: محمد بن ابراهيم (ق 5هـ/11م) بيان الشرع 68/11، مخطوط والصائغي: سالم بن سعيد (ق12هـ 18) كنز الأديب وسلافة اللبيب الباب الرابع في الإمامة، ورقة (1) مخطوط.
(2) الكندي: محمد بن ابراهيم (ق 5هـ) بيان الشرع 68/12، 15، 45 مخطوط وانظر أيضا: المنذري: علي بن محمد بن علي، نهج الحقائق 290 مخطوط.
(3) الصائغي: كنز الأديب، السابق، ورقة 88.
(4) انظر صيغ هذا العقد في: الكندي: محمد بن ابراهيم، بيان الشرع 68/46 مخ (1/105)
صفحة 106
يلزمُ نصبُ قائمٍ في النّاسِ ... في أربعينَ رجلاً أكيْاسِ
متفقون لا يُخالفونا ... بعضُهم بعضاً موافقونا
وستةٌ من أهلِ علمٍ فيهمُ ... يبيّنون الحكمَ حيثُ يحكمُ
وهم أولو مشورةُ الإمامِ ... نصبهٌم فرضٌ على الأنام
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
وجوب طاعة الإمام العادلِ ... كطاعةِ الرسولِ في الدّلائلِ
لا شكَّ أنّ من عصى الإماما ... على معاصي ربّه أقاما
وهو خليعٌ عندنا فيُبرا ... منه لأنه أصابَ الكُفْرا (1)
فالسالمي يتحدث عن الإمامة عند الإباضية، والقول بوجوبها والعدد الذي لا يتم نصب الإمام دونه، والشروط الواجب توافرها فيمن يقوم بالبيعة للإمام، أقلهم أربعون رجلاً، متفقون فيما بينهم، فيهم ستة من أهل العلم، فهؤلاء هم أهل مشورة الإمام الذين يجب على الأمة نصبهم، ويؤكد السالمي على وجوب طاعة الإمام وعدم الخروج عليه وعد ذلك كفرا مشبها طاعته بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
مسالك الدين:
... وقد وضع الإباضية دستورهم مراعين الأحوال السياسية، وما تفرضه الظروف من مسلك يتصرفون بموجبه، بما يحافظ على كيانهم، ويوفر لهم الاستمرارية وفق نظام دستوري، فوضعوا ما يسمى بمسالك الدين، وهو مصطلح يقصدون به "الطرق التي يُتَوَصَّلُ بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية". (2)
... وهي لدى الإباضية تمثل المراحل "التي يمكن أن تختارها في مختلف أدوار حياتها، إزاء واجب الدعوة إلى الله" (3) بغية التكيف مع مختلف الأوضاع، وهذه المسالك الأربعة، ترجمة عن اجتهادات علمائهم ضمن مصطلحات خاصة بهم، وهي:
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، جوهر النظام، 3/ 116.
(2) اطفيش: محمد بن يوسف، شرح عقيدة التوحيد، 113.
(3) بكلي، عبد الرحمن، فتاوي البكري، 2، 237. (1/106)
صفحة 107
أولاً: الظهور: وهو أعلى هذه المسالك وأفضلها، وهذه الحالة يشترط لها أن يكون المسلمون من القوة والمنعة بحيث يتمكنون من إنفاذ الأحكام، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكل ما يتطلبه الدين الإسلامي من النواحي السياسية والاجتماعية (1) وسميت هذه الحالة بالظهور نظرا لتجلي أمر المسلمين، وقوة شوكتهم، بحيث يختارون إمامة ظاهرة شاهرة، لا يخافون من عدو" (2) وهي تشكل فترة استقرار الوضع السياسي والاجتماعي ولا تتحقق إلا بالإمامة الكبرى" (3)
ثانياً: إمامة الدفاع: وهي عبارة عن حالة استثنائية طارئة، وهم في غير حالة الظهور "فيباغتهم عدو، يريد أن يقطع دابرهم، ويبدل دينهم، ويقضي على وجودهم" (4) وعندها يجتمع المسلمون فيختارون شخصا يجابهون به العدو الذي داهمهم" (5) تتوافر فيه صفات القيادة العسكرية، فيبايعونه بيعة دفاع عن الأمة.
ثالثاً: الشراء: وهو تنظيم سياسي ينهج أصحابه إلى بيع الدنيا بالآخرة، وعندما
يقبل الشخص المبايعة بإمامة الشراء، فإنه يكون بذلك قد باع نفسه لله، وضحى بها في سبيل دينه، وهو أقصى غايات المبايعة. (6) ويشترطون لذلك ألا يقل عددهم عن أربعين رجلاً.
__________
(1) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 20.
(2) المرجع السابق، 44.
(3) اطفيش، محمد بن يوسف، شرح عقيدة التوحيد، 113.
(4) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 20.
(5) انظر أغوشت، دراسات إسلامية، 109 مكتبة وهبة، ط2، 1408هـ/ 1988م
(6) الكندي: أحمد بن عبد الله، المصنف، 10/ 83. (1/107)
صفحة 108
رابعاً: الكتمان: ويدل هذا المصطلح على السرية والإخفاء، في حين يدل الظهور على المجاهرة أي ظهور العدل والحق وأهلهما (1) ومسلك الكتمان يتم بأن يتفق المسلمون على شخص منهم، يرجعون إليه في أمر دينهم وضربوا لذلك مثلاً بإمامة جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله عنهما" (2)
... ومن هنا فإن سر إخفاء إمامة الكتمان عند الإباضية يأتي خوفاً على الدعوة والحركة من أن يكتشف أمرها، ورغبة في إخفاء الإمام ليقوم بمهمة القيادة وهو بعيد عن الأضواء، وهي مرحلة تدل على "النضج السياسي لدى الإباضية، فالكتمان "لا يعني السكوت وعدم الحركة، وإنما هو مرحلة إعداد لاستلام السلطة" (3)
... وهناك مسألة مهمة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن الحاكم المسلم عند الإباضية تجب طاعته ولا عبرة بالمصطلح – أحيانا- عندهم، بل المهم هو إقامة العدل، وتنفيذ الأحكام، والمساواة بين الناس "فإمام المسلمين سواء جاء بطريقة الشورى أو بغيرها، إذا كان عادلاً تجب طاعته، والخروج عنه فسق" (4) إذ "المطلوب عند علماء الإباضية من الملوك استقامتهم، ونشر الدين والعمل بالكتاب والسنة، ثمّ لا يهمهم من تولاهم، إماما أو سلطاناً أو ملكاً" (5)
الإمام وصفاته :
... الإمام عند الإباضية شخص يختار حسب كفاءته، وفق الصفات المتوفرة فيه، وهي التي تؤهله لتولي مسؤولية الإمامة العظمى.
__________
(1) المصدر نفسه، 10/ 53 .
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 45.
(3) مهدي طالب هاشم، الحركة الإباضية في المشرق، 292.
(4) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الاسلامية، 2/ 197، وزارة التراث، 1986.
(5) الحارثي: سالم بن حمد، العقود الفضية، 297. (1/108)
صفحة 109
... وهذه الصفات قد تعرضت لها أغلب المصادر الإباضية كقول أبي المؤثر الخروصي (من علماء ق 3هـ) "ويختارون أفقههم وأعلمهم، وأقواهم على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى الحكم بالعدل، وعلى محاربة العدو، والذب عن الحريم، وعلى جباية مال الله من حله وإنفاقه في أهله" (1) وأن يكون "عالماً، نزيها، صبوراً، حليما، بارا بالمسلمين، رحيما، عطوفا، غير متكبر ولا متجبر، ولا مقتحم على الأمور، بغير علم ولا مشورة" (2)
... وهذه الصفات وغيرها، دليل على حرص الإباضية على أن يتولى أمرهم أتقاهم، وأقدرهم، وأعلمهم، وأورعهم وأعدلهم، حرصا على مصالح المسلمين، وتنفيذ أوامر رب العالمين، وهو مرتبط بالشورى، فإذا تركها وتصرف دون الرجوع إلى علماء الأمة وقادتها، زالت إمامته، وسقطت عن الرعية طاعته. (3)
... والإمام عندهم ليس له أن يخلع نفسه كما أنه ليس للرعية التخلّي عنه أو خلعه، إلا إذا أحدث حدثا، أخل من خلاله بمبدأ من مبادئ الدستور الإباضي (4) بل إنه لا يجوز عزل الإمام حتى يحل دمه، ويظهر كفره، ولا يكلف الناس علم ما غاب عنهم. (5) ولابد للإمام من بيعة تمنحه شرعية استلام منصبه وممارسة نشاطه.
__________
(1) أبو المؤثر، الصلت بن خميس الخروصي (من علماء ق3هـ) الأحداث والصفات، 61، التراث.
(2) الكندي: أحمد بن عبد الله، المصنف، 10/ 77.
(3) المصدر نفسه، 10/81.
(4) المصدر نفسه 10/229.
(5) عقد الدر الثمين، مخطوط، 83. (1/109)
صفحة 110
... وقد تعرضت المصادر الإباضية لبحث هذه المسألة بصورة مفصلة أفردت لها أبوابا واسعة توضح طريقة البيعة وماهيتها (1) ومن يقوم بها، والشروط التي تؤهل القائمين بها، والعدد الذي لا تتم البيعة بدونه، أقله أو أكثره (2) لكن الناظر في التطبيق العملي والممارسة الفعلية لهذا المبدأ يجد أن البيعة كانت تتم في مرحلتين:
1- بيعة الخصوص: وهي البيعة التي يقوم بها العلماء وأهل الحل والعقد، الذين يمكن أن يطلق عليهم "ممثلو الأمة ونوابها في مجلس اختيار الإمام، وبالتالي مبايعته بيعة أولية. (3)
2- بيعة العموم: وهي البيعة التي يتلقاها الإمام من عموم الأمة، في بلدانهم، أو ضمن وفود قبائلهم، وكأنهم يقومون بالتصديق على ترشيح أهل الحل والعقد له، ويعبر عن هذه الفكرة الشاعر محمد بن شيخان السالمي، في قصيدة يمدح فيها الإمام سالم الخروصي، في انعكاس واضح لمبادئ الفكر السياسي الإباضي، من البيعة إلى
القيام بحقها بقوله :
بايعته العلما والأمرا ... واليرايا فترقّى منصبا (4)
هذا هو التدرج في البيعة، بيعة الخصوص، العلماء والأمراء، فبيعة
العموم (البرايا) ثم إن الإمام بعد أن بويع قام بالواجبات التي تتطلبها البيعة، ويحتمها العقد يقول:
قامَ بالأمرِ فكان اليمنُ في ... سعيهِ حيثُ أتى أو ذَهبَا (5)
وهذه البيعة تتطلب من المبايعين نصرة الإمام والوقوف معه، ومؤازرته حتى تستقيم الأمور في نصابها، وذلك يتطلب الاجتماع وعدم الخروج عن الإمام، يقول ابن شيخان:
__________
(1) انظر: الصائغي: سالم بن سعيد، كنز الأديب، مخ 1،2 ، القسم الرابع الامامة، والكندي: بيان الشرع مخ ج68 ص 46، 88، 89، 90، 91، 104 والكندي: المصنف، 10/ 220-229.
(2) انظر: اطفيش: محمد بن يوسف، شرح النيل، 14 / 312.
(3) انظر المصدر (السابق) 14/ 316، والصائغي، السابق، الورقة (1)
(4) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 186.
(5) المصدر السابق، ص 186. (1/110)
صفحة 111
يا حماةَ الدين يا أهلَ الوفا ... يا كرام الناس قوموا غضبَا
أيدِّوا هذا الإمامَ المُرْتضَى ... واعْمُروُا بالعدل هذا المذهَبا
وانزعوا الأحقادَ منكم واسلكوا ... سٌبلَ الخير وداوُوا الوَصَيَا
واجمعوا الأمرَ ولا تختلفوا ... واحذرُوا رَيَحكُم أنْ تَذْهَبَا (1)
أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح
أولاً: المديح الفردي
... يزخر الشعر العماني الإباضي في هذه الفترة بمجموعة من القصائد التي قيلت في الإشادة بالأئمة وبيان كثير من الصفات في شخص الإمام، وقد ظهر في قصائدهم الحرص الشديد على بيان أهم الصفات التي يلزم أن يتصف بها الإمام، كما تقتضيه سياسة المذهب، لتكون مثل تلك القصائد، بمثابة دعوة تذيع فضائل الأئمة، وتنشر محامدهم.
... ومما يلحظ في هذا الشأن، أن هؤلاء الشعراء، لم يكونوا من شعراء البلاط، كما يسمون، ولا يمدحون قصد التزلف وبغية العطاء، بل يفعلون ذلك استجابة للواجب الديني الذي تمليه على الشاعر عقيدته، كما نجد ذلك عند أبي مسلم الرواحي في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي (2) (1301هـ 1338هـ) حين أشار إلى أنه يمدح
الإمام أداء لواجب الولاية لهذا الإمام، لا قصد التزلف إلى غرض من أغراض الدنيا الفانية، دون أن ينسب إلى نفسه فضل انتقاء الكلام، بل كان حر اللفظ يتسابق الى ذهنه حالة إنشائه لمدحته فيقول:
وما أنتقي التّمجيَد فيكَ وإنمَّا ... إليك اهتدى حُرُّ الكلامِ المُلائمُ
يسابقُ فيكَ الحمدُ قبلْ انتقَاده ... وهذا لأنَّ الحَمْدَ فيك مكارِمُ
ولَسْت بأقْصَى الحمدِ فيكَ مُمّوِّها ... إلى الغرضِ الفاني بشعْري أُزَاحِمُ
__________
(1) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 187.
(2) هو الإمام سالم بن راشد بن سليمان الخروصي (1301هـ-1338هـ) بويع بالإمامة في عمان عام 1331هـ في بلدة تنوف من أعمال نزوى نال الشهادة، وعرف بالعدل والاستقامة والنزاهة والزهد، انظر السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، 167، 262. (1/111)
صفحة 112
ولكِنْ رأيتُ الله يمدحُ أهْلَهُ ... وَمنْ فَضْله بدْءُ العَطا والخواتِمُ (1)
... وقد امتزجت مدائح الأئمة لدى الشعراء الإباضيين بمشاعر صادقة ناشئة عن قناعة بمبدأ ديني، وتوجه إيماني بوجوب المشاركة، والتعبير عن حب الأئمة، والدعوة إلى مناصرتهم، ويتجلى ذلك عبر جملة من القصائد التي أرسلها منشئوها ترجمة عن مشاعرهم من مهجرهم في زنجبار كما فعل الشاعران أبو وسيم الأزكوي (2) في مدائحه للإمام عزان بن قيس (3) وأبو مسلم الرواحي (4) في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي.
... يعبر أبو وسيم الأزكوي عن صفات الإمام عزان بن قيس وصحبه، مشيرا إلى موقعه القبلي، خالعاً عليه صفات التقوى والشجاعة قائلاً:
فأصبحَ عزّانُ بن قيسٍ مُمَلَّكاً ... إمام هُدَى لله يغزو ويفتحُ
مليكٌ به ترضى الإمامة قُائماً ... وما كلُّ مَلْكٍ للإمامة يصلحُ
تقلد سيفين المُهنَّد والتُّقى ... لأنَّ كلا السَّيفْينِ في الخطبِ مُنْجحُ (5)
ويمدح الشاعر الأزكوي أولئك الفتية الذين آزروا الإمام، وقاموا بنصرته فجادوا بأنفسهم وأموالهم، بقوله
وأسْفرَ ليلُ الجور عن صبِح فتية ... مَعَ العدلِ والإنصافِ أمْسَوا وأصْبَحُوا
مَشائخُ صدق سادةٌ عربيَّةُ ... أئمّةُ حقِّ فَضْلُها مُتوَضِّحُ
بدورُ تَحلَّتْ بالكمالاتِ والعُلى ... شموسٌ تجلَّتْ في السمَّوات وَضَّحُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 250.
(2) هو: خميس بن سليم الأزكوي السمائلي، عاش في القرن 13، 14هـ، له ديوان شعر مجموع.
(3) الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1252هـ 1836-1287، 1871م) بويع بالإمامة في عمان عام 1285هـ وقتل عام 1287هـ
(4) أبو مسلم ناصر بن سالم بن عدم الرواحي، البهلاني (1273هـ-1856م-1339هـ 1920م) عالم قاض مؤلف محقق، شاعر، ولد في وادي محرم من ولاية سمانل، لقب بأعلم الشعراء وأشعر العلماء.
(5) انظر الأبيات في الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصّداح، مخطوط، 33. (1/112)
صفحة 113
لقد بذلوا في طاعةِ الله أنفساً ... كراماً أبت إلاّ إلى الله تجنحُ (1)
... وظلت الإمامة تشكل هاجساً عاطفيا لدى الشاعر العماني، رافقته طوال الزمن، لأنها بقيت حية لفترة طويلة وشكلت بالنسبة له أحد الجوانب التي تهيج مشاعره، لرسوخها في وجدانه فهي منهج عملي، وسلوك تطبيقي وليست مجرد نظرية مختزنة في بطون الكتب.
... وبقي الشاعر الإباضي -حتى فترة متأخرة- متأثراً بهذه القضية، تمده بفيض من الالتزام والحماسة، فتراه يمدح الإمام، ويشيد بالإمامة ويعدها قضيته المركزية، شغلت بال عدد من الشعراء في هذه الفترة، كالشاعر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وأبي وسيم الأزكوي وأبي مسلم الرواحي وابن شيخان السالمي والمر سالم الحضرمي، وعامر بن خميس المالكي، وخالد الرحبي، وأبي سلام الكندي وغيرهم، ممن ظلوا
يتغنون بذلك النظام ويتحدثون عنه، ويشيدون به، في إطار من الوعي السياسي والالتزام الديني.
... ومما يمكن ملاحظته بوضوح في قصائد هؤلاء الشعراء، أن نصوصهم
الشعرية في هذا الاتجاه، جاءت ممتزجة بالحماسة والفخر بهؤلاء الأئمة،
والاستثارة للجماهير، طالبين منهم مناصرة أنظمتهم السياسية والدينية، ويأتي
على رأس هذه القائمة الشاعر الكبير أبو مسلم الرواحي، الذي سخر فنّه ومقدرته
الشعرية وقدرته البيانية، ليكون لسان حال هذا النظام، فظل يعزف بقيثارته على وتر حماسي.
... وعلى أية حال، فإن مديح الشاعر الإباضي للأئمة والعلماء أو الزعامات الدينية، لم يكن يفضي به إلى الغلو في الإشادة بالأئمة، بقدر ما كان يذيع محامدهم، ويشيد بفضلهم، ويدعو الجماهير إلى الالتفاف حولهم.
__________
(1) المصدر نفسه، 32. (1/113)
صفحة 114
... وعليه فإن ما يخلعه الشاعرمن صفات إنما هي صفات واقعية، وإن قدمها في صورة تكاد تكون مثالية لكنها حقيقية، لأن اختياره، أصلا تم حسب توافرها فيه، ولذلك كانت طاعته واجبة، والخروج عليه بغي، يقول أبو مسلم الرواحي مبينا ما يجب اتخاذه من موقف تجاه الإمام سالم بن راشد الخروصي:
وإنَّ إمامَ المسلمين على هُدىً ... مُخالفُهُ باغٍ على الحقِّ ظالمُ
إمامَتُهُ حقٌّ وفرضُ اتبِّاعِهِ ... على ساكني المِصْرِ العُمانيِّ لازمُ
وإنَّ الذي وفَّى بطاعة أمْرهِ ... وَليٌّ وإلاّ فالعَدُوّ المُخاصمُ
وهذا اعتقادٌ فوقَ كُلِّ مَكلَّفٍ ... له من أصولِ الدينِ قَطعاً دعائِمُ (1)
... ولا يخفى ما في هذه الأبيات من استثمار لعقيدة الإباضية في السياسة الشرعية، بوجوب طاعة الإمام وحكم الخارج عليه، ومسألة الولاية لمن أطاعه، والبراءة ممن عصاه.
... ويؤكد الشاعر في موضع آخر، أن طاعة الإمام والوقوف معه دين افترضه الله، محذراً من مغبة عصيانه، موجبا بيعته، فاعتقاد إمامته واجب، والتسليم لقيادته الدينية والسياسية فرض عين، بعد أن قامت الحجة عليهم، وإلا حلّ بهم غضب الله وسخطه، كما يقول:
يا قومُ طاعتُهُ في مصركُمْ وْجَبَتْ ... فرضاً عليكم وما في الدين إدْهانُ
يا قومُ لا تُدبْروا عنه فإنَّ لكَمْ ... رَبّاً يُحاسُب والإْدبارُ عِصْيانُ
يا قومُ إنْ تُدبْروا يَغْضَبْ إلهُكُمُ ... أو تعرضوا عنه فالإعراضُ خسرانُ
فراقبوا الله فيه إنَّ حُجَّتهُ ... قد قام فيها بحكمِ الله بُرْهانُ (2)
... ذلك أن للأئمة حقوقا دينية، فطاعتهم واجبة، ومحبتهم منجاة، والخروج عليهم مهلكة والتمرد على سلطتهم خروج على الدين، وهي ترجمة عن مكانة الأئمة ومنزلتهم في المذهب، أخذا من قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". (3)
__________
(1) أبو مسلم الرواحي، الديوان، (مخ) 250.
(2) المصدر السابق، 243.
(3) سورة النساء، آية 59. (1/114)
صفحة 115
... والباحث يلحظ أن الشاعرين أبا مسلم الرواحي وخالد الرحبي، من أكثر الشعراء الإباضية تحذيراً من مغبة الخروج عن طاعة الإمام في هذه الفترة ليجد أن شعرهم يندرج في جانبين:
أولاً: تحذير عام لجميع الناس من مغبة الخروج عن طاعة الإمام.
ثانياً: نقد موجه إلى شخصيات بعينها كان لها موقف واضح في الخروج وعدم اتباع الإمام وهذا ما سيتعرض له الباحث في النقد السياسي والاجتماعي في هذا الفصل.
... وفي نطاق "المديح الفردي" الذي يمدح به الشاعر إماما بذاته، فإن الشاعر أبا مسلم الرواحي، يأتي في مقدمة هؤلاء الشعراء الذين أثنوا على الأئمة عموما، وعلى الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي على وجه الخصوص، فقد خصه بأربع قصائد، تعد من عيون قصائد مديح الأئمة الإباضية. (1)
... ونجد أن أبا مسلم لا يكتفي بالأسلوب التقريري حين يعرض فكرته في المديح، بل نجده يتوّغل في أحشاء التاريخ ويستعين بمصطلحات المذهب بعد أن تشربت بها نفسه، ضمن معان جَسّد فيها صورة الإباضي الشاري الذي باع دنياه بآخرته، كما في هذه الصورة التي يصف بها شخص الإمام سالم بن راشد الخروصي.
ومحترقِ الأكباد من حُبِّ ربه ... له صَعقاتٌ بينه ومصارعُ
الى أن يقول:
يَرى كُلَّ شيء غيرَ مرضاةِ رَبِّهِ ... رماداً به اشْتدَّت رياحٌ زعازعُ
رمى عرضَ الدنيا وراءَ يَقينهِ ... بأنّ وراء الحدِّ شأنٌ يُسارِعُ
يحرِّر نفساً من عبودة مَطْمَع ... سِوى رَغَب فيه إلى الله طِامِعُ
به أنَفُ الأملاكِ في نَضْرة الغنَى ... وما نالَ منه ما تقلّ الأصابِعُ
يبيتُ وللأحزان جمرةُ قلبه ... تَشبُّ إذا سالتْ عليها المدامِعُ
إذا ذكر الأخرْى تضاءل جازِعاً ... كأنْ راعه من هادِم العمر رائعُ
وإن ذكر الدُّنيا تفانى وأصعقتْ ... مشاعره تلك الصَعابُ القوارِعُ (2)
__________
(1) وهي القصائد الأربع المعروفة بالفتح الرضوان، واليمية والعينية، والمقصورة. انظر الديوان ص ص 229-274.
(2) الرواحي، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 258. (1/115)
صفحة 116
ويسترسل الشاعر الرواحي في إشادته بالإمام قائلاً:
على الأرضِ منكورٌ ويُعْرفُ في السَّما ... له مخبرٌ بين الملائكِ شائعُ
تراه متى ما اللّيلُ عَمَّرَ بيتهُ ... عموداً على محرابه وهو راكعُ
يُشَعْشعُ بالقرآن أنوارَ قلبه ... فعنهنَّ شُقَّتْ للعيون المدارِعُ
يُرجّعُ في الديجورِ رنّة ثاكل ... نحيباً كما ناحَ الحمامُ السواجعُ (1)
... ويمدحه الشاعر في قصيدته "الفتح والرضوان" بأهليته لتولي هذا المنصب الخطير، فهو من أسرة عريقة المجد، لا ينكر فضلهم، اختاره الله سبحانه، صفوا من خلاصتهم، صاحب كرامات، أشرقت العدالة وانطفأ الجور باعتلائه منصب الإمامة، فيقول الرواحي:
جاءتْ إمامتُه والأرضُ مظلمةٌ ... والنَّاس فَوْضَى وأهلُ الجور ذؤبانُ
فأشرقَ العدلُ في أرجائها ولقي ... عزَّ المفاسد إرهاقٌ وإيهانُ
جاءته ما كان بدعاً من أئمتها ... مَنْ جدُّهُ ابنُ تميم المجدِ عَزّانُ
ما اختارهُ الله صفواً من خُلاصتهم ... إلاّ وللصَّفْوِ من إكرامِهِ شانُ (2)
ويبين الشاعر في قصيدة أخرى بعض كراماته ومنها: أنه جاء مراغما لكل من عارض إمامته، وهو كالحد والنصل للسيف، فيقول:
وحسبُ الإمام المهتدي من كرامةِ ... بأنْ قامَ والدَّنيا جميعاً تُراغمُ
ومنَ يَكُن المنصورُ من عند ربه ... وقاومَهُ المخلوقُ ذلّ المُقاومُ
امامَ الهدى إن ينتض الدينُ سيفهُ ... فأنت له حدٌ ونَصْلٌ وقائمُ (3)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخ، 259.
(2) المصدر نفسه، 235.
(3) المصدر نفسه، 250 . (1/116)
صفحة 117
... وتغنى عدد من الشعراء بمديح الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي، ومنهم الشاعر أبو الوليد سعود بن حميد الذي يبيّن أن هذا الإمام قد تهلّلت السموات فرحة، لاعتلائه منصب الإمامة، وأنه قد اختير وفق صفات أهلته لتبوّء منصبها، فهو أجلهم قدراً، وأسمحهم نفساً، ويذهب الشاعر إلى أن العناية الإلهية رافقته منذ نشأته، لتعده لتحمل هذه الأمانة، فنشأ عفيفاً طاهراً حتى أن الشاعر نظر إلى من حوله من العالمين، فلم يجد في مثل هديه واستقامته إلا الأنبياء، وهذه مبالغة واضحة من الشاعر، وهو فرد في أمة،وأمة في فرد، فيقول:
جاءَ الخلافةَ بعدما كانت لهُ ... قَدَراً فصادفت المحلّ الأطَْولاً
ألفته أكثَرهم هُدىّ وأجلَّهم ... قدراً وأسمحَهم كريماً مفضلاً
شقّ الإلهُ من السلامة إسْمَهُ ... وغذاهُ بالتقوى جنيناً مطفلاً
فنشا أعفَّ الجيبِ أورعَ طاهراً ... في عسكرِ التوفيق يرفُلَ عبْهَلا
ولقد سبَرْتُ العالمينَ فلم أجدْ ... في هديه إلا النبيّ المُرْسَلا
هو أمةٌ فرداً إذا لاقيته ... متضمناً فخر العوالم مُجْملا (1)
وعبر الشعراء عن فرحتهم باحياء هذا النظام السياسي، مستبشرين بحركتهم السياسية، فابن شيخان السالمي يصور هذه الحركة، التي كان على رأس القائمين بها الإمام نور الدين السالمي، كما يصور استمداداتها الروحية التي تمتد إلى الحركة الوهبية الإباضية فيقول:
نعشت فينا قلوبٌ للهدى ... وجسومٌ فيه تشكو النَّصبا
جذبتنا نفحةُ وهبيَّةٌ ... تجعلُ المنكرَ والجورَ هبَا
خرجت في الأرضِ تمحو باطلاً ... وتردُّ الظلمَ مِمَّْن رَكِبا
ثم يصف الإمام سالما الخروصي بقوله:
سلَّهُ الله حُساماً لامِعاً ... يقطعُ الكفر ويجلو الغيهبا
بايعتهُ العُلما والأمَرَا ... والبرايا فَترقّى منصَبَا
فهو فتَّاحُ الصَّياصي والقُرى ... وهو وضَّاح الصَّحاري والرُّبا
زهت الدَّنيا به كالعيد في ... أهَله وافقَ دَهْراً طيّباً
__________
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصدّاح، 24 (1/117)
صفحة 118
أمرُه شورى فلا خلفٌ لما ... يرتضيه العلماءُ النّجَبَا (1)
إنها قصيدة زاخرة بالكثير من المصطلحات الفكرية الإباضية، بدءاً بالخروج على الظلم وتقدير أصول هذه الحركة الفكرية، مشيراً إلى مصطلحي "البيعة" و"الشورى" وهما عمدة النظام السياسي عند الإباضية.
... ويشارك الشاعر عيسى بن صالح الطيواني (2) إخوانه العمانيين فرحتهم، فيرسل قصيدة من بلدة مسقط، حيث كان يشغل منصباً قضائيا فيها، مهنئاً إخوانه على ذلك الاجتماع، وما نجم عنه من بيعة إلامام سالم الخروصي في أسلوب يشي بصدق الاحساس والعاطفة، فيقول:
للحق نورٌ سناه مُشْرقٌ أبدا ... لو أنكرته عيونٌ مِلْؤُها رمَدَا
تبارك الله نورُ الحقّ منبلج ... فأشرقت بسناه الأرض حين بَدَا
فالغربُ في دهشٍ مما تحاوله ... والشرقُ من فرحٍ لا يعرفُ الكَمدَ (3)
مشيداً ببيعة الإمام سالم الخروصي، ومهنئاً "تنوف" (4) بذلك الفخر الذي نالته، مما جعلها تحتل مكانة سامقة بين بلدان عمان، فيقول:
فبايعوا سالماً لمَّا رأوه لها ... إمامَ صدقٍ غدا في الله مجتهدا
أمست تُنوُفُ بلا ريبٍ تنوفُ على ... كُلَّ البلاد بهم، أكرم بها بلدا
هنيتَ بالنصر والفتح المبينِ أيا ... إمامَنا إذْ نصرتَ الواحدَ الأحَدا
شيّدتَ للحقِ أركاناً دعائُمها ... فوق السِّماكِ وصيّرتَ القنا عُمدا (5)
__________
(1) السالمي: ابن شيخان، الديوان، 185.
(2) هو الشيخ العلامة: عيسى بن صالح بن عامر الطائي، أحد قضاة السلطان تيمور، ثم السلطان سعيد بن تيمور، أديب شاعر توفي عام 1362هـ. انظر ترجمته في الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان،
3/ 205.
(3) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، 192.
(4) بلدة من قرى مدينة نزوي، تبعد عنها زهاء 15 كلم.
(5) المصدر السابق 193، 194. (1/118)
صفحة 119
... ويصور الشاعر حالته النفسية إزاء الإمام وصحبه، وما يحس به تجاههم، ويبدو أن الشاعر لم يعر بالاً لما يمكن أن يسفر عنه تصريحه، بتأييد ذلك النظام السياسي، وبيّن أنه لم يعد قادراً على إخفاء مشاعره. فيقول في خطابه للإمام سالم الخروصي:
إذا ذكرتكمُ أهتزُ من طرب ... كأننّي صارمٌ في راحتيكَ بَدَا
رامَ العذولُ ارْعوائي عن محبتكم ... وما درى أنَّ صَبْري عنكمٌ نفدا
وكيف أتركُ تيّاراً يمجٌّ هدىً ... آليتُ لا أرِدُ الضحضاحَ والثَّمَدا (1)
يا ربِّ نصراً لأهلِ الحقِِ قاطبةً ... وَاجْعلْ ملاكَكَ في الهيجالهم مَدَدا (2)
شخصية الإمام في قصيدة المديح
... وكما قام الشعراء بمدح الأئمة وبيان صفاتهم، فإنهم قد أسهموا في رسم صورة إنسانية راقية لشخص الإمام، فخلعوا عليه من قيم المروءة العربية والشمائل الإسلامية، فالشاعر ابن شيخان السالمي، يصور لنا شخص الامام الخليلي، وموقعه بين الأمة بإنسان عين الدهر، وهو النور المضيء للكون، حاز الإمامة إرثا وكسبا، إشارة إلى موقعه القبلي وعلو نسبه قائلاً:
إنسانُ عين الدهر عنوانُ الهنا ... نورُ الدُّنا أقْصى المُنى للآمِلِ
زهرت به الدنّيا وطاب مقامُها ... وَحَلتْ لنا بمشارب ومآكل
ذو رحمةٍ للمهتدين ونقمةٍ ... للمعتدين ونعمةٍ للسَّائلِ
حاز العُلا إرثا وكسْباً فاستوى ... فيها على كرْسي المقام الكامل (3)
وهو في هدايته كالبدر، تُمْحى به الضلالة وهو حاكم عادل بين رعيته، لا يرضى بالجور ولا الرشوة في حكمه، كما يقول الشاعر جمعه بن سليم الخنجري.
سبحان من سوّاك بدراً مُشْرقاً ... فمحا العمى وجلا الغشاوةَ والعشَا
__________
(1) الضحضاح: الماء القليل يكون في الغدير، لسان العرب، ماد: ضحح والثمد: الماء القليل الذي لا مادّ له، لسان العرب مادة: ثمد.
(2) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، 94.
(3) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان، 198. (1/119)
صفحة 120
يا حاكما بالحقّ، أعدلَ حاكم ... بين الورى ما جار قطُّ ولا ارْتشى (1)
ومع هذا وذاك فان الله سبحانه قد جعل توافر شروط الإمامة في أشخاص مشهود لهم بالكفاءة العلمية، والمنزلة في الحسب والنسب جمعوا صفات خلقية وأخرى خلقية يقول أبو مسلم الرواحي في صفات الإمام سالم بن راشد الخروصي.
فلكُ الجلالة والنّبالة والتُّقى ... يُبْدي المُحيّا عن ضِياءٍ نهارِ
ورث المهنّا وابن كعبِ وارثاً ... والصلتُ من أجدادِه الأطهْارِ
أخذَ الإمامة كابراً عن كابرٍ ... أخْذَ الثِّمارِ جواهرَ الأشجَْارِ (2)
... وهو بعد هذا وقبله، لم تأته الإمامة بدعاً، فقد كان عدد من أجداده من رموزها، ينتمي إلى أسرة عريقة في الحسب، متعلق بذروة اليحمد الذائعة الصيت، من لا ينكر فضلهم، ولا تجحد مآثرهم، مصورا اختياره من صفوتهم تكريما له، وإعدادا لمهمته كما يقول أبو مسلم:
جاءته ما كان بدعاً من أئمتها ... مَنْ جَدّه ابنُ تميم المجد عزّانُ (3)
في ضئضئ العزة القعساء محتده ... إذا تفاخر قحطانٌ وعدنانُ (4)
بذروة اليحمد الصيد الملوك له ... أعراق مجد وأساسٌ وبنيانُ (5)
لا ينكرُ الناسُ ما للقوم من قدِم ... وكيف يلحقُ عين الشّمس نُكرْانُ
أحسابُهم ومعاليهم ودينُهم ... كواكبٌ وهداياتٌ ورِضوانُ
__________
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 1/ 255.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان (مخ) 374.
(3) عزان: هو الإمام عزان بن تميم الخروصي (ت 280هـ/ 893م) من أجداد الامام سالم بن راشد الخروصي، الممدوح في هذه القصيدة. ينظر دليل اعلام عمان، 117.
(4) الضئضئ والضوضوء الأصل والمعدن، ينظر لسان العرب مادة ضأضأ
(5) اليحمد: تلتقي فيه قبائل عديدة من الأزد، ومنهم بنوخروص بن شاري بن اليحمد، وهم حضيرة الإمامة بعمان، وبيت العلم والعمل، أكثر أئمة عمان منهم أنظر: السيابي: سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان 111-114. (1/120)
صفحة 121
ما اختاره الله صفواً من خُلاصتهمُ ... إلا وللصَّفْو من إكْرامه شانُ (1)
... كما شبه الشعراء سيرة الأئمة بسيره المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسيرة العمرين في العدل بين الرعية، يقول الشاعر منصور بن ناصر الفارسي في مديحه للإمام محمد بن عبد الله الخليلي:
بنهج المُصْطفى قد سِرْتَ فينا ... وصديقٍ وفاروقٍ مُمَاثلْ
ملكتَ وقد وسعتَ الملكَ عَْدلاً ... وقد أسجحت مَوْصولاً وواصِلْ (2)
... ويصف الشاعر خالد بن هلال الرحبي الإمام الخليلي بصفات الشجاعة والمروءة والاقدام والاستقامة على الدين والمحافظة عليه، ويقدمه في الصورة التالية:
إمامُ الهدى بحرُ الندى قاصمُ العدى ... غياثُ الورى الليثُ الهزبرُ المعظّمُ
هُمامُ به الرّحْمنُ قوّمَ دينهَ ... فطاعُته فرضٌ علينا محتَّمُ
نقيٌّ بلا عَيْبِ يُدَنّسُ عرضَهٌ ... سوى أنهّ أعلى الأنام وأكرَمُ
حمى الِملّةَ السمحاءَ عن كُلِّ فاجرٍ ... ودانَ بما دانَ النبيُّ المكرَّمُ (3)
ويشبه الشاعر الإمام بالسلك الذي ينتظم حبّات عقد دين الله، إشارة إلى موقعه ضمن سلسلة من الأئمة الأخيار قائلاً:
فأصبحَ مثلَ السِّلك للدين والعُلى ... وديُن إله العرش عقْدٌ مُنظَّمُ
أجلَّ بني الآباءِ قدراً ورفعةً ... وأثبتهم في النائباتِ وأعْظَمُ
همامُ نشا من دوحةٍ يمنيةٍ ... بها افتخرتْ عُربُ الأنامِ وَأعْجمُ (4)
ويشبه الشاعر الإمام الخليليَّ وصحبه بالنبي عيسى عليه السلام وحوارييه، وهم يقفون بجانبه زهداً وشجاعة، ونصرة ووفاء فيقول:
فَلأنْتَ عيسى في الزمان زهادةً ... وهم الحواريَّونَ ساعةَ قامُوا
علموا المماتَ على رضاكَ شهادةً ... والعيشُ إلاّ في حمَاكَ حمامُ
عرفوا الدّسائسَ والمراد فوفقوا ... وَوَفوا وأفعالُ الكرامِ كرامُ (5)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، 235.
(2) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 159.
(3) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية أ
(4) المصدر نفسه، ب
(5) المصدر نفسه 1 (1/121)
صفحة 122
ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو:
ما الصفات التي خلعها الشاعر الإباضي على أئمته، وتصور مكانة الإمام الدينية؟
الناظر في صفات مديح الأئمة عند الشاعر الإباضي، يجد أنه قد أضاف إلى نعت المديح الذي وضعه قدامة بن جعفر، المتمثل في الصفات الأربع عنده، وهي: العقل، والشجاعة، والعدل والعفة، وما يتفرع عن كل منها، وما يتركب من جمع بعضها مع الصفات الأخرى. (1)
... عبر قراءة لنتاج شعراء هذه الفترة ومدائحهم للأئمة، يتضح أن الشعراء. قد منحوا الأئمة بعدا دينيا، انعكس فيه تأثرهم بالبعد الفكري الإباضي في خصوصيته، والبعد الإسلامي في عمومه، فالإمام ولي الله، وولي الله ولي لعباده الصالحين تجب ولايته، وتتعين طاعته، يقول أبو مسلم الرواحي:
وحمدُ وليّ الله عينُ ولايةٍ ... وتوقيرهٌ فيضُ من الله ساجِمُ (2)
ويقول آخر:
إمامَ الهُدى لي فيكَ صْدقُ مَحبّةٍ ... وَحُبُّ اصطفاء قد خلا منه شائبهْ
فحبَّ وليِّ اللهِ فرضٌ أدينهُ ... وبغضُهمُ باللهِ كفرٌ عواقبُهْ (3)
ومنح الشعراء الإمام لقب "خليفة الله" الذي أعقب خلفاء سابقين، تعاقبوا على هذا المنصب الديني السياسي، كما يقول الشاعر خالد بن هلال الرحبي:
لم يمض قرنٌ بلا حَبْر يقومُ به ... من عهد أحمد خير العُجْم والعَرَبِ (4)
مضت أئمتُهُ تترى وأعقبَهم ... "خليفةُ الله" زيُن الديِن والحَسَبِ (5)
__________
(1) ينظر أبو الفرج قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مطابع النجوى، القاهرة، د.ت، الطبعة الثالثة، 66-68.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 251.
(3) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 153.
(4) الحَبْر: بالفتح: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، لسان العرب، مادة: حبر
(5) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعة من قصائده الشعرية، مخ 7 (1/122)
صفحة 123
... وأطلقوا عليه لقب "سيف الله" و"سيف الحق"، فهو سيف الله الذي سله الله حساماً على أهل الضلال، ما حيا بنوره الظلمة، كما يعبر عن ذلك الشاعر خالد بن هلال الرحبي، في وصفه للإمام محمد بن عبد الله الخليلي:
أنْضى لها الله سيفاً فيصلاً فمحا ... من سُوحها أسْطُرَ البُطلانِ والرّسُما
"سيفُ الإله" الذي أفنت مضاربُه ... أهلَ الهوى ومحت أنوارُه الظلّما (1)
والإمام "سيف الحق" الذي يقطع كل مخالف كما يقول أبو سلام الكندي:
وهو "سيُف الحقِ" في الأرضِ فَمنْ ... أمَّ اختلافاً كان قطّاعَ الوتينْ (2)
وهو "يمين الله" يضرب بها كل خائن، له حق البيعة، ومن لم يفعل ذلك فقد باء بخسارة كبيرة كما يقول أبو مسلم الرواحي في دعوته لمبايعة الامام الخروصي:
إن الإمامَ يمينُ الله بينكُمُ ... فبايعوه وإلاّحلّ خُسْرانُ (3)
و"إمام الهدى" الذي ترتبط سلامة الإسلام بسلامته، يقول الشاعر الرحبي:
واسلمْ "إمامَ الهُدى" طول الزمان فإنْ ... تَسْلمْ فإن حِمى الإسلامِ قَدْ سَلمَا (4)
وأنه "إمام الدين" الذي لا تنفذ أحكام الله الا في ظل وجوده يقول الرحبي أيضاً:
واسلمْ ودُم يا "أمام الدين" منتصراً ... على العداة مرورَ الدَّهرِ والحِقَبِ (5) (6)
ولأنه تتحقق العدالة بوجوده فهو "إمام العدل" كما يقول الشاعر خالد الرحبي:
ألقْتْ لأمرِ "إمامِ العدل" طاعتها ... فعفّ عنها، ولم يهتكْ لها حُرَما (7)
وهو "أمير المؤمنين" الذي يتقرب الشاعر بولايته ومحبته، كما يبدو في قول أبي مسلم الرواحي:
__________
(1) المصدر نفسه، 1
(2) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد، ديوانه، نشر الخزام، 10، مخ
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 243.
(4) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعة من قصائده، مخ، 15
(5) المصدر نفسه، 23
(6) الحِقبُ: جمع حقْبة، والحقْبةُ من الدهر مدة لا وقت لها، لسان العرب، مادة حقبت.
(7) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعة من قصائده، 14. (1/123)
صفحة 124
بحب "أميرِ المؤمنين" ابن راشدٍ ... أدينُ وأنفُ الخصمِ خَزيانُ راغُم (1)
وهو "إمام المسلمين" المرجّى لجبر كل كسر، وإنهاض كل عاثر، يقول الشاعر عبد الرحمن الريامي:
إليك إمام المسلمين توجّهي ... أيا قبلةَ الآمالِ يا جابَر الكسرِ
فأنت الذي تُرْجى لإنعاشِ عاثرٍ ... فخذْ سيّدى بيدي وارفعن قَدْرِي (2)
وهو "بدر الدين" وقطب الزمان، والملجأ في الحادثات، وهو أجل مليك في خير بلدة، وخير إمام في خير مذهب، كما يرى ذلك الشاعر الرحبي في مدحه للإمام محمد بن عبد الله الخليلي:
محمدُ بدرُ الدين قُطْبُ زمانِنا ... وملجؤنا في الحادث المتشعَّبِ
أجلّ مليك قامَ في خير بلدة ... وخيرِ إمامِ قامَ في خيرِ مَذهَبِ (3)
وهو "شمس الدين" الذي كان وجوده مسليا عمن فقد من الماضين الأخيار، كما قال الرحبي:
إمامُ البرايا من لنا بيقائه ... سُلّو عن الماضينَ لازمهُ النّصْرُ
محمدُ "شمس الدين" بدرُ زماننا ... وآلك من هُمْ للهدى أنجمُ زهرُ (4)
وهو الإمام المنصور" كما يقول أبو سلام الكندي وأبو الوليد سعود بن حميد، في وصفهما للامام محمد بن عبد الله الخليلي (5)
والإمام نور الدنا وشمس الضحى، كما يقول ابن شيخان السالمي في وصف الخليلي:
تاجُ العلى بدرُ الدّجى شمسُ الضحى ... نورُ الدنا قهرُ العدى والناكل
إنسانُ عينِ الدهرِ عنوان الهنا ... نورُ الدنا أقصى المُنى للآملِ (6)
وهو "الكوكب المنير" متى تجلّى كشف حجب الليلة الظلماء بنوره، فيبعث روح الحياة إلى جسم الوجود، يقول الرواحي:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 252
(2) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 154.
