صفحة 1
الكتاب: السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925 - 1962م
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
دار النشر: جمعية التراث.
البلد: الجزائر.
طبع: المطبعة العربية، غرداية.
الطبعة: الأولى.
سنة الطبع: 1425هـ / 2004م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) السخرية في الأدب الجزائري الحديث1925 – 1962 م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
السخرية
في الأدب الجزائري الحديث
1925 - 1962م
تأليف الدكتور:
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
1425 هـ / 2004 م
نشر جمعية التراث
القرارة - غرداية - الجزائر (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 هـ / 2004 م
طبع المطبعة العربية، نهج طالبي أحمد - غرداية
الهاتف/ الفاكس: 029.88.36.53
المنطقة الصناعية: 029.87.34.34
é-mail: impremrie.ElArabia@caramail.com (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 6
شرح الرموز (1/6)
صفحة 7
مقدمة (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
مقدمة
السخرية ظاهرة أدبية لا يخلو منها أدب أمَّة من الأمم، وقد نشأت مع الإنسان منذ أصبح قادراً على التمييز بين الأشياء، وتقدير العلاقات الإنسانيَّة، وحاذقا لملاحظة ما يجري في الكون، وما يحدث فيه من مفارقات وأشياء يعدُّها شذوذاً عن الفطرة البشريَّة تُقلِقه، وتُسبِّب له ألماً نفسيًّا، يرى نفسه مجبراً على التصدِّي لذلك الانحراف عن سوء الفطرة فينبري ليسخر منه.
من هنا يمكن عدّ السخرية والفكاهة مقياساً من مقاييس ذوق الأمّة وحضارته، ومعياراً من معاييرها في الحكم على الأشياء، والنظر إلى الأمور؛ إذ قد يستعين بهما الدارس في معرفة المقوّمات التي تحكم تلك الأمّة: ما تحترمه وتقدّسه وتدعو إليه، وما تنبذه وتنْفرُ منه وتحتقره، وتلحُّ على التخلّص منه، وإبعاده من الحياة العامّة. وعن طريق السخرية والفكاهة أيضاً يمكن أن نكشف كيفية معالجة أبناء الأمّة للقضايا، ونوع الاهتمام بشؤون الحياة في مختلف المجالات. وكثيرا ما تكون السخرية صدى للحالة السياسية والاجتماعية. وقد تنجح في تصوير هذه الحالة أكثر من الأدب العادي الجاد لأسباب وعوامل، إلى جانب ما يتوفَّر فيها من إيناس وإضحاك ومتعة وطرافة وتصوير بديع، تنشرح له النفس وتطمئن إليه؛ لأنَّه ينفّس عنها، ويترجم عن إحساساتها. لهذا وصفت السخرية بأنهّا ظاهرة طبيعية في حياة الأمم بعامّة والحياة الأدبية بخاصَّة.
الأدب الجزائري بدوره لم يخلُ من روح السخرية والفكاهة، وبخاصَّة الحديث منه، وقد صوَّرت تصويراً جيِّداً البيئة الأدبية، وما كان يدور فيها من صراعات ومنافسات، وما كان يشغل بال الأدباء، وعكست ما كان يستأثر باهتمام الجزائريِّين بعامَّة، وبخاصَّة من كان له احتكاك بالحياة اليومية والقضايا المصيرية للأمَّة كرجال الدين والسيَّاسة والاجتماع والثقافة.
وكانت السخرية الأدبية بارزة في المقالات والقصص والمقامات والشعر الفصيح منه والملحون، وكانت كتابات بعض الأدباء تكاد لا تخلو من سخرية في (1/9)
صفحة 10
كلِّ ما كتبوا كالبشير الإبراهيمي ومحمد السعيد الزاهري ومحمد الأمين العمودي، وأحمد رضا حوحو. وقد كانت كثير من الجرائد متخصِّصة في السخرية، أو كانت تقدِّم أغلب موادها في شكلٍ ساخر هادف. ما استطعنا جمعه من هذه المادة كان كثيراً. إلى جانب ما ضاع أو لم ينشر. فالشيخ البشير الإبراهيمي مثلا كتب أرجوزة سمَّاها "الحقنتان" تَعدُّ خمسة وثلاثين ألف بيت، كلُّها سخرية وفكاهة، وهي من الأدب المكشوف. ضاعت (1) مع ما ضاع له من أدب ساخر، وآخر لم ينشر. والأستاذ محمد الصالح رمضان أيضا ضاعت منه بعض الآثار الساخرة؛ بسبب تنقُّلاته من مكان إلى مكان، وبسبب الرَّقابة الاستعمارية. وعدم التزام بعض الباحثين بردِّ ما استعاروه منه من هذا الأدب؛ قصد دراسته (2) وهناك آثار ساخرة لم نتمكَّن من الاطِّلاع عليها، سمعنا عنها ولم نرها؛ لسبب أو لآخر، كأراجيز النعيم النعيمي ... لكلِّ ذلك كانت السخرية في الأدب الجزائري ظاهرة أدبية في حاجة إلى دراسة.
لقد كانت هناك محاولات وإشارات إليها في بعض الدراسات، التي تفضَّل بها بعض الباحثين، لكنَّها كانت غير كافية لإعطاء صورة كاملة عن الأدب الجزائري الساخر؛ إذ أنَّ طبيعة الدراسات التي قام بها هؤلاء، لا تسمح لهم بأكثر ممَّا قدّموا، إلاَّ أن تلك الإشارات كانت لنا عوْنا على دراسة الموضوع، وكانت لنا سندا كبيراً في معالجة الظَّاهرة، ومواصلة البحث فيها. نذكر من بين هؤلاء الأساتذة: أبا القاسم سعد الله، عبد الله ركيبي، عبد المالك مرتاض، محمد ناصر، محمد الصالح رمضان، حمزة بكوشة، أحمد منوَّر، رابح فرُّوجي ...
هذه الإشارات والمحاولات شجَّعتنا على اختيار هذا الموضوع، والكتابة فيه؛ لإبرازه ومحاولة إنصاف هذا الأدب، وردِّ التهمة الموجَّهة إليه، ووصفه بأنَّه ضعيف، لا يرقى إلى مستوى الكتابة الأدبية، ودفع إيهام أنَّ الأدب الجزائري خالٍ من
__________
(1) ذكر لي ذلك الأستاذ محمد الطاهر فضلاء، في مقابلة خاصَّة، الجزائر يوم: 09/ 10/1991م.
(2) ذكر لي ذلك في مقابلة معه، القبة (الجزائر) شهر أكتوبر 1992م. (1/10)
صفحة 11
السخرية والتهكم؛ بالرغم من إسهاماتهما الكبيرة في النهضة الجزائرية الحديثة.
وقد اخترنا "السخرية" عنواناً للدراسة؛ رغم ورود كلمات (الفكاهة والتهكم والتندر ... ) أثناء التحليل؛ لأنَّ هذه الكلمات كانت متقاربة جدّاً في دلالاتها اللغوية والفنية، بل ومتداخلة أحياناً، إلاَّ أنَّ السخرية كانت أعمَّها وأشملها، وبقية الكلمات كانت كلّها تنضوي تحتها.
بناء على كلِّ ما ذكرناه كان على البحث أن يجيب عن الأسئلة الآتية: ما سبب اختيار الأدباء السخرية أسلوباً من أساليب التعبير؟ وما هي مجالاتها التي تحرَّكت فيها؟ ما هي طبيعة هذه السخرية؟ وما هي إسهاماتها في تحريك الحياة العامَّة في الجزائر؟ كيف تطوَّرت؟ وما هي خصوصياتها التي تميِّزها عن السخرية في الآداب الأخرى؟ ما مكانتها بين ما وُجد في الأدب العربي؟ وأخيرا هل اختار الأدباء السخرية عن وعي، وعرفوا العناصر التي تُجَوَّدُ بها الكتابة؛ لتؤدّي رسالتها؟ أم كان ذلك عن تقليد ومحاكاة للغير فقط؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لم يتَّبع البحث منهجا واحداً، بل حاول الاستفادة من مناهج عديدة، كان في مقدِّمتها المنهج النفسي والمنهج الوصفي. جاء المنهج النفسي ليبحث عن المعنى الخبئ في النص، أي المضمون الكامن وراء المعني الظاهر، الذي يدلُّ على نفسية صاحبه، ويكشف عن الصفة الرمزية التي يحملها النص، وبذلك يحاول سبر أغوار نفوس الأدباء، ومعرفة حقيقة مشاعرهم وطبيعتها. أماَّ المنهج الوصفي الذي يعتمد على الاستقراء، فقد استعمله البحث ليبيِّن كثرة ما كتب في موضوع واحد؛ للوقوف على مدى اهتمام الأدباء بنقطة معيَّنة، ومدى استحواذ مشاعر معيَّنة عليهم. مع الاستفادة من المنهج التاريخي في مراعاة التسلسل الزمني للنصوص والتفسير التاريخي لبعضها في أغلب الأحيان.
اخترنا لبداية هذه الدراسة سنة 1925م؛ لأنَّها السنة التي عرفت تحوُّلا كبيراً في الجزائر؛ فقد كانت بداية حقيقية للنَّهضة الجزائرية الحديثة بعامَّة، والحياة الأدبية بخاصَّة؛ إذ هي السنة التي شهدت ميلاد الحركة الإصلاحية، التي كان لها دور كبير (1/11)
صفحة 12
في توجيه الحركة الأدبية؛ بإنشاء الصحف، وتأسيس النوادي، والعناية بتطوير الأدب بمختلف الوسائل، وكان لكلِّ ذلك أثره في محصول الشباب من الزاد الأدبي، فاكتسب أساليب جديدة في الكتابة، تطوّرت فيما تلا من المراحل، وكان من بين تلك الأساليب أسلوب السخرية.
أمَّا النهاية فقد حدَّدناها بسَنة 1962م، إذ هي السنة التي عرفت دخول الجزائر مرحلة جديدة، تختلف كلَّ الاختلاف عمَّا سبقها. إنَّها سنة الاستقلال التي وضعت حدّاً للعبودية والاستغلال وتقييد الحرية، ومضايقة التعبير الحرِّ، وتضييق مجال الكتابة؛ ولذلك كانت المرحلةَ التي سينشط فيها الأدب ضمن معطيات جديدة، من ثمَّ تفرز نتائج جديدة مغايرة لما كان من قبل.
أمَّا هيكل البحث فقد حدَّدته الخطَّة الآتية المقسَّمة إلى تمهيد وستَّة فصول: حاولنا في التمهيد تحديد المدلول اللغوي والفنيِّ للسخرية؛ لاختيار النصوص التي تندرج تحتها. وقد بسطنا القول في بعض الكلمات التي تتقارب دلالاتها مع السخرية مثل الفكاهة والتهكم، وأشرنا إلى بعضها كالضحك والتندُّر ... لأننا أحسسنا أنَّ الأدباء كانوا في كتاباتهم يراوحون بين هذه الكلمات في تعبيراتهم، وهم يقصدون السخرية. كما لاحظنا أنّ هذه الكلمات لا تختلف فيما بينها كثيراً من حيث الدلالة اللغوية والفنية. وإن كنَّا في النهاية قد وضعناها تحت كلمة السخرية، تحديدا لعنوان البحث. وقد فصَّلنا القول في هذه الكلمات لتبرير كثير من النصوص التي أوردناها تحت عنوان السخرية، التي قد لا يرى فيها البعض أثراً للسخرية، لكنَّها تنضوي تحت كلمة أخرى من الكلمات التي أوردناها في هذا السياق. وهي بدورها تندرج ضمن مدلول السخرية بالمفهوم الذي أعطيناه لها. كما نشير إلى أنَّنا مزجنا عمدا بين المدلول اللغوي والفنِّي للسخرية لصعوبة التفريق بينهما في التعريف.
بناءً على هذه الملاحظات كانت لنا وقفة مع وظيفة السخرية لمزيد من التعريف بها وبمدلولها. ثم قدَّمنا لمحة عن السخرية في الأدب العربي للوقوف على التطوُّر الذي حصل فيه في هذا المجال، ولمعرفة مكانة الأدب الجزائري الساخر في مسار الأدب العربي، ومدى إسهاماته وخصوصيته. (1/12)
صفحة 13
ولمزيد الاطِّلاع على مدى تطوُّره تعرَّضنا للمرحلة السابقة عن الفترة التي حدَّدناها للدراسة وهي فترة ما قبل 1925م، وقد أشرنا إشارات عابرة ومقتضبة إلى ما عرفته المرحلة من سخرية؛ إذ لم يكن قصدنا في هذا التناول التفصيل أو التحليل والاستقصاء أو النقد بقدر ما كان هدفنا التوطئة لدراستنا، وربط السخرية في الأدب الجزائري الحديث بما سبقته من حيث الخطُّ الذي درجت فيه. ولهذا توخّينا الإيجاز واعتمدنا على الإحالات والإشارات، وتقديم أحكام عامَّة وعرض آراء الغير في الموضوع دون مناقشتها. ثم تحدَّثنا عن العوامل التي ساعدت على انتشار السخرية في الأدب الجزائري الحديث.
أمّا الفصل الأوَّل فقد خصّصناه لعرض القضايا الإسلامية التي عالجها الأدب الجزائري الساخر، وقد كانت قضايا خاصَّة بالجزائر وقضايا عامَّة تهمُّ العالم الإسلامي.
وجاء الفصل الثاني ليتناول قضايا اجتماعية، أبرزت الوضع المتردِّي الذي كان يعيشه العالم الإسلامي؛ بسبب انتشار الآفات الاجتماعية. وقد كانت حصَّة الأسد في هذا الفصل لموضوع الطرقية، الذي كانت انعكاساته خطيرة على المجتمع الجزائري؛ لهذا عدَّدنا المجالات التي نشطت فيها الطرقية، وأوردنا عناوين جزئية في الموضوع، محاولة منَّا الكشفَ عن دور السخرية في تناول هذا الموضوع.
وركَّزنا في الفصل الثالث على قضايا سياسية، تناولها الأدب الجزائري الساخر، وكانت في مجملها مسائل أضرَّت كثيراً بالمجتمع الجزائري لضرب الوحدة الوطنية، وكان من بينها ما أفصح عن سوء معاملة الاستعمار للجزائريين وحيفه الذي تجاوز الحدود. وما كشف عن أذناب الاستعمار في الجزائر، إلى غير ذلك من القضايا التي مسَّت الجزائريين في الصميم. ولهذا نشطت السخرية لمعالجتها والتصدي لها، أو على الأقل لتُنفِّس عن الأدباء ما يشعرون به من كمد وحسرة.
نشير في ختام هذا القسم: قسم الفكر إلى أنَّنا وضعنا ما تناولناه في هذه الفصول في شكل قضايا؛ لهذا كنَّا نجمع نصوصاً، تناولت نقطاً معيَّنة، ونعرضها (1/13)
صفحة 14
حسب تسلسلها الزمني في الصدور؛ لنمكِّن المتلقي من معرفة حجم ما شغلته قضية ما من اهتمام الأديب الجزائري، وكذا نوعية القضايا التي كان يعالجها بأسلوب السخرية، وطريقة هذه المعالجة، ومدى تطوُّر هذه القضايا. ومن ثمَّ تنكشف له (أي المتلقي) بعض السمات التي كانت تطبع الفترة التي درسناها في مختلف المجالات.
هذا المنهج الذي اعتمدناه، فرض علينا طريقة في التناول والعرض، تمثَّلت في إضافة معلومات ونصوص وآراء لها دور في الإبانة عن ملابسات القضية والظروف التي اكتنفتها، وفي نثر بعض المعاني وشرحها؛ لتتَّضح السخرية في النص، ومن ثمَّ نتمكَّن من تعليل لجوء الأديب إليها.
لم نُعنَ كثيراً بتفكيك أسلوب النصوص بقدر ما عُنِينا بالكشف عن الجانب الفكري فيها، وقد أرجأنا ذلك إلى الفصول اللاَّحقة، التي تمثِّل القسم الثاني من البحث، الذي خصَّصناه لإبراز الظواهر العامَّة للسخرية، بداية من الفصل الرابع، الذي استعرضنا فيه الأساليب التي ظهرت به السخرية، وهي أساليب معروفة في الأدب الساخر، وكان قصدنا الإبانة عن دلالاتها التعبيرية، وعن نوع الأساليب التي توخَّاها الأدباء، ومدى تفنُّنهم في استعمال هذه الأساليب، وعلاقة كلِّ أسلوب بالظروف والأسباب التي ربطت الأدباء بها.
أما الفصل الخامس فتناولنا فيه الجانب الفنيِّ، وقد عرضنا اللغة التي كتب بها الأدباء سخريتهم، والصور التي أتوا بها في هذا المجال، ثم الرمز الذي اعتمدوه في إبراز هذه السخرية.
الفصل السادس كان مخصَّصاً لتسجيل الخصائص العامَّة التي تميَّز بها الأدب الجزائري الساخر، المستنتجة ممَّا عرضناه من نصوص.
نسجل هنا أننا (في القسم الثاني من الرسالة) تعمَّدنا الاختصار، واكتفينا ببعض الإشارات في بعض الأحيان تجنَّبا للتكرار وتلافيًّا للإطالة، لأن كثيراً من الخصائص الفنية والعامَّة في الأدب الجزائري الساخر مرَّت الإشارة إليها في الفصول المتعلِّقة بالقضايا. وقد أُجبِرنا على ذكرها فيها -أحيانا- للاستعانة بها على كشف السخرية أو الإشارة إليها في النصوص التي عرضناها. (1/14)
صفحة 15
ونشير أيضا إلى أنَّنا لم نفرد فصلا خاصًّا بالموسيقى، لأنَّنا لم نجد فيما جمعناه من نصوص ما يسترعي الانتباه، ويحتاج إلى دراسة. إلاَّ القليل الذي أشرنا إليه وأدرجناه في أثناء الفصول.
نريد أن ننبِّه أيضا إلى بعض الملاحظات التي توضِّح الطريقة التي سلكناها في هذه الدراسة:
1) كثير مما عدَّه بعض الدارسين مقالاً قصصياً أو صورة قصصية تناولناه ضمن المقالة؛ لأنَّنالم نَرَ فيه خصوصية واضحة تميِّزه عن المقالة؛ إذ لم يتوفَّر في النوعين ما يلحقهما بالقصَّة القصيرة إلاَّ اعتبارهما بدايات لها، بل كان هذان النوعان فقيرين للبناء القصصي، وقد غلب عليهما السرد والأسلوب الخطابي، وطغيان الفكرة الوعظية والتعليمية ... (1). والصورة القصصية لم تعرف انطلاقتها الحقيقية إلاَّ بعد الحرب العالمية الثانية (2)، والقصّة القصيرة بدت ملامحها في الظهور في أوائل الخمسينيَّات (3)، لهذا لم نخصِّص حديثاً للأنواع الثلاثة، إنَّما كان تناوُلنا لها ضمن المقالة.
2) لم نتعرَّض للمسرحية لأنَّنالم نجد سمة السخرية متوفِّرة في هذا الجنس الأدبي، إلاَّ في ما كتبه أحمد رضا حوحو، مع قلَّة ما ورد في كتابته منهما؛ إذ ربمَّا توفَّرت شذرات من السخرية في مسرحية واحدة أو اثنتين فقط.
3) لَمْ نفْصِل في دراستنا بين الشعر والنثر؛ لقلَّة ما ورد في الشعر من سخرية، ولمخافة الإطالة في البحث، بتخصيص كلِّ قسم بالدراسة. لهذا كنَّا نبدأُ في كلِّ نقطة بالمقالة ثم نتبعها بنصوص شعرية إن وجدت. ولعلَّ طبيعة المقالة وطواعيتها للسخرية والنقد، ولكون كثير من النقاد يرون أنَّ المقالة الناجحة هي التي تحتوي على قدر من السخرية والتفكه، لعلَّ ذلك هو الذي ساعد على توفير نصوص نثرية ساخرة أكثر من نصوص شعرية.
__________
(1) ينظر د. عبد الله ركيبي، القصة الجزائرية القصيرة، ص: 137، 138، 139.
(2) م. س، ص: 87، 88.
(3) م. س، ص: 161. (1/15)
صفحة 16
4) أدرجنا ضمن السخرية بعض الكتابات والصور التي تبدو فيها الطرافة في التناول، وقد لا يدلُّ ظاهرها على السخرية؛ إلاَّ أنَّ المتأمّل فيها تنكشف له هذه السخرية، ويحسّ أنَّ صاحبها يقصد إلى التندُّر والتهكم ببعض التصرُّفات؛ وذلك حين يربط بين تلك النصوص والسياق الذي وردت فيه، والظروف والعوامل التي ألجأت الأديب إلى تقديم تلك الصورة أو كتابة ذلك النص، هنا يكتشف السخرية.
5) كنَّا - في بعض الأحيان- نورد نصوصاً كثيرةً في الفكرة الواحدة، ونطيل في الهامش، ونكثر من الإحالات؛ قصد توضيح الرؤية للمتلقِّي، وللباحث في الأدب الجزائري الساخر، ليقف على مدى إسهامه في النهضة الجزائرية الحديثة، ومدى حضوره المكثَّف في الساحة الأدبية لمعالجة كثير من القضايا، وتصحيح بعض المفهومات، ومن ثمَّ تقديم تصوُّر صحيح للأدب الجزائري بعامَّة، وإعطاء مفهوم خاص للسخرية عند الأدباء الجزائريين من خلال تعاملهم مع اللفظة وتوظيفها.
هذه هي محاولتنا في دراسة ظاهرة السخرية في الأدب الجزائري، وهي محاولة لم ترقَ إلى ما كنَّا نطمح إليه، ولم تتمكّن من الإجابة عن كلِّ الأسئلة التي خالجتنا ونحن ندرس هذه الظاهرة، لكنَّها حاوَلَت الإسهام في التعريف بجانب من جوانب الأدب الجزائري.
وفي الختام نُقدِّم شكرنا الجزيل لكلِّ من أسهم في إتمامِ هذا البحث بأية مساعدة مهما تكن. نخصُّ بالذكر أستاذنا الدكتور محمد ناصر، الذي كانت انطلاقة البحث معه، وأستاذنا الدكتور عبد القادر هنيِّ، الذي أكملنا معه مشوار الدراسة، لقد وجدنا منهما كلَّ مساعدة، وكلَّ ما ذلَّل لنا الصعوبات، ولقد كانت لتوجيهاتهما القيِّمة السديدة ورعايتهما الحسنة والمخلصة للبحث، كان لكلِّ ذلك فائدته وفضله في إخراج البحث على هذه الصورة. فشكراً لهما ثانية والله وليُّ التوفيق.
باتنة: يوم الخميس 02 من رجب 1414هـ 16 من ديسمبر 1993م.
محمد بن قاسم ناصربوحجام (1/16)
صفحة 17
تمهيد (1/17)
صفحة 18
تمهيد
أ - السخرية بين المدلولين اللغوي والفني
ب - وظيفة السخرية في الأدب
ج - السخرية في الأدب العربي
د - السخرية في الأدب الجزائري قبل سنة 1925م
هـ - عوامل انتشار السخرية في الأدب الجزائري الحديث (1/18)
صفحة 19
تمهيد
أ – السخرية بين المدلولين اللغوي والفني:
ارتبطت السخرية بألفاظ كثيرة تحمل مدلولات تخدم غرضها ومراميها، فقد وردت لها في المعاجم العربية وغيرها معان مختلفة أحيانا، ومتداخلة أحيانا أخرى، ولم تحاول التفريق بينها بدقَّة "وقد تركت أيضا المعنى العام الذي شمل السخرية والاستهزاء والتهكم بدون تعريف، يقرِّبه من الأذهان" (1). كما عرفت السخرية مدلولات متعدِّدة باختلاف الدارسين، ومصطلحات خاصَّة عند بعض الباحثين، فقد ارتبطت بالغضب والهجاء والذَّمِّ، والتعريض والتندر والدعابة والنكتة والظرف والتفكه، والحسرة والألم والندم، والضحك والهزء والاستخفاف والبكاء والاحتقار، والغفلة والتغافل، والتناقض والمفارقة، والتصوير الكاريكاتوري ... وتبعا لذلك فقد تطوَّر مدلول السخرية عبر العصور (2).
هذه الملاحظات تفرض علينا قراءة هذه الكلمات في المعاجم، وفيما كتب بعض الدارسين حولها لمعرفة دلالاتها، وعلاقتها بالسخرية (موضوع بحثنا)، ومن ثمَّ تحديد كيفية تعامل الأدباء الجزائريين مع هذه الكلمات؛ انطلاقا من مفهومهم للسخرية، ومن البواعث التي دفعتهم إلى ذلك، إلاَّ أننا سنقتصر على بعض الكلمات فقط.
وقد لحظت في كثير من الدراسات التي تناولت السخرية والتهكم أنَّها
__________
(1) الدكتور نعمان محمد أمين طه، السخرية في الأدب العربي ط1، دار التوفيقية للطباعة بالأزهر، القاهرة سنة 1398هـ/1978م. ص: 13. وعن علاقة السخرية ببعض الألفاظ الحاملة بعض معانيها، ينظر أيضا: سيمون بطِّيش، الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود. ط1. دار مارون عبُّود (دون ذكر مكان الطبع) سنة 1403هـ/1983م. ص: 12،13.
(2) ينظر – مثلا- تطوُّر مدلولها في البلاغة العربية، كتاب السخرية في الأدب العربي، ص:21 - 29. (1/19)
صفحة 20
كانت تحاول بسط الحديث عن الضحك والفكاهة (1)؛ بما يوحي بهذه العلاقة الوطيدة بين هذه المصطلحات الأربعة، وبهذا الارتباط الكبير بينها، وهو ما يجعل الحدود الفاصلة بينها تكاد تكون -أحيانا- غير محدَّدة، وتمييز وظيفة كلٍّ منها على حدة غير ميسور، لهذا يمكن لنا أن نقرِّر: إنَّ الأديب قد يسخر ويتهكَّم ويتفكَّه ويضحك، كي يصل إلى غاية واحدة، يكون قد رسمها من قبل. ومن ثمَّ فإنَّ اختياره إحدى هذه الوسائل، أو هذه الكلمات يتحدَّد تبعا لما يتوفَّر لديه من أدوات فنية، تنسجم مع الوسيلة المختارة، ومع ما يحتدم بداخله من مشاعر، تتمكَّن من احتوائها، والتعبير عنها اللفظة المنتقاة.
هذا التداخل في الدلالة والوظيفة هو الذي سمح لنا أن نضع تحت عنوان "السخرية" تلك النماذج من الأدب الجزائري، التي فيها سمات الضحك والفكاهة والتندُّر والتهكم والسخرية ... باعتبار أن السخرية مصطلح شامل ومتضمِّن - في كثير من الأحيان- مدلولات تلك الكلمات المشار إليها.
ولمزيد الكشف عن تداخل مفهوم السخرية مع كثير من الكلمات التي أومأنا إليها سابقا، فإنَّنا نقف عند معاني ثلاث كلمات هي: السخرية والتهكم والفكاهة. ومن خلالها نحاول أن نبرز مدى توفُّر السخرية في الأدب الجزائري وكيفية تعامل الأدباء معها وتوظيفهم لها.
1 - السخرية:
سَخَرَت السفينة سَخْراً: أَطَاعَتْ وَجَرَتْ وطَابَت لها الريح. وَسَخَرَ فلانا سُخْرِيًّا وسِخْرٍياًّ: كَلَّفه ما لا يُريدُ وقَهرَه (2) فاللفظ هنا يعني اللين والتذليل، وهو أصل مادة (سَخَرَ).
__________
(1) ينظر- مثلا - الدكتور شوقي ضيف، الفكاهة في مصر (كتاب الهلال) القاهرة فبراير 1958م. والدكتور أحمد محمد الحوفي، الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة (د. ت)، وفتحي محمد معوَّض أبو عيسى، الفكاهة في الأدب العربي (دراسات ووثائق (ش، و، ن، ت)، الجزائر، سنة 1390هـ/1970م. وبلقراد محمد، الفكاهة والضحك في الأدب العربي، رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الجزائر، 1973م، (مخطوطة). وغيرها ...
(2) المعجم الوسيط (مادة سخر) ج1، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان (د. ت). ص: 421. أشرف على الطبع حسن علي عطية، محمد شوقي أمين. (1/20)
صفحة 21
وَسَخَّرَهُ تسْخيراً: كلَّفه عملا بلا أجرة. وكلّ مقهور مدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلِّصه من القهر، فذلك مسخَّر (1). سَخِرَ منه وبِه سَخراً وسُخراً وسَخَراً وسُخرِيةً وسُخرية: هزِئَ بِهِ (2). جاء في القرآن الكريم: { ... قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (3)، أي إن تستجهلونا فإنَّا نستجهلكم كما تستجهلوننا (4).
فالسخرية هنا تعني الازدراء والاحتقار والاستخفاف (5) والاستهزاء (6) كما تحمل السخرية معنى الضحك، كما قال الأخفش: سَخِرْتُ مِنْهُ وسَخِرْتُ بهِ، وضحِكتُ منه، وضحِكتُ به، وهزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، الكلُّ يقال. والاسم السخريَّةُ والسخرِيُّ والسخْرِيُّ ... (7)
فالسخرية من خلال هذه التحديدات اللغوية إذن تعني القهر والتذليل والهُزْءَ والإضحاك والضحك والاستخفاف ... يؤيِّد ذلك ويدعِّمه استعمال القرآن السخرية بألفاظ الهُزْءِ والاستخفاف والضحك. فالهُزْءُ ورد في أكثر من خمس عشرة آية، والضحك في أربع آيات، والاستخفاف في آية واحدة (8).
يقول الدكتور نعمان محمد أمين طه: "وأصل المادة في المعجم تدور بعامَّة حول اللين من الناحية الصوتية، فإذا تتبَّعناها عرفنا مقدار ذلك" (9). وبعد أن ضرب أمثلة للكلمات التي يلتقي فيها الحرفان (س، خ) منفصلين أو متوالييَّن كما أوردتهما
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط مج2، إعداد وتصنيف يوسف خيَّاط، دار لسان العرب، بيروت (د. ت) (مادة سخر) ص: 114.
(2) المعجم الوسيط ج1، ص: 421.
(3) سورة هود، الآية: 38.
(4) محمد بن يعقوب الفيروزاباذي، القاموس المحيط ج2، دار العلم للجميع، بيروت لبنان (د. ت)، (مادة سخر)، ص: 46.
(5) م. ن.
(6) لسان العرب المحيط مج2، ص: 113، 114.
(7) م. س، ص: 114.
(8) ينظر السخرية، في الأدب العربي، ص: 70.
(9) م. س، ص: 12. (1/21)
صفحة 22
المعاجم قال: "ومن هذا يتبيَّن أنَّ الحرفين (س، خ) في كلمة (سخر) يوحيان باللين (التذليل) والخفاء وعدم الإبانة بطريقة مباشرة" (1). فالحرفان: "السين والخاء" يعبِّران عن اللين والطراوة والخبث والدهاء. (2)
كما أن لفظ الهُزْء، الذي هو أحد معاني السخرية يشتمل على الحرفين (الهاء والزاي) اللذين يشعران بالخفَّة واللين (3). والهزء هو القتل البارد الليِّن من غير عنف، ومن غير إحداث صوت (4).
من المعاني سالفة الذكر نقف على الأثر الذي تحدثه السخرية في المسخور منه أو به، كالشماته به والتشفِّي منه، وقهر كبريائه، وإخضاعه لإرادة الساخر، كما أن أثرها يكون بارزا في نفس الساخر، من حيث مساعدته على التنفيس عن نفسه، وإزالة ما بها من برحاء وآلام "ففي السخرية لينٌ أشبه بلين الأفاعي، والساخر أفعى، ليس له صوت حين يسير، أو حين يسخر، لكنَّه يقتل بسخريته" (5).
فالسخرية إذن بناء على هذه المدلولات اللغوية قد ترتبط بالهجاء، أي إن الساخر قد ينطلق من الهجاء، فيسخر، أو قد يسخر ثم ينتهي إلى الهجاء، وذلك تبعا للحالة النفسية، التي يكون عليها، وتبعا لطبيعة تكوينه الخَلقي، ما دام غرضه هو قهر خصمه وتذليله، والنيل من كبريائه، يقول الدكتور حامد عبده الهوَّال: "وقد يكون الهجاء مع فظاظته وخشونته نوعا من السخرية، وعلى الرغم ممَّا يبعثه أحيانا في نفس المهجوِّ من الضيق والألم، فأنَّه يثير الضحك عن طريق إبراز العيوب وتجسيمها والمبالغة في تصويرها إلى الدرجة التي تجعل المهجوَّ غير ملائم للصُّورة الطبيعية، التي يجب أن يكون عليها الكائن" (6).
__________
(1) م. ن.
(2) م. س، ص: 13.
(3) ينظر الزمخشري، أساس البلاغة، مواد (هزأ، هزج، هزَّ)، ص: 483، 484.
(4) ينظر مادة (هزأ) لسان العرب المحيط مج3، ص: 801.
(5) السخرية في الأدب العربي، ص: 13.
(6) الدكتور حامد عبده الهوَّال، السخرية في أدب المازني، الهيئة المصرية العامَّة للكتاب، سنة 1982م، ص:17. (1/22)
صفحة 23
يستدلُّ محمد مصطفى سلام (1) على كون الهجاء يدخل أحيانا ضمن مدلول السخرية، يستدلُّ على ذلك بآيات قرآنية أوردت لفظة سخرية، وهي تعني الاستهزاء والانتقاص وذكر العيوب، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍٍ عَسَى أَن يَّكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ... } (2)، وقوله تعالى: { ... إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فِإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (3)، وقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَشْرَارِ أَتَّخَذْناَهُمْ سُخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الاَبْصَارُ} (4). إلاَّ أن الهجاء ليس دائما سخرية لأنَّه قد ينقلب شتما وتعييرا مبالغا فيه، وهنا يفترق عن السخرية.
كما ترتبط السخرية بالدعابة أحيانا، وتبني مادتها ممَّا تبنيه الدعابة، بل إنَّ هذه الأخيرة تهدف - في كثير من الأحيان- إلى ما تهدف إليه السخرية من الإصلاح والتقويم، أو التنفيس عن النفس، وبعث السرور فيها. إذ هي "لا تخلو من تأثير معيَّن بهذه المادة، التي أسهمت في خلقها، وتعطي إلى جانب الرغبة في التسلية إيماءً بالمنطق العام، الذي يسود الفكر، أو النموذج المثالي، الذي يتطلَّع إليه الإنسان جادًّا أو هازلا أو مازحا" (5).
هكذا نرى أنَّ السخرية قد يُعبَّر عنها بألفاظ الاستخفاف والمداعبة والتعريض والهُزْء والتندُّر والتهكم والتفكُّه ... أو هي تدلُّ على ذلك. يبقى تحديد معنى السخرية، أو الكشف عنها في هذه الألفاظ متوقِّفا على الروح التي تسري فيها. بما يوحي بالانتقاص أو النَّيل من الخصم وقهره وتذليله، أو تقويم اعوجاجه وإصلاحه ...
__________
(1) محمد مصطفى سلام، شغر السخرية في العصر العبَّاسي: دراسة ونقد، رسالة ماجستير، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، سنة 1974 (مخطوطة)،ص:2، موجودة في مكتبة قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، تحت رقم: 1568.
(2) سورة الحجرات، الآية: 11.
(3) سورة هود، الآية: 38.
(4) سورة ص، الآيتان: 62، 63.
(5) السخرية في أدب المازني، ص: 22. (1/23)
صفحة 24
2 - التهكم:
للتهكم علاقة وطيدة بالسخرية، إذ يؤدِّي وظيفتها - في كثير من الأحيان - وقد يتقارب معها في الدلالة، وبذلك يعينها على أداء مهمَّتِها. ومن خلال استعراضنا لمدلولات "التهكم نقف على هذه الحقيقة، هَكمَ، الهَكِمُ: المتقحِّمُ على ما لا يعنيه، الذي يتعرّض للناس بشرِّه.
