صفحة 1
الكتاب: الرؤية الإسلامية في كتابات الدُّكتور محمَّد صالح ناصر الأدبية والنقدية
تأليف: د. غنيَّة دومان
نشر: جمعية التراث - القرارة - غرداية - الجزائر
الطَّبعة الأولى: 1439هـ / 2018م
طبع: بالمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية - وحدة الرغاية - الجزائر
الإيداع القانوني: جوان 2018
ردمك: 4 - 30 - 553 - 9931 - 978
أصل الكتاب: أطروحة مقدَّمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في الأدب المعاصر بقسم اللُّغة العربيَّة وآدابها، كليَّة الآداب واللُّغات، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر.
السَّنة الجامعيَّة: 1436 - 1437 هـ / 2014 - 2015 م
[الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 1 صَفَر الخير 1446هـ / 7 - شهر 8 - 2024م. الرؤية الإسلامية في كتابات الدُّكتور محمَّد صالح ناصر الأدبية والنقدية
تأليف: د. غنيَّة دومان (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
الرُّؤية الإسلاميَّة في كتابات
الدُّكتور محمَّد صالح ناصر
الأدبيَّة والنَّقديَّة
د. غنيَّة دومان
نشر جمعية التراث
القرارة - غرداية - الجزائر (1/3)
صفحة 4
نشر جمعية التراث
القرارة. غرداية. الجزائر
ص. ب 19 القرارة غرداية الجزائر 47110
هاتف/ فاكس: 58 22 26 29 213+
Email: ettourath@gmail.com
الإيداع القانوني: جوان 2018
ردمك: 4 - 30 - 553 - 9931 - 978 ISBN:
طبع بالمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية
وحدة الرغاية - الجزائر (1/4)
صفحة 5
أصل الكتاب: أطروحة مقدَّمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في الأدب المعاصر بقسم اللُّغة العربيَّة وآدابها، كليَّة الآداب واللُّغات، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر.
السَّنة الجامعيَّة: 1436 - 1437 هـ/ 2014 - 2015 م
الطَّبعة الأولى
1439 هـ/2018 م
جميع الحقوق محفوظة (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
إلى روح والدتي الغالية .. إلى التي طالما نعِمْتُ برضاها، فرَّجت عنّي صغار الكروب وعظامها ........ أمّي، إلى الذين أشدّ بهم أزري ................ إخوتي، ... إلى الذي وهبه الله خصال الزّوج المثالي ..... زوجي، ... إلى أطفالي.
لكل هؤلاء، أهدي هذا العمل (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
مقدمة
في ظلِّ الصَّحوة الإسلاميَّة التي يعيشها العالم العربي، ظهرت إرهاصات شتَّى في كلِّ ميادين الفكر والحياة، وكان للأدب دوره في هذه الصَّحوة، حيث بدأ التَّوجُّه الإسلامي يتوغَّل في ساحة الأدب الجزائري الحديث، منذ بداية الحركة الإصلاحيَّة بقيادة جمعيَّة العلماء المسلمين في بدايات القرن العشرين، ولم يتوقَّف عن الزِّيادة والتَّوسُّع، إلى أن اتَّضحت معالمه بعد استقلال الجزائر، حين ظهرت تيَّارات فكريَّة وأدبيَّة على السَّاحة تنافسه، وأخذ كلٌّ اتِّجاه يدافع عن أهدافه ويكرِّس لرؤية جديدة وقيم تحفظ بقاءه.
وقد تبيَّن لنا من خلال متابعتنا لحركة الأدب الجزائري الحديث والمعاصر، أنَّ ثمَّة إبداعا أدبيًّا ينطلق من خلال رؤية إسلاميَّة رحبة للحياة والإنسان والكون، غير أنَّ هذا الإبداع على الرَّغم من وجوده في مؤلَّفات نثريَّة وشعريَّة في الصُّحف والمجلَّات الأدبيَّة والإسلاميَّة المتخصِّصة، إلَّا أنَّه لم يلق الاهتمام اللَّائق به لدى كثير من النُّقَّاد والكتَّاب والدَّارسين.
وفي مناخ قدَّم فيه خصوم الأدب المنبثق عن الرُّؤية الإسلاميَّة صورًا متضاربة عن هذه الرُّؤية، إذ في عرف خصومها، إنَّها تجسِّد الرَّجعيَّة والتَّمسُّك بالقديم، والتَّأخُّر عن ركب الحداثة، أمَّا أنصارها فيدعون إلى الإبداع تحت لواء الأدب الرِّسالي ويسعون وراء المحافظة على مكوِّنات النَّصِّ الأدبي الأصيل، وهكذا يسير هذا البحث من منطلق أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة هي التي تبحث عن كمالها في النَّصِّ الأدبي، من منطلق الالتزام بمقوِّمات الدِّين الإسلامي، وإن تمَّ ذلك من خلال استحضار النَّصِّ التُّراثي كمحاولة لتأكيد الهوِّية، والانتماء، وكمحاولة لخلق أدب بديل، يتقبَّله البعض وينكره البعض الآخر.
أمَّا ما يتعلَّق بالرُّؤية الإسلاميَّة وبفنِّياتها وجمالياتها، فتعود أهميَّة دراستها إلى طبيعة ما يكتبه الأديب محمد ناصر، حيث أقام مشروعه على أساس هذه الرُّؤية، واستفاد من منابعها كافَّة، محاولا إعادة تشكيل النَّصِّ الأدبي والنَّقدي في ضوء معطياتها الجماليَّة والأسلوبيَّة، والدَّلاليَّة، من خلال صهر فنِّيات الرُّؤية الإسلاميَّة وخصائصها في الأدب والنَّقد، حيث كان جانب العناية بالشَّكل والمضمون موضع رعاية من الأديب محمد ناصر، وتميَّز بتلك (1/11)
صفحة 12
القدرة على الحفاظ على ثوابت فنِّه وخصائص أسلوبه في ظلِّ هذه الرُّؤية، مع التَّمتُّع بكامل الحرية في اختيار الموضوعات، على اختلافها، والتَّعبير عنها، أو نقدها، وهو ما ستتمُّ دراسته تفصيليًّا، للوقوف على أهمِّ الخصائص والمميِّزات التي قدَّمها الكاتب في مشروعه الأدبي، ومدى توظيفه للرُّؤية الإسلاميَّة في الجانب الأدبي أو النَّقدي.
تهدف هذه الدِّراسة إلى إبراز أحد أعلام الأدب الجزائري الحديث، ممَّن أسهمت منجزاتهم العلميَّة في إثراء المكتبة الجزائريَّة والعربيَّة في ميدان من ميادين الأدب، فالدِّراسة تتناول محمد ناصر وكتاباته الإبداعيَّة في الأدب والنَّقد.
ليس من شكٍّ في أنَّ دراسة أعمال النَّاقد والأديب محمد ناصر تحتاج إلى إِطالة نظر وتدبُّر وتتبُّع ومُساءلة، بغية تعميق الاستفادة منه، والاستنارة بإشراقاته المتعدِّدة.
إنَّه مشروع متأصِّل، يعلن عن نفسه من خلال منجزاته المتراكمة، والممتدَّة على مدى خمسة عقود من الزَّمن، يقنع الدَّارسين والقرَّاء والمتتبِّعين على السَّواء، بما لقي صاحبه فيه من تعب وجهد ومثابرة على التَّأصيل والتَّأريخ والمناظرة، مستعينا بأكثر الحجج التي اكسبته مصداقية ميَّزت هذا التَّوجُّه، وميَّزت خصوبته وغناه ومشروعيته الأدبيَّة.
الحقيقة، إنَّ القضيَّة ليست تراكم النُّصوص النَّقديَّة والأدبيَّة على امتداد زمني خصب، فهناك العديد من الأدباء من لهم تراكم أدبي كبير، غير أنَّهم لم يستطيعوا وضع دعائم أساسيَّة لتجربتهم وإِحاطتِها إحاطة كاملة بمثل ما أسَّس لذلك (محمد ناصر).
إنَّ إنتاجا أدبيًّا بهذا الغنى والثَّراء، وبهذا الامتداد الزَّمني الواسع، وبهذا التعدُّد المعرفي الثَّري، لهو مشروع، ربَّما تتعذَّر الإحاطة بكلِّ جوانبه، فنحن حين ننظر إلى مشروع محمد ناصر الأدبي والنَّقدي نظرة فاحصة، ونسعى لدراسته على ما توجبه الدِّراسة الصَّحيحة، القائمة على الفهم، والنَّقد، فإنَّه لا يمكننا الكلام عن أدبه ونقده من جانب واحد، ولا يمكننا دراسة الجوانب كافَّة، إلَّا بعد الخوض في إشكاليات عديدة، تتوالى وتتراكم، مشكِّلة خطًّا لانهائيا من التَّساؤلات.
لذلك، سوف نقتصر على إثارة بعض القضايا، وتحديد بعض المعالم الرَّئيسية، التي ننطلق من خلالها، والتي كانت الدَّافع الرَّئيسي لإجراء هذا البحث، والسَّبب الأوَّل لاختيار المشروع الأدبي والنَّقدي لمحمد ناصر كنموذج، يمكِّننا من القيام بهذا البحث، وهي دراسة الكتابات الأدبيَّة والنَّقديَّة المستندة إلى رؤية إسلاميَّة، تحديدا. (1/12)
صفحة 13
كان من الطَّبيعي أن يقودنا كلُّ ما سبق إلى مشكلة رئيسة، وهي مسألة الرُّؤية الإسلاميَّة، وهل يمكن اعتبارها توجُّها يعلن نفسه امتدادا للتُّراث الأدبي؟، وهل يمكن الانطلاق من التُّراث الأدبي نحو رؤية إسلاميَّة خاصَّة؟، وهل يمكن ممارسة الوظيفة الأدبيَّة في طموح إلى إعادة تأصيل الأدب العربي الجزائري وربطه بالطَّرف الآخر من موروث الأدب العربي؟.
كما كانت هناك مشكلة الرُّؤية الإسلاميَّة كمصطلح، خاصَّة حينما يتمُّ توظيفه في الحقل الأدبي والنَّقدي، نظرا لما ينطوي عليه هذا المصطلح من أبعاد فلسفيَّة وفكريَّة، وجماليَّة، ونظرا لتقيُّد ذلك المصطلح بما يستوجبه التَّوجُّه الإسلامي، لذا كان من اللَّازم أن نقوم باختيار ما نميل إليه من مكوِّنات مصطلح "الرُّؤية الإسلاميَّة" وحمولاته المعرفيَّة المتشعِّبة، وتعاملنا مع المصطلح في أبسط صيغه، من حيث هو توجُّه في الكتابة والنَّقد، عبر مرجعيِّاته الفكريَّة، والفلسفيَّة، والفنِّيَّة.
من خلال اطِّلاعنا -سواء على الأعمال الأدبيَّة والنَّقديَّة لمحمد ناصر أم المراجع النَّقديَّة- اهتدينا إلى أهمِّ النِّقاط التي ستسهم في تكوين هذا البحث، وتمَّ تبويبها لتتشكَّل في مقدِّمة وتمهيد وبابين .. قسَّمت الباب الأوَّل إلى فصلين، والباب الثَّاني إلى ثلاثة فصول، كلُّ فصل يتناول أكثر من مبحث، تحت عنوان واحد، يوحِّد الفكرة الخاصَّة بكلِّ فصل، وأخيرا كانت الخاتمة، التي أجملت فيها أبرز النَّتائج التي خلصَتْ إليها الدِّراسة، ثمَّ ختمت بقائمة المصادر والمراجع التي استندت إليها الدراسة.
قسَّمت تمهيد الدِّراسة إلى مبحثين: المبحث الأوَّل تحت عنوان (محطَّات مهمَّة في حياة محمد ناصر) لم أَنحصِر في بوتقة تفاصيل نشأته وأسرته، بقدر ما عُنِيت بتتبُّع كلِّ ماله صلة بمصادر المعرفة التي كوَّنت فكره الإسلامي، وتتبُّع حياته الثَّقافيَّة، وعرضت بشكل موجز إنجازاته العلميَّة، والمناصب التي شغلها، والجوائز التي نالها، وأهمَّ مؤلَّفاته في عالم الأدب والنَّقد.
أمَّا المبحث الثَّاني فتحدَّثت فيه عن مصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة؛ محاولة الكشف عن دلالاته وأهمَّ قضايا المصطلح واهتماماته في الجانب الإبداعي والنَّقدي.
في الباب الأوَّل تناولت الإبداع النَّثري والشِّعري عند محمد ناصر، قسَّمته إلى فصلين؛ الأوَّل تحت عنوان الإبداع النَّثري، وعرضت فيه أهمَّ الأشكال النَّثريَّة عنده، والخصائص (1/13)
صفحة 14
الفنِّيَّة لكلِّ شكل من هذه الأشكال، أمَّا الثَّاني: الإبداع الشِّعري، فيبحث في أبعاد الخطاب الشِّعري عند محمد ناصر، وخصائصه الفنِّيَّة.
أمَّا الباب الثَّاني فقسَّمته إلى ثلاثة فصول، تحت عنوان الإبداع النَّقدي، يتناول الفصل الأوَّل مفهوم الأدب عند محمد ناصر، ووفق الدِّراسة والمعطيات حول هذا المفهوم، ارتأيت أن أقسِّمه إلى ثلاثة مباحث، تناولت في المبحث الأوَّل: التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع، حيث أثْبَتُ فيه فهمه للبنية التَّكاملية للنَّصِّ الأدبي؛ وفق عناصر خاصَّة يحدِّدها، ونظرة شموليَّة لهذه العناصر، وفي المبحث الثَّاني تحدَّثت عن القرآن الكريم مصدرًا للتَّجربة الشُّعوريَّة ... هذا ما يقتضيه ويدعو إليه التَّوجُّه الأدبي والنَّقدي عند محمد ناصر. وفي المبحث الثَّالث عالجت السُّموَّ الفنِّي كضرورة لازمة، وفيه كشفت عن اللَّفتات اللُّغويَّة التي يدعو إليها محمد ناصر، وعن وجوب الاهتمام بالشَّكل والمضمون معا لاكتمال بنية النَّصِّ الأدبي.
في الفصل الثَّاني: تحدَّثت عن وظيفة الأدب عند محمد ناصر، من وجهة نظره الخاصَّة، المتمثِّلة في رساليَّة المبدع والتزامه. وفي الفصل الثَّالث والأخير بيَّنت موقف محمد ناصر من المناهج النَّقديَّة المعاصرة في نقطتين: أوَّلهما؛ موقفه من الحداثة والحداثيِّين، وثانيهما؛ الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث، حيث يكشف الفصل عن فهمه لطبيعة النَّصِّ النَّقدي، ومقدرته على تتبُّع عوامل التَّأثير والتَّأثُّر.
لقد عمل على رصد العلاقة بين تيَّار الحداثة والنَّصِّ الأدبي، بما ينسجم ورؤيته الفكريَّة، وإيمانه بضرورة العودة إلى التُّراث وأهميَّته.
أمَّا الخاتمة فكانت اللَّبنة الأخيرة في بناء البحث والمحطَّة النِّهائيَّة، ذكرت فيها النَّتائج التي توصَّلت الدِّراسة إليها، ثمَّ ذيَّلت الدِّراسة بقائمة المصادر والمراجع التي أفادت منها.
نظرا لطبيعة الدِّراسة فقد تناولت أعمال محمد ناصر وَفق منهج وصفي تاريخي، وكنت أحيانا أجنح إلى المنهج التَّاريخي للإفادة من معطى الاستقصاء فيه، فعرضت جميع أعماله، وبيَّنت آراء النُّقَّاد والدَّارسين في كتاباته، وعمدت قليلا إلى النَّقد والتَّحليل، كلَّما كانت الفرصة مواتية لذلك، معتمدة على مخزوني المعرفي اليسير، وما توفَّر لديَّ من مراجع استندت إليها، ولم أطنب في النَّقد والتَّحليل حتَّى لا أضلَّ السَّبيل.
وإذ تهدف هذه الدّراسة إلى إبراز كتابات محمد ناصر الأدبيَّة والنَّقديَّة وَفق رؤية إسلاميَّة وجهوده في تأصيل الأدب الجزائري الحديث، فإنَّني تلمَّست - لتحقيق ذلك - (1/14)
صفحة 15
دراسات سابقة تناولت بعض إنجازات محمد ناصر المعرفيَّة، وتكاد تكون تلك الجهود مقتصرة على مجموعة من الدِّراسات، جاءت تحاكم بعض أعماله الإبداعيَّة والنَّقديَّة، وَفق توجُّهات شخصيَّة غالبا، كما اقتصرت كلَّ منها على جانب دون آخر، تتَّصف بالنَّقد والتَّحليل. من بينها هذه الدِّراسات: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي" لمحمد ناصر بوحجام، "الاتِّجاه الفنِّي عند محمد ناصر" لعلي خذري، "محمد ناصر الشَّاعر المتعقِّل"، "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر" لأحمد رحماني، وغيرهم من الكتَّاب، ولا أنكر إفادتي من بعض ما جاء في هذه الكتابات، ولقد أشرت إليها في المواقع التي ذكرت فيها.
ولعلَّ عمل محمد ناصر في الحقلين الأدبي والنَّقدي زمنا طويلا كان من أولَى الصُّعوبات التي واجهتني في هذه الدِّراسة، لأنَّني قبل أن أبدأ البحث أحسست بأنَّني أمام أديب وناقد كبير، يحسن القراءة، ويمتلك الملكة الأدبيَّة والنَّقديَّة، وثقافة إسلاميَّة واسعة ... هذا الإحساس جعلني أبحث وأفكِّر كثيرا قبل الخوض في كتابة أيِّ موضوع.
أمَّا الصُّعوبة الأخرى فهي أنَّ محمد ناصر عَلم من أعلام الأدب الجزائري المعاصر في مجال الأدب والنَّقد والبحث، بما تحفظ له المكتبة الجزائريَّة والعربيَّة من مؤلَّفات، تربو عن مئة وثمانية وعشرين مؤلَّفا .. هذه الكتابات والبحوث والدِّراسات موزَّعة في غير مجال من مجالات الأدب، من نثر وشعر ونقد وترجمة وتحرير وتحقيق، فهذا يحتاج إلى جهد غير بسيط للإحاطة بكلِّ هذه الوفرة الضَّخمة من النَّتاج العلمي، فكانت أعماله تجمع بين الغزارة والتَّنوُّع في الموضوعات ولكنَّني استطعت التَّغلُّب على هذه المشكلة بفضل تعاون الكاتب نفسه معي، فقد التقيت به وساعدني في إحصاء مؤلَّفاته، ولم يبخل عليَّ بالكثير منها.
ولمَّا انتهيت من تحصيل كلِّ ما كتب وقال، بدأت الصُّعوبة الثَّالثة، حيث وجدت نفسي غارقة في هذا الكمِّ الهائل من الانجازات العلميَّة في حقل الأدب الجزائري، التي تتميَّز كلُّها بالذَّاتية فيما يتعلَّق بالرُّؤية الإسلاميَّة، والموضوعيَّة ذات الهمِّ الأكاديمي، إضافة إلى سمة البحث المُضني لتقصِّي الحقائق بدقَّة قلَّ مثيلها هذه الأيَّام، وكان الجدُّ والمثابرة طول الدِّراسة هما عوني على قراءة هذه الكتابات المعرفيَّة الغزيرة.
كما أنَّ الاعتراف بالجميل يفرض عليَّ أن أشكر كلَّ من أسدى إليَّ يد العون والمساعدة ومن هؤلاء: الأستاذ محمد ناصر بوحجام، وابنه حسن، ولا (1/15)
صفحة 16
أنسى رفيق دربي ومن شدَّ أزري، زوجي مزياني فريد، الذي سخَّر لي كلَّ الإمكانيات الماديَّة والمعنويَّة لإنجاز هذه الدِّراسة.
لا يسعني في النِّهاية إلَّا أن أطلب الصَّفح من الدّكتور محمد ناصر، إنْ وقعت في السَّهو أو الخطأ أو النِّسيان ... في تناولي لأعماله الأدبيَّة والنَّقديَّة. ولعلمي أنَّ هناك المزيد من إبداعاته لم يتَّسع لي المجال لأشير إليها، فما أنا إلَّا مجتهدة، حاولت أن أقدِّم شيئا، فإن وفِِّقت في بعض ما قلته فمن الله، وإلَّا فحسبي أجر المجتهدة. وآمل أن أكون قد وفِّقت في هذه الدِّراسة، والله وليُّ التَّوفيق.
د. غنية دومان (1/16)
صفحة 17
تمهيد
محطَّات مهمَّة في حياة محمد ناصر :
o نشأته وأسرته :
هو محمد بن صالح ناصر بربوشة (1)، ولد يوم 13 رمضان 1357 هـ، الموافق لـ 06 نوفمبر 1938 م، في مدينة القرارة بوادي مزاب (2)، وهي مدينة زراعيَّة بسيطة، ذات طبيعة صحراويَّة جميلة، تابعة إداريًّا لولاية غرداية في الجنوب الشَّرقي الجزائري، والده صالح ناصر عميد عائلة بربوشة، وأحد ركائز الإصلاح بالمدينة (3)، كان تاجرًا قليل الاستقرار بالقرارة، مثله في ذلك مثل الكثير من التُّجَّار المزابيِّين، وفي أثناء تنقُّلاته وأسفاره كان يجلب لابنه محمد ناصر عددا من الكتب والقصص القيِّمة للقراءة والمطالعة.
أمَّا أمُّه فاسمها: لاله حمُّو الملقَّبة بـ لاَلاَّهُمْ لحكمتها وسداد رأيها، وحزمها ونشاطها وطيبة أخلاقها، كما يصفها ابنها في مذكِّراته: ما تميَّزت به أمِّي الحنون هو شخصيَّتها القويَّة الحازمة التي لا تعرف الكسل ولا التَّسيُّب، وتكره الإهمال والفوضى والتَّسوُّف كرهًا شديدًا، وهي طالما ردَّدت عليَّ: إن لم أقم بواجباتي المنزليَّة كما تريد (إنَّ التَّسوُّف من علامات الشَّرِّ) وتكون هذه الكلمة وحدها كافية لمراجعة نفسي ولومها على إهمالها (4).
كان لشخصيَّة الأمِّ لالَّة حمُّو دور كبير في بناء المُستقبل العلمي والأدبي لمحمد ناصر، وذلك لحرصها الشَّديد على تربيته تربية حسنة، وتتبُّعها الحازم لكلِّ علاقاته وتحرُّكاته ونشاطاته اليوميَّة، كما جاء على لسان ابنها ناصر إذ يقول: ... كانت تؤدِّبني بالعصا إن خالفت أوامرها، وقلَّما فعلت ذلك ... وأتذكَّر كيف كانت تقف إلى جانبي بحزم، تشدُّ أزري
__________
(1) بربوشة: هو اللَّقب الذي عرف به آل ناصر في المنطقة، هو لقب غير رسمي، ينظر محمد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي" ج 1، دار ناصر للنَّشر والتّوزيع، ط 1، 2014 م، ص 05.
(2) المصدر نفسه.
(3) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم" دار ناصر للنَّشر والتَّوزيع، ط 2، 2013 م، ص 126.
(4) محمد ناصر: " ذكرياتي ومذكراتي" ص 49. (1/17)
صفحة 18
إبَّان المرحلة الأخيرة من حفظي كتاب الله العزيز، وإذا ما تخلَّفت عن حصَّتي عند الشَّيخ، لعائق أو مرض، تذهب بنفسها أحيانا إلى دارهم لتخبر زوجته بهذا الطَّارئ؛ حتَّى لا أتعرَّض للفَلَقَةِ. كانت أمِّي حريصة كلَّ الحرص على أن توفِّر لي الجوَّ المناسب للدِّراسة والحفظ، وتعفيني عن كثير من قضاء واجباتي المنزليَّة ... (1).
حَظِيَ محمد ناصر بخمسة إخوة ذكور، موسى، سليمان، حمُّو، إبراهيم، أحمد، وأختين إناث: عائشة، وماميَّة، وكان هو أوسط إخوانه، يكبره موسى وسليمان وعائشة، ويصغره حمُّو وإبراهيم وأحمد ومامية، وبما أنَّ والده وأخويه الكبيرين كانوا في أغلب الأوقات غائبين في سفر، فإنَّ محمَّد ناصر هو الذي يتولَّى مسؤولية العائلة، التي كان عدد أفرادها في أواخر السِّتِّينات قرابة الثَّلاثين، يزيدون أحيانا، أو ينقصون بغياب أحدهم أو حضوره، ويرجع زيادة عدد أفراد الأسرة نتيجة زواج أخته الكبرى، التي كانت تسكن هي وأولادها معهم؛ بحكم غياب زوجها للعمل (2)، إضافة إلى زواج أخويه موسى وسليمان وإنجابهما.
تزوَّج محمد ناصر من عائشة (3)، بنت صديق أبيه السَّيِّد عيسى بن يحي أحمد تعموت في 14 ماي 1959 م (4)، توِّج هذا الزَّواج بالمودَّة والحبِّ والرَّحمة في ظلِّ المعاشرة الطَّيِّبة، وفي استقرار العائلة الكبيرة بكلِّ أفرادها، لقد تميَّزت أسرة محمد ناصر الكبيرة بالتَّلاحم والتَّناصر والتَّكافل (5)، كما يصف ذلك في مذكِّراته.
أحبَّ محمد ناصر أفراد عائلته كبيرها وصغيرها، وكان من أقرب النَّاس إليه والدته وأخوه سليمان، الذي ساعده في مواصلة دراسته في القاهرة، وتكفَّل بمصاريف أسرته الصَّغيرة أثناء غيابه، هدفه من ذلك أن يتفرَّغ محمد ناصر للدِّراسة وطلب العلم.
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 54.
(2) ينظر المصدر نفسه، ص 56 - 57.
(3) ينظر محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 418.
(4) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكّراتي"، ص 57.
(5) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعرية الكاملة"، ص 417. (1/18)
صفحة 19
يعترف محمد ناصر بجميل أخيه وحسن رعايته له في العديد من المواضع في مذكِّراته، حيث يقول: كان أخي سليمان يفيض عليَّ من العطف والحنان والمساعدة الشَّيء الكثير، ولا أتذَّر أنَّه ردَّ لي طلبا يومًا، وكان له الفضل الكبير في تشجيعي على حفظ القرآن ومواصلة دراستي بمعهد الحياة، ثمَّ سفري إلى القاهرة والتحاقي بجامعتها، فقد ظلَّ واقفا إلى جانبي بالنَّفقَّة، والتَّأييد، والمؤازرة، حتى وفاته رحمة الله عليه سنة 1977 م (1).
عاش محمد ناصر طفولة سعيدة، مفعمة بالنَّشاط والحيوية، في مسقط رأسه القرارة، وساعده على ذلك عائلته التي شجَّعته على طلب العلم والمعرفة؛ بتوفير كلِّ الظُّروف والوسائل اللَّازمة لذلك.
انخرط ناصر سنة 1948 م في كشَّافة الجنوب، وكان لها دور كبير في صقل شخصيِّته العلميَّة والمعرفيَّة، حيث كانت توفِّر له فضاء من الجدِّ والعمل، ما ساعده على ممارسة بعض الرِّياضات التي أحبَّها، مثل كرة القدم، وركوب الدَّراجة الهوائية، والسِّباحة، وكانت الغابةُ الميدانَ العملي الذي يزاول فيه هو ورفاقه رياضته المفضَّلة، وهي العناية بأشجار النَّخيل وسقيها، وهي الرِّياضة التي بنت جسمه، ونوَّرت ذهنه، وصقلت ذوقه بجمالها الطَّبيعي الذي لا ينفذ (2).
كان لمحمد ناصر علاقة طيِّبة مع قائده الكشفي الشِّيخ أحمد الحاج عاشور (3)، الذي استفاد منه معرفيًّا في اختيار كتب المطالعة ومهاداتها، والتَّعليق على جيِّدها والحثِّ على مطالعتها والحذر من سيِّئها بالابتعاد عنها، فقد كانت الكتب في جيله أحسن ما يتهاداه الشَّباب، ولاسيَّما في المناسبات (4).
هكذا كان لطبيعة القرارة الخلَّابة وبيئتها المحافظة دورٌ كبيرٌ في تحفيز القريحة الأدبيَّة والنَّقديَّة عند محمد ناصر، وأسهمت في توجيه رؤيته الفكريَّة والثَّقافيَّة، إلى أن انتقل إلى
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكّراتي"، ص 58 - 59.
(2) ينظر: محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكراتي"، ص 124.
(3) توفّي يوم الجمعة: 28 من أوت 2015 م. (م. ن. ب)
(4) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكراتي"، ص 124. (1/19)
صفحة 20
القاهرة للدِّراسة لمدة أربع سنوات، ثمَّ انتقاله إلى التَّدريس بجامعة الجزائر العاصمة واستقراره هناك هو وعائلته الصَّغيرة، التي كبرت شيئا فشيئا، وأصبح لديه عشرون حفيدًا (1).
وبعد سنين طويلة من الجهاد في سبيل العلم والمعرفة، توِّجت المكتبة الجزائريَّة بمؤلَّفات نفيسة وأسَّست لمعالم واضحة في النَّقد الجزائري الحديث.
تقاعد ناصر وتفرَّغ في الوقت الحالي للدِّراسات القرآنيَّة (2)، منزويا في مكتبه المتميِّز بإطلالته الرَّائعة من أعالي العاصمة، داخل منزله المتواضع بالأبيار، مصارعًا مرض القصور الكلوي، صابرا لله محتسبًا.
o مساره الدِّراسي والمكوِّنات الثَّقافيَّة:
كان محمد ناصر من بين الطَّلبة الجزائريِّين القلائل الذين حظوا بمستوى دراسي رفيع إبَّان الاستعمار الفرنسي، الذي عمل طويلا لزرع الجهل والأميَّة في أوساط المجتمع الجزائري.
تلقَّى ناصر تعلُّمَه الابتدائي ما بين مدرسة الحياة القديمة بالقرارة والمكتب الفرنسي (ليكول) من 1945 إلى 1953 م (3)، والذي لم يواصل فيه دراسته على الرَّغم من تفوُّقه في العديد من المواد باللُّغة الفرنسيَّة، وذلك للأسباب التَّالية: كان محمد ناصر يزاول دراسته صباحًا باكرًا من السَّاعة السَّادسة إلى السَّابعة والنِّصف في مدرسة الحياة الابتدائيَّة، ثمَّ ينتقل مباشرة إلى المكتب الفرنسي لتلقِّي تعليمه بالفرنسيَّة من الثَّامنة صباحًا إلى الثَّانية عشرة، ثمَّ من الواحدة إلى الرَّابعة، أي حوالي سبع ساعات يوميًّا، ممَّا سبَّب له إرهاقا كبيرًا وتدهورًا صحيًّا (4).
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشّعريّة الكاملة"، ص 417.
(2) في مقابلتنا لمحمَّد ناصر في مارس 2014، أخبرنا بتفرّغه مؤخّرا للدّراسات القرآنيّة.
(3) ينظر محمَّد ناصر: " ذكرياتي ومذكّراتي"، ص 82.
(4) محمَّد ناصر: " ذكرياتي ومذكراتي"، ص 82 - 83. (1/20)
صفحة 21
أمَّا السَّبب الثَّاني لانقطاع ناصر عن (l'école) فهو دراسته في مدرسة الحياة الابتدائيَّة، أين تلقَّى مبادئ العلوم من اللُّغة والفقه وعلوم الدِّين، على أيدي شيوخ وعلماء بارزين في المذهب الإباضي، حيث تخرَّج منها بعد استظهاره القرآن الكريم سنة 1954 م (1)، وفي السَّنة نفسها التحق ناصر بمعهد الحياة يوم 3 فيفري 1954 م، أين وجد فيه فضاءً واسعًا للمعرفة، والتَّحصيل العلمي، وبما أنَّ أغلب المواد المدرَّسة بالمعهد مواد شرعيَّة وأدبيَّة، فقد كان يلبِّي طموح فئتين: هما الأدباء والفقهاء، وكان ناصر بطبعه أكثر ميلا إلى المواد الأدبيَّة، كما ساعدته ساعات المطالعة الطَّويلة والحوارات العلميَّة والأدبيَّة بينه وبين رفاقه ومعلِّميه داخل المعهد ليلاً بعد صلاة العشاء على إثراء رصيده الأدبي واللُّغوي، وبعد ستِّ سنوات (من سنة 1959 م، إلى سنة 1962 م) (2) من الجدِّ والمثابرة حصل على الشَّهادة الثَّانوية بالمعهد (3). (الذي عمل فيه مدرِّسا بعد التَّخرُّج من جامعة القاهرة).
o سفره لمواصلة دراسته الجامعيَّة بالقاهرة :
بعد حصول محمد ناصر على شهادة الثَّانوية بمعهد الحياة بالقرارة، أخذه طموحه وأمله في مواصلة دراسته الجامعيَّة يدفعانه للبحث عن سبيل لتحقيق ذلك، وشاءت الأقدار أن يحضر أحد الأعراس بالقرارة في فيفري 1962 م وهو عرس عمر لقمان (4)، أحد رفاقه، ألقى فيه قصيدة بعنوان عرس لقمان (5)، والتي بفضلها انتقل ناصر من مرحلة الثَّانوية بالقرارة إلى المرحلة الجامعيَّة بالقاهرة، حيث أَطرب أب العروس حمُّو لقمان بالقصيدة، وكانت المفاجأة كما قال ناصر: لقد بلغت هزَّة الطَّرب والاستحسان بالحكيم حمُّو لقمان أن قال لي يومها تمنَّ عليَّ، فأجبته: تذكرة سفر إلى القاهرة، طبعًا كان السَّفر وقتها للحجِّ، وتمَّ ما طلبت من شيخي وأستاذي لقمان، وسافرت إلى الحجِّ، وأنا لم أتجاوز العشرين إلَّا قليلا،
__________
(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، نشر جمعيَّة التُّراث، القرارة، الجزائر، 1997، ص 05.
(2) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله" السِّيرة الذَّاتية، ص 04.
(3) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 132.
(4) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله"، السِّيرة الذَّاتية، ص 04.
(5) المصدر نفسه. (1/21)
صفحة 22
ومن الحجاز إلى بيروت ثمَّ القاهرة في رحلة شاقَّة مليئة بالمغامرة، لكنَّها كانت لذيذة؛ لأنَّها كانت في سبيل العلم والمعرفة ... (1).
عند وصول محمد ناصر إلى القاهرة واجهته أوَّل عقبة لمواصلة دراسته الجامعيَّة، وهو كيفية الالتحاق بالجامعة المصريَّة، في حين أنَّ معهد الحياة الثَّانوي لم يكن معترفًا به رسميًّا، لذلك فإنَّ أوَّل ما قام به ناصر وزملاؤه هو زيارة الشِّيخ محمد البشير الإبراهيمي في بيته بمصر الجديدة، وطلب المساعدة منه، كما أخبرنا بذلك في قوله: ... تقدَّم الإخوان للشِّيخ محمد البشير الإبراهيمي بطلب أن يسعى لي لدى السُّلطات المصريَّة، التي تحترمه وتوقِّره ولا تردُّ له طلبًا، بأن يمنحني شهادة مكتوبة تثبت تخرُّجي من معهد ابن باديس الذي تعترف الوزارة به، ولكنَّ الشِّيخ رد بمنطق صائب معقول، غفلنا عنه جميعًا، وهو أنَّ معهد ابن باديس أغلقت أبوابه الإدارة الفرنسيَّة بالجزائر وشرَّدت تلامذته منذ سنة 1956 م، فكيف يعقل أن يمنحني شهادة تخرُّج في جوان 1962 م (2).
واصل محمد ناصر البحث لإيجاد طريقة للتَّسجيل في كليَّة الآداب، قسم اللُّغة والأدب العربي، وبفضل أستاذه محمد علي دبُّوز، الذي سعى لدى معارفه من المصريِّين، حتَّى تم تقديم توصية من وزير التَّعليم العالي المصري، يسمح له فيها بالالتحاق طالبًا مستمعًا في أوَّل أكتوبر 1962 م، حتَّى لا تضيع عليه السَّنة الدِّراسيَّة (3).
كان سفر محمد ناصر للدِّراسة في القاهرة مغامرة جريئة (4)، من غير منحة، وبدون شهادة معترف بها رسميًّا، فعاش في قلق رهيب حول مصيره العلمي والدِّراسي، إلى أن جاءه الفرج صباح يوم 15 جانفي 1963 م، وهو في الخيمة الكبرى، حيث تجري الامتحانات لكلِّ فرع من الكليَّة، بأن تمَّ الاعتراف بشهادة معهد الحياة الثَّانوي من المجلس
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) محمد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 239.
(3) المصدر نفسه، ص 247 - 248.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 34. (1/22)
صفحة 23
الأعلى للجامعة المصريَّة (1) ... هكذا أصبح محمد ناصر أوَّل طالب من طلبة معهد الحياة الذين يواصلون دراستهم الجامعيَّة في جامعة القاهرة بمصر.
استغلَّ محمد ناصر وجوده بمصر، وانتسابه لجامعة القاهرة في استكمال بناء رصيده العلمي والأدبي. وأوَّل ما بدأ به هو تعلُّم اللُّغتين الفرنسيَّة والإنجليزيَّة، حيث وضع برنامجًا يوميًّا لذلك، وأخذ في مطالعة وتلخيص أهمِّ مؤلَّفات الآداب الغربيَّة مثل كتابات (فيكتور هيقو) و (بول سارتر) إضافة لمطالعة أمَّهات الكتب في الأدب العربي حديثه وقديمه مستغلًّا بذلك غنى المكتبة المصريَّة بهذه النَّفائس من المؤلَّفات، كما أسهم الجوُّ العلمي والأدبي في القاهرة في صقل الملكة الشَّعريَّة لناصر، مؤكِّدًا ذلك في قوله: وقد استفدت من وجودي بالقاهرة لأجوائها الثَّقافيَّة تلك، أن نشطت في كتابة الشِّعر، أشارك به في المناسبات التي كان يقيمها الطُّلاب على مستوى الجامعة أو على مستوى الطَّلبة الجزائريِّين، فكنت أنشد قصائدي في المناسبات الوطنيَّة، مثل مناسبات الأعياد والتَّجمُّعات الاحتفاليَّة؛ ممَّا ساعدني فيما أزعم على صقل قلمي شعريًّا والدَّفع به إلى ولوج ساحات ثقافيَّة واسعة، خرجت بي من الخاصِّ إلى العام (2).
كما يخبرنا في موضع آخر من مذكِّراته أنَّه كان يلقي بعض قصائده في إذاعة صوت العرب، التي كانت منتدى العرب الإعلامي والثَّقافي.
بعد أربع سنوات من الجدِّ والعمل المتواصل في سبيل العلم والمعرفة، كلَّلت بالنَّجاح ونيل شهادة اللِّيسانس في الأدب العربي من جامعة القاهرة في جوان 1966 م. عاد محمد ناصر إلى الوطن ليستلم وظيفة أستاذ في معهد الحياة بالقرارة، وبقي به إلى جوان 1971 م، بعد ذلك انضمَّ إلى قسم اللُّغة العربيَّة وثقافتها بكليَّة الآداب جامعة الجزائر، ليشتغل فيه مدرِّسا، وفي جوان 1972 م حصل على شهادة دكتوراه الحلقة الثَّالثة، من قسم اللُّغة العربيَّة وثقافتها جامعة الجزائر، وفي يوم 27 أكتوبر 1983 م حصل على درجة دكتوراه
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 250.
(2) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 268. (1/23)
صفحة 24
دولة من معهد اللُّغة العربيَّة والأدب العربي جامعة الجزائر، بملاحظة مشرِّف جدًا، مع تهنئة لجنة المناقشة وتوصيتها بطبع رسالته على نفقة الجامعة، ومبادلتها مع الجامعات العربيَّة (1).
o شخصيَّات وقيم تأثَّر بها :
ذكر محمد ناصر في سيرته الذَّاتية، طائفة من شيوخه ومعلِّميه الذين أثَّروا في شخصيِّته وتكوينه العلمي والأدبي أثناء مسيرته التَّعليميَّة، حيث أفرد لكلِّ علم من هؤلاء وجه التَّأثُّر والتَّعلُّم منه فقال: (2)
? تعلَّمت واستفدت من شيخي إبراهيم اطفيش: أنَّ قيمة المرء المسلم في هذه الحياة أن يظلَّ ثابتًا ثبات الرَّواسي على قيمه الدِّينيَّة والخلقيَّة، مهما لقي في سبيل ذلك من محن الدُّنيا وابتلاءاتها، وأن يكون صريحا في قولة الحقِّ مع نفسه ومع غيره.
? تعلَّمت واستفدت من شيخي أبي اليقظان: إنَّ الحياة جهاد متواصل لمحاربة الجمود الفكري، والتَّغريب اليهودي والمسيحي، والتَّنصير الذي هو حليف العدوِّ الاستعماري.
? تعلَّمت من شيخي الإمام إبراهيم بيُّوض: أنَّ الزَّعامة مسؤوليَّة عظيمة، تبدأ من معرفتك متى وكيف، وأين تقول بملء فيك لا ونعم، لا يرهبنَّك سلطان، ولا يغوينَّك شيطان.
? تعلَّمت واستفدت من شيخي محمد علي دبُّوز: أنَّ العلم لا يناله إلَّا من نظَّم حياته بالثَّواني، وأخلص لله عمله بالتَّفاني، ودأب على مصاحبة الكتاب دومًا، لا يعرف الكسل أو الأماني.
? تعلَّمت واستفدت من شيخي عبد الرحمن بكلِّي: عليك إن شئت التَّغلُّب على مشاكل الحياة وهي لازمة، أن تواجهها بوجه ضحوك مستبشر، وبعقل واع معتبر، وأن تعيش راضيا بما قضى الله وقدَّر، وبذلك تحيا طول عمرك شابًّا، ولو جلَّلك الشِّيب، وتقدَّم بك العجز.
__________
(1) ينظر محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرُّواحي حسَّان عمان"، ص: 6 - 7.
(2) محمَّد ناصر: "السِّيرة الذَّاتيَّة والعلميَّة"، ص 03. (1/24)
صفحة 25
? تعلَّمت واستفدت من شيخي الدُّكتور شكري فيصل: أنَّ الصِّفة الأكاديميَّة أخلاقٌ، تاجها التَّواضع، وأنَّ البحث أمانةٌ، سرِّها الإخلاص، وأنَّ المنهجيَّة نظام دقيقٌ، تتعامل بها مع نفسك ومع الآخرين.
? استفدت وتعلَّمت من شيخي إبراهيم القرادي: كن مؤمنًا بقيمك ليجلَّك الآخرون، واثقًا من قيمك لتبدع في كلِّ الفُنون، متفتِّحًا على عصرك ليستفيد منك العالمون والمتعلِّمون (1).
? استفدت وتعلَّمت من شيخي عدُّون: أنَّ الإخلاص في العمل لله الحقّ يفتح لك أبواب الرِّزق، ويحبِّب إليك كلَّ الخلق، ويجعل مكانتك أبدا إلى جانب الصِّدق.
? استفدت من شيخي حمُّو بن عمر فخَّار (أديب الحكمة): أنَّ الأدب أمانة ورسالة، لا يقوى على حملها إلَّا أديبٌ، يجعل عقله أمام لسانه ليقنع النَّاس، ويضع قلبه على لسانه ليؤثِّر في النَّاس، ويقدم قبلهما سلوكه وأخلاقه نموذجا، ليقتدي به النَّاس (2).
عند قراءتنا هذا النَّصِّ نجد أنَّ محمد ناصر وجد في مشايخه ومعلِّميه بغيته العقليَّة والنَّفسيَّة، فأعجب بعلمهم وأدبهم، وقد رضي لنفسه الانتساب إليهم، ودافع عنهم وعن توجِّهاتهم في عدَّة مواقف، أدبيَّةً كانت أو سياسيَّة، وإنَّ شهادته على نفسه في هذا النَّصِّ لدليل قاطع على تأثّره بهذه الشَّخصيَّات، فهو تلميذ لهم، إذ أنَّه لم يخرج عن منهجهم، سواء في الدِّراسات الدِّينيَّة أو النَّقديَّة، وحتَّى في نتاجاته الأدبيَّة، بل إنَّه شرب رحيقهم وأصبح يسري في كيانه.
o الوظائف العلميَّة والإدارية :
أسهم التَّفوُّق العلمي والثَّراء الأدبي عند محمد ناصر في تقلُّده عدَّة وظائف علميَّة وإداريَّة، خاصَّة بعد نيله شهادة دكتوراه دولة من جامعة الجزائر سنة 1983 م (3)، حيث عيِّن عضوًا في المجلس العلمي بمعهد اللُّغة العربيَّة بجامعة الجزائر، التي كان يدرِّس بها، ثمَّ
__________
(1) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله" السِّيرة الذَّاتية والعلميَّة، ص 03.
(2) نفسه، ص 04.
(3) محمد ناصر: "السِّيرة الذَّاتية والعلميَّة" ص 03. (1/25)
صفحة 26
مسؤولاً عن الكتابة بمكتب رئيس دائرة معهد اللُّغة والأدب العربي بالجامعة نفسها، ثم عيِّن رئيسًا لمجلسها العلمي، وخلال السَّنوات 1988 م إلى 1990 م كان عضو لجنة تقييم المخطوطات بديوان المطبوعات الجامعيَّة في جامعة الجزائر (1).
في سنة 1991 م أُتيحت له فرصة للعمل خارج البلاد، فذهب إعارة للتَّدريس في معهد العلوم الشَّرعية بمسقط سلطنة عمان، وعند انتهاء أجل الإعارة جدَّدها ناصر، وهكذا دام مكوثه بالسَّلطة أكثر من عشر سنوات عيِّن خلالها مستشارًا للشُّؤون التَّعليميَّة لمدير معهد العلوم الشَّرعيَّة، قسم الدِّراسات العليا من 1992 م إلى 1998 م (2).
من الطَّبيعي أنَّ تجربته في سلطنة عمان أسهمت إسهامًا كبيرًا في صقل شخصيَّته الأدبيَّة والدِّينيَّة، وعملت على فتح آفاق جديدة وآمال كبيرة، خاصَّة في مجال التَّنظير في الأدب الإسلامي.
عاد محمد ناصر إلى أرض الوطن سنة 2002 م، حصل بعدها على عضويَّته في اتِّحاد الكتَّاب الجزائريِّين، ثمَّ عضوًا في لجنة الفكر والثَّقافة التَّابعة لحزب جبهة التَّحرير الوطني، كما عيِّن عضوًا إداريًّا في تحرير مجلَّة الرِّسالة التَّابعة لوزارة الشُّؤون الدِّينيَّة (3)، وكان تفوُّقه العلمي ملازمًا لتفوُّقه الإداري، فقد عيِّن عضوًا في لجنة تحرير مجلة الثَّقافة بوزارة الثَّقافة الجزائريَّة، وقائمًا بأعمال رئيس المجلس العلمي لجمعيَّة التُّراث بالقرارة، والتي كان له الفضل الكبير في تأسيسها، وآخر الوظائف التي أسندت لناصر هي عمادة كليَّة المنار للدِّراسات الإسلاميَّة بالحميز (الجزائر)، من 2004 م حتى 2008 م (4)، حيث تخلى عن
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 816.
(2) محمَّد ناصر: "السّيرة الذّاتية والعلميّة" ص 05. كان هذا المعهد يسمَّى معهد القضاء الشَّرعيَّة، بداية من سنة 1998 م حمل اسم معهد العلوم الشَّرعيَّة ... الآن يحمل اسم كليَّة العلوم الشَّرعيَّة. (م. ن. ب)
(3) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 816 - 817.
(4) ينظر محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 817. (1/26)
صفحة 27
هذه الوظيفة، قبل أن يكون عميدا شرفيًّا (1) للكليَّة وذلك لأسباب صحيَّة قاهرة، ولإرادته التَّفرُّغَ للدِّراسات القرآنيَّة ... وكما كان ناصر منظَّما في شؤون الإدارة وأعمالها، نجد أفكاره منظَّمة في ثنايا مؤلَّفاته وأبحاثه، ومقالاته النَّقديَّة والأدبيَّة، كما سيتجلَّى لنا ذلك في عرضنا لأعماله ونقدها.
عرف محمد ناصر بالجدِّ والنَّشاط، والعمل المتواصل على إثراء الأدب الجزائري الحديث ونقده بمؤلَّفاته القيِّمة ودراساته المتنوِّعة، ولذلك تمَّ تكريمه بوسام العالم الجزائري في الآداب والعلوم الإنسانيَّة (2) سنة 2008 م من معهد المناهج بالعاصمة، كما أنَّ عمله في تقويم البحوث الأكاديميَّة، إشرافًا ومناقشة في رسائل الماجستير والدُّكتوراه في الجامعة الجزائريَّة أو معهد العلوم الشَّرعية بمسقط، أسهم في إثراء تكوينه الثَّقافي، والرَّفع من رصيده العلمي.
كان ناصر النَّاقد والمفكِّر دائم الحضور بالمشاركة في العديد من المؤتمرات والنَّدوات داخل الوطن وخارجه، فقد اشترك في أكثر من خمس وأربعين (3) ندوة ومؤتمرًا، وما من مداخلة له في هذه المؤتمرات أو النَّدوات إلَّا أظهرت ما يمتلكه من إمكانيات أدبيَّة ونقديَّة، ومستوى ثقافي عال، وكانت عاملا مهمًّا في تحفيزه على الاطِّلاع والمدارسة.
شارك محمد ناصر في العديد من المقابلات والحوارات الإذاعيَّة والتِّلفازيَّة، وذلك لذيوع شهرته العلميَّة والأدبيَّة في الأوساط المثقَّفة، لذا حرصت الكثير من القنوات الإذاعيَّة والتِّلفازيَّة على إثراء برامجها بما يقدِّمه محمد ناصر من علم وأدب ونقد، ونذكِّر على سبيل المثال: حوار متلفز سنة 1974 م حول الصَّحافة الوطنيَّة، وحوار متلفز حول كتاب أبي اليقظان وجهاد الكلمة، في القناة الثَّالثة الجزائريَّة في فيفري 2008 م (4)، كما استفادت إذاعة
__________
(1) أخبرنا محمَّد ناصر: في مارس 2014 م أنَّه قد تقاعد عن العمل في كليَّة المنار للدِّراسات الإسلاميَّة، ونظرًا لإلحاح الطّاقم الإداري للكلية قبل أن يكون عميدًا شرفيًّا.
(2) محمَّد ناصر: "السِّيرة الذَّاتيَّة والعلميَّة"، ص 28.
(3) المصدر نفسه، ص 21.
(4) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 856 - 857. (1/27)
صفحة 28
سلطنة عمان من وجود ناصر بمسقط، لإجراء الكثير من اللِّقاءات والحوارات الثَّقافيَّة والتَّحليلات الأدبيَّة، خاصَّة أثناء الشَّهر الفضيل، ناهيك عن هذه اللِّقاءات والحوارات الصَّحفيَّة، فقد أجرى ناصر ما يقارب ستة وأربعين حوارًا ومقابلة صحفيَّة، في صحف ومجلَّات محليَّة وعربيَّة وعالميَّة، مثل جريدة الشَّعب، النَّصر، الجمهوريَّة، مجلَّة النَّهضة العمانيَّة، السَّلام، الأوراس، المساء، الشَّبيبة العمانيَّة، العالم اللَّندنيَّة (1)، وغيرها من الصُّحف والمجلَّات.
المتتبِّع لحياة محمد ناصر العلميَّة يلحظ أنَّه حقَّق قدرًا كبيرًا من النَّجاح والتَّقدُّم العلمي، وبدا اسمه يتردَّد على كثير من صفحات المجلَّات والجرائد والإذاعات وأغلفة الكتب، وأصبح نتاجه الأدبي والنَّقدي من أهمِّ محاور الدِّراسات الأكاديميَّة في دائرة الأدب الجزائري المعاصر.
o نتاجه العلمي :
يعدُّ محمد ناصر من الأوائل الذين شاركوا في بناء الحركة الأدبيَّة والنَّقديَّة في الجزائر، فقد بدأ الكتابة منذ منتصف السَّبعينات في مجالات أدبيَّة متنوِّعة.
وتميَّز ناصر بغزارة كبيرة في نتاجه الأدبي وتنوُّعه. فعلى امتداد أكثر من خمسة عقود أصدر ما يفوق المائة والعشرين مؤلَّفا، ولعلَّ سبب هذا الثَّراء في الكتابة والتَّأليف يعود إلى طبيعة شخصيَّة ناصر وتكوينها وقدرتها على البحث والتَّمحيص، والنَّظرة الثَّاقبة، والرَّغبة في التَّقصِّي والتَّفتيش وجمع المادة العلميَِّة، ومحاورتها والتَّعامل معها وَفق منهجيَّة خاصَّة، تضمن له العمل النَّاجح، والجرأة في طرح الأفكار والآراء.
نعرض فيما يأتي أهمَّ الكتابات الأدبيَّة والنَّقديَّة التي ألَّفها. وأُولاها كانت في الأدب الجزائري؛ بحكم تخصُّصه في تدريسه له، في معهد الآداب بالجامعة المركزيَّة، فوجده مهضوم الحقِّ، مجهول الجانب، مغمور الفضائل ولاسيَّما عند المشارقة (2).
__________
(1) ينظر المصدر نفسه، ص 853، 854، 855، 856.
(2) ينظر محمَّد ناصر: " ذكرياتي ومذكّراتي"، ص 790. (1/28)
صفحة 29
كانت دراسته الأكاديميَّة لنيل شهادة دكتوراه الحلقة الثَّالثة في هذا الموضوع المقالة الصَّحفيّة الجزائريَّة: نشأتها تطوُّرها أعلامها (1903 - 1939 م) عام 1972 م، ثمَّ أعقبها بأطروحة دكتوراه دولة، عن الشِّعر الجزائري الحديث، اتِّجاهاته وخصائصه الفنِّيَّة (1925 - 1975 م) (1) (2).
لقد سعى محمد ناصر على طبع الكتاب الأوَّل في مصر بدار الشَّروق، والكتاب الثَّاني ببيروت بدار الغرب الإسلامي، وهكذا انتشر الكتابان في المشرق، أمَّا في الجزائر فقد نشرت الكتاب الأوَّل الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع عام 1978 م، ونشرت الطَّبعة الثَّانية وزارة الثَّقافة في ديسمبر 2007 م (3).
لقد نال هذان الكتابان شهرةً واسعةً، وممَّا يبرهن على ذلك إعادة طبعهما عدَّة مرَّات، إضافة لاعتمادهما مصادرَ للبحث في كلِّ الجامعات الجزائريَّة، كما كشفت هذه الدِّراسات على جوانب كثيرة في الأدب الجزائري الحديث، وساعدت على التَّأريخ له وإظهار أهمِّ حركاته وتوجُّهاته.
في عام 1980 م، أصدر ناصر كتابه (الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة 1847 - 1939 م) (4)، طبع الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع والذي عمل فيه على توسعة مشروعه في (دكتوراه الحلقة الثّالثة)، لما تمثِّله هذه الدِّراسة من وجه ناصع من وجوه الثَّقافة الجزائريَّة الأصيلة، وتؤرخ فكريًّا ونضاليًّا لمرحلة من مراحل جهاد الشَّعب الجزائري في سبيل حقوقه وأصالته ... (5).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) أذكر أن أستاذنا محمد زغينة - رحمه الله - في أوَّل حصَّة لنا معه، بعد نجاحنا في مسابقة الماجستير في الأدب الجزائري الحديث، نصحنا بقراءة مجموعة من الكتب، ومن بينها كتاب الشِّعر الجزائري الحديث اتِّجاهاته وخصائصه الفنِّيَّة، وقال لنا: "من يقرأ هذا الكتاب يكون قد أخذ نصيبا علميًّا وافرًا حول الشِّعر الجزائري الحديث".
(3) محمَّد ناصر: "السِّيرة الذَّاتية والعلميَّة"، ص 05.
(4) المصدر نفسه.
(5) محمد ناصر: "تاريخ الصَّحافة الجزائريَّة" المجلَّد 2، وزارة الثَّقافة، طبعة خاصَّة، 2013 م. (1/29)
صفحة 30
هكذا يوضِّح محمد ناصر دوافعه لإنجاز هذا العمل، الذي يثير من خلاله أولى قضايا التَّأصيل للأدب الجزائري، وهي الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة.
كان كتابه (الشِّعر الجزائري من الرُّومانسية إلى الثَّوريَّة) الذي ألفه عام 1984 م (1)، استكمالاً لمشروعه في الدُّكتوراه، حيث يقول فيه: إنَّ التَّوجُّه إلى دراسة الاتِّجاهات التي ظهرت في الشِّعر الجزائري فنِّيًّا لم يسمح لنا بالتِّعرُّض إلى القضايا والأفكار إلَّا لماما، ومن هنا رأينا أن نخصِّص هذه الفصول لدراسة بعض الخصائص الموضوعيَّة للاتِّجاه الوجداني الرُّومانسي، الذي نحسب أنَّه لم يحظ إلى حدِّ الآن بعناية الدَّارسين ... (2).
تقديرًا من محمد ناصر لعدد من الشَّخصيَّات الأدبيَّة والإصلاحيَّة في الجزائر والعالم العربي، وللإنجازات الدِّينيَّة والعلميَّة الكثيرة لهذه الشَّخصيَّات، ودورها في خدمة الدِّين الإسلامي والثَّقافة العربيَّة، فقد قام خلال أربعة عقود كاملة بتأليف دراسات حول هذه الشَّخصيات، حيث وقف عند الكثير من الجوانب الإبداعيَّة والفكريَّة، وركَّز أكثر على جانبين هما: النَّقد الأدبي، وتحقيق النُّصوص الشِّعريَّة والنَّقديَّة، وأهمُّ هذه المؤلَّفات هي (رمضان حمُّود، حياته وآثاره 1978 م (3)، أبو اليقظان وجهاد الكلمة 1980 م، عمر راسم المصلح الثَّائر 1984 م، مفدي زكريا، شاعر النِّضال والثَّورة 1984 م، محمَّد بن الحسن بن دريد حياة من أجل الأدب 1991 م، من أعلام الفكر الجزائري الإمام عبد الحميد بن باديس 1991 م، الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي 1991 م، الشِّيخ البشير الإبراهيمي أمير البيان، دراسة وتحليل لنثره في البصائر جوان 2005 م، الشِّيخ محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التَّاريخ 1995 م، أبو مسلم الرَّواحي البهلاني (حسَّان
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ص 791.
(2) محمَّد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسية إلى الثَّوريَّة (1925 - 1962 م) " وزارة الثَّقافة، ط 1، 2013، غلاف الكتاب.
(3) الكتاب المطبوع سنة 1978 م صدر بعنوان: "رمضان حمُّود الشَّاعر الثَّائر"، أمَّا العنوان المذكور فهو ما حملته الطَّبعة الثَّانية للكتاب سنة 1985 م. (م. ن. ب). (1/30)
صفحة 31
عمان) 1996 م، الشِّيخ بيُّوض إبراهيم مصلحًا وزعيمًا 2005 م، مشايخي كما عرفتهم 2008 م، الخليل بن أحمد الفراهيدي العالم العبقري 2005 م (1).
كما ذكرنا سابقا: إنَّ مؤلَّفات محمد ناصر النَّقديَّة شملت عددًا من جوانب الفكر والأدب الجزائري الحديث، لذلك بادرت وزارة الثَّقافة الجزائريَّة بمناسبة مرور خمسين عامًا على استرجاع الجزائر سيادتها بجمع هذه الدِّراسات والمؤلَّفات، وإعادة طبعها في ستَّة مجلَّدات تحت عنوان: تاريخ الجزائر وأعلامها في أعمال الدُّكتور محمد ناصر.
نتيجة للتَّوجُّه الإسلامي والرُّؤية الإسلاميَّة التي يتبنَّاها ناصر، سواءً من خلال تنشئته المحافظة الدِّينيَّة، أو من خلال تأثُّره بأعلام الأدب الإسلامي في المشرق، فقد كانت له عدَّةُ مؤلَّفات في مجال التَّنظير وهي أربع دراسات:
- ما أحوجنا إلى أدب إسلامي.
- خصائص الأدب الإسلامي.
- حداثة أم ردَّة.
- حداثة بلا قناع (2).
إنَّ هذه المؤلَّفات كانت من قبل مجموعة من المقالات النَّقديَّة، والتَّحليليَّة، نشرت في الصَّحافة العربيَّة وبعضها محاضرات، كان يلقيها محمد ناصر على طلَّابه، ثمَّ جمعت لتصدر على هذا الشَّكل، الذي يرى فيه مؤلِّفها أنَّها: بحوث ذات صفات محدودة (3).
كما كانت له مؤلَّفات كثيرة، فيما يخصُّ الدِّراسات الفكريَّة والحضاريَّة، تصل إلى ثمانية عشر مؤلَّفا، بعضها لم ينشر بعد، تراوحت ما بين طرق البحث والمناهج العلميَّة وتوضيح الإباضيَّة، دراسات قرآنيَّة، ومن أهمِّ المؤلَّفات في هذا السِّياق (الحضاري والفكري): في رحاب القرآن (الشِّيخ إبراهيم بيُّوض، فيوض النُّور، أنوار من سورة النُّور،
__________
(1) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ج 2، ص 789 - 790.
(2) ينظر محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، ص: 11.
(3) محمَّد ناصر: "ذكرياتي ومذكِّراتي"، ج 2، ص 801. (1/31)
صفحة 32
الأصول العقديَّة للنَّاشئة المحمَّديَّة، الاباضية تاريخًا وفكرًا، من أعلام الفكر الإباضي المعاصر، منهج الدَّعوة عند الإباضيَّة ... ) (1).
إنَّ ناصر عبارة عن نبع فيَّاض من الفكر والأدب، يصبُّ في فروع مختلفة الأفكار والقضايا، في المجال الدِّيني والسِّياسي والأكاديمي، هو شاعر متميِّز برؤيته الإسلاميَّة الخاصَّة، التي تنعكس في دواوينه: أغنيَّات النَّخيل، الذي صدر في 1981 م، ثمَّ ديوان في رحاب الله 1991 م، وديوان ألحان وأشجان 1993 م، وآخرها ديوان الخافق الصَّادق 2008 م، جمعها مؤخَّرًا في مجلَّد واحد، تحت عنوان (الأعمال الشِّعريَّة الكاملة)، كما خصَّ الأطفال بديوان شعري (البراعم النَّديَّة) (2)، أثرى من خلاله مكتبة الطِّفل الجزائري، الذي عانى كثيرًا الإجحاف الأدبي والإهمال الثَّقافي.
إنَّ القارئ لهذه الدَّواوين الشِّعرية يلمس في ثنايا قصائدها الشَّاعرَ الإسلامي، وشاعرَ الحبِّ والعفوية، والشَّاعر الوطني المجاهد، والشَّاعر الأب، الشَّاعر الطِّفل البريء، ويدرك مدى التَّنوُّع في الملكة الشِّعريَّة عند محمد ناصر.
إضافة إلى كلِّ ما سبق من مؤلَّفات، فقد أسهم في إثراء أدب الأطفال بما له من إنتاج غزير، يتمثَّل في خمس سلاسل قصصيَّة قصيرة (3)، تدور حول عالم الحيوان والإنسان، تناول من خلالها عدَّة مواضيع شيِّقة ومفيدة، من شأنها أن تستقطب إليها جمهور الطُّفولة، ويكون لها الصَّدى الكبير في الجانب الوجداني والعلمي للطِّفل، خاصَّة أنها دارت حول محاور دينيَّة وخلقيَّة وتربويَّة، عمل خلالها محمد ناصر على تأسيس أدب بنَّاء وتكويني للطِّفل العربي، أكثر من أن يكون أدبا للتَّسلية والتَّرفيه.
__________
(1) محمَّد ناصر: "السِّيرة الذَّاتية والعلميَّة"، ينظر: غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر" مخطوطة، باتنة 2008، ص 36.
(2) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 37.
(3) تتمثَّل هذه السَّلاسل القصصيَّة في: سلسلة "القصص الحقِّ للنَّشء الإسلامي"، سلسلة "الأنيس للفتيان"، سلسلة "الأنيس للأطفال"، الجزائر، ط 2، 2004 م. سلسلة "المربي للفتيان"، سلسلة "المربي للأطفال"، شركة ترانسسبا، الجزائر، ط 2، 2008 م. (1/32)
صفحة 33
بعد هذا العرض السَّريع لمؤلَّفات محمد ناصر الأدبيَّة والنَّقديَّة، نجد أنَّها تشعَّبت في عدَّة مجالات من الأدب، فمنها ما تناول النَّثر وأخرى في الشِّعر، ودرس السِّير والأعلام، ونظَّر في الأدب الإسلامي، وكتب في أدب الطِّفل، إضافة إلى الدِّراسات الدِّينيَّة والدِّراسات الفكريَّة الحضاريَّة.
إنَّ ما تميَّز به هذا النَّتاج العلمي هو التَّنوُّع في الموضوعات، والغزارة في الإبداع، فلا يكاد يمرُّ عام إلَّا ويغني خلاله ناصر المكتبة الجزائريَّة والعربيَّة بمؤلَّف جديد. هذا ما يجعلنا ندرك أنَّنا أمام أديب وناقد يحظى بمكانة علميَّة عالية، ويمتلك أفكارًا ورؤى يعمل على تحقيقها في أرض الواقع.
الرُّؤية الإسلاميَّة :
o المصطلح والمفهوم :
1. المصطلح:
مصطلح الرُّؤيةالإسلاميَّة حديث، شأنه في ذلك شأن الأدب الإسلامي، سرعان ما ترسَّخت جذوره وكثرت أغصانه وفروعه في مجالات الفنِّ والأدب.
الأصل في المصطلح أن يكون جامعًا مانعًا، جامعا لكلِّ ما يراد أن يدخل فيه، مانعًا لكلِّ ما لا يراد أن يشتمل المصطلح عليه (1)، إنَّ مصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة جامع مانع، لأنَّه المصطلح الأدقُّ والأكثر انطباقًا على ما وضع له، وهذا يفسِّر صموده وبقاءه؛ مقارنة بالمصطلحات ذات البعد الإسلامي الأخرى مثل: أدب الفكر الإسلامي وأدب العقيدة الإسلاميَّة وأدب الدَّعوة الإسلاميَّة (2) ...
نحن إذا نظرنا في مصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة وجدناه يتكوَّن من كلمتين، جاءت ثانيتها صفة لأولاهما ومخصَّصة لها، والرُّؤية الإسلاميَّة كلمة عامَّة لابدَّ لها من التَّخصيص حتَّى
__________
(1) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، دار الصَّحوة للنَّشر، القاهرة، ط 1، 1991 م، ص: 59.
(2) محمد حسن زيني: "دراسات في أدب الدَّعوة الإسلاميَّة"، عن أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، ص 58. (1/33)
صفحة 34
يتحدَّد المقصود بها (1)، والتَّخصيص هنا كان بالوصف والإضافة: الرُّؤية الإسلاميَّة، والهدف من هذا التَّخصيص بالوصف والإضافة هو تحديد الهويَّة وتحقيق التَّمايز بين الأنواع المشتركة في أصل واحد.
كلمة الرُّؤية، إن كان من بين معانيها المنهج الذي يرى به الإنسان الأشياء أو يتعامل به معها، فإنَّ المعنى الأقرب إلى ما أرمي إليه هو أنَّ الرُّؤية الأدبيَّة تعني المرجعيَّة التي تؤطِّر فكر الأديب أو المفكِّر، والطَّريقة التي ينظر بها إلى الكون من حوله (2).
يعرِّف محمد حسن بريغش الأدب الإسلامي بأنَّه: التَّعبير الفنِّي الجميل للأديب المسلم في تجربته في الحياة من خلال التَّصوُّر الإسلامي (3).
إنَّ الإسلام يكمن في أعماق الإنسان، في مشاعره، وأحاسيسه ووسوسات نفسه، وخواطر روحه، والنَّوايا المستكنَّة في داخله (4)، ولهذا أعلمنا الله سبحانه وتعالى بأنَّه: {يَعْلَم خَائنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (5)، { ... فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (6)، فلا يمكن لأدب إسلامي أن يصدر من غير مسلم، مسلم يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بما آمن به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعمل على تطبيق ما يقتضيه إيمانه في هذه الحياة. كما سعى عماد الدِّين خليل إلى توظيف المصطلح في مجال الأدب والنَّقد من خلال وضعه لمفهوم ديني فلسفي للمصطلح، فيقول: أنَّها تبصير حيوي للإنسان بطبيعة وجوده في الكون، وأبعاد هذا الوجود، وحدود الحياة الدُّنيا، وزوال هذه الحياة، وكونها الفرصة الوحيدة التي أتيحت للإنسان لصياغة مصيره وتحقيق الانسجام بين مصيره وبين متطلَّبات وجوده الملحِّة ... تفجِّر في وجدان
__________
(1) أحمد محمد علي: " الأدب الإسلامي ضرورة " ص 59.
(2) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"،مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 2004، ص 5 بالتَّصرُّف.
(3) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته" مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 2، 1992 م، ص 141.
(4) المرجع نفسه، ص 112.
(5) سورة غافر، الآية 19.
(6) سورة طه، الآية 7. (1/34)
صفحة 35
الفنَّان المسلم - أكثر من غيره - شعورا حادًّا بالزَّمن، وتدفعه إلى المزيد من (التَّعبير) باعتباره عملا يتقرَّب به إلى الله على الطَّريقة الإسلاميَّة (1).
إنَّ معتقد الأديب ذو تأثير كبير واضح في إنتاجه الأدبي، لأنَّه جزء أساسي في الإطار العام لتجربته الشُّعوريَّة، وأنَّ هذا التَّأثير بدأ بولادة الأدب في أحضان العقيدة، وأنَّ الأدب في طبيعته يحتاج إلى خلفيَّة عقديَّة، يرتبط بها دائما، ومن هنا يبرهن الدُّكتور عبد الباسط بدر على التَّأسيس لمصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة، من حيث أنَّ التَّجربة الشُّعورية لرصيد إنساني مشترك، وإنَّ تمايز الأدباء يكون في حدَّة الانفعال والقدرة على التَّعبير، وهذا يعني أنَّ الأدباء جميعا متشابهون في الشَّكل الأوَّلي لتجاربهم الشُّعوريَّة، ولكن ما نكاد ندخل إلى مكوِّنات تجاربهم حتَّى نقف على مفترق الطُّرق التي تذهب بالأدباء مسالك شتَّى، فالإطار العام (2) الذي هو الرُّؤية الأدبيَّة، تختلف من شخص لآخر، ومن جيل لجيل، ومن معتقد لمعتقد، ومن هنا فالأديب المسلم يكون متأثِّرا بالعقيدة الإسلاميَّة، منصهرًا بوجدانه في تصوُّراتها (3).
كما تتميَّز رؤيته الأدبيَّة لأنَّ ارتباطه بالعقيدة يعني أنَّ رصيده الثَّقافي وخبراته متَّصلة بها، فهي تفسِّر رؤيته للعالم من حيث أنَّها مجموعة مترابطة من القضايا والحلول التي يتمُّ التَّعبير عنها، على المستوى الأدبي، عن طريق الإبداع بواسطة الألفاظ وبواسطة كون محسوس من المخلوقات والأشياء (4)، من منظور إسلامي، إنَّها رؤية كما يقول سيِّد قطب جادَّة، ضخمة فاعلة، تملأ فراغ النَّفس والحياة، وتستنفذ الطَّاقة البشريَّة في الشُّعور والعمل،
__________
(1) ينظر عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1987 م، ص 58.
(2) عبد الباسط بدر: "مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، دراسات في الأدب الإسلامي ونقده، دار المنارة للنَّشر والتَّوزيع، السَّعودية، جدَّة، ط 1، 1985 م، ص 33.
(3) المرجع نفسه، ص 34.
(4) ينظر جاك دوبوا: "نحو نقد سوسيولوجي"، عن محمد إقبال العروي: "جمالية الأدب الإسلامي، المكتبة السَّلفية، الدَّار البيضاء، ط 1، 1986، ص 72. (1/35)
صفحة 36
وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتَّأمُّل الضَّائع الذي لا يخلق سوى التَّسيّب والضَّياع (1) ...
يحدِّد الباحث الإسلامي محمد إقبال عروي تعريف مصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة في أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة هي التي تقدِّم للأدباء المسلمين برنامجًا ينطلقون منه - بدءًا وختامًا - في العمليَّة الإبداعيَّة والنَّقديَّة على حدٍّ سواء، ويبلورون - من خلالها - آفاق ذلك الأدب الذي تلمس ملامحه مع إشراق شمس كلِّ صباح ... (2).
إنَّ الفنَّ رؤية للواقع من خلال الانفعال الذَّاتي الخاصِّ بالأشياء والأحداث، وتفسير لهذا الواقع في ذلك الضَّوء الخاصِّ، تفسيرًا شعوريًّا - لا فلسفيًّا فكريًّا - كما أنَّه هو رؤيا للمستقبل، وللمجهول، وللماضي كذلك بنفس الشُّروط (3)، من هذا المنطلق يفسِّر محمد قطب الرُّؤية الإسلاميَّة على أنَّها تصدر عن أديب مسلم أي إنسان تكيَّفت نفسه ذلك التَّكيُّف الخاصَّ الذي يعطيها حساسية شعوريَّة تجاه الكون والحياة، والواقع بمعناه الكبير، وزوِّد بالقدرة على جمال التَّعبير، وهو في الوقت ذاته إنسان يتلقَّى الحياة من خلال التَّصوُّر الإسلامي، وينفعل بها ويعانيها من خلال هذا التَّصوُّر، ثمَّ يقصُّ علينا هذه التَّجربة الخاصَّة التي عاناها، في صورة موحية.
من خلال هذا الطَّرح هل يمكننا أن نجلو الفرق بين المصطلحات التَّالية (الرُّؤية الإسلاميَّة) و (الأدب الإسلامي) و (إسلاميَّة الأدب)؟.
مصطلح (الأدب الإسلامي) يعني صدور الإنتاج الأدبي من حقائق التَّصوُّر الإسلامي، وقيمه (4)، وَفق (رؤية إسلاميَّة خاصَّة)، أمَّا (إسلاميَّة الأدب) فهو دون (الأدب الإسلامي) منزلة، إنَّه يعني اتجاه الأدب إلى الإسلامي في موضوعه أو شخصيَّاته وإشاراته، دون بلوغه منزلة التَّعبير الفنِّي عن حقائق التَّصوُّر الإسلامي وقيمه بناء على رؤية
__________
(1) سيِّد قطب: "في التَّاريخ فكرة ومنهج"، عن محمد إقبال العروي: جمالية الأدب الإسلامي، ص 74.
(2) المرجع نفسه، ص 75.
(3) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، دار الشُّروق، بيروت، ط 6، 1983 م، ص 182.
(4) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي"، تجارب ومواقف، دار القلم، دمشق، ط 1، 1987 م. (1/36)
صفحة 37
إسلاميَّة (1)، وهذا بالتَّحديد هو الذي يتيح لنا أن نميِّز بين النَّصِّ الذي يكون انعكاسا لهذه الرُّؤية في حقائقها وآفاقها ومثلها وقيمها، وبين النَّصِّ الذي يكتفي بالمسمَّى الإسلامي والموضوع الإسلامي، دون أن يتعمَّق أغوار الحقائق والمثل، وفي هذا التَّحديد إعلاء لدور (الرُّؤية الإسلاميَّة) في تصنيف الإبداع الأدبي، تحت خانة الأدب الإسلامي، أي أنَّها شرط لا يستغنى عنه داخل العمل الأدبي حتَّى نقول: إنَّه ينتمي إلى دائرة الأدب الإسلامي.
فالأدب الإسلامي منبثق عن الرُّؤية الإسلاميَّة للكون والحياة، ومن ثمَّ تعدُّ العقيدة معيارًا أساسيًّا في الحكم النَّقدي، لذلك تعدُّ نظريَّة الأدب الإسلامي تصحيحًا للعلاقة بين الأدب والعقيدة وحماية للقيم الفنِّيَّة في الأدب (2).
2. المفهوم:
حاول العديد من الباحثين والدَّارسين في حقل الأدب الإسلامي تحديد مفهوم دقيق لمعنى مصطلح الرُّؤية الإسلاميَّة، معتمدين في ذلك على إثبات القاعدة التي تحكم العلاقة بين الرُّؤية الإسلاميَّة والثَّقافة الإسلاميَّة لدى الأديب المسلم، وهي درجة الارتباط. فبقدر ارتباط الأديب المسلم بعقيدته يكون رصيده من الثَّقافة الإسلاميَّة واسعًا، وتتأثَّر رؤيته بهذا الرَّصيد، والتَّأثُّر هنا طبيعي عفوي، لأنَّ الرُّؤية الأدبيَّة تستند إلى الإطار الثَّقافي العام، وهو عند المسلم السَّابق إلى الخيرات، ملوَّن بأصباغ الثَّقافة الإسلاميَّة، والنَّتيجة الحقيقيَّة هي أنَّ النَّصَّ الأدبي الذي يبدعه هذا الأديب سيكون متأثِّرا تأثُّرًا طبيعيًّا عفويًّا بالخطِّ الإسلامي العام، وهذه الحقيقة نجدها في آثار أيِّ أديب مسلم ملتزم بدرجة السَّبق في تطبيق عقيدته، بل إنَّ التَّأثُّر القويَّ بالمعتقد عامَّة نجده في إنتاج أيِّ أديب ينتمي إلى أيِّ معتقد، إذا كان انتماؤه جدِّيًّا وقويًّا، وفي تاريخنا الأدبي شواهد كثيرة على ذلك، وعلى سبيل المثال أدب حسَّان بن ثابت الإسلامي وأبي العتاهية، وأبي تمَّام ... إلخ (3).
__________
(1) المرجع نفسه، بتصرُّف.
(2) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1/ 2004 م، ص 73.
(3) عبد الباسط بدر: "مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 37. (1/37)
صفحة 38
هناك تعريفات عديدة بنيت على هذا الأساس، من بينها تعريف عماد الدِّين خليل الذي يرى أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة هي: تعبير جمالي مؤثِّر بالكلمة عن التَّصوُّر الإسلامي للوجود (1)، وتكون الرُّؤية الإسلاميَّة - إذن - منبثقة عن التَّصوُّر الإسلامي.
بهذا نكون إزاء ركنين أساسيين، يتضمَّن كلٌّ منهما عناصر فرعيَّة:
أوَّلاً: التَّعبير الجمالي المؤثِّر بالكلمة ... لابدَّ إذن أن يتحقَّق التَّعبير بالكلمة، وليس بأيِّ أداة أخرى، وأن يملك جماليَّته الخاصَّة، وقدرته في الوقت نفسه على التَّأثير، وعلى توصيل الشُّحنة الفنِّيَّة إلى الآخرين، وإحداث الهزَّة المرجوَّة فيهم.
ثانيا: التَّصوُّر الإسلامي للوجود ... لابدَّ - إذن - أن يملك الأديب المسلم فلسفة، أو تصوُّرًا، أو موقفا شموليًّا إزاء الكون والحياة والإنسان، وأن ينبثق هذا التَّصوُّر، الذي يطبع التَّجربة الذَّاتية طولاً وعرضًا وعمقًا، عن الإسلام المتميِّز، المتفرِّد، المبين (2).
ولابدَّ من وجود الرُّكنين بكلِّ عناصرهما الفرعيَّة، لكي يتحقَّق مفهوم الرُّؤية الإسلاميَّة، لذا يجب تحقُّق القدرة الإبداعيَّة لدى الأديب المسلم من جهة، ونقاء تصوُّره الإسلامي وهيمنته على ما ينتجه من فكر وعمل من جهة أخرى.
أما محمُّد إقبال العروي فيرى فيها العامل الفاعل في تبيين الطَّريق الطَّويل الذي يتوجَّب على الأدب الإسلامي اجتيازه للوصول إلى المستوى العالي (3)، من حيث هي: الرُّؤية الكونيَّة الواضحة التي تدفع بالأديب المسلم إلى الانغماس في الحياة بأشكالها، ولكنَّ ذلك لن يحقِّق النَّتيجة المنشودة، بل لابدَّ من المستوى الفنِّي والجمالي الرَّاقي، وإنَّ الإتقان الذي يجعله الحديث النَّبويَّ الشَّريف واجبًا ومسؤوليةً، يدعو الأديب إلى إغناء تجربته الجماليَّة باعتبارها الشَّرط الأساسي ومصدر الكون في العالم الأدبي (4).
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1987 م، ص 69.
(2) ينظر عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 69.
(3) محمد إقبال العروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 56.
(4) محمد إقبال العروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 56،57، بتصرُّف. (1/38)
صفحة 39
إنَّ الأدب تصوُّر فنِّي محدِّد للحياة، وهو إذن نقد لها، ومن الطَّبيعي لهذا التَّعبير عن قيم الحياة أن يملك مرجعيَّة، هي التي تحدِّد رؤية الأديب، ومن ثمَّ ترسم الخطوط والمعالم المهمَّة في عمله الأدبي، ومن هذا المبدأ يعرِّف أحمد رحماني الرُّؤية الإسلاميَّة فيقول: ... يدرك من خلالها الأديب العلاقات الخفيَّة والظَّاهرة بين الأشياء والنَّاس والأفكار، فيصوغها صياغة نظريَّة أو تعبيريَّة لها مذاق خاصٌّ (1)، بتصوِّر إسلامي، وهكذا يحدِّد المصطلح وَفق هذه العلاقات.
في الأخير، نقف عند تعريف الأستاذ سيِّد قطب للأدب الإسلامي، بأنَّه كسائر الفنون: تعبير موح عن قيم حيَّة، ينفعل بها ضمير الفنَّان ... هذه القيم ... تنبثق عن تصوُّر معيَّن للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون، وبين بعض الإنسان وبعض (2).