(3) الرحبي، خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخ، 19.
(4) المصدر السابق، 33.
(5) انظر الكندي، أبو سلام، ديوانه قصيدة ابي الوليد في الخصيني محمد بن راشد البلبل الصّداح، 40.
(6) السالمي: ابن شيخان، ديوانه، 198. (1/124)
صفحة 125
حتى انجلى "الكوكبّ الدرّي" فانكشفت ... بنوره عن وجوه الحقِّ أغيانُ (1)
هنالك انْبعَثتْ روح الحياة إلي ... جسمِ الوجودِ وقد أرداه طغيانُ (2)
وهو مرجع الاسلام، كما قال الريامي مخاطبأ الامام الخليلي:
يا "مرجع الإسلام" شمّر واجتهدْ ... فإنك الموئلُ ما أمرٌ عنى (3)
ثانياً: المديح الجمعي للأئمة:
... وَصْفُ الشاعر الأئمة وصفا عاماً في موضع التذكر لسيرتهم، هو ما يمكن أن نطلق عليه "المديح الجمعي" وذلك حين يسوق الشاعر مجموع صفات الأئمة الإباضيين ومناقبهم، محاولة منه بأن يضع متكأ يعتمد عليه للحديث عن الانطلاقة الجديدة، ربطا بين الأصالة السياسية لهذا المنهج، ومحاولة بعثه، كما عبر عن ذلك أبو مسلم الرواحي في قوله:
تعاقبت خلفاءُ الله منصبَها ... منذ الجلندى (4) وختمُ الكُلّ عزّانُ
أئمةٌ حُفظَ الدينُ الحنيفُ بهم ... من يومِ قيل لدين الله أدْيانُ
صِيدُ سُراةٌ أباةُ الضيم أسد شرى ... شُمْسُ العزائم أوّاهونَ رُهْبانُ
سُفْنُ النَّجاة هُداةُ الناس قادتُهم ... طُهْرُ السرائر للإسلام حيطانُ
على الحنيفّية الزهراء سيرُهم ... والوجهُ والقصدُ إيمانٌ وإحسانُ
يسيرة العُمَريْن آسْتلأموا وسطوا ... لشرية النَّهروانِ الكلُّ عطشانُ
هم أسمعُ الناسِ في حقٍ وأبصرُهمْ ... وفي سواهُ هُم صُمٌّ وعميانُ
لم تُلههمْ زهرةُ الدنيا وزخرفها ... إذ همًّهم صالحٌ يتلوه رضوانُ
__________
(1) أغيان: الغين: لغة في الغيم، وهو السحاب وقيل النون بدل من الميم، لسان العرب، مادة: غين.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه (مخ) 233.
(3) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه (مخ) 267
(4) الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى (ت 134/ 751م) عقدت له أول إمامة للظهور في عمان سنة 132هـ/ 749م وحكم بالعدل مدة سنتين وشهرا، أرسل إليه العباسيون جيشا بقيادة خازم بن خزيمة، فمات شهيداً في المعركة سنة 134هـ/ 571م. ينظر: معجم أعلام الاباضية، 2: 238. (1/125)
صفحة 126
وقفٌ على السنّة البيضاء سعيُهمُ ... وفي الجهادين إنْ عزّوا وإنْ هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتُهم ... ولاثنى عزمهم نفسٌ وشيطانُ (1)
... إنها أبيات تزخر بمعاني الفكر السياسي والتاريخي للمذهب الإباضي، ضمن لوحة يرسم فيها الشاعر ملامح أئمة الإباضية وصفاتهم، ليقدمها للقارئ في صورة زاهية، فذكر الشاعر تعاقب الأئمة الاباضيين الذين أطلق عليهم "خلفاء الله" على منصب الإمامة، منذ أن عقدت أول إمامة في عمان على الإمام الجلندى بن مسعود (ت 134هـ) إلى أن ختمت في ذلك الوقت بإمامة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي عام (1252هـ-1287م) ضمن سلسلة تم على يدها نقل هذا الدين وحفظه (يقصد المذهب) أما صفات هؤلاء الأئمة فهم كالاسود في شجاعتهم وإقدامهم، وكالرهبان في تبتلهم وعبادتهم، وكالجدران الحصينة في الحفاظ على دين الله، وبسبب ذلك استحقوا مديح القرآن فيهم، حين تمكسوا بالحنيفية الزهراء، وتأسوا بسيرة العمرين، متعطشين لنيل الشهادة في سبيل الله، أو ما سماه الشاعر "شربة النهروان" ولا يخفى ما في هذه الأبيات من ملامح تاريخية تتصل بتعاقب الأئمة في عمان، ولمسات فكرية، تنطق برأي المذهب في سيرة الخلفاء الراشدين، حينما يجعلون من سيرة العمرين السيرة التي تحتذى لأنها سيرة لم يكدر صفوها مكدر.
... ويكمل الشاعر رسم صورة ملامح الأئمة وصفاتهم فهم "صعب الشكائم" في ذات الله، متواضعون لعباده، يعلو جباههم النور، متبعون لسنة رسول الله، واضعون أوامر ربهم نصب أعينهم، ثم بين في ثنائية ومقابلة، كيف أنهم في الحق أسمع الناس وأبصرهم، وفي الباطل: صم وعميان، لم تختلبهم الدنيا بزهرتها، باعوا ما يفنى بما يبقى.
... ونجد أن ذات الشاعر تندغم مع هذه الصفات فيفخر بهؤلاء الأئمة، وينتشي بذكرهم، فيحلق الشاعر إلى أفق رحب يصل به إلى حد المبالغة التي تعكس شدة التعلق بهم حين يقول:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 231، 232. (1/126)
صفحة 127
أولئك القومُ أنواري هديتُ بهم ... عُقْبى محبتهم عَفْوٌ وغُفْرانُ
أئمتي عُمْدَتي ديني محجُّتهم ... غوثي إذا ضاق بي في الكون إمْكانُ
لا يقبل الله ديناً غيرَ ديِنهمُ ... ولا يصحّ الهُدى إلا بما دانوا
إن يَشْرُف الناس في الدنيا بثروتِهمْ ... فثروةُ القومِ إخلاصٌ وإيقانُ (1)
... ومن صفات هؤلاء الأئمة قناعتهم بما لديهم لا يطلبون مالا فانياً، لهم سمت الملوك وهدي الأنبياء، جازوا هذه الجسور خفافا، زادهم التقوى والخوف من الله، والصبر على المكاره، حتى مضوا للقاء ربهم، لتبقى آثارهم كالنور يستضاء بها، وذكرهم مراهم يشتفى بها، يقول:
سيما التَّعفَّفِ تكسوهم جَلالَ غنىً ... فالقلبُ في شبع والبطنُ خمصَانُ
سَمْتُ الملوك وَهْديُ الأنبياءِ على ... أخلاقهم فكأنَّ الفقرَ تيجانُ
تمثَّلت لهم الدنيا فما جَهِلوَا ... حقيقةَ الأمر أنَّ العيشَ ثُعبْانُ
جازوا الجسورَ خفافَ الحاذ وَقْرهُم ... زهدٌ وخوفٌ وإصبارٌ وشُكرانُ
فاز المخفون من دار الغرورِ فلا ... خوفٌ عليهم ولا بالقوم أحزانُ
مضوا وآثارهم نور وذكرُهمُ ... رُحْمى ومضجعُهمْ رَوْحٌ ورَيحْانُ (2)
... والشاعر قد وفق في هذا البيان الذي يصف هذه السيرة فيحببها إلى النفوس، لتتمنّى أن تعيش في نظام يشبه ذلك النظام، وأن يروا مثل أولئك الرجال، ليتخلص من تلك المقدمة الطويلة، إلى ما هو متجه إليه :
تتابعوا دولةً في إثْر سابقةٍ ... كما جلى الرسل أحيانٌ فأحيانُ
حتى انجلى الكوكبُ الدرِيَّ فانكشفتْ ... بنورهِ عن وجوهِ الحق أغيان (3)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ 232.
(2) المصدر نفسه، 233.
(3) المصدر السابق، 233. (1/127)
صفحة 128
... وكان أولئك الأئمة موطن استثارة للشعراء الملتزمين، فإذا ما تطارح أحد الأعلام المنتمين إلى بيت من بيوت الأئمة القصائد مع أحد أعلام عصره، استثاره، فيُعطِّرُ مطارحته بذكرهم، وتهيّج باله هذه الصلة، نجد مثل ذلك عند العلامة الشاعر خلفان بن جميل السيابي، في إجابته عن سؤال وجهه إليه الشاعر عبد الله بن علي الخليلي، فيخاطبه مثنيا عليه وعلى أسرته المتصلة بالإمامة الإباضية في عمان، فيقول:
فرعٌ نَمتْهُ إلى العَلْياء دَوْحتُهُ ... فنافَ عن قنن المجد المنيفات
والفرع يزكو إذا كانت منابُتهُ ... تعلّقَتْ بحراثيم زكَيّات
لا غروَ لا بدعَ إن سادَ الأنام فقد ... تقدمتهُ جدودٌ خيرُ ساداتِ
سل الخليلَ وسَلْ صلتَ بن مالك كم ... قادوا الجحافل إذ هم خيرُ قادات (1)
كمْ أصَلتَ الله إصليتا وجَذّبه ... أعناق كلّ نفاق في البريَّاتِ
كمْ ديَّنُوا من بلاد الكفر عَاتيةً ... ودوَّنوا من دقيقات عويصاتِ
وكمْ رقوا صهوات الخيل يومَ وغى ... وكم رقوا منبراً وَعْظاً بخطبات
وكمْ محوا من ضلالاتٍ ومن بدَعٍ ... نعمْ وأحيوا لمسنونِ الشّريعاتِ (2)
__________
(1) الخليل بن شاذان من الصلت بن مالك الخروصي ت 425هـ أحد أئمة عمان عقدت له الإمامة سنة سبع وأربعمائة للهجرة، دليل اعلام عمان، 59.
(2) السهابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 257. (1/128)
صفحة 129
... وللشاعر ابن رزيق (ق13) قصيدة تاريخية نظمها في ثمانية وأربعين ومائة بيت ضمنها أسماء الأئمة ومناقبهم الذين تعاقبوا على أرض عمان وأشاد فيها بالنفحات التي تعطر أجواءها عظام أولئك الأئمة ورفاتهم، فدعا عمان إلى أن تذرف دموعها، وخاطبها طالبا منها أن ترد جوابه، في أبيات ملحمية، مزجها بعاطفته وتفاعله الذاتي مع تاريخ عمان. وسيرة أولئك الأئمة الذين أحيوا – في مستقر عقيدته- سنة الخلافة الراشدة، وتابعوا طريقة أهل الاستقامة، فأعزّوها ليضحى الإباضية أسود عمان، قاموا فيها بالأمر كما يجب، فهم الشراة الذين لم يقوموا لأجل دنيا يطمعون فيها، وإنما كان هدفهم إقامة العدل، ونشر الدين، وتطبيق سنة الرسول الأمين، وقد جاءت مقدمة قصيدته ممثلة للاتجاه الفكري الاباضي فيقول:
أئمةُ أمة كانوا فبانوا ... كغيم صُبَّ فانقشع انجيابا
سقوا أسيافهمُ بدم الأَعَادي ... وما أصدَوا بطعنهم الحرابَا
أعَزّوا الاستقامة والأعادي ... لهم ذلّوا وما نصروا العتابا
شراة تابعوا سنننا حكاها ... رسول الله واتبعوا الكتابا (1)
د- صورة الإمامة في قصيدة المديح
... أما "الإمامة" نفسها فقد تحدث عنها عدد من الشعراء فوصفوها وصورها في اشعارهم كالرواحي في قصيدته المعروفة بـ (السيف والإيمان) إذ وصفها في قصيدته بأبيات منها قوله:
أمينةٌ رقبَ الإسلامُ طلعتَها ... أتاحَها اللهُ لم يُضْربْ لها آنُ
وللأمانيِّ أوقاتٌ إذا قُدرتْ ... وللأمانيِّ آياتٌ وإيذانُ
تمنّعتْ في خدور الغيْب آونةَ ... ثم انْجلتُ فانجلى عَدلٌ وإحْسانُ
فقد شبهها الشاعر بالمرأة التي ظلت تتمنع عن الزواج إلى أن وجدت كفأها، فرضيت به، فظهرت بظهور الإمام، وظهر بظهورها العدل والإحسان، بعدما ظل الإسلام يرقب طلوعها.
__________
(1) ابن رزيق، حميد بن محمد، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، وزارة التراث، ص و . (1/129)
صفحة 130
... وهي "خلافة الله" التي عادت بعد طول غربة، تسوقها العناية الربانية، تنحو موطنها الذي طالما عاشت فيه، وللخلافة الإسلامية أوطان تستقر عليها، وقد عادت هذه "الخلافة" تبحث عن كفء لها، ليستلم زمامها، ويتقلّد منصبها، ويتملك ناصية عقدها، شخص قادر على عصمتها، في أسلوب مليء بالإشارات والرموز، فيقول في الإمامة بعد أن منحها الإحساس والتجريد:
عادتْ إلى جذلها من طول غُربتها ... خلافةُ الله والإسلامُ جَذْلانُ
عنايةُ الله تحدوها لموطنها ... وللخلافة في الإسْلام أوطانُ
تنحو ابن بحدتها العَلْيَا وبُؤبؤَها ... وشأنها لمصاص المجَد خلصانُ (1)
تقلَّدَ العقْدَ منها صدرُ قيِّمها ... صَدْرٌ بخالصةِ الإيمانَ مْلآن
هَمامَها العاصمُ الكافي لعصمتها ... له على حَمْلها جَدّ وأقْرانُ (2)
ثم نجد الشاعر يدعو الإمام سالم الخروصي إلى استلام هذه "الأمانة" كما سمّاها- وهو جدير بحملها وتأدية واجباتها، لا سيما أن صاحبها وولي أمرها، سيف من سيوف الله، يسوسها بنور الله، في إشارة منه إلى شخص الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، الذي قام على يده مدار إحيائها فيقول:
يا سالمَ الدين والدُّنيا ابن راشد خُذ ... أمانةَ الله والأقدارُ أعْوانُ
أنت الضليعُ بها حمْلاً وتأديةً ... إذ كُلّ هِمّكَ تدبيرٌ وإتقانُ
أصْدر وأصْعدْ وأيقنْ أنَّ صاحَبها ... سيفٌ من الله لا تحويه أجفانُ
يسوسُسها مؤمنٌ بالله مُعْتَصِمٌ ... وخيرُ ما دبّرَ الأملاكَ إيمانُ
للاستقامة في تَدْبيره قبسٌ ... فظنُّه تحتَ نورِ الله إيقانُ (3)
وأطلق عليها في قصيدة أخرى "الخلاقة":
ورضوا لأعباء "الخلافة" كُفْؤها ... سبَط النجادِ مُوفَّقُ الأنظار (4)
__________
(1) البؤبؤ: انسان العين، والبؤبؤ: الأصل، وقيل الأصل الكريم، لسان العرب، مادة بأُبأ
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه (مخ) 234
(3) الرواحي: أبو مسلم الرواحي، الديوان (مخ) 235.
(4) المصدر السابق 374. (1/130)
صفحة 131
ومن ثم يمنحها الشاعر الإحساس، وحرية الاختيار في قوله:
عرفته عاهنها ومفرِقَ تاجِها ... ولطالما لغبت من الإنْكار
عادت به فأعاذها وأقامَها ... عُمَريّةَ الميزانِ والمِعيَْارِ (1)
فالشاعر في هذه المقطوعة وما قبلها يستهل فكرته بتجسيد مجموعة من المعاني المتصلة بالمذهب الإباضي، ليقرر بداية أن الإمامة "شورى" وذلك في قوله "ورضوا" أي أنه اختير وفق تراض من أهل الحل والعقد، والإمامة هي التي خطبته لنفسها، ورضيت به كفئا لها، وعلى الرغم من كثرة الخطاب المتقدمين إليها، إلا أنها بقيت تنتظره ردحا من الزمن، فهل استطاع هذا الإمام أن يقوم بحقها كما يجب؟
... لقد أجاب الشاعر عن ذلك حين أشار إلى إقامته لها عمرية الميزان والمعيار، وهنا يأخذ في الإبانة عن كرامات هذا الإمام، وكيف استطاع أن يقودها بكل حزم وعزم وهو في كل ذلك يستمدها من مصدر التوفيق الإلهي حين يقول:
فاقتادها عزماً وحزماً آتياً ... بمعاجز طُمسَتْ عن الأبصْارِ (2)
والإمامة "زهراء" نشأت بين أعلام كبار، أحسنوا تنشئتها، فصانوها وحافظوا على نقائها، يقول الرواحي:
زهراءُ بين السالّميِّ وسَالمٍ ... نشأت وبين حمُاتها الأخْيارِ (3)
كما أنها "صديقية وهبية" في إشارة تاريخية فكرية، يقول الشاعر أبو الوليد، سعود بن حميد في خطابه للإمام الخليلي:
أولاكها الرَّحمْنُ صِدّيقيّةً ... وَهْبيّةً غُرِسَتْ على هامِ العُلا
فاسلكْ بها سُنَنَ النَّبيِّ فإنَّها ... ألفتَ مَواطَنها فلن تتبدَّلا (4)
وهي كالشمس في إشراقها، وكالبياض في نقائها، ليس بها حرج ولا كدر، وهب الله سبحانه لها -لطفا منه وكرماً- هذا الإمام ليقود دولتها الغراء، يقول ابن شيخان السالمي:
دولةُ غراءُ كالشمّسِ بها ... تُشْرقُ الدَّنيا وتسمو رُتبا
__________
(1) المصدر نفسه، 374.
(2) المصدر السابق 374.
(3) المصدر السابق 34
(4) الخصي، محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخ، 40 (1/131)
صفحة 132
سَهْلةُ بيضاءُ لم تلِفَ بها ... حرجاً أو كدراً أو معْتَبَا
وهب الله لها من لُطْفِه ... سالماً ذاك الإمامَ المجُتْبى (1)
- نصح الأئمة وإرشادهم :
... ومما يلحظ في هذا المجال أن الشعراء في خطابهم للأئمة، كانوا كثيرا ما يمزجون مدحهم، بالنصح والإرشاد للأئمة، ويعدون ذلك جانبا من جوانب الإخلاص لهم، وهو يشكل بعداً سياسياً يحتِّمهُ الواجب الديني، ومن أشهر هؤلاء الشعراء الشاعر الشهير، أبو مسلم الرواحي، الذي لم يكتف بأن ينصح الإمام سالم بن راشد الخروصي، ضمن قصائده الأربع التي تعد من المطولات، بل وجّه له رسالة نثرية مستقلة ضمّنها رؤيته السياسية، ووضع فيها منهجا، أو دعه خلاصة تجاربه، وهي بحق، تعد وثيقة سياسية فكرية تعكس رؤية الشاعر في السياسة الشرعية، المنبثقة من رؤية المذهب، وهي تزيد على عشر صفحات، أرسلها من مهجرة الإفريقي في زنجبار. (2)
... ومما يتصل بذلك قصيدة أبي الوليد سعود بن حميد، إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي، فقد تخلَّل مدحه للإمام جملة من النصائح، فدعاه إلى نهج منهج الأئمة العدول الذين سبقوه، فيقتفي آثارهم، وهو تأثر بالفكر السياسي الإباضي، الذي لا يرى الإمام معصوماً، ولذلك يجب على الأمة النصح لأئمتها، ويدعو الشاعر الإمام إلى التأسي بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مذكرا إياه بسيرة سلفه من الأئمة، فيقول:
فاسلُكْ بها سُننَ النبيّ فإنَّها ... ألَفَتْ مواطِنَها فلن تتبدّلا
ولقد مضى من قبلكم سَلفٌ لكمْ ... زانتَ به تلكَ العصورُ تَجمُّلا
فلتقف إثْرهُمُ اقتداءً إنّهم ... سلفوا على نهجِ الهداية مَحْمَلا
يا دولةً دهشَ الزمانُ بذكرها ... أضحت عمانَ بهم تميُس تدّللا (3)
__________
(1) السالمي: ابن شيخان، ديوانه، 186.
(2) انظر الرسالة ملحقة ضمن كتاب الدكتور: محمد ناصر، أبو مسلم حسان عمان، ص ص 198-207.
(3) الخصيي، محمد بن راشد، البلبل الصداح (مخ) 40. (1/132)
صفحة 133
... ويبعث الشاعر الريامي قصيدة للإمام الخليلي، تحمل دلالة على سياسة المذهب الذي يوجب الاستماع إلى نصائح العلماء والاسترشاد بآرائهم، يقول:
وهبيّة وافت حماك فواتِها ... برعايةٍ وانهض قُبْيلَ فواتِها
تُهدي الإمامَ فتى الخليل المُرْتضى ... درراً يضيُء النورُ من زهراتها
جاشت بها لله شيمة ناصح ... مَحَضَ النصيحة مُخْلصاً لوْلاتها (1)
ثم يخاطب الإمام طالباً منه الاستقامة، فبه تستقيم الأمور، وتصلح الرعية، فالناس على دين ملوكهم، يقول:
قمْ واستقم وانهض بعبء ماله ... كفؤٌ سواكَ فأنت أصل حياتها
أذّن بحيَّ على الصلاة بنهضةِ ... تُحيْى قُوى الإسلام بعد مماتها
قم واستعن بالله جلّ جلاله ... وذوي الهدى فالخير عند هداتها
وامرْ بمعروفٍ وغَيّر منكراً ... لا تترك السُّفها على نزعاتها
فلقد علمتَ العدلُ في قانونه ... أسٌ الممالكِ قُم به لثباتها (2)
وهكذا نتبيّن كيف يوجه الشاعر نصائحه للإمام، فيدعوه الى التأسي بسيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قائلاً:
للنفس في طرقِ السياسة حيلةُ ... دَقَّت ومثلُكَ من يرى ذراتها
فلقد حويتَ من العلوم منازلاً ... مثل النجوم وأنتَ في هالاتها
وبها عرفتَ الناسَ في طبقاتهم ... وعلمت ما أخفته من طرُقاتها
حتى كأنك بالمغيب مكاشفٌ ... بفراسة فاحمد مفيضَ هباتها
في سيرة الأُمّي كلُ سّياسةٍ ... وشمائلُ المختار كنزُ صُفاتها (3)
... وفي موضع آخر يخاطب الشاعر -نفسه- الإمام الخليلي، فيدعوه إلى القيام بواجب الجهاد، وحماية بيضة الاسلام، والقبض على يد الظالم وردعه يقول:
أنتَ الذي تُرجى فشمّر واحتسبْ ... كُلَّ مُيسًّرٌ لما به اعتَنى
فمنكَ نرجو نُصْرَة الدين وأنَ ... تكون للإسلام غوثاً وجَدى
وإن تكون عدةٌ وشدةً ... على ظلوم قد عتَى وقد عدَا
__________
(1) الريامي، عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، (مخ) 114.
(2) المصدر السابق، 114.
(3) المصدر نفسه، 115. (1/133)
صفحة 134
وإن تكون حافظاً عماننا ... مركزَ ديننا الحنيف المرتضى (1)
... إشارة منه إلى أن "عمان" تعد مركز الإباضية وموئلهم، ثم يفخر بأن تظل "عمان" نقطة الارتكاز للمذهب، ومركزا حصينا محافظاً على هذا النظام السياسي، وهو نظام الإمامة، المتواصل بنهجه مع نظام الخلافة الراشدة، فيقول مفتخرا وطالباً من الإمام العمل على جمع الكلمة كما يبدو في قوله:
إنّ عمان نقطة الحق التي ... قد انتشى الإسلامُ فيها وابتنى
ما غَيّرتْ وبدَّلتْ عن عَهدها ... بل استمرّت دهَرها على الهُدى (2)
يا مرجعَ الإسلام شمّرْ واجتهدْ ... فإنَّكَ الموئل ما أَمْرُ عنَى
لُمَّ بني الإسلامِ واجمعْ شملَهمْ ... على يدٍ واحدةٍ تبقى القَوى (3)
و- وصف جهاد الأئمة :
... واكب الشعراء الإباضيون –في عمان- معظم الأحداث التاريخية التي مرّت بها، وصوروا في أشعارهم أهم النشاطات السياسية في هذه الفترة.
... لقد كانت أغلب حروبهم في مواجهة بعض الخارجين عن طاعة الإمام، وفي فتح المعاقل والحصون والبلدان التي لم تكن تخضع لسيطرة الامام.
... والناظر في القصائد التي واكب بها الشعراء هذه الأحداث، يلحظ أنها كانت تمثل شعرا حربيا، تتخلله السياسة، وينطلق من فكر إباضي، يدور حول وجوب طاعة الإمام، ومقاتلة من يخرج عن هذه الطاعة.
... وممن تعرض في شعره لتصوير هذه الأحداث، الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي وأبو وسيم الأزكوي، وابن شيخان السالمي والمر الحضرمي وعبد الرحمن الريامي، وخالد الرحبي وأبو سلام الكندي وغيرهم.
__________
(1) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان (مخ) ص 266
(2) المصدر السابق، 267
(3) المصدر السابق، 267 (1/134)
صفحة 135
... لقد خلد هؤلاء الشعراء أهم الوقائع التي دارت رحاها، سواء كان ذلك بين نظام الإمامة الجديد وفريقه الداعي الى إحياء مسارها، في مقابل حكومة السلطة القائمة آنذاك، وهو نظام له جذوره التاريخية، وامتداداته العريقة، أو أن تلك الوقائع مثّلت وقوفاً في وجه بعض الخارجين عن نظام الإمامة الباغين عليها، وتتمثل في تلك القصائد صورة الشاري الإباضي الذي يقتحم الأهوال، كقصيدة الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، في تصويره لبعض حروب الإمام عزان بن قيس البوسعيدي، ومطلعها:
لقد دارتْ على رَغْم الحسودِ ... بحمد الله أفلاكُ السُّعودِ
وفاحَ أريجُ مسكٍ من جلاد ... وأسفر ضَوْءَ صُبْح بالحديدِ
بضَرْب لم يغادرْ غير هام ... مفلٌّقة وَغَمّ بالكبود
وطعْنٍ في الثغورِ وفي التراقي ... به الأعْداء أمْسَت كالحصيد (1)
ويصور الشاعر إقدام الجنود الإباضيين، رهط الإمام، على الخارجين، حين كانوا يتسابقون إلى نيل الشهادة مقتحمين الأسوار، غير هائبين، فيقول:
فما رجعت جنودُ الله عَنْهَا ... ولا كرِهوا الشهادة للشهيدِ
إذ اقتحموا عليها السورَ جَهْراً ... وجادوا بالنفوسِ وأيَّ جود
وقد عبثُ المُهنَّدُ في رُباها ... بأهلِ البغيِ أربابِ العتودِ (2)
... ويؤكد الشاعر أن ذلك النصر، قد هيأه الله على يد جماعة مجاهدة، يقدمهم إمامهم المبايع، القائم بأمر الله المنفذ لحدوده والحاكم بالإنصاف فيما بينهم، ويرى الشاعر أنه تجب نصرته لأنهم قد منحوه المواثيق والعهود، وقد وفّى ببيعته وفي ذلك كله ملمح سياسي، وتأثر فكري إباضي فيقول:
بأيدى سادةٍ غُرّ كرام ... بها ليلٍ مصاليتٍ أسُود
حماةِ الأرض قاداتِ البراياً ... دعاتِهم إلى دارِ الخلودِ
لواءُ العزِّ منشورٌ عليهمْ ... ومجدُهٌم المؤثّلُ في صُعودِ
هٌم قدْ بايعوهَ وقدّموهُ ... إماماً بالوثائقِ والعُهودِ
فقامَ بهم وأرضى الله فيهمْ ... بإنصافٍ وإحسانٍ مفيدٍ
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 70
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 70 (1/135)
صفحة 136
أقامَ بهم حدودَ الله قَسْراً ... على مَنْ كان يسخرُ بالحدودِ (1)
... ويصف الشاعر أبو وسيم حروب الإمام عزان بن قيس، في قصيدته "الحائية" المشهورة وصفا غير مباشر، مبينا كيف كان الإمام يقود جحافل جيوشه لردع الخارجين عليه مشيرا إلى كثرة عددها، ومصورا إقدامها، وهيبتها قائلاً:
وأقْبَل يبتُّز المعاقلَ غِرَّةً ... بسيفِ سحابِ الموتِ حوليه يَسْفحُ
يَجُرُّ خميساً كلّما اشتدَّ حادثٌ ... يخوضُ به بِحرَ المنايا وَيَسبَْحُ
يشقُّ به ظلماء كُلِّ عجاجةٍ ... فيرشده ضوء الحديدِ الموضّحُ
تسيلُ بطاحُ الأرضِ منه بأبحر ... متى انحلَّ منه أبطحٌ سَالَ أبْطَحُ
تجافى عن النعماءِ في السَّلْم خيله ... وتصبوا إلى البأساء شوقاً فتمرحُ (2)
ثم يصف أبو وسيم أنصار الإمام، الذين فتح بهم الحصون والقلاع، وهم الذين كانوا يضحون بانفسهم وأموالهم، في صفات تغلب عليها سمة الشراء، فيقول:
دعا الله أقواماً لنصرِ إمامهمْ ... لهم كُلُّ باب في العُلا يَتَفتَّحُ
لئنْ في سبيل الله جادوا بمالِهمْ ... فهمْ في سبيل الله بالنَّفسِ أسْمَحُ
قد انشرَحَتْ منهم بنور إلههمْ ... صدورٌ ونور الله للصَّدْر يشْرَحُ
فأنفسهُم في روضةِ القُدْس رُتَّعٌ ... وألبابُهم في روضة الغيبِ تَسْرَحُ
أولئك أهلُ الله فاسلك طريَقُهمْ ... فمن سارَ في آثارهمْ فهو مُفْلحُ (3)
... ويتفاعل جملة من الشعراء، مع جهاد الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد ابن عبد الله الخليلي، فتشكل تلك القصائد التي أنشاها أولئك الشعراء وصفاً لجهادهم، وتسجيلا لفتوحاتهم، ونقلا لتلك الأحداث، ضمن تفاعل وجداني، يعبر عن فرحة الشاعر، الذي تشده إلى ذلك آصرة دينية، وتعلق بسياسة المذهب وتشبث بدواعي العقيدة الإباضية.
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 70، 71.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخ، 33
(3) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخ، 33، 34. (1/136)
صفحة 137
... ومن ذلك ما نراه في شعر ابن شيخان السالمي، وهو من المعاصرين للإمامين الخروصي والخليلي، فقد أنشأ عدداً من القصائد التي تتحدث عن فتوحاتهما فيستهل الشاعر إحدى قصائده التي تصور فتوحات الإمام الخروصي، بصورة عمادها تجسيد البشرى بذلك الفتح يقول فيها:
كسى الأكوانَ هذا الفتحُ بُشْرى ... وعَطَّر مِسْكَه براّ وَبَحْرا
أيا فلكاً جرى بالخير هذا ... زمانك فاجر قد وْافَقْتَ مجْرا (1)
... ويتحدث الشاعر عن فتح "الرستاق" (2) واصفاً استيلاء جيش الإمام عليها، ومهنئا بالنصر وفتح المدينة فيقول:
دعته لنفسها الرستاقُ كُفئاً ... وكانت في حمى الماضين بكْرَا
فصَّدقها بما تشكو إليْهِ ... وأصْدقها رضاءَ الله مَهْرَا
ولبّاها بجيش لو يُلاقي ... صروفَ الدّهر ولت عنه حَسْرَا
إمامَ المسلمين أتتك طوْعاً ... ملبيةً فَصغ لله شُكرا
به الرستاقُ قد مالت دَلالاً ... كخود أقبلت في القَصْرِ سَكْرى (3)
... ويدعو الشاعر عبد الرحمن الريامي الى الجهاد، ويذكر بالشراة الأوائل، ومعلوم أن الشراة والشراء صفتان ملازمتان للفكر السياسي عند الإباضية يقول الشاعر:
شُراةَ الحقّ هُبّوا للجهادِ ... وذُبّوا بالصوارمِ والصِّعادِ
شراةَ الحق أنّ الحور نادت ... ألا هُبَّوا إلى تقديِم زادِ (4)
وهكذا نراه يكررّ النداء للشراة، مبينا أسباب قيامهم، وهو الثورة على الظلم، ورد البغي، تأثرا بالفكر السياسي الذي يجيز الخروج على الظلمة، متى ما أمكنت الفرصة من ذلك، فيقول:
شراةَ الحق إن بغتِ الأعادي ... بطغيانِ وعاثوا بالفَسَادِ
بحول الله قوموا تهزمُوهم ... وإنّ النصَر في البيض الحدادِ
__________
(1) السالمي: محمد بن شيخان، ديوانه، 191.
(2) الرستاق هي إحدى مدن عمان الهامة تقع على سفح الجبل الأخضر من الجانب الشمالي، فهي مقابلة لساحل الباطنة، انظر العنوان سالم بن حمود السيابي 67.
(3) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 191.
(4) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 175. (1/137)
صفحة 138
فإنهم وإن كثروا جراداً ... فأنتم من عواصِفِ ريحِ عادِ (1)
هذه نماذج تعرض لها الباحث، وإلاّ فإن القصائد التي تصف جهاد الأئمة وتحث على ذلك كثيرة ليس هنا مجال حصرها. (2)
تحريم الخروج على الإمام العادل والموقف من الخارجين عليه :
... تقوم سياسة المذهب الإباضي على وجوب طاعة الإمام العادل، وتحريم الخروج عليه، وقد وضعوا من أحكام السياسة الشرعية، ما تقتضيه دواعي مجابهة الخارجين عنه.
... ولذلك فإن الشعراء الملتزمين عندما رأوا أن بعض الأعلام قد خرقوا الإجماع وخرجوا عن طاعة الإمام ساءهم ذلك وحاولوا تنبيه من وقع في مغبة تلك المخالفة الشرعية.
... وأكثر ما يتضح ذلك عند الشاعرين أبي مسلم الرواحي، وخالد بن هلال الرحبي، اللذين أوسعا من خرج عن طاعة الإمام عتابا ولوما وتقريعا، ويتعجب الشاعر خالد الرحبي مما يراه من خروج بعض الناس عن طاعة إمام المسلمين، ووصف الخارجين عنه بالمارقين، ويتضح في هذا أثر الاتجاه الفكري الإباضي في الحكم على الخارج عن طاعة الإمام، يقول:
ماذا يرومُ المارقون بفعلهم ... الويلُ أجمعُه لهم والذّامُ
هل يطلبون بأن يُعطّل مُحْكمٌ ... ويُذلَّ حقٌّ أو يُخلَّ نظامُ
بئس الصنيعُ صنيعهم سخطوا الهدى ... وبغوا الهوى إذْ ضَلّت الأفْهامُ
ما شذَّ عن أمر الإمام سوى الأولى ... نظرتْ عيونُهم الهدُى فتعامُوا
__________
(1) المصدر نفسه، 175
(2) هنالك شعراء كثيرون عبروا عن جهاد الأئمة وفتوحاتهم، منهم على سبيل المثال الشاعر عيسى بن صالح الطيواني في قصيدته التي مطلعها:
للحق نور سناه مشرق أبدا لو أنكرته عيون ملؤها رمدا
والمرين سالم الحضرمي في قصيدته التي مطلعها:
رجاء الاله لنا شامل وما هو عن نصرنا غافل
وابن شيخان السالمي في قصيدته التي مطلعها:
لا يزال الحق فينا مذهبا رضي الخصم علينا أم أبى
وغيرها من القصائد
انظر السالمي محمد بن عبد الله، نهضة الاعيان، 162- 196 . (1/138)
صفحة 139
كانت مُعَلَّقةً بهم آماُلنا ... فغدوا وَهُمْ لقلوبنا آلامُ (1)
... ونجده في خطاب آخر، يتوجه إلى شخصية بعينها، خرجت من دار الإمامة، وكان يُعَلُّقُ عليها الآمال في المناصرة والمناصحة، فلم يملك الشاعر أحاسيسه التي فاضت بعتاب توجه به إلى تلك الشخصية يشي بهول الموقف الذي أحسه الشاعر، ورأى فيه خرقا للإجماع، ومن ثم يدعو إلى مناصرة الإمام والوقوف بجانبه، فقال يخاطب الشيخ ناصر بن راشد الخروصي إثر موقف صدر منه نحو الإمام الخليلي:
سلالة راشدِ خلفَ الكرامِ ... ملاذي ناصرُ صنوُ الإمام
برَبِّك إن عثرتَ على كَلاميَ ... فعّجل لي فديُتك بالجوابَِ
بربِّك كيف مِلتَ عن الإمامِ ... وكنتَ بكفه مثلَ الحُسامِ
يَعُدُّكَ للمهمَّات الجسَام ... وَسُدْتَ بقُربه كُلَّ الصِّحابِ
هجرتَ الحقَّ والنَّهجَ المنُيرا ... وفارقتَ الجهابذة البحورا
وكنت الركنَ والعضدَ النصيرا ... لعمُرك جئتَ بالعجب العُجابِ (2)
... ولما للبيعة والوفاء بها من أهمية، نجد الشاعر يتساءل كيف ينسى الخارج تلك العهود؟ وبأي شريعة ودين ساغ له أن يهجر سبيل الإمام وصحبه؟ كل ذلك في مقام التساؤل الإنكاري عليه، حين يقول:
فيالله أمُرُكَ كيف تنسى ... عهوداً قد حملتَ على الرقابِ
بأيَّ شريعة وبأيّ دينِ ... هجرتَ سبيل أصحاب اليمين
وأنكَ كنتَ كالسيفِ السنين ... لهم يومَ التناضُلِ والضّرابِ
إلى أن يخاطبه مصرحا بعتابه:
يعز عليّ يا حِبَّ النؤادِ ... ويا عَلَمَ الحَواضرِ والبوادِي
خروجُكَ عن جهابذة البلادِ ... لهذا قد خصصتك بالعتابِ (3)
__________
(1) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية (مخ) 2
(2) الرحبي، خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخطوط، 4.
(3) المصدر السابق، 4 . (1/139)
صفحة 140
... وكان هذا الشاعر مسكونا – بهاجس خاص يحس به جراء سلوك بعض الزعامات القبلية، والقيادات العلمية، الذين كانوا في نظره أقرب إلى المطامع الدنيوية، فهاله الأمر، وحزّت في نفسه تلك المواقف، فأثارت حفيظته، وأيقظت قريحته بقصائد عدة، ومما زاد من وطأة التأثر، وهول الموقف، أن أولئك الخارجين كانوا ممن يعتمد عليهم الإمام ويثق فيهم، فإذا هم مخادعون، ولذلك نجد الشاعر يعبّر عن ذلك الموقف في نبرة حزينة، وفي تصوير ينم عن السخرية بوصفهم، يقول:
فكم معشرٍ كانوا دعائمَ ديننا ... وعمدتنا في حادثات النوائبِ
لهم حولنَا زهدُ المسيح ابنِ مريمٍ ... وخشيةُ داود ووحشةُ راهبِ
حسبناهُم الأملاك يمشون حَوْلناً ... عمائمُهمْ تعلوهُمُ كالسّحائبِ
الى أن يقول:
رُويداً بني ديني رُويداً فما الذي ... دعاكُم فعفتم بلدتي وأصاحبي
نبذتم عهوداً خلفَكم وإمامةً ... تناديكُمُ يا للكرامِ الأطائبِ
أليس قبيحا أن تبيعوا بلادَكم ... وعزَّكمٌ قومي بمطمع كاذبِ
أغرَّكمَ أوْب المطيّ إليكمُ ... وقد جئن من دارينَ بُجْرَ الحقائبِ (1)
ويبلغ به الإحساس بالألم والحسرة ذروته في خطابه لهم، وهو يودعهم وداعاً بلا أمل عودة إلى الإمام، قائلاً:
وداعاً بلا رُجْعي إلينا ولا رَجَا ... وَداعَ غيُورٍ للضلالِ مُجانبِ
وعلى كل حال، فإن الشاعر يحاول أن يخفف من ألم ذلك الإحساس بالخيبة من أولئك الخارجين، ليبين أنه قد بقي مع الإمام رجال أوفياء، فيقول:
فكم عالَمٍ عند الإمام وعالمٍ ... وسيّد قوم في التناضُل غالبِ
وفوا بعهودِ الله جلَّ وعاضدوا ... إمامَهُم في سلْمه والتَّحارُب (2)
__________
(1) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخ، 16 ، 17
(2) المصدر السابق، 17 . (1/140)
صفحة 141
... والملاحظ أن الشاعر الإباضي لم يكن يداري ولا يحابي الزعامات التي كانت تطّبيها زهرة الدنيا، فهذا أبو مسلم الرواحي قبله، قد وجّه عتابه، بشكل غير مباشر إلى شخص بعينه، جاء به في صورة الحماسة والاستنهاض، فعاتبه عتابا مرا، مصورا الغيرة على مثل هذا الشخص، الذي كان ينظر إليه بأن يكون أحد أقطاب الحركة، ولم يكن يتوقع الشاعر أن يصدر منه مثل ذلك الإعراض عن الإمام، مهما كانت الأسباب والذرائع، والدواعي السياسية التي يتعلق بها، فقطع عليه الأعذار، وسد دونه الأبواب، وكال في حقه العتاب، وأغلظ أحيانا الخطاب، كل ذلك ناشئ عن غيرة دينية، ومحبة شخصية، كان الشاعر يكنها لهذا الشخص، لما له في نفسه من موقع أثير، لسابقتهم في نصرة الحق، فيقول:
أقولُ للبعض منكم وهو عن أسَفٍ ... والحرُّ يأسَفُ للأحرارِ إن شانوا
قد كنت نخبة هذا المجدِ من قدمَ ... واليوم أنت على الأبواب ذُبَّانُ
أين السوابقُ ياقمقامَها طُويتً ... أعاذكَ اللهُ طاويهنَّ شيطانُ
أساءكَ العدلُ إذ قامت به فئةٌ ... لها مع الله أقدارٌ وأوزانُ
ألا تكون لها قطبا تدورُ به ... هل أنت عن قُطبها المعهود غفلانُ (1)
فهو يخاطبه، ويقطع أمامه كل عذر حتى يلزمه بطاعة الإمام، عاداً خروجه عصياناً، طالبا منه العودة إلى حظيرة الإمامة بعد أن يتوب إلى الله سبحانه قائلاً له:
سياسةُ الله في القرآن كافيةٌ ... وما يزيُد على القرآن نقصانُ
فارجِعْ إلى الله وانظرْ في سياسته ... فأنت من مشربِ القرآنِ رَيّانُ
أفي إمامة حقّ بعد ما ثبتَتْ ... بحقِّها أنتَ يا ذا اللُّبّ حيرانُ
لا عذرَ لاعذَر فيها حُجُّةٌ قطعَتْ ... عُذْرَ الخلاف لها في الديّن تبيانُ
فما انحرافُك عنها بعدما وجبت ... الا خروجٌ عليها وهو عصيانُ
فاتبع إمامكَ والزمْ غَرْز سيرتهِ ... ودَعْ هوى النّفْسِ إن النفسَ شيطانُ (2)
موقف الإباضية من الحاكم الجائر :
__________
(1) الرواحي، أبو سلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 241.
(2) المصدر السابق، 241-242. (1/141)
صفحة 142
... تباينت الآراء حول ما يجب اتخاذه من موقف إزاء الحاكم الجائر، وكيفية التعامل معه، خروجا وطاعة، ففي حين ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الخروج البتة حتى ولو قتلت الجورة (1) الرجالَ وسبت الذرية (2) وذهب آخرون إلى وجوب الخروج بالسيف (3) ، نجد أن الإباضية اتخذوا موقفا وسطاً بين الموقفين، حيث يذهبون إلى أن الأصل تحريم الخروج، والتحليل طارئ" (4) وهم لا يقولون بعدم جواز الخروج على الحاكم، عدل أو ظلم، بل الخروج على الجبابرة جائز عندهم (5) وكل من بغى على المسلمين، أو حكم بغير ما أنزل الله، دعي إلى ترك ما ابتدع، والدخول فيما منه خرج، وإن امتنع صار باغيا فاسقاً، حلال دمه، يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله" (6)
وفي ذلك يقول الإمام عبد الله بن حميد السالمي، مفتخرا بسيرة الإباضية الذين لم يوالوا الظلمة ولم يداهنوهم قائلا:
سيرتُنا سيرُة صحبِ أحمدا ... لا نَرضْى أهلَ الظلم فينا مقتدى
بل كُلُّ ظالمٍ خليعٌ عندَنا ... وإن يَكنْ قد حازَ أبوابَ الدّنا
وحيثُ أن أمراء الظُّلْمِ ... تملّكوا في عسْفهمْ والغَشْم
قال المخالفون إنَّ الطاعة ... لهم علينا حدُّ الاستطاعةْ
فاندرست بطاعةِ الضلاّلِ ... سيرةُ أهلِ الحقِّ والكمالِ (7)
__________
(1) الجورة: الظلمة، لسان العرب، مادة جور، مجلد 4، 153، دار صادر، بيروت، ط1، 1410هـ، 1990م
(2) الاشعري: أبو الحسن، مقالات الاسلاميين 2/ 140.
(3) المصدر نفسه، 2/ 140
(4) الكندي: أحمد بن عبد الله، الاهتداء، 132، تحقيق سيده اسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، 1406/1985.
(5) الوارجلاني، أبو يعقوب، يوسف ابراهيم، الدليل والبرهان، المجلد الثاني، 79، 1403هـ، 1983، وزارة التراث، تحقيق سالم بن حمد الحارثي.