تَهَكَّمَ حَرْبُ على جارِنا وألقى عَلَيه لهُ كَلكَلاَ (1)
فالمتهكِّم هنا هو شخص خبيث النفس، يعتدي على الناس، ويصيبهم بشرِّه، ويَتَقَحَّمُ عليهم غيظا وحمقا وغضبا (2).
تهكَّمَ به: تهزَّأ به (3) وتهَكَّمَ بنا: عَبَثَ وَزَرَى علينا (4).
التهكم يعني الاستهزاء، جاء في حديث أسامة، خرجت في إثر رجل منهم جعل يتهكَّم بي، أي يستهزئ ويستخفُّ (5). كما يعني التهكم السيلَ الذي لا يطاق. وتَهكَّمت البئر تَهدَّمت (6).
فالتهكَّم بهذه المفهومات والدلالات التي سقناها يعني الاستهزاء في قوَّة وعنف، دون مواربة أو خفاء. بينما يرى بعض الدارسين أن لفظ (تهكم) تفيد الاستهزاء والسخر الخفيَّ (7). وجاء عند البديعيِّين أن التهكم ما كان ظاهره جدَّا وباطنه هزلا (8). ويرى الدكتور شوقي ضيف أنّ السخرية حين تستخدم في رقَّة،
__________
(1) لسان العرب المحيط، مج3 (مادة هكم) ص: 817.
(2) م. ن.
(3) أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق الأستاذ عبد الرحيم محمود، دار المعرفة للطبّاعة والنشر، بيروت، لبنان (د. ت)، ص: 486.
(4) لسان العرب المحيط، مج3، ص:817.
(5) م. ن.
(6) م. ن. والقاموس المحيط ج4، ص:191.
(7) ينظر محمد منصوري، شعر التهكم والسخرية عند حافظ وطوقان، رسالة ماجستير، معهد الآداب واللغة العربية، جامعة قسنطينة، سنة 1405هـ/1984م (مخطوطة)، ص:10.
(8) ينظر شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر السابع، مطابع كوستاتسوماس وشركاه، القاهرة، نشر المؤسسة المصرية العامَّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، (د. ت)، ص: 179. (1/24)
صفحة 25
وتلمس صاحبها لمسا رقيقا تكون تهكما (1)، ويؤكِّد بعضهم على أنَّ التهكم "يقوم في معظمه على التلميح والمواربة وألوان أخرى من الفكاهة" (2).
مهما يكن اختلاف الرأي في تحديد مدلول التهكم فأنَّه يتضمَّن معاني الاستهزاء والاستخفاف والعبث والتعدِّي والاقتحام على الغير، والإغاظة والهجوم والانتقاد ... سواء تمَّ ذلك في قوَّة وعنف دون مواربة وخفاء أم في رقَّة ولين وبطريقة خفية، ويرجع إلى الأديب اختيار الأسلوب الذي ينسجم مع حالته النفسية، ويستجيب لدواعي التهكم عنده.
بهذا المفهوم يكون التهكم لونا من ألوان السخرية وأحد صورها "الشفافة التي ليس من السهل تعريفها، ولكنَّها تعرف بالذهن اللَّماح" (3). بل إنَّ السخرية تقوى وتشتدُّ "حتى تصبح هوجاء مهشَّمة، تنال من هدفها دون مواربة ... وعندها تسمَّى تهكَّما" (4).
3 - الفكاهة:
للفكاهة أيضا علاقة متينة بالسخرية في تأدية معناها -أحيانا- وفي مؤازرتها في أَدَاءِ وظيفتها أحيانا أخرى، فتعبِّر عنها تعبيرا صادقا، وبذلك تكون مرادفة للسخرية. وقد دلَّت على ذلك عبارة محمد بلقراد: "أمَّا الفكاهة الساخرة المؤذية، فهي مرادفة تماما للهجاء الساخر" (5) بل إنَّ " السخرية كفكاهة تعتبر أرقى أنواع الفكاهة؛ لأنَّها تحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والخفاء والمكر ... " (6) "ولكنَّ السخرية ترقى بالفكاهة إذا تلبَّست بها، لأنَّها تعطيها معنى وقدرةخاصّة تجعلها ذات هدف" (7).
__________
(1) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 35.
(2) يوسف محمد البلقاسمي، التهكم في أدب الجاحظ، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، جامعة عين شمس، القاهرة، سنة 1962م (مخطوطة)، ص: 12. موجودة في مكتبة القسم تحت رقم: 8496.
(3) السخرية في الأدب العربي، ص: 44.
(4) الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص:17، 18.
(5) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 85.
(6) السخرية في أدب المازني، ص:17.
(7) الدكتور شوقي محمد المعاملي، الاتّجاه الساخر في أدب الشدياق، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، سنة 1988م، ص:10. (1/25)
صفحة 26
العبارات السابقة ذكرت الفكاهة مقرونة بالسخرية، واعتبرتها مرادفة لها، وربطتها بهدف واحد معها. فما هو المدلول اللغوي للفكاهة؟ فكَّهَهُم بمُلَحِ الكلام تفكيها أطرفهم بها، والاسم الفَكيهَة، والفُكَاهة (بالضَّمِّ) وفَكِهَ فَكَهاً وفَكاَهَةً، فهو فَكِهٌ وفاكِهٌ: طيِّب النفس ضحوك (1) وطيِّب النفس مزَّاح (2). والفكاهة: المزاح (3). والهزل والهُزالة: الفُكاهة (4).
والفَكِهُ: "الذي ينال من أعراض الناس، وتركتُ القومَ يتفكَّهونَ بفلان، أي يغتابونه، وينالون منه" (5).
وتَفَكَّهَ أي عجب، تقول تَفَكَّهنا من كذا وكذا أي تعجَّبنا (6)، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: { ... فَظَلْتُمْ تفَكَّهُونَ} (7) أي تتعجَّبون بما نزل بكم في زرعكم. ومنه قوله تعالى: {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ... } (8) أي ناعمون معجبون بما هم فيه. فالفَكِه هو النَّاعم، وهو المعجب. وفيه معنى الحذَر (9) وتفكَّه تندَمَّ وبِهِ تمتَّعَ (10). هذا ما أشار إليه سيمون بطيش حين ذكر أن للفكاهة أبعاداً نقف عليها من مزيدات فعل (فَكِهَ):
1 - إنَّها ترتبط بالمتعة والتمتُّع.
2 – إنَّها تقترن بالعجب.
3 – أنَّها وسيلة للنَّيل من الآخرين.
4 – إنَّها مجال للإضحاك (11).
__________
(1) القاموس المحيط ج4، ص:289.
(2) لسان العرب المحيط مج2 (مادة فكه)، ص: 1122.
(3) المعجم الوسيط، ج2، ص: 699.
(4) م. س، ص: 985.
(5) لسان العرب المحيط مج2 (مادة فكه)، ص: 1122.
(6) م. ن.
(7) سورة الواقعة، الآية: 65.
(8) سورة الطور، الآية: 18.
(9) لسان العرب المحيط مج2 (مادة فكه)، ص: 1122.
(10) القاموس المحيط ج4، ص: 289.
(11) السخرية والفكاهة في أدب مارون عبُّود، ص: 8. (1/26)
صفحة 27
هذه المعاني والدلالات قد تحمل سمات السخرية إذا وُظِّفت توظيفاً فنِّيًا، وصبغت بالحالة النفسية التي يكون عليها المتفكِّه أو الفكه، وارتبطت بأهداف معيَّنة، يرمي إليها في فكاهته، حينذاك تكون عنصراً من عناصر السخرية، وكثيرا ما تتطوَّر الفكاهة إلى سخرية إذا انقلبت من الإضحاك إلى اللَّذع، بل هي في رُقيِّها تمثِّل أسلوب السخرية في التعبير (1).
هناك فروق بين السخرية والفكاهة، يمكن أن تميِّز بين اللفظين، ودلالة كل واحد منهما (2) لكن حين نتأمَّل فيهما -كما عرضناه سابقا- فإنَّنا نثبت هذه العلاقة بين الفكاهة والسخرية، ونؤكِّد على دلالتها على معنى واحد - أحيانا - في معرض تعبير فنَّان ما.
من خلال ما قدَّمناه وعرضناه في تحديد مدلول السخرية اللغوي نؤكِّد على أن هناك ألفاظاً تشترك معها في بعض دلالاتها، أو تقترب منها وقد تترادف معها، وتحلُّ محلها في التعبير في سياق معيَّن من البواعث والأهداف واحتدام المشاعر. غير أنَّ السخرية تبقى الأعمَّ في الدلالة، والأشمل في احتواء تلك الألفاظ، وفي الإفصاح عمَّا يرمي إليه هذا الأسلوب في الكتابة والتعبير. وقد قيل: "وخير هذه الملكات وأعلاها ملكة السخر، يمازجها العطف، وهي عبقرية لا تقلُّ في اقتدارها على تجميل الحياة، وتثقيف النفوس والأذواق، وعن عبقرية الفلسفة، وعبقرية الشعر والتلحين (3).
من هنا نقول: إنَّ الأديب يمكن له أن يظهر بمظاهر مختلفة، ويتلوَّن بألوان متعدِّدة، ليكون ساخرا، ولهذا يرى محمد مصطفى سلام أنَّ الألفاظ التي ذكرناها في الموضوع تدخل ضمن السخرية، إذ يمكن أن يقال سخر منه بطريق الفكاهة،
__________
(1) ينظر السخرية في أدب المازني، ص 16، والفكاهة في الأدب العربي، ص: 33.
(2) لمعرفة هذه الفروق ينظر "صفاء خلوصي"، " الضحك في الأدبين العربي والغربي "، مجلة العربي، ع:34، سبتمبر 1961م، ص: 101.
(3) عبَّاس محمود العقَّاد، ساعات بين الكتب، منشورات المكتبة العصرية صيدا، بيروت، سنة 1979م، ص:221. (1/27)
صفحة 28
وسخر منه بطريق الهجاء، وسخر منه بطريق العبث، وسخر منه بطريق المجون والتهكم. هكذا فالسخرية أعمُّ، وهذه فروع لها (1).
هذا التداخل في المدلولات، وهذا التقارب في المضامين يجعل التفريق بين ألفاظ السخرية صعبًا جدًّا، بل محاولة القيام بذلك قد يحرِّف أو يغيِّر حقيقة معنى كلِّ لفظة، وقد يشوِّه العمل الفنيِّ للأديب في إطار هذا الأسلوب وسياقه في الكتابة: "ومن العسير حقًّا أن نحظى بتفرقة دقيقة بين المفاهيم المختلفة الفنية للسخرية والفكاهة والهزالة والدعابة. ويرجع ذلك في رأينا إلى طبيعة التكوين الفنِّي للأدب الساخر. ففي معظمه فكاهة أو هزالة أو مداعبة وضحك أو إضحاك" (2).
لذا فإنَّ تحديد ما في النصِّ من سخرية، توفِّرها ألفاظه أو تراكيبه يرجع إلى ما يملكه الفنَّان من قدرة على توليد السخرية، أو إيجادها فيه، بعامل الباعث عليها، إلى جانب احتدام المشاعر وطبيعتها، وربط ذلك بالأهداف المرسومة، وكيفية العمل على تحقيقها، كما يرجع ذلك إلى فطنة القارئ وذكائه في اكتشاف هذه السخرية ومحاولة فهم ووعي ما يقدِّمه الأديب الساخر ويعرضه.
نتساءل بعد هذا العرض عن ماهية السخرية الفنية، أو بعبارة أخرى: ما هو التعريف الحقيقي لها؟
بناء على ما عرضناه في المدلول اللغوي للسخرية، فإنَّنا نُقِرُّ منذ البداية أنَّه يصعب تحديد تعريف فنيٍّ دقيق للسخرية، وهو ما أقرَّ به كثير من النقَّاد والدارسين (3). يرجع العجز في إيجاد تعريف فنيِّ دقيق للسخرية إلى كونها انفعالات مركَّبة ومشاعر متدفِّقة، يصعب حصرها، ويتعذَّر إيقافها لتأملها بدقَّة، ومن ثمَّ تحديد صفات خاصَّة في منأى من الأخطاء، لأنَّنا: "لو حاولنا حصر الانفعالات
__________
(1) ينظر شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 2.
(2) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 10.
(3) ينظر مثلا ما جاء في كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 15، والاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 11، والتهكم في أدب الجاحظ، ص: 12، 13 ... (1/28)
صفحة 29
التي تدخل في تكوين انفعال ما – على ما يظهر لنا – لبقيت بقية تقصر اللَّغة عن تسميتها ووصفها ... مهما يبلغ الانفعال من التعقُّد والتركيب، فلا بدَّ أن يدخل في تركيبه عنصر نفسيٍّ خاص، ليس من المستطاع تسميته" (1). مع ذلك نحاول تقديم تعريفات تقريبية من بين محاولات الدارسين الكثيرة.
من تعريفات الكتَّاب الأوروبيِّين للسخرية التعريف الآتي: "طريقة من طرق التعبير، يستعمل فيها الشخص ألفاظا تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة، وهي صورة من صور الفكاهة، تعرض السلوك المعوج أو الأخطار، التي إن فطن إليها وعرفها فنَّان موهوب تمام المعرفة، وأحسن عرضها تكون حينئذ في يده سلاحا مميتا" (2). وقال كاتب آخر: " ... وهي (أي السخرية) طريقة في التهكم المرير والتندُّر أو الهجاء، الذي يظهر فيه المعنى بعكس ما يظنُّه الإنسان، وربَّما كانت أعظم صور البلاغة عنفا وإخافة وفتكا" (3).
التعريف الثاني: يؤازر التعريف الأوَّل في كون السخرية سلاحا قاتلا ومميتا وفتَّاكا، إذا أُحسِن استعماله، يلجأ إليه الأدباء الموهوبون، والمؤلِّفون الكبار للتأثير على خصومهم، وعلى ضحاياهم، لذا يخافه الناس. وسقراط في جدله الفلسفي نهج هذا النهج المعروف بأسلوب التبالُه والتجاهل لاستدراج خصومه، حتىَّ يُقرُّوا بما يريده هو، ويكشف عن جهلهم وغرورهم، ومن ذلك تتولَّد سخرية فنِّية. كما أنَّ أرسطو أقحم "السخرية" في أبواب البلاغة، وحَدَّدَها بقوله: "إنَّها الدلالة على الأشياء بأسماء أضدادها" (4).
كما يلتقي التعريفان آنِفَي الذكر في أنَّ السخرية تعتمد على قلب المعنى، وعلى تخييب ظنِّ المستمع فيما ينتظره من الكلام الموجَّه إليه، وحجب المعنى الحقيقي أو معارضته باستعمال كلمات أخرى، وهو ما يعطي للسخرية معنى التلميح
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 15.
(2) م. س، ص: 13.
(3) م. س، ص: 14.
(4) جبُّور عبد النور، المعجم الأدبي، ط2، دار العلم للملايين، بيروت كانون الثاني (يناير)، سنة 1984م، ص: 138. (1/29)
صفحة 30
والتعريض والنَّيل من الخصم، بطريقة ذكية وغير مباشرة، بما يتيح لها فرصة التأثير والتبكيت. وهذه أحد مكامن فنية السخرية. وهو ما عبَّر عنه التعريف الثاني بالتهكم المرير، الذي يحاول النَّيل – بقوّة - من الخصم، الذي تسبَّب في هذه المرارة. وبهذا قد تكون السخرية - في بعض الأحيان - سمة دالّة على قمَّة اليأس (1).
وإذا كان التعريف الأوّل قد ربط السخرية بالفكاهة، فإن التعريف الثاني قد ربطها بالهجاء والتندُّر والتهكم، مما يؤكِّد -كما أشرنا سابقا - التداخل أو الاشتراك المعنوي والدلالي بين هذه الألفاظ، ومن ثمَّ الاشتراك في الاستعمال والتوظيف. وهو ما يصعِّب من إيجاد فروق دقيقة بينها.
وإذا بحثنا في المعجم العربي عن تعريف السخرية فلا نجده خارجا عمَّا ذكرناه عن الأوربيين. فعبد الحميد جيدة يذهب إلى أنَّ "السخرية تعبير حيٌّ عن المرارة والإحساس بالقهر أو بالظلم، أو بأية عاطفة، لا تجعل الإنسان راضيًّا سعيدا" (2).
فالمرارة عادة ما تطبع السخرية، التي تأتي لتنقد أوضاعا لا تتماشى مع نفسية الفنَّان، ومع نظرته إلى الحياة. فباعتباره إنسانا مُرهفَ الحسِّ، دقيق الملاحظة، فأنَّه يتأثَّر كثيرا بما يدورحوله ويشعر بالانقباض، حين يحسُّ بفقد الانسجام بين مواقف الناس وما تتطلَّبه الحياة، حسب نظره. كلُّ ذلك يسبَّب له مرارة وحسرة، يعبِّر عنهما بأسلوب السخرية أحيانا. ولهذا قال حامد عبده الهوَّال: "إنَّ الساخر بأسلوبه الخفيف بما فيه من فكاهة أو من مرارة يستطيع أن ينفذ إلى النفوس في يُسر ... " (3) كما عُرِّفت السخرية كما يأتي: "فالسخرية والتهكم هي طريقة في الكلام، يعبِّر بها الكاتب عن عكس ما يقصده بالفعل" (4).
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص:14.
(2) شعر التهكم والسخرية عند حافظ وطوقان، ص: 13. نقلا عن عبد الحميد محمد جيدة، فنُّ الهجاء عند ابن الرومي، منشورات المكتب العالمي بيروت، (د. ت)، ص: 326.
(3) السخرية في أدب المازني، ص:، ينظر أيضا، ص: 51، 52.
(4) المعجم الأدبي، ص: 138. (1/30)
صفحة 31
التعريف يركِّز على ظاهرة التظاهر بالجهل أثناء المناقشة، ويؤكِّد على صفة عدم المباشرة في الكشف عن الهدف من التعبير، بل يقرُّ التخفِّي والتستُّر والمواربة، كتقديم أسئلة مع التظاهر بالجهل وقول شيءٍ في معرض ذكر شيء آخر. في هذا المفهوم للسخرية نلتقي في البلاغة العربية والنقد العربي القديم مع تعبيرات وأساليب تتضمَّن التهكم كـ "تأكيد الذَّمِّ بما يشبه المدح، والتعريض، والهزل يراد به الجد، وتجاهل العارف ... " فهي تتضمَّن صفة التظاهر بالجهل، وعدم المباشرة في التعبير، مع الاستهزاء والنقد ...
أمَّا الدكتور محمد النويهي فيضيف عنصرًا آخر في تعريف السخرية الفنية: " ... فالسخر هو الهدوء والعلوُّ التامُّ على مصائب الدنيا" (1). هذا العنصر يقدِّم تعريفا للسخرية يراعي الهدف الذي ترمي إليه، وهو الإصلاح والتقويم وبناء الشخصية. فحين يتوفَّر الهدوء، وعدم الاستسلام للمصائب، يتمكَّن الساخر من الابتعاد عن العاطفة الجامحة والانفعال الحادِّ، واليأس القاتل. وهو ما يمكِّنه من تأمُّل تناقضات المجتمع، ونقائص الناس، فيعالجها بهدوء ورزانة، ووعي. كما يُجنِّبه ذلك استعمال ألفاظ بذيئة ونابية، فلا يقع في فخِّ الهجاء والانتقام والثأر ... بما يبعد كتابته عن السخرية.
أتى الدكتور محمد النويهي بهذا التعريف بعد أن تحدَّث عن طريقة ابن الرومي في السخرية من ظلم الدهر، وقسوة الطبيعة وعيوب المجتمع ... الذي قال عنه إنَّه يسخر بتلك جميعا ولكنَّه «لا يسبُّها، ولا يحتدُّ عليها، ولا يثور بها، بل يتأمَّلها بهدوء، ويبصر سخافتها، ويبصر تناقضاتها، بل يبصر تفاهتها وصغرها، فيعلو عليها جميعا، ويتحدَّث عنها بابتسامة هادئة جليلة مستخفَّة هازئة» (2).
إذن من خلال ما عرضناه يمكن أن نقدِّم هذا التعريف التقريبي للسخرية لنتَّخذه قاعدة ننطلق منها في عرض النصوص الساخرة في الأدب الجزائري وتحليلها، ونعتمده مقياسا للكشف عن السخرية في تلك النصوص.
__________
(1) ينظر السخرية والتهكم عند حافظ وطوقان، ص: 17.
(2) م. ن. (1/31)
صفحة 32
السخرية طريقة فنِّية أدبية ذكية لبقة في الإبانة عن آراء ومواقف برؤية خاصَّة، وبصبغة فنِّية متميِّزة، وهي أسلوب نقديٌّ مضحك هازئ هادف، وتعبير عن انفعال معيَّن كعدم الرضى بتناقضات الحياة وتصرُّفات الناس، وكشف عن الحسرة والمرارة بطريق غير مباشر، بعيد عن العاطفة الجامحة والانفعال الحاد، قصد الإصلاح والتقويم، والتغيير نحو الأحسن، وطلباً للتنفيس عن الآلام المكبوتة.
ب – وظيفة السخرية في الأدب
انتهينا - فيما سبق- إلى أن التحديد الدقيق لمفهوم السخرية غير ممكن. وهذا راجع إلى طبيعتها وتركيبها، ولصعوبة الاهتداء إلى فروق دقيقة وفاصلة بينها وبين الألفاظ الأخرى المشاركة لها في بعض الدلالات. انطلاقا من هذه الملاحظة فإنَّنا نقدِّم خلاصة عن وظيفة السخرية، بما يتيح لنا إيجاد مقياس نقيس به ما نتناوله من نصوص في الأدب الجزائري؛ للخروج بتصوُّر لطبيعة السخرية فيه.
إنَّ وظائف السخرية متعدِّدة تعدُّد الغايات التي يرمي إلى تحقيقها الساخرون، واختلاف الحالات النفسية التي يكونون عليها، وتنوُّع مخزون لا وَعيِهِمْ (1). هذه الوظائف يمكن حصرها في وظيفتين أساسيَّتين: الوظيفة الاجتماعية والوظيفة النفسية.
1 - الوظيفة الاجتماعية (2):
أوَّل ما يلحظه الدارس في الآثار الأدبية الساخرة نزعتُها النقدية. فهي تحاول أن تحسِّس بما تعجُّ به الحياة من إيجابيات وسلبيات، وذلك بتتبُّع ما يجري في الواقع ونقده ومعالجته بهدف الإصلاح والتقويم. هذا ما عناه حامد الهوَّال: السخرية "أسلوب نقديٌّ له مميِّزاته الفنية، ويعتبر في واقعه بناء للحياة، وحارسا للمثل العليا" (3).
__________
(1) ينظر الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص:33.
(2) للعلاقة الوطيدة بين الوظيفتين الاجتماعية والتربوية، وباعتبار التربية عملاً اجتماعيًّا فإننا تحدثنا عن الوظيفتين في عنصر واحد.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 8. (1/32)
صفحة 33
هذا النقد يساعد على تثبيت المقوِّمات التي تنسجم مع المجتمع، وعلى محاربة الانحرافات الاجتماعية مهما تكن؛ ولهذا عَدَّ بعض الدارسين الفكاهة التي تصطبغ بالسخرية سلاحا "لمجاهدة نقائص المجتمع، وتوجيه الأفراد إلى سلوك اجتماعيٍّ قويم" (1)، وقال أحمد الحوفي: " فنحن حينما نضحك من المقصِّر أو الشاذ المظهر أو صاحب الغفلة أو الشحيح أو المغرور، فإنّما نؤدّبهم بطريق غير مباشر، أي أنَّنا نؤدّي خدمة اجتماعية هامَّة" (2). معنى ذلك أنَّ هذه الوسيلة الأدبية (السخرية) تساعد على تحسيس الرأي العام بالواقع المعيش، وإيقاظ الناس من نومهم وغفلتهم، وزرع الأمل في القلوب، وبثَّ الوعي في النفوس.
وهنا تتجلَّى الوظيفة الاجتماعية السامية للسخرية، ويبدو الدور المهمَّ للسَّاخر الواعي لرسالته في الحياة، التي هي رسالة حضارية شريفة وشاقَّة في آن واحد. وبهذا الوعي يستطيع تقديم صورة للكمال التي يمكن أن يكون عليها الواقع، ويقدر على مقاومة النقائص الموجودة في المجتمع، ومحاربة الاعوجاج والتصلُّب الذي يضرُّ به؛ لأنَّه: "إنسان رقيق الحسِّ، مستوفز الشعور عميق الإدراك لطبائع النفوس وحقائق الوجود والكون، معتزٌّ بحياته، مُنْتَمٍ لمجتمعه، مُحِبٌّ للإنسانية، يمنحها كلَّ اهتمامه" (3).
ومن وظائف السخرية الاجتماعية - التي هي في الوقت نفسه غايات - إشعارُ الإنسان بضرورة تقويم أخلاقه، وإلزامُه بواجب المحافظة على تقاليده وعاداته ومقوِّماته، ومساعدتُه على اكتشاف الصلة الاجتماعية ببقية أفراد مجتمعه، وضرورة توثيقها (4). مع تسجيل أن السخرية تُنبِّه الإنسان إلى كلِّ ذلك تنبيها لطيفا لبقا. وهذه إحدى وظائفها الاجتماعية التربوية، يقول عبَّاس محمود العقَّاد: "وإنَّ أجمل ما نحن كاسبوه من تسليط الضحك على الطبائع هو أن ينبِّهها إلى النقص تنبيه
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 20.
(2) الفكاهة في الأدب، ص: 16.
(3) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 13.
(4) ينظر الفكاهة في مصر، ص: 216، والفكاهة في الأدب العربي، ص: 20، 21. (1/33)
صفحة 34
عطف ورعاية، وأن ننظر منها الجدَّ في معالجتها، بما يقع في الطاقة، ويرجى منه التحسُّن في ناحية أخرى من النفس" (1).
ومن الوظائف المهمَّة التي سجَّلها الدارسون للسخرية سعيُها لتنبيه الإنسان إلى حقِّه الضائع، إذ تقوم بطريقة ذكية وخفية بإثارة مشاعره وعواطفه نحو وطنه وحريته، وكلِّ ما يتعلَّق بشخصيّته ... فينهضُ بعد تنبيه السخرية له بالعمل على استرجاع هذه الحقوق المسلوبة منه بكلِّ حماسة، وبمختلف الوسائل. ولهذا قيل: " إنَّ هذه السخرات لفتاتٌ مستمرَّة تنبِّه الأذهان إلى الحقِّ الضائع، وتجدِّد مشاعر الكراهية للمستعمرين، وتذكي نار الوطنية المقدَّسة، فلا يضعف لهيبها، وإن بدا خافتا، فلا يخبو نورها رغم إرادة أعداء الحرية والنور" (2).
وتقوم السخرية بوظيفة تربوية مهمَّة أيضا، وهي مساعدة الإنسان على تثقيف نفسه وتقوية مخيِّلته (3)، وذلك بتمرين ذهنه على التفكير السليم، وتدريبه على توخِّي المنطق السديد. يبدو ذلك في الملاحظة التي تبديها السخرية حين تشير إلى خلل في القياس المنطقي، كما تصنع النكتة الساخرة التي مردُّها كما يرى عبد العزيز البشري: " إلى خلل في القياس بإهدار إحدى مقدِّماته، أو تزييفها أو بوصلها بحكم التورية ونحوها بما لا تتَّصل به في حكم المنطق المستقيم، فتخرج النتيجة على غير ما يؤدِّي إليه العقل لو استقامت مقدِّمات القياس" (4). هكذا تقوم النكتة الساخرة بوظيفة تهذيب العقل وتقويم التفكير. وهذا يندرج ضمن عملية التثقيف وتكوين الذوق وتنمية الحس الجمالي في النَّفس، وبهذا يحسُّ الإنسان بضرورة إتقان عمله وأداء واجبه كما ينبغي.
ومن جملة ما يدخل في دائرة التثقيف وتنمية الجمالية في النفس تقليلُ الصلابة
__________
(1) ساعات بين الكتب، ص: 216. ينظر أيضا ص: 221.
(2) السخرية في أدب المازني، ص: 100.
(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 20.
(4) ساعات بين الكتب، ص: 216. (1/34)
صفحة 35
الاجتماعية (1) النَّاتجة عن تحجُّر في الفكر أو جفاف في الطبع، أو ضعف في الثقافة، ونقص في الوعي ... إذ تقوم السخرية والفكاهة عن طريق الضحك الهادف المربِّي، الذي يبديه المجتمع تجاه الفرد المتصلِّب، تقوم بعملية إنذار له بمختلف الوسائل: بالحركة أو الإشارة أو الكلمة ... (2)
كما تقوم السخرية بوظيفة تربوية أخرى، تتمثَّل في تعويد الناس وتدريبهم على ملكة النَّقد الذاتي، وتنبيههم إلى أخطائهم وأغلاطهم (3). وفي تزويدنا بطريقة التعامل مع الأشرار، وهي أن ننقدهم ونعاتبهم ونشعرهم بأخطائهم بأسلوب لبق، فنسخرَ منهم بدل أن نقسو عليهم، ونعبث بهم فنربِّيهم ونستميلهم إلينا بدل أن نكرههم ونبغضهم ...
هكذا تسهم السخرية في التربية والتهذيب والتوجيه الاجتماعي، وربما قامت بما تعجز عن القيام به الوسائل الأخرى.
2 - الوظيفة النفسية:
للسخرية دور كبير في الجانب النفسي: ترويحا عن النفس، وزرعا للأمل وبعثا للثقة فيها، وتخفيفا من آلامها، وتجديدا لنشاطها ... الضحك – بعامَّة - يطرد هموم الحياة، وينسي في مشكلاتها ولو إلى حين، وقد قيل عن السخرية إنَّها "سلوى المكروب وأمان الخائف" (4). هذا ما جعل الأديب الساخر "أناتول فرانس ANATOL FRANCE" (5) يقول: " لا أزداد تفكيرًا في حياة البشر إلاَّ ازددت
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 20.
(2) م. س، ص: 19.
(3) م. س، ص: 20.
(4) م. س، ص: 229.
(5) فرانس أناتول (1844 - 1924م) كاتب وروائي فرنسي، جنح أسلوبه - في فترة من حياته - نحو الهجاء السياسي، ترجمت بعض رواياته إلى العربية. ينظر الموسوعة العربية الميسّرة، مج2، إشراف محمد شفيق غربال، دار إحياء التراث العربي، سنة 1965، ص: 1280. (1/35)
صفحة 36
اعتقادا أنَّ من الواجب علينا أن نجعل شهود هذه الحياة وقضاتها التهكم والشفقَة. فالتهكم بابتسامة يُحبِّبُ إلينا الحياة، والشفقة بدموعها تُقدِّس هذه الحياة" (1).
في رأي هذا الأديب: إنَّ التهكم الذي يمنح الابتسامة للإنسان ضرورة حياتية، وبه يستطيع أن يعيش؛ لأنه يخفِّف عنه حدَّة الجدّ، وقسوة الحياة، ويهوِّن عليه أعباءَها الثقيلة.
والفكاهة بهذه الخصائص المتمثِّلة في الخفَّة والمتعة والاستمالة، نجدها تدخل كلَّ ميدان، وتلج كلَّ باب، وتعم كلَّ الأصناف، حتىَّ الذين يُعرف عنهم الجدَّ والوقار، كالفقهاء والقضاة. بل إنَّ الضحك يساعد على بلوغ الغايات، واقتناص ما في الحياة من غنائم بما قد تعجز عن تحقيقه بعض الوسائل الأخرى، وذلك لآثاره النفسية " والواقع إنَّ الضحك إذ يلقي على الواقع ستار اللاَّواقعية، وإذ يرفع عن هموم الحياة ما فيها من جدية، فإنَّه يهوِّن على الإنسان عبء الحاضر، ويُعِدُّه لمواجهة المستقبل بروح البشر والترحاب، ولا نرانا في حاجة إلى أن نؤكِّد ما للضَّحكة من فعل سحريٍّ في شفاء النفس، فإنَّ التجربة نفسها تدلُّنا على أنَّنا نستطيع بالابتسام والضحك أن نأخذ من الحياة أكثر مِمَّا نستطيع أخذه بالتقطيب والعبوس" (2).
هذه الوظيفة تساعد الإنسان على القيام بواجبه في الحياة، حين يتخلَّى عن اليأس والقنوط، والاستسلام للأحزان والهموم واستثقال الحياة. فَـ " فريدريك شليغل" (3) الذي أدخل مفهوم السخرية إلى الجمالية الرومانطيقية يعرِّفها (السخرية): "أنَّها علامة العبقرية وتفوِّقها، ويعتبرها ردَّة الفعل الوحيدة أزاء يأس العبقرية" (4).
__________
(1) التهكم في أدب الجاحظ، ص: 184.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 22.
(3) فريدريك فون شليجل FREDERIC VON SCHLEGEL (1772 - 1829 م) فيلسوف وناقد وكاتب ألماني، أبرز الذين وضعوا أساس المدرسة الرومانسية، حاضر في فلسفة الحياة واللغة والتاريخ، ينظر الموسوعة العربية الميسَّرة مج2، ص: 1093.
(4) الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص: 33. (1/36)
صفحة 37
وقد تكون السخرية عونا على الانعتاق من المواقف الحرجة، والانفلات من مواطن الهلاك، فهذا " أبو دلامة الشاعر الفِكه، وقد خرج مرَّة مع أبي مسلم الخراساني في بعض حروبه مع بني أمية، وعلى غرَّة، دعا رجلٌ إلى البراز، فقال له أبو مسلم: أبرِز إليه، فأنشأ أبو دلامة يقول:
ألا لا تلمني إنْ فررْتُ فإنَّني ... أخاف على فخَّارتي أن تَحطَّمَا
ولو أنّني في السوق أبتاعُ مثلَها ... وجدِّك ما بالَيْتُ أنْ أَتقَدَّمَا
فضحك أبو مسلم وأعفاه" (1).
والسخرية تساعد على قهر الخصم وتذليله لكي ينقاد له. وهي تمنح المستبدَّ فرصة لمزيد التمادي في مجال القهر والإذلال والتسلُّط على الضعفاء، بإبقائهم على ما هم عليه من الحرمان والشقاء والغفلة عن ذلك في لحظات غرقهم في التهكم والتفكُّه والسخرية، والتلذّذ بها. في هذا السياق كتب عبَّاس محمود العقَّاد يوضِّح أثر الفكاهة في انتشار الطغيان واستمرار الظلم، وذلك حين تُوهِم الساخرين والمحكومين والمقهورين أنَّهم ينتقمون لأنفسهم من حالاتهم السيِّئة وأوضاعهم المتردِّية، فينجح المستبدُّ في مخادعتهم، قال: " إن النُّكتة تلطِّف وطأة الظلم، وتوهم المظلوم أنَّه ينتقم لنفسه بعض الانتقام، فتهوِّن عليه الشدائد، وتروِّضُه على الصبر والانتظار، فهي من ثَّم معين للحكَّام على المحكومين" (2). هذه إحدى الوظائف النفسية السلبية التي تقوم بها السخرية والفكاهة. أي إنَّ السخرية ليست دائما إيجابية، تعمل على التغيير نحو الأحسن.
هذه بعض الوظائف التي تقوم بها السخرية، وهي وظائف تعطي لها في – عمومها - هذه القيمة، وهذا الدور في الإسهام في النهضة والتطوير، أو على الأقلِّ
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 51، 52.
(2) عبَّاس محمود العقَّاد، "الفكاهة والطغيان"، مجلة الرسالة، ع: 288، س7 (09/ 01/1939م). (1/37)
صفحة 38
المشاركة في الحياة العامة. وهو ما يضمن لها الحضور في كلِّ عصر، وفي كلِّ أدب، ويجعلها من مستلزماته، ونحن نتساءل عن مدى حضورها وتوفُّرها في الأدب الجزائري الحديث؟ وعن مدى قيامها بوظيفتها لتحقيق الأهداف المنوطة بها؟ قبل الإجابة عن ذلك نمهّد له بلمحة عن السخرية في الأدب العربي.
