صفحة 1
الكتاب: الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج2
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الدرر البهية في الخطب الجمعية
الجزء الثاني
إعداد
بدر بن سالم بن حمدان العبري
تقدمة
بعد مضي خمس سنوات (2006 – 2010م) رأيتُ – بعد حمد الله وتوفيقه – أن أجمع ماكتبته من الحصاد، وقد سبق أن جمّعته سابقا بشكل عام في أجزاء خمسة، وقد نشر العديد منها في جريدة عمان الغراء، بجانب طبعت منها بعض الكتب، فكان هذا الجمع على أربعة أقسام:
- قطوف فكرية (الجزء الأول).
- قطوف اجتماعية (الجزء الأول).
- قطوف فقهية (الجزء الأول).
- الدرر البهية في الخطب الجمعية (الجزء الثاني).
- مباحث متنوعة وضعت كل بحث على حدة وتمثلت في:
1 - التبغ غير المدخن بين الطب والدين. (مطبوع)
2 - لنحقق مقاصد الحج. (مطبوع)
3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحبّ؟
4 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام.
5 - الذبح في عيد الفطر ... رؤية شرعية (مطوية).
6 - زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص.
7 - ماذا يريدون من المرأة؟
8 - أدبية التعامل مع الهواتف النقالة.
9 - فلسفة الإخلاص في العمل.
10 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار.
11 - الأيمان والنذور ... فقه عملي بالصور.
12 - معا لنتعلم الصلاة (الجزء الأول).
13 - آداب الطريق بين التأصيل والتطبيق (مطبوع) وهو مختصر بحث آداب الطريق.
14 - آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي.
15 - الرسول الداعية.
16 - تأملات قرآنية (الجزء الأول).
17 - الغناء والمعازف بين الحلّ والتحريم.
18 - المشاركة في إعداد كتاب مجالس رمضان مع وعاظ دائرة الوعظ بالوزارة.
19 - المفطرات المعاصرة في الصيام (مطوية).
20 - المؤثرات العقليية ... رؤية قرآنية.
21 - المؤثرات العقلية ... أسباب وآثار (مطوية).
22 - الإمام الجويني في كتاب اللمع مقارنة بالمدارس الكلامية الإسلامية.
23 - قوانين الله في القرآن الكريم (الصفات الإيجابية والسلبية نموذجا).
24 - الأعمال الكاملة لبدر العبري (خمسة أجزاء إلى اليوم). (1/1)
صفحة 2
25 - تحقيق مخطوطة: غاية المطلوب في الأثر المنسوب للعلامة عامر بن خميس المالكي.
26 - تحقيق وترتيب مخطوطة الأجوبة النثرية للعلامة سيف بن حمد الأغبري.
والحمد لله رب العالمين
1431هـ / 2010
القسم الأول
خطب المناسبات الدينية
لمسات من الهجرة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شرفنا بنبوة أفضل من وطأ التراب، وجعل سيرته ومنهجه وآثاره نبراسا لذوي العقول والألباب.
والصلاة والسلام على الرسول المصطفي، والحبيب المجتبى، وعلى آله وصحبه أولي الوفا، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم اللقا.
أما بعد:
قبل أيام قليلة عاما كاملا، ودعنا عاما إمّا أن يكون شاهدا لنا أو علينا، نسأل الله – جلّ في علاه – أن يكون شاهدا لنا لا علينا، وأن يجعل ختامه ختام مسك وقبول، لما قدمنا من صالح الأعمال والأقوال، وأن يكفر ما كان لنا فيه من تقصير وإهمال.
أيام مضت، وساعات مرت، بدأتموها بمحرم، وها أنتم اليوم في شهر الله محرم من العام الجديد .....
إنها أيام حملت في طياتها ذكريات عديدة، وأحداثا متعددة، والعاقل من وقف مع عامه وقفة صادقة، وأعد لمستقبله إعدادا جيدا، من تخطيط وتنظيم، ومحاسبة ومراجعة.
لمسات ثلاث أضعها بين أيديكم الكريمة، عسى أن تكون خاتمة خير لعام مضى، وفاتحة نور لعام جديد، وكل عام وأيامكم مشرقة سعيدة ....
عد ياهلال مع النجومْ .. طهراً وإيماناً يحومْ .. في لهفة حول الغيومْ
أتَرى الغيوم أيا هلالْ .. تدفّقتْ مثل الجبالْ. .في الأفْق تتبعُها جبالْ؟
فوربّ أحمد سوف تمطرُ بالرجالْ
وستورق الصحراء بالفجر الجديدْ .. "ويطلّ عيدٌ يا هلال وأيّ عيدْ؟! "
وترى شباب المسلمينْ .. فوق المآذن والتلال يُكبرونْ
وترى بناتِ المسلمينْ .. يقطفن عقداً من زهور الياسمينْ
وترى صغار المسلمينْ .. في كل بيت يفرحونْ:
"عد يا هلالُ لأمتي .. عد يا هلالْ "
اللمسة الأولى: لمسة التجديد والوصال (1/2)
صفحة 3
لله درك يا فاروق! جعلت مناسبة الهجرة بداية لعام جديد؛ ليهاجر المسلمون في كلِّ عام إلى الله عزَّ وجل في سلوكهم وتعاملاتهم، وفي أفكارهم وتوجهاتهم.
ولله درك يا ابن الخطاب علّمتنا أنّ التاريخ حلقات متكررة، فالحاضر ما هو إلا صورة من صور الماضي، في قالب جديد، والأمة اليوم مكانتها مرهونة بمدى استفادتها من ماضيها.
وإذا كانت الهجرة قد انتهت بفتح مكة؛ إلا أنّ الهجرة إلى الخير والصّلاح باقية إلى يوم القيامة، فلنجعل عامنا هذا عام هجرة ....
اجعلوا عامكم هذا عام هجرة في المقاصد والتوجهات، اهجروا الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، كونوا في عامكم هذا أمّة إخلاص لله الأوحد، أمّة تواضع ومحبة للبشر، أمّة اجتهاد وعمل.
اجعلوا عامكم هذا عام هجرة من المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
اجعلوا عامكم هذا عام هجرة من الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ لتهاجروا إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، كونوا أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية.
اجعلوا عامكم هذا عام هجرة بوضع المال في محله الصحيح، دون إسراف ولا تبذير، ولا طمع ولا بخل ولا جشع، أعينوا الفقراء والمحتاجين، وساعدوا اليتامى والمعوزين، وإياكم أن تضعوا المال في الأماكن التي يرتكب فيها ما حرم الله من المعاصي والذنوب.
فلنهاجر إلى الله يا عباد الله فكرا وسلوكا، قولا وعملا، وليكن شعارنا في كل عام جددوا الهجرة.
إيه والله جددوا الهجرة في النفوس والبيوت، في المساجد والأسواق، في الطرق وأماكن العمل، وبذلك نكون من الأمم التي تحسن التعامل مع تاريخها، وتستفيد من وقفاتها التاريخية والدينية.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم (1/3)
صفحة 4
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
اللمسة الثانية: الهجرة مدرسة للعزة والإباء
كانت هجرته – عليه الصّلاة والسّلام – رمزا للانتصار، وعنوانا للعزّة والإباء، ونواة لحضارة القيم والأخلاق، ومنهاجا للرقي والإبداع والانطلاق.
وما كان هذا الانطلاق ليحصل، وما كانت هذه الحضارة لتقوم؛ لولا هذا المنهج العظيم، الذي أخرج الله به الأمّة من ظلمات الجاهلية، إلى نور التوحيد والربانية.
إنّه كتاب الله – تعالى -، النور الذي غيّر الأرض، والفرقان الذي أعطى للإنسانية التصور الصحيح، لقضايا الكون والإنسان والحياة، والمنهج السليم الذي يسعد به من في الأرض، وبه يعمُّ الأمن والأمان، والعدل والمساواة والحرية، كيف لا؟! والله – تعالى – يقول: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا ممّا كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم".
قل لي بربك: ما قيمة العرب بين الأمم قبل اتباعهم لهذا المنهج؟ كانوا أمّة لا قيمة لها ولا مكانة، فكيف قاموا؟ وبماذا قاموا؟ وماذا حققوا؟ ولماذا سادوا؟
إيه والله، لولا تمسكهم بكتاب ربهم، ومنهاج نبيهم – صلى الله عليه وسلم -، وغيرتهم على دينهم، ونصرتهم لهذا الدين بالغالي والنفيس، بالبدن والمال، "إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم". (1/4)
صفحة 5
فأخذ هؤلاء الفتية، الذين رضعوا من لبان القرآن، أعظم شهادة، وأجلّ إجازة، في الغيرة على دين ذي العزّة والجلالة، فبذلوا النفس والمال لإعلاء الدين ونصرته، ممّا أعجب العالم أجمع، على مرّ الأزمان، وغابر الأيام.
ذكر ابن هشام في سيره، أنّ امرأة من المسلمين، ذهبت إلى صائغ ذهب من اليهود، فجعلوا يراودونها على كشف وجهها، فأبت ورفضت، فأخذ الصائغ بطرف ثوبها من الخلف، وعقده إلى ظهرها وهي غافلة، فلمّا قامت انكشفت سوأتها.
وكان في المكان رجل من المسلمين، وعندما رأى ما حلّ بأخته المسلمة أخذته غيرة الأخوة في الإسلام، أن يدنها يهودي قذر، وأبت نفسه أن يسخر بدين الله من لا خلاق له في الدنيا ولا في الآخرة، فقام غضبا وغيرة على محارم الله – تعالى -، فوثب على الصائغ فقتله، بعد ما بلغ الغضب مبلغه.
لقد ربى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتية شربوا من نهر القرآن، وعاشوا في ظلال القرآن، وماتوا والقرآن فوق رؤوسهم، أبو إلا أن يحققوا العزة التي أرادها الله – تعالى – في القرآن، "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".
واليوم، وما أدراكم ما اليوم! بعد ما هُجِرَ القرآن، وفُقِدت العزة والإباء من نفوس كثير من المسلمين.
تلاعب بدين الله شِرذمة من الناس، اتخذوا كتاب ربهم مهجورا، واستبدلوه بفلسفات من الشرق والغرب.
شجعوا أهل الفسق والعصيان، من راقصين وراقصات، وماجنين وماجنات، في نشر مجونهم وفسادهم، وفتحوا لهم الأندية والقاعات، وبذلوا من أجلهم الملايين من الدولارات، من أجل سهرة ماجنة، وليلة يحارب فيه ذو الجلال والكبرياء، وتغافلوا عن النذير الإلهي: "إنّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
إنّ ما يعانيه العالم اليوم من اضطرابات نفسية وصحية ونفسية وسياسية ..... (1/5)
صفحة 6
إنّ ما يحدث اليوم من تضخم في الجانب الاقتصادي، الذي نتج عنه غلاء وارتفاع الأسعار، مع ضعف الدخل، وانتشار الفقر والطبقية المخيفة، كلُّ هذا ناتج عن البعد عن المنهج الإلهي في توزيع الثروة، وإعمال الطاقات، ومحاربة الطبقية والفقر، فانتشر الاحتكار والطمع والجشع، فضلا عن استثمار الأموال في الربا والقمار والمتاجرة بالمحرمات، والله – تعالى – يقول: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب".
إنّ ما يعانيه العالم اليوم من تهديد لصحة الإنسان، أكثر من نصف سكان العالم مهددون بالموت، نتيجة الدخان وانتشار الشذوذ والزنا، الذي نتج عنه أمراض لم يستطع الطب أن يوجد لها علاجا حتى اليوم، كالسرطان والإيدز والزهري وغيرها.
والعالم لا زال ومنه العالم النّامي أو الإسلامي يشجع أمثال هذه المسببات للأمراض، والله – تعالى – يقول: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
إنّ ما يعانيه العالم اليوم من تفجيرات تفتك بالإنسان، ويختل بسببها الأمن والأمان، ويكون ضحيتها الأبرياء من الرجال والنساء، والأطفال والضعفاء، مع تشريد لأصحاب الحق والأوطان، واغتصاب البلدان، وأكل حقوق الإنسان، كلُّ هذا ناتج عن تخلف أمّة الإسلام عن قرآنها، وبعدها عن منهج ربها.
والله الذي رفع السماء بغير عمد، الإنسانية اليوم بحاجة إلى هذا الكتاب المقدّس، ونحن – أمّة الإسلام – تتحمل المسؤولية الكاملة لهذا الكتاب، وسنسأل عنه يوم نلقى ربَّ الأرباب، ومسبب الأسباب. (1/6)
صفحة 7
فهلا عدنا إلى هذا الكتاب، وهلا تمسكنا به، فبه المخرج، وبه يعمّ الخير والأمان، عودة صادقة، قراءة وعملا، تفهما وتدبرا، غيرة على محارم الله – تعالى – وعزة، نصرة لكتاب الله وبذلا، هذا واستغفروا ربه إنّه كان غفارا.
الخطبة الثانية
اللمسة الثالثة: لمسة المحاسبة والتخطيط
أحباب محمد صلى الله عليه وسلم:
فارقتم عاما مضى، وها أنتم في عام جديد، وهكذا تمر الأعوام، وتمضي الأيام، والمؤمن الحق هو الذي يستثمر هذه الأيام والأعوام، ويجعلها في صالحه وصالح أمته.
ابدأوا عامكم الجديد بالمحاسبة، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ....
حاسبوا أنفسكم عن علاقتكم مع الله، وعلاقتكم مع الناس .....
ماذا عن أهدافكم وطموحاتكم في هذا العام أحققتموها؟!!!!
أم جركم التسويف والكسل إلى تضييع الوقت والعمل ....
حاسبوا أنفسكم – يرعاكم الله – لتبدأوا صفحة جديدة لعام جديد، وبذلك تدركون الأخطاء التي ارتكبت في العام الماضي.
وحبذا أن نجعل لأنفسنا في قبل بداية العام الجديد خلوة مع النفس؛ ليحاسب الواحد منا نفسه.
عام جديد يحمل في طياته اثنا عشر شهرا ...
إنها فرصة عظيمة لتحقيق الأهداف والطموحات في كافة المجالات، العلمية والتربوية، الفكرية والحيوية، المالية والدعوية.
واعلموا أن الطموح والأمل هو الذي يصنع الرجال والأمم ....
ولكن إذا كان هذا الطموح مجرد تصورات في الذهن، وأماني في النفس ....
نعم إذا لم يكن مصحوبا بالتخطيط والتنظيم، فإنه في النهاية يكون مجرد شعارات وأهداف فارغة لا أثر لها في الحياة.
من هنا حبذا أن نجعل لأنفسنا جدولا شهريا على الأقل، والأفضل أن يكون مكتوبا، وبذلك نستطيع أن نحقق الأهداف والطموحات، التي يعود خيرها إلى أنفسنا وأمتنا وأوطاننا.
فهذا حبيبيكم صلى الله عليه وسلم خطط لهجرته إلى مكة، ووضع الأهداف والأسس، فكان النجاح والتوفيق، والنصر والتسديد، فكون دولة الإسلام، وبها تبلد الظلام، وانتشر الخير بين الأنام. (1/7)
صفحة 8
فكونوا أمة نظام وتخطيط، أمة محاسبة وتنظيم.
هذا ومن أعظم الغايات والأهداف التي نسعى لتحقيقها هو رضا الله تعالى، فبه تطمئن النفوس، وتستقر الأبدان، نسأل الله تعالى أن نكون من أهل الإيمان، الذين ينعمون في جنات الرحمان.
وإن كان ثمّة نصيحة في الختام، فأوجهها إلى أبنائي وإخواني الطّلاب والطّالبات، وهم يختمون عامهم ويبدؤون عاما جديدا مع امتحانات الفصل الأول.
وهذه من النّعم؛ ليقوموا أنفسهم عمّا مضى، أكانوا مع اجتهاد وجدّ، أم مع نوم وكسل ولعب، فليهنأ المجدون، وليواصلوا المسيرة والطريق، وليفق المستهترون، فالحياة بلا علم واجتهاد لا قيمة لها ...
فحاسبوا أنفسكم – يرعاكم الله -، وجدوا في مذاكرتكم، وأخلصوا لربكم، وردّوا خيرات أوطانكم، واجتهاد معلميكم، وحرص آبائكم، قروا أعينهم بالنتائج الطيبة، والتحصيل المتميز.
وحذار ثمّ حذار من الغش في الامتحانات؛ لأنّه من سمات الطالب الفاشل، وهو معصية من المعاصي، فلا تختموا صحيفة عامكم بالمعاصي والذنوب.
وعليكم باحترام وتوقير وإجلال كراسات الدّراسة، من كتب وأوراق امتحانات، وكشاكيل دونتم فيها ما تعلمتموه فليس من الحضارة ولا من الرقي أن تُرمى في الشوارع من أعلى الحافلات، أو في الطرقات، فإنّ هذا السّلوك يُنمي عن تخلّف ورجعية، ويعبر عن أمّة لا تهتمُّ بالعلوم، ولا تقدس العلم، وفقكم الله، ويسّر لكم أمر امتحاناتكم، واتقوا الله، ويعلّمكم الله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ...
اللهم اختم عامنا بالصالحات، وتكفير السيئات، والعصمة من المعاصي والزلات ...
اللهم أعنا في العام الجديد، واجعلنا فيه من أهل التسديد ...
اللهم نودع هذا العام، وصحفنا مليئة بالذنوب والمعاصي، فالرحمة الرحمة، والعفو العفو، والمغفرة المغفرة ..........
في ظلال المولد
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم (1/8)
صفحة 9
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
الحمد لله منّ علينا بسيّد الورى، وإمام الهدى، والصلاة والسّلام على الحبيب المجتبى، والرسول المصطفي، ومن سار على نهجه واقتفى.
ما بال مكة صوتها يتعالى ... والنور فيها قد بدا يتلالا
بشرى لكل الكون مولد أحمد ... الرحمة المهداة منه تعالى
أخوة الإيمان: أيام قليلة ويهلّ علينا أول الربيعين، حاملا ذكريات سيد الثقلين، معطّرا برياحين المحبة والهدى للعالمين.
نسمات ثلاث، أضعها بين أيديكم الكرام، أتحف بها أسماعكم، وبها أشدّ أبصاركم، لتعيشوا مع حبيبكم ونبيكم صل الله عليه وسلم.
صلى عليك الله يا نور الهدى ... يا رحمة للعالمين ومرشدا
دانت لك الأخلاق صرت إمامها ... يا من بنصر الله كنت مؤيدا
النسمة الأولى: ماذا يريدون منك يا رسول الله - صلّى الله عليك وسلم -:
بالأمس القريب أعلنوها حربا شعواء، محمّلة بالحقد والاستهزاء، ضدّ أطهر نفس، وأعلى مكانة ومنزلة ...
ووالله إنّهم لمساكين، صوّروا تأريخهم المظلم، وواقعهم المرير، في شخص الرسول – عليه الصلاة والسّلام -، من خلال الرسوم الكراكتيرية، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.
إننا لا نطالب هؤلاء أن يقرأوا تأريخهم قبل خمسمائة سنة، وما فعلوه في القرون الوسطى من جرائم ضدّ البشرية قاطبة. (1/9)
صفحة 10
فقط ليقرأوا تأريخهم المعاصر، وما فعلوه في الإنسانية من سفك الدماء، وتقتيل الأبرياء، من الحربين العالميتين، وحتى يومنا هذا في فلسطين وأفغانستان وأرض العراق، وما يبثوه من فتنة وفرقة بين الشعوب والأجناس والطوائف وفقا لقاعدة "فرق تسد".
ليقرأوا تأريخهم المعاصر وما جرته فلسفاتهم إلى هدم كيان الأسرة والمجتمع، من انتشار الفواحش والمنكرات، وانتشار اللقطاء والعاهرات، فضلا عن الأمراض النفسية والجسدية التي ارتفعت بسببها معدلات الانتحار والتخريب.
وإنّهم ليعلمون علم اليقين مكانة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في البشرية، فهو الذي أنقذ الإنسانية من طغيان الإنسان وبطشة، وحقق العدالة الاجتماعية، وأرسى القواعد الكلية التي تحمي الإنسانية من الظلم والطمع والجشع والطغيان، وارتكاب المحرمات.
ولقد أدرك هذا فلاسفة الغرب ومفكره، حيث قال أحدهم: إنّ العالم بحاجة أن يبعث فيه محمد من جديد.
وصدق الله حين قال:
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}
هذي ديار العرب قاست ظلمة ... وجهالة وشقاوة وضلالا
فغدت بفضل هداه تشرق بهجة ... من بعد ما عانت سنين طوالا
قد جاء بالحق المبين وشرعة ... جعلت سواء حمزة وبلالا
هذا رسول الله يدعو للهدى ... للحق للقيوم، جل جلا لا
ليبث نور الحق بين جماعة ... قد عظمت من جهلها تمثالا
لله ما قاسى وما عانى وكم ... قد صال بين المشركين وجالا
كم قد تصدى للطغاة وسعيهم ... كي يطفؤوا البدر المنير هلالا
هي دعوة التوحيد نعمت دعوة ... تحيي العقول وتنجب الأبطالا
النسمة الثانية: عذرا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - (1/10)
صفحة 11
عذرا رسول الله، إذا كنا نلوم المستهزئين بك في الدنمارك وغيرها، فهم لا يؤمنون بك، ولا بكتابك ....
عذرا عذرا حبيب الله، نحن أكثر أمّة تستهزئ بك، ونحن نؤمن بك، ونصدّق بكتابك ...
أولم نستهزئ بك في سلوكنا وأفعالنا، أمرتنا فعصيناك، وارتكبنا ما نهيتنا عنه ...
أولم نستهزئ بك في إعلامنا ومنتدياتنا واحتفالاتنا ... فأعلناها حربا لشريعتك، وخروجا عن حدودك وأوامرك ...
أولم نستهزئ بك عندما نظّمت أموالنا بما يخدم الفرد والأمة ... ها قد أنفقناها في الترف والإسراف، والرقص والبغاء والمجون، وأماكن التجميل لغير حاجة وضرورة، وأماكن الربا إلا من رحم الله تعالى ...
أولم نستهزئ بك عندما أنزلت عليك أول آية {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} فأمرت بالقراءة وطلب العلم، واستغلال الوقت فيما يخدم الأمّة، فأصبحنا أمة لا تقدس العلم ولا العلماء، ولا تسابق الأمم إلا في الرقص واللعب واللهو، وثقافتها مبنية على الهزّ والرقص والتمايل، وما أنتجه الآباء من مخطوطات وآثار، يعكف عليها بحاثة الغرب ومفكره، أبناؤنا يجهلون حتى أسمائهم، ويحفظون أسماء اللاهيين واللاعبين.
عذرا رسول الحق هذي أمتي ... صالت إلى الدنيا فساءت حالا
أبناؤها ضاعوا وضلوا دربهم ... فتفرقوا وتمزقوا أوصالا
أغوتهم متع الحياة فها هم ... جمعوا كنوزا واقتنوا أموالا
لم تجدهم أموالهم وكنوزهم ... نفعا ولا عزا ولو مثقالا
وعموا وصموا عن سبيل علاجهم ... فاشتد داؤهم وصار عضالا
كغثاء سيل هم كثير دأبهم ... أن يكثروا الأقوال لا الأفعالا
هذا واستغفروا ربكم إنه كان غفارا ...
الخطبة الثانية
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (1/11)
صفحة 12
النسمة الثالثة: ميلاد خير الأنام رمز للتقدم إلى الأمام
أتباع محمد – عليه الصلاة والسّلام – إنّ الأمم المتقدمة هي التي تكرّم رموزها الذين ساهموا في إحيائها وتقدّمها، وتخلّد ذكراهم بالاحتفالات السنوية، والمسابقات التي تظهر بطولاتهم ومآثرهم عن طريق البحوث العلمية وغيرها، وتترك لمآثرهم حيّزا في إعلامها ومنتدياتها وفنها، وما هذا إلا لتربية جيل يقتفي آثار الرموز الأبطال، فيظهر في هذه الأمم رموز جديدة قد تحقق لأمتها وأوطانها أكثر مما حققه السلف من تقدم وبطولة.
وإذا كان هذا أمام رموز بشرية مجتهدة، كان اجتهادها في جانب معين من جوانب الحياة ... فما بال أمّة الإسلام تترك الرمز الذي اختاره الله – تعالى - ليس لهذه الأمة فحسب؛ بل للإنسانية جمعاء ...
اختاره الله – تعالى - منقذا للبشرية، وهاديا للإنسانية، ومصحفا عمليا لكتاب الله يمشي بين البرية، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
آن لنا أن نكرّم هذا الرسول العظيم، ونظهر ولائنا ومحبتنا له، ليس بالمظاهرات الخادعة، ولا بالكلمات الرنانة؛ بل بالواقع الصادق، والالتزام الحقيقي بما أمر به، والبعد عما نهى عنه ...
آن لنا أن نظهر شريعته في أنفسنا وبيوتنا، في أسواقنا وأماكن عملنا ...
آن لنا أن نفخر به بين الأمم بالتأسي به، وإظهار شريعته، في إعلامنا ومهرجاناتنا
آن لشبابنا بدلا من تقليد الآخرين بلبس السلاسل والملابس الضيقة، وتقليد الكافرين والفسقة، أن يعتزوا بشخصية رسولهم – صلى الله عليه وسلم -، فلا تجعلوا أسوة لكم غير محمد – عليه الصلاة والسلام -.
آن لنا أن نقاطع كل من يحارب شريعة محمد ويستهزئ بها، خاصة من يروج ويبيع أغاني الفسق والمجون، وأقراص العري من الأفلام وغيرها التي تشيع الفاحشة في المجتمع، فضلا عن حضور نواديهم، ومشاركتهم في مجونهم. (1/12)
صفحة 13
آن لنا أن نسعى جميعا في نشر العلم النافع، ودعم المؤسسات العلمية، وحضور الحلقات والمحاضرات والدروس، وأن نوجد العلاقة بين أبنائنا والمؤسسات العلمية، وأن نعظم في قلوبهم حب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحب العلم والعلماء، وأن نعودهم على القراءة والاطلاع، والبحث وحب المعرفة.
لن يكتب النصر المبين لأمة ... أبناؤها متقاعسون كسالى
لا بد من سعي دؤوب مخلص ... كي ينعموا بالمكرمات منالا
فالنصر نصر الله حق للذي ... لم يخش من أجل الإله نزالا
ثم الصلاة عليك يا شمس الهدى ... وعلى الصحاب تعمهم والآلا.
حادثة الإسراء
بسم الله الرحمن الرحيم
" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير "
الحمد لله الواحد القهار، الذي قدر الليل والنهار، سبحانه أسرى بعبده ليكون آية لذوي العقول والأبصار.
والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأبرار، وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم القرار.
تمر الأيام، وتعود الحوادث والمناسبات، لنعيد الذكريات، ونغرس الهمم والتفاؤلات، ونقف وقفة محاسبة مع أنفسنا وأمتنا، لنجدد عهدنا وولاءنا للإسلام، ولرسول الإسلام، فهذه وقفات ثلاث أضعها بين يديكم عسى أن يكون لها الأثر في قابل الأيام.
مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام
بعث رسول الله – صلى الله عليه سلم – في زمن ساد الشرك فيه وعبادة الأوثان، وعم الجهل وطغى الساحل والوديان.
ولكن أي عزيمة كانت من ذلك البطل المغوار؟!
وأي تفاؤل كان منه عليه الصلاة والسلام؟!!!
شد الهمة، وقوى العزيمة، وظل يدعو وينشر دين الإسلام رغم إيذاء المشركين والكفار، وسخر الله له أبا طالب ليقيه من أذى مشركي قريش، فكان عونا له وسندا .....
كذلك سخر له السيدة خديجة الكبرى – رضي الله عنها – التي كان قلبها يتدفق بالحنان، والمحبة لشخصه عليه الصلاة والسلام، فكانت تؤازره، وتنسيه الهموم والأحزان. (1/13)
صفحة 14
ولكن ... دوام الحال من المحال؛ فقد أراد الله أن يبتلي عبده ليرى مدى صبره وشجاعته، فقبض روح أبي طالب، وفي العام نفسه قبضت روح خديجة، فطبل المشركون فرحا وسرورا، وتغنوا طربا ومرحا، فاشتد إيذاءهم لنبي الإسلام، وعظم حقدهم له، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن هاجر إلى الطائف لعله يجد قلوبا تغمرها الرحمة والشفقة، وأنفسا يملؤها الذوق والحنان، ولكن ... هيهات هيهات!!! ما لقي نبي الإسلام من أهل الطائف إلا العذاب والهلاك، سلطوا عليه العبيد والسفهاء، يضربونه بالحجارة وينالون منه، فزاده ألما فوق ألم، وحزنا ما بعده حزن.
ولكن ... هيهات لنفس محمد أن تتراجع، هيهات لنفس لرسول الله أن تتخاذل عن الدعوة، فما زاده ذلك إلا إيمانا ويقينا بوجوب الجهاد، ونصرة دين الإسلام، فكانت هدية الله ونعمته، إذ أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليعلم محمدا أني معك أسمع وأرى، فاذهب ولا تكسل الله يجعل بعد ذلك أمرا.
فانطلقت الهمم، وكبرت النفوس، فانطلقت الدعوة يقودها رسول الله، انطلقت في أرجاء في أرجاء الأرض، ولم يقبض الله رسوله إلا والدعوة تعم أرجاء الجزيرة العربية كلها، وأصبح صوت الدعوة الإسلامية يرن في مسامع الأكاسرة والقياصرة، فقضي على الإمبراطورية الكسروية، وتبعتها الإمبراطورية القيصرية.
الله أكبر ....
أين أمة الإسلام من هذه الحادثة؟!
أين المسلمون من هذا النصر المبين؟!!
أبعد هذا نتخاذل عن دين الله ... !!!
أبعد هذا نتكاسل عن نشر دين الله ... !!!!
كم هي الإنسانية بحاجة إلى هذا النور الدفاق ... !!!!!
كم هم الضعفاء واليتامى والمساكين ينظرون شوقا لعدالة الإسلام ... !!!!!!
كم هم المظلومون يحنون إلى مساواة الإسلام ... !!!!!!!
أي حضارة ترك لنا هذا النبي الأمي ... !!!!!!!!!
وأي نور تركه لنا ... !!!!!!!!!! (1/14)
صفحة 15
أفنترك دين محمد وحضارة الإسلام، لنتبع حضارة لا تعطي قيمة للإنسان، تنادي بالحرية والمساواة وفي حقيقتها الظلم والفجور.
أيها المسلمون اعلموا علم اليقين لن تنصر أمتنا وهي تعيش تحت ستار أكاديمي، وفيديو كليب، ولن تتقدم أمتنا وهي تتفاخر بالفنانين والماجنين ...
إنما تتقدم أمتنا إذا اعتصمت بماضيها، وتمسكت بدينها، وسارت على نهج رسولها.
" وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ".
خاطرتانِ من القرآن في حادثة الإسراء
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و لدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون}.
الحمد لله قصص علينا أفضل القصص عبرة وهداية، وشفاء ورحمة، والصلاة والسلام على خاتم الرسالة، محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضل والهداية.
وقفتان معطرتان بالهداية القرآنية أقفها معكم، راجيا أن تكون لقلوبكم شفاء، ولأبدانكم هدى واطمئنانا.
أخوة الإيمان:
في هذه الأيام، وما تحمله من أحداث عظام، ترجع بنا الذاكرة إلى الوراء قليلا، لنعيش مع حادثة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وهنا تبدأ الخواطر في الحديث، كاشفة عن الأسئلة المحيرة، ما بين تأريخ بأحداثه المنوعة، وحاضر نعايش واقعه، ومستقبل ماذا أعددنا له؟
هزني ذلك السؤال، وكادت *** حسرتي تحت وقعه تجتويني
غير أني نفضت وهم انكساري *** حين لاحت أنواره تدعوني
إنه الفجر، كيف تنسون فجرا *** ساطع النوار، في الكتاب المبين؟! (1/15)
صفحة 16
هنا أرجعت خواطري إلى كتاب الله تعالى، ففيه الجواب عن حاضري، والنوار لمستقبلي، سبحانه أنزل سورة كاملة عن الإسراء، فهلا وقفنا معها وقفات ووقفات؟ فكونوا معي يرعاكم الله، انظروا إلى ما أقول بآذان صاغية، وقلوب واعية.
الخاطرة الأولى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.
أخي الحبيب: تصور نفسك في بلد ما، تدعو الناس إلى فضيلة، وتحذرهم من رذيلة، فما تجد من هذا البلد إلى السب والشتم، والضرب والطعن؟
ماذا سيكون حالك؟ وما هي ردة فعلك؟ وهل ستصبر على دعوتك؟ وتذكيرك لبني جنسك؟
وهل يوجد قوم أطغى من كفار مكة، أطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مالا؟ أتصارع معهم من أجل امرأة أو سيادة؟ كلا وربي، ما جاءهم إلا رحمة بهم، منذرا لهم من عذاب شديد، ومبشرا بما أعدّه الرؤوف الرحيم.
فظلم وتحمل، وعودي وصبر، وضرب ولم ييأس، خرج إلى الطائف لعله يجد عقولا واعية، وقلوبا رحيمة، وأبدانا حامية، فما وجده منهم أشد، وما لاقاه أظلم وأطغى، فما كاد أن يصل إلا والحجارة من أمامه ويساره، والصيحات واللعن تؤذي مسمعه، فشج وأصيب، وضرب وأهين.
إني رأيت عيون من ضحكوا له***
وأنا الخبير بها، عيون ذئاب
هم قابلوه والدماء خضابهم ***
وا حر قلبي من أعز خضاب
هذي دماء مناضل، ومنافح ***
عن عرضه، ومقاوم وثاب
ودماء شيخ كان يحمل مصحفا ***
يتلو خواتم سورة الأحزاب
وفي أوج هذه المحنة، ومن جوانب هذه البلية؛ ينطلق الدعاء منه صادقا من قلب امتلأ فقرا إلى رحمة الله تعالى ... (1/16)
صفحة 17
وقف رسول الله حزينا دامع العينين، دامي القدمين، يجأر إلى الله بالشكوى: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم بكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا و الآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
يسأله في غير شكوى، ويرجوه في غير يأس ...
فماذا يفعل الحبيب لحبيبه؟ هل يتركه في بلواه؟ أم يمد له يد العون؟!!!
فتأتي هدية الله تعالى له، فيسري به إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى، هناك تطمئن نفسه، ويهدأ باله، ويرى تأييد الله له ونصره.
فيا سبحان الله، يرجع داعيا صابرا، مؤمنا باذلا، موقنا أنّ الحق سيعم المسجد الأقصى، وأنّ الخلافة للمسجد الأقصى هي للإسلام الحق، ودين الله سيعم ولو كره الكافرون ...
فيا بن عشرين، ويا بن ثلاثين وأربعين، ويا ابن خمسين وستين وسبعين، ماذا قدمت لدينك؟ هل قدمت مالا؟ أأعددت نفسك لدين الله ناصحا وصابرا؟ أو كنت قدوة له قولا وعملا؟ أم كنت سفيرا صادقا له ذاهبا وراجعا؟ فهلا كنت مصحفا يمشي في الأرض بكرة وأصيلا؟
فحادثة الإسراء تنطلق بك لترجع نفسك من جديد، وتقلب أوراقك مر ة أخرى، فعد العدة، وابذل نفسك ومالك لشراء الجنة، والفوز بالرضوان والمغفرة.
الخاطرة الثانية: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم و أمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا} (1/17)
صفحة 18
في رحلة الإسراء حكى الله لحبيبه عليه الصلاة والسلام عن الأرض المباركة، وقص عليه ما فعله بنو إسرائيل من فساد ودمار لها، {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}.
وهؤلاء القوم سيفسدون مرة أخرى، بإراقة الدماء، وقتل الأبرياء، وتشريد الضعفاء، واغتصاب الأرض، وانتهاك العرض، {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا}.
محتجين بأنهم شعب الله المختار، وأبناء الله وأحباؤه، والله تعالى يقول لهم: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.
فالميزان عند الله هو اتباع الشرع وتطبيقه، لا الجنس والنوع، والدم والعرق. (1/18)
صفحة 19
أيها السلمون، لقد ربطت هذه المعجزة بين ديار الإسلام ومساجد الله في الأرض، وعلى وجه الخصوص بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس، ولما كان المسجد الحرام أول بيت وضع للناس في الأرض فإنّ المسجد الأقصى هو البيت الثاني والقبلة الأولى، وفي هذا ما يكفي لتذكير المسلمين بأهمية المسجد الأقصى ومكانته في عقيدة المسلمين، وموقعه من ديارهم، فيجب الحفاظ على المسجد الأقصى الذي يعيش هذه الأيام ذكرى الحفريات المشؤومة، "تلك الجريمة التي استهدفت المسجد وجودا وحضارة، وكشف نيرانها عن نيران الحقد الأسود على عقيدة المسلمين ومكان عبادتهم في أقدس مقدساتهم، في هذه الديار المباركة، والأرض الطاهرة، التي روّيت بدماء الشهداء الأبرار، من الصحابة الكرام، وتابعيهم من المحررين العظام، الذين لم يرتضوا الظلم لديار الإسراء، ولم يذوقوا طعم الراحة؛ حتى عادت إلى حوزة الإسلام والمسلمين عزيزة كريمة، يدوي في سمائها، ويعلو مآذن مسجدها نداء التوحيد الخالد:" الله أكبر، الله أكبر"، هذا النداء الذي يسعى أعداء الإسلام إلى خنقه وقتله من خلال مؤامرات العدوان على المسجد الأقصى، وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم، وطمس معالم الحضارة و التأريخ الذي يرمز إليها المسجد الأقصى، الذي تتلامع قبابه شامخة في سماء القدس، مؤكدة إسلامية هذه الديار، ومانحة إياها وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل معاول الاحتلال على تغييره وتهويده، في ظل غفلة العرب، وانشغال المسلمين: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}." (1/19)
صفحة 20
فإذا كان سليمان عليه السلام أقام الهيكل، والهيكل هو مكان العبادة، وظل كذلك حتى هدمه البابليون، ثم أعيد بناؤه كمسجد يذكر الله فيه، فهدم بعد قرن من ميلاد السيد المسيح عليه السلام، فما أعيد بناؤه إلا في عهد الحليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ما كان مأوى للحيوانات، فأصبح منارة للإسلام دين الحق، وأيّ تفريط فيه هو تفريط في قدسية من قدسيات الإسلام، فاتقوا الله عباد الله، وربوا أبناءكم على تبجيل مقدسات الإسلام، و تعظيم أنبياء الله تعالى، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
في الخاطرة الأولى تحدث ربنا الله تعالى عن الإسراء كمعجزة وآية، وفي الخاطرة الثانية أتبعها بالحديث عن بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض.
وهنا نطرح السؤال: عن أيّ شيء أعقب الله الحديث بعد ذكر بني إسرائيل؟ وهل أعطى الله الخلاص للأمة لتعود إلى عزتها وكرامتها؟ أم أنّ الأجيال المعاصرة لا تستطيع أن تحقق ما حققه السابقون من أمجاد وتضحيات؟
تأملوا معي رحمكم الله في الخاطرة الثالثة: يقول الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا}.
هنا الخلاص، وهنا العزة والكرامة، وهنا المجد والانتصار، فما انتصر محمد، وما أعزه الله إلا بتمسكه بكتاب الله تعالى: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا".
اعلموا يرعاكم الله أنّ قربكم من القرآن، وتمسككم به، قولا وفعلا، منهجا وسلوكا، تصورا وأخلاقا، يقرب المسافة إلى انتصار هذا الدين، وعودة المسجد الأقصى في أيدي المخلصين، وفوزكم يوم تلقون رب العالمين. (1/20)
صفحة 21
فالله الله في كتاب الله، عضوا عليه بالنواجذ، احيوا به عقول أبنائكم، واشرحوا به صدورهم، وابعدوهم عن كل ما يبعدهم من كتاب ربهم، من قنوات ملهية، وألعاب مهلكة، وأغان مضلة، فأنتم على أمانة كبيرة، فإذا أردتم الهداية لأبنائكم، والمجد لأمتكم، والنجاة في آخركم، فعليكم بالقرآن، إيه والله القرآن وكفى {قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ....
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم سخرنا لخدمة الدين، واجعلنا قدوة للمقتدين، واغرس في قلوبنا حب عبادك الصالحين، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم خلص المسجد الأقصى من دنس اليهود والمعتدين، وارجعه إلى عبادك المؤمنين، اللهم نشكو إليك ضعف حالنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نطلب ربا سواك، فكحل أعيننا برؤية المسجد الأقصى، ومن علينا بالصلاة والذكر فيه.
اللهم خلّص المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها من شر المنافقين والكافرين.
إلهنا جنبنا الأمراض والغلاء، والفيضانات والوباء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
خواطر في استقبال رمضان
الخطبة الأولى
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: (185)
الحمد لله شرفنا بنعمة الصيام والقيام، والصلاة والسلام على أفضل من صلى وصام، وأدى الشعائر العظام، وعلى آله وصحبه وتابعيه الكرام.
أهلا بشهر الصوم ذي البركات ... خير الشهور و سيد الأوقات (1/21)
صفحة 22
أهلا به رمضان أهلا مرحبا ... ناهي عن الفحشاء و الشبهات
شهر يفوق عن الشهور بليلة ... عن ألف شهر جاء في الآيات
يا لله بالأمس القريب ودعنا شهرا أنسنا بذكره، وارتقت نفوسنا في أجوائه الروحانية، واستقرت قلوبنا وهي تعايش أوقاته الإيمانية.
واليوم يمد الله في أعمارنا، ويمنّ علينا باستقباله تارة أخرى، فشكرا ربي شكرا شكرا، والحمد لك حمدا حمدا.
إلهنا وفقنا في صيامه، ومنّ علينا بخيراته وبركاته، واجعلنا من عتقائه وأهل إحسانه.
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة: (186)
فيا أحباب رب رمضان:
ها أنتم مقبلون على هذا الضيف الكريم, فماذا عساكم فاعلون؟
ها أنتم بدأتم تستلذون بنفحاته وبركاته، وتتنعمون بخيراته ورحماته ...
فهلا جدية و اجتهاد في هذا الشهر؟ أم نوم و كسل و تضيع للوقت؟
أمراقبة لله و مسابقة في الصالحات؟ أم غفلة و اقتراف للمنهيات؟
خواطر رمضان أبعثها إليكم محملة بمسك المحبة والإحسان، وعنبر شهر الرحمة والغفران، فأعيروني قلوبكم قبل أسماعكم، وعقولكم قبل جوارحكم.
خاطرتي الأولى: لنعد قليلا إلى رمضان الماضي قبل استقبال رمضان الآتي:
بالأمس القريب
كان رمضان للقلوب بهجة وانشراحا، وللأبدان أنيسا وحبيبا
لطالما دمعت العيون فيه بين يدي ربه وربها ذلة وانكسارا
ولطالما ارتجت بيوت الله بآيات الله عشية وأسحارا
ولطالما تنافس المتنافسون بأنواع البر جماعات وأفرادا
فيالله ما أحيلاها من أيام، وما ألطفها من ليالي وأزمان
بالأمس أقبل مُشرق الميلاد شهرُ التُّقاة وموسمُ العباد
واليوم شد إلى المجيئ متاعه ... قد زود الدنيا بخير الزاد
لا أوحش الرحمن منك منازلاً ... ذكراك يعلو في الربى والوادي
كيف ودعت رمضان الماضي؟
وكيف كان فراقك له؟
وماذا عن حدود الله فيه وعن حرماته؟ (1/22)
صفحة 23
وكيف تعاملت مع أوامر الله وشرائعه؟
يا حبيب رب رمضان:
اليوم يوم الجمعة، وغدا قد يكون أول أيام رمضان، فهلا وقفت هنيهة قبل دخول رمضان، بعد الجمعة مثلا، أو بعد العصر، دقائق تخلوا بها مع نفسك، وتستجمع فيها أفكارك.
نعم عد إلى رمضان الماضي، وقوّم نفسك، أكنت فيه من الطائعين الراغبين، أم المستهترين الغافيلين ...
كم أخ لك كان معك في رمضان الماضي، وكم قريب وصديق عاشرته، أصبح مآله التراب، ومضى إلى دار المآب ...
وها أنت تنعم بإدراك الشهر من جديد، فهلا ثم ألف هلا شددت العزم، وقويت النفس، للفوز في رمضان، واستغلال خيره وفضله، فرغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له.
ذهب رمضان الماضي, ومرت أيام و ساعات, وها نحن على أبواب رمضان من جديد ...
كم قصرنا في جنب الله! و كم أخطانا في حقه! و كم بعدنا عن بابه ...
ومع هذا باب الأمل مفتوح, وباب الرجاء لا يغلق, فها هي هدية الله و رحمته, تعلن أن لا يأس من روح الله, و لا قنوط من رحمته، فشمر أخي في الله عن ساعدك, واقبل إلى ربك, و ظن خيرا بخالقك ....
فورب الشهور ورمضان لو جئت قبل رمضان وذنوبك مثل جيال الدنيا, جئت بقلب ذليل خاضع لله, وأنت عازم للرجوع إليه, وأصلحت حالك معه معظما وطائعا، لبدل الله سيئاتك حسنات, وتقبل صيامك, و كنت من عتقاء الشهر إن شاء الله ....
فإلى متى الغفلة! وإلى متى التعلق بالدنيا و الشهوات!! ..
فالأوبة الأوبة, و الرجعة الرجعة, حتى لا يفارقك الشهر وأنت في غفلة وبعد عن الديان.
