صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فكر - شعر - أدب
------------------------------------------
العنوان: أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
المؤلف: محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
الناشر: مكتبة الجيل الواعد
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1423ه/ 2003م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
الإيداع القانوني: 2002/151
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5403&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/212
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 29 صفر 1447ه/ 24 - شهر 08 - 2025م. أمر الفكر الاباضة
في الشعر العماني
في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
مكتبة الجميل الواحد (1/1)
صفحة 2
أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
محمود بن مبارك بن حبيب السليمي
مكتبة الجيل الواعد (1/2)
صفحة 3
الطبعة الأولى
1423 هـ / 2003 م
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
رقم الايداع: 2002/ 151 (1/3)
صفحة 4
أصل هذا الكتاب رسالة قدمت من قبل الباحث لنيل درجة
الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأردنية، وعنوانها «أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين» بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبد المهدي، وناقشها كل من:
الأستاذ الدكتور: إحسان عباس.
الأستاذ الدكتور هشام ياغي
الأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين.
وقد نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ 26/ 7 / 2001 م واعترافاً بالجميل أكرر الشكر والامتنان للأستاذ الفاضل المشرف على الرسالة والأستاذ الفاضل حسين عباس على سديد توجيهاته ومتابعته المستمرة في سبيل إنجاز هذا البحث، فلهما
مني كل الشكر والعرفان، وللأساتذة الآخرين كل الشكر والامتنان. (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى على آلائه وأشكره على جزيل نعمائه، وأسأله العون والسداد، وأطلبه الهداية والإمداد، وأحتمي به من كل زلل، وأدعوه لأن يوفقني لصالح العمل، ومنه أستمد الحكمة وفصل الخطاب، وإليه أوجه دُعائي مُخلصاً أواب، وأصلي وأسلم على مَنْ هدانا من الضلالة، وجمعنا على كلمة سواء، وترك لنا من فيوضاته ما إن تمسكنا بهما لَن نضل أبداً.
أما بعد:
فإنه جرى في علم الله وسابق قدره، أن خلق الناس مختلفين، وأوجدهم متباينين، تتعدّد آراؤهم، وتختلف مداركهم، وتتباين منازعهم، لحكمة اقتضتها
إرادته، ولأسرار دعتها حكمته، فله الحكم والأمر، ومنا التسليم والرضا.
ومن هنا يأتي ظهور المذاهب، وتعدد الفرق، لاختلاف المشارب، وتوزع الآراء، تبعاً لطرق الاجتهاد في تفسير النصوص والنظر إلى الأحداث، مما مهد لظهور تيارات مختلفة تلتقي فيما بينها على الأصول، وتختلف في الفروع.
ومن أقدم هذه التيارات وأكبرها تأثيراً، وأبلغها أثراً، ما دُعِيَ
بـ «الخوارج» مع اختلاف في تفسير هذا المصطلح، والمنطلق، والحكم. ولا ريب أنه قد انضوى إلى هذا التيار، فرق شتّى، تتباين فيما بينها، وموضوع هذه الدراسة يطمح إلى تقديم بحث يعالج الفكر الإباضي الذي لرّ بالخوارج في عمومه، وبيان انعكاس هذا الفكر وأثره في الشعر العماني، ضمن الإطار الزمني المحدد لهذه الدراسة. (1/5)
صفحة 6
/ (1/6)
صفحة 7
مقدمة
يتميز الشعر العماني بسعة عطائه، وقوة انتمائه وخصوصية تفاعله، والشعر العماني على وجه الخصوص - مرتبط أشد الارتباط بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية، وغير الفكرية والجانب الفكري يعد أحد جوانب العمل الشعري وذلك إذا استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية
والتعبيرية.
وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولاً، فإن استيضاح أثر الفكر في الأدب عموماً وفي الشعر خاصة، أمر يستدعي
مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين.
وبما أن الشعر مرتبط أشد الارتباط بثقافة الشاعر، ومنطلقاته الفكرية، فإن مثل هذه الدراسة تعد مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة، ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلاً عريضاً لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين، بزمانها المحدد، دون إغفال للجانب الفني والأسلوبي.
ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث، تمثل تيارات سياسية ودينية
الأمة في عصر
انبثق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من (1/7)
صفحة 8
جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهم الأصول الفكرية للمذهب
قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني.
ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هوية المذهب، كما تمثل رمز أصالته، بما يهيئ لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين.
ومن الطبيعي أن الفكر الإباضي يلتقي في كثير من أصوله مع فكر فرق إسلامية أخرى، وذلك ناشئ عن وحدة المصدر الذي تستمد منه كل تلك الفرق مبادئها وأفكارها، وما دام البحث محصوراً في الفرقة الإباضية، فلا ضرورة لبيان ما تفترق عنها الفرق الأخرى من مبادئ، لأننا إذا نجحنا في بناء أهم عناصر المنظومة الفكرية الإباضية، فإن ذلك كفيل بإبراز المواقف الخلافية لدى الفرق الأخرى.
يخضـ
إن الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلامي شامل، فهو جزء من نسيجه، لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من
خلالها.
وقد سعى البحث للإجابة عن التساؤلات التالية:
الإباضية؟ ومن هو إمامهم ومؤسس مذهبهم الحقيقي؟ وما
الضيرُ في أن يُنسب المذهب إلى عبدالله بن إباض، وهو واحد منهم؟ ولماذا لم ينسبوا إلى جابر بن زيد، في حين أنهم يرونه المؤسس الأول لمذهبهم، والمقعد لفكرهم؟ ثم هل الإباضية فرقة من الخوارج كما تورد ذلك كتب المقالات؟ ولماذا يرفض الإباضيون الحاقهم بالخوارج، وينفرون من الانتساب (1/8)
صفحة 9
إليهم؟ وما الفرق بين الإباضية والخوارج؟ ومن هم الخوارج في نظر الإباضية؟ وما أهم أصول الفكر العقائدي والسياسي عند الإباضية؟ وإلى أي مدى أثر الفكر عند الشاعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر
الهجريين؟
كل هذه الأسئلة وغيرها لا بد من التعرض لها، لأنها تشكل أهمية كبرى في فهم صيرورة الفكر الإباضي من جهة، ولأنها أمور شغلت بال الأدباء والشعراء الإباضيين عبر القرون من جهة أخرى.
وتقوم خطة الدراسة على منهجين:
المنهج الأول: منهج تحليلي تاريخي، يُعنى برصد معالم الفكر الإباضي التي انعكست آثارها في الشعر العماني خلال الفترة المذكورة.
المنهج الثاني: منهج تحليلي أسلوبي وفيه يتم استشراف آفاق تجلي الفكر في الشعر وبيان أثره من خلال المزج بين الدراسة الفكرية وأثرها في الشعر، اعتمادا على النصوص الشعرية، للكشف عن أهم الموضوعات الفكرية التي انعكست آثارها في تلك النصوص.
وفضلاً عن المصادر المعنية بالفكر عموما التي عاد إليها الباحث، وهي تمثل منظومة الفكر الإباضي، وتراثه المطبوعة والمخطوطة، فإن الباحث انصب اهتمامه على استقراء النصوص الشعرية خلال قرنين من الزمان، توزعت بين دواوين مستقلة ومجموعات شعرية، ومختارات أدبية.
وانتظمت خطة البحث في خمسة فصول وخاتمة.
تكفل الفصل الأول بإلقاء الضوء على نشأة المذهب الإباضي وبيان أهم
أصوله العامة. (1/9)
صفحة 10
أما الفصل الثاني فقد عني ببحث أثر الفكر العقائدي، فدرس ذلك ضمن
الظواهر الكبرى فيه،، وهي:
-
-
الذات الإلهية.
المعاد واليوم الآخر.
- الولاية والبراءة.
- خلق القرآن.
وجاء الفصل الثالث للحديث عن أثر الفكر السياسي، منتظما في عدة مباحث درست أثر ذلك الفكر في الشعر متمثلاً في العناوين التالية:
- الإمامة وتقاليدها.
- الإمام وصفاته.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح.
- شخصية الإمام.
- صورة الإمامة.
- نصح الأئمة وإرشادهم.
- وصف جهاد الأئمة.
- تحريم الخروج على الإمام العادل.
- موقف الإباضية من الحاكم الجائر.
- الموقف من التكسب بالشعر. (1/10)
صفحة 11
- أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء.
- رثاء الأئمة.
- رثاء الإمامة
- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية.
وتخصص الفصل الرابع لدراسة «قضايا وظواهر أخرى» تركت بصمات واضحة في نتاج الشعراء الإباضيين متمثلة في الموضوعات التالية:
- شعر الزهد والسلوك بين التأثر والتأثير.
- الحماسة في الشعر الإباضي.
- شعر الشكوى.
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي.
وجاء الفصل الخامس لدراسة أهم الخصائص الفنية التي اتسم بها الشعر
الإباضي المتصل بجوانبه الفكرية ضمن المحاور التالية:
- التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها.
- بناء القصيدة.
-
اللغة والأسلوب.
- الصورة الشعرية.
وانتظمت هذه المباحث في مطالب جزئية عالجت فيها خصوصيات هذا الشعر وانطلاقاته الفكرية، مستعرضا خصوصية التجارب الشعرية لعدد من الشعراء الإباضيين، ومن ثم درست اللغة الشعرية مركزاً على المؤثرات (1/11)
صفحة 12
الدينية والحضارية، التي شكلت هذه اللغة وكيف تعاملوا معها، مع الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية البارزة في شعرهم، في محاولة لرصد بعض الأساليب والتقنيات اللغوية التي تعامل معها الشعراء الإباضيون في هذه
الفترة.
وأنهيت البحث بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي تم التوصل إليها، على ضوء دراسة الظواهر الكبرى للفكر الإباضي في شعر إباضية عمان في الزمن المحدّد.
عندما
وإذا كان جمع المادة الشعرية المتصلة بالبحث أحد الصعوبات التي أخذت وقتاً وجهداً من الباحث، فإنّ تلك الصعوبة تهون في مقابل الصعوبات الأخرى المتمثلة فيما اقتضته منهجية الدراسة بفصولها، ومباحثها، وذلك جمع الباحث في دراسة «المكان عند الشاعر الإباضي» بين الجانبين الموضوعي والفني، مع حذر الباحث من الإمعان في هذا التداخل، كي لا يؤدي إلى كسر المنهجية، مع إيمانه الراسخ، أن هذه التقسيمات تؤدي كلها في النهاية لخدمة غرض الباحث في بيان ما تركه الفكر الإباضي من أثر لدى الشاعر العماني، موضوعياً وفنياً، فضلاً عن تركيز الدراسة على نتاج شعراء معينين، نظراً لانعكاس الفكر الإباضي في شعر أحدهم أكثر من غيره. وختاماً، فإن الباحث اعترافا بالجميل، يؤكد أنه ما كان لهذه الدراسة أن تصل إلى هذا المستوى، لولا توجيهات أساتذة فضلاء، وعلماء أجلاء، منحوه من وقتهم، ولم يبخلوا بسديد توجيهاتهم، وفي مقدمتهم شيخي الجليل، وأستاذي الفاضل العلامة الدكتور إحسان عباس، الذي فتح لي أبواب بيته العامر، ومكتبته الزاخرة، وعلمه الغزير، ما غمرني بأبويته، مفيضاً عليّ من
نصائحه
وسديد ملاحظاته.
12 (1/12)
صفحة 13
كما أنه من الواجب علي أن أتقدم بوافر شكري وعظيم امتناني إلى
أستاذي الجليل، المشرف على هذا البحث، والمتابع لمراحل إنجازه، الذي طالما أزعجته فتحملني، الأستاذ الدكتور عبد الجليل عبدالمهدي، حيث لم يأل جهداً، ولم يدخر نصيحة فشكل بالنسبة لي - مدرسة علمية خلقية، حين وجدته يعكس خلق العالم النزيه المتحلّي بالموضوعية والتواضع، المتصف بالأناة والإخلاص ما يستحق أن أقف له وقفة عرفان وجميل.
وأؤكد أن إيجابيات هذه الرسالة نتيجة حقيقية، لمضمون تلك التوجيهات، ودلالة تلك العناية، بينما سلبياتها من نصيب الباحث وحده، الذي يلتمس العذر من أساتذته في تجشمه لموضوع بكر، لم تسبق معالجته، وحسبه أن قدم دراسة، تثير عدداً من التساؤلات، قد تكون فاتحة لدراسات وبحوث قادمة، بمشيئة الله.
(كما أنه من الواجب الإشارة إلى أن الباحث، ينتظر ملاحظات لجنة المناقشة، التي سيكون لها أكبر الأثر في تقويم سقطاتها، وتهذيبها، بما يخدم موضوع الرسالة)، سائلاً المولى مزيداً من العناية والرعاية، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب
العالمين. (1/13)
صفحة 14
/ (1/14)
صفحة 15
الفصل الأول حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله
أصل المذهب وجذوره.
نشأة الإباضية وتطورها.
الإباضية والصحابة.
الإباضية والخوارج. (1/15)
صفحة 16
/ (1/16)
صفحة 17
مدخل تاريخي
أصل المذهب وجذوره:
شكلت موقعه صفين عام 37 هـ (1) , وما نتج عنها منحنى جديدا في التاريخ الإسلامي، حين أفضت إلى قضية التحكيم، وإلى ما نجم عن التحكيم نفسه، إذ وقف ضد التحكيم جماعة كبيرة من أنصار الإمام علي ورأوا في قبوله التحكيم وهو إمام منتخب - مساواة له بموقف خصمه، وذهبت إلى أن التحكيم ليس من حق البشر بل من حق الله سبحانه وتعالى، ورأت رفض كما رأت الاستمرار في قتال الفئة الباغية (2) منبهة على ما ينطوي عليه الموقف من خديعة ومكر، كان الإمام عارفاً بها حتى قال لما رفعت المصاحف «والله ما كتاب الله يريدون» (3).
التحكيم
وعلى أثر هذا التحكيم، انفصل عن جيش الإمام علي مجموعة من القراء، لأنهم رأوا أن قبول التحكيم خطأ ارتكبه الإمام وهو يتحمل تبعة موافقته باعتباره رأس الحكومة الإسلامية، ونظرا لاعتقادهم أن منصب الخلافة بات شاغرا بفعل الموافقة على التحكيم، الذي أفقد الخليفة حقه في الإمامة (4) فقد اجتمعوا في بيت عبدالله بن وهب الراسبي (5) وقرروا اختياره
(1) انظر: ابن سعد الطبقات 32/ 3، 255/ 4، 256، ابن خياط: التاريخ: 116. (2) أبو الخطاب: عمر بن الحسين بن دحية الكلبي، أعلام النصر المبين. 84، 85. (3) المصدر نفسه، 113.
(4) القلهاتي: الكشف والبيان، 241/ 2، وانظر: محمود إسماعيل، قضايا في التاريخ، 8. (5) عبدالله بن وهب الراسبي (ت 38 هـ) ولد بعمان من قبيلة الأزد، هاجر إلى المدينة عام 9 صحابي جليل، عرف بالعلم والصلاح والعبادة، شارك في فتوح العراق، وفي صفين،
هـ،
17 (1/17)
صفحة 18
أميراً عليهم (1) واعتزلوا ناحية النهروان (2) و نسب إليهم مقتل الصحابي الجليل عبدالله بن خباب بن الأرت على يد مسعر بن فدكي الذي كان قد انضم إلى راية أبي أيوب الأنصاري قبل موقعة النهروان، كما يروي ذلك البلاذري والأشعري (3).
وتذهب رواية المؤرخ الإباضي الشماخي، إلى أنه عندما وصل مسعر بن فدكي إلى أهل النهروان أنكروا ما فعله، وهموا بقتله، ففرّ منهم، وبرئوا منه، فخرج يستعرض الناس (4) وكان عبد الله بن وهب «كارها لذلك كله، وكذلك أصحابه» (5).
ويمكن للباحث أن يستنتج مما تقدم أموراً منها:
- أن مسعر بن فدكي لم يكن من الذين انحازوا إلى النهر بداية وأن ما قام به لا يمثل الاتجاه الذي سار عليه المُحكّمة وأن فعلته قد تبرأ منها المُحَكِّمة، بدليل الروايات التي تشير إلى طرده.
ولما حصل التحكيم، رفضه مع من رفض بايعه المُحَكِّمة، وقتل مع من قتل من أهل النهروان. انظر معجم أعلام الإباضية من ق 1 - ق 15 هـ الجزء الثالث 580 - 583. (1) انظر هاشم بن غيلان السير والجوابات مخطوط، 160، أبو قحطان، السير، مطبوع: ج 1، 107، الفكهاني: الكشف والبيان، 239/ 2. البرادي: الجواهر / 129.
(2) الشماخي: السير، 50/ 1.
(3) البلاذري: الأنساب، 361/ 2، الأشعري، مقالات الإسلاميين، 43 الطبري: تاريخ 121/ 3
وانظر: السابعي: ناصر، الخوارج والحقيقة الغائبة، 127.
(4) الشماخي: السير 50/ 1.
(5) الأشعري: مقالات الإسلاميين، 43.
18 (1/18)
صفحة 19
تلق
- ولا يمثل مسعر بن فدكي المُحَكِّمة في تصرفه، وبما أن كثيرا من الروايات على هذه الحادثة السبب في موقعة النهروان، فقد تكون هذه الحادثة ي مدبرة للإيقاع بين الإمام والمُحَكِّمة (1).
فالإباضية لا يقرون بالروايات التي تلقي بمسؤولية قتل عبدالله بن خباب على المُحَكِّمة أهل النهروان، إذ يرون أن العصابة المعترضة ليست منهم، وهم براء من ذلك (2).
«على أن رؤية الإباضية إلى هذه المسألة رؤية وسطية، تأخذ بالأحوط، فيعدونها فتنة بين الصحابة، يعذر فيها الجميع، نظراً للثقة في سلامة نية كل طرف، وحسن الظن بكل فريق، لاعتقاد كل فريق أن مسلكه الحق» (3) هو ولكنهم يطالبون بأن توزن الفتن الواقعة في صدر الإسلام كفتنة الدار والجمل وصفين، بميزان واحد، باعتبارها أحداثاً بين الصحابة، والظروف فيها متشابهة، والقائمون فيها من الجانبين طلاب حق، «سواء أخطأوا فيه أم أصابوا» (4) أما أن يُكفِّرَ بعضُهم، ويُخْرَجَ من الملة، مع الإقرار بسلامة نيتهم،
فإنه أمر لا يقبلون به.
ونظراً لما تمثله هذه الحادثة في نفوس الشعراء الإباضيين، فقد انعكس في نتاجهم تأثيرها على شعرهم، مما يدل عل بقائها حية في نفوسهم، وتجلّت
(1) انظر محمود إسماعيل، قضايا في التاريخ الإسلامي، 55، وسامي صقر: الإمام جابر بن
زيد، ر. ج، 35.
(2) أطفيش محمد بن يوسف، شرح لامية ابن النظر، مخطوط، ج 2، 766.
(3) علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، 380. (4) المصدر نفسه، 381. (1/19)
صفحة 20
هذه الحادثة أكثر ما تجلّت لدى الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني) فقد استلهم منها عددا من قصائده التي جاءت مطبوعة بطابع البعد الفكري، كما يبدو في قصيدتيه «النهروانية» و «أشعة الحق» (2).
إننا لسنا بحاجة للحديث عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي أوجدت هذا النص، ولكننا نتحدث عن الأساس الذي شكل منطلقاً للشاعر بما يكشف عن البنية الثقافية والمنطلقات العقائدية والخلفية التاريخية التي جعلته يمجد هذا الفكر، ويستمد من ذلك العطاء، فاستطاع أن يجعل الشعر خادما للعقيدة أو ما يُسمّى عند النقاد بالتلازم بين الفن والعقيدة (3). ومن يقرأ هذا النص لا يستطيع أن يتجاوز مجموعة الحقائق التاريخية بروآها الجدلية والسياسية، وما تختزنه ذاكرة التاريخ دون الولوج في خضم تلك الحقائق والمعطيات التاريخية، والقناعات الفكرية للشاعر.
وليس المهم في هذا النص مجموع الأفكار، بل ما فيه من بنية فنية تنتظم هذه الأفكار، على حد قول لوسيان جولدمان «المهم ليس الفكرة في حد ذاتها، بل المهم إدخالها في نسق عام، أو جعلها أساساً لنسق جديد» (4).
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني الرواحي (1273 هـ /1856 م - 1339 هـ / 1920 م)،عالم، قاض مؤلف، محقق، شاعر، ولد بوادي «محرم» من أعمال مدينة «سمائل» في داخلية عمان، لقب بأعلم الشعراء، وأشعر العلماء، نبغ في الشعر، وفاق أقرانه له عدد من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة. للمزيد ينظر: الخصيبي: محمد بن
راشد، شقائق النعمان، 205/ 3.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، 204 - 218.
(3)
د. إحسان عباس، شعر الخوارج، 204.
(4) انظر: عبدالهادي عبد الرحمن، سلطة النص، 65. (1/20)
صفحة 21
وقد استطاع الشاعر أن يوائم بين صراحة التعبير وحرمة الشخصيات
في قصيدته، ففي خطابه لبني هاشم عموماً وللإمام أبي الحسن على وجه الخصوص، تتبدى مظاهر الحسرة والتفجع والتأثر بمقتل سادات النهروان، مستهلاً ذلك بالحديث عن افتراق الصحابة، وثبات عصابة قليلة على الحق، ثم ينتقل إلى معاتبة بني هاشم حيث يقول:
تحزبت الأحزاب بعد محمـ
فكل إلى نهج رآه يصير وقرت على الحق المبين عصابة قليل وقل الأكرمين كثير (1)
ثم ينتقل لمخاطبة بني هاشم بقوله:
بني هاشم عمداً ثللتم (3) عروشكُمْ وفي عبد شمس نجدة وظهورُ على غير ذنب غير إنكار قسطهمْ وللجور من نفس المحق نكير قتلتم جنوداً حكموا الله لا سوى وقالوا عليّ لا سواه أميرُ
فيا لدماء في حروراء غودرت تمور وأطباق السماء تمور
(*) ",
فالشاعر أبو مسلم البهلاني يرى أنّ أهل النهروان قتلوا ظلما، ولم يكن
لهم من ذنب سوى رفض التحكيم، والتمسك بخلافة الإمام علي، وهم بذلك قد قضوا على أهم أنصارهم.
ويشير البهلاني إلى مكيدة رفع المصاحف قائلاً:
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 208.
(2) المصدر نفسه، 210.
(3) تللتم: الثلل، الهلاك، وثل عرش فلان هدم، وزال وثل الله عرشهم: أي هدم ملكهم، ينظر:
اللسان، مادة ثلل. (1/21)
صفحة 22
على أن علت فوق الرماح مصاحف ونادوا إلى حكم الكتاب نصير مكيدة عمرو حيث رقّت حباله وكادت بحور القاسطين تغور (1) (2)
ويحذر الشاعر الخليفة من هذا التحكيم، ومغبة الموافقة عليه، في نبرة عتابية، مضيفا هالة من التقدير والإجلال لشخص الإمام، ومبينا أهم الملاحظ التي يؤاخذ الإباضية الإمام علياً فيها، فهو وإن كان صحابياً جليلاً لكنه بشر، يصيب ويخطئ، وهذه مسألة مهمة عند الإباضية، ولذا نرى الشاعر يكرر النداء للإمام علي في ثمانية أبيات متتالية، وهو يسترجع تلك الأحداث وكأنه د شهودها، مبيناً منطلقات خصمه وسوابقه، منهياً خطابه بالإشادة بالإمام علي والتساؤل عما ألجأه إلى التحكيم قائلاً:
أحد
أبا حسن ذرها حكومة فاسق جراحات بدر في حشاه تفورُ أبا حسن أقدم فأنت على هدى وأنت بغايات الغوى بصير أبا حسن لا تُعطين دنية وأنت بسلطان القدير قديرُ أبا حسن لا تنس أحداً وخندقاً وما جرّ عير قبلها ونفير
فمالك والتحكيم والحكم ظاهر وأنت على والشام تمور (3) ويعقد الشاعر مقارنة بين موقف الإمام علي من معاوية وصحبه، حينما
أوقف القتال، وبين موقفه من «المُحَكّمة» «حزب الله» كما سماه:
(1) المصدر نفسه، 270.
(2) رئت حباله رث أي بليت وأخلقت وحبل رث أي بال ينظر: لسان العرب، مادة رثث. (3) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 210. (1/22)
صفحة 23
ويلفح حزب الله منه أتغمده عن عبد شمس وحزبها
سعي
(1)
ويأسف البهلاني على ما آل إليه أمر الإمام بعد مقتل أهل النهروان، حيث لم تقم له قائمة تذكر، ولم يجد من أهل العراق إلا التسويف والمماطلة على كثرة محاولاته، وتعدد خطبه فيهم، وكأن قلوبهم صخور جامدة:
تنازعها سلّ السيوف فتلتوي وتخطب فيها والقلوب صخور (2)
وهنا يتخيل الشاعر تذكّر الإمام علي أصحابه من أهل النهروان، الذين لم يتخلفوا عن دعوته قط بل طالما لبوا نداءه، ومن ثم اتخذ أبو مسلم من هذا الموقف متكأ لمعاتبه الإمام أبي الحسن على إراقته دماء أولئك المؤمنين فيخاطبه، ويقيم معه حواراً مباشراً وصريحاً حين يقول:
علي
() ,
نشدت دويَّ النّحل لما فقدتهم ويعسوب ذاك النحل عنه خبير أمير المؤمنين بقيـ كأن دماء المؤمنين خمور سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم فأنت على أي الذنوب نكير وما الناس إلا مؤمن أو منافق ومنهم جحود بالإله كفُورُ
جحود وهذا الحكم منك شهير
وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهـ فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم وأنت بأحكام الدماء بصير
تركتهم جزر السباع عليهم لفائف
من إيمانهم وستور
(1) المصدر نفسه، 211.
(2) المصدر نفسه، 211.
(3) يعسوب: اليعسوب أمير النحل وذكرها وهو السيد والرئيس والمقدم، وأصله فحل النحل،
ينظر لسان العرب: مادة: عسب. (1/23)
صفحة 24
مصاحفهم مصبوغة بدمائهم عليهنَّ من كتب السهام سطور بحفظ دماء ما لهنَّ خطيرُ وكنت حقيًا يا ابن عم محمـ وكنت حفيا أن يكونا بقيةً لنصرك حيث الدائرات تدور (1)
ويخاطب أبو مسلم، في موقف آخر من يعيب على الإباضية توليهم لأهل النهروان عادا من يقدح في أهل النهروان كمن يقدح في دين الله ويعيبه، لأنهم حجة الله في أرضه مستخدماً لفظة أهل الاستقامة، وهو مصطلح
إباضي
(2)
يا من أعاب على الأبرار نحلتهم أعبت ويلك دين الله عن بصر هم حجة الله أهلُ الاستقامة ما خامت عزائمهم عن آية الزمر (2 ومن علي ويا ليت الأخير بري (3)
محكمين بَراءُ من معاوي
ويتمنى الشاعر عدم حصول التحكيم رادا أسبابه لما يخفي وراءه من
ضغائن، وما يحمله من أحقاد وما يتلبس وراءه من ثأر قديم، فيقول:
ليت الحكومة ما قامت قيامتها وليتها من أبي السبطين لم تصر ملعونة جعلتها الشام جنّتها من ذي الفقار وقد أشفت على الخطر عجت بتحكيم عمرو بعد ما حكمت همدان فيها بحكم البيض والسمر تباً لها رفعت كيداً مصاحفها ومقتضاهن منبوذ على العفر مهلاً أبا حسن إن التي عرضت زوراء في الدين كن منها على حذر
(1) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 211. (2) خام أي نكص وجبن، ينظر: لسان العرب مادة: خيم. (3) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 215.
24 (1/24)
صفحة 25
ضغائن اللات والعزى رقلن بها تحت الطليق وعُثمانية الأشر (1)
ويشير الشاعر إلى تعلق معاوية بشبهة الثأر لعثمان، الذي تقاعس عن نصرته في وقت الحاجة إليه حتى إذا ما قتل، استعمل هذه الحادثة حُجّة للمطالبة بدم، عثمان، وهي كلها تعلقات لا تخفى على ما كان يهدف من ورائها
يقول:
ما لابن هند بثار الدار من غرض له مرام وليت الدار في سقر لقد تقاعد عنها وهي مُخرَجةٌ حتى قضت فقضى ما شاء من وطَرِ ينوح في الشام ثكلى ناشراً لهمُ قميص عثمان نوح الورق بالسحر حتى إذا لَفَّ أولاها بآخرها بشبهة ما تُغطي نقرة الظفر أتاك يقرعُ ظنبوب الشقاق له (3) روقان في الكفر من جهل ومن بطر يدير بين وزيريه سياسته عمرو وأبليس في ورد وفي صدر (2) ويخاطب الإمام علياً، متسائلاً كيف انطلت عليه خطة التحكيم وهو أعلم
أهل الأرض قاطبة، فيقول:
متى جهلت أبا السبطين خطته وأنت أعلم أهل الطين والوبر حاكمته بعد ما ألحمته قرماً بعقر سبعين ألفاً عقرة الجزر
حاكمته بعد عمار وروحت حاكمته بعد حكم الله فيه بمـ
(1) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، 125. (2) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، 216.
إلى الجنان وبعد السادة الطهر
يشفى الغليل وقد أيقنت بالظف
(3) الظنبوب: حرف الساق اليابس من قدم، وقرع لذلك الأمر ظنبوبه، تهيء له، لسان العرب
مادة: ظنب.
25 (1/25)
صفحة 26
أقمت في البغي حد الله أولها ففيم تستن بالتحكيم في الأخر (1
ثم يعاتبه على قبوله التحكيم مع أنه أعلم الناس بالدماء وأحكام البغاة،
ويتساءل عن فائدة مقاتلة معاوية بعد ذلك، إذ يرى الشاعر أنه بعد الرضى بالتحكيم لم يصبح هنالك معنى للقتال لكل من رضي به أو عارضه، لماذا؟ لأن أبا مسلم البهلان، كغيره من الإباضية المصوبين للمحكمة، يرى أن التحكيم قد أفقد الإمام حقه في الإمامة، حيث يقول:
قتالك
فيم الحكومة أخزى الله ناصبها لم يترك الله هذا الحكم للبشـ ولست في ريبة مما عنيت به ولا القضاء قياسي على صور فما قتالك بعد الحكم راضيه وما من لم يرض بالنّهـ وما قتال ابن صخر بعدما انسكبت خلافة الله في بلعومه البخـ نسف الزعازع مندوفاً من الوبر (1) حكمته في حدود الله ينسفها
ــر
(2)
وعاتب الإمام على طاعته لأمر الأشعث بن قيس الكندي ومشورته، متحدثا عن سوابقه التاريخية (3) كما يعاتب الإمام على قتله المُحَكِّمة موضحاً أن الأسباب التي تذرّع بها القوم لقتلهم أسباب واهية لا تقوم دليلاً ولا تصح عذراً، يقول:
هانت عليك جباة ظلت ترضخها لطالما رضختها سجدة السحر لم تقتل القوم عن سوء بدينهم وإنما الأمر مبني على
قتلتهم برواي ات تقيم بهـ
(1) المصدر السابق، 216.
(2) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 216.
(3) ينظر: المصدر السابق، ص
216، 217
عُذر القتال وليست عُذر (1/26)
صفحة 27
ما ذو الثدية إلا خدعة نُصبت للحرب توهم فيها صحة الخبـ وما حديث مروق القوم معتبر فيهم لمن سلك الإنصاف في السير خلعت نفسك بالتحكيم منخدعاً وأنت أولى بها من سائر الفطر فحكموا الله واختاروك أنت لها فكان قولهم نوعاً من الهذر (1)
** نشأة الإباضية وتطورها:
الإباضية فرقة تتواصل بفكرها مع فكر المُحَكِّمة الأوائل، لها فكرها الذي تعتمد عليه وأساسها الذي تنطلق منه، وقد عرفوا فيما بينهم بـ «الجماعة المؤمنة أو جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة أو أهل الاستقامة» (2). إن مما يميز هذه الحركة أنها لم تسلك سلوكاً متطرفاً، بل ظلت وفية لمسلك الاعتدال الذي تبناه المُحَكِّمة الأوائل، وكان على رأس هذه الحركة أبو بلال المرداس بن حدير التميمي) الذي كانت سيرته مثالا للالتزام بالمبادئ والأفكار التي آمن بها، ودعا إليها، وتتلخص في إنكار العنف، وعدم استعراض المسلمين المخالفين بالسيف (4)، وهو أول من سن في
(د)
(1) المصدر السابق، ص 217.
(2) الكندي: أبو بكر احمد بن عبدالله بن موسي، کتاب الاهتداء، 237.
(3) المرداس بن حدير، المعروف بمرداس بن أدية التميمي (ت 61 هـ 670 م) تابعي من أئمة المذهب الإباضي الأوائل، لازم الإمام جابر بن زيد وأخذ عنه، شارك في صفين وأنكر التحكيم، أنشأ جماعة سرية منظمة من أربعين شاريا، أنكر على الخوارج تعرضهم للناس بالسيف، قتل أصحابه مع وهم يصلون الجمعة، بعد هدنة متفق عليها، بينه وبين عباد بن أخضر الذي بعثه عبيد الله بن زياد سنة 61 هـ. انظر: معجم أعلام الإباضية 4: 860 - 86.
(4) الأزكوي محمد بن جعفر، جامع الأزكوي، 1، 322
27 (1/27)
صفحة 28
(2)
«القعدة» (1) سياسة حربية إنسانية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وحين رأى السياسة الظالمة التي انتهجها عبيد الله بن زياد والي بني أمية، قال عبارته المشهورة إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم» (3).
وكانت بين أبي بلال والإمام جابر بن زيد الأزدي (4) علاقة حميمة، ربطت بينهما حتى قيل إنه كان يستشيره في خططه، وكانا يخرجان معا من البصرة إلى مكة لطلب العلم من الصحابة» (9) وذلك بعد أن انضم الإمام جابر إلى هذه الحركة فأصبح رئيسها والمؤسس الحقيقي لها.
(1) القعدة: مصطلح أطلق على زعماء الإباضية ومؤسسي مذهبهم، الذين رفضوا سلوك الخوارج في استعراضهم دماء المسلمين وأموالهم. أنظر: د. عوض خليفات، نشأة الحركة
الإباضية، 64 وما بعدها.
(2) د. محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، 85.
(3) المبرد: الكامل، 3: 258.
(4) جابر بن زيد الأزدي العماني البصري (أبو الشعثاء) (18 هـ - 9 هـ) إمام محدث تابعي، من عمان، مؤسس المذهب الإباضي، من فقهاء عصره المعدودين، ولد بقرية فرق من أعمال نزوى في عمان أخذ العلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وثقات الأنصار والمهاجرين عاصر كثيرا من العلماء مثل: الحسن البصري وعمرو بن دينار وغيرهما، روى عنه الإمام الربيع مسنده عن طريق أبي عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي. كما روى عنه البخاري والترمذي والنسائي. انظر: دليل أعلام عمان 45. معجم أعلام الإباضية،
• (0)
222 - 2،217
محمد ناصر، منهج الدعوة 88 نقلاً عن الرقيشي، مصباح الظلام، مخطوط، 77.
A (1/28)
صفحة 29
وهكذا نجد أن المُحَكِّمة بقيادة أبي، بلال، ثم جابر بن زيد، الذي تسلم
القيادة من أبي بلال هم أصل الحركة الإباضية (1).
«
ويذهب الدكتور عوض خليفات إلى أن الإمام جابر بن زيد كان «ذا علاقة وثيقة بحركة المُحكّمة الإباضية منذ وقت مبكر، وأصبح أحد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني للقرن الأول الهجري وقبل مقتل أبي بلال عام 61 هـ (2) يعلل ذلك أحد علماء الإباضية الأوائل قائلا «بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أئمة المسلمين، لم يكونوا يخرجون إلا بإذن إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله- ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم وليكون ردئاً لهم» (3).
وبذلك يكون أبو بلال ممثلاً للخط المعتدل لتيار المُحَكِّمة الأوائل الذي. تنحدر منه الإباضية. وفي الحديث عن نشأة الإباضية يثار تساؤل: هل نشأت الإباضية على يد جابر بن زيد الأزدي (ت 93 هـ / 2711) أم استمدت أصولها من اجتهادات أبي بلال (ت 61 هـ / 680 م، أم ترجع في نشأتها إلى عبد الله بن إباض (4)، كما هو الشأن في نسبتها إليه؟
(1) حسين غباش، عمان الديمقراطية، 41.
(2) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، 10. (3) الرقيشي: مصباح الظلام، مخطوط، 77.
(4) عبدالله بن إباض المري التميمي (ت 86 هـ / 705 م نشأ في مدينة البصرة، وعاصر الفتنة، شب في زمن معاوية وأدرك عبدالملك بن مروان يعد من التابعين، أدرك كثيرا من الصحابة وإليه ينسب المذهب الإباضي نسبة غير قياسية، كما تتفق على ذلك المصادر الإباضية، واشتهر بمواقفه العلنية من مخالفي الإباضية كالخوارج والقدرية والشيعة، وبرسائله إلى عبد الملك بن مروان، وكان يصدر في كل ذلك عن مشورة إمامه جابر بن زيد، فهو تلميذه في العلم وإن كان أكبر منه سنا. ينظر معجم أعلام الإباضية، 3: 551 - 553. (1/29)
صفحة 30
يرى الباحث أن نشأة المذهب تعود إلى تضافر مجموعة من العوامل،
وتكامل عدد من المواقف، وظهور مجموعة من الشخصيات البارزة، شكلت أعمدة قيادات الفكر الإباضي، ضمن قيادة جماعية عمادها الشورى، فلولا مواقف أبي، بلال، وقيادة جابر بن زيد، وبروز عبدالله بن إباض، وحنكة أبي عبيدة، ومساعي حملة العلم، لما وصل المذهب الإباضي إلى ما وصل إليه، فلكل منهم موقف لا ينكر، ودور لا يخفى مع تفاوت في الأدوار، غير أنه من الثابت عند علماء المذهب أن تأسيس المذهب وتقعيد فكره، وبروز منهجيته كان الإمام جابر المؤسس الحقيقي لها.
وبما أن لجابر هذا الدور الخطير، فلماذا سميت هذه الجماعة بالإباضية؟
ولم تسم بالجابرية؟
الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على محاولة استقراء الأحداث، والنظر في ملابسات نشأة الدعوة، ووضع الظروف السياسية والاجتماعية في الحسبان، ذلك أن الدعوة بدأت سرية تامة حفاظاً عليها من عيون الدولة، وبما أن جابر بن زيد على رأس القائمين عليها المنظمين لدعوتها، كان لزاما على الحركة، حفاظاً على بقائها، واستمرارية لعطاء شيخها، وحياة مؤسسها، إخفاؤه خوفاً عليه من عنت الدولة التي عرفت بالشدة. مع
معارضيها.
وهناك مسألة أخرى تضافرت مع الأولى، وهي مع علم الدولة وولاتها بمسؤولية الإمام جابر عن تلك الحركة، فإنه لم يكن من مصلحتها نسبتها إلى جابر حتى لا تجذب إليها الأنظار، لما له من مكانة سامية، وموقع أثير في نفوس الجماهير، فكان إخفاء شخصه عن الأنظار فيه مصلحة للحركة وللسلطة في آن معا فنسبت الحركة إلى غيره، نسبة من الخارج فرضت فأصبحت واقعاً. (1/30)
صفحة 31
(1)
تجمع أغلب كتب التاريخ والملل والنحل وكتب التراجم، والطبقات، على نسبة الإباضية إلى عبد الله بن إباض المري التميمي. ومن خلال استقصاء ما ورد عن هذه الشخصية من تلك المصادر، يخرج الباحث بنتيجة مؤداها أن ابن قتيبة (1) والبلاذري (2) والبغدادي (3) والشهرستاني (4) والرازي (9) وابن والحميري) كلهم يجمعون على نسبة المذهب إلى الشخصية السابقة، وتحسن الإشارة في هذا المضمار إلى وجود روايتين متناقضتين، أورد إحداهما الملطى الذي تردد في النسب، ففي حين نسبهم إلى إباض بن عمرو نجده في موضع آخر ينسبهم إلى عبدالله بن إباض (1) ورواية ابن حزم في الملل والنحل الذي نسب المذهب إلى عبدالله بن زيد الإباضي الفزاري الكوفي (10).
(^)
وهي روايات لا يمكن قبولها لمخالفتها الروايات المتواترة في المصادر الإباضية وغير الإباضية، ولاضطراب المؤلفين في سرد هذه الروايات، ولمخالفة سلوك هاتين الشخصيتين لمبادئ الإباضية وفكرها (11).
(1) المعارف، القاهرة، دار المعارف، 1981، 622.
(2) أنساب الأشراف، القدس، 1938، ق 2، 101، 102.
(3) الفرق بين الفرق بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1978، 82 - 84. (4) الملل والنحل، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1977، 137 - 140. (5) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1978، 64. (6) لسان الميزان، حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، 1971، ج 3، 248. (7) الحور العين، صنعاء، المكتبة اليمنية، 1985، 227 - 229.
(8) أبو الحسن الملطي التنبيه والرد مكتبة المعارف، بيروت، 1968، 52. (9) السابق، 178. (10) الفصل في الملل والأهواء والنحل، بيروت، دار المعرفة، 1986، ج 2، 112. (11) انظر علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، مكتبة وهبة، 22 - 23. (1/31)
صفحة 32
أما المصادر الإباضية جميعها، فإنها مجمعة على نسبة المذهب إلى «عبدالله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة بن عبد، رهط الأحنف بن قيس، وهو الذي فارق جميع الفرق الضالة، نشأ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمن عبدالملك بن مروان» (1).
وعلى ذلك يجد الباحث أن المؤرخين مجمعون على نسبة المذهب إليه، بغض النظر عمن أشاع هذه التسمية، وتحت أي مبررات مع أن المصادر الإباضية تجعله يصدر في كل أقواله وأفعاله عن إمامه في الدين جابر بن زيد كما ذكر ذلك كل من القلهاتي (2) والبرادي (3) والرقيشي (4) والشماخي (5) والحارثي (6) لتصبح النسبة إليه نسبة اصطلاحية غير قياسية للتمييز وليست
للتشريع.
(1) انظر ترجمته في المصادر الإباضية التالية:
- أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ق 3 هـ) السير والجوابات ج 2، 307.
- أبو الحسن البسيوي، السير والجوابات، ج 2، 84.
- احمد بن عبدالله الكندي، كتاب الاهتداء، التراث، 337. - الدرجيني (ق 7 هـ) الطبقات، 214.
- البرادي (ق 8 هـ) الجواهر، 155.
الشماخي (ق 9 هـ) كتاب السير، 72، 73.
- القلهاتي، الكشف والبيان، ج 2، 472.
- الرقيشي، مصباح الظلام مخطوط (ق 10 هـ)، 130.
(2) القلهاتي: الكشف والبيان، ج 2، 471.
(3) البرادي الجواهر، 155.
(4) الرقيشي: مصباح الظلام، 39.
(5) الشماخي: السير 1، 72.
(6) الحارثي، العقود الفضية، ص 121، دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان. د ت.
32 (1/32)
صفحة 33
ومما يذكر في هذا المجال رأي يذهب إلى أن ابن عباس كان المصدر
العقائدي الأساسي، والينبوع الفكري الرئيسي لخوارج البصرة (يقصد الإباضية في مدينة البصرة ثم في مدينة مكة» (1) ولعله يمكن توضيح هذا بالقول: إن المطلع على فكر الإمام جابر وعقيدته السياسية، يجد أنه مستمد في كثير من معطياته من فكر ابن عباس، ويعضد ذلك الأخبار والمواقف المروية عن عبد الله بن العباس، سواء مع المُحكّمة أو مع بني أمية، أو موقفه من التحكيم نفسه، ويعضد ذلك أيضا ما تركه الإمام جابر، وبما دونه بعض تلاميذه من بعده، أبو عبيدة (2) ثم الربيع بن حبيب (3) من مصنف في الحديث يعد «أقدم مصنف في الحديث النبوي» (4).
(1) رياض عيسى، الحزبية السياسية، 140.
(2) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء ت (145 هـ (762 م) سياسي محنك، وعالم جليل، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب. أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وروايته عنه رواية تابعي عن مثله، وقد روى عن الكثير من الصحابة منهم جابر بن عبدالله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين، سجنه الحجاج بن يوسف الثقفي ت (95 هـ) فافرج بعد وفاته. تولى أبو عبيدة إمامة الإباضية بعد الإمام جابر بن زيد (ت 93 هـ) نشأت في ظل إمامته دولتا: الجلندى بن مسعود في عمان، وأبي الخطاب بن الأعلى بن السمح في إفريقية،
عنه
له العديد من المؤلفات والرسائل انظر من ترجم له معجم أعلام الإباضية، 4، 873. (3) الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي، الفراهيدي، أصله من عمان من غضفان، قصد البصرة وأدرك جابراً وأخذ عنه، وأكثر ما أخذ عن ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم، وإليه آلت رئاسة المذهب بالبصرة بعد أبي عبيدة، وعليه تخرج حملة العلم إلى عمان وغيرها. عاد إلى عُمان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ذكر أنه ت (170 هـ) له كتاب الجامع الصحيح في الحديث. انظر: السالمي، حاشية الجامع الصحيح 1، 3 - 5 الدرجيني: الطبقات
258 وما بعدها
(4) رياض عيسى، الحزبية السياسية، 145. (1/33)
صفحة 34
وعند قراءة هذا المصنف يتضح أن قرابة تسعين بالمائة منها سلسلة الإسناد فيها، أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي، أضف إلى هذا أن جل الشروح مقتبسة عن ابن عباس» (1) مما دعا أحد المحققين غير الإباضيين لأن يصفه «بالسلسلة الذهبية في الإسناد» (2).
ونتمثل في هذا المقام بقول الإمام السالمي:
وأكثر النقل مع الأصحـ
ونقلوا أيضاً عن ابن
عن نجل عباس الفتـ
الأواب
ونجل مسعود لديهم شهرا
ونقلوا عن أنس كثيرا وغيره قد أثـ روا تأثيرا
سبعون بدرياً حوى ا عندهُمْ جابرنا وقد وعى وقد علم وأهل النهروان كانوا طُرًا قد عرفوا بالفقها والقُرا (3) وذلك يعني أن عبدالله بن إباض، قد أخذ عن إمامه جابر بن زيد، كما أخذ جابر عن عبدالله بن العباس ومن ثم فإن مذهبه مذهب سلفي في هذه التعاليم التي أخذها عنهما (جابر) وعبد الله بن العباس) ونقلها عنه أصحابه من
بعده» (1).
وهذا الرأي موافق لما يقول به الإباضية، إذ يعدون مذهبهم متصلاً في فكره وآرائه بجمع من الصحابة، وخاصة ابن عباس، الذي يعتبرونه من أوائل
(1) المصدر نفسه، 145.
(2) ينظر مقدمة شرح الجامع الصحيح للأمام السالمي 3/ 1 - 5.
(3) السالمي، جوهر النظام، 4، 187.
(4) عمار طالبي، آراء الخوارج الكلامية، 197.
34 (1/34)
صفحة 35
العلماء الذين أخذوا عنهم دينهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العلامة ابن مداد
«أول العلماء الذين أخذ عنهم أصحابنا دينهم عبدالله بن العباس» (1).
ويظهر أن الإمام جابر بن زيد، قد انضم إلى جماعة الدعوة منذ وقت مبكر ولكن السرية المتبعة في إخفاء قادة الدعوة، أدت إلى عدم التعرف على الوقت والكيفية التي انضم بها جابر.
وكان جابر بن زيد من زعماء الحركة إبّان ولاية عبيد الله بن زياد، فقد أورد الشماخي عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل (2)، أن شخصا من الإباضية أُخذَ وجُلدَ أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين (الإباضية) فلم يفعل، قال جابر وكنت قريبا منه وما كنت أنتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله (3) فكان جابر المرجع للدعاة الإباضية في مرحلة الكتمان، يقول الرقيشي وقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أئمة المسلمين،
6
لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العماني ومشورته» (4). وبهذا يكون الإمام جابر هو «الإمام الروحي وفقيه الإباضية ومفتيهم،
وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الإباضي»
? (0) «
(1) عبدالله بن، مداد سيرته وزارة التراث، 1984، 5
(2) أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي، من الطبقة الرابعة من علماء الخمسين الثانية من المائة الثانية للهجرة، أخذ عن أبي عبيدة، والربيع بن حبيب، كان حجة في السيرة، وهو ممن دون أخبار أهل الدعوة الإباضيين، الدرجيني، الطبقات، 263 - 273.
(3) الشماخي، السير، ج 1، 86، التراث.
(4) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 39.
(5) عوض خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية 9.
35 (1/35)
صفحة 36
ويشار في هذا المجال إلى أنه قد حصل خلط بين دور جابر بن زيد
ودور عبدالله ابن إباض، في نشأة الحركة الإباضية، وهو خلط ناشئ عن المبالغة في إخفاء القيادة الحقيقية للمذهب، مما جعل عبدالله بن إباض في الواجهة. ويمكن القول هنا إن كلا منهما أدى دوره بكل إخلاص، فجابر بن زيد العالم الفقيه المحدث وضع الأسس، ووطّد أركان الدعوة ووضع قواعدها، وجعل الحركة الإباضية تنطلق من ركيزة قوية مبنية على أسس واضحة المعالم، وعبدالله بن إباض تكفل بعرض الفكر الإباضي على مستوى الأوساط الإسلامية ليصبح كالمتحدث باسم الجماعة المدافع عن مبادئها، يعرض آراءها، ويناظر الحركات المتطرفة، ويتصدى لمقارعة حكام بني أمية، ويشرح وجهة نظر حركته من الأحداث يقول ابن جعفر أحد علماء عمان في القرن الثالث الهجري وقد اشتهر أتباع جابر بن زيد بالإباضية نسبة إلى قائدهم عبدالله بن إباض مع أنهم لا يصدرون في جميع أمورهم، إلا عن رأي إمامهم جابر بن زيد» (1).
(2)
ونجد الإمام السالمي (1) يبين سر التسمية فيقول: «لم يشرع لنا ابن إباض مذهبا وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق، أما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد الله» (3) وبذلك فلا غرابة في أن تنسب الحركة إليه دون أن تنسب إلى جابر بن زيد، يقول الشماخي «كان ابن إباض المجاهد
(1) ابن جعفر، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوى، الجامع، 1، 5. (2) السالمي: هو الشيخ العلامة نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي (1286 هـ 1869 م - 1332 هـ 1914 م إمام، علامة فقيه شاعر، كفيف البصر، عُدّ مرجع زمانه، انتهت إليه رئاسة العلم في عمان له مؤلفات جمة، ينظر: الخصيبي محمد بن راشد، شقائق النعمان 3/ 10 دليل أعلام عمان، 112. (3) السالمي، أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي، مشارق أنوار العقول، 23.
<+> (1/36)
صفحة 37
علنا في سبيل تحقيق الحقائق وتصحيح قضايا العقول فيما أحدثه أهل المقالات والبدع والافتراء» (1)
«فالإباضية لم يطلقوا على أنفسهم هذه التسمية بل لم ينتشر هذا المصطلح عند المؤلفين من الإباضية القدامى، وظلت هذه التسمية مغيبة من
المصادر الإباضية حتى الربع الأخير من القرن الثالث الهجري» (2). وأياً كانت الأسباب فقد قبل الإباضية هذه التسمية، وإن جاءتهم من غيرهم وفي هذا المعنى يقول الإمام السالمي:
نحن الإباضيين لم يشرغ لنا نجل إياض مذهباً يحملنا فنحن في الأصل وفي الفروع على طريق السلف الرفيـ لو كان مُبغضاً لنا أن
فنأخذ الحق متى نراه
ـع
اه
والباطل المردود عندنا ولو أتى به الخل الذي له اصطفوا فلا احترام عن دنا لرجل قد خالف الحق ولو كان علي الفين قد سمونا بذاك غير أننا رضينا
إن
وأصله أن فت
إباض
كان محامياً لنا وماضي
قد كان في المنعة من عشيرتة ولا يطاق بأسه لسطوته ونسبوا من كان في طريقته إليه لاشتهار حسن سيرته (3)
(1) انظر عوض خليفات الأصول التاريخية، 7.
(2) د. عوض خليفات الأصول التاريخية للفرق الإباضية، 12. (3) السالمي: عبد الله بن حميد كشف الحقيقة، مخطوط، 15.
37 (1/37)
صفحة 38
إذن يرى الإباضية أن ابن إباض قد تكفل بإيضاح الرؤية الفكرية، والخط السياسي الذي تسير عليه هذه الجماعة لسبب معروف أشار إليه السالمي في أبياته ويصفه شاعر عمان عبدالله الخليلي
قائلاً:
ورأينا ابن إباض رجلاً صامداً لله رَغْمَ الزَائغين كان في عهد فتى مروان في عزه في الجبروت المستبين وهو لا يدعـ وه إلا باسمه ثقة بالله شأن المخلصين لم يرعه المـ لك في سلط باة الظلم تفرى الصادقين
انه
فصحبناه لما بان لنا من هداه والهدى نغم القرين
صحبة كانت فكانت نسب
وأخو المؤمن منه لا يبيـ
مبيناً أن نسبة المذهب إليه ليست نسبة تبعية، ولكنها نسبة تمييزية، فبينه وبين الجماعة علاقة صحبة لا علاقة تأسيس لقواعد المذهب وفكره، لذلك لا نجد له مسألة واحدة مرسومة في الكتب الفقهية الإباضية فهم يعتدون بأنهم لا يقلدون الرجال في دينهم، بل يتوخون الحق أين كان وعند من كان، فيتبعونه
يقول السالمي:
فنحن حيث أمر القرآن لا حيث ما قال لنا فلانُ فالأولون استخرجوا ما استخرجوا من الدليل وعليه عرجوا فهم رجال وسواهم رجل والحق ممن جاء حتما يقبلُ (2)
(1) الخليلي، عبدالله ديوان وحي العبقرية 144، التراث 1398/ 1978 م.
(2) السالمي، الجوهر، ج.
38 (1/38)
صفحة 39
أي أنهم لا يقلدون بل يقيدون فابن إباض وغيره مع فضلهم، ليسوا
موضع تقليد، يقول الخليلي راسماً سياسة المذهب:
غير أنا لم نُق لده ولا غيره في ديننا بل نستبين
نقبل الحق وتلق
كم لنا عن الك والشـ
ضده
لا تبالي بأقاص أو بنين
افعي وفتى حنبلهم والحنفين
كم لنا عنهـ وعن أمثالهم من رجال العلم أحكام تزين ــذه أسفارنا ناطق
J
يجتليها الصدق بين المجتلين
لا نقول ابن إباض قدوة قال حَقًّا أو ضلالاً فندين مع ما نعلمه من صدقه رأينا التقييد لا التقليد دين (1) وهذه المعاني سبق إليها الشيخ العلامة أبو نبهان الخروصي (2) في كلام
له «وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال» (3). وعلى كل حال فإن الإباضية تتولى عبد الله بن إباض، كما تتولى غيره
من رموز قياداتها يقول السالمي:
إنا ندين بتصويب الأولى نكروا حكومة الحكمين حينما جهلاً
والراسبي أوالي بعد جملتهـ
ومن به نسب الإسلام قد وصلاً
عنيت نجل إياض فهو حجتنا أما ترى فخره للمسلمين حلا ()
(1) عبدالله الخليلي، وحي العبقرية، 144.
(2) أبو نبهان الشيخ العلامة جاعد بن خميس الخروصي، المكنى بأبي نبهان (1147 هـ - 1237 هـ من كبار علماء عصره، وكان شاعراً سلوكياً، لقب في عمان بالشيخ الرئيس. ينظر: دليل أعلام عُمان، 46.
(3) القنوبي، سعيد بن مبروك، الطوفان الجارف، ج 3، ق 1، 34.
(4) السالمي: عبدالله بن حميد قصيدة غابة المراد شرح القصيدة للشيخ احمد بن حمد الخليلي، مطبوع على الآلة الكاتبة، 52. (1/39)
صفحة 40
ومن خلال ما تقدم، يمكن القول إن الإباضية في بداية نشأتهم لم يكونوا
ميالين في الانتساب إلى شخصيات لتعلقهم بالأصل، وهو الإسلام في نقائه وأصالته، ولم يكن جابر ابن زيد، ولا عبدالله بن إباض وغيرهم، إلا حلقة وصل من التابعين تصلهم بصحابة رسول الله و التي توصلهم بدورها بسيرة المصطفى ولو شاءوا الانتساب بداية لانتسبوا إلى إمامهم الكبير، جابر بن زيد، لكن مرور الزمن كان كفيلاً بقبول ما فُرِضَ عليهم من تسمية. الإباضية والصحابة:
يرى الإباضية أن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة سامية، وفضلاً كبيراً
على الأمة، نالوا شرف صحبته، والجهاد معه والمشاركة في تبليغ الدعوة. ولئن وجد الباحثون أن في لهجة الإباضية الأوائل شدة في تناول الأحداث، وفي الإشارة إلى بعض الصحابة فإنما هي شدة تحاول أن تطبق قاعدة البشرية غير المعصومة.
وهم يرون أن البحث عن الفتنة بغية الولاية والبراءة غير جائز، يقول أحد علماء الإباضية السابقين، وهو الإمام أفلح بن عبدالوهاب «لا يبرأ من
المسلم
مطلقاً بشهادة الشهود حتى يكون حاضراً يدافع عن نفسه» (1) وهو قول يحمل دلالة الإبقاء على أصل الولاية للمسلم فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس صحيحاً ما يقال عن الإباضية بأنهم يطعنون في بعض الصحابة أو يكفرونهم، أو يبغضونهم، ومهما بلغت ملاحظاتهم أو نقدهم لسلوك بعض الصحابة فإنه لا يتعدى ذكر الخطأ الذي بلغهم، ولا يتخذون السب والشتم دينا
عندهم، يقول السالمي:
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 1، 84. (1/40)
صفحة 41
نحن الأولى نسكت عمَّا قَدْ مَضَى ولا نعد الشتم دنياً يُرْتَضَـ وفي صنوف طاعة الرحمن شغل عن الفضول باللسان فهذه بلادنا لا تلق فيها لسب الصخب قط نطق وكان من قولهم فيما مضى ليس علينا فيه أمر فرضا فما مضى قبلك لو بساعة فدعة ليس البحث عنه طاعة (1)
بل نجد أن الإمام السالمي يرى منع البحث والتنقيب في التاريخ لأجل البراءة، إذ عده نوعا من التجسس الممنوع، يقول:
وكان من قولهم لا تبحثن من حدث لأجل منه تبرأن وقد تناسوا أمر ذاك الحـ دث من قولهم لا تبحثن لا تبحث (2)
(د)
ويعلل العلامة خلفان بن جميل السيابي (3) (ت 1493 هـ 1973 م) سبب شدة بعض علماء الإباضية السابقين إلى المشاهدة والعيان وقربهم الزمني من الأحداث يقول «أما الأحداث التي جرت بين الصحابة فكلهم مجتهد وملتمس للحق، أما القدماء فكانوا منهم المشاهد للأمر وحاضره، ومنهم من كان قريبا من ذلك، وتبلغهم الحقائق بصحيح النقل أو برفيعة من العدول ونقول: حكموا بما علموا وقامت به الحجة عليهم، أما اليوم فلسنا نحن مثلهم، ولا علمنا في
(1) السالمي: كشف الحقيقة، 49، 50.
(2) السالمي عبدالله بن حميد، كشف الحقيقة، 51.
(3) خلفان بن جميل السيابي (1308 هـ / 1890 م (1392 هـ / 1972 م) علامة كبير، ومحقق جليل، من أهل سمائل، أصبح مرجعاً للفتيا له الكثير من المؤلفات في الفقه وأصوله، يمتاز بشاعرية جيدة، ينظر: دليل أعلام عمان، 58. (1/41)
صفحة 42
ذلك كعلمهم، ولا نقلد ديننا الرجال، وما كلفنا الله التفتيش والتنقيب عن عيوب
الناس» (1).
ويقول هذا العالم النزيه في إجابته عن سؤال وجه إليه حول موقف المذهب من عمر بن عبدالعزيز والحسن البصري، ومن بعض الصحابة والتابعين الذين انخرطوا في الفتن قال: «أما الآن وقد طال الزمن، ومضت تلك القرون وكثرت التعصبات واختلفت النقول، فلا يلزمنا البحث عن حال من مضى، بل لا يجوز ذلك» ثم أردف قائلا .. «وإذا لم يكونوا هم الرجال، فمن إذن؟ أنحن وأمثالنا جيف الليل، ذباب النهار! فالسلامة في الكف عن الخوض في الأعراض، لا سيما الماضين من الصحابة والتابعين الذين هم خير القرون» (2).
وقد وجهت تهمة الطعن في الصحابة إلى الإباضية لأجل تساوق وضعهم مع الخوارج ليؤصل انتساب الإباضية إليهم، وإلا فإن الإباضية يتورعون عن ذلك، بل يرون أن الصحابة كلهم عدول كما صرح بذلك القطب في قوله «الصحابة ليسوا كغيرهم كلهم عدول لما ورد في حقهم من نصوص صريحة» (3).
إلا أنها عدالة ليست بمعنى أنهم جميعاً لا يخطئون وأن كل واحد منهم فوق كل نقاط الضعف، أو النقائص البشرية، أو أن أحداً منهم لم يخطئ قط.
(1) السيابي خلفان بن جميل فصل الخطاب 20/ 2 - 21.
(2) المصدر نفسه، 37.
(3) أطفيش، محمد بن يوسف، الذهب الخالص، 43.
42 (1/42)
صفحة 43
وما أورده الإباضية في كتبهم، ودونوه في رسائلهم، يتسم بتعظيم مقام
الصحابة، واحترام حق الصحبة، ولكنهم يرون وجوب احترام الصحابة جميعا، كما يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1) «إن الإباضية مستعدون أن يطووا صحائف تلك الفتن، ولا ينبسون فيها بنت شفة، ولا يخطوا فيها حرفاً واحداً، ولكن لابد من احترام أهل النهروان، أيضاً وعدم النيل منهم حتى تعود للمسلمين وحدتهم» (2).
وقد يجد الباحث في كتب الإباضية القدامى ما يشي بالشدة والقسوة في تناول الأحداث ونقدها، إلا أن الإباضية بمرور الزمن، يدعون إلى طي صحف الماضي، وعدم التنقيب في صفحات التاريخ.
وقد انعكست هذه الرؤية على هذه الفترة فالشاعر محمد بن شيخان السالمي (3) يصف موقف الإباضية من الفتنة عموماً ومن الإمام علي خاصة، مركزاً على أمرين:
الأول: موقف الإجلال والتقدير لشخص الإمام علي، بحيث لا سبيل إلى
نکران فضله.
فيقول:
الثاني: التركيز على مآخذ الشاعر على الخليفة لقتله سادة النهروان،
(1) وهو المفتي العام لسلطنة عمان، وعمدة الإباضية في العصر الحديث. (2) مقابلة. مع سماحة مفتي عمان، أحمد الخليلي مجلة جبرين، ابريل 1984، 33. (3) محمد بن شيخان السالمي (1284 هـ / 1867 م - 1346 هـ / 1926 م) عالم لغوي شاعر، برع في اللغة، ونبغ في الشعر، له ديوان شعر مطبوع، يعرف بشاعر البيان لجودة شعره، ينظر
دليل أعلام عمان، 147.
43 (1/43)
صفحة 44
ائله
أما علي فلم تنك فإنّها في الدجى كالوشي في الطرر ولو شككنا بما قد صح منه رمت شكوكنا في ضياء الدين بالكدر عليه فعلاً بقتل السادة الغُرر (1) غيرة نقمت لكننا أخذتني
ويبدو مثل هذا واضحاً في قول الشيخ الأديب حمدان بن خميس اليوسفي (2) مطارحاً العلامة خلفان بن جميل السيابي متسائلاً:
وفي فتى درس التاريخ مجتهداً مما أفادته من تاريخها الأُمَمُ أعني الصحابة والأتباع حيث حكى التاريخ عنهم بما يكبو به القلم من فتنة عظمت في الدين محنتها إلى القيامة لا يخبو لها ضَرَمُ بما يراه من التشديد في كتب الـ أصحاب في تلكم الأحداث قد حكموا وتارة يجد الأعذار قد بسطت راحاتها لهم فانجابتِ الغُمَمُ (3)
فأجابه الشيخ خلفان السيابي بقوله:
والقول في فتن نيرانها اضطرَمَتْ بين الصحابة حتى الآن تضطرمُ فالخطب سهل بحمد الله قد برئت منه يداك فيبرا مقولّ وفَمُ فتلكمُ أُمَةٌ من قبلك عليها ما كسبت يجزون فعله
(1) انظر هذه القصيدة في عقد الأثر من قناوى ذوي البصر، جمع وترتيب علي بن جبر الجبري، مخطوط، رقم 216 مكتبة خاصة، صورة لدى الباحث، 47.
(2) حمدان بن خميس اليوسفي (ت 1384 هـ) نحوي بارع، وشاعر متمكن، وقارئ مجود، لقب بسيبويه الثاني، صاحب خط بديع، تفنن في الشعر، ينظر الخصيبي محمد بن راشد، شقائق
النعمان 298/ 1.
(3) السيابي: خلفان بن جميل بهجة المجالس، 147. (1/44)
صفحة 45
لا يُسألون هُمُ عن فعلكم وكذا عن فعلهم أنتُم لا تسألونهُمُ)
ومما نلحظه أن التساؤل والإجابة حكيا بأدب جم، مع أولئك الصحابة الكرام، ملتزمين موقف الاحترام والتقدير، متسائلين عما يجدونه في بعض كتب المذهب من التشديد في الحكم على تلك القضية والمواقف الصادرة من بعض الصحابة مما حيّر عقول أولي الأبصار، وهذا هو الشيخ خلفان السيابي بنادي مولاه، متعجبا مما جرت به المقادير الإلهية للاختلاف الحاصل بين الأمة الواحدة، حيث يقف العقل حائراً مندهشاً:
إلهي إن الاختلاف الذي جرى به مبرم التدبير حار له العقل (2) وحين سأله الأديب حارب بن محسن السيابي عن فتنة افتراق الأمة أجاب بأبيات وضح فيها المنهج السليم، والطريقة المثلى التي تجنب صاحبها الوقوع في مزالق خضم الفتنة، استطاع العلامة خلفان السيابي أن يوائم في إجابته بين الفكرة والعاطفة، إذ تدفقت عاطفته بعد أن أهاجته أشجان تلك الفرقة فبدت في أبياته لواعج الأسى والحسرة، على ما أصاب الأمة من الوهن نتيجة الفرقة والشتات داعياً إياها إلى لم الشمل فيقول:
سألت عن الصحب الكرام وما جرى هناك من الأحداث فالخطب فادح بذاك جرى في لوحه قلمُ القضا وما الله قاضيه فما عنه جامح تحزبت الأحزاب من بعد أحمد وكلّ إلى تحقيق مرآه طامحُ وما كان دين الله رتْ ولا وهـ ولكن وهت عنه القلوب القوارحُ
(1) السابق، 153.
(2) السيابي خلفان بن جميل بهجة المجالس، 134.
45 (1/45)
صفحة 46
وما كان دين الله منفصِمَ العُرى ولكنّها الوثقى الشداد الضحاضحُ وما كان دين الله مفترق القوى ولكن قواه شامات طوامح فوا أسفا يا حسرتا حزني على تشتت شمل الدين والدمعُ سافح (1)
وينادي أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة أبيات متوالية مكرراً قوله «يا أمة المختار» وهذا التكرار له دلالته الأسلوبية، التي تنبئ عن رغبة الشاعر في استغلال المحبة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما يترتب عليها من إتباع ما يحب وترك ما يكره، ومنها هذه الفرقة الحاصلة:
ويا أمة المختار هلا تآلف
ويا
على كلمة التوحيد والحق واضح
لود وإشفاق طوته الجوانح
أمة المختار هلاً تعاطف وحسبك من تشتيت دينك خطة عليها مضى الصحب الكرام الطحاطح تواخوا تصافوا بل تواصوا تواصلوا على كلمة التوحيد بروا تناصحوا (2)
ومما يتصل بهذه المسألة موقف العلامة حمد بن عبيد السليمي (ت 1390 هـ حين سأله العلامة سالم بن حمود السيابي (ت 1410 هـ) عن
موقف الإباضية من الإمام علي كرم الله وجهه فيقول السائل:
أبو الحسنين حيدرة المف
علمنا فضله والزهد فيـ
فماذا القول فيه أبا عبيـ
دى
خضَمُ العِلْمِ حَسبى هل هداه ولكن البلا حتما دهاه وهذي فتنة عمت سواه (3)
(1) المصدر نفسه، 339.
(2) المصدر السابق، 342، 343.
(3) موسى بن عيسى البكري، مجموعة أسئلة واجوبة مخطوطة، 42 - 43. (1/46)
صفحة 47
لكن الشيخ السليمي رأى أن السكوت أسلم حين قال:
قضاء نازل والقولُ فيه مضر هازل فيما أراهُ
وما ولغت يدي
بدماء قوم وإني ساكـ ت عما وراه
قضاء الله الكـ ون طراً عم
فلا تحفل بما وسـ
البرا
ولا نفع لأمر قد قضاه
وحسن الصمت قولي منتهاه (1)
والشاعر أبو مسلم البهلاني، يبين نهاية القول في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيداً بهم معترفا بعجزه عن بلوغ ما يفي مقامهم، ولكنه يذكر حقيقة أخرى، فهم بشر مكلفون ومدحهم منوط باستقامتهم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
الشاعر:
نهاية القول فيهم أنَّهم بشرّ فازوا بما لم ينله سائر البشر يا صحب أحمد يا أنصار حجته والحائزين مقام القرب والنظر ما قدر مدحي وقول الله يمدحكم لولا المحبة و استمداد مفتقر (2)
ويقول:
وهم وإن شرفوا من أجل صُحبته فحكم تكليفهم كالحكم في البشر ومدحه لهم وفرغ استقامتهم في طاعة الله لا مدحاً على الغير)
(1) السابق، 44.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، 192.
(3) المصدر نفسه 214.
47 (1/47)
صفحة 48
الإباضية والخوارج
إن من يتتبع مصطلح «الخوارج» يجد أنه كان يستخدم في اتجاهين متضادين، ففي حين استخدم قصد اللمز والذم عبر الربط بين الخوارج والمارقة، نجد أن المُحَكِّمة لم يكونوا يأنفون من إطلاقه عليهم، ليغدو المصطلح دالاً على الثناء والتمدح، مما يدل على أنه لم يكن يستخدم بصورته التي استقر عليها لاحقاً، كما يتضح ذلك من عبارة عبدالله بن إباض (1). فكلمة «الخوارج» حين أطلقت على المُحَكِّمة لم تكن تحمل بعداً سلبياً، إذ كان خروجهم جهاداً في سبيل الله، وثباتاً على الحق، ورفضا لتحكيم الرجال وجهه انتقضت وإنكاراً له، فمعاوية في نظرهم باغ، وعلي – كرم الله بيعته، وبذلك فإن خروجهم لا يعد خروجا سياسيا في نظرهم وعلى فرض خروجهم عن الإمام علي، فإنهم لم يكونوا وحدهم في هذا الميدان، وكان أولى بهذه التسمية معاوية فهو الخارج على الإمام الشرعي.
وهكذا فإن مصطلح «الخوارج» بدلالته الحادثة التي يُفهم منها الخروج الديني لم تكن معهودة بداية «وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر
الأزارقة» (2).
يؤكد هذا القول أحد الباحثين قائلا: «إنّ اسم الخوارج لم يستخدم في الفترة الأولى على الإطلاق، فأحد الأسماء الذي كان متداولاً لفترة طويلة، هو «الحرورية»، والآخر هو «المُحَكِّمة»، وأول تاريخ لاستعمال اسم «الخوارج»
(1) عبد الله بن إباض، سيرته، كتاب السير والجوابات 2، 342 وينظر: ناصر السابعي الخوارج والحقيقة الغائبة، 148.
(2) أطفيش، إبراهيم الفرق بين الإباضية والخوارج مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 9.
48 (1/48)
صفحة 49
نراه في المراسلات التي يظن أنها حقيقية بين زعيم الإباضية المتأخرة، والخليفة عبدالملك بن مروان، حيث استخدم الخليفة اسم «الخوارج» تعبيراً عن الثوار، دون أن يشمل الإسلام» (1). الإباضية محبي معهم
ويفترض هذا الباحث أن اسم «الخوارج» أصبح يستخدم تعبيراً دالاً على مجموعة من الفرق التي تعتبر فاعل الكبيرة كافرا يجب إقصاؤه عن الجماعة (2) لأن كلمة «الكفر» عند الخوارج تترتب عليها أحكام، مما يخرج الإباضية من هذا المصطلح لأنهم لا يقولون بتكفير مخالفيهم ولا بتكفير مرتكب الكبيرة، على الوجه الذي ذهبوا إليه.
ومن ذلك نتبين أن «المُحَكِّمة» الأولى غير «الخوارج» وعليه فإن صلة الإباضية بالمُحَكِّمة لا يعني التقاءهم بالخوارج البتة، وما قول الخوارج بإنكار التحكيم ورفض القرشية مبررا كافيا لحشر الإباضية معهم، ذلك أن تقارب الفرق فيما بينها، والتقاءها على بعض المبادئ لا يعني بحال من الأحوال انتسابها إلى بعضها، يقول الخليلي: ولا يعني تقارب المذاهب أن مصدرها واحد، فالإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض الآراء، ويتفقون الأشاعرة مع من أهل السنة في بعض الآراء ويتفقون مع المعتزلة في بعض الآراء، أو هل يقال: إنهم معتزلة، أو أشاعرة، أو غيرهم لمجرد اتفاق الآراء»؟ (3)
فالتقاء الإباضية مع الخوارج في بعض آرائهم، ليس دليلاً على أنهم نهم إن الفارق بين الإباضية والخوارج، إنما هو في الغلو والاعتدال،
(1) مونتغمري، وات، الجماعة والفرق مجلة الاجتهاد البيروتية، م 5، ع 20، 1993، 21. (2) المصدر السابق، 21. (3) أحمد بن حمد الخليل: حوار مسجل، 4/ 15/ 1981 انظر، عمر دراسات في الفكر الإباضي،
A 7 (1/49)
صفحة 50
فالإباضية معتدلون، بينما «الخوارج» غلاة، لقد عرف الإباضية في اعتقادهم وفي سلوكهم وفي سلمهم وفي حربهم، أنهم من أعدل الطوائف» (1). إن إطلالة سريعة على فكر الإباضية، من خلال مصادر إباضية، تمد الباحثين بالمعلومات الأساسية التي توضح البعد الفكري بين الجانبين، الخارجي والإباضي، وذلك يحتاج إلى قراءة متجردة لا تنظر إلى الموضوع من خلال حكم سابق، وإنما بالتأمل في أصول المذهب، تستقرئ الأحداث التاريخية بشمولية، متوخية الموضوعية، ومتخذة الوصول إلى الحقيقة هدفا. ما الذي عابه جمهور الأمة، ومنهم الإباضية كما سنرى، على الخوارج؟ لقد عابوا عليهم غلوهم في الدين وشططهم في الحكم على مخالفيهم من المسلمين، فهل ينطبق ذلك على الإباضية في تاريخهم الطويل؟ لقد وقف الإباضية في وجه الخوارج فكرياً وسياسياً وعسكرياً، ومن يطلع على كتب الإباضية منذ القرن الأول الهجري وإلى اليوم، يجد ذلك جلياً «فالإباضية قد حكموا بضلال الخوارج وفسقوهم بل وحاربوهم (2) ولقد جاء الرد على الخوارج في كتابات الإباضية القدامى، مما يفهم أن الإباضية والخوارج على طرفي نقيض» (3) ونتبين موقفهم من الخوارج من النظر في مجموعة من النصوص التي أثبتها الإباضية في كتبهم ورسائلهم قديما وحديثا، يقول عبد الله بن إباض «إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه .. » (4) وهذا سالم بن ذكوان الهلالي () يشير إلى بدعة ابن الأزرق
(1) عمربا، دراسات في الفكر الإباضي، 86.
(2) سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد، 42.
(3) أحمد بن حمد الخليل (سماحة المفتي) حوار مسجل بتاريخ 81/ 4/15.
:
(4) عبدالله بن إياض، رسالته، البرادي، 165. (ه) سالم بن ذكوان الهلالي من أهل توام (البريمي (حاليا) أحد مشاهير العلماء بعمان، عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجريين، كان كاتب جابر بن زيد، انظر دليل أعلام
عمان، 76. (1/50)
صفحة 51
وأفعاله، ونجدة وأصحابه، وغيرهم من الخوارج، الذين كفروا مخالفيهم واستحلوا منهم ما يستحل من المشركين، واسترسل في ذكر بدعهم وما عابه المسلمون عليهم قائلاً: «ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، ولا الغشمُ في أمرنا، ولا العدا على من فارقنا» (1).
ونجد الشيخ محمد بن محبوب (2) من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين يرد على هارون بن اليمان حين أفتى بتشريك من قال بالتشبيه (3) بينما نجد الشيخ أبا قحطان خالد بن قحطان (4)، وهو من علماء عمان في القرن الثالث الهجري يناقش الخوارج في بعض آرائهم، ويرد على بعض مقولاتهم، كقوله: «فإن قالت الخوارج السبي من أهل القبلة والغنيمة حلال، واحتجوا على ذلك بعلي وأبي بكر، فقد كذبوا على عليّ وعلى أبي بكر» (5). ويشير إلى ما أخذ على الخوارج: «ثم إن الخوارج .. من مثل نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، خالفا المسلمين في سيرتهما بعد أن كانا على دين
(2)
(1) سالم بن ذكوان الهلالي، رسالته، انظر ملحق کتاب د محمد، ناصر، منهج الدعوة، 365. محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي، من علماء عمان في القرن الثاني الهجري ومطلع القرن الثالث منه، كان رأس علماء الإباضية بالمشرق بعد أبيه، توفي بصحار، الثالث من شهر رجب الأصم سنة 260 هـ، ينظر دليل أعلام عمان، 150. (3) محمد بن محبوب، السير، مخطوط، ج 1، 297.
(4) هو العلامة الفقيه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي، من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري من مؤلفاته كتاب «الجامع» المسمى «جامع أبي قحطان»، يوجد منه قطعة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، سلطنة عمان، تحت رقم (36). ينظر: البطاشي: سيف بن حمود إتحاف الأعيان، في تاريخ بعض علماء عمان، الطبعة الثانية، 1419 هـ / 1998 م، 269. (0) أبو قحطان خالد بن، قحطان سيرته، ضمن كتاب السير والجوابات، 1، 109. (1/51)
صفحة 52
المسلمين استحلا استعراض أهل القبلة بالقتل وجعلوهم مشركين، واستحلا غنيمة أهل القبلة وسبي ذراريهم» (1).
(2)
ويقول أبو الحسن البسياني (2) من علماء المذهب في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة، وتسميتهم بالشرك ففارقهم عبدالله ابن إباض وأنكر عليهم وبيّن ضلالهم، والمسلمون معه، ممن كان في عصره، مشهور فضلهم، خطأوا الخوارج وبينوا ضلالتهم ولم يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم» (3).
ومما ورد من الأحكام الصادرة عن أعلام الإباضية في الخوارج منذ القرن الأول وما تلاه يستدل على أن البعد الفكري الإباضي، والمنطلق العقدي له، لا يلتقي أبداً مع فكر الخوارج وعقيدتهم وسلوكهم العملي، يقول الإمام
السالمي:
ومالُ أهل البغ لا يحل وإن يكن قوم له استحل خوارج ضلت وصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة ركينا جَهلاً على بغاة المسلمين
فحكموا بحكم المشـ
وأمة المختار فارقتهم
وضللتهـ
م وفسقتهـ
ووردت فيهـ عن المختار جملة أخب ار مع الآثار
(1) المصدر السابق، 119.
(2) هو الفقيه العلامة صاحب التصانيف المقيدة، أبو الحسن على بن محمد بن علي البسيوي الأزدي، اليحمدي من كبار علماء عمان وجهابذة فقهائها في القرن الرابع الهجري، ينظر: البطاشي: إتحاف الأعيان، 300/ 1 دليل أعلام عمان، 119.
(3) أبو الحسن البسيوي، سيرته، ضمن كتاب السير والجوابات، 2، 85.
452 (1/52)
صفحة 53
وفيهم المروق يعرفنا
ثلاثة
ومنهم لا شك نـ
والباحث يرى أن وضع الإباضية في زمرة الخوارج ناتج عن أمور
الجهل بالمصادر الإباضية وفكرهم وأرائهم.
- التعصب الأعمى وتضليل الحقائق.
- ترديد ما أملته السياسة الأموية والعباسية، بغية تشويه صورة الإباضية باعتبارهم كانوا شوكة في حلوقهم، نظراً لأنهم كانوا يمثلون الاتجاه المعارض لسياستهم وحكمهم إذ أن الإباضية يرون جواز الخروج على الظلمة عند القدرة على ذلك وهذا القول لم ينفردوا به بل وافقهم على ذلك الأمة» (2). جمهور
وقد سجل عدد من الباحثين المنصفين آراءهم بكل جرأة وإنصاف، بعد أن اطلعوا على الحقائق، فلم تمنعهم الموضوعية والأمانة العلمية من الإشارة
إليها، فجرت على ألسنتهم وأقلامهم أحكام ساقوها في خضم دراساتهم.
ومن هؤلاء الذين توصلوا إلى هذه النتيجة الدكتور عوض خليفات (3) والدكتور عمر با (4) والدكتور عبدالحي محمد قابيل (9) والدكتور عبدالعزيز
(1) السالمي، جوهر النظام، 3، 153.
(2) القنوبي: سعيد بن مبروك، السيف الحاد، 43، وانظر هنالك من وافق الإباضية على هذا
القول.
(3) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، 53.
(4) دراسات في الفكر الإباضي، 69.
(5) الإباضية وآراؤهم الكلامية، 12 (1/53)
صفحة 54
المجذوب (1) وغيرهم. وكلهم يؤكد أن الإباضية «ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل، وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص» (2).
وعليه فإن الإباضية لا يجمعهم مع الخوارج أي جامع، ولا يربطهم بهم أي رابط في معتقدهم وسلوكهم، والإباضية تبرأوا منهم، ووقفوا موقفا مبايناً لهم، يقول شاعر العرب أبو مسلم البهلاني:
فكل إلى نهج رآه يصيرُ
تحزبت الأحزاب بعد محمـ وقرت على الحق المبين عصابة قليل وقل الأكرمين كثير هم الوارثون المصطفى خير أمة لمدحهم آي الكتاب تشيرُ أولئك قوم لا يزال ظهورهم الحق ما دام السماءُ تدور على هضبات الاستقامة خيموا إذا اعوج أقوام وضل نفير تنافر عنهم رفض وخوارج وحشوية حشو البلاد تمور رأوا طرقاً غير الهدى فتنافروا إليها وبئست ضلّةً ونفور لهم نصب من بدعة وزخارف بها عكفوا ما للعقول شعور تدعهم أهواؤهم في هلاكهم كما دع في ذل الإسار أسير (3) وأخيراً فإن الخوارج الذين انتقدهم الإباضية على ما تقدم، وعبر ما سرده الباحث من بعض أقوال أئمة المذهب وعلمائه بحقهم، واستئناساً بما نقل عنهم من أحكام أخرى نسبت إليهم، ومنها القول بعدم وجوب الإمامة عند
(1) الصراع المذهبي بافريقية، 110، 111. (2) عوض خليفات، الأصول التاريخية، 53 (3) البهلاني، أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 208.
54 (1/54)
صفحة 55
بعضهم، وعدم وجوب تطبيق الرجم، والقول بجواز جمع المرأة مع عمتها، كما روى ذلك ابن قتيبة (1) يستطيع الباحث أن يؤكد أن الإباضية يعارضون الخوارج في كل ما تقدم، فهم يقولون بوجوب الإمامة والرجم عندهم واجب نظرياً وعملياً، ولا يرون جواز الجمع بين المرأة وعمتها (2) وعلى ذلك لم يعد
هناك ما يربط بين الخوارج والإباضية، سوى القول برفض التحكيم، وعدم
حصر الخلافة في قريش.
ركائز الفكر الرياضي:
يعتمد الإباضية في فكرهم على أصول وثوابت، شكلت المنطلق الذي يميزهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى، وتتمثل هذه الأصول
باختصار فيما يلي:
*
أصل التشريع عند الإباضية، القرآن الكريم، ثم السنة النبوية الشريفة، ما لم تتعارض مع نص قطعي الدلالة، ثم إجماع الأمة، فالقياس، يقول السالمي:
الأصل للفقه كتـ اب الباري إجماع بعد سُنّة المختـ ـار وهالك من كان فيها مُبدعا
ic
والاجتهاد عند هذي منعا
*
حقيقة الإيمان والإسلام قول وعمل، وهي عندهم ثلاث مراحل:
1 - الاعتقاد الراسخ في القلب.
- التصريح باللسان، ترجمة عما في القلب.
(1) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، 241، 250. (2) السالمي: جوهر النظام، 1، 177. (1/55)
صفحة 56
3 - العمل بالجوارح، قولا وفعلا، تصديقاً لاعتقاد القلب، ومنطوق
اللسان.
• تقوم العقيدة عند الإباضية أساساً على التنزيه المطلق الله، وكل ما أو هم تشبيها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه، وأن الله سبحانه وتعالى واحد في ذاته واحد في صفاته.
الأخذ بالأحوط في مسائل أصول الدين، والتوحيد وتتمثل في أمرين:
أ - تنزيه المولى عن التجسيد والتحيّز، والتشبيه فنفوا الرؤية. ب- قالوا بالخلود الأبدي، ثوابا وعقابا، فمرتكب الكبيرة إذا مات مصراً على معصية لم يتب منها فهو مخلّد في عذاب الله.
ومما يتصل بالوعد والوعيد والإيمان والعمل، إنكار أن تكون الشفاعة
موعودة لأهل الكبائر، لأنها جزاء بلا عمل، وثمرة بلا جهد.
ومن أصولهم أن مرتكب الكبيرة - منهم أو من غيرهم- كافر كفر نعمة، أخذا من كتاب الله ومن سنة رسوله، مع بقائه على الملة وعدم خروجه من دائرة الإسلام، ولذلك فالكفر عندهم كفران:
أ- كفر شرك أو جحود أو مساواة.
ب- كفر نعمة أو كفر فسوق، أو كفر نفاق، وموجبه ترك فرض من
فرائض الدين، أو انتهاك حرمة من حرمات الله، مع عدم الإخراج من
الملة،
ودون التجريد من الحقوق.
