صفحة 1
الكتاب: الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج3
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الدرر البهية في الخطب الجمعية
الجزء الثالث
إعداد
بدر بن سالم بن حمدان العبري
مقدمة
ما كنت أتوقع أن أستطيع أن أجمع خطب الجزء الثالث في أقل من ستة أشهر، في حين الجزء الثاني كان تجميعه لا يقل عن أربع سنوات، لكنه توفيق من الله تعالى وحده، فها أنا أقدم للقراء الكرام الجزء الثالث من الدرر البهية في الخطب الجمعية، وهو يمثل ترجمة تأريخية في عمومه لأحداث تناسب الحديث حولها بكل شفافية وواقعية، وإلى لقاء مع الجزء الرابع.
كتبه العبد الفقير إلى مولاه الراجي عفوه ومغفرته
أبو البراء بدر بن سالم بن حمدان العبري
الموالح العامرة/ مسقط الزاهرة
الأربعاء 16 من جمادى الأولى 1432هـ. الموافق 20 من ابريل 2011م
القسم الأول:
خطب المناسبات الدينية
وانبثق الوليد
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الفضل والإحسان، أكرمنا بميلاد خير ولد عدنان، مبشرا بالرحمة والسعادة للإنسان، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه، خصنا بخاتم النبيين، وقدوة المتقين، لنكون منارا للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أشرق الله بميلاده بشائر المسرات، وعمت بوجوده عظيم النفحات، أرسله الله بالهدى ودين الرحمة، والهداية والسكينة، والسعادة في الأولى والآخرة، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، (1/1)
صفحة 2
فيا عباد الله، اتقوا حق تقاته، وراقبوه حق المراقبة، فالتقوى رأس كل سعادة، وعنوان كل فلاح ونجاة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واعلموا أنّكم في هذه الأيام المباركة، تحفكم أعظم ذكرى في تأريخ الأمة، ففي هذه الأيام انبثق الوليد ليحمل أعظم رسالة، ويجدد وصايا الله تعالى للبشرية، فيعيد التوازن بين الروح والجسد، وبين العقل والعاطفة، فيملأ الأرض عدلا ورحمة وسكينة، وينشر بين العباد الأمن والسلام والمحبة، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فطوبى لكم عباد الله أن كنتم من أتباع هذا النبي العظيم، ومن أمته المباركة، لتكونوا أمة واحدة في تحقيق الرحمة الإلهية، والسكينة الربانية، فيتجدد المولد كل عام، ويتجدد معه الحب والوئام، والخير والسلام، فنزداد حبا لنبينا، ونجدد العهد مع دينه تمسكا واعتصاما، وحبا وترابطا، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
عباد الله: (1/2)
صفحة 3
من رحمته سبحانه أن جعل هذه الأمة أمة واحدة في تصوراتها وأفكارها، وفي عباداتها ومعاملاتها، وفي أخلاقها وقيمها، يقول سبحانه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وتتجسد هذه الوحدة في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعله الله تعالى أسوة وقدوة لهذه الأمة، يقول جلّ وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، كيف لا! وقد جسّد عليه السلام كتاب الله واقعا حيا يمشي به بين الناس، نعم، كان قرآنا يمشي في خضوعه وقنوته لله عزّ وجل، كان كثير التضرع والمراقبة لربه سبحانه، وقافا عند حدوده ومحارمه، مسابقا ومسارعا إلى خيراته وفضله، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم"، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أيضا قرآنا يمشي في رحمته وتواضعه، انظروا إلى سعة رحمته عليه السلام، فقد كان رحيما بالكائنات حيها وجمادها، أنسها وحيوانها، فأنس برحمته الفقراء والمساكين، وسكن لحنانه الأرامل والأطفال واليتامى، وصدق الله تعالى فيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً، وانظروا معي أيضا – عباد الله – إلى تواضعه عليه السلام، فقد كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، فعن أنس قال: "إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم"، فأنعم به نبيا رسولا، وأكرم به أسوة وقدوة.
أيها المسلمون: (1/3)
صفحة 4
ومن أعظم المعاني التي جسّدها النبي صلى الله عليه وسلم واقعا حيا بناء الإنسان المتكامل، والذي يجمع بين الروح والجسد، وبين العلم والخلق الحسن، فجسّد قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، فنقل أمته نقلة نوعية، من أمة جاهلة لا تقرأ ولا تحسب، إلى أمة متعلمة تقرأ وتحسب، فحث على العلم وكسب المعرفة، وأمر أمته بالتعلم والكتابة، وهو القائل عليه السلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ولكن هل يقتصر الأمر أن حوّل النبي عليه السلام المجتمع إلى مجتمع متعلم فقط؟ لا ولكن أراد النبي عليه السلام أن يكون المجتمع مربوطا بين العلم وحسن التربية، وبين الثقافة والأخلاق الفاضلة، فينمو العقل والروح معا، ويحققا التكامل في بناء الإنسان، فكان عليه السلام قدوة لأصحابه في العلم وحسن الخلق، فتأملوا وصف الله تعالى فيه، فقد رباه وأحسن تربيته، حيث قال جلّ وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فكما أمر عليه السلام بالوحدة والمحبة والرحمة الأخوة؛ أمر بترك البغضاء والشحناء والحسد وسوء الظن، وهو القائل عليه السلام: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" فهلا حققنا هذه المعاني العظيمة، فجمعنا بين سمو العقل وجمال الخلق، فأحسن بهما اجتماعا.
أخوة الإيمان: (1/4)
صفحة 5
إنّ بناء الإنسان المتكامل مربوط باستغلال ما بثه الله تعالى في هذا الكون من خيرات وأرزاق، فجسّد النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فحث أمته على السير في الأرض لكسب الرزق والمعاش، والاعتماد على النفس والذات، وحذّر أيما تحذير من السؤال والتسول، وقد كان عليه وسلم قدوة لأمته في ذلك، فلا يأكل إلا من عمل يده، وحث أمته على ذلك حيث يقول عليه السلام: "ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"، وفي الوقت نفسه حذّر الذين يتكاسلون عن العمل، ويعتمدون على غيرهم عن طريق السؤال بقوله عليه السلام: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى ليس في وجهه مزعةُ لحم"- أي قطعة لحم -، فكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أسوة لكم في تجسيد قوله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، لتتكامل هذه الأمة بتكامل أفرادها، غذاء الروح بالإكثار من ذكر الله ومراقبته، مع بناء هذه الحياة واستثمارها، وزرعها بالعمل الصالح، وبنائها بالطيب المباح، فنعم المال الطيب للرجل الصالح، فهلا غذينا أرواحنا بحلاوة ذكر الله ومراقبته، وأبداننا بالسعي في أرض الله تعالى واستثمار خيراتها، لنزرع الدنيا صلاحا، ونحصد الآخرة فلاحا ونجاحا.
فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا من اختاره الله لكم أسوة وقدوة، مقتفين أثره، ومتأسين بهديه، محققين التكامل الإنساني في الأولى، راجين بذلك الفوز والنجاة في العقبى. (1/5)
صفحة 6
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أكرمنا بخير خلق الله أجمعين، لنقتفي أثره إلى يوم الدين، وصلاتا وسلاما على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وقفة محاسبة لنعيش مع الهدي النبوي، ووقفة تأمل مع الكتاب الخالد، والذي جسّده النبي عليه السلام إلى واقع وسلوك حي، فتأسينا به عليه السلام لا يقتصر على الشكل فحسب، واحتفاؤنا بمولده عليه السلام لا يتوقف عند الكلمات والعبارات والمديح؛ بل لا بد أن يتحول إلى واقع حي، ومحاسبة للقول والفعل، فهذه هي الأسوة التي أرادها الله تعالى لنا بقوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، فلنتأسى به في عبادته وخضوعه، وفي مراقبته ومحاسبته له سبحانه، ولنتأسى به في أخلاقه ورحمته، صدق وأمانة في القول والعمل، وبر وصلة للوالدين والأرحام، وإحسان ومعروف إلى الجيران والناس أجمعين، وعطف ورحمة للفقراء والأطفال والأرامل وكبار السن، ولنتأسى به في علمه واجتهاده، كسب للعلم والثقافة، وتنمية للقراءة والمعرفة، مع اجتهاد في كسب الرزق الرغيد، وإصلاح الحياة بالخير السديد، ولا ننسى أن نتأسى في نظامه وإخلاصه، لنكون أمة نظام وتخطيط، وأمة محاسبة وعمل، هكذا كان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وبهذا عمّ نوره في العالمين، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فاتقوا الله عباد الله، وجسّدوا كتاب ربكم في أنفسكم وبيوتكم، وفي حياتكم ومعاشكم، متأسين بذلك بحبيبكم ونبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان قرآنيا في أخلاقة ومعاملاته وسلوكه، نعم لقد كان خلقه القرآن.
خطبة المولد 1432هـ
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم (1/6)
صفحة 7
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
الحمد لله من علينا بخاتم النبيين، وقدوة المتقين، اصطفاه ربنا رحمة للعالمين، وسراجا للمؤمنين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
شمسُ الحقيقةِ قد عمّت على البشرِ ... مذ شرّف الكونَ مولودٌ من الغررِ
والأرضُ قد أرسلت أنفاسَها عبقاً ... إلى السماء بكل العِشقِ ِوالعِطَرِ
من مكةََ النورُ قد شعّت وهائِجُهُ كلَ الممالكِ من بدوٍ ومن حضرِ
بشراكم أيها المؤمنون ميلاد خير البشر، وهنأتم بذكرى سيد أولاد آدم ولا فخر، فها هي الأمة الإسلامية تحتفي هذه الأيام بميلاد النور عليه السلام، والسؤال الذي نطرحه في خطبة اليوم: لماذا نحتفي بمولد الهدى؟ ولماذا نقف مع إمام أهل التقى؟ وكيف نحتفل بمولده؟ ونقف مع سيرته ومنهجه؟ فهل تغير شيء من حالنا عندما احتفينا به الأعوام السالفة؟ وهل أعطينا مولده حق الاهتمام والعناية؟ ووقفنا مع ذكراه بعين المحاسبة والرعاية؟
وقفتان أقفهما مع أسمعاكم الكريمة، لنعطر بهما عقولكم البهية، في ذكرى سيد البرية.
ما بال مكة صوتها يتعالى ... والنور فيها قد بدا يتلالا
بشرى لكل الكون مولد أحمد ... الرحمة المهداة منه تعالى
الوقفة الأولى: لماذا نحتفل بمولد المصطفى – صلى الله عليه وسلم -؟
في شعب الجزيرة العربية وصحرائها، ومع بدوها وحضرها، عمّ الظلم البلاد، وخيّم بين العباد، ولم يقتصر على أرض العرب وشعابهم، فهذه بلاد ما بين الرافدين تصرخ ظلما وطغيانا، وأرض الشام تئن أنينا مدويا، وبلاد فارس تزداد بعدا وانحرافا.
عمّ الظلم بأنواعه البشعة العالم، وسادت عبودية الإنسان والطبقية بين البشر: (1/7)
صفحة 8
فهذا ظلم في المعتقد والتوحيد، فأصبحت العبودية والألوهية للصنم والحجر، والنار والبقر، بل والجان والبشر، فكثر المشعوذون يأكلون أموال الناس بالباطل، وعمّ الطغاة من الأسياد وأصحاب الجاه، فجعلوا الناس عبيدا لهم، يتلاعبون بجهدهم، ويأكلون أموالهم، ولا يتمتع بخيرات البلاد إلا هم.
وهناك ظلم في الاجتماع والتجانس البشري، فظهرت الطبقية الاجتماعية، فأصبح اللون مقياسا للتفاوت، والقبلية فوق الطاقات والقدرات، بجانب أسر الرياسة والمال، وقد أبيح لهم ليفعلوا ما شاءوا، ويعذّبوا من شاءوا.
ومن الظلم الاجتماعي ظلم الأبوين، وخاصة المرأة، والتي أصبحت تورث إذا مات زوجها، أو تباع في السوق لينتفع بثمنها، بجانب ضربها لأتفه الأسباب، ومن من دفنها حية خوف العار، وأصبحت نهما للذئاب البشرية، يتلاعبون بها بدون رقيب عتيد.
وانظروا إلى الظلم الاقتصادي والمالي، فالمال أصبح دولة بين الأغنياء والرؤساء، وباقي الشرائح يتصارعون على قطع من اللحم، أو رثات من الخبز، ومع هذا أثقلت كواهلهم بديون الربا، والتطفيف في الميزان، فصدق وصف الله فيهم: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.
فأي حياة تطاق بعد هذا، وأي عيش يهنأ في جوٍ كهذا، فرحماك ربي رحماك ...
هنا ولد الهدى، وانبثق نور الورى، وقد فتحت عيناه في زمن عمه الظلم والجور، وترعرع في صباه وشبابه بين قوم تغطرسوا على العباد، وأكلوا خيرات البلاد ...
وهو يرى أبا لهب وزوجه يترفعون على الخلق، ويغتصبون أموالهم بغير حق، ويرى رجالا يضربون على ظهورهم، لكي يخدموا أسيادهم، ويشاهد طفلة جميلة الوجه، تشع حنانا وطفولة، حملها أبوها ليدفنها حية خشية العار والفقر، ويرى عبيدا يسجدون لبشر مثلهم، تقربا وخشية منهم، ويرى الات والعزى يشمخان على جبلي الصفاء والمروة، والناس يسجدون ويتضرعون لهما.
وما بلاد الروم والفرس بأفضل حالا من بلاد العرب،
هذي ديار العرب قاست ظلمة ... وجهالة وشقاوة وضلالا (1/8)
صفحة 9
فغدت بفضل هداه تشرق بهجة ... من بعد ما عانت سنين طوالا
قد جاء بالحق المبين وشرعة ... جعلت سواء حمزة وبلالا
الله أكبر ... هنا يأتي الوحي مبشرا ومنذرا،
يا محمد ... قم فأنذر، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
يا محمد ... بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
يا محمد ... كن من الذين الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
يا محمد وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، بشر بك موسى وعيسى، وذكرك في التوراة والإنجيل يتلى.
جاء محمد صلى الله عليه وسلم، جاء ومعه قرآن كريم، فيه تعاليم الرب الرحيم ...
نعم: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
فيا محمد، ويا أنصار محمد، ويا أتباع محمد هذا كتاب الله ينطق بينكم حكمة وعدلا، ويشع من بين جنباته نور وهدى ...
فهذا كتاب ناطق بالحق لتخرج الناس من ظلم الشرك والوثنية إلى التوحيد المطلق لله وحده، فصلاتنا وذبحنا لله وحده، وخضوعنا وسجودنا لله سبحانه، وأعمالنا وأقوالنا لله جلّ جل جلاله، واستسلامنا واتباعنا لله لا شريك له: وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. (1/9)
صفحة 10
وهذا كتاب الله يشع نوره مخلصا المجتمع من الظلم الاجتماعي، بروا الوالدين، صلوا الأرحام، أحسنوا إلى الجيران، المرأة المرأة المرأة، إحسانا وحفظا ورعاية، بنتا وزوجا وأما، ابتعدوا عن الكبر والغرور والأنا، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تمكنوا الفساد ودعاته من الظهور والنجوى، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
وأنعم بكتاب الله رحمة وعدلا في الجانب الاقتصادي والمالي، فالمال مال الله، يؤخذ بحقه، ويوضع في محله، ويخرج حق الله منه، فلا بخل ولا تبذير، ولا غش ولا تقتير، ولا سرقة ولا تطفيف، ولا احتكار ولا استغلال، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
هذا رسول الله ... جاء بكتاب الله، ليحقق عدالة السماء، وينزل تعاليم الأنبياء، ليسود العدل الأرض، ويرفع منها الظلم، فالأرض وما فيها لله تعالى، والعباد مستخلفون فيها، ليتعاونوا على تطبيق شرع الله تعالى، وإنزال كتابه سبحانه.
وما الظلم الذي ساد العالم اليوم، والطبقية التي عمت الأرض شرقا وغربا، نتج عنها مظاهرات وثورات، ونداءات وصرخات، إلا نتيجة لعودة الناس إلى مبادئ الجاهلية الأولى، وتركوا نور الدنيا والأخرى، ففشا الظلم بين العباد، وسلبت خيرات البلاد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
هنا كان الاحتفاء بميلاد خير الأنام .... (1/10)
صفحة 11
ليقف الناس وقفة حق مع ميلاد نبيهم، ويتدبروا في سيرة هاديهم، وينزلوا النور الذي أنزل معه واقعا حيا في حياتهم، ويتمسكوا بهديه عليه السلام في صبحهم ومسائهم.
هذا رسول الله يدعو للهدى ... للحق للقيوم، جل جلا لا
ليبث نور الحق بين جماعة ... قد عظمت من جهلها تمثالا
لله ما قاسى وما عانى وكم ... قد صال بين المشركين وجالا
كم قد تصدى للطغاة وسعيهم ... كي يطفؤوا البدر المنير هلالا
هي دعوة التوحيد نعمت دعوة ... تحيي العقول وتنجب الأبطالا
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
الخطبة الثانية
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
الوقفة الثانية: كيف نحتفي بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم:
هنيئا لنا أن نكرم النبي عليه السلام، وأن نقف مع مولده دون إفراط ولا تفريط:
وها نحن نحتفي بمولده عليه الصلاة والسلام يجب أن لا يقتصر الاحتفاء على الكلمات الرنانة، والقصائد المعبرة؛ بل يجب أن يتوفر في الاحتفاء عنصر المحاسبة. (1/11)
صفحة 12
فما المقصود بعنصر المحاسبة؟: أي كل واحد منا يحاسب نفسه أولا عن طاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تتمثل في قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فكل واحد منا يطرح على نفسه هذه الأسئلة: هل أنت مؤمن برسول الله حقا أم هو مجرد تقليد للآباء والأجداد "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"؟ هل أنت معظّم لنبيك حق التعظيم بإتباع شرعه فعلا وتركا، وتعظيم الكتاب الذي جاء به، وإنزال شرعه على واقعك، وفي أسرتك ومكان عملك؟ وبعد هذا هل سعيت لنصرة هذا الدين وتبليغه، فأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وكنت ناصحا لأسرتك وعشيرتك وأمتك والإنسانية، وجاهدت بنفسك ومالك في تبليغ رسالات الله تعالى؟ وهل اتبعت النور الذي أنزل للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب العظيم، فذكرت الله به كثيرا، ووقفت عند حدوده وزواجره، وتأملت فيه وتدبرته، وطبقته وبلغته؟
الكل يحاسب نفسه، فالفرد يحاسب، والأسرة تحاسب، والمجتمع يحاسب، والأمة تحاسب، فإن تحققت الإجابة عن الأسئلة السالفة فالناس في احتفاء حقيقي بنبيهم، وإن كان خلاف ذلك فعليهم أن يعيدوا صياغة أنفسهم، وإلا كان حبهم لنبيهم كاذبا، واقتداؤهم به خاطئا، فهؤلاء إن لم يراجعوا أنفسهم كانت المراجعة من قبل الله تعالى بإهلاكهم، واستبدال قوم غيرهم إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فلنحقق الرسالة المحمدية باطنا وظاهرا، في بيوتنا ومساجدنا، وفي أسواقنا ومكان عملنا، فرسول الله قد ذهب إلى ربه، ونحن نتحمل الأمانة من بعده، فلا نضيع الأمانة يرعاكم الله، أمانة رب السماوات، وموجد الكائنات. (1/12)
صفحة 13
صلى عليك الله يا نور الهدى ... يا رحمة للعالمين ومرشدا
دانت لك الأخلاق صرت إمامها ... يا من بنصر الله كنت مؤيدا
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
خطبة عيد الأضحى المبارك
الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
لا إله إلا الله والله اكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
الله أكبر ما لبس الحجاج لباس الإحرام، ملبين لربهم بخاشع الدعوات.
الله أكبر ما وقف وفد الرحمن على صعيد عرفات، خاضعين لرب الأرض والسماوات.
الله أكبر ما تقرّب المؤمنون بالأضاحي والقربات.
الله أكبر ما أحسن المؤمنون إلى أوطانهم لينالوا الفضل والبركات.