قل للذي ألف الذنوب و أجرما ... فغدا على زلاته متندما
لا تيأسن من الجميل فعندنا ... فضل ينيل التائبين تكرما
يا معشر العاصين جودي واسع ... توبوا و دونكم المنى و المغنما
لا تقنطوا فالذنب مغمور لكم ... إني الجدير بأن أجود و أرحما
((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)).
خاطرتي الثانية: من سيجيب على هذه الأسئلة:
أرمضانيون نحن أم ربانيون؟ (1/23)
صفحة 24
أنعمل لرمضان أم لرب رمضان؟
أنراقب رمضان أم رب رمضان؟
أتعظيمنا لحدود الله وأوامره في رمضان ألرمضان أم لرب رمضان؟
من سيجيب على هذه الأسئلة، هل سأجيبها أنا أم أنتم؟ بل سأختصر لكم الطريق وسيجيب عليها رب رمضان في كتابه الكريم.
لنرجع قليلا إلى آيات الصيام بماذا افتتحها الله تعالى، أولم يفتتحها بقوله:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: (183)
فمن الذي كتب الصيام؟ أليس الله؟
ومن الذي فرضه؟ أوليس رب رمضان؟
إذا فمن صاحب العظمة المطلقة أرمضان أم رب رمضان؟
والآن تعالوا معي إلى ختام آيات الصيام ماذا يقول الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة: (187)
إذا أوامر الله ونواهيه وطاعاته وواجباته حدود من؟ أحدود رمضان أم خالق رمضان؟
آآنطيع الله في نهار رمضان ونحاربه في ليله؟
أو نقرأ القرآن ونعمل الطاعات في نهاره، ونحبط ما جنيناه في ليله بالنظر إلى الحرام، وسماع الحرام، والمشي إلى الحرام، والكلام بالحرام، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} البقرة: (264) أو ما ترون ما يحارب الله به الآن في رمضان يسمونه: فوازير رمضان، مسلسلات رمضان ... وفيها من العري والكذب ما يحبط أعمال الناس في رمضان .... (1/24)
صفحة 25
أيستطيعون أن يقولوا: فوازير ومسلسلات رب رمضان؟ كلا وألف كلا لأنهم يتقربون بها إلى الشيطان وأعوانه ليقذفوا جميعا في نار جهنم بما يحاربون الله به: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سبأ: (32) - (33)
فيا الله تعظيمنا لك وحدك، لا نشرك معك أحدا، مقرون بربوبيتك، معترفون بإلوهيتك،
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الأنعام: (162) - (164)
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، منيبين إليه إنابة بعد إنابة، هذا واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية (1/25)
صفحة 26
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)} البقرة: (183) - (184)
أحباب الله في رمضان وسائر العام:
لا يخفى ما لنفوسكم من حنين و شوق لرمضان, وما لخاطركم من رغبة في استغلال الشهر الكريم ......
ولكن إذا ما دخل الشهر الفضيل كثرت العبادة , و تعددت الطاعة , ثم لا تلبث أن تتناقص شيئا فشيئا , و إذا ما أقبل رمضان على الرحيل قد يترك الواحد منا قراءة القرآن , بل يترك صلاة الجماعة , و يتساهل في منهيات رمضان , و هذا خطأ كبير, وجهل عظيم , مخالف لهدي محمد صلى الله عليه و سلم , فقد كان في النصف الثاني من رمضان وخاصة في العشر الأواخر أشد عبادة , وتقربا إلى الله تعالى.
فيا أخي العزيز
عليك بالإخلاص لله تعالى, وتدرج بالنفس في الطاعة طيلة الشهر , لتغنم فضل العشر الأواخر, و عليك بالمحافظة على الواجبات الشرعية , كالصلاة في جماعة و بر الوالدين , و صلة الأرحام , و إخراج الزكاة, و الأمانة في العمل , عظ عليها بالنواجذ.
وحذار ثم حذار من إحباط العمل في ليالي رمضان باقتراف النواهي الشرعية, كمشاهدة المسلسلات العارية , أو شبه العارية , و فتح العنان للسان لتقول ما تشاء من غيبة و نميمة و كذب وبهتان؛ لاعتبار أن المعصية في الليل لا تنقض رمضان , و هذا استهتار بعظمة الشهر العظيم، فرمضان معظم ليله و نهاره، فاتقوا الله وارعوا حرمة شهركم. (1/26)
صفحة 27
ويا أبنائنا الأعزاء، ويا إخواننا الشباب، من حقكم أن تمارسوا الرياضة في الليل، ولكن أن تسهروا عليها إلى ما بعد منتصف الليل وأكثر، فتقبلون إلى فراشكم أمواتا، فتضيعون الواجبات الشرعية من صلاة الفجر والذكر، فهذا استخفاف بحرمة الشهر، فاعتدلوا في لهوكم، ولا يصرفكم عن ذكر ربكم، فإدراككم لرمضان في فترة الشباب من أعظم النعم، وقد لا تدركونه في الأعوام الأخرى.
فاتقوا الله عباد الله، و عظموا شهركم, و تفقهوا في أحكام دينكم , تنالوا الأجر عند ربكم.
أهلا رمضان
الخطبة الأولى
((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))
الحمد لله الذي شرع لنا الصيام, وجعله فرضا على الأنام, و الصلاة والسلام على خير من صلى و صام, وأدى الشعائر العظام, و على آله و صحبه الكرام, وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم القيامة للمالك العلام.
أيام قليلة, و ساعات معدودة, ويهل علينا شهر الصيام ...
فيا لها من نعمة عظمى, ومنة كبرى, أن نصوم شهر الله المعظم ...
اشكروا الله - أيها المسلمون – واسألوه أن يبلغنا رمضان, ويرزقنا قيامه وصيامه ....
أهلا بشهر الصوم ذي البركات
خير الشهور و سيد الأوقات
أهلا به رمضان أهلا مرحبا
ناهي عن الفحشاء و الشبهات
شهر يفوق عن الشهور بليلة
عن ألف شهر جاء في الآيات
وها نحن معاشر المسلمين فارقنا إحدى عشر شهرا، فمنا المطيع حق الطاعة، ومنا المقصر في الأيام الماضية، وها هو رب الاراضين و السماوات العالية، يفتح بابه للمذنبين في رمضان وللناس قاطبة؛ ليغفر لهم ما أسلفوا في الأيام الخالية، وليفتحوا صفحة بيضاء في الأيام المقبلة.
فرحماك ربي ما ألطفك على عبدك.
أيها المسلمون:
شهر رمضان فرصة ذهبية لا تتعوض, ومنة إلاهية لمن شمّر عن ساعد الجد و اجتهد, فطوبى ثم طوبى لمن أدى حقه, وعظم حرمته, وأدرك فضله و مغفرته.
فيا أبناء شهر رمضان المعظم: (1/27)
صفحة 28
ها أنتم مقبلون على هذا الضيف الكريم, فماذا عساكم فاعلون؟
أجدية و اجتهاد في هذا الشهر؟ أم نوم و كسل و تضيع للوقت؟
أمراقبة لله و مسابقة في الصالحات؟ أم غفلة و اقتراف للمنهيات؟
إخوة الإيمان:
هاكم ثلاث محطات أقفها بين جنابكم قبل دخول شهركم المبارك, عسى أن تكون فاتحة خير للاستغلال الشهر الفضيل.
* المحطة الأولى: تفاؤل و أمل:
ذهب رمضان الماضي, ومرت ايام و ساعات, وهانحن على أبواب رمضان من جديد ...
كم قصرنا في جنب الله! و كم أخطانا في حقه! و كم بعدنا عن بابه ...
ومع هذا باب الأمل مفتوح, وباب الرجاء لا يغلق, فهاهي هدية الله و رحمته, تعلن أن لا يأس من روح الله, و لا قنوط من رحمته، فشمر أخي في الله عن ساعدك, واقبل إلى ربك, و ظن خيرا بخالقك ....
فوالله الذي لارب سواه لو جئت قبل رمضان و ذنوبك مثل حيال الدنيا, جئت بقلب ذليل خاضع لله, وأنت عازم للرجوع إليه, لبدل الله سيئآتك حسنات, وتقبل صيامك, و كنت من عتقاء الشهر إن شاء الله ....
فإلى متى الغفلة! وإلى متى التعلق بالدنيا و الشهوات!! ..
فالأوبة الأوبة, و الرجعة الرجعة, حتى لا يفارقك الشهر وأنت في غفلة وبعد عن الديان.
قل للذي ألف الذنوب و أجرما ... فغدا على زلاته متندما
لاتيأسن من الجميل فعندنا ... فضل ينيل التائبين تكرما
يا معشر العاصين جودي واسع ... توبوا و دونكم المنى و المغنما
لاتقنطوا فالذنب مغمور لكم ... إني الجدير بأن أجود و أرحما
((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر النوب جميعا)).
المحطة الثانية: مع المدرسة الرمضانية:
مدرسة رمضان أعظم مدرسة يمر بها المسلم في عامه كما أن مدرسة الحج أعظم مدرسة يمر بها في عمره ..
مدرسة رمضان لطالما خرجت المؤمنين الأتقياء .... و لطالما خرجت المجاهدين النبلاء ...
من مدرسة رمضان خرج صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ينشرون الخير للإنسانية ... (1/28)
صفحة 29
ومن مدرسة رمضان خرج الدعاة ينشرون دين الله ....
من مدرسة رمضان خرج المسلمون بملأون الارض قسطا و عدلا و سعادة و سرورا ....
من مدرسة رمضان كانت غزوة بدر الكبرى, وفتح مكة ...
ومن مدرسة رمضان كانت العدالة و الحرية و المساواة ....
فأين نحن من مدرسة رمضان ... ؟
أين نحن من هذه الجامعة العريقة؟
أباللهو و اللعب في ليالي رمضان نتخرج منها؟
أبالمسلسلات و الأفلام و الفوازير ننجح فيها؟
أبالنوم و التسكع في الطرقات نتفوق فيها؟
أبالكسل و تضيع الوقت نستفيد منها؟
أبالتخمة و التنافس في المؤكولات نتعلم فيها؟
إيه و الله مدرسة رمضان لو وقفنا معها وقفة صادقة لتغير حالنا, لو عقدنا العزم للاستفادة منها لكان لنا شأن آخر ....
فيا أخا الاسلام ....
هلا تخرجت من مدرسة رمضان و قد أخذت شهادة امتياز في الإيمان والعبادة والأخلاق ...
هلا خرجت من هذه المدرسة و شعارك تقوى الله , و مراقبه سرا و علاينة ...
وهلا خرجت منها ونور الاخلاص والمحافظة على الصلاة في جماعة لا يفارق حياتك .....
وهلا خرجت منها و قد تغير سلوكك من الإهمال الى النظام، و ومن الغش الى الأمانة, ومن الكبر إلى التواضع, ومن الجهل الى العلم, ومن تضيع الوقت إلى الاهتمام به.
هلا تخرجت من هذه المدرسة وقلبك مليئ بالرحمة و الشفقة للوالدين والأقربين والفقراء والمساكين ....
و يا فتى القرآن:
هلا تخرجت من مدرسة رمضان وقد أديت أمانة التربية والتوجيه في أسرتك, و ربيت أولادك تربية صالحة , وأقمت حلقات القرآن في بيتك, وأرشدت زوجتك إلى الطهر و العفاف, وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر في بيتك و مجتمعك و مكان عملك ...
فيا الله ما أعظم مدرسة رمضان، و ما أجلها من جامعة , فلا تضيعوا يرعاكم الله هذه المدرسة, عضوا عليها بالنواجد, و راقبوا فيها مولاكم في كل لحظة و حين و استغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية (1/29)
صفحة 30
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
المحطة الاخيرة: قف قبل رمضان:
أخي المسلم
لا يخفى ما لنفسك من حنين و شوق لرمضان , وما لخاطرك من رغبة في استغلال الشهر الكريم ......
فإذا ما دخل الشهر الكريم كثرت العبادة , و تعددت الطاعة , ثم لا تلبث أن تتناقص شيئا فشيئا , و إذا ما أقبل رمضان على الرحيل قد يترك الواحد منا قراءة القرآن , بل يترك صلاة الجماعة , و يتساهل في منهيات رمضان , و هذا خطأ كبير, و جهل عظيم , مخالف لهدي محمد صلى الله عليه و سلم , فقد كان في النصف الثاني من رمضان وخاصة في العشر الأواخر أشد عبادة , و تقربا إلى الله تعالى.
فيا أخي العزيز
عليك بالإخلاص أولا, ولا تكثر من الطاعات في الأيام الأولى إن كنت غير متعود على ذالك , و ابدأ بالقليل، وتدرج في الطاعة طيلة الشهر , لتغنم فضل العشر الأواخر, وعليك بالمحافظة على الواجبات الشرعية , كالصلاة في جماعة و بر الوالدين , و صلة الأرحام, و إخراج الزكاة, و الأمانة في العمل , عظ عليها بالنواجذ.
ومن الملاحظات في رمضان – أخوة الإيمان – انفتاح الناس على النواهي الشرعية في ليالي رمضان , كمشاهدة المسلسلات التي تحتوي على صور عارية , أو شبه عارية , و فتح العنان للسان لتقول ما تشاء من غيبة و نميمة و كذب وبهتان؛ لاعتبار أن المعصية في الليل لا تنقض رمضان , و هذا استهتار بعظمة الشهر العظيم، فرمضان معظم ليله و نهاره، فاتقوا الله وارعوا حرمة شهركم.
ومن الملاحضات أيضا استهتار بعض الطلاب في المدارس فيتساهلون في العلك و اللبان، و قد يتفاخرون بالأكل و الشرب في نهار رمضان أمام الطلاب , ليظهر شجاعته و بطولته , و هذه سخرية في دين الله ما بعدها سخرية، وهذا كما يقول بعض أهل العلم إنها ردة و خروجا عن دين الله تعالى.
فاتقوا الله عباد الله، و عظموا شهركم, و تفقهوا في أحكام دينكم , تنالوا الأجر عند ربكم. (1/30)
صفحة 31
خطبة عيد الفطر السعيد
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد ..
الحمد لله عدد ذرات الرمال ..
الحمد لله عدد قطرات البحار
الحمد لله عدد ورق الأشجار
أشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار، صلى الله عليه وعلى آله المهاجرين والأنصار.
الله اكبر الله اكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ..
الله أكبر ما صام المسلمون شهر الله المعظم
الله أكبر ما أحيوا لياليه بالتسبيح والقيام
الله أكبر ما أخرجوا زكاة أموالهم وفطرهم ليطهروا من الدنس والآثام
الله أكبر ما كبروا الله يوم عيدهم شكرا وخضوعا لذي الجلال والإكرام
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
العيد أقبل مزهوًا بطلعته *** كأنه فارس في حلة رفلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم *** كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعبده *** بمقدم العيد إن الصوم قد كملا
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد ..
هنئتم عباد الله بإكمال الصيام والقيام، وتقبل الله منا ومنكم صالحات الأعمال، وبوركتم في أعيادكم وأفراحكم، وكل عام وأيامكم سعيدة، وساعاتكم مشرقة بهيجة
أهلا وَسَهْلاً بِعِيْدِ الْفِطْرِ مَنْ كَمُلَتْ ** فِيْهِ الْمَحَاسِنُ مِنْ أُنْسٍ وَإِيْنَاسِ
بُشْرَاكُمُ أُمَّةَ الإِسْلاَمِ قَدْ ظَهَرَتْ ** أَمَارَةُ الْخَيْرِ بَعْدَ الْمُزْعِجِ الَقَاسِيْ
فَاسْتَقْبِلُوْا عِيْدَكُمْ بِالْبِشْرِ وَابْتَهِجُوْا ** فَلَيْسَ فِي الْعِيْدِ غُصْنٌ غَيْرَ مَيَّاسِ
رسائل العيد أبعثها إليكم، معطرة برياحين المحبة والوفاء، مبخرة بلبان الصدق والإخاء: (1/31)
صفحة 32
رسالتي الأولى أبعثها إلى الأب الغالي، والمربي العظيم، الذي سهر الليالي والأيام من أجل إحياء أسرة، وتكوين لبنة من لبنات المجتمع.
لك الشكر أبتي الغالي من أعماق القلوب، وسويداء العيون .....
شكرا أبتاه على احيائك سنة كونية، فكونت أسرة لتحيي بذلك نفوسا وأمة ....
مبارك عليك عيد الفطر السعيد، اجعله عزيزي الأب عيد محاسبة، كما أنه عيد فرحة
انطلق لتكوّن أسرة مثالية تجمع بين الجمالين، جمال البدن وجمال الروح.
عزيزي الأب:
ابنك بحاجة ماسة إليك، دله – يرعاك الله – على الطريق الصحيح، وجنبه الطريق المعوج؛ طريق الشيطان وقرناء السوء.
اغرس فيه حب كتاب الله والعمل الصالح، اجعله صاحبا لك إلى الخير، ليكون عونا لك في حياتك، وشفيعا لك يوم تلقى ربك.
واعلم أن ابنك يصارع ألوانا من الثقافات، وطرقا من المتغيرات، في زمن العولمة وتقارب الحضارات، وهناك من يدبر الخطط لإفساده وجعله نبتتة سيئة في المجتمع.
وأنت أيها الأب بيدك القدرة على الحفاظ عليه، فكن صاحبا له، ساعيا في إصلاحه وتقويمه، راقبه في حيه ومدرسته، واربطه بالمسجد وأماكن العلم، واجعل من القرآن خير جليس له.
أنت نعم الأب يا بدر البدور *** أنت نبع فاض حبا وسرور
أنت مشكاة أنارت دربنا *** أنت يا أبتاه نو ر فوق نور
فاح منك العطف ريحا طيبا *** مثل فوح العطر من روض الزهور
(وقضى ربك ألا تعبدوا) *** فيه كل البر يتلى في سطور
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
رسالتي الثانية فأوجهها إلى المجتمع الفاضل، بكل شرائحه وفآته
اليوم يوم جميل ..
فالناس تجملوا فيه بأحسن الثياب، وظهروا فيه بأبهى الصور، وترقرق فيه نبع صفاء الأرواح ..
كأني بكم في هذا الصباح الجميل!
ومع هذا النسيم العليل!!
ونحن نرمق شعاع شمسنا الوضاءة في هذا الصباح البليل!
ونحن في هذا الجمع المهول!
ينبغي أن نهمس لأنفسنا همسة صدق! (1/32)
صفحة 33
هل نجمل أرواحنا مع جمال ملابسنا!!!!
نعم .. أعتقد أننا بعد مدرسة رمضان، أننا خلصنا بنتيجة من نتائج رمضان، وهي صفاء الأرواح ونقاءها ..
يا كرام ..
لا تجتمع حلاوة العيد عندما نجمل الألباس ونزيِّف الأرواح!
هيا نجمل أرواحنا يا أهل البر والخير!
هيا بنا نفشي السلام على من نعرف ومن لا نعرف ..
هبا بنا نمسح ما علق في القلوب من حسد أو غل أو غيظ!
هيا بنا نزرع البسمة على الكبير والصغير، والمريض واليتيم، والفقير والمسكين، والمعوق والمسجون!
هيا بنا لنصل من قطعنا، ونعفو عن من ظلمنا، ونسلم على من هجرنا!
هيا بنا نجمل الأرواح مع جمال الثياب ...
إن راحة وصفاء قلوبنا تتطلب منا أن نبتعد عن أقوال السوء والظن السيئ بالآخرين ..
إن سلامة الصدور وراحة البال والنفس تتطلب منا المبادرة لتنقية القلوب من الشحناء التي تتصدع منها الأسر والمجتمعات ..
أيهجر مسلم فينا أخاه *** سنيناً لا يمد له يمينه
أيهجره لأجل حطام دنيا *** أيهجره على نُتف سقيمة
ألا أين السماحة والتآخي *** وأين عرى أُخوتنا المتينة
بنينا بالمحبة ما بنينا *** وما باع امرئ بالهجر دينه
علام نسد أبواب التآخي *** ونسكن قاع أحقاد دفينة
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
رسالتي الثالثة أبعثها إلى المدرسين الفضلاء، والمعلمين النجباء:
طوبى لكم العيد السعيد، وتقبل الله منا ومنكم ..........
هنيئا لكم معلمينا الأفاضل على جهدكم وصبركم في تربية أبنائنا، وفلذات أكبادنا.
أساتذتي الكرام:
أنتم على أمانة عظيمة، ومسؤولية كبيرة، أمانة العلم والتربية، ومسؤولية التوجيه والتنشئة، فلا تفرطوا – رحمكم الله – في هذه الأمانة، كونوا خير قدوة لأبنائنا، خلقا وعلما وثقافة، اغرسوا في قلوبهم الأخلاق الفاضلة، وبينوا لهم الطرق المستقيمة، واغرسوا في نفوسهم حب العلم والثقافة، واجعلوا من عيد الفطر المبارك، نقطة تقدم ورقي في مجال التربية والتوجيه، سدد الله خطاكم، وبارك مسعاكم ......... (1/33)
صفحة 34
يا أيها المعلم
قم لتعلم الأجيال جيلا من بعده جيلا
و ابتغِ وجه الله لا ترضَ عنه بديلا
و كفى أن يقتدي بك طفلا صغيرا جميلا
أو شباب هذه الأمة و كفى به هدفا نبيلا
و إن كان أجرك الآن النكران و التنكيلا
ففي دار غدٍ سيكون أجرا عظيما جليلا
الله اكبر الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر
رسالتي الرابعة فأبعثها إلى عمّال الوطن الغالي وصناعه، وإلى الموظفين في القطاع العام والخاص، وإلى جنود الوطن وحراسه:
هنيئا لكم جدكم واجتهادكم في بناء أمتكم ووطنكم، وإخلاصكم وتفاديكم في تقدمه ورقيه، بورك لكم عيدكم السعيد، وكل عام وأنتم تتنعمون فيه بنعمة الأمن والإخلاص والعمل الجاد في خدمة الوطن والأمة.
واعلموا رحمكم الله أنكم مسكتم أمانة عظيمة، فارعوها حق رعايتها، وعليكم بالصدق والإخلاص في العمل، والمحافظة على الوقت والممتلكات، وحذا من الغش والكذب وإضاعة الأمانة، واجعلوا عيدكم هذا عيد انطلاق وتقدم لوطنكم وأمتكم.
فيالله ما أجمل مسعاكم، وما أبهى إخلاصكم لوطنكم وأمتكم ...
اليومَ بُشرى, وتهانٍ, وزياراتٌ, وجودْ
لا تقلْ: إنّي مَللتُ أو تَعبتُ من السّرور!
اليومَ حُلْوٌ طعمُهُ .. أَتُراهُ من زمنِ الخلودْ؟!
((اللهُ أكبرُ)) يا أخي مِلءُ ذَرّاتِ الوجودْ
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
أما الرسالة الخامسة فأبعثها إلى طلاب العلم والجامعات:
هنيئا لكم مقاعد العلم والدراسة، انتم تتنعمون بنعمة يغبطكم عليها ألوف وألوف، فطوبى لكم هذا النعيم، وبوركتم بالعيد السعيد .....
اجعلوا عيدكم هذا وأنتم في بداية العام عيد اجتهاد وجد، تمسكوا بالأخلاق الفاضلة، واحترموا معلميكم وأساتذتكم، واجتهدوا في دروسكم وطلبكم للعلم، وردوا خيرات وطنكم وأمتكم، وحافظوا على ممتلكات وطنكم ومجتمعاتكم، بارك الله مسعاكم، وجعلكم قرة خير لآبائكم ووطنكم.
مُذْ قيلَ (اِقرأ) أشرقت في الكونِ شمسُ الدعوةِ
وسرى الضّياءُ على الوجودِ بأسرِه في لحظةِ (1/34)
صفحة 35
ومحمَّدُ الهادي ابتدا دربَ الهدى من مكةِ
مازالَ نورُ الوحي يا بْني في ضميرِ الأمةِ
هيّا نصلّي ركعتينِ .. طابَ للهِ السجودْ
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
شباب الإسلام هاكم رسالتي السادسة:
معطرة بباقات الزهور والورود أبعثها إليكم بمناسبة العيد المجيد:
اشكروا الله على نعمة الشباب، إنها نعمة من أعظم النعم، نعمة يجب أن تسخّر في طاعة الرحمان، ومخالفة الشيطان.
شباب الإسلام:
دينكم يحثكم على التمسك بمبادئ الإسلام، من عقائد صحيحة، وعبادات شرعية مستقيمة.
دينكم يحثكم على طلب العلم والثقافة، وأنتم تعيشون عصر الإعلام والعولمة، وصراع الحضارات والثقافات المتعددة، عصر سخر فيه دعاة الباطل والفجور جهده لإضلال شباب الإسلام، وإبعادهم عن الطريق القويم.
دينكم يحثكم على التمسك بعاداتكم وتقاليدكم التي لا تتعارض مع الشريعة، وأنتم في زمن غياب القدوة، وتقليد أناس شهرّوا باسم اللهو والفن والنجومية، فحذار أن تجعلوا قدوة لكم غير محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الأسوة والقدوة الذي اختاره رب السماء لكم.
دينكم يحثكم على السعي في طلب العمل، وإياكم والبطالة، فإنها دمار لكم ولأمتكم، فعليكم بالاجتهاد في طلب الرزق، واستعينوا بالله وحده، واستثمروا عقولكم وقدراتكم الذاتية، واجعلوا من عيدكم هذا عيد انطلاق إلى المعرفة وطلب الرزق الرغيد، وفقكم الله، ويسر أمور معاشكم، وتمسكوا بكتاب ربكم حفظا وتدبرا وتأملا فهو المعصم لكم في دنياكم وأخراكم.
بالبر صمت وأنت أفضل صائم *** وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه *** يوم أغر من الزمان مشهر
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
أما رسالتي السابعة فأبعثها إلى نساء الإسلام، ومربيات الرجال، وأساتذة الأبطال، هنيئا لكن العيد السعيد، فكل عام وأيامكن سعيدة ....
نساء الإسلام:
لقد أكرمكن الله بنعمة الإسلام، وأنقذكن من جاهلية الأمس واليوم، وبين لكن الطريق القويم، والصراط المستقيم. (1/35)
صفحة 36
وما فتئ دعاة الفجور والإباحية بالدعوة إلى هدم كيان الإسلام والأنسانية، بنشر الفساد والرذيلة، ومحاربة الصلاح والفضيلة، فجعلوا من بنات حواء طريقا لتحقيق مآربهم، وإنجاز مخططاتهم، فأظهروا المرأة عارية متبرجة فكرا وصورا وأفلاما وقصصا، عن طريق القصص الرمانسية، والمجلات الهابطة، والقنوات والمواقع المنحرفة، فضلا عن الشعر الحداثي ونثره.
فانتشرت الفاحشة، وعمت الرذليلة، وقد كانوا يطبلون بالدعوة إلى حقوق المرأة، ليتخذوها غطاء وسترا لهم، فإياكي أن تنخدعي – أمة الله – بهذه الدعوات، كوني فاضلة في بيتك ومجتمعك، قودي أمتك إلى العلم والصلاح، واجعلي من عيدك هذا عيد فضيلة وتقدم ورقي، وفقك الله، وسدد على الخير خطاك.
شدي وثاق الطهر .. لا تتغربي *** عن عالم الدين الحنيف الأرحبِ
شدي وثاق الطهر .. سيري حرة *** لا تُخدعي بحديث كل مخربِ
لك من رحاب المجد أخصبُ بقعةٍ *** ولغيركِ الأرض التي لم تخصبِ
وإذا رأيتِ الهابطاتِ فحوقلي *** وقفي على قمم الهدى وتحجبي
إن الحجاب هو التحرر من هوى *** جلادةٍ ذات الهوى المتذبذب
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
لا اله إلا الله والله اكبر، ولله الحمد، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ...............
أما رسالتي الأخيرة فرسالة حساب وتذكر، وتأمل وتدبر
جاء العيد ويحمل في طياته ذكريات وتاريخ عام مضى على هذه الأمة، من استمرار التقتيل والإبادة في أرض الرافدين، بلا رحمة لصغير، ولا شفقة لكبير، فضلا السكوت الصارخ لما تفعله إسرائيل من تجويع وتشريد، وذبح وتهجبر لشعب فلسطين، وعن الحصار الغاشم لغزة المنكوبة.
جاء العيد والآلاف الأموال والدولارات تنفق في الطرب والرقص واللعب والمهرجانات، والملايين منها في التسليح والحروب، والآلاف الأطفال في إفريقيا وغيرها يعانون المجاعة والتجويع، والعشرات العشرات بلا علم ولا تربية، ولا مصحات ولا تغذية. (1/36)
صفحة 37
عام مضى ويحمل في تاريخه تاريخ أمة تؤكل خيراتها، وتنهب ثرواتها، وأمة الإسلام في سبات عميق، لا زالت تنفق أموالها على الاهين والماجنين، وعلى الرقص واللعب.
عام مضى والإرهاب الغربي سخر ضد هذه الأمة، في كافة المجالات الفكرية والعسكرية.
عام مضى والاقتصاد العالمي ينخرط إلى الهاوية، والأمم النامية تعاني بسبب التبعية ارتفاع الأسعار، وتذبذب اقتصادها.
الله أكبر عيد الفطر يذكرنا بانتصار المؤمنين في بدر ومكة وعين جالوت، هذا العيد يذكرنا بانتصار النفس على الشهوات والملذات إلى انتصارها في كافة جوانب الحياة.
ولكن متى نتذوق حلاوة النصر والأمية المقنعة تنتشر بيننا، والجهل بأبجديات الثقافة المعاصرة يعمنا.
متى نتذوق حلاوة النصر وأبناؤنا لا زالوا في سبات عميق، وانحراف عن جادة الطريق.
عباد الله: اجعلوا من عيدكم هذا عيد نصر لأمتكم، بالتمسك بالشريعة، والبعد عن الرذيلة، وانصروا رسولكم بالتمسك بسنته عليه الصلاة والسلام، واعتصموا بقرآنكم فهو طريقكم إلى النصر المنشود.
أيا عيدُ متى النصرُ؟ *** متى حطينُ أو بدرُ؟
تُرى هل يشرقُ الفجرُ؟ *** ونفرحُ فرحةَ الأصحابْ
دموعُ القدس خلف النارْ *** تنادي موكب الأحرارْ
فكبّرْ .. دمِّر الأسوارْ *** فربُّك هازمُ الأحزابْ
فكبِّر يا أخا الإسلامْ *** فهذا أسعدُ الأيامْ
وهيّا نمسح الآلامْ ***ونسقي الخير َبالأكوابْ
الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا والحمد لله كثير وسبحان الله بكرة وأصيلا
عباد الله
من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ذهب، وقد لا يعود، ومن كان يعبد رب رمضان، فإن رب رمضان موجود في كل زمان ومكان، فإياكم من النكوص على الأعقاب بعد رمضان، وحذار من أعين بكت من خشيته، وآذان طالما خشعت وخضعت لسماع ذكر الله، وآياد بيضاء باتت سخية من الجود والتضيحية، فحذار أن تدنس هذه الجوارح الكريمة بالمعاصي والسيآت، بعد ما طهرت في شهر الصيام. (1/37)
صفحة 38
هذا ولئن انقضى رمضان فبين أيديكم مواسم تتكرر، فهذه الصلوات الخمس من أجل الأعمال، وأول ما يحاسب عليها العبد، عضوا عليها بالنواجذ
ولئن انتهى صيام رمضان فهناك صيام النوافل كالست من شوال، والاثنين والخميس، والأيام البيض وعاشوراء وعرفة وغيرها.
ولئن انتهى قيام رمضان فقيام الليل مشروع في كل ليلة: ((كانوا قليلا من الليل ما يهجعون)) الذاريات: 17.
ولئن انتهت صدقة أو زكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضة، وهناك أبواب للصدقة والتطوع والجهاد كثيرة.
ولتعلم يا أخي المسلم أن من صفات عباد الله المداومة على الأعمال الصالحة ((الذين هم على صلاتهم دائمون)) المعارج: 23 و ((والذين هم على صلواتهم يحافظون))
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
يومكم هذا يوم عظمه الله فعظموه بالطاعة، والبعد عن المعصية، اكثروا فيه من زيارة الأرحام والأحباب، بروا فيه الوالدين، احسنوا إلى الجيران والمساكين، وإياكم والأسراف في المأكل والملبس، خاصة فيما يتعلق باللحوم، اقتصدوا في معاشكم، هو خير لكم في دنياكم وأخراكم، هذا وتذكروا أنكم إلى الله قابلون، والساعة قريبة منكم فاتقوا الله ولا تغرنكم الحياة الدنيا فأنتم عنها راحلون، فإما إلى جنة عالية، وإما إلى نار حامية، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله .....
خطبة عرفة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرع لعباده حج بيته الحرام، وجعل فيه من المقاصد العظام، والصلاة والسّلام على نبراس الهدى ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك العلاّم.
أما بعد:-
فيقول الحق - تبارك وتعالى-: "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودا فإنّ خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ".
يا لها من نفحات ربانية، ونسمات إلهية، ونحن نعيش يوما عظيما، ومشهدا جليلا ... (1/38)
صفحة 39
قلوب خاشعة، أعين باكية، ألسنة مكبرة ومهللة، في يوم عظيم، ومشهد جليل، من أجله قطعت آلاف الأميال، ولخيراته ترك الأهل والأولاد، ولفضله فورقت البلدان والأوطان.
فيه استجابة لنداء خليل الرحمن "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق".
وفي أجوائه نفحات خير الأنام، عليه من الله أفضل تحية وسلام حيث قال: "الحج عرفة".
عباد الله:
لقد أدرك مفكرو الإسلام وعقلاؤه أنّ الحج شعيرةٌ لو وظفت توظيفاً صادقاً، ومورست كما أرادها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لكان لأمّة الإسلام اليوم شأن آخر، ولكان لأفرادها مستقبل واعد زاهر.
إنّ ما تعانيه أمّة الإسلام اليوم من تفرق وحزبية، وطبقية وأنانية، وجهل بأبجديات الثقافة الدينية والمعاصرة، وفساد في مختلف حياة الأمّة،
كل يوم ودماء المسلمين تراق، في فلسطين وأرض العراق، وغيرها من الآفاق.
آلاف المسلمين يعيشون تحت خط الفقر، والعشرات العشرات من أبنائهم لا يجدون من يهيئهم علمياً وتربوياً، وفكرياً وثقافياً، مع ملاين الدولارات التي تنفق من قبل المسلمين في مجالات منحرفة، التي تحارب الإسلام جهارا، وتشيع الفاحشة بين أبنائه ليلاً ونهاراً، وتضيّع أوقاتهم صباحاً ومساءً.
كلّ هذا ناتج من تغييب المقاصد التي شرعها الله – تعالى – من العبادات، وعلى رأسها حج بيته المعظم، إذ أصبحت مجرد طقوس خاوية، يمارسها المسلم في أوقات وأيام معينة، وبكيفية معتادة.
فيا أخي الحاج:
عند الميقات بدأت محطة الحج العظيمة، وعند الميقات خضعت لأمر الله الواحد الأحد، فعند الميقات أعلنت الخضوع والتسليم له عزّ وجل" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
خضوع وذلة وانكسار لله الواحد القهار .....
تركت الطيب والمخيط، وتجنبت الزينة من اللباس والمحيط، استجابةً لأمر الله العزيز الحكيم.
لبيك اللهم لبيك، حياتنا وأعمالنا لك وحدك يا الله ... (1/39)
صفحة 40
لبيك اللهم لبيك، كلمات بسيطة، وفي طياتها خيرا الدنيا والآخرة، إذا ما خرجت من قلب خاشع، فتجسدت إلى عمل وسلوك صالح.
مراقبة لله في كل مكان، وإخلاص له في مختلف الأعمال الدنيوية والأخروية، "وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب ".
الله أكبر الله أكبر الله أكبر،
كلمات بدأت بها طوافك بالبيت العتيق، معلناً العزة لله وحده، والولاء لله وحده، والخضوع والاستكانة لله وحده، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.
عزة وكبرياء، لا ترضى بعدها أن تُهان في دينك، ولا تستلم إلا لأوامر ربك.
عزة تربي فينا أن لا نرضى شعارات الفساد، ونأبى أن يسخر من ديننا من لا خلاق له في الدنيا ولا في الآخرة، "إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون".
وعند البيت يكون الطواف باتجاه واحد، سبعة أشواط كاملة، هناك يطوف الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الأبيض والأسود، الغني والفقير، من مختلف الطبقات، ومن كافة المذاهب والتيارات، الكل لباسهم واحد، ومقصدهم واحد، وخضوعهم لله الأحد الواحد.
فيا للطواف من مقصد عظيم، وهدف نبيل، لو وظّف كما يريد العزيز الحميد؛ لما رأيت حال أمّة الإسلام اليوم من تفرق وتشتت، وتبديع وتضليل، بل وصل الأمر في أحيان كثيرة إلى السب وإراقة الدماء، وسخرية الأعداء منا، وتمكنهم في بلادنا وأراضينا، فهلا حققنا مقصد الطواف! وفقهنا قول الحق ذي الجلال والإكرام: "إنّ هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون". (1/40)
صفحة 41
لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، بهذه الكلمات العظيمة، والعبارات الجليلة، بدأت سعيك بين الصفا والمروة، رافعا شعار التفاؤل والأمل لعودة هذه الأمّة إلى عزتها ومكانتها التي أرادها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لها.
في هذا المسعى ذكريات الأيام والتأريخ، وعبر الأزمان والدهور، في هذا المكان خطط كفار مكة لحرب نبي الإسلام – عليه الصلاة والسلام -، وتجمعوا صفاً واحداً في يوم الأحزاب، من يهود وعباد الأوثان، فتجمع الألوف للقضاء على القلة المؤمنة، والجماعة المخلصة، فكان النصر العظيم، والتأييد الرباني الجليل، أن أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم يروها، وجعلهم أحاديث في الأرض، وعبرةً لمن بعدهم.
في هذا المكان يُرفع شعار النصر متى ما عادت الأمة إلى دينها، وأدركت أنّ النّصر يكون بتمسكها بقرآنها، ومنهج نبيها - صلى الله عليه وسلم -.
واليوم تتجدد صفات التأريخ في ثوب جديد، ومقصد واحد، وهو القضاء على دين الإسلام، تحت شعارات براقة، ونداءات مختلفة، وأساليب منوعة ...
ومع هذا، فالنصر قريب، ومجدُ الأمّة ليس ببعيد، وها هو دين الإسلام، يرفرف عالياً في أرجاء المعمورة، رغم الحروب الشنيعة، وتماسك الأحزاب الكافرة، مصداقاً لقوله - عزّ شأنه-: "إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجا". (1/41)
صفحة 42
الله أكبر، في اليوم الثامن من ذي الحجة أفضتم إلى منى، عاكفين في مكان واحد، تنتظرون يوماً عظيما، ومشهداً جليلاً، وكأنّكم لبستم الأكفان، وكأنّ منى في ليلة عرفة مقبرة ضمت آلافا من البشر، منتظرة يوم المحشر، يوم يقف النّاس بين يدي العزيز الأكبر، وكأنّ شروق شمس يوم عرفة يوم النفخ في الصور، فسرعتم في مشيكم، خاشعةً أبصاركم، منكسرة قلوبكم، تنتظرون حكم ربكم، وها هي الأصوات ترتفع في عرفات، ويكثر البكاء والعويل، وتتساقط الدموع من العيون، وتهتز الأبدان من هيبة الموقف، وعظمة المكان، في هذا اليوم تسألون مسألة المسكين، وتبتهلون ابتهال المذنب الذليل، وتدعون دعاء الخائف الضرير، أعناقكم خضعت للعزيز الحميد، وذلّت أجسادكم للسميع العليم، وفاضت أعينكم للرحيم الكريم، هنا تكثر الدعوات، اللهم إنّا نسألك يا غفور يا رحيم، أن تفتح لأدعيتنا أبواب الإجابة، يا من إذا سأله المضطر أجابه، يا من يقول للشيء كن فيكون، اللهم إنا جئناك بجمعنا متشفعين إليك في غفران ذنوبنا، فلا تردنا خائبين، ولا تصرفنا عن هذا المشعر إلا فائزين مفلحين، غير خزايا ولا نادمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. (1/42)
صفحة 43
فإذا ما غربت شمس هذا اليوم ارتجت القلوب رجاً، واهتزت الأجسام هزّا، أهي فائزة مقبولة؟ أم أنّها من أهل الشمال والخذلان، فإذا ما غربت شمس يوم عرفة أفضتم إلى مزدلفة بالسكينة والوقار، وكأنّكم تفيضون من أرض المحشر إلى جنّات عالية، وسرر مرفوعة، فإذا كان يوم العاشر؛ رأيت النّاس في ذلك المكان فرحين مسرورين، وجوههم مشرقة سعيدة، بفضل الله ومنته، فها هم اليوم يبدأون يوماً جديداً، وصفحة بيضاء جديدة، بعد غفران الذّنب، وقبول التوبة، إنّها أيام أكل وشرب وذكر لله عزّ وجل، يتصورون أيام الجنان، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشكرون الله على هذه النّعمة، فترمون الجمار معلنين الولاء والخضوع له عزّ وجل، وتفيضون بالبيت العتيق اعترافاً بفضل الله ومنته.
وتعودون بعدها إلى بلادكم، وقد تحققت مقاصد الحج وأهدافه النبيلة؛ لتفتحوا صفحة جديدة مع أنفسكم وأوطانكم، صفحة الودّ والمحبة، صفحة المراقبة لله عزّ وجل، صفحة التمسك بهذا الدين، صفحة التعاون والتكافل، صفحة نصر الإسلام والمسلمين.
حجاج بيت الله الحرام:
ها قد جئتم إلى هذا المكان المبارك، وقد فارقتم أوطانكم، وتركتم أهليكم وأولادكم، وهاجرتم شهواتكم، حبا في مغفرة الله، وطلبا لرضوانه سبحانه ...
فاجعلوا حياتكم يرعاكم الله حياة هجرة في المقاصد والتوجهات، اهجروا الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، كونوا أمّة إخلاص لله الأوحد، أمّة تواضع ومحبة للبشر، أمّة اجتهاد وعمل.
اهجروا المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
اهجروا الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ وهاجروا إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، كونوا أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية. (1/43)
صفحة 44
ضعوا المال في محله الصحيح، دون إسراف ولا تبذير، ولا طمع ولا بخل ولا جشع، أعينوا الفقراء والمحتاجين، وساعدوا اليتامى والمعوزين، وإياكم أن تضعوا المال في الأماكن التي يرتكب فيها ما حرم الله من المعاصي والذنوب.
فلنهاجر إلى الله يا عباد الله فكرا وسلوكا، قولا وعملا،
إيه والله جددوا الهجرة في النفوس والبيوت، في المساجد والأسواق، في الطرق وأماكن العمل، وبذلك نكون من الأمم التي تستفيد من وقفاتها التاريخية والدينية.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
في هذه الأيام نرى ما يحل العالم من أحداث وأحداث، وعلى رأسها انتشار الأمراض والأوبئة،
فمن رحمة الله على العباد، عندما يبتعدون عن ربهم، ويتبعون شهواتهم، أن يرسل عليهم من الأحداث الكونية، والظواهر الطبيعية، ما ترشد الضال، وتهدي الحيران، وتوقظ النائم، وتنبه الغافل، أما أقر العبد الضعيف في هذه الأزمة بوجود الله – تعالى -، أما أدرك عظمة الله جلّ شأنه، أما أيقن بجبروت الله جلّ جلاله، فأين المهرب غدا من عذابه؟ وأين الملجأ من سخطه وغضبه؟ أما آن للعاصي أن يتوب! أما آن للشارد أن يرجع! أبعد هذا نتكبر، أبعد هذه المواعظ نعصي ونفسد، قل لي بربك: ماذا نريد بعد هذا؟ إن لم توعظنا هذه الحوادث فأحسن الله عزاءنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإنّ منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عمّا تعملون".
أو ما يخشى أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا، أو ما يخاف أولئك الذين ينشرون الفاحشة في المجتمع، أو ما يخافون عذاب الله، أو ما يتقون سخطه، أو ما يعلمون أنّ ربهم بالمرصاد، وإنّ الله يمهل ولا يهمل، فالأوبة الأوبة، والرجعة الرجعة، والتوبة التوبة.
فلك الشكر ربي، أيقظتنا من سباتنا، وذكرتنا بعظمتك بعد ما غفلنا عن ذكرك، وابتعدنا عن بابك. (1/44)
صفحة 45
إلهنا راجعون تائبون، فاقبل توبتنا، واجبر كسرنا، وتوفنا وأنت راض عنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
حجاج بيت الله الحرام
يومكم هذا يوم عظمه الله فعظموه بالطاعة، والبعد عن المعصية، أكثروا فيه من ذكر الله، قال عليه الصلاة والسلام: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
أكثروا فيه من التضرع والإنابة، والخضوع والتوبة ...