56 (1/56)
صفحة 57
* اعتبار باقي الطوائف الإسلامية الناطقة بالتوحيد إخوة في الله لهم ما لهم،
وعليهم ما عليهم:
فمن أتى بالجملت
إخواننا وبالحقوق قمنـ
*
* أفعال العباد خلق الله تعالى، وفي نفس الوقت كسب للإنسان، وعلى ذلك تدور مسألة حرية العبد وقدرته على الاختيار وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. يرى الإباضية أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله والله خالق كل شيء، ووصفه الله تعالى بذلك فهو عندهم مخلوق.
* من مبادئ الفكر الإباضي، الولاية والبراءة، أو ولاية الشخص وبراءة الشخص بحكم الظاهر.
* ومن أصول الإباضية التي ميزتهم عمن سواهم من الطوائف الإسلامية الأخرى مسألة «الإمامة» ونوع الحكومة الإسلامية وطريقة اختيار الحاكم، وشروطه، فعند الإباضية تعد الإمامة منصب تكليف لا تشريف، يختار المسلمون لتولي هذا المنصب أكفأهم، وفق شروط ومقاييس مستنبطة من الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، دون تقيد بشخص أو بجنس أو بقبيلة أو بأسرة، بل المؤهلات الشرعية من الكفاءة والقدرة والأفضلية، هي القياس.
(1) السالمي: عبد الله بن حميد كشف الحقيقة، مخطوط، 51.
57 (1/57)
صفحة 58
هذه هي أهم ركائز الفكر الإباضي التي سيتم بحثها بشيء من التفصيل
ومعرفة أثرها عند الشعراء العمانيين في هذه الفترة (1).
(1) لمعرفة هذه الأصول: ينظر المصادر التالية:
1 - عمرو بن فتح النفوسي أبو حفص (ت 283 هـ) أصول الدينونة الصافية ت: حاج بن أحمد بن حمود، مراجعة مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي ط 1، 1420 هـ 1999 م مطابع النهضة، سلطنة عمان.
2 - الوارجلاني: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الدليل والبرهان وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ 1983 م، مطابع سجل العرب، القاهرة. - الكندي: أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى، المصنف، الجزء العاشر، وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م.
،
4 - أبو عمار عبد الكافي، الموجز، تحقيق ودراسة د. عمار طالبي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978 م.
ه - الجيطالي: الإمام أبو طاهر، إسماعيل الجيطالي، قواعد الإسلام، صححه وعلق عليه،
بكلي عبد الرحمن بن عمر المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1976 م.
6 - السالمي: عبدالله بن حميد مشارق أنوار العقول، صححه أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط 2، 1978 م.
58 (1/58)
صفحة 59
الفصل الثاني
الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي أثر الفكر العقائدي
الذات الإلهية.
-1
التوحيد والتنزيه.
الرؤية.
الصفات.
المعاد واليوم الآخر.
2?
حكم مرتكب الكبيرة.
الشفاعة.
الصراط والميزان.
الولاية والبراءة «الجانب الاجتماعي والبعد العقائدي».
خلق القرآن. (1/59)
صفحة 60
/ (1/60)
صفحة 61
الذات الإلهية:
1 - التوحيد والتنزيه
«يستمد الإباضية آراءهم العقائدية من أصول ثابتة مصدر ها القرآن الكريم، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما تقدم. وتقوم عقيدتهم أساساً على التنزيه المطلق الله،، فكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة، يجب تأويله بما يناسب المقام، ولا يؤدي إلى التشبيه» (1) ودستورهم في ذلك قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (2). ومن جانب آخر، فإن العقيدة عند الإباضية تقوم على ركنين أساسيين
هما:
- الاعتقاد الصحيح
- والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد.
وأطلقوا على ذلك مصطلح «جملة التوحيد»، «وهو اصطلاح خاص لا يوجد عند غيرهم من علماء الأمة الإسلامية» (3) يقول السالمي:
وبعد فالدين لا عذر لجاهله إن كان من بعد تكليف به جهلا وأولُ الفرض من تأصيله جُمَل ثلاثة فزت إن تستحضر الجملا ()
(1) علي يحيى معمر، الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مكتبة وهبة، 49. (2) سورة الشورى، آية 11.
(3) الخليلي: أحمد بن حمد، الجملة وتفسيراتها، 3.
(4) السالمي: عبدالله بن حميد قصيدة غابة المراد المجموعة القيمة، صححها وعلق عليها، أبو إسحاق إبراهيم أطفيش مكتبة الغبيراء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 5، 1418 هـ / 1998،
22 (1/61)
صفحة 62
فالجملة لها أركان ثلاثة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وما يندرج تحتها، وأن محمداً رسول الله، وما تحتوى عليه، وأن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق اليقين (1).
وقد وضع علماء الإباضية لهذه الجملة تفسيرين، أطلقوا عليهما تفسير
الجملة، الأول تفسير اعتقادي، ويدخل فيه جميع مستلزمات الإيمان بالله الآخر،، والحساب والعقاب والجنة والنار وما
واليوم
وصفاته، ورسله وكتبه وا
إلى ذلك.
أما الثاني فهو تفسير عملي، حيث لا يكتفي الإباضية من الإنسان للدلالة على حقيقة إيمانه وصدق إسلامه أن يأتي بمجرد كلمات قد ينطق بها لسانه ولا تترجمها جوارحه (2)، فالعمل عندهم ثمرة الإيمان ودليله الحقيقي، وهو نتيجة حتمية للقيمة المعنوية التي يحدثها التصديق بالقلب، في نظرة شمولية لأبعاد العقيدة والربط بينها وبين العمل، ويردون على من يفرق بين الإيمان والعمل، فقد فقالوا في مثل هؤلاء حلوا عُرى الإسلام، وأبطلوا فائدة الحلال والحرام، وأرضوا الله بقول لا إله إلا الله، ولو طمسوه بالآثام، وأوهنوا دعوة
الأنبياء عليهم السلام، فمن لم يصدق قوله فعله فهو كاذب» (3).
(1) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، مطبوع على الآلة الكاتبة، 3. (2) انظر: الخليلي، أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 4. (3) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، نثار الجوهر، 44/ 1.
62 (1/62)
صفحة 63
ولعل الناظر إلى حالة الأمة الإسلامية اليوم، يجد أنهم يصدقون
بالقلب، ولكنهم يعملون بمقتضى تصديقهم في السلوك، فيجري هذا السلوك على غير مقتضى الاعتقاد» (1).
وهي
مسألة تنبه لها الإباضية منذ القدم، احترازاً منهم عن الاتكال على
التصديق القلبي فحسب، فلابد من أن يعاد إلى الأذهان «ربط الصلة بين
الإيمان بالعقيدة، وبين كل نوازع المؤمن إلى الفكر والعمل» (2).
ومع
ذلك
فإنهم يرون أن جملة التوحيد رباط مقدس، يربط بين مختلف
طوائف الأمة، وأن المذاهب التي افترقت إليها الأمة لا تؤول إلى تضليل أحدهما الآخر، فجميعهم متعلق بالأصل، مستمسك بالعروة، تجمعهم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتأثراً بهذا المفهوم نجد العلامة الشاعر خلفان بن جميل السيابي يقرر هذه المعاني قائلاً:
وما افترقوا في دينهم لمذاهب تؤول إلى التضليل تلكم مقابحُ وقد كان في بعض القضايا تخالف لديهم فلا حقد بل الود نافحُ وتلك اجتهادات لأحكام ربهم وما أحد منهم عن الجذر جانح وحسبهم في الدين جُملة دينهم إليها دعا المختار فيها التناصح العروة الوثقى فمستمسك بها بلا شك ناج إن تليها صَوالِحُ ألا فاقرأوا مَنْ كانَ بالله مؤمناً ويكفر بالطاغوت فالحكم واضح وما كان يدعو المصطفى كل من دعا إلى غير هذا من أجاب فصالح (3)
هي
(1) د. عبدالمجيد عمر النجار الشهود الحضاري للأمة الإسلامية، 2 عوامل الشهود الحضاري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1999، 222.
(2) المصدر نفسه، 222.
(3) السيابي، خلفان بن جميل بهجة المجالس، 343، ط 2، التراث، 1409 هـ 1989 م.
63 (1/63)
صفحة 64
ويتجذر لدى أبي مسلم البعد العقائدي في الربط بين الإيمان والعمل وبيان حقيقة التوحيد، فيؤكد تأكيداً جازماً أن الإيمان ليس بالمظاهر في قوله:
بيض العمائم لا تجدى إذا انكدرت بيض القلوب وللإيمان عنوان (1)
فعنوان الإيمان تتم ملاحظته من خلال الأعمال التي تترجم ذلك إلى
حقيقة واقعية، وفي ذلك يقول السالمي:
إيماننا القولُ والتصديق مع عمل فالقولُ مرَّ فصدَقَهُ وَكُنْ عَمَلاً بما عليك من الإيمان مُفترض والنفل إن تستطع فافعله مبتهلا (2)
2 - الرؤية:
ومن المسائل المتعلقة بالتوحيد، التي بحثها الإباضية باستفاضة، مسألة الرؤية، فهم يعتقدون أن رؤية الباري مستحيلة في الدنيا والآخرة، لما يترتب على القول بها عندهم من أحكام، كما يقول السالمي:
ورؤية الباري من المحال دينا وأخرى احكم بكل حال التميزا والكيف والتبعيض والتحيزاً
لأن من لازمهـ في جهة تقابل الذي نظر فهذه وما أتى بها السور من قول لا تدركه الأبصار ولن تراني فانتفى الإبْصَارُ لأنّه مَدْح له ولا يَصِـ زوالُ ما به الإلهُ مُمتدخ (3)
ـخ
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخ، 242.
(2) السالمي: عبدالله بن حميد قصيدة غاية المراد ضمن كتاب المجموعة القيمة صححها وقدم
لها وعلق عليها أبو إسحاق أطفيش، 24.
(3) السالمي: عبد الله بن حميد، بهجة الأنوار، 82. (1/64)
صفحة 65
ولا ريب أن كلا من المثبتين للرؤية والنافين لها يعتمدون على نصوص
من القرآن والسنة، تؤيد مواقفهم، وقد أصبحت هذه النصوص منطلقاً لكل من الطرفين، لاحتمالها تأويلات مختلفة، فمنهم من وقف عند ظاهر النص، ومنهم من أول بغية التنزيه ونفي التشبيه، وهدف الجميع واحد، دون أن يتخذ من ذلك ذريعة لتكفير من قصدوا تنزيه الله عن طريق التأويل).
على
وهذه النظرة العقائدية قال بها الإباضية منذ نشأتهم الأولى، اعتماداً أقوال كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، وأخذاً عن حبر الأمة على وجه الخصوص، كما يدل على ذلك ما ورد من نصوص في مسند الإمام الربيع بن
حبيب (2). وكان موقفهم هذا واضحاً شديد الوضوح في النصف الثاني من القرن الأول، وقد ناقشه بعض أئمة الإباضية وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين، وعبدالله ابن عباس» (3).
وأوضح نص يعتمد عليه الإباضية في نفي الرؤية قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكَ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (4).
(1) الغزالي: محمد، عقيدة المسلم، 43، 44.
(2) هو: الإمام المحدث الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي العماني من بلد غضفان بولاية لوى من الباطنة خرج من عمان، وأقام بالبصرة، أدرك الإمام جابر بن زيد من آثاره كتاب المسند في الحديث، ويسمى الجامع الصحيح، توفي عام أربعين ومائة للهجرة أو قبلها بقليل، وذلك بعد رجوعه إلى عمان وقبره معروف بولاية لوى في عمان. انظر: سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان 86/ 1 وما بعدها، ط 2، 1419 هـ / 1998، المطبعة الوطنية، سلطنة عمان. وانظر دليل أعلام عمان، 25.
(3) علي يحيى معمره الإباضية بين الفرق الإسلامية، 43 - 44.
(4) الأنعام (103)
65 (1/65)
صفحة 66
إذ يعدون هذه الآية نصاً صريحاً محكماً ينفي الرؤية نفياً قاطعاً،
ويردون على من يفسر الإدراك هنا بمعنى الإحاطة مستثمرين معطيات اللغة واستعمالاتها، فهم يرون أن تفسير الإدراك بالإحاطة «مخالف لما عليه الاستعمال العربي لكلمة الإدراك، ومشتقاتها، فإنه لا يفهم منه أنه بمعنى الإحاطة، فأقوال أساطين العربية المهرة، وشواهدها الصريحة الثابتة، دالة على أن الإدراك ليس بمعنى الإحاطة، بل لكل منهما معنى مستقل عن
تعني
الآخر (1) فإذا قال الإنسان «أنا أدركت حياة فلان، فلا أنه أحاط بمجريات حياته» (2).
ويذهب الخليلي إلى «أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، دلالة قاطعة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، فإن قوله اللطيف كالتعليل لقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وقوله: {الْخَبِيرُ كالتعليل لقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أبداً وأزلاً» كما يقول الخليلي (3).
واستند القائلون بالرؤية إلى قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (4) واعترضوا بأن النظر أعم من الرؤية، فإنه يكون بمعنى
(1) الخليلي: أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 70
(2) الخليلي: أحمد بن حمد تنزيه الله سبحانه وتعالى مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1420
هـ / 2000 م 38.
(3) الخليلي أحمد بن حمد الحق الدامغ 84، وانظر السالمي: بهجة الأنوار، 83.
(4) القيامة 22. (1/66)
صفحة 67
محاولتها، ولو لم تتحقق، لجواز أن يقول قائل نظرت إلى كذا فلم أره، مع عدم جواز أن يقول رأيته، فلم أره» (1).
ويذهب الإباضية إلى أن مجيء النظر بمعنى الانتظار وارد، في كتاب الله، كقوله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَة) (2) وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) (3) وعليه يتعين عندهم حمل النظر في هذه
الآية على الانتظار، لوجوه أجملها أحد علماء الإباضية بقوله:
1 - إبعاد تأويل القرآن عن تعارض بعضه مع بعض.
2 - الانسجام المعهود في القرآن وهو لا يكون إلا بتفسير النظر بمعنى «الانتظار» (4).
وهذا التفسير للنظر بمعنى الانتظار، مروي عن السلف من الصحابة والتابعين، ومنهم الإمام علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس، وسعيد بن
جبير
(0)
،
وروي هذا القول عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وعن
عكرمة من التابعين وغيرهم (1) وهو قول السيدة عائشة رضي الله عنها (7).
(1) الخليلي، أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 43 - 44.
(2) يس 49.
(3) البقرة 210.
(4) الخليلي: أحمد بن حمد، الحق الدامغ، 43 - 44.
(5) انظر المصدر السابق، 43.
(6) المصدر نفسه 46 نقلاً عن ابن حجر، فتح الباري، 425/ 13، المطبعة السلفية.
(7) انظر صالح مهدي المقبل، العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ، دار الحديث
للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1405 هـ 1985 م، 199.
TV (1/67)
صفحة 68
أما حديث الرؤية الذي يستدل به القائلون بثبوتها، فيقول فيه السالمي من علماء الإباضية الاستدلال به باطل، لأنه خبر آحاد، وهو معارض لنص لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ (1) ويعلق عليه العلامة محمد زاهد الكوثري بقوله: اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان، ولم يسبق أن عرفوه على صورة، فعلم أنه قد فعلت الروايات في الحديث ما فعلت، وبهذا تبدو معارضة بعض ألفاظ الحديث لنص القرآن على رأي من يقول إن المنافقين محجوبون القيامة عن ربهم، بمعنى الرؤية إن لم تحمل على التأويل، ويضيف إلى ذلك إن جمهور العلماء يقبل سنن الآحاد في الأحكام العملية والفروع الفقهية،
يوم
ولا ينقلها إلى ميدان العقيدة الذي لا يقوم الأمر فيه إلا على القطع (2).
إن مسألة «الرؤية» ليست من مسائل أصول الدين التي لا يتم التوحيد إلا بها، وهي لا تبلغ حد تكفير من نفى وقوعها، أو يقول بحدوثها، لأن الأمور تؤخذ بالمقاصد، فلكل قوم أدلتهم وحجتهم، فإنه «لما تشابهت الآيات والأحاديث في مثل رؤية الإنسان الله، ذهب كل فريق إلى ما رآه أليق لعظمة الله، بل إن تكفير من قال بعدم الرؤية لا يجوز، لأنه تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها، ومن وافقها من الصحابة والتابعين في نفي الرؤية» (3).
وأخيراً فإن هنالك من القائلين بالرؤية ومن النافين لها، من قال أنه لا مانع من أن يقصد بالرؤية كمال العلم بالله سبحانه وتعالى أي معرفة الله تعالى
(1) السالمي: عبدالله بن حميد مشارق الأنوار، 186.
(1)
محمد زاهد الكوثري، هامش (2) 292، الأسماء والصفات، البيهقي.
(3) المقبل: صالح بن مهدي (ت 1108 هـ) العلم الشامخ، 199.
A (1/68)
صفحة 69
بالقلب معرفة لا تؤدي إلى التحديد والتشبيه (1) يقول أحد علماء الإباضية «ولو حملوا الرؤية على العلم لكان خيرا لهم ولزال اللبس واستقام المعنى، وبطل التجسيم والتشبيه» (2) كما يقول الإمام الغزالي في ذلك «الرؤية نوع كشف وعلم» (3).
وقد تركت هذه المسألة صدى واسعاً عند الشعراء الإباضيين عبر
ما
جاء على لسان مجموعة منهم سواء كان ذلك من خلال تخصيص قصائد بعينها، من أمثال العلامة البطاشي، والخليلي، والبهلاني، أو ما انعكس في شعرهم، ضمن أغراض مختلفة، تأثروا فيها بهذا البعد. وفي هذا المجال نرى أبا مسلم البهلاني يخاطب ربه، وهو في مقام التوسل والذكر، مبيناً عظم شأنه، مادحاً إياه بالعجز عن إدراكه قائلاً:
ويا من له الإكبار في كبريائه لغير انتهاء يا كبير لمدة ومن تحسر الألباب عن وصف كبره فما ثم إدراك لكنه الحقيقة
إلى أن يقول:
ولا ثم أبعاد ولا ثمَ جَوْهَرٌ فيلزم ذات الحق نقص السوية تردى رداء الكبرياء وحقه تردى بلا ند وجزء وشركة إلهي مقام العجز والفقر والفنا وكبري خضوعي يا كبير وذلّتي
(1) جهلان، عدون، الفكر السياسي الإباضي، 65.
(2) الثميني عبد العزيز معالم الدين وزارة التراث، مطابع سجل العرب، القانون 1407 هـ،
1986 م، 48.
(3) الغزالي: أبو حامد، إحياء علوم الدين 187/ 1، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ط، د. ت. (1/69)
صفحة 70
فكبر حظوظي منك في كل مطلب وفي كل ما يُرضيك عزمي وهمتي (1)
فهو يمدح الذات الإلهية بضعف المخلوق عن بلوغ كنه وصفه، وعجزه عن إدراك حقيقة ذاته، فلا يجوز عليه التحديد والتبعيض، لأن ذلك من صفات النقص، وهو سبحانه متصف بالكبرياء، لا ند له ولا شريك ولا شبيه، وهي أمور تعكس رؤية المذهب إلى هذه القضايا العقائدية التي يعتمدها الإباضية أساساً لمعتقدهم.
ويقول في مقام التعلق باسمه الظاهر» مشيراً إلى أن ظهوره للكون من غير رؤية، وإنما هو ظهور إحسان ولطف وعناية، من خلال آياته، وبديع صنعه، ليبقى نفي الإدراك ملازماً لأبي مسلم في خطابه فيقول:
ظهرت لعين الكونِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وغير ابتداء ظاهر الأحدية ظهورك بالإحسان يا ظاهر انجلي على وَجْه ذرات الوجود البديعة ظهرت عياناً لا لإدراك باصر ولكن بتفريج الكروب العظيمة (2) وفي توسله باسمه «الباطن» يستثمر الشاعر ما يحمله هذا الاسم من دلالات لغوية، ومعان عقائدية، فالباطن لا يدرك بالحس إدراكاً حقيقياً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفي ذلك أيضا تأثر جاء ممتزجاً بالخلفية الثقافية والفكرية لدى الإباضية، كما يبدو في قول الشاعر:
ويا باطن الذات اختفيت بلا اختفا بطوناً عن الأفكار والنظرية بطنتَ فلا إدراك للحس والنهى بدنيا ولا أخرى لعين الحقيقة (3)
(1) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 30.
(2) المصدر نفسه، 37.
(3) المصدر نفسه، 47، 48. (1/70)
صفحة 71
وفي مجال مخاطبة النفس وتبكيتها، وتنبيهها من محاولة هتك حجب الجلال الإلهي، يدعو أبو مسلم الإنسان إلى إلجام هذه النفس، لتعرف قدرها، فلا تحاول طلب رؤية الباري، فذلك أمر بعيد المنال، كما هو في مستقر عقيدة الشاعر وقناعته الفكرية، وهو بذلك يرد هذه النفس إلى أصولها البشرية القاصرة، ويركز خطابه على العاطفة والعقل معاً فيقول:
هنَةُ النَّفْسِ وافتقار الطبيعي وقَيْدُ التَّعْبيد والاعتلالُ
حاولت هتكها الجلال الإلهـ ي وقالت دَرَكَ وكَشْفٌ وحال كل درك وكل كشف وحال حده الحده والفنا والمثالُ ما رأت في التحقيق إلا حدوداً ورسوماً وما ادعته ضلالُ أيُّها العجز لا تطل قيد شبر دون ما رُمْتَ عزةً وجلالُ دون ما رمت لن ولا وأنا الـ له وأنت المخلوق والأحوال أنت في ركن افتقارك ثاو فإلى أين الشدُّ والتَّرْحَالُ (1)
وينطلق الشاعر السلوكي سعيد بن خلفان الخليلي، من ثنايا هذا الفكر،
وهو في غمرة مناجاته حين كان يمزجها بالنصائح السلوكية، التي يتوصل بها السالكون إلى الحضرة الإلهية، داعياً إلى معرفة الله سبحانه معرفة من غير رؤية، ففي عدم الإدراك إدراك، فيقول:
،
فمهما يوجهها إلى وجه ربِّها تَعُد بشعاع يَبْهرُ العقل فتان يريك بها وجه الحبيب جمالها به شرفاً يسمو باشرف سكان إذا عرجوا فيها لعرش صفاتها لمعنى وراء الوصف باء برفعان يُريك عبارات الصفات إشارة لها كل عن تعبيرها كل سبحانِ
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 174.
71 (1/71)
صفحة 72
غدت حيرة الألباب لكن ذهولها بها للهدى يهدي بها كل حيرانِ ففي عدم الإدراك إدراك عارف طوى نشره أعلامُ فقد ووجدانِ فعرج بتجريد لتفريد وخل السوى يخلو فما ثمَّتَ اثنان (1)
ويخاطب الشاعر عبد الله الخليلي في قصيدة سلوكية له، وهو في مقام الأذكار، عاطفة الإنسان مستغلاً ضعف هذا الكائن البشري الذي قد تطاول على مولاه، فطلب محالاً، وركب صعباً، فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وكفى بذلك دليلاً على عجز العبد عن بلوغ كنهه، وهو مجرد ماء وطين، والله سبحانه أجل من أن تراه العيون، أو تدركه الأوهام، أو تتخيله العقول، كما يبدو في قول الشاعر الخليلي
بالذا
وامتزج من عوالم الذكـ ت وغب فيه عنك حتى تراه فوحق الجلالِ من مجتلى الأنـ ــــــوار حيث الكمالُ في مستواه حيث تلقى الأبصار حسنرى عن الدر ك عليها من «لن تراني» غشاه لن تراه فأنت ماء وطين وهو من ليس مثله أشباه جل من أن تراه عين وأن يذ ركة الوهم والذكا حاشاه (2)
والله سبحانه وتعالى يستدل عليه من خلال آياته وعجائب مخلوقاته، اتخذ الكبر رداء مانعاً عن طلب رؤيته، كما يبدو في قول الخليلي:
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوانه، مخطوط، 36. (2) الخليلي عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 55.
: (1/72)
صفحة 73
هُوَ ما قد عرفت فيك ولكن أين طوق الإدراك من مرآه قد جلا دونه الدلائل فاعْجَب لمجل قد اختفى في جَلاهُ ر رداءً فما أعز ارتداه (1)
الخلق عنه واتخذ الكب
ويتوجه في خطابه إلى الإنسان مقارناً بين النقص والكمال، والحضيض والحق، وأنت وهو، مبيناً تلك المفارقة العجيبة المعتمدة على الثنائية، حين
يقول:
أيها النقص في كمال جلال
وصل هل عاق قصدك الاشتباه
وسارع فالقصد غير بعيد وبلوغ المرام أن تخشاه
غبت عنه فغاب عنك ليلق
وتجلى لكن ــة فيك فانظ
ك فهل صدك الهوى عن هواه
بك فيك الإجلال في مَجْلاه
أنت لولاه لم تطل قيد شبر أنت في مركز العف لولاه (2)
ونجد الشيخ الشاعر عبدالله بن عامر العزري (3) يركز على الأدلة العقلية
التي تنفي وقوع الرؤية، نظرا لما تقتضيها الرؤية من احتواء المكان والجهة، ومبينا أن المرئي لا بد أن يكون متحيزاً في جهة محددة، والله سبحانه وتعالى لا تحويه الأمكنة، ويرد أيضاً على الدليل العقلي الذي يذهب إليه القائلون
(1) المصدر نفسه، 56.
(2) المصدر نفسه، 57.
(3) هو الشيخ العلامة عبدالله بن عامر بن مهيل بتشديد الياء العزري، أحد قضاة الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبدالله الخليلي، وهو أديب، شاعر، توفي سنة 1358 هـ. ينظر الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان، 3: 216 - 218. (1/73)
صفحة 74
بالرؤية، وهو أن كل موجود، يرى، حيث يؤكد أن هنالك موجودات لا ترى كالريح وما شابهها، فيقول:
ما حوته جهةً أو زمن كيف يحوي ذاته دَركُ البَصَرْ ما نفينا كونه في جهة إن وصفناه بإدراك البصر إن زعمتم كل موجود يُرى هل ترى الريح وأرواح البشر (1)
ويرى الإباضية أن نفي الرؤية من لوازم التنزيه الله سبحانه عن مقتضيات الرؤية ومتطلبات الإبصار، فكل مرئي حال في مكان، وهو متبعض، يقول الشاعر العلامة سفيان ابن محمد الراشدي
واقذف من التنزيه نوراً يدفع الت تشبيه يزهقه ولا تتحمل أتراك قد نزهته إذ قلت قد يأتي ويذهب أو يُرى الرب العلى (2)
هذا بعض التأثير الذي تجلى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقائدي، أما أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانباً عقائدياً بحثاً، فلا ريب أنها كانت مقصودة قصداً موظفاً، ليغدو الفكر العقائدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال ي وا والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية، فهل ينجح الشاعر في
العاطف
ذلك؟
(1) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 3: 217.
(2) المصدر نفسه، 3: 245.
74 (1/74)
صفحة 75
الناظر في قصيدة أبي مسلم البهلاني طمس الأبصار».» يجد أنها تميزت
بأسلوب الحوار، وخروج الفكر من خلال العاطفة المتقدة وقد ظهر عليها الجانب الفلسفي والجدلي، ممتزجا بالحرص على عرض الأدلة، وتفنيد حجة الخصم، وهي من القصائد القليلة التي تشي بحالة أبي مسلم النفسية وهو ينشئها، إذ عكست شدة في الموقف، وعنفاً في الخطاب، وتعصباً للرأي، وإن كان تعصباً قائماً على إيمان راسخ بصدق المعتقد.
وقد لا يستغرب ذلك منه، إذا علم أن القصيدة جاءت في سياق الردّ على شاعر عماني رمى الإباضية بفساد عقيدتهم، وسوء تأويلهم، فانبرى أبو مسلم للرد عليه، يدلنا على ذلك أسلوب القصيدة منذ مطلعها، إذ نجد فيها نبرة الهجوم، وقد جاء استهلالها منبئا عن موضوعها، وإن بناه الشاعر على المباشرة في الخطاب، ولكن الحوار وقوة العاطفة منح القصيدة نجاحاً موضوعياً، ويبدو ذلك جلياً في مستهل قصيدة البهلاني:
نزه إلهك أن يُرى كي تعرفة أتراك تعرفه وتثبت ذي الصفة واعرف مقامك دون ما حاولته إن التي حاولتها لك مُتلفة أتعبت نفسك في ظُنُّونِ قُلب والحق أن ظنونَ وَهُمَكَ مُخْلفَهُ عَجَباً تُوحدهُ وَتَجْعله لأعـ راض الطبيعة عرضة مستهدفة وفررت من تحديده ونصبته غرضاً لعينك من وراء البلكفة (1)
ونجد الشاعر هنا يحاور مخالفه محاولاً قطع حجته، وسد ذرائعه، ومناقشاً أدلته، بصورة يغلب عليها الطابع الكلامي ضمن أسئلة افتراضية، وعاطفة متقدة، فالشيء المرئي، محدد معلوم متحيز كما يبدو في قوله:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 175.
75 (1/75)
صفحة 76
إن كنت تعقلُ ما تراه فهذه ماهية محدودة متوقفة أولست تعقله فانت مخلط درك ولا درك فأين المعرفة إن قلت معلوماً أحطت بذاته وجعلت عجزك قدرة متصرفة أو قلت مجهولاً فأنت معطل أعبدت مجهولاً وعطلت الصفة (1) وبالجملة فإنَّ القصيدة تمثل عرضاً لرأي المذهب الإباضي في نفي الرؤية، لما يلزم المدرك المرئي في نظر علماء المذهب- من التحيز
والحلول والتكيف، بما يتعارض مع عقيدة التنزيه الله سبحانه وتعالى. واللافت للنظر، أن أبا مسلم يخاطب شخصاً بعينه، منذ بداية القصيدة إلى نهايتها، ولو ذهبنا نحصي ضمير الخطاب لوجدنا أنه لا يكاد يخلو بيت من هذا الضمير، وبحسبنا أن نعرض بعضاً منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وذلك عندما عرض لدليل القائلين بالرؤية من خلال سؤال سيدنا العلنية لها قائلاً: موسى
فإذا نصبت سؤال موسى حُجَّةً ونبذت أحكام العقول مزيفة قُلْ لي: أموسى كان يعلمُ منعها من قبل صاعقة النكير المرجفه فتشوبه النقصان في توحيده وتكون أكمل في الحجا والمعرفة أم كان يعلم منعها وأرادها عدوا فتنسب للرسالة عَجْرفَة أم كان يَعْلَمُ مَنعَها بحياته الد نيا فاعجَل رَبِّه ليشرفه وعلى الثلاثة فالنقيصة عنده بسؤالها أو لا فليسك منصفه (2)
(1) المصدر نفسه، 175.
(2) المصدر نفسه، 177.
76 (1/76)
صفحة 77
ومن الواضح أن الشاعر يوجه سهام نقده، إلى أحد الأدباء العمانيين من أهل السنة، وقد كان معاصرا، له وهو الشيخ الأديب علي بن خميس البرواني (1) الذي قال قصيدة عاب فيها قصيدة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي)، يقول الخليلي في مستهل قصيدته:
سبحانه من ليس يُدْرِكَ ذاته نظر بعين للذوات مكيفه خَلَقَ العقول لتهتدي بصفاته للذات إذ للذات قد تنهي الصَّفَة
ويقول البرواني في معرض نقده لرأي المذهب، دون أن ينقض أدلة، ولا يناقش رأياً، وقصيدته تحمل طابع التعصب من بدايتها، يقول في بعض
منها:
لعصابة وهموا فقالوا إنهمْ أهل استقامة منهج ما أشرفة وتمدحوا جَهْلاً وظنّوا أنَّهـ للحقِّ أهلُ قد أصابوا في السفة وتشبثوا بأدل ة مظنونة شبه كنسنج العنكبوت مزخرفة
(1) هو الشيخ الأديب علي بن خميس بن سالم بن راشد البرواني، كان مقيما في زنجبار، ثم عاد إلى عمان، مشهور بالعلم ت 1304 هـ انظر الغيثي: سعيد بن ناصر ت 1361 هـ، إيضاح التوحيد، 1: 424.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخ، 38. ويذكر أن للشيخ العلامة سلطان بن محمد من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري، قصيدة على هذا الوزن والروي
البطاش
يقول فيها:
ا بالكم ولكم لكم من نكتة في كتب كشف المشكلات مصنفه
شبهتموه بخلق
4
كفه في ذاته بالرؤية المستن في قولك
لابد للمرئي من إحدى الجها ت الست أو من هيئة متكيفه
انظر الخصيبي، محمد بن راشد، الشقائق، 1: 155.
77 (1/77)
صفحة 78
نسبوا إلى أهل البصائر والهوى والعلم كُل ضلالة متحرفة طوعاً لميل هوى وذلك متلفة ظلماً وعدواناً ووثبة مبطل
وإذا طلبت دليل قول منهم قالوا جميعاً كلنا لن نعرفة لكن أئمتنا الأولى دَرَجُوا بذا أفتوا وأنَّ مقامهم لن نصرفة عجب لقوم قد أتوا بالسفسفه (1) هذا وقد منعوا من التقليد يا
ففي هذه القصيدة تعريض لقصيدة الخليلي، التي أشار فيها بالزمخشري في تفسيره لقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ حين يقول:
الله أكبر يا لشيخ زمخشـ
تة بين أرباب العلى بالمعرفة
ولأنت بدر في سماء بلاغة لا مطمع لمعارض أن يخسفه (2)
فيقول البرواني معرضاً:
الحمد لله الذي أغناني عن فخر المخالف في بيان أسلفة أو ليس لي سلف فاذكر مجدهم لم لا وهم عدد الرمال المشرفة (3)
ومن هذا نتبين قول أبي مسلم في نهاية قصيدته، شارحاً فيها سياسة تقتضي عدم تقليد الرجال في دين الله، وقبول الحق أين كان،
المذهب
وعند
ان، مبينا أن توحيد الإباضية مستنبط من كتاب الله ناعياً على
"
(1) الغيثي: سعيد بن ناصر إيضاح التوحيد، بنور التوحيد، 1: 421. (2) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 42.
(3) الغيثي: سعيد بن ناصر إيضاح التوحيد، 1: 421.
78 (1/78)
صفحة 79
الشاعر تضليله لرجال المذهب وتسفيهه لآرائهم، مفتخراً بحقيقة عقيدته، حين
يقول:
اقها
الله نحلتنا ونغم سيـ أصْلاً وفَرْعاً لا تُخَالِفُ مُصْحَقَهُ هي عين ما نزل الأمين به على الهادي البشير وما عداها زخرفة من عجزنا عن دَرْكَهُ هُو دَرْكُهُ لا درك ما هياتنا المُستأنفة ونجله عن رؤية بالعين أو بالعقل في دنيا وأخرى مُشرفة والدين نأبى أن تقلده رجا لا غير معصومينَ عَمَّا حَرَّفَهُ ونُقلِّدُ الرأي المطابق أصله لمحقق استنباطه عن مَغرفة أفلت سانحة الهدى فاربع على ضلع العمى وابغ الضلالة مزلفة أضللت صديقيةً عُمرية وَهْبيّة تهبُ الهداية منصفة لا تدعي هتك الجَلالِ برؤية حسب العقول من المقام المعرفة (1)
لقد جاءت قصيدة أبي مسلم مخاطبة ومناظرة، مشحونة بالمنطق من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى وقد استطاع البهلاني توظيف الشعر للحديث ن القضايا الدينية والعقائدية دون أن يثقل الفكر كاهل القصيدة وذلك راجع إلى قدرة الشاعر على المواءمة بين فنه ومعتقده كما يقول الأستاذ الدكتور إحسان عباس (2) مع أن موضوع القصيدة أقرب إلى روح الفلسفة والمنطق منها إلى الشعر.
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخ، 179 - 181. (2) ينظر شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، مقدمة الطبعة الثانية، 1963، 8.
79 (1/79)
صفحة 80
3 - الصفات:
يقسم الإباضية صفات الله إلى قسمين صفات الذات وصفات (الفعل) «أما صفات الذات فهي التي لا يمكن أن تجامع ضدها في الوجود مع اختلاف المحل أو اختلاف الزمن» (2) وقد جمعها أحدهم قائلاً:
حي عليم قدير والكلام له فرد سميع بصير ما أراد جرى (3)
أما الصفات الفعلية فيمكن أن تجامع أضدادها في الوجود باختلاف
المحل أو باختلاف الزمن (4) كأن يوسع في رزق زيد ويضيق في رزق عمرو» (9) وهم يرون أن صفات الذات هي عين الذات، وهذا القول لا يعني التعطيل للصفات ذلك أن الإباضية لم ينفوا الصفات، ولكنهم أثبتوها بما يتناسب مع عقيدة التنزيه عندهم خوفاً من الوقوع في مغبَّة التجسيم لله سبحانه وغاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن الافتقار إلى الغير» (6)، فالله سبحانه بصير بذاته، سميع بذاته، قدير بذاته، عليم بذاته، غير محتاج إلى صفة زائدة عليه كما يبدو في قول السالمي:
صفاته لذاته هي ذاته لا غيرها دلت بذا آياتُه فهو عليم لا لم جلبا وهو سميع لا بسمع ركبا
(1) انظر د فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، 299. (2) الخليلي: أحمد بن حمد، صفات الله سبحانه، مكتبة الاستقامة، 7 وانظر السالمي، بهجة
الأنوار، 79 وما بعدها ط 2، 1991.
(3) داوود الثلاتي، شرح العقيدة، 27، نقلاً عن د. فرحات: البعد الحضاري، 230.
(4) الخليلي: أحمد بن حمد، صفات الله سبحانه، 8.
(0)
د. فرحات، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، 245.
(1) المصدر السابق، 269.
80 (1/80)
صفحة 81
وهو بصير لا بعين نظرت وهو قدير لا بقدرة عرت وهكذا في سائر الصفات لأنها في الأصل عين الذات (1)
وعلى ذلك يذهب الإباضية إلى أن صفاته تعالى معان اعتبارية، وصف
بها الحق تعالى كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والكلام، وأنها مغايرة للمعاني الحقيقية القائمة بخلقه الموصوفين بها، إذ أنها ليست زائدة على ذات الحق تقدس وتعالى، ولا حاجة إلى دعوى معان زائدة عليه قائمة به، توجد بها تلك المقتضيات، فوجوده سبحانه كاف في انکشاف المعلومات له، جميع ولا حاجة إلى دعوى صفة أزلية قائمة بذاته تنكشف عليها المعلومات (2).
ويكشف السالمي وجهة نظر الإباضية في صفات الله، فيقول:
ندين أن إله العرش ليس له شبة وليس له ند ولا مثلا وأنه ليس جسماً لا ولا عرضاً لكنه واحد في ذاته كملا وواحد في الصفات والعبادة والـ أفعال طراً فلا تبغوا به بدلا (3) تقوم فلسفة الإباضية في تفسير آيات الصفات على تأويل كل ما من شأنه أن يوهم التشبيه من متشابه القرآن الكريم والسنة المطهرة، بما يتناسب
(1) السالمي: عبدالله بن حميد بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ط 2، 1411 هـ، 1991، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 8 (2) البهلاني: أبو مسلم، نثار، الجوهر، مخطوط، ص 31، انظر الجيطالي، قواعد الإسلام، 1، 33
re-
(3) السالمي، عبدالله بن حميد قصيدة غاية المراد ضمن المجموعة القيمة، 22. (1/81)
صفحة 82
ع سياق النص، وينسجم مع قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1).
لا سيما أن اللغة محتملة لذلك التأويل، ومستوعبة لذلك التفسير، فالله سبحانه وتعالى خاطب العرب بلغتهم، ولغتهم كما هو معروف فيها الحقيقة وفيها المجاز، بل إن العدول عن المجاز في كثير من الأحيان، يفضي إلى جملة إشكالات يقع فيها المفسر، كقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْأَكْرَامِ فإنه لابد من اللجوء إلى الانزياح اللغوي، أو المجاز في «وجه» ليقول إن الوجه هنا بمعنى الذات، فوجه الله أي ذات الله، وإلا كان التفسير الحرفي مشكلا كما لا يخفى. وحكى الفخر الرازي «الإجماع على أن جميع فرق الإسلام، مقرون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن» (3) ثم ذكر جملة من الألفاظ والأساليب الواردة في القرآن والأخبار، يتعين تأويلها، بما يتناسب مع تنزيه الله عن الجهة والتجسيم، كالوجه واليد، والعين والساق والجنب والمعية والنفس والفوقية، والإصبع، والصورة واللقاء والمجيء والنزول والحجاب» (4) وهو عين منهج الإباضية الذي أخذوا به في تأويل
المتشابه (5).
(1) سورة الشورى، أية 11.
(2) سورة الرحمن، آية 27.
(3) البيهقي: الأسماء والصفات، تحقيق محمد زاهد الكوثري، 290.
(4) الفخر الرازي أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسين أساس التقديس في علم الكلام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر 1354 هـ / 1935 م، 79.
(ه) انظر في ذلك أبو عمار عبد الكافي، الموجز، 398/ 1 - 399، الشقصي: خميس بن سعيد، منهج الطالبين، 399/ 1 - 405.
82 (1/82)
صفحة 83
ما
يقول العلامة خلفان بن جميل السيابي (ت 1393 هـ - 1973 م) مبينا يجب على الإنسان اعتقاده في صفات الله، ومنبها على ما ورد من الألفاظ التي يقتضي ظاهرها التجسيم والتشبيه ممثلاً على ذلك بالاستواء والوجه واليد، وتفسيرها تفسير لا يتناقض مع صفات الكمال الإلهي المنزه عن كل
نقيصة فيقول:
فليعلمن صفات الله واجبها والمستحيل عليه حينما عقلا وليعتقد مع ذا تنزيه خالق عن كل نقص له سبحانهُ وَعَلا وما من الآي والأخبار ظاهره قد يقتضي الجسم والتشبيه والحللا كالاستواء على العرش العظيم وما كالوجه أو كيد أو شبه ذا نزلاً سلم أنه جلَّ في أوصافه كَمُلا (1)
فنزه الله عن كُلّ النقائص واعـ
الخلف
ويشير الشاعر إلى نظرة السلف من الأمة في مثل تلك الألفاظ، وموقف
قائلاً: منهم
والحكمُ في تلكمُ الآيات للعلم في مذهبين أتى عنهم لنا تقلا فمذهب السلف الماضين أن سكتوا وفوضوا علمها الله عزّ عَلا مع اعتقادهم تنزية خالقهـ عن كل ما من سمات النَّقْص قد جعلا ومذهب الخلف الآتين بعدهم تأولوا ظاهراً منها بما قبلاً
كالوجه بالذات والعين الرعاية والـ
والاستواء على العرش العظيم هو اس
حفظ الوثيق الذي لا يقبل الخللا تيلاؤه قهره للخلق حيث علا
والأيدي قدرته أو نعمة شملت كل الخليقة بالأرزاق قد كفلا (1)
(1) السيابي خلفان بن جميل، بهجة المجالس 41. (2) المصدر نفسه، 41. (1/83)
صفحة 84
ويعبر الشيخ العلامة سلطان بن محمد البطاشي (1) عن هذه المسألة مبينا
أن صفاته تعالى مخالفة لصفات المخلوقين، فهي صفات تنفي أضدادها، أي هي عين الذات، التي هي كافية لانكشاف المعلومات، فيقول راسماً هذه المعاني، ومشيراً إلى أن الناس في سعة من أمرهم ما لم «يركبوا هذا الباب»،
قائلاً:
ثم الصفاتُ له تعالى لم تكُن قامت به کفضائل الإنسان بل باعتبار النفي عنه بضدها كالموت أو كالجهل والنسيان والذات كافية لمعناها فدع ما قال أهل الزور والبهتان (2) والناس ما لم يركبوا ذا الباب في سعة وإن جهلوه يا إخواني لا يهلكون بشكهم فيه ولو أفتاهم في علمه الثقلان (3)
ويشير إلى المشبهة الذين وقفوا عند ظاهر الآيات ومتشابهها، ولم
يحملوا هذا المتشابه على ما جاء محكماً، فيقول:
ثم المشبهة اجتروا فيما أتى عنهم على متشابه ابه الفُرقان حملوا الذي فيه لمولاهم على مفهومه المعروف في الجثمان وَجَروا بذلك صاح في العرش استوى والوجه والأيدي وفي الأعانِ
(1) هو العلامة الشاعر سلطان بن محمد بن صلت بن مالك البطاشي، عالم فقيه، عاش في رن الثالث عشر الهجري أقام بسمائل في عهد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، مجاورا له،
انظر دليل أعلام عمان، 82.
(2) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان 1: 157.
(3) المصدر نفسه، 158
?? (1/84)
صفحة 85
والكشف عن ساق وطيَ يَمِينِهِ وإليه ناظرة بغير توا
وينتقد الشيخ هؤلاء، وكيف أنهم لم يحملوا هذه المعاني على صفات
الكبرياء العلية فيقول:
ما بالهم لم يحملوه على الذي للكبرياء موافق ومُداني والأمرُ أجلى فيه من شمس الضحى عند البليغ العالم الربـ
ويوضح كيف يمكن أن تحمل تلك الألفاظ وتوجه تلك الصفات:
فيفسر المولى على العرش استوى أي أمره في الخلق بالإتقان والملك ثم الحكم فيه بعد له والقهر والتدبير والسلطان لا بالقعود عليه واستقراره إذ لا يليق به تعالى ذان (2) ويعلل الشاعر لماذا خص العرش بالذكر، إذا لم يُرَدْ به الاستواء قائلاً
على سبيل الحوار والمجادلة:
إن قيل هذا بابه التعميم في الـ أشيا فما تخصيصه بمكان قلنا إذا ذُكِرَ العظيمُ وما عَلا أغنى عن الملغى من الأدوان والعرش اعظمُ خَلقه ولكونه أعلى مكان كان سقف جنانِ فيما روي وبه من الملكوت ما أن لا يُحيط به مقالُ لسان فيكون الاستيلا عليه داخلاً في مقتضى مفهومه الكونان ويجوز أخذ خلاصة المعنى بلا نظر به للعرش ذي الأركان
(1) المصدر نفسه، 158
(2) المصدر نفسه، 158، 159.
85 (1/85)
صفحة 86
فيراد من مجموع ذلك أنَّه استولى بقدرته على الأكوان قبل الوجود وبعدة وهو الذي هو كل يوم كائن في شان (1)
وينتهي الشاعر إلى بيان أن كل ما يوهم التشبيه والتجسيد والتجزيء من رؤية ومجيء ونزول بما لا يليق بكبرياء الله، فيجب تأويله، اقتضاء بما يتوافق مع الكمال الإلهي فيقول:
ان
وجميع ما هو مُوهِمٌ عُضواً له أو كون معنى فيه كالإنسان أو رؤية في ذاته ومجيوه ونزوله إذْ هي ذات دخ فبلائق في الكبرياء مؤول وكماله وجلاله الصمداني (2)
ويختم قصيدته مخاطباً مولاه راجياً إخلاص توحيده، وتنزيه ذاته:
سبحان ربي قد تعالى جده عن أن يعود إليه ذاك بذان لا شيء يُشْبِهُهُ وليس كمثله شيء فلا وَجْةٌ ولا عينان وهلم جرا في ظواهر ما جرى مجراه فهو الواسع الميدان واسلك به منهاج أهل الحق في التـ أويل واقتد صعبة بعنان (3)
وقد أول الإباضية قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (4) كما أوله غيرهم من علماء الأمة، فقد ذهب صاحب الموجز من الإباضية إلى أن
(1) انظر القصيدة في الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان،1: 159.
(2) المصدر نفسه 1602.
(3) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 1/ 161.
(4) سورة طه، آية 5 (1/86)
صفحة 87
هذه الآية متساوية في سبكها، متقاربة في معناها، مع قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِه (1) وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَاده (2) فتقابل كل مما يأتي:
هو الله الرحمن، وتقابل على فوق استوى وتقابل: أمره/ عباده/ العرش، واستنتج من ذلك أن الآيات الثلاث متشابهة العبارة، متقاربة المعنى (3).
وقد نص إمام الحرمين على تغليب رأي حمل الاستواء على القهر والغلبة، حيث يقول ولم يمتنع مثل حمل الاستواء على القهر والغلبة»، وذلك سائغ في اللغة. إذ تقول العرب استوى فلان على الممالك والملك، فإن
(?)
الاستواء بمعنى الاستقرار، ينبئ عن اضطراب سابق، والتزام ذلك كفر ويعلل أبو حامد الغزالي هذا الموقف بقوله: «إن الله تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش، فإن كل متمكن على جسم والمستقر عليه مقدر لا محالة فإما أن يكون أكبر منه، أو أصغر أو مساويا، وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا جسم» (°).
ولا ريب أن مجيء هذه الألفاظ إنما هي للتقريب إلى الأذهان، وعليه ينبغي الابتعاد عن الحرفية المباشرة في التفسير، خشية الوقوع في التشخيص والتجسيم والعدول عن التصريح إلى الكناية عن بعض الحقائق من الأساليب المحببة، لما فيها من حسن وجمال، فبهذا الأسلوب الرمزي، ترتسم في
(1) سورة يوسف، آية 21.
(2) سورة الأنعام، آية 181.
(3) أبو عمار عبدالكافي، الموجز، 397/ 1.
(4) البيهقي: الأسماء والصفات، هامش الكتاب، 406.
(ه) الغزالي: أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، 84.
87 (1/87)
صفحة 88
الخيال صورة حسية عن الفكرة المجردة، وتقرب إلى الناس في جميع الأجيال أسمى الحقائق بوساطة الخيال» (1).
ويُذْكَرُ على من يفسر قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ (2) تفسيراً ظاهراً على أنها ساق الرحمن، فيقول د. صبحي الصالح «ومن هنا انتهى الخلف، وبعد رجعتهم إلى النصوص، وتمرسهم بأساليب العربية، إلى هذه الصورة التمثيلية الحية التي رسمت في الأخيلة لوحه فنية شاخصة، عن شدة الرعب يوم الهول والفزع الأكبر» (3).
وقد ترسخت هذه النظرة العقائدية عند الشعراء الإباضية فانعكست أثارها في شعرهم، فالشاعر خلفان بن جميل السيابي يخاطب مولاه متوسلاً
بعظمته وكبريائه فيقول:
تعاليت عن كيف وأين وعن متى ومالك كفء أو نظير ولا مثْلُ تعاليت عن كيف وكيفت كيفنا وقدسنت عن أين نعوتا لمن حلوا (4)
إذ نجد أثر هذا الفكر في الدعوات الإلهية التي يتوجه بها الشعراء الإباضيون وأكثر هؤلاء الشعراء تأثراً بهذا البعد العقائدي أبو مسلم البهلاني فقد انسابت أفكار المذهب في شعره عبر دعواته الإلهية وجاءت عفوية في مقام خلواته، وفي مقام التذلل والمديح النبوي، وفي غمرة الخضوع والاستكانة
(1) صبحي الصالح: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، 3 369، تعليق على الهامش.
(2) سورة القلم، آية 42.
(3) صبحي الصالح، فلسفة الفكر الديني، 3، 374. (4) السيابي خلفان بن جميل بهجة المجالس، 134.
?? (1/88)
صفحة 89
لمولاه، بعيدا عن روح الجدل والحجاج، كأن يخاطب المولى ل باسمه «السميع جل جلاله» قائلاً:
إلهي لا مسموع يعزب عنك يا سميع بجهر كان أو بخفية إلهي سَمعُ الله درك لذات تجلى له مسموعه بالحقيقة إلهي سَمْعُ الحق ليس بآلة ولا صفة بالذات قامت وحلَّت
ولكنّه علم قديم مطـ
ابق لماهية المعلوم باللازمية (1)
إنه يمتدح الذات الإلهية تهيئة لدعائه، الذي ينطلق فيه من قاعدة عقائدية إباضية عامة مؤداها أن صفات الذات، هي عين الذات، فالله لا بآلة سميع سمع وإنما هو سميع بذاته غير محتاج إليها لانكشاف المعلومات والمسموعات، والله ليس كمثله شيء ولو كان الله سميعاً بآلة سمع لكان في ذلك مشابهة بخلقه كما يرى الإباضية
وفي خطابه داعياً باسمه البصير جل جلاله» نراه يثبت هذه الصفة بما معتقده، فهو بصير بذاته، لا بحلول صفة زائدة عن الذات، مشيراً مع إلى من يثبت حلول الصفات بالذات، لأنه غير محتاج إلى صفة زائدة عليه
يتناسب
كما يقول البهلاني:
بَصُرْتَ بكل الكائنات إحاطة بغير انطباع يا بصير ومقلة بَصُرْتَ بما لم يبصر الخلق كلهم به مطلقاً للذات لا بوسطية بَصُرت البصير الحق بالذات لا بما يقولون من حل الصفات القديمة
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سلم بن عديم، الديوان، مخ، 25. (1/89)
صفحة 90
وما الحق إلا أن ذاتك مدرك بصير بلا استثار باء استعانة (1)
ويقول في اسم الواحد جل جلاله» منزهاً المولى عن التحديد، والجزئية، والأعراض والجوهر، مبينا أن الله واحد حقيقة بينما وحدة المخلوق في حد ذاتها مجاز، ذلك أنها تقبل التركيب والتجزيء بينما الله واحد فرد
ثابت، كما يقول أبو مسلم:
ويا واحد الباقي بوحدة ذاتـ
كما كان قبل القبل والأزلية تعاليت ليست وحدة الذات وحدة تؤول إلى التحديد والجزئية ولا وحدة الأوصاف وحدة فطرة تعالت عن الأعراض والجَوهَرِيَّة وأنت إلهي واحد الحق والسوى مجاز إليه نسبة الواحدية وجودك قبل الجوهر الفرد ثابت وما يقبلُ التركيب ليس بوحْدَة (2)
وحين تتصل دعواته بالذات العلية، مستدراً بركاتها، متعلقاً بأستار الألوهية، مستعظماً جلال الله، فإنه يستصغر شأن مدحته، إذ لا تبلغ في مقام الله، ما يستحقه من ثناء، فالله أكبر من أن يدركه، وهم، أو يتصوره فكر، أو يحيط به علم، أو أن تحتاج ذاته إلى صفة زائدة عليها، وهو أكبر من أن تحده جهة، أو أن تدركه عين، وهي أمور كلها تتناغم مع الفكر العقائدي الإباضي، ضمن أبيات تواشجت فيها العاطفة مع الفكر حين يقول:
الله أكبرُ عن إطراء مدحتنَ
اللَّهُ أكبرُ عن وَهْمٍ وعَن فِكَ
أصغر بإطرائنا في جانب الله
سبُ النّهى درك أن لا دركَ الله
(1) المصدر نفسه، 6.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه، مخطوط، 43. (1/90)
صفحة 91
العلم بالكنه
اختص بالله
الله أكبرُ عن علم يحيطُ بـ الله أكبرُ عن كنه يحلُّ وَعَنْ حلول أغيار عين الذاتِ بالله
الله أكبر عن فقر إلى صفة سواه في السلب والإيجاب الله الله أكبرُ عن كيف وَهَلْ وَلمَا تقـ دس الله لا تعليلَ الله الله أكبرُ عن حَدَ وعَنْ جَهَة وعن مقـ ابلة الأشياء الله الله أكبر عن نقص يؤثره درك العيون ودرك العقل الله (1) وعلى كل حال فإن الشاعر يبقى حائراً معترفاً بعجزه عن الوصول إلى مقام صفاته الجليلة وإن تعلق بها ودعا بأسمائها، فإن الذي دفعه إلى ذلك شدة حاجته إليه اعترافاً بفضله عليه، وإحلالاً لمقامه لديه، كما يقول أبو مسلم:
إلهي جليل الشأن أين مداركي وذكري وفكري في الصفات الجليلة ولهجة مضطر وإجلال دهشة (2)
نهاية ما آتي به حمد حـ
المعاد واليوم الآخر:
1 - حكم مرتكب الكبيرة
اختلفت الأمة اختلافاً اجتهاديا حول مسألة حكم مرتكب الكبيرة، من
هو
حيث الوصف الذي يُطلق عليه، فهل هو كافر كفراً يخرجه من الملة؟ أم مسلم عاص؟ واختلفوا فيما يترتب على مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً على
ذنب لم يتب منه، فهل هو مخلد في النار، أم سيخرج منها؟
(1) المصدر نفسه، 151.
(2) المصدر نفسه، 32. (1/91)
صفحة 92
فما
هي الكبيرة؟ وما الفرق بينها وبين الصغائر من الذنوب؟ نجد هنالك اتفاقا بين الإباضية وبين بعض علماء الأمة في تعريفهم لمفهوم الصغائر والكبائر، فابن تيمية يعد الصغيرة بأنها ما دون الحدين حد الدنيا وحد الآخرة (1) ويرى السالمي من الإباضية أن «الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حدفي الدنيا أو عذاب في الآخرة أما الصغيرة، فهي ما عدا الكبيرة من الذنوب» (2).
ومع الاتفاق في تحديد مفهوم الصغيرة والكبيرة إلا أن الاختلاف قائم في مآل مرتكبها في الآخرة وحكمه في الدنيا، يقول شارح العقيدة الطحاوية «إن أهل السنة متفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقله عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين» (3).
وعلى ذلك فإن الإباضية متفقون أيضا مع أهل السنة بعدم تكفير مرتكب الكبيرة كفرا يخرجه من الملة كما فعل الخوارج ما لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة» (4) إلا أنَّ «ما ينسبه الذين لا يتبينون من تكفير أصحابنا لأهل الكبائر، فإنهم لم يدركوا اصطلاحهم» (9) ولا ريب أن الكفر
(1) انظر ابن تيمية، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 1 (التصوف) 650 - 651 جمع وترتيب عبدالعزيز بن محمد النجدي الحنبلي، ط ا دار العربية، بيروت، 1338 هـ
(2) السالمي: عبدالله بن حميد مشارق أنوار العقول، 2/ 270،271.
(3) صدر الدين علي بن علي بن محمد الحنفي شرح العقيدة الطحاوية 473 - 474. (4) القنوبي: السيف الحاد، 41، 35.
(0) أبو إسحاق أطفيش: النقد الجليل للعتب الجميل، 30.
92 (1/92)
صفحة 93
الذي يقصد به إخراج الإنسان من الملة لمن يرتكب الكبيرة لا يقول به الإباضية، بل عدوه أحد زلات الخوارج).
إن مسألة الكفر عند الإباضية، وإطلاقه على مرتكب الكبيرة، ينبغي أن يدرس ضمن سياقه التاريخي واللغوي، والمتتبع لهذه القضية عندهم يجد أن الإباضية قد قسموا الكفر إلى قسمين بينهما بون شاسع، وهما كفر جحود وكفر نعمة، ولعل حكم عبد الله بن إباض على نافع بن الأزرق وبراءته منه، يشير إلى الفرق الكبير بين الإباضية والخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة من جهة، وفي تفريقهم بين كفر النعمة وكفر الجحود من جهة ثانية.
ومفهوم كفر النعمة عندهم مرادف لمفهوم الفجور والعصيان (2) ويقترب من ذلك قول ابن تيمية ومرتكبو الكبيرة لا ينطبق عليهم وصف الإيمان المطلق، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (3).
وهناك قضية جديرة بالتناول، وهي أن الإباضية يقسمون الناس إلى ثلاثة أصناف مؤمن وكافر وما بينهما ويعبرون عنه باسم المنزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الإيمان والكفر، ويسمونها منزلة النفاق (4).
ويثير هذا التقسيم تساؤلاً حول صلة هذا المفهوم بتقسيم المعتزلة لأصناف الناس، إذ لا يخفي أن المعتزلة يقصدون بالمنزلة بين المنزلتين فيما يتصل بالجزاء في الآخرة، بينما يأتي تقسيم الإباضية متصلاً بواقع الناس في
(1) انظر المرجع السابق، 32.
(2) انظر أحمد الشماخي، الرد على صولة الغدامسي، نقلاً عن د. فرحات، البعد الحضاري
للعقيدة الإباضية، 513
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج 3 مجموع عقيدة السلف، 151،152.
(4) انظر مصطفى بن الناصر، آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش العقدية، 314. (1/93)
صفحة 94
الدنيا، من خلال موقعهم من الإيمان والكفر، وعلى ذلك فالمنزلة المذكورة بين الإيمان والكفر هي منزلة صاحب الكبيرة (1).
وتأتي قضية الوعد والوعيد والخلود في النار لمرتكبي الكبائر إذا ماتوا مصرين على كبائرهم، مثار جدل وخلاف بين الإباضية وغيرهم، انطلاقا من ربطهم الإيمان بالعمل، كما تقدم، وهي مسألة ذات صلة بالعدل الإلهي، المتعلق بالوعد والوعيد، وما ينتج عنه من ثواب وعقاب، فإن الله تعالى يقول: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) (2) تأكيداً للأبدية النهائية، ودفعا للالتباس، ويقول في صفات المؤمنين: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ... إلى قوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمَلَ عَمَلاً صَالِحاً ... ) (3).
يرى الإباضية أنه لا يدخل النار إلا من يخلد فيها مشركاً أو فاسقاً، فإن قوله تعالى: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً جاء بعد ذكر الشرك وما دونه، فان ادعي أن الخلود المكث الطويل فقد لزم أن يخرج المشرك من النار، أو أن تفنى
(1) انظر المرجع السابق، 314 و 315.
(2) سورة الجن، آية 3.
(3) سورة الفرقان، آية 63 - 70.
94 (1/94)
صفحة 95
وذلك باطل، وإن قيل أراد بالخلود الدوام في حق المشرك والطول في حق
الفاسق، كان كمن يجمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة (1).
ففي قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ) (2) وقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَن وعيد لأهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم» (3) ومع ذلك فإنهم يرون أن عقيدة الخروج من النار أمنية يحتاج إليها كل إنسان لشدة تقصيره في حق ربه وهي أمنية بعيدة المنال، وعليه يجب توطين النفس على طاعة الله، ولزوم أوامره يقول أحد الإباضية لو وجدنا سبيلاً في الحق إلى تصحيح القول بالخروج من النار، لكنا إلى ذلك في غاية الاحتياج، لقبح أعمالنا، وتفريطنا في حق مولانا الواحد القهار، على أننا نرجو ثوابه، إنه كان حليماً غفوراً، ونخشى عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً» (4).
وعلى ذلك فإن الإباضية يرون أن من مات مصرا على معصية لم يتب منها فهو خالد في النار، وقد وقف هذا الموقف في أحد أقواله، كل من محمد عبده ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار، يقول الشيخ محمد عبده في تعليقه على تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً إِلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ به خَطيئَتُهُ فَأُولَئكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يقول: وظاهر الآية أن العاصي المتعدي للحدود يكون خالدا في النار»، ويقول
• (1)
محمد بن يوسف أطفيش شرح اللامية، مخ ج 2 ق، 5453 وحول عقيدة الخلود للإباضية انظر المصادر التالية: الموجز لأبي عمار، ج 2، 84، المحروقي، الفكر والاعتبار، مخطوط، 14، الكندي: الجوهر، ص 123. الشقصي: منهج الطالبين، ج 1، 523. (2) سورة النساء، 14.
(3) أبو عمار، عبدالكافي، الموجز 2/ 112، 113.
(4) الخليلي: سعيد بن خلفان تمهيد قواعد الإيمان 2/ 10 وزارة التراث، مطابع سجل العرب،
القاهرة، 1986/ 1407 م (1/95)
صفحة 96
فيمن يقترف جريمة قتل متعمد: «فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة» (1) ويقول محمد رشيد رضا في تعليقه على نفس الآية «والقرآن فوق المذاهب يرشد أن من تحيط به خطيئته لا يبقى مؤمناً» (2) ومع ذلك فإن لدى مرتكب الكبيرة فرصة للتوبة والإقلاع عن الذنب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وبالتالي إذا مات صاحب الكبيرة مصراً دون أن يتوب منها، فهو واقع ضمن وعيد الله ل بتخليده في النار.
ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سد الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم «الحكمة من خلود أهل النار، أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى رباً عظيماً لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم» (3).
ولا يخفي أن من يرى خلف الوعيد وإمكانية الخلاص، تهون عنده ارتكاب المعاصي، وإتيان المنهيات، اعتمادا على ما وعد به من الخلاص، فاعتقاد عدم الخلود يحمل الإنسان على الجرأة بارتكاب المعصية وهو غرور عظيم، كما رأى ذلك الطاهر بن عاشور (4).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطاً وثيقاً، وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد، فالإيمان قول وعمل، مرتبط
(1)
محمد عبده، المنار، 432/ 4.
(2) محمد رشيد رضا، المنار 341/ 5، وانظر 363/ 1.
(3) الشقصي: خميس بن سعيد، منهج الطالبين، 1/ 523.
(4) ابن عاشور، التحرير والتنوير (579/ 1 وانظر المنار، محمد رشيد ص 363/ 1.
96 (1/96)
صفحة 97
ارتباطا جوهريا بمبدأ الوعد والوعيد، وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فيتولى، ومن يخل بشيء منه، فيتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أن تتحول إلى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة، فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه
العمل.
ويتجلى أثر هذا المعتقد في ثنايا قصائد الشعراء، فهذا أبو مسلم يقول وهو يناجي ربه. سائلاً إياه بأن يتداركه برحمته، مستعيذاً به من خلود الفجار في دار عدله، فيقول:
ويا محيي الأجساد بعد انحلالها وإفنائها من عالم البرزخية ويا محيي الأبرار في دار قدسنه حياة خلود لا تحد بمـ عَدْله معاذك من تلك الحياة المُقيمة (1)
و يا مُحيي الفجَارِ في دارِ ويدعو الشاعر أبو مسلم البهلاني الإنسان الذي حاقت به سيئاته ألا يقنط من رحمة الله، ذلك أنهم يرون أن المؤمن مهما بلغت به الذنوب وأحاطت به العيوب، فإن باب التوبة أمامه مفتوح، وهو السبيل إلى تجاوز العثرات، ولذلك فهم يدعون إلى المبادرة بالمتاب، قبل مجيء يوم الحساب فإن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء فيقول:
ارفق بنفسك لا تقوى على سَقَرِ وَافْرَعْ إلى الله من ذنب سَيَخْزِيَها إرحم عظامك أن تصلى بزفرتها وَخَرُ البعوضة لو فكرت يكفيها إن الذنوب ديون سوف توقيها (2)
ألا يهولُك ما قدمت من خط
(1) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخ، 40 (2) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخ، 356. (1/97)
صفحة 98
وفي تنفيذ وعيد الله لمقترفي معاصيه، يشير البهلاني إلى أن المعاصي والاستهانة بوعيد الله سبب لما عليه الأمة من الهوان، حين تركت كتاب ربها،
واستخفت بما جاء به، وهو انعكاس مباشر لأثر العقيدة عنده:
فما من وعيد الله يمنع عاصم إذا لم يزغ من حُرمة الله وازعُ نضج ضجيج النيب مما ينوبنا ونحن إلى ما يقتضيه نُارِعُ نطاوع أسواء المغبة رغبة ولسنا لمحمود الجزاء نطوعُ وما هذه الأوقار فوق رقابنا يُدافع عقباهن عنا مدافع (1)
ويشير إلى أن عذابه وثوابه عدل منه، ويحذر من عاقبة الإصرار على الذنوب قائلاً:
وفي عدله حسب اقتضاء شؤونه تدابير وحدانية لا تُمانعُ فلا تخبطن في فهم أحكامٍ عَدله إذا اختلفت أشكالها والمواقع ورب بلاء حل في شكل عدله وما هو إلا الفضلُ واللطف واقع إلى أن يقول محذراً من الاتكال على خلف الوعيد والشفاعة للمصرين
من أهل الكبائر، داعيا إلى التوبة:
وعاقبة الإصرار إنفاذ وعده حذارك مما قيل خُلْفٌ وشافع فقم نحو ما يدعو إليه بفضله فداعيك قيوم برحماه واسع ستعلمُ إن خالفته كيفَ بَطشُهُ فمالك إلا صحة التوب نافع (2)
(1) المصدر نفسه، 256.
(2) المصدر نفسه، 256، 257.
98 (1/98)
صفحة 99
(1)
ويؤكد الشيخ عامر بن خميس المالكي (1) على أن العاصين في خطر إذا لم يبادروا بالمتاب فإن المصر على الذنوب هالك، مبيناً ما يطلق عليه من مصطلح «الكفر»، أو كفر النفاق، وهو كفر النعمة، حيث يقول:
إِنَّ المُصرَّ على العصيانِ فِي خَطَرِ إن لم يتب ما له مأوى سوى سقر إن المصرين هَلْكُ لا نجاة لهم قد جاء في محكم القرآن والأثر وسمه كافراً كف تركن إلى الوقف إنّ الله منه بري
اق ولا
(1)
ويحذر الشاعر سعود بن سعيد بن سليم القصابي) صاحب المعصية المجترئ على محارم الله والمعتمد على المغفرة الإلهية، دون أن يعمل من أجلها، إذ أن المغفرة قرينة التوبة، مقيما حجته على معطيات ونتائج، في تأثر بالأسلوب الكلامي، فكما أن الله غفار الذنوب، فهو الرزاق، فلماذا
الإنسان العفو من غير توبة، بينما لا يرجو الرزق إلا بالسعي فيقول:
يرجو
تقولُ مَعَ العصيان ربِّي غافر صدقت ولكن غافر بعد توبة وربك رزاق كما هو غافر فلم لا تصدق فيهما بالسوية فإنك ترجو العفو من غير توبة ولسنتَ تُرجَى الرزق إلا بحيلة على أنه بالرزق كَفَلَ نَفْسَـ لكل ولم يكفل لكل بجنة ()
(1) هو الشيخ العلامة عامر بن خميس بن مسعود المالكي (1280 هـ 1863 م 1346 هـ / 1927 م) عالم، شاعر من أقطاب دولة الإمام سالم الخروصي، أنظر دليل أعلام عمان 111.
(2) المالكي: عامر بن خميس، الدر النظيم، 63 - 64.
(3) هو الشاعر سعود بن سعيد بن سليم القصابي، عاش في القرن الرابع عشر
(4) مجموعة شعرية، مكتبة السالمي، 133.
99 (1/99)
صفحة 100
2 - الشفاعة:
الشفاعة من القضايا المتصلة بقضية الوعد والوعيد ومرتكب الكبيرة الذي يموت مصراً على معصيته غير تائب منها.
وموقف الإباضية من الشفاعة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفهم من مفهوم الإيمان والعمل، والوعد والوعيد وما يترتب على ذلك من مآل، فهم يرون أنها «ليست لمن استوجب العقاب، فيصير بها إلى الثواب ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادة لهم في الثواب، وتشريف في المنازل» (1).
إن حجة القائلين بأن أهل الكبائر أحوج إلى الشفاعة من المؤمنين حجة قوية، لكن الإباضية يجيبون عن ذلك بقولهم فإن قال قائل: إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم إلى الشفاعة؟ أجابوا بما يلي، فقل له إن الشفاعة زيادة في الثواب، وتشريف في المنازل وحاجة الشفاعة ناتجة عن الذنوب والتبعات وما أشبه ذلك» (2).
وقد احتج كل من القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر والنافين لها، بآيات تكاد تكون واحدة مع الاختلاف في التفسير والتوجيه لتلك الآيات، كقوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةً) (3) وقوله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لَمَن ارتَضَى) () وقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) وقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ إذ احتج بها الطرفان مع اختلاف في التوجيه، وتباين في التفسير والمنطق.
(1) الجيطالي: القناطر، 321/ 1.
(2) المحشي: حاشية الترتيب،8، 102، و د فرحات الجعبيري، البعد الحضاري 659.
(3) البقرة 48
(4) الأنبياء 28.
(0) غافر 18.
(6) المدثر 48 (1/100)
صفحة 101
فقد رأى مثبتو الشفاعة فيها دليلاً على موقفهم كالرازي (1) والقرطبي (2) والإيجى (3) بينما نجد أن منكري الشفاعة لأهل الكبائر قد احتجوا بنفس النصوص القرآنية الواردة في سياق الآيات المذكورة، واعتبروها للمؤمنين، لا لأهل الكبائر العاصين والفجار الفاسقين (4).
ولا يخفى ما في هذه النظرة من احتراز في الوقوع في المعاصي، والانهماك في المخالفة الربانية، ما دام يعتقد الإنسان أنه غير داخل في دائرة من يشفع له مهما عمل واقترف من المعاصي والآثام.
أما حديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فإن الإباضية يرون أن هذا الحديث حديث آحاد ومعلوم عند جمهور المحدثين أن خبر الآحاد يفيد الظن، ولا يحتج به في العقائد، يقول الجويني: «الأحاديث التي يتمسكون بها لا تفضي إلى العلم، ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغاً، لكنا نومئ إلى تأويل ما دون منها في الصحاح» (9) ولو كانت الشفاعة نصاً لأهل الكبائر، لتقرب إليه المتقربون بالكبائر، يقول القاضي عبدالجبار رداً على المرجئة: «ثم يقال لهؤلاء المرجئة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل
التفسير الكبير 65/ 1، 95/ 3، 060/ 22
(2) الجامع لأحكام القرآن 379/ 1 - 380.
(3) المواقف 450/ 1.
(4) السالمي: المشارق 287.
(5) الجويني: أبو المعالي إمام الحرمين: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ت: محمد يوسف موسى وعلى عبد المنعم عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، 1362 هـ 1950 م،
161 (1/101)
صفحة 102
الشفاعة فلو كان الأمر على ما ذكرتموه، لكان يجب أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق» (1).
ونجد أن بعض المحققين من العلماء المعاصرين يحذرون الأمة من اتكالهم على الشفاعة وهم منغمسون في المعاصي، ومنهمكون في الملذات يقول أحدهم العجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة، وهم يقرأون قول الله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً» (2).
الكريم،
ويشير الشيخ محمد رشيد رضا إلى انتفاء وجود نص قطعي من القرآن للدلالة على الشفاعة فيه لأهل الكبائر فيقول: «وفي القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقاً كقوله تعالى في وصف القيامة: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وأخرى ناطقة بنف الشفاعة كقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافعين) وآيات تفيد النفي إلا بإذنه وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها» (3).
ويصور الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي حقيقة الشفاعة عند الإباضية ولمن تكون؟ وكيف تكون؟ ومتى تكون؟ وأدلتها عندهم؟ فيقول ممتدحاً مذهبه، الذي نفى حصول الشفاعة لأهل الكبائر في قوله:
ألا تتبعـ ن رواة القصيد مقال سراة نحارير صين
(1) القاضي: عبدالجبار: ت: (405/ 1014 م) شرح الأصول الخمسة، تعليق الإمام أحمد بن الحسن ابن أبي هاشم حققه وقدم له د عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، 1965،
692
(2) النساء 23.
(~)
محمد رشيد رضا، المنار 307/ 1 (1/102)
صفحة 103
لقد خالفوا البطل إذ وافقوا على الحق آي الكتاب المجيـ
فما لظلوم شفي
ولا يشفعون لمن لا
فلا تثبتن من الإثم جُرْ
نفت كونها لغـ
بها ثَبَتَتْ لولـ ي سعيد
شفاعته من كبيـ
ولكنه شـ افع للورى بيومِ
شدي
القيامة يوم الوعي
إذا اشتد كرب لطـ ول الوقو ف وغصت بذاك نفوس العبيد فيأتون آدم يستشفعون لتفريج شدة كرب مديـ
فينهض خاتمهـ
فيأتي ويشفع فيهم ويع
ويُلْهمُ كُل الثناء الحميد
طى لوا الحمد في يده والسعوذ
فهذا ومحتمل غيره لأهل التقى في جنان الخـ
لون
كرفع محل وتقريبه وتعظيم منزلة للسعيـ ن (1)
ويرد على من يرى أنها لأهل الكبائر من الأمة:
وأما مقالُهم إنّها لأهل الكبائر غير الجود فهذا خلافُ لما جاء عن إله السموات رب ودون فخذ ما أتاك وَدَعْ غيره وربك فاشكر تفز بالمزيـ (2) ويعلل الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، هذه المسألة مبيناً أن الشفاعة لو كانت موعودة لأهل الكبائر، لكانت كالبشارة للعصاة في التحريض لهم على إتيان المعاصي لنيل الشفاعة، ما داموا موعودين بها، كما يقول:
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوان الخليلي، مخ، 114.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 112. (1/103)
صفحة 104
فلو صح هذا عن المصطف
بأن الخلود انتفى في سن
وأن الشفاعة موعودة لأهل الكبائر ممَّن أَصَر
لكانا بشارة عبد عصـ
ولكن خلافٌ لنصّ ظَهَرْ
كلا يشفعون لمن لا ارتضي وفي جنة الخـ لد مأوى البشر وأمثال هذا من الآي أو حديث عن المصطفى قد شهر
ففي هذه الأبيات يرى الخليلي أنَّ في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر مخالفة لدلالة آيات الكتاب العزيز، ومن ثم بيّن الشاعر معنى شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الإباضية، وهي شفاعة يقصد بها رفع منزلة الموفين، ودفع كرب المؤمنين لطول الوقوف يوم القيامة، وهي إحدى كراماته
- الصراط والميزان:
وهم
يذهب الإباضية إلى أن الميزان والصراط حق يجب الإيمان بهما (2). يفسرون الصراط تفسيرا معنويا لا حسيا ويرون أنه «دين الله القيم الذي افترض الله على عباده والعدل الذي أنزله، وهو دقيق لا يوافق الملك، ولا
الهوى ولا الشهوات، ولذلك شبهوه بحد السيف المرهف، وضبته، والشفرة الرقيقة الدقيقة، لا يميزها إلا ذو الحجى .. » (3) بمعنى أن الصراط هو دين الله الواضح، الذي لا يميزه إلا أصحاب العقول الصحيحة، ولذلك أمر تعالى عباده
(1) الخليلي: الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد، الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل، طبع بإشراف عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، 1385 هـ - 1965 م، 121.
(2) انظر عبدالعزيز الثميني، معالم الإسلام (2 (191، «الجيطالي» القناطر، 1: 145. (3) تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطي كتاب أصول الدين: ت: د. عمرو النامي، ضمن رسالته، تاريخ الفكر الإباضي، صورة من الكتاب المحقق مع مجموعة أخرى بالجامعة
الأردنية. (1/104)
صفحة 105
باتباعه والتزام حدوده وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا المُبْلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (1) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (2).
(د)
والصراط هو طريق الإسلام كما ذكر الجيطالي (3) والدين، كما هو عند الثميني (4) أما تأويله بالجسر فهذا مما لم يره أغلب الإباضية وإن لم يتخذوا جانبا متشدداً ممن يرى ذلك، ويبدو أنهم رأوا أن هذه المسألة ليست من المسائل ذات الشأن الخطير في تفسيرها الاعتقادي، فيكفي المسلم جملة الإيمان بالصراط والميزان، وأنهما حق، ويكل أمرهما إلى الله، لا سيما وأنهما «ليسا من المسائل القطعية، لعدم ورود القاطع فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية .. ولا يخطأ القائل فيهما برأيه» (9) وتبعا لذلك أول أحد علماء الإباضية
الصراط على وجهين:
الأول: طريق الإسلام.
الثاني: الجسر الموضوع على متن جهنم، وأن ذلك التفسير ممكن في العقل، لأنه ليس فيه ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله، فان القادر على أن يُطير الطير في الهواء، قادر على أن يسيّر الإنسان على الصراط والله أعلم
بكيفيته (1).
(1) سورة الأنعام، 153.
(2) سورة الفاتحة آية 6.
(3) الجيطالي: قناطر الخيرات، 146/ 1.
(4) عبد العزيز الثميني، معالم الدين، 2، 189 - 190. (ه) السالمي: بهجة الأنوار، 106.
(6) الجيطالي: قناطر الخيرات، 118/ 1 - 139. (1/105)
صفحة 106
وقد أشار السالمي إلى مجموعة من علماء الإباضية، جمعوا بين الرأيين
قائلاً: «فقد ذهب إلى مثل ما ذهبوا إليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم، وأبو القاسم البرادي، والشيخ إسماعيل في القناطر، وقطب الأئمة في الهيميان، وجامع الشمل» (1) فقد رأى القطب أطفيش أن «ترك المفهوم المعنوي إلى المفهوم المادي ليس قدحاً في التوحيد، ويوكل أمر الصراط – لخفائه إلى الله تعالى» (2) «وهو ليس من الأصول التي لا يتم الإيمان إلا بها، فإثبات كون الصراط على ظاهره من الفروع» (3) ولا بأس بكونه جسراً على جهنم» (4).
أما: الميزان فإن الإباضية يرون أنه ليس ميزانا حقيقيا، له کفتان
القيامة،
و عمود بل المقصود به العدل والحق الذي وضعه الله بين خلقه يوم فلا تظلم نفس شيئاً، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليَوْم الْقِيَامَة) وأنزلنا معهم الكتاب والميزان فميزان الله هو «العدل بين خلقه بما علم منهم، لأنه يحكم فيهم بسرائرهم، وما تخفي صدورهم، مع أن أفعال العباد أعراض لا تجري عليها الخفة والثقالة» (9) ويرى السالمي أنه قد «ذهب أصحابنا يقصد الإباضية - وجمهور المعتزلة إلى أنه «الميزان» عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين على سبيل الاستعارة، التمثيلية، حيث شبه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين، والعمل السيئ بخفتها على وجه لا يظلم أحد منه
(1) السالمي: المشارق، 286.
(2) أطفيش محمد بن يوسف، إزالة الاعتراض، 4.
(3) اطفيش محمد بن يوسف كشف الكرب، الذات 12/ 1. (4) أطفيش محمد بن يوسف شرح اللامية، ج 2، 1036 مخطوط. (ه) تبغورين كتاب أصول الدين تحقيق عمرو النامي، 72. (1/106)
صفحة 107
شيئاً» (1) وهذا رأي وجيه وتعليل، مقبول، إذ أن الطاعات والمعاصي ليست أعراضاً قابلة للوزن عقلا، وما جاء بلفظ الميزان إنما هو على سبيل التمثيل
لا الحقيقة.
ويبدو هذا جلياً في قول السالمي:
وإنما الميزان في الحسان عدل وانصاف من الرحمن لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا يؤولنه كفة وأغمدا وقوله الصراط فهو الحق لا تأولا (2) كما بعضهـ جسر
ويقول الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي في الميزان:
وما قيل في ميزان أعمالنا لَهُ عمود وكفاتُ ووزن يضارع فيحتمل التصوير حتماً لوزنها إذا كان حقاً وهو ما شاءَ صانعُ وأكثرهم قالوا مجاز عبارة عن العدل، والتثقيل والحق تابع فتخفيف فعل الخير إحباطه له ليجزي بفعل السوء والخير صانعُ وتثقيله فهو القبولُ له وأن يكون له من عفو مولاه طالع (3)
فقوله «وهو ما شاء صانع» يحتمل أنه يريد القول أن الله سبحانه قادر
على تحويل الأعراض إلى أجسام، فتكون قابلة للوزن وذلك على الله يسير
وقد وجد الباحث أن الشواهد الشعرية في هذا المجال قليلة جدا، وذلك ناشئ عن أن المسألة ليست من المسائل التي كانت تشغل بال الشعراء. كما
(1) السالمي: المشارق، 125/ 2.
(2) السالمي: بهجة الأنوار، 12.
(3) الخليلي: الإمام محمد بن عبدالله، الفتح الجليل 125. (1/107)
صفحة 108
أن الباحث أحجم عن الاستشهاد بالأراجيز والمتون التي اهتمت بهذا الموضوع نظرا لكونها لا تشكل ظاهرة شعرية فلا تتعدى مجال النظم في هذا
الباب.
الولاية والبراءة «الجانب الاجتماعي والبعد العقائدي»:
من منطلق الصلة بين العقيدة والعمل، يذهب الإباضية إلى أن التعامل مع الناس، يجب أن تكون مرجعيته هذه العقيدة التي تتحدد العلاقة بموجبها، ولذلك عدوا الولاية والبراءة أصلاً من أصولهم العقائدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا لها شروطا، وحددوا لها مواصفات، وتشددوا في تطبيقها في مجتمعاتهم، حتى قيل «إنه من لم يدن بها لا له» (1). دين
ويدور مفهوم الولاية حول الحب لأولياء الله (2) وقيل هي «الحب بالجنان، والذكر باللسان، والميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته» (3) أما البراءة فهي البغض لأعداء الله، وقيل هي «البغض بالجنان، والشتم باللسان، والميل بالقلب والجوارح عن عاص لعصيانه» (4) وأصل الولاية «الموافقة في الحق، فالمتوافقان فيه متواليان (9) وهي واجبة لقوله تعالى في الولاية:
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام،45/ 1، ابن رزيق الصحيفة القحطانية مخطوط، 614، محمد ناصر، منهج الدعوة، 182.
(2) البشري موسى بن عيسى مكنون الخزائن 1،265، التراث، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1403 هـ / 1982 م.
(3) الثميني: عبدالعزيز معالم الإسلام، 115/ 2.
(4) المصدر نفسه 115/ 2.
(5) البهلاني: أبو مسلم العقيدة الوهبية، مخطوط، 86.
LA (1/108)
صفحة 109
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض (1) وآيات أخرى ذكرتها مصادر الإباضية في ذلك (2) بينما يرجعون فرضية البراءة إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (3) وقوله تعالى: (لا) تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (4) وفي ذلك يقول أبو مسلم البهلاني
والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله مَن بَرْ وَمَن فَجَر والأمرُ يُبنى على الأعمال كيف جَرَت والمدح والذم بحثاً غير معتبر (5)
ومن هذا المنطلق أعلن أبو مسلم، ولايته وحبه لأهل النهروان، انطلاقا من مبدأ عقائدي، حين يقول:
جزى الله أهل النهروان رضاءه وما فوق مرضاة الإله أجور ندين لوجه الله طوعاً بحبهم وما شنآن الملحدين مضير القوم يلتهم مخافة ربهم ودارت عليهم أبطن وظهور (1)
هم
وقد رأى الإباضية أن المسلم الذي يعلن بين الملأ قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثم يجترئ على أوامر الله، فيتخلّى عن واجباته، أو يقدم
(1) سورة التوبة، آية 71.
(2) انظر هذه الآيات في أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة العقيدة وشروحها، 101.
(3) سورة الأنفال، آية 72.
(4) سورة المجادلة، آية 22.
(5) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 214.