فالعمل الأدبي يعتمد - إذن حسب التَّعريف المذكور- على جزأين اثنين لا يقوم بغيرهما، هما: الرُّؤية الأدبيَّة التي تكون نتيجة التَّجربة الشُّعوريَّة، وتصوُّر معيَّن للحياة، ثمَّ التَّعبير عنهما تعبيرًا موحيًا جميلاً. ويُراد من الرُّؤية الأدبيَّة هنا في دائرة الأدب الإسلامي الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب، التي تحرِّك وجدانه، فيسعى للتَّعبير عنها تعبيرًا جميلاً مؤثِّرًا في نفوس الآخرين.
ولا تكون الرُّؤية الإسلاميَّة ناجحة هادفة مالم تتوفَّر لها الشُّروط المهمَّة التَّالية:
1. أن تنضج عناصرها في نفس صاحبها، وتتَّضح وتتبلور أبعادها في ذهنه، فيلمَّ بجوانبها إلمامًا، وتتمايز معالم تصوُّراته ومعتقده.
2. أن يتعاون فكره وخياله في ترتيب وتنسيق عناصرها الفكريَّة ومقوِّماتها العقديَّة.
3. من المهمِّ اللَّازم أن تعكس الرُّؤية الإسلاميَّة عنصر الصِّدق والاقتناع النَّفسي لصاحبها، بتصوُّراته ومعتقده، حتَّى تجيء تجربته الشُّعوريَّة داخل العمل الأدبي بتعبير صادق أمين عن شعوره، ووجدانه، لأنَّ الصِّدق هو الذي يمنحها القوَّة والقدرة على إثارة
__________
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 2004 م، ص 49.
(2) سيد قطب: "النَّقد الأدبي ... أصوله ومناهجه"، دار الشُّروق. (1/39)
صفحة 40
القارئ وتحريك مشاعره. المراد بالصِّدق هنا ما طابقه وجدان الأديب ورؤيته وما انطبع عليهما من قيم ومثل إسلاميَّة.
4. أن يكون وراء الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب مغزى يفيد الحياة، وطائل يبرِّر تعبه في تصويرها وإبرازها من جهة، وتعب القارئ في تأمُّلها والوقوف عند النَّصِّ الذي يعبِّر عنها من جهة أخرى.
5. يأتي خامسًا وأخيرًا دور التَّعبير عن هذه الرُّؤية ... ولا يقصد بالتَّعبير هنا مجرَّد التَّعبير، ولكن يراد التَّعبير الذي يرسم الصُّورة الجميلة الموحية المؤثِّرة، والمثيرة للانفعال الوجداني في نفوس الآخرين (1).
إنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة لا يتم دورها في التَّأثير على وجدانات الآخرين ومشاعرهم، ما لم يكتمل تصويرها الفنِّي: صياغةً وأسلوبًا، فهذه الصِّياغة الفنِّيَّة هي وحدها الطَّريق إلى الإبداع في إطار هذه الرُّؤية وعملاً على الإيحاء والتَّأثير وإبراز التَّصوُّر الإسلامي للعيان.
o النَّشأة والتَّطوُّر :
لم تكن هناك ضرورةٌ تدعو إلى ظهور مصطلح -الرُّؤية الإسلاميَّة- في القرون الماضية، كما أنَّه لم تكن هناك حاجة إلى ظهور مصطلحات، مثل الأدب الإسلامي، الاقتصاد الإسلامي، الإعلام الإسلامي، العمارة الإسلاميَّة، التَّربية الإسلاميَّة وغيرها من المصطلحات كلُّها، إنَّما ظهرت - وما زالت تظهر- في إطار الصَّحوة الإسلاميَّة (2)، ومحاولة العودة إلى الذَّات، بعد مرحلة الانهزام والانحطاط الذي لحق بالأمَّة الإسلاميَّة في مرحلة الغزو الاستعماري والحضاري الغربي.
ومع بداية الصَّحوة الإسلاميَّة في العشرينات، وأمام الزَّحف المتوالي للآداب الأجنبيَّة، والذي خلق انبهارًا غريبًا لدى جلِّ المثقَّفين العرب، طرحت مسألة إيجاد أدب
__________
(1) ينظر صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي" ص 53 بتصرُّف.
(2) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة" دار الصَّحوة للنَّشر، القاهرة، ط 1، 1991 م، ص 45. (1/40)
صفحة 41
إسلامي يتلاءم مع واقع المسلمين وعقيدتهم وأخلاقهم (1)، خاصَّة وأنَّ التَّاريخ الإسلامي يزخر بمثل ذلك الأدب، في مستوى الرُّؤية الإسلاميَّة، وكانت هذه النُّقطة بمثابة النَّهضة الجديدة التي فتحت المجال للدَّارسين في الأدب الإسلامي، فعملوا على تحقيق درجات عليا للنُّهوض بهذا الأدب، وَفق معطيات خاصَّة، وأصبح من اليسير رصد العوامل المتيحة لانبعاث الرُّؤية الإسلاميَّة، التي تعكس أدبًا إسلاميًّا حديثًا ومعاصرًا.
وجدير بالتَّذكير أنَّ سلسلة هذه العوامل متداخلة فيما بينها، ويصعب على النَّاقد أو الباحث رسم حدود فاصلة بينها، وكلُّ محاولة لتأطيرها وتبويبها تظلُّ نسبيَّة إلى أبعد الحدود، وهي مشروعة فقط على مستوى الدِّراسة والتَّحليل، ويمكن تحديد تلك العوامل في العناصر التَّالية (2):
1. العامل الحضاري:
لقد أدركت الصَّحوة الإسلاميَّة حقائق الحملة الفكريَّة الاستعماريَّة المغرضة على الحضارة الإسلاميَّة، وأثناء بحثها عن الجسر الذي يربط الحضارة الإسلاميَّة الأولى بهذا الانبعاث الجديد تبَّين لها دور الأدب وفاعليَّته، وكيف أنَّه لا يقلُّ خطورة عن باقي مجالات الفكر الإسلامي، خاصَّة مع الاكتساح الذي أخذت تشهده الآداب الغربيَّة، متَّخذة لها أبواقًا دعائيَّة من العرب أنفسهم ...
كلُّ هذه الحيثيَّات الحضاريَّة استوجبت من دعاة الأدب الإسلامي التَّفكير في التَّنظير لهذا الأدب وممارسته إبداعًا ونقدًا، تحت رؤية إسلاميَّة واضحة المعالم، وإلَّا كان الانبعاث ناقصًا؛ نتيجة فقدانه لأبرز العناصر المشكِّلة للحضارة الإسلاميَّة (3).
ولئن جاء الاهتمام بالرُّؤية الإسلاميَّة متأخِّرا عن الاهتمام بالأدب الإسلامي والقضايا الفكريَّة والاجتماعيَّة، فذلك راجع إلى طبيعة الرُّؤية الإسلاميَّة، التي تفرض نوعًا من التَّوأدة والتَّأمُّل، وترفض الاستعجال، كما أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة تبحث لها دائمًا عن
__________
(1) (ينظر محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 20.
(2) المصدر نفسه، ص 21.
(3) المصدر نفسه، ص 22. (1/41)
صفحة 42
وسائل فنِّيَّة جديدة، ولن تحقِّقها في ظلِّ الاهتزازات والتَّحوُّلات الفكريَّة المباشرة، بل لابدَّ من زمن طويل، وهنا تكمن فرادة الرُّؤية الإسلاميَّة؛ باعتبارها أرقى النَّشاطات الإنسانيَّة، التي يتداخل فيها العاطفي بالفكري والاجتماعي وغيرها من العناصر الأخرى.
2. العامل النَّفسي:
إنَّ الاستقرار العقدي لدى الأديب المسلم، اصطدم بالواقع الاجتماعي المنحرف، فخلق لديه توتُّرا لا مثيل له ... لقد أصبح يعيش الغربة في أقصى أشكالها، هو الذي من أجله وجدت الأكوان، لكنَّه الآن لا ينعم بشبر يتنفَّس فيه الصُّعداء ويشعر فيه بذرَّة من الرَّاحة والاستقرار ... والسَّبب في ذلك التَّوتُّر يعود أساسًا إلى المظاهر السِّلبيَّة التي يطفح بها المجتمع العربي في كافَّة مستوياته (1).
3. العامل الاجتماعي:
أمام المفارقات الحضاريَّة التي تعيشها المجتمعات العربيَّة المعاصرة، أصبح لزامًا على الأديب المسلم أن يتَّخذ موقفًا بديلاً، سيَّما أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة جدُّ اجتماعيَّة، وتأبى عليه الانعزال عن المجتمع ... ويكفي أن نشير إلى قول الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط النَّاس ولا يصبر على أذاهم ... » (2)، هذا بالنَّسبة للمؤمن العادي، فما بالك بالأديب: ضمير الأمَّة ومجهرها، ومن ثمَّ فقد أخذت الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب على عاتقها مهمَّة الاهتمام بشؤون المجتمع وقضاياه، فازدهر الأدب السَّائر في هذا الاتِّجاه، أملاً أن يجد الصِّيغة النَّاقضة للأدب بصورته الحداثيَّة الانعزالية التي تمجِّد الذَّات وتنغلق عليها.
__________
(1) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 25.
(2) رواه التِّرمذي وابن ماجة وأحمد في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصَّغير، المرجع نفسه. (1/42)
صفحة 43
4. العامل الأدبي:
إنَّ الحقل الأدبي يحتلُّ مكانة بارزة في الحياة الثَّقافيَّة للأمم والشُّعوب، وإذ يقوم بتغذية العواطف وتنمية الأحاسيس والوجدانات، ويسعى إلى الرُّقيِّ والارتفاع إلى معاينة الوجود في طهره ونقائه. فهو ضروري للنَّفس الإنسانيَّة ضرورة الغذاء للأجسام، وبدونه ستكون عرضة للاختناقات والاضطرابات المتتالية .... والنَّفس حقل مهيَّأ للإنبات، فإمَّا أن يزرع فيه بذور الأدب الإسلامي الباني، وإمَّا أن يفسح المجال للأدب الانطوائي، وشعر الخواء حسب تعبير جيدون سيمور (1). ونفسيَّة المسلم لا تندُّ عن هذا الإطار، فهي في حاجة إلى غذاء أدبي ملائم، والإرهاصات عرضة للأمراض الأدبيَّة المتعدِّدة التي تنتج حتمًا على مطالعة الأدب العبثي (2).
من هنا طرحت لدى الأدباء المسلمين ضرورة إيجاد البديل الأدبي - وَفق رؤية إسلاميَّة مسبقة - يستطيع تغذية العاطفة الإنسانيَّة وبنائها بناء يليق بمستوى الدُّور الحضاري المناط بالإنسانيَّة جمعاء (3).
هذه أهمُّ العوامل التي أسهمت في بعث الرُّؤية الإسلاميَّة وبلورتها في الأدب الإسلامي الحديث، فانطلقت التَّجارب الإبداعيَّة والنَّقديَّة في شتَّى المجالات، وفتحت لها الآفاق؛ ممتدَّة في فضاء الآداب الإنسانيَّة، ممَّا جعلها تتميَّز بخصائص معيَّنة، وتظهر بملامح واضحة ومعالم محدَّدة.
هكذا ظهرت مدرسة الأدب الإسلامي الحديث التي حملت لواء الرُّؤية الإسلاميَّة على يد فنَّانين ومبدعين مثل: محمد إقبال، ومحمود حسن إسماعيل، وأحمد مطر، ومصطفى الغماري، ومحمد ناصر، وعدنان النَّحوي، وجماعة المشكاة في المغرب والشَّاعر الأمير محمد بن راشد آل مكتوم ... كما برزت على يد كبار المنظِّرين المعاصرين، مثل سيِّد قطب، ومحمد
__________
(1) مجلَّة "فصول" المجلَّد الخامس، العدد الثَّاني، 1985 م، ص 228، عن محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 26.
(2) المرجع نفسه.
(3) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 26. (1/43)
صفحة 44
قطب ومحمد حسن النَّدوي، ومحمد إقبال، وعماد الدِّين خليل، ونجيب الكيلاني، ومحمد إقبال عروي، وعلي الحسن النَّدوي وعبد الباسط بدر، وعدنان النَّحوي ومالك بن نبي وغيرهم، فضلاً عن الدَّارسين الذين عنوا عناية خاصَّة من الوجهة التَّطبيقية لهذه الرُّؤية أمثال محمد عادل الهاشمي، وعبد الباقي محمد حسين، وصلاح عبد الفتَّاح الخالدي، ومحمد حسن بريقش ... إلخ (1).
فهؤلاء جميعًا - سواء في المستوى الإبداعي أو التَّنظيري أو التَّطبيقي - أسهموا في تأسيس المفهوم الصَّحيح للرُّؤية الإسلاميَّة في ظلِّ الأدب الإسلامي، الذي تحمل رايته المدرسة التَّحديثيَّة (2) كما يسمِّيها النَّاقد الإسلامي أحمد رحماني.
o قضاياها واهتماماتها :
1. في الأدب الإسلاميِّ:
إنَّ مجال الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب المبدع متَّسع بحيث يشمل الكون كلَّه والوجود جميعه، بكلِّ ما يضطرب بين جنباته، شريطة أن يتصوَّر الأديب هذا الكون تصوُّرًا صحيحًا وسويًّا، ثمَّ يتفاعل معه حسب تصوُّر الإسلام كذلك (3)، فيرى كلَّ جزئيَّة فيه تقول - بلسان الحال -: {قالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقَهُ ثُم هَدَى} (4) ... هذا من جهة، ثمَّ يعبِّر عنه تعبيرًا صحيحًا نظيفًا، يتلاءم مع ذلك التَّصوُّر من جهة أخرى، ولو تأمَّلنا أشعار وقصص الأدباء المسلمين وقاربناها مقاربة فعَّالة، لأدركنا أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة فرضت عليهم الانغماس في واقع الشُّعوب وإدانة الفئات المتعفِّنة التي تلعب بمصائر الأبرياء من القرَّاء للأدب المائع (5).
وإذا حاولنا أن نمعن النَّظر في النَّماذج المعاصرة للرُّؤى الإسلاميَّة فسوف نجد أنَّ - للأسف - غالبيتها تهتمُّ بإبراز البطولات الفرديَّة، والمعارك القديمة الطَّاحنة، وروعة
__________
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 45، 46.
(2) المرجع نفسه، ص 46.
(3) صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، ص 57.
(4) سورة طه، الآية 50.
(5) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 84. (1/44)
صفحة 45
التَّضحية والفداء، وأنَّ عددًا قليلاً من الكتَّاب الإسلاميِّين المعاصرين يحاولون جاهدين إزالة الغبار عن القيم الحضاريَّة للعقيدة، من خلال أحداث وأنماط بشريَّة وحوارات مقنعة، أو بمعنى أدقٍّ من خلال أشكال فنَّيِّة عصريَّة، تشمل القصَّة والقصيدة والمسرحيَّة والتَّمثيلية والرِّواية السِّينمائيَّة وغيرها (1).
ولو تعاملنا مع الرُّؤية الإسلاميَّة كمصطلح في حاضرنا، فإنَّ التَّأمُّل في التَّفاعل والتَّأثير المتبادلين بين المشرق والمغرب في مستوى الإبداع الأدبي الإسلامي، يلفتنا إلى حقيقة لا جدال فيها، وهي أنَّ تجربة الأدب الإسلامي - وَفق رؤية إسلاميَّة - سائرة في طريق النُّموِّ والازدهار عبر مستويين (2): المستوى الشُّعوري والمستوى التَّعبيري.
بالنَّسبة للمستوى الأوَّل فإنَّ الأدب الإسلامي نتيجة لرؤيته الإسلاميَّة الصَّافية، ومعرفته بأبعاد النَّفس الإنسانيَّة، وتمثُّله للوظيفة الإنسانيَّة المثلى، فهو يملك شعورًا فيَّاضًا كفيلاً بأن يعالج هذه الأمراض النَّافرة في الأدب العالمي، كالعبثيَّة والوجوديَّة ... إلخ، إنَّه إثراء نفسي وجودي، يقدِّمه للإنسانيَّة علَّها تستجيب.
وبالنَّسبة للمستوى الثَّاني، فإنَّ الصِّيغ التَّعبيريَّة التي توظِّفها الرُّؤية الإسلاميَّة تسعى من خلالها أن تكتسب استقلاليتها في المستوى الذَّاتي والمعنوي، استقلالية تجعل التَّجربة الشَّعورية صادقة - فنًّا وَوَقْعًا - كما تجعلها مستوعبة من قبل أكبر قطاع من الجمهور المتلقِّي .... (3).
هكذا يصبح الأدب الإسلامي بعيدًا عن التَّعقيد والاغتراب، والمقارنة كفيلة بإبراز ذلك، في جميع الأجناس الأدبيَّة.
وريثما تتعاين الرُّؤية الإسلاميَّة في سعة مساحتها الممتدَّة شرقًا وغربًا، حاضرًا ومستقبلاً ... آنذاك ندرك إلى أيِّ حدٍّ يمكن لهذا الأدب - الأدب الإسلامي- أن يزرع
__________
(1) نجيب الكيلاني: " آفاق الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1975 م.
(2) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 86.
(3) محمَّد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 86. (1/45)
صفحة 46
بذورًا إيجابيَّة في حقل الأدب الإنساني ... وإلى أيِّ مدى ستكون تلك البذور غضَّةً وخصبةً ... ومعطاءةً (1).
2. في النّقد الإسلامي المعاصر:
الأدب الإسلاميُّ هو الفنُّ الذي يهيِّئ اللِّقاء الكامل بين الجمال والحقِّ، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحقُّ هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمَّة التي تلتقي عندها كلُّ حقائق الوجود (2)، فالأدب تصوُّر فنِّي مدد للحياة، فهو إذن نقد للحياة، ومن الطَّبيعي لهذا التَّعبير عن قيم الحياة أن يملك مرجعيَّة، هي التي تحدِّد رؤية الأديب، ومن ثمَّ ترسم الخطوط التي يتَّبعها النَّاقد لتحليل النَّصِّ وتفسيره، لكن وَفق تصوُّره هو للحياة من جهة، ووفق مفهوم الجمال حين يتجسَّد في نصٍّ أدبي ما (3).
يحدِّد أحمد رحماني في كتابه نظريَّات نقديَّة وتطبيقها قضايا الرُّؤية الإسلاميَّة في النَّقد من خلال أنَّها رؤية فنِّيَّة خاصَّة للعالم، تؤدِّي وظيفتها عن طريق جمالها، ويتميَّز حسِّها النَّقدي بتضافر الحسِّ الجمالي مع الحسِّ الأخلاقي، والبحث عن طبيعة الأدب بالبحث في وظيفته لصياغة نموذج كامل للحياة (4).
ويرصد رحماني معايير الجماليَّة الأدبيَّة في الرُّؤية الإسلاميَّة النَّقديَّة في تحليل الأدب وتفسير ظواهره الجماليَّة والأخلاقيَّة باختصار في (5):
1. مزج البحث في طبيعة الأدب بالبحث في وظيفته.
2. الاقتناع بأنَّ الوظائف الأدبيَّة تؤدَّى عن طريق جمال الأدب، من ثمَّ إقرار مبدأ (الأدب ممتع ومفيد)، وأنَّ طرفيه متكاملان ليتآزر فيه الشَّكل والمضمون.
__________
(1) المرجع نفسه.
(2) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، دار الشُّروق، بيروت، ط 6، 1983 م، ص 6.
(3) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 75.
(4) المرجع نفسه.
(5) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 79. (1/46)
صفحة 47
3. اعتماد مبدأ الأدب الرِّسالي، وتتلخَّص الرِّسالة في ترسيخ الإيمان وقواعده ... وتأصيل القيم وتفجير الطَّاقات الخيريَّة والإصلاحيَّة ... إلخ.
4. الأدب الإسلامي يحرص على المضمون الفكري النَّابع من قيم الإسلام.
5. يقوم على القواعد الأساسيَّة التي وضَّحها القرآن الكريم، وأهمُّها أنَّ الأدب الإسلامي منبثق عن رؤية إسلاميَّة للكون والحياة ... هذا إلى أنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة، بما أنَّها تبصير حيوي للإنسان بطبيعة وجوده في الكون، وأبعاد هذا الوجود (1)، يترجمه العمل الأدبي الذي هو انعكاس لوجدان الأديب المسلم - وتدفعه للتَّعبير عنه؛ باعتباره عملاً يتقرَّب به إلى الله ولكنَّه مقيد بقيد واحد: أن ينبثق عن التَّصوُّر الإسلامي للوجود الكبير، أو على الأقلِّ ألَّا يصطدم بالمفاهيم الإسلاميَّة عن الكون والوجود (2).
كما كانت مشكلة الحداثة والأصالة من أبرز مشكلات الرُّؤية الإسلاميَّة النَّقديَّة المعاصرة، وقد طرحت بحدَّة؛ بسبب الشُّعور العام بالتَّخلُّف الذي تعيشه الأمَّة الإسلاميَّة، ولكن على الرَّغم من اتِّفاق النُّقاد المعاصرين جميعًا على الأسباب الجوهريَّة التي من أجلها طرحت مشكلة الحداثة والأصالة، فإنَّهم يختلفون بعض الاختلاف الذي تحتِّمه تباعد المرجعيَّة (3).
من هنا طرحت مسألة الثَّابت والمتحوِّل، التي يؤكِّد من خلالها عماد الدِّين خليل على وجوب مبدأ الوسطيَّة بقوله: يتوجَّب أن نقف هنا قليلاً لتأكيد الموقف الوسطي لنظريَّة الأدب الإسلامي، بصدد الثَّابت والمتحوِّل ... الستاتيك والديناميك في تيَّار الإبداع الأدبي ... إنَّه - لا بتركيز بالغ - رفض للسُّكون التَّام من جهة، وانفتاح على قوى التَّجديد والتَّغيير والتَّحول من جهة أخرى (4).
__________
(1) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 74.
(2) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 210.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظرية والتَّطبيق"، رسائل جامعيَّة، مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، الرّياض، ط 1، 2004 م.
(4) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 147. (1/47)
صفحة 48
إنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة لا تجد أيَّ عائق يصدُّها عن قبول الجديد المتغيِّر، مادام أنَّه يرتطم بتصوُّرها للكون والعالم والأشياء ... ولكنَّه لن يضحِّي - خلال تقبُّله ذاك - بأيِّ من العناصر الثَّابتة التي تمثِّل عصب الإبداع الأدبي ... وإلَّا غدا العمل الأدبي رخوًا متميِّعًا (1).
بهذا تكون الرُّؤية الإسلاميَّة قد حدَّدت موقفها الإيجابي من المناهج الفنِّيَّة والتَّيَّارات الأدبيَّة، موقفًا منفتحًا - كما رأينا - ينسجم مع خصائص النَّفس الإنسانيَّة التَّواقة إلى المستوى الشَّرعي والفنِّي معًا، ولذلك يقول حسن الأمراني: أهمُّ شيءٍ عندي هو رفض التَّقليد، فالتَّقليد عدوُّ الإبداع (2).
من هنا يجب أن يخضع الأدب الإسلامي إلى دراسة فنِّيَّة واعية، تظهر بكل وضوح حرص الأدباء الإسلاميِّين على الاستفادة من الأحداث والمعطيات الفنِّيَّة التي تتغنَّى بها المناهج المعاصرة، دون أن تتسرَّب إليهم عقد الذَّنب، أو مخالفة الرُّؤية الإسلاميَّة كما يتوهَّم البعض.
__________
(1) عماد الدِّين خليل: " مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، بتصرُّف.
(2) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 76. (1/48)
صفحة 49
- ... -
الباب الأوَّل
الإبداع الأدبي عند محمَّد ناصر
- - - - - - - (1/49)
صفحة 50
الفصل الأوَّل: الإبداع النَّثري
تمهيد :
استطاع الكاتب محمد ناصر أن يقدِّم صورة الأديب الإسلامي المنشود، وأثبت أنَّه وثيق الصِّلة بواقع الحياة داخل المجتمع الجزائري، متحدِّيًا الآداب الغربيَّة الدَّخيلة على ثقافتنا العربيَّة الجزائريَّة، من خلال كفاح جادٍّ، ومسيرة حافلة بالعطاءات الأدبيَّة، وَفق منهج عقلاني، يشهد له به الكثير من النُّقاد، ومن بينهم أحمد رحماني الذي يقول فيه الدُّكتور محمد ناصر كان من طينة حرُّة طاهرة، يكره الفساد ويتبرَّم من حياة المفسدين، فهو يثور على الظُّلم وكلِّ ألوان الاستعباد، بما في ذلك أصحاب الجاه والسُّلطان والمال، وهو حين يعبِّر عن هذه الثَّورة يكون أوضح من الضُّحى، وأبين من البيان ... (1).
والمعروف عنه أنَّه الكاتب الذي مارس أدبه وكتب لمختلف فئات المجتمع، فقد كتب للكبار، كما كتب للصِّغار، فاتَّسع أفق أدبه وحدوده ليضمَّ أغلب فئات الشَّعب، متفاعلاً مع بيئته، فكان الشَّاعر الثَّوري والقومي، وكان النَّاقد الحازم والمنظِّر الإسلامي، وكان الصَّحافي المحقِّق، وكان القاصَّ الماهر، ومع كلِّ هذا التَّنوُّع فقد حافظ على عمق الإحساس، ولم ينس مسؤولياته تجاه القارئ، وخوفه من أن يقع في غياهب الفهم الخاطئ، فتراه في كلِّ أعماله ينبض بخيوط الوعي المتيقِّظ، التي تجعل من كتاباته الأدبيَّة ذات متعة خاصَّة، فهو يرى أنَّ الأديب مهما يكن اتِّجاهه إنَّما يكتب للمتلقِّين، يكتب للآخرين، وإن زعم البعض أنَّهم إنِّما يكتبون لأنفسهم تنفيسًا وتخفيفًا ... فاللُّجوء إلى الإيهام والرَّمز الموغل في الغموض ورصف الكلمات بشكل تراكمي، دون رابط معنوي أو خيط نفسي، ومخاطبة الغرائز ... هذه وغيرها تنفِّر السَّامع أو القارئ (2).
__________
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، مكتبة وهبة، القاهرة، 2004 م، ص 197.
(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 51 - 53. (1/50)
صفحة 51
لقد تميَّزت أعمال محمد ناصر بالاحترافية، وبعمق التَّحليل الدَّقيق لجلِّ القضايا التي عالجها أدبه، وبهذا استطاع أن يملأ السَّاحة بالبديل الصَّحيح، حيث يعتبر من أكثر الكتَّاب إنتاجًا في ساحة الأدب الجزائري.
يرجع تميُّز محمد ناصر في مسيرته الأدبيَّة إلى أصالته، فهو يحتفي كثيرًا بالتُّراث، ويأخذ بنصيبٍ وافرٍ من الثَّقافة المعاصرة، أين نضج هذا الاهتمام - بالتُّراث - نضجًا أصيلاً متميِّزًا فيما ألَّفه الكاتب في أدبه نثرًا وشعرًا، ودراساته القيِّمة في هذا المجال، والتي تعتبر محاولات للنَّهضة بالأدب العربي الحديث (1)، كما يرجع تميُّزه إلى نفاذ نظرته وعمق تجربته للحياة. لقد تعلَّق بواقعه المعيش وواقع أمته، إضافة إلى مرجعيَّته الدِّينيَّة المتمثِّلة في القرآن الكريم، الذي كان مثله الذي يحتذيه ونموذجًا ينسج عليه (2).
لقد تظافرت هذه العوامل في صياغة أدب خاصٍّ ذي رؤية إسلاميَّة متميِّزة، تعكس خصوبة التَّجربة الأدبيَّة وصدقها، والقدرة على الكتابة والتَّأليف في نسق عال رصين، يحمل في طيَّاته ما يحمل من قيم أدبيَّة وتربويَّة ودينيَّة.
إنَّ محمد ناصر كان قاصًّا وشاعرًا قبل أن يكون أستاذًا، وللأدب في حياته أثر واضح، حيث أنَّه أولاه اهتمامًا كبيرًا، أكثر من التَّدريس، بل أصبحت تجربته في عالم التَّدريس وسيلة من وسائل العطاء الأدبي، وإثراء تجربته التي مارسها منذ كان طالبًا في معهد الحياة بالقرارة.
لو ذهبنا لحصر الفنون والأشكال الأدبيَّة النَّثرية التي كتب فيها محمد ناصر لرأيناها تتنوَّع، ما بين المقالة والقصَّة والسِّيرة والمسرحيَّة ... ونلاحظ أنَّ كلًّا منها له علاقة بمهنته في التَّدريس، ولعلَّ خبرته ومهنته في مجال التَّعليم وتعامله مع الكتب واطِّلاعه على مصادر
__________
(1) محمَّد بن قاسم ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، جمعيَّة التُّراث، القرارة، الجزائر، 1997 م، ص 62.
(2) ينظر محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 12. (1/51)
صفحة 52
التُّراث مكَّنته وأمدَّته بهذه الموضوعات المتنوِّعة، أين رسم لها مسارًا خاصًّا؛ وَفق رؤية إسلاميَّة متميِّزة.
المقالة الأدبيَّة :
ظهرت المقالة كشكل نثري في الجزائر منذ دخول الاستعمار، حيث استعملها أداة لترسيخ جذوره داخل المجتمع، والتَّواصل معه، لأنَّ المجتمع الجزائري عربي مسلم، يرفض لغة المستعمر، وتمثَّلت أولى هذه المحاولات في جريدتي المبشّر (1947 م) والمنتخب التي ظهرت سنة 1882 م (1).
كانت الجريدة الأولى تهدف إلى توعية المواطنين الجزائريِّين بالمخطَّط الاستعماري، أمَّا الجريدة الثَّانية المنتخب فكانت تهدف إلى اندماج المسلمين بالفرنسيِّين عن طريق الانخراط في الخدمة العسكريَّة، والتَّحوُّل إلى مدارس الحكومة، كما كانوا يدعون الحكومة إلى المساواة بين الأهالي الجزائريِّين والأوربيِّين في الحقوق؛ مطالبين بحقِّ التَّمثيل النِّيابي للمسلمين (2).
كان لهذا المؤلَّف دور كبير في التَّأريخ لظهور المقالة بكلِّ أنواعها في الجزائر، كما يحدِّده محمد ناصر في عوامل ظهور هذا الشَّكل النَّثري إلى اتِّصال النُّخبة الجزائريَّة المثقَّفة بالصَّحافة الأوربيَّة في المرحلة الأولى، والصَّحافة المشرقيَّة في المرحلة الثَّانية.
أمَّا عبد المالك مرتاض فيرى: أنَّ القرن العشرين بصفة عامَّة، وفترة ما بعد تأسيس جمعيَّة العلماء المسلمين بصفة خاصَّة، فترة ازدهار في المقالة الأدبيَّة في الجزائر، وكان ظهور هذا الفنِّ الأدبي الجديد ورقيِّه يعود إلى عوامل شتَّى أهمُّها:
1. انتشار الصَّحافة العربيَّة في الجزائر.
2. حبُّ التَّعبير عن الرَّأي الذي نشأ عن الوعي.
__________
(1) محمَّد صالح ناصر: "الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة بين 1847 إلى 1954 م"، مج 2، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، طبعة خاصَّة، 2013 م، ص 19.
(2) المصدر نفسه، ص 21. (1/52)
صفحة 53
3. الصِّراع الفكري بين المثقَّفين (1).
تعتبر جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين أكثر الهيئات نشاطًا ونفعًا في جانب الصَّحافة وكتابة المقالة بأنواعها السِّياسيَّة والدِّينيَّة والأدبيَّة، ممَّا فتح المجال للعديد من الكتَّاب المثقَّفين لنشر آرائهم وأفكارهم عبر صحفها العديدة، وأهمُّها المنتقد، الشِّهاب (2) والبصائر، السُّنَّة، الشَّريعة، الصِّراط.
يرجع محمد مصايف تطوُّر النَّثر الفنِّي الجزائري في ميدان المقالة الفكريَّة والأدبيَّة، لسبب واحد وهو ارتباط المقالة ارتباطا عضويًّا بتطوُّر المجتمع الجزائري، حيث يقول: ممَّا لا ريب فيه أنَّ المجتمع الجزائري قد تطوَّر كثيرًا، في عهد الاستقلال، وبالأحرى انتقل من حالة الاستعمار والثَّورة المسلَّحة إلى حالة الاستقلال والثَّورة الاجتماعيَّة، وهذا الانتقال وحده كافٍ لأن يلفت نظر كتَّاب المقالة إلى دور جديد (3).
وفي ظلِّ التَّحوُّلات التي طرأت على حياة المجتمع، ساير كتَّاب المقالة هذا التَّغيُّر لأنَّهم جزء من المجتمع، يؤثِّرون فيه ويتأثَّرون به؛ وَفق رؤى عديدة وتوجُّهات مختلفة، تبنَّاها كلُّ أديب أو كاتب. كلُّ هذا أسهم في رفع مستوى المقالة الأدبيَّة في الجزائر وأصبحت تضاهي المقالات الأدبيَّة في البلدان العربيَّة الأخرى.
أحبَّ محمد ناصر فنَّ المقالة، وله فيه جولات موفَّقة، ويبدو أنَّه تأثَّر بمعلِّميه: مثل الشِّيخ إبراهيم اطفيش وأبي اليقظان في هذا المجال، مع الاختلاف في الأسلوب، فيقول في سيرته الذَّاتية: تعلَّمت واستفدت من شيخي إبراهيم اطفيش أنَّ قيمة المرء المسلم في هذه الحياة، أن يظل ثابتًا ثبات الرَّواسي على قيمه الدِّينيَّة والخلقيَّة، مهما لقي في سبيل ذلك من
__________
(1) عبد المالك مرتاض: "فنون النَّثر الأدبي في الجزائر"، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1983 م، ص 85.
(2) المنتقد ليست لجمعيَّة العلماء، هي لابن باديس، صدرت سنة 1925 م قبل ظهور الجمعيَّة. الشِّهاب أيضًا لابن باديس صدرت سنة 1925 م. (بوحجام: م. ن. ب)
(3) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث" المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1983 م، ص 125. (1/53)
صفحة 54
محن الدُّنيا، وابتلاءاتها، وأن يكون صريحًا في قوله الحقَّ مع نفسه ومع غيره (1). كما يخبرنا أنَّه تعلَّم من شيخ الصَّحافيِّين الجزائريِّين أبي اليقظان: أنَّ الحياة جهاد متواصل لمحاربة الجمود الفكري، والتَّغريب اليهودي والمسيحي، والتَّنصير الذي هو حليف للعدوِّ الاستعماري (2).
كان لبيئة الأديب وتكوينه العلمي، ومشايخه تأثير كبير، أسهم في تكوينه الأدبي؛ وَفق رؤية إسلاميَّة خاصَّة، انعكس على جلِّ مقالاته التي بلغت حوالي 79 مقالاً، تنوَّعت ما بين:
• المقالات الأدبيَّة والنَّقديَّة.
• المقالة الدِّينيَّة.
• المقالة الاجتماعيَّة.
وأحيانًا تتداخل بعضها ببعض بأسلوبه النَّقدي المتميِّز القائم على إظهار العيوب والمفارقات، مع التَّركيز على الأولويات المهمَّة في عقيدة المسلم وفكره وحياته، وكلُّ ذلك في إطار من الواقعيَّة والمنطق المحرز بالدَّليل والبرهان القاطع، حيث يصفه أحد النُّقاد بأنَّه: مثال من أمثلة الواقعيَّة الإسلاميَّة الملتزمة بمبادئ الإسلام والدَّعوة إلى الوحدة الإسلاميَّة لشعوب العالم الإسلامي، ومحاولة إحياء الأخلاق بمفهومها الإسلاميِّ للحضارة والعدالة الاجتماعيَّة في نفوس النَّاس (3).
كانت بداياته الأولى في كتابة المقالة عام 1973 م، في جريدة الشَّعب حيث أصدر مقالة بعنوان أبو اليقظان الصُّحفي والمصلح الرَّاحل (4)، ولكنَّها بداية لم تأخذ الشَّكل
__________
(1) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله"، معهد المناهج، 2008 م، ص 03.
(2) المصدر نفسه، ص 03.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ج 1، مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، ط 1، 2004 م، ص 324.
(4) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله"، ص 4. (1/54)
صفحة 55
الاستمراري، وإنَّما كان يكتب بعض المقالات في فترات زمنيَّة متقطِّعة، وهذا لأسباب أهمُّها انشغاله بالتَّدريس في الجامعة، والبحث العلمي والتَّأليف.
كتب محمد ناصر في عدَّة صحف ومجلاَّت، منها: (الشَّعب)، (الثَّقافة)، (الحياة الثَّقافيَّة-تونس)، (المساء)، (مجلَّة الجيش)، (المجاهد)، (النَّصر)، (السَّلام)، (جريدة عمان)، (المنقذ)، (البصائر)، (مجلَّة الوحدة)، (مجلَّة السِّراج الإماراتية)، (مجلَّة الحياة) ... (1).
كانت كتابة محمد ناصر للمقالة الصُّحفيَّة سببًا رئيسيًّا في ظهور بعض مؤلَّفاته ورؤيتها للنُّور مثل الشِّعر الجزائري الحديث، مفدي زكريَّاء شاعر النِّضال والثَّورة، رمضان حمود حياته وآثاره، كما جمع عددًا منها في كتاب أسماه أعلام وأقلام، وهو ينتظر الفرصة المناسبة للطَّبع (2).
بدأ محمد ناصر بكتابة المقالة الأدبيَّة منذ 1973 م، حيث اتَّسمت مقالاته بطابع البحث والبساطة في الطَّرح، ثمَّ أخذت المقالات الأدبيَّة والنَّقديَّة في النُّضوج، وفي نهاية السَّبعينات خاصَّة سنة 1976 م، حينما طلبت منه جريدة الشَّعب الأسبوعيَّة نقد ما جاء من مواد العدد 56 بتاريخ 1976.11.11 م، فكتب مقالته الشَّهيرة هل البسملة عنوان إدانة (3).
كان في هذه المقالة يتناول نتاج أدباء ونقَّاد جزائريِّين في مجال الرِّواية والشِّعر والقصَّة، والنَّقد: الرِّواية الجزائريَّة وثورة التَّحرير دراسة أدبيَّة للأزهر الشَّريف، المسرح والرَّسم في الإسلام لصلوحي صالح، المثقَّفون والتَّحوُّلات، مقال لعبد الأمير الحبيب، الأضواء والفئران للقاص محمد الفاسي، وغرَّة نوفمبر قصيدة لمحمد الأنور الحسيني (4).
__________
(1) المصدر نفسه، ص 12، 13.
(2) "أعلام وأقلام" مخطوط يضمُّ موسوعة أعلام وأدباء جزائريِّين وعرب، كما يضمُّ مواقف نقديَّة له. محمد ناصر، بعض الدِّراسات والدَّواوين الشِّعريَّة. طبع الكتاب سنة 2017 م (بوحجام).
(3) محمَّد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة"، الشَّعب الأسبوعي، العدد 57، 1976 م.
(4) المصدر نفسه. (1/55)
صفحة 56
هذه أهمُّ المواضيع التي تناولها الدُّكتور محمد ناصر في مقالاته، وَفق منهج إسلامي ينمُّ عن الشَّجاعة الأدبيَّة، والوقفة المتأنيَّة أثناء التَّحليل (1).
تحت عنوان: هل البسملة عنوان إدانة؟، استُسيغَ بطريقة خاصَّة تنمُّ عن صراعات أيديولوجيَّة في قالب أدبي نقدي، أمَّا المقدِّمة فهي عبارة عن شكر وعرفان لجريدة الشَّعب، التي بدا أنَّها منبر أدبي لكلِّ الرُّؤى والتَّوجُّهات، والتي أعطت له فرصة لإبداء رأيه النَّقدي في تلك الأعمال الأدبيَّة.
كتبت هذه المقالة وفق الأسس الفنِّيَّة المعروفة لفنِّ المقالة والمتمثِّلة من ناحية البناء في تقسيمها إلى المقدِّمة، والعرض والخاتمة، وفق منهج خاصٍّ، تميَّز به محمد ناصر، جمع فيه بين الجمال الأدبي في الصِّياغة، والتَّعبير عن الأفكار والحقائق، كما أنَّ اشتراطه للعمل الأدبي أمر لا جدال فيه، فاكتمال الشَّكل الأدبي ضرورة لازمة للعمليَّة النَّقديِّة، كما يقول في مقالته: ... التَّركيز على عمل أدبي ما سوى أن أختار ما كان منها ذا طابع أدبي محض، وأعني بالمحض هنا ما صيغ صياغة إبداعيَّة إنشائيَّة، لا ما كان من قبيل الدِّراسة والنَّقد الوصفي (2)، ومن خلال هذه المقالة يؤسِّس محمد ناصر لقيمة أدبيَّة عظيمة، فقد أثبتت أنَّ الصَّحافة لا تعني العزوف عن رصانة الأدب ونصاعته، كما أثبتت أنَّ في اللُّغة الأدبيَّة العالية طريقا سويًّا للإعراب عن المشكلات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وأنَّ ما يحزب النَّاس في معاشهم، وما يدور في مجالسهم ممَّا يتَّصل بمصايرهم ممَّا يمكن أن يؤدّى بلغة عالية، وأن أصالة العربيَّة شيء من هذا (3).
إنَّ المطَّلع على هذه المقالة بشيء من التَّفحُّص والتَّأمُّل، يلاحظ على المستوى الفنِّي أنَّ:
__________
(1) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1985 م، ص 61.
(2) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1985 م، ص 61.
(3) أنيسة بركات درار: "أدب النِّضال في الجزائر"، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1984 م، ص 170. (1/56)
صفحة 57
- الأسس البنائيَّة المنهجيَّة للعمليَّة النَّقديَّة، يبرز فيها محمد ناصر مدى قدرته على ترتيب أفكاره ترتيبا منطقيًّا، وبراعته في توظيف الألفاظ وتركيبها وتسخيرها لخدمة الفكرة المقصودة.
- نلحظ ذلك في العنوان خاصَّة - ومهارته في إقناع المتلقِّي بمواطن القوَّة والضَّعف في العمل الأدبي، إنَّه يركِّز على الأسس الجماليَّة الإبداعيَّة داخل النَّصِّ، وقدرة الأديب على التَّعبير عن الفكرة، والارتقاء إلى الأسلوب الأدبي، مثل قوله في نقد قصيدة غرَّة نوفمبر لمحمد الأنور الحسيني: .... حملوا المكاحل والعصي وشرعوها للقتال، ولا أرى أيَّة ضرورة تنفع الشَّاعر هنا إلى استعمال كلمة "مكاحل" وفي إمكانه استعمال البنادق مثلاً، دون أن يختلَّ الوزن أو يفسد المعنى، ولا أرى لهذه الكلمة إيحاء خاصًّا، يجعل الشَّاعر يتمسَّك بها، على أنَّ الكلمة قد تدفع من لا يعرف الجزائريَّة إلى التَّساؤل عن وظيفة المكاحل في الحرب (1). إنَّه تصريح واضح لوجوب بلاغة اللُّغة الشِّعريَّة، وضرورة جمال التَّصوير الفنِّي، والعناية البالغة بالجرَس اللَّفظي والإيقاع الموسيقي العام في القصيدة.
لعلَّ الأديب في هذا الفنِّ يبدو لنا واضحًا بأصالته، وسهولة أسلوبه وقدرته على إبراز المفارقات، وتصوير الوقائع بطريقة ساخرة محبَّبة، مع نعومة ظاهرة في تناول الأشياء التي ينقدها مهما كان هذا النَّقد مرًّا، سواء يقصد من ذلك الدِّراسة الفنِّيَّة أو المواقف الأدبيَّة، حيث يقول في المقالة ذاتها في تعليقه على موقف أحد الصَّحافيِّين: أخشى أن يكون الأخ الصَّحفي قد انساق مع هذا التَّيَّار، حيث أوضح مستعينا - بالكاريكوتور- بأنَّ من يبدأ كلامه بالبسملة إنَّما يخفي مبدأ فكريًّا وسياسيًّا، يدعو إلى التَّساؤل؟!، وكأنَّ البسملة أصبح لها نطاق محدَّد، لا يتعدَّى العبادات، فهل في استطاعتنا أن نعمِّم هذا الحكم على كلِّ من يبدأ كلامه بالبسملة؟!، وهل أصبحت البسملة تدلُّ على هوية الشَّخص وانتمائه السِّياسي؟!.
هكذا يدافع محمد ناصر عن رأيه وموقفه وفق رؤية إسلاميَّة واضحة، وإن كانت قد اصطبغت بصبغة سياسيَّة، ضمن هذا الصِّراع بين التَّيَّارات الفكريَّة والأدبيَّة آنذاك، ولعلَّ
__________
(1) محمَّد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة"، الشَّعب الأسبوعي. (1/57)
صفحة 58
مقالاته التي دعا فيها إلى توجُّهه الإسلامي، والدِّفاع عن الشَّخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة، في ظلِّ التَّحوُّلات الرَّاهنة على العالم العربي، تبدو واضحة حتَّى في دراسته: للصُّحف العربيَّة الجزائريَّة، فهو يشيد بدور هذه الصُّحف في إعلاء كلمة اللُّغة والدَّعوة إلى القوميَّة الإسلاميَّة فيقول: كانت أفكارها متفتِّحة رغم العزلة والاغتراب اللَّذين حجباها عن أن تتطلَّع إلى الآفاق العالميَّة، وقد تمثَّلت هذه الخصِّيصة عندها في سبقها إلى بعض الدَّعوات الحارَّة، كدعوة بعض كتَّابها إلى القوميَّة الإسلاميَّة واعتبارها ضرورة لازمةً للوطن الإسلامي ... (1)، ومن أمثلة ذلك كتابات العقبي، الإبراهيمي والسَّعيد الزَّاهري، والميلي وغيرهم، والجديد في هذه الكتابات - كما يخبرنا محمد مصايف - ظهور شخصيَّة الكاتب، واتِّضاح موقفه العربي الإسلامي دفاعًا عن العروبة والإسلام (2)، وكان محمَّد ناصر، ولا يزال يرحِّب بكلِّ عمل أو أيَّة بادرة، يمكنها أن تسهم في تحقيق ما يدعو إليه، أو تعزِّز توجُّهه الإسلامي، وهذا ما وجده بالدَّليل في البدايات الأولى للصُّحف الجزائريَّة إبَّان الاستعمار الفرنسي، لأنَّه في هذا المؤلَّف لا يريد أن يعرِّفنا بأسماء الصُّحف والمجلَّات فحسب، بل يريد أن يجعلنا نعرف هذه الصُّحف في مبادئها وعقائدها كذلك، وهو شيء نجح فيه إلى حدٍّ ملحوظ بفضل شجاعته النَّادرة، واطِّلاعه الواسع على الحركة الصَّحفيَّة الجزائريَّة، وموضوعيَّته التي لا تتأثَّر بالصَّداقات ولا بالخصومات (3)، فهو متفاعل مع ما يكتبه، وهذا ما يحسُّ به القارئ، ولكنَّ تفاعله لا يبعده عن جادَّة الصَّواب، ولا يخرجه عن مساره المرسوم في المقالة، بعيدًا عن كلِّ هوى وكلِّ نفع وكلِّ حزب، عليه أن يحكم على المقدرة أكثر ممَّا يحكم على الآراء، إنَّ نقده متجرِّد يسبق الرَّأي.
في ختام حديثنا عن فنِّ المقالة عند محمَّد ناصر، نودُّ أن نتطرَّق إلى الخصائص والسِّمات التي تميَّزت بها مقالاته بشكل عام، ويمكننا أن نقول إنَّ أبرز الخصائص هي:
__________
(1) محمَّد ناصر: "الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة من 1947 إلى 1954 م"، مجلد عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، الجزائر، طبعة خاصَّة، 2013 م، ص 211.
(2) محمَّد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، المؤسَّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1983 م، ص 114.
(3) المصدر نفسه، ص 148. (1/58)
صفحة 59
أ- العرض المنهجي:
لم يهمل محمَّد ناصر الجانب المنهجي للمقالة الأدبيَّة، بل أولاه اهتمامًا بالغًا، ممَّا يزيد موضوعيَّته، وشجاعته العلميَّة ظهورًا أنَّه لا يقدم على التَّأليف إلَّا بعد أن يختار منهجه بدقَّة، وأن يحدِّد في إطاره الغاية الفنِّيَّة أو الفكريَّة التي يهدف إلى تحقيقها (1). فهو يتَّسم بالتَّقسيمات الأساسيَّة للمقالة، من مقدِّمة يمهِّد بها لفكرته الأساسيَّة، وعرضٍ يحلِّل فيه تلك الفكرة ويناقشها ويدعمها بمختلف أنواع البراهين العقليَّة والأدلَّة، ورؤية إسلاميَّة، تتجلَّى خاصَّة في مواقفه النَّقديَّة، ومن أمثلة ذلك قوله في مقالته أسرار الغربة (2) دراسة وتقييما: .... الرَّمز عنده لا يتوقَّف عند هذه الحدود المذكورة، وإنَّما قد تكون البنية العامَّة للقصيدة من أساسها مبنيَّة على الرَّمز، كما جاء ذلك في قصيدته التي أجرى فيها الحوار بين قيس وليلى، ومن قيس غير الغماري؟، ومن ليلى غير الشَّريعة الإسلاميَّة؟ (3).
إنَّ هذا التَّحليل يظهر التَّجلِّي الواضح لتوجُّه إسلامي، تبنَّاه الأديب برؤيته الإسلاميَّة لعناصر البنية الأدبيَّة والعمل على ترسيخها كعامل متميِّز في الأدب الجزائري الحديث، ثمَّ يختم المقالة بخاتمة يلخِّص فيها المحتوى، أو ينتهي فيها إلى نتيجة أو موقف، ومن أمثلة ذلك خاتمة المقالة النَّقديَّة أسرار الغربة، دراسة وتقييما، أين يصدر حكمه النِّهائي حول الدِّيوان الشِّعري أسرار الغربة لمصطفى محمد الغماري فيقول: وإذا جاز لنا أن نصف قيمة الدِّيوان من حيث قيمه الثَّلاثة التي ذكرها الشَّاعر نفسه، فإنَّنا نقول بأنَّ القيمة التَّعبيرية تجيء في المرتبة الأولى، ثمَّ تتبعها القيمة الشُّعوريَّة في المرتبة الثَّانية وتأتي القيمة الفكريَّة في المرتبة الأخيرة، وكم نودُّ أن لو كانت هذه القيم كلُّها في مرتبة واحدة، لأنَّه من التَّعسُّف الفصل بينها، ومهما يكن من أمر فإنَّ الشَّاعر في بداية الطَّريق، في استطاعته بما لديه من مواهب فطريَّة، وتمكُّنه من أدواته الفنِّيَّة أن يجعل هذه القيم في مستوى فنِّي رفيع واحد ... (4).
__________
(1) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث "، ص 148.
(2) أوَّل ديوان شعري صدر لمصطفى محمد الغماري، الشَّاعر الإسلامي الجزائري المعروف، الصَّادر في سنة 1977 م، قد صدرت هذه الدِّراسة في الطَّبعة الثَّانية من الدِّيوان.
(3) محمد ناصر: "أسرار الغربة، دراسة وتقييما"، جريدة الشَّعب اليوميَّة، عدد 25 - 03 - 1980 م.
(4) محمد ناصر: "أسرار الغربة، دراسة وتقييمًا"، جريدة الشَّعب اليوميَّة، عدد 25 - 03 - 1980 م. (1/59)
صفحة 60
لعلَّ هذه الخاتمة القصيرة شاهد قويٌّ على أسلوبه في العرض المنطقي، والتَّحليل الموفَّق، وقدرته على الإقناع، وإنَّ هذا الوضوح وهذه الدِّقّة ترجع إلى وضوح المعاني والأفكار، وتسلسلها في ذهن صاحبها قبل أن يكتبها، وهذا لا يتأتَّى إلَّا بالاطِّلاع الواسع والتَّمرُّس على الكتابة والنَّقد في آنٍ واحدٍ (1)، إنَّه يحاول تحديد الأهداف التي يرمي إليها، والطُّرق والأساليب التي يستخدمها ويقوم بدراسة القضايا الأدبيَّة بغية توضيحها وشرحها وتقديرها حقَّ قدرها.
ب- الجمعُ بين الرُّؤية الإسلاميَّة والقيمة الفنِّيَّة:
هي ظاهرة تميَّزت بها مقالات محمد ناصر، وأصبح بفضلها رائدًا من روَّاد كتابة المقالة الأدبيَّة والنَّقديَّة الإسلاميَّة في الأدب الجزائري الحديث، إنَّه لا يكتفي باتِّباعه المنهجيَّة الواضحة ليتناول بها مقالاته ولا بالعرض المنطقي الممتع والمقنع، بل يدعو إلى الكتابة بأسلوب مشوِّق، لا يثير الملل في نفس القارئ، في كتابه تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة هو يقول: ويتجلَّى لنا التَّطوُّر بصفة ملموسة في أسلوب عبد الحفيظ بن الهاشمي نفسه عندما تتحرَّر كتابته من قيود المحسِّنات البديعيَّة فتبدو خفيفة رشيقة، ليس عليها أثر من تكلُّف، ولا سمة من ضعف (2).
وقد برزت هذه الميزة بشكل واضح في جلِّ مقالاته الأدبيَّة والنَّقديَّة، فأسلوبه يجمع بين التَّعبير عن رؤية إسلاميَّة حول قضايا أدبيَّة ونقديَّة، وبين الجمال الأدبي في الصِّياغة، فتأتي المقالة مقنعة وممتعة في آن واحد ... ومن أمثلة ذلك قوله في إحدى مقالاته بعنوان هذا الشَّاعر الثَّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير: وهي تعليق على مقالات صدرت عن مفدي زكريَّا (3)، فيقول: .... إنَّ الأديب الحقَّ ليس هو من تقام له المهرجانات
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 187 بتصرُّف.
(2) محمَّد ناصر: "تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة"، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، طبعة خاصَّة، ص 263.
(3) محمد ناصر: "هذا الشَّاعر الثّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير"، الجمهوريَّة (الملحق الأسبوعي)، 10 ديسمبر 1989 م. (1/60)
صفحة 61
والجوائز، وإنَّما هو الذي يظلُّ خالدًا بذاكرة الشَّعب، عالقًا بضميره، وقد خلَّده أدبه، ولو حاول أن يتجاهله ذوُوه وأهله، وتخفق القلوب لروائعه، ولو لم يرد على الألسنة ذكره (1).
هنا يظهر التَّوازن الكبير بين الاهتمام بنقل الأفكار والحقائق، والاعتناء بالجانب الفنِّي والجمالي، إنَّه يدعو لهذا الأسلوب وممارسته، سواء كان دارسًا لتاريخ الصَّحافة الجزائريَّة، أو كاتبًا للمقال، إنَّه يسمِّي الأشياء بمسمَّياتها، ويضع الألفاظ والعبارات المناسبة والضَّروريَّة في مكانها المناسب، دون إطالة أو تكرار، وأكبر مثال على ذلك عناوين مقالاته هل البسملة عنوان الإدانة؟ (2)، لا للنَّقد المائع (3)، الأدب الجزائري في رحاب الرَّفض والتَّحرُّر (4)، مجلَّة الإحياء ودورها الرِّيادي الإسلامي بالجزائر (5)، ما أحوجنا إلى أدب إسلامي (6)، القيم الإسلاميَّة لنظام التَّعليم بوادي ميزاب (7) .... إلخ.
إنَّ هذا الوضوح والدِّقة في وضع عناوين المقالات، وفي نصوصها يرجع إلى وضوح المعاني والأفكار أوَّلاً، ثمَّ التَّوجُّه الذي رسمه الكاتب، سواء في أدب أو نقد؛ وَفق رؤية إسلاميَّة واضحة، ولا نجد أدقَّ وأعمق من هذه العبارات والألفاظ التي تترجم هذه الرُّؤية: هل البسملة عنوان إدانة؟، ما أحوجنا إلى أدب إسلامي ... وتحمل في طيَّاتها ما تحمل من نصاعة الفكرة، والالتزام بالتَّعبير عن الواقع، ووضوح الهدف الذي يسعى الأديب للوصول إليه.
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) محمد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة؟ "، الشَّعب الأسبوعي، عدد 57، الجزائر، 1976 م.
(3) محمد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، ردٌّ على مقال لعياش يحياوي، جريدة المساء، الجزائر، 1 - 11 - 1987 م.
(4) محمد ناصر: "الأدب الجزائري في رحاب الرَّفض والتَّحرُّر"، نقد لكتاب نور سليمان السُّوريَّة، 3 - 10 - 1989 م.
(5) محمد ناصر: "مجلَّة الإحياء ودورها الرِّيادي الإسلامي بالجزائر"، 4 حلقات، جريدة الشَّعب، ع 03 إلى 04 - 04 - 1985 م.
(6) محمد ناصر: "ما أحوجنا إلى أدب إسلامي"، مجلَّة السِّراج، الإمارات العربيَّة المتَّحدة، 1992 م.
(7) محمد ناصر: "القيم الإسلاميَّة في نظام التَّعليم بوادي ميزاب"، مجلَّة الحياة، ع 1، جمعيَّة التّراث، القرارة، 1998 م. (1/61)
صفحة 62
ج- الجرأة والتعقُّل:
ظاهرة الجرأة سمة بارزة في مقالات محمد ناصر، يستعملها وسيلة لتوضيح الحقائق، وإفحام الخصوم، دون الحط من أقدارهم، خاصَّة المقالات السِّياسيَّة والنَّقديَّة، لم يكن يجامل أصدقاءه أو خصومه فيما يكتب، ممَّا يجعل كتابته تتَّسم بالجرأة والعقلانيَّة، ولكنَّه كان يسعى دائمًا لكشف الحقيقة، وإظهار مواطن الضُّعف، كما صرَّح بذلك في إحدى مقالاته لا للنَّقد المائع ردًّا على الصَّحفي الأديب عياش يحياوي، فيقول: ... قلت رأيي في شعر جوادي في السَّبعينيَّات في أطروحة أكاديميَّة، بذلت فيها جهدي لأكون صادقًا مع نفسي ومع غيري، دون مجاملة أو نفاق (1).
فالجرأة في الطَّرح والتَّعقُّل في مواقفه وإثباتها من خلال براهين وأدلَّة منطقيَّة تقنع القارئ بصدق الفكرة وصفاء السَّريرة، حيث يصفه أحد النُّقَّاد بالشَّاعر المتعقِّل في قوله: التَّعقُّل في شعر محمد ناصر أوضح ... إنَّه يصور الواقع متحرِّكًا في جنح الظَّلام (2)، إنَّ هذا التَّعقُّل يظهر في نقطتين؛ الأولى المنهجيَّة المتَّبعة أثناء الدِّراسة، أمَّا الثَّانية فأسلوبه المقنع الذي يعتمد فيه على الحجج والبراهين المقنعة في الطَّرح، ويتوجَّب طلبه أن يتجاوز المباشرة، إن على مستوى اعتماد اللغة أداةً، أو على مستوى تنفيذ الرُّؤية منظورًا، فباللَّمسة المعبِّرة وبالإيماء؛ باعتماد الرُّموز والمجازات بتفجير قدرات اللُّغة التَّعبيريَّة، وانتزاع أسرارها الجماليَّة، بتحويل الكلمة إلى ريشة تفرش الألوان وتشكِّل الكتل والمساحات بالحذر في ملامسة القيم والخبرات والمعطيات الإسلاميَّة ... تجيء القيمة أو الخبرة في إطار فنِّي مقنع بالقدرة على التَّأثير بهذا وبذلك، يمكن أن يتحقَّق الإحسان ويكون الإتقان (3).
وفي المقالة نفسها يبرِّر حكمه النَّقدي فيقول: وأنا أسائل الأخ يحياوي، متى كانت الأخلاق الفاضلة غير هذه القيم الكبرى (الحبُّ، السَّلام، الجمال، العدل، الحقُّ)؟ كيف يمكن أن تدعو إلى الجمال والحقِّ والعدل بأسلوب تشمئزُّ منه النَّفس وينبو عنه الذَّوق ...
__________
(1) محمَّد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، جريدة المساء، أكتوبر 1984 م.
(2) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 197.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 71. (1/62)
صفحة 63
كيف يكون موقفي من الفنَّان، وهو يصوِّر في أسلوب بذيء كيف ينتحر على فخذي مومس؟ (1).
هكذا يظهر محمد ناصر مبرِّراته في اتخاذه للحكم النَّقدي حول قصيدة جوادي ويصرُّ عليه، ليس لمجرِّد التَّعنُّت، بل من خلال مقوِّمات وتوجُّه يتبنَّاه النَّاقد وَفق رؤية أخلاقيَّة واضحة، فيقول: إنَّ القصيدة لو أمعن فيها يحياوي لأدرك أبعادها، إنَّ المعيار النَّقدي المبني على الأخلاق والدَّعوى إليها، ينطلق من رؤية معتمدة مقصودة لحدِّ ذاتها، وهذا المنطق يفسِّر كلَّ الخلاف بيني وبين من يرى غير هذه الرُّؤية: نقَّادًا أو شعراء، وقد بنيت أطروحتي الأكاديميَّة على هذا الاعتبار، عن رويَّة وتدبُّر وسبق إصرار، ولست نادمًا عليه ولا معتذرًا، وسوف أبقى على العهد ما رزقني الله جهد الكتابة، سائلاً إيَّاه حسن الخاتمة (2).
إنَّ محمد ناصر ... حين يناقش خصمه يرميه بألفاظ حداد كأنَّها شفرات ماضية، أو شظايا محرقة، أتمثَّل أسلوبه عند الخصام وكأنَّ حروف ألفاظه لهب، وجمله جمر، وعباراته الجارحة سياط من العذاب (3)، إنَّه لا يخفي انفعالاته التي تختلج في داخله، وإنَّما يظهرها في مقالاته بشكل واضح، من خلال قلمه النَّاري (4)، موظِّفًا كلمات وعبارات تظهر بشدَّة الانفعال والإصرار على الرَّأي في كثير من الأحيان، وبخاصَّة حين يريد الرَّدَّ على خصومه، سواء في مجال الأدب والنَّقد، أم في مجال السِّياسة والفكر، فهو يدرك تمام الإدراك مدى قوى الكلمة وأثرها في نفوس القرُّاء فيقول: أيُّ عيب تراه أخي في أن يكون الأدب قيميًّا يوجَّه إلى النَّاشئة، أليست النَّاشئة محطَّ آمال الأمَّة معقد رقيِّها ومستقبلها؟ كيف تصلح هذه النَّاشئة بغير الأخلاق والدِّين؟ (5).
__________
(1) محمد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، مقالة ...
(2) محمد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، مقالة.
(3) عبد المالك مرتاض: "فنون النَّثر الأدبي في الجزائر"، ص 376.
(4) "القلم النَّاري" صفة أطلقها محمد ناصر على أحد الأدباء المعاصرين لمفدي، يصف بها أدبه وجرأته في طرح أفكاره الأدبيَّة والسِّياسيَّة.
(5) محمَّد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، جريدة المساء، أكتوبر 1984 م. (1/63)
صفحة 64
د- الخطاب الوعظي:
لقد كان منهج محمد ناصر في أدبه أن يبدأ بتصحيح التَّصوُّر العقدي، وتربية النَّاشئة على التَّمسُّك بأصول الإسلام من كتاب وسنَّة، وتزويدها بمقوِّمات الوعي والعلم والإدراك، فأنفق في سبيل ذلك جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً، وكانت المقالة أهمَّ الوسائل التي وظَّفها لترسيخ مبادئه في الأدب الجزائري الحديث، ونلمس ذلك بخاصَّة في لهجته الخطابيَّة، فمن يقرأ هذه المقالات يتخيَّل صاحبها على منبر وهو يبثُّ مواعظه ونصائحه إلى الحاضرين والمستمعين لخطبته، ممَّا جعل هذه المقالات تتَّسم بالتَّعبير المباشر، رغم أنَّ صاحبها مارس تنوُّعا في الأساليب الإنشائيَّة ما بين النِّداء والتَّعجُّب، والاستفهام، ليشدَّ إليه القرَّاء، ويثير انتباههم ويؤثِّر في نفوسهم، ومن أمثلة ذلك قوله: قد يقال كما يقول بعض المتسرِّعين إلى إصدار الأحكام أنَّ مفدي زكريَّا لم يسر في الخطِّ الثَّوري الذي رسمته الأنظمة بعد الاستقلال، فلنفرض أنَّ هذه الإدانة صائبة، أليس مفدي زكريَّا شاعرًا إنسانًا، يحمل بين جنبيه ضعف الإنسان وحساسية الشَّاعر؟ أليس الخطأ والصَّواب - منذ وجدا - صفتين لازمتين لصفة البشريَّة؟ فهل من حقِّنا معاقبة أيٍّ كان بما نحن مدانون به على جميع المستويات صباح مساء؟ (1).
كما لجأ في العديد من المواقف، بخاصَّة النَّقديَّة، إلى التَّحليل والتَّمحيص، محلِّلاً أفكاره وآراءه التي يؤمن بها، وعاملاً على صدِّ كلِّ تغريب ودخيل على الأدب والمجتمع الإسلامي، فيقول: اسمح لي أخي بالقول: إنَّ النَّاقد الذي لا يحمل رسالة روحيَّة لا يبتغي هذا أدبًا، يكون كلامه هذرًا، ومواقفه نفاقًا ... إنَّ الذين يدعون إلى مذهب الفنِّ للفنِّ لم يأتوا بجديد، وقد سبقهم النُّقَّاد والأدباء الغربيُّون إلى هذا الاتِّجاه منذ زمن بعيد، فأعلنوا إفلاسهم ... (2).
__________
(1) محمَّد ناصر: "هذا الشَّاعر الثَّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير"، تعليق على مقالات صدرت عن مفدي زكريَّا بجريدة الجمهوريَّة (الملحق الأسبوعي)، 10 ديسمبر 1984 م.
(2) محمَّد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، جريدة المساء، أكتوبر 1984 م. (1/64)
صفحة 65
ومن خصائص اللَّهجة الخطابيَّة في مقالات ناصر التَّفكير الموضوعي المنهجي الواضح، والتَّحليل المنطقي المقنع، والتَّعقُّل في مواجهة الخصم، والحكمة في إبلاغ مواطن الضَّعف والقوَّة في العمل الأدبي، أو في موقف ديني مستخدمًا الكلمة المؤثِّرة الهادفة التي تحمل المتعة والفكرة، وتؤثِّر في النَّفس والقلب والعقل، وتخاطب الصَّغير والكبير، وتؤثِّر في تربية أجيال إثر أجيال (1).
إنَّ اللَّهجة الخطابيَّة خاصيَّة بارزة في مقالات محمد ناصر، ولهذا البروز ارتباط وثيق بالغرض والمضمون، لأنَّه لا يكتب لمجرِّد التَّعبير؛ تنفيسًا عن الذَّات الأدبيَّة أو إمتاعًا، ولكنَّه يكتب لأداء رسالة وللإبلاغ، ولتعليم النَّاشئة وإرشادهم، وإنَّ موضوعاته تتجلَّى فيها الرُّؤية الإسلاميَّة الواضحة ممَّا استلزم طغيان عاطفة الأديب، لذا يحتاج إلى أسلوب خطابي في التَّعبير ليحرِّك الضَّمائر، ويؤثِّر في القلوب، وزد على ذلك الصِّراع النَّقدي القائم بين التَّوجُّهات الأدبيَّة، وكان ذلك عاملاً دافعًا للجدال والخطاب المباشر، وليس معنى هذا أن ينقلب الأديب إلى خطيب سياسي أو اجتماعي أو ديني، إنَّما الأديب يراعي القيم الأدبيَّة الإسلاميَّة،، ويدعو إلى ترسيخها في الحياة، إنَّما بأسلوب الأديب الفنَّان، وهذا الأسلوب غير المباشر، أو الأسلوب الإيحائي ... القادر على الوصول به إلى أهدافه وغاياته (2).
هذه أهمُّ الخصائص والمميِّزات العامَّة لمقالات محمد ناصر، وقد أعطيناها الحظَّ الأوفر من الاهتمام والدِّراسة والاستشهاد، لكونها تمثِّل الجزء الغالب على الإبداع النَّثري.
إنَّ مقالاته مزيج من الصَّفحات الأدبيَّة، والنَّقديَّة والدِّينيَّة، والاجتماعيَّة، تصاغ أحيانًا بصيغة ذاتيَّة، فهو متفاعل مع ما يكتب، وهذا ما يحسُّ به القارئ، ولكنَّ تفاعله لا يبعده عن جادَّة الصَّواب، ولا يخرجه عن مساره المرسوم للمقالة.
__________
(1) محمَّد حسني بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر" دراسة وتطبيق، مؤسَّسة الرِّسالة، ط 1، 1988 م، ص 23.
(2) صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي" دراسات في الأدب الإسلامي نقده، دار المنارة، السَّعودية، ط 1، 1985 م، ص 120. (1/65)
صفحة 66
ربَّما كانت إسهاماته في هذا المجال أنجح من غيرها، ولو أنَّ ذلك لا ينقص من قدر إسهاماته في الأشكال الأدبيَّة الأخرى، ففي هذا الشَّكل الأدبي يأخذ محمد ناصر بالأسس البنائيَّة المنهجيَّة، حيث تتبيَّن فيه قدرته في ترتيب الأفكار ترتيبا منطقيًّا، وتظهر براعته في توظيف الألفاظ والتَّراكيب، وترسيخها في خدمة الفكرة المقصودة، وتبرز مهارته في إقناع المتلقِّي، وهذا ما مكَّنه من الارتقاء في الأسلوب الأدبي، والجمال في التَّصوير الفنِّي.
القصَّة :
قليلة هي الآثار الأدبيَّة التي استطاعت أن تأخذ مكانها في الأدب الجزائري الحديث والمعاصر، وتبرز بسماتها الأصيلة مع تميُّزها الإسلامي الذي يعبِّر عن تصوُّر ورؤية إسلاميَّة واضحة.
إنَّ القصَّة -بالمعنى الغربي- فنٌّ حديث، لم يعرف إلَّا في بداية القرن الماضي، انتقل إلى أدبنا نتيجة الاحتكاك والتَّأثر بالآداب الغربيَّة، لم تول القصة القصيرة الجزائريَّة اهتمامًا كبيرًا من الدَّارسين، و لعلَّ أكبر دراسة وضعت حتَّى الآن عن القِّصَّة، وأكثرها أكاديميَّة وجدِّيَّة هي التي كتبها الدُّكتور عبد الله الركيبي قبل سنوات، ونال بفضلها درجة الماجستير في الآداب من جامعة القاهرة، وهي دراسة نشرت تحت عنوان (القصَّة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر) (1). كما أسهم محمد مصايف بكتابه (النَّثر الجزائري الحديث)، أين تناول بهذه الدِّراسة القصَّة الجزائريَّة منذ الاستعمار وحتى أواخر السَّبعينيَّات، أمَّا الدِّراسات الأخرى فكانت جزئيَّة، اهتمَّت بالقصَّة القصيرة الجزائريَّة في مقالات متسرِّعة، وبخصوص مجموعة قصصيَّة واحدة، بل أحيانًا بخصوص قصِّةٍ واحدةٍ منفصلةٍ عن كلِّ سياق عام لفنِّ القصَّة، من هنا لم يكن بإمكان هذه الدِّراسات أن تقدِّم نظرةً متكاملةً وشاملةً عن الخطِّ العام للقصَّة القصيرة الجزائريَّة في عصر الاستقلال (2).
ما يهمُّنا في هذا المقام قصَّة الطِّفل في الجزائر، فالحديث عنها يعتبر مغامرة على حدِّ قول محمد مرتاض: ذلك أنَّ الدُّخول في عالم الاختصاص مستحيل، قبل أن يسبق ذلك
__________
(1) محمَّد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 07.
(2) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 07. (1/66)
صفحة 67
تعميم وإحاطة (1)، فالتَّمرُّس في هذا المجال الحسَّاس من الكتابة يجب أن تكون له مرجعيَّة يبني على أساسها الأديب رؤية تلازمه أثناء العمليَّة الإبداعيَّة. وتعجُّ السَّاحة اليوم بكثير من القصص العالمي المترجم، دون الإشارة إلى النَّاشر أو المترجم (2).
غير أنَّ الأمر لا يعني أنَّ كلَّ القصص الجزائريَّة الموجَّهة للطِّفل مترجمة، فبعد تمكُّن الكتَّاب من امتلاك أدوات الكتابة وتقنياتها، ظهر كتَّاب استطاعوا أن يبدعوا في القصَّة المكتوبة للأطفال، وهؤلاء الكتَّاب هم في الأصل كتَّاب موهوبون، استطاعوا تسخير موهبتهم في الكتابة للأطفال بعد أن نجحوا في الكتابة للكبار (3). كما اتَّجه الكثير من هؤلاء الأدباء - من بينهم محمد ناصر- إلى التُّراث العربي الإسلامي ينهلون من منابعه، وقد توافرت فيه كلُّ الشُّروط التي تهيِّئه لأن يصبح مادة موجَّهة للأطفال (4).
لقد أدرك محمد ناصر ما للقصَّة من أهمِّيَّة في التَّغذية الفكريَّة والرُّوحيَّة للطِّفل، فكان له نتاج غزير في هذا اللَّون الأدبي، اختلف عن غيره من الإصدارات الأدبيَّة، سواء من ناحية الشَّكل أم المضمون، أو حتَّى من ناحية المفهوم الأدبي للقصَّة.
كما راعى في إبداعه القصصي الاحتياجات النَّفسيَّة والوجدانيَّة لجمهور الطُّفولة، وبما أنَّ هذا الجمهور هو جمهور متعدِّد الأعمار، فإنَّ الأديب كتب قصصه وفق المراحل العمريَّة للطِّفل، فكتب لمن هم في مرحلة الخيال المطلق أو مرحلة الخيال الحر (5)، وتبدأ من السَّادسة حتَّى الثَّامنة، وتمثِّل إنتاجه لهذه الفئة من الأطفال في سلسلة المربِّي للأطفال وسلسلة الأنيس
__________
(1) د. محمد مرتاض: "من قضايا أدب الطِّفل"، دراسة تاريخيَّة فنِّيَّة، مقدِّمة الكتاب، ص أ، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، د ط، 1994 م.
(2) عبد الرزَّاق بن السبع: "قصص الأطفال في المغرب العربي"، دراسة تأصيليَّة تطبيقيَّة (مخطوطة)، 2004 م، ص 89.
(3) محمد العيد جلولي: "القصص المكتوب للأطفال في الجزائر"، دراسة تاريخيَّة فنِّيَّة.
(4) عبد الرَّزَّاق بن السبع: "قصص الأطفال في المغرب العربي"، دراسة تأصيليَّة تطبيقيَّة (مخطوطة)، 2004 م، ص 90.
(5) ينظر: محمود حسني إسماعيل: المرجع في أدب الطِّفل، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 1، 2004 م، ص 67. (1/67)
صفحة 68
للأطفال، ومرحلة البطولة (1)، وتمتدُّ ما بين التَّاسعة والثَّانية عشرة، أين خصَّ الكاتب هذه الفئة بسلسلتي المربِّي للفتيان والأنيس للفتيان.
والمرحلة المثاليَّة التي تمتدُّ ما بين الثَّانية عشر والثَّامنة عشر، تقابل مرحلة المراهقة (2)، وقد ألَّف لها محمد ناصر سلسلته المتميِّزة بعنوان القصص الحقُّ للنَّشء الإسلامي (3).
تنوَّعت الموضوعات في السَّلاسل القصصيَّة، حتَّى داخل القصَّة الواحدة، ولكنَّ هناك بالضَّرورة موضوع يطغى على بقيَّة الموضوعات، وبالتَّالي يمكن من خلال السِّمة الغالبة أن نقول بأنَّ هذه القصَّة دينيَّة ... (4)، وهو القالب الذي تميَّز به محمد ناصر والذي استقاه من عالم الحيوان، والقصص القرآني الكريم، والسُّنة النَّبويَّة الشَّريفة، وسيرة الصَّحابة - رضي الله عنهم -، ولا غرو أن نقول: بأنَّ محمد ناصر اتَّخذ من التَّعاليم الإسلامية والآيات القرآنيَّة موجِّها رئيسيًّا في التَّربية الرُّوحية والنَّفسيَّة للطِّفل، لأنَّه رأى فيها الوقاية من الأمراض النَّفسيَّة وبلسمًا شافيًا من كلِّ داء، ففي الوقت الذي يحاصر فيه الطِّفل بالأمراض والأوبئة الاجتماعيَّة الفتَّاكة التي تنتشر بصورة مذهلة. في ظلِّ هذه الظُّروف ألَّف مجموعاته القصصيَّة لتكون نبراسًا يضيء طريق الطُّفولة تحت ظلال الدِّين الحنيف (5)، متَّبعًا بذلك طريقة الإقناع بصحَّة الدَّليل من كتاب الله وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ووجدها أقوى وسيلة يتصدَّى بها للآفات الأخلاقيَّة المنتشرة في مجتمعاتنا العربيَّة.
القصَّة الدِّينيَّة بمفهومها الأدبي وبرؤية إسلاميَّة خاصَّة وواضحة تدعو إلى الفضائل وتنفِّر من الرَّذائل، وتجمع بين المتعة والتَّشويق والمغزى الخلقي والمواقف القيِّمة، تستمدُّ
__________
(1) المرجع نفسه، ص 68.
(2) المرجع نفسه.
(3) محمد ناصر: "سلسلة القصص الحقُّ للنَّشء الإسلامي"، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، ووزارة الأوقاف والشُّؤون الدِّينيَّة (سلطنة عمان) 2004 م.
(4) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد صالح ناصر"، مذكِّرة لنيل شهادة الماجستير في الأدب الجزائري الحديث، السَّنة الجامعيَّة 2007 - 2008 م، جامعة باتنة، ص 67.
(5) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد صالح ناصر"، مرجع سابق، ص 68. (1/68)
صفحة 69
مادتها من أحداث واقعيَّة لها صلة بالدِّين، هدفها الأساسي تربوي عقدي، يسعى مبدعها إلى إبراز هذه المواقف في صور محبَّبة؛ بغية غرسها في نفوس النَّاشئة، حتَّى يشبُّوا وقد تعلَّقوا بهذا الرِّباط القويِّ الذي يحميهم من كثير من المفاسد، وتكسبهم تلك المناعة الرُّوحيَّة التي تؤهِّلهم لأن يحملوا راية الدِّين عن علم وفهم (1).
كما تتضمَّن هذه القصص ... حقائق دينيَّة مفيدة، وفيها مواقف للاعتبار، ودلائل على أنَّ حياة الأنبياء والرُّسل حياة مثاليَّة كريمة، تصوِّر مواقف البذل والعطاء والتَّضحية في سبيل المبدأ والعقيدة (2)، وتحمل في معانيها وإيحاءاتها المقوِّمات الأساسيَّة لثقافة مجتمعنا، ممَّا يمكن القول معه بأنَّه كامن في نسيج حياتنا وشتَّى مناشطنا السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
من هذا الفهم الواعي لا مانع أن تتناول القصَّة هذه الحقائق التي تجسِّد العبر، وتجعل الطِّفل على بصيرة بأمور دينه (3)، وتمثِّل هذا اللَّون القصصي في سلاسل القصص الحقّ، المربِّي للفتيان، الأنيس للفتيان.
أمَّا نوع القصص الثَّاني فيتمثَّل في قصص الحيوان بمحاولة جديدة وتصوُّر جديد، وفق إطار إسلامي ورؤية إسلاميَّة واضحة، أبدع فيها الكاتب، فهي قصَّة صادقة مع الحقيقة الواقعيَّة، وقصَّة الحيوان صادقة أساسًا مع الحقيقة المفروضة، وهي تشبهه المثل، والسَّبب في تعليمها للأطفال هو تعليم الحقائق الأخلاقيَّة في شكل مشوِّق، وهي تصلح للأطفال في الطَّور الواقعي المحدود بالبيئة، وهو من سنِّ الثَّالثة إلى الخامسة، وهذا اللَّون من القصص عادة يضمُّ عددا قليلا من الشَّخصيَّات لا تتجاوز الثَّلاثة (4).
__________
(1) ينظر محمود حسني إسماعيل: المرجع في أدب الطِّفل، ص 131.
(2) د. عبد الرَّزَّاق بن السبع: "قصص الأطفال في المغرب العربي"، عن د. حسن شحاتة، قراءات الأطفال، ص 60.
(3) أنظر د. إبراهيم محمد عطا: "عوامل التَّشويق في القصَّة القصيرة لطفل المدرسة الابتدائيَّة"، مكتبة النَّهضة المصريَّة، القاهرة، ط 1، 1999 م، ص 55.
(4) عبد الفتَّاح أبو معال: "أدب الأطفال وأساليب تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم"، عمَّان، الأردن، ط 2، 2005 م. (1/69)
صفحة 70
لقد حافظ محمد ناصر على الأساسيات المتَّفق عليها في القصَّة الحيوانية، وصبغها بصبغة دينيَّة، فوجد الأطفال في قصصه عالما غيبيًا جديدًا وممتعًا، فالقصَّة على لسان الحيوان يريد بها الكاتب العظة والتَّعليم، إضافة إلى أنَّها من أنجح القصص في نقل الكثير من المعاني والقيم الأخلاقيَّة والدِّينيَّة، حيث يقوم الكاتب بعمليَّة إسقاط على هذا الحيوان فيغدو البطل والشَّخصيَّة الرَّئيسية، أين يصفي خيال التَّوهُّم عند الطِّفل صفات آدمية، وبالتَّالي تحدث القصَّة أثرها الذي يريده الكاتب بيسر وسهولة (1).