وحذار من الغيبة والنميمة، والفسوق والمعصية، (1/45)
صفحة 46
اقتدوا فيه بحبيبكم صلى الله عليه وسلم، اقتدوا به تضرعا ودعاء وإنابة، واهتدوا بهدية في الطلب والخضوع، وقروا في مكانكم حتى تغرب الشمس، مخالفين هدي أهل الشرك والأوثان، فإذا ما غربت شمس هذا اليوم العظيم أفيضوا مع الناس إلى مزدلفة، وصلّوا فيها المغرب والعشاء، جمع تأخير، المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين، ثم خذوا قسطا من الراحة، والضعفاء من النساء والمرضى والعجزة يباح لهم الإفاضة من مزدلفة بعد منتصف الليل، والباقي يظلون في عرفة حتى يسفر الفجر، فإذا طلع الفجر اذكروا الله كثيرا عند المشعر الحرام، ومزدلفة كلها موقف ذكر وخضوع، ثم عند الإسفار أفيضوا إلى منى، وارموا جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات بعد شروق الشمس، ثم ليتقرب المتمتع والقارن بهدي يشكر الله على ما من به من بهيمة الأنعام، متأسيا بهدي إبراهيم الخليل عليه السلام، وبعدها يباح لكم أن تتحللوا من إحرامكم، فيباح لكم كل شيء إلا الجماع، ثم طوفوا حول البيت طواف الإفاضة، فتتحللون بذلك التحلل الأكبر، فيباح لكم كل شيء كان ممنوعا قبل الإحرام، وعليكم بعدها بالمبيت في منى، وتظلوا فيها أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل، تتقربون فيها برمي الجمار الثلاث، الصغرى والوسطى والكبرى، كل جمرة بسبع حصيات، تكبرون عند كل حصاة، ويبدأ الرمي بعد شروق الشمس، ويمتد إلى طلوع الفجر من اليوم التالي، ويباح لكم التعجل لمن أراد واتقى، وبعد أدائكم للمناسك، وعزمكم للرجوع إلى أوطانكم، ودعوا هذه الديار المباركة بطواف الوداع، لتجددوا العهد والصلة بالله تعالى.
هذا وتذكروا أنكم إلى الله قابلون، والساعة قريبة منكم فاتقوا الله ولا تغرنكم الحياة الدنيا فأنتم عنها راحلون، فإما إلى جنة عالية، وإما إلى نار حامية، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله ...
خطبة عيد الأضحى
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله والله اكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. (1/46)
صفحة 47
الله أكبر ما لبس الحجاج لباس الإحرام، وطافوا بالبيت العتيق.
الله أكبر ما وقف الواقفون على صعيد عرفات خاضعين خاشعين لرب الأرض والسماوات.
الله أكبر ما تقرب المؤمنون بالأضاحي والقربات.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى " ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ".
أيها المسلمون من نعم الله علينا، ومن آلائه المديدة، ونعمائه الجليلة أن من علينا بعيد الأضحى السعيد، لنظهر وحدانيته جلّ جلاله، ونتقرب إليه بالأضاحي والقربات، ونهلله ونكبره في أيام معدودات.
مبارك عليكم عباد الله عيد الحج إلى بيت الله تعالى، وعيد الطاعة المطلقة له سبحانه، وعيد البر والبذل والكرم، وتلاقي القلوب على الحب والوئام.
فهنيئا لكم أيها المسلمون العيد السعيد، وكل عام وأيامكم سعيدة، وساعاتكم هنيئة مشرقة.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
أيها المسلمون: هذه الأيام تذكرنا بخليل الله إبراهيم، حين رأى في المنام أنه مأمور بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، فما كان منه إلا أن يستجيب لأمر ربه، وينصاع له تعظيما وتوقيرا، فوقف أمام ابنه ابنه قائلا: " يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى "، فكان رد الابن البار لأبيه، المؤمن بوعد ربه: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ". (1/47)
صفحة 48
وأمام هذا المشهد الرائع، والمنظر الجميل، هبت الرحمات الإلاهية، وفاضت النفحات الربانية، متمثلة في الفداء العظيم " وفديناه بذبح عظيم "، ومن هنا شرعت الأضحية تذكيرا بذلك الجيل العظيم، وربطا بالتاريخ المجيد، وامتثالا للعزيز الحميد.
فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه، قالوا يا رسول الله: ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة ".
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
عباد الله: لقد حث نبيكم عليه الصلاة والسلام على الأضحية ورغب فيها، وبين سننها وشروطها، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة الدم "، وقد سنها عليه الصلاة والسلام في النعم، الإبل والبقر والغنم والضأن، وإذا ضحى الإنسان بشاة من الضأن أو المعز فقد أجزأت عنه وعن أهل بيته، لحديث عطاء بن يسار قال: " سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى ".
ورخص الشرع الحنيف تيسيرا للعباد ورفقا بهم أن تشترك سبع أسر في بقرة أو جمل لحديث جابر قال: " نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة".
ومن هديه عليه الصلاة والسلام أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، ويمتد وقت الذبح إلى غروب ثالث أيام التشريق، ولا يصح الذبح قبل صلاة العيد لحديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ". (1/48)
صفحة 49
ومن أعظم سنن الأضحية التي سنها عليه الصلاة والسلام سنة التقارب بين الفقراء الذين لا يملكون ما يضحون به، وبين القادرين على الأضحية، كأنهم أبناء أسرة واحدة، تختفي معها صور الحقد والكراهية، ومظاهر البخل والشح، فيندب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويتصدق ويهدي، لقوله تعالى: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون "، ولما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: كلو واطعمو وادخروا".
فاتقوا الله واخلصوا في اضحيتكم، واجعلوها قربة خالصة لله، يقول تبارك وتعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم "، وابتعدوا عن الإسراف والمباهاة في الأضاحي، فاخلصوا في اعمالكم، تجدون ثوابها عند ربكم.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
أيها المسلمون: إنكم في أيام عظيمة، أيام أعمها الله بالبركات، وأفاض فيها الخيرات، يقول الله جل جلاله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال ابن عباس: " هي أيام التشريق " أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عزوجل "، فينبغي الإكثار من ذكر الله عزوجل، ومن التكبير خاصة أدبار الصلوات الخمس، ويبدأ التكبير من بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ".
ومن أعظم أعمال البر في هذه الأيام الإحسان إلى الوالدين، وصلة الأرحام، والعطف على الجيران، وإعانة المحتاج، وتقوية العلاقة مع جميع شرائح المجتمع، فعظموا رحمكم الله هذه الأيام، فإن تعظيمها من تقوى القلوب.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر (1/49)
صفحة 50
عباد الله: لقد اجتمع حجاج بيت الله الحرام في مكان واحد، وفي زمان واحد، لباسهم واحد، وشعائرهم واحدة، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، إنه مقصد إلهي لتحقيق الوحدة بين أبناء هذه الأمة، ونشر المساواة والمحبة بين أفرادها، وإحياء التآخي والتآلف في مجتمعاتها.
فحري أن يحقق المسلمون وهم يحتفون بهذا العيد السعيد، هذه المقاصد العظيمة، والأهداف النبيلة.
وإن أعظم ما يهدد وحدة الأمم، واستقرار الأوطان، التفرق والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، فينتج عنه الحسد والكبر، والكراهية والضغينة، والأنا وحب الذات، يقول تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
فاتحدوا عباد الله، وانشرو المحبة والمودة بينكم، وليساعد غنيكم فقيركم، وليعلم عالمكم جاهلكم، وتعاهدوا بينكم بالنصيحة، والدعوة إلى الفضيلة.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
عباد الله: عيدكم هذا جعله الله ختاما لعام مضى، ليقف المسلمون مع أنفسهم وقفة محسابة، ولينظروا إلى اخطائهم فيصلحوها، ويستفيدوا من إنجازات عامهم هذا.
الكل يحاسب نفسة، فالأب يحاسب نفسه عن تربيته لأولاده، وتوجيهه وإرشاده لهم، والطالب يحاسب نفسه عن اجتهاده ومذاكرته لدروسه، والعامل والصانع يحاسب نفسه عن انتاجه واخلاصه لعمله.
والمحاسبة عباد الله جزء من الإحسان الذي حث عليه الشرع الحنيف، فالإحسان هو الذي يربي في العامل والصانع والموجه والمربي الإخلاص والجدية في العمل، والبعد عن التقاعس والكسل.
فلنعمل جميعا على رقي مجتمعنا وتقدمه، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة.
ولنجعل من أنفسنا صورة مؤمنة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالشعارات فقط، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام. (1/50)
صفحة 51
إن الإحسان يعلمنا – معاشر المسلمين - أن الأمة المتقدمة هي المتقدمة ظاهرا وباطنا، حقيقة واسما، يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدل، وفي عقول أبنائها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها.
إن أمتنا أمة متكاملة، وتكاملها لا يحصل بالتشدق والكلام الفضفاض، بل بالعمل الجاد، والاجتهاد المتواصل.
فاتقوا الله عباد الله وحاسبوا أنفسكم عن علاقتكم مع ربكم، واستعدادكم للآخرتكم، حاسبوا أنفسكم عن صلتكم بوالديكم وارحامكم، واجعلوا عيدكم هذا خاتمة خير ورقي لوطنكم وأمتكم، هذا وصلوا وسلموا ...........
القسم الثاني
الخطب الفكرية
أسباب النقم
الخطبة الأولى
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
الحمد لله حمدا حمدا، والشكر لله شكرا شكرا، منّ على العباد بنعم لا تعد ولا تحصى، وأجزل عليهم وافر الفضل والسلوى، " وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ"، وصلاتا وسلاما على الشاكر لأنعم المولى جلّ وعلا، محمد وعلى آله وصحبه أولي الوفاء، والتابعين بإحسان إلى يوم اللقاء.
معاشر المسلمين: ومع خضم بداية العام الجديد، تجتهد المؤسسات المختلفة، والنوادي المتباينة، والبرامج الإعلامية، في إقامة استقصاء وحصر لما حدث بالعام الماضي، من مجريات وأحداث طبيعية وسياسية، واجتماعية وفكرية، سلبا كانت أم إيجابا. (1/51)
صفحة 52
ومن هذه الأحداث الكوارث الطبيعية والبشرية، وعلى رأسها حوادث السيارات، فما الأسباب لهدر آلاف الأرواح، وترمل عشرات النساء والأطفال، فضلا عن الخسائر المادية والاقتصادية؟ وما هو العلاج، فمع إنفاق عشرات الأموال في التوعية وإيجاد البدائل في الطرق، إلا أن الحوادث تزاداد بصورة مرعبة، وبوحشية مخيفة، تكاد نتائجها تقابل أو تزيد عن نتائج الحروب المدمرة.
ومنها الأمراض الناتجة عن السلوكيات المحرمة، والأفعال الشاذة، ما أسبابها وآثارها؟ وما طرق علاجها ...
ومع أهمية الاستقصاء، ووضع الدراسات والاستراتيجيات لعلاجها، إلا أنّ قصرها على الجانب المادي لا يزيدها إلا تفاقما، فهذا الإيدز القاتل ثلاثون سنة لمحاربته، الملايين أنفقت، والمختبرات أشغلت، ومجالس التوعية استنفرت، ومع ذلك زاد أضعافا مضاعفة ...
فالعلاج المادي أمر مهم، ووضع التصورات والإحصاءات غاية الأهمية، إلا أن الابتعاد عن العلاج الإلهي، وجهل السنن الربانية، يجعل العلاج قاصرا، والمرض يزاد فحشا وتفاقما ...
فنحن معاشر المؤمنين ... ندرك تمام الإدراك أن لله تعالى سننا في هذا الكون، لا تتغير ولا تتبدل، فكل ذرة من ذراته، تسير وفق هذه السنن الكونية، ومن هذه السنن سنة الله في بقاء النعم الربانية، والحفاظ على المنن الإلهية، فشكرها مرهون بشكر الله تعالى، والتعامل معها وفق حدود الله جلّ وعلا.
فما من نعمة من النعم، في البر والبحر والجو، في الإنسان واليابسة، في السماء والأرض، في المال والطعام، وفي النقل والشراب، في السمع والبصر وسائر الجوارح، إذا شكر الله فيها، ولم يحارب الإنسان بها شرع الله، كانت نعمة له في الدنيا، يباركها الرب، ويجني ثمرة شكرها يوم يلقاه، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (1/52)
صفحة 53
وإذا ما حاول الإنسان الإفساد بهذه النعم، والكفران بها، كانت الآيات الربانية، والإنذارات الإلهية، فتارة يرسل عليهم أمراضا وأوبئة، لعلهم يتوبون أو يرجعون، وتارة بالفيضانات والأعاصير والزلازل، لعلهم يرشدون أو يعقلون، وتارة بالقحط وعدم البركة في المال والأهل والولد، لعلهم يهتدون أو يفقهون، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
فيا لله ... إذا ما واصل الإنسان الطغيان، واستمر في الكفران، فانتهكت الأعراض، وانتشر الربا والقمار، وعمت القطيعة والاستغلال، وأكلت أموال اليتامى والمساكين، وعم الفساد البر والبحر والجو، وترك كتاب الله مهجورا، واستبدل بشريعة الغاب والبشر، واستبيح الخمر والميسر، واستخف بالصلاة والزكاة، وبجميع شرائع الله ...
فسبحانك ربي ... من يحارب هذا الإنسان؟!!! وبمن يستخف؟!!! أو يحارب جبار السماوات والأرض؟!!!! أو يستخف بالعزيز المتكبر؟!!! أو يتلاعب بشريعة رب الأرباب؟!!! (1/53)
صفحة 54
فيا ويح هذا الإنسان ... رحماك ربي رحماك ... ألا فليستعد للضربة القاصمة، والآية المهلكة، إن لم تجد النذر والآيات الأولى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ألا فليدرك الإنسان، وهو يضع الحلول والاستراتيجيات لعلاج الحوادث المعاصرة ... ألا فليعلم علم اليقين ... أن سنن الله لا تتغير، وقوانينه لا تتبدل ... بالأمس القريب ذكرنا بالفيضانات والأعاصير، واليوم يذكرنا بالقحط والأمراض المرعبة، وحوادث السيارات القاتلة، يذكرنا ربنا بالعاصفة المالية، والتي عمت أكبر الدول اقتصادا، وأغناها دخلا ومالا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فسقطت نوادي القمار والربا من عليائها، وعاصفة المجاعة بدأت تهب ريحها، وتهدد ملايين الملايين تهديددا مرعبا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (1/54)
صفحة 55
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
فاتقوا الله عباد الله، ولا تحاربوا ربكم بالمعاصي والذنوب، فلا طاقة لكم بذلك، ولا حيلة لكم إذا جاء أمره، واجعلوا من ضمن استراتيجياتكم في إيجاد الحلول والعلاج كتاب ربكم، فهو وعاء كلام الرب، ومشفى أمراض العباد.
ويا قوم اذكروا ربكم ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا، وأكثروا من دعاء نبيكم يونس وهو الظلمات: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّا كُنْا مِنَ الظَّالِمِينَ
الخطبة الثانية
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
أيها الأخيار: من مجريات العام الماضي، واستقصاءات الأيام البالية، أدرك العالم حاجته إلى شريعة الإسلام الناصعة، فمن ينقذ طفلا بريئا مهددا بظلام الشرك والوثنية، ومن ينقذ طفلا كان ضحية الأمراض والعقوبات المتنوعة ... من ينقذ طفلا يصيخ ويصرخ نتيجة لدمار الحروب، وآثار المجاعة والاستغلال العالمي
من لنساء ضعاف، وأرامل الحروب والفقر والجشع، من لآهات اليتامى، وصراخ المظلومين ... (1/55)
صفحة 56
من يقف سدا منيعا لنشر الدمار والأمراض في الأرض، من يصرخ بأعلى صوته كفانا فسادا واستكبارا، احفظوا أعراض نسائنا، وصونو أخلاق أبنائنا،
من يعتز بشريعة ربه، ويعتصم بكتاب خالقه ...
أنتم أنتم أيها المسلمون أنتم ورب الكعبة ماذا ينقصكم ... أو ليست آيات الله تتلى علينا بكرة وأصيلا، ماذا ينقصنا عن فهما وإدراكها، فلم الخجل والحياء، ولم الخوف والجبن، ولم الذلة والمهانة، ولم نرض بمبادئ غيرنا، ونرفض شريعة ربنا ...
أيها المسلمون .... العالم ينتظر شريعة ربكم فمن يبلغ ...
أبناؤنا بحاجة إلى مبادئ ديننا فمن يتمسك ...
فهلا كنا من خيرية هذه الأمة ... علما وخلقا وقدوة ...
فخيرية هذه الأمة لا تتحقق إلا بالحفاظ على النعم، والتمسك بشريعة المنعم، وإذا ما بدأت المعاصي تنتشر، وقف لها الناس منذرين ومذكرين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، كانت الخيرية لهذه الأمة ...
أما إذا سكت المجتمع، فسكت المعلم في مدرسته، والأب في بيته، والإمام في مسجده، والعامل في معمله، والتاجر في متجره، وارتضوا بما يجري من قبل أبنائنا من انحرافات ومعاصي، فإن هذه الخيرية ترفع عن هذه الأمة، وتستبدل وفق سنن الله تعالى في الكون باللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، وإنزال العقوبات والعذاب ...
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (1/56)
صفحة 57
فإن عادت الأمة وأفاقت ... رد إليها ميزة الخيرية ... وإن كابرت وعصت استبدل الله قوما غيرها ... يبلغون شريعته ... ولا يخشون أحدا إلا الله، يأمرونبالمعروف وينهون عن المنكر ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ
فحيا وهلا ونحن في عام جديد برجال وفتية من أمتنا غوث البلاد ورحمة الله بين العباد، آمنوا بالله صدقا، وصانوا جوارحهم عن الحرام عدلا عدلا، ووقفوا عند شريعة ربهم طمعا ورهبا، فإذا ما مسهم طائف من الشيطان تذكروا ربا عظيما، ويوما مخيفا، فتابوا وأنابوا، وتمسكوا وخضعوا ... استمروا يرعاكم الله في التمسك بالدين، وتبليغ شريعة الرب، ولا تهنوا ولا تحزنزا وأنتم الأعلون بإذن الله تعالى ...
فهيا عباد الله جميعا، ونحن في بداية العام الجديد لنكن يدا واحدة وجدارا مرصوصا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ آيات الله تعالى، والتعامل مع السنن الكونية ... ولنكن من الذين مدحهم الله تعالى بقوله الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
شكر النعمة
الخطبة الأولى
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَىَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (1/57)
صفحة 58
الحمد لله ذي المنن والإنعام، واهب النعم العظام، والصلاة والسلام على أشرف من شكر وصام، وأدى الشعائر العظام، وآله وصحبه الأخيار الكرام، والتابعين بإحسان إلى يوم القيام.
قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
أحباب محمد وسليمان وسائر الأنبياء عليهم الصلاة وأزكى السلام:
تأملوا معي قليلا ... وقفوا معي قلبا وقالبا ...
لنرجع قليلا إلى الوراء ... إلى عهد سليمان عليه السلام ... صاحب أعظم مملكة في تأريخ بني إسرائل ... بل في تأريخ العالم القديم ...
أعطي ملكا لم يعط أحدٌ مثله ... لا قبله ولا بعده ...
فسخرت له الريح ... تجري بأمره حيث يشاء ...
واستعبد له الجن ... يعملون له ما يشاء ...
ولان له الحديد ... يصنع به ما يشاء ....
لقد كان له الملك الواسع ... والمال الوفير ... والفضل العميم ...
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: بماذا قابل سليمان عليه السلام هذه النعم ...
أكفر بها ... وجعلها أداة لمعصية الله تعالى ...
أسخر الريح لتفتك بالناس وتدمرهم ... أم جعلها وسيلة للدعوة إلى توحيد الله تعالى وإحقاق الحق ....
آآستغل الجن في إيذاء الناس ونشر الفرقة بينهم ... أم أخضعهم لطاعة الله تعالى والدعوة إلى توحيده ...
أتكبر على خلق الله وتجبر لمنصب وصل إليه ... أم كان نعم الشاكر تواضعا وإخباتا لربه جلّ وعلا ....
أبخل بماله وتباهى على عباد الله تعالى ... أم جعله أداة قوة لعباد الله، وقسمه بينهم بالسوية ...
انظروا إلى سليمان
من كملكه أعطي ...
ومن كماله رزق ...
ومن كقوته وهب ...
ومن كصحته من عليه ...
ولكم ماذا قال وهو يتربع على هذه النعم ...
أقال هذه بسبب قوتي ...
أم بسبب دراستي وعقلي ...
أم بسبب اجتهادي وإخلاصي ...
أم ماذا قال ... (1/58)
صفحة 59
تأملوا معي يرعاكم الله قول سليمان عليه السلام إذ يقول: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
إذا خضع لربه خائفا متذللا، واعترف بفضله وإنعامه، خائفا من كفرها وجعلها في ما لا يرضيه جلّ وعلا
لا إله إلا الله يعطي ويعصى، ويمن على العباد وهم يكفرون بنعمائه ....
لسان حاله عليه السلام: يا الله وهبت لي من النعم ما وهبت، وسخرت لي من المنن ما سخرت ... فأنت صاحب الفضل والمنّ وحدك لا شريك لك ...
يا الله ... هذا ابتلاء منك ... هل أشكر النعمة فأضعها في طاعتك فأكن من الفائزين ... أم أكفر بها وهي نعمتك أنت وحدك، فأعصيك بها، فتكون شاهدتً علي، فأكن من الخاسرين النادمين ...
يا الله ... لئن شكرت فلنفسي، ولئن كفرت فأنا الخاسر، فأنت غني عني وعن نعمائك.
انظروا رحمكم الله ... هذا سليمان ... ومن كسليمان في التأريخ ... انظروا كيف قابل ربه بهذه النعم ... جعلها في طاعته جلّ وعلا ... فاستحق الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
ولننظر إلى أنفسنا ... كم من النعم التي هبنا الله إياها؟ هل كنا شاكرين الله بها أم من الكافرين؟!!!
تصوروا نعمة الصحة ... نعمة السمع والبصر ... نعمة الحياة ... ماذا لو فقدناها ... أتستطيعون العيش بلا سمع أو بصر؟ أتصبرون على المرض ... ؟
ولننظر الآن هل شكرنا الله بهذه النعم أم كفرنا بها؟ أهي شاهدة لنا يوم القيامة أم علينا؟ (1/59)
صفحة 60
انظروا حاجتنا إلى الشراب والطعام ... تصوروا أمما تعيش طول عامها في جوع وبحث عن الشراب ... انظروا إلى أخواننا المتأثرين بالأعصار كيف حالهم الآن ... وانظروا إلى أحباءنا في غزة المحاصرة كيف يعيشون، بل وانظروا إلى مآت الآلف من الجوعى والعراة في أفريقيا وحدها ... وأنتم والحمد لله تأكلون وتشربون بكل سهولة ويسر ... فهلا شكرتم الله على هذه النعمة ... فتضعونها فيما يحبُّ ربكم بلا إسراف ولا تقتير ...
وانظروا إلى نعمة اللباس ... كم من الملابس تتباهون بها ... وتتزينون بجمالها ... انظروا إلى أمم في العالم يتقاسمون اللباس فيما بينهم لضيق ما في اليد، فهلا شكرتم هذه النعمة، فجعلتموها شاهدة لكم يوم تلقون الله تعالى، لا تسرفون فيها، ولا تتكبرون بها ....
ومن النعم - رحمكم الله – التي تتنعمون بها نعمة الاتصالات، نعمة الهاتف النقال أو المحمول ... تقضون الحوائج في وقت قصير، كم من الناس يعصون الله تعالى بها، تصوروا –هداكم الله وإياي- لو كنتم فاقديها ماذا يكون حالكم، فهلا شكرنا الله تعالى في نعمة الهواتف والانترنت، وجعلناها شاهدة لنا في الخير والبر والصلاح؟!!! كم من الناس ينتهكون بها أعراض المسلمات بلا خجل ولا حياء، ومن الناس من يحفظ في ذاكرتها ما حرم الله من الصور والمقاطع، فأين شكر النعمة ...
ومن النعم الجليلة التي تتنعمون بها أيضا نعمة التلفزة والقنوات الفضائية، تشاهدون فيها النافع المفيد، وتتابعون العالم وأنتم جالسون في بيوتكم، فاشكروا الله تعالى بها بمشاهدة ما ينفعكم ويرضي ربكم، وتجنبوا مشاهدة ما يغضب الرب، فهذا من كفران النعم والعياذ بالله من الخذلان. (1/60)
صفحة 61
ومن النعم التي نتمتع بها ليل نهار –أخوتي الكرام- نعمة اللسان، انظروا لو فقدتم هذه النعمة كيف تتكلمون ... أم كيف تفهمون بعضكم البعض، فحذار من وضع هذه النعمة فيما يغضب الرب، في الغيبة والنميمة والبهتان، وحذار من وضعها في الكذب والسخرية والاستهزاء، رطبوا لسانكم بوضعها في كل خير يقربكم إلى الله تعالى، فتكون رحمة لكم دنيا وأخرى.
وانظروا إلى نعمة السيارات والطرق ... تتنقلون من مكان لآخر بكل أريحية وهناء ... تصوروا لو كنتم تعيشون عصر الحمير والبغال ... وانظروا الفرق بين العصرين ... فلم نعص الله تعالى بهذه النعمة العظيمة ... نقتل أرواحا بريئة ... وندمر أسرا هانئة ...
وانظروا إلى إخوانكم من العمي والصم ... كيف يبصرون جمال الكون ... أم كيف يسمعون ما يجري حولهم ... وأنتم تتنعمون بنعمة السمع والبصر ... فلم الكفر بهما ... ننظر إلى ما حرّم الله ... ونسمع ما حرّم الله تعالى ...
وادخلوا أقرب مشفى لكم ... انظروا إلى المرضى كيف يتأوهون، انظروا إلى من أصيبوا بالفشل الكلوي، ومن كانوا ضحايا الحوادث، وإلى المقعدين من كبار السن، ينتظرون الموت في كل لحضة وثانية، وأنتم تتنعمون بنعمة الصحة والعافية، تذهبون وترجعون، وتمشون وتركضون، فلم الكفر بنعمة الصحة والعافية ...
ومن أعظم النعم نعمة اللسان العربي، تقرأون القرآن بكل سهولة، تفهمون معانيه بكل يسر، انظروا إلى أمم حولكم لا يتكلمون العربية، ويتمنون لو كانوا من أهلها ليفهموا القرآن كما نزل، فلم تهجرون كتاب الله، وتكفرون بهذه اللغة، وتتباهون بلغة العدو، حتى في أبسط العبارات كعبارات التسليم والتأكيد، ولم الآخرون يعتزون بلغاتهم، ونحن نخجل أن نتحدث ونتعلم لغة القرآن الكريم. (1/61)
صفحة 62
وتعالوا معي إلى نعمة الإسلام العظيمة، تصوروا لو كنتم تركعون لبقرة، أو تسجدون لصنم أو حجر، أو تتقربون لأشخاص مثلكم، انظروا إلى الأمم الغربية، عندما أبعدوا شريعة الرب عنهم، انظروا كيف أصح حال الوالدين، وتأملوا أن من كل أربع نساء امراة تتعرض للاغتصاب والإهانة، ومن كل عشرة أطفال طفل يتعرض للضرب والاغتصاب، وأنتم والحمد لله تعبدون وتتقربون للواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وحفظ الله لكم شريعته، وأتم لكم دينه، وحفظ أعراضكم وأموالكم، فهلا شكرتم الله بالتمسك بالشريعة، والإخلاص له سبحانه.
فلنتق الله جميعا عباد الله، ولندرك قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
وليكن شعارنا جميعا شعار نينا سليمان: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمائك، المتمسكين بشرعك والحمد لك حمدا يلبيق بجلال وجهك، وعظيم سلطانك، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (1/62)
صفحة 63
من أعظم النعم إطلاقا وأجلها قدرا ومكانا نعمة الوقت والزمان، ونعمة الصحة والفراغ، فبدونهما لن تستطيع أن تعمل أدنى عمل تسعد به، وترجو منه منفعة دنيوية أو أخروية، فهذا حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
ومن حق الإنسان أن يروح عن نفسه قليلا باللهو الخالي من المخالفات الشرعية، ولكن أن يكون اللهو هو الأساس، وهو الذي يسير جدول حياة الإنسان، فهذا خلل كبير، نعم خلل يؤدي بالإنسان أن تمر به الحياة ولم ينتج شيئا في حياته.
وبما أن اليوم يعود مرة أخرى الحدث الرياضي على مستوى العالم، يجب على المسلم أن يكون مؤثرا لا متأثرا، لأن الوقت أمانة يسأل عنها الإنسان، فلا يصح عقلا ولا شرعا أن يؤثر هذا الحدث على سير أعماله الأساسية، من إجابة نداء الوالدين، وتلبية متطلبات الأسرة، وتقديما لواجبات الدراسة والوظيفة، مع حقوق المجتمع والأمة، فضلا عن حقوق الله تعالى، فلا يصح شرعا أن يؤخر صلاة المغرب إلى العشاء، أو يترك صلاة العصر لأن فريقه لم ينته بعد من المباراة، فهذا استخفاف بشريعة عظيمة، والله تعالى يقول: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ويقول جلّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، كما أنه يجب إجابة النداء في جماعة لقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
فلنعمر أوقاتنا بما يرضي ربنا، ويقربنا إليه، ويشفع لنا عنده جلّ وعلا، ولنحذر كفران النعم، صغيرها وكبيرها، ولنتذكر دائما قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. (1/63)
صفحة 64
ومن تعمير الأوقات بالخير العميم إحياء الحلقات القرآنية في المسجد، ودعمها ماديا ومعنويا، فقد كان مسجد رسول الله صلى الله عليه تقام فيه الحلقات للكبار والصغار، للنساء والرجال، بل كان يشرف عليها بنفسه، وحث على تعليم الصغار، إذ يقول عليه السلام: تعليم الصغار يطفئ غضب الرب.
من هذا المنطلق كان لهذا الجامع الميمون إقامة الحلقات بجانب المركز الصيفي لتعليم الصغار والكبار من أبنائنا، وعليه ننوه أنه قد تم تحديد عدد مقاعد الدراسة في المركز بـ ثلاثمائة وخمسين مقعدا فقط، والأولوية لمن يتمم إجراءات التسجيل.
وآخر أجل لتسليم الاستمارات هو تاريخ: التاسع عشر من هذا الشهر، أي شهر ستة، ونذكر أيضا بأن المركز لا يستقبل الأولاد في المستوى التمهيدي.
هذا سليمان الرجل الصالح الشاكر لأنعم الله، الواقف عن حدود الله اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
اللهم هب لنا من النعيم، ومن علينا بفضلك الكريم، واجعلنا لك من الشاكرين، وزحزحنا عن نار الجيم، وخلّد أرواحنا في جنات النعيم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم خلص إخواننا في غزة من أحفاد القردة والخنازير، ومن المنافقين والكافرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مع قصة موسى في القرآن
الخطبة الأولى
الوقفة الأولى: ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)).
فما قصه الله تعالى، من أحوال الأمم السابقة، وأخبار المجتمعات البشرية السالفة، إلا تذكيراً للعباد، وتنبيهاً لأولي الألباب ...
ومن أعظم هذه القصص ذكراً، وأجلها بياناً، قصة سيدنا موسى مع فرعون الذي طغى، فأكثر ذكرها في كتابه، وبين بها سنته التي لا تتغير، وقانونه الكوني الذي لا يتبدل. (1/64)
صفحة 65
وما فرعون وقومه إلى آية للبشر، وعبرة لمن اتعظ واعتبر، أعرض عن ذكر ربه، والانقياد لطاعته، والوقوف عند حدوده وزواجره، فابتلاه الله بصنوف العقوبات، ونقص من الثمرات، فرفع عنهم نعمة المطر، وقلة البركة في الماء والثمر، لعلهم يذكرون أو يتعظون.
فأبوا إلا الاستكبار في الأرض فأرسل إليهم الطوفان الجارف، والفيضانات المهلكة، وسلّط عليم الجراد يأكل ما يزرعون، ويهلك ما يحرثون، وذكرهم بالقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا مجرمين ...
فكانت السنة الإلهية، والإرادة الربانية، أن أهلكهم عن بكرة أبيهم، وأغرقهم في البحر، بأهم كذبوا بآيات ربهم، وكانوا عنها غافلين.
وهؤلاء بنو إسرائيل اغتروا بجنسهم، وادعوا بأنهم أبناء الله وأحبائه، وأنهم شعب الله المختار، فهيهات هيهات لا قيمة لجنس عند الله تعالى، فعندما طغى سفهاؤهم، وأفسدوا في الأرض، ولم يعملوا بآيات الله تعالى، أرسل الله إليهم أصناف من العذاب والعقوبات، من الصيحة والرجفة والزلازل، والتشريد في الأرض، والذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين.
ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شأننا كشأن غيرنا من الأجناس والأمم، ونحن جميعاً أمام القانون الإلهي والسنة الربانية ((أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر)).
فإذا ما طغت الأمة، وانحرفت عن الجادة، وقام سفهاؤها فيها إفساداً واستكباراً، فانتهكت المحرمات عياناً، وتجاوزت الحدود بغياً وعدواناً، وقل الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؛ قامت السنة الربانية بإرسال أصناف من العذاب والعقوبات ... والآيات البينات، لعلنا نتذكر ونتعظ ونتوب ونرجع ...
فما انتسابنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يجعلنا في أمان من عذاب ومكره، إذا تجاوزنا أمر الله ونهيه .... (1/65)
صفحة 66
وما نراه اليوم من قحط مرعب، ونقص في الثمرات والزروع إلا تذكير من الله، أنتوب ونرجع؟ أم نترك سفاءهنا يفسدون ويمكرون؟ أم نتحدى حبار السماوات والأرض، أم نجرب الحرب مع الله تعالى، أم نستظهر عظمتنا أمامه، وقوتنا أمام قوته وجبروته، أم نعلنها حربا بشرية، بأننا قادرون على تحدي الله وسننه، فهيهات هيهات، إنها سنة جبار السماوات، المتكبر المتعالي الذي لا يغير وعداً ولا وعيدا، ألا من استهان بآياته، وسخر من سننه وقوانينه، ألا فالينتظر الموعد، فبالله كيف تتحدى الله تعالى، ونشكر على آياته، أما فينا متعظ معتبر، ,أوليس لنا سمع وبصر وعقل، أما ترون ما يصيبنا هذه الأيام من أمرض عظام، والإنسانية اليوم تقف خائفة مذعورة أمام فيروس ضعيف وهو أضعف من الذبابة والبعوضة، إنه فيروس أنفلونزا الخنازير، والذي بات بفتك بالمآت، ويهلك العشرات, كل ذلك من آيات الله البينات ((أكفاركم خير من أولكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون االدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر))
ولقد أخبر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام أن التوبة والرجوع إلى الله تعالى هو العلاج الوحيد لرفع الوباء والأمراض، ونزول المطر والغيث، والبركة في الزروع والثمار، إقرأوا إن شئتم ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذالك نجزي المفترين، والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)).
وتأملوا معي قول الله تعالى عندما طلب التوبة من قوم موسى لرفع الوباء ((واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتوبون ويزكون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون)). (1/66)
صفحة 67
والناس اليوم يبحثون عن علاج لهذه الأمراض، وهذا أمر طيب، ولكن العلاج الوافي لرفعها هو التوبة والإنابة، وعدم ترك السفهاء يفسدون في الأرض، أما قال موسى ((ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا)).
فكم من أقوام معاصرة تقدموا فلكياً وعلمياً فما استطاعوا أن يقفوا أمام الفيضانات والأعاصير والزلازل و البراكين. ... وهذه والإنسانية اليوم في تقدمها الطبي الهائل يبين الله تعالى ضعفها أمام فيروس ضعيف، كل ذلك يجعلنا نراجع أنفسنا من جديد، ونتأمل في آيات الله تعالى البينات متعظين وعاملين.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله ربكم، واتقوا الله في أزواجكم وأولادكم، واتقوا الله في أوطانكم وأمتكم، ربوا أولادكم تربية صالحة، قوهم عذاب الله وسخطه، واستغفروا ربكم ليلاً ونهارا، صبحاً ومساءا، واستغفره إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الوقفة الثانية: ((يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم وإياي فارهبون، وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشروا بآياتي ثمناً قليلا وإياي فاتقون))
لقد أنزل الله تعالى كتبه هداية للإنسانية، ورحمة للبشرية، ولن تستفيد الأمم من هذه الكتب إلا بثلاث مراحل مهمة: الأولى: تلاوته "ورتل القرآن ترتيلا" والثانية: تدبره ((أفلا يتدبرون القرآن)). والثالثة: العمل به ((واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم)) فإن توفرت المرحل الثلاثة في أمة كانت في مأمن من العذاب الذي يسود الأمم.
ومن أعظم هذا العذب الأمراض النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب النفسي، وهو من أكبر الأسباب التي تقود الملايين من الناس إلى الانتحار.
فأبشر بأقوام من هذه الأمة يتلون كتاب ربهم ويتدبرونه، ويجعلونه واقعاً ملموساً في حياتهم، فقد استحقوا جائزة الاطمئنان النفسي، بجانب الهداية الربانية، والمنن الإلهية ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)). (1/67)
صفحة 68
وهناك أقوام آخرون لا يعرفون القرآن إلا في أوقات العزاء، فيجعلونه أورادا للمتوفى ولو لم يفقهوا شيئاً منه، أو يقرأونه رمضان فقط، فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ((ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً))
فتنتشر بينهم الأمراض النفسية، وقد ويلجأون إلى المشعوذين والذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، فيجعلون القرآن حروزاً وتمائم، وهم يعلمون علم اليقين سبب المرض.
ألا فليتق الله تعالى الذين يشترون آيات القرآن القرآن، ويكذبون على الناس باسم القرآن، ويجعلونه حرفة يأكلون بها أموال الناس بالباطل ((إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشرون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكبهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)).
ولتعلموا عباد الله أن العلاج من الأمراض النفسية ليس بالذهاب إلى المشعوذين ومدعي العلاج بالقرآن، بل يعالج بالقرب من كتاب الله تلاوةً وتدبراً وتطبيقاً، بهذه الثلاث تأمنون من هذه الأمراض النفسية، وهاكم قوله تعالى ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تعالى تطمأن القلوب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)).
فاتقوا الله عباد الله, وتمسكوا بهداية القرآن، وسلموا لأوامر القرآن، تأمنوا من مكر الله وعذابه، وتعمكم رحمة الله وفضله، وتسودكم السكينة من ربكم، وأخرى تفوزون بها يوم يجمعكم جميعاً في يوم التغابن.
اللهم يا كاشف الضر اكشف الضر عنا، اللهم ارفع الأمراض عنا والوباء، اللهم جنبنا الأسقام والداء، اللهم إنا نستغفرك استغفارا، اللهم ارع الوباء عنا والبلاء ...
اللهم إنا هدنا وتبنا إليك فأنزل علينا رحماتك ومن علينا ببركاتك ربنا لوشئت أهلكتهم من قبل فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا و أنت خير الغافرين.
الاستعمار الفكري
الخطبة الأولى (1/68)
صفحة 69
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
الحمد لله شرفنا بدين قويم، وصراط مستقيم، والصلاة والسلام على النبي العظيم، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتكريم.
إن الله تعالى شرف هذه الأمة بمكانة القيادة بين الأمم، والسيادة بين الحضارات والمجتمعات، بما تحويه أمة الإسلام من قيم ربانية، ومثل سامية، وتعاليم إلهية خالصة، كلُّ ذلك هيأها للقيادة والسيادة، والعزة والكرامة، متى ما اعتزت بقرآنها، وتمسكت بموروثاتها، واعتصمت بأوامر ربها ...
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}
وإذا ما انحرفت أمة الإسلام عن منهجها الرباني الصافي، واستبدلته بفلسفات بشرية قاصرة، واعتزت بموروثات منحرفة، سيكتب لهذه الأمة وفق سنن الله تعالى الكونية، سيكتب لها الذلة والتبعية، والمهانة والانهزامية، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
أما ترون أخوة العقيدة والتوحيد ما يحدث في عالم اليوم، عندما ابتعدت الأمة عن منهج ربها، واعتصمت بمناهج غيرها، أولم يسلط الله علينا ذلا لا يرفع إلا إذا عدنا إليه جل جلاله.
فما مكانتنا اليوم بين الأمم؟
وما قيمتنا بين الحضارات والدول؟ (1/69)
صفحة 70
أين أمة الإسلام اليوم من أمم لا قيمة لإنسان في ميزانها، انظروا يرعاكم الله إلى الإنسان اليوم كيف يقتل ويذبح باسم الطب ومحاربة الأمراض، فيروسات تصنع، وأمراض تنشر، لا لشيء إلا لملئ الجيوب، وإنقاذ فآم من الناس، أولى أن يسطروا في لوحة الإرهابيين في العالم ....
أين أمة الإسلام اليوم من الإنسان الجائع، والذين تؤكل خيرات شعوبهم، ويزرع بينهم الحروب الأهلية، لتتسلى بهم طائفة من شياطين البشر، بلا رحمة ولا إنسانية ...
أين أمة الإسلام اليوم من أطفال أبرياء خرجوا إلى العالم باسم الحب العذري، والإباحية الجنسية، وباسم حقوق المرأة، ومخالطتها للرجل في الشركة والمكتب والمجمعات، والمدارس والجامعات، فمن لهؤلاء الأطفال، رعاية وتربية، وتقويما وإحسانا، كانوا ضحية الغرائز الحيوانية، واللقاءات الشيطانية البهيمية ...
وأين أين أمة الإسلام اليوم من مقدساتها، أين هي من المسجد الأقصى الذي يعيش هذه الأيام ذكرى الحفريات المشئومة، تلك الجريمة التي استهدفت المسجد وجودًا وحضارة، وكشف نيرانها عن نيران الحقد الأسود على عقيدة المسلمين، ومكان عبادتهم في أقدس مقدساتهم، في هذه الديار المباركة، والأرض الطاهرة، التي رُوّيت بدماء الشهداء والأبرار، من الصحابة الكرام، وتابعيهم من المحرّرين العِظام، الذين لم يرتضوا الظلم لديار الإسراء، ولم يذوقوا طعم الراحة؛ حتى عادت إلى حَوْزة الإسلام والمسلمين عزيزةً كريمةً، يُدَوِّي في سمائها، ويعلو مآذن مسجدها نداء التوحيد الخالد: "الله أكبر، الله أكبر". (1/70)
صفحة 71
هذا النداء الذي يسعى أعداء الإسلام إلى خَنْقِهِ وقَتْلِهِ من خلال مؤامرات العدوان على المسجد الأقصى، وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم، وطَمْس معالم الحضارة والتاريخ الذي يرمز إليها المسجد الأقصى، الذي تَتَلامَعُ قِبابُهُ شامخة في سماء القدس، مؤكّدة إسلامية هذه الديار، ومانحة إياها وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل مَعاوِل الاحتلال على تغييره وتهويده، في ظلِّ غفلة العرب، وانشغال المسلمين: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وإذا جئنا إلى الوراء قليلا، عندما بدأ الاستعمار الغربي يجر أذياله إلى بلاد المسلمين، يأكل خيراتهم، ويشردهم من أوطانهم، قامت الأمة ولم تقعد، وضخوا بنسائهم وصبيانهم من أجل عزتهم وكرامتهم، وأوطانهم ومقدساتهم ...
فما الذي جعل أمة الإسلام اليوم تتساهل في ثوابتها ومقدساتها؟
وما الذي جعلها تفرط في دينها وقيمها؟
وما الذي جعلها تتبع غيرها شبرا بشبر، وذراعا بذراع ...
أما كان لأمة الإسلام اليوم أن تكون أكثر جدارة بما تملكه ما أراض شاسعة، ومنافع متنوعة، وعقول متنورة، فضلا عن سكانها وخيراتها، أما كان الأجدر بها أن تحافظ على كل أرض من أراضيها، وان تعتز بأفكارها وماضيها، وترقى بحاضرها ومستقبلها!
نعم خرج الاستعمار الغربي من بلاد المسلمين، جارا وراءه الذلة والخيبة، ولكن بقي استعمار أشد، أتدرون ما هو؟ أو تفقهون حقيقته؟
إنه استعمار العقول، والذي نادى به مفكرو الاستعمار وفلاسفته في القرن العشرين، وفي خضم فشل الاستعمار العسكري، ودعمته المؤسسات الصهيونية، والمنتديات الماسونية، والشبكات العلمانية ....
درسوا ديننا وقيمنا، وفقهوا روابطنا وأخلاقنا، وأدركوا أسباب عزتنا وكرامتنا، لذا كانت برتكولاتهم مخططة حكيمة، وأهدافهم سديدة قويمة ...
فاستطاعوا بما يملكون من إعلام وأقوال، ومال ونفوذ، أن يحققوا أحلامهم في أقل من نصف قرن من الزمان .... (1/71)
صفحة 72
ابعدوا الأمة عن قرآنها باسم العلم والعقل وحرية الفكر، وأبعدوا شباب الإسلام عن دينهم باسم المدنية والتقدم والرقي، وابعدوا النساء عن عفتهن وحجابهن باسم العدالة والمساواة والحرية ...
فما أخلاق الشرق وقيمه، إلا مفرزات القرون الوسطى، وما دينهم وقرآنهم إلا حجر عثرة في تقدمهم ورقيهم ...
فأشبعوا الأمة لهوا، وشجعوا الفسوق والرقص، واحتفوا بخلع الحجاب، ونشر الإباحية والشذوذ، وبذلوا المال لكل مجتهد في محاربة القيم والخلق، واعتبروا من يتمسك بدينه، ويعتز بقرآنه متخلفا رجعيا، بل ومتطرفا إرهابيا ...
فنما جيل من هذه الأمة، لا صلة لهم بدين، ولا علاقة لهم بقيم ولا خلق، أجسامهم كالجبال، وعقولهم كعقول الطيور والعصافير، ظاهرهم لباس فاخر، وباطنهم جهل مدقع، يحفظون مشاهير الطرب والغناء واللعب، في حين لا يحفظون من آيات ربهم، ولا يعرفون أنبيائهم، فضلا عن الصالحين والفاتحين ...