(6) مجموعة من علماء عمان، السير والحوابات، تحقيق سيدة اسماعيل كاشف، 2/ 198.
(7) السالمي، عبد الله بن حميد، كشف الحقيقة، 45. (1/142)
صفحة 143
فالبغي والظلم هما أساس الخروج، على الحاكم الجائر، وعزله، كما يذكر ابن شيخان السالمي، الذي أشار الى ذلك بقوله:
إنما البغُي وظلمُ الناس لا ... يثبتُ الملكُ عليه مَرَكيَا
قومنُا اضطروا إلى مذهبِنا ... عزلوا سلطانهم مستوجبا (1)
والخروج على الظلمة وأهل الجور، يتطلب جماعة قادرة على رد الحق إلى نصابه، فيصور ابن شيخان السالمي، ذلك الخروج وبذل النفوس في رضا المولى، بإقامة شرع الله، فيقول:
نَعَشتْ فينا قلوبٌ للهُدى ... وجسومٌ فيه تشكو النَّصبَا
لا نُبالي إنْ بذَلْنا أنفساً ... في رضا المولى ونؤتى المطْلَبَا
لم تُرعْنا بارقاتٌ لمعتٌ ... قد أنارتْ صاعقاتُ بالظّبا
كثرت أعداؤنا لكنًّ منْ ... صَحبَ الحقَّ وإنْ قلَّ رَبَا (2)
في لغة متأثرة بأسلوب الشعراء الشراة، الذين لا يبالون ببذل أرواحهم قربة لله، متعطشين للشهادة، فإذا دقت طبول الحرب، رقصوا فرحا، كما يقول الشاعر:
نحن نهوى الموتَ في درك العُلى ... ولأنَّ الموتَ حُكْمٌ وَجَبَا
فإذا الحربُ علت أصواتُها ... لا تَلُمنا إنْ رقَصْنا طَربََا (3)
والإباضية لا يجيزون الخروج على عواهنه، فلا يحلون لأنفسهم أن يستعرضو أحدا من الرعايا والمسافرين والتجار والحراثين وغيرهم، إلا الملوك الظلمة الجورة، ولا تعترض من العامة إلا جنودهم". (4)
... وكما أجاز الإباضية الخروج على الحاكم الجائر، فانهم شددوا في وجوب طاعة الإمام العدل الذي سار على النهج القويم، وأجمعوا على أن "من ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق، فإن طاعته لازمة، ما لم يخالف الكتاب والسنة والإجماع" (5)
__________
(1) السالمي: محمد ابن شيخان، ديوان ابن شيخان، 185.
(2) المصدر نفسه 185.
(3) المصدر نفسه، 188.
(4) الوارجلاني: الدليل والبرهان، المجلد الثاني، 79.
(5) المنذري، علي محمد، نهج الحقائق، مخطوط، 286. (1/143)
صفحة 144
... تقوم نظرة الإباضية إلى الإمام على أنه بشر، يصيب ويخطئ وينبغي أن يؤخذ بيده، ويحاسب حتى ينتشر العدل، ويزول الظلم وقد انعكست هذه الرؤية على الشاعر الإباضي في هذه المرحلة. فيتخذ الشاعر أبو مسلم الرواحي من موقف الإباضية من الحاكم الباغي والجائر متكأ، فيدعو الله بأن يكسر شوكة الفساد، ويحسم صائلة العناد، ويقصم دولة السوء، ويعجل بالقضاء عليها، انتقاما بعدله ممن أتخذ الظلم سربالا، داعيا مولاه بأن يرزق الأمة، قائما بالقسط قويا على إظهار دينه، وهي دعوات إسلامية المنبع، إباضية الفكر في خصوصيتها يقول:
ويا قاهر اقصْمْ دولة السُّوء وامْحُها ... وشرّدْ بها واشدُدْ عليها مُعَجِّلا
ويا وارثُ اصْرفْ سَوْرةَ البغي وانتقم ... بعَدلكَ ممّنْ بالضّلالِ تسَرْبَلا
ويا باعثُ ابعثْ رايةَ الحقِّ حوْلَها ... جنودُك تبلو في رضاكَ وتُبْتَلى
ويا قائماً بالقسطِ قَوِّمْ مُسَدّداً ... قويَّاً على إظهْارِ دينك فيَصَْلا
يصولُ سريعا يا سريُع بنقمة ... على كلَّ ضلِّيل عن الحقِ أجْفَلاَ (1)
ويتجلى البعد السياسي، والنظرة الإباضية للحكم في موقف الأديب الإباضي من الحكام الجورة عند الشاعر أبي مسلم، في مقام الذكر فينادي ربه، واصفا طغيان الظلمة، الذي بلغ مداه في قوله:
إلهي طغتْ فوقَ البلاد عصائبٌ ... فَعَمَّتْ سيولَ الظَّلْمِ منها وَطَمَّتِ
طُغامُ طُغاةٌ تبّروا ما علوا ولا ... نصيرٌ سوى القَهّار فوقَ البريّةَ
إلهي تحدّى خصمُك الحَّد واعْتدى ... على حُرماتِِ الله بالأغلبيَّة
فأرْسلْ عليه يا مُذلُّ قواصفَ الذ ... ـكيز وَسَربلْهُ سرْبال لعْنة
وَصُبَّ عليه الذلَّ قلباً وقالباً ... وفي جاههِ والمالِ والتبعيّةِ
مصائُب ذُلِّ يختبطنَ حياتهُ ... ويحطمْنهُ حَطْمَ الدريسِ المفتَّت (2)
__________
(1) الرواحي، ابو مسلم، الديوان، مخطوط، 87، 88.
(2) الرواحي،أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 2، 21 (1/144)
صفحة 145
ويرفع دعاءه إلى مولاه، شاكيا ما فعله خصمه في عياله، واصفا ما حلّ بالأمة من عدو الله ضارعا إليه بأن ينصر الأمة عليه قائلاً:
إلى الله -أشكو وهو منتقمٌ- يداً ... عَتَتْ وبَغَتْ واستعبدت خير أُمَّةِ
إلى الله أشكو فعْلها في عياله ... وغيرتُه في الحقَّ أعظمُ غيرة
إلهي جُهْدُ العبدِ أنْ يَرْفعَ الدُّعا ... بتوفيقِكَ اللّهمَّ عنُد البليّةَ
وقد حلّ بالإسلام ما لستُ راضياً ... من الفئة العاتينَ فوقَ البسيطةِ
فعاجلْهمٌ بالأخذ واقصفْ ظهورهم ... فقد أصبحَ الإسلام منهم بُذلة (1)
ويتوسل الشاعر أبو مسلم إلى الله سبحانه بان يقطع دابر أعدائه، ويستأصل شأفتهم، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولم لا؟ وقد جاروا في الأرض، وقلبوا الموازين، في أسلوب متأثر بلهجة المحقق الخليلي، وعبر تخميس الشاعر لقصيدة "سموط الثناء" للخليلي، يقول في دعائه عليهم تأثرا بالفكر الاباضي:
إلهي عدوُّ الله يشفى غليَلهُ ... سبيلُك يدنيها وُيْعلى سبيلهُ
يغالب أمر الله حتى يحيلَهُ ... فيا غارةَ الله اغْضبى وخيوله
ارْكبي ومواضيه انعمي بورودِ
إلهي قبيل جاحد لكَ قد غوى ... يُعاديكَ لا يألو على حَرْبك انْطوَىَ
أبْدهُ ومن والاه وحياً وما حَوى ... وشرّدْ بهم في كُلّ أرضٍ فلا سوى (2)
قتيل ومأسورٍ يُرى وطريدِ
ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك الإلحاح في الدعاء بإهلاك خصم الله، إلى الدعاء بأن يهيء الله لأمر هذه الأمة، زعيماً يستطيع أن يعيد الله على يديه للإسلام عزته، ولسماحة الإسلام رقيه، ولفطرة التوحيد رجاءها، مبينا أهم سمات من يتصدى لهذه المهمة، وكأنها أهم الشروط الواجب توافرها في شخص الإمام، فيقول:
متى السمحةُ البيضاءُ ترقى سماءَها ... متى عّزُة الإسلام تحمي فناءها
متى فطرةُ التوحيدِ تلقى رجاءَها ... وتنشرُ أعلامَ العَلومِ لواءها
بأسيافِ عدل لم تلق بغمودِ (3)
__________
(1) المصدر نفسه،50
(2) المصدر نفسه 103
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان (مخ) 104 (1/145)
صفحة 146
ويصف من يتصدى لهذه المهمة بقوله:
هُمامٌ يعمَّ الكونَ بالقسط عادلا ... له عِصْمتَا جدّ وجَدّ تعادلا
بفاروقِ سلطانِ من الله صائلا ... تذلَّ له الآسادُ حتى النقادلا
تذاد عن المرعى بأطلسَ صيد
تجسَّم من نور التّقى حشوُ دِرُعِهِ ... حريصٌ على أصلِ الجهادِ وفَرْعِهِ
يراقِبُ نورَ الله في رَحْبِ ذرْعِهِ ... أمينٌ على دينِ الإلهِ وشرْعِهِ
خليفتُه المأمونُ خيرُ رشيدِ (1)
أما أنصار الإمام الذين يمكن أن تتحقق على يدهم العدالة وإقامة شرع الله، فقد وصفهم بصفات الشراة الذين يبيعون نفوسهم لله، أصحاب شدة على أعدائه، فهم:
كرامً إذا شدّوا وصُبْرٌ على الأذى ... لُهمْ غيرةٌ في الله لم يشربُوا القَذَى
إذا برقوا لم ينفذِ الخصم منفذا ... تُباري النعامَ الربذَ خيلهَم إذا
بحيَّ على نصرِ المهين نُودي
صناديُد يبغون المنيَّة مَفْزَعَا ... ولا يردونَ العيشَ إلاّ تورُّعا
يبيعونَ لله النفوسَ تطوُّعَا ... يَغاثُ بهم داعٍ إلى الله قد دَعَا
وخُوصمَ في ذاتِ الإله وغودي (2)
الموقف من التكسب بالشعر:
... ويبين عدد من الشعراء الإباضيين موقفهم من التكسب بالشعر، فالشاعر أبو وسيم الأزكوي، يأنف بنفسه، من أن يخلع مدحته لمن لا يستحقها طلباً النوال، وذلك انعكاس حقيقي، وتطبيق عملي لمقتضى العقيدة عند الإباضية.
... ويبين الشاعر الأزكوي أنه ليس من المتاجرين بشعرهم، والطالبين لرفد ممدوحيهم، في عزة العربي، وأنفة المسلم، وسمت الشاري، الذي لا يسأل إلا مولاه، ولا يمنح مديحه إلا لمستحقيه، مقتصرا تواضعه عليه، فيقول:
لسانيَ مملوٌّ من القولِ جَوْهََرا ... على أنّ في قلبي لذا الدُّرِّ أبحْرَا
يغوصُ على ما شاءَ فكري فتارةً ... يساقطُ منظوماً وطَوْراً مُنثّرا
ولكنّ دهري أصبحَ الصَّمْتُ عنده ... بكلِّ فصيح فيه أوْلى وأجْدَرَا
فيا دُرُّدُمْ في لجّ بحْرِكَ ساكناً ... وأنْتَ له يا فْكرُ لا تبغِ مَعْبَرَا
__________
(1) المصدر نفسه 104، 105.
(2) المصدر نفسه 102 (1/146)
صفحة 147
فلم أرَ أوْفى بالوعيدِ كأهْلِهِ ... ولا مثلُهم في الخلف بالوعدِ مَعْشَرا
ولستُ بذي حرصٍ على الرِّفْد منهم ... وما أنا ممّن يرتضي الشِّعْرَ مَتْجرَا
قصرتُ على دين الإلهِ تواضُعِي ... وأوسعتُ أهل الكِبْر منّى تكبُّرا
وَمَا أنا منْ زكى بذا القولِ نَفْسَهُ ... ولكنْ لساني لم يرَ الحقَّ مُنْكرَا
كأنّ زمانَ الفضلِ قال لأهلهِ ... سلامٌ عليكم ثُمَّ وَلَّى وَأدْبَرَا (1)
... ويعبّر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، عن هذه المعاني بطريقته السلوكية، داعيا إلى التعلق بأستار الألوهية، والتوجه إلى مالك كل شي، وترك ملوك الدنيا، فمن شاء أن يسأل فلا يريق ماء وجهه، إلا في طلب نوال ربه، مبيناً أن من سأل غير الله، فإنه لم يتوصل الى معرفته حقيقة المعرفة، مؤكدا أنه إن مدح الشعراء السلاطين والملوك، فإنه سيحصر مدحته لمولاه، الذي يتوجه إليه بجميع مطالبه، إذ لا يوصف بالكريم على حقيقته إلا هو، فيقول من قصيدة له على سبيل النصح:
فذرِ الحيا واخلَعْ عِذارَك وابتذلْ ... ديباجتيكَ وماءَ وجهِك فابْذلِ
وذرِ الملوكَ جميعهم واقصد إلى ... ذي المُلكِ والملكوتِ مولاك العَلي
فاسألْ على أبْوابه ما شئْتَهُ ... فنوالُهُ ما كُفَّ عن كفِّ خلي
لا تخشَ ثمَّةَ من تَمنُّع حاجبٍ ... فَهوَ الذّي أبوابُهُ لم تُقْفَل
يا منْ يشاهدُ أو يُرجَّي غيرهُ ... كَمّلْ بصيرتَكَ التي لم تَكْمُلِ
إن كنت تعرفُه وترجو غيرَهُ ... فلأنتَ من عرْفانهِ في مَعَْزلِ
ولئن شهدتَ لمنْ سواه تكرَّماً ... فلقد عَدلْتَ عن الطريق الأعْدلَ
إن يمدحِ الشعراءُ سلطاناً فما ... مَدْحي سوَى حمدي لمولايَ العَلي (2)
وتبقى هذه المعاني ماثلة في ذهن الشاعر الإباضي، فالشاعر عبد الله بن سعيد الخليلي، يخاطب من يقصدون أبواب الملوك بمدحهم طمعا في نوالهم، نقدا سياسيا ودينيا لهم وتأثرا بأحد شعراء الشراة الأوائل القائل:
__________
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصدّاح، مخ، 337.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 20 (1/147)
صفحة 148
أيها المادحُ العبادَ ليُعْطى ... ان للهِ ما بأيدي العبادِ (1)
يقول الخليلي:
قولوا لمن غرَّتهم آمالُهْم ... فَسَدَتْ زراعُتكم فبئْسَ المزْرعُ
ان تقصدوا بابَ الملوكِ فمقصدي ... بابَ الذي يُعْطي الملوكَ ويمنْعُ
وإذا طمعْتُم في نفائس مثلهْم ... فأنا الذي فيما لديه أطْمَعُ
وإذا دُفعْتُم عن قليل عَطائهم ... فهو الذَّي عن فضله لا يُدفعُ
أأريدُ مُمَّن ليَس يَنْفعُ نفْسَهُ ... نفعاً، وأتركُ مَنْ يَضُرُّ وينفعُ (2)
أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء
أ- رثاء الأئمة :
يشكل موت إمام المسلمين خسارة كبيرة للأمة، لأنه الممثل لكيانها، والإحساس بمعاني الحزن والتفجع والتعبير عنها أمر طبيعي عند الشاعر إزاء ذلك الحدث.
وعندما استشهد الإمام سالم بن راشد الخروضي (1301 - 1338م) (3) أثار استشهاده الشعراء، فتحركت قرائحهم، وكان وقع الخبر أليما على أذن الشاعر عبد الرحمن الريامي، فعبر عن مشاعره تعبيرا يشي بتأثر بالغ، يَعكس المكانة الدينية والسياسية، التي يتمتع بها شخص الإمام، إظهارا للعاطفة الدينية الصادقة، لتنعكس هذه المأساة على مشاعره، قائلا:
هذا نَعيٌّ أتى أمْ هذا نقَمٌ ... فالعينُ قد عَمِيتْ والأُذْنُ في صَمَمِ
صواعقٌ بغتة جاءت مُقَدِّرَةً ... تهدّم الشَّمَّ تلقيها من القِمَمِ
فالقلبُ في حَرَقٍ والجفنُ في أرَقٍ ... بالحزنِ محترقٌ والدمعُ كالدّيمِ
لا عذرَ للقلبِ إنْ لم ينفطِرْ كمداً ... لا عُذْرَ للطَّرفِ إنْ لم ينْفَجِرْ بِدَمِ
__________
(1) البيت لعمران بن حطان، انظر إحسان عباس، شعر الخوارج، 184.
(2) الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 2/ 244.
(3) بويع بالإمامة في الثاني عشر من جمادى الثانية سنة ألف وثلاثمائة واحدى وثلاثين للهجرة، وكانت وفاته ليلة الخامس من شهر ذي القعدة سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وثلاثين للهجرة. ينظر: السالمي، محمد بن
عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 263. (1/148)
صفحة 149
إذْ ضمَّتِ الأرضُ شمْسَ الدينِ سيدَنا ... قتيل هِجْرَتِهِ لِلّهِ مِنْ عَلَمِ (1)
ويبين الشاعر موقفه من قاتل الإمام، الذي تلطخت يداه بدماء الإمام الزكية، ويدعو عليه دعاء يستلهمه من القرآن الكريم في قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) (2) .
إذ يقول الشاعر:
تَبَّتْ يمينك يا رامي الإمامِ كَمَا ... يدا أبي لهبٍ عُوجِلْتَ بِالنَّقَمِ (3)
وفقد هذا الإمام، وهو الزعيم الديني، والرمز السياسي، وعمدة المذهب، أثّر على الأمة، ومن هنا تساءل الشاعر عمن يمكن أن يسدّ الفراغ الذي تركه، مشيراً إلى انعكاس هذه المأساة على الظواهر الكونية، كما ظهر في تأسف السماء والأرض على فقده ... ، فيقول:
لقد تركتَ السّما والأَرضَ في أسفٍ ... والكونُ يُنْشِدُ مَنْ للمجدِ والكرَمِ
ومن يكونُ لأمرِ للهِ منتدباً ... بالأمرِ والنّهي والإحسانِ من حَكَمِ
هذي عمانٌ تنادي وهي شاغِرةٌ ... تبغي زعيماً عريقَ المجدِ والكرَمِ (4)
ومما خفّف من أثر فقد هذا الإمام، اجتماع إباضية عمان على بيعة إمام جديد، يخلف الإمام الشهيد، إذ تم اختيار الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي (5) (1299ه- 1373م)، خلفاً للإمام السابق، فاستبشر الشاعر بهذا الاجتماع، وذلك الاختيار، فيتحدث عن ذلك ممتدحاً الإمام الجديد قائلا:
__________
(1) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه مخطوط ، 186.
(2) سورة المسد، 1.
(3) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديونه مخطوط ، 187 .
(4) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخ ، 187.
(5) هو الإمام العلامة محمد بن عبد الله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، ولد بمدينة سمائل في سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، وبويع بالإمامة يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة 1338ه، بجامع نزوى، عاصمة الإمامة في ذلك الوقت، وتوفي يوم الإثنين 29 من شهر شعبان سنة 1373ه، أنظر: محمد السالمي، نهضة الأعيان 323. (1/149)
صفحة 150
فالشكرُ للهِ إذ لبّى لدَعْوتِهَا ... من لا نظيَر لهُ في العِلمِ والحكمِ
مقباسُ نورِ، ربيعُ الدين سيدُنا ... فردُ الجلالةِ نورُ اللهِ في الظّلمِ
محمدٌ بن عبدِ اللهِ قد وتُنا ... أكْرِمْ به مِن إمامٍ طَاهِر الشِّيمِ (1)
ونظرا للمكانة التي كان الإمام يحظى بها، فقد رثاه جملة من الشعراء، منهم الشاعر منصور بن ناصر الفارسي (2) ، الذي أشار إلى اغتيال الإمام، مبينا أثر ذلك على الأمة والدين قائلا:
ألايارمية أفقأت عيناً ... وغادرتِ الورى براً وبحراً
أخذتِ إمامَنا والدينُ عالٍ ... وقدْ أولى عدات الدينِ كَسْرَا (3)
ولم ينس الشاعر أن يتوقف أمام فكرة الموت مستخلصا منها العبرة، والحكم، مازجاً ذلك بالدعوة للإمام بالرحمة قائلا:
فيا عجباً لقبرٍ ضَمَّ طَوْداً ... ويا عجباً لشبرٍ ضَمَّ بَدْرَاً
ألا رَحِمَ الإلهُ عظامَ قبْرٍ ... لقد صارَتْ لنا وعظاً وذِكْرَاً (4)
ويمنح الشاعر سليمان بن سالم الرواحي روح الإحساس للكون لتنعكس عليه مظاهر الفجيعة باستشهاد هذا الإمام، كما تجلى في اضطراب هذا الكون واهتزازه بمن عليه، تأثراً بمقتل إمام سار على نهج الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول:
قد اهتزّتِ الأكوانْ وارتعدَ المَلا ... لقتلِ إمامٍ كانَ للهِ فَيْصَلا
على سيرةِ الفاروقِ عدلاً وحكْمَةً ... يسيرُ بِها للهِ ليسَ لما خلا (5)
__________
(1) الريامي، السابق، 188.
(2) منصور بن ناصر الفارسي هو: قاض، شاعر، من أهل "فنجاء"، من وادي سمائل، بعمان، أحد قضاة نزوى أيام الإمام الخليلي. ينظر: دليل اعلام عمان، 153.
(3) الفارسي،منصور سموط الفرائد، 179.
(4) الفارسي، منصور بن ناصر سموط الفرائد، 180.
(5) انظر القصيدة في: ديوان أبي مسلم الرواحي، 380. (1/150)
صفحة 151
ويصوّر الشاعر وقع المصاب على نفسه، متمنيا لو كان باستطاعته أن يفديه، ولكن أنىّ لمن تستقبله الحور العين أن يرضى بذلك بديلاً، مهنئا الإمام بهذه الشهادة، مبينا موقفه ممن كان سببا في قتله، داعيا عليه بالويل، قائلا:
بروحِي أُفديّه طعيناً مُمَزَّقاً ... وكان مُفَدّى الحور ساعةَ جُدِّلا
لقد فاز مظلوماً بطعنةِ فاجرٍ ... له الويلُ لا زالَ الشقيَّ المبَهَّلا
هنيئاً أمينَ اللهِ نلتَ شهادةً ... وأَبقَيتَ ذكرَ الطّيبينَ مُبَجَّلا (1)
ويشكر الشاعر زعماء الأمة الذين وحدوا كلمتها، فلم يتركوا الأمة هملاً، بل قضوا على الفتنة في مهدها، باختيارهم شخصاً كفئا لهذا المنصب، يخلف الإمام الشهيد، ممتدحاً هذه العصبة السائرة عل نهج عمار بن ياسر رضي الله عنهما، مشيراً إلى الاختيار
والبيعة بعد اجتماع أهل الحلّ والعقد، وذلك انعكاس لمعطيات الفكر السياسي الإباضي، فيقول:
لنا خلفٌ في اللهِ عنه وسلوةٌ ... بأَنَّ إمامَ المسلمين لهُ تَلا
جزى اللهُ عنا المسلمينَ جزاءهُ ... بساعةٍ لم يَلفوا حِمَى الدين مُهْمَلا
رأوا فِتْنَةً صمَّاءَ جاشت جيوشُها ... فقاوَمَها عيسى فطاشت كلاوَلا (2)
وثابره من عُصْبَة الدينِ أسرةٌ ... لهم غيرة من يومِ عمَّار تُجتّلى
قياماً بحقِ اللهِ فانتخبوا لها ... هماما لكلّ المكرماتِ تَقَيَّلا (3)
__________
(1) المصدر نفسه، 381.
(2) هو الشيخ العلامة "عيسى بن صالح الحارثي" (1290ه- 1365م)، وهو علامة وزعيم من زعماء القبائل العمانية، كان يعرف بالأمير، له الفضل في جمع كلمة العمانيين واختيار الإمام محمد بن عبد الله الخليلي عقب استشهاد الإمام سالم الخروصي عام 1338ه. انظر: نهضة الأعيان، بحرية عمان، للسالمي: محمد بن عبد الله، 74-75.
(3) انظر القصيدة في ديوان أبي مسلم الرواحي، 381. (1/151)
صفحة 152
ومما تجدر الإشارة إليه في هذه المرثاة أن الشاعر استثمر في خطابه للإمام الجديد محمد بن عبد الله الخليلي، صلة هذه الإمام بالشيخ العلامة سعيد من خلفان الخليلي، ليجعل اختياره وأهليته، استجابة لدعوات صادقة، كان يدعو بها جده سعيد بن خلفان مشيراً إلى قصيدته، سموط الثناء موجّها رسالته إلى الإمام الخليلي قائلا له:
إليكَ أمير المؤمنين رسالةً ... وَحَسْبي فخراً أن أكنْ لكَ مُرْسلا
تيقَّنْ بأنْ سرُّ الخليلي قدْ بَدا ... على وجهك الميمون بَرْقاً تهَلّلا
تيقَّن بأن سرُ الخليلي إذْ دعَا ... أُتيحَ له نصرٌ على لَوحِه انْجَلا
دَعا دعوةً يا قدّس الله سّره ... أجيبَ بها حيَّاً ومن بعدُ ما خَلا
سموطُ ثناء جُرِّدَتْ من ضميرِهِ ... فكانت على أعداءِ ذا الدينِ مَقْصِلا
فأصبحتَ في ذلك الدعاء إجابةً ... وأصبحتَ ذلك السيف ذو كان أمَّلا (1)
ورثى الشاعر سعيد بن عبد الله بن غابش الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، مستهلا مرثيته بما يعبّر عن عمق المأساة في نفوس جماهير الأمة قائلا:
هجَمَ الأسَا فسقى المَلا من صابه ... وَكَوى قلوبَهُم بنارٍ مُصابِهِ
والصَّبْرَ أدبر والسرور كلاهما ... والحزنُ أقْبَلَ والجاَ مِنْ بابِه (2)
ويعم الكون حزن أليم لانتقال الإمام إلى الرفيق الأعلى فيقول مخاطبا الفقيد:
يا صاحب الشرف الرفيعِ هَجَرْتَنَا ... يا مَنْ كَسَى الأكْوانَ حَرٌّ مُصَابِهِ (3)
وتتكرر الصورة نفسها عند الشاعر منصور بن ناصر الفارسي، فيستهل قصيدته في رثاء الإمام الخليلي (ت 1373ه) بتصوير عظم الخطب الذي حلَّ بالأمة، جراء فقد الإمام فيقول:
خطبٌ يذوبُ لحرّه صَلْدُ الحصى ... ولهولهِ ما كادَ ينقدُّ الصَّفَا (4)
__________
(1) المصدر نفسه، 382.
(2) الطوقي: سالم، مجموعة شعرية مخطوط، مكتبة السالمي، بدية، 204.
(3) الطوقي: سالم، مجموعة شعرية، مخطوط، مكتبة السالمي، 205.
(4) الفارسي، منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 183. (1/152)
صفحة 153
ويمنح الشاعر الموت القدرة على الإحساس، فيعاتبه على انتقائه لخيار الأمة، كالإمام الخليلي، مبينا له أنه باختياره ذلك لم يقض على شخص بعينه، ولكنه قضى على الأمة مجتمعة، وذلك في خطابه، قائلا:
لم تبق يا موتُ لنا من بَعْدِهِ ... رُكناً ولا للأرض طودٌ قد رسا
لم تقض يا موتُ على فردِ امرئٍ ... لكنما على الورى كان القَضا (1)
ويدعو الشاعر دولة الأحرار، وأرض الإمامة، أن تلبس السواد، وتنزع ما عليها من زينة، وتجأر بالشكوى لمولاها (2) ويبيّن مقدار محبة الإمام في نفوس الأمة، حتى مخلوقات الله الناطقة، والصامتة، لو أمكنها النطق لأفصحت بفضله، وعبّرت عن مكانته، مبالغة من الشاعر حين يقول:
ألْقى الإلَه في القلوب حُبَّهُ ... فأُشربَتْ بِحُبِّهِ أَهْلُ النُّهى
لو أفصحت بهيمةُ الأرض به ... لأفْصَحَتْ بما من الفضل حوى
لو نطق الجمادُ كان ناطِقاً ... بأنه هو الوحيدُ في الذرى (3)
ويتحدث الشاعر عن سياسة الإمام مع الرعية، التي تمثل فكر المذهب السياسي، المتجسّد في عدم الاحتجاب عن أحد من المسلمين، والمساواة بين فقيرهم وغنيهم، عاش عمره في حفظ مصالح الأمة، وأفنى حياته في الحفاظ على وحدة كيانها، قائلا فيه:
لم يحتجبْ عن أحدٍ ولمْ يكُنْ ... يحجُبُه عن العبادُ مقْتضَى
يجالسُ الفقير والمسكينَ لا ... مستكبراً وذو العمى والمُبتلَى
لقد أذابَ مُخَّه تعبَّدا ... وأنحلَ الجْسمَ وأَوْهَنَ القُوى
وعاشَ في مخافةٍ من رَبِّهِ ... وآثَرَ الأُخرى على هذِي الدُّنا (4)
ويؤكد الشاعر عبد الله بن علي الخليلي في رثائه للإمام محمد بن عبد الله الخليلي، هذه السياسة في عدم احتجاب الإمام عن شعبه، قائلا:
يهرعُ الناسُ حولَ أبوابك أفْوا ... جاً فتقضي من شأنهم ما شاءوا
__________
(1) المصدر نفسه، 183.
(2) المصدر نفسه، 189.
(3) المصدر نفسه، 189.
(4) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد 191. (1/153)
صفحة 154
لا حِجابَ عليك عنهم ولا حُجّا ... بَ لكن سمحةٌ سمحاءُ (1)
ويمتدح الشاعر هذه الإمامة، معدداً سماتها، فهي، مقتدية بالعمرين، عدلا وعزما وسخاء، في رؤية إباضية للحكم، قائلا:
تِلك حقّا هي الخلافة لا ... قهر ... ولا سلطةٌ ولا غُلْوَاء
قَد تَجلَّت عليك من عُمَريْهَا ... سيرة الحقِّ عَزْمةٌ وَسَخَاءُ
رُضْتَ فيها الأيامَ للهِ حَتَّى ... رَضَخَتْ للهدى فنعم القضاءُ
بينَ ضعْفٍ وفاقةٍ ومشيبٍ ... قوة، لا ينالُها الإعياءُ (2)
وبموت الإمام تموت الحرية وتهان الملة، ويزول الإباء ويسود الظلم، ويعم الكون ظلام رهيب، وهي تمثل نظرة سوداوية لما يمكن أن تسفر عنه الأمور بعد فقد هذا الإمام في إشارات أرسلها الشاعر، يعبر فيها عن رؤيته للمستقبل قائلا:
رُبَّ شخصٍ يموتُ من موتهِ ... الدهر ... وتهوي لفقده والجوزاءُ
ويموتُ الأحرارُ في مأزقِ ... الرق ... وتفنى إرادة وإباءُ
وتهانُ السماءُ تحت خوافي ... القهر ... والظلمُ بازلٌ عدّاءُ
وكأن الزمانَ ليلٌ رهيبٌ ... والضواري غرثى البطون ظماءُ
عد إلينا تر النهارَ ظلاماً ... واللّيالي كأنهّا الرَّقْطاءُ (3)
ب- رثاء الإمامة :
مما يلحظ في هذا الشأن أن أغلب الشعراء قد أحجموا عن الخوض في ذلك،فلا يجد الباحث ما يمثل حسرة الشعراء على ذهاب نظام طالما تغنوا به، ومدحوا أئمته، وإن كنا لا نعدم إشارات تعبّر عن ذلك المعنى عند بعضهم.
__________
(1) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 423.
(2) المصدر نفسه، 423.
(3) المصدر نفسه، 423. (1/154)
صفحة 155
ومن أكثر الشعراء صراحة، وأجرئهم على طرح أفكاره، الشاعر العلامة سعيد ابن أحمد بن سليمان الكندي (ت 1383ه1963م) الذي عبر عن رأيه، بكل وضوح، فقد رثى الجبل الأخضر، وما أصاب بلدانه من الدمار الحاصل في الحرب التي دارت رحاها بين السلطان سعيد بن تيمور (1) والمعارضين لحكمه في ذلك الوقت.
وعندما رثاه الشاعر فإنه كان في الحقيقة يرثي نظام الإمامة، يقول في مطلع قصيدته:
قِفْ بي على تلكَ الطلولِ ونادِ ... هل من قصورٍ قدْ بقينَ ونادي
إلى أن يقول:
وانظرْ إلى تلك المساجدِ خُشَّعَا ... كم من خطيبٍ قامَ في الأعوادِ
يا أخْتَ يوشَع خَبّرينا عنهُمُ ... في أيّما بلد وأيةِ وادي
فكأنّهم لم يستووا بعروشه ... وكأنّهم لم يعتلوا لِجيَادِ
وكأنَّهم لم يخرجوا بجحافلٍ ... وكأنَّهم لم ينهضُوا لجهادِ (2)
ويعبر الشاعر عن حزنه على ما جرى، بعدما أخرجها كلمات حرّى، فعاتب من عاتب، وعبّر عن رأيه بصراحة العالم الذي يقول، غير هيّاب من العواقب، حين يقول في تحسر:
ماذا أقولُ وأَدْمُعي منهلّة ... حُزْناً وعيني كُحِّلَتْ بسُهَادِ
لهفا وما يُغني التّلهفُ والأسَى ... شيئاً ولا أسطيعُ ردَّ عَوَادي
لكنّها نَفَثات مصدور بها ... جاشَت لواعجُ حسرةِ الوقّادِ
يرجو بها حقَّ الوفاء لمعشرِ ... سادوا بعدل إذْ رَعَوا ورشادِ (3)
وتعود الذكريات إلى بال الشاعر، فيخاطب الإمامة، ويدعوها إلى العودة وألا تكون أعز من راء واصل بن عطاء، قائلا:
عُودي عليَّ بوصلِكِ المتواصلِ ... فالعَوُد يُحّمدُ من جيبٍ واصِلِ
عُودي عليَّ بنظرة لا تَجْعلِي ... نَظري أعَزَّ عليكِ من رَا واصِلِ
__________
(1) هو السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل البوسعيدي (1324ه/1906م – 1392ه /1972م) والد السلطان قابوس سلطان عمان الحالي.
(2) الخصبيي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3/266.
(3) الخصيبي/ محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3/268. (1/155)
صفحة 156
عُودي عليّ بنظرةٍ أشفى بها ... فيعودُ لي زمنٌ مضى بالواصِلِ (1)
ثم يعرّج بعد ذلك إلى ذكر نزوى مقر الإمامة وعاصمتها عند الإباضة قائلا في وصفها:
بلدُ لأنوار الإمامة مَطْلعٌ ... يَكفيهِ فخراً عند كُلّ مُساجِل
بلدٌ به عرشُ الإمامة قد رسا ... يكفيه فخراً عند كُلِ مُناضِلِ (2)
فتجيبه نزوى بأن من يسأل عنهم الشاعر فد رحلوا، وأن الدهر قد تغيرت أحواله مشيرا إلى أن نظام الإمامة قد أصبح في مهب الريح أثرا بعد عين، قائلا:
قالت معاذ الله قَد لَعبت به ... هَوجُ النكائبٍِ عن صَبَا وشمائل
فتغيَّرت حالاتُه عن عهدِها ... وتبدَّلت ألوانُه بمشاعل
فلنصبرنَّ على الزمانَ وَصَرفْه ... فالحرُّ يصبر للملم النازل
وَلَنَشرْبَنْ حُلْوَ الزمانِ ومُرَّهُ ... من حالتيهِ جائرٍ أو عادلِ (3)
ويندب الشاعر عصر الإمامة بأسلوب مباشر، باكيا نورها، وشبهها بالبدر الذي أفل وترك الأرض مظلمة بعد أن كان يعمها النور، فيقول:
وَلَنندُبنْ عصرَ الإمامِ وأهلَهُ ... وَلّى بأمته كظِلٍ زائِلِ
ولنبكينْ نورَ الإمامةِ والهُدى ... وَلّى بِزَهرتِهِ كبدرِ آفِلِ
ويدعو الشاعر على من كان سببا في إطفاء نور الإمامة، ومن تظاهر للقضاء عليها قائلا:
يا قاتل الله الذين سَعَوْا إلى ... إطفائِه جهداً بكلِ وسائلِ
يا قاتل الله الذين تظاهرُوا ... لزوالِ نِعمتهِ بنيلٍ عاجِلِ (4)
ويرى الشاعر سيف بن حمد الأغبري (ت 1380ه/ 1960م) أن نظام الإمامة وقع فريسة الخيانة والحسد، من عصابة موهت للناس، فقلبت الحقائق، كفرا بنعمة الله حين فرقوا عصب الدين واستبدوا برأيهم قائلا:
ذاكَ مما جنت عليهم نفوسٌ ... وعقولٌ ضلّت سبيلَ الرشادِ
كفروا نعمةَ الإلهِ عليهم ... وهو للكافرينَ بالمرصادِ
عُصبَ الدين فرّقوها بأيدٍ ... ولسانٍ تفتُّ في الأعضادِ
__________
(1) الكندي، عبد الله سيف، مجموعة شعرية (نحو) مكتبة خاصة ، 53.
(2) المصدر نفسه، 54.
(3) المصدر نفسه، 54.
(4) الكندي: عبد الله بن سيف، مجموعة شعرية، مخطوط، 55. (1/156)
صفحة 157
يا لها دولةً أضِيعت ولولا ... غيرتي ما وفقت فيكم أنُادي (1)
بينما يرى شاعر آخر أن أولئك الأئمة قد رحلوا ولم يبق منهم إلا نشر أحاديثهم، ورواية أخبارهم بعد أن تركت سيوفهم تصدا، كما يقول الشاعر موسى بن علي بن سيف الكندي في تذكره لائمة عُمان ومدينة نزوى، ومن كان بها من أعلام:
فيا ليت شعري هل أراني بمجلسٍ ... به علماءُ الدينِ والفضلِ في نَزْوَى
فكم عالِم برّتقيِّ مهذّبٍ ... تَرَعْرَع فيها ثمّ صارت له مَثْوَى
وكَمْ منْ إمامٍ قامَ بالحقِ عادلٍ ... فبدّد جيش المعتدين عن الأجوا
أولئك أشياخي أئمةُ مذهبِي ... أحبائي في دين الإله ولا غَروى
فلم يبقَ منهم غيرُ نشرِ حديثِهم ... فأسيافُهم تَصْدَى وأخبارهم تُروى (2)
وقد يلجأ بعضهم إلى التلويح بدل التصريح، مراعاة للظروف السياسية كابي سرور الذي تساءل عن ضالة طالما جرى لتحقيقها، لتصبح هذه الضالة قضية الشاعر المركزية، وجانبا من جوانب أحلامه، كما وصفه بذلك عبد الله الخليلي قائلا عنه "ما زال يحلم بأمنية كأنما ربط أسبابها على أساطين العرش، تبدو لك في قدمه وقلمه، كأنما خلطت بأمشاجه، أو علقت على نياط قلبه" (3) ، كأن يقول متسائلا، وهو في منفاه بدمشق عام 1964:
هلْ في دمشقَ وهلْ لي في مَغانيها ... أنشودة كنتُ أُخفيها فأبديهَا
أم فيك يا بَرَدى أنشودتي وُجَدتْ ... والماءُ يبْعثُ للظمآن ترْ فيها
وتتكرر عنده الصورة في بحثه عن ضالته التي كانت السبب في قطعه الفيافي وتحمله الغربة بحثا عنها، فيقول على سبيل الإشارة:
انّ التي تركتني في الهوى ثمِلا ... أطوي الدّجى بين حنّات وأنّاتِ
أنشودةُ الكون والأيام شاهدةٌ ... حرّيةٌ دونها حدُّ الصّفيلات
__________
(1) الخليلي: عبد الله بن علي، بين الفقه والأدب، 43.
(2) البوسعيدي: حمدي بن سيف بن محمد قلائد الجمان، مسقط، 1413ه، 1993م، 386.
(3) الخليلي: عبد الله بن علي، ترجمة أبي سرور، جريدة عمان، 18/8/1973م. (1/157)
صفحة 158
هي التي لم تزل أنشودتي أبدا ... لها خُلِقتُ ولم تبرَح إراداتي (1)
جـ- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية :
ان قراءة قصائد الرثاء عند الإباضية، تعطي القارئ صورة واضحة عن منطلقات أصحابها، وهوية قائليها.
لقد كانت قصائد الرثاء عندهم مناسبة لإيقاظ الهمم، وإيقاد العزائم، ومحاولة ربط الفقيد بتأثيرات فكرية يتحتم على الأمة مواصلة نهجه والعمل على تحقيق آماله.
ومن أكثر الشعراء وضوحا في هذا الباب الشاعر العالم نورالدين عبد الله بن حميد السالمي (1286/1332هـ-1869/1914م) 869-1091، والشاعر أبو مسلم الرواحي.
رثى السالمي شيخه الجليل صالح بن علي الحارثي (1250-1314ه) الذي كان ثالث ثلاثة قامت على أيديهم إمامة الإمام الرضي عزان بن قيس البوسعيدي (ت 1287ه) وقد نال الإمام عزان، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والشيخ محمد الغاربي الشهادة، وبقي الشيخ صالح الحارثي قائما بأمر الإمامة في عمان إلى أن اختاره الله فنال الشهادة أسوة بأقرانه، فاستثمر السالمي ذلك الحدث بما يتناسب مع توجهاته، فسكب عبراته حزنا على شيخه الذي كان المثل في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفارقة الظلم ونصرة المظلومين، وقد جسد الشاعر السالمي هذه الأحاسيس في مجموعة من القصائد والمنظومات الشعرية التي رثى بها شيخه، وهي جميعها قصائد تمزج بين
الحماسة والرثاء والدعوة إلى التأسي بالفقيد، ومن أجل قصائده في هذا المقام، قصيدته التي مطلعها:
قضت أحسابُنا أن لا ندينَا ... لحُكمْ الحادثاتِ وإنْ رُزينا
وعَزْمٌ صادقٌ يأبى علينا ... لغيرِ المَكْرُمِات وإنّ بُلينا
وينادي الفقيد بقوله:
أبا عيسى لقد أتعبتَ قَوْماً ... أتوا للمجد بعدك خاطبينَا
فكمْ جيش سحبتَ وكَمْ كمّىِّ ... قتلتَ وكم أنلت السّائلينا
__________
(1) الجامعي: ابو مسرور، حميد بن عبد الله، ديوان باقات الأدب، دار الاتحاد العربي للطباعة، القاهرة. 1975م، 19. (1/158)
صفحة 159
وكم مجد علوت وكم علاء ... سموت وكم قمعت المُعتدينَا (1)
والشاعر لا يرضى البكاء طريقة للحزن على الفقيد، بل إن من حقه العمل على تحقيق آماله، وتحويل طموحاته إلى واقع حي كما يبدو في قوله:
خلِّ البكاء وان رُزِئتَ بمثلِهِ ... وانهضْ سريعاً في طريقةِ عدلِهِ (2)
وقوله:
صبراً على مَضَضِ المصَارِعْ ... فالدَّهرُ للأعمار قاطِعْ
كُفَّ المدامِعَ لا تسيـ ... ـل فما عَسَى نفع المدامِعْ (3)
والموت في نظر الشاعر، ملجأ للراحة من تعب هذه الحياة، ومعاناتها، فمن مات فقد استراح، بينما شقي حال من بقي بعده، بين قوم إن حلَّ أمرا أبرموه، وان عقد أمراً حلوه، في نظرة نقدية لحالة المجتمع في عصر الشاعر، كما يقول السالمي:
طابَ نفساً من أتاهُ الفرجُ ... بين عزمٍ للمعالي يَعْرُجُ
وشقي حالُ هُمامِ قد غََدا ... بين أقوامٍ عَلاهم هَرجُ
إن سعى في عقدِ أمرٍ للعُلا ... قامَ في حلِّ المساعِي الْهَمَجُ (4)
ويتخذ السالمي من الرثاء منطلقا يجمع فيه بين الحماسة والحزن، ويجعل منه مناسبة لذم العيش، ونقد المجتمع، ففي مرثاته للشيخ صالح بن علي الحارثي، لا يتباكى على الفقيد، بل يؤكد منذ مطلع القصيدة، أنه مع عظم الفاجعة إلا أنه لن يستكين لحادثات الدهر، حيث يقول:
أشكو الى الله زماناً به ... في قلب كُلّ مُسْلم جُرْحُ
... ... ... ... ... ... ... ... ......... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقد كان بالامس لنا سيِّدٌ ... له على هام العُلا صَرْحُ
فَضُمّ في الأرض وذكراهُ في ... أُفْقِ العلا لِنَشرها نفحُ (5)
ويتمنى الشاعر أن يجد من يخلف الفقيد، وهو فتى تزفَّ له الخلافة كناية عن تمني إحياء رسوم الإمامة في عمان، فيقول:
وانهضَ للبريةِ في ذُراها ... فتىً نُجُداً يقدّ الداّرعينا (6)
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 59.
(2) المصدر نفسه، 64.
(3) المصدر نفسه، 81.
(4) المصدر نفسه، 130.
(5) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 73، 74.
(6) يقد: يقطع، الدارعين: الذين لبسوا الدروع. (1/159)
صفحة 160
تُزفُّ له الخلافةُ بينَ قومٍ ... أباة الضيم كهف المُلتجينا
فيحيي ما أمات الدهر قدما ... ويَبْني للعُلا حِصْناً حَصِينا (1)
ويُعد الشاعر أبو مسلم الرواحي من أهم الشعراء الإباضيين الذين انطبع شعر الرثاء عندهم بطابع الشراة الإباضية الأوائل، والفكر الإباضي المتجذر، في فلسفة الشاعر ورؤيته إلى الموت والحياة.