ج ـ السخرية في الأدب العربي:
قبل التعرُّض للسخرية في الأدب الجزائري الحديث، والوقوف على الخصائص المميِّزة له، رغبنا في تقديم لمحة تاريخية عن الأدب العربي الساخر، من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، لنتمكَّن من تبيان مكانة الأدب الجزائري الساخر في الأدب العربي. وقد عمدنا إلى بعض التفصيل في هذه التوطئة، وأسهبنا في بعض النقط؛ بغية تتبّع التطور الذي حصل في الأدب الساخر، وإثبات أن السخرية كانت من مستلزمات الأدب العربي وألصق بلحمته وسداه، ولم يكن بعيدا عنها كما يدّعي بعضُ الدارسين (1). فقد عرف السخرية والتهكم والفكاهة والضحك، انطلاقا من طبيعة لغته المرحة التي فيها " من ألفاظ الضحك وتعابير النكتة أضعاف ما فيها من ألفاظ الحزن وتعابير الكآبة، فمن ذلك – على سبيل المثال لا الحصر- الابتسام والضحك والقهقهة والكركرة والدغدغة والهُنُوفُ والهِناف (أي الضحك الخفي) والممارزة (أي المفاكهة بما يماثل السباب) والهزل والفكاهة والملحة والنكتة والدعابة والمزاح والبشاشة والفرح والطرب والجذل والمرح والسرور والابتهاج ... (2) يؤكِّد الدكتور حامد عبده الهوّال على هذه الحقيقة، ويرجع علَّة ذلك إلى طبيعة اللغة العربية المطواعة أكثر من غيرها لهذا الفنِّ (3) بل إنَّ كبار رجال
__________
(1) كما ادَّعى ذلك المستشرق مارجوليوت ومحمد خلف الله أحمد.
(2) د. صفاء خلوصي، "الضحك في الأدبين العربي والغربي"، مجلة العربي (الكويت)،ع:34، سبتمبر 1961م، ص: 102.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 252، 253. (1/38)
صفحة 39
الأدب العربي عُرِفوا منذ القديم بحبِّ الفكاهة والميل إلى السخرية، والرغبة في الدعابة، والتلذُّذ بالتنكيت والتندُّر ... وقد أحصى الأستاذ صادق الملائكة أربعة وستين منكِّتا مشهورًا في الأدب العربي في كتابه " ذوو الفكاهة في الأدب" (1).
فالسخرية كانت ضاربة في القدم، ومتجذِّرة في الأدب العربي، بدأت ساذَجة بسيطة، ثمَّ تطوَّرت عبر الأيَّام والعصور، حسب العوامل والظروف. فكيف كانت في مختلف العصور الأدبية؟
1 - في العصر الجاهلي:
عرف العصر الجاهلي -كغيره من العصور الأدبية - أدبا ساخرا إلاَّ أنَّ هذا الأدب لم يكن رفيع المستوى، بسبب عوائق منعت من ظهوره بمظهر قويٍّ، كانتشار الأمية، وغلبة الطَّابع البدوي على الحياة العامَّة، وبسبب شظف العيش الذي كان يعاني منه العربي، الذي الناس ينشغلون بالبحث عن القوت، وينصرفون إلى تأمين حياتهم من الإغارات المتكرِّرة عليهم ... (2) وقد يرجع ذلك إلى الصفات التي يتميَّز بها العربي، كالتزامه بالصراحة في التعبير، التي تتنافى مع طبيعة الساخر المبدع. وكتأثره السريع وانفعاله، بينما يبدع الساخر حين يتحكَّم في انفعالاته وعواطفه، ليتيح لنفسه فرصا للتفنُّن والتصرف في ألفاظه وعباراته، بما يضفيه عليها من جمالية، مبعثها التهكم والتفكُّه والسخرية. ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن عوامل ظهور السخرية والفكاهة في الأدب الجاهلي؟
ما يلحظه الدارس هو أنَّ معظم الأدباء الجاهليِّين نشؤوا في بيئة، أغلب ما فيها لهو وترف وإسراف في الملذَّات، إلى جانب طابع الصراع والإغارة الذي وسم حياتهم، وكانت أشعارهم –بخاصَّة- تبعا لذلك تكاد تقتصر أو تنحصر في الحرب والإغارة واللَّهو والغزل والغناء ... هذه الوضعية تلجئ الشعراء والأدباء إلى الدخول في منافرات شعرية ومساجلات أدبية، في كثير من الأحيان.
__________
(1) ينظر مجلة العربي، ع: 34، ص: 102.
(2) ينظر الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 116 ـ 119. والفكاهة في الأدب العربي، ص: 311. (1/39)
صفحة 40
أوَّل ما يفترضه أو يتوقَّعه المرء أن يلجأ الشاعر أو الأديب إلى الهجاء، وهو يبغي الانتصار على خصمه، وتحقيق مطامحه ومصالحه، ويعمل على توخِّي أية وسيلة تنال من سمعة خصمه وتخدش إباءه، كالتهكم به والسخرية منه، ومن أخلاقه ومواقفه. لماذا لا يعدُّ هذا الهجاء نواة الفكاهة والسخرية في الأدب الجاهلي بخاصَّة والأدب العربي بعامَّة؟ خاصّة وأنَّ الشعر العربي الباكر لم يعرف الفكاهة بمعناها الصريح، وإنَّما كانت ترد أحيانا في سياق الهجاء (1) أمَّا فتحي محمَّد معوَّض أبو عيسى فيقول: إنَّ الهجاء " ربَّما كان بمثابة النافذة التي أطلَّ ضياؤها على الفكاهة" (2). ونحن نميل إلى عدِّ الهجاء أحد المجالات الذي أنتج الفكاهة والسخرية؛ لكون العربيِّ حين يهجو، كان يختار كلَّ وسيلة تُعينه على النيل من خصمه، خاصَّة وأنَّ شِعار الانتصار والغلبة هو السائد في المجتمع الجاهلي. وممَّا يحقِّق للأديب هذا الانتصارَ التندُّرُ بمثالب خصمه، والتفكُّهُ بمعايبه والتهكم بمواقفه. كلُّ ذلك يولِّد سخرية أدبية. إذن إنَّ الهجاء يمكن عدُّه نواة السخرية. أو من العوامل المساعدة على نشوئها.
كما أن التغزُّل بالمرأة ومعاقرة الخمرة، وإزجاء وقت الفراغ في النوادي، وتوفُّر الحرية المطلقة، وانتشار الغناء وكثرة المغنِّيات ... يستدعي عقد مجالس للسمر واللهو والتفكُّه والضحك. وهو ما يدفع الأدباء والشعراء إلى القول والتندُّر بهذه الأحوال، وإثارة جوِّ المرح والفكاهة والظرف في تلك المجالس، لذلك " نستطيع أن نعتبر تلك الحياة الطليقة التي لا تعرف القيود والحدود، وما يكتنفها من لهو ومجانة وعبث وفوضى مدعاةً إلى ظهور الفكاهة الساذَجة" (3).
وممَّا يمكن الاستدلال به على وجود الفكاهة والسخرية في الأدب الجاهلي ورودُ كلمات: الضحك، الفكاهة، السخرية، الدعابة، الهزء، التهكم ... في أشعار
__________
(1) ينظر الدكتور مصطفى الشكعة، الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، كتاب الشعر، ط2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1974م، ص: 216.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص:61. ينظر رأي قريب من هذا، الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 120.
(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 62، 63. (1/40)
صفحة 41
الشعراء كامرئ القيس والأعشى وأميمة بن الحلاج، وسلمة بن الخرشب الأنماري وقريط بن أنيف العنبري وعبيد بن الأبرص، والراعي النميري ... مخاطبة الناس بهذه الألفاظ وتسجيل أحداث بها في هذا المجال يدلُّ على أصالة هذه الكلمات في المجتمع الجاهلي، وعلى دورانها كثيرًا على لسان الأدباء والشعراء منذ أمد، وتعارف الناس عليها منذ القديم (1).
قال امرؤ القيس:
يُفَاكِهُنَا سَعدٌ ويَغْدُو لِجَمْعِناَ بِمَثْنَى الزِّقَاقِ المُترَعَاتِ وبِالجُزُرْ (2)
وقال الأعشى يهجو علقمة بن علاثة، ويمدح عامر بن طفيل في المنافرة التي جرت بينهما:
عَلْقَمُ، لَسْتَ إلى عَامِرٍ ... النَّاقِضِ الأَوتَارِ والوَاتِرِ
واللاّبسِ الخيلَ بخيلٍ، إذا ... ثار غُبارُ الكَبَّةِ الثائرِ
يا عَجَبَ الدهر متىَ سُوِّياَ؟ ... كم ضاحكٍ من ذا ومنْ سَاخِرِ
فاقْنَ حياءً، أنتَ ضَيَّعْتَه ... مَالَكَ بَعْدَ الشيب من عاذِرِ (3)
فسخرية الأعشى ممزوجة بالهجاء، وفيها مرارة وإقذاع وتعريض. أنكى من الهجاء الخالص، وهو ما يكشف عن الذوق الأدبي الذي يتميَّز به الأعشى، الذي جعله يمزج هجاءه بسخرية معرِّضة (4).
كما يعيِّر علقمةَ بنَ علاثة وقومَه بالبخل، وقسوة قلوبهم، حين يبيتون
__________
(1) حول فكرة دوران ألفاظ تدل على السخرية في الأدب الجاهلي ووجود بذور الفكاهة فيه، ينظر المرجع السابق، ص:55 - 70.
(2) ديوان امرئ القيس، دار صادر بيروت (د. ت)، ص: 100.
(3) ديوان الأعشى، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1406هـ/1986م، ص: 93، 94.
(4) ينظر تعليق الدكتور شوقي ضيف على سخرية الأعشى كتابه تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، ط5، دار المعارف بمصر، القاهرة، سنة 1971م، ص: 350، 351، 352. (1/41)
صفحة 42
متخمين بالطعام، بينما جاراتهم يتضوَّرن جوعا ومسغبة. ولشدَّة وقع السخرية في نفس علقمة فإنَّه بكى حين سمع ما قاله الأعشى:
تَبيتونَ في المشْتى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتُكُم جَوعىَ يَبِتْنَ خَمائِصَا
يُراقِبْنَ من جوعٍ خِلال مَخَافَةٍ ... نُجومَ السماءِ العاتِماتِ الغوامِصَا (1)
نلحظ في الأبيات ورود كلمتي: سخر، وضحك، اللتين تستدعيان الفكاهة عادة. والضحك هنا في هذا السياق لا يعني سوى التفكّه من الخصم؛ لأنَّه جاء في معرض واحد مع السخرية (كم ضاحك من ذا ومن ساخر).
وقال قريط بن أنيف المزني يتهكَّم بقومه:
يَجْزونَ من أهلِ الظُّلمِ مَغفرَةً ... ومِن إِسَاءَةِ أهلِ السُّوءِ إِحسانَا
كَأَنَّ ربَّكَ لم يَخلُقْ لِخَشْيَتِهِ ... سِواهُمْ من جَميعِ النَّاسِ إنسانَا (2)
فالتهكم متوفِّر في النص بواسطة التعريض الذي بناه الشاعر من أسلوب الذمِّ بما يشبه المدح. أو ما يسمَّى المدح الساخر.
بالأسلوب نفسه كتب طرفة بن العبد يسخر ويتهكَّم من ابن عمِّه، زوج أخته عبد عمرو، وقد كان سميناً، وكانت أخته قد شكت له أمر زوجها:
ولا خَيْرَ فيه غَيْرَ أنَّ لهُ غِنىً ... وأنَّ له كَشحًا - إذا قام – أهضَمَا (3)
يَظَلُّ نِساءُ الحيِّ يَعكفِنَ حَوْلَهُ ... يقلن: " عسيبٌ من سَرَارَةِ مَلْهَمَا " (4)
__________
(1) ديوان الأعشى، ص: 100. الغوامص، الواحدة غامصة من غمصت عينه: سال غمصها، وهو وسخ أبيض يكون في مجرى الدمع. والمراد: ضعيفة النور.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 61.
(3) الأهضم: النحيف اللطيف.
(4) ملهم: موضع كثير النخل. السرارة من الشيء أوسطه وأفضله. ينظر ديوان طرفة بن العبد، دار صادر، بيروت (د. ت) ص: 82. (1/42)
صفحة 43
وَصْفُ الشاعر عبد عمرو بأنَّه أهضم مَدْحٌ ساخر وتهكّمٌ به، لأنَّه كان سمينا، وتصويره بأنَّه جميل ورشيق، بسبب لطف الخصر تعريض به وسخرية، ولم يكتف الشاعر بذلك، بل ذكر أنَّ نساء الحيِّ معجبات بهذا الجمال، ولذا قبعن وعكفن يملأن عيونهنَّ بحسنه وجماله، وقد شبَّهنه بعسيب النخل في نحافة الجسم وضمور البطن. هنا تكمن السخرية؛ لأنَّ الشاعركان كاذبا في وصفه ومدحه، إذ قدَّمه بعكس ما يتَّصف به؛ قصداً إلى التعريض والتهكم.
من هنا نلحظ أنَّ الفكاهة والتهكم ارتبطا بالهجاء، بل إنَّ الهجاء كان نواة السخرية في الأدب العربي. وفي أمثال العرب ما يؤكِّد ذلك كقولهم:" أخسَرُ صَفْقَةً من شيخِ بَهْو" (1) المثل يشتمل على" هزل ودعابة، يراد بهما الترويح عن النفس ودفع السأم ومقاومة رتابة الحياة" (2) وكقولهم: "مُحْسِنَةٌ فَهِيلي" (3) الذي يذمُّ بواسطته رجلٌ مرأةً في صورة مدح، وذلك لما غاب عنها، شرعت تفرغ طعاما من وعائه في وعائها، فلمَّا حضر الرجل دهشت فأخذت تُفرغ من وعائها في وعائه، فقال: ما تصنعين قالت: أهيل من هذا في هذا، فقال محسنةٌ فهيلي. وصار يُضرَب لمن يعمل عملا يكون مصيبا فيه. ظاهر المثل لا يوحي بالذَّمِّ والسخرية، لكن حين استحضار مورده وقصته يُكتشف ما فيه من تهكم. وكقولهم: "ويشرِبُ جمَلُها من الماء " (4) الذي يضرب عند التهكم بالممقوت.
هذه نماذج تثبت أن التهكم والسخرية والفكاهة كانت موجودة في الأدب الجاهلي وإن بشكل بسيط، بعيد عن النقد المعمَّق، مرتبط بعواطف ذاتية، ومنبعث من إثارات ذاتية، يخدم أغراضا شخصية، لا يتعدَّى شخص الساخر وعشيرته وقبيلته، ولهذا قد تبدو السخرية – أحيانا - ساذَجة.
__________
(1) ينظر أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني، مجمع الأمثال، ج1، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، ط2، مطبعة السعادة بمصر، سنة 1379هـ/ 1959م، ص: 252، 253.
(2) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 120.
(3) ينظر مجمع الأمثال، ج2، ص: 264.
(4) ينظر المصدر السابق، ص: 370. (1/43)
صفحة 44
نحن مع الدكتور نعمان محمد أمين طه حين يقول عن السخرية في العصر الجاهلي إنَّها: "كانت خفيفة بسيطة بساطة نفسية الجاهليِّين، سهلة تبعاً لحياتهم غير المعقَّدة، خفيفة الوقع، لا تعدو السخريةَ الفطرية التي تؤثر عن أناس متأخِّرين، يكتفون باللمحة والتعريض، دون الإلحاح في السخرية والتنويع والتفنُّن في أساليبها الموجعة" (1).
ونشير أيضا إلى ندرة وجود السخرية في الأدب الجاهلي، حتى ولو ادَّعى بعض الدارسين أنَّ كثيرًا منها ضاع مع ما ضاع من الآثار الأدبية الجاهلية، إذ إنَّ نسبة ما بقي منها ضئيل جدًّا بالقياس أو بالمقارنة إلى ما بقي من النصوص الأدبية الأخرى، التي لا تتوفَّر فيها السخرية.
أمَّا الخصائص العامة للسخرية في العصر الجاهلي فنذكر منها ما يأتي:
1 - الطابع الغالب على السخرية هو الهجاء، بل إنَّ الهجاء في الأدب الجاهلي هو فنٌّ من فنون السخرية، وقد كان أسلوبا من أساليب السخرية قبل أن يصل في بعض صوره إلى درجة عالية من الإقذاع والقبح، فافترقت عنه السخرية (2). وقد كان هذا الهجاء الساخر يدور – غالبا- حول النزاع بين الفرد والقبيلة، وكانت السخرية وسيلة دفاع تبعا لذلك، وقليلا ما كان يُعمَد إلى الفكاهة من أجل الفكاهة بسبب ذلك.
2 - كانت ألوان السخرية لا تتعدَّى التهكم بالجبن والبخل وضعة النسب، والسخرية من القبيلة قليلةِ العدد، وذكر المثالب.
3 - أمَّا أساليبها فهي كما يذكر الدكتور محمد بلقراد: " تأكيد الذَّمِّ بما يشبه المدح، أسلوب إثارة الضحك بواسطة الانتظار الخائب، إبراز التناقض، أسلوب المفارقة ... " (3) إلا أنَّ هذه الأساليب كانت بسيطة بمعنى أنَّ الأدباء لم
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص:67.
(2) السخرية في أدب المازني، ص:251.
(3) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 122 - 125. (1/44)
صفحة 45
يرقوا بها إلى ما ينتظره المتلقِّي من مستوى رفيع، كما نجد ذلك في الفترات اللاَّحقة، خاصَّة في العصر العباسي.
4 - كانت السخرية تقوم على الذَّمِّ المباشر، وذكر العيوب في صورة مكشوفة – أحيانا - لا تحفل بالنقد والفكاهة (1).
5 - لم يكن الشعر الساخر مستقلاًّ بقصائد، بل كان مضمَّناً في أثنائها، كغيره من الأغراض الشعرية مثل الوصف والغزل والفخر ...
6 - وردت السخرية أحيانا في كلمات غريبة تضمَّنت معانيَ بسيطة.
7 - وردت السخرية أحيانا في شكل نقائض.
2 - في صدر الإسلام:
لما جاء الإسلام اتَّجهت السخرية والتهكم اتّجاها آخر، يتناسب مع طبيعة الدعوة الإسلامية، وينسجم مع المبادئ الجديدة، وتلوَّنت بما يكفل لها البقاء في دائرة الإسلام وتعاليمه قدر المستطاع.
وقد أصبحت السخرية والتهكم رسالة خلقية، ومسؤولية دينية، وأسلوبا دعويًّا، وسلاحاً وقائيًّا ... من ذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر حسَّان بن ثابت (ت 54هـ/674م) أن ينال من قريش وشعرائها بالتهكم والسخرية من مواقفهم المخزية، حين قال له: " أهجهم وروح القدس معك " فكان هذا الشعر – بذلك – سلاحا من الأسلحة المهمَّة في نصرة الدعوة الإسلامية وحمايتها. يدلُّ هذا على أنَّ التهكم والسخرية لم يكونا محظورين، بل كانا من الوسائل المطلوبة إذا كانا يؤدِّيان هدفا دينيًّا (2). إنَّ ما نهى الله عنه هو السخرية التي تضرُّ بالمسلمين وتنال من المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَّكُونُوا
__________
(1) ينظر التهكم في أدب الجاحظ، ص: 34.
(2) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 24 - 30، والسخرية في الأدب العربي، ص: 69 - 82، والسخرية في أدب المازني، ص: 7 - 12. (1/45)
صفحة 46
خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ... } (1) بل إنَّ القرآن قد أمدَّ الشعراء –بخاصَّة- بصُوَرٍ كثيرة من التهكم والسخرية من المنافقين والكفَّار والفجَّار والعصاة والسفهاء والمستهزئين والضالين عن سواء الصراط ... وأوردَ السخريةَ بألفاظ مختلفة: كالهُزء والاستخفاف والضحك والسخرية ... فلفظة الهُزء وردت في القرآن في أكثر من خمسة عشر موضعًا، ولفظة السخرية في أربعة عشر موضعا، ولفظة الضحك في أربعة مواضع، ولفظة الاستخفاف في الآية (54) من سورة الزخرف. كلُّ هذه الألفاظ تدور حول استهزاء الكفار بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو بالأنبيَّاء السابقين، وإنذارهم بأوخم العواقب وأسوإ العقاب بسبب ذلك (2). إلاَّ أنَّ المعاني التي دارت حولها هذه الألفاظ الدالة على السخرية كانت أكثر من ذلك وممَّا ذكره نعمان طه.
ومن أمثلة ما اشتمل عليه القرآن من ألوان السخرية ما يأتي: فقد ذكر الله التهديد بلفظ التبشير وذلك في قوله: {بَشِّرِ المْنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (3) وذكر الإيعاد بلفظ الوعد في قوله: {وَعَدَ اللهُ المنَافِقِينَ وَالمنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ .. } (4) وهدَّد متهكِّما في قوله: { ... وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تمتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} (5) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، التي حفلت بالتصوير الساخر. وهو ما يؤكِّد جمالية أسلوب السخرية وفنِّيته وأصالته في الأدب العربي، ويثبت قيمته، ويدلُّ في الوقت نفسه على تطوُّر لفظة السخرية في دلالاتها، التي كانت تسعى إلى البناء والإصلاح والتغيير نحو الأحسن، ولم تكن للهدم، ولا كانت تدور حول عواطف ذاتية، أو تُعنىَ بإثارة ما يعيق بناء المجتمع وتماسكه، كما كانت عليه السخرية في العصر الجاهلي في عمومه.
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 11.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 70.
(3) سورة النساء، الآية: 138.
(4) سورة التوبة، الآية: 68.
(5) سورة الزمر، الآية: 8. (1/46)
صفحة 47
نتيجة لهذه النظرة القرآنية للسخرية فإنَّها شاعت في أدب عصر صدر الإسلام، وأثبتت نجاعتها في تحقيق الهدف من انتصار الدعوة الإسلامية، ومعالجة القضايا، وفي التعبير عن الخلجات النفسية المختلفة. ومن دلائل التطور في أسلوب السخرية بروز قِيم جديدة في الشعر بخاصة، مثل الافتخار بالإسلام والاعتزاز بشمائله، والسخرية من الكفر والنفاق والرذائل، وظهور ما يسمَّى بالهجاء السياسي " فقد كان للإسلام صفة سياسية، تستهدف توحيد الجزيرة العربية إلى جانب صفته الدينية، وحينذاك كان العرب - بقصد تثبيت دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتمكين لها - يعظِّمون شأن من أبلى بلاء حسنا في الحروب دفاعا عن الدعوة" (1). ولهذا دخل الأدباء والشعراء بخاصة في مساجلات شعرية وأدبية (بين شعراء الإسلام وشعراء قريش). وقد تطوَّرت هذه المنافرات، وهذا التهكم مع مرور الأيام إلى نقائض، بلغت ذروتها في العصر الأموي. وقد اشتهر في هذا العصر (عصر صدر الإسلام) شاعران ساخران هما حسَّان بن ثابت والحطيئة. لكنَّ معظم شعرهما الساخر قد ضاع فيما ضاع من كنوز قيِّمة من الأدب العربي (2).
قال حسّان بن ثابت متهكَّما من قبيلة جذام:
لَعَمرُ أبي سُمية ما أُبالي ... أنبَّ التيسُ أم نطَقت جُذامُ
إذا ما شاتُهُم وَلَدت تنادوْا ... أجدْيٌ تحتَ شاتِكِ أم غُلامُ (3)
وقال الحطيئة (ت 59هـ/679م) ساخرًا من الزبرقان بن بدر:
دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغيَتِهَا واقعُد فإنَّك أنت الطَّاعِمُ الكاسيِ (4)
وقال مستهزئا بزوج أمِّه في عنف وثورة وهياج:
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 71.
(2) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 84.
(3) ديون حسَّان بن ثابت، مج1، تحقيق وتعليق د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت، سنة 1964م، ص: 358.
(4) 1401هـ/1981م، ص: 108. (1/47)
صفحة 48
لَحاكَ الله ثُمَّ لَحاكَ حقاًّ ... أَباً، ولَحَاكَ من عمٍّ وخالِ
فَنعمَ الشيخُ أنتَ على المخازي ... وَبِئْسَ الشيخُ أنتَ لدى المعالي
جَمَعتَ اللُّؤمَ - لا حيَّاك رَبِّي - ... وأبوابَ السَّفاهَةَ والضلالِ (1)
كما سخر من أمِّه وعبث بها:
جزاك الله شَرًّا من عجوز ... وَلقَّاك العُقُوقَ من البَنيناَ
تَنَحَّيْ فاجلِسي عَنَّا بعيداً ... أراحَ اللهُ منكِ العالَميناَ
أغِربالاً إذا استُودِعتِ سرًّا ... وكانوناً على المُتحدِّثينا
حياتُكِ - ما علمِتُ - حياةُ سوءٍ ... وموتُكِ قد يسُّرُ الصَّالحينا (2)
ومن شعره الساخر هجاؤه بخيلاً، كاد أن يموت - أو هكذا صوَّره - لمَّا زاره الحطيئة، وقد ظنَّ أنه قصده يطلب منه حاجة:
كَدَحتُ بأظفاري وأعمَلتُ مِعولي ... فصادَفتُ جُلموداً منَ الصَّخرِ أملساَ
تشاغَلَ لمَّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي ... وأطرقَ حتىَّ قُلتُ قد ماتَ أو عسى
وأجمعْتُ أن أنعاهُ حينَ رأَيتهُ ... يفوقُ فُواقَ الموتِ حتىَّ تنفَّساَ
فقلتُ لهُ لا بأسَ لستُ بعائدٍ ... فأفرخَ تعلوهُ السماديرُ (3) مُبلِساً (4)
يقول محمد بلقراد: "سُخر المرء من نفسه والتهكم بها أسلوب ابتكره الحطيئة، ويعدُّ فناًّ جديدا، لم يعهد له نظير في الشعر العربي الجاهلي، ويعدُّ هذا النوع من الشعر مضحكا لغرابته، وخروجه عن المألوف، لأنَّ الإنسان عادة مطبوع على أن ينظر إلى نفسه بعين الرضا." (5) هذا من بين مظاهر التطوُّر التي شهدتها السخرية إلى جانب اعتماد الأسلوب القصصي الذي قدَّم به الشاعر تهكمه في المثال السابق.
__________
(1) م. س، ص: 269.
(2) م. س، ص: 123.
(3) ديوان الحطيئة، رواية ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، شرح أبي سعيد السكري، دار صادر، بيروت، سنة ادير ما يتراءى للإنسان عند السكر.
(4) ديوان الحطيئة، ص: 262.
(5) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 255. (1/48)
صفحة 49
بقال في السخرية من نفسه:
أبَت شَفَتايَ اليوم إلاَّ تكلُّماً ... بِشرٍّ، فما أدري لِمَن أنا قائلُه
أرى لي وجهاً شوَّهَ الله خلقَهُ ... فقُبِّحَ من وَجهٍ، وقُبِّحَ حاملُه (1)
هذا التصرُّف الذي يوصل الإنسان إلى أن ينقد ذاته ويسخر منها، لا يفسَّر إلاَّ بخلق الاستياء ونزعة التمرد اللذين يستوليان عليه.
في الحقيقة إنَّ السخرية قد تطوَّرت على يد الحطيئة، خاصة ما كان منها في غرض الهجاء، الذي لا يخلو شعره فيه "من نكتة لاذعة، وانتقاد اجتماعي دقيق لبعض ملامح الحياة الاجتماعية" (2).
تفوُّقه في السخرية الممزوجة بالهجاء، وإبداعُه في رسم صور شعرية فيها "نابعة من سخطه - الذي كوّنته عوامل ذاتية واجتماعية - ومن دقَّة ملاحظته لواقع الأحداث والناس، بحيث تأتي صوره الهجائية، وكأنَّها عفوية، لم يبذل الشاعر أي جهد فنيِّ في صياغتها وخلقها" (3).
هذه إشارات عن السخرية في صدر الإسلام، وما يمكن تسجيله في الختام هو ما يأتي:
1 - إنَّ الشعر الساخر قد تطوَّر من حيث المضامين، فقد جدَّت فيه معانٍ بمجيء الإسلام، مع الاحتفاظ ببعض المعاني القديمة.
2 - بقيت السخرية مرتبطة بالهجاء في الغالب.
3 - تميَّزت السخرية بالسهولة والبساطة؛ لأنَّ الشعراء كانوا ذوي ثقافة بسيطة، لم تمكِّنهم من التفنّن في الأساليب الموجعة مثلا، بل كانوا يكتفون بالتلميح والتعريض في كثير من الأحيان، ربمَّا استثنينا من هؤلاء الحطيئة.
__________
(1) ديوان الحطيئة، ص: 257.
(2) د. عناد غزوان "نزعة التمرد والسخرية في شعر الحطيئة"، مجلة البلاغ (العراق)،ع:3 س4، عام 1393هـ/1973م، ص: 22.
(3) م. س، ص: 29. (1/49)
صفحة 50
4 - أغلب الشعراء كانوا ملتزمين باحترام القيم الإسلامية، وذلك فلم يتعرَّضوا لما يهدم تلك القيم، ويسخر منها؛ لأنَّهم كانوا يدافعون عن الدين الجديد ويعملون على إبرازه على حقيقته، الذي هو مجموعة قيم سامية وأخلاق فاضلة، فهذا يمنعهم من الإقذاع والمبالغة، والكذب والشتم واللجوء إلى أساليب الفحش. نستثني بعض التجاوزات، مثلما نقل عن حسَّان بن ثابت من فحش القول وإقذاع في التصوير، وما هجا به أبا سفيان بن حرب وهند بنت عتبة يوم أحد:
أشِرَت لَكَاعِ وكانَ عادَتَها ... لُؤمٌ إذا أشرَت معَ الكُفرِ
لعَنَ الإلهُ وزَوجَها معها ... هندَ الهُنود، طَويلَةَ البَظرِ
أُخرجْتِ مُرقصةً إلى أُحُدٍ ... في القومِ مَغْنقَةً على بَكرٍ
وعصاكِ أُستُكِ تَتَّقين بها ... دقَّ العُجابَةِ عاريَ الفِهرِ
قَرِحَتْ عجيزُتها ومشرَجُها ... مِن نصِّها نصًّا على القَهرِ
ظَلَّت تُداويها زَميلَتُها ... بالماءِ تنضَحُهُ وبالسدرِ
زَعَمَ الولائِدُ أنَّها ولَدَت ... وَلداً صغيراً، كان من عُهرِ (1)
أو كما جاء في هذه النادرة: "وبينما كان المسلمون متوجِّهين لبدر لقوا رجلا من الأعراب، فلمَّا قيل له: سلِّم على رسول الله، قال للرِّسول: إن كنت رسول الله فأخبرني عمَّا في بطن ناقتي هذه، فقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله وأقبل عليَّ فأنا أخبرك عن ذلك، نزوتَ عليها، ففي بطنها سُخلَة، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: مَهْ! أفحشت على الرجل" (2). وكبعض منقولات الحطيئة، الذي كان يسخر من هذه القيم: "مثل النصر والهزيمة والبخل والكرم، وكانت سخريته صادرة عن الثورة على أفراد المجتمع وحدود الخير والشرِّ والشرف والذُّلِّ ... " (3).
__________
(1) ديوان حسَّان بن ثابت، مج1، ص: 384.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 63، 64.
(3) شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 43. (1/50)
صفحة 51
5 - إنّ أدب هذا العصرلم يخل من مزاح وفكاهة من أجل التفكه، كما عرف عن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة. روي عن رسول الله أنَّه: " أتته عجوز أنصارية فقالت: يا رسول الله أدعُ لي بالمغفرة، فقال لها: أما علمت أنَّ الجنّة لا يدخلها العُجُزُ. فصرخت، فتبسَّم - صلى الله عليه وسلم - وقال لها: أما قرأت {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} (1) "ونظر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أعرابيٍّ قد صلَّى صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهم زوِّجني بالحور العين، فقال عمر: يا هذا! أسأت النقد وأعظمت الخِطبة".
وممَّن اشتهر بالمزاح الصحابي نعيمان، أحد المقرَّبين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. من مزاحاته أنَّه أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرَّة عسل اشتراها من أعرابيٍّ، فأتى بالأعرابيٍّ إلى باب النبي، فقال: خذ الثمن من هاهنا، فلمَّا قسَّمها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نادى الأعرابيُّ: ألا أُعطَى ثمن عسلي؟ فقال النبيُّ: هذه إحدى هنات نعيمان. وسأل لمَ فعلت هذا؟ فقال: أردت برَّكَ يا رسول الله، ولم يكن معي شيء، فتبسَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الأعرابيَّ حقَّه" (2).
نؤكد - في الختام - ما أشار إليه الدكتور نعمان محمد أمين طه: بأنَّ حكمنا على السخرية في عصر النبوّة وصدر الإسلام يبقى حكما ناقصا؛ بسبب ضياع كثير من الآثار الأدبية التي عرفت في تلك الفترة لسبب أو لآخر (3).
3 - في العصر الأموي:
إذا انتقلنا إلى العصر الأموي فإنَّنا نجد ظروفًا استجدَّت، طبعت السخرية بطابع خاص، وأفرزت أدبا متميِّزا بمميِّزات خاصة. فقد أصبح الملك عضودًا، بعد ما كان شورى بين المسلمين أيَّام الخلافة الرشيدة. نتج عن ذلك خوض في السياسة وموضوع الخلافة، أدَّى إلى التحيُّز إلى آراء معيَّنة، فتكوَّنت الأحزاب، التي
__________
(1) سورة الواقعة، الآيات: 35، 36، 37.
(2) ينظر هذه الفكاهات نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر الرابع، ص: 3، 4.
(3) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 64 وما بعدها. (1/51)
صفحة 52
اعتنقت وتبنَّت آراء ومواقف متباينة. اشترك الشعر والأدب في كلِّ ذلك، وانتصر كلُّ شاعر وأديب للرَّأي الذي يناسبه، ودخل الأدباء في منافرات أدبية، فنتج عن ذلك تهكم سياسي. وقد عرف الشام تهكما سياسيّا أكثر من المناطق الأخرى، لما عاناه من الظلم الاجتماعي.
تطوَّر هذا اللون بتطوُّر الحياة السياسية والحياة الأدبية، واتِّساع قائمة من دخل في هذا المعترك السياسي من الأدباء والشعراء. وقد تطوَّر حتى غدا نقائض كاملة، بعد أن أصبح الهجاء قاعدة التهكم السياسي الأساسية، وهو ما أتاح له الفرصة كي يوثَّق صلته بالفكاهة أكثر. كما اتَّسعت الحضارة والعمران - في هذا العصر- مما وفَّر المال والجدة والفراغ في الوقت، وسمح بإشباع الملذَّات.
وقد كان الحجاز أسبق إلى التطوُّر في فنون الطرب والغناء، والحياة الاجتماعية بعامة، التي كانت متَّسمة بالعبث واللهو، وذلك نتيجة الثورات والفتوحات، (1) وما حملته من أفكار ونظرات، وما جلبته من أجناس وأشكال من الناس إلى المجتمع الإسلامي، ثمَّ "ما أغدقه الأمويُّون من أموال على الأمراء الهاشميِّين؛ لصرفهم عن التطلُّع إلى الخلافة، فانصرفوا إلى الجانب المادي من الحضارة، ونشأت طائفة تحترف الفكاهة، تُدعى إلى منازل السراة والأغنياء كأداة من أدوات الترف ومظهر من مظاهر السراوة" (2). لهذا فإنَّ جانبا مهمًّا ممَّا كتب من أدب السخرية في هذا العصر كان للتفكُّه والتسلية والدغدغة الفكرية، وإزجاء وقت الفراغ، كما عرف عن أشعب والغاضري.