نما جيل لا يوجد عندهم ميزان التفريق بين الضار والنافع، وأداة فهم الواقع، والاعتزاز بالقيم والخلق الرفيع ...
فلم نجد غرابة أن تسقط مقدساتنا، وأن يستهزئ الآخرون بديننا وقيمنا، ويسخر الناس بأخلاقنا ومبادئنا ...
وها هو الأقصى السجين ينادي ويصرخ واإسلاماه ... بنياني تشقق، وقواعدي اقتربت للسقوط، وأبنائي محاصرين يذبحون، ونسائي يؤسرن ويغتصبن، والمسلمون يصفقون لكرة، ويرقصون لهز امرأة ...
اسألوا الجيل المعاصر عن الأقصى ماذا يعرفون، واسألوهم عن تأريخيهم ماذا يفقهون، خبروني عن قيمكم وأخلاقكم، وتفسخ غيركم وانحلالهم فبماذا تعتزون، وأجيبوني عن محمد عليه السلام والأنبياء، والفاسقين والسفهاء فبمن تقتدون؟ وهلا أزلتم الغشاوة عن عيني ما خططكم لمستقبل أمتكم وأوطانكم، ودينكم وقيمكم فماذا أنتم صانعون ومخططون؟
لا شك سيرجع الطرف لديك خاسئا وهو حسير .... إنه الاستعمار المحكم، والصناعة المخططة .... (1/72)
صفحة 73
فيا أحفاد محمد ... ويا آل الفارق والصديق، أعلنها كلمة واحدة، لا تحتمل غيرها، إذا أردنا إعادة مقدساتنا، والنصرة لأمتنا، والتقدم لأوطاننا، لا بد من مقارعة الاستعمار الفكري والخلقي ....
فهلا كانت تظاهرة جماعية في المؤسسات والبيوت، والمساجد والمدارس، والأسواق والشوارع،
تظاهرة فكرية تصورية
تظاهرة إيمانية خلقية
تظاهرة عملية مخططة
تظاهرة تستمر فترة وجودنا في الحياة القصيرة
تظاهرة نرجو ثوابها في الدار الباقية
لنتظاهر جميعا بداية من أنفسنا ...
توبة وإنابة ... تمسكا واستقامة ... مراقبة ومحاسبة
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
تظاهرة في البيوت والأسر ... بحسن التربية والتنشئة ... والتوجيه والمراقبة ... نربي أولادنا على الاعتزاز بالدين، والاقتداء بالأنبياء الصالحين ... والاستعداد للقاء رب العالمين
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
تظاهرة في المساجد والمؤسسات ... والمدارس والجامعات ... بالأمر بالفضيلة ... والنهي عن الرذيلة ... والتمسك بالشريعة ... وتجسيد الدين سكونا وحركة ...
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
ولتتظاهر معنا بنات حواء ... بالستر والحشمة ... والحجاب والعفة ... والنزاهة والاستقامة ..
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1/73)
صفحة 74
بهذا التظاهرة الإيمانية تنزل علينا رحمات الله ونصره ...
وبها ترجع إلينا العزة والكرامة ...
وبها تتحرر مقدساتنا ... ونعتز بثوابتنا ...
وبها ننتصر كليا على الاستعمار بكافة أشكاله وأنواعه ...
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
والحمد لله رب العالمين
الخطبة الثانية
{يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}
اللباس من النعم التي أنعمها الله على العباد، فقد سترا للعورات، وزينة للبدن، يتجمل به الإنسان بلا إسراف ولا مخيلة، يقول تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
والإسلام اعتبر اللباس أمرا عرفيا، تعود ماهيته إلى عادات الناس وتقاليدهم، فللعرب أعرافهم الخاصة في اللباس، وكذلك الأجناس الأخرى، والمسلم مطالب أن يراعي المجتمع الذي يعيش فيه، فالأعراف معتبرة في نظر الشرع الحنيف. (1/74)
صفحة 75
وفي ظلّ الاستعمار الفكري والخلقي توجد ثقافات معينة تريد أن تفرض ثقافتها على العالم، وهذا ما يسمى بهيمنة العولمة، فهي تريد أن يكون العالم مقلّدا لها في كل صغير وكبير، ومنها أمر اللباس، فاللباس العربي متحجر وبائد، يعود إلى العصر الحجري، فلكي توافق الحضارة لا بدّ أن تغير لباسك بما يوافق الموضة الجديدة.
ثم إن هناك جهات معينة لها أغراض إفسادية تحاول أن تبث نوعا معينا من اللباس يساعدهم في تحقيق أهوائهم المنحرفة، ويدر دخلا أكبر لشركاتهم المالية، ووضعوا لها الإعلانات الباهظة، والتي تظهر الرجولة والجمال والأناقة، وأقاموا من أجلها مهرجانات الأزياء، وألبسوها المغنين والمطربين، والراقصين والماجنين.
وكثير من هذه الجهات أهدافها نشر اللباس الذي يزعزع رابط ستر العورات، فهي إما أن تكون ضيقة بحيث تجعل كلَّ أجزاء الجسم محددة، وإما أن تكون قصيرة فاضحة، خاصة ما يتعلق بلباس الفتيات والفتيان المراهقين؛ لأنّ هذا الصنف من الناس أكثر عرضة لتحقيق هذه الهيمنة المنحرفة.
ومما يساعد هؤلاء أنهم وضعوا عليها صورا لمشاهير الطرب والمجون، أو الرياضة واللهو، أو الساسة والإرهابيين، أو حتى مشاهير الأفلام الكرتونية.
والأمر الأشد أنهم عليها كتابات لتحقيق أهداف معينة، قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية وجنسية، فالعديد من جمعيات الشواذ، والتي تطالب بالمثلية الجنسية أصبحت تستغل الكتابات على الملابس لإيصال كلمتها إلى العالم، وبث دعواتها التحررية والشاذة.
لذا كان يجب التنبه إلى هذا الأمر، وإعطائه حقه من التوعية والدراسة، (1/75)
صفحة 76
فالاعتزاز بالهوية الذاتية أمر مطلوب، فهو عنصر من عناصر قوة الشخصية، وإظهار هذا على الأجيال المعاصرة إنما هو مواصلة لهذه الهوية، وإظهار لقوتها وذاتيتها، والتقليد الأعمى لكل ما هو جديد إنما هو دليل ضعف يصيب المجتمعات، فالأمم التي لا تفتخر وتعتز بما خلفه لها تراثها، هذه الأمة هزيلة، سرعان ما ستذوب في العولمة المعاصرة، حيث أن هذه العولمة ما هي إلا نوع من أنواع الهيمنة والتسلط من جانب ثقافي وفكري، والمنتصر فيها من اعتز بثقافته وفكره وعاداته.
وإذا جئنا إلى سلفنا الكرام نراهم استفادوا من الحضارات المتقدمة في عصرهم كالرومان والفرس، ومع ذلك اعتزوا بثقافتهم ولباسهم، ولم ينجرفوا إلى لباس الأعاجم مع سترها في ذلك الوقت، فما بال أبناؤنا اليوم ينساقون إلى لباس غيرهم، مع مخالفتها في كثير من الأحيان للأعراف؛ بل للدين الداعي إلى الستر، كلبس الجنز المحدد للعورات، أو الملابس القصير، أو الأقمشة التي بها صور خليعة، ورموز منحرفة فاسقة.
ومن الأمور الغريبة عند بعض فتيان الفتيان اليوم إظهار الملابس الداخلية، تقليدا للمنحرفين، فهذا من العجب العجاب أن ينزل فتياننا إلى هذه الدرجة بلا خجل ولا حياء ...
فهذا النوع من اللباس وغيره يغرس في نفوس الناشئة والأجيال المعاصرة حبّ اللهو والعدوان والسرقة والاغتصاب، وتهيج الغريزة الجنسية فيهم، وما انتشار السرقات والاغتصابات، بجانب كثرة الانحرافات الجنسية إلا ناتج عن مثل هذه الأمور!!!
فعلى الأسر أن تبعد أبنائها عن مثل هذه الموضات، والحمد لله تعالى البديل موجود، ولا بد أن نعتز بثقافتنا وهويتنا، وعلى المختصين مراقبة السوق قدر الإمكان، وعدم فتح مثل هذه الأبواب، وعلى الموجهين والتربويين معالجة هذا الأمر لدى الآباء والأبناء، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
الوقت وحياة المسلم
بسم الله الرحمن الرحيم (1/76)
صفحة 77
{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}
يقول – صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، والصلاة والسلام على النبي الأواب، وآله وصحبه الأحباب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك الوهاب.
أمّا بعد:
فإنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، وأجلّها قدرا، وأرفعها منزلة، وأعلاها مكانة، نعمة الوقت والزمان، حيث أقسم به العزيز الديان، في كثير من آي القرآن، "والليل إذا يغشى"، "والنهار إذا تجلى"، "والليل إذا عسعس"، "والصبح إذا تنفس"، "والفجر، وليال عشر"، "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر".
أقسم سبحانه بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.
أخوة الإيمان والعقيدة:
انظروا – رحمكم الله – إلى الأمم السابقة، كيف تقدمت؟ وكيف انهارت؟
انظروا إلى أمتكم المجيدة، ما أسباب تقدمها في سالف الأيام؟
إيه والله، لم يتقدّموا في نواحي الحياة المتعددة إلا بعد ما أدركوا أهمية الوقت والزمان، فاستثمروه لصالحهم، فأتى إليهم طوعا، وفتحت لهم الدنيا قاطبة.
لسان حال أحدهم يقول:
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع (1/77)
صفحة 78
وآخر يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي.
وذاك يقول:
إذا مرّ بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أستفد علما فما ذاك من عمري
وانظروا – يرعاكم الله – إلى أمتكم اليوم، ما الذي جعلها في ذيل القافلة؟ وما الذي أخرها عن الأمم قاطبة؟ أقلة أموالها؟ أم نقص في عددها البشري؟ أم ضعف في عقول أبنائها؟
أوليس الذي أخرها عن الطريق هو الاستهتار بالوقت وعدم العناية به!!!
أولم تستثمر الأمة وقتها في الملهيات وتقدمه على الأساسيات؟!!!
أولم تضيّع الأمة وقتها في إعلام فارغ، وثقافة خاوية!!!
أصبح لسان حالها: دعوة لقتل الوقت، ومناداة لإضاعته بدلا من استغلاله واستثماره!!!
ما الذي قدّم الغرب علينا؟ أكثرة أموالهم؟ أم قوة عقولهم؟ أم تقدموا علينا بحسن تعاملهم مع الوقت؟ فاستغلوه وأهملناه، واستثمروه وضيعناه، فتقدموا وتأخرنا، واستيقظوا ونمنا، ففازوا وخسرنا، "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
معاشر الشباب:
تأملوا في حديث نبيكم – صلى الله عليه وسلم -: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".
زمن الشباب زمن الصحة والقوة، الحركة سريعة، والوثبة قوية، والحواس مكتملة.
إنّ الشباب حجة التصابي ... روائح الجنة في الشباب
عزيزي الشاب:
الأمم لا تنظر إلا إليك، وأمة الإسلام أملها فيك، فأنت عمودها، بك تتقدم أو تتأخر.
أخي الشاب:
ماذا عن الوقت؟ وما جدولك لاستغلال الوقت؟ وما هي نظرتك إلى الوقت؟
أمجرد فراغ لا بدّ أن يُقضى؟ أم هو مرحلة عمرية، وحركة زمنية، لا بدّ من استثماره في صالح الوطن والأمة.
أيها المسلمون: (1/78)
صفحة 79
إنّ إحساس الشباب بالفراغ مع كمال الصحة والقوة أمر طبيعي معقول، ولكن الذي لا يكون أبدا طبيعيا ولا معقولا أن يحسّ الشاب بهذا كلّه ثمّ يضطرهما المجتمع إلى أن يملأوا أوقات فراغهم فيما يسخط الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -.
يبذلون الصحة والفراغ في لذة عارضة، ومتعة عابرة، ولربما ملأ أحدهم وقته في جلسات الغيبة والنميمة، والدخان والشيشة.
فمن العجب أن يملأ شاب فراغه طول ليلته في قيل وقال، حتى إذا انتصف الليل وأقبل الفجر سقط على فراشه كالمغشي عليه من الموت، فلا يقوم إلا والعصر قد أقبل، ثمّ يواصل يومه في التسكع في الطرقات، والمشي في الممرات، غير مبال بواجباته الشرعية والاجتماعية.
ماذا يكون حال هؤلاء إذا تقدّم بهم الزمان؟ وقد قضوا حياتهم في فراغ ولهو، لا مكانة لهم في المجتمع، ولا قيمة لهم بين الأمم، لا ثقافة ترفعهم، ولا مكانة اجتماعية تعلو بهم.
تمر الليالي والحوادث تنقضي ... كأضغاث أحلام ونحن رقود
أيها الشاب الغيور:
اعلم أنّ مكانتك بين الناس، ومنزلتك بين الأمم، لا تكون ولن تكون إلا بمدى استغلالك لوقتك في كلّ نافع ومفيد.
ما الفائدة من شاب قوي الجسم، جميل الثياب، ولكنه في المقابل ضحل الثقافة، ضعيف التدين، عاطل عن العمل، يقضي طيلة وقته في اللهو واللعب؟
ما الذي سيقدمه هذا الشاب لنفسه؟ وما الذي سيقدمه لأمته؟ وما الذي سيقدمه للإنسانية؟
فاعلم – أخي الشاب – أنّ ثقافتك مقرونة بأخلاقك العالية، وثقافتك النيرة، وعملك الدؤوب، من أجل وطنك وأمتك، بهذا تستثمر وقتك، وتنفع أمتك.
والحمد لله ظهر في الآونة الأخيرة فتية أدركوا مخططات إضاعة الوقت، حتى لا تتقدم أمتهم، فاستغلوا أوقاتهم في العمل النافع، والقراءة الجادة، واللهو المتزن، فصاروا مثالا يُحتذى بهم، وشعارا يقتدى بهم. (1/79)
صفحة 80
أخذوا من غيرهم اللب، وتركوا القشور، أخذوا منهم تنظيم الوقت وكيفية استثماره، والمحافظة على المواعيد وعدم الخلف فيها، وأخذوا منهم حب العمل والقراءة.
ومع هذا تمسكوا بعاداتهم وتقاليدهم، واعتصموا بدينهم وقيمهم، وأعلنوا للإنسانية إننا أمة جادة، أمة عاملة، شرفنا الله بالإسلام، وكرمنا به، نستفيد من غيرنا في النافع، ونقدم لهم النافع، لأننا أمة هداية ورحمة.
بهؤلاء أخي الشاب اقتدي، وعلى طريقهم امض وتوكل، وفق الله الجميع، وسهل لنا طريق الخير والتوفيق، هذا واستغفروا ربكم إنّه كان غفارا.
الخطبة الثانية
إنّ الإجازة الصيفية من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دؤوب في طلب العلم، دام بضعة أشهر، فمن حق الطالب أن يأخذ فيها قسطا من الراحة.
ولكن أن تتحول الإجازة الصيفية إلى أداة للنوم الطويل، والكسل العظيم، فهذا من الإفراط بمكان.
فالإجازة الصيفية فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها بعض الطلاب.
ومن أعظم وسائل استغلال الإجازة الصيفية إقامة المراكز الصيفية وإحيائها، والتعاون من الجميع في دعمها وتنشيطها، والتكاتف في تفعيلها وإنجاحها، فقد أثبتت نجاحها في السنوات الماضية.
هذا ولاستغلال الوقت وسائل كثيرة منها استغلال وقت الفراغ بقراءة القرآن وحفظه والتأمل في آياته، والابتهال إلى الله بالذكر والعبادة، والتسبيح والتحميد، وزيارة الأرحام والأصدقاء، وتنمية المواهب المختلفة، وممارسة الرياضة المفيدة، والسماع الطيب المفيد، كسماع المحاضرات والأناشيد النافعة، ومشاهدة النافع المفيد من القنوات الفضائية والإنترنت والأقراص المفيدة، والسياحة في الأرض للتفكر في آلاء الله تعالى، والجلسات الهادفة، الخالية من المحرمات، مع الوقوف مع حدود الله ومقاصد الشريعة الغراء. (1/80)
صفحة 81
هذا ومن أعظم وسائل استغلال وقت الفراغ القراءة، القراءة التي فقدتها هذه الأمة، بعد ما كان يُربى عليها جيل الأمة منذ نعومة أظفاره، حيث أصبحت شعارا لغيرنا، يتسابقون في التفنن فيها، فلنجعل من الصيف فرصة لتنمية القراءة، فأمة تقرأ أمة ترقى، وأمة تلهو وتلعب أمة تذهب.
هذا وإن كان ثمة نصيحة في الختام فأوجهها إلى أخواني وأبنائي الطلاب، وهم يستعدون لامتحانات نهاية العام، ليقوّموا أنفسهم عمّا مضى من أيام الدراسة، أكانوا مع مع جد واجتهاد، أم مع نوم وكسل، فليهنأ المجدون، وليواصلوا الطريق، وليفق المستهترون، فالحياة بلا جد واجتهاد، وعلم وعمل لا قيمة لها.
فيا معاشر الطلاب جدوا في مذاكرتكم، وأخلصوا لربكم، وردوا خيرات وطنكم، واجتهاد معلميكم، وحرص آبائكم، قروا أعينهم بالنتائج الطيبة، والتحصيل المتميز.
وحذار ثم حذار من الغش في الامتحانات، لأنه من سمات الطالب الفاشل، وهو معصية للرب، وغش للوطن والأمة، فلا تختموا صحيفة عامكم بالغش والكذب والخديعة، واتقوا الله ويعلمكم الله.
وعليكم باحترام وتوقير وإجلال كراسات العلم والدراسة، وأوراق الامتحانات، فليس من الحضارة ولا من الرقي أن ترمى في الشوارع والطرقات من أعلى الحافلات، أو على ساحات المدرسة والقرى، فهذا السلوك ينمي عن تخلف ورجعية، ويعبر عن أمة لا تهتم ولا تقدس العلم، وفقكم الله ويسر أمر امتحاناتكم، واتقوا الله ثم اتقوا الله ويعلمكم الله.
وقفات مع الوقت
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، والصلاة والسلام على النبي الأواب، وآله وصحبه الأحباب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك الوهاب. (1/81)
صفحة 82
ومع بداية حرارة الصيف الملتهبة ... والتي تحمل في طياتها ذكريات منوعة ... ما بين ذكريات يسعد المرء بذكرها، وذكريات يجد فيها الألم والمرارة ...
هنا ونحن نستقبل الإجازة الصيفية ... أقف مع وجوهكم المشرقة ... وألطف أسماعكم النيرة ... وأتحف عقولكم المتنورة ... بوقفات ثلاث ... راجيا أن نستلهم العبر منها، وأن نجني الأثر من سماعها، فكونوا معها يرعاكم الله جل وعلا ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
لنبدأ وقفتنا الأولى بالتأمل في هذه السورة العظمية في معانيها، مع قلة آياتها ....
في هذه السورة يحدد الله تعالى دائرة الحياة الدنيا التي يعيشها الإنسان
ويبين فيها سبب النجاح والفلاح يوم القيامة ...
وهنا نطرح هذا السؤال:
لماذا قال: والعصر ...
لماذا أقسم به خصوصا ...
لماذا لم يقل هنا: والضحى ... والليل ... والفجر
لماذا العصر بالذات ...
تأملوا في العصر ...
ألا يسمى وقت الأصيل
فما أجمل العصر
وما أسرع انقضائه
يريد الله تعالى أن يبين لنا أن الفترة الزمنية التي نعيشها في هذه الحياة الدنيا قصيرة جدا جدا جدا ....
لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والواحد منا يجد لذة في هذا الوقت، فلطالما أشغله عمله صباحا، ويسكن مع نفسه ليلا، فلا يجد وقتا يتلذذ به مع بيئته وأبناء مجتمعه غير هذا الوقت خصوصا ...
فإذا ما غربت الشمس إلا ويرى أنّ الوقت مرّ بسرعة خاطفة .....
والناس في عصرهم قسمان: قسم استثمره في طاعة الله تعالى، فيشعر بحلاوة الغروب
وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه ... (1/82)
صفحة 83
وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان، لذا قال تعالى بعد قسمه بالعصر: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني
ومن الوقفة الأولى ننطلق جميعا إلى الوقفة الثانية ...
انظروا إلى أبنائنا الطلاب والطالبات هذه الأيام ...
يعيشون اضطراب الامتحانات ...
كم من الأيام مرت عليهم في مقاعد الدراسة ...
وكم من الساعات قضوها في هذا العام ...
نعم ... لكانت كفيلة بأن تنظم جدولهم في المذاكرة ...
وبها يستطيعون فهم المادة فهما رأسيا لا سطحيا، مع إدراك القواعد ... وسهولة التطبيق ...
أما وقد ضاع الوقت، واقترب أجل الامتحانات ... يعيش الطالب في اضطراب نفسي، لعله يدرك شيئا من المادة، فيخرج من الامتحانات فائزا منتصرا ... غانما رابحا ...
فيا أبنائنا الطلاب ...
المسلم الحق ... والإنسان العاقل ... هو الذي يعرف الخطأ ويعالجه ...
فالأصل هذا الوقت ليس وقت مذاكرة ... ولكنه وقت استحضار لما تم مذاكرته في السابق ...
ولكن لا تيأسوا ...
وعليكم بالتالي ...
أولا: اتقوا الله ويعلمكم الله، فمن اتقى ربه يسر أمره، وسهل عسره، ووفقه في مبتغاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ...
أما أن نصلي للامتحان ... ونقرأ القرآن للامتحان ... ونحافظ على صلاة الجماعة للامتحان ... ونقطع الحرام للامتحان ... فهذا والعياذ بالله من الشرك ... فلا تشركوا مع الله أحدا، والله غني عن عبادة واجتهاد من أشرك معه غيره ....
فراقبوا الله وكونوا معه قبل الامتحان وبعده ... يوفقكم في دراستكم ومعيشتكم "واتقوا الله ... ويعلمكم الله ... (1/83)
صفحة 84
ثانيا: التنظيم والبدء بالأولويات ... فتنظيمك لجدولك، وإدراكك للخلل في عدم استيعاب فهم المواد أو بعضها ... هنا لا بد أن تعالج هذا الخلل بحسن استغلال الوقت ... فتعطي للمواد حقها من وقتك، حتى تستوعب خطوطها الرئيسة، أما أن تقضي ليلك ونهارك في المشاهدة واللعب، وتأتي ليلة الامتحان لتستوعب خطوط المادة الرئيسة، فهذا لا يمكن بحال أبدا.
ثالثا: الصحبة: فيا عزيزي الطالب: اختيارك للصاحب المجتهد، الذي يعي أهمية الوقت، ويجتهد في تحصيله، مع أخلاقه المرتفعة، يعينك على التفوق في دراستك، واستغلال مستقبلك، فاحذر أصدقاء السوء، وابتعد عنهم، فلطالما دمروا مستقبل أناس مثلك، وضيعوا أوقاتهم، فالصديق الصالح يختصر لك الطريق في التقدم والتفوق.
أبنائي الطلاب والطالبات:
ساعات قليلة، وتبدأ الامتحانات، ويحل علينا طيف الاختبارات، فيكشف المجتهد في عامه الدراسي، ويظهر الكسول من خلال درجاته، فنصيحتي لكم بالجد والاجتهاد، والسعي إلى العلا في نتائج العام.
فبذلك تقروا أعين آبائكم، فلطالما سهروا من أجلكم، وتعبوا في مقابل راحتكم، فقابلوهم بالإحسان، وردوا إليهم ولو قليلاً من السرور والسعادة من خلال نتائج العام.
وبالنجاح المتفوق تسعدوا أيضاً معلميكم، فهم يفرحون بتفوقكم، ويحزنون أيما حزن برسوبكم، أو بتدني مستواكم، فكم ليلة سهروا من أجلكم، وكم من وقت تركوا أهليهم وأولادهم من أجل تعليمكم، فردوا إليهم هذا الإحسان، وادخلوا السعادة إلى قلوبهم.
وبالتفوق أيضاً – معاشر الطلاب- تتقدمون بأمتكم ووطنكم ومجتمعاتكم وبذلك تقروا عين دولتكم، وفرت لكم مدارس تتعلمون فيها، ومعلمين يعلمونكم، بل وفرت لكم وسائل نقل بلا درهم ولا دينار، فهلا رددتم إليها هذا الجميل، وأسعدتموها بتفوقكم وأخلاقكم. (1/84)
صفحة 85
فاجتهدوا وجدوا، واستغلوا ما بقي من أيام، وإياكم والغش في الامتحانات، فإنه من سمات الفاشلين، وهو عارٌ في جبين الأمم المتحضرة، والله لن تستفيدوا منه شيئاً إلا الخديعة والنفاق، وهذا ليس من شيم المسلم الصالح، يقول عليه الصلاة والسلام: {من غشنا فليس منا}.
ولطالما نبهت في الأعوام الماضية مرارا وتكرارا من رمي كراسات العلم في الشوارع وغيرها، فتدوسها الأقدام والسيارات، وكأنه انتقام منها، وتخلص من أغلالها، فعليكم باحترام وتوقير وإجلال كراسات العلم والدراسة، وأوراق الامتحانات، فليس من الحضارة ولا من الرقي أن ترمى في الشوارع والطرقات من أعلى الحافلات، أو على ساحات المدرسة والقرى، فهذا السلوك ينمي عن تخلف ورجعية، ويعبر عن أمة لا تهتم ولا تقدس العلم، وفقكم الله ويسر أمر امتحاناتكم، واتقوا الله ثم اتقوا الله ويعلمكم الله.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
وقفتنا الأخيرة نتركها مع الإجازة الصيفية، وقد بدأت تطرق الباب، فلنحسن ضيافتها، ولنستثمر ما تحمله من فراغ وراحة، لنخرج منها وقد كسبنا ما ضيعناه في هذا العام.
فالإجازة الصيفية من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دؤوب في خضم الحياة دام بضعة أشهر، فمن حقه أن يأخذ فيها قسطا من الراحة. (1/85)
صفحة 86
وفي الوقت نفسه الإجازة الصيفية فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها أبناؤنا الطلاب.
ولكسب الإجازة الصيفية لا بد من أمرين:
أولا: وضع الخطة لها، هذه الخطة تحوي الأهداف التي تريد تحقيقها مع نفسك وأسرتك، والآمال التي تريد أن تهفوا إليها، وحبذا أن تكون مكتوبة ومجدولة.
ثانيا: المحاسبة مع التنظيم والتقيد بالجدول، فلا بد أن تحاسب نفسك يوما بيوم، وعلى الأقل أن تجعل كل جمعة من كل أسبوع وقفة محاسبة.
وبهذين العنصرين –بعون الله – ستكسب قيمة الإجازة، وستجد نفسك قد حققت الكثير في زمن بسيط، وساهمت في رقي وتقدم مجتمعك وأمتك.
هذا ولاستغلال الإجازة وسائل كثيرة منها استغلال وقتها بقراءة القرآن وحفظه والتأمل في آياته، والابتهال إلى الله بالذكر والعبادة، والتسبيح والتحميد، وزيارة الأرحام والأصدقاء، وتنمية المواهب المختلفة، وممارسة الرياضة المفيدة، والسماع الطيب المفيد، كسماع المحاضرات والأناشيد النافعة، ومشاهدة النافع المفيد من القنوات الفضائية والإنترنت والأقراص المفيدة، والسياحة في الأرض للتفكر في آلاء الله تعالى، والجلسات الهادفة، الخالية من المحرمات، مع الوقوف مع حدود الله ومقاصد الشريعة الغراء.
فضلا عن القراءة، فالإجازة فرصة لتنمية القراءة، فإلى متى نظل أمة لا تقرأن ونحن الذين أنزل الله فينا سورة إقراء، وكيف نناطح العالم في عليائهم، إن كانت القراءة مغيبة في واقعنا ....
ولا بدّ من غرس أهمية استغلال الإجازة الصيفية في نفوس الأبناء، وتعويدهم على الطريقة الصحيحة في التعامل معها، من خلال التطبيق العملي الصحيح من قبل الأبوين والأسرة في إدارة الوقت، وبهذا يخرج أبناؤنا من الإجازة الصيفية وقد استفادوا منها في جوانب عدة، وهيئوا أنفسهم لاستقبال عام جديد مليء بالعمل والجد والاجتهاد، فيكونوا بذلك ثمرة صالحة لوطنهم وأمتهم. (1/86)
صفحة 87
ومن أعظم وسائل استغلال الإجازة الصيفية إقامة المراكز الصيفية وإحياؤها، والتعاون من الجميع في دعمها وتنشيطها، والتكاتف في تفعيلها وإنجاحها، فقد أثبتت نجاحها في السنوات الماضية.
لذا كانت من سياسة هذا الجامع المبارك، والمتمثلة في إدارته النيرة، إحياء المسجد في الإجازة الصيفية بالبرامج التعليمية والتثقيفية، وذلك استغلالا لأوقات أبنائنا الطلاب، ويقدم خدمته لمنطقة الموالح بصورة عامة كما لا يخفى عليكم.
ومن أعظم وسائلة التعليمية إقامة المركز الصيفي في الجامع المبارك للطلاب والطالبات، وهو يضم عشرات الطلاب، بجانب المعلمين والمعلمات، وحافلات النقل، والإداريين ومسؤولي النظافة بالمركز.
من هنا يعلن المركز عن فتح باب التسجيل اعتبارا من هذا اليوم الجمعة، وتوجد استمارات التسجيل لدى أئمة الجامع، والأولوية لمن تقدم بالتسجيل لمحدودية المقاعد.
وتبدأ دورة المركز يوم السبت في التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى، والموافق للثاني عشر من شهر ستة (يونيو)، كما هو مبين في الإعلان، والملصق في مساجد منطقة الموالح الجنوبية، والرسوم مبينة في الإعلان.
والمركز الصيفي كما لا يخفى عليكم يترتب عليه تكاليف مادية كبيرة لتوفير احتياجاته من معلمين وإداريين وحافلات، وهذا بحاجة إلى دعمكم وتشجيعكم، من هنا خصصنا صناديق المسجد الداخلية والخارجية من ها اليوم وحتى نهاية المركز لأنشطة الجامع الصيفية، فثابروا يرعاكم الله، وكونوا دعما لهه المشاريع الطيبة، ولنتعاون جميعا في التسابق فيها، ولنكن يدا واحدة في وجوه البر والخير.
كيف نرقى بأوطاننا
الخطبة الأولى (1/87)
صفحة 88
الحمد لله الذي أعزنا بنعمة الإسلام، وأمرنا بالإحسان إلى الأوطان والأنام، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير داع إلى بناء الأطان وتعميرها، والسعي إلى رقيها وتقدمها، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله:
من تكريم الله للإنسان أن سخر له الكون بأكمله، ليتدبر في آلاء الله، ويسعى في تعميره وإصلاحه، ويحافظ على جماله وبهائه، قال تعالى: " وسخر لكم الليل والنهار والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لأيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لأية لقوم يذكرون، وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " (النحل / 12 ــ 14).
هذا والإنسان بطبعه قد جبل على الاستقرار في بقعة معينة من هذا الكون الواسع؛ ليتخذها وطنا له وسكنا، ويعيش فيها آمنا مطمئنا، ويكون فيها صالحا مصلحا، فنعمة الوطن من أعظم النعم التي يتنعم بها العباد، من هنا كان له حقوقا يجب أن تؤدى، وواجبات يجاب أن تصان وتراعى.
عباد الله:
نعمة الأمن والأمان من أعظم النعم الي تستقر وترقى بها الأوطان، فبها يستقر الناس في معاشهم، ويتطورون في حياتهم، فما ارتقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، إلا إذا ساد الأمن بين زواياه، وعم الاطمئنان بين أفراه.
ولهذا امتن الله تعالى على أهل سبأ بنعمة الأمن والأمان، مما كان له الأثر في قوة اقتصادهم، وتتطور بلدانهم، يقول تعالى: " وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين " (سبأ / 18). (1/88)
صفحة 89
ومن النعم العظيمة التي تمتع بها أهل مكة فبيل البعثة نعمة الأمن، فانتعشت تجارتهم، وتطورت بلدانهم " فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " (قريش / 4).
فإذا أردنا المحافظة على إنجازاتنا، والتقدم بأوطاننا؛ علينا أن نحافظ على هذه النعمة، ونسخرها في صالحنا وصالح مجتمعنا، وهذا من أعظم الشكرلله على هذه النعمة العظيمة.
أيها المسلمون:
لكل مجتمع تراث يتمتع به، وإنجازات سعى لتحقيقها، في كافة مجالات الحياة، التربوية والاجتماعية، والصحية والاقتصادية، من مساجد ومستشفيات، ومدارس ومعاهد وطرقات، فهذه الإنجازات هي عنوان الرقي والتطور، وهي رمز التقدم والمدنية، ليكون الوطن مربوطا بماضيه المجيد، وحاضره التليد.
والأمة الواعية هي التي تحافظ على إنجازاتها، وتسعى لرقيها وتتطورها، وهذا لا يقتصر على فئة معينة، بل يعم جميع شرائح المجتمع، صغار وكبار، ذكورا وإناثا.
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة اشترك جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار في وضع أسس الوطن الجديد، بداية من المسجد ليكون منطلقا للعلم والمعرفة، وانطلاقا إلى الجوانب الأخرى.
فهلا كنا يدا واحدة في بناء ورقي وطننا وتقدمه، وهلا حافظنا على تراثه ومنجزاته، فهذا من المعروف الذي يثاب فاعله، فعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل معروف صدقة "، فسابقوا رحمكم الله في نماء ورقي أوطانكم، تنالوا الأجر عند ربكم.
أيها المؤمنون:
ومن طرق المحافظة على مكتسبات الوطن وإنجازاته الإحسان إليه، وأنت قد ترعرعت تحت سمائه، ولهوت فوق أرضه، وتعلمت في مدارسه وجامعاته، وأكلت من أرضه، وارتويت من مائه، فهو كالأم الحنون يرعاك بعطفه وحنانه، ويساندك بصبره وقوته، " وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان " (الرحمان / 60). (1/89)
صفحة 90
فأنت أيها الأب كن محسنا مع وطنك بتربية أبنائك التربية الفاضلة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، اغرس في قلوبهم حب الوطن والمحافظة على إنجازاته، واجعلهم بررة صالحين لأوطانهم، مخلصين في رقيه وتقدمه، يقول عليه الصلاة السلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأب راع وهو مسؤول عن رعيته ".
وأنت أيها الطالب كن محسنا مع وطنك بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب في كسب العلم والمعرفة، فمن حق الوطن عليك أن تسعى لرقيه فكريا وثقافيا، أخلاقا واجتهادا، يقول تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " (المجادلة / 11).
وأنت أيها الصانع والعامل كن محسنا إلى وطنك بالاجتهاد في العمل، والمحافظة على منجزاته المتعددة، وتطوراته المختلفة، وسخر قدراتك في رقيه ونموه، وتقدمه وتمدنه، يقول تعالى: " وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " (التوبة / 105).
فلنتعاون جميعا في رقي أوطاننا، كل بحسب جهده وقدراته، وكل في تخصصه ومجال عمله، ولنكن مخلصين لأوطاننا في بيوتنا ومدارسنا، وفي أسواقنا وأماكن عملنا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمتقين، وأفضل خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: (1/90)
صفحة 91
حب الأوطان من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخرج من المدينة، خرج حزينا لفراقه وطنه الذي ترعرع بين حناياه، وعاش بين زواياه، خرج مستقبلا وطنه الأم، وموجها إليها خطابه الجميل: " والله لأنت أحب البلاد إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني ماخرجت ".
فحب الوطن شيء فطري، وأمر جبلي، ولكن لا يتوقف حب الوطن عند الكلمات الرنانة، بل لا بد أن يجسد إلى واقع عملي، فالحب لا بد أن يتجسد إلى إخلاص لهذا الوطن، مقرونا بالتفادي في رقيه وخدمته، يقول عزوجل: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (المائدة / 2).
ومن حب الوطن التقيد بأنظمته وقوانينه، فالنظام أساس التقدم والرقي، وبدونه لا تقدم ولا مدنية، فلنكن منظمين في حياتنا وأوطاننا، وبذلك نرقى بأنفسنا وأمتنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا.
كذلك من حب الوطن المحافظة على نظافته المادية والمعنوية، فالنظافة عنوان التطور والمدنية، والنظافة أساس نموا العقل وتفعيل دوره في الحياة، فلنحافظ على النظافة المادية، في كل شبر من وطننا الحبيب، في البيوت والشوارع، وفي المؤسسات والمتنزهات العامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
كذلك علينا أن نحافظ على نظافة الوطن المعنوية، بالدعوة إلى الوحدة، ونبذ الفرقة، والمحافظة على الواجبات الشرعية، والبعد عن الغل والحسد والكبر، واجتناب النميمة والغيبة والفتنة، ومساعدة المحتاجين وإعانتهم، والصدق في القول والعمل، والتمسك بالآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ". (1/91)
صفحة 92
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا أداة خير لأوطانكم، واجتهدوا في تقدمها ورقيها، تجدون آثار ذلك في حياتكم، وتنعمون بالفضل والأجر عند لقاء ربكم.
مراحل التعامل مع القرآن
الحمد لله الذي أكرمنا بالقرآن، وجعله شفاء ورحمة للإنسان، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، كان خلقه القرآن، ومنهجه القرآن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم " (المائدة / 15 – 16).
لقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم هاديا وبشيرا، وأرسل معه نورا مبينا، ليخرج به الإنسانية من ظلمات الشرك والوثنية، إلى نور التوحيد الخالص لرب البرية، وهو مصدر الهداية، ومنبع الرحمة والسعادة، يقول تعالى: " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون " (الأعراف / 52)، فحري بهذا الإنسان أن يتدبر هذا الكتاب العظيم، ويتأمل في أسراره وإعجازه، وحري به أن يتقيد بآدابة وأحكامه، إذا كان يريد السعادة في الدنيا، والفوز في الأخرى. (1/92)
صفحة 93
ولكي نكون من أهل القرآن، المستفيدين من آدابه وأسراره، المتقيدين بأوامره ونواهيه، الواقفين عند حدوده وزواجره، لكي نكون من هؤلاء لا بد من الوقوف عند مراحل التعامل مع هذا الكتاب العظيم، وأولى هذه المراحل مرحلة التعلم والقراءة، فعن جابر بن زيد قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو "، فحسن القراءة وإتقانها تعين القاراء على فهم وتدبر آيات الكتاب العزيز، ولهذا حث جل وعلا على تحسين قراءة وتلاوة القرآن حيث قال سبحانه: " ورتل القرآن ترتيلا " (المزمل / 4)، وقد كان السلف يتحلقون حلقا في المساجد، ويتجمعون جماعات، صغارا وكبارا، يرتلون كتاب ربهم، ويعلم عالمهم جاهلهم، فهلا أحيينا هذه السنة المباركة، وأقمنا الحلقات في البيوت والمساجد، نتعلم كتاب ربنا، ونرتله ترتيلا. (1/93)
صفحة 94
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التدبر والتأمل، وهذه المرحلة من أهم مراحل التعامل مع القرآن، فبالتدبر يفقه المسلمون كتاب ربهم، وبه يحكمونه فيما بينهم، وبالتأمل ينصاع المسلمون لأوامر القرآن، ويقفون عند حدوده ونواهيه، ولهذا يسر الله القرآن تيسيرا، وجعله واضحا مبينا، سهل الفهم والإدراك على الصغير والكبير، يقول تعالى: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " (القمر / 17)، وقد أنكر الله سبحانه على الذين لا يتدبرون في كتاب ربهم، وإنما يقتصرون على القراءة السريعة، التي لا تتضمن فهما ولا تأملا، يقول تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد / 24)، فليست العبرة بكثرة القراءة، وإنما العبرة بالاستفادة من هذا الكتاب العظيم، فهذا هو منهج الصحابة، فقد كان بعضهم يقرأ في اليوم آية واحدة، يتدبر ويتأمل فيها، ثم يعمل بها، فينبغي على الواحد منا، أن يكون له ورد يومي من آيات الكتاب العزيز، يتأمل فيها، وينزلها إلى نفسه، ومن ثم يعمل بها، وينبغي أن لا تقتصر حلقات التلاوة على القراءة فحسب، بل ينبغي أن يكون للتأمل والتدبر حظه الوفير من هذه الحلقات، لكي نربط أنفسنا بهذا الكتاب الخالد. (1/94)
صفحة 95
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العمل، فالقرآن لم ينزل ليكون حبرا في ورق، أو نقشا في حائط، وإنما أنزل ليكون منهج حياة للمسلم، في كافة جوانب الحياة، فكرا وسلوكا، قولا وعملا، ولهذا حذر الله تعالى من هجر القرآن وعدم العمل به، يقول سبحانه: " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " (الفرقان / 30)، أي هجروا أحكامه، واتبعوا نواهيه، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم "، أي مقطوع اليد، وذلك لأنه تعلم قراءته وتلاوته، وأدرك أحكامه وحدوده، إلا أنه لم يعمل به في حياته، فاستحق هذه العقوبة من عند ربه، فعلينا أن نعمل بما جاء في كتاب ربنا، ففيه السعادة في دنيانا، والنجاة في أخرانا، وعلين أن نجسد القرآن في سلوكنا، مصداقا لقوله تعالى: " فإذا قرآناه فاتبع قرآنه " (القيامة / 18)، واتباعا لنبينا صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها واصفة خلق النبي عليه الصلاة والسلام "كان خلقه القرآن "، فكان عليه السلام خير مثال وأسوة للرجل المتبع للقرآن، المتمسك به قولا وفعلا، فكرا وسلوكا. (1/95)
صفحة 96
أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة التبليغ، فأمة الإسلام أمة تبليغ ودعوة، وأعظم ما يبلغه المسلم كتاب ربه، بعد تدبره والعمل به، فهو مصدر الشفاء الذي يحتاج إليه الناس في حياتهم، يقول جل جلاله: " وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين " (الإسراء / 82)، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن ونشره، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: " بلغوا عني ولو آية "، وهذا لا يتأتى إلا بعد تعلم وتدبر القرآن، ثم تطبيقه قولا وفعلا، وبعد هذا يأتي دور التبليغ مصداقا لقوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " (آل عمران / 103 – 104)، فالدعوة والتبليغ من آثار الاعتصام بكتاب الله والعمل به، لنكون أمة صادقة في دعوتها، مخلصة في تمسكها بكتاب ربها، وبذلك ننشر هذا الخير في كافة ارجاء المعموررة، ونوصله إلى البشرية جمعاء.
أما المرحلة الخامسة والأخيرة من مراحل التعامل مع القرآن فهي مرحلة الحفظ، وهذه من المراحل المهمة التي اهتم بها عليه الصلاة والسلام، فقد كان كثير الاهتمام بتحفيظ الصحابة ما نزل من القرآن إثر نزوله، مصداقا لقوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " (الإسراء / 106)، وقد حث عليه الصلاة والسلام الصحابة على حفظه واستظهاره قائلا لهم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، فتسابقوا إلى حفظه والعمل به، فكثر القراء والحفظة، وتعددت حلقات حفظ وتعلم القرآن الكريم في البيوت والمساجد. (1/96)
صفحة 97
إن حفظ القرآن الكريم من أكبر النعم التي يحظى بها من حفظ القرآن كله أو بعضه، وهذه النعمة لا بد أن تكون مقرونة بنعمة العمل والتدبر، فحافظ القرآن والماهر به ينبغي أن يكون أسوة للناس في التمسك بأحكام القرآن الكريم، فعليه أن يتخلق بأخلاق القرآن، وأن يكون قوله وفعله متجسدا لما جاء في القرآن من أحكام وآداب، وعليه الحذر من الوقوع في النواهي التي حذر منها القرآن، فقد حمل أمانة عظيمة يجب أن يحافظ عليها، ويسعى في نشرها وتبليغها.
هذه كانت وقفات سريعة تتطرقنا فيه إلى مراحل التعامل مع القرآن، ليكون تعاملنا مع القرآن تعاملا صادقا، وليظهر أثر هذا الكتاب العزيز في أنفسنا وأوطاننا.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
الخطبة الأولى
الحمد لله خلق الإنسان من علق، والصلاة والسلام على سيد الخلق ....
بالأمس القريب وقف العالم حائرا أمام أعظم مخلوق، وأشرف موجود، فكيف خلق الإنسان، ومن أي شيء خلق، وهل خلق من دم المرأة أم من مني الإنسان أم هو خليط بينهما، وهل خلق دفعة واحدة، أم كان ذا أطوار متتالية؟
فقد ساد العالم ألفا من الزمان نظرية سقراط، والتي تخلص أن الإنسان مخلوق من دم المرأة، وقبل عهد النهضة بقليل اعتقد أطباء أوروبا أن الإنسان يخلق دفعة واحدة من مني الرجل؟
وعندما تطور العلم، وتقدمت وسائل المعرفة، أدرك العالم أن الإنسان أصله من تراب وماء، ثم تطور نتيجة تلاقح الحيوان المنوي ببويضة المرأة فكانت خلية واحدة فنمت حتى أصبحت أكثر من 100 تريليون خلية، فتنقسم إلى خلايا منوعة منها ما يشكل الجلد، وأخرى للعظام، وأخرى للدماغ، وخلايا للعين وخلايا للقلب ... فمَن الذي يخبر هذه الخلايا بعملها وبمهمتها وبهذا التطور؟ سبحانه (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا). (1/97)
صفحة 98
وبعدها تتحول الخلايا إلى علقة تعلق ببطانة الرحم لتتغذى منه، لتنمو إلى مضغة لحم وكأنّ أسنان إنسان قامت بمضغها، ثم تتخلق فتنمو العظام فيها، ثم تكسى باللحم لتظهر وكأنها خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد تغنى العالم فرحا بهذا الاكتشاف العلمي البهيج، ونسي أن الله تعالى تحدث عن هذه الأطوار كاملة قبل أربعة عشر قرنا ....