وقصيدتا أبي مسلم في رثاء الإمام السالمي من أهم ما يمثل شعر الرثاء الإباضي في هذه الفترة، لما اشتملت عليه من حقائق فكرية، ورموز مذهبية، يقول في الأولى:
نكّسي الاعلامَ يا خَيرَ المِلَلْ ... رُزئ الإسلام بالخطبِ الجَللْ
وانتثر يا دَمْع أجفانً التقى ... قد أصيبَ العلمُ واغتيلَ العمَلْ
وانفطر يا قلبُ واستقص الأسا ... إنّ حبلَ الدين بالأمسِ انْبتَلْ
أشعلَ البرقُ علينا جذوةً ... فانطفا واتّقدت فينا الشعُّلْ (2)
ومما يلفت النظر في قصيدة الرثاء الأولى ان الشاعر أنشاها وهو في غمرة الفجيعة، وواسطة الحزن، ولذلك جاءت قصيدته منذ بدايتها محملة بهذه المعاني، وعبرت عن قلبٍ مكلوم، وصبابة نفس حرّى، ونفذت العاطفة الحزينة إلى كل بيت من أبيات القصيدة، حتى لكأن القارئ يحس بلوعة الشاعر، ومعاناته فيشاركه آلامه، وهذا أمر طبيعي في الرثاء غالبا.
والقصيدة قد امتزج فيها البعد الذاتي مع البعد الاجتماعي العام، فجاءت مزيجا من عواطف الذات وهموم الآخرين كأن يقول:
ونصرتَ الله حَتى أنِهُ ... لكَ من أهلِ السّما الجنُد نَزَلْ
ولقد يجدرُ من أهل السَّما ... نصرةُ القائمِ في خير النحلْ
تلك بدرٌ نزلوها مددا ... وعلى بدرٍ قياسٌ يُحتمَلْ (3)
في إشارة من الشاعر إلى مساعي الإمام السالمي في إحياء رسوم الإمامة وقيامه بحقها، ويخاطب الفقيد مصورا مشاعره، قائلا:
__________
(1) المصدر نفسه، 61.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، (مخ) 176.
(3) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، نحو، 378. (1/160)
صفحة 161
يا وليَّ الله إنّي نادِبٌ ... لك ما دارَ بكورٌ وطَفَلْ (1)
طالما أمَّلتُ أنْ يجمعَنَي ... بكَ هذا الدهرُ فانسدَّ الأمَلْ
كنتُ في قيدٍ شديدٌ حلَّهُ ... ضُوْعِفَ اليومَ بِغلٍ وكُبلْ
والبكاء المرُّ لا يشفي الجَوَى ... لو طَفِقْتُ الدَّهْر أستمري المُقَلْ (2)
وتبدو في القصيدة نظرة تشاؤمية حول ما سيؤول اليه الوضع بعد وفاة السالمي، إذ يرى أن مكانته لا يمكن أن ينوب فيها أحد عنه، حين يقول:
بعد عبد الله يَبقَى أَمَلٌ ... للهُدى هيهات قد شَطَّ الأمَلْ
خَلِّها يا ابنَ حُميَدٍ تلتوي ... فتنةٌ عمياءَ كالليل المُظلْ
ليس يُغني عنك فيها أحَدٌ ... طُمِسَتْ إذْ ذَهَبَ النورُ السَّبُلْ (3)
وبدت هذه النظرة واضحة، في مرثاته الأخرى في الإمام السالمي، التي قالها، ليفرغ مزيدا من عاطفته المتوجهة، مخاطباً الإمام باعتباره زعيم، أهل الاستقامة، وهم الإباضية، ويلاحظ أن الشاعر يرى في الفقيد شخصية عزيزة المثال، فقد كان المرجع الديني، والمحرك السياسي ومن ثم يناديه طالبا منه أن يعود لإتمام ما بدأ به، فقد ترك أهل الاستقامة كاليتيم الذي فقد أباه، وكالأرملة التي فقدت بعلها وحاميها، كناية عن موقعه بين رجال المذهب، وتبيانا لدوره الكبير في تجديد معالمه وإحياء فكره، قائلا:
مَهّلاً هُمام الاستقامةِ ما الّذي ... غادرتَ من هولٍ ومِنْ أذْعارِ
تمضي وترسلها العراكَ مروعةً ... والليلُ داج والذئابُ ضواري
قوَّمتها فتقوّمت فَهَجرْتها ... يا هجرة طالت على السُّفارِ
ارجعْ إليها حيث قلَّ حُماتُها ... ارجع فديتك با غريب الدَّار
ارجع إلى الإسلام تَمِّم نَصْره ... فالعزُّ تحت عمائِم الأنصارِ
أرجع فإنّ الاستقامة أرْمَلَتْ ... آرْحَمْ يتيمَكَ وهو دينُ البارِي (4)
__________
(1) الطفل: العشي، آخره عند غروب الشمس، لسان العرب مادة: طفل.
(2) الرواحي، أبو مسلم، الديوان، 379.
(3) المصدر نفسه، 380.
(4) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، (مخ) 372. (1/161)
صفحة 162
ورثى الشاعر عبد الرحمن الريامي العلامة أبا زيد، عبد الله بن محمد الريامي، أحد أعمدة دولة الإمامين، سالم الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي، مطلقا عليه "رب البيعتين" في إشارة فكرية، وملمح سياسي، لمبايعته للإمامين المذكورين، فيقول:
بُشْرَى لرَبِّ البيعتينِ ومَنْ له ... رُتَبُ العُلا في نورِها مُتَلالِيَهْ
قد كنتُ أغبطهُ الحياة سريرةً ... واليومَ أغبطُه المماتَ عَلانِيةْ (1)
وعندما توفي العلامة عيسى بن صالح الحارثي (ت 1365ه) أحد الزعامات السياسية والقيادات الدينية في عمان، شكل موته في ذلك الوقت خسارة كبيرة وبموته فقد الإمام الخليلي أحد أركان دولته، ولذلك طلب منه الشاعر خالد الرّحبي أن يتريث، في رحلته قليلا، ليودع الإسلام أهله، في نبرة مليئة بالحزن، مشعرة بالدور الكبير الذي كان يضطلع به الفقيد، حيث يخاطبه بقوله:
رُوَيدَكَ قِفْ يا راحِلَ الدينِ وقفةً ... يفَدّيكَ فيها ساكنُ الْقُطْرِ والقُطْرُ
وَقِفْ وَدِّعِ الإسلام توديعَ والدٍ ... فذاك ابنُك السّامي وأنتَ الأبُ البَرُّ
وقِفْ سَيِّدي لِلسُّنَةِ المَحْضةِ التي ... أقمتَ ولا زيدٌ هناك ولا عَمْروُ
وَقِفْ لحَمى استقلالِنا قبْلَ هَدْمِهِ ... فَقد كادهَ أعداؤُه الُّلدُدُ الكُثْرُ
وقف لإمامِ المسلمين تجلّه ... وتنصرُه في ساعةٍ يجبُ النَّصْرُ (2)
الفصل الرابع
ظواهر أخرى
- شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي.
- الحماسة في الشعر الإباضي.
- الشكوى في الشعر الإباضي.
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي.
شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي :
__________
(1) الريامي: عبد الرحمن ناصر، الديوان، (مخ)، 99.
(2) الرجبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، 31. (1/162)
صفحة 163
... من القضايا اللافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة، وجود وفرة واضحة فيما يسمونه "شعر السلوك"، فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة التأثر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جديرة بالتأمل والدراسة. (1)
... أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي "شعر السلوك" ولم يطلقوا عليها "شعر التصوف"، ومن الجدير بالإشارة اليه، أن الإباضية يتشددون تجاه التصوف. (2)
... وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها كالزهد في الحياة، والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها الأبدي، وطلب المغفرة من الله، والتوبة إليه، والمناجاة الإلهية، والإقبال على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها أن تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب.
... وقد كان أقطاب هذه التوجه من أعمدة الفكر الإباضي، الذين كان تأثرهم بالتصوف تأثر علماء، لهم اليد الطولى في تحقيق المسائل العلمية في الفكر الإباضي، وأعني بهؤلاء أبا نبهان جاعد بن خميس الخروصي، وسعيد بن خلفان الخليلي، وأبا مسلم الرواحي، فضلاً عن غيرهم. (3)
... على أن الفكر الإباضي في عمومه، فكر تنزيهي لا يلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته. (4)
__________
(1) نجد ذلك واضحاً في مسميات قصائد ودواوين هؤلاء الشعراء كسلوكيات أبي نبهان الخروصي، وسلوكيات الخليلي، وسلوكيات الرواحي.
(2) ينظر السيابي: أحمد بن سعود، أبو مسلم البهلاني الرواحي، "المدرسة التي ينتمي اليها، بحث ضمن قراءات في فكر البهلاني، 50
(3) من الشعراء الذين تأثروا بهذا التوجه، أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، وعبد الرحمن بن ناصر الريامي، وراشد بن سيف اللمكي، وخلفان بن جميل السيابي وغيرهم.
(4) د. محمد عمايرة، نظرة جديدة الى التراث، دار قتيبة، ط2، 1988، 132. (1/163)
صفحة 164
... فالإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرد جلسات وطقوس وتجمعات وأناشيد تتلى "وإنما أخذت الخلوة الانفرادية واستعمال الأوراد" (1) كما أن عقيدة الإباضية في التنزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه، فضلاً عن التوحد معه (2) ولذلك فهم ينتقدون الصوفية في ذلك، فالشاعر العلامة، سلطان بن محمد البطاشي يقول:
نظر الجليل من العبادةِ والسِّيا ... حةِ والزهادة طُلبة المتصوّفة
طَمَستْ بصائرَهم أشعةُ نوره ... فعموا بذاك عن السبيلِ المزلفة (3)
... على أنه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر السلوك عند الإباضية، لكنهم بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها، فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظاً على معطيات الفكر الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في بعض الجوانب التي استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، بما يؤدي إلى الارتقاء بالنفس إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس
وترويضها، وتعويدها على الطاعة، والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة.
... إن هنالك عوامل أسهمت في ظهور هذا التيار من الشعر السلوكي، لعل أهمها انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية التي اشتعل أوارها في عمان آنذاك، والواقع الاجتماعي والسياسي الذي أفرز حالات من الإحساس بالظلم والحيف.
__________
(1) السيابي: أحمد بن سعود، أبو مسلم البهلاني الرواحي، مصدر سابق، 50.
(2) انظر: القشيري: أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن، الرسالة القشيرية، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، ط1، 1966، 2/ 983.
(3) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، على سموط الجمان، 1/156. (1/164)
صفحة 165
... وعلى ذلك يحسن بنا أن نتحدث في هذا المقام عن استخدام الشاعر الإباضي جملة من الألفاظ والمصطلحات والأساليب الصوفية المدونة في قواميسهم واستخداماتهم الخاصة، ولكنه لم يكن يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات، دون أن يحمّلها بُعدا صوفيا خاصا.
... ومن أبرز الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذا المجال الزهد في الحياة والتحذير من الدنيا وآفاتها، ويعد الشاعر أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت1237هـ) من أوائل الشعراء المتأثرين بالنهج الصوفي في عمومه، حيث اتجه الشاعر إلى النفس، في محاولة لرسم معالم إصلاحها، والخروج بها من ربقة الهوى، إلى عالم يسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية لله عز وجل، ويدعو إلى تنقية النفس من ظلم الجهالة والهوى فيقول:
فَقَدّسْ هُديْتَ – النَّفسَ من رين جَهْلها ... به عاجلاً تْمحقْ به الذاتَ والذنْبا
وبادرً إلى تجريدها من مزاجها ... وإخراجها من يمِّ أمشاجها سَحْبَا
فإني أراها عن يقين غريقةً ... على قبحها في قعْر بحْرِ الهْوىَ عَطْبا (1)
... ويمضي الشاعر في التحذير من النفس، مبينا أن حب الله لا يكون إلا بامتثال أوامره، والانشغال بحبه عن كل ما سواه، قائلاً في صفات من يتمكن من الوصول إلى مرضاته:
حَدا عيسَهُ روْماً له لا لغيرِه ... على ظهر رَوْض الحُبِّ مهما دُعى لَبّا
يجوبُ الفلا منها بها في مروجِها ... على أوجها منها بمعراجها هَضْبَا
ولمّا يزلْ في صمده قاصدُاً له ... بمرصاده حتى تنيخ به الركبا
فنى في هواه عن سواه له به ... وعدّ عن الأغيار في غوره عَصْبا (2)
وهذه من مراتب الكمالات التي لا يصلها الإنسان إلا إذا ارتقى بنفسه إلى مرتبة اليقين والإخلاص، عندها تتفجّر ينابيع العلم في قلبه (3) فيمتلك زمام نفسه، فيقول:
__________
(1) مجهول: مجموع القصائد، مخطوط، مكتبة السالمي، 74.
(2) المصدر نفسه، 75
(3) المصدر نفسه، 76. (1/165)
صفحة 166
فطوبى لمن في نفسه عن صفاتها ... تخلّى وحلّى قلبه فانجلى هَجْبا
وأرخى إلى مولاه هوجاء نفسه ... مُجدّاً على جدّ لوجدٍ جَرى ضَرْبا
ولمّا يزلْ يرقى بمرقى التقى بها ... يرَومُ الرِضا خوف الشّقا إن قضى نَحْبا (1)
... حيث أن الغاية التي يسعى الشاعر الإباضي اليها، ليس الوصول إلى تجلي الذات الآلهية للسالك، بل نجده يركز على الارتقاء بالنفس، ناشداً القبول من الله عز وجل، كي يعبر بالنفس إلى السعادة الأبدية المتمثلة في رضاه ودخول جنته، خوفا من الوقوع في العذاب الأبدي، ولا بأس بعد ذلك أن يهنّئ من يتمكّن من الوصول إلى تلك المرتبة، مستفيدا من بعض مصطلحات التصوف، كالمقامات والمريد، في قوله:
مضَى في مقامات اليقينِ على الرّضى ... نشا فانْتشَى عن غيرهِ والهاً رُعْبا
عميداً لمولاه مُريداً له به ... يعبُّ الذي أولاه في حُبًّه نعبأ
هنيئاً له يا حبّذا من سُميدعِ ... صفيِّ خفيِّ والعَصيُّ له تبّا (2)
... ونجد الشاعر بشير بن عامر الغزاري (من علماء ق13هـ) يخاطب الإنسان الذي غرته الحياة، فنام نوما هنيئا، ناسيا أجله، فأي راحة وهناء لمن يلاحقه الموت، وترصده المنايا، متسائلا كيف تطعم عيناه الغمض؟ جاء بذلك في صورة الوعظ والإرشاد، داعيا إلى الاستعداد لليوم الذي يتحتم وقوعه.
... ولا ريب أن مثل ذلك القول، وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها فيقول الشاعر:
أيها الغرُّ كيف تطعَمُ غَمْضَا ... والمنايا يرْكُضنَ حولَك رَكْضا
بادر الموت للمعاد بزاد ... صالح تلقَ ما تحبُّ وترضى
تب إلى الله من معاصيك وانْدُبْ ... عُمَراً منكَ في الذّنوبِ تقضّى (3)
__________
(1) المصدر نفسه، 76.
(2) المصدر نفسه، 76
(3) البوسعيدي: حمد بن سيف بن محمد، قلائد الجمان، 33 (1/166)
صفحة 167
فهو يدعو إلى المبادرة بالمتاب، قبل أن يغلق باب التوبة، داعيا إلى التزود بالعمل الصالح، فالكل يقدم على ما قدّم، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، وكل ذلك انعكاس للفكر الإباضي في عمومه قائلاً:
ذبّ عن نفسك المعاصىَ ذّباً ... وارفضنَّ الفضولَ ما عشْتَ رَفْضا
رَحم اللهُ مذنباً تابَ ممّا ... كان منهُ وأقرض الله قرْضا
زوّدِ النفسَ فالرحيلُ قريبٌ ... وافعلِ الخيرَ تَلْقَ رَفْعاً وحفظاً (1)
... ويحذر الشاعر أبو مسلم الرواحي النفس من الدنيا وزينتها، ضمن مشاعر داعية إلى التأمل في حقيقة المآل، ولعله كان يتوجه بخطابه إلى نفسه، حيث جرد منها شخصا يخاطبه ويحاوره، يقول في مطلعها:
ماذا تريدُ من الدنيا تُعانيها ... أما ترى كيف تفنيها عَواديها (2)
ومن ثم يصور خدائعها ومكرها، محذرا من الافتتان بها، قائلا في وصفها:
غدّارةُ ما وَفتْ عهْداً وإنْ وَعَدتْ ... خانَتْ وإنْ ساَلمتْ فالحربُ توريها
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وانفر فديتك عنها إنها فِتنٌ ... والشاهداتُ على قوْلي معانيها
تُريك حُسناً وتحت الحُسْن مَهْلكةٌ ... يا عاشقيها أما بانت مساويها (3)
... وبعد ان أفاض الشاعر في بيان صفات الدنيا الغادرة في تصور إسلامي لها، دعا ألا يخدع الإنسان بنضارتها، فيستعد للقاء الله بالعمل الصالح، متخذا الدنيا جسراً يعبر من خلاله إلى دار الخلود، مردفا حديثه ببيان صفات الأكياس من الناس، الذين يزِنون أعمالهم بميزان الإسلام، لأن الدنيا دار عمل والأخرة دار جزاء، وكل يجازى على عمله، فيقول:
ما هكذا عمل الأكياس فانتبهوا ... من غفلة وعَما يات تؤاتيها
حَقَّا ولا سلك الأبرار مسلكَها ... ساروا خماصا من الدَّنيا وما فيها (4)
... إلى أن يقول راسما صفات رجال الله الذين لم تختلهم الدنيا بزهرتها حيث:
__________
(1) المصدر نفسه، 33
(2) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 353
(3) المصدر نفسه: 353
(4) المصدر نفسه، 354 (1/167)
صفحة 168
لم ينجُ منها سوى المستبصرين بها ... ولا تَوَهَّقَ فيها غيرُ غاويها
فَرَّوا إلى الله من دُنيا تجارتُها ... خُسْرٌ وغمٌ وآفاتٌ تُصاليها
رأوا يقينا بأن الله حقَّرها ... فنابذوها ولم يُصغوا لداعيها
وحاربوا النفسَ والشيطانَ واجْتنبُوا ... ذُلَّ الحياة لريِّ من سواقيها
أزكى بضاعتهم منها قناعُتهم ... على الكفافِ وأن تبقى لأهليها (1)
إنها أبيات في الزهد، ولكنها أيضا ترسم سمات الشراة الذين لم يلتفتوا إلى الدنيا ولم يصغوا لإغراءاتها، وكما دعا الإنسان إلى المبادرة بالتوبة، نجد أنه يحذره من مغبة المعصية، مشيرا إلى مصطلح العاصي عند الإباضية وهو "كفر النعمة" وعليه فإنه ليس أمامه سوى التوبة النصوح حين يقول:
لزمتَ فعلَ معاصيه بنعمته ... أنعمة الله بالكفرانِ تُجزيها
تغذوك نَعْماهُ يابطَّال ناميةً ... بغير حولكَ فضلاً منه يوُليها
وأنت تقوى مليَّا في مَسَاخطه ... بنعمة منه لا مخلوقَ يُحْصيها
فأفرِغ الدَّمْعَ إنَّ الذنبَ منطبق ... ياغُمَّة ليس غير التوب يجليها (2)
ويأتي تحذير الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من الدنيا ممتزجا بالتأمل فيها، في نظرة فلسفية تقوم على مبدأ التفكير بداية، ثم الاستنتاج ثانيا، حين يقول:
وأرنو إلى الدنيا بعين تفكُّرٍ ... فلم أرني أرنو إلى غير هُجرانِ
ولم أرها إلا غروراً وزخرفاً ... تُشوّشُ لي ديني فكنُت لها شاني (3)
... ومن هذا المنطلق فإن الشاعر لم يقْلُ الدنيا، إلا وهو عارف بأحوالها، فحبها وحب الله لا يستويان، ولذلك شد الشاعر رحاله، مولّيا وجهه صوب خالقه، متوكلا عليه، بعد أن أشرق نور الإيمان في قلبه قائلاً:
فوجَّهتُ وجهي تاركاً كلَّ مظهر ... إلى المظهر الأعلى صرفتُ عناني
وخلَّفتُ كلّ الكائنات ترقياً ... فعاينتُ نورُ الحقِّ نصبَ عياني
فلمْ أر نفسي أو شهدتُ ظهوَره ... وأينَ الدُّجى قد أشرق القمرانِ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 355
(2) المصدر نفسه، 356
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 29 (1/168)
صفحة 169
بدا فاختفى كلُّ المظاهر وانتفى ... سواه فلا غيرٌ هنالكَ ثانِ (1)
... إن هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكتسب توجهها عبر نظرة سلوكيةٍ تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبّرَ عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أن ألفاظها (فعاييت نور الحق – شهدت ظهوره – بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر، عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أن الشاعر لم يذهب الى ذلك، فهو بعد أن ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلّت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه، يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:
وقال لمن رام العلامة انها ... المجافاة ... عن دار الغرور بسلوانِ
منيباً إلى دار الخلود تأهَّباً ... ليومِ نزول الموت أُهبَة لهفانِ (2)
... ومن القصائد المتأثرة بالتصوف قصيدة نلمس من خلالها المسحة التصوفية، بما يمثل شخصية (السالك) الذي نزع من قلبه كل شيء عدا حب الله عز وجل، فأشرق نور الإيمان في قلبه، وكانت لفظة "العارفين" من الألفاظ التصوفية التي استخدمها الشاعر أبو نبهان الخروصي حين يقول:
شموسُ قلوب العارفين بوازغُ ... ومن حُبِّ غير الله هنَّ فوارغُ
لها في خفيّات الخفيِّ مطالعً ... وفي غَرْبِ أعيان العَيانِ مبازغُ
وفي سرّ إشراقِ النفوسِ مشارقً ... لآفاق أوفاقِ النقاقِ دوامغُ (3)
... ونجد في سلوكيات هذا الشاعر مسحة تأملية في مخلوقات الله، بدأ كل بيت فيها بكلمة "سبحان" للدلالة على عظم شأنه عز وجل، والتفكر في مخلوقاته الدالة على
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 12
(2) المصدر نفسه، 28
(3) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 1: 147. (1/169)
صفحة 170
بديع صنعه، وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقائدي، يقول الشاعر:
سُبحانَ من شهدَ الوجودُ بجوده ... ووُجوده سُبحانَه سُبْحانَا
سُبحانَ من هو أوّلٌ بلْ آخرُ ... قد كانَ فرْداً دائماً منّانا
سبحانَ من هو ظاهرٌ في فعْلِهِ ... بَلْ باطنٌ في وَصْفه مولانا
الى أن يقول في توحيده سبحانه:
سبحانه القدّوسُ قدّسَ نَفْسَهُ ... وبسورة الإخلاص عنه أبانا
سبحان من قد يستحيلُ بوصفه ... أنّى وأين وكيف بل أيَّانا (1)
وطبيعي ألا نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي، كما هو الحال في فلسفة المتصوفة، ذلك أنهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته، فالشاعر أبو نبهان الخروصي، حين أشار الى أقسام العارفين بالله يقول:
والناظرون بنور الله نورهمِ ... في قالبِ مثل نور الشمس مركوزُ (2)
أهلُ الجهادِ وأهل الاجتهادِ هم ... أربابُ وجد لهم في السّر تمييز
فالسرَّ منكشفٌ في حقهم وكذا ... ما في الحقائق بالتحقيق مكنوزُ
تعرَّفوا الحقَّ لما الحقّ عرَّفُهم ... عُرْفَ المعارفِ والتعريفُ تعزيزُ
واستنشقوا من ختامِ الحبِّ رائحة ... راحوا بها وجَميعُ الغيرِ مفلوزُ (3) (4)
والناظر الى هذه الأبيات وما بعدها على ما تكتنفه من أساليب صوفية، لن يجد في ثناياها ما يخرج عن دواعي التوحيد، ولوازم الإيمان، فبعد أن تحدث عن انكشاف سر معرفة الله، من خلال ما عرفهم به من الآيات الدالة عليه، ركز على نتيجة مهمة، ذات انعكاس عقائدي إباضي، وهي أنه سوف يتجلّى لهم كل شيء من الحقائق الكونية والمعرفية عدا ظهوره لهم ظهورا حقيقيا، فيقول:
فأشرقت من دياجي الجهلِ أنفسُهم ... نوراً به إذبه الإيمانُ معزوزُ
__________
(1) المصدر نفسه، 140
(2) مركوز: ثابت
(3) مفلوز: خسران
(4) انظر القصيدة في جريدة عمان، الخميس 26 رجب 1415هـ، 29/12/1994، 12. (1/170)
صفحة 171
وعاينوا ما سواهُ لا ظهورَ لهُ ... كيف الظهورُ وحقَّ الحِق مبروزُ
ففارقوا الخلقَ للسر الذي شهدوا ... في مشهد الصدقِ والتصديق مفروزُ (1)
ويستخدم الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي جملة من المصطلحات الصوفية، من مثل "الفناء، المقامات، الذوق..الخ" وإن أطلق عليها مقامات أهل السلوك لا أهل التصوف، مشيرا إلى المحبة الإلهية، ومن رزقها، قائلاً:
وإن ساعة أفناكَ أبقاكَ خالداً ... بِوَصْف له باقٍ صفاتِك أعدَمَا
وإن هو جلَّى منكَ بعضَ صِفاتِه ... فما كنتَ أنت الآن أنتَ المقدّمَا
وفيها مقاماتٌ لأهل سُلوكها ... شموساً وأقماراً تنيرُ وأنجما
فمن ذاقَ منها نَغْبةً ماتَ رغبةً ... ومَنْ لم يذُقْها ماتَ بالغمّ مُسْقَما
ويتخلص من ذلك إلى ذكر نفسه، متوجها إلى مولاه، تاركا كل شيء وراءه قائلا:
سأرحل عنهم أجمعين إلى الذي ... به لذَّ لي ذُليّ وعِزّي تهجَّمَا
عسى أنني أدعا دعيَّا ببابه ... إذ الم أكُنْ باسم الخديمِ مُوسَّما (2)
... وقد يستهل الشاعر قصيدته السلوكية استهلالاً تمتزج فيه العواطف السامية للمحبوب بالوصف الحسي، بما يشبه الغزل في الشعر العربي، وهي من عادة المتصوفة، حين يُعبّرُ الشاعر عن شدة تعلقه بالمحبوب وهو الله عز وجل، فيقول:
نَسيمُ نوالكمُ السَّجْسَجُ ... ونورُ وصالكمُ الأبْلجُ
وحُسْنُ جمالكمُ مُشرقٌ ... وبدرُ كما لِكُم مُسْرَجُ
وطيبُ ثناكمَ وذكرا كم ... هو الراّح للروحِ قد تبهجُ (3)
وقَلْبيَ يصبو إلى حُبَّكُْم ... وعَينْي إلى حَيِّكم تُخْلُجُ
أميلُ إليكم بكّليتي ... وإلاّ إليكم فلا أدرُج (4)
__________
(1) انظر القصيدة في جريدة عمان، الخميس 26 رجب 1415هـ-29/12/1994، 12.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخطوط، 6، 7
(3) المصدر نفسه، 20
(4) الخليلي: سعبد بن خلفان، ديوانه، مخطوط، 21 (1/171)
صفحة 172
... ومن ثم يدخلنا الشاعر إلى عالم من الرموز الصوفية، التي يتجاوز بها الشاعر العالم الحسي إلى ما وراء الواقع، في لغة أقرب إلى الإشارات المجازية، من مثل (الراح، والروح والشغف والسكر والتلاشي والوصال، والشرب والخمر والشوق والتوق والغوث..الخ" (1)
... وتشكل مناجاة الله سبحانه وتعالى والجأر إليه بالدعاء، إقراراً بالتقصير في حقه، جانبا من جوانب التأثر بالأسلوب الصوفي في بنائه العام، فالشاعر خلفان السيابي، يناجى ربه، متوسلا إليه، باثا شكواه، مقرا بعيوبه في قصيدته "القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية" حين يقول:
على بابِ من أهْوى يلذّ لي الذلٌ ... فياعزَّ قوم تحت أعتابه ذَلّوا
أحبَّتنا إنَّ الصُّدود مُعذّبي ... ولكنْ عذابي مُرُّه فيكم يحلوُ
أجودُ بنفسي في هواكم وإنّها ... لمن عندكم والفرعُ مرجعُه الأصْلُ
فإن تقبلوها فهو لي غايةُ الْمُنَى ... وإلاّ فواويْلاه أنْ دُفعَ البَذلُ
تَقَطَّعت الأسبْابُ إلاّ إليكمُ ... وَرثَّتْ عرى الآمالِ وانفصمَ الحَبْلُ (2)
ويتوجه الى الله سبحانه معترفا بذنوبه، معددّا عيوبه، طامعا في كرم مولاه، مكررا "إلهي في عدد من الأبيات حين يقول:
إلهي أنا العبدُ الذي جاءَ حاملاً ... ذنوباً وأوزاراً بها غرّه الجهلُ
إلهي أنا العبدُ المسيء الذي جنى ... على نفسه ما لا يُطاق له حملُ
إلى أن يقول:
إلهي أنا العبُد الذليلُ وكيف لا ... وعِزّكَ منْقادٌ له البعضُ والكُلُّ
وكيف ينالُ الضيمُ والهضمُ جانبي ... وأنت نصيري أم يمُّر بي الذلُّ (3)
ولتأكيد عظمة الله سبحانه، وبيان توحيده، وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال، وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته، قائلاً:
لقد دفعتنى الكائناتُ بأسرها ... إليكم فلا وَعْرٌ يقيني ولا سَهْلُ
__________
(1) المصدر نفسه، 21، 22
(2) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 133.
(3) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 135 (1/172)
صفحة 173
وجودُك قبل القْبل والبعدُ بعَدهُ ... فمن ثمّ فيه ينطوي البعدُ والقبلُ
وكنتَ ولا كونٌ لأنّك أوّلٌ ... وما ثَّم سَبْقٌ أو لحوقٌ له يتلو
وكوّنتَ كلَّ الكائنات بكن وما ... هنالك لفظٌ أو نظيرٌ ولا مثْلَ
تعاليتَ عن كيفٍ وكيّفت كيفَنَا ... وُقدِّستَ عن أين نُعوتاً لمن حَلّوا (1)
ومن يتأمل قصيدة الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي "المعراج الأسنى" يلحظ أن الشاعر بناها بناء مزدوجا، ففيها تأثر بأساليب الصوفية ومصطلحاتهم، وفيها اتكاء على مرتكزات الفكر الإباضي ومبادئه استهلها بقوله:
سلوكُ طريق العارفينَ بِعرْفانِ ... يلذّ لأرواح غذين بإيمانِ (2)
ومن ثم توجه لبيان الوسيلة التي يتوصل بها الإباضي إلى طريقة السالكين حيث يقول:
وهاك أخي نعت الطريق إذا به ... أردت سلوكاً كي تفوزَ بإحسان (3)
مشيرا إلى المقامات التي تمثل الطريق الذي يمكنهم من معرفة حقيقة الإيمان، كما دل عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) متحدثا عن المقامات الإيمانية الثلاث: الإسلام ومسلتزماته الظاهرة (5) والإيمان وتحقيقاته الباطنة (6) والإحسان، كقوله:
وما بعد هذا من مقام لإيمانِ ... سوى الباذخ العالي بنسبة إحسانِ
مقامٌ بتحقيقِ الشهودِ مخصّص ... لعبدٍ بُتولٍ في العبادةِ وَلْهانَ (7)
__________
(1) المصدر نفسه، 133.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 25.
(3) المصدر نفسه، 27
(4) انظر البخاري: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1958، 1: 19.
(5) انظر الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 27
(6) المصدر نفسه، 28.
(7) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 33. (1/173)
صفحة 174
ومن ثم يبين الشاعر أنه لابد من تحويل هذه المقامات الإيمانية إلى واقع عملي، يستشعر الإنسان فيها عظمة ربه، ودقة مراقبته له، والله سبحانه لم يطلب من الإنسان الإيمان بهذه الأركان لمجرد النطق والذكر، ولكنه مُطالب بأن يتخذ من كل موقف إيماني طريقا يتلمسه للوصول إلى حقيقة تلك المقامات كقوله:
فبالله إيماني يقيٌن يقيُمنى ... ويُقْعدُني لله في كُلّ أحْيانِ
وُيلهمنُي سرَّ القيام بخدْمتِي ... لطاعة مَوْلايَ الذي هو سوَّاني
فبين الرَّجا والخوف منه أقامني ... ذنوبٌ أخافت أو رجاءٌ لغفران (1)
ويتحدث عن حالات السالكين، ومجاهدتهم مبينا الأسباب التي ترقى بهم للوصول إلى المقامات العليا، مركزاً على وجوب تقديس المولى عن الرؤية الحقيقية بالعين، حين يقول:
يحنُّ إلى ذكر الحبيب وَقُر به ... حنينَ الثَّكالى قد ضُنْين بأشجْان
تبتَّل في الأذكار عن ذكرِ نفسه ... فغابَ بها عنها وكان بها فان (2)
ولاح تجلّي الحق فيه لعينه ... بمرآته كشفا يراهُ بوجدان (3)
والناظر في شعر أبي مسلم الرواحي في بعده السلوكي التصوفي، يصعب عليه الإحاطة بأذكاره لأن أغلب شعره أذكار وتوسل، حيث يستغرق شعره السلوكي نصف ديوانه تقريبا. (4)
... وحسبنا أن نأخذ نماذج ممثلة لقصائده السلوكية، كمطلولته التائية، التي بلغت ألفا وخمسمائة بيت وأربعة وتسعين بيتا، في المناجاة الإلهية والتضرع للمولى سبحانه من خلال التوسل بأسمائه الحسنى، حيث يبتهل إلى الله سبحانه، ضمن خلوة روحية، اختار لها الفن الشعري وسيلة لذلك، متقرّبا بأسمائه، قائلاً:
بأسمائك الحُسْنَى تقرّبتُ سَيِّدي ... إليكَ مجدَّا في هتافي وقربتِي
جعلتُ سمير الطَّبْعِ ترتيل ذكرها ... لوجهك ربي خلوةً بعد خلوةِ
بحقّك أمْطرْني سحائب سرِّها ... بما خصّ كلاّ من كمال وقوّة
__________
(1) المصدر نفسه، 28، 29.
(2) الأصل أن يقول "فانيا" لأنها خبر كان.
(3) المصدر نفسه، 35.
(4) حيث تستغرق قصائده السلوكية من ص 5-185. (1/174)
صفحة 175
وهبْ لي بها من كُلّ خير أتمَّه ... إلهي في الدنيا في الأخرويَّة (1)
علما أن الشاعر قد ذكر في مقدمة قصائده السلوكية هذه، أنه جعل من نفسه خادما لطريقة هام بها قبله أهل الاستقامة "الإباضية" احترازاً منه، وتوقعا لما يمكن أن يلقاه من تساؤل أو انتقاد لهذا التوجه، وقد حشد في هذه المقدمة جمعا من المفردات الصوفية التي أدخلها قاموسه الشعري مؤكدا على أنه انتقى أذكاره – هذه- من نيّر الذكر "القرآن الكريم" حيث يقول:
نصبتُ لهم من نيّر الذكر مَعْلما ... وبؤأتُهم من أنْفع الذُّخْر مَغْنمَا
وصيَّرتُ نفسي خادماً لطريقةٍ ... بها هامَ أهلُ الله في الأرض والسَّما
فيالرجال الحُبّ والكأسُ مُفْعمٌ ... هلُمَّ اشربوا هذا المغنَّى ترنما
عصرتُ لكم من خمرةِ الله صفوها ... فموتوا بها سُكرْاً فما السّكرُ مأثما
لقد هام أهل الاستقامة قبلنا ... بها فانتشوا بين الخليقة هُيّما (2)
ولذلك نجد أن أبا مسلم الرواحي قد اتخذ الشعر متنفّسا يبعث من خلاله صادق دعواته إلى الله سبحانه، مستثمرا ما يدل عليه معنى كل اسم من أسمائه الحسنى، يدعو بها مولاه، يدلنا على ذلك ما ورد في خواتم دعواته التوسلية التي يضعها نهاية كل نفحة من نفحاته السلوكية، كأن يقول بعد أن توجه إليه بجميع أسمائه الحسنى:
إلهي هذا موقفُ الخوفِ والرّجا ... وهذا مقامُ العائذِ المتُثبِّتِ
إلهي ما أوقفتني موقفَ الدّعا ... لطردٍ وإبلاسٍ ويأسٍ وخَيْبةٍ
إلى أن يقول معبرا عن محبته سبحانه وشوقه إلى لقائه:
حدا بي إليكَ الشوقُ والذوقُ سيّدي ... وأوقفتُ ذنبي تحتَ عزّ المشيئةِ
وقدَّمتُ نفسي قذّرتها ذنوبُها ... لتغسِلها بالرَّحْمةِ الأزليّةِ
وقدّمْتُ نفسي والمصائبُ جَمّةٌ ... لتْلطفَ بيْ في النازلاتِ الوبيلةِ (3)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان مخطوط، 70
(2) المصدر نفسه، 5
(3) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 68، 69. (1/175)
صفحة 176
على أن الشاعر لم يكتف بهذه المطوّلة فحسب، ولكنه عاد إلى أسماء الله الحسنى، داعيا ربه بها مرات عدة، فنجد الشاعر قد قسمها إلى ثمانية أذكار (1) تصب جميعها في قالب الابتهال والتوسل، والمناجاة، في لحظات صفاء روحية، نابعة من حناياه، ولبيان طريقته في ابتهاله نذكر مثالاً من الذكر الثالث المعنون ب "المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى" الذي استهله الشاعر بمقدمة نثرية يقول فيها "وبعد فهذه نفثات عرشية، وكلمات قدسية، عبق عبيرها من رياض الأسرار الفرقانية، وأشرق ضؤها عن مشكاة الأنوار الأسمائية" (2) فهي كلمات تؤكد نبع أذكاره، وتوضّح حقيقة استمداده، المتعلق بكتاب الله وأسمائه الحسنى، ومن ثم نجد الشاعر يمنحها عنوانات داخلية، تلقي الضوء على أهداف تلك الابتهالات التي يقسمها على النحو التالي:
- مقدمة في شروط الذكر.
- اللطيفة الأولى: في سؤال تزكية النفس.
- اللطيفة الثانية: في إمداد الأنوار العلمية والأسرار الحكمية.
- اللطيفة الثالثة: في الدعاء لرفع الآفات والكلاءة من طوارق المخافات.
- اللطيفة الرابعة: في تطهير النفس بالاستغفار من الأوزار.
- اللطيفة الخامسة: لفتح خزائن النعم وانبساط فيوض الكرم.
- اللطيفة السادسة: في كسر شوكة الفساد وحسم صائلة العناد
- الخاتمة (3)
__________
(1) انظر عناوين هذه الأذكار في المصدر نفسه الصفحات 5، 74، 84، 89، 92، 107، 124، 143.
(2) المصدر نفسه، 84
(3) انظر هذه اللطائف في المصدر السابق، 84، 85، 86، 87، 88 (1/176)
صفحة 177
"إن الدارس عندما يقرأ هذه العناوين أو هذه اللطائف الست يتذكر –ولا شك- مقامات وأحوال المتصوفة التي وصفوها للسالك في هذا الطريق" (1) مما يمكننا من القول من خلال دلالات هذه اللطائف واستيحاءاتها، إضافة إلى المصطلحات والرموز الصوفية التي استعارها أبو مسلم على وجه الخصوص وغيره من الشعراء الإباضية المتأثرين بهذا المسلك على وجه العموم، إن الشاعر قد تأثر بالطريقة الصوفية في الذكر، بل إن آداب الذكر وشروطها التي أشار اليها أبو مسلم في مقدمته لشروط الذكر، تعكس أداب الذكر عند الصوفية في عمومها. لكنها على أية حال إنما هي "من آداب الدعاء قبل أن تكون طقوساً صوفية لأنها لا تخرج عن إطار الإعداد الروحي للسمو بالنفس من دنيا المادة" (2) بحيث لا نجد في هذه الشروط ما يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالفكر الإباضي في أيِّ من جوانبه، كأن يقول أبو مسلم:
فأولُه التطهيرُ للقلب من أذى الـ ... معاصي وثانيه التفرّدُ في الخَلا
وثالثه الإخلاصُ لله وحدهَ ... وهذا ملاكُ الأمر فاْلزَمْه مُقْبِلا
ورابعُه استقبالك البيتَ في الدّعا ... وخامسُه كونُ الوضوءِ مُكمّلا
وسادسُه صومُ الخميس محبّبٌ ... وفي سَحرِ الزّهْراءِ للذكرِ فاعْملا (3)
فهي شروط تؤدي إلى تخلص الإنسان من علائق الذنوب، وتؤصل علاقته بالله سبحانه وتعالى، ليكون جديراً بمخاطبة مولاه، ورفع مطالبه إليه، بعد أن دعاه بأحبِّ أسمائه موقنا بالإجابة وإن أحس بتقصيره قائلاً:
دعوت وما قدمتُ لي من ذريعةٍ ... ولكن بحسن الظَّنّ جئتُ مؤمِّلا
ومن ذا الذي ناجاك يا ربّ مخلصاً ... فما باء بالحظ الوفيِّ مُعجِّلا (4)
__________
(1) د. محمد ناصر: أبو مسلم البهلاني الرواحي في شعر الابتهالي، بحث منشور ضمن كتاب: قراءات في فكر البهلاني الرواحي، ط1، 1418هـ 1998م وزارة التراث 98.
(2) المصدر نفسه، 99
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 84
(4) المصدر نفسه 88 (1/177)
صفحة 178
وهو قد انطلق في مطالبه من خلال فكر إباضي في خصوصيته، إسلامي في عمومه، داعيا على دولة تسربلت بالبغي والظلم قائلاً:
ويا قاهرُ اقْصمْ دولة السَّوء وامْحُها ... وشَردْ بها واشُددْ عليها معجِّلا
ويا وارث اصرِفْ سوْرةَ البغى وانتقمْ ... بعد لك ممَّن بالضّلال تسربلا (1)
وفي موقف سياسي يعكس رؤية المذهب، ينطلق لسانه بالابتهال، في لهجة تنساب فيها خلجات نفسه، مع هموم أمته قائلاً:
ويا باعثُ ابعثْ رايةَ الحقِّ حولَها ... جنوُدك تبلو في رضاك وتُبتلى
ويا قائما بالقسط قَوّمْ مُسَدَّدا ... قويا على إظهار دينك فَيْصَلا
يصولُ سريعاً يا سريعُ بنقمة ... على كلِّ ضِلّيلٍ عن الحق أجفلا (2)
... وبذلك نلاحظ أن شعراء الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم يخرجوا عن جادة الإباضية الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب، وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة جاءت بفعل المخزون الثقافي لهؤلاء الشعراء.
شعر المديح النبوي والفكر الإباضي:
... وأخيرا فإن مما يتصل بالشعر السلوكي التصوفي "المديح النبوي"، الذي يتميز بصدق العاطفة والترجمة الحقيقية لما يعتمل في النفس من محبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - والتعلق بذاته الكريمة، ترجمة لدواعي الإيمان التي أوجبت على المسلم أن يكون عليه الصلاة والسلام أحبّ إليه من كل مخلوق سواه. وخير ما يمثل شدة الحب له، وغاية التعلق به - صلى الله عليه وسلم - في الشعر الإباضي قصيدة أبي مسلم الرواحي التي جعل فيها رسول الله حبيبا يناجيه ويخاطبه، ضمن معان تعكس الشوق إليه، والكلف به، بأسلوب محتشم ليقول في قصيدته:
أنوارُ حُبّك في قلبي قد انطبعت ... جبلَّةً كانطباع الشّمس في القمرِ
ما زال حبّك في روحي يخامِرُها ... حتى تجرّدت عن عيني وعن أثري
الى أن يقول:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 87
(2) المصدر نفسه 88 (1/178)
صفحة 179
وجدتُ روحي صريعاً في مَصارعِهِ ... يا حُبُّ لا تبقِ من روحي ولا تذرِ
نارُ المحبة نارٌ لا يقامُ لها ... لواحةٌ قسماً بالحب للبشرِ
طارحتُ أهلَ الهوى حتى بُليتُ به ... ففتّهم ومشوا خلفي على أثري (1)
وفي إشارة الشاعر إلى مسألة العلة والمعلول بما يخدم مديحه، ويدل على عمق محبته يقول:
إن كان حبُيَ معلولاً فأنْتَ لها ... أدْركْ عليلَك قبل الأخْذ في الخطرِ
فدى لك الكونُ لا أسلو بزهرته ... عن فَرط حُبِّك يا من حُبّه وزري
وكيف تفدى بكون أنْتَ علَّتهُ ... لولاك ما أوجْدتْ موجودةُ الفَطرِ
لو كنُت أعلمُ غيرَ الحب منزلةً ... تُدني إليكَ لكانتْ مُنتْهَى خَبَري (2)
فالشاعر كما هو واضح من الأبيات، كان متقد العاطفة، ملتهب المشاعر، تملأ جوانبه محبة عارمة، ففاضت على لسانه مثل تلك التعابير التي أوصلته إلى ما يسمى بالحقيقة المحمدية، ومنها ما يسمى "علة الكون" التي ذكرها الشاعر، في هذه الأبيات وأشار إليها صراحة بعد ذلك بقوله:
يا مصطفى الله يا مختارَ نظرتة ... يا أصلَ ما أظهرَ الأبداعُ من فِطرِ
يا من تقدّم نوراً في حضائر نو ... ر الله حتى تلقّاه أبو البشرِ
فلم تزل تتلقّاه الكرامُ على ... طهارةِ الشرعِ حتى حَلَّ في مُضر
حتى تهلل في مشكاةِ آمنةٍ ... يا أخت زهرة حزتِ النورَ فازدهري (3)
وهي مسألة أخذت تفسيرات مختلفة، لا شك ان أبا مسلم قد تأثر فيها بمنهج تصوفي بحت.