الله أكبرا، لا إله إلا الله والله أكبر، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، أكرمنا بنعمة الإسلام، دين رحمة للأنام، وسعادة وأمن وسلام، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه، منّ على العباد بالمواسم والخيرات، ليذكروه ويسبحوه ويعظموه في جميع الأوقات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير من احتفى بمواسم البركات، ودعا إلى إشاعة الفرحة والمسرات، أرسله الله بالهدى ودين الرحمة، والهداية والطمأنينة، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، (1/13)
صفحة 14
فيا عباد الله، اتقوا حق التقوى، وراقبوه في العلن والخفا، فالتقوى رأس كل سعادة، وعنوان كل فلاح ونجاة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واعلموا أنّ من فضل الله عليكم أن أكرمكم في هذا الدين العظيم بأيام مباركة، جعلها دورات تدريبية، وخصها بالمزايا الجليلة، والتي يعود أثرها على الفرد والجماعة، فأكرمنا الله بأيام الحج المباركة، قال تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، فما أجمل مدرسة الحج تربية وتوجيها، وإننا لنستشعر جميعا ونحن نشارك وفود الرحمن هذه الأيام المباركة، نستشعر تلك النفحات الربانية، والعرصات الإيمانية، طهارة الروح مع طهارة البدن، خضوع وذلة وطاعة للرب الواحد، يؤدون المناسك بنظام وتنافس وإخلاص، ويطوفون متساوين في اتجاه واحد بديع، فيا لها من نفحات، وما أجملها من أوقات، فهلا تخرّجنا من هذه المدرسة المباركة وكلنا وخضوع وانقياد له سبحانه، وهلا عززنا ما يؤدي إلى زيادة المحبة بيننا، ونزعنا من حياتنا عوامل الفرقة والبغضاء والشحناء، وهلا جمعنا بين جمال الثياب، مع نقاء وصفاء الروح، وخلّصنا قلوبنا من الكبر والغرور والأنانية، وزرعنا بيننا الإخلاص والتعاون والوفاء، وهلا كنا أمة نظام وتخطيط، وتنافسنا في عمل البر والصلاح، فمدرسة الحج مدرسة عالمية، تعمّ الجميع بنفحاتها وخيراتها، يقول جلّ وعلا: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ (1/14)
صفحة 15
اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر (1/15)
صفحة 16
عباد الله: من إكرام تعالى لنا أنّ منّ علينا بعيد الأضحى السعيد، لنشارك حجاج بيت الله الحرام نسكهم وقربانهم، ونجدد ذكرى فداء إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما السلام بكبش عظيم، امتدادا للحنيفية السمحة، واعترافا بنعمة الأنعام والدواب، يقول تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، فهنيئا لكم عباد الله عيد الأضحى المبارك، اجعلوا أيامه أيام أكل وشرب وذكر لله عزّ وجل، وتقربوا فيه بالأضاحي والقربان، ولقد جاء في الأثر: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة الدم"، وقد سنها نبيكم عليه الصلاة والسلام في النعم، الإبل والبقر والغنم والضأن، ومن تيسير الإسلام علينا إذا ضحينا بشاة من الضأن أو المعز فقد أجزأت عنا وعن أهل بيتنا، لحديث عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى"، ولنحذر الإسراف والمباهاة، والغلو والإفراط، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، ولنعلم عباد الله، أن دماء ولحوم الأضاحي لا يصل إلى الله، وإنما يصله تقوانا وإخلاصنا في أضحيتنا وعملنا، يقول سبحانه: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ، فلنجعل لأقربائنا وجيراننا نصيبا منه، ولنتصدق على الفقراء والمحتاجين، ولندخر جزءا منه ليعيننا في معاشنا، ويبارك الله في أرزاقنا (1/16)
صفحة 17
وأعمالنا.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
إخوة الإيمان: في هذه الأيام المباركة تجتمع فيها المناسبات الدينية مع الوطنية، فأنعم بهما اجتماعا، وأكرم بهما تربية وإنتاجا، فنعمة الوطن من النعم العظام، فبالأوطان تستقر النفوس، وبها تتقدم الأمم، وترقى المجتمعات، فلا يمكن أن يعيش الإنسان بلا وطن، ولا يمكن أن يرقى في وطن ينقصه الأمن والاستقرار، وأنتم والحمد لله تتنعمون بوطن الأمن والأمان، والاستقرار والرخاء، فجسّدوا مدرسة الحج وعيد الأضحى المبارك في رقي وطنكم، وتقدم بلدكم، فجسّدوا عنصر الخضوع والطاعة لله تعالى في أوطانكم، تراقبون الله تعالى فيه، وتقتفون هدية ورحماته، فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، فهلا كنتم أمة إخلاص لوطنكم، تعملون بإتقان واجتهاد، وتتنافسون في رقيه وتقدمه، وتتعاونون في المحافظة على إنجازاته وتراثه، وهلا حققتم مقاصد الحج والعيد السعيد في المحافظة على المبادئ والأخلاق، والرقي في العلم والمعرفة، والتقيد بالنظام، والبعد عن الفرقة والبغضاء، والشقاق والشحناء، مع الصدق في القول والعمل، والبعد عن سوء الظن والغيبة والبهتان، يقول صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله – عز وجل – سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً" فلنعمل جميعا ونحن نحتفي بهذه المناسبات المباركة على رقي مجتمعنا وتقدمه، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة، ولنجعل من أنفسنا صورة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالكلام والشعارات، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام، إن الإحسان يعلمنا أن الأمة المتقدمة هي التي يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدلة، وفي عقول أفرادها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها، وفي أخلاقها وقيمها، فمن (1/17)
صفحة 18
الإحسان الحفاظ على منجزات الوطن، والبعد عن العبث فيها والإخلال بها، وعلينا أن نواصل مسيرة البناء والعمل، يقول جلّ وعلا: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
عباد الرحمن: ونحن نقترب من نهاية العام الهجري، نتذكر خطبة الوداع، والتي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، مبينا نعمة الإسلام ومبادئه العظيمة، فطوبى لكم نعمة الإسلام، فهي رحمة ربكم للأنام، وطريق السعادة للعباد، وأساس الفوز يوم الدين، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، فأكرم به دينا دعا للخضوع له سبحانه، والانقياد لطاعته، وأبعد الناس عما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، واعتبرهم سواسية أبيضهم وأسودهم، غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم، والتقوى أساس التفاضل بينهم، يقول حبيبكم – صلى الله عليه وسلم – في هذه الخطبة المباركة: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد الغائب"، ثم أنعم بدين الإسلام، حفظ الله به دماءكم وأرواحكم، وصان به أعراضكم، وحرّم المساس بأموالكم إلا عن تراض منكم، يقول عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس، إنّ دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" ثم قال عليه السلام: "أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد"، فهلا تمسكنا بمنهج الإسلام مبادئ وأخلاقا، واعتصمنا بتعاليمه شريعة ومنهاجا، لنحضا بالهداية في الأولى، والنجاة في الأخرى، فاتقوا الله عباد الله، وعظّموا حرمة أيامكم المباركة، واعلموا أنّ يومكم هذا يوم عظمه الله فعظموه بالطاعة، والبعد عن المخالفات الشرعية، أكثروا فيه من زيارة الأرحام والأحباب، بروا فيه (1/18)
صفحة 19
الوالدين، أحسنوا إلى الجيران والمساكين، وتذكروا أنكم إلى الله قابلون، والساعة قريبة منكم، هذا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
القسم الثاني:
الخطب الفكرية والاجتماعية
لنرقى بأوطاننا
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، أكرمنا بنعمة الإيمان، وحفظنا برحمة منه ذي الجلال والإحسان، سبحانه، أمرنا بالإحسان إلى الأوطان، بإصلاحها وتعميرها، وإظهار عظمة وعبودية الله تعالى فيها، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونومن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من دعانا إلى بناء الأوطان وتعميرها، والسعي في رقيها وتقدمها، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعلَمُوا أنّ من تكريم الله للإنسان أن سخر له الكون بأكمله، ليسعى في تعميره وإصلاحه، ويحافظ على جماله وبهائه، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (1/19)
صفحة 20
ومن تكريمه سبحانه للإنسان أن طبعه على الاستقرار في بقعة معينة من هذا الكون الواسع؛ ليتخذها وطنا له وسكنا، ويعيش فيها آمنا مطمئنا، ويسعى فيها صالحا مصلحا، فنعمة الوطن من أعظم النعم على العباد، من هنا كان له حقوقا يجب أن تؤدى، وواجبات يجب أن تصان وترعى.
أيها المسلمون:
كما أنّ الإنسان فطر على الاستقرار بقعة معينة في الكون؛ في الوقت نفسه فطر على حب هذا الجزء من الكون مع التعلق به، فحب الأوطان من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخرج من المدينة، خرج حزينا لفراقه وطنه الذي ترعرع بين حناياه، وعاش بين زواياه، خرج مستقبلا وطنه الأم، وموجها إليه خطابه الجميل: "ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ"، نعم، حب الوطن شيء فطري، وأمر جبلي، ولكن لا يتوقف حب الوطن عند الكلمات فقط؛ بل لا بد أن يجسّد إلى واقع عملي، فالحب لا بد أن يتجسد إلى إخلاص لهذا الوطن، مقرونا بالتفادي في رقيه وخدمته، مع التمسك بالأخلاق الفاضلة، والنبل الرفيعة، وأداء حقوق وواجبات الوطن علينا، قال تعالى: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
عباد الله: (1/20)
صفحة 21
لقد تعلقت قلوبنا بحب الوطن، وارتبطت نفوسنا بفضائله وإنعامه، ولكن هل يمكن أن تستقر النفوس في هذه الأوطان إذا فقد منها الأمن والأمان؟ فنعمة الأمن من أجلّ النعم المتعلقة بالأوطان، فبها ترقى البلدان، ويستقر الناس في معاشهم، ويتطورون في حياتهم، فما ارتقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، إلا إذا ساد الأمن بين زواياه، وعم الاطمئنان بين أفراده، ولننظر معا إلى أهل سبأ، لقد امتن الله عليهم بهذه النعمة الكبيرة، مما كان له الأثر في قوة اقتصادهم، وتطور بلدانهم، يقول تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ، ثم تأملوا معي في أهل مكة قبيل البعثة، من الله عليهم بهذه النعمة، فانتعشت تجارتهم، وتطورت بلدانهم، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ، فإذا أردنا المحافظة على إنجازاتنا، والتقدم بأوطاننا؛ علينا أن نحافظ على هذه النعمة، بتسخيرها في صالحنا وصالح مجتمعنا، وهذا من أعظم الشكر لله على هذه النعمة العظيمة، يقول صلى الله عليه وسلم مبينا هذه النعمة في استقرار الإنسان، وانتعاش معيشته: "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
أخوة الإيمان: (1/21)
صفحة 22
حبنا لوطننا الكبير يشمل كلّ ما يحتويه من تراث نفخر ونعتز به، وإنجازات نسعى لتحقيقها، في مجالات الحياة المختلفة، التربوية والاجتماعية، والصحية والاقتصادية، من مساجد ومستشفيات، ومدارس ومعاهد وطرقات، مع الأخلاق الرفيعة، والقيم الإسلامية النبيلة، والتي تميزت بها هذه البقعة المباركة، فهذه الإنجازات هي عنوان الرقي والتطور، وهي رمز التقدم والمدنية، ليكون الوطن مربوطا بماضيه التليد، وحاضره المجيد، فهلا كنا من الأمة الواعية التي تحافظ على إنجازاتها، وتسعى في رقيها وتطورها، وهذا لا يقتصر على فئة معينة، بل يعم جميع شرائح المجتمع، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، فانظروا إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة اشترك جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار في وضع أسس الوطن الجديد، بناء وحضارة، وعلما ومعرفة، وأخلاقا وقيما، فهلا كنا يدا واحدة في بناء ورقي وطننا وتقدمه، وهلا حافظنا على تراثه ومنجزاته، وهلا تمسكنا بأخلاقه ومبادئه، فهذا من المعروف الذي يثاب فاعله، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل معروف صدقة "، وأي معروف أعظم من بناء وتعمير البلدان، وشكر الله تعالى فيها بالخضوع له سبحانه وطاعته، فسابقوا رحمكم الله في نماء ورقي أوطانكم، تنالوا الأجر عند ربكم.
أيها المسلمون: (1/22)
صفحة 23
لقد أحسن الله إلينا بهذه النعمة المباركة، وجعل حب الوطن مغروسا في قلوبنا، فهلا رددنا هذا الإحسان بإحسان، وقابلنا هذه النعمة بشكر وطاعة وانقياد، قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، فيا عزيزي الأب كن محسنا مع وطنك بتربية أبنائك التربية الفاضلة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، اغرس في قلوبهم حب الوطن والمحافظة على إنجازاته، واجعلهم بررة صالحين لأوطانهم، مخلصين في رقيه وتقدمه، وأنت أيها الطالب كن محسنا مع وطنك بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب في كسب العلم والمعرفة، فمن حق الوطن عليك أن تسعى لرقيه فكريا وثقافيا، أخلاقا وإخلاصا، مع محافظتك على ممتلكات الدراسة، والتي تسهل عليك الحصول على المعرفة، فإنها من أعظم الإحسان للأوطان ورد الجميل، وأنت أيها الصانع والعامل كن محسنا إلى وطنك بالاجتهاد في العمل، والمحافظة على منجزاته المتعددة، وتطوراته المختلفة، وسخر قدراتك في رقيه ونموه، وتقدمه وتمدنه، وتمثل أخلاقه وقيمه في مكان عملك ومتجرك، وفي أي مكان نزلت، يقول تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والمرأة شريكة الرجل في بناء الأوطان، والحفاظ على مكتسباته، والتقيد بأخلاقه وقيمه، فهي جزء من هذا الوطن العظيم، ودورها لا يقتصر على البيت فحسب بل يعم المجتمع، فهي تشارك الرجل في إعمار وطنها، بداية في بيتها تربية وتنشئة، ومع زوجها إخلاصا وطاعة، وفي مجتمعها إصلاحا وبناء، مع التمسك بالعفة والأخلاق الفاضلة.
فلنتعاون جميعا – عباد الله - في رقي أوطاننا والحفاظ على منجزاته، كل بحسب جهده وقدراته، وكل في تخصصه ومجال عمله، ولنكن مخلصين لأوطاننا في بيوتنا ومدارسنا، وفي أسواقنا وأماكن عملنا، متمسكين بأخلاقنا وقيمنا، ومبادئنا وشريعة المنعم علينا جلّ وعلا. (1/23)
صفحة 24
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمة الأوطان، والشكر له سبحانه شكرا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، لا إله إلا هو سبحانه، وحده لا شريك له، ولي الصالحين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمتقين، وأفضل خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فيا عباد الله، خلق الله تعالى الكون منظما بأجرامه وأفلاكه، وفي أرضه وسمائه، فكل شيء فيه بنظام وإتقان، قال سبحانه: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وأي اختلال في نظامه يؤدي إلى فساده وانهياره، فالنظام أساس استقراره وتقدمه، والوطن جزء من هذا الكون العظيم، فالنظام فيه أساس متين في تقدمه ونموه، وانتعاشه وتمدنه، ومن حب الوطن التقيد بأنظمته وقوانينه، في كافة سير الحياة، فالنظام أساس التقدم والرقي، وبدونه لا تقدم ولا مدنية، فلنكن منظمين في حياتنا وأوطاننا، وبذلك نرقى بأنفسنا وأمتنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا.
أيها المسلمون: (1/24)
صفحة 25
ومن حب الوطن أيضا المحافظة على نظافته، فالنظافة عنوان التطور والمدنية، والنظافة أساس نمو العقل وتفعيل دوره في الحياة، فلنحافظ على النظافة المادية، في كل شبر من وطننا الحبيب، في البيوت والشوارع، وفي المؤسسات والمتنزهات العامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "، ومن النظافة أيضا الدعوة إلى عوامل الوحدة والتسامح والمحبة، ونبذ الفرقة، والمحافظة على الواجبات الشرعية، والبعد عن الغل والحسد والكبر، واجتناب النميمة والغيبة ونشر الشائعات، مع مساعدة المحتاجين وإعانتهم، والصدق في القول والعمل، والتمسك بالآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا أداة خير لأوطانكم، واجتهدوا في تقدمها ورقيها، تجدون آثار ذلك في حياتكم، وتنعمون بالفضل والأجر عند لقاء ربكم.
خطبة أيام الحج
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
الحمد لله الذي شرع لعباده حج بيته الحرام، وجعل فيه من المقاصد العظام، والصلاة والسّلام على نبراس الهدى ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك العلاّم.
ما أجمل أيام الحج!!!
وما أحلاها من أشهر وأزمان!!!
جمال النسك مع ذكريات التأريخ ... (1/25)
صفحة 26
روحانية العبادة مع أمل المستقبل ....
ومع أشهر الحج النبيلة، وأيامه الروحانية، أقف معكم ثلاث وقفات نورانية، فكونوا معي يرعاكم الله سمعا وبصيرة ...
وقفتنا الأولى نعيشها مع أبي الأنبياء، وسيد الأولياء، مع إبراهيم الخليل، عليه من ربنا وعلى أبنائه وذريته البررة الصالحين أفضل صلاة وأزكى تسليم.
وأنتم عباد الله في هذه الأيام المباركة أكثروا من الصلاة على أبيكم إبراهيم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى مسك ذريته خاتم النبيين محمد عليه أفضل صلاة وتسليم "اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد"".
والآن عطروا أسماعكم وقفوا معي بقلوبكم وجوارحكم ...
حيث أطرح عليكم هذا السؤال: ما علاقة إبراهيم بالحج؟ ولماذا يكثر ذكره في آيات الحج؟ وما وجه العلاقة بينه وبين الأضاحي والقربان؟
هناك هناك إبراهيم عليه السلام، وما أدراكم ما إبراهيم، ذلك الشيخ العجوز، صاحب الوجه المشرق بنور الإيمان، واللحية المخضبة بدموع الخضوع والبكاء للواحد الديان.
يا إبراهيم لقد اشتعل رأسك شيبا ... واعوج ظهرك تقادما وكبرا ... تقدم بإبراهيم السن، ولم يكن له أولاد من صلبه يفرح بهم، ويبهج بذريتهم ...
أبو الأنبياء، وشيخ الأولياء يصطفيه ربه بأنواع البلاء، فيزداد خضوعا لربه وشكرا، وإخباتا وتضرعا ...
وبينما إبراهيم جالسا متأملا إذ تأتيه البشرى بحمل زوجه هاجر صلى الله عليها وسلم، فيخر لربه باكيا خاشعا، ساجدا شاكر، أألد يا رب وأنا عجوز عقيم، ولكنها إرادتك، ولا راد لأمرك، فلك الشكر ربي شكرا شكرا.
يا إبراهيم لقد اصطفيتك لحمل الرسالة، وتأدية الأمانة، اذهب بزوجك هاجر وابنك إسماعيل إلى واد غير ذي زرع ولا ماء ...
يا الله فلذة كبدي، وفرحتي ومهجتي، أبعد ما فرحت بوجوده، أتركه في صحراء قاحلة، لا طعام يقويه، ولا ماء يرويه، ولكنه أمرك يا الله، فأنت الحافظ المهيمن ... (1/26)
صفحة 27
يرجع إبراهيم إلى أرض كنعان تاركا زوجه وابنه الوحيد في صحراء موحشة، ولكنها إرادة الله، وهاجر تتضرم من الجوع، لقد جف الضرع، وانقطع اللبن، فمن لإسماعيل إياك يا رحمان، فأصبحت في جنون، تصعد إلى جبل الصفاء لعلها تجد ما يرويها، وتصعد المروة مرة أخرى، وتهرول بين الجبلين، فتنبع ماء زمزم بأمر الله، ولا رادّ لأمره جلّ في علاه، الله أكبر، كل شيء بقدرتك وأمرك، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك.
ويعود إبراهيم مشتاقا لرؤية ابنه إسماعيل، وإذا بإسماعيل يلهو ويلعب، فيأوي إليه إبراهيم من شدة الفرح وحب اللقيا، وقد انهمر بكاء وشوقا.
هناك يأخذ إبراهيم قسطا من الراحة، فيرى في منامه أنه يذبح ابنه إسماعيل شكرا لله على نعمائه، ورؤيا الأنبياء حق.
يا الله أأذبح ابني ووحيدي إسماعيل، ولكنه أمرك، وليس لنا خيرة في ذلك، إلا أن نقول سمعا وطاعة يا ألهنا.
يا إسماعيل، يا حبيبي، وفلذة كبدي، إني رأيت في المنام أني أذبحك، ولا أمر لي بذلك، فانظر في الأمر ...
فيرد إسماعيل: يا أبتاه، إنه أمر الله، وما لنا بد من الاستجابة لأمره، لا إله إلا هو، خذ سكينتك يا أبي، وافعل بي ما أمر ربي وربك، ستجدني إن شاء الله صابرا محسنا ....
فيأخذ إبراهيم سكينته، ويحدها لتكون أسرع في ذبح ابنه، فيمسك فلذة كبده، فيلامس الجسد الجسد، حنانا وأبوة، أبعد فرحتي بك أقضي عليك، فوالله لو كانت شوكة تؤذيك لتألمت فكيف بالقضاء على روحك، استجبنا لأمرك يا الله، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وبينما إبراهيم يقدم ابنه قربانا، والسكين قد اقتربت حدا وتحريكا، يناديه الوحي ناقلا أمر ربه: يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وفديناك بذبح عظيم، يكون قربانا إلى يوم الدين.
يا إبراهيم أذن في الناس بالحج، يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. (1/27)
صفحة 28
يا إبراهيم أرفع قواعد البيت، وسأخلد ذكرك في المقام المعلوم، فعظم مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود.
هذا نبيكم إبراهيم، وهذه أيامكم المباركة تبعث في أجوائها تلك الذكريات الإيمانية، لنسير على نهج أنبياء الله
توحيدا وإخلاصا
وخضوعا وقنوتا
واستجابة واستسلاما
وطاعة وانقيادا
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ
فهلا عظمنا عباد الله هذه الأيام المباركة، وهلا خضعنا فيها لذي العزة والجلالة، أفلا نحب أن ينظر الله إلينا بعين الرحمة والمغفرة، إلهنا تبنا وأنبنا فاغفر لنا وارحمنا. "اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
وقفتنا الثانية مع أيام العشر المباركة، ومع الأضاحي والقربان ...
أيام الحج لا تخص ضيوف الرحمن فحسب، بل هي هدية الله للمؤمنين جميعا، في كل زمان ومكان.