فمن الذي أخبر محمدا بأن أصل الإنسان ترابا قبل ألف وأربعمائة سنة وعلماء اليوم يؤكدون بأن جميع العناصر التي يتركب منها جسم الإنسان موجودة في التراب، وهذا ما حدثنا عنه القرآن قبل قرون عديدة، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: 20].
ومن الذي أنبأ محمدا بأن أهم عنصر في الإنسان والكائنات الحية الماء، حيث توصل العلماء المعاصرون أن نسبة الماء في تركيب المخلوقات الحية تصل لأكثر من 70 بالمائة، وهذا ما قاله القرآن قبل دهور مديدة: وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ [الأنبياء: 30] والله خلق كلَّ دابَّة من ماء [النور: 45].
ومن الذي أرشد محمدا إلى أن للمرأة نصيب في خلق الإنسان فهو خليط أمشاج بين ماء الرجل، وبويضة المرأة بينما وقف العالم حائرا حتى القرن التاسع عشر هل للمرأة نصيب في خلق الإنسان، والقرآن أخبر بذلك قبل عشرات قرون من الزمان، (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2]. (1/98)
صفحة 99
ومن أين أدرك محمد أطوار خلق الإنسان طورا من بعد طور، وهو الذي عاش في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، والعالم عما قريب كان يعتقد أن الإنسان يخلق دفعة واحدة ثم تبين خطأ استنتاجه في القرن التاسع عشر، بينما ذكر القرآن أطوار الخلق في القرن السابع الميلادي، يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
فمن أين جاء نبيّ أميّ اسمه محمد ”صلى الله عليه وسلم“ بهذه التفاصيل الدقيقة لمراحل خلق الجنين في القرن السابع؟ وكيف استطاع تحديد كل مرحلة ووصفها بأفضل تعبير يطابق الحقائق العلمية؟ بينما نجد أطباء أوربا حتى القرن السابع عشر يتخبطون في هذا العلم، ويظنون بأن داخل النطفة هناك إنسان كامل، ولم يخطر ببالهم أن يتحدثوا عن مراحل الخلق كما فعل القرآن الكريم!
أو يعقل بعد هذا أن تكون هذه الحقائق مجرد صدف كانت لمحمد، أما آن للإنسان أن يذعن لكلام الله تعالى، أو ما يدرك هذا الإنسان صدق هذا الكتاب العظيم، وصدق الله العظيم حين قال: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
فيا سبحان الله ما هذه الحقائق والشواهد إلا دلائل لعالم الغيب، فإذا أدرك العالم اليوم حقائق ما ذكره القرآن عن معجزة خلق الإنسان، وكأنه يراه عيانا ....
إذا أدرك العالم اليوم حقائق ما حكاه القرآن عن الكون الفلك، والنجوم والمجرات، والسحاب وتكون المطر ... (1/99)
صفحة 100
فما هذه إلا علامات لعالم الغيب ... وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
ألا فليدرك الإنسان كما أدرك عالم الشهادة سيدرك يقينا عالم الغيب ...
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ...
ألا إنكم ميتون، ثم بعدها تبعثون، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ...
إلا إن هذا الكون سيختل نظامه، زلازل وبراكين، فيضانات وأعاصير، سوف تبدل الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ... (1/100)
صفحة 101
ألا إنكم سوف تخرجون من قبوركم، وتقفون بين يدي ربكم، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
ألا إنكم سوف تسألون عن أعمالكم، وستحاسبون عما جرحتم في سركم وعلانيتكم، في ليلكم ونهاركم: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ...
ألا إنكم سيشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، وكل جارحة من جوارحكم، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ... (1/101)
صفحة 102
إلا أن من اتقى وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، وراقب مولاه تائبا خائفا متضرعا، ووقف عند حدوده أمرا ونهيا، فقد فاز فوزا عظيما، تتلقاه الملائكة بالسلام وحسن النجوى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
إلا إن من عصى ربه وطغى، واستكبر على آياته واستعلى، وأعرض عن ذكره واتبع الهوى، فبشراه نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
إلا إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور
ألا إن وعد الله آت، سبحانه سبحانه ... لا يخلف وعدا، ولا يبطل وعيدا، شهد الكون بربوبيته، وخلق الإنسان بعض آياته، التي تنطق بوجوده، وتسبح لجلالته وعظمته ...
الخطبة الثانية
أما بعد:
كتاب الله ناطق بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات الظاهرات، فآن لقلوبنا أن تخشع لذكره، وآن لجوارحنا أن تع لأمره ونهيه، وآن لعقولنا أن تسترشد لهديه ورحمته ... (1/102)
صفحة 103
فماذا ننتظر ... أننتظر حدوث تأويله، ووقوع آياته، أم نحن في مأمن من وعده ووعيده، أم عندنا صكوك غفران، وأماني الشياطين، أم عندنا علم من الغيب، أم أن جمعنا وقوتنا نستطيع بهما دفع عذاب الله وجبروته، أم أجسادنا لها قوة خفية تصبر على عذاب الله وسخطه: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ...
أما آن لمؤسساتنا التربوية والتوجيهية أن تسترشد به في التوجيه والتربية، وتعطيه حقه من الاهتمام والرعاية، فهو اللبن الخالص متى ما رضع منه أبناؤنا كان نموهم سليما، وفكرهم مستقيما، وهو الينبوع الذي ما تغذت منه الأجيال إلا وقد استقامت أخلاقهم، وعظم بنيانهم، وتقدمت بهم أمتهم وأوطانهم.
أولم يدرك أصحاب التربية والتوجيه حال الأجيال المعاصرة، والتي تفرزها مؤسسات التربية من ضياع في الفكر، وانحراف في القيم والسلوك، همهم البطن والفرج، وغايتهم الرقص واللعب، فماذا سيكون حال أمة أفرزت أجيالا على نظريات وفلسفات من نتائج البشر، أخلصها لهم الشيطان وأعوانه، وزينها لهم إبليس وشركاؤه، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا. (1/103)
صفحة 104
أما آن لمؤسساتنا الإعلامية والفكرية، ومجامعنا الاقتصادية والتنموية أن تراعي حدوده، وتعظم آياته، وتقف مع أمره ونهيه، أما كان لهم ما يحدث في العالم من جراء انهيار الاقتصاد الربوي معتبر، أولم تشرد أسر بسببه، أولم ينتحر أناس من جرائه، أولم تنتهك أعراض كأثر من آثاره، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ...
أما آن أن تطبق حدوده، ويحكم شرعه، فما الانتحار الذي يسود العالم، والجرائم التي باتت قنابل تهدد أمن المجتمعات إلا بسبب هجر أحكام الله العادلة، وسننه الحكيمة، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ...
فما من فلاح وسعادة، وما من أمن واطمئنان، وما من تقدم ومدنية، وما من علم وعمل، إذا لم يكن القرآن دليله، وأحكام الله سوره وسياجه، فما هو إلا سراب سرعان ما يتلاشى، ويكون دمارا على الإنسانية ... (1/104)
صفحة 105
فيا ويحنا وخسارتنا إن جئنا يوم القيامة وجوهنا مظلمة كالحة، فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المتقون في طريق الجنات سائرون، يحفهم نور القرآن من بين أيدهم ومن خلفهم، فنحاول الالتحاق بهم فتأتي الملائكة وتطردنا بالأغلال والسلاسل، فننادي: رسول الله رسول الله أمتك أمتك، فينادي عليه السلام: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا
وبعدها يأتي النداء الرباني: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ فنجيب: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ...
القسم الثالث
الخطب الاجتماعية
الإحسان وأثره في المجتمع
الخطبة الأولى
الحمد لله المتنزه عن الشريك والخلان، الذي لا يحده زمان ولا مكان، والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وصحبه من الصحابة وأهل الإحسان.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك).
الإحسان يا عباد الرحمان طريق للفوز بالجنان، بل هو طريق لبناء الأمة والمجتمعات.
إن النفس تحفها دواعي الشر والانحراف، فهي سرعان ما تنقاد للهوى وأوامر الشيطان، سهلة الوقوع في الانحراف ومخالفة أوامر الديان، من هنا يأتي الإحسان؛ ليكون عاصما للنفس البشرية عن الزلل وعصيان الرحمان. (1/105)
صفحة 106
جبريل عليه الصلاة والسلام لماذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان أولا؟، ولماذا سأله عن الإسلام ثانيا؟، ولماذا جاء سؤال الإحسان في المرتبة الثالثة؟!!!
أو ما يكفي إيمان بلا إسلام؟!!، أوما يكفي إسلام بلا إحسان؟!!!
الإحسان أيها المسلمون شرط لصحة الإيمان والإسلام ....
ما الفائدة من رجل يدعي الإسلام ولكنه لا يبالي بحرمات الإسلام؟!!!
ما الفائدة من رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإذا ما اقترب من حدود الله انتهكها؟!!!
وما الفائدة من رجل محافظ على الصلاة، مؤد للزكاة، وفي الوقت نفسه محارب لله بالربا، وشرب الدخان والزنا؟!!!!
ما الفائدة من رجل إذا ما اقترب رمضان صام وأدى ما عليه من الإلزام، وإذا ما فارقه أصبح حربا على ربه والإسلام؟!!!!!
يا عبدا لله:
الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ....
الإحسان أن تعبد الله في نفسك وبيتك، وتعبده في مسجدك وسوقك، وتعبده في مجتمعك وأمتك.
الإحسان – يا عبد الله – أن تراقب الله ليس في المسجد فقط!! ولا في شهر رمضان ويوم الجمعة فحسب، بل الإحسان أن تراقب الله في كل وقت وزمان، وفي كل حين ومكان.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
الوقفة الأولى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ....
أيها الأخيار:
إن تنشئة النفس المؤمنة على البر والتقوى، والعفة والأمانة، والخوف والمراقبة، هي وحدها العملية الممكنة لحل معضلة الشر والانحراف في المجتمع المسلم.
من هنا لا بد للمسلم أن يكون محسنا مع نفسه، محسنا مع والديه وأرحامه، محسنا مع جيرانه وأبناء وطنه ومجتمعه، محسنا في بيته وسوقه، محسنا مع أمته ووطنه. (1/106)
صفحة 107
إيه والله لا بد أن يكون المسلم محسنا مع نفسه يربيها على خير الخصال، ويبعدها عن سيء الأعمال والأقوال، ويعلمها العلوم النافعة، و يغرس فيها الآداب الفاضلة، وعليه أن يحاسب نفسه عما قدمت في ماضي الأيام، وماذا عن استعدادها ليوم الحساب.
لا بد أن يكون المسلم محسنا مع والديه بالبر والإحسان، والرعاية والسؤال، محسنا مع أرحامه وجيرانه وأبناء وطنه بالتواضع وحسن الخلق، بالمساعدة ولين الجانب، بالسؤال عن المحتاج والفقير وإعانته، ومناصرة المظلوم وتفريج همه.
وكذلك لا بد أن يكون المسلم محسنا في بيته بالتوجيه والرعاية، وحسن التقويم والتنشئة، وإعطاء الزوجة حقوقها، وإرشادها إلى الخير والصلاح.
ولا بد للمسلم أن يكون محسنا مع أمته بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى، وإرشاد الناس إلى الخير والصلاح.
فكن أخي المسلم محسنا مع نفسك وأمتك، محسنا في بيتك ومجتمعك، راقب مولاك في كل لحظة وزمان، وفي كل حين ومكان.
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا)
الوقفة الثانية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ...
أحفاد القرآن:
يا لها من حياة مستقرة، وبيئة آمنة إذا انتشر الإحسان بين أتباعها، وعم بين أفرادها.
إن الإحسان طريق لاستقرار الحياة وأمنها، ومنهج لتقدمها وانتعاشها.
فالكل في المجتمع يعمل من أجل إرضاء ربه، وأداء الأمانة التي وكل بها، وحمل إياها.
فيا أيها الحاضرون:
كلمات أوجهها إليكم من عبد مقصر، واقف بين جنابكم.
نصيحتي لكم أخوة الإيمان:
أحسنوا علاقتكم مع الله، تتقدم أمتكم وأوطانكم، إياك أخي في الله أن تتقاعس عن العمل الجاد في بناء أمتك ووطنك، وإياك تعمل العمل من أجل رضا فلان وعلان، وإياك أن تخل بالأمانة التي وكلت إياها، وأمرت بحملها.
الإحسان الحق – أيها المسلمون – يربي في العامل والصانع والموجه والمربي الإخلاص والجدية في العمل، والبعد عن الغش والنفاق والكذب والخداع. (1/107)
صفحة 108
فلنعمل جميعا مدراء وموظفين طلابا ومعلمين رؤساء ومرؤوسين فلنعمل على رقي مجتمعاتنا وتقدمها، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة.
ولنجعل من أنفسنا صورة مؤمنة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالشعارات البراقة، ولا بالكلمات الخادعة، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام.
إن أي أمة من الأمم، وأي مجتمع من المجتمعات تدعي التقدم والمدنية، وهي تعاني ما تعانيه من التخلف والرجعية، حظها من التقدم الاسم، ونصيبها منه الرسم.
إن الإحسان يعلمنا – معاشر المسلمين - أن الأمة المتقدمة هي المتقدمة ظاهرا وباطنا، حقيقة واسما، يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدلة، وفي عقول أبنائها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها، وفي معاهدها ومصانعها.
إن أمتنا أمة متكاملة، وتكاملها لا يحصل بالتشدق والكلام الفضفاض، بل بالعمل الجاد، والاجتهاد المتواصل.
فأحسنوا علاقتكم مع ربكم، تتقدم أوطانكم، وترقى أمتكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
الوقفة الأخيرة: وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ...
أتباع محمد صلى الله عليه وسلم:
من رحمة الله علينا أن من علينا بنبوة خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، أرسله الله ليخرج الإنسانية من الجاهلية العمياء إلى الشريعة الغراء.
ومن فضل الله علينا أن من علينا بالقرآن الكريم، ليكون منهجا لنا ودستورا، ونورا يشع علينا وتبيانا.
لقد أدى محمد عليه من الله أفضل صلاة وسلام الرسالة، وأداها بكل فخر وأمانة، وتحمل من أجلها المشاق، وجاهد في سبيل تبليغها رغم خشونة الطريق وقسوة الصعاب. (1/108)
صفحة 109
وسخر الله في ذلك رجال مخلصون ضحوا بأنفسهم وأهليهم أرضاء لرب السماوات، وقربة لخالق البريات، وها هي الرسالة الغراء وصلت إلينا ناصعة بيضاء، كاملة لا نقص فيها ولا خواء.
فمن الإحسان – أيها المسلمون – أن نلتزم بشريعة محمد، ونعظ عليها بالنواجذ.
من الإحسان أن لا نقبل أفكارا خارجية مناهضة لشريعة محمد عليه السلام، ولا نقبل توجهات شرقية ولا غربية مخالفة لمبادئ القرآن.
إذ كيف نقبلها وعندنا شريعة رب السماء والأرض، فأحسنوا علاقتكم مع شريعة ربكم، وطبقوها في أنفسكم ومجتمعاتكم، وفي ذالكم فوزكم ونجاحكم.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
أبناء الإسلام:
لقد قامت الدولة مشكورة بتوفير متطلبات الوطن ومستلزماته التحتية من مدارس ومستشفيات، ومعاهد وجامعات، فمن الإحسان أن نحافظ عل منجزات الوطن، والبعد عن العبث فيها والإخلال بها، وعلينا أن نواصل مسيرة البناء وذلك بالإخلاص في العمل، وأداء الأمانة على أكمل وجه ممكن، وأن نجعل من أنفسنا محسنين لأمتنا، متمسكين بعادات الوطن وأخلاقه الإسلامية، مبتعدين عن التشبه بالعادات الغربية المذمومة.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
طلاب العلم والمدارس:
أيام قليلة وتنهون عاما دراسيا مضى، وها أنتم في هذه الأيام على خطى امتحانات نهاية العام الدراسي.
فمن الإحسان – أيها الطلاب – أن تجتهدوا وتجدوا، وتثابروا لتحصلوا على المراكز المتقدمة والشهادات المتفوقة، وترضو بذلك آبائكم ومعلميكم وأمتكم.
عام مضى، وسنة كاملة ذهبت، حاسبوا أنفسكم عن مدى استفادتكم من العام الدراسي الماضي ... ومدى إنتاجكم فيه.
إن الأيام تمر، والسنون تمضي فعليكم باستغلالها حتى تكون في نصيبكم، وتكتب في رصيدكم.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
اللهم صلي على محمد وآل محمد ....
البطالة وأثرها في المجتمع
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم (1/109)
صفحة 110
"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ".
الحمد لله الذي شرع لنا الإسلام، وجعله نورا للأنام، والصلاة والسلام على محمد وآله الكرام، وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم القيام للملك العلام.
إخوة الإيمان:
من رحمة الله ببني الإنسان أن منّ عليهم بشريعة الإسلام، وسخّر لها أنبياء ودعاة ينشرون تعاليم رب الأنام، لتحيى الأرض بعد موتها، وبها يذهب غيم الظلام، ويشرق في الكون فجر العدالة والحرية والمساواة في كافة المجالات.
فبين جلّ جلاله ما يصلح الإنسانيّة وما يضرها، ونظّم جوانب الحياة فيها، وجعل لها حدودا نقف معها؛ حتى لا يظلم فقير، ولا يتكبر قوي، وحتى لا ترتفع رايات الدم والعصبية الجنسيّة، بل ترتفع رايات التقوى والأخوة الإنسانيّة، وحتى لا ينتشر الفساد والانحراف في أرجاء المعمورة.
فيا لها من شريعة ...
ويا لها من عَظَمَة ...
يوم كانت الأمّة متمسكة بهذه الأسس العظيمة، حققت لها المدينّة الفاضلة، التي طالما تمناها المفكرون والفلاسفة، واعترف بفضل الإسلام الكافر قبل المؤمن، والعدو قبل الصديق.
ثمّ تقدمت الحياة، وابتعد النّاس عن شريعة الإله، وانخدع المسلمون بدعوات مضللة، ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب.
تركوا شريعة رب السماء، واعتصموا بأفكار شرقيّة وغربيّة، ظنا منهم أنّ الخلاص من الذلِّ لا يكون إلا بها، والانتصار لا يتحقق إلا باتباعها، فانتشرت الأحزاب والجماعات، وتعددت الأفكار والاتجاهات.
ولطالما رأينا من ينادي بأفكار دعا إليها فلاسفة الغرب ومفكروه، مع مخالفتها للشريعة، ومباينتها لأحكام القرآن. (1/110)
صفحة 111
فدعوا إلى الحرية الجنسيّة، ونادوا بتعطيل الحدود الإسلاميّة، بل منهم من جاهر علنا بحرب الشريعة الإسلاميّة، واعتبرها شريعة جامدة لا تصلح إلا لأهل البادية، وافتخر بتقدم الغرب وانفتاحهم، لا قيود أخلاقية تحدهم، ولا روابط اجتماعية تربط بينهم.
عباد الله:
إنّ من أكبر ما يهدد المجتمعات اليوم البطالة، هذا الداء الذي يهدد أمن الإنسانيّة، هذا المرض الذي يفتك بأوقات الشباب، وينشر الفساد والانحراف.
فكم من شاب هتك عرضه بسبب البطالة؟؟؟
وكم من شاب أصبح يعيش في جلسات الدخان والشيشة بسبب البطالة؟؟؟
وكم من شاب أصيب بأمراض نفسيّة بسبب البطالة؟؟؟
إنّ مشكلة البطالة - أيها المسلمون - لا يعود ضررها على الفرد فحسب؛ بل يعمُّ الأسرة والمجتمع، ويهدد الأمّة والإنسانيّة بأسرها.
فبالبطالة انتشرت الجرائم الأخلاقيّة، وبالبطالة انتشرت السرقات في المجتمعات، وانتشرت الجلسات المنحرفة، التي تهدد الشباب والناشئة، ناهيكم عن إزعاج الناس بالأصوات الصاخبة، مع عموم الجهل وتضييع الأوقات فيما لا فائدة منه، وأصبح العديد من الشباب يظهرون إسقاطات عجيبة؛ ليثبتوا وجودهم في هذه الحياة القصيرة، كتقليد المنحرفين من الفنانين والماجنين، وظهورهم على هيئات بعيدة عن عادات المجتمع وتقاليده الإسلاميّة.
أيها الأخيار:
إننا جميعا مطالبون بالقضاء على البطالة، وذلك بحث الشباب على العمل والاجتهاد في طلب الرزق، واستغلال الأوقات في كلِّ نافع ومفيد، وعلينا جميعا أن ننقذ شبابنا وأبناءنا من الجلسات المنحرفة، ونبين لهم الطرق السويّة، وإلا سنقع فيما وقعت فيه الدول الأخرى التي يزيد فيها عدد البطالة يوما بعد يوم.
فالفيروس ينتشر في البيئة الخصبة المؤهلة لنموه فيها، وهذا نبيكم - عليه الصلاة والسّلام - حث على كسب الرزق ولو بجمع الحطب، فهذا خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. (1/111)
صفحة 112
وهذا عمر بن الخطاب يهمُّ بضرب المتخاذلين عن العمل، ولو ادعوا المكوث في المساجد والاعتكاف فيها، فما بالكم بالذي يقضي نهاره في لعب ولهو! وليله في سهر وعبث.
كذلك علينا أن نساعد هؤلاء الشباب بإعطائهم من الصدفات ليتقووا بها، ونتكافل جميعا من خلال محطة المسجد في إعانتهم على الزواج لإعفاف أنفسهم، وكذلك علينا أن نحذِّر أبناءنا من صحبة الأشرار، وتقليد الفجار، ونغرس فيهم الهوية الإسلاميّة، ونعظِّم في قلوبهم الشخصية الإسلاميّة.
وأنتم أيها الشباب:
اجتهدوا يرعاكم الله في استغلال أوقاتكم الاستغلال الحسن، ولا تيأس - أخي الشاب- يا من حصلت على نسبة متدنية في الثانوية العامّة، ويا من لم تحصل على عمل في القطاع الحكومي، لا تيأس من روح الله، وعليك بالاجتهاد والسعي في طلب العمل، ومن الله التوفيق وبلوغ الغاية المرجوة.
فكم شاهدنا شابا يانعا لم ييأس من روح الله، فطلب الرزق، وبدأ بالقليل؛ حتى أصبح دخله أكبر من دخل من يشتغل في القطاع الحكومي، فاجتهد وعمل وتزوج، وبنى بيتا، وعاش هادئ البال، مطمئن الحال، وتعدى خيره غيره.
فيا أيها الشباب، إياكم والتقاعس عن طلب العمل، واجتهدوا في طلب الرزق، وفقكم الله، ويسر أمركم، وسهل عسركم، واستغفروا ربكم إنّه كان غفارا .......
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
" قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذبين"
فمن نعم الله علينا أن نعيش تحت ظلال الإسلام، ونستمد تصوراتنا نحو الحياة منه.
إنّ الإسلام يطلب من المسلم أن ينظر في الأحداث التي تحصل في العالم، ويتأمل فيها، لا يريد الإسلام منّا أن نكون حفظة تاريخ وأخبار، ولا يريد منّا أن نطلع على ما عند غيرنا، ثمّ ننجرف لتقليدهم، وأخذ تصوراتهم. (1/112)
صفحة 113
ولكن يريد منّا أن نكون أمّة قائدة، أمّة تثبت وجودها بين الأمم، أمّة تصدِّر أخلاقها وعاداتها وتصوراتها لغيرها من الأمم، وعلينا جميعا أن نخدم دين الإسلام بكل ما نستطيع، الكل يسعى بنفسه وماله، نخدم الإسلام بتقوية أنفسنا على طاعة الله، نخدم الإسلام بتربية أولادنا التربية الصالحة، نخدم الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنكن يدا واحدة، ولنعتصم بشريعة الله الخالدة.
أيها المسلمون:
لقد سمعتم وشاهدتم ما حصل في هذه الأيام في دولة من دول شرق آسيا، حيث تضررت من إعصار نرجس، فقتل ما يقارب مائة ألف، وشرد الآلاف، إنّ هذا الإعصار ليذكرنا ما كان في بلادنا بالأمس، والإنسانية أمة واحدة، يتأثر الناس بعضهم ببعض، ويتعظون بآيات الله التي تذكر الإنسان بجبروت الواحد القهار.
فمن رحمة الله على العباد، عندما يبتعدون عن ربهم، ويتبعون شهواتهم، أن يرسل عليهم من الأحداث الكونية، والظواهر الطبيعية، ما ترشد الضال، وتهدي الحيران، وتوقظ النائم، وتنبه الغافل، أما أقر العبد الضعيف في هذه الأزمات بوجود الله – تعالى -، أما أدرك عظمة الله جلّ شأنه، أما أيقن بجبروت الله جلّ جلاله، فأين المهرب غدا من عذابه؟ وأين الملجأ من سخطه وغضبه؟ أما آن للعاصي أن يتوب! أما آن للشارد أن يرجع! أبعد هذا نتكبر، أبعد هذه الموعظة نعصي ونفسد، قل لي بربك: ماذا نريد بعد هذا؟ إن لم توعظنا هذه الحوادث فأحسن الله عزاءنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإنّ منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عمّا تعملون". (1/113)
صفحة 114
أو ما يخشى أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا، أو ما يخاف أولئك الذين ينشرون الفاحشة في المجتمع، أو ما يخافون عذاب الله، أو ما يتقون سخطه، أو ما يعلمون أنّ ربهم بالمرصاد، وإنّ الله يمهل ولا يهمل، فالأوبة الأوبة، والرجعة الرجعة، والتوبة التوبة.
فلك الشكر ربي، أيقظتنا من سباتنا، وذكرتنا بعظمتك بعد ما غفلنا عن ذكرك، وابتعدنا عن بابك.
إلهنا راجعون تائبون، فاقبل توبتنا، واجبر كسرنا، وتوفنا وأنت راض عنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم كما أريتننا عجائب قدرتك فأرنا عجائب رحمتك ....
اللهم يسر أمر المنكوبين، وارفع الضرر عن المتضررين ....
اللهم يسر أمرهم، وسهل عسرهم، واجبر كسرهم ...
اللهم أخرجهم من هذه المحنة خاضعين طائعين لأمرك، آمرين بالمعروف، وناهين عن المنكر ...
ربنا لا تؤاخذا بما فعل السفهاء منّا ...
ربنا احفظ أوطاننا وأوطان المسلمين من كل سوء
التبغ غير المدخن آثار وحلول
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمنكرات، والصلاة والسلام الذي شرفنا بخير الرسالات، وأفضل التوجيهات، بها نسمو إلى رب السماوات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والبركات، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول الله تعالى واصفا نبيه صلى الله عليه وسلم: " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"، ويقول أيضا: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ".
هذا ومن سنن الله عزوجل أن البقاء يكون للأصحاء والأقوياء، فهم الذين يستخلفهم الله في الأرض فيعمرونها، ويصلون إلى خباياها وأسرارها، ويكشفون عن خيراتها وكنوزها، وما توجت أمة بتاج الشرف، ولا ارتقت ذروة المجد، إلا بقوة أبنائها، وصحة أبدانهم، وإن ذلك وسيلة لسلامة عقولهم، ونضج تفكيرهم، ومضاء عزيمتهم، وسداد أعمالهم. (1/114)
صفحة 115
ولهذا أمرت الشريعة بحفظ العقل، واعتبرت المساس به جرم لا بد أن يدفع، فحرمت شرب الخمر والدخان؛ لضرره الكبير على العقل والجسم، ونادت الشريعة بالمحافظة على الجسم البشري؛ لأن قوام الأمم والأوطان قائم بأجساد وعقول أبنائه، فإذا اختل هذا الجانب كان هلاك الأمم والمجتمعات، لذلك حرمت الشريعة الزنا والشذوذ الجنسي، وما شابه ذلك.
من هنا أدرك فلاسفة العالم ومفكروه، والعديد منهم ليسوا من أهل الإسلام، أدرك هؤلاء أن الشريعة الإسلامية هي الشريعة الوحيدة التي بها يحفظ الإنسان دينه وعقله، فضلا عن جسده وماله، إذا ما طبقت هذه الشريعة عمليا في المجتمع، ووظفت إعلاميا وتربويا، فكريا واجتماعيا، فالحمد لله الذي شرع لنا الإسلام دينا، والشكر لله أولا وآخرا.
أخوة الإيمان:
قبل سنوات ما كنا نعرف شيئا يقال له المضغة ولا الأفضل، وما كنا نرى اللون الأحمرعلى الجدران، وما كنا نتأذى بالرائحة الكريهة التي تنبعث من فيه أبنائنا وبناتنا الطلاب.
ما كنا نتصور أن تظهر في بلادنا هذه الظاهرة السيئة، واليوم قد بدأت تنتشر بقوة، وللأسف أين؟ في معاقل التربية والتوجيه، في المدارس!!! وبين من؟ بين فلذات أكبادنا وجيل المستقبل!!!! بل اصبحت تنتشر ليس بين الكبار فحسب بل حتى بين أبناء المرحلة الابتدائية، ولم يقتصر انتشارها بين الطلاب فهي منتشرة بقوة بين الطالبات والله المستعان.
فيا ترى ما هذه الظاهرة؟
وما أسباب انتشارها؟
وما الآثار المترتبة على انتشارها؟
وما رأي الشرع فيها؟
وكيف نعالجها؟
هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى.
ما المقصود بالتبغ غير المدخن؟!!!
يقصد بالتبغ غير المدخن التبغ الذي يوضع بصورة تخالف صورة التبغ الذي يظهر منه دخان، كالسيجارة والشيشة، وهذا يتمثل في ثلاثة أنواع:
1. التبغ: ويسمى عندنا بالأفضل أو الشيشة.
2. السوباري: وهي منتشرة عندنا وبصورة كبيرة.
3. القات. (1/115)
صفحة 116
وقد أكد الطب على على ضرر التبغ غير المدخن وخطورته، فله القدرة الكبيرة في إحداث الإدمان، حيث أن مضغة واحدة ولمدة ثلاثين دقيقة تعادل أربع سيجارات، ويحتوي هذا النوع من التبغ على أكثر من ثمان وعشرين مادة مسببة للسرطان، مثل سرطان الفم والبلعوم والحنجرة والمثانة، ناهيكم عن تسوس الأسنان، وتلوث البيئة.
وللأسف بعد هذا كله تنتشر هذه الظاهرة بين أبنائنا الطلاب والطالبات، وهذا عائد إلى عدة أسباب منها:
1. سهولة إخفاء هذا اللون من التعاطي عن الآباء والمراقبين، وإنما تكتشف في دورات المياة والجدران، عندما يخرجها المتعاطي من فيه بعد عملية التخزين.
2. ومن أسبابها الثمن الزهيد، فهي تباع في المدارس من قبل بعض الطلاب، أو في المحلات الغذائية، وكذلك عند بعض الباعة المتجولين في الشوارع، وأحيانا كثيرة في المجمعات الكبيرة، وهي زهيدة الثمن، لا تزيد غالبا عن خمسين أو مائة بيسة.
3. ومن أكبر أسبابها الدعاية على أنها معطرة للفم، وفيها مواد تساعد على الهظم، وفيها قدرة تعين الطالب على المذاكرة، وتقوي من قدرة الفهم والحفظ لديه.
4. كذلك من أسبابها رفقاء السوء، وغياب مصدر التوجيه، وتقليد الفاسقين من الممثلين والمطربين، فضلا عن الخواء الفكري، وضعف الثقافة التربوية والأسرية عند كثير من أولياء الأمور.
جميع هذه الأسباب ساعدت على انتشار هذه الظاهرة، مما كان آثارا كبيرة منها:
1. إضعاف الدين في نفس المتعاطي، من حيث كون هذا الداء معصية يجب التوبة منها، ولربما قادت إلى معاصي أخرى.
2. ومن آثاره قتل النفس وإيذاؤها، وقريبا قال لي أحد الدكاترة من إحدى المصحات إن طالبا في إحدى مدارس هذه المحافظة فارق الحياة،؛ لأنه تناول كمية كبيرة من الأفضل تقليدا لبعض الكبار، مما سبب له جلطة أودت بحياته.
3. ومن آثاره أيضا تشويه الفم وانسداده، بجانب تسوس الأسنان وتشوهها، بجانب تلويث البيئة وإضعاف العقل، وبالتالي تعطيل دوره في الحياة. (1/116)
صفحة 117
4. ومن آثاره إضاعة المال والإسراف فيه، وإضاعة الوقت فيما لا فائدة منه، والنتيجة إضاعة أوقات الوطن والأمة.
من هنا لا يمكن أن يقال بعد هذا أن التبغ غير المدخن مباح ويجوز استعماله، والله تعالى يقول: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار".
الخلاصة التبغ غير المدخن لا يجوز استعماله، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه والمتاجرة فيه، وفاعله آثم إذا لم يتب إلى ربه، ومن هنا يجب محاربة هذا التبغ، وفقا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفاظا على صحة بيئة المجتمع، وفي هذا حفظ صحة أجساد وعقول أبنائه.
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أيها المسلمون:
قد تبين لنا مما تقدم أن التبغ غير المدخن له ضرره الكبير، وخطره العظيم، الذي لا يقتصر على المتعاطي فحسب؛ بل يعم المجتمع ككل، من هنا يجب على جميع المجتمع محاربته، والتعاون في القضاء عليه، فالمسؤولية واحدة، والخطر يهددنا جميعا.
وهذه عدة طرق لعلاج هذه الظاهرة أضعها بين أيديكم:
1. العودة إلى الفكر القرآني، فالقرآن هو الشفاء لهذه الإنسانية، وهو المنقذ لجميع المشكلات التي تعاني منها البشرية، فلا بد من تحكميه والعودة إليه، وأن نعوّد أنفسنا وأبنائنا على تدبره والعمل به، ثم بعد ذلك يأتي حفظه وقراءته.
2. غرس المراقبة الذاتية، وتقوية الصلة بالله تعالى، والاستعداد ليوم الرحيل.
3. غرس محبة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة، واتباعه عليه السلام، لأنه هو الأسوة الذي اختاره الله لنا، فلا نرضى بديلا عنه علية الصلاة والسلام. (1/117)
صفحة 118
4. الاهتمام بالرياضة العقلية وتنميتها، فكما أن الإنسان بحاجة إلى رياضة لبدنه، كذلك هو بحاجة إلى رياضة لعقلة، فبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، ويستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
5. إيجاد نوادي رياضية وثقافية، والتكثيف من الرحلات الشبابية التي تتضمن الأنشطة المفيدة للشباب، وعدم الاقتصار في النوادي على الجانب الرياضي فحسب، بل لا بد من الاهتمام بالجانب الثقافي.
6. إيجاد دورات تربوية للأسر، للرقي في الجانب الأسري، فالجانب التربوي له دوره في علاج الكثير من القضايا، ولا بد من وجود دورات تربوية ترشد الأسر إلى صلاحها وصلاح أبنائها.
7. تفعيل القدوة في المجتمع (الأب و المعلم و الصديق)، فلا بد للأب أن يكون ذا قدوة صالحة لابنه، ولا بد من اختيار الصاحب الحسن، وعلى المعلم أن يحس سلوكه مع طلبته وأبنائه، حتى يكون قدوة صالحة لهم.
8. إيجاد عقوبات صارمة فيمن يروج التبغ غير المدخن في المجتمع، خاصة التجار، ولا يجوز التستر على من يقوم ببيع هذه القاذورات، سواء كان في المدارس من الطلاب، أو في المحلات والشوارع، وكذلك في الأسر، فلا بد من إبلاغ الجهات المعنية بذلك، حتى لا يستفحل هذا الوباء بصورة أكبر.
9. الاهتمام بالجانب النفسي للمصابين بهذا المرض، ومحاولة إخراجهم منه، فهم مرضى وبحاجة إلى علاج.
10. إيجاد دعايات مكثفة، تظهر رجالا أسوياء، وهم قد تخلصوا من هذا المرض، فللأسف أن نجد إعلانا جميلا، يظهر فيه رجل قوي يحمل سيجارة، بينما الإعلانات التي تحذر من التبغ بأنواعه، نجدها مجرد عبارات في شكل نقاط، لا تجذب الناس إليها، فالتفنن في الإعلان له دوره في علاج مثل هذه الأمور. (1/118)
صفحة 119
11. التكثيف من دور المعلم الاجتماعي والنفسي، فلا يصح أن يكون في مدرسة واحدة تحتوي على ألف طالب معلم أو اثنين من الأخصائيين الاجتماعيين، فعلى الأقل لكل مائة طالب معلم متخصص، يتابعهم وينظر في أحوالهم.
12. نشر الثقافة الصحية والدينية بين أبناء المجتمع.
هذا ومن ابتلي بهذا الداء حتى أدمن عليه اعلم أخي العزيز أنك قادر على التخلص من هذا الوباء إذا أردت، فقوي عزيمتك، وأظهر قدراتك، وإن كنت لا تستطيع الخلاص منه جملة واحدة؛ تخلص منه بالتدريج، واستعن بالعيادات النفسية والصحية، ففيها بدائل تعنييك للخروج من هذا المرض، واختر صاحبا صالحا تصاحبه، يعينك على التخلص من هذا المرض، وتجنب أماكن تعاي هذا الوباء، وعليك بالدعاء، فكن قريبا من الله، يكن الله قريبا منك.
خطبة الأم
الخطبة الأولى
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير
الحمد لله الذي كرم النساء، وجعلهن شقائق أولاد حواء، والصلاة والسلام على خير الأولياء، محمدٍ وعلى آله وصحبه الفضلاء، وعلى تابعية بإحسان إلى يوم القيام لرب الأرض والسماء.
من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة. (1/119)
صفحة 120
لذا اعتبر الله تعالى المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ كذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزء لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وإذا كانت المرأة بصفة عامة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.
فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه. (1/120)
صفحة 121
من هنا جاءت الشرائع السماوية لحفظ هذه الكينونة العظيمة، واعتبرت الإساءة إلى الأم إساءة إلى الذات العلية جلّ وعلا، فهو الذي أوجدها، وهو الذي كرّمها وعظمها، وفي الوقت نفسه أوجب توقيرها واحترامها، فالإساءة إليها ولو بأفٍ كافية لأن تحرق هذا العاق في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، وقد جاء في الحديث الشريف عنه عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة عاق، وهذا مما أجمعت عليه الشرائع السماوية، يقول الله تعالى في الوصايا العشر: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال: أكرم أباك وأمك، ومن أهان أباه أو أمه فليكن الموت عقابا له.
وقد حفظت هذه الشرائع الأجيال ردحا من الزمن، فلم تعرف الأجيال في تأريخها عقوقا إلا من قبل ثلة خسيسة من الناس، ومع هذا ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يكن الناس بحاجة إلى يوم يذكرون فيه أمهاتهم؛ بل وجودها واحترامها منقوش ما دامت العروق نابضة بالحياة، بل حتى بعد موتها فمكانتها لا تسقط أبدا.
ثمّ لما ابتعد الناس عن هذه الشرائع العظيمة، وركنوا إلى عبادة شرائع البشر القاصرة، وانشغلوا بهذه الحياة الفانية، كانت الأم ضحية من الضحايا في هذه العصرنة المادية، فأصبحت ضحية الملاجئ ودار المسنين، ضحية الهجران والعقوق، ضحية النكران لفضلها، ضحية النقصان لمكانتها وقدرها، فهي تعبت وتألمت؛ ولكن تعبها وألمها يفنى بكبر أولادها، فإذا ما شابوا لن تجد ابنا رحيما، بل ولا زوجا عطوفا، فتبقى في الحياة وحيدة كئيبة تنتظر الموت ليقضي عليها، إلا من رحم الله تعالى. (1/121)
صفحة 122
فهذه المسكينة تجدها الجهات المختصة في إحدى سواحل هذه البلاد الطيبة، وهي تتأوه جوعا وألما، لماذا؟ لأن ابنها ضحك عليها بعد هجران، فتصورته أنه حملها ليرد شيئا من جميل صنعها ... ولكن هيهات هيهات ... أخرجها ليتخلص منها ...
وتلك أم أخرى يرفع ابنها صوته في وجهها؛ لأنها طلبت شيئا بسيطا منه، ونسي ذلك الوقت التي أنفقته في تلبية طلباته الخاصة، ولو لإزالة الأذى عن جسمه، تترك راحتها لأجله، ونومها لخدمته، وبعد ما شاب يبخل أن يلبي أدنى طلباتها ...
وآخر يبخل أن يتعب نفسه ليخفف شيئا من آلام أمه، وهي ملقاة على سرير المستشفيات، وقد كانت تسهر الليالي والآيام في حال حدوث حمى بسيطة منه ...
ورابع إذا ما تكلمت أمه رفع صوته عليها، وكأنها شبح مزعج في كلامها، ونسي المسكين الساعات التي قضتها للأجابة عن أسئلته حينها لم يكن يفقه شيئا ... بل أنصتت إلى أسئلته الطفولية بكل احترام، وكأنه شيخ كبير جليل ...
وخامس يبخل أن يعطي أمه قليلا من ابتسامته الجميلة، بل إذا تكلمت عبس في وجهها، ونسي أنها حتى في مرضها الشديد، ورهقها الكبير لم تبخل أبدا أن تلاعبه وتضحك له، حتى لا تتأثر نفسيته ...
فهل جزاء بعد هذا الإحسان كفران، وهل بعد هذا الجميل نكران، أم هل بعد هذه الشيبة والكبر ظلم وهجران ...
إن الأمهات لسن بحاجة إلى هدية خادعة يعقبها عقوق طويل مظلم، فما الفائدة من هدية خادعة تضعها الأم في جسدها أو في غرفة نومها، وبعد هذا اليوم لن تجد ابنها الوحيد، والذي سيتحول إلى حيوان مفترس لا يدرك من الأمومة شيئا، بل ستزيدها هذه الهدية حسرة وكآبة؛ فبها تتذكر فلذات أكبادها، وهم قد رمو بها في بحر مغرق من الأوهام والآلام. (1/122)
صفحة 123
لذا في حقيقة الواقع الأم ليست بحاجة إلى هدية جامدة؛ بل هي بحاجة إلى قلب يدرك فضلها، ويعي جلالتها، ويرد ولو القليل من إحسانها وجميل صنعها، وهذا لا يحده شهر ولا يوم، فوفاء الأبناء وبرهم لها أعظم وأجل هدية لأمهاتهم، وما هذا العيد إلا تغليف جديد للعقوق، ووصمة عار للخديعة والمكر تجاه الأمهات الوفيات، إذا أعقبه كفران لسعيها في سائر العام.
فهذه الإحصائيات في العالم الغربي تشير إلى أنّ معدلات العقوق ترتفع عشرات المرات سنويا، فلم يصبح عيد الأم علاجا له، بل أصبح بسببه الإحسان إلى الأمهات رمزا ماديا لا علاقة له بضمير ولا رد لفضل سابق، فضلا أن يتعلق بدين وحساب أخروي.
فإكرام الأم أمانة لا يحده يوم من أيام العام، بل هو مغروس وباقي ما دام نبض الحياة يتحرك فيها، بل حتى بعد موتها بأكرامها دعاء وصدقة وإحسانا إلى أقاربها وصديقاتها، فإيه وربي لا توجد شريعة كشريعة الله تعالى كرّمت الأم، كرّمتها بنتا، فأوجبت تربيتها وتهذيبها وتعليمها، وأمرت بالمساواة بينها وبين أخوتها الذكور، وكرمتها زوجة، فأحاسن الناس أحسنهم لزوجه، وكرمتها أما، وقدمتها على الأب لما تبذله من حمل ورضاع وحضانة، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وأمرت بإكرام أقاربها وصديقاتها وجيرانها، كلّ ذلك لما لها من الفضل والإحسان، وردا لجزء ولو بسيط من معروفها الخالد.
اللهم احفظ أمهاتنا، وارزقنا البر بهن، واغفر للأموات منهن يا رب العالمين.
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية (1/123)
صفحة 124
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
إن الأم هي المحضن الأول لإعداد الأجيال، وهي المدرسة العريقة لأنتاج أمة قوية، فهي جامعة إذا أعدت إعدادا صالح كانت كفيلة بأن تختصر الطريق لعلاج العديد من المشكلات الاجتماعية والتفسية التي تعاني منها المجتمعات البشرية:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم جامعة إذا كونتها ... كونت مجدا في ربى الآفاق
من هنا أدركت أدركت الجمعيات الماسونية إن صلاح الأمهات يعني صلاح المجتمعات، فلا بد من إفساد الأم وشغلها عن محضنها الأول، وذلك بإفساد المرأة وبعدها عن الدين، بدعوى أن الدين يقيد حريتها، ويجعل الرجل سيدا لها وهي عبدة له، ولا بد أمن تتخلص من حجابها ولباسها الكئيب، ومن حقها أنم تظهر مفاتنها وجمالها للآخرين ...