(6) المصدر نفسه، 213. (1/109)
صفحة 110
على ارتكاب المحظورات، لا ينبغي أن يوضع بالتساوي مع المؤمنين، فتشمله المحبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن تعلن البراءة منه، ويقلل التعامل معه، حتى يعود إلى حظيرة الإسلام (1) وبذلك فإن البراءة في جانبها العملي تشكل بعداً اجتماعياً هاماً (2) كما تشكل «بعداً عقائدياً لا نجد له مثيلاً عند أتباع الفرق الإسلامية الأخرى» (3). وهي. مسألة تربوية اجتماعية ترمي إلى تقويم أفراد المجتمع بغية إصلاح أحواله، «وقد منحوه بعداً سياسياً ودينياً دقيقاً» (4) وغدا فكراً متميزاً لا يتساوى فيه الطائع والعاصي، وهذا ما جعل أحد كتابهم يفخر بهذه المنقبة قائلاً «هذه القضية يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة» ().
على أننا نجد العلماء في كتاباتهم ينبهون من اتخاذ هذه القضية مدخلاً للتشهير، ووسيلة من وسائل النيل من الأشخاص، فالعلامة أبو مسلم البهلاني يحذر من اتخاذ مبدأ الولاية والبراءة منطلقاً للبحث عن عورات الناس، والقدح فيهم، وتتبع عثراتهم، فمثل أولئك ليس همهم إلا التفتيش عن نقائص عباد الله، وبالخصوص العلماء العاملون، والبحث عن عيوبهم الشرعية وإن كانت احتمالية (1).
(1) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 1، 852/ 54.
(2) انظر د. محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، 187.
(r)
د. عوض، خليفات دراسات في النظم والعقائد الإباضية مجلة المؤرخ العربي، ع 17،
1981 م، 205 - 206.
(4) المصدر نفسه، 206.
(ه) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 1، 103 - 104.
(6) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، نثار الجوهر 67/ 1.
? (1/110)
صفحة 111
وقد قال أبو مسلم في مثل هؤلاء من قصيدة له:
إذا رأوا حسناً في كامل وقفوا وإن رأوا سيئاً في رأيهم نشروا أولئك القوم أعداء الحقيقة لا يرضون حقاً ولا يُرضيهم بشرُ إذا دعاهم غوي للهوى عطفوا عطف المطافيل أو داعي الهدى أشر (1) حذار منهم ثعابين العباد فكم بسمهم قتلوا الدُّنْيا وَكَمْ حَشَرُوا (2)
والأصل في المسلم الثقة، حتى قيل إن الإنسان إذا «شاهد وليه يأكل في نهار رمضان، فلا يعاجله بالبراءة، وليحسن به الظن لأمانته على دين نفسه حتى تصح خيانته» (3).
وفي ذلك يقول الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي:
إن الولاية فرض من فرائضنا فلا يزحزحها شيء من التهـ إذا رأيت ولي الله يأكلُ في شهر الصيام بلا سفر ولا سَقَـ فالظن أحسنه واثْبُتْ في ولايته واسألة إن شئتَ واسكت عنه لا تَلَمُ السقم يظهر أحياناً وآونة في باطن الجسم يدريه أولو الألم لو حال من دونِ من نسج العناكب حول الهتكِ لم تَحُمِ إن البراءة نار حيث يحجرها شَرْع فمن فرَّ عنها فاز بالسلم (4)
ولايته
(1) المطافيل: مطافل ومطافيل النوق معها أولادها، ويشير الشاعر هنا إلى سرعة انعطاف
الغواة لداعي الهوى انظر لسان العرب، مادة طفل، 402.
(2) البهلاني: أبو مسلم، نثار الجوهر، 67/ 1.
(3) المصدر نفسه، 67/ 1.
(4) الخليلي: الإمام محمد بن عبدالله الفتح الجليل، المطبعة العلمية بدمشق 1382 هـ - 1965
بإشراف عز الدين التنوخي، 123. (1/111)
صفحة 112
وفي هذا تحذير من التعجل في البراءة، لأن الأصل في المسلم الثقة، وهذه الثقة لا تتزعزع إلا بيقين يؤدي إلى زوالها، بوجود قرينة صارفة
عنها.
ونجد الخليلي يتحدث في إحدى قصائده السلوكية عن الرسل والملائكة الكرام، وما ينتج عن الإيمان بهم، ما يستفيد من الإقتداء بطريقتهم، فيجعلهم قدوته في حركاته وسكناته، مشيرا إلى أنهم هم الذين علموه مواضع الولاية،
ومواضع البراءة فيقول:
وبالرسل والأملاك آمنتُ أقت
بهم في شؤوني كلها كُلَّ أحيان فهم في طريق قدوتي وأئمتي لدى كُلّ أعمالي مَدَى كُلَّ أزماني فمن شرعة الأملاك عندي نسخة أطالع في ديوانها رسم عنواني فأذكارهم كانت شريف عبارتي وذكري بتهليل وحمد وسبحان وَهمْ علموني دعوة أرتجي بها لنفسي، ومن في الأرض رحمةً غَفْران وَهُم علموني موضعاً لبراءة وموضع رشد بالولاية لباني (1) ويحذر ابن شيخان السالمي (2) من موالاة أعداء الله، ومخاصمة أوليائه
قائلاً:
لا تخطبن من الأعدا مودتهم على حياة فهم لا شك حياتُ وكن على حذر من كيدهم فلهم على معاداة أهل الحق عادات تبدي الحروب من الأعداء ما ستروا إن الكنايات تمحوها النكايات
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوانه، مخطوط، 29، 30. (2) السالمي: محمد بن شيخان (1284 هـ 1867 م 1346 هـ 1926 م) عالم لغوي شاعر، برع في اللغة، ونبغ في الشعر، له ديوان شعر مطبوع، ينظر دليل أعلام عمان 147. (1/112)
صفحة 113
والكفر للدين ضدُّ كَيْفَ تَصدقه إحدى الطريقين للأخرى مصافاتُ
إنَّا بريئون من أعدائنا فعلى الـ
كفر العفاء وللدين المعافاة (1)
إذ يظهر في هذه الأبيات التأثر بهذا البعد العقائدي، الصادر عن إيمان بوجوب الحذر من موالاة أعداء الله.
ويؤكد أبو مسلم البهلاني، أن مديحه للإمام سالم بن راشد الخروصي، ترجمة لما تدعوه إليه عقيدته، فهو لم يمدحه لمطالب دنيوية ولا لمآرب ذاتية، ولكنه أعاد ذلك إلى الوجوب الديني المتمثل في الولاية لأهل الله والحب لهم، فالإنسان يحشر مع من أحب حيث يقول مخاطباً الإمام:
أبرز فيكَ الحَمْدَ واللّسنُ أُخْرِس وأبْسُطُ فيك المدح والعيُّ واقِمُ بأوضح أفهامي كاتي واهم وهيهات لم تبلغ بدائع مدحتي لفضلك إلا حيث تعنى التراجم
وأسترشدُ الأفكار فيك فأنثنـ
وحمد ولى الله عين ولايـ
وَلَكنَّ حُرَّ القول ينحو مَقَهُ كما أن للتيجان تنحو العمائم وتوقيره فَيْض من الله ساجمُ فكل رجائي بالثناء عليكم ذخائر عند الله لي ومغانم وأسنى حظوظي إِنْ أُوفَق معيَةً وحب إلى يوم القيامة دائم فإنَّ محبَّ القوم لا ريب منهم قسيمهم إن معنمّ أوْ مَغارِمُ (2)
(1) السالمي محمد بن شيخان ديوان ابن شيخان، 285. (2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 250، 251. (1/113)
صفحة 114
وهي أبيات تدل على سر الإلحاح العقائدي والصدق العاطفي فيها، إذ
تغدو العقيدة هي المسيّر للإنسان في علاقاته الاجتماعية، وحياته العملية، وهنا يظهر التلازم التام بين العقيدة والسلوك، وفي الأبيات التالية ما يدل على ذلك:
على أنني واليتُ في الله أَهْلَهُ وعاديت من نيطت عليه المَائمُ وَمَن لهم أن أخذل الحق ظالماً ويظفر منى بالولاية ظالم وهذا محال لا ين الونَ نَيْلَهُ ولو ضَغَمَت جسمي عليه الضَّياغِمُ (1) يديرونني عن سالم وأرية وجلدة بين العين والأنف سالم ولو نصبوا جسمي وجروا جيوشهم لرفع حياتي لم ترعني الجوازمُ وما آنس الأعداء منّي هشاشة أبى الله إلا حيث تدعو المكارم (2)
فهذه الأبيات في حقيقتها بما اشتملت عليه من عاطفة قوية- انعكاس
،
حقيقي لمقتضى العقيدة المتجذرة في نفس الشاعر من الموالاة لأولياء الله والبغض لأعدائه والتحدّي لطغاة الكون، مهما بلغت بهم أساليب الإغراء والتخويف، في ثنيه عن توجهه وموالاته، للإمام، فإنهم لن يحصلوا من ذلك على طائل، لأنه موقف صادر عن بعد عقائدي.
وتبلغ هذه الموالاة والمحبة لأولياء الله المتمثلة في الرمز الديني الإمام
الخروصي في ذلك الوقت- ذروتها في قوله:
(1) ضغمت الضغم العض، والضيغم الأسد الواسع الشدق، اللسان، مادة: ضغم.
(2) المصدر نفسه، 251. (1/114)
صفحة 115
بحُبِّ أمير المؤمنين ابن راشد أدين وأنفُ الخصم خزيانُ راغمُ محبّة من باع الضلالة بالهدى يبيع ويشري مؤمناً ويساوم مَحَبَّة من لا يتقى الموت مسلماً يُحارب في دين الهدى ويُسالِمُ (1) لنرى أن أبا مسلم ينظر إلى أن محبة الإمام وطاعته ومناصرته ليست من حقوقه فحسب وإنما هي دين يتقرب به إلى الله، فمحبة الإمام بالنسبة إلى غيره كمن يبيع الضلالة بالهدى، متحدثاً عن نفسه، في نبرة تختلط فيها الذات مع أصول العقيدة.
ويؤكد الشاعر منصور بن ناصر الفارسي أن حبه للإمام الخليلي وصحبه ولاية دينية يتقرب بها إلى الله سبحانه، وأن بغض الإمام وصحبه كفر، تجب مجانبته، فيقول:
أحبهم في الله حُب ولاية وصفواً مدى الأيام تصفو مَشارِبُة
ــة
وَحُبُهم في الله دين أدينه وبغضهم في الله كفر أجانب فحب إمام المسلمين مُحمد له فرض عين قام الله واجبه وحُبُّ الأولى قاموا لديه وجاهدوا بأنفسهم حتى استتبَّتْ مطالبة أولئك أقوامي وإيلاف مُهجتـ وهم مبتغى قلبي هُمُ وحَبائِبُه أولئكم أحباب قلبي وجيرتي أولئك هم أقصى المنى وأقاربة (2)
خلق القرآن:
الحديث في طبيعة القرآن الكريم هل هو قديم أم محدث، يتصل بما دار
من خلاف بين اتجاهات الفكر الإسلامي المختلفة.
(1) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 252.
(2) الفارسي: منصور بن ناصر بن محمد ديوان سموط الفرائد، 151. (1/115)
صفحة 116
والناظر إلى هذه المسألة يجد بوضوح أنها من مسائل علم الكلام التي
كان المسلمون في غنى عن طرحها، فليس من مستلزمات العقيدة أن يعلم المسلم أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ويكفيه أن يعلم أنه كلام الله ووحيه وتنزيله والمتأمل في الأحداث التي رافقت موجة التيار الاعتزالي في القول بخلق القرآن، وما نتج عن ذلك التيار من مغالاة، يجد أن زعماء الفكر الإباضي في ذلك الوقت، لم يشاءوا الانغماس في نار تلك الفتنة «ولم يقعوا تحت تأثير العواطف، فكان بحثهم في القضية موضوعيا صرفا لأنهم انطلقوا من قاعدة الحجة والدليل، لا من واقع السخائم والأحقاد» (1) كما يقول الشيخ أحمد الخليلي على سبيل المثال.
وقبل أن تطرح هذه القضية لم يشأ الإباضية الخوض فيها، حرصا على
بعد
وحدة الأمة، ونظرا لأنها ليست من مسائل أمهات الدين، ولكنهم رأوا أنه طرحها لابد لهم من اتخاذ موقف، خشية على عوام الناس من الوقوع في مغبة الفتنة، لا سيما أنه موقف يتعلق بكتاب الله، وذكر أنه «اجتمع الأشياخ بدما (2) محمد بن هاشم (3) ومحمد بن محبوب (4) وغيرهما، فتذاكروا في القرآن، فقال محمد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محمد بن هاشم وقال:
(1) الحق الدامغ، 107.
(2) اسم مكان في سلطنة عمان يعرف حالياً بالسيب من مدن العاصمة، مسقط.
(r)
محمد بن هاشم هو محمد بن هاشم بن غيلان من أهل «سيجاء» إحدى قرى وادي سمائل بداخلية عمان ومن كبار العلماء بعمان في القرن الثالث الهجري، ينظر دليل أعلام، عمان،
151
(4) محمد بن محبوب هو أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي، كان رأس علماء الإباضية بالمشرق بعد أبيه، توفي بصحار يوم الجمعة، لثلاث خلون من شهر المحرم، سنة 260 هـ. ينظر: إتحاف الأعيان، للبطاشي، 250/ 1. (1/116)
صفحة 117
أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها، فظن محمد بن محبوب أنه يعني له، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان، لأني فيها غريب، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني مت قبل اليوم، ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك، فرجع محمد ابن محبوب عن قوله (1) واجتمع قولهم على أن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله .. » (2).
وهو موقف جدير بالملاحظة والتحليل، يتسم بالاعتدال واحترام وجهات النظر، وقد اتفقت كلمتهم على الأخذ بما أجمعوا عليه، والسكوت عما اختلفوا فيه، دون أن يلزم كل طرف الآخر على قبول ما يراه، وهو موقف يدل على حرص إباضية عمان على جمع الكلمة ورأب الصدع، وكان مثلاً يحتذى في الاتفاق على الثوابت، والسكوت عن المسائل الخلافية، لا سيما أن المسألة
قابلة للاجتهاد، وهي أقرب إلى الاستنباط منها إلى القول الفصل فلكل أدلته. ويظهر أن إباضية عمان، لم يحسموا هذه القضية بداية، مكتفين بالإجمال دون التفصيل، وبالتلميح دون التصريح، حتى القرن السادس الهجري الذي حصل فيه الاتفاق على القول بخلق القرآن وذلك واضح عبر المؤلفات الفقهية والعقدية (3).
(1) موسى بن عيسى البشري، مكنون الخزائن، ج 1، 141. (2) السالمي، روض البيان، ص 48. (3) انظر الوارجلاني: الدليل البرهان 151/ 3، ط 1. د. فرحات: البعد الحضاري، 353 -
354 (1/117)
صفحة 118
أما إباضية المغرب فقد اتفقت كلمتهم على القول بخلق القرآن منذ البداية
(1)
كما جاء في رسالة أبي اليقظان المغربي (1) التي أثبتها البرادي في الجواهر. وقد ترتب على ذلك حكم آخر في الولاية والبراءة، فقد نقل عن الفضل بن الحواري (2) بأن من قال أن القرآن مخلوق له ولاية، ومن قال بغير ذلك فلا تقطع ولايته (3) ويقول أبو نبهان الخروصي (4) وأكثر فحول العلماء من أصحابنا، وأكثر أهل المغرب من أصحابنا، يقولون انه مخلوق، وأن ما سوى
الله مخلوق، وأنه منسوب إلى الله، فهو كلام الله، كما أن كلمة الله،
عيسي
الله، وكما يقال «شمس الله، وسماء الله» () وأهم من ذلك كله فإن الناس وروح لا يلزمهم معرفة أن القرآن مخلوق أم لا ().
على أنهم ينظرون إلى أن مسألة خلق القرآن ليست من مسائل الدين التي تعبد الله بها عباده، ولا ألزمنا إياها، كما ألزمنا صنوف العبادة، وليس على وجوبها من دليل والتحقيق أنه إن أريد بالقرآن الحروف الملفوظة، المتلوة المخطوطة، فإنها حادثة قطعًا، وإن لوحظ منها علمه تعالى بالمعاني
(1) أبو اليقظان المغربي هو محمد بن أفلح بن عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم (ت 281 هـ 849 م خامس الأئمة الرستميين له رسالة في خلق القرآن وكتاب في الرد على المخالفين،
تولى الإمامة سنة 261 هـ 847 م. ينظر معجم أعلام الإباضية 4، 752 - 755. (2) الفضل بن الحواري عالم فقيه عاش في القرن الثالث الهجري، ينظر دليل أعلام عمان 129 وينظر البطاشي: إتحاف الأعيان.
(3) البشري موسى بن عيسى مكنون الخزائن، 141/ 1. (4) أبو نبهان الخروصي: هو جاعد بن خميس الخروصي، المكنى بأبي نبهان، (1147 هـ 1237 هـ) من كبار العلماء في عصره كان عالما، وشاعرا لقب في عمان بالشيخ الرئيس،
ينظر دليل أعلام عمان، 46.
(5) السابق، ج 1، 142.
(6) السابق، ج 1، 142. (1/118)
صفحة 119
المطروحة فيها، فإنّ علمه سبحانه وتعالى لا شك أنه قديم، لأن العلم من صفات الذات العلية» (1).
صفة
فالخلاف على ذلك خلاف لفظي، منشؤه توجيه الاستدلال، فالعلم غير المعلوم، والتلاوة غير المتلو فالكتب المنزلة هي في الحقيقة مدلولات علمه، الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى لا نفس صفة العلم الذي هو لذاته القديمة» (2) وقد عدّ العلامة أبو إسحاق أطفيش الخلاف بين الطرفين خلافا لفظيا، فالقائلون بخلقه قصروا القول على القرآن المتلو المحفوظ في الصدور والمصحف والموصوف من الله بالمحدث والمنزل والجعل والذهاب، ولم ينظروا في القرآن الذي هو علم الله، إذ لا ريب في قدمه. والآخرون قصروا القول على القرآن القديم الذي هو علم الله وصفته وكلامه، فقالوا بقدمه وبالسكوت عن المحفوظ في المصحف والصدور .. الخ. وكما ترى الاختلاف لفظي بين الفريقين لا غير (3).
وفي هذه المعاني يقول السالمي:
سلام
والحق ما قالت به الأعلام بأنه لـ ووحيه وأنَّه تنزيله سبحانه صح لنا دليه لكن أقولُ الأحرف الملحوظة في الكتب في ألسننا ملفوظة بأنها مخلوقة للباري قلت كذا المعنى فلا لأنها مظروفة للأحـ
(1) السيابي خلف بن جميل، فصل الخطاب، 1، 11.
تُاري
وكُلُّ مظروف حدوث فاعرف
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان، 1، 1029.
(3) أطفيش إبراهيم، تعليق عدد 3 على مقدمة التوحيد وشروحها، لعمرو بن جميع، القاهرة
1353 هـ ص 112، وانظر الشقصي: خميس بن سعيد منهج الطالبين، 1، 203. (1/119)
صفحة 120
وذاك غير علمه تعـ
الي
وإن يكن يعلمه كمالاً
فالعلم والمعلوم ليس واحـ
كالضرب والمضروب قد تباعدا
وأنه في اللوح قطعاً رسما كذاك أيضا في صدور العلما (1)
قال شارح هذه الأبيات: وأحرفه الملحوظة خطا، الملفوظ بها قولاً، المسموعة صوتاً، مخلوقة الله تعالى، كالمعاني لأنها مظروفة للحروف، والحروف ظروف لها، وكل مظروف حادث، وذلك غير علمه، الذي هو صفته الذاتية، وإن كان لا مخرج له من علمه عن جميع الوجوه، أنه معلوم له، وأنت خبير أن العلم غير المعلوم، ولارتسام القرآن في اللوح وفي صدور الخلق، وهما مخلوقان ولا قائل بأن الحادث يحوي القديم» (2).
أما أدلة الإباضية النقلية على مسألة خلق القرآن فهي تتمثل في مجموع الصفات الدالة على خلقه التي ذكرها الله سبحانه في كتابه العزيز، على اعتبار أن هذه الصفات لا تكون إلا في المخلوقين، وهو داخل ضمن قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (3) فهل القرآن شيء أم
()
لا؟ فإن قلنا شيء فهو داخل في عموم الخلق، وإن لم يكن شيئا فهو معدم فالإباضية يقولون: «إن كل موجود لابد أن يكون خالقاً أو مخلوقا، والمخالف
(1) السالمي، جوهر النظام، 1/ 13.
(2) أبو مسلم البهلاني، نثار الجوهر، 43/ 1.
(3) سورة غافر، آية 62.
(4) انظر البرادي الجواهر المنتقاة، الرسالة 183 - 185 السالمي: ينظر فيض المنان 69،
الخليلي: الحق الدامغ، 166. د. فرحات: البعد الحضاري، 358. (1/120)
صفحة 121
يقول إن القرآن موجود، وشيء، ومن زعم أنه ليس بشيء فقد كذب الله بقوله:
أن يقولوا ما أنزل الله على بشر من شيء .. » (1).
أما الصفات التي وردت في القرآن الكريم، الدالة على خلقه، حسب توجيه الإباضية لمفهوم الخلق استنتاجا، فهي ما دلت على الحدث {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث، والذكر والإنزال وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ والجعل (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً.
فالنزول والإحداث والجعل وقدرة الله على الذهاب به، والتشابه والمماثلة والتجزوء كلها دالة على الخلق (2) أما من الحديث الشريف فان ذلك يستنتج أيضاً من قوله إن الله خلق طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام» (3).
وقد انعكست هذه النظرة في نتاج الإباضيين الشعراء، فقد فرق الشيخ العلامة خلفان السيابي بين المعاني وبين اللفظ والأصوات حيث قال:
إن القراءة للقرآن من أحـ
ولفظة وكذا الأصوات حين تلا
فكلُّ ذلك مخلوق ومخترع له تعالى جميعاً فاترك الجدلا أما المعاني التي من لفظه فهمت قديمة من صفات الذات جل علا (4)
وحينما سئل العلامة حمد بن عبيد السليمي عن هذه المسألة اتسم رده
بالاحترام والتقدير لأصحاب الرأي المخالف والموافق، يقول:
(1) الوارجلاني: الدليل والبرهان، 1، 7.
(2) انظر د. فرحات، البعد الحضاري، 357.
(3) رواه البخاري، الترمذي واحمد بن حنبل وابن ماجة، انظر: المعجم المفهرس لألفاظ
الحديث، ونسنك 72/ 2.
(4) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 99. (1/121)
صفحة 122
أما القرآن فقد جاء الخلاف به بين الفحول وكُلُّ حجة تقلا قالوا قديم لأن الله قائلة والقولُ يتبع من قد قال فاحتفلا والله جل قديم قد قضى أزلا ما شاء في الخلقِ إِنْ قولاً وإِنْ عَمَلًا أما القضايا وتنجيم القضاء بها فتلك حكمته في الكونِ جَلَّ عَلا وقال بالخلق قوم واحتجاجهم بخالق كل شيء فافهم المثلا وإنما هو شيء لا نزاع به فمن هنالك حكم الخلق قد شملا لكنّهم جمعوا القولين فاتفقوا بأنه قوله بالود قد نزلا (1)
والله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، والقرآن شيء فهو مخلوق، يقول العلامة سالم بن حمود السيابي:
خلق الورى وجميع ما في كونه خَلْق له من إنسهم والجان وله السما والأرض خلق هكذا مع ما حوى كرسيه النوراني واللوح مع ما خُطُ فيه كله والكاتبون وحاملو الديوان وجميع ما أقلامه يوماً جرت طبعاً به أو أعربت بلسان والوحي والموحى به خلق له وبذاك صح الخلق للقرآن
ويقول:
إن الحروف خلائق معروفة بحدوثها في الزيد والنقصان علم الإله بما حوته ثابت صفة له في السر والإغلان (2)
(1) السليمي: حمد بن عبيد، قلائد المرجان، 137، 138.
(2) السيابي، سالم بن حمود، معالم الإسلام في الأديان والأحكام، وزارة التراث مطابع العقيدة، مسقط 1440 هـ / 1984، 177 - 178. (1/122)
صفحة 123
وللإمام السالمي قصيدة في القول بخلق القرآن، ابتدأها بقوله: أبدت لنا في خلقها الورُ برهانها يا قومُ فاعتب
رُوا
قد قال رب العرش في نظمها لكل شيء خالق فطرُ وإنما القرآن شيء بلا شكل لمن بالعقل يفتكـ
(1) ',
وللشيخ سعيد بن حمد الراشدي قصيدة بعنوان «فيض المنان في الرد
على من ادعى قدم القرآن» يقول فيها:
نظم يدل على معان شـ
اهد
آياتُ حقَّ تُفحم البلغاء والـ
لحدوثه والعقل بالبرهـ سان خطباء مُحدثة من الرحمن
إنزاله حسب المصالح مُنجماً يهدي إلى إيجاده بزه
ان
سبحان من أوحاه أعظم آية لرسالة المبعوث من عدنان
نسخ الشرائع كلها بنزول
ومحا الشكوك بواضح التبيان (2)
وهي قصيدة طويلة توزع فيها الحديث حول الكلام والصفات وخلق
القرآن والاستدلال على إثبات خلقه منه (3).
(1) السالمي مجموع المناظيم مخطوط، مكتبة السالمي، قصيدة خلق القرآن. (2) الراشدي: سعيد بن حمد فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن، انظر القصيدة في الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان، 3، 160.
(3) انظر القصيدة في شقائق النعمان كاملة، 156 - 160. (1/123)
صفحة 124
/ (1/124)
صفحة 125
الفصل الثالث أثر الفكر السياسي
الإمامة وتقاليدها.
الإمام وصفاته.
أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح.
أ- المديح الفردي.
ب - شخصية الإمام في قصيدة المديح. ج - المديح الجمعي للأئمة.
د - صورة الإمامة في قصيدة المديح. هـ - نصح الأئمة وإرشادهم.
و - وصف جهاد الأئمة.
تحريم الخروج على الإمام العادل والموقف من الخارجين عليه.
موقف الإباضية من الحاكم الجائر.
الموقف من التكسب بالشعر. أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء.
أ- رثاء الأئمة.
ب- رثاء الإمامة.
ج- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية. (1/125)
صفحة 126
/ (1/126)
صفحة 127
الإمامة وتقاليدها:
تمثل الإمامة عند الإباضية أهمية كبرى، وتأخذ حيزاً كبيراً من فكرهم السياسي، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الفرق الإسلامية الكبرى، لكن ما
ينفرد به الإباضية في هذه القضية يتمثل في أمرين:
الأمر الأول: مسألة من يصلح أن يتولى الإمامة الكبرى.
الأمر الثاني: كيف يتولى الحاكم الحكومة.
يقوم فكر الإباضية السياسي على أصول فكرية مرتبطة بمعطيات الإسلام في منابعه الأولى، وهو تجسيد حي لمبدأ أساسي يقوم عليه الفكر السياسي الإسلامي، وهو مبدأ الشورى والاختيار والمساواة بين الناس على أساس إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (1) وهو تفاضل يقوم على ميزان دقيق قائم على القيم الخلقية، لا على الانتماء في النسب، وعليه فإنهم لا يرون القرشية شرطا في الإمامة، إذا توافرت الشروط في غير القرشي، فهم يرون «أن الحكم أمانة في الأعناق، وأن الناس أسمى وأشرف من أن يكونوا قطعاناً من الأغنام يحكمون بالقهر والاستبداد فتتوارثهم قبيلة معينة، فالناس قد خلقوا أحراراً، ويجب أن يبقوا أحراراً، والذي يبايعونه لابد أن يستخلفوه من تلقاء أنفسهم ولا يرى الإباضية، أي شرط من ناحية النسب» (2).
(1) سورة الحجرات آية 13.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد حوار مسجل معه بتاريخ 1980/ 6/10 نقلاً عن عمربا، دراسات في
الفكر الإباضي، 94 و 95.
127 (1/127)
صفحة 128
ولذلك عدت الشورى عصب الفكر السياسي عند الإباضية كما عُدّت المميز لروح هذه المدرسة (1)، ومن هنا كان الإباضية يقدمون أئمتهم على هذا الأساس (2)، بل إن «الشورى» على الإمام فرض فإذا تركها كفر، عالما كان أم ضعيفاً (3).
صدي
وعليه ألا يقطع أمرا دون مشورة من علماء الأمة ورجالها، ويبدو هذا جلياً في الشعر في عمان آنذاك، فهذا ابن شيخان السالمي، يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي، لأنه يأخذ بهذه السياسة الشرعية وهو لا يقطع أمراً دون مشورة، كما يبدو في قوله:
(4)
أمره شورى فلا خُلْفٌ لما يرتضيه العلماء النقب ويدعو الشاعر عبد الرحمن الريامي (5) الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى الاهتمام بالشورى وعدم الاستهانة بالاستشارة، فهي واجب سياسي ديني وعلى الإمام أن يلتزم بمقتضاها، يقول الشاعر الريامي مخاطباً الإمام: يا من يريدُ طريقة دينية عول على أكفائها وسراتها
(1) غباش د. حسين عبيد عمان الديمقراطية، 74. (2) الخليلي: أحمد بن حمد الحقوق في الإسلام، حلقة 6، مجلة النهضة، عمان، ع 929، 1420 هـ/ 1999 م، 22.
(3) الكندي، أحمد بن عبدالله من علماء القرن السادس الهجري، المصنف، 81/ 10، التراث. (4) السالمي محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان، 186. (ه) عبدالرحمن بن ناصر الريامي (ت 1374 هـ - 1954 م) أديب عالم، أقام بنزوى ملازماً لعلمائها، اتصل بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي، ثم رحل إلى زنجبار، ثم عاد إلى عمان، نظم الشعر في الإلهيات والاستغاثات له ديوان شعر مخطوط من جزأين. ينظر: دليل أعلام عمان 112، الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان. (1/128)
صفحة 129
لا تحسب الشورى عليك غضاضةً
كم في الزوايا من كنوز هباتها فلربما رأي يُقَهقر جحفلاً ويدك عليا الشم من ذرواتها قد جاء من مستحقر مستضعف وهو القمين بها للم شتاتها (1)
والإباضية يوجبون نصب الإمام، فالإمامة عندهم فريضة (2) لأن الأمة لا تصلح دون وجود راع يقوم على مصالحها، ويقيم العدل بينها، ولما يترتب على وجودها من إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وحماية بلاد الإسلام، فكل هذه لا تتم إلا في ظل وجود إمام يقوم بتنفيذها (3).
ولا يتوصل إليها إلا بالعقد فهي فريضة والعقد فيها وسيلة» (4) ولأهمية العقد، وضعت له نصوص متعددة، بحسب الظروف السياسية وحالة المعقود عليه، يلتقي كلها في تعهد الإمام بتنفيذ حدود الله، والحكم بما أمر الله به، وإقامة الحق، وجهاد الفئة الباغية، وما إلى ذلك ().
وقد أضحت تلك النصوص بمثابة الدستور المحدد لنوع المسلك الذي يتخذه الإمام ويسير بموجبه في علاقته بالأمة، وعقد الإمامة عندهم تختلف صيغته باختلاف نوع الإمامة، وباختلاف الظروف، التي بويع الإمام في
11
(1) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر الديوان، مخطوط، 115. (2) انظر الكندي: محمد بن إبراهيم (ق 5 هـ / 11 م بيان الشرع،11/ 68، مخطوط والصائغي: سالم بن سعيد (ق 12 هـ (18) كنز الأديب وسلافة اللبيب الباب الرابع في الإمامة، ورقة (1)
مخطوط.
(3) الكندي: محمد بن إبراهيم (ق (5 هـ) بيان الشرع 12/ 68، 15، 45 مخطوط وانظر أيضا: المنذري: علي بن محمد بن علي نهج الحقائق 290 مخطوط.
(4) الصائغي: كنز الأديب، السابق، ورقة 88.
(5) انظر صيغ هذا العقد في الكندي: محمد بن إبراهيم، بيان الشرع 46/ 68 مخ (1/129)
صفحة 130
ظلها، وهنا نلحظ أن هذه العقود السياسية تنظم العلاقة بين الحاكم ورعيته، ويعد كل منهم ملزما بالوفاء بموجب العقد الذي وصل الإمام بمقتضاه إلى ذلك المنصب. وعليه تترتب أحكام الوفاء والمناصرة، والقيام بالواجب تجاهه، ما كان عاملاً بمقتضى العقد، وإلا ترتب عند الإخلال به أحكام من مثل العزل والخروج عليه وعدم مناصرته، وكل ذلك يدخل ضمن تنظيم وثيق، للعلاقة بين الإمام والأمة، وهي فلسفة تعد امتدادا لعقود البيعة التي كانت تتم مع الخلفاء الراشدين يقول السالمي:
يلزم نصب قائم في الناس في أربعين رجلاً أكي بعضهم بعضاً موافق
ــون لا يُخـ
الفونا
ونا
وستة من أهل علم فيهم يبينون الحكم حيثُ يحك وهم أولو مشورة الإمام نصبهم فرض على الأنام
وجوب طاعة الإمام العادل كطاعة الرسول في الدلائل ربه أقاما
لا شك أن من عصى الإماما
وهو خليع عن دنا فيُبـ
منه لأنه أصابَ الكُفْرا (1)
فالسالمي يتحدث عن الإمامة عند الإباضية، والقول بوجوبها والعدد الذي لا يتم نصب الإمام دونه، والشروط الواجب توافرها فيمن يقوم بالبيعة للإمام أقلهم أربعون رجلاً، متفقون فيما بينهم، فيهم ستة من أهل العلم، فهؤلاء هم أهل مشورة الإمام الذين يجب على الأمة نصبهم، ويؤكد السالمي على وجوب طاعة الإمام وعدم الخروج عليه وعد ذلك كفراً مشبهاً طاعته بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) السالمي: عبدالله بن حميد جوهر النظام، 116/ 3. (1/130)
صفحة 131
مسالك الدين: وقد وضع الإباضية دستورهم مراعين الأحوال السياسية، وما تفرضه الظروف من مسلك يتصرفون بموجبه، بما يحافظ على كيانهم، ويوفر لهم الاستمرارية وفق نظام دستوري، فوضعوا ما يسمى بمسالك الدين، وهو مصطلح يقصدون به الطرق التي يُتَوَصَلُ بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية» (1). وهي لدى الإباضية تمثل المراحل التي يمكن أن تختارها في مختلف أدوار حياتها، إزاء واجب الدعوة إلى الله» (2) بغية التكيف مع مختلف الأوضاع، وهذه المسالك الأربعة، ترجمة عن اجتهادات علمائهم ضمن
مصطلحات خاصة
بهم، وهي:
أولاً: الظهور: وهو أعلى هذه المسالك وأفضلها، وهذه الحالة يشترط لها أن يكون المسلمون من القوة والمنعة بحيث يتمكنون من إنفاذ الأحكام، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وكل ما يتطلبه الدين الإسلامي من النواحي السياسية والاجتماعية (3) وسميت هذه الحالة بالظهور نظرا لتجل أمر المسلمين وقوة شوكتهم، بحيث يختارون إمامة ظاهرة شاهرة، لا يخافون من عدو» (4) وهي تشكل فترة استقرار الوضع السياسي والاجتماعي ولا تتحقق إلا بالإمامة الكبرى» ().
(1) أطفيش محمد بن يوسف شرح عقيدة التوحيد، 113. (2) بكلي، عبدالرحمن، فتاوى البكري، 2، 237. (3) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 20. (4) المرجع السابق، 44.
(ه) أطفيش، محمد بن يوسف، شرح عقيدة التوحيد، 113. (1/131)
صفحة 132
غير
ثانياً: إمامة الدفاع: وهي عبارة عن حالة استثنائية طارئة، وهم في حالة الظهور فيباغتهم عدو يريد أن يقطع دابرهم، ويبدل دينهم، ويقضي على وجودهم» (1) وعندها يجتمع المسلمون فيختارون شخصاً يجابهون به العدو الذي داهمهم» (2) تتوافر فيه صفات القيادة العسكرية، فيبايعونه بيعة دفاع عن الأمة.
ون
ثالثاً: الشراء: وهو تنظيم سياسي ينهج أصحابه إلى بيع الدنيا بالآخرة، وعندما يقبل الشخص المبايعة بإمامة الشراء، فإنه يكون بذلك قد باع نفسه الله، وضحى بها في سبيل دينه، وهو أقصى غايات المبايعة. (3) ويشترطون لذلك ألا يقل عددهم عن أربعين رجلاً.
رابعاً: الكتمان ويدل هذا المصطلح على السرية والإخفاء، في حين يدل الظهور على المجاهرة أي ظهور العدل والحق وأهلهما (4) ومسلك الكتمان يتم بأن يتفق المسلمون على شخص منهم، يرجعون إليه في أمر دينهم وضربوا لذلك مثلاً بإمامة جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله عنهما» (5).
ومن هنا فإن سر إخفاء إمامة الكتمان عند الإباضية يأتي خوفاً على الدعوة والحركة من أن يكتشف أمرها، ورغبة في إخفاء الإمام ليقوم بمهمة القيادة وهو بعيد عن الأضواء، وهي مرحلة تدل على «النضج السياسي لدى
(1) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 20.
(2) انظر أغوشت دراسات إسلامية، 109 مكتبة وهبة ط 2، 1408 هـ / 1988 م
(3) الكندي: أحمد بن عبدالله، المصنف، 10/ 83.
(4) المصدر نفسه، 53/ 10
(5) الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة غاية المراد، 45. (1/132)
صفحة 133
الإباضية، فالكتمان لا يعني السكوت وعدم الحركة، وإنما هو مرحلة إعداد لاستلام السلطة» (1).
وهناك مسألة مهمة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن الحاكم المسلم عند الإباضية تجب طاعته ولا عبرة بالمصطلح أحياناً- عندهم، بل المهم هو إقامة العدل، وتنفيذ الأحكام، والمساواة بين الناس فإمام المسلمين سواء جاء بطريقة الشورى أو بغيرها، إذا كان عادلاً تجب طاعته، والخروج عنه فسق» (2) إذ المطلوب عند علماء الإباضية من الملوك استقامتهم، ونشر الدين والعمل بالكتاب والسنة، ثم لا يهمهم من تولاهم، إماماً أو سلطاناً أو ملكاً» (3).
الإمام وصفاته:
الإمام عند الإباضية شخص يختار حسب كفاءته، وفق الصفات المتوفرة فيه، وهي التي تؤهله لتولي مسؤولية الإمامة العظمى.
وهذه الصفات قد تعرضت لها أغلب المصادر الإباضية كقول أبي المؤثر الخروصي (من علماء ق 3 هـ) ويختارون أفقههم وأعلمهم، وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الحكم بالعدل، وعلى محاربة العدو، والذب عن الحريم، وعلى جباية مال الله من حله وإنفاقه في أهله» (4) وأن يكون «عالماً، نزيهاً، صبوراً، حليماً، باراً بالمسلمين، رحيماً،
(1) مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق، 292.
(2) علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، 1972، وزارة التراث، 1986. (3) الحارثي: سالم بن حمد، العقود الفضية، 297.
(4) أبو المؤثر، الصلت بن خميس الخروصي (من علماء ق 3 هـ) الأحداث والصفات، 61،
التراث.
133 (1/133)
صفحة 134
عطوفاً، غير متكبر ولا متجبر، ولا مقتحم على الأمور، بغير علم ولا مشورة» (1).
وهذه الصفات وغيرها دليل على حرص الإباضية على أن يتولى امرهم أتقاهم، وأقدرهم، وأعلمهم، وأورعهم وأعدلهم، حرصا على مصالح المسلمين، وتنفيذ أوامر رب العالمين، وهو مرتبط بالشورى، فإذا تركها و تصرف دون الرجوع إلى علماء الأمة وقادتها زالت إمامته، وسقطت عن الرعية طاعته (2).
والإمام عندهم ليس له أن يخلع نفسه كما أنه ليس للرعية التخلّي عنه أو خلعه، إلا إذا أحدث حدثا أخل من خلاله بمبدأ من مبادئ الدستور الإباضي (3) بل إنه لا يجوز عزل الإمام حتى يحل، دمه ويظهر كفره، ولا يكلف الناس علم ما غاب عنهم (4). ولابد للإمام من بيعة تمنحه شرعية استلام منصبه
وممارسة نشاطه.
وقد تعرضت المصادر الإباضية لبحث هذه المسألة بصورة مفصلة أفردت لها أبوابا واسعة توضح طريقة البيعة وماهيتها (9) ومن يقوم بها، والشروط التي تؤهل القائمين بها، والعدد الذي لا تتم البيعة بدونه، أقله أو
(1) الكندي: أحمد بن عبدالله، المصنف، 10/ 77.
(2) المصدر نفسه، 81/ 10.
(3) المصدر نفسه 229/ 10.
(4) عقد الدر الثمين، مخطوط، 83.
(ه) انظر: الصائغي: سالم بن سعيد كنز الأديب، مخ 1،2، القسم الرابع الإمامة، والكندي: بيان الشرع مخ ج 68 ص 46،،88 89 90 91، 104 والكندي: المصنف، 10/ 220 -
229 (1/134)
صفحة 135
أكثر ه (1) لكن الناظر في التطبيق العملي والممارسة الفعلية لهذا المبدأ يجد أن
البيعة كانت تتم في مرحلتين:
1 - بيعة الخصوص: وهي البيعة التي يقوم بها العلماء وأهل الحل والعقد، الذين يمكن أن يطلق عليهم ممثلو الأمة ونوابها في مجلس اختيار الإمام، وبالتالي مبايعته بيعة أولية» (2).
2 - بيعة العموم: وهي البيعة التي يتلقاها الإمام من عموم الأمة، في بلدانهم، أو ضمن وفود قبائلهم، وكأنهم يقومون بالتصديق على ترشيح أهل الحل والعقد له، ويعبر عن هذه الفكرة الشاعر محمد بن شيخان السالمي، في قصيدة يمدح فيها الإمام سالم الخروصي، في انعكاس واضح لمبادئ الفكر السياسي الإباضي من البيعة إلى القيام بحقها بقوله:
بايعته العلما والأمرا والبرايا فترقى منصبا (3) هذا هو التدرج في البيعة، بيعة الخصوص، العلماء والأمراء، فبيعة العموم (البرايا) ثم إن الإمام بعد أن بويع قام بالواجبات التي تتطلبها البيعة،
ويحتمها العقد يقول:
قام بالأمر فكان اليمن في سعيه حيث أتى أو ذهبـ ()
(1) انظر: أطفيش محمد بن يوسف شرح النيل، 14/ 312. (2) انظر المصدر (السابق) 14/ 316، والصائغي، السابق، الورقة (1).
(3) السالمي:. محمد بن، شيخان الديوان، 186.
(4) المصدر السابق، ص
186 (1/135)
صفحة 136
وهذه البيعة تتطلب من المبايعين نصرة الإمام والوقوف معه، ومؤازرته حتى تستقيم الأمور في نصابها، وذلك يتطلب الاجتماع وعدم الخروج عن الإمام، يقول ابن شيخان
يا حماة الدين يا أهل الوفا يا كرام الناس قوموا غضبًا أيدوا هذا الإمامَ المُرتضى واعمروا بالعدل هذا المذهبا وانزعوا الأحقاد منكم واسلكوا سبل الخير وداوُوا الوَصَبَا واجمعوا الأمر ولا تختلف واحذروا رَيَحكُم أَنْ تَذْهَبَا (1)
أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح:
أ- المديح الفردي:
يزخر الشعر العماني الإباضي في هذه الفترة بمجموعة من القصائد التي قيلت في الإشادة بالأئمة وبيان كثير من الصفات في شخص الإمام، وقد ظهر في قصائدهم الحرص الشديد على بيان أهم الصفات التي يلزم أن يتصف بها الإمام، كما تقتضيه سياسة المذهب، لتكون مثل تلك القصائد، بمثابة دعوة تذيع فضائل الأئمة، وتنشر محامدهم.
ومما يلحظ في هذا الشأن، أن هؤلاء الشعراء، لم يكونوا من شعراء البلاط، كما يسمون، ولا يمدحون قصد التزلف وبغية العطاء، بل يفعلون ذلك استجابة للواجب الديني الذي تمليه على الشاعر عقيدته، كما نجد ذلك عند أبي
(1) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 187.
136 (1/136)
صفحة 137
مسلم البهلاني في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي (1) (1301 هـ 1338 هـ حين أشار إلى أنه يمدح الإمام أداء لواجب الولاية لهذا الإمام، لا قصد التزلف إلى غرض من أغراض الدنيا الفانية دون أن ينسب إلى نفسه فضل انتقاء الكلام، بل كان حر اللفظ يتسابق إلى ذهنه حالة إنشائه لمدحته
فيقول:
وما أنتقي التمجيد فيك وإنما إليك اهتدى حُر الكلامِ المُلائم يسابق فيك الحمدُ قبل انتقاده وهذا لأنَّ الحَمْدَ فيك مارِمُ وسنت بأقْصَى الحمد فيكَ مُمَوِّها إلى الغرض الفاني بشعْرِي أَرَاحِمُ ولكن رأيت الله يمدحُ أهْلَهُ وَمَنْ فَضله بدء العطا والخواتم (2)
وقد امتزجت مدائح الأئمة لدى الشعراء الإباضيين بمشاعر صادقة ناشئة عن قناعة بمبدأ ديني، وتوجه إيماني بوجوب المشاركة، والتعبير عن الأئمة، حب والدعوة إلى مناصرتهم، ويتجلى ذلك عبر جملة من القصائد التي أرسلها منشئوها ترجمة عن مشاعرهم من مهجرهم في زنجبار كما فعل
الشاعران أبو وسيم
فـ
الأزكوي (3) في مدائحه للإمام عزان بن قيس (1) وأبو مسلم
البهلاني (2) في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي.
(1) هو الإمام سالم بن راشد بن سليمان الخروصي (1301 هـ - 1338 هـ) بويع بالإمامة في عمان عام 1331 هـ في بلدة تتوف من أعمال نزوى نال الشهادة، وعرف بالعدل والاستقامة
والنزاهة والزهد، انظر السالمي: محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، 167، 262.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 250. (3) هو: خميس بن سليم الأزكوي السمائلي، عاش في القرن 13، 14 هـ، له ديوان شعر
مجموع. (1/137)
صفحة 138
أبو وسيم الأزكوي عن صفات الإمام عزان بن قيس وصحبه، يعبر مشيراً إلى موقعه القبلي، خالعاً عليه صفات التقوى والشجاعة قائلاً:
فأصبحَ عَزَانُ بن قيس مُمَلَّكا مام هُدَى الله يغزو ويفتحُ مليك به ترضى الإمامة قائماً وما كلُّ مَلْك للإمامة يصلح تقلد سيفين المهند والتقى لأن كلا السيفين في الخطب منجح (3)
ويمدح الشاعر الأزكوي أولئك الفتية الذين آزروا الإمام، وقاموا
بنصرته فجادوا بأنفسهم وأموالهم، بقوله:
وأسفر ليلُ الجور عن صبح فتية مع العدل والإنصاف أَمْسَوا وأصْبَحُوا مشائخ صدق سادة عربية أئمَةً حقٌّ فَضلُهـ مُتوَضْحُ
بدورُ تَحلَّت بالكمالاتِ والعُـ شموس تجلت في السموات وَضَحُ لقد بذلوا في طاعة الله أنفسا كراماً أبت إلا إلى الله تجنح (4)
وظلت الإمامة تشكل هاجساً عاطفياً لدى الشاعر العماني، رافقته طوال الزمن، لأنها بقيت حية لفترة طويلة وشكلت بالنسبة له أحد الجوانب التي تهيج
(1) الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1252 هـ 1836 - 1287، 1871 م) بويع بالإمامة في عمان عام 1285 هـ وقتل عام 1287 هـ (2) أبو مسلم ناصر بن سالم بن عدم الرواحي، البهلاني (1273 هـ 1856 م-1339 هـ 1920 م عالم قاض مؤلف، محقق، شاعر، ولد في وادي محرم من ولاية سمائل، لقب بأعلم الشعراء وأشعر العلماء.
(3) انظر الأبيات في الخصيبي محمد بن راشد البلبل الصداح، مخطوط، 33. (4) المصدر نفسه، 32. (1/138)
صفحة 139
مشاعره، لرسوخها في وجدانه فهي منهج عملي، وسلوك تطبيقي وليست
مجرد نظرية مختزنة في بطون الكتب.
وبقي الشاعر الإباضي - حتى فترة متأخرة - متأثراً بهذه القضية، تمده بفيض من الالتزام والحماسة، فتراه يمدح الإمام، ويشيد بالإمامة ويعدها قضيته المركزية، شغلت بال عدد من الشعراء في هذه الفترة، كالشاعر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وأبي وسيم الأزكوي وأبي مسلم البهلاني وابن شيخان السالمي والمر بن سالم الحضرمي، وعامر بن خميس المالكي، وخالد الرحبي، وأبي سلام الكندي وغيرهم ممن ظلوا يتغنون بذلك النظام ويتحدثون عنه، ويشيدون به، في إطار من الوعي السياسي والالتزام الديني.
ومما يمكن ملاحظته بوضوح في قصائد هؤلاء الشعراء، أن نصوصهم الشعرية في هذا الاتجاه، جاءت ممتزجة بالحماسة والفخر بهؤلاء الأئمة، والاستثارة للجماهير، طالبين منهم مناصرة أنظمتهم السياسية والدينية، ويأتي على رأس هذه القائمة الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني، الذي سخر فنّه ومقدرته الشعرية وقدرته البيانية، ليكون لسان حال هذا النظام، فظل يعزف بقيثارته على وتر حماسي.
وعلى أية حال، فإن مديح الشاعر الإباضي للأئمة والعلماء أو الزعامات الدينية، لم يكن يفضي به إلى الغلو في الإشادة بالأئمة، بقدر ما كان يذيع محامدهم، ويشيد بفضلهم، ويدعو الجماهير إلى الالتفاف حولهم.
وعليه فإن ما يخلعه الشاعر من صفات إنما هي صفات واقعية، وإن قدمها في صورة تكاد تكون مثالية لكنها حقيقية لأن اختياره، أصلا تم حسب شروط رأى توافرها فيه، ولذلك كانت طاعته واجبة، والخروج عليه بغي،
1397 (1/139)
صفحة 140
يقول أبو مسلم البهلاني مبينا ما يجب اتخاذه من موقف تجاه الإمام سالم بن راشد الخروصي:
وإنَّ إمام المسلمين على هدى مخالفه باغ على الحق ظالم إمامته حق وفرض اتباعه على ساكني المصر العُماني لازم وإن الذي وفّى بطاعة أمره ولى وإلا فالعدو المخاصم وهذا اعتقاد فوق كُلِّ مُكلَّف له من أصول الدين قطعاً دعائم (1)
ولا يخفى ما في هذه الأبيات من استثمار العقيدة الإباضية في السياسة الشرعية، بوجوب طاعة الإمام وحكم الخارج عليه، ومسألة الولاية لمن أطاعه، والبراءة ممن عصاه.
ويؤكد الشاعر في موضع آخر، أن طاعة الإمام والوقوف معه دين افترضه الله، محذراً من مغبة عصيانه موجبا، بيعته، فاعتقاد إمامته واجب، والتسليم لقيادته الدينية والسياسية فرض عين، بعد أن قامت الحجة عليهم، وإلا حل بهم غضب الله وسخطه، كما يقول:
يا قوم طاعتُهُ في مصركُمْ وَجَبَتْ فرضاً عليكم وما في الدين إذهانُ يا قومُ لا تُدبروا عنه فَإِنَّ لَكُمْ رَبِّاً يُحاسب والأدبار عصيان يا قوم إن تُدبروا يَغْضَبْ إِلهُكُمُ أو تعرضوا عنه فالإعراض خسران فراقبوا الله فيه إن حُجَّته قد قام فيها بحكم الله بُرهان (2)
(1) أبو مسلم البهلاني، الديوان، (مخ) 250.
(2) المصدر السابق، 243. (1/140)
صفحة 141
ذلك أن للأئمة حقوقاً دينية فطاعتهم واجبة ومحبتهم منجاة، والخروج عليهم مهلكة والتمرد على سلطتهم خروج على الدين، وهي ترجمة عن مكانة الأئمة ومنزلتهم في المذهب، أخذا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1).
والباحث يلحظ أن الشاعرين أبا مسلم البهلاني وخالد الرحبي، من أكثر الشعراء الإباضية تحذيراً من مغبة الخروج عن طاعة الإمام في هذه الفترة ليجد أن شعرهم يندرج في جانبين:
أولاً: تحذير عام لجميع الناس من مغبة الخروج عن طاعة الإمام.
ثانياً: نقد موجه إلى شخصيات بعينها كان لها موقف واضح في الخروج وعدم إتباع الإمام وهذا ما سيتعرض له الباحث في النقد السياسي والاجتماعي في هذا الفصل.
وفي نطاق «المديح الفردي» الذي يمدح به الشاعر إماماً بذاته، فإن الشاعر أبا مسلم البهلاني، يأتي في مقدمة هؤلاء الشعراء الذين أثنوا على الأئمة عموماً، وعلى الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي على وجه الخصوص، فقد خصه بأربع قصائد، تعد من عيون قصائد الأئمة مديح الإباضية (2).
ونجد أن أبا مسلم لا يكتفي بالأسلوب التقريري حين يعرض فكرته في المديح، بل نجده يتوغل في أحشاء التاريخ ويستعين بمصطلحات المذهب بعد
(1) سورة النساء، آية 59.
(2) وهي القصائد الأربع المعروفة بالفتح الرضوان، والميمية والعينية، والمقصورة. انظر
الديوان ص ص 229 - 274. (1/141)
صفحة 142
أن تشربت بها نفسه ضمن معان جسد فيها صورة الإباضي الشاري الذي باع دنياه بآخرته، كما في هذه الصورة التي يصف بها شخص الإمام سالم بن راشد الخروصي.
ومحترق الأكباد من حُبِّ ربه له صعقات بينه ومصارعُ
إلى أن يقول:
يرى كُلِّ شيء غير مرضاة رَبِّهِ رماداً به اشتدَّت رياح زعازعُ رمى عرض الدنيا وراءَ يَقينه بأن وراء الحد شأن يُسارعُ يحرر نفساً من عبودة مطم سوى رَغَبَ فِيهِ إِلَى اللَّهُ طَامِعُ به أنفُ الْأَمْلاكِ فِي نَضْرَة الغَنَى وما نال منه ما تقل الأصابع يبيت وللأحزان جمرة قلبه تشب إذا سالت عليها المدامع إذا ذكر الأخرى تضاءل جازعاً كان راعه من هادم العمر رائع وإن ذكر الدنيا تفاني وأصعقت مشاعره تلك الصعاب القوارع (1)
ويسترسل الشاعر البهلاني في إشادته بالإمام قائلاً:
على الأرض منكورٌ ويُعْرِفُ في السما له مخبر بين الملائك شائعُ تراه متى ما الليل عَمْرَ بيته عموداً على محرابه وهو راكعُ يُشعشع بالقرآن أنوار قلبه فعنهنَّ شُقَّتْ للعيون المدارِعُ يُرجع في الديجور رنّة ثاكل نحيباً كما ناخ الحمام السواجعُ (2)
(1) البهلاني، ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 258. (2) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخ، 259. (1/142)
صفحة 143
ويمدحه الشاعر في قصيدته «الفتح والرضوان» بأهليته لتولي هذا المنصب الخطير، فهو من أسرة عريقة المجد، لا ينكر فضلهم، اختاره الله سبحانه، صفوا من خلاصتهم، صاحب كرامات، أشرقت العدالة وانطفأ الجور بإعتلائه منصب الإمامة، فيقول البهلاني:
جاءت إمامته والأرض مظلمة والنَّاسِ فَوْضَى وأهلُ الجور ذوبانُ فاشرق العدل في أرجائها ولقي عز المفاسد إرهاق وإيهان جاءته ما كان بدعاً من أئمتها من جده ابن تميم المجد عَزَانُ ما اختاره الله صفوا من خلاصتهم إلا وللصفو من إكرامه شان (1) ويبين الشاعر في قصيدة أخرى بعض كراماته ومنها: أنه جاء مراغماً
لكل من عارض إمامته، وهو كالحد والنصل للسيف، فيقول:
وحسب الإمام المهتدي من كرامة بأن قام والدنيا جميعاً تُراغمُ ومن يَكُن المنصور من عند ربه وقاومة المخلوق ذلّ المُقاومُ إمام الهدى إن ينتض الدين سيفه فأنت له حدّ ونَصْل وقائم (2)
وتغنى عدد من الشعراء بمديح الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبدالله الخليلي، ومنهم الشاعر أبو الوليد سعود بن حميد الذي يبين أن هذا الإمام قد تهلّلت السماوات، فرحة لاعتلائه منصب الإمامة، وأنه قد اختير وفق صفات أهلته لتبوء منصبها، فهو أجلهم قدراً، وأسمحهم نفساً، ويذهب الشاعر إلى أن العناية الإلهية رافقته منذ نشأته، لتعده لتحمل هذه
(1) المصدر نفسه، 235.
(2) المصدر نفسه، 250 (1/143)
صفحة 144
الأمانة، فنشأ عفيفاً طاهراً حتى أن الشاعر نظر إلى من حوله من العالمين، فلم يجد في مثل هديه واستقامته إلا الأنبياء، وهذه مبالغة واضحة من الشاعر، وهو فرد في أمة، وأمة في فرد، فيقول:
بعـ
جاء الخلافة دما كانت له قدراً فصادفت المحل الأطولاً ألفته أكثرهم هدى وأجلهم قدراً وأسمحهم كريماً مفضلاً شق الإله من السلامة إسمه وغذاه بالتقوى جنيناً مطفلاً فنشا أعفُ الجيب أورع طاهراً في عسكر التوفيق يرفل عنهلا ولقد سبرت العالمين فلم أجن في هديه إلا النبي المُرْسَلا هو أمةً فرداً إذا لاقيت متضمناً فخر العوالم مُجملا (1)
وعبر الشعراء عن فرحتهم بإحياء هذا النظام السياسي، مستبشرين بحركتهم السياسية، فابن شيخان السالمي يصور هذه الحركة، التي كان على رأس القائمين بها الإمام نور الدين السالمي، كما يصور استمداداتها الروحية التي تمتد إلى الحركة الوهبية الإباضية فيقول:
نعشت فينا قلـ وب للهدى وجسوم فيه تشكو النصبا جذبتنا نفح ة وهبية تجعل المنكر والجور هبَ خرجت في الأرض تمحو باطلاً وتردُّ الظلمَ مِمَّن رَكب
ثم يصف الإمام سالما الخروصي بقوله:
ركبا
سلَّهُ الله حُسـ اماً لامعاً يقطع الكفر ويجلو الغيهب بايعته العلم ا والأمرا والبرايا فترقى منصبا
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصدّاح، 24 (1/144)
صفحة 145
فهو فتاح الصياصي والقرى وهو وضاح الصحاري والربا زهت الدنيا به كالعيد في أهله وافق دَهراً طيباً أمره شورى فلا خلف لما يرتضيه العلماءُ النَّجَبَا (1)
إنها قصيدة زاخرة بالكثير من المصطلحات الفكرية الإباضية، بدءاً بالخروج على الظلم وتقدير أصول هذه الحركة الفكرية، مشيراً إلى مصطلحي «البيعة» و «الشورى» وهما عمدة النظام السياسي عند الإباضية.
ويشارك الشاعر عيسى بن صالح الطيواني (2) إخوانه العمانيين فرحتهم، فيرسل قصيدة من بلدة مسقط، حيث كان يشغل منصباً قضائيا فيها، مهنئاً إخوانه على ذلك الاجتماع، وما نجم عنه من بيعة الإمام سالم الخروصي في أسلوب يشي بصدق الإحساس والعاطفة، فيقول:
للحق نور سناه مُشرق أبداً لو أنكرته عيون ملوها رمدا تبارك الله نور الحق منبلج فأشرقت بسناه الأرض حين بدا فالغرب في دهش مما تحاوله والشرق من فرح لا يعرفُ الكمد (3)
مشيداً ببيعة الإمام سالم الخروصي، ومهنئاً «تنوف» بذلك الفخر الذي
نالته مما جعلها تحتل مكانة سامقة بين بلدان عمان، فيقول:
(1) السالمي: ابن شيخان، الديوان، 185.
(2) هو الشيخ العلامة عيسى بن صالح بن عامر الطائي، أحد قضاة السلطان تيمور، ثم السلطان سعيد بن تيمور، أديب شاعر توفي عام 1362 هـ. انظر ترجمته في الخصيبي، محمد بن
راشد، شقائق النعمان، 3/ 205.
(3) السالمي: محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، 192. (4) بلدة من قرى مدينة نزوى تبعد عنها زهاء 15 كلم.
145 (1/145)
صفحة 146
فبايعوا سالماً لما رأوه لها إمام صدق غدا في الله مجتهدا أمست تُنوفُ بلا تنوفُ على كل البلاد بهم، أكرم بها بلدا هنيت بالنصر والفتح المبين أيا إمامنا إذ نصرت الواحد الأحدا شيدت للحق أركانا دعائمها فوق السماك وصيّرت القنا عُمدا (1)
ويصور الشاعر حالته النفسية إزاء الإمام وصحبه، وما يحس به تجاههم، ويبدو أن الشاعر لم يعر بالاً لما يمكن أن يسفر عنه تصريحه، بتأييد ذلك النظام السياسي، وبيّن أنه لم يعد قادراً على إخفاء مشاعره. فيقول في خطابه للإمام سالم الخروصي:
إذا ذكرتكم أهتز من طرب كأنني صارم في راحتيك بَدَا رام العدول ازعوائي عن محبتكم وما درى أنَّ صَبري عنكم نفدا وكيف أترك تياراً يمج هدى آليتُ لا أرِدُ الضحضاحَ والثَّمَدا (2) يا رب نصراً لأهل الحق قاطبة وَاجْعَلْ ملاكك في الهيجا لهم مَدَدا (3)
ب شخصية الإمام في قصيدة المديح
وكما قام الشعراء بمدح الأئمة وبيان صفاتهم، فإنهم قد أسهموا في رسم صورة إنسانية راقية لشخص الإمام فخلعوا عليه من قيم المروءة العربية والشمائل الإسلامية، فالشاعر ابن شيخان السالمي، يصور لنا شخص الإمام
(1) المصدر السابق 193، 194.
(2) الضحضاح: الماء القليل يكون في الغدير، لسان العرب ماد ضحح والثمد: الماء القليل الذي
لا ماد له، لسان العرب مادة ثمد
(3) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، 94. (1/146)
صفحة 147
الخليلي، وموقعه بين الأمة بإنسان عين الدهر، وهو النور المضيء للكون، حاز الإمامة إرثا وكسبا إشارة إلى موقعه القبلي وعلو نسبه قائلاً:
إنسان عين الدهر عنوان الهنا نور الدنا أقصى المنى للأمل زهرت به الدنيا وطاب مقامها وحلت لنا بمشارب ومآكل ذو رحمة للمهتدين ونقمة للمعتدين ونعم ة للسائل حاز العُلا إرثاً وكسنباً فاستوى فيها على كرنسي المقام الكامل (1)
وهو في هدايته كالبدر، تُمحى به الضلالة وهو حاكم عادل بين رعيته لا يرضى بالجور ولا الرشوة في حكمه، كما يقول الشاعر جمعه بن سليم
الخنجري.
سبحان من سواك بدراً مشرقاً فمحا العمى وجلا الغشاوة والعشا يا حاكماً بالحق، أعدل حاكم بين الورى ما جار قط ولا ارتشى (2)
ومع هذا وذاك فان الله سبحانه قد جعل توافر شروط الإمامة في أشخاص مشهود لهم بالكفاءة العلمية، والمنزلة في الحسب والنسب جمعوا صفات خلقية وأخرى خلقية يقول أبو مسلم البهلاني في صفات الإمام سالم بن راشد الخروصي.
فلك الجلالة والنبالة والتقى يبدي المحيا عن ضياء نهار ورث المهنا وابن كعب وارثاً والصلت من أجداده الأطهار أخذ الإمامة كابراً عن كابر أخذَ الثّمار جواهر الأشجار (1)
(1) السالمي: محمد بن شيخان ديوان ابن شيخان، 198. (2) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 1/ 255. (1/147)
صفحة 148
وهو بعد هذا وقبله، لم تأته الإمامة بدعاً، فقد كان عدد من أجداده من رموزها، ينتمي إلى أسرة عريقة في الحسب، متعلق بذروة اليحمد الذائعة الصيت، من لا ينكر فضلهم، ولا تجحد مآثرهم، مصوراً اختياره من صفوتهم تكريماً له، وإعدادا لمهمته كما يقول أبو مسلم:
جاءته ما كان بدعاً من أئمتها مَنْ جَدَه ابن تميم المجد عزان (2) في ضئضئ العزة القعساء محتده إذا تفاخر قحطان وعدنان (3) بذروة اليحمد الصيد الملوك له أعراق مجد و آساس وبنيان (4) لا ينكر الناس ما للقوم من قدم وكيف يلحق عين الشمس تكرانُ أحسابهم ومعاليهم ودينه كواكب وهدايات ورضوان ما اختاره الله صفوا من خُلاصتهم إلا وللصفو من إكرامه شان () كما شبه الشعراء سيرة الأئمة بسيره المصطفى الله، وسيرة العمرين في العدل بين الرعية، يقول الشاعر منصور بن ناصر الفارسي في مديحه للإمام محمد بن عبدالله الخليلي:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان (مخ) 374.
(2) عزان: هو الإمام عزان بن تميم الخروصي (ت (280 هـ (893 م من أجداد الإمام سالم بن راشد الخروصي، الممدوح في هذه القصيدة. ينظر دليل أعلام عمان، 117.
(3) الضئضئ والضوضوء الأصل والمعدن ينظر لسان العرب مادة ضاضاً (4) اليحمد: تلتق ي فيه قبائل عديدة من الأزد، ومنهم بنو خروص بن شاري بن اليحمد، وهم حضيرة الإمامة بعمان، وبيت العلم والعمل أكثر أئمة عمان منهم أنظر: السيابي: سالم بن
حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان 111 - 114.
(5) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، 235.
148 (1/148)
صفحة 149
بنهج المصطفى قد سرت فينا وصديق وفاروق مُماثل ملكت وقد وسعت الملك عدلاً وقد أسجحت موصولاً وواصل (1)
ويصف الشاعر خالد بن هلال الرحبي الإمام الخليلي بصفات الشجاعة والمروءة والإقدام والاستقامة على الدين والمحافظة عليه، ويقدمه في الصورة التالية:
إمام الهدى بحر الندى قاصم العدى غيات الورى الليث الهزبر المعظَمُ همامُ به الرّحْمَنُ قومَ دين فطاعته فرض علينا محتّمُ
نقي بلا عيب يُدَنَّسُ عرضة سوى
أنة أعلى الأنام وأكرم الملةَ السمحاء عن كُلِّ فاجر ودان بما دان النبي المكرم (2)
ويشبه الشاعر الإمام بالسلك الذي ينتظم حبّات عقد دين الله، إشارة إلى موقعه ضمن سلسلة من الأئمة الأخيار قائلاً:
فأصبح مثل السلك للدين والعلى ودين إله العرش عقد مُنظَمُ أجل بني الآباء قدراً ورفعة وأثبتهم في النائبات وأعظمُ همام نشا من دوحة يمنية بها افتخرتْ عُربُ الأنام وأعْجَمُ (3)
ويشبه الشاعر الإمام الخليلي وصحبه بالنبي عيسى اللة وحوارييه،
وهم يقفون بجانبه زهداً وشجاعة، ونصرة ووفاء فيقول:
(1) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 159. (2) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية أ.
(3) المصدر نفسه، ب. (1/149)
صفحة 150
س
اعة قاموا
فلانت عيسى في الزمان زهادة وهم الحواريون علموا الممات على رضاك شهادةً والعيش إلا في حماك حمام عرفوا الدسائس والمراد فوفقوا ووفوا وأفعال الكرام كرام (1) ولكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو:
ما الصفات التي خلعها الشاعر الإباضي على أئمته، وتصور مكانة الإمام الدينية؟
الناظر في صفات الأئمة عند الشاعر الإباضي، يجد أنه قد أضاف مديح إلى نعت المديح الذي وضعه قدامة بن جعفر، المتمثل في الصفات الأربع عنده، وهي: العقل والشجاعة والعدل والعفة وما يتفرع عن كل منها، وما يتركب من جمع بعضها مع الصفات الأخرى (2).
عبر قراءة لنتاج شعراء هذه الفترة ومدائحهم للأئمة، يتضح أن الشعراء. قد منحوا الأئمة بعدا دينيا، انعكس فيه تأثرهم بالبعد الفكري الإباضي في خصوصيته، والبعد الإسلامي في عمومه، فالإمام ولي الله، وولي الله ولي لعباده الصالحين تجب، ولايته، وتتعين طاعته، يقول أبو مسلم
البهلاني
وحمد ولي الله عين ولاية وتوقيره فيض من الله ساجِمُ (3)
(1) المصدر نفسه 1.
(2) ينظر أبو الفرج قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى مطابع النجوى، القاهرة،
د. ت، الطبعة الثالثة، 66 - 68.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 251.
15 (1/150)
صفحة 151
ويقول آخر:
إمام الهدى لي فيك صدق محبة وَحُبُّ اصطفاء قد خلا منه شائبة فحب ولي الله فرض أدينه وبغضهم بالله كفر عواقبه (1)
ومنح الشعراء الإمام لقب «خليفة «الله» الذي أعقب خلفاء سابقين، تعاقبوا على هذا المنصب الديني السياسي، كما يقول الشاعر خالد بن هلال الرحبي:
لم يمض قرنّ بلا حَبْر يقوم به من عهد أحمد خير العُجْمِ والعَرَب (2) أئمته تترى وأعقبهم «خليفةُ الله» زين الدين والحَسَبِ (3)
مضت
وأطلقوا عليه لقب «سيف الله» و «سيف الحق»، فهو سيف الله الذي سله الله حساماً على أهل الضلال، ما حيا بنوره الظلمة، كما يعبر عن ذلك الشاعر خالد بن هلال الرحبي، في وصفه للإمام محمد بن عبدالله الخليلي:
أنضى لها الله سيفاً فيصلاً فمحا من سوحها أسْطُرَ البطلان والرَّسُما «سيف الإله» الذي أفنت مضاربه أهل الهوى ومحت أنواره الظلما () والإمام «سيف الحق» الذي يقطع كل مخالف كما يقول أبو سلام الكندي: وهو «سيف الحق» في الأرضِ فَمَنْ رام اختلافاً كان قطاع الوتين (5)
(1) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 153.
(2) الحَبْر: بالفتح: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه لسان العرب، مادة: حبر.
(3) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعة من قصائده الشعرية، مخ 7.
(4) المصدر نفسه، 1.
(5) الكندي: أبو سلام سليمان بن، سعيد ديوانه، نشر الخزام، 10، مخ. (1/151)
صفحة 152
وهو «يمين الله يضرب بها كل خائن له حق البيعة، ومن لم يفعل ذلك فقد باء بخسارة كبيرة كما يقول أبو مسلم البهلاني في دعوته لمبايعة الإمام
الخروصي:
إن الإمامَ «يمينُ الله» بينكُمُ فبايعوه وإلا حل خُسران (1) و «إمام الهدى الذي ترتبط سلامة الإسلام بسلامته، يقول الشاعر
الرحبي:
واسلم «إمامَ الهُدى» طول الزمان فإن تسلم فإن حمى الإسلام قَدْ سَلَمَا (2) وأنه «إمام الدين» الذي لا تنفذ أحكام الله إلا في ظل وجوده يقول
الرحبي أيضاً:
واسلم ودم يا «أمام الدين» منتصراً على العداة مرور الدَّهرِ والحقب (3) (4) ولأنه تتحقق العدالة بوجوده فهو إمام العدل» كما يقول الشاعر خالد
الرحبي:
ألقت لأمر «إمام العدل» طاعتها فعف عنها، ولم يهتك لها حُرَما (5)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 243.
(2) الرحبي خالد بن هلال مجموع
:
(3) المصدر نفسه، 23.
عة من قصائده، مخ، 15.
(4) الحقب. جمع حقبة، والحقبة من الدهر مدة لا وقت لها، لسان العرب، مادة حقبت.
(ه) الرحبي: خالد بن هلال مجموعة، من قصائده، 14. (1/152)
صفحة 153
وهو «أمير المؤمنين» الذي يتقرب الشاعر بولايته ومحبته، كما يبدو في قول أبي مسلم البهلاني
بحب «أمير المؤمنين» ابن راشد أدين وأنفُ الخصمِ خَرْيانُ رَاغُم (1)
وهو «إمام المسلمين» المرجّى لجبر كل كسر، وإنهاض كل عاثر، يقول
الشاعر عبدالرحمن الريامي:
إليك «إمام المسلمين» توجهـ
أيا قبلة الآمال يا جابر الكسر
فأنت الذي ترجي لإنعاش عاثر فخذ سيدى بيدي وارفعن قدري (2)
وهو «بدر الدين» وقطب الزمان والملجأ في الحادثات، وهو أجل مليك في خير بلدة، وخير إمام في خير مذهب، كما يرى ذلك الشاعر الرحبي في مدحه للإمام محمد بن عبدالله الخليلي:
محمد بدر الدين قُطْبُ زماننا وملجؤنا في الحادث المتشعب أجل مليك قام في خير بلدة وخير إمامِ قامَ في خيرِ مَذهَب (3) وهو «شمس الدين الذي كان وجوده مسلياً عمن فقد من الماضين
الأخيار، كما قال الرحبي:
إمام البرايا من لنا ببقائه سلو عن الماضين لازمة النَّصْرُ محمد شمس الدين» بدر زماننا وآلك من هُم للهدى أنجم زهر (1)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 252 (2) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 154.
(3) الرحبي، خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخ، 19. (4) المصدر السابق، 33. (1/153)
صفحة 154
وهو «الإمام المنصور» كما يقول أبو سلام الكندي وأبو الوليد سعود بن
حميد، في وصفهما للإمام محمد بن عبدالله الخليلي (1).
والإمام نور الدجى وشمس الضحى، كما يقول ابن شيخان السالمي في
وصف الخليلي:
تاج العلى «بدر الدجى» «شمس الضحى»
نور الدنا قهر العدى والناكل
إنسان عين الدهر عنوان الهنا نور الدنا أقصى المُنى للآمل (2)
وهو «الكوكب المنير» متى تجلّى كشف حجب الليلة الظلماء بنوره،
فيبعث روح الحياة إلى جسم الوجود، يقول البهلاني:
حتى انجلى «الكوكب الدري» فانكشفت بنوره عن وجوه الحق أغيان (3)
هنالك انبعثت روح الحياة إلى جسم الوجود وقد أرداه طغيان (4)
وهو «مرجع الإسلام»، كما قال الريامي مخاطباً الإمام الخليلي:
يا «مرجع الإسلام» شمر واجتهد فإنك الموئل ما أمر عنى (5)
(1) انظر الكندي، أبو سلام ديوانه قصيدة أبي الوليد في الخصيني محمد بن راشد البلبل
الصداح، 40.
(2) السالمي: ابن شيخان، ديوانه 198.
(3) أغيان الغين: لغة في الغيم، وهو السحاب وقيل النون بدل من الميم، لسان العرب، مادة:
غين.
(4) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه (مخ) 233.
(5) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه (مخ) 267
<101 (1/154)
صفحة 155
جـ - المديح الجمعي للأئمة:
وَصَفُ الشاعر الأئمة وصفا عاماً في موضع التذكر لسيرتهم، هو ما يمكن أن نطلق عليه المديح الجمعي» وذلك حين يسوق الشاعر مجموع صفات الأئمة الإباضيين ومناقبهم، محاولة منه بأن يضع متكأ يعتمد عليه للحديث عن الانطلاقة الجديدة، ربطاً بين الأصالة السياسية لهذا المنهج، ومحاولة بعثه، كما عبر عن ذلك أبو مسلم البهلاني في قوله:
تعاقبت خلفاء الله منصبَهـ
أئمةٌ حفظَ الدين الحنيفُ بهـ
منذ الجلندى (1) وختمُ الكُلّ عزان
من يوم
قيل لدين الله أذيانُ
صيد سراة أباة الضيم أسد شرى شُمْسُ العزائم أواهُونَ رُهْبَانُ النَّجاة هداه الناس قادتهم طُهر السرائر للإسلام حيطان
سُفْنُ
على الحنيفية الزهراء سيرهم والوجه والقصد إيمان وإحسان يسيرة العُمرين استلاموا وسطوا لشربة النهروان الكل عطشان هم أسمع الناس في حق وأبصرهم وفي سواه هُم صُمٌّ وعميان لم تُلههم زهرة الدنيا وزخرفها إذ همهم صالح يتلوه رضوان وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين إن عزوا وإن هانوا ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا انثنى عزمهم نفس وشيطان (2)
(1) الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندي ت (134 (751 م عقدت له أول إمامة للظهور في عمان سنة 132 هـ / 749 م وحكم بالعدل مدة سنتين وشهراً، أرسل إليه العباسيون جيشاً بقيادة خازم بن خزيمة، فمات شهيداً في المعركة سنة 134 هـ / 571 م. ينظر: معجم أعلام الإباضية، 2: 238.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخ، 231، 232. (1/155)
صفحة 156
إنها أبيات تزخر بمعاني الفكر السياسي والتاريخي للمذهب الإباضي، ضمن لوحة يرسم فيها الشاعر ملامح أئمة الإباضية وصفاتهم، ليقدمها للقارئ في صورة زاهية فذكر الشاعر تعاقب الأئمة الإباضيين الذين أطلق عليهم «خلفاء الله» على منصب الإمامة، منذ أن عقدت أول إمامة في عمان على الإمام الجلندى بن مسعود (ت 134 هـ) إلى أن ختمت في ذلك الوقت بإمامة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي عام (1252 هـ - 1287 م) ضمن سلسلة تم على يدها نقل هذا الدين وحفظه (يقصد (المذهب أما صفات هؤلاء الأئمة فهم كالأسود في شجاعتهم وإقدامهم، وكالرهبان في تبتلهم وعبادتهم، وكالجدران الحصينة في الحفاظ على دين الله، وبسبب ذلك استحقوا مديح القرآن فيهم، حين تمسكوا بالحنيفية الزهراء، وتأسوا بسيرة العمرين، متعطشين لنيل الشهادة في سبيل الله، أو ما سماه الشاعر شربة النهروان» ولا يخفى ما في هذه الأبيات من ملامح تاريخية تتصل بتعاقب الأئمة في عمان، ولمسات فكرية، تنطق برأي المذهب في سيرة الخلفاء الراشدين، حينما يجعلون من سيرة العمرين السيرة التي تحتذى لأنها سيرة لم يكدر صفوها مكدر.
ويكمل الشاعر رسم صورة ملامح الأئمة وصفاتهم فهم «صعب الشكائم» في ذات الله، متواضعون لعباده، يعلو جباههم النور، متبعون لسنة رسول الله، واضعون أوامر ربهم نصب أعينهم، ثم بين في ثنائية ومقابلة، كيف أنهم في الحق أسمع الناس وأبصرهم، وفي الباطل: صم و وعميان، لم تختلبهم الدنيا بزهرتها، باعوا ما يفنى بما يبقى.
ونجد أن ذات الشاعر تندغم مع هذه الصفات فيفخر بهؤلاء الأئمة، وينتشي بذكرهم، فيحلق الشاعر إلى أفق رحب يصل به إلى حد المبالغة التي تعكس شدة التعلق بهم حين يقول: (1/156)
صفحة 157
أولئك القومُ أنواري هديت بهم عقبى محبتهم عفو وغفران
أئمتي عُمْدَتي ديني محجتهـ غوثي إذا ضاق بي في الكون إمكانُ لا يقبل الله ديناً غير دينهم ولا يصح الهدى إلا بما دانوا إن يَشْرف الناس في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإيقان (1) ومن صفات هؤلاء الأئمة قناعتهم بما لديهم لا يطلبون مالاً فانياً، لهم سمت الملوك وهدي الأنبياء، جازوا هذه الجسور خفافاً، زادهم التقوى والخوف من الله، والصبر على المكاره، حتى مضوا للقاء ربهم، لتبقى آثارهم كالنور يستضاء بها، وذكرهم مراهم يشتفى بها، يقول:
سيما التعفف تكسوهم جلال غنى فالقلب في شبع والبطنُ خمصَانُ سمْتُ الملوك وَهْدي الأنبياء على أخلاقهم فكأن الفقر تيجان لهم الدنيا فما جَهلوا حقيقة الأمر أنَّ العيش ثُعبان جازوا الجسور خفافَ الحال وَقْرِهُم زهد وخوف وإصبار وشكران فاز المخفون من دار الغرور فلا خوف عليهم ولا بالقوم أحزان مضوا وآثارهم نور وذكرهم رحمى ومضجعُهُمْ رَوْح وريحان (2)
والشاعر قد وفق في هذا البيان الذي يصف هذه السيرة فيحببها إلى النفوس، لتتمنى أن تعيش في نظام يشبه ذلك النظام، وأن يروا مثل أولئك الرجال، ليتخلص من تلك المقدمة الطويلة، إلى ما هو متجه إليه:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ 232.
(2) المصدر نفسه، 233.
157 (1/157)
صفحة 158
تتابعوا دولة في إثر سابقة كما جلى الرسل أحيان فأحيان حتى انجلى الكوكب الدري فانكشفت
بنوره عن وجوه الحق أغيان (1)
وكان أولئك الأئمة موطن استثارة للشعراء الملتزمين، فإذا ما تطارح أحد الأعلام المنتمين إلى بيت من بيوت الأئمة القصائد مع أحد أعلام عصره، استثاره، فيُعطّر مطارحته بذكرهم، وتهيج باله هذه الصلة، نجد مثل ذلك عند العلامة الشاعر خلفان بن جميل السيابي، في إجابته عن سؤال وجهه إليه الشاعر عبدالله بن علي الخليلي، فيخاطبه مثنياً عليه وعلى أسرته المتصلة بالإمامة الإباضية في عمان، فيقول:
فرع نَمَتْهُ إلى العَلْيَاء دَوْحْتُهُ فناف عن قنن المجد المنيفات والفرع يزكو إذا كانت منابته تعلقت بجراثيم زكيات لا غرو لا بدع إن سادَ الأنام فقد تقدمته جدود خير سادات سل الخليل وسل صلت بن مالك كم قادوا الجحافل إذ هم خير قادات (2) كم أصلت الله اصليتاً وجد به أعناق كل نفاق في البريات كمْ دِيَّنُوا من بلاد الكفر عاتية ودونوا من دقيقات عويصات وكم رقوا صهوات الخيل يوم وغى وكم رقوا منبراً وعظاً بخطبات وكم محوا من ضلالات ومن بدع نعم وأحيوا لمسنون الشريعات (3)
(1) المصدر السابق، 233.
(2) الخليل بن شاذان من الصلت بن مالك الخروصي ت 425 هـ أحد أئمة عمان عقدت له
الإمامة سنة.
سبع وا وأربعمائة للهجرة، دليل أعلام عمان، 59.
(3) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 257. (1/158)
صفحة 159
وللشاعر ابن رزيق (ق (13) قصيدة تاريخية نظمها في ثمانية وأربعين
ومائة بيت ضمنها أسماء الأئمة ومناقبهم الذين تعاقبوا على أرض عمان وأشاد فيها بالنفحات التي تعطر أجواءها عظام أولئك الأئمة ورفاتهم، فدعا عمان إلى أن تذرف دموعها، وخاطبها طالبا منها أن ترد جوابه، في أبيات ملحمية مزجها بعاطفته وتفاعله الذاتي مع تاريخ عمان. وسيرة أولئك الأئمة الذين أحيوا في مستقر عقيدته سنة الخلافة الراشدة، وتابعوا طريقة أهل الاستقامة، فأعزوها ليضحى الإباضية أسود عمان، قاموا فيها بالأمر كما يجب فهم الشراة الذين لم يقوموا لأجل دنيا يطمعون فيها، وإنما كان هدفهم إقامة العدل، ونشر الدين، وتطبيق سنة الرسول الأمين، وقد جاءت مقدمة قصيدته ممثلة للاتجاه الفكري الإباضي فيقول:
أئمة أمة كان وا فبانوا كغيم صُب فانقشع انجيابا سقوا أسيافهم بدم الأعادي وما أصدوا بطعنهم الحرابا أعزوا الاستقامة والأعادي لهم ذلوا وما نصروا العتابا شراة تابعوا سنناً حكاها رسول الله واتبعوا الكتابا (1)
د صورة الإمامة في قصيدة المديح
أما «الإمامة» نفسها فقد تحدث عنها عدد من الشعراء فوصفوها وصورها في أشعارهم كالبهلاني في قصيدته المعروفة بـ «السيف والإيمان»
إذ وصفها في قصيدته بأبيات منها قوله:
(1) ابن رزيق، حميد بن محمد، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، وزارة التراث، ص (1/159)
صفحة 160
أمنية رقب الإسلام طلعتها أتاحَها الله لم يُضرب لها آنُ وللأماني أوقات إذا قدرت وللأماني آيات وإيذان تمنعت في خدور الغيب آونة ثم انجلتُ فانجلى عدلٌ وإِحْسَانُ
فقد شبهها الشاعر بالمرأة التي ظلت تتمنع عن الزواج إلى أن وجدت كفأها، فرضيت به فظهرت بظهور الإمام، وظهر بظهورها العدل والإحسان، بعدما ظل الإسلام يرقب طلوعها.
وهي «خلافة الله» التي عادت بعد طول غربة تسوقها العناية الربانية، تنحو موطنها الذي طالما عاشت فيه وللخلافة الإسلامية أوطان تستقر عليها، وقد عادت هذه «الخلافة» تبحث عن كفء لها، ليستلم زمامها، ويتقلّد منصبها، ويتملك ناصية عقدها شخص قادر على عصمتها، في أسلوب مليء
بالإشارات والرموز، فيقول في الإمامة بعد أن منحها الإحساس والتجريد: عادت إلى جذلها من طول غُربتها خلافة الله والإسلامُ جَذْلانُ عناية الله تحدوها لموطنها وللخلافة في الإسلام أوطان تنحو ابن بجدتها العليا وبُؤبؤها وشأنها لمصاص المجد خلصان (1) تقلد العقدَ منها صدر قيمها صدر بخالصة الإيمان ملآن همَامَها العاصم الكافي لعصمتها له على حملها جَدَ وأفران (2)
ثم نجد الشاعر يدعو الإمام سالم الخروصي إلى استلام هذه «الأمانة» كما سماها - وهو جدير بحملها وتأدية واجباتها، لا سيما أن صاحبها وولي
(1) البؤبؤ: انسان العين، والبؤبؤ: الأصل، وقيل الأصل الكريم، لسان العرب، مادة بأبأ. (2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه (مخ) 234. (1/160)
صفحة 161
أمرها، سيف من سيوف الله، يسوسها بنور الله، في إشارة منه إلى شخص الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، الذي قام على يده مدار إحيائها
فيقول:
يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خُذ أمانة الله والأقدار أغوانُ أنت الضليع بها حملاً وتأدية إذ كُل همك تدبير وإتقـ انُ أصدر وأصعد وأيقن أنَّ صاحبها سيف من الله لا تحويه أجفان يسوسسها مؤمن بالله مُعْتَصِمٌ وخير ما دبّر الأملاك إيمانُ للاستقامة في تدبيره قبس فظنُّه تحت نور الله إيقان (1)
وأطلق عليها في قصيدة أخرى «الخلاقة»:
ورضوا لأعباء «الخلافة» كُفؤها سبط النجاد موفق الأنظار (2)
ومن ثم يمنحها الشاعر الإحساس وحرية الاختيار في قوله:
عرفته عاهلها ومفرق تاجها ولطالما لغبت من الإنكار عادت به فأعاذها وأقامها عمرية الميزان والمعيار (3)
فالشاعر في هذه المقطوعة وما قبلها يستهل فكرته بتجسيد مجموعة من المعاني المتصلة بالمذهب الإباضي، ليقرر بداية أن الإمامة «شورى» وذلك في قوله «ورضوا» أي أنه اختير وفق تراض من أهل الحل والعقد، والإمامة
(1) البهلاني: أبو مسلم البهلاني، الديوان (مخ) 235.