ونجد الشاعر محمد بن شيخان السالمي يتشوق إلى أرض الحجاز، الذي اختلط حنينه فيها، بمشاعره الدينية لزيارة مثوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول:
لهوى الحجازِ بأفْقِ قلبي مَبْدأُ ... فلذا يعودُ لي الغرامُ وَيبدأ
صَبٌّ يحنُّ إلى الحمى فشجونه ... تَرْقى ودَمْعُ جفونهِ لا ترْقاً (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن مسلم بن عديم، الديوان، مخطوط، 187.
(2) المصدر نفسه 187
(3) المصدر نفسه، 186، 188.
(4) السالمي: محمد بن شبخان، الديوان، 19 (1/179)
صفحة 180
ويكرر صورة نظرية الحقيقة المحمدية باعتبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - علة الوجود وسره، فهو المتقدم المتأخر، يقول الشاعر:
العاقبُ الماضي الذي آياتُه ... في صفحة الأكوانِ قدماً تُقرأُ
المصدرُ الأصلُ الذي قامت ... عليه ... الكائناتُ فكان منه المنشأ (1)
وتتكرر هذه المعاني على لسان الشاعر عبد الله الخليلي، فقد وصف الرسول في مدحته بأنه نور الوجود، وروحه فلولاه لما نبض عرقه، ولا جرى ماؤه، فيقول:
أنت نورُ الوجود يا صفوةَ ... الله ... وأنت المقامةُ الشَّمّاءُ
أنت روحُ الوجود لولاك لم ... ينبض ... عليه عرقٌ ولم يجرِ ماءُ (2)
ونجد الشاعر الخليلي في مقام آخر يتحسر على ما آل اليه وضع الأمة فينادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالبا منه أن يدرك هذه الأمة (3) فيقول:
ما باُلنا يا رسول الله في دمنا ... ندعوكَ دعوة جزّار على وضمِ
نحنُ الّذينَ ورثنا منكَ شيمتَنَا ... فما لها تدّعيها سائرُ الأممِ (4)
ويعترف الشاعر بعجزه عن بلوغ حقيقة مدحه فيقول:
يا من أُجلُّ عن الإطرا وأُكبرهُ ... عن صيغةِ المدْحِ في معنىً وفي كَلمِ
لو ارتقيتُ سماءَ العرشِ ممتدحاً ... أيَّاكَ كنتُ كأني قطُّ لم أقُمِ
ولو تغنّيتُ بين العالمين بما ... حبّرتُ فيك لماد الكونُ من نَغمَي
ولو وقفتُ بعلّيين أنْشدُه ... لهام من في جنانِ الخُلدِ من نُسمِ (5)
ويبين الشاعر –كذلك- أن مدحه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدح مقتصد، لا يرفعه عن مرتبة العبودية لله، ولن يقع فيما وقع فيه النصارى حينما غالوا في مديح نبيهم عيسى عليه السلام، مع أنه لو أوتي من الفصاحة ما أوتي فلن يبلغ معشار حقه - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
فأين مَدْحيَ من عَلْياكَ مبلغُه ... وأينَ من قدرِ طهَ مبلغُ العظَمِ
__________
(1) المصدر نفسه، 19
(2) الخليلي عبد الله بن علي، وحي العبقرية، 61-62
(3) انظر المصدر نفسه،81
(4) المصدر نفسه، 81
(5) الخليلي: عبد الله بن علي، وحي العبقرية، 80 (1/180)
صفحة 181
لكنَّ لي أُسوة الإيمانِ أشْفعُها ... بأسوة الصّدق والإخلاص في شيمَي
وما ارْتمى بي عن التحقيقِ في مِدَحِي ... ما يرتمي بالنصّارى في نبيّهمِ
ولا بَلغْتُ ولو بالغتُ في كَلمِي ... مِعْشار حقّ إمامِ الرُّسلِ في القِدمِ (1)
والباحث عبر مطالعته لشعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين يرى أن شعر المديح النبوي عندهم لا يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم، من الفرق الإسلامية الأخرى، ولا يكاد الباحث يجد فرقا بين قصيدة مديح نبوي لشاعر إباضي وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الإباضي عن غيره في هذا المجال.
-2-
الحماسة في الشعر الإباضي:
... لو تتبعنا شعر نور الدين السالمي، وأبي مسلم الرواحي، وأبي سلام الكندي، وخالد الرحبي، لوجدنا أن أغلب نتاجهم الأدبي، بموضوعاته وأغراضه المختلفة، يندرج ضمن شعر الحماسة، على أن هذه الحماسة كانت صادرة عن معاناة نفسية، انبثقت ينابيعها من خلال الانفعال بالأوضاع الراهنة، فحاول كل شاعر أن يلفت الأنظار حسب إمكاناته التعبيرية، وطاقته النفسية، التي كانت تنفعل بجملة من الأحداث، وبذلك يتحقق للشاعر غرضان:
الغرض الأول: تنفيس عن الذات من جراء وطأة الزمن وضغوط الأحداث، أما الغرض الثاني: فهو توجه إلى الجمهور بغية التأثير في توجهاته، والتوجيه لطاقاته من أجل التغيير.
... نجد السالمي، عبد الله بن حميد ينحو في شعره منحى حماسيا في أغلب قصائده، ويسخر هذا اللون في جميع أغراضه، ولعل الموقف الاجتماعي، والحالة السياسية، والرؤية الذاتية للوضع الراهن الذي كان يعيشه السالمي، حتمت عليه أن ينهج في شعره منهجا يجمع بين الحماسة وبين التقريع والتأنيب، مستنهضاً أولئك الذين استمرأوا حياة الذل، واستحكم في نفوسهم حب الحياة، وألفوا حياة الدعة والترف، فشكلت قصائده لهيبا حماسيا، ونقداً اجتماعيا يقول:
مقامٌ في القصور على قصورِ ... مقامٌ مثل ربّات الخدورِ
__________
(1) المصدر نفسه 81 (1/181)
صفحة 182
إلى أن يقول:
ألا يا أيها الإخوانُ هذا ... زمانٌ فيه توفيرُ الأجور
فهل من بأذل نفساً لمولى ... جزيل الفضلِ منّانٍ غفورِ (1)
وفي سبيل ذلك راح السالمي يفتش عن الرمز الذي يستطيع من خلاله العمل على إحياء ما اندرس من مجد فوجد ضالته في شيخه صالح بن علي الحارثي (1250-1314هـ) الذي خصه بعدد من قصائده، منها القصيدة التالية التي تعكس روح الطموح في نفسه، ويتجلى فيها ملازمة الحماسة لقصائده، وتتبدى فيها نفس السالمي بشموخها وإبائها، يقول في مطلعها:
لشُغْلي بأهلِ الدّهْرِ إحدى العَجائبِ ... وتركي طلابَ المجدِ إحدى المصائبِ
فجشَّمتُ نفسي الصعبَّ علماً بأن في ... تجشّمها للصعب دركُ المآربِ
وأوردتُها مرَّ المواردِ راجياً ... ليحلو لها في المجد وردُ المشاربِ (2)
الى أن وجد أنشودته فحط رحله في حمى الشيخ صالح بن علي الحارثي:
همامْ له في المجد أصلٌ مؤثَّل ... حمته المعالي بالقنا والقواضبِ
نشا في بساطِ العزِّ طِفْلاً ويافعاً ... وألقى عليه العدلُ أثوابَ راهبِ
ترى شخصه فوق السرير وإنهُ ... له هِممٌ فوق النجومِ الثواقب (3)
لقد بدأ الشاعر بتأنيب نفسه، ثم بحث عمن يعينه على تحقيق مطلبه، موجها سهام نقده، للمتخاذلين عن نصرته، ومما خفف من وطأة معاناته أن يجد من يمكن أن يتاسى به، ليصبح مثلا يحتذى في مقاومة الظلم، وتحقيق العدالة.
... ونراه يرسم صورة لمن ينبغي أن تكون عليه الشخصية الإيمانية التي يطمح إلى تشكليها ليتمكّن من تربيتها وفق صورة يتوخاها الشاعر، بحيث نستطيع أن نتبين الملامح القيادية التي يحاول السالمي بناءها في شخص من يعده لمهمة جليلة يضطلع بها، إنها شخصية الشراة الذين باعوا نفوسهم لله، تحلوا بالإيمان وتدرّعوا بالسيوف، حين يقول:
خيرُ الرجال فتىً في الهولِ قد ثَبَتا ... ولم يفْه عند خطبٍ جازع بمتى
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 186.
(2) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 186.
(3) المصدر نفسه، 45، 46 (1/182)
صفحة 183
يرى المقاديرَ حتماً فهو مُنْشَرحٌ ... عند النوائبِ لا يخشى أتى وأتى
يرضي الحروبَ إذا لاقى الكماة وقد ... ضاق الفضاءُ وغيرُ السيفِ قد صَمَتا (1)
وهو لا يترك مجالاً لمحاولة التعلق بالأعذار عن الخروج، فيسد عليهم الذرائع، فلا يجد عذرا لقاعد عن الجهاد، والخروج على الظلم، بعد أن طمست آثار الهدى، وأهين أهل الله، منطلقا في حماسته من خلال فكره، مبينا أسباب الخروج متسائلاً:
أسُلوٌّ والعلى تطلبُنا ... حقَّها والسيفُ سيفٌ لم يٌسَلّ
أم رقادٌ والهُدى قد طمَسَتْ ... إثره ما بينا أيدي السَّفل
أم قعودٌ والمعاصي ظهرت ... وأهيلُ الدين كلّ في وجل
أم خمولٌ والوَرى قد أحدثت ... بدَعاً، خالفت الشَّرْعَ الأجل (2)
وبسبب من الإحساس بالمعاناة نجد الشاعر يتحدث عن المفارقة بين الحياة الذليلة، وبين طلب الموت عزيزا فالشجاعة لا تقصّر عمرا والجبن لا يطيلها لاجئاً إلى بث أساليب الحكمة المتصلة بهذا المفهوم، تمهيدا لحماسته في قوله:
هوّن عليك فإن الرزق مقسومُ ... والعمرُ في اللوحِ محدودٌ ومعلومُ
فلا يزيدُ على ما خط منه كَما ... لا يدفعٌ الجبن ما في الغيب محتومُ
وصونك النفس عن موت تصادفهُ ... وقد تأجَّل حُمْقٌ فيك موسومُ
فهل تعجّل عن ميقات موعده ... لقادمٍ في الوغى والحربُ مضرومُ
أم هل تأخّرَ عنه لحظةً لأخي ... جُبْنٍ تحدَّر عنه وهو مهضوم (3)
وهكذا نجد السالمي، رغم بساطة أسلوبه، يعقد مقارنة بين الشجاعة والإقدام، والجبن والتردد، ترغيبا في الحماسة، ودافعاً لطلب المجد.
والسالمي لم يكن يرسم صورة مثالية لمجتمعه، فقد كان صريحا في نقده، جريئا في بيان مثالب قومه، رغبة منه في تحاشيها، وانطلاقاً بهم الى أفق أرحب، كقوله:
علام يلومُ الناسُ فيما أرومُه ... وإن فات ما أرجو وقد عظم الحدُّ
أعنْد تماديهم وإخمادِ عزمهم ... وسوءِ مساعيهم ملامٌ لمن يبدو
__________
(1) المصدر نفسه، 103.
(2) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 109
(3) المصدر نفسه، 56 (1/183)
صفحة 184
ألم يكفهم أن العلى قد تهدَّمت ... جوانبها فيهم وقد شَرف الوَغْدُ
إلى أن يبيّن مثالبهم، ويعدد مآخذه عليهم في قوله:
رضوا بالتواني سلوةً وتشعّبتْ ... همومُهم جبناً فخاروا وما اشتدُّوا
لقد قعدوا بين الخوالفِ جهرةً ... ولو أنهم شاءوا الخروجَ له اعتدّوا
إلى الله أشكوا أهل دهري فإنمّا ... سبيلُ العمى فيهم هو المنهجُ الرشدُ
أناسٌ يرون العجزَ أربحَ متجرٍ ... وأوضح منهاجٍ إذا سُئل العَهْدُ (1)
... وهكذا نجد أن شعر السالمي حمل صفوة فكره، وخلاصة تجربته وعمق معاناته من الدهر والناس، نفث فيه من روحه المتوثبة فأرسله شعراً حماسيا، ليس المهم فيه أن ينمقه بالمحسنات البديعية، ولا بالصور البيانية، ولكنه أسبغ عليه تفاعله الذاتي، وصدقه الوجداني فالسالمي لم يكن ذلك الشاعر الذي يهتم كثيرا ببناء قصائده بناء فنيا، فينقحه ويصلحه، ولكنه كان همه إيصال رسالته الحماسية إلى بني مجتمعه، وعلى الرغم من بساطة البناء الفني إلا أن قارئ قصائده يلحظ أنها تتجسد فيها طموحاته، وتختلج برؤيته، وتتجذر فيها نقداته الصادرة عن نفس غيورة، وإيمان صادق بدور الجماهير في التغيير.
... شكلت حماسته مقطوعات شعرية كل مقطوعة تحمل طابعاً ثورياً جامحاً يرمي من ورائها إلى تشكيل مجتمع استنهاضي مناضل، فيحرك فيهم النخوة ويثير الغيرة، ويعمد إلى التقريع.
... ولو تتبعنا شعر أبي مسلم، لوجدنا أن عمدته في الخطاب هذه الروح الحماسية المتوثبة المليئة بالاعتزاز، الطافحة بالفخر، وشملت مدائحه الأربع للإمام الخروصي والقائمين معه، نهراً جارفاً من الحماسة والاستثارة، فنجد فيها حديثا عن النفس وتقصيرها، ونداء للرجال واستثارتهم (2) ، ونداء للقبائل قبيلة تلو أخرى (3) ، ونداء لكتائب الله (4) ، إلى أن قال:
__________
(1) السالمي، عبد الله بن حميد، الديوان، 99
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه، مخطوط، 235-236.
(3) المصدر نفسه 236-240
(4) المصدر نفسه 240 (1/184)
صفحة 185
يا للرجال أفيقوا من سُباتكُم ... فقد أحاطَ بكم بَغْيٌ وعُدْوانُ
أخيفةَ الموت ظلّ العجزُ يقعدكم ... وليس للأجل المعدودِ نقصانُ
لا يحجبُ الموتَ جبنٌ عند موقعه ... ولا يُقَّدمُ وعدَ الموت شجعانُ
يا للرجال لقد ذلّت حفيظتُكم ... إذا استطال على الآساد حملانُ
إن السيوف التي كانت لسالفكم ... ما ضمَّها معهم رَمْسٌ وأكفانُ (1)
والباحث يقف حائراً في اختيار النماذج الدالة على الحماسة والاستنهاض في شعره، ذلك أن شعره في جميع أغراضه، قطعة حماسية. وضمن إدراك الشاعر لأهمية القبيلة في تشكيل بنية المجتمع، في بلد مثل عمان، لم ينس الشاعر أن يتوجه إليها محمساً لها، ومستثيرا حفيظتها، مستهلاً ذلك بقوله:
يا للقبائلِ يا أهلَ الحفاظ ومَنْ ... أمجادُهم في جبين الدَّهر عنوانُ
شُدوا العزائم في استدراك فائتكُمْ ... إن العزائمَ للإدراكِ أقْرانُ
أهلَ المكارمِ إنَّ الله أكرمَكُمْ ... بنعمةِ الَعْدل إذ، للجورِ بُرْكانُ (2)
والنموذج التالي يوضح طريقة مناداته للقبائل، وأسلوب استنهاضه لكل قبيلة، مستثمرا ما عرف عن كل منها من نخوة وإقدام، كندائه لقبيلة "المساكرة" (3)
أين المساكرةُ الصيدُ الغطارفُ منْ ... ذوائبِ الأزْد حيثُ المجُد والشانُ
في ذروة المجد من فهم إذا انتسبوا ... أساوُد الموتِ يومَ الهولِ طوفانُ
شمٌّ إذا حزموا نارٌ إذا عزموا ... شهبٌ إذا رجموا للفضل هَتَّانُ
كواكبُ العزِّ لا تُرعى مسارحُهم ... ولا تراعُ لهم في الضَّيْمِ جيرانُ (4)
ونجده وهو يحاول إنهاض أمته من كبوتها، ينبه من الاتكال على الماضي، والفخر بتاريخ السلف في أسلوب يعبر عن تأثر بشعراء الشراة الحماسي، يقول:
ندرسُ تاريخ الأولى تقدّموا ... وحسبُنا الله تعالى وكفى
إن العظام لا تؤاتي شرفاً ... ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخ، 236.
(2) المصدر نفسه، 236.
(3) هي احدى القبائل العمانية من الأزد، انظر اشعان الاعيان، ص 122.
(4) الرواحي، السابق 237-238. (1/185)
صفحة 186
والسلف الصالحُ سَلّ سيفهُ ... وكانَ ما كانَ له ثم انقضى
تلك الرُّفاتُ طينهٌ صالحةٌ ... لغارس وحارث ومن بنى
أتبحثونَ بينها عن عزّةٍ ... وفي لعلَّ فرجاً أو في عسى (1)
ولدى أبي مسلم نظرة شمولية، فهو يدعو الأمة الاسلامية جمعاء إلى النظر في حالها، والتدبر في مآلها، والتفكر فيما يمكن أن يخلصها مما هي فيه، فينهضها من كبوتها محذرا من الفرقة واصفاً ما حل بالأمة من أعدائها قائلاً:
وهل من يرى أنّ الحنيفة سامها ... بما شاءَ من ضيم لعينٌ مُخادِعُ
تمالأ ظلما خيلهُ ورجالهُ ... وليس لهم حدٌّ سوى اللهِ مانِعُ
يدوسونَها دوَس الحصيد كأنّها ... لُقى وأخو الإيمانِ في الأسْرِ خاشِعُ
أفيقوا بني القرآن إنّ هُداكُمُ ... إلى الجبت والطاغوتِ في الأرض ضارعُ
أفيقوا بني القرآن إن كتابكم ... يُناقَضُ في أحكامهِ وينازَعُ (2)
فالشاعر هنا لا يخص بالنداء الإباضية فحسب، ولكنه يعمم النداء لجميع المسلمين، لأن البلاء قد عمّهم، والذل قد شملهم، والاستعمار قد استهدفهم، ولذلك يتساءل الشاعر عن أبناء الملة الواحدة، بصيغ مختلفة، بنو الاسلام، بنو القرآن، بنو التوحيد، بنو الأحرار، محّمسا أياهم صارخاً فيهم:
أين بنو الإسلام ما يُعْجُزنا ... والعزةُ الَكرُّ بحومات الوَغى
أين بنو القرآنِ هل ثبَّطكم ... كتابُكم عن الجهاد للعدى
أين غطاريفُ الجلاد بالظَّبا ... أين مشائيمُ الطَّعانِ بالقَنَا
أين بنوا التوحيد لو صدقتمُ ... توحَيدكُمْ ما رقصَ الشِّرْكُ على
أين بنو الأحرار ما سكُوتكُم ... والملكُ والدينُ حريبٌ والحرا
ثبوا الى الموت كراماً واندبوا ... عزائماً تسعرُ تَسعْارَ الصَّلا (3)
ولذلك نجد الشاعر يحاول تحليل الموقف، وبيان الأسباب التي جعلت العدو يطمَع في السيطرة عليها، وهي الخلاف والتنابز، والعصبيات المذهبية، محذرا من الفرقة مبينا أن الدين واحد حين يقول:
__________
(1) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 270
(2) المصدر نفسه، 253.
(3) المصدر نفسه، 270 (1/186)
صفحة 187
لقد مكّن الأعداءّ منّا انحداعُنا ... وقد لاح آلٌ في المهامِهِ لامعُ
وسورةُ بعض فوقَ بعضٍ وحملةٌ ... لزيدٍ على عمرو وما ثَمَّ رادعُ
وتمزيقُ هذا الدين كلُّ لمذهبٍ ... له شِيَعٌ فبما ادّعاه تُشايعُ
وما ذبح الإسلامَ إلا سيوفُنا ... وقد جعلتْ في نفسها تتقارعُ
ولو سلّت السيفين يمُنى أخوّة ... لدكّتْ جبالَ المعتدينَ المصارعُِ
وما صدعة الإسلامِ من سيف خصمه ... بأعظمَ مما بين أهليه واقعُ (1)
ولو تتبعنا ديوان أبي سلام الكندي ونحن نريد أن نضعه ضمن أبواب الشعر العربي، لكان لزاما علينا أن نضع أغلبه في باب الحماسة، فأغلب شعره يفيض بقيمها، الممزوجة بالفخر، والمندغمة مع الإحساس العاطفي، والتحرر، والسخرية من قومه بما آل اليه أمرهم، داعيا إلى التوثب من جديد.
... تأتي قصيدة الشاعر التالية متأثرة بأسلوب شعراء الشراة الإباضيين الأوائل، اتكأ فيها على الموروث الثقافي الفكري، متأثراً ببعض المصطلحات الاباضية في قوله:
فحتى متى يا قومُ ترضون ذلةً ... وأنتم بنو الغبراءِ أسُّ الأعاربِ
وأنتم رجالُ الكرِّ في كل معركِ ... إذا قيل جاء الحقُّ قمتم بواجبِ
وأنتم رجالُ الاستقامةِ أنتمُ ... ليوثُ الوغى أنتم بدورُ الغياهبِ
أئمتُكم في كلّ شرقٍ ومغربٍ ... أقاموا منارَ الدين رغمَ الأجانب (2)
وفي إطار استنهاضه يذّكر الإباضية بتاريخهم العريق، ودولهم التي أقاموها في المشرق والمغرب ذاكرا بعض هذه الدول، قائلاً:
ومنكم بصنعا طالبُ الحق منكمُ ... رجال الهدى قاموا ببذل المواهب (3)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخطوط، 254
(2) الكندي: أبو سلام، ديوانه، مخطوط، 33.
(3) طالب الحق: هو عبد الله بن يحيى الكندي (ت130هـ/747م) إمام الشراة، وأحد أقطاب المذهب الإباضي من أشهر تلاميذ أبي عبيدة، التميمي، أقام أول إمامة ظهور باليمن، سنة 129هـ/ 749م، أنظر: معجم أعلام الإباضية، 3/ 586. (1/187)
صفحة 188
وأصحابه بلج (1) وأبرهة (2) الذي ... لدى الحرب لا ينفكّ عن ألف ضارب
ومن ثم يتجه الشاعر لتذكير قومه بتاريخهم العريق وحضارتهم الإسلامية، ومقارعتهم لقوى الشر الغازية لأوطانهم، مركزا حديثه على دولة اليعاربة التي كان لها الفضل في طرد البرتغاليين والفرس من عمان وغيرها من دول الخليج العربي مستثمرا هذه المعطيات التاريخية منطلقا من خلال ذلك إلى غايته قائلاً:
وكم من إمام في عمانَ وسيدِ ... مضوا لسبيلِ اللهِ صُبْرَ المصائبِ
كفاني فخاراً في عُمانَ وغيرها ... بما مهّدوه من رجال اليعارب
سلوا عنهم الإفرنجَ والفُرْسَ ما لقوا ... تخبّرْكم عنهم عيونُ النَّوادبِ
فوالله ما نالوه ذلك بالمنُى ... ولكنَّه من بعد شَيْبِ الذوائبِ
بهم يا لقومي فافخروا بل وفاخروا ... ملوكَ الورى فخرا يُرى في الكتائبِ
فهل فيكم يا قوم ذا اليوم غيرةٌ ... لإحياءِ مجدِ الأقدمينَ الأطائبِ (3)
ومن القصائد التي استقلت في بابها، وانتظمت في سلك الحماسة، قصيدة السالمي (السينية) بما اشتملت عليه من اتقاد عاطفة وجذوة حماس، بحيث يجد القارئ لها نفسا ثائرة تتوثب لاستثارة الآخرين، استهلها الشاعر بحكمة متصلة بالحماسة متحدثا عن المجد الذي يستحيل الوصول إليه إلا عبر بذل الغالي والنفيس كقوله:
المجدُ يدركُ بالقنا الحسّاسِ ... في كفّ مقدامٍ شديد الباسِ
يرمي به نحرَ العدوّ فلا ترى ... إلا الكميَّ يخرّ بين الناس
__________
(1) بلج بن عقبة بن الهيصم الأسدي كان حياً سنة 130هـ/ 747م اشتهر بالشجاعة والبطولة، بعثه أبو عبيدة التميمي ليشارك مع عبد الله بن يحيى الكندي حروبه ضد جور بني أمية في اليمن والحجاز، استشهد بوادي القرى سنة 130هـ/ 747م. ينظر معجم أعلام الإباضية، 2/197.
(2) أبرهة بن الصباح الحميري (ت 130هـ/ 747م) قائد بطل في جيش طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، ينظر معجم أعلام الإباضية 2/74.
(3) الكندي: أبو سلام، الديوان، مخ، 34 . (1/188)
صفحة 189
وبقاضب عَضْب إذا حَكّمته ... في قسمة الشجعان والأفراسِ
أيقنت أن السيفَ عَدْلٌ في القضا ... وبه أساسُ الدّين أيّ أساس (1)
وفي مقام التحريض على طلاب المجد كما ينبغي، والتقريع للمتقاعسين العجزة الذين رضوا بالسلامة والحياة المترفة، فإن الشاعر يعمد إلى المقارنة المريرة التي تؤجج الحزن كما تثير التهكم، حيث قارن بين طلاب المجد الذين يمتشقون سيوفهم، ويوجهون سهامهم لنحور أعدائهم طلبا للمجد، ومن اتصفوا بالعجز والصغار، ومن ثم يتوجه الشاعر بخطابه مباشرة إلى هؤلاء منبِّها إلى حقيقة السلامة قائلاً:
ما أبعدَ المجدَ الشريفَ منارُه ... عن منزل العجّاز والأنكاسِ
اللؤمُ كلّ اللؤم في شخصٍ غدا ... متوشحاً بالعجز يوم الباس
جعل المذلةَ مركباً لسلامة ... قد ظنها والعارُ شرُ لباسِ
ويك انتبه إنَّ السلامة بابها ... قرعُ الكتائبِ لا اشتمام الآسِ
لا تحسبن سلامةً موجودةً ... إن لم تكن في قطع رأس الآسي (2)
ومنها قصيدة أبي سلام الكندي، التي نادى بها عمان وأهلها، داعياً إلى النهضة، متخذاً من التاريخ عبرة يبث من خلاله روح الاستنهاض، وهي قصيدة تدل على تحسر الشاعر ورغبته في التأثير على تحفيز قومه، فوقف عند عدد من صور البطولة التي يمكن أن تعينه على بلوغ هدفه من صراخه النابض بالهم والأسى فيقول:
عمانُ انهضي واستنهضي الشرق والغربا ... ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا
عمانُ انهضي واستنهضي كُلّ باسلٍ ... كمي يجيدُ الرميَ والطعنَ والضّربا
عمانُ انهضي إنَّ السيوف بغمدها ... تئن وقد أضحت تطالبنا حَرْبَا
عمانُ انهضي واسترجعي كلَّ فائتٍ ... ولا تقعدي إنّا رجالُك لن نأْبى
إلى أن يقول:
أميطي قناع الذلّ عنك فإنما ... حبائلُ أهل البَغْي قد نُصَبتْ نصبا
فكمْ لكِ في التاريخِ من قَدَم رسا ... وكم لك من فخر ملأْتِ به الكُتْبَا
__________
(1) السالمي: عبد الله بن حميد، ديوانه، 115
(2) السالمي: عبد الله بن حميد، ديوانه، 116. (1/189)
صفحة 190
وطاردتِ جَمْعَ البرتغالِ فأصبحت ... رجاُلهمُ أسرى وأموالُهمْ نهبا
بنوكِ بنوكِ العربُ هم أرغموا العدى ... فكم هزموا جيشاً وكم كشفوا كرْبا (1)
ونجد الشاعر نفسه، يخصص مقطوعة للحديث عن منزلة السيف الذي يشكل رمزا من رموز الإباء والشرف الذي يتجسد في إعطائه حقه والقيام بواجباته حين يقول:
بالسيفِ قُمْ وذرِ القلمْ ... السيفُ يجلو كل هَمْ
الى ان يقول:
لولا السيّوفُ المُرْهَفَا ... تُ لما تفاخرت الأممْ
لولا السيوفُ الماضيا ... تُ لما سُقي الاعداءُ سمْ
لولا السيوفُ لما استقا ... م الدينُ فينا وانتظمْ (2)
وهكذا يمضي الشاعر متخذا من السيف رمزاً من رموز المقاومة والرجولة وعدم الاستكانة، على ما في القصيدة من تعانق بين وزنها بهذا البحر المجزؤ بتفعيلاته السريعة، وقافيته الساكنة، وكأنها تعكس سرعة الضرب بالسيف في يد البطل، لتتراءى لنا صورة أبي سلام، ونفسه الطموحة عبر هذه القصيدة.
-3-
شعر الشكوى :
... شكّل شعر الشكوى عند بعض الشعراء الإباضيين ظاهرة واضحة، مما دفع الباحث إلى الوقوف عند بعض ملامحها، استجلاء للموقف الذي حدا بالشاعر إلى ذلك، لا سيما شكوى الدهر.
... ومن أبرز الشعراء الذين تجلّت في شعرهم هذه الظاهرة بشكل لافت للنظر أبو مسلم الرواحي، الذي برز عنده هذا الإحساس بالتبرم من الدهر، فحّمله -في كثير من المواضع- أسباب معاناته، فضلاً عن عدد آخر من الشعراء الذين ظهر على شعرهم مثل ذلك.
__________
(1) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوانه 15
(2) المصدر نفسه، 143. (1/190)
صفحة 191
... الشكوى من الدهر تعكس حالة المعاناة النفسية للشاعر، فحين يعبر عن تذمره من الدهر إنما يبدي في سياقه الشعري انعكاس الزمن على الذات، فالشاعر الإباضي لم يكن يؤرق باله، ويثقل كاهله الخوف من الموت، ولا القلق من نهاية الحياة، لكنه يعتب على الدهر ويشكو منه، حين يقلب ظهر المجن على أحرار الأمة، فيكرم الأراذل من الناس، كشكوى أبي سلام الكندي، الذي ينعى على الزمان إهانة الأحرار، وإبعاد الكرام، وإكرام الجهال، وكأنه زمن انقلبت فيه الموازين، يقول:
فمالي أرى الجهالَ طالت قناتُهم ... فأصبح فردٌ منْهمٌ يملك الوَرَى
فمن نكدِ الأيامِ أضحى يسوُدنا ... ذوو الجهل إذ صفوُا الزمان تكدّرا (1)
ويتكرر عنده هذا الإحساس في مواطن عدة، مازجا بين شكواه من الدهر، وشكواه من الناس، الذين ذهبت غيرتهم، وتغيرت صفاتهم، حتى العلماء الذين كان يعقد عليهم الآمال، لم يعودوا يقومون بواجباتهم، يقول:
إنَّ عصراً نشأتُ فيه لعصرٌ ... أصبحَ الوغدُ في مقامِ الكريمِ
وبنو العلم نُوّمٌ ليس فيهمٍْ ... من يُرجّى لهول يومٍ عظيمِ
وبغاثُ الطيورِ أضحت بزاةً ... والضواري تصادُ وَسْطَ الحريمِ
ذهبت غيرةُ الرجالِ وعادت ... شِيَمُ النّاسِ في الضّلالِ القديمِ (2)
... ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له، ولمجتمعه، معددا مظالمه، مبديا مآخذه عليه، وهو ينطلق في كل ذلك من منطلق ديني اجتماعي، وكأن الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيحت دماؤهم، واتنهبت أموالهم، والشاعر في شكواه هذه، إنما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية، النابعة من الفكر الإباضي حين يقول:
فيالكَ دهراً قد شجتني خطوبُه ... به عصفت للجورِ نَكْباءُ زعزعُ
تبدّلت الأحكامُ فيه وعُطِّلَتْ ... حدودٌ وسِيَم الخسف ما الله يرفعُ
__________
(1) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد، ديوانه، مخ، 16
(2) المصدر نفسه، 18، 19. (1/191)
صفحة 192
ونالّ به أهلُ الديانة والتقى ... هوانٌ به عزّ الجهولُ المضيعُ
تباحُ دماءُ المسلمين ظلامةً ... ولا ملجأ يَحمْي ضعيفاً ويمنعُ (1)
وشكوى أبي مسلم تتركز على الدهر، يخاطبه ويعاتبه، ويلقي عليه اللوم، ويقرعه ويؤنبه ويتحدّاه، حتى ليحس القارئ لشعره مدى اندماج الشاعر مع الدهر، فيخاطبه خطابا عاما، لا يلبث أن يلتفت فيه إلى نفسه قائلاً:
حَتَّامَ يا دهرُ لا تُبْقي على بَشرِ ... حرّ وحتّامَ ضيمُ الحرّ إحْسانُ
أكلُّ رَأْيك حَرْبي أم لها أَمَدٌ ... فإنّ عهدي وللحالات أَلْوانُ
حُلّ العقالَ وأطلقني إلى سَعتَي ... ففي سجونكَ للميدانِ فُرْسَانُ
يا دهرُ يا باخس الأحرارِ حقًّهُمُ ... أعطِ العدالة إنّ الله ديّانُ
فيم التّقصي بأهل الفضلِ أن نقصتْ ... حسناكَ زادوا وإن شان الورى زانوا (2)
في حوارٍ يعقده الشاعر مع الدهر، يجسده فيه، ويمنحه الإحساس، فكأننا أمام معركة قطباها الشاعر والدهر، الذي آلى بدوره إلا معاداة الأحرار من الناس، ليصبح الشاعر نفسه، رمزا للأحرار الذين أبى الدهر إلا أن يذيقهم الهوان، ويجرعهم كاسات الذل، ولا يخفى أن مغزى الشاعر من ذلك يندرج ضمن تصوره الديني، وفي إطار الاستنهاض لإقامة نظام العدالة، كما أرادها الله، في حالة تعكس قتامة الواقع، التي تثقل كاهل الأحرار، وهو على كل حال، مؤمن بتغير الأوضاع، وتقلبها فالزمن حالة متغيرة، "فإن عهدي وللحالات ألوان".
... وتتكرر عنده صورة تحميل الدهر لمعاناته، فيعبر عن شكواه من الدهر، تعبيرا يعكس معاناته الذاتية، أفصح عنها الشاعر في خضم انفعاله وحزنه، بطريقة لا تشي بالتصنعّ والافتعال، بقدر ما تعبّر عن معاناة حقيقية، أفرزتها ظروف اجتماعية وسياسية ودينية، ليسوق شكواه من الدهر في خضم تلك الأحداث، يقول:
وإني ولبسُ الدهر جلدةَ أجربٍ ... تجاهي، وآمالي محالٌ محارمُ
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 43.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 230 (1/192)
صفحة 193
ومَرُّ الليالي كالحاتٍ عوابساً ... عليَّ كأني للكوارث جارمُ
وحنكي صروفَ الدهرِ حتى تبلَّدت ... وأبصرتُ ما أخفين والجوّ قاتمُ
إلى أن يقول متسائلاً:
إلى كم يلذّ الدهرُ نفسي بليةً ... ويقطعني عما تريدُ العظائمُ
وما جشأتْ حينا لهولٍ ينوبُها ... ولكن من الأقدار ما لا يُقاوَمُ (1)
ويظل الشاعر يحمل الدهر معاناته، فهو الذي وقف بينه وبين مشاركته الفعلية، لحركة نور الدين السالمي في إحياء معالم الإمامة الإباضية في عمان عام (1331هـ) فحال بينه وبين أمنية طالما حلم بها، مشبها نفسه بالسيف الذي غمده الدهر عن القتال قائلاً:
أيغمدني كالسَّيف دهري عن العُلى ... وما حُمدتْ قبلَ الفعالِ الصَّوارمُ (2)
ليبلغ التبرم من الزمن ذروته حين مثل نفسه بطائرِ قُصّت جناحاه، تعبيراً عن قيوده، في قوله:
كفى حَزناً أن أحْسُوَ الموت ليس في ... جناحي خوافٍ للعُلى وقَوادِمُ (3)
ولماذا يقف الدهر عقبة أمامه، وما سبب معاداته له، يجيب على ذلك بقوله:
ذَنْبي إليه جَنفى عن لُؤْمهِ ... وقدْرتي على احْتمال ما جنى
وأننّي الحتفُ على لئامهِ ... أنكأ في حلوقِهمْ من الشَّجى (4)
ويتعجب الشاعر من هذا الدهر الذي يصب عليه من مكائده وكأنه موكل به، مسلط عليه، ويعكس المفارقة الحاصلة، في قلب المفاهيم عنده، قائلاً:
مَا لي وللدّهْرِ يغري بي حوادثَهُ ... كأنّ صْبري على لأوائِه زلَلُ
كأنّ فضْليَ في عيِن الزمانِ قذىً ... لقد درى أنّه في عينهِ كُحُل
كأن همّيَ سَهْمٌ في مَقاتلهِ ... ومذهبي في العُلى في رِجْله كَبلُ (5)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 245.
(2) المصدر نفسه، 245
(3) المصدر نفسه، 245
(4) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 264.
(5) المصدر نفسه، 345. (1/193)
صفحة 194
وعليه فإن الشاعر لا يلجأ إلى الهروب من الدهر، بعد أن كشّر عن نابه، بل يتحدّاه طالبا منه أن يرسل كل جنوده، ويملأ كاساته، بما شاء، فقد تعود على ذلك، لتتساوى الحالتان لديه، الصاب والعسل، فهو يقول:
أقولُ للدّهر أرْسِلها العراكَ فإنْ ... أجْزعْ لخطّتها فالويلُ والهَبَلُ
وهاتِ كاسَك إنْ صاباً وإنْ عَسَلاً ... فقد تساوى لدَيّ الصابُ والعسَلُ (1)
ومع أن الشاعر لا يحفل بمعاداة الدهر له، إلا أنه حاول أن يتصالح معه، ولكنه لم يفلح في مساعيه، مشبها إياه بمن أصيب بمرض الجرب الذي لا ينفع معه دواء، في صورة تعبر عن عمق العداء له، قائلاً:
أصْبَحْتُ والدّهرُ من بُغْضٍ به جَربٌ ... آسيه نُبلاً وما ينفكُّ يأتكلُ
إذا تطارحتُ أغْرَى بي سَماسِمَهُ ... وإن تنّمرت خاصْت عنّي الحيَلُ
وإن بسطتُ نوالي سامني سَفهَاً ... أعن سفاهةِ رأي يَفْضلُ النّبلُ (2)
... وقد يبدو من المستغرب أن يعمد شاعر مثل أبي مسلم إلى الشكوى من الدهر، وهو المعروف بإيمانه الراسخ بالقضاء والقدر، وقناعته اليقينية بأن كل ما أصابه من الله، ولكن إذا عرفنا أن أبا مسلم قد تعرّض في حياته لمضايقات سياسية واقتصادية، وظلم وحيف من أبناء زمانه، نتيجة لمواقفه السياسية، وجرأته الصريحة، نستطيع تلمّس العذر له، حين غدا الدهر رمزا نسب إليه كل المكائد، وعلق عليه كل معاناة، فهو كثيرا ما يشكو دهره إلى مولاه.
... والشاعر وإن ذم الدهر نتيجة مواقفه وتأثيراته، إلا أنه راض بقضاء الله، فهو يفصح عن ذلك، في إحدى مناجاته، مبينا أن شكواه لم تكن اعتراضا على قدر الله وقضائه، ولا غضبا مما حل به، حين يقول:
دهتني الرزايا سيّدي وألمَّ بي ... بلاءٌ عفى رَسْمى وآدَ احْتماليا
وما أنا في شكوايَ مالا أطيقهٌ ... غَضُوبٌ على الأقدار أو لستُ راضيا
رضيتُ بما تقضي وآمنتُ أنّه ... قضاؤك عدلٌ أيّ ما كنتَ قاضيا
__________
(1) المصدر نفسه، 345.
(2) المصدر نفسه، 346. (1/194)
صفحة 195
ولكنْ قُصارى العبد شَكْوى يبثُّها ... إليك ودمعٌ يستهلَّ المآقيا
وتمزيقهُ في ظلمةِ الليلِ قلبَهُ ... وترجيعُه غوثاه غوثاهُ قاصيا (1)
وشكواه لله عز وجل تنعكس فيها آثار فكر المذهب، حين يدعو إلى الثورة على الظلم، ويتوجه إلى مولاه شاكيا فعل الظلمة وتعدّيهم، كأن يقول:
إلى الله أشكو وهو مُنْتقِمُ يداً ... عَتَتْ وبَغَتْ واستعبدت خير أمَّة (2)
... وقد يشكو الشاعر وقع الظلم على نفسه، موجها شكواه لرب العباد، قائلاً:
إلهيَ عَبْدٌ من عبيدك ظالِمٌ ... رماني بسهمِ الظُّلمْ منه فأصْمت
تخطّى خُطى العدوانِ والمكرِ آمناً ... وعينُك بالمرصادِ في كلّ خُطوَةِ (3)
... ويعد الشاعر شكاية حاله لمولاه، مظهرا من مظاهر العبودية لله وحده، ولذلك يتوجه إليه في مناجاته قائلاً:
أحاطَ بي الكَرْبُ العظيمُ وأنت يا ... لطيفُ عظيمُ اللّطفِ في حَلّ كُربتي
نعم عَرْضُ حالي نجعةُ من مقاصدي ... إليك وفرضٌ من فروض العُبودة (4)
... ومن صور الإحساس بالزمن عند أبي مسلم ما نجده لديه من إشارة لطيفة إلى أنه لو قدر له أن يعيش أحقابا ويؤتى أعماراً، ويمنح مجموع قوى الخلق، وكان أكمل خلق الله عبادة، فإن قدرته على أداء حقوق الله قاصرة، يقول:
ولو عشتُ أحقاباً وجئتُ بمثلها ... من الخير والطاعات عَدّ الخليقة
وجئتُ بجهد العابدين تعبّداً ... بتمزيق أوصالي وإفناء مُهجتي
وقَصّرَ دوني منْ خلقتَ وكُلَّ منْ ... ستخلقُ ربي في مقاماتِ زُلفتي
لما كانَ من قَدْرِي بأنك شاكري ... على نعمة خَوّلْتها ضعفَ قُوّتي (5)
-4-
قدسية المكان عند الشاعر الإباضي :
... علاقة الشاعر –أي شاعر- بالمكان علاقة متجذرة في النفس، متأصلة في الأعماق، يؤججها الشوق – أكثر- إذا ما خرج الشاعر من ذلك المكان.
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخطوط، 93.
(2) المصدر نفسه، 50
(3) المصدر نفسه، 27
(4) الرواحي، السابق، 28
(5) المصدر نفسه، 29 (1/195)
صفحة 196
... والمكان في نظر الشاعر الإباضي يكتسب قدسية خاصة لا لذاته، بل لما يحتله من مكانة في التاريخ الإباضي، ولارتباطه بخلفية ثقافية خاصة في الفكر السياسي الإباضي.
... وعليه نفهم سر ارتباط الشاعر الإباضي بعمان عموما، ومدينة "نزوى" (1) خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح، سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة الإباضية العمانية، منذ نهاية القرن الثاني للهجرة، سنة (192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (ت 207هـ) (2) وتعاقب على أرضها أئمة عدول.
... فنزوى المكان تستمد روحانيتها، من عبق عظام أولئك الأئمة، الذين تعاقبوا على أرضها، فهي تمثل رمزا من رموز التواصل الثقافي والسياسي للمذهب الإباضي، فلا غرو بعد ذلك، أن يخاطبها عدد من الشعراء، فيتغنى بأمجادها، ويتذكر تاريخها، وعلى رأس هؤلاء الشعراء، أبو مسلم الرواحي، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية، بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت – حينها- جانباً من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة فاكتسبت بعدا تاريخيا، وبعدا دينيا، وبعدا مكانيا، وبعدا وطنيا.
... يعد الشعور بالارتباط بالمكان الذي رأى الإنسان فيه النور، وتربى في ظلاله، أمرا طبيعيا، لا سيما إذا ارتبط هذا المكان، بذكريات من نوع خاص، وبقدسية خاصة.