وضجت هذه الجمعيات دعواتها بداية بالمجتمعات المسيحية، وهاي هي اليوم تبثها بقوة في المجتمعات المسلمة، وقد حصدت المجتمعات الغربية المسيحية سوآتها، واكتوت بناهرها، مما جعل من القسيسة العالمة المفكرة البريطانية ماري ويلدز والتي دخلت الإسلام مؤخرا، تبعث رسالة إلى عالم الشرق، حتى لا يكونوا ضحية لهذه الدعوات، وليعملوا عقولهم وإلا ستكون نهايتهم أليمة جدا، ومما قالته بالحرف الواحد: إن واقع المرأة في الغرب محزن للغاية، فقد تعطل دورها في البيت، وتحطمت أنوثتها، وأصبحت ضحية للمجتمع الغربي، فالنظام القائم يستغل عرض أجسادهن لأغراض الدعاية والإعلانات، فضلا عن دفع الآخرين للنهم الجنسي وتشجيعهم عليه. (1/124)
صفحة 125
وتقول أيضا عن دعاية الحرية الكاذبة: أظهرت هذه الدعوات الجنس إظهارا مفرطا لكسب الحرية، وهم بدعوتهم هذه لا يدعون إلى الحرية بل إلى العبودية، إذ ما يدعون إليه يخالف طبيعة المرأة متمثلا بالحرية المطلقة، واتباع الشهوات دون حسيب ولا رقيب.
ثم توجه خطابا خاصا إلى بنات الشرق، والاتي خدعن بهذه الدعوات قائلة: إن الإسلام رحمة للمرأة، إنه يعرف طبيعة المرأة التي جبلت عليه، ويعرف ما يناسبها من اللباس والحاجات، وفي ضوء ذلك أناط بها واجب البيت، وتدبير شؤون أطفالها.
إنّ مئآت الآلاف من النساء الاتي تربين في الغرب وجدن السعادة والكرامة في الإسلام، ليشهدن بأنّ الزي الإسلامي هو الزي الحق الحق الذي يناسب طبيعة المرأة، ويحقق لها ما تنشده من السعادة وراحة البال، ووجدن كذلك أن بقاءهن في البيت ليس حكما بالسجن، بل هو واجب سام ما دام يحقق تربية الأجيال.
وأخيرا توجه نداءها إلى عقلاء الشرق من الرجال قائلة لهم: ما هي الحرية المطلوبة من المرأة إذن؟ إن حرية المرأة تتحقق بمعرفة طبيعتها الحقة، والحفاظ على تلك الطبيعة، وقد أعطاها الإسلام ذلك كاملا، هنا تكمن الحرية، في الخضوع والطاعة لله رب العالمين".
فيا نساء الإسلام ويا رجال الإسلام: لا تنخدعوا بدعوات من هنا وهناك، فعندكم شريعة ناصعة أصبح العالم بحاجة إليها، قفوا عندها، واتقوا الله فيها، تصلح أحوالكم، ويستقيم معاشكم، وتتقدم أمتكم، وإلا ستكون المرأة الشرقية المسلمة ضحية من ضحايا العالم، لا قيمة لأم ولا بنت، ولا غيرة لعرض، المطلوب منها فقط الجنس والمال، وبعدها تكون ضحية الآلام النفسية، وإن كبرت فدار المسنين والعجزة ينتظرها، فلا تفرطوا يرعاكم الله في شعائر دينكم، فقد حمى أمهاتكم عقودا من الزمن، وهو كفيل بأن يحمي بناتكم وذرياتكم. (1/125)
صفحة 126
وفي الختام لا ننسى أن نقدم ثنائنا ودعائنا لأخواننا في الأقصى السليب، وهم يدافعون عن قبلة المسلمين الأولى، يقدمون أرواحهم فداء له، ونصرة لترابه الطاهر، تراب الأنبياء والصالحين، في وقت سكت العالم لما يفعله المتطرفون اليهود، فلا احترام لمسلم ولا عرض، ولا قيمة لمقدسات الإسلام في ميزانهم، فنسأل الله تعالى بحق هذا اليوم أن يمن على المناصرين بنصر قريب،
اللهم اربط على قلوبهم، وشد أزرهم، وكن معهم ناصرا ومؤيدا ...
اللهم حرر المسجد الأقصى من دنس اليهود، واجعله في أيدي عبادك الركع السجود ...
إلهنا نتوسل إليك يا الله يا ناصر يا قوي يا عزيز أن تخلص المسجد الأقصى وديار المسلمين، من الظالمين الغاشمين، اليهود والمنافقين.
ربنا لا حيلة لنا إلا بك، ولا قوة لنا إلا قوتك، فارسل إليهم سحائب نصرك، وامطر عليهم خيرات تأييدك وفضلك.
إلهنا كن لأطفالهم رحيما، ولنسائهم حافظا، ولعم ناصرا ومؤيدا ...
إلهنا الأقصى الأقصى يحن إلى رحماتك، فإن خذله الخاذلون فأنت رب العالمين، فحرره من أيدي الظالمين، برحمتك يا أرحم الرحمين.
إلهنا من لهم رب سوك، من نا صر غيرك ينصرهم، لا حيلة ولا قوة لهم إلا بك ...
نستغفرك اللهم ونتوب إليك
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين
مساجدنا والتسول
الخطبة الأولى
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
الحمد لله من على العباد بنعمة المساجد، وجعلها خالصة للرب الواحد، لا يشرك معه راكع ولا ساجد، والصلاة والسلام على معلم البشرية، ورحمة الله للإنسانية، حبيب البرية، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه والتابعين أولي الفضل والخيرية. (1/126)
صفحة 127
في هذا اللقاء السريع يسرني أن أتحف مسامعكم بقضيتين مهمتين، لطالما كانتا حديث المجالس والمنتديات، وفاكهة المواقع والقنوات، ومطرق الصحف والمجلات، أولى القضيتين اجتماعية سلوكية، وثانيها تصورية عقدية، لنبين فيهما رأي الشرع الحنيف، وفلسفة الدين القويم.
وقبل الحديث عن القضية السلوكية الأولى: أطرح عليكم هذه الأسئلة، فكونوا معها سمعا وبصرا، قلبا وقالبا ...
وهاكم الأسئلة: لماذا كان أول عمل للنبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله للمدينة بناء المسجد؟
ولماذا أضاف الله تعالى المساجد إليه وحده لا يشرك معه غيره جلّ في علاه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
ولماذا التشديد والنكير منه سبحانه من العبث بالمساجد، من إيذاء الذاكرين، والسعي في خرابها، ونشر الفوضى والفتنة فيها: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
ولم الأمر منه سبحانه بعمارتها ماديا ومعنويا، فأوجب الصلاة فيها جماعة مع المؤمنين: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
ولم الثناء العظيم منه سبحانه على الذاكرين المسبحين في بيوته، الواقفين عند حدوده، المتعظين بزواجره ونواهيه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. (1/127)
صفحة 128
أوما تدركون أخوة الإيمان، من خلال سماعكم وإنصاتكم لكلام ربكم فيما تقدّم من آيات، أنّ لبيوت الله حرمتها وجلالتها، فهي صاحبة العظمة، وأم الجلالة، كيف لا؟ وقد أضافها الله إلى نفسه شرفا وقدرا، وجلالة وإكبارا ...
من هنا كان لزاما على المسلمين أن يحافظوا على الوجه الحضاري لبيوت الله تعالى، من إخلاص العمل فيها لله سبحانه، والتعاون في عمارتها ماديا ومعنويا، وإقامة فيها ذكره، وإحيائها بالحلقات العلمية، والجلسات الفقهية، وإبراز الوحدة الجماعية بين أبناء الحيّ والمجتمع، والنظر في حوائج الجماعة الراكعة جميعا لله الواحد في بيوته.
مع الحذر الشديد والنكير العظيم من تشويه المساجد، والسعي في خرابها، وإيذاء الذاكرين فيها، فالمساجد ليس دار رهبنة لا أثر لها، كما أنها ليست ملعبا وسوقا وممرا يلهى بها ...
ومن المظاهر الغريبة، والعادات الذميمة، والتي بدأت تنشر في بيوت الله بصورة مقززة، ظاهرة التسول في بيوت الله تعالى، وتحويل المساجد إلى مرتع للكذب والدجل على الناس، وأكل مالهم بالباطل، فمع بشاعة التسول وحرمته، إلا أنه يزداد بشاعة وجرما عندما يكون في بيوت الله الآمنة، وحرمه الساكن.
فكم من هؤلاء الدجالين الكذابين –كما رأينا ورأيتم- ممن يتخذ التسول مهنة وحرفة، فتراه يتظاهر تارة بالمرض الشديد، فإذا ما خرج من المسجد على بعد أمتار خرج سليما معافى لا علة فيه ولا مرض ...
ومنهم من يزور الأوراق المرضية، عن طريق آلات المسح الضوئي، ناسبا أوراق غيره إلى نفسه كذبا وتدجيلا ...
ومنهم من يأكل أموال الناس مدعيا خدمة طلاب العلم والدعوة إلى الله تعالى في بقاع العالم ...
فضلا عن الشركات الوهمية، والتي توزع هؤلاء على أبواب الجمعات والمساجد، وتستغل أبناء الدول الفقيرة المجاورة ... (1/128)
صفحة 129
والعجب أن يكون من المتسولين فتية في قوة شبابهم وقدراتهم الذهنية والجسدية، يمدون أيديهم إلى الناس، وأبواب الرزق والحمد لله تعالى مفتوحة ... بل تجدهم في المساء يتلهون في الجلسات والأسواق والمجمعات ...
ومن ذلك استغلال أعراض المسلمات المتسولات، عن طريق الذين في قلوبهم مرض، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله المستعان ...
لذا يجب الوقوف مع هذه الظاهرة وقفة جماعية، الكل يتعاون في إيجاد الحل لها، حتى لا تتفاقم، وتصبح ظاهرة عادية لأبنائنا وبناتنا، ورجالنا ونسائنا، نستغل بيوت الله في أكل أموال الناس بالباطل، فأموال الناس معصومة، لا تؤخذ إلا بحق، ولا توضع إلا في المكان المناسب، لأنها أمانة مسؤولة، وعارية مستودعة.
وقد يستفهم بعض الأحبة قائلا: ما الحل وما العلاج؟ أما قال ربنا جلّ وعلا: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، فقد يكون السائل محتاجا حقا وصدقا؟
والجواب أخي الحبيب: أن دينك دين حضارة، وقيم ومثل عليا، وليس دين سذاجة وغباء، دين نظام وقيم، دين خلق ومثل، دين تعاون وبذل، دين دنيا وأخرى ...
والمال الذي استودعنا الله إياه أمانة لا يوضع إلا في محله، قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وقد جاء رجلان يسألان النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة، فرفع فيهما البصر وخفضه فوجدهما جلدين قويين، فقال لهما: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". (1/129)
صفحة 130
والأصل في السابق أنّ القرى البشرية صغيرة، يكشف الصادق فيها من الكاذب، أما وقد أصبح العالم قرية واحدة، واختلط الناس، وصعب معرفة المحق من المبطل، كان الإسلام مشرعا للنظام، ومؤسسا للوحدة الجماعية بين أبناء الأمة، جاعلا عنصر المساعدة عنصر دعم للعمل، لا عنصر مهنة واتكال، لذا كان من منهجه صلى الله عليه وسلم وهو يؤسس مسجده بالمدينة المنورة أن جعل للمسجد هيئة وجماعة تنظر في أحوال الناس، فتجمع الصدقات، وتوصلها إلى من يستحقها، مع عدم جعلها أداة لكسل وخمول الناس، لذا الشاب القادر غير المنهك بدين ولا مرض يعيقه عن العمل لا يعطى منها، وقد يعطى البعض كفتح باب للرزق لا للكسل، لذا منع عليه الصلاة والسلام ظاهرة التسول وهو القائل: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم".
وقد كانت الجماعة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم تشرف بنفسها على الجماعة المسلمة، فقد يأتيها سائل فتنظر في أمره، وتعلم أنّ في الجماعة المسلمة محروما تمنعه نفسه من السؤال فتبحث عنه، أما تشويه المساجد خاصة، وأماكن الناس عامة بمثل هذه الظاهرة السيئة فكان عليه السلام أشد نكيرا لها، وعلى هذا جرى أصحابه رضوان الله عليهم، فهذا ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: "إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق ألّا يعطى، وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه".
ونحن اليوم أولى أن نحقق الوجه الحضاري للإسلام الناصع، في زمن يتشدق فيه العالم بالنظام والحضارة، فلا نرضى أن نكون في ذيل القافلة، وأن نتهم بالسذاجة والبداوة، وعندنا أساس القيم الرفيعة، ومنبع أصول الحضارة، فلم يأخذ غيرنا منا اللب، ونبقى نحن في ذيل القشور المتطاير. (1/130)
صفحة 131
فحري ونحن في زمن العولمة والكوكبة أن نجد بيننا المؤسسات رسمية كانت أم أهلية في كل مسجد وحي، وفي كل ولاية ومنطقة تعنى بهذا الأمر، وتنظر في السائل والمحروم، وتضع المال في محله الصحيح، وقد بدأت بوادر الخير مثل هذه ترى ولله الحمد أولا وأخرى، أما أن تشوه المساجد بالمتسولين، وأن يكثر فيه الكذابون، فهذا من خراب بيوت الله تعالى، وهذا لا يرضاه الله ورسوله ولا المؤمنون، فدينا دين حضارة وقيم، دين الله الخالد، ومنهجه الناصع، لا نرضى أن يشوه ويتلاعب به.
هذا والمسلم الحق عفيف مستغن، لا يتطلع إلى المسألة، إذا ألمّ به ضيق تذرع بالصبر، وضاعف من الجهد، وحرص ألّا يقف موقف المستعطي المستجدي المستدرّ أكفّ المحسنين، لأنّ هذا الدين يربأ بالمسلم أن يضع نفسه في هذا الموقف، ويهيب به أن يستعفّ ويستغني ويصبر، وسيعينه الله، ويهبه الغنى والصبر والعفاف، "من يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبّر يصبّره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرا وأوسع من الصبر.
وليحذر الذين يأكلون أموال الناس باسم الحاجة ولغير ضرورة، وليحذر من يستغل حاجة هؤلاء وخاصة ضحايا الحروب من النساء والضعاف والأطفال أن العمر القصير، والحساب قريب، والقليل من أموال الناس يورث النار، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية (1/131)
صفحة 132
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ
عباد الرحمان: إنّ ما يحدث في العالم اليوم من أحداث عظام، ومشاهد كبار، إنما هو آية من آية من آيات الله الكبرى، ومشهد من مشاهد القيامة العظمى ...
أوما سمعتم ما جرى بإخوانكم في هاييتي من زلزال مرعب، والذي كان ضحيته عشرات الآلاف، دقائق وثوان غيرت الأرض غير الأرض، وخضعوا جميعا لإرادة الواحد القهار ...
كل هذا علامة من علامات يوم القيامة، فقد جعل الله الأرض مهيأة لهذا المشهد العظيم، فهذه الشهب والنيازك ما بينها والأرض إلا قيد شعرة، ولو أراد الله تعالى لها الانحراف لثانية لحوّلت الأرض إلى ركام من النار والماء ...
فضلا عن طبقات الماجما والتي تبلغ حرارتها آلاف الدرجات، والتي هي قريبة من أرجلنا جدا، والتي بدأت تخرج بصورة كبيرة عن طريق البراكين، فضلا عن التصدع الكبير الذي بدأ يصيب الأرض بصورة ملحوظة في السنوات الأخرى، مما كان نتيجتها الزلازل والأعاصير والفيضانات وغيرها، وصدق الله حينما: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (1/132)
صفحة 133
فما يحدث اليوم في عالم الأرض والفضاء إلا مشهد مصغر للقيامة الكبرى، ولكن من رحمته تعالى أن أخفى حدوثها ليرى استعداد الناس لها، ومدى اجتهادهم للوقوف بين يدي الله تعالى، وما يشاع اليوم من بعض المهتمين بعلم النبوءات، وعلى استقرائهم ما جاءت به الكتب السماوية، وما قاله علماء الجيولوجيا والأرض، فزعموا أن القيامة ستكون في عام كذا، فهذا باطل عقلا وشرعا، فالقيامة من علم الله تعالى وحده، لا يعلم موعدها ملك مقرب، ولا نبي مرسل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
نعم ما يحدث الآن في الكون أجمع، وهي مطابقة ما جاءت به كتب السماء، إنما هو دليل على صدق أنبياء الله تعالى فيما يبلغونه، لأنه من علم الله تعالى وحده، وهو من علامات الساعة، ومن أشراطها المؤذنة بقربها، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ
فليتق الله تعالى الإنسان، وليتعظ بما يراه في عالم الفضاء والإنسان والحيوان، وكل شيء يدل عليه سبحانه، والكون في قبضته جلّ جلاله، والإنسان مرهون بطاعته لله، فإن استجاب وأجاب فبها، وإلا فلينتظر يوما عظيما، ومشهد جليلا، ظهرت علاماته، وبانت مظاهره، فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
الحسد
الخطبة الأولى (1/133)
صفحة 134
قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِن شَرّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
الحمد لله على نعمة الإيمان، وسلامة الصدور من الحقد والحسد والأضغان، والصلاة والسلام على أفضل بني عدنان، محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضل والإحسان.
أخوة الإيمان:
أقف معكم اليوم مع داء عضال، وسرطان قاتل، لطالما فرّق بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والحبيب مع حبيبه.
فكم من قطيعة كانت بسببه ...
وكم من مشاكل أسرية واجتماعية نتجت عنه ...
داء لطالما حوّل الألفة والمحبة بين الجيران إلى بغضاء وشقاق ...
وبين الأصدقاء والأحبة إلى حقد ونفاق ...
وبين الأقارب والأرحام إلى قطيعة وعقوق ...
أو تعرفون هذا المرض؟!!!
أو تدركون هذا السرطان القاتل للمجتمعات؟!!!
إنه الحسد .........
نعم ... الحسد الذي كان بسببه أول كفر بالله ... وأول معصية لله ... وأول قتل في تأريخ الإنسانية ... وأول قطع للأرحام على وجه البرية ...
فما الذي جعل إبليس يرفض السجود لآدم ......... ؟
وما الذي شدّ أزره ... وقوّى عزيمته ... لإخراج آدم من الجنة ليشقى .... ؟
وما الذي هيّج قابيل لقتل أخيه هابيل .... قاطعا بذلك رحمه ...
إنه الحسد ... الذي حذّرت منه رسالات السماء .... وتعاليم الأنبياء ...
يا طالب العيش في أمن وفي دعة
رغدا بلا قتر صفوا بلا كدر
خلص فؤادك من غل ومن حسد
فالغل في القلب مثل الغل في العنق
ولم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
فمن الذي يهب الأولاد والبنين؟
ومن الذي يبارك في المال والثمار؟
ومن الذي يوفق في النكاح والزواج؟
ومن الذي ييسر للناس أمر المعيشة والرزق؟
أوليس الله سبحانه وتعالى .... !!!!!! (1/134)
صفحة 135
فلم إذا الحسد إذا يا عباد الله؟!!!
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
يقول حبيبكم صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد ....
فمن عجب العجاب أن يمتلئ جوف امرئ حسدا على جارٍ له من الله عليه برزق أو خير، فيمتلئ قلبه غيظا وحسدا على تلك النعمة، متمنيا زوالها، وقد يسعى في خرابها، أو لم يعلم أن الرازق هو الله سبحانه وتعالى وحده.
ومن أغرب الصور والأمثال أن يزداد قلب امرئ غيظا وحسدا على توفيق من الله به على صديق أو قريب له في زواج أو عمل، راجيا أن لا يتم هذا الزواج ولا العمل، ناسيا أن الموفق هو الله سبحانه وتعالى وحده.
ومن أبشع ما يسمع ويرى أن يلبس أمرئ لباس الحسد لرجل وفق ابنه في طلب العلم، أو سفر للدراسة، وفي قرارة نفسه يتمنى أن يبدل النجاح بالفشل الذريع، ناسيا أن المعين في توفيقه هو الله تعالى وحده.
ومن أقبح الحسد وأهزله أن يعم بين طلبة العلم، ورواد الفكر، بل بين الشركاء في المتجر والمعمل، والأصدقاء في المكتب ومكان العمل.
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرَكَ قاتلُه
فالنار تأكُلُ بعضها ... إن لم تجد ما تأكُلُه
فما الفائدة من الحسد؟
وما النتيجة التي تجنى منه؟
وما الثمرة التي تقطف بسببه؟
أوليست النتيجة عدم الرضاء بقدر الله تعالى، فيعيش مهموم القلب، مغموم الصدر ....
وهذا قلب الحاسد قد امتلأ حقدا لأخيه الإنسان، وهذا الحقد قد يستغرق العمر كله من الحاسد، في محاولة إزالة النعمة بالحيل، والسعاية، والتنازع لأتفه الأمور ... ، وقد لا يمد له يمينه سنينا عديدة .... (1/135)
صفحة 136
أيهجر مسلم فينا أخاه** سنيناً لا يمد له يمينه
أيهجره لأجل حطام دنيا ** أيهجره على نتف لعينة
وقد يصاب الحاسد بالكبر والعجب والغرور، مما يجعله يزدري الآخرين ويحتقرهم، ويتمنى زوال الخير عنهم، مع علمه بفضلهم ومكانتهم ...
فما الذي جعل اليهود يعادون النبي صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بأمانته وصدقه، وتيقنهم بأن ما جاء به هو الحق من عند الله تعالى ... وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فضلا على أنه يتصيد أتفه الأسباب لتشويه صورة المحسود، فإذا ما وقع خطأ منه ولو صغير، أكبره في عيون الناس، وأشاعه بلا خجل ولا ستر، ويغلفه بستار الكذب والنفاق ...
فما الذي جعل من المنافقين يشيعون الفاحشة في زوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة الصديقة ابنة الصديق، فلفقوا التهم حولها، ونسبوا الفجور إليها، إلا الحسد الكامن في نفوسهم ضد شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ... لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (1/136)
صفحة 137
ومن أسبابه المهينة حب الرياسة والشهرة، وأن يكون محل الأنظار، وحديث المجالس والنوادي، فإن نال أحد مثل شهرته أو جاهه ساءه ذلك فحسده ووقع فيه، كما يحدث بين الزملاء في المهنة الواحدة أو الوظائف المتماثلة، وكما نراه بين طلبة العلم والكتاب، وبين التجار والأغنياء، فالتاجر يحسد التاجر، والطبيب يحسد الطبيب، والتلميذ يحسد التلميذ وهكذا دواليك. قال تعالى: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً.
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ما أجمل المجتمع تسوده المحبة بين أفراده، وتعمه السكينة والطمأنينة في مسجده وشارعه ومتجره، جوار متآخي بقلوب رحيمة، وخلان متماسكون بعلاقات صادقة حميمة، مصالح الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، هجروا الأنا والعجب وحب الذات، وغرسوا في قلوبهم حب الجماعة والأمة ...
أبى الشيطان وتوعد إلا أن يفرق هذه الجماعة، بنشر سهام الحسد في صور متعددة، لذا أمرنا الله تعالى بالتنبه لهذا الأمر، وإغاظة الشيطان بقلع جذوره وأسبابه ...
فعلينا للتخلص من الحسد بثلاث أمور: (1/137)
صفحة 138
أولا: أن ندرك ما نعمة في البر والبحر، في المال والصحة والسكن، هي من عند الله وحده، لا نشرك معه أحدا، فمن أرادها أخذا بأسباب حصولها، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه ...
ثانيا: لنسأل أنفسنا ... هل نحب أن نرزق بصحة أو مال أو ولد ... ألا نحب أن نوفق في أنفسنا وأهلينا وأولادنا، إذا غيرنا كذلك يحبون هذا الرزق والتوفيق، فلنحب لغيرنا ما نحبه لأنفسنا، كما أرشدنا بذلك الحبي المصطفى عليه السلام.
ثالثا: لنسأل أنفسنا ... ما الذي سنجنيه من الحسد ... وما الذي سنستفيد منه ....
قال أحد العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: أولاها: غم لا ينقطع. والثانية: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالثة: مذمة لا يحمد عليها. والرابعة: يسخط عليه الربّ والخامسة: تغلق عليه أبواب التوفيق.
وأشد العقوبات أنها معصية للرب، ومن الكبائر الموبقة المحبطة للأعمال ...
نعم ... إذا رأينا لغيرنا خيرا في مال أو صحة أو ولد أو زواج أو عمل، نطلب من الله أن يبارك له فيه، ويجعله خيرا له في دينه ودنيه وآخرته ...
كما أننا نطلب أيضا من الله أن يرزقنا مثله وأكثر، وأن يرزقنا ما فيه خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، دون طلب زوال النعمة، أو السعي في إزالتها، قضلا عن تشويه صورته والإساءة إليه ... فهذا كله حطام دنيا، وعما قريب إلى الله راحلون ...
على ماذا التناحر و الضغينة ** وفيم الحقد يفقدنا السكينة
علام نسد أبواب التآخي ** ونسكن قاع أحقادٍ دفينة
ألا أين السماحة و التصافي ** ... و أين عراء أخوتنا المتينة
بنينا بالمحبة ما بنينا ** وما باع أمرهم بالهجر دينه
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (1/138)
صفحة 139
اللهم بارك لنا في زروعنا وثمارنا، وأهلينا وذرياتنا
اللهم خلص قلوبنا من الغل والحسد، والبغضاء والشقاق والنفاق
إلهنا زين في قلوبنا حبك، وحب الخير للآخرين، وجنب قلوبنا الكبر والغرور والعجب والحسد
اللهم خلص المسجد الأقصى من الصهاينة المحتلين، واجعله في أيدي عبادك المؤمنين المخلصين
الهواتف النقالة
الخطبة الأولى
الحمد لله منّ علينا بنعم عظيمة، وآلاء مديدة، سبحانه سبحانه، والصلاة والسلام على الشاكر لأنعم الله، محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
من أكبر النعم التي يتمتع بها الجنس البشري نعمة العقل، فالبعقل استطاع هذا الإنسان أن يكشف خبايا الكون وأسراره، وأن يسخر هذه السنن في مصلحة البشرية، وفق اكتشافات جديدة، كانت رحمة للإنسانية.
ومن أجل هذه الاكتشافات، التي قربت البعيد، واختصرت الزمن، في وقت كثرت فيه المشاغل والأعمال، وكانت وسيلة من وسائل المعرفة والثقافة.
إنها نعمة الاتصالات بقسميها السلكي والاسلكي، بما فيها الهواتف بأنواعها، وعلى رأسها الهاتف النقال أو المحمول، وكذلك شبكة الاتصالات العالمية، أو الشبكة العنكبوتية، أو ما يسمى بالأنترنت.
إنها من نعم الله العظمى، وآلائه الكبرى التي يجب أن تستثمر فيما يصلح الإنسان، وأن تحقق بها مصالحه وغاياته، بوضعها في المكان المناسب، وفق حدود الله وأوامره.
المسلك الأول: إشاعة الفاحشة
" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "
دينكم – عباد الله – دين الفضيلة والطهر، فقد اعتبرها من المبادئ العليا التي أمر الإسلام بالمحافضة عليها، وسخر الوسائل والاكتشافات من أجلها، من هنا تدمير الفضيلة والخلق يعتبر شرعا من أعظم الجرائم، وأكبر المنكرات، لذلك توعد الله الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع بالعذاب الأليم، والشر الجسيم. (1/139)
صفحة 140
وأي مجتمع يسوده التحلل والفجور، وتضعف فيه الفضيلة والخلق، هذا المجتمع يقود بنفسه إلى الدمار والإنهيار، والتفكك والإنحلال، وما يحدث في ديار الغرب ليس عنكم ببعيد، من انتشار الأمراض الفتاكة، والتفكك في البناء الاجتماعي، وكثرة الجرائم والاغتصابات، وشيوع أولاد الشوارع واللقطاء، مع تفشي العصابات والسرقات، فضلا عن جرائم القتل والانتحار.
كل هذا بسبب شيوع الفاحشة، واتباع النظريات المنحرفة، وتسخير المكتشفات المعاصرة من أجل الفجور وهدم الفضيلة.
وللأسف الشديد أن يسخر بعض المسلمين وسائل الاتصالات المتاحة، في إشاعة الفاحشة بين الأمة المسلمة، ومن صوره: نشر الصور العارية، والفلاشات الخليعة، والمقاطع الجنسية المحرمة بين النساء والشباب، بل وبين المراهقين والأطفال، سواء كان عن طريق الهواتف النقالة، بأنظمته المختلفة، أو عن طريق الأنترنت، بطرقة المتعددة، كالبريد الأكتروني والماسنجر والشات ونحوه.
ومن الصور أيضا خداع النساء، ونشر أرقام الهواتف في مدارس النساء، وأماكن عملهن، وعند المجمعات والمحلات، وفي الطرق وعند مواقف السيارات، وذلك من أجل إيقاعهن في ما حرم الله، ففي البداية باسم الحب والزواج، وأخيرا الوقوع في الحرام.
فيا سبحان تصوروا مدى حاجتم إلى هذه النعمة لوكنتم فاقدهيها، أو محرومين منها، أفتقابلون النعمة بالكفران، اوتستبدلون الشكر بالنكران؟ (1/140)
صفحة 141
أو ما يتقي الله أولئك في أعراض المسلمين، أو يرضون ذلك لبناتهم وزوجاتهم وأخواتهم، أو لم يقرأوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فعن أبي أمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به فقال صلى الله عليه وسلم: ادن فدنى حتى جلس بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقال له: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أوتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لاختك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم.
وانظروا إلى سلفكم الصالح لو أن امرأة واحدة – ولو كانت غير مسلمة- انتهك عرضها، أو سخر بشرفها، لقامت الدنيا ولم تقعد ............
ها هم نصارى الحبشة عندما أغاروا على جزيرة سقطرى، وانتهكت أعراض المسلمات، أرسلت امرأة تسمى الزهراء رسالة إلى الإمام الصلت بن مالك – رحمه الله تعالى- تقول فيها:
قل للإمام الذي ترجى فضائله
ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم
كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة
بعد الشرائع والفرقان والكتب
جار النصارى على واليك وانتهبوا
من الحريم ولم يألوا من السّلب
قل للإمام الذي ترجى فضائله
بأن يغيث بنات الدين والحسب
كم من منعمة بكر وثيبة
من آل بيت كريم الجد والحسب
تدعو أباها إذا ما العلج همّ بها
وقد تلقف منها موضع اللبب
أقول للعين والأجفان تسعفني
يا عين جودي على الأحباب وانسكبي
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا
وفي سقطرى حريم باد بالنهب
يا للرجال أغيثوا كلّ مسلمة
ولو حبوتم على الأذقان والركب
حتى يعود عماد الدين منتصبا
ويهلك الله أهل الجور والريب (1/141)
صفحة 142
فهزّت هذه الكلمات قلب الإمام، وأدمعت عيناه على ما حلّ بنساء المسلمين، فجمع الإمام الجيوش، وبعث أسطولا من مائة سفينة حربية تحمل جنودا وفرسانا، يحتسبون أرواحهم في سبيل الله، وتمكنوا من استعادة الجزيرة من مغتصبيها، فحموا بذلك أعراض المسلمين.
واليوم تنتهك أعراض المسلمات عيانا، وكأنه حدث طبيعي، وكأنّ العرض لا أهمية له في عالم اليوم.
إنّ ما يحدث في أراض المسلمين، من هتك أعراض المسلمات، من قبل المحتلين ليس عنكم بغريب، أصبح أمرا طبيعيا لا يحرك ساكنا.
والأدهى من هذا أن تهتك أعراض المسلمات من قبل المسلمين أنفسهم، تحت شعارات مختلفة، وأغراض متعددة، تارة باسم الفنّ والسياحة، وتارات باسم الحبّ والجنس والتجارة.
والأشدّ من هذا أن نسخر وسائل الاتصالات في إفساد الشباب والشابات، بدلا من تسخيرها في الإصلاح ونشر الفضيلة.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أنّ الله شديد العقاب.
المسلك الثاني: وسائل الاتصالات ونقل الشائعات
"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".
أتباع الرحمن: لقد حذّر الإسلام من الغيبة والنميمة، والوقيعة في الأعراض، والكذب والبهتان، وأمر بحفظ اللسان، وبين خطورة الكلمة، فأخبر الله – سبحانه وتعالى – أنّ الإنسان مسؤول أمام الله – عزّ وجل – ومحاسب عن كلّ صغير وكبير، " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين والشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
وحرم الله القذف والإفك، وتوعد مروجي الإشاعات بالعذاب الأليم، وحثّ على التثبت والتبين في نقل الأخبار، يقول – سبحانه -: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، وفي قراءة: فتثبتوا. (1/142)
صفحة 143
كما نهى الإسلام أتباعه أن يطلقوا الكلام على عواهنه، ويلغوا عقولهم عند كل شائعة، أو ينساقوا وراء كل ناعق، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع".
واليوم – عباد الله – تستغل وسائل الاتصالات في نقل الشائعات، والكذب على الناس تحت صور متعددة.
ومن هذه الصور التهجم على أعراض الناس، والإشارة إلى أخطاء وقعوا فيها، لا تذكر إلا من أجل التسلي بلحوم الآخرين، فضلا عمّا يصحبها من سب وشتم، وهذا ما تلاحظونه على المواقع الإلكترونية.
ومن الصور أيضا إشاعة الكذب، ودعوى حدوث شيء وهو لم يحدث، كنشر شائعة الخضروات والفواكه الملقحة بإبرة الإيدز، والتي تأتي من بلاد الشام، فقد نشرت دون تأن ولا روية، ولا تأكد من صحة الخبر.
ومن الصور نشر الخرافات من أجل جذب الناس إلى الدين، كما حدث في شائعة السجادة، والمرأة التي انقلبت إلى سحلية، لكونها داست القرآن الكريم.
ومنها أيضا: التقول على الله – تعالى -، فقد يرسل إليك شخص أرسل رسالة مضمونها: انشر لا إله إلا الله عشر مرات، وإن نشرتها سوف تحصل على كذا، وإن لم تنشرها يحصل لك كذا، وهذا كذب صريح، وتقول على الله بلا وحي أو علم، كذلك ما نلاحظه في الجمعات خاصة من نشر أوراق منسوبة إلى رجل يدعى أحمد خادم المسجد النبوي، والتي تتضمن الأكاذيب لإرشاد الناس، كدعوى من لم ينشر هذه الأوراق سوف تحلّ عليه عقوبة، وإن نشرها سوف يحصل له كذا وكذا، وإن عذابا سوف يحدث قريبا.
والحقيقة إنّ في كتاب الله غنى لمن أراد إرشاد النّاس إلى الحق والصراط المستقيم، فبدلا من تذكير الناس بالخرافات والروايات الموضوعة؛ انشر آية من القرآن يتأملون فيها، أو حديثا صحيحا عنه – عليه الصلاة والسلام-، أو حكمة ترشد الناس إلى الخير، أو معلومة يستفيدون منها. (1/143)
صفحة 144
ومن الصور المحرمة السخرية من الأجناس الأخرى، بسبب لون أو جنس، والتفكه فيهم عن طريق الفلاشات، أو الأصوات المسجلة، أو الرسائل القصيرة، "يا أيها الذين آمنوا لا يسحر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن"
فاتقوا الله عباد الله، واستثمروا هذه النعمة في صالحكم وصالح أوطانكم، واستغفروا ربكم إنّه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أيها الأخوة المؤمنون: انتقل بكم في الجزء الثاني من الخطبة في ذكر بعض الآداب والتوجيهات لاستعمال الهاتف بقسميه، فمن منا لا يستعمل هذه الوسيلة في حياته؟ ومن نعم الله بخلقه أنّه كلّما كثرت البشرية، وتعقدت الأمور؛ أظهر ما يخفف من الأزمات، ويحل المشكلات، ويقرب الشقة، ويزيل المشقة، وييسر الصعاب، ويزيل الأتعاب، "إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون".
فمن هذه الأدبيات:
أولا: على كلّ من أراد أن يتصل هاتفيا بأحد أن يختار الأوقات المناسبة لذلك، ويتجنب الاتصال بالناس في صلاتهم، أو نومهم، أو أكلهم أو عملهم، حتى لا يقلقهم، ويؤذي مشاعرهم، ويفسد نومهم، ويقطعهم عن أكلهم أو عملهم، فيحصل بذلك الإيذاء النفسي، وإيذاء الغير منهي عنه في الإسلام، قال – عليه الصلاة والسلام -: "لا تؤذوا المسلمين"، فلا ينبغي الاتصال في هذه الأوقات، إلا في حالات الضرورة والطوارئ، مع سابق الاعتذار والتلطف.
ثانيا: من اتصل بأحد أو اتصل به غير؛ فليكن أول كلامه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهي تحية الله للمؤمنين في الجنة، "تحيتهم يوم يلقونه سلام"، وتحية الملائكة لأهل الجنة، وتحية المرسلين، وفي الأثر أنّ رجلا سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أيّ الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف". (1/144)
صفحة 145
ثالثا: إذا كان الجهاز مزودا بآلة تصوير (كاميرا)، فلا ينبغي لمستعمله أن يصور أحدا إلا بعد طلب الأذن، ولا يجوز تصوير الأجسام العارية، ولا المناظر الفظيعة، ولا ما يحرم النظر إليه، فهذا من نشر الفساد في الأرض.
رابعا: إذا اتصل بنا أحد فلا ينبغي أن نطيل معه الكلام، إلا إذا رغب المتصل بذلك، وليكن كلامنا معه مختصرا موجزا، هادفا نظيفا لطيفا، اقتداء بالرسول – عليه الصلاة والسلام- حيث كان كلامه قصدا، وخاليا من الفحش والإيذاء، كما ينبغي أن لا ندخل في غير الموضوع، أو تكثر الكلام معه فيضيع الرصيد من المكالمات، فنؤذي مشاعره فنأثم، ونتسبب في ضياع ماله بغير رضاه، وإضاعة مال الغير محرم ممقوت، وكذلك إذا استعملنا هاتف غيرنا، أو هواتف العمل، فلا نجعلها فرصة للمكالمات الجانبية، قال النبي الكريم: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
رابعا: إذا كان الهاتف محمولا فلا ينبغي أن نتركه مشغّلا داخل المسجد؛ حتى نؤذي عمّار بيت الله من المؤمنين، فنشوش عليهم، ونذهب خشوعهم في الصلاة، فتضيع هيبة المسجد، وتزول السكينة منه، فرنين الهواتف المحمولة يحدث أصواتا ملفتة، وانشغالا ملهيا عن صدق التوجه، وكمال الحضور، قال عليه الصلاة والسلام: أئتوا الصلاة وعليكم السكينة والوقار".
القسم الرابع
خطب المناسبات الحية
حرب غزة
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1/145)
صفحة 146
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام.
كلمات أوجهها إلى كل عاقل لبيب، أوجهها إلى ذوي النهى، وأصحاب العقول.
أنادي بها كل من عرف حلاوة الحرية، وسعادة الأمن والمساواة.
قلبي وقلبكم يعتصر ألماً، ويتقطع حزناً ونكداً على ذلك الطفل المسكين، الذي عشق حلاوة اللعب، وبهجة المرح، فأبدل بصوت الصواريخ والدبابات، وغناء النائحات، وبكاء الثكالى.
واحزناه على تلك المرأة المسكينة، التي طالما أرادت الأنس في بيتها، تخدم زوجها وأولادها، ولكن هيهات هيهات ... دمر بيتها ... وشرد زوجها وأولادها.
لقد شاهدتم وسمعتم ما يحصل اليوم في أرض الرسالات، ومهبط النبوات، في أرض فلسطين في غزة المنكوبة.
لقد أظهرت إسرائيل ومن شايعها وساندها عربا وغربا لقد أظهرت بشاعة فعلها، وقبح تصرفها ...
لقد ظهر السلام الذي ينادون به ..
والمساواة التي يتبجحون بها ...
والعدالة التي يطبلون حولها ...
ما ذنب ذلك الشعب البريء أم يريدون منه الخضوع والذلة والمسكنة؟!!
أما يكفي أنهم شردوهم في أصقاع الأرض، فعاشوا في خيمٍ لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.
قتلوهم أمام مرأى من العالم، ومسمع من هيئة الأمم المتحدةََ! ..
أو نسينا دير ياسين، وصبرا وشاتيلا؟ َ!
واليوم في عصر الديمقراطية والحرية، يقاطع ذلك الشعب ويحاصر! لا لشيء! إلا لأنه طلب الحرية الحقيقية، والمساواة العادلة.
فرحماك ربي ما ذنب أولئك الأطفال الصغار، يجوعون ويقتلون بلا رحمة ولا شفقة! أين هيئة حقوق الأطفال؟!.
ما ذنب ذلك الشيخ العجوز؟ وما ذنب تلك المرأة الضعيفة؟ أن يجوعوا بلا ذنب ولا جريمة! أين هيئة حقوق المرأة وكبار السن؟!.
ما ذنب ذلك الموظف المسكين؟ الذي خرج لكسب الرزق وإطعام أولاده وأهله! فير جع إلى بيته لعله يجد الولد الحنون فيجد بيتا مهدما وجثثا متناثرة .... (1/146)
صفحة 147
أيها المسلمون: إن ما شهدته الساحة الفلسطينية هذه الأيام من مشاهد مرعبة ومآسي مروِّعة حيث المجازر والقتل، والقذائف والدبابات، جُثثٌ وجماجم، حصار وتشريد، تقتيلٌ ودمار، في حرب إبادة بشعة، وانتهاك صارخ للقيم الإنسانية، وممارسة إرهاب الدولة الذي تقوم به الصهيونية العالمية.
ولن ينساه التأريخ دماء الأبرياء، الذين رويت الأرض بمسك دمائهم، من إخواننا وأخواتنا على أرض فلسطين المجاهدة، الذين يُذبَّحون ذبح الشياه. المساجد دمِّرت، البيوت هُدّمت، الأنفس أُزهقت، كم نساءٍ أيِّمت، وأطفالٍ يُتِّمت، ومقابر جماعية أقيمت، فإلى متى الذل والمهانة والضعف والهزيمة والاستسلام؟! أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، أما آن لليل الطويل أن ينجلي؟! فهل تفيق أمتنا من سباتها؟! وهل تهتم بأولوياتها، وهل تقدم قضية غزة وفلسطين على قضايا لهوها ولعبها؟ فهلا أدركت فلسطين قبل أن تضيع، وهلا كنا عونا لهم قلبا وقالبا، نفسا ومالا، قادة ومحكومين
أخوة الإيمان: إن من يشنّ هذه الحرب الضرس ومن يقف وراءها من المتخاذلين والمنافقين والعملاء لن يفلت من قبضة الجبار جل جلاله، كما لن يسلم من غضب الشعوب، وسخط التأريخ. إنها مأساة يعجز اللسان عن تصويرها، ويخفق الجنان عن وصف أحزانها، مأساةٌ بكل المقاييس، ومعضلةٌ بكل المعايير، ليس لها من دون الله كاشفة، فرحماك ربنا رحماك، واللهم سلم سلم. (1/147)
صفحة 148
إن هذه الكارثة من أوضح الدلائل على سجية القوم، وما يكنُّونه لأمتنا ومقدّساتنا، إنه لأمر تبكي له العيون دماً، يُقتَل الأبرياء العزّل على أيدي سفاحي الصهاينة، ورثة النازية والفاشية، فأيُّ حقٍّ لهم في فلسطين؟! الأرضِ العربية الإسلامية التأريخية إلى قيام الساعة، التي تبوّأت منذ فجر التأريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين، بل هي جزء من ثوابتهم، وأمانة في أعناقهم، ولن يفرّطوا بشبر من أرضها ـ بإذن الله ـ ما دام فيهم عرق ينبض، وإن الحق الذي يدعيه يهود في فلسطين خرافةٌ لا سند لها، فلقد مضى أكثر من خمسة عقود من الزمان على قضية المسلمين الكبرى، والمأساة تتجدد يوماً بعد آخر، فأين المسلمون؟!
والعجب كل ذلك يحدث على مسمع من العالم ومرآه، وكأن المسلمين لا بواكي لهم، أين العالم بهيئاته ومنظماته؟! أين مجلس أمنهم وهيئة أممهم؟! أين هم من بكاء الثكالى، وصراخ اليتامى، وأنين الأرامل، واغتصاب الأرض، وتدنيس العرض؟! أين شعارات ومنظمات حقوق الإنسان الزائفة؟! ماذا يردّ الضمير العالمي؟! أين هي المقاطعات السياسية والاقتصادية على مجرمي الحرب والمستهترين بالأعراف الدولية والقرارات العالمية؟!
يا من تدّعون محاربة الإرهاب، ماذا تسمون ما فعله هؤلاء المجرمون بالمسلمين في غزة؟! وسيرجع إليك الطرف خاسئاً وهو حسير، حينما يتَّهمون أصحاب الحق المشروع المقاومين للظلم والبغي والاحتلال بالإرهابيين، فهل تطلُّعات أكثر من مليار من المسلمين في الحفاظ على مقدساتهم تُعدُّ وحشية وإرهابا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. (1/148)
صفحة 149
فيا أيها الإخوة المرابطون على أرض غزة المجاهدة الصامدة، أرضِ العز والشموخ والفداء، والتضحية والجهاد والإباء، يا أهلنا في الأرض المباركة فلسطين، يا أحبتنا في أرض الإسراء والمعراج، عُذراً إن وجدتم من كثير من أبناء أمتكم التخاذل والتثاقل، لَكَم أرَّقنا أنَّ أقصانا أسير بأيدي البغاة الطغاة العتاة، فما يُذكر الأقصى إلا وتعتصر قلوبُنا حسرةً وأسى على ما جرى له ويجري، مما فطّر الأكباد، وأدمى القلوب، فصبراً صبراً أيها المرابطون.