فأكرم ثم أكرم بالعشر الأولى من ذي الحجة، أقسم الله تعالى بها شرفا وتعظيما: والفجر وليال عشر، وبين حبيبكم صلى الله عليه وسلم أنها من أفضل الأيام عند الله تعالى.
أيام مباركة هلموا إليها رحمكم الله مسارعة في الخيرات، أكثروا فيها من الذكر والتكبير، والصوم والصدقة والفعل الحسن الجميل.
وحذار من المعاصي والفعل القبيح، فالإثم فيها عند الله عظمي، والجزاء عليها شديد أليم.
وحذار ثم حذار عباد الله في مواسم الخيرات أن تدنس بأمرين قبيحين: الشرك والمباهاة، العمل لغير الله وحب الرياء والسمعة، يقول ربكم جلّ وعلا: حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ. (1/28)
صفحة 29
فاعمل لله، وتصدق لله، وتقرب لله، وحج لله، وضحي لله، وكبر لله، وارفع صوتك عاليا: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وحذار ثم حذار من المباهاة في الأضاحي والقربان، بغرض الرياء والسمعة، فعن عطاء بن يسار قال: "سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى".
أفلا نحب أن يصل قرباننا إلى ربنا، فهذه الدماء التي نريقها، واللحوم التي نتفاخر بها لا تصل إلى الله، وإنما يصل إليه إخلاصنا بها، وإعانتنا لبعضنا البعض، يقول سبحانه: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ.
فمن أعظم سنن الأضحية التقارب بين الفقراء الذين لا يملكون ما يضحون به، وبين القادرين على الأضحية، كأنهم أبناء أسرة واحدة، تختفي معها صور الحقد والكراهية، ومظاهر البخل والشح، فيندب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويتصدق ويهدي، لقوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (1/29)
صفحة 30
فالقادر على الأضحية يضحي بلا إسراف ولا مباهاة، وغير القادر لا يلزمه القربان، ولا يصح له الاقتراض من أجل سنة، والأصل أن يعطى، وبإمكان أكثر من أسرة أن تشترك في أضحية أو أكثر، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما ضحى: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي.
واعلموا رحمكم الله أن من أعظم أعمال البر في هذه الأيام المباركة الإحسان إلى الوالدين، وصلة الأرحام، والعطف على الجيران، وإعانة المحتاج، وتقوية العلاقة مع جميع شرائح المجتمع، ومراقبة الديان، وترك الآثام والعصيان، فعظموا رحمكم الله هذه الأيام، فإن تعظيمها من تقوى القلوب، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
"اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
الخطبة الثانية
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
وقفتنا الثالثة: نقفها مع مقاصد الحج وأيامه العظيمة.
يا لها من نفحات ربانية، ونسمات إلهية، ونحن نعيش أياما مباركة، ومشاهد جليلة ...
قلوب خاشعة، أعين باكية، ألسنة مكبرة ومهللة في أيام مباركة، من أجلها قطعت آلاف الأميال، ولخيراتها ترك الأهل والأولاد، ولفضلها فورقت البلدان والأوطان.
فيها استجابة لنداء خليل الرحمن "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق". (1/30)
صفحة 31
ولقد أدرك مفكرو الإسلام وعقلاؤه أنّ الحج شعيرةٌ لو وظفت توظيفاً صادقاً، ومورست كما أرادها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لكان لأمّة الإسلام اليوم شأن آخر، ولكان لأفرادها مستقبل واعد زاهر.
إنّ ما تعانيه أمّة الإسلام اليوم من تفرق وحزبية، وطبقية وأنانية، وجهل بأبجديات الثقافة الدينية والمعاصرة، وفساد في مختلف حياة الأمّة،
كل يوم ودماء المسلمين تراق، في فلسطين وأرض العراق، وغيرها من الآفاق.
آلا ف المسلمين يعيشون تحت خط الفقر، والعشرات العشرات من أبنائهم لا يجدون من يهيئهم علمياً وتربوياً، وفكرياً وثقافياً، مع ملاين الأموال التي تنفق من قبل المسلمين في مجالات منحرفة، التي تحارب الإسلام جهارا، وتشيع الفاحشة بين أبنائه ليلاً ونهاراً، وتضيّع أوقاتهم صباحاً ومساءً.
كلّ هذا ناتج من تغييب المقاصد التي شرعها الله – تعالى – من العبادات، وعلى رأسها حج بيته المعظم، إذ أصبحت مجرد طقوس خاوية، يمارسها المسلم في أوقات وأيام معينة، وبكيفية معتادة.
تتجردون يوم إحرامكم من ملابسكم فلم لا تتجردون من الكبر والحسد والغرور والأنا، وتكسرون حب الذات والهوى.
تطوفون مع إخوانكم من مشارق الأرض ومغاربها، أبيضنا وأسودنا، جاهلنا وعالمنا، غنينا وفقيرنا، الكل سواء حول بيت واحد، وبأشواط واحدة، فلماذا لا نتحد دائما، لماذا هذه الفرقة والبغضاء بيننا، أليس ربنا واحد، وقبلتنا واحدة، فلماذا عند الطواف أمة واحدة، وبعده أمة متناحرة متفرقة؟
تجتهدون في السعي بين جبلين، مع المشقة والصعاب، فلماذا لا تجتهدون في طاعة الله، ونشر الدين وتبليغه؟
كنتم قدوة في منى في الخضوع والاستجابة، رمي ونهر وذكر وخضوع، فلماذا لا نظل قدوة للإنسانية والعالمين في التمسك بهذا الدين.
وقفتم في مشعر عرفات، وأعينكم بكت من السيآت، وأبدانكم اهتزت خوفا من رب البريات، فلماذا التوبة والإنابة تتوقف بعد عرفات ... (1/31)
صفحة 32
تتباهون وتبذلون أموالكم في الهدي والأضاحي والقربان، فلماذا لا تبذلونها في الخير والدعوة وإعانة المحتاج طول العام ....
تلبسون الجديد يوم العيد، وتطهرون ملابسكم من الدنس والنجاسات، فلماذا لا نطهر قلوبنا من الحقد والبغض والشح، وألسنتنا من الكذب والبهتان، ومجالسنا من الافتراء وأكل لحوم الناس.
فأين مقاصد الحج وأيامه في أنفسنا وأوطاننا، وأين خضوع إبراهيم منا، وأين استجابة إسماعيل لربه من واقعنا، وأين رضا هاجر لأمر ربها من أنفسنا، وأين اجتهاد محمد وبذله من سلوكنا، فهل انتسابنا لهذه الأمة عن حق وشرف، أم عن تقليد للآباء والأجداد،
فاتقوا الله عباد الله هذا وكلمتي الأخيرة أوجهها إلى حجاج بيت الله الحرام، فيا حجاج بيت الله الحرام إن الحياة لا تسير إلا بنظام، والحج رأس النظام، إذ يمارس في منطقة صغيرة، وبقترة زمنية محدودة، وبأعمال جماعية، لذلك وضعت السلطات السعودية، والبعثات الدولية، ومنها البعثة العمانية، وضعت قوانين وأنظمة تنظم للناس أمر حجهم، فلا يجوز تعدي هذه الأنظمة والقوانين، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وتعاونوا يرعاكم الله مع بعثتكم الموقرة، من إداريين وكشافة ورجال أمن، وتقيدوا بأنظمتها في الحرمين المدني والمكي، وفي منى وعرفة ومزدلفة، وحذار أن تؤذوا ضيوف الرحمن بقول أو فعل أو من أجل سنة كتقبيل الحجر أو الهرولة، أو عند الجمار، وكونوا خير سفير لدينكم ووطنكم الحبيب، في صلاح اللسان والجوارح، والمحافظة على نظافة البلاد المقدسة، واحترام وفود الرحمن من أي بلاد كانوا، والتقيد بأنظمة البلاد الأخرى، وتعاونوا مع مقاوليكم، وعليكم بالصبر في المخيمات، والطريق، خاصة فيما يتعلق بدورات المياة، وتناول الطعام، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. (1/32)
صفحة 33
"اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
خطبة زوجات النبي عليه الصلاة والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
الحمد لله ذي الفضل والأنعام، والمحاسن العظام، والصلاة والسلام على خير الأنام، قدوة الخلق إلى يوم القيام، اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، سلاما وصلاتا ما كان الليل والنهار.
أخوة الإيمان: من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة. (1/33)
صفحة 34
لذا اعتبر الإسلام المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ فكذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزءا لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فالذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة، فهما لباس وجسد واحد في أصل الخلق.
من هنا أوجب الإسلام الحفاظ على أعراض النساء، واعتبر القرب من ذلك جريمة شرعية، وخطيئة كبيرة، التوبة منها ليس بالهوينا، لأن العبث بها جرم كبير، قال جلّ وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
فإذا كان هذا باللسان، فكيف بمن يتحول إلى ذئب مفترس، يترقب النساء بشتى الوسائل، تارة بالإغراء في الطرق والمجمعات، وتارات بالهواتف ووسائل الاتصالات، كالشات والماسنجر والفس بوك ونحوه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
فأكرم الإسلام المرأة بنتا وزوجة وأما، وأمرها بالعفاف والحجاب، والطهارة والنقاء، ونهاها عن التبرج والسفور، والخلاعة والمجون. (1/34)
صفحة 35
فإذا كانت المرأة بهذه المكانة والعظمة، والجلالة والكرامة، فما بالكم بزوجات خير الخلق أجمعين، صلوات الله عليه وعلى أزواجه الطيبين الطاهرين، إيه ورب الكعبة ما بالكم بمن جعلهن الله أمهات للمؤمنين إلى يوم الدين، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، ذوات التطهير الرباني، والتربية المحمدية، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.
فكيف يجرؤ من لا خلاق له في الدنيا والآخرة أن يمس عرض حب رسول الله، الصديقة ابنة الصديق، عائشة الخير والعفاف، وقد أنزل الله فيها قرآنا يتلى إلى يوم الدين: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ. (1/35)
صفحة 36
فقف معي يرعاك الله بداية مع النجم الطاهر، والنور المتلألئ، مع المجاهدة التاجرة، والمنفقة الباذلة، مع خديجة الصابرة، أول من آمن من النساء، بذلت مالها نصرة لهذا الدين، فكانت لنبي الله وهو في أشد المحنة والعناء نعم الزوج الحنون، والمساند المخلص، فارقته عليه السلام في أشد فترات حياته صعوبة وابتلاءا، وهو يتعرض لأشد أنواع العذاب من قبل كفار قريش في بداية الدعوة، فيا خديجة أفي هذا الوقت تذهبين ... فقد كنت لي نعم المعين، ولكنه قضاء رب العالمين، فظل يبكيها إلى أن فارق الحياة عليه أفضل الصلاة والتسليم، فصلوات الله وسلامه على روح خديجة الطاهرة، ومتعنا بالسلام عليها في الدار الخالدة.
ثم عرّج معي رحمك إلى طويلة اليدين من الصدقة، السيدة الطاهرة، الشاكرة الساجدة، أو تدرون من هي، إنها أمكم سودة بنت زمعة، القرشية العامرية، هاجرت إلى الحبشة لنصرة الدين، وبعدها إلى المدينة تاركة مكة، وما أدراكم ما مكة، تركت أهليها وأموالها وديارها رضا لله ولرسول رب العالمين، ولما سمع ابن عباس وفاتها في خلافة معاوية سجد لله سجدة، فقيل له: أتسجد لموتها، فقال –رحمه الله-: إنها آية من آيات الله، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأيتم آية فاسجدوا، فصلوات ربي عليك يا أماه، ما طلع هلال على وجه البسيطة، وجمعنا جميعا في الدار الآخرة.
وأنعم ثم أنعم بالصوامة القوامة، الأمينة المخلصة، الفاروقة بنت الفاروق، حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كفاها شرفا وفخرا أن تولت أمانة حفظ نسخة القرآن في عهد الصديق والفارق وذي النورين، فحفظ الله بها كتابه، وزادها شرفا ورفعة، فبارك الله مسعاك أمنا حفصة، وجمعنا وإياك في الجنة الغالية، وصلوات الله عليك ما أعقب النهار ألف ليلة. (1/36)
صفحة 37
فحيا وهلا ثم أهلا وسهلا بأم المساكين، ورحمة رب العالمين، بزينب بنت خزيمة الهلالية، كان مالها للفقراء أنيسا، وللمساكين رحمة وتقربا، فكفاك يا أماه شرفا أن صلى عليك زوجك رسول الله يوم وفاتك، ولم تكملي من زواجك أياه الثمانية الأشهر الأولى، وتولت يداه الكريمتان دفنك في البقيع، فعشت معه في سلام، ورقدت في سلام، ونسأل الله أن يحشرنا وإياك في دار رضوانه دار السلام، وصلوات الله عليك ما كان أمن وسلام.
واخفض رأسك أخي الكريم إجلالا وتكريما للعالمة الفقيهة، والمفتية النبيهة، لمعلمة العلماء، وتلميذة لخير خلق الله من الأنبياء، قف وقفة إجلال لأم سلمة، هند بنت سهيل القرشية المخزومية، من ثم من كأم سلمة عقلا راسخا، وجهادا وصمودا، الحبشة وبدر وأحد والأحزاب والفتح تحكي مآثرك الجلية، ويكفيك شرفا يا أماه أن أنقذت المسلمين يوم الحديبية من خلاف جرى، فرأوا الحكمة في رأيك، والجلالة في مشورتك، فأنعم بك من مربية نبيلة، يا أمنا الطاهرة، وجمعنا وإياك في الجنة الرفيعة، فصلوات الله وسلامه عليك يا طهرة سيد المرسلين، وجمعنا وإياك في دار الخلد أجمعين.
وأكرم ثم أكرم بالأواهة القانتة، الخاشعة العابدة، الباذلة المزكية، زينب بنت جحش، بنت أخت سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، كانت للإسلام من السابقين دخولا ونصرة، وإعزازا وتمكينا، بكى المحراب لوفاتها، ودمعت أعين اليتامى والأرامل لفراقها، قالت عائشة الصديقة يوم وفاتها: لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل، فقرت أعين عرفت فضلك أمنا زينب، وصلوات ربي عليك ما نزل خير وصب، وجمعنا وإياك في مقعد صدق عند إلهنا الخالق الرب. (1/37)
صفحة 38
والآن نعاود الكرة مع ذات الشرف والنسب، الموصومة بصفاء الروح، البعيدة عن الغل والكبر والحسد، صاحبة التواضع والعفة والخلق الحسن، مع جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، أكرم بها زوجا طاهرة، وأكرم بها للمؤمنين والمؤمنات أما عفيفة، كانت قدوة في صفاء القلب وحسن المعاملة، فطيب الله أماه ثراك الطاهرة، وجمعنا وإياك في الفردوس الأعلى من الجنة، وصلوات ربي عليك ما هب نسيم على وجه البرية.
إن القلب ليقف، والمشاعر لتهتف، إكراما لنسل هارون عليه السلام، صاحبة المجد في قومها والسؤدد، خيرها نبي الإسلام بين اليهودية والإسلام، فاختارت الإسلام دينا رغم يهودية قومها، فاستحقت أن تكون أما للمؤمنين إلى يوم القيامة، أو تدرون من صاحبة الشرف والمنزل؟ إنها صفية بنت حيي بن أخطب، من نسل هارون عليه السلام، فأعظم بها أعظم، فلله درك يا أماه شرف النسب مع شرف المنزل، وجمعنا وإياك في خير دار ينزل، وصلوات ربي عليك ما كبر مكبر وهلل مهلل.
والآن قفوا معي -يرعاكم الله- تبجيلا وثناء، وصلاتا وتسليما، للطاهرة المحجبة، ابنة زعيم، وأخت خليفة، وزوجة خاتم النبيين، مع ابنة عم سيد المرسلين، مع أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، دخلت الإسلام مبكرا، وتركت بيت الزعامة والترف، والنعيم والسرف، مهاجرة إلى الحبشة، فرارا بعقيدتها، ورغبة في رضوان ربها، فالعيش يهون في سبيل الجنة، وقد ارتد زوجها بعد إسلامه، فأبدلها الله خيرا منه، أن جعلها زوجا لخير خلقه، وأما لأتباعه وأمته، فأنعم بها أنعم، فلك كل الثناء أمنا رملة، وجمعنا مع زوجك خاتم النبين في جنات عالية، وصلوات إلهي عليك ما ذكر الذاكرون في الأيام الخالية. (1/38)
صفحة 39
وأهلا ومرحبا ببنت الكنانة، أرض النيل والنجابة، أهلا بمارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فرح رسول الله لمولده، وقد جاوز الستين من عمره، ولم يكن له ولد ذكر يبهج به، إلا أن الفرحة لم تدم، فقد فارق الحياة ولم يكمل السنتين بعد، فقال فيه رسول الله عليه السلام: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ماتت مارية بعده صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات راضية مرضية، فطوبى لك يا أماه، وجمعنا وإياك ربنا في دار العزة والكرامة، وصلوات ربي عليك ما ذكر الله غدوة وعشية.
وقبل المحطة الأخيرة من أزواج الحبيب عليه السلام نقف مع منبع الطهر والعفاف، مع السيدة المرضية، والزوجة التقية، مع ميمونة بنت الحارث الهلالية، واهبة نفسها لخير البرية، فأنزل الله تعالى فيها: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، فأكرم بها عابدة تقية، وباذلة مجاهدة، فيا أمنا ميمونة، نزلت سهلا في بيت النبوة، ورحلت إلى الآخرة مكرمة علية، وخلد إلهنا أرواحنا جميعا في دار زكية، وصلوات ربي عليك عصرا وظهيرة. (1/39)
صفحة 40
والآن ماذا عسانا أن نقول، ومن أين نبدأ، وماذا سنقول، إنها العالمة المفسرة، المحدثة الأستاذة، الجامعة لفضائل بيت النبوة، والحاصلة على شهادة مدرسة خير البرية، الصديقة بنت الصديق، عائشة بنت أبي بكر الرضية المرضية، أثنى عليها الله، وبرأها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، أصغر أزواج النبي سنا، وأرجحهن عقلا، وأكثرهن علما وفضلا، شد الناس رحالهم من أجل التتلمذ عليها، وكانت من أركان الدولة أثناء الخلافة الراشدة، دخل عليها تلميذها العماني البار جابر بن زيد، فقال لها معترفا بفضلها وعلمها: إني أحبك، ثم رجع إليها وقال: في الله، فقال له مازحة مؤدبه: وفي ماذا تظن يا أعور، وقد كان جابر أعور العين.
كذلك نحن يا عائشة نحبك، نعم نحبك لأنك اختارك الله أما لنا، نحبك لأنك جاهدت ونصرت دين ربنا، فحبنا لك يا عائشة يجري في عروقنا ودمائنا، فجزاك الله يا أمنا عائشة عن دين الإسلام خير الجزاء.
اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، سلاما سلاما سلاما، لا يعد ولا يحصى. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.
عباد الله: صلوا على أزواج نبيكم كثيرا كثيرا، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم (1/40)
صفحة 41
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
من خلال الخطبة الأولى أخوة الإيمان أدركنا ما لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من المكانة الرفيعة، والمنزلة العالية، فكن مثالا يحتذى للمرأة إلى يوم الدين والساعة، فرأينا مما سبق من سير أمهاتنا النيرات: المرأة المحجبة العفيفة، والتاجرة المنفقة، والمجاهدة الباذلة، والمدرسة المعلمة، والقانتة الخاشعة، والصابرة الراضية ...
هكذا أراد الله أن تكون بنات حواء ... ونساء الإسلام ... ومربيات الأجيال ...
فيا أمة الإسلام: أقدوة أعلى وأجلّ من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلم هذا التقليد الأعمى للفاسقات من الشرق والغرب ...
ألا أين الغيرة والعفة؟؟!! وأين الحشمة والحياء؟!!!
فيا نساء الإسلام: دينكن لا يقل: لا تعملن ... لا تدرسن ... لا تتعلمن ... لا تخرجن ...
ولكن في الوقت نفسه يقول: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ...
فيا بنات الإسلام: أمهات المؤمنين قدوة لكن ... فحذار من دعوات الشرق والغرب ... خيار الله لكن عفافا وطهرا، طاعة واستقامة، خضوعا وقنوتا، دنيا وأخرى ... (1/41)
صفحة 42
ولنقف مع العالمة المفكرة البريطانية ماري ويلدز حيث تبعث رسالة إلى عالم الشرق، حتى لا يكونوا ضحية لهذه الدعوات، وليعملوا عقولهم وإلا ستكون نهايتهم أليمة جدا، ومما قالته بالحرف الواحد: إن واقع المرأة في الغرب محزن للغاية، فقد تعطل دورها في البيت، وتحطمت أنوثتها، وأصبحت ضحية للمجتمع الغربي، فالنظام القائم يستغل عرض أجسادهن لأغراض الدعاية والإعلانات، فضلا عن دفع الآخرين للنهم الجنسي وتشجيعهم عليه.
وتقول أيضا عن دعاية الحرية الكاذبة: أظهرت هذه الدعوات الجنس إظهارا مفرطا لكسب الحرية، وهم بدعوتهم هذه لا يدعون إلى الحرية بل إلى العبودية، إذ ما يدعون إليه يخالف طبيعة المرأة متمثلا بالحرية المطلقة، واتباع الشهوات دون حسيب ولا رقيب.