إلى جانب ذلك عرف العراق تهكما من النوع الذي ساد في المجتمع القبلي، وهو النَّقائض. يقول الدكتور شوقي ضيف: إنَّه "حين استقرَّت القبائل في مدينتي
__________
(1) يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: "إنَّ أسلوب الحياة قد تغيَّر، وبخاصَّة في أيَّام عثمان بن عفان وما بعدها، حتَّى أواخر القرن الأوَّل للهجرة، وكان لابدَّ أن تظهر معالم جديدة، من عكوف على الغناء، وغرق في اللهو، واستسلام للصَّبابة ... " الفكاهة في الأدب العربي، ص: 77.
(2) أدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 42. (1/52)
صفحة 53
البصرة والكوفة، وعادت العصبيَّات جذعة، رأينا هذه القبائل تجتمع وتحتشد في المربد والكُناسة حول الشعراء، يستمعون منهم إلى ما ينشدونه في الهجاء، وكأنَّما وجدوا في ذلك لهواً وتسلية، حينئذ تحوَّل فن الهجاء من فن وقتي منقطع إلى فنٍّ دائم مستمرٍّ يحترفه الشاعر ... " (1).
يُعدُّ هذا تطوُّرًا في الهجاء الساخر- وفي الغاية منه - عمَّا كان عليه في الجاهلية على الأقلِّ؛ إذ " تحوَّل الغرض الأساسي من الهجاء إلى الرَّغبة في إعجاب الجماهير من النظَّارة المتفرِّجين .. " (2) وقد كانت هذه النقائض تمثِّل وسيلة من وسائل التسلية والتفكُّه والهزل وملء أوقات الفراغ، أكثرمما تمثِّل عدائية ومعارضة، مبعثها ودافعها الحقد والضغينة (3).
فإذا كانت السخرية قد تطوَّرت نوعا ما في هذا العصر، فإنَّ الدارسين لحظوا أن التهكم الاجتماعي لم يتطوّر كثيرا؛ لأنَّ العادات العربية لم تتغيَّر كثيرا عمَّا كانت عليه من قبل. وكلُّ ما عرف في أدب ساخر في هذا الجانب هو ما كان نقدا للحكَّام لغرقهم في الإسراف مع الأثرياء، واستحواذهم على أسباب الحياة المترفة، وحرمانهم بقية الشعب من أبسط حقوقه (4). إلاَّ أنَّ بعض الناس الذين تسلسل في أسرهم الظلم الاجتماعي لضعة نسبهم، أو لعيوب خَلقية فيهم، وجدت في هذا العصر المتميِّز بالتحرُّر النسبي من القيود والانطلاق من الحواجز والسدود (5)، وجدت فرصتها للثأر لنفسها من ظروف هذه البيئة، فانفجرت كالبركان، يرسل حممه المحرقة في أجسام هؤلاء المستكبرين، كما حدث لجرير الذي: "شحن بالآلام منذ قديم الزمان، ثم انعكست عليه آلام مجتمعه البدوي ثم الحضري، الذي عاش فيه، فكانت أخيرا عود
__________
(1) الدكتور شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، ط7،دار المعارف، القاهرة، سنة 1981م، ص: 163.
(2) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 135.
(3) ينظر التطوُّر والتجديد في الشعر الأموي، ص: 179 وما بعدها. وأدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 42، 43. والفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 136.
(4) أدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 41، 42.
(5) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 80. (1/53)
صفحة 54
الثقاب، الذي أشعله بالسخرية، يحاول بها تكبير عيوب هذه الطبقة، التي تزعم لنفسها الكمال والعظمة والمجد، وتدوس بأقدامها بقية مجتمعها الضعيف المهضوم، معتمدة على ما تمتلئ به من عيوب، قد غطَّاه ستار المجد الزائف الكثيف" (1).
من أشعار جرير (33 - 114هـ) قوله هاجيًّا ساخراً من قوم الفرزدق (20 - 114هـ) الذين وصفهم بالسمن والترهُّل مع قلَّة الغَناء:
متى تغمِز ذِراعَ مُجاشعيٍّ ... تَجِد لَحماً ولَيسَ على عظامِ
فما صَدَقَ اللِّقاءَ مُجاشَعِيٌّ ... وما جَمَعَ القناة مع اللِّجامِ
تولُّون الظُهورَ إذا لُقيتُم ... وتُدْنوُنَ الصُّدور معَ الطَّعامِ (2)
ومن أمثلة الهجاء الذي يعتمد على النُّكتة المضحكة ما قاله في التيْمِي:
ولو يُدفنُ التيميُّ ثمّ دَعَوتَهُ ... إلى فضلِ زادٍ جاءَ يسعى من القَبرِ
وآيةُ لُؤمِ التيمِ أن لو عَدَدتُمُ ... أصابعَ تيميٍّ نَقصنَ عن العشرِ
فما أوقدوا ناراً ولا دلَّ ساريًّا ... على حيّ تَيمٍ من صهيلِ ولا هدرِ
بنوُ التيم لم يرضوا قديمَ أبيهمُ ... فنادوا بِتَيمٍ مَن يُبادلُ أو يشري (3)
ويتهكَّم بالأخطل وقومه، ويتعرَّض لنساء تغلب ويهتك أعراضهنَّ ويرميهنَّ بأنواع الفحش:
والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقرَى ... حكَّ أُستَهُ وتمثَّل الأمثالاَ (4)
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 90، ينظر أيضا ص: 110، 111.
(2) شرح ديوان جرير، ضبط معانيه وشروحه وأكملها إيليا حاوي، ط1، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة بيروت، لبنان، سنة 1982م، ص: 621.
(3) م. س، ص: 249 - 251. عن خصائص أدب جرير الساخر، ينظر الدكتور محمد محمد حسين، الهجاء والهجّاؤون في صدر الإسلام، دار النهضة العربية للطّباعة والنشر، بيروت، سنة 1391هـ/1971م، ص: 193 وما بعدها.
(4) شرح ديوان جرير، ص: 543. (1/54)
صفحة 55
الأخطل (20هـ/640م-92هـ/710م) بدوره وصف كليبا باللُّؤم والدناءة، وسخر من ضعتها، ومن قلَّة سخائها حتىَّ أن الكمية القليلة من الماء أو البول يُطفِئُ نارها:
قومٌ إذا استنبح الأضيافُ كَلبَهُمُ ... قالوا لأمِّهِم بُولِي على النَّارِ (1)
أمَّا الفرزدق فيهجو ويتهكم برجل من قومه، كان أقرضه مائة درهم، ثم ألحَّ في طلبها حتىَّ دفعها له الفرزدق فقال ساخرا:
أفي مائةِ أقرضتها ذا قرابَةٍ ... على كُلّ بابٍ ماءُ عينِكَ يدمعُ
تسيلُ مآقيك الصَّديدَ تلومُني ... وأنتَ امرُؤٌ قحمُ العِذارَينِ أصلَعُ (2)
فدونكها، إنيِّ إخالُكَ لم تزَل ... لَدُن خَرجتْ من بابِ بيتكَ تلمَعُ
تُنادي، وتدعو الله فيها كأنَّما ... زُزئتَ ابن أَمٍ لم يَكن يَتَضَعضَعَ (3)
السخرية تبدو في هذا اللوم والتوبيخ، والمبالغة في التصوير والوصف مع الانطلاق من الواقع.
وممن اشتهر بالفكاهة والنكتة في هذا العصر " أشعب بن جبير" (4) الذي عرف بالطمع؛ حتىَّ غدا مضرب المثل في ذلك، وأصبح أميرَ الطفيلييّن، وله في ذلك نوادر. من ذلك أن سالم بن عبد الله ابن عمر اشتهى أن يأكل مع بناته، فخرج إلى البستان فجاء أشعب إلى منزل سالم على عادته، فَأُخبِر بالقصَّة، فاكترى جملا بدرهم، وجاء إلى البستان، فلما حاذى الحائط وثب فصار عليه، فغطَّى سالم
__________
(1) التطور والتجديد في الشعر الأموي، ص: 174.
(2) قحم: كبير. العذار: جانب اللحية، أي الشعر الذي يحاذي الأذن.
(3) ديوان الفرزدق، مج1، دار صادر، بيروت، (د. ت)، ص: 404.
(4) روى أبو الفرج الأصفهاني أنَّ مولد أشعب كان سنة تسع للهجرة، وعمَّر حتَّى هلك في أيَّام المهدي. ينظر نهاية الأرب في فنون الأدب. السفر الرابع، ص: 25. (1/55)
صفحة 56
بناته بثوبه وقال: بناتي بناتي! فقال أشعب {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَناَ فيِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد} (1). "وقال الهيثم بن عديٍّ: لقيتُ أشعب فقلت له: كيف أهل زمانك هذا؟ قال: يسألونني عن أحاديث الملوك، ويعطونني عطاء العبيد. (2)
وممَّا يمتاز به أشعب ذكاء ماكر، وحيل بارعة، وفطنة حاضرة، تعينه على نيل بغيته. وتُروَى له في ذلك ملح وطرف ونوادر كثيرة. من ذلك. قيل أنه جلس " يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، فانفلتت من مروان ريح لها صوت، فانصرف أشعب يوهم الناس أنَّه هو الذي خرجت منه الريح، فلمَّا انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب وقال له: الديَّة، قال: ديَّة ماذا؟ قال: ديَّة الضرطة التي تحمَّلتها عنك، وإلاَّ شهَّرتك، فلم يدَعْه حتى أخذ منه شيئا صالَحَه عليه" (3).
هكذا نلحظ أن السخرية والتهكم والفكاهة وجدت من العوامل ما يغذِّيها ويدفعها إلى التطوُّر في العصر الأموي، حتى غدت كلُّ مَنطِقة تختلف عن منطقة أخرى في حظِّها من الأدب، تبعا لما توفَّر لها من العوامل. وتمثِّل النقائض معلما بارزا من معالم هذا التطوُّر في الأدب العربي، وذلك بتوليد الشعراء معاني جديدة من خلال محاولة كلِّ شاعر نقض كلِّ معنى يأتي به خصمه، ومن خلال التنويع في الهجاء الساخر؛ ليحرز التهكم من ذلك كلِّه تطوُّرًا فنِّيا كان له أثره فيمن جاء بعدُ من الشعراء.
في الختام هذه ملاحظات أو تسجيل لبعض الخصائص التي تميَّزت بها السخرية في العصر الأموي:
1 - إن الطابع الغالب على الشعر الساخر هو التهكم السياسي. وقد لوحظ أن الشعراء كانوا يمزجون بين السخرية والمدح والسياسة، وقد كان الشعراء الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق يبثُّون دعوة السلطة من خلال سخريتهم (4).
__________
(1) سورة هود، الآية: 79. ينظر النادرة، نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر الرابع، ص: 26.
(2) م. س، ص: 30.
(3) م. س، ص: 27، 28.
(4) شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 49. (1/56)
صفحة 57
2 - كانت النقائض كثيرة الإقذاع، وقد تطوَّرت من الهجاء، ثم ارتبطت بالفكاهة والسخرية، إلى أن استوت على الشكل الذي عرفت به في النهاية.
3 - كان التهكم والسخرية الوسيلة الوحيدة - عند كثير من الناس والأدباء - للتَّسلية والتعبير عن المرارة، وخيبة أملهم في تحقيق ما كانوا يصبون إليه، وعن حقيقة ما يحملون في قلوبهم من الفراغ الروحي، الذي أنتج فراغا في الوقت وفراغا في العمل.
4 - لم تخلُ السخرية من فكاهةٍ، كانت استجابة لروح النفس وخفَّتها، أو لانتشار الملذَّات وأسبابها ... كما عُرِف عن أشعب والغاضري وحمزة بن بيض وطويس ودلال وأبي النجم العجلي ...
4 - في العصر العبَّاسي:
تغيَّرت الحياة العربية في العصر العبَّاسي تغيُّرًا كبيرًا، فقد تعدَّدت العناصر التي يتكوَّن منها هذا المجتمع، وحصل تمازج لافت للنّظر بين العنصر العربي والعناصر الأخرى، هذا التمازج أثَّر تأثيرا كبيرا في الحياة العامة، الذي يقول بشأنه الدكتور طه حسين: إنَّ هذا الاختلاط مع العناصر الوافدة إلى المجتمع العباسي المسلم، لم يقف عند المجاورة والمعاشرة والتقليد في بعض أنواع السلوك، أو أنماط العيش بل: " تجاوز هذا كلَّه إلى ما هو أشدُّ منه وأقوى أثرًا في الحياة المادية والمعنوية، تجاوزه إلى الإصهار والتوالد من جهة، وإلى الاختلاط الخالص من جهة أخرى، فنشأت أجيال ورثت إلى المزاج العربي المزاج الفارسي أو غير الفارسي" (1). إضافة إلى ذلك بدأت بعض العلوم في الانتشار بقوَّة كالفلسفة والفقه والأدب والعلوم العربية بمختلف فروعها ... وكان كلُّ ذلك مجالا واسعًا لتنافس العلماء والأدباء وتنازعهم فكريًّا ودينيًّا وفلسفيًّا وأدبيًّا ...
ومن بين العناصر التي أثّرت في المجتمع العباسي، الصراع الداخلي، الذي أثاره الشعوبيُّون، وقد كان بين العنصرين العربي وغير العربي، كما نجد ذلك في
__________
(1) طه حسين، حديث الأربعاء، ج2، ط 12، دار المعارف بمصر، سنة 1976م، ص: 21، 22. (1/57)
صفحة 58
شعر بشار بن برد وأبي نواس مثلا. كما كان لعنصر الحرِّية بكل أبعادها ودلالاتها في المجالات المختلفة أثر في الحياة العامة، وقد سمحت هذه الحرِّية للأدباء والشعراء بالجهر بالكفر والزندقة والشك في الدين، وإظهار المجنون، والعبث والفسق ... ممَّا أنتج لونا من السخرية الاجتماعية، التي كانت تقوم على النيل من المبادئ، التي أُسِّسَ عليها المجتمع، والتهكم ببعض ثوابته؛ بناءً على ما يفهمه كلُّ ساخر من الحياة التي ينبغي على الإنسان أن يحياها، وبما يستجيب لما يجب أن يحقِّقه من مآرب في ظلِّ الحرية، بعيداً عمَّا يفرضه الدين والعقل والمجتمع من قيود وحدود، توجِّه هذه الحرية، وتحدُّ هذه الفوضى.
من جهة أخرى فإنَّ كثيرا من الأدباء الساخرين في العصر العباسي عاشوا فقراء أو مشرَّدين، أو محرومين، أو مهمَّشين، أو ماجنين مستهترين، أو كانوا ممَّن أصيب بعاهات خَلْقيَّة، فاحتقرهم المجتمع وازدراهم، أو نزلت بهم مصائب، لازمتهم طويلا، أو عاشوا ظروفا صعبة ... انعكس كلُّ ذلك على أدبهم، فأنتجوا أدباً ساخراً تهكمياً، نفَّسوا به عن أنفسهم، منتقمين من المجتمع، منتصرين لأنفسهم؛ ليفرضوا وجودهم، ولينزلوا المتكبِّرين والكبراء من عليائهم. يقول الأستاذ حسين العلاَّق عن أسباب شيوع السخرية في شعر الشعراء الكتاب الشاكِين في القرن الثالث الهجري، وميلهم إليها: إنَّ ذلك "لم يكن إلا مجرَّد صدى لما حفلت به حياتهم من آلام ومحن ومصائب ... فالسخرية عند الشعراء الكتّاب المتألمين الشاكين (أداة دفاعية) لمواجهة ما في حياتهم من قسوة وحرمان وشقاء و (أداة تطهيرية) تبدِّد ما ترسَّب في أعماق نفوسهم من الهواجس الكئيبة، وتَعْتِقُها مما يُغِلُّها من قيود الفقر والحرمان" (1).
__________
(1) حسين العلاَّق، "فن السخرية في شعر الكتّاب في العراق في القرن الثالث الهجري"، مجلة المورد، (بغداد) مج4، ع: 2، سنة 1975م، ص: 37.ولمعرفة أسباب شيوع السخرية في شعر الشعراء الكتّاب، ينظر المرجع نفسه، الصفحات: 35، 36،37. ولمزيد معرفة أسباب انتشار الفكاهة في العصر العبَّاسي، ينظر الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 171،172. (1/58)
صفحة 59
كلُّ هذه العناصر أسهمت في شيوع السخرية والتهكم والفكاهة في العصر العباسي وفي تطوُّرها. كانت السخرية إذن سمة من أبرز السمات في أدب العصر العباسي، نظرا إلى الظروف التي اكتنفت هذه الحياة من ترف وحرية ومجانة، أو فقر وحرمان وظلم وعسر ... حتَّى إن الدارس لهذا الأدب ليقف على أسماء كثيرة لهؤلاء الساخرين والمتهكمين أمثال: بشار بن برد، وأبي نواس، حمَّاد عجرد، منصور الأصفهاني، ابن الرومي، أبي الطيِّب المتنبِّي، دعبل الخزاعي، أبي العلاء المعرِّي، الحمدوني، أبي الشمقمق، أبي دلامة، أبي علي البصير، الجاحظ، أبي العيناء، بديع الزمان الهمذاني، أبي غلالة المخزومي، ابن رزيق الكوفي، أبي حكيمة، وهب، ابن بسّام العبرتاني البغدادي، الخوارزمي، سهل بن هارون، ابن العميد، جحظة البرمكي، أبان اللاَّحقي ... كما يجد الباحث نفسه أمام بيئات متميِّزة من أصناف الساخرين، الذين تركوا أدبا رفيعا في هذا المجال، فهناك بيئة اللغويين ورجال الدين، بيئة شعراء المجون، بيئة شعراء الحرمان، بيئة الكتَّاب ...
ولتطوُّر الحياة في هذا العصر فإنَّ السخرية قد ظهرت في الأدب بأشكال، واتَّسمت بسمات خاصة، عكست التقدُّم الذي حصل في جوانب كثيرة من حياة الناس. ولم تفتأ تتوسَّع وتتعقَّد، وتتنوَّع مع مرور الزمن، حتىَّ أنتجت لنا هذه السخرية الراقية المتميِّزة عمَّا عرف عن العصر السابق. وفي هذا يقول الدكتور محمد بلقراد: " لمَّا كانت حضارة العصر العباسي لا سيَّما في المجتمع البغدادي أغنى ثقافة وأوسع أفقاً، وأكثر تعقُّداً وترفاً من حضارة العصر الأموي، كان الأدب الفكاهي في العصر العباسي أملح نكتة وأعمق معنى، وأعذب لغة وأبلغ أسلوبا وأوفر مادَّة منه في العصر الأموي" (1).
نتيجة لذلك تعدَّدت أنواع السخرية في هذا العصر؛ فمن سخرية جادَّة حزينة إلى السخرية الحكيمة، أو الحكمة الساخرة، وفيها يُتَّبَعُ أسلوبٌ فلسفيٌ ساخرٌ، كما عرف عن ابن المقفع، الذي استخدمه ليكون في السخرية والنصح في آن واحد. وهو
__________
(1) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 168. (1/59)
صفحة 60
يتناسب مع طبيعة ابن المقفع، الرجل العاقل المتَّزن الرزين، الذي تتجافى رزانته عن أساليب السخرية اللعوب الأخرى (1). وقد ظهر ذلك جليًّا في كتابه "كليلة ودمنة". إلى جانب الفكاهة اللطيفة المستملحة (2)، التي تجمع بين الضحك والإضحاك والتربية والنقد، مثل ما عرف عن الجاحظ في بعض سخرياته، كما جاءت في كتابيه "البخلاء" و"الحيوان"،ورسالته "التربيع والتدوير" و"رسالة صناعات القوَّاد". إلى سخرية قائمة على العقل، حيث تتدخَّل فيها الصنعة، ويُتصرَّف فيها باللجوء إلى أساليب المكر والحيلة، واستعمال الذكاء والخيال، لتحويل الشخص المسخور منه أو الشيء المقصود بالتفكُّه إلى أضحوكة، بعد أن يقع أثرها على نفس المتلقِّي لهذه الآثار الأدبية، وعلى نفس الذي يكون هدفا للتَّصوير والسخرية.
يقف الجاحظ في مقدَّمة هؤلاء الذين برعوا في هذا المجال. نلمس نماذج لهذه السخرية العقلية في كتابه "البخلاء" الذي ينقد فيه البخلاء "ويضحك منهم، ويعطف عليهم بطريقة نُحسُّ معها نوعاً من السيطرة العقلية والنفسية على هؤلاء الذين كأنهم بين يديه دمىً يحرِّكها ذات اليمين وذات الشِّمال، وهي منقادة، لا تملك من أمرها شيئا" (3). وقد برز الفكر الاعتزالي ومنهجه واضحا في صبغ السخرية بالصبغة العقلية - وهو جانب من جوانب التطوُّر في الأدب الساخر في العصر العباسي - ليتهكَّم من الناس ومن بعض تصرُّفاتهم التي ينكرها العقل. وقد كانوا يصدرون في هذه السخرية من إحساس بالتسامي العقلي، لكن دون الحقد على هؤلاء المسخور منهم أو التشفِّي منهم " فالتهكم المشوب بروح العطف حينا والفكاهة حينا آخر، هو الطابع الذي يمكن أن تتَّسم به الظَّاهرة عند المعتزلة" (4).
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 149.
(2) يرى الأستاذ فتحي أبو عيسى أنَّ الجاحظ هو الذي جعل الفكاهة شيئا ذا بال في الأدب العربي. ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 260.
(3) الدكتور عبد الحكيم بلبع، "أدب المعتزلة إلى نهاية القرن الرابع الهجري" ط2، دار نهضة مصر للطّباعة والنشر، الفجّالة، مصر، سنة 1969م، ص: 299.
(4) م. س، ص: 301. لمزيد من التفاصيل في مميِّزات السخرية في أدب المعتزلة، ينظر المرجع نفسه ص: 295 - 315. (1/60)
صفحة 61
ومن أنواع السخرية التي عرف بها العصر العباسي ما يقصد به إضحاك الناس بالعبث بالمهجوِّ أو المسخور منه، والتشهير به. بهذه الوسيلة يحاول الأديب حشد ما في وسعه ممَّا يتوفَّر له من معارف وإمكانات، ويعتمد في ذلك على الدقة والتجسيم والمبالغة، والكشف عن اختلاف المقاييس الاجتماعية. هذا الأسلوب يعرف بالتصوير "الكاريكاتوري"، وأشهر أقطابه ابن الرومي، ومنصور الأصفهاني وأبو العلاء المعرِّي ...
قال ابن الرومي (221 – 283هـ) في وصف أحدب:
قَصُرَت أخادِعُهُ وطال قَذالُهُ ... فكأنَّه متربّصٌ أن يُصفَعا
وكأنَّما صُفعت قفاه مرّة ... وأحسَّ ثانية لها فتجمَّعا (1)
وقال بِشر بن هارون في وصف لحية موسى:
إنَّ أبا موسى لَه لحيةٌ ... تدخُلُ في الجُحر بلا إذنِ
وصورةٌ في العين مثل القذى ... ونغمة كالوقر في الأُذنِ
كم صفعةٍ صاحت إلى صافع ... بالنَّعل من أخدَعِهِ: خُذني (2)
من دلائل تطوُّر الأدب الساخر في العصر العباسي أيضا كثرة الموضوعات التي كتب فيها كثير من الأدباء بأسلوب جيِّد كموضوع البخل الذي كتب فيه الجاحظ وابن سكرة، وقال فيه ابن الرومي:
يُقَتِّرُ عيسى على نفسه ... وليس بِباقٍ ولا خالدِ
فلو يستطيع لتقتيره ... تنَفَّس من منخر واحد (3)
__________
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 50.
(2) أبو حيّان التوحيدي، كتاب الإمتاع والمؤانسة، ج2، ضبطه وصحَّحه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، (ب، ت)، ص: 56.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 56. (1/61)
صفحة 62
وموضوع اللحى الذي كتب فيه ابن الرومي أيضا، وقال فيها البهاء زهير: (581هـ/1185م ـ 656هـ/1258م)
وأحمقٍ ذي لحيةٍ ... كبيرةٍ مُنتشرَهْ
طَلَبَتُ فيها وَجهَهُ ... بِشدَّةٍ فلم أرَهْ
تبًّا لها من لِحيةٍ ... كبيرةٍ مُحتَقَرَه
عظيمةٍ لكنَّها ... ليسَت تُساوي بَعرَهْ
وإن مشى رأيتَ فو ... قَ الأرضِ منها غَبرهْ
أصولُها قد رُوِّيتْ ... من ريقه بالعذرِهْ
فلو مضى السوق بها ... وزفَّها بالمَزمَرَهْ
لحَصَّلت لهُ مغَلْ ... لَ ضَيعةٍ موفَّرَهُ (1)
ومن الموضوعات التي كُتبَ فيها "الطيلسانُ الخليع " (المستعمل) طيلسان بن حربٍ الذي كتب فيه إسماعيل بن إبراهيم الحمدوني (ت 356هـ) حوالي خمسين مقطوعة شعرية. (2) ممَّا قال فيه:
يا ابن حَربٍ كَسوتَني طَيْلَسانَا ... ملَّ من صُحبةِ الزمانِ وَصَدَّا
فَحَسِبْنا نَسجَ العناكبِ لوُقيـ ... ـسَ إلى ضَعفِ طَيلسانِكَ سُدًّا
إن تَنَفَّستُ فيه ينشَقُّ شَقًّا ... أو تَنَحنَحتُ فيه يَنقدُّ قدًّا
طالَ تردادُهُ على الرَّفْوِ حتَّى ... لو بَعثناه وَحدَهُ لَتَهدَّى (3)
كُتبَ كثيرا عن شاة "منيع " وشاة "سعيد " كما فعل الحمدوني (4). ومن الموضوعات التي تفكَّه بها الشعراء البرذونيَّات (5). قال بهاء الدين زهير:
__________
(1) ديوان بهاء الدين زهير، دار بيروت للطّباعة والنشر بيروت، سنة 1401هـ/1981م، ص: 162، 163.
(2) ينظر الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم الشعر، ص: 217.
(3) م، ن.
(4) ينظر نماذج من هذه الفكاهات، السخرية في الأدب العربي، ص: 258، 262.
(5) ينظر الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم الشعر، ص: 219 - 227. (1/62)
صفحة 63
لَكَ يا صَديقي بَغلَةٌ ... لَيسَت تُساوي خَردَلَهْ
تمشي فَتَحسِبُها العُيُو ... نُ على الطَّريقِ مُشَكَّلَهْ
وتُخال مُدْبرَةً إذا ... ما أقبَلَتْ مُستَعجِلَهْ
مِقدارُ خطوَتِها الطَويـ ... لَةِ حين تُسرعُ أُنْمُلهْ
تهتزُّ وهي مَكانَها ... فكأَنَّما هيَ زَلزَلَهْ
أَشبَهتَها بل أشبَهَتْـ ... ـكَ كأَنَّ بَينَكُما صِلَهْ
تحكي صِفاتِكَ في الثقا ... لَةِ والمَهانَةِ والبَلهْ (1)
كما تفكَّه الشعراء كثيرًا بموضوع الفقر والحرمان، مثلما كتب جحطه البرمكي وأبو الشمقمق (2) إلى غير ذلك من الموضوعات الكثيرة.
ومن آيات تطوُّر السخرية في العصر العباسي أنَّ أسلوبها اقترب من أحاديث الناس في المعاني والألفاظ والصياغة، ممَّا أَضفَى عليها صبغة الأسلوب الشعبي البسيط (3). يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: "ومن مظاهر هذا التطوُّر ما نلمسه في اتّجاه الهجاء إلى شعبيَّته اللاَّذعة القارصة، وذلك اتِّجاه يقرِّبه إلى نفوس الجماهير، ويحبِّبه إليهم، فيكون الإيجاع به أدعى، والإيلام بواسطته أنكى ... ولعلَّ من الشعراء المشاهير في ذلك أبان اللاحقي" (4).
إنَّ مؤشِّرات تطوَّر السخرية في العصر العباسي كثيرة وأعلام هذا اللون عديدون، يَصْعُبُ حصر كل ذلك، غير أنَّنا نشير إلى معلم بارز في الأدب العربي الساخر، ونذكر بعض مميِّزاته؛ لأنَّه تمكَّن بأدبه من التأثير في كثير من ألوان الأدب التي وجدت بعده، وحتَّى في بعض ما أنتجه بعض معاصريه. أنَّه الأديب الكبير "أبو
__________
(1) ديوان بهاد الدين زهير، ص: 294.
(2) ينظر ابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد، ج6، ص: 215 وما بعدها. والأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم الشعر، ص: 232 - 241.
(3) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 112.
(4) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 130. (1/63)
صفحة 64
عثمان عمرو بن بحرالجاحظ" (159/ 255هـ) الذي كوَّن مدرسة حقيقية متميِّزة في هذا المجال، تخرَّج فيها كثير من الأدباء الساخرين عبر العصور. قد يساعدنا ذلك على إيجاد علاقة بين أدبه والأدب الجزائري في مجال السخرية.
يمزج الجاحظ في كتاباته بين الجدِّ والضحك والفكاهة، وبذلك فتح الطريق أمام الكتَّاب كي يمزجوا بدورهم الجدَّ بالهزل في تآليفهم؛ ليروِّحوا عن أنفسهم، ويزيلوا السأم عن قلوبهم ويطردوا الملل من نفوس قارئيهم. نلحظ ذلك في كتب ابن قتيبة، وبديع الزمان الهمذاني وأبي حيان التوحيدي والحصري، والنُّويري، وابن عبد ربِّه وابن زيدون وعبد العزيز البشري ...
بل سمح أدب الجاحظ الساخر للبعض – وفي فترة لاحقة - أن يخصِّصوا فصولا في كتبهم للفكاهات ونوادر عن المجون، وضروب التهكم والسخرية، وبتقدّم الزمن أصبحنا نقرأ كتبا مستقلَّة للفكاهات والنوادر، كما فعل ابن الجوزي والأبشيهي والعاملي وغيرهم، كما أفردت رسائل ذات الموضوع الواحد في التهكم والفكاهة. (1)
يتميز الجاحظ بتحكُّمه في وسيلة السخرية في الكتابة، فهو يميِّز بين مواطن التلميح ومواقف التصريح. فقد نقل عنه الدارسون وقالوا: "فهو إما سَخَرَ بالمحدّثين والمفسِّرِين والمؤوِّلين والعلماء وأهل السلطان، دسَّ هذه السخرية دساًّ بارعاً، لا تكاد تراها إلاَّ إذا كنت مطبوعا على فعلها، جديرا بإدراك خفاياها، وإن أنت أدركتها على هذه الصورة، ألْفيتها قارصة لاذعة فيَّاضة بمعاني التهكم الخفيِّ. وهو إمَّا سَخَرَ بالثقلاء والسخفاء والحمقى، لا يكتفي بالتعريض، بل يميل إلى إظهار الاستهزاء والتهكم، على أن يحصِّن نفسه بنطاق من الذوق السليم في إخراج تهكمه الموجع. ويزداد سخر الجاحظ إيلامًا، إذا كان تشفِّياً من سخف أو انتقاماً لقيمة مهدورة، ويخف في غير هذا المقام" (2).
__________
(1) ينظر كتاب التهكم في أدب الجاحظ، ص: 4، 5.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 260. نقلا عن مجلَّة العربي، ع:12، س1، ص: 114، 115. (1/64)
صفحة 65
خلاصة القول إِن السخرية ازدهرت وتطوَّرت في العصر العباسي لتوفُّر عوامل كثيرة ساعدت على ذلك. دليل ذلك أنَّ السخرية لم يقدَّر لها أن تنمو وتتطوَّر غرضا مستقلاًّ قائما بنفسه إلاَّ في العصر العباسي (1). كما أنَّ المدرسة العباسية كانت مصدر إلهام للسَّاخرين، الذين عرفهم الأدب العربي، وبصماتها تظلَّ واضحة في أدبهم، رغم منافسة الروافد الأخرى في تكوين شخصياتهم وإعدادها. ومن هؤلاءِ الأدباءُ الجزائريُّون.
الأدب الأندلسي بدوره لم يخلُ من سمات السخرية "فرسالة الزوابع والتوابع" لأبي عامر بن شهيد (382هـ/992م-426هـ/1034م) و"الرسالة الهزلية" لأبي الوليد بن زيدون المخزومي (394هـ/1003م-463/ 1071م) خير دليل على ذلك. وكذا ما روته الكتب من أشعار لشعراء سجّلوا أسماءَهم في سجلِّ الساخرين في الأدب العربي، أمثال "يحي بن حكم الغزَّال (156هـ-250هـ) الذي برع في التصوير الكاريكاتوري. قال يتهكم بقاضي الجماعة "يُخامر ابن عثمان ":
لقد سمعتُ عجيباً ... من آبدات يُخامر
قرا عَليه غُلامٌ ... طه وسورة غافر
فقال: من قال هذا ... هذا لَعَمْريَ شاعر (2)
وقال في هجاء امرأة والسخرية منها:
__________
(1) مجلَّة المورد (بغداد)، مج4،ع: 2، ص: 35.
(2) د. شاكر الفحّام، مختارات من شعر الأندلس، المطبعة التعاونية، دمشق، سنة (1398 - 1399هـ/1978 - 1979م)، ص: 79. (1/65)
صفحة 66
جرداءُ صلعاءُ لَم يُبق الزمان لَها ... إلاَ لِساناً مُلِحاًّ بالمَلامات
لَطَمتُها لَطمةً طارتْ عَمَامَتُها ... عن صلعَةٍ لَيسَ فيها خَمسُ شَعْراتِ
كأنَّها بَيضةُ الشاري إذا بَرَقت ... بالمأزقِ الضَّنكِ بينَ المشرفياَّتِ
لها حروفٌ نواتٍ في جوانِبِها ... كَقسمَةِ الأرض حيزَت بالتخوماتِ
وكاهلٌ كسنامِ العيسِ جَرَّدَهُ ... طولُ السفارِ وإلحاحُ القُتوداتِ (1)
(1) وهناك شعراء آخرون كتبوا شعرًا ساخرا أمثال: أحمد بن عبد الوهَّاب، ابن عبد ربِّه، يوسف بن هارون، عبد الله بن فرح، سعيد بن فرج الرشَّاش، ويحي بن هذيل ...
شَكا في ظَهرِهِ حَدَبَهْ ... فقُلتُ دعوهُ يا كَذَبَهْ
جِرابٌ بين فَخِذَيهِ ... تعلَّقَ صَيِّتَ الجَلبَهْ
فألقاهُ على كَتِفَيـ ... ـهِ فَهوَ عليهِ كالعَقَبَهْ (2)
5 - السخرية في العصر المملوكي والعثماني:
استمرَّ الأدب الساخر في الانتشار والذيوع في العصر المملوكي والعثماني؛ عاكسا الأوضاع المتردية، التي عاشها العالم الإسلامي في كل المجالات: الدينية، الاجتماعية، الأدبية، السياسية، الاقتصادية ...
وكان للحروب الصليبية، ولبعض المفارقات التي وُجِدَت في المجتمع دورها في نشر الأدب الفكاهي، وإشاعته، لما في ذلك من فرصة التنفيس عن النفس والترويح عن القلب: "والميلُ إلى المرح والدعابة واضح من سخريات هذا العصر، وغالبا ما يكون فراغ المصريِّين من الحروب الصليبية، وشعُورُهم لذلك بالراحة، قد أغراهم بأنْ يعبِّروا عن سعادتهم ويتخلَّصوا من كبتهم، الذي عانوا منه في الماضي، وعن موقفهم في نفس الوقت من المفارقات التي ما زالت قائمة، والتي جعلت من المماليك حكَّاما، ومن الأتراك سادة على البلاد" (3).
__________
(1) أبو عبد الله محمد بن الكتاني الطبيب، كتاب التشهبيات من أشعار أهل الأندلس، تحقيق الدكتور إحسان عبَّاس. دار الثقافة، بيروت، لبنان، (د، ت)، ص: 257.