لقد سطرت انتفاضتُكم المباركة بأحرف العز والنصر والشرف ملحمةً من أروع النماذج في التأريخ المعاصر، لقد أعدتم الأمل في النفوس، فثِقوا بنصر الله لكم، متى ما نصرتم دينه، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله، فواصلوا دربَكم، واستنهضوا الهمما. هنيئاً لكم تقديمُ الأرواح رخيصةً في سبيل الله، ودعاؤنا أن يتقبل الله قتلاكم شهداء، وأن يكتب لمرضاكم عاجل الشفاء، وأن يحيينا وإياكم حياة السعداء. لا تيأسوا من روح الله، فالنصر قادم بإذن الله، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47]، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]
إلهنا وخالقنا مالنا في هذا اليوم المبارك إلا أن نتضرع إليك بهذا الدعاء، فما لنا حيلة إلا بك، ولا رجاء إلا منك، بعد هذا التخاذل من بني جلدتنا وقومنا ..
اللهم يا قوي يا عزيز يا رحيم يا وهاب يا منتقم ....
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم إنا نسألك بحق يومك هذا أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا لله يا لله يا لله ... (1/149)
صفحة 150
اللهم إنا نسألك باسمك الطيب الطاهر المبارك، الأحب إليك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت، نسألك لأخوتنا في فلسطين فتحاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وصبراً جميلاً، في عافية بلا بلاء، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، والشكر على العافية ...
اللهم حل على أعدائك نقمة تخلصنا من شرهم، يا رب العالمين ...
اللهم دمرهم تدميراً، وافعل بهم كما فعلت بعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ...
اللهم إنا نتوسلُ إليك بأولئك الأطفال الرضع، والعجزة والنساء، اللهم إلى من تكلهم، إلى بعيد يتجهمهم، أم إلى عدوٍ ملكته أمرهم، إن لم يكن بك عليهم غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شيء.
اللهم أرسل عليهم فاتحاً يخلصهم من بلائهم، وينقذهم من عدوهم، واجعلهم محكمين لشرعك، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر ...
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
يا رحيم يا ودود يا ذا الجلال والإكرام والحمد لله رب العالمين
مغ غزة هاشم
الخطبة الأولى (1/150)
صفحة 151
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فرحينَ بِمَا ءاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام.
كم تستغيث بنا في القدس أرملةٌ قد دك منزلها حقدٌ وطغيان
دموعها في ندوب الوجه جاريةٌ وما لها منقذٌ يحدوه إيمان
أولادها قُصفوا في عقر دارهم حتى قَضَوْا فكأن القوم ما كانوا
يا قومنا قد كفى ما نال إخوتنا الموت يحصدهم والذلُّ عنوان
في مجلس الأمن قد ماتت ضمائرهم كُأنهم عن حروب الظلم عميان
شريعة الغاب قد بانت فضائحُهافي كل ناحيةٍ للحق طَعَّان
إنْ يقتل الطفل في أرضي وفي بلدي وقلب قاتله بالحقد ملآن
يدعون من يحمل الأحجار مرهبهم ومطلقٌ حممَ النيران إنسان
كلمات أوجهها إلى كل عاقل لبيب، أوجهها إلى ذوي النهى، وأصحاب العقول.
أنادي بها كل من عرف حلاوة الحرية، وسعادة الأمن والمساواة. (1/151)
صفحة 152
قلبي وقلبكم يعتصر ألماً، ويتقطع حزناً ونكداً على ذلك الطفل المسكين، الذي عشق حلاوة اللعب، وبهجة المرح، فأبدل بصوت الصواريخ والدبابات، وغناء النائحات، وبكاء الثكالى.
واحزناه على تلك المرأة المسكينة، التي طالما أرادت الأنس في بيتها، تخدم زوجها وأولادها، ولكن هيهات هيهات ... دمر بيتها ... وشرد زوجها وأولادها.
لقد شاهدتم وسمعتم ما يحصل اليوم في أرض الرسالات، ومهبط النبوات، في أرض فلسطين في غزة المنكوبة.
لقد أظهرت إسرائيل ومن شايعها وساندها عربا وغربا لقد أظهرت بشاعة فعلها، وقبح تصرفها ...
لقد ظهر السلام الذي ينادون به ..
والمساواة التي يتبجحون بها ...
والعدالة التي يطبلون حولها ...
ما ذنب ذلك الشعب البريء أم يريدون منه الخضوع والذلة والمسكنة؟!!
أما يكفي أنهم شردوهم في أصقاع الأرض، فعاشوا في خيمٍ لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.
قتلوهم أمام مرأى من العالم، ومسمع من هيئة الأمم المتحدةََ! ..
أو نسينا دير ياسين، وصبرا وشاتيلا؟ َ!
واليوم في عصر الديمقراطية والحرية، يقاطع ذلك الشعب ويحاصر! لا لشيء! إلا لأنه طلب الحرية الحقيقية، والمساواة العادلة.
فرحماك ربي ما ذنب أولئك الأطفال الصغار، يجوعون ويقتلون بلا رحمة ولا شفقة! أين هيئة حقوق الأطفال؟!.
ما ذنب ذلك الشيخ العجوز؟ وما ذنب تلك المرأة الضعيفة؟ أن يجوعوا ويذبحوا بلا ذنب ولا جريمة! أين هيئة حقوق المرأة وكبار السن؟!.
ما ذنب ذلك الموظف المسكين؟ الذي خرج لكسب الرزق وإطعام أولاده وأهله! فير جع إلى بيته لعله يجد الولد الحنون فيجد بيتا مهدما وجثثا متناثرة ....
أيها المسلمون: إن ما شهدته غزة هذه الأيام من مشاهد مرعبة ومآسي مروِّعة حيث المجازر والقتل، والقذائف والدبابات، جُثثٌ وجماجم، حصار وتشريد، تقتيلٌ ودمار، في حرب إبادة بشعة، وانتهاك صارخ للقيم الإنسانية، وممارسة إرهاب الدولة الذي تقوم به الصهيونية العالمية. (1/152)
صفحة 153
فلن ينسه التأريخ دماء الأبرياء، الذين رويت الأرض بمسك دمائهم، من إخواننا وأخواتنا على أرض غزة المجاهدة، الذين يُذبَّحون ذبح الشياه. المساجد دمِّرت، البيوت هُدّمت، الأنفس أُزهقت، كم نساءٍ أيِّمت، وأطفالٍ يُتِّمت، ومقابر جماعية أقيمت، فإلى متى الذل والمهانة والضعف والهزيمة والاستسلام؟! أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، أما آن لليل الطويل أن ينجلي؟! فهل تفيق أمتنا من سباتها؟! وهل تهتم بأولوياتها، وهل تقدم قضية غزة وفلسطين على قضايا لهوها ولعبها؟ فهلا أدركت فلسطين قبل أن تضيع، وهلا كنا عونا لهم قلبا وقالبا، نفسا ومالا، قادة ومحكومين
أخوة الإيمان: إن من يشنّ هذه الحرب الضروس ومن يقف وراءها من المتخاذلين والمنافقين والعملاء لن يفلت من قبضة الجبار جل جلاله، كما لن يسلم من غضب الشعوب، وسخط التأريخ. إنها مأساة يعجز اللسان عن تصويرها، ويخفق الجنان عن وصف أحزانها، مأساةٌ بكل المقاييس، ومعضلةٌ بكل المعايير، ليس لها من دون الله كاشفة، فرحماك ربنا رحماك، واللهم سلم سلم.
إن هذه الكارثة من أوضح الدلائل على سجية القوم، وما يكنُّونه لأمتنا ومقدّساتنا، إنه لأمر تبكي له العيون دماً، يُقتَل الأبرياء العزّل على أيدي سفاحي الصهاينة، ورثة النازية والفاشية، فأيُّ حقٍّ لهم في فلسطين؟! الأرضِ العربية الإسلامية التأريخية إلى قيام الساعة، التي تبوّأت منذ فجر التأريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين، بل هي جزء من ثوابتهم، وأمانة في أعناقهم، ولن يفرّطوا بشبر من أرضها ـ بإذن الله ـ ما دام فيهم عرق ينبض، وإن الحق الذي يدعيه اليهود في فلسطين خرافةٌ لا سند لها، فلقد مضى أكثر من خمسة عقود من الزمان على قضية المسلمين الكبرى، والمأساة تتجدد يوماً بعد آخر، فأين المسلمون؟! (1/153)
صفحة 154
والعجب كل ذلك يحدث على مسمع من العالم ومرآه، وكأن المسلمين لا بواكي لهم، أين العالم بهيئاته ومنظماته؟! أين مجلس أمنهم وهيئة أممهم؟! أين هم من بكاء الثكالى، وصراخ اليتامى، وأنين الأرامل، واغتصاب الأرض، وتدنيس العرض؟! أين شعارات ومنظمات حقوق الإنسان الزائفة؟! ماذا يردّ الضمير العالمي؟! أين هي المقاطعات السياسية والاقتصادية على مجرمي الحرب والمستهترين بالأعراف الدولية والقرارات العالمية؟!
يا من تدّعون محاربة الإرهاب، ماذا تسمون ما فعله هؤلاء المجرمون بالمسلمين في غزة؟! وسيرجع إليك الطرف خاسئاً وهو حسير، حينما يتَّهمون أصحاب الحق المشروع المقاومين للظلم والبغي والاحتلال بالإرهابيين، فهل تطلُّعات أكثر من مليار من المسلمين في الحفاظ على مقدساتهم تُعدُّ وحشية وإرهابا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
فيا أيها الإخوة المرابطون على أرض غزة المجاهدة الصامدة، أرضِ العز والشموخ والفداء، والتضحية والجهاد والإباء، يا أهلنا في الأرض المباركة فلسطين، يا أحبتنا في أرض الإسراء والمعراج، عُذراً إن وجدتم من كثير من أبناء أمتكم التخاذل والتثاقل، لَكَم أرَّقنا أنَّ أقصانا أسير بأيدي البغاة الطغاة العتاة، فما يُذكر الأقصى إلا وتعتصر قلوبُنا حسرةً وأسى على ما جرى له ويجري، مما فطّر الأكباد، وأدمى القلوب، فصبراً صبراً أيها المرابطون. (1/154)
صفحة 155
لقد سطرت انتفاضتُكم المباركة بأحرف العز والنصر والشرف ملحمةً من أروع النماذج في التأريخ المعاصر، لقد أعدتم الأمل في النفوس، فثِقوا بنصر الله لكم، متى ما نصرتم دينه، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله، فواصلوا دربَكم، واستنهضوا الهمما. هنيئاً لكم تقديمُ الأرواح رخيصةً في سبيل الله، ودعاؤنا أن يتقبل الله قتلاكم شهداء، وأن يكتب لمرضاكم عاجل الشفاء، وأن يحيينا وإياكم حياة السعداء. لا تيأسوا من روح الله، فالنصر قادم بإذن الله، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47]، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].
أين السلام وما تزال مساجدي في كل يوم تستباح وتحرق
أين السلام وهذه أرواحنا من دون ذنب كل يوم تزهق
أين السلام وأمتي مغلولةُ ودمي على كل الخناجر يهرق
أين السلام وهاهمُ أطفالنا قبل الفطام تكسروا وتمزقوا
هذا سلام الخانعين وعندنا شجر الشهادة كل يوم يورق
أيها الأخيار: ونحن في بداية العام الهجري الجديد ولا يزال للإسلام قوةٌ وأتباعٌ، ولا يزالُ في الأمة رجالٌ يؤرقهم همُّ الإسلام، يحملون قضيته، ويحفظون حدوده، ويزودون عن حياضه
وهذا ما دعا أعداء الإسلام لأن يزيدوا من حملتهم ضد الإسلام ويضاعفوا من خططهم ومؤامراتهم، لإضلال المسلمين وإفسادهم وإخراجهم من دينهم، وجعلهم دُمًى يُحَحِّركونها كيفما أرادوا، قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُم حَتى يَرُدوكُم عَن دِينِكُم إِنِ استَطَاعُوا وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دِينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَت أَعمَلُهُم فِي الدنيَا والآخرة وَأُولئِكَ أَصحَبُ النارِ هُم فِيهَا خَلِدُونَ {[سورة البقرة: 217].
إن أخطر ما يواجهه المسلمون اليوم ذلك الغزو الوافد إلينا عن طريق القنوات التلفزيونية الفضائية. (1/155)
صفحة 156
إنه غزو جديد .. لا تشارك فيه الطائرات ولا الدبابات .. ولا القنابل والمدرعات .. غزو ليس له في صفوف الأعداء خسائر تذكر. . فخسائره في صفوفنا نحن المسلمين .. إنه غزو الشهوات .. غزو الكأس والمخدرات .. غزو المرأة الفاتنة .. والرقصة الماجنة .. والشذوذ والفساد .. غزو الأفلام والمسلسلات. . والأغاني والرقصات وإهدار الأعمار بتضييع الأوقات. إنه غزو لعقيدة المسلمين في إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
إنه غزو لمفهوم الولاء و البراء، والأخوة الإسلامية، والاهتمام بقضايا الإسلام والمسلمين المتمثل في مبدأ الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ ... أعددت ذاك الحمى من بعض أوطاني
إن هذا الغزو القادم إلينا من الفضاء يفعلُ ما لا تفعله الطائرات ولا الدباباتُ ولا الجيوش الجرارة!!
إنه يهدمُ العقائد الصحيحة .. والأخلاق الكريمة .. والعاداتِ الحسنةَ .. والشمائل الطيبة .. والشيمَ الحميدةَ .. والخصال الجميلةَ. ومتى تخلّت الأمةُ عن عقيدتها وأخلاقِها وقِيَمِها سقطت في بؤر الضياعِ والانحلال.
فـ: إنما الأممُ الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولقد أدرك مفكروا الغرب والصهاينة أن قوة الإسلام في عقيدته، وتمسكه بقرآنه وقيمه، واعتصامه بأخلاقه ومبادئه، ولا يفعل فيهم ألف مدفع ما داموا يتربون على حياض وقيم الإسلام، فهذا صموئيل زويمر رئيس جمعيات التنصير؟ لقد قال في مؤتمر القدس للمنصرين الذي عقد في القدس عام 1935م.
أيها المبشرون! إن مهمتكم تتم على أكمل الوجوهِ!! (1/156)
صفحة 157
إنكم إذا أعددتم نشأ لا يعرفُ الصلةَ بالله، ولا يريد أن يعرفَها أخرجتم المسلم من الإسلام، وجعلتموه لا يهتمّ بعظائمِ الأمور، ويحبُّ الراحةَ والكسلَ، ويسعى للحصولِ على الشهواتِ بأي أسلوبٍ، حتى تصبحَ الشهواتُ هدفَه في الحياةِ، فهو إن تعلم فللحصولِ على الشهوات، وإذا جمع المالَ فللشهواتِ، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات، إنه يجودُ بكلِّ شيءٍ للوصول إلى الشهواتِ!
هذا ما قالوه منذ ما يزيدُ على ستين عاماً، ولا يزالون يعملون دون كللٍ أو مَلَلٍ، لأنهم يرون ثمار مخططاتهم الخبيثة تزدادُ يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عامٍ، فنتج لدى الأمة جيل لا يحمل هم الأمة، وأقصى همه الفرج والبطن واللعب، وهذا ما نراه اليوم، نتيجة تلاعب الأعداء بوسائل التربية والمناهج التعليمة، وسائل الإعلام والترفيه.
ومع هذا لا زالت الأمة رجال مخلصون، ونساء صادقات مؤمنات، يبذلون الغالي والنفيس لرفعة أمتهم، ونصرة دينهم، فلنكن يدا واحدة في توجه الجيل الجديد والأجيال المقبلة إلى عقيدتهم وأخلاقهم، والاهتمام بقضاياهم وأولوياتهم، بكل ما نملك نفسا ومالا وعقلا، ولنسخر إعلامنا ومناهج التربية، وخاصة المواقع الالكترونية في توحيد وخدمة الأمة، بدلا من المهاترات الفارغة، ولشتم والسباب.
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105))
هذا واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية (1/157)
صفحة 158
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
عباد الله: لقد أعلنت الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية تضامنها مع أهل غزة بكل الوسائل المستطاعة، كالتبرع بما تجود به النفس من مال، وعدم المبالغة في الأفراح والمهرجانات، وندائي الحار إلى الشباب بعدم المبالغة في الاحتفاء بما يسمى كأس الخليج، فالوقت ليس وقت احتفاء، بل ينبغي أن تكون مشاعرنا وأحاسيسنا مع إخواننا الذين فقدوا أولادهم وذويهم وأهليهم في مجزرة السبت الأسود وما بعده، فضلا أن يؤذى الناس بأصوات السيارات الصاخبة، والتلاعب بالسيارات، وإيذاء الناس في الأسواق والطرقات، وحرق الأعلام، والصراخ والعويل، وإيذاء أبناء الدول المجاورة، فهذا لا يرضاه دين ولا خلق، ولا عقل ولا قيم.
وإن كنا عجزنا عن تقديم النفس لمناصرة المظلومين، فقد فتح الله لنا باب الدعاء والتضرع، فهو أعظم سلاح، وأكبر أداة لمواجهة العدو، ويوم الجمعة يوم مبارك، نتوسل به إلى الله تعالى بهذا الدعاء المبارك عسى الله تعالى يسمع ندائنا، وينصر إخواننا، فلنتضرع بقلوب خاشعة موقنة:
إلهنا وخالقنا مالنا في هذا اليوم المبارك إلا أن نتضرع إليك بهذا الدعاء، فما لنا حيلة إلا بك، ولا رجاء إلا منك، بعد هذا التخاذل من بني جلدتنا وقومنا ..
اللهم يا قوي يا عزيز يا رحيم يا وهاب يا منتقم ....
اللهم انصر إخواننا في غزة ...
اللهم انصر إخواننا في غزة ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ... (1/158)
صفحة 159
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم إنا نسألك بحق يومك هذا أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا لله يا لله يا لله ...
اللهم إنا نسألك باسمك الطيب الطاهر المبارك، الأحب إليك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت، نسألك لأخوتنا في غزة فتحاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وصبراً جميلاً، في عافية بلا بلاء، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، والشكر على العافية ...
اللهم حل على أعدائك نقمة تخلصنا من شرهم، يا رب العالمين ...
اللهم دمرهم تدميراً، وافعل بهم كما فعلت بعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ...
اللهم إنا نتوسلُ إليك بأولئك الأطفال الرضع، والعجزة والنساء، اللهم إلى من تكلهم، إلى بعيد يتجهمهم، أم إلى عدوٍ ملكته أمرهم، إن لم يكن بك عليهم غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شيء.
اللهم أرسل عليهم فاتحاً يخلصهم من بلائهم، وينقذهم من عدوهم، واجعلهم محكمين لشرعك، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وفرج كربة أخواننا ...
اللهم فرج كربة إخواننا
يا رحيم يا ودود يا ذا الجلال والإكرام والحمد لله رب العالمين
للهم أغث أهل غزة اللهم أغث أهل غزة
الهم .. اكشف عنهم الكرب. اللهم عجّل بالفرج .. يا ذا الجلال والإكرام .. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث ... "
يا ودود يا ودود ... يا ذا العرش المجيد ... يا مبدئ يا معيد ... يا فعالا لما تريد ...
نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك (1/159)
صفحة 160
ونسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك.
أغث أهل غزة ... يا مغيث أغث أهل غزة ... ".
اللهم اشدد أزرهم اللهم أربط على قلوبهم
اللهم أنزل عليهم دفئا وسلاما وأمنا وأمانا
اللهم تقبل شهدائهم واشف مرضاهم وارحم الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل
والشيوخ الركع والأطفال اليتامى
اللهم نتوسل إليك بالأطفال الرضع والنساء والشيوخ الركع أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا الله يا الله يا الله
اللهم عليك بالصهاينة المعتدين اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك اللهم مزقهم كل ممزق اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا
إنك على كل شئ قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير
اللهم عليك باليهود ومن أعانهم من المنافقين والعملاء
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين
مناصرة الشعب اللبناني في حربه مع إسرائيل
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل لنا نورا نهتدي به في ظلام الدنيا الفانية، والصلاة والسلام على خير البرية، محمد وعلى آله وصحبه صلاتا وسلاما إلى يوم القيام لرب الأراضين والسماوات العالية.
أما بعد:
هاكم رسالتان أقرأها بين أيديكم، الأولى وضعتها وفقا للأحداث المعاصرة، لنعيش ولو لحظة مع تلك الشعوب المقهورة، والثانية رسالة وجهتها إلينا أخوات في الله، يشتكين ظلم الآباء، وقهر الأولياء، فإلى الرسالتين.
الرسالة الأولى: أمة التكامة والأخوة
إن مما يميز الأمة المسلمة، والجماعة المؤمنة، عنصر التكامل والأخوة، بين أفرادها وتياراتها، وبين مذاهبها ومدارسها، فربها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وكتابها واحد، فلنكن أمة واحدة في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". (1/160)
صفحة 161
إن الإسلام لا يريد من التكامل الأخوي بين هذه الأمة أن يكون مجرد شعارات براقة، وهتافات لا أثر لها، بل لا بد أن تتجسد هذه الأخوة بين الأمة في جميع المجالات، وفي مختلف الظروف والحالات.
وعندما غاب عنصر التكامل بين هذه الأمة، وعندما فقدت الأمة روح الأخوة ووحدتها، انتشر الشقاق بين هذه الأمة، وعمت الضغينة والحقد بين أفرادها.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى عنصر الأخوة والوحدة أكثر مما مضى، خاصة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة، وقد تعالت صيحات التكفير والفرقة بين أتباعها، في وقت استغله المغرضون لنشر الخلافات بين الأمة فأشاعوها من أجل الفتنة، ومن أجل قاعدة فرق تسد.
وعندما ننظر اليوم إلى واقعنا، ونتأمل في تاريخنا المعاصر، نجد أنفسنا في حاجة ماسة إلى عنصر التكامل والوحدة بين الأمة.
فالمسلم هو المستهدف من قبل التيارات المتعجرفة، والأحزاب الحاقدة، بغض النظر عن لونه وجنسه، فضلا عن فكره ومدرسته، أو ما ترون ما يحدث اليوم في أرض الرافدين، أو ما شاهدتم ما حصل في كشمير والشيشان وأفغانستان، أو ما رأيتم ما حدث ويحدث في أرض فلسطين ولبنان، وصدق الله حين قال " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ". (1/161)
صفحة 162
إن العين لتدمع دما، وإن القلب ليتقطع حزنا ونكدا، على ما نراه اليوم في أرض فلسطين ولبنان، لم يُبرز التأريخ قضيةً تجلّت فيها ثوابتُنا الشرعية وحقوقنا التأريخية، وأمجادنا الحضارية، كما برزت فيها الأحقاد الدولية، وظهرت فيها المتناقضات العالمية، وانكشف فيها حرب المصطلحات، وتعرّى فيها بريق الشعارات، وسقط القناع عن التلاعب فيها بالوثائق والقرارات كهذه القضية، قضية فلسطين المسلمة المجاهدة، والقدس المقدسة، والأقصى المبارك، ولبنان الصامد، حيث تشابكت حلقات الكيد في سلاسل المؤامرة، لتمثل منظومةً شمطاءَ من العداء المعلن، والكره المبطّن، في تآمر رهيب من القوى العالمية، كان من أبرز إفرازاته الخطيرة انخداعُ كثير من بني جلدتنا بخطط أعدائنا، ويتجلى ذلك في إقصاء هذه القضية من دائرتها الشرعية، ومنظومتها الإسلامية، إلى متاهاتٍ ومستنقعات من الشعارات القومية والإقليمية، والنعرات الحزبية والطائفية، وذلك ـ لعمرو الحق ـ بترٌ لها عن قوّتها المحرِّكة، وطاقتها الدافعة المؤثرة، حتى تاهت القضية في دهاليز الشعارات، والتواء المسارات، وظلام المفاوضات، لغياب التأصيل العقدي والشرعي لهذه القضية، أولسنا أمةً لها مصادرها الشرعية، وثوابتها العقدية، وحقوقها التأريخية؟!
أولم نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82]، وقوله سبحانه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]؟! (1/162)
صفحة 163
اقرؤوا التأريخ لتدركوا أن يهود الأمس سلف سيِّئ، ويهودَ اليوم خلف أسوأ، كفَّارُ النعم، عُبَّاد العجل، قتلة الأنبياء، مكذِّبو الرسالات، خصوم الدعوات، شُذَّاذ الآفاق، حثالة البشرية، مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة:60].
هؤلاء هم اليهود، سلسلةٌ متصلة من اللؤم والمكر والعناد، والبغي والشر والفساد، وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].
حلقات من الغدر والكيد، والخسة والدناءة، تطاولوا على مقام الربوبية والألوهية، لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران:181]، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا
لقد رموا الرسل بالعظائم، واتهموهم بالشناعات والجرائم، آذوا موسى، وكفروا بعيسى، وقتلوا زكريا ويحيا، وحاولوا قتل محمد، أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87].
وها هي اليوم تواجه الأمة الصراع على أشدّه مع أعداء الأمس واليوم والغد، مع أحفاد بني قريظة والنضير وقينقاع، عليهم لعائن الله تترى، فهل يعي بنو قومنا حقيقةَ أمةِ الغضب والضلال بعد أن تفاقم شرهم وتطاير شررهم وطفح بالعدوان كيلهم؟! فالصراع أخذ يتفجّر ويتعاظم، والاستغلال والأطماع تزداد وتتفاقم، والتمادي في الاستخفاف بالعرب والمسلمين ومقدساتهم بلغ أوج خطورته من جرذان العالم، نقضةِ العهود والمواثيق، مَنْ عشَّش الغدر والتخريب والمكر في عقولهم، وسرى الظلم والطغيان في عروقهم، فأبوا إلا التقتيل والفساد والأذى، فاستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (1/163)
صفحة 164
ولعل ما شهدته الساحة اللبنانية هذه الأيام من مشاهد مرعبة ومآسي مروِّعة حيث المجازر والقذائف والدبابات، جُثثٌ وجماجم، حصار وتشريد، تقتيلٌ ودمار، في حرب إبادة بشعة، وانتهاك صارخ للقيم الإنسانية، وممارسة إرهاب الدولة الذي تقوم به الصهيونية العالمية، مما لم ولن ينساه التأريخ، بل سيسجّله بمداد قاتمة، تسطّرها دماء الأبرياء، الذين رويت الأرض بمسك دمائهم، من إخواننا وأخواتنا في تلك الأرض المباركة، الذين يُذبَّحون ذبح الشاه. العديد من المساجد دمِّرت، ومئات من البيوت هُدّمت، وآلاف الأنفس أُزهقت، كم من نساءٍ أيِّمت، وأطفالٍ يُتِّمت، ومقابر جماعية أقيمت، فإلى متى الذل والمهانة والضعف والهزيمة والاستسلام؟! أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، وليلِ الليل الطويل أن ينجلي؟! فهل تفيق أمتنا من سباتها؟! وتستيقظ من نومها.
إن من يشنّ هذه الحرب الضروس، ومن يقف وراءها انطلاقاً من فلسفة الإبادة العنصرية، لن يفلت من قبضة الجبار جل جلاله، كما لن يسلم من غضب الشعوب، وسخط التأريخ، إنها مأساة يعجز اللسان عن تصويرها، ويخفق الجنان عند عرض أحزانها، ويعيى البيان عن ذكر مآسيها، ويقصر الوصف عن بيان أبعادها وخطورتها، مأساةٌ بكل المقاييس، ومعضلةٌ بكل المعايير، ليس لها من دون الله كاشفة، فرحماك ربنا رحماك0
إن هذه الكارثة من أوضح الدلائل على سجية القوم، وما يكنُّونه لأمتنا ومقدّساتنا، إنه لأمر تبكي له العيون دماً، يُقتَل الأبرياء العزّل على أيدي سفاحي الصهاينة، ورثة النازية والفاشية، فأيُّ حقٍّ لهم في الأرض المباركة؟! وهي جزء من الأرضِ العربية الإسلامية التأريخية إلى قيام الساعة، التي تبوّأت منذ فجر التأريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين، بل هي جزء من ثوابتهم، وأمانة في أعناقهم، ولن يفرّطوا بشبر من أرضها ـ بإذن الله ـ ما دام فيهم عرق ينبض، ورجال رضعوا من كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. (1/164)
صفحة 165
ومما يشرح الصدر، ويبهج النفس، ما نراه من أولئك الشباب، من النساء والرجال، في أرض فلسطين ولبنان، باعوا أنفسهم لله، وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، بل سمعنا جميعا، ورأينا ما بثته وسائل الإعلام عن تلك المرأة العجوز، التي رزقها الله سبعة أولاد ذكور، فنذرت أن يكون الثلاثة الأوائل شهداء لله تعالى، فربتهم وعندما شبوا قدمتهم لتحرير الأرض، فاستشهدوا واستشهد معهم رابعهم من الأخوة، فإذا بها تخر لله شاكرة على هذه النعمة العظيمة، والمنة الجليلة، ومثل هذه المرأة كثير تعجب منه العقول.
هذه البطولات والتضحيات حيرت العالم أجمع، فلم يفلح القتل ولا الإرهاب، ولا التنديد والتهديد، فبالتضحية والبطولة قضى الرسول الله عليه وسلم وخلفائه الراشدون على دولة الشرك والوثنية، وبه حرر صلاح الدين البيت المقدس من الصليبيين، وبه أخرج الاستعمار ذليلا من بلاد المسلمين، وبه إن شاء تحرر جميع بلاد المسلمين.
لقد سطرت التضحيات والبطولات في فلسطين ولبنان بأحرف العز والنصر والشرف ملحمةً من أروع النماذج في التأريخ المعاصر، لقد أعدتم الأمل في النفوس، فأيقنوا بنصر الله لكم، متى ما نصرتم دينه، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله، فواصلوا دربَكم، واستنهضوا الهمما، هنيئاً لكم تقديمُ الأرواح رخيصةً في سبيل الله، ودعاؤنا أن يتقبل الله قتلاكم شهداء، وأن يكتب لمرضاكم عاجل الشفاء، وأن يحيينا وإياكم حياة السعداء، لا تيأسوا من روح الله، فالنصر قادم بإذن الله، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47]، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]. (1/165)
صفحة 166
الله أكبر، هذه بوارق النصر تلوح، ورائحته تفوح، تتوِّجها انتفاضةٌ جهادية باسلة، لا تزال هي الورقة الرابحة، وشمعة الأمل المضيئة في أيدي المخلصين من أبناء هذه الأمة، حيث لم تنجح معها سياسة ليّ الذراع، وألوان الصلف والتعسف. إنها أرواح تتهادى نصرة لدين الله، وإعلاءً لكلمة الله، وما أكثر النماذج الحية في أمتنا المعطاءة، التي أنجبت الأبطال والشهداء.
ومع هذا لا بد من تحقيق عنصر التكامل والأخوة بين الأمة، فلا بد أن نناصرهم قلبا وقالبا، نفسا ومالا.
ومن أهم عناصر المناصرة الرجوع إلى الله تعالى رجوعا صادقا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق شرعه، فمتى كانت الأمة قريبة من الله، كان الله قريبا منها، إذ كيف ننصر هؤلاء ونحن غارقون في المعاصي والآثام، والفواحش والموبقات، فالتوبة التوبة، والرجعة الرجعة.
ومن عناصر المناصرة الدعم المادي، والأنفاق في سبيل الله، وقد فتحت الجهات المعنية أبوابها لنصرة هؤلاء ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [الصف:10 - 11]، وقال: ((جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم وأنفسكم)).
والمسلم الحق لا يتردد في البذل والعطاء في مواطن الجهاد والفداء، هَا أَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم [محمد:38].
ومن عناصر المناصرة تربية الأجيال على البطولة والفداء، والعزة والنصرة، بدلا من الليونة والتكسر، وأن نفقهم في دينهم وتاريخهم، وفي أمجادهم وبطولاتهم. (1/166)
صفحة 167
فاتقوا الله أيها المؤمنون، كونوا أمة واحدة، وجسدا واحد، كونوا كرجل واحد في نصرة دينكم وأمتكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أما الرسالة الثانية فهي نداء إلى كل أب رحيم، وراع أدرك قيمة الأمانة التي في يده.
هذه الرسالة أرسلها لكم مجموعة من الفتيات في هذه المنطقة وغيرها، يشتكين لوعة العذاب، وحرارة الصبر.
ما ذنب تلك المسكينة التي وصل سنها الثلاثين أو أكثر، وهي محبوسة في بيتها، وطارق بابها يأتي بين فترة وفترة، ولا يجد إلا الصد والنكران.
أوليس لهن عاطفة، أو لا يمتلكن شهوة، أو لا يوجد عندهن عقل يفكرن به.
ما ذنب تلك المسكينة إذا كان ابن عمها أو خالها الذي حجزت له لم يتقدم بعد، أو أنه لم يهيء نفسه، فلماذا نمنعها من الزواج، ونضيق عليها الحلال.
ما ذنبها إذا من الله عليها بوظيفة ما أن تمنع من الزواج، ليكون لأبيها أو لوليها حصته من المال؟
أما يوجد في قلوب هؤلاء رحمة، أما يوجد في نفوسهم عطف لبناتهم.
أما قرع أذهان هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
واعلموا أن وضيفة الولي هو تنظيم الأمر فقط، فمن حق المرأة وحدها أن تقرر أنها تريد هذا الزوج أو ترفضه، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن نمنعها عن الزواج من أجل أننا نريدها لأقاربها، أو أن يكون الزوج من قبيلتها، فالأمر راجع إلى المرأة وحدها في اختيار الزوج، وعلى الولي الإرشاد والتنظيم فقط.
كذلك من حق المرأة وحدها في تحديد المهر، لأن هذا من حقوقها، فمن حق المرأة أن تتزوج بمائة ريال، أو ألف، وهي صاحبة القرار في هذا، ولا يجوز لأبيها أو أمها أو أخيها أن يجبرها على مقدار معين من المهر، ولا يجوز لهم أن يأخذوا فلسا واحدا منه إلا برضاها، فهي صاحبة التصرف في هذا المهر.
فاتقوا الله أيها الأولياء ثم اتقوا الله ثم اتقوا الله فإنكم مسئولون عن هذه الأمانة. (1/167)
صفحة 168
وقبل الختام أريد أن أنبه على موضوع له أهميته، فكما تعلمون أيها الأخوة أن الإجازة الصيفية محطة للاستفادة وتنمية الذات، فأبناؤنا يعيشون طيلة هذه الأيام في فراغ دامس إذا لم يجدوا من ينقذهم من هذا الفراغ.
ومن فضل الله علينا، وعلى هذا الوطن، أن من الله علينا بالمراكز الصيفية، فكانت ملتقى لهؤلاء الطلاب، وكانت مدرسة يتعلمون فيها أحكام دينهم، ويحفظون فيها كتاب ربهم، وكانت جامعة يتعلمون فيها الأخلاق ولآداب.
ونحن بدورنا في هذا الجامع وفرنا في هذا الجامع ما يقل عن اثني عشر مدرسا ومدرسة، وحافلتين لنقل الطلاب والطالبات، بجانب الأنشطة التعليمة والترفيهية، مما عشنا أياما جميلة في ظلال العلم والمعرفة.
والأسبوع المقبل هو الأسبوع الختامي لهذا المركز، وبما أن المركز قائم على الجهود الذاتية، وعلى التبرعات من قبل المحسنين، يوجد عندنا نقص في توفير مكافآت المعلمين، وتكريم المتميزين في المركز، من هنا فتحنا الباب في هذه الجمعة وطيلة الأسبوع لجمع التبرعات للمركز، فمن لديه الرغبة في الإنفاق والتبرع فالباب مفتوح، ولكم جزيل الشكر والامتنان.
وفي الختام صلوا وسلموا عل سيد البشرية وخاتم البرية كما أمركم الله في كتابه حيث قال " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ".
اللهم يا قوي يا عزيز يا رحيم يا وهاب يا منتقم ....
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم إنا نسألك بحق يومك هذا أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يالله يالله يالله ... (1/168)
صفحة 169
اللهم إنا نسألك باسمك الطيب الطاهر المبارك، الأحب إليك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت، نسألك لأخواننا في فلسطين فتحاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وصبراً جميلاً، في عافية بلا بلاء، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، والشكر على العافية ...
اللهم حل على أعدائك نقمة تخلصنا من شرهم، يا رب العالمين ...
اللهم دمرهم تدميراً، وافعل بهم كما فعلت بعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ...
اللهم إنا نتوسلُ إليك بأولئك الأطفال الرضع، والعجزة والنساء، اللهم إلى من تكلهم، إلى بعيد يتجهمهم، أم إلى عدوٍ ملكته أمرهم، إن لم يكن بك عليهم غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شيء.
اللهم أرسل إليهم فاتحاً يخلصهم من بلائهم، وينقذهم من عدوهم، واجعلهم محكمين لشرعك، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر ...
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
يا رحيم يا ودود يا ذا الجلال والإكرام والحمد لله رب العالمين.
مشاركة الشعب اللبناني فرحة النصر
الخطبة الأولى
الحمد لله ناصر الإسلام والمسلمين، ومذل الشرك والمشركين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيقول الحق تبارك وتعالى: ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين. (1/169)
صفحة 170
في هذه الأيام يعيش أخواننا المسلمون في لبنان خاصة، وفي العالم أجمع، يعيش المسلمون مع نفحات النصر المبين، وها نحن نشاركهم بهجتهم وفرحتهم، ونهنئهم ونهنئ أنفسنا وجميع المسلمين بهذا الظفر وهذا النصر الذي أحرزته قضيتهم، تلك القضية التي أشغلت المسلمين، ولقد كان لوعي إخواننا في تلك البلاد وصبرهم وإصرارهم على القتال وشدة بأسهم في النزال أكبر الأثر في نجاح مسعاهم، والفضل أولا وأخيرا لله تبارك وتعالى الذي من على المسلمين بهذا النصر، وبرجوع اللاجئين إلى ديارهم، وبتحرير جميع بلاد المسلمين قريبا إن شاء الله تعالى.
وها نحن في هذا اليوم العظيم نأخذ الدروس والعبر من هذا النصر المبين:
فأولا: هذا أول نصر نذوق طعمه نحن المسلمين في هذا العصر، نحن أبناء هذا الجيل الذي عشنا في عصر الهزائم، اعتدنا على الهزائم والنكسات، لم نذق طعم النصر أبدا حتى كاد اليأس والإحباط يستوليان على النفوس وحتى نسينا طعم النصر، فلقد شهدنا تدنيس المسجد الأقصى، وشهدنا سقوط كابول وبغداد، هكذا بالتقسيط، شهدنا الدمار والتقتيل اليومي في أرض فلسطين، شاهدنا السخرية من المسلمين تارة بالفاشية، وتارة بالنازية، وتارات بالإرهاب، شاهدنا السخرية من أحكام الدين وتعاليمه، وهذا النصر الذي نعيش في أجوائه اليوم هو أول نصر نذوق طعمه، وإن كان طعما فيه شيء من المرارة، وإن كان ظفرا لم يسلم من بعض المنغصات والمكدرات، ولكنه على أية حال يعد من الانتصارات. (1/170)
صفحة 171
ثانيا: هذا النصر إنما تحقق ببركة الصمود، ورفع راية الجهاد، والتمسك بشعار الإسلام الذي رفع لواءه إخواننا المجاهدون، وصبروا عليه حتى آخر لحظة، هذه بركات الله أكبر، فانظروا إلى أي شيء انتهت الله أكبر، إلى النصر، إلى هزيمة أعتى دولة على وجه الأرض، وفي هذا النصر الإسلامي المؤزر درس بليغ للأمة أن النصر لا يحصل علية بالأماني، ولا بالكلام الرنان، ولكن بالعزيمة والبذل، والتضحية والفداء، فللنصر أمتنا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والبذل بالمال والنفس في سبيل الله، نعم لقد خسر أخواننا عشرات الأرواح والأموال، وزاد طغيان الباطل وبطشه، ولكن هذه البداية، ويتبعها إن شاء الله انتصارات وانتصارات حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا ... أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ (1/171)
صفحة 172
ثالثا: إننا لنضع أيدينا على قلوبنا شفقة على هذا النصر الذي حققه إخواننا خشية أن يضيع، لأن الأعداء متربصون وقد عودنا هؤلاء الأعداء على سرقة الثمار والسطو على النتائج، فما لم ينالوه بقوة السلاح وما عجزوا عن نيله في ساحة القتال، فإنهم ينالونه بالمكر والخداع والمناورات السياسية. إنهم يستغلون مشاكلنا نحن المسلمين ونقاط الضعف فينا أسوأ استغلال ونحن في قمة فرحتنا بهذا الظفر، نرى الإذاعات الأجنبية يكشفون كل العيوب والنقائص حتى نظن أن هؤلاء المجاهدين سيأكل بعضهم بعضا، فتعالو نلهج إلى ربنا بالدعاء، فإن الدعاء في الأيام المباركة، ويوم الجمعة منها، الدعاء في مثل ذلك هو من أعظم ما ندعم به إخواننا المجاهدين، فلنلهج بالدعاء إلى ربنا أن يلهم هؤلاء المجاهدين من أمرهم رشدا، اللهم ألهمهم من أمرهم رشدا وشد أزرهم ووحد كلمتهم وانزع الغل من صدورهم واجعلهم إخوانا تحت لواء الإسلام متفقين متكاتفين يا رب العالمين. (1/172)
صفحة 173
خامسا: علمنا هذا النصر أن معية الله أقوى من أي شعار براق، والنصر لا يتحقق إلا من خلال قول الله تعالى: " الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَاتَوُاْ الزَّكَواةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وقوله تعالى: " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا"فمن جمع تلك الخصال وحصّلها نصر دين الله، والله قد وعد ـ والله لا يخلف الميعاد ـ أن ينصر من نصر الدين، فيا لبت قومي يعلمون، فإذا صدق العبيد ربهم وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه ثم سألوه النصر واستغاثوه وطلبوا منه العون والمدد والتأييد فإن النصر يتنزل عليهم من عنده، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، ويمدهم سبحانه بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحينئذ فلن يقف أمام جند الله كلّ قوى الباطل مهما بلغ عدتها وعُددها، وستتهاوى أمام التأييد الإلهي كلّ الأرقام الفلكية والحسابات الضوئية في رصيد القوة الكافرة، إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ ". (1/173)
صفحة 174
سادسا: علمنا النصر أن الوحدة هي طريق النصر والصمود، فبدونها لا نصر ولا تقدم، بل انهزامية ورجعية، آن لهذه الأمة أن تدرك معنى قوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، آن لهذه الأمة أن تقف مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "، لقد عانت هذه الأمة من صيحات التكفير والتفسيق، والتبديع والتضليل، فأصبحت أحزابا متناحرة، وتيارات متعددة، أولم يدرك هؤلاء أن ربهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، آن لنا أن نقف مع قوله تعالى " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون "، آن لهذه الأمة أن تتحد وتعتصم بحبل الله في الشدة والرخاء.
سابعا: علمنا هذا النصر أن العدو لا يهمه إلا نفسه وجنسه، فهم لا يجتمعون إلا من أجل مصالحهم الخاصة، وإن كلمتهم متحدة ضد المسلمين، شهر كامل يقتل فيه الأطفال والنساء، مجازر وتخريب، دمار وتقتيل، فلم يقوى واحد منهم على إدانة هذا الأمر والتحرك جديا، أين الشعارات البراقة التي ينادون بها؟ أم أنها الحقيقة المرة " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ".
فآن لهذه الأمة أن تتحد، آن لهذه الأمة أن ترجع إلى دينها، وتتأمل في قرآنها، فهو طريق الخلاص لهذه الأمة، أقول ما تسمعون واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
نداء أوجهه من هذا المنبر إلى مسامعكم الكريمة، ونحن نعيش هذه الأيام السعيدة.
نحن جزء من هذه الأمة، نفرح لفرحها، ونحزن لما يصيبها من سوء وألم، وصلاحنا صلاح للأمة، وانحرافنا يضر أمتنا المجيدة.
والسؤال الذي طالما يطرحه كثير من الناس، أنا فرد لا أستطيع أن أقدم شيئا لهؤلاء المستضعفين والمنكوبين، وأنا في الجملة بعيد عنهم فضلا أن أن أنصرهم؟
لا يا أخي العزيز تستطيع أن تقدم الشيء الكثير لأمتك، فكل واحد منا يستطيع أن ينصر أمته، من نفسك تنصر أمتك، ومن بيتك تنصر أمتك، ومن مجتمعك تنصر أمتك. (1/174)
صفحة 175
إن أكبر حرب يوجهها الأعداء حرب الثقافة والفكر، حرب التعليم والتمسك بشريعة الله، أنظروا إلى التلفزة كم عدد القنوات التي تهتم بإصلاح المجتمع وإرشاده إلى الخير؟
ادخلوا أقرب حانوت لكم يبيع المجلات كم عدد المجلات الهادفة التي تباع في هذا الحانوت؟
من هنا لا نرى عجبا أن نجد شابا تائها في ظلمة الحياة، اتخذوا من الماجنين قدوة لهم، بعد ما أصبحت لهؤلاء الماجنين الذين يأكلون أموال الأمة حظا من القنوات ووسائل الإعلام؟
ومن هنا أيضا لا نرى عجبا أن يتدنى مستوى الثقافة وإعمال العقل بعد ما طغت علينا الأغاني الماجنة، فأسرت عقول شبابنا، وضيعت أوقاتهم؟ وقل فينا من يقرأ، ويحضر حلقات العلم؟
بل لا نرى عجبا من انحراف أسرة بكاملها، أن نراها تهتم بالثانويات دون الأساسيات، وتبذر المال دون مراعاة لفقير ولا مسكين.