(2) المصدر السابق 374.
(3) المصدر نفسه، 374. (1/161)
صفحة 162
هي التي خطبته لنفسها، ورضيت به كفئا لها، وعلى الرغم من كثرة الخطاب المتقدمين إليها، إلا أنها بقيت تنتظره ردحاً من الزمن، فهل استطاع هذا الإمام أن يقوم بحقها كما يجب؟ لقد أجاب الشاعر عن ذلك حين أشار إلى إقامته لها عمرية الميزان والمعيار، وهنا يأخذ في الإبانة عن كرامات هذا الإمام، وكيف استطاع أن يقودها بكل حزم وعزم وهو في كل ذلك يستمدها من مصدر التوفيق الإلهي حين يقول:
فاقتادها عزماً وحزماً آتياً بمعاجز طمست عن الأبصار (1)
والإمامة «زهراء» نشأت بين أعلام كبار، أحسنوا تنشئتها، فصانوها
وحافظوا على نقائها، يقول البهلاني:
زهراء بين السالمي وسالم نشأت وبين حماتها الأخيار (2) كما أنها «صديقية وهبية» في إشارة تاريخية فكرية، يقول الشاعر أبو
الوليد، سعود بن حميد في خطابه للإمام الخليلي
أولاكها الرَّحْمَنُ صديقية وَهْبيَةً غُرِسَتْ على هامِ العُلا فاسلك بها سُنَنَ النَّبِيِّ فَإِنَّها ألفت مواطنها فلن تتبدلا (3)
(1) المصدر السابق 374.
(2) المصدر السابق 34
(3) الخصيبي، محمد بن راشد البلبل الصداح، مخ، 40. (1/162)
صفحة 163
وهي
كالشمس في إشراقها، وكالبياض في نقائها، ليس بها حرج ولا كدر، وهب الله سبحانه لها لطفا منه وكرماً - هذا الإمام ليقود دولتها الغراء،
يقول ابن شيخان السالمي:
دولة غراءُ كالشمس بها تشرق الدنيا وتسمو رتبا
سهلة بيضاء لم تلِفِ بهـ
حرجاً أو كدراً أو معتبا
سالماً ذاك الإمام المجتبى (1)
وهب الله
هـ - نصح الأئمة وإرشادهم:
ومما يلحظ في هذا المجال أن الشعراء في خطابهم للأئمة، كانوا كثيراً ما يمزجون مدحهم، بالنصح والإرشاد للأئمة، ويعدون ذلك جانباً من جوانب الإخلاص لهم، وهو يشكل بُعداً سياسياً يحتّمه الواجب الديني، ومن أشهر هؤلاء الشعراء الشاعر الشهير أبو مسلم البهلاني، الذي لم يكتف بأن ينصح الإمام سالم بن راشد الخروصي، ضمن قصائده الأربع التي تعد من المطولات، بل وجّه له رسالة نثرية مستقلة ضمنها رؤيته السياسية، ووضع فيها منهجاً، أودعه خلاصة تجاربه، وهي بحق تعد وثيقة سياسية فكرية تعكس رؤية الشاعر في السياسة الشرعية المنبثقة من رؤية المذهب، وهي تزيد على عشر صفحات أرسلها من مهجره الإفريقي في زنجبار (2).
ومما يتصل بذلك قصيدة أبي الوليد سعود بن حميد، إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي، فقد تخلل مدحه للإمام جملة من النصائح، فدعاه إلى نهج
(1) السالمي: ابن شيخان، ديوانه، 186. (2) انظر الرسالة ملحقة ضمن كتاب الدكتور محمد ناصر أبو مسلم حسان عمان، ص ص
207 - 198 (1/163)
صفحة 164
منهج الأئمة العدول الذين سبقوه، فيقتفي آثارهم، وهو تأثر بالفكر السياسي الإباضي، الذي لا يرى الإمام معصوماً، ولذلك يجب على الأمة النصح لأئمتها، ويدعو الشاعر الإمام إلى التأسي بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكرا إياه
بسيرة سلفه من الأئمة، فيقول:
فاسلك بها سنن النبي فإنَّه
ألفت مواطنها فلن تتبدلا ولقد مضى من قبلكم سلفٌ لكم زانت به تلك العصور تجملا فلتقف إثرهُمُ إقتداء إنهم سلفوا على نهج الهداية مَحْمَلا يا دولة دهش الزمان بذكرها أضحت عمان بهم تميس تدللا (1)
ويبعث الشاعر الريامي قصيدة للإمام الخليلي تحمل دلالة على سياسة المذهب الذي يوجب الاستماع إلى نصائح العلماء والاسترشاد بآرائهم، يقول:
فواتها
وهبية وافت حماك فواتها برعاية وانهض قُبيل فواتهـ تهدي الإمام فتى الخليل المُرتضى درراً يضيء النور من زهراتها جاشت بها الله شيمة ناصح مَحَضَ النصيحة مُخلصاً لولاتها (2)
ثم يخاطب الإمام طالباً منه الاستقامة، فبه تستقيم الأمور، وتصلح الرعية، فالناس على دين ملوكهم، يقول:
قم واستقم وانهض بعبء ماله كفو سواك فأنت أصل حياتها أذن بحي على الصلاة بنهضة تُحيي قوى الإسلام بعد مماتها وذوي الهدى فالخير عند هداتها
قم واستعن بالله جلّ جلالـ
(1) الخصيي، محمد بن راشد البلبل الصداح (مخ) 40. (2) الريامي عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، (مخ) 114. (1/164)
صفحة 165
وأمر بمعروف وغيّر منكراً لا تترك السفها على نزعاتها فلقد علمت العدل في قانونه أس الممالك قم به لثباتها (1)
وهكذا نتبيّن كيف يوجه الشاعر نصائحه للإمام، فيدعوه إلى التأسي بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم قائلاً:
للنفس في طرق السياسة حيلة دقت ومثلك من يرى ذراتها فلقد حويت من العلوم منازلاً مثل النجوم وأنت في هالاتها وبها عرفت الناس في طبقاتهم وعلمت ما أخفته من طرقاتها حتى كأنك بالمغيب مكـ اشف بفراسة فاحمد مفيض هباتها
في سير رة الأُمّي كل سياسة وشمائل المختار كنز صفاتها (2) وفي موضع آخر يخاطب الشاعر نفسه- الإمام الخليلي، فيدعوه إلى القيام بواجب الجهاد، وحماية بيضة الإسلام، والقبض على يد الظالم وردعه
يقول:
أنت الذي تُرجى فشمر واحتسب كل ميسر لمـ به اعتن فمنك نرجو نُصرة الدين وأن تكون للإسلام غوثا وجدى وأن تكون عدة وشدة على ظلوم قد عتى وقد عدا
وأن تكون
افظاً عمانن
مركز ديننا الحنيف المرتضى (3)
(1) المصدر السابق، 114.
(2) المصدر نفسه، 115.
(3) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان (مخ) ص 266 (1/165)
صفحة 166
إشارة منه إل رة منه إلى أن «عمان» تعد مركز الإباضية وموئلهم، ثم يفخر بأن تظل «عمان» نقطة الارتكاز للمذهب، ومركزاً حصيناً محافظاً على هذا النظام السياسي، وهو نظام الإمامة، المتواصل بنهجه مع نظام الخلافة الراشدة، فيقول مفتخراً وطالباً من الإمام العمل على جمع الكلمة كما يبدو في
قوله:
إن عمان نقطة الحق التي قد انتشى الإسلام فيها وابتنى ما غَيّرت وبدلت عن عهدها بل استمرت دهرها على الهدى (1) يا مرجع الإسلام شمر واجتهد فإنَّكَ الموئل ما أَمْرُ عَنَى
لم بني الإسلام واجمع شملهم على يد واحدة تبقى القوى (2)
و - وصف جهاد الأئمة:
واكب الشعراء الإباضيون في عمان - معظم الأحداث التاريخية التي مرت بها، وصوروا في أشعارهم أهم النشاطات السياسية في هذه الفترة. لقد كانت أغلب حروبهم في مواجهة بعض الخارجين عن طاعة الإمام،
وفي فتح المعاقل والحصون والبلدان التي لم تكن تخضع لسيطرة الإمام. والناظر في القصائد التي واكب بها الشعراء هذه الأحداث، يلحظ أنها كانت تمثل شعرا حربيا، تتخلله السياسة، وينطلق من فكر إباضي، يدور حول
وجوب طاعة الإمام، ومقاتلة من يخرج عن هذه الطاعة.
(1) المصدر السابق، 267.
(2) المصدر السابق، 267. (1/166)
صفحة 167
وممن تعرض في شعره لتصوير هذه الأحداث، الشاعر سعيد بن خلفان
الخليلي وأبو وسيم الأزكوي وابن شيخان السالمي والمر الحضرمي وعبد الرحمن الريامي، وخالد الرحبي وأبو سلام الكندي وغيرهم.
لقد خلد هؤلاء الشعراء أهم الوقائع التي دارت رحاها، سواء كان ذلك بين نظام الإمامة الجديد وفريقه الداعي إلى إحياء مسارها، في مقابل حكومة السلطة القائمة آنذاك، وهو نظام له جذوره التاريخية، وامتداداته العريقة، أو أن تلك الوقائع مثلت وقوفاً في وجه بعض الخارجين عن نظام الإمامة الباغين عليها، وتتمثل في تلك القصائد صورة الشاري الإباضي الذي يقتحم الأهوال، كقصيدة الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، في تصويره لبعض حروب الإمام عزان بن قيس البوسعيدي، ومطلعها:
لقد دارت على رغم الحسود بحمد الله أفلاك السعـ
وفاح أريجُ مسك من
ــود
وأسفر ضَوْءَ صُبح بالحـ
ديد
بضرب لم يغادر غير
مفلقة وغم بالكبود
(1)
به الأعداء أمست كالحصيـ وطعن في الثغور وفي التراقي
ويصور الشاعر إقدام الجنود الإباضيين، رهط الإمام، على الخارجين،
حين كانوا يتسابقون إلى نيل الشهادة مقتحمين الأسوار، غير هائبين، فيقول:
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 70.
197 (1/167)
صفحة 168
ما رجعت جنودُ الله عنه
ولا كرهوا الشهادة للشهيـ
إذ اقتحموا عليها السور جهراً وجادوا بالنفوس وأي جـ وقد عبثَ المُهنَّدُ في رباها بأهل البغي أرباب العتود (1)
ويؤكد الشاعر أن ذلك النصر، قد هيأه الله على يد جماعة مجاهدة، يقدمهم إمامهم المبايع، القائم بأمر الله المنفذ لحدوده والحاكم بالإنصاف فيما بينهم، ويرى الشاعر أنه تجب نصرته لأنهم قد منحوه المواثيق والعهود، وقد وفى ببيعته وفي ذلك كله ملمح سياسي، وتأثر فكري إباضي فيقول:
بأيدي
ادة غُر كرام بهاليل مصاليت اليت أسـ
ــود
حماة الأرض قادات
البراياً
دعاتهم إلى دار الخـ
ـلود
لواء العزّ منشور عليهـ
ومجدهم المؤثَلُ في صعـ
هم قد بايع ـــوة وقدموه إماماً بالوثائق والعُهـ
فقامَ بهم وأرضى الله فيهـ
أقام بهم حدود الله
i
بإنصاف وإحسان مفيـ
على مَنْ كان يسخر بالدود (2)
ويصف الشاعر أبو وسيم حروب الإمام عزان بن قيس، في قصيدته «الحائية المشهورة وصفا غير مباشر، مبيناً كيف كان الإمام يقود جحافل جيوشه لردع الخارجين عليه مشيراً إلى كثرة عددها، ومصوراً إقدامها، وهيبتها قائلاً:
وأقبل يبتز المعاقل غرة غـ
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 70. (2) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 70، 71.
بسيف سحاب الموتِ حوليه يَسفحُ (1/168)
صفحة 169
يَجُرُّ خميساً كلما اشتد حادث يخوض به بحر المنايا ويسبحُ يشق به ظلماء كُلِّ عجاجة فيرشده ضوء الحديد الموضح تسيل بطاح الأرض منه بأبحر متى انحل منه أبطح سَالَ أَبْطَحُ تجافى عن النعماء في السلم خيله وتصبوا إلى البأساء شوقاً فتمرح (1)
ثم يصف أبو وسيم أنصار الإمام الذين فتح بهم الحصون والقلاع، وهم الذين كانوا يضحون بأنفسهم وأموالهم، في صفات تغلب عليها سمة الشراء، فيقول:
دعا الله أقواماً لنصر إمامهم لهم كل باب في العُلا يَتَفتَحُ لئن في سبيل الله جادوا بمالهم فهم في سبيل الله بالنفس أسمح قد انشرَحَتْ منهم بنور إلههم صدور ونور الله للصَّدْر يَشْرَحُ فأنفسهم في روضة القُدْس رتّع وألبابهم في روضة الغيب تَسْرَحُ أولئك أهلُ الله فاسلك طريقهم فمن سار في آثارهم فهو مفلح (2)
ويتفاعل جملة من الشعراء، مع جهاد الإمامين سالم بن راشد
الخروصي، ومحمد ابن عبدالله الخليلي، فتشكل تلك القصائد التي أنشأها أولئك الشعراء وصفاً لجهادهم، وتسجيلا لفتوحاتهم، ونقلاً لتلك الأحداث، ضمن تفاعل وجداني يعبر عن فرحة الشاعر، الذي تشده إلى ذلك أصرة دينية، وتعلق بسياسة المذهب وتشبث بدواعي العقيدة الإباضية.
ومن ذلك ما نراه في شعر ابن شيخان السالمي، وهو من المعاصرين للإمامين الخروصي والخليلي، فقد أنشأ عدداً من القصائد التي تتحدث عن
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخ، 33 (2) الخصيبي: محمد بن راشد البلبل الصداح، مخ، 33، 34.
<199 (1/169)
صفحة 170
فتوحاتهما فيستهل الشاعر إحدى قصائده التي تصور فتوحات الإمام
الخروصي، بصورة عمادها تجسيد البشرى بذلك الفتح يقول فيها:
كسى الأكوان هذا الفتح بشرى وعَطّر مسكه براً وَبَحْـ
أيا فلكاً.
بالخ جرى
هذا زمانك فاجر قد وافقت مجرا (1)
ويتحدث الشاعر عن فتح «الرستاق» (2) واصفاً استيلاء جيش الإمام
عليها، ومهنئاً بالنصر وفتح المدينة فيقول:
دعته لنفسها الرستاق كُفئ
وكانت في حمى الماضين بكرا
فصدقها بما تشكو إلي
وأصدقها رضاءَ الله مَهْرَا
صروف الدهر ولت عنه حَسَرَا
ولباها بجيش لو يُلاق
إمام المسلمين أتتك طوعاً ملبية فصغ الله شُكرا به الرستاق قد مالت دلالاً كخود أقبلت في القصر سكرى (3) ويدعو الشاعر عبدالرحمن الريامي إلى الجهاد، ويذكر بالشراة الأوائل، ومعلوم أن الشراة و الشراء صفتان ملازمتان للفكر السياسي عند الإباضية
يقول الشاعر:
(1) السالمي: محمد بن شيخان، ديوانه، 191.
(2) الرستاق هي إحدى مدن عمان الهامة تقع على سفح الجبل الأخضر من الجانب الشمالي، فهي مقابلة لساحل الباطنة، انظر العنوان سالم بن حمود السيابي 67.
(3) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 191.
170 (1/170)
صفحة 171
شراة الحق هبوا للجهاد وذُبوا بالصوارم والصاد
(1)
ألا هبوا إلى تقديم زاد (1) شراة الحق أن الحور نادت
وهكذا نراه يكرر النداء للشراة، مبينا أسباب قيامهم، وهو الثورة على الظلم، ورد البغي، تأثرا بالفكر السياسي الذي يجيز الخروج على الظلمة، متى ما أمكنت الفرصة من ذلك، فيقول:
شراة الحق إن بغت الأعادي بطغيان وعاثوا بالفَس بحول الله قوموا تهزموهم وإن النصر في البيض الحداد فإنهم وإن كثروا جراداً
او (2) فأنتم من عواصف ريح
هذه نماذج تعرض لها الباحث، وإلا فإن القصائد التي تصف جهاد الأئمة وتحث على ذلك كثيرة ليس هنا مجال حصرها (3).
(1) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 175.
(2) المصدر نفسه، 175.
(3) هنالك شعراء كثيرون عبروا عن جهاد الأئمة وفتوحاتهم، منهم على سبيل المثال الشاعر
عيسي بن صالح الطيواني في قصيدته التي مطلعها:
للحق نور سناه مشرق أبدا لو أنكرته عيون ملؤها رمدا
والمر بن سالم الحضرمي في قصيدته التي مطلعها:
ه لنا شامل اء الإلـ رجـ وابن شيخان السالمي في قصيدته التي مطلعها:
وما هو عن نصرنا غافل
لا يزال الح ق فينا مذهبا رضي الخصم علينا أم أبى
وغيرها من القصائد.
انظر السالمي محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، 162 - 196.
< IVI (1/171)
صفحة 172
تحريم الخروج على الإمام العادل والموقف من الخارجين عليه:
تقوم سياسة المذهب الإباضي على وجوب طاعة الإمام العادل، وتحريم الخروج عليه، وقد وضعوا من أحكام السياسة الشرعية، ما تقتضيه دواعي
مجابهة الخارجين عنه.
ولذلك فإن الشعراء الملتزمين عندما رأوا أن بعض الأعلام قد خرقوا الإجماع وخرجوا عن طاعة الإمام ساءهم ذلك وحاولوا تنبيه من وقع في مغبة تلك المخالفة الشرعية.
وأكثر ما يتضح ذلك عند الشاعرين أبي مسلم البهلاني، وخالد بن هلال الرحبي، اللذين أوسعا من خرج عن طاعة الإمام عتاباً ولوماً وتقريعاً، ويتعجب الشاعر خالد الرحبي مما يراه من خروج بعض الناس عن طاعة إمام المسلمين، ووصف الخارجين عنه بالمارقين، ويتضح في هذا أثر الاتجاه
الفكري الإباضي في الحكم على الخارج عن طاعة الإمام، يقول:
ماذا يروم المارقون بفعلهم الويل أجمعُه لهم والـ هل يطلبون بأن يُعطّل مُحْكم ويُذلَّ حق أو يُخلَّ نظام بئس الصنيع صنيعهم سخطوا الهدى وبغوا الهوى إِذْ ضَلّت الأفهام ما شذ عن أمر الإمام سوى الأولى نظرت عيونهم الهدى فتعامُوا مُعلَّقة بهم آمالنا فغدوا وَهُم لقلوبنا آلام (1)
كانت
ونجده في خطاب آخر، يتوجه إلى شخصية بعينها، خرجت من دار الإمامة، وكان يُعَلِّق عليها الآمال في المناصرة والمناصحة، فلم يملك الشاعر
(1) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية (مخ) 2.
IVY (1/172)
صفحة 173
أحاسيسه التي فاضت بعتاب توجه به إلى تلك الشخصية يشي بهول الموقف الذي أحسه الشاعر، ورأى فيه خرقا للإجماع، ومن ثم يدعو إلى مناصرة الإمام والوقوف بجانبه، فقال يخاطب الشيخ ناصر بن راشد الخروصي إثر موقف صدر منه نحو الإمام الخليلي:
سلالة راشد خلف الكـ
برَبِّكَ إن عثرت على كَلامـ
بربك كيف ملت عن الإمـ
ملاذي ناصر صنـ و الإمام
فعجل لي فديت ك بالجواب
سام وكنت بكفه مثل الحس امٍ يَعُدُّك للمهمات الجسام وَسُدْتَ بقربه كُلَّ الصحاب هجرت الحق والنهج المنيرا وفارقت الجهابذة البحورا وكنت الركن والعضد النصيرا لعمرك جنت بالعجب العجاب (1)
ولما للبيعة والوفاء بها من أهمية نجد الشاعر يتساءل كيف ينسى الخارج تلك العهود وبأي شريعة ودين ساغ له أن يهجر سبيل الإمام وصحبه؟ كل ذلك في مقام التساؤل الإنكاري عليه، حين يقول:
عهوداً قد حملت على الرق
اب
فيا الله أم ـرك كيف تنسـ بأي شريعة وبأي دين هجرت سبيل أصحاب اليمين وأنك كنت كالسيف السنين لهم يوم التناضل والضراب
إلى أن يخاطبه مصرحاً بعتابه:
(1) الرحبي، خالد بن هلال مجموعته الشعرية، مخطوط، 4.
173 (1/173)
صفحة 174
يعز علي يا حب الفـ
خروجك عن جهابذة البـ
ؤاد ويا عَلَمَ الحواضر والبوادي
لهذا قد خصصتك بالعتـ ساب (1)
وكان هذا الشاعر مسكوناً بهاجس خاص يحس به جراء سلوك بعض الزعامات القبلية، والقيادات العلمية، الذين كانوا في نظره أقرب إلى المطامع الدنيوية، فهاله الأمر، وحزت في نفسه تلك المواقف، فأثارت حفيظته، وأيقظت قريحته بقصائد عدة، ومما زاد من وطأة التأثر، وهول الموقف، أن أولئك الخارجين كانوا ممن يعتمد عليهم الإمام ويثق فيهم، فإذا هم مخادعون، ولذلك نجد الشاعر يعبّر عن ذلك الموقف في نبرة حزينة، وفي تصوير ينم عن السخرية بوصفهم، يقول:
فكم معشر كانوا دعائم ديننا وعمدتنا في حادثات النوائب لهم حولنا زهد المسيح ابن مريم وخشية داود ووحشة راهب حسبناهم الأملاك يمشون حولنا عمائمهم تعلوهم كالسحائب
إلى أن يقول:
رويداً بني ديني رويداً فما الذي دعاكم فعفتم بلدتي وأصاحبي نبذتم عهوداً خلفكم وإمامة تناديكُمُ يا للكرام الأطائبِ أليس قبيحاً أن تبيعوا بلادكم وعزكم قومي بمطمع كاذب أغركم أوب المطي إليكم وقد جئن من دارين بجر الحقائب (2)
(1) المصدر السابق، 4.
(2) الرحبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، مخ، 16، 17.
< IVE> (1/174)
صفحة 175
ويبلغ به الإحساس بالألم والحسرة ذروته في خطابه لهم، وهو يودعهم وداعاً بلا أمل عودة إلى الإمام، قائلاً:
وداعاً بلا رَجْعَى إلينا ولا رَجَا وداع غيُور للضلال مجانب وَدَاعَ وعلى كل حال، فإن الشاعر يحاول أن يخفف من ألم ذلك الإحساس بالخيبة من أولئك الخارجين، ليبين أنه قد بقي مع الإمام رجال أوفياء، فيقول:
فكم عالم عند الإمام وعالم وسيد قوم في التناضل غالب وفوا بعهود الله جل وعاضدوا إمامَهُم في سلمه والتَّحارب (1) والملاحظ أن الشاعر الإباضي لم يكن يداري ولا يحابي الزعامات التي كانت تطبيها زهرة الدنيا، فهذا أبو مسلم البهلاني قبله، قد وجه عتابه، بشكل غير مباشر إلى شخص بعينه، جاء به في صورة الحماسة والاستنهاض، فعاتبه عتاباً مراً مصوراً الغيرة على مثل هذا الشخص، الذي كان ينظر إليه بأن يكون أحد أقطاب الحركة، ولم يكن يتوقع الشاعر أن يصدر منه مثل ذلك الإعراض عن الإمام، مهما كانت الأسباب والذرائع، والدواعي السياسية التي يتعلق بها، فقطع عليه الأعذار، وسد دونه الأبواب، وكال في حقه العتاب، وأغلظ أحياناً الخطاب، كل ذلك ناشئ عن غيرة دينية، ومحبة شخصية، كان الشاعر يكنها لهذا الشخص، لما له في نفسه من موقع أثير، لسابقتهم في نصرة الحق، فيقول:
أقولُ للبعض منكم وهو عن أسف والحر ياسفُ للأحرار إن شانوا قد كنت نخبة هذا المجد من قدم واليوم أنت على الأبواب ذُبان
(1) المصدر السابق، 17.
< IVO! (1/175)
صفحة 176
أين السوابق يا قمقامها طويت أعانك الله طاويهن شيطانُ
أساءكَ العدلُ إذ قامت به فئـ
ألا تكون لها قطباً تدور بـ
لها مع الله أقدار وأوزان هل أنت عن قُطبها المعهود غفلان (1)
فهو يخاطبه، ويقطع أمامه كل عذر حتى يلزمه بطاعة الإمام، عاداً خروجه عصياناً، طالباً منه العودة إلى حظيرة الإمامة بعد أن يتوب إلى الله سبحانه قائلاً له:
سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان فارجع إلى الله وانظر في سياسته فأنت من مشرب القرآن رَيانُ أفي إمامة حق بعد ما ثبتت بحقها أنتَ يا ذا اللب حيرانُ لا عذر لا عذَر فِيهَا حُجَّةٌ قطعَتْ عُذر الخلاف لها في الدين تبيانُ فما انحرافك عنها بعدما وجبت إلا خروج عليها وهو عصيان ودَغ هوى النَّفْسِ إن النفس شيطان (2)
فاتبع إمامك والزم غرز سيرته
موقف الإباضية من الحاكم الجائر
تباينت الآراء حول ما يجب اتخاذه من موقف إزاء الحاكم الجائر، وكيفية التعامل معه، خروجاً، وطاعة، ففي حين ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الخروج البتة حتى ولو قتلت الجورة (3) الرجال وسبت الذرية (4) وذهب
(1) البهلاني، أبو سلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 241.
(2) المصدر السابق، 241 - 242.
(3) الجورة: الظلمة، لسان العرب مادة، جور، مجلد 4، 153، دار صادر، بيروت، ط 1، 1410
هـ، 1990 م.
(4) الأشعري أبو الحسن مقالات الإسلاميين 2/ 140. (1/176)
صفحة 177
آخرون إلى وجوب الخروج بالسيف (1)، نجد أن الإباضية اتخذوا موقفاً وسطاً بين الموقفين، حيث يذهبون إلى أن الأصل تحريم الخروج، والتحليل طارئ» (2) وهم لا يقولون بعدم جواز الخروج على الحاكم، عدل أو ظلم، بل الخروج على الجبابرة جائز عندهم (3) وكل من بغى على المسلمين، أو حكم بغير ما أنزل الله، دعي إلى ترك ما ابتدع، والدخول فيما منه خرج، وإن
امتنع صار باغياً فاسقاً، حلال دمه يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله» (4). وفي ذلك يقول الإمام عبدالله بن حميد السالمي، مفتخراً بسيرة الإباضية الذين لم يوالوا الظلمة ولم يداهنوهم قائلا:
سيرتنا سيرة صحب أحمدا لا نرضى أهل الظلم فينا مقتدى وإن يكن قد حاز أبواب الدنا
بل كل ظالم خليع وحيث أن أمراء الظُّلم تملكوا في عنقهم والغشم لهم علينا د الاستطاعة
قال المخالفون إنَّ الطاعة
فاندرست بطاعة الضـ
لال
سيرة أهل الحق والكمال (0)
فالبغي والظل هما أساس الخروج على الحاكم الجائر، وعزله، كما
يذكر ابن شيخان السالمي، الذي أشار إلى ذلك بقوله:
(1) المصدر نفسه، 2/ 140.
(2) الكندي: أحمد بن عبدالله الاهتداء،132 تحقيق سيده إسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، 1985/ 1406.
(3) الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف إبراهيم الدليل والبرهان المجلد الثاني، 79، 1403 هـ، 1983، وزارة التراث، تحقيق سالم بن حمد الحارثي.
(4) مجموعة من علماء عمان، السير والجوابات تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، 2/ 198. (5) السالمي عبدالله بن حميد، كشف الحقيقة، 45.
177 (1/177)
صفحة 178
إنما البغي وظلم الناس لا يثبت الملك عليه مَرَكبَ قومنا اضطروا إلى مذهبنا عزلوا سلطانهم مستوجبـ
والخروج على الظلمة وأهل الجور، يتطلب جماعة قادرة على رد الحق إلى نصابه، فيصور ابن شيخان السالمي، ذلك الخروج وبذل النفوس في رضا المولى، بإقامة شرع الله، فيقول:
نعشت فينا قلوب للهدى وجسوم فيه تشكو النصبا لا تبالي إن بذلنا أنفساً في رضا المولى ونؤتي المطلبا لم ترعنا بارقات لمعت قد أنارت صاعقات بالظبا كثرت أعداؤنا لكن من صحب الحقِّ وإِن قُلْ رَبَا (2) في لغة متأثرة بأسلوب الشعراء الشراة، الذين لا يبالون ببذل أرواحهم قربة الله، متعطشين للشهادة، فإذا دقت طبول الحرب، رقصوا فرحاً، كما يقول
الشاعر:
نحن نهوى الموت في درك العلى ولأنَّ الموتَ حُكْمٌ وَجَبَا فإذا الحرب علت أصواتها لا تلمنا إن رقصنا طَرِبَا (3)
و الإباضية لا يجيزون الخروج على عواهنه، فلا يحلون لأنفسهم أن يستعرضوا أحداً من الرعايا والمسافرين والتجار والحراثين وغيرهم، إلا الملوك الظلمة الجورة، ولا تعترض من العامة إلا جنودهم» (4).
(1) السالمي محمد ابن، شيخان ديوان ابن شيخان، 185.
(2) المصدر نفسه 185.
(3) المصدر نفسه، 188.
(4) الوارجلاني: الدليل والبرهان، المجلد الثاني، 79.
IVA (1/178)
صفحة 179
وكما أجاز الإباضية الخروج على الحاكم الجائر، فإنهم شددوا في
وجوب طاعة الإمام العدل الذي سار على النهج القويم، وأجمعوا على أن من ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق، فإن طاعته لازمة، ما لم يخالف الكتاب والسنة والإجماع» (1).
تقوم نظرة الإباضية إلى الإمام على أنه بشر، يصيب ويخطئ وينبغي أن يؤخذ بيده، ويحاسب حتى ينتشر العدل، ويزول الظلم وقد انعكست هذه الرؤية على الشاعر الإباضي في هذه المرحلة. فيتخذ الشاعر أبو مسلم البهلاني من موقف الإباضية من الحاكم الباغي والجائر متكأ، فيدعو الله بأن يكسر شوكة الفساد، ويحسم صائلة العناد، ويقصم دولة السوء، ويعجل بالقضاء عليها، انتقاما بعدله ممن أتخذ الظلم سربالا، داعياً مولاه بأن يرزق الأمة، قائما بالقسط قوياً على إظهار دينه، وهي دعوات إسلامية المنبع، إباضية الفكر في خصوصيتها يقول:
ويا قاهر اقصم دولة السوء وامْحُها وشرد بها واشدد عليها مُعَجِّلا ويا وارث اصرف سورة البغي وانتقم بعدلك ممن بالضلال تسريلا ويا باعث ابعث راية الحق حولها جنودك تبلو في رضاك وتبتلى ويا قائماً بالقسط قَوْمُ مُسَدَداً قوياً على إظهار دينك فيصلا يصول سريعا يا سريع بنقمة على كلَّ ضلِّيل عن الحق أجْفَلَا (2)
(1) المنذري، علي محمد نهج الحقائق، مخطوط، 286. (2) البهلاني، أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 87، 88.
1791 (1/179)
صفحة 180
ويتجلى البعد السياس، والنظرة الإباضية للحكم في موقف الأديب الإباضي من الحكام الجورة عند الشاعر أبي مسلم، في مقام الذكر فينادي ربه، واصفاً طغيان الظلمة، الذي بلغ مداه في قوله:
إلهي طغت فوق البلاد عصائب فَعَمَّتْ سيول الظُّلْمِ مِنها وَطَمَّتِ طعَامُ طُغاة تبروا ما علوا ولا نصير سوى القهار فوق البرية إلهي تحدّى خصمك الحد واعتدى على حرمات الله بالأغلبية فأرسل عليه يا مذل قواصفَ النـ كير وَسَربله سربال لعنـ وَصُبٌ عليه الذل قلبا وقالباً وفي جاهه والمال والتبعية مصائب ذُلِّ يختبطن حياته ويحطمنه حطم الدريس المفتت (1)
ــة
ويرفع دعاءه إلى مولاه شاكياً ما فعله خصمه في عياله، واصفاً ما حلّ بالأمة من عدو الله ضارعاً إليه بأن ينصر الأمة عليه قائلاً:
إلى الله أشكو وهو منتقم - يداً عَتَتْ وبَغَتْ واستعبدت خير أُمَّة إلى الله أشكو فعلها في عياله وغيرته في الحقَّ أعظم غيرة إلهي جهدُ العبدِ أَنْ يَرْفَعَ الدُّا بتوفيقك اللهم عند البلية وقد حل بالإسلام ما لست راضياً من الفئة العاتين فوق البسيطة فعاجلهم بالأخذ واقصف ظهورهم فقد أصبح الإسلام منهم بذلة (2)
ويتوسل الشاعر أبو مسلم إلى الله سبحانه بأن يقطع دابر أعدائه، ويستأصل شأفتهم، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولم لا؟ وقد جاروا في
(1) البهلاني، أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 2، 21.
(2) المصدر نفسه،50.
180 (1/180)
صفحة 181
الأرض، وقلبوا الموازين، في أسلوب متأثر بلهجة المحقق الخليلي، وعبر تخميس الشاعر لقصيدة «سموط الثناء» للخليلي، يقول في دعائه عليهم تأثراً بالفكر الإباضي:
إلهي عدو الله يشفي غليله سبيلك يدنيها ويعلي سبيله يغالب أمر الله حتى يحيله فيا غارة الله اغضبي وخيوله
اركبي ومواضيه انعمي بورود
إلهي قبيل جاحد لك قد غوى يُعاديك لا يألو على حَرْبكَ انْطَوَيَ ابده ومن والاه وحياً وما حوى وشرد بهم في كُلِّ أرض فلا سوى (1)
قتيل ومأسور يُرى وطريد
ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك الإلحاح في الدعاء بإهلاك خصم الله، إلى الدعاء بأن يهيئ الله لأمر هذه الأمة، زعيماً يستطيع أن يعيد الله على يديه للإسلام، عزته، ولسماحة الإسلام رقيه، ولفطرة التوحيد رجاءها، مبيناً أهم سمات من يتصدى لهذه المهمة، وكأنها أهم الشروط الواجب توافرها في شخص الإمام، فيقول:
متى السمحة البيضاء ترقى سماءها متى عزة الإسلام تحمي فناءها متى فطرة التوحيد تلقى رجاءَها وتنشر أعلام العلوم لواءها
(1) المصدر نفسه 103.
بأسياف عدل لم تلق بغمود (2)
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان (مخ) 1040
181 (1/181)
صفحة 182
ويصف من يتصدى لهذه المهمة بقوله:
همام يعم الكون بالقسط عادلا له عصمتا جد وجد تعادلا بفاروق سلطان من الله صائلا تذل له الأساد حتى النقاد لا
تذاد عن المرعى بأطلس صيد
تجسم من نور التقى حشو درعه حريص على أصل الجهاد وفَرْعه يراقب نور الله في رَحْبِ دَرْعِهِ أمين على دين الإله وشرعه خليفته المأمون خير رشيد (1)
أما أنصار الإمام الذين يمكن أن تتحقق على يدهم العدالة وإقامة شرع الله، فقد وصفهم بصفات الشراة الذين يبيعون نفوسهم الله، أصحاب شدة على
أعدائه، فهم:
كرام إذا شدّوا وصبر على الأذى لهم غيرةٌ في الله لم يشربُوا القَذَى إذا برقوا لم ينفذ الخصم منفذا تباري النعام الربذ خيلُهم إذا
بحي على نصر المهيمن نودي
صناديد يبغون المنيَّة مَفْزَعَا ولا يردون العيش إلا تورعا يبيعون الله النفوس تطوعا يغات بهم داعٍ إلى الله قد دَعَا وخُوصم في ذات الإله وعودي (2)
(1) المصدر نفسه 104، 105.
(2) المصدر نفسه 102.
181 (1/182)
صفحة 183
الموقف من التكسب بالشعر:
ويبين عدد من الشعراء الإباضيين موقفهم من التكسب بالشعر، فالشاعر أبو وسيم الأزكوي، يأنف بنفسه، من أن يخلع مدحته لمن لا يستحقها طلباً
للنوال، وذلك انعكاس حقيقي، وتطبيق عملي لمقتضى العقيدة عند الإباضية. ويبين الشاعر الأزكوي أنه ليس من المتاجرين بشعرهم، والطالبين لرفد ممدوحيهم، في عزة، العربي، وأنفة المسلم، وسمت الشاري، الذي لا يسأل إلا
مولاه، ولا يمنح مديحه إلا لمستحقيه مقتصرا تواضعه عليه، فيقول:
لساني مملو من القول جَوْهَرا على أن في قلبي لذا الدُّرِّ أبخرا يغوص على ما شاءَ فكري فتارةً يساقط منظوماً وطَوْراً منثرا ولكن دهري أصبحَ الصَّمْتُ عنده بكل فصيح فيه أولى وأجرا فيا در دم في لج بخرك ساكناً وأنت له يا فكرُ لَا تَبْغِ مَعْبَرا فلم أرَ أوقفى بالوعيد كأهل ولا مثلهم في الخلف بالوعد مَعْشَرا ولست بذي حرص على الرفد منهم وما أنا ممن يرتضي الشَّعْرَ متجرًا قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعتُ أهل الكبر منّى تكبرا وَمَا أنا من زكى بذا القول نَفْسَهُ ولكن لساني لم يرَ الحقَّ مُنكرا كأن زمان الفضل قال لأهله سلام عليكم ثُمَّ وَلي وَأدْبَرَا (1)
ويعتبر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، عن هذه المعاني بطريقته السلوكية، داعيا إلى التعلق بأستار الألوهية، والتوجه إلى مالك كل شي، وترك ملوك الدنيا، فمن شاء أن يسأل فلا يريق ماء وجهه إلا في طلب نوال ربه،
(1) الخصيبي: محمد بن راشد البلبل الصدّاح، مخ، 337.
183 (1/183)
صفحة 184
مبيناً أن من سأل غير الله، فإنه لم يتوصل إلى معرفته حقيقة المعرفة، مؤكدا أنه إن مدح الشعراء السلاطين والملوك، فإنه سيحصر مدحته لمولاه، الذي يتوجه إليه بجميع مطالبه، إذ لا يوصف بالكريم على حقيقته إلا هو، فيقول من قصيدة له على سبيل النصح
فذر الحيا واخلع عذارك وابتذل ديباجتيك وماء وجهك فابذل وذر الملوك جميعهم واقصد إلى ذي الملك والملكوت مولاك العلي فاسأل على أبوابه ما شئته فنوالُهُ مَا كُفَّ عن كف خلي لا تخش ثمَّةَ من تمنع حاجب فَهوَ الذي أَبوابُهُ لم تُقْفَل يا من يشاهد أو يُرجي غيره كمل بصيرتكَ التي لم تَكْمُـ إن كنت تعرفه وترجو غيره فلأنت من عرفانه في مَعْزَلٍ ولئن شهدت لمن سواه تكرماً فلقد عَدِلْتَ عن الطريق الأغدل
إن يمدح الشعراء سلطاناً فما
مذحي سوى حمدي لمولاي العلي (1)
وتبقى هذه المعاني ماثلة في ذهن الشاعر الإباضي، فالشاعر عبدالله بن سعيد الخليلي، يخاطب من يقصدون أبواب الملوك بمدحهم طمعاً في نوالهم، نقداً سياسياً ودينياً لهم وتأثراً بأحد شعراء الشراة الأوائل القائل:
أيها المادح العباد ليُغطى إن الله ما بأيدي العب
يقول الخليلي:
قولوا لمن غرتهم آمالُهم فَسَدَت زراعتكم فبئْسَ المزرعُ
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 20.
(2) البيت لعمران بن حطان انظر إحسان عباس شعر الخوارج، 184.
TAE (1/184)
صفحة 185
إن تقصدوا باب الملوك فمقصدي باب الذي يُغطي الملوك ويمنعُ وإذا طمغتُم في نفائس مثلهم فأنا الذي فيما لديه أَطْمَعُ وإذا دفعتم عن قليل عطائهم فهو الذي عن فضـ له لا يَدفعُ الريدُ مُمَّن ليس يَنْفَعُ نَفْسَهُ نفعاً، وأترك مَنْ يَضُرُّ وينفعُ (1)
أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء:
أ- رثاء الأئمة:
يشكل موت إمام المسلمين خسارة كبيرة للأمة، لأنه الممثل لكيانها، والإحساس بمعاني الحزن والتفجع والتعبير عنها أمر طبيعي عند الشاعر إزاء
ذلك الحدث.
وعندما استشهد الإمام سالم بن راشد الخروصي (1) - 1338 م) (2) أثار استشهاده الشعراء، فتحركت قرائحهم، وكان وقع الخبر أليماً على أذن الشاعر عبدالرحمن الريامي، فعبر عن مشاعره تعبيراً يشي بتأثر بالغ، يعكس المكانة الدينية والسياسية، التي يتمتع بها شخص الإمام، إظهاراً للعاطفة الدينية الصادقة، لتنعكس هذه المأساة على مشاعره،
قائلاً:
هذا نعى أتى أم هذا نقم فالعين قد عَمِيتُ والأُذْنُ في صَمَمِ
صواعق بغتة جاءت مُقَدِّرَةً تهدم الشم تلقيها من القم فالقلب في حَرَق والجفنُ في أرق بالحزن محترق والدمعُ كالديـ
(1) الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان، 2/ 244. (2) بويع بالإمامة في الثاني عشر من جمادى الثانية سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وثلاثين للهجرة، وكانت وفاته ليلة الخامس من شهر ذي القعدة سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وثلاثين للهجرة. ينظر: السالمي، محمد بن عبدالله نهضة الأعيان، بحرية عمان، 263. (1/185)
صفحة 186
لا عذر للقلب إن لم ينفطر
كمداً
لا عُذْرَ للطرف إن لم ينْفَجِرْ بدَم
إذْ ضمت الأرض شمس الدين سيدنا قتيل هجرته لله من عَلَ
ويبين الشاعر موقفه من قاتل الإمام الذي تلطخت يداه بدماء الإمام الزكية، ويدعو عليه دعاء يستلهمه من القرآن الكريم في قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا
أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (2).
إذ يقول الشاعر:
تبت يمينك يا رامي الإمامِ كَمَا يدا أبي لهب عُوجلْتَ بِالنَّقَمِ (3) وفقد هذا الإمام، وهو الزعيم الديني، والرمز السياسي، وعمدة المذهب، أثر على الأمة، ومن هنا تساءل الشاعر عمن يمكن أن يسد الفراغ الذي تركه، مشيراً إلى انعكاس هذه المأساة على الظواهر الكونية، كما ظهر في تأسف السماء والأرض على فقده، فيقول:
لقد تركت السما والأرض في أسف والكون ينشد من للمجد والكرم ومن يكون لأمـ الله منتدياً بالأمر والنهي والإحسان من حكم هذي عمان تنادي وهي شاغرة تبغي زعيماً عريق المجد والكرم (4) ومما خفف من أثر فقد هذا الإمام، اجتماع إباضية عمان على بيعة إمام جديد، يخلف الإمام الشهيد، إذ تم اختيار الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد
(1) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه مخطوط، 186. (2) سورة المسد، 1.
(3) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، ديونه مخطوط، 187.
(4) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 187. (1/186)
صفحة 187
الخليل
(1299ھ – 1373ھ)، خلفاً للإمام السابق، فاستبشر الشاعر بهذا
الاجتماع، وذلك الاختيار، فيتحدث عن ذلك ممتدحاً الإمام الجديد قائلا:
فالشكر اللَّهِ إِذ لَبِّي لَدَعْوتِها من لا نظير له في العِلمِ والحكمِ مقباس نور، ربيع الدين سيدنا فرد الجلالة نور الله في الظلم محمد بن عبدالله قدوتنا أكْرِمْ بِه مِن إِمَامٍ طَاهِرِ الشَّيم (2) ونظراً للمكانة التي كان الإمام يحظى بها، فقد رثاه جملة من الشعراء، منهم الشاعر منصور بن ناصر الفارسي (3)، الذي أشار إلى اغتيال الإمام، مبيناً أثر ذلك على الأمة والدين قائلا:
ألا يا رمية أفقأت عيناً وغادرت الورى براً وبحراً أخذت إمامنا والدين عال وقذ أولى عدات الدين كسنا (4) ولم ينس الشاعر أن يتوقف أمام فكرة الموت مستخلصاً منها العبرة،
والحكم، مازجاً ذلك بالدعوة للإمام بالرحمة قائلاً:
فيا عجباً لقبر ضمَّ طَ
وداً
ويا عجباً لشبر ضمَّ بَدْرًا
(1) هو الإمام العلامة محمد بن عبدالله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، ولد بمدينة سمائل في سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، وبويع بالإمامة يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة 1338 هـ بجامع نزوى عاصمة الإمامة في ذلك الوقت، وتوفي يوم
الاثنين 29 من شهر شعبان سنة 1373 هـ أنظر: محمد السالمي نهضة الأعيان 323. (2) الريامي، السابق، 188. (3) منصور بن ناصر الفارسي هو: قاض، شاعر، من أهل «فنجاء»، من وادي سمائل، بعمان، أحد قضاة نزوى أيام الإمام الخليلي. ينظر: دليل أعلام عمان، 153.
(4) الفارسي، منصور سموط الفرائد، 179. (1/187)
صفحة 188
الا رحم الإله عظام قبر لقد صارت لنا وعظاً وذكرا (1)
ويمنح الشاعر سليمان بن سالم البهلاني روح الإحساس للكون لتنعكس عليه مظاهر الفجيعة باستشهاد هذا الإمام، كما تجلى في اضطراب هذا الكون واهتزازه بمن عليه، تأثراً بمقتل إمام سار على نهج الفاروق عمر بن الخطاب
ه، فيقول:
قد اهتزت الأكوان وارتعد الملا لقتل إمام كانَ اللهِ فَيُصَلا على سيرة الفاروق عدلاً وحكمة يسير بها الله ليس لما خلا (2) ويصوّر الشاعر وقع المصاب على نفسه، متمنياً لو كان باستطاعته أن يفديه، ولكن أني لمن تستقبله الحور العين أن يرضى بذلك بديلاً، مهنئاً الإمام
بهذه الشهادة، مبيناً موقفه ممن كان سبباً في قتله، داعياً عليه بالويل، قائلاً: بروحي أفديه طعيناً ممزقاً وكان مُفَدَى الحور ساعةَ جُدِّلا
لقد فاز مظلوماً بطعنة فاجـ له الويل لا زال الشقى المبهلا هنيئاً أمين الله نلت شهادة وأبقيت ذكر الطيبينَ مُبَجَّلا (3)
ويشكر الشاعر زعماء الأمة الذين وحدوا كلمتها، فلم يتركوا الأمة هملاً، بل قضوا على الفتنة في مهدها، باختيارهم شخصاً كفئاً لهذا المنصب، يخلف الإمام الشهيد، ممتدحاً هذه العصبة السائرة على نهج عمار بن ياسر
(1) الفارسي، منصور بن ناصر سموط الفرائد، 180. (2) انظر القصيدة في ديوان أبي مسلم الرواحي، 380. (3) المصدر نفسه، 381. (1/188)
صفحة 189
رضي
الله عنهما، مشيراً إلى الاختيار والبيعة بعد اجتماع أهل الحل والعقد، وذلك انعكاس لمعطيات الفكر السياسي الإباضي، فيقول:
لنا خلف في الله عنه وسلوة بأن إمام المسلمين له تلا جزى الله عنا المسلمين جزاءه بساعة لم يلفوا حِمَى الدين مُهْمَلَا رأوا فتْنَةً صَمَّاءَ جاشت جيوشُها فقاومها عيسى فطاشت كلا ولا (1) وثابره من عُصْبَة الدين أسرة لهم غيرة من يوم عمار تُجتَلى قياماً بحق الله فانتخبوا لها هماما لكل المكرمات تَقَبَّلا (2)
ومما تجدر الإشارة إليه في هذه المرثاة أن الشاعر استثمر في خطابه
سعيد
للإمام الجديد محمد بن عبدالله الخليلي، صلة هذه الإمام بالشيخ العلامة بن خلفان الخليلي، ليجعل اختياره وأهليته، استجابة لدعوات صادقة، كان يدعو بها جده سعيد بن خلفان مشيراً إلى قصيدته سموط الثناء موجهاً رسالته
إلى الإمام الخليلي قائلاً
له:
إليك أمير المؤمنين رسـ
ـالة
وَحَسَنبي فخراً أن أكن لكَ مُرسلا تيقن بأن سر الخليلي قد بدا على وجهك الميمون بَرْقاً تهللا تيقن بأن سر الخليلي إذ دعا أتيح له نصر على لوحه انجلا دعا دعوة يا قدس الله ستره أجيب بها حيَّاً ومن بعد ما خلا
(1) هو الشيخ العلامة عيسى بن صالح الحارثي» (1290 ه) - 1365 هـ)، وهو علامة وزعيم من زعماء القبائل العمانية، كان يعرف بالأمير، له الفضل في جمع كلمة العمانيين واختيار الإمام محمد بن عبدالله الخليلي عقب استشهاد الإمام سالم الخروصي عام 1338 هـ. انظر:
نهضة الأعيان، بحرية عمان للسالمي: محمد بن عبدالله، 74 - 075
(2) انظر القصيدة في ديوان أبي مسلم الرواحي، 381.
149 (1/189)
صفحة 190
سموط ثناء جُرِّدَتْ من ضميره فكانت على أعداء ذا الدين مَقْصلا
فأصبحت في ذاك الدعاء إجاب
وأصبحت ذاك السيف ذو كان
املا (ا)
الخليل
قائلاً:
ورثي الشاعر سعيد بن عبد الله بن غابش الإمام محمد بن عبدالله ي، مستهلا مرثيته بما يعبّر عن عمق المأساة في نفوس جماهير الأمة
هجَمَ الأسا فسقى المَلا من صابه وكوى قلوبهم بنارِ مُصابه والصبر أدبر والسرور كلاهما والحزن أقبل والجا من بابه (2) ويعم الكون حزن أليم لانتقال الإمام إلى الرفيق الأعلى فيقول مخاطباً
الفقيد:
يا صاحب الشرف الرفيع هَجَرْتَنَا يا مَنْ كَسَى الْأَكْوَانَ حَرَّ مُصَابِهِ (3)
حِلَّ
وتتكرر الصورة نفسها عند الشاعر منصور بن ناصر الفارسي، فيستهل قصيدته في رثاء الإمام الخليلي (ت 1373 هـ) بتصوير عظم الخطب الذي. بالأمة، جراء فقد الإمام فيقول:
خطب يذوبُ لحره صلدُ الحصى ولهوله ما كاد ينقدُ الصَّفَا (4)
(1) المصدر نفسه، 382.
(2) الطوقي: سالم، مجموعة شعرية مخطوط، مكتبة السالمي، بدية، 204. (3) الطوقي: سالم، مجموعة شعرية، مخطوط، مكتبة السالمي، 205. (4) الفارسي منصور بن ناصر سموط الفرائد، 183. (1/190)
صفحة 191
ويمنح الشاعر الموت القدرة على الإحساس، فيعاتبه على انتقائه لخيار الأمة، كالإمام الخليلي، مبيناً له أنه باختياره ذلك لم يقض على شخص بعينه،
ولكنه قضى على الأمة مجتمعة، وذلك في خطابه، قائلاً:
ركناً ولا للأرض طود قد رسا
لم تبق يا موتُ لنا من بَعْـ لم تقض يا موت على فرد امرئ لكنما على الورى كان القضا (1)
ويدعو الشاعر دولة الأحرار، وأرض الإمامة أن تلبس السواد، وتنزع ما عليها من زينة، وتجأر بالشكوى لمولاها (2) ويبين مقدار محبة الإمام في نفوس الأمة، حتى مخلوقات الله، الناطقة والصامتة، لو أمكنها النطق
لأفصحت بفضله، وعبّرت عن مكانته، مبالغة من الشاعر حين يقول:
نى الإله في القلوب حُبَّهُ فأشربَتْ بِحُبِّهِ أَهْلُ النُّهـ لو أفصحت بهيمة الأرض به لأفْصَحَت بما من الفضل حوى بأنه هو الوحيد في الذرى (3)
لو نطق الجمادُ كان ناطق
ويتحدث الشاعر عن سياسة الإمام مع الرعية، التي تمثل فكر المذهب السياسي، المتجسد في عدم الاحتجاب عن أحد من المسلمين، والمساواة بين يرهم وغنيهم، عاش عمره في حفظ مصالح الأمة، وأفنى حياته في الحفاظ على وحدة كيانها، قائلاً فيه:
لم يحتجب عن أحد ولمْ يكُن يحجبه عن العبادُ مقتضـ
(1) المصدر نفسه، 183.
(2) المصدر نفسه، 189.
(3) المصدر نفسه، 189. (1/191)
صفحة 192
يجالس الفقير والمسكي ن لا مستكبراً وذا العمى والمُبتلى لقد أذابَ مُخَه تعبدا وأنحل الجسمَ وَأَوْهَنَ القُوى وعاش في مخافة من رَبِّ وآثَرَ الأُخرى على هذي الدُّنا (1)
ويؤكد الشاعر عبدالله بن علي الخليلي في رثائه للإمام محمد بن عبدالله
الخليلي، هذه السياسة في عدم احتجاب الإمام عن شعبه، قائلاً:
يهرع الناس حول أبوابك أفوا جا فتقضى من شأنهم ما شاءوا لا حجاب عليك عنهم ولا حجا ب لكن سمح حة سمحاء (2) ويمتدح الشاعر هذه الإمامة، معدداً، سماتها، فهي، مقتدية بالعمرين،
عدلاً وعزماً وسخاء، في رؤية إياضية للحكم، قائلاً:
حقا هي الخلافة لا قهـ
ر ولا سلط ة ولا غُلوَاء
قد تجلت عليك من عُمَريها سيرة الحقِّ عَزمَةً وَسَخَاءُ
رضخت للهدى فنعم القضاء
رضت فيها الأيام الله حَتَّـ بين ضعف وفاقة ومشيب قوة، لا ينالها الإعياء (3)
وبموت الإمام تموت الحرية وتهان الملة، ويزول الإباء ويسود الظلم، ويعم الكون ظلام رهيب وهي تمثل نظرة سوداوية لما يمكن أن تسفر عنه الأمور بعد فقد هذا الإمام في إشارات أرسلها الشاعر، يعبر فيها عن رؤيته للمستقبل قائلاً:
(1) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد 191. (2) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 423. (3) المصدر نفسه، 423. (1/192)
صفحة 193
رب شخص يموت من موته الدهـ
ويموتُ الأحرار في مأزق الـ
وتهان السماء تحت خوافي القهـ
ر وتهوي لفقـ
ـــده
الجوزاء
ــرق وتفنـ إرادة وإباء
ي
ـر و الظلم بازل عدَاءُ
وكأن الزمان ليل رهيب والضواري غرثى البطون ظماء عد إلينا تر النهار ظلاماً والليالي كأنها الرَّقْطاءُ (1)
ب رثاء الإمامة:
مما يلحظ في هذا الشأن أن أغلب الشعراء قد أحجموا عن الخوض في ذلك، فلا يجد الباحث ما يمثل حسرة الشعراء على ذهاب نظام طالما تغنوا به،
ومدحوا أئمته، وإن كنا لا نعدم إشارات تعبر عن ذلك المعنى عند بعضهم. ومن أكثر الشعراء صرا. راحة، وأجرئهم على طرح أفكاره، الشاعر العلامة سعيد ابن أحمد بن سليمان الكندي (ت 1383 هـ 1963 م) الذي عبر عن رأيه، بكل وضوح، فقد رثى الجبل الأخضر، وما أصاب بلدانه من الدمار الحاصل في الحرب التي دارت رحاها بين السلطان سعيد بن تيمور (2) والمعارضين لحكمه في ذلك الوقت.
وعندما رثاه الشاعر فإنه كان في الحقيقة يرثي نظام الإمامة، يقول في
مطلع قصيدته:
قف بي على تلك الطلولِ ونـ
هل من قصور قد بقين ونادي
(1) المصدر نفسه، 423.
(2) هو السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل البوسعيدي (1906/ 1324 م 1972/ 51392 م)
والد السلطان قابوس سلطان عمان الحالي.
193 (1/193)
صفحة 194
إلى أن يقول:
وانظر إلى تلك المساجد
كم من خطيب قام في الأعواد
يا أخت يوشَع خَبَرينا عنهُمُ في أيما بلد وأية وادي
فكأنّهم لم يستووا بعروش
وكأنهم لم يعتلوا لجياد
وكأنهم لم يخرجوا بجح
افل
وكأنهم لم ينهضوا لجهاد (1)
ويعبر الشاعر عن حزنه على ما جرى، بعدما أخرجها كلمات حرّى، فعاتب من عاتب، وعبّر عن رأيه بصراحة العالم الذي يقول، غير هياب من العواقب، حين يقول في تحسر
ماذا أقولُ وأَدْمُعي منهلة حُزناً وعيني كُحَلَّتْ بِسُهَـ بسهاد لهفا وما يُغني التلهف والأسى شيئاً ولا أسطيعُ رَدَّ عَادي لكنها نفثات مصدور بها جاشت لواعج حسرة الوقاد
يرجو بها حق الوفاء لمعشر سادوا بعدل إذْ رَعَوا ورشـ
وتعود الذكريات إلى بال الشاعر، فيخاطب الإمامة، ويدعوها إلى العودة وألا تكون أعز من راء واصل بن عطاء، قائلاً:
واصل
عودي علي بوصلك المتواصل فالعود يُحَمدُ من حبي عودي على بنظرة لا تجعلي نظري أعَزَّ عليك من را واصل عودي علي بنظرة أشفى بها فيعود لي زمن مضى بالواصل "
(1) الخصيبي. محمد بن راشد، شقائق النعمان، 266/ 3. (2) الخصيبي / محمد بن راشد شقائق النعمان، 268/ 3.
(3) الكندي، عبدالله سيف مجموعة شعرية (نحو) مكتبة خاصة، 53.
19 (1/194)
صفحة 195
قائلاً
ثم يعرج بعد ذلك إلى ذكر نزوى مقر الإمامة وعاصمتها عند الإباضية
في وصفها:
بلد لأنوار الإمامة مطلع يكفيه فخراً عند كُلّ مُساجل بلد به عرش الإمامة قد رسا يكفيه فخراً عند كل مناضل (1)
فتجيبه نزوى بأن من يسأل عنهم الشاعر فد رحلوا، وأن الدهر قد تغيرت أحواله مشيراً إلى أن نظام الإمامة قد أصبح في مهب الريح أثراً بعد
قائلاً: عين،
اعل
قالت معاذ الله قد لعبت به هوجُ النكائب عن صَبَا وشمائل فتغيرت حالاته عن عهدها وتبدلت ألوانه بمشـ فلنصبر على الزمانَ وَصَرفه فالحر يصبر للملم النازل ولَنَشْرْبَنْ حُلْوَ الزمان ومُرَّهُ من حالتيه جائر أو عادل (2)
ويندب الشاعر عصر الإمامة بأسلوب مباشر، باكياً نورها، وشبهها
بالبدر الذي أفل وترك الأرض مظلمة بعد أن كان يعمها النور، فيقول:
وانند بن عصر الإمام وأهله ولى بأمته كظل زائل ولنبكين نور الإمامة والهدى ولى بزهرته كبدر آفل
ويدعو الشاعر على من كان سبباً في إطفاء نور الإمامة، ومن تظاهر
للقضاء عليها قائلا:
(1) المصدر نفسه، 54.
(2) المصدر نفسه، 54.
2195 (1/195)
صفحة 196
يا قاتل الله الذين سعوا إلى إطفائه جهداً بكل
يا قاتل الله الذين تظاهروا لزوال نعمته بنيل عاجـ
ويرى الشاعر سيف بن حمد الأغبري (ت 1380 هـ / 1960 م) أن نظام الإمامة وقع فريسة الخيانة والحسد من عصابة موهت للناس، فقلبت الحقائق، كفراً بنعمة الله حين فرقوا عصب الدين واستبدوا برأيهم قائلاً:
نفوس وعقول ضلت سبيل الرشاد
ذاك مما جنت عليهم كفروا نعمة الإله عليهـ
عصب الدين فرقوها
وهو للكافرين بالمرصاد
في الأعضاد
يا لها دولة أضيعت ولولا غيرتي ما وقفت فيكم أنادي
بينما يرى شاعر آخر أن أولئك الأئمة قد رحلوا ولم يبق منهم إلا نشر أحاديثهم، ورواية أخبارهم بعد أن تركت سيوفهم تصدأ، كما يقول الشاعر موسى بن علي بن سيف الكندي في تذكره لأئمة عُمان ومدينة نزوى، ومن كان بها من أعلام:
فيا ليت شعري هل أراني بمجلس به علماء الدين والفضلِ فِي نَزْوَى فكم عالم بر تي مهذب تَرَغرَع فيها ثم صارت له مَثْوَى وكم من إمام قام بالحق عادل فبدد جيش المعتدين عن الأجوا أولئك أشياخي أئمه مذهبي أحبائي في دين الإله ولا غروى
(1) الكندي: عبدالله بن سيف مجموعة شعرية، مخطوط، 55. (2) الخليلي: عبدالله بن علي بين الفقه والأدب، 43.
196 (1/196)
صفحة 197
فلم يبق منهم غير نشـ
فأسيافهم تصندَى وأخبارهم تُروى (1)
وقد يلجأ بعضهم إلى التلويح بدل التصريح، مراعاة للظروف السياسية كأبي سرور الذي تساءل عن ضالة طالما جرى لتحقيقها، لتصبح هذه الضالة قضية الشاعر المركزية، وجانباً من جوانب أحلامه، كما وصفه بذلك عبدالله قائلاً عنه «ما زال يحلم بأمنية كأنما ربط أسبابها على أساطين العرش، تبدو لك في قدمه وقلمه، كأنما خلطت بأمشاجه، أو علقت على نياط قلبه» (2)، كأن يقول متسائلاً، وهو في منفاه بدمشق عام 1964:
الخليل
هل في دمشق وهل لي في مغانيها أنشودة كنتُ أُخفيها فأبديها أم فيك يا بَرَدى أنشودتي وُجدت والماء يبعثُ للظمآن ترفيها
وتتكرر عنده الصورة في بحثه عن ضالته التي كانت السبب في قطعه
الفيافي وتحمله الغربة بحثاً عنها، فيقول على سبيل الإشارة:
ــلات
إن التي تركتني في الهوى ثملا أطوي الدجى بين حنّات وأنّات أنشودة الكون والأيام شاهدة حرية دونها حد الصقي هي التي لم تزل أنشودتي أبداً لها خُلِقتُ ولم تبرح إراداتي
(4)
(1) البوسعيدي: حمدي بن سيف بن محمد قلائد الجمان، مسقط، 1413 هـ، 1993 م، 386. (2) الخليلي: عبد الله بن علي، ترجمة أبي، سرور، جريدة عمان، 1973/ 8/18 م. (3) الجامعي: أبو مسرور، حميد بن عبدالله ديوان باقات الأدب، دار الاتحاد العربي للطباعة، القاهرة. 1975 م، 9
19
197 (1/197)
صفحة 198
ج- رثاء الشيوخ والزعامات الدينية:
إن قراءة قصائد الرثاء عند الإباضية، تعطي القارئ صورة واضحة عن منطلقات أصحابها، وهوية قائليها.
لقد كانت قصائد الرثاء عندهم مناسبة لإيقاظ الهمم، وإيقاد العزائم، ومحاولة ربط الفقيد بتأثيرات فكرية يتحتم على الأمة مواصلة نهجه والعمل على تحقيق آماله.
ومن أكثر الشعراء وضوحا في هذا الباب الشاعر العالم نور الدين عبدالله بن حميد السالمي (1332/ 1286 هـ - 1914/ 1869 م) 869 - 1091، والشاعر أبو مسلم البهلاني.
رثى السالمي شيخه الجليل صالح بن علي الحارثي (1250 - 1314 هـ) الذي كان ثالث ثلاثة قامت على أيديهم إمامة الإمام الرضي عزان بن قيس البوسعيدي (ت 1287 هـ) وقد نال الإمام عزان والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والشيخ محمد الغاربي الشهادة، وبقي الشيخ صالح الحارثي قائماً بأمر الإمامة في عمان إلى أن اختاره الله فنال الشهادة أسوة بأقرانه، فاستثمر السالمي ذلك الحدث بما يتناسب مع توجهاته، فسكب عبراته حزنا على شيخه الذي كان المثل في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفارقة ونصرة المظلومين، وقد جسد الشاعر السالمي هذه الأحاسيس في مجموعة من القصائد والمنظومات الشعرية التي رثى بها شيخه، وهي جميعها قصائد تمزج بين الحماسة والرثاء والدعوة إلى التأسي بالفقيد، ومن أجل
الظل
قصائده في هذا المقام، قصيدته التي مطلعها:
198 (1/198)
صفحة 199
قضت أحسابنا أن لا ندينا لحكم الحادثات وإن رزينا
و عزم صادق يأبى علينـ
علينا
الغيرِ المَكْرُمات وإن بلينا
وينادي الفقيد بقوله:
أبا عيسى لقد أتعبت قَوْماً أتوا للمجد بعـ دك خاطبينا فكم جيش سحبت وكَمْ كى قتلت وكم أنلت السائلينا وكم مجد علوت وكم عـ ــلاء سموت وكم قمعت المعتدينا (1)
والشاعر لا يرضى البكاء طريقة للحزن على الفقيد، بل إن من حقه العمل على تحقيق آماله وتحويل طموحاته إلى واقع حي كما يبدو في قوله:
خل البكاء وان رزئت بمثله وانهض سريعاً في طريقة عدله (2)
وقوله:
صبراً على مضض المصارع فالدهر للأعمار قاطع كُفَّ المدامع لا تسيـ ل فما على نفع المدامع (3)
والموت في نظر الشاعر، ملجأ للراحة من تعب هذه الحياة، ومعاناتها، فمن مات فقد استراح، بينما شقي حال من بقي بعده، بين قوم إن حلَّ أمراً أبرموه، وإن عقد أمراً حلوه في نظرة نقدية لحالة المجتمع في عصر
الشاعر، كما يقول السالمي:
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 59.
(2) المصدر نفسه، 64.
(3) المصدر نفسه، 81.
199 (1/199)
صفحة 200
طاب نفساً من أتاه الفرجُ بين عزم للمعالي الي يَعْرُجُ
وشقي حال همام قد إن سعى في عقد أمر للغـ
دا
بين أقوام علاهم هرجُ قامَ في حل المساعي الْهَمَجُ (1)
ويتخذ السالمي من الرثاء منطلقاً يجمع فيه بين الحماسة والحزن، ويجعل منه مناسبة لذم العيش، ونقد المجتمع، ففي مرثاته للشيخ صالح بن علي الحارثي، لا يتباكى على الفقيد، بل يؤكد منذ مطلع القصيدة، أنه مع عظم الفاجعة إلا أنه لن يستكين لحادثات الدهر، حيث يقول:
أشكو إلى الله زماناً بـ
في قلب كُلِّ مُسلم جُرْحُ
وقد كان بالأمس لنا سيد له على هام العُلا صَرْحُ فضم في الأرض وذكراه في أفق العلا لنشرها نفخ (2)
ويتمنى الشاعر أن يجد من يخلف الفقيد، وهو فتى تزف له الخلافة
كناية عن تمني إحياء رسوم الإمامة في عمان، فيقول:
وانهض للبرية في ذراها فتى نجداً يقد الدار عينا (3) تُرفُ له الخلافة بين قوم أباة الضيم كهف الملتجينا فيحيي ما أمات الدهر قدما ويبني للعُلا حضناً حصينا (4)
(1) المصدر نفسه، 130.
(2) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 73، 74.
(3) يقد: يقطع الدارعين الذين لبسوا الدروع.
(4) المصدر نفسه، 61. (1/200)
صفحة 201
ويُعد الشاعر أبو مسلم البهلاني من أهم الشعراء الإباضيين الذين انطبع
شعر الرثاء عندهم بطابع الشراة الإباضية الأوائل، والفكر الإباضي المتجذر، في فلسفة الشاعر ورؤيته إلى الموت والحياة.
وقصيدتا أبي مسلم في رثاء الإمام السالمي من أهم ما يمثل شعر الرثاء الإباضي في هذه الفترة، لما اشتملت عليه من حقائق فكرية، ورموز مذهبية، يقول في الأولى:
نكسي الأعلامَ يا خَيْرَ المِلَلْ رزئ الإسلام بالخطب الجلل وانتثر يا دمع أجفان التى قد أصيب العلمُ واغتيل العمل وانفطر يا قلب واستقص الأسا إن حبل الدين بالأمس انبتل أشعل البرق علينا جذوة فانطفا واتقدت فينا الشعـ ل (1)
ومما يلفت النظر في قصيدة الرثاء الأولى أن الشاعر أنشاها وهو في غمرة الفجيعة، وواسطة الحزن، ولذلك جاءت قصيدته منذ بدايتها محملة بهذه المعاني، وعبرت عن قلب مكلوم، وصبابة نفس حرى، ونفذت العاطفة الحزينة إلى كل بيت من أبيات القصيدة، حتى لكأن القارئ يحس بلوعة الشاعر، ومعاناته فيشاركه، آلامه، وهذا أمر طبيعي في الرثاء غالباً.
والقصيدة قد امتزج فيها البعد الذاتي مع البعد الاجتماعي العام، فجاءت
مزيجاً من عواطف الذات و هموم الآخرين كأن يقول:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، (مخ) 176. (1/201)
صفحة 202
ونصرت الله حتى أن لك من أهل السما الجِند نَزَلْ ولقد يجدر من أهل السما نصرة القائم في خير النحل تلك بدر نزلوها مداً وعلى بدر قياس يُحتمل (1)
في إشارة من الشاعر إلى مساعي الإمام السالمي في إحياء رسوم الإمامة وقيامه بحقها، ويخاطب الفقيد مصوراً مشاعره، قائلاً:
يا وليَّ الله إنّي
ن
ادب
لك ما دار بكورٌ وطَفَل (2)
طالم
أملتُ أن يجمعن
بك هذا الدهر فانسد الأمل
كنتُ في قيد شديد حهُ ضوعِفَ اليومَ بِغل وكبل
والبكاء المر لا يشفي الجوى لو
طَفَقْتُ الدَّهْرِ أستمري المُقَلْ (3)
وتبدو في القصيدة نظرة تشاؤمية حول ما سيؤول إليه الوضع بعد وفاة
السالمي، إذ يرى أن مكانته لا يمكن أن ينوب فيها أحد عنه، حين يقول:
بعد عبدالله يبقى أمل للهدى هيهات قد شَط الأمل خَلَّهايا ابن حميد تلتوي فتنة عمياء كالليل المضن ليس يغني عن فيها أحَدٌ طمست إِذْ ذَهَبَ النور السبل (4)
وبدت هذه النظرة واضحة، في مرثاته الأخرى في الإمام السالمي، التي قالها، ليفرغ مزيداً من عاطفته المتوهجة مخاطباً الإمام باعتباره زعيم، أهل
(1) البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، نحو، 378. (2) الطفل: العشي، آخره عند غروب الشمس، لسان العرب مادة: طفل. (3) البهلاني، أبو مسلم، الديوان، 379.
(4) المصدر نفسه، 380. (1/202)
صفحة 203
الاستقامة، وهم الإباضية، ويلاحظ أن الشاعر يرى في الفقيد شخصية عزيزة المثال، فقد كان المرجع الديني، والمحرك السياسي ومن ثم يناديه طالباً منه أن يعود لإتمام ما بدأ به، فقد ترك أهل الاستقامة كاليتيم الذي فقد أباه، وكالأرملة التي فقدت بعلها وحاميها، كناية عن موقعه بين رجال المذهب، وتبيانا لدوره الكبير في تجديد معالمه وإحياء فكره، قائلاً:
مَهْلاً همام الاستقامة ما الذي غادرت من هول ومن أذعار تمضي وترسلها العراك مروعة والليل داج والذئاب ضواري قومتها فتقومت فهجرتها يا هجرة طالت على السفار ارجع إليها حيث قلَّ حماتها ارجع فديتك يا غريب الار ارجع إلى الإسلام تَمِّم نَصْره فالعز تحت عمائم الأنصار ارجع فإن الاستقامة أرملت ارْحَمْ يتيمك وهو دين الباري (1)
ورثى الشاعر عبد الرحمن الريامي العلامة أبا زيد، عبدالله بن محمد الريامي، أحد أعمدة دولة الإمامين سالم الخروصي، ومحمد بن عبدالله مطلقاً عليه رب البيعتين» في إشارة فكرية، وملمح سياسي،
الخليل
لمبايعته للإمامين المذكورين، فيقول:
بُشْرَى لِرَبِّ البيعتين ومَن له رتب العُلا في نورها مُتَلالِيَة قد كنتُ أغبطة الحياة سريرة واليوم أغبطه الممات علانية (2)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، (مخ) 372. (2) الريامي: عبد الرحمن ناصر، الديوان، (مخ)، 99. (1/203)
صفحة 204
وعندما توفي العلامة عيسى بن صالح الحارثي (ت 1365 هـ) أحد
الزعامات السياسية والقيادات الدينية في عمان، شكل موته في ذلك الوقت خسارة كبيرة وبموته فقد الإمام الخليلي أحد أركان دولته، ولذلك طلب منه الشاعر خالد الرحبي أن يتريث، في رحلته قليلاً، ليودع الإسلام أهله، في نبرة مليئة بالحزن، مشعرة بالدور الكبير الذي كان يضطلع به الفقيد، حيث يخاطبه
بقوله:
رويدك قف يا راحل الدين وقفةً يفديك فيها سَاكِنُ الْقُطْرِ والقُطْرُ وقف ودع الإسلام توديع والد فذاك ابنك السامي وأنتَ الأبُ البَر وقف سيدي للسنة المحضة التي أقمت ولا زيد هناك ولا عَمْرو وقف لحمى استقلالنا قَبْلَ هَدْمه فقد كادة أعداؤه اللدُدُ الكُثرُ وقف لإمام المسلمين تجله وتنصره في ساعة يجب النصر (1)
(1) الرجبي: خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، 31. (1/204)
صفحة 205
الفصل الرابع ظواهر أخرى
شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي.
شعر المديح النبوي والفكر الإباضي.
الحماسة في الشعر الإباضي.
الشكوى في الشعر الإباضي.
قدسية المكان عند الشاعر الإباضي. (1/205)
صفحة 206
/ (1/206)
صفحة 207
شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي:
من القضايا اللافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة، وجود وفرة واضحة فيما يسمونه «شعر السلوك»، فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة التأثر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جدير ة بالتأمل
والدراسة (1).
أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي «شعر السلوك» ولم يطلقوا عليها «شعر التصوف»، ومن الجدير بالإشارة إليه، أن الإباضية يتشددون تجاه التصوف (2).
وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها كالزهد في الحياة، والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها الأبدي، وطلب المغفرة من الله، والتوبة إليه والمناجاة الإلهية، والإقبال على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها أن تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب.
وقد كان أقطاب هذه التوجه من أعمدة الفكر الإباضي، الذين كان تأثرهم بالتصوف تأثر علماء، لهم اليد الطولى في تحقيق المسائل العلمية في الفكر
(1) نجد ذلك واضحاً في مسميات قصائد ودواوين هؤلاء الشعراء كسلوكيات أبي نبهان الخروصي، وسلوكيات الخليلي، وسلوكيات الرواحي. (2) ينظر السيابي: أحمد بن سعود، أبو مسلم البهلاني الرواحي المدرسة التي ينتمي إليها»، بحث ضمن قراءات في فكر البهلاني، 50. (1/207)
صفحة 208
الإباضي، وأعني بهؤلاء أبا نبهان جاعد بن خميس الخروصي، وسعيد بن
خلفان الخليلي، وأبا مسلم البهلاني، فضلاً عن غيرهم (1).
على أن الفكر الإباضي في عمومه، فكر تنزيهي لا يلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته (2).
فضلاً
فالإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرد جلسات وطقوس وتجمعات وأناشيد تتلى وإنما أخذت الخلوة الانفرادية واستعمال الأوراد» (3) كما أن عقيدة الإباضية في التنزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه، التوحد معه (4) ولذلك فهم ينتقدون الصوفية في ذلك، فالشاعر العلامة، سلطان بن محمد البطاشي يقول:
عن
نظر الجليل من العبادة والسيا حة والزهادة طلبة المتصوفه طَمَست بصائرهم أشعة نوره فعموا بذاك عن السبيل المزلفه (5)
على أنه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر السلوك عند الإباضية، لكنهم بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها، فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظاً على معطيات الفكر الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في بعض الجوانب
(1) من الشعراء الذين تأثروا بهذا التوجه أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، وعبد الرحمن بن ناصر الريامي، وراشد بن سيف اللمكي، وخلفان بن جميل السيابي وغيرهم. (2) د د. محمد عمايرة، نظرة جديدة إلى التراث دار قتيبة، ط 2، 1988، 132. (3) السيابي: أحمد بن سعود، أبو مسلم البهلاني الرواحي، مصدر سابق، 50.
(4) انظر: القشيري أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن الرسالة القشيرية، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، ط 1، 1966، 2/ 983.
(ه) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان على سموط الجمان، 156/ 1. (1/208)
صفحة 209
استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، بما يؤدي إلى الارتقاء بالنفس إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس وترويضها، وتعويدها على
الطاعة، والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة.
إن هنالك عوامل أسهمت في ظهور هذا التيار من الشعر السلوكي، لعل أهمها انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية التي اشتعل أوارها في عمان آنذاك، والواقع الاجتماعي والسياسي الذي أفرز حالات من الإحساس بالظلم والحيف.
وعلى ذلك يحسن بنا أن نتحدث في هذا المقام عن استخدام الشاعر الإباضي جملة من الألفاظ والمصطلحات والأساليب الصوفية المدونة في قواميسهم واستخداماتهم الخاصة، ولكنه لم يكن يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات، دون أن يحملها بعداً صوفياً خاصاً.
ومن أبرز الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذا المجال الزهد في الحياة والتحذير من الدنيا وآفاتها، ويعد الشاعر أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت 1237 هـ من أوائل الشعراء المتأثرين بالنهج الصوفي في عمومه، حيث اتجه الشاعر إلى النفس، في محاولة لرسم معالم إصلاحها، والخروج بها من ربقة الهوى، إلى عالم يسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية
الله، ويدعو إلى تنقية النفس من ظلم الجهالة والهوى فيقول: (1/209)
صفحة 210
فَقَدَ هُديْتَ النَّفْسَ من رين جَهلها به عاجلاً تمحق به الذات والذنبا وبادر إلى تجريدها من مزاجها وإخراجها من يم أمشاجها سَحْبًا فإني أراها عن يقين غريقة على قبحها في قعر بحر الهوى عَطب (1)
ويمضي الشاعر في التحذير من النفس، مبيناً أن حب الله لا يكون إلا بامتثال أوامره، والانشغال بحبه عن كل ما سواه، قائلاً في صفات من يتمكن من الوصول إلى مرضاته:
حدا عيسة روماً له لا لغيره على ظهر روض الحُبِّ مهما دُعِي لَبًا يجوب الفلا منها بها في مروجها على أوجها منها بمعراجها هَضْبًا ولما يزل في صمده قاصداً له بمرصاده حتى تنيخ به الركبا فنى في هواه عن سواه له به وعد عن الأغيار في غوره عصبا (2) وهذه من مراتب الكمالات التي لا يصلها الإنسان إلا إذا ارتقى بنفسه إلى مرتبة اليقين والإخلاص، عندها تتفجر ينابيع العلم في قلبه (3) فيمتلك زمام
نفسه، فيقول:
فطوبى لمن في نفسه عن صفاتها تخلى وحلّى قلبه فانجلى هَجْبا وأرخى إلى مولاه هوجاء نفسه مجداً على جدَ لوجد جرى ضربا ولما يزل يرقى بمرقى التقى بها يرومُ الرضا خوف الشقا إن قضى نَحْبا (4)
(1) مجهول مجموع، القصائد مخطوط، مكتبة السالمي، 74.
(2) المصدر نفسه، 75
(3) المصدر نفسه، 76.
(4) المصدر نفسه، 76. (1/210)
صفحة 211
حيث أن الغاية التي يسعى الشاعر الإباضي إليها، ليس الوصول إلى تجلي الذات الإلهية للسالك، بل نجده يركز على الارتقاء بالنفس، ناشداً القبول من الله،، كي يعبر بالنفس إلى السعادة الأبدية المتمثلة في رضاه ودخول جنته، خوفاً من الوقوع في العذاب الأبدي، ولا بأس بعد ذلك أن يهنئ من يتمكن من الوصول إلى تلك المرتبة، مستفيداً من بعض مصطلحات التصوف، كالمقامات والمريد، في قوله:
مضى في مقامات اليقين على الرضى نشا فانتشى عن غيره والها رغبا عميداً لمولاه مُريداً له به يعب الذي أولاه في حُبُّه نعبا
هنيئاً له يا حبذا من سميدع صفي خفي والعصي له تبا (1)
ونجد الشاعر بشير بن عامر الفزاري (من علماء ق 13 هـ) يخاطب الإنسان الذي غرته الحياة، فنام نوماً هنيئاً، ناسياً أجله، فأي راحة وهناء لمن يلاحقه الموت، وترصده المنايا، متسائلاً كيف تطعم عيناه الغمض؟ جاء بذلك في صورة الوعظ والإرشاد، داعياً إلى الاستعداد لليوم الذي يتحتم وقوعه. ولا ريب أن مثل ذلك القول، وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها فيقول الشاعر:
أيها الغر كيف تطعَمُ غَمْضَا والمنايا يركُضن حولَك رَكْضا بادر الموت للمعـ اد بزاد صالح تلق ما تحب وترضى تب إلى الله من معاصيك واندب عمراً منك في الذنوب تقضى (1)
(1) المصدر نفسه، 76. (1/211)
صفحة 212
فهو يدعو إلى المبادرة بالمتاب، قبل أن يغلق باب التوبة، داعيا إلى التزود بالعمل الصالح، فالكل يقدم على ما قدم، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، وكل ذلك انعكاس للفكر الإباضي في عمومه قائلاً:
ذب عن نفسك المعاصي ذباً وارفض الفضول ما عشتَ رَفْضا ـــــم الله مذنباً تاب مما كان منه وأقرض الله قرضا زود النفس فالرحيلُ قريب وافعل الخير تَلْقَ رَفْعاً وحفظاً (2) ويحذر الشاعر أبو مسلم البهلاني النفس من الدنيا وزينتها، ضمن مشاعر داعية إلى التأمل في حقيقة المآل ولعله كان يتوجه بخطابه إلى نفسه، حيث جرد منها شخصا يخاطبه ويحاوره، يقول في مطلعها:
ماذا تريد من الدنيا تعانيها أما ترى كيف تفنيها عواديها (3) ومن ثم يصور خدائعها ومكرهاً، محذراً من الافتتان بها، قائلاً في
وصفها:
غدارةُ ما وَفَتْ عَهْداً وإِنْ وَعَدَتْ خانَت وإن سالمت فالحرب توريها
وانفر فديتك عنها إنها فتن والشاهدات على قولي معانيها تريك حُسناً وتحت الحُسن مهلكة يا عاشقيها أما بانت مساويها (4)
(1) البوسعيدي: حمد بن سيف بن محمد، قلائد الجمان، 33.
(2) المصدر نفسه، 33.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 353.