(2) م، س، ص: 260.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 90. (1/66)
صفحة 67
هذا التدهور والتخلف انعكس على السخرية، فلم يبقَ ذلك الأدب الذي عرف في العصر العباسي في القوَّة والمتانة والسموِّ: أساليبَ وتراكيبَ وصياغةً وصوراً ... بل السخرية كانت -أحيانا- بسيطة ساذَجة، تكتفي بعرض الحالات التعسة، التي يعيشها الشعب نتيجة ظلم الحكَّام وطغيان المسؤولين. وقد اشتهر في هذا المجالي: البوصيري، السراج الورَّاق، الحمامي، ابن سودون، ابن الصائغ، ابن دنيال، يوسف الشربيني وأبو الحسين يحي الجزَّار. وقد عُنيت السخرية في هذا العصر بنقد المواقف كسخرية الأديب من نفسه وشكله وظروفه الاجتماعية، ومن بعض من له علاقة به، وكذا سخريته من مواقف الناس.
وقد تناولت السخرية أيضا بعض الشخصيات بالتصوير المضحك لإظهارها على حقيقتها كنوع من النقد الاجتماعي، كما فعل ابن دنيال (ت 710هـ أو 711هـ) في تمثيلية "عجيب وغريب"، التي صوَّر فيها سبعا وعشرين شخصية، تمثِّل نماذج من سكَّان القاهرة، ممن تغلب عليهم الغرابة في صورهم أو سلوكهم وأسلوب حياتهم. وقد تنوَّعت هذه الشخصيات: فمنها الأجنبيُّ الذي لا يتجانس مع مجتمع القاهرة، ومنها أصحاب حرف ومهن معيَّنة، وجوَّالون في الآفاق، وأدعياء الطب والصيدلة، وقراءة الغيب من حركات النجوم، ومروِّضو الحيوانات والمتسوِّلون" (1).
أبو الحسن علي نور الدين بن سودون اليشبغاوي (ت 878هـ/1473م أو 1483م) صاحب كتاب "نزهة النفوس ومضحك العبوس" (2) – مثلا – سخر من بعض الشخصيات التي تمثِّل طوائف شتَّى من الناس، مختلفي النزعات والطبائع (3).
__________
(1) م، س. ص: 92.
(2) د. أحمد الحوفي، الفكاهة في الأدب العربي ... ص: 22. يقول عنه محمود بيرم التونسي هو: " ممَّن ضحكوا وسجَّلوا ضحكهم، وقد كان شابا من أمراء السلجوقيين - على ما نذكر- يدعى (اليشبغاوي)، له كتيِّب صغير، يوجد في دار الكتب بالقاهرة، وهو غريب في بابه، سجَّل فيه كلاما يشبه هذيان الحشَّاشين، ولكنَّه خفيف ظريف ... " الدكتور محمد الصالح الجابري "محمود بيرم التونسي في المنفى حياته وآثاره" ج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، سنة 1407هـ/1987م، ص: 551.
(3) ينظر سخريته من رجال الدين، الذين يكثرون من المناقشات اللفظية ... السخرية في أدب المازني، ص: 91. (1/67)
صفحة 68
وقد أكثر أدباء هذا العصر من استعمال الأساليب البلاغية، والمحسِّنات اللفظية والمعنوية بخاصة؛ ممَّا صبغ أدبهم بنوع من التكلُّف. كقول ابن الصائغ في علاء الدين بن دقيق العيد؛ لاجئًا إلى التوريه:
لعلاء الدين ذقنُ ... تملأ الكَفَّ وتَفضُلْ
فاعْمل المنخلَ فيها ... لِدقيقِ العيدِ وانخلْ (1)
يُلحَظ في سخرية هذا العصر - وبخاصة الفترة العثمانية - انخفاض الأسلوب، واقترابه من العامية في الصياغة، وأحيانا تكون التراكيب متضمّنة كلمات عامية، كما يظهر في هذا النموذج الذي يسخر فيه صاحبه من الحكام العثمانيِّين ومن سياستهم، ومن سوء سيرتهم:
يَابَاشَا يَابَاشَا يَا عين القَملَهْ ... مَن قَال لَك تَعمَل دِي العَمْلهْ
يَابَاشَا يَابَاشَا يَا عين الصيرَهْ ... مَن قَال لَك تَدَبَّر دِي التدبِيرَهْ (2)
وكما صنع "ابن سودون" في كتابه "نزهة النفوس ومضحك العبوس" الذي ملأه فكاهات، كان يخلط فيها بين "الفصحى والعامية، ولا سيما الفكاهة المعتمدة على الحذلقة أو التناقض أو القلب أو العكس" (3). من أشعاره:
الناسُ قد خلفُوا ناساً من القِدَمِ ... وَمَن مَشَى مِنهُم لَم يَخْلُ مِن قَدَمِ
إِذَا مَشَى واحِدٌ مِنهُم لِحَاجَتِهِ ... فَظهرُهُ مِن وَرَاءِ الوَجهِ مِن أَمَمِ (4)
وكما فعل "يوسف الشربيني" (كان حيًّا سنة 1098هـ/1686م) الذي تأثَّر بالحالة الاجتماعية في العصر العثماني، فألَّف قصيدة سمَّاها "أبو شادوف" صوَّر فيها أهل
__________
(1) م، س. ص: 89.
(2) م، س. ص: 95.
(3) الفكاهة في الأدب ... ص: 23.
(4) الاتّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 42. (1/68)
صفحة 69
الريف وسذاجتهم وجهلهم، وسيطرة النظام العثماني عليهم، وتسخيره لهم في تحقيق مآربه. ثم شرح القصيدة وسمَّاها "هزُّ الكتوف على شرح قصيدة أبي شادوف" (1).
من الأمثلة التي تدلُّ على ضعف الأدب بعامة، والساخر منه بخاصة في هذا العصر خطبة أوردها يوسف الشربيني في كتابه آنف الذكر "اعلموا يا أهل بلدنا: إنَّ عندكم قمح كثير وتبن وشعير، وأنتم في خير من ربِّ العالمين، فأنتم تفيقوا لزرع الوسية (أرض الملتزم) وإلا صبَّحكم الكاشف بداهية وبلية، وغدا تسرحوا للعونة والسخرة، وفيقوا لدوركم وجداركم، وأكرموا الخطَّار بالعدس والبيصار تنجوا من عذاب الله ... على أيش يا حبايب تهجرونا بلا سبب، الله الله، قولوا لا إله إلاَّ الله، من وحَّد الله ما خيبه الله، آمين والحمد لله رب العالمين" (2).
إلاَّ أن هذا الأدب لم يخل من فكاهات مستملحة مستظرفة كقول أبي الحسين يحي الجزَّار (ت 1367م) الذي احترف الجزارة ثم تعاطى الشعر ثم تركه وعاد إلى الجزارة:
كَيفَ لا أشكُرُ الجزَّارة ما ... عِشتُ وأهْجُر الآدابَا
وبها صارت الكلابُ ترجِّيـ ... ـني، وبالشِّعر كنتُ أرجو الكِلابَا (3)
خلاصة القول: إنَّ السخرية في هذا العصر كانت شائعة، لكنَّها كانت ضعيفة وساذَجة - في عمومها - عكست بحقٍّ حالة اللغة والأدب آنذاك، وما كانا يعانيانه من ضعف وعقم.
من خلال ما عرضناه وما اطَّلعنا عليه من الأدب العربي الساخر من العصر الجاهلي إلى العصر الملوكي والعثماني لحظنا أنَّ أغلب ما كتبه الأدباء تفكُّهاً
__________
(1) أوردها الدكتور أحمد الحوفي تحت عنوان "هزُّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف"، ينظر الفكاهة في الأدب، ص: 23. وتحت العنوان نفسه وردت في كتاب الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 42.
(2) السخرية في أدب المازني، ص: 96، 97.
(3) م. س، ص: 361. في البيت الأول اضطراب كبير. (1/69)
صفحة 70
وسخرية، كان دافعه ذاتيًّا، وما تُنُووِلَ كان موضوعات شخصية، يهدف إلى التنفيس عن النفس والترويح عن القلب، أو الانتقام والتشفِّي، أكثر ممَّا يهدف إلى الإصلاح والتقويم والتوجيه والتغيير نحو الأحسن. نَستثني بعض الكتابات، ككثير من إسهامات الجاحظ.
6 - في العصر الحديث:
عرف الأدب العربي في العصر الحديث -كغيره من العصور الأدبية السابقة- السخرية، وذلك لتوفّر الشروط والعوامل المساعدة على شيوعها. فقد اعترت المجتمعات العربية عوامل وظروف صعبة، كالتخلُّف والتدهور في المجالات الروحية والمادية، وتسلُّط المستعمر عليها، الذي عمل على قهرها، وطمس معالم شخصيتها، وعلى تكميم أفواه رجالها، والتضييق على حريَّتها ... وكحياة البؤس والفقر والحرمان والتشرُّد ومظاهر الانحلال وموجات الحرية المطلقة .. التي سادت حياة المجتمعات العربية (1).
تحرُّك ذوو الغيرة على أوطانهم وعلى شخصيَّتهم ومقوِّماتهم لتغيير هذه الأوضاع المتردِّية. وكانت أساليبهم متنوِّعة في التنديد بالاستعمار، وبالقمع، وفي فضح العيوب الاجتماعية والسياسية وغيرها. كان من بين الأساليب الناجحة في هذا المسعى أسلوب السخرية والتهكُّم، الذي استُعمل أيضا في التعبير عن الترف والتفكُّه من أجل التفكُّه. هذا التوجُّه إلى السخرية والتهكم والفكاهة منشؤه أيضا الاهتمام الكبير بالسخرية، والاحتفاء بأسلوب التهكم. ومظاهر هذا الاهتمام يتجلى فيما يأتي:
1 - كثرة المؤلَّفات التي تناولت موضوع السخرية، وكأنَّها دعوة من أصحابها إلى طرْقِ هذا الموضوع، لما له من دور في الحياة العامة والحياة الأدبية
__________
(1) ينظر - على سبيل المثال - السخرية في أدب المازني، ص: 97 وما بعدها، والدكتور محمد أمين فرشوخ وكتابه أدب الفكاهة في لبنان دراسة وعرض، ط1، دار الفكر اللبناني بيروت، سنة 1989م، ص: 33 وما بعدها وص: 78 وما بعدها. (1/70)
صفحة 71
بخاصة، أو هو تسجيل لانتشار هذه الظَّاهرة، ظاهرة السخرية في الأدب العربي الحديث. من هذه المؤلفات ما كتبه عباس محمود العقاد عن ملكة السخر عند أبي العلاء المعري (1)، وما دبّجه من مقالات، جمعت في كتابه "مطالعات في الكتب والحياة"، له أيضا كتاب "جحا الضاحك المضحك" ... وألَّف الأستاذ أحمد عطية الله كتابا سمَّاه "سيكولوجية الضحك"، والدكتور شوقي ضيف "الفكاهة في مصر". كما ظهر كتاب الدكتور زكريَّاء إبراهيم "سيكولوجية الفكاهة والضحك" ثم كتاب "أسلوب التهكُّم في القرآن الكريم" و"حديث السخرية في القرآن الكريم" للدكتور أحمد الشرباصي سنة 1976م، ثم صدر كتاب الدكتور أحمد محمد الحوفي "الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها". كما أصدرت مجلَّة الهلال سنة 1966م عددًا خاصًّا عن الفكاهة. وألَّف الأستاذ عناد إسماعيل الكبيسي "شعر الفكاهة في العراق في القرن الرابع الهجري"، وفي سنة 1989م أصدر الدكتور محمد أمين فرشوخ كتابه "أدب الفكاهة في لبنان". كما أُلِّفت كتب، كلُّها أدب ساخر كالمرآة والمختار لعبد العزيز البشري.
زيادة على المقالات الكثيرة التي نشرت في مختلف الدوريات، وقد تناولت السخرية والفكاهة بصفة عامة، يضاف إلى كلِّ ذلك مؤلَّفات خصَّصَت كل واحدة منها دراسة السخرية عند أديب معيَّن أو في قطر خاصٍّ، إلى جانب الأطروحات والرسائل الجامعية التي تناولت الفكاهة والسخرية في مختلف العصور الأدبية، ثم الترجمات الكثيرة لبعض المؤلَّفات الأجنبية في الموضوع.
2 - كثرة الصحف الهزلية الفكاهية المتهكمة، التي تأسَّست في مختلف أقطار العالم العربي. ففي مصر مثلا بلغت الصحف الفكاهية منذ نشأتها إلى عام 1948م، خمسا وثمانين صحيفة هزلية. أوَّلها "أبو نضارة أو نظارة" صاحبها "يعقوب صنُّوع"
__________
(1) يرى الدكتور نعمان محمد أمين طه: إنَّ عباس محمود العقَّاد كان أوَّل من قرأ المؤلَّفات الغربية، وحاول الكتابة لأوَّل مرَّة عن ملكة السخرية عند المعرِّي، وقد صدَّرها بهذا السؤال: لِمَ يسخر الإنسان؟ يُنظر كتاب: السخرية في الأدب العربي، ص: 29. (1/71)
صفحة 72
أنشأها سنة 1879م، وآخرها صحيفة "إضحك" التي تأسَّست سنة 1948م، صاحبها "عمر عبد العزيز أمين" (1). كما بلغ عدد الصحف في لبنان ما بين سنتي 1908 و 1922م سبعا وعشرين جريدة. أوَّلها جريدة "هبَّت" صاحبها "خليل كاملة" وآخرها جريدة "زحلة" صاحبها "اسكندر رياشي" (2). و تعَّددت الصحف الساخرة في تونس أيضا (3)، و عرفت الجزائر عدّة صحف ساخرة نذكر من بينها: الليالي، البستان، الشعلة، الجحيم، عصا موسى وأبو العجائب وغيرها ... (4)
3 - انتشار الأدب الساخر في الأدب العربي الحديث انتشاراً لافتاً للنّظر، وحضوره في مختلف الأجناس الأدبية، وتسجيل قائمة طويلة بأسماء الأدباء الساخرين في مختلف الفترات التي مرَّ بها الأدب العربي الحديث. نذكر من بينهم يعقوب صنُّوع، محمد المويلحي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، إبراهيم طوقان، مصطفى صادق الرافعي، محمود النجَّار، إمام العبد، مارون عبُّود، أحمد فارس الشدياق، عبد القادر المازني، عباس محمود العقَّاد، محمود بيرم التونسي، حسين الجزيري، عبد العزيز البشري، أحمد رضا حوحو، محمد السعيد الزاهري، الأمين العمودي، محمد البشير الإبراهيمي ...
أمَّا الملاحظات التي يمكن للدَّارس أن يسجِّلها عن الأدب العربي الساخر في العصر الحديث فهي كثيرة منها:
__________
(1) ينظر شوقي إمام حسنين عبد النبي، "الشعر الفكاهي في مجلتي الفكاهة والإثنين (1926 - 1939م) "، رسالة ماجستير، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، جامعة القاهرة، سنة 1984م. الرسالة تحت رقم: 4106، ص: 47 - 50.
(2) ينظر كتاب أدب الفكاهة في لبنان، ص:78 وما بعدها.
(3) ينظر حمَّادي الساحلي، " الصحافة الهزلية في تونس، نشأتها وتطوُّرها (1906 - 1964م) "، دار ابن شرف للنشر، تونس 1977م. وأحمد جليد، "بيبلوغرافيا الصحافة الساخرة 1906 - 1984م"،مجلة "الحياة الثقافية" (تونس) ع: 39، سنة 1986، ص: 149.
(4) لمزيد من التفاصيل في بعض هذه الصحف ينظر الدكتور محمد ناصر، الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939م، (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1980م. والدكتور عبد الملك مرتاض، فنون النثر الأدبي في الجزائر (1931 - 1954م)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1983م، ص: 530 - 534. (1/72)
صفحة 73
1 - كانت الفكاهة في العصر الحديث والسخرية والتهكم - في أغلبها- هادفة إلى التقويم والتغيير والإصلاح، وكانت حريصة على معالجة القضايا العامة والأوضاع القائمة، لذا يلاحظ عليها - في أغلبها- أنَّها ليست مسلِّية ومضحكة لأجل التسلية والإضحاك، وقد تكون مصحوبة بالمرارة، لذا تأتي - في عمومها- للبناء والنقد، وليس للهدم والانتقاص.
2 - برزت السخرية في هذا العصر وسيلة تعبيرية نقدية لأوضاع فاسدة في المجتمع، وقد أسهمت في توعية الجماهير، وعملت على محاربة الانحرافات الاجتماعية، ومقارعة الاستعمار. وقد تناولت موضوعات اجتماعية وسياسية وإنسانية إلى جانب الموضوعات الذاتية. قال طه حسين عن حافظ إبراهيم والبشري وإبراهيم الطبيب مثلا: " ... فهم كانوا ابتسامة على ثغر الحياة في مصر، مهما يكن حظُّ الحياة في مصر من العبوس والحرج، ومن النكر والضيق" (1).
3 - كانت السخرية تأتي أحيانا صريحة، وتُقدَّم مباشرة – هكذا - قاسية جارحة، وكانت تأتي – أحيانا - تلميحًا وتعريضًا ورمزًا.
4 - كانت السخرية تتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم، حسب طبيعة الموضوع، ومزاج الأديب وحالته، والبيئة التي يتحرَّك فيها.
5 - تأثَّرَ الأدب العربي الساخر في العصر الحديث –كثيرًا- بالأدب العربي القديم، وبخاصة الأدب العباسي وبالجاحظ على الخصوص، الذي ترك بصماته على كثير من الأدباء في مختلف العصور. يقول الأستاذ أبو عيسى عن البشري: "وهكذا شابَهَ البشري الجاحظ في أحاديث التطفُّل والمتطفِّلين، كما شابهه في حديث البخل والبخلاء، وحمل رايته في العصر الحديث في السخرية والتهكم والمرح والدعابة، ووضعَ الأدب القديم في إطارجديد، يحدث في النفس إعجاباً شديداً، ويترك في القلب أثراً عظيماً" (2).
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 298.
(2) م. ن. ينظر أيضا السخرية في أدب المازني، ص: 253 وما بعدها. (1/73)
صفحة 74
هذه لمحة عن السخرية في الأدب العربي. ومن خلالها يتبيَّن لنا أنَّها كانت ضاربة الجذور في الأدب العربي، بدءًا من العصر الجاهلي. وقد بدأت بسيطة وساذَجة، ثمَّ أخذت في التطوُّر لاحتوائها مضامين وقيَماً جديدة، استحدثها الإسلام، ثم توثَّقت صلتها أكثر بالهجاء في العصر الأموي، وارتقت بالنقائض إلى درجة عالية، ثم كان لها تطوُّر هائل، وازدهار كبير في العصر العباسي؛ إذ جدَّت ظروف من التمدُّن والتحضُّر والتقدُّم العلمي، وتوسَّع مجال التفتُّح على الثقافات الأخرى، وحصل استقبال بلا حدود للأجناس، الذين امتزجوا بالعنصر العربي ... كان لكلّ ذلك أثر في تطوّر السخرية في هذا العصر، إذ تعدّدت ألوان التعبير بها، وكان لها استقلال عن بقية الأغراض. وبرز فيها أدباء كبار رفدوا من جاء بعدهم من الأدباء، وكانوا مصدر إلهام لهم. ثم عرف الأدب الساخر انتكاسة في العصر المملوكي والعثماني، ولم يعد له الطعم والنكهة اللذين كانا له فيما سبق. ثم نهض من كبوته من جديد في العصر الحديث، فعبَّر عن اهتمامات المجتمع، وأفصح عن الأوضاع التي عاشها العالم الإسلامي، وأظهر بعض المميِّزات التي كانت انعكاسا للبيئات التي ترعرع فيها.
نتساءل بعد ذلك عن مكانة الأدب الجزائري الساخر في هذه المسيرة، وعن خصوصياته، وعن إسهاماته وإضافاته ... نحاول الإجابة عن ذلك في الصفحات الآتية:
د- السخرية في الأدب الجزائري قبل سنة 1925م:
لم يخل الأدب الجزائري قبل سنة 1925م من السخرية والتهكم. غير أنَّها كانت بسيطة ساذَجة في عمومها، تفتقر إلى الشروط التي ترقى بها إلى المستوى المطلوب فنيًّا. سببُ ذلك الظروفُ السيئة، التي كان يعيشها الشعب قبل سنة 1925م، وبخاصة قبل الحرب العالمية الأولى: نقصًا في الثقافة وضعفًا في الأدب. والسخرية تتطلَّب مستوى ثقافيًا معتبرًا، وشروطا نفسية وعقلية معيَّنة، ومناخًا اجتماعيًّا خاصًّا ... حتىَّ تنمو وتزدهر. (1/74)
صفحة 75
لكنَّ الأدب الجزائري في هذه الفترة (أي ما بين بداية القرن العشرين إلى سنة 1925م) لم تتوفَّر له كلَّ هذه الشروط، ولهذا بدت السخرية فيها ساذَجة بسيطة في عمومها. نحاول فيما يأتي التمثيل لها ببعض النَّماذج من المقالة والشعر.
1 - المقالة:
عبَّر كاتب (1) عن تذمُّره للتدهور الذي آل إليه الأدب الجزائري بعامة والشعر بخاصة، بسبب انعدام النقد أو ضعفه، ممَّا جعل كلَّ الناس يلجون أبواب الشعر. سجَّل مشاعره في الموضوع بأسلوب التهكم والسخرية المريرة. قال الكاتب:
" ... لأنِّي طرقت أبوابًا من فنون جمَّة، فلم أجد في أسواقكم إلاَّ بواراً وفساداً، خُيِّلَ إليَّ أن انتحل باب الشعر حرفة، فتجلببت بجلبابه، وقمت أصوغ منه ما يمليه عليَّ ميزانه، لأنَّ ناس اليوم يقبلون المنظوم أيًّا كان، بشرط أن يتَّحدَّ رويُّه، ولو اختلفت حركاته" (2).
أوجدت السخريةَ في النص بعضُ الألفاظ والعبارات (قد خيَّل إليَّ ... فتجلببت بجلبابه ... ما يمليه عليَّ ميزانه، لأنَّ ناس اليوم يقبلون المنظوم، بشرط أن يتَّحد رويُّه ولم اختلفت حركاته ... ) السخرية سارية في كل ألفاظ النص وتراكيبه تقريبا. وكلها تعريضٌ واحتقارٌ وإظهار للحسرة والمرارة. وقد عبَّرت بصدق عن الواقع المعيش. إلاَّ أنَّها تبقى بسيطة.
وفي مقال لعمر راسم (3) عدَّد فيه مخازي المسلمين، ونعى عليهم سدرهم في غيِّهم، وانحرافهم عن جادَّة الإسلام، مع ادِّعائهم الانتماء إليه، أرسل الكاتب زفراته
__________
(1) ينظر جريدة "كوكب إفريقيا" (الجزائر)،ع: 23/ 07/1909م، المقال بإمضاء مجهول.
(2) مجلَّة الثقافة (وزارة الإعلام والثقافة، الجزائر) ع: 48، ذو الحجَّة، محرَّم 98 - 1399هـ/ديسمبر 1978م، ص: 105.
(3) عمر راسم (1884 - 1959م) من رجال النهضة الجزائرية الحديثة، أصدر مجلَّة "الجزائر" سنة 1908 ثمَّ 1913، وهي تعدُّ أوَّل مجلَّة عربية يصدرها جزائري، كما أصدر سنة 1913 جريدة "ذو الفقار". من آثاره "تراجم علماء الجزائر" (مخطوط)، ومقالات عديدة – بالعربية والفرنسية - في الاجتماع والسياسة والفن ... لمزيد من التفاصيل عن حياته ينظر د. محمد ناصر "عمر راسم المصلح الثائر". (1/75)
صفحة 76
الحرِّى، ثم قال ساخرا (1): " ... لا شكَّ وأنَّ السلطة البشرية تنعدم في أمَّة تبادلت مع حيواناتها الأخلاق، فلا يكون لوفاء العهد - وهو الخلق العظيم- مظهر إلاَّ في كلابها، ولا يوجد الاعتماد على النفس إلاَّ في وحوشها الضارية، ولا التطوُّح والاغتراب في طلب القوت إلاَّ في جوارحها وطيورها. إذاً فليقضِ على هذه الأمَّة قاضي النَّواميس الطبيعية أن تكون حقيرة ذليلة، محكومة مأسورة ... " (2).
هذه سخرية وتهكم بالذين تخلَّوا عن أخلاق الرجال والأحرار، وخلعوا عن أنفسهم شمائل الإسلام. وقد عرَّض الكاتب بهم، وبيَّن أنَّ هذه الأخلاق الفاضلة موجودة، لكنَّها عند حيواناتهم، التي لا تعي ولا تدرك، بينما انتفت منهم، وهم أصحاب العقول والإدراك.
هذه السخرية مبعثها التذمُّر والحسرة والألم النفسي. وقد تمكَّنت من إيصال هذه الأفكار وتبليغ المشاعر إلى المتلقِّين. غير أنَّها تبقى بسيطة، ليس فيها من الإثارة والجمالية ما هو مطلوب في السخرية الأدبية الفنية.
إلاَّ أنَّ المقالة تطوَّرت - نوعا ما- حين لجأت إلى أسلوب المقامة -كما يرى الدكتور محمد ناصر- وذلك باستعمال السجع واستعارة بعض خصائصها، كاتّخاذ راوية واللجوء إلى أسلوب السخرية والفكاهة ... ضرب مثالا على ذلك بما كتبه "العامي الندرومي" (3) الذي قال عنه أنَّه استرعى انتباهنا "بتصويره التهكمي وخياله الطليق، وهما صفتان قلَّما توجدان عند كتَّاب هذه المرحلة" (4).
يبدو أنَّ هذا الأسلوب كان مستحسنا ومقبولا، لما فيه من الطرافة والاستجابة لرغبة الناس في التنفيس عن قلوبهم المجروحة ونفوسهم الكئيبة، فقد جاء
__________
(1) ينظر جريدة "ذو الفقار" الجزائر، ع: 3 (14/ 06/1914م). المقال بعنوان "الإسلام والمسلمون".
(2) الدكتور محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية نشأتها تطوُّرها أعلامها، من 1903 إلى 1931م مج1، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص: 80.
(3) ينظر جريدة "كوكب إفريقيا"، ع: 394 (09/ 01/1914م). المقال بعنوان "المجنون الدجّال".
(4) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 133. (1/76)
صفحة 77
في إحدى المقالات نداء " أن اصدع أيّها العامي على لسان مجنونك فإنَّ القلوب صاغية لمواعظك" (1).
يرى الدكتور محمد ناصر أنَّ الذي دفع الكتّاب إلى انتهاج هذا الأسلوب، أسلوب المقامة هو حساسية الموضوعات الاجتماعية، التي كانت صعبة التناول والمعالجة، وخطيرة، لأنَّها كانت مرتبطة بالبدع والخرافات والتقاليد، التي كان يؤمن بها بعض العلماء والجامدون وعامة الناس ... تناوُلُ ذلك بطريقة مباشرة قد يعرض الكاتب إلى سخط الناس، إلى جانب ما في أسلوب المقامة من خصائص، تستهوي الناس وتستميلهم "ومن هنا كان على الكاتب الذي يريد أن ينتقد خرافة أو بدعة أن يتستَّر وراء الراوية، أو يتعلَّل بالحلم، حتى يأمن بذلك سخط الناس عليه" (2). ظهور السخرية في شكل مقامة يعدُّ تطوُّراً في الكتابة الساخرة، والتستُّر وراء راوية هو تعبير رامز ساخر في آن واحد.
ومن ألوان السخرية التي عرفها أدب هذه الفترة ظاهرةُ التظاهر بالجنون (3). فإلى جانب كونها وسيلة للتنصُّل من مسؤوليةِ ما يُقال، فهي أسلوب من أساليب السخرية لطرافة ما تُنُووِل فيها، وبخاصة في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. هذه الوسيلة عكست بحقٍّ الحالة المتردِّية التي كان يعيشها الشعب الجزائري، الذي أصيب بالذهول، لهول ما كان يرى ويعايش: من انتهاك الحرمات، وما كان يعانيه ويقاسيه من ألوان الظلم والاضطهاد. يشير الدكتور محمد ناصر إلى أنَّ هناك من " تقمَّصَ شخصية (مجنون دجَّال)، أخذ يرسل نقداته اللاَّذعة على لسانه ... توجه إلى (علماء الدعوة) كما كان يلقِّبهم، يؤاخذهم على الطريقة التي يربُّون العامة بها، ويبدو أنَّه كان اللسان المدافع عنهم" (4).
__________
(1) م. س، ص: 135. ينظر "الصعلوك الطولقي"، "إلى العامي الندرومي"، "كوكب إفريقيا" ع: 387 (31/ 07/1914م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 136.
(3) ينظر على سبيل المثال " كبر الإنسان"، " كوكب إفريقيا " ع: 344 (05/ 12/1913م). و "من العوام، هكذا النفس"، "كوكب إفريقيا" ع: 348 (02/ 01/1914م).
(4) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 203. (1/77)
صفحة 78
وقد تشكًّلت السخرية - ملفوفة في رمز أيضا - بأشكال منها شكل الرؤى والأحلام، وهي وسيلة نقدية ساخرة قديمة، عرفها الأدب العربي، وقد ظهرت بها "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرِّي (363هـ/973م-449/ 1058م) و "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي (382هـ/992م-426هـ/1034م).
فقد كتب كاتب مقالة على غرار أسلوب المعرِّي في رسالة الغفران، انتقد فيها بعض الفقهاء الذين يدَّعون العلم والمعرفة، بينما هم بعداء عن ذلك، لا يفقهون روح الشريعة؛ لتزمُّتهم وجهلهم، كما انتقد بعض الشعراء الذين أضرُّوا بالشعر بكتاباتهم الضعيفة، تهكم بهؤلاء وسخر وعرَّض (1).
وكاتب آخر يعدِّد البدع التي كانت منتشرة في المجتمع الجزائري انتشاراً مهولاً، ويندِّد بالخرافات والتقاليد البالية، التي شاعت في الوسط الاجتماعي. ولهول ما اصطدم به، بسبب هذا السلوك المشين، ولشدَّة المرارة التي كانت تعصر قلبه، وهو يرى المجتمع يتردَّى في الهاوية، وهو لا يقوى على المجاهرة بإنكاره هذا التصرُّف، وهذه السيرة ... التجأ إلى طريقة الرؤى والأحلام، وتوسُّل بها؛ رامزاً بذلك إلى سوء عمل هؤلاء الناس، وإلى دناءة هذا السلوك، ومعرِّضا بتفكير القوم الساذَج والخطير، ومتهكماً ساخراً من المفارقات التي يعجُّ بها المجتمع، وملمِّحاً إلى الانكفاف عن هذا التصرُّف ... " ... رأيت في ليلة من ليالي الشتاء الطوال ذوات الظلام القاتم ... رأيت نفسي. ولا بدع أن جلتُ في عالم الأحلام جولة، وأتيت بمواعظ حسنة، يعرف تأويلها من يعتمد في تأييد دعواه على وحي الأحلام ... رأيت النسور والعقبان، والغرابيب السود، تشقُّ الجوَّ، وتسبح في لجَّة الفضاء، وفي براثنها بقية (الشخشوخة) وهي تفور فورًا، لم يتجمَّد شحمها، ولم يتسنَّه طعمها، والسلاحف في صهريج هادئ، ماؤه أنيق رواؤه، وهي في جوفه تسبح وتمرح من فرط إعجاب بقدِّها وحسن وكرها ... والزنوج وقد برزوا في ثياب حمر وعمائم من سندس خضر حسان وغير حسان، وتلفَّعوا بسواد ليل أليل، تشرق بجنباته
__________
(1) ينظر "رؤيا"، جريدة كوكب إفريقيا، ع: 116 (23/ 07/1909م). المقال دون إمضاء. (1/78)
صفحة 79
نواجذ كأسنان المشط، ولو كشفت لأهل الجحيم لسبِّحوا باسم ربك العظيم ... (1) وفي أيديهم الطنابير والبنادر والمزاهر، وهم يصرخون ويرقصون ليستفرغوا جيوب الغفَلَة الجاهلين، وحول ذلك رجل تعلوه الجلالة والوقار، قد وَخَطَ لحيتَه المسدولة شهابُ المشيب ... وهو يجرُّ فضل ردائه، ويزمجر زمجرة الضرغام ويقول بصوت تدكُّ له الجبال الشُمُّ ... " (2).
فذكرُ الحيوانات مقرونة ببعض الأوصاف، ومقترنة ببعض الحركات، ووصفُ الأقوام بصفات خاصة، وبما يقومون به من أعمال، وما يبدونه من أنواع السلوك غير الطبيعي، والإشارةُ إلى بعض العادات، وسردُ بعض الأطعمة التي تقدَّم في بعض المناسبات، التي تذبح فيها القيَم، وتُتَخطى فيها حدود الدين، وتداس الحرمات ... كلُّ ذلك أسهم في تكوين سخرية في النص. وقد عُدَّت في هذا النص متطوِّرة رغم بساطتها (3).
هكذا أسهمت المقالة الصحفية في توفير السخرية في الأدب الجزائري قبل سنة 1925م. وقد برزت في أشكال متعدِّدة: تعريضاً وتلميحاً ورمزاً ... وقد كانت تتأرجح بين البساطة والسذاجة والضعف والقوَّة في بعض نماذجها القليلة، إلاَّ أنها تبقى شاهدة على مرحلة من مراحل تطوُّر الأدب الجزائري.
2 - الشعر:
السخرية في الشعر كانت أقلَّ حظاًّ ممَّا توفَّر للمقالة، بل كانت في الشعر شبه منعدمة، حتىَّ هذا القليل كان ضعيفا جداًّ، لا يسترعي الانتباه كثيرا. يرجع هذا إلى الحالة التي كان عليها الأدب في تلك الفترة "ركود وجمود في الأدب
__________
(1) يرمز الكاتب بهذه الأسماء، وبهذه الأوصاف إلى بعض الخرافات الشائعة في المجتمع الجزائري. ينظر تفاصيل عنها، المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 75 وما بعدها.
(2) سيد أحمد دزيري، "سُهاد ورُقاد"، كوكب إفريقيا" ع: 359 (20/ 03/1914م). ينظر المقالة الصحفية الجزائرية، مج2، ص: 201، 202.
(3) ينظر أيضا القسنطيني، "الخدمة الجزائرية في فرنسا "،جريدة النجاح، ع: 136 (07/ 12/1923م). (1/79)
صفحة 80
مضموناً وشكلاً، وضحالة وبساطة في التفكير: في اللغة المستعملة كمًّا وكيفاً، وفي الأسلوب الذي تعالج به القضايا، والمضمون الذي يتوزَّع هذا الإنتاج الأدبي" (1).
من أمثلة هذه السخرية نشير إلى قصيدة "المنصفة" (2) للشاعر محمد المولود بن الموهوب (3) التي وصف فيها واقع الشعب الجزائري المتدهور دينياًّ وخلقياًّ واجتماعيًّا، وما كان يعجُّ به الوسط الاجتماعي من بدع وخرافات. القصيدة كلُّها حسرة وأسى من حال الجزائر البائس، وتصرُّفات الناس التي لم تخرج عن دائرة اللهو والعبث بالدين. ومطلعها يشير إلى ذلك:
لأنَّا للمَعاَرِفِ ما هُدينا ... صُعودُ الأسفلينَ بهِ دُهيناَ
أُناساً للخُمورِ مُلازِميناَ (4) ... رَمَت أمواجُ بحر اللهو مناَّ
من جملة ما انتقده الشاعر بعض البدع التي كانت منتشرة في الوسط الاجتماعي الجزائري، التي هي أوهام وشعوذة، مما يعدُّ انحرافاً صريحاً عن الدين:
__________
(1) محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث (1925 - 1976م) ج1، ط1، المطبعة العربية، غرداية (الجزائر)، سنة 1992م، ص: 18، 19.
(2) نشرت تحت عنوان: "الأخلاق" في جريدة كوكب إفريقيا، ع: 08/ 04/1910م.