ثم توجه خطابا خاصا إلى بنات الشرق، والآتي خدعن بهذه الدعوات قائلة: إن الإسلام رحمة للمرأة، إنه يعرف طبيعة المرأة التي جبلت عليه، ويعرف ما يناسبها من اللباس والحاجات، وفي ضوء ذلك أناط بها واجب البيت، وتدبير شؤون أطفالها.
إنّ مئات الآلاف من النساء الأتي تربين في الغرب وجدن السعادة والكرامة في الإسلام، ليشهدن بأنّ الزي الإسلامي هو الزي الحق الذي يناسب طبيعة المرأة، ويحقق لها ما تنشده من السعادة وراحة البال، ووجدن كذلك أن بقاءهن في البيت ليس حكما بالسجن، بل هو واجب سام ما دام يحقق تربية الأجيال.
وأخيرا توجه نداءها إلى عقلاء الشرق من الرجال قائلة لهم: ما هي الحرية المطلوبة من المرأة إذن؟ إن حرية المرأة تتحقق بمعرفة طبيعتها الحقة، والحفاظ على تلك الطبيعة، وقد أعطاها الإسلام ذلك كاملا، هنا تكمن الحرية، في الخضوع والطاعة لله رب العالمين". (1/42)
صفحة 43
فيا نساء الإسلام ويا رجال الإسلام: لا تنخدعوا بدعوات من هنا وهناك، فعندكم شريعة ناصعة أصبح العالم بحاجة إليها، قفوا عندها، واتقوا الله فيها، تصلح أحوالكم، ويستقيم معاشكم، وتتقدم أمتكم، وإلا ستكون المرأة الشرقية المسلمة ضحية من ضحايا العالم، لا قيمة لأم ولا بنت، ولا غيرة لعرض، المطلوب منها فقط الجنس والمال، وبعدها تكون ضحية الآلام النفسية، وإن كبرت فدار المسنين والعجزة ينتظرها، فلا تفرطوا يرعاكم الله في شعائر دينكم، فقد حمى أمهاتكم عقودا من الزمن، وهو كفيل بأن يحمي بناتكم وذرياتكم.
اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى أتباع سيدنا محمد، وسلم تسليما كثيرا
خطبة وهبت رياح التغيير
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
الحمد لله الرحيم بالعباد، الهادي إلى الخير والسداد، أرسل رسله للصلاح والرشاد، والصلاة والسلام على المصلح في البلاد، محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم التناد.
أيها المؤمنون:
لقد كرّم الله تعالى الإنسان لذاته، لا للونه ولا لجنسه، لا لقبيلته ولا لعشيرته، رأيه مصون، وعرضه محفوظ، وماء وجهه لا ينتهك، أيا كان هذا الإنسان، فهو خلق الله وهبته، الإساءة إليه إساءة إلى الله الذي أمر بإكرامه، والتكبر عليه تكبر على الله المتوعد بالعذاب الشديد لمن تكبّر على العباد، وأخذ شيء من حق الإنسان تطاول على الخالق العظيم الذي أمر بالعدل والإحسان: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
أخوة الإيمان: (1/43)
صفحة 44
لقد هبت رياح التغيير العالم أجمع من شرقه لغربه، ومن شماله إلى جنوبه، ولم يسلم منها الوطن العربي العظيم، بل كان بوابة التغيير، من أرض تونس المعطاء، وبلادنا الحبيبة عمان جزء من العالم الأرضي، فليست من عالم المريخ، ولا من زحل وعطارد، نتأثر بما يتأثر به العالم، في عصر الكوكبة والعولمة.
لذا يجب أن تكون خطبتنا اليوم أكثر شفافية وصراحة، لنقول الحق الذي نهانا الله عن كتمانه، يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
فخطبة الجمعة من تشريع الله وحده، لم نقمها إلا استجابة له سبحانه، لتعالج قضايا الناس السياسية والاقتصادية والفكرية والتربوية، والاجتماعية والأخلاقية، بكل وضوح وشفافية.
والسؤال الذي نطرحه في خطبة اليوم: لماذا هبت رياح التغيير في هذا الوقت في سلطنتنا الحبيبة؟
والجواب الذي يجب أن يفقهه الجميع، ويدركه الصغير والكبير، أن عصر اليوم، ونحن فن العقد الثاني من الألفية، ليس عصر الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم.
إن الذي يحرّك الشباب اليوم ليست المناهج الدراسية، ولا القنوات المحلية، المذاعة والمتلفزة، ولا الصحف السيارة.
إننا اليوم في عصر عولمة الشبكة العالمية، في عصر الفي سبوك والمواقع الالكترونية، والذي ينقل الخبر في أقل من الثانية، ويشارك فيه ملايين من البشر في الدقائق الواحدة.
فأدركت العقول ما خفي، وانكشف الستار بعد سدل طويل، وانفتحت السماء بعد غيم كثيف، فظهرت النجوم لامعة شامخة.
فالناس يعيشون اليوم في قرية صغيرة، فليسوا بحاجة إلى سجادة سليمان ليسافروا ويطلعوا، فالأخبار تأتيهم في بيوتهم في الثانية الواحدة. (1/44)
صفحة 45
من هنا تأثر شبابنا في عمان بما جرى ويجري في العالم، ومع غليان دم الشباب وحبّ التغيير والتطوير، كانت هذه الأحداث الأخيرة في عماننا الحبيبة.
والسؤال هنا: كيف نتعامل مع روح التغيير، حتى لا تفقد مسارها، وتنعطف إلى جهة خاطئة؟
تأملوا مع أحبتي في الله لو جاء رجل إلى هذا المنبر واستأذنكم بأن يمارس الزنا كيف تردون عليه؟ لا شك ستصرخون في وجهه؟ بل ولربما ضرب وأهين، وطرد وسجن، وتعتقدون بذلك أنكم عالجتم المشكلة.
فهل أنتم أكمل من نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام، وأرجح عقلا منه، انظروا كيف تصرف نبيكم: فعن أبى أمامه رضي الله تعالى عنه، أنّ غلاما شابا أتى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قربوه، أدن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك؟ قال لا، جعلني الله فداءك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال لا جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم وزاد حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كلّ واحد: لا. جعلني الله فداءك، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: كذلك الناس لا يحبونه، ثم وضع الرسول محمد يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا.
هذا الشاب شكا من الزنا ... (1/45)
صفحة 46
وشباب التغيير اليوم يشكون من مشاكل عديدة: ضعف التعليم وعدم القدرة على المواصلة، البطالة وعدم الحصول على فرص العمل، ضعف الرواتب في الشركات مع غلاء المعيشة ومنع إقامة جمعيات خيرية تعاونية، عدم القدرة على الزواج لتحصين الفرج ومنع إقامة صندوق الزواج، ارتفاع فوائد البنوك بصورة رهيبة ومنع إقامة بنوك إسلامية، الرغبة في الحصول على مسكن ووسيلة النقل، التشريد خارج البلد والغربة من جديد، وضعف المراكز الصحية وتحمل أعباء العلاج، بجانب انتشار الخمور والبارات في القرى، وسهولة الحصول على المخدرات والتنباك، وتحول المراكز الصحية إلى مراكز للعهر والفواحش، مع منع ذكر مشاكلهم في وسائل الإعلام ومجلس الشورى، والسماع لهم.
انظروا لو كان محمد صلى الله عليه وسلم حيا ... كيف تصرّف معهم؟
وانظروا كيف تصرفنا، وماذا كانت النتيجة؟
إن فتح باب الحوار بكل شفافية ورؤية، في وسائل الإعلام المحلية خاصة، وعلى مسمع من الناس، بدون قطع وتهميش، مع حضور المختصين في كافة القطاعات، وتقوية الرقابة المالية والإدارية، والمساواة والعدالة بين المواطنين، والقضاء على الواسطة والمحسوبية، وتعميق الكفاءة والأولوية، ونزاهة القضاء والادعاء العام، وفتح المجال للشباب بصورة أكبر هو الحل للاستفادة من التغيير، وليس التهديد والتخويف، ونشر الرعب واقتحام البيوت، فالعنف لا يولد إلا عنفا، يقول سبحانه: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.
أيها الأخيار:
على الشعب أجمع أن يعترف ويمتن بفضل والدنا الكبير، ومعلمنا الحنون، صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه ربي ورعاه، جاء في وقت عانت عماننا الحبيبة الحروب الأهلية، والمشاكل الاقتصادية، والقبلية المقيتة، فأخرجها إلى العالم رافعة الرأس، شامخة البنيان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. (1/46)
صفحة 47
أراد صاحب الجلالة أن تكون عمان دائما بلاد العدالة والقانون، والمساواة وحرية الرأي، وهو القائل: لا مصادرة للفكر.
ولكن الكمال لله تعالى وحده، والمدينة الفاضلة لا توجد إلا في خيال الفلاسفة، فالأخطاء موجودة لا ينكرها عاقل، ولا يتعامى عنها لبيب.
والسلطان حفظه الله أعطى الثقة لشعبه لا لينافقوا ويماروا، ويتكبروا على بعض، ويأكل بعضهم بعضا.
بل أعطى الثقة لشعبه جميعا تحت ظل الوطن الواحد، ليكونوا أمة إصلاح وصلاح، ويواصلوا مسيرة البناء والخير، لنرفع راية البلاد بين العباد.
عباد الله:
عمان بلد الجميع، من المواطنين والمقيمين، أرض السلام والإصلاح عبر التأريخ، أثنى عليها الرسول عليه السلام وصاحباه أبو بكر وعمر، فلا مزايدة على الوطنية، ولا احتكار لها.
ومع هبوب رياح التغيير نعلم أن عمان اليوم ليست عمان قبل شهر، بل أن العالم اليوم أجمع ليس العالم قبل شهر.
فهلا كنا يدا واحدة في إصلاح بلادنا، في جميع جوانب الحياة، خاصة المالية والتربوية، ولنحسن الظنّ ببعضنا البعض، بداية من إصلاح أنفسنا وأسرنا، ومن ثم مجتمعاتنا ومؤسساتنا، فلا ننافق على صلاح الوطن، والمصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، مع فتح باب الحوار والحرية بصورة أكبر، والشفافية والرؤية الواضحة. (1/47)
صفحة 48
ومن حق أي مواطن أن ينتقد ويصلح، وزيرا كان أم فراشا، ذكرا أم أنثى، بالطرق السلمية والقانونية، بلا سب ولا شتم، ولا إهانة ولا ترويع، فلا يجوز الاستخفاف بأي مواطن أو مقيم، كائنا من كان، ولا يجوز قطع الطرق، وترويع الناس في المؤسسات بدعوى الضغط والإصلاح، فالفساد لا يدفع بالفساد، مع الثقة الكاملة لباني البلاد، وقائدها المفدى، يقول سبحانه حكاية عن نبيكم شعيب صلى الله عليه وسلم: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
فلنكن يدا واحدة لتكون عمان اليوم عمان المجد والتقدم، عمان المؤسسات والقانون، عمان العدالة والمساواة، عمان الكل والجميع، نفخر بها في سفرنا، ونرفع رأسنا ونحن نتحدث عنها، هكذا كانت عند أجدادكم، أرض البطولات والتسامح، أرض الإصلاح والتعاون، أرض الخير والإيمان.
اللهم احفظ عماننا وبلاد المسلمين، وارفع راية الخير والصلاح في العالم أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم (1/48)
صفحة 49
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
أحفاد الخير والصلاح
لقد هبت رياح التغير بلادنا الحبيبة، وشملت نواحي متعددة، ومن أهم هذه النواحي إصلاح مجلس الشورى، فهو دعامة الشعب، وصوته إلى الحكومة، فأعطي من الصلاحيات، وفتحت له الآفاق.
فالشورى أمانة الله بين العباد، جعلها بين فريضتي الصلاة والزكاة، يقول سبحانه: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
فالله الله في هذه الأمانة يا عباد الله ...
لا تصوّتوا إلا لمن تروه صالحا مخلصا، كفؤ أمينا
صوتكم أمانة للوطن، ومسؤولية عظيمة من المجتمع، وستحاسبون عليه يوم العرض، عندما تقفون بين يدي الرب ...
فحذار أن تقدموا القبيلة والعشيرة على الوطن والأمة ...
اختاروا أصلحكم ليمثلكم، كان من عشيرتكم أو لم يكن ... (1/49)
صفحة 50
وليحذر الذين يرشون الناس ليصوتوا لهم، وليحذر الذين يقبلون هذه الرشوة، فهذا مال سحت يمحق صاحبه وآخذه في قعر جهنم والعياذ بالله، فهذه ليست خيانة فرد، بل خيانة وطن وأمة ...
وحذار أن تتستروا على هؤلاء، وارفعوا أمرهم إلى الجهات المختصة، لينالوا عقوبتهم القانونية ...
فلا خيانة للوطن بعد اليوم، ولا استخفاف بالعقول، ولا إهانة لكرامة المواطن والمقيم ...
وفق الله بلادنا وقائدها، والمقيمين فيها جماعات وأفرادا لكل خير وصلاح
اللهم احفظ وطننا الحبيب عمان، وجميع بلاد المسلمين
اللهم ارفع بنيانه وأعز سلطانه
اللهم اجعلنا أهل صلاح وتقوى، أهل خير وهدى
اللهم ارحم أحبتنا في ليبيا المجاهدة، وفي اليمن السعيدة، اللهم خلصهم من بلائهم، واحفظهم في أنفسهم وأعراظهم، وانصرهم على كل ظالم غشوم، وجبار متكبر
اللهم اجمع كلمة الإسلام والمسلمين على طاعتك، واجعل العزة للأمة الإسلامية، تحكم شرك، وتنزل العدل، وترفع الظلم، وتقيم الصلاة وتخرج الزكاة.
اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الرحمين.
خطبة وقفات مع الوقت
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، والصلاة والسلام على النبي الأواب، وآله وصحبه الأحباب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك الوهاب.
ومع بداية حرارة الصيف الملتهبة ... والتي تحمل في طياتها ذكريات منوعة ... ما بين ذكريات يسعد المرء بذكرها، وذكريات يجد فيها الألم والمرارة ... (1/50)
صفحة 51
هنا ونحن نستقبل الإجازة الصيفية ... أقف مع وجوهكم المشرقة ... وألطف أسماعكم النيرة ... وأتحف عقولكم المتنورة ... بوقفات ثلاث ... راجيا أن نستلهم العبر منها، وأن نجني الأثر من سماعها، فكونوا معها يرعاكم الله جل وعلا ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
لنبدأ وقفتنا الأولى بالتأمل في هذه السورة العظمية في معانيها، مع قلة آياتها ....
في هذه السورة يحدد الله تعالى دائرة الحياة الدنيا التي يعيشها الإنسان
ويبين فيها سبب النجاح والفلاح يوم القيامة ...
وهنا نطرح هذا السؤال:
لماذا قال: والعصر ...
لماذا أقسم به خصوصا ...
لماذا لم يقل هنا: والضحى ... والليل ... والفجر
لماذا العصر بالذات ...
تأملوا في العصر ...
ألا يسمى وقت الأصيل
فما أجمل العصر
وما أسرع انقضائه
يريد الله تعالى أن يبين لنا أن الفترة الزمنية التي نعيشها في هذه الحياة الدنيا قصيرة جدا جدا جدا ....
لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والواحد منا يجد لذة في هذا الوقت، فلطالما أشغله عمله صباحا، ويسكن مع نفسه ليلا، فلا يجد وقتا يتلذذ به مع بيئته وأبناء مجتمعه غير هذا الوقت خصوصا ...
فإذا ما غربت الشمس إلا ويرى أنّ الوقت مرّ بسرعة خاطفة .....
والناس في عصرهم قسمان: قسم استثمره في طاعة الله تعالى، فيشعر بحلاوة الغروب
وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه ... (1/51)
صفحة 52
وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان، لذا قال تعالى بعد قسمه بالعصر: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني
ومن الوقفة الأولى ننطلق جميعا إلى الوقفة الثانية ...
انظروا إلى أبنائنا الطلاب والطالبات هذه الأيام ...
يعيشون اضطراب الامتحانات ...
كم من الأيام مرت عليهم في مقاعد الدراسة ...
وكم من الساعات قضوها في هذا العام ...
نعم ... لكانت كفيلة بأن تنظم جدولهم في المذاكرة ...
وبها يستطيعون فهم المادة فهما رأسيا لا سطحيا، مع إدراك القواعد ... وسهولة التطبيق ...
أما وقد ضاع الوقت، واقترب أجل الامتحانات ... يعيش الطالب في اضطراب نفسي، لعله يدرك شيئا من المادة، فيخرج من الامتحانات فائزا منتصرا ... غانما رابحا ...
فيا أبنائنا الطلاب ...
المسلم الحق ... والإنسان العاقل ... هو الذي يعرف الخطأ ويعالجه ...
فالأصل هذا الوقت ليس وقت مذاكرة ... ولكنه وقت استحضار لما تم مذاكرته في السابق ...
ولكن لا تيأسوا ...
وعليكم بالتالي ...
أولا: اتقوا الله ويعلمكم الله، فمن اتقى ربه يسر أمره، وسهل عسره، ووفقه في مبتغاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ...
أما أن نصلي للامتحان ... ونقرأ القرآن للامتحان ... ونحافظ على صلاة الجماعة للامتحان ... ونقطع الحرام للامتحان ... فهذا والعياذ بالله من الشرك ... فلا تشركوا مع الله أحدا، والله غني عن عبادة واجتهاد من أشرك معه غيره ....
فراقبوا الله وكونوا معه قبل الامتحان وبعده ... يوفقكم في دراستكم ومعيشتكم ... واتقوا الله ... ويعلمكم الله ... (1/52)
صفحة 53
ثانيا: التنظيم والبدء بالأولويات ... فتنظيمك لجدولك، وإدراكك للخلل في عدم استيعاب فهم المواد أو بعضها ... هنا لا بد أن تعالج هذا الخلل بحسن استغلال الوقت ... فتعطي للمواد حقها من وقتك، حتى تستوعب خطوطها الرئيسة، أما أن تقضي ليلك ونهارك في المشاهدة واللعب، وتأتي ليلة الامتحان لتستوعب خطوط المادة الرئيسة، فهذا لا يمكن بحال أبدا.
ثالثا: الصحبة: فيا عزيزي الطالب: اختيارك للصاحب المجتهد، الذي يعي أهمية الوقت، ويجتهد في تحصيله، مع أخلاقه المرتفعة، يعينك على التفوق في دراستك، واستغلال مستقبلك، فاحذر أصدقاء السوء، وابتعد عنهم، فلطالما دمروا مستقبل أناس مثلك، وضيعوا أوقاتهم، فالصديق الصالح يختصر لك الطريق في التقدم والتفوق.
أبنائي الطلاب والطالبات:
ساعات قليلة، وتبدأ الامتحانات، ويحل علينا طيف الاختبارات، فيكشف المجتهد في عامه الدراسي، ويظهر الكسول من خلال درجاته، فنصيحتي لكم بالجد والاجتهاد، والسعي إلى العلا في نتائج العام.
فبذلك تقروا أعين آبائكم، فلطالما سهروا من أجلكم، وتعبوا في مقابل راحتكم، فقابلوهم بالإحسان، وردوا إليهم ولو قليلاً من السرور والسعادة من خلال نتائج العام.
وبالنجاح المتفوق تسعدوا أيضاً معلميكم، فهم يفرحون بتفوقكم، ويحزنون أيما حزن برسوبكم، أو بتدني مستواكم، فكم ليلة سهروا من أجلكم، وكم من وقت تركوا أهليهم وأولادهم من أجل تعليمكم، فردوا إليهم هذا الإحسان، وادخلوا السعادة إلى قلوبهم.
وبالتفوق أيضاً – معاشر الطلاب- تتقدمون بأمتكم ووطنكم ومجتمعاتكم وبذلك تقروا عين دولتكم، وفرت لكم مدارس تتعلمون فيها، ومعلمين يعلمونكم، بل وفرت لكم وسائل نقل بلا درهم ولا دينار، فهلا رددتم إليها هذا الجميل، وأسعدتموها بتفوقكم وأخلاقكم. (1/53)
صفحة 54
فاجتهدوا وجدوا، واستغلوا ما بقي من أيام، وإياكم والغش في الامتحانات، فإنه من سمات الفاشلين، وهو عارٌ في جبين الأمم المتحضرة، والله لن تستفيدوا منه شيئاً إلا الخديعة والنفاق، وهذا ليس من شيم المسلم الصالح، يقول عليه الصلاة والسلام: من غشنا فليس منا.
ولطالما نبهت في الأعوام الماضية مرارا وتكرارا من رمي كراسات العلم في الشوارع وغيرها، فتدوسها الأقدام والسيارات، وكأنه انتقام منها، وتخلص من أغلالها، فعليكم باحترام وتوقير وإجلال كراسات العلم والدراسة، وأوراق الامتحانات، فليس من الحضارة ولا من الرقي أن ترمى في الشوارع والطرقات من أعلى الحافلات، أو على ساحات المدرسة والقرى، فهذا السلوك ينمي عن تخلف ورجعية، ويعبر عن أمة لا تهتم ولا تقدس العلم، وفقكم الله ويسر أمر امتحاناتكم، واتقوا الله ثم اتقوا الله ويعلمكم الله.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
وقفتنا الأخيرة نتركها مع الإجازة الصيفية، وقد بدأت تطرق الباب، فلنحسن ضيافتها، ولنستثمر ما تحمله من فراغ وراحة، لنخرج منها وقد كسبنا ما ضيعناه في هذا العام.