(4) المصدر نفسه: 353. (1/212)
صفحة 213
وبعد أن أفاض الشاعر في بيان صفات الدنيا الغادرة في تصور إسلامي
لها، دعا ألا يخدع الإنسان بنضارتها، فيستعد للقاء الله بالعمل الصالح، متخذاً الدنيا جسراً يعبر من خلاله إلى دار الخلود، مردفاً حديثه ببيان صفات الأكياس من الناس، الذين يزنون أعمالهم بميزان الإسلام، لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، وكل يجازي على عمله، فيقول:
ما هكذا عمل الأكياس فانتبهوا من غفلة وعمايات تؤاتيها حَقًّا ولا سلك الأبرار مسلكهـ ساروا خماصاً من الدنيا وما فيها (1)
إلى أن يقول راسماً صفات رجال الله الذين لم تختلبهم الدنيا بزهرتها
حيث يقول:
لم ينج منها سوى المستبصرين بها ولا تَوَفَّق فيها غير غاويها فَروا إلى الله من دنيا تجارتها خُسَرٌ وغمّ وآفات تصاليها رأوا يقينا بأن الله حقرها فنابذوها ولم يُصغوا لداعيها وحاربوا النفس والشيطان واجتنبوا ذل الحياة لري من سواقيها أزكى بضاعتهم منها قناعتهم على الكفاف وأن تبقى لأهليها (2)
إنها أبيات في الزهد، ولكنها أيضا ترسم سمات الشراة الذين لم يلتفتوا إلى الدنيا ولم يصغوا لإغراءاتها، وكما دعا الإنسان إلى المبادرة بالتوبة، نجد أنه يحذره من مغبة المعصية، مشيراً إلى مصطلح العاصي عند الإباضية وهو «كفر النعمة» وعليه فإنه ليس أمامه سوى التوبة النصوح حين يقول:
(1) المصدر نفسه، 354.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 355. (1/213)
صفحة 214
لزمت فعل معاصيه بنعمته أنعمة الله بالكفرانِ تُجزيهـ تغذوك نَعْماه يابطال نامية بغير حولك فضلاً منه يوليها وأنت تقوى مليا في مَسَاخطه بنعمة منه لا مخلوق يُخصيها فأفرغ الدَّمْعَ إنَّ الذنب منطبق ياغُمَّة ليس غير التوب يجليها (1)
ويأتي تحذير الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من الدنيا ممتزجاً بالتأمل فيها، في نظرة فلسفية تقوم على مبدأ التفكير بداية، ثم الاستنتاج ثانياً، حين
يقول:
وأرنو إلى الدنيا بعين تفك
فلم أرني أرنو إلى غير هجران ولم أرها إلا غروراً وزخرفاً تشوش لي ديني فكنت لها شاني (2)
ومن هذا المنطلق فإن الشاعر لم يقل الدنيا، إلا وهو عارف بأحوالها، فحبها وحب الله لا يستويان، ولذلك شد الشاعر رحاله، مولّياً وجهه صوب خالقه، متوكلاً عليه، بعد أن أشرق نور الإيمان في قلبه قائلاً:
فوجهت وجهي تاركاً كل مظهر إلى المظهر الأعلى صرفت عناني وخلفتُ كل الكائنات ترقياً فعاينت نور الحق نصب عياني فلم أر نفسي أو شهدت ظهوره وأينَ الدُّجى قد أشرق القمران بدا فاختفى كل المظاهر وانتف سواه فلا غير هنالك ثان (3)
(1) المصدر نفسه، 356.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوان انه، مخ، 29. (3) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 12. (1/214)
صفحة 215
إن هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة تكتسب توجهها عبر نظرة سلوكية تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبّر عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أن ألفاظها (فعاييت نور الحق، شهدت ظهوره، بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر، عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أن الشاعر لم يذهب إلى ذلك، فهو بعد أن ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلّت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق اه، يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:
سوا
وقال لمن رام العلامة أنها المجـ افاة عن دار الغرور بسلوان منيباً إلى دار الخلود تأهباً ليوم نزول الموت أهبة لهفان (1)
ومن القصائد المتأثرة بالتصوف قصيدة نلمس من خلالها المسحة التصوفية، بما يمثل شخصية (السالك) الذي نزع من قلبه كل شيء عدا حب الله، فأشرق نور الإيمان في قلبه، وكانت لفظة «العارفين» من الألفاظ التصوفية التي استخدمها الشاعر أبو نبهان الخروصي حين يقول:
شموس قلوب العارفين بوازغ ومن حُبِّ غير الله هنَّ فوارغ لها في خفيات الخفي مطـ الغ وفي غرب أعيان العيانِ مبازغ
لآفاق أوفاق النقاق دوا وفي سرّ إشراق النفوس مشارق
(1) المصدر نفسه، 28.
(2) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 1: 147.
(1) (1/215)
صفحة 216
ونجد في سلوكيات هذا الشاعر مسحة تأملية في مخلوقات الله، بدأ كل بيت فيها بكلمة «سبحان» للدلالة على عظم شأنه،، والتفكر في مخلوقاته الدالة على بديع صنعه، وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقائدي، يقول الشاعر:
???
سبحان من شهد الوجود بجوده ووجوده سُبحانَه سُبْحـ سبحان من هو أول بل آخرُ قد كان فرداً دائماً منانا
سبحان من هو ظاهر في فغله بل باطن في وصفه مولانا
إلى أن يقول في توحيده سبحانه:
انه القدوسُ قَدَسَ نَفْسَهُ سبحـ
وبسورة الإخلاص عنه أبانا سبحان من قد يستحيلُ بوصفه أنّي وأين وكيف بل أيَّات (1) وطبيعي ألا نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي، كما هو الحال في فلسفة المتصوفة، ذلك أنهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته، فالشاعر أبو نبهان الخروصي، حين أشار إلى أقسام العارفين بالله يقول:
والناظرون بنور الله نورهم في قالب مثل نور الشمس مركوز (2) أهل الجهاد وأهل الاجتهاد هم أرباب وجد لهم في السر تمييز فالسر منكشف في حقهم وكذا ما في الحقائق بالتحقيق مكنورُ تعرفوا الحق لما الحق عرفهم عُرف المعارف والتعريف تعزيز
(1) المصدر نفسه، 140.
(2) مرکوز ثابت. (1/216)
صفحة 217
واستنشقوا من ختام الحب رائحة راحوا بها وجَميعُ الغير مفلوز
(9 (9) ;
والناظر إلى هذه الأبيات وما بعدها على ما تكتنفه من أساليب صوفية، لن يجد في ثناياها ما يخرج عن دواعي التوحيد، ولوازم الإيمان، فبعد أن
تحدث
عن انکشاف سر معرفة الله من خلال ما عرفهم به من الآيات الدالة عليه، ركز على نتيجة مهمة ذات انعكاس عقائدي إباضي، وهي أنه سوف يتجلّى لهم كل شيء من الحقائق الكونية والمعرفية عدا ظهوره لهم ظهوراً
حقيقياً، فيقول:
فأشرقت من دياجي الجهل أنفسهم نوراً به إذ به الإيمان معزوز وعاينوا ما سواه لا ظهور لهُ كيف الظهور وحق الحق مبروز ففارقوا الخلق للسر الذي شهدوا في مشهد الصدق والتصديق مفروز (3)
ويستخدم الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي جملة من المصطلحات الصوفية، من مثل «الفناء، المقامات، الذوق .. الخ» وإن أطلق عليها مقامات أهل السلوك لا أهل التصوف، مشيراً إلى المحبة الإلهية، ومن رزقها، قائلاً:
وإن ساعة أفناك أبقاك خالداً بوصف له باق صفاتِك أعدَما وإن هو جلَّى منك بعض صفاته فما كنت أنت الآن أنتَ المقدَمَا وفيها مقامات لأهل سلوكها شموساً وأقماراً تنير وأنجا فمن ذاق منها نَغْبةً مات رغبةً ومَن لم يذُقْهَا مَاتَ بالغمَ مُسْقَما
(1) مفلوز خسران.
(2) انظر القصيدة في جريدة عمان، الخميس 26 رجب 1415 هـ، 1994/ 12/29، 12. (3) انظر القصيدة في جريدة عمان، الخميس 26 رجب 1415 هـ - 1994/ 12/29، 12. (1/217)
صفحة 218
ويتخلص من ذلك إلى ذكر نفسه، متوجهاً إلى مولاه، تاركاً كل شيء
وراءه قائلاً:
سارحل عنهم أجمعين إلى الذي به لذَّ لي ذُلِيّ وعِزّي تهجَّمَا ابه إذ الم أكُن باسم الخديم مُوسما (1)
عسى أنني أدعا دعيا بـ وقد يستهل الشاعر قصيدته السلوكية استهلالاً تمتزج فيه العواطف السامية للمحبوب بالوصف الحسي، بما يشبه الغزل في الشعر العربي، وهي
من عادة المتصوفة، حين يُعبِّرُ الشاعر عن شدة تعلقه بالمحبوب وهو الله،
فيقول:
نسيم نوالكم السجسج ونور وصالكم الأبل
وحُسن وطيب ثـ
إلى
أميل إليكم بكلي
مشرق
وبدر كما لكُم مُسْرَجُ هو الراح للروح قد تبهج (2)
وعَيني إلى حَيِّكم تُخْلُ
ـخ
وإلا إليكم فلا أدرج (3)
ومن ثم يدخلنا الشاعر إلى عالم من الرموز الصوفية، التي يتجاوز بها الشاعر العالم الحسي إلى ما وراء الواقع، في لغة أقرب إلى الإشارات المجازية، من مثل «الراح، والروح والشغف والسكر والتلاشي والوصال، والشرب والخمر والشوق والتوق والغوث .. الخ» (4).
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوانه، مخطوط، 6، 70
(2) المصدر نفسه، 20.
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان ديوانه، مخطوط، 21. (4) المصدر نفسه، 21، 22. (1/218)
صفحة 219
وتشكل مناجاة الله سبحانه وتعالى والجار إليه بالدعاء، إقراراً بالتقصير
في حقه، جانبا من جوانب التأثر بالأسلوب الصوفي في بنائه العام، فالشاعر خلفان السيابي، يناجي ربه متوسلاً إليه، باثاً شكواه، مقراً بعيوبه في قصيدته «القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية» حين يقول:
على باب من أهوى يلذ لي الذل فيا عز قوم تحت أعتابه ذلوا أحبتنا إِنَّ الصدود مُعذِّبي ولكن عذابي مُره فيكم يحلو أجود بنفسي في هواكم وإنها لمن عندكم والفرعُ مرجعه الأصلُ فإن تقبلوها فهو لي غايةُ الْمُنى وإلا فوا ويلاه أَنْ دُفعَ البَدْلُ تَقَطَّعت الأسباب إلا إليكم ورثت عرى الآمال وانفصمَ الحَبْلُ (1) ويتوجه إلى الله سبحانه معترفاً بذنوبه، معدداً عيوبه طامعاً في كرم مولاه، مكرراً «إلهي» في عدد من الأبيات حين يقول:
إلهي أنا العبدُ الذي جاءَ حاملاً ذنوباً وأوزاراً بها غره الجهلُ إلهي أنا العبد المسيء الذي جنى على نفسه ما لا يُطاق له حملُ
إلى أن يقول:
إلهي أنا العبد الذليل وكيف لا وعزك منقاد له البعض والكُلُّ وكيف ينالُ الضيم والهضم جانبي وأنت نصيري أم يمر بي الذل (2)
(1) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 133. (2) السيابي خلفان بن، جميل، بهجة المجالس، 135. (1/219)
صفحة 220
ولتأكيد عظمة الله سبحانه، وبيان، توحيده وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال، وصفات التنزيه، منطلقاً من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إياضي في عقيدته، قائلاً:
لقد دفعتني الكائنات بأسرها إليكم فلا وَعْرٌ يقيني ولا سَهْلُ وجودك قبل القبل والبعد بعده فمن ثم فيه ينطوى البعد والقبلُ وكنت ولا كون لأنَّك أول وما ثم سبق أو لحوق له يتلو وكونت كل الكائنات بكن وما هنالك لفظ أو نظير ولا مثلُ تعاليت عن كيف وكيفت كيفنا وقدست عن أين نعوتاً لمن حلوا (1)
ومن يتأمل قصيدة الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي «المعراج الأسنى» يلحظ أن الشاعر بناها بناء مزدوجا، ففيها تأثر بأساليب الصوفية ومصطلحاتهم، وفيها اتكاء على مرتكزات الفكر الإباضي ومبادئه استهلها
بقوله:
سلوك طريق العارفين بعرفان يلذ لأرواح غذين بإيمـ سان (2) ومن ثم توجه لبيان الوسيلة التي يتوصل بها الإباضي إلى طريقة
السالكين حيث يقول:
وهاك أخي نعت الطريق إذا به أردت سلوكاً كي تفوز بإحسان (3)
(1) المصدر نفسه، 133.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 25.
(3) المصدر نفسه، 27. (1/220)
صفحة 221
مشيراً إلى المقامات التي تمثل الطريق الذي يمكنهم من معرفة حقيقة الإيمان، كما دل عليه حديث رسول الله (1) متحدثاً عن المقامات الإيمانية الثلاث: الإسلام ومسلتزماته الظاهرة (2) والإيمان وتحقيقاته الباطنة (3) والإحسان، كقوله:
وما بعد هذا من مقام لإيمان سوى الباذخ العالي بنسبة إحسان مقام بتحقيق الشهود مخصص لعبد بتول في العبادة ولهان (4)
عمل
ومن ثم يبين الشاعر أنه لابد من تحويل هذه المقامات الإيمانية إلى واقع يستشعر الإنسان فيها عظمة ربه ودقة مراقبته له، والله سبحانه لم يطلب من الإنسان الإيمان بهذه الأركان لمجرد النطق والذكر، ولكنه مطالب بأن يتخذ من كل موقف إيماني طريقاً يتلمسه للوصول إلى حقيقة تلك
المقامات كقوله:
فبالله إيماني يقين يقيمني ويُقعدني الله في كُلّ أحيان ويلهمني سر القيام بخدمتي لطاعة مَوْلايَ الذي هو سواني فبين الرجا والخوف منه أقامني ذنوب أخافت أو رجاء لغفران (5)
(1) انظر البخاري: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1958،
19:1
(2) انظر الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، 27.
(3) المصدر نفسه، 28.
(4) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 33. (5) المصدر نفسه، 28، 29. (1/221)
صفحة 222
ويتحدث عن حالات السالكين، ومجاهدتهم مبيناً الأسباب التي ترقى بهم للوصول إلى المقامات العليا، مركزاً على وجوب تقديس المولى عن الرؤية
الحقيقية بالعين، حين يقول:
يحن إلى ذكر الحبيب وقربه حنين التكالي قد ضنين بأشجان تبتل في الأذكار عن ذكر نفسه فغاب بها عنها وكان بها فان (1) ولاح تجلّي الحق فيه لعينه بمرآته كشفا يراه بوجدان (2)
والناظر في شعر أبي مسلم البهلاني في بعده السلوكي التصوفي، يصعب عليه الإحاطة بأذكاره لأن أغلب شعره أذكار وتوسل، حيث يستغرق شعره السلوكي نصف ديوانه تقريباً (3).
وحسبنا أن نأخذ نماذج ممثلة لقصائده السلوكية، كمطلولته التائية، التي بلغت ألفا وخمسمائة بيت وأربعة وتسعين بيتاً، في المناجاة الإلهية والتضرع للمولى سبحانه من خلال التوسل بأسمائه الحسنى، حيث يبتهل إلى الله سبحانه، ضمن خلوة روحية، اختار لها الفن الشعري وسيلة لذلك، متقرباً بأسمائه، قائلاً:
بأسمائك الحُسْنَى تقربت سيّدي إليك مجدا في هتافي وقربتي جعلت سمير الطَّبْعِ ترتيل ذكرها لوجهك ربي خلوة بعد خلوة
بحقك أمطرتي
ائب سرها بما خص كلاً من كمال وقوة
(1) الأصل أن يقول «فانيا» لأنها خبر كان.
(2) المصدر نفسه، 35.
(3) حيث تستغرق قصائده السلوكية من ص 5 - 185. (1/222)
صفحة 223
وهب لي بها من كُلّ خير أتمه إلهي في الدنيا في الأخروية (1) علماً أن الشاعر قد ذكر في مقدمة قصائده السلوكية هذه، أنه جعل من نفسه خادماً لطريقة هام بها قبله أهل الاستقامة «الإباضية» احترازاً منه، وتوقعاً لما يمكن أن يلقاه من تساؤل أو انتقاد لهذا التوجه، وقد حشد في هذه المقدمة جمعاً من المفردات الصوفية التي أدخلها قاموسه الشعري مؤكداً على أنه انتقى أذكاره هذه من نيّر الذكر القرآن الكريم» حيث يقول:
نصبتُ لهم من نير الذكر معلما وبوأتهم من أنفع النُّخْرِ مَغْنَمَا وصيرت نفسي خادماً لطريقة بها هام أهلُ الله في الأرض والسما فيالرجال الحب والكاس مُفْعمّ هلُمَّ اشربوا هذا المغنى ترنما عصرتُ لكم من خمرة الله صفوها فموتوا بها سكراً فما السكر مأثما لقد هام أهل الاستقامة قبلنا بها فانتشوا بين الخليقة هيما (2)
ولذلك نجد أن أبا مسلم البهلاني قد اتخذ الشعر متنفساً يبعث من خلاله صادق دعواته إلى الله سبحانه مستثمراً ما يدل عليه معنى كل اسم من أسمائه الحسنى، يدعو بها مولاه، يدلنا على ذلك ما ورد في خواتم دعواته التوسلية التي يضعها نهاية كل نفحة من نفحاته السلوكية، كأن يقول بعد أن توجه إليه بجميع أسمائه الحسنى:
إلهي هذا موقفُ الخوف والرجا وهذا مقام العائذ المتثبت إلهي ما أوقفتني موقف الدعا لطرد وإبلاس وياس وخيبة
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان مخطوط، 70.
(2) المصدر نفسه، 5. (1/223)
صفحة 224
إلى أن يقول معبراً عن محبته سبحانه وشوقه إلى لقائه:
حدا بي إليكَ الشوق والذوق سيّدي وأوقفت ذنبي تحت عز المشيئة وقدمت نفسي قدرتها ذنوبها لتغسلها بالرَّحْمة الأزلية وقدمت نفسي والمصائب جمّة لتلطف بي في النازلات الوبيلة (1)
على أن الشاعر لم يكتف بهذه المطولة فحسب، ولكنه عاد إلى أسماء الله الحسنى، داعياً ربه بها مرات عدة، فنجد الشاعر قد قسمها إلى ثمانية أذكار (2) تصب جميعها في قالب الابتهال والتوسل والمناجاة، في لحظات صفاء روحية، نابعة من حناياه، ولبيان طريقته في ابتهاله نذكر مثالاً من الذكر الثالث المعنون ب «المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى» الذي استهله الشاعر بمقدمة نثرية يقول فيها وبعد فهذه نفثات عرشية، وكلمات قدسية، عبق عبيرها من رياض الأسرار الفرقانية، وأشرق ضوؤها عن مشكاة الأنوار الأسمائية» (3) فهي كلمات تؤكد نبع أذكاره، وتوضح حقيقة استمداده، المتعلق بكتاب الله وأسمائه الحسنى، ومن ثم نجد الشاعر يمنحها عنوانات داخلية، تلقي الضوء على أهداف تلك الابتهالات التي يقسمها على النحو
التالي:
- مقدمة في شروط الذكر.
- اللطيفة الأولى في سؤال تزكية النفس.
(1) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 68، 69.
(2) انظر عناوين هذه الأذكار في المصدر نفسه الصفحات 5، 74، 84، 89، 92، 107، 124
143،
(3) المصدر نفسه، 84.
224 (1/224)
صفحة 225
اللطيفة الثانية في إمداد الأنوار العلمية والأسرار الحكمية.
اللطيفة الثالثة في الدعاء لرفع الآفات والكلاءة من طوارق
المخافات.
اللطيفة الرابعة في تطهير النفس بالاستغفار من الأوزار.
اللطيفة الخامسة: لفتح خزائن النعم وانبساط فيوض الكرم.
اللطيفة السادسة: في كسر شوكة الفساد صائلة العناد. وحسم
- الخاتمة (1).
«إن الدارس عندما يقرأ هذه العناوين أو هذه اللطائف الست يتذكر ولا شك- مقامات وأحوال المتصوفة التي وصفوها للسالك في هذا الطريق» (2) مما يمكننا من القول من خلال دلالات هذه اللطائف واستيحاءاتها، إضافة إلى المصطلحات والرموز الصوفية التي استعارها أبو مسلم على وجه الخصوص وغيره من الشعراء الإباضية المتأثرين بهذا المسلك على وجه العموم، إن الشاعر قد تأثر بالطريقة الصوفية في الذكر، بل إن أداب الذكر وشروطها أشار إليها أبو مسلم في مقدمته لشروط الذكر، تعكس آداب الذكر عند الصوفية في عمومها. لكنها على أية حال إنما هي «من آداب الدعاء قبل أن تكون طقوساً صوفية لأنها لا تخرج عن إطار الإعداد الروحي للسمو بالنفس
(1) انظر هذه اللطائف في المصدر السابق، 84، 85، 86، 7، 88. (2) د محمد ناصر: أبو مسلم البهلاني الرواحي في شعره الابتهالي، بحث منشور ضمن كتاب: قراءات في فكر البهلاني الرواحي، ط 1، 1418 هـ 1998 م وزارة التراث 98. (1/225)
صفحة 226
من دنيا المادة» (1) بحيث لا نجد في هذه الشروط ما يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالفكر الإباضي في أي من جوانبه، كأن يقول أبو مسلم:
فأوله التطهير للقلب من أذى الـ معاصي وثانيه التفردُ في الخلا وثالثه الإخلاص لله وحدة وهذا ملاك الأمر فَالزَمَهُ مُقْبلا ورابعه استقبالك البيت في الدعا وخامسه كون الوضوء مُكمّلا وسادسه صوم الخميس محبت وفي سحر الزهراء للذكر فاعملا (2)
شروط تؤدي إلى تخلص الإنسان من علائق الذنوب، وتؤصل علاقته بالله سبحانه وتعالى، ليكون جديراً بمخاطبة مولاه، ورفع مطالبه إليه، بعد أن دعاه بأحب أسمائه موقناً بالإجابة وإن أحس بتقصيره قائلاً:
دعوت وما قدمت لي من ذريعة ولكن بحسن الظَّنَ جئتُ مؤملا ومن ذا الذي ناجاك يا رب مخلصاً فما باء بالحظ الوفي معجلا (3)
وهو قد انطلق في مطالبه من خلال فكر إباضي في خصوصيته،
إسلامي في عمومه، داعياً على دولة تسربلت بالبغي والظلم قائلاً:
ويا قاهر اقصم دولة السوء وامْحُها وشرد بها واشدد عليها معجلا ويا وارث اصرف سورة البغي وانتقم بعدلك ممن بالضلال تسربلا (4)
(1) المصدر نفسه، 99.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 84.
(3) المصدر نفسه 88.
(4) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 87. (1/226)
صفحة 227
وفي موقف سياسي يعكس رؤية المذهب، ينطلق لسانه بالابتهال، في
لهجة تنساب فيها خلجات نفسه
أمته قائلاً: مع هموم
ويا باعث ابعث راية الحق حولها جنودك تبلو في رضاك وتُبتلى ويا قائما بالقسط قَومَ مُسَدَّدا قويا على إظهار دينك فَيُصَلا يصولُ سريعاً يا سريع بنقمة على كل ضليل عن الحق أجفلا (1)
وبذلك نلاحظ أن شعراء الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم
يخرجوا عن جادة الإباضية الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة جاءت بفعل المخزون الثقافي لهؤلاء الشعراء.
شعر المديح النبوي والفكر الإباضي:
وأخيراً فإن مما يتصل بالشعر السلوكي التصوفي «المديح النبوي»، الذي يتميز بصدق العاطفة والترجمة الحقيقية لما يعتمل في النفس من محبة للرسول والتعلق بذاته الكريمة، ترجمة لدواعي الإيمان التي أوجبت على المسلم أن يكون عليه الصلاة والسلام أحب إليه من كل مخلوق سواه. وخير ما يمثل شدة الحب له، وغاية التعلق به صلى الله عليه وسلم في الشعر الإباضي قصيدة أبي مسلم البهلاني التي جعل فيها رسول الله حبيباً يناجيه ويخاطبه، ضمن معان تعكس الشوق إليه، والكلف به بأسلوب محتشم ليقول في قصيدته:
أنوار حبك في قلبي قد انطبعت جبلة كانطباع الشمس في القمر
(1) المصدر نفسه 88.
227 (1/227)
صفحة 228
ما زال حبك في روحي يخامرها حتى تجردت عن عيني وعن أثري إلى أن يقول:
وجدت روحي صريعاً في مصارعه يا حب لا تبق من روحي ولا تذر نار المحبة نار لا يقام لها لواحة قسماً بالحب للبشر طارحت أهل الهوى حتى بليت به ففتهم ومشوا خلفي على أثرى (1)
وفي إشارة الشاعر إلى مسألة العلة والمعلول بما يخدم مديحه، ويدل على عمق محبته يقول:
إن كان حبى معلولاً فأنت لها أذرك عليلك قبل الأخذ في الخطر فدى لك الكون لا أسلو بزهرته عن فرط حُبِّك يا من حُبّه وزري وكيف تفدى بكون أنتَ علته لولاك ما أوجدت موجودة الفطر لو كنت أعلم غير الحب منزلة تدني إليكَ لكانت مُنتَهَى خَبَري (2)
فالشاعر كما هو واضح من الأبيات، كان متقد العاطفة، ملتهب المشاعر، تملأ جوانبه محبة عارمة، ففاضت على لسانه مثل تلك التعابير التي أوصلته إلى ما يسمى بالحقيقة المحمدية، ومنها ما يسمى «علة الكون» التي ذكرها الشاعر، في هذه الأبيات وأشار إليها صراحة بعد ذلك بقوله:
يا مصطفى الله يا مختار نظرتة يا أصل ما أظهر الأبداعُ من فطر يا من تقدم نوراً في حضائر نو ر الله حتى تلقاه أبو البشر
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن مسلم بن عديم الديوان، مخطوط، 187.
(2) المصدر نفسه 187. (1/228)
صفحة 229
فلم تزل تتلقاه الكرام على طهارة الشرع حتى حَلَّ في مُضر
(1)
حتى تهلل في مشكاة آمنة يا أخت زهرة حزت النور فازدهري (1)
وهي مسألة أخذت تفسيرات مختلفة، لا شك أن أبا مسلم قد تأثر فيها بمنهج تصوفي بحت.
ونجد الشاعر محمد بن شيخان السالمي يتشوق إلى أرض الحجاز، الذي
اختلط حنينه فيها، بمشاعره الدينية لزيارة مثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:
لهوى الحجاز بأفق قلبي مبدأ فلذا يعود لي الغرام ويبدا صَبٌ يحن إلى الحمى فشجونه ترقى ودَمْعُ جفونه لا ترقا (2)
ويكرر صورة نظرية الحقيقة المحمدية باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم علة الوجود وسره، فهو المتقدم المتأخر، يقول الشاعر:
العاقب الماضي الذي آياته في صفحة الأكوان قدماً تُقرأ المصدر الأصلُ الذي قامت علي الكائنات فكان منه المنشأ (3)
ــه
وتتكرر هذه المعاني على لسان الشاعر عبدالله الخليلي، فقد وصف الرسول في مدحته بأنه نور الوجود، وروحه فلولاه لما نبض عرقه، ولا جري ماؤه، فيقول:
أنت نور الوجود يا صفوة اللـ ه وأنت المقامةُ السُّمَاءُ
(1) المصدر نفسه، 186، 188.
(2) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 19.
(3) المصدر نفسه، 19. (1/229)
صفحة 230
أنت روح الوجود لولاك لم ين
بض عليه عرق ولم يجر ماءُ (1)
ونجد الشاعر الخليلي في مقام آخر يتحسر على ما آل إليه وضع الأمة فينادي رسول الله طالباً منه أن يدرك هذه الأمة (2) فيقول:
ما بالنا يا رسول الله في دمنا ندعوك دعوة جزار على وضمِ نحن الذين ورثنا منك شيمتنا فما لها تدعيها سائر الأمم
ويعترف الشاعر بعجزه عن بلوغ حقيقة مدحه فيقول:
يا من أجل عن الإطرا وأكبره عن صيغة المدح في معنى وفي كلم لو ارتقيتُ سماء العرش ممتدحاً إِيَّاكَ كنتُ كأني قط لم أقم ولو تغنّيتُ بين العالمين بما حبّرتُ فيك لماد الكونُ مِن نَعْمَي ولو وقفت بعليين أنشده لهام من في جنانِ الخُلدِ من نسم (4) ويبين الشاعر كذلك أن مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدح مقتصد، لا يرفعه عن مرتبة العبودية لله، ولن يقع فيما وقع فيه النصارى حينما غالوا في مديح ال نبيهم عيسى مع أنه لو أوتي من الفصاحة ما أوتي فلن يبلغ معشار حقه
حين يقول:
فأين مذحي من عَلْياكَ مبلغه وأين من قدر طة مبلغ العظم لكن لي أسوة الإيمان أشفعها بأسوة الصدق والإخلاص في شيمي
(1) الخليلي عبدالله بن علي، وحي العبقرية، 61 - 62.
(2) انظر المصدر نفسه، 81.
(3) المصدر نفسه، 81.
(4) الخليلي: عبدالله بن علي، وحي العبقرية، 80. (1/230)
صفحة 231
وما ارتمى بي عن التحقيق في ا يرتمي بالنصارى في ولا بلغت ولو بالغت في كلمي معشار حق إمام الرسل في القدم (1)
والباحث عبر مطالعته لشعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين يرى أن شعر المديح النبوي عندهم لا يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم، من الفرق الإسلامية الأخرى، ولا يكاد الباحث يجد فرقاً بين قصيدة مديح نبوي لشاعر إباضي وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الإباضي عن غيره في هذا المجال.
الحماسة في الشعر الإباضي:
لو تتبعنا شعر نور الدين السالمي، وأبي مسلم البهلاني، وأبي سلام الكندي، وخالد الرحبي، لوجدنا أن أغلب نتاجهم الأدبي، بموضوعاته وأغراضه المختلفة، يندرج ضمن شعر الحماسة، على أن هذه الحماسة كانت صادرة عن معاناة نفسية، انبثقت ينابيعها من خلال الانفعال بالأوضاع الراهنة، فحاول كل شاعر أن يلفت الأنظار حسب إمكاناته التعبيرية، وطاقته النفسية، التي كانت تنفعل بجملة من الأحداث، وبذلك يتحقق للشاعر غرضان: الغرض الأول: تنفيس عن الذات من جراء وطأة الزمن وضغوط الأحداث، أما الغرض الثاني فهو توجه إلى الجمهور بغية التأثير في توجهاته، والتوجيه لطاقاته من أجل التغيير.
:
نجد السالمي، عبدالله بن حميد ينحو في شعره منحي حماسياً في أغلب قصائده، ويسخر هذا اللون في جميع أغراضه، ولعل الموقف الاجتماعي،
(1) المصدر نفسه 81. (1/231)
صفحة 232
والحالة السياسية، والرؤية الذاتية للوضع الراهن الذي كان يعيشه السالمي، حتمت عليه أن ينهج في شعره منهجاً يجمع بين الحماسة وبين التقريع ب مستنهضاً أولئك الذين استمر أوا حياة الذل، واستحكم في نفوسهم حب الحياة، وألفوا حياة الدعة والترف، فشكلت قصائده لهيباً حماسياً، ونقداً
والتأنيب،
اجتماعياً يقول:
مقام في القصور على قصور مقام مثل ربات الخـ
دور
إلى أن يقول:
ألا يا أيها الإخوان هذا زمان فيه توفير الأجـ جزيل الفضل منّان غفو فهل من باذل نفساً لمولى
(1)
وفي سبيل ذلك راح السالمي يفتش عن الرمز الذي يستطيع من خلاله العمل على إحياء ما اندرس من مجد فوجد ضالته في شيخه صالح بن علي الحارثي (1250 - 1314 هـ) الذي خصه بعدد من قصائده، منها القصيدة التالية التي تعكس روح الطموح في نفسه، ويتجلى فيها ملازمة الحماسة لقصائده وتتبدى فيها نفس السالمي بشموخها، وإبائها، يقول في مطلعها:
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 186. (1/232)
صفحة 233
لشغلي بأهل الدهر إحدى العجائب وتركي طلاب المجد إحدى المصائب فجسمتُ نفسي الصعب علماً بأن في تجشمها للصعب درك المآرب وأوردتها من الموارد راجياً ليحلو لها في المجد ورد المشارب (1)
إلى أن وجد أنشودته فحط رحله في حمى الشيخ صالح بن علي
الحارثي:
همام له في المجد أصل مؤثل حمته المعالي بالقنا والقواضب نشا في بساط العزّ طفلاً ويافعاً وألقى عليه العدل أثواب راهب ترى شخصه فوق السرير وإنه له همم فوق النجوم الثواقب (2) لقد بدأ الشاعر بتأنيب نفسه، ثم بحث عمن يعينه على تحقيق مطلبه، موجهاً سهام نقده، للمتخاذلين عن نصرته، ومما خفف من وطأة معاناته أن يجد من يمكن أن يتأسى به ليصبح مثلاً يحتذى في مقاومة الظلم، وتحقيق
العدالة.
ونراه يرسم صورة لمن ينبغي أن تكون عليه الشخصية الإيمانية التي يطمح إلى تشكليها ليتمكن من تربيتها وفق صورة يتوخاها الشاعر، بحيث نستطيع أن نتبين الملامح القيادية التي يحاول السالمي بناءها في شخص من يعده لمهمة جليلة يضطلع بها، إنها شخصية الشراة الذين باعوا نفوسهم الله، تحلوا بالإيمان وتدرعوا بالسيوف، حين يقول:
خيرُ الرجال فتي في الهول قد ثَبَتا ولم يفه عند خطب جازع بمتى
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 186.
(2) المصدر نفسه، 45، 46. (1/233)
صفحة 234
يرى المقادير حتماً فهو مُنْشَرَح عند النوائب لا يخشى أتى وأتى
يرضي الحروب إذا لاقى الكماة وقد
ضاق الفضاء وغيرُ السيف قد صَمَتا (1)
وهو لا يترك مجالاً لمحاولة التعلق بالأعذار عن الخروج، فيسد عليهم الذرائع، فلا يجد عذراً لقاعد عن الجهاد، والخروج على الظلم، بعد أن مبيناً
طمست آثار الهدى، وأهين أهل الله، منطلقاً في حماسته من خلال فكره،
أسباب الخروج متسائلاً:
أسلو والعلا تطلبن
حقها والسيفُ سيفٌ لم يسل أم رقاد والهدى قد طمَسَت إثره ما بينا أيدي السفل أم قعود والمعاصي ظهرت وأهيل الدين كل في وجل أم خمول والورى قد أحدثت بدَعاً، خالفت الشَّـ رع الأجل (2)
وبسبب من الإحساس بالمعاناة نجد الشاعر يتحدث عن المفارقة بين الحياة الذليلة، وبين طلب الموت عزيزاً فالشجاعة لا تقصر عمراً والجبن لا يطيلها لاجئاً إلى بث أساليب الحكمة المتصلة بهذا المفهوم، تمهيداً لحماسته في
قوله:
هون عليك فإن الرزق مقسوم والعمر في اللوح محدود ومعلوم فلا يزيد على ما خط منه كما لا يدفع الجبن ما في الغيب محتومُ وصونك النفس عن موت تصادفه وقد تأجل حمق فيك موسوم فهل تعجل عن ميقات موعده لقادم في الوغى والحربُ مضرومُ
(1) المصدر نفسه، 103.
(2) السالمي: عبد الله بن حميد، الديوان، 109.
1234 (1/234)
صفحة 235
ام هل تأخر عنه لحظة لأخى جبْن تحدر عنه وهو مهضوم (1)
وهكذا نجد السالمي، رغم بساطة أسلوبه، يعقد مقارنة بين الشجاعة
والإقدام، والجبن والتردد، ترغيباً في الحماسة، ودافعاً لطلب المجد. والسالمي لم يكن يرسم صورة مثالية لمجتمعه، فقد كان صريحاً في نقده، جريئاً في بيان مثالب، قومه، رغبة منه في تحاشيها، وانطلاقاً بهم إلى أفق أرحب، كقوله:
علام يلوم الناسُ فيما أرومه وإن فات ما أرجو وقد عظم الحد أعند تماديهم وإخماد عزمهم وسوء مساعيهم ملام لمن يبدو ألم يكفهم أن العلى قد تهدمت جوانبها فيهم وقد شَرف الوَعْدُ
إلى أن يبيّن مثالبهم، ويعدد مآخذه عليهم في قوله:
رضوا بالتواني سلوة وتشعبت همومهم جبناً فخاروا وما اشتدوا لقد قعدوا بين الخوالف جهرة ولو أنهم شاءوا الخروج له اعتدوا إلى الله أشكوا أهل دهري فإنما سبيلُ العمى فيهم هو المنهج الرشد أناس يرون العجز أربح متجر وأوضح منهاج إذا سئل العَهْدُ (2)
وهكذا نجد أن شعر السالمي حمل صفوة فكره، وخلاصة تجربته وعمق معاناته من الدهر والناس نفث فيه من روحه المتوثبة فأرسله شعراً حماسيا، ليس المهم فيه أن ينمقه بالمحسنات البديعية، ولا بالصور البيانية، ولكنه أسبغ عليه تفاعله الذاتي، وصدقه الوجداني فالسالمي لم يكن ذلك الشاعر الذي يهتم
(1) المصدر نفسه، 56.
(2) السالمي، عبدالله بن حميد، الديوان، 99.
235 (1/235)
صفحة 236
كثيراً ببناء قصائده بناءً فنياً، فينقحه ويصلحه، ولكنه كان همه إيصال رسالته الحماسية إلى بني مجتمعه، وعلى الرغم من بساطة البناء الفني إلا أن قارئ قصائده يلحظ أنها تتجسد فيها طموحاته، وتختلج برؤيته، وتتجذر فيها نقداته الصادرة عن نفس غيورة، وإيمان صادق بدور الجماهير في التغيير.
شكلت حماسته مقطوعات شعرية كل مقطوعة تحمل طابعاً ثورياً جامحاً يرمي من ورائها إلى تشكيل مجتمع استنهاضي مناضل، فيحرك فيهم النخوة ويثير الغيرة، ويعمد إلى التقريع.
ولو تتبعنا شعر أبي مسلم، لوجدنا أن عمدته في الخطاب هذه الروح الحماسية المتوثبة المليئة بالاعتزاز، الطافحة بالفخر، وشملت مدائحه الأربع للإمام الخروصي والقائمين معه، نهراً جارفاً من الحماسة والاستثارة، فنجد فيها حديثاً عن النفس وتقصيرها، ونداء للرجال واستثارتهم (1)، ونداء للقبائل قبيلة تلو أخرى (2)، ونداء لكتائب الله (3)، إلى أن قال:
يا للرجال أفيقوا من سباتكم فقد أحاط بكم بَغي وعُدْوانُ أخيفة الموت ظل العجز يقعدكم وليس للأجل المعدود نقصان لا يحجب الموت جبن عند موقعه ولا يُقدم وعد الموت شجعان إذا استطال على الآساد حملان
يا للرجال لقد ذلّت حفيظتكـ
إن السيوف التي كانت لسالفكـ
ما ضمها معهم رمس وأكفان (1)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه، مخطوط، 235 - 236.
(2) المصدر نفسه 236 - 240.
(3) المصدر نفسه 240.
(4) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخ، 236.
236 (1/236)
صفحة 237
والباحث يقف حائراً في اختيار النماذج الدالة على الحماسة والاستنهاض
في شعره، ذلك أن شعره في جميع أغراضه، قطعة حماسية. وضمن إدراك الشاعر لأهمية القبيلة في تشكيل بنية المجتمع، في بلد مثل عمان، لم ينس
الشاعر أن يتوجه إليها محمساً لها، ومستثيراً حفيظتها، مستهلاً ذلك بقوله:
يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومَنْ أمجادهم في جبين الدهر عنوان شدوا العزائم في استدراك فائتكُمْ إن العزائم للإدراك أفران أهل المكارم إِنَّ الله أكرمَكُمْ بنعمة الغدل إذ للجور بُركان (1) والنموذج التالي يوضح طريقة مناداته للقبائل، وأسلوب استنهاضه لكل قبيلة، مستثمراً ما عرف عن كل منها من نخوة وإقدام، كندائه لقبيلة «المساكرة» (2).
أين المساكرة الصيد الغطارفُ من ذوائب الأزد حيثُ المجد والشانُ في ذروة المجد من فهم إذا انتسبوا أساود الموت يومَ الهول طوفان شم إذا حزموا نار إذا عزموا شهب إذا رجموا للفضل هَنَّانُ كواكب العز لا ترعى مسارحهم ولا تراع لهم في الضيم جيران (3)
ونجده وهو يحاول إنهاض أمته من كبوتها، ينبه من الاتكال على الماضي، والفخر بتاريخ السلف في أسلوب يعبر عن تأثر بشعراء الشراة
الحماسي، يقول:
(1) المصدر نفسه، 236.
(2) هي إحدى القبائل العمانية من الأزد، انظر إتحاف الأعيان، ص 122.
(3) البهلاني، السابق 237 - 238. (1/237)
صفحة 238
ندرس تاريخ الأولى تقدموا وحسبنا الله تعالى وكف إن العظام لا تؤاتي شرفاً ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى والسلف الصالح سل سيفه وكان ما كان له ثم انقضـ تلك الرفات طينة صالحة لغارس وحارث ومن بنى وفي لعل فرجاً أو في عسى (1)
أتبحثون بينها عن عـ
ي
ولدى أبي مسلم نظرة شمولية، فهو يدعو الأمة الإسلامية جمعاء إلى النظر في حالها، والتدبر في مآلها، والتفكر فيما يمكن أن يخلصها مما هي فيه، فينهضها من كبوتها محذراً من الفرقة واصفاً ما حل بالأمة من أعدائها
قائلا:
وهل من يرى أن الحنيفة سامها بما شاء من ضيم لعين مُخادِعُ تمالاً ظلما خيلة ورجاله وليس لهم حد سوى اللهِ مانِعُ يدوسونها دوس الحصيد كأنها لقى وأخو الإيمان في الأسر خاشع أفيقوا بن القرآن إن هاكم إلى الجبت والطاغوت في الأرض ضارعُ أفيقوا بني القرآن إن كتابكم يُناقض في أحكامه وينازَعُ (2)
فالشاعر هنا لا يخص بالنداء الإباضية فحسب، ولكنه يعمم النداء لجميع المسلمين، لأن البلاء قد عمّهم، والذل قد شملهم، والاستعمار قد استهدفهم، ولذلك يتساءل الشاعر عن أبناء الملة الواحدة، بصيغ مختلفة، بنو الإسلام، بنو القرآن، بنو التوحيد، بنو الأحرار، محمسا إياهم صارخاً فيهم:
(1) البهلاني، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 270.
(2) المصدر نفسه، 253. (1/238)
صفحة 239
أين بنو الإسلام ما يُعجزنا والعزة الكر بحومات الوغـ أين بنو القرآن هل تبطكم كتابكم عن الجهاد للعدى أين غطاريف الجلاد بالظُّبا أين مشائيمُ الطَّعان بالقنا أين بنوا التوحيد لو صدقتمُ توحيدكُمْ ما رقص الشرك على أين بنو الأحرار ما سكوتكم والملك والدين حريب والحرا ثبوا إلى الوت كراماً وانبوا عزائماً تسعرُ تَسعَارَ الصَّلا (1) ولذلك نجد الشاعر يحاول تحليل الموقف، وبيان الأسباب التي جعلت العدو يطمع في السيطرة عليها، وهي الخلاف والتنابز، والعصبيات المذهبية، محذراً من الفرقة مبيناً أن الدين واحد حين يقول:
لقد مكّن الأعداء منا انحداعنا وقد لاح آل في المهامه لامع وسورة بعض فوق بعض وحملة لزيد على عمرو وما ثُمَّ رادعُ وتمزيق هذا الدين كل لمذهب له شيَع فبما ادعاه تُشايعُ وما ذبح الإسلام إلا سيوفنا وقد جعلت في نفسها تتقارعُ ولو سلت السيفين يمنى أخوة لدكت جبال المعتدين المصارعُ وما صدعة الإسلام من سيف خصمه بأعظم مما بين أهليه واقع (2) ولو تتبعنا ديوان أبي سلام الكندي ونحن نريد أن نضعه ضمن أبواب الشعر العربي، لكان لزاماً علينا أن نضع أغلبه في باب الحماسة، فأغلب شعره يفيض بقيمها الممزوجة بالفخر، والمندغمة مع الإحساس العاطفي، والتحرر، والسخرية من قومه بما آل إليه أمرهم، داعيا إلى التوثب من جديد.
(1) المصدر نفسه، 270.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخطوط، 254.
239 (1/239)
صفحة 240
تأتي قصيدة الشاعر التالية متأثرة بأسلوب شعراء الشراة الإباضيين الأوائل، اتكأ فيها على الموروث الثقافي الفكري، متأثراً ببعض المصطلحات الإباضية في قوله:
فحتى متى يا قوم ترضون ذلةً وأنتم بنو الغبراء أس الأعارب وأنتم رجالُ الكر في كل معرك إذا قيل جاء الحق قمتم بواجب وأنتم رجال الاستقامة أنتم ليوت الوغى أنتم بدورُ الغياهب أتمتكم في كلّ شرق ومغرب أقاموا منار الدين رغم الأجانب (1)
وفي إطار استنهاضه يذكر الإباضية بتاريخهم العريق، ودولهم التي أقاموها في المشرق والمغرب ذاكراً بعض هذه الدول، قائلاً:
ومنكم بصنعا طالب الحق منكم رجال الهدي قاموا ببذل المواهب (2) وأصحابه بلج (3) وأبرهة (4) الذي لدى الحرب لا ينفك عن ألف ضارب
(1) الكندي: أبو سلام، ديوانه، مخطوط، 33.
(2) طالب الحق: هو عبدالله بن يحيى الكندي (ت 130 هـ / 747 م) إمام الشراة، وأحد أقطاب المذهب الإباضي من أشهر تلاميذ أبي عبيدة التميمي، أقام أول إمامة ظهور باليمن، سنة 129 هـ / 749 م، أنظر: معجم أعلام الإباضية، 3/ 586. (3) بلج بن عقبة بن الهيصم الأسدي كان حيا سنة 130 هـ / 747 م اشتهر بالشجاعة والبطولة، بعثه أبو عبيدة التميمي ليشارك مع عبد الله بن يحيى الكندي حروبه ضد جور بني أمية في اليمن والحجاز، استشهد بوادي القرى سنة 130 هـ / 747 م. ينظر معجم أعلام الإباضية، 2/
197
(4) أبرهة بن الصباح الحميري (ت) 130 هـ / 747 م قائد بطل في جيش طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي، ينظر معجم أعلام الإباضية 074/ 2
24 (1/240)
صفحة 241
ومن ثم يتجه الشاعر لتذكير قومه بتاريخهم العريق وحضارتهم الإسلامية، ومقارعتهم لقوى الشر الغازية لأوطانهم، مركزاً حديثه على دولة اليعاربة التي كان لها الفضل في طرد البرتغاليين والفرس من عمان وغيرها من دول الخليج العربي مستثمراً هذه المعطيات التاريخية منطلقاً ذلك إلى غايته قائلاً:
من خلال
وكم من إمام في عمان وسيد مضوا لسبيلِ اللَّهِ صُبْرَ المصائبِ كفاني فخاراً في عُمان وغيرها بما مهدوه من رجال اليعارب سلوا عنهم الإفرنج والفُرْسَ ما لقوا تخبركم عنهم عيـ ون النوادب فوالله ما نالوه ذلك بالمنى ولكنه من بعد شَيْب الذوائب بهم يا لقومي فافخروا بل وفاخروا ملوك الورى فخراً يُرى في الكتائب فهل فيكم يا قوم ذا اليوم غيرة لإحياء مجد الأقدمين الأطائب (1)
ومن القصائد التي استقلت في بابها، وانتظمت في سلك الحماسة، قصيدة السالمي (السينية) بما اشتملت عليه من اتقاد عاطفة وجذوة حماس، بحيث يجد القارئ لها نفساً ثائرة تتوثب لاستثارة الآخرين استهلها الشاعر بحكمة متصلة بالحماسة متحدثاً عن المجد الذي يستحيل الوصول إليه إلا عبر بذل الغالي والنفيس كقوله:
اس
المجد يدرك بالقنا الحساس في كف مقدام شديد يرمي به نحر العدو فلا ترى إلا الكمي يخر بين الناس وبقاضب عضب إذا حكمته في قسمة الشجعان والأفراس
(1) الكندي: أبو سلام، الديوان، مخ، 34
241 (1/241)
صفحة 242
أيقنت أن السيف عدل في القضا وبه أساس الدين أيّ
وفي مقام التحريض على طلاب المجد كما ينبغي، والتقريع للمتقاعسين العجزة الذين رضوا بالسلامة والحياة المترفة، فإن الشاعر يعمد إلى المقارنة المريرة التي تؤجج الحزن كما تثير التهكم، حيث قارن بين طلاب المجد الذين يمتشقون سيوفهم، ويوجهون سهامهم لنحور أعدائهم طلباً للمجد، ومن اتصفوا
بالعجز والصغار، ومن ثم يتوجه الشاعر بخطابه مباشرة إلى هؤلاء منبهاً إلى حقيقة السلامة قائلاً:
ما أبعد المجد الشريف منـ ساله عن منزل العجاز والأنكاس اللؤم كل اللؤم في شخص غدا متوشحاً بالعجز يوم الباس جعل المذلة مركباً لسلامة قد ظنها والعار شر لباس ويك انتبه إنَّ السلامة بابها قرع الكتائب لا اشتمام الآس لا تحسبن سلامة موجودة إن لم تكن في قطع رأس الآسي)
النهضة،
ومنها قصيدة أبي سلام الكندي، التي نادى بها عمان وأهلها، داعياً إلى متخذاً. من التاريخ عبرة يبث من خلاله روح الاستنهاض، وهي قصيدة تدل على تحسر الشاعر ورغبته في التأثير على تحفيز قومه، فوقف عند عدد من صور البطولة التي يمكن أن تعينه على بلوغ هدفه من صراخه النابض بالهم والأسى فيقول:
عمان انهضي واستنهضي الشرق والغربا ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا عمان انهضي واستنهضي كل باسل كمي يجيد الرمي والطعن والضربا
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، ديوانه، 115. (2) السالمي: عبد الله بن حميد، ديوانه، 116. (1/242)
صفحة 243
عمان انهضي إنَّ السيوف بغمدها تئن وقد أضحت تطالبنا حَرْبًا عمان انهضي واسترجعي كل فائت ولا تقعدي إنا رجالك لن نأبى
إلى أن يقول:
أميطي قناع الذل عنك فإنما حبائلُ أهل البغي قد نُصبت نصبا فكم لك في التاريخ من قَدَم رسا وكم لك من فخر ملأت به الكُتبَا وطاردت جَمْعَ البرتغال فأصبحت رجالهم أسرى وأموالهم نهبا بنوك بنوك العرب هم أرغموا العدى فكم هزموا جيشاً وكم كشفوا كربا (1) ونجد الشاعر نفسه، يخصص مقطوعة للحديث عن منزلة السيف الذي يشكل رمزاً من رموز الإباء والشرف الذي يتجسد في إعطائه حقه والقيام
بواجباته حين يقول:
بالسيف قم وذر القلم السيف يجلو كل هَمْ إلى أن يقول:
لولا السيّوفُ المُرْهَقَا ت لما تفاخرت الأمم لولا السيوفُ الماضيا ت لما شقى الاعداء سم لولا السيوفُ لما استقـ م الدين فينا وانتظم (2)
وهكذا يمضي الشاعر متخذاً من السيف رمزاً من رموز المقاومة
والرجولة
وعدم الاستكانة، على ما في القصيدة من تعانق بين وزنها بهذا
(1) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوانه 15.
(2) المصدر نفسه، 143.
243 (1/243)
صفحة 244
البحر المجزوء بتفعيلاته السريعة، وقافيته الساكنة، وكأنها تعكس سرعة الضرب بالسيف في يد البطل، لتتراءى لنا صورة أبي سلام، ونفسه الطموحة
هذه القصيدة. عبر
الشكوى في الشعر الإياضي:
شكل شعر الشكوى عند بعض الشعراء الإباضيين ظاهرة واضحة، مما دفع الباحث إلى الوقوف عند بعض ملامحها استجلاء للموقف الذي حدا بالشاعر إلى ذلك، لا سيما شكوى الدهر.
ومن أبرز الشعراء الذين تجلّت في شعرهم هذه الظاهرة بشكل لافت للنظر أبو مسلم البهلاني، الذي برز عنده هذا الإحساس بالتبرم من الدهر، فحمله في كثير من المواضع أسباب معاناته، فضلاً عن عدد آخر من الشعراء الذين ظهر على شعرهم مثل ذلك.
الشكوى من الدهر تعكس حالة المعاناة النفسية للشاعر، فحين يعبر عن تذمره من الدهر إنما يبدي في سياقه الشعري انعكاس الزمن على الذات، فالشاعر الإباضي لم يكن يؤرق باله، ويثقل كاهله الخوف من الموت، ولا القلق من نهاية الحياة، لكنه يعتب على الدهر ويشكو منه، حين يقلب ظهر المجن على أحرار الأمة، فيكرم الأراذل من الناس، كشكوى أبي سلام الكندي، الذي ينعى على الزمان إهانة الأحرار، وإبعاد الكرام، وإكرام الجهال، وكأنه زمن انقلبت فيه الموازين، يقول:
YEE (1/244)
صفحة 245
فمالي أرى الجهال طات قناتهم فأصبح فردّ منهم يملك الورى فمن نكد الأيام أضحى يسودنا ذوو الجهل إذ صفو الزمان تكدرا (1)
ويتكرر عنده هذا الإحساس في مواطن عدة، مازجاً بين شكواه من الدهر، وشكواه من الناس الذين ذهبت غيرتهم، وتغيرت صفاتهم، حتى العلماء الذين كان يعقد عليهم الآمال، لم يعودوا يقومون بواجباتهم، يقول:
عظي
إن عصراً نشأت فيه لعصر أصبح الوغدُ في مقام الكريـ وبنو العلم نُومٌ ليس فيهـ من يُرجى لهول يوم وبغاتُ الطيور أضحت بزاة والضواري تصاد وسط الحريم ذهبت غيرة الرجال وعادت شيم الناس في الضلال القديم (2)
ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له، ولمجتمعه، معددا، مظالمه، مبدياً مآخذه عليه، وهو ينطلق في كل ذلك من منطلق ديني اجتماعي، وكأن الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيح دماؤهم، وانتهبت أموالهم، والشاعر في شكواه هذه، إنما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية، النابعة من الفكر الإباضي حين يقول:
فيا لك دهراً قد شجتني خطوبه به عصفت للجورِ نَكْباءُ زعزعُ لت حدود وسيم الخسف ما الله يرفعُ
تبدلت الأحكام فيه وعُطّ
ونال به أهلُ الديانة والتقـ
هوان به عز الجهولُ المضيعُ
(1) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد، ديوانه، مخ، 16.
(2) المصدر نفسه، 18، 19.
245 (1/245)
صفحة 246
تباح دماء المسلمين ظلامة ولا ملجأ يحمي ضعيفاً ويمنع (1) وشكوى أبي مسلم تتركز على الدهر، يخاطبه ويعاتبه، ويلقي عليه اللوم، ويقرعه ويؤنبه ويتحداه، حتى ليحس القارئ لشعره مدى اندماج الشاعر مع الدهر، فيخاطبه خطاباً عاماً، لا يلبث أن يلتفت فيه إلى نفسه قائلاً:
حتَّامَ يا دهرُ لا تُبقي على بَشر حر وحتّامَ ضيمُ الحر إحْسانُ أكل رَأيك حربي أم لها أمد فإن عهدي وللحالات ألوان حل العقال وأطلقني إلى سعتي ففي سجونك للميدان فُرْسانُ يا دهر يا باخس الأحرار حقَّهُمُ أعط العدالة إن الله ديان فيم التقصي بأهل الفضل أن نقصت حسناك زادوا وإن شان الورى زانوا (2)
في حوار يعقده الشاعر مع الدهر، يجسده فيه، ويمنحه الإحساس، فكأننا أمام معركة قطباها الشاعر والدهر، الذي آلى بدوره إلا معاداة الأحرار من الناس، ليصبح الشاعر نفسه، رمزا للأحرار الذين أبي الدهر إلا أن يذيقهم الهوان، ويجرعهم كاسات الذل، ولا يخفى أن مغزى الشاعر من ذلك يندرج ضمن تصوره الديني، وفي إطار الاستنهاض لإقامة نظام العدالة، كما أرادها الله، في حالة تعكس قتامة الواقع، التي تثقل كاهل الأحرار، وهو على كل حال، مؤمن بتغير الأوضاع، وتقلبها فالزمن حالة متغيرة، «فإن عهدي وللحالات ألوان».
وتتكرر عنده صورة تحميل الدهر لمعاناته، فيعبر عن شكواه من الدهر، تعبيرا يعكس معاناته الذاتية أفصح عنها الشاعر في خضم انفعاله وحزنه،
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 43.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، ديوانه، مخ، 230. (1/246)
صفحة 247
بطريقة لا تشي بالتصنع والافتعال بقدر ما تعبر عن معاناة حقيقية، أفرزتها ظروف اجتماعية وسياسية ودينية، ليسوق شكواه من الدهر في خضم تلك الأحداث، يقول:
وإني ولبس الدهر جلدة أجرب تجاهي، وآمالي محال محارم ومَر الليالي كالحات عوابسـ علي كأني للكوارث ــــــــــــارم وحنكي صروف الدهر حتى تبلدت وأبصرتُ ما أخفين والجو قاتم إلى أن يقول متسائلاً:
إلى كم يلذ الدهر نفسى بلية ويقطعني عما تريدُ العظائم وما جشأت حينا لهول ينوبها ولكن من الأقدار ما لا يُقاوَمُ (1) ويظل الشاعر يحمل الدهر، معاناته، فهو الذي وقف بينه وبين مشاركته الفعلية لحركة نور الدين السالمي في إحياء معالم الإمامة الإباضية في عمان عام (1331 هـ) فحال بينه وبين أمنية طالما حلم بها، مشبهاً نفسه بالسيف الذي غمده الدهر عن القتال قائلاً:
أيغمدني كالسيف دهري عن العلى وما حمدت قبل الفعال الصوارم (2) ليبلغ التبرم من الزمن ذروته حين مثل نفسه بطائر قصت جناحاه،
تعبيراً عن قيوده، في قوله:
كفى حزناً أن أحْسَوَ الموت ليس في جناحي خواف للعلى وقادم (3)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 245.
(2) المصدر نفسه، 245.
(3) المصدر نفسه، 245.
YEV (1/247)
صفحة 248
بقوله:
ولماذا يقف الدهر عقبة أمامه، وما سبب معاداته له، يجيب على ذلك
ذنبي إليه جنفى عن لُؤْمه وقذرتي على احتمال ما جنى
وأنني الحتـ ف على لئام
أنكأ في حلوقهم من الشجى (1)
ويتعجب الشاعر من هذا الدهر الذي يصب عليه من مكائده وكأنه موكل به مسلط عليه، ويعكس المفارقة الحاصلة، في قلب المفاهيم عنده، قائلاً:
ــــل
مَا لي وللدهر يغري بي حوادثه كان صبري على لأوانه زلل كان فضلي في عين الزمان قذى لقد درى أنّه في عينهِ كُحُ كان همّي سَهم في مقاتله ومذهبي في العلى في رجله قبل (2) وعليه فإن الشاعر لا يلجأ إلى الهروب من الدهر، بعد أن كشر عن نابه، بل يتحداه طالباً منه أن يرسل كل جنوده، ويملأ كاساته، بما شاء، فقد
تعود على ذلك، لتتساوى الحالتان لديه الصاب والعسل، فهو يقول:
أقولُ للدهر أرسلها العراك فإن أجزع لخطتها فالويلُ والهَبَلُ وهات كاسك إن صاباً وإِنْ عَسَلاً فقد تساوى لدي الصاب والعسل (3)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 264.
(2) المصدر نفسه، 345.
(3) المصدر نفسه، 345.
248 (1/248)
صفحة 249
ومع
أن الشاعر لا يحفل بمعاداة الدهر له، إلا أنه حاول أن يتصالح معه، ولكنه لم يفلح في مساعيه مشبهاً إياه بمن أصيب بمرض الجرب الذي لا ينفع معه دواء، في صورة تعبر عن عمق العداء له، قائلاً:
أصْبَحْتُ والدَّهرُ مِن بُغْضِ به جَرَبٌ آسيه نبلاً وما ينفك يأتكلُ إِذا تطارحتُ أَغْرَى بي سماسمه وإن تنمرت خاصت عنِّي الحيلُ وإن بسطت نوالي سامني سفها أعن سفاهة رأي يَفْضلُ النَّبلُ (1)
وقد يبدو من المستغرب أن يعمد شاعر مثل أبي مسلم إلى الشكوى من الدهر، وهو المعروف بإيمانه الراسخ بالقضاء والقدر، وقناعته اليقينية بأن كل ما أصابه من الله، ولكن إذا عرفنا أن أبا مسلم قد تعرض في حياته لمضايقات سياسية واقتصادية، وظلم وحيف من أبناء زمانه، نتيجة لمواقفه السياسية، وجرأته الصريحة، نستطيع تلمس العذر له، حين غدا الدهر رمزاً نُسب إليه كل المكائد، وعلق عليه كل معاناة، فهو كثيراً ما يشكو دهره إلى مولاه.
والشاعر وإن ذم الدهر نتيجة مواقفه وتأثيراته، إلا أنه راض بقضاء الله، فهو يفصح عن ذلك، في إحدى مناجاته، مبيناً أن شكواه لم تكن اعتراضاً على قدر الله وقضائه، ولا غضباً مما حل به، حين يقول:
دهتني الرزايا سيّدي وألم بي بلاء على رسمي و آدَ احتماليا وما أنا في شكواي مالا أطيقة غَضُوبٌ على الأقدار أو لست راضيا رضيتُ بما تقضي وآمنتُ أنّه قضاؤك عدل أي ما كنت قاضيا ولكن قصارى العبد شكوى يبتها إليك ودمع يستهل المآقيا
(1) المصدر نفسه، 346. (1/249)
صفحة 250
وتمزيقه في ظلمة اللي بَهُ
وترجيعه غوثاه غوثاه قاصي (1)
وشكواه الله تنعكس فيها آثار فكر المذهب حين يدعو إلى الثورة
على الظلم، ويتوجه إلى مولاه شاكيا فعل الظلمة وتعديهم، كأن يقول:
إلى الله أشكو وهو مُنتَقِمُ يداً عَتَتْ وبَغَتْ واستعبدت خير أمة (2)
قائلاً:
وقد يشكو الشاعر وقع الظلم على نفسه، موجهاً شكواه لرب العباد،
إلهي عَبْدٌ من عبيدك ظـ
رماني بسهم الظلم منه فأصمت
تخطى خُطى العدوان والمكر آمناً وعينك بالمرصاد في كلّ خُطوة (3)
ويعد الشاعر شكاية حاله لمولاه، مظهراً من مظاهر العبودية لله وحده، ولذلك يتوجه إليه في مناجاته قائلاً:
أحاط بي الكَرْبُ العظيم وأنت يا لطيف عظيمُ اللَّطْفِ فِي حَلَّ كُربتي نعم عَرْضُ حالي نجعة من مقاصدي إليك وفرض من فروض العبودة (4) ومن صور الإحساس بالزمن عند أبي مسلم ما نجده لديه من إشارة لطيفة إلى أنه لو قدر له أن يعيش أحقاباً ويؤتى أعماراً، ويمنح مجموع قوى
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخطوط، 93.
(2) المصدر نفسه، 50. (3) المصدر نفسه، 27.
(4) البهلاني، السابق، 28. (1/250)
صفحة 251
الخلق، وكان أكمل خلق الله عبادة، فإن قدرته على أداء حقوق الله قاصرة،
يقول:
ولو عشتُ أحقاباً وجئت بمثلها من الخير والطاعات عد الخليقة وجنت بجهد العابدين تعبداً بتمزيق أوصالي وإفناء مهجتي وقصر دوني من خلقت وكُلُّ من ستخلق ربي في مقامات زلفتي لما كان من قَدْرِي بأنك شاكري على نعمة خَوَلْتها ضعفَ قُوتي (1)
قدسية المكان عند الشاعر الإباضي:
علاقة الشاعر أي شاعر - بالمكان علاقة متجذرة في النفس، متأصلة في الأعماق، يؤججها الشوق أكثر - إذا ما خرج الشاعر من ذلك المكان.
والمكان في نظر الشاعر الإباضي يكتسب قدسية خاصة لا لذاته، بل لما يحتله من مكانة في التاريخ الإباضي، ولارتباطه بخلفية ثقافية خاصة في الفكر السياسي الإباضي.
وعليه نفهم سر ارتباط الشاعر الإباضي بعمان عموما، ومدينة «نزوي» (2)،خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح، سياسياً وعلمياً، لأنها كانت عاصمة الإمامة الإباضية العمانية، منذ
(1) المصدر نفسه، 29.
(2) نزوي هي العاصمة القديمة لعمان، ومقر الإمامة تقع على سفح الجبل الأخضر من الجنوب، تبعد عن مدينة مسقط العاصمة الحالية لسلطنة عمان مسافة 160 كلم. انظر السيابي: سالم بن
حمود، العنوان 63. (1/251)
صفحة 252
ي
نهاية القرن الثان للهجرة، سنة (192 هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (ت 207 هـ) (1) وتعاقب على أرضها أئمة عدول. فنزوى المكان تستمد روحانيتها من عبق عظام أولئك الأئمة، الذين تعاقبوا على أرضها، فهي تمثل رمزاً من رموز التواصل الثقافي والسياسي للمذهب الإباضي، فلا غرو بعد ذلك، أن يخاطبها عدد من الشعراء، فيتغنى بأمجادها، ويتذكر تاريخها، وعلى رأس هؤلاء الشعراء، أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية، بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزاً من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت حينها جانباً من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة فاكتسبت بعداً تاريخياً، وبُعداً دينياً، وبعداً مكانياً، وبُعداً وطنياً.
يعد الشعور بالارتباط بالمكان الذي رأى الإنسان فيه النور، وتربى في ظلاله، أمراً طبيعياً، لا سيما إذا ارتبط هذا المكان، بذكريات من نوع خاص،
وبقدسية خاصة.
وشعر أبي مسلم المكاني تعبير عن رؤية خاصة يتجاوز شوقه إلى
الأماكن وذكريات الصبا، إلى موطن سياسي ديني، حيث يقول:
خليلي ما تذكار ليلى لبانتي أقامت بنجد أو حَوَتْها التهائمُ ولا ربعها العافي عليها تناوحت صباً ودبوراً أو بكته الغَمَائمُ
(1) هو الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي الأزدي إمام فقيه بويع بالإمامة بعد موت الإمام الوارث بن كعب الخروصي عام 192 هـ. أنظر دليل أعلام عمان 125. (1/252)
صفحة 253
ولا شفني حُبِّ لغيداءَ
كما ارتاع خشف في الخميلة باغمُ (1) ولكن شجاني مَعْهدٌ بان أهله فبان الهدى في إثرهم والمكارم (2)
وهنا تصبح مدينة نزوى» المليئة بعبق التاريخ والمرتبطة بعقيدة إباضية بحتة، منطلقا للإثارة والاستثارة عند الشاعر، ففي قصيدته «الفتح والرضوان يتدرج الشاعر مع القارئ للولوج إلى هذه المدينة، عبر بوابة قرية، لها أيضا بعد تاريخي فكري، وهي قرية «فرق» حيث نشأ في ظلالها الإمام جابر بن زيد زعيم المذهب الإباضي، ومؤسس فكره، ومنها خرج إلى بلاد الحجاز والعراق، يقول أبو مسلم
وافرق بها البيد حتى تستبين لها فرق على بيضة الإسلام عنوان فإن تيامنت الحَوْرَاءُ شاخصةً لها مَعَ السُّحْب أكناف وأحضان فَحُط رحلك عنها إنها بلغت نزوي وطافت بها للمجد أركان انزل فدتيك عنها إن حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان انزل فديتك عنها إن وجهتها تخت الأئمة من كانت ومن كانوا هنالك انزل وقبل تُربة نبتت بها والإيمان إيمان انزل على عرصات كلُّها قُدُس للحق فيهن أزهار وأفنان انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين قيعان وظهران أرض مقدسة قد بوركت وزكت تنصب فيها من الأنوار معنان (3)
(1) الخَشْفُ:
الخلافة
ن المر السريع والخشوف من الرجال السريع مادة خشف اللسان وباغم فلان المرأة
مباغمة إذا غازلها، مادة: بغم، لسان العرب.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 244. (3) المصدر نفسه، 230 - 231. (1/253)
صفحة 254
فالناظر إلى هذه الأبيات التي هي جزء من نسيج قصيدته، يجد أن
الشاعر قد وفر لنفسه نكهة تاريخية فكرية تراثية، جاء مشحوناً برموز الزمان والمكان، وعبر تواصل مكاني ينطلق منه الشاعر، مجرداً من نفسه شخصاً يخاطبه على عادة الشعراء، واصفاً مسار هذه الرحلة، وَصَفَ الخبير بمواطنها، العارف بأسرارها، ضمن رحلة خيالية يقوم بها، متصوراً مرافقته منطلقاً لرحلة الإمام السالمي في ذلك الوقت، من بلدة تسمى «بدية» (1) حتى يصل إلى مدينة «نزوي» فيلقى عصى تسياره عليها. ومن ثُمَّ يوجد الشاعر لنفسه مكاناً
يستقر فيه، ليصبح ذلك المكان بقدسيته خالداً، حاضراً في النص،
والنص حاضر في المكان.
ولشدة الشوق ولقدسية المكان، يطلب الشاعر ممن يصل إليه أن ينزل
من عليائه فيقوم بتقبيله، لماذا؟
لأن هذا المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية مشبهاً نزوى بالتربة، والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها، وزاد الأمر وضوحاً حين أشار إلى أن قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام.
وتذكي الغربة والبعد عن الوطن، الإحساس بالمكان وقيمته، لتبدو صورة المكان ممتزجة بالمشاعر، فيظل القلب هائما بها مهما بعدت الشقة، وطال الزمن، كما في قول أبي مسلم
معاهد شط البَعدُ بيني وبينها وحل بقلبي بُرجُها المتقادم
(1) بدية: بفتح الباء، وكسر الدال، وفتح الياء المشددة، إحدى مدن شرقية عمان. انظر: السيابي:
سالم بن حمود العنوان، 104 - 105.
254 (1/254)
صفحة 255
تزاحم في روعي لها شوق واله وصبر وأن الصبرُ أَلا يُزاحَمُ إذا لاح برق سابقته مدامعي وليت انطفاء البرق للغرب عاصم لئن خانني دَهْري بشخط معاهدي فقلبي بِرَغْمِ الشَّيْطَ فِيهِنَّ هَائِمُ (1)
حيث نجد أن مشاعر أبي مسلم قد اختلطت بذلك المكان، ليبقى يرقبه، تستثيره ومضات البرق نحوه، فتسابقه دموعه دون أن يكون لانطفاء البرق أثر في وقف جريان دموعه.
ويمتدح الشاعر المكان وأهله، مثنياً على أرض تقيم العدالة، في محاولة من الشاعر لأداء بعض الحقوق، نحو ذلك المكان، ولو بالدعاء له، ولمن كانت تلك العراص موطناً لهم، قائلاً:
سقى الله أرضاً يُنبتُ القسط سوخها وبين رباها العلم والحق رائعُ ربوع بحمد الله ـــــــــور محمد عليها بنور الله أبلج ساط وحيت يمينُ الله بالروح والرضا رجالاً لهم تلك العراص مرابع (2)
وللمكان في شعر خالد الرحبي موقع أثير، يندغم مع تلك العصبة الدينية والسياسية، ويمتزج المكان بمن فيه، وتتجسد شخصية الإمام الخليلي بحضورها فيه، يقول:
سقى الله نزوى والحبيب الذي بها مقيم شآبيب السحاب المواطر (3)
(1) البهلاني: ابو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 243. (2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، 257.
(3) الرحبي: خالد بن هلال، الديوان، مخ، 26.
255 (1/255)
صفحة 256
بينما يؤكد أبو سلام الكندي أن مدحه لنزوى ومن بها لا يمكن أن تغيره
حوادث الزمان، وعاديات الأيام، في قوله:
نسيم سرى من نحو نزوى فعطرا فهيج أشجان الفؤاد وذكرا إلى أن يقول:
إذا ذكروا نزوى وفاضت دمُوعُهم لذكْراهُمُ قلبي عليها تفطّ وإن تسألوني عن هواي فإنه رهين بنزوى فاتركاني واعْذُرا فما أنا ناس ما حييتُ ودَادَهم وتذكارهم حتى أغيب بالثرى (1)
ويقف الشاعر سالم بن حمود السيابي عند جزئية محددة في المكان، قلعة نزوي لشموخها ومكانتها، ورمزها مجرداً شخصاً يحاوره، طالباً وهي منه أن يقف بجوارها، ويتساءل عنها، وعمّن توالى على حكمها، ومن تعاقب على جامعها الميمون، حتى يصل إلى روح نزوى قائلاً:
قف حول قلعة نزوى وانشد الباني هل أستئوها على رضوى وَثَهْلان وانْشُدْ مَعالمها السَّمَاءَ كيف سَمَتْ وقد عَلَتْ هام بهرام وكيوانِ إلى أن يقول:
وانشد حماة الهدى عاشوا بها زمناً تهتز تيها بهم في كل مدانِ سل قلعة المجد في نزوى ومنبرها فخر البلاد وكرسي لسلطانِ سل ذلك الجامع الميمون يخبر عن أئمة رتعوا فيهـ سل روح نزوى تجد عنهم بها نبا على سجل الهدى في خير أوطان (2)
(1) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد الديوان، مخ، 127، 128.
(2) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، 201.
بقرآن
YOT (1/256)
صفحة 257
ويطلق الشاعر عبد الله بن علي الخليلي على «نزوى» الوادي المقدس،
فمن وصلها فإنه ينظر من مكان عال، وذروة شامخة، يستطيع من خلالها، أن يتخيل جنود الله تنقض على أعدائه، ضمن لحظة خيال خاصة يعيشها الشاعر، ويدعو قراءه إلى أن يشاركوه هذا الخيال لينظروا ذلك، فيبصروا من خلاله جلال المكان وروعته، متصورا كيف كانت الرايات تعقد في جنباتها، يقول:
هلم إلى الوادي المقدس من نزوى إلى أن نشيم النور من هضبة النجوى لنرتبع العلياء من شُرفاته نعر بها قدراً ونسمو بها عُلواً ونبصر آي الله نوراً مُجسما ونجلو مُحيَّا السالكين به جَلْوا ونزجر خيلَ الله تُردي سنابكاً كصاعقة إثرَ المُريد بها يُكْوَى نقض بها للشر مضجع معتـ على حرمات الله يستحقبُ الشَّكوى
يستذكر الشاعر أمجاد هذه المدينة، عبر من احتضنتهم من الأئمة الإباضيين، الذين يحق لعمان أن تفاخر بهم الكون، لما أقاموه من صروح، وما أحيوه من سنة، ومن ثم قارنها الشاعر بحلب الشهباء وسيف دولتها، فإذا ما افتخرت على عمان بذلك، فإن نزوى تفخر بقيد الأرض، الإمام سيف بن سلطان اليعربي ومن قبله من الأئمة الذين طاردوا جموع البرتغال، فأجلوهم من عمان والخليج يقول الخليلي: (1/257)
صفحة 258
فأكرم بنزوى وهي تحتضن الهدى وأنعم بها والدين يرتبعُ الأجوا تربع فيها وارث (2) وابن جيفر (3) وأضرابهم من عيص شار فما أقوى فإن حلب تاهت بدولة سيفهـ فسيفك (1) نزوى قيَّد الأرض بالتقوى
(1) سيف بن سلطان بن سيف بن مالك (ت 1123 هـ / 1711 م) الملقب بقيد الأرض، رابع
الأئمة اليعاربة، ينظر دليل أعلام عمان، 86.
Y
(2) الوارث بن كعب الخروصي (ت 193 هـ / (807 م أول إمام عماني من قبيلة بني خروص، تولى الإمامة عام 176 هـ ينظر دليل أعلام عمان، 169.
(3) المهنا بن جعفر الفجحي اليحمدي، الأزدي (ت 237 هـ / 851 م) أحد أئمة عمان، تولى الإمامة بعد موت الإمام عبد الملك بن حميد عام 226 هـ. ينظر: دليل أعلام عمان، 116،
YOA (1/258)
صفحة 259
الفصل الخامس
السمات الفنية
التجربة وأثر الفكر الإياضي فيها.
بناء القصيدة.
اللغة والأسلوب.
:أولاً: المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني
وأسلوبه
القرآن الكريم.
2?
الحديث الشريف.
التراث الشعري.
_ {
بين الشعر والتاريخ.
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية:
ألفاظ وأساليب تراثية.
ألفاظ ومصطلحات إباضية.
التكرار.
_ {
التوازي وا
التقسيم.
الأسلوب الخطابي.
الصورة الشعرية. (1/259)
صفحة 260
/ (1/260)
صفحة 261
التجرية وأثر الفكر الإباضي فيها:
التجربة الشعرية حدث وجداني أو عاطفي ينبع من نفس صاحبه، ومن عقله، ومن كل حواسه ودخائله النفسية والفكرية، الظاهرة والباطنة (1) والعمل الأدبي في أساسه هو «التعبير عن تجربة شعورية بصورة موحية» (2) وهي في مجموعها الصورة الكاملة النفسية والكونية، التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور، تفكيرا ينم عن عمق شعوره وإحساسه» (3) تتشكل من مجموعة من تجارب الحياة التي يحياها الأديب» ويتقلب بين ظهرانيها، وهو جزء منها متأثراً وفاعلاً، وصاحب رؤية ورؤيا» (4).
«والتجربة ليست وليدة اللحظة، وإنما تتشكل عبر تراكم مجموعة من الخبرات، يغدو الشاعر جزءاً من نسيجها ولذلك عدت «التجربة» إفضاء بذات النفس بالحقيقة كما هي في خواطر الشاعر وتفكيره» (5).
والشاعر الأصيل هو الذي يتمكن من المواءمة بين التجربة وطريقة إيصالها، بحيث لا يعمد إلى نقلها نقلاً مباشراً جامداً، بل يدعها تمتزج بذاته، فيخرجها نابعة من وجدانه، دون أن يعني ذلك ضرورة أن يكون الشاعر قد
(1) شوقي ضيف، في النقد الأدبي، دار المعارف بمصر، د. ن. د. ط، 138. (2) سيد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، دار الفكر العربي، ط 2، 1954 م، 53. (3) د. محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، دار النهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة،
د. ن. د. ط، 363.
(4) د. فايز الداية جماليات الأسلوب الصورة الفنية في الأدب العربي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، ط 2، 1411 هـ - 1990 م، 36.
(ه) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، 364. (1/261)
صفحة 262
عاش التجربة بنفسه، حتى يصفها، بل يكفي أن يكون قد لاحظها، وعرف
بفكره عناصرها، وآمن بها، ودبت في نفسه حميّاها» (1).
والتجربة الشعرية لا تعزف قط عن الفكر الذي يصحبها وينظمها، ويساعد على تأمل الشاعر فيها ولا ينجح الشاعر في التعبير عن تجربته، حتى تصير أفكاره الذاتية موضوعية بأن يجعلها موضوع تأمله» (2) وبالتالي فإن الفكر يغدو أحد عناصر التجربة الشعرية (3).
إن التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس (4).
ومن ثم نجد أن جملة من الشعراء الإباضيين قد انعكس في نتاجهم لون من ألوان النقد الاجتماعي الصريح، القائم على أساس المكاشفة فيقوم الشاعر بنقد سلوك معين وأطلق على هذه الظاهرة «نقد الحياة» (°).
وعندما ننظر في تجربة الأدباء العمانيين في هذه الفترة، نجد أنهم عاشوا الأحداث وأغنتهم الحياة بتجاربها وأفادوا من إمكاناتهم اللغوية، في تشكيل تجاربهم ومنطلقاتها وقد ساهم في ذلك بنيتهم الثقافية وتكوينهم الاجتماعي، إضافة إلى معايشتهم الحقيقية لأحداث عصرهم وتوظيف عدد
(1) المصدر نفسه، 364، 365.
(2) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، 363، 364.
(3) انظر المصدر السابق 364.
(4) د. إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الشروق، بيروت، ط 4، 1402 هـ 1982 م، 34.
(0) المصدر نفسه، 34. (1/262)
صفحة 263
منهم
(1)
نه لخدمة فكره ومجتمعه، بدءا بالشاعر العلامة سعيد بن خلفان ونور الدين السالمي (3) وأبي وسيم خميس بن سليم الأزكوري (3) وأبي مسلم البهلاني (4) مرورا بالشاعر عيسى بن صالح الطيواني (9) وخالد بن
الخليل
ي
(1) هو الشيخ العلامة سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي الخروصي، ينتهي نسبه إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي (ت 275 هـ)، (1228 هـ 1811 م 1287 هـ 1870 م علامة، شاعر، ثاني ثلاثة أطلق عليهم أعلم الشعراء وأشعر العلماء، وهو أحد رجال الإمام
عزان بن قيس لقبه العلماء بالمحقق اتخذ سمائل وطنا بعد انتقاله من بلدة بوشر، إحدى
أعمال مدينة مسقط عاصمة عمان الحالية انظر، معجم أعلام عمان، 79 ومحمد بن راشد الخصيبي، شقائق النعمان، ج 2، 333.
(2) هو الشيخ العلامة نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد ببلدة «الحوقين» من أعمال الرستاق» (1286 هـ 1869 م - 1332 هـ (1914 م) إمام علامة مجدد فقيه شاعر، كفيف البصر، عد مرجع زمانه وعلامة عصره، انتهت إليه رئاسة العلم في عمان، له مؤلفات في الفقه وعلم الأصول، والتاريخ والحديث واللغة وله ديوان شعري انظر دليل أعلام عمان، 112، شقائق النعمان، ج 3، 10. (3) هو الشيخ الأديب، خميس بن سليم بن خميس الأزكوي السموئلي، من شعراء عمان في القرن الثالث عشر والرابع عشر من الهجرة، كان ذا شاعرية رائقة، وله ديوان شعر مخطوط، دليل أعلام عمان، 60 ومحمد الخصيبي، شقائق النعمان، ج 1، 177. (4) أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني الرواحي، المكنى بأبي مسلم (1273 هـ 1856 م - 1339 هـ (1920 م) عالم، قاض مؤلف محقق، شاعر، من بلدة وادي محرم من أعمال مدينة سمائل لقب بأعلم الشعراء وأشعر العلماء إذ هو ثالث ثلاثة منهم، سافر إلى زنجبار واتصل بسلاطينها، وعمل قاضيا لهم هناك، نبغ في الشعر وفاق أقرانه، انظر في ترجمته دليل أعلام عمان 159 - 160 وشقائق النعمان 347/ 2. (5) هو الشيخ العالم عيسى بن صالح بن عامر الطائي، فقيه، شاعر، قاض، توفي عام 1362 هـ. انظر الشقائق 205/ 3. (1/263)
صفحة 264
هلال الرحبي (1) وأبي سلام الكندي (2) وسعيد بن أحمد الكندي (3). ومن ذلك ما نراه من الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، الذي خاطب الليل الطويل، مقيما معه حواراً عماده المساءلة عن إمكانية انجلائه عن صبح فتية يكون على أيديهم إحياء ما اندثر من معالم الإسلام، وإقامة ما عطل من حدود الله، ونشر ما غير من العدل، وهو تعبير ناشئ عن تجربة شعورية، وتفاعل حقيقي مع مشاكل الحياة وتداعياتها يقول:
تلالاً بَرْقُ في الدياجي مشعشع بضاحكة أبكاك فالعينُ أدْمعُ أم التاعَ من بين الأحبةِ والنَّوى فؤاد بتذكار الهوَى يَتَصدَعُ أم ارتاع من دهر أداني صَرُوقَهُ تكاد الجبالُ الشم منها تزعزع زمان به الدين الحنيفي دارس وناصرهُ مُستضعف ومروع فيا لك دهراً قد شجتني خطوبه به عصفت للجور نكباءُ زَغزغ
إلى أن يقول:
ألا تنجلي يا ليل عن صبح فتية کرام بهم قد رَدَّ للعدل يُوشِعُ شراة لدين الله بيعت نفوسهم وما لهم في غير ذلك مطمع ()
(1) الشيخ الأديب خالد بن هلال بن سالم بن مانع الرحبي (ت 1372 هـ) من شعراء وادي سمائل المشهورين وله ديوان جامع لشعره يسمى «السحر الحلال» مخطوط، انظر الشقائق
329/ 1
(2) هو الشاعر الأديب، سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي المكني بأبي سلام، (ت 1379 هـ 1959 م) وهو ابن العالم الفقيه الجليل سعيد بن ناصر الكندي، دليل أعلام عمان 83 (ت 1355 هـ)، شقائق النعمان 238/ 1. سعيد بن أحمد بن سليمان بن عامر الكندي النزوي (ت 1383 هـ - 1913 م) قاض فقيه،
(r)
شاعر له جملة من القصائد في مناسبات مختلفة، انظر شقائق النعمان، 263/ 3 وما بعدها. (4) الخليلي، سعيد بن خلفان الديوان، مخ، 44، 45.
264 (1/264)
صفحة 265
ومن ذلك أيضاً ما عبر به الشاعر خميس بن سليم الأزكوي، الذي
كان يعيش في زنجبار بشرق إفريقية بعيداً عن عمان، فتبلغه أخبار حركة شيخه سعيد بن خلفان الخليلي، ومع أنه كان بعيداً عن موطن الحدث، إلا أن ما بلغه كان كافياً لاستثارة مشاعره، وتغذية تجربته، وإذكاء تفاعله، ومن هناك يشارك الشاعر بقصائد تعد من أهم القصائد المعبرة عن حركة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وصحبه ومنها قصيدة تعكس التفاعل
وتنبئ عن المشاركة الوجدانية حين عزت المشاركة الفعلية، يقول:
ولكنن
مع
الحدث
على أنني لو رُمْتُ شرحاً لفضلهم لما وسع القرطاس ما أنا أشرحُ صب مشوق متيّم وقد طاب لي بالصالحين التمدح تنظمُ أشواقي يواقيتَ أَدْمُعـ سموطاً كلا خدَّيَّ منها مُوَشَحُ إلى كم بكم قلبي يذوبُ صبابةً وحتى متى عنكم بي الدار تنزح يزيدُ اشتياقي كلما عن ذكركم وهل ساعة عن ذكركم أنا أبرحُ كأني من فرط الصبابة صارم بكف كمي منكم أترنَّحُ (1)
أما نور الدين السالمي فإن تجربته الشعرية تختلف إلى حد ما عن تجارب هؤلاء الشعراء ذلك أنه تجربته نابعة من محاولة بعث همم قومه، وبني مذهبه، لكنها تجربة فيها قدر من النظرة المتشائمة، في ضوء ما أعياه الكلمة، وإحياء معالم الإمامة وهي تجربة مليئة بالمرارة، تعكس تفاعل الشاعر مع ذلك الواقع في محاولة منه لبعث الحياة إلى النفوس، ولبيان ذلك يورد الباحث ما يرى فيه تمثلاً لمعالم هذه التجربة بمثيراتها ومؤثراتها
من جمع
يقول:
(1) الخصيبيي،
،ي، محمد بن راشد ت 1410 هـ) البلبل الصداح، مخطوط، 34. (1/265)
صفحة 266
أرى الأيـ أدانيه فمـ
حربا
وده
ي كلّه صَعْبَ
زدا
د منى ــــي أبـ داً قُرب
الاينه ليذعن بال
مراد فينثـ
(1)
ويصرح بآلامه، رافضاً ما عليه قومه من الاهتمام بمطامع الدنيا،
تاركين ما يخدم عزهم، قائلاً:
بنى دهري عَدَلْتُم عَنْ المكـ وخلفتم جمي
هدمتم دينكم طمع
فلا أنتم لدنياق
سبيل هداك
رمات وراءكُم جبا
وعز العرب العربا
عرفناها ولا عُقبى (2)
وتتصاعد عند الشاعر حدة الإحساس بالخيبة من بني مجتمعه، فيصور لا سيما مع أناس تلبسوا بالجهل، وتواطأوا على الوقوف في سبيل ترجمة فكره إلى واقع انطلاقاً من مرارة التجربة التي كان يعيشها،
تجربته معهم
والموقف الذي كان يتفاعل به، فقال ناقداً تلك المواقف المناهضة لآماله:
ما لي وللأنذال والغوغاء يرمونني بالبغض والشحناء من غير ذنب غير أني طالب للدين أن يغلو على الأهواء يدعونني للعجز عن طلب العلى ودعوتهم للمجد والعلياء بالأمس كانوا خلتي فاغاظهم طلب الهدى فإذا همُ أعْدَائي
(1) السالمي، عبدالله بن حميد ديوانه تحقيق ودراسة عيسى السليماني ر. ج، جامعة أم درمان
الإسلامية، 1417 هـ / 1997 م، 124.