(3) محمد المولود بن الموهوب (1866 - 1939م) ولد بمدينة قسنطينة، شاعر وكاتب، درَّس بمدرسة سيدي الكتَّاني، شغل منصب مفتٍ للمذهب المالكي بقسنطينة، نشر مقالات في جريدة كوكب إفريقيا، والصديق، والإقدام، نشط في محاربة البدع.
(4) الدكتور عبد الله ركيبي، الشعر الديني الجزائري الحديث ط1 (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1401هـ/1981م، ص: 563. (1/80)
صفحة 81
وَسَل زاراَ (1) ونسرَ طبلٍ (2) ... وسَلْ عنَّا السَّلاحِفَ في غُرابٍ (3)
وسل "غاباً" لِحُكمِ الجنَّ أضحى وسل ذاك الحمام لدى حَمام
وسل سِدراً (1) به خِرقٌ أُنيطت وسل بدعاً نبدع ناكرِيهاَ
وزينتَنا (2) تَبيعُ التابعيناَ وأعطاراً (3) تُراقُ وعائمِيناَ
يَقينا كُلَّ ضَرٍّ قَدْ يَقيناَ نذبحُه بلاَ اسمٍ عامِديناَ (4)
وغيراً حيث نفزغ ناذرينا ... ونحملُ في إقامتها الديُوناَ (5)
السخرية تكمن في سرد هذه العادات وهذه الخرافات بطريق الاستفهامات الإنكارية التقريعية. كما كان لتكرار لفظة "سل" دورها في تجسيد الألم النفسي والشعور بالحسرة ممَّا آل إليه المجتمع، اللذين كانا دافعين للسخرية، ولو كانت بسيطة، تعكس مستوى الأدب في تلك الفترة. وتبلغ السخرية من هذه المظاهر مبلغها: احتقاراً وتعريضاً وكشفاً عن المرارة والحسرة، حين يذكر الشاعر ما يقوم به أولئك الناس بحثا عن الذهب بواسطة السحر وخطوط الرمل: (4) (5) (6) (7) (8)
ونفزَعُ للخُطوط لعلم غيبٍ ... فهل جئنا لِعلمٍ فازِعينا
ونطلبُ بالعَزائم كنزَ أرضٍ ... ونطلبُ نصرةً للكاذَبينا (9)
هذا النموذج يكشف لنا عن نوع السخرية التي كانت متوفِّرة في الشعر، وهي سخرية ساذَجة وضعيفة، لا إيحاء فيها، ولا إثارة ولا فنية، فقد غلبت عليها التقريرية والمباشرة في التعبير.
وقد اتّخذت السخرية شكل نقائض في مظهرها، لكنَّها كانت بعيدة عنها من حيث المستوى الفنيِّ والقيمة الأدبية. وهي بهذا الأسلوب تكشف عن الصراع
__________
(1) المقصود هو "الزار" الذي تلجأ إليه النسوة لعلاج ما يزعمن أنَّه مسٌّ من الجن. وهو حفل يجتمع فيه أخلاط من الناس لهذا الغرض.
(2) يوم من أيَّام العبادات الشنيعة، كان يقوم فوق جبل سيدي مسيد بقسنطينة، حيث يلقي السذج من الناس بأحشاء الأغنام طعاما للنسور، لاعتقادهم أنَّ هذه النسور هي الأولياء.
(3) عبارة عن موضع في قسنطينة، به عين طبيعية تلقي فيها النساء بالتمر والجوز واللوز، فتأتي السلاحف لأكلها، اعتقادا منهنَّ أن في ذلك إرضاء للجنِّ.
(4) السدر شجر له أشواك حادة تعلق عليه خرق الكتاب تعبُّداً أو زلفى.
(5) عبارة عن زينة للتيس يزيِّنه بها الزنوج، ويطوفون به بقصد الارتزاق.
(6) العطور تراق في هذه العين للاعتقاد نفسه.
(7) المراد بالحمام هو ما يذبح من طيور بقصد الشفاء من المرض. كلُّ هذه التعليقات للدكتور عبد الله ركيبي، ينظر الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 565.
(8) م. ن.
(9) م. س، ص: 565، 566. (1/81)
صفحة 82
الذي كان قائماً بين المصلحين والطرقيِّين، هذا الصراع الذي كثُر فيه النِّقاش والجدال والنزال والنقد اللاَّذع المر، وتبادل التهم. من الأمثلة على ذلك نقيضتان استعملتا أسلوب السخرية، ولو بشكل بسيط. إحداهما للمولود بن عمر الزريبي بعنوان "صوت من الشرق" أو "وقفة العامي الندرومي" (1) والثانية لشاعر من الغرب الجزائري بعنوان "صوت من الغرب" أو "وقفة المجنون الدجَّال".
من القصيدة الثانية نختار بعض الأبيات التي فيها سخرية. القصيدة تبدأ بالهجاء والذمِّ واتِّهام الخصم بالجنون، وقد كانت على شكل قصَّة إمعاناً في التهكم والسخرية. فبعد أن يعدِّد الشاعر بعض أعمال المصلحين، التي هي منافية للدِّين- حسب نظره- ويصوِّر تحذيره للعامة، وتغريرهم بهم بحجَّة الإصلاح، يرسم لهم صورة ساخرة:
إن وصفوا مسلخاً طاروا به فَرَحاً ... وشنَّفوا سمعهم بأنه النَّمِرُ (2)
ثم يزيد في التهكم بهم بقوله:
شمُّوا من الإبط عُرفاً زادهُم نَزَقاً ... فهم سُكارى إلى أن ينقضي العمرُ
لو كان فيه هُدىً لأصلَحوا ذِمماً ... أخنىَ عليها من الإذاية الذُّعرُ
إنِّي غَبرتُهمُ، وذاق مرَّهمُ ... من التلوُّنِ صاحِ البدوُ والحضرُ (3)
وقصيدة "الزريبي" التي ردَّ بها على قصيدة "صوت من الغرب" سارت على منوال الأولى، واصطبغت بصبغتها، واحتذت أسلوبها.
هكذا نلحظ أن السخرية قبل سنة 1925 - في معظمها- كانت تعتمد على الهجاء والإقذاع والمبالغة في الحطِّ من الخصم والنَّيل منه، وتسفيه أحلامه
__________
(1) القصيدة كانت بإمضاء مستعار، غير أنَّ الدكتور عبد الله الركيبي يقول: وقد تأكَّد لنا أنَّها للمولود بن عمر الزريبي، لأنَّه أمضى باسمه في قصيدة أخرى يهاجم فيها الندرومي. ينظر المرجع السابق، ص: 612.
(2) م. س، ص: 614. نشرت القصيدة في كوكب إفريقيا، ع: 17/ 03/1914م.
(3) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 615. (1/82)
صفحة 83
وأعماله، وكانت تنتهج التقريرية والمباشرة. ومنها ما كان يتبنَّى تراكيب ضعيفة أو بسيطة، لا تحرّك القلوب ولا تهزُّ المشاعر ... لكن السخرية بعد هذه الفترة بدأت تنتشر وتشيع وتتطور تطوُّراً لافتاً للنظر، ظهرت بمظاهر متنوِّعة وألوان مختلفة. فما هي عوامل هذا الانتشار؟
ه ـ عوامل انتشار السخرية في الأدب الجزائري الحديث:
لا جدال في أنَّ سنة 1925 شهدت ميلاد الحركة الإصلاحية، التي عملت بهياكلها ووسائلها على تنشيط الحركة الأدبية، وبعث الأدب العربي من جديد، والأخذ بأسباب التغيُّر والتجديد، بتبنِّي أساليب متطوِّرة في التعبير، وتوخِّي طرقٍ فنية في الكتابة. وقد كان من بين هذه الألوان والأساليب أسلوب السخرية والتهكم، الذي أخذ ينمو ويتطوَّر مع مرور السنين، وتطوُّرِ الظروف والملابسات التي تحيط عادة بهذا اللون من التعبير.
لقد كان تأخُّر انتشار السخرية وتطورها في الأدب الجزائري الحديث إلى هذه الفترة (ما بعد 1925) سببه ظروف عاشتها الجزائر بعامة والحركة الأدبية بخاصة. وكان شيوعه بعد ذلك لعوامل، منها الخاصة بالأدب الجزائري، ومنها العامة التي تتعلَّق بطبيعة السخرية نفسها وطبيعة الأديب الساخر الحسَّاس. فما هي هذه العوامل:
أوَّلا: الضغط السياسي الذي كان يمارسه المستعمر على الشعب، الذي عمل على سليه مقوِّماته، وتشويه شخصيته، وطمس معالمه الحضارية، وقطع صلته بماضيه وتراثه، واجتهد في تجهيله، وكبت حريَّته ... عمل كلَّ هذا وهو يملك من وسائل القوَّة المادية ومن آليات القهر والقمع ما تعجز عن مقاومته وصدِّه إمكانات الشعب المحدودة. فكان لا بدَّ من سلوك طريق أو انتهاج أسلوب، يبتعد عن المباشرة في المواجهة ويتجنَّب العلنية في المقاومة، ويخفي النية المبيَّتة لتوعية الجماهير وتكوينها وتثقيفها، والقصد إلى حماية الشعب من الهجمات على أصالته وشخصيته. فكانت السخرية إحدى هذه الوسائل غير المباشرة في المقاومة والمواجهة والانتقام: مقاومة (1/83)
صفحة 84
الأجنبيِّ الدخيل على المجتمع، ومواجهة سياسات المسخ والتشويه، والانتقام من البطش والجور. مع محاولة إشاعة كلِّ ذلك بين أفراد كلِّ طبقات المجتمع، وذلك بالاستعمال الأمثل للسخرية وحسن توظيفها في التوعية واستنهاض الهمم.
يقول الدكتور محمد ناصر عن هذه الظاهرة التي انتشرت في الأدب الجزائري، والتي صبغت سخرية الأدباء بالقتامة والحزن والأسى: ذلك لأنَّ الاستعمار أحال حياة نفوس الأدباء "إلى مأساة، وأرضَها إلى سجن رهيب، فلم تستطع بحال من الأحوال أن تصرخ في وجه الجبروت غاضبة، ولا أن تقاوم أعماله ثائرة، فلجأت إلى التهكم المرير، والسخرية الحزينة، تتَّخذ منها لغتها، التي تعبر بها عن مشاعرها، وتجد في هذه اللغة متنفَّساً لها، يخفّف عنها آلام الضغط الخانقة، وتستنشق بين الزفرة والزفرة نسمة هواء، متجدِّدة تلطِّف من حرارة الجمرات الملتهبة بين الحنايا" (1).
قد لا يتفطَّن الإنسان العادي لرداءة الحياة التي يحياها، أو لسوء الظروف التي يمرُّ بها، لكنَّ الأديب بعامة، والساخر بخاصة يتيح لهذا الإنسان وللقارئ والمستمع أن يحسَّ بما يحسُّ به الأديب الفنَّان من الرداءة والردَّة والتردِّي، بما يثيره في نفس كلِّ واحد من أولئك من المشاعر بواسطة سخريته.
ثانيا: تردِّي الأوضاع الاجتماعية في الجزائر، بانتشار الانحرافات، ديناً واجتماعاً، أدبًا واقتصادًا ... واتِّساع دائرة هذه الانحرافات، وتفشِّي الفساد، وعجز الأدباء في الإعلان عن تذمُّرهم وسخطهم مباشرة، وفشلهم – أحيانا - في معالجة الأوضاع بالوسائل العادية، مع ملاحظة إعراض الناس عن سماع الحقِّ، وتعاليهم – كثيرا - عن الاستماع إلى الوعظ والإرشاد ... كلُّ ذلك أدَّى بالأدباء إلى اتّخاذ السخرية وسيلة للمعالجة، ولو كانت محدودة الجدوى أحيانا، وأحيانا أخرى لا تتعدَّى الجانب النفسي.
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 190. (1/84)
صفحة 85
وقد استخدموا أساليب مختلفة في التعبير عن كلِّ ذلك بواسطة السخرية، كأن يوجِّه أحدهم نقداً إلى شخص حقيقي أو متخيَّل، يمثِّل خُلقاً اجتماعيًّا، أو ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، فيسخر منه، وهو يقصد التهكم من ذلك الخلق أو تلك الظاهرة. وقد وجَّه الأدباء انتقاداتهم إلى التعصب الديني والتخلُّف الفكري، والتصلُّب الاجتماعي، وإلى ما لحظوه من تناقضات في الحياة، والشذوذ عن طبيعتها ...
وقد عبَّروا عن مشاعرهم بالسخرية والتهكم بدافع من هذه الأسباب؛ لأن السخرية كما يقال: "محاولة لطيفة مهذَّبة، الغرض منها تطهير الحياة والمجتمع من الظواهر السلبية، التي تجانب التطوُّر، وتناهض الحركة نحو المستقبل، فإذا ما وَقَعتْ على إحدى هذه الظواهر كالبلادة والخمول أو الغفلة، أو كلِّ ما يهدِّد الحياة بالتوقُّف أو البطء، أو كلِّ ما تحِسُّ أنَّ فيه إعراضاً عن الحياة، أو عجزاً عن التلاؤم معها، أخذت نفسها ضدَّه، وجمعت أسلحتها، لتنقضَّ عليه، إذا لم يكن بدٌّ من أن تكون قاسية معه" (1). هذا ما التزم به الأدب الجزائري الساخر، محاولة منه معالجة الأوضاع الاجتماعية بطريقة مهذَّبة لطيفة. وذلك إلى حدٍّ بعيد.
ثالثا: الصراع الفكري الذي كان على أشُدِّه بين الطبقة المثقَّفة، مختلفة الاتِّجاهات والنزعات، فكريًّا ودينيًّا وسياسيًّا وأدبيًّا ... وقد كانت البيئة "تعجُّ بالأفكار المتباينة، والمرحلة كانت مرحلة تلمُّس للطريق الصحيح. فكان كلُّ واحد يسهم برأيه، مؤيِّدًا أو معارضًا" (2). يحدث ذلك والوعي ما يزال ناقصا، والجهل يظلُّ منتشرًا في الأوساط، بما لا يتيح الفرصة للتَّفريق بين الاختلاف الفكري والخلافات الشخصية والتباين والعداوة، إضافة إلى تغذية الاستعمار لهذه الخلافات وهذه المعارك، وقد اشتدَّ هذا الصراع أكثر بين المصلحينَ والطرقييِّن.
لقد برز في هذه السخرية الهجوم على الأشخاص والهيئات: "وكانت الدوافع الشخصية تلعب دورها في هذه الصراعات إلى جانب المبادئ والأهداف، فوق أن النظرة كانت مختلفة للقضايا السياسية أو الاجتماعية أو الدينية ... " (3)، ويضيف الدكتور الركيبي "وقد كان للمنافسة أثرها في الخلاف الذي نشب بين الفريقين، كما لعبت الزعامة أيضًا دورها في هذا المجال" (4). كما كان للحزازات الفردية والأغراض الخاصة، والخلافات الشخصية، وبعض العداوات، التي تنشأ بين شخص وآخر؛ لسبب من الأسباب، وعادة ما يفرزها الاحتكاك الدائم، وتكون أو تأتي السخرية في هذه الحالة للانتقام، وقد قال "أدلر ADLER " (5) : " البغض والانتقام هما الشيطانان التوأمان اللذان يولِّدان السخرية" (6). كان لكلِّ ذلك دورُه في شيوع السخرية في الأدب الجزائري. وقد تلقانا أحيانا مع سخرية وتهكُّم - بدافع من هذا العامل- لا تَمُتَّان إلى الأدب بصلة.
رابعا: تغيير وسيلة المواجهة، وتعويض طريقة المعالجة بما يلائم الظروف، وبما يساير المستوى الإدراكي للمخاطبين، وبما يتناسب مع أحوالهم النفسية،
__________
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 30.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 588.
(3) م. ن.
(4) م. س، ص: 628.
(5) الفرد أدلر (1870 - 1937م) طبيبب عقلي نمساوي، مؤسِّس علم النفس الفردي، عارض التحليل النفسي الفرويدي في تضخيمه للجنس، من مؤلفاته "علم النفس الفردي عملاً وعلمًا" "الحيلة العصابية". ينظر الموسوعة العربية الميسَّرة، مج1، ص: 100.
(6) السخرية في الأدب العربي، ص: 16. ينظر ما أدلى به مفدي زكريَّاء رغبة في السخرية والعبث بفريسته من أصحاب الطرق، ينظر د. محمد ناصر، مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة (دراسة ونصوص) ط2، نشر جمعية التراث العطف. غرداية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 69. (1/85)
صفحة 86
وذلك باتِّباع أسلوب ساخر تهكمي، يتوخَّى اللغة البسيطة السهلة، التي تنزل إلى مستوى لغة الشارع أحيانا.
وقد يُلجَأُ في الأسلوب الساخر إلى التعريض والتلميح والتصوير الكاريكاتوري، بما يساير مستوى المخاطبين، ويُعمَد إلى الرمز الذي يموِّه على الظالم، ويفوِّت عليه فرصة رقابة من هو معنيٌّ بالخطاب، وفي الوقت نفسه يتوافق مع الأهداف المرسومة، والغايات المراد بلوغها من هذه السخرية. لقد اختصَّت (1/86)
صفحة 87
بعض الجرائد بهذا الأسلوب كالبستان والجحيم وأبي العجائب والشعلة ... " (1).
فأبو اليقظان (2) يُفصح عن هذا الأسلوب في المعالجة في العدد الأوَّل من جريدته "البستان"، ويبيِّن أنَّه بناء على تعطُّش كثير من الناس إلى صحيفة فكاهية، وبسبب عدم استفادة كثير من أبناء الأمَّة من جرائدنا الجدِّية، ولعلوِّ مستوى هذه الجرائد الفكري على المستوى الإدراكي لهؤلاء الناس، ونظرا إلى أن كثيرًا من الظرفاء بقوا محرومين من مجال ينشرون فيه إبداعهم، وفي وقت استحالت فيه الحياة إلى جحيم لا تطاق: "بناء على ما تقدَّم، رأينا من الواجب أن ننشئ جريدة عربية نصف شهرية تفي بهذا الغرض الشريف، فأسَّسنا هذه الجريدة تحت اسم "البستان" إشعاراً بما ستحمله إلى قرَّائها الكرام من كلِّ ما يحمله البستان من أنواع الثمار والفواكه والبقول والزهور والرياحين بإذن الله" (3).
الفكرة نفسها والاتّجاه ذاته تتبنَّتهما جريدة "أبو العجائب"، فبعد أن تعلن عن برنامجها، الذي يتمثِّل في خدمة الدين واللغة والوطن والأخوَّة، وفي محاربة الأخلاق الفاسدة والعادات البالية وغيرها. بعد كل ذلك تصرِّح إنَّ في "المعاريض
__________
(1) البستان (1933) أصدرها في الجزائر إبراهيم أبو اليقظان باسم عيسى تعموت، مبالغة في الحيطة وإمعاناً وحفاظاً على رسالته الصحفية. وهي صحيفة أسبوعية فكاهية انتقادية، صدر منها عشرة أعداد.
"الجحيم" (1933) جريدة أسبوعية، صدر منها سبعة أعداد وكان يكتب فيها شبَّان مصلحون جزائريُّون، أُنشِئت لتردَّ على جريدة "المعيار" (1931 - 1933م) الطرقية، التي كانت تناصب الحركة الإصلاحية للعداء.
أبو العجائب (1934) نشرة فكاهية نقدية تهذيبية، أصدرها محمد العابد الجلاَّلي بقسنطينة. صدر منها حوالي عشرة أعداد.
"الشعلة" (1949 - 1951م) جريدة أسبوعية، أصدرها أحمد رضا حوحو وبوشمال والصادق حمَّاني، كانت بالمرصاد لكل انحراف، وكلُّ ما يمسُّ بالمجتمع يُتصدَّى له بأسلوب السخرية والتهكم، صدر منها أربعة وخمسون عددًا.
(2) الشيخ أبو اليقظان إبراهيم (1888 - 1973م) كاتب وشاعر وفقيه، رائد من روَّاد الحركة الإصلاحية في الجزائر، أصدر ثماني جرائد ما بين 1926 و 1938، ترك أكثر من ستِّين مؤلفا في مختلف الموضوعات، تراجع حياته د. محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة. (ش، و، ن، ت) الجزائر سنة 1980م.
(3) جريدة البستان، ع: 1 (27/ 04/1933م). (1/87)
صفحة 88
مندوحة عن التصريح ... ويلاحظ في هذا الصدد أن تكون الكتابة بشيء من روح النّكتة والفكاهة، ليخفَّ حملها على القرَّاء المثقلين بأعباء الخطوب والدواهي، فلا يكون أبو العجائب عليهم مع المصائب ضغثًا على أباله" (1).
خامسا: من الأسباب التي أدَّت إلى انتشار السخرية والتهكُّم في الأدب الجزائري محاولة التنفيس عن النفوس المجروحة والقلوب المكلومة، ومحاولة التخفيف من أعباء الحياة الثقيلة، ودفع السأم والملل اللذَين طبعا حياة بعض الأدباء، ومحاولة التخلُّص من المرارة والحسرة اللتين ملأتا جوانح الأدباء؛ إذ الحياة في الجزائر وفي الفترة التي خصصناها بالدراسة خيَّمت عليها الكآبة، وغلب عليها العبوس والانقباض، وسادتها علامات التجهُّم والتقطيب، وعلتها مسحات من اليأس والتذمُّر. فكان لابدَّ من وسيلة لامتصاص هذه الحالات وتخفيف وطأة هذه الأعباء، فكانت السخرية إحدى هذه المخفِّفات التي هي أداة دفاعية، يصطنعها الأديب – أحيانا – لمواجهة ما في حياته من شدَّة وقسوة وحرمان، ولتبديد هواجسه، التي تنتابه بسبب الفشل أو الفقر أو الشقاء بعامة. يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: إنَّ البلسم الشافي من هذه الآلام، ومن الأعباء الثقيلة "يكمن في فكاهة تزيل عن النفس كآبتها، وتجعلها تعيش لحظة تستروح فيها نسائم الحياة وأنفاسها العطرة" (2).
فالسخرية من هذا المنظور تساعد الساخرين، ومن يتعاطفون معه على تجديد روح المقاومة والصبر على متاعب الحياة وأعبائها، وتمنح فرصة التماسك أمام الأحداث، وعدم الاستسلام لضربات الزمن والعدوِّ، والتقليل من هيبته ومن قوَّته، التي تبدو وكأنَّها خارقة لا تقهر، وكأنَّه هو شبح لا يمكن الاقتراب إليه، ولا النَّيل منه. يقول الدكتور محمد ناصر "والذين يحسنون هذا النوع من السخرية كتَّاب مارسوا مهنة الصحافة طويلا، وعرفوا داخلية المستعمر، فكانت بعض الفقرات التي
__________
(1) جريدة أبو العجائب، ع: 1 (24/ 05/1934م).
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 46. ينظر مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 66. (1/88)
صفحة 89
يفرغونها في هذا القالب أذهب لغيظ قلوبهم، وأشفى لتوتُّر أعصابهم من الأسلوب الخطابي العارم، الذي يُشعر بقيمة المخاطب، وأهمية المتكلَّم عنه ... " (1).
سادسًا: من هذه العوامل أيضا الحساسية المرهفة واليقظة الكبيرة لدى بعض الأدباء، اللتان تجعلان حواسهم متفتِّحة لالتقاط كلِّ ما يعجُّ به الوسط من متناقضات ومفارقات، وعجائب وغرائب، وما في العالم من ابتذال، وما فيه من تصرُّفات غير مألوفة أيضا ... يسلِّطون على الكلِّ نقدهم، بما يتوفَّر لديهم من روح مرحة. وبما يحملونه من نفوس منقبضة. فتتولَّد من ذلك السخرية والتهكم والتفكُّه، التي تنفِّس عن أنفسهم، وتروِّح عن قلوبهم.
سابعًا: استعداد الفنَّان والأديب المزاجي للسخرية والتهكُّم، وهو ما يجعل نفسه مهيَّأةً دائما للتعريض، لإشباع غريزة نفسية، وهي النَّيل من الأشخاص والهيئات، وإغاظة الناس والتشفِّي منهم. ومن هنا تكون السخرية عند البعض هدفا، والتفكُّه غاية. ويعود الاستعداد للتهكم عند البعض إلى أسباب وعوامل، قد يكون بعضها متمخِّضاً عن عقد نفسية أو مركَّب نقص ... وهو ما يجعل هؤلاء الفنَّانين متعالين، مصابين بالغرور، وقد قال العقَّاد: " ... فالعبث والغرور بابان من أبواب السخر، بل هما جماع أبوابه كافَّة" (2).
هذه بعض الأسباب والعوامل التي أسهمت في انتشار السخرية أو شيوعها في الأدب الجزائري الحديث، وهي كما نلحظ نابعة من طبيعة الأديب الحسَّاس اليقظ الشاعر بما يجري حوله، ومن حقيقة استعداد الفنَّان المزاجي للسخرية والتهكم سعيًا إلى التغيير والإصلاح. كما نسجِّل أنَّها - في عمومها - مرتبطة بالواقع المرير الصعب، الذي مرَّت به الجزائر إبَّان الاستعمار الفرنسي.
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 190.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 16. نقلا عن عبَّاس محمود العقَّاد. مطالعات في الكتب والحياة، المطبعة التجارية، سنة 1926، ص: 89. (1/89)
صفحة 90
هذه العوامل تقدِّم التفسير الموضوعي لانتشار السخرية بهذه الكثافة اللاَّفتة للنظر. و تبرز الخصوصية التي تميَّز بها الأدب الجزائري الساخر، وتشير أيضا إلى دور السخرية الأساسي وهو معالجة الأوضاع بقصد التغيير والإصلاح. كما تؤكِّد هذه العوامل على حظِّ الأدب الجزائري المقبول من السخرية، الذي لا يعرفه الكثير، ويتجاهله البعض. ومن خلال الصفحات الآتية. نحاول الكشف عن هذه السخرية وهذا التهكم.
?? (1/90)
صفحة 91
الفصل الأول (1/91)
صفحة 92
الفصل الأول
قضايا إسلامية
أ- الجمود الفكري
ب- الأشخاص المنحرفون
تمهيد
1 - انحراف رجال الدين والحكوميين
2 - انحراف في السلوك
3 - انحراف عن المبادئ والمجتمع
ج - أدواء المسلمين
د- قضية فلسطين (1/92)
صفحة 93
الفصل الأول
قضايا إسلامية
عالج الأدب الجزائري الساخر كثيرًا من القضايا في إطار الاتِّجاه الديني أو الإسلامي؛ نظرًا إلى أنَّ كثيرًا من المشاكل التي كانت تتخبَّط فيها الجزائر كانت بسبب الانحراف عن الدين، سواء ما تسبَّب فيه العدوُّ الخارجي من إبعاد المسلمين عن دينهم؛ بما كان يبثُّه من ألوان الإلحاد والزيع والتشكيك في العقيدة الإسلامية، وما كان يفتريه على الإسلام، وينشره من أنواع الفساد والفسق والفجور وتهيئة أسبابه للشباب ... سواء ما كان من ذلك أم ما كانت أسبابه داخلية، تعود إلى واقع الجزائرييِّن أنفسهم؛ إذ أصبح المسلم الجزائري في كثير من أحواله "ما بين طرقيٍّ خرافيٍّ مستغلٍّ، وشابٍّ مُتفرنِج منحلٍّ، وموظَّف دينيٍّ خائن ... " (1)، هذا الوضع استلزم النهوض والعمل بجدية لتغييره، ونجدة الدين من هذه البراثن، ومن الأيدي العابثة به. ممَّا أثار معارك حامية الوطيس بين الساعين إلى التغيير والتصحيح والإصلاح، وبين الذين يقلقهم ذلك، ويعكِّر صفو حياتهم، ويفسد مخطَّطاتهم.
لقد أسهم الأدب الساخر في هذه المعارك: معارك الإصلاح والنهضة والإنقاذ إسهاما كبيرًا ومهماًّ، فقد حارب التفرنج والإلحاد، وقاوم الآفات الاجتماعية، وعالج الانحراف الديني بصوره المختلفة، وبخاصة ما تسبَّب فيه أدعياء الدين والأوصياء عليه، الذين لم يزيدوه إلاَّ تشويها ومهانة. إلى جانب ذلك فقد عالج بعض القضايا التي تهمُّ وتشغل بال المسلمين بعامَّة. نحاول في الصفحات الآتية استعراض نماذج من هذا التناول، لتقييم مدى إسهام هذا الأدب في الاتِّجاه الإسلامي.
أ- الجمود الفكري:
المعارك بين المصلحين والطرقيين، بين المجدِّدين والمحافظين احتدمت بضراوة على مختلف الأصعدة، وبمختلف الأساليب، وقد استنفدت من الطرفين جهودًا
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج 1، ص: 71. (1/93)
صفحة 94
مضنية وأوقاتا ثمينة. والمتسبِّب الرئيسي في ذلك هو الجهل الذي أورث التزمُّت، فأنتج جموداً فكريًّا قاتلا. هذا الجمود أصاب الدين والمجتمع بعامة، وعطَّل حركة الحياة. وقد ثارت زوابع ومعارك بين الإصلاحييِّن والمحافظين، بسبب تشبُّث الجامدين بماضيهم بتعلاَّته، وتمسُّكهم بحرفية النصوص، دون محاولة فهم روحها، وبذل جهد في تفسير تلك النصوص بما يتناسب مع العصر – من غير المساس بالجوهر والأصل- ومن ثمَّ تقديم الإسلام تقديمًا صحيحًا، من ذلك تأكيد صلاحيته لكلِّ زمان ومكان.
ففي الوقت الذي يُعدُّ فيه الاجتهاد ركيزة مهمَّة من ركائز الحركة الإصلاحية، كان المحافظون يحاربون هذه الفكرة، ويشيعون أنَّ الاجتهاد ممنوعٌ؛ لأنَّ بابه قد أغلق منذ زمان، ويقولون إنَّ التجديد مَسخٌ والاشتغالَ به صرفٌ للأمَّة عن واجبها؛ ولذا استحقَّ أصحابه لعنة الناس ودعوات بالشر كدعوات سيِّدنا نوح - عليه السلام - على قومه، الذين لم يستجيبُوا له، كما جاء في إحدى افتتاحية "البلاغ" (1): "من أراد أن يتَّخذ إلى المسخ سبيلاً فليعمل في دائرة التجديد بالقدر الذي يستطيع إليه ... وبعد حين تتجلَّى الحقيقة، وينكشف القناع، فتأتيه الأيَّام بثمرة غرس المجدِّدين المصلحين، لا أصلح الله غرسهم، ولا سدَّد فعلهم، فقد شغلوا الأمَّة عن واجبها العيني، ملأ الله بيوتهم ناراً وأفواههم عاراً، واستجاب للأمَّة فيهم بما استجاب لدعوة نوح، حيث قال (2): {رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} (3).
أسلوب اللعن والدعاء بالشرِّ والهلاك، الذي استعمله صاحب النص للتشنيع على المجدِّدين أعمالهم. أقلُّ ما يقال عنه: أنَّه ينمُّ عن الحقد والضغينة. هدَى إليه صاحبَه جمودٌ في الفكر، وتحجُّرٌ في العقل، وقصورٌ في الإدراك وقِصرٌ في النظر،
__________
(1) البلاغ الجزائري (1926 - 1943م) جريدة أسبوعية، أسَّسها أحمد بن عليوة شيخ الطريقة العليوية، لتكون لسان حال هذه الطريقة، كان من أهدافها الدفاع عن التصوّف والطرقية. كانت لها معارك حامية الوطيس مع جرائد جمعية العلماء، ومع جرائد: البرق للزاهري، والإصلاح للعقبي، والمغرب لأبي اليقظان.
(2) سورة نوح، الآية 26.
(3) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 128،129. (1/94)
صفحة 95
وإفلاس من الحجَّة والدليل في مواجهة الخصم، وعجزٌ في المقارعة بما تمليه اللباقة والاحترام، وتتطلَّبه الكتابة الأدبية.
بناء على ذلك فإنَّ الأدباء يحمِّلون التصوُّفَ ومعتنقيه والماسكين زمامه وموجِّهيه مسؤولية كلِّ ما حدث، وكلِّ ما عناه المصلحون والمجدِّدون في مسيرتهم الإصلاحية؛ بسبب تصرُّفاتهم الخاطئة، ونظرتهم الضيِّقة إلى الحياة؛ إذ كلُّ جديد عندهم هو بدعة، وكلُّ ما ينزل إلى الميدان ممَّا لم ينقل عن السلف، ولم يعرف عن الآباء هو منبوذ، وكلُّ ما لم تنصُّ عليه النصوص الشرعية صراحة هو محرَّم. هذا التفكير وهذا الجمود صوَّرَا لأصحابهما أنَّ الصحافة بدعة وخرافة. وقد وصل بالبعض منهم إلى النفور منها، وشتمها ولعنها والبصق عليها؛ نكاية بأصحابها، يقول أبو اليقظان: "ومن العجيب أنَّنا نرى كثيراً من الناس تشمئزُّ نفوسهم من الجرائد، وما تصرَّف منها، وينفرون من رؤيتها وسماعها نفور الشقيِّ من صحيفة أعماله، وقد يبلغ بهم الحال إلى حدِّ شتمها وتمزيقها والبصق عليها، والاستبراء بها، ويخيَّل لهم وهمهم في ذلك إنَّما يفعلون كلَّ ذلك بأصحابها المختفين وراء سطورها، تلك والله سخافة لبعض العقول المنقوبة تضحك الثكلى، وحماقة لا دواء لها" (1).
إن النّص يفصح عن تذمُّر الكاتب من مضايقة خصوم الإصلاح للمصلحين والشماته بهم، ويُبِين عن علامات القلق من المقاومة الكبيرة التي كانت تلاقيها الصحف الإصلاحية في الجزائر؛ لما لها من دور في الكشف عن حقيقة أولئك الجامدين، وفتح أعين الناس على تصرُّفاتهم. ويكشف في الوقت نفسه عن الجمود الفكري والتحجُّر والتقوقع، ويبرز التخلف الذي يؤدي إلى تصرُّفات حمقاء.
من هذه التصرُّفات ما يحكيه وينقله إلينا "الطيِّب العقبي" (2) ممَّا لاقاه من بعض الطرقيين، الذين انتقدوا عليه قراءة الجرائد، بل حرَّموا عليه ذلك وعدُّوا قراءتها - في
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 69. ينظر جريدة "وادي ميزاب" ع: 3 (15/ 10/1926م).
(2) الطيِّب العقبي (1890 - 1960م) أحد أبرز رجال الحركة الإصلاحية في الجزائر، شغل منصب نائب الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، صاحب جريدة "الإصلاح" (1927 - 1948م) عرف بخطيب نادي الترقي في عاصمة الجزائر. شارك بقلمه في كثير من الصحف الإصلاحية. أبدى نشاطاً كبيراً في محاربة البدع. (1/95)
صفحة 96
الإثم والجُرم- كاللعب بالدومينو ودلَّلوا على ذلك بآيات من الذكر الحكيم، وبأدلَّة من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. سبب ذلك جمودٌ في الفكر وعطلٌ أصاب آلات التفكير عندهم، يصوِّر الكاتب ذلك في أسلوبٍ ساخر تهكميٍّ، فيه غير قليل من التندُّر والمكر: " ... ينتقدون عليَّ قبل كلِّ شيء قراءتي للجرائد، ويقولون إنَّ قراءتها حرامٌ، ومن يقرأ الجرائد (في الإثم والمؤاخذة) كمن يلعب (الدمينو، القمار). والفقهاء البارعون منهم يستشهدون على تحريم الجرائد بقوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَّشْتَرِي لهْوَ الحَدِيثِ لِيُضَلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... } (1) وأعظم حجَّة لديهم في ذلك، أو أكبر شبهة تتحكَّم في عقولهم هو أنَّ الجرائد لم تكن موجودة على عهد النبيِّ عليه الصلاة والسلام. وقال سيِّدٌ كبير منهم إنَّه يحفظ بعض حكايات، تدلُّ على أنَّ أحد الصحابة - رضي الله عنهم - استأذن من النبيَّ في إصدار جريدة، فلم يأذن له في ذلك، أو بعبارتنا المعروفة لم يعطه رخصة الجريدة (الامتياز) " (2).