... وشعر أبي مسلم المكاني تعبير عن رؤية خاصة يتجاوز شوقه إلى الأماكن وذكريات الصبا، إلى موطن سياسي ديني، حيث يقول:
__________
(1) نزوى: هي العاصمة القديمة لعمان، ومقر الإمامة تقع على سفح الجبل الأخضر من الجنوب، تبعد عن مدينة مسقط، العاصمة الحالية لسلطنة عمان مسافة 160كلم. انظر السيابي: سالم بن حمود، العنوان 63
(2) هو الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي الأزدي إمام فقيه بويع بالإمامة بعد موت الإمام الوارث بن كعب الخروصي عام 192هـ. أنظر دليل أعلام عمان 125. (1/196)
صفحة 197
خليليَّ ما تَذكارُ ليلى لبُانتي ... أقامتْ بنجد أو حَوَتْها التّهائمُ
ولا ربْعها العافي عليها تناوحَتْ ... صباً ودبوراً أو بكته الغَمَائمُ
ولا شفّني حُبٌّ لغيداءَ كاعبٍ ... كما ارتاعَ خشْفٌ في الخميلة باغمُ (1)
ولكنْ شجاني مَعْهدٌ بان أهلهُ ... فبان الهدى في إثرهم والمكارمُ (2)
... وهنا تصبح مدينة "نزوى" المليئة بعبق التاريخ والمرتبطة بعقيدة إباضية بحتة، منطلقا للإثارة والاستثارة عند الشاعر، ففي قصيدته "الفتح والرضوان" يتدرج الشاعر مع القارئ للولوج إلى هذه المدينة، عبر بوابة قرية، لها أيضا بعد تاريخي فكري، وهي قرية "فرق" حيث نشأ في ظلالها الإمام جابر بن زيد، زعيم المذهب الإباضي، ومؤسس فكره، ومنها خرج إلى بلاد الحجاز والعراق، يقول أبو مسلم:
وافُرقْ بها البيدَ حتى تستبينَ لها ... فَرْقٌ على بيضة الإسْلامِ عنوانُ
فإن تيامنت الحَوْرَاءُ شاخصةً ... لها مَعَ السُّحْب أكنْافٌ وأحضانُ
فَحُط رَّحْلَك عنها إنها بلغتْ ... نَزْوى وطافت بها للمجدِ أركانُ
انزلْ فدتُيك عنها إنّ حاجتها ... عدلٌ وفضلٌ وإنصافٌ وإحْسانٌ
انزلْ فديتُك عنها إنّ وجْهتها ... تختُ الأئمّةِ مذ كانتْ ومذ كانوا
هُنالك انزلْ وقبّل تُرْبةً نبتت ... بها الخلافةُ والإيمانُ إيمانُ
انزل على عرصاتٍ كلُّها قُدُسٌ ... للحقّ فيهنّ أزهارٌ وأفنانُ
انزل على عذبات النور حيث حوتْ ... أئمة الدين قيعانٌ وظُهرانُ
أرضٌ مقدَّسة قد بورِكت وزكتْ ... تَنْصبُّ فيها من الأنوارِ معنانُ (3)
__________
(1) الخَشْفُ: المر السريع، والخشوف من الرجال السريع، مادة خشف، اللسان وباغم فلان المرأة مباغمة إذا غازلها، مادة: بغم، لسان العرب.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 244.
(3) المصدر نفسه، 230-231. (1/197)
صفحة 198
فالناظر إلى هذه الأبيات التي هي جزء من نسيج قصيدته، يجد أن الشاعر قد وفر لنفسه نكهة تاريخية فكرية تراثية، جاء مشحونا برموز الزمان والمكان، وعبر تواصل مكاني ينطلق منه الشاعر، مجردا من نفسه شخصاً يخاطبه على عادة الشعراء، واصفاً مسار هذه الرحلة، وَصْفَ الخبير بمواطنها، العارف بأسرارها، ضمن رحلة خيالية يقوم بها، متصوراً مرافقته لرحلة الإمام السالمي في ذلك الوقت، منطلقا من بلدة تسمى "بدية" (1) حتى يصل الى مدينة "نزوى" فيلقى عصى تسياره عليها. ومن ثَمَّ يوجد الشاعر لنفسه مكانا يستقر فيه، ليصبح ذلك المكان بقدسيته خالدا، حاضراً في النص، والنص حاضر في المكان.
... ولشدة الشوق، ولقدسية المكان، يطلب الشاعر ممن يصل إليه أن ينزل من عليائه فيقوم بتقبيله، لماذا؟
لأن هذا المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية مشبها نزوى بالتربة، والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها، وزاد الأمر وضوحا حين أشار الى أن قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام.
... وتذكي الغربة والبعد عن الوطن، الإحساس بالمكان وقيمته، لتبدو صورة المكان ممتزجة بالمشاعر، فيظل القلب هائما بها مهما بعدت الشقة، وطال الزمن، كما في قول أبي مسلم:
معاهدُ شطَّ البَعدُ بيني وبينها ... وحلَّ بقلبي بُرجُها المتقادِمُ
تزاحَمَ في رَوْعي لها شوقُ واله ... وصبرٌ وآنَ الصبرُ أَلاّ يُزاحَمُ
إذا لاح برقٌ سابَقَتْهُ مدامعي ... وليتَ انْطفاءَ البرق للغَرْب عاصمُ
لئنْ خانني دَهْري بشحْط معاهدي ... فقلبي بِرَغْم الشَّحْط فيهنَّ هَائمُ (2)
__________
(1) بدية: بفتح الباء، وكسر الدال، وفتح الياء المشددة، إحدى مدن شرقية عمان. انظر: السيابي: سالم بن حمود، العنوان، 104-105.
(2) الرواحي: ابو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 243. (1/198)
صفحة 199
حيث نجد أن مشاعر أبي مسلم قد اختلطت بذلك المكان، ليبقى يرقبه، تستثيره ومضات البرق نحوه، فتسابقه دموعه، دون أن يكون لانطفاء البرق أثر في وقف جريان دموعه.
... ويمتدح الشاعر المكان وأهله، مثنياً على أرض تقيم العدالة، في محاولة من الشاعر لأداء بعض الحقوق، نحو ذلك المكان، ولو بالدعاء له، ولمن كانت تلك العراص موطنا لهم، قائلاً:
سقى الله أرضاً يُنْبتُ القسطَ سوحُها ... وبيَن رُباها العِلمُ والحقُّ راتِعُ
ربوعٌ بحمدِ الله نَورُ محمدٍ ... عليها بنور الله أبلجُ ساطعُ
وحَيّتْ يمينُ الله بالرّوحِ والرّضا ... رجالاً لهم تلك العِراصُ مرابِعُ (1)
وللمكان في شعر خالد الرحبي موقع أثير، يندغم مع تلك العصبة الدينية والسياسية، ويمتزج المكان بمن فيه، وتتجسّد شخصية الإمام الخليلي بحضورها فيه، يقول:
سقى الله نزوى والحبيب الذي بها ... مقيمٌ شآبيب السَّحابِ المواطرِ (2)
بينما يؤكد أبو سلام الكندي أن مدحه لنزوى ومن بها لا يمكن أن تغيره حوادث الزمان، وعاديات الأيام، في قوله:
نسيمٌ سرى من نحو نزوى فعطرا ... فهيجّ أشجان الفؤاد وذكّرا
إلى أن يقول:
إذا ذكروا نزوى وفاضت دمُوعُهم ... لذكْراهُمُ قلبي عليها تَفطّرا
وإنْ تسألوني عن هوايَ فإنهّ ... رهينٌ بنزوى فاتركانيَ واعْذُرا
فما أنا ناسٍ ما حَييتُ ودَادَهم ... وتذكارَهم حتى أغيّبَ بالثرى (3)
ويقف الشاعر سالم بن حمود السيابي عند جزئية محددة في المكان، وهي قلعة نزوى لشموخها ومكانتها، ورمزها مجردا شخصا يحاوره، طالبا منه أن يقف بجوارها، ويتساءل عنها، وعمّن توالى على حكمها، ومن تعاقب على جامعها الميمون، حتى يصل إلى روح نزوى قائلاً:
قِفْ حولَ قلعة نزوى وانشدِ الباني ... هل أسَّسُوها على رضْوى وَثَهْلانِ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، 257.
(2) الرحبي: خالد بن هلال، الديوان، مخ، 26.
(3) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد، الديوان، مخ، 127، 128. (1/199)
صفحة 200
وانْشُدْ مَعالمَها الشماءَ كيف سَمَتْ ... وقد عَلَتُ هامَ بهرامٍ وكَيْوانِ
إلى أن يقول:
وانشدْ حُماةَ الهدى عاشوا بها زمناً ... تهتز تيهاً بهم في كُلِّ ميدانِ
سلْ قلعة المجد في نزوى ومنْبرَها ... فخرُ البلادِ وكُرْسيُّ لسلطانِ
سلْ ذلك الجامَع الميمونَ يخبرُ عنْ ... أئمّة رتعوا فيها بقرآنِ
سَلْ رُوْح نزوى تجد عنهم بها نبأً ... على سِجِلِّ الهُدى في خيرِ أوْطانَ (1)
ويطلق الشاعر عبد الله بن علي الخليلي على "نزوى" الوادي المقدس، فمن وصلها فإنه ينظر من مكان عال، وذروة شامخة، يستطيع من خلالها، أن يتخيل جنود الله، تنقض على أعدائه، ضمن لحظة خيال خاصة يعيشها الشاعر، ويدعو قراءه إلى أن يشاركوه هذا الخيال، لينظروا ذلك، فيبصروا من خلاله جلال المكان وروعته، متصورا كيف كانت الرايات تعقد في جنباتها، يقول:
هَلُمّ إلى الوادي المقدّس من نزوى ... الى أن نشيم النورَ من هضبة النجَّوى
لنرتبعَ العلياءَ من شُرُفاته ... نعزّ بها قدراً ونسمو بها عُلواَ
ونبصر آيَ الله نوراً مُجسَّما ... ونجلو مُحيَّا السالكين به جَلْوَا
ونزْجرُ خيلَ لله تُردْي سَنابكاً ... كصاعقةٍ إثرَ المُريد بها يُكْوَى
نقضُّ بها للشرّ مضجعَ معتدِ ... على حرماتِ الله يستحقبُ الشّكوْى (2)
ويستذكر الشاعر أمجاد هذه المدينة، عبر من احتضنتهم من الأئمة الإباضيين، الذين يحق لعمان أن تفاخر بهم الكون، لما أقاموه من صروح، وما أحيوه من سنة، ومن ثم قارنها الشاعر بحلب الشهباء وسيف دولتها، فإذا ما افتخرت على عمان بذلك، فإن نزوى تفخر بقيد الأرض، الإمام سيف بن سلطان اليعربي ومن قبله من الأئمة الذين طاردوا جموع البرتغال، فأجلوهم من عمان والخليج يقول الخليلي:
__________
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، 201
(2) الوارث بن كعب الخروصي (ت 193هـ/ 807م) أول إمام عماني من قبيلة بني خروص، تولى الإمامة عام 176هـ ينظر دليل أعلام عمان، 169. (1/200)
صفحة 201
فأكرم بنزوى وهيَ تحتضنُ الهُدى ... وأنْعمْ بها والدين يرتبعُ الأجوا
تربَّع فيها وارثٌ وابن جَيْفَرِ ... وأضرابُهم من عيص شار فما أقوى
فإنْ حَلبٌ تاهت بدولةِ سيفها ... فسيفُك (1) نزوى قيَّدَ الأرضَ بالتقوى (2)
الفصل الخامس
السمات الفنية
التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها
بناء القصيدة
اللغة والأسلوب
الصورة الشعرية
التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها:
... التجربة الشعرية حدث وجداني أو عاطفي ينبع من نفس صاحبه، ومن عقله، ومن كل حواسه، ودخائله النفسية، والفكرية، الظاهرة والباطنة (3) والعمل الأدبي في أساسه هو "التعبير عن تجربة شعورية بصورة موحية" (4) وهي في مجموعها "الصورة الكاملة النفسية والكونية، التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور، تفكيرا ينم عن عمق شعوره وإحساسه" (5) تتشكل من مجموعة من تجارب الحياة التي "يحياها الأديب" ويتقلب بين ظهرانيها، وهو جزء منها متأثرا وفاعلا، وصاحب رؤية ورؤيا" (6)
__________
(1) سيف بن سلطان بن سيف بن مالك (ت 1123هـ/ 1711م) الملقب بقيد الأرض، رابع الأئمة اليعارية، ينظر دليل أعلام عمان، 86.
(2) المهنا بن جعفر الفجحي اليحمدي، الأزدي (ت237هـ/ 851م) أحد أئمة عمان، تولى الإمامة بعد موت الإمام عبد الملك بن حميد عام 226هـ. ينظر: دليل أعلام عمان، 116، 154.
(3) شوقي ضيف، في النقد الأدبي، دار المعارف بمصر، د.ن. د.ط، 138.
(4) سيد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، دار الفكرالعربي، ط2، 1954م، 53.
(5) د. محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، دار النهضة، مصر للطباعة والنشر، القاهرة، د.ن. د.ط، 363.
(6) د. فايز الداية: جماليات الأسلوب، الصورة الفنية في الأدب العربي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، ط2، 1411هـ-1990م، 36. (1/201)
صفحة 202
... والتجربة ليست وليدة اللحظة، وإنما تتشكل عبر تراكم مجموعة من الخبرات، يغدو الشاعر جزءاً من نسيجها ولذلك عدت "التجربة" إفضاء بذات النفس بالحقيقة كما هي في خواطر الشاعر وتفكيره" (1)
... والشاعر الأصيل هو الذي يتمكن من المواءمة بين التجربة وطريقة
إيصالها، بحيث لا يعمد إلى نقلها نقلا مباشرا جامدا، بل يدعها تمتزج بذاته، فيخرجها نابعة من وجدانه، دون أن يعني ذلك ضرورة أن يكون الشاعر قد عاش التجربة بنفسه، حتى يصفها، بل يكفي أن يكون قد لاحظها، وعرف بفكره عناصرها، وآمن بها، ودبّت في نفسه حميّاها" (2)
... والتجربة الشعرية "لا تعزف قط عن الفكر الذي يصحبها وينظمها، ويساعد على تأمل الشاعر فيها ولا ينجح الشاعر في التعبير عن تجربته، حتى تصير أفكاره الذاتية موضوعية بأن يجعلها موضوع تأمله" (3) وبالتالي فإن الفكر يغدو أحد عناصر التجربة الشعرية. (4)
... إن التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس. (5)
... ومن ثم نجد أن جملة من الشعراء الإباضيين قد انعكس في نتاجهم لون من ألوان النقد الاجتماعي الصريح، القائم على أساس المكاشفة فيقوم الشاعر بنقد سلوك معين وأطلق على هذه الظاهرة "نقد الحياة" (6)
__________
(1) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، 364.
(2) المصدر نفسه، 364، 365.
(3) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، 363، 364.
(4) انظر المصدر السابق 364.
(5) د. إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الشروق، بيروت، ط4، 1402هـ – 1982م، 34.
(6) المصدر نفسه، 34. (1/202)
صفحة 203
... وعندما ننظر في تجربة الأدباء العمانيين في هذه الفترة، نجد أنهم عاشوا الأحداث وأغنتهم الحياة بتجاربها وأفادوا من إمكاناتهم اللغوية، في تشكيل تجاربهم
ومنطلقاتها وقد ساهم في ذلك بنيتهم الثقافية وتكوينهم الاجتماعي، إضافة
إلى معايشتهم الحقيقية لأحداث عصرهم وتوظيف عدد منهم فنه لخدمة فكره
ومجتمعه، بدءا بالشاعر العلامة سعيد بن خلفان الخليلي (1) ونور الدين
__________
(1) هو الشيخ العلامة سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي الخروصي، ينتهي نسبه إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي (ت 275هـ)، (1228هـ 1811م – 1287هـ 1870م) علامة، شاعر، ثاني ثلاثة أطلق عليهم أعلم الشعراء وأشعر العلماء، وهو أحد رجال الإمام عزان بن قيس، لقبه العلماء بالمحقق اتخذ سمائل وطنا بعد انتقاله من بلدة بوشر، احدى أعمال مدينة مسقط عاصمة عمان الحالية انظر، معجم اعلام عمان، 79 ومحمد بن راشد الخصببي، شقائق النعمان، ج2، 333. (1/203)
صفحة 204
السالمي (1) وأبي وسيم خميس بن سليّم الأزكوري (2) وأبي مسلم الرواحي (3) مرورا بالشاعر عيسى بن صالح الطيواني (4) وخالد بن هلال الرحبي (5) وأبي سلام الكندي (6)
__________
(1) هو الشيخ العلامة نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد ببلدة "الحوقين" من أعمال "الرستاق" (1286هـ 1869م-1332هـ 1914م) إمام علامة مجدد فقيه شاعر، كفيف البصر، عد مرجع زمانه وعلامة عصره، انتهت إليه رئاسة العلم في عمان، له مؤلفات في الفقه وعلم الأصول، والتاريخ والحديث، واللغة وله ديوان شعري انظر دليل أعلام عمان، 112، شقائق النعمان، ج3، 10
(2) هو الشيخ الأديب، خميس بن سليم بن خميس الأزكوي السمؤلي، من شعراء عمان في القرن الثالث عشر والرابع عشر من الهجرة، كان ذا شاعرية رائقة، وله ديوان شعر مخطوط، دليل أعلام عمان، 60 ومحمد الحصيبي، شقائق النعمان، ج1، 177.
(3) أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني الرواحي، المكنى بأبي مسلم (1273هـ 1856م- 1339هـ 1920م) عالم قاض، مؤلف محقق شاعر، من بلدة وادي محرم من أعمال مدينة سمائل، لقب بأعلم الشعراء وأشعر العلماء إذ هو ثالث ثلاثة منهم، سافر إلى زنجبار واتصل بسلاطينها، وعمل قاضيا لهم هناك، نبغ في الشعر وفاق اقرانه، انظر في ترجمته دليل أعلام عمان 159-160 وشقائق النعمان 2/347.
(4) هو الشيخ العالم عيسى بن صالح بن عامر الطائي، فقيه، شاعر، قاض، توفي عام 1362هـ. انظر الشقائق 3/205.
(5) الشيخ الأديب خالد بن هلال بن سالم بن مانع الرحبي (ت 1372هـ) من شعراء وادي سمائل المشهورين وله ديوان جامع لشعره، يسمى "السحر الحلال" مخطوط، انظر الشقائق 1/329.
(6) هو الشاعر الأديب، سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي المكني بأبي سلام، (ت 1379هـ 1959م) وهو ابن العالم الفقيه الجليل سعيد بن ناصر الكندي، دليل أعلام عمان 83 (ت 1355هـ)، شقائق النعمان 1/238.. (1/204)
صفحة 205
وسعيد بن أحمد الكندي (1) . ومن ذلك ما نراه من الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، الذي خاطب الليل الطويل، مقيما معه حواراً عماده المساءلة عن إمكانية انجلائه عن صبح فتية يكون على أيديهم إحياء ما اندثر من معالم الإسلام، وإقامة ما عطل من حدود الله، ونشر ما غير من العدل، وهو تعبير ناشئ عن تجربة شعورية، وتفاعل حقيقي مع مشاكل الحياة وتداعياتها يقول:
تلأ لأبَرْقُ في الدياجي مُشعشِعُ ... بضاحَكة أبكاكَ فالعيَنُ أدْمُعُ
أم التْاعَ من بين الأحبّةِ والنَّوى ... فؤادٌ بتذكار الهَوَى يَتَصدّعُ
أم ارْتاعَ من دهر أداني صَرُوفَهُ ... تكادُ الجبالُ الَشمّ منها تَزعْزعُ
زمان بٌه الدينُ الحنيفيُّ دارسٌ ... وناصرُهُ مُسْتضعفٌ ومٌروّعُ
فيالك دهراً قد شجتني خطوُبه ... به عَصَفتْ للجور نكباءُ زَعْزعُ
الى أن يقول:
ألا تنجلي يا ليلُ عن صبح فتية ... كرامٍ بهم قد رَدَّ للعدل يُوشَعُ
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
شراةُ لدينِ الله بيعت نفوسُهم ... وما لهمُ في غير ذلك مَطْمعُ (2)
... ومن ذلك –أيضا- ما عبر به الشاعر خميس بن سليم الأزكوي، الذي كان يعيش في زنجبار بشرق إفريقية بعيدا عن عمان، فتبلغه أخبار حركة شيخه سعيد بن خلفان الخليلي، ومع أنه كان بعيدا عن موطن الحدث، إلا أن ما بلغه كان كافيا لاستثارة مشاعره، وتغذية تجربته، وإذكاء تفاعله، ومن هناك يشارك الشاعر بقصائد تعد من أهم القصائد المعبرة عن حركة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وصحبه، ومنها قصيدة تعكس التفاعل مع الحدث وتنبئ عن المشاركة الوجدانية حين عزّت المشاركة الفعلية، يقول:
على أنّني لو رُمْتُ شرحاً لفضلهمْ ... لما وسعَ القرطاسُ ما أنا أشرحُ
__________
(1) سعيد بن أحمد بن سليمان بن عامر الكندي النزوي (ت 1383هـ-1913م) قاض فقيه، شاعر له جملة من القصائد في مناسبات مختلفة، انظر شقائق النعمان، 3/263 وما بعدها.
(2) الخليلي، سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 44، 45. (1/205)
صفحة 206
ولكنّني صَبّ مشوقٌ متيّمٌ ... وقد طابَ لي بالصالحينَ التمدُّحُ
تنظّمُ أشواقي يواقيتَ أدْمُعي ... سموطاً كلا خدَّيَّ منها مُوَشَّحُ
إلى كمْ بكم قلبي يذوبُ صبابةً ... وحتّى متى عنكم بيّ الدّارُ تنزح
يزيدُ اشتياقي كلَّما عنّ ذكَركُم ... وهل ساعة عن ذكركم أنا أبرَحُ
كأنّيِ من فَرْط الصّبابة صارمٌ ... بكفِّ كميِّ منكمُ أترنَّحُ (1)
... أما نور الدين السالمي فإن تجربته الشعرية تختلف إلى حد ما عن تجارب هؤلاء الشعراء ذلك أنه تجربته نابعة من محاولة بعث همم قومه، وبني مذهبه، لكنها تجربة فيها قدر من النظرة المتشائمة، في ضوء ما أعياه من جمع الكلمة، وإحياء معالم الإمامة، وهي تجربة مليئة بالمرارة، تعكس تفاعل الشاعر مع ذلك الواقع في محاولة منه لبعث الحياة إلى النفوس، ولبيان ذلك يورد الباحث ما يرى فيه تمثلاً لمعالم هذه التجربة بمثيراتها ومؤثراتها يقول:
أرى الأيامَ لي حربا ... ودَهْري كلّه صَعْبَا
أُد انيه فما يزدا ... دُ مني أبداً قُرْبا
ألا ينُه ليْدْعنَ بالـ ... ـمراد فينثني وَثْبا (2)
ويصرح بآلامه، رافضا ما عليه قومه من الاهتمام بمطامع الدنيا، تاركين ما يخدم عزهم، قائلاً:
بنى دهري عَدَلْتُم عَنْ ... سَبيل هُداكُمُ نكْبا
وخلّفتم جَميع المكْـ ... ـرُمات وراءكُم جبّا
هدمتم دينَكم طمَعَا ... وعزَّ العرَّب العَرْبا
فلا أنتم لدنيا قدْ ... عرفناها ولا عُقبَا (3)
... وتتصاعد عند الشاعر حدة الإحساس بالخيبة من بني مجتمعه، فيصور تجربته معهم لا سيما مع أناس تلبسوا بالجهل، وتواطأوا على الوقوف في سبيل ترجمة فكره إلى واقع، انطلاقا من مرارة التجربة التي كان يعيشها، والموقف الذي كان يتفاعل به، فقال ناقدا تلك المواقف المناهضة لآماله:
__________
(1) الخصييي، محمد بن راشد (ت 1410هـ) البلبل الصداح، مخطوط، 34.
(2) السالمي، عبد الله بن حميد، ديوانه، تحقيق ودراسة عيسى السليماني ر.ج، جامعة أم درمان الإسلامية، 1417هـ/ 1997م، 124.
(3) المصدر نفسه، 124. (1/206)
صفحة 207
ما لي وللأنْد ال والغَوْغاءِ ... يرمونني بالبُغْض والشَّحْناءِ
من غير ذنب غير أني طالبٌ ... للدين أن يَعْلو على الأهْواءِ
يدعونني للعجز عن طلب العُلى ... ودعوتُهم للمجْد والعَليَاء
بالأمس كانوا خلتي فأغاظهم ... طلبُ الهُدى فإذا همُ أعْدَائي
ولقد عهدُتهمُ ذوي وُدِّ فَلمْ ... أشعُرْ بهم إلاّ وهُمْ خُصمائي
الحقَّ باعد بيننا فأحلني ... في عزة وأحلَّهم ببلاءِ
قالوا شديدُ طبعه ذو غلظة ... فأجبتهم لكن على السُّفهاءِ (1)
ويعلن الشاعر عيسى بن صالح الطيواني تجربته الشعورية بكل وضوح، إذ يتوق إلى المشاركة في حركة نور الدين السالمي، حين بويع الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة (1331-1239هـ) لكن وجوده في حوزة السلطان فيصل بن تركي (ت 1331هـ) منعه من أن يصل بنفسه، دون أن يمنعه ذلك من نقل تجربته، والتعبير عن إحساسه، فيبعثها قصيدة يبدو الصدق الفني عبر ألفاظها وتراكيبها، حين يقول:
هُنّيتَ بالنصر والفتح المبين أيا ... إمامَنا إذْ نصرتَ الواحدَ الأحدَا
شيدتَ للحق أركاناً دعائمها ... فوقَ السماكِ وصيّرت القنا عُمُدا
إذا ذكرتُكم أهتزُّ من طرَب ... كأنني صارمٌ في راحتيك بدَا
رامَ العذول ارعوائي عن محبتكمُ ... وما درَى أنَّ صبري عنكُمُ نَفدَا
وكيف أتركُ تيَّاراً يمجّ هدىَ ... آليتُ لا أرد الضحضاحَ والثَّمدا (2)
... ومن الشعراء الإباضيين الذين نقلوا تجاربهم بكل صراحة ووضوح، وصدق فني الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، فقد نطق شعره عن رؤيته إلى الأحداث، متحررا من قيود التبعات، على الرغم من إحاطتها به فتستثيره حادثة سقوط نظام سياسي إباضي معروف بالإمامة في عمان عام 1956م فتكون هذه الحادثة أحد روافد تجربته الشعرية، فينشئ قصيدة تعبر عن عمق الموقف، وتصور رؤيته حيال ذلك نادباً عصره، داعيا على كل من كان السبب في إطفاء ذلك النور كما يقول:
__________
(1) المصدر نفسه، 129
(2) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، عمان، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، د.ت، د.ط 194. (1/207)
صفحة 208
فلنصبرنَّ على الزمانِ وَصَرْفه ... فالحرُّ يصبرُ للملمِّ النازلِ
ولنشربنْ حُلو الزمان ومُرَّه ... من حالتيه بجائر أو عادلِ
ولنندبن عصَر الإمامِ وعد لَهُ ... ولّي بأمته كظلٍ زائلِ
ولنبكينْ نورَ الإمامة والهَُدى ... ولى بزهرته كبَدرٍ آفل
يا قاتلَ الله الذين سعَوا إلى ... إطفائه جُهدْا بكل وسائلَ
يا قاتلَ الله الذين تظافروا ... لزوالِ نعمته بنيلٍ عاجلِ
يا قاتلَ اللهُ الذينَ تظاهروا ... إن لم يفيئوا بالمتاب الشاملِ (1)
...
ويتفاعل أبو سلام الكندي مع ظروف مجتمعه، فينقده نقدا نابعا من تجربته، ومعايشته للظروف السياسية، والاجتماعية بما شكل تجربة نابعة من الأحداث، حين رفض الشاعر بعض المواقف السلبية التي اتخذها بعض قيادات مجتعه، فينقد ذلك الواقع، في أسلوب ساخر، رادا ذلك إلى خطأ في مفهوم التدين عندهم، مهاجما بعض عيوبهم، متحدثا عن معاناته من جراء ذلك، فيقول:
يقولونَ ما للقلبِ منكَ تغيّرا ... وما بالُ هذا الدمع منكَ تحدّرا
أمِنْ ذكرِ أيّام الشبيبة والصّبا ... تأثَّرتَ أمْ ذِكرى أميمةَ أثّرا
فقلتُ لهم: لا، فاعذروني فليس ذا ... ولكنما هذا الزمانُ تَغَيّرا
وجدتُ رجالَ العلمِ فيه تقاعسوا ... وَحَبّوا انْزواءً بالبيوت تستُّرا
وبعضُهم أضحى يُطالبُ ثروة ... يعيشُ بها بين البرية مُوسرا
وبعضُهم ما همّه غيرَ أنه ... يجيب سؤالا في المحيض وما درى
فأواهُ واحزناهُ ذو العلم أصبحوا ... بذا الدهر لا يرضون إلا تَقهْقُرا (2)
فتجربة أبي سلام هنا تعكس تجربة الوضع اليائس المقترن بالحماسة، وهي تجربة شعورية مسيطرة على أغلب أجوائه الشعرية، يرسلها بين الفينة والأخرى، ضمن أبيات موحية بالتحسر والحزن -كما يراه الشاعر- على ضياع وطن، وخسارة أمة
__________
(1) الكندي: عبد الله بن سيف ، مجموعة شعرية، مخطوطة، مكتبة خاصة، 54.
(2) الكندي، أبو سلام، سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (ت 1379هـ/1959م) ديوان نشر الخزام، مخطوط، 16. (1/208)
صفحة 209
... إن ما يضئ جوانب هذه التجربة، ويمنحها الألق، هو صدق الإحساس، وعمق التجربة، ومعايشة الحدث ومعاناة الواقع يقول في إحدى قصائده:
لهفي على الوطن العزيز أضيعا ... وشريفِ قوم صارَ فيه وضيعا
لهفي عليه لو يفيدُ تلهُّفي ... أجريتُ من بعدِ الدّموع نجيعا
لهفي على الأيام كيف تبدلتْ ... هلاّ يَعُدْن كما مضين رُجوعا (1)
ويتخذ من قاعدة الفكر السياسي الإباضي، مرتكزا في الحديث عن نظام "الإمامة" في إطار من التصوير الرمزي لها ناعيا على من كان السبب في هجرانها، ويبعها بيعة خاسر، مجسداً نظام الإمامة حين يخاطبها بقوله:
بنتَ العُلى ما باُلهم هجروكِ ... قطعوا حبالَكِ بعد ما وَصَلوكِ
تركوكِ في وَسْطِ الطريق مضاعةً ... أفّ لهم من معشرٍ تركوكِ
باعوكِ بالأسواق بيعةَ خاسر ... لو أنصفوا والله ما باعوكِ
بنتَ العُلى لا تجزعي وتصبّري ... فلأنت أنت وإنْ هُمُ عقّوكِ (2)
... ويمكن أن يعد أبو مسلم الرواحي كيانا خاصا في هذا الباب، ذلك أن تجربته الشعرية تبدو نابضة بالحيوية، مصورة للمشاعر، منبئة عن قوة التفاعل، ولذلك يجدر أن يخص أبو مسلم بالحديث عن عمق تجربته، التي تكشف عن مدى الأصالة في شعره، فلابد أن يكون وراء ذلك، مجموعة من العوامل التي شكلت شاعريته، وكونت شخصيته الثقافية، فطبعته بطابع أدبي خاص.
...
لقد تربى هذا الشاعر في بيت علم، في ظل والده الشيخ القاضي سالم بن عديم الرواحي، وعاش طفولته في قرية محرم من قرى وادي سمائل، الذي كان يغص بكبار الشعراء والعلماء، وحينما رحل أبوه الشيخ سالم بن عديم إلى زنجبار، كان عمر شاعرنا وقتها سبعة عشر عاما (3) وكانت زنجبار وقتها حاضرة الشرق الافريقي، يقطنها
__________
(1) المصدر نفسه، 17
(2) الكندي: أبو سلام، ديوان نشر الخزام، مخ، 37
(3) الخليلي: أحمد بن حمد، العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق افريقيا، حصاد المنتدى الأدبي، ديسمبر 1992م، 85. (1/209)
صفحة 210
مجموعة من العلماء والأدباء، ومنهم العلامة القاضي سالم بن أحمد الريامي، والعلامة الفقيه راشد بن سليم الغيشي اللذين رثاهما الشاعر رثاء حاراً يعكس موقعهما الأثير في نفسه. (1)
... لقد كان لزنجبار ببيئتها العلمية، وطبيعتها الخلابة، فضلاً عن غربته عن الوطن الأم، الأثر الفعال في رفد تجربته الشعرية، وإذكاء قريحته، فصقلها بما أتيح له من فرصة التعبير عن الرأي، من خلال جريدة "النجاح" التي أصدرها الشاعر وتولى رئاسة تحريرها. (2)
... إن تجربته الشعرية ناشئة عن تجربة واسعة الأبعاد، تغذيها جملة من التراكمات الفكرية والقضايا السياسية والتاريخية وتثيرها بعض الاختلافات المذهبية.
... ويبدو أن تنقل أبي مسلم من مكان إلى آخر لم يكن عبثاً ولكنه كان بحثا عن شيء مهم، قد افتقده ويحاول التفتيش عنه، أطلق عليه الشاعر "منشودته" يقول:
أنشدُها من مسجدٍ فمعهدٍ ... فمنهج فمجمع فَمُنْتَدى
فلم أجدْ منشودتي في موضعٍ ... ثم حدستُ أنّها رهنُ الثَّرى (3)
... إن شعر أبي مسلم – في أغلبه- يشكل جانبا من جوانب شخصيته، وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو إن رثى، بدت حرارة الفقد واضحة في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وإن حمس واستنهض، نجد أن كلماته تنبع من حنايا قلبه، وإن دافع عن عقيدته، نجد أن الشاعر يدافع عنها دفاع المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض من إحساسه .
... إن نظر القارئ الى قصيدته "رائية الحكمة" يجد فيها حرارة الإيمان، وتوهج العقيدة، وصدق العاطفة والإيمان، بعدالة رؤيته، فعبرت عن موقفه بكل صراحة ووضوح يقول:
تحزّبت الأحزابُ بعد محمدٍ ... فكلٌّ إلى نهجٍ رآه يصيُر
وقرّت على الحق المبين عصابةُ ... قليلٌ وقلُّ الأكرمينَ كثيرُ
__________
(1) انظر هذه المراثي في ديوان الشاعر، مخطوط، 387-399.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، العمانيون وأثرهم، السابق، 189
(3) الرواحي، أبو مسلم بن سالم بن عديم، ديوان أبي مسلم البهلاني، مخطوط، 273 . (1/210)
صفحة 211
هم الوارثون المُصْطفَى خيرُ أمة ... لمدحهمُ آيُ الكتاب تشيرُ
أولئك قومُ لا يزال ظهورهم ... على الحق ما دامَ السماءُ تدورُ
على هضبات الاستقامة خيّموا ... إذا اعوجَّ أقوامٌ وظلّ نفيرُ
... ... ... ... ... ... ... ... ........... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
نجونا بحمد الله منها على هدى ... فنحن على سيرِ النبي نسيرُ (1)
... وهنا تشكل المعطيات التاريخية جانبا من جوانب التجربة الذاتية المؤثرة بما تقدمه من عبر، وما تختزنه من دلالات فالنهروانية قصيدة تنبثق من أحضان التاريخ، استطاع الشاعر أن يقدمها باعتباره راويا لأحداثها، ما زجا إياها بتجربته الذاتية، مجردا من ذاته شخصا يخترق حجب الماضي، ليصل بخطابه إلى شخصياتها المعروفة، لتصبح الحادثة جزءاً من كيان الشاعر وتشكل جانبا من جوانب تجربته، عاكسة لقناعاته الفكرية.
... لقد شكلت تجربته انعكاساً حقيقيا للفكر الاباضي، وتجليا للثقافة التي كونت شاعريته، ممتزجة مع معاناته، فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع، عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة، وهي قصائد في مجموعها تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت إلى بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه.
... وهنا يحز في نفس أبي مسلم أن يحدث ذلك وهو بعيد عن موطن الحدث، دون أن يشارك، فيعبر عن مدى تحسره على القيود التي صدته عن المشاركة في قيام نظام الإمامة في عمان، فيقول:
أحاولُ فوزاً من حَيَاتي بُقرْبكُم ... يراعي وسيفي والنهُّى لك خادِمُ
وإني لدَهْرٍ صدني عنك شانئ ... وحتى متى من حرقة أنا واجِمُ (2)
ويقول في إحدى هذه القصائد معبرا عن غربته :
كأنني واغترابي والغرامُ بها ... حيُّ قضى خلّفته بعدُ أحزانُ
هي النوى جعلتني في محاجرها ... مثلَ الخيال وروحي ثَمّ جثمانُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 208.
(2) المصدر نفسه، 251. (1/211)
صفحة 212
أعيشُ في غربةٍ عيشَ السَّليمِ على ... رغمي وليس إلى الترياق إمكانُ (1)
... وتتزايد غربته، وتتضاعف قيود الزمن عليه ويثقل كاهله، ويثير شاعريته، موت نور الدين السالمي، قطب دائرة الحركة الإباضية في ذلك الوقت، فيخرج هذه المشاعر ضمن أبيات ترزح بمعاناته النفسية، مصوراً أثر فقد هذه الشخصية على الأمة وعليه، متأثرا بحالته النفسية قائلاً:
لهف نفسي ما الذي أقعدني ... عنكم غيرُ الذي أعيا الحيَلْ
كلما أزمعت ترحالاً قضى ... ليَ بالتثبيط دهرٌ مُهْتبلْ
وإلى أينَ ارتحالي بعدما ... أظلم الجو وأوحشت الطلّل (2)
... وبذلك يمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث أن الشعراء الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق، شكلت الأحداث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية، أحد أبرز إلهامات الشعراء واستثاراتهم بها، وجاء شعرهم منتميا إلى جماعة فكرية، مندغما مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة، ومتطلبات التعبير عن الذات.
بناء القصيدة :
... ينصب بناء القصيدة في النقد العربي على العناية بالهيكل العام للقصيدة، المتمثل في مطلعها واستهلالها وموضوعها وخاتمتها (3) ، ومن حيث توافق أجزائها وتلاحم عناصرها، حتى قيل "أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، كأنه قد سبك سبكا واحدا، وأفرغ إفراغا واحدا، فهو يجري على اللسان، كما يجرى فرس الرهان". (4)
__________
(1) المصدر نفسه 229
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 379
(3) د. عبد الجليل عبد المهدي: بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية، دار البشير، للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط2، 1415هـ-1995م، 235.
(4) الجاحظ، أبو عمر عثمان بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة الخانجي، القاهرة، ط3، 1968م، 1/67. (1/212)
صفحة 213
... وفي إشارة إلى الوحدة في القصيدة يعبر ابن طباطبا عن ذلك بقوله "أحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاما، يتسق في أوّله مع آخره، على نحو ما ينسقه قائله، فإن قدم بيت على بيت، دخله الخلل..، ويجب أن تكون القصيدة كلها، ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وفصاحة، وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تأليف" (1) على أن هنالك من يرى أن الوحدة الفنية في القصيدة "لا تكمن في الترابط اللغوي بين الأبيات، ولا في تسلسل المعاني تسلسلا منطقيا ذهنيا، ولا في وحدة الموضوع، وإنما تكمن في وحدة الجو النفسي". (2)
... ووحدة القصيدة في شعر الفكر الإباضي أمر يمكن ملاحظته، على الرغم من إمكانية وجود أكثر من موضوع في القصيدة الواحدة، دون أن يفقدها ذلك، مسألة الوحدة التي يقصد بها في القصيدة "وحدة الموضوع، ووحدة المشاعر، التي يثيرها الموضوع على أن تكون أجزاء القصيدة، كالبنية الحية، لكل جزء وظيفته فيها، ويؤدي بعضها إلى بعض، عن طريق التسلسل في التفكير والمشاعر". (3)
... وقد أخذت بنية القصيدة عند الشعراء الإباضيين طرقا متعددة فهناك القصائد الفكرية الخاصة، المتأثرة بمعطيات فكرية مختلفة تاريخية وسياسية وعقائدية صاغها الشعراء صياغة فنية، أفرزت ثقافتهم وعكست فكرهم، وقد نجد موضوعات فكرية مبثوثة في قصائد متعددة الأغراض.
__________
(1) ابن طباطبا، محمد بن أحمد بن طباطبا (ت 322هـ) عيار الشعر، تحقيق عباس عبد الساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، 226.
(2) د. ناصر الدين الأسد: الشعر الحديث في فلسطين والأردن، معهد الدراسات العالية، القاهرة، 1961، 129.
(3) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، سابق، 373. (1/213)
صفحة 214
... وعبر مطالعة الشعر الإباضي في هذه الفترة، نلمح أن الشعراء قد تفاوتوا في طرائقهم وبناء قصائدهم، سواء كان ذلك في مقدماتهم واستهلالهم، وخواتيم قصائدهم، أو من حيث طول القصيدة وقصرها تبعا لاختلاف الشعراء من ناحية، أو لاختلاف الموضوعات المطروحة من ناحية أخرى.
... ونجد كذلك أن الشاعر قد يبني قصيدة مستقلة بموضوع واحد، وقد يجمع في قصيدته موضوعات مختلفة، وهو الغالب في قصائدهم مع ما يربط القصيدة وينتظم أجزاءها من جو نفسي وشعوري واحد. وهذه الفترة الخاضعة للبحث متصلة بفترة الإحياء، وإن ظلت محكومة بتوجه معين، ومرتبطة بقضية ذات خصوصية (1) وهي خصوصية جعلتها تتميز في الأقل عن نمط الشعر في أقطار المركز.
-1-
... أول ما يطالعنا في قصائد شعراء الفكر الإباضي، أن نجد بعض الشعراء قد وضعوا عناوين خاصة لقصائدهم، تحدد هذه العناوين عند كثير منهم مسار رحلة القصيدة، وتؤدي دوراً كبيراً في الإيحاء بالوظيفة الشعرية، ونوع الرسالة التي يحملها النص ليصبح العنوان عنصرا مهما فيه. وحينئذ يصبح على القارئ العمل على الكشف عن مخبوءات النص، من خلال ما أوحى به ذلك العنوان.
__________
(1) د. ابراهيم السعافين، بناء القصيدة الكلاسيكية العمانية واقع وآفاق، ندوة الأدب العماني الأول، جامعة السلطان قابوس، 20/1/2000م، 6 (1/214)
صفحة 215
... وحين ننظر في بعض عناوين القصائد الفكرية عند هؤلاء الشعراء مثل عنوان "الفتح والرضوان في السيف والإيمان" (1) محاولين تلمس الصلة بين البنية اللغوية لهذا العنوان وبين سيرورة النص، نجد أن هذا العنوان يتساوق مع مسار القصيدة بمحاورها المختلفة فالنص يمدنا بمساحة واسعة من الدلالات المتصلة بمسار الفكر الحركي الإباضي أئمته وإمامته، ووجوب المحافظة عليه، فهناك علاقة متبادلة بين الفتح والسيف، وبين الرضوان والإيمان، وبين السيف الذي هو رمز من رموز الجهاد، وبين صدق الإيمان كأساس لمتطلبات النصر.
... أما القصيدة المعنونة بـ "طمس الأبصار عن إدراك ذات الجبار" (2) فهو عنوان مُوحٍ بدلالة القصيدة، حامل لنوى النص وسياقه، مؤد للوظيفة العقائدية التي آمن الشاعر بمقتضاها، واقتنع برؤيتها، ومن هنا أخضع الشاعر عنوانه لمسار نصه، المقتضي لمواجهة رؤية عقائدية تختلف معه، وهي مسألة نفي رؤية الله سبحانه وتعالى.
... وقد يأتي العنوان دالاً على توجّه معين كما في "برهان الاستقامة" (3) سواء كانت لفظة الاستقامة تعود إلى مدلولها اللغوي، أو الديني العام، أو المذهبي الخاص وهي معان اجتمعت في بنية هذا العنوان ضمن قصيدة أنشأها الشاعر أبو مسلم الرواحي لبيان أدلة أهل الاستقامة الإباضية، على توحيد الله، المقتضي وجوب تنزيهه عن كل ما لا يليق بذاته كما يقول في مقدمتها:
علمتُ ربي ولا عين ولا أثَرُ ... ولا ظروفُ ولا شَرْطُ ولا صُوَرُ (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم ، الديوان، مخطوط، 229.
(2) المصدر نفسه، 175.
(3) المصدر نفسه، 182.
(4) المصدر نفسه، 182. (1/215)
صفحة 216
... وهناك بعض العنوانات التي يلتقي فيها الفكر الإباضي مع الاتجاه السلوكي، الداعي إلى تنقية النفس، والسمو بها إلى مرتبة السالكين لمحبة الله، كالذي نجده عند الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، الذي عنون إحدى قصائده بـ "المعراج لسالك المنهاج" (1) وهو عنوان يحمل في طياته وظيفة إيحائية تلتقي مع البنية العامة للنص، من خلال ما يوحي به من توجيه يستدل به على المنهجية التي ساوق الشاعر فيها بين البنية العامة للنص ودلالة العنوان، الذي رسم من خلاله المنهج لمن يرغب في الوصول إلى أعلى درجات سلم ذلك المعراج.
... وقد يلجأ بعض الشعراء إلى إيجاد نوع من العنوانات الداخلية، لقصيدة واحدة، نظرا لطولها، فالشاعر أبو مسلم عندما أنشا قصيدته السلوكية "التائية" (2) أوجد لكل أحد عشر بيتا عنوانا داخليا يتصل بأحد أسماء الله الحسنى، وعندما قام بتخميس قصيدة "سموط الثناء" للشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، قام بوضع عنوانات داخلية، ذات مدلولات فرعية في النص كأن يقول في احداها: "فصل في تضرعه إلى معبوده شاكياً شؤم جدوده، وبيان قطعه الأسباب واتصاله برب الأرباب طمعا في نيل جوده" (3) وهو عنوان طويل يمكن أن يعدّ نصاً موازيا للنص الشعري.
... وقد يقتبس الشاعر العنوان من نص آخر، كأن يضع عبد الله الخليلي لإحدى قصائده عنوان "لن تراني" وهو عنوان، مع أنه مستوحى من نص قرآني، إلا أنه أيضا يتساوق مع بنية أحد أبيات القصيدة وهو:
حيث تلقى الأبصار حسرى عن الدًّرْ ... كِ عليها من "لن تراني" غشاهُ (4)
__________
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخطوط، 25-38.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 9 وهي قصيدة طويلة مطلعها:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي ولله إخلاصي وفي الله نزعتى
(3) المصدر نفسه ، 97.