فالإجازة الصيفية من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دؤوب في خضم الحياة دام بضعة أشهر، فمن حقه أن يأخذ فيها قسطا من الراحة. (1/54)
صفحة 55
وفي الوقت نفسه الإجازة الصيفية فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها أبناؤنا الطلاب.
ولكسب الإجازة الصيفية لا بد من أمرين:
أولا: وضع الخطة لها، هذه الخطة تحوي الأهداف التي تريد تحقيقها مع نفسك وأسرتك، والآمال التي تريد أن تهفوا إليها، وحبذا أن تكون مكتوبة ومجدولة.
ثانيا: المحاسبة مع التنظيم والتقيد بالجدول، فلا بد أن تحاسب نفسك يوما بيوم، وعلى الأقل أن تجعل كل جمعة من كل أسبوع وقفة محاسبة.
وبهذين العنصرين –بعون الله – ستكسب قيمة الإجازة، وستجد نفسك قد حققت الكثير في زمن بسيط، وساهمت في رقي وتقدم مجتمعك وأمتك.
هذا ولاستغلال الإجازة وسائل كثيرة منها استغلال وقتها بقراءة القرآن وحفظه والتأمل في آياته، والابتهال إلى الله بالذكر والعبادة، والتسبيح والتحميد، وزيارة الأرحام والأصدقاء، وتنمية المواهب المختلفة، وممارسة الرياضة المفيدة، والسماع الطيب المفيد، كسماع المحاضرات والأناشيد النافعة، ومشاهدة النافع المفيد من القنوات الفضائية والإنترنت والأقراص المفيدة، والسياحة في الأرض للتفكر في آلاء الله تعالى، والجلسات الهادفة، الخالية من المحرمات، مع الوقوف مع حدود الله ومقاصد الشريعة الغراء.
فضلا عن القراءة، فالإجازة فرصة لتنمية القراءة، فإلى متى نظل أمة لا تقرأن ونحن الذين أنزل الله فينا سورة إقراء، وكيف نناطح العالم في عليائهم، إن كانت القراءة مغيبة في واقعنا ....
ولا بدّ من غرس أهمية استغلال الإجازة الصيفية في نفوس الأبناء، وتعويدهم على الطريقة الصحيحة في التعامل معها، من خلال التطبيق العملي الصحيح من قبل الأبوين والأسرة في إدارة الوقت، وبهذا يخرج أبناؤنا من الإجازة الصيفية وقد استفادوا منها في جوانب عدة، وهيئوا أنفسهم لاستقبال عام جديد مليء بالعمل والجد والاجتهاد، فيكونوا بذلك ثمرة صالحة لوطنهم وأمتهم. (1/55)
صفحة 56
ومن أعظم وسائل استغلال الإجازة الصيفية إقامة المراكز الصيفية وإحياؤها، والتعاون من الجميع في دعمها وتنشيطها، والتكاتف في تفعيلها وإنجاحها، فقد أثبتت نجاحها في السنوات الماضية.
لذا كانت من سياسة هذا الجامع المبارك، والمتمثلة في إدارته النيرة، إحياء المسجد في الإجازة الصيفية بالبرامج التعليمية والتثقيفية، وذلك استغلالا لأوقات أبنائنا الطلاب، ويقدم خدمته لمنطقة الموالح بصورة عامة كما لا يخفى عليكم.
ومن أعظم وسائلة التعليمية إقامة المركز الصيفي في الجامع المبارك للطلاب والطالبات، وهو يضم عشرات الطلاب، بجانب المعلمين والمعلمات، وحافلات النقل، والإداريين ومسؤولي النظافة بالمركز.
من هنا يعلن المركز عن فتح باب التسجيل اعتبارا من هذا اليوم الجمعة، وتوجد استمارات التسجيل لدى أئمة الجامع، والأولوية لمن تقدم بالتسجيل لمحدودية المقاعد.
وتبدأ دورة المركز يوم السبت في التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى، والموافق للثاني عشر من شهر ستة (يونيو)، كما هو مبين في الإعلان، والملصق في مساجد منطقة الموالح الجنوبية، والرسوم مبينة في الإعلان.
والمركز الصيفي كما لا يخفى عليكم يترتب عليه تكاليف مادية كبيرة لتوفير احتياجاته من معلمين وإداريين وحافلات، وهذا بحاجة إلى دعمكم وتشجيعكم، من هنا خصصنا صناديق المسجد الداخلية والخارجية من ها اليوم وحتى نهاية المركز لأنشطة الجامع الصيفية، فثابروا يرعاكم الله، وكونوا دعما لهه المشاريع الطيبة، ولنتعاون جميعا في التسابق فيها، ولنكن يدا واحدة في وجوه البر والخير.
وصايا الله في سورة الإسراء
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم (1/56)
صفحة 57
الحمد لله أنزل إلينا كتاب خير وهدى، يهدي به العباد إلى أقوم السبل وأرشدها، ومبشرا المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه بكرة وأصيلا، ونؤمن به ونتوكل عليه جلّ وعلا، ولا نشرك به أحدا، خصنا بخاتم النبيين قدوة ومرشدا، وداعيا ودليلا، لنكون للعالمين منارا، وللإنسانية هداة وإحسانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله للبشرية بشيرا ونذيرا، أرسله الله مذكرا ونصيرا، وأنزل معه الوصايا لتحقق السعادة في الأولى والأخرى، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الرجعى.
أما بعد، (1/57)
صفحة 58
فيا عباد الله، لقد وصاكم ربكم على لسان أنبيائكم أن اتقوا الله وراقبوه، وقفوا عند أمره واحذروه، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا، سبحانه، خلق الكون متماسكا بهيا، وجعل فيه من السنن والنظام فيزداد جمالا واتساقا، وأنزل الوصايا على عباده رحمة وفضلا، إنها وصايا الله الخالدة، وتعاليمه النيرة، تحفظ الإنسان والكون أجمع، أُمِرَ باتباعها موسى، وذكّرَ بها عيسى، وَخَتَمَ بها محمد توصية وتذكيرا، فصلاة الله وسلامه على رسله كثيرا كثيرا، فها هي سورة الإسراء، يشرق من بين جنباتها وصايا الله تعالى، مفتحة بقوله جلّ وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فتحت هذه السورة العظيمة بذكر الإسراء إلى أرض الرسالات، إشارة إلى وحدة المصدر، وتذكيرا بتعاليم الأنبياء، ليتعاون الكل في تحقيق وصايا الله تعالى، ويتحمل المسيء آثار إساءته وتقصيره، ويجازى المحسن بإحسانه، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فلنتأمل عباد الله في وصايا الله في سورة الإسراء، ولنقف معها لنهتدي بهداها، ونستلهم نورها، وننعم بخيراتها.
عباد الله: (1/58)
صفحة 59
وصايا الله تعالى جاءت لحفظ جوانب الحياة الأربع، أو تدرون ما جوانب الحياة الأربع؟ والتي بها تطمئن نفوسكم، ويستقر معاشكم، وترقى حضارتكم، جوانب أربع تشمل العبادة والأخلاق، والاجتماع والاقتصاد، فتقودكم إلى أقوم الطرق والسبل، وأحسن العواقب والنتائج، قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، فيا لها من وصايا عظيمة، وأسس قويمة، تعمّق في نفوسنا الإخلاص لرب البرية، والتنافس للمقاصد العلية، وتنشر بيننا الهداية والاستقامة، وتربط قلوبنا بالأخوة والمحبة، لنرقى بالحياة معاشا وبناءا، وبالأوطان أمانا ورقيا، وبالاقتصاد أخلاقا وسعيا، فنعمر الدنيا والآخرة، قال سبحانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، إنها وصايا الله، التمسك بها نجاح وفلاح، ورقي واستقرار، وأمن واطمئنان، يعود نفعها إلى الفرد والمجتمع، بل الكون أجمع، قال جلّ جلاله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا، فلنتأمل في وصايا الله، ولنعمل بمقتضاها، لنرقى في الأولى، ونسعد في الأخرى، وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا.
أيها المؤمنون: (1/59)
صفحة 60
قفوا معي – يرحمكم الله – مع الجانب الأول من الوصايا، مع جانب التوحيد والعبادة، تأملوا معي قوله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، فمن الذي أوجدك وكونك، وسواك وعدلك، ووهب لك السمع والبصر، ومن عليك بسائر النعم؟! أليس الله الذي لا شريك له، فحذار أن تجعل معه مقصودا ثانيا، وإلها وشريكا، واجعل عبادتك خالصة له سبحانه: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، واعلم – رحمك الله – أنّ كل عمل تمارسه في هذه الحياة، في البيت والمسجد، وفي مكان العلم والعمل، في الليل والنهار؛ إنما هو عبادة لله تعالى، إذا رجوت بذلك رضوانه، ووقفت عند حدوده، وتقيدت بأمره ونهيه، يقول المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فكن موحدا لربك في كل عمل تعمله، مقدما مراقبة الخالق قبل مراقبة المخلوق، راجيا من الله العطاء والقبول، فهو ذا الجود والعطاء، والمن بلا انقطاع، يقول جلّ في علاه: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، فتوحيدك الخالص له سبحانه في كل حين وزمان يبعث في نفسك السعي والاجتهاد، ويبث فيك الرضا بما رزقك إياه، والصبر على شدائد الأمور، متمتعا بالواقعية وحسن التدبير والتصرف، يقول تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا، فالموحد ربه حقا، والمؤمن قلبا وقالبا، يعلم بتفكيره النير، أنّ الرزق بيد الله تعالى وحده، فلا يرمي نفسه البريئة في الانتحار، ولا ييأس مهما كانت الظروف والأحوال، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ (1/60)
صفحة 61
وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا.
أيها المسلمون:
ولنقف الآن متأملين الجانب الأخلاقي من الوصايا، فالأمم تقاس بأخلاقها، والمجتمعات تُعرف بحسن آدابها، يقول الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام -: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا"، ومن أعظم أخلاق المؤمن الوفاء بالعهد، وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا، ومن الوفاء بالعهد احترام المواعيد، فمن أدب المؤمن احترام أوقات الناس والمجتمع، فالوقت حق للجميع، وباحترامه ترقى الأمم، وبه تنجز الأعمال بدقة وسرعة تبهج الكل، قال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا، وإذا كان احترام أوقات الناس أمانة؛ فإنّ احترام الإنسان أعظم أمانة، فالإنسان مكرم لذاته، لا للونه وجنسه، ولا لماله ونسبه، ومن احترام الإنسان التلطف في معاملته، ونشر السلام والمحبة في لقياه، وتوفير الأمن والطمأنينة في حضوره وغيابه، وإن أساء فأحسن النصح والإرشاد، قال جلّ وعلا: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، فالإنسان مكرم لذاته، فدمه وعرضه وماله عناصر مقدسة، وخطوط حمراء محظورة، فحق الحياة يعم الجميع، ويشمل كل نفس حية، يقول سبحانه في الوصايا: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا، وأعراض الناس أمانة، الحفاظ عليها يشمل الجميع، والاستخفاف بها شر وبيل، وداء كبير، يقول تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (1/61)
صفحة 62
وَسَاءَ سَبِيلًا، وللإنسان حق اكتساب المال بالطرق المباحة، فلا يجوز التلاعب بأموال العباد، يقول جلّ وعلا: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فأخلاقنا عنوان استقرارنا، وطريق تقدمنا، ومنهج أمننا واطمئناننا.
عباد الله:
ثم لنتأمل الآن في الجانب الاجتماعي من الوصايا، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ووصايا الله جاءت لتعميق الروابط البشرية، وتقوية العلاقات الاجتماعية، وحذّرت من المؤثرات السلبية اجتماعيا، وعلى رأسها الكبر والغرور، وحب الذات والنفس، فصفِ قلبك يا عبد الله من الغلّ والحسد، والبغضاء والكراهية، ولا تمش في الأرض عابس الوجه، محبا لذاتك متعصبا لها، قال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، ومن المؤثرات السلبية اجتماعيا تتبع الشائعات، ونقل الكلام بلا روية ولا تأكد، فكم ظلم أشخاص بسبب شائعة، وكم قطعت علاقات اجتماعية بسبب أحاديث مكذوبة، فطهر لسانك وقلمك رحمك الله من الإفك والافتراء، وترديد الكلام والأحاديث المفتراه، قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، وكما نبهت الشريعة الغراء في وصاياها للمؤثرات السلبية؛ عمّقت المؤثرات الإيجابية، فأوصت بالإحسان إلى الوالدين، وقرنت الإحسان إليهما بالتوحيد الخالص له سبحانه، فرضا الوالدين من رضا الله، وسخطهما من سخط الله، وليستبشر الذين يحسنون إلى الوالدين بالفضل العميم من قبل المولى جلّ وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ (1/62)
صفحة 63
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، ويلي الوالدين منزلة وإحسانا، الأرحام وأولو القربى، والجيران وابن السبيل، وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، فأحسنوا –عباد الله- إلى من أحسن إليكم، وصلوا من قطعكم، واعفوا عمن ظلمكم، تجدون أثر ذلك في دنياكم وأخراكم.
فاتقوا الله عباد الله، وقفوا عند وصايا ربكم تأملا وتذكيرا، وعملا وتطبيقا، أنزلها وفرضها لكم الخبير بأحوالكم جلّ وعلا، رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا.
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أكرمنا بوصايا عظام، بها تستقيم حياة الأنام، ويعم الحب والوئام، والصلاة والسلام على خير من صلى وصام، وعلى الآل والصحب الكرام.
أما بعد: فيا عباد الله: (1/63)
صفحة 64
لنتأمل الآن مع الجانب الأخير من الوصايا، ومع الجانب الاقتصادي والمالي، فالمال من نعم الله تعالى، به تبنى الأمم، وبدونه لا رقي ولا تقدم، يؤخذ من حله، ويوضع في محله، ويخرج حق الله منه، وفي الوصايا يأمركم ربكم بكسب المعاش، والسعي في الأرض، بما أعطاكم الله من قدرات وإمكانات، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، فهذه الأرض بخيراتها مرتع خصب للكسب وإعمال القدرات، والرقي في الإنتاج وتحقيق الطموحات، مع الاستفادة من تجارب الآخرين، بجانب التخطيط والتنظيم، ومن وصايا ربكم في كسب المال البعد عن الغش والتطفيف، والكذب والخداع، قال سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، مع التوسط بين الإنفاق والادخار، فلا تمسك يدك عن الإنفاق فتحرم نفسك وأولادك طيبات الحياة الدنيا، ولا ترسلها لتقع تحت مظلة الدين، والتذلل للآخرين، وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، وكن شاكرا لربك بما رزقك من مال، معترفا بفضله ومنه، مبتعدا عن التبذير في الكماليات، محسنا إلى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، مسارعا في البر والصدقات، مع التوسط في كلّ ذلك، قال تعالى: وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا. (1/64)
صفحة 65
هذه وصايا الله عباد الله، التمسك بها سعادة ونجاح، والتذكير بها أمانة وصلاح، وهي طريق الفوز والفلاح، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا.
مع قصة موسى في القرآن
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
الحمد لله قص علينا أحسن القصص عبرة وذكرى، وأرشدنا إلى أقوم السبل هداية ورشدا، والصلاة والسلام على الحبيب المجتبى، والرسول المصطفى، وآله وصحبه أولي الفضل والحسنى، والتابعين بإحسان إلى يوم اللقيا.
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فما قصه الله تعالى، من أحوال الأمم السابقة، وأخبار المجتمعات البشرية السالفة، إلا تذكيراً للعباد، وتنبيهاً لأولي الألباب ...
ومن أعظم هذه القصص ذكراً، وأجلها بياناً، قصة سيدنا موسى مع فرعون الذي طغى، فأكثر ذكرها في كتابه، وبين بها سنته التي لا تتغير، وقانونه الكوني الذي لا يتبدل. (1/65)
صفحة 66
وما فرعون وقومه إلا آية للبشر، وعبرة لمن اتعظ واعتبر، أعرض عن ذكر ربه، والانقياد لطاعته، والوقوف عند حدوده وزواجره، فابتلاه الله بصنوف العقوبات، ونقص من الثمرات، فرفع عنهم نعمة المطر، وقلة البركة في الماء والثمر، لعلهم يذكرون أو يتعظون.
فأبوا إلا الاستكبار في الأرض، فأرسل إليهم الطوفان الجارف، والفيضانات المهلكة، وسلّط عليم الجراد يأكل ما يزرعون، ويهلك ما يحرثون، وذكرهم بالقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا مجرمين ...
فكانت السنة الإلهية، والإرادة الربانية، أن أهلكهم عن بكرة أبيهم، وأغرقهم في البحر، بأهم كذبوا بآيات ربهم، وكانوا عنها غافلين.
وهؤلاء بنو إسرائيل اغتروا بجنسهم، وادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، فهيهات هيهات لا قيمة لجنس عند الله تعالى، فعندما طغى سفهاؤهم، وأفسدوا في الأرض، ولم يعملوا بآيات الله تعالى، أرسل الله إليهم أصنافا من العذاب والعقوبات، من الصيحة والرجفة والزلازل، والتشريد في الأرض، والذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين.
ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شأننا كشأن غيرنا من الأجناس والأمم، ونحن جميعاً أمام القانون الإلهي والسنة الربانية أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ.
فإذا ما طغت الأمة، وانحرفت عن الجادة، وقام سفهاؤها فيها إفساداً واستكباراً، فانتهكت المحرمات عياناً، وتجاوزت الحدود بغياً وعدواناً، وقل الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؛ قامت السنة الربانية بإرسال أصناف من العذاب والعقوبات ... والآيات البينات، حتى نتذكر ونتعظ ونتوب ونرجع ...
فما انتسابنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يجعلنا في أمان من عذاب ومكره، إذا تجاوزنا أمر الله ونهيه .... (1/66)
صفحة 67
وما نراه اليوم من قحط مرعب، واحتباس المطر، ونقص في الثمرات والزروع إلا تذكير من الله، أنتوب ونرجع؟ أم نترك سفاءهنا يفسدون ويمكرون؟ أم نتحدى جبار السماوات والأرض، أم نجرب الحرب مع الله تعالى، أم نستظهر عظمتنا أمامه، وقوتنا أمام قوته وجبروته، أم نعلنها حربا بشرية، بأننا قادرون على تحدي الله وسننه، فهيهات هيهات، إنها سنة جبار السماوات، المتكبر المتعالي الذي لا يغير وعداً ولا وعيدا، ألا من استهان بآياته، وسخر من سننه وقوانينه، ألا فالينتظر الموعد، فبالله وتالله كيف تتحدى الله تعالى، ونتكبر على آياته، أما فينا متعظ معتبر، أوليس لنا سمع وبصر وعقل، أما ترون ما يصيبنا هذه الأيام من أمرض عظام، والإنسانية اليوم تقف خائفة مذعورة أمام فيروس ضعيف وهو أضعف من الذبابة والبعوضة، والذي بات بفتك بالمآت، ويهلك العشرات، كل ذلك من آيات الله البينات أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
ولقد أخبر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام أن التوبة والرجوع إلى الله، مع الانقياد له، وتحكيم شرعه، ورفع المنكر، وإقرار المعروف، هو العلاج الوحيد لرفع الوباء والأمراض، ونزول المطر والغيث، والبركة في الزروع والثمار، تأملوا معي يرعاكم الله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (1/67)
صفحة 68
وتأملوا معي قول الله تعالى عندما طلب قوم بنو إسرائيل من موسى رفع البلاء معلنين التوبة والانقياد، قال تعالى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.
والناس اليوم يبحثون عن علاج لهذه الأمراض، وهذا أمر طيب، ولكن العلاج الوافي لرفعها هو التوبة والإنابة، وعدم ترك السفهاء يفسدون في الأرض، أما قال موسى قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.
فكم من أقوام معاصرة تقدموا فلكياً وعلمياً فما استطاعوا أن يقفوا أمام الفيضانات والأعاصير والزلازل و البراكين.
كل ذلك يجعلنا نراجع أنفسنا من جديد، ونتأمل في آيات الله تعالى البينات متعظين وعاملين.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله ربكم، واتقوا الله في أزواجكم وأولادكم، واتقوا الله في أوطانكم وأمتكم، ربوا أولادكم تربية صالحة، قوهم عذاب الله وسخطه، وتذكروا قول ربكم: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ هذا واستغفروا ربكم ليلاً ونهارا، صبحاً ومساءا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا.
الخطبة الثانية (1/68)
صفحة 69
وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
إن ما نراه هذه الأيام، من غلاء وارتفاع الأسعار، نتج عنه فوضى ومظاهرات، وإنكار ولعنات، يجعل منا نراجع أنفسنا من جديد، لأننا في الحقيقة أمة مستهلكة، وسوق للقوى المستكبرة، وهذا من الذلة التي نجني ثمارها، نتيجة البعد عن الناموس العظيم، والقرآن الكريم، يقول الرسول الكريم، عليه من الله أفضل صلاة وتسليم: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، بعث الله عليهم ذلا لا ينزعه منهم حتى يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ.