(2) المصدر نفسه، 124. (1/266)
صفحة 267
ولقد عهدتهم ذوى وَدْ فَلمْ أشعر بهم إلا وهُمْ خُصماني
فأحلن
في عزة وأحلّهم بم
لاء
الحق باعد بينن قالوا شديد طبعه ذو غلظة فاجبتهم لكن على السفهاء (1)
ويعلن الشاعر عيسى بن صالح الطيواني تجربته الشعورية بكل وضوح، إذ يتوق إلى المشاركة في حركة نور الدين السالمي، حين بويع الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة (1331 - 1239 هـ) لكن وجوده في حوزة السلطان فيصل بن تركي (ت 1331 هـ) منعه من أن يصل بنفسه، دون أن يمنعه ذلك من نقل تجربته والتعبير عن إحساسه، فيبعثها قصيدة يبدو الصدق الفني عبر ألفاظها وتراكيبها، حين يقول:
هنيت بالنصر والفتح المبين أيا إمامنا إذ نصرت الواحد الأحدا شيدت للحق أركاناً دعائمها فوق السماك وصيّرت القنا عُمُدا إذا ذكرتُكم أهتز من طرب كأنني صارم في راحتيك بدا رام العذول ارعوائي عن محبتكم وما درَى أَنَّ صبري عنكُمُ نَفا وكيف أترك تياراً يمج هدى آليت لا أرد الضحضاح والثمد (2)
ووضوح،
ومن الشعراء الإباضيين الذين نقلوا تجاربهم بكل صرا احة وصدق فني الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، فقد نطق شعره عن رؤيته إلى الأحداث، متحرراً من قيود التبعات، على الرغم من إحاطتها به فتستثيره حادثة سقوط نظام سياسي إباضي معروف بالإمامة في عمان عام 1956 م
(1) المصدر نفسه، 129.
(2) السالمي: محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، عمان مطابع دار الكتاب العربي بمصر، د. ت،
د. ط 194. (1/267)
صفحة 268
فتكون هذه الحادثة أحد روافد تجربته الشعرية، فينشئ قصيدة تعبر عن عمق الموقف، وتصور رؤيته حيال ذلك نادباً عصره، داعياً على كل من كان
السبب في إطفاء ذلك النور كما يقول:
فلنصبر على الزمانِ وَصَرفه فالحر يصبر للملم النازل من حالتيه بجائر أو عادل
ولنشربن حلو الزمان
ولنندبن عصر الإمام وعـ
لَهُ ولي بامته كظ ـل زائـ ولنبكين نور الإمامة والهدى ولّى بزهرته كب
ـلِ
آفل
ائلَ
يا قاتل الله الذين سعوا إلى إطفائه جهدًا بكل يا قاتل الله الذين تظافروا لزوال نعمته بنيل عاجـ يا قاتل الله الذين تظاهروا إن لم يفيئوا بالمتاب الشامل (1
ــل
ويتفاعل أبو سلام الكندي مع ظروف مجتمعه، فينقده نقداً نابعاً من تجربته، ومعايشته للظروف السياسية والاجتماعية بما شكل تجربة نابعة من الأحداث حين رفض الشاعر بعض المواقف السلبية التي اتخذها بعض قيادات مجتمعه، فينقد ذلك الواقع، في أسلوب ساخر، راداً ذلك إلى خطأ في مفهوم التدين عندهم، مهاجماً بعض عيوبهم، عن معاناته من جراء
ذلك، فيقول:
يقولون ما للقلب منك تغيرا وما بال هذا الدمع منك تحدرا أمن ذكر أيام الشبيبة والصبا تأثرت أم ذكرى أميمة أثرا فقلتُ لهم: لا، فاعذروني فليس ذا ولكنما هذا الزمانُ تَغَيّرا وجدت رجال العلم فيه تقاعسوا وَحَبّوا انزواء بالبيوت تسترا
(1) الكندي: عبدالله بن سيف، مجموعة شعرية، مخطوطة، مكتبة خاصة، 54. (1/268)
صفحة 269
وبعضهم أضحى يُطالب ثروة يعيش بها بين البرية موسرا وبعضهم ما هه غير أنه يجيب سؤالا في المحيض وما درى فأواه واحزناه ذو العلم أصبحوا بذا الدهر لا يرضون إلا تَقهْقُرا (1) فتجربة أبي سلام هنا تعكس تجربة الوضع اليائس المقترن بالحماسة، وهي تجربة شعورية مسيطرة على أغلب أجوائه الشعرية، يرسلها بين الفينة والأخرى، ضمن أبيات موحية بالتحسر والحزن كما يراه الشاعر - على ضياع وطن وخسارة أمة.
إن ما يضيء جوانب هذه التجربة، ويمنحها الألق، هو صدق الإحساس،
وعمق التجربة، ومعايشة الحدث ومعاناة الواقع يقول في إحدى قصائده:
لهف
على الوطن العزيز أضيعا وشريف قوم صار فيه وضيعا لهفي عليه لو يفيد تلهفي أجريت من بعد الدموع نجيعا لهفي على الأيام كيف تبدلت هلا يَعُدْن كما مضين رجوعا (2) ويتخذ من قاعدة الفكر السياسي الإباضي، مرتكزاً في الحديث عن نظام «الإمامة» في إطار من التصوير الرمزي لها ناعياً على من كان السبب في
هجرانها، وبيعها بيعة خاسر، مجسداً نظام الإمامة حين يخاطبها بقوله:
بنت العلى ما بالهم هجروك قطعوا حبالك بعد ما وصلوك تركوك في وسط الطريق مضاعةً أف لهم من معشر تركوك
(1) الكندي، أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (ت 1379 هـ/1959 م) ديوان نشر
الخزام، مخطوط، 16. (2) المصدر نفسه، 17. (1/269)
صفحة 270
باعوك بالأسواق بيعةً خاسر لو أنصفوا والله ما باعوك بنت العلى لا تجزعي وتصبري فلأنت أنت وإنْ هُمُ عقوك (1) ويمكن أن يعد أبو مسلم البهلاني كياناً خاصاً في هذا الباب، ذلك أن
تجربته الشعرية تبدو نابضة بالحيوية مصورة للمشاعر، منبئة عن قوة التفاعل، ولذلك يجدر أن يخص أبو مسلم بالحديث عن عمق تجربته، التي وعة من الأصالة في شعره، فلابد أن يكون وراء ذلك، مجموع تكشف عن مدى العوامل التي شكلت شاعريته، وكونت شخصيته الثقافية، فطبعته بطابع أدبي
خاص.
لقد تربى هذا الشاعر في بيت علم، في ظل والده الشيخ القاضي سالم بن عديم البهلاني، وعاش طفولته في قرية محرم من قرى وادي سمائل، الذي كان يغص بكبار الشعراء والعلماء، وحينما رحل أبوه الشيخ سالم بن عديم إلى زنجبار، كان عمر شاعرنا وقتها سبعة عشر عاماً (2) وكانت زنجبار وقتها حاضرة الشرق الإفريقي، يقطنها مجموعة من العلماء والأدباء، ومنهم العلامة القاضي سالم بن أحمد الريامي والعلامة الفقيه راشد بن سليم الغيثي اللذان رثاهما الشاعر رثاء حاراً يعكس موقعهما الأثير في نفسه (3).
لقد كان لزنجبار ببيئتها العلمية، وطبيعتها الخلابة، فضلاً عن غربته عن الوطن الأم، الأثر الفعال في رفد تجربته الشعرية، وإذكاء قريحته،
(1) الكندي: أبو سلام، ديوان نشر الخزام، مخ، 37.
(2) الخليلي: أحمد بن حمد، العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق إفريقيا، حصاد المنتدى الأدبي، ديسمبر 1992 م، 85.
(3) انظر هذه المراثي في ديوان الشاعر، مخطوط، 387 - 399.
270 (1/270)
صفحة 271
فصقلها بما أتيح له من فرصة التعبير عن الرأي، من خلال جريدة «النجاح»
التي أصدرها الشاعر وتولى رئاسة تحريرها (1).
إن تجربته الشعرية ناشئة عن تجربة واسعة الأبعاد، تغذيها جملة من التراكمات الفكرية والقضايا السياسية والتاريخية وتثيرها بعض الاختلافات المذهبية.
ويبدو أن تنقل أبي مسلم من مكان إلى آخر لم يكن عبثاً ولكنه كان بحثا عن شيء مهم قد افتقده ويحاول التفتيش عنه، أطلق عليه الشاعر «منشودته»
يقول:
فمنهج فمجمع فَمُنْتَ
دى
أنشدها من مسجد فمعهـ فلم أجد منشودتي في موضع ثم حدستُ أنها رهن الثرى (2)
إن شعر أبي مسلم في أغلبه - يشكل جانباً من جوانب شخصيته، وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو إن رثى بدت حرارة الفقد واضحة في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وإن حمس واستنهض، نجد أن كلماته تنبع من حنايا قلبه، وإن دافع عن عقيدته، نجد أن الشاعر يدافع عنها دفاع المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض من إحساسه.
إن نظر القارئ إلى قصيدته «رائية المُحَكِّمة» يجد فيها حرارة الإيمان، وتوهج العقيدة وصدق العاطفة والإيمان، بعدالة رؤيته، فعبرت عن موقفه
بكل صراحة ووضوح يقول:
(1) الخليلي: أحمد بن حمد العمانيون وأثرهم، السابق، 189.
(2) البهلاني، أبو مسلم بن سالم بن عديم ديوان أبي مسلم البهلاني، مخطوط، 273 (1/271)
صفحة 272
تحزبت الأحزاب بعد
فكل إلى نج رآه يصير وقرت على الحق المبين عصابةً قليل وقل الأكرمين كثير هم الوارثون المُصطفى خير أمة لمدحهم أي الكت اب تشير أولئك قوم لا يزال ظهورهم على الحق ما دام السماء تدور على هضبات الاستقامة خيمـ إذا اعوج أقوام وظل نفير
نجونا بحمد الله منها على هدى فنحن على سير النبي نسير
(1) ,
وهنا تشكل المعطيات التاريخية جانبا من جوانب التجربة الذاتية المؤثرة
بما تقدمه من عبر، وما تختزنه من دلالات فالنهروانية قصيدة تنبثق من أحضان التاريخ، استطاع الشاعر أن يقدمها باعتباره راوياً لأحداثها، مازجاً إياها بتجربته الذاتية، مجرداً من ذاته شخصاً يخترق حجب الماضي، ليصل بخطابه إلى شخصياتها المعروفة، لتصبح الحادثة جزءاً من كيان الشاعر وتشكل جانباً من جوانب تجربته، عاكسة لقناعاته الفكرية.
لقد شكلت تجربته انعكاساً حقيقيا للفكر الإباضي، وتجليا للثقافة التي کونت شاعريته ممتزجة مع معاناته، فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع، عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة، وهي قصائد في مجموعها تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت إلى بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه.
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 208.
272 (1/272)
صفحة 273
وهنا يحز في نفس أبي مسلم أن يحدث ذلك وهو بعيد عن موطن الحدث، دون أن يشارك فيعبر عن مدى تحسره على القيود التي صدته عن المشاركة في قيام نظام الإمامة في عمان، فيقول:
أحاول فوزاً من حياتي بقرْبكُم يراعي وسيفي والنهى لك خادم وإني لدَهر صدني عنك شانئ وحتى متى من حرقة أنا واجم (1)
ويقول في إحدى هذه القصائد معبراً عن غربته:
كأنني واغترابي والغرام بها حي قضى خلفته بعدُ أحزانُ هي النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثَمَ جِثِمَانُ أعيش في غربة عيش السليم على رغمي وليس إلى الترياق إمكان (2)
وتتزايد غربته، وتتضاعف قيود الزمن عليه ويثقل كاهله، ويثير شاعريته، موت نور الدين السالمي، قطب دائرة الحركة الإباضية في ذلك الوقت، فيخرج هذه المشاعر ضمن أبيات ترزح بمعاناته النفسية، مصوراً أثر فقد هذه الشخصية على الأمة وعليه، متأثراً بحالته النفسية قائلاً:
لهف نفسي ما الذي أقعدني عنكم غير الذي أعيا الحين كلما أزمعت ترحالاً قضى لي بالتثبيط دهر مُهتبل أظلم الجو وأوحشت الطلل (3)
وإلى أين ارتحالي بعدم
(1) المصدر نفسه، 251.
(2) المصدر نفسه 229.
(3) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 379.
273 (1/273)
صفحة 274
وبذلك يمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث أن
الشعراء الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق، شكلت الأحداث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية، أحد أبرز إلهامات الشعراء واستثاراتهم بها، وجاء شعرهم منتمياً إلى جماعة فكرية، مندغماً مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة، ومتطلبات التعبير عن الذات.
بناء القصيدة
ينصب بناء القصيدة في النقد العربي على العناية بالهيكل العام للقصيدة، المتمثل في مطلعها واستهلالها وموضوعها وخاتمتها (1)، ومن حيث توافق أجزائها وتلاحم عناصرها، حتى قيل أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، كأنه قد سبك سبكاً واحداً، وأفرغ إفراغاً واحداً، فهو يجري على اللسان، كما يجرى فرس الرهان» (2).
وفي إشارة إلى الوحدة في القصيدة يعبر ابن طباطبا عن ذلك بقوله «أحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاما، يتسق في أوله مع آخره، على نحو ما ينسقه قائله، فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل .. ، ويجب أن تكون القصيدة كلها، ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وفصاحة، وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تأليف» (3) على أن هنالك من يرى أن الوحدة الفنية
(1) د. عبد الجليل عبدالمهدي: بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية، دار البشير، والتوزيع، عمان، الأردن، ط 2، 1415 هـ - 1995 م، 235.
للنشر
(2) الجاحظ، أبو عمر عثمان بن بحر البيان والتبيين تحقيق عبدالسلام هارون، مطبعة الخانجي، القاهرة، ط 3، 1968 م، 67/ 1.
(3) ابن طباطبا، محمد بن أحمد بن طباطبا (ت) (322 هـ) عيار الشعر، تحقيق عباس عبدالساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، 226.
274 (1/274)
صفحة 275
في القصيدة لا تكمن في الترابط اللغوي بين الأبيات، ولا في تسلسل المعاني تسلسلاً منطقياً ذهنياً، ولا في وحدة الموضوع، وإنما تكمن في وحدة الجو النفسي» (1).
ووحدة القصيدة في شعر الفكر الإباضي أمر يمكن ملاحظته، على الرغم من إمكانية وجود أكثر من موضوع في القصيدة الواحدة، دون أن يفقدها ذلك، مسألة الوحدة التي يقصد بها في القصيدة «وحدة الموضوع، ووحدة المشاعر، التي يثيرها الموضوع على أن تكون أجزاء القصيدة، كالبنية الحية، لكل جزء وظيفته فيها، ويؤدي بعضها إلى بعض، عن طريق التسلسل في التفكير والمشاعر» (2).
وقد أخذت بنية القصيدة عند الشعراء الإباضيين طرقاً متعددة فهناك القصائد الفكرية الخاصة المتأثرة بمعطيات فكرية مختلفة تاريخية وسياسية وعقائدية صاغها الشعراء صياغة فنية، أفرزت ثقافتهم وعكست فكرهم، وقد نجد موضوعات فكرية مبثوثة في قصائد متعددة الأغراض.
وعبر
مطالعة الشعر الإباضي في هذه الفترة، نلمح أن الشعراء قد
تفاوتوا في طرائقهم وبناء قصائدهم سواء كان ذلك في مقدماتهم واستهلالهم، وخواتيم قصائدهم، أو من حيث طول القصيدة وقصرها تبعاً لاختلاف الشعراء
من ناحية، أو لاختلاف الموضوعات المطروحة من ناحية أخرى.
(1) د. ناصر الدين الأسد: الشعر الحديث في فلسطين والأردن، معهد الدراسات العالية، القاهرة،
1961، 129
(2) د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، سابق، 373. (1/275)
صفحة 276
ونجد كذلك أن الشاعر قد يبني قصيدة مستقلة بموضوع واحد، وقد
يجمع في قصيدته موضوعات مختلفة، وهو الغالب في قصائدهم مع ما يربط القصيدة وينتظم أجزاءها من جو نفسي وشعوري واحد. وهذه الفترة الخاضعة للبحث متصلة بفترة الإحياء، وإن ظلت محكومة بتوجه معين، ومرتبطة بقضية ذات خصوصية (1) وهي خصوصية جعلتها تتميز في الأقل عن نمط الشعر في أقطار المركز.
1) أول ما يطالعنا في قصائد شعراء الفكر الإباضي، أن نجد بعض الشعراء قد وضعوا عناوين خاصة لقصائدهم تحدد هذه العناوين عند كثير منهم مسار رحلة القصيدة، وتؤدي دوراً كبيراً في الإيحاء بالوظيفة الشعرية، ونوع الرسالة التي يحملها النص ليصبح العنوان عنصرا مهما فيه. وحينئذ يصبح على القارئ العمل على الكشف عن مخبوءات النص، من خلال ما أوحى به ذلك العنوان.
وحين ننظر في بعض عناوين القصائد الفكرية عند هؤلاء الشعراء مثل عنوان «الفتح والرضوان في السيف والإيمان (2) محاولين تلمس الصلة بين البنية اللغوية لهذا العنوان وبين سيرورة النص، نجد أن هذا العنوان يتساوق مع مسار القصيدة بمحاورها المختلفة فالنص يمدنا بمساحة واسعة من الدلالات المتصلة بمسار الفكر الحركي الإباضي أئمته وإمامته، ووجوب المحافظة عليه، فهناك علاقة متبادلة بين الفتح والسيف، وبين الرضوان
(1) د. إبراهيم السعافين، بناء القصيدة الكلاسيكية العمانية واقع وآفاق، ندوة الأدب العماني الأول جامعة السلطان قابوس، 2000/ 1/20 م، 6.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخطوط، 229.
YV (1/276)
صفحة 277
والإيمان، وبين السيف الذي هو رمز من رموز الجهاد، وبين صدق الإيمان
كأساس لمتطلبات النصر.
أما القصيدة المعنونة بـ «طمس الأبصار عن إدراك ذات الجبار» (1) فهو عنوان موح بدلالة القصيدة، حامل لنوى النص وسياقه، مؤد للوظيفة العقائدية التي آمن الشاعر بمقتضاها، واقتنع برؤيتها، ومن هنا أخضع الشاعر عنوانه لمسار، نصه المقتضي لمواجهة رؤية عقائدية تختلف معه، وهي نفي رؤية الله سبحانه وتعالى.
مسألة
وقد يأتي العنوان دالاً على توجه معين كما في «برهان الاستقامة» (2) سواء كانت لفظة الاستقامة تعود إلى مدلولها اللغوي، أو الديني العام، أو المذهبي الخاص وهي معان اجتمعت في بنية هذا العنوان ضمن قصيدة أنشأها الشاعر أبو مسلم البهلاني لبيان أدلة أهل الاستقامة الإباضية، على توحيد الله، المقتضي وجوب تنزيهه عن كل ما لا يليق بذاته كما يقول في مقدمتها:
علمتُ ربي ولا عين ولا أثَرُ ولا ظروف ولا شَرَطُ ولا صُوَرَ (3)
وهناك بعض العنوانات التي يلتقي فيها الفكر الإباضي مع الاتجاه السلوكي، الداعي إلى تنقية النفس، والسمو بها إلى مرتبة السالكين لمحبة الله، كالذي نجده عند الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي الذي عنون إحدى قصائده «المعراج لسالك المنهاج» (4) وهو عنوان يحمل في طياته وظيفة إيحائية تلتقي
ه بـ
(1) المصدر نفسه، 175.
(2) المصدر نفسه، 182.
(3) المصدر نفسه، 182.
(4) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 25 - 38.
< TVV> (1/277)
صفحة 278
"
مع البنية العامة للنص من خلال ما يوحي به من توجيه يستدل به على المنهجية التي ساوق الشاعر فيها بين البنية العامة للنص ودلالة العنوان، الذي رسم من خلاله المنهج لمن يرغب في الوصول إلى أعلى درجات سلم ذلك
المعراج.
وقد يلجأ بعض الشعراء إلى إيجاد نوع من العنوانات الداخلية، لقصيدة واحدة، نظرا لطولها، فالشاعر أبو مسلم عندما أنشا قصيدته السلوكية «التائية» (1) أوجد لكل أحد عشر بيتاً عنواناً داخلياً يتصل بأحد أسماء الله الحسنى، وعندما قام بتخميس قصيدة «سموط الثناء» للشاعر سعيد بن خلفان قام بوضع عنوانات داخلية ذات مدلولات فرعية في النص كأن يقول في إحداها: «فصل في تضرعه إلى معبوده شاكياً شؤم جدوده، وبيان قطعه الأسباب واتصاله برب الأرباب طمعا في نيل جوده» (2). وهو عنوان طويل يمكن أن يعدّ نصاً موازيا للنص الشعري.
الخليل
وقد يقتبس الشاعر العنوان من نص آخر، كأن يضع عبدالله الخليلي لإحدى قصائده عنوان لن تراني وهو عنوان، مع أنه مستوحى من نص قرآني، إلا أنه أيضا يتساوق مع بنية أحد أبيات القصيدة وهو:
حيث تلقى الأبصار حسرى عن الدر ك عليها من «لن تراني» غشاه (3)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 9 وهي قصيدة طويلة
مطلعها:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي والله إخلاصي وفي الله نزعتي
(2) المصدر نفسه، 97.
(3) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1398 هـ-
1978 م، 55.
278 (1/278)
صفحة 279
وأغلب القصائد تأتي خلوا من العنوانات إلا ما أسبغه عليها النساخ،
الذين يلجأون إلى إعطاء تصور عنها من خلال أسلوب تقليدي معروف، كقولهم، قال في .. أو «هذه قصيدة في .. » أو له أيضا أو «ومما قال في .. » بما يدل على الحالة الوصفية للنص من الخارج. كما تعرف بعض القصائد عندهم بقافيتها، كالذي انتشر عن قصائد أبي مسلم، حيث عرفت بذلك كالميمية والعينية والنونية والمقصورة.
ومعنى ذلك أن هناك قصائد أثبت الشعراء لها عنوانات خاصة يحدد مسارها، بينما يأتي غالبها مرسلاً، دون تحديد هوية معينة لها من العنوان. (2) وللاستهلال دور كبير عند النقاد القدامى من خلال الوظيفة التي يؤديها، يعبر عن ذلك ابن رشيق بقوله: وبعد فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود مفتاح شعره، فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة» (1) ويعلل ذلك حازم القرطاجني بقوله وتحسين الاستهلالات والمطالع من أحسن شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطليعة الدالة على ما بعدها المتنزلة من القصيدة منزلة الوجه والغرة» (2).
وعلى ذلك نجد أن أغلب مقدمات قصائد شعراء الفكر الإباضي متصلة بموضوعها، مبتعدة عن المقدمات التقليدية، فالغالب عليها أنها لا تستهل بمقدمة طللية أو غزلية، سواء كان ذلك على مستوى القصائد التي أنشأها أصحابها لمناصرة فكر المذهب في قضية بعينها، أو في القصائد التي عبرت
(1) القيرواني: ابن رشيق العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ج 1، 215. (2) القرطاجني: حازم منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة،
دار الكتب الشرقية تونس، 1966، 309. (1/279)
صفحة 280
عن مدائح الشعراء للأئمة الإباضيين، أو الفتوحات التي صورت جهاد أولئك الأئمة فعكست نشاطاتهم السياسية والفكرية العامة، ومن ذلك مطلع قصيدة أبي مسلم البهلاني:
نزة إلهك أن يرى كي تعرفة أتُراكَ تعرفه وتثبت ذي الصفة (1) وهو استهلال يتناسب مع موضوعها (2) ويقترب من مقدمة قصيدة
الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي في قوله:
سبحانه من ليس يُدرك ذاته نظر بعين للذوات مكشف ة (3)
حيث رسخ من خلاله الموضوع الذي هو بصدده.
وقد تأتي مقدمة القصيدة مندمجة مع أحاسيس الشاعر، وإن دلت بإشاراتها على موضوعها، فأبو مسلم البهلاني عندما أنشا قصيدته «رائية المُحكّمة» مهد لها بمقدمة يقول فيها:
ستميري وهَلْ للمُستهام سمير تنام وبرق الأبرقين سهير تُمزق أحشاء الرباب نصاله وقلبي بهاتيك النّصال فَطير (4)
أما الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي، فإنه ابتعد عن المقدمات التقليدية من غزل أو وقوف على الأطلال، وإن تعددت وسائلها تبعاً لغرضها، وجاءت
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 175. (2) ينظر المحروقي محمد بن ناصر، أبو مسلم البهلاني شاعرا، ر. ج، 93. (3) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 38.
(4) البهلاني، أبو مسلم، الديوان، مخ، ص
204 (1/280)
صفحة 281
مقدمات قصائده الاستنهاضية، أقرب إلى المناجاة والتأمل والتمني، استهلها الشاعر استهلالاً ينبئ عن حالته النفسية، ويصور إحساساته، ويترجم عن معاناته التي تنسجم مع معاناة أمته، وإحساسات مجتمعه، وهو استهلال ينبئ عن بارقة أمل بما أتبعه من حوار مع الليل، ومخاطبة لمن لا يعقل، وتجسيد
للمعنويات، يقول:
تلألأ بَرْقٌ في الدياجي مُشعَشعُ بضاحكة أبكاك فالعينُ أدْمْعُ (1) والمتتبع لأهم قصائد مديح الأئمة التي تشيد بمكانتهم، وتسجل نشاطاتهم، وتصور جهادهم، يجد أن أغلب الشعراء ولجوا إلى موضوعاتهم دون مقدمات تمهيدية تقليدية، وإن اختاروا لها استهلالاً دالاً، ويبدو ذلك جلياً في مطالع قصائد سعيد بن خلفان الخليلي، وابن شيخان السالمي والمر الحضرمي، وأبي وسيم الأزكوي، وخالد الرحبي، ونور الدين السالمي، فابن شيخان السالمي يمدح الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت 1370 هـ) متحدثاً عن فتوحاته
بقصيدة يستهلها بقوله:
دمغت شموس الحق ليل الباطل وَمَحَتْ أَكُفُ العدْلِ رَسُمَ الجاهل (2)
ونجد في هذا الاستهلال مقابلة وثنائية ومفارقة بين عهدين، فهناك مقابلة وتضاد بين الشموس والليل، والحق والباطل، والمحو وما يستدعيه من إثبات، والعدل وما يقابله من ظلم، فضلاً عن الصورة الناشئة من تلك المتقابلات
(1) الخليلي، سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 43.
(2) السالمي: محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان السالمي (1284 هـ - 1346 هـ شركة المطابع النموذجية المساهمة، عمان، الأردن، ط 1، 1399 هـ 1979، 194. (1/281)
صفحة 282
اللغوية والمعاني التصويرية، وهو استهلال ينبئ أيضاً عن موضوع القصيدة، بتصوير الفرح الحاصل نتيجة انتصار الإمام على المنشقين عليه، وفي صورة تتكامل أجزاءها في الأبيات الثلاثة الأولى حينما يكمل استهلاله قائلاً:
وتمايل الإسلام أعطافاً متى قامت بنوه له بنصر عاجل والعدلُ يصعد راقياً دَرَجَ العُلا والجور يهبط هاوياً في السافل (1)
وكذلك مقدمة قصيدته في مدح الإمام سالم بن راشد الخروصي (ت 1339 هـ) وتهنئته بإحدى فتوحاته قائلاً:
كسى الأكوان هذا الفتح بُشْرَى وعَطَّرَ مَسكَهُ براً وبَحْ را (2)
أو أن نجد الشاعر يلجأ إلى استخدام حكمة ذات صلة بالحدث، من ذلك
مقدمة ابن شيخان السالمي التي يمدح بها الإمام سالم بن راشد الخروصي: لا يزالُ الحق فينا مذهبا رَضِيَ الخَصْمُ علينا أو أبَى (3)
ومثلها قصيدة المر بن سالم الحضرمي، في فتوحات الإمام سالم بن
راشد الخروصي:
رجاء الإله لنـ
شامل
وما هو عن نصرنا غافلُ
نَعدُّ صوارما للعدى وسيف الإله هو الفاصل (4)
(1) المصدر نفسه، 194.
(2) المصدر نفسه، 190.
(3) المصدر نفسه، 185.
(4) السالمي، محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 194.
281 (1/282)
صفحة 283
وقد يستهل الشاعر قصيدته استهلالاً حماسياً، يتصل بوجهته الاستنهاضية، كأن يقول السالمي في إحدى قصائده الحماسية.
مقام في القصور على قصور مقام مثلُ رَبّات الخدور (1) ويستهل أبو مسلم البهلاني إحدى قصائده في مدح الإمام سالم الخروصي استهلالاً يشف عن دواعي الغربة وتذكر الديار والدعاء لها في
قوله:
معاهد تذكاري سقتكَ الْعُمَائمُ ملثاً متى يُقلع تلته سواجمُ (2). على أننا نجد أن هنالك من الشعراء من التزموا بالبدايات التقليدية، من الوقوف على الأطلال كقصيدة منصور بن ناصر الفارسي في مدح الإمام
الخليلي:
أمن طلل بالبعد قد لاحَ جانبة تراءيت كالأخلال فاشتدَّ واصبة أأم رسم أطلال على عَرَصَاتِها وقفت وقد أضناك للرسم نادية (3)
ولا نعدم أن نجد بعض الشعراء يستهلون قصائدهم بما يوحي بالغزل لأول وهلة، فإذا ما تأمل القارئ في النص، يلحظ أن المعنى الغزلي الذي
(1) السالمي: نور الدين عبدالله بن حميد ديوان السالمي تحقيق ودرا اسة عيسى السليماني، ر. ج،
(2) البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم ديوان أبي مسلم البهلاني، مخطوط، 243. (3) الفارسي، منصور بن ناصر بن محمد، سموط الفرائد، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السبب، سلطنة عمان، ط 1، 1992، 148. (1/283)
صفحة 284
أوحى به النص بداية إن هو إلا رمز، أراد الشاعر من خلاله إيصال رسالة
كمطلع قصيدة سعيد بن
أحمد الكندي:
عودي علي بوصلك المتواصل فالعَوْدُ يُحمدُ من حبيب واصل (1)
يلتق
فالشاعر يتحدث عن عهد الإمام الخليلي، والإمامة بشكل عام، وهذا أيضا مع قصيدة أبي سلام الكندي في هذا الموضوع (2). حيث لجأ الشاعر في استهلاله إلى الرمز، الذي يتخذ من المرأة قناعاً، يختفي وراءه
للتعبير عن موضوعه.
أما ما يتصل بالموضوعات الأخرى عند الشعراء الإباضيين مثل الرثاء، فإن قصائدهم متصلة بموضوعها، مشحونة بالأسى دالة على مشاعر الحسرة والتفجع، إما بالدخول المباشر إلى الموضوع، كقول أبي مسلم يرثي نور الدين السالمي: نكسي الأعلام يا خير الملل رزى الإسلام بالخطب الجلل (3) أو أن يتحدث في مقدمته عن فلسفة الموت والحياة، باعتباره النهاية
الطبيعية لهذا الكائن البشري، حين يقول في نفس الموضوع:
ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إلى المضمار
(1) الكندي، عبد الله بن سيف مجموعة شعرية، مخطوطة، مكتبة خاصة، ولاية نخل، سلطنة
عمان، 53.
(2) انظر الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوان نشر الخزام، مخطوط، مكتبة خاصة نزوى سلطنه عمان، 37.
(3) البهلاني، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 376. (1/284)
صفحة 285
والنَّفْسُ تلهو فوق تَيار الردى يا ليتها حذرت من التيار (1)
وهو استهلال ينبئ عن حالة شعورية حزينة في الأولى، ونظرة فلسفية
لحتمية الموت ونهاية الإنسان في الثانية، والنص الثاني وإن التقى في صيرورته البنائية مع نص آخر، إلا أنه استطاع أن يستقل منذ مطلعه، وقد جاءت كلمة «تعدو» في هذا المطلع حاملة رسالة إلى المتلقي عن سرعة هذه الحياة التي تعدو لحينها ونهايتها الحتمية.
ويستهل الشاعر سعيد بن عبدالله بن غابش قصيدته التي رثى بها الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت 1373 هـ) استهلالاً ينم عن الحزن، ويشعر القارئ بعظم المصاب، حين يقول:
هجم الأسا فسقى الملا من صابه وكوى قلوبهم بنار مابه (2)
وهي في أغلبها تنسجم من كينونة النص وتتناسب مع «موقعه في أول
الكلام أولا، وموقعه باعتباره حاملاً لنوى النص ثانياً» (3).
وقد يستهل الشاعر مرثيته بالدعوة إلى الرضا بقضاء الله وقدره، وهو أيضاً استهلال متصل بالغرض الأساسي من الرثاء، كأن يقول أبو مسلم:
خذوا بجميل الصبر طوعاً وسلموا فإِنَّ فناء العالمين مُحتَّمُ على السخط منا والرضا تَتَصرمُ (4)
رضاً بقضاء الله إن حياتن
(1) المصدر نفسه، 369.
(2) الطوقي: سالم بن محمد، مجموعة شعرية مخطوطة، مكتبة السالمي، سلطنة عمان، 205.
(3) ياسين النصير الاستهلال، فن البدايات في النص الأدبي، 26.
"
(4) البهلاني: ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 393 (1/285)
صفحة 286
فهو استهلال دال على الموضوع، يتعرض للموت والفناء ويقرر قاعدته، متحدثاً
بعد ذلك عن هذه الحتمية من مآل الإنسان.
ويأخذ الشاعر عبد الله بن ماجد الحضرمي بهذه المعاني الدالة على وجوب الرضا بقضاء الله وقدره، حيث يقول في مقدمة رثائه للإمام الخليلي
أمر المهيمن في البرية مُبرم يقضي ويفعل ما يشاءُ وَيَحْكُمُ (1)
وتكثر أيضاً المقدمات الوعظية في الرثاء، وهو مما يتناسب مع المقام،
كقول أبي مسلم في رثاء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش:
تَكبَ على ديناك وهي تبيـ وتفتقد النائي وأنتَ فقيد حريصاً عليها جامعاً لحطامها وغاية ما نافست فيه نُفُود (2)
3) ومما يلحظ في بناء القصائد عند الشعراء الإباضيين أن كثيراً من قصائدهم تميزت بطول نفس دل على مقدرة لغوية، وتجربة شعورية متصلة، إذ ارتبطت هذه القصائد الطوال بوحدة الشعور ووحدة المغزى، وقد بدت هذه الخاصية جلية في القصائد المتأثرة بالبعد التاريخي لمعركة صفين وحادثة النهروان وقصائد الاستنهاض والرثاء، والقصائد الدينية السلوكية.
ولو نظرنا في قصيدة أبي مسلم الموسومة «الفتح والرضوان في السيف والإيمان»، التي بلغت ثلاثمائة وثلاثة وثمانين بيتا، لوجدنا أن هذه القصيدة
(1) الحضرمي: عبد الله بن ماجد مجموعته الشعرية، مخطوط، 30.
(2) البهلاني، ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 363.
YAT (1/286)
صفحة 287
على الرغم مما اكتنفها من طول إلا أنها اشتملت على تجارب مكتملة، عمل فيها الفكر والشعور عملهما حتى جاءت بناء متسقاً متكاملاً (1).
وعبر قراءة فاحصة لبنية القصيدة ونسيجها من خلال معرفة القضية المركزية التي كانت منطلق الإبداع فيها، وما يمكن أن تتشكل منه أجزاؤها، لتنتظم في وحدة موضوعية تشد كيانها، نلاحظ أن الشاعر قد بدأ قصيدته هذه
بقوله:
تلك البوارق حاديهنَّ مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وَسَتَانُ شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميساً له في الجو ميدان (2)
لقد أنشأ الشاعر نصه منذ بدايته، وهو يتوثب لرسم لوحة حربية حركية،
لمعان البوارق والصوارم، وهي تشق أرجاء الكون، فضلاً عن ضجيج الجيش، لكن الشاعر سرعان ما يوقف حركته المتوثبة، ليعود إلى التأمل في ذاته، التي أثقلتها الهموم، وأبعدتها المقادير عن مركز الحدث الذي يستثيره، فيصوغها كلمات نابعة من الوجدان معبرة عن الحسرة، كاشفة عن أثر الاغتراب الذي أجج ضرامه ذلك الحدث، ليعود إلى التأمل الفكري العميق، فيصوغ الشاعر أبياتاً عدة في قالب حكمي، تشده إلى موضوع النص آصرة قوية مرتبطة بباقي أجزائها، متخذا من الصور الشعرية وسيلة للتعبير عنها. إن من يقرأ القصيدة على طولها لا يغيب عن باله أن المنطلق الفكري القضية المركزية فيها، لكنه منطلق متماه مع نسيجها وبناء عالمها، نابع
(1) علي عبد الخالق، الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف، مصر،
د. ت، د. ط، ص 163.
(2) البهلاني، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 229. (1/287)
صفحة 288
من نظرة الشاعر إلى مجريات الأحداث من جهة، ورؤيته العقائدية والسياسية من جهة أخرى.
وكذلك سار في قصائده الثلاث الأخرى الميمية والعينية والمقصورة، هي في عمومها تنطلق من وحدة المغزى وينتظمها خيط نفسي مترابط الأوصال، يشدها إلى مركزها. ومن القصائد التي اتسمت بالطول، واستقصاء الحدث وتتبع دقائقه قصيدة أبي مسلم رائية المُحَكِّمة»؛ التي بلغت مائتين وثمانية وعشرين بيتا.
وهي قصيدة تندرج في ثلاثة محاور:
المحور الأول: محور وعظي، يتحدث فيه الشاعر عن الموت والحياة، والبقاء والفناء، وحتمية الانتهاء، ووجوب الاستعداد لهذا اليوم، بأخذ العبرة
من الغير، والاتعاظ بالمشاهد:
أتمرح إن شاهدت نعشاً لهالك
إليكَ أَكُفَّ
املين تشير
وهو في هذا الوعظ يتحدث عن نفسه، ويوجه إليها اللوم، تأنيباً وتقريعاً،
وتذكيراً ووعظاً.
المحور الثاني: ويبدأ اعتباراً من قوله:
تحربَتِ الأحزاب بعدَ مُحَمد
فكل إلى نهج رآه يصي
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 206.
(2) المصدر نفسه، 208.
288
(2) (1/288)
صفحة 289
وفيه يتحدث عن افتراق الأمة إلى أحزاب ومذاهب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
على حين بقيت عصابة مؤمنة ثبتت على الحق، كما يرى الشاعر، وهو
محور يوجهه تمهيداً للحديث عن موضوعه الرئيسي، متحدثاً عن أهل الاستقامة، وهم الإباضية الذين ثبتوا على الحق، قائلاً:
على هضبات الاستقامة خيمـ
إذا اعوج أقوام وظل نفير (1)
بينما يبدأ المحور الثالث اعتبارا من قوله:
سرين رياح الله تحدو ركابها إليه وأنوار اليقين خفيرُ وردن مياه النهر غرثى صوادياً وليس لها حتى اللقاء صدور (2) وهو جانب يتحدث عن أهل النهروان ونكبتهم، فيسوق الشاعر قناعاته الفكرية في هذا الموضوع، في أسلوب أدبي، يراوح فيه بين الحوار والتشخيص، واللغة الموحية والنداء والتكرار، وغيرها من الوسائل الأسلوبية، وقد التقى في تلك الصياغة الذات مع الموضوع، والفكر
مع
العاطفة.
أما قصيدته المعروفة بـ «المقصورة» فإنها من القصائد الطوال التي بلغت ثلاثمائة وثلاثة وتسعين بيتا، إلا أن هذه القصيدة تختلف في طريقة بنائها واستهلالها عنها في أخواتها الثلاث الأخرى، وإن اتحدت في مسارها فقد استهلها الشاعر استهلالا تقليديا وقف فيه على الأطلال قائلاً:
الفكري،
تلك ربوع الحيِّ في سَفْح النا تلوح كالأخلال من جد البلا
(1) المصدر نفسه، 208.
(2) المصدر نفسه، 209. (1/289)
صفحة 290
أختى عليها المرزمان حقبة وعادت الشمال فيها والصبا (1)
أما قصائد المديح الأخرى، فإنها أيضا تميزت بهذه السمة، فقد بلغت قصيدة ابن شيخان السالمي التي مطلعها:
دمغت شموس الحقِّ ليل الباطل ومحت أكفُ العدل رسم الجاهل (2)
مائة وخمسين بيتاً، وبلغت مدحة الفارسي التي مطلعها:
«أمن طلل بالبعد قد لاح جانبه (3)
مائة
واثنتين وثلاثين بيتاً.
وقد اتسمت قصائد الرثاء بالطول أيضاً، وهو ملمح واضح عند أبي مسلم على وجه الخصوص، يبدو ذلك من خلال عدد من قصائد الرثاء عنده، بل إن الشاعر قد لا يكتفي بمرثاة واحدة، فيصوغ أخرى في شخصية واحدة، وكل منهما ينتمي إلى القصائد الطوال. كما فعل في رثاء العالمين الجليلين محمد بن يوسف أطفيش، والعلامة نور الدين السالمي، فضلاً. عن مراثيه الأخرى التي يتضح في كل منها الحزن على الفقيد والإحساس بمرارة الفقد، وبيان موقعه وأثر فقده على الأمة، وما يجب على الأمة بعده، وهي مع طولها ترتبط بوحدة شعورية وخيط نفسي.
وقصيدة الشاعر منصور الفارسي في رثاء الإمام الخليلي التي مطلعها:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 160.
:
(2) السالمي محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان، 194.
(3) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 148. (1/290)
صفحة 291
خطب يذوب لحره صلد الحصى ولهوله ما كاد ينقدُ الصَّفَا (1)
بلغت مائتين وثمانية وخمسين بيتاً.
كما أن القصائد الدينية السلوكية عند كل من سعيد بن خلفان الخليلي وأبي مسلم البهلاني، وعبد الرحمن الريامي، بلغت من الطول حداً كبيراً (2). وخاتمة القصيدة مسألة اهتم بها النقاد وقرنوا بينها وبين المقدمة في الأهمية نظرا لكونها قاعدة القصيدة وآخر ما يبقى في الأسماع .. وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له، أن يكون الآخر قفلاً عليه» (3) وقيل بأن وجب «ختم القصيدة» بالدعاء دال على ضعف الشاعر» (4).
والناظر في خاتمة القصائد الفكرية عند الإباضية يجدها متنوعة، معبرة في أغلبها عن موضوعها متصلة، به مشعرة بنهاية القصيدة، وأكثر هذه القصائد مختم بالدعاء، المتصل ببنية الموضوع، كقول أبي مسلم، في خاتمة قصيدته المقصورة، وهي في الاستنهاض والحماسة ومديح الأئمة، في دعاء
أقرب إلى التمني والرجاء:
(1) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد، 182.
(2) انظر هذه القصائد في ديوان كل من الشعراء المذكورين ليتضح هذا المسلك عندهم.
1 - ديوان أبي مسلم البهلاني.
2 - ديوان سعيد بن خلفان الخليلي.
ديوان عبد الرحمن الريامي.
(3) القيرواني: ابن رشيق العمدة في محاسن الأدب ونقده، 239/ 1.
(4) المصدر نفسه 241/ 1.
291 (1/291)
صفحة 292
سى الذي قدَّر ما يهولك
يُزيلُ باللطف الخفي ما عنى
ويمطر الروح على ربوعكُمْ فَيَنظُرُ الرَّوْضُ وإِن كان ذَوَى (1)
فان هذه الخاتمة المشعرة بقفل القصيدة، قد خففت من سطوة التقليد
بالدعاء لاشتمالها على لغة إيحائية تتصل بالبنية العامة للقصيدة.
وكذلك خاتمة قصيدته «رائية المُحَكِّمة» يربط فيها بين الدعاء لهم وبين الولاية الدينية في حقهم، حين يقول:
ولا زال منهل السَّلام عَلَيْهِمُ ترادف آصال به وبُور وأدْخَلهُمْ دار السلام إلههم عليهم جميعاً نظرة وسرور (2)
وتشعر خاتمته لقصيدة طمس الأبصار، بالصلة بموضوعها، والتكثيف لمعناها حين يخاطب مخالفيه قائلاً:
لا تجعلوا التوحيد عرضةً وَهْمَكُمْ غرض الحقيقة منهُ عِينُ الْمَعْرِفَه ما أبعد العرفان عن البَابِكُمْ إن كان تقديس المهيمن بلكفه (3) وجاءت خاتمة قصيدة «الفتح والرضوان» معبرة عن ذات الشاعر، مشيرة إلى نوع مشاركته لقومه، حين أناب عنه قصيدته، مشبها نفسه بالصحابي الجليل حسان بن ثابت، فيقول:
تلكُمْ وصية حسان لكم صَدَرَتْ فإنني اليوم للإسلام حَسَّانُ
(1) البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 274.
(2) المصدر نفسه، 213.
(3) المصدر نفسه، 182. (1/292)
صفحة 293
لا يصدقُ الدِّينَ إِلَّا من يناصُحُه ولا يتم بغير النصح إيمان فإن تمكَّن نصحي من بَصائِرِكُمْ بدا لكم من ضياء الحق فُرقان (1)
ويقرب من ذلك خاتمة قصيدة ابن شيخان السالمي، في مدح الإمام سالم
الخروصي التي افتخر فيها بقصيدته مشبهاً نفسه بالبلبل الصداح حين يقول:
يا إمام المسلمين استمعوا بلبلاً يصدح في دوح الربي تجدوا سحراً حلالاً ضمه منطق جزل وقول عَذبا أطلب الأجر من المولى بكُمْ وعليه أن يتم المطلب (2) ويختم الشاعر قصيدته مشيداً بالإمام الخليلي، منوهاً بمكانتها عنده
مفتخراً بها مشيرا إلى البحر الذي صاغه منها، حيث يقول:
الحمد لله الذي أجلى الصدى بترنّم في شاديات بلا بلي قُل للَّذي يَبْغِي انتقاص بدائع إني أغرقه ببحر الكامل (3)
(1) المصدر نفسه، 243.
(2) السالمي: محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان السالمي، 189.
(3) المصدر نفسه، 202.
293 (1/293)
صفحة 294
اللغة والأسلوب:
بقدر ما تعبر اللغة عن رؤية الشاعر، وتدلل على قدرته في الصياغة، فإنها تعكس اتجاهاته الفكرية، وتتأثر بالمدرسة التي ينتمي إليها الشاعر، وظروف عصره، وسمات بيئته كما أن هنالك علاقة وثيقة بين المفردات اللغوية التي يبني منها الشاعر قصيدته ونوع الغرض الذي يعالجه، وهي مسألة تنبه لها أحد النقاد القدامى حين أشار إلى أنه لكل غرض «نهج هو أملك به وطريق لا يشاركه الآخر فيه» (1) وبذلك فإنه «لكل فن شعري أسلوب خاص به، ملائم له» (2)
هي
ولا ريب أن اللغة تشكل مظهراً رئيساً من المظاهر التكوينية لبنية القصيدة، فالشعر إن هو إلا تشكيل من مجموعة من الألفاظ اللغوية، والشاعر في تعامله معها، يحاول أن يقيم علاقات خاصة بين بنائها الشكلي، ودلالاتها المعنوية لأن «ماهية الشعر هي كيفية خاصة في التعامل مع أداة عامة اللغة، وتتبدى هذه الكيفية في طرائق مخصوصة تؤلف بين الكلمات وتنظمها للوصول إلى أنظمة وأنساق وتراكيب وأبنية تفجر الطاقة الشعرية، وتخلق موازاة لرمزية هذا الواقع» (3).
(1) الجرجاني: عبد العزيز الوساطة بين المتنبي وخصومه تحقيق محمد أبو الفضل أحمد،
1966 م، 24.
6
(2) د. عبد الجليل عبد المهدي، بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية، دار البشير، عمان، ط 2، 1415 هـ - 1995 م، 254.
(3) د. عبد المنعم تليمة مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1978 م، د. ط، 99.
294 (1/294)
صفحة 295
إن مجموعة الألفاظ والتراكيب تتولى تسليط الضوء على أهم الأبعاد
النفسية والإنسانية، والخصائص الفنية عند الشاعر، فبنية اللغة الشعرية تمثل مركزاً مكثفاً، تتقاطع فيه كل مكونات النص الشعري، وخصائصه الأسلوبية» (1) وهذا يعني أن هنالك رابطة خفية بين الشاعر ولغته التي يستعملها في نظم الشعر» (2).
وعلى أساس هذا المفهوم، سيخصص الحديث حول لغة شعراء الفكر الإباضي بما يكشف عن المؤثرات الحضارية التي شكلت هذه اللغة، وكيف تعاملوا معها عبر مجموعة من العناصر التي كونت في مجموعها، رصيدهم اللغوي فامتاحوا منها بناء لغتهم الشعرية، مع الإشارة إلى بعض الظواهر اللغوية البارزة في شعرهم، في محاولة لرصد بعض الأساليب والتقنيات اللغوية، التي تعامل معها الشعراء الإباضيون في هذه الفترة، لمعرفة الوسائل
التي شكلت الخلفية الضرورية التي تأسس عليها شعرهم.
وسأتحدث في هذا المبحث، ضمن المحاور التالية:
أولاً: المؤثرات العامة:
1 - القرآن الكريم.
- الحديث الشريف.
التراث الشعري.
- بين الشعر والتاريخ.
(1) د. علوي الهاشمي، بنية اللغة الشعرية مجلة البيان، الكويت، ع 284، نوفمبر 1989، 40 (2) د. نازك الملائكة، سيكولوجية الشعر ومقالات أخرى، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1993 م، د. ط، 9، بحث بعنوان الشاعر واللغة.
295 (1/295)
صفحة 296
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية:
1 - ألفاظ وأساليب تراثية.
2 - ألفاظ ومصطلحات إباضية.
- التكرار.
- {
- التوازي والتقسيم.
الأسلوب الخطابي.
6 - الحوار.
ومن الجدير ذكره أن الشاعر كلما كان صاحب ثقافة عميقة كان أثرها واضحاً في نتاجه الأدبي، فهو بقدر ما يعبر عن دلالة جملة النصوص
المتناهية، معه، بقدر ما يدل على عمق ثقافة الشاعر، ووعيه بهذه الثقافة، فاحتواء لغته الشعرية على معطيات تاريخية ودلالات تراثية، تتيح له تمازجاً، وتوجد تداخلاً قصدياً يمتزج فيها الماضي بحركته وسكونه، وأحداثه وإثاراته، على اللحظة الراهنة للشاعر، نظراً لما يمكن أن تفجره الشخصية التراثية، والموقف التاريخي، والمنطلق الفكري والأساليب القرآنية، من مشاعر
وتختزنه من دلالات تمنح النص الشعري نفسه- جواً خاصاً. (1/296)
صفحة 297
أولاً: المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه
1 - القرآن الكريم:
يستطيع الباحث أن يستدل على مدى التأثر بهذا المعين من خلال حضور القرآن بألفاظه ومعانيه، في تعابير الشعراء وأساليب موضوعاتهم، عبر مجموعة من المستويات، كشفت عن مدى التفاعل بهذا الكتاب العزيز، وشكلت مرجعية أساسية لشعراء الفكر الإباضي.
الدين
كان الشاعر الإباضي يرى أن القرآن الكريم مصدر أساسي في سياسة
والدنيا:
سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان (1)
بل إن من صفات المسلم الحقيقي عند الشاعر الإباضي، من اتخذ كتاب الله أنيساً، منكباً على دراسته عاملاً، بهداه پنير به قلبه، ويحيي به ليله (2) يرسم صورته أبو مسلم بقوله:
تراه متى ما اللَّيلُ عَمَدَ بَيْتَهَ عموداً على محرابه وهو راكِعُ يُشعشع بالقرآن أنوار قلبه فَمنهن شُقَّت للعيون المدارعُ يُرجعُ في الديجور ربِّةَ ثاكـ ـل نحيباً كما ناحَ الحمام السواجعُ (3)
وهي أبيات تعكس رؤية الشاعر الإباضي للقرآن الكريم، فيجعله حاضراً بين جنبيه، ويؤكد ذلك الشاعر، نفسه، بقوله في وصف أهل الاستقامة:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 241. (2) د. د. محمد ناصر، أبو مسلم حسان، عمان، 178.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 259.
297 (1/297)
صفحة 298
تراموا على القرآن شُرباً بمانه فَاصْدَرَهُمْ والكلُّ رِيَّانُ هَائِمُ (1)
ويشير الشاعر عبدالله الخليلي في إحدى مناجاته إلى ما حل بالأمة، بعد إن عطلت حدود الله، وأعرض عن كتاب الله، مناديا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً:
يا حُبَّة الله بين الرعب والعلم أذرك لواءكَ بينَ الحَرْبِ وَالسَّلمَ أدرك حُسامَكَ أدْرك ما تركت لنَا إرثاً فقد ضَيَّعته نبوةُ الهمم أدرك كتابك مقبوضاً على يده مُصَرَّجَ الخد بين الحل والحرم (2)
إن الناظر في أساليب توظيف القرآن الكريم في الشعر الإباضي، مفردات وتراكيب، يلحظ إن الشاعر الإباضي، استطاع أن يتمثل معانيه، مستغلاً ما تشعه المفردة القرآنية من معان وما تمنحه من إحساسات، وما تتمتع به من إيحاءات.
وقد تفاوتت طرائقهم في توظيف الآية القرآنية في النص الفكري، فقد نجد المعنى المضمَّن يتداخل ضمن النص المعطى، بحيث يصبح جزءاً من نسيجه اللغوي، والتشكيلي، كإشارة أبي مسلم إلى ميزان التفاضل بين الناس من خلال الأعمال، لا من خلال الأنساب والأقوال في قوله:
والأمْرُ يبنى على الأعمال كيفَ جَرَتْ والمدح والذم بحثاً غيرُ مُعْتبَر وأكرم الخلق أتقاهم فليس إذن للمدح والذم بالأهواء من أثر فيم المحاباة ما قربى بمزلفة من دون تقوى ولا بُعْدَى على خَطَرِ (3)
(1) المصدر نفسه، 247.
(2) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 81، نشر وزارة التراث القومي، 1978، مطابع سجل العرب، القاهرة.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 214. (1/298)
صفحة 299
مشيراً إلى قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (1) ومضمناً قاعدة
إباضية تشير إلى اقتران الإيمان بالعمل فالشاعر يستثمر بعض ما في كتاب الله من ألفاظ وعبارات ومعان بشكل غير مباشر، دون أن ينص على ذلك، انعكاساً لثقافته القرآنية كما مر - أو كانت انعكاساً مباشراً، بحيث يلجأ
-
الشاعر إلى الاستشهاد به في غمرة استيحائه أو استدلاله، كقوله:
أيقولُ ربُّك «لن تراني» فارتدغ وتقولُ سوف أراك خَلْفَ البلكفه أو ليسة هذا عنـ اد ظاهر فاذهب أمامَكَ مَوْعِدٌ لَن تُخْلِفَة أبآية الأنغام أدنى شبهة أم آية الأعراف وَيْكَ مُحَرَّفَة (2)
فهذه الإحالات التي أشار إليها الشاعر تتجلّى في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (3) وأشار كذلك إلى آية الأنعام في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكَ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (4) وكلاهما من الآيات التي يستدل بها الإباضية على نفي الرؤية، وفي الأبيات توظيف تعبيري في قوله فاذهب أمامك موعد لن تخلفه أخذا من قوله تعالى: فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا تُخْلْفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوَى ().
وقد يشير الشاعر إلى استدلالات بعينها توظيفاً لها، وتبكيتاً للمعارضين
لفكره كما في قوله:
(1) سورة الحجرات، آية 13.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 177، 178
(3) سورة الأعراف آية 143.
(4) سورة الأنعام، آية 103.
(5) سورة طه، آية 58 أو من قوله تعالى: وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ الروم، 6.
49 (1/299)
صفحة 300
أيُّها العجز لا تَطُلْ قيد شبر دون ما رُمْتَ عَزَةٌ وجَلالُ دُونَ ما رَمْتَ «لن» و «لا» وأنا الله، وأنت المخلوق والأحول (1)
ولا يخفى ما في ذلك الاستدلال من عمق في الإيحاء بمقصود الشاعر، بما توحيه الإحالات من خلال سياقها من عظمة المولى، حيث تقف دون بلوغ مقام الرؤية حسب مفهوم الشاعر.
ويقرب من ذلك توظيف الشاعر عبد الله بن علي الخليلي للعبارة القرآنية، في قصيدة له بعنوان لن تراني» للدلالة على نفي الرؤية مستوحياً العبارة والمعنى القرآني، وموجهاً الخطاب لمن يطمع فيها، مخاطباً الإنسان المتقلد لصفات النقص، قائلاً له:
أيها النَّقْصُ في كمال جلال الو صل هل عاق قصدك الاشتباه قُمْ وسارغ فالقصدُ غير بعيد وبلوغ المرام أن تخشاه واجتل النار من طوى حيث تطوى فيك منك الأضداد والأشباه حيث نوديت من مقام أنا اللـ ه وأن لا إله إلا الله (2)
حيث عبر الشاعر في معرض الاستشهاد على رأيه، من خلال توظيف قصة سيدنا موسى، مستثمراً أجواء قوله تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعَلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىَ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (3).
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 174. (2) الخليلي عبدالله بن علي ديوان وحي العبقرية، 57.
(3) سورة طه، آية 12 - 14. (1/300)
صفحة 301
والسالمي وهو في مقام لهجته الحماسية، ودعوته الاستنهاضية، يستوحي معاني القرآن الكريم، ويوظف آياته في دعوته فيورد عدداً من النصوص على
سبيل الاقتباس للاستشهاد فيقول:
ألم يأمركُمُ الرَّحْمَنُ كُنتُمْ خفافاً أو ثقالاً بالنف يج جاهدوا في الله حتى تروا دين الإله على ظهـ ألم يقل اشترى منكم نفوس وأموالاً على عظم الأجور فأنتم بالنفوس عليه بخل وبالأموال أنتم في قتـ
(1)
فقد أراد الشاعر من خلال هذا الاقتباس أن يؤكد دعوته للجهاد في سبيل
الله، فالبيت الأول يعود إلى قوله تعالى: انْفِرُوا خفافاً وَثِقَالاً ليكمل الآية في البيت الثاني: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه (2) بينما استوحى البيت الثالث من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (3) والملاحظ أن الشاعر قد أخذ هذه المعاني الجهادية من سورة التوبة. وحين يدعو الشاعر أبو مسلم قومه للتأسي بأسلافهم الشراة الإباضيين
يقول:
هَلُمَّ فلتحذو حذو سعيهم فليس للإنسان إلا ما سعى ليسوا رجالاً لا نطيق فغـ لكنَّهم جَدَوا وَقَصَّرْنَا الخُطَى (4)
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، ديوانه، 52. (2) سورة التوبة آية 41.
(3) سورة التوبة آية 111.
(4) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، مخطوط، 272. (1/301)
صفحة 302
إذ يشيع هذا الاقتباس جواً خاصاً، ويمنحه قاعدة ثابتة، فعمل الإنسان هو
الأساس الذي يحكم له أو عليه، والشاعر قد نجح في استثمار ما تشيعه هذه القاعدة، المستمدة من قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) (1) لا سيما حين أردف ذلك بما أورد في البيت الثاني، مبينا المفارقة بين السلف الذي وصل إلى ما وصل إليه، والخلف الذي تقاصرت خطاه، علماً أنهم ليسوا أناساً أصحاب عادات خارقة لا يطاق فعلهم، مطالبا بترسم خطاهم العملية.
ولتعزيز فكرة الشاعر وإمعانا منه في إلحاحه طلب الإجابة من مولاه، يتوجه سعيد بن خلفان الخليلي إلى ربه داعياً على الظلمة الذين غيروا دين الله مستعيناً ببعض آيات القرآن، مستثمراً ما فى أجوائها من شدة على أعداء الله، مضمناً ذلك من خلال قوله:
وَصَبٌ عليهمْ سَوْطَ منتقم كما لعاد وفرعون جرى وثمود ولا تبق دياراً على الأرض منهم د (2) فما قومُ نوحٍ منهم ببعيـ
يعود النص المقتبس إلى قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (3) حيث تصرف الشاعر في ألفاظ النص وصيرورته ليتناسب دعائه، مع ليستخدم الفعل «صب» للأمر، وهو خلاف النص الوارد في مقام الإخبار، ولا يخفى أن الشاعر قد تحول بالنص من موضعه إلى موقع آخر، يتناسب مع الغاية التي يتوق الشاعر إلى تحقيقها، وهي القضاء على المتكبرين في
(1) سورة النجم، 39 - 41.
(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخطوط،
(3) سورة الفجر، 13.
50 (1/302)
صفحة 303
الأرض ليؤكد هذه الدعوة في البيت الثاني، تضمينا لقوله تعالى حكاية على
لسان نوح ال: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً) (1) وهذا التعليل الذي جاء به نوح الاستثمره الشاعر أيضاً ليدلل على صدق دعوته، وعدم جنايته على المدعو عليهم فهم ليسوا بعيدين عن قوم نوح الذين دعا عليهم بتلك الدعوة الصارمة.
وقد يعمد الشاعر إلى إدخال بسيط على النص المقتبس واحتفاظه بأغلب بنيته الأصلية، مع استخدام النص لخدمة جوه الشعري الخاص، كأن يقول أبو مسلم في وصف الأئمة الإباضية:
فارَ المُخفّون من دارِ الغرور فلا خوف عليهم ولا بالقوم أحزان (2) أخذاً من قوله تعالى: أَلا إِنَّ أُولِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (3).
وكذلك قوله:
إن تنصروا الله ينصركم فلا تهنوا فالكفر في المقت والإسلام رضوان (1) حيث يمكن رد المعنى إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنْصُرُوا
اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).
(1) سورة نوح، آية 27.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 233.
(3) سورة يونس آية 62.
(4) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 243.
(ه) سورة محمد، آية. (1/303)
صفحة 304
وقد يستلهم الشاعر المعنى، وهو كثير جدا في نصوصهم، وذلك ناشئ عن تشرب الشاعر بالقرآن الكريم، ألفاظه ومعانيه، فيوظف هذه المعاني بما فيها من قوة إيحاء ودقة تصوير، وعمق دلالة، ليخلعها على نصه فتصبح جزءاً من نسيجه، من ذلك ما جاء به الشاعر المر بن سالم الحضرمي، في حديثه عن فتوحات الإمام سالم بن راشد الخروصي بقوله:
رجاء الإلـ ه لنا شامـ
نعد صوار من
يظن العـ دو بنا أنَّنـ
رمينا ولكنه قدْ رَمَ
وما هُوَ عَن نصرنا غافلُ
دَى وسيف الإله هو الفاصلُ
قتلناهُمُ وَهُـ و القاتلُ
ونفعلُ لكن هُوَ الفاعل (1)
إن هذه المعاني التي طرقها الشاعر وسخرها في بنية موضوعه، استوحاها من معان قرآنية، وأجواء إيمانية، فالمطلع على كتاب الله لا يصعب عليه أن يرد البيت الثاني بمجرد قراءته إلى قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ... (2) بينما يعود البيت الرابع إلى قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (3) فالشاعر قد نقل النص من جوه إلى جو نفسي خاص.
ويوظف الشاعر أبو مسلم هذا النص وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى في جو آخر، يبتعد عن النص الأصلي فيحمله دلالة جديدة، دون أن يعمد إلى استظهاره استظهاراً، حرفياً، ولكنه أضاف بعداً جديداً أو أضفى عليه
(1) السالمي: محمد بن عبدالله نهضة الأعيان، بحرية عمان، 194.
(2) سورة الأنفال، آية 60.
(3) سورة الأنفال، آية 17. (1/304)
صفحة 305
جواً خاصاً، وذلك في معرض دعوته إلى الالتفاف حول شخص الإمام الخروصي، ومناصرته والتوحد مع دعوته، والتحذير من الفرقة، وهي مسألة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر مجموعة من الأعمال والدلائل، كما في قوله: ليسَ لَها إلا التفـ اف قوة بقوة ومقت ليس لها إلا نفوس طُفئت أضغانها واشتعلت فيها التقـ يلمها الإيمان قلباً واحداً وجْهَتُهُ الله وَحَشْوُه الهـ إذا رَمَتْ فقوسها واحـ وَمَا رَمَتْ وإِنَّما الله
بمقتدى
دَى
ويكثر الاستيحاء لمعاني القرآن والاستلهام لأجوائه، عند الشعراء الإباضيين في مجال الحماسة والاستنهاض لإحياء نظامهم السياسي والمحافظة على ذلك الكيان، ومن ذلك ما نجده عند الشاعر عبدالرحمن الريامي، في مخاطبته للعمانيين، ودعوته لهم للوقوف مع الإمام الخروصي، محذراً من الفرقة والفشل، ومعززا فكرته بآيات قرآنية سخرها لخدمة موضوعه، في
قوله:
لا تنظروا لكثرة في خصمكـ
وعُدَّة وعدد وما بدا
واعتبروا إذ كنتم أقـ
ــلة فظهرت كثرتكم بين الورى
كم فئة قلي لة قدْ غَلَبت كثرة باءت بذل وَجَلاً
وكم توالت أزمة وأزمـ
فَفَرج الرَّحْمَنُ عَنَا وَجَلاً
وكم له من فَرَجَ وَمَخْرج وظفر بعد إياس قد أتى
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 274. (1/305)
صفحة 306
لا تفشلوا تنازعا لا تجبنـ
فأنتم الأعلون مع صدق الرجا (1)
وهي في عمومها معان مستوحاة من عدد من الآيات، لا يصعب ردها إلى أصولها، استثمرها الشاعر، أخذاً من قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذلة) (2) كَمْ من فئة قليلة غَلَبَتْ فئَةً كَثِيرَة) (3) وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ... (4).
إن هذا التكثيف من الآيات في هذه الأبيات، وما يليها له مغزى إيماني، وتأثير على النفوس المؤمنة، إذا ما سمعت مثل هذه الأبيات بما تحمله من دلالات، وما تستدعيه من إيحاءات فتتصاعد هذه اللهجة لتصل ذروة التأثر وخاتمة المطاف في الحماسة حين يقول:
والحرب إحدى الحسنيين حُكْمُها إما بنصر أو بإدراك المنى ما أفضل الموت لأصحاب الشرى بمعرك الحرب وهيجان الوَغَى ما بالنا نخشى الوغى ونحن من أبنائها، إيماننا أين وخى؟ (5) فالنص مستوحى من قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (1) وكانت إشارته لأصحاب الشراء الذين كانوا وقود الحروب، وفوارس
(1) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط، 267.
(2) سورة آل عمران آية 23.
(3) سورة البقرة آية 249.
(4) سورة الأنفال، آية 46.
(5) الريامي: عبد الرحمن بن، ناصر ديوانه، مخطوط، 268. (6) سورة آل عمران، 169 - 170. (1/306)
صفحة 307
معاركها، الذين يدخلون الحروب، وصدورهم، منشرحة، كما عبر عن ذلك أبو
وسيم
الأزكوي في وصفه لهم، بقوله:
قد انشرحت منهم بنور إلههم صدور ونور الله للصدر يشرح (1) أخذاً من قوله تعالى: فَمَن يُردِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (3). ويجسد الشاعر خالد الرحبي في الإمام الخليلي، الصفات الإيمانية
المستلهمة من القرآن الكريم حين وصفه بقوله:
شديد على العاصين فظّ عليهم رحيم بنا منا أرق وأعلَمُ عزيز أعز الله مُلته بـ فأصبحت الدنيا به تتبس
(3)
حيث استوحى هذه الصفات مما وصف الله به رسوله محمداً وأصحابه الكرام بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
SJ.
الكفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (4).
هذه بعض الأمثلة الدالة على مدى تأثر الشاعر الإباضي بالقرآن الكريم، في استلهام المعاني وبناء النصوص الشعرية المستوحاة من أجوائه.
(1) الخصيبي: محمد بن راشد البلبل الصداح، مخطوط، 34.
(2) سورة الأنعام، 125.
(3) الرحبي: خالد بن هلال مجموعته الشعرية، مخطوط، 1،2.
(4) سورة الفتح، 29. (1/307)
صفحة 308
2 - الحديث الشريف:
ويستثمر بعض الشعراء العمانيين أثر الحديث الشريف مستمدين منه
بعض أفكارهم لا سيما مجال الاستشهاد والاستدلال وإن كانت أشكال هذا
التأثر أقل بكثير من التأثر بالقرآن الكريم
المُحَكِّمة
من ذلك ما أورده أبو مسلم البهلاني في قصيدته التي أنشأها في أهل النهروان بعنوان «أشعة الحق» رادا ما روي من أحاديث أولت في «أهل النهروان» دون أن ينقضها نقضاً حديثياً، وربما كان الشاعر يرى أن هذه ليست مهمته، بل إن مهمته في ذلك السياق أن يخاطب العاطفة، ويفرغ
شحناتها ويعكس قناعته، حين يقول:
ما ذو الثدية إلا خدعة نصبت للحرب توهم فيها صحة الخبر وما حديث مروق القوم معتبر فيهم لمن سلك الإنصاف في السير (1) وكالذي أورده أبو مسلم في وصفه للإمام سالم الخروصي، حين يقول
فيه
به أنف الأملاك في نظرة الغنى وما نالَ منه ما تقل الأصابع گفته لقيمات يقومَنَ صُلْبَه وطمر (2) من الأنهاج يأباه راقع (3) فالضمير في «به كفته» يعود إلى الإمام الخروصي الذي عرف بالزهد والورع في حياته والبيت الثاني يحيل القارئ مباشرة إلى قوله صلى الله عليه وسلم «بحسب ابن
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 217. (2) الطمر: الثوب الخلق، لسان العرب، مادة: طمر.
(3) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 258. (1/308)
صفحة 309
آدم لقيمات يقومن صلبه فإن لم يكن فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث
لنفسه» (1).
وقد يتأثر الشاعر بمصطلحات علوم الحديث فيذكر الرواية والصحاح والإسناد، والروي وسلسلة رواة الحديث وغيرها من المصطلحات التي يستلهمها الشاعر من هذه الأجواء ليتحول بها إلى أجواء أخرى، كأن يقول أبو سلام الكندي في مقام تهنئته للإمام الخليلي، بفتح مدينة نخل، والقضاء على الخارجين عن طاعته:
روت السيوف تصادمُ الأقران وحكى الصَّحَاحُ مَصَارِعَ الشَّجَعَانِ فاستحسن الإسنادُ حُسن رويها فتسلسلت من صارم وسان نقلت صحائفها الصحاح وترجمت أيدي الكماة عَوَالي المُرَّانِ فتحدثت قراءها ما شاهَـ يوم الكريهة مُلْتَقَى الجَمان (2)
ونجد أبا مسلم البهلاني يعكس الصورة الأصلية لحديث «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً» (3) حيث يصور الجنائز في إحدى مراثيه بقوله:
تمر بنا جنائزنا
وتغدو في مراعيها خم
اناً
حواصلها تُزف إلى الوُكُونِ
ألا عمدا من الخمص البطين (4)
(1) رواه ابن ماجة في باب الأطعمة، والترمذي في باب الزهد، ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، أ. ي. ونسنك، مطبعة بريل في مدينة ليدن، 1955 م، باب: لقم.
(2) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوان نشر الخزام، مخطوط، 8. (3) رواه ابن ماجة في باب الزهد والترمذي في باب الزهد، ينظر المعجم المفهرس لألفاظ
الحديث النبوي، أ. ي. ونسنك، باب وكل.
(4) البهلاني، السابق، 388. (1/309)
صفحة 310
التراث الشعري:
من الصعوبة الكشف عن طبيعة العلاقة بين نص وآخر، وخاصة إذا كان الشاعر مقتدرا على توليد المعاني، وصياغة الأفكار، وخلق الصور الخاصة به، وعلى ذلك يتطلب الكشف عن صور هذا التأثير إطلاع الدارس على الشعر العربي بمختلف مراحله، وهي عملية مهمة لتتبع الأجواء الشعرية والنفسية التي جعلت الشاعر يتناهى بنصه مع نص سابق، سواء كان ذلك استلهاماً أو تضميناً.
ومن خلال استقراء النصوص الشعرية الإباضية في هذه الفترة يجد الباحث أنه قد تفاوتت مستويات التأثر بالشعر العربي وأجوائه عندهم، كما يتضح أن هنالك مجموعة من النصوص تأثرت بسابقاتها وأصبحت تشكل جزءاً من نسيجها. فقد يكون التأثر عبر الجو الموسيقي للنص الموحي بالحماسة كما نجد ذلك عند الشاعر عبدالرحمن الريامي، في معارضته لقصيدة قطري بن الفجاءة (1) إذ تناسبت قصيدته معها، وزنا واختلفت قافية، واتحدت في أجوائها الشعرية العامة، ومطلع قصيدة الريامي:
شراةَ الحق هبوا للجهـ
وذُبوا بالصوارم والصعاد (2)
(1) هو قطري بن الفجاءة، شاعر الخوارج وفارسها وخطيبها، والخليفة المسمى أمير المؤمنين في أصحابه، حفلت المصادر التاريخية بأخباره وحروبه، يقال أنه توفى سنة 78 أو 79 هـ انظر د. إحسان عباس، شعر الخوارج ط دار الثقافة، بيروت، 105، د. ن، د. ط، ابن خلکان
وفيات الأعيان (4: 93).
(2) الريامي، عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه، مخ، 174. (1/310)
صفحة 311
وتتأكد صيغة التناص والتضمين عند شاعرنا في قوله:
فيا نفس الجبان قعست ماذا تخافي عند صولات الأعادي (1)
فإنك لو سألت بقاء
حيث يقول قطري بن الفجاءة:
على الأجل المقدّر لن تزادي (2)
فإنَّك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي "
لكن الريامي هنا استوحى المناخ الشعري والموقف الشعوري بما يدل أنه يعيش حالة من التأثر الوجداني بالحدث الذي وضعه في موقف
شعوري مشابه للنص المستوحى.
وقد يلتقي الشاعر بالجو العام لقصيدة سابقة، فيتأثر بمعاني طرقت قبله، لكن الشاعر يعيد تشكيل هذه المعاني بطريقته ويكيفها لظروف نصه ومشاعره، وهذا يشير إلى قدرة الشاعر على توليد المعاني، متجاوزاً ما ورد عند من سبقه، ومن ذلك ما جاء على لسان أبي مسلم البهلاني، الذي ينحي باللائمة على المقادير التي لم تمكنه من المشاركة مع الإمام سالم بن راشد متمنياً أن يعيش تحت لوائه، قائلاً:
الخروصي،
ولولا المقادير التي عزَّت القوى وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم نذرتُ حياتي تحت ظل لوائه وأحرزت فصلي إذ تحر الغلاصم ولم يك قسمي غير ضربة لارب إذا قُسَمْت فوق الفروق الصوارم
(1) تخافي. خطأ نحوي، أصله تخافين.
(2) الريامي، المصدر السابق، 174.
(3) انظر د. إحسان، عباس، شعر الخوارج، 108. (1/311)
صفحة 312
أو الطعنه النجلاء ترمي نجيعها تفوز بها بين الطّلا واللهازم (1) وهو تمن يذكرنا بتحسُّر معاذ بن جوين الطائي (2) الذي كان محبوساً في السجن أيام المغيرة بن شعبة فلما بلغه عزم المغيرة على نفي بعض الشراة قال هذه الأبيات:
فيا ليتني فيكم على ظهر سابح شديد القصيرى دارعاً غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم فتسقيني كأس المنية أولاً مشيحاً بنصل السيف في حمس الوغى يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا (3)
ومن ذلك قول أبي مسلم أيضا في رثائه للإمام السالمي متحسراً على فراق أحبته وبقائه بعد رحيلهم حيث يقول:
الإله أحبة غـ
ادرتُهَمْ
ولزمت صُحبة دهري الغدار
ما كان في أملي التخلفُ
بعدهم
والعيش في الأشجان والتذكار
لكنه الحدثان يطلب وقت
ومنية تأتي على مقدار ()
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان مخطوط، 251، 252.
(2) معاذ بن جوين بن حصين الطائي، السنبسي، كان أحد الذين أصيبوا يوم النهر، ولما ارتث من جروحه عاود الخروج، ونجا من القتل يوم النخيلة، قتل في أيام المغيرة بن شعبه. انظر د. إحسان عباس، شعر الخوارج، 44، د. نايف معروف ديوان الخوارج، دار المسيرة،
255
(3) د. نايف معروف، ديوان الخوارج، شعرهم، خطبهم رسائلهم، دار المسيرة، بيروت، ط 1، 1403 هـ 1983 م، 255.
(4) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 374.
ALL (1/312)
صفحة 313
إن هذه اللوعة على الفراق، تذكرنا بقول أحد الشعراء الشراة الأوائل (1)
الذي يقول متحسراً:
ولقد مضوا وأنا الحبيب
قدرّ يُخلِّفني ويمضيهم
وهُمُ لدي أحبَةً أبرار
يا لهفُ كيف يفوتني المقدار (2)
ومن صور التأثر بالمعاني الشعرية القديمة ما نجده عند الشاعر نفسه، حينما جعل الميزان الإيماني هو المحتكم الذي يرجع إليه دون سائر العصبيات القبلية قائلاً:
ليعلموا أنه التكـ ليف لا نسب يغني ولا فيه دون الله من وَزَرِ لو كان بالشرف التكليف مرتفعاً إذن تَعطَّل عدل الله في الفطر سيان في الأمر مفضول وذو الخطر (3)
وحجة الله بالتكليف لازمـ
وهو معنى عاد على لسان أبي مسلم، بعد أن نطق به أحد الشراة الإباضيين الأول وهو الشاعر عيسى بن فاتك الخطي (4)، الذي جسد هذا المعنى في قوله:
مصر،
(1) البيتان من مقطوعة لم تنسب إلى قائل بعينه وإنما هي لأحد شراة الخوارج، يصف فيها أصحابه وهي مروية في شرح نهج البلاغة، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 1329،. ينظر الدكتور: إحسان عباس، شعر، الخوارج، دار الثقافة، بيروت، د. ن، 234. (2) د. نايف معروف، ديوان الخوارج، السابق، 225.
(3) البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان مخطوط، 214، 215. (4) عيسى بن فاتك الخطي، قال البلازدي، هو عيسى بن جرير، أحد بني وديعة بن مالك بن تيم اللات، بن ثعلبة بن عطية، كان من أصحاب نافع بن الأزرق وقتل بعد خروج الأزارقة وذكر البلاذري أن له شعراً كثيراً ينظر الأنساب (95/ 4 د. إحسان، عباس، شعر الخوارج، 54. د. نايف معروف، ديوان الخوارج، 153، المسيرة، بيروت، ط 1، 1403 هـ / 1983 م. (1/313)
صفحة 314
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا فخروا ببكر أو تميـ ليلحقه بذي الحسب الصميم
كلا الحيين ينصرُ مُدَّعي
وما حسب ولو كرمت عروق ولكن التقي هو الكريم (1)
ويمتاح الشاعر من التراث ما تستدعيه ذاكرته، فيولد المعاني، متجاوزاً
بها حدودها كأن يقول في مدح الإمام سالم الخروصي:
ولست بأقصى الحمد فيك مموها إلى الغرض الفاني بشعري أزاحم (2) فإنه يذكرنا بقول المتنبي:
إذا نلت منك الود فالمال هَيِّنٌ وكل الذي فوق التراب تُراب (3 وحين آيس الشاعر من مناداة الأحياء واستجابتهم لصراخه، انكفأ على
نفسه، فاتجه بندائه إلى الأموات الذين قد ترجى منهم إجابة حين يقول: أدعو لها الأموات إذْ آيستُ من أحيائهم لَعَلَّ فيهم مَنْ وعَى (4) فإن هذا المعنى يذكرنا بقول المتنبي:
من يهن يسهـ ل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام ()
(1) د. إحسان عباس ديوان شعر الخوارج دار الشروق، بيروت، ط 4، 1982، 72، وفي البيت الأخير إقواء.
(2) البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 250.
(3) المتنبي: أحمد بن الحسين شرح ديوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، مطبعة
الاستقامة، القاهرة، ط 2، 1357 هـ / 1938، 232/ 1.
(4) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخطوط 273.
(5) المتنبي: أحمد بن الحسين شرح ديوان المتنبي، (السابق) 217/ 3. (1/314)
صفحة 315
وقد يأتي التأثر عند الشاعر متناصاً مع الوزن والقافية فقصيدة أبي مسلم
التي قالها في رثاء الإمام السالمي ومطلعها:
ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إلى المضمـ
والنفس تلهو فوق تيار الردى يا ليتها حذرت من التيـ
تلتقي ي في غرضها ووزنها ورويها مع قصيدة أبي الحسن التهامي التي يرثي بها ابنه قائلاً في مطلعها:
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار (2)
ويعارض الشاعر خالد بن هلال الرحبي قصيدة أبي تمام في فتوح
عمورية التي مطلعها:
السيف أصدق أبناء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب (3)
إذ يقول الرحبي
الجد في الجد والراحات في التعب والدين يُحفَظُ بالهندية القُضْب (4)
ومدح الإمام الخليلي بقصيدة عارض فيها قصيدة المتنبي التي يقول فيها:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 369. (2) التهامي: أبو الحسن علي بن محمد، ديوان التهامي، شرح وتحقيق الدكتور علي نجيب عطوي، دار مكتبة، الهلال، بيروت، د. ط، 1986 م.
(3) أبو تمام: حبيب بن أوس الطائي، شرح ديوان أبي تمام ضبطه وشرحه الأديب شاهين عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1407 هـ / 1987، 18.
(4) الرحبي: خالد بن هلال مجموعته الشعرية، مخطوط، 7.
315 (1/315)
صفحة 316
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارم (1)
يقول الرحبي:
بعيد المنى تدنيه منك العزائمُ وكيد العدى تُثنيه عنكَ الصَّوارِمُ (2)
وهي نفسها التي عارضها أبو مسلم البهلاني، وتأثر فيها ببعض أبيات
نص المتنبي، لا سيما في قوله، يصف أئمة الإباضية:
وفوا بوصايا الله في السخط والرضا كراماً وأفعال الكرام كرائم (3) ويتأثر الشاعر أبو مسلم أيضا بإحدى نقائض الفرزدق مع جرير،
يقول أبو مسلم ألا هل لداعي الله في الأرض سامعُ فإني بأمر الله يا قوم صادعُ () وبعد أن يمدح الشاعر الإباضية، أهل الاستقامة، يقتبس من الفرزدق بيتاً
كاملاً، يخاطب فيه جريراً، حين يقول:
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ولست بجاء في الوجود بمثلهم وللقوم شأن في الولاية شاسع (5)
(1) المتنبي: أحمد بن الحسين شرح ديوان المتنبي، (السابق) 94/ 3. (2) الرحبي خالد بن هلال مجموعته الشعرية، مخطوط 22. (3) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 247.
(4) المصدر نفسه، 252.
(ه) أصل البيت:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ينظر الفرزدق: همام بن غالب ديوان الفرزدق تقديم كرم البستاني، دار صادر، بيروت،
:
د. ت. د. ط، المجلد الأول، 418. (1/316)
صفحة 317
وهذا التحدي المتأثر بمعطيات تراثية، استخدمه الشاعر رمزاً يعبر عن المشابهة في شاعرية التحدي، التي سبق الفرزدق إلى إبرازها، فاستعارها أبو مسلم، لمناسبتها حال من يتحداه، وكأنه يحاور شخصاً بعينه، لا سيما حين أردف ذلك بتأكيد المعنى في البيت الثاني.
ومن صور التأثر استلهام الجو الشعري الذي قيل فيه النص السابق، وتوظيفه في نص جديد يقترب منه، دون أن يتمكن الشاعر من تجاوز تلك لكنه استطاع أن يعبر بها عن موقف مشابه، كما في قول الشاعر سعود بن حميد (أبي الوليد في مدحه للإمام الخروصي، وتشبيه إمامته
المعان
بالخلافة:
جاء الخلافة بعدما كانت له قدراً فصادفت المحل الأطولا ألفته أكثرهم هدى وأجلهم قدراً وأسمحهم كريماً مفضلا (1)
وهي معان لا يصعب ردها إلى أبيات قالها أبو العتاهية يمدح الخليفة
العباسي هارون الرشيد:
أتته الخلاف
ـادة
إليه تجـ ـرَرُ أذياله
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلُحُ إِلا لَهَـ ولو رامها أحد غيرَهُ لزلزلت الأرض زلزالها (2)
(1) الخصيبي: محمد بن راشد البلبل الصداح، مخ، 40.
(2) أبو العتاهية، أشعاره وأخباره عني بتحقيقها الدكتور شكري فيصل، ط جامعة دمشق 1965
م، 197. (1/317)
صفحة 318
أما قول الشاعر أبي وسيم الأزكوي، في وصف أصحاب الإمام عزان
بن قيس:
لئن في سبيل الله جادوا بمالهم فَهُمْ في سبيل الله بالنفس أسمح (1) فهو معنى يذكرنا بقول مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إن ظن الجواد بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود (2) والناظر في آلية التواصل التراثي عند الشعراء الإباضيين، يجد أنهم اختاروا ما يتناسب مع فكرهم، ويتساوق مع اتجاههم، استلهاماً وتضميناً واقتباسا، فنجح كثير منهم في اللحاق بالمناخ الشعري السابق، وتجاوزها آخرون، وبقي بعضهم أسير الجو التقليدي، بينما قصر آخرون.