قام محمد ناصر بالكتابة للطِّفل الجزائري والعربي بصفة عامَّة في مراحله العمريَّة المختلفة، مراعيًا بذلك احتياجاته النَّفسيَّة والوجدانيَّة، محاولاً إثراء قاموسه الفكري واللُّغوي، واستقى مادته القصصيَّة من القصص القرآني الكريم، لما يحمله هذا القصص من قيم الحقِّ والخير، والإيمان عملاً بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين} (2)، كما كانت السُّنة النَّبويَّة وسيرة الصَّحابة والتَّابعين من أهمِّ الرَّوافد الدِّينيَّة في القصَّة الطُّفوليَّة للأديب، وكان عالم الحيوان الذي صبَّه في قالب رمزي يسهل عليه الوصول للفكر الطُّفولي، ويتقبَّله في عالمه الصَّغير، وهذا ليس من السُّهولة بمكان، لأنَّ عالم الطِّفل على الرُّغم من بساطته، فإنَّ تعقيده يكمن في هذه البساطة والعفوية كما يقال السَّهل الممتنع، لقد عمل محمد ناصر على الولوج إلى هذا العالم من خلال شِفْرات خاصَّة ودراسة مسبقة، ترتكز على مقوِّمات دينيَّة وأسس اجتماعيَّة، استمدَّها من ثقافته العربيَّة الإسلاميَّة، ومن انتمائه للمجتمع الجزائري.
إن كان من الأفضل التَّعرُّف على هذه السِّلسلات القصصيَّة كلِّها، فإنَّه من الصَّعب أيضا أن تتَّسع الصَّفحات لها، إلَّا إذا كنَّا نريد إعطاء صورة ملخَّصة وأحكام مبتورة عن هذا الأديب، مع أنَّنا لم نقصد في هذه الموضوعات هذا المقصد، بل كانت الغاية التَّعريف به أديبًا إسلاميًّا قبل أيِّ هدف آخر، وإذا سمحت لنفسي في هذا العمل بأن ألقي شيئًا من الضَّوء
__________
(1) عبد الرَّزاق بن السبع: قصص الأطفال في المغرب العربي، ص 111.
(2) سورة يوسف، الآيات (2، 3). (1/70)
صفحة 71
على بعض مميِّزاته، فليس ذلك إلَّا من قبيل التَّعريف وإظهار مدى أهميَّة الأدب الإسلامي في تنشئة أطفالنا تنشئة صحيحة، وأهميَّة العمل الذي يقوم به أديبنا في هذه العمليَّة.
لهذا سأختار المجموعة القصصيَّة القصص المربِّي للفتيان لأعرض نموذجًا منها بشيءٍ من التَّفصيل، وبهذا الغرض أكون قد أعطيت نموذجًا واضحًا عن أديبنا وعن فنِّه القصصي.
يبدأ محمد ناصر قصَّة "لا تيأس من رحمة الله" بتساؤل، يحمل في طيَّاته قيما دينيَّة وإنسانيَّة كبيرة، قصد التَّنبيه والتَّوجيه فيقول: أبنائي الأعزَّاء! هل تعلمون أنَّه من تمام الإيمان أن نحسن الظَّنَّ بالله، وألَّا نيأس من رحمته؟، وهل تعلمون أنَّ باب التَّوبة والغفران مفتوح لعباده؟ وأنَّ الله لا يملُّ من التَّوبة والغفران، حتَّى ولو بلغت ذنوبنا عنان السَّماء؟.
وهل تعلم أنَّ من أهمِّ شروط التَّوبة النَّصوح صحَّة العزم على عدم العودة إلى الذَّنب؟ (1). وواقع القصَّة يعطينا أجوبة على هذه التَّساؤلات المطروحة.
ثمَّ يبدأ الكاتب سرد القصَّة، وهي قصَّة رجل أسرف على نفسه في معصية الله، وتمادى في الغيِّ والظُّلم، وقد بلغ من الشَّرِّ أن قتل تسعًا وتسعين نفسًا.
في لحظة من لحظات التَّجلِّي آب إلى رشده، وتحرَّك ضميره، فعزم أن يتوب إلى الله توبة نصوحًا، ويستغفر الله ممَّا اقترفت يداه.
انطلق الرَّجل يبحث في أرض الله عمَّن يدلُّه على طريق التَّوبة والإنابة إلى الله، فدلَّه النَّاس على راهب، ذهب إليه الرَّجل، وباح له بمكنون نفسه .... ورجاه أن يدلَّه على طريق الصَّلاح والعودة إلى الله (2).
ثمَّ يعطينا صورة للإنسان العابد والقانط من رحمة الله، في موقف هذا الرَّاهب من الرَّجل الباحث عن التَّوبة والصَّلاح، لم يكن الرَّاهب سوى عابد جاهل، لم يعرف الله حقَّ
__________
(1) محمَّد ناصر: "لا يأس من رحمة الله"، القصص المربِّي للفتيان، مكتبة الرَّيَّام، ص 05.
(2) محمَّد ناصر: "لا يأس من رحمة الله "، القصص المربِّي للفتيان، ص 08. (1/71)
صفحة 72
المعرفة، فقال له مستعظمًا جرمه: ويلك يا هذا كيف تطمع في مغفرة الله وجرمك على ما وصفت؟ لا، لا توبة لك! أغرب عن وجهي (1).
هكذا غضب الرَّجل وقتل الرَّاهب وأكمل به العدد مائة قتيل. القصَّة هنا تعبِّر فعلاً عن الواقع الذي نعيشه، وانسداد أبواب التَّوبة في وجوه الضَّالين من طرف بعض الجهلة بقيم ديننا الحنيف.
ثمَّ إنَّ الله قد علم منه هدف العزم، فوفَّقه إلى أنَّه يتوب إلى رشده مرَّة ثانية، وراح يبحث في أرض الله عمَّن يهديه إلى طريق التَّوبة والإنابة ... فدلَّه ناس هذه المرَّة على رجل عالم، فذهب إليه وصرَّح له بما في نفسه ... فقال له إنَّ طريق التَّوبة مفتوح لكلِّ مذنب، والله لا يملُّ من توبة عباده ما أخلصوا له التَّوبة، ولن يحول بينك وبين الله حائل، فإنَّه قريب يجيب دعوة الدَّاعي إذا دعاه، انفتح قلب الرَّجل، وتهلَّلت أسارير وجهه ... (2).
ولكي يقرِّب لنا الكاتب صور المسلم، وجعلها واقعيَّة، لها كل ملامح الحياة الحقيقيَّة الملموسة، بغية إزالة الغرابة والخيال عنها لجأ إلى توظيف الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة، فأعطى بذلك أروع مثال عن المسلم الحقِّ، وهي شخصيَّة الشَّيخ العالم، وعن المسلم التَّائب عن الذَّنب والباحث عن مرضاة الله في شخصيَّة الرَّجل السَّفَّاح. بهذا الأسلوب الواضح، السَّهل، البسيط الذي يقترب في الكثير من عباراته من الوضوح والشَّفافية، بل أكثر قصصه على هذا النَّحو.
إنَّ هذه القصَّة على بساطتها ترمز إلى كثير من الأمور التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، وتصوِّر الرُّوح الإسلاميَّة التي لا تفقد الأمل والثِّقة في الله - عز وجل -.
لقد جمع في هذه القصَّة أنواعًا من الشَّخصيَّات، شخصيَّة التَّقيِّ الذي يتَّقي الله حقَّ تقاته، وشخصيَّة العابد لله مع جهل لدينه الحق، وقيمه وتعاليمه، وشخصيَّة التَّائه في معترك الحياة، المسرف على نفسه، الباحث عن طريق الخلاص والنَّجاة.
__________
(1) المصدر نفسه، ص 08.
(2) محمد ناصر: "لا يأس من رحمة الله"، القصص المربِّي للفتيان، ص 10. (1/72)
صفحة 73
إنَّ المسلم المعاصر - الطِّفل - بحاجة إلى كلِّ هذه القيم التي تحملها الشَّخصيَّات الصَّالحة في القصَّة من أمل ورفض المعصية، والتَّوبة إلى الله (1)، وهذا ما يعكس ارتباط القصَّة عند محمد ناصر بالتَّبليغ أو البلاغ أو الإبلاغ المأخوذ من الصِّيغة القرآنيَّة الشَّاملة الكاملة، واضحة الأغراض، مؤثِّرة العبارة، هادفة الحدث، وفصيحة الكلمة، وبلاغة العبارة، وروعة التَّشبيه، وإعجاز الإيجاز والتَّسلسل، والبدء والختام، وهيمنة الصُّورة وإقناعها وتأثيرها العميق، وسيطرتها على العقل والوجدان (2). ويؤكِّد هذا ما يرمي إليه الكاتب من ارتباط عضوي أصيل بين رؤيته الإسلاميَّة في الأدب ورسالته.
وبعد هذا العرض لنموذج من قصص المربِّي للفتيان، لابدَّ لنا من وقفات نستخلص منها بعض الملاحظات التي تبيِّن أهمَّ ملامح الفنِّ القصصي في مجموعات محمد صالح ناصر.
1. إنَّ الطِّفل أو القارئ سوف يدرك سريعًا أنَّ لهذا الأديب أسلوبا متميِّزًا، لم يحرص فيه على تقليد أحد، إنَّها بصماته هو في قصِّه، وروحه ومزاجه وذوقه، وهذه الميزة هي التي يبدأ بها كاتبنا.
2. على الرَّغم ممَّا في أسلوبه من السُّهولة والبساطة، فإنَّ فيه ملامح التَّعبير الموحي الذي يعطي للحدث والعبارة بعدًا وعمقًا أكبر من المدلول اللُّغوي أو الواقعي.
3. إيمانه بأنَّ القصَّة أسلوب من أساليب الدَّعوة المعاصرة، إضافة إلى أنَّها وسيلة تربويَّة تثقيفيَّة للنَّشء.
4. اغترافه للقصَّة الإسلاميَّة من الرَّافد القرآني كما يقول رائد القصَّة الإسلاميَّة نجيب الكيلاني: أن تحذو حذو القصَّة القرآنيَّة في جمعها بين الشَّكل الفنِّي المبهر، والمضمون الفكري الصَّحيح (3)، خاصَّة في سلسلة القصص الحقِّ، التي ارتاد فيها آفاق الأدب الإسلامي منظِّرًا ومبدعًا ومبشِّرًا بمصطلح الإسلاميَّة والأدب الإسلامي، وممارسًا كتابة
__________
(1) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 67.
(2) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 67.
(3) نجيب الكيلاني: "تجربتي الذَّاتية في القصَّة الإسلاميَّة"، ص 41، أنظر د. سعيد الغزاوي: "مقالات في النَّقد الإسلامي تأصيل وتجريب"، دار النَّشر، الأحدية، ط 1، 1420 هـ/1999 م، ص 101. (1/73)
صفحة 74
القصَّة الإسلاميَّة للطِّفل عن وعي وإدراك، بريادته لهذا الفنِّ في معانقة قضايا الأمَّة الإسلاميَّة وحياة الطِّفل وممارساته اليوميَّة.
إنَّ هذه القصص، بأسلوبها الواضح السَّهل، وتسلسلها المحكم، وواقعيَّتها المؤثِّرة، وروحها العذبة خطوة رائعة في طريق الأدب الإسلامي الطُّفولي، وإن كانت قصصًا قصيرةً، فإنَّها استطاعت طرح قضايا كبيرة، أدَّت غرضها في كلا جانبيها؛ الشَّكل والمضمون.
لقد أراد الكاتب أن تكون قصصه هذه للفتيان والأطفال، ولذلك كان عنصر الخيال فيها عنصرًا أساسيًّا، ولكنَّه الخيال الإيجابي الذي يعزِّز صفات الشَّجاعة، والأمل، والثِّقة بالله تعالى والطُّمأنينة إلى وعده، وعدم الخوف، ونرى ذلك في قصَّة "لا يأس من رحمة الله"، بعد وفاة الرَّجل التّائب، والخلاف الذي نشب بين ملائكة الرَّحمة وملائكة العذاب والملاك الحاكم بينهم.
إنَّ كلَّ قصص محمد ناصر تبيِّن كثيرًا من المسائل المهمَّة في التَّربية والإعداد للنَّشء، فهو أساس المستقبل.
إنَّها تجربة جيِّدة تصدر عن تصوُّر إسلامي واضح للكاتب، وتسعى إلى تحقيق هدف واضح يتناسب مع أدب الأطفال الذي يرتبط بالتَّربية، وهي تحمل كثيرًا من المميِّزات التي تجعلنا نتفاءل بعطاء جيِّد للكاتب في هذا النَّوع من القصص، بخاصَّة للفتيان والأطفال، بعيدًا عن الخيال الغربي الممزوج بالتَّجارب التَّافهة والأغراض الملحدة.
أ- الخصائص الفنِّيَّة للقصِّة الدِّينيَّة عند محمد ناصر:
في عصر العولمة والرَّقميَّة يصبح من الصَّعب على الشَّاعر أو الأديب الكاتب أن يجذب الطِّفل من عالم الحاسوب والأنترنيت والألعاب الإلكترونيَّة إلى عالم القصَّة والقصيدة، ولكي ينجح في ذلك يجب عليه أن يسلك منهجا خاصًّا ومميَّزًا، ليلج عالم الطُّفولة، ويبتكر وسيلة جديدة ليجاري العصر والبيئة المتغيِّرة باستمرار. (1/74)
صفحة 75
إنَّ تجربة محمد ناصر تعتبر من أهمِّ الإنجازات الأدبيَّة في أدب الطُّفولة الجزائري، القائم على أسس مبتكرة خاصَّة في الحقل القصصي (1) بما يلائم المراحل العمريَّة للطِّفل، وبيئته واحتياجاته الفكريَّة والوجدانيَّة، ومن أهمِّ المميِّزات والخصائص التي ظهرت في النَّثر القصصي لديه:
1. الاختصار:
هو من المميِّزات التي اعتمدها في نتاجه القصصي، آخذًا بعين الاعتبار الحالة النَّفسيَّة ومدى تقبُّل الطِّفل للأفكار والمواضيع، وبخاصَّة أنَّ جمهور الطُّفولة جمهور مزاجي، يسأم ويضجر بسرعة من كلِّ ما هو متشعِّب الأفكار وكثير الإطناب، فجاءت أفكاره سهلة بسيطة وموحية، واضحة المعاني والأهداف، لا يشوبها الغموض، وكانت مواضيعه بنَّاءة لما احتوته من قيم دينيَّة وأخلاقيَّة وتربويَّة تترجم الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب.
تظهر ميزة الاقتصار أو الاختصار في تقسيمه للقصَّة القرآنيَّة الطَّويلة إلى أجزاء كما في سلسلة القصص الحقِّ، مثل قصَّة سيِّدنا إبراهيم - عليه السلام -، قسَّمها إلى ثلاثة أجزاء، وقصَّة سيِّدنا يوسف الصِّدِّيق إلى خمسة أجزاء، قصَّة الفيل الظَّالم إلى جزأَين ... لتجنُّب الإطالة على الطِّفل ولتمهيد الاطِّلاع على الجزء الموالي للقصَّة، كما يمكن أن يحتوي كتيِّب القصَّة الواحدة على قصَّتين، مثال على ذلك البرُّ بالوالدين ... المشورة ... في سلسلة الأنيس للفتيان (2).
2. تقسيم القصَّة إلى عناصر:
هذه الخاصيَّة تعتبر قفزة ابتكاريَّة جديدة في عالم القصَّة الطُّفوليَّة، حيث قسَّم محمد ناصر القصَّة إلى عناصر؛ كاسرًا بذلك رتابة السَّرد المملِّ، خاصَّة في قصص الأنبياء، وبما أنَّها قصص دينيَّة تعتمد على السَّرد أكثر من الحوار، ارتأى الكاتب إلَّا أن يقسِّمها إلى عناصر
__________
(1) أحمد زلط: "أدب الأطفال بين كامل الكيلاني ومحمد الهراوي"، الشَّركة العربيَّة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، ط 2، د. ت، ص 46.
(2) محمَّد ناصر: سلسلة "الأنيس للفتيان"، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر 2004 م. (1/75)
صفحة 76
ليشدَّ انتباه الطِّفل للحدث، أو الواقعة الدِّينيَّة والمغزى من كلِّ ما يحدث للأنبياء (1)، ومن أمثلة ذلك قصَّة آدم - عليه السلام -، التي قسِّمت إلى العناصر التَّالية:
أ- بدء الخلق.
ب- آدم في الجنّة.
ج- ولقد كرَّمنا بني آدم.
د- إبليس الرَّجيم (2).
استطاع محمَّد ناصر بناء صرح قصصي جديد وفق رؤية إسلاميَّة في عالم الطُّفولة، يجول فيه الطِّفل بوجدانه دون كلل أو ملل، معتمدًا في ذلك على إرثه الثَّقافي العربي الإسلامي، فوظَّف بذلك التَّعابير السَّهلة الموحية بالأفكار والحقائق المحيطة بالطِّفل، دون أن يرهقه في الرَّمزيَّة الموغلة وما ورائيَّة الغموض.
3. الأسلوب:
إنَّ وضوح أسلوب القصَّة عند محمد ناصر وجماله مستوحى من القرآن الكريم، والسِّيرة النَّبويَّة الشَّريفة، وتتمثَّل القوَّة والوضوح في المؤثِّرات والمنبِّهات التي توقظ أحاسيس الطِّفل ومشاعره وتحرِّك وعيه وخياله، وتدفعه للتَّأمُّل والتَّعاطف، إضافة إلى ما تضفيه الفكرة من جمال (3)، وكلُّ هذا لا تخلو منه عناصر القصَّة القرآنيَّة عنده.
أمَّا التَّراكيب والعبارات التي وظَّفها الكاتب في النَّصِّ القصصي فتتَّسم بالسُّهولة والخفَّة والتَّناغم والعذوبة، لأنَّ ألفاظها من القرآن الكريم والسُّنة النَّبويَّة الشَّريفة، حيث لا
__________
(1) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد صالح ناصر"، (مخطوطة)، ص 133.
(2) محمَّد ناصر: "القصص الحقُّ؛ آدم أبو البشر" مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، ووزارة الأوقاف والشُّؤون الدِّينيَّة (سلطنة عمان)، 2004 م.
(3) سميع أبو مغلي: "دراسات في أدب الأطفال"، دار الفكر للنَّشر والتَّوزيع، عمَّان، الأردن، ط 2، 1993 م، ص 52. (1/76)
صفحة 77
تخلو صفحة من صفحاتها من ذكر الله العزيز الحكيم، أو آية قرآنيَّة، أو حديث نبويٍّ شريف، أو حكمة منتقاة من الواقع المعيش للطِّفل (1).
نزل محمد ناصر من عليائه، ليقدِّم للطِّفل أدبًا مفيدًا نافعًا، حثَّه فيه على التَّحلِّي بالأخلاق الكريمة، وطلب العلم، والتَّمسُّك بعقيدة التَّوحيد وهذا من خلال اللَّهجة الخطابيَّة التي مارسها الأديب أثناء طرحه لأفكاره داخل النَّسيج القصصي. فالطِّفل عند قراءته لهذه القصص يحسُّ وكأنَّ الكاتب يجالسه ويخاطبه مباشرة دون أيِّ وسيط أو حاجز، من بداية القصَّة حتَّى نهايتها متَّبعًا بذلك أسلوب الحكواتي، والأساليب الإنشائيَّة من استفهام وتعجُّب (2)، فيبسط ويشرح أحيانًا، ويعلِّل ويعظ أحيانا أخرى، وهذا ليس من السُّهولة بمكان، كما يقول إسماعيل ملحم: إنَّ البساطة أصعب من التَّعمُّق، وإنَّه لمن السَّهل علي أن أكتب وأتكلَّم كلامًا عميقًا، ولكن من الصَّعب أن أنتقي وأتخيَّر أسلوب العمل الذي يشعر السَّامع بأنِّي جالس معه، ولست معلِّمًا له، وهذه هي مشكلتي مع الأدب (3).
4. القاموس الإدراكي:
أثرى الدُّكتور محمد ناصر القاموس الإدراكي للطِّفل، بتوظيف اللُّغة العربيَّة الفصحى ببساطة وسهولة تمكَّن الطِّفل من فهمها، ويظهر الكلمات الصَّعبة بلون مخالف، وهذا ما يحفِّز الفهم المبدئي للكلمة عند الطِّفل، ثمَّ يعود ويشرحها في القاموس الخاصِّ الذي يضعه في آخر ورقة من كلِّ قصَّة، مثل قوله: ويجري الفأر الكذَّاب يحاول الهرب والانفلات من القطِّ ... غير أنَّ القطَّ كان أشطر وأقوى، فأوصد دونه الأبواب (4).
سمَّى الكاتب قاموسه بالمفردات الغريبة، أمَّا الآيات القرآنيّة التي يستدلُّ بها أثناء القصص، فيحدِّد رقم الآية والسُّورة المنتقاة منها، ويسجِّلها في آخر القصَّة، ثمَّ ينصح في
__________
(1) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، (مخطوطة)، ص 134.
(2) المصدر نفسه.
(3) إسماعيل ملحم: "كيف تعتني بالطِّفل وأدبه"، دار علاء الدِّين للنَّشر والتَّوزيع والتَّرجمة، دمشق، ط 1، 1994 م، ص 29.
(4) محمد ناصر: "قصص الأنيس للأطفال، الفأر الكذَّاب "، ج 1، ص 06. (1/77)
صفحة 78
الأخير الأطفال بتصفُّح كتاب الله وأوراقه الطَّاهرة، وهذه من أهمُّ الخصائص والمميِّزات التي ميَّزت القصَّة عند محمد ناصر (1)، ومن أمثلة ذلك ما جاء في قصَّة نوح شيخ المرسلين.
نصيحة: اقرأ بنيَّ العزيز قصَّة سيِّدنا نوح وتدبَّرها، فقد وردت في سور كثيرة من القرآن، أذكِّر بها وهي: سورة الأعراف (59 - 64)، سورة الأنبياء، سورة الشُّعراء (105 - 122)، سورة نوح (08 - 10)، سورة هود (71 - 73)، سورة المؤمنون (23 - 31)، سورة الصَّافات (09 - 16) (2).
5. اللُّغة:
وظَّف محمد ناصر في نصِّه القصصي لغة سهلة بسيطة في متناول الطِّفل، فلم ينزل بها إلى مستوى العامية، ولم يعْتلِ بها إلى اللُّغة الأدبيَّة المعقَّدة، بل جعل الطِّفل يخوض في لغته العربيَّة قراءة وفهما محقِّقا بذلك هدفين: متعة تعلُّم اللُّغة، ومتعة القراءة.
وقد تحقَّق في نصِّه القصصي العوامل العشرة للغة القصَّة الجيِّدة وفق أبحاث حسن شحاتة، وهو باحث في أدب الأطفال من سنِّ السَّادسة إلى الخامسة عشر وهي:
- الاعتماد على الحوار أكثر من السَّرد.
- استخدام الجمل البسيطة لا المركَّبة.
- استخدام الكلمات المألوفة.
- اشتمال الفقرة على فكرة واحدة.
- عدم المباعدة في ركني الجملة.
- قلَّة الاستطراد في عرض الأحداث.
- المراوحة بين الأسلوب الخبري والإنشائي.
__________
(1) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 135.
(2) محمَّد ناصر: "القصص الحقُّ، نوح شيخ المرسلين"، ص 16. (1/78)
صفحة 79
- عدم استخدام المصطلحات الفنِّيَّة.
- قلَّة الجمل الاعتراضيَّة (1).
ب- المقوِّمات الفنيَّة:
تميَّز النَّثر القصصي الدِّيني عند محمد ناصر بمقوِّمات فنِّيَّة خاصَّة، تعكس توجُّهه الأدبي ورؤيته الإسلاميَّة، التي هي المرجعيَّة الأساسيَّة له في إبداعه للطِّفل الجزائري خاصَّة، والعربي عامَّة. وأهمُّ هذه المقوِّمات (2):
1. التَّنوُّع القصصي: يتناول أبعادًا مختلفةً في النَّصِّ القصصي ما بين البعد الدِّيني، والبعد الاجتماعي، والبعد الأخلاقي التَّربوي.
2. أسلوبه الخطابي موجَّه للطِّفل، أين يعبِّر له عن أفكاره بمنهج بسيط وهادف في آن واحد، خال من التَّعقيد، والزَّخرفة اللُّغوية، ناءٍ عن التَّقريريَّة.
3. استعمال الكاتب الرَّمز في كثير من المواقف القصصيَّة، سواء في القصَّة الدِّينيَّة أم القصَّة الحيوانيَّة، ويهدف من وراء ذلك إلى زرع القيم الدِّينيَّة والأخلاق الحميدة في نفسيَّة النَّاشئة، ومن أمثلة ذلك إسقاط الصِّفات الإنسانيَّة على عالم الحيوان، كقصص: الفأر الكذَّاب، الفيل الظَّالم، القرد الطَّمَّاع ...
4. الغزارة في الإنتاج: كان للقصَّة في النَّثر الأدبي لمحمد ناصر حصَّة الأسد، ويتجسَّد ذلك في السَّلاسل القصصيَّة الخمس، القصص المربِّي للأطفال، القصص المربِّي للفتيان، الأنيس للفتيان، الأنيس للأطفال، القصص الحقُّ للنَّشء الإسلامي.
5. تميَّزت القصة عند محمد ناصر بالرُّؤية الإسلاميَّة في جميع أبعادها، فكلُّ قصصه مستوحاة من قيم الدِّين الإسلامي الحنيف، والقرآن الكريم، والسُّنة النَّبويَّة الشَّريفة، وكلُّ ما تحمله من مقوِّمات اجتماعيَّة وأخلاقيَّة وتربويَّة، حيث كان دليل كلِّ فكرة وتبرير أو شرح أيِّ موقف في القصَّة من القرآن الكريم أو الأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة، لأنَّه أدرك دور القصَّة في بناء شخصيَّة الطِّفل، وأنَّ اللَّبنة الأساسيَّة في هذا البناء هي التَّربية الدِّينيَّة، فصور
__________
(1) حسن شحاتة: "قراءات الأطفال"، الدَّار المصرية اللُّبنانيَّة، ط 2، 2000 م، ص 65.
(2) اُنظر: دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 137 - 138. (1/79)
صفحة 80
قصص الأنبياء وقصص الحيوان على أساس درامي، مزج فيه بين الفكرة والحدث والمشهد، وهكذا اجتمعت لدى الطِّفل عناصر القراءة، والمتعة أثناء مطالعة هذه القصص، فيرى نفسه وكأنَّه يعيش وسط أحداث القصِّة، فيتفاعل معها متعاطفًا أو ساخطًا.
عمل محمد ناصر في نتاجه القصصي على أن يكسب الطِّفل الانتماء الوطني والقومي والدِّيني، من خلال بثِّ القيم الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة والدِّينيَّة محاولاً حماية هُويَّة المجتمع الجزائري المسلم، وحماية أبنائه من الذُّلِّ والانكسار وتأصيل هويَّة لا تعرف الذُّلَّ والخنوع والاستكانة، في ظلِّ مجتمع تغزوه العولمة والقنوات المفتوحة والأنترنيت.
السِّيرة :
لم تظفر السِّيرة بأنواعها (الذَّاتية وغير الذَّاتية) في الأدب العربي بدراسة متكاملة، تتعرَّض لظروف نشأتها، وطبيعتها، والعوامل المؤثِّرة فيها، وتبيِّن ملامح تطوُّرها، وما تشتمل عليه من عناصر تميُّزها عن الفنون الأدبيَّة الأخرى القريبة منها، مثل الرِّواية والمذكِّرات واليوميات.
وإن كانت بعض الدِّراسات قد تعرَّضت إلى شيء من هذا مثل: دراسة إحسان عبَّاس فنَّ السِّيرة وشوقي ضيف التَّرجمة الشَّخصية، ولكنَّها لم تتعرَّض إلى هذه الأمور مجتمعة لتبيِّن ملامح البناء الفنِّي للسِّيرة في الأدب العربي الحديث، وصلتها بالآداب الغربيَّة، أو الأدب العربي القديم، والأدب الإسلامي بخاصَّة.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ محمد ناصر عالم متعدِّد المواهب والقدرات الأدبيَّة، سواء في اللُّغة، أم النَّقد والتَّحقيق، أم التَّاريخ، وهو قاصٌّ بارع، وشاعر إسلامي متميِّز، يتتلمذ الباحثون والطُّلَّاب في جميع هذه المجالات على يديه، فيجدون فيه العالم الإسلامي الدَّاعية الذي عزَّ نظيره في الأدب الجزائري المعاصر.
يقول عنه أحد الباحثين معلِّقًا على إحدى دراساته في مجال السِّيرة: إنَّ دراسات ... - محمد ناصر - تراعي خصوصيَّات الأمَّة وثوابتها، تنظر إلى المتغيِّرات بعين فاحصة (1/80)
صفحة 81
وبصيرة يقظة، تتعامل معها بما يعين على الاستفادة منها في جانبها الإيجابي، غير مستسلمة لها لدرجة الذَّوبان (1).
مارس هذا اللَّون النَّثري - السِّيرة - حول عدَّة شخصيَّات أدبيَّة وإسلاميَّة، ومن أهمِّ مؤلَّفاته في هذا المجال مشايخي كما عرفتهم (2)، تناول فيه أهمَّ أعلام الأدب الإسلامي والإباضيِّين بخاصَّة وجهودهم في سبيل إعلاء كلمة الحقِّ والدِّفاع عن ثوابت الأمَّة الجزائريَّة، فيقول في خاتمة هذا الكتاب: لعلَّ القارئ الكريم يوافقني على أنِّي كنت حريصًا على أن أقدِّم له قسمات صادقة لهؤلاء المشايخ، من خلال علاقتي الشَّخصية بهم، ولعلَّه قد اقتنع مثلي بعد قراءة متأنيَّة على أنَّ مجرَّد قراءة جزء من حياة هؤلاء الأعلام سيفيده علمًا وتجربةً، ويطلعه على جانب غال من تاريخ وطننا وأمَّتنا ومجتمعنا، ويعتقد مثلما اعتقدت على أنَّ التَّاريخ لا يشيخ أبدًا، مهما طال به المكث في الصَّناديق والأقبية والرُّفوف ... (3).
تضمُّ هذه الموسوعة التي أخرجت للنُّور عام 1429 هـ/2008 م، كما سبق وذكرنا أهمَّ أعلام الفكر الإسلامي الجزائري، الذين نشطوا في مجالات التَّعليم والصَّحافة والكتابة، أو خلَّفوا آثارا أدبيَّة طيِّبة، أشار إليها الكاتب، ونوَّه بالمجهود الذي قاموا به في تكوين أجيال، تحمل راية العلم والمعرفة وتمضي قدمًا.
كان محمد صالح ناصر طالبًا من طلَّاب هذا الجيل الذين كانت أعمالهم كالقطرات النَّديَّة تتجمَّع حتَّى تنحدر في مجرى خاصٍّ بها، ثمَّ تتحوَّل إلى جداول وأنهار عذبة متدفِّقة، صافية رقراقة، وكلَّما رفدت هذه الأنهار قطرة أو ساقية ازدادت عمقًا، وازداد تحديدًا لمجراه، وازداد إرواء للعطش، وقوَّة على متابعة السَّير، فأديبنا يواصل مشوار معلِّميه مقتديًا بهم وجعلهم مثله الأعلى.
__________
(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، جمعيَّة التُّراث، القرارة، 1997 م، ص 09.
(2) محمَّد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، دار الرِّيَّام، ط 1، 2008 م، ص 267.
(3) المصدر نفسه. (1/81)
صفحة 82
وفي الأخير يخبرنا بما استفاده من هذه المرحلة العلميَّة النُّورانيَّة المباركة التي كانت رفقة هؤلاء العلماء والمشايخ، كما يحدِّد لنا ما تعلَّم من كلِّ واحد منهم.
يضفي محمد ناصر على كلِّ ما يذكره في موسوعته صبغة إسلاميَّة - سواء من خلال أحكامه الشَّخصية أو الاستشهاد بآراء من يعرف هؤلاء العلماء - من شخصيَّات علميَّة أدبيَّة، وسياسيَّة كانت، أو حتَّى من تتلمذ على أيديهم، لذلك تجده يروي ما رواه أو سمعه أو قرأه مستعينًا بنصوص موثِّقة.
لقد ألمَّ الكاتب بكلِّ الجوانب في حياة هؤلاء العلماء، سواء النَّشأة أو الحياة العلميَّة أو النِّضال ضدَّ المستعمر، ووضعها بطريقة منسَّقة ومنظَّمة نستطيع من خلالها أن نتعرَّف إلى أهمَّ الخصائص المميِّزة لهذه الشَّخصيَّات، والدُّور الذي قامت به في حياة الأمَّة الإسلاميَّة الجزائريَّة.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ محمد ناصر قد أجاد في كتابة السِّيرة بالمعنى الفنِّي والأدبي إلى حدٍّ كبير، خاصَّة وأنَّ دراسته توجَّها بما يتلاءم مع مبدأ الالتزام والمحافظة على الأصالة، وذلك باختياره الرَّأي الأصيل، المبنيِّ على الوضوح والاقناع، وانتقاء المناهج المنسجمة مع الهدف من الدِّراسة، والغاية من البحث، حتَّى لا تتفرَّق به السُّبل (1).
الواقع أنَّ شخصيَّته في هذا الكتاب كانت بارزة، خاصَّة في الجزء الأخير منه، فنلحظه - أحيانًا- يستسلم لانطباعاته الشَّخصيَّة حول أساتذته، مع الحفاظ على المعالجة الموضوعيَّة.
وقد عنى عناية خاصَّة بالحديث عن دور هؤلاء المشايخ في مسيرته العلميَّة والأكاديميَّة من الصِّدق بدأ أوَّل خيط يشيع هذه الصِّلة التي سنسمِّيها فيما بعد صلة ما بين الأستاذ والمشرف، والدَّارس الطَّالب، ومن الصِّدق بدأ رضائي عنه ورعايته لخطواته الأولى (2).
__________
(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب ابن مسلم الرَّواحي"، ص 09.
(2) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 212. (1/82)
صفحة 83
هكذا يحدِّثنا الكاتب عن أستاذه الدُّكتور شكري فيصل عشيَّة مناقشته لنيل شهادة الدُّكتوراه (الحلقة الثَّالثة) بكلِّ حبٍّ وتقدير، ثمُّ الحديث عن مراحل تعلُّمه في الجزائر ثمَّ مصر والحديث عن الوظائف التي شغلها.
كان محمَّد ناصر يهتمُّ كثيرًا بذكر التَّاريخ في هذه الموسوعة، سواء عند الحديث عن مراحل دراسته مثلاً، ومن أمثلة ذلك قوله: كانت المرحلة التَّالية انخراطي في معهد الشَّباب الذي أصبح منذ 1954 م معهد الحياة الثَّانوية وفي هذه المرحلة تعرَّفت على الشِّيخ بيُّوض عن كثب، إذ كان الشَّيخ يلقي علينا من حين إلى آخر دروسًا في الفقه والأدب (1)، وقوله: وفي سنة 1958 م كنت حينها طالبًا بالسَّنة الرَّابعة بمعهد الحياة الثّانوية اختارني الشَّيخ لأكون مطالعًا وكاتبًا، أقرأ وأكتب ما يحتاج إليه ... وفي هذه المرحلة (1958 - 1962 م) تأصَّلت المودَّة بيني وبين أستاذي وشيخي حيث تحوَّلت إلى علاقة أب بابنه (2)، حتَّى إذا أنهى إجازته "اللِّيسانس" سنة 1966 م، عاد يؤدِّي لجزائره ولمعهده، وعاد يؤدِّي قبل ذلك للعربيَّة حقَّها، فإذا هو يدرِّس عددًا من السِّنين هناك (3).
من الملاحظ أنَّ السِّيرة عند محمد ناصر جاءت حافلة بالأرقام والتَّواريخ، والحديث عن أهمِّ الأعمال والإنجازات التي قام بها هؤلاء المشايخ، إضافة إلى وجود صورهم الفوتوغرافية فرادى أو مع الكاتب، أو في جماعات، وصور أخرى لوثائق أصليَّة كبعض الرَّسائل بخطِّ اليد وبعض المقالات والمذكِّرات (مثل مذكِّرات الشِّيخ بيُّوض أعمالي في الثَّورة)، كلُّ ذلك يضفي على هذه السِّيرة قيمة تاريخيَّة أكبر من القيمة الأدبيَّة.
كان غرض محمد ناصر من هذا الكتاب الذي تناوله أسلوب قصصي موثَّق وبمنهجيَّة تاريخيَّة مسترسلة (4) إفادة الطَّلبة والباحثين في الأدب والتَّاريخ وعلوم الدِّين من هؤلاء
__________
(1) المصدر نفسه، ص 125.
(2) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 125.
(3) المصدر نفسه، ص 213.
(4) المصدر نفسه، الصَّفحة الأخيرة من الكتاب (الغلاف). (1/83)
صفحة 84
المشايخ والعلماء، لأنَّهم روافد علميَّة وأدبيَّة، ودينيَّة، يجب استغلالها والاستفادة منها للنُّهوض بأمَّتنا الإسلاميَّة بعامَّة، وبالأدب الجزائري بخاصَّة.
ولعلَّ من أبرز العلماء الذين تناولهم الكاتب في موسوعته هو الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش الذي خصَّه بمؤلَّف تحت عنوان الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي، وقسَّمه إلى ستَّة فصول، إضافة إلى ملحق، متحدِّثًا من خلالها عن حياة العلَّامة، وثقافته، والمميِّزات الشَّخصيَّة التي تفَّرد بها، وذكر أهمَّ إنجازاته العلميَّة والدَّور الكبير الذي لعبه في محاربة الاستعمار والغزو الصَّليبي للعقيدة الإسلاميَّة في الجزائر.
لقد اختار الكاتب هذه الشَّخصيَّة العلميَّة وأفرد لها مؤلَّفا خاصًا لدوافع عدَّة: أوَّلها أنَّ السَّاحة العربيَّة بعامَّة والجزائريَّة بخاصَّة شهدت أحداثًا واضطراباتٍ؛ نتيجة ظاهرة العولمة والمدِّ الغربي، وكان ذلك كفيلاً باستثارة وعي الإنسان العربي بذاته، والأديب الإسلامي بخاصَّة، ممَّا ساعد على نموُّ الشُّعور بالذَّات الإسلاميَّة، والتَّيقُّن من أنَّ علماء الإسلام هم المنجون من هذا الطُّوفان القادم، وكان أبو إسحاق من بين الشَّخصيَّات التي عاشت الصِّراع الذي دار بين العالم المسلم والمدِّ الاستعماري الفرنسي، فيقول: ويأبى أبو إسحاق إلَّا أن يطعن مواجهًا، ويسلَّ حسامه علانية، ويعلن المقت والعداء للاستعمار، ومن لفَّ لفَّهم جهارًا، ومصرًّا على أنَّ التجربة علَّمته أنَّ أسلوب الصَّراحة والانتقاد المرُّ هو الذي يجدي نفعًا مع أولئك الحكُّام والمستبدِّين (1).
أمَّا الدَّافع الثَّاني فيتمثَّل في اهتمام الكاتب بجانب من جوانب الصِّراع، ووسيلة من وسائله التي تستخدم في ميادين شتَّى، ونعني به جانب الكلمة، الكلمة المؤثِّرة الهادفة التي تحمل المتعة والفكرة، وتؤثر في النَّفس والقلب والعقل، وتخاطب الصَّغير والكبير، وتؤثِّر في تربية الأجيال إثر الأجيال (2).
__________
(1) محمَّد ناصر: "الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي"، جمعيَّة التُّراث، القرارة، طبع المؤسَّسة الوطنيَّة للفنون المطبعيَّة، وحدة الرَّغاية، الجزائر، 1994 م، ص 39.
(2) محمد حسني بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر"، دراسة وتطبيق، مؤسَّسة الرِّسالة، 1998 م، الفصل 2. (1/84)
صفحة 85
كانت الكلمة هي الوسيلة التي مارسها الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي ضدَّ الاستعمار، ولا يجهل أحد دور الكلمة في الحياة، فهي وسيلة مهمَّة تؤثِّر في الفكر والشُّعور معًا، وتسهم في جوانب مختلفة من جوانب البناء الثَّقافي للفرد.
كما أنَّ الكلمة في حدِّ ذاتها - في السِّيرة - عند محمد ناصر تحمل في طيَّاتها عدَّة جوانب وتمظهرات، إضافة إلى الجهاد الإسلامي، واحتوت ما هو سياسي وتاريخي وأخلاقي، حيث يقول في الفصل السَّادس: وهكذا يتبيَّن لنا أنَّ أبا إسحاق يعدُّ أحد هؤلاء الرُّوَّاد الذين حملوا عبء النَّهضة على أكتافهم، يجاهدون في سبيلها بالكلمة المضيئة والفكرة النَّيِّرة، هؤلاء الذين وقفوا بكلِّ حزم وعزم أمام عوامل التَّغريب التي كانت تحيكها أوروبا عن طريق المؤلَّفات والنَّشريات والبرامج الدِّراسيَّة، تسعى في طريقها إلى غزو فكري ومسخ روحي وأدبي ... (1).
أمَّا الملحق فقد غلب فيه الجانب الموضوعي على الجانب السَّردي للسيرة، واهتمَّ فيه بذكر فرقة الخوارج، ووصف أحوالها، كما تناول القرآن الكريم وترجمته ... ممَّا يجعل هذا الكتاب يقترب من البحث العلمي، أكثر من اقترابه من العمل الأدبي الإنشائي.
ويبقى هدف أديبنا الأسمى هو إظهار دور هؤلاء الرُّوَّاد في جهادهم الحقيقي، بالكلمة الطَّيِّبة والفكرة الواعية والأسلوب المؤثِّر من أجل رفع راية الجزائر ومحاربة الاستعمار الفرنسي بخاصَّة.
أخيرًا يمكن أن نقول: إنَّ تصوير الكاتب لمشايخ الأدب الإسلامي، والإباضي منه بخاصَّة في هذين المؤلَّفين كان منصبًّا على تجاربهم العلميَّة والسِّياسيَّة، وانشغالهم طوال سنوات من أجل الدِّفاع عن القضيَّة الجزائريَّة، وهذا ما جعلهم يغفلون الجانب الأدبي ومحاولة حصر اهتمامهم في الجانب السِّياسي والإصلاح الاجتماعي والتَّربوي، محاولة منهم لإصلاح أحوال المجتمع الجزائري وما آلت إليه.
__________
(1) محمَّد ناصر: "الشِّيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي"، ص 119. (1/85)
صفحة 86
ومهما يكن من أمر، فقد أضاف الكاتب من خلال هذين الكتابين تجربة جديدة وناجحة، سلَّطت الضوء على شخصيَّات مهمَّة في تاريخ الجزائر الأدبي والثَّقافي، وتميَّزت تجربته هذه بالتَّنظيم والأصالة والعمق، وكانت رافدًا جديدًا للأدب الإسلامي، إنَّها دراسة حاول من خلالها تقديم نموذج تطبيقي للأدب الإسلامي، وكيف يجب أن يدرس أو يتناوله الأديب الملتزم (1).
الكاتب محمد ناصر نعرفه باحثا محقِّقًا وقاصًّا، وشاعرًا فنَّانًا أصيلاً، لديه من الموهبة ما يجعل القارئ مشدودًا إلى أسلوبه في الشِّعر والقصَّة وحتَّى في السِّيرة، يحمل القارئ على التَّمعُّن في صوره وأفكاره، ويتذوَّق طبعه الشَّاعري وموهبته الفطريَّة، التي تبدو آثارها في كلِّ لون من نتاجها النَّثري والشِّعري، إضافة إلى تميُّزها بالسَّلاسة والعفويَّة مع العمق.
ومن الملاحظ أنَّ الكاتب يستغرق في الصُّورة أحيانًا ليحيط بأطرافها، في القصَّة بخاصَّة، ويغوص مع القارئ، في صغائرها ومنحنياتها، حتَّى يبلغ أقصى حدودها، ويستكشف مغاويرها قبل أن يعود إلى فكرته التي ساق الصُّورة من أجلها، كما يعرض وجوها عديدة للصُّورة المبتكرة وتشبيهات طريفة تؤدِّي دورها في فتح خيال الطِّفل على عوالم أخرى كان يجهلها، ولاسِّيما إذا كان ذلك مرتبطا بصورة السُّلوك أو مناحي التَّفكير عند بطل من أبطال قصصه، أو شخصيَّة من الشَّخصيَّات التي يتناولها في السِّيرة.
ومع ذلك، لا يملُّ القارئ، وهو يسير وراء الكاتب في عرض صوره وشرح فكرته، أو مع هذه اللَّفتات الجانبيَّة المبثوثة في القصَّة أو السِّيرة مثل الرَّسائل الخطِّيَّة بينه وبين مشايخه، وملاحظاته الجانبيَّة في القصص القرآني في سلسلة القصص الحقِّ ولا يشعر بأنَّ الكاتب قد نسي صورة الأحداث، وغرق في الصُّور والأفكار.
كما أنَّ الكاتب أعطى للتَّحليل النَّفسي قدرًا لا بأس به من الاهتمام في هذين اللَّونين النَّثريين، فكان بعد كلِّ حدث أو ظاهرة ما يغوص في أعماق الشَّخصيَّة، فيحلِّل تصرُّفاتها، ويكشف ما يدور في داخلها، فتبدو الحقائق متناقضة مع الأفعال، وما يجول في ضمائر هذه
__________
(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي"، ص 10. (1/86)
صفحة 87
الشَّخصيَّات، وقد يلجأ إلى تداعي الأفكار والخواطر ليكشف عن بواطن الشَّخصيَّات فتبوح بما في النَّفس وتزيد في وضوح الصُّور.
إنَّ حركة الأحداث الخارجيَّة تميل إلى الصِّراع في الجانب القصصي، أمَّا الدَّاخليَّة فتميل إلى الهدوء الظَّاهري في السِّيرة، وتكاد تتوقَّف أحيانًا، إمَّا لاستغراق الكاتب في استجلاء صورة من الصُّور، وإمَّا للغوص في تحليلاته التي غدت بارزة عند الكاتب، وبخاصَّة في المقال النَّقدي.
وليس صعبا على محمد ناصر - ككاتب موهوب - أن يوازن بين حركة الأحداث وبين التَّحليلات والصُّور، خشية أن تتحوَّل قصصه وسيره في بعض فصولها إلى تحليلات سياسيَّة، أو دراسات فكريَّة عن صراعات سياسيَّة.
إنَّ أسلوب الكاتب مشوِّق، يأسر قارئه بسلاسته ووضوحه وقوَّته، ويعجبك بصوره وطرافته، ويقنعك بأنَّ صاحبه فنَّان وأديب متمكِّن وموهوب لم يدخل ساحة المقالة أو القصَّة أو السِّيرة متطفِّلاً أو مغامرًا، وإنَّما دخلها وفي حوزته موهبة أصيلة، وقدرة فنِّيَّة متمكِّنة، وثراء ثقافي وفكري واضح، ومرجعيَّة دينيَّة متميِّزة.
كما أنَّ غزارة الإبداع النَّثري عنده يدلُّ على سعة اطِّلاع الكاتب وقدرته على الاستفادة من روافد الأدب والتَّاريخ الإسلامي، وجدِّيته في طرح الموضوعات المهمَّة من خلال أحداث قصصه، وموضوعات مقالاته حتَّى أصبح من أهمِّ كتَّاب المقالة الأدبيَّة النَّقديَّة في الأدب الجزائري الحديث.
ولعلَّ كاتبنا يحسد على تمكُّنه من الحفاظ على أصول ومبادئ الفنِّ على الرَّغم من غزارة إبداعه الأدبي بعامة والنَّثري بخاصَّة. (1/87)
صفحة 88
الفصل الثَّاني: الإبداع الشِّعري
الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر :
تمثَّلت الأصول التي اعتمدها الشُّعراء الجزائريُّون والمحدِّثون منهم والمعاصرون، في صوغ نظريَّاتهم في الشِّعر وطروحاتهم الفلسفيَّة العامَّة، مع ما تمثَّلوه من فهم للشِّعر العربي ولتقاليده الجماليَّة (1) من جهة، ومن جهة أخرى مع ما استخلصوه من المؤثِّرات الثَّقافيَّة والاجتماعيّة والدِّينيَّة، في إبداعهم الشِّعري، ولعلَّ من توجَّهوا منهم توجُّها إسلاميًّا هم من تداخل عندهم المفهوم والمهمَّة، أو في تفاعل البنية والوظيفة والتَّشكيل والتَّأثُّر في تصويرهم للشِّعر (2)، ولقد ترتَّب على ذلك أنَّ استخدام التَّخيُّل والمحاكاة بمعان متقاربة أو متداخلة لتأدية مقاصد المفهوم والغاية، والغاية هي منطلق إعادة تركيب العالم وفق رؤية المبدع ... -الرُّؤية الإسلاميَّة - ذلك أنَّ الشِّعر بما يتضمَّن من منطق خيالي أو خيال منطقي، يعيد تركيب العالم بضرب من قصديَّة الانحراف عن الطَّريق الأهمِّ والنهج المعتاد (3).
محمد ناصر من الرُّموز الشَّهيرة في الشِّعر المعاصر بشاعريَّته المتميِّزة، ودواوينه الشِّعريَّة المتألِّقة، إلى جانب دراساته النَّقديَّة في الشِّعر الجزائري الحديث والمعاصر، ومذاهبه ومدارسه.
يمثِّل شعره نمطًا جديدًا من التَّجديد يقوم على التُّراث والتَّأثير وفق رؤية إسلاميَّة صقلت موهبته، والمقدرة اللُّغويَّة الفائقة والموسيقى الشِّعرية الرَّنَّانة، التي تعكس تكوينه الأدبي وتأثُّره العميق بشخصيَّات معلِّميه (4)، ويظهر هذا للعيان في منهجه وإبداعه الشِّعري،
__________
(1) الأخضر جمعي: "نظريَّة الشِّعريَّة عند الفلاسفة الإسلاميِّين"، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، 1999 م، ص 27.
(2) المرجع نفسه، ص 27.
(3) سعيد الغزاوي: "مقالات في النَّقد الإسلامي، تأصيل وتخريج، الأحمديَّة للنَّشر، ط 1، 1999 م، ص 28.
(4) محمَّد ناصر: "حياة جهاد ... في رحاب الله"، السِّيرة الذَّاتية والعلميَّة، معهد المناهج، 2008 م، ... ص 03، 04. (1/88)
صفحة 89
بل وفي فكره أيضًا، حيث يقول فيه أحد النُّقَّاد: إنَّ شعره يملك أدوات التَّصوير والتَّخيُّل التي تجعل المجرَّد محسوسًا، والجامد من الأشياء حيًّا، والعواطف السَّائبة مضبوطة، والخيال المبدع خلَّاقا، فصارت الصُّورة الخارجيَّة الواقعيَّة أفكارًا وقيمًا نبيلة، وصارت الأفكار الدَّاخليَّة صورًا ومشاهد موضوعيَّة، هي الفنُّ كما ينبغي أن يكون، نابعًا من الإنسان من حيث هو إنسان، ومتَّجهًا إلى الإنسان تخاطبه فيه ما هو به كان إنسانًا لا شيطانًا رجيمًا ولا ملكًا كريمًا (1).
إنَّ محمد ناصر شاعر إشكالي لا تتأتّى إشكاليته من ثلاثيَّة تكوينه الأدبي والمعرفي؛ لكونه شاعرًا وناقدًا، وأكاديميًّا فحسب، بل من طبيعة شعره وكيفيته الفنَّيِّة، إذ يبدو شعره للوهلة الأولى صلبًا، وخشنًا، يخلو من السَّلاسة اللُّغوية والمرونة والإيقاعيَّة، وجمالية التَّصوير: لكنَّه حين تنجح القراءة بصبرها الضَّروري في الانتماء إلى فضاء هذا الشِّعر وتقاليده ورؤاه والانشغال الحميمي بخصوصيَّة الإشكاليَّة (2)، ستكشف بسهولة ورحابة خطابه وقراءته، وسيبادر بمتعته ولذائذه قبل أن تبادره باحتمالاتها وتأويلاتها.
فالشَّاعر في مواقفه وتجاربه الشُّعوريَّة يرى الحياة وما يخاض فيها على نحو غير الذي يراه العامَّة، فروحه تحلِّق لتتجاوز العلاقات المنطقيَّة التي رسمت لكلِّ شيء، متجاوزًا بذلك القيود الفكريَّة والطبيعيَّة في الواقع، مع الالتزام أثناء هذا التَّجاوز بما يحتِّمه توجُّهه الإسلامي.
عاش محمَّد ناصر في حقبة تاريخيَّة تميَّزت بوجود منعرجات حاسمة في تكوين العقليَّة والفكر الجزائري، كما أنَّ نتاجه الشِّعري صاحب كلِّ مرحلة من المراحل فهو من بين الشُّعراء الذين تداخل فيهم الشِّعر والإصلاح والثَّورة، وهذا التَّداخل الذي جعلهم يتبوَّؤون مكانة الوطني المخلص، أو النَّموذج الوطني الذي من حقِّه أن ينقد ويحاسب أو يحذِّر وينذر (3).
__________
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ط 1، 2004 م، مكتبة وهبة، القاهرة، ص 205.
(2) محمد صابر عبيد: "تأويل النَّص الشِّعري"، عالم الكتاب الحديث، الأردن، 2010 م، ص 07.
(3) عمر بوقرورة: "دراسات في الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 125. (1/89)
صفحة 90
تميَّز الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر بالغزارة، وهذا ما تترجمه دواوينه الأربعة أغنيَّات النَّخيل، في رحاب الله، ألحان وأشجان، الخافق الصَّادق، إضافة إلى ديوانه الخامس الموجَّه للأطفال البراعم النَّديَّة، طبعت متفرَّقة، ونفذت كلُّ طبعاتها من السُّوق، ممَّا جعل الشَّاعر يعيد إخراجها مجتمعة في طبعة جديدة سنة 2010 م تحت عنوان الأعمال الشِّعرية الكاملة للدُّكتور محمد صالح ناصر نشر وتوزيع دار الرِّيَّام.
تضم هذه الدَّواوين قصائد كتبها الشَّاعر منذ مرحلة الشَّباب، عندما كان طالبًا بمعهد الحياة بالقرارة في الخمسينات (1958 م)، وأخرها في سنة 2009 م، أي تغطِّي نصف قرن من حياة الشَّاعر، في مراحل مختلفة من عمره، شابًّا وكهلاً وشيخًا.
يخبرنا محمد ناصر في مقدِّمة هذا الكتاب أنَّ هذه الدَّواوين: تدوِّن مشاعر مرَّت به في أماكن عاش فيها فترات من حياته، ما بين القرارة والجزائر والقاهرة، وعمان ومكَّة والمدينة المنوَّرة (1).
إنَّ هذه الدَّواوين الشِّعرية تعبِّر عن أحاسيس الشَّاعر تجاه أسرته، ومشايخه، وأساتذته، وتصف معاناته في ديار الغربة، وتجسِّد ضعفه وحاجاته المعنويَّة والماديَّة، تصف حالاته المضطربة والمتقلِّبة ما بين السَّلامة والمرض، والاستبشار والاكتئاب، والفرح والحزن (2).
رتَّب الشَّاعر قصائده داخل هذه الدواوين ترتيبًا تاريخيًّا (كرونولوجيا) (3) حسب صدورها وذلك لاعتبارات موضوعيَّة أو محوريَّة، فإنَّه مع صعوبة التَّقويم على أساس الموضوع في الشِّعر، لتداخل الموضوعات في القصيدة الواحدة، فإنَّ العبرة في الشِّعر فيما أحسب هو الصِّدق النَّفسي والفنِّي قبل كلِّ اعتبار آخر (4)، هكذا يعلِّل محمد ناصر اختياره التَّرتيب الزَّمني لقصائده حسب صدورها، ففي نظره أنَّ القصيدة هي قطعة فنِّيَّة جماليَّة،
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، دار الرِّيَّام للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 2010 م، ص 15.
(2) المصدر نفسه، ص 15.
(3) كرونولوجيا: هو التَّرتيب الزَّمني وفق تعاقب الأحداث.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 14. (1/90)
صفحة 91
إضافة إلى ذلك فهي وثيقة تاريخيَّة تسجِّل لبعض الأحداث المهمَّة في حياة الشَّاعر وما يحيط به في مجتمعه وأمَّته وعالمه.
أوَّل هذه الدَّواوين هو "أغنيات النَّخيل" عن الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع (SNED) بالجزائر العاصمة سنة 1981 م، ويضمُّ 33 قصيدة، يعود أوَّلها إلى سنة 1963 م، وآخرها إلى سنة 1980 م. تناولت هذه القصائد مواضيع متنوِّعة، ما بين المناسبات الدِّينيَّة والوطنيَّة والعائليَّة، والتَّعبير عن الشَّوق والحنين إلى الوطن وإلى الزَّوجة والأبناء في ديار الغربة، والتَّغنِّي بجمال الطَّبيعة، والرِّثاء، والاستنهاض.
يصرِّح محمد ناصر بعدم رضاه عن هذه المجموعة الشِّعرية في مقدِّمته للطَّبعة الأولى، سواء من ناحية الأفكار والموضوعات، أم من ناحية الجودة في التَّجربة الشِّعريَّة، لكنَّ قناعته بأنَّ لحظة الإبداع تكتسب قوتها التَّعبيريَّة الشِّعريَّة من حيث كونها بناء للتَّجربة الواقعيَّة التي يعايشها الشَّاعر ويغوص في عمقها ليحقِّق نتاجه الشِّعري، ففي فتنة البعد عن الحبيب الذي يواجه مصاعب الحياة بعيدًا عن حبيبه ووطنه، أو في لحظة من لحظات التَّأمُّل في جمال الطَّبيعة الصَّحراوية، أو في موقف لاستنهاض الهمم لما آلت إليه الأمَّة العربيَّة من ذلٍّ وهوان، أو في مناسبة سعيدة وطنيَّة كانت أو عائليَّة، وفي ظلِّ هذه المصارعة العاتية مع الألفاظ (1)، ومصاعب الحياة ظهرت البدايات الأولى كمحاولات شعريَّة لمحمد ناصر، أين كانت بالنَّسبة له نافذة يطلُّ بها على عالم الشِّعر ومتنفَّسًا على الكون، لم يعتده سابقًا ليتذوَّق الحياة والأدب بمذاق مختلف، في خضمِّ البحث العلمي الأكاديمي لإنجاز أهمِّ مؤلَّف في الأدب الجزائري الحديث، وهو اتِّجاهات الشِّعر الجزائري الحديث، الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة.
هكذا تجمَّعت قصائد هذا الدِّيوان خلال فترة زمنيَّة طويلة، تجمع قطرات واحدة تلو الأخرى في بطء شديد (2).
__________
(1) ألن. أر. جونز: "النَّظريَّة الشِّعريَّة عند ت. أي هيوم (في كتاب الرِّحلة الثَّانية)، ترجمة حيرا إبراهيم حيرا، المؤسَّسة العربيَّة للدِّراسات والنَّشر، بيروت، 1979 م، ص 57.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 23. (1/91)
صفحة 92
إنَّ شاعرنا صانع ماهر، حيث يصوغ عناوين قصائده، مشكِّلة تعبيرات رومانسيَّة متوالية تجسِّد إحساسًا لديه، وتدفع المتلقِّي كي يتوحَّد معه في إغراقاته الذَّاتيَّة، التي هي جزء من إغراقات الإنسان في معاناته الوجوديَّة في مختلف أشكالها وتعدُّد صورها، كما تتجسَّد هذه العناوين: (ذكرى وحنين، لحن من بلادي، من وحي رسالتها في العيد، البراعم والحياة ... ) كلُّ هذه العناوين تؤكِّد انتمائية محمد ناصر الوطنيَّة، والتَّاريخية والثَّوريَّة والدِّينيَّة، وتكشف عن الآليات والأنساق التي يشتغل بموجبها النَّصّ، وتتألَّف بها شعريته وجمالياته الفنِّيَّة (1).
أمَّا الدِّيوان الثَّاني للشَّاعر محمَّد ناصر فهو في رحاب الله، وأغلب قصائد هذه المجموعة كتبها ونشرها في الثَّمانينات، وقد اختار لها هذا العنوان لأنَّ هذه المجموعة تضمُّ قصيدة بهذا العنوان، وهي قصيدة يعتزُّ بها اعتزازًا كبيرًا، ولعل في العنوان أيضًا ما يشير إلى الخطِّ الفكري الذي تسير فيه هذه الأشعار (2).
تتكوَّن هذه المجموعة من 22 قصيدة، كتبها الشَّاعر في ظلِّ فترة زمنيَّة عصيبة، تميَّزت باحتدام الصِّراع بين المعسكرين الشَّرقي والغربي، وبتبعيَّة الدُّول العربيَّة الإسلاميَّة إلى أحد هذين المعسكرين، ويحكم عليها بأنَّها قصائد مناسبات، مبرزًا ذلك بقوله: وهل المناسبة شيء غير القضايا والأحداث التي نعيشها يوميًّا في محيطنا الشَّخصي أو الوطني أو القومي أو الإنساني، ولا أحسب أنَّ شاعرًا مهما ادَّعى التَّجرُّد يستطيع الانفلات من أسر هذه الدَّوائر، التي قد تضيق إلى أن تصبح قضيَّة شخصيَّة، أو تتَّسع لتصير حدثا إنسانيًّا (3).
هذا التَّدفُّق الشِّعري المناسباتي ليس دائمًا في صالح المسيرة الشِّعريَّة للشَّاعر، وبجدلية التَّجربة الشِّعريَّة وما يوازيها من ضروريات ومعطيات تمكُّنها من أن تضيف للإنتاج الشِّعري أو تترك بصمات خاصَّة، نوعية وفريدة في القصيدة.
__________
(1) علي خذري: "شعريَّة الانتماء" دراسات في ديوان أغنيات النَّخيل لمحمد ناصر، مجلَّة الآداب واللُّغات، جامعة ورقلة، الجزائر، العدد الرَّابع، ماي 2005 م، ص 167.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة" ص 147.
(3) المصدر نفسه، ص 148. (1/92)
صفحة 93
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ المناسبة تتيح للشَّاعر وضعًا إبداعيًّا أفضل، فضغط الحدث بشحنه العاطفي المتأجِّج والمستمرِّ يؤدِّي إلى الخروج بالتَّجربة الشِّعريَّة الحقَّة، لذا فإنَّ القصيدة الجيِّدة فنيًّا، هي التي تحقِّق توازيًا جماليًّا بين حدود النَّصِّ وقيمة المناسبة التي قيل فيها، وهكذا جعل محمد ناصر من الشِّعر قيمة إنسانيَّة اجتماعيَّة أكثر منها قيمة أدبيَّة فنِّيَّة.
ألحان وأشجان هو عنوان الدِّيوان الثَّالث للشَّاعر، يضمُّ قصائد كتبها ما بين فبراير 1991 م حتَّى ماي 1993 م، بعضها في الجزائر، وبعضها الآخر في عمان، حيث التحق بالتَّدريس في معهد القضاء الشَّرعي، والوعظ والإرشاد منذ نوفمبر 1991 م، ولعلَّ الطَّابع الذي جمع هذه المجموعة المتكوِّنة من 18 قصيدة هو الطَّابع الذَّاتي الصَّارخ، إذ كان الشَّاعر تحت إلحاح الانفعالات والعواطف التي اعتصرته في هذه الأثناء حين تعرَّضت خلالها الأمَّة الإسلاميَّة إلى هزَّات عنيفة، ومن أجل ذلك تنقَّلت الانفعالات من الجزائر إلى فلسطين، إلى بغداد، إلى عُمَان، إلى سراييفو، إلى مكَّة، إلى المدينة، أحيانًا بدافع فردي شخصي، وأحيانًا بدافع جماعي أممي، وأحيانا استجابة لعاطفة أبويَّة؛ شوقا إلى الأهل والأبناء، وأخرى تنفيسًا عن أشجان دينيَّة؛ حزنًا على مصير المسلمين في البوسنة والهرسك، وقد يتحوَّل الأنين إلى حنين، والأشجان إلى ألحان، فيعبِّر الشَّاعر عن إعجابه الشَّديد بمنظر طبيعي خلَّاب في سلطنة عمان، وقد يكون في وقفة إجلال وخشوع أمام مرابع عالم عظيم مثّل الشِّيخ نور الدّين السّالمي (1) في بَديَة (2) *)، كما قد يتحوَّل إلى سبحات صوتيَّة، ونشوة روحيَّة في بقاع مكَّة الطَّاهرة أو طيبة الزَّاهرة (3).
هذه المجموعة الشِّعريَّة تنمُّ عن الحاجات الرُّوحيَّة الجديدة في نفسيَّة الشَّاعر، وتحويل الذَّات إلى موضوع التَّجربة الشِّعريَّة، فبعد أن غلبت المناسبة في ديوان في رحاب الله، حضرت الذَّات بتقلُّباتها وآلامها، بسخطها ورضاها، وألمها وأملها، وأنينها وحنينها. فهذه
__________
(1) الشِّيخ نور الدِّين السَّالمي: أحد أئمَّة الإباضية بسلطنة عمان.
(2) (() منطقة بسلطنة عمان.
(3) ينظر محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 257 - 258. (1/93)
صفحة 94
المرَّة ليست غربة للدِّراسة في غمرة الشَّباب، إنَّها غربة للعمل والكدِّ في مرحلة عمريَّة صعبة، إنَّها الكهولة لذا أصبح بيننا وبين الشَّاعر بواسطة تلك الموضوعات والنَّماذج، شيء مشترك، يثير فينا -كما أثاره فيه- تجارب خاصَّة، لكنَّها متعدِّدة بتعدَّدنا نحن القرَّاء، ومتنوِّعة بتنوُّع تجاربنا، وهكذا أصبح كلٌّ منَّا شريكا للشَّاعر في استلهام المعنى، وترتيب عناصره، وتشكيل علاقاته وتمثُّل أبعاده (1).
يسعى الشَّاعر بوعي إلى إيجاد ملاءمة فنِّيَّة عالية المستوى بينها وبين خصوصية التَّجربة الحياتيَّة والشِّعريَّة بكلِّ ما تختزنه من تنوُّع وتعدُّد وتمظهر، لذا فإنَّ نضج التَّجربة بهذا المعنى يأتي من فاعلية الوعي بضرورة تحسين كفاءة الأداة الشَّعرية وتحديثها باستمرار، ومضاعفة وعي التَّشكيل بإجراءاته الفنِّيَّة والجماليَّة ذات البعد الإسلامي.
ويعدُّ ديوان الخافق الصَّادق حلقة مهمَّة في هذا النُّضج باتجاه تمثّل أكبر للتَّجربة ورغبة في إظهار وكشف مناطق جديدة فيها، فهو أضخم دواوين الشَّاعر وآخرها، يتكوَّن من 38 قصيدة تضمُّ موضوعات متعدِّدة، ومناسبات مختلفة، ولكن يضمُّها سلك واحد وهو سلك المشاعر الفيَّاضة، لذا أحببت تقديمها مرتَّبة حسب صدورها الزَّمني (2) هكذا يبيِّن شاعرنا الاختلاف والتَّنوُّع في موضوعات القصائد في آخر دواوينه الشِّعريَّة، مرتَّبة ترتيبًا زمانيًّا حسب صدورها في مقدِّمته لهذا الدِّيوان.
أمَّا الجديد في هذا الدِّيوان فإنَّه جاء بعد مقدِّمة الطَّبعة كلمة للدُّكتور مصطفى بن صالح باجو في حفل تكريم المؤلِّف بمسجد المنار بالحميز في 20 ماي 2004 م، بعث بها من مسقط (عمان) أحبَّ محمد ناصر نشرها تقديما لهذا الدِّيوان تقديرًا لصاحب الكلمة الهادفة، والأخوُّة الصَّادقة والتِّلميذ الوفيِّ (3).
تتيح لنا هذه القصائد التَّجوُّل في جنبات المجتمع البشري، فهي مشتركة لأنَّنا قد نقف في موقع الشَّاعر، فنرى الأزمة الوطنيَّة في قصيدة المخاض العسير، ونُحسُّ النِّفاق والذِّلَّة في
__________
(1) عبد القادر الرِّباعي: "جماليَّات المعنى الشِّعري"، دار جرير للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 2009 م، ص 25.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 337.
(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 337. (1/94)
صفحة 95
قصيدة اللِّحى الذَّليلة، ونلمس الحبَّ وعاطفة الأبوَّة الفيَّاضة في آخر العنقود ونستأنس الأخوَّة في أخي في الله ... الشَّاعر العماني، ونعرف معنى الحبَّ الخالد في حبِّ السِّتِّين، ونشهد القدرة الإلهيَّة وضعف الإنسان في حكمة ذبابة.
ارتبط الشَّاعر كيانيًّا بالحياة وكلِّ التَّطوُّرات التي تطرأ في العالم العربي والإسلامي، وأدرك مبكِّرا معنى الاتِّصال بهذا العالم، حين أخذ يتساءل ويبحث ويبادر في الحلول لكلِّ ما آلت إليه أوضاع الأمَّة، من ضياع وجهل وتخلُّف وتبعيَّة للغرب، رافعًا راية الإصلاح بقلم وحرف تميُّز شاعريَّة ورؤية، جمعت أطراف النَّصِّ الشِّعري وألفاظه في نسق إسلامي خاصٍّ، وهي نفسها التي تتفتَّح على العالم الخارجي، بحيث تجعل من الشَّاعر إنسانًا متساميًا، لا يعيش متقوقعا في حدود زمانيَّة ومكانيَّة متينة الأسوار عالية الجدران، ولكنَّه يهدمها ويعلو فوقها ممتدًّا إلى العالم الواسع، على هذا لا يكون تصدِّي محمد ناصر مرتبطًا بحلِّ المشكلات اليوميَّة الطَّارئة في حياته، أو حياة النَّاس في مجتمعه فقط، كما يفعل رجال السِّياسة والاقتصاد والقانون، ولكنَّه يتطاول إلى البحث من خلال تلك المشكلات اليوميَّة، عن حلول أبديَّة لقضايا مصيريَّة تشمل العالم بكونه، وبحركة الإنسان فيه، إنَّه في هذا ينتقل من الجزء إلى الكلِّ، أو من الخاصِّ إلى العام، وهاهنا تتحقَّق العالميَّة الشموليَّة في التَّصدِّي الشِّعري (1).
ويمكن القول: إنَّ نظم قصائد للأطفال أصعب بكثير من نظم قصائد للكبار، إذ على الشَّاعر أن يضع في حسابه كثيرًا من التَّقنيات، ويرصد إزاء ذهنه كثيرًا من الحقائق التي لا تقبل الجدل، ومن هذه الحقائق والتَّقنيات مراعاة المستوى العمري والفكري واللُّغوي والنَّفسي وغير ذلك، إذ إنَّ ما يكتب لطفل في الرَّابعة من عمره يختلف عمَّا يكتب لآخر في الحادية عشر مثلاً، فانشغالات الطِّفل وأهدافه متباينة وطموحاته متفاوتة، لذلك يوصي المربُّون بعدم تناسي هذه الجوانب حتَّى يكون للشِّعر أثره في النُّفوس (2).
__________
(1) عبد القادر الرِّباعي: "جماليَّات المعنى الشِّعري"، دار جرير للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 2009 م، ص 19.
(2) محمد مرتاض: "من قضايا أدب الطِّفل"، دراسات تاريخيَّة فنِّيَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، د ط، 1994 م، ص 62. (1/95)
صفحة 96
بألفاظ بسيطة وسهلة موحية، صاغ شاعرنا للطِّفل قصائد ضمَّنها معانِيَ راقية، وأفكارًا مفيدة، وقيمًا خلقيَّة، حسب المراحل العمريَّة المختلفة.
يعتبر ديوان البراعم النَّديَّة الدِّيوان الشِّعري الوحيد الذي نظمه محمد ناصر للطِّفل، يشمل 18 قصيدة، تنوَّعت فيها مضامين الخطاب الشِّعري؛ سعيًا منه إلى غرس القيم الأخلاقيَّة والدِّينيَّة، والعادات الأصيلة في نفوس الأطفال، مؤمنًا برسالته التَّربويَّة والتَّهذيبيَّة والدِّينيَّة، فلم يبخل على الأطفال بالنُّصح والتَّوجيه والإرشاد؛ آملاً في صنع أجيال واعية ترفع راية الإسلام، وتحقِّق الرَّخاء والتَّقدُّم للوطن.
وبما أنَّ الشَّاعر ذو رؤية إسلاميَّة واضحة، فقد كان لشعر الطُّفولة عنده نصيب من الشَّحنات الدِّينيَّة التي أفرغها في قالب تعليمي تثقيفي. إنَّ الشِّعر التَّعليمي هو ما يحتوي على مضمون تعليمي يهدف إلى إعطاء الأطفال بعض الحقائق، أو يحتوي لونًا من ألوان المعرفة الجديدة، وإن كان من المهمِّ ألَّا يخرج هذا الشِّعر عن مقوِّماته الأساسيَّة (كشعر)، فيتحوَّل إلى مجرَّد (نظم) لا حياة فيه ولا روح ... (1).
أمَّا اللَّون الثَّاني في شعره للطِّفل فيتمثَّل في خطاب الطِّفل الشِّعري، وهو شعر يجري على ألسنة الصِّغار، ويتقمَّص فيه شخصيَّاتهم، ويعبِّر فيه عن آمال الأطفال وطموحاتهم واهتماماتهم المختلفة في شؤون العلم والحياة، ويثير الوعي بمشكلاتهم التَّعليميَّة، والتَّربويَّة ويضمِّنه جوانب تعليميَّة وتهذيبيَّة وعظيَّة، في هذا اللَّون من الشِّعر تتحقَّق الغاية وتحدث الاستجابة بصورة مباشرة، حيث لا وسيط بين الطِّفل وأقرانه (2). هذا اللَّون من الشِّعر نجده في أغلب قصائده في ديوان البراعم النَّديَّة نذكر منها شجرتي الطَّيِّبة، عقيدتي، أمِّي، أبتي، عهدي ...
__________
(1) أحمد نجيب: "أدب الأطفال علم وفنٌّ" دار الفكر العربي، القاهرة، ج 2، 1954 م، ص 151.
(2) دومان غنيَّة: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 95. (1/96)
صفحة 97
ويمكن أن نجد في القصيدة الواحدة لونين من الشِّعر، ما بين التَّعليمي والخطابي. أمَّا النَّوع الثَّالث في هذا الدِّيوان فهو الشِّعر الدِّيني، حيث حرص من خلاله على إذكاء القيم الدِّينيَّة في نفوس الأطفال من خلال منظوماته الشِّعريَّة (1).
في مقابلتنا لمحمد ناصر تحدَّث لنا عن أدب الطِّفل فقال: أنا أكتب للطِّفل من أجل التَّخفيف من معاناته، إنَّ أدب الطُّفولة هادف، يرسِّخ العقيدة الإسلاميَّة، يدعو إليها، يرفع مستوى اللُّغة العربيَّة عند الطِّفل (الجزائري خاصَّة) (2).
الخِطاب الشِّعري :
أين يمكننا أن نضع الشِّعر في قائمة تسلسل الأنواع الإبداعيَّة في أدب محمد ناصر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الواقع الكمِّي للمنتج الإبداعي، فإنَّ الشِّعر قطعًا لا يحتلُّ مكانًا متقدِّمًا في هذه القائمة، إذ ما يفوق من 128 كتابًا (مؤلَّفا) تنوَّع ما بين القصَّة والدِّراسات الفكريَّة والحضاريَّة، البحوث والمقالات في الأدب الجزائري الحديث ونقده، أمَّا إبداعه الشِّعري فينحصر في خمسة دواوين شعريَّة.
احتلَّ محمد ناصر موقعًا ممتازًا على صعيد نشاط البحث العلمي والدِّراسات الفكريَّة والحضاريَّة، إِذْ يُعَدُّ - باتِّفاق- أكثر المهتمَّين بالأدب الجزائري وتأصيله، من أبرز النُّقَّاد الذين أرسوا أهمَّ القواعد النَّقديَّة فيه، خاصَّة في مؤلَّفه دراسات في الشِّعر الجزائري الحديث الذي يشكِّل تراثًا نقديًّا، رافق حركة الحداثة في الأدب الجزائري، وقارب أهمَّ مشكلاتها، أمَّا إنتاجه الشِّعري فمازال عرضة للاختلاف وتباين الآراء في تقدير مستوى أهمِّيته وخطورته في مشهد الحداثة الشِّعريَّة.
بغض النَّظر عن هذا الخلاف الذي يستند إلى قناعات واتِّجاهات ومناهج متباينة في الرُّؤية والتَّفكير، فإنَّ المنتج الشِّعري لمحمد ناصر يستحقُّ في نظرنا المعاينة والتَّحليل في ضوء منطلقات استندت إلى ثقافة واسعة وعميقة، استدلَّ بها محمد ناصر على المناطق الأكثر
__________
(1) المرجع نفسه، ص 96.
(2) حوار مع محمد صالح ناصر يوم 26 - 03 - 2014 م، الأبيار، الجزائر العاصمة. (1/97)
صفحة 98
حرارة وحيويَّة في الشِّعرية الجزائريَّة العربيَّة، وغذَّته في الوقت نفسه بما يكفل شعره قوَّة إبداعيَّة تتجاوز خطوط الحياة في المشهد الشِّعري، وَفق السَّمت الدِّيني والمنطق الإيماني الذي ترعرع في ظلِّه الشَّاعر.
أ- البُعد العقدي:
إنَّ الفهم العميق لعلاقة الشَّاعر بالعقيدة بوصفها مقوِّمًا جوهريًّا فاعلاً ومركَّبا من مقوِّمات تشكِّل الشَّخصيَّة الشِّعريَّة، تعكس رؤية إسلاميَّة، تبرز جماليًّا على الأداء الشُّعري بحساسيته النَّوعيَّة، إذ يقول محمد ناصر في هذا المعنى: فإذا آمن الأديب بأنَّ التزامه نابع عن الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أصبح هذا الشُّعور ذاتيًّا فيه، وبات له مراقبًا ومصاحبًا، وبهذا الإحساس القويِّ في مصدر الالتزام بأنَّه ثابت لا يتغيَّر، ودائم لا يتبدَّل، يصبح أدبه انعكاسًا لإيمانه وعقيدته (1).
إنَّه يعيشها عبر تجربة الإيمان والالتزام وتمثِّل وكشف وتطلُّع، ولا يكتفي بالعمل بها في أموره الدُّنيويَّة، بل يتجاوز ذلك إلى التَّوغُّل في عصبها الدَّاخلي مسلَّحا بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، ويظلُّ محمد ناصر في شعره على مستويات الرُّؤية الإسلاميَّة والتَّقويم ومراقبة حركيَّة التَّجربة الشِّعريَّة التي لا تكاد تخلو من النَّبرة الدِّينيَّة، حتَّى أنَّ بعض قصائده تلحظ سمتها الدِّينيَّة من خلال عنوانها مثل مولد النُّور، لا أمن دون الفتح، في رحاب الله، صلاة لأوراس الثَّورة، أحبُّك والله يا أخي في الله، لن تسقط يايتسي وفيها مئذنة، الهلال والصَّليب، إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ، الابتهال أمام بيت الله، قرارة القرآن، وبشِّر الصَّابرين، تبَّت يداك أبا لهب ...
يستلهم الشَّاعر محمد ناصر من عقيدته روحًا طائرةً في رحاب الله الواسعة في قصيدته في رحاب الله، التي ألقيت في الحفل الكبير، الذي شارك فيه علماء من مختلف أنحاء القطر الجزائري، بمناسبة ختم تفسير القرآن الكريم من فضيلة الشِّيخ بيُّوض إبراهيم (رحمه الله) بعد خمسين سنة من الجهاد في هذا المضمار، الواقع بالقرارة في 23 ماي 1980 م (2).
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضّامري، سلطنة عمان، 1993 م، ص 17.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعرية الكاملة"، ص 150. (1/98)
صفحة 99
تضعك عذوبة العنوان المعرّفة (1) (في رحاب الله) في منطقة وسطى، تصل بين الملكوت الإلهي والأنا الشَّاعرة، السَّابحة في ظلِّ هذا الملكوت فيقول:
الله أكبرُ في رحاب الله كمْ يسمُو الشّعُور وتصغُر الأشياءُ
كمْ في رحابِ الله تَلْتَحِم الهُداة، قلوبهمْ كثِيابهمْ بيضاءُ
تحنُو علَى حُبٍّ، كمحرَابٍ حنا لِله، فِيهِ تَضَرّعٌ ودعَاءُ
ويضُمُّهمْ شبْرٌ، وشِبْرٌ عند بيْتِ اللهِ من نور ِالصَّفاءِ فضاءُ
الله أكبرُ، في رحَاب الله، قفرٌ في الصَّحَارى جنةٌ خضراءُ (2)
تبدو العلاقة بين العبد (الشَّاعر) وربِّه على قدر كبير من الجدل، لاسيَّما حين تأخذ شكلا شعريًّا ينهض على التَّخيُّل، إذ يمنح العلاقة صفاء أكثر، وحيوية أعمق، وغنائية أعلى، على النَّحو الذي يصبح فيه هذا الشَّاعر يجسِّد العبودية الحقَّة لله، ويلغي الأنا الدُّنيويَّة، متضرِّعًا في بيت الله وفي رحابه الواسعة والمتحوِّلة، من المنظر الصَّحراوي القاحل إلى الجنَّات الخضر، بفضل غنى النَّفس وحبِّ الأخوَّة، ورباط العلم.