وقوله عليه السلام: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، كناية عن العلاقة بين الناس تكون للمادة والدرهم فحسب، فيأكل الأخ أخاه المسلم من أجل دريهمات، ويقاطع الجار جاره من أجل نتف الحياة الفانية، فينتشر الحسد بين الأخوة في المجتمع الواحد، فيقطع الصلات، ويفرق بين الجماعات، ويعم الطمع والجشع، فتذوب معاني الأخوة، وتسقط مشاعر الإنسانية، وتتردى العدالة الاجتماعية، وتسود الطبقية البشعة، فلا إخراج لزكاة، ولا صدقة لمسكين، ولا إحسان ليتيم، إلا من رحم الكريم الرحيم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: وتبايعوا بالعينة، كناية عن استغلال حاجة الناس، فترفع الأسعار بدون مسببات واقعية، وترفع فوائد الربا لجمع أكبر قدر من المال، دون مراعاة للطرف الآخر. (1/69)
صفحة 70
والنتيجة: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ.
فلنرجع إلى ديننا عباد الله تمسكا واعتصاما، ولنجعل من الأخوة الواحدة أساس تعاملنا وعلاقاتنا، ولنأمر بالمعروف ما بقي عرق ينبض في أجسادنا، ولننهى عن المنكر في أنفسنا ومجتمعاتنا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بهداية القرآن، وسلموا لأوامر القرآن، تأمنوا من مكر الله وعذابه، وتعمكم رحمة الله وفضله، وتسودكم السكينة من ربكم، وأخرى تفوزون بها يوم يجمعكم جميعاً في يوم التغابن.
اللهم يا كاشف الضر اكشف الضر عنا، اللهم ارفع الأمراض عنا والغلاء، اللهم جنبنا الأسقام والداء، اللهم إنا نستغفرك استغفارا، فارفع الوباء عنا والغلاء
اللهم إنا هدنا وتبنا إليك فأنزل علينا رحماتك ومن علينا ببركاتك ربنا لوشئت أهلكتنا من قبل فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا و أنت خير الغافرين.
القسم الثالث:
خطب المناسبات الحية
خطبة مع أحداث ليبيا
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (1/70)
صفحة 71
الحمد لله، صاحب الجلالة والعظمة، المتفرد بالكبرياء والربوبية، لا ينازع في كبريائه المتعالية، ولا يشارك في عبوديته الخالصة، سبحانه سبحانه، أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم لإرساء دعائم الحق والعدالة، ورفع الظلم عن البشرية، صلى الله على رسول الله الداعي إلى تحقيق كرامة الإنسان الفاضلة، وعلى آله وصحبه من رفع راية العدل بين الإنسانية، والتابعين بإحسان إلى لقاء رب البرية.
سبحان الله ولا إله إلا الله
كلّ ذرة في الكون ناطقة بوجود الله، لا إله إلا هو سبحانه.
فمن الذي رفع السماء بغير عمد لتظل الإنسان وتمده بخيراتها .... أليس الله؟
ومن الذي سطح الأرض للبشر، يمشون في مناكبها، ويستخرجون أرزاقها ... أليس الله؟
ومن الذي وهب للإنسان نعمة العقل، ليكشف سنن الكون، فيصنع وفقها ما شاء من النعم ... أليس الله جل جلاله؟
أبعد هذا يكفر به سبحانه، ويشارك في عبوديته وكبريائه ...
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى
ما أبشع الكبر والغرور، وما أقبح التعالي والفجور ...
من يظن هذا الإنسان نفسه، ليرفع ذاته بسلطان وصل إليه، أو مال حظي به، أو أولاد يتمتع بهم، فيتعالى على باقي البشر، يأكل خيراتهم، ويسلب أموالهم، ويستعبد العباد، ويعيث في الأرض الفساد ...
ألا أين قوم عاد وثمود، أولي القوة والسلطان
ألا أين فرعون وهامان، أولى الجاه والنفوذ
ألا أين من طغى في أيامنا هذه، أما في أحداث مصر وتونس معتبر؟ وقبلها العراق وبلاد فارس لمن تأمل وتدبر؟ (1/71)
صفحة 72
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
أيها المسلمون:
في زمن يتشدق فيه العالم بالعدالة وحرية الإنسان، وينادي بعضهم بالاشتراكية والدفاع عن حقوق العباد، ورفع الظلم وإحقاق العدل ... وإيقاف الدم حفظا لحق الحياة بين البشر ...
ألا أين هذه المبادئ عن أرض ليبيا المجاهدة ...
آلاف الدماء أريقت ...
ومآت النفوس أزهقت ...
كم من نساء أيمت ...
وكم من أعراض انتهكت ...
وكم من أطفال يتمت ....
وكم من بيوت هدمت ....
ألا أين العالم
ألا أين شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان
ألا أين المسلمون ...
أم أنها دماء جرذان لا قيمة لها ....
أما تغنى التأريخ ببطولاتهم ضد الطليان والاستعمار ...
أوليست أرض الباروني والمختار؟
ومن كمثلهما جهادا وبطولة، وتضحية وفداء؟
أيها المسلمون:
ربكم أنزل إلينا كتابا خالدا، لنقيم العدل بين العباد، ونحكم بالقسط والميزان، ونحسن في توزيع الثروة في البلاد ...
كتاب يحرم عليا الاستعلاء بين البشر، ويعتبر سرقة مال الشعوب جرم لا يغتفر، تؤدي إلى الطبقية البشعة في المجتمع، ينتج عنها الظلم المادي، والرشوة الباطلة، وتتفاقم بها الطرق المالية المحرمة كالربا والاحتكار المحرم.
كتاب الله جاء ليحقق كرامة الإنسان ...
الإنسان مكرم لذاته ... لا اعتبار للون ولا جنس، ولا مال ولا سلطة ...
كل الإنسان على الإنسان حرام ... دمه وماله وعرضه
لا يمس الإنسان في دينه ولا فكره، ولا يسلب منه ماله، ولا يقترب من عرضه، (1/72)
صفحة 73
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى
ألا أين تعاليم القرآن من حياتنا وواقعنا؟
ألا أين مبادئ كتاب الله من نظمنا وقوانيننا؟
أنظم البشر أعلى وأرقى من وحي كتاب الله تعالى؟
أشريعة البشر وعقولهم أجل وأكبر من شريعة الله ووحيه؟
أكتاب الله بيننا أغاني نتغنى بها، وأناشيد نلهو بترانيمها؟
أما قال الله: ِإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
أما حذرنا الله من الظلم والعدوان، وتجاوز الحد والطغيان،
أما قال ذلك الله، إنه الله، إيه والله، إنه الله
فهل يتحدى الإنسان الله، آلله أكبر أما يشركون ...
أليس الكون لله؟ أليس الملك لله؟ ألسنا من مخلوقات الله؟
فلم الخضوع لغير الله، ولم الشرك بالله، ولم السجود والخنوع للبشر، ولم الاقتراب من تعاليم غير الله تعالى، أإله مع الله، أرب يخضع له غير الله ...
كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ... كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
عذرا ليبيا ... عذرا للمظلومين في الأرض ...
إن الله قريب منا ومنكم، والمسلمون لحمة واحدة، وحق لنا أن نشارككم اليوم، بالابتهال إلى ربنا وربكم، خالقنا وخالقكم ...
اللهم يا قوي يا عزيز، يا جبار يا منتقم، يا إله يا خالق
الله انصر إخواننا المظلومين في ليبيا الصامدة، وفي غيرها من بلاد الإسلام
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين (1/73)
صفحة 74
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب المستضعفين
اللهم احفظهم في أنفسهم وأعراضهم، ورد شر جبارهم ...
إلهنا رفقا وحنانا ورحمة وسلاما بأطفال رضع، وشيوخ ركع، ونساء ضعاف، إلهنا إلى من تكلهم، إلى عدو يتجهمهم، أم إلى بعيد ملكته أمرهم، إن لم يكن بك غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شي.
إلهنا أفرغ عليهم صبرا، وثبت أقدامهم، وانصرهم على القوم الكافرين.
إلهنا لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب داعئنا، وفرج كربة إخواننا
إلهنا حرمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الإصلاح في الأرض ورفع الظلم
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ
الحمد لله، صاحب الجلالة والعظمة، المتفرد بالكبرياء والربوبية، لا ينازع في كبريائه المتعالية، ولا يشارك في عبوديته الخالصة، سبحانه سبحانه، أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم لإرساء دعائم الحق والعدالة، ورفع الظلم عن البشرية، صلى الله على رسول الله الداعي إلى تحقيق كرامة الإنسان الفاضلة، وعلى آله وصحبه من رفع راية العدل بين الإنسانية، والتابعين بإحسان إلى لقاء رب البرية.
سبحان الله ولا إله إلا الله
كلّ ذرة في الكون ناطقة بوجود الله، لا إله إلا هو سبحانه. (1/74)
صفحة 75
فمن الذي رفع السماء بغير عمد لتظل الإنسان وتمده بخيراتها .... أليس الله؟
ومن الذي سطّح الأرض للبشر، يمشون في مناكبها، ويستخرجون أرزاقها ... أليس الله؟
ومن الذي وهب للإنسان نعمة العقل، ليكشف سنن الكون، فيصنع وفقها ما شاء من النعم ... أليس الله جل جلاله؟
أبعد هذا يكفر به سبحانه، ويشارك في عبوديته وكبريائه ...
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى
ما أبشع الكبر والغرور، وما أقبح التعالي والفجور ...
من يظن هذا الإنسان نفسه، ليرفع ذاته بسلطان وصل إليه، أو مال حظي به، أو أولاد يتمتع بهم، فيتعالى على باقي البشر، يأكل خيراتهم، ويسلب أموالهم، ويستعبد العباد، ويعيث في الأرض الفساد ...
ألا أين قوم عاد وثمود، أولي القوة والسلطان
ألا أين فرعون وهامان، أولى الجاه والنفوذ
ألا أين من طغى في أيامنا هذه، أما في أحداث مصر وتونس معتبر؟ وقبلها العراق وبلاد فارس لمن تأمل وتدبر؟
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.
أيها المسلمون:
في زمن تسود العالم فيه مبادئ العدالة وحرية الإنسان، والشفافية والدفاع عن حقوق العباد، ورفع الظلم وإحقاق العدل ... وإيقاف الدم حفظا لحق الحياة بين البشر ...
ألا أين هذه المبادئ عن وطننا الغالي عمان:
كم من أموال سلبت ...
وكم من نفوس مطمئنة أهينت ....
وكم من أعراض انتهكت ...
يا لله أما في القوم رحمة وشفقة، أما في القلوب حنان وعطف ... أما في العقول تدبر وتأمل ... (1/75)
صفحة 76
ما ذنب أطفال صغار يحرمون لذة الطفولة، ليعيشوا في بيوت رثة، ويخرجوا إلى سوق العمل توفيرا لحذاء بسيط، ومنهم من يتسول، ومنهم من يبيع عرضه ...
ما جرم هؤلاء ...
وما الذي ارتكبوه ...
حنانيك ربي حنانيك
مسكينة تلك المرأة الأم التي تسلب حق الأمومة، شفقة بأطفالها، ورحمة بصبيانها ... ماذا تفعل ... أتتذلل للرجال ... أتبيع عرضها ....
يا وزرائنا ... أما دغدغت قلوبكم صيحات المساكين ...
أما اقشعرت نفوسكم ... من حال ذلك المسكين الذي حرم أبسط حقوق الحياة، ليكد من الصباح إلى المساء بماء زهيد ...
أليس له الحق أن يعيش
أليس له الحق أن يتزوج
أليس له الحق أن يكون له بيت يليق به ولأطفاله
ما جرم هؤلاء؟
أليسوا جزءا من هذا الوطن؟
لم تسلبون حريتهم؟
ولم تستعبدونهم في الأرض؟
أترضون لأبنائكم هذا ...
أو ترضونه لبناتكم وأزواجكم وأنفسكم ...
فيا لله يا وزراء عمان ... يا من مسكتم الأمانة ... ووثق فيكم صاحب الجلالة ... أين كنتم؟ وأين مصالح الشعب؟ وأين أموال الأمة؟ فمن يتحمل إثم من مات انتحارا لضيق ما في اليد؟ ومن يتحمل علاج الأمراض النفسية التي يعانيها هؤلاء المساكين ...
ألا أين الشعب العماني الأبي ... أرضيتم الذلة والمهانة ... والخنوع والعبودية للمال والسلطة والمشيخة ....
ألا أين الوقوف في وجه الظلم ...
ألا أين إحقاق الحق ...
أما يتقي الله هؤلاء المثبطين المتقاعسين ...
أما وقف نبيكم موسى في وجه فرعون والظلمة من الأسياد: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
أما وقف نبيكم محمد عليه السلام في وجه الظلمة الطغاة: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا.
فلم التثبيط والنكوص ...
ولم الرضاء بالظلم والمذلة ...
أولستم جزءا من هذا الوطن ... (1/76)
صفحة 77
أنزعت الرحمة من قلوبكم لتكونوا ظهيرا للظلمة والمجرمين ... تدافعون عنهم، وتشوهون صورة من اعتصم في وجه الظلم ...
أتخافون أن تنقص عطياتكم، أو تنزع السلطة عنكم ...
حسبكم حسبكم أن يكون المظلومون في هذا البلد خصما لكم يوم القيامة؟
يا الله يا الله بل خصمكم أن يكون الله خصمكم في الدنيا قبل الآخرة، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
ها قد انتفض الشعب الأبي
الله أكبر ... ها قد فاق من غفلته ... واستيقظ من سباته ...
الله أكبر ... عمان تنتفض في وجه الظلم ...
الله أكبر ... عمان تعتصم لإنزال العدل وإحقاق الحق
الله أكبر ... لا خوف بعد اليوم
لا ظلم بعد اليوم
لا ذلة ولا خضوع بعد اليوم
يا أهل عمان ... يا من اعتصم في كلّ مكان ... يا أحرار الوطن .... يا معتصمي مجلس الشعب ... اصبروا وصابروا ورابطوا ...
العدل قريب، والنصر ليس بعيد ... والظلم لن يدوم ...
طوبى لكم أيها الأحرار ....
أن تقتدوا بأنبياء الله في رفع الظلم ...
طوبى لكم أن تكونوا عونا للمظلومين ..
أي أجر ستنالونه عند رب العالمين ...
إيه والله طوبى ثم طوبى لكم،
فلنواصل الطريق ...
وحذار من سماع المثبطين المنافقين ...
وسيحكم التأريخ بينكم ....
وستسجل الأجيال المقبلة بطولاتكم وتضحياتكم
طوبى لكم وحسن مآب
عذرا للمظلومين في أرض عمان الطاهرة ... عذرا للمظلومين في ليبيا المجاهدة ... عذرا للمظلومين في كلّ مكان ...
إن الله قريب منا ومنكم، والمسلمون لحمة واحدة، وحق لنا أن نشارككم اليوم، بالابتهال إلى ربنا وربكم، خالقنا وخالقكم ...
اللهم يا قوي يا عزيز، يا جبار يا منتقم، يا إله يا خالق
الله انصر إخواننا المظلومين في كل مكان
الله انصر المظلومين في أرض عمان (1/77)
صفحة 78
الله انصر المظلومين في أرض أرض ليبيا
الله انصر المظلومين في كل مكان
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب المستضعفين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
أيها المؤمنون:
الظلم لا يدوم، والظالم نهايته وخيمة، والظلم ظلمات يوم القيامة
الظلم ظلمات
الظلم ظلمات في الدنيا
الظلم ظلمات في الآخرة
ومن ساحة الشعب، وفي هذا اليوم المبارك ... أبعث رسائل سريعة، وفلاشات قصيرة:
رسالتي الأولى أبعثها إلى سلطان عمان المعظم ...
مولانا السلطان: كنا معك منذ نزلت على أرض عمان الطيبة ... وسنظل معك ... أرواحنا فداء لك ... ودماؤنا رخيصة في الدفاع عنك وعن هذا الوطن المعطاء ...
يا صاحب الجلالة: لم نأت هنا طلبا لمال أو سلطة، ولا جاه أو مشيخة ...
ولكن جئنا جميعا تحقيقا للمبادئ التي أرسيتها في وجه الظلم ...
لقد تسلّط على بلادنا الغالية مجموعة من الظلمة من وزراء وغيرهم ...
استعبدوا العباد ... وأكلوا خيرات البلاد ... وقمعوا حريات الناس ... وشرّدوا أهل البلد ... (1/78)
صفحة 79
جئنا هنا بمطالب تحفظنا وتحفظ بلادنا ... واأسفاه ونحن نعيش في ظلك صاحب الجلالة صاحب العقل المستنير ... أن يرجع هؤلاء البلاد إلى الوراء ... ونصبح من جديد هنود الخليج ...
فكن معنا يا صاحب الجلالة، عهدناك أبا لنا حنونا، وللشعب وفيا مخلصا، وللمظلومين منقذا ناصرا، وللظالمين سيفا قاضيا.
رسالتي الثانية: إلى وزراء عمان ...
يا وزراء عمان ... ليس بيننا وبينكم وشاجة ولا ضغينة
الوطن فوقنا وفوقكم ...
أنتم خدم للوطن، ونحن كذلك
من أصلح منكم لوطنه كنا سندا له
ومن أفسد كنا له بالمرصاد ...
يا وزراء عمان: كونوا معنا في الرقي بهذا الوطن، لم تخافون أن تعم العدالة والحرية، ولم تخشون من المحاسبة والرقابة، ولم الاستعلاء على مطالب الشعب وحقوقهم المكفولة ...
اعلموا قد ذهب عهد الركوع والسجود، وجاء عهد البناء والمحاسبة والشفافية، نحن وأنتم يدا بيد، يختاركم الشعب، ويحاسبكم الشعب.
رسالتي الثالثة: إلى رجال الأمن الأكفاء
يا رجال الأمن: الشعب الشعب الشعب
أنتم دعامة الشعوب، وسندها للحق المنشود
حذار أن تبيعوا وطنكم، وتسلطوا أسلحتكم ضد شعبكم
ها قد انتفض الشعب، فكونوا مع الشعب
حذار أن تريقوا دماء المعتصمين الأبطال، فقد جاءوا رفعا للظلم، فلا تكونوا مع دعاة الظلم ... يدا بيد لبناء عمان ... وطن العدل والحرية والمساواة ...
ورسالتي قبل الأخيرة: إلى شعب عمان الأبي
انتفضوا يا شعب عمان، وقفوا في وجه الظالم، كونوا كأجدادكم والذين ضحوا بدمائهم وأنفسهم في وجه الظلمة الطغاة، ولا تنصتوا للمثبطين، ولا لإعلام هذا البلد، فما قيل كله كذب سطرته أيدي الظالمين.
آن لكم أن تنتفضوا، وتقولوا كلمتكم التاريخية، وكونوا معنا يدا بيد لعمان أفضل.
ورسالتي الأخيرة: أبعثها إلى أحرار عمان، إلى المعتصمين في صحار وظفار وسائر الولايات عموما، وإلى معتصمي مجلس الشعب خصوصا ... (1/79)
صفحة 80
حذار ثم حذار من التفرق والشقاق، فلا تنازعوا فتذهب ريحكم، الوطن يعمكم جميعا، كلنا ننطلق باسم الوطن، لا إسلامية ولا حداثية، ولا يمينية ولا يسارية، ولا أصولية ولا لبرالية، بل هي كلمة واحدة: وطنية عمانية حرة ...
فلا تنصتوا لدعوات الشقاق والنفاق، ونداءات التثبيط والتيئيس، كونوا أمة نظام، وتأدبوا بحسن الحوار، واستمعوا للجنة التنظيم، وفقكم الله لبناء المجتمع العماني العظيم.
الله أكبر:
لا صوت يعلو فوق صوت الشعب
ولا مبدأ أغلى من كرامة الإنسان
الاعتصام مستمر ...
ونحن صامدون حتى تحقيق المطالب أو الموت دونه
فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على إنزال العدل وإحقاق الحق، واجعلوا شعار أنبيائكم نصب أعينكم، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارفع عنا الظلم، وأنزل فينا العدل
اللهم اجعلنا في الخير سباقين، وللعدل قائمين، وعن الظلم مجتنبين.
اللهم نشكو إليك، ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، من نرجو إلها غيرك، ومن نستغيث به سواك، فانصرنا على الظالمين ...
إلهنا رحمة وحنانا، وشفقة وعطفا، بأطفال مساكين، ظلموا بغير حق، ونساء ضعاف، ظلمن بدون جرم، وبرجال استعبدوا في الأرض
إلهنا رحمة رحمة يا الله يا الله يالله، إلى من تكلنا، إلى ظالم يتجهمنا، أم إلى بعيد ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شي
ربنا بما أنعمت علينا من النعم فلن نكون ظهيرا للمجرمين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. (1/80)
صفحة 81
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين
اللهم انصر إخواننا في ليبيا المجاهدة، ورد شر جبارهم، وكف أيديه عن عبادك المستضعفين.
اللهم أعز سلطانا، وأيده بالحق، وأيد به الحق يا رب العالمين.
خطبة الصمود والصبر
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
الحمد لله معز المؤمنين، ومذل الفسقة الظلمة المجرمين، والصلاة والسلام على حبيب الله أجمعين، من نصر وصبر ووقف في وجه الظالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
ما أجمل الوطن تعمه المساواة بين أبنائه ...
وما أبهجه والناس فيه يتنعمون بالعدالة والحرية ...
بل ما أسعده والناس فيه واقفون صفا واحدا في وجه الظالم ....
اليوم وما أدراكم ما اليوم ... اليوم جمعة الصمود والصبر ... نقف فيها وقفتين اثنتين، فأعيروني سمعكم قبل أبصاركم، وقلوبكم قبل جوارحكم.