ولكن في الأمة خير كثير من أمثالكم، ولا بد أن يتجسد هذا الخير إلى واقع عملي، في أنفسنا وبيوتنا، في مساجدنا وأسواقنا، لا بد بداية من إصلاح النفس، ومراقبة الله تعالى، لا بد إصلاح الأسرة وتربيتها تربية قرآنية، لا بد من إصلاح المجتمع، لا بد من تفعيل دور المسجد، وإحياء الحلقات العلمية بين زواياه، لا بد من إعانة المساكين، والتبرع لإخواننا المستضعفين في لبنان وفلسطين وغيرها من بقاع المسلمين، بهذا وأمثاله نكون قريبين من الله تعالى، فيستجاب دعاؤنا، ويعمنا نصر الله، وبهذا نصر الله أوليائه في العهد الأول، وبه ينتصر الخلف إن شاء الله.
وقبل الختام كما تعلمون أيها المسلمون أن المدارس قد اقتربت أبوابها على الانفتاح، والكل يسعى في توفير مستلزمات الدراسة لأبنائه، من ملابس وأدوات، من هنا كالعادة عزمنا إن شاء الله تعالى أن نخصص جزء من التبرعات في هذه الجمعة لتوفير مستلزمات الدراسة للأسر الفقيرة، حيث خصصنا الصناديق الخارجية لهذا الغرض، أما الصناديق الداخلية فهي مخصصة لمشاريع المسجد. (1/175)
صفحة 176
وفقكم الله، وسدد على الخير خطاكم، وتقبل عملكم ومسعاكم.
مع أحداث كأس العالم 2006
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل لنا نورا نهتدي به في ظلام الدنيا الفانية، والصلاة والسلام على خير البرية، محمد وعلى آله وصحبه صلاتا وسلاما إلى يوم القيام لرب الأراضين والسماوات العالية.
أما بعد:
فها أنتم تعيشون في هذه الأيام في ظلال أحداث متعددة، منها ما يسعد القلب، ويشرح الصدر، ومنها ما يبكي العين، ويحزن النفس.
ينتقل بنا قطار الأحداث في هذه الأيام من أنشطة الصيف وفعالياته، إلى غزة المنكوبة تحت الدمار والتقتيل، وأخيرا يقف بنا القطار مع كأس العالم، وما فيه من أحداث عجاب، تضحك الإنسان تارة، وكثيرا ما تبكي منه عيون أولي الألباب.
وها أنا أوجه إليك أخي المستمع هذا السؤال؟ وعسى أن تستمع إلي بقلب خاشع، يريد الوصول إلى الحقيقة!!!
والسؤال الذي يجب أن نجد له حلا، وأن نقف معه وقفات ووقفات؟ ما موقفك أخي المسلم من هذه الأحداث؟ وهل أعددت لنفسك مكانا ترقى به لنفسك ولوطنك ولأمتك ...
أخي العزيز: وقفتان أضعها بين يديك، عسى أن تكون إشراقة نور لي ولك ولأمتنا المجيدة.
* الوقفة الأولى: بين الأساسيات والثانويات
لم يكن غريبًا أن تنطلقَ منافسات كأس العالم في الوقتِ الذي انطلقت فيه قنابل إسرائيلية لتقتلَ الأطفال والنساءَ وتقطِّع أوصالهم وتنثُر أشلاءَهم على أرضِهم، ليس ذلك غريبًا لأن العدو لا تهمّه الدماء المسلمة، ولا تعنيه أرواح المسلمين، وإنما العجَب من غفلة المسلمين، وموت شعورهم، وتبلّد إحساسهم، ونضوب الغَيرة من قلوبهم إلا من رحم الله تعالى.
إنّ هذا الحدثَ الرياضيّ العالميّ فيه درس للمسلمين، لابد أن يستفيدوا منه: (1/176)
صفحة 177
فهل نالت قضايا مجتمعاتهم وأوطانهم من اهتمامهم وعناية ما نالته هذه المنافسات؟! هل حظيت منهم همومُ الأمّة المسلمة وقضاياها المصيرية مثل ما حظيت به هذه المنافسات؟! هل كان لهم من الحرص على إنجازات أوطانهم والمساهمة في تقدّمها ورقيها مثل حرصهم على متابعة هذه المنافسات؟!
كم من أموال أنفقت!!! وكم من أوقات ضيعت!!! دون تفريق بين أولوي وثانوي، ولا بين نافع وضار ...
ومن العجب العجاب أن نجعل من اللهو واللعب ركيزة من ركائزنا، وهدفا من أهدافنا، ونقدمه على جميع الأهداف والركائز، حتى في الجانب العلمي والثقافي.
وحتى لا أكون مبالغا في الأمر، ومهولا لهذه القضية، لقد رأيت بنفسي من خلال المركز الصيفي، ورآه غيري في مراكز أخرى ......
نجد أبنائنا منغمسين في الجانب الرياضي، وثقافتهم لا بأس بها في هذا المجال ...
وهذا أمر طيب، بل الأمة مطالبة أن تكون قوية جسميا وعقليا، وأن تكون ثقافتها تعم الجانب الرياضي والترفيهي ....
ولكن ما إن تسألهم عن تاريخهم وتاريخ أمتهم، ما أن تقف معهم في ظلال قرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ....
ما أن تحلق معهم في حلقات العلم والتاريخ المعاصر ..... تجد القليل منهم ممن يهتم بهذا الأمر، ويعطيه حقه ومستحقه ......
قلت لهم مرة حدثوني عن صبرا وشاتيلا، حدثوني عن جنين، حدوثوني عن غزة والضفة، حدثوني عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ....
بل تجد الكثير منه يحفظون أسماء المغنين والاعبين أكثر من حفظهم لأفضل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .....
أيها المؤمنون: لا يجوز أن نخادع أنفسنا، ونكتم عوامل الضعف فينا ...
إن هذه الأمة أمة متكاملة في ثقافتها ومنهج حياتها، ولا يجوز أن نهتم بجانب معين، ونترك الجوانب الأخرى ...
بل لا بد من التكامل في الجوانب الفكرية والاجتماعية والرياضية والسياسية والعلمية وغيرها .... " ما فر طنا في الكتاب من شيء " .... (1/177)
صفحة 178
وعلينا أن نربي أنفسنا وأبنائنا على التكامل في حياتهم، وأن نعودهم على الرياضة العقلية كم عودناهم على الرياضة البدنية .....
إننا لن ننصر إخواننا المسلمين ما دمنا أمة جاهلة، أمة همها اللعب وحده فقط ...
فلنكن عنصر تكامل في هذه الأمة، ولنقدم الأولويات على الثانويات، وأن نتعاون جميعا على رقي هذه الأمة .... نسأل الله تعالى أن يوفقنا لنصرة دينه ....
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم، فاستغفروه يغفر لكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أما الوقفة الثانية فهي نداء إلى كل أب رحيم، وراع أدرك قيمة الأمانة التي في يده.
هذه الرسالة أرسلها لكم مجموعة من الفتيات في هذه المنطقة وغيرها، يشتكين لوعة العذاب، وحرارة الصبر.
ما ذنب تلك المسكينة التي وصل سنها الثلاثين أو أكثر، وهي محبوسة في بيتها، وطارق بابها يأتي بين فترة وفترة، ولا يجد إلا الصد والنكران.
أوليس لهن عاطفة، أو لا يمتلكن شهوة، أو لا يوجد عندهن عقل يفكرن به.
ما ذنب تلك المسكينة إذا كان ابن عمها أو خالها الذي حجزت له لم يتقدم بعد، أو أنه لم يهيء نفسه، فلماذا نمنعها من الزواج، ونضيق عليها الحلال.
ما ذنبها إذا من الله عليها بوظيفة ما أن تمنع من الزواج، ليكون لأبيها أو لوليها حصته من المال؟
أما يوجد في قلوب هؤلاء رحمة، أما يوجد في نفوسهم عطف لبناتهم.
أما قرع أذهان هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
واعلموا أن وضيفة الولي هو تنظيم الأمر فقط، فمن حق المرأة وحدها أن تقرر أنها تريد هذا الزوج أو ترفضه، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن نمنعها عن الزواج من أجل أننا نريدها لأقاربها، أو أن يكون الزوج من قبيلتها، فالأمر راجع إلى المرأة وحدها في اختيار الزوج، وعلى الولي الإرشاد والتنظيم فقط. (1/178)
صفحة 179
كذلك من حق المرأة وحدها في تحديد المهر، لأن هذا من حقوقها، فمن حق المرأة أن تتزوج بمائة ريال، أو ألف، وهي صاحبة القرار في هذا، ولا يجوز لأبيها أو أمها أو أخيها أن يجبرها على مقدار معين من المهر، ولا يجوز لهم أن يأخذوا فلسا واحدا منه إلا برضاها، فهي صاحبة التصرف في هذا المهر.
فاتقوا الله أيها الأولياء ثم اتقوا الله ثم اتقوا الله فإنكم مسئولون عن هذه الأمانة.
وقبل الختام أريد أن أنبه على موضوع له أهميته، فكما تعلمون أيها الأخوة أن الإجازة الصيفية محطة للاستفادة وتنمية الذات، فأبناؤنا يعيشون طيلة هذه الأيام في فراغ دامس إذا لم يجدوا من ينقذهم من هذا الفراغ.
ومن فضل الله علينا، وعلى هذا الوطن، أن من الله علينا بالمراكز الصيفية، فكانت ملتقى لهؤلاء الطلاب، وكانت مدرسة يتعلمون فيها أحكام دينهم، ويحفظون فيها كتاب ربهم، وكانت جامعة يتعلمون فيها الأخلاق ولآداب.
ونحن بدورنا في هذا الجامع وفرنا في هذا الجامع ما يقل عن اثني عشر مدرسا ومدرسة، وحافلتين لنقل الطلاب والطالبات، بجانب الأنشطة التعليمة والترفيهية، مما عشنا أياما جميلة في ظلال العلم والمعرفة.
والأسبوع المقبل هو الأسبوع الختامي لهذا المركز، وبما أن المركز قائم على الجهود الذاتية، وعلى التبرعات من قبل المحسنين، يوجد عندنا نقص في توفير مكافآت المعلمين، وتكريم المتميزين في المركز، من هنا فتحنا الباب في هذه الجمعة وطيلة الأسبوع لجمع التبرعات للمركز، فمن لديه الرغبة في الإنفاق والتبرع فالباب مفتوح، ولكم جزيل الشكر والامتنان.
وفي الختام صلوا وسلموا عل سيد البشرية وخاتم البرية كما أمركم الله في كتابه حيث قال " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ".
وقفات منوعة
الخطبة الأولى (1/179)
صفحة 180
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} الحشر: (18) - (20)
الحمد لله الذي أنزل لنا نورا نهتدي به في ظلام الدنيا الفانية، والصلاة والسلام على خير البرية، محمد وعلى آله وصحبه صلاتا وسلاما إلى يوم القيام لرب الأراضين والسماوات العالية.
أما بعد:
يقف بنا قطار الأحداث في هذه الأيام وقفات متنوعة، فوقفتة الأولى كانت مع نهاية الإجازة الصيفية، منطلقا بنا إلى وقفته الثانية ومع افتاح المدارس وأماكن العلم والتربية، وأخيرا يقف بنا مع شهر الله الفضيل.
الوقفة الأولى
مع فراق الإجازة الصيفية
أسبوع واحد ونفارق الإجازة الصيفية .... فيا ترى ماذا كان حالنا فيها؟ وبماذا خرجنا منها؟ وماذا أنتجنا فيها؟ سؤال أوجهه بداية إلى الآباء وأعقبه للطلاب.
فيا أيها الأب ما هو حالك في الإجازة الصيفية؟ وماذا عن جدولك فيها؟ أكنت عونا لابنك في استغلال الإجازة؟ أوفرت له الجو المناسب والخطة المناسبة؟ لكي يجمع بين الجد واللهو، بين العمل واللعب، ولكي نخرج جميعا من الإجازة ونحن في استغلال لأوقاتنا واستثمار لها.
وأنت أيها الطالب ما هو حالك في الإجازة الصيفية؟ أجد في وقت الجد! ولعب في وقت اللعب! أنظمت وقتك، وقسمت عملك، فخرجت من الإجازة وقد استفدت حفظا لبعض السور، أو قراءة لكتاب، أو مشاهدة لمفيد، أو تنمية لموهبة لك ... (1/180)
صفحة 181
أم خرجت من الإجازة وقد قضيت نهارك في نوم ولعب، وليلك تحت القنوات وفي السهرات الجانبية، فخرجت من الإجازة وقد تجمد عقلك بعد دراسة، وأقبلت على المدرسة وأنت صفر الثقافة، فأي الفريقين أحق بالفوز والسعادة، وأي الطلاب أحق بالتكريم والثناء!
أيها المسلمون:
إن الأمة المتقدمة هي التي تنظر إلى وقتها بعين الجدية والاهتمام، وتقدم الواجب على المندوب، وتهتم بالأولويات ثم تنطلق إلى الثانويات، تهتم أولا بالثقافة وتنمية المواهب ثم تنطلق إلى اللهو البريء، والسياحة النافعة.
فعلى المجتمع جميعا أن يتعاون في غرس أهمية الوقت في نفوس الطلاب، وأن يغرسوا في قلوبهم الاهتمام بالأولويات، وأن ينظروا إلى أوقاتهم وحياتهم أنها دقات سرعان ما تنقضي.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني
الوقفة الثانية
على عتبات المدرسة
أسبوع واحد وتفتح المدارس أبوابها لطلبة العلم والثقافة، فهنيئا لأبنائنا مقاعد العلم والفضيلة ...
فيا طلابنا الأكارم:
لا شك أنكم في شوق للعودة إلى مراكز العلم والتربية، وفي سعادة وبهجة للعودة إليها، ومع بداية العام الدراسي الجديد هاكم ستة نصائح أوجهها إليكم عسى أن فاتحة خير وبركة.
أما الأولى فعليكم بتقوى الله، والمحافظة على الصلاة في جماعة، فهذا أعظم طريق للنجاح والتفوق "واتقوا الله ويعلمكم الله".
وأما الثانية لا بد من وضع الهدف، فلكل طالب هدف يسعى لتحقيقه، وهو الحصول على المراكز الأولى، وهذا يحتاج إلى اجتهاد وجد ومثابرة منذ بداية الدراسة من مراجعة للدروس، وتحضير لها، ووضع تصور للوقت وتنظيمه. (1/181)
صفحة 182
والنصيحة الثالثة لا بد أخي الطالب أن تنظم وقتك، فلا تقضي طيلة الشهور الأولى في اللعب والتسكع في الطرقات، والجلوس تحت القنوات، وتأتي قبل الامتحان بأسبوع أو أسبوعين وأنت لا تفهم المادة، ولا تستحضر معالمها الأساسية، فتكون النتيجة إما ضعف في الدرجات، أو سقوط في المادة، واحذر هنا أخي الطالب من أصدقاء السوء الذين لا هم لهم إلا إضاعة وقتك، وتدمير مستقبلك، واستشر أباك أو أخاك أو إي رجل تثق فيه عمن تصاحب ليدلوك عل الصاحب المخلص.
أما نصيحتي الرابعة فلكي تكون متفوقا – أخي الطالب – لا بد من احترام المعلمين، وكافة القائمين على المدرسة من مدير ومعلمين وعمال وسائقي الحافلة، فالطالب الذي لا يحترم هؤلاء هو طالب مغرور، والطالب المغرور فاشل في حقيقته، ولن يكتب له نجاح في دراسته.
واحذر أيها الطالب من الإساءة إلى المعلمين ولو برفع صوت، فهذا يدل على دناءة في الأخلاق، وسوء في التربية، فكن طالبا محترما ينظر إليك الناس بعين الإجلال والاحترام، ولا تغتر بمن يستهزئ بالمعلم في الفصل أو في المدرسة فذلك طالب فاشل وإن أظهر حلاوة في اللسان، وقوة في الجسم، إلا أنه في حقيقته جبان لا يستحق الوقوف معه ومصاحبته، وإياك أن تنادي معلمك باسمه خاليا من عبارات الإجلال والتكريم كمعلمي الفاضل، وأستاذي العزيز، واحذر أن تلقبه بألقاب منكرة، فاحترامك لمعلمك دليل على رقيك وحسن تربيتك.
ونصيحتي الخامسة عليك أخي الطالب بالتمسك بالأخلاق الحميدة، وإياك والكذب والغيبة والنميمة، والغش والسخرية من زملائك الطلاب، وابتعد عن الكلمات النابية، والعبارات السيئة، فإن كنت ذا خلق قويم فأنت من الطلاب المستحقين للثناء والاحترام. (1/182)
صفحة 183
ونصيحتي الأخيرة حافظ – أخي الطالب – على ممتلكات المدرسة ونظافتها، فالطالب المجتهد هو الذي يحافظ على ممتلكات أمته، والحمد لله قد وفر لك كلّ شيء بالمجان من مدارس ومعلمين وحافلة ومصروف مدرسي، وكم من الطلاب في العالم لا يجدون مدارس يدرسون فيها، ومنهم من يقطع دراسته بسبب عدم قدرته على دفع مصارف المدرسة، واسأل الآباء الذين درسوا تحت حرارة الشمس، تحت الخيام والأشجار، ومشوا عشرات الكيلو مترات من أجل الوصول إلى مقاعد العلم والدراسة، فاشكر الله على هذه النعمة، ورد خيرات وطنك وحكومتك، ودعك من المستهترين، فأنت أرقى من أن تغتر بهم، وتقتدي بسلوكياتهم، وفقك الله، ويسر مسعاك.
وأخيرا أوجه ندائي إلى إخواننا المعلمين، الذين نقف أمامهم إجلالا وإكبارا على صبرهم واجتهادهم، فالله الله أيها المعلمون في أبنائنا الطلاب، أغرسوا في قلوبهم حب الفضيلة وأهلها، وأبعدوهم عن الرذيلة والدنايا، اغرسوا في قلوبهم حب العلم والاجتهاد وتنظيم الوقت وتقديم الأولويات، وكونوا قدوة صالحة لهم، أستأمناكم أبنائنا فردوا الأمانة على أكمل وجه، واجتهدوا –يرعاكم الله- في الحفاظ عليها علما وأدبا، خلقا وفضيلة.
وفق الله الجميع، ويسر لنا طريق الخير والصلاح، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: (185)
الوقفة الأخيرة: وقفة نور قبل الشهر الفضيل
أيام قليلة, و ساعات معدودة, ويهل علينا شهر الصيام ... (1/183)
صفحة 184
فيا لها من نعمة عظمى, ومنة كبرى, أن نصوم شهر الله المعظم ...
اشكروا الله - أيها المسلمون – واسألوه أن يبلغنا رمضان, ويرزقنا قيامه وصيامه ....
وها نحن معاشر المسلمين فارقنا إحدى عشر شهرا، فمنا المطيع حق الطاعة، ومنا المقصر في الأيام الماضية، وها هو رب الاراضين و السماوات العالية، يفتح بابه للمذنبين في رمضان وللناس قاطبة؛ ليغفر لهم ما أسلفوا في الأيام الخالية، وليفتحوا صفحة بيضاء في الأيام المقبلة.
عبادالله:
شهر رمضان فرصة ذهبية لا تتعوض, ومنة إلاهية لمن شمّر عن ساعد الجد و اجتهد, فطوبى ثم طوبى لمن أدى حقه, وعظم حرمته, وأدرك فضله و مغفرته.
فيا أبناء شهر رمضان المعظم:
ها انتم مقبلون على هذا الضيف الكريم, فماذا عساكم فاعلون؟
أجدية و اجتهاد في هذا الشهر؟ أم نوم و كسل و تضيع للوقت؟
أمراقبة لله و مسابقة في الصالحات؟ أم غفلة و اقتراف للمنهيات؟
ذهب رمضان الماضي, ومرت أيام و ساعات, وهانحن على أبواب رمضان من جديد ...
كم قصرنا في جنب الله! و كم أخطانا في حقه! و كم بعدنا عن بابه ...
ومع هذا باب الأمل مفتوح, وباب الرجاء لا يغلق, فهاهي هدية الله و رحمته, تعلن أن لا يأس من روح الله, و لا قنوط من رحمته، فشمر أخي في الله عن ساعدك, واقبل إلى ربك, و ظن خيرا بخالقك ....
فو الله الذي لارب سواه لو جئت قبل رمضان و ذنوبك مثل حيال الدنيا, جئت بقلب ذليل خاضع لله, وأنت عازم للرجوع إليه, لبدل الله سيئآتك حسنات, وتقبل صيامك, وكنت من عتقاء الشهر إن شاء الله ....
فإلى متى الغفلة! وإلى متى التعلق بالدنيا و الشهوات!! ..
فالأوبة الأوبة, و الرجعة الرجعة, حتى لا يفارقك الشهر وأنت في غفلة وبعد عن الديان.
((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر النوب جميعا)).
أحباب رمضان:
مدرسة رمضان أعظم مدرسة يمر بها المسلم في عامه (1/184)
صفحة 185
مدرسة رمضان لطالما خرجت المؤمنين الأتقياء .... و لطالما خرجت المجاهدين النبلاء ...
من مدرسة رمضان خرج صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ينشرون الخير للإنسانية ...
ومن مدرسة رمضان خرج الدعاة ينشرون دين الله ....
من مدرسة رمضان خرج المسلمون بملأون الارض قسطا و عدلا و سعادة و سرورا ....
من مدرسة رمضان كانت غزوة بدر الكبرى, وفتح مكة ...
ومن مدرسة رمضان كانت العدالة و الحرية و المساواة ....
فأين نحن من مدرسة رمضان ... ؟
أين نحن من هذه الجامعة العريقة؟
أباللهو و اللعب في ليالي رمضان نتخرج منها؟
أبالمسلسلات و الأفلام و الفوازير ننجح فيها؟
أبالنوم و التسكع في الطرقات نتفوق فيها؟
أبالكسل و تضيع الوقت نستفيد منها؟
أبالتخمة و التنافس في المؤكولات نتعلم فيها؟
إيه و الله مدرسة رمضان لو وقفنا معها وقفة صادقة لتغير حالنا, لو عقدنا العزم للاستفادة منها لكان لنا شأن آخر ....
فيا الله ما أعظم مدرسة رمضان، و ما أجلها من جامعة , فلا تضيعوا يرعاكم الله هذه المدرسة, عضوا عليها بالنواجد, و راقبوا فيها مولاكم في كل لحظة و حين، واستعدوا لاستقبالها، وأخذ شهادة امتياز فيها.
فاتقوا الله وراقبوا الله واخضعوا لأمر الله، وقفوا عند حدود الله واستعدوا للقاء الله
وقفة مع اليوم العالمي للمرأة (1/185)
صفحة 186
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} الأحزاب: (32) - (34)
الحمد لله الذي كرم النساء، وجعلهن شقائق أولاد حواء، والصلاة والسلام على خير الأولياء، محمدٍ وعلى آله وصحبه الفضلاء، وعلى تابعية بإحسان إلى يوم القيام لرب الأرض والسماء.
يقول تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124]
أما بعد:
فقد أعدت الإنسانية يوما عالميا للاحتفاء بالمرأة، بعدما هضمت حقوقها في المجتمعات الأوربية طيلة من الزمن، حتى جاءت الثورة الفرنسية، وتبعتها الفلسفة الفرويدية، فنقلت المرأة من ظلم الإفراط إلى ظلم التفريط، ومن اعتبارها روحاً شريرةً لا مكانة لها في المجتمع، إلى حيوان يتلاعب به الذئاب.
فالمرأة اليوم – وهي تحتفي بهذه الذكرى العالمية– بحاجة إلى تصور سليم، يجمع بين فطرتها التي جبلت عليها، ومكانتها التي لا بد أن تتبوأها؟ إن المرأة بحاجة إلى شريعة تحمي عرضها وشرفها؟ شريعة تخلصها من الذئاب وتقربها إلى رب الأرباب.
إن البناء وإن تسامى واعتلى
مالم يشيد بالتقى ينهار
تبقى صروح الحق شامخة وإن
أرغى وأزبد حولها الإعصار
قد يحصد الطغيان بعض ثماره
لكن عقبى الظالمين دمار
عباد الله: (1/186)
صفحة 187
إن الغرب نادى بأعلى صوته إلى حرية المرأة، وسخّر أقلامه وإعلامه لتحرير المرأة، إنقاذها من الظلم والقهر ...
وكان منهم المخلص الذي يريد أن يرجع حقوق المرأة، ومنهم الكاذب الذي كان هدفه التمتع بجمال المرأة ...
ومع صدقهم أو كذبهم أوقعوا المرأة في ظلم أكبر ... وفساد أعظم ...
لقد شاعت الفاحشة شيوعاً مخيفاً، فقد اكتسح الغرب التحرير، فانتشرت الفاحشة، ولم تقتصر على أماكن البغاء، بل تجاوزت إلى الفنادق والمقاهي الراقصة والمنتزهات، وعلى قارعة الطريق، ولم يعد من الغريب ولا الشاذ أن يقع الأب مع بناته، والأخ مع أخته، بل لقد أصبح ذلك شائعاً ومألوفاً، وأصبحت الخيانة الزوجية ظاهرة عامة، ففي إحدى الدول الغربية، امرأة واحدة من كل أربع نساء تخون زوجها، فالمرأة تخون زوجها، والزوج يخون زوجته، مما أدى إلى الطلاق، وتفكك الأسر وتبعثرها، وانتشار اللقطاء والسرقات.
فأصبحت المرأة تنظر إلى الرجل أنه وحش مفترس يريد أن ينقض على من هو أضعف منه، وينظر الرجل إلى المرأة أنها قطة متوحشة، يقول ستالون: " أحد مفكري الغرب": عندي كل الأسباب التي تجعلني أكره النساء". (1/187)
صفحة 188
أما الاغتصاب فأصبح مخيفا في الغرب فهو يقع عشرات المرات في دقائق معدودة، ناهيكم عن الانتحار في ظل الرفاهية المزعومة والحرية، فقد دلت الإحصائيات أن أربعا وثلاثين بالمائة من النساء يفكرن في الانتحار، أما الأمراض التي ظهرت بسبب الفاحشة والشذوذ، فقد انتشر الزهري والسيلان وهما من الأمراض الخطيرة، فضلا عن الإيدز الذي ينتشر بمعدل ست ثواني، يقول جيمس باترسون مؤلف كتاب "يوم إن اعترفت أمريكا بالحقيقة" يقول: (مئات الآف من الأمريكيين يكوّنون علاقات جنسية في كل ليلة من ليالي الأسبوع، مع أشخاص يعتقدون أنهم مصابون بهذا المرض)، ثم يقول: (إن استقراء سريعا لإحصائيات هذه الدراسة، تبشر إلى أن هناك مليونين على يقين أنهم مصابون بهذا المرض، وسبعة ملايين يعتقدون أنهم في خطر كبير من الإصابة بهذا المرض، ومعظم هؤلاء المصابين بالإيدز هم أسوياء وغير شاذين، فكم تكون النسبة بين الشاذين؟)
إن المرأة في الغرب أصبحت رهينة الملاجئ والضرب والاغتصاب، ولا نرى عجباً أن نجد في إحدى الدول الأوربية ستون بالمائة من النساء يتمنين العودة إلى القرون الوسطى، وتعيش في ظلم تلك الجاهلية، بدلاُ من جاهلية اليوم، ولسان حالها يقول:
ربُ يومَ بكيت فيه فصرت في غيره أبكي عليه
أخوة الإيمان:
إن التصور الإسلامي الرباني هو التصور الوحيد الذي ينقذ المرأة من ظلم الشعوب والمجتمعات، ويعيدها إلى الفطرة والعفاف، مع التقدم والتطور في كافة مجالات الحياة، وفقا للقاعدة الكونية {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}.
ويوم ابتعد المسلمون عن دينهم، أوقعوا المرأة في ظلم بغيضٍ، أدى إلى سخرية الأعداء منا، ونسبوا هذه الأمثلة إلى الإسلام ظلماً وزورا، أولم يظلموا المرأة في أكل أموالها بدون حق؟!، أولم يظلموا المرأة بمنعها من الزواج رغبة في أكل مالها؟! ...
أولم يظلموا المرأة برفع المهور وكأنها سلعة تباع وتشترى؟! .... (1/188)
صفحة 189
أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في الخروج إلى المحاضرات، ودراسة العلم الشرعي، والمشاركة في الأنشطة النافعة في المساجد وغيرها؟! ...
أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في عدة الوفاة؟!، فأجبروها أن تجلس في مكان ضيق، وأن تلبس أسوداً أو أبيضاُ، وأن لا تكلم أرحامها، ولا تزور أقربائها، ولا تخرج لقضاء حوائجها الخاصة المضطرة إليها ...
أولم يظلموا المرأة بعدم تفقيهها في الدين؟!، فأصبحت تجهل الأمور الأساسية من دينها، خاصة فيما يتعلق بأركان الإسلام ...
أولم يظلموا المرأة بالتهديد بالطلاق والضرب لأتفه الأسباب؟! ...
أفلا يتدبر المسلمون كتاب ربهم ويتأملوا نظرة القرآن إلى المرأة، أفلا يتعضون بسنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع المرأة وهو القائل: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي}، أفلا يقرؤون تاريخهم كيف كانت المرأة وكيف أصبحت ...
أين خديجة المنفقة الصابرة، التي سخّرت أموالها ونفسها لنشر دين الإسلام؟
أين عائشة الفقيهة العالمة التي سخّرت وقتها في تفقيه أمتها ونشر العلم النافع؟
أين البلجاء المجاهدة المضحية التي استشهدت من أجل رفع الظلم عن أمتها؟
أوليس لهن بيوت؟!، أوليس لهن أولاد وأزواج؟!، أمنعهن الحجاب والعفاف عن الجهاد ونشر الدعوة؟!
لسان حالهن يقول:
سرت والتقوى ضيائي
خلف خير الأنبياء
إن لي نفساً أبية
إنها تأبى الدنية
إن دربي يا أخية
قدوتي فيه سمية
من هدى الدين اغترافي
نبعنا أختاه صافي
دربنا درب العفاف
فاسلكيه لا تخافي
ديننا دين الفضيلة
ليس يرضى بالرذيلة
يا ابنة الدين الجليلة
أنت للعليا سليلة
باحتجابي باحتسابي
أفرض الآن احترامي
سوف أمضي للأمام
لا أبالي بالملام
عباد الله:
إن المرأة كائن بشري، له خصوصياته الخاصة، ومع هذا لم يخلق للشهوة والتمتع به فقط، بل خلق ليؤدي وظيفته في هذه الحياة. (1/189)
صفحة 190
والحمد لله ظهر تقدم عند المرأة المسلمة في الآونة الأخيرة، فأدركت دورها ومكانها في الحياة، فرأينا المسلمة المحجبة الداعية إلى الله بقلمها ولسانها وأخلاقها، ورأينا المربية الحنونة التي تربي أولادها وأمتها على الخير والصلاح.
ومع هذا يوجد من نسائنا من يحاولن تقليد الغرب على علاته، دون الأخذ بمسببات قوته، فأخذن منهم القشور وتركن اللب، أخذن التبرج والسفور، وتركن العلم والاهتمام بتقدم الأمة الإسلامية.
فعلينا أن نتعاون جميعا في إرشاد نسائنا إلى الخير والصلاح، ونكن رجالاً ونساء أداة فاعلة في إصلاح الأمة وتقدم الإنسانية، خاصة فيما يتعلق باللباس، وأن نتجنب التساهل في خروج المرأة إلى المدارس والمنتزهات والمجمعات بلباس ينقصه الستر والاحتشام، ومن ذلك التساهل في لباس الفتيات في سن الثامنة أو العاشرة أو أكبر من ذلك تساهلا كبيرا، فينبغي أن تربي البنت منذ صغرها على اللباس الشرعي الساتر لتتعود عليه في الكبر.
وليتق الله أولئك الذين يحاولون إفساد المرأة، وإشاعة الفاحشة، فإن عذاب الله أليم، وانتقامه شديد، فالله الله في نساء المؤمنين، خذوهن باللطف والرفق، وأرشدوهن إلى الخير والصلاح.
هذا واستغفروا ربكم إنه كان غفار
الخطبة الثانية
قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة: (2)
هذه رسالة يبعثها إليكم شباب في مقتبل العمر، يبعثونها إلى كل أب رحيم، وعاقل أريب، أملهم أن يراجع المجتمع من جديد العديد من عادات الزواج وتقاليده البعيدة عن هدي الإسلام وسماحته، وأن يعملوا عقولهم ولا ينصاعوا لأهوائهم وأنانيتهم، وحب التباهي والتفاخر، وليكونوا في دائرة الجماعة متعاونين متكاتفين. (1/190)
صفحة 191
وها أنا أيها الأخوة الأفاضل، والسادة الكرام، أقرأ لكم الرسالة كاملة، بلا نقص ولا تعليق، لعلها تجد قلوبا رحيمة، وعقولا رشيدة، تقول الرسالة: "أيها المجتمع الكريم، تعلمون ما يحيط بالمجتمع، ومع تعقد الحياة وتقدمها، وكثرة المغريات الخادعة، وانتشار الاختلاط في المجمعات وغيرها، وعموم البلوى من انتشار المحرمات من الصور والعري في وسائل الإعلام بأنواعها، ولكوننا خلق من خلق الله، سنّ فينا قوانين الطبيعة، من ميول الرجال للنساء، وميول النساء للرجال، ولكن ما أن نفكر بالأمر نجد المجتمع قدّ وضع قيودا تعيق هذه الفطرة، وبنى سدودا أوقعتنا في دائر الأوهام النفسية، وقد توقع بعضنا والعياذ بالله فيما حرم الله تعالى.
وها نحن ننبه المجتمع إلى بعض العادات البعيدة – كما يقول أهل العلم – عن ديننا القويم، من هذه والتي باتت تقلق العديد من الشباب، ويحسبون لها ألف حساب، استئجار القاعات لغير ضرورة ولا حاجة إليها، وقد يلجأ البعض إلى المصارف الربوية، فتكون بداية لتحطم الحياة الأسرية، فلننظر آبائنا الكرام قبل عشر سنوات أو أقل بكثير، هل كنا بحاجة إليها، أوليست بيوتنا كافية لمثل هذه الاحتفالات، أم أنها المباهاة وحب التقليد؟!!!
ومن هذه العادات الذميمة غلاء المهور، بحجة ارتفاع الأسعار، وارتفاع قيمة الذهب، فبدلا أن يراعى الشباب في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها العالم من ارتفاع الأسعار، نجد المجتمع بدلا أن يخفف الصعوبات في الزواج يزيدها تعقيدا وتعسيرا.
ومن العادات السيئة التباهي في الولائم وشراء الكماليات، فنتمنى أن يقف المجتمع مع الولائم وقفة حازمة، فليس من وسطية الإسلام وسماحته أن يستدين الشاب من أجل وليمة، فالدين في الإسلام محرم إن كان لغير ضرورة ولا حاجة ماسة. (1/191)
صفحة 192
وانظروا آبائنا وأخوتنا الكرام إلى واقع من غرق في الديون بسبب الزواج، كم كان يتمنى أنه لم يطرق هذا الباب، بل العديد جر بهم إلى الطلاق، ومن منهم من نظر إلى زوجته وأمها وأهلها نظرة مقززة دونية، لأنهم في نظره السبب الرئيسي في إيقاعه في هذا الهم الذي أقلق باله، وذهب بسببه نومه وأمنه.
ولكم حدثنا آباؤنا عن يسر الزواج في عهدهم، وترابط المجتمع في زمانهم، مع شظف العيش، وقسوة الحياة، فلم لا نعيد ذلك الزمان، أم أن المادة وحب الحصول على الأموال واكتنازها أصبحت أساسا للعلاقة بين أبناء المجتمع، فلا قيمة للإنسان في هذا العصر.
فنداؤنا بداية إلى الراشدين من أبناء المجتمع من طلبة العلم، وأصحاب الأقلام والثقافة، وأولى العقول والنهى أن يقفوا مع هذه العادات وقفة صادقة، وأن يكرسوا جهودهم في غرس يسر الإسلام وسماحته في الزواج وغيره.
ونداؤنا ثانيا إلى الآباء والمجتمع ككل أن لا ينساقوا وراء العادات، ويضربوا بشريعتهم الغراء، وعقولهم النيرة، فلا بد أن تحكم العادات بالشريعة المطهرة، والعقل الرشيد.
فيسر الزواج وتعجيله بداية لبناء مجتمع نظيف مترابط، خال من الأمراض النفسية والبدنية، وإحياء مجتمع إسلامي يحصن شبابه من الوقوع في المحرمات والانحرافات السلوكية، إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما التوفيق إلا من عند الله العزيز الوهاب، والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، والحمد لله رب العالمين"
فاتقوا الله عبادا الله، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وصونوا أعراض أولادكم وبناتكم.
مع إعصار جونو
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خشعت الوجوه لعظمته وذلت الرقاب لجبروته أجرى السحاب وفق مشيئته وإرادته سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
والصلاة والسلام على صحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام. (1/192)
صفحة 193
في هذه الأيام عشنا لحظات صعاب، ذكرتنا برب الأرباب ومسبب الأسباب وخالق الناس من تراب.
لحظات ذكرتنا بيوم المحش، يوم يقف الناس بين يدي العزيز الأكبر.
فيما لغرور الإنسان، أما آن أن يفيق، أما آن أن يخشع قلبه لآيات الله، فإذا كانت الآيات المتلوة في كتاب الله لم تؤثر شيئا في قلوبنا أما آن أن نخشع للآيات الكونية، أما يعلم أولئك الذين يسعون في الأرض فساداً، وينشرون الفاحشة في المجتمع أن عين الله لا تنام وإن يده تعمل في الخفاء، وما وربك بظلام للعبيد.
وما لهذا الإعصار من آثار ودمار إلا أن فيه من الفوائد التي لا تخفي على أولي الأبصار مصدقا لحديث المختار عليه الصلاة والسلام: " عجباً لأمر المؤمن كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر، وكان خير له ".
ومن هذه الفوائد أولا فيه تثبيت لعقيدة المؤمن، المبنية على توحيد الله جل جلاله، في زمن كثر فيه المشككون من الحداثين وأذيالهم فمع تقدم الفلك ودقة حساباته، إلا أنه عجز عن تقرير الوجهة القاطعة لهذا الإعصار، فمن المحتمل فلكيا أن يضرب جزيرة مصيرة، فماذا بها تسلم وينحرف عنها، ثم احتمل أن يذهب إلى الباطنة وما أعلاها، وإذا به قد غير وجهته، فمن الذي سيره؟ ومن الذي غير وجهته؟ ومن الذي هيأ له الأسباب له أن يضرب منطقة بعينها؟ "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال، هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب من يشاء، وهم يجادلون في الله شديد المحال ".
فرحماك ربي نطق الوجود بعظمتك، وأقر الكون بكبريائك وجلالك، أيعصيك عبد ضعيف! ويتكبر على أوامرك مخلوق مهين! غفرانك ربي غفرانك! (1/193)
صفحة 194
الفائدة الثانية: من رحمة الله على العباد، عندما يبتعدون عن ربهم، ويتبعون شهواتهم، أن يرسل عليهم من الأحداث الكونية، والظواهر الطبيعية، ما ترشد الضال، وتهدي الحيران، وتوقظ النائم، وتنبه الغافل، أما أقر العبد الضعيف في هذه الأزمة بوجود الله – تعالى-، أما أدرك عظمة الله جل شأنه، أما أيقن بجبروت الله جل جلاله، فأين المهرب غدا من عذابه؟ وأين الملجأ من سخطه وغضبه؟ أما آن للعاصي أن يتوب! أما آن للشارد أن يرجع! أبعد هذا نتكبر، أبعد هذه الموعظة نعصي ونفسد، قل لي وربك: ماذا تريد بعد هذا؟ إن لم توعظك هذه الحادثة فأحسن الله جزائك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر من الانهار، وإن منها لما ينشق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون.
أو ما يخشى أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا، أو ما يخاف أولئك الذين ينشرون الفاحشة في المجتمع، أو ما يخافون عذاب الله، أو ما يتقون سخطه، أو ما يعلمون أن ربهم بالمرصاد، وإن الله يمهل ولا يهمل، فالأوبة الأوبة، والرجعة الرجعة، والتوبة التوبة.
فلك الشكر ربي، أيقظتنا من سباتنا، وذكرتنا بعظمتك بعد ما غفلنا عن ذكرك، وابتعدنا عن بابك.
إلهنا راجعون تائبون، فاقبل توبتنا، واجبر كسرنا، وتوفنا وأنتن راض عنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين. (1/194)
صفحة 195
الفائدة الثالثة: إن هذه الآيات الكونية مظهر من مظاهر يوم القيامة، يوم تنزل الأرض، وتنشق السماء، وتثور المياه، ويبعث من في القبور، ويقف الناس بين يدي العزيز المتعال، (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكتا واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ضننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني مالية، هلك عني سلطانيه، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين، فليس له اليوم هاهنا حميم، ولا طعام من غسلين، لا يأكله إلا الخاطئون).
فرحماك ربي إذا أدخلنا القبور، رحماك إذا بعث من القبور، رحماك إذا وقفنا بين يديك للحساب، أقول ما تسمعون، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
عباد الله عشنا أياما من الرخاء، نتقلب في نعم عديدة، والآء مديدة، ومن أعظمها نعمة الماء والكهرباء، وها نحن اليوم نعاني أزمة الماء والكهرباء، فضلا عما سبب الإعصار من مساوئ مادية، في المنازل والسيارات، والأموال والزروع. (1/195)
صفحة 196
أيها المسلمون: يقول حبيبكم – صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الأعضاء بالحمى والسهر، فآن لنا أن نتعاون جميعا في معالجة هذه الأزمة، في التكاثف والتعاون، والترابط والتآلف، صغارا وكبارا، شيبا وشبانا، رجالا ونساء، الجار مع جاره والقريب مع قريبه، الكل يبذل ما يستطيع، ولنتعاون مع الجهات المختصة لتسيير الأمر، وتسهيل الصعاب، وليتق الله، ثم ليتق أولئك الذين جعلوا شعارهم مصائب قوم عند قوم فوائد، حيث يرفعون سعر بيع المياه وغيرها، أولا يوجد لديهم ضمير، أما يخافون الله، أما تربطهم بالمجتمع روابط، أما يعلمون بذلك أنهم يخونون الله ورسوله والأمانة التي وكلهم الله بها، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله، ثم اتقوا الله، وتعاونوا جميعا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وأثبتوا للعالم تكاتفكم وترابطكم، أثبتوا تعاونكم وتآلفكم، تقاسموا- رحمكم الله – مأكلكم ومشربكم، وإياكم والأنا والكبر، ومن كان عنده بئر ماء أو ماء فليفتحها للمضطرين والمحتاجين، ومن احتاج إلى إعانة فأعينوه، فهذا من أعظم البر، بل هو من الواجبات الشرعية، التي تعادل فريضة الصلاة والصيام، إن لم تكن أشد.
ومن هذا المنبر نعلن للأخوة المصلين أن صناديق المسجد مخصصة في هذه الفترة لمساعدة المتضررين، ومن عنده سيارة نقل المياه أن يتعاون مع إخوانه ولو بسعر التكلفة، ومن عند آلة سحب المياه فليعرنا إيها، حيث توجد آبار في المنطقة يمكن استغلالها في هذه الفترة الحرجة.
اللهم كما أريتنا عجائب قدرتك فأرنا عجائب رحمتك ....
اللهم يسر أمر المنكوبين، وارفع الضرر عن المتضررين ....
اللهم يسر أمرنا، وسهل عسرنا، واجبر كسرنا ....
ربنا لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا ....
اللهم أخرجنا من هذه المحنة سالمين غانمين، خاضعين طائعين، آمرين بالمعروف، وناهين عن المنكر ....
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
تقدمة ... 2 (1/196)
صفحة 197
القسم الأول: خطب المناسبات الدينية ... 4
لمسات من الهجرة ... 5
في ظلال المولد ... 15
حادثة الإسراء ... 23
خاطرتانِ من القرآن في حادثة الإسراء ... 27
خواطر في استقبال رمضان ... 35
أهلا رمضان ... 44
خطبة عيد الفطر السعيد ... 52
خطبة عرفة ... 66
خطبة عيد الأضحى ... 75
القسم الثاني: الخطب الفكرية ... 80
أسباب النقم ... 81
شكر النعمة ... 88
مع قصة موسى في القرآن ... 98
الاستعمار الفكري ... 104
الوقت وحياة المسلم ... 115
وقفات مع الوقت ... 123
كيف نرقى بأوطاننا ... 132
مراحل التعامل مع القرآن ... 138
وفي أنفسكم أفلا تبصرون ... 142
القسم الثالث: الخطب الاجتماعية ... 150
الإحسان وأثره في المجتمع ... 151
البطالة وأثرها في المجتمع ... 159
التبغ غير المدخن آثار وحلول ... 166
خطبة الأم ... 174
مساجدنا والتسول ... 183
الحسد ... 192
الهواتف النقالة ... 202
القسم الرابع: خطب المناسبات الحية ... 211
حرب غزة ... 212
مغ غزة هاشم ... 218
مناصرة الشعب اللبناني في حربه مع إسرائيل ... 230
مشاركة الشعب اللبناني فرحة النصر ... 241
مع أحداث كأس العالم 2006 ... 247
وقفات منوعة ... 254
وقفة مع اليوم العالمي للمرأة ... 263
مع إعصار جونو ... 273 (1/197)