يواصل الشَّاعر الإغراق في حب الذَّات الإلهيَّة حتى بلوغ درجة التَّصوُّف، فيقول في هذه الأبيات:
أَنا مِنْ جَلالِكَ يَا رِحَابَ الله ... في أفُق سماويٌّ، عَليه رُواءُ
فإِذَا هَذَيْتُ، عُذِرْت، إِنّي ... إخوَتِي فِي نَشْوَة روحِيَّة هَذَّاءُ (3)
ويطول الحديث عن العلاقة بين الشَّاعر محمد ناصر والتَّصوُّف، فيرجع هواه بالصُّوفيَّة، وتعلُّقه بها إلى طفولته، ومنشأ الصِّلة وأصل العلاقة من تكوينه الأوَّل في مدرسة الحياة بالقرارة على أيدي مشايخها وعلمائها، في ظلِّ البياض النَّاصع، والأخضر نبع الحياة.
__________
(1) محمد صابر عبيد: "تأويل النَّصِّ الشِّعري"، عالم الكتب، الأردن، 2010 م، ص 101.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعرية الكاملة"، ص 150.
(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 151. (1/99)
صفحة 100
فهو لم يعرف التَّصوُّف من خلال القراءة فقط، وإنَّما عرفه بالنَّشأة، والحسِّ والسَّعي، وفي أعماله الإبداعيَّة نرى تأثيرًا كبيرًا بأقطاب العقيدة المتصوِّفة الكبار، وبما تركوه وأنجزوه من آثار مهمَّة في هذا المجال، فيقول:
يا خاتمَ القرآن، أيّة رحلة ... ختّمتَ، تودُّ لو أنَّها إبداءُ
لك خاتمَ القرآن أجرُ ... مجاهد، أنفاسه تضحية وفداءُ
خمسون عامًا، في رحاب الذِّكر ... والآيات صادعة بها غرَّاءُ
خمسون عامًا، لمْ يهُْن لك في ... سبيل الله صوتٌ، أو يبُحُّ نداءُ
يا رحلة علويَّة الأنفاس، يعجز ... عن مداها الشِّعرُ والشُّعراءُ (1)
وفي قصيدة أخرى تدمع لها العيون، وترفُّ لها القلوب، ليس شفقة على حال الشَّاعر، وإنَّما وقفة ذهول أمام هذه النَّفس الشَّاعرة المتعلِّقة بحبل الله والمشبعة بالإيمان، حتَّى في أوقات الضِّيق تلجأ دائمًا لرحاب الله الواسعة ورحمته اللَّامتناهية، صابرة على البلاء، بل تجعل منه وسامًا يرفع من درجتها، ويقوِّي إيمانها، ويزيد في حبِّها لله. في قصيدة وبشِّر الصَّابرين التي يقول فيها الشَّاعر:
يَا رَبّ يَا ذا المِنّة المنّاحُ ... أنتَ الرحيمُ، إذا قَسَتْ أتراحُ
وجَّهت وجهي للذي فطرَ السَّما ... ء، فأشْرقَتْ في قلبيَ الأفراحُ
وتفتَّقَتْ للآي يَدْعوني توكْـ ... كَلْ فالطَّريقُ يُضيئُه المصباحُ
يا ربّ أنتَ بَلَوْتَني وشفيتني ... وأضأت قَلبي، كيف لا أرتاحُ (2)
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 394. (1/100)
صفحة 101
يتَّخذ الشَّاعر من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحبَّه الله ابتلاه" في الأرض قاعدة، ومن الرُّسل أولي العزم أمثلة على هذا الابتلاء فيستجمع قوَّته، ويجدِّد إيمانه، ويقوي عزيمته أمام مفاتن الحياة وملذَّاتها فيقول:
ونسيت حتَّى صبيتي، وشريكتي ... والأهلُ ليس بغيرهم أرتاحُ
لي أسوة بالأنبياء الصَّابرينَ ... فعزمهم لي قدوةٌ وسلاحُ
أيُّوب، إبراهيم إذ وفَّى ويو ... نس، كم سعدتُ بهم وهمْ أرواحُ
عيسى وموسى، آدم، أو صالح ... نوح، ويحي، إذْ رَمَتْهُ رماحُ (1)
اتَّخذ الشَّاعر محمد ناصر موقفا حياتيًّا ثابتًا لا يحيد عنه، العقيدة أساس كلِّ شيء، من العلاقات الاجتماعيَّة إلى الحالة النَّفسيَّة، إلى العلاقات الأخويَّة، إنَّها بالنَّسبة له ليست منهجًا للعبادة، بل طريقة في الحياة، ولا يمكننا أن نجزم في القول بأنَّ هناك عملًا من أعماله يخلو من الرُّؤية الإسلاميَّة، أو يخفي التَّوجُّه العقدي للشَّاعر، فهو يتفاعل مع المناسبات الإسلاميَّة في تعبير تعبُّدي نابع من طبيعة النَّفس التي تنهل من الفيض النُّوراني - الدِّين الحنيف - غير أنَّه يؤخذ في الاعتبار أنَّ جلال الموضوع ليس هو المعتمد فقط من النَّاحية الفنِّيَّة، وإنَّما تتجلَّى البراعة الفنِّيَّة في مدى جودة التَّعبير وسموُّه، فهو لا يجنح إلى التَّحقير، ولا يميل إلى التَّقدير الجاف.
ب- الوطنيَّة والقوميَّة الإسلاميَّة في شعره:
إنَّ الشِّعر عند محمد ناصر ينطلق من مهمَّة كونيَّة إنسانيَّة، تنشد التَّغيير للواقع المعيش في الأمَّة الجزائريَّة والإسلاميَّة، فكان نصُّه الشِّعري تجاوزيًّا، كما يصنِّف عمر أحمد بوقرورة هذا اللَّون من الشِّعر في قوله: يشكِّل هذا النَّصَّ- نصَّ التَّجاوز- في ظلِّ السَّند العقدي الذي يمنح للشَّاعر فرصة العيش في النَّموذج الكائن في الأعماق، أو في عوالم زمانيَّة ومكانيَّة أخرى، ويمثِّل هذا النَّصَّ مجموعة من الشُّعراء الذين تداخل فيهم الوطن واللُّغة والعقيدة،
__________
(1) المصدر نفسه، ص 395. (1/101)
صفحة 102
فجاءت القصيدة عندهم نموذجا خاصًّا يحكمه منطلق الرَّفض الإيجابي، الذي يحيلهم إلى تجاوز الواقع والبحث عن صيغ الإيجاب التي تؤهِّلهم للحياة (1).
وبهذا فمهمَّة الشَّاعر هنا تتفتَّح على آفاق عظيمة ومهمَّات أخطر، أبعد كثيرًا من حدود الغناء واللَّعب باللُّغة، وذلك بالاستثمار الواضح لمبادئ العقيدة الإسلاميَّة ومقوِّمات المجتمع العربي. من خلال مراجعة استقرائية لشعر محمد ناصر في دواوينه الخمسة، تبيِّن لنا أنَّها تكاد تلخِّص -على نحو ما - تجربته الوطنيَّة والقوميَّة، فكلُّ ديوان يحتوي على نسبة كبيرة من القصائد الوطنيَّة والثَّوريَّة، تعبِّر عن الواقع الإسلامي المعيش، في ظلِّ هيمنة الغرب الصَّليبي، ومن أهمِّ هذه القصائد فرحة النَّصر، عيد بلا دموع، انتصار وانكسار، لا أمن دون الفتح (2).
يقول في إحدى قصائده عيد بلا دموع التي ألقيت في الذِّكرى الأولى للفاتح نوفمبر، وهو عيد النَّصر في الجمهوريَّة الجزائريَّة الدِّيمقراطيَّة الشَّعبيَّة، وكان ذلك الاحتفال قد أقامه الطَّلبة الجزائريُّون بنادي الوافدين والمبعوثين في القاهرة 01 - 11 - 1962 م (3).
أيّهَا الشّعْبُ يَا قويُّ تَقَدّمْ ... هَا هو النّصرُ قَد أتَاك لِتَنْعمْ
هَذه أرضُنَا وهَذِي سَمَانَا ... نَحن أحرَار فوقَهَا نَتَحَكّمْ
سر عَليْها بقُوّةٍ وثَبَاتٍ ... شَامِخَ الأنفِ لَن يَصُدَّك مُجرِمْ
أيُّ زهو يهزُّنا حين يُصغَى ... خَطوُكَ اليومَ فوقها يتكلَّمْ
تَحضُن المدفَع الثّقيلَ وَتَرنو ... مؤمنًا للأمَام وَالقَلبُ مُفعَمْ
__________
(1) عمر أحمد بوقرورة: "دراسات في الشِّعر الجزائري المعاصر"، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، ص 88.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة" الفهرس.
(3) الأعمال الشِّعريَّة الكاملة، ص 47. (1/102)
صفحة 103
يدافع الشَّاعر هنا عن كيانه وانتمائه ونصره الحديث العهد، أمام الخوف والقلق الذي يعتريه بالأمس، مع التَّطلُّع إلى غد أفضل، إذا تمسَّك هو وشعبه بالعقيدة الإسلاميَّة والوحدة الوطنيَّة.
وفي ظلِّ هذا الانتشاء بالنَّصر يتذكَّر الشَّاعر ألمه وأحزانه؛ لأنَّه لم يعرف طعم العيد بعد، هو وشعبه الجريح قائلا:
ما هو العيد؟ لَيتَ شعري إنَّا ... لم نَذق قَبلُ طَعْمَه غَيرَ عَلْقم
لَم نَزَل نَجهَل السّرورَ، فَقَد كَا ... نَتْ جميعُ الأعيَادِ دَمعا ومَأتَمْ
أيّ عِيد لأرْملٍ تَتلظَّى ... ولثَكلَى مَهولَة ولِأيِّمُ
ويَتِيم رَأَى الحَيَاةَ شَرِيدا ... دَامِعَ العَيْنِ وَالفؤادُ مكلَّمُ
لَمْ يُهَدْهدْهُ في السّرِيرِ غِنَاءٌ الـ ... أُمِّ بَلْ هَزَّهُ الرَّصَاصُ المُدمْدمُ (1)
تتنامى النَّغمة الجريحة في هذه الأبيات، تندب حالة الشَّعب الجزائري بعد الاستقلال، فعلى الرَّغم من الفرحة، إلَّا أنَّ موجة من التَّشاؤم تغمر الشَّاعر لما آل إليه أبناء وطنه.
وفي ظلِّ المتغيِّرات الحضاريَّة السِّلبيَّة منها والإيجابيَّة كتب قصيدة أخرى، تعتبر من أجمل قصائده الوطنيَّة، سواء من النَّاحية الشِّعريَّة الأسلوبيَّة أو من ناحية الشَّكل الحداثي، والمتمثِّل في التَّفعيلة (القصيدة الحرة)، ألقيت لأول مرَّة بمدينة قسنطينة، بمناسبة مؤتمر الأدباء العرب العاشر المنعقد بالجزائر في أفريل من سنة 1975 م (2)، يقول فيها:
أمِيرتِي
يَا سِتَّ الحسْنِ والجَمَال
وَددْت أنْ أكونَ في هوَاكِ شَاطِركْ
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 131. (1/103)
صفحة 104
وَأن أَكون في رِضَاكِ أمِيرَتي مثَالْ
وَدِدت أن أهْدِيك كلّ شيْء بَاهركْ
وَلَوْ أتيْت بالتّفاحَةِ السّحْرِيّهْ ...
منْ جَزِيرَةِ الخَيَالْ
أن تصْبح النُّجوم في يَدي جوَاهرَكْ
وأمتَطي لأمْرك الرِّيَاحْ ...
وأخْرَق الجبَال (1).
يأمل الشَّاعر في هذه الأبيات أن يكون مواطنا مثاليًّا صالحًا، ساعيًا إلى بلوغ حدود الكمال الإنساني، فالحبيب دائما يسعى إلى إرضاء محبوبه، والعاشق متيَّم في عشقه لا تردعه حدود، ولا يَعُوقُهُ المستحيل. استحضر الشَّاعر الأسطورة في محاولة منه لإرضاء الأنا العاشقة، وليست للتَّكفير عن تقصير ما، فالتُّفاحة السِّحريَّة وجزيرة الخيال وامتطاء الرِّيَّاح ... ، كوَّنت لنا هذه العبارات تشكيلات جماليَّة داخل القصيدة، يدرك من خلالها القارئ الأبعاد الفكريَّة والشُّعور الوطني المختزن في ظلِّ المعادل الموضوعي.
يندفع هذا التَّجلِّي الرَّمزي بكلِّ ما يكتنزه من معطى كثيف وحيوي إلى المساحة الريَّاضيَّة للتِّقنيات والآليات ليجوهرها بذاتيِّته المشبعة بالثَّراء والغنى، ويدفعها بمزاجه الشَّخصي موجِّهًا إيَّاها إلى أسلوبيَّة عمل فريدة واستثنائيَّة شديدة الخصوصيَّة، تكشف عن سعي الشَّاعر إلى البحث عن الكلمة الصَّعبة المحدَّدة، الشَّخصيَّة (2)، وتحسم الأنا الشِّعريَّة، في ظلِّ محاولة إثارة الحسِّ الملحمي داخل النَّصِّ بفاصلة شعريَّة (لكنَّني فشلت يا أميرتي)، يقول:
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 131.
(2) أنظر: سلمى الخضراء الجيُّوسي: "الاتِّجاهات والحركات في الشِّعر العربي الحديث"، ترجمة د. عبد الواحد اللُّؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت، ط 1، 2001 م، ص 730. (1/104)
صفحة 105
لَكنّني فشِلتُ يَا أمِيرتِي ... فلمْ أصلْ مَقاصِرَكْ
ولمْ أصرْ عَلَى هَوَاي فِيكِ شَاعِركْ
فلمْ يَعدْ هَوَاك يبتغي بِالشّعِر والخَيَالْ
وأنتِ في العِشِرين لمْ يعدْ ِرضَاِك في سَذَاجَةِ الأطفالْ
فَيُقتَنَى بِلعبة الألفَاظ، أو خرَافَة تقَالْ (1).
إنَّ هذا الانحراف عن المسار التَّأمُّلي والتَّطلُّع نحو المستقبل ينمُّ عن شحنة انفعاليَّة، توجِّه الشَّاعر المصطدم بعالم الواقع المرِّ، في ظلِّ تداعيات المتغيِّرات الحضاريَّة، داخل المجتمع الجزائري المسلم، بعد أن أصبح المجاهد سياسيًّا، والعربي فرنسيًّا، والإسلامي شيوعيًّا، والموظَّف مرتشيا .... إنَّه ليس المجتمع المثالي الذي ضحَّى من أجله مليون ونصف المليون شهيد، المجتمع الذي يحلم به الشَّاعر.
هكذا ينتقل من التَّغنِّي بجمال طبيعة الجزائر وبأمجاد الماضي إلى سؤال يستوقف الزَّمن ويضع عدَّة علامات للاستفهام في قوله:
هَلْ تَحْرمين منْ هَوَاكِ عَاشقًا؟
لَمْ يَكتبْ الأشْعَار لَوْلا الوَحْي مِنْ عَينَيك (2).
وجد محمد ناصر في حبِّه لوطنه نافذة يطلُّ منها على الوجود والكون، فلا حياة ولا أمل إلَّا في حبِّه للجزائر، فهل هو من المرحَّب بهم؟، هل يوجد له مكان؟، هل لتوجُّهه الإسلامي المحافظ ولنزعته القوميَّة الإسلاميَّة مجال أو مكان؟.
تحلِّق روح الشَّاعر لتتجاوز كلَّ العلاقات المنطقيَّة التي رسمت لكلِّ شيء، لأنَّ حبَّه لوطنه يجاوز المعقول، وما يؤكِّد حيويَّة تجربته الشُّعوريَّة توظيفه لمفردات غزليَّة مثل (اهتزاز نهديك ... لون وجنتيك ... تلهَّفي إليك ... يقبِّل ثغرها أنفاسك العذراء)، أصبح حبُّ
__________
(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 132.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 133. (1/105)
صفحة 106
الوطن محور التَّغيير في فهمه الذَّاتي لمبادئ الحياة من جهة، وفي نوعيَّة العلاقات اللَّفظيَّة اللُّغويَّة، المصطلحات الغزليَّة، التي توحي بذلك الفهم، وتعمِّق أثره ودوره من جهة أخرى.
هكذا جعلت الألفاظ اللُّغة جسديَّة أكثر، ومكانيَّة أكثر، اتَّحدت هذه الواقعيَّة في كيان واحد، وهو الوطن، رابطة بذلك ما هو مادي بما هو معنوي، وللهوى هنا تفسير خاصٌّ للوجود، يختلف عن التَّفسيرات الأخرى التي تجعل للأفراد ألوانًا من السُّلوك، موزَّعة بين الممنوع والمسموح، الخطأ والصَّواب، أو المكروه والمحبوب، أو البعيد والقريب، أو العدوِّ والصَّديق، إنَّه حبٌّ عذري مسموح مصرحّ به حبّ الوطن حبّ إيماني؛ بصفته حركة شعوريَّة إنسانيَّة نبيلة اتِّجاه الوطن، الذي يعيش فيه وينتمي إليه الشَّاعر، كما أنَّ استفهاميَّة الذَّات الشَّاعرة داخل المتن النَّصِّي لا تقصد الاستفهام، بقدر ما تقصد تقرير حقيقة مستمدَّة من معرفة (1) مدى تقصير الشَّاعر في حبِّه لوطنه، وهل قصيدته في مستوى هذا الحبِّ أم لا، إنَّه حبٌّ تعبُّدي بالنَّسبة له، فيقول:
حبِّي إليكِ يا حبِيبتِي
لا، لن تطيقَهُ بحورُ الشّعر ... لن تُقِلَّهُ أوزانُه إليكِ
حبِيبتِي
في عِيدكِ العِشرِين
إن لم تُطِربك نَغْمتِي وَهِي التِي ....
وقَّعتها مِن اهتِزازِ ناهديك
إن لم تَرُعْك بالجمال باقتِي
ولونها من لون وجْنتيك
إن لم تغازل ليلك الورديِّ شمعة
__________
(1) ينظر: محمد صابر عبيد: "تأويل النَّصِّ الشِّعري"، ص 159. (1/106)
صفحة 107
ولم يُقًبِّلْ ثَغْرُهَا أنفاسك العذراء أو يديْك
شعري الذي ذَوَّبْتُه من مُهْجَتي
إن لم يَسْلبْك بالهَوَى
ولم يهيّج مشاعرًا لديك
فإنّه أرْوَع من قصيدتي
أبدعُ من رَنين فرْحتي
أفراح الحبّ والعناق في كيانِ أمَّتِي
بعيدك العِشْرين
أميرتي
سألت عنك يوم عيدك العشرين
فقيل لي: لم تسهري تخاصرين (الجيرْك)
حتى مطلع الصّباحْ
وقيل لي: لم تَغْرقي في الكاِس
ولم تُسَامري العَوَاءَ والنّبَاحْ
وقيلَ لي: لَمْ تَرحَلي بِفَارسٍ
في غُرْفَة وَرْدِيّة تَلهَث بِالجِرَاحْ
وَلَم تبَهْرجي وجْهَك يَا سيّدَة الملاحْ
كَلوحَة تخَاصَمتْ في سطْحهَا الخطْوط وَالألْوانْ
وَلَمْ تُقنبلي بصدْرك الشّيوخ والشّبّانْ
فأنْتِ مِثْلمَا ربَّاك عُقبةَ الفهري منْ زمانْ (1/107)
صفحة 108
عَفِيفَةَ الخُطى، جِدِّية رزانْ
لا تلْبَسين غَيرَ بَذلة زَرقَاءَ
في المَسَاء وَالصّبَاحْ
فَليْلْكِ اليقظان سَاهر في أعين الجنودْ
وَفوهَةِ السّلاحْ
وَفَجرُكِ الوَضِيء مُشْرقٌ ...
مِنْ جَبْهَةِ العُمّالِ وَابْتِسَامَة الفَلّاحْ (1)
تقوم الذَّات الشَّاعرة المقنَّعة على تشكيل أنموذج مثالي للوطن برؤية إسلاميَّة، تختزل ذات الوطن في نسقين كبيرين، الأوَّل ذاتي صرف، يكشف عن خصوصيَّة إنسانيَّة، تمنح الشَّخصيَّة هويَّة إسلاميَّة تلوَّن بطابع العفَّة والطُّهر والصَّفاء (لم تسهري، لم تغرقي في الكأس، لم تسامري، لم ترحلي بفارس، ربَّاك عقبة الفهري عفيفة الخطى ... ).
أمَّا النَّسق الثَّاني فيتمتَّع بالقوَّة والمنعة والانفتاح على لقطات صوريَّة متجانسة (لا تلبسين غير بذلة زرقاء، فليلك اليقظان ساهر في أعين الجنود) بحيث توحي كلُّ لقطة عن إيحاءات إيجابيَّة تنمُّ عن عزَّة الجزائر في عمل واتِّحاد أبنائها، لاستكمال بناء صرح العزَّة والكرامة التي وضع أساسه شهداؤنا، معزَّزًا بعقيدتنا وعُرْفِنا.
إنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة الشِّعريَّة في هذه القصيدة تنتقل إلى التَّصريح اللِّساني المتكشِّف عن تفوُّق تعبيري قادم من روح التَّجربة الوطنيَّة (القوميَّة الوطنيَّة)، الماثلة في موجبات الرُّؤية الإسلاميَّة وتجلِّياتها (عقبة الفهري، عفيفة ... )، عابرة إلى مستوى حيوي يعمل على الأرض (أعين الجنود، فوهة السِّلاح، جبهة العمَّال، ابتسامة الفلاَّح)، يفتح المجال واسعًا
__________
(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 133 - 135. (1/108)
صفحة 109
لإنجاز الحلم الذي تمظهرت تباشيره في عتبة العنوان خمس بطاقات إليها في عيدها العشرين، يبلغ التَّركيز الإشاري والتَّكثيف الرَّمزي أقصاه (1) في الأبيات التَّالية:
سَأَلْتُ عَنْكِ في أَقْبيَةِ الأكْوَاخِ
في قُصُورِ الاصطيافْ
نَقَّبْتُ عَنْكِ (دوسهات) الحَيْفِ والاجحافْ ...
تَعَفّنَتْ في مَكْتَبِ المدِير مِن أَعْوَامْ
في شَعْرِ سكرتيرة حسناءْ
صباحُها جَريدَةٌ ... مساؤها غرامْ
أتيتُ من تَلَهُّفي عليْكِ
في سيّارة سوداءْ
غَريبَةِ المِقْودِ والعينينْ
شرقيّة الأوصافْ
لكي يُقَال إِنَّني تَقَدُّمِيُّ الفِكْر واليدينْ ...
أَرْسَلْتُ لِحْيتي مثل جيفارةَ باسْتِخْفَافْ
أصْبَحْتُ من حمَّى الكرسيّ يا حبيبتي
مغامرا أطاول النّجوم والأكتافْ
أجمعُ الألقابَ والرَّشَاوَى في حقيبتي
وأشترى بزيفها الأنذالَ ولأَشْرافْ
مشيتُ فوقَ حافةِ الدّينار من شطارتي
__________
(1) محمد صابر عبيد: "تأويل النَّصِّ الشِّعري"، ص 238. (1/109)
صفحة 110
مُقَامِرا أزَيِّف الأرقامْ
وأدَّعي الكَفَافَ وَالعَفَافْ
كتبتُ عنكِ في جرَائد الصّباحِ والمساءْ
بالأحرف الكبيرة الحَمْرَاءْ (1).
إنَّ التَّساؤل مشحون بالخوف والعناء والتَّلهُّف، الذي ينطلق من لسان الذَّات الشَّاعرة، يكوِّن لنا صورًا تعكس الحياة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في ذلك الوقت، حسب منظور الشَّاعر، معتمدًا على مرتكزات جعلت رموزها (الدُّوسيهات، سكرتيرة حسناء، سيَّارة سوداء، غريبة المقود، شرقيَّة الأوصاف، تقدَّمي الفكر، جيفارة ... ) تنحصر في صور نتبيَّن من خلالها مدى الهمِّ المستكين في نفس الشَّاعر من واقع يمقته في إدارة بيروقراطيَّة وبعض الظَّواهر السِّلبيَّة التي ظهرت في المجتمع.
من هذا الجوِّ المتوتِّر، من البحث المتواصل في ظلِّ المتغيِّرات الحضاريَّة التي تلفُّ محيط الشَّاعر، ومن بين السُّكون والظَّلام في تصوير فوتغرافي مجازي (برَزْت لي بوجهك الوضيء، في ابتسامة الشَّهيد) دلالة على الوصول إلى المبتغى، إنَّه الوطني، الذي يتمنَّاه الشَّاعر بكلِّ ما يحمله من معاناة وأفراح ومقوِّمات وانتماءات داخل مجتمعه وأمَّته، هذه الأبيات هي استعراض لتجارب الحياة العامَّة في رأي شاعر، فهو يستعمل الشِّعر للتَّخفيف من آلامه وأحزانه (2)، ولكنَّه تحوَّل إلى الاتِّجاه المعاكس، الضِّفة الأخرى التي يعارضها ويحارب ما تدعو إليه.
لم يقف محمد ناصر عند حدِّ المشاركة في القضايا التي تهمُّ وطنه، لكنَّه نظم قصائد أخرى تناول فيها بعض ما يقع في البلدان العربيَّة، التي تكافح ضدِّ الظُّلم والاستعمار، على نحو ما يتَّضح في قصيدة درَّة في جبين النَّصر، التي يتناولها الشَّاعر في مناسبة اغتيال أحمد
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 136 - 137.
(2) محمد عبد المنعم خفاجي: "حركات التَّجديد في الشِّعر الحديث"، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندرية، ط 1، 2002 م، ص 78. (1/110)
صفحة 111
الدُّرَّة، أحد أطفال فلسطين الذين يسقطون يوميًّا بيد الغدر والإرهاب على مرأى من أعين العرب وقادتهم، رفع شاعرنا محمد ناصر قلمه وخطَّ شعرًا تخشع له القلوب وتدمع له العيون وتستنهض له الهمم والنُّفوس، فيقول في قصيدته:
يَخوننِي الشِّعرُ عُذرًا فِيك يا ولدي ... تَقَزَّم الشعْرُ حَتى ذَابَ من كَمَد
وطَأْطَأْ الرَّأْس للإذْلالِ يرْكَبُه ... هَذَا الزَّمَان كمثْلِ العيدِ والْوتد
أُكَابِدُ العَار، يَشُويني ويَجْلِدني ... وذَاك يَعْصرُ قَلبي منْ ضنى عُقدِي
وينبتُ المِلْحُ فِي حَلقِي وأشْرَبُه ... دمْعًا مَرِيرًا، شَظَايَاهُ شوتْ كبِدِي
وفي فَمِي يَبَسٌ مِن هولِ فَاجِعتِي ... وكمْ كَممْتُ فَمِي حتّى تَخُطَّ يدِي
ويصرخُ الحزْنُ في وعيي وَأَورِدَتي ... وَلَيْس يَشفي الصّراخُ الحزْنَ يا ولدي (1)
بهذه البساطة في الجملة الشِّعريَّة، مع الحفاظ على جماليَّة الصُّورة ومباشرتها يتوجَّه الشَّاعر إلى الطِّفل محمد الدُّرَّة؛ معبِّرًا له عن مدى إحساسه العميق بالألم والحزن والإذلال لما آل إليه الوضع في فلسطين، هذا الوضع الذي جعل من الطِّفل كبش فداء يقدَّم قربانا للصُّهيونية.
يواصل الشَّاعر البوح بآلامه المريرة إلى أن يصل في قوله:
دَع القَصِيدَ فَقدْ بَارتْ (عُكَاظ) أَسًى ... وحُوصِرَ (المربَدُ) المحزُونُ بِالرَّصَد
وَصُودِرتْ مِنْ حَمَامِ البَيْتِ رفّتُهُ ... كَمَا يُقصُّ جَنَاحُ الصَّقْرِ فِي بَلَدِي
وكُلّنَا قَاعِدٌ فِي حضْنِ قَاعِدَة ... نَبنِي القَواعِدَ للغرْبَانِ وَالصّرد
فارْسلْ صَلاتك تَفْدي القُدْسَ مِنْ محَن ... وَارْسل صلاتَك للأطْفَالِ فِي الصّفَد
هَذِي قُصَاراكَ، كَمْ للسّلمِ مِنْ نِعَم ... تَبَارك السّلْم (شالومٌ) عَلى القُعُد
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 376. (1/111)
صفحة 112
خَسِئْتَ يَا زَمَنِي المَأْفُون يلْسَعنِي ... سَوْطٌ (لشارونَ) فِي وَجْهِي ومُعتَقَدِي
وَإخْوَتي وَبَنُو عَمِّي تَمُدّ لَهُ ... سَيْفا وَعَهْدا مِن التّسْلِيمِ للأبَدِ (1)
تتنامى القصيدة في هذا المقطع، أين يتطرَّق الشَّاعر إلى ومضات من الماضي العربي، وما آلت إليه حالة المسلمين من خنوع وذلَّة، إذ تأتي الأبيات زاخرة بعاطفة الغضب والسَّخط، مفعمة بالتَّصوير الموحي الشَّفَّاف، ممَّا يعطي للقصيدة نبضا لا يتوقَّف بانتهاء حياة محمد الدُّرَّة، بل يمتدُّ في جذور الماضي والحاضر إلى المستقبل، ويتَّضح ذلك بجلاء حين يقول:
دَع المَكَارِم لاَ تَرْحَل لبُغيَتِهَا ... وَاقْعدْ فَإِنكَ فِي أمْن وَفِي رَغَد
وتَزْدهي (خيْبَرٌ) يُحيِي النّفاقُ بِهَا ... سوقَ التّجَارَة، فَيَا لَلْغُبْنِ وَالنّكَد
وَ (طيبة) تحْتَ ظِلّ النّخْلِ سَاكنَةٌ ... و (مكّةٌ) عَكفَتْ فِي البَيْتِ مِنْ كَمَد
و (قلْعَةُ العزّ) و (البتْراءُ) أوصَدَتَا ... بَاب الجهَاد، فَمَا فِي البيْتِ مِنْ أَحَد
إلّا نَشيجًا عَلا يشْقَى بِه (بردَى) ... يرْثي (بحمصَ) سُيوفَ الفَتحِ والجَلَد
عَادَتْ بِه فِتْية (عِنْدَ الجَنوبِ) لَهَا ... مَلاحِمُ النّصْرِ وَالتّمْكينِ مِنْ أُحُدِ (2)
نلاحظ في هذا المقطع الملامح الإسلاميَّة، التي تكسب التَّجربة الشِّعريَّة عمقًا وخصوصيَّة حتَّى لو كان الموضوع ليس دينيًّا، فالشَّاعر في القصيدة ينطلق من موقف قومي عربي، ويجنح إلى استنهاض الهمم والغيرة على الإسلام والمسلمين في بلاد فلسطين، متوجِّها بهذا الخطاب الشِّعري إلى كلِّ العرب والمسلمين في الشَّرق والغرب، في طيبة مدينة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، إلى العراق، إلى الشَّام، إلى مصر، متمنِّيا عودة أمجاد الأمَّة، وآملاً وحدة الصَّفِّ الإسلامي.
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 377.
(2) المصدر نفسه، ص 377. (1/112)
صفحة 113
يكسب هذا الطَّرح الشِّعري قوَّة تأثير، ويثريه بالعاطفة الصَّادقة، وذلك ما نلحظه حين يناجي الشَّاعر ذات الشَّهيد وشباب فلسطين قائلاً:
(يَا دُرّةً) في جَبين النّصْر لامعَةً ... تَوَهّجَت منْ (حَمَاس) الآي بالمَدَد
يَغْلي بهَا القلْبُ كَالبركَان هَائجَةً ... فَلَيْسَ يُخْمدهَا (الحجَّاج) بالْعَدَد
جيلُ الحجَارَة كالإعْصَار مُنْتَفضٌ ... وَفي الحجَارَة نَارٌ لَيس في الزَّبَد
وَجذْوَة القُدْس عَينُ الله تَحْرسهَا ... ولَيْسَ يطْفِئُهَا النَّفَّاثِ في الْعقَد
مَسْرَى الرّسُول إلَى العَلْيَاء كَمْ عَبقَت ... بألْف ألْف شَهِيد للسّمَا صعُد
وَوَعدُ ربّكَ في (الإسرَاء) مُرتَقَب ... ومَا نَشُكُّ بوعْدِ الوَاحِدِ الصَّمَدِ (1)
من منطلق رؤية إسلاميَّة واضحة يقف الشَّاعر عند أهمِّ قضيَّة من قضايا الوطن العربي والأمَّة الإسلاميَّة، إنَّها القضيَّة الفلسطينيَّة، من خلال منظور إنساني، لأنَّ الإسلام دين الإنسانيَّة جمعاء، متفائلاً مستبشرًا رغم الأنين والجراح، جراح المسلمين في موطن الإسراء والمعراج، في أولى القبلتين وثالث الحرمين، وجراح نفس الشَّاعر الذي لا يستطيع الحراك في ظلِّ سكوت قاتل، لكنَّها رؤية تبشِّر بالحقِّ والعدل الإلهي، وانتصار الإسلام والمسلمين في النِّهاية.
إنَّ الشَّاعر في هذه التَّجربة الشِّعريَّة يجنح إلى التَّعبير المباشر، مع توظيف الرَّمز أو بثِّ شعري (2) ذي بعدين، مثلما يجنح في إشباع البنية الشِّعريَّة بروح الشِّعر ونبضه (3)، ممَّا يؤكِّد على صدق موهبته وتميُّزه، وإدراكه أنَّ التَّعبير الشِّعري - من خلال منهج إسلامي متفاعل مع قضايا الوطن والإنسانيَّة - يستوجب الوضوح والشَّفافية، إضافة إلى الاستعانة بالماضي
__________
(1) المصدر نفسه، ص 378.
(2) أحمد محمود مبارك: "ومضات إسلاميَّة في الشِّعر العربي المعاصر"، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندريَّة، ط 1، ص 84.
(3) المرجع نفسه، ص 74. (1/113)
صفحة 114
الإسلامي بكلِّ ما يحمله من رموز. فالرُّموز الدِّينيَّة، وبخاصَّة الإسلاميَّة استخدمها محمد ناصر إثر توظيفه لعدد من الأسماء أو الإشارات الدَّالة التي وردت في القرآن الكريم، أو السُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، بما يعمِّق الدّلالة التَّقليديَّة أو المورثة للرَّمز حينًا، ويعيد التَّوظيف بشكل جديد يغاير الدّلالة الموروثة.
والإشارة - في الأبيات السّابقة - واضحة إلى حادثة الإسراء والمعراج، ولكنَّ مثل هذا الاستخدام يؤكِّد طرح سؤال: ما فائدة استخدام الموروث الدِّيني، بحيث يأتي الاستخدام أقرب إلى الانتظار، والانتظار حتَّى يأتي فرج الله على القدس دون تحريك أيِّ ساكن، لأنَّها من مقدَّسات المسلمين على الأرض؟، وهل يعمِّق هذا الاستخدام خصوصيَّة النَّصِّ الشِّعري؟.
ج- صورة المرأة في شعره:
لا يمكن أن نتحدَّث عن المرأة في شعر محمد ناصر، دون الحديث عمَّا يعرف بالتَّجربة الحيَّة داخل النَّصِّ الشِّعري، وبناء على هذا الأساس تصبح قراءة شعره - كما قال إليوت -: تجربة حيَّة، مثلما أنَّ كتابته حيَّة سواء بسواء (1)، ونبدؤها بقصيدة كيف أنساك حبيبي ... ؟، التي تصوِّر مشاعر مغترب عن الزَّوجة والبنين، والزَّوجة تنتظر مولودها الثَّالث بعيدًا عن زوجها!! الذي لا يراها إلاَّ في العطل الصَّيفيَّة. وبعد شهرين تقريبًا أهلَّ مصطفى المولود هذه المرَّة ذكرًا، هو بكر إخوانه الذُّكور الثَّمانية (2)، فيقول الشَّاعر:
كَيْفَ أنْسَاكَ حَبيبي كَيفَ أنسَى؟
كيف أنساك ولو قَلْبي تَأسّى
حين أَحْلَلْتُكَ في ذَاتي نَفَسًا
وَغَدَتْ دُنْيَاي في قُرْبك عُرْسًا
__________
(1) T.S Eliot, The USE of Poetry and the USE of Critism, London, 1970, p 126.
(2) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 64. (1/114)
صفحة 115
عِندَهَا ردَّد َ قَلبي كَيفَ أَنسَى؟
يظهر هذا المقطع الشِّعري لحظة تكشّف عالية الشِّعريَّة والتَّركيز على التَّساؤل، أم هو معاتبة أو تأنيب للضَّمير، الذي قد يكون نسي محبوبه في خضمِّ صراعات الحياة. غير أنَّ الوحيد الذي يمكن أن يقترح إجابة ما، هو النَّصُّ الشِّعري ذاته، فالمعاني تتحرَّك فيه، ما بين الشَّوق والحنين وانتظار اللِّقاء فيقول:
زَادَني بُعدُك نَارًا وضرَامَا
وَوَجَدْت اليَوْمَ فِي بُعْدك عَامَا
إن سَألتَ القَلبَ بَردا وَسَلامَا
رَدّ عَنه الدَّمعَ في خَدِّي سِجَامَا
أنَا حيرَان، فقل لي كَيفَ أنسى؟ (1)
تحاول الذَّات الشَّاعرة اجتياز المكان؛ عابرة المسافة البعيدة في انكسارات وعزلة، وفي فؤاد محطَّم، لكنَّ الخضوع يظهر على أرض الواقع، من خلال الدَّمع الذي أثبت انكسار نفسيَّة الشَّاعر وشوقها للمحبوب.
كما أنَّ الذِّكريات تثير في نفسيَّة الشَّاعر الرَّوابط والمشاعر والأحاسيس، عندما لا ينشغل عمَّا يحيط به في بلاد الغربة - مصر القاهرة - لأنَّ محبوبته امتلكت من نفسه نوازع شعوريَّة طيِّبة، فكان بعدها عذاب وألم يعيشه الشَّاعر، فهو يرى فيه أكبر عقاب، فلم المعاتبة والتَّساؤل؟.
ذِكْرَيَات منك ثَارَت في فؤَادي
حَرَّقَتْني رَغْمَ أمْوَاج البِعَاد
أَرَّقَتْ لَيلي، فَلَم أمْلِك رَشَادي
__________
(1) المصدر نفسه، ص 64، 65. (1/115)
صفحة 116
غُرْبَتي تَكْفي، فَرُحْمَاكَ ودَادي!
حرِّقِي قَلبي فَإني لَسْتُ أنْسَى (1)
ويتِّكئ الشَّاعر على نفس التَّجربة الشِّعريَّة، ولكن بصورة عكسيَّة في قصيدة عزوبة الخمسين أين ترحل الزَّوجة لأداء فريضة الحجِّ، ويبقى شاعرنا في البيت رفقة أبنائه، تاركة إيَّاه يتخبَّط في شوقه وحنينه، فيقول:
رَفيقَةَ الدَّرب مَا سَافرت عَن خَلَدِي ... فأنْتِ في القَلب وَالاحشَاء والبَصَر
مَا كنتُ أحْسَبُ يَوما بَعد رِحْلَتنَا ... أن ترْحَلي، فأُعَاني الشَّوْق في كبري
أُحادثُ البَدرَ مَأْزُوما، فَيَهزَأ مِن ... صبٍّ مُعَنّى، يقضّي اللّيلَ في سَهَرِ وَعفْتُ
سَئِمْتُ بُعدَكِ يَومَ العيد مُتَّكَئي ... فيهِ بِسَاط الشَّاي وَالزَّهر (2)
إنَّه حبُّ الخمسين، في مجتمع تعوَّد على أنَّ الرَّجل لا يظهر مشاعره كاملة للمرأة، بحجَّة ألاَّ تغترَّ، وألاَّ ينقص ذلك من رجولته، لكن محمَّد ناصر لم يظهرها فحسب، بل فجَّرها وأثبت أنَّ في مجتمعنا أسرًا تعيش دفء الحياة ومعنى الحبِّ، وصرَّحَ بعشقه بل وبضعفه في غياب محبوبته حتَّى قال:
فبعدك اليَومَ لا سِحْر وَلا سَمَر ... ودونك الدَّار كالصَّحراء والجُدُر
وَأسرتي طوِيَتْ، والقَلب مُكْتَئِب ... بساط بهجتنا، والدمع في النَّظر
وَحَولِي الفَلَذَات الزُّغْبُ تَسْألني ... عنِ اللّقَاء، وَلَمَّا تَنْأَ عَن نَظِري (3)
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 65.
(2) المصدر نفسه، ص 226.
(3) المصدر نفسه، ص 227. (1/116)
صفحة 117
وتتنامى وتتسارع نبرات الشَّوق والحنين ضاغطة على نفسيَّة الشَّاعر وبدون بهرجة ولا تنميق، باندفاع حرٍّ، تبلغ التَّجربة الشِّعريَّة ذروة عطائها وشفافيتها في قوله:
أغَالِبُ الألَمَ المَغرُوزَ فِي كَبدي ... بَحْرا مِنَ الشَّوْقِ في الأحْشَاءِ مُستَتر
توظيف الشَّاعر لمفردة "البحر" دليل على الشَّوق اللَّامتناهي واللَّامحدود، وهي من أهمِّ المفردات التي تغذِّي بناء القصيدة. وتستمرُّ التَّجربة الشِّعريَّة في التَّنامي لتقترب من حدود الحكمة والذَّود برحاب الله سبحانه وتعالى في قوله:
وَرََدّدِي في رحَابِ البَيْتِ دعْوتَنَا ... إذ يَغْسِلُ الدمْع مَا في الْعُمْرِ مِن وِزر
وَمن يَدَيْنا اشتَبَكْنا ألْفَة وهَوَى ... نُسَائِل الله صَفْوَ الْوِرْد وَالصَّدَر
هوَ الذي جَمَعَ القَلبَيْن فِي سَكَن ... فَفِيهِ رِحلَتُنَا نَسْعى مَدَى العُمُرِ (1)
يدحض الشاعر محمد ناصر الافتراءات الكاذبة حول المجتمع الميزابي (2)، ونظرة هذا المجتمع للمرأة التي يجعل منها ذلك الشَّيء الخفيَّ الذي يسعى دائمًا - الرَّجل الميزابي- لإخفائه وعدم إظهاره للعيان، خوفَا منه أو عليه.
في قصيدة بين الحبِّ والكتب ... تعبر الذَّات الشَّاعرة في مقاطع القصيدة بمونولوج يستحضر المرأة بكيانها، وبوصفها ذاتًا متناغمةً في أناه ومتوحِّدة فيها، فيقول:
قَالَتْ وَفي نَبَرَاتهَا غَضَب حَنُـ ... ــونٌ، والمَحبّةُ قَد يُؤجّجُها الغَضَبْ
مَا هَذه؟ كُتُبٌ! أمَا تَكْفِي خَزَا ... ئِنُك التي تَشْكُو اغُترَابك وَالتُّرَبْ
صحُف، مَجَلاَّت، مِلَفَّات، دَفَا ... تِرُ، يَا إلَهي! مَا لِدَائكَ مجتَنَبْ!
إلى أن يصل في قوله إلى:
إِنْ كَان َ مَا تَخشَى النسَاء ضَرَائِرا ... فَمِن الضّرَائِر مَا خُلِقنَ مِن الكُتُبْ
__________
(1) المصدر نفسه، ص 229.
(2) نسبة إلى منطقة وادي ميزاب، في الجنوب الجزائري. (1/117)
صفحة 118
وإِذَا أَحَلَّ الله أربَعَ نِسْوَة ... فَضَرائري - وَيلاه! - أَلْفٌ كَالجَربْ (1)
تعامل الشَّاعر في هذه الأبيات بمظاهر حسِّيَّة خارجية متمثِّلة في ثنائيَّة (الغضب والحنان)، (الاغتراب والدَّاء) ممَّا كوَّن صورة فنِّيَّة رائعة، إنَّها كلمات شكَّلت قمَّة مجرَّدة، ليست في تردُّد الصَّوت، وإنَّما في منعكسها على النَّفس رضا وتقبُّلا (2).
أمَّا في البيتين الأخيرين فقد كوَّن ملمحا نفسيًّا رائعًا، من خلال ربط ما هو مادي بما هو معنوي، أو بمعنى آخر حول ما هو جامد إلى حسِّي في قوله: فمن الضَّرائر ما خلقن من كتب، هكذا تحوَّلت البنية الجامدة غاية في الضُّعف والانحدار إلى فضاء من التَّحرُّك والحياة، يحاصر الحياة الزَّوجيَّة للشَّاعر، ويعكِّر صفوها، ولكن يبقى الحبُّ بسلطانه هو معلِّمه ومربِّيه ومرشده، بعد أن تسلَّم منه قيادة أمره، فإنَّ للهوى والحبِّ عند شاعرنا تفسيرًا خاصًّا للوجود، يختلف عن التَّفسيرات الاجتماعيَّة التي تزرع في الأفراد ألوانًا من السُّلوك، موزَّعة بين الخطإ والصَّواب، أو الممنوع والمسموح، أو المكروه والمحبوب، أو البعيد والقريب، أو العدوِّ والصَّديق، ولكن ندرك أبعاد ذلك الاختلاف (3) في رؤيته الإسلاميَّة للمرأة، أين يعاملها الشَّاعر بالرِّفق واللِّين، فيراها ذلك المخلوق الرَّقيق الذي يجب عليه أن يدلله، ويعبِّر له دائما عن حبِّه الصَّادق والأزلي في قوله:
إن غِبْتُ فِي كُتبي فَتِلْكَ سُويْعَة ... يَزْدَاد حُبِّّي مِن تَوَهُّجِهَا لَهَبْ
إنْ غِبتُ فِكْرًا بَيْن أورَاقِي، ثِقِي ... فالقلْبُ مِنْ وَلَهٍ بِقُربِكِ، لَمْ يغِبْ
أو طَابَ فِي الأدَبِ النّضِيرِ تجَوّلِي ... فإِقَامَتِي في غَيْرِ حضنِكِ لَمْ تطِبْ
طَيرِي مَعِي، غَرّدْتُ فِي دُنيَا الْهَوَى ... أو طِرْتُ حَولَكِ عَاشِقا دُنْيَا الأدبْ (4)
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 302 - 303.
(2) فايز الداية: "جماليات الأسلوب والصُّورة الفنِّيَّة في الأدب العربي"، دراسات أسلوبيَّة، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ص 88.
(3) عبد القادر الرِّباعي: "جماليات المعنى الشِّعري"، ص 21.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 303 - 304. (1/118)
صفحة 119
هذه العذوبة، والرِّقَّة، والسَّلاسة دليل على صدق الشَّاعر وانصياعه فعلاً في عالم الحبِّ والعشق، مهما شغلته الكتب وأبعده البحث، تظلُّ زوجته هي مصدر إلهامه، ومنبع وحيه.
يقول محمد ناصر في إحدى خطبه الجمعيَّة: المفروض في كلِّ أنثى أن تكون كصواحبها زوجة لا خادمة، ووالدة مكفولة لا حاضنة، تسكن وتمنح السُّكون لإلفها في الغداة والعشيِّ، وتنتعش بشمِّ فلذات كبدها، وتلهو بمناغاة وهدهدة الصَّبيِّ، فليس من العدل ولا من المروءة أن يقضي شطر من نسائنا أيَّامهن في بحبوحة من العيش، ويقضيه شطر آخر مبتذل مهينا، يوفِّر السَّعادة لغيره، ويحيا عمره في بؤس وضنك العيش (1).
يقصد محمد ناصر هنا المرأة في المجتمع الميزابي التي تعاني الويل من جهل وتقييد لحريَّتها التي شرعها لها الإسلام، وتصبح كأنَّها ليست إنسانًا، وإنَّما هي بالوعة حرام، حجر عثرة في طريق حركة الحياة وتقدُّم الرَّجل (2)، لا باعتبارها إنسانًا يتحمَّل التَّبعات والمسؤوليات مع شريك حياتها، لها حقوق وعليها واجبات، لقد عرفت رؤية المجتمع الميزابي للمرأة على أنَّها مخلوق خلق للرَّجل والإنجاب فقط، وهذا ما يعمل محمد ناصر على محاربته بقلمه وأدبه، من أجل تغيير هذه النَّظرة، والعمل على تطوير المرأة الميزابيَّة.
د- الطِّفل في شعره:
شعر الأطفال هو الشِّعر الذي يكون مزيجًا من تجربته ومعايشته لواقع الأطفال، يمتزج فيها الموضوع والعاطفة والفكرة، وهو ما يجعله مختلفًا عن النَّثر الموجَّه للأطفال، فهو يحتاج إلى اختيار الكلمات والتَّرتيب على أساس النَّغم والمعنى ... ويهدف إلى إعطاء المزيد من الخبرات وإلى إمداد التَّجربة بمنافع يستفيد منها الطِّفل، لأنَّ الشِّعر بإمكانه أن ينقل الأحداث
__________
(1) محمَّد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 449.
(2) عدوة الله منيع القيسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، دار البشير للنَّشر والتَّوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 1985 م، ص 109. (1/119)
صفحة 120
العادية أو اليوميَّة ويظهرها بطريقة جديدة محبَّبة، فهو لا يكتفي بإظهار الحياة كما هي في الواقع، بل يضفي عليها أبعادًا جديدةً (1).
اهتمَّ محمد ناصر منذ الثَّمانينات بالكتابة للطِّفل شعرًا ونثرًا، عاملاً على جذبه إلى الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة السَّامية، التي تتَّفق مع سنِّه وتغرس فيه قيم الإسلام الحنيف وتسمو بمشاعره ومداركه، وتنأى به عن خطر الغزو الإعلامي التَّغريبي الذي يسعى إلى هدم هويَّة الطِّفل المسلم، ويضعف فيه انتماءه العربي الإسلامي، ويحيله إلى إنسان سلبي غير فعَّال، منحرف السُّلوك مشوَّه الفكر والوجدان (2)، والأمر الجدير بالذِّكر أن يضع شاعرنا أمر الطِّفل المسلم داخل نطاق اهتمامه، وأن يترجم هذا الاهتمام إلى مؤلَّفات تنطوي على عناصر جذب وعناصر نفع وجدوى، وهو في الوقت نفسه - كما يراه الشَّاعر- أمر واجب على الكتَّاب والأدباء الجزائريِّين، فالأدب الإسلامي أدب ملتزم هادف، ولكي يؤدِّي دوره كما يجب لابدَّ أن يكون متفاعلاً مع واقع أمَّته، مهتمًّا بأمرها، مقاومًا بفكره وقلمه لأيِّ هجوم فكري مغرض، يعمد إلى تشويه عقول وأخلاق أطفالها (3)، ومن نتاجه الأدبي في هذا المجال ديوان شعري بعنوان البراعم النَّديَّة الطَّبعة الثَّانية منه سنة 2006 م، وضمَّت 24 قصيدة.
إنَّ عنوان الدِّيوان البراعم النَّديَّة يوحي بأنَّ الأطفال هم أصل الفرع الممتدِّ، الذي تثمر منه الأمَّة الجزائريَّة. لقد ولج الشَّاعر إلى عالم الطِّفل وأنشده بصوته من خلال قصائده، إلاَّ أنَّ أغلبها كتبت من الشَّاعر إلى الطِّفل، أو لمن يقومون على أمر الطِّفل.
فالشَّاعر في أغلب الأناشيد (القصائد) يقوم بدور الموجِّه أو المربِّي أو النَّاصح، وليس عيبا فنِّيًّا، مادام النَّتاج الأدبي قد جاء رشيقًا جذَّابًا سلسًا، شفَّاف المضمون، متناغم
__________
(1) عبد الفتَّاح أبو معال: "أدب الأطفال وأساليب تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم"، عمَّان، الأردن، ط 2، 2005 م.
(2) غنيّة دومان: " أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 70.
(3) المرجع نفسه، ص 71. (1/120)
صفحة 121
العبارات، بما يتناسب مع مرحلة الطُّفولة وقدراتها، وهذا ما تحقَّق في كلِّ ما احتواه الدِّيوان (1).
وقد تعدَّدت المضامين والأفكار التي انطوت عليها القصائد، فانصبَّ بعضها على الابتهال والتَّسبيح في الكون، والأخرى على حبِّ الوطن والدَّعوة إلى السُّلوك والقيم الإسلاميَّة النَّبيلة التي يريد أن يغرسها الشَّاعر في النَّشء الإسلامي الغضِّ، وينمِّيها في البراعم الطَّالعة.
يعدُّ محمد ناصر من أوائل الأدباء الجزائريِّين والشُّعراء المعاصرين في العالم العربي الذين خصُّوا الطِّفل بدواوين شعريَّة كاملة، كما يخبرنا محمد مرتاض في كتابه (من قضايا أدب الطِّفل) إنَّ أولئك الشُّعراء المعاصرين نزلوا من علياء الأدب والشِّعر إلى عالم الطُّفولة ببساطته وعفويَّته اللاَّمتناهية.
تنوَّعت مضامين الخطاب الشِّعري للأطفال عند محمد ناصر؛ سعيًا منه إلى غرس القيم الأخلاقيَّة الدِّينيَّة والعادات الأصيلة في نفوس الأطفال، مؤمنًا برسالته التَّربويَّة والتَّهذيبيَّة والدِّينيَّة، فلم يبخل على الأطفال بالنُّصح والتَّوجيه والإرشاد وفق التَّعاليم الإسلاميَّة، آملاً في صنع أجيال واعية ترفع راية الإسلام، وتحقِّق الرَّخاء والتَّقدُّم للوطن (2).
وبما أنَّ الشَّاعر ذو وجهة أدبيَّة دينيَّة، فقد كان لشعر الطُّفولة عنده نصيب من الشُّحنات الدِّينيَّة التي أفرغها في قالب تعليمي تثقيفي، كما وظَّف خطاب الأطفال الشِّعري الذي هو شعر يجري على ألسنة الصِّغار، ويتقمَّص فيه شخصيَّاتهم، ويعبِّر فيه عن آمال الأطفال وطموحاتهم واهتماماتهم المختلفة في شؤون العلم والحياة، ويثير الوعي بمشكلاتهم التَّعليميَّة والتَّربويَّة ... وفي هذا اللَّون من الشِّعر تتحقَّق الغاية وتحدث الاستجابة بصورة مباشرة، حيث لا وسيط بين الطِّفل وأقرانه.
__________
(1) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 71.
(2) فوزي عيسى: "أدب الأطفال، شعر، مسرح الطِّفل، القصَّة"، منشأة المعارف، الاسكندريَّة، مصر، 1998 م، ص 65. (1/121)
صفحة 122
يوجِّه الشَّاعر خطابه الشِّعري المضيء إلى براعم المسلمين؛ مستشرفا أملا على أيديهم في غد أفضل للأمَّة الإسلاميَّة، والوطن العربي فيقول في أنشودته عهدي:
أنَا جيلُ خَفْقَة شَعْب أَبِي ... هَوَى وَطَنِي والعُلا مَذْهَبِي
رضَا الله فِي خُطْوتي مَطْلبِي ... سرَى في دِمَائِي حبُّ النّبِي
أنا الجيلُ في الحرْب أغْدُو حُسَامْ ... وفي السّلْم مِنْ كفّ شَعبي حَمَامْ
بِهَدْيٍ بِقَلْبي، وعِلمٍ بِصَدري ... وفِكْرٍ بِعَقْلِي أكونُ الإمَامْ
رضَعْتُ من الأمّ حبّ بِلادِي ... فأسْكَنْتُه بِدَمِي وفُؤادي
فَفِيه بَلائِي وَفيه جِهادِي ... أُعَلّقُهُ فوق صدْرِي وِسامْ
بِقَلْبيَ دِين البِنَا والقِيَم ... وَفِي مَنْطِقِي الضّادُ رَمزُ الشّمَمْ
وَصِيّةُ جدّي كتبت بِدَم ... نَمَتْ في عُرُوقِيَ، قبْل الفِطَامْ
سأحْفَظُ في العَيْن كَنْز جُدودي ... وَأَنْقُش في القَلْبِ عَهْدَ الشَّهِيد
وأفْدِي دِمَا وِحْدتي وَحُدُودي ... وَأرْعَى إلى المَوْتِ هذَا الذِّمَامْ
ترَاك أَيَا وطني مِن قِدَم ... ونضَمِّخُه بِدِمَاءِ الشَّمَمْ
بِحبْل الإله هُنَا نَعْتصِم ... وَمِنْ أَجْلِهِ قَدْ عَشِقْنا القِمَمْ (1)
المتأمِّل في هذه الأنشودة المفعمة بالأمل في جيل مستقبل، واع صالح، رافع للراية الوطنيَّة، وهو في الوقت نفسه يحثُّ - بطريقة ضمنيَّة - الآخرين (القرَّاء) كي يشاركوه في تحقيق الغاية السَّامية المتمثِّلة في إعادة أمجاد الإسلام على أيدي رجال الغد الذين هم أطفال اليوم.
__________
(1) محمَّد ناصر: "البراعم النَّديَّة"، مكتبة الرِّيَّام، ط 2، 2006 م، ص 34. (1/122)
صفحة 123
ويشفّ التَّعبير الفنِّي أكثر، وتجنح اللُّغة إلى البساطة المتناهية حيث يوجِّه الشَّاعر خطابه الشِّعري إلى الطِّفل العربي المسلم، منطويًا على الدَّعوة إلى السُّلوكيات النَّبيلة والسَّامية التي نشأ عليها الطِّفل في المجتمع الجزائري والعربي، والمنبثقة من قيم الإسلام وتعاليمه السَّمحة الرَّاقية (1) ومن تاريخ الأجداد الحافل بالبطولات والشهادة من أجل رفع راية الإسلام والوطن محافظا بذلك على شخصيِّته وانتمائه.
ومن منطلق دعوة الإسلام الحنيف إلى التَّأمُّل في الكون والتَّدبُّر في خلق الله، والاستمتاع بما في الكون من جمال ونعم، استمتاعًا يفضي إلى حمد الله وشكره، وإدراك قدرته وعظمته، يكتب الشَّاعر قصيدة بعنوان إلهي، يتغنَّى بها الطِّفل المسلم بالقدرة الإلهيَّة حيث يقول:
أَفْتَحُ الْعَيْنَ على أَفْيَاءِ نُورِكْ ... وأُغَذِّي الصَّدْر مِن هَبَّاتِ فَجْرِكْ
وَأَعُبُّ السَّلْسَ من دَفَّاقِ نَهرِكْ ... وأرى الدُّنْيَا ابْتِسَاما فَوْقَ زَهْرِكْ
وذُرَا الأَغْصَان تَدْنُو لِي بِخَيْرِكْ ... أتَسَامَى فِي انطِلاقٍ مَعَ بَدْرِكْ
وأغَنِّي في انْشِرَاحٍ مَعَ طَيْركْ ... وَأُنَادِيكَ مَعَ الكَوْنِ إِلَهِي إِلَهِي (2)
الملاحظ في البنية الموسيقيَّة والتَّشكيليَّة لهذه القصيدة أنَّها ملائمة تمامًا، مع ما ينطوي عليه القصيد من تأمُّل في الكون وتدبُّر في خلق الله، استخدم فيها الشَّاعر وقفات تأمليَّة، تنمُّ بعفوية عن لحظات تأمليَّة نورانيَّة.
يعود الشَّاعر إلى بثِّ خطابه الشِّعري المضيء للطِّفل المسلم، حاثًّا إيَّاه على قراءة كتاب الله وإقامة الفروض الدِّينيَّة عملاً به، فيجيء الخطاب الشِّعري سهلاً مفعمًا بالحبِّ والاعتزاز بكتاب الله، يقول الشَّاعر في نشيد بعنوان كتابي:
كِتَابِي فَيْض مِنْ رَبي ... أَضَاءَ الدّنْيَا بِالحُب
__________
(1) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمَّد ناصر"، ص 73.
(2) محمد ناصر: "البراعم النَّديَّة"، ص 6. (1/123)
صفحة 124
سُور القرآنِ فَمَا أحْلَى ... كتَابَ الله إذَا يُتْلَى
تَنَزَّل فِي شَهْرِ الإحْسَانِ ... لِيَسْمُو لله الإنسَان
بِلَوْحِ الخَالقِ مَنْبَعُهُ ... وَبِقَلْب محَمد مَطْلَعه
تَحَدّى العُرْبَ بِآيِهِ ... فَمَا شَبهوه لِحُجّتِهِ (1)
وهنا يستضيء تعبير الشَّاعر في هذه القصيدة بحبِّ القرآن الكريم مضمونًا ولغةً، فيكسب هذا الحبَّ والدَّعوة إلى كتاب الله في القصيدة تعبيرًا شعريًّا متألِّقا وعميقًا من ناحية المعنى والقدرة على التَّأثير، وقد تجلَّى ذلك في عدد غير قليل من التَّعابير والألفاظ (ليسمو لله الإنسان، فيض من ربّي، فما أحلى كتاب الله ... ) (2).
وأخيرًا إلى جانب ثراء الموضوعات وسموُّها في قصائد وأناشيد ديوان البراعم النَّديَّة، نلحظ أنَّ الثَّراء الموسيقي متلائم مع طبيعة البناء الشَّكلي للأناشيد، التي كتبها الشَّاعر للطِّفل، ذلك الثَّراء الذي لا يتمثَّل فقط في انتقاء البحور الشِّعريَّة المستخدمة، وإنَّما يتمثَّل هذا الثَّراء أيضا في تعدُّد وتنوُّع القوافي في الأناشيد والسَّجع الدَّاخلي، والألفاظ ذات الرَّنين المتناغم الجذَّاب، وتلك السِّمات الفنِّيَّة والتَّعبيريَّة من شأنها أن تجذب الطِّفل المتلقِّي، وتساعده على حفظ القصيدة (النَّشيد) وترديدها والاستمتاع بها، وبالتَّالي التَّفاعل معها، والاستفادة من مضمونها والعمل بمغزاها.
ظلَّ الينبوع الشِّعري لمحمد ناصر - على مدى أكثر من نصف قرن - لا يتوقَّف عن الفيض والعطاء، ولم يكن عطاؤه الأدبي متمثِّلاً في ذلك الإبداع الشِّعري الغزير المتنوِّع، سواء الذي جمعه في كتاب جديد تحت عنوان الأعمال الشِّعريَّة الكاملة أو الذي لم يجمع بعد إلاَّ في أوراق خاصَّة، كشعره باللَّهجة الميزابيَّة فحسب، إنَّما شمل عطاؤه رعايته الأدبيَّة والفكريَّة لأجيال عديدة من الأدباء والشُّعراء في الجزائر، هؤلاء الذين التفُّوا من حوله
__________
(1) محمَّد ناصر: "البراعم النَّديَّة"، ص 08.
(2) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 73. (1/124)
صفحة 125
لسنوات طويلة، من خلال محاضراته في الملتقيات الفكريَّة والأدبيَّة، وخطبه في مساجد عديدة في ربوع الوطن، خاصَّة في القرارة والجزائر العاصمة، وطلبته في جامعة الجزائر، وظلَّ طوال هذه السَّنوات موجِّهًا ومعلِّمًا.
إنَّ كلَّ الإبداعات الشِّعريَّة للشَّاعر محمد ناصر تنطلق جميعها من خلال رؤية إسلاميَّة للحياة والكون والإنسان، -وهو على عكس ما يرى البعض- رحب شامل، لا يقتصر على الجانب التَّعبُّدي أو الدِّيني فقط، وإنَّما ينطلق ليشمل كلَّ ما يدور في نفس الأديب وفكره وأحاسيسه من رؤى وأفكار، من خلال تصوُّر الإسلام الحنيف للكون والحياة والإنسان.
الخصائص الفنِّيَّة للرُّؤية الإسلاميَّة في شعر محمد ناصر :
المتأمِّل في شعر محمد ناصر من خلال ما أصدره من دواوين (1) تتجلَّى أمامه سمة بارزة، وهي أنَّ قصائده تنطلق من رؤية إسلاميَّة سامية، رؤية تتَّسم بالرَّحابة والشُّمول، وفي الوقت نفسه بالالتزام بأبعاد وخصائص النَّظرة الإسلاميَّة للإنسان والحياة والكون، فمن خلال هذه الرُّؤية ينطلق إنتاجه الشِّعري ثريًّا بموضوعاته، متنوِّعًا في أشكاله، غير أنَّ هذا التَّنوُّع الشَّكلي وإن احتوى على مظاهر التَّجديد وعوامل التَّطوُّر، فإنَّه يظلُّ بعيدًا عن الدَّعاوى الحداثيَّة التي تسعى إلى تحطيم الضَّوابط والأسس الفنِّيَّة الأصليَّة، التي ميَّزت شعرنا العربي طوال عصور وعصور، وتدعو إلى القطيعة على هذه الأسس. إنَّ محمد ناصر يؤمن كلَّ الإيمان أنَّ الشِّعر أعلى منزلة من أن يتناوله هؤلاء النّظاميون، الماديُّون عبيد التَّقليد وأعداء الاختراع، إذ لا يدرك كنهه إلَّا من له فكر ثاقب، وعقل صائب، وذوق سليم؛ حتَّى يقدر أن يستخرج درَّه من صدفه، وسمينه من غثِّه، ومن نبش دفائنه بغير هاته الآليات الثَّلاث، فقد حاول المستحيل، وطلب أمرًا عسيرًا (2)، كما أنَّ الاحتذاء ببعض
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة، أغنيَّات النَّخيل، في رحاب الله، ألحان وأشجان، الخافق الصَّادق، إضافة إلى ديوانه للأطفال البراعم النَّديَّة".
(2) محمد ناصر: "رمضان حمود، حياته وآثاره"، طبعة خاصَّة، وزارة المجاهدين، 2008 م، ص 151، عن سلسلة مقالات متتابعة نشرت في مجلَّة الشِّهاب في الأعداد التَّالية: 82، 85، 93، 94، 108، ما بين 9/ 2/1927 م إلى 4/ 8/1927 م. (1/125)
صفحة 126
النَّظريَّات التَّغريبيَّة إلى الحدِّ الذي يفقد الشِّعر العربي هويَّته، بل إلى الحدِّ الذي يحيل الشِّعر إلى مجرَّد تشكيلات لفظيَّة جوفاء مبهمة، خالية من المعنى، فالشَّاعر محمد ناصر في جنوحه إلى التَّجديد لم يخرج عن إطار الإسلام والشَّكل العام للشِّعر العربي، ذلك أنَّ الشِّعر في منظور الإسلام فنٌّ أدبي تعبيري جميل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلا بدَّ أن يلتحم التَّعبير الفنِّي الأدبي مع قيم الحقِّ والخير وما ينفع النَّاس في نسيج واحد، لأنَّ العمل الأدبي من حيث هو كلٌّ، إنَّما يتحقَّق من خلال هذا التَّداخل والتَّجاذب بين الشَّكل والمضمون، فليست هناك حقيقة لعمل فنِّي، لا تتمثَّل فيه علاقة التَّأثير المتبادل بين شكله ومضمونه، ومن ثمَّ يتساقط كلُّ نقد للشِّعر، يقوم على أساس أيديولوجي صرف، كما يتساقط كلُّ نقد جمالي صرف (1).
من خلال هذه النَّظرة التكامليَّة يرى محمد ناصر في كتابه (الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّوريَّة) أنَّه يجب أن يولي الشَّاعر أو الدَّارس أهميَّة لجانب الشَّكل والمضمون معًا، كما أنَّ مفهومه للشِّعر - وفق هذه النَّظرة - يحمل من المرونة والرَّحابة، بحيث يشمل كلَّ تجديد شكلي لا يطيح بما يجب أن يتوافر في التَّعبير الشِّعري من عناصر وخصائص موسيقيَّة ولغويَّة وتعبيريَّة.
أ- البنية الشِّعريَّة:
تنوَّعت البنية الشِّعريَّة عند محمد ناصر ما بين الحفاظ على الشَّكل العمودي للقصيدة وبين شعر التَّفعيلة، الذي يلتزم بموسيقى الشِّعر العربي في نسقها التَّفعيلي، دون أن تساوي التَّفعيلات وتحديدها الثَّابت داخل بحورها، لكنَّ هذا التَّحطيم لنظام العمودي اجتمع فيه الجمال الفنِّي ونبل المضمون، وهذه هي المفاهيم التي تنطوي عليها الرُّؤية الإسلاميَّة للشِّعر ... وتتبدّى بجلاء للدَّارس في أشعار محمد ناصر في جلِّ ما أفرزته موهبته الشِّعريَّة المشبعة بالثَّقافة العربيَّة وبالعقيدة الإسلاميَّة.
__________
(1) محمَّد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسية إلى الثَّورية 1925 - 1962 م"، وزارة الثَّقافة، الجزائر، أكتوبر 2013 م، ص 207. (1/126)
صفحة 127
في ديوانه أغنيَّات النَّخيل (1) تظهر أكثر من قصيدة يمارس فيها الشَّاعر هذا الشّكل الفنِّي- شعر التَّفعيلة- ومن أروع هذه القصائد قصيدة في ساحة الأمير (2) بحيث يمكننا أن نلتمس النَّسيج الفنِّي التَّصويري الإيحائي للتَّجربة الشِّعريَّة، فالشَّاعر محمد ناصر يصوِّر الواقع متحرِّكًا في جنح الظَّلام، فيريك أصحاب الرَّذيلة كيف ينشطون كالحيَّة الرَّقطاء متسلِّلة بين السَّيَّارات، فإلى الحانات، فإلى لحظات الجنون، حيث يغيب العقل ويموت الضَّمير وتستيقظ الغرائز البهيميَّة، التي تدفع النَّاس والحضارات التي غاب فيها الوعي الرُّوحي إلى الانتحار (3).
يقول الشَّاعر مصوِّرًا مشهدًا من مشاهد انحلال فئة من فئات المجتمع الجزائري بعد الاستقلال:
فِي سَاحَةِ الأَمِيرِ
حِينَ يَغرق المَسَاء فِي غلالَة السّكونْ
وَحِينَ يَأْرِزُ الضّجِيجُ للحَانَاتِ، تَسهَر الشُّجُونْ
يُحَرِّكُ الظلاَم ألفَ حَيَّةٍ ...
لتَنفُثَ المُجُونْ
يَمجُّهَا الضّيَاعُ وَالفُتُونْ.
تَلُوكُ تَحتَ شِدْقِهَا مَآسي الزمَانْ
فَتَذرُعُ الرّصِيفَ فِي مَهَانةٍ ...
تَبحَث عَنْ زَبونْ.
بِكَعْبِهَا تَدْعُوهُ ... بِالعَيْنِ ... بِاللّسَانْ
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة".
(2) المصدر نفسه، ص 111.
(3) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 2004 م، ص 197. (1/127)
صفحة 128
وَكلّ قِطْعَةٍ مِنْ لَحْمِهَا تَحَوَّلَتْ عيونْ ... (1)
مارس محمد ناصر القصَّة الشِّعريَّة في هذه القصيدة، حيث صوَّر من خلالها وضعًا اجتماعيًّا فاسدًا، تجتمع فيه كلُّ أسباب الفساد، من الخمر إلى الزِّنى إلى تكاثر أبناء الحرام الذين يجيئون على طريق الشَّقاء ليعيشوا مأساة قاسية، وقد بنيت على تقنيَّة فنِّيَّة هي الدَّراما، وعلى تقنيَّة نفسيِّة بلاغيَّة هي مبدأ السَّببيَّة، ومبدأ السَّببيَّة المحض يحيلنا على الخطاب النَّفعي - كما يقول طودوروف - والخطاب النَّفعي من شأنه أن ينطلق من الرُّؤيا النَّاضجة في الغالب (2).
إضافة إلى هذا المضمون الموحي يمكننا أن نتأمَّل عناصر التَّشكيل اللُّغوي والتَّصويري والدَّلالي، لندرك مدى تأثُّر الشَّاعر بهذا الواقع المرير، في أهمِّ أحياء العاصمة، وكيف أنَّ الشَّاعر يستقي العناصر الفنِّيَّة للقصيدة. فالإحالات التَّصويريَّة والرَّمزيَّة التي تزخر بها القصَّة الشِّعريَّة مستقاة من واقع يرفضه الشَّاعر والمتلقِّي بوجدانه وفكره، لأنَّها آفة دخيلة على المجتمع الجزائري المحافظ.
والشَّاعر في تفاعله الإيجابي مع الواقع العربي والإسلامي يتوحَّد همُّه الخاصّ بالعالم فيطرح صورة صادقة لهذا الهمِّ، صور يورد بها الواقع، لكنَّها وللأسف تفقد الأمل في تجاوزه، حيث يقول في أحد مقاطع قصيدته رسالة اعتذار (3) مستخدمًا في بنيته التَّصويريَّة إحالات تاريخيَّة وتراثيَّة عربيَّة عمَّقت المعنى:
يَا أوكَاموتو يَا بَطَلْ
يَا مَن تَحَدَّيْتَ الرَّدَى
فَصِرْتَ مضْرِبَ المَثَل!
بِحَقّ مَنْ يُعَطِّرُونَ الْقُدْسَ مِن دِمَائِهِمْ
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 115.
(2) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 198.
(3) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 118. (1/128)
صفحة 129
وَحَقِّ مَنْ أَنْفَاسُهُمْ نِضَالٌ لاَ تفُلْ ...
بأنّنَا نَخَافُ أَنْ نَمُوتَ في خَنَادق القتالْ (1)
إنَّ ممارسة محمد ناصر لشعر التَّفعيلة لا يطمس أفكاره ورؤاه الفنِّيَّة تعقيدات لغويَّة ودلاليَّة، كما أنَّه يزخر بجماليَّات الشِّعر وثوابته المتعارف عليها، من موسيقى سليمة ومؤثِّرة وجمال فنِّي في التَّعبير اللُّغوي والتَّصويري، وهذا ما هو محقق في القصائد السَّابقة التي عرضنا بعض مقاطعها بالتَّحليل الموجز، فهي قصائد تفعيليَّة، لم تلتزم النَّسق العمودي التَّام، بيد أنَّها زاخرة بموسيقى التَّفعيلات والموسيقى الدَّاخليَّة للألفاظ والتَّراكيب اللُّغويَّة، بل وموسيقى القوافي - أيضا - تلك الموسيقى التي تكسب التَّعبير الشِّعري ثراء وخصوصيَّة، وترسخ وقفاته النَّغميَّة، وإن كان ذلك يتمُّ بشكل مغاير للشَّكل العمودي، إلَّا أنَّه شكل غير مثبت الصِّلة به، ما دام منطويًا على تلك العناصر الفنِّيَّة الجماليَّة (2). ومادام مناسبًا لطبيعة التَّجربة وما تطرحه من أفكار.
وفي مقاربتنا للقصائد العموديَّة، نتوقَّف أمام قصيدة تعتبر من أهمِّ قصائد ديوانه الخافق الصَّادق (3) وهي قصيدة بعنوان جبل النُّور (4). فالشَّاعر وهو في الجزائر العاصمة، بمناسبة تدشين مدرسة قرآنيَّة بالمكان الجميل جبل النُّور، من أروع المناظر المطلَّة على البحر بناحية باب الوادي، يضمُّ رفات المجاهدين الذين دافعوا عن العاصمة، إبَّان الاحتلال الفرنسي ... (5)، يتأمَّل الجبل، ويراه راسيًا، يعانق أحلام النُّجوم، ويستشعر أنهار الضِّياء تتفجَّر من بين صخوره دماء الشُّهداء الطَّاهرة، منبهرا بخلق الله، يقف وقفة مفعمة بالإيمان تفرز هذا الخلق الشِّعري الذي عبرت عنه القصيدة، يستهلُّ الشَّاعر قصيدته بقوله:
__________
(1) المصدر نفسه، ص 123 - 124.
(2) أحمد محمود مبارك: "ومضات إسلاميَّة في الشِّعر العربي المعاصر"، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندريَّة، ط 1، 2000 م، ص 34.
(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، (جبل النّور)، ص 447.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه. (1/129)
صفحة 130
جَبَل أنت، أم سَمَاءٌ وَنُور؟ ... وَربَى أنتَ، أَم جِنَان وَحُورُ؟
أنتَ للذّكر طولَ دَهركَ جَاث ... خَاشعا ضَارعا به تَسْتَجِيرُ
لَيْسَ بِدْعا إذَا دُعيتَ أبَا النّو ... رِ، فَقَد كُنتَ بالضّيَاء جَدِير
تَجمَع الحسنَيَيْنِ شَكلا وَفَضلا ... منظر سَاحِر، ومَاض وَقورُ
فَجَمَال يدَغدغ النّفسَ بشْرا ... وَجَلال وَقَارِهِ مُسْتَنيرُ
شَامِخا في ذرَاك سَمْتُ ولِيٍّ ... دَمثُ السَّهل أرِيحِيُّ نَضيرُ (1)
بعد هذه الأبيات التَّصويريَّة الوصفيَّة الرَّائعة، وهي تمهيد تعبيري جميل للانطلاقة الفكريَّة الإيمانيَّة التي تحملها أبيات القصيدة التَّالية، في دفقات محكمة البناء، بعد هذا التَّمهيد يتوقَّف الشَّاعر متأمِّلاً مظاهر الحقيقة الإيمانيَّة التي ينبض بها قلب الجماد والصَّرح الإيماني الجديد، حيث يقول:
هَاهُنَا الطُّهر للقلوب شفَاء ... هَاهنَا البِشْرُ مَلعَب وَحبُورُ
مَعبَد للكبَار ذِكْرا وَفِكْرا ... مسْعَد للصّغَار سَمْحٌ بَشيرُ
يَلتَقي الخَيِّرون فيكَ صَحابا ... شايُهم نكتَةٌ وَفكرٌ بَصيرُ
فَهمْ في هَوَاك عقد تَلاَقوا ... وَهمْ في سَمَاكَ صَحْبٌ بُدُور (2)
ويستحضر الشَّاعر حقائق وأحداث التَّاريخ الإسلامي فتتلاشى الفواصل الزَّمنيَّة، وتفوح الذِّكرى بعبقها النُّوراني، فتعطِّر اللَّحظات التَّأمليَّة الآتية، وتضيء جوانبها، ويساعد هذا الاستحضار التَّاريخي خيال الشَّاعر على طرح صور شعريَّة متفرِّدة، ومنبثقة من البيئة الفنِّيَّة الوجدانيَّة للتَّجربة الشِّعريَّة:
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 447. (1/130)
صفحة 131
أسْوَة بالنَّبئ عَهْدا وَوَعْدا ... فَإلى حَوْضِهِ جَمِيعا نَسِيرُ
يَشْهَد الله وَالحَضَارة أنّا ... أُمَّةُ الحَقِّ، دِينُنَا مُسْتَنِيرُ
كلُّ صَحْبِ الرّسول أنْجمُنَا الزْ ... زُهْرُ علاماتٌ للجنانِ تشيرُ
فَهُمُ في الضّيَاء شمْسٌ تَجَلَّتْ ... وَإذَا غابتْ الشمُوسُ بُدُور (1)
وبدون أن تفقد القصيدة وحدتها الموضوعيَّة، نجد أنفسنا بصدد رؤية فنِّيَّة متنامية ومتفرِّعة، إذ يتَّخذ الموقف التَّأمُّلي مسارًا آخر، موضوعه حال المسلمين الحاضر، مصوِّرًا واقعهم المثخن بالجراح في ظلِّ سيطرة اليهود والمسيحيِّين، والتَّحديَّات التي يجب مواجهتها كيما نعيد للأمَّة الإسلاميَّة أمجادها، وتنطلق إلى مستقبل أفضل، ففي موازنة بين الماضي والحاضر يقول الشَّاعر:
ضلَّ مَن يُقحمُ (الخوَارج) فينَا ... وَلَنَا صَفوَةُ الهدَاة أَميرُ
ضَلَّ مَن يَزرَع الضّغينَة فينَا ... بدَعَاوَى نَهِيقهُا منْكُورُ
كَيفَ تَبقَى عَدَاوةٌ وَصليب الـ ... ـكُفْرِ عَاتٍ عَلَى البلاَد جَهيرُ
كَيفَ تَحي ولِلْيَهود أَفَاعٍ ... تَنْفُثُ السُّم، شَرُّهَا مُسْتَطيرُ
أمَّةُ الوَحي أمّتي وَاختيَارُ الله ... عدْلٌ لَنَا، وَليٌّ نَصيرُ
فَلْيَمُتْ مِحْورُ الشَّرِّ غَيْظا ... وليَمُوتُوا، نَهِيقُهُم وَالحَمِير (2)
في دواوين محمد ناصر العديد من القصائد التي تنتهج النّهج الإسلامي، كما تزخر أيضا بالعديد من قصائد التّفعيلة، التي لا تقلّ مستوى فنّيًّا عن القصائد التي تناولناها في هذه الدّراسة الموجزة، يقول العقّاد في نقده لأحمد شوقي وحافظ إبراهيم الشّعر يقاس بمقاييس ثلاثة:
__________
(1) المصدر نفسه، ص 449.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 449. (1/131)
صفحة 132
أوَّلها: إنَّ الشِّعر قيمة إنسانيَّة قبل أن يكون قيمة لفظيَّة أو صناعيَّة، فيحتفظ الشِّعر بقيمته الكبرى إذا ترجم إلى لغة من اللُّغات.
وثانيها: إنَّ القصيدة بنية حيَّة، وليست أجزاء متناثرة يجمعها الوزن والقافية.