(4) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1398هـ-1978م، 55 (1/216)
صفحة 217
... وأغلب القصائد تأتي خلوا من العنوانات إلا ما أسبغه عليها النسّاخ، الذين يلجأون إلى إعطاء تصور عنها من خلال أسلوب تقليدي معروف، كقولهم، قال في .. أو "هذه قصيدة في.. أو له أيضا أو "ومما قال في.. " بما يدل على الحالة الوصفية للنص من الخارج. كما تعرف بعض القصائد عندهم بقافيتها، كالذي انتشر عن قصائد أبي مسلم، حيث عرفت بذلك كالميمية والعينية والنونية والمقصورة.
... ومعنى ذلك أن هناك قصائد أثبت الشعراء لها عنوانات خاصة يحدد مسارها، بينما يأتي غالبها مرسلاً، دون تحديد هوية معينة لها من العنوان.
-2-
... وللاستهلال دور كبير عند النقاد القدامى، من خلال الوظيفة التي يؤديها، يعبر عن ذلك ابن رشيق بقوله "وبعد فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود مفتاح شعره، فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة" (1) ويعلل ذلك حازم القرطاجنّي بقوله "وتحسين الاستهلالات والمطالع من أحسن شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطلعية الدالة على ما بعدها، المتنزلة من القصيدة منزلة الوجه والغرة" (2)
... وعلى ذلك نجد أن أغلب مقدمات قصائد شعراء الفكر الإباضي متصلة بموضوعها، مبتعدة عن المقدمات التقليدية، فالغالب عليها أنها لا تستهل بمقدمة طللية أو غزلية، سواء كان ذلك على مستوى القصائد التي أنشأها أصحابها لمناصرة فكر المذهب في قضية بعينها، أو في القصائد التي عبرت عن مدائح الشعراء للأئمة الإباضيين، أو الفتوحات التي صورت جهاد أولئك الأئمة فعكست نشاطاتهم السياسية والفكرية العامة، ومن ذلك مطلع قصيدة أبي مسلم الرواحي:
__________
(1) القيرواني: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ج1، 215.
(2) القرطاجني: حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الكتب، الشرقية، تونس، 1966، 309. (1/217)
صفحة 218
نزهّ إلهَكَ أنْ يرى كَيْ تعرفَهْ ... أتُراكَ تعرفُه وتثبت ذي الصِّفة (1)
وهو استهلال يتناسب مع موضوعها (2) ويقترب من مقدمة قصيدة الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي في قوله:
سبحانه من ليسَ يُدْرك ذاته ... نظر بعين للذَّوات مكَشّفةُ (3)
حيث رسخ من خلاله الموضوع الذي هو بصدده.
وقد تاتي مقدمة القصيدة مندمجة مع أحاسيس الشاعر، وإن دلت بإشاراتها على موضوعها، فأبو مسلم الرواحي، عندما أنشا قصيدته "رائية المحكمة" مهد لها بمقدمة يقول فيها:
سَميري وهَلْ للمُستهام سميرُ ... تنامُ وبرقُ الأبرقين سَهيُر
تُمِّرقُ أحشاءَ الربابٍ نصا لُه ... وقلبي بهاتيك النِّصال فَطيْرُ (4)
... أما الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، فإنه ابتعد عن المقدمات التقليدية من غزل أو وقوف على الأطلال، وإن تعددت وسائلها تبعاً لغرضها، وجاءت مقدمات قصائده الاستنهاضية، أقرب إلى المناجاة والتأمل والتمني، استهلها الشاعر استهلالاً ينبى عن حالته النفسية، ويصور إحساساته، ويترجم عن معاناته التي تنسجم مع معاناة أمته، وإحساسات مجتمعه، وهو استهلال ينبئ عن بارقة أمل، بما أتبعه من حوار مع الليل، ومخاطبة لمن لا يعقل، وتجسيد للمعنويات، يقول:
تلألأَ بَرْقٌ في الدياجِي مُشعْشعُ ... بضاحكةٍ أبكاكَ فالعينُ أَدْمُعُ (5)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 175.
(2) ينظر: المحروقي محمد بن ناصر، أبو مسلم البهلاني شاعرا، ر.ج، 93
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 38.
(4) الرواحي، أبو مسلم، الديوان، مخ، ص 204
(5) الخليلي، سعيد بن خلفان، الديوان، مخطوط، 43 (1/218)
صفحة 219
والمتتبع لأهم قصائد مديح الأئمة التي تشيد بمكانتهم، وتسجل نشاطاتهم، وتصور جهادهم، يجد أن أغلب الشعراء ولجوا إلى موضوعاتهم دون مقدمات تمهيدية تقليدية، وإن اختاروا لها استهلالاً دالاً، ويبدو ذلك جليا في مطالع قصائد سعيد بن خلفان الخليلي، وابن شيخان السالمي والمر الحضرمي، وأبي وسيم الأزكوي، وخالد الرحبي، ونور الدين السالمي، فابن شيخان السالمي يمدح الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (ت 1370هـ) متحدثا عن فتوحاته بقصيدة يستهلها بقوله:
دمغت شموُس الحقّ ليلَ الباطلِ ... وَمَحتْ أكُفُّ العدلِ رَسْمَ الجاهلِ (1)
... ونجد في هذا الاستهلال مقابلة وثنائية ومفارقة بين عهدين، فهناك مقابلة وتضاد بين الشموس والليل، والحق والباطل، والمحو وما يستدعيه من إثبات، والعدل وما يقابله من ظلم، فضلاً عن الصورة الناشئة من تلك المتقابلات اللغوية والمعاني التصويرية، وهو استهلال ينبئ أيْضاً عن موضوع القصيدة، بتصوير الفرح الحاصل نتيجة انتصار الإمام على المنشقين عليه، وفي صورة تتكامل أجزاءها في الأبيات الثلاثة الأولى حينما يكمل استهلاله قائلاً:
وتمايلَ الإسلامُ أعطافاً متى ... قامت بنوهُ له بنصرِ عاجِلِ
والعدلُ يصعدُ راقياً دَرَجَ العُلا ... والجورُ يهبطُ هاوياً في السَّافلِ (2)
وكذلك مقدمة قصيدته في مدح الإمام سالم بن راشد الخروصي (ت 1339هـ) وتهنئته بإحدى فتوحاته قائلاً:
كسى الأكوانَ هذا الفتحُ بُشْرَى ... وعَطّرَ مِسْكَهُ براً وبَحْرَا (3)
... أو أن نجد الشاعر يلجأ إلى استخدام حكمة ذات صلة بالحدث، من ذلك مقدمة ابن شيخان السالمي التي يمدح بها الإمام سالم بن راشد الخروصي:
__________
(1) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان السالمي (1284هـ-1346هـ شركة المطابع النموذجية المساهمة، عمان، الأردن، ط1، 1399هـ 1979، 194.
(2) المصدر نفسه، 194
(3) المصدر نفسه، 190 (1/219)
صفحة 220
لا يزالُ الحقُ فينا مذهبا ... رَضِيَ الخَصْمُ علينا أوْ أبَى (1)
ومثلها قصيدة المر بن سالم الحضرمي، في فتوحات الإمام سالم بن راشد الخروصي:
رجاءُ الإله لنا شامِلُ ... وما هو عن نَصْرنا غافلُ
نَعدُّ صوارمَنَا للْعَدى ... وسيفُ الإلهِ هو الفاصلُ (2)
... وقد يستهل الشاعر قصيدته استهلالاً حماسياً، يتصل بوجهته الاستنهاضية، كأن يقول السالمي في إحدى قصائده الحماسية:
مقامٌ في القصورِ على قصورِ ... مقامٌ مثلُ رَبّاتِ الخدورِ (3)
ويستهل أبو مسلم الرواحي إحدى قصائده في مدح الإمام سالم الخروصي استهلالاً يشف عن دواعي الغربة وتذكر الديار والدعاء لها في قوله:
معاهدَ تذكاري سقتكَ الْغمَِائمُ ... مُلثَّاً متى يُقْلعُ تلتْهُ سواجمُ (4)
على أننا نجد أن هنالك من الشعراء من التزموا بالبدايات التقليدية، من الوقوف على الأطلال كقصيدة منصور بن ناصر الفارسي في مدح الإمام الخليلي:
أمنْ طلَلٍ بالبُعد قد لاحَ جانبُهْ ... تراءيتَ كالأخلالٍ فاشتدَّ واصبُهْ
أأمْ رسمُ أطلالٍ على عَرصَاتِها ... وَقَفْتَ وقد أضناكَ للرّسمِ نادبُهْ (5)
... ولا نعدم أن نجد بعض الشعراء يستهلون قصائدهم بما يوحي بالغزل لأول وهلة، فإذا ما تأمل القارئ في النص، يلحظ أن المعنى الغزلي الذي أوحى به النص بداية، إنْ هو إلا رمز، أراد الشاعر من خلاله إيصال رسالة كمطلع قصيدة سعيد بن أحمد الكندي:
__________
(1) المصدر نفسه، 185
(2) السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرّية عمان، 194.
(3) السالمي: نور الدين عبد الله بن حميد، ديوان السالمي، تحقيق ودراسة عيسى السليماني، ر.ج ، 51.
(4) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، ديوان أبي مسلم البهلاني، مخطوط، 243.
(5) الفارسي، منصور بن ناصر بن محمد ، سموط الفرائد، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السبب، سلطنة عمان، ط1، 1992، 148. (1/220)
صفحة 221
عودي عليَّ بوصلكِ المتواصِلِ ... فالعَوْدُ يُحمْدُ من حبيبٍ واصلِ (1)
فالشاعر يتحدث عن عهد الإمام الخليلي، والإمامة بشكل عام، وهذا يلتقي أيضا مع قصيدة أبي سلام الكندي في هذا الموضوع. (2) حيث لجأ الشاعر في استهلاله إلى الرمز، الذي يتخذ من المرأة قناعاً، يختفي وراءه للتعبير عن موضوعه.
... أما ما يتصل بالموضوعات الأخرى عند الشعراء الإباضيين مثل الرثاء، فإن قصائدهم متصلة بموضوعها، مشحونة بالأسى دالة على مشاعر الحسرة والتفجع، إما بالدخول المباشر إلى الموضوع، كقول أبي مسلم يرثي نور الدين السالمي:
نكّسي الأَعْلام يا خيرَ المِلَلْ ... رُزِئَ الإسلامُ بالخطبِ الجَلَلْ (3)
أو أن يتحدث في مقدمته عن فلسفة الموت والحياة، باعتباره النهاية الطبيعية لهذا الكائن البشري، حين يقول في نفس الموضوع:
ريبُ المنون مقارضُ الأعمار ... وحياتُنا تعدو إلى المضمارِ
والنّفْسُ تلهو بين تَيَّارِ الرَّدى ... يا ليتها حَذَرتْ من التيَّارِ (4)
وهو استهلال ينبئ عن حالة شعورية حزينة في الأولى، ونظرة فلسفية لحتمية الموت ونهاية الإنسان في الثانية، والنص الثاني وإن التقى في صيرورته البنائية مع نص آخر، إلا أنه استطاع أن يستقل منذ مطلعه، وقد جاءت كلمة "تعدو" في هذا المطلع حاملة رسالة إلى المتلقي عن سرعة هذه الحياة التي تعدو لحينها ونهايتها الحتمية.
... ويستهل الشاعر سعيد بن عبد الله بن غابش قصيدته التي رثى بها الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (ت 1373هـ) استهلالاً ينم عن الحزن، ويشعر القارئ بعظم المصاب، حين يقول:
__________
(1) الكندي، عبد الله بن سيف، مجموعة شعرية، مخطوطة، مكتبة خاصة، ولاية نخل، سلطنة عمان، 53.
(2) انظر الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوان نشر الخزام، مخطوط، مكتبة خاصة، نزوى، سلطنه عمان، 37
(3) الرواحي، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 376.
(4) المصدر نفسه، 369. (1/221)
صفحة 222
هجم الأسا فسقى الملا من صابهِ ... وكوى قلوبَهمٌ بنارِ مُصابهِ (1)
وهي في أغلبها تنسجم من كينونة النص وتتناسب مع "موقعه في أول الكلام أولا، وموقعه باعتباره حاملاً لنوى النص ثانياً" (2)
وقد يستهل الشاعر مرثيته بالدعوة إلى الرضا بقضاء الله وقدره، وهو أيضا استهلال متصل بالغرض الأساسي من الرثاء، كأن يقول أبو مسلم:
خذوا بجميل الصّبر طوعاً وسلِّموا ... فإنَّ فناءَ العالمينَ مُحتَّمُ
رضاً بقضاء الله إنَّ حياتَنا ... على السّخط منّا والرِّضا تَتَصَّرمُ (3)
فهو استهلال دال على الموضوع، يتعرض للموت والفناء ويقرر قاعدته، متحدثا بعد ذلك عن هذه الحتمية من مآل الانسان.
... ويأخذ الشاعر عبد الله بن ماجد الحضرمي بهذه المعاني الدالة على وجوب الرضا بقضاء الله وقدره، حيث يقول في مقدمة رثائه للإمام الخليلي:
أمرُ المهيمنِ في البرية مُبْرمُ ... يقضي ويفعلَ ما يشاءُ ويَحْكمُ (4)
وتكثر أيضا المقدمات الوعظية في الرثاء، وهو مما يتناسب مع المقام، كقول أبي مسلم في رثاء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش:
تَكُبّ على ديناكَ وهي تبيدُ ... وتفْتقُد النّائي وأنْتَ فقيدُ
حريصاً عليها جامِعاً لحُطامِها ... وغايةُ ما نافستَ فيه نُفُودُ (5)
-3-
__________
(1) الطوقي: سالم بن محمد، مجموعة شعرية، مخطوطة، مكتبة السالمي، سلطنة عمان، 205 .
(2) ياسين النصير، الاستهلال، فن البدايات في النص الأدبي، 26 .
(3) الرواحي: ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 393
(4) الحضرمي: عبد الله بن ماجد، مجموعته الشعرية، مخطوط، 30.
(5) الرواحي:، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 363. (1/222)
صفحة 223
... ومما يلحظ في بناء القصائد عند الشعراء الإباضيين أن كثيرا من قصائدهم تميزت بطول نفس دل على مقدرة لغوية، وتجربة شعورية متصلة، إذ ارتبطت هذه القصائد الطوال بوحدة الشعور ووحدة المغزى، وقد بدت هذه الخاصية جلية في القصائد المتأثرة بالبعد التاريخي لمعركة صفين وحادثة النهروان، وقصائد الاستنهاض والرثاء، والقصائد الدينية السلوكية.
... ولو نظرنا في قصيدة أبي مسلم الموسومة "الفتح والرضوان في السيف والإيمان"، التي بلغت ثلاثمائة وثلاثة وثمانين بيتا، لوجدنا أن هذه القصيدة على الرغم مما اكتنفها من طول إلا أنها "اشتملت على تجارب مكتملة، عمل فيها الفكر والشعور عملهما حتى جاءت بناء متسقاً متكاملاً". (1)
... وعبر قراءة فاحصة لبنية القصيدة ونسيجها، من خلال معرفة القضية المركزية التي كانت منطلق الإبداع فيها، وما يمكن أن تتشكل منه أجزاؤها، لتنتظم في وحدة موضوعية تشد كيانها، نلاحظ أن الشاعر قد بدأ قصيدته هذه بقوله:
تلك البوارقُ حاديهنَّ مْرنانُ ... فما لطرفكَ يا ذا الشّجو وَسْنَانُ
شَقَّتْ صوارُمها الأرجاءَ واهتَزعتْ ... تُزجِي خميساً له في الجوِّ ميدانُ (2)
... لقد أنشأ الشاعر نصه منذ بدايته، وهو يتوثب لرسم لوحة حربية حركية، لمعان البوارق، والصوارم، وهي تشق أرجاء الكون، فضلاً عن ضجيج الجيش، لكن الشاعر سرعان ما يوقف حركته المتوثبة، ليعود إلى التأمل في ذاته، التي أثقلتها الهموم، وأبعدتها المقادير عن مركز الحدث الذي يستثيره، فيصوغها كلمات نابعة من الوجدان، معبرة عن الحسرة، كاشفة عن أثر الاغتراب الذي أجج ضرامه ذلك الحدث، ليعود
__________
(1) علي عبد الخالق، الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف، مصر، د.ت، د.ط، ص163.
(2) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 229. (1/223)
صفحة 224
إلى التأمل الفكري العميق، فيصوغ الشاعر أبياتاً عدة في قالب حكمي، تشده إلى موضوع النص آصرة قوية، مرتبطة بباقي أجزائها، متخذا من الصور الشعرية وسيلة للتعبير عنها.
... إن من يقرأ القصيدة على طولها لا يغيب عن باله أن المنطلق الفكري هو القضية المركزية فيها، لكنه منطلق متماه مع نسيجها وبناء عالمها، نابع من نظرة الشاعر إلى مجريات الأحداث من جهة، ورؤيته العقائدية والسياسية من جهة أخرى.
... وكذلك سار في قصائده الثلاث الأخرى الميمية والعينية والمقصورة، وهي في عمومها تنطلق من وحدة المغزى وينتظمها خيط نفسي مترابط الأوصال، يشدها إلى مركزها. ومن القصائد التي اتسمت بالطول، واستقصاء الحدث وتتبع دقائقه قصيدة أبي مسلم "رائية المحكمة"؛ التي بلغت مائتين وثمانية وعشرين بيتا.
... وهي قصيدة تندرج في ثلاثة محاور:
المحور الأول: محور وعظي، يتحدث فيه الشاعر عن الموت والحياة، والبقاء والفناء، وحتمية الانتهاء، ووجوب الاستعداد لهذا اليوم، بأخذ العبرة من الغير، والاتعاظ بالمشاهد:
أتمرحُ إنْ شاهدت نعشاً لهالك ... إليكَ أكُفَّ الحاملين تشيرُ (1)
وهو في هذا الوعظ يتحدث عن نفسه، ويوجه إليها اللوم، تأنيبا وتقريعا، وتذكيرا ووعظا.
المحور الثاني: ويبدأ اعتبارا من قوله:
تحزّبَتِ الأحزابُ بعدَ مُحَمَّدٍ ... فكلٌّ إلى نهجٍ رآهُ يصيرُ (2)
وفيه يتحدث عن افتراق الأمة إلى أحزاب ومذاهب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على حين بقيت عصابة مؤمنة ثبتت على الحق، كما يرى الشاعر، وهو محور يوجهه تمهيدا للحديث عن موضوعه الرئيسي، متحدثا عن أهل الاستقامة، وهم الإباضية الذين ثبتوا على الحق، قائلاً:
على هضبات الاستقامة خيّموا ... إذا اعَوجَّ أقوام وظلَّ نفيرُ (3)
بينما يبدأ المحور الثالث اعتبارا من قوله:
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 206
(2) المصدر نفسه، 208
(3) المصدر نفسه، 208 (1/224)
صفحة 225
سرين رياحُ الله تحدو ركابَها ... إليه وأنوارُ اليقين خفيرُ
وُرَدْنَ مياهَ النَّهر غرثى صَوادياً ... وليسَ لها حتى اللقاءِ صُدورُ (1)
وهو جانب يتحدث عن أهل النهروان ونكبتهم، فيسوق الشاعر قناعاته الفكرية في هذا الموضوع، في أٍسلوب أدبي، يراوح فيه بين الحوار والتشخيص، واللغة الموحية والنداء والتكرار، وغيرها من الوسائل الأسلوبية، وقد التقى في تلك الصياغة الذات مع الموضوع، والفكر مع العاطفة.
... أما قصيدته المعروفة بـ "المقصورة" فإنها من القصائد الطوال التي بلغت ثلاثمائة وثلاثة وتسعين بيتا، إلا أن هذه القصيدة تختلف في طريقة بنائها واستهلالها عنها في أخواتها الثلاث الأخرى، وإن اتحدت في مسارها الفكري، فقد استهلها الشاعر استهلالا تقليديا وقف فيه على الأطلال قائلاً:
تلك ربوعُ الحيِّ في سَفْح النقََّا ... تلوحُ كالأخلال من جَدِّ البلا
أخنْى عليها المر زمانُ حقبةً ... وعاثَت الشمأْلُ فيها والصَّبَا (2)
أما قصائد المديح الأخرى، فإنها أيضا تميزت بهذه السمة، فقد بلغت قصيدة ابن شيخان السالمي التي مطلعها:
دمغت شموسُ الحقِّ ليلَ الباطلِ ... ومحت أكفُّ الظلمِ رَسْمَ الجاهل (3)
مائة وخمسين بيتا، وبلغت مدحة الفارسي التي مطلعها:
"أمن طلل بالبعد قد لاح جانبه" (4) ... مائة واثنتين وثلاثين بيتا
__________
(1) المصدر نفسه، 209
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 160
(3) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان، 194.
(4) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 148 (1/225)
صفحة 226
... وقد اتسمت قصائد الرثاء بالطول أيضا، وهو ملمح واضح عند أبي مسلم على وجه الخصوص، يبدو ذلك من خلال عدد من قصائد الرثاء عنده، بل إن الشاعر قد لا يكتفي بمرثاة واحدة، فيصوغ أخرى في شخصية واحدة، وكل منهما ينتمي إلى القصائد الطوال. كما فعل في رثاء العالمين الجليلين محمد بن يوسف اطفيش، والعلامة نور الدين السالمي، فضلا عن مراثيه الأخرى التي يتضح في كل منها الحزن على الفقيد، والإحساس بمرارة الفقد، وبيان موقعه وأثر فقده على الأمة، وما يجب على الأمة بعده، وهي مع طولها ترتبط بوحدة شعورية وخيط نفسي.
... وقصيدة الشاعر منصور الفارسي في رثاء الإمام الخليلي التي مطلعها:
خطب يذوب لحّره صَلدُ الحصى ... ولهوله ما كادَ ينقدُّ الصَّفَا (1)
بلغت مائتين وثمانية وخمسين بيتا .
كما أن القصائد الدينية السلوكية عند كل من سعيد بن خلفان الخليلي وأبي مسلم الرواحي، وعبد الرحمن الريامي، بلغت من الطول حداً كبيراً. (2)
-4-
... وخاتمة القصيدة مسألة اهتم بها النقاد وقرنوا بينها وبين المقدمة في الأهمية نظرا لكونها "قاعدة القصيدة وآخر ما يبقى في الأسماع.. وإذا كان أول الشعر مفتاحا له، وجب أن يكون الآخر قفلا عليه" (3) وقيل بأن "ختم القصيده" بالدعاء دالاَّ على ضعف الشاعر" (4)
__________
(1) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 182.
(2) انظر هذه القصائد في ديوان كل من الشعراء المذكورين ليتضح هذا المسلك عندهم
1- ديوان أبي مسلم الرواحي
2- ديوان سعبد بن خلفان الخليلي
3- ديوان عبد الرحمن الريامي
(3) القيرواني: ابن رشيق، العمدة في محاسن الأدب ونقده، 1/239.
(4) المصدر نفسه 1/241 (1/226)
صفحة 227
... والناظر في خاتمة القصائد الفكرية عند الإباضية يجدها متنوعة، معبرة في أغلبها عن موضوعها، متصلة به، مشعرة بنهاية القصيدة، وأكثر هذه القصائد مختم بالدعاء، المتصل ببنية الموضوع، كقول أبي مسلم، في خاتمة قصيدته المقصورة، وهي في الاستنهاض والحماسة ومديح الأئمة، في دعاء أقرب إلى التمني والرجاء :
عسى الذي قدَّر ما يهولكمْ ... يُزيلُ باللّطْف الخفىِّ ما عنَى
وَيمْطرُ الروحَ على رُبوعكُمْ ... فَينْظُرُ الرَّوْضُ وإنْ كان ذَوَى (1)
فان هذه الخاتمة المشعرة بقفل القصيدة، قد خفّفتْ من سطوة التقليد بالدعاء لاشتمالها على لغة إيحائية تتصل بالبنية العامة للقصيدة.
وكذلك خاتمة قصيدته "رائية المحكمة" يربط فيها بين الدعاء لهم وبين الولاية الدينية في حقهم، حين يقول:
ولا زالَ منهلُّ السَّلام عَلَيْهمُ ... ترادفُ آصالٌ به وبُكورُ
وأدْخَلهُمْ دارَ السَّلامَ إلهُهُم ... عَلَيهمْ جميعاً نظرةٌ وسرورُ (2)
... وتشعر خاتمته لقصيدة طمس الأبصار، بالصلة بموضوعها، والتكثيف لمعناها حين يخاطب مخالفيه قائلاً:
لا تجعلوا التوحيدَ عرضةَ وَهْمكُمْ ... غرضَ الحقيقة منهُ عينُ الْمَعْرفَة
ما أبعدَ العرفانَ عنْ ألبَابكُمْ ... إنْ كانَ تقديسُ المُهَيمن بلكفة (3)
وجاءت خاتمة قصيدة "الفتح والرضوان" معبرة عن ذات الشاعر، مشيرة إلى نوع مشاركته لقومه، حين أناب عنه قصيدته، مشبها نفسه بالصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه، فيقول:
تلْكُمْ وصيةُ حسانٍ لكم صَدَرَتْ ... فإننّي اليومَ للإسلام حَسَّانُ
لا يَصْدقُ الدِّينَ إلاّ منْ يناصُحُه ... ولا يتُّم بغيرِ النُّصْحِ إيمانُ
فإنْ تمكَّن نُصحِي منْ بَصائِركُمْ ... بدا لكم من ضياء الحقِّ فُرْقانُ (4)
__________
(1) الرواحي، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 274.
(2) المصدر نفسه، 213.
(3) المصدر نفسه، 182
(4) المصدر نفسه، 243 (1/227)
صفحة 228
... ويقرب من ذلك خاتمة قصيدة ابن شيخان السالمي، في مدح الإمام سالم الخروصي التي افتخر فيها بقصيدته مشبها نفسه بالبلبل الصداح حين يقول:
يا إمامَ المسلمينَ استمعوا ... بُلبْلاً يصدحُ في دوح الرُّبى
تجدوا سحراً حلالاً ضَمَّه ... مَنْطقٌ جزْلٌ وقولٌ عَذُبَا
أطلبُ الأجْرَ من المولى بكُمْ ... وعليهِ أنْ يُتِمَّ المطلبَا (1)
ويختم الشاعر قصيدته مشيداً بالإمام الخليلي، منوها بمكانتها عنده مفتخرا بها مشيرا إلى البحر الذي صاغه منها، حيث يقول:
الحمدُ لله الذّي أجْلى الصَّدى ... بترنّم في شاديات بلا بلي
قُل للّذي يَبْغي انتقاص بدائعي ... إني أغرّقُه ببحر الكامل (2)
اللغة والأسلوب :
... بقدر ما تعبر اللغة عن رؤية الشاعر، وتدلل على قدرته في الصياغة، فإنها تعكس اتجاهاته الفكرية، وتتأثر بالمدرسة التي ينتمي اليها الشاعر، وظروف عصره، وسمات بيئته كما أن هنالك علاقة وثيقة بين المفردات اللغوية التي يبني منها الشاعر قصيدته ونوع الغرض الذي يعالجه، وهي مسألة تنبّه لها أحد النقاد القدامى حين أشار إلى أنه لكل غرض "نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه" (3) وبذلك فإنه "لكل فن شعري أسلوب خاص به، ملائم له" (4)
__________
(1) السالمي: محمد بن شيخان، ديوان ابن شيخان السالمي، 189
(2) المصدر نفسه، 202.
(3) الجرجاني: عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل أحمد، 1966م، 24.
(4) د. عبد الجليل عبد المهدي، بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية، دار البشير، عمان، ط2، 1415هـ-1995م، 254. (1/228)
صفحة 229
... ولا ريب أن اللغة تشكل مظهرا رئيساً من المظاهر التكوينية لبنية القصيدة، فالشعر إنْ هو إلا تشكيل من مجموعة من الألفاظ اللغوية، والشاعر في تعامله معها، يحاول أن يقيم علاقات خاصة بين بنائها الشكلي، ودلالاتها المعنوية لأن "ماهية الشعر هي كيفية خاصة في التعامل مع أداة عامة هي اللغة، وتتبدى هذه الكيفية في طرائق مخصوصة تؤلف بين الكلمات وتنظمها للوصول الى أنظمة وأنساق وتراكيب وأبنية تفجر الطاقة الشعرية، وتخلق موازاة لرمزية هذا الواقع" (1)
... إن مجموعة الألفاظ والتراكيب تتولى تسليط الضوء على أهم الأبعاد النفسية والإنسانية، والخصائص الفنية عند الشاعر، "فبنية اللغة الشعرية تمثل مركزا مكثفا، تتقاطع فيه كل مكونات النص الشعري، وخصائصه الأسلوبية" (2) وهذا يعني أن هنالك "رابطة خفية بين الشاعر ولغته التي يستعملها في نظم الشعر" (3)
... وعلى أساس هذا المفهوم، سيخصص الحديث حول لغة شعراء الفكر الإباضي بما يكشف عن المؤثرات الحضارية التي شكلت هذه اللغة، وكيف تعاملوا معها، عبر مجموعة من العناصر التي كونت في مجموعها، رصيدهم اللغوي فامتاحوا منها بناء لغتهم الشعرية، مع الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية، البارزة في شعرهم، في محاولة لرصد بعض الأساليب والتقنيات اللغوية، التي تعامل معها الشعراء الإباضيون في هذه الفترة، لمعرفة الوسائل التي شكلت الخلفية الضرورية التي تأسَّس عليها شعرهم.
... وسأتحدث في هذه المبحث، ضمن المحاور التالية:
أولاً: المؤثرات العامة:
1- القرآن الكريم
2- الحديث الشريف
__________
(1) د. عبد المنعم تليمة، مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1978م، د.ط، 99.
(2) د. علوي الهاشمي، بنية اللغة الشعرية، مجلة البيان، الكويت، ع 284، نوفمبر 1989، 40
(3) د. نازك الملائكة، سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1993م، د.ط، 9، بحث بعنوان الشاعر واللغة. (1/229)
صفحة 230
3- التراث الشعري
4- بين الشعر والتاريخ.
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية
1- ألفاظ وأساليب تراثية
2- ألفاظ ومصطلحات إباضية
3- التكرار
4- التوازي والتقسيم
5- الأسلوب الخطابي
6- الحوار
... ومن الجدير ذكره، أن الشاعر كلما كان صاحب ثقافة عميقة كان أثرها واضحا في نتاجه الأدبي، فهو بقدر ما يعبر عن دلالة جملة النصوص المتماهية معه، بقدر ما يدل على عمق ثقافة الشاعر، ووعيه بهذه الثقافة، فاحتواء لغته الشعرية على معطيات تاريخية ودلالات تراثية، تتيح له تمازجا، وتوجد تداخلا قصديا يمتزج فيها الماضي بحركته وسكونه، وأحداثه وإثاراته، على اللحظة الراهنة للشاعر، نظرا لما يمكن أن تفجره الشخصية التراثية، والموقف التاريخي، والمنطلق الفكري والأساليب القرآنية، من مشاعر وتختزنه من دلالات تمنح النص الشعري –نفسه- جوا خاصاً.
المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه
* القرآن الكريم :
... يستطيع الباحث أن يستدل على مدى التأثر بهذا المعين من خلال حضور القرآن بألفاظه ومعانيه، في تعابير الشعراء وأساليب موضوعاتهم، عبر مجموعة من المستويات، كشفت عن مدى التفاعل بهذا الكتاب العزيز، وشكلت مرجعية أساسية لشعراء الفكر الإباضي.
... كان الشاعر الإباضي يرى أن القرآن الكريم مصدر أساسي في سياسة الدين والدنيا:
سياسةُ الله في القرآنِ كافيةٌ ... وما يزيُد على القرآن نقصانُ (1)
بل إن من صفات المسلم الحقيقي عند الشاعر الإباضي، من اتخذ كتاب الله أنيساً، منكبا على دراسته، عاملاً بهداه، ينير به قلبه، ويحيى به ليله (2) يرسم صورته أبو مسلم بقوله:
تراهُ متى ما اللَّيلُ عَمّدَ بَيْتَهَ ... عموداً على محْرابه وَهْو راكِعُ
يُشْعشعُ بالقرآن أنوارَ قلْبِهِ ... فَمنهن شُقَّتْ للعَيَون المدارِعُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 241.
(2) د. محمد ناصر، أبو مسلم حسان، عمان، 178 (1/230)
صفحة 231
يُرَجِّعُ في الدَّيجور رَنَّةَ ثاكلٍ ... نحيباً كما ناحَ الحمامُ السَّواجُع (1)
وهي أبيات تعكس رؤية الشاعر الإباضي للقرآن الكريم، فيجعله حاضرا بين جنبيه، ويؤكد ذلك الشاعر، نفسه، بقوله في وصف أهل الاستقامة:
تَرامَوْا على القرآنِ شُرْباً بمائِهِ ... فَأصْدَرَهُمْ والكلُّ ريَّانُ هائِمُ (2)
ويشير الشاعر عبد الله الخليلي في إحدى مناجاته إلى ما حل بالأمة،
بعد إن عطلت حدود الله، وأعرض عن كتاب الله، مناديا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً:
يا حُجَّة الله بِينَ الرُّعبِ والعَلَمِ ... أدْرك لواءكَ بينَ الحَرّبِ والسَّلمَ
أدرِكْ حُسامَكَ أدْركْ ما تركتَ لنَا ... إرْثاً فقد ضَيَّعتْه نبْوةُ الهمَمَ
أدرِكْ كتابكَ مقبوضاً على يَدِهِ ... مُضَرَّجَ الخدِّ بينَ الحّلِ والحْرَمِ (3)
... إن الناظر في أساليب توظيف القرآن الكريم في الشعر الإباضي، مفردات وتراكيب، يلحظ إن الشاعر الإباضي، استطاع أن يتمثل معانيه، مستغلا ما تشعه المفردة القرآنية من معان، وما تمنحه من إحساسات، وما تتمتع به من إيحاءات.
... وقد تفاوتت طرائقهم في توظيف الآية القرآنية في النص الفكري، فقد نجد المعنى المضمَّنَ يتداخل ضمن النص المعطى، بحيث يصبح جزءاً من نسيجه اللغوي، والتشكيلي، كإشارة أبي مسلم إلى ميزان التفاضل بين الناس من خلال الأعمال، لا من خلال الأنساب والأقوال في قوله:
والأمْرُ يَبُنى على الأعمالِ كيفَ جَرَتْ ... والمدحُ والذَّمُّ بحثاً غيرُ مُعْتبََرِ
وأكرمُ الخلقِ أتقاهم فليس إذنْ ... للمدحِ والذَّمّ بالأهواءِ من أثَرِ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 259.
(2) المصدر نفسه، 247
(3) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 81، نشر وزارة التراث القومي، 1978، مطابع سجل العرب، القاهرة. (1/231)
صفحة 232
فيمَ المحاباةُ ما قربى بمزلفةٍ ... من دونِ تقوى ولا بُعْدَى على خَطَرِ (1)
... مشيرا إلى قوله تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (2) ومضمنا قاعدة إباضية تشير إلى اقتران الإيمان بالعمل، فالشاعر يستثمر بعض ما في كتاب الله من ألفاظ وعبارات ومعان بشكل غير مباشر، دون أن ينص على ذلك، انعكاساً لثقافته القرآنية – كما مر- أو كانت انعكاساً مباشرا، بحيث يلجأ الشاعر إلى الاستشهاد به، في غمرة استيحائه أو استدلاله، كقوله :
أيقولُ ربُّك "لن تراني" فارْتَدعْ ... وتقولُ سوف أراك خَلْفَ البلكفة
أو ليسَهُ هذا عنادٌ ظاهرٌ ... فاذهبْ أمامَك مَوْعدٌ لَنْ تُخْلفَهْ
أبآية الأنعْامِ أدنى شبهةٍ ... أم آيةُ الأعرافِ وَيْكَ مُحَرَّفَهْ (3)
فهذه الإحالات التي أشار اليها الشاعر تتجلّى في قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب أرني أنظر اليك قال لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) (4) وأشار كذلك الى آية الأنعام في قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (5) وكلاهما من الآيات التي يستدل بها الإباضية على نفي الرؤية، وفي الأبيات توظيف تعبيري في قوله فاذهبْ أمامك موعد لن تخلفه أخذا من قوله تعالى (فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) (6)
... وقد يشير الشاعر إلى استدلالات بعنيها توظيفا لها، وتبكيتاً للمعارضين لفكره كما في قوله:
أيُّها العجزُ لا تَطُلْ قيدَ شبْرِ ... دونَ ما رُمْتَ عزّةٌ وجَلالُ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 214.
(2) سورة الحجرات، آية 13
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 177، 178
(4) سورة الأعراف، آية 143.
(5) سورة الانعام، آية 103
(6) سورة طه، آية 58 أو من قوله تعالى "وعد الله لا يخلف الله وعده" الحج، 47 (1/232)
صفحة 233
دُونَ ما رُمْتَ "لنْ" و"لا" وأنا ... الله، وأنْت المخلوقُ والأحولُ (1)
... ولا يخفى ما في ذلك الاستدلال من عمق في الإيحاء بمقصود الشاعر، بما توحيه الإحالات من خلال سياقها، من عظمة المولى، حيث تقف دون بلوغ مقام الرؤية حسب مفهوم الشاعر.
ويقرب من ذلك توظيف الشاعر عبد الله بن علي الخليلي للعبارة القرآنية، في قصيدة له بعنوان "لن تراني" للدلالة على نفي الرؤية مستوحيا العبارة والمعنى القرآني، وموجها الخطاب لمن يطمع فيها، مخاطبا الإنسان المتقلد لصفات النقص، قائلا له:
أيها النّقْصُ في كمال جلال ... الوصل ... هل عاقَ قَصْدكَ الاشْتباهُ
قُمْ وسارعْ فالقصدُ غيرُ بعيدٍ ... وبلوغُ المرام أنْ تخْشَاهُ
واجتلِ النارَ من طُوى حيث تطوى ... فيكَ منك الأضدادُ والأشَبَْاهُ
حيثُ نوديتَ من مقامٍ أنا ... الله ... وأنْ لا إلهَ ألاّ الله (2)
... حيث عبر الشاعر في معرض الاستشهاد على رأيه، من خلال توظيف قصة سيدنا موسى عليه السلام، مستثمرا أجواء قوله تعالى: "إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري" (3)
... والسالمي وهو في مقام لهجته الحماسية، ودعوته الاستنهاضية، يستوحي معاني القرآن الكريم، ويوظف آياته في دعوته فيورد عددا من النصوص على سبيل الاقتباس للاستشهاد فيقول:
ألمْ يأْمرْكُمُ الرَّحْمنُ كُنْتُمْ ... خِفافاً أو ثِقالاً بالنُّفورِ
ألمْ يج جاهدوا في اللهِ حتَّى ... تَروْا دينَ إلا له على ظهورِ
ألم يقلِ اشْترَى منكمْ نفوساً ... وأموالاً على عظَم الأجُورِ
فأنتم بالنُّفوس عليه بُخْلٌ ... وبالأموالِ أنتمْ في قتُورِ (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 174.
(2) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 57.
(3) سورة طه، آية 12-14
(4) السالمي: عبد الله بن حميد، ديوانه، 52 (1/233)
صفحة 234
... فقد أراد الشاعر من خلال هذا الاقتباس أن يؤكد دعوته للجهاد في سبيل الله، فالبيت الأول يعود إلى قوله تعالى "انفروا خفافاً أو ثقالاً" ليكمل الآية في البيت الثاني "وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل لله" (1) بينما استوحى البيت الثالث من قوله تعالى "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" (2) والملاحظ أن الشاعر قد أخذ هذه المعاني الجهادية من سورة التوبة. وحين يدعو الشاعر أبو مسلم قومه للتأسي بأسلافهم الشراة الاباضيين يقول:
هَلُمَّ فلنحذ وحَذوَ سَعيْهُمْ ... فليسَ للإنسان إلاَّ ما سَعَى
ليسوا رجالاً لا نطيقُ فعْلهُمْ ... لكنَّهم جَدّوا وَقَصَّرْنا الخُطَى (3)
... إذ يشيع هذا الاقتباس جوا خاصا، ويمنحه قاعدة ثابتة، فعمل الإنسان هو الأساس الذي يحكم له أو عليه، والشاعر قد نجح في استثمار ما تشيعه هذه القاعدة، المستمدة من قوله تعالى: "وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأنَّ سعيه سوف يُرى" (4) لا سيما حين أردف ذلك بما أورد في البيت الثاني، مبينا المفارقة بين السلف الذي وصل إلى ما وصل إليه، والخلف الذي تقاصرت خطاه، علماً أنهم ليسوا أناساً أصحاب عادات خارقة لا يطاق فعلهم، مطالبا بترسم خطاهم العملية.
... ولتعزيز فكرة الشاعر وإمعانا منه في إلحاحه طلب الإجابة من مولاه، يتوجه سعيد ابن خلفان الخليلي إلى ربه داعيا على الظلمة الذين غيروا دين الله مستعينا ببعض آيات القرآن، مستثمرا ما في أجوائها من شدة على أعداء الله، مضمنا ذلك من خلال قوله:
وَصُبَّ علَيهمْ سَوْطَ منتقم كما ... لعادٍ وفرعون جرى وثمودِ
ولا تبق ديّاراً على الأرضِ منْهمٌ ... فما قومُ نوحٍ منْهمُ بِبعيدِ (5)
__________
(1) سورة التوبة آية 41
(2) سورة التوبة، آية 111
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، مخطوط، 272
(4) سورة النجم، 39-41
(5) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخطوط، 50 (1/234)
صفحة 235
... يعود النص المقتبس إلى قوله تعالى "فصبَّ عليهم ربّك سوْط عذاب" (1) حيث تصرف الشاعر في ألفاظ النص وصيرورته ليتناسب مع دعائه، ليستخدم الفعل "صب" للأمر، وهو خلاف النص الوارد في مقام الإخبار، ولا يخفى أن الشاعر قد تحول
بالنص من موضعه إلى موقع آخر، يتناسب مع الغاية التي يتوق الشاعر إلى تحقيقها، وهي القضاء على المتكبرين في الأرض ليؤكد هذه الدعوة في البيت الثاني، تضمينا لقوله تعالى حكاية على لسان نوح عليه السلام "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا،إنك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" (2) وهذا التعليل الذي جاء به نوح عليه السلام استثمره الشاعر أيضا ليدلل على صدق دعوته، وعدم جنايته على المدعو عليهم فهم ليسوا بعيدين عن قوم نوح الذين دعا عليهم بتلك الدعوة الصارمة.
... وقد يعمد الشاعر إلى إدخال بسيط على النص المقتبس واحتفاظه بأغلب بنيته الأصلية، مع استخدام النص لخدمة جوه الشعري الخاص، كأن يقول أبو مسلم في وصف الأئمة الإباضية:
فازَ المُخِفّون من دارِ الغرورِ فلا ... خوفٌ عليهم ولا بالقوم أحزانُ (3)
أخذا من قوله تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهمْ ولا هم يحزنون" (4)
وكذلك قوله:
إن تنصروا الله ينْصرْكم فلا تهنُوا ... فالكفرُ في الَمقْت والإسلامُ رِضوانُ (5)
حيث يمكن رد المعنى إلى قوله تعالى "إن تَنْصُروا الله يَنْصُركُم ويُثبَّتْ أقْدامَكُم" (6)
__________
(1) سورة الفجر، 13
(2) سورة نوح، آية 27
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 233
(4) سورة يونس آية 62
(5) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 243.
(6) سورة محمد، آية 7 (1/235)
صفحة 236
وقد يستلهم الشاعر المعنى، وهو كثير جدا في نصوصهم، وذلك ناشئ عن تشرب الشاعر بالقرآن الكريم، ألفاظه ومعانيه، فيوظف هذه المعاني بما فيها من قوة إيحاء ودقة تصوير، وعمق دلالة، ليخلعها على نصه فتصبح جزءا من نسيجه، من ذلك ما جاء به الشاعر المر بن سالم الحضرمي، في حديثه عن فتوحات الإمام سالم بن راشد الخروصي بقوله:
رجاءُ إلاله لنا شاملُ ... وما هُوَّ عَنْ نصرنا غافلُ
نعدَّ صوار مَنَا للعدَى ... وسيفُ الإله هو الفاصلُ
يَظنُّ العدوُّ بنا أنَّنا ... قتلناهُمُ وَهُوَ القاتلُ
رمينا ولكنَّه قدْ رَمَى ... ونفعلُ لكنْ هُوَ الفاعِلُ (1)
... إن هذه المعاني التي طرقها الشاعر وسخرها في بنية موضوعه، استوحاها من معان قرآنية، وأجواء إيمانية، فالمطلع على كتاب الله لا يصعب عليه أن يرد البيت الثاني بمجرد قراءته إلى قوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل.." (2) بينما يعود البيت الرابع إلى قوله تعالى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" (3) فالشاعر قد نقل النص من جوه إلى جو نفسي خاص.
... ويوظف الشاعر أبو مسلم هذا النص "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" في جو آخر، يبتعد عن النص الأصلي فيحمله دلالة جديدة، دون أن يعمد إلى استظهاره استظهارا حرفيا، ولكنه أضاف بعداً جديداً أو أضفى عليه جوا خاصا، وذلك في معرض دعوته إلى الالتفاف حول شخص الإمام الخروصي، ومناصرته والتوحد مع دعوته، والتحذير من الفرقة، وهي مسألة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر مجموعة من الأعمال والدلائل، كما في قوله:
ليسَ لَها إلاَّ التفافٌ قوةٌ ... بقوةٍ ومُقتدٍ بُمقْتَدَى
ليس لها إلاّ نفوسٌ طُفئتْ ... أضغانها واشتعلتْ فيها التُّقى
يَلُمُّها الإيمانُ قلباً واحداً ... وجْهتُهُ الله وَحَشْوُه الهُدَى
__________
(1) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان ، 194.