ومن هذا التأثر «التضمين الكلي» لقصيدة يعينها سواء كان ذلك بتشطيرها أو بتخميسها، وبالإبقاء على موضوعها الأساسي والانسجام مع الشاعر السابق، أو التباين، وذلك يتم من خلال تحويل رؤية النص الأصلية
إلى وجهة مغايرة
(3)
رثي الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، بقصيدة لجأ فيها إلى تشطير معلقة امرئ القيس، والقارئ الذي يتابع النص
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، 34. (2) ينظر أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود شرح التلخيص، دراسة وتحقيق د. مصطفى رمضان صوفية المنشأة الشعبية، ليبيا، ط 1، 1983 م، 425.
(3) انظر د. موسى ربابعة ظاهرة التضمين البلاغي، دراسة في تضمين الشعراء لمعلقة امرئ القيس، مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة الآداب واللغويات مجلد 14، ع 2، 1996 م، 44. (1/318)
صفحة 319
الجديد، تتملكه رغبة بالعودة إلى النص الأول، لمعرفة ما يمكن أن يربط بين النصين من جهة، ومدى نجاح الشاعر في بناء نصه بناء متواشجاً مع الفكرة والحدث من جهة أخرى.
وعبر قراءة للنصين يلاحظ أن الشاعر اختار أعجاز أبيات القصيدة ليبني قافيتها على حرف اللام المكسورة، ولم يضمن الشاعر الشطر الثاني من أبيات القصيدة كاملة، ولكنه اتجه إلى الانتقائية التي تعينه على أداء غرضه، متواشجة مع نصه.
لقد اختار الشاعر المقاطع التي تحمل دلالة الحزن، وتتمثل فيها مرارة فقد الأحبة، وهذا ينسجم مع المناخ الشعري السائد في قصيدة امرئ القيس المحملة بأعباء المرارة والتحسر، والمنبئة عن فراق الأحبة، الذين راح امرؤ القيس يفتش عنهم بين الأطلال.
هي الأماكن التي
ولئن كانت «سقط اللوى» و «والدخول» و «حومل» (1) ثوى فيها أحبة امرئ القيس فإن شاعرنا افتقد أحبته بنزوى وبوادي كلبوه (2) منها وهو المكان الذي ووري فيه الإمام الخليلي الثرى.
ويقوم تضمين الشاعر على الانتقائية المقصودة التي تختار ما يتناسب مع الموقف، ومن ذلك ما يقوله الشاعر مخاطباً الموت، ومصوراً خسارة الأمة بفقدها إمامها، ومعبراً عن معاناته، وأثر المصاب في نفسه، كما يبدو
في قوله:
(1) ينظر القصيدة في شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، لأبي بكر، محمد بن قاسم الأنباري، تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون، طه، دار المعارف، مصر، د. ت، 15 -
111
(2) ينظر الخصيبي: محمد بن راشد شقائق النعمان، 3: 268. (1/319)
صفحة 320
ول
خليلي قد أودى خليفة مرسل قفا نبك من ذكرى حبيب ومنـ رمينا برزء فادح هدم القوى كجلمود صخر حطه السيلُ من عل أغرت أبا يحيى على الفضل والتقى بمنجرد قيد الأوابد هيكل حللت اجتماعاً كان عقد نظامه بجيد معمّ في العشيرة مخـ تنزل من عرش الإمامة عاهل كبير أناس في بجاد مزمل إمام هدى كمْ قالَ للجهل علمه ألا أيها الليل الطويلُ ألا انجل كأني وقد جُرَعتُ من صاب رزنه لدى سمرات الحي ناقف حنظل (1)
وقد يقوم الشاعر بتحويل المعنى المقصود سابقا، وهي مسألة أشار إليها ابن رشيق القيرواني بقوله «أحسن التضمين ذلك الذي يصرف عن معناه إلى معنى جديد» (2) وذلك حينما وجد الباحث الشاعر يتعامل مع النص المضمن تعاملاً مغايراً للمعاني الأصلية التي ورد فيها السياق كقوله:
فيا كبدي الحرى كفى بك لوعة وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي (3)
ولا يخفى الفارق بين السياقين، وقد يعتمد الشاعر على مناقضة معنى
امرئ القيس من خلال النفي المباشر، كأن يخاطب الإمام الخليلي بقوله: فطب روضة بين الإمامين لم تكن بسقط اللوى بين الدخول فحومل (4)
(1) الخصيبي: محمد بن راشد شقائق النعمان، 3/ 268، 269. (2) القيرواني: أبو علي الحسن بن رشيق، العمدة في صناعة الشعر وآدابه ونقذه، تحقيق محمد الدين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل، د. ت، 2/ 85.
محي
(3) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 3/ 269.
(4) الأنباري: أبو بكر بن القاسم، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، تحقيق وتعليق، عبد السلام محمد هارون، طه، دار المعارف، مصر 42. (1/320)
صفحة 321
فهو يشير إلى مثوى الإمام الخليلي الواقع بين قبري الإمامين العادلين ناصر بن مرشد (ت 1004 هـ وسلطان بن سيف ت 1123 هـ اليعربيين
وليس كالمقيمين بسقط اللوى الذين ند بهم أمرؤ القيس.
تتعالق
(1) ,
والناظر في هذه المرثاة المضمنة لأشطار قصيدة امرئ القيس، يجد أنها مع أبياته ألفاظا وتتغاير معنى وسياقاً.
ومن ذلك ما نجده عند أبي مسلم البهلاني، الذي عمد إلى مجموعة من قصائد سعيد بن خلفان الخليلي، فقام بتخميسها تخميساً يتفق مع القصيدة الأصل، وينسجم مع بنائها وغرضها فقام بتخميس ثلاث قصائد مشهورة عنه، قصيدة «سموط الثناء» وقصيدة «هو الله» وقصيدته «الرائية» أما
تخميس قصيدة «سموط الثناء» فمنها:
إلهي عدو الله يشفي غلي
لَهُ
سبيلك يدنيها ويعلي سبيـ
ـلهُ
يغالب أمر الله حتى يحيله فيا غارة الله اغضبي وخيوله
اركبي ومواضيه انعمي بورود (2)
فهو تخميس ينبئ عن مقدرة في إيجاد لحمة قوية بين الأصل والتخميس حتى لكان القارئ للنص الجديد لا يجد فرقا في البناء الفني بين قول كل من الشاعرين وذلك لشدة التقارب بين الأسلوبين.
وهكذا نجده في تخميسه لميمية الخليلي التي يقول البهلاني في مطلعها:
هو الله فاعرفهُ وَدَعْ فِيهِ مَنْ وما دعاك ولم يترك طريقَكَ مُظلِّمَا
(1) السالمي: محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 430.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 103.
321 (1/321)
صفحة 322
عن الحقِّ نحو الخلق يدفعك الْعَمَى تقدم إلى باب الكريم مُقدِّمـ
له منك نفساً قبل أن تتقدما (1)
ومن ظواهر التأثر أن بعض الشعراء عمدوا إلى شعراء معاصرين لهم، كالشاعر عبد الرحمن الريامي، الذي قام بتخميس مقطوعة لأبي مسلم البهلاني في الفخر بانتساب الشاعر إلى المذهب الإباضي، وقد أفاد التخميس التوسع في بعض معاني موضوعات الأبيات الأصلية يقول الريامي مخمساً:
حسبي الله عُدتي واعتم
ــادي
لا أنادي بغيره إذ أنادي
إن سرّي بحبه اليوم بـ
ادي
هذه ملتي وهذا اعتقادي
إن يك المذهب الإباضي هذا
فإمامي القرآن وهو دليلي وحديث الرسول قصدي وسؤلي نهج عمار منهجي للوصول دين حرقوص وابن وهب سبيلي
إن رضيتم منى وإلا فماذا
ـي سبـ رة النبي وصحب المصطفى الذي تولاه
من نصيح مناصح غير
لا أبالي إن كنت لله وهب
يا رضيا ولو قطعتُ جذاذا (2)
(1) المصدر نفسه، 280.
(2) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر الديوان، مخطوط، 301. (1/322)
صفحة 323
ومن هذا القبيل أيضا ما نجده عند بعض الشعراء حين قاموا بتخميس قصيدة بعينها، لما لها من دلالة فيحولها الشاعر لتنسجم مع رؤية نصه الجديد، ويسخرها لخدمة نصه، وسياقه، كما فعل الشاعر خالد الرحبي الذي خمس أبياتاً من قصيدة لأحمد شوقي يقول فيها:
خذوا مني التحية والسلاما حماة عمان واستمعوا كلامـ اقدمه وداداً واحتراما إلام الخلف بينكم إلا.
وهذي الضجة الكبرى علاما (1)
4 - بين الشعر والتاريخ
تحتل حادثة «النهروان» حيزاً واسعاً في شعر الإباضيين في هذه الفترة، مع تفاوت في الإشارة إليها، بين إنشاء قصائد بعينها، اتخذت منها محوراً خاصاً متكاملاً، كقصيدتي رائية المُحَكِّمة» وأشعة الحق. لأبي مسلم، اللتين تتمحوران حول الأحداث التاريخية المرتبطة بها، وبين إشارة إليها حين غدت رمزاً حركياً دينياً يستمد منه الشعراء رموزهم وإشاراتهم.
والدارس لنص أبي مسلم في «النهروانيات» يجد أنه جعل من هذه الحادثة محوراً أساسيا عالجها من خلال بعده الفكري والثقافي، وهو لم يكن يسرد الأحداث التاريخية سرداً جافاً لكنه استطاع أن يتخذ من الشعر متكأ للتعبير عن فكره ورؤاه، فانعكست فيه ثقافته وعقيدته، واستطاع أن يجعل من الشعر وعاء للفكر، والقارئ لهاتين القصيدتين يلحظ انعكاس رؤية الشاعر لأحداث منتقاة من خضم التاريخ، فقد تحدث فيهما عن الجمل والدار وصفين
(1) الرحبي: خالد بن هلال مجموعته الشعرية، 60. (1/323)
صفحة 324
ورفع المصاحف، والتحكيم والنهروان، معرجا لبعض الشخصيات التاريخية، بما كان لها من دور فاعل، وتأثير واضح في مجريات الأحداث، من أمثال الأشعث بن قيس، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وقبل ذلك كله عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان تناول الشاعر لذلك كله انعكاساً للتاريخ من منظور إباضي. وبدا من أهم سمات هذا التناول الوضوح في الأسلوب والموقف، وهو ترجمة لإشراق الفكرة ووضوحها في ذهن المنشئ.
وقد اتسم أسلوب أبي مسلم في سرد هذه الوقائع بصدق الشعور، وقوة العقيدة وسلامة الطبع، وتمكن الشاعر من أدواته الفنية وقدرته على تطويع هذه الأدوات في أن تعبر عن آرائه، وتفصح عن مشاعره بتلك الصورة، فجاءت بنية القصيدة عاكسة لرؤاه المذهبية معبرة عن شخصيته، ممتزجة بعاطفته (1) يقول أبو مسلم:
العفر
عجت بتحكيم عمرو بعدما حكمت همدان فيها بحكم البيض والسمر تباً لها رفعت كيداً مصاحفها ومقتضاهُنَّ منبوذ على مهلا أبا حسن إن التي عرضت زوراء في الدين كن منها على حَدْرَ متي تري هاشم صدق الطليق بها وثغرة الجرح بين النحر والفقرِ ما لابن هند بثأر الدار من غرض له مرام وليت الدار في سقر لقد تقاعد عنها وهي مُخرجَةٌ حتى قضت فقضى ما شاءَ مِنْ وَطَرِ (2)
(1) انظر: البهلاني، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 204 - 218.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 215، 216.
324 (1/324)
صفحة 325
وقد يتحدث بعض الشعراء عن واقعة معينة لتعزيز فكرة، وخدمة قضية
معاصرة، لما فيها من إثارة الحماسة في النفوس، كقول السالمي:
يرون الحق في طرف العوالي وأن المجد نهج الأربعينا (1)
إذ نجد أن الشاعر هنا يومئ من طرف خفي إلى أحد رموز القيادات الإباضية السابقين، ونهج الأربعين إشارة إلى أبي بلال المرداس بن حدير ت 61 هـ) وصحبه الأربعين الذين تفوقوا بإيمانهم فغلبوا جيشاً مكوناً من ألفي مقاتل (2) كما يقول شاعرهم:
أألفا مؤمن فيما زعمتم ويغلبهم بآسك أربعـ ونا (3)
وتعود هذه الحادثة التاريخية إلى مخيلة الشاعر المر بن سالم الحضرمي
في قوله:
جنود الله ق
سبقت «تنوف»
إلى الفضل المؤبد والمعـ
ــالي
إلى أن يقول:
بها عقدوا الإمامة واستعـ
دوا وهم نفر كرهط أبى بلال (1)
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 62.
(2) انظر الخبر في المبرد: الكامل 588/ 1، 253/ 3 نقلا عن د. إحسان عباس، شعر الخوارج،
ص 68.
(3) الأبيات لعيسى بن فاتك الخطي، شعر الخوارج، د. إحسان عباس، ط 4، 82.
(4) السالمي: محمد بن عبدالله، نهضة الأعيان بحرية عمان، 162، 163. (1/325)
صفحة 326
فالشاعر يشير بداية إلى المكان الذي عقدت فيه الإمامة، ثم إلى «العقد» وهو مصطلح سياسي إباضي، وأشار إلى النفر الذين قاموا بعقد الإمامة على الإمام الخروصي مشبهاً إياهم برهط أبي بلال الشاري المعروف.
وقد يربط الشاعر بين جماعة الشراة الإباضيين المعاصرين له بأهل النهروان لاشتراكهم في الشراء والثبات، فيمزج بين الحدث التاريخي والشخصيات المعاصرة، رغم المسافة الزمنية بينهم، يتضح ذلك من وصفه لحركة نور الدين السالمي والإمام سالم الخروصي، حين عد حركتهم بأنها من بقايا أهل النهروان، فتتحسر نفسه على فراقه لهذا الوطن، وبعده عن هؤلاء الفتية، الذين تندغم صفاتهم مع أهل النهروان قائلاً:
ادة
وما هي إلا طعنة فالمغانم
ويغنم فلُ النهروان شهـ يبيعون دنياهم بمرضاة ربهم وإن لامهم في مطلب الله لائم وأقعد مخشوشاً على مَبْرك الوني ويحكمني عن غاية القوم حاكم (1)
وقد يلجأ الشاعر إلى استلهام التاريخ، مركزاً على بعض الشخصيات التراثية في المذهب التي تعكس تاريخهم الحافل بالشخصيات السياسية والفكرية، كما يقول أبو مسلم على سبيل الفخر:
سل سَيْفَ يَعْرُبَ عن أخبار سيرتهم فَمنطق السيف إعراب والخان (2)
ولا يخفى ما في هذا البيت من تورية واستثمار لشخصية منتمية بعينها، حيث أن كلمة «سيف» يذهب الذهن فيها بداية إلى السيف المعروف، رمز
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 246.
(2) المصدر نفسه، 239. (1/326)
صفحة 327
الإقدام والشجاعة، هذا السيف سوف «يُغرب» بضم الياء، عن أخبار أئمة الإباضية وسيرتهم، إذ أن منطق السيف الإبانة والإلحان، فهو يبين عمن أعطوه حقه، ويلحن فيمن غمطه إياه.
ويذهب المعنى الثاني في ذلك إلى «سيف» باعتباره إحدى الشخصيات التراثية المهمة في الخارطة السياسية الإباضية في عمان، التي كان لها دور كبير في تثبيت استقلال، عمان وطرد البرتغاليين منها، وهو الإمام اليعربي «سيف بن سلطان» (1) المنتسب إلى يعرب أو اليعاربة، الأسرة المعروفة بأئمتها الكبار في تاريخ عمان. ومن هنا جاء استثمار الشاعر لهذه المعطيات التاريخية والفكرية وتوظيفها في نصه الشعري بنجاح واضح المعالم.
ومن ذلك لجوء الشاعر أبي مسلم إلى المزج بين الشخصيات التاريخية، فينتقي منها، رابطا بينها، ففي بيت واحد جمع الشاعر بين أول إمام نصب في عمان، وهو الإمام الجلندى بن مسعود سنة 131 هـ وآخر إمام تم اختياره في عمان في ذلك الوقت، وهو الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1252 هـ- خالعاً عليهم صفة الخلافة قائلاً:
(1287
تعاقبت خلفاء الله منصبها منذُ الجلندى وختمُ الكُلِّ عزان (2) فخصهم بما لا يقل عن أربعين بيتاً شكلت لوحة رسم فيها سمات أولئك الأئمة وسيرتهم وهي سمات أخرجها ممزوجة بعاطفة متقدة، تحاول أن تبين
(1) هو سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الملقب بقيد الأرض (ت 1123 هـ 1711 م من أئمة عمان، ورابع الأئمة اليعاربة، حارب الغزاة البرتغاليين وطردهم من عمان وشرق إفريقيا. انظر معجم أعلام عمان، 86.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، 231 - 233. (1/327)
صفحة 328
محاسن ذلك النظام، في خطاب يراوح فيه بين ذاته وموضوعه، فهو يندمج مع الموضوع، موائماً بين ذاته وفكره وبين الشخصيات التاريخية بأبعادها
المختلفة ليهيئ متلقيه للدخول إلى موضوعه الرئيسي، وهو الإشارة التاريخية الآنية، المتصلة بأحداث عصره حين يقول بعد ذلك:
وأصلتَ اللهُ إصليتاً يحز به سواعداً شدَّها بغي وكُفَرَانُ يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خُذْ أمانة الله والأقدار أغوان (1)
ثم يعرج إلى ذكر ذلك النظام ضمن إشارات لطيفة، وصور إيمانية لنظام سياسي بقي ردحاً من الزمن في رحم الدهر متمنعاً في ضروب الغيب إلى أن شاءت العناية الإلهية له الظهور، فانجلى عن تحقيق أمنية طالما انتظرها دين الله، فالشاعر هنا لا يؤرخ لحقبة عودة ذلك النظام، بقدر ما يصور مشاعره، متخذا من الأحداث التاريخية وسيلة للحديث عن عمق
مشاعره، وصدق انتمائه حين يقول:
أمنية رقب الإسلامُ طَلْعَتها أتاحها الله لم يُضرب لها آنُ تمنعت في خدور الغيب آونة ثم انجلت فانجلي عدل وإحسان (2)
ومن هذا القبيل، ما نجده عند بعض الشعراء الإباضيين، في محاولة لرصد الأخبار التاريخية، وإعادة كتابة أهم حوادثها في قصيدة شعرية كقصيدة ابن رزيق من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري) وسماها «الشعاع
(1) المصدر نفسه 233.
(2) المصدر نفسه 233. (1/328)
صفحة 329
الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان». وقد ظهر فيها البعد الفكري الإباضي، ممتزجاً مع الأحداث التاريخية ومشيراً إلى أول إمامة أقيمت في عمان، بقوله:
كفى فخراً عمان بالجلندى إذ اصطحبت بمفخره اصطخابا ومن ذا كابن مسعود الجلندى إمام سيفه ر القرابا
حميداً عاش وهو قضى شهيداً بجلفار فلا عدم الثوابا تخضب جسمهُ بدم فأضح إليه ثواب خالقه الثيابا (1)
وهناك قصيدة أخرى تقترب من هذه القصيدة، أنشأها الشاعر عبدالله بن علي الخليلي بعنوان «عُمان في سجل الدهر، ملحمة تاريخية» هيأ لها الشاعر أيضاً بمقدمة تدعو إلى التدبر في أحداث التاريخ، والتأمل في اختلاف الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استبد بعضهم بالحكم فحولوه إلى ملك يقول:
قف على العالم حول الواقفين وتأمله بعين المبصرين وأصخ تسمع على أرجائه أنة البؤس ولَحْن المطربين
وأعره أذن واع تلق ما رزئنا بعد فقد المصطف
وولاة غلبوا الدين. جعلوا الإمرة إرثاً في
فتلاشت و تلاشوا غبهـ
صاخباً فيه حداء وحنين
بمصاب كاختلاف المسلمين أمره ثم استبدوا قاهرين وحموها بسيوف الطامعين وتداعى الدين والله المعين (2)
(1) ابن رزيق، حميد بن محمد الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، ص وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، عبد المنعم عامر، 1404 هـ / 1984 م دار أمون، القاهرة، ق.
(2) الخليلي: عبد الله بن علي ديوان وحي العبقرية، 145. (1/329)
صفحة 330
وهو بذلك يعكس وجهة نظـ الإباضية في الأحداث التاريخية
مع
الحدث
وشخصياتها المعروفة، يردفها بأبيات تؤكد صدق انتمائه وتفاعله التاريخي، وإضفائه عليه جوا نفسيا، يعكس ثقافته، في إشارة إلى موقف إباضية عمان من ذلك قائلاً:
غير أنا لم تُحكّم أحداً في هدانا لو غُلَبْنَا مُرْغَمِين فاعتزلنا دولة السفاح في غلب الحكم وظلم الحاكمين (1) وبنينا دولـ ة قاهرة أصلُها التقوى وعلياها اليقين (2)
ثم يشير إلى اختيار الإمام الجلندى بن مسعود، فاتحة الإمامة الإباضية
في عمان قائلا:
ثمت اخترنا الجلندى حاكماً هديه النّص وما سَنَّ الأمين سيّداً كالبدر في مغولة دارة الملك وعرش المالكين (3) وهي قصيدة طويلة أجمل فيها الشاعر تاريخ عمان وشخصياتها إلى
العصر الحديث.
(1) السفاح هو أبو العباس عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب أول خلفاء الدولة العباسية وقد لقب بالسفاح لكثرة ما أراق من دماء.
(2) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 145. (3) المصدر نفسه، 146. (1/330)
صفحة 331
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية:
-1
- ألفاظ وأساليب تراثية
الناظر في دواوين الشعراء الإباضيين ومجاميعهم في هذه الفترة، يجد أن أغلبهم قد حافظ على نقاء اللغة وراعى خصائصها، وقوانينها المعروفة، فقد تمثلوا لغة التراث، وقاموا بتوظيفها، واستوحوا أجواءها الشعرية العامة.
واللفظة التراثية التي عمد الشعراء إلى التعامل معها، لم يكونوا مستسلمين لأجوائها القديمة، بقدر ما كانوا ينظرون فيها، ويسعون لتمثلها في الغالب - إيمانا منهم بمكانة هذا التراث، وهي على الرغم من انتمائها إلى التراث القديم، إلا أنها غالبا ما تأتي واضحة رغم قوتها، وقد قيل: إن «المسألة اللغوية تكمن في القدرة على التعبير عن روح العصر بلغة موروثة» (1).
يقول أبو مسلم البهلاني:
شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميسا له في الجو ميدان تبجست بهزيم الودق منبعقاً حتى تساوت به أكُم وقيعان (2) (3)
(1) طراد الكبيسي، كتاب المنزلات الجزء الأول، منزلة الحداثة، دار الشؤون الثقافية، بغداد،
222،1992
(2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 229. (3) البجس: انشقاق في قربة أو حجر أو أرض ينبع منه الماء، لسان العرب، مادة بجس، الهزيم: الرعد الذي له صوت شبيه بالتكسر، لسان العرب، مادة: هزم. (1/331)
صفحة 332
فقد استطاع الشاعر أن يوظف الألفاظ (البوارق، الحادي، الشجو،
وسنان الصوارم اهتزعت تزجي، الخميس، تبجست الهزيم، الودق، الأكم، القيعان) (1) توظيفاً ناجحاً يبتعد بها عن الغرابة رغبة منه في النفوذ إلى الأعماق، نظراً لما تشكله مثل هذه الألفاظ من إثارة نفس القارئ على الرغم من قوتها وانتمائها إلى الموروث الثقافي.
وإمعاناً. من الشاعر أبي مسلم في الغوص إلى أعماق الماضي، واستلهام عبره، لما يراه من انكفاء وتراجع، لجأ إلى بناء قصيدة تنتمي إلى لغة التراث، ألفاظ ذات مسحة لغوية خشنة، تستمد مخزونها من مفردات غائصة في ي القدم، ذلك ما نجده في قصيدته المعروفة بـ «المقصورة» وعلى الرغم من وعورة ألفاظها، ذات الطابع الحوشي، نجد الأسلوب في سياق النص واضحاً لأن الشاعر أراد من اتكائه على هذا الموروث، أن يذكر بما أهملته الأمة من تاريخ عريق، ومجد أثيل، فالقصيدة منذ مطلعها تفيض بألفاظ التراث، كقول الشاعر متسائلاً عن الغيرة الإيمانية التي لم تعد تنفع، دون أن يصحبها الاستعداد الكامل لملاقاة العدو:
ما تنفع الغيرة في مَكْمَنها. والسَّيفُ في قرابه لا ينتضى
i
حتى تكرَّ الخيل كسفا ساقط تجمز جمزاً بالكماة شُرب (2)
هوازجاً غرباً لجاجاً ضبعـ في فيلق حالكة أركاتُ ر لهام أرعن هَطَ
تهوي هوي العاصفات في الوَغَ عوابساً شُمْساً كسيدان الغض غمر الأجاري بعيدات الشحـ يجلّل الأرض الدَّجى رادَ الضُّحى
غمر دخاس لجب صعب
الذرى
(1) ينظر المصدر نفسه، 229.
(2) جمز الجمز العدو، لسان العرب مادة جمز الشزب: الضامر اليابس، وأكثر ما يستعمل في الخيل، مادة شزب لسان العرب الشمس النفور من الدواب، مادة: شمس. (1/332)
صفحة 333
يقل في الجو عجاجاً لو
ـوى عليه رضوى لم يصل إلى الثرى (1)
ويستمر الشاعر على هذه الشاكلة راسماً الخطة التي يمكن بها للأمة النهوض من كبوتها ومناصرة إمامها ولا نشك في أن الشاعر كان مدركاً لهول الموقف، فاستخدم السيف والخيل باعتبارهما رمزاً من رموز المقاومة، لما تحمله من قيم الشجاعة والبطولة، استعدادا لملاقاة العدو بأسلحة العصر
وإمكاناته.
والباحث ليس بحاجة إلى إعادة ذكر الكلمات التراثية التي استعان بها أبو مسلم في المقطوعة السابقة لأن أغلبها ينتمي إلى هذه اللغة، لكننا نجد الشاعر لا يلبث أن يعود إلى سجيته من الوضوح والإبانة فيسأل عن رجال الله، وما حل بهم بعد أن رسم الخطة، قائلاً:
أين رجال الله ما شأنك
إلى متى نعجز عن حقوقن
إلى متى في ديننا نرضى الدنا
إلى متى يسومنا الضيم العدى (2)
فالشاعر يتدرج بالقارئ في استقصاء موضوعه، وعلى الرغم من طول القصيدة فإن معانيها تتسلسل عبر أفكار منظمة، مبنية في لغة تراثية.
ومن ذلك ما تجلى لدى لغة الشاعر منصور بن ناصر الفارسي في أسلوبه الذي يعتمد على لغة التراث ويتضح ذلك من خلال قصيدته مشيداً
بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخطوط، 266.
(2) المصدر نفسه، 268.
1333 (1/333)
صفحة 334
أمن طلل بالبُعْد قد لاحَ جانبه تراءيت كالأخلال فاشتد واصبة محمد القرم الأثيل سميدع إلى نسل شاذان الخليل مناسبه إمام حباه الله نظماً لخلقه ولماً لشعث قد تفرق جانبة عقيل عريق النجر إن عُدَّ ناسبه تقي بعيد العيب جم مناقبه (1)
رس
إمام همام لو ذعى عم
إمام نقى الجيب غيرُ
دنس
فالشاعر اتكأ على ألفاظ وقوالب تراثية المنبع فكلمات مثل «القرم، والأثيل، وسميدع، وهمام، ولو ذعي، وعمرس، وعقيل» وكذلك قوله «عريق النجر، ونقي الجيب وبعيد العيب، وجم المناقب» تنتمي في مجموعها إلى القوالب الجاهزة، التي لم يتمكن الشاعر من الرقي بها إلى مستوى شعري رفيع، ولم يمنحها حيوية جديدة، بل بقي أسيراً لتراكيبها
أما الشاعر عبدالله الخليلي فيبدو قادراً على تمثل التراث بأساليبه البنائية التي مزجها بالخيال والصورة، والمفردة التراثية فهو يمتاح منه مفرداته ويستمد أسلوبه، نجد ذلك واضحاً في أغلب شعره، لا سيما قصيدته التي يقول
في مطلعها: يا ساري البرق يُهلهلُ السَّمَا يخط أسطاراً كلألاء السنا تسوقه لاقخ ندية ومرزم بين حنين ورغا
حتى إذا ضرى به
ادره
وخاف منه أرسل الدمع بكا (2)
(1) الفارسي: منصور بن ناصر بن محمد سموط الفرائد على نحور الخرائد، مكتبة الضامري
للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، ط 1، 1992، 152.
(2) الخليلي: عبدالله زعلي، ديوان وحي العبقرية، 123.
334 (1/334)
صفحة 335
-2
ألفاظ ومصطلحات إباضية:
من الخصائص اللغوية عند الشعراء الإباضيين ظهور جملة من الألفاظ والمصطلحات التي تنتم إلى الفكر الإباضي، حيث نجد لثقافة الشاعر المذهبية تاريخية وفكرية، صدى في عباراته، وألفاظه، وخير من يمثل بروز هذه الظاهرة في أبهى صورها، أبو مسلم البهلاني الذي ارتبط بهذا الفكر حتى غدا شعره في أغلبه - يمثل انعكاساً فكرياً إباضياً دون أن يعني ذلك أنه كان
الوحيد في هذا المجال، وإن غلبت عليه ثقافة المذهب أكثر من غيره.
ويمكن بحث مجالات التأثر بالفكر الإباضي ضمن المحاور التالية:
- مصطلحات فكرية عامة
- مصطلحات تاريخية
مصطلحات عقائدية
- مصطلحات سياسية
من الألفاظ التي استخدمها الشعراء الإباضيون في هذه الفترة للدلالة على المذهب، أسماء ترددت في أشعارهم وعكست أهم المسميات التي كانوا يحبذون إطلاقها عليهم، ولكل منها دلالتها الخاصة التي توحي بها. ومن أكثر هذه المصطلحات شيوعاً «أهل الاستقامة» وهو اسم قديم أطلقه الإباضية على أنفسهم قبل أن يتقبلوا مصطلح الإباضية ومن ذلك قول أبي مسلم يمدح الإباضية الذين أحيوا النظام السياسي للمذهب:
إليكم ليوث الاستقامة مدحة لها في الكروبيين قدر مزاحم (1)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم، الديوان، مخ، 246.
335 (1/335)
صفحة 336
وقد يرسم الشاعر منهجية أهل الاستقامة التي لا يمكن أن يجوزها إلا متسلح بالحزم والحذر، فيقول:
وكن في طريق الاستقامة حاذراً كمين الأعادي فالشجاع حذور يجوز طريق الاستقامة حازم على حرب قطاع الطريق قدير (1) وإذا انتقل أحد أعمدة المذهب وشيوخه إلى الرفيق الأعلى فإن موته يشكل خسارة كبيرة لأهل المذهب، فهو همام الاستقامة الذي أرملها بفقده،
يقول:
مهلاً همام الاستقامة ما الذي غادرت من هول ومن أذعار ارجع فإن الاستقامة أرملت ارحم يتيمك وهو دين الباري (2) ومما يتصل بذلك ما كان يرافق هذا المصطلح من تركيب يعطف عليه مثل «أهل الحق أي أهل الحق والاستقامة كقول أبي مسلم:
هنيئا لأهل الحق صدق انتصارهم ويقظتهم في الله والدَّهْرُ نائم (3)
ومن المصطلحات التي أطلقت على المذهب الإباضي مصطلح «الوهبية وهو مصطلح يعود إلى عبدالله بن وهب الراسبي ولذلك يقال الإباضية الوهبية (4) على أن هنالك من أعادها إلى عبدالوهاب بن عبدالرحمن
(1) المصدر نفسه، 207
(2) البهلاني أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 372.
(3) المصدر نفسه، 247.
(4) انظر معجم أعلام الإباضية، قسم الغرب، ج 3، 582. (1/336)
صفحة 337
بن رستم (ت 208 هـ) ثاني الأئمة الرستميين الإباضية (1) وهي نسبة غير قياسية (2).
وقد تردد هذا المصطلح كثيراً في أشعار الإباضية في هذه الفترة وتكرر استخدامهم له، ضمن مستويات مختلفة فقد يرد على سبيل المصطلح المرادف للإباضية كأن يخاطب أبو مسلم الإمام السالمي، ذاكرا إنجازاته قائلاً:
ثابت إليك عصائب وهبيـ
ـة
من أسد ذي يمن وأسد نزار عشقوا المنايا واستماتوا في الهدى من قبل صفين ويوم الدار حنيت ضلوعهم على جَمْرِ الغَضَا من حُبَ رَبِّهِمُ وخوف النّارِ غضبوا لربهمُ فشدوا شـ
متكاتفين على هدى عَمّـ
إنها صفات هذه العصائب الوهبية، التي التفت حول قائدها، وهي لم ترض بالمنايا في سبيل هدي ربها فحسب بل، عشقتها قوم انحنت ضلوعهم الله، خوفا من عقابه آخذين من هدي عمار بن ياسر رضي الله عنهما طريقاً، وفي ذلك ما فيه من الدلالة والتأثر الفكري فهو لم يورد هذه المصطلحات ولم يخلع هذه الصفات لمجرد حلية لفظية بل إن كل لفظة منها تحمل دلالة فكرية، وقناعة إيمانية خاصة.
وقد يستخدم الشاعر مصطلح «وهبية» للدلالة على إخلاص النصيحة الصادرة من شخص منتم إلى الوهبية الإباضية لتكون القصيدة «وهبية»
(1) انظر ابن الصغير المالكي، الدولة الرستمية تحقيق وتعليق د. محمد ناصر، الأستاذ إبراهيم
بحاز، المطبوعات الجميلة الجزائر، د. ت 25.
(2) انظر معجم أعلام الإباضية، ج 3، 591 - 595.
(3) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، 373
331 (1/337)
صفحة 338
أيضاً، آخذة انتماءها من انتماء قائلها، كما ورد في استهلال قصيدة
عبدالرحمن الريامي التي وجهها للإمام الخليلي:
وهبية وافت حماك قواتها برعاية وانهض قبيل فواتها (1)
والشاعر أبو مسلم يقيم الصلة بين الوهبية وامتداداتها الإيمانية وصلتها
الفكرية، حين رد على من يعيب عقيدة الإباضية فيقول:
أضللت صديقتة عُمرية وهبية تهب الهداية منصفة بدرية أحدية ما حكمت أحداً على قرآنها ليُحرفة (2)
ومصطلح «الشراة» من المصطلحات المرافقة للمذهب الإباضي ترددت أصداؤها في شعرهم، وهو مصطلح يدل على الشجاعة والإقدام فهم منذ القدم: شراة سراة لا يخط غبارهم وإن أبلجت فوق الأمور أمور (3)
وهو مصطلح يلتقي مع دلالته اللفظية الموحي بشراء رضوان الله، وبيع النفوس في طاعته يقول الشاعر عبدالرحمن الريامي:
فهم الشراة البائعون نفوسهم
الله عن صدق بلا كتان (1)
ويفخر عبدالله بن علي الخليلي بانتسابه إلى «الشراة» قائلاً:
(1) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط 113. (2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، ديوانه، مخطوط، 180
(3) المصدر نفسه، 213.
(4) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط، 173. (1/338)
صفحة 339
نحن أبناء الشراة الصادقين نحن أبناء الشراة الصادعين نحن لا يوهننا القتل ولا غلب الحرب ولا ناب السنين (1)
وقد يجمع الشاعر مصطلحات عدة، كل منها يشير إلى معنى له دلالة خاصة، ويرتبط بمفهوم له إيحاءاته التاريخية والتراثية، كما في قول ابن شيخان السالمي في إحدى قصائده المنوهة بانتصارات الإمام محمد بن عبدالله
الخليلي
الله در عصابة قدموا
وهبية التوحيد مرداسية التـ
(نخل) سُحَيْراً كالقضاء النازل
جريد محبوبية المتباهل
بذلوا نفوسهم النفيسة قربة لله مغتنمين ربح الباذل (2) حيث تشير هذه الكلمات وهبية مرداسية محبوبية) إلى أصول فكرية،
مرتبطة بشخصيات معينة كان لها دورها في إرساء قواعد الفكر، «وهبية» نسبة إلى عبدالله وهب الراسبي (3)، أما مرداسية فتعود إلى شخصية أبي بلال المرداس بن حديد التميمي (ت 61 هـ) (4) أما النسبة الثالثة فتعود إلى محبوب
ابن الرحيل (ت ق (3) أحد حملة العلم إلى عمان (5).
(1) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 152. (2) السالمي: ابن شيخان، الديوان، 195.
(3) تمت ترجمته
(4) تمت ترجمته.
(5) هو الشيخ العلامة أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي من تلاميذ الإمام الربيع بن حبيب صاحب الجامع الصحيح عند الإباضية، استوطن صحار من مدن عمان الشهيرة، أحد حملة العلم إلى عمان، انظر البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان 217/ 1 - 219، وانظر، دليل أعلام عمان، 143.
339 (1/339)
صفحة 340
ومن المصطلحات التي شاعت في شعرهم وكانت صدى لثقافتهم تلك التي تعود إلى ظروف نشأة المذهب، وتتصل بالفكر التاريخي له، وهي في أغلبها مصطلحات تدور حول كلمات لها مدلولات تاريخية، مثل: التحكيم والمُحَكِّمة والنهروان ونهروانية.
يخاطب الشاعر أبو مسلم الإمام عليا معاتبا له على قبول التحكيم،
قائلاً:
فمالك والتحكيم والحكم ظاهر وأنت علي والشام تمور (1)
ويتحدث عن مكيدة التحكيم ورفع المصاحف بقوله:
على أن عَلَت فوق الرِّماحِ مَصاحفٌ ونادوا إلى حكم الكتاب نصيرُ
مكيدة عمرو حيث رثت حباله
وكادت بحور القاسطين تغور
(2)
ويمدح أبو مسلم العلامة الإباضي محمد بن يوسف أطفيش بالمحافظة
على عقيدة المذهب وخدمة فكره قائلاً:
فأثارته شربة النهر والغيرة للـ
فحماها وساسها وكذاك الـ
ويقول عن أئمة الإباضية:
ه في رضا مصطفاها أسد تحمي عرينها وحماها (3)
بسيرة العمرين استلأمُوا وسطَوْا لشربة النهروان الكل عطشان (4)
(1) البهلاني: أبو مسلم، الديوان، مخ، 211.
(2) المصدر نفسه، 210.
(3) المصدر نفسه، 221.
(4) المصدر نفسه، 232. (1/340)
صفحة 341
فواقعة النهروان غدت هنا كناية عن حب الاستشهاد في سبيل الله، وقد يطلقها الشاعر صراحة مصطلحاً خاصاً على المذهب حين أشار إلى إخوانه الإباضية المجاهدين لإحياء نظامهم السياسي في قوله:
ويغنم فل النهروان شهادة وما هي إلَّا طَعْنَةٌ فَالمَغْانِمُ (1)
أما في مجال البعد العقائدي فإن مصطلحات المذهب العقائدية تتزاحم في تعبيراتهم آخذة بعدا مهما في أسلوبهم الشعري، فظلت العقيدة معيناً أساسياً في شعرهم، مديحا ورثاء وفكرا، وقد تجلّى ذلك التأثر عند مجموعة من الشعراء، يأتي في مقدمتهم أبو مسلم البهلاني، الذي ظل شعره مستمداً من عقيدته في
جميع
أغراضه وفنونه.
ومن المصطلحات العقدية الخاصة ما يسمونه «جملة التوحيد» أو «الجملة» اختصاراً وهو مصطلح إياضي يعنون به الشهادتين المعروفتين يستخدم الشاعر العلامة خلفان بن جميل السيابي هذا المصطلح في معرض خطابه للأمة داعياً إلى لم الشمل مذكراً بما يجمعهم، وهي هذه العقيدة التي أساس الدين، فيقول:
هي
وَحَسَبُهُمُ في الدين جملة دينهم إليها دعا المختارُ فيها التَّناصُحُ هي العروة الوثقى فمستمسك بها بلا شك ناج إن تليها صوالح (2)
ومن أهم ما يتمسك به الإباضية في عقيدتهم ما يسمونه بعقيدة التنزيه، ولذلك يستهل أبو مسلم البهلاني قصيدته طمس الأبصار» بقوله «نزه» وهي
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 246. (2) السيابي، خلفان بن جميل بهجة المجالس، 343.
40 (1/341)
صفحة 342
لفظة مأخوذة من عقيدة التنزيه، التي يحرص الإباضية فيها على تنزيه المولى عن كل ما لا يليق بعظمته، أو يتنافى مع كبريائه من وجهة نظرهم، لا سيما نفي الرؤية التي هي من صلب عقيدة الإباضية يقول الشاعر:
ترة إلهك أن يُرى كي تعرفة أتراك تعرفه وتثبت ذي الصفة (1)
ويستخدم الشعراء مصطلح «البلكفة» وهو نحت لغوي، يعني «بلا كيف» وذلك في مقام الرد على القائلين بالرؤية حين قرروا أنها رؤية بلا كيف، فراراً من التجسيم والحلول كأن يقول أبو مسلم:
أيقولُ ربُّكَ لن تراني فارتدغ وتقول سوف أراكَ خَلْفَ البَلْكَفه (2) وهي نفسها التي عبر عنها الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي في موضع آخر (3). ومما يتصل بعقيدة التنزيه ما نراه عند بعض الشعراء من استخدام لمصطلحات كلامية من مثل «الجوهر والأعراض والنوع والماهية والأينية والحيثية والتحيز كما هو الحال في قصيدة العلامة سعيد بن خلفان الخليلي الذي استخدام أيضا أسلوب المحاجة الكلامي، طالباً نبذ التقليد وإعمال العقل في قوله:
اسمع هديت مقدمات قياسنا فاستنتج البرهان عنها مُنصفة أنّى تَرَى فيمن يرى من لم يَكُن عَرْش ولا فَرْسٌ لَهُ مُسْتَكنَفَه من كان في كل المكان وَمَا لَهُ أبداً مكان كان فيه مزلقة
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 175. (2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 177. (3) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 39.
342 (1/342)
صفحة 343
من لا يَرَى أجفانهُ أيرى الذي أدنى له من عَيْنَه إِذ أَزلفه
إلى أن يقول:
أم كان منظوراً بلا ماهية أيْنيَّة حَيثية مُتكيفة ة محدودة متحيز، في وجهة متعرفه (1)
كمية متوي
وبما أن الإباضية مذهب يقوم بين مذاهب مختلفة تختلف معه في بعض الأمور، وتتفق في بعض، لزم أن يرد الإباضية في بعض المسائل على منتقديهم مستخدمين الأساليب الكلامية التي توضح حجتهم، وتدعم آراءهم، كحديثهم عن المعلوم والمجهول وأعراض الطبيعة، وبعض أسماء الاستفهام التي يدل استخدامها على التحديد والتجسيم كأن يقول أبو مسلم:
عجباً توحده وتجعله الأغـ راض الطبيعة عُرضةً مُستهدفة وفررت عن تجسيمه وجعلتُه غرضاً لعينك من وراء البلكفة وأحلت كيف وما أين وشبهها وعبدت ذاتاً بالحجاب مُكَنفه (2)
العلة،
ومن المصطلحات الكلامية الأخرى التي استخدمها الشاعر الإباضي والمعلول، والهيولي، والحد، والرسم والشكل والجزء كقول أبي مسلم:
ما للطبيعة تنزو فوق مركزها وما لها في الذي تنزو له أثر
أليس نفس الهيولى لا يحركها إلا المعللُ والمعلولُ مقتس والحد والرسم والأشكال والصور والحل والعقد والإبرام والغير
(1) المصدر نفسه، 40.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 175. (1/343)
صفحة 344
والكل والجزء مما كان ممتنعاً وغير ممتنع في اللوح يُستطرُ (1)
فهو يستخدم هذه المصطلحات التي تشير إلى هذا الكائن البشري المتسم بالعلة والمعلول والحد والرسم والصور، والمتكون من أجزاء مختلفة، وكلها صفات المخلوقين من البشر التي لا يمكن أن يتصف بها المولى ل لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وفي مقام المحاجة في نفي الرؤية يستخدم الشاعر أسلوب المتكلمين، وهو إيراد الفكرة، وتدعيمها بالدليل، وقطع الحجة على الخصم، كقول أبي مسلم في مخاطبته لمن يقول بالرؤية:
إن كنت تعقل ما تراه فهذه ماهية محدودة متوقفة أو لست تعقله فأنت مُخلَّطْ درك ولا دَركَ فأين المعرفة إن قلت معلوماً أحطت بذاته وجعلت عجزك قدرةً مُتصرفة (2) ويستخدم الشاعر الإباضي مصطلح الإدراك بمعنى «الرؤية» أخذاً من قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ بمعنى لا تراه العيون، وعليه جاء قول سعيد بن خلفان الخليلي:
ففي عدم الإدراك إدراك عارف طوى نشره أعلام فقد ووجدانِ فعرج لتجريد لتفريد واحـ وخل السوى يخلو فما تمت اثنان (3)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، مخطوط، 183.
(2) المصدر نفسه، 175.
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 36. (1/344)
صفحة 345
كما استخدموا مصطلح وحدة الذات ووحدة الصفات» بمعنى أن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، وأن صفاته عين ذاته ليست زائدة عليها، فالله سميع بذاته لا بسمع، وهكذا في باقي الصفات، يقول أبو مسلم:
الله حي لا يزالُ ولم يزل في ذاته وبذاته ولذاته لا شيء غير الله حي كائن للذات قام له وجود حياته (1)
وتحدث الشعراء الإباضيون عن مصطلحي الولاية والبراءة» في عدد من نصوصهم، وانعكست هذه النظرة العقائدية الاجتماعية، على نتاجهم في مستويات مختلفة من ذلك قول الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي في إحدى
سلوكياته
وبالرسل والأملاك آمنتُ أقتدي بهم في شؤوني كلها كل أحيان وهم علموني موضعاً لبراءة وموضع رشد بالولاية لبان
(2)
وعليه أكدوا أن الحب والبغض وهما نتيجتان ناشئتان عن مصطلحي الولاية والبراءة، لا يمكن أن يجتمعا في آن معاً، وإليهما أشار أبو مسلم بقوله: والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله من بر ومن فجر (3) وبذلك استحق المتولى ولايته» فتصبح محبته واجبة، وذكر محامده
مطلب إيماني، كما يقول أبو مسلم:
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 165. (2) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 29، 30.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 214.
345 (1/345)
صفحة 346
وحمد ولي الله عين ولاية وتوقيره فيض من الله ساجم (1)
وشاعت عند الشعراء الإباضيين بعض المصطلحات الخاصة بالفكر السياسي الإباضي، على أن بعض هذه المصطلحات قد لا ينفرد الإباضية في استخدامها المعجمي، لكنها اكتسبت بعداً خاصاً، بما تحمله من دلالة في قاموس الفكر السياسي الإباضي.
ولقد تكرر في شعرهم ذكر الإمام والإمامة بما تحمله هاتان الكلمتان من صيغة سياسية خاصة، فأبو مسلم يشير إلى دور الأئمة في استمرارية النظام السياسي الإسلامي، باعتبارهم وسيلة لحفظ دين الله، في قوله:
تعاقبت خلفاء الله منصبَهـ
منذُ الجلندى وختم الكلِّ عزانُ
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم من يوم قيل لدين الله أذيان (2)
والإمامة رديفة الخلافة عند الإباضية وان لم يتسموا بها، وقد انعكست هذه الرؤية عند شعرائهم، كأن يقول السالمي في إحدى قصائده، وهو يناجي ربه ويرفع إليه مطالبه:
وأنهض للبرية في ذراها فتى نجداً يقد الدارعينا يرى الإحجام في الهيجا حراماً ويعتقد التقدم منه دينا تُرفُ له الخلافة بين قوم أباة الضيم كهف الملتجين (3)
(1) المصدر نفسه، 251.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 231.
(3) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 61.
346 (1/346)
صفحة 347
وجاء حديثهم عن الإمامة متصلاً بالحديث عن الإمام، نتيجة طبيعية لاختياره، كما وصف أبو مسلم البهلاني إمامة سالم بن راشد الخروصي
بقوله:
جاءت إمامته والأرض مظلمة والنَّاسُ فَوْضَى وأهل الجور ذُوبان (1)
ومما يتصل بالإمام والإمامة الحديث عن كيفية وصول الإمام إلى هذا المنصب، وأهمها الشورى، ونصب الإمام والعقد والبيعة.
وفي هذا المضمار يصف الشاعر عامر بن خميس المالكي، نصب الإمام سالم الخروصي بقرية «تنوف» بقوله:
نصب
وا فيها إمام
لا توازيه الشفوف (2)
ويشير المر بن سالم الحضرمي إلى مصطلح العقد، على الإمام
الخروصي بقوله:
بها عقدوا الإمامة واستعدوا وهم نفر كرهط أبي بلال (3)
ويتحدث الشاعر عبد الرحمن الريامي، عن البيعة ونوعها، فيقول:
وبايعوه بيعة الحقَّ على الـ
فاع والسير بنهج الصالحين (1)
(1) البهلاني: المصدر السابق، 235.
(2) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 162.
(3) المصدر نفسه، 163.
"
(4) الريامي: عبد الرحمن بن ناصر الديوان، مخطوط، 170.
347 (1/347)
صفحة 348
فبيعة الدفاع أحد المسالك السياسية الدينية عند الإباضية، ويمثل
مصطلحاً سياسياً إباضياً مهما عندهم.
ويعبر الشاعر ابن شيخان السالمي عن طريقة البيعة، ومراحلها فيقول
واصفاً بيعة الإمام الخروصي:
بايعته العلماء والأمرا والبرايا فترقى منصَبَ (1)
الفن
وهكذا نجد أن عدداً من المصطلحات الفكرية قد انثالت إلى معجم الشعراء، وانعكست في تعبيراتهم واستخدموها استخداما يتفاوت في التوظيف للمصطلح، ففي حين نجح عدد منهم في منح اللفظة إيحاءات نفسية، وظلال عاطفية، كما نجد ذلك عند البهلاني وابن شيخان السالمي، وقد يقف الشاعر عند المعنى، دون أن يستطيع تجاوزه، بفعل التقريرية والتناول
المباشر، كما هو الشأن عند الشاعر عبدالرحمن الريامي.
3 - التكرار:
«وهو
يشكل التكرار ظاهرة واضحة المعالم في الشعر العربي، عمد الشعراء إلى استخدامه لما يتضمنه من إمكانات تعبيرية ويختزنه من طاقات إيحائية إذا استطاع الشاعر السيطرة عليه واستخدامه في موضعه المناسب (2) سمة يلجأ إليها الشعراء للتركيز على وظيفة التماثل، لما له من تأثير على مستوى الدلالة الشعورية، وهو يضع في أيدينا مفتاحا للفكرة المتسلطة على
(1) السالمي: محمد بن شيخان الديوان، 186.
(2) انظر نازك الملائكة قضايا الشعر العربي المعاصر، 263. (1/348)
صفحة 349
الشاعر، وهو بذلك أحد لأضواء اللاشعورية التي سلطها الشعر على أعماق
الشاعر، فيضعها بحيث نطلع عليها» (1).
والتكرار له وظيفة يؤديها من خلال السياق تتصل بـ «جملة الوظائف
الشعورية التي أصبحت للبنية الموسيقية، والميكانيزم التصويري والرمزي معا (2) وأشار الجاحظ إلى أن التكرار لا يعد عيباً ما دام لحكمة كتعزيز المعنى، أو خطاب الغبي أو الساهي، ما لم يتجاوز مقدار الحاجة، ويخرج إلى العبث» (3).
وبذلك نصل إلى أن التكرار حين يتناوله شاعر مقتدر فإنه يكون في
يديه وسيلة إيحائية تترك أثراً في نفس المتلقي.
وقد برز التكرار ظاهرة لغوية عند شعراء الفكر الإباضي بشكل لافت للنظر داع إلى التأمل، ومعلوم أن التكرار له صور مختلفة، وصيغ متعددة، قد ينجح الشاعر في استخدامه، إذا استطاع أن يوظفه توظيفاً يخدم بنية القصيدة، ويعكس الحالة الشعورية للشاعر لحظة كتابتها، وقد يتعثر الشاعر في ذلك، إذا أخفق في منح التكرار دلالة شعورية، ومعنوية جديدة.
إن المتتبع لهذه الظاهرة لدى الشعراء الإباضيين، سواء كان ذلك على مستوى تكرار الكلمة اسماً وفعلاً، وحرفاً، أو على مستوى تكرار العبارة في صيغها وتراكيبها، يجد أنها تجلت في أوضح مظاهرها عند الشاعر أبي مسلم
(1) المصدر نفسه، 242.
(2) د. صلاح فضل، ظواهر أسلوبية في شعر أحمد شوقي، مجلة فصول ع 4، يوليو (تموز)
211،1981
(3) الجاحظ، أبو عمرو عثمان بن بحر البيان والتبيين، ج 3، 314.
34 (1/349)
صفحة 350
البهلاني، أكثر من غيره، وعليه فإنني سوف أدرسها عند هذا الشاعر على
وجه الخصوص وعند غيره من شعراء هذه الفترة على وجه العموم. ويأتي تكرار الكلمة» أبرز صور التكرار متخذاً مستويات مختلفة، كأن يكرر الشاعر الكلمة الواحدة في البيت الواحد، أو يكرر الكلمة في بداية أبيات متتالية أو يكرر الكلمة في وسط أبياتها.
من ذلك ما نجده عند أبي مسلم البهلاني الذي كرر كلمة «السيف» في أبيات متتالية خمس عشرة مرة مهد له ببيان الحالة السياسية والاجتماعية والدينية التي تعانيها المجتمعات الإسلامية ممن يتسلطون على رقابها، داعياً
إلى الخروج عليهم، مكررا حرف النفي «لا» أربع مرات في بيت واحد:
يسومنا الخسف خسيس ناقص لا دين لا حكمة لا فضل ولا أليس مما يذهلُ الله له عسف الطواغيت بشرع المصطفى إلى أن يقول:
كم نظلم السيف بمنع حقه أما يُجازى ظالم بما جنّى إن السيوف طُبعَت لحقهـ وحقها تحكيمها على الطـ والسَّيْفُ حُرِّ لا يقر خازياً يصولُ إن ضيم وإن صال اشتفى
والسيف لا يرضى الذليل صاحباً إن الذليل بالشنار مُكَتوَى)
(1)
لنجد أن الشاعر استطاع أن يفرغ شحناته العاطفية، إذ لا يخفى ما في هذا التكرار من مدلول نفسي فجر طاقة مختزنة، نجح الشاعر في إيصال
(1) البهلاني: أبو مسلم الديوان المخطوط، 269 - 270.
35 (1/350)
صفحة 351
رسالته عبره، بما منحه من دلالات مختلفة متجددة، في كل بيت، ليصل إلى نتيجة مؤداها أن المجد والعزة والكرامة حيث أبرقت وأمطرت (1).
ويكرر الشاعر «يا للرجال» في قصيدته المطولة، الفتح والرضوان، خمس عشرة مرة، استجابة لمشاعره تواصلاً لدفقانه الشعورية، التي لم تكتف بالنداء الأول، فعمد إلى تفجير هذه الطاقة اللغوية، سعيا منه إلى خلق إيقاع موسيقى وشعوري، يتمكن خلاله من التأكيد على المنادى «يا للرجال» بما أتاح له استقصاء حالته الشعورية، وإخراج أناته، ليسكبها في نداءاته المتكررة، كشفا لخطورة الموقف، بما تحمله هذه الكلمة من عنفوان ورجولة، وتحدو ثبات، تهيئة لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة عامة والإباضية خاصة، ودعوة سياسية للوقوف خلف قيادة الإمامة على وجه الخصوص، حين يقول:
يا للرجال وداعي الله بينكم لبوا الدعاء فإنَّ الصوت قرآن يا للرجال ألم يأن الجهاد لكم بلى لقد فات إِيَّانٌ وإِيَّانُ يا للرجال احفظوا أوطان ملتكم فما لكم بعد خَذل الدين أوطان
إلى أن يقول:
يا للرجال بيوت الله قد هُدَمت ومالها للعدى نهبٌ وحُلْوانُ يا للرجال دماء المسلمين غدت هدراً كمَا عَبثَتُ بالماء صَبْيَانُ فلا قصاص ولا أرش ولا قود كان لحم بني الإسلام جغلانُ يا للرجال أفيقوا من سباتكم فقد أحاط بكم بغي وعدوان يا للرجال لقد ذلّت حفيظتكُ إذا استطالت على الآساد حملان
(1) انظر المصدر نفسه، 270.
35 (1/351)
صفحة 352
إن السيوف التي كانت لسالفك
ما ضمها معهم رمس وأكفان إن كان فيكم يُلاقي الري عطشان (1)
فديتكم أوردوها إنَّها عَطَشـ
إن قارئ هذه الأبيات لابد أن يستحضر الحالة الراهنة التي تعيشها الأمة، وكأنها تعبر عن الواقع المعاصر، في أدق حالاته وأسوأ انكساراته، فيدرك أن الشاعر قد نجح في تفجير طاقات هذا التكرار في صورته، نظراً لما اتسم به من صدق مشاعر، وغيرة دينية في محاولة منه لاستثارة قومه، بوسائل متعددة كان التكرار أحدها، والباحث يرى أن الشاعر قد وفق في غايته من تكرار هذا التركيب حينما رأى أن إيصال رسالته لا يكفيها نداء واحد، في سعي منه إلى تحقيق الذات عبر تلك الاستثارة التي تقدمها صيغة «يا للرجال».
ويكر الشاعر تركيب كتائب الله مع حذف ياء النداء، وهو بهذه الصياغة يردنا إلى مرجعيات الشاعر ونظرته من جهة، وإلى بيان واقع أمته الذي يتطلب منها أن تشكل كتائبها دفاعاً عن عقيدتها وحفاظاً على كيانها من
جهة أخرى.
وإلحاح الشاعر على تكرار كتائب الله» لم يأت عبثاً أو ليملأ فراغاً، بل لما لها من خفة، ووقع حماسي، وإضافتها إلى لفظ الجلالة منحها بعداً عقائدياً ووجدانياً خاصاً، حيث كررها تسع مرات، ولما وجد أن هذه الدفقات لما تكتمل بعد، أردفها بنداء «يا غارة الله» التي كررها خمس مرات في بداية كل بيت (2).
(1) البهلاني أبو مسلم ديوانه، مخطوط، 235 - 236.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 240. (1/352)
صفحة 353
ومن أساليب التكرار عنده تكرار أسماء الاستفهام للتأكيد على شأن
المستفهم عنه وهو استفهام قصد به إثارة النفوس وتبكيتها ومحاولة تذكيرها بماضيها، كأن يستخدم اسم الاستفهام «أين» متكرراً في البيت أكثر من مرة: أين العزائمُ أين النخوة انتقلت أين الحفاظ وأين العز والشان أين الشكائمُ في الإسلام ما فعلت أظنها مع آباء لنا بانوا (1)
وقد يكرر أسلوب «إلى متى» للإنكار على قومه الذين اتهمهم باستمراء الذل، والسكوت على الضيم، فإلى متى سؤال إنكاري يقصد به التقريع
والتوبيخ»، كأن يقول:
اين رجالُ الله ما شـ
إلى متى نعجز عن حقوقن
اتُكُمْ إلى متى في ديننا نرضى الدنا
إلى متى يسومنا الضيم العدى
إلى متى نخزى ولا يؤلمنا كالميت لا يُؤلمه حر الشبا (2)
حيث كررها ثلاث عشرة مرة.
وقد يأتي التكرار على سبيل التنويه بالمخاطب، وتأكيد مكانته، والإشادة بذكره، وبيان علو قدره عند المخاطب، كما ورد عند أبي مسلم، الذي كرر نداء أبي الحسن علي بن طالب كرم الله وجهه، في ثمانية أبيات متتالية ليتمكن من إبراز مكنونات أحاسيسه تجاهه، في خطاب عتابي رقيق، بياناً لمكانته في القلوب، وتوقيراً لموقعه في النفوس، حيث يقول:
أبا حسن ذرها حكومة فاسق جراحات بدر في حشاه تفورُ
(1) المصدر نفسه، 241.
(2) المصدر نفسه، 268.
13531 (1/353)
صفحة 354
أبا حسن أقدم فأنت على هدى وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن
لا تعطين دنية وأنت بسلطان القدير قدير أبا حسن لا تنس أحداً وخندقاً وما جَرَّ عير قبلها ونفيرُ أبا حسن أين السوابق غودرت وأنت أخوه والغدير غدير (1)
وتختلف استعانة الشاعر بهذا النمط الأسلوبي حسب دفقاته الشعورية وحاجته إليه وموقعه من السياق، فقد يمتد لأكثر من خمسة عشر بيتاً كما مر- وقد يقتصر على مرتين، بحسب ما يستدعيه الموقف الشعوري والمناخ الشعري، كأن يكرر الشاعر حاكمته» للإمام علي بن أبي طالب، في إشارة إلى معاوية بن أبي سفيان وحادثة التحكيم إذ ذكر هذا التركيب ثلاث مرات: د سبعين ألفاً عقرة الجزر حاكمته بَعْدَ عمار وروحته إلى الجنان وبعد السادة الطهر حاكمته بَعْدَ حكم الله فيه بما يشفي الغليل وقد أيقنت بالظفر (2)
حاكمته بَعْدَما ألحمتهُ قَر ما بعق
وقد يكرر التركيب مرتين كما في قوله:
وكنت حفياً يا ابن عم محمد بحفظ دماء ما لهن خفيـ وكنت حفيّاً أن يكونوا بقية لنصرك حيث الدائرات تدور (3)
وهو عتاب مثقل بالحزن والتوجع، مع ما فيه من تفخيم للمنادى وإشادة
بموقع قرابته من رسول الله.
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 210.
(2) المصدر نفسه، 217.
(3) المصدر نفسه، 211. (1/354)
صفحة 355
ومن ألوان التكرار أيضا تكرار الكلمة من خلال صيغها في بيت واحد،
كأن يقول أبو مسلم:
وألوية التحكيم تنشر عزها وتدعو إلى حكم به الله حاكِمُ (1)
وهو هنا لا يتحدث عن المُحَكِّمة الأوائل ولكنه يتحدث عن إباضية عصره، المتصلين بالمُحَكِّمة، الذين نشروا هذه الألوية الداعية إلى الحكم بما أنزل الله، في إشارة سياسية، وقاعدة شرعية، وصلة مذهبية، أوردها أبو مسلم في بيت واحد. وقد جاءت كلمة «تنشر» بعد «ألوية التحكيم» في موقعها متناسبة مع كلمة «ألوية» في مطلع البيت، التي جسدها في حالة محسوسة كالثوب والعلم الذي ينشر فيرتفع ويحلق فيرى من بعد.
ومن صور هذا التكرار ما نجده من مراوحة بين تكرار الحروف وتكرار الكلمات والتقسيم في نظام، واحد، فالشاعر عبدالرحمن الريامي يمدح الإمام الخليلي، مستخدما ضروباً من التكرار في قوله:
عرمرم
فرد الندى نور الهدى لمَّا بَدا أفنى العدا بحسامه وبما طَعَن ذا الذي قد جَرَّ كُلَّ ملأ الفضا عدلاً بإطفاء الإحن هذا الخليلي الأمين المرتضـ زاكي الأرومة والخصال من الدرن هذا سمي المصطفى خير الورى هذا خليقته خذوا عني وعن (2)
(1) المصدر نفسه، 248.
(2) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 300.
< FOO (1/355)
صفحة 356
فقد كرر الشاعر حرفي الدال والنون فبلغ تكرار حرف الدال المتبع بالألف خمس مرات، والنون ثلاث مرات، وكرر هذا» أربع مرات للتأكيد على المشار إليه وإظهار أهميته.
ويستخدم أبو مسلم البهلاني ضروباً من التكرار لمجموعة من الصفات التي تقدم صورة متكاملة لقوم الشاعر الذين تمكنوا من خلالها أن يصلوا إلى أهدافهم، وهي إقامة نظامهم السياسي، مراوحاً بين التكرار والتقسيم، فيقول:
هنيئاً لأهل الحق صدق انتصارهم ويقظتهم في الله والدهرُ نائمُ وفوا بوصايا الله في السخط والرضا كراماً وأفعالُ الكرام كرائم فما حصروا في موقف الحق لمحةً ولا وسعوا ما ضيعته المحارمُ ولا حسدوا من نعمة الله ذرَّةً إذ الفضلُ مقسوم وذو الفضل قاسم ولا احتقروا ذا القدر في منصب التقى ولو زهدت للفقر منه العوالمُ ولا داهنوا في الدين من أجل مطمع يسيل به أنفٌ من الكبر وارمُ تراموا على القرآن شرباً بمائه فأصدرهم والكل ريان هائم (1)
ومن مظاهره ما نجده عند بعض الشعراء الذين يعمدون إلى اختيار ألفاظ يشتقونها من بعضها تنشأ عنها موسيقى، داخلية، من خلال التكرار الاشتقاقي للألفاظ، كما هو الحال عند الشاعر العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي () من قصيدة ذات لغة سلوكية يقول في مطلعها:
(1) البهلاني: ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 247. (2) جاعد بن خميس الخروصي، المكنى بأبي نبهان (1147 هـ - 1237 هـ) عالم شاعر، لقب في عمان بالشيح الرئيس، اشتهر بقصائده السلوكية له عدد من المؤلفات في التفسير والفقه، وعلم السلوك. انظر دليل أعلام عمان، 45 وانظر الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان،
139:1 (1/356)
صفحة 357
شموس قلوب العارفين بوازغ ومن حب غيرِ اللهِ هِنَّ فوارغ لها من خفيات الخفي مطالع وفي غرب أعيان العيان مبازغ وفي سر إشراق النفوس مشارق لآفاق أوفاق النّفاق دومغ (1)
ففيها لغة راقية واشتقاقات وتكرار حروف، خلقت موسيقى داخلية،
منحت النص جواً خاصاً.
ويستخدم أبو
مس
لم البهلاني الاشتقاقات اللغوية ويوظفها بما يعكس أحاسيسه ونجد توظيفه لذلك في قصائده السلوكية، في مقام الذكر، كأن يقول: ويا قاهر القهار فوق عباده إلى قهرك الغلاب رفع شكيتي شكية مقهور بسطوة ظالم يجوس خلال الدار في أمن غرة شكية مظلوم مضام مذلل الحق مخذولاً ولا حينَ نُصرة معاذك من قهر الرجال فطالما خذيت له والقهر قهرك عصمتي وما عظمت يا قاهر الكل شوكة لخصم فلم تكسر شباها بشوكة وما قهر مقهور تجاوز طوره بفائت قهر الله في جزء ذرة بحق صفاتُ القهر للقاهر الذي السلطانه ذلّت صنوف الخليقة (2)
يرى
وهكذا تبدى صنيع الشاعر في توسله بأسماء الله الحسنى التي وظفها توظيفاً يتناسب مع البعد الفكري الإباضي من ناحية، ومع التوظيف اللغوي المعنوي لمقتضيات معاني دلالات اسم الله الأعظم من ناحية أخرى، حيث لجأ الشاعر إلى تقليب أوجه الاشتقاقات الصرفية لهذه الكلمات، والشاعر في هذا
(1) الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان، 1: 147. (2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان 64.
357 (1/357)
صفحة 358
متعلقاً النموذج يدعو باسم الله «القاهر جل جلاله» المأخوذ من الفعل قهر
6
ليستخدم الشاعر الاشتقاقات التالية: قاهر قهار، قهر، مقهور) مكرراً هذه الاشتقاقات ثلاث عشرة مرة في سبعة أبيات.
ولا يخفى ما في هذه الطريقة من وسيلة لاستثمار معطيات المعاني من جهة، ولإشباع حاجة الشاعر في إفراغ شحنته العاطفية من جهة أخرى، ولما يمنحه التكرار الناشئ عن ذلك من نغم صوتي.
- {
- التوازي والتقسيم:
ومن المظاهر اللغوية عند عدد من الشعراء، ما يسمى بالتوازي و التقسيم، والتوازي هو «أخذ سلسلتين متواليتين أو أكثر، لنفس النظام الصرفي النحوي المصاحب بتكرارات، أو باختلافات إيقاعية وصوتية ومعجمية ودلالية» (1) وهو نظام متصل بالبنية الصرفية للكلمات، يمنح البيت الشعري موسيقى داخلية، وطابعاً مميزاً يثير القارئ ويشد انتباهه، من خلال الألفاظ المتوازية في الصرف المتقابلة في الوزن، وهو نفسه الذي أطلق عليه «الترصيع» وعرف بأنه «توخي تسجيع مقاطع الأجزاء، وتصييرها متقاسمة النظم، متعادلة الوزن» (2).
وبالنظر في شعر الإباضيين في هذه الفترة، نجد أن أغلب هذه المتوازيات تتألف من كلمتين تتمتعان بنسق إيقاعي موحد في الغالب، تنتهي بتقطيع البيت الشعري إلى وحدات متوازية، تقوم على عدد من المتوازيات،
(1) محمد كنوني، اللغة الشعرية، دراسة في شعر حميد سعيد، الدار الثقافية، بغداد، ط 1، 1997 م، 117.
(2) البغدادي، أبو طاهر محمد بن حيدر (ت 517 هـ) قانون البلاغة في نقد النثر والشعر، تحقيق محسن غياض عجيل، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1، 1981 م، 107. (1/358)
صفحة 359
تتوافق متتالياتها، في تقاطع يمنح النص انسجاماً في الأصوات، وتكسبه خاصية في الأداء، كقول ابن شيخان السالمي في وصف الإمام سالم
الخروصي:
راشد الأمة مأمون البنا واقد الهمة مسنون الشبا سالم الجانب ممدود المدى طاهر الحجزة، معقود الحبا آمن المرصد ميمون اللقا صاعد المقصد، يعلو الشهبا (1)
فالألفاظ في هذه الأبيات تتقابل أوزانها في البيت الواحد كما تتقابل في الأبيات بحيث يتقابل مطلع كل شطر في البيت وآخر الشطر الأول ونهاية الشطر الثاني، وما يقابل كلاً منها في باقي الأبيات.
مجموع
وقد يلجأ الشاعر إلى مجموعة من السمات اللغوية كالتقسيم والتضاد
كقول أبي مسلم يصف الأئمة الإباضيين:
رضوا ببلغة محياهم على خطر منها كأنهم بالبلغة اختانوا سيما التعفف تكسوهم جلال غنى فالقلب في شبع والبطنُ خمصان سمت الملوك وهدي الأنبياء على أخلاقهم، فكأن الفقر تيجان مضوا وآثارهم نور وذكرهم رحمى، ومضجَعُهم روح وريحان (2)
ففي هذه الأبيات تواز وتضاد ومقابلة، فقد قابل بين القلب والبطن، والشبع والجوع، ووازى بين سمت الملوك وهدي الأنبياء وتقابلت مقاطع
(1) السالمي: محمد بن شيخان، الديوان، 186، 187.
(2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 233. (1/359)
صفحة 360
6
البيت الأخير آثار هم نور ذكرهم، رحمي مضجعهم، روح، وهي كلها تنتمي إلى متوازيات متقابلة لفظاً ومعنى.
ومن هذا النوع المسمى بالمقابلة قول أبي مسلم في وصف الإمام
السالمي: يطوي عزائم بالتقوى وينشرها كأنهن بخصم الله نيران (1)
فقد قابل بين يطوي وينشر وتخلص من الوضع اللغوي لهما، وخلع كلا منهما على أمر معنوي تشبيها له بالأمور الحسية، إذ استطاع الشاعر أن يجسد العزائم، وهي من الأمور المعنوية من خلال استخدام لفظتي «يطوي وينشر» وهذه العزائم التي تطوى وتنشر، إنما تعتمد على التقوى أساساً لتصبح كافية لأن يقابل بها خصم الله.
كما نجد الشاعر يستخدم المقابلة المركبة في بيت واحد ليكون شطر البيت مكونا من عدد من عناصر الألفاظ التي نرى تقابلاتها في الشطر الثاني من البيت، فيحكم الشاعر فيها توزيع المتقابلات بما ينسجم وحركة المعاني في بناء فني يقوم على التناظر بين تلك المتقابلات كما يتضح من قول أبي
مسلم في وصف أئمة الإباضية:
أحسابهم ومعاليهم ودينهـ
كواكب وهدايات ورضوان (2)
فقد أورد الشاعر ثلاث متقابلات في الشطر الأول، ليقابلها بثلاث أخرى في الشطر الثاني فأحسابهم كواكب، ومعاليهم هدايات، ودينهم رضوان.
(1) المصدر نفسه، 234.
(2) المصدر نفسه 235. (1/360)
صفحة 361
وقد يتكئ الشاعر على التوازي المتصل بالترصيع، ليوجد نوعاً من
التوحد في النسق التركيبي لبيتين وهو يصف أشياخ مذهبه:
خيت إذا جن الظلام رأيتهم طاروا إلى الملكوت بالأسرار غر إذا سجد الظلامُ على الفضا سجدوا على الثفنات كالأحجار (1)
فإن هذا التركيب المتوازي في صيغه المتقابل في معناه، المتسق في إعرابه النحوي منح الأسلوب متانة في التركيب وقوة في البناء، فضلاً عما أشاعه من جو موسيقي داخلي في الأبيات، بدأ هذه المتوازيات بخبر لمبتدأ محذوف متلو بإذا الشرطية، بعدها فعل وفاعل، مع وجود جواب الشرط في بداية الشطر الثان ثم جاران و مجروران، متتاليان ضمن هندسة لغوية
منسقة.
وقد يستعين الشاعر بالترصيع فيأتي بكلمات منتمية إلى مجموعة معنوية
واحدة، كما في رثائه للعلامة السالمي حيث يخاطب الموت:
أفقدتني شهب الفضائل كُلَّهم ويْلاهُ مَن شَهبُى ومَنْ أقماري ويلاه أين سماؤها ونجومها وشموسها ذهبوا كأمس الجاري
أنضاهم التسبيحُ والترتيلُ والتـ
هجيد بين جوانح الأسحار (2)
فكل من النجوم والشموس والشهب والأقمار تنتمي إلى منظومة واحدة، والتسبيح والترتيل والتهجيد تنتمي إلى ألفاظ يتصل بعضها بعض.
(1) البهلاني: ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 371.
(2) المصدر نفسه، 371. (1/361)
صفحة 362
ومن صور التوازي في الأبيات المتتالية التي تتقابل في البيت الواحد، كما تتقابل في مجموع الأبيات قول الشاعر عبد الله بن علي الخليلي، يصف
عظمة الله سبحانه يقول:
وثم مقامات يلوح بها الخف
لها خلف أستار الغطا مشرق ساني
خلاق رحمن حقائق رحمة رقائق، آيات، دقائق تبيان
عوالم توحيد معالم وحدة طلائع قراء مطالع قرآن لفائفُ أحكام ائف حكمة مجامع إيقان جوامع إيمان شواهد أنعام، مشاهد نعمة ظواهر ألواح مظاهر ألوان محاضر تنزيه حضائر نزهةً فضائل غفار فواضل غفران مدارج إيصال معارج وصلةٍ فوائد منان، عوائد حنان تبارك من لا يدرك العقل كُنْههُ ولا تدعي إدراكه ذات أجفان (1) فإن هذا الحشد من التوازي والاشتقاق الصرفي الموحد، هيأ للأبيات موسيقى داخلية، وهي مع ذلك البناء الاصطناعي، إلا أن القارئ يحس بسلاسة ألفاظها وإيقاعية تراكيبها، فضلاً عما فيها من أثر للفكر الإباضي
العقائدي في البيت الأخير.
- الأسلوب الخطابي:
يلحظ أن لطابع الاتجاه الفكري في الشعر أثره في تلبس القصيدة بطابع الأسلوب الخطابي، المعتمد على الأدوات المستعملة في الخطب عادة، كأدوات الاستفهام، والأمر والنهي، والتوكيد والإكثار من صيغ التعجب، والإنكار
(1) الخليلي، عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية التراث، 1398، 1978 م، 119.
362 (1/362)
صفحة 363
التحريضي، والتحضيض والقسم، وما إليها من الصيغ المعروفة في أساليب
اللغة العربية الإنشائية (1).
وحين نتلمس قصائد شعراء هذه الفترة، نكاد لا نجد قصيدة لا تأخذ من
هذا الأسلوب بنصيب، ولعل ذلك يعود إلى البنية الموضوعية التي كان يحاول الشاعر إيصالها إلى متلقيه.
والشاعر المقتدر يمكنه الإفلات من أسر الصيغ التقليدية لهذا الأسلوب، إذا استطاع أن يوجه هذه الأساليب وجهة ناجحة مبتعداً بأسلوبه الحماسي الخطابي عن المباشرة، فيمنح نصه جواً إيحائياً، مستثمراً تجربته الشعورية، وهو يخاطب وينادي في محاولة منه لبعث الهمم فيهتم بموضوعه وفنه في آن معا. أما إذا جاء الشاعر بألفاظ لا تتعدى دلالتها القاموسية، فإنه يقع في مطب، الابتذال، فالفكرة ليست كل شيء في القصيدة، إذ لا بد أن ترافقها لغة موحية، بطريقة جمالية.
ولو نظرنا في هذه الأبيات التي قالها أبو مسلم، محمسا وداعيا إلى
الثورة على الظلم
أين الشكائمُ في الإسلام ما فعلت أظنها مع آباء لنا بانوا سلوا القبور التي ضمت أصولكم هل واطنوا الذل أم في دينهم هانوا تركتُم سُنَّةَ الأسلاف مطرقة ولا يؤنب بالإطراق خجلان أما يُحرككُم إن قال ناصحكم الأصل كاس وفرغ الأصل عريان (2)
(1) انظر د. محمد، ناصر، الشعر الجزائري الحديث، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1،
1985، 61.1
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 241.
363 (1/363)
صفحة 364
لوجدنا أن هذه الأبيات وإن بناها الشاعر على اللهجة الخطابية، من الاستفهام المباشر، وفعل الأمر وصياغة التعجب وأسلوب التقريع إلا أن الشاعر استطاع أن يبث فيها حيوية شاعرية تمزج بين الذات والموضوع وقوة المشاعر وتعدد صيغ الخطاب.
الفكـ
ولا ننسى في هذا المجال قصائده الحماسية وقصائده في أهل النهروان عكست وجهة نظر الإباضية في تلك الحادثة إذ استطاع أن يوازن بين ومعطياته والشعر ودواعيه حينما كانت هذه المعطيات ذاتها من دواعي الشعر عنده، فعلى الرغم من وضوح فكرتها وشيوع الأساليب الخطابية فيها، من مثل النداء والاستفهام والحض والتقريع إلا أن الشاعر منحها سمة أدبية، بابتعاده عن اللغة الجافة من خلال مواقف شعورية أكسبها انفعالاً صادقاً وخيالاً شعرياً موظفاً.
ومن ذلك قول ابن شيخان السالمي ينادي، قومه، ويطالبهم بمناصرة الإمام سالم الخروصي:
يا حماة الدين يا أهل الوفا يا كرام الناس قوموا غَضَبًا أيدوا هذا الإمامَ المُرتَضَى واغمروا بالعدل هذا المَذْهَبَا وانزعوا الأحقاد منكم واسلكوا سبل الخير وداووا الوصبا واجمعوا الأمر ولا تختلفوا واحذروا رِيَحكُم أَن تَذهَبًا واطلبوا الألفة وارْعَوا حقك واذكروا إذ كنتم أيدى سبا (1)
فإننا نجد أن الشاعر تناول غرضه تناولاً مباشراً اعتماداً على اللهجة
الخطابية، بما تستدعيه من نداء وأمر ونهي وحض، في عرض يكاد يخلو من
(1) السالمي محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان، 187. (1/364)
صفحة 365
الإيحاء والصور والتفاعل واعتمد على فعل الأمر المباشر ضمن لغة
صريحة، لا يجد القارئ فيها خيالاً ولا تفاعلاً.
والشاعر الإباضي العماني كان محاطاً بجملة من الظروف السياسية والاجتماعية حتمت عليه أن يتجه إلى جمهوره اتجاهاً مباشراً، بحكم موقعه الديني، ولا نشك في أن مجموعة قصائد الإمام نور الدين السالمي النهضوية، الداعية إلى الثورة، المحمسة للقيام بالواجبات الدينية، إنما كان يقوم بقراءتها على متلقيه وإشاعتها بين مجتمعه لأنها بطبيعة الحال ذات لغة موجهة، طابعها الإثارة، وهدفها التحريض، كأن يقول:
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبة وَجُدَّ وإِن ضاقت عليك مذاهبة وسارغ إلى تشييد أركانه فلا قرار لنا والعدلُ هُدَّت جوانبه (1)
ومن ذلك قصيدته التي مطلعها:
قل للذي تـ رك العـ
ـلا لما رأى فيها البـ
ــلا
إن التمـ اس المجد من قطع السبا سب والفـ
لا (2)
وقصيدته:
تجلد أخى وخل الأسا وقم للمعالي ولا تيأسا
وغيرها من قصائده التي يغلب عليها الطابع الخطابي، وإن كان الشاعر يراوح فيها بين الخطابية والإحساس الصادق والعاطفة المتقدة، مما يقربها
(1) السالمي: عبدالله بن حميد، الديوان، 66. (2) المصدر نفسه: 95. (1/365)
صفحة 366
من اللغة الشعرية الموحية، وإن بدا اهتمام السالمي منصبا على المضمون دون الشكل.
كما أن شاعراً مثل أبي سلام الكندي قد نحا هذا الجانب بفعل الحالة السياسية التي كان يعيشها، وبحكم رغبته في التواصل مع جمهوره، فأكثر من أساليب الإثارة والدعوة إلى النهضة، والتحذير من مكائد العدو، والتقريع للمتخاذلين واتخذت أساليبه صورة التحسر والتهكم كأن يقول:
هل غيور في الدين يظهر فينا يُشْهر السيف في رقاب الظلوم يا بني العرب من عمان أفيقوا إنما السم كامن في الدسوم يا بني العرب من عمان استقيموا واستعدوا لطرد كُلِّ خصومِ يا بني العرب هل سمعتم أناساً بلغوا مجدهم برؤيا نؤوم وطعان يُذل أنفَ الغش لا ولكنهم بتحطيم سيف
ــوم
(1)
وكقوله مستصرخاً ومحذراً ومتسائلاً في أسلوب تغلب عليه الخطابية
المباشرة:
أموالنا مبذولة بيد العـ
ما بال قوام الأمور نيام والدين يُهْدَمُ رَكْتُهُ ويُضامُ هل غيرة في النفس تدفعهم إلى إنقاذه إن القعود حرام ونفوسنا تحتَ النِّعالُ تُسامُ من قائد أو أننا أغنام واحسرتا هلا يسل حسام (2)
المذلة. هل لنـ
ما بالنا نرضى
ما بالنا في حيرة من أمرنـ
(1) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر، ديوان نشر الخزام، 19.
(2) المصدر نفسه، 38. (1/366)
صفحة 367
ويرتبط بالأسلوب الخطابي صفتان هما التقريرية والوضوح ومثل ذلك
ما نجده عند الشاعر عبد الرحمن الريامي، الذي تفاوتت مستويات قصائده فنياً، فتقترب الأبيات التالية من النثرية عندما يقول:
قامت لرد البغي منا فتية في نهضة للحق والعدل المكين بحمير في عصبة من جنده قامت لنصر الله والفتح المبين وذاك عن سعي الإمام السالمي والمالكي العالم الحبر الأمين (1)
إذ اتسمت هذه القصيدة بالتقريرية في بنائها والوضوح في تراكيبها، ولا تزيد معاني هذه الأبيات على إبراز حكاية ما وقع، وهي تخلو من العاطفة فضلاً عن افتقاد لغة التصوير والتفاعل مع الحدث ليبقى قارئ مثل
والانفعال،
هذه الأبيات في موقف سلبي لا تحتاج منه إعمال فكر ولا إجهاد خاطر (2). ومما يخفف من سطوة المباشرة في الخطاب، ما نجده من لجوء بعض الشعراء إلى إيجاد ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزاً- حواراً داخلياً في النص كأداة من أدوات التعبير عن الفكرة المسيطرة على الشاعر، بغية دفع الرتابة من جهة، ورغبة في التعبير عن مكنونات النفس بنزعة درامية من جهة
أخرى.
وعليه فان ضروباً من ألوان الحوار قد انبثَّت في قصائدهم الفكرية، يستطيع الباحث تلمس ذلك في مواطن عدة من شعرهم، فأبو مسلم البهلاني حين عكس وجهة نظر الإباضية في حادثة النهروان، لم يسرد القصة سرداً
(1) الريامي عبدالرحمن بن ناصر، ديوانه، مخطوط، 170.
(2) د. محمد مندور، في الميزان الجديد، ط 3، دار النهضة مصر، القاهرة، د. ت، 22. (1/367)
صفحة 368
إخبارياً جافا بل عمد إلى إيجاد نوع من التواصل بينه وبين شخصيات
الحدث كقوله مخاطباً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
علياً أمير المؤمنين بقية كان دماء المؤمنين خُمور سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم فأنت على أي الذنوب نكير وما النَّاسُ إِلا مؤمنٌ أَوْ منافق ومنهم جحود بالإله كفور وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهم جحود وهذا الحُكْمُ منك شهير فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم وأنت بأحكام الدماء بصير (1)
فقد استطاع الشاعر أن يمنح تلك الأحداث حركة، عبر الحوار والنداء، والتفاعل الذاتي مع الحدث، وقوة العاطفة المعبرة عن أحاسيسه، الكاشفة عن البعد النفسي والانعكاس الفكري لحظة ندائه له، وحواره معه، فهو يحاور الخليفة حواراً فيه جرأة وينم عن تحسر، ويعبر عن شخصية قائله وفكره. ونجد الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي يقيم حواراً مع الليل، وهو حوار
يفرغ فيه عاطفته ويكشف عن أحلامه وآماله حين يقول:
فيا لك ليلاً قد دجا فترت شموس الضحى فالصبح أسود أسفعُ ألا تنجلي يا ليلُ عن صبح فتية کرام بهم قد رد للعدل يُوشَع (2) على أن حواره مع الليل لم يكن حواراً وجدانياً فحسب، بل هو حوار يهدف من خلاله إلى الترويح عن النفس، عبر تلك الأمنية بظهور فتية، يكون على يديها نشر العدل، ليقوم بتجسيد مشاعره في تلك الصورة.
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 211. (2) الخليلي: سعيد بن خلفان الديوان، مخطوط، 44. (1/368)
صفحة 369
بينما يقيم أبو مسلم حواراً ذاتياً مع نفسه، لحظة خطابه للإمام سالم
الخروصي، ناعياً حظه، الذي منعه من الوصول إليه قائلاً:
أحاول فوزاً من حياتي بقربكم يراعي وسيفي والنُّهى لك خادم وإني لدهر صدني عنك شانئ وحتى متى من حرقة أنا واجعُ أدبر حزم الرأي في حل عقده وهيهات أعيى.