وثالثها: إنَّ الشِّعر تعبير عن نفس صاحبه، فالشَّاعر الذي لا يعبِّر عن نفسه صانع، وليس بشخصيَّة أدبيَّة ... فرأى أنَّ حافظًا أشعر ولكن شوقي أقدر (1)، ومن هنا يمكن القول: إنَّ محمد ناصر كان من بين أقدر الشُّعراء الجزائريِّين المعاصرين من حيث التَّمكُّن في الجانب الفنِّي، خاصَّة التزامه بعمود الشِّعر، من وحدة الوزن والقافية، وسار على نهج العموديِّين من غير تقليد أو احتذاء، وهذا بسبب تمرُّسه وخبرته.
ب- وحدة الموضوع والوحدة الدِّيوانيَّة:
من سمات الشِّعر الحديث والمعاصر وحدة الموضوع، لم يعد البيت هو وحدة القصيدة بل أصبح الشَّاعر الحديث يؤمن بمذهب علم النَّفس الذي يرى (أنَّ القصيدة تتألَّف من وثبات، لا من أبيات)، بل تجاوزت الوحدة القصيدة إلى الدِّيوان، فبدت في الشِّعر الحديث الوحدة الدِّيوانيَّة (2)، حيث أصبح الشَّاعر يؤلِّف ديوانًا كاملاً في موضوع بعينه، وهذا ما نلحظه في أغلب دواوين محمد ناصر، مثل (في رحاب الله)، (ألحان وأشجان)، (الخافق الصَّادق)، فالدَّواوين الثَّلاثة نسيج من صدق في العاطفة، وشوق للوطن، والأهل والأحباب، وتسبيحات في ملكوت الخالق.
أمَّا القصائد في هذه الدَّواوين فتأتي أغلبها على شكل مشهد متكامل من أبرزها: رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السَّيَّاب، هذا الزَّمان العلماني، ظمآن والكأس في يديه، آخر العنقود ... إلخ (3).
__________
(1) محمَّد عبد المنعم خفاجي: "حركات التَّجديد في الشِّعر الحديث"، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندريَّة، ط 1، 2002 م، ص 73.
(2) نعمات أحمد فؤاد: "خصائص الشِّعر الحديث"، دار الفكر العربي، ص 33.
(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة". (1/132)
صفحة 133
آمن الشَّاعر بالوحدة الموضوعيَّة في القصيدة العربيَّة، ويعرِّفها على أنَّها: الوحدة المتجانسة التي تربط بين أبيات القصيدة، وتسلكها في موضوع واحد، بحيث يكون عنوان القصيدة في أكثر الأحيان دالًّا عليها (1)، فالبناء المتجانس للقصيدة هي الخاصيَّة المميِّزة في أغلب دواوين محمد ناصر، هذه الظَّاهرة أي توزّع القصيدة الحديثة على مقاطع متعدِّدة، تمثِّل الظَّاهرة الأكثر بروزًا في الشَّكل الظَّاهري للقصيدة عند محمد ناصر، مع أنَّ البحث عن مبرِّرات فنِّيَّة تبرِّر وحدة القصيدة نجدها ماثلة في موضوعها أساسًا، أي وحدة القصيدة عند محمد ناصر قائمة في وحدة الموضوع، الذي يعالجه من زوايا متعدِّدة، ومجمل المشاهد الشِّعريَّة المختلفة (2).
ج- النَّبرة الدِّينيَّة في الخطاب الشِّعري:
تقوم النَّظريَّة الشِّعريَّة عند محمد ناصر بين التَّصوُّر الأرسطي، خاصَّة حديثه عن وظائف المحاكاة، وبين طبيعة الشِّعر العربي الذي يبدو في عمله قولا خطابيًّا، وبين واقع الخطابة التي نشأت بين أحضان الأغراض الشِّعريَّة العربيَّة. ومن هنا كان شعر محمد ناصر مبنيًّا على المزج بين البعد الخطابي والبعد الشِّعري لأنَّ الاستراتيجيَّتين الخطابيَّة والشِّعريَّة تلتقيان في غاية واحدة، وهي التَّأثير في المتلقي ودفعه إلى التَّعبير عن سلوك معيَّن (3)، وبما أنَّ الأدب الإسلامي أدب رسالي، فإنَّ هذا اللَّون من الشِّعر الخطابي يساعد على تحقيق الغاية، ويسهل وظيفة الشَّاعر لتحقيق أهدافه ورؤيته الإسلاميَّة.
لكنَّ محمد ناصر ينصُّ في أكثر من موضع على ضرورة احتفاظ كلِّ نوع منهما بخصوصيَّته الأسلوبيَّة واللُّغويَّة، خاصَّة الشِّعر، وسننقل نصًّا نقديًّا، نبرز من خلاله موقف محمد ناصر من النَّزعة الخطابيَّة في الشِّعر، حيث يقول: إنَّ الشَّاعر القويَّ هو الذي يهمس
__________
(1) محمَّد ناصر: "رمضان حمود حياته وآثاره"، طبعة خاصَّة، وزارة المجاهدين، ص 62.
(2) عبد الله رمضان: "البنى الشِّعريَّة"، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، دروب للنَّشر والتَّوزيع، ط 4، 2010 م، ص 48، بتصرّف.
(3) محمد القاسمي: "قضايا النَّقد الأدبي المعاصر"، دار يافا العلميَّة للنَّشر والتَّوزيع، عمَّان، ط 1، 2010 م، ص 151. (1/133)
صفحة 134
فتحسُّ صوته خارجًا من أعماق نفسه في نغمات حارَّة، وهو غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده، إن تبتعد به النُّفوس عن الصِّدق عن الدُّنوِّ من القلب، والهمس ليس معناه الارتجال فيتغنَّى الطَّبع في غير جهد، ولا إحكام صناعة، إنَّما هو إحساس بتأثير عناصر اللُّغة، واستخدام تلك العناصر في تحريك النُّفوس وشفائها ممّا تجد ... (1). وعلى الرَّغم من هذا الإيمان القويِّ، بدعوى التَّخلِّي عن الخطابة في الشِّعر، إلّا أنَّ محمد ناصر مارسها في العديد من المواضيع وبأشكال مختلفة أوَّلها:
1. كان للمناسبة دور كبير في تشكيل بناء النَّصِّ الشِّعري، تعكس الاهتمام الواضح للشَّاعر بمشكلات العصر الدِّينيَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة، ففي جلِّ دواوينه يتحدَّث عن فلسطين، وعن الأزمات التي مرَّت بها الأمَّة الإسلاميَّة وعن مشايخه، وحتَّى عن طلبته النُّجباء، وغير ذلك من أصداء الحياة التي تتردَّد في ثنايا قصائده.
ومن بين هذه القصائد التي قيلت في مناسبات خاصَّة قصيدة عندما غزا الرُّوس الفضاء وقيلت بمناسبة إطلاق أوَّل مركبة فضائيَّة بقائدها الرُّوسي (قاقارين) (2) وقصيدة عيد بلا دموع ألقيت في الذِّكرى الأولى للفاتح نوفمبر، وهو عيد النَّصر في الجمهوريَّة الجزائريَّة الدِّيمقراطية الشَّعبيَّة، كان ذلك في احتفال أقامه الطَّلبة الجزائريُّون بنادي الوافدين والمبعوثين في القاهرة 01 - 11 - 1962 م (3).
قصيدة باقة شعر إلى الأب الرُّوحي (4)، وقيلت للأب الروحي مربِّي الجيل، الأستاذ الشِّيخ عدُّون شريفي سعيد، معهد الحياة الثَّانوي بالقرارة، بمناسبة زفاف ابنه بكير (5).
__________
(1) محمَّد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّوريَّة"، نقلاً عن محمد غنيمي هلال، في الميزان الجديد، ص 215.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه، ص 170.
(5) المصدر نفسه. (1/134)
صفحة 135
وظَّف محمد ناصر اللَّهجة الخطابيَّة في قصائده، وهو يدرك مدى دور هذه النَّزعة من الإنقاص من القيمة الفنِّيَّة للقصيدة فيقول: وأحسب أنَّ الدُّكتور خرفي يضع أيدينا على السَّبب الوجيه الذي أنقص من قيمة تلك القصائد فنّيًّا، فهي على حدِّ تعبيره استجابة فوريَّة للمناسبة العابرة، وهذا بالذَّات، يعني أنَّ الشَّاعر إنَّما كان يكتب قصائده تحت إلحاح الانفعال الثَّائر، حين يطلب من الشَّاعر الأصيل ألَّا يكتب تحت الشُّعور الثَّائر (1).
لكنَّ الشاعر مارس العديد من المواقف الانفعاليَّة في إبداعه الشِّعري، وذلك للرُّؤية الإسلاميَّة المهيمنة على إبداعه، ولأنَّ وظيفة شعره - حسب رؤيته - تقتضي ذلك، حيث يقول في مقدِّمة ديوانه أغنيَّات النَّخيل: لا أخفي عدم رضاي عن العديد من القصائد في هذه المجموعة، ولكنِّي أثبتها لأنَّها تتعلَّق بأحداث عزيزة على نفسي (2)، كما يؤكِّد أنَّ قوَّة الانفعال وثورة الشُّعور لا يتوفَّر معها إنتاج فنِّي ذو قيمة، فلا بدَّ من فترة تهدأ فيها المشاعر، وتختمر فيها الأفكار التي يؤلِّفها الشَّاعر عن طريق تأمِّله في تجربته ... فالتَّعبير الفنِّي أبعد ما يكون عن الاستسلام للمشاعر والخواطر استسلاما، يدفع الشَّاعر إلى التَّعبيرات المباشرة والجري وراء الصُّورة التَّقليديَّة، فيما يضرُّ الأصالة (3)، لكنَّنا نرى أنَّ المواضيع في هذه الحياة هي هي، والمهمُّ هو الشَّاعر الذي ينتشلها من الرَّتابة والملل إلى قمَّة الإحساس والسَّبك، فليس شعر محمد ناصر فلسفة للحياة، بل هو ممارسة للحياة في حدِّ ذاتها، كما يقول ستظلُّ قوَّة الشِّعر كامنة في عفويَّة تعبيره، وتصويره بطبيعته لحظة من لحظات الضَّعف الإنساني (4).
2. التِّكرار واستخدام أسلوب التَّداعي الحرّ (5). جاءت أغلب القصائد ذات النَّبرة الخطابيَّة مستخدمة أسلوب التَّداعي الحرّ؛ وهو الاتِّكاء على مفردة أو عبارة، والتَّداعي
__________
(1) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثُّوريَّة "، ص 212.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 23.
(3) ينظر محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّورية"، ص 213. نقلاً عن محمد غنيمي هلال، دراسات ونماذج في مذاهب الشِّعر ونقده، ص 30.
(4) المصدر نفسه، ص 220.
(5) عبد الله رضوان: "البنى الشِّعرية "، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، ص 50. (1/135)
صفحة 136
حولها وحول ما تثيره بما لديه من أفكار، وذلك بالعودة إلى المفردة ذاتها عند بداية كلِّ مقطع جديد في القصيدة، بحيث تصبح - المفردة - العبارة هي المرتكز الرَّئيسي لبناء القصيدة (1).
من أمثلة ذلك قصيدة انتصار وانكسار وقد استخدم فيها الشَّاعر أسلوب التَّداعي الحرّ المتَّكئ على موضوع الثَّورة الجزائريَّة وواقع الأمَّة الإسلاميَّة وإظهار لفعل الجهاد والشَّهادة، وهاهنا كلمة نوفمبر وما تنشره لدى الشَّاعر من معانٍ ودلالاتٍ، يكررها خمس مرَّات في المقطع الأوَّل فيقول:
نوفمبرُ! يَا جذوَة الحقِّ يَا مَشْرِق النُّور وَالانتصَارْ
نوفمبرُ! يَا يَقْظَةَ المُسْلمينَ وَيَا رَحْمَةَ الله بَعْدَ انْتِظَارْ
نوفمبرُ! يَا مَن طَلَعتَ عَلَى الأرْضِ، وَالليلُ فِيهَا طُلُوعَ النهَار
نوفمبرُ! يَا قَاهرَ الظُّلْمِ، يَا صَيْحَةَ الْحُرِّ فِي كُلّ دَارْ
نوفمبرُ! يَا ثَورَة بَدّدَت طَوَاغيتَ حلفٍ بسيف محَمد (2).
أمَّا في قصيدة رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السَّيَّاب وهو غريب في الخليج ينادي مطر! مطر! مطر! بعد شهر من القصف المدمِّر الهمجي على العراق في حرب الخليج الأولى، اعتمد الشَّاعر عبارة يا بدر وتكرارها في كل المطالع وكأنَّها لازمة متكرِّرة.
يَا بَدْرُ! إِنْ عَطِشَ العرَاقُ
وَتَاهَ فِي حُمى التَّفَرّقِ وَالشّقَاقْ ...
أبْشِرْ فَقَدْ عَادَ العرَاقْ
عَادَتْ به الأبْطَال والشّهَدَاء فَجْرا وَانْعتَاقْ (3)
__________
(1) عبد الله رضوان: "البنى الشِّعريَّة"، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، ص 50.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 86 - 87.
(3) المصدر نفسه، ص 266. (1/136)
صفحة 137
3. استخدام أسلوب الرِّسالة: وظَّفه محمد ناصر نمطًا لقول قصيدة الخطاب المباشر، ونال هذا اللَّون من القصائد قسما كبيرًا في دواوينه الشِّعريَّة، ومن بين هذه القصائد رسالة متأزِّمة إلى ولدي .. ، وقد لجأ الشَّاعر فيها إلى استعراض سخطه وألمه في اليوم الثَّامن والثَّلاثين من القصف المدمِّر على العراق، والأنا المتكلِّم في القصيدة هو الشَّاعر نفسه، في علاقة مع الآخرين - المتلقِّي - (الجيل الصَّاعد) (1)، عبر شخصيَّة رئيسيَّة هي ولده، باعتبارها الشَّخصيَّة المركزيَّة داخل القصيدة:
وَلَدي! إذَا أبْصَرْتَ في عَيْنِي الدُّمُوعَ، فَلاَ تسْأَلْني إنّنِي أَخْشَى الجَوَابْ
واعذُرْ أبَاكَ إذَا رَأيتَ تَكَسُّرا في أحرفي تُنْبِيكَ عَنْ هَوْل المصَابْ
وَلَدِي، بأَعمَاقي تَلَظَّى نَارُ مَأْسَاة السّنِينَ، فَكَيْفَ يَحْمِلُهَا خطَابْ؟
الجُرْح أكْبَرُ مِنْ إبَاءِ الْكِبْرِيَاءِ، وَمِنْ مُغَالَبَةِ الفُتوَّةِ وَالشّبَابْ (2)
4. استخدام أسلوب الحوار: باعتباره أحد الوسائل التي يلجأ إليها الشَّاعر من خلال تعدُّد الأساليب الخطابيَّة المستخدمة في تقديم قصائده، مع التَّأكيد بأنَّه حوار شكلي لا يحقِّق أصول الحوار المتعارف عليها، لعدم توافر شخصيَّات فنِّيَّة متحاورة، وإنَّما هو حوار الشَّاعر مع ذاته، أو قيام الشَّاعر بالإنابة عن شخصيَّة أخرى فيقولها (3)، وقد برز أسلوب الحوار واضحًا في قصيدة الحجارة والكلاب ... ، وهي قصيدة كتبها الشَّاعر مهداة إلى الشَّهيد الفلسطيني ذي السََّنوات العشر، وهو يحمل في يده حجارة، فيقول (4):
عَجَبا، أَمِنْ صَبرَا أَتَيتَ؟
مِنَ الدّمَارِ نَجَوْتَ؟
كَيْفَ اخْتَرَقْتَ حُدُودَنَا؟
__________
(1) *) الجيل الصّاعد هم من يكتب لهم محمد ناصر هذه القصيدة (الرّسالة).
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 271.
(3) عبد الله رضوان: "البنى الشِّعريَّة"، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، ص 63.
(4) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 220. (1/137)
صفحة 138
أنَا فِي فِلَسْطِينَ نَبَتْتُ، بِهَا أَمُوتُ، وَلَنْ أغَادِرَ مِنْ هنَا.
د- استخدام أسلوب الرَّدِّ والحكاية:
بحيث تقوم القصيدة على أسلوب قول حكاية يتشكَّل منها النَّصُّ، مع ورودها على لسان الشَّاعر، أي مع استمرار الحفاظ على نوع القصيدة الغنائيَّة، حيث الشَّاعر هو الفاعل الرَّئيسي، وهو صاحب الخطاب داخل القصيدة.
من بين هذه القصائد هذا الملَكُ الذي يعذِّبني، آخر العنقود، أحبّك والله يا أخي في الله، بين الحبِّ والكتب ... (1)، كما يمكن تصنيف هذه القصائد فيما يعرف بالشِّعر التَّمثيلي (2) لما يحتويه من عنصر الدَّراما، ويوظِّف الشَّاعر الحوار ضمن الحكاية السَّرديَّة التي تصف حالة إنسانيَّة، ضمن صيغة وصفيَّة مقطعيَّة، ومن أمثلة ذلك قصيدة بين الحبِّ والكتب، تتمثَّل في شخصيَّتين هما الشَّاعر وزوجته، فيتعاطف مع الزَّوجة ويجعلها سيِّدة الموقف فيقول:
رَبَّاهُ مِنْ زَوْج يُقِيمُ مَعَ الْكِتَا ... بِ، وَإِنْ يَغِبْ، فَالْكُتْبُ أَفْضَلُ مُصْطحِب
إِنْ كَانَ مَا تَخشَى النّسَاء ضَرَائِرا ... فَمِنَ الضَّرائِر مَا خُلِقنَ مِنَ الْكُتُبْ
أَوَ لَيسَ من حَقِّي عَلَيكَ عَدَالةٌ ... وَبَنُوكَ حَقُّهُمُ الحنانُ .. أَلَسْتَ أَبْ؟!
أَوَاه يَا أُمَّ البَنِينَ أطَلْتِ فِي ... لَوْمِي، وَبَعْضُ اللَّوْمِ يَذهَب بِالعَتَبْ (3)
ه- اللُّغة الشِّعريَّة:
لتعدُّد الدِّراسات في هذا المجال، ولاتِّساعه ولقابليته أن يكون موضوعا خاصًّا بحدِّ ذاته، ارتأيت أن أحدِّد الخصائص البارزة في اللُّغة الشِّعريَّة عند محمد ناصر في النِّقاط التَّالية:
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 302.
(2) نعمات أحمد فؤاد: "خصائص الشِّعر الحديث"، ص 68.
(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 302، 303. (1/138)
صفحة 139
1. بساطة النَّسق الشِّعري المعتمد بدوره على اللُّغة البسيطة، فيجيء النَّسق اللُّغوي بسيطا ميَّالا إلى الوصف، وصف حالة الشَّاعر، من خلال موقف من مواقف الحياة اليوميَّة، أو تأزُّم في الأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة، ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدة في وداع رمضان:
إيه يَا شَهرُ كَم وَدِدْنَاكَ دَهْرا ... كَيفَ وَالدَّهر في حمَاكَ عَشِيّه
أنتَ مَجْلَى القلوب للمَلأ الأعْـ ... ـلَى تَفيض في بروج عَلِيّه
أُسْمُ بالنّفْسِ بكرَةً وَعَشيَّه ... وَأَنِرْ دَرْبَهَا صِفَاتٍ بَهِيَّه
رَفَّ بي في سَمَاكَ حُرًّا طَليقا ... وَاغْسِلِ الرُّوح مِنْ دَنَايَا دَنيّه (1)
2. توظيف المكان ضمن النَّسق اللُّغوي المستخدم، بحيث يصبح جزءًا رئيسيًّا من بنية النَّسق لإيجاد تواصل عبر تحقيق أنسة المكان داخل النَّصِّ الشِّعري. وقد برع محمد ناصر في استخدام المكان وتوظيفه داخل القصيدة؛ معبِّرًا عن رؤيته الإسلاميَّة، وجعله رمزا دينيًّا يتَّكئ عليه للتَّعبير عن الذَّات الشَّاعرة وموقفها من قضايا الأمَّة الإسلاميَّة، ومثل ذلك قوله في قصيدة فلُّوجة الشُّهداء ... !:
وَينَوِّر الأجْوَاءَ، فِي فَلُّوجَةَ الشُّهَدَاء نُورُ الأنْبِيَاءْ ......
بِالنّصر تشرف وَالمَلاَئك حَولَهَا ...
تَكبير جَعفَر في الصّفوف إمَامُهَا، يَحْمي اللّوَاءْ ...
وَشَبَابُهَا فِي القَلْبِ عمَّار يُؤَازِرُهُ عَليْ
فَأَنَا هُنَا، بِالرّغْمِ مِمّا حَلَّ بِي .... (2)
3. توظيف بعض ألفاظ اللُّغة القديمة وغير المتداولة في الشِّعر المعاصر، ممَّا يصعب على القارئ فهم معنى البيت الشِّعري، إلَّا بالرُّجوع إلى القاموس، مثل (الدَّواة)، (شزْراءُ)، (وطْفاء)، (صَلَف)، (السَّحناء)، (أربأ)، (بَطِرْ)، (الصُّرد)، (العلج) ... وهكذا تصبح هذه
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 430.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 412. (1/139)
صفحة 140
المفردات ملمحا بارزا في بنية القصيدة عند محمد ناصر، ولعلَّ هذه الظَّاهرة هي المسؤولة أساسًا عن وصف أشعار محمد ناصر بأنَّها أكثر أصالة وارتباطا بالأدب العربي القديم، فهو من الشُّعراء الذين يدعون إلى العودة إلى تراث الأمَّة الإسلاميَّة، والتَّمسُّك باللُّغة العربيَّة، ففهمه لأسرارها هو المؤدِّي إلى تقوية المعنى حتَّى يقترب من المتلقِّي، ويقنعه برؤيته وتوجهه الإسلامي.
4. تعمُّد اللَّفظ الحادِّ، القاسي أحيانًا، وبخاصَّة عند اعتماده أسلوب الإدانة والتَّمرُّد، وكذلك تعمُّد إثبات قدرته اللُّغويّة وإبراز محصوله من المفردات العربيَّة القوية، مثل قوله في الصَّفحات 61، 87، 89، 95، 96، 140، 160، 180، 219، 230، 322، 357 من الأعمال الشَّعريّة الكاملة كنموذج على مثل هذا النَّوع من الاستخدام، ومن أقوى هذه القصائد وأكثرها وقعًا على السَّاحة الأدبيَّة، لما تحمله من ألفاظ مدينة للحداثيِّين وشعراء المرأة، قصيدة هذا الزَّمن العلماني ( ... التي كتبها بعد أمسيَّات عقدها نزار قباني بمسقط (سلطنة عمان)، يصفها الشَّاعر في مقدمة لقصيدته بأنَّها: أمسيَّات داعرة، نزع فيها الحياء واختلط فيها الرِّجال والنِّساء ... (1)، ويهدي أبياتها إلى روح الشَّاعر العماني أبي مسلم الرَّواحي، فيقول:
الشِّعْرُ بَعْدَكَ آهَة وشعَار ... وَجنونُ تَيْسٍ للفسوق يُعَارُ
وهُذاءُ سَكرَان يدَوِّن شِعرَه ... في صَدر غَانِيةٍ رَمَاهَا العَارُ
وَطَلاَسمُ حَيْرَى تُخَاطب نَفسَهَا ... وَسَحِيفُ غَوْرٍ لَيسَ فِيهِ قَرَارُ
وَهرَاء مَجنونٍ، ولَوْثَةُ أبْلَهٍ ... وسِبَابُ سُوقيٍّ به اسْتِكْبَارُ (2)
على الرَّغم من هذه الألفاظ الحادَّة واللَّاذعة، يمكن القول: إنَّ الشَّاعر استوى على ناصية النَّظم والصِّناعة، دون أن يدركه بهر أو إعياء، واستخدامه اللُّغة استخدام متمكِّن،
__________
(1) المصدر نفسه، ص 321.
(2) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 412. (1/140)
صفحة 141
دون التَّعثُّر في صياغة التَّعبير، مع الأخذ في الحسبان أنَّ شعره الذي بين أيدينا هو شعر الصِّبا والكهولة والشَّيخوخة، ولازال سيل الثَّغر ينحدر دون توقُّف إلى اليوم.
لقد أكَّد محمد ناصر الدَّعوة إلى التَّجربة الشِّعرية، ودعا إلى الالتزام بقيود الفنِّ الشِّعري الأصلية؛ وفق المنهج الإسلامي، ونادى بأنَّه لا شعر بغير هدف يسمو بالإنسان المسلم، وبأنَّ الشِّعر تفاعل بين اللَّفظ والمعنى، وبناء لا يفصل بين الشَّكل والمضمون، فالجانب الفنِّي - وهو محور أساسي في العمليَّة الإبداعية - لا يجب الاستغناء عنه. كما مارس الشِّعر الحرّ - قصائد التَّفعيلة- التي لا تقلُّ مستوى فنيًّا عن القصائد التي تناولها في البناء العمودي للشِّعر، والتي تجمعها سمة الرُّؤية الإسلاميَّة المضيئة، غير أنَّ تناولها بالتَّحليل يحتاج إلى بحث، يخرج بنا عن حدود الدِّراسة الأدبيَّة الموجزة.
لقد عاش محمد ناصر مؤمنا باللُّغة العربيَّة، وبتراثها، وبالشِّعر العربي الأصيل الملتزم بقيم الدِّين الإسلامي، وحسبنا هنا - أن نأمل- من خلال النَّماذج الشِّعريَّة التي تناولناها في هذا الفصل، أن نكون قد وفِّقنا في بيان الملامح العامَّة والخصوصيَّة الفنِّيَّة لدواوينه، وإبراز خصائص الرُّؤية الإسلاميَّة التي انطلقت منها قصائده. (1/141)
صفحة 142
- ... -
الباب الثَّاني
الإبداع النَّقدي عند محمَّد ناصر
- - - - - - - (1/142)
صفحة 143
الفصل الأوَّل
مفهوم الأدب عند محمَّد ناصر
يمكن تعريف الأدب بإيجاز على أنَّه: تعبير جميل مؤثِّر بالكلمة عن التَّصوُّر الإنساني للوجود، أو صياغة فنِّيَّة للتَّجربة الإنسانيَّة والبعض يعرِّفه على أنَّه التُّراث الحضاري المكتوب (1).
ما هو الأدب؟، وما هو مفهومه عند محمد ناصر؟.
هل هو منطق للوجود والعالم؟، أو تعبير عن الإنسان؟، أم هو وهم لا وجود له؟.
إنَّ التَّصوُّر والتَّوجُّه الأدبي لمحمد ناصر، هو انعكاس لمفهومه للأدب، مثله في ذلك مثل روَّاد الأدب الإسلامي في المشرق. ولعلَّ سيِّد قطب من الأوائل الذين عرَّفوا هذا الأدب، حيث قسَّم تعريفه إلى مستويين: عام وخاصّ، وكلُّ منهما يحدِّد مفهومًا للأدب من زاوية خاصَّة، تختزل ما يحتويه من صفات مميِّزة:
فأمَّا الأدب بمفهومه العامّ فيعرِّفه بـ: أنَّه التَّعبير عن تجربة شعوريَّة في صورة موحية (2)، ويرى: أنَّ هذا التَّعريف للعمل الأدبي أو فيما يكون بالدَّلالة على جميع خصائصه المشتركة في فنون الأدب جميعًا (3)، وأمَّا الأدب بمفهومه الخاصّ، فيتجلَّى في قوله: الأدب - كسائر الفنون - تعبير موح عن قيم ينفعل بها ضمير الفنَّان، هذه القيم قد تختلف من نفس إلى نفس، ومن بيئة إل بيئة، ومن عصر إلى عصر، ولكنَّها في كلِّ حال تنبثق من تصوُّر معيَّن للحياة، والارتباطات فيها بين الإنسان والكون، وبين الإنسان وأخيه الإنسان ... والإسلام تصوُّر معيَّن للحياة تنبثق منه قيم خاصَّة، فمن الطَّبيعي إذن أن يكون التَّعبير عن هذه القيم،
__________
(1) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 17.
(2) سيِّد قطب: "النَّقد الأدبي أصوله ومناهجه"، أنظر: أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 133 - 134.
(3) المرجع نفسه، ص 134. (1/144)
صفحة 144
أو عن وقعها في نفس الفنَّان ذا لون خاصٍّ، وأهمُّ خاصيَّة للإسلام أنَّه عقيدة ضخمة جادَّة فاعلة خالقة منشئة، تملأ فراغ النَّفس والحياة، وتستنفذ الطَّاقة البشريَّة في الشُّعور والعمل في الوجدان والحركة ... وأبرز ما فيه الواقعيَّة العلميَّة، حتَّى في مجال التَّأمُّلات والأشواق (1).
وقد عرَّفه محمَّد قطب: بأنّه التَّعبير الجميل عن الكون والإنسان من خلال تصوُّر الإسلام للكون والحياة والإنسان (2).
وهو عند نجيب الكيلاني يعني: النَّظر إلى الكون والإنسان والحياة - بما فيها من قضايا ومعتقدات- من خلال تصوُّر إسلامي (3).
لقد ذهب روَّاد الأدب الإسلامي إلى الإقرار بأنَّ العلاقة بين الأدب الإسلامي والأدب العربي هي علاقة أبوُّة وعلاقة عضويَّة، وهنا تكمن الصِّلة الوثيقة بين الأدب العربي والأدب الإسلامي، حيث يقول نجيب الكيلاني: إنَّ الذي نريده في الواقع هو أن يكون الأدب أدبا إسلاميًّا، أو بتعبير آخر أن يكون مصطلح الأدب الإسلامي ضمنيًّا أدبا عربيًّا بالدَّرجة الأولى (4).
كما يذهبون إلى وجوب هيمنة التَّصوُّر الإسلامي على جميع مناحي حياة الأديب، حتَّى تنطبع العمليَّة الإبداعيَّة، حيث يؤكِّد عماد الدِّين خليل أنَّ التَّصوُّر الإسلامي للوجود يعني: أن يملك الأديب فلسفة، أو تصوُّرا، أو موقفا شموليًّا إزاء الكون والحياة والإنسان، وأن ينبثق هذا الشُّعور الذي يطبع التَّجربة الذَّاتيَّة طولًا وعرضًا وعمقًا، عن الإسلام المتميِّز، المتفِّرد، المبين .. (5).
__________
(1) سيِّد قطب: "النَّقد الأدبي أصوله ومناهجه"، أنظر: أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 133 - 134.
(2) سعيد الغزَّاوي: "مقالات في النَّقد الإسلامي، تأصيل وتجريب، رابطة الأدب الإسلامي العالميَّة، الأحمديَّة للنَّشر الدَّار البيضاء، ط 1، 1999 م، ص 13.
(3) المرجع نفسه، ص 130.
(4) نجيب الكيلاني: "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، أنظر سعيد الغزاوي، مقالات في النَّقد الإسلامي، تأصيل وتجريب، ص 131.
(5) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، ط 1، 1987 م، ص 69. (1/145)
صفحة 145
فالأديب ذو الرُّؤية الإسلاميَّة يتعيَّن عليه وهو يمارس الإبداعيَّة أن يكون مؤهَّلاً لذلك الاختصاص الذي منحه إدراكًا واسعًا لآفاق الأدب الإسلامي وقيمه (1).
ومحمَّد ناصر ممَّن تبنَّى هذه المفاهيم التي انطلق منها روَّاد الأدب الإسلامي في المشرق، سواء من خلال دراساته الأدبيَّة وتمرُّسه بالنُّصوص وتحليلها، أو ممارسته للعمليَّة النَّقدية، ممَّا يمكِّنه من تحديد الانتماءات الفكريَّة الأدبيَّة والتَّمييز فيها بين الأدب الدَّخيل والأدب الأصيل، وما يتبع ذلك من إنزال النُّصوص في مواقعها، ويحدِّد موقف الإسلام منها، فضلاً عن الإلمام بالتُّراث العربي القديم والحديث والآداب العالميَّة، لأنَّه لا يرى أدبه بمعزل عن الأدب العربي، أو الأدب الإنساني، فيقول في مقدِّمته لكتاب (خصائص الأدب الإسلامي): ... هذه القضيَّة من كون الأدب إسلاميًّا أو غير إسلامي، فإنَّ الآداب الإنسانيَّة كلُّها تتَّفق على أنَّ الأدب ينبغي أن يكون مبنيًّا على تلك العناصر المذكورة آنفا، ونعني بها: المبدع، وسيلة الإبداع، المتلقِّي، ومن هنا فإنَّ على الأديب أن يطرح على نفسه -حتَّى يتبنَّى أطراف المعادلة - الأسئلة التَّالية:
1. لماذا أكتب؟.
2. ماذا أكتب؟.
3. لمن أكتب؟.
4. كيف أكتب؟ (2).
ففي الإجابة عن هذه الأسئلة يكمن مفهوم الأدب ورؤية الأديب وتوجُّهه فنّيًّا، لكن ما يهمُّنا نحن الآن هو مفهومه للأدب ومذهبه في الكتابة، لماذا أكتب؟، وماذا أكتب؟، ففي الوقت الذي تغرق فيه المناهج الغربيَّة في تحديد معالم النَّصِّ وتحديد العلاقة بين النَّصِّ والمبدع، والقارئ، كما يقول ج. كوللر: لتوضيح ما فعلته وما قلته عليك أن تراجع حالة
__________
(1) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب ومواقف"، ط 1، المنارة للنَّشر والتَّوزيع، بيروت، 1987 م، ص 27.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ص 5 - 6. (1/146)
صفحة 146
الأنا (سواء واعية أو غير واعية)، التي تعبِّر عنها كلماتي أو أفعالي ... حيث تعمل الأفعال أو الكلمات بالتَّعبير عن الفاعل السَّابق (1).
هكذا تظهر الاختلافات من حيث الأولويات وعناصر العمل الأدبي كبيئة أساسيَّة متلاحمة أو مفكَّكة. إن زعم أنَّ الإبداع يتمُّ بلا وعي، وأنَّه يتمُّ في غيبة العقل تمامًا، وقد ذهب نيتشه إلى أنَّ الفنَّان (ليس تجسيدا لقوى عليا وناطقا باسمها ووسيطا لها، فالمرء يسمع ولا يبحث، ويأخذ ولا يسأل من الذي أعطى، والفكرة تومض كالبرق وتبدو وكأنَّها شيء لا مفرَّ منه، فلم يكن لديَّ أيَّ خيار (2).
إنَّ العبث واللاَّمعقول والرَّمزيَّة والسِّريالية والحداثة مذاهب أدبيَّة تجسِّد في الشَّكل كما في المضمون، وكلُّها مذاهب تتَّفق مع مذهب الفنِّ للفنِّ، وإنَّ الغموض الذي يلازمها ولا ينفكُّ عنها يبعد أشكالها الفنِّيَّة عن باب القبول عند الأديب الإسلامي، لأنَّ الأدب الإسلامي يقف من الغموض موقف النَّقيض.
إنَّ الفنَّ في الإسلام - أو الأدب الإسلامي - ليس غاية ولكنَّه وسيلة لغاية أبعد منها، لكنَّ إجادة العربيَّة مطلوبة بل واجبة، إنَّ استخدام اللَّفظ المقدَّس في السِّياق المدنَّس بإصرار غريب عند الحداثيِّين وتفجير اللُّغة من داخلها لتقويض نظامها، ودكّ بنائها عندهم، يبعد هذا الشَّكل عن دائرة القبول في الأدب الإسلامي (3).
أمَّا عند محمد ناصر فنلمس حسن التَّصوُّر في الشِّعر أو النَّثر، وأصل هذا الحسن إدراكه جيِّدًا ما يريد الإعراب عنه وبعبارة أوضح أن يعرف المرء ما يريد أن يقول معرفة حسنة، فإذا عرف ما يريد أن يقول عرف كيف يقول، فالألفاظ هي السَّبيل إلى هذا القول
__________
(1) ج. كوللر: "ما النَّظريَّة الأدبيِّة"، ترجمة هدى الكيلاني، منشورات اتِّحاد الكتَّاب العرب، دمشق ص 127.
(2) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، ط 1، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، 1991 م، ص 29.
(3) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، ط 1، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، 1991 م، ص 111. (1/147)
صفحة 147
وإلى إخراج الفكر من الذِّهن للعيان، من عالم الغيب إلى عالم الظُّهور، فالمهمُّ قبل الألفاظ هو حسن التَّصوُّر والتَّفكير (1).
إنَّه من الذين يحدِّدون أهدافهم الأدبيَّة قبل عمليَّة الكتابة، وذلك طبقًا لرؤيته الإسلاميَّة، التي تحتِّم عليه مبدأ الرِّساليَّة، فإذا حدِّد الهدف من الكتابة عرف كيف يكتب، وبما أنَّ اللَّغة هي وسيلة لإظهار الفكر الأدبي، الذي يتَّسم عنده بحسن التَّصوُّر والتَّدبير. فقد بنى كلَّ كتاباته على هذه القواعد، فكان إذا أراد أن يؤسِّس لأيِّ مشروع أدبي، سواء كان مقالة أو محاضرة أو بحثا أو شعرا أو قصَّة، يطيل التَّفكير لتصوُّر الموضوع، ويجمع عناصره وينسِّقها، فإذا انتهى من هذا كلِّه أخذ في التَّدوين والكتابة، ولا يجد صعوبة في انتقاء الألفاظ، وذلك لتكوينه الأدبي واللَّغوي وأصالة تجربته، التي تعني التَّفرُّد والامتياز والتَّعمُّق في الإحساس والبحث عن جوهر الأشياء (2). فالقارئ للأعمال الأدبيَّة لمحمد ناصر باختلاف أشكالها ينسبها مباشرة إليه، حتَّى ولو لم يكتب اسمه عليها.
إنَّه نموذج من نماذج الواقعيَّة الإسلاميَّة، التي تختزن ركائز قويَّة، تعتمد على التَّعقُّل والتَّجربة والوعي الرُّوحي في الوقت نفسه كعناصر تتضافر جهودها لتضع المذهب الأدبي الإسلامي، الذي يحمل رسالة (النُّبوَّة) الخالدة وليعبِّر عن الرُّؤيا الجديدة للكون والحياة (3).
القارئ لأدبه في حاجة إلى أن يتسلَّح بأسلحة كثيرة، لأنَّه أمام ظاهرة أدبيَّة خاصَّة تقتضي منه قدرًا من التَّنبه والتَّيقُّظ، كي يحظى بأكبر قدر من الزَّاد المعرفي والأدبي، وليس المعنى أنَّ عمليَّة القراءة تكلِّف العسر، وعدم الوضوح في المعنى والتَّعبير (4)، بل إنَّه أديب يلبس تجربته الأدبيَّة لباس اللَّفظ المناسب وَفق إطار خاصٍّ، عبر مفهومه للأدب الذي تترجمه تجربته وهي نقطة انطلاق لأعماله.
__________
(1) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ط 1، الشَّركة المتَّحدة للتَّوزيع، 1989 م، ص 173.
(2) عبد الله الرَّكيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، ط 1، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، الجزائر، 1985 م، ص 632.
(3) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ط 1، مكتبة وهبة، القاهرة، 2003 م، ص 27.
(4) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ص 174. (1/148)
صفحة 148
التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع :
الأدب الإسلامي - في أشكاله المختلفة - هو لحظة تفاعل بين الفكر والعاطفة في داخل الإنسان، مع موقف أو ظاهرة أو حادثة ما، والأديب شخص موهوب ذو حساسيَّة خاصَّة، تستطيع أن تلتقط الإيقاعات الخفيَّة اللَّطيفة، التي لا تدركها الأجهزة الأخرى في النَّاس العاديِّين، وذوي قدرة تعبيريَّة خاصَّة، تستطيع أن تحوِّل هذه الإيقاعات إلى لون من الأداء الجميل يثير في النَّفس الانفعال (1)، وينطلق من أسلوب تعبيري لغوي نابع من مكوِّنات النَّفس الكاتبة حول ما يحيط بها في هذه الحياة.
وقضية تعريف - مفهوم- الأدب الإسلامي ليس مشكلة، مادام الأمر تصوُّرًا واضحًا، ومادامت شروط العمل الأدبي واضحة، من توافق الموهبة والتَّجربة، وصحَّة التَّصوُّر، وكلُّ التَّعريفات التي عرفت أخذت من تعريف الأستاذ قطب لهذا الأدب هو التَّعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان، من خلال تصوُّر الإسلام للكون والحياة والإنسان (2).
فهل محمد ناصر يتَّفق مع روَّاد الأدب الإسلامي في هذا التَّعريف؟.
إنَّ للأديب وجهة نظر خاصَّة في الأدب الإسلامي، ترجع لتكوينه الأكاديمي وفق منهجيَّة واضحة ومحدَّدة، ثمَّ إلى التَّنسيق المنطقي الهادف والتَّسلسل الفكري الواضح، أي يبنى عليه الأديب مفهومه للأدب الإسلامي، ففي مدخل كتابه خصائص الأدب الإسلامي يحدد عناصر العمليَّة الإبداعية في قوله: إنَّ الآداب الإنسانيَّة كلُّها تتَّفق على أنَّ الأدب ينبغي أن يكون مبنيًّا على تلك العناصر المذكورة آنفًا، ونعني بها المبدع، وسيلة الإبداع، والمتلقّي، من هنا على الأديب أن يطرح على نفسه - حتَّى يتبيَّن أطراف المعادلة - الأسئلة التَّالية: لماذا أكتب؟، ماذا أكتب؟، لمن أكتب؟، كيف أكتب؟ (3).
__________
(1) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، دار الشُّروق، ط .. ، 1983 م، ص 11.
(2) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1996 م، ص 104.
(3) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 65. (1/149)
صفحة 149
من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة التي يرى محمد ناصر أنَّه من الواجب على الأديب أن يطرحها على نفسه قبل الكتابة، تحدد مساره الأدبي، ورؤيته الفنِّيَّة أوَّلاً، ثمَّ تجعل لأدبيَّة الأديب هدفًا، لأنَّ بلوغ الهدف مسعى لكلِّ جادٍّ وصاحب رسالة، هذه الأسئلة تجعل للعمل الأدبي هدفا وغاية أسمى من المتعة العابرة، لأنَّ الأديب حين يجيب على هذه الأسئلة يحدِّد عن طريق غير مباشر الخصائص التي تميِّز أدبه عن غيره، وتفرد إبداعه بسمات خاصَّة، تكون علامة عليه ودلالة عنه (1).
هكذا يحدِّد محمد ناصر معالم الرُّؤية الأدبيَّة لكلِّ أديب، وفق إجابته عن هذه الأسئلة التي تحدِّد خصائص أدبه وعلاقته بالنَّصِّ وعلاقة القارئ بالنَّصِّ.
كلمة نصَّ في اللُّغة تعبِّر عن الظُّهور والبيان والكمال، وقد استخدمها الفقهاء وعلماء الأصول استعمالاً دقيقًا، حينما قالوا نصَّ القرآن ونصَّ الحديث، معبِّرين عن كمال الفكرة والمعنى المقصود من العبارة، ومن ثمَّ أمكن القول بأنَّ النَّصَّ هو الكلام الدَّال على معنى يحسن السُّكوت عليه بعد سماعه، أو قراءته، بغضِّ النَّظر عن طوله أو قصره، فقد يكون بيت شعر، وقد يكون رواية، فالعبرة بانتهاء المعنى المقصود إلى السَّامع أو القارئ (2).
كما أنَّ النَّصَّ شكل خاصٌّ لتقديم مختلف المعلومات، تحدِّده العلاقات المنطقيَّة التي تقيمها بينها (3)، وبتوظيف العناصر الفنِّيَّة التي تعمل على إضفاء الصِّيغة الجماليَّة والمتعة، أين يجعل الأديب عمله الفنِّي هذا بمثابة صفحة لهداية الأمَّة وتوعية الإنسان، ونشر الخير، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهذه هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها دعاة الأدب الإسلامي.
يتوزَّع النَّصُّ في الإنتاج الأدبي لمحمد ناصر على ثلاثة أشكال، النَّصُّ النَّقدي، النَّص السَّردي (ويشمل المقالة، السِّيرة)، وأخيرًا النَّصُّ الشِّعري وهو النَّصُّ الأكثر تعقيدًا لما يفرضه من التزام بالشَّكل، أكثر من المضمون.
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 06.
(2) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 2004 م.
(3) المصدر نفسه، ص 144. (1/150)
صفحة 150
يرى محمد ناصر أن انتقال الأديب للإجابة عن السُّؤال ماذا أكتب؟، فإنَّ جوابه يكون تحديد الجنس الأدبي الذي سيحتوي تجربته الأدبيَّة، شعرا أو قصَّة، أو أقصوصة، أو رواية، أو مسرحيَّة، ولا ينتهي التَّحديد عند معرفة الجنس الأدبي وحده، إذ يتعدَّاه إلى الغرض والموضوع، وهذا يؤدِّي حتمًا إلى معرفة خصائص كلِّ جنس، كما يؤدِّي به الموضوع إلى معرفة أبعاده وعناصره (1).
إنَّ هذه المعرفة العامَّة تحيل الأديب إلى تكوين علاقة ترابطيَّة تكامليَّة بين مكوِّنات النَّصِّ الأساسيَّة؛ العاطفيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة، والنَّفسيَّة، والدِّينيَّة، ومهما يكن من أمر، فإنَّ عمليَّة كهذه تحتاج إلى خليط مركَّب من العناصر - إذا صحَّ التَّعبير- لا يمكن بدونها أو بافتقاد بعض عناصرها تلك، أن تحقِّق السَّويَّة المطلوبة للإبداع (2).
ويؤكِّد محمد ناصر هذا بقوله في نقد الأعمال الشِّعريَّة لرمضان حمود: إنَّ القيمة الحقيقيَّة لإنتاج رمضان حمود تتجلَّى في مضامينه الفكريَّة وسبقه المبكِّر إلى طرح القضايا وطريقته الواضحة الصَّريحة في تناولها وإبرازها، أمَّا النَّاحية الجماليَّة أو الفنِّيَّة لهذا الإنتاج فتبدو غير ناضجة التَّجربة، نقصد الخلق والابتكار ... وقد يكون عذر حمود عن قصور أدواته الفنِّيَّة قصر عمر تجربته الأدبيَّة (3).
إذا أمعنَّا النَّظر في هذه الفقرة، يتبيَّن لنا أنَّ محمد ناصر له منهج خاصٌّ في تحديد مقوِّمات العمل الأدبي، وذلك من خلال:
- تحديد الهدف من وراء العمليَّة الإبداعيَّة، (النَّصّ)، سواء من أجل معالجة قضايا العصر أو الأمَّة، أو الانشغالات الإنسانيَّة العامَّة، وما مدى نجاح الأديب في التَّعبير عن هذه القضايا.
- الحكم بالجودة أو الرَّداءة في الجانب الشَّكلي (الأسلوب، اللُّغة).
- إبراز الأهداف التَّربويَّة أو الأخلاقيَّة أو الدِّينيَّة التي يحملها موضوع النَّصِّ.
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 07.
(2) ينظر عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، ط 1، 1987 م، ص 71.
(3) محمد ناصر: "رمضان حمود، حياته وآثاره"، ط 2، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1985 م، ص 349. (1/151)
صفحة 151
- الالتزام بالتَّرابط بين النَّصِّ والمبدع (1).
والتَّرابط هنا بين النَّصِّ والمبدع هو ارتباط وثيق بين الشَّكل والفعل، بين الأسلوب والعمل، بين الظَّاهر والباطن، وبين المظهر والجوهر ... ممَّا ليس في جوهره ... جميلاً لا يمكن بحال أن يقود إلى قيمة إيجابيَّة، بل لا يمكن أن يقدِّم إضافة حقيقيَّة للتَّجربة، في إطارها الفردي أو الحضاري ... (2)، فجمال التَّعبير لا يضاف إلى الموضوع نتيجة لعمليَّة الإدراك ذاتها، وإنَّما نتيجة لارتباط هذه العمليَّة بعمليَّات أخرى، مصدرها وجود انطباعات سالفة (3)، هذه الانطباعات هي التي تحدِّد علاقة المبدع بالنَّصِّ، أو بمعنى آخر الاحتفال بالأثر العاطفي (4) داخل النَّصِّ الأدبي، الأثر الذي يتركه الأديب من خلال التَّجربة الشُّعوريَّة، ويوضِّح ذلك محمد ناصر في قوله: إنَّ الأدباء والنُّقَّاد يختلفون في هذا الطَّرح، فثمَّة من يذهب إلى عدم التزام التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع من حيث الرُّؤية والموقف، فيجيزون للأديب أن يتغيَّر حسب الظُّروف المكانيَّة والزَّمانيَّة، كما أنَّ هناك من لا يرى التَّرابط بين المبدع والمتلقِّي واهتماماته وهكذا (5)، ويبرهن عن عدم صحَّة هذه النَّظريَّات في قوله: ... وما انبثاق المذاهب الأدبيَّة من رومانسيَّة، وكلاسيكيَّة، وواقعيَّة، وعبثيَّة، وغيرها إلَّا تعبيرٌ عن رؤية صاحب الإبداع، أو موقف دفع إليه الرُّومانسي ذو الطَّبيعة الفرديَّة الأنانيَّة، والكلاسيكي ذو النُّزوع الجمعي، وداعية الفنِّ للمجتمع، وغواة (الفنّ للفنّ)، فهي في حقيقة أمرها مواقف ورؤى صارت بعد ذلك فلسفات واتِّجاهات ... (6).
إنَّ تحرُّك الذَّات الإبداعيَّة داخل النَّصِّ وفق وسائل فنِّيَّة خاصَّة، تعطي بعدًا جديدًا للعمل الفنِّي، تجعله أكثر عمقًا وأبعد رؤى وأشدَّ وقعًا، الذين لا يملكون الحسَّ الكلِّي في
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".
(2) محمد قطب: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 37.
(3) جورج سانتيانا: "الاحساس بالجمال"، ترجمة محمد مصطفى بدري، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، مصر، ص 269.
(4) مصطفى ناصف: "دراسة الأدب العربي"، دار الأندلس، بيروت، ط 3، 1983 م، ص 14.
(5) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 10.
(6) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 8. (1/152)
صفحة 152
هذا - ازدواجا وثنائيَّة - لا مبرِّر لهما، والذين يملكون ذلك الحسَّ يستطيعون أن يدركوا هذا الحوار بعيد المدى بين الأماميَّة والخلفيَّة في العمل الفنِّي (1)، فالنَّصُّ الأدبي بنية متكاملة شكلاً ومضمونًا، تعكس الرُّوح الإبداعيَّة، أفلا يعني هذا أنَّه يصدر عن إنسان ركِّبت في وجوده هذه الغنائيَّة (التَّوافقيَّة) وهذا الحوار السَّمفوني؟، هذه الأبعاد المرئيَّة وغير المرئيَّة، القريبة البعيدة التي تطفو على السَّطح وتغور في الأعماق (2).
وفق هذا التَّصوُّر يمارس محمد ناصر العمل الإبداعي، مؤمنا بأنَّه سلوك يعبِّر عن شخصيَّته، ويصوِّر مشاعره، وتجربته، فعلاقته بالنَّصِّ مباشرة دون تكلُّف أو افتعال أو تناقض لبناء صرح أدبي، معالمه بارزة، والتي هي:
1. المبدع.
2. وسيلة الإبداع (النَّصُّ الأدبي بأشكاله المختلفة).
3. المتلقِّي (3).
فالوجود الأوَّل للنَّصِّ الأدبي هو داخل الذَّات، وهو بداية عمليَّة الإبداع الفنِّي، ويسمَّى اصطلاحا (التَّجربة الشُّعوريَّة) وطبيعي أنَّ الإبداع لا يتكامل ولا يعرف على حقيقته إلَّا بعد خروجه من عالم الذَّات المغلقة في قصَّة أو مسرحيَّة أو غير ذلك (4)، وهكذا تسبق (التَّجربة الشُّعوريَّة) عمليَّة التَّعبير (الكتابة) دائمًا، وتكون الأساس الفكري والعاطفي للنَّصِّ الأدبي، فالمبدع حاضر داخل العمل الأدبي، منه المضمون والفكر، والأساس في العمليَّة الإبداعيَّة بإدراكه لحيثيات الموضوع، يحوِّله إلى تجربة ناضجة، محدثا ... - أثناء ذلك - توازنًا وتناسبًا بين الأفعال ووسائل التَّعبير ومنطق التَّخيُّل، ويحدِّد معالم الأفكار التي تنظِّم سيرورة المواقف والأحداث، كما يعدُّ التَّكامل بين عناصر العمليَّة
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 3، 1984 م، ص 198.
(2) المرجع نفسه.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".
(4) عبد الباسط بدر: "مقدمِّة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، دار المنار للنَّشر، السَّعودية، جدة، ط 1، 1985 م، ص 15. (1/153)
صفحة 153
الإبداعيَّة أهمَّ ما يضفي عليها الصِّبغة الجماليَّة فالعمل الأدبي الجميل هو (ما يكون كلّا، لا شريحة ولا قطعة ولا مجموعة ولا كومة) (1).
إنَّ الكلمة عند محمد ناصر لها أبعادها الخاصَّة، يجب حضورها حتَّى يكتمل العمل الأدبي، وثنائيَّة النَّصِّ والمبدع إلزاميَّة، فوجود النَّصِّ يحتِّم بالضَّرورة وجود المبدع، لكنَّ الطَّرف الأخير في المعادلة - المتلقِّي أو القارئ- يعتبره الأديب هو الأساس في نجاح العمليَّة الإبداعيَّة، إنَّه ينفخ الرُّوح في النَّصِّ ويحوِّله من خلال القراءة:
أوَّلاً: من بناء لغوي شكلي إلى بناء شعوري، يحقِّق من خلاله المتعة، أو التَّرفيه أو التَّثقيف، وفقا لمضمون النَّصِّ.
ثانيًا: استخلاص أهمِّ الأحكام والقيم باختلافاتها، لأنَّه مهما تنوَّعت النُّصوص واختلفت، فإنَّها لا تخلو من قيم ما.
ثالثًا: إنَّ القارئ يحدث بينه وبين النَّصِّ علاقة من نوع ما، فيعمل على اتِّخاذ موقف، إمَّا متوافق معه أو معارض له.
ويصنِّف محمد ناصر القارئ في قوله: .... إنَّ الغير الذي يكتب لهم الأديب، ويتوجَّه بأدبه إليهم، أصناف من عباد الله، يتعامل معهم ويرتبط بهم في دائرة الأسرة، أو في حدود القطر أو في محيط الدِّين أو في آفاق الكون (2). وبما أنَّ الأديب صاحب رسالة فهو يحدِّد العلاقة المسبقة مع القرَّاء سواء عرقيًّا، أو إقليميًّا، أو حسب الجنس، فيقول: كما تختلف الفئات والمستويات، ففي هذه جميعًا يوجد الصَّغير والكبير، والشَّيخ والشَّاب، والأديب، حينئذ على وعي تامٍّ بأنَّ ما يتطلَّبه الطِّفل غير ما يتطلَّبه الرَّجل، وما يستهوي الشَّاب غير ما يستهوي الشَّيخ (3). وفي جلِّ أعماله يحدِّد فئة القرَّاء التي يكتب لها. ومن الأمثلة على ذلك كتاباته القصصيَّة للطِّفل العربي: سلسلة القصص المربِّي للأطفال، سلسلة المربِّي للفتيان، سلسلة القصص الحقّ للنَّشء الإسلامي، سلسلة أدب الفتوَّة ....
__________
(1) غراهام هو: "مقالة في النَّقد" ص 22، أنظر أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 175.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 8.
(3) المصدر نفسه، ص 10. (1/154)
صفحة 154
أمَّا حذره الشَّديد في اختيار فئة القرَّاء، فهو إدراكه جيِّدًا متطلَّبات كلِّ فئة وميولها القرائيَّة والأدبيَّة، والدَّور المناط من قراءة النَّصِّ حيث يقول: إنَّ الشِّعر رسالة عظيمة تبلغ للمتلقِّي وسيلة مثلى، يعبِّر الشَّاعر من خلالها عن أفكاره وتجاربه، ويعرض للمستمع من خلالها صفحة عقله إنَّه يسعى أن لا ينفر القارئ من متابعة قراءته، بل هو بحاجة لوسيلة إغراء تشدُّ القارئ إلى النِّهاية، لأنَّه يدرك وفق رؤيته الإسلاميَّة أنَّ الأفكار حين تقرأ يمكنها أن تتسرَّب إلى العقول والقلوب، مستغلًّا في ذلك كلَّ الوسائل اللُّغويَّة والدِّينيَّة، من أحاديث وآيات قرآنيَّة كحجج على صحَّة موقفه الأدبي: إنَّ قبول القارئ قراءة النَّصِّ هو إقرار ضمني بمبدأ المشاركة، وعليه فلابدَّ من معرفة الأبعاد التي سيتعامل بها للمشاركة في فهم النَّصِّ، وربَّما إعادة إنتاجه، مما يستوجب فهم سيسيولوجية القارئ، وسيكولوجيته من خلال أربعة عناصر؛ زمانه ومكانه ومعرفته وملكاته (1).
وبتحديد المتلقِّي يمكن للأديب - وفق مفهوم محمد ناصر - أن يستجيب لمتطلَّباته، مسطِّرًا بذلك القالب الأدبي الذي يصبُّ فيه إبداعه، وهكذا يكون قد أجاب عن السُّؤال الثَّالث: لمن أكتب؟، أي يقول: هناك المتلقِّي الذي لا يؤثّر فيه سوى الأسلوب الخطابي المباشر، وهناك الذي لا يستثيره سوى التَّهكُّم اللَّاذع والسُّخرية المريرة، وكم من مواقف تتطلَّب الشَّرح والتَّفسير، والبسط والإطناب، وغيرها تستنكف عن التِّكرار والتَّطويل، وتسمو إلى الإيجاز والتَّركيز اعتمادًا على ذكاء المعني بالأمر، ومستواه في الفهم والثَّقافة (2).
هنا تكمن قيمة الأدب المرتبطة باللَّذة القويَّة التي تحدثها في نفوس المتلقِّين (3).
إنَّ شغف القارئ بقراءة النَّصِّ هو تأكيد على كونه جزءًا من العمليَّة الإبداعيَّة، ومن هنا لابدَّ من تحديد كيفيَّة تعامله مع النَّصِّ ومدى فهمه له واستيعابه إيَّاه، فهو جزء لا يتجزَّأ من العمل الأدبي، كما يرى محمد ناصر أنَّه يجب تكثيف العمليَّة الإبداعيَّة وفق القارئ ... - المتلقّي- للنَّصِّ الأدبي، فيقول: إنَّ الأديب عندما يحدِّد المتلقِّي ويتعرَّف عليه، ويستجيب
__________
(1) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 149.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 09.
(3) مصطفى ناصف: "دراسة الأدب العربي"، ص 52. (1/155)
صفحة 155
لمتطلَّباته يكون - ولاشكَّ - عالما من خلال ذلك كلّه الأسلوب والطَّريقة والمنهج الذي يصبُّ فيه إبداعه (1).
إنَّ العلاقة المعقودة بين ثلاث حلقات: المبدع، النَّصّ، القارئ، هي عمليَّة تحويل الذَّات المبدعة إلى موضوع، يمكن أن يحتويها مصطلحان يتكاملان في بناء النَّصِّ الأدبي هما: النَّصُّ كبنية لغويَّة وأسلوبيَّة، والقارئ كبنية تقييميَّة، أمَّا الأوَّل ففيه تظهر الرُّؤى والتَّوجُّهات، والطَّاقات المشحونة في داخل الذَّات المبدعة (2)،إنَّه مظهر من مظاهر الفكر، ومنبر من منابره، أمَّا الثّاني (القارئ) فهو الباحث في العالم المنغلق، عالم النَّصِّ - على أساس أنَّ النَّصَّ موحّد من حيث التَّجربة والبناء- فيأخذ بادئ الأمر موقفا وفق نظرة شموليَّة، ثمَّ يحدِّد موقفه النِّهائي من النَّصِّ بعد التَّغلغل في المعنى الأبعد والأعمق.
إنَّ إقرار محمد ناصر بعلاقة القارئ بالنَّصِّ تستلزم علاقة متعدِّية إلى الأديب - وفق رؤية قبليَّة - حيث يجد في نفسه ما وجده الأديب، ويساعده في ذلك أسلوبه الأدبي المطبوع بطابع الوضوح، والسُّهولة والبساطة، مع المحافظة على روح اللُّغة وعبقريَّتها (3)؛ مؤكِّدًا هذا في قوله: إنَّ الموهبة والإبداع تستعصيان على تعلُّق القارئ بالنَّصِّ، كما أنَّ العناية بعواطفه ومشاعره - كما يرى الأديب - لها نفس الأهميَّة والعناية بجودة النَّصِّ، كما أنَّه في أحكامه النَّقديَّة ميَّز تمييزا دقيقا بين الحكم العقلي والخلقي والفنِّي، وبين الحكم بالصَّواب أو الحكم بالخير والجمال أو الجودة الجماليَّة، فقد مارس عمليَّة القراءة وحدَّد أحكامها، كما أيقن ما لرضى القارئ من أهميَّة في جودة النَّصِّ.
يحدِّد محمد ناصر تصوُّره لأدبه على أنَّه موهبة نابعة من الذَّات، وأنَّ الموهبة لا تنطلق من فراغ ولا تعمل في فراغ، إنَّها مرتبطة أشدَّ الارتباط بالطَّاقات والغرائز والحواس
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 09.
(2) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، 1985 م، ط 1، ص 89.
(3) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ص 175. (1/156)
صفحة 156
والسُّلوك ورصيد المعارف والخبرات (1)، فتصوّر الأدب يجري وفق علاقة متكاملة بين عناصر العمليَّة الإبداعيَّة النَّابعة من حقائق يعيشها، ومشاعر يحسِّها، وتجربة يكابد دقائقها، ترتكز على رؤية إسلاميَّة واضحة، وتحفظ مفهوم الأدب الإسلامي الذي هو فنُّ التَّعبير باللُّغة، يحمل خصائص الفنِّ، وله عناصر فنِّيَّة خاصَّة به (2)، والتي يوحدها محمد ناصر ليكتمل العمل الأدبي.
تقوم العلاقة بين مقوِّمات الأدب عند محمد ناصر في ضوء رؤية إسلاميَّة أصيلة، أي لا يمكن أن ندرج أدبه إلَّا تحت لواء الأدب الإسلامي بالمفهوم الدَّقيق لهذا المصطلح، الذي يحتكم إلى مقاييس معيَّنة محدَّدة، تنبثق من الرُّؤية والموقف والنَّظرة إلى الحياة والكون والإنسان، وتنطلق من إيجاد العلاقة واللُّحمة المتينة بين الأطراف الثَّلاثة أثناء العمليَّة الإبداعيَّة: المبدع والنَّصُّ والمتلقِّي (3).
القرآن الكريم مصدر للتَّجربة الشُّعوريَّة :
لا نجد بليغًا في اللُّغة العربيَّة، سواء كان ممَّن دانوا بالإسلام، أم ممَّن لم يدينوا به، لم ينبهر بالنَّصِّ القرآني، بطاقاته التَّعبيريَّة وقوَّة بيانه، فهو المثل الأعلى، الذي لا نظير له في اللُّغة العربيَّة.
في الجاهليَّة برعت العرب في الشِّعر، وعرفت النَّثر المتعدِّد المعاني والأغراض، فلمَّا أراد الله أن يبدي للعالمين آية من آيات قدرته، أنزل كتابا عربيًّا، اتَّخذ مادته من أدوات اللُّغة العربيَّة، لم يخلق معجمًا جديدًا، ولم يقض على السُّنَّة المتعارفة: بل أخرج من مأثور ما ألفوا واصطلحوا عليه، وتفاهموا به، تلك المثاني والمثالث، التي حيَّرت الألباب وملأت النُّفوس
__________
(1) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة "، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، القاهرة، 1991 م، ص 29.
(2) محمد حسني محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 108.
(3) محمد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي"، حسَّان عمان، نشر جمعيَّة التُّراث، القرارة، 1997 م، ص 19. (1/157)
صفحة 157
بالعجب العجاب، أنزلها في كلامهم، وأين منها كلامهم؟، ألزمها حدود لسانهم، ومعانيها وراء كلِّ حدٍّ، وهذا هو سرُّ الإنشاء، وسرُّ الإبداء (1).
إنَّ القرآن نثر، جاء بلغة العرب في الجاهليَّة، واستعمل كلماتهم وفق مقتضى كلامهم إلَّا أنَّه نسج هذه الكلمات نسجًا فريدًا، ذا أساليب عالية جدًّا في بلاغتها، فكان قفزة بيانيَّة نوعيَّة في تعابيره وصوره، وتربَّع على عرش البلاغة العربيَّة، منذ أوَّل آية فيه، إلى آخر أية، وقد أصبح المثل الأعلى في البيان والبلاغة، فهو نتاج إلهي خالص، تنزَّل بلسان عربي مبين (2).
لا يحتاج المرء إلَّا إلى قليل من النَّظر ليقف عند آثار القرآن الكريم فيما خلَّفه كبار الكتَّاب، وعظام الشُّعراء، وكذا الحال عند محمد ناصر، فقد كان من الطَّبيعي أن يؤثِّر القرآن الكريم في أسلوبه، وأن يظهر أثره في أدائه لمختلف المعاني، لأنَّ الوحي هو صاحب الكلمة العليا في تعيين الحقِّ الذي هو ذروة الجمال (3)، ولا يقتصر الأمر على اللُّغة فيما يتعلَّق بتأثير النَّصِّ القرآني على سائر ما عداه، كما يقول أدونيس: يجيب النَّصُّ القرآني عن أسئلة الوجود، والأخلاق، والمصير، وهو يجيب عن ذلك بشكل جمالي فنِّي، ولهذا لا يمكن وصفه بأنَّه نصٌّ لغوي، أعني لابدَّ لفهمه من فهم لغته أوَّلا، وهذه اللُّغة ليست مجرَّد مفردات وتراكيب، وإنَّما تحمل رؤيا معيَّنة للإنسان والحياة والكون أصلاً، وغيبًا، ومآلاً (4).
في مقابلتي لمحمد ناصر سألته: في جلّ - إن لم نقل في أغلب إبداعاتك الأدبيَّة - تجعل من الأدب وسيلة وليست غاية. ماهي الأهداف المتوخَّاة من ذلك؟، ما هو دور الأديب؟.
__________
(1) محمَّد صبري السّربوني خليل مطران (أروع ما كتب)، الهيئة العامَّة لقصور الثَّقافة، ط 1، 2004 م، ص 152.
(2) محمود المقداد: "أصول النَّثر العربي، عن وليم مارسيه"، مجلَّة التُّراث العربي، اتِّحاد الكتَّاب العرب، دمشق، العدد 18، كانون الثَّاني 1985 م.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، ط 1، 2004 م، ص 142.
(4) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الأداب، بيروت، ط 10، 1993 م، ص 20. (1/158)
صفحة 158
فأجابني: على الأديب التَّقيُّد بمقاييس وضعها القرآن، يستمدُّها من متطلَّبات العقل، والقلب والرُّوح، أو بين الفكر الأصيل والعاطفة المتَّزنة، والسُّموِّ الرُّوحي، ففي رؤيته الإسلاميَّة للنَّشاط الجمالي داخل العمل الأدبي، تقف الحواسُّ والعقل والجسد جنبا إلى جنب، لكي تضع الإبداع الأدبي الجمالي وتفسِّره، ويقف العالم بمعطياته الموضوعيَّة لكي يضع الجمال ويفسِّره ... ومن وراء ذلك تقف الرُّوح تلك الشُّعلة المتوهِّجة والمصدر الأساسي لقوَّة الحياة والعقل والحسِّ والإرادة (1).
كما يعتبر مرجعًا لتصنيف الأدباء حيث يقول: إنَّ تصنيف الأدباء على هذا النَّحو هو تصنيف قرآني، أوَلم يصنِّف القرآن الكريم الشُّعراء إلى فئتين على أساس الإيمان أو الكفر حيث يقول (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُون. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون) (2).
ويعلِّق على الآيات فيقول: لقد حكم الله على الشُّعراء المعادين للإسلام بالغواية والضَّلال، وعندما استثنى فئة منهم استثناهم على أساس الإيمان والعمل الصَّالح، والانتصار للإسلام (3). فبالإضافة لاعتبار القرآن مصدرًا للتَّجربة الشُّعوريَّة فإنَّه يراه مصدرًا مهمًّا من المصادر النَّقديَّة التي تتحقَّق فيها المشروعيَّة والتَّسليم بكلِّ ما فيه، فالغرض الدِّيني الواضح الأصيل في القرآن الكريم هو الذي حكم كلَّ موضوعاته وتوجيهاته وتعبيراته (4).
ولكنَّه - مع وفائه بالغرض الدِّيني كاملاً - يحمل خصائص فنِّيَّة تصل إلى حدِّ الإبداع والإعجاز (5)، لكنَّ هذا الحكم الذي يقف عنده محمد ناصر في تصنيف الأدباء بين الأديب المعادي للإسلام والأديب المنتصر للإسلام، هو حكم غير عادل؛ لأنَّ هناك في الأدب
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 65.
(2) سورة الشُّعراء: الآيات 224، 225، 226، 227.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 16.
(4) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 140.
(5) المرجع نفسه. (1/159)
صفحة 159
الإنساني عامَّة أدب ينتجه أدباء غير إسلاميِّين لكنه يطابق وفق مفاهيمه وقيمه، قضايا الفضيلة والأخلاق التي فطر الله النَّاس عليها، ويعمِّق جذورها، والحقيقة أنَّ هذا النَّوع من الأدباء وما يمارسونه من شعر ونثر في أدبهم في أجناسه وأشكاله، هو أدب غالب وشائع، بل وعند الكثير من الأمم كذلك، وفي كلِّ العصور والأمكنة، وليس من السَّائغ المقبول طرحه بعيدًا أو إهماله (1).
إنَّ علينا تقبُّل هذا الأدب والاعتراف بقيمته، وهو عندنا من باب الحكمة ضالة المؤمن، أخذها حيث وجدها، وكما يسمِّيه الدُّكتور صالح آدم بيلو أدب (بناء)، فهو أدب غير متصادم أو متناقض مع مفهوم الإسلام، ذو قيمة ووزن، سواء من النَّاحية الشَّكلية أم من ناحية المضمون.
وأكبر دليل على موقفنا هذا أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - احترم هذا الأدب وقدَّره، ونلحظ ذلك في موقفه من شعر أميَّة بن أبي الصَّلت، الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم - (إن كاد ليسلم)، وفي رواية فلقد كاد يسلم في شعره (2).
إنَّ الذي يقرأ لمحمد ناصر يشعر - من الوهلة الأولى - بمدى تعلُّقه بالقرآن الكريم، الذي كان له أثر كبير كمثال للفصاحة والبيان في كتاباته، ونرى في أعماله الاقتباس والتَّضمين، اللَّذين يعدَّان سمة أصيلة في النَّثر والشِّعر العربي، في مختلف مراحله، والتَّأثُّر الشَّديد بما يضمُّ (القرآن الكريم) من حقائق الوجود، فالبعد العميق في هذا النَّصِّ بعد تراجيدي، لأنَّه يكشف الغياب والزَّوال والفناء، وعن أنَّ الأرض ليست إلَّا جسرًا نحو الغيب، وأنَّ الإقامة عليها، إنَّما هي إقامة من يرحل، لا من يستقرّ (3)، وهي الفكرة التي تكاد تكون جوهر أدب محمد ناصر ولبَّه، وتسيطر عليه وتكاد تكون محور جلِّ أعماله.
__________
(1) ينظر صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، دراسات في الأدب الإسلامي ونقده، دار المنارة للنَّشر، جدة، السَّعودية، ط 1، 1985 م، ص 123.
(2) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الآداب، بيروت، ص 20.
(3) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الآداب، بيروت، ص 20. (1/160)
صفحة 160
وقد كان تأثُّر محمد ناصر بالقرآن الكريم على وجهين، أوَّلهما إيراد الآيات بصيغتها، وذلك بتضمين بعض الآيات، كما هي في مواضع تستلزمها في النَّصِّ النَّثري أو الشِّعري.
ومن أمثلة ذلك قوله في إحدى خواطره الشِّعريَّة: الشَّجرة أو خواطر حول الأزمة (1).
أنت يا شجرتي الطَّيِّبة الرَّمز الأبدي ...
أو لم يمنحك كتابنا الكريم هذه المكانة الرَّفيعة حيث يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلا كَلمَة طَيّبَة كَشَجَرَة طَيّبَة أَصْلُهَا ثَابِت وَفَرْعُهَا في السّمَاء، تُؤتِي أُكلَهَا كُلّ حِين بِإِذْنِ رَبّهَا، وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُون) (2).
كما تأتي بعض الآيات الكريمة في بدايات بعض القصائد، وبيَّن الشَّاعر بأنَّها مصدر إلهامه ونبع تجربته الشُّعوريَّة داخل القصيدة، حيث يقول: طالما توقَّفت في قوله تعالى: (يَا أَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَه، إِنّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه، وَإِن يّسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوه مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمْطْلُوبُ) (3)، ومن معانيها استوحيت هذه الأبيات ..
والناسُ مَهمَا استَكبَروا، فَمِن التّرَاب إلى التّرَابِ هُمْ سَوَاءْ
مَا الدّاءُ فِي عَفَنِ الذُّبَابَةِ إِنّهُ فِي النّفْسِ تَشْمَخُ كِبْرِيَاءْ (4)
هكذا يبيِّن لنا محمَّد ناصر أنَّه ما من شيء في بيان الكون، وتركيب العالم والحياة ... يخضع للصُّدفة ... من أصغر شيء في الطَّوايا التي تراها العيون ... وحتَّى السّدم والنُّجوم (5)، إنَّها دعوة مباشرة من الشَّاعر للتَّفكير في ملكوت الله وخلقه، وقدرته والاهتداء إلى طريقه بالعقل والحكمة، وهكذا يتحقَّق الإيمان.
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 238.
(2) سورة إبراهيم، الآية 25.
(3) سورة الحجّ، الآية 73.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 425 - 426.
(5) عماد الدِّين خليل: "مؤشِّرات إسلاميَّة في زمن السُّرعة " مؤسَّسة الرِّسالة، ط 2، 1986 م، ص 189. (1/161)
صفحة 161
و كمفتتح لقصيدة كتبها ردًّا على أحد الأدباء الدَّامغة!! يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (1).
مهداة إلى من ملأ خمسين صفحة سبًّا وشتمًا وتهديدًا (2).
أمَّا في الجانب النَّثري، فقد كان القرآن الكريم هو المرجعيَّة الأولى في بناء القصَّة عند محمَّد ناصر، أين عالجها من زاوية العظة الخالصة، أو إبراز الجانب التَّربوي والإصلاحي، مستهدفًا تقويم الأخلاق، وغرس القيم النَّبيلة، في نفوس النَّاشئة (3). لقد اختار الكاتب القرآن الكريم كمصدر لتجربته الشُّعوريَّة، وهذا راجع أوَّلا لتكوينه الأدبي وتوجُّهه الإسلامي، ثانيًا ولإيمانه بأنَّ القصَّة القرآنيَّة واضحة الأغراض، مؤثِّرة العبارة، صادقة الواقع، هادفة الحدث، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ... )، وفصاحة الكلمة، وبلاغة العبارة، وروعة التَّشبيه، وإعجاز الإيجاز والتَّسلسل، والبدء والختام، وهيمنة الصُّورة وإقناعها وتأثيرها العميق، وسيطرتها على العقل والوجدان (4).
كلُّ هذه المقوِّمات تجعل في القصَّة القرآنيَّة وسيلة مهمَّة لجذب الطِّفل نحو كتاب الله، حيث نجد أغلب كتابات محمد ناصر تتنفَّس فيها الرُّوح الإسلاميَّة القرآنيَّة المشبَّعة بالإيمان الصَّحيح والتَّصوُّر السَّليم للكون والحياة، وتبدو فيها مهمَّة الإنسان المؤمن ذي الفكر الرِّسالي، ويظهر ذلك بجلاء في مجموعاته القصصيَّة مثل سلسلة القصص الحقّ للنَّشء الإسلامي التي هي عبارة عن نفحات من قصص القرآن الكريم.
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية 18.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 427.
(3) خالد أبو جندي: "الجانب الفنِّي في القصَّة القرآنيَّة"، ومنهجها وأسس بنائها، دار الشِّهاب للطِّباعة والنَّشر، باتنة، الجزائر، ص 75.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 65. (1/162)
صفحة 162
إنَّ التَّعبير عنده في هذه القصص يتجاوز الحكاية الإخباريَّة القصَّة السَّرديَّة العادية إلى رسالة تمتزج فيها ذات المتكلِّم مع مكوِّنات المشهد المرسوم (1)، وتصوِّر المواقف التي يعيشها الأنبياء والرُّسل، نظرًا للممارسة الفعليَّة والقوليَّة للقرآن الكريم وحفظه له، وتأثُّره بمعانيه.
وبزخم هائل من الآيات القرآنيَّة، يدعو الطِّفل وينصحه بالاطِّلاع على مصدر الآيات القرآنيَّة التي يستشهد بها-كما جاءت في النَّصِّ القرآني - أثناء السَّرد القصصي، حيث تحتوي القصَّة الواحدة على مجموعة من الآيات الكريمات من سور مختلفة، مثل: قصَّة موسى وقارون، قصَّة ثمود قوم صالح، قصَّة نوح شيخ المرسلين ... وهذا حسب ذكر القصَّة في السُّور القرآنيَّة الكريمة.
من أمثلة ذلك قوله في قصَّة سيِّدنا سليمان وبلقيس:
فقام مارد من عفاريت الجنِّ مستعدًّا للقيام بالمهمَّة على أسرع وجه قائلا: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (2)، وأوضح هذا العفريت بأنَّه قادر على إحضار العرش العظيم ... (3)، وفي موقف آخر ... كان سليمان يكلِّف الجنَّ بأعمال شاقَّة (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) (سورة ص) (4).
يستلهم محمد ناصر القيم الأخلاقيَّة والتَّربويَّة للطِّفل من القرآن الكريم، متَّخذًا إيَّاه كأكبر حجَّة لقوله، أمام مدِّ الفكر الغربي الذي يجتاح المجتمعات العربيَّة حاليًا، وما يحمله من انسلاخات أخلاقيَّة وتربويَّة، حيث مارس مرجعيَّته القرآنيَّة على كلِّ المستويات العمريَّة للطِّفل، سواء في القصص الحيواني أو القصص التَّربوي، أو التَّعليمي، ومن أمثلة ذلك قصَّة اللَّقلق الماكر .... ما أحكم قول السَّرطان، وأخفَّ عقل السَّمكة في الميزان، أولا يذكرنا بما ينبغي أن يكون عليه شأن المؤمن في سلوكه وعقيدته، مصداقا لقوله تعالى: (يَا
__________
(1) ينظر فايز الدّاية: جماليَّات الأسلوب، دراسة أسلوبيَّة، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ص 18.
(2) سورة النَّمل، الآية 39.
(3) محمد ناصر: "القصص الحقّ"، سليمان وبلقيس، ص 8.
(4) المصدر نفسه، ص 13. (1/163)
صفحة 163
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)، (سورة الصَّف 2، 3).
وفي مقام آخر في القصَّة يحذِّر الطِّفل من طبع النِّفاق من خلال الآيات القرآنيَّة فيقول: ... إنَّ هذا أبناء طبع المنافقين الذين حذَّرنا الله تعالى من كيدهم ووسواسهم، حيث يقول: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، (سورة المنافقون: الآيات من 2 - 3 - 4) (1)، ولعلَّ اهتمام محمد ناصر بالعظة في القصص القرآني خاصَّة، وفي قصصه للطِّفل مستندًا إلى الآيات الكريمة، الغرض منه كشف مواطنها وتحديد أبعادها معتمدًا في ذلك على أقوى دليل (2)، والأمثلة كثيرة يسعى من خلالها إلى نبذ الأخلاق السِّيَّئة التي نهى عنها القرآن، ووجوب التَّحلِّي بالأخلاق الحميدة التي يدعو إليها ونيل ثوابها من الله تعالى مثال: قصَّة (الفأر المغرور) ... بل إنَّ الله سمَّاهم في القرآن إخوة، حتَّى وهم يتصارعون ويتقاتلون، قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، (سورة الحجرات: الآية 10) (3). وألزمهم كلمة المحبَّة والتَّعاون في سبيل فعل الخير فقال: ( .... وتعاونوا على البرِّ والتَّقوى)، (سورة المائدة: الآية 2)، ولأجل ذلك أيضا عدَّ الإسلام فضيلة إصلاح ذات البين، وجمع كلمة المؤمنين من أعظم الأعمال أجرًا وأعظمها ثوابًا، ومثوبة، قال تعالى: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، (سورة النّساء: الآية 114) (4).
هكذا استخدم محمد ناصر القرآن الكريم رافدًا من روافد قصصه للطِّفل في أغراضه الدِّينيَّة البحتة، في كلِّ أنواع القصص: القصَّة التَّاريخيَّة الواقعيَّة المقصودة بأماكنها
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأنيس للأطفال"، اللَّقلق الماكر، ص 10.
(2) خالد أحمد أبو جندي: "الجانب الفنِّي في القصَّة القرآنيَّة"، منهجها وأسس بنائها، ص 86.
(3) محمد ناصر: "الأنيس للأطفال"، الفأر المغرور ص 08.
(4) المصدر نفسه، ص 10. (1/164)
صفحة 164
وأشخاصها وحوادثها، والقصَّة الواقعيَّة التي تعرض نموذجًا لحالة بشريَّة أو حيوانيَّة، فيستوي أن تكون بأشخاصها الواقعيِّين أو الخياليِّين، والقصَّة المضروبة للتَّمثيل، والتي لا تمثِّل واقعة بذاتها، ولكنَّها يمكن أن تقع في أيَّة لحظة وأي عصر من العصور (1)، ويمكن أن يواجه الطِّفل مواقفها أثناء حياته اليوميَّة.