الوقفة الأولى نحن صامدون:
نعم والله نحن صامدون ....
جمع ثلاث مرّت ... وها نحن نستقبل الأسبوع الرابع ...
وأجهزة الأمن تحاول التثبيط والتيئيس
تارة تخرب هنا وهناك
وتارة بالرشوة والإغراء المادي
وتارات كثر بالرسائل النصية عن طريق الهواتف النقالة، فضلا عن الإعلام المضلل ... (1/81)
صفحة 82
ولكن ... هي كلمة واحدة نهديها لهم: نحن صامدون صامدون صامدون
أتريدون أرواحنا ... فهي فداء لهذا الوطن ...
أم تريدون إذلالنا ... فاعلموا أنّ العزة لمن يريد العدل لا لمن يريد الظلم ...
فلم الجبن والكذب .... ولم التضليل والتعتيم
ولم الدفاع عن الظلمة والمجرمين ....
ولم لا تريدون العدل أن يعم البلاد ... وينتشر بين العباد ....
ولم لا تحبون أن يعيش الناس سواسية تحت ظلّ الوطن الواحد ....
ولماذا تحبطون دعوات الخير والإصلاح ... وتتسترون على الظلمة والمفسدين
ألا تخافون الله الجبار المتكبر
ألا تخشون الوقوف بين يديه
أهان الوطن في قلوبكم
أخيفة المال ضل العجز يسيركم
زعمتم بأننا مخربين ... وأنتم تعلمون المخرّب الرئيسي
وهب أن أفرادا خرّبوا قليلا من الممتلكات
فلنحاكمهم سواء ...
نعم لنحاكم الجميع بسواسية ...
لنحاكم من خرّب عمان أكثر من ثلاثين سنة ...
خربوها في عقول أبنائها .... لقد خرّجت البلاد أجيالا لا يفقهون أبجديات القراءة والكتابة، وحرموا الكثير من أبناء الشعب حقهم في مواصلة الدراسة، فلم السكوت عن هؤلاء ....
خرّبوها في دينها ومقدساتها .... أماتوا خطبة الجمعة رضا للأسياد، وباعوها بثمن بخس دراهم معدودة، وضيّقوا على الدعاة والوعاظ، مجلة دينية واحدة تفقه الناس لا تصدر منهم، ولكنهم ينشرون كتابات الملاحدة ومقالاتهم بالمجان ... والمساجد تعاني من الوساخة والقمامة، وهي واجهة المجتمع، فلم لا تحاسبون هؤلاء ....
خربوا عماننا الحبيبة في اقتصادها ومدخراتها، سرقوا أموالها، وسلبوا خيراتها، الأراضي لهم بالمجان وبالمكان وبالمساحة التي يريدونها، والباقي من أبناء الشعب بهائم لا قيمة لهم، يعطون أمتارا بسيطة، وبأماكن لا خدمات فيها، والعديد منهم من لا يستطيع دفع رسومها،
أين صناعات البلد .... أما فينا عقول مفكرة ... أما آن لكم أن تحاسبوا هؤلاء أيضا ... (1/82)
صفحة 83
خربوها في صحتها وقوة عقولها، أباحوا الخمور والفجور، وأماكن الدعارة والشذوذ، ومرض نقص المناعة ينتشر بقوة بين أبناء الشعب، والمستشفيات لا زالت تعاني النقص في تقديم العلاج، وأبناء المشيخة والنفوذ، يسفرون بالمجان، والباقي من أبناء الشعب يتسولون في المساجد وعند المجمعات طلبا للمساعدة لعلاج قريب لهم، فلم لا تحاسبون هؤلاء أيضا ....
خرّبوا بلادنا في سواعدها الفتية، أغرقوهم في الديون والربا، وتركوهم يعيشون في الأمراض النفسية، لم تدغدغ قلوبهم صيحات أطفالهم، ولم يرحموا صريخ نسائهم، ومنهم من أذل نفسه فخرج من هذا البلد الطيب إلى ديار قريبة، يتذلل من أجل لقمة العيش الهنيئة ... فأين أنتم من هؤلاء المخربين ...
تزعمون بأننا أصحاب فتنة، نريد أن ننشر الفتنة في البلاد، ونعيث فيها الفساد
يا سبحان الله .... يا سبحان الله ...
أما قال الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تفتنا عند ديننا
أما قال المنافقون له: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ
ونحن نقول لهم بملئ أفواهنا:
إن كان طلب الحق فتنة ...
وإن كان رفع الظلم فتنة ...
وإن كان محاسبة الفاسد فتنة ...
فنحن نفتخر بأننا أصحاب فتنة ...
نعم نفتخر بأننا نفتن عن الناس عن الظلمة، ونقودهم إلى الحق والعدالة
ولسنا بأشرف من موسى وقد دعي بأنه ساحر ....
ولسنا بأفضل من عيسى وقد دعي بأنه ابن زنا لا نسب له
ولسنا أعظم من محمد وقد دعي بأنه مجنون
فقولوا ما شئتم
الحق واضح أبلج
والنهار ساطع مشرق
الله الله الله يا معتصمي أرض الأطهار
هنيئا لكم أن تفتنوا الناس عن الباطل، هنيئا هنيئا هنيئا
هؤلاء المنافقون: يفرحون أن تصيبكم مصيبة، تخريب في عبري أقاموا له الدنيا، وقد كانوا لا يذكرونكم إلا لماما (1/83)
صفحة 84
هؤلاء المنافقون: يحزنون أن تحققوا عدلا، أو يرحم الله بكم الضعفاء والمساكين، وقد صدق الله تعالى فيهم:
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
ثم زعموا بأنكم غوغاء القوم وأراذلهم ... وأنكم قلة في هذا المجتمع
الحمد لله الحمد لله هذا من علامات التأييد الرباني
أما قال قوم نوح لنوح وهم كثرة: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
فقال لهم نوح عليه السلام: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
هكذا يكون القوم عندما ينهزمون، وهكذا يلقوا الكلام في حال الفشل، فوالله ثم والله نحن صامدون صابرون ... واقفون مثابرون
لن نتزحزح من مكاننا
ولن نبرح اعتصامنا
حتى تعم العدالة بلادنا
ويحقق الله مطالبنا
وتعم الفرحة وطنننا
ونرفع الظلم عن أهلينا وأحبائنا
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
الله أكبر معنا بتأييده ونصره
الله أكبر معنا بإحسانه وإنعامه
الله أكبر معنا برحمته وتوفيقه (1/84)
صفحة 85
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده
فيا أهل عمان
إلى متى التخاذل
إلى متى التفرق
إلى متى التثبيط
أتدافعون عن الظلمة اليوم .... فهل تدافعون عنهم يوم القيامة ...
أترجون منهم منفعة دنيوية ... فما عند الله خير وأبقى للأبرار
أتشوهون صور من طلب رفع الظم عن البلاد ... أفلا تخافون من الجبار المتكبر
أهانت في أعينكم صورة بلادكم وهي تعاني التخلف والرجعية
أنزعت الرحمة من قلوبكم أما في آهات الأطفال مدغدغ لقلوبكم
أسلبت الرأفة من نفوسكم ... أما في صيحات الأرامل والنساء شفقة تتجلى من نفوسكم
أتحجرت عقولكم فلا ترو حال إخوانكم من تشريد في الأرض، وظلم وغطرسة من الوزراء وأذيالهم ... أفلا تتفكرون ... أفلا تعقلون ....
يا قوم أهل عمان كم تخالفكم إن التفرق لا يرضاه أيمان
أطول دهركم خوف مداهنة مطامع حسد بأواء خذلان
أهذه شعب الإيمان عندكم أهكذا سنة قالت وقرآن
انتفضوا يا شعب عمان، وقفوا في وجه الظالم، كونوا كأجدادكم والذين ضحوا بدمائهم وأنفسهم في وجه الظلمة الطغاة، ولا تنصتوا للمثبطين، ولا لإعلام هذا البلد، فما قيل كله كذب سطرته أيدي الظالمين.
آن لكم أن تنتفضوا،
آن لكم أن تعتصموا
أن لكم أن تسطروا تأريخ العدل
آن لكم أن تقفوا في وجه الظلم
هبوا يا شعب عمان
إلى متى الذل والضعف
إلى متى النوم والجبن
أهان الدين في أعينكم أن يلعب به عبيد السلطة والمال
أهان العدل أن يرفع من دياركم
إذا لم تهبوا الآن فمتى تهبوا
إذا لم تقفوا في وجه الظلمة اليوم فمتى الوقوف
هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم ... فليس يستدرك العلياء نومان
هبوا لداعي الهدى هبوا لعزتكم ... وكيف نومكم والخصم يقظان
أين العزائم أين النخوة انتقلت ... أين الحفاظ وأين العز والشان
أين الشكائم في الإسلام ما فعلت ... أظنها مع آباء لنا بانوا
سلوا القبور التي ضمت أصولكم ... هل واطنوا الذل أم في دينهم هانوا
حسبنا الله ونعم الوكيل (1/85)
صفحة 86
حسبنا الله ناصرا ومؤيدا
حسبنا الله معزا ومنقذا
حسبنا الله حسبنا الله ولا إله غيره
اللهم يا قوي يا عزيز، يا جبار يا منتقم، يا إله يا خالق
اللهم انصر إخواننا المظلومين في كل مكان
اللهم انصر المظلومين في أرض عمان
اللهم انصر المظلومين في أرض أرض ليبيا
اللهم انصر المظلومين في كل مكان
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب المستضعفين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ
الوقفة الثانية: أقفها مع المفكرين وعلماء وأدباء البلد
سبحان الله
بالأمس يطبلون بأن الظلم حرام، ويجب دفع الظلم، والإسلام يحث على العدل والحرية والمساواة ...
بالأمس يرقصون على أنغام الثورة في مصر وتونس، يقولون أين ثوار عمان ... أين معتصمي عمان ...
بالأمس جاءوا هنا يحثون الناس على الاعتصام وطلب الحقوق ....
أين أنتم اليوم ...
لماذا تخاذلتم ....
ولماذا تثبطون الناس في الإعلام ...
بالأمس تحابون الظلمة واليوم تدافعون عنهم ...
بالأمس تدعون بالثورة على الظلم واليوم تتقاعسون وتجلسون في بيوتكم (1/86)
صفحة 87
بالأمس تقولون الظلم حرام ... واليوم تدافعون عن الظلمة باسم الدين، وتشترون بآيات الله ثمنا قليلا
سبحان الله ... لو سرق مواطن عماني خمسين ريالا فقط من جاره ... ودافع القاضي عن السارق لقلتم هذا ظلم يجب وقفه ... ونحن نقول معكم ... نعم هذا ظلم .... نقف ضده جميعا
ولكن لماذا الدفاع عمن سرق عقول البلد
لماذا الدفاع عمن نهب خيرات الوطن
لماذا الوقوف مع الوزراء والمدراء وأذيالهم المفسدين
أين آيات الله تعالى ... أتبيعونها بثمن بخس، أتحرفونها لدراهم معدودة، آتخذتم الظلمة أربابا من دون الله تعالى ...
يا مفكري عمان ... أين الثبات على المبدأ ... أتنهزمون في أول مرحلة ...
يا كتاب وأدباء عمان ... أما كنتم تتغنون بالثورة والاعتصامات ... أين أنتم اليوم، ولم تثبطون إخوانكم ...
يا أيها المعتصمون: اصبروا وصابروا ورابطوا
يد الله فوق أيديكم
ومن كانت يد الله معه أي يد في الأرض تفرقه ...
ويا أيها الوزراء والمدراء ومن تحتهم ... قفوا وقفة تأريخية ... ابتعدوا عن النفاق والتضليل:
فيا وزير الإعلام ومستشاره: حسبك الله يوم القيامة، وأنت تشوه صورة من طلب الحق والعداله، نحن خصمك، والله خصمك، والوطن والتأريخ خصمك يوم القيامة ...
ويا وزير الأوقاف ومستشاره: لم التضليل في خطب الجمعة، ولم تشترون بآيات الله ثمنا قليلا، حسبك حسبك أن يكون القرآن خصمك يوم القيامة ...
نحن معكم يا وزراء متى ما كنتم مع الحق
فكونوا معنا في الرقي بهذا الوطن، لم تخافون أن تعم العدالة والحرية، ولم تخشون من المحاسبة والرقابة، ولم الاستعلاء على مطالب الشعب وحقوقهم المكفولة ...
ويا صاحب الجلالة: جعلناك أبا لنا حنونا ... قبل أن تكون سلطانا لنا وملكا (1/87)
صفحة 88
يا سلطان عمان المؤيد ... قف معنا يرعاك الله ... قف مع أبنائك المظلومين ... يناشدونك من فئة تسلطت على العباد ... وأكلت خيرات البلاد ... قف معنا ... وكن معنا ... وخلّص تربة الوطن من هؤلاء، ولنحاسبهم جميعا بشفافية ... لترجع الحقوق، وتطمئن البلاد، ويسوس العدل ...
حذار يا صاحب الجلالة من فئة تضلل الرأي لك ... كن لها بالمرصاد ... عهدنا شجاعا مغوارا، وأبا حنونا بشعبه وأبنائه، وسيفا قاضيا للظالمين والخونة.
الله أكبر:
لا صوت يعلو فوق صوت الشعب
ولا مبدأ أغلى من كرامة الإنسان
الاعتصام مستمر ...
ونحن صامدون حتى تحقيق المطالب أو الموت دونه
فاصبوا وحثوا إخوانكم على الاعتصام واعلموا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على إنزال العدل وإحقاق الحق، واجعلوا شعار أنبيائكم نصب أعينكم، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارفع عنا الظلم، وأنزل فينا العدل
اللهم اجعلنا في الخير سباقين، وللعدل قائمين، وعن الظلم مجتنبين.
اللهم نشكو إليك، ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، من نرجو إلها غيرك، ومن نستغيث به سواك، فانصرنا على الظالمين ...
إلهنا رحمة وحنانا، وشفقة وعطفا، بأطفال مساكين، ظلموا بغير حق، ونساء ضعاف، ظلمن بدون جرم، وبرجال استعبدوا في الأرض (1/88)
صفحة 89
إلهنا رحمة رحمة يا الله يا الله يالله، إلى من تكلنا، إلى ظالم يتجهمنا، أم إلى بعيد ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شي
ربنا بما أنعمت علينا من النعم فلن نكون ظهيرا للمجرمين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين
اللهم انصر إخواننا في ليبيا المجاهدة، ورد شر جبارهم، وكف أيديه عن عبادك المستضعفين.
اللهم أعز سلطانا، وأيده بالحق، وأيد به الحق يا رب العالمين.
خطبة الثبات
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
الحمد لله مثبت قلوب المؤمنين، وناصر عباده المتقين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقامع الظالمين، والمجاهد لتحقيق العدل في العالمين، سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه المجاهدين المناضلين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
الله أكبر (1/89)
صفحة 90
الجمعة الرابعة، جمعة الثبات، ونحن نستقبل الأسبوع الخامس، أسبوع الثبات، أسبوع البقاء، أسبوع التأييد الرباني، أسبوع النصر بإذن الله تعالى.
الله أكبر:
لا زالت أجهزة ووسائل وأقلام المثبطين تنبح هنا وهناك
تارة بتشويه صور الاعتصام، ونسبة أي خطأ يحدث في أرض عمان إليه، كما حدث في الفليج ببركاء، مع الكذب في الخبر وتفخيمه.
وتارة بنشر الفرقة في أماكن الاعتصام، لشق الصف، ونشر الفتنة بينهم
وتارة بالتهديد المالي والمعنوي، بقطع الأرزاق، والمحاسبة والسجن بعد الاعتصام ...
وتارات كثر عن طريق الرسائل النصية المثبطة في الهواتف النقالة، وإصدار البيانات المبهمة والمثبطة.
والعجب أن يشنّ الكتاب حملتهم الشعواء على أماكن الاعتصام عموما، ومجلس الشعب خصوصا، وهم الذين يعلمون معاناة الشعب العماني من الظلمة المتسلطين، والجبابرة المفسدين، وقد كانوا سابقا يطبلون بالدعوة إلى الاعتصام وطلب الحق.
وصدق الله العظيم حين قال: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا.
ثم أكرم وأنعم بفتية تركوا بيوتهم وأموالهم
وتوقفوا عن تجارتهم ومكاسبهم
وبذلوا أنفسهم وأموالهم
رغم التثبيط والتيئيس
والتحقير والتنفير
أبو إلا الصمود والثبات
هددوا فقالوا أرواحنا فداء للوطن
وأغروا بالمال فقالوا مبادؤنا لا تباع بالمال
وقوطعوا من أحبائهم وأبناء جلدتهم فما زادهم إلا صمودا وثباتا
همهم واحد
وهدفهم واحد
التقدم بالوطن والرقي به
أن تعم العدالة والمساواة بين أفراده
أن يسوس الناس العدل ويرفع الظلم
وفوق هذا همهم الجنة ورضا الله سبحانه وتعالى (1/90)
صفحة 91
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
هنيئا لكم أيها الصامدون الثابتون
أولم يصبر بلال بن رباح، وهو يجلد تحت حرارة الشمس من أجل الحق، يعذب عذابا شديدا، وما تراجع عن الحق والمبدأ.
أولم يعذب ياسر مولى بني مخزوم، وزوجه سمية، تلك المرأة الضعيفة، وذلك الشيخ العجوز، فيمر بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، وهما يتأوهان من العذاب، فيقول لهما: صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة، فهنيئا لهما الجنة، ويا ويحنا نحن أين نكون يومها، وقد قصرنا في شرع الله ونصرة دينه، غفرانك ربي غفرانك.
أولم يحرم مصعب بن عمير جمال الحياة ولذاتها، طمعا في رضا الله ونصرة دينه، سلبت أمواله، وقاطعه أقرباؤه، ولد غنيا، ومات فقيرا، آثر الصبر على نصرة الحق ورفع الظلم.
بهؤلاء قام العدل
وبهؤلاء رفع الظلم
باعوا أرواحهم فداء لهذه الأمة
وتنعم غيرهم ببطولاتهم وتضحياتهم
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
هنيئا لكم أيها الصامدون الثابتون
بكم تفرح ملائكة السماء
وبكم يسعد المظلومون
بكم تحفظ الأعراض
وبكم يأمن الناس في أموالهم
صيحات النساء من الفقر وسوء الحال، ستتحول إلى ثناء وشكر لبطولاتكم
وأنين الأطفال سيسجل جهادكم وانتفاضتكم
ماذا ترجون بعد هذا ... (1/91)
صفحة 92
إنها جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر
اصبروا اصبروا اصبروا
واثبتوا على قضيتكم اثبتوا
سيفرغ ربنا عليكم صبرا وبشر الصابرين
المجد لا يشترى، من أجله تبذل الأرواح، وتنفق الأموال
الظلم لا يرفع بالكلام، بل بالصمود والثبات
اصبروا اصبروا اصبروا
ستسجل الأجيال بطولاتكم وتضحياتكم
وسيتقدم الوطن بصمودكم وثباتكم
ويعم العدل البلاد بوجودكم وجهادكم
هنيئا هنيئا هنيئا
ويا حسرتاه على قوم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتا
أكلوا من خيرات هذا البلد، وشربوا من مائه
لعبوا فوق أرضه، وترعرعوا تحت سمائه ...
ألا يستحق منهم هذا الوطن أن يقفوا مع إخوانهم المظلومين
ألا يستحق منهم أن يكون العدل فيه ميزانا، والحرية شعارا، والمساواة بين أفراده ذكورا وإناثا
ألا يستحق أن يردوا شيئا من جميل فضله، فيقفوا ضد من خربه، وسلب خيراته، وتكبر على العباد فيه ...
لم هذه الحملة الشعواء على من طلب الحق والتقدم بالوطن
يا سبحان الله ...
ألسنا إخوانا لكم
ألسنا نرفع شعار نصرة المظلوم وتصحيح مسار البلد
ما الهدف من التثبيط والتحقير
وما الغاية من التشويه والتنفير
ولماذا الدفاع عن المجرمين والمفسدين
ولماذا لا تحبون الرقي والتقدم الحقيقي بالوطن العزيز ...
ولماذا تحبطون دعوات الخير والإصلاح
ألا تخافون الله الجبار المتكبر
ألا تخشون الوقوف بين يديه
أهان الوطن في قلوبكم
أقرأوا تأريخكم، من صنع أمجادكم، وهل رضوا الظلم في بلادهم،
حذار حذار حذار
لا نريد منكم حضورا
ولا نجبركم على الاعتصام
ولكن اعدلوا في حكمكم
ولا تشوهوا الحقائق لإخوانكم
وكفوا عنا بألسنتكم وأقلامكم
لا نريد منكم بيانات ولا ثناء
ولا مدحا ولا ذما (1/92)
صفحة 93
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
حذار حذار حذار
لا تكونوا كالمنافقين المثبطين
ولا تكونوا بغباء للمفسدين الظالمين
ولا ظهيرا للمجرمين المتكبرين
فصريخ الظلومين سيظل نقطة سوداء في تأريخكم
والكذب على المعتصمين سيشهد عليكم يوم تلقون ربكم
حذار حذار حذار
الوطن للجميع
لا تختزلوه في أنفسكم
واعلموا أن الأجل قريب، والموت ليس بعيد، وعند الله تجتمع الخصوم
يا ويحكم أين تذهبون من عذاب ربكم
إن ناصرتم من أفسد وظلم
وأعنتم من طغى وتكبر
ووقفتم ضد من ظلم وأهين
وأيدتم من خرب وسلب
أما قال الله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
يا أهل عمان، يا أتباع القرآن، ويا أحفاد محمد والأبطال
ألا أين تعاليم العدل من حياتنا وواقعنا؟
ألا أين مبادئ رفع الظلم والمساواة من نظمنا وقوانيننا؟
أوليس العدل من تعاليم الله؟
أو ليس التعاون في رفع الظلم من شريعة الله؟
أما حذّرنا الله من الظلم والعدوان، وتجاوز الحد والطغيان ...