يهدف الكاتب - من خلال ما عرضه علينا- إلى إضحاكنا؛ بتقديم صورة عن مستوى تفكير هؤلاء الجامدين، وفي الوقت نفسه يريد تجسيم عيب من العيوب التي تضرُّ بالمجتمع، وتفتك به، إنَّه عيب الجمود الفكري. وقد سعى إلى إبرازه بوسائل عديدة: وسيلة التندُّر، ونسبة الجهل إلى المتحدِّث عنهم بالاستشهاد ببعض الأقوال والنصوص الشرعية في تأييد آرائهم في الموضوع، مع ملاحظة عدم صلاحيَّة تلك النصوص له. وقد اعتمد في إبراز هذا التهكُّم على بعض الكلمات والعبارات والأوصاف الساخرة المعرِّضة: (الفقهاء البارعون منهم، سيِّد كبير منهم، استأذن النبي في إصدار جريدة ... ) وبذلك ينسب الكاتب إلى هؤلاء الجامدين البراعة في الحفظ وحسن الاستدلال (استهزاء) ليكشف عن جهلهم، وأفَنِ تفكيرهم، وخطل رأيهم، وجمود فكرهم وهنا تكمُن السخرية ويبرز التهكُّم. وقد
__________
(1) سورة لقمان، الآية: 6.
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 133. المقال بعنوان "ماذا ينتقدون عليَّ". نشر في جريدة الإصلاح، ع: 7 (07/ 11/1929م). (1/96)
صفحة 97
عمد إلى تجسيم عيب الجمود الفكري والمبالغة فيه؛ ليثير الضحك الهازئ في المتلقِّين، ومن ثمَّ يحرِّك فيهم عوامل المقاومة لهذا العيب، وينبِّههم إلى ضرورة الانتصار عليه لتستقيم الحياة.
وفي السياق نفسه أورد من سمىَّ نفسه "رمضان" نادرة عن عيب النفور من الجرائد؛ بسبب الجمود الفكري. قال: إنَّ شخصًا، وهو مندوب لصحيفة أراد التحدُّث إلى شيخ وإمام من هذا الاتِّجاه، ولماَّ عرف أنه مندوب جريدة انصرف عنه " فتعلَّل الإمام بأنَّه لم يجد ذكراً للجرائد ولا المجلاَّت في الشيخ خليل ... " (1).
نبقى مع الكاتب نفسه، ومع الصور المضحكة، التي سجَّلها لنا الأدب؛ تعريضاً بالجمود، لنقف على الحالة التي وصلت إليها الجزائر في التردِّي والتخلُّف، بسبب تعطيل آلة العقل والتحجير على الفكر كي ينطلق في الرحاب الواسعة: " بينما الناس في انتظار الأذان لأداء الصلاة إذ حانت (كذا) من الإمام التفاتة، فوقعت عينه على رجل غريب، لم يواته شكله، فقد أبصر على رأسه برداء أحمر، فأسرع الإمام إلى الباب، وتأبَّط نعليه، وخرج حافياً، فتبعه قومه، فقيل له: لِمَ كان خروجك؟ قال: رأيت رجلاً غريباً متزمِّلاً في أثواب حمراء فظَننتُه شيوعيًّا، فقيل له: وما يضرُّك من الشيوعية وهي في عون الضعفاء؟ قال: أنَّها غير مذكورة في الشيخ خليل. حاول الأتباع أن يحملوه على الرجوع ليصلِّي بهم فأبى ... " (2).
هذه صورة كاريكاتورية قدَّمها الكاتب ليعرِّض بالجمود الفكري والتخلف العقلي، اللَّذين جنيا كثيرًا على النهضة الجزائرية، وفيها نلمس حالة التذمُّر والقلق التي غمرت الكاتب؛ لذا أظهر احتقاره هذا الصنف من الناس، بل وشماتته بهم بهذا الوصف الساخر.
الجمود الفكري يوصل صاحبه إلى ارتكاب حماقات وسفاهات في غياب العقل الذي يتحكَّم في سلوك الإنسان، ويؤدِّي به أحيانا كثيرة إلى النفاق والدجل
__________
(1) رمضان، "يتعبَّدا بخليل"، جريدة الشعلة، ع: 39 (21/ 09/1950م).
(2) م، ن. (1/97)
صفحة 98
والمناورة لتبرير سلوكه وتصرُّفاته، وهو ما جعل المجدِّدين خصوم الجامدين يكوِّنون صورة سيِّئة عن أولئك المتزمِّتين، تتمثَّل في النفاق. وكثيرًا ما يلجؤون إلى هذه الصورة لتفسير أعمال هذا الصنف من الناس. بهذا التصوُّر يقدِّم أبو اليقظان وصفاً لأحد أقطاب الجمود الفكري، الذي كان من مناوئي الحركة الإصلاحية، فيسخر منه، ويصمه بأنَّه قاصر عن القيام بدوره الحقيقي فيما يمليه عليه الجمود الفكري؛ لأنَّ هذا الدور يتطلَّب مميّزات خاصة، وخصائص معيَّنة، لا تتوفَّر في هذا الشخص: " ... والذين يقولون إنَّ الشيخ حمو هو الآلة الوحيدة في الفساد، وقد حاز الرقم القياسي في النفاق، وأنَّه الذي انتهت إليه بطولة الجمود والركود، وأنَّه المركز الرئيسي لكلِّ حركة ضدَّ الإصلاح، الخ ... غلطوا والله فيك أيضًا؛ لأنَّ هذه الأوصاف تحتاج إلى دهاء عميق وذكاء وقَّاد، وعلم بالسياسة بعيد، وحِيَل وخديعة، ومكر وسوابق ولواحق وهذا أيضا فنٌّ من الفنون واسع له تعاليمه الخاصة به، وله رجاله الماهرون، الذين دوَّخوا العالم" (1).
في هذا التصوير تنكشف نفسية أبي اليقظان القلقة المتذمِّرة من تصرُّفات الجامدين الذين كانوا -دائما- حجر عثرة في طريقه وطريق زملائه المصلحين. تبدو أيضا في هذا التعريض، وهذه الشماتة، وفي هذه الأوصاف المتعدِّدة، وهذه الجمل المتساوقة، التي تحمل شحنات شعورية حارة، فيها الزفرات والنَّفثات.
وقد عبَّر أيضا عن هذه المشاعر، وهذه الفكرة بأبيات شعرية، ِلمَا أحسَّ به من خطورة الجمود الفكري، وما ألحقه به من أضرار (2) الفكرة نفسها والشعور ذاته عبَّر عنهما كتَّاب آخرون قبل هذه الفترة (فترة الثلاثينيَّات) وما بعدها.
مثل المقالة الصحفية عبَّر الشعر بدوره عن مقته الجمود الفكري، وكشف
__________
(1) "ناقد" (هو أبو اليقظان)، " الشيخ حمُّو في الميزان"، "الأمَّة" (أبو اليقظان) ع: 146 (30/ 11/1937م). ينظر أيضا العددين: 149 (04/ 01/1938م) و151 (18/ 01/1938م).
(2) ينظر ديوان أبي اليقظان ج1، ط2، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 144. (1/98)
صفحة 99
عن النتائج السيئة التي أفرزها في الجانب الديني. فشاعر كرمضان حمُّود (1) - الذي نعرض نصًّا له نموذجًا للشِّعر في هذه النقطة - يقدِّم إلينا صورة كئيبة عمَّا يشعر به من تذمُّر نحو هؤلاء المتزمِّتين القاتلين لروح المبادرة في النفوس، والوائدين لكلِّ فكرة جديدة؛ بسبب ما انطوت عليه نفوسهم من كره للتطوُّر والتقدم.
يقدِّم إلينا هذه الصورة في قالب تهكُّميٍّ ساخر ملئ بالحركة والحيوية، وكأنَّه يقوم بعملية رصد لحركاتهم في قتل الجديد، وحصرلسلوكهم في وأد المبادرات، يصوّر هذه الحالة المزرية ويقول:
فمَن شاءَ أن يحياَ على الناس مُشرفاً ... ومُنعزِلاً عنهُم، يُحبُّ التصوُّفاَ
يُقدِّمُ رِجلاً، ثُمَّ يُدبِرُ عَشرةً ... وإن سَمعَ الأَقدامَ زادَ تَوَقُّفاَ
ويمضيِ على قتل الجديد من أصله ... ويَرجع للقصر القديم وقد عفا (2)
فمن أراد الشرف والسؤدد، والرفعة يقدّمها له الناس، فما عليه إلاَّ أن يكون صوفيًّا منعزلاً عنهم، ومنزويًا يعيش على هامش الحياة، لا يخرج عن عزلته، ولا يقوم بأية حركة إلاَّ حين يخلو له الجوُّ، وينفسح له المجال وحده؛ لأنَّه لا يطيق العيش مع الناس، ولا يقوى على التحرُّك حين يفتقد السكون، فهو يشبه الخفَّاش الذي لا يسير إلاَّ في الظلام، ولا يتحرَّك إلاَّ حين تسكن الحركة.
في هذا الوصف مغمز وقدح في هذا المتصوِّف، الذي يختار هذه السيرة عسى الظلام يستر عيوبه وأفعاله. والشاعر يرمي إلى بيان أنَّ هذا السلوك انحراف عن الدين وخروجٌ عن جادَّة الإسلام؛ لأنَّه يكشف عن النفاق وروح الاحتكار
__________
(1) رمضان حمود (1906 - 1929م) من دعاة التجديد في الأدب والاجتماع، صاحب آراء ثورية، وأفكار نقدية جريئة، شاعر وناقد، شارك في الصحافة الجزائرية بمقالات أدبية واجتماعية خاصَّة في جرائد: "الشهاب" "وادي ميزاب". لمزيد من التفاصيل ينظر محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره.
(2) د. محمد ناصر، "رمضان حمُّود حياته وآثاره" ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب (الجزائر)، سنة (1405هـ/1985م)، ص: 201. القصيدة بعنوان "بين الجديد والقديم". نشرت في جريدة "الشهاب": 101 (16/ 06/1927م). (1/99)
صفحة 100
والانتهازية. بل إنَّ هذا الصوفيَّ الجامد لا يتقدَّم إلاَّ إلى الوراء؛ لأنَّه يُقدِّم رِجلاً، ثم يدبر عشرة، وحين يرجع إلى قصره، أو إلى المكان الذي تحرَّك منه يجده قد اندرس وانطمس. فهو لا يظفر بشيءٍ: الجديدُ قتله، والقديُم ضيَّعه.
مع كلِّ ذلك فهو يصرُّ على البقاء على الجمود، رغم النتائج السلبية التي تحصَّل عليها، والخسران المبين الذي ظفر به. ويكون – عنده – كلُّ شيء جديد هو بدعة، وكلُّ قديم هو الأصل. ويصرُّ على التشبُّث بمعتقداته ولو كانت مزيَّفة زائغة:
ويجمُد في أفكَارِهِ وَآرَائِه (1) ... وَلَو كَانَ مَا يَبغِي اعتِقَادًا مجوَّفًا
يَرُوحُ وَيغدُو بَينَ يَأسٍ وَخَيبةٍ ... يُشيرُ لَه داء الركودِ فَيسْعَفَا
يَرَى كَلَّ شَيءٍ حَادِثٌ هُو بِدعَة ... وَينبِذُ أشيَاء الحَيَاةِ تعفُّفًا
وَيَسبَحُ فِي أَحلاَمِهِ غَيرُ عَالِمِ ... بأنَّ أخَا الأحلاَم صَار مُزيَّفَا (2)
السخرية تبدو جليَّة في وصف الجامد بالحقارة والمهانة والسذاجة. فهو عبدٌ أسير لأفكار بالية، وضحية عقل قاصر، وفكر أفين؛ لذا فإنَّ الخيبة واليأس يُلازمان سلوكه؛ لأنَّه كلَّما أشار إليه داء الركود والهمود أجاب بسرعة. في هذا التصوير قدحٌ وتهكُّم بهذا المتصوِّف الجامد المحسوب على الإسلام – الذي هو براءٌ منه ومن سلوكه - فكم هي كبيرة جناية الجمود الفكري على الدين.
بعد كلِّ ذلك يَصِم الشاعر المتصوِّف الجامد بأنَّه غِرٌّ غير فاقه لأسرار الحياة، غير متفطِّن للزَّيف، الذي ينطوي عليه؛ بسبب جمود فكره وتوقَّف عقله عن التأمُّل.
ولا يَنظُرَنْ للنَّاس كيف تقدَّمُوا ... كأنَّ له قلباً أصمَّ من الصَّفا
يسيُر على غيٍّ ويتبع نفسَهُ ... ولم يدر أنَّ المرءَ كان مكلَّفاً
ولاهمَّة تهديه للحقِّ والهدى ... وليس له فكرٌ يدرى ويعرفا
ويلعنُ أنصارَ الجديد تعنُّتا ... وكلُ خبيرٍ في الأمور تَفلسَفَا (3)
__________
(1) في الشطر كسر عروضي
(2) م. ن.
(3) م. س، ص: 202. (1/100)
صفحة 101
إنَّ الجامد يقوم بكل ما يعوق عن الحركة والتقدُّم: من بغض للعلم، وعرقلة الناهضين، وتخدير العقول؛ بزهده وتزمُّته وجمود فكره. فهو أعمى البصيرة، لا يلتفت حواليه ليرى الناس كيف تقدَّموا، وماذا حقَّقوا. والأدهى من كلِّ ذلك، أنَّ هذا الجامد لا يعرف أنَّ له رسالة في الحياة، وواجبًا في الوجود، لابدَّ من النهوض بهما. ماذا أبقى الشاعر لهذا الجامد حتى يكون إنساناً أو كائنا حيًّا، يحقِّق صفة الحياة في تكوينه؟ وماذا أبقى له ممَّا يربطه بالدين والعقيدة الإسلامية؟ فقد قطع كلَّ صلة تربطه بذلك.
أنَّها السخرية التي تهدف إلى سلب الشخص المسخور منه كلَّ خصائصه الإنسانية، فتتركه نخباً هواء؛ لذا يطلب الشاعر من الجامد الانعزال عن الدنيا، والعيش كالحيوان في جحر، يسكن فيه مع آرائه وأفكاره، يؤنسها وتؤنسه، ثم يَبْكيِ عليها؛ لأنه لا يجد من يتقبَّلها منه:
ألاَ قُل له فليتَّخذ فوق ربوةٍ ... مغاراً كجُحرِ الضَّبِّ سجناً ومختفى
هنالِك تحتَ الصَّخرِ، ينحِتُ كهفَهُ ... ويبكِي على أفكارِهِ متلهِّفًا
ويترُكُ ما من شأنِهِ أن يَضُرَّهُ ... كرفع بلادٍ بعد ما كان صَفصَفًا (1)
الشاعر يطرد هذا الجامد من الحياة؛ لأنْ لا مكان ولا مقام لأفكاره – التي يعيش بها – فيها، إنَّها لا تتماشى مع الفطرة البشريَّة، ومع أدنى ما يطلبه العقل من التفكير والتدبير. فليلتمس لنفسه مكانا قصيًّا، ينحته كما ينحت الضبُّ جحره (2)؛ ليسلم من غمزات الناس ولمزاتهم وانتقاداتهم، التي ربما تسقطه، وتحطِّم ما بناه. فهناك يقبر أفكاره، أو يخفيها عن أنظار الناس؛ لأنَّها لو بقيت مكشوفة، ومتداولة
__________
(1) م. ن. في البيت الأخير خطأ لغوي، إذ المفروض أن يقول كانت بدل كان صفصفاً. غير أن الوزن يختل.
(2) يعرف عن الضبِّ أنه يحفر جحره في الكُدى، وفي الروابي الصلبة حتى يُجنِّب بيته السقوط والانهيار والخراب، وقد تعوَّدت العرب النطق بهذه الجمل "ضبُّ الكُديَة، وضبُّ الكُدى" ولكثرة ما يجهد الضبُّ نفسه في النحت والحفر يقولون: "ضبٌّ دامي الأظافير". لمزيد من التفاصيل ينظر محمد البشير الإبراهيمي "رسالة الضبِّ"، كتابه "آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي" ج1، ط2 (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة (1398هـ/1978م) ص:271، 272. (1/101)
صفحة 102
بينهم فإنَّها تنال من سمعته؛ بوصفه إنساناً له عقل يدبِّر، وفكر يميِّز بين الصالح وغير المفيد، يفترض أن يرشدانه إلى التصرُّف السليم، بينما هو ابتعد عن ذلك، واختار سلوكا مغايرًا. وتبلغ السخرية مداها حين يقول له الشاعر مشفقاً عليه - شفقة احتقار وإهانة- أترك ما يضرُّك، وهو رفع البلاد والنُّهوض بها، لأنَّ مثل هذا العمل يتطلَّب منك الخروج عن جمودك، والتخلِّي عن سكونك ونبذ أفكارك البالية، وأنت لا تقوى على ذلك.
يريد الشاعر أن يصل - من كلِّ ما صوَّره- إلى نتيجة واحدة أساسية، وهي أنَّ الجمود الفكري هو سبب كلِّ بلاء، وعلَّة كلِّ داء، وهو رأس كلِّ انحراف عن الدين والملَّة السمحاء؛ لذا يجب القضاء عليه.
نصُّ رمضان حمود – في عمومه - يكشف عن المعاناة التي كان يلاقيها المجدِّدون في مسيرتهم؛ إذ كلِّ ما يقومون به من إصلاح، وكلِّ ما ينزلون به من جديد إلى الميدان يعدُّه الجامدون بدعة ومسخاً وتشويهاً للأصول، حتىَّ ولو كان ممَّا يفيد المجتمع، ويخدم الدين، يكفي حجَّة على بطلانه وبدعيَّته أنَّ الآباء والأجداد لم يعرفوه، وأنَّ النصوص الشرعية لم تنصَّ عليه صراحة. في هذا السلوك انحراف عن الدين وظلم له؛ لأنَّ ذلك يصمه بالتخلُّف والتقوقع ...
إنَّ الجمود الفكري قد أورى زناد المعارك بين المجدِّدين والجامدين، وانتقل من مجال الأفكار ونصرة الاتِّجاه ومؤازرة الحزب إلى مجال الصراع العنيف، وتحوَّل إلى كيل الشتائم، وتلفيق الاتِّهامات (1).
من هذه النصوص وغيرها ندرك درجة الضجر والقلق اللذين أصابا المصلحين والمجدِّدين الذين حاولوا أن يسيروا في درب التطوُّر، في سبيل نهضة شاملة، بينما قبع لهم خصومهم الجامدون في الطريق، يعرقلون كلَّ خطوة،
__________
(1) بعض هذه المعاني تضمَّنتها قصيدة محمد السعيد الزاهري "ضقت ذرعاً ... "، ينظر سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، دار الكتب، الجزائر، سنة 1982م، ص: 267، 268. (1/102)
صفحة 103
ويخنقون كلَّ حركة، فهم يريدون الاقتصار على ما تركه الأسلاف؛ وبذلك يبقون في دائرة التزمُّت والانغلاق. هذه الفئة: "تعتقد أنَّ العقل آلة صمَّاء، لا تتصرَّف، وآلة عاطلة لا يجوز استعمالها في شأن من الشؤون، ونقدٌ زائف يجب أن يحكم صرُّه في صرَّة، ويوضع في رفٍّ عتيق، بجدار متداعٍ للسقوط" (1).
إنَّ هذه النماذج بيَّنت إسهام الأدب الساخر في معالجة موضوع الجمود الفكري بأسلوب ساخر. وكانت هذه المعالجة نقداً وانتقاداً لظاهرة سبَّبت مشاكل للحركة الإصلاحية وللنهضة الحديثة بعامة. وهناك قضايا وظواهر أخرى ظهر فيها الانحراف. تصدى لها الأدب الساخر بالنقد والمعالجة نذكر منها:
ب- الأشخاص المنحرفون:
تمهيد:
إنَّ الحساسية المرهفة التي يتمتَّع بها المفكر والمبدع، التي تعينهما على اكتشاف الثغرات والمشكلات الاجتماعية، هدت الأدباء الجزائريين إلى نقد سير بعض الناس، وتشريح شخصياتهم وخروجهم عن جادَّة الطريق، وتسجيل انحرافاتهم السلوكية: انحرافات دينية، اجتماعية، نفسية، سياسية ... حاولوا تقديم نماذج بشرية لهذه الانحرافات، التي انتزعوها من الواقع المعيش.
يقول أحمد رضا حوحو (2) عن نماذجه البشرية مثلا: "التجأت إلى المجتمع، وانتزعت من مختلف طبقاته، نماذج عشت مع بعضها، وسمعت عن بعضها، نماذج
__________
(1) ينظر د. محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1987م، ص: 87. النص لأبي اليقظان، نشر في جريدة وادي ميزاب، ع: 118 (25/ 01/1929م).
(2) أحمد رضا حوحو (1911 - 1956م)، من أبرز الكتَّاب الجزائريِّين: غزارة إنتاج، وجودة أسلوب وتنوُّعه، كان له دور كبير في تطوير النثر في الجزائر. وقد شارك بمقالات كثيرة في مختلف الدوريات داخل الجزائر وخارجها وفي الحجاز بخاصَّة، كما ترك أكثر من ثماني عشرة مسرحية (حسب رأي الدكتور عبد المالك مرتاض) وهو من أوائل من مارس كتابة القصَّة القصيرة في الجزائر. قتله الجيش الفرنسي صبراً سنة 1956م. كتبت حوله دراسات كثيرة آخرها كتاب الدكتور صالح الخرفي "شهيد الثورة الجزائرية أحمد رضا حوحو في الحجاز 1934 - 1945م" الصادر في دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة 1992م. (1/103)
صفحة 104
حية أقدِّمها للقارئ، لعلَّه يتوصَّل بها إلى تفهُّم بعض طباع مجتمعه؛ فيلمس أنبل نفس في أحقر شخصية، ويلمس الإيمان القويَّ في قلب الرجل الضال، والزيع والإلحاد تحت عمامة رجل الشرع ... " (1) السبب الرئيسي في هذه الانحرافات هو الارتجال الذي أعدَّت به هذه الشخصيَّات؛ إذ أنَّها لم تُعدَّ إعدادا يتماشى مع خطورة الرسالة، التي تتناسب وحقيقة الإنسان العاقل المميَّز عن سائر المخلوقات.
يوقفنا رضا حوحو على هذه الحقيقة، ويبيِّن طبيعة هذه الشخصيات. ويشير إلى أنَّها أعدَّت إعدادًا ناقصًا وكُوِّنت تكويناً سريعاً، كما يعدُّ الطعام بطريقة سريعة؛ فيأتي ناقص المذاق والطعم ... وربما أضرَّ بمن تناوله: "جاء في معاجم اللغة: ارتجل الطعام أي طبخه في المرجل، وارتجل الكلام، أي ألقاه دون روية أو تحضير. أمَّا الشخصية المرتجلة في معجم الحقيقة المرَّة، فقد جمعت بين المعنيين لهذه الكلمة: الطبخ وعدم الإعداد والتحضير، وإذا أمعنت النظر، ودقَّقت الفهم في الطبخ والارتجال، يتَّضح لك بجلاء أنَّهما متقاربان في المعنى" (2).
بعد هذه المقدِّمة التي بيَّن فيها معنى الارتجال والإعداد السريع والتحضير غير الجيِّد للأشياء، يخلص إلى بيان حقيقة الشخصية المرتجلة: " أمَّا الشخصية المرتجلة فهي تلك الشخصية التي تُطبَخ على عَجَلٍ في مرجل الأنانية وحبِّ الذات، فلم ينضج منها إلاَّ ظاهرها، ثم تغمس في سائل كيماوي عجيب، ركِّب من الدجل والغرور والشهوات الجائعة، فهو يشبه العسل في مظهره، ولكنَّه يخالفه في مخبره" (3).
إذن هذه الشخصيات المرتجلة رُكِّبت من سوائل كيماوية عجيبة غريبة عن المركَّب الإنساني، مكوِّناتها الجهل والأخلاق الدنيئة والشهوات الجائعة. بهذه
__________
(1) أحمد رضا حوحو، غادة أم القرى وقصص أخرى، المؤسَّسة الوطنية للفنون المطبعية، رغاية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 180.
(2) أحمد رضا حوحو "الشخصيات المرتجلة،" البصائر الثانية "،ع: 8 (26/ 09/1947م) ينظر أيضا غادة أم القرى وقصص أخرى، ص: 241.
(3) م. ن. (1/104)
صفحة 105
المكوِّنات تنطلق هذه الشخصيات إلى المجتمع تقوده، وتتقدَّم صفوفه، بل تنزل عليه "كجنود المظلاَّت دون سابق إنذار" لتفرض سيادتها وزعامتها على الأمَّة بالقوَّة والقهر، لأنَّها مصابة بداء العظمة. إنَّ ما ينتج هذه النتائج، ويوجد أمثال هؤلاء هو الانحراف عن الدين، والتخلِّي عن شرع الله.
انطلاقاً من مفهوم الارتجال الذي قدَّمه رضا حوحو، والذي اتَّصفت به بعض الشخصيات التي تكوَّنت عليه، حاول بعض الأدباء التعرُّض لبعض جوانب الانحراف في المجتمع، عساهم يسهمون في الإصلاح والتغيير، أوعلى الأقلِّ يقومون بواجبهم في هذا المجال.
1 - انحراف رجال الدين والحكوميين:
هناك انحراف تسبَّب فيه المسؤولون والحكام الفرنسيُّون. جسَّده بعض رجال الدين الرسميِّين بسلوكهم المنافي للدِّين. وقد كانت له انعكاسات سلبية على المجتمع الجزائري المسلم. في هذا المجال كتب "مامي إسماعيل" (1) مندِّداً بسلوك مشين بالإسلام، وهو تعريض منصب الإفتاء للمزاد العلني. فقد أصبح الاستعمار يمنحه لكلِّ من يقدِّم له الولاء والإخلاص. وقد حمَل فيه على الجمعية الدينية المزيَّفة التي تشرف على تنصيب هؤلاء الموظَّفين، قال متهكمًا: " ... إذا سمعنا بأن الجمعية الدينية بالجزائر عيَّنت لمنصب الإفتاء أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يفهم ولا يعقل، لا نتعجَّب أصلاً، ونقدِّم لها وله بمجرَّد إعلام تسميته فائق التهاني، راجين لها مزيد التقدُّم في العبث وإهانة الديانة، وله بالنفاق والتدجيل ... " (2).
يلتمس الكاتب العذر للجمعية الدينية في عبثها بالدين، وإهانتها لأهله، وتشجيعها للنفاق والتدجيل، ويحرص على تقديم عبارات الثناء والتهاني الحارَّة، بمناسبة
__________
(1) مامي إسماعيل (1889 - 1956م) من مواليد قسنطينة (الجزائر)، اشتغل بالصحافة، وكان مساعداً لمدير جريدة النجاح عبد الحفيظ بن الهاشمي. لم يكن له اتِّجاه معيَّن غير النزعة الانتفاعية المادية. ينظر المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 224.
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 102. نشر المقال في جريدة "النجاح". ع: 696 (30/ 01/1929م) تحت عنوان "الجمعية الدينية". (1/105)
صفحة 106
تعيين المفتين من الأميين، الذين لا يحسنون القراءة والكتابة. وبذلك يكشف عن التذمُّر والحسرة من هذه المفارقات العجيبة، وهذه التصرفات الحقيرة. هذه الإشارة واللفتة هي التي أضفت على النص جوًّا من السخرية، ولوَّنته بلون من التهكُّم المرير.
وفي إسناد المهمَّات إلى غير أهلها، وبخاصة في مجال الدين انحراف عن الفطرة البشرية؛ ممَّا جعل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يتساءل " ... فهل جدَّ في الاكتشافات الطبية، أن يكون السرطان دواءً للسُّل؟ وهل جدَّ في القوانين الاجتماعية أن يكون (حاميها حراميها) كما يقول المثل الشرقي" (1).
يضيف الكاتب "مامي إسماعيل" قائلاً: " ... وهل يتقدَّم للإفتاء المتدرِّبون، أي الذين ابتدؤوا يصلحون المساجد بالمكنسة، وارتقوا إلى مؤذِّن، إلى حزَّاب، إلى باش حزَّاب، إلى راوي حديث، إلى إمام، وهم لا يفقهون من العلم شيئا" (2).
ما هذه الترقيات؟ وما هي مؤهِّلاتها؟ وما هذه التسميات الجديدة في سُلَّمها؟ وهل رجال الدين في حاجة إلى ترقية إدارية؟ وهل يكون سبب الترقية هو الجهل وعدم التفقُّه في الدين؟. هذه أسئلة ساخرة تهكُّمية، أوحى بها منطوق النص؛ تعريضًا بما يحدث من انحراف وتجاوزات في الدين." وهل إذا قدم إلينا علماء المشرق أو المغرب، وطلبوا مقابلة العلاَّمة المدقِّق، والدرَّاكة المحقِّق، والمتضلِّع الخبير، وصاحب الفتاوى الصحيحة وشيخ الجماعة، وقدَّمنا إليهم (أُنْصِيَانْ) (3) كنَّاس، فما جوابنا لهم بعد؟ ... وهل تتحقَّق رئاسة فرنسوي لجمعية دينية؟ ولماذا سُمِّي؟ وما فائدته؟ وهل بمعنى أعمٍّ تبقى أحوال الديانة مبعثرة (لا دين، لا ملَّة ... ) " (4).
أسئلة متساوقة متجذِّره في النفس المكلومة، وعبارات وأوصاف معبِّرة ومفصحة عن الجرح الأنكى، ودهشة وتعجُّب من مفارقات في الحياة، وتناقضات
__________
(1) محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة سنة 1963، ص: 460. المقال بعنوان "إبليس يأمر بالمعروف". نشر في جريدة البصائر الثانية ع: 144 (26/ 02/1951م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 102.
(3) (أُنصيان ANCIEN) كلمة فرنسية معناها: قديم.
(4) م. س، ص: 103. (1/106)
صفحة 107
في السلوك ... كلُّها نُضِّدَتْ في خيط، لتعبِّر عن الشعور بالإهانة والحيف، ولُفَّتْ في لفافة من السخرية والتهكم؛ لتفصح عن القلق من هذا الانحراف عن الدين، الذي تسبَّب فيه تلاعب الحكام، الذين أسندوا مهمَّة القيام على الدين ورعايته وحمايته إلى رجال أو ناس لا يفقهون من العلم شيئًا. هذه اللفتة وهذا العرض هما نداء يرسله الكاتب للقيام بسرعة، وبذل جهود كبيرة في سبيل التغيير والإصلاح (1).
من نماذج انحراف الفقهاء والشيوخ عن الدين ما سجَّله البشير الإبراهيمي عن الشيخ "محمد الطاهر بن عاشور" (2)، حين أفتى في مسألة شرعية، إذ رأى أنَّ هذه الفتوى مخالفة للدِّين. كتب مستهزئا بالمفتي، ومعرِّضا به، وبمن تبعه من المسلمين في هذه الفتوى، التي كان يبغي المفتي من ورائها إرضاء هوى في نفسه، وهو الحريص في المحافظة على الولاء للحكومة، وعلى الوفاء لمنصب المشيخة، الذي هو منصب سياسي. وقد عدَّ الكاتب ذلك انحرافاً عن الجادَّة والمحجَّة البيضاء.
فبعد أن فرَّق الكاتب بين لَقَبَيْ شيخ الإسلام وشيخ المسلمين قال ساخراً: " ... هذا فما قولكم - يرحمكم الله - في شيخ الإسلام، صاحب الفتوى في قراءة القرآن؟ قولوا ما شئتم، فإنِّي لا أدعوه بعد اليوم إلاَّ شيخ المسلمين في غير ظلم ولا تحيُّز، بل اعتقد أنَّني –إذا أسميته بهذا- إنما أسمِّيه بأحبِّ الأسماء إليه؛ لأنَّه آثر رضاهم على رضى الحق، وإرضاءَهم على إرضاء الدين، ثم لا تسألوني عمَّن أعنى بهؤلاء المسلمين، فهم بالضرورة غير من أغرى بهم قوَّة الحاكمين. وما ظنُّكم؟ لو أنَّ التاريخ الإسلامي العامر يؤلِّف من عظمائه هيئة (امتحان) ويكون من أصولها أن تعطي على درجات الامتحان ألقابًا معرفة لا غالية، ولا مجحفة، ثم يتقدَّم إليها (ابن القيِّم) بكتاب (زاد المعاد) أنَّه أطروحته (العلمية)، ألا يكون الإنصاف أن يُعطى
__________
(1) ينظر أيضاً في هذا المعنى "إبليس ينهى عن المنكر" و"إبليس يأمر بالمعروف"، عيون البصائر، ص: 455 - 462.
(2) الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت 1973م) علم بارز من أعلام الإسلام المعاصرين، فقيه تونسي، مجدِّد مجتهد، له باع طويل في التأليف والتحقيق العلمي، تقلَّد مشيخة جامع الزيتونة عدَّة مرَّات. وكان له دور بارز في إصلاح التعليم فيه. كما تولَّى منصب مفتي المالكية في تونس، من مؤلَّفاته "التحرير والتنوير" في التفسير، وتحقيق ديوان بشَّار برد. وهو أحسن من حقَّقه. (1/107)
صفحة 108
لقبَ شيخ الإسلام، ويتقدَّم إليها الشيخ الطاهر بن عاشور بفتواه على أنَّها (تازه) العلمي ... ألا يكون من العدل أن يعطى لقب شيخ المسلمين" (1).
التهكُّم هنا يبدو جلياًّ وماكرًا لاذعا في الوقت نفسه؛ وذلك حين يعلِّل الكاتب تصرُّف الشيخ الفقيه محمد الطاهر بن عاشور، ويقول إنَّ السبب في ذلك هو أنَّه آثر رضا الناس على رضا الحقِّ، وإرضاء الدين. والقدحُ والازدراء يبدوان أيضا في هذه الأسئلة الإنكارية والتوبيخية، التي وجَّهها الكاتب إلى القرَّاء المخاطبين؛ ليكشف من خلالها حقيقة هذه الشخصية التي انحرفت عن الدين.
يستشفُّ من سخرية الكاتب أنَّ هناك فرْقاً كبيرا بين شيخ الإسلام الذي يستمدّ آراءه من الإسلام، ويصدر عنه في استنباط الأحكام، وبين شيخ المسلمين، الذي يراعي في فتاويه، وفي تقديم آرائه وأفكاره جانب الناس وأحوال المسلمين من حيث رضاهم، وتقبُّلهم ما يدلي به الشيخ. في هذه التفرقة المتعمَّدة بين الحالين، وفي هذا الوصف تكمن – أيضا – سخرية الكاتب وتهكمه وتعريضه بالشيخ الطاهر بن عاشور مفتي المالكية في تونس. لا يكتفي الكاتب بهذا، بل يذهب بعيدا بسخريته، فيتتبَّع المناصب التي يشغلها المسخور منه باسم الدين، ويراها مناصب حكومية، للمستعمر دور كبير في توجيه الأعمال – بواسطتها – إلى مالا يتعارض مع مصالحه. بل إنَّ صاحب مناصب كهذه تغفر زلاَّته مع أبناء الأمَّة؛ لأنَّها تخدم أهداف المستعمر؛ وبذلك تكون سببا في ترقية المتهكم به: " ... وقد وُلِّيَ صاحبنا القضاء أو قضاء الجماعة على اصطلاحنا، وهذا المنصب بتونس في حقيقة أمره شعبة من شعب الملك، بل معنى من معاني التمكين (وحرز)، من خواصِّه المنع والتحصين، وإكسير يحيل الخروج من الحدِّ إلى نتائج الضدِّ، فلا تسمَّى السيِّئة معه باسمها، ولا يترتَّب عليها ما يترتَّب على السيئات من عذل وعزل، بل تُعَدُّ من أسباب الترقية، وقد دام هذا إلى وقت قريب" (2).