أمَّا في إيراد الآيات القرآنيَّة دون النَّصِّ عليها بصيغتها، أو تردُّد أصداء معاني القرآن الكريم، وتراكيب جمله في سياق النَّصِّ، فنرى ذلك بصفة خاصَّة داخل النَّصِّ الشِّعري، سواء من خلال عناوين القصائد مثل: (تبَّت يداك أبا لهب، الشَّجرة الطَّيِّبة، إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ، وبشِّر الصَّابرين، سبحان من علَّم الإنسان البيان) (2).
كما استخدم الأديب التَّراكيب والألفاظ القرآنيَّة، وحتَّى القصص القرآني داخل بناء القصيدة عارضا بذلك موقفا مشابها لأحداث القصَّة القرآنيَّة، وإنَّ إجادة هذا النَّوع من التَّشبيه يتأتَّى بأن يحصل للإنسان أوَّلاً جميع المعاني التي في الشَّيء الذي يقصُّه ويصفه، ثمَّ يركِّب على المعاني الأجزاء الثَّلاثة من أجزاء الشِّعر، أعني التَّخييل والوزن واللَّحن (3).
يقول محمد ناصر في قصيدته (ظمآن والكأس في يديه ... ) التي نلحظ فيها تماسك البناء، وعمق الدَّلالة، رغم بساطتها، يصوِّر فيها أفكاره ورؤاه الإسلاميَّة تصويرًا من شأنه أن يترك أثرا إيجابيًّا في عقل المتلقِّي ووجدان، تجاه حبِّه للمرأة المسلمة ...
وَأحمَدُ فِيكِ رَبِّي مُطْمَئِنّا ... وَأَسْأَلُهُ السّعَادَة فِي المَآل
فَسُبْحَانَ الذِي سَوَّى لِحَوَّا ... مَفَاتِنَ زَلْزَلَتْ لُبَّ الرِّجَال
فَآدَمُ لَمْ يَزَلْ يغْوِيه تُفَّا ... حُ فِي الخَدِّ المُورَّدِ فِي اكْتِمَال
وَأَنْشُدُ خَلوَة مِن غَيرِ جدوى ... وأَلْحَفُ فِي التَّمَنِّي وَالسُّؤَال (4)
__________
(1) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 187.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة".
(3) ابن رشد: "كتاب الشِّعر"، أنظر: الأخر الجمعي نظريَّة الشِّعر عند الفلاسفة الإسلاميِّين، ص 69.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 345. (1/165)
صفحة 165
ونراه في موقف آخر ينشد قصيدة نابضة بالإيمان في شهر القرآن تحت عنوان في وداع رمضان ضمَّنها تعبيرًا وتراكيب قرآنيَّة، يصف فيها الشَّهر الكريم وصفا تصويريًّا ذا طاقات إيحائيَّة، قويَّة تستمدُّ قوَّتها من قوَّة لغة القرآن الكريم، دون أن يهبط فنِّيًّا إلى مستوى التَّقريريَّة، فيقول:
وَقِيَامٌ مَعَ الملاَئك يغْشا ... هُ سُكُونٌ وَرَحمْةٌ وَتَحِيَّه
ليْلةُ القدْرِ في حَنَاياَكَ مزن ... تهَبُ المؤمِنِينَ منْهَا الشّهِيَّه
لَيْلُهَا رَوضَةٌ إلى الخُلْدِ فَيْحَا ... وَسَلاَمٌ لِمَطْلعِ الفَجْرِ حَيَّا
وَحجَاب منَ الجَحيم وَعِتْقٌ ... لرقَاب فيَا لَنِعْمَ العَطِيَّه (1)
استثمر محمد ناصر النَّصَّ القرآني في تجربته الإبداعيَّة، بدافع من شعور ديني عميق، فالقرآن الكريم بالنَّسبة له دستور ونظام حياة، يجب الوقوف عنده دائمًا، مستغلًّا بذلك الرَّمز في القرآن الكريم، لما فيه من سمات عامَّة، لا تبعث على الغموض والحيرة والبلبلة، وبذلك كان مستقبلا (2) لدى القرَّاء.
وأخيرًا يمكننا القول بأنَّ كلَّ ما قمنا بعرضه من تأثيرات القرآن الكريم على الأديب محمد ناصر، وانعكاس هذه التَّأثيرات على تجربته الشُّعوريَّة، ممَّا ولَّد أسلوبًا متميِّزًا، أكسبته جمالاً ومنحته قوَّة، وجلالا، زادت المعاني قيمة، وجعلتها أقرب للنَّفس، وأعلق للقلب، وتتبلور هذه الرُّؤية الإسلاميَّة في جلائها المشعّ في قصيدة قرارة القرآن حيث يقول الشَّاعر من خلال منظوره الإيماني العميق وعشقه لكتاب الله:
يَا صِرَاطَ الله يَا نُورَ الدُّجَى ... يَا شِفَاءَ النّفسِ، يَا أمْنَ الضَّمَائِرْ
إنَّهُ الحَرْفُ الذِي هِمْتُ بِهِ ... يَوْمَ بَسْمَلتُ طَرِي العُودِ نَاضِرْ
أنَا إِنْ هِمْتُ بِهِ - مُحْتَسِبا- ... فَلأَنَّ الله جَلاَّهُ شَعَائِرْ
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 431.
(2) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 80. (1/166)
صفحة 166
أنَا إِنْ هِمْتُ، فَإِن الْمُصْطَفَى ... هَامَ قَبْلِي، وَبِأَمْر الله صَادِرْ
أنَا أهْوَاهُ، عَلَى أَنِّي لَهُ ... للسَاني مثْلَ أُمّي لَسْتُ نَاكِر (1)
تشرَّب محمد ناصر روح القرآن في كلِّ مؤلَّفاته لغويًّا وأسلوبيًّا، إلَّا أنَّه كتب بطريقة خاصَّة، والتي حاول من خلالها أن يخضع مواقف القرآن وقصصه للتَّعبير عن مضامينه الخاصَّة، ومن هنا لم تكن أعماله محاكاة، إنَّما يمكن القول إنَّها توحي بها.
السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون) :
الشَّكل الفنِّي هو القالب الذي يصبُّ فيه الأديب مضمونه الفكري وفق رؤية خاصَّة، وتوجُّه واضح، ومعتقد راسخ، فالأشكال تتطوَّر وتتغيَّر، وتتناولها يد الإضافة والتَّعديل ... ثمَّ يظلُّ كلُّ أديب -أو فنَّان - له طابعه الخاصّ الذي يتميَّز به، حتَّى ولو تغيَّر بشكل فنِّي (2).
وكلُّ هذه المرجعيَّات تترجم رؤيته للحياة والكون، لذلك يكون من المهمِّ أن نعرف صورة الكون في حسِّ كلِّ فنَّان قبل أن نقوم بتقويم إنتاجه الفنِّي، ويكون من أصلح المقاييس في هذا التَّقويم أن نعرف المساحة التي شغلها الكون في نفسه، أو المساحة التي تطلع نفسه عليها من كيان الكون الفعلي. قدر اتِّساع هذه المساحة أو ضيقها يكون اتِّساع أفقه الفنِّي أو ضيقه، وتكون عظمة فنِّه أو ضآلته، وذلك مع الوفاء بشروط الأداء الفنِّي بطبيعة الحال (3).
إنَّ الرُّؤية الإسلاميَّة داخل العمل الأدبي تعكس طبيعة الإحساس الفنِّي، والتَّصوُّر الجمالي الذي يُسَخِّر الحواسَّ والعقل والجسد جنبا إلى جنب، لكي تصنع الجمال وتفسِّره (4)، حيث يسعى الأديب أن يحيط بأبعاد وآفاق تجربته الأدبيَّة، لأنَّ الأدب الإسلامي
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 370.
(2) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، ص 59.
(3) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 11.
(4) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 65. (1/167)
صفحة 167
يريد من الفنَّان أن يصل إلى تلك الأبعاد كي يكون تعبيره موازيا لتجربته، مغطِّيا إيَّاها بتكافؤ تامّ ... وليس أروع من (التَّشكيل) في هذا المجال ... أنَّه، يمتلك القدرة المرنة على تحقيق هذا الهدف بما يمتلكه من ألوان وظلال وأبعاد وتكوينات ومساحات وسمات تعبيريَّة، تهزُّ الإنسان الحسَّاس، وتفتح وعيه على حقائق النَّفس البشريَّة (1).
إنَّ السُّموَّ الفنِّي ضرورة لازمة لدى محمد ناصر، وليست منهجًا أو أسلوبًا، فهو يتأهَّب لكلِّ عمل من أعماله بحالة لغويَّة وتعبيريَّة مختلفة، تلك الحالة - أو الأسلوب - تتغيَّر من عمل إلى آخر، وليست أسلوبًا ثابتًا، يركن إليه وتصبح ملامحه متشابهة في جميع أعماله، فنحن حين نقرأ نصًّا شعريًّا أو نثريًّا لمحمد ناصر وننتهي منه، ثم نقرأ نصًا آخر له، فلابدَّ أن نتأهَّب لمطالعة لغة مغايرة وأسلوب مخالف (2)، مع محافظة على الرُّؤية الإسلاميَّة داخل العمل الأدبي.
ومهما يكن من أمر فإنَّ العمليَّة الإبداعيَّة الجديدة عنده تحتاج إلى خليط مركَّب من العناصر- إذا صحَّ التَّعبير- لا يمكن بدونها أو بافتقاد بعض عناصرها، أن تحقِّق السَّويَّة المطلوبة للإبداع (3)، فهو يرى أنَّه من شروط الأدب النَّاجح توفُّر: العمق والأصالة والصِّدق حيث يقول: من الشُّروط الموضوعيَّة للأدب النَّاجح أن يكون تعبيرًا فنِّيًّا يتَّسم بالعمق والأصالة والصِّدق، ولن يكون كذلك إلَّا عندما يتَّضح التَّوازن بين الشَّكل والمضمون (4).
أمَّا العمق والأصالة-فنيًّا- فلا تتحقَّق إلَّا من خلال المحور الأساسي وهو اللُّغة، واللُّغة: عبارة عمَّا يتواضع عليه القوم من الكلام، وقد قيل في اشتقاقها: إنَّها مشتقَّة من قولهم لغيت بالشَّيء إذا أولعت به، وأغْرَيْتُ به، وقيل: بل هي مشتقَّة من اللَّغو، وهو النُّطق، ومنه قولهم: سمعت لواغي القوم، أي أصواتهم، ولغوت، أي تكلَّمت، أصلها على
__________
(1) ينظر عماد الدِّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 3، 1984 م، ص 44.
(2) نلاحظ هذه الظَّاهرة خاصَّة في النَّصِّ الشِّعري، راجع "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة" لمحمد ناصر.
(3) عماد الدين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 71.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 27. (1/168)
صفحة 168
هذا لغوت، على مثال فعلة (1)، وهذا عن معنى اللُّغة لغويًّا، ويذكر ابن خلدون في مقدِّمته: (اعلم أنَّ اللُّغة في المتعارف هي عبارة المتكلِّم عن مقصوده، وتل العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد، بإفادة الكلام، فلابدَّ أن تصير ملكة متقرِّرة في العضو الفاعل لها وهو اللِّسان، وهو في كلِّ أمَّة بحسب اصطلاحاتهم، وكانت الملَكَة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملَكَات، وأوضحها إبانة عن المقاصد (2).
واللُّغة عند محمد ناصر من حيث مبدأ قيمتها، فهي لغة القرآن الكريم، التي بلغ بها أرقى درجات البيان، ولها من المميِّزات ما رفعها فوق اللُّغات الأخرى، بثرائها، وغناها، وتنوُّعها المدهش، ممَّا يُمَكِّنُ الأديب - محمد ناصر - العاشق للغة العربيَّة، فامتلاكه لها يطوي حرصًا شديدًا على تأصيلها، نتيجة لوعيه الحاد بحتميَّة التَّجذير والتَّأصيل اللُّغوي داخل العمل الأدبي النَّاجح، وكذا لوعيه بما يمنحه من خصوصيَّة تتجلَّى في البنية اللُّغويَّة، والتَّعبيريَّة، وفي ما يستخدمه الأديب من وسائل فنِّيَّة، وما يحقق بها من مستوى جمالي، أسعفته ثقافته وتراثه اللُّغوي، ومخزونه الأدبي في الاهتداء إليه فكلُّ ابتكار لجمال جديد في اللُّغة، لا يمكن إلَّا أن يستند إلى تقديمها الجمالي، فاللُّغة كيان، ولا نقدر أن نجدِّده إلَّا من داخله، من داخل عبقريَّته، وجماليته، وخصوصيَّته، إن كنت حديثا حقًّا فأنت تحيا في البهاء القديم، وفي طاقاته الفنِّيَّة التي تستنفذ، وكلُّ كلام على الحداثة ينبغي أن يتمَّ في إطار هذه الإحاطة، وهذه الكليَّة وهذه الرُّؤيا الشَّاملة (3).
إنَّ محمد ناصر يحكم على الأديب من خلال ما يسمِّيه الصِّدق الخلقي والفنِّي، حيث يقول في إحدى مقالاته النَّقديَّة: .. وأنتهي إلى القول بأنَّ ديوان (أسرار الغربة) يعتبر حسب رأيي من أهمِّ الدَّواوين التي صدرت بعد الاستقلال، لأنَّه يمتاز بالصِّدق الخلقي والفنِّي حقًّا، وهو يمتاز أيضا بما يعرف به الغماري من تمكُّن أصيل من أدواته الفنِّيَّة واللُّغويَّة على
__________
(1) ابن سنان الخفاجي: "سرُّ الفصاحة"، ص 16، ابن خلدون: المقدِّمة، ص 352، عن مروة متولي: "حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث"، دار الأوائل، ط 1، 2008 م، ص 48.
(2) ابن خلدون: "المقدِّمة"، ص 352، عن مروة متولي: حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث، ص 48.
(3) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الآداب، بيروت، ص 95. (1/169)
صفحة 169
السَّواء، فلا يلاحظ المرء في شعره هذا الضُّعف الذي قد يلاحظه في أغلب شعر الشَّباب (1)، وهو في هذا التَّوجُّه يحافظ على مزيَّة الصِّدق، صدق العاطفة، الصِّدق في التَّصوير، والصِّدق في نقل الواقع بكلِّ جوانبه، ومع هذا الاتِّساع في الرُّؤية، وفي حدود الأدب الذي يصوِّر الحياة بكلِّ شمولها، فإنَّه يبقى داخل الإطار الإنساني، ويتقيَّد بأطر تتناسب مع كونه نشاطًا للإنسان، وهذه الأطر التي يتقيَّد بها ترجع إلى ثلاث أمور هي: حدود العقل البشري، حدود الفطرة، حدود الشَّريعة (2).
لقد شغل النَّقد اللُّغوي حيِّزًا غير يسير من مؤلَّفات محمد ناصر، وظلَّ يلاحق الأخطاء في الكلمة والمفردة والتَّراكيب والجمل والأساليب بالتَّدقيق، والتَّصويب، وذلك من منطلق حرصه على اللُّغة العربيَّة، وسلامة تراكيبها واستعمالاتها من العبث والانحراف، والالتزام بها؛ لأنَّها أهمُّ مقوِّم من مقوِّمات الأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة، ويرى: أنَّ الشَّاعر الأصيل والمبدع معا هو الذي يستثمر اللُّغة أيًّا كانت ألفاظها ومفرداتها، قديمة أم حديثة، ومقياس الإجادة والبراعة لا يتعلَّق بالمفردات اللُّغويَّة في حدِّ ذاتها، بقدر ما يتعلَّق بالجملة الشِّعريَّة وبحر القصيدة ككلّ (3)، وهذه دعوة لتكامل النَّصِّ الأدبي شكلاً ومضمونًا، من النَّاحية الفنِّيَّة الجماليَّة، ومن ناحية المحتوى يسعى من خلالها محمد ناصر إلى ربط عناصر العمل الأدبي في نظرة تكامليَّة.
مارس محمد ناصر في أعماله الأدبيَّة هذه العناصر التي يراها الأساس في تحقيق العمل الأدبي النَّاجح (العمق، الأصالة، الصِّدق) (4)، حيث يقول عنه أحد النُّقَّاد: وسبب نجاح الشَّاعر لا يعود إلى تمكُّنه من الأدوات الفنِّيَّة وقدرته على اختيار الموضوع الذي كان أشبه بمناظرة فقط، ولكن - وبصورة مؤكَّدة - لأنَّ العاطفة التي تشكِّل تلك الأدوات كانت عاطفة صادقة، مهيمنة على المعاني والصُّور ... وما يقف وراء ذلك كلّه إنَّما هو الإيمان
__________
(1) محمَّد ناصر: "ديوان أسرار الغربة"، للشَّاعر مصطفى الغماري، مقالة، الشَّعب، مارس 1980 م.
(2) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 138.
(3) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 426.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي". (1/170)
صفحة 170
الذي يضيء ذلك الذي يسند النَّفس التي هي الرَّحم التي تنشأ التَّجربة الفنِّيَّة فيها وتنمو، ويسندها إلى أصل تصدر عنه كلُّ الاتِّجاهات ... (1).
جمع محمد ناصر في كلِّ أعماله الأدبيَّة بين العمق في التَّجربة والأصالة، في المرجعيَّة وتوظيف اللُّغة، وصدق التَّجربة الشُّعوريَّة والتَّعبير عن الموقف محافظا بذلك على الاتِّحاد بين القيمة الموضوعيَّة والقيمة الشُّعوريَّة والقيمة التَّعبيريَّة (2).
والطَّابع العام والسِّمة الغالبة على أدب محمد ناصر، هي الوضوح والابتعاد عن التَّعقيد والغرابة، وهذا ما يؤسِّس للعمق، دون الإخلال بفصاحة الكلمة، فهو يستعمل الألفاظ والتَّراكيب للتَّعبير عن موضوعاته، ما يناسب الحالة النَّفسيَّة والعاطفيَّة، والفكريَّة التي تسيطر على العمل.
فالمحافظة على الأسلوب الفنِّي مع التَّوازن بين الشَّكل والمضمون ضرورة لازمة للعمليَّة الإبداعيَّة (3)، كما يؤكِّد محمد ناصر: أنَّ العمل الفنِّي من حيث هو كلّ إنَّما يتحقَّق من خلال هذا التَّداخل والتَّجاذب بين الشَّكل والمضمون، فليست هناك حقيقة لعمل فنِّي، لا تتمثَّل في علاقة التَّأثير المتبادل بين شكله ومضمونه (4)، وهذا الحكم النَّقدي لديه يستند على أساس نظريَّة تقول: هذه الصُّورة الجدليَّة بين الشَّكل والمضمون ليست إلَّا انعكاسا لتلك الذَّات المتفرِّدة والذَّات الجماعيَّة، أي علاقة التَّداخل والتَّجاذب في الوقت نفسه بين الفنَّان الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه ... (5)، مع المحافظة والإلمام بالجانب الفنِّي لأنَّه يرى أنَّه: لابدَّ أن يستكمل العمل الأدبي أدواته الفنِّيَّة، والموضوع أيًّا كانت قدسيَّته لا يمنح الأديب حصانة من النَّقد ولا يعذر في ضعف أدواته. وبما أنَّه من دعاة الأدب الإسلامي فهو حريص على أن يكون أديبًا متميِّزًا، حيث يقول: إنَّ حرصنا على المضمون الإسلامي ينبغي
__________
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 211.
(2) عبد الله عوض الخباص: "سيِّد قطب الأديب النَّاقد"، مكتبة المنار، الزَّرقاء، ط 1، 1983 م، ص 253.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 27.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي".
(5) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّوريَّة"، عن د. عزّ الدين إسماعيل، الشِّعر في إطار العصر الثَّوري، ص 27، 207. (1/171)
صفحة 171
ألَّا يكون على حساب الجانب الفنِّي في النَّصِّ، إذ لا يشفع المضمون الإسلامي في نصِّ يفتقد إلى الموهبة الأدبيَّة الحقَّة، وحفاظًا على التَّوازن بين المضمون والشَّكل يدعو بعض المنظِّرين الإسلاميِّين اليوم إلى التَّأكيد على هذا الجانب، بحيث يصبح التَّنظير للأدب الإسلامي في هذه القضيَّة حماية للأدب الإسلامي نفسه، ويحفظ قيمته (1)، ويبرهن على ذلك بقوله: الدِّين حاجة فطريَّة في الإنسان، كذلك فإنَّ الفنَّ حاجة فيه لا يمكن أن تقتل فيه، ولو حاول إخفاءها أو توجيهها أو إنكارها (2)، والمقصود هنا هو الأديب المسلم الذي يحمل رؤية إسلاميَّة واضحة، يسعى لتحقيقها في جميع مناحي الحياة: ينشد العمل الفنِّي الهادف سلَّم واسع المدى كثير الدَّرجات، يمنح الأديب والفنَّان مقدارًا واسعًا من الحريَّة والعفوية والاختيار والتَّركيز دونها أيُّ قدر من التَّوتُّر والمباشرة (3).
لم تكن أعمال محمد ناصر على مستوى واحد من الحريَّة والعفوية، فمجال الحريَّة يتَّسع ويضيق حسب موضوع العمل، والظَّرف الذي كتب فيه، والعاطفة المسيطرة، وهذه السِّمة تتيح للكاتب أن يظهر مهاراته الفنِّيَّة، وثروته اللُّغويَّة، والفكريَّة، والثَّقافيَّة، فيسرف في عرض المسائل والقضايا التي يريد أن يوضِّحها، لاسيَّما أنَّ العفوية تقوم على بسط المعاني ووضوحها، وإنمّا تهدف إلى تأكيد الفكرة، ومن أمثلة ذلك مقالة لا للنَّقد المائع، قصائده: لحن من بلادي، رسالة متأزِّمة إلى ولدي، اللّحى الذَّليلة ....
وقوله في اللّحى الذَّليلة:
تَهبُ المهَابَة فِي القُلُوبِ إذَا غدتْ ... أخلاَقُ صاحبهَا كَلحيَتِه أصِيلَهْ
لَكِنَّهُ إنْ ذَلَّ للأطْمَاعِ صَا ... رت مِثلَ صَاحِبِهَا كَمِخْلاةٍ أكولَهْ
رَمزُ الرّجُولَة كَيفَ أضْحَتْ فِي هَوَا ... نِ الطّبعِ رَمزا لِلمَهَانَةِ والفسولَهْ
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 30.
(2) المصدر نفسه.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 182. (1/172)
صفحة 172
تَبَّتْ لحَى تَغْدُو بأَيْدي الانتها ... زِيِّينَ وَالفسّاقِ أرسَانا عمِيلَهْ (1)
وفي إحدى مقالاته النَّقديَّة هل البسملة عنوان إدانة يدعو إلى مبدأ الحريَّة في العمل الأدبي، التي يريد منها أن تأخذ شكلا من الإطناب من أجل معالجة مشكل البيروقراطيَّة مع المحافظة على الجانب الفنِّي، حيث يقول: ولا يغيب عن بال القصَّاص أن يشير بطريقة موحية إلى ما يمكن أن يعتبر من الأسباب الرَّئيسيَّة لتفشّي هذه الأزمة وحدّتها، حتَّى البيروقراطيَّة ولكنَّه حتَّى يكون قريبا دائما من أدواته الفنِّيَّة لا يعطي هذه المشكلة أكثر من هذه الأسطر ... (2) لكنَّ الحريَّة والعفوية لديه تتحرَّك في حيِّز معيَّن؛ وَفق مبادئ وقيم الدِّين الإسلامي، وهذا ما يحقِّق التَّوازن الحقيقي مع الذَّات المبدعة حضارة، ودنيا، ولغة في قوله: بقدر حرصنا على الجانب الفنِّي في العمل الأدبي، ينبغي أيضا ألَّا يكون هذا الحرص على حساب المضمون والموقف والرُّؤية، فإنَّ من أولى سمات الصِّدق الفنِّي التَّوازن الحقيقي مع الذَّات المبدعة حضارة، ودنيا ولغة، وكلُّ اختلال في هذه المقوِّمات الأساسيَّة تصيب الذَّات بالاختلال، وبالتَّالي النَّصّ بالانفصام والتَّبعيَّة أو بالزِّيف ... (3)، وهو يتَّفق في هذا الطَّرح مع الدُّكتور عماد الدِّين خليل الذي يقول: ... والنِّيَّات والأفكار التي تدور في الذِّهن لا تعدُّ عملا بحال من الأحوال مالم تتحقَّق في الواقع المنظور، وتحقِّقها هذا لا يكون إلَّا باعتماد أسلوب وصيغة منظورة ... وإذا كان (الحسن) مطلوبا في العمل، فإنَّه مطلوب بالضَّرورة في الأسلوب كذلك هناك، حيث ترتبط الجواهر بالأشكال، وحيث لا تنفصل في المنظور الإسلامي الأسباب عن المسبِّبات (4)، والرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، والإتقان هنا يتحقَّق من خلال البنية الكليَّة والمتكاملة في النَّصِّ الأدبي، الذي يجب أن يتأسَّس على العمق والأصالة والصِّدق، ولن تتحقَّق هذه الشُّروط إلَّا من
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 357، 358.
(2) محمد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة"، مقالة، الشَّعب الأسبوعي، عدد 57/ 1976 م.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 31.
(4) عماد الدين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 39. (1/173)
صفحة 173
خلال التَّوازن بين الشَّكل والمضمون فليس المضمون وحده هو الذي يقدِّم الفنَّ، وإنَّما الفنُّ هو مضمون وشكل معًا، والمضمون وحده لا يكفي (1).
هكذا استطاع محمد ناصر بناء عالم أدبي خاصٍّ، يدعو فيه إلى التَّصوير الجميل ... الذي ينبغي أن تكون فيه الكلمة الطَّيِّبة من عناصر هي: الموقف، والمضمون، والأسلوب، وما الأدب النَّاجح إلى توازن بين هذه العناصر الثَّلاثة (2). فالكلمة الطَّيِّبة حسب رأيه تنبع من ضمير الإنسان ووعيه وفكره، ومشاعره الصَّادقة الأصيلة المعبِّرة، الموحية المجسِّدة لموهبة خلَّاقة، ولأنَّ الموهبة لا تنطلق من فراغ، ولا تعمل في فراع، إنَّها مرتبطة أشدَّ الارتباط بالطَّاقات والغرائز والحواس والسُّلوك ورصيد المعارف والخبرات (3).
لا يعني محمد ناصر - حسب رؤيته الإسلاميَّة - أنَّ الأدب هو جانب المضمون أو المحتوى، ويسكت عن الشَّكل، بل يدعو إلى ترابطهما في بنية فنِّيَّة متكاملة، تحاكي التَّطوُّر، متأصِّلة في التُّراث، لأنَّ الإسلام في رأيه دين إنساني شامل، لا يعرف حدود الزَّمان والمكان.
إنَّ هذا هو تصوُّر محمد ناصر من خلال رؤيته الإسلاميَّة لدينه ولأدبه، وهذا تصوُّره لما يبدعه لكي يكون نابعًا من حقائق يعيشها، ومشاعر يحسِّها، وتجربة يكابد دقائقها، وإذا كان ذلك واضحا عنده في التَّصوُّر، وقائما في داخله وسلوكه، فلم تُعوزْهُ الأدوات، بل إنَّه يبدع أدواته بنفسه لكي يستوعب تجربته، وتعبِّر عن ذوقه وانتماءاته وتوجُّهه، لأنَّه يحرص على إدراك ما تتميَّز به لغته من أسرار، ويتذوَّق جماليَّاتها، ويتعرَّف على ما فيها من مجازية وقدرة بيانيَّة، وتنويع في الأداء الأسلوبي لكي يستخدم ذلك بالطَّريقة المناسبة في إبداعه الأدبي (4).
__________
(1) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، ص 212.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 14.
(3) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة لازمة"، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، ط 1، 1991 م، ص 29.
(4) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 106. (1/174)
صفحة 174
لقد آمن محمد ناصر بأنَّ الحسن الفنِّي يؤدِّي إلى الإضاءة في الأفكار، فالتمرُّس في اللُّغة والسُّموُّ في المعاني والألفاظ يوصل الأديب إلى ذروة الكشف عن المشاعر، ممَّا يحقِّق ما يسمِّيه نجيب الكيلاني بـ: التَّوازن بين الفنِّ والفكر (1)، تلائم بينهما، وتمشى مع منطقهما المتطوِّر المتجدِّد الأشكال، الثَّابت الجوهر، وتبعا لذلك تكون الإسلاميَّة من الوجهة الأدبيَّة والفنِّيَّة أرحب من المذاهب وأسمى من القيود (2)، وفي ضوء هذا النَّصِّ نلمس أنَّ التَّطوُّر والتَّجدد في الأشكال والثَّبات في الجوهر لا تتحقَّق - حسب مفهوم محمد ناصر للأدب - إلَّا من خلال التَّمكُّن من الأدوات الفنِّيَّة وجعل القيم الشُّعوريَّة والقيم الفكريَّة والقيم التَّعبيريَّة في مستوى فنِّي رفيع واحد (3)، متَّفقًا بذلك مع الأديب والنَّاقد نجيب الكيلاني الذي يرى أن إسلاميَّة الأدب ترتبط بالقيم الثَّلاثة، ممَّا يجعل فكرة بودلير التي تذهب إلى أنَّ الجمال يمكن أن يكون في موضوعات تتناقض مع الحقِّ والخير (4) فاقدة لمعناها، فهو من بين الذين يؤصِّلون إلى أدب جديد، يقوم على الدِّين والفكرة، بما يصنعانه من قيم أخلاقيَّة تربويَّة وفنِّيَّة.
__________
(1) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، ص 58.
(2) نجيب الكيلاني: "الإسلاميَّة والمذاهب الأدبيَّة".
(3) محمد ناصر: "أسرار الغربة دراسة وتقييمًا"، مقالة، الشَّعب اليوميَّة، عدد 25 - 03 - 1980 م.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 154. (1/175)
صفحة 175
الفصل الثَّاني
وظيفة الأدب عند محمَّد ناصر
تمهيد :
الأدب الإسلامي فنٌّ جميل ذو مرجعيَّة إسلاميَّة في سماته وصوره وأشكاله وأساليبه. هو الأدب الذي يعبِّر عن الكون والحياة، وفق رؤية إسلاميَّة، فيحقِّق عناصر الجمال في تصوُّره لربوع هذا الكون والحياة، ويكون هذا الأخير أكبر مساحة في التَّقويم الفنِّي والإنساني لو استطاع في الوقت ذاته أن يدرك (الرُّوح) السَّارية في هذا الكون كلِّه بجميع مجالاته، الرُّوح التي لا تجعله مادة جامدة حتَّى في الأشياء الجامدة، وإنَّما تجعله حيًّا يتحرَّك ويحلم ويتعاطف، ويلتقي على شتَّى المشاعر والانفعالات ... (1)، وفي ظلِّ هذا السَّريان والتَّفاعل مع الكون، تكمن مهمَّة الأديب ووظيفته، إنَّه تصوُّر إسلامي كما يرى محمد قطب الذي لا يأخذ جانبا من الوجود ويدع جانبا آخر ... إنَّما يأخذ الوجود بمادياته وروحانياته ومعنويَّاته، وكل كائناته (2).
يمكن استثمار الأدب في العقيدة الإسلاميَّة من أجل تحقيق العديد من الأهداف، وتعزيز مقوِّماتها داخل الأمَّة الإسلاميَّة، وذلك للقدرة التَّأثيرية للأدب على الإنسان المثقَّف، ومنحه القناعات الكافية بأحقيَّة هذا الدِّين في صياغة الحياة، وصدقه المطلق في التَّعامل مع الكون (3).
من هنا كانت حتميَّة وظيفة الأديب ذي الرُّؤية الإسلاميَّة، كما يؤكِّد ذلك أحمد رحماني في قوله: نظر النُّقَّاد الإسلاميُّون إلى الأدب من خلال فعاليَّة الكلمة القرآنيَّة وقدرتها
__________
(1) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 12.
(2) المرجع نفسه، ص 13.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب"، ص 172. (1/176)
صفحة 176
على التَّأثير والتَّخيير، ولذلك كانت النَّتيجة المنطقيَّة التي وصلوا إليها هي حتمية الوظيفة التي ينهض بها الأدب (1).
ونجد أنَّ عماد الدِّين خليل يذكر أن: وظيفة الأدب في المفهوم الإنساني وظيفة حيويَّة بالغة الخطورة، حتَّى لتكاد أن تكون حتمية، إذا جاز لنا أن نأخذ بمنطق الحتميات. فإذا ما تذكَّرنا كيف أنَّ كتاب الله الخالد اعتمد جماليَّة الكلمة، وتأثيريَّة المضمون لحفز وجدان النَّاس، وإيقاظ عقولهم، وتحرّك أفئدتهم، كان لنا أن نعرف كم هي خطيرة وحاسمة مهمَّة الأدب في الحياة!!. إنَّ القرآن هو المدرسة الكبرى التي تعلَّمنا منها الكثير، ويتوجَّب أن نتعلَّم منها في هذه (2).
إنَّ الأدب ليس مجرَّد إمتاع واتِّباع لرغبات الخلق والإبداع، بل له وظيفة مهمَّة إزاء الحياة والكون والإنسان، وهذا من منظور الأدب الإسلامي، أمَّا في التَّوجُّهات الأدبيَّة الأخرى، فينطلق مفهوم وظيفة الأدب من عدَّة معطيات، تختلف باختلاف التَّوجُّهات، ففي النَّقد الكلاسيكي كان التَّركيز على أنَّ الأدب وظيفته أخلاقيَّة، وكان استقصاء أرسطو في كتابه فنِّ الشِّعر يدور حول ما هو الأدب وكيف يعمل عمله (3)، وفي الشِّعر العربي كان أحسن بيت ما كان صادقًا، بمعنى: حاملاً للقيم النَّبيلة وموافقًا للخلق السَّليم. يقول حسَّان بن ثابت (4):
وَإنَّ أَشْعَرَ بَيْت أَنْتَ قَائِلُهُ ... بَيتٌ يقَال إذَا أنشَدتَه صدقا
وَإنّمَا الشّعْرُ لُب المَرْءِ يَعْرِضُهُ ... عَلَى المَجَالِسِ إِنْ كِيسًا وَإِنْ حَمُقا
أمَّا المدرسة الرُّومانسية، فهي ترى أنَّ الأدب هو تعبير عن الذَّات والنَّفس، والمدرسة الواقعيَّة ترى في الأدب نقدًا للواقع والحياة، وهكذا تعدَّدت النَّظريَّات في تفسير وظيفة الأدب، حيث ظهر ما يعرف بالاتِّجاه المثالي الجمالي والاتجاه الواقعي، يقول غنيمي هلال:
__________
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظرية والتَّطبيق"، ص 433.
(2) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 173 - 174.
(3) غراهام هو: "مقالة في النَّقد، ص 13. عن أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 18.
(4) ابن قتيبة: "الشِّعر والشُّعراء"، ص 22، 25، عن أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 18. (1/177)
صفحة 177
الاتِّجاه الجمالي والواقعي في صراع دائب، ولكنَّهما غالبا ما يتكاملان لدى النُّقاد الكبار، إذا نظرنا إلى ملابسات عصرهم (1)، ولعلَّ أكثر المدارس الأدبيَّة اهتمامًا بغاية الأدب ووظيفته في العصر الحديث (هي المدرسة الواقعيَّة والمدرسة الإسلاميَّة) (2)، حيث أنَّ المدرسة الواقعيَّة تلزم الكاتب بالاشتراك في مشكلات المجتمع الحاضر، وتهتمُّ بالمضمون وأثره الاجتماعي والحضاري في الأدب، وتجعل المتعة الفنِّيَّة في الأدب وسيلة لغاية إنسانيَّة (3).
أمَّا المدرسة الإسلاميَّة فتذهب إلى أنَّ الأدب يهدف أوَّل ما يهدف إلى تكوين الفرد المسلم، ثمَّ المجتمع المسلم، يسمو عن الأمراض الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة، ويثير في النُّفوس الرَّغبة في العمل الجادِّ، والبناء الصَّامد ... بل ويجعل من التَّفكير والتَّأمُّل أيضًا فرعا من العبادة لا عبادة كالتَّفكر، ويمارس في الواقع فعل الخيرات والتَّمسُّك بالإيثار والحبِّ والعدل، ومحاربة الرَّذائل والمفاسد والمظالم، وصور الاستغلال والتَّحلُّل والإباحيَّة، ويربط حياة الفرد بالمجتمع (4)، ويعرف محمد حسني بريغش وظيفة الأديب المسلم على: أنَّه الإنسان المستخلف في الأرض، الحامل للأمانة العظيمة، التي نأت السَّماوات والأرض والجبال عن حملها، وحملها الإنسان (5).
هذه هي وظيفة الأدب الإسلامي من وجهة نظر أدبائه، ونقَّاده، أمَّا إذا عرجنا إلى الأدب الجزائري الحديث، فنلاحظ أنَّ روَّاده أدركوا وظيفته منذ البداية، إن لم نقل وجدت الوظيفة - قبل العمل الأدبي - إن صحَّ القول - خاصَّة في مرحلة ما قبل الثَّورة، كما يذكر لنا ذلك محمد مصايف: إنَّ الأديب والسِّياسي يتَّفقان في كون كلِّ منهما يسعى إلى تجنيد الشَّعب لخدمة قضيَّة معيَّنة (6)، هي تفجير الثَّورة والعمل على توعية الشَّعب الجزائري
__________
(1) غنيمي هلال: "النَّقد الأدبي الحديث"، دار الثَّقافة ودار العودة، بيروت، ط 1983 م، ص 24.
(2) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 26.
(3) غنيمي هلال: "النَّقد الأدبي الحديث"، ص 331.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 101.
(5) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 114، 115.
(6) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 100. (1/178)
صفحة 178
بقضيَّته الأساسيَّة لهذه الفترة، ومقاومة الاستعمار بوسائل مختلفة، ولكي ندرك الفرق بين الأديب والسِّياسي ينبغي أن نفكِّر في وسائل كلٍّ منهما: فإن كان السِّياسي يميل إلى التَّحريض والإثارة، وبعث الغيرة في النُّفوس عن طريق الخطب والمقالات السَّاخنة، فإنَّ الأديب يسعى إلى نفس الغاية، ولكن في هدوء وأناة وعمق (1).
إنَّ مهمَّة الأديب تستمرُّ بعد طرح القضيَّة، وتحديد المبادئ، وتحاول نقش هذه القضيَّة وهذه المبادئ في نفوس أفراد الشَّعب؛ لأنَّ الحالة الاجتماعيّة السَّيِّئة التي يعيشها الشَّعب لم تكن وليدة نظام الفنِّ، في حين أنَّ السِّياسي يقوم بمهمَّته في شيء من العجلة والانفعال، ودون فنٍّ، إلَّا في القليل النَّادر (2).
خلال هذه الفترة، وبظهور حركة الإصلاح فإنَّ رؤية الأدباء - وبخاصَّة الشُّعراء منهم - للدِّين قد تغيَّرت، فأصبح الدِّين عملاً ونضالاً، لا دين خمول وجمود، وانسحب هذا المفهوم للدِّين على الشِّعر، فبات تعبيرًا عن التَّجديد في الفكر، كما يخبرنا بذلك عبد الله الركيبي: إنَّ وظيفة الشِّعر تغيَّرت أي تطوَّرت، فبعد أن كانت رغبة في إظهار التَّعلُّق بالدِّين والتَّنويه بصاحب الرِّسالة، أصبحت تعبيرًا عمَّا في الدِّين من دعوة إلى العمل بمعنى آخر، فإنَّ دور الدِّين في الفكر الإصلاحي ليس الجانب الرُّوحي وحده، وإنَّما يضاف إليه البعد الاجتماعي، ومن ثّم تحدَّدت وظيفة الشَّاعر بأنَّه شاعر الدِّين والمجتمع معًا (3).
الملاحظة المشتركة في أنَّ وظيفة الأدب الإسلامي بعامَّة ليست مختلفة عن وظيفة الأدب الجزائري بخاصَّة، في خدمة قيم الحقِّ والخير والجمال وفي الوقت نفسه، فللأدب رسالة حضاريَّة شاملة قبل كلِّ شيء بما في ذلك الاحتفال بآلام الطبقات البشريَّة وقيودها (4). يؤكِّد عبد الله الرَّكيبي هذه الفكرة في قوله: وظيفة الشِّعر هي خدمة الدِّين
__________
(1) عبدالله الركيبي: "تطوُّر النَّثر الجزائري الحديث"، الدَّار العربيَّة للكتاب، ليبيا، تونس، 1975 م، ص 113.
(2) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 100، 101.
(3) عبد الله الركيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 1981 م، ص: 637، 639.
(4) سيِّد قطب: "النَّقد الأدبي وأصوله ومناهجه"، ص 106، عن أحمد رحماني: نظريَّات نقديَّة وتطبيقها، ص 26. (1/179)
صفحة 179
والشَّعب وقضايا المجتمع ... فعمل الخير هو وظيفة أساسيَّة في مفهوم الشِّعر في العشرينات وما بعدها، وهذا يساير الفكر الإصلاحي الدِّيني الذي ثار على الغيبيات وعلى الظُّلم (1).
بعد الاستقلال استمرَّ الأديب الجزائري في أداء وظيفته المنوطة به، غير أنَّ طبيعة هذه الوظيفة تغيَّرت بتغيُّر الظُّروف التي يعيشها الأديب، وتغيَّر معها نوع الالتزام الذي ينبغي أن يلتزمه الأديب في هذه المرحلة، فظهرت رؤى جديدة وتوجُّهات كثيرة، من بينها التَّوجُّه الإسلامي الذي يتبنَّاه محمد ناصر، فما هي وظيفة الأدب عنده؟، وما هو الالتزام المطلوب وفق رؤيته الإسلاميَّة؟، وهو يقوم بدوره كأديب جزائري معاصر في هذه المرحلة، كما قام بها سلفه في المرحلة السَّابقة؟.
وبما أنَّ الالتزام هو: أولى خصائص الأدب الإسلامي، وكلُّ ما سوى هذه الصِّفة فهو منبثق منها، متفرّع عليها (2) ... كوظيفة الأدب ودوره، نرى أن نبدأ بمفهوم الالتزام عند محمد ناصر، سواء من خلال إنتاجه الأدبي أم دراساته النَّقدية.
إسلاميَّة المبدع :
يتَّفق محمد ناصر مع محمد عادل الهاشمي في استبدال مصطلح (الالتزام) بـ (الإسلام)، وذلك حسب رأي الهاشمي: أنَّ مصطلح الأدب الإسلامي واف بنفسه لا يفتقر إلى صفة (ملتزم) فـ (الإسلامي) نسبة إلى الإسلام شرعه وحقائقه (3).
لذا نجده يستبدل بمصطلح الالتزام الإسلاميَّة في كتابه خصائص الأدب الإسلامي، فيقول: إنَّ أهمَّ طرف في الأدب الإسلامي هو المبدع نفسه، صاحب النَّصِّ ومنشأه؛ لأنَّ النَّصَّ حقيقة أمره تجسيد لمعاني ومشاعر وأحاسيس الأديب، فإذا كانت هذه تجسيدًا للقيم الإسلامية عقيدةً، وقولاً، وسلوكًا، جاز لنا حينئذ أن نصف الأثر بالإسلاميَّة، وأن نقول:
__________
(1) عبد الله الركيبي: "الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 638.
(2) صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، ص 65.
(3) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب .. ومواقف"، ص 30. (1/180)
صفحة 180
إنَّه لأديب مسلم فعلا (1)، ويقصد محمد ناصر بالأديب المسلم فعلا، الأديب الملتزم فعلا، والأديب الذي ينتمي إلى دائرة الأدب الإسلامي.
أ- مفهوم الالتزام في الأدب الإسلاميِّ:
ما هو الالتزام في الأدب الإسلامي؟، يعرِّفه نجيب الكيلاني على أنَّه وجوب: أن نلتزم بمنهج ... والمنهج الإسلامي هو مرفأ النَّجاة، وهو القاعدة الصَّلبة التي يمكن أن نقيم عليها البناء الشَّامخ ... ويدرك المعنى الحقيقي للالتزام نابع من الإيمان والاقتناع والثِّقة (2).
أمَّا عماد الدِّين خليل فهو يرى أنَّ مدرج الالتزام الإسلامي ذي الدَّرجات الأربع يبدأ بالإسلام، فالإيمان، فالتَّقوى، وينتهي بالإحسان، المرتبة القمَّة، التي هي أقصى درجات الالتزام الإيماني ... (3) وفي بلوغ الإنسان أعلى درجات الالتزام حسب رأي عماد الدِّين خليل - لن يمارس أيَّ صغيرة أو كبيرة إلَّا وهو يجد نفسه إزاء الله سبحانه. إنَّ الإحسان هو بلوغ الإنسان مرحلة الإحساس الكامل بالحضور الإلهي، والمصطلح الإسلامي (الحسن) صنو (الجمال) ليحمل دلالته في جماليَّة الأدب الإسلامي، عملا بقوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ .... ) (4).
كما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر مبدأ الالتزام في درجة الحسن داخل العمل الأدبي في قوله: إنَّما الشِّعر كلام مؤلَّف، ما وافق الحقَّ منه فهو حسن، وما لم يوافق الحقَّ منه فلا خير فيه (5)، وما وافق الحقَّ منه فهو الشِّعر الملتزم، وما لم يوافق الحقَّ منه فهو الشِّعر غير الملتزم.
هذا هو معنى الالتزام في مفهوم الأدب الإسلامي، أي أنّ الإسلام يقبل الأدب الملتزم بمبادئه ومعاييره، ويحثّ على تأليفه وإبداعه.
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 11.
(2) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 61.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 39.
(4) سورة البقرة: الآية 127.
(5) عودة منيع القيسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، دار البشير للنَّشر والتَّوزيع، عمَّان، الأردن، ط 1، 1985 م، ص 20. (1/181)
صفحة 181
فالأديب المسلم مرحَّب به، ويحثُّه الإسلام على القول والإبداع، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لحسَّان: (اهجهم - يعني قريشا - فوالله لهجاؤك عليهم أشدُّ من وقع السِّهام في غلس الظَّلام)، أو قوله: (اهجهم ومعك جبريل، روح القدس، والق أبا بكر يعلِّمك تلك الهنات) (1).
ب- مفهوم الالتزام في الأدب الجزائري:
أمَّا الالتزام في الأدب الجزائري فيتمثَّل في تسخير الشِّعر لخدمة المجتمع والتَّمسُّك بقضاياه كما يقول الرّكيبي: فالوظيفة هنا في خدمة الدِّين والشَّعب وقضايا المجتمع، أي أنَّه شعر ملتزم بمعنى من المعاني، وقد عبَّر عن هذه الفكرة بالشِّعر أيضًا كثير من الشُّعراء، تماشيا مع دعوة الإصلاح إلى النُّهوض وخدمة الشَّعب:
واخدم بشعرك شعبك الحرّ الذي ... مزجت بطينته دما الأعراق
واختر لشعرك أحسن الألفاظ لا ... تنظم سوى في المجد أنت الرَّاقي (2)
وهناك دعوة إلى الالتزام بالقيم الاجتماعيَّة العربيَّة الجزائريَّة في ظلِّ الاحتلال الفرنسي، فقد رأى الرّكيبي أنَّ ذلك نتيجة لوضع الجزائر آنذاك، ثمَّ ناقض نفسه عندما حدَّد مجال الأدب في التَّجنيد للدِّفاع عن القضيَّة الوطنيَّة فقط. وهكذا بدأ الأدباء الجزائريُّون يبتعدون عن القالب الفنِّي الأدبي شيئًا فشيئًا، وأصبح الأدب عندهم مجرَّد شعارات وطنيَّة.
إنَّ الأدب الجادَّ والملتزم والهادف ليس من الضُّعف في شيء، بل هو من القوَّة والتَّفاعل مع محيط الأديب وآلام شعبه وأمَّته، إضافة للتَّنفيس عن الذَّات الشَّاعرة وترجمة للتَّجربة الشُّعوريَّة، ولو قلنا بالالتزام بخدمة الشَّعب لصار هناك خلط بين الرِّساليَّة والالتزام في هذا الموقف.
ويرى الرّكيبي أنَّ الأدب والشِّعر بخاصَّة- كان ملتزما في فترة ما قبل الاستقلال - فقال: إنَّ النَّظرة الجدِّيَّة للشِّعر - بوصفه فنًّا جادًّا ملتزمًا - هي الرُّؤية العامَّة للشُّعراء،
__________
(1) عودة منيع القبسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، ص 20، 21.
(2) عبد الله الرّكيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، ص 638. (1/182)
صفحة 182
والمحور الذي تدور عليه قصائدهم (1)، ويؤكِّد لنا هذا الالتزام مستشهدًا بنصٍّ لرمضان حمود يقول فيه: ولست من الذين يكتبون للتَّسلية أو التَّرويح عن النَّفس، ولا من الذين يتلذَّذون بالعبارات المنمَّقة الرَّقيقة، ولكنِّي أكتب لأفيد وأستفيد، أكتب لا ليقال: إنَّه كتب، بل ليقول لي ضميري: إنَّك قمت بواجبك وأدَّيت ما عليك فكن مطمئنًّا (2).
ونجد عند محمد مصايف أنَّ الالتزام الحقَّ لا ينافي الفنَّ بحال من الأحوال، فالأديب ينبغي أن يهتمَّ في أدبه بشؤون وطنه وقومه والإنسانيَّة قاطبة، ولكنَّ هذا الاهتمام لا يتصوَّر خارج الفنِّ، أي أنَّ الأديب الملتزم إنَّما يظهر التزامه من خلال الموقف الذي يتَّخذه في قصيدته، أو قصَّته أو مسرحيَّته أو مقالته، وهذا الموقف لا يعتبر موقفا أدبيًّا، إلَّا إذا اكتسى عبارة جميلة خالية من شعار، ونابعة من نفس الأديب ذاته، وبهذا يكون الالتزام بدون فنٍّ التزامًا ناقصًا ما دمنا نتحدَّث في الأدب والفنِّ (3).
هكذا يرى الرّكيبي ومصايف أنَّ الالتزام في الأدب الجزائري مرهون ونابع من الوفاء للقضيَّة الوطنيَّة، دون مراعاة المستويات الأخرى الفنِّيَّة، الفكريَّة، والتَّناغم أو التَّجانس داخل العمل الأدبي، أو ضمن تجربة محدَّدة، أو ضمن إبداع أديب في تجربته الحياتيَّة.
ج- مفهوم الالتزام عند محمد ناصر (إسلاميَّة المبدع):
أمَّا محمد ناصر فإنَّه ينطلق من مفهومه للالتزام من خلال مفهوم القرآن الكريم للأدب بإيجازه في (الكلمة الطَّيِّبة) فيقول: إنَّه ليس أدقّ ولا أشمل من التَّعريف الرَّبَّاني للأدب السَّامي، حيث يوجزه القرآن الكريم في كلمة واحدة (الكلمة الطَّيِّبة)، أليست الكلمة الطَّيِّبة تجميعًا لكلِّ المواصفات التي تطمح إلى الوصول إليها، من خلال العمليَّة الإبداعيَّة هدفًا ووسيلةً وموضوعًا؟، إنَّها كذلك، وهي تختصر القرآن الكريم الذي ينبغي أن يكون مثالاً يحتذيه ونموذجًا تنسج عليه، ويقصد محمد ناصر بالاحتذاء هنا الالتزام بمعناه الإسلامي الواسع من مبدأ القناعة الإيمانيَّة بكتاب الله - عز وجل -، والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، وبما أنَّ
__________
(1) المصدر نفسه، ص 640.
(2) عبد الله الرّكيبي: "الشّعر الدِّيني الجزائري الحديث".
(3) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 95، 96. (1/183)
صفحة 183
الإنسان بفطرته ميَّال لاعتناق العقيدة، والتي يظهر بعد ذلك أثرها واضحًا في حياة الأفراد، يظهر في تصوُّراتهم، ذلك أنَّ العقيدة هي المصدر الأوَّل للتَّصوُّر، وهي التي توجِّهه وتبني مفهوماته الأساسيَّة، وبقدر التزامه بعقيدته يكون تأثُّره في سلوكه وتصوُّره (1).
يدعو محمد ناصر إلى جعل القرآن الكريم نموذجًا نحتذي به ونلتزم بما فيه، وننسج عليه، فهو الكتاب المعجز المنزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم -، إمام البلغاء والفصحاء، وهو النِّبراس الأسمى الذي يقتبس منه الأدباء، إنَّه يرى أنَّ مسؤوليَّة الأدباء المسلمين في ضرورة العودة إلى كتاب الله - عز وجل -، العودة إليه ليعيشوا معه بقلوبهم، وعقولهم، أحاسيسهم، وسلوكهم، يعيشون معه فكرًا، وسلوكًا، ونشاطًا، وإبداعًا (2).
ربَّما اتَّفق محمد ناصر مع عبد الباسط بدر في هذا الطَّرح القائم على أنَّ: الأديب المسلم الذي يعتنق العقيدة الإسلاميَّة ... يفترض أن يكون متأثِّرًا بالعقيدة الإسلاميَّة، وبقدر ما يكون ملتصقا بالعقيدة ومنصهرا بوجدانه في تصوُّراتها تتميَّز تجربته، لأنَّ ارتباطه بالعقيدة يعني أنَّ رصيده الثَّقافي وخبراته متَّصلة بها (3)، ويثبت محمد ناصر هذا الارتباط بقوله: والقاعدة التي تحكم العلاقة بين التَّجربة الشُّعورية والثَّقافة الإسلاميَّة لدى الأديب المسلم هي درجة الارتباط، فبقدر ارتباط المسلم بعقيدته، يكون رصيده من الثَّقافة واسعًا، وتتأثَّر تجربته بهذا الرَّصيد (4).
إنَّ دعوة محمد ناصر للالتزام أو ما يدعوه بإسلاميَّة المبدع؛ باعتباره الوسيط الضَّروري بين الجمال والفكر، بين الإبداع والتَّصوُّر ... هذه الدَّعوة إنَّما تستمدُّ مقوِّماتها من القرآن الكريم (5)، عندما نقرأ في كتاب الله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
__________
(1) عبد الباسط بدر: "مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 24.
(2) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 178.
(3) عبد الباسط بدر: "مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 32.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 18.
(5) نجيب الكيلاني: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 72 بتصرُّف. (1/184)
صفحة 184
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.) (1)، نجد أنفسنا رهيني دعوة واضحة صريحة للالتزام ... فهنا يبدو الشِّعر الذي لا يلتزم خطَّ الإيمان والحركة والفعل (2).
يحدِّد محمد ناصر من خلال هذه الآيات الكريمات فيقول: لقد حكم الله على الشُّعراء المعادين للإسلام بالغواية والضَّلالة، وعندما استثنى فئة منهم، استثناهم على أساس الإيمان والعمل الصَّالح والانتصار للإسلام: صفات ثلاث، يمكن أن يعبِّر عنها بالمصطلح المعاصر الالتزام بقيم الإسلام، ووعي وعقيدة راسخة مع عمل صالح مع موقف ثابت (3).
إنَّه يجعل من الالتزام أولى خصائص الأدب الإسلامي، وهو التَّأشيرة التي تمكَّن الأديب من دخول زمرة الأدب الإسلامي: الالتزام هو الذي يعطي النَّصَّ وصاحبه حقَّ الانتساب إلى الإسلام، إنَّ الإسلام يفرض على الأديب أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، عملا بقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، (ق: 18) (4).
تتجلَّى مظاهر الالتزام عند محمد ناصر في: الالتزام بالقرآن الكريم، الالتزام بالثَّقافة الإسلاميَّة الأصيلة، التزام الأديب المسلم بمجتمعه، أمَّا الالتزام بالقرآن الكريم فيقصد منه عودة الأديب إلى كتاب الله عودة شاملة، هي المدخل الصَّحيح لتجلية منهج الأدب الإسلامي، وهذه العودة تحقِّق للأديب المسلم تلك الرُّوح المبدعة المنطلقة في آفاق الكون، بلا أسر ولا قيد، إلَّا قيد الشَّريعة الإلهيَّة (5)، والقصد ليس منعا للحريَّة، بل إنَّ الفنَّ هو الاقتدار على الضَّبط والبراعة في إحسان التَّحرُّك وإجادة التَّصرُّف في أضيق المساحات والمجالات، وأدقِّ الأطر، دون المساس بها، أو خدشها وتشويهها أو المروق بها (6). فالأديب الحقُّ والشَّاعر
__________
(1) سورة الشُّعراء، الآيات: 224 إلى 227.
(2) نجيب الكيلاني: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 82.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 16.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 17.
(5) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 178.
(6) صالح أدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، ص 118. (1/185)
صفحة 185
المقتدر هو الذي لا تضيق به الأطر في ظلِّ التَّقيُّد بالشَّريعة الإسلاميَّة التي تستوعب أفكاره ومشاعره، وتسمو به في الحياة كما يقول محمد ناصر في قصيدته قرارة القرآن:
إنَّه القُرآنُ قَدْ صِرتِ بِهِ ... في عُيُونِ النَّاسِ نورا وَمَنَائِرْ
إِنَّهُ النُّورُ الذي فُزْتِ بِهِ ... فاهتَدَتْ منْ قَبَسٍ منْهُ البَصائرْ (1)
إلى أن يصل في قوله:
رَفَعُوا القُرْآنَ عَهدا فَسَمَوْ ... بحَيَاة خَفَضَت رَأسَ الجَبَابِرْ
فَإذَا الدُّنْيَا سَنَاء وَسَنى ... وَإذَا القَطْرَة مِثْلَ السَّيْلِ هَادِرْ
يَا صِراطَ الله يَا نُورَ الدُّجَى ... يَا شِفَاءَ النَّفْسِ، يَا أَمْنَ الضَّمَائِرْ (2)
إنَّ الفوز بنور القرآن يكسب الإنسان احترامًا ووقارًا بين النَّاس، ويهذِّب نفسه ويهديه إلى سواء السَّبيل، وبسبب هذه الأواصر التي تربطه بكتاب الله، تكوَّنت لديه مرجعيَّة ذاتيَّة، هي التي توجِّهه نحو الخير والجمال والحقِّ (3).
فالتَّكوين القرآني هو أهمُّ المؤثِّرات الوجدانيَّة التي تكسب الأديب الإسلامي القدرة على التَّواصل بدون قيود أو عوائق، من خلال عمل أدبي كامل دون نقصان أو اعوجاج في المنهج؛ لأنَّه منهج (القرآن الكريم)، فيقول محمد ناصر: فإذا آمن الأديب أنَّ التزامه نابع من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أصبح هذا الشُّعور ذاتيًّا فيه، وبات له مراقبًا ومصاحبًا، وبهذا الإحساس القويِّ في مصدر الالتزام بأنَّه ثابت لا يتغيَّر، ودائم لا يتبدَّل، يصبح أدبه انعكاسًا لإيمانه وعقيدته (4)، وهذا ما يسمِّيه نجيب الكيلاني باستقرار
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 369.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 370.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 410.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 17. (1/186)
صفحة 186
عقدي بالنِّسبة للمضمون (1)، يؤدِّي بالأديب إلى هدف أسمى، وهو توظيف الأدب في السُّموِّ بالإنسان فكرًا وروحًا وسلوكًا (2).
أمَّا ناصر فيسمِّيه الثَّقافة القرآنيَّة (3)، والتي تتجلَّى حسب قوله في: الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة الأصيلة في أدب الشِّيخ (4)، متمثِّلة في القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، والأدب العربي شعرًا وحكمًا وأمثالاً، ويعدو القرآن الكريم تاج هذه الثَّقافة وعمودها الفقري، تتأصَّل به وتزدان (5).
إنَّه يمنح الأدب الإسلامي آفاقًا عليا في التَّصوُّر، وجمالا في النَّصِّ الأدبي لما يحتويه من موازنة بين الشَّكل والمضمون وهكذا فالقرآن الكريم مجال لمن تدبَّره وفهمه، لا للاتِّعاظ والاعتبار وحسب، بل ليضفي على أسلوب الكتابة جمالاً وجلالاً أخَّاذين رائعين (6). فالقرآن الكريم يحمل مبادئ الدِّين الإسلامي ومعاييره، والقصد فيه وضوح هذه الحقائق، أمَّا الأدب فيعبِّر عنها غالبًا تعبيرًا غير مباشر، لأنَّ القصد فيه هو الإمتاع من خلال ما تتجسَّد به الحقائق (7).
إنَّ التزام الأديب المسلم - حسب رؤية محمد ناصر - تكمن في تصوُّره الإسلامي ومعتقداته الرَّاسخة، وله بعد ذلك أن ينتقي الشَّكل المناسب أو يبدع شكلا متطوِّرًا وجيِّدًا، بشرط أن يستطيع إيصال ما يريد التَّعبير عنه فنِّيًّا للمتلقِّي، فالشَّرط الثَّاني لاكتمال الالتزام عند محمد ناصر هو الالتزام بالثَّقافة الإسلاميَّة الأصيلة: والمفروض في الأديب المسلم أن يكون
__________
(1) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 121.
(2) المرجع نفسه بتصرّف.
(3) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 392.
(4) في دراسة لشخصيَّة الشِّيخ حمُّو بن عمر فخَّار.
(5) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 392.
(6) المصدر نفسه، ص 396.
(7) عودة الله منيع القبسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، ص 20، بتصرُّف. (1/187)
صفحة 187
صاحب ثقافة أصيلة لا دخيلة؛ لأنَّ الثَّقافة الأصيلة هي التي تمدُّ تجربته الشُّعوريَّة بالزَّاد الكافي والنَّبض القويِّ (1).
إنَّ ثقافة الأديب الإسلامي يكتسبها وفق منهج للتَّصوُّر، وهو المنهج الإلهي الخالد، والذي يحدِّد سماته محمد حسني بريغش من خلال تصوُّر واضح، يفسِّر فيه حقيقة الألوهيَّة، التي هي مصدر الخلق، ومصدر كلِّ شيء، وإليها يتوجَّه العبد بالعبوديَّة الكاملة.
الأديب المسلم يكابد التَّقرُّب إلى الله بالطَّاعة، يلتزم أمره ونهيه، ويصوغ فكره وهواه كما يحبُّ الله ويرضى، حتَّى يحسَّ بقرب الله وحفظه ورعايته له في كلِّ شأن (2)، كما يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» (3)، فيصبح الالتزام بالعقيدة الإسلاميَّة عملاً وقولاً، بل يتعدَّى هذا الالتزام إلى طريقة معالجته لقضايا أدبه. ويبدو هذا عند محمد ناصر في الالتزام بالرُّوح الإسلاميَّة، التي أظهرها طول حياته، وعلى مدى كلِّ كتبه أو أشعاره (4)، وحتَّى من خلال مواقفه النَّقديَّة، ومن أمثلة ذلك قوله عن الشِّيخ إبراهيم أطفيَّش: ومهما يكن فإنَّ القارئ يستطيع أن يدرك جانبًا من فكر أبي إسحاق الذي كان يهدف دوما إلى إبراز الإسلام في وجهه العلمي، بعيدا عن الطُّقوس المحنَّطة ... (5).
إنَّه يمارس منهج النَّقد الإسلامي في مفهومه الواسع المتكامل، وبما يحمله من عوامل نفسيَّة وتاريخيَّة وفنِّيَّة. فالثَّقافة الأصيلة هي التَّمسُّك بالعقيدة كتابًا وسنَّة، مع المحافظة على التُّراث العربي الإسلامي، والاعتزاز به، والتَّمسُّك بالمجتمع الذي هو وسط الأديب وبيئته، التي يستمدُّ منها تجربته الشُّعوريَّة وتكوينه الثَّقافي الإسلامي الأصيل، منذ نعومة أظافره.
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 17، 18.
(2) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 118.
(3) أخرجه البخاري 11/ 340، من حديث أبي هريرة. عن محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 118.
(4) محمد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي: "حسَّان عمان"، ص 15 بتصرّف.
(5) محمد ناصر: "شخصيَّات جزائريَّة"، المجلد 2، عالم المعرفة، الجزائر، ط خ، 2013 م، ص 68. (1/188)
صفحة 188
في مقابلتنا لمحمد ناصر، أكَّد لنا قوَّة ارتباطه بمجتمعه وبقضاياه ومشاغله وذلك في قوله: كان أستاذي الشِّيخ بيُّوض (1) يقول لنا دائمًا (ينبغي عليكم أن لا تنصرفوا عن مجتمعكم، فالانفصال انفصام، إنَّ الانفصال عن المجتمع هو انفصال عن القيم الرُّوحيَّة، وهكذا لم يبق شيء لكم). إنَّ هذا الارتباط والالتزام بالمجتمع جعل من أحد النُّقَّاد يصنِّفه ضمن النَّقد الإسلامي الواقعي، من خلال قصيدته في ساحة الأمير حيث يقول: فالقصيدة من الشِّعر الملتزم إزاء مبادئ الإسلام، والمبدأ هنا في هذا الموقف هو المحاولة الجادَّة لإحياء الأخلاق، وقيم الحضارة الإسلاميَّة النَّبيلة وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة (2).
هذا من وجه الالتزام، أمَّا من ناحية انتماء محمد ناصر إلى الواقعيَّة الإسلاميَّة، فيعلِّل النَّاقد موقفه بقوله: الشَّاعر يعمل على تحقيق هدفه ومقاصده عن طريق شعري قصصي خاصٍّ، وهو البناء السَّببي، بحيث ترى الوقائع تتلاحق شيئًا فشيئًا، وتؤدِّي في كلِّ واقعة إلى نتيجة منطقيَّة، بالنِّسبة للأسباب التي تقدَّمتها إلى أن تنتهي إلى كارثة (3).
إنَّ التَّصوُّر الأدبي والنَّقدي عند محمد ناصر شامل، يشمل حياته كلّها بجميع دقائقها وتفصيلاتها، ويمكن إدراج أدبه ونقده في خانة الأدب الإسلامي والواقعي الملتزم، وذلك لأنَّ صاحبه لم يكن ينقل الوقائع نقلاً فوتوغرافيًّا، أو ينقد الأعمال من داخل نزعة ذاتيَّة، وإنَّما كان يترجم الواقع ويحيله إلى صور تمتدُّ أبعادها ومقاصدها من خلال تصوُّر إسلامي نقيٍّ، لتحقَّق أغراضا جماليَّة ومنفعيَّة وأخلاقيَّة، لأنَّها تنطلق من وظائف تنحدر من رؤية روحيَّة، تضفي على الشَّكل الفنِّي سحرًا جذَّابًا، يجتمع فيه الجلال والجمال (4).
هذه هي الرُّؤية الإسلاميَّة الحقَّة مع الالتزام بجماليَّة النَّصِّ الأدبي والابتعاد عن التَّقريريَّة والمباشرة. إنَّ أدب محمد ناصر كان من النَّوع الذي يتوجَّب طلبه أن يتجاوز المباشرة، إن على مستوى اعتماد اللُّغة كأداة، أو على مستوى تنفيذ الرُّؤية كمنظور، فباللَّمسة المعبِّرة بالإيمان
__________
(1) الشِّيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1899 - 1981 م)، أحد أعلام الفكر الإباضي في الجزائر.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 425.
(3) المرجع نفسه.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظرية والتَّطبيق"، ص 427. (1/189)
صفحة 189
باعتماد الرُّموز والمجازات، بتفجير قدرات اللُّغة التَّعبيريَّة، وانتزاع أسرارها الجماليَّة، بتحويل الكلمة إلى ريشة تفرش الألوان وتشكِّل الكتل والمساحات، بالحذر في ملامسة القيم والخبرات، والمعطيات الإسلاميَّة، دون تهيئة الأرضية وسحر الأجواء ... تجيء القيمة أو الخبرة في إطار فنِّي مقنع مترع بالقدرة على التَّأثير. بهذا وذلك، يمكن أن يتحقَّق الإحسان ويكون الإتقان (1).
إنَّ الإحسان هو أعلى مراتب الالتزام (2) والسُّموُّ الفنِّي، هذا من جانب الأعمال الأدبيَّة لمحمد ناصر، أمَّا في الجانب التَّطبيقي النَّقدي فيقيِّم الأدباء على أساس مدى التزامهم بالعقيدة الإسلاميَّة والثَّقافة الإسلاميَّة الأصيلة، إضافة إلى مدى تعلُّق الأديب بقضايا مجتمعه، فيقول: فهي ذا -كما ترى- رسالة سامية نبيلة، حين تتَّخذ لها أهدافها في هذا السُّموِِّ، تلك العظمة، فهي إيمان مطلق بالله الذي هو غاية كلِّ مؤمن صادق، واعتزاز بالحقِّ الذي يحاول الجشع الاستعماري هضمه وابتلاعه، ودعوة جهيرة إلى الدِّين الإسلامي، الذي هو روح الشَّعب المتعطِّش إلى توجيه الودُّ الخالص (3).
في ظلِّ دعوة محمد ناصر إلى التزام المبدع بالقيم الإسلاميَّة، إلَّا أنَّه في مواقفه النَّقديَّة آمن بأنَّ الذَّوق الشَّخصي عند النَّاقد هو المقياس الحقيقي للحكم على الأشعار، وأصبح عنده فلسفة نقديَّة عميقة، لم تقف عند حدِّ التَّنظير، وإنَّما امتدَّت إلى التَّطبيق الفعَّال (4)، حيث يقول: يحسُّ المرء وهو يقرأ أشعار هؤلاء بالعناية التي بذلوها في الكلمات ذات الرَّنين والموسيقى، مثل المشتملة على حرفي الصَّفير كالسِّين والصَّاد، فنجد عند أبي اليقظان مثلاً ولعًا خاصًّا، وميلاً واضحًا إلى هذه التَّراكيب ذات الرَّنين الخاصِّ (5).
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 81.
(2) المرجع نفسه، ص 39.
(3) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث، القسم الثَّاني مفدي زكريا شاعر النِّضال والثَّورة ورمضان حمود حياته وآثاره"، المجلَّد الثَّاني، ص 27.
(4) علي خذري: "البحث الأدبي الحديث في الجزائر"، منشورات مخبر الشِّعريَّة، ط 1، 2004 م، ص 115.
(5) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 528. (1/190)
صفحة 190
في هذا النَّصِّ يقدِّر محمد ناصر أنَّه لابدَّ للنَّاقد من التَّمتُّع بالذَّوق، حتَّى يكون قادرًا على التَّمييز بين الجمال والقبح داخل العمل الأدبي، ويريد بهذا أن يجعل من الذَّوق الذَّاتي نقدًا منهجيًّا، ونقدًا موضوعيًّا، عن طريق إضافة عناصر يكتسبها النَّاقد، ويضيفها إلى الاستجابات الفرديَّة الأولى التي لا يمكن أن يستغني عنها أيُّ ناقد، بل لن يستقيم النَّقد مالم يقم على التَّأثُّر الفردي، لأنَّ وظيفة النَّقد هي الكشف عن الأسرار الخفيَّة في النَّصِّ بواسطة الحسِّ الباطني (1)، لكنَّ هذا الحكم الذَّاتي يبتعد عن ماهية الالتزام، فيمكن أن تؤثِّر فيه الميول النَّفسيَّة، بما تحمله من انتماءات إيديولوجيَّة، أو عرفيَّة، ممَّا يوقع النَّاقد في إصدار حكم جائر.
إنَّ الأديب هنا يعالج قضاياه النَّقديَّة من خلال الالتزام برؤية إسلاميَّة، تشمل العقيدة والذَّات والمجتمع (2)، إنَّه يعيش قضاياه ويعبِّر عن طموحاته وأمانيه، ويسعى إلى إرساء دعائم الحقِّ فيه، وذلك من خلال نتاجه الأدبي الرَّفيع الذي اقتات نفسه ومشاعره، وريادة الآفاق المتنوِّعة المتكاملة التي تشيد بناءه الوجداني، مع نكران الذَّات، والبعد عن التماس الشُّهرة واحتساب ذلك كلِّه عبادة لله تعالى، وإنَّما يقوم الأديب محمد ناصر بدوره هذا ممارسة لذاته، وتعبيرًا عن إيمانه ومنهجه في الحياة (3).
يمارس محمد ناصر الالتزام وينادي به في الأدب العربي الإسلامي، من خلال تصوُّر شمولي، ومنهج تكاملي، لا يأتيه الوضوح من فلسفة يستند إليها، أو نظريَّة يتعرَّف على فقدانها، وإنَّما يأتيه من حياة يعيشها في عبادة، وهو يقف بين يدي الله - عز وجل -.
ويتعلَّم ذلك من تجربة واقعيَّة، يمارس فيها الحياة وفق منهجه الشَّامل والكامل، منهج متوازن عادل، ولهذا يكتسب هذا الوضوح فلا يتخبَّط، ولا تضيع جهوده عبثًا، ولا يظلُّ يهدر طاقاته فيما لا طائل وراءه (4)، فهو متوحِّد الهدف، واضح التَّصوُّر، عملا بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ
__________
(1) علي خذري: "البحث الأدبي الحديث في الجزائر"، منشورات مخبر الشِّعريَّة، ط 1، 2004 م، ص 117.
(2) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 112.
(3) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي"، تجارب ومواقف، ص 33.
(4) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 121. (1/191)
صفحة 191
صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.) (1).
إنَّ دعوة محمد ناصر إلى الالتزام بالعقيدة الإسلاميَّة وبالثَّقافة الأصيلة وبالمجتمع الذي نعيش فيه، إنَّما هو التزام ضروري وحتمي، لأنَّ الأدب والفنَّ مسؤوليَّة والتزام أمام الله سبحانه وتعالى، ثمَّ أمام القرَّاء، وحين يخلو الأدب من روح المسؤوليَّة يفقد قيمته ورونقه وهدفه الذي وجد من أجله (2).
الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية :
أ- الرِّساليَّة في الأدب الإسلامي:
إنَّ الدّعوة إلى الالتزام في الأدب الإسلامي مشروعيَّتها متفرِّدة، وذلك لما يمتلكه الأديب المسلم بحمله لرسالة حضاريَّة، تتمثَّل في الإسلام الهادف إلى تحقيق إنسانيَّة الإنسان، وقيمه وسعادته، فالإسلام هو الذي يقدِّم للإنسانيَّة الرِّسالة الحضاريَّة، والأدب الإسلامي مدعوٌّ إلى تمثيلها في خطابه الإبداعي، دون إغفال للجوانب الفنِّيَّة الأخرى التي تشكِّل طبيعة الأدب وجوهره الحقيقي (3)، رأي الأدباء الإسلاميِّين إلى الأدب من خلال فعاليَّة الكلمة القرآنيَّة وقدرتها على التَّأثير والتَّعيير (4)، لذلك كانت النَّتيجة المنطقيَّة التي وصلوا إليها هي حتميَّة الوظيفة التي ينهض بها الأدب، ونجد عماد الدِّين خليل يذكر أنَّ وظيفة الأدب في المفهوم الإسلامي وظيفة حيويَّة ومهمَّة، حتَّى لتكاد أن تكون حتميَّة، إذا جاز لنا أن نأخذ بمنطق الحتميَّات، فإذا ما تذكَّرنا أنَّ كتاب الله الخالد اعتمد جماليَّة الكلمة، وتأثيريَّة المضمون لهزِّ وجدان النَّاس، وإيقاظ عقولهم، وتحريك أفئدتهم. إنَّ القرآن الكريم هو المدرسة الكبرى التي تعلَّمنا منها الكثير (5). من هذا المنطلق تظهر وظيفة الأدب الإسلامي والرِّسالة التي وجد من
__________
(1) سورة الأنعام: الآيتان 163، 164.
(2) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي المعاصر"، دراسة وتطبيق، ص 109.
(3) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 118.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 433.
(5) عماد الدين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 173، 174. (1/192)
صفحة 192
أجلها، وأكبر مثال على هذه الرِّسالة، الرِّسالة القرآنيَّة بكلِّ ما تحمله من جماليَّة الكلمة وتأثيريَّة المضمون، تكتسب الأشياء أهميَّتها من الوظيفة التي تؤدِّيها في مجال معيَّن من مجالات الحياة والأدب، والذي يكتسب أهميَّته من الرِّسالة التي ينهض بها، على أنَّ هذه الرِّسالة تتغيَّر بتغيُّر فهم النَّاس للكون والحياة، فبحسب فهم الأديب للكون تتحدَّد الرِّسالة التي يحسُّ إزاءها بمسؤوليَّة معيَّنة (1). ومن ثمَّ كانت رسالة الأدب الإسلامي كاشفة للأبعاد الفكريَّة والمعنويَّة (2) داخل النَّصِّ الأدبي، التي هي انعكاس للمعتقد، ونجد عدنان رضا النَّحوي يربط تعريف الأدب الإسلامي بوظيفته؛ لأنَّه يرى فيها إلزاميته لهذا التَّرابط فيقول: الأدب الإسلامي هو ومضة التَّفاعل بين الفكر والعاطفة في فطرة الإنسان مع حادثة أو أحداث، حيث تدفع الموهبة الأدبيَّة هذه الومضة موضوعا فنِّيًّا ينطلق على أسلوب التَّعبير باللُّغة، ممتدًّا في أغوار النَّفس الإنسانيَّة والحياة والكون، والدُّنيا والآخرة، مع عناصره الفنِّيَّة، التي يهب كلُّ منها الأسلوب قدرًا من الجمال الفنِّي، ليشارك الأدب الأمَّة في تحقيق أهدافها الإيمانيَّة الثَّابتة والمرحليَّة وليسهم في عمارة الأرض، وبناء حضارة إيمانيَّة ظاهرة وحياة إنسانيَّة نظيفة، وهو يخضع في ذلك كلّه لمنهاج الله الحقّ المتكامل قرآنًا وسنًّةً (3).
إنَّ هذا التَّعريف يحدِّد وظيفة الأدب الإسلامي ورساليَّته فيما يلي:
1. تحقيق الأهداف الإيمانيَّة.
2. الإسهام في عمارة الأرض.
3. بناء حضارة إنسانيّة عادلة، آمنة ونظيفة.
4. دعوة الإنسان للخضوع لمنهج الله المتكامل من أجل حياة سعيدة.
ومن الجليِّ الواضح أنَّ هذه الأهداف تخضع جميعًا للتَّصوُّر الإسلامي، الذي ينطلق من مرجعيَّة تتشكَّل من القرآن والسُّنة النَّبويَّة المطهَّرة (4).
__________
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 433.
(2) محمد إقبال عروي: "جماليَّة الأدب الإسلامي" بتصرّف.
(3) عدنان علي رضا النَّحوي: "الأدب الإسلامي إنسانيَّته وعالميَّته "، دار النَّحوي للنَّشر، الرِّياض، ط 1، 1987 م.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 435. (1/193)
صفحة 193
أمَّا عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني فيبيِّن رساليَّة الأدب الإسلامي فيما يعمل على تحقيقه من وظائف:
1. أن يكون وسيلة للدَّعوة إلى سبيل الله، في تأصيل العقيدة والإقناع بها، وفي بناء الأخلاق وتقويم السُّلوك الإنساني وتسييره وفق منهج الدِّين الإسلامي، وتوثيق الرَّوابط الاجتماعيَّة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وأقطارهم (1).
2. تنميَّة القدرات الفكريَّة والرُّوح الجماليَّة والتَّعبيريَّة.
3. تربية أجيال الأمَّة الإسلاميَّة على الذَّوق الفنِّي والأدبي الرَّفيع.
4. تنمية الملكة الأدبيَّة والتَّعبير الذَّاتي عند الأديب المسلم، حتَّى لا يتعلَّق بالآداب الأجنبيَّة، ويحرم من التَّعبير عن فطرته البشريَّة، فيصاب بما يسمَّى بالكبت، لأنَّ ذلك يتنافى مع فطرة الإسلام وواقعيَّته (2).
ب- الرِّساليَّة في الأدب الجزائري:
تختلف آراء الأدباء الجزائريِّين حول مبدأ رساليَّة الأدب العربي عن الأدب الإسلامي، حيث يحدّدها محمد مصايف في:
1. بناء إنسان عربي جديد، يتناسب مع المرحلة الحضاريَّة الجديدة والثَّقافة الإنسانيَّة، واندماجه فيها، بما يتناسب مع معتقده.
2. تنمية الذَّوق الجمالي والفنِّي عند الإنسان العربي.
3. دعوة الإنسان العربي للتَّمسُّك بأرضه وثقافته وتراثه وحضارته.
إنَّ محمد مصايف يرى رساليَّة الأديب في اهتمامه بمشاكل مجتمعه، وسعيه من أجل خلق إنسان هذا المجتمع، وحمل كاهل تنويره وتوعيته، بوجوب المحافظة على ثقافته، وحضارته وكلَّ ما تشتمل عليه من خصوصيَّات (3).
__________
(1) عبد الرَّحمن حسن حبنكة الميداني: "مبادئ في الأدب الدَّعوة "، دار القلم، دمشق، ط 2، 1987 م، ص 23.
(2) عبد الرّحمن حسن حبنكة الميداني: "مبادئ في الأدب الدَّعوة"، ص 25.