أما قال الله: ِإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
أما قال ذلك الله، إنه الله، إيه والله، إنه الله
فهل يتحدى الإنسان الله، آلله أكبر أما يشركون ...
أليس الكون لله؟ أليس الملك لله؟ ألسنا من مخلوقات الله؟ (1/93)
صفحة 94
فلم الخضوع لغير الله، ولم الشرك بالله، ولم السجود والخنوع للبشر، ولم الاقتراب من تعاليم غير الله تعالى، أإله مع الله، أرب نخضع له غير الله ...
كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ... كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
اللهم يا قوي يا عزيز، يا جبار يا منتقم، يا إله يا خالق
اللهم انصر إخواننا المظلومين في كل مكان
اللهم انصر المظلومين في أرض عمان
اللهم انصر المظلومين في أرض أرض ليبيا
اللهم انصر المظلومين في كل مكان
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب المستضعفين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أيها الصامدون الصابرون، الثابتون المضحون
في ظلّ هذه الهجمة الشرسة، والتعتيم المظلم، والتضليل المتعمد، يتطلب منا أكثر صمودا لتحقيق المطالب، وأكثر تماسكا لتحقيق الأهداف
فما رقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، وما انتصر قوم من الأقوام إلا بعد الثبات على المبدأ، والتضحية من أجله
أهدافنا واضحة
ورؤيتنا غير مبهمة
وغياتنا سليمة
فلا تؤثر فيكم رياح التثبيط، ولا تهزكم عواصف التيئيس (1/94)
صفحة 95
من قال سينتصر قوم موسى وهم قلة مستضعفون
ومن قال سينتصر محمد يوم الأحزاب وقد تجمع الكل ضدهم
أنتم جئتم استجابة لأمر الله في رفع الظلم، وشريتم الآخرة الباقية، فأنتم مع الله، ومن كان مع الله فلن يستطيع أن يخذلكم أحد ولو تجمع أهل الدنيا ضدكم: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.
لا تؤثر فيكم القلة بعد الكثرة، فالثابتون على المبدأ قليل، والمتخاذلون كثر، وصدق الله ربكم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
تعاونوا على إيصال فكرة الاعتصام على أكبر شريحة في المجتمع ...
وحثوهم على الحضور ....
وردوا على من يحاول التشويه في المنتديات والمواقع ...
وأكثروا من الرسائل النصية المبينة لروح الاعتصام السلمي ...
واجهوا الإعلام بالإعلام، والحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة ...
استمروا على الاعتصام السلمي، واحذروا أن يشمت بكم الآخرون
ثم النداء إلى وزارء عمان: هذه المرحلة فرصتكم التاريخية لإثبات وجودكم ووطنيتكم
إن كنتم مع الشعب والحق كنا معكم
وإن كنتم مع مصالحكم الشخصية فنحن لكم بالمرصاد
اثبتوا وجودكم ووطنيتكم، واحذروا من التلاعب بعقول الأمة، وسلب حقوقهم المشروعة ...
إنّ محاسبة المفسد، ورد خيرات البلاد فرصة ذهبية للادعاء العام ليثبت للشعب حياديته وأمانته ...
إن كانوا براء فبها ونعمت، وإن كانوا غير ذلك فالقانون فوق الجميع ....
لا نريد محاكمة بين الجدران، ولكن نريدها بكل شفافية وأمانة ...
لا نريد لجنة من الادعاء العام، ولكن لجنة يختارها الشعب، لجنة أمينة لم تتلبس بالظلم في السنوات الأولى ....
ويا صاحب الجلالة: هذا الذي نريده، وهذا مبتغانا
مستعدون نحن المعتصمين أن نعيش فقراء مقابل أن ينعم الشعب بالعيش الكريم
مستعدون للسجن مقابل أن يعيش الشعب حرا كريما
مستعدون للنفي مقابل أن يعيش الشعب مكرما في بلاده وبين أهله (1/95)
صفحة 96
مستعدون أن نفدي الوطن بأرواحنا مقابل المجد للأجيال المقبلة
فكن معنا يدا بيد نحو عمان أفضل
فيا أيها الصامدون:
الثبات الثبات الثبات
الصبر الصبر الصبر
الصمود الصمود الصمود
الله أكبر:
لا صوت يعلو فوق صوت الشعب ... ولا مبدأ أغلى من كرامة الإنسان
الاعتصام مستمر ...
ونحن صامدون حتى تحقيق المطالب أو الموت دونه
فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على إنزال العدل وإحقاق الحق، واجعلوا شعار أنبيائكم نصب أعينكم، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارفع عنا الظلم، وأنزل فينا العدل
اللهم اجعلنا في الخير سباقين، وللعدل قائمين، وعن الظلم مجتنبين.
اللهم نشكو إليك، ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، من نرجو إلها غيرك، ومن نستغيث به سواك، فانصرنا على الظالمين ...
إلهنا رحمة وحنانا، وشفقة وعطفا، بأطفال مساكين، ظلموا بغير حق، ونساء ضعاف، ظلمن بدون جرم، وبرجال استعبدوا في الأرض
إلهنا رحمة رحمة يا الله يا الله يالله، إلى من تكلنا، إلى ظالم يتجهمنا، أم إلى بعيد ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شي
ربنا بما أنعمت علينا من النعم فلن نكون ظهيرا للمجرمين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين (1/96)
صفحة 97
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين
اللهم انصر إخواننا في ليبيا المجاهدة، ورد شر جبارهم، وكف أيديه عن عبادك المستضعفين.
اللهم أعز سلطانا، وأيده بالحق، وأيد به الحق يا رب العالمين.
خطبة المناصرة
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
الحمد لله، تفضل وتنعم بالرحمة على عباده المؤمنين، الصابرين في وجه الظلم والظالمين، وتوعد بالخزي والعذاب من أفسد في الأرض بعد إصلاحها من المجرمين، والصلاة والسلام على حبيب المتقين، سيدنا محمد قدوة الصابرين المظلومين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
في هذا اليوم الأغر، ومع نسماته الممزوجة بالأسى والحزن لما جرى لحبيبنا ولأخينا أسحاق بن سلطان الأغبري، وقبله ما جرى في أرض صحار المباركة، عاصمة عمان التليدة، وبوابتها عبر التاريخ للحضارات المجيدة.
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لما أصابكم لمحزونون. (1/97)
صفحة 98
في هذا اليوم نشارك آلامكم، ونعيش مع أحزانكم، ومع خطبة الجمعة اليوم، خطبة الغضب لأحبتنا، ونحن نستقبل الأسبوع السابع، أسبوع المناصرة، وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أيها الصابرون الصامدون:
لقد كرّم الله سبحانه وتعالى الإنسان: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
إيه ورب الكعبة ... الإنسان مكرم لذاته ... لا للونه ولا لجنسه ... لا لقبيلته ولا لعشيرته ...
ماله حرام ... ودمه حرام ... وعرضه حرام ...
فإذا كان الإنسان بهذه الكرامة والمنزلة، فكيف إذا كان مؤمنا مسلما، بل كيف إذا كان من أبناء عمان الحبيبة ...
في ليلة الأربعاء من الأسبوع الماضي، داهمت قوى بربرية، تنتسب إلى أرض عمان المباركة انتساب جرم وزور، قوى لا زالت عقولها تعيش في القرون المظلمة، قرون الجاهلية المعتمة، قبل دخول الإسلام أرضنا الحبيبة.
برب الكعبة أن تراب وسماء عمان من هذه القوى براء، وأهلها صغارا وكبارا منها براء براء براء ...
من داهمت هذه القوى المتغطرسة ...
أداهمت المجرمين وقد سلبوا أموال البلد ...
أم داهمت اللصوص وهم يتمشون مرعبين الناس بكل أريحية وهناء ...
من داهمت؟ وبمن اعتدت؟
داهمت رجلا بريئا ...
يطلب الحرية ...
وينشد المساواة ...
ويضع مع غيره لبنات وطن عمان ... وطن المستقبل والمجد ...
أهذا جرمه، وهذه لصوصيته ...
لنقل ما فعله جرما ... ثم لنقل هو من كان وراء التخريب المزعوم ...
ولكن: أين حق الإنسانية ...
أين كرامة الإنسان
أين حق الدفاع عن النفس
قل لي بربك: (1/98)
صفحة 99
بأي دين أم بأي شريعة ... يؤخذ الإنسان بغتة ... بدون إشعار وبدون إنذار ...
ولم لا يحاكم علانية ... ولماذا لا يباح أن يكون له محاميا متخصصا في فقه القانون ...
بل قل لي بربك ...
أي شريعة تجيز لهؤلاء أن يهجموا على البيوت بغتة ...
يكسرون الأبواب ...
وينتهكون حرمة البيوت ...
وتستباح بها الأعراض ...
ويخوف بطريقتها الأطفال ...
أشريعة إبراهيم الخليل أجازت لهم هذا ...
أم شريعة موسى الكليم أباحت لهم هذا التصرف ...
أم شريعة روح الله عيسى ...
بل أم شريعة محمد الخاتم ...
من أين لهم هذا التصرف:
ألم يقرع آذانهم قول الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
ألم يدرسوا في ابتدائيهم أن تخويف الحيوان لا يجوز، والتحريش بها حرام، وهدر دمها وإيذائها بدون سبب لا يصح ...
فكيف بالإنسان المكرم؟
بل كيف بالمسلم حبيب الرحمان المبجل؟
بل كيف بالمواطن العماني الذي كفل له القانون والشرع حرية الاعتصام والكلمة؟
أوليس لهؤلاء عقل ...
أما في قلوبهم رحمة وعطف ...
سبحانك ربي
أيرضون هذا لأنفسهم ... ولو أجرموا وأفسدوا
أيرضون لأمهاتهم أن يروعن في خدرهن؟
أيرضون لأزواجهم أن يدخل عليهن في لباس النوم؟
ماذا لو أصابت أبناؤهم شوكة؟ كيف يكون حالهم؟
أما رقت قلوبهم لأطفال هؤلاء يروعون في ليلهم، ويخطف أبوهم من بين أيديهم، بوجوه سوداء مغطاة ...
كم سنة يحتاج هؤلاء الأطفال لمعالجتهم نفسيا؟ ومن سيتكفل مبالغ العلاج؟
أما دغدغت قلوبهم صيحات النساء ... وآهات الآباء العجزة ...
أهذه دولة العدالة ...
أم هذه دولة القانون ...
أهذه كرامة المواطن العماني ...
لا يرحمون الشيخ وهو محطمٌ ... والظهر منه تراه كالعرجون
لا يشفقون على المريض وطالما ... زادوا أذاه بقسوةٍ وجنون (1/99)
صفحة 100
تالله أين الآدمية منهم ... من مثل ما فعوا بذات البين
لا تحسبوهم مسلمين من اسمهم ... لا دين فيهم غير سبّ الدين
لا دين يردع لا ضمير محاسب ... لا خوف شعبٍٍ لا حمى قانون
أيها المعتصمون الشرفاء:
ما أجمل اليوم ونحن نقدم هدية لهؤلاء المجرمين، هدية مغلفة بصراخ المظلومين، ومنقوشة بأنين أطفال المسجونين، يشع منها دعوات نساء وآباء هؤلاء المساكين ...
نرفع هديتنا إلى رب السماوات، رب المستضعفين
إن أغلقوا بابهم ... فباب ربنا مفتوح في كلّ وقت ....
وإن وضعوا بيننا وبينهم حجاب .... فليس بيننا وبين الله حجاب
هنيئا لهم هذه الصيحات ...
هنيئا لهم الغضب الرباني ...
فليستبشروا بذلك في حياتهم قبل مماتهم
وما أحلاها عندما يلقون ربهم ...
هنيئا لكم أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
ألا من شارك في هذه الجريمة البشعة تأييدا وناصرا ... وقامعا ومعذبا
استبشروا خيرا
إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب
إن دعوة المظلوم لا تردّ
إن دعوة المظلوم وقعها شديد، وخطبها أليم ...
فلتهنوا بها في الدنيا قبل الآخرة ...
وانتظروا إنا معكم منتظرون ...
اللهم رب المستضعفين، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين
يا رحيم يا رحيم يا رحيم
يا ودود يا ودود يا ودود
يا كريم يا كريم يا كريم
اللهم نتوسل إليك بأطفال المظلومين، ونسائهم وشيوخهم المساكين
إلهنا نتوسل في هذا اليوم المبارك أن تمن على المستضعفين في بلادنا الغالية، والذين أخذوا بدون حق، والذي وقفوا في وجه الظلم ...
إلهنا أخرجهم من هذه المحنة سالمين، وارجعهم إلى أهليهم مكرمين غانمين
إلهنا ارحمهم بأنين أطفالهم
إلهنا ارحمهم بصراخ نسائهم
إلهنا ارحمهم بعجز آبائهم وشيوخهم
إلهنا أغلقت الأبواب إلا بابك (1/100)
صفحة 101
وسدت الطرق إلا طريق نصرك ورحمتك
يا رب المستضعفين أنزل على أحبتنا رحمة من عندك، تسكن يها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم
يا رب العالمين انصرهم على من اعتدى عليهم، ورد شر أعدائهم
ارحم ضعفهم يا الله
اجبر كسرهم يا الله
اشدد على قلوبهم يا الله
فرج همهم يا الله
أزل كربتهم يا الله
يا الله يا الله يا الله
من نرجو إلهنا غيرك
ومن نستغيث به سواك
ومن نذهب إليه دونك
يا من إذا سألك المظلوم أجبته
إلهنا ظلمنا في أنفسنا
وظلمنا في بلادنا
وظلمنا في أموالنا
وظلمنا في عقولنا
إلهنا عليك بكل ظالم عنيد،
إلهنا عليك بكل ظالم متكبر
إلهنا أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم جبروتك
إلهنا خلص بلادنا من شرورهم، وارفع ظلمهم عنا
يا ربنا خلص بلادنا عمان خاصة، وبلاد المسلمين عامة، من كل ظالم جبار، ومن كل فاسق فجار،
وارفع عنا وعن سائر المسلمين الظلم، وأزل فينا العدل برحمتك يا أرحم الرحمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أيها الصامدون الأحرار:
إن ما يحدث في هذه البلد من قبل الادعاء العام والقوات الأمنية إنما يدل على التخبط السياسي والأمني الذي يعيشه هؤلاء في هذه المرحلة الحرجة ... (1/101)
صفحة 102
وهذه دلالة على الضعف والوهن، والعجز في التفكير، والشلل في العلاج ...
وما قاله الإعلام العماني من تضليل وتعتيم، إنما هو أكبر دليل أن هذا الإعلام هو رأس الفتنة
كان بإمكانه أن يؤلف ففرق
وبإمكانه أن يجمع فشتت
وبإمكانه أن يقرب فباعد
ومن المضحك أن يأتي بأدلة واهية، كدعوى الدم في الثوب بأنه صبغ أحمر ... سبحان الله ....
ماذا يريد هؤلاء؟
ألا يريدون الإصلاح ... أم لم تمتلئ جيوبهم بعد؟
ألا يريدون المساواة ... أم لم تشبع بطونهم بعد؟
ألا يريدون العدالة ... أم يخافون أن ينكشف ما وراء الستار؟
أم يريدون إرهاب طالب الحق، وتخويف الداعي إلى المساواة والعدل
أما قيل لنبي الله شعيب عليه السلام وهو يدعوهم إلى العدل وعدم سدّ طريق دعوة الإصلاح قائلا: قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
فقالوا له مخوفين ومهددين: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.
فقال لهم رافعا رأسه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. (1/102)
صفحة 103
ونحن نقول لهؤلاء ... وهم يهددوننا باقتحام البيوت ... وقطع الأرزاق، والقمع في السجون ... نقول لهم صرخة مدوية:
مستعدون نحن المعتصمين أن نعيش فقراء مقابل أن ينعم الشعب بالعيش الكريم
نعم مستعدون للسجن مقابل أن يعيش الشعب حرا كريما
مستعدون للنفي مقابل أن يعيش الشعب مكرما في بلاده وبين أهله
مستعدون أن نفدي الوطن بأرواحنا مقابل المجد للأجيال المقبلة
فافعلوا بنا ما شئتم، فالمجد والنصر لنا لا لكم
ثم ندائي إلى صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد
يا سلطان عمان: ندعوك ونطلب منك التحرك الفوري لوقف هذه المهزلة
أوقف كل ظالم عند حده، وارجع هؤلاء إلى ديارهم سالمين غانمين، تقر بهم أعين أطفالهم، وتسكن بهم نفوس أزواجهم، ويكونون عونا لآبائهم ووطنهم.
وإن كان ثمة محاكمة فلتكن المحاكمة للجميع، وبشفافية وعدالة، وبكافة حقوق المحاكمة ...
وإن كان بعض المواطنين كما زعم الإعلام أمر بذلك، فنحن قدمنا عريضة وقع عليها الآلاف فلم لم يستجب لمطالبنا
أم أننا لسنا جزءا من هذا الوطن
أم أن هؤلاء المتهمين ملائكة مطهرون لا يمس جانبهم، ولا يقترب منهم، لو نهبوا الآلف، وسرقوا المليارات ...
فالعدالة العدالة يا صاحب الجلالة
نحن معك من أجل الوطن، من أجل عماننا الحبيبة
فيا أيها الصامدون:
ناصروا إخوانكم
ناصروهم بالدعاء والكتابة والمحاماة وبيان الواقع الحقيقي للمجتمع
الله أكبر:
لا صوت يعلو فوق صوت الشعب ... ولا مبدأ أغلى من كرامة الإنسان
الاعتصام مستمر ...
ونحن صامدون حتى تحقيق المطالب أو الموت دونه
فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على إنزال العدل وإحقاق الحق، واجعلوا شعار أنبيائكم نصب أعينكم، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (1/103)
صفحة 104
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارفع عنا الظلم، وأنزل فينا العدل
اللهم اجعلنا في الخير سباقين، وللعدل قائمين، وعن الظلم مجتنبين.
اللهم نشكو إليك، ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، من نرجو إلها غيرك، ومن نستغيث به سواك، فانصرنا على الظالمين ...
إلهنا رحمة وحنانا، وشفقة وعطفا، بأطفال مساكين، ظلموا بغير حق، ونساء ضعاف، ظلمن بدون جرم، وبرجال استعبدوا في الأرض
إلهنا رحمة رحمة يا الله يا الله يالله، إلى من تكلنا، إلى ظالم يتجهمنا، أم إلى بعيد ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شي
ربنا بما أنعمت علينا من النعم فلن نكون ظهيرا للمجرمين
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المنافقين.
إلهنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم المجرمين.
إلهنا حرّمت الظلم بين العباد، فارفعه عنا وعن سائر المسلمين في البلاد، وكف أيدي الظالمين عن عبادك المخلصين
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين
اللهم انصر إخواننا في ليبيا المجاهدة، ورد شر جبارهم، وكف أيديه عن عبادك المستضعفين.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (1/104)
صفحة 105
أيها المؤمنون:
الظلم لا يدوم، والظالم نهايته وخيمة، والظلم ظلمات يوم القيامة
الظلم من أكبر المعاصي والذنوب، وأجل الجرائم والفجور، وهو أساس البلاء والعذاب ....
فلنحذر عباد الله من الظلم ولو دق، ومن أنواعه ولو صغرت ...
ولنتعاون جميعا في رفعه، وإنزال العدل محله ....
وللظلم أنواع وطرق، وكلها طريق إلى سخط الرب ...
ومن أعظم أنواع الظلم، الشرك بالله تعالى، وتقديم طاعة الأسياد والمخلوقين، على طاعة رب السماوات والكائنات ....
ومن الظلم ظلم النفس بالمعاصي والذنوب، وظلمها بالجهل وعدم المعرفة ...
ومن الظلم ظلم الوالدين بالعقوق، والأرحام بالقطيعة، والجيران بالإساءة، والمجالس بالغيبة والنميمة ...
ومن الظلم ظلم الأولاد بسوء التنشئة، وظلم الزوجة بالإساءة في المعاشرة ...
ومن أعظم الظلم الخيانة في العمل والأمانة، وإبدالها بالكذب والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل.
ومن الظلم السكوت عن الظلم، والرضا بالمنكر، وإشاعة الفاحشة، وعدم نصرة المظلوم ...
ومن الظلم المنتشر عدم إعطاء الأجير حقه، أو التقليل منه لغير سبب، والإساءة إلى عاملات المنازل، وهتك أعراضهن، بجانب سوء توزيع الثروة.
فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على إنزال العدل وإحقاق الحق
فالظلم ظلمات
الظلم ظلمات في الدنيا
الظلم ظلمات في الآخرة
اللهم ارفع عنا الظلم، وأنزل فينا العدل
اللهم اجعلنا في الخير سباقين، وللعدل قائمين، وعن الظلم مجتنبين. (1/105)