(2) سورة الأنفال، آية 60
(3) سورة الأنفال، آية 17 (1/236)
صفحة 237
إذا رَمَتْ فقوْسُها واحِدةٌ ... وَمارَمتْ وإنمَّا الله رَمَى (1)
... ويكثر الاستيحاء لمعاني القرآن والاستلهام لأجوائه، عند الشعراء الإباضيين في مجال الحماسة والاستنهاض لإحياء نظامهم السياسي والمحافظة على ذلك الكيان، ومن ذلك ما نجده عند الشاعر عبد الرحمن الريامي، في مخاطبته للعمانيين، ودعوته لهم للوقوف مع الإمام الخروصي، محذرا من الفرقة والفشل، ومعززا فكرته بآيات قرآنية سخرها لخدمة موضوعه، في قوله:
لا ننظروا لكثرة في خصمكم ... وعُدَّة وعدد وما بدَا
واعتبروا إذ كُنْتُم أقلّة ... فظهرتَّ كثرتكم بينَ الوَرَى
كم فئةٍ قليلةٍ قدْ غَلَبتْ ... وكثرة باءتْ بذُلّ وَجَلاَ
وكم توالت أزْمة وأزْمةُ ... فَفَرّج الرَّحْمنُ عنّا وَجَلاَ
وكم له من فَرَج وَمَخْرجٍ ... وظفر بعدَ إياسٍ قد أَتَى
لا تفشلوا تنازعا لا تجبنوا ... فأنتمُ الأعلونَ معّ صدقِ الرَّجا (2)
... وهي في عمومها معان مستوحاة من عدد من الآيات، لا يصعب ردها إلى أصولها، استثمرها الشاعر، أخذا من قوله تعالى "وإذ نصركم الله بدر وأنتم أذلة" (3) "وكم من فئة قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة" (4) "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.." (5)
... إن هذا التكثيف من الآيات في هذه الأبيات، وما يليها له مغزى إيماني، وتأثير على النفوس المؤمنة، إذا ما سمعت مثل هذه الأبيات بما تحمله من دلالات، وما تستدعيه من إيحاءات فتتصاعد هذه اللهجة لتصل ذروة التأثر وخاتمة المطاف في الحماسة حين يقول:
والحربُ إحدى الحسنيين حُكْمُها ... إما بنصر أو بإدراك المنَُى
ما أفضلَ الموَتَ لأصحاب الشِّرى ... بمعرك الحْرّب وهيجانِ الوَغَى
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط ، 274.
(2) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط، 267
(3) سورة آل عمران، آية 23.
(4) سورة البقرة، آية 249.
(5) سورة الأنفال، آية 46 (1/237)
صفحة 238
ما بالنا نخشى الوغى ونحنُ منْ ... أبنِائها، إيمانُنا أين وخى؟ (1)
... فالنص مستوحى من قوله تعالى "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله" (2) وكانت إشارته لأصحاب الشراء الذين كانوا وقود الحروب، وفوارس معاركها، الذين يدخلون الحروب، وصدورهم منشرحة، كما عبر عن ذلك أبو وسيم الأزكوي في وصفه لهم، بقوله:
قد انشرحَتْ منهم بنورِ إلهِهِمْ ... صدورٌ ونورُ الله للصّدرِ يشرحُ (3)
أخذا من قوله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، كأنما يصعّد في السماء". (4)
... ويجسد الشاعر خالد الرحبي في الإمام الخليلي، الصفات الإيمانية المستهلمة من القرآن الكريم حين وصفه بقوله:
شديدٌ على العاصينَ فظّ عليهمُ ... رحيم بنا منّا أرقُّ وأعلَمُ
عزيزُ أعزَّ الله مُلَّته بهِ ... فأصبحت الدّنيا به تَتَبسمُ (5)
حيث استوحى هذه الصفات مما وصف الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بقوله تعالى "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.." (6)
... هذه بعض الأمثلة الدالة على مدى تأثر الشاعر الإباضي بالقرآن الكريم، في استلهام المعاني وبناء النصوص الشعرية المستوحاة من أجوائه.
الحديث الشريف
... ويستثمر بعض الشعراء العمانيين أثر الحديث الشريف مستمدين منه بعض أفكارهم لا سيما مجال الاستشهاد والاستدلال وإن كانت أشكال هذا التأثر أقل بكثير من التأثر بالقرآن الكريم .
__________
(1) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط، 268
(2) سورة آل عمران، 169-170
(3) الخصيبي: محمد بن راشد البلبل الصداح، مخطوط، 34
(4) سورة الانعام، 125
(5) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخطوط، 1،2
(6) سورة الفتح، 29 (1/238)
صفحة 239
... من ذلك ما أورده أبو مسلم الرواحي في قصيدته التي أنشأها في أهل النهروان بعنوان "أشعة الحق" رادا ما روي من أحاديث أولت في المحكمة "أهل النهروان" دون أن ينقضها نقضاً حديثيا، وربما كان الشاعر يرى أن هذه ليست مهمته، بل إن مهمته في ذلك السياق أن يخاطب العاطفة، ويفرغ شحناتها ويعكس قناعته، حين يقول:
ما ذو الثَّدية إلاّ خدعةٌ نصبتْ ... للحرب توهم فيها صحةَ الخبر
وما حديثُ مروق القومِ معتبرٌ ... فيهم لمن سلكَ الإنصافَ في السِّيرِ (1)
وكالذي أورده أبو مسلم في وصفه للإمام سالم الخروصي، حين يقول فيه:
به أَنَفُ الأملاك في نظرة الغنَى ... وما نالَ منه ما تقلُّ الأَصابِعُ
كفتهُ لقْيماتٌ يقوِّمْنَ صُلْبَه ... وطِمْرٌ (2) من الأنهاج يأباه راقعُ (3)
فالضمير في "به – كفته" يعود إلى الامام الخروصي الذي عرف بالزهد والورع في حياته والبيت الثاني يحيل القارئ مباشرة إلى قوله صلى الله عليه وسلم "بحسب ابن آدم لقيمات يقومن صلبه فإن لم يكن فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (4)
...
... وقد يتأثر الشاعر بمصطلحات علوم الحديث فيذكر الرواية والصحاح والإسناد والروي، وسلسلة رواة الحديث وغيرها من المصطلحات التي يستلهمها الشاعر من هذه الأجواء ليتحول بها الى أجواء أخرى، كأن يقول أبو سلام الكندي في مقام تهنئته للإمام الخليلي، بفتح مدينة نخل، والقضاء على الخارجين عن طاعته:
روت السيوفُ تصادمُ الأقرانِ ... وحَكَى الصّحاحُ مَصارِعَ الشَّجعانِ
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 217
(2) الطمِّر: الثوب الخلق، لسان العرب، مادة: طمر
(3) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 258
(4) رواه ابن ماجة في باب الأطعمة، والترمذي في باب الزهد، ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، أ.ي.ونسنْك، مطبعة بريل في مدينة ليدن، 1955م، باب: لقم. (1/239)
صفحة 240
فاستحسنَ الإسنادُ حُسْنَ رويّها ... فتسلسلت من صارمٍ وسنانِ
نقلت صحائفها الصحاحَ وتَرجْمتَ ... أيدي الكماة عَوَالي المُرَّانِ
فتحدثت قراءُها ما شاهَدتْ ... يوَم الكريهة مُلْتَقَى الجَمْعانِ (1)
ونجد أبا مسلم الرواحي يعكس الصورة الأصلية لحديث "لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا" (2) حيث يصور الجنائز في إحدى مراثيه بقوله:
تمرَّ بنا جنائزُنا بطاناً ... حواصِلُها تُزفّ إلى الوُكُونِ
وتغدو في مراعيها خِماصاً ... ألا عمدا من الخمصِ البطينٍ (3)
* التراث الشعري:
... من الصعوبة الكشف عن طبيعة العلاقة بين نص وآخر، وخاصة إذا كان الشاعر مقتدرا على توليد المعاني، وصياغة الأفكار، وخلق الصور الخاصة به، وعلى ذلك يتطلب الكشف عن صور هذا التأثير اطلاع الدارس على الشعر العربي بمختلف مراحله، وهي عملية مهمة لتتبع الأجواء الشعرية والنفسية التي جعلت الشاعر يتماهى بنصه مع نص سابق، سواء كان ذلك استلهاما أو تضمينا.
... ومن خلال استقراء النصوص الشعرية الإباضية في هذه الفترة يجد الباحث أنه قد تفاوتت مستويات التأثر بالشعر العربي وأجوائه عندهم، كما يتضح أن هنالك مجموعة من النصوص تأثرت بسابقاتها وأصبحت تشكل جزءاً من نسيجها.
__________
(1) الكندي: أبو سلام، سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوان نشر الخزام، مخطوط، 8
(2) رواه ابن ماجة في باب الزهد، والترمذي في باب الزهد، ينظر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، أ.ي.ونسنك، باب وكل.
(3) الرواحي، السابق، 388. (1/240)
صفحة 241
... فقد يكون التأثر عبر الجو الموسيقي للنص الموحي بالحماسة كما نجد ذلك عند الشاعر عبد الرحمن الريامي، في معارضته لقصيدة قطري بن الفجاءة (1) إذ تناسبت قصيدته معها وزنا، واختلفت قافية، واتحدت في أجوائها الشعرية العامة، ومطلع قصيدة الريامي:
شُراةَ الحقَ هُبّوا للجهادِ ... وذُبَّوا بالصَّواِرِمِ والصِّعادِ (2)
وتتأكد صيغة التناص والتضمين عند شاعرنا في قوله:
فيانفس الجبان قعستِ ماذا ... تخافي عند صولاتِ الأعادي (3)
فإنك لو سألت بقاءَ يومٍ ... على الأجل المقدّرِ لن تزادي (4)
حيث يقول قطري بن الفجاءة:
فإنَّكِ لو سألتِ بقاء يومٍ ... على الأجلِ الذي لك لم تطاعي (5)
لكن الريامي – هنا- استوحى المناخ الشعري والموقف الشعوري بما يدل أنه يعيش حالة من التأثر الوجداني بالحدث الذي وضعه في موقف شعوري مشابه للنص المستوحى.
... وقد يلتقي الشاعر بالجو العام لقصيدة سابقة، فيتأثر بمعاني طرقت قبله، لكن الشاعر يعيد تشكيل هذه المعاني بطريقته، ويكيفها لظروف نصه ومشاعره، وهذا يشير إلى قدرة الشاعر على توليد المعاني، متجاوزا ما ورد عند من سبقه، ومن ذلك ما جاء على لسان أبي مسلم الرواحي، الذي ينحي باللائمة على المقادير التي لم تمكنه من المشاركة مع الإمام سالم بن راشد الخروصي، متمنياً أن يعيش تحت لوائه، قائلاً:
ولولا المقاديرُ التي عزَّت القُوى ... وما اكتسبت مني الخطوبُ الغواشمُ
__________
(1) هو قطري بن الفجاءة، شاعر الخوارج وفارسها، وخطيبها، والخليفة المسمى أمير المؤمنين في أصحابه، حفلت المصادر التاريخية بأخباره وحروبه، يقال أنه توفى سنة 78 أو 79هـ انظر د. احسان عباس، شعر الخوارج ط دار الثقافة، بيروت، 105، د.ن، د.ط، ابن خلكان وفيات الأعيان (4: 93)
(2) الريامي، عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه، مخ، 174.
(3) تخافي خطأ نحوي، أصله تخافين.
(4) الريامي، المصدر السابق، 174.
(5) انظر د. إحسان عبّاس، شعر الخوارج، 108. (1/241)
صفحة 242
نذرتُ حياتي تحتَ ظلِّ لِوائِهِ ... وأحرزتُ خصلي إذ تحزَّ الغلاصِمُ
ولم يكُ قسمْي غيرَ ضربة لازبٍ ... إذا قُسَمْت فوق الفروقِ الصَّوارمَ
أو الطعنه النجلاءُ ترمي نجيَعها ... تفوزُ بها بين الطّلا واللَّهازُم (1)
وهو تمن يذكرنا بتحسُّر معاذ بن جوين الطائي (2) الذي كان محبوساً في السجن أيام المغيرة بن شعبة فلما بلغه عزم المغيرة على نفي بعض الشراة قال هذه الأبيات:
فياليتني فيكم على ظهرِ سابحٍ ... شديد القصيرى دارعاً غير أعزلا
ويا ليتني فيكم أعادي عدوَّكم ... فتسْقيني كأس المنيّة أولاً
مُشيحا بنصلِ السيف في حمس الوغى ... يرى الصَبر في بعض المواطنِ أمثلاً (3)
ومن ذلك قول أبي مسلم – أيضا- في رثائه للإمام السالمي متحسرا على فراق أحبّته وبقائه بعد رحيلهم حيث يقول:
رحمَ الإلهُ أحبةً غادرتُهَمْ ... ولزمتُ صُحْبةَ دهريَ الغدّارِ
ما كان في أملي التخّلفُ بعدهم ... والعيشُ في الأشجانِ والتذكارِ
لكنه الحدثانُ يطلبُ وقتهُ ... ومنية تأتي على مقدارِ (4)
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 251، 252.
(2) معاذ بن جوين بن حصين الطائي، السنبسي، كان أحد الذين أصيبوا يوم النهر، ولما ارتث من جروحه عاود الخروج، ونجا من القتل يوم النخيلة، قتل في أيام المغيرة بن شعبه. انظر د. احسان عباس، شعر الخوارج، 44، د. نايف معروف، ديوان الخوارج، دار المسيرة، 255.
(3) د. نايف معروف، ديوان الخوارج، شعرهم، خطبهم، رسائلهم، دار المسيرة، بيروت، ط1، 1403هـ/ 1983م، 255.
(4) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 374. (1/242)
صفحة 243
إن هذه اللوعة على الفراق، تذكرنا بقول أحد الشعراء الشراة الأوائل (1) الذي يقول متحسرا:
ولقد مضوا وأنا الحبيبُ إليهمُ ... وهُمُ لديَّ أحِبّةٌ أبرارُ
قدرٌ يُخلِّفني ويمضيهم به ... بالهفُ كيفَ يفوُتني المِقْدارُ (2)
ومن صور التأثر بالمعاني الشعرية القديمة ما نجده عند الشاعر نفسه، حينما جعل الميزان الإيماني هو المحتكم الذي يرجع اليه دون سائر العصبيات القبلية قائلاً:
ليعلموا أنه التكليفُ لانسبٌ ... يغني ولا فيه دونَ الله منْ وَزَرِ
لو كان بالشرف التكليفُ مرتفعاً ... إذنْ تَعطَّل عدل الله في الفطَرِ
وحجة الله بالتكليف لازمة ... سيّان في الأمر مفضولُ وذو الخطرَ (3)
وهو معنى عاد على لسان أبي مسلم، بعد أن نطق به أحد الشراة الإباضيين الأول وهو الشاعر عيسى بن فاتك الخطي (4) ، الذي جسد هذا المعنى في قوله:
أبي الاسلامُ لا أب لي سواه ... إذ فخروا ببكرٍ أو تميمِ
كلا الحيّين ينصرُ مُدَّعيه ... ليُلْحقهُ بذي الحسبِ الصَّميمَ
__________
(1) البيتان من مقطوعة لم تنسب إلى قائل بعينه وإنما هي لأحد شراة الخوارج، يصف فيها أصحابه وهي مروية في شرح نهج البلاغة، بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم 1329، مصر، ينظر الدكتور: إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، د.ن، 234.
(2) د. نايف معروف،ديوان الخوارج، السابق، 225
(3) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 214، 215.
(4) عيسى بن فاتك الخطي، قال البلازدي، هو عيسى بن جرير، أحد بني وديعة بن مالك بن تيم اللات، بن ثعلبة بن عطية، كان من أصحاب نافع بن الأزرق وقتل بعد خروج الأزارقة وذكر البلاذري ان له شعرا كثيرا ينظر (الانساب 4/95) د. إحسان عباس، شعر الخوارج، 54. د. نايف معروف، ديوان الخوارج، 153، المسيرة، بيروت، ط1، 1403هـ/ 1983م (1/243)
صفحة 244
وما حسبٌ ولو كرمت عروقٌ ... ولكنَّ التقيَّ هو الكريمُ (1)
ويمتاح الشاعر من التراث ما تستدعيه ذاكرته، فيولد المعاني، متجاوزا بها حدودها كأن يقول في مدح الإمام سالم الخروصي:
ولستُ بأقصى الحمدِ فيك مموها ... إلى الغرض الفاني بشعري أزاحمُ (2)
فإنه يذكرنا بقول المتنبي:
إذا نلتُ منكَ الودَّ فالمال هَيّنٌ ... وكل الذي فوقَ الترابِ تُرابُ (3)
وحين آيس الشاعر من مناداة الأحياء واستجابتهم لصراخه، انكفأ على نفسه، فاتجه بندائه إلى الأموات الذين قد ترجى منهم إجابة حين يقول:
أدعو لها الأموات إذْ آيستُ من ... أحيائهم لَعلَّ فيهم مَنْ وعَى (4)
فإن هذا المعنى يذكرنا بقول المتنبي:
من يهنْ يسهل الهوانُ عليه ... ما لجرحِ بميّت إيلامُ (5)
وقد يأتي التأثر عند الشاعر متناصاً مع الوزن والقافية فقصيدة أبي مسلم التي قالها في رثاء الإمام السالمي ومطلعها:
ريب المنون مقارضُ الأعمار ... وحياتُنا تعدو إلى المضمارِ
والنَّفسُ تلهو بين تيّار الرَّدى ... يا ليتها حذرَتْ من التيَّارِ (6)
تلتقي في غرضها ووزنها ورويها مع قصيدة أبي الحسن التهامي التي يرثي بها ابنه قائلاً في مطلعها:
__________
(1) د. إحسان عباس، ديوان شعر الخوارج، دار الشروق، بيروت، ط4، 1982، 72، وفي البيت الأخير إقواء.
(2) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 250
(3) المتنبي: أحمد بن الحسين، شرح ديوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط2، 1357هـ/ 1938، 1/232.
(4) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط 273.
(5) المتنبي : أحمد بن الحسين، شرح ديوان المتنبي، (السابق) 3/217.
(6) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 369. (1/244)
صفحة 245
حكمُ المنيةِ في البريةِ جاري ... ما هذه الدُّنيا بدارِ قرارِ (1)
ويعارض الشاعر خالد بن هلال الرحبي قصيدة أبي تمام في فتوح عمورية التي مطلعها:
السيفُ أصدقُ أبناءً من الكتبِ ... في حدُّه الحدّ بين الجدّ واللَّعب (2)
إذ يقول الرحبي:
الجدُّ في الجد والراحاتُ في التعب ... والدينُ يُحّفظُ بالهندية القُضُب (3)
ومدح الإمام الخليلي بقصيدة عارض فيها قصيدة المتنبي التي يقول فيها:
على قدرِ أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ (4)
يقول الرحبي:
بعيُد المنى تدنيه منكَ العزائمُ ... وكيُد العدى تُثْنيه عنكَ الصَّوارمُ (5)
وهي نفسها التي عارضها أبو مسلم الرواحي، وتأثر فيها ببعض أبيات نص المتنبي، لا سيما في قوله، يصف أئمة الإباضية:
وفوا بوصايا الله في السخطِ والرّضا ... كراماً وأفعالُ الكرامِ كَرائمُ (6)
ويتأثر الشاعر أبو مسلم – أيضا- بإحدى نقائض الفرزدق مع جرير، يقول أبو مسلم:
ألاهل لداعي الله في الأرضِ سامعُ ... فإني بأمر الله يا قومُ صادعُ (7)
وبعد أن يمدح الشاعر الإباضية، أهل الاستقامة، يقتبس من الفرزدق بيتا كاملاً، يخاطب فيه جريرا، حين يقول:
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جريرُ المجامِعُ
__________
(1) التهامي: أبو الحسن علي بن محمد، ديوان التهامي، شرح وتحقيق الدكتور علي نجيب عطوي، دار مكتبة الهلال، بيروت، د.ط، 1986م.
(2) أبو تمام : حبيب بن أوس الطائي، شرح ديوان أبي تمام، ضبطه وشرحه الأديب شاهين عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1407هـ/ 1987، 18.
(3) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخطوط، 7
(4) المتنبي: أحمد بن الحسين، شرح ديوان المتنبي، (السابق) 3/94.
(5) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخطوط 22.
(6) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 247.
(7) المصدر نفسه، 252. (1/245)
صفحة 246
ولستَ بجاء في الوجودِ بمثلهم ... وللقوم شأن في الولايةِ شَاسِعُ (1)
... وهذا التحدي المتأثر بمعطيات تراثية، استخدمه الشاعر رمزا يعبّر عن المشابهة في شاعرية التحدي، التي سبق الفرزدق إلى إبرازها، فاستعارها أبو مسلم، لمناسبتها حال من يتحداه، وكأنه يحاور شخصا بعينه، لا سيما حين أردف ذلك بتأكيد المعنى في البيت الثاني.
... ومن صور التأثر استلهام الجو الشعري الذي قيل فيه النص السابق، وتوظيفه في نص جديد يقترب منه، دون أن يتمكن الشاعر من تجاوز تلك المعاني، لكنه استطاع أن يعبر بها عن موقف مشابه، كما في قول الشاعر سعود بن حميد (أبو الوليد) في مدحه للإمام الخروصي، وتشبيه إمامته بالخلافة:
جاء الخلافة بعدما كانت له ... قدراً فصادفت المحلَّ الأطولا
ألفتهُ أكثرَهم هُدىً وأجلَّهم ... قَدَراً وأسمحهم كريماً مفضلاً (2)
وهي معان لا يصعب ردها إلى أبيات قالها أبو العتاهية يمدح الخليفة العباسي هارون الرشيد:
أتته الخلافةُ مُنقادةً ... إليه تجرّرُ أذيالَها
فلم تك تُصلُحُ إلاّ له ... ولم يكُ يصلُحُ إلاّ لَهَا
ولو رامَها أحدٌ غيرَهُ ... لَزُلْزلَتِ الأرضُ زلزالَها (3)
أما قول الشاعر أبي وسيم الأزكوي، في وصف أصحاب الإمام عزان بن قيس:
لَئنْ في سبيلِ الله جادوا بما لِهمْ ... فَهُمْ في سبيلِ اللهِ بالنّفْسِ أسمْحُ (4)
فهو معنى يذكرنا بقول مسلم بن الوليد:
__________
(1) أصل البيت:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ينظر: الفرزدق: همام بن غالب، ديوان الفرزدق، تقديم: كرم البستاني، دار صادر، بيروت، د.ت. د.ط، المجلد الاول، 418.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخ، 40
(3) ابو العتاهية، أشعاره وأخباره، عني بتحقيقها الدكتور شكري فيصل، ط جامعة دمشق 1965م، 197.
(4) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، 34. (1/246)
صفحة 247
يجودُ بالنفس إن ظنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجُودِ (1)
والناظر في آلية التواصل التراثي عند الشعراء الإباضيين، يجد أنهم اختاروا ما يتناسب مع فكرهم، ويتساوق مع اتجاههم، استلهما ما وتضمينا واقتباسا، فنجح كثير منهم في اللحاق بالمناخ الشعري السابق، وتجاوزها آخرون، وبقي بعضهم أسير الجو التقليدي، بينما قصر آخرون.
...
... ومن هذا التأثر "التضمين الكلي" لقصيدة يعينها سواء كان ذلك بتشطيرها أو بتخميسها، وبالإبقاء على موضوعها الأساسي والانسجام مع الشاعر السابق، أو التباين، وذلك يتم من خلال تحويل رؤية النص الأصلية إلى وجهة مغايرة. (2)
... رثى الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، بقصيدة لجأ فيها إلى تشطير معلقة امرئ القيس، والقارئ الذي يتابع النص الجديد، تتملكه رغبة بالعودة إلى النص الأول، لمعرفة ما يمكن أن يربط بين النصين من جهة، ومدى نجاح الشاعر في بناء نصه بناء متواشجا مع الفكرة والحدث من جهة أخرى.
... وعبر قراءة للنصين يلاحظ أن الشاعر اختار أعجاز أبيات القصيدة ليبني قافيتها على حرف اللام المكسورة، ولم يضمن الشاعر الشطر الثاني من أبيات القصيدة كاملة، ولكنه اتجه إلى الانتقائية التي تعينه على أداء غرضه، متواشجة مع نصه.
... لقد اختار الشاعر المقاطع التي تحمل دلالة الحزن، وتتمثل فيها مرارة فقد الأحبة، وهذا ينسجم مع المناخ الشعري السائد في قصيدة امرئ القيس المحَّملة بأعباء المرارة والتحسر، والمنبئة عن فراق الأحبة، الذين راح امرؤ القيس يفتش عنهم بين الأطلال.
__________
(1) ينظر اكمل الدين محمد بن محمد بن محمود، شرح التلخيص، دراسة وتحقيق د. مصطفى رمضان صوفية، المنشأة الشعبية، ليبيا، ط1، 1983م، 425.
(2) انظر د. موسى ربابعة، ظاهرة التضمين البلاغي، دراسة في تضمين الشعراء لمعلقة امرئ القيس، مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة الآداب واللغويات، مجلد 14، ع2، 1996م، 44 (1/247)
صفحة 248
... ولئن كانت "سقط اللوى" و "والدخول" و "حومل" (1) هي الأماكن التي ثوى فيها أحبة امرئ القيس فإن شاعرنا افتقد أحبته بنزوى وبوادى كلبوه (2) منها وهو المكان الذي ووري فيه الإمام الخليلي الثرى.
... ويقوم تضمين الشاعر، على الانتقائية المقصودة التي تختار ما يتناسب مع الموقف، ومن ذلك ما يقوله الشاعر مخاطبا الموت، ومصوراً خسارة الأمة بفقدها إمامها، ومعبرا عن معاناته، وأثر المصاب في نفسه، كما يبدو في قوله:
خليليّ قد أودى خليفة مرسَلِ ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ
رمينا برزء فادح هدم القُوى ... كجلمود صخر حطّه السيلُ من علِ
أغَرْتَ أبا يحيى على الفضل والتّقى ... بمنجرد قيد الأوابد هَيكَل
حللتَ اجتماعاً كان عقدُ نظامه ... بجيد معمّ في العشيرة مخولِ
تنزّل من عرش الإمامة عاهلٌ ... كبيرُ أناس في بجادٍ مزمّل
إمامُ هدّى كمْ قالَ للجهل علْمُه ... ألا أيها اللّيلُ الطويلُ ألا انجلِ
كأنيّ وقد جُرّعتُ من صاب رُزْئه ... لدَى سَمُرات الحيّ ناقف حَنْظل (3)
... وقد يقوم الشاعر بتحويل المعنى المقصود سابقا، وهي مسألة أشار اليها ابن رشيق القيرواني بقوله "أحسن التضمين ذلك الذي يصرف عن معناه إلى معنى جديد" (4) وذلك حينما وجد الباحث الشاعر يتعامل مع النص المضمن تعاملاً مغايراً للمعاني الأصلية التي ورد فيها السياق كقوله:
__________
(1) ينظر القصيدة في شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، لأبي بكر، محمد بن قاسم الايناري، تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون، ط5، دار المعارف، مصر، د.ت، 15-111.
(2) ينظر الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3: 268
(3) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3/ 268، 269.
(4) القيرواني: أبو علي، الحسن بن رشيق ، العمدة في صناعة الشعر وآدابه ونقذه، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل، د.ت، 2/ 85. (1/248)
صفحة 249
فيا كبدي الحّرى كفى بك لوعة ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي (1)
ولا يخفى الفارق بين السياقين
وقد يعتمد الشاعر على مناقضة معنى امرئ القيس من خلال النفي المباشر، كأن يخاطب الإمام الخليلي بقوله:
فطبْ روضةً بين الإمامين لم تكُنْ ... بسقط اللِّوى بين الدخول فحوملِ (2)
فهو يشير إلى مثوى الإمام الخليلي الواقع بين قبري الإمامين العادلين ناصر بن مرشد
(ت 1004هـ وسلطان بن سيف ت 1123هـ اليعربيين (3) وليس كالمقيمين بسقط اللوى الذين ند بهم أمرؤ القيس.
والناظر في هذه المرثاة المضمنة لأشطار قصيدة امرئ القيس، يجد أنها تتعالق مع أبياته ألفاظا وتتغاير معنى وسياقا.
... ومن ذلك ما نجده عند أبي مسلم الرواحي، الذي عمد إلى مجموعة من قصائد سعيد بن خلفان الخليلي، فقام بتخميسها تخميساً يتفق مع القصيدة الأصل، وينسجم مع بنائها وغرضها فقام بتخميس ثلاث قصائد مشهورة عنه، وهي قصيدة "سموط الثناء" وقصيدة "هو الله" وقصيدته "الرائية" أما تخميس قصيدة "سموط الثناء" فمنها:
إلهيَ عدوُّ الله يشفي غَليلَهُ ... سبيلُك يدنيها ويعلي سبيلهُ
يغالبُ أمرَ الله حتىَّ يحيلهُ ... فيا غارة الله اغْضبي وخيوله
ارْكبي ومواضيه انعمي بورود (4)
فهو تخميس ينبئ عن مقدرة في إيجاد لحمة قوية بين الأصل والتخميس حتى لكان القارئ للنص الجديد لا يجد فرقا في البناء الفني بين قول كل من الشاعرين وذلك لشدة التقارب بين الأسلوبين
... وهكذا نجده في تخميسه لميمية الخليلي التي يقول الرواحي في مطلعها:
__________
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 3/ 269.
(2) الأنباري: أبو بكر بن القاسم ، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، تحقيق وتعليق، عبد السلام محمد هارون، ط5، دار المعارف، مصر 42.
(3) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 430.
(4) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 103. (1/249)
صفحة 250
هو اللهُ فاعرْفهُ وَدَعُ فيه مَنْ وما ... دعاك ولم يتركْ طريقَك مُظلْمَا
عن الحقِّ نحوَ الخلقِ يدفُعك الْعَمَى ... تَقَدّم إلى بابِ الكريمِ مُقدِّما
له منك نفساً قبلَ أن تْتقدما (1)
... ومن ظواهر التأثر أن بعض الشعراء عمدوا إلى شعراء معاصرين لهم، كالشاعر عبد الرحمن الريامي، الذي قام بتخميس مقطوعة لأبي مسلم الرواحي في الفخر بانتساب الشاعر إلى المذهب الإباضي، وقد أفاد التخميس التوسع في بعض معاني موضوعات الأبيات الأصلية يقول الريامي مخمساً:
حسبَي الله عُدّتي واعتمادي ... لا أنادي بغيره إذ أنادي
إنّ سرّي بحبه اليوم بادي ... هذه ملّتي وهذا اعتقادي
إن يكُ المذهبُ الإباضي هذا
فإمامي القرآنُ وهو دليليِ ... وحديثُ الرسولِ قصدي وسؤلي
نَهجُ عمّار منهجي للوصولِ ... دين حرقوص وابن وهب سبيلي
إن رضيتم منّى وإلاّ فماذا
أقتفي سيرة النبيَّ وصحبِ ... المصطفى الذي تولاه ربي
من نصيح مناصح غير خبِّ ... لا أبالي إن كنت لله وهب
يا رضيَّا ولو قُطعتُ جذاذا (2)
... ومن هذا القبيل أيضا ما نجده عند بعض الشعراء حين قاموا بتخميس قصيدة بعينها، لما لها من دلالة فيحولها الشاعر لتنسجم مع رؤية نصه الجديد، ويسخرها لخدمة نصه وسياقه، كما فعل الشاعر خالد الرحبي الذي خمّس أبياتا من قصيدة لأحمد شوقي يقول فيها:
خذوا مني التحيَّة والسلاما ... حماة عُمان واستمعوا كلاما
أقدِّمه ودادا واحتراما ... إلام الخلفَ بينكم إلا ما
وهذي الضجة الكبرى علاما (3)
بين الشعر والتاريخ:
... تحتل حادثة "النهروان" حيزا واسعاً في شعر الإباضيين في هذه الفترة، مع
__________
(1) المصدر نفسه، 280.
(2) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخطوط، 301
(3) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، 60 . (1/250)
صفحة 251
تفاوت في الإشارة اليها، بين إنشاء قصائد بعينها، اتخذت منها محورا خاصا متكاملاً، كقصيدتي "رائية المحكمة" وأشعة الحق. لأبي مسلم، اللتين تتمحوران حول الأحداث التاريخية المرتبطة بها، وبين إشارة إليها حين غدت رمزا حركيا دينيا يستمد منه الشعراء رموزهم وإشاراتهم.
... والدارس لنص أبي مسلم في "النهروانيات" يجد أنه جعل من هذه الحادثة محوراً أساسيا عالجها من خلال بعده الفكري والثقافي، وهو لم يكن يسرد الأحداث التاريخية سرداً جافاً لكنه استطاع أن يتخذ من الشعر متكأ للتعبير عن فكره ورؤاه، فانعكست فيه ثقافته وعقيدته، واستطاع أن يجعل من الشعر وعاء للفكر، والقارئ لهاتين القصيدتين يلحظ انعكاس رؤية الشاعر لأحداث منتقاة من خضم التاريخ، فقد تحدث فيهما عن الجمل والدار وصفين ورفع المصاحف، والتحكيم والنهروان، معرجا لبعض الشخصيات التاريخية، بما كان لها من دور فاعل، وتأثير واضح في مجريات الأحداث، من أمثال الأشعث بن قيس، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وقبل ذلك كله عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان تناول الشاعر لذلك كله انعكاساً للتاريخ من منظور إباضي. وبدا من أهم سمات هذا التناول الوضوح في الأسلوب والموقف، وهو ترجمة لإشراق الفكرة ووضوحها في ذهن المنشئ.
... وقد اتسم أسلوب أبي مسلم في سرد هذه الوقائع بصدق الشعور، وقوة العقيدة وسلامة الطبع، وتمكن الشاعر من أدواته الفنية وقدرته على تطويع هذه الأدوات في أن تعبر عن آرائه، وتفصح عن مشاعره بتلك الصورة، فجاءت بنية القصيدة عاكسة لرؤاه المذهبية معبرة عن شخصيته، ممتزجة بعاطفته (1) يقول أبو مسلم:
عجّت بتحكيم عمرو بعدما حَكمَتْ ... همدانُ فيها بحكم البيض والسّمُر
تبّاً لها رفعت كيداً مصاحِفَها ... ومقتضاهُنَّ منبوذٌ على العُفر
__________
(1) انظر: الرواحي، أبو مسلم، ناصر من سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 204-218. (1/251)
صفحة 252
مهلا أبا حسن إن التي عَرضَتْ ... زوراءُ في الدين كنْ منها على حَذرَ
متى ترى هاشمٌ صدقَ الطليق بها ... وثغرةُ الجرحِ بين النحَّر والفقرِ
ما لابن هند بثأر الدار من غرض ... له مرامٌ وليَتَ الداّر في سقَرِ
لقد تقاعدَ عنها وهيَ مُحْرجَةٌ ... حتى قضت فقضى ما شاءَ منْ وَطَرِ (1)
وقد يتحدث بعض الشعراء عن واقعة معينة لتعزيز فكرة، وخدمة قضية معاصرة، لما فيها من إثارة الحماسة في النفوس، كقول السالمي:
يرون الحقَّ في طرف العوالي ... وأن المجدَ نهجُ الأربعينا (2)
إذ نجد أن الشاعر هنا يومئ من طرف خفي إلى أحد رموز القيادات الإباضية السابقين، ونهج الأربعين إشارة إلى أبي بلال المرداس بن حدير (ت 61هـ) وصحبه الأربعين الذين تفوقوا بإيمانهم فغلبوا جيشا مكونا من ألفي مقاتل (3) كما يقول شاعرهم:
أألفا مؤمن فيما زعمتم ... ويغلبُهم بآسكَ أربعونا (4)
وتعود هذه الحادثة التاريخية إلى مخيلة الشاعر المر بن سالم الحضرمي في قوله:
جنود الله قد سبقت "تنوف" ... إلى الفضلِ المؤبّد والمعاليِ
إلى أن يقول:
بها عقدوا الإمامة واستعدَّوا ... وهم نفر كرهط أبي بلال (5)
فالشاعر يشير بداية إلى المكان الذي عقدت فيه الإمامة، ثم إلى "العقد" وهو مصطلح سياسي إباضي، وأشار إلى النفر الذين قاموا بعقد الإمامة على الإمام الخروصي مشبها إياهم برهط أبي بلال الشاري المعروف.
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 215، 216
(2) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 62.
(3) انظر الخبر في المبرد: الكامل 1/588، 3/253 نقلا عن د. إحسان عباس، شعر الخوارج، ص68.
(4) الأبيات لعيسى بن فاتك الخطي، شعر الخوارج، د. إحسان عباس، ط4، 82
(5) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 162، 163. (1/252)
صفحة 253
... وقد يربط الشاعر بين جماعة الشراة الإباضيين المعاصرين له بأهل النهروان، لاشتراكهم في الشراء والثبات، فيمزج بين الحدث التاريخي والشخصيات المعاصرة، رغم المسافة الزمنية بينهم، يتضح ذلك من وصفه لحركة نور الدين السالمي والإمام سالم الخروصي، حين عد حركتهم بأنها من بقايا أهل النهروان، فتتحسر نفسه على فراقه لهذا الوطن، وبعده عن هؤلاء الفتية، الذين تندغم صفاتهم مع أهل النهروان قائلاً:
ويغنمُ فلُّ النهروان شهادةً ... وما هي إلاّ طعنةُ فالمغانمُ
يبيعونَ دنياهم بمرضاة رَبهِّمْ ... وإن لامهم في مطلب الله لائمُ
وأقعدُ مخشو شاعلى مَبْركِ الونى ... ويحكُمني عن غايةِ القومِ حاكمُ (1)
... وقد يلجأ الشاعر إلى استلهام التاريخ، مركزا على بعض الشخصيات التراثية في المذهب التي تعكس تاريخهم الحافل بالشخصيات السياسية والفكرية، كما يقول أبو مسلم على سبيل الفخر:
سَلْ سَيْفَ يَعْرُبَ عن أخبارِ سيرتهمْ ... فَمنْطقُ السيَّفِ إعرابٌ وإلحْانُ (2)
ولا يخفى ما في هذا البيت من تورية واستثمار لشخصية منتمية بعينها، حيث أن كلمة "سيف" يذهب الذهن فيها بداية إلى السيف المعروف، رمز الإقدام والشجاعة، هذا السيف سوف "يُعْربُ" بضم الياء، عن أخبار أئمة الإباضيية وسيرتهم، إذ أن منطق السيف الإبانة والإلحان، فهو يبين عمن أعطوه حقه، ويلحن فيمن غمطه إياه.
__________
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 246.
(2) المصدر نفسه، 239. (1/253)
صفحة 254
... ويذهب المعنى الثاني في ذلك إلى "سيف" باعتباره إحدى الشخصيات التراثية المهمة في الخارطة السياسية الإباضية في عمان، التي كان لها دور كبير في تثبيت استقلال عمان، وطرد البرتعاليين منها، وهو الإمام اليعربي "سيف بن سلطان" (1) المنتسب إلى يعرب أو اليعارية، الأسرة المعروفة بأئمتها الكبار في تاريخ عمان. ومن هنا جاء استثمار الشاعر لهذه المعطيات التاريخية والفكرية وتوظيفها في نصه الشعري بنجاح واضح المعالم.
... ومن ذلك لجوء الشاعر أبي مسلم إلى المزج بين الشخصيات التاريخية، فينتقي منها، رابطا بينها، ففي بيت واحد جمع الشاعر بين أول إمام نصب في عمان، وهو الإمام الجلندى بن مسعود سنة 131هـ وآخر إمام تم اختياره في عمان، وهو الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1252هـ-1287) خالعاً عليهم صفة الخلافة قائلاً:
تعاقَبَتْ خلفاءُ الله منصبهَا ... منذُ الجُلندى وختمُ الكُلِّ عزّانُ (2)
فخصهم بما لا يقل عن أربعين بيتاً شكلت لوحة رسم فيها سمات أولئك الأئمة وسيرتهم وهي سمات أخرجها ممزوجة بعاطفة متقدة، تحاول أن تبين محاسن ذلك النظام، في خطاب يراوح فيه بين ذاته وموضوعه، فهو يندمج مع الموضوع، موائماً بين ذاته وفكرة وبين الشخصيات التاريخية بأبعادها المختلفة ليهيء متلقيه للدخول إلى موضوعه الرئيسي، وهو الإشارة التاريخية الآنية، المتصلة بأحداث عصره حين يقول بعد ذلك:
وأصلتَ اللهُ إصليتاً يحزَّ به ... سواعداً شدَّها بغيٌ وكُفّرَانُ
يا سالمَ الدينِ والدنيا ابن راشدَ خُذْ ... أمانةَ الله والأقدارُ أعْوانُ (3)
__________
(1) هو سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، الملقب بقيد الأرض (ت 1123هـ 1711م) من أئمة عمان، ورابع الأئمة اليعاربة، حارب الغزاة البرتغاليين وطردهم من عمان وشرق إفريقيا. انظر معجم أعلام عمان، 86.
(2) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، 231-233.
(3) المصدر نفسه 233. (1/254)
صفحة 255
ثم يعرج إلى ذكر ذلك النظام ضمن إشارات لطيفة، وصور إيمانية لنظام سياسي بقي ردحا من الزمن في رحم الدهر متمنعا في ضروب الغيب إلى أن شاءت العناية الإلهية له الظهور، فانجلى عن تحقيق أمنية طالما انتظرها دين الله، فالشاعر هنا لا يؤرخ لحقبة عودة ذلك النظام، بقدر ما يصور مشاعره، متخذا من الأحداث التاريخية وسيلة للحديث عن عمق مشاعره، وصدق انتمائه حين يقول:
أمْنيةٌ رقب الإسلامُ طَلْعَتها ... أتاحها اللهُ لم يُضْربْ لها آنُ
تمنّعتْ في خدورِ الغيبِ آونة ... ثم انجلتْ فانجلى عدلٌ وإحسانُ (1)
ومن هذا القبيل، ما نجده عند بعض الشعراء الإباضيين، في محاولة لرصد الأخبار التاريخية، وإعادة كتابة أهم حوادثها في قصيدة شعرية كقصيدة ابن رزيق (من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري) وسماها "الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان". وقد ظهر فيها البعد الفكري الإباضي، ممتزجاً مع الأحداث التاريخية ومشيرا إلى أوّل إمامة أقيمت في عمان، بقوله:
كفى فخراً عمانٌ بالجلندى ... إذ اصطحبت بمفخره اصْطخابا
ومن ذا كابنِ مسعودِ الجلندى ... إمامُ سيفه هجر القرابا
حميداً عاش وهو قضى شهيداً ... بجلفارٍ فلا عُدم الثَّوابا
تخضَّب جسُمهُ بدم فأضْحَى ... إليه ثوابُ خالقِه الثيِّابا (2)
وهناك قصيدة أخرى تقترب من هذه القصيدة، انشأها الشاعر عبد الله بن علي الخليلي بعنوان "عُمان في سجل الدهر، ملحمة تاريخية" هيأ لها الشاعر أيضا بمقدمة تدعو إلى التدبر في أحداث التاريخ، والتأمل في اختلاف الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استبد بعضهم بالحكم فحولوه إلى ملك يقول:
قفْ على العالمِ حولَ الواقفينْ ... وتأمّله بعين المبصرينْ
__________
(1) المصدر نفسه 233
(2) ابن رزيق، حميد بن محمد، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، ص وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، عبد المنعم عامر، 1404هـ/ 1984م دار أمون، القاهرة، ق (1/255)
صفحة 256
وأصخْ تسمعْ على أرجائِهِ ... أنَّة البؤس ولَحْنَ المُطربينْ
وأعرْه أذنَ واعِ تلقهُ ... صاخباً فيه حُداءٌ وحنينْ
ما رزئِنا بعد فقدِ المصطفى ... بمصاب كاختلافِ المسلمينْ
وولاة غلبوا الدينَ على ... أمره ثم استبّدّ واقاهِرينْ
جعلوا الإمرة إرثاً فيهِمُ ... وَحَموها بسيوف الطّامعينْ
فتلا شت وتلاشَوا غبَّها ... وتداعى الدينُ والله المُعينْ (1)
وهو بذلك يعكس وجهة نظر الإباضية في الأحداث التاريخية وشخصياتها المعروفة، يردفها بأبيات تؤكد صدق انتمائه وتفاعله مع الحدث التاريخي، وإضفائه عليه جوا نفسيا، يعكس ثقافته، في إشارة الى موقف إباضية عمان من ذلك قائلاً:
غيرَ أنّا لم نُحكِّم أحداً ... في هُدانا لو غُلبْنا مُرْغَمينْ
فاعْتزَ لْنا دولةَ السَّفاح في ... غَلَب الحكمِ وظُلْم الحاكمينْ (2)
وبنينا دولةً قاهرةً ... أصْلُها التقوى وعَلياها اليقينْ (3)
ثم يشير إلى اختيار الإمام الجلندى بن مسعود، فاتحة الإمامة الإباضية في عمان قائلا:
ثمَّت اخترنا الجُلندى حاكماً ... هديهُ النَّصُّ وما سَنَّ الأَمينْ
سيِّداً كالبدرِ في مَعْوَلةٍ ... دارةُ الملكِ وعرشُ المالكينْ (4)
وهي قصيدة طويلة أجمل فيها الشاعر تاريخ عمان وشخصياتها إلى العصر الحديث.
__________
(1) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 145
(2) السفاح هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أول خلفاء الدولة العباسية وقد لقب بالسفاح لكثرة ما أراق من دماء
(3) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 145.
(4) المصدر نفسه، 146. (1/256)