(3) محمَّد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 26، 93، 94. (1/194)
صفحة 194
إنَّ محمد مصايف يركِّز في رساليَّة الأدب على عامل العروبة أكثر من عامل الإسلام، كما أنَّ رفضه للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسيَّة يجد نفسه ملتزمًا باللُّغة العربيَّة متعصِّبا لها، وهذا من حقِّه، والتَّحمُّس للعربيَّة صفة إيجابيَّة وطنيَّة، ولكن ليس معنى هذا أن نرفض الآخر الذي هو جزء من وطنيِّتنا ومجتمعنا الجزائري الإسلامي بكلِّ ما يضمُّه من فئات، كما أنَّه لن يتحقَّق الاندماج في الحضارة العالميَّة إلَّا إذا تقبَّلنا لغة الآخر وأفكاره، فاللُّغة الفرنسيَّة هي لغة كسائر اللُّغات العالميَّة، وليست بالضَّرورة هي الاستعمار، ومن هنا لا يمكننا إغفال مكانة الأدب الجزائري المكتوب باللُّغة الفرنسيَّة.
وعند الركيبي تظهر رساليَّة الأدب من خلال تطوُّر الإدراك لوظيفة الشِّعر (الأدب) خاصَّة الشِّعر الإصلاحي؛ لأنَّ رؤية الشَّاعر للدِّين قد تغيَّرت بعد تأسيس جمعيَّة العلماء المسلمين، فأصبح الدِّين دين عمل ونضال، لا دين خمول وجمود، وانسحب هذا المفهوم للدِّين على الشِّعر، فبات تعبيرًا لتجديد الفكر الدِّيني، أي أنَّ وظيفة الشِّعر تغيَّرت ... أصبحت تعبيرا عمَّا في الدِّين من دعوة إلى العمل (1). وهكذا ظهر ما يعرف بالبعد الاجتماعي (2)، ومن هنا يحدِّد الركيبي وظيفة الشَّاعر بأنَّه شاعر الدين والمجتمع معا، هكذا تحوَّل الشِّعر الإصلاحي من شعر يتعلَّق بالدِّين من خلال التَّنويه بالقرآن وبصاحب الرِّسالة - صلى الله عليه وسلم -، إلى التَّعبير عن قضايا المجتمع الجزائري ومعاناته إبَّان الاحتلال وفق منهج إسلامي أصيل.
ومهما تعدَّدت الوظائف في الأدب وتغيَّرت النَّظرة الرِّساليَّة لأيِّ أديب حامل لرؤية ما فإنَّ وظيفة الأدب الأولى والرَّئيسيَّة هي أن يكون أمينًا لطبيعته (3).
ج- الرِّساليَّة عند محمد ناصر:
إنَّ الأدب عند محمد ناصر يرتكز بالدَّرجة الأولى على أعماق التَّجربة النَّفسيَّة والوحدانيَّة المنبثقة عن هذا التَّصوُّر الإسلامي للوجود والعالم، فكلُّ عنصر من عناصر الكون
__________
(1) عبد الله الرَّكيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، ص 631، 632.
(2) المرجع نفسه.
(3) رينيه ويلمك: "نظريَّة الأدب"، ترجمة د. محي الدِّين صبحي، أنظر محمد إقبال عروي، "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 120. (1/195)
صفحة 195
والحياة، وكلُّ قيمة من قيمها، تحرِّك الفنَّان المسلم سلبًا وإيجابًا، تهزُّه من الأعماق، وتدفعه إلى التَّعبير عن تجربته، إلى القيام بمحاولات فنِّيَّة - أدبيَّة - جادَّة، من أجل تعميق التَّجربة الشُّعوريَّة وإغنائها، وتفتح حسَّه الجمالي على عوالم أعمق وأبعد، لا تقف مشلولة أمام حدود الواقع الظَّاهر للعيان، ولا تعجز أمام إطارات القيم الملموسة والصِّلات البارزة، بل تحاول أن تذهب به إلى ما وراء ذلك، إلى دلالات الأشياء والقيم الظَّاهرة ذاتها، إلى العوالم المختلفة، تلك العوالم التي تشكِّل تجربة الأديب المسلم بكلِّ أبعادها وآفاقها (1).
لقد وصل محمد ناصر إلى هذه الأبعاد، وهو في تطلُّع دائم إلى هذه الآفاق، محاولا تبليغ رسالة الأديب المسلم من خلال رؤية إسلاميَّة واضحة، فهو يرى: إنَّ الكتابة تنفيس عمَّا في الذَّات، والأديب عند ما يكتب لابدَّ أن يتصوَّر أنَّ هناك أناسًا يستمعون إليه ويقرؤون له، حتَّى تكون هناك صلة بين الأديب والمتلقِّي، أنا أؤمن برسالة الأدب (2)، ويؤمن أنَّه لن تتحقَّق هذه الرِّساليَّة إلَّا إذا تحقَّق شرط الالتزام، ونلاحظ هذا في موقفه من الأديب أبو مسلم الرَّواحي إنَّه يتَّخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم، لأنَّه يعتقد أنَّ الأدب رسالة توجيه وأمانة، وهذا الإحساس إنَّما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق (3).
لا يختلف محمد ناصر عن هذا الشَّاعر العماني كثيرا في هذا الطَّرح، إنَّه يرى في الأدب رسالة بكلِّ ما يحمله من قيم فنِّيَّة أو أخلاقيَّة تربويَّة، ودينيَّة إسلاميَّة.
وتتجلَّى رساليَّة الأدب عند محمد ناصر من خلال:
1. الرِّسالة العقديَّة:
ويتمثَّل ذلك من خلال الدِّفاع عن العقيدة الإسلاميَّة والسَّعي إلى ترسيخها في نفوس القرَّاء، وعيا منه أنَّ الأديب الإسلامي ليس منغلقًا في قمقم من التُّراث والتَّاريخ القديم، إنَّ رسالته في الحياة لا تستقيم ولا تتمُّ على وجهها الصَّحيح إلَّا إذا عايش عصره (4)، وسخَّر دينه
__________
(1) نجيب الكيلاني: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 44 بتصرُّف.
(2) في مقابلتنا للأديب تحدّث عن رساليّة الأدب الإسلامي من خلال شرح مطوّل.
(3) محمد ناصر: "أبو مسلم الرَّواحي" حسّان عمان "، سلطنة عمان، ط 1، 1996 م، ص 15.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 22. (1/196)
صفحة 196
من أجل النُّهوض بأمَّته لتتطوَّر وتزدهر في ظلِّ قيمها الدِّينيَّة، فهو يدعو الأدباء للعودة لكتاب الله كمصدر وأساس للعمل الإبداعي، وإنَّ هذه العودة ليست من قبيل الوعظ، وإنَّما من قبيل اتِّباع المنهج السَّليم لتحقيق غاية الأدب الإسلامي (1).
كما سعى في دراسة حاول من خلالها تقديم نموذج تطبيقي للأدب الإسلامي، وكيف يجب أن يدرس أو يتناول الأديب المسلم الملتزم بعد أن قدَّم في مجال التنظير أربع دراسات هي (2):
1. ما أحوجنا إلى أدب إسلامي.
2. خصائص الأدب الإسلامي.
3. ردّة أم حداثة.
4. حداثة بلا قناع.
وقد استخدم النَّاقد محمد ناصر على هذا المستوى مصطلح أحوجنا، فالحاجة هنا تنبع من الرَّداءة التي يعاني منها الأدب العربي في ظلِّ الحداثة، التي أبعدت الأدب عن رسالته العقديَّة والفنِّيَّة، كما يرى ذلك النَّاقد. ولعلَّ عماد الدِّين خليل نفسه كان قد أشار إلى هذا الجانب حين قال: إنَّ وظيفة الأدب العقديَّة تتوجَّب أن تعرف كيف يكون الالتزام مرنًا، صارمًا في الوقت نفسه من أجل كسب المعركة والمضيِّ بالدَّعوة إلى آفاق أبعد، المرونة من أجل تجاوز التَّلقين والتَّقرير، والصَّرامة من أجل الحفاظ على الشَّخصيَّة الفنِّيَّة الإسلاميَّة من أن تتفكَّك وتتعثَّر وتضيع (3).
إنَّ مبدأ الحاجة التي يمارسها الأدب الإسلامي الذي ينادي به محمد ناصر في نفسيَّة المتلقِّي حين ينبني على النَّقد الموضوعي والتَّنظير العلمي، الذي يبطل عن طريق الإقناع مفعول العقائد الفاسدة في النُّفوس، وذلك بأن يبيِّن عجزها عن حلِّ المشكلات الأساسيَّة للإنسان، سواء بطريقة الاعتقاد القديم حين انصرف الذِّهن إلى اعتقاد الرُّبوبيَّة في الأصنام
__________
(1) محمد حسين بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 180.
(2) محمد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، ص 10.
(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 175. (1/197)
صفحة 197
والأوثان، أم بطريقة المحدثين الذين هبُّوا إلى ربط الأسباب بالفراغ أحيانا، وبالمادة وحدها أحيانا أخرى (1)، وحينما تتحدَّد هذه الحاجة يمكن أن تؤدِّي رسالتها بقوَّة، لأنَّها ستربط الإنسان بعقيدته ليسمو ويعلو ضمن قيمها ومبادئها، ومن هنا يحقِّق الأدب الإسلامي غايته، فالقصيدة أو القصَّة أو المقالة أو الرِّواية أو المسرحيَّة، إذا ما أتيح لها أن تمارس نقدًا جماليًّا مؤثرًا للمعطيات والمذاهب الوضعيَّة، التي تسعى لاستعباد النَّاس للآلهة وللأرباب والوضَّاعين من دون الله، وإذا ما أتيح لهذه الأعمال أن تهدم هدما جماليًّا مؤثرًا تلك المعطيات، فإنَّها ستكسب المعركة لصالح الإسلام (2). المعركة التي بدأها الأديب المسلم منذ مجيء الإسلام إلى يومنا هذا.
يقول محمد ناصر في هذا الطَّرح: ... وقد ظلَّت هذه المكانة للشُّعراء (3) في ظلِّ الإسلام، واستمرَّ هذا المفهوم الجمعي يتغذَّى من تعاليم الدِّين الجديد، ويتغنَّى بقيم حضاريَّة جديدة، حتَّى انغمست الأمَّة الإسلاميَّة في التَّرف، وتميَّعت أخلاقها في ظلِّ ما داخلها من مجون وانحلال وشاعت النَّزعة الماديَّة، وتغلَّبت النَّظرة الآنية، وتسلَّطت الأهواء والأنانية، أخذ الأدباء يبتعدون عن ذلك المفهوم الجماعي النَّيِّر شيئًا فشيئًا، وقبعوا في زوايا الحانات والأديرة، يجترُّون أحلامهم، ويناجون كؤوسهم، وتعمَّقت هذه النَّظرة في أعقاب ماران على المجتمعات الإسلاميَّة من تغريب وتدجين، وما داخلها من فلسفات عقيمة، جاءنا بها الغرب الصَّليبي، إلى أن أصبحت اتِّجاهًا معروفًا، وتيَّارًا مدروسًا، وباتت في عصرنا هذا من سمات ما يطلق عليه اليوم أدب الحداثة (4).
إنَّ القارئ لأدب محمد ناصر ونقده يمكنه أن يلاحظ التَّصوُّر الإسلامي الصَّحيح للكون والحياة، فرسالة الأدب تكمن في توصيل رؤية الإسلام للكون والحياة والعالم والإنسان، لا كمفاهيم تجريديَّة، وأفكار صارمة، ومقولات قاطعة كالسِّكين، ولكن بالصُّورة المشخَّصة
__________
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 450.
(2) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 175.
(3) كان الشَّاعر في المجتمع العربي القديم صاحب رسالة وريادة، ينافح عن القبيلة ويدافع عنها، ويعلي من مفاخرها، ويعلن انتصاراتها، هو الذي يسجِّل بشعره ديوان العرب.
(4) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 22. (1/198)
صفحة 198
والتَّجربة المعيشة والخبرة التي يجري الدُّم في خلاياها وشرايينها (1)، وهكذا يبعث فيها الحياة ويجعلها تتفاعل، تضحك وتبكي، تفرح وتحزن، وتتوحَّد وتتمزَّق، وتشرق وتغيب، تظهر وتختفي، تحيا وتموت، إنَّه من خلال التَّجربة الحيويَّة، لا مقولات الفقه واستنباطاته ... وبواسطتها يخرج بهم من الطُّرق الملتوية إلى الصِّراط المستقيم، يتمُّ ذلك من خلال التَّجربة الحيويَّة، وهي تتمخَّض وتضطرب وتفور (2).
وقد ضرب محمد ناصر مثالا في ذلك، يتحدَّث بلسان المسلم الذي ارتقى به الإسلام والقرآن عن الانحطاط - للخصم - الذي ملأ خمسين صفحة سبًّا وشتمًا وتهديدًا ووعيدًا (3)، لأنَّ الله كلَّفه بأسمى مهمَّة في الحياة وهي تبليغ ذكر الله وتكوين النَّشء المسلم:
يَجْرِي الغَدِير لِينْعِشَ الصحْرَاءَ لاَ ... يثنِيه إنْ كَان المَصبُّ جَلامِدا (4)
هَدِّدْ (بِنَجْمِكَ) إنّ لِي بِالحَق شَمْـ ... سًا تَمْلأ الآفَاقَ نورا سَائِدا
عِشْرُونَ ذِئْبا، هَلْ تُخِيفُ الليْثَ إِن ... حَمِي الوَطيس صَلابَة وَشَدَائدا
وأَثِره نزَاعَاتِ العَشَائِرِ إن لِي ... في محْكَم التنْزيل نَهْجا قَاصدا
إنّ الكرِيمَ هُوَ التَّقِي وَليْسَ فِي ... زيْفِ الْمنَاصب والْمَرَاتب رَائدا
شمْس إِمامِ المصْلِحِينَ يَشع رَغْـ ... م الليْلِ وَالأنْوَارِ ضوْءًا رَاشدا
مَا ضره إِفْك الطغَاةِ، وربُّه ... أَعْطَاه بِالقرْآنِ ذِكْرا خَالِدا
مَا بِالبِطَاقَاتِ افتَخَرْنَا، فَخْرُنَا ... عَالِي الْبنَاءِ مدَارسا ومَسَاجدا
للنشْءِ يَنْشَأ أحْمَديًا يَقْتفِي ... نَهْجَ المحَجة جَابريًّا (5) صَامدا (6)
__________
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 451.
(2) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 174.
(3) ذكر الشَّاعر أنه كتب هذه القصيدة "مهداة إلى من ملأ خمسين صفحة سبًّا وشتمًا وتهديدًا ووعيدًا".
(4) الجلامد: الصُّخور.
(5) جابريًا: جابر بن زيد إمام الإباضيّة.
(6) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 428، 429. (1/199)
صفحة 199
إنَّ العقيدة السَّليمة ترقى في قلب الشَّاعر نحو الفضيلة، وتسمو به إلى الاعتزاز بالقرآن الكريم ومنهجه.
والأديب هو الذي يجيب عن أسئلة قرَّائه، ويجسِّد الظَّواهر المهمَّة تاريخيًّا، ويمهِّد السَّبيل لإدراكها والكشف عنها واستيعابها، ويطوِّر وعي القارئ بدينه وواقعه وأمَّته، ويغني أفكاره ومشاعره، مبتعدًا في ذلك عن النَّظرة القاصرة، التي لا تستند إلى المعرفة والعلم، وتشوِّه الواقع القومي الإسلامي، الذي يضمُّ في طيَّاته جميع الشَّرائح والفئات الإنسانيَّة، باعتباره دين التَّسامح ودين الوحدة والتَّوحيد.
ومن ثمَّة كان للعقيدة السَّليمة في قلب الشَّاعر دور كبير في الرِّسالة التي ينهض بها، حينما تكون هدفًا من أهدافه، وفي هذا السُّموِّ الرُّوحي يكمن اعتصام الشَّاعر بحبل الله من أجل تأدية هذه الرِّسالة السَّامية بقوله:
لَنْ أثْني أَبَدا، وَرَبِّي شَاهِد ... وَكَفَى بِرَبي حَافِظا لِي شَاهِدا
رَبي! لأَجْلِ الحَق أَعْنو ضَارِعا ... وَأَظَلُّ رَغْمَ الشّوْكِ أَشْمخ سَاجِدا
مِنْ أَجْلِ دِيني، أمّتِي، وَعَقِيدتِي ... أَحْسو العَذَابَ زلالَ مَاء بَارِدا
فَاقْبَل إِليْكَ تَضَرعِي وَتَذَلّلِي ... وَأَدِمْ حَيَاتِي لِلْحَقِيقَةِ عَابِدا
ثَبتْ بِحِفْظِكَ خطْوَتِي وَبَصِيرَتِي ... وَاجْعَل رِضَاكَ إِلَى جِنَانِكَ قَائِدًا (1)
من خلال هذه الأبيات تظهر رساليَّة الأديب المسلم الذي كلَّفه الله بأمانة الاستخلاف في الأرض، من خلال التَّغنِّي بكرامة المؤمن وخلاص نفسه من الأوثان وتجردُّها لله بالتَّقوى، التي هي آفاق ممتدَّة بشمولها لمشاعر الإنسان المؤمن وسلوكه وإنجازاته وعمرانه للأرض، مع عدم التَّناقض في الدَّعوة للحفاظ على وحدة الأمَّة الإسلاميَّة، من منطلق الصِّلة الوثيقة بالله
__________
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 429. (1/200)
صفحة 200
الطامعة في ثوابه، من خلال الطَّاقات التي تبتعثها العقيدة في الإنسان المسلم، ومن خلال الرُّؤية الإسلاميَّة (1) التي عبَّرت عنها.
كما وجد محمد ناصر في العقيدة رابطا يشدُّ المسلمين إلى بعضهم البعض، فهي العقد الذي تتجمَّع فيه حباته بعضها إلى بعض، وتضمُّ المسلم إلى أخيه المسلم، وتظلُّهم تحت راية واحدة، وهي راية الإسلام في قوله:
لُذْنَا بِبَابِكَ يَا رَحْمَان فَاحْمِنَا ... وَقَوِّ شَوْكَتَنَا وَاقْهَرْ أَعَادِينَا
وَثبتْ الخَطْوَ إنْ ضَلَّ الطَّرِيقُ بِنَا ... نَحْوَ الفَلاَحِ فَقَدْ جرْنَا مَوازينَا
وَانْشرْ عَلَى الدّين وَالإحْسَانِ رَايَتَنَا ... وَزدْ مَسِيرَتَنَا عِزّا وَتَمْكينَا
وَاجْمَعْ عَلَى الحُبّ وَالإخْلاَصِ وَحْدَتَنَا ... فَأَنْتَ غَايَتُنَا يَا ربّ فَاهْدينَا (2)
وأخيرًا يرى أنَّ الأدب الإسلامي يمكن له أن يصوِّر الإنسان من خلال فقدانه للعقيدة وانحرافه، وانحصار تفكيره وشعوره في نطاق محدود، ويتجلَّى هذا في أروع قصيدة نقديَّة (3)، كتبها الشَّاعر وهي هذا الزَّمن العلماني:
بَارَتْ عُكَاظُ وَأَقفَرَتْ عَرَصَاتُهَا ... مُذْ يَمَّمَتْ أَسْوَاقَهَا الْفُجَّارُ (4)
إلى أن يصف في قوله:
وَأخُو الْغِوَايَةِ سَادِر في غَيّهِ ... إِلهاَمُهُ فَرْج غَوَى، وَعُقَارُ
في الشَّهْوَتَينِ قَضَى أزَاهِرَ عمرِهِ ... لاَ يَسْتَفِيق وَقَد ذَوى النَّوَّارُ
__________
(1) عادل الهاشمي: "الإنسان في الأدب الإسلامي"، أنظر أحمد رحماني: النَّقد الإسلامي المعاصر، ص 452، 453 بتصّرف.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 466.
(3) قصيدة نقديَّة: سمَّاها بذلك لما تحمله من قيم نقديَّة، سواء حول واقع الشُّعراء أو الحداثة، أو حتَّى الجانب السِّياسي.
(4) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 321. (1/201)
صفحة 201
وَإذا طَوَتْهُ يَدُ المَنِيَّةِ فَجْأَة ... تَطْوِيهِ مُهْتَرِئا عَلَيهِ شَنَارُ
آه عَلَى زَمَن يُمَجِّدُ فَاسِقا ... بَينَ النهُودِ مَنَامُهُ وَنَهَارُ (1)
وقد دفعته عاطفته الجيَّاشة وانفعاله الحادُّ إلى استعمال بعض الألفاظ الزَّاجرة التي يتصوَّر الشَّاعر أنَّها قد تكون في موقعها لتؤدِّي الغرض الذي أراده من ورائها.
بهذه الطَّريقة تكون رسالة الأدب عند محمد ناصر تنهض بوظيفته على مستوييها: مستوى التَّفريغ ومستوى البناء، أو مستوى التَّخلية والتَّحلية، كما قام بنقد العقائد الفاسدة، وبيان ضررها على المسلمين والإنسانيَّة جمعاء (2).
من هنا نقول: إن رسالة الأديب المسلم عند محمد ناصر في الارتباط بالأدب الأصيل الذي يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، يحرِّك فيه الفطرة النَّظيفة ويربطه بعقيدته الإسلاميَّة، إذْ بالفنِّ الأصيل يتحرَّك الإيمان في الأعماق ... وتتفتَّح أمام الإنسان عوالم رائعة بلا حدود (3).
2. الرِّسالة الاجتماعيَّة:
هذه الرِّسالة لها طبيعة خاصَّة، إذ تستهدف إصلاح المجتمع، وتجعل من الأدب الإسلامي - كما يرى محمد ناصر- خيريًّا يهتمُّ بكلِّ أفراد المجتمع من حوله، لأنَّ الإسلامي في حدِّ ذاته دعوة إلى الاهتمام بقضايا المسلمين، أو لم يقل الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم»؟، ومن أولى بالاهتمام حينئذ من أصحاب الكلمة وأرباب القلم؟ (4)، متَّفقًا في هذه الرِّسالة مع عماد الدِّين خليل الذي يرى: أنَّ الأدب الإسلامي مدعوٌّ إلى أن يبذل قصاراه لإغناء التَّجربة الاجتماعيَّة الإسلاميَّة، وحمايتها وتحصينها ضدَّ عوامل التَّفكّك والتَّحلل والغربة والفناء ... وأنَّ الأديب هو واحد من المدعوِّين لممارسة المهمَّة الخطيرة بفنِّه
__________
(1) المصدر نفسه، ص 322.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 453.
(3) عماد الدّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 199.
(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 23. (1/202)
صفحة 202
القادر على التَّأثير، والتَّحصين، بل إنَّه مدعوٌّ إلى أكثر من هذا، إلى دعوة المجتمعات الإسلاميَّة لاستعادة ممارساتها الأصيلة، قيمها المفقودة، وتكافلها الضَّائع، وتقاليدها الطَّيِّبة، وإحساسها المتوحَّد (1).
كما يؤكِّد أنّه لا اكتمال لمهمَّة الأدب الإسلامي إلَّا من خلال رسالة يحملها، ومسؤوليَّة ينهض بأعبائها، لأنَّ الله إنَّما خلق الإنسان ليؤدِّي رسالة خُلِقَ من أجلها (2).
إنَّ محمد ناصر يرى أنَّ علاقة الأدب الإسلامي بالمجتمع تستمدُّ مصداقيتها من التَّصوُّر الإسلامي الصَّحيح، وأنَّ هذا الأدب لا ينظر إلى المجتمع (نظرة دونية) (3)، ولا تتمُّ رسالة الأديب المسلم إلَّا إذا كان واعيًا برسالته الحضاريَّة هذه، حاملاً بين جنبيه قلبا يفيض بالمحبَّة والإشفاق لكلِّ إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يجشى لآلامهم، ويندِّد بأعدائهم، ويكشف عوار الخونة والمنافقين (4).
فهو يتَّفق مع نجيب الكيلاني في أنَّ الأدب الإسلامي أدب عالمي، يخاطب شعوب العالم والشُّعوب الإسلاميَّة بالأسلوب المعاصر الذي حقَّق أكبر نفع (5)، وبهذا تتحقَّق رسالة الأدب.
كما يتَّفقان في كون الأدب الإسلامي لا ينافق المجتمع، ولا يساير النَّاس في شهواتهم ونزعاتهم، ويغذِّي أحلامهم الأرضيَّة .... والأدب الإسلامي كما يقول نجيب الكيلاني يحرص على أنَّ: الجمال الفنِّي وقواعده هو أصدق تعبير عن الحياة والإنسان، والاهتمام بالتَّبليغ، البناء لا الهدم، وإحياء للأمل، ومطاردة لأشباح اليأس، وإبراز الدَّاء والتَّشجيع على البحث عن الدَّواء .... (6).
__________
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 177، 178.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 22.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 465.
(4) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 23.
(5) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 24.
(6) المصدر نفسه، ص: 71،70. (1/203)
صفحة 203
ويلخِّص محمد ناصر رأي الدُّكتور في قوله: ... إنَّ العلاقة بين الكاتب والمجتمع والمعتقد، علاقة ديناميكيَّة، فالكاتب يتأثَّر ويؤثِّر، والمجتمع يتلقَّى ويتفاعل، ويعطي، والعقيدة تغذِّي الوجدان والفكر لدى الأدباء، من جانب وأفراد المجتمع من جانب آخر (1).
لكنَّ ناصر يلزم هذا الارتباط بين المجتمع والكاتب بالمسؤوليَّة الأدبيَّة فيقول: على أنَّ هذا التَّفاعل المطلوب بين الأديب ومتلقِّي أدبه، لا يعني أبدًا أن يسعى إلى إرضائهم، والسَّير وفق هواهم، إذ لو كان الأمر كذلك لفقد الأدب سمة الرِّيادة، ولعدم المسؤوليَّة الأدبيَّة، ولم يعد للمعنى الرِّسالي المطلوب أيُّ أثر، وينقلب الالتزام الأدبي والأخلاقي عندئذ إلى نوع من النِّفاق الاجتماعي المذموم، فيصبح النَّصُّ اجترارًا لما هو واقع، وتمجيدًا لما هو راسخ، ومسايرة عمياء لما هو معتاد (2).
إنَّه يحذِّر من التَّخلِّي عن رساليَّة الأدب الإسلامي ومجاراة ما يعرفه بأدب التَّسلية والتَّرفيه؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تفاقم العلل الاجتماعيَّة، وانعدام معالم التَّغيُّر والتَّطوُّر والازدهار داخل المجتمع (3).
على هذا الأساس يرى محمد ناصر أنَّ الأديب الحقَّ هو الذي يتَّخذ موقفا عقديًّا أو فكريًّا من المجتمع، ويؤثِّر في ذلك المجتمع تأثيرًا بنَّاءً ومنظَّمًا (4).
إنَّ التَّشخيص الصَّحيح لمشاكل المجتمع وسلبيَّاته وفق رؤية إسلاميَّة صحيحة، يتبنَّاها الأديب المسلم، ويعمل على تحقيقيها، وتؤدِّي بالضَّرورة إلى علاقة متبادلة وتأثير متبادل أيضا.
والأدب الإسلامي يتلاءم مع هذه المفاهيم الاجتماعيَّة للأدب، بل إنَّ هذه العلاقة بين الأدب والحياة، أو الأدب والمجتمع، علاقة واضحة في فكر الأديب المسلم، الذي يدرك أبعاد
__________
(1) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 24.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 25.
(3) المصدر نفسه، ص 25 بتصرّف.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 100 بتصرّف. (1/204)
صفحة 204
رسالته، ويعي تجاربه الحضاريَّة، ويفهم التَّلاحم الوثيق بين المبادئ الإسلاميَّة وحركة الحياة على مدار العصور (1).
3. الرِّسالة الأخلاقيَّة والتَّربويَّة:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل معك من شعر أميَّة بن أبي الصَّلت شيء؟، ... قلت نعم، قال هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، حتَّى أنشدته مائة بيت، وفي رواية قال: «إن كاد ليسلم»، وفي رواية: فقد كاد يسلم في شِعره (2).
الواضح أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يصف شعر أميَّة أنَّه شعر بناء، يقترب من الإسلام لما يحمله من قيم أخلاقيَّة عالية (3)، وهكذا فإنَّ الأدب الإسلامي لا يرفض الأدب، إن حمل في طيَّاته مضمونًا أخلاقيّا تربويّا، يسهم في تكوين الإنسان السَّويِّ.
من خلال هذا التَّصوُّر يبيِّن محمد ناصر رسالة الأديب الأخلاقيَّة والتَّربويَّة، وهو يدافع عن موقفه وأحقيَّة التزام الأدباء بالرِّسالة الأخلاقيَّة، أين يقول في إحدى مقالاته النَّقديَّة؛ ردًّا على عيَّاش يحياوي: متى كانت الأخلاق الفاضلة غير هذه القيم الكبرى: (الحبُّ، السَّلام، الجمال، العدل، الحقُّ)؟، كيف تدعو إلى الجمال والحقِّ والعدل بأسلوب تشمئزُّ منه النَّفس وينبو عنه الذَّوق؟، أسلوب يستخدم مثل كلمات: التَّفلة والغائط والمخاط ... كيف يكون موقفي مع فنَّان، وهو يصوِّر لي بأسلوب بذيء كيف ينتحر على فخذ مومس؟ ... إنَّ معياري النَّقدي مبنيٌّ على الأخلاق والدَّعوة إليها، ينطلق من رؤية معتمدة مقصودة لحدِّ ذاتها ... (4).
إنَّ النَّاقد ينطلق من رؤية اتَّضحت أمامه، سار في ركب الدَّعوة الإلهيَّة للأخلاق الحسنة، وتنشد السَّعادة والخير للجميع، ساعيًا إلى تربية النَّشء تربية حسنة، في ظلِّ قيم الدِّين
__________
(1) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 100 بتصرّف.
(2) صحيح مسلم، ج 4/ 1767، أنظر: صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، ص 124.
(3) صالح آدم بيلو: "من قضايا الأدب الإسلامي"، ص 125 بتصرّف.
(4) محمد ناصر: "لا للنَّقد المائع" مقالة. (1/205)
صفحة 205
الإسلامي الحنيف، حيث يقول في نفس المقالة: أعيب يا أخي في أن يكون الأدب قيمًا يوجِّه إلى النَّاشئة، أليست النَّاشئة محطُّ آمال الأمَّة ومعقد رقيِّها ومستقبلها؟، كيف تصلح هذه النَّاشئة بغير الأخلاق والدِّين؟، في مجتمعاتنا العربيَّة الإسلاميَّة المتخلِّفة مشكلة أخلاق، وضمير، ودين قبل كلِّ شيء ... أو لم نحسر كلَّ شيء عندما أردنا أن نجعل هذه المجتمعات آلات مسخَّرة، وآليات مسيَّرة (1).
إنَّه يرى أنَّ الفنون التي تفسد الذَّوق الإنساني، وتنحرف بالإنسان عن الفطرة ليست بفنٍّ، سواء من ناحية الشَّكل أم من ناحية المضمون، أو حتَّى من جهة الموضوع (2)، لأنَّه ليس هناك جمال فنِّي أدبي منفصل عن القيم التَّربويَّة والأخلاقيَّة، فالأخلاق والتَّربية في الأدب جزء من البناء الفنِّي والجمالي داخل العمل الأدبي.
كما عمل محمد ناصر في أدبه الموجَّه إلى الطِّفل على بثِّ وإعلاء القيم الحضاريَّة العربيَّة الإسلاميَّة الموروثة في نفوس الصِّغار، من خلال النَّصِّ الشِّعري، والنَّثري (القصَّة)، ومن أهمِّ القيم التي أكَّد عليها: العقيدة، الوطنيَّة، العلم، النِّظام، الإيمان، الحبُّ، الانتماء، والطَّاعة، وغيرها من القيم الإيجابيَّة التي تتمحور حول الرُّؤية الإسلاميَّة للأديب (3)، وتنطلق كتاباته من القيم التي تخدم المجتمع العربي الإسلامي، فيحرص على أن تنبثق من مفاهيم واضحة يؤمن بها، ويودُّ أن تكون هي مبدأهم الثَّابت في المستقبل، وذلك بزرع بذور الخير ومحبَّة الله ورسوله والعمل الصَّالح، وحبِّ الوطن، فالطِّفل هو الرُّجل الصَّغير- كما يقرِّره علماء النَّفس- وهو بهذا الزَّاد الذي زوَّده به الكاتب يكون مطمئنًّا إلى أنَّه يستطيع أن يقتحم العقبة، من غير أن نخشى عليه السُّقوط أو الذَّوبان بفعل الأشعَّة الجديدة التي تسلِّط عليه حرارتها (4).
__________
(1) محمد ناصر: "لا للنَّقد المائع" مقالة.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 456.
(3) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ماجستير، مخطوطة، جامعة باتنة، 2008 م، ص 142، 143.
(4) محمد مرتاض: "من قضايا أدب الأطفال"، دراسة تاريخيَّة فنِّيَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، دط، 1994 م، ص 06. (1/206)
صفحة 206
إنَّ البعد الخلقي والتَّربوي لدى محمد ناصر يتجلَّى في القصَّة الدِّينيَّة القرآنيَّة أيضًا، والتي كان لها حصَّة الأسد في النَّثر القصصي عنده، فهو ينتهج منهج القرآن الكريم الذي يستخدم القصَّة لجميع أنواع التَّربية والتَّوجيه، والتي يشملها منهجه التَّربوي تربية الرُّوح وتربية العقل، وتربية الجسم (1)، فهي تجذب القارئ وتأسره داخلها، ويتفاعل مع شخوصها وأحداثها ومواقفها، ولكنَّها لا تخرج من احتمالات يكوِّنها الأديب الملتزم، لأجل الرِّسالة الأخلاقيَّة والتَّربويَّة، ويستهدف إقامة صرح للقيم (2).
إنَّ الأديب يرى نفسه مربِّيًا قبل أن يكون معلِّمًا، لأنَّه يريد من المضمون أن يكون أخلاقيًّا تربويًّا أكثر منه تعليميًّا ترفيهيًّا، بقدر ما هو أخلاقي وتربوي ينشد الكاتب من خلاله استثمار أحداث القصَّة على نحو إيجابي يعلي فيه القيم، ويمجِّد الأخلاق مع عدم إعطاء أيِّ فرصة غير مقصودة للشَّرِّ والرَّذيلة والفساد أن ينتصر أو يجد لدى الطِّفل إعجابًا وافتنانًا (3).
كتب محمد ناصر القصص الدِّيني للمراحل العمريَّة المختلفة للأطفال:
مرحلة الخيال المطلق، ومرحلة البطولة وحتَّى المرحلة المثاليَّة، ونظرًا للعمليَّة الإيجابيَّة المستعملة أثناء السَّرد، وبما أنَّ الإيحاء يشبه المحاكاة، غير أنَّه لا يتعلَّق بتقليد أفعال الآخرين، بل يتعلَّق الإيحاء بالعواطف واتِّجاهات أبطال القصص، فهو يسعى إلى التَّعاطف معهم، وتقليدهم وجعلهم من أقوى المثل في ذهنيَّته الخاصَّة، إذا كانت القصَّة التي كتبها محمد ناصر من رواية الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، فاعتمد الكاتب هنا على مصدر مهمٍّ للقصَّة مؤيِّدًا بالصِّدق والحجَّة والوحي الإلهي، وهذه هي الحلقة المفقودة في القصَّة التَّربويَّة والأخلاقيَّة للطِّفل المسلم (4).
بأسلوب بسيط وغير مباشر، قدَّم محمد ناصر العديد من القيم الأخلاقيَّة والتَّربويَّة من أجل مساعدة الطِّفل لرسم خطوط حياته ومعاملاته، في ظلِّ المبادئ الإسلاميَّة السَّمحة، كما
__________
(1) محمد قطب: "منهج التَّربية الإسلاميَّة".
(2) المرجع نفسه، ص 193.
(3) عبد الرَّزَّاق بن السّبع: "قصص الأطفال في المغرب العربي"، مخطوطة، ص 198.
(4) غنيَّة دومان: "أدب الأطفال عند محمد ناصر"، ص 86. (1/207)
صفحة 207
عمل على أن يكسب الطِّفل الجزائري الانتماء الوطني والقومي والدِّيني، من خلال بثِّ القيم الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة والدِّينيَّة، ففي أغلب نتاجه الأدبي جعل منه دائم الارتباط بدينه ووطنه (1).
إنَّ ناصر في أدبه ونقده، لم يكتب لغرض الكتابة والإمتاع، بل كان ملتزمًا بواقع مجتمعه، مهتمًّا بقضايا أمَّته، حاملاً رسالة الأديب والنَّاقد الإسلامي، رسالة التَّربية والأخلاق، والعلم والعمل، جاعلاً من أدبه عامَّة، ودراساته خاصَّة وسيلة فعَّالة للقيام بهذه الرِّسالة، فكان يستقي مواضيعه من واقع المجتمع الجزائري، والأمَّة الإسلاميَّة والعربيَّة بصفة عامَّة، ويتَّخذ من الأحداث، والمشكلات القائمة والظَّواهر الحاصلة، قضايا للعرض والدِّراسة والتَّحليل بأسلوب أدبي، يوازن فيه بين العقل والقلب والرُّوح. ونلاحظ ذلك في قوله إنَّه ليس قيدًا مكبَّلاً، إنَّه موازنة دقيقة بين مقاييس وضعها لنا الإسلام، نستمدُّها من متطلَّبات العقل والقلب والرُّوح، أو بعبارة أخرى بين الفكر الأصيل، وعاطفة متَّزنة، وسموُّ روحي (2).
إنَّ وظيفة الأدب الإسلامي عند محمد ناصر تستمدُّ روحها من القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، والتُّراث الإسلامي العريق، لكنَّه لا يدعو الأديب إلى الانغلاق في قمقم من التُّراث والتَّاريخ القديم، إنَّ رسالته في الحياة لا تستقيم ولا تتمُّ على وجهها الصَّحيح إلَّا إذا عايش عصره، واستوعب آلامه وشخَّص أدواره، وضبط مقاييسه التي ينظر بها للأحداث، وكان قادرًا على الحوار العلمي والعطاء الفنِّي (3) ..
لقد حدَّد القرآن الكريم في آياته الكريمة وظيفة الأدب، وهي الكليَّات الكبرى التي تنبثق منها جميع الجزئيَّات المشكَّلة لرسالة الأدب، وهذه الكليَّات هي: الإيمان، والعمل الصَّالح، وذكر الله، والانتصار لأهداف الرِّسالة المحمَّديَّة ... (4)، ونجد محمد ناصر يحدِّد مجالات أخرى لوظيفة الأدب، لكنَّها في الحقيقة ليست إلَّا جزءًا من هذه الكليَّات الكبرى، متَّفقًا في ذلك مع
__________
(1) المرجع نفسه ص 151.
(2) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 32.
(3) ينظر نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 22 - 23.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 486. (1/208)
صفحة 208
مصطفى عليان في: أنَّ الإسلاميَّة في الأدب تصوُّر فكري في تعبير أدبي، لا يقف عند حدود الاستعانة المباشرة وغير المباشرة بمعاني القرآن الكريم، والحديث النَّبويِّ، وإنَّما نلمسها في التَّمييز الذي أراده الإسلام لأدبه وأدبائه في التَّعبير عن مدى القيم في النَّفس تعبيرًا حيويًّا منبثقًا من التَّصوُّر الإسلامي، فهي تتعدَّى ما يلوح من ظاهر النَّصِّ إلى ما يجول في داخله من فكر وإحساس وتصوُّر، وما يعرف فيه من إيحاء بمواقف إسلاميَّة (1).
إنَّ الحدَّ الفاصل عند محمد ناصر بين الأدب العظيم والأدب التِّجاري غاية في الدِّقَّة، فالأديب العظيم يستطيع أن يؤثِّر في مجتمعه، وأن يكتسب رضاه دون أن يخضع لإرادة المجتمع، بل ربَّما استطاع تحقيق ذلك وهو يقف معارضًا للمجتمع، والأديب التِّجاري هو الذي يتملَّق الجماهير ويخضع لها.
الأوَّل هو الذي يؤدِّي دور الأديب الحقِّ في مجتمعه، حين يتأثَّر بهذا المجتمع، ثمَّ يحاول التَّأثير فيه، وهو تأثير له خطورة لأنَّ له خطَّته وهدفه، أمَّا الثَّاني فلا يمكن أن يكون عامل دفع في مجتمعه، لأنَّه سيترك المجتمع يدور في نطاق ذاته (2).
إنَّ ناصر يدعو الأديب المسلم إلى التَّميُّز والتَّقييم والانتقاء. والرَّفض والقبول بالنَّسبة له عمليَّة تغذِّيها التَّجَارب والمعرفة والتُّراث الأخلاقي، فليس كلُّ ما في العالم فساد في فساد، ولكن يختلف فيه الجيِّد والرَّديء، والغثُّ والسَّمين، الضَّار والمفيد، ومن ثمَّ فإنَّ الشَّجاعة الأدبيَّة (3)) والبناء النَّفسي والفكري للأديب المسلم، تجعلانه دائما سيِّد أرضه، وسيِّد موقفه، في إطار القيم التي تربَّى عليها (4).
__________
(1) مصطفى عليان: "مقدِّمة في دراسة الأدب الإسلامي"، ص 2. أنظر: محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص 31.
(2) عزّ الدّين إسماعيل: "الأدب وفنونه"، ص 44.أنظر: محمَّد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص 26.
(3) الشَّجاعة الأدبيَّة: هي ميزة خاصَّة عند محمد ناصر، وظاهرة فريدة في الأدب الجزائري المعاصر، وتظهر جليًا في مواقفه النَّقدية، أنظر: مقالة "لا للنَّقد المائع"، قصيدة: "هذا الزَّمن العلماني"، الأعمال الشِّعريَّة الكاملة.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 23. (1/209)
صفحة 209
تقوم وظيفة الأدب عند محمد ناصر على رؤية إسلاميَّة متكاملة، أساسها الصِّدق والالتزام بقضايا المجتمع والأمَّة الإسلاميَّة، وهنا يتعيَّن القول بأنَّ الأديب لا يلزم نفسه جبرًا، أو لغرض ما، وإنَّما يلتزم من منطلق قناعة شخصيَّة، وعقيدة راسخة، نابعة من الفطرة السَّليمة، فليس ثمَّة شكّ في أنَّ هناك فرقًا شاسعًا بين الإلزام والالتزام. (1/210)
صفحة 210
الفصل الثَّالث
موقفه من المناهج النَّقديَّة المعاصرة
موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين :
كلمة الحداثة لغويًّا مشتقَّة من الفعل حَدَثَ يَحْدُثُ، ومنه كلمة حَدِيث التي تعني كلّ ما هو جديد، أمَّا الحداثة اصطلاحيًّا فهي المقابل لمصطلح Modernity الانجليزي المشتقّ من الأصل اللَّاتيني حَدَثَ مُؤَخَّرًا، وقد ورد هذا المصطلح الغربي على لغة العرب في جملة ما ورد إليهم من مصطلحات كثيرة، لكنَّ مفهومه لم يستقرَّ بعد، وما يهمُّنا أكثر هو كيف درس النُّقَّاد العرب - ومن بينهم محمد ناصر- هذا المصطلح؟.
يعرِّف عدنان رضا النَّحوي الحداثة بقوله: الحداثة في اللُّغة مصدر حدث، وهي تعني نقيض القديم، وتعني الحداثة كذلك أوَّل الأمر وابتداءه، وتعني كذلك الشَّباب وأوَّل العمر، ومن هذه الظِّلال حملت جاذبيَّتها في وقتنا الحالي، مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسيَّة حول القديم (1).
ويفرِّق عدنان النَّحوي بين الحداثة، من خلال مفهومها كمصطلح غربي، وبين الحداثة في مفهومها الأدبي، فهو يؤكِّد أنَّ الحداثة التي نتحدَّث عنها هي المذهب الجديد الذي يدعو له أهله ودعاته، ونأخذ تعريفه والحكم عليه ممَّا يقولون هم، أمَّا المعنى اللُّغوي للفظ الحداثة - كما هي في قواميس اللُّغة - فتظلُّ تحمل إشراقها اللُّغوي، تستمدُّه من جمال اللُّغة العربيَّة (2).
ويرى محمد حسين فضل الله أنَّ الحداثة تأتي أصلاً من الفعل حدث، ترتبط بدلالات عديدة بما يحدث، ولكلِّ ما يحدث يأتي بالمستقبل، الذي يملك كينونة خاصَّة به، حتَّى وإن
__________
(1) عدنان علي رضا النَّحوي: "الحداثة من منظور إيماني"، دار النَّحوي للنَّشر، الرِّيَّاض، السَّعودية، ط 1، 1407 هـ، ص 13.
(2) المصدر نفسه، ص 14. (1/212)
صفحة 211
كان كامنًا فيما يسبقه، فإنَّ ارتباط الحداثة بالأصل الواقعي والزَّمني، يقدِّم تصوُّرًا آخر لمفهومها، وهو الذي يقصده الحداثيُّون.
غير أنَّ الصَّواب هو أنَّنا نجد الحداثة حركة في الوعي، تنطلق من حالة رفض للخطِّ الثَّقافي القديم، إن على مستوى الشَّكل أو على مستوى المضمون (1).
أمَّا محمد توفيق أبو علي، فيميِّز بين الحداثة والمعاصرة بقوله: إنَّ المعاصرة تعني الانتساب إلى عصر ما، أمَّا الحداثة فهي الجدَّة التي لا تبالي بالأيَّام، والمأزق الذي يكتنف أكثر تجاربنا الإبداعيَّة الحديثة، وهو الجنوح نحو حيِّز دون آخر من هذين الحيِّزين (2).
من خلال هذه الآراء الثَّلاثة لنقَّاد إسلاميِّين، نلاحظ أنَّ الحداثة تعالج على مستويات فكريَّة مختلفة، فبعضهم ينطلق من معناها الظَّاهري السَّطحي الذي يعني التَّجدُّد والتَّطوُّر ومواكبة العصر، ويعني أنَّها تحمل أيقونة التَّغيُّر الحتمي في سنَّة الحياة، التي تجمع بين الثَّابت والمتغيِّر (3).
إنَّه المفهوم الذي نجده عند النَّحوي في الجزء الثَّاني من النَّصِّ السَّابق، الذي أشرنا فيه إلى وجوب التَّعامل مع المصطلح بمعناه الجديد الذي نعرفه مسبقا، بما يحمله من إشراق لغوي، والمفهوم نفسه يتكرَّر عند محمد توفيق أبو علي، الذي يعدُّ الحداثة هي الجدَّة التي لا تبالي بالأيَّام، أمَّا بعضهم فينطلق من كون الحداثة مقولة، والمقولات من شأنها أن تحيل إلى تصوُّرات فلسفيَّة، ومن ثمَّ يتعامل مع الحداثة كما لو أنَّها تدلُّ على فلسفة بعينها، تدرك من خلالها الحياة، ويفسِّر في ضوئها الكون والفنّ، أي العالم المدرك والعالم المتخيِّل، ومن هذه الزَّاوية عالجها الكثير من النُّقَّاد الإسلاميِّين (4).
وعند اتِّضاح مفهوم الحداثة بمعناه النَّقدي رفضه معظم هؤلاء النُّقَّاد، لأنَّه ينافي التَّصوُّر الإسلامي، ومن بين هؤلاء النُّقَّاد عدنان رضا النَّحوي الذي يقول: فالحداثة لفظة
__________
(1) محمد حسين فضل الله: "حوار أدبي"، أنظر: أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 487.
(2) محمد توفيق أبو علي: "إشكاليَّة الإبداع في العشر العبير"، أنظر المرجع نفسه، ص 488.
(3) عدنان علي رضا النَّحوي: "الحداثة من منظور إيماني"، ص 21.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الأدبي المعاصر"، ص 489. (1/213)
صفحة 212
تدلُّ اليوم على مذهب فكري جديد ... يحمل جذوره وأصوله من الغرب بعيدًا عن حياة المسلمين، بعيدًا عن حقيقة دينهم ونهج حياتهم في نهج الإيمان، ... فمن الخطأ الكبير أن نستنتج مذهب الحداثة من المعنى اللُّغوي المجرَّد، إنَّ المذهب والفكر والمنحى يؤخذ من دعاته (1).
وعلى هذا الأساس كانت "الحداثة" تشكِّل معضلة للبحث في ميدان النَّقد الأدبي الإسلامي، فضلاً عن كون لفظ الحداثة في حدِّ ذاته يحمل دلالات متعدِّدة، بعضها من باب التَّنوُّع، وبعضها من باب الاختلاف والتَّضارب، فهو يؤخذ مأخذ اللَّفظ المشترك، ويعامل معاملة المصطلح الفنِّي، ويتَّخذ دالًّا على مقولة ذهنيَّة، ويساق مساق الشِّعار في لبوس ثوري أو رمزي، أو دالٍّ على الحكم المعياري عند القدح فيما ليس حداثة، ولهذا أصبحت الحداثة تعاني إشكالاً تصوُّريًا متعدِّد الوجهات (2).
على الرَّغم من ظهور هذا المصطلح كتوجُّه منذ السِّتِّينات، فقد كانت الحداثة على امتداد هذه المدَّة الزَّمنيَّة الطَّويلة مقولة ذائعة وشائعة على الألسن والأقلام، كما كانت مقولة غائمة في ذهن المبدع والنَّاقد، ممَّا أدَّى إلى اختلاط وتشويش عارم على مستوى السَّاحة الأدبيَّة وصعب استبانة رديء الحداثة من جيِّدها.
أمَّا في الأدب الجزائري فالحداثة تعني في تصوُّر بعض الباحثين تطوُّرًا في الشَّكل والمضمون، كما يرى ذلك عبد الله الرّكيبي ويبدأ ظهور هذا التَّطوُّر - حسب تصوُّرها- منذ الاستعمار الفرنسي للجزائر، في إطار هذا المفهوم للحداثة كان الأمير عبد القادر من أوائل المحدثين في الجزائر (3).
وحسب نظرنا، إنَّ أدب الأمير عبد القادر هو امتداد للأدب العربي القديم، حيث حافظ على الأشكال العربيَّة القديمة مع الالتزام بالقيود التَّعبيريَّة واللّغويَّة والمضامين الجاهزة.
__________
(1) عدنان علي رضا النَّحوي: "الحداثة من منظور إيماني"، ص 21.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 490.
(3) محمَّد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 113 بتصرّف. (1/214)
صفحة 213
أمَّا محمد مصايف فيرى أنَّ مفهوم الحداثة أصبح يطلق بمناسبة وغير مناسبة، وعاد سببًا في كثير من المواقف المتسرِّعة التي تزيد الأمور غموضًا على غموض ... فهي في نظرنا لا تنحصر في الشَّكل والمضمون، بل تمتدُّ إلى الموقف والنَّظرة (1). وبهذا فهو يحدِّد مفهوم الحداثة من حيث العوامل التي تؤدِّي إليها، والمتمثِّلة في: الاحتكاك بالغرب، من خلال الاستعمار الفرنسي، والأخذ بالثَّقافة الغربيَّة والتَّمكُّن من اللُّغات الغربيَّة، إضافة إلى الحوار العلمي، ويأخذ مثالاً على ذلك حوار الأمير عبد القادر مع المفكِّرين والأدباء الفرنسيِّين. لكنَّ مصايف يعود ويحصر مفهوم الحداثة في ظهور الأدب الجزائري الحديث فيقول: إذا كانت الحداثة تعني الموقف والنَّظرة إلى الأشياء بالإضافة إلى تطوُّر الشَّكل والمضمون، فإنَّ الأدب الجزائري لم تظهر تباشيره الأولى ... إلى ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، وهذا للظُّروف الخاصَّة التي برزت بين الحربين وفي أعقابهما ... وبروز الحركة الإصلاحيَّة في شخص جمعيَّة العلماء والحركة الوطنيَّة الجزائريَّة بين المهاجرين في فرنسا ... (2).
ويعود ويطلق على الحداثة بأنَّها الجديد في الكتابات التي تظهر فيها شخصيَّة الكاتب، ويتوضَّح فيها موقفه العربي الإسلامي؛ دفاعًا عن الإسلام والعروبة، كما يذكر أنَّ أوائل الأدباء الجزائريِّين الحداثيِّين؛ رمضان حمُّود والزَّاهري اللذَّين يعتبر كتاباتهما بداية طيِّبة للنَّثر الجزائري الحديث، ويعود الفضل في امتياز هذه الكتابات عن غيرها إلى أنَّ أصحابها أخذوا يتَّصلون بالأدب الغربي بطريق مباشر أو غير مباشر، وكانا يحسنان اللُّغة الفرنسيَّة، وكانا على اتِّصال بما يكتب في المشرق العربي من طرف الأدباء المشارقة المتأثِّرين بالغرب، ولعلَّ القليل من الحاضرين يعرفون أنَّ حمُّودا شارك في الهجوم على شوقي ومذهبه في الشِّعر (3)، وأنَّ الزَّاهري ناقش طه حسين في موقفه من الأدب الجزائري (4).
__________
(1) المرجع نفسه، ص 114.
(2) المرجع نفسه.
(3) في مقابلتنا لمحمد ناصر يذكر أنَّه في الوقت الذي كان فيه العالم يحتفل بإمارة شوقي الشِّعريَّة انتقده رمضان حمّود نقدًا لاذعًا، وهو لم يبلغ بعد من العمر 18 سنة، كان يدعوه من خلال ذلك إلى الكتابة الرِّسالية، أو الشِّعر الرِّسالي، للنُّهوض بالأمَّة العربيَّة الإسلاميَّة.
(4) محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، ص 114 - 115. (1/215)
صفحة 214
إنَّ محمد مصايف في هذه النُّقطة يغفل عن ذكر علم من أعلام الأدب الجزائري الحديث، وهو البشير الإبراهيمي، متناسيًا بذلك كلَّ ما يميِّز أدبه من الجمال والرُّقيِّ المتسامي، شكلاً وأسلوبًا، وفكرًا وموضوعًا، واتِّصاله الوثيق بالواقع، وهو لم يحسن من اللُّغات إلّا العربيَّة باعترافه.
كما أنَّ صفة الحداثة لا يمكن إطلاقها على الزَّاهري وحمُّود لمجرَّد آرائهما النَّقديَّة فقط، إنَّ دعوى أنَّ الالتزام والمسؤوليَّة والرِّساليَّة في الأدب تفرض قيودًا على الإبداع، وتمنعه من الانطلاق نحو الآفاق البعيدة ... تجعل منه أدبًا خطابيًّا جافًّا، دعوى باطلة، وحجَّة أصحابها داحضة، فها هو البشير الإبراهيمي الأديب الرِّسالي ... يبدع أدبًا راقيًا، يسجِّل في قائمة الآداب الخالدة (1)، كما أنَّ آراءه النَّقديَّة أقرب إلى النُّضج وأجدر بالدُّخول في نطاق النَّقد الأدبي، ويظهر ذلك خاصَّة في نقد الشَّاعرين محمد العيد آل خليفة، وعمر بهاء الدِّين الأميري، الشَّاعر السُّوري (2).
هكذا يتَّضح أنَّ النُّقَّاد الجزائريِّين يرون الحداثة ظهرت على السَّاحة الأدبيَّة الجزائريَّة بعد الحرب العالمية الثَّانية، وذلك لعوامل عدَّة أهمُّها:
1. الخطُّ التَّجديدي الذي كان يدعو إليه الأفغاني وعبده.
2. الدَّعوة إلى العقيدة الإسلاميَّة بأسلوب عصري، يعتني بالفكرة قبل العبارة، وبخاصَّة بعد تأسيس حركة الإصلاح، والمتمثّلة في جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين.
3. الاحتكاك بالثَّقافة الغربيَّة والاطِّلاع على الأدب الغربي والتَّمكُّن من اللّغة الفرنسيَّة (3).
كلُّ هذه العوامل يرى فيها - هؤلاء النُّقَّاد - أنها أدَّت إلى ممارسة الحداثة في الأدب الجزائري الحديث.
__________
(1) عبد المالك بومنجل: "النَّثر عند البشير الإبراهيمي"، بيت الحكمة، ص 123.
(2) عبد المالك بومنجل: "النَّثر عند البشير الإبراهيمي"، بيت الحكمة، ص 85 - 86.
(3) ينظر محمد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث". (1/216)
صفحة 215
أمَّا محمد ناصر فيرى في هذه الفترة ظهور ما يعرف بسمة التَّجديد أو النَّهضة الأدبيَّة في الجزائر، حيث يقول: لعلِّي لا أكون مخطئًا إن أنا زعمت بأنَّ رمضان حمُّود هو الذي فتح باب التَّجديد في الشِّعر الجزائري الحديث، فمن المعلوم بأنَّ النَّهضة الأدبيَّة في الجزائر، إنَّما بدأت مع بداية الحركة الإصلاحيَّة في 1925 م (1)، لكنَّ هذا التَّجديد حسب محمد ناصر ظهر أوَّلاً في تأثُّر بعض الشَّباب الذين ينتمون إلى حركة الإصلاح بمدرسة الإحياء، وظهور الاتِّجاهات الشِّعرية في الشِّعر الجزائري متمثِّلة في: الاتِّجاه المحافظ والاتِّجاه الوجداني، والاتِّجاه الجديد الشِّعر الحرِّ (2).
لقد سمَّى محمد ناصر الأشياء بمسمَّياتها، فأطلق على حركة التَّجديد في الشِّعر الجزائري وكتابة المقالة (بعث الصَّحافة) بالنَّهضة الأدبيَّة، وسعى لإعطاء المفهوم الصَّحيح للحداثة من خلال مصادرها الأولى في العالم الغربي، وعند أصحابها الذين يدعون أنفسهم بالحداثيِّين فيقول: هو المفهوم الذي يدعو إلى الانفصام أوَّلاً عن كلِّ المقوِّمات الذَّاتيَّة للشَّخصيَّة، حتَّى تكون مستعدَّة للدُّخول في عالم الآخرين، أو بمعنى أدقٍّ، ينبغي علينا نحن العرب أن نتجرَّد من اللُّغة العربيَّة التُّراثيَّة، تجرُّدًا كاملاً، حتَّى نستطيع تلقِّي البديل الغربي وبدون ذلك لا نستطيع استيعاب المصطلحات الغربيَّة ولا التَّعمُّق في مدلولاتها (3).
إنَّ هذا الطَّرح يدعو إلى القطيعة مع الماضي، وظهرت فيه شعارات الإطاحة بالمقدَّسات اللُّغويَّة والتَّعبيريَّة، وتخريب للذَّاكرة العربيَّة، وأخطر من كلِّ هذا هو الانفصام.
إنَّ محمد ناصر يرفض هذا المفهوم بوصفه نظرة متطرِّفة غير علميَّة؛ لأنَّها تخالف المنطق والواقع والتَّاريخ، بل العلم نفسه، وبأنَّ العرب حينما ترجموا ونقلوا أعلام اليونان والهند وفارس، لم يكونوا يتقنون تلك اللُّغات بهذا النَّحو الذي لو اشترطناه -كما يقول - على أساطين الأدب العربي والمفكِّرين الكبار مثل الجاحظ، لألغينا فكره إلغاء كليًّا لأنَّه لم
__________
(1) محمد ناصر: "رمضان حمود"، حياته وآثاره، ص 45.
(2) محمد ناصر: "اتِّجاهات الشِّعر الجزائري الحديث".
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 18. (1/217)
صفحة 216
يكن على النَّحو الذي يشترطه هذا الحداثي اليوم (1). في حين أنَّ الجاحظ نفسه أعطى مفهوما للحداثة منذ قرون خلت، حيث يقول فيها: الكتاب باق، يقع من قرن إلى قرن، ومن أمَّة إلى أمَّة، فهو - أبدا - جديد، والنَّاظر فيه مستفيد (2) (3).
فسوف يحيلنا هذا إلى أنَّ الحداثة هي بعدٌ مفهومي، وليس بعدًا زمانيًّا، فهي ليست لحظة زمنيَّة محدَّدة، ويمكن لإبداع ما أن يكون قديمًا من حيث الزَّمن، لكنَّه محدث من حيث الجوهر والمعنى، فالحداثة ليست حكرًا على زمان محدَّد، أو مكان معيَّن، كما يرى الحداثيُّون، وليست قطيعة مع التُّراث الذي يحمل في ذاته سرَّ الحداثة.
وبما أنَّ محمد ناصر ينطلق من رؤية إسلاميَّة في نقده لهذا المفهوم، فالانفصام عنده يعني: قصور في التَّصوُّر، وخلل في التَّوازن، وخلل في الاتِّساق ... لأنَّ الإسلام وحده هو الذي شملت فكرته هذه الجوانب كلُّها، في التَّوازن والاتِّساق ...
اختلف الأدباء بطبيعة الحال بحسب استعداداتهم الفرديَّة، والزَّوايا الخاصَّة التي يرصدون منها آدابهم ونظريَّاتهم، ويتلقُّون منها حسَّهم وإيقاعاتهم، ولكنَّهم جميعًا تأثَّروا بطبيعة تصوُّرهم، وأخذوا مكانهم في الميزان الأدبي والإنساني بحسب طبيعة هذا التَّصوُّر (4).
لهذا يذهب محمد ناصر في تشريح مدلولات مصطلح الحداثة من خلال الفكر الحداثي وطروحاته، ويأخذ مثالاً على ذلك "هشام شرابي" يقول: يتجسَّد معنى الحداثة بالنِّسبة لنا باتِّجاهين مترابطين: الاتِّجاه العقلاني والاتِّجاه العلماني، عقلنة الحضارة، وعلمنة المجتمع، والحديث هو الجديد الطَّلائعي، بمعنى المغامرة نحو المستقبل والانفلات من قيود الحاضر وماضيه (5)، ويعلِّق محمَّد ناصر على هذا القول بـ: إنَّه ينطلق في تحديد مفهوم
__________
(1) المصدر نفسه، ص 18.
(2) الجاحظ: "المحاسن والأضداد"، ص 10.
(3) الكتب التُّراثيَّة تمَّ الاطِّلاع عليها من خلال موقع "الورَّاق" الإلكتروني، www.alwaraq.net.
(4) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 14 بتصرّف.
(5) هشام الشَّرابي: "الاسلام والحداثة"، أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 19. (1/218)
صفحة 217
الحداثة من ماهيَّتها وأهدافها، ويعتبر أيَّ دراسة لا تنطلق من هذا المنطلق لا تتحلَّى بالموضوعيَّة، ويعلِّل ذلك بأنَّ كلَّ الآداب العالميَّة في مسيرتها ارتبطت بفلسفات وعقائد ورؤى تصدر عنها، وتعبِّر عن أفكارها ومواقفها ومبادئها (1). ويتَّفق معه في هذا محمد عادل الهاشمي، الذي يؤكِّد على أنَّ النَّزعات الأدبيَّة الأوروبيَّة المعاصرة نبتت من بيئة ثقافيَّة مغايرة لبيئتها الثَّقافيَّة وفي أحضان قوم يمارسون مثلاً مغايرة لمثلنا، ويختطُّون سبلا غير سبيلنا، وقد ترعرعت هذه النَّزعات والمذاهب الغربيَّة وسط ظروف وأحوال وانتفاضات تخصُّ أهلها، وتتَّصل بحياتهم وتطلُّعاتهم ووجهات نظرهم، لذا كانت هذه النَّزعات التي تحمل تصوُّرات مغايرة لروح أمَّتنا ومثلها وتطلُّعاتها لا تصلح لنا، ولا تعبِّر عن مفاهيمنا ولا تعالج قضايانا (2).
وبما أنَّ العلمانيَّة هي تيَّار نتج عن الصِّراع بين الكنيسة والمجتمعات الأوربيَّة، وكان هدفها هو مقاومة كلّ ما هو ثابت من دين وقيم وأخلاق، فيرى فيها ناصر خطرًا كبيرًا مادامت العلاقة بينها وبين الحداثة وطيدة، وأنَّ هدفهما واحد (3).
يتجلَّى مفهوم محمد ناصر للحداثة في أنَّها النَّموذج المنبثق عن الحضارة الغربيَّة في رؤيتها للكون والحياة، وتحالفها مع العلمانيَّة - اللَّادينيَّة- (4)، وفرض هذه الرُّؤية على كلِّ من يخالفها من رؤى وفلسفات وتصوُّرات، فكانت له نتائج كارثيَّة، الأمر الذي أدَّى إلى تصادم في الرُّؤى وظهور حداثة فوضويَّة تدميريَّة ضائعة، تلك الحداثة التي صارت تطلُّعًا خارجا على الذَّات، ممَّا أدَّى في المقابل إلى انفصام الذَّات، وقد تنبَّه عبد العزيز حمّودة لهذا الأمر، وذهب إلى أنَّ الحداثة لا تعدو أن تكون مجرَّد نسخة غربيَّة هدَّامة: لقد عشنا قرونًا طويلة من التَّخلّف الحضاري، يجعل الحداثة ضرورة من ضروريَّات البقاء، وليس ترفًا فكريًّا. لكنَّ السُّؤال - في إلحاح - أيُّ حداثة نعني؟ ... حداثة الشَّكِّ الشَّامل، وغياب المركز المرجعي، واللَّعب الحرّ للعلامة، ولا نهائيَّة الدَّلالة، ولا شيء ثابت، ولا شيء مقدَّس،
__________
(1) المصدر نفسه، ص 20.
(2) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب ... ومواقف"، ص 24.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 20.
(4) المصدر نفسه، ص 20. (1/219)
صفحة 218
والإجابة، نحن - فعلاً - في حاجة إلى حداثة حقيقيَّة تهزُّ الجمود، وتدمِّر التَّخلّف، وتحقِّق الاستنارة، لكنَّها يجب أن تكون حداثتنا نحن، وليس نسخة شائهة من الحداثة الغربيَّة (1).
وقد عرض أحد الباحثين لهذا الموضوع، وعدَّ الحداثة ثورة عالميَّة، يتوجَّب على شعرائنا المشاركة فيها وإثرائها: مفهوم الحداثة ... هو تصوُّر جديد تمامًا للكون والإنسان والمجتمع، والتَّصوُّر الحديث وليد ثورة العالم الحديث في كافَّة مستوياتها الاجتماعيَّة والتِّكنولوجيَّة والفكريَّة، ولذلك فهي ثورة عالميَّة ... وإن قادتها حضارة الإنسان الغربي، وشعراؤنا الحداثيُّون عندما يبدؤون من مستوى هذه الحضارة الغربيَّة، فهم يشاركون فيها في نفس الوقت (2).
إنَّ هذا التَّصوُّر من منطلق التَّغريب، لا يحدِّد وجهة معيَّنة، ودعوة إلى الاندماج في الحضارة الغربيَّة باسم العالميَّة، ونتساءل هل للأوروبيِّين والحداثيِّين تصوُّر متميِّز للدِّين والحياة واللُّغة والتُّراث؟.
من هذا المنطلق حاول محمد ناصر كشف السِّتار عن التَّصوُّرات الحداثيَّة على المستوى الدِّيني ثمَّ اللّغوي، فمستوى التَّعامل مع التُّراث.
فمن خلال تعامل الحداثيِّين مع الدِّين يستنتج محمد ناصر: بما أنَّ منطلق الحداثيِّين منطلق علماني، فقد بات واضحًا منذ البداية أنَّ رؤيتهم إلى الدِّين ستكون نظرة عدائيَّة ... تنظر إلى الدِّين والمتديِّنين على أنَّهم رجعيُّون متخلِّفون ... ثمَّ أصبحت نظرتهم إمَّا القطيعة الكليَّة بينهم وبين الدِّين، وإمَّا عزل الدِّين عن محيط الحياة ... (3)، ويرى فيها نظرة متعسِّفة للدِّين بداية بأوروبا والكنيسة المسيحيَّة، ووصولاً إلى الحداثيِّين العرب، الذين ينظرون للدِّين الإسلامي النَّظرة نفسها، ويحذِّر من أنَّ هذا التَّيَّار أصبح له مؤتمرات وندوات وتعاون دولي، يتضامن فيه الكتَّاب من الشَّرق ومن الغرب على معاداة الإسلام ...
__________
(1) عبد العزيز حمّودة: "المرايا المحدَّبة"، أنظر: مروى متولي: "حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث العربي"، ص 33.
(2) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب ... ومواقف"، ص 52.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 22. (1/220)
صفحة 219
إنَّ معاداة الدِّين عند الحداثيِّين اللّادينيِّين تنبع من شهوة عارمة إلى التَّمرُّد على القيم والأخلاق؛ بدعوى توق الفرد إلى التَّحرُّر والانعتاق (1)، وفي ظلِّ هذا التَّمرُّد والتَّحرُّر تظهر سمات العبث واللَّامعقول. ويذكر لنا عماد الدِّين خليل أنَّ أوربا قد ضلَّت في العثور على تصوُّر صحيح للحياة والدِّين، وسط تشتُّت المبادئ والاتِّجاهات الفكريَّة في أوربا، وعدم استقرارها على مضمون الحقيقة وهدف الوجود، وستظلُّ أوربا و (روسيا وأمريكا بطبيعة الحال) تطرح مضامينها على النَّاس، مضمونًا يناقض مضمونًا، ومذهبًا يكتسح مذهبًا، ستظلُّ تتقاذفها المبادئ والاتِّجاهات ... مادامت في حياتها ووجودها لم تستقرَّ بعد على مضمون، ولا آمنت بفلسفة، ولا ألقت القيادة لربَّان ماهر، يقود سفينتها المتعبة إلى شاطئ الحريَّة والعدل والسَّلام!! (2).
وإذا كان الحداثيُّون العرب يدعون إلى فصل الدِّين عن الأدب، وأمور الحياة الأخرى، وعزله في كهنوتيَّة وطقوسيَّة بين جدران المساجد والزَّوايا (3)، حسب رأي محمد ناصر، فإنَّ في الطَّرف الآخر من ينادي بعودة الدِّين الجديد في الغرب من أجل إنقاذ أوربا ممَّا هي فيه. ومن خلال هذا الحوار بين شخصيَّات أوربيَّة في مسرحيَّة (البعد الخامس) يستعرضون النّظم المعاصرة وإفلاسها، باحثين عن طريق منقذ، وذلك قبل أن تتوجَّه بهم المركبة إلى المرِّيخ، حيث العالم الذي ينشدون:
رينهارت: الأمر الأكثر مرارة وقسوة أن يعيش الإنسان في عالم يصنع الجريمة ويباركها ويعلِّمها لأولاده الصِّغار.
ليديا: كم نحن في حاجة إلى نبيٍّ جديد، يشرق بروحه على الضَّعف البشري ... مسيح جديد ... يتَّسع قلبه للأخطاء والهفوات ويعلِّمنا كيف نسير.
__________
(1) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 23.
(2) عماد الدِّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 173.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 22. (1/221)
صفحة 220
رينهارت: (بحرارة) مسيح جديد؟، حتَّى نصلبه مرَّة أخرى؟، ... إنَّ في داخلنا شيطانًا ماكرًا لا يريد أن ينقاد ... إنَّنا نصنع عارنا ونباركه ... (1).
كما يعالج محمد ناصر موقف الحداثيِّين من الدِّين ضمن ما يسمِّيه بنزعة التَّغيُّر الاجتماعي، التي تدعو إلى موقف صدامي إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المختلفة، ويخلص إلى نتيجة قوامها معاداة الحداثيِّين للدِّين الإسلامي بالتَّحديد، وحجَّته في ذلك، المؤتمر الذي انعقد تحت عنوان الإسلام والحداثة، هكذا طرفان متقابلان (2).
ويرى محمد ناصر أنَّ هذا الموقف من الدِّين انعكس انعكاسا قويًّا في أدب الحداثيِّين المسلمين، حيث اكتظَّت كتاباتهم وقصائدهم بمصطلحات مسيحيَّة؛ تعبيرًا عن الانسلاخ والتَّبعيَّة للغرب الصَّليبي، فلم يعد غريبًا أن نجد شاعرًا يدَّعي الانتساب إلى الإسلام يكلِّمنا عن الصَّليب، والنَّاقوس والخلاص ... (3)، ويعطينا مثالاً على هذا، أحد الشُّعراء المسلمين يتحدَّث عن الثَّورة الجزائريَّة فيقول:
أقسمت يا جزائري الحبيبه
أن أحمل الصَّليب
أن أطأ اللَّهيب (4).
وفي ظلِّ هذه الرَّمزيَّة المستوردة التي وظَّفها الشَّاعر في هذه الأبيات الموغلة في عبثيَّة الحياة، وحيرة الكائن البشري وضياعه (5)، يظهر بوضوح كامل رمز الصَّليب الأزلي، الذي مقتته البشريَّة منذ عصور وعصور في مصدر، ينبثق عن رؤية إسلاميَّة، تخاطب الإنسان في شعر محمد ناصر أين يقول:
__________
(1) "البعد الخامس"، أنظر: محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب .. ومواقف"، ص 56.
(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 25.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 27.
(4) المصدر نفسه، ص 28.
(5) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي، أصوله وسماته"، ص 122 بتصرف. (1/222)
صفحة 221
أَغْرِزْ صَليبَكَ فَوْقَ ظَهْرِي حَاقِدا ... فلَكَمْ عَرَفْتكَ غَادِرا بِي كَائِدَا
كَلْبُ الصَّلِيبِ، سَلُوا مَذَابِحَ أُمّتيِ ... وَسَلوا مَقَابِرَهَا تَنُوحُ شَوَاهِدَا
إلى أن يصل في قوله:
وَاحْمِلْ صَلِيبَكَ دَامِيا، فَلَقَدْ غَدَا ... رَمْزا حَقُودا لِلإبَادَةِ رَائِدَا
أَوَ لَيْسَ رَمزا لِلْعَذَاب؟ فَكَمْ عَلَى ... خَشْبَائِهِ لَقِي الغُرَابُ مَوَائدَا
رَمْزُ الطُّغَاةِ، وَمَنْ عَلَى جُثَثِ الدّعَاةِ ... بَنَوْا لهَمْ عَرْشًا تَجَبَّرَ فَاسِدًا (1)
في ضوء هذه الرُّؤية المتكاملة لصورة الصَّليب متَّصلة بالمستوى النَّفسي والعقدي، وبالمخزون التَّاريخي لدى الشَّاعر، تظهر الاختلافات في معاني المصطلح، بين ما هو حداثي وما هو إسلامي أصيل، إنَّه منطق يؤمن به الشَّاعر، من خلال رمز الصَّليب على مرِّ التَّاريخ من الأبيات تتدرَّج من الصُّورة إلى الرَّمز فالرُّؤية، إنَّها رؤية للعالم الإسلامي الذي يتخبَّط في أزمات، وما يعصف بالبوسنة، البلاد المسلمة التي تعاني ويلات الحرب الصَّليبيَّة (2)، وهذا العرض لا يريد منه محمد ناصر تنفيسًا وقولاً لشعر فقط، بقدر ما يسعى إلى كشف دلالات ورموز ورؤى حول العالم الغربي الصَّليبي.
ونجد نجيب الكيلاني - الذي يعدُّه البعض من الدَّاعين إلى الانفتاح على الآداب الأخرى متنبِّهًا إلى خطورة المصطلحات الدَّخيلة في الأدب، فهو يدعو إلى مصطلحات لها ارتباط وثيق بتراثنا، وبالتَّجارب الأدبيَّة والتَّاريخيَّة التي مرَّت بنا، وبالعقيدة التي نؤمن بها، بدلاً من العيش في ظلِّ المصطلحات الأجنبيَّة المستوردة، التي كان لها أعمق وأخطر الأثر في انحراف مسيرتنا الأدبيَّة ... ويكفي أن نقول: أنَّنا جميعا نردِّد هذه المصطلحات، ونحاول أن نلبسها الزِّيَّ العربي أو الإسلامي، وإذا كان هذا اضطرارًا في بداية النَّهضة الأدبيَّة، فإنَّه
__________
(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 305 - 306.
(2) أنظر: محمَّد ناصر: قصيدة " هلال وصليب"، الأعمال الشِّعريَّة الكاملة، ص 305. (1/223)
صفحة 222
اليوم بات حرامًا - إن صحَّ التَّعبير - وعلينا أن نَجِدَّ في البحث عن مصطلحات جديدة (1).
يحدِّد محمد ناصر وقوع الشُّعراء الحداثيِّين في هذه المغالطة من خلال اتِّجاهين؛ اتِّجاه عقيدة مسيحيَّة معاديَّة للإسلام، واتِّجاه انساقَ وراء تقليد للشِّعر الأوربي، دون وعي معرفي أو فنِّي أو حتَّى ديني (2)، متَّكئًا في ذلك على رأي أحد النُّقَّاد الذي يقول: لجأ شعراؤنا إلى الكتب المقدَّسة وبخاصَّة التَّوراة والإنجيل، وقلَّما استفادوا من القرآن في هذا السَّبيل، ثمَّ يعلِّل سبب هذه الظَّاهرة بسذاجة فيقول: لأنَّ الكتاب المقدَّس كان مصدر استلهام فنِّي في الشِّعر الأوربي (3). وهكذا تصبح الحداثة مرهونة بالثَّورة على الثَّوابت، وعلى رأسها الدِّين الإسلامي (4).
ويعلِّق ناصر على هذا الموقف واصفا إيَّاه بـ: أنَّنا نعيش في زمن الرِّدَّة والرَّداءة، إذ لو عدنا إلى المجلَّات والمؤلَّفات الصَّادرة في الثَّلاثينات وما قبلها، لقرأنا كيف كان الكتَّاب العرب المسيحيُّون يعترفون بفضل القرآن في صقل ألسنتهم وإثراء رصيدهم اللُّغوي، وشحذ أذواقهم الأدبيَّة، حتَّى بات القرآن عندهم المصدر الأوَّل لتنمية مواهبهم الأدبيَّة (5).
وفي المقابل، يحاول إظهار أهداف ما يسمِّيه بالحملة الصَّليبيَّة في جميع مستوياتها، والتي تسعى إلى عزل التُّراث، وهذه الخطُّة كما يقول محمد عادل الهاشمي: تهدف إلى فرنجة العالم الإسلامي، وترمي إلى امتصاص قوَّة العالم الإسلامي من الدَّاخل وإفراغه من طاقاته ... وينعكس ذلك على نتاجه الأدبي، فيبدو ترجمة جزئيَّة أو كليَّة للأفكار والتَّجارب التي تنافي تصوُّر الأمَّة ونظرتها إلى الوجود والحياة (6)، ويصف دعاة هذه الحملة بالمخادعين والمنافقين
__________
(1) نجيب الكيلاني: "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، ص 147.
(2) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 29.
(3) جمال سلطان: "أدب ردَّة"، أنظر: محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 21.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 506.
(5) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 30.
(6) محمد عادل الهاشمي: "قضايا وحوار في الأدب الإسلامي"، أنظر: أحمد رحماني: "النّقد الإسلامي المعاصر"، ص 505. (1/224)
صفحة 223
الذين يلجأون إلى أساليب المراوغة، فيغلِّفون نظريَّاتهم في شكل مقارنات، واستفهامات، وكلُّ هذه الأساليب في نظره تهدف أساسًا إلى بلبلة الفكر، وخلخلة الثَّابت من القيم (1).
وفي مقابلتنا لمحمد ناصر سألناه: هل محمد ناصر ضدِّ الحداثة، بكلِّ ما تحمله من اتِّجاهات وقيم ومبادئ؟، فأجابنا: أنا ضدَّ كلِّ من يهاجم الإسلام، وهو غايتي، الذي يفرِّق ولا يجمع، أنا أقاتل من أجل الوَحدة الإسلاميَّة (2)، وإنَّه يرى في القرآن الكريم نصًّا وروحًا، قلبًا وقالبًا، نستطيع من خلاله أن نستلهم الكثير من القيم الجماليَّة والمحتوى الفكري كأساس لانطلاقة الأدب الإسلامي، كما يمكننا فهم الأطر الفنِّيَّة فهمًا رحبًا، ما دمنا لا نصطدم بالحقائق الجوهريَّة، والآداب العالميَّة، التي تنبض بها الكلمة الشَّريفة (3)، التي حتَّى ولو كان أصحابها لا يؤمنون بالإسلام، لكنَّ أعمالهم تلتقي جزئيًّا مع الأدب الإسلامي.
ولا نجد أوضح من هذه الأبيات التي تعكس موقف محمد ناصر من الحداثة الغربيَّة نحو الشُّعوب العربيَّة الإسلاميَّة والتي يقول فيها:
مَخَابِر لِغَرْب مَجَّتْ سُمَّ فِتنَتِهَا ... أَلمَ يَكونوا لَنَا إِلّا ثَعَابِينَا!
حِقْدُ الصَّلِيبِ بَرَاكِينٌ وَزَلْزَلَة ... تُثِيرُ جَذْوَتهَا أَمْجَادَ حِطِّينَا
تَخَبَّطَ الغَرْبُ إِذْ أَعْمَتْهُ صَحْوَتُنَا ... وَأَذَّنَ الْفَجْرُ فَانْجَابَتْ دَيَاجِينَا
مَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ إِعْصَارِ بَاطِلِهِمْ ... إِلاَّ وَقَوَّضَتِ الأَخْلاَقَ وَالدِّينَا
أَنْ تُشْرِق الشَّمْسُ مِنْ غَرْب فَتِلْكَ إِذًا ... عَلاَمَةٌ لِفَنَاءٍ جَاءَ يَطْوِينَا
تَشَدَّقُوا بِحَضَارَاتٍ مُنَمَّقَةٍ ... وَلِلْحَضَارَةِ كَمْ كَانُوا سَكَاكِينَا
وَرُبَّ عِلْمٍ دَعَوْهُ الْيَوْمَ مُعْجِزَةً ... يُبِيدُ بَعْدَ غَدٍ -طَيْشًا- مَلاَيِينَا (4)
__________
(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 30.
(2) حوار مع محمد ناصر، يوم الأربعاء 26 مارس 2014 م، الأبيار، العاصمة.
(3) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 67 بتصرُّف.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 232 - 233. (1/225)
صفحة 224
تتناسب الألفاظ وتتوارد داخل الأبيات لتعكس رؤية إسلاميَّة مستوحاة من حقائق قرآنيَّة ودينيَّة، ولتبرير الموقف العام للشَّاعر من الغرب والحداثة الغربيَّة، والتي يرى أنَّها هدم لقيم الدِّين الإسلامي وقيم الحياة وعلامة من علامات الفناء.