وحازم (1)
أو أن يقول في التعبير عن حالته، مقيماً حواراً مع الدهر:
عي
حتام يا دهر لا تبق على بشر خر وختام ضيم الحرِّ إحسان
أكل رأيك حربي أم لها أمَدّ فإن عهدي وللحالات ألوان حل العقال وأطلقني إلى سعتي ففي سجونك للميدان فرسان (2) فالشاعر هنا يخاطب الدهر، الذي أعلن الحرب عليه، ويقيم معه ه حواراً، فيجادله عبر استفهامه له في البيت الثاني، وينحي عليه باللائمة لإبقائه في عقاله سجيناً، طالباً منه فك أسره في حالة من التفاعل بأوضاعه.
ومن ذلك ما أقامه الشاعر من حوار مع «الموت» الذي ينتقي خيار الأمة وسادتها، ليكشف هذا الحوار عن معاناته النفسية، التي تتأجج أحزانها، وتتضاعف حسراتها في نهاية المقطوعة التالية بما يودعه من ألفاظ تحمل دلالة الحزن، وحوار يعكس أثر فقد السالمي ومكانته في المجتمع، حين يقول:
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا وتركت أمتنا بغير خيار
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 251. (2) المصدر نفسه، 230. (1/369)
صفحة 370
إلى أن يقول:
مهلاً فما أبقيت ثم بقية نزح القطين وجه روض الدارِ ما زلت تعتقرين كل أعزتي فالجو خاو والديار عواري أفقدتني شُهب الفضائل كُلُّهم ويلاه من شُهُبي ومن أقماري ويلاه أين سماؤها ونجومها وشموسها ذهبوا كأمس الجاري (1) والشاعر عبدالله الخليلي يقيم حواراً مع الآخر، في مقام الاستدلال على نفي الرؤية، مجرداً شخصاً آخر يخاطبه ويتبادل معه الحديث، ليصل معه إلى
قوله:
لن تراه فأنت ماء وطين وهو من ليس مثله أشباه (2) وهي مسألة أجادها البهلاني في خطابه مع مخالفه، في نظرته العقائدية التي لا ترى رؤية الذات الإلهية» فقد بنى قصيدته «طمس الأبصار» على طريقة الحوار وخطاب المخالف، فمنح النص جواً من التفاعل، وأشاع فيه حركة داخلية، خففت من التقريرية والمباشرة، وجفاف اللغة (3).
ومن هذا القبيل ما نجده عند الشاعر أبي سلام الكندي، الذي أقام حواراً يجسد من خلاله عاطفته الوطنية، في ندائه لعمان، ودعوته لها للنهوض، في أبيات متتالية، يقول في مطلع قصيدته:
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 371. (2) الخليلي: عبد الله بن علي، ديوان وحي العبقرية، 55.
(3) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 175.
370 (1/370)
صفحة 371
عمان انهضي واستنهضي الشرق والغربا ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا (1)
ويلجأ الشاعر سعيد بن عبدالله بن غابش إلى الحمام فيحاوره ويصور انفعالاته، ويترجم أشواقه إلى الإمام الخليلي، وهو في حد ذاته- وسيلة للتعبير عن مكنونات الضمير تجاه الممدوح. وقد أضفى ذلك الحوار مسحة فنية، نجح الشاعر فيه بالابتعاد بالنص عن التقريرية، من خلال مخاطبته لـ «صائغات السجع» كما دعاها في قوله:
صائغات السجع جدى في المشام واحملي عني التهاني والسلام غردي في الدوح سجعاً مطرباً وانشري ريحَ الخُزامى والبشام بلغي عني الإمام المرتضى من علت راياته فوق الأنام (2) على أن الشاعر لو أطال في مناجاته، لشكل ذلك نجاحاً أكبر لقصيدته، ومن صور الحوار الداخلي الذي يتحاور فيه الشاعر مع ذاته، بما يكشف عن حالتها الراهنة، بغية التجاوز إلى موقف يحررها من قيود الواقع، ويبصرها
بالمنهج السليم، الذي ينبغي عليها أن تسير بمقتضاه، متخذاً من الحديث مع النفس وسيلة لتعميم الخطاب، كما يقول السالمي:
مقام في القصور على قصور مقام مثل ربات الخدور فتصبح مثلها وتروح أيضاً على فرح بأنواع السرور
كأنا قد خُلقا للغـ وقلب فارغ من كل هم
(1) الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد ديوان نشر الخزام، مخطوط، 15.
،
(2) الطوقي: سالم بن محمد بن سالم مجموعة شعرية، مخ، 32.
(3) السالمي: عبدالله بن حميد الديوان تحقيق عيسى السليماني، ر. ج،
10°
ــرور
(4)
371 (1/371)
صفحة 372
الصورة الشعرية
تشكل الصورة أهمية كبرى في عالم الدراسات النقدية للشعر، وهي من أهم المقاييس الدالة على نجاح الشاعر في تشكيل بنائه الشعري والاتجاه إلى
دراستها يعني الاتجاه إلى روح الشعر (1).
والصورة في أبسط معانيها رسم قوامه الكلمات (2) وعن طريقها يجسد الشاعر رؤيته، وينقل تجربته بفضل ما يمتلكه من الخيال، الذي هو أساس مكونات الصورة «فالجودة في الشعر لا تقاس بلفظه ولا بمعناه، وإنما بالصورة التي يكون عليها» (3) لأن الشعر «جنس من التصوير» (4) وهي في طبيعتها «تشكيل لغوي، يكونها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها (9) وبفضلها يصل الشاعر إلى تثبيت العلاقات التي تصل ما بين الأشياء والفكر، وما بين المادة والحلم أو الخيال الذي
(1) د. إحسان عباس فن الشعر، دار الشروق للنشر والتوزيع، بيروت، ط 4، 1987، 200. (2) دي سي لويس الصورة الشعرية ت أحمد نصيف وآخرين دار الرشيد، العراق، د. ط،
021،1982
(3) أحمد عبدالسيد الهادي: النقد التحليلي عند عبد القاهر الجرجاني، دراسة مقارنة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979، د. ط، 194. (4) الجاحظ، عمرو بن بحر الحيوان تحقيق عبد السلام، هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، القاهرة، 1965، 3: 132.
(ه) علي البطل الصورة في الشعر العربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1981، 30. (1/372)
صفحة 373
يتجاوزها» (1)
والإيحاء بظلالها» (2).
«الأداة الفنية القادرة على رسم أبعاد التجربة الشعورية
الشاعر لا يقوم غالباً - بنقل المعاني مجردة، بلغة مباشرة، ولكنه يعمد إلى استبطان الفكر فيضفي عليه من أحاسيسه، وهو حين يلجأ إلى استخدام الصورة الشعرية فإنه يحلّق بالقارئ بعيداً عن التصريح بالفكرة التي تعتمل في نفسه، لأن الصورة تزكية عقلية تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكر، أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع» (3).
وعن طريق الصورة يستطيع الشاعر البوح الإيحائي بما يترسب في أعماق وجدانه، فيجسد فكرته بما يعكسه من انفعال صادق، يبرز مضامين صوره بما يمتلكه من خيال، متوثب يتجاوز به حدود الواقع.
وتجربة الشاعر تبقى الأساس في انطلاقه إلى رسم صوره، وتأليف أجزائها، ليتمكن من التأثير في وجدان متلقيه استجابة وتفاعلا مع توجهاته الفكرية، وقد عَدَّ بعضهم الصورة ممثلة للشاعر ولمذهبه ولعصره
(ه) (4)
ومن
(1) د. محمد غنيم هلال النقد الأدبي الحديث دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة،
دن، د. ط، 400.
(2) د. عدنان حسين قاسم التصوير الشعري التجربة الشعورية وأدوات رسم الصورة الشعرية، المنشأة الشعبية، ليبيا، ط 1، 1980، 11. (3) د. عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، د. ت، د. ط،
66
(4) د. نعيم اليافي، تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، دمشق، اتحاد الكتاب العرب،
ط 1، 1983، 6. (1/373)
صفحة 374
خلالها يمكن التعبير عن ذات مبدعها، والكشف عن عالمه الداخلي، وما
يدور في حناياه من خواطر وأحاسيس لحظة الإبداع» (1).
الفكـ
وبالنظر في نتاج الشعراء الإباضيين، نجد أنه قد تفاوت اهتمام شعراء الإباضي في هذه الفترة بلغتهم وتصويرهم الشعري، وذلك ناشئ عن
اختلاف كل شاعر عن الآخر.
وقد شكلت الثروة الفكرية جانبا من جوانب تشكيلهم الشعري، فامتزجت صورهم الشعرية بالبعد الفكري الإباضي، فجاءت صورهم معبرة عن قناعاتهم الشخصية عاكسة لنوع الثقافة التي كونت شاعريتهم.
ومن أبرز الشعراء الذي اهتموا بتوظيف الفكر في التشكيل الشعري أبو مسلم البهلاني، الذي جاءت صوره الشعرية موحية بمعطيات فكره، مستثمرة تجارب الحياة، ممتزجة بالحس والنفس في أغلب أغراضه الشعرية، إضافة إلى جملة من الشعراء الإباضيين الآخرين.
ومن أبرز الموضوعات الفكرية التاريخية التي استطاع الشاعر الإباضي توظيفها، ما يتصل بقضية التحكيم وأهل النهروان، وكان فارس حلبة هذا الميدان أبا مسلم البهلاني الذي وظف البعد الفكري للمفهوم الإباضي
لهذه الحادثة.
ومن جميل صوره المشعرة بالتفاعل مع الحدث، والدالة على الموقف
من مجرياته، قول أبي مسلم يخاطب الإمام علياً كرم الله وجهه:
وما قتال ابن صخر بعدما انسكبت خلافة الله في بلعومه البخر
(1) د. حسن طبل، الصورة البيانية في التراث البلاغي، القاهرة، ط 1، 1985، 13.
374 (1/374)
صفحة 375
حكمته في حدود الله ينسفها نَسفَ الزعازع مندوفاً من الوبر (1) يصور أبو مسلم استيلاء معاوية بن أبي سفيان على الخلافة الإسلامية بالقهر والغلبة مجسداً الخلافة وكأنها شيء محسوس، مردفا ذلك بتصوير حدود الله التي أصبحت مجالاً للتلاعب والاستهانة بها، فشبهها بالوبر الذي تذروه الرياح لخفته، والصورة قامت على الاستعارة والتشبيه واستطاعت أن تعبر عن وجهة نظر الشاعر التي هي وجهة نظر الإباضيين ليكمل البيت في الصورة رة القاتمة، ويعكس الحسرة على ما آل إليه الوضع بعد
الثاني
التحكيم.
ومما يتصل بهذه المسألة ما نجده عند الشاعر - نفسه من تصوير لأهل النهروان الذين قتلوا في هذه الحادثة حين يقول:
فمالك والأبرار تنثرُ هامَهُمْ كَأَنَّكَ زَرَّاعٌ وَهُنَّ بذورُ ذروتهم عصفاً وتبكي عليهم بلي فابك خطب بالبكاء جديرٌ فما هي إلا جذعة الأنف ما شفت غليلاً وجرح لا يزال يفورُ عراقك لا يلوي عليك ضمي ستحصد هذا الزرع مهما تقصدت
() ".
فالشاعر لم ينقل رواية مقتلهم مجردة، ولكنه أضفى عليها مسحة فنية
حتى أتى بهذه الصورة التي أفصحت عن مشاعره، وهي صورة تجسد الموقف، مشبهاً تطاير الهامات من أجسادها والقائم على ذلك بالزارع الذي ينثر الحب مشيراً إلى الرواية الإباضية التي تؤكد ندم الإمام علي على قتل أهل النهروان، فهم جزء مهم من كيانه ولم يكن قتلهم إلا كقاطع أنفه، مركزاً
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 216. (2) المصدر نفسه، 211. (1/375)
صفحة 376
في تحليله للموقف، وما سيؤول إليه على الصورة مختتما ذلك بالصورة الإيحائية التي تضيء جوانب الصراع، لتتضافر الاستعارة مع الرمز المقصود في إيصال أبعاد التجربة الشعورية من خلال التشخيص.
وفي صورة أخرى لهذه المواقف يجسد الشاعر حالة أهل النهروان ساعة قتلهم، في صورة تعتمد على الحقيقة التي تجسد المعنويات وتعتمد على العواطف، حين تركوا للسباع ليس عليهم لفائف، ولا ستور إلا إيمانهم، وتلك المصاحف التي اصطبغت بدمائهم ولا أخال قارئاً يقرأ هذين البيتين دون أن يتصور المشهد الذي جسده أبو مسلم فيهما.
إن الناظر في شعر أبي مسلم، يجد أن أغلبه يعتمد على التصوير والإيحاء، لا سيما قصيدتاه رائية المُحَكِّمة» و «أشعة الحق» إذ تغص هاتان القصيدتان بالمشاهد والتجسيد وخلق الصور الشعرية المعتمدة في أغلبها على الاستعارة بما تختزنه من طاقة إيحائية، زيادة في صنع التأثير الفني والنفسي، بفعل قدرتها على الكشف عن مخبوءات النفس، في إشراقة بيانية.
وقد تعددت مصادر الصورة وطرائقها عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة، فكما شكل التاريخ أحد روافدها فإنّ المكان بدا تأثيره واضحاً في تشكيلها، وهنا ترتبط علاقة المكان بخيال الشاعر، لنجد المكان يشكل أحد مظاهر التصوير الفني عند الشاعر أبي مسلم، عبر الحالة الشعورية التي يجسدها الشاعر في مجموعة أبياته، التي يتخيل فيها تنقله في مواطن متعددة من عمان، وهو يعيش في غربته بزنجبار ليضعنا الشاعر أمام تشكيل مكاني شعري. مركزا بناء صورته المكانية على الحركة المتوثبة حين يقول: (1/376)
صفحة 377
فإن تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السحب أكناف وأحضان فحط رحلَك عنها إِنَّهَا بَلَغَتْ نزوي وطافت بها للمجد أركان هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان (1)
إن دراسة العناصر الشكلية والدلالات المكانية المرتبطة بمشاعر المتلقين، تمنح الصورة ألقاً مكانياً، تنفذ بالقارئ إلى أبعاد معنوية تخترق حجب الزمان والمكان، وتبين عن الصورة الشكلية التي انتظمتها.
وعلى كل حال، فهناك مركزية مكانية اتجه إليها خيال الشاعر فرست في مدينة نزوى» فامتدت الصورة فيها، وشكلت في مجموعها شبكة من العلاقات التي تتألف فيما بينها لتبرز الوجه الحضاري لهذه «المدينة» والمكانة الروحية لها، بفعل تأثيرها الديني، ومكانتها السياسية، وعمقها التاريخي، يظهر ذلك في قول الشاعر:
انزل على عرصات كلها قُدس للحق فيهن أزهار وأفنان انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين قيعان وظهران لها على الحَلِ والتعريج إدمَانُ
مشاهدهم
حيث الملائكة أرض مقدسة قد بوركت وزكت نصب فيها من الأنوار معنانُ
رست بها هضبة الإسلام من
حقب وإن قضت باستتار العدل أحيان
قامت بها
قُيَّة
الإسلام
شامخة
حتى تواضع بهرام وكيوان
ولم تزل عرصة للعدل عاصمة للاستقامة فيها الدهر سلطان (2)
(1) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 230. (2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 231. (1/377)
صفحة 378
إنه تصور يعتمد على تجسيد الحقيقة التاريخية والمكانية، وما تقترن بها من مواقف، وتختلج في النفس من مشاعر، في منظر يفجر في المتلقي توليد المشاعر لهذا المكان، وحينئذ لا نستغرب قول الشاعر قبلها:
هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان (1)
حيث يطلب الشاعر ممن يصل إلى عاصمة الإمامة والعدالة، أن ينزل من مركوبته وينحني إجلالاً فيقبل تلك التربة الطيبة التي أنبتت «الخلافة» وهي الإمامة فأورقت على ضفافها، فأثمرت كياناً سياسياً عماده «الإيمان» والاقتفاء لسيرة الخلفاء الراشدين، مجسداً هذا الطيف السياسي ببعده المكاني في صورة مجسمة تتعانق مع الصور اللاحقة بخيط نفسي واحد يخاطب الروح والإحساس والخيال معاً» (2).
وبما أن الإباضية مذهب يتخذ من الشراء والجهاد في سبيل الله منهجاً متواصلاً لإقامة نظامه السياسي، والحفاظ عليه فقد كان للحياة الحربية والجهاد أثر في تكوين الصورة، وفي تلوين معالمها، فيستمد الشاعر أبو وسيم الأزكوي من حركة جيش الإمام عزان بن قيس (1252 هـ 1287 هـ) صورته الشعرية حين يقول:
(1) المصدر نفسه، 231.
(2) د. عز الدين، منصور دراسات نقدية ونماذج حول بعض قضايا الشعر المعاصر، مؤسسة المعارف، بيروت، ط 1، 1405 هـ - 1985 م، 66. (1/378)
صفحة 379
يجر خميساً كلما اشتدَّ حادث يخوض به بحر المنايا ويسبح يشق به ظلماءَ كُلِّ عجاجة فير شده ضوء الحديد الموضح تسيل بطاحُ الأرض منه بأبح متى انحل منه أبطح سال أبطح (1)
إنها صورة عسكرية حربية يرسم فيها الشاعر حركة الجيش، وهي صورة حركية تتوالى أجزاؤها وقد جمع الشاعر لهذه الصورة جملة من المشاهد الملتقطة من الطبيعة، حيث أن للإمام جيشا أعده لمقابلة المنايا خوضاً وسباحة، وهو المشهد الأول. أما المشهد الثاني فهو يعكس فائدة هذا الجيش الذي يشق به الأرض المظلمة، من جراء الغبار المثار الذي يحول النهار ليلاً، فيرشده ضوء بيارق السيوف ولمعانها، بينما يأتي المشهد الثالث ليعبر عن كثرة عدد هذا الجيش الذي تسيل به بطاح الأرض من مكان إلى آخر. وتتبدى صورة الجيش أيضا عند الشاعر محمد بن شيخان السالمي في وصفه لجيش الإمام محمد بن عبدالله الخليلي قوة وعدداً فصوره بالطوفان وإن اعتمد الشاعر على الصورة التشبيهية التقليدية، حين يقول:
ولباها بجيش لو يُلاق
صروف الدهر وَلَت عنه حَسَرَى
يطم كأنه طوفان نوح تصادف أينما يَمَّمْت بَحْرا
تلوح. ى بوادره المنايا
فتوردهم حياض الموت جَمْرًا
رجال عمل الله باعوا نفوسهم بها الجناتُ تُشرى (2)
(1) الخصيبي: محمد بن راشد، البلبل الصداح، مخطوط، 33. (2) السالمي، محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان، 191 - 192.
"
379 (1/379)
صفحة 380
ومما يتصل بالصورة الحربية عند الشاعر الإباضي، هو أن يأتي بصورة عسكرية حربية في موضوع آخر وذلك كقول أبي وسيم يخاطب الإمام عزان بن قيس وأصحابه:
كأني من فرط الصبابة صارم بكفِّ كمي منكم أترنـ (1)
شبه حاله بعد أن أنحله الشوق إليهم لشدة هواه بهم، فأصبح يترنح يمنة ويسرة، كصارم في يد أحد مقاتلي الإمام، يهتز في يده اختيالاً وتعبيراً عن شجاعته وإقدامه وتحديه، وهي صورة عادت على لسان الشاعر عيسى بن صالح الطيواني في خطابه للإمام سالم بن راشد الخروصي:
إذا ذكرتكم أهتز من طرب كأنني صارم في راحتيك غدا (2)
وهذه الصور توليد لمعان سابقة، مأخوذة من قول الشاعر:
وإني لتعروني لذكـ اك هزة كما انتفض العصفورُ بَلَّلهُ القطرُ (3)
التراث.
مع اختلاف في التوجيه، وقدرة على التوليد للمعاني، والاستفادة من
وهي صورة تقترب أيضاً من الصورة التالية للشاعر خالد الرحبي،
مخاطباً الإمام الخليلي:
(1) الخصيبي محمد بن راشد البلبل الصداح، مخ، 34.
(2) السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، بحرية عمان، 194.
(3) البيت لأبي صخر الهذلي، ينظر: شرح شذور الذهب، لابن هشام الأنصاري، ومعه كتاب منتهى الأرب شرح شذور الذهب تأليف محمد محيي الدين عبد الحميد، د. ت، د. ط، 128. (1/380)
صفحة 381
عمرت بالعدل البلاد فأصبحت ولها بعدلك هزَّةٌ وهيامُ أمنت ساحات البلاد بسطوة تركت سحاب البغي وهو جهام (1) فالشاعر خالد الرحبي، جعل البلاد بمن عليها تهتز هياماً بعد أن غمرها الإمام بعدله، فنشر فيها الأمان، ليكملها بصورة أخرى مستمدة من الطبيعة في البيت الثاني مشبها البغاة الذين طغوا بسحابة صيف غير الممطرة. ويشبه الريامي تساقط القتلى من البغاة على يد الإمام الخليلي بالشجر
الذي تتساقط أوراقه الذابلة، في قوله:
تساقط أعناق البغاة بحده تساقط أوراق الغصون الذوابل (2)
ويستعين الشعراء على تشكيل صورهم الشعرية بخلفياتهم الثقافية مجسدين حالتهم الشعورية في صورهم، كقول أبي وسيم الأزكوي مجسداً أشواقه للإمام عزان بن قيس:
تنظم أشواقي يواقيت أدمعي سموطاً كلا خدّي منها مُوشَحُ (3)
واستعان الشاعر ابن شيخان السالمي في تشكيل صوره الشعرية بالمعاني الغزلية، مصوّراً حالة إحاطة جيش الإمام سالم الخروصي بقلعة الرستاق (سنة 1335 هـ) كوشاح أحاط بخصر أو كمعصم امرأة حسناء أحاط به سوار في قوله:
(1) الرحبي، خالد بن هلال، مجموعته الشعرية، 1. (2) الريامي: عبدالرحمن بن ناصر، الديوان، مخ، 193. (3) الخصيبي محمد بن راشد، البلبل الصداح، 34.
381 (1/381)
صفحة 382
كأن القلعة الشهباء لـ أحيط بها وشاح ضمّ خَصْرًا كمعصم ذات حُسن حَلَّ يُسرا أحاط به سوار ضاقَ عُسراً (1)
وكان للفكر الإباضي دوره في تشكيل الصورة والتأثير في بنائها، فقد جسد أبو مسلم تتابع نظام الإمامة في عمان، وصور حالة انبعاث هذا النظام، مشبهاً الإمام بالكوكب الدري، الذي ظهر في ظلام دامس فكشف بنوره الحق، وأعاد إلى الحياة روحها فاستبشر الكون، حتى غدت الكائنات كلها نشوى مزدهية بذلك الحدث حين يقول:
:
تتابعوا دولة في إثر سابقة كما جلا الرسل أحيانُ فأحيانُ حتى انجلى الكوكب الدري فانكشفت بنوره عن وجوه الحق أغيان هنالك انبعثت روح الحياة إلى جسم الوجود وقد أرداه طُغيان وأصلت الله إصليتاً يحس به سواعداً شدَّها بَغْيّ وكُرانُ وأعرب الكون عن بُشرى ضمائره فالكائنات أغاريد وألحان أمنية رقب الإسلام طلعتها أتاحَها الله لم يُضرِبُ لها آنُ ثمَّ انجلت فانجلي عدل وإحسان (2)
تمنعت في خدور الغيب آونَ
لقد قدم الشاعر عرضا فنيا ظهر من خلال براعته في رسم الصورة المجسدة للموقف والدالة على التفاعل، والمصطبغة بالعاطفة التي انعكست على الكون بأسره، فمنحه الشاعر الإحساس، بعد أن انبعثت الحياة إلى جسم الوجود، بتحقيق أمنية طالما ظلت متمنعة في خدور الغيب، إلى أن تمت
(1) السالمي محمد بن، شيخان ديوان ابن شيخان، 192.
(2) البهلاني: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 233. (1/382)
صفحة 383
ولادتها من رحم الدهر. وهي صور متتالية حشدها الشاعر في انسجام وترابط، دلت على ميل الشاعر نحو الاسترسال في بناء صوره المتلاحقة. والمتأمل في كل صورة على حدة، يجد أن الصورة الأولى تتحدث عن تتابع الأئمة في عمان كمقدمة لجملة الصور اللاحقة، بينما جاءت الصورة التالية باتة الأمل بالشعاع الصادر عن الكوكب الدري الذي أضاء الكون، وهو رمز لانبعاث الإمامة في عمان من جديد، ويأتي البيت الثالث مصوراً الإمامة بالروح التي تهب الجسد حياته وتعيد إليه روحه، بينما تأتي الصورة اللاحقة عاكسة وقع هذا الانبعاث على الكون الذي عبر عن ذلك من خلال الأغاريد الدالة على الفرح، مختتماً هذه الصور المتتابعة، بتجسيد الإمامة في صورة امرأة بكر، وبذلك نستطيع القول بأن الشاعر قد جمع في هذه الأبيات صوراً منتظمة، نجح في بنائها بناءً مترابطاً.
ويرسم الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي صورة فنية يجسد فيها صورة الفتية الذين يتمنى أن ينجلي ليل الأمة الحالك بصبحهم فيتم على أيديهم تحقيق العدالة، وإحياء النظام الإمامي، فيسطع المذهب الإباضي بوجودهم، فهم كما
وصفهم:
شراة لدين الله بيعت نفوسهم وما لهم في غير ذلك مطمع بدور دُجى شم الأنوف مشائخ لربهم قد أخبتوا وتضرعوا (1)
ثم يرسم الصورة التي يتمنى الشاعر أن يجدها في هؤلاء الفتية الذين
يحلم بالليالي التي تلدهم فيقول عنهم:
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 45. (1/383)
صفحة 384
كان مثاني ذكرهم في تهجد مزامير داود بها قد تسجعـ كأنَّ بهم من نشوة أذن عاشق تتوق لما يشدو حبيبٌ مُمَنَّعُ كأن حطام الأرض من لحم ميتة فهم عنه في عليائهم قد ترعوا كأن من الشهد المصفى لقاءهم لسيدهم يوماً ألحوا وأسرعوا كان المنايا منية لقلوبهم فما كان يثني القومُ بالحتف مصرعُ تراهم إذا ما كان يوم كريهة أسود شرئ بالمرهفات تَدَرَّعوا أساطين في يوم اللقا لا تهولُهم بروق وغى فيها الشَّجَاعُ مُرَوَّعُ يخوضون دأماء المنايا بواساً كأَنَّهمُ في جنّة الخُلد رَبَّعُ قد ارحوا لبس الدروع كأنَّها لهُمْ من زكيات المناصب أذرع (1)
إنها مجموعة من الصور الشعرية التي تتسلسل وتتكامل في صورة كلية من مجموعة من الصور الجزئية، بناها الشاعر ليرسم للمتلقي صورة الشراة الذين يتمنى ظهورهم، راسماً الصورة المثالية لهؤلاء الفتية، تتقاسمها صورة الإعراض عن الدنيا، والإقبال إلى الله، والشراء في سبيل الله، والشاعر وإن استخدم بعض المفردات المتصلة بالصوفية من مثل «النشوة، والعشق، والتوق» فإن استخدامه لها لا يعدو الاستخدام المعجمي العام لهذه الألفاظ فهي لا تمت إلى الصورة الصوفية، كما أشار إلى ذلك أحد الباحثين (2).
وتقترب هذه الصورة لجماعة الشراة الإباضيين من الصورة التي
رسمها أبو مسلم البهلاني لأهل الاستقامة الإباضيين في قوله:
(1) الخليلي: سعيد بن خلفان الديون، مخطوط، 45. (2) انظر: شريفة اليحيائي، شعر سعيد بن خلفان الخليلي دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، جامعة السلطان قابوس عمان 1995، 353، 354. (1/384)
صفحة 385
تراموا على القرآن شرباً بمانه فأصدرهم والكل ريان هائم (1)
العطش
ليصور الشاعر تسابقهم على القرآن الكريم قراءة وحفظاً وتطبيقاً لأحكامه، مجسدا له بالشيء المحسوس، مشبهاً له بالماء الذي يتسابق إليه ى، وقد أكسبت لفظة «تراموا» وهي التسابق المحموم، هذه الصورة جمالاً أردفها بكلمة «أصدرهم» وهو الصدور بعد ورود الماء مصوراً فهمهم له، وهيامهم به مرة بعد أخرى.
وجمال الصورة أن يجدها القارئ تقترب من أحاسيسه، وتعبر عن عواطفه في حالة مشابهة، وهذا ما استطاع أبو مسلم أن يعكسه في شاعريته كالصورة التشبيهية التالية التي استمدها من الحالة السياسية على طريقته في الاستنهاض وإلهاب المشاعر:
يا للرجال دماء المسلمينَ غَدَتْ هدراً كما عبثت بالماء صبيان (2)
حيث شبه الشاعر دماء المسلمين التي رخصت فاستهان بها العدو، حتى غدت كالماء الذي يلعب به الصبية، كناية عن مدى الاستهانة بدمائهم، وهي صورة أرادها الشاعر أن تسهم في إذكاء روح الاستنهاض، وهي صورة كأنها تعبر عن روح العصر بكل تناقضاته وهزائمه.
ونجد بعض الشعراء الإباضيين، إذا وصفوا فإن وصفهم يبقى متأثراً بروح الشراة، فتظل التشبيهات مستمدة من قعقعة السيوف وصليل الرماح،
(1) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم الديوان، مخطوط، 247. (2) البهلاني: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 236. (1/385)
صفحة 386
وصهيل الجياد، وصفوف المقاتلين، وحسام أبي السبطين، وسهام القضاء كما
هو الحال في وصف عبد الله الخليلي، لمدينته سمائل بقوله:
كأنَّ تراب العز فوق
سم
ائل متون الجياد تحت كلّ مقاتـ
ـلِ
كأنَّ بنات المجد فوق أديمها ثغور الأماني أو نواصي الصواهلِ كان خرير الماء بين رياضها صرير اليراع أو صليل القواصل كأنَّ لدات النخل في حسن نظمها صفوف رجال الله عند التنـ
إلى أن يقول:
ازل
كان ظباها في الخمائل ربُّعاً سهام القضا لكن على المتطاول كان لواء الحمد فوق عروشها حسام أبي السبطين بين الجحافل (1) في جملة من الصور البيانية، يقدمها خيال شاعري خصب، وتعكس تراكمات ثقافية، عبّرت عن الحالة النفسية المهيمنة على الشاعر لحظة إبداعه وكشفت عمق التأثر بالفكر العام في استلهام الصور والتشبيهات.
ومن الملاحظ أن شعراء الفكر الإباضي وإن اهتموا بالصورة في ثنايا قصائدهم إلا أنها لم تنل العناية الكافية عندهم، نظراً لطبيعة الموضوع الذي كان يفرض قدراً من التزام الواقع، مع أن عدداً منهم تجاوزوا بشعرهم المباشرة في الطرح فاستطاعوا أن يوائموا بين الفكرة والطريقة الفنية في معالجتها، حتى أن شاعرا مثل أبي مسلم استطاع أن يبنى قصائده بناء فنياً، بلغة إيحائية معتمدة على الصورة والخيال والعاطفة المتقدة والتفاعل مع
الموضوع.
(1) الخليلي: عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، وزارة التراث، 352. (1/386)
صفحة 387
الخاتمة
سعت هذه الدراسة إلى الكشف عن أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وخرجت بنتائج يمكن للباحث أن يضع أهمها في المحاور التالية:
- تركت حادثة التحكيم، وما نجم عنها أثراً بيناً في نفوس عدد من الشعراء الإباضيين، ولكنها لم تنعكس بصورتها المباشرة، وخلفياتها التاريخية إلا عند عدد محدود منهم، لا سيما الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني، الذي استلهم عددا من نصوصه الشعرية من هذه الحادثة، وتجلّى ذلك عبر قصيدتيه «رائية المُحَكِّمة» و «أشعة الحق» كما تجلى تأثيرها في قصائده الأخرى، حين وجدناه يستمد من هذه الحادثة، ما يشير إلى جعلها مثلاً الثبات على المبادئ والجهاد.
-
في
لم يخف الشاعر الإباضي حبه واحترامه لأهل النهروان، بل نجده يتولى المُحكّمة، ويشيد بمواقفهم، ويمدح ثباتهم، كما اتضح عند الشاعر أبي مسلم البهلاني، ومحمد بن شيخان السالمي.
- إن الشاعر الإباضي على الرغم من عتابه على الإمام علي بسبب حادثة النهروان، إلا أن عتابه تميّز بالتقدير والاحترام لشخص الإمام، وبصراحة
النقد غير الجارح.
- اتضح أن الشاعر الإباضي، وفي إطار نظرته المذهبية، إلى بعض القضايا الفتنة الكبرى، ينظر إلى الصحابة بكل إجلال واحترام، لكنه في نفس
387 (1/387)
صفحة 388
الوقت، يرى أن الصحابة كغيرهم من البشر - ليسوا معصومين من
الخطأ، فهم يصيبون ويخطئون.
- المذهب الإباضي، مذهب إسلامي سلفي، يتصل بفكره مع التابعي الجليل جابر بن زيد، الذي أخذ عن حبر الأمة عبدالله بن العباس وغيره من
الصحابة ليغدو المذهب الإباضي متصلا بفكره بجمع من الصحابة.
- ليس هنالك مشكلة في تسمية المذهب الإباضي، ويرى الباحث أن السبب في رفض قدماء الإباضية لهذه التسمية لم تكن كرهاً لمن نُسبت إليه، بقدر ما كانوا يرغبون في عدم الانتساب إلى شخصيات في محاولة للتعلّق بالأصل، ولذلك أطلقوا على أنفسهم جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة، أو حلقة الشراة، وعليه فهم يعدون جابر بن زيد وعبدالله بن إباض وغيرهم وصل من التابعين، نقلت إليهم هذا الدين متصلاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. - إن الإباضية لا تربطهم صلة مع الخوارج، إلا إنكار التحكيم، ورفض شرط النسب في اختيار الخليفة، وقد استنتج الباحث من خلال جملة من مقولات الإباضية وآرائهم في الخوارج، الفارق الكبير بين الفكرين، كما أكد ذلك الشاعر أبو مسلم البهلاني في قصائده.
- ترك الفكر العقائدي أثراً واضحاً في نتاج الشعراء الإباضيين في القرنيين المحددين، إلا أنه قد تفاوت هذا الانعكاس بين رأي عقائدي وآخر، ففي حين بدا تأثر الشاعر الإباضي بمسألة الرؤية والصفات والتوحيد والتنزيه، وبيان حكم مرتكب الكبيرة، والولاية، والبراءة، بما تركه من انعكاس مباشر وغير مباشر، نجد أن هذا الأثر يخف في القضايا العقائدية الخلافية
الأخرى، مثل خلق القرآن والشفاعة والصراط والميزان.
388 (1/388)
صفحة 389
وجد الباحث أن الشعراء الإباضيين في العصور المتأخرة وأغلبهم ينتمي إلى جملة علماء المذهب، قد مالوا إلى التخفيف من الأحكام المترتبة على المسائل الخلافية، بحيث مالوا إلى أوسط الآراء وأقربها إلى الوحدة، وصدرت دعوات من عدد من الشعراء إلى وجوب وحدة الأمة، واحترام أهل التوحيد، واتضح ذلك من خلال شعر نور الدين السالمي وأبي مسلم البهلاني وخلفان بن جميل السيابي.
- أخذت قضية الرؤية حيزاً واسعاً من مناقشاتهم وقصائدهم، وتركت صدى واسعاً في شعرهم بين قصائد مستقلة، وانعكاس غير مباشر ضمن أغراض أخرى، وكان الجانب المخالف دور في إذكاء قرائح الشعراء، كما اتضح قصائد سلطان بن محمد البطاشي وسعيد بن خلفان الخليلي، وأبي
عبر
مسلم البهلاني.
- كان لموضوع الولاية والبراءة» أثر واضح لدى الشاعر الإباضي، في انعكاس غير مباشر مع التحذير من اتخاذها مدخلاً للقدح في أعراض الناس، والتفتيش عن نقائص العباد.
-
- ظهر أثر الفكر السياسي عند الشاعر الإباضي، فكشفت الدراسة هذا الأثر، من خلال تأثيره في قصيدة المديح والرثاء على وجه الخصوص، وقد تبين أن الشاعر الإباضي لا يمدح الإمام قصد التزلف وبغية العطاء، بقدر ما كان يحسب ذلك واجباً دينياً يقوم بأدائه، انطلاقاً. من وجوب طاعة الإمام العادل وإظهار فضائله، سواء كان ذلك في المديح الفردي الذي تكفل بالإفصاح عن صفات الأئمة وصورتهم في المجتمع الإباضي، أو المديح الجمعي الذي أشار إلى رسم صورة الأئمة الإباضية الأوائل، وهي صفات تعكس البعد السياسي للفكر الإباضي.
(389 (1/389)
صفحة 390
وفي هذا المجال نجد عدداً كبيراً من الشعراء الإباضيين الذين تجلّى في مديحهم، أثر الفكر الإباضي بشكل أو بآخر، وظهر ذلك عند كوكبة من هؤلاء الشعراء وفي مقدمتهم الشاعر العلامة سعيد بن خلفان الخليلي، الشاعر أبو الأزكوي في مديحهما للإمام عزان بن قيس، وأبو مسلم البهلاني، ومحمد بن شيخان السالمي وعيسى بن صالح الطيواني، وسالم بن المر الحضرمي، وعبد الرحمن بن ناصر الريامي، وغيرهم، في مديحهم للإمامين سالم الخروصي، ومحمد بن عبدالله الخليلي.
وسيم
وقد شكل هذا المديح جانباً من جوانب الالتزام بدواعي الفكر الإباضي، فلم يغال الشاعر الإباضي في مديحه للأئمة، وظهر في ذلك المديح استثمار الشاعر لمعطيات العقيدة الإباضية في السياسة الشرعية، وجسد عدد من الشعراء صورة الإباضي الشاري كما هو الشأن عند سعيد بن خلفان الخليلي وأبي مسلم البهلاني في تجسيدهما لملامح الأئمة الإباضيين وصفاتهم في صورة زاهية وأغلب المعاني التي وصفوا بها أئمتهم تشير إلى أن شخصية الإمام عندهم قد صوروها أشبه بشخصية الخلفاء الراشدين، بيد أنهم لم يضفوا على الإمام ذاتاً مقدسة مع أنهم نظروا إليه باعتباره إماماً منتخباً وشريف النسب، عادلاً بين، الرعية، خليفة للمسلمين، أميراً للمؤمنين تقياً، عفيفاً، مناهضاً للظلم، وهي صفات على الرغم من كونها من أساسيات الفكر السياسي الإباضي، إلا أنها في عمومها تنتمي إلى الإسلام في سيرته الأولى. - لفت نظر الباحث - في الفكر السياسي الإباضي صورة الإمامة عند الشاعر الإباضي، فقد جسد الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني هذه الصورة، وشبهها بالمرأة التي تأبى الرضا إلا بكفئها وهي خلافة راشدة، انتظرت
1390 (1/390)
صفحة 391
-
ردحاً من الزمن في رحم الدهر، ظلت تبحث عمن يستحق استلام زمامها،
وتملك ناصية عقدها، حتى ظهر من يقوم بحقها.
انعكس في شعر الإباضية في هذه الفترة موقفهم من الظلم والخروج على الحاكم الجائر، وتجلى ذلك عبر إشاراتهم في قصائد أنشأوها لتأييد نظامهم السياسي، وعبر دعواتهم السلوكية ومناجاتهم الإلهية، التي تجسد موقفهم من الحاكم الجائر، ومن الظلم الواقع على عباد الله.
- وكما رثى الشاعر الإباضي أئمته، فإنه رثى الإمامة، وإن لاحظ الباحث أن أغلب الشعراء قد أحجموا عن الخوض في ذلك، وجاء رثاؤهم من خلال قصائد خاطبوا فيها الإمامة بصورة رامزة.
يسمى
عند
- استرعي انتباه الباحث أيضا قضايا وظواهر أثرت وتأثرت بالفكر الإباضي، ويأتي في مقدمتها شعر الزهد والسلوك، أو ما الآخرين بشعر التصوف، واتضح من خلال الدراسة أن أقطاب هذا التوجه، كانوا من أعمدة الفكر الإباضي وعلمائه، وتبين أن الشاعر الإباضي السلوكي المتصوف، قد تأثر بالفكر الصوفي في عمومه مستفيداً من معطياته، إلا أن نتاجه الشعري في هذا المضمار، ظل محافظاً معطيات الفكر الإباضي في عمومه، آخذا من نوازع التصوف في بعض جوانبه المستقاة من الفكر الإسلامي الأصيل.
على
- جاء نتاج عدد من الشعراء ملتصقاً بالحماسة، وسخر كثير منهم هذا الاتجاه في أغلب أغراضه، فشكل شعر عدد منهم نهراً جارفاً من الحماسة والاستثارة والدعوة إلى الجهاد، وإحياء ما اندرس من رسوم الإسلام (1/391)
صفحة 392
ونظامه، وكان نور الدين السالمي، وأبو مسلم البهلاني، وأبو سلام الكندي، وخالد الرحبي، من أهم الشعراء الذين ارتبط شعرهم بالحماسة.
وقد اختفت النبرة المذهبية في هذه الحماسة، لتكون النظرة شمولية كما وجدنا ذلك عند أبي مسلم البهلاني، الذي اتسمت قصائده بالحماسة فحذر الأمة من الفرقة والتناحر والاختلاف والتباغض والمذهبية الضيقة، معمماً النداء لجميع المسلمين، بما يدل على بعد النظر وإدراك الخطر، الذي يحيط بالأمة الإسلامية في عمومها.
- لاحظ الباحث أن شعر الشكوى شكل عند بعض الشعراء الإباضيين ظاهرة واضحة، دفعت الباحث إلى الوقوف عند بعض ملامحها، وتبين من خلال الدراسة أن الشاعر الإباضي لم يكن يرهبه الموت بقدر ما كان يعتب على الدهر الذي قلب الموازين، فأهان الأحرار، وأكرم أراذل الناس، وأكثر هؤلاء الشعراء شكوى من الدهر، أبو مسلم البهلاني، الذي اندمج مع الدهر، يخاطبه ويحاوره، فيجسده ويمنحه الإحساس، ليضعنا أمام معركة
قطباها الدهر والشاعر، وقد تكررت هذه الحالة في صور شتى. - ورأى الباحث أن للمكان عند الشاعر الإباضي قدسية خاصة، لما له من دور في التاريخ الإباضي، ولارتباطه بخلفية ثقافية ورؤية سياسية في الفكر السياسي عندهم. وتبين للباحث أن لمدينة «نزوى» عبقاً خاصاً، لأنها ظلت ردحاً من الزمن تشكل رمزاً من رموز التواصل الفكري والامتداد الحضاري للإباضية في عمان، ولذلك تغنى عدد من الشعراء بهذه المدينة التي احتضنت عبق عظام أئمة عدول، تعاقبوا على أرضها، مرتبطة بعقيدة
إباضية بحتة. (1/392)
صفحة 393
كشفت الدراسة الفنية ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين بالانتماء الفكري، المتجذر في نفوس الشعراء، المتصل بعقيدتهم، واتضح أن عددا منهم أوجد نوعاً من التلازم بين الفن والعقيدة، ووظف كثير منهم فنّه لخدمة فكره ومجتمعه، لتنطلق تجاربهم الشعرية من بنيتهم الثقافية وتكوينهم الاجتماعي، كما وجدنا ذلك من خلال تجربة عة من هؤلاء الشعراء، بينما تأتي تجربة أبي مسلم البهلاني في هذا الشأن فريدة من نوعها، اتسعت أبعادها وغذتها جملة من التراكمات الفكرية والقضايا السياسية والتاريخية وأثارتها بعض الاختلافات
مجمو.
المذهبية، وجاءت قصائده في المُحَكِّمة. متسمة بالصدق الفني والعاطفي، مندمجة بمقتضيات العقيدة والرؤية الإباضية إلى الأحداث التاريخية، التي اندمج فيها البعد المذهبي، مع العاطفة المتقدة والنقد الصريح. وقد وجد الباحث أن المعطيات التاريخية التي لم يعايشها الشاعر، قد شكلت جانبا من جوانب التجربة الذاتية عنده، بما تقدمه من عبر، وما تختزنه من دلالات والبيئة التي
ولتعد هذه التجربة انعكاساً واقعياً للفكر الإباضي، وتجلّيا للثقافة
كونت شاعرية شاعر ملتزم بفكر المذهب كأبي مسلم البهلاني. اتخذت بنية القصيدة الفكرية عند الشعراء الإباضيين طرقاً متعددة، فقد يبني الشاعر قصيدة فكرية مستقلة، كقصائد أبي مسلم البهلاني في أهل النهروان المشار إليها، وقصائد سلطان بن محمد البطاشي وسعيد بن خلفان الخليلي وأبي مسلم البهلاني في الجوانب العقائدية، صاغها الشعراء صياغة فنية أفرزت ثقافتهم وعكست فكرهم، بينما جاءت بعض الموضوعات الفكرية مبثوثة في قصائد متعددة الأغراض في انعكاس غير مباشر لبعض جوانب الفكر الإباضي.
393
- (1/393)
صفحة 394
- ومن خلال دراسة المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه عند الشعراء الإباضيين، وجد الباحث أن للقرآن الكريم حضوراً بينا بألفاظه ومعانيه- في تعابير الشعراء وأساليبهم وموضوعاتهم، عبر جملة من المستويات الدالة على مدى التفاعل بهذا الكتاب العزيز، مع تفاوت الشعراء في توظيف المفردة القرآنية في النص الفكري الإباضي.
- كان للتراث الشعري السالف أثره أيضاً، وقد وجد الباحث أن بعض الشعراء قد تأثروا بالجو العام لنص سابق، ويتضح ذلك من خلال قيام بعض الشعراء بإعادة تشكيل معانيه أو ما يسمى بتوليد المعاني، ليكيفها الشاعر لظروف نصه، كما اتضح من خلال قصائد أبي مسلم البهلاني في مديحه للإمام سالم بن راشد الخروصي، وعبر عدد من القصائد التي جاءت متناصة مع الوزن والقافية، أو المعارضة الشعرية عند عدد منهم.
اللغة
- جاءت اللغة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين محافظة على نقاء مراعية لخصائصها، متمثلة للغة التراث مستوحية أجواءها الشعرية العامة، وتبين أن هنالك جملة من الألفاظ والمصطلحات التي تنتمي إلى الفكر الإباضي، قسمها الباحث إلى مجالات أربعة، مصطلحات فكرية عامة، ومصطلحات تاريخية، ومصطلحات عقائدية، وأخرى سياسية. انثالت إلى معجم الشعراء وانعكست في تعبيراتهم فاستخدموها استخداماً يتفاوت في التوظيف الفني للمصطلح، نجح عدد منهم في توظيفه، فمنحه إيحاءات وظلالاً خاصة بينما بقي بعضهم أسير التقريرية والتناول المباشر. - برز التكرار ظاهرة لغوية وأسلوبية واضحة عند شعراء الفكر الإباضي، بشكل لافت للنظر، وأدى وظيفة فنية في النص الشعري، لا سيما عند
13940 (1/394)
صفحة 395
الشاعر أبي مسلم البهلاني، الذي تعددت مستويات التكرار عنده وتنوعت،
حسب الحاجة إليه والدفقات الشعورية والموقع في السياق.
- لم ينس الشاعر الإباضي الاستعانة ببعض المظاهر اللغوية التي تزيد من التأثير في نفوس المتلقين، وتمنح النص حيوية مثل التوازي والتقسيم والتضاد أو المقابلة، علماً أنه قد جاء في أغلبه غير متكلف كما اتضح من
خلال الدراسة.
- وقد ظهر للباحث أن لطابع الاتجاه الفكري أثره في تلبس القصيدة بطابع الأسلوب الخطابي المعتمد على الأدوات المستعملة في الخطب عادة لكن عددا من الشعراء استطاع الإفلات من مطب الابتذال الذي تحمله اللفظة القاموسية الخطابية، من خلال لغة موحية مزجت بين الذات والموضوع وقوة المشاعر، وتعدد صيغ الخطاب واتخاذ عدد من الشعراء ضروبا من ألوان الحوار الذي بنوه في قصائدهم الفكرية، وقد اتضح أن شاعراً كأبي مسلم اتخذ من الحوار قاعدة ينطلق منها في قصيدتيه عن أهل النهروان والتحكيم، حين لم يعمد إلى سرد القصة سردا إخباريا ولكنه عمد إلى إيجاد نوع من التواصل بواسطة الحوار بينه وبين شخصيات الحدث.
- تفاوت الشعراء في بناء الصورة الشعرية، وشكلت الثروة الفكرية والخلفية الثقافية جانبا من جوانب التشكيل الشعري، وكانت حادثة النهروان ودلالاتها ورؤيتهم لها، موقعا خصباً لبناء صورهم الشعرية التي توظف البعد الفكري للمفهوم الإباضي لهذه الحادثة، كما كان للصورة المكانية، دورها في ذلك، من خلال تجسيد الحقيقة التاريخية مرتبطة بالمكان فضلاً عن الصورة الحربية العسكرية، وصورة الإمامة، وصورة الشاري
الإباضي. (1/395)
صفحة 396
- وعلى الرغم من ذلك، فإن الباحث لاحظ أن شعراء الفكر الإباضي، وإن اهتم بعضهم بلغته ورسم صوره الشعرية، إلا أنها لم تنل العناية الكافية نظرا لطبيعة الموضوع، مع ما وجدناه من قدرة بعضهم، على المواءمة بين الفكرة والطريقة الفنية في معالجتها، حتى أن شاعراً مثل أبي مسلم استطاع أن يبني قصائده الفكرية بناء فنيا، بلغة إيحائية معتمدة على الصورة والخيال والعاطفة المتقدة والتفاعل مع الموضوع.
م ي
وختاماً فإن الأمانة العلمية تدعوني إلى الاعتراف بأني لم أقل في هذه الدراسة كل ما يمكن أن يقال ذلك أن بحثي هذا، ممتد عبر قرنين من الزمان، حاولت فيهما أن أجمع أغلب المصادر الشعرية، والمجاميع الأدبية، باذلاً أقصى ما أمكنن جهد، ولا شك أنه ستظهر هنالك دواوين ومجموعات شعرية لم أتمكن من الحصول عليها، مع بذلي الوسع في ذلك، على أنني أعود فأقول، حسب هذه الدراسة أن تكون لبنة يمكن البناء عليها، لعلها تستثير همم الباحثين ورواد المعرفة، إلى مزيد من البحث والاستقصاء. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. (1/396)
صفحة 397
قائمة المصادر والمراجع
أ- المصادر المخطوطة
-
- البكري موسى بن عيسى، مجموع الأسئلة والأجوبة، مخطوط، مكتبة المؤلف، سلطنة عمان سمائل صورة لدى الباحث.
- الجبري: علي بن جبر (ت (1418 هـ، 1998 م) عقد الأثر من فتاوى ذوي البصر، جمع وترتيب علي بن جبر الجبري، مخطوط رقم 216، مكتبة خاصة، صورة لدى الباحث.
الحضرمي عبد الله بن ماجد (ت 1401 هـ) مجموعته الشعرية، مكتبة خاصة، نزوي، سلطنة عمان، صورة لدى الباحث.
- الخصيبي: محمد بن راشد (ت 1410 هـ (1990 م) البلبل الصداح، والمنهل الطفاح في مختارات الأشعار الملاح، مخطوط بمكتبة نجل المؤلف، مرشد
بن محمد بن راشد الخصيبي، سلطنة عمان مسقط، صورة لدى الباحث.
، اللؤلؤ والمرجان في الحكمة والبيان مخطوط بمكتبة نجل المؤلف، مرشد بن محمد بن راشد الخصيبي سلطنة عمان، مسقط، صورة لدى الباحث.
- الخليلي: أحمد بن حمد، ركائز الفكر الإباضي، مخطوط، وأصله محاضرة ألقيت بمدينة نزوى عام 1987 م، صورة لدى الباحث. (1/397)
صفحة 398
الخليل
: سعيد بن خلفان (ت 1287 هـ / 1870 م) ديوان الخليلي، مخطوط، نسخة مصورة من مكتبة سماحة المفتي العام، لسلطنة عمان، أحمد بن حمد الخليلي، مسقط.
- الرحبي خالد بن هلال (ت (1370 هـ) مجموعته الشعرية، مخطوط بمكتبة موسى ابن عيسى البكري سلطنة عمان ولاية سمائل، صورة لدى
الباحث.
- الرقيشي: محمد بن عبدالله بن حسن (من علماء الفرق 11 هـ 17 م) مصباح الظلام، شرح دعائم الإسلام القطعة الثانية شرح لامية ابن النظر العماني، مخطوطة بمكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، المنطقة الشرقية، سلطنة عمان، صورة لدى الباحث.
- البهلاني أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (ت 1339 هـ / 1920 م) ديوان الشيخ أبي مسلم البهلاني، صورة لدى الباحث.
، العقيدة الوهبية، مخطوط بمكتبة الأستاذ عبدالله بن
سالم الهاشمي، سلطنة عمان، سمائل، صورة لدى الباحث.
، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، مخطوطة
مصورة بالألوان من أصل الكتاب، بخط المؤلف على نفقه جلالة السلطان
قابوس سلطان عمان.
- الريامي: عبدالرحمن بن ناصر (ت) 1374 هـ / 1954 م)، ديوان الشاعر الفصيح عبدالرحمن بن ناصر الريامي، مخطوط، بمكتبة السيد محمد بن
أحمد البوسعيدي، سلطنة عمان ولاية السبب، صورة لدى الباحث.
398 (1/398)
صفحة 399
—
- السالمي: عبدالله بن حميد (ت (1332 هـ / 1914 م كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، مخطوط بمكتبة السالمي، بدية المنطقة الشرقية، سلطنة عمان، صورة لدى الباحث.
، مجموع المناظيم مخطوط بمكتبة السالمي، بدية،
المنطقة الشرقية سلطنة عمان، صورة لدى الباحث.
- الصائغي: سالم بن سعيد بن علي (ت ق 12 هـ) كنز الأديب وسلافة اللبيب مخطوط بوزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، تحت رقم
عام
2600 خاص، 406 ب
- أطفيش:: محمد بن يوسف القطب (ت 1332 هـ 1914 م) شرح لامية ابن النظر العماني مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، سلطنة عمان، المنطقة الشرقية، صورة لدى الباحث.
-
- الطوقي: سالم بن محمد (ت ق 14 هـ) مجموعة شعرية، مخطوطة بمكتبة
السالمي، سلطنة عمان، المنطقة الشرقية بدية، صورة لدى الباحث.
- الكندي: أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر (ت 1379 هـ/ 1959 م) ديوان نشر الخزام، مخطوط، مكتبة خاصة سلطنة عمان، نزوى، صورة لدى الباحث.
- الكندي: عبد الله بن سيف (معاصر) مجموعة شعرية، مخطوط بمكتبة المؤلف، سلطنة عمان ولاية نخل صورة لدى الباحث.
-
الكندي: محمد بن إبراهيم (ت) ق 4 هـ) بيان الشرع، الجزء الثامن والستون مخطوط، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الرقم (386) الرقم الخاص (80 ب فقه) (1/399)
صفحة 400
- مؤلف مجهول: مجموع القصائد مكتبة السالمي سلطنة عمان، المنطقة الشرقية، بدية، صورة لدى الباحث.
-
- المنذري: علي بن محمد بن علي عاش في ق 13 هـ/ 18 م) نهج الحقائق، مخطوط، وزارة التراث القومي، والثقافة سلطنة عمان، رقم عام
(2602)
ب المصادر والمراجع المطبوعة:
إسماعيل: د. عز الدين، التفسير النفسي للأدب، دار العودة ودار الثقافة،
بيروت، د. ت، د. ط.
الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية
والمعنوية، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ط 5، 1994 م.
إسماعيل محمود قضايا في التاريخ الإسلامي، منهج وتطبيق، الدار
البيضاء (المغرب): دار الثقافة، الطبعة الثانية، 1401 هـ/ 1981 م. الأشعري: علي بن إسماعيل، (ت 312 هـ أو 324 هـ/ 933، 2936) مقالات الإسلاميين واختلاف، المصلين، بيروت، دار الكتب العصرية، 1990، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.
6.
أغوشت بكير، سعيد دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1408 هـ / 1988 م.
البوسعيدي: حمد بن سيف بن محمد قلائد الجمان شركة مطبعة، عمان،
مسقط، 1413 هـ / 1993 م.
-
-
-
-
- (1/400)
صفحة 401
الإيجي: عبدالرحمن بن أحمد (ت 756 هـ المواقف في علم الكلام،
بيروت، عالم الكتب، د. ت.
الأنباري أبو بكر محمد بن القاسم (ت 328 هـ)، شرح القصائد السبع الطوال تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون الطبعة الخامسة، دار المعارف، مصر، د. ت.
البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، (ت 256 هـ)
صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1958 م.
البرادي: أبو القاسم بن إبراهيم (ت 810 هـ) الجواهر المنتقاة في إتمام ما
أخل به كتاب الطبقات، القاهرة، 1884 م، مطبعة حجرية.
البشري: موسى بن عيسى من علماء ق 13 هـ) مكنون الخزائن، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة 1403 هـ / 1982 م.
البطاشي: سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان،
المطبعة الوطنية، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1419 هـ / 1998 م. البطل، علي، الصورة في الشعر العربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، 1981 م.
البغدادي: عبد القادر بن طاهر (ت 429 هـ) الفرق بين الفرق، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1978 م.
—
- (1/401)
صفحة 402
البغدادي: أبو طالع محمد بن حيدر (ت 517 هـ) قانون البلاغة في نقد - النثر والشعر، تحقيق محسن غياض عجيل مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1
-
-
-
--
، 1981 م.
بكلي: عبد الرحمن بن عمر بكلي البكري (ت (1986 م) فتاوى البكري، 2 مجلد، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1983 م.
البلاذري:
أحمد بن يحيى بن جابر، (ت 279 هـ) أنساب الأشراف،
القدس، 1938 م.
البيهقي: الإمام الحافظ، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي (ت 458 هـ) تاب الأسماء والصفات، عني بتصحيحه وتحقيقه الشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي، مطبعة السعادة، مصر، د. ت.
ابن تيمية تقي الدين أبو العباس محمد بن عبد الحليم الحراني (ت 256 ه مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الجزء الحادي عشر، التصوف، جمع وترتيب عبدالعزيز بن محمد النجدي الحنبلي، الطبعة العاشرة، دار العربية، بيروت، 1398 هـ.
الثميني: عبد العزيز بن إبراهيم بن عبدالله (ت 1223 هـ) معالم الدين، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1407 هـ / 1986 م.
الجاحظ: أبو عمرو عثمان بن بحر (ت (255 هـ) البيان والتبيين، تحقيق
عبدالسلام هارون، مطبعة الخانجي، القاهرة، ط 3، 1968 م.
الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى
البابي الحلبي وأولاده بمصر، القاهرة، 1965 م. (1/402)
صفحة 403
الجامعي: أبو سرور، حميد بن عبدالله ديوان باقات الأدب، دار الاتحاد
العربي للطباعة القاهرة، 1395 هـ / 1975 م.
الجعبيري: د فرحات البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1977 م.
ابن جعفر، أبو جابر، محمد بن جعفر الأزكوي (ت ق 3 هـ) كتاب الجامع، تحقيق عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه القاهرة، د. ت. ابن جميع أبو حفص ت ق 8 هـ) مقدمة التوحيد وشروحها، تص وتحقيق إبراهيم أطفيش، مسقط، سلطنة عمان، د. ت د. ط. الجويني ضياء الدين أبو المعالي عبد الملك بن عبدالله، إمام الحر ت 478 هـ) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق: يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد، دار السعادة، هـ 1950 م.
مصر،
جهلان عدون الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، 1236 هـ - 1332 م مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1411 هـ / 1991 م
الجيطالي: أبو طاهر، إسماعيل بن موسى (ت 750 هـ) قناطر الخيرات، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1403 هـ، 1983 م
، قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق، عبدالرحمن بن عمر
بكلي، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، الطبعة الأولى، 1396 هـ /
1976 م.
- (1/403)
صفحة 404
الحارثي: سالم بن حمد بن سليمان العقود الفضية في أصول الإباضية، دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان، د. ت
ابن حجر شهاب الدين، أبو الفضل، أحمد بن حجر العسقلاني، (ت 852
هـ)، لسان الميزان، حيدر أباد دائرة المعارف العثمانية، 1971 م ابن حزم علي بن أحمد (ت (456 هـ) الفصل في الملل والأهواء والنحل،
بيروت، دار المعرفة، 1986 م
الحميري: أبو سعيد، نشوان الحميري (ت 573 هـ) الحور العين، صنعاء، المكتبة اليمنية، 1985 م.
الحنفي صدر الدين علي بن علي بن محمد بن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية في العقيدة السلفية، تحقيق أحمد شاكر، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط 30، 1407 هـ.
الخروصي: أبو المؤثر، الصلت بن خميس (ت ق 3 هـ) كتاب الأحداث والصفات، تحقيق الدكتور جاسم ياسين محمد الدرويش، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطبعة عمان ومكتبتها، سلطنة عمان مسقط، الطبعة الأولى، 1417 هـ/ 1996 م.
الخصيبي: محمد بن راشد شقائق النعمان علي سموط الجمان، في أسماء شعراء عمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، المطابع الوطنية، مسقط، 1984 م.
خليفات، د. عوض، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، الطبعة الثالثة، 1415 هـ، 1994 م
—
-
— (1/404)
صفحة 405
الأردن، 1978 م، د. ط
نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان،
الخليلي: أحمد بن حمد، شرح قصيدة نور الدين السالمي، المسماة غاية المراد في الاعتقاد، مطبوع على الآلة الكاتبة.
، الجملة وتفسيراتها، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان،
مسقط، 1414 هـ، 1994 م.
، الحق الدامغ، نشر مكتبة الضامري، مطابع دار
الندوة الجديدة، بيروت، 1412 هـ.
، تنزيه الله سبحانه وتعالى مكتبة الاستقامة، سلطن
عمان، مسقط، 1420 هـ 2000 م
، صفات الله تعالى مكتبة الاستقامة سلطنة عمان
مسقط، 1414 هـ، 1994 م.
الخليلي: سعيد بن خلفان (ت (1287 هـ تمهيد قواعد الإيمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة،
1407 هـ / 1986 م.
الخليل
القوم
م
عبدالله بن علي، ديوان وحي العبقرية، نشر وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان مطابع سجل العرب، القاهرة، الطبعة
الأولى، 1398 هـ، 1978 م.
- (1/405)
صفحة 406
-
-
-
الخليلي: الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد (ت 1373 هـ) الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، طبع بإشراف عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية بدمشق، 1385 هـ / 1965 م.
ابن خياط خليفة بن خياط العصفري (ت 240 هـ) تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق الدكتور مصطفى نجيب، فواز د حکمت كشلي فواز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ/ 1995 م.
الداية: د. فايز، جماليات الأسلوب، الصورة الفنية في الأدب العربي، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط 2، 1411 هـ 1990 م.
الدرجيني:
أحمد بن سعيد (ت 670 هـ) طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق
إبراهيم طلاي غرداية، الجزائر.
الرازي: فخر الدين محمد بن عمر الخطيب (ت 606 هـ) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة 1978 م.
الرازي: فخر الدين أبو عبدالله محمد بن عمر البكري، التفسير الكبير، القاهرة المطبعة البهية المصرية، 1934 م - 1938 م، 32 جزء في 16
مجلد.
ابن رزيق، حميد بن محمد (ت 1274 هـ) الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان تحقيق عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1398 هـ /
1978 م.
- رضا محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الكريم الشهير بتفسير المنار، ط 2، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1973 م. (1/406)
صفحة 407
السابعي: ناصر بن سليمان بن سعيد الخوارج والحقيقة الغائبة، مطابع النهضة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م.
السالمي: عبدالله بن حميد (ت 1332 هـ) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، قام على طبعة، وتصحيحه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الجزائري الميزابي، مطبعة النصر، القاهرة، د. ت.
، مشارق أنوار العقول، تصحيح وتعليق الشيخ أحمد بن
حمد الخليلي، تحقيق عبد الرحمن عميرة، ط ا، دار الجيل، بيروت، 1409
هـ/ 1989 م.
، بهجة الأنوار، شرح أنوار العقول في التوحيد، مطابع
النهضة سلطنة عمان، ط 2، 1411 هـ/ 1991 م.
، روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى
قدم القرآن، تحقيق عبد الرحمن بن سليمان السالمي، مطابع النهضة، سلطنة عمان، ط 1، 1415 هـ / 1995 م.
السالمي: محمد بن شيخان (ت 1346 هـ) ديوان ابن شيخان السالمي، شركة المطابع النموذجية المساهمة عمان، الأردن، ط 1، 1399 هـ /
1979 م.
السالمي: محمد بن عبدالله بن حميد (ت 1407 هـ) نهضة الأعيان، بحرية عمان، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، د. ت.
ابن سعد: محمد بن سعد (ت) 230 هـ) الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، د. ت.
-
- (1/407)
صفحة 408
السليمي: حمد بن عبيد (ت 391 هـ) قلائد المرجان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، المطبعة الشرقية ومكتبتها، مسقط، 1403
هـ / 1983 م.
السيابي: خلفان بن جميل (ت 1393 هـ) فصل الخطاب في المسألة والجواب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1404 هـ / 1984 م.
، بهجة المجالس نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان، ط 2، 1409 هـ، 1989 م.
السيابي: سالم بن حمود (ت 1418 هـ) معالم الإسلام في الأديان والأحكام، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، مطابع
العقيدة، مسقط، 1404 هـ / 1984 م.
، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، المكتب
الإسلامي، بيروت، 1384 هـ.
الشقصي: خميس بن سعيد بن علي (ت ق 11 هـ) منهج الطالبين، وبلاغ الراغبين نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه القاهرة.
الشماخي: أحمد بن سعيد بن عبدالواحد (ت 928 هـ) كتاب السير، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، 1407 هـ / 1987.
الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم بن أحمد (ت 548 هـ) الملل والنحل، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1977 م.
-
- (1/408)
صفحة 409
الصالح، د. صبحي، فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، تأليف: لويس عزدية، وجورج قنواني ترجمة صبحي الصالح، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الثانية، 1979 م.
صالح با عمر بن الحاج محمد صالح، با دراسات في الفكر الإباضي، قدم له وعلق عليه، أحمد بن سعود السيابي، نشر مكتبة الاستقامة، مطابع
النهضة، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1413 هـ / 1992 م.
ضيف: د. شوقي، في النقد الأدبي، دار المعارف بمصر، د. ت. ابن طباطبا، محمد بن أحمد، (ت 322 هـ) عيار الشعر، تحقيق عباس عيد الساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982 م.
طبل، د. حسن الصورة البيانية في التراث البلاغي، القاهرة، الطبعة
الأولى، 1985 م.
أطفيش: أبو إسحاق إبراهيم، الفرق بين الإباضية والخوارج، الطبعة الأولى، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 1991 م.
أطفيش محمد بن يوسف (ت 1332 هـ) الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، تحقيق أبو إسحاق أطفيش، د. م، د. ت.
"
إزالة الاعتراض عن محقي آل إباضي، نشر وزارة
التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مارس 1982 م.
، كشف الكرب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان، المطبعة الوطنية، مسقط، 1406 هـ 1986 م.
-
- (1/409)
صفحة 410
شرح عقيدة التوحيد نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب القاهرة، 1403 هـ / 1983
، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، دار الفتح، بيروت،
نشر مكتبة الإرشاد، جدة، الطبعة الثانية، 1392 هـ / 1972 م.
الطبري: محمد بن جرير (ت (310 هـ) تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1408 هـ / 1988 م.
عباس، د. إحسان، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، د. ن، د. ط.
1987 م.
، فن الشعر، دار الشروق للنشر والتوزيع، بيروت، ط 4،
عبد الخالق: د. علي الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف بمصر، د. ت، د. ط.
عبد الرحمن عبد الهادي سلطة النص، سيناء للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998 م.
عبد المهدي: د. عبد الجليل بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية، دار البشير للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، 1415 هـ / 1995
م.
أبو عمار، عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل (ت قبل 570 هـ) الموجز تحقيق ودراسة الدكتور عمار طالبي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978 م.
410
-
- (1/410)
صفحة 411
عمارة: د. محمد، نظرة جديدة إلى التراث دار قتيبة، بيروت، الطبعة
الثانية، 1988 م.
العوتبي:
سلمة بن مسلم الصحاري (من علماء القرن الخامس الهجري)
كتاب الضياء، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
عيسي: د. رياض الحزبية السياسية منذ قيام الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية، دمشق، الطبعة الأولى، 1412 هـ/ 1992 م.
غباش، د. حسين عبيد غانم عمان الديموقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي، الحديث نقله إلى العربية د. إنطوان حمصي، دار الجديد، بيروت، ط 1، 1997 م.
الغزالي، حجة الإسلام، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، قدم له، وعلق عليه، د. علي أبو ملحم، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط 1، 1993 م.
د. ن.
إحياء علوم الدين، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ط،
الغزالي، محمد عقيدة المسلم، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، الإسكندرية، الطبعة الثالثة، 1411 هـ 1990 م.
الغيثي: الشيخ سعيد بن ناصر (ت (1361 هـ) إيضاح التوحيد بنور التوحيد، وهو شرح لنور التوحيد، لمصنفه العلامة علي بن محمد بن علي المنذري (ت ق 13 هـ تحقيق محمد يوسف باباعمي، ومصطفى بن محمد شريفي إصدار معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، سلطنة
عمان، مطابع النهضة، مسقط، الطبعة الأولى، 1417 هـ 1996 م.
—
- (1/411)
صفحة 412
الفارسي: منصور بن ناصر بن محمد ديوان سموط الفرائد، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1992 م.
الفخر الرازي أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسين، أساس التقديس في
علم الكلام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1354 هـ / 1935 م. قابيل: د. عبدالحي، محمد الإباضية وآراؤهم الكلامية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1995 م.
قاسم: د. عدنان حسين، التصوير الشعري التجربة الشعرية وأدوات رسم الصورة الشعرية المنشأة الشعبية، ليبيا، ط 1، 1980 م.
القاضي: عبدالجبار (ت (405 هـ شرح الأصول الخمسة، تعليق الإمام أحمد بن الحسن بن أبي هاشم، حققه وقدم له عبدالكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، 1965 م.
ابن قتيبة: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) المعارف، دار المعارف، القاهرة، 1981 م.
، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد محيي
الدين
الأصغر، المكتب الإسلامي، بيروت، 1989 م.
القرطاجني: حازم منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الكتب الشرقية، تونس، 1966 م.
القرطبي: أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671 هـ) الجامع لأحكام القرآن بيروت، مؤسسة مناهل العرفان، 1965 م. (1/412)
صفحة 413
القشيري أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن الرسالة القشيرية، تحقيق
الدكتور عبد الحليم محمود، ط 1، 1966 م.
قط
ب، سيد، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1954 م.
القلهاتي: أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدي عاش في النصف الثاني من القرن السادس الهجري الكشف والبيان، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، د. ت.
القنوبي: سعيد بن مبروك، الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان، الطبعة الأولى 1420 هـ/ 2000 م، د. ن، د. م.
، السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد، في مسائل
الاعتقاد، مطابع النهضة، سلطنة عمان، الطبعة الثالثة، 1418 هـ القيرواني: أبو علي الحسن بن رشيق العمدة في صناعة الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد دار الجيل، بيروت، د. ت،
د. ط.
کاشف: د. سيدة إسماعيل، عمان في فجر الإسلام، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، الطبعة الثالثة، 1415 هـ / 1994 م.
الكبيسي:
طراد كتاب المنزلات الجزء الأول، منزلة الحداثة، دار
:.
الشؤون الثقافية، بغداد، 1992 م.
-
- (1/413)
صفحة 414
-
الكلبي: أبو الخطاب، عمر بن الحسين بن دحية (ت 633 هـ) أعلام النصر المبين في المفاضلة بين أهلي صفين دراسة وتحقيق الدكتور محمد أمحزون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1998 م.
الكندي: أبو بكر، أحمد بن عبدالله بن موسى (ت 557 هـ) المصنف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1403 هـ 1983 م.
، الجوهر المقتصر، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، نشر
وزارة التراث القوم والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب،
القاهرة، 1404 هـ / 1983 م.
، كتاب الاهتداء المنتخب من سيرة الرسول عليه
الصلاة والسلام تحقيق سيده إسماعيل كاشف نشر وزاره التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1406 هـ / 1985 م.
- كنوني، محمد اللغة الشعرية دراسة في شعر حميد سعيد، الدار الثقافية، بغداد، الطبعة الأولى، 1997 م.
- لويس، دي، سي، الصورة الشعرية، ترجمة أحمد نصيف وآخرين، دار الرشيد، العراق، 1982 م.
المالكي: ابن الصغير عاش في القرن الثالث الهجري) أخبار الأئمة الرسميين تحقيق وتعليق. د محمد ناصر وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406 هـ 1986 م. (1/414)
صفحة 415
-
المبرد أبو العباس محمد بن يزيد (ت 285 هـ) الكامل في اللغة والأدب، تحقيق محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 هـ 1986 م.
المجذوب: د. عبد العزيز الصراع المذهبي بافريقية، إلى قيام الدولة الزيرية، تقديم علي الشابي، الطبعة الثانية، الدار التونسية، تونس، 1985
م.
مجموعة من علماء، عمان السير، والجوابات تحقيق سيدة إسماعيل کاشف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1406 هـ 1986 م.
مجموعة من المؤلفين، دليل أعلام عمان إصدار جامعة السلطان قابوس سلطنة عمان، مكتبة لبنان بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ/ 1991 م. مجموعة من المؤلفين، معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجري إلى القرن الخامس عشر الهجري، قسم المغرب نشر جمعية التراث، غرداية، الجزائر، 1420 هـ / 1999 م.
: محمد بن عمر محمد السنويكشي، حاشية للترتيب، نشر وزارة ي التراث القومي والثقافة سلطنة عمان المطبعة الشرقية ومكتبتها، مسقط 1402 هـ / 1982 م.
- محمود أكمل الدين محمد بن محمد شرح التلخيص، دراسة وتحقيق الدكتور مصطفى رمضان، صوفية المنشأة الشعبية، ليبية. الضعة الأولى.
1983 م. (1/415)
صفحة 416
ابن مداد العلامة عبد الله بن مداد (ت 917 هـ) سيرة ابن مداد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، 1984 م.
معروف: د. نايف ديوان الخوارج، شعرهم خطبهم، رسائلهم، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الأولى، 1403 هـ / 1983 م.
معمر، علي يحيى (ت 1400 هـ (1980) الإباضية بين الفرق الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة، مطابع سجل العرب، الطبعة الأولى،
1396 هـ / 1976 م.
، الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مكتبة
وهبة، القاهرة، د. ن.
6
الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، مكتبة وهبة، مطابع سجل العرب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1384 هـ / 1964 م. المقبل: صالح مهدي (ت ق 11 هـ) العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ، دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ / 1985 م.
الملائكة: د. نازك، سيكولوجية الشعر ومقالات أخرى، دار الشؤون
الثقافية، بغداد، 1993 م.
الملشوطي: تبغورين بن داود بن عيسى (عاش في النصف الأول من القرن السادس الهجري) كتاب أصول الدين تحقيق الدكتور عمرو خليفة النامي، ضمن رسالته تاريخ الفكر الإباضي، صورة من الكتاب المحقق مع مجموعة أخرى بمكتبة الجامعة الأردنية.
< EN>
-
-
- (1/416)
صفحة 417
-
--
-
أحمد
الملطي: أبو الحسين محمد بن بن عبدالرحمن الملطي الشافعي (ت التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع قدم له، وعلق عليه،
5377
محمد زاهد الكوثري، مكتبة المعارف، بيروت، 1388 هـ / 1968 م. ندور، د. محمد في الميزان الجديد، دار النهضة، مصر، الطبعة الثالثة،
د. ت.
منصور د عز الدين دراسات نقدية ونماذج حول بعض قضايا الشعر المعاصر، مؤسسة المعارف، بيروت، الطبعة الأولى 1405 هـ/ 1985 م. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري، (ت 711 هـ) لسان العرب المحيط، قدم له العلامة الشيخ عبدالله العلايلي، إعداد وتصنيف يوسف الخياط، ونديم مرعشلي، دار لسان العرب، بيروت،
د. ت.
ناصر، د. محمد صالح منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، مطابع النهضة 1418 هـ / 1997 م.
، أبو مسلم حسان عمان مطابع النهضة، سلطنة عمان،
1416 هـ / 1995 م.
"
، الشعر الجزائري، الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية،
دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1985 م.
- النجار، د. عبد المجيد عمر، الشهود الحضاري للأمة الإسلامية، عوامل الشهود الحضاري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1999
م. (1/417)
صفحة 418
6
ياسين، الاستهلال، فن البدايات في النص الأدبي، نشر وزارة
الثقافة والإعلام، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1993 م.
النفوسي: أبو حفص عمرو بن جميع بن فتح (ت (283) أصول الدينونة الصافية، تحقيق حاج بن أحمد بن حمود، مراجعة مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي، مطابع النهضة سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م.
الوارجلاني: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت 570 هـ) الدليل والبرهان نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1403 هـ / 1983 م.
وينتن: مصطفى بن الناصر، آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش العقدية، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1417 هـ / 1996 م.
الهادي: أحمد عبدالسيد النقد التحليلي عند عبد القاهر الجرجاني، دراسة
مقارنة، الهيئة المصرية العامة الكتاب، القاهرة، 1979 م.
هاشم مهدي طالب الحركة الإباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، دار العربي للطباعة، القاهرة الطبعة الأولى، 1401 هـ/ 1981 م. هلال: د. محمد غنيمي: النقد الأدبي الحديث، دار نهضة مصر
والنشر، القاهرة، د. ن.
الياف
للطباعة
ي د. نعيم تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، الطبعة الأولى، 1983 م.
418
-
-
- (1/418)
صفحة 419
-- الرسائل الجامعية
1. سامي صقر عيد أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي (ت 93 هـ/ 711 م) وأثره في الحياة الفكرية والسياسة، دراسة تاريخية، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، الأردن، 1997/ 2/30 م.
2. شريفة اليحيائي، شعر سعيد بن خلفان الخليلي دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، جامعة السلطان قابوس سلطنة عمان، 1995 م.
عيسى بن محمد بن عبدالله السليماني، ديوان الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي (ت 1332 هـ تحقيق ودراسة رسالة ماجستير، جامعة أم درمان الإسلامية السودان، 1417 هـ - 0 1996 م.
محمد بن ناصر المحروقي، أبو مسلم البهلاني شاعرا، رسالة ماجستير، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان، 1995 م.
د - بحوث منشورة في
1 - الدوريات
1. خليفات د. عوض دراسات في النظم والعقائد الإباضية، مجلة المؤرخ
العربي، العدد 17، 1981 م.
2. الخليلي: أحمد بن حمد، الحقوق في الإسلام حلقة (6) مجلة النهضة، سلطنة عمان، العدد 929، 1420 هـ/ 1999 م.
19 (1/419)
صفحة 420
ربابعة د. موسى ظاهرة التضمين البلاغي، دراسة في تضمين الشعراء لمعلقة امرئ القيس مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة الآداب واللغويات،
مجلد 14، 1996 م.
4. فضل، د. صلاح، ظواهر أسلوبية في شعر أحمد شوقي، مجلة فصول، يوليو، تموز، 1981 م.
:
ه. وات مونتغمري، الجماعات والفرق، مجلة الاجتهاد البيروتية، مجلد 5، ع 204، 1993 م.
: د. علوي، بنية اللغة الشعرية مجلة البيان، الكويت، ع 6. الهاشمي: د.
،284
نوفمبر، 1989 م.
2 - وقائع المؤتمرات:
1. الخليلي: أحمد بن حمد العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق إفريقيا، ندوة العمانيون ودورهم الحضاري في شرق إفريقيا، حصاد المنتدى الأدبي، سلطنة عمان، 1992 م.
2. السعافين: د. إبراهيم، بناء القصيدة الكلاسيكية العمانية واقع وآفاق، ندوة الأدب العماني الأولى، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان، 1/ 20/
2000 م
السيابي:
: أحمد بن سعود، أبو مسلم البهلاني والمدرسة التي ينتمي إليها،
ندوة أبي مسلم البهلاني، مسقط 1415 هـ وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1998 م. (1/420)
صفحة 421
4. ناصر د محمد بن صالح ناصر، أبو مسلم البهلاني في شعره الابتهالي، ندوة أبي مسلم البهلاني، مسقط، 1415 هـ/ 1994 م، بحث منشور ضمن كتاب قراءات في فكر البهلاني الرواحي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1998 م.
د-
الصحف
- الخليلي: عبدالله بن علي، ترجمة أبي، سرور، حميد بن عبدالله، جريدة
عمان، 1973/ 8/18 م.
421 (1/421)
صفحة 422
/ (1/422)
صفحة 423
Abstract
The Impact of the "IBADI" Thought on the Omani Poetry in the 13 th and 14 th Centuries of the
Hijra
Prepared by
Mahmoud Mubarak Habib Al Saleemi
Supervisor
Professor Dr. Abdel Jalil Abdel Muhdi
This study aimed at unveiling the impact of the "Ibadi" thought on the Omani poetry in the 13 th and 14 th centuries of the Hijra in order to identify the starting points of Omani poet and the extent of his linkage with the Omani environment and its intellectual characteristic.
To do this, the researcher tried to give an idea about this thought to highlight the extent of its effect on the poet's output and style.
This study is based in principle on knowing the features of this thought and its entire characteristics in order to reveal its impact on the Omani poetry in particular, without disregarding its artistic and stylish side.
The researcher focused on the most important intellectual predicaments which represent the identity of the "Ibadi” thought in a pretext to perceive their historic depth due to their outstanding effects on the creativity of creators.
The study shed light on the origin of the "Ibadi" thought and its historic roots and intellectual foundations as well as the effect of that on the poetry of the poets of such period of time. (1/423)
صفحة 424
The researcher concluded that the event of arbitration and its consequences had great impact on the psyche of a number of "Ibadi" poets, who inspired some of their poetry texts from this event, as indicated in the first chapter.
However, the second chapter discussed the impact of the ideological thought on the product of "Ibadi" poets in the specified
time.
The researcher concluded that such reflection varied between an ideological thought and another. While it seemed that the Ibadi poet was influenced by the vision, traits, monotheism and impartiality. The issue of vision took some space in their poetry between separate poems and an indirect reflection within other purposes, as revealed by the study. But such impact diminishes in other controversial issues such as the creation of the Holy Koran, intercession, the bridge over Hell and the balance.
The third chapter deals with the impact of the political thought. It is divided into several topics that studied the impact of such thought on poetry, through its impact on the poem of extolment and lamentation in particular, whether in individual extolment, which pledged to disclose the characteristics of Imams and their image in the Ibadi society or the collective extolment which depicted the image of the early "Ibadi" Imams.
These characteristics reflect the political dimension of the "Ibadi" thought by materializing the feature and characteristics of "Ibadi" Imams.
As the Ibadi poet described the character of Imam he also reflected the image of Imam function itself by materializing it and showing its merits. The attention of the researcher was drawn to certain issues and phenomena that affected the "Ibadi" thought and influence of thereby, such as the poetry of asseticim, behavior, enthusiasm, complain and place, as mentioned in the fourth chapter.
The fifth chapter is devoted for studying the most important artistic attributes with which the "Ibadi" poetry was distinguished, in relation to intellectual aspects. Through this, it was possible to identify the extent of the correlation of the poetry experiment of a number of
424 (1/424)
صفحة 425
" Ibadi" poets with the intellectual affiliation deeply rooted in their psyches and connected with their ideology. It was apparent that some of them had created a form of association between art and ideology. Many of them exploited their art to serve their thought and society so that their poetry experiments, language and images start from their cultural structure and intellectual background. (1/425)
صفحة 426
/ (1/426)
صفحة 427
المقدمة
فهرس المحتويات
الفصل الأول: حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله
أصل المذهب وجذوره
نشأة الإباضية وتطورها
الإباضية والصحابة
الإباضية والخوارج
ركائز الفكر الإباضي
الفصل الثاني: الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي
«أثر الفكر العقائدي»
الذات الإلهية
1 - التوحيد والتنزيه
20 - الرؤية
3 - الصفات
المعاد واليوم الآخر
1 - حكم مرتكب الكبيرة
2 - الشفاعة
الصراط والميزان
الصفحة (1/427)
صفحة 428
الم
ــوى
الصفحة
الولاية والبراءة
خلق القرآن
الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي
الإمامة وتقاليدها
الإمام وصفاته
أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح
أ- المديح الفردي
ب - شخصية الإمام في قصيدة المديح جـ - المديح الجمعي للأئمة
د - صورة الإمامة في قصيدة المديح هـ - نصح الأئمة وإرشادهم
و - وصف جهاد الأئمة
تحريم الخروج على الإمام العادل موقف الإباضية من الحاكم الجائر
الموقف من التكسب بالشعر
أثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء
أ- رثاء الأئمة
ب رثاء الإمامة
ج - رثاء الشيوخ والزعامات الدينية (1/428)
صفحة 429
المحـ
الفصل الرابع: ظواهر أخرى
ــوى
الصفحة
شعر الزهد والسلوك وتأثره بالفكر الإباضي شعر المديح النبوي والفكر الإباضي
الحماسة في الشعر الإباضي
الشكوى في الشعر الإباضي
قدسية المكان عند الشاعر الإباضي
الفصل الخامس: السمات الفنية
التجربة وأثر الفكر الإباضي فيها
بناء القصيدة
اللغة والأسلوب
أولاً: المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه
1 - القرآن الكريم
- الحديث الشريف
- التراث الشعري
4 - بين الشعر والتاريخ
ثانياً: ظواهر لغوية وأسلوبية
1 - ألفاظ وأساليب تراثية
2 - ألفاظ ومصطلحات إباضية
3 - التكرار
- التوازي والتقسيم
-0
- الأسلوب الخطابي (1/429)
صفحة 430
الخاتمة
الصورة الشعرية
المصادر والمراجع
الملخص باللغة الإنجليزية فهرس المحتويات
الصفحة (1/430)
صفحة 431
طبع بمطابع النهضة ش. م. م (هاتف: 563104) (1/431)