__________
(1) محمد البشير الإبراهيمي، "أشيخ الإسلام هو أم شيخ المسلمين؟ "، آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ج1، ص: 154. نشر المقال في جريدة "البصائر" الأولى. ع: 20 (22/ 05/1936م).
(2) م. س، ص: 156،157. (1/108)
صفحة 109
هناك انحرافٌ عن الدين من نوع آخر، أناس يدَّعون الإسلام، ويحشرون أنفسهم في زمرة المسلمين، ويستغلُّون مظاهره ليقنعوا الناس بتمسُّكهم به، أو ليخدعوهم به. يصوِّر لنا أحمد رضا حوحو نموذجا من هؤلاء أثناء قيام أحدهم بفريضة الحجِّ، وهو لا يفقه في الحجِّ أمراً، بل لا يعرف من العبادة شيئا يذكر. يصوِّر الكاتب سلوكه وتصرُّفاته التي تكشف عن بعده عن الإسلام، ويذكر أخلاقه بطريقة ساخرة. يسرد حكايته مع حاجٍّ قصد الحجاز لأداء فريضة الحجِّ، وقد كانت الرحلة إلى الحجاز آنذاك تعني السياحة، خاصة حين تكون الجهة المشجِّعة على ذلك حكومة كالحكومة الفرنسية. يقول الكاتب: " اتَّصلت ذات يوم بحاجٍّ من هؤلاء الحجيج، وكان الرجل يحتلُّ مكانا مرموقا في الإدارة الحكومية؛ رغم أنه كان أميًّا لا يحسن العربية ولا الفرنسية، أمَّا الإسلام وقواعده الأولية فلم يسمع بها طيلة حياته؛ رغم سنِّه المتقدِّمة، وإن كانت لحيته الكثيفة، وهندامه العربي يخدعان النَّاظر إليه، فيظنَّه شخصية إسلامية ممتازة من كبار رجالات الدين بالمغرب العربي" (1).
هكذا يرسم لنا الكاتب شخصية هذا النموذج المنحرف: رجل حكوميٌّ مرموق في الإدارة الفرنسية، أميٌّ لا يحسن اللغة العربية ولا الفرنسية، جاهل بقواعد الإسلام الأولية؛ رغم تقدُّمه في السن، مظهره مظهر إنسان مسلم عربي: لحية كثَّة، وهندام عربيٌّ، فهو عند الرائي شخصية إسلامية من كبار رجال الدين بالمغرب العربي. هذا الوصف كافٍ ليحدث نوعا من التهكُّم والسخرية والاحتقار؛ للمفارقات التي يلحظها المرء في حياة الرجل: مفارقات بين هيئته وسلوكه.
لذا التقط لنا الكاتب بعدسته المكبِّرة، وحساسيَّته المرهفة صوراً من سلوك الرجل أثناء قيامه بأداء فريضة الحجِّ. أوَّل ما سجَّله على الرجل عدم معرفته لإسباغ الوضوء، إذ أنَّه شرع فيه مبتدئاً من رجليه. ابتدره خادمه قائلا: "ما هذا الوضوء يا سيِّدي الحاج؟ أتتوضَّأ من رجليك؟ ماذا نعمل! هكذا علمُّونا (كذا) سادتنا!
__________
(1) "سيد الحاج"، غادة أم القرى وقصص أخرى، ص: 264. (1/109)
صفحة 110
وسكت الخادم، ولعله ظنَّ أنَّ مذهبه الفقهي يجيز هذا الوضوء الذي يبتدئ من الرجلين وسكتُّ أنا أيضاً" (1).
وليقدِّم مزيداً من التفاصيل عن حقيقة الرجل، ركَّز كثيراً على المظاهر التي بدا بها أمام الناس، لاجئاً بطريقة ساخرة ماكرة إلى المقارنة والمقابلة بين مظهره هو ومظهر الرجل، ليذكر بعد ذلك سلوكه. كلُّ ذلك ليتهكم بهذا النموذج من البشر، وليجعله أضحوكة بين الناس: " ... وخرجنا إلى الأسواق ... كان منظراً مضحكاً، صاحبي بجثَّته الضخمة، وعمامته الكبيرة، وقامته الفارعة الطول، ولباسه الجزائري العتيق، وأنا جنبه بلباسي الحجازي وجسمي النحيل، ولذلك كنَّا عرضة لتنكيت المارَّة وروَّاد السوق ... كانت جولتنا حافلة بالمشاكل والمعارك مع مختلف الباعة والتجار؛ لأنَّ صاحبي كان حديد الأعصاب، كلمة ونصفها ثم يلجأ إلى قاموسه الخاص، يخرج منه ما تيسَّر من الشتائم والسباب، ولم ينقذنا من مشاكلنا سوى أذان المغرب، الذي أخذ يدوِّي في الفضاء، ورجال الأمر بالمعروف يصيحون الصلاة ... الصلاة وهم يسوقون الناس إلى المسجد" (2).
أيُّ مسلم هذا الذي تكون حياته مليئة بالمشاكل مع الناس في بقعة يذهب إليها المؤمنون لنسيان هذه المشاكل والتخلُّص منها؟ وأيُّ مسلم هذا الذي يكون له قاموس من السباب والشتائم، في الوقت الذي يبدو فيه رجلا محترمًا مؤمنًا؟ وأيُّ رجل هذا الذي يضيف إلى أوزاره أوزاراً أخرى عوض أن يرجع إلى بلده بالأجر والمغفرة؟ هذه هي الأمور التي كان يهدف الكاتب إلى كشفها، فلجأ إلى السخرية ليبرز المفارقات.
ثم يذكر أنَّ صاحبه هذا "سي الحاج" لا يعرف ماذا يصلِّي، ولا كيف يصلِّي، ولا كم يصلِّي، فكان في كلِّ مرَّة يكرِّر السؤال نفسه، بل كان أحياناً
__________
(1) م. ن.
(2) م. س، ص: 265. (1/110)
صفحة 111
يستثقل الصلاة فيتركها: "ووجد صاحبي صلاة العشاء طويلة جدًّا، ولهذا قرَّر حذفها من برنامجه وإبدالها براحة في المنزل" (1).
ينهي الكاتب سرد هذه الحادثة بهذا التهكُّم والسخرية: " انقضت أيام الحج بسلام، ورجع سيدي الحاج إلى بلاده بحجِّه المبرور وذنبه المغفور، حاملاً معه مختلف التُّحف والهدايا للأهل والخلاَّن، متوِّجًا اسمه بلقب "الحاج" تاركاً هذه الذكريات الطريفة التي خلَّدته في ذاكرتي، وجعلت منه نموذجاً بشريًّا ممتازاً" (2).
هكذا يرسم لنا رضا حوحو نموذجاً للناس الذين يعنون بالمظاهر والشكليات، ويخفون حقيقة ذواتهم ومخابر نفوسهم. هذا أسلوب من أساليب الكشف عن مظاهر التزييف، والانحراف وهو نوع من النقد الاجتماعي الذي يتّخذ بعض المظاهر وسيلة لإبراز هذه العيوب والسلبيات "وغالباً ما يوجَّه النقد هنا إلى شخص ما حقيقي أو متخيَّل، أو إلى جماعة يمثِّلون خُلقاً اجتماعيًّا أو ظاهرة من الظواهر المعروفة، فإذا سخروا من بعض اللحى الطويلة، أو من أصحابها، فإنَّما يوجِّهون النقد إلى التخفِّي وراء المظاهر الخادعة، والتستُّر بالشكليات، بينما الواقع انحراف ونفاق وفسق" (3).
من النصوص الثلاثة التي ذكرناها في انحراف رجال الدين والحكوميِّين لحظنا تركيز الكتَّاب على مظاهر الجهل وحبِّ العظمة والأبَّهة والاعتناء بالشكل والمظهر. كلُّ ذلك ممَّا يحاربه الدين؛ لأنَّه انحراف عن سواء الصراط.
2 - انحراف في السلوك:
وللانحراف في السلوك نأخذ مثالاً واحداً، هو ما كتبه "مفدي زكرياء" في الردِّ على "محي الدين باش تارزي" (4) منتقداً خروجه عن الأخلاق والآداب
__________
(1) م. س، ص: 266. ارتكب الكاتب خطأً لغويًّا، إذ أدخل الباء على ما اختاره "سي الحاج" والأصل أن يقول: "استبدل بصلاة العشاء راحة في المنزل" لأن الباء تدخل على المتروك.
(2) م. ن.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 69، 70.
(4) محي الدين باش تارزي، ممثل مسرحي باللسان الدارج، كانت له صلة بالإعلام الاستعماري خاصَّة الإذاعة والتلفزة، وكانت علاقته بالممثلين باللغة العربية غير طيبة. (1/111)
صفحة 112
الإسلامية في مسرحيَّته (بعد السكرة)، التي عرضها على الجمهور. وقد كان فيها رقصٌ وعُريٌ ودعاية إلى الخمر، ودعوة إلى النزعة الطَّائفية والعرقية ... (1).
وبعد ردِّ محي الدين عليه، متَّهما إيَّاه بالكذب والتزوير (2)، يعقِّب عليه مفدي زكرياء. لكنَّ الأسلوب - هذه المرَّة - يكون ساخراً. ممَّا جاء في هذا التعقيب: "وكم أنا حائرٌ في فهم معنى تسمية هذا الإنسان بالبلبل، ولقد حاولت جهدي أن أطبِّق الصفات بين المشبَّه والمشبَّه به، فما وُفِّقت في ذلك، ولا استطعت إلى ذلك سبيلا، فلنضع الميزان مثلاً: فنجعل بالكفَّة اليمنى بلبلاً سماويًّا لطيفا ظريفاً، ونضع معه بنفس الكفَّة (جبل رضوى) (3) لحفظ التوازن ولنجعل بالكفَّة اليسرى بلبلنا العظيم الضخم، فنرى البلبل السماوي يطير في السماء؛ خفَّة وروحاً، حاملا بين جنبيه جبل رضوى، ونرى بلبلنا يهوي إلى الطبقة الأخيرة من الأرض ثقلاً ورعونة!! ولنجرِ تجربة أخرى معنوية، فلنستنطق أحد بلابل السماء على غصن من الغصون، ولنستمع لصوته الشجيِّ الساحر الجذَّاب الآخذ بمجامع القلوب، ولنستنطق بلبلنا الأرضي على خشبة (الأوبرا) ولنسمع هول النفخة في الصور، وحشرجة الموت بالحناجر والصدور، فلم يبق بعد ذلك أدنى شبه بين بلبلين، فبين هذا وذلك بعد المشرقين" (4).
في هذه المقارنة يكمن التهكم، وفي سرد هذه النتيجة غير المتوقَّعة تكون السخرية. البلبل السماوي ومعه جبل رضوى يطيران في السماء خفَّة وروحاً، بينما باش تارزي، وهو المخلوق الضعيف، يهوي أسفل سافلين؛ بسبب ثقله بالآثام والموبقات. والتعبير بطائر سماوي، وبالطبقة الأخيرة من الأرض يشير إلى سموِّ البلبل السماوي ورفعته وطهارته، وإلى انحطاط البلبل الأرضي وحقارته ودناءته. والمقابلة
__________
(1) ينظر مفدي زكريا، "نغمة جديدة لتفريق الشعب الجزائري"، جريدة الأمَّة، ع: 99 (17/ 11/1936م).
(2) ينظر محي الدين باش تارزي، "نغمة جديدة لتكذيب الكاذب المفرِّق بين الشعب الجزائري"، الأمَّة، ع: 100 (24/ 11/1936م).
(3) رضوى: جبل بين المدينة وينبع (المملكة العربية السعودية) يقطع منها الحجر لسنِّ السيوف.
(4) مفدي زكرياء، "إلى البلبل الزعلان "، الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م). (1/112)
صفحة 113
بين صوت البلبل السماوي الشجيِّ الجذَّاب الآخذ بمجامع القلوب وصوت البلبل الأرضي، الذي هو حشرجة ونفخة في الصور مرعبة مزعجة منذرة بالموت والفناء، (فبين هذا وذاك بعد المشرقين). هذه المقابلة أو هذا التصوير ينبئ ويوحي بخلود الأوَّل وفناء الثاني.
إمعاناً في التهكم وغلواًّ في الإيلام، يتناول الكاتب لفظ"بلبل"ويقارنة ويقابله بكلمة "بلبال" ويُعمِل فيهما فكره، ويشهر عليهما سلاح السخرية ويسقط عليهما سيرة محي الدين، ويصبّ فيهما مشاعره؛ ليخرج بنتيجة تجعل المسخور منه أضحوكة بين الناس. سبب ذلك ألف سقطت من "البلبال" ليصبح محي الدين "بلبلا"، فسقط معها في مهاوي الحقارة والنذالة بسبب رذيلة الزعم والادِّعاء والتحريف .. " إذن لا تكون هذه التسمية إلاَّ محرَّفة وأصلها "بلبال" (1) اصطدمت رجل الأستاذ محي الدين بالألف ذات يوم عند مروره مسرعاً؛ ليتقاضى من مركز (فينيكس PHINIX) أجر أتعابه، فانكسرت، واتَّصلت الباء الثانية باللاَّم فصارت (بلبل)، فأصبح الأستاذ في صفِّ البلابل رغم أنف الجميع" (2). إذن فباش تارزي ليس بلبلا، إنَّما هو بلبال وذئب وحيوان حقير، يسعى إلى التهريج والتهييج؛ ليحدث بلبلة في المجتمع، ويعمل على التحريف والتزييف. التصحيف الذي حصل في كلمة (بلبال) فأصبحت (بلبل) هو انعكاس لسيرة محي الدين المبنية على الزعم والادِّعاء، وتجسيد لظاهرة الانحراف في حياة الرجل؛ لذا فهو خَطَرٌ على المجتمع والدين. هذا ما هدفت السخرية إلى الكشف عنه. كما تهكَّم الكاتب بمحي الدين باش تارزي بندائه ومخاطبته بما كان يخاطب به نفسه، وينطق به في إعلاناته بالفرنسية (ماحي الدين MAHIDDIN). وفي ذلك مغمزٌ ودلالة كبيرة تخدم غرض
__________
(1) البلبال والبلبالة: البرحاء في الصدر. والبلبال أيضا هو الذِّئب. ينظر القاموس المحيط ج3، ص: 338. وبلبَل القوم بلبلة وبلبالاً: حرَّكهم وهيَّجهم، والاسم البلبال، وجمعه البلابل. ينظر لسان العرب المحيط، مج1، ص: 262.
(2) جريدة الأمة، ع: 101. (1/113)
صفحة 114
الكاتب في النَّيل من شخصيَّة المسخور منه. هكذا تكون المداعبة لطيفة ومقبولة حين تكون هادفة إلى الإصلاح والتقويم، كتقويم السلوك.
3 - انحراف عن المبادئ والمجتمع:
هناك انحراف من نوع آخر، يتمثَّل في السير في ركاب الاستعمار، وخدمة مصالحه، وضرب الوطنيِّين، أو التنكُّر لحقوقهم. هذا السلوك يعدُّ انحرافاً دينيًّا؛ لأنَّه يكشف عن ضعف في الإيمان، وخروج عن المبادئ، ومساس بشعور المجتمع. في هذا الإطار يقدِّم إلينا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نموذجاً يجسِّد فيه هذا الانحراف. حاول من خلاله رسم شخصية "عبد الحيِّ الكتَّاني" (1). قدَّمه إلى القرَّاء بسخرية مُرَّة وتهكم لاذع. قال في تعليل اسمه المركَّب (عبد الحي) " ... وإذا أنصفنا الرجل قلنا إنَّه مجموعة من العناصر، منها العلم، ومنها الظلم، ومنها الحق ومنها الباطل، وأكثرُ الشرِّ والفساد في الأرض. أطلق عليها - لكثرتها واجتماعها في ظرف - هذا الاسمُ المركَّب، الذي لا يلتقي مع الكثير منها في اشتقاق ولا دلالة وضعية، كما تطلق أسماء الأجناس المرتجلة، وكما يطلق علماء الكيمياء على مركَّباتهم أسماء لا يلمحون فيها أصلاً من أصولها ... وإنَّ اسم صاحبنا لم يصدق فيه إلاَّ جزؤه الأوَّل، فهو عبد لعدَّة أشياء، جاءت بها الآثار، وجرت على ألسنة الناس، ولكنَّ أملكها به الاستعمار! أمَّا جزؤه الثَّاني، فليس هو من أسماء الله الحسنى، وإنَّما هو بمعنى القبيلة، كما يقال كاهن الحي وعرَّاف الحيِّ، وعير الحي ... " (2).
__________
(1) أبو الإسعاد عبد الحي الكتَّاني من أسرة شريفة في المغرب الأقصى، مصنِّف ومؤلِّف غزير الإنتاج، تخصَّص في علم الأنساب وعلم الحديث. كما ألَّف في التاريخ، كان مهتمًّا بجمع كتب التراث حتى كوَّن مكتبة ضخمة. من مؤلفاته: فهرس الفهارس والإثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات و"الرحمة المرسلة في شأن حديث البسملة". يبدو أنه كان مقرَّباً من الحكومة الفرنسية، وكان مؤيِّداً للطرق الصوفية، وكان ضدَّ الحركات السلفية والوطنية والإصلاحية. معلومات أخذناها من كتاب "التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين" من سنة 1900 إلى 1972 للشيخ عبد الله الجراري. وممَّا أفادنا به الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة بتاريخ: 10/ 10/1993م.
(2) عيون البصائر، ص: 607،608. المقال بعنوان "عبد الحي الكتَّاني" ماهو؟ وما شأنه؟. نشر في جريدة البصائر ع: 33 (26/ 04/1948م). (1/114)
صفحة 115
لا يكتفي الكاتب بالسخرية الموجعة، واحتقار هذا الرجل، الذي يسير في ركاب الاستعمار، بل يعرِّج على كنيته، يحلِّلها ويستخرج منها المعاني التي تخدم غرضه، فيتهكم بهذا الرجل الذي تفطَّن إلى حقارة هذا الاسم، الذي سبَّب له مضايقات وانتقادات، فلجأ إلى التكنية، لكنَّ هذه التكنية نفسها لم تزده إلاَّ ذلاًّ وصغاراً؛ لأنهَّا جاءت على خلاف ما كان عليه من الصفات - حتى ولو بدت حسنة، تحمل على الاتياح إليها - وربَّما كانت من باب التفاؤل والترويح عن النفس، كما كانت تفعل العرب مع العبيد في القديم.
بناء على ذلك فإنَّ عبد الحيِّ موَّه هذا الاسم "ببضع كنىولكنَّه لم يجر فيها على طريقة العرب في تكنية أنفسهم، بل كنىَّ نفسه بـ (أبي الإقبال) و (أبي الإسعاد) تفاؤلاً وتروُّحاً (1) وقد رأينا بعض من كتب لعبد الحيِّ يكنِّيه بـ (أبي السعادات) ولايعني سعادات ابن الشجري (2)، ولا سعادات ابن الجزري (3)، وإنما سعادات ثلاثاً، لكلِّ واحدة منهنَّ أثر في تكوينه أو في شهرته، جريدة السعادة (4) لأنَّها تطريه! وقرية بوسعادة (5) لأنَّها تؤويه! ونسخة أو جزء من البخاري بخطِّ ابن سعادة؛ لأنَّ الخزانة الجليلة تحويه! ... هذا وإن لِصاحِبِناَ أولاداً صالحين يشرِّفه أن يكتني بأحدهم، فلماذالم يفعل؟ " (6).
__________
(1) تروَّح الماء: أخذ رائحة غيره لقربه منه.
(2) هو الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد المعروف بابن الشجري البغدادي (452 - 542هـ).
(3) هو أبو السعادات المبارك بن الكرم المعروف بابن الجزري، عالم من علماء الحديث (544 - 606هـ). ينظر فنون النثر الأدبي في الجزائر. ص: 386.
(4) جريدة السعادة صدرت في طنجة سنة 1904م، ثمَّ انتقلت إلى الرباط سنة 1913م، كان يشرف عليها في أوَّل الأمر جزائري اسمه إدريس بن محمد الخبزاوي، كانت في إحدى فتراتها لسان حال حكومة الحماية الفرنسية. وأصبحت بعد استقلال المغرب لسان الحكومة، وقد تغيَّر اسمها من السعادة إلى العهد الجديد ثم الفجر ثم الأنباء، وما تزال تحتفظ بهذا الاسم. معلومات أفادنا بها الدكتور عباس الجراري في مراسلة خاصَّة بتاريخ (25/ 09/1993م).
(5) مدينة تقع في الشرق الجزائري بها بعض الزوايا.
(6) عيون البصائر، ص: 608، 609. (1/115)
صفحة 116
ظاهر من النص أنَّ الإبراهيمي تجاوز حدود التهكم إلى التعبير والشماتة بالمتحدَّث عنه، والتنقيص من قيمته، ومحاولة التلذُّذ والتفكُّه في هذه الكتابة من أجل التفكُّه. وفي النص جمع بين التعريض والاستهزاء، ممَّا يجعل القارئ يتَّهم الإبراهيمي –أحياناً- في نزاهته في النقد، وإخلاصه في توجيه العتاب. ويتساءل عن جدوى هذه السخرية، يقول الدكتور عبد المالك مرتاض عن طريقة الإبراهيمي في مناقشة خصمه، والملاحظة تنصرف أيضاً إلى هجومه على بعض المنحرفين، حين يستعرض أعمالهم وسِيَرهم: "وكان الإبراهيمي حين يناقش خصمه يرميه بألفاظ حداد كأنَّها شفرات ماضية أو شظايا محرقة، أتمثَّل أسلوبه عند الخصام، وكأنَّ حروف ألفاظه لهب، وجمله جمر، وعباراته الجارحة سياط من العذاب" (1).
ربَّما عذرنا الإبراهيمي في مثل هذا السلوك - أحيانا- خاصَّة حين يكون في مقام تحليل شخصية تخالف ما عرف عن المجتمع، وما تتَّسم به علاقات أفراده بعضهم ببعض، بل وتقترف ما يضرُّ بهم؛ حين لا تراعي طبيعة هذه العلاقات، يقول سيمون بطيش: "إنَّ الشخصية تبدو مفكَّهة أو مدعاة للسخرية عندما تسير في طريقها بصورة آلية دون أن تهتمَّ بعلاقاتها مع الآخرين" (2). فالإبراهيمي تهكم بعبد الحيِّ الكتَّاني - وإن بالغ في ذلك - لأنَّ المسخور منه لم يراع علاقاته مع الناس، حين تعامل مع الاستعمار ذلك التعامل، الذي أضرَّ بالمسلمين ضرراً كبيراً. وهو الرجل المسلم، الذي كان عليه أن يوطِّد علاقاته بإخوانه المسلمين، أو على الأقلِّ لا يخدش هذه العلاقات بتصرُّف مشين.
فالإبراهيمي يؤلمه أن يكون المسلمون تحت تصرُّف الاستعمار، ينفِّذون أوامره، ويستجيبون لمؤامراته، ويحزُّ في نفسه أن ينحرف هؤلاء عن سواء السبيل؛ لهذا يرسل شواظ كلامه وقوارص أقواله، ولذعات حديثه على هؤلاء المنحرفين، خاصة حين يكون هؤلاء قد انقلبوا من الأنصار إلى الخصوم، ومن أصحاب المبادئ
__________
(1) فنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 376.
(2) السخرية والفكاهة في أدب مارون عبُّود، ص: 29. (1/116)
صفحة 117
إلى الخائنين لهذه المبادئ: "إنَّ هذا الرجل ما زال منذ كان الاستعمار في المغرب - لا كانا - آلة صمَّاء في يده، يديره كما شاء، ويديره علىما شاء، يحرِّكه للفتنة فيتحرَّك، ويدعوه إلى تفريق الصفوف فيستجيب، ويندبه إلى التضريب (1) والتخريب فيجده أطوع من بَنابه، ويريد منه أن يكون حمَّى تنهك، فيكون لساناً وأذناً وعيناً ويداً ورجلاً، ومقراضًا للقطع، وفأسًا للقلع، ومعولاً للصَّدع، وما يشاء الاستعمار إخماد حركة إلاَّ كانت على يديه البركة ... " (2).
يستمرُّ الكاتب في بيان حقيقة هذا الشخص المنحرف، الذي يسخِّره الاستعمار في تحقيق أهدافه، يعرض علينا سلوكه بطريقة ساخرة، تكون أحياناً رسمًا كاريكاتوريًّا موجعًا، يصوِّره والاستعمار يعتمد عليه كلَّ الاعتماد؛ إذ هو رزق مهيَّأً له، وهو مصنوع له بالتوصية: " ... وقد تهيَّأت فيه أدوات الفتنة كلِّها، حتى كأنَّه أعدَّ كذلك إعداداً خاصًّا، وكأنَّه (مصنوع بالتوصية) وكأنَّما هو رزق مهيأ مهنَّأ للاستعمار" (3).
ثم يبيِّن بشيء من التفصيل والتحليل الساخرين سبب ظفر الاستعمار بعبد الحيِّ، وعلَّة حظوته عنده. فقد وجد فيه كلَّ مواصفات الجهاز الذي يسخِّره في تأدية المهمَّات الموكلة إليه. إذن هو صيد ثمين ورزق مهنَّأ للاستعمارالذي يعمل على قهر الشعب وزيادة معاناته "وما زال الاستعمار مرزوقاً بهذا النوع: فالرجل شريف أوَّلاً وعريق في الشهرة ثانيًّا، وطرقيٌّ ثالثاً، وعالم رابعاً، وكلُّ واحدة من هذه فتنة لصاحبها بنفسه وللناس به، فكيف بهنَّ إذا اجْتَمَعْنَ؟ وكيف بهنَّ إذا كان اجتماعهنَّ في غير موفَّق؟ " (4).
سردُ هذه الأسباب المهيئة أوالمؤهلة لهذا الشخص ليكون آلة في يد الاستعمار، فيه تحقير له، وقدح في كرامته؛ لأنَّ الشرف والعراقة في الشهرة والعلم
__________
(1) التضريب: المبالغة في الضرب.
(2) عيون البصائر، ص: 609، 610.
(3) م. س، ص: 610.
(4) م. ن. (1/117)
صفحة 118
هي في الحقيقة مؤهِّلات تجعل الشخص على عكس ما هو عليه "عبد الحي الكتَّاني" لكنَّ ضعة نفسه جعلته يفتتن بهذه الأوصاف، ومن ثمَّ يعمل على إذلال شعبه ومعاكسة مشاعر أمَّته، بل ويظهر براعته في استخدام كلِّ وسيلة من هذه الوسائل في ميدانها الخاص.
يقدِّم الكاتب هذه الحقيقة في صورة ساخرة ماكرة: "والرجل بارع يستخدم كلَّ واحدة من هذه في ميدانها الخاص، ويستخدمها جميعاً في الميدان العام، يستخدم العلم في الشهرة، والطرقية في الفتنة، فإذا حزب الأمر اتَّخذ من أحدهما طليعة، ومن الآخر جيشًا، ومن الشهرة أو الشرف رداءً، ولكنَّ أغلب النزعات عليه النزعةُ الطرقية، لأنَّها أكثر فائدة، وأجدى عائدة، وأقرب سبيل في باب التضليل، ناهيك بدعوى لا يحتاج صاحبها إلى إقامة دليل" (1).
حاول الكاتب - من خلال التصوير الساخر - أن يرسم أو يصنع صورة شخصية عبد الحي الكتَّاني بواسطة ألقاب تبدو في ظاهرها مدحاً، لكنَّها حين تتأمَّل وتقرأ من خلال السياق الدلاَّلي للنص، ومن خلال استقراء الحالة النفسية المتوتِّرة التي يبدو فيها الكاتب، تظهر هذه الألقاب جوفاء، بالنظر إلى سيرة المسخور منه. إذاً إنَّ التقاء هذه الألقاب في شخصه لم يرفعه بقدر ما نزل به إلى دركة الجهلة والأغرار، الذين يفتقرون إلى القدرة على التمييز وعلى التدبير؛ فارتمى في أحضان الاستعمار يحقِّق مصالحه، وينفِّدُ خططه ومؤامراته؛ متنكِّراً لمبادئه، دائسًا على علاقاته الاجتماعية مع بني ملَّته. من هنا تبدو سخرية الكاتب واضحة، وتذمُّره بارزا.
الشخص المنحرف يكون – عادة - معدناً للشَّر والفساد، وآلةً للهدم والتخريب جاهزةً في كلِّ وقت، صالحةً للقيام بأيِّ عمل يكون في هذا المضمار. لذا رأى مسمار "الشعلة" وقدَّر وظهر له أنَّ المنحرف حيوان يشبه التنِّين أو الأخطبوط، من حيث قدرته على القيام بعدَّة أعمال مرَّة واحدة - في الفساد طبعاً - لهذا تساءل تساؤل الماكر المتهكِّم عن الشخص المنحرف هل هو تنِّين أم أخطبوط؟: "التنِّين في
__________
(1) م. ن. (1/118)
صفحة 119
الأساطير الصينية ثعبان كبير ذو سبعة رؤوس، كلَّما قطع له رأس إلا ونَبت مكانه رأس آخر، أمَّا الأخطبوط (القرنيط) فهو ذلك الحيوان البحري ذو الأيدي العديدة – التي لا تعمل إلاَّ الشر طبعا – في استطاعته أن يقوم بتسخيرها في وقت واحد في أعمال مختلفة، فيحرِّك بهذه سمَّاعة المسجد، ويدير بالأخرى آلة الكلية، بينما تكتب الثالثة التقارير الضافية لفائدة الاستعمار، أمَّا الرابعة فتسجِّل دفاتر، نسبت زورًا إلى شرع الله، أمَّا الخامسة فتعمل عملاً خفيًّا، لا نعلمه نحن ولا أنتم، وهو مع كلِّ ذلك خلقة عجيبة، تمتاز بعمل الأخطبوط، ودموع التمساح، وورع الذئب، ودسائس الثعلب، سبحان الذي أنشأه وصوَّره ... " (1).
يكشف النص عن الحالة السائدة في الجزائر، من حيث سيطرة بعض الناس المجحفة على كلِّ الشؤون؛ إذ لا يجد المواطن أي متنفَّس، وأيَّ مجال لتجريب حرِّيته، فضلا عن إشباعها، والأدهى من ذلِكَ أنَّ كثيراً من المتقدِّمين لهذه المناصب والمطبِّقين لهذه السياسة في الإذلال والاستغلال هم من المواطنين، الذين سلبهم الاستعمار ضمائرهم وعقولهم، فأصبحوا يتحرَّكون بوحي منه، بل هم يستغلُّون ضعف المواطنين في الجانب المادي، وتأخُّرهم في المجالين الاجتماعي والثقافي - لكنّهم أقوياء في الإيمان والوطنية- فيفرضون عليهم سلطتهم، ويسلِّطون عليهم جبروتهم. بل هم ينمُّون نفوذهم على حساب ضعف هؤلاء المواطنين، تماماً مثلما يتغذَّى الأخطبوط بالحيوانات البحرية الضعيفة.
إذا ربطنا ما جاء في النص بما ورد في العدد نفسه من الجريدة، وبما جاء في افتتاحيَّتها، التي أعلن فيها أصحابها عن حرق الاستعمار بنار الشعلة، ومعه أعوانه من الحكام الجائرين والجلاَّدين ... وشيِّ النوَّاب الخونة بلهيبها، والسياسيِّين المحترفين الغافلين عن أمَّتهم، والجواسيس ... وكلِّ الأعداء المتكالبين على الأمَّة. إذا قمنا بهذا الربط واستحضرنا الواقع المعيش آنذاك، فهمنا معنى الرمز الساخر إلى الأخطبوط، ووعينا حقيقة مشاعر الكاتب، ووقفنا على سرِّ السخرية في النص، خاصَّة الربط بين
__________
(1) "تنِّين أم أخطبوط" (د. إ) جريدة الشعلة، ع: 1 (15/ 12/1949م). (1/119)
صفحة 120
الأخطبوط ذي الأرجل الكثيرة التي يصطاد بها الحيوانات البحرية الضعيفة، وامتلاك الشخص المنحرف وسائل كثيرة للعيث في الأرض فساداً وضرب الأمَّة والإضرار بها، ثم المقابلة بين أعمال المنحرف الشريرة وصفات الحيوانات التي أشار إليها في النص.
في الركن نفسه (مسامير الشعلة) نلتقي مع الصورة ذاتها، يقدِّم بها المسمِّرُ هذا النموذج من الناس المنحرفين، الذين يخدمون أسيادهم المستعمرين، ويضرُّون بإخوانهم. أنَّها صورة الحيوان المفترس، المسبِّب هلاكاً للإنسان. غير أنَّ السخرية هنا كانت ضعيفة فنياًّ؛ لأنَّها اعتمدت على الوصف المباشر العام، والشتم الذي يُبِين عن الغضب والانفعال والتذمُّر، أكثر من الاهتمام بالجانب الفنيِّ. لقد عجز الكاتب عن السموِّ بنصِّه إلى درجة السخرية الفنية الراقية. يبدو ذلك من خلال تكراره بعض الأوصاف، والاعتماد على سرد الكلمات، والالتجاء إلى أسلوب الثلب والتعيير والأسلوب المباشر المملِّ، المضرِّ بالتجربة الأدبية. وهو ما يبرز معاناة الكاتب في البحث عن إيجاد صيغ فنية ساخرة مناسبة لاحتدام مشاعره، ولفورة عواطفه. فهو قصد إلى السخرية، لكنِّه أخطأ طريقها (1).
ما لفت نظري أنَّ كثيراً ممَّن تناول بالسخرية الشخصيات المنحرفة عن سواء الفطرة البشرية بعامَّة، وعن الدين بخاصة، كانوا يركِّزون على مظاهر ادِّعاء العظمة، وتسنُّم الأماكن السامية - مع عدم الكفاية - أو أنَّ الناس هكذا يعتقدون فيهم، عن حسن نية أو عن سذاجة. كما كان الكتَّاب يبدون شفقتهم عليهم؛ بمحاولة إظهار ظلم الناس لهم بهذا المعتقد، وبهذه الأوصاف التي يخلعونها عليهم، وهم بذلك يزجُّون بهم في متاهات، أو يرمون بهم في المهاوي من حيث لا يشعرون. وهذه في الحقيقة هي شفقة سخرية، وليست شفقة رحمة وعطف. هذا الاتِّفاق في التناول والوصف يدلُّ على صدق مشاعر هؤلاء الكتَّاب، ويعبِّر عن واقعية ما سجَّلوه عن أولئك المنحرفين الخطيرين على الأمَّة والدين.
__________
(1) ينظر "ثعلب بسكرة" (د. إ)، الشعلة ع: 7 (26/ 01/1950م). ينظر أيضاً الجريدة نفسها، ع: 38 (14/ 09/1950م). (1/120)
صفحة 121
في الموضوع نفسه، وفي تقرير الفكرة ذاتها كتب "السعدي حكَّار" (1) مقالاً قارن فيه بين البشر والحيوانات بطريقة ساخرة معرِّضة، أنهاه بقوله: " ... قارنت وقدَّرت، ثم راجعت تلك المقارنة وذلك التقدير، وانتهيت في آخر الأمر إلى حقيقة مرَّة كالعلقم، مخجلة كالنفاق، وهي أنَّ حيوانات السيرك أحسن منَّا تربية، وأكثر منَّا أدبًا وأطهر منَّا سيرة" (2).
السخرية تبدو في الأسلوب الذي قدَّم به الكاتب فكرته، المعتمد على المقارنة بين الحيوان والإنسان، ثم تفضيل الحيوان عليه. والمستند إلى حركة لافتة للنظر في فحص حقيقة الإنسان، التقدير ثم المقارنة ثم مراجعتها، ثم إعادة النظر في التقدير، كلِّ ذلك كان بسبب الدهشة التي أصابت الكاتب؛