يقول محمد حسني بريغش: لقد كان واضحًا أنَّ المذاهب والمدارس الأدبيَّة جميعها تقوم على فلسفة لادينيَّة ماديَّة، وتعتمد في كثير من ركائزها على أساطير وثنيَّة قديمة، وقد يلجأ بعضها إلى تعاليم الكنيسة لكي يصيغ الأدب بمسحة روحيَّة، ولذا فإنَّ مناهج الدِّراسة الأدبيَّة أصبحت تعكس هذه الرُّوح، والتي هيمنت على الآداب الغربيَّة، ولم تهتمَّ هذه المناهج إلَّا بما يتلاءم مع الرُّوح الغربيَّة الماديَّة التي سادت، وليس غريبًا بعد ذلك أن نرى أنَّ كلَّ شذوذ في أصول الأمَّة وأخلاقها، أو قواعد لغتها يعدُّ في نظر هذه المناهج تجديدًا وتطويرًا (1).
فما هو موقف محمد ناصر من هذه المناهج الحديثة؟، وما هو موقفه من لغة الحداثيِّين؟، وما هو موقفه من رؤيتهم للأدب العربي القديم؟.
إن استطاع محمد ناصر أن يمارس الكتابة أدبًا ونقدًا، فلا ريب في أنَّ ولعه باللُّغة العربيَّة كان أكبر معين على هذه الممارسة، لغة القرآن الكريم ولغة الشِّعر العربي القديم، الذي يرى أنَّ قاعدته البيانيَّة والأسلوبيَّة ترتبط ارتباطًا حميمًا بعقيدة الأمَّة وموروثاتها الثَّقافيَّة عامَّة، من خلال ارتباطها بعنصرين شريفين مقدَّسين هما القرآن الكريم والسُّنَّة الشَّريفة (2).
ويقدِّم محمد ناصر شرحًا وافيًا لموقف الحداثيِّين من اللُّغة في قصديَّة ادِّعائهم التَّجديد، للنَّيل من كلِّ لغة شعريَّة تستمدُّ من التُّراث الإسلامي، وتصدر عن الثَّقافة الإسلاميَّة معتبرين هذه الثَّقافة قيدًا من القيود التي ينبغي الثَّورة عليها، وتحطيمها وتجاوزها إلى لغة معاصرة أخرى، لذا لا تتعجَّب حين نسمع (3) لمن يسمِّيه محمد ناصر برائد الحداثة (4) يقول
__________
(1) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 26 - 27.
(2) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 33.
(3) المصدر نفسه.
(4) المقصود برائد الحداثة هو: أدونيس. (1/226)
صفحة 225
عن الثَّقافة الإسلاميَّة: الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة اليوم بفعل هذه البنية المعرفيَّة المهيمنة فائض من الكلام تجريدي غيبي، يتحرَّك في معزل عن حركيَّة الواقع، وفائض من الأدوات والأشياء، يتحرَّك في معزل عن اللُّغة (1).
إنَّ اللُّغة إذا أضفنا لها الفقه كان المقصود بفقه اللُّغة، معرفتها واستنباط الأحكام الغائبة الكامنة فيها هو مشاهد محسوس من واقعها، في خصائصها التي تجري عليها في صياغة الكلمات مفردة ومركَّبة ... واللُّغة بين اللُّغات كالفرد بين المجتمع، والأمَّة بين الأمم، لها شخصيَّة مستقلَّة وجبلََّة متميِّزة، وإن فقدتها ذابت وفنيت في غيرها (2).
يتفطَّن محمد ناصر لهذه الظَّاهرة ويسمِّيها: بالتَّفجير اللُّغوي، الذي يؤدِّي حتمًا إلى تفجير أهمِّ مقوِّم من مقوِّمات الإنسان المسلم، وهو القرآن الكريم، بصرف المسلمين عنه، وانشغالهم بلغة مشتَّتة مفرَّقة، وهي دعوى استشراقيَّة معروفة، فهم يعرفون بحسِّهم اللَّاديني أنَّ أهمَّ مقوِّم لوحدة الأمَّة الإسلاميَّة هي لغة القرآن الكريم (3).
يقول أدونيس: إذا كان التَّغيير يفترض هدمًا للبنية القديمة التَّقليديَّة، فإنَّ هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التُّراث العربي، وإنَّما يجب أن يكون بآلة من داخله، إنَّ هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته (4).
يريد - بكلِّ وضوح - هدم الأصل من الدَّاخل، باسم التَّحديث، وباسم الفنِّ والأدب، هذا الهدم الذي يقول عنه محمد ناصر: إنَّ الحداثيِّين يقصدون إلى الهدم لا إلى البناء، وإلى التَّفريق لا إلى التَّوحيد، فإنَّهم يقدِّمون نظريَّاتهم تلك في أغلفة من ورق (السَّلفان) البرَّاق على الطَّريقة الغربيَّة ... بدعوى العالميَّة والتَّفتُّح، والإنسانيَّة والعصرنة ...
__________
(1) الإسلام والحداثة (مجموعة من الحداثيِّين) أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة" ص 34.
(2) محمد محمد حسيني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 2، 1988 م، ص 56.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 34.
(4) الثَّابت والمتحوِّل: أنظر محمد حسني بريغش، "الأدب الإسلامي"، ص 151. (1/227)
صفحة 226
يشترطون حتَّى يكون الأديب عالميًا أن ينسلخ من مقوِّماته الخاصَّة به: لغة ودينًا وقيمًا (1). وقديمًا لاحظ ابن خلدون في مقدِّمة تاريخه أنَّ الضَّعيف مولع دائما بتقليد القويِّ الغازي، وذلك حقٌّ، ولكنَّه ليس كلُّ الحقِّ، فالضَّعيف حينما يقلِّد القويُّ ينقل أسوأ ما عنده، لأنَّه لا يقوى على احتمال تكاليف ما يمتاز به من أسباب الرِّفعة والقوَّة، ويقعد به ضعف همَّته عن الأخذ بالوسائل والأسباب (2).
إنَّ هذا التَّقليد الأعمى ألغى مكانة اللُّغة العربيَّة ودورها في ازدهار الثَّقافة والحضارة الغربيَّة، أين كان الغربيُّون يتباهون بمعرفتها، ونقلوا بفضلها الكثير من علوم الطِّبِّ والفلك والرِّياضيات والطَّبيعة عن التُّراث العربي.
يذكر محمد ناصر أنَّه قد سأل أحد المستشرقين الفرنسيِّين المعاصرين وهو (شارل بيلا) أثناء زيارة له لإحدى البلدان العربيَّة، ماذا تقرأ؟، الأدب العربي القديم أم الحديث؟، فأجاب بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده، فسأله محاوره لماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟، فأجاب: لأنَّه أدب أوروبي مكتوب بحروف عربيَّة ... (3).
إنَّ اختلاف لغات النَّاس واختلاف طبائعهم وألوانهم وأذواقهم وشرائعهم ومناهجهم من سنن الله، التي تجري على علم قديم، لحكمة يجب أن تكون موضع التَّسليم من كلِّ مؤمن (4)، عملاً بقوله تعالى: ( .. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... ) (5)، ومن هنا كان تميُّز المسلمين عن سواهم ومخالفتهم ونهيهم عن التَّشبه بغيرهم ومتابعتهم (6).
__________
(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 37.
(2) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، ص 64.
(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 39.
(4) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، ص 67.
(5) سورة هود، الآية 18.
(6) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللّغة"، ص 68. (1/228)
صفحة 227
من أجل ذلك كان لكلِّ أمَّة منهاجها النَّابع من واقعها الذي طبعت عليه ووكلت به، لا أن تأخذ من غيرها فتصبح أمَّة ضعيفة عاجزة.
وفي تحديده لموقف الحداثيِّين من الأدب العربي القديم، يتساءل محمد ناصر: ما الذي تنتظره من أدب انسلخ من جلده، وتنكَّر لأصله، وثار على نسبه؟.
ما الذي تنتظره من أدب تابع للفلسفات الغربيَّة الملحدة، من السِّرياليَّة، واللَّامعقول إلى الوجودية والعبثيَّة؟، وهي إن اختلفت في الأسماء، فهي تلتقي كلُّها في هدف واحد، ألاَ وهو إنكار الدِّين وعدم اعتباره مقوِّم بناء وحضارة (1).
ظهرت هذه المذاهب التي أشار إليها محمد ناصر في أوربا في القرن العشرين، وكان أخطرها المذهب الوجودي، انجذب إليه جيل من الشَّباب الذين أعجبتهم فلسفته، التي تدعو إلى أن يشكِّلوا وجودهم بالطَّريقة التي تروقهم، في حريَّة، تبلغ حدَّ الفوضى في تحرُّرها من الدِّين والعرف والأخلاق، واختلط في هذا الجمع من الوجوديِّين الشَّاعر والأديب التَّائه المتشرِّد والضَّائع المنحلِّ (2).
تأثَّر أدبنا العربي المعاصر بخليط من هذه المذاهب الغربيَّة، امتزج فيه تأثُّر الرومانسيَّة بالرَّمزيَّة والواقعيَّة، وأصبح الطَّابع العام الذي يميِّزه هو روح الثَّورة التي تهزُّ التَّقاليد والأعراف، في شكل الشِّعر وفي مضمونه، وفي لغته (3)، لقد ظهرت طلائع هذه الاتِّجاهات في شعر العرب المهاجرين في الأمريكيَّتين مثل: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، رشيد سليم الخوري (4).
إنَّ ناصر يصف هذا الأدب باتِّجاهاته المختلفة أنَّه يخاطب في - الإنسان الجانب المظلم فيه، ويخاطب فيه غريزته وشهوته وهبوطه، ويمجِّد ذلك على أنَّه الواقع الذي لا مفرَّ منه (5).
__________
(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 40.
(2) محمد محمد حسيني: "مقالات في الأدب واللّغة"، ص 29.
(3) المرجع نفسه، ص 30.
(4) المرجع نفسه.
(5) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة". (1/229)
صفحة 228
أمَّا التَّوجُّه الذي يتبنَّاه النَّاقد فهو التَّصوُّر الإسلامي للوجود من خلال النَّفس المؤمنة المتفتِّحة بالإيمان، والتي ترى أنَّ هذا الجانب لا يستحقُّ أن يقال فيه الشِّعر، وتصفه القصَّة لأنَّه لحظة هبوط وليست لحظة ارتفاع (1).
إنَّه ينقد كلَّ هذه التَّوجُّهات من سرياليَّة ووجوديَّة وعبثيَّة، وماركسيَّة ورمزيَّة، وينسب أدبها إلى الرِّدَّة فيقول: ألا يحقُّ لنا بكلِّ إنصاف وموضوعيَّة أن نسمِّيه أدب الرِّدَّة والرَّداءة؟، ردَّة المضمون بمفهومها الإنساني، ورداءة الشَّكل، فلا لغة جميلة، ولا تعبير موحي، ولا خيال مبدع (2)، لأنَّه ومن خلال رؤيته الأدبيَّة الإسلاميَّة حريص على أن يلفت الحسَّ إلى النَّاموس الأكبر الذي يحكم الكون والحياة والإنسان، إنَّه يأخذ من الإسلام شموله وسعته وتعبيره عن فطرة الكون، ولذلك لا يحبّ أن يعرض الحياة مقطَّعة الأوصال مفرَّقة الأجزاء، فتفقد معناها الشَّامل ومغزاها العميق، كما تدعو إليه هذه الاتِّجاهات الغربيَّة، وإنَّما يعرضها كما هي في الحقيقة متَّصلة متناسقة مترابطة، ومحكومة كلُّها بقانون واحد كبير (3).
يعلن محمد ناصر إفلاس التَّيَّارات الحداثيَّة من خلال جملة من العوامل هي (4):
1. الأدب الحداثي أدب دخيل، أدب تابع مبتدع ... ، غريب الوجه واليد واللِّسان، منقطع عن جمهوره تعبيرًا وتصوُّرًا، وينتقده في إحدى قصائده قائلاً (5):
وَحَدَاثَة زُعِمَتْ كَأَنّ حَدِيثَهَا ... سُخْف تَمُجُّ سَمَاعَهُ الأبْقَارُ
بَارَت عُكَاظُ وَأقْفَرَتْ عَرَصَاتُهَا ... مُذْ يَمَّمَتْ أسْوَاقَها الفُجَّارُ (6)
__________
(1) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 122.
(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 41.
(3) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 133 بتصرّف.
(4) هذه العوامل يذكرها بالتَّفصيل محمد ناصر في كتابه: حداثة أم ردَّة.
(5) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 321.
(6) المصدر نفسه، ص 323. (1/230)
صفحة 229
2. الانسلاخ عن الأصالة ممَّا أدَّى إلى الانفصام النَّفسي عند الأدباء الحداثيِّين؛ نتيجة تعلُّقهم بالحضارة الغربيَّة وتخلِّيهم عن تراثهم العربي الإسلامي، حيث يصفهم في الأبيات التَّالية بقوله (1):
قَالَ الحَدَاثَةُ مَذهَبي مَالي وَللـ ... قدَمَاء تلْكَ مَقَابر وَغُبَارُ
وَالعَصْرُ عصرُ التكنُولُوجِيَا وَالمَوَا ... هبُ أن تُفجَّرَ في المياه النّارُ
وَالفَنُّ تَجْريد لأَعْرَافِ الوَرَى ... وَالعَيشُ رَكضٌ لاَهثُ وَنُضَارُ
وَالدينُ قَيْد مُلْزِم وَلُغَى القُيُو ... دِ تَعَافُهَا مِنْ طَبْعِهَا الأشْعَارُ
مَالي وَلِلأعرَاب تَحدُو بالنيَا ... ق تشُوقُها الأَطْلاَلُ والأَحْجَارُ
كما يتَّخذ أمثلة عن الانفصام النَّفسي والتَّبعيَّة للغرب في شاعر، وصف الشِّعر العربي القديم بأنَّه عقم مزركش وسخافة مكلّسة، وإنَّه مجرَّد خرق بالية يجب أن تمزَّق، وآخر أدَّت به صدمة الحداثة أن يتبرَّأ من اسمه العربي، وراح يطلق على نفسه اسم أحد الآلهة الإغريقيَّة (2).
ويعلِّق أحد النُّقَّاد على هذا الطَّرح بقوله: وقد كان الخلط بين المدارس الأدبيَّة المختلفة نتيجة لفقدان الأصالة والصِّدق الفنِّي، وصورة من الافتعال الذي يقابله الانفعال في الأدب الغربي، لم تكن هناك حقائق يعبِّر عنها ذلك الأدب سوى التَّقليد، ولم يزل ذلك الافتعال يتكرِّر حتَّى ترسَّخ وتأصَّل وأصبح انفعالاً حقيقيًّا (3).
3. إعلان القطيعة مع التُّراث العربي، واللُّغة العربيَّة، لغة القرآن، ممَّا استلزم الانفصال بين الحداثيِّين والمتلقِّين (القرَّاء)، حين صحب هذه الدَّعوة إلى التَّحرُّر باسم التَّحديث والتَّجديد مهاجمة لشعر التُّراث، محاولة أن تصرف النَّاشئة عنه، وتنفِّرهم منه، وتقرَّ في
__________
(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 323.
(2) ينظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 57.
(3) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللغة"، ص 40. (1/231)
صفحة 230
الأذهان خُلُوَّهُ من الجمال والأصالة، فسمُّوه شعر مناسبات، وأيُّ شعر يجيء بلا مناسبة؟ (1).
إنَّ الشِّعر هو ديوان العرب، فهو الحكمة التي تلخِّص تجارب الحياة وطبائع النَّاس وحقائق الوجود، وكان عزاء للمحبِّ وسلوى للمنكوب، وأسوة للمتأسِّي، لذلك أحبَّته العرب وشغفوا به، وإنَّ إلغاءَه مع لغة القرآن الكريم يحدث قطيعة بين الأديب والمتلقِّي، هذا الأديب الذي يقول عنه محمد ناصر: نزع العمامة العربيَّة، ولبس بدلاً عنها القبَّعة الفرنسيَّة أو الإنجليزيَّة (2).
وهكذا حكم محمد ناصر على هذا الأديب أنَّه افتقد أهمَّ مقوِّم من مقوِّمات الأدب، وهي الصِّلة بينه وبين متلقِّيه، لأنَّه أسَّس أدبه على التَّحوُّل الذي يثور في وجه القيم الموروثة: الجماليَّة والدِّينيَّة والخلقيَّة، واستبدلها بفلسفة اللَّذَّة والنَّزعة والشَّهوة أو الإباحيَّة (3). هذا من جهة، ولأنَّ هذا الأدب يخاطب المتلقِّي بلغة لا يفهمها من جهة أخرى، ومن هنا تنقطع الصِّلة بين الأديب والمتلقِّي، ويعلِّق محمد ناصر على هذا قائلا: ... أدباء الحداثة لا يستخدمون جسور التَّواصل بينهم وبين الجمهور، لا لشيء إلَّا لأنَّهم إنَّما يخاطبونه بلغة لا يفهمها ... اللُّجوء إلى الإبهام، والرَّمز الموغل في الغموض ورصف الكلمات بشكل تراكمي دون رابط معنوي أو خيط نفسي، ومخاطبة الغرائز بشكل سافل متقزِّز (4).
كلُّ هذه عوامل ساعدت على أن ينفر القارئ من الأدب الحداثي، وهكذا تحدث القطيعة، لأنَّه من المفترض في الأدب الجادِّ أن يستخدم الحداثة في منهجيَّة النَّشاط الفكري السَّليم، ولكن على أساس أن يكون هذا المنهج مرتبطًا بالعقل والوحي: لأنَّهما ضابطان جوهريَّان لحماية التَّجربة الحداثيَّة من الانزلاق نحو الهاوية (5).
__________
(1) المرجع نفسه، ص 40.
(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 49.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي"، ص 508.
(4) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 50 - 51.
(5) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518. (1/232)
صفحة 231
أمَّا إذا فتحنا المجال التَّجريبي في الحداثة لتنفصل على المواصفات السَّائدة جريا (1) وراء التَّقليد الأعمى للغرب، بلابدّ أن يحدث الخلل ويخيب مسعى صاحبه، وعليه فليس كلُّ تجربة حداثة، بل إنَّ من شأنه أن يفرغ الحداثة من قيمتها (2).
كما يؤكِّد محمد ناصر على أنَّ الرَّمز والغموض في هذا الشِّعر الحداثي يقومان أساسًا على تدمير ونسف تلك الجسور الموصلة بينهم وبين الجمهور (3).
يعرف رولان بارث الحداثة بأنَّ لها: أفكارًا جديدة، وأشكالاً غير مألوفة، وتكوينات غريبة وأقنعة عجيبة، فيقف بعض النَّاس منبهرًا بها، وبعضهم الآخر خائفًا منها، هذا الطُّوفان المعرفي يولِّد خصوبة لا مثيل لها، ولكنَّه يغرق أيضا (4).
من خلال هذا التَّعريف تظهر النَّتائج الكارثيَّة للإغراق في الرَّمز والغموض اللَّذين يحاكمان الضَّياع الغربي (5)، وبالتَّالي تنعكس هذه الرُّؤيا على واقع الأدب الحداثي العربي.
إنَّ دعاة الحداثة وعلى رأسهم أدونيس ونزار قباني تظهر لهم مواقف مناقضة لرؤاهم الحداثيَّة، فيمكن للحداثة التي هي خروج عن المألوف أن تكون في الوقت نفسه عند أدونيس ارتباطًا بالتُّراث، ويصرح بحتميَّة هذه العلاقة في قوله: إنَّ الكاتب لا يكتب في فراغ، بل يكتب ووراءه الماضي، وأمامه المستقبل، فهو ضمن تراثه، مرتبط به، ولكنَّ هذا الارتباط ليس محاكاة للأساليب، والنَّماذج التَّقليدية، وليس تماشيًا معها، ولا بقاء ضمن قواعدها، ومناخها الثَّقافي الفنِّي والرُّوحي، فليس التُّراث إعادة في الكتابة، أو موضوعات طرقت، ومشاعر عوينت، وعبَّر عنها، وإنَّما هي طاقة معرفيَّة، وحيويَّة خلق، وذكرى في القلب والرُّوح (6).
__________
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518.
(2) المرجع نفسه.
(3) جمال سلطان: "أدب الرِّدَّة"، أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 55.
(4) عدنان علي رضا النَّحوي: "الأدب الإسلامي، إنسانيَّته وعالميَّته".
(5) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518.
(6) أدونيس: "زمن الشِّعر"، دار العودة، ط 2، ص 45. (1/233)
صفحة 232
ولابدَّ أن نشير إلى خطورة دعاوى غلاة الحداثيِّين، الذين يطالبون بإسقاط الماضي، وقطع الجذور نهائيًّا مع الأصول الأدبيَّة، والدِّينيَّة العربيَّة واعتبار الماضي كلِّه مجموعة من الخراب والأنقاض، لا قيمة لها، وكأنَّ الحداثة ثورة على الماضي والحاضر معًا، وهنا يقول الشَّاعر نزار قباني وهو من دعاة الحداثة أيضا: خطأ كبير أن نتصوَّر أنَّ الحديث - لكي يكون حديثًا - لابدَّ من ارتكاب جريمة قتل ضدَّ السَّابق له زمانيًّا، فمثل هذا التَّصوُّر، سيجعل التَّاريخ مقبرة أو مذبحة، ولا ينجو في النِّهاية أحد، العظيم لا يأتي من العدم، ولا من المصادفة (1).
هذه المواقف تنمُّ عن تغيُّر رؤى الحداثيِّين حول الحداثة نفسها، ولكنَّ الله قال وقوله الحقُّ: ( ... إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... )، (سورة الرَّعد، الآية 11).
من هذه المعطيات والتَّصريحات يعلن محمد ناصر إفلاس الحداثة؛ لأنَّها حسب رأيه لم تكن في يوم من الأيَّام المشروع البديل والرُّؤية الجديدة للعالم والإنسان والحياة، ويرجع أسباب هذا الإفلاس إلى أنَّها خاصمت ثوابت الأمَّة وهي الدِّين واللُّغة، وجاهرت بالعداء لكلِّ رموزها حضارةً وتاريخًا وفكرًا، وانساقت وراء التَّقليعات الوهميَّة، تهافت عليها الحداثيُّون بعد أن مجَّها الغرب الصَّليبي (2). وما دام هؤلاء الأدباء يعتزُّون بالنَّموذج الغربي فلماذا لا يطلقون على أدبهم الأدب الغربي، أو المتغرِّب أو أي اسم آخر يختارونه ويكون دالّا على هذا النَّوع من الكتابة (3).
ليس من الضَّروري أن تكون الحداثة هدما وإلغاء للتُّراث، والنَّظر للموروث الفكري والأدبي، على أنَّه سلطة، يجب الفكاك منها، ومحو متعمِّد لذاكرة الأمَّة.
إنَّ النَّصَّ المتجذِّر في التَّجربة العربيَّة، والحامل لموقف كوني من الوجود والإنسان، والمراهن على الجمال والحريِّة في ظلِّ القيم الإنسانيَّة الحقَّة، لا يمكن إلّا أن يكون حداثيًّا، وما أكثر هذه النُّصوص في تراثنا العربي.
__________
(1) وليد قصَّاب: "في الحداثة العربيَّة المنشودة"، مقالة، الرّافد، العدد 104، أبريل 2003 م، الشّارقة.
(2) ينظر: محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 64.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 35. (1/234)
صفحة 233
هذا ما يدركه محمد ناصر وينادي به ويسعى لتحقيقه، بقوله: إنَّ الدَّعوة إلى التَّجديد تبقى ضرورة حضاريَّة، وخطوة مهمَّة في التَّطوُّر والتَّقدُّم والوصول إلى الأفضل والأحسن والأكمل، ولكنَّ ذلك ينبغي ألاَّ يتمَّ على حساب التُّراث، ولا بتهميشه عن العمليَّة الحضاريَّة، ولا بقتل فعاليَّته التَّقدميَّة؛ لأنَّنا ندرك جيِّدًا كيف انتهت محاولات نسف التُّراث، فنسف ناسفوه أنفسهم (1).
لأنَّ الحداثة من المنظور الإسلامي قوامها الأصالة، ومن دون الأصالة يتوهَّم الأديب أن يكون مبدعًا، ولئن كانت المثاقفة، أو بتعبير أبي حيان التَّوحيدي المقابسة ضرورة من ضرورات العصر، فإنَّ ذلك لا يعني أبدًا إلغاء التُّراث والقيم والدِّين، ليحلَّ محلَّها تراث وقيم ودين غربي (2). هذا هو المبدأ الذي يقوم عليه التَّجديد الإسلامي والذي ينادي به محمَّد ناصر في نقده وأدبه.
الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب :
جاء مشروع الأديب محمَّد ناصر مؤسِّسًا مرتكزًا على خلفيَّة رؤية إسلاميَّة حضاريَّة، من أجل تأسيس مشروع أدبي فكري متكامل، يحمل بين طيَّاته خصوصيَّة اللُّغة، التي ينتمي إليها، وخصوصيَّة التُّراث النَّابع منه، فيظهر لنا تعدُّد العناصر التُّراثيَّة على تنوُّعها، في إنتاج الأديب محمد ناصر. ويظهر ذلك بجلاء من خلال استعماله للُّغة الفصيحة، والأساليب الشِّعريَّة والحكائيَّة القديمة، أو من خلال توظيفه للمادة التَّاريخيَّة في النَّثر والشِّعر، أو استعمال التِّقنيَّات المستمدَّة من أجناس الكلام العربي القديم، نرى ذلك كلَّه مع عدم الجمود على الماضي، وإنَّما استفاد منه بما يناسب الحاضر، مزاوجًا ذلك كلَّه بالتُّراث الإنساني العام، دون انبهار أو انقياد أعمى إليه، مؤكِّدًا على ضرورة الإدراك المعرفي، رافضًا أن يكون نسخة عن الحداثة الغربيَّة، وداعيًا أن يضع الأديب حداثته الخاصَّة بالأدب الإسلامي التي تحمي ذاته وانتماءه في الوقت نفسه، ولا تجعله تابعا لها، بل تكون له القاعدة الصَّلبة التي يحقِّق من خلالها وجوده في العالم.
__________
(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 65.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 517. (1/235)
صفحة 234
نشأ محمد ناصر ليجد الأدباء العرب بجانب زوبعة الحداثة التي نكثت رؤوسهم ... فهم مستطارون معجِّلون إلى الشُّهرة والكسب وكثرة الإنتاج ولمعان الأسماء .... وقد استفادوا من مذاهب الغرب وأفكاره ... وقواعده الفنِّيَّة ... ولكنَّهم فقدوا شخصيَّتهم، وانسلخوا من كلِّ موروثاتهم الفكريَّة والرُّوحيَّة والإديولوجيَّة، وانسلخوا من ذواتهم وكيانهم وأصبحوا بلا كيان (1).
لكنَّ نشأة محمد ناصر العلميَّة كانت دائما تحذِّره من المعاصرة وتدعوه للتَّطوُّر، بقدر ثباته أمام كلِّ ما يمسُّ بمقوِّمات الشَّخصيَّة الإسلاميَّة الأصيلة، لغةً، ودينًا، ويصحبه دومًا الإيمان القويِّ بالقيم والثَّوابت ورأس شامخ أمام عواصفَ، كثيرًا ما هبَّت هنا وهناك (2) (3).
وعلى الرَّغم من تلك الظُّروف التي وجدها محمد ناصر عند ولوجه عالم الكتابة (4)، إلَّا أنَّه رفض أن ينقطع عن أصوله الثَّقافيَّة، ليغترب في الأدب الحديث، وأصرَّ في عناد شديد ألَّا يتقدَّم في عصر إلّا مستمرًّا مع ذاتيِّته الحضاريَّة، فكان انفتاحه على التُّراث العربي، بمختلف منجزاته، في طموح إلى إعادة تأصيل قدر كبير منه، خاصَّة التُّراث الأدبي الجزائري والعماني، من خلال:
1. أوَّلاً: العمل على تأصيل أهمِّ رافد من روافد الأدب الإسلامي في نفوس النَّاشئة، وهو القرآن الكريم من خلال القصَّة القرآنيَّة، وقد تفرَّغ مؤخَّرًا إلى الدِّراسات القرآنيَّة (5).
2. ثانيًا: كتابته في السِّير والأعلام في الأدب الجزائري، خاصَّة الشَّخصيَّات الإباضيَّة، والأدباء والشُّعراء وتعتبر هذه الكتب وثائق تاريخيَّة مهمَّة، تدوِّن حقائق اجتماعيَّة وسياسيَّة وثقافيَّة، يمكن للدَّارسين أن يعودوا إليها أثناء بحوثهم، لأنَّ محمد ناصر اتَّبع منهجيَّة خاصَّة
__________
(1) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 224.
(2) محمَّد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 308.
(3) يتحدَّث محمد ناصر عن نشأته وهو طالب بمعهد الحياة على يد أستاذه الشِّيخ عدُّون، والذي كان يدعو طلّابه إلى المبادرة نحو العلم والبحث والابداع.
(4) (() بدأ محمد ناصر الكتابة في نهاية الخمسينات وبداية السِّتينات، وكان النَّصُّ الشِّعري أولى هذه المحاولات.
(5) عند مقابلتنا لمحمد ناصر في مارس 2014 م، أخبرنا أنَّه تفرَّغ في المدَّة الأخيرة للدِّراسات القرآنيَّة. (1/236)
صفحة 235
في هذه الدِّراسات، وكان يهتمُّ كثيرًا بالتَّأريخ للأحداث، ويستند إلى الكثير من الوثائق والصُّور التَّاريخيَّة، من أجل إضفاء مسحة من المصداقيَّة العلميَّة على هذه الدِّراسات (1).
ولقد سعى من خلال هذه الدِّراسات والمؤلَّفات إلى تحقيق خصوصيَّة؛ لرغبته في تقديم ما لم يعرف مثله في تاريخ الأدب الجزائري، وقد حقَّق ذلك من خلال استيعاب ما سبقه، ومن ثمَّ تأصيله، وهو ما أتاح له مساحات أكبر من الحريَّة في التَّعبير، بأساليب سرديَّة وشعريَّة، تتَّصل مباشرة بوجدانه وميراثه.
لقد نشأ كاتبنا في بيئة، كان الأدب العربي الحديث في جلِّ مذاهبه قد لبس فيها صورة هجينة من الآداب الأوربيَّة، لكنَّه - على الرَّغم من ذلك - لم يضلَّ طريقه، ولم يفقد يقينه بأنَّ التَّجذُّر في التُّراث هو الحلُّ الوحيد لتمكين العرب من مشاركة الأمم الأخرى في الإبداع، فكان رائدًا في استعادة الكنوز التُّراثيَّة الجزائريَّة، ضمن منهجيَّة أصيلة في البحث والتَّدوين، وكانت مجموعة مجلَّداته السِّتَّة تحت عنوان تاريخ الجزائر وأعلامها (2) التي تبنَّت وزارة الثَّقافة الجزائريَّة طبعها ونشرها، ممَّا مكَّن من حفظ جزء كبير من التُّراث الثَّقافي الأدبي الجزائري، كما أنَّها أغنت المكتبة الجزائريَّة بمجموعة مهمَّة من مصادر البحث العلمي ومراجعه، وكان لهذه المجلَّدات دور كبير في التَّأصيل للأدب الجزائري الحديث، أمَّا في مجال التَّنظير فيعتبر كتابه تراثنا الإسلامي والعصر من أهمِّ مؤلَّفاته التي تعني بالتُّراث، سواء من خلال مفهومه أو أهميَّته أو حركة إحيائه في العالم العربي وفي الجزائر، في حين أنَّ هناك فنونًا أدبيَّة عربيَّة إسلاميَّة عريقة، يحاول الدَّارسون والنُّقَّاد تناسيها، أو إقصاءَها في ظلِّ صراعات الأفكار، والفلسفات والمذاهب (3).
لذا ينوِّه محمد ناصر بدور التُّراث في إحياء حضارات الأمم وبالجهود التي قام بها أسلافنا في جمعه وتدوينه بقوله: إنَّ الاهتمام بالتُّراث وجمعه وتدوينه يعود إلى القرن الثَّاني
__________
(1) تمثِّل هذه الدِّراسات في خمسة مجلّدات: "تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة" الجزء:1، 2. "شخصيَّات جزائريَّة" الجزء: 1، 2، "الشِّعر الجزائري الحديث" الجزء 2.
(2) تاريخ الجزائر وأعلامها: في أعمال محمد ناصر، 6 مجلَّدات، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، وزارة الثَّقافة الجزائريَّة، طبعة خاصَّة، 2013 م.
(3) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 203. (1/237)
صفحة 236
الهجري، يتمثَّل ذلك في هذه العناية الفائقة التي أولاها الأوائل للحفاظ على القرآن الكريم ... تتابعت محاولات الجمع هذه في بقيَّة العلوم الأخرى كالحديث، والشِّعر واللُّغة وغيرها (1).
في خضمِّ هذا الازدهار العلمي وتطوُّر حركات البحث، حاول المؤلِّفون أن يؤرِّخوا للعلماء والأدباء والشُّعراء والفقهاء وروَّاة الحديث، متَّبعين في ذلك مناهج مختلفة متنوِّعة، وبذلوا في هذا جهدًا كبيرًا، كما يخبرنا محمد ناصر في كتابه تراثنا الإسلامي والعصر، ولقد حذا حذوهم محاولاً الإحاطة بأكبر قدر من التُّراث الأدبي الجزائري، خاصَّة في مجموعة مجلَّداته المذكورة آنفًا، ويقول في إحداها: حاولنا أن نضع علامات على الطَّريق قد تهدي الباحثين المختصِّين إلى معالجتها بالتَّفصيل، وقد تكون حافزًا لطلّابنا على التَّوجُّه إلى البحث في التُّراث الجزائري فكرًا وتاريخًا وأدبًا .. ويكون لهم من الثِّقة بتراثهم وبتاريخهم ما يجعلهم يقفون أمام محاولات التَّنقيص، التي ما فتئ بعض المغرضين يردِّدونها (2).
أمَّا في القرون المتأخِّرة - حسب رأي محمد حسني بريغش - فقد أصاب المسلمين ألوان من الهزائم، وأخطر هذه الهزائم ما لحق في نفوسهم، وأرواحهم حتَّى فقدوا ثقتهم بأنفسهم، وبمميِّزاتهم، وقدراتهم، وتراثهم وآدابهم، وحين كان يعمد أحد إلى الالتفات إلى شيء من التُّراث على استحياء، يحاول أن يؤيِّد التفاتته بما يجد من مؤيِّدات عند الغربيِّين، بل ما يجد من موافقات بين ما في هذا التُّراث، وما توصَّل إليه الغربيُّون، لتكون شهادة للتُّراث، وسببا لقوله (3).
هذا ما يسمِّيه محمد ناصر (الانسلاخ من النُّموذج الأدبي القديم) حين قال: إنَّ الانسلاخ من النَّموذج الأدبي القديم هو أحد مظاهر الاختلال النَّفسي والفنِّي، لأنَّ هذا الأديب الذي ينسلخ من نموذجه الأصيل لم يأت ببديل، إنَّما وقع في إثبات نموذج دخيل،
__________
(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، السِّيب، سلطنة عمان، 1995 م، ص 27.
(2) محمَّد ناصر: "شخصيَّات جزائريَّة"، مج 2، ص 55.
(3) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي، أصوله وسماته"، ص 203. (1/238)
صفحة 237
فصار مقلدًا للغريب، وجرَّد بالتَّالي التَّجربة الشُّعوريَّة من مصداقيتها، بحيث غدت غريبة عن صاحبها نفسه، وغريبة عن المتلقِّين الذين يفترض توجُّهها إليهم (1)، وأصبح أدبه بلا جمال وبلا إثارة في معظمه وخاصَّة الشِّعر، فجاء إمَّا مباشرًا لا متعة فيه، لأنَّ التَّعبير جاء كشفًا مباشرًا عن المعاني، وإمَّا رمزيًّا لا متعة في قراءته، إنَّما المتعة في اكتشاف معنى الرَّمز الذي يحتويه.
ويرجع عودة الله منيع القيسي هذا الضُّعف إلى عدم: اطِّلاع شعرائنا المحدثين على التُّراث، وعدم تزوُّدهم بثروة تعبيريَّة كافية وعدم تمكُّن سليقة اللُّغة من نفوسهم، لضعف اطِّلاعهم على التُّراث، إنَّ ما استقرَّ في نفوسهم هو لغة الجرائد والمجلّات، هذا هو الكلام الذي لا تقوم عليه ملكة لغويَّة رصينة، هذا سبب رئيسي، وإن لم يكن السَّبب الوحيد (2). كما يؤكِّد منيع القيسي على أنَّ الشَّاعر لن يكون كُفْءًا في التَّعبير عن شعوره، ويؤثِّر في المتلقِّين إلّا إذا: اطَّلع على صفوة التُّراث، على الأقلِّ القرآن الكريم والحديث النَّبوي الشَّريف، ودواوين الجاهليِّين والإسلاميِّين حتَّى القرن الخامس، وعلى نثر الأعلام كابن المقفع والجاحظ وأبي حيَّان التَّوحيدي والطَّبري، والمسعودي والغزالي وابن خلدون ... (3).
في ظلِّ الأدب الحداثي الذي لا يعبِّر عن تصوُّر الإنسان لهذا الوجود، ولا عن فطرته الأصليَّة في الحياة، لذلك لم يكن أضيع على الأمَّة من هذه الموجات الأدبيَّة، التي تشغل النَّاس بالسَّفاسف، ثمَّ تمضي دون أن تخلِّف بناء أو أثرا (4).
في ضوء هذه التَّغيُّرات يبرز محمد ناصر الأهميَّة الكبرى للتُّراث العربي الإسلامي في بناء الحضارة الغربيَّة، ويشير إلى الجهود الغربيَّة الرَّامية إلى التَّهوين من شأنه في نفوس أبنائه، من خلال تجنيد المستشرقين للطَّعن فيه وتحقيره، في الوقت الذي يحرص فيه الغرب على جمع كنوز هذا التُّراث في مكتباته للاستفادة منه، فيقول: إنَّ الغرب الصَّليبي كان وما يزال
__________
(1) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 32.
(2) عود الله منيع القيسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، ص 72.
(3) المرجع نفسه، ص 73.
(4) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي"، ص 60. (1/239)
صفحة 238
يتعامل مع تراثنا بحسِّه الاستعماري المبنيِّ على المصلحة الآنية والمنفعة المادية، فهو يشجِّع المستشرقين من أبنائه وغيرهم بكلِّ المساعدات الممكنة، ويوفِّر لهم مجالات العمل من جهة، ولكنَّه من جهة أخرى يهرِّب هذه الكنوز والآثار إلى مكتباته، وهو اعتراف ضمني - لا يمكن أن يتجاهله - بقيمة هذا التُّراث العظيم الذي أنار له درب المدنيَّة والحضارة (1).
أمَّا في ظاهرة الاستنزاف والدَّمار الذي يتعرَّض له التُّراث العربي في الجزائر، فيستعرض محمد ناصر الأساليب الهمجيَّة التي اتَّبعها جنود الاحتلال للقضاء على هذا التُّراث، ويذكر إحراقهم لجانب كبير من مكتبة جامعة الجزائر، وتهريبهم لمخطوطات ثمينة، لا تقدَّر بثمن لمكتباتهم في باريس، وفرساي، وألمانيا وبولونيا، حتَّى بات المثقَّف العربي المسلم: يبحث عن تراثه في تلك الخزائن (المكتبات الأوروبيَّة) ويتحمَّل الباحث العناء المادي والأدبي بحثًا عن مخطوط أو وثيقة تاريخيَّة (2).
وفي كتابه (صدمة الحداثة) يخبرنا محمد ناصر أن ما يصدم الضَّمير الجمعي العربي الإسلامي من مثل هذا التَّعريف هو أنَّ الحداثة ظاهرة تتمثَّل في تجاوز القديم العربي، تصهره في قديم أشمل ... لقد كان الأولى أن نطلق على هذه النُّصوص المتجرِّدة من المقوِّمات الأساسيَّة الرافضة للتُّراث، اسمًا آخر غير كونها أدبًا عربيًّا (3)، لأنَّه في مقابل هذا الرَّفض عمل المستشرقون خلال ما يقارب القرنين من الزَّمن على استغلال الأدب العربي والإسلامي للنُّهوض بحضارتهم الأوربيَّة.
وربَّما تصادف رأي محمد ناصر مع رأي حسن بريغش على سبيل المثال في موقفيهما من المستشرقين، حيث يقول حسن بريغش: أمَّا ما نراه من دراسات للأدب القديم، وتطبيق النَّظريَّات الغربيَّة أو الشَّرقيَّة عليه، فذلك أمر مفتعل، ليخدم أغراض المذاهب الفكريَّة والسِّياسيَّة المختلفة ... وكثير من دارسي الأدب العربي، من المستشرقين وغيرهم من أبناء
__________
(1) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 32.
(2) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 31.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 35. (1/240)
صفحة 239
العربيَّة الذين تتلمذوا على الغربيَّة وأربابها، يطبِّقون النَّظريَّات الغربيَّة الحديثة في الدِّراسات الأدبيَّة المختلفة (1).
أمَّا هاجس محمد ناصر فهو الاستغلال ذو الحدَّين، الذي مارسه المستشرقون على التُّراث العربي الإسلامي، ونلحظ ذلك في قوله: لقد استغلَّ أعداء الإسلام هذا التُّراث استغلالاً علميًّا، ملحوظًا، وكان دافعًا لنهضة استشراقيَّة في كلِّ أنحاء أوروبا، ومهما كان دافع البعض إلى الاهتمام بهذا التُّراث علميًّا، فإنَّ الأغلبيَّة السَّاحقة كان من ورائها أغراض صليبيَّة حاقدة ... إنَّ الذين كانوا يشدُّون أزر هذه الحركة هم في الأغلب الأعمِّ العسكريُّون ورجال التَّنصير ... لقد شعر المستشرقون بأهميَّة هذا التُّراث فالتفتوا إليه بجمعه وإحيائه وتقديمه إلينا محقَّقًا مدروسًا (2).
لقد راح الكثير من المستشرقين يبحثون في عصور الأدب المختلفة، وفي نصوصه الكثيرة على شواهد تؤيِّد نظريَّاتهم، وفلسفاتهم، وتنطبق على تصوُّرهم للحياة، ويضربون بذلك عرض الحائط أغلب الحقائق التي انبثق منها الأدب، وأهمُّ الحقائق التي تركها لنا تاريخ تلك العصور، بل ويغفلون متعمِّدين، أو عن غير قصد مئات النُّصوص الأخرى التي تقف أحيانًا حائلاً دون إثبات ما يريدون (3).
من أجل هذا نبَّه محمد ناصر إلى أهميَّة التُّراث وضرورته لأنَّه:
أوَّلاً: ذاكرة الأمَّة وقلبها النَّابض، والمقياس الذي تقاس به مكانتها في الحضارات الإنسانيَّة.
ثانيًا: إنَّه ماض وليد تجارب سابقة، ضاربة في عمق التَّاريخ، وهو الحاضر الذي تعيشه الأمَّة في استمراريَّة بينه وبين الماضي، وهو المستقبل، وليد تخطيط وإعداد يومي.
__________
(1) محمد حسني بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر"، ص 45.
(2) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 31 - 32.
(3) محمد حسن بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر"، ص 45. (1/241)
صفحة 240
ثالثًا: العناية بالتُّراث الفكري: جمعًا ودراسةً وتحقيقًا وتعليقًا، يعني العناية بكيان الأمَّة ووجودها، وإهماله خطوة أولى نحو الانحلال والذَّوبان، وعلامة من علامات الشَّيخوخة والوهن (1).
إنَّ محمد ناصر من بين الذين يؤمنون بأنَّ أدبنا يمكنه التَّزوُّد من ينابيع أصالتنا ووجودنا بوصفنا أمَّة ذات تراث عريق، وذات أهداف رفيعة، وأنَّه ليس ما يلزمنا برأي دون آخر، ممَّا يطرح في العالم من آراء في الفنِّ والأدب إلى ما يرقى بأمَّتنا، ويوسِّع من عوالمنا، ويصوغ وجداننا الإنساني، بما يحقِّق شخصيَّتنا الحضاريَّة، ففي ابتعاثها حلّ لأزمة التَّعبير في أدبنا؛ بإحلال الأصالة والتَّميُّز مكان التَّغريب (2)، لهذا يرصد محمد ناصر حركة تطوُّر التُّراث وإحيائه في العالم العربي أثناء النَّهضة، لاسيَّما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية في ما يلي:
1. الوعي بالذَّات خلال الصَّدمة الحضاريَّة الغربيَّة، ممَّا جعل المثقَّفين يختلفون في تبنِّي أسلوب واحد في مواجهة هذه الصَّدمة، ومن بينهم من يرى أن لا خلاص من التَّبعيَّة والاستغلال والاستعمار إلَّا بالاستقلال، وذلك بمواجهة الحضارة الغربيَّة بحضارة إسلاميَّة، تضمن الحصانة وتثبت للتَّحدِّي.
2. ارتباط حركات إحياء التُّراث بمؤسَّسات ذات طابع إسلامي، والحركات الإصلاحيَّة في العالم الإسلامي، التي عملت على الاهتمام بالتُّراث والعودة إليه، والعبِّ منه، والتَّعمُّق فيه، ودراسته وإخراجه للنَّاس إخراجًا يتماشى مع العصر، ومن أبرز روَّادها: جمال الدِّين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، والكواكبي، وسعد زغلول، وأحمد زكيِّ باشا، ومحيي الدِّين الخطيب، وعبد الحميد بن باديس، والشِّيخ اطفيَّش، وغيرهم من روَّاد التَّجديد والإصلاح في العالم الإسلامي.
3. وعي العرب أنَّ الالتقاء مع الحضارة الغربيَّة ينبغي أن يكون في استغلال الوسائل، لا في تحطيم البدائل، فظهرت المجامع اللُّغويَّة في كلِّ من مصر وسوريا والعراق، والأردن،
__________
(1) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 11 - 12.
(2) ينظر محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي، تجارب ومواقف"، ص 59. (1/242)
صفحة 241
واستخدمت الوسائل الحديثة لإحياء التُّراث، التي تمثَّلت في المطابع، والمؤسَّسات التَّعليميَّة، والنَّوادي الثَّقافيَّة، ودور النَّشر.
4. كما يذكر محمد ناصر بموضوعيَّته العلميَّة جهود المستشرقين، الذين كان لبعضهم فضل الرِّيادة في تقديم النَّموذج الأمثل للتَّحقيق العصري (1).
هل إحياء التُّراث من خلال هذه الحركات وما مارسته من تحقيق ونشر من جديد يكفي وحده للانبعاث؟، لقد قيل: لا حداثة إلّا في إطار الواقع المحلِّي والموضوعي للشَّاعر، وعلاقته السَّويَّة بتراثه وتاريخه وترابه، معنى ذلك أنَّ إحياء التُّراث أمر أساسي لضمان التَّطوُّر، لأنَّنا من جهة لا يمكن أن نستخدم القياس السَّليم لمعرفة ما إذا كنَّا بصدد التَّجديد والحداثة، أم أنَّنا ندور في حلقة مفرغة، إلّا بالاعتماد على وعينا بالتُّراث، ومن جهة ثانية يتوقَّف سيرنا عن ماضينا: اتِّجاهًا وحركةً (2).
إنَّ التُّراث هو المحطَّة الأولى لتكوين الأديب، إذا كان يريد أن يستند إلى قاعدة، بل إنَّ الإنسان لا يستطيع أن يمارس وجوده ونشاطه في الحياة، إن لم يكن مرتكزًا على أصول ثابتة في الفكر والحضارة، وأن تكون الأصول نابعة من الذَّات والوجود والمستقل، الذي لا تشوبه تبعيَّةٌ أو انقياد لحضارة ما (3).
كما دعا محمد ناصر إلى التَّفتُّح على الحضارات العالميَّة والحداثة مع المحافظة على الأصالة، حيث تصبح الأصالة والحداثة عنده مفهومين متكاملين، أحدهما يمثِّل ما ترسَّب في ثقافة الأمَّة، وثانيهما اقتضت ظروف التَّطوُّر الموضوعية أن يفرض نفسه في هذه الثَّقافة فرضا (4)، سواء على مستوى الشَّكل أم مستوى المضمون، ومعنى ذلك أنَّه لا يمكن لأحدهما أن يلغي الثَّاني، وإنَّما يكمِّله ويتمِّمه، فيقول: يكفي أن نعلم نحن أنَّ التَّفتُّح على المعرفة الإنسانيَّة هو الطَّريق الصَّحيح للوصول إلى تحقيق غايات بعيدة في الكشوف العلميَّة
__________
(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص: 15، 17، 18، 19، 20.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 501.
(3) محمد عادل الهاشمي: "الإنسان في الأدب الإسلامي". أنظر: أحمد رحماني: النَّقد الإسلامي المعاصر، ص 501.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 542. (1/243)
صفحة 242
والاطِّلاع على المعارف الإنسانيَّة، أمَّا التَّقوقع على الذَّات، والجمود على الطُّرق والأساليب القديمة، فإنَّه يشلُّ الفكر، ويبلِّد الذِّهن، ويلغي الشَّخصيَّة (1).
إنَّ عمليَّة التَّأصيل والالتفات إلى التُّراث العربي الجزائري، بدأت مع أعمال محمد ناصر في دراسته المقالة الصُّحفيَّة الجزائريَّة (1903 - 1931 م) والصُّحف العربيَّة الجزائريَّة (1847 - 1939 م) (2)، فقد أثبت من خلال هذه الدِّراسات كينونة الأدب الجزائري، والنَّهضة العربيَّة الجزائريَّة، بقيادة عدد من الشَّخصيَّات الأدبيَّة والإصلاحيَّة.
لقد كانت عمليَّة استعادة الموروث التي قام بها محمد ناصر من أوسع عمليَّات تحديث الأدب الجزائري، وتأصيله في نفس الوقت، رغم التَّكريس لفترات طويلة لفكرةٍ، مفادها أنَّ الأدب العربي الجزائري أدب تلاقت في ساحته محافظة البداوة العريقة في قيمها وسذاجة الطّفولة الشَّعبيَّة وعاميتها، والنَّفسيَّة البربريَّة الممزَّقة وثقافة المتفرنس المتمغرب، ليتكوَّن من هذا الخليط العجيب أدب نضالي، يجول معظمه في رحاب الرَّفض والثَّورة (3).
لم ينظر محمد ناصر إلى التُّراث العربي الجزائري نظرة تعصُّبيَّة، لكنَّه انفتح على كلِّ ما يحوي هذا التُّراث، بشكل متَّسع وعميق، لأنَّ محاكاة الغرب ليست هاجسه، ففي مقابلتنا معه سألناه: هل يرى محمد ناصر العودة إلى التُّراث هي الحلُّ من أجل الوقوف في وجه الحداثة، وما تحمله من إلحاد وإنكار للخالق والفرد والذَّات، والتَّمرُّد على العقل؟.
فأجابنا: أنا لا أتعصُّب للقديم لأنَّه قديم، نأخذ من التُّراث ما هو اعتزاز بهذا القديم.
ومن هنا نتبيَّن أنَّه لم تكن علاقة محمد ناصر بالتُّراث علاقة تقليد ساذج، أو اتِّباع جامد، ولم يكن اقترابه منه على سبيل المحاكاة أو الارتداد إليه، فالاتِّباع والتَّقليد للتُّراث لا
__________
(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 26.
(2) محمَّد ناصر: "الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة"، (1847 - 1939 م)، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، 1978 م، ط 2، وزارة الثَّقافة، الجزائر، 2007 م.
(3) محمَّد ناصر: "الأدب الجزائري في رحاب الرَّفض والتَّحرُّر بين الانحياز والتَّحامل"، مقالة (نقد للكاتبة نور سلمان السُّوريَّة)، في 13 - 10 - 1989 م، مخطوطة. (1/244)
صفحة 243
يختلف عمَّن يتَّبعون إبداعات الغرب، فالتَّقليد هو التَّقليد مهما تعدَّدت صوره وأشكاله (1)، إنَّه يريد تجديد التُّراث بطريقة عصريَّة ومتجدِّدة (2).
لا شكَّ أنَّ استخدام محمد ناصر للتُّراث العربي الجزائري قد كشف عن غنى هذا الموروث وأهميَّته، كما أنَّه فتح آفاقًا جديدة للأدب الجزائري، ومسالك لم تسلك من قبل.
يقول نجيب الكيلاني: إنَّ رصيد الأديب المسلم - قديمًا وحديثًا، محليًّا وعالميًّا- رصيد هائل، لكنَّه أشبه بالمادة الخام، يحتاج إلى الأيدي الماهرة التي تدرك قيمتها وتحسن تشكيلها، وتجيد توظيفها لخدمة الغاية النَّبيلة التي رسمتها لها القدرة الإلهيَّة (3).
من هذا المبدأ ينطلق محمد ناصر في دعوته إلى التَّجديد؛ بوعي التُّراث وفهمه، فيقول: إنَّ الدَّعوة إلى التَّجديد تبقى ضرورة حضاريَّة ... وبوعي التُّراث وفهمه، والتَّأمُّل فيه، ونقده نقدًا موضوعيًّا، يتجاوز النَّظرة التَّقديسيَّة والملغية معًا، نستطيع أن نتقدَّم بالفكر والأدب إلى الأمام، لأنَّ التُّراث بكلِّ عفويَّته وبساطته هو الجذور والتُّربة الحقيقيَّة التي تشكِّل ملامحنا وقسماتنا الذَّاتيَّة، ولأنَّ التَّحديث والتَّجديد فعل حضاري ينطلق من التُّراث، ويصنع بالأظافر، ولا يستورد تحت علامة صنع في أمريكا أو صنع في فرنسا (4). كما أنَّ التَّشبُّث بالتُّراث إذا ما تجاوز حدّه المنطقي الهادئ تحوَّل إلى سلاح خطير نشهره ضدَّ أنفسنا، ويعمد إلى تأخيرنا عن الحضارة، خاصَّة إذا لم نُجِد استغلاله، ومن أجل ألاَّ يحتوينا هذا الموقف الخاطئ، إزاء التَّعامل مع التُّراث، علينا أن نتحوَّل إلى موقع أكثر عمليَّة وإيجابيَّة وانفتاحًا، موقع نتحمَّل فيه مسؤوليَّة الرُّؤية الشَّاملة لمواضع الخطأ والصَّواب، والنَّقد البعيد للحدود الفاصلة بين الأسود والأبيض (5).
__________
(1) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب ومواقف"، ص: 32.
(2) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر".
(3) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 57.
(4) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 65 - 66.
(5) عماد الدِّين خليل: "في التَّاريخ الإسلامي، فصل موقف إزاء التُّراث". أنظر: محمد إقبال عدوي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 81. (1/245)
صفحة 244
وأخيرًا، إنَّ محمد ناصر من خلال دراساته وأبحاثه في مجال النَّقد أو التَّنظير، اتَّخذ موقفا من الصِّراع بين الحداثة والتُّراث لخَّصه في قوله: إنَّ الصِّراع بين القديم والجديد في الفكر والأدب أمر طبيعي، يحتِّمه تطوُّر الحياة نفسها، ولكنَّ التَّطوُّر الذي ننشده ينبغي أن يكون في حدوده التي تتماشى ومقوِّماتنا الأساسيَّة دينًا ولغةً، والتَّطرُّف في الموقف، سواء أكان محافظة واتِّباعًا، أم تجديدًا وابتداعًا، كلاهما مضادٌّ لروح الدِّين الإسلامي الذي يدعو دومًا إلى الوسطيَّة والاعتدال (1).
يرجع تميُّز محمد ناصر في الأدب الجزائري المعاصر إلى أصالته، فهو يعي وعيًا جيِّدًا ذخائر تراثه، ويأخذ بنصيب وافر من ثقافة هذا العصر الذي يعيشه، ونضج هذا الوعي نضجًا أصيلاً متميِّزًا فيما خطَّته يده من نثر وشعر، كما يرجع تميُّزه أيضًا إلى نفاذ نظرته، وعمق تجربته للحياة، وتضافر هذا كلِّه في صياغة هذا الموقف الجادِّ، وهو الاعتدال والوسطيَّة؛ عملاً بقوله تعالى: ( .... وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ..... ) (2).
__________
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 33.
(2) سورة البقرة، الآية 143. (1/246)
صفحة 245
الخاتمة
نبع اهتمامنا بمشروع الرُّؤية الإسلاميَّة في كتابات محمد ناصر، من منطلق ما حقَّقه من تراكم كمِّي ونوعي، على امتداد خمسة عقود، حيث أضحى يشغل مساحة واسعة في الأدب الجزائري الحديث، بما قدَّمه في مجال الأدب عامَّة والنَّقد خاصَّة من مؤلَّفات قيِّمة، وهو من أهمِّ روَّاد البحث العلمي الأكاديمي، في التُّراث النَّقدي الجزائري والعربي، وكذلك تقدُّمه في مجال النَّقد الأدبي الحديث ومدارسه ومناهجه النَّقديَّة، إضافة إلى تمكُّنه في مجال التَّرجمة والتَّحقيق والتَّنظير في الأدب الإسلامي، كما لعب دورًا كبيرًا في تشكيل ملامح النَّصِّ النَّقدي الحديث في الجزائر. وقد خلصت الدِّراسة إلى النَّتائج التَّالية:
للإباضية والتَّكوين العلمي في صقل الشَّخصيَّة الثَّقافيَّة والتَّجربة الأدبيَّة لمحمد ناصر برؤية إسلاميَّة خاصَّة، وتجلَّى ذلك في كتابته للشِّعر والمقالة، في وقت مبكِّر من حياته الأدبيَّة.
1 - إنَّ ما تميَّز به الإبداع النَّثري لمحمد ناصر هو ذلك التَّنوُّع والتَّوسُّع في أشكاله وموضوعاته، فقد كتب في المقالة والقصَّة والسِّيرة، وأبدع في الجميع، كما كتب في الإصلاح وفق المنهج الإسلامي وكتب أيضًا في علم الاجتماع والتَّاريخ وشؤون السِّياسة، فكان أديبًا إسلاميًّا مبدعًا ومفكِّرًا بارعًا، غير أنَّه كتب أكثر في المقالة وفي القصَّة الدِّينيَّة الطُّفوليَّة.
2 - شيَّد محمد ناصر صرحه الشِّعري ملتزمًا فيه شكلاً ومضمونًا، وبيَّن خلاله أنَّ الشِّعر هو فنُّ الاقتدار على الضَّبط، والبراعة في إحسان التَّحرُّك، وإجادة التَّصرُّف والحركة في أضيق المساحات، وهو بذلك يبلغ أهدافه ولا يضيق به القيد الفنِّي أو الالتزام بالقيمة الدِّينيَّة، وفي القصيدة التي أصبحت وعاء تستوعب أفكاره ومشاعره.
3 - كما شكَّل أدب محمد ناصر محطَّة أساسيَّة في علاقة الأدب الجزائري بالتُّراث، وأثبت أنَّ الأدب الجزائري يمتلك ذاكرة أدبيَّة، من خلال استيعابه للأشكال الأدبيَّة التُّراثيَّة، وأقام جسرًا بين القارئ والتُّراث الأدبي القديم. (1/248)
صفحة 246
4 - إنَّ محمد ناصر من أبرز النُّقَّاد الذين حقَّقوا إبداعات متنوِّعة، ودلَّت إبداعاته على انغماسه في خضمِّ الحياة الثَّقافيَّة المعاصرة، ومحاولته الجادَّة في قراءتها، ومقدرته على محاورة المادَّة العلميَّة الغزيرة التي يتعامل معها، وجرأته في طرح أفكاره وآرائه التي تتَّكئ على مخزونه الثَّقافي الواسع ورؤيته الإسلاميَّة المتميِّزة.
5 - اكتملت لمحمد ناصر أدوات النَّاقد من موهبة أدبيَّة وإلهام ودراسة أكاديميَّة على مدى سنوات طويلة، أسَّست له منزلة رفيعة في محيط النَّقد الجزائري المعاصر، كما أسهمت الكثير من العوامل في صقل شخصيَّته الأدبيَّة ورؤيته الإسلاميَّة، خاصَّة المهمَّات العلميَّة التي أوكلت إليه في داخل الوطن وخارجه.
6 - يوجب محمد ناصر على النَّاقد أن ينطلق من إيجاد علاقة ترابط بين الأطراف الثَّلاثة في أثناء العمليَّة الإبداعيَّة: المبدع، النَّصّ، المتلقِّي، ويوليها عناية ويفحصها ويقوِّمها ويحلِّلها ويركِّبها، ثمَّ ينتهي إلى نتيجة عامَّة، وهذه المقاييس تفرز فلسفة خاصَّة، وهي فلسفة الرُّؤية الإسلاميَّة في طبيعتها وفي توجُّهها.
7 - شغل النَّقد اللُّغوي والشَّكلي حيِّزًا غير يسير في مؤلَّفات محمد ناصر النَّقديَّة، وظلَّ يلاحظ الأخطاء في الكلمة المفردة والتَّراكيب والجمل والأساليب بالتَّدقيق، وذلك من مبدأ حرصه على اللُّغة العربيَّة وسلامة تراكيبها واستعمالاتها من العبث والانحراف والالتزام بها؛ وجهًا بارزًا من ملامح الأمَّة الجزائريَّة.
8 - يبني محمد ناصر العمل الأدبي على أساس التَّجربة الشُّعوريَّة والتي تحفظ الموازنة الدَّقيقة بين مقاييسَ، تحدِّدها رؤيته الإسلاميَّة، وتستمدُّها من متطلَّبات العقل، والقلب والرُّوح، أو بين الفكر الأصيل والعاطفة المتَّزنة، والسُّموِّ الرُّوحي.
9 - يؤمن محمد ناصر أنَّ النَّاقد من واجبه أن يبدأ من تراثه، ويحترم التُّراث العربي القديم، ويكون هدا الاحترام في معرفة التُّراث وممارسته، ولا يكتفي بضرورة المعرفة، والممارسة فحسب، فهو وإن كان قد اعتمد على التُّراث إلّا أنَّه استخدمه لتحقيق ما أراده من خصوصيَّة وتفرُّد في تقديم أفضل النُّصوص الأدبيَّة والنَّقديَّة، وهو على يقين أنَّ التَّجذُّر في التُّراث هو الكفيل بالمساعدة على التَّخلّص من أشكال الحداثة الغربيَّة المنحرفة، والتَّوصُّل إلى إيجاد حداثة عربيَّة مستندة إلى التُّراث العربي الإسلامي. (1/249)
صفحة 247
10 - جاء مشروع الأديب محمد ناصر مرتكزًا على خلفيَّة إسلاميَّة حضاريَّة، سعيًا نحو تأسيس مشروع أدبي ونقدي وفكري متكامل، يتميَّز بخصوصيَّة الرُّؤية الإسلاميَّة، التي ينتمي إليها وإلى تراثه العربي الأصيل.
وقد تمَّ ذلك دون التَّعصُّب للماضي، لا بالاندماج مع الحاضر ومع التُّراث العربي، داعيًا إلى صنع حداثة تستمدُّ أصالتها من التُّراث وتنتقي من الحداثة الغربيَّة ما يناسبها.
إنَّ عالم محمد ناصر الأدبي والنَّقدي هو عالم متفرِّد، يتشكُّل من مجموعة من التَّجارب الحسِّيَّة، والمعارف الإسلاميَّة والأدبيَّة الواسعة، ممَّا أنتج كتابات ذات فنِّيَّات خاصَّة، تجنح إلى الماضي وتعانق الحاضر، بأسلوب راق ولغة متميِّزة، ممَّا يثري هذا العالم، فهو مشروع أدبي جاء وفق رؤية إسلاميَّة خاصَّة بالوجود. (1/250)
صفحة 248
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم: رواية ورش
أ المَصادر:
الدُّكتور محمد صالح ناصر:
1. أبو مسلم الرَّواحي: حسَّان عمان، 1857 - 1920 م، سلطنة عمان، ط 1، 1995 م.
2. الأعمال الشِّعريَّة الكاملة، دار الرِّيَّام للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، الجزائر، 2010 م.
3. البراعم النَّديَّة، قصائد وأناشيد للأطفال والفتيان، مكتبة الرِّيَّام، ط 2، الجزائر، 2008 م.
4. الشيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي، طبع المؤسَّسة الوطنيَّة للفنون المطبعيَّة، وحدة الرّغاية، الجزائر، 1991 م.
5. الشِّعر الجزائري من الرُّومانسية إلى الثَّوريَّة 1925 - 1962 م، وزارة الثَّقافة، 2013 م.
6. أعلام وأقلام، الجزء الأوَّل، (مجموعة المقالات النَّقديَّة)، مخطوطة.
7. حداثة أم ردَّة، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م.
8. حياة جهاد ... في رحاب الله، السِّيرة الذَّاتيَّة والعلميَّة، معهد المناهج، الجزائر، 2008 م.
9. لا يأس من رحمة الله، سلسلة القصص المربِّي للفتيان، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، 2004 م.
10. سلسلة الأنيس للفتيان، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، 2004 م.
11. سلسلة الأنيس للأطفال، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، 2004 م، قصَّة الفأر الكذَّاب، ج 1، 2. (1/252)
صفحة 249
12. سلسلة القصص الحقّ للنَّشء الإسلامي، مكتبة الرِّيَّام، الجزائر، وزارة الأوقاف والشُّؤون الدِّينيَّة، سلطنة عمان، 2004 م.
13. قصَّة آدم أبو البشر.
14. قصَّة نوح شيخ المرسلين.
15. مشايخي كما عرفتهم، دار ناصر للنَّشر والتَّوزيع، ط 2، الجزائر، 2013 م.
16. رمضان حمّود، حياته وآثاره، طبعة خاصَّة، وزارة المجاهدين، مطبعة دار هومة، الجزائر، 2008 م.
17. مجموعة مجلّدات: تاريخ الجزائر وأعلامها في أعمال الدُّكتور محمد ناصر، وزارة الثَّقافة، الجزائر، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، طبعة خاصَّة، الجزائر، 2013 م.
18. المقالة الصَّحفيَّة الجزائريَّة، المجلّد الأوَّل، القسم الأوَّل.
19. الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة من 1947 - 1957 م، المجلّد الثَّاني، القسم الأوَّل.
20. الشِّعر الجزائري الحديث اتِّجاهاته وخصائصه الفنِّيَّة 1925 - 1975 م، المجلّد الأوَّل، القسم الثَّاني.
21. الشِّعر الجزائري الحديث، مفدي زكريَّا شاعر النِّضال والثَّورة، رمضان حمّود حياته وآثاره المجلّد الثَّاني، القسم الثَّاني.
22. شخصيّات جزائريَّة، المجلَّد 1، 2، القسم الثَّالث.
23. تراثنا الإسلامي والعصر، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1995 م.
24. خصائص الأدب الإسلامي، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م.
25. ذكرياتي ومذكِّراتي 1938 - 2014 م، الجزء 1 و 2، دار ناصر للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، الجزائر، 2014 م.
ب المراجع:
إبراهيم محمد عطا:
26. عوامل التَّشويق في القصَّة القصيرة لطفل المدرسة الابتدائيَّة، مكتبة النَّهضة المصريَّة، القاهرة، ط 1، 1994 م. (1/253)
صفحة 250
أدونيس:
27. النَّصِّ القرآني وآفاق الكتابة، دار الآداب، بيروت، ط 1، 1993 م.
28. زمن الشِّعر، دار العودة، ط 2، 1990 م.
أحمد زلط:
29. أدب الطُّفولة بين كامل الكيلاني ومحمد الهراوي، الشَّركة العربيَّة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، ط 2، د. ت.
أحمد محمد مبارك:
30. ومضات إسلاميَّة في الشِّعر العربي المعاصر، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندريَّة، ط 1، 2000 م.
أحمد محمد علي:
31. الأدب الإسلامي ضرورة، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، ط 1، 1991 م
أحمد نجيب:
32. أدب الأطفال علم وفنٌّ، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 2، 1954 م.
أحمد رحماني:
33. النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، الرِّياض، ط 1، 2004 م.
34. الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر، مكتبة وهبة للطِّباعة والنَّشر، القاهرة، ط 1، 2004 م.
35. نظريّات نقديَّة وتطبيقاتها، مكتبة وهبة للطِّباعة والنَّشر، القاهرة، ط 1، 2004 م.
الأخضر جمعي:
36. نظريَّة الشِّعر عند الفلاسفة الإسلاميِّين، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1999 م. (1/254)
صفحة 251
ألبرت حوراني:
37. الفكر العربي في عصر النَّهضة ترجمة: كريم عزقول، دار النَّهار، بيروت،1967 م.
ألن جونز:
38. النَّظريَّة الشِّعريَّة عند ت. أي هيوم في كتاب الرِّحلة الثَّانية، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، المؤسَّسة العربيَّة للدِّراسات والنَّشر، بيروت، 1979 م.
أنيسة بركات درار:
39. أدب النِّضال في الجزائر المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1984 م.
إسماعيل الملحم:
40. كيف نعتني بالطِّفل وأدبه دار علاء الدِّين للنَّشر والتَّوزيع والتَّرجمة، دمشق، ط 1، 1994 م.
ج كوللر:
41. ما النَّظريَّة الأدبيَّة؟، ترجمة هدى الكيلاني، منشورات اتِّحاد الكتاب العرب، دمشق، 2009 م.
جورج سانتييانا:
42. الإحساس بالجمال ترجمة مصطفى بدوي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، مصر.
حسن شحاتة:
43. قراءات الأطفال الدَّار المصريَّة اللبنانيَّة، ط 2، 2000 م.
محمد القاسمي:
44. قضايا النَّقد الأدبي المعاصر دار يافا القلميَّة للنَّشر والتَّوزيع، الأردن، ط 1، 2010 م.
محمد العيد جلولي: (1/255)
صفحة 252
45. القصص المكتوبة للأطفال في الجزائر، دراسة تاريخيَّة فنِّيَّة في فنونه وموضوعاته، دار هومة للطَّبع، الجزائر، ط 1، 2003 م.
محمد إقبال عروي
46. جماليَّة الأدب الإسلامي المكتبة السَّلفية، الدَّار البيضاء، ط 1، 1986 م.
محمد حسن بريغش:
47. الأدب الإسلامي أصوله وسماته، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 2، 1996 م.
48. في الأدب الإسلامي المعاصر، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1998 م.
49. في القصَّة الإسلاميَّة المعاصرة، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 2000 م.
محمد محمد حسين:
50. مقالات في الأدب واللُّغة، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 2، 1998 م.
محمد مصايف:
51. النَّثر الجزائري الحديث، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1983 م.
محمد مرتاض:
52. قضايا أدب الطِّفل دراسات تاريخيَّة فنِّيَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، دط، 1994 م.
محمد ناصر بوحجام:
53. الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان، نشر جمعيَّة التُّراث، القرارة، 1997 م.
محمد عادل الهاشمي:
54. فنُّ الأدب الإسلامي، تجارب ... ومواقف، دار المنار، بيروت، ط 1، 1987 م.
محمد عبد المنعم الخفاجي: (1/256)
صفحة 253
55. حركات التَّجديد في الشِّعر الحديث دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندريَّة، ط 1، 2002 م.
محمد صبري السّربوني:
56. خليل مطران (أروع ما كتب)، الهيئة العامَّة لقصور الثَّقافة، ط 1، 2004 م.
محمد صابر عبيد:
57. تأويل النَّصِّ الشِّعري، عالم الكتب الحديث للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 2010 م.
محمد قطب:
58. منهج الفنِّ الإسلامي، دار الشُّروق، بيروت، ط 6، 1983 م.
محمد حسن إسماعيل:
59. المرجع في أدب الأطفال، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 1، 2004 م.
مصطفى ناصف:
60. دراسة الأدب العربي، دار الأندلس، بيروت، ط 3، 1983 م.
مروة متولي:
61. حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث العربي، دار الأوائل للنَّشر والتَّوزيع والخدمات الطِّباعيَّة، دمشق، سوريا، ط 1، 2008 م.
نجيب الكيلاني:
62. آفاق الأدب الإسلامي، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1985 م.
63. رحلتي مع الأدب الإسلامي، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 1، 1985 م.
نعمات أحمد فؤاد:
64. خصائص الشِّعر الحديث، ملتزم الطَّبع والنَّشر، دار الفكر العربي، 1980 م.
سحر خليل: (1/257)
صفحة 254
65. مختارات من النَّثر العربي، دار البداية ناشرون وموزِّعون، عمَّان، ط 1، 2011 م.
سعيد الغزاوي:
66. مقالات في النَّقد الإسلامي تأصيل وتجريب، دار النَّشر الحمديَّة، الدَّار البيضاء، ط 1، 1999 م.
عبد الباسط بدر:
67. مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي، دار المنارة للنَّشر، جدَّة، ط 1، 1985 م.
عبد الواحد اللّؤلؤة:
68. الاتِّجاهات والحركات في الشِّعر العربي الحديث، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت، ط 1، 2001 م.
عبد الله عوض الخباص:
69. سيِّد قطب، الأديب النَّاقد، مكتبة المنار، الزَّرقاء، ط 1، 1983 م.
عبد الله الرّكيبي:
70. الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، الجزائر، 1981 م.
عبد الله رضوان:
71. البنى الشِّعريَّة، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، دروب للنَّشر والتَّوزيع، عمَّان، ط ع، 2010 م.
عبد الفتّاح أبو معال:
72. أدب الأطفال وأساليب تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم عمَّان، الأردن، ط 2، 2005 م.
عبد القادر الرّباعي: (1/258)
صفحة 255
73. جماليَّة المعنى الشِّعري التَّشكيل والتَّأويل، دار جرير للنَّشر والتَّوزيع، عمَّان، ط 1، 2009 م.
عبد الرّحمن حسني حبنكة الميداني:
74. مبادئ في الأدب والدَّعوة، دار القلم، دمشق، ط 2، 1987 م.
عدنان علي رضا النَّحوي:
75. الحداثة من منظور إيماني دار النَّحوي للنَّشر، الرِّياض، السَّعودية، ط 1، 1407 هـ، 1987 م.
76. الأدب الإسلامي إنسانيَّته وعالميَّته، دار النَّحوي للنَّشر، الرِّياض، السَّعودية، ط 1، 1987 م.
عودة الله منيع القيسي:
77. تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي، دار البشير للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، 1985 م.
علي خذري:
78. البحث الأدبي الحديث في الجزائر، منشورات مخبر الشَّرعيَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، قسنطينة، ط 1، 2004 م.
عماد الدّين خليل:
79. مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، 1987 م.
80. في النَّقد الإسلامي المعاصر، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، 1984 م.
81. مؤشِّرات إسلاميَّة في زمن السُّرعة، مؤسَّسة الرِّسالة، ط 2، 1986 م.
عمر بوقرورة:
82. دراسات في الشِّعر الجزائري الحديث، دار الهدى، عين مليلة.
فايز الدّاية: (1/259)
صفحة 256
83. جماليَّة الأسلوب، الصُّورة الفنِّيَّة في الأدب العربي، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط 2، 1990 م.
صالح آدم بيلو:
84. من قضايا الأدب الإسلامي، دراسات في الأدب الإسلامي ونقده، دار المنارة للنَّشر، جدَّة، السَّعودية، ط 1، 1985 م.
شفيق جبري:
85. أنا والنَّثر، الشَّركة المتَّحدة للتَّوزيع، لبنان، ط 1، 1989 م.
خالد أحمد أبو جندي:
86. الجانب الفنِّي في القصَّة القرآنيَّة منهاجها وأسس بنائها، دار الشِّهاب للطِّباعة والنَّشر، باتنة، الجزائر.
غنيمي هلال:
87. النَّقد الأدبي الحديث، دار الثَّقافة ودار العودة، بيروت، ط 1، 1983 م.
ج المجلاَّت والدَّوريَّات:
88. الجمهوريَّة: (الملحق الأسبوعي)، 10 ديسمبر 1984 م.
89. مجلَّة الحياة: العدد 01، جمعيَّة التُّراث، القرارة، 1998 م.
90. جريدة المساء، العدد 01/ 11/1987 م.
91. مجلَّة السِّراج: الإمارات العربيَّة المتَّحدة، 1992 م.
92. مجلَّة الرَّافد: العدد 104، أبريل، الشَّارقة، 2006 م.
93. مجلَّة الشِّهاب: الأعداد 2، 8، 82، 85، 93، 94، 108، ما بين 04/ 02/1927 م إلى 04/ 08/1927 م.
94. جريدة الشَّعب الأسبوعيَّة: العدد 57، الجزائر 1996 م، العدد 03/ 14 إلى 0/ 04/1985 م.
95. جريدة الشَّعب اليوميَّة: العدد 25/ 03/1980 م. (1/260)
صفحة 257
96. مجلَّة التُّراث العربي: العدد 18، كانون الثَّاني، دمشق، 1985 م.
د الرَّسائل الجامعيَّة:
دومان غنيّة:
1. أدب الأطفال عند محمد ناصر، ماجستير مخطوطة، كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة، قسم اللُّغة العربيَّة وآدابها، جامعة الحاج لخضر، باتنة 2007 - 2008 م.
عبد الرَّزَّاق بن السّبع:
2. قصص الأطفال في المغرب العربي، دراسة تأصيليَّة تطبيقيَّة، أطروحة دكتوراه مخطوطة، كلِّية الآداب والعلوم الإنسانيَّة، قسم اللغة العربيَّة وآدابها، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2003 - 2004 م.
ه المراجع الأجنبيَّة:
99. T.S.Eliot, The USE of Poetry and the USE of criticism, london, 1970.
الكتب التُّراثيَّة تمَّ الاطِّلاع عليها من خلال موقع الورَّاق الإلكتروني www.alwaraq.net.
الجاحظ:
100. المحاسن والأضداد.
ابن خلدون:
101. المقدِّمة.
102. كذلك تمَّ الاعتماد على الموقع الإلكتروني للأديب محمد ناصر، حيث يعدُّ أرشيفًا للعديد من الكتب والمقالات، وللحوارات التي أجريت معه (d.mednacer@veecos.net). (1/261)
صفحة 258
فهرس المحتويات
إهداء 9
مقدّمة 11
تمهيد 17
أ محطَّات مهمَّة في حياة محمد ناصر 17
o نشأته وأسرته 17
o مساره الدِّراسي والمكوِّنات الثَّقافيَّة 20
o سفره لمواصلة دراسته الجامعيَّة بالقاهرة 21
o شخصيَّات وقيم تأثَّر بها 24
o الوظائف العلميَّة والإدارية 25
o نتاجه العلمي 28
ب الرُّؤية الإسلاميّة 33
o المصطلح والمفهوم 33
o النَّشأة والتَّطوُّر 40
o قضاياها واهتماماتها 44
الباب الأوَّل: الإبداع الأدبي عند محمَّد ناصر 49
الفصل الأوَّل: الإبداع النَّثري 51
تمهيد. 51
المقالة الأدبيَّة 53 (1/262)
صفحة 259
أ العرض المنهجي 60
ب الجمعُ بين الرُّؤية الإسلاميَّة والقيمة الفنِّيَّة 61
ج الجرأة والتعقُّل 63
د الخطاب الوعظي 65
القصَّة 67
أ الخصائص الفنِّيَّة للقصِّة الدِّينيَّة عند محمد ناصر 75
ب المقوِّمات الفنيَّة 80
السِّيرة 81
الفصل الثَّاني: الإبداع الشِّعري 89
الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر 89
الخِطاب الشِّعري 98
أ البُعد العقدي 99
ب الوطنيَّة والقوميَّة الإسلاميَّة في شعره 102
ج صورة المرأة في شعره 115
د الطِّفل في شعره 120
الخصائص الفنِّيَّة للرُّؤية الإسلاميَّة في شعر محمد ناصر 126
أ البنية الشِّعريَّة 127
ب وحدة الموضوع والوحدة الدِّيوانيَّة 133
ج النَّبرة الدِّينيَّة في الخطاب الشِّعري 134
د استخدام أسلوب الرَّدِّ والحكاية 139
هـ اللُّغة الشِّعريَّة 139 (1/263)
صفحة 260
الباب الثَّاني: الإبداع النَّقدي عند محمَّد ناصر 143
الفصل الأوَّل: مفهوم الأدب عند محمَّد ناصر 145
التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع 150
القرآن الكريم مصدر للتَّجربة الشُّعوريَّة 158
السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون) 168
الفصل الثَّاني: وظيفة الأدب عند محمَّد ناصر 177
تمهيد. 177
إسلاميَّة المبدع 181
أ - مفهوم الالتزام في الأدب الإسلاميِّ 182
ب - مفهوم الالتزام في الأدب الجزائري 183
ج - مفهوم الالتزام عند محمد ناصر (إسلاميَّة المبدع) 184
الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية 193
أ - الرِّساليَّة في الأدب الإسلامي 193
ب - الرِّساليَّة في الأدب الجزائري 195
ج - الرِّساليَّة عند محمد ناصر 196
الفصل الثَّالث: موقفه من المناهج النَّقديَّة المعاصرة 213
موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين 213
الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب 236
الخاتمة 249
قائمة المصادر والمراجع 253
أ - المَصادر 253 (1/264)
صفحة 261
ب - المراجع 254
ج - المجلاَّت والدَّوريَّات 261
د - الرَّسائل الجامعيَّة 262
هـ - المراجع الأجنبيَّة 262
فهرس المحتويات 263
- ... -
تم بحمد الله
- - - - (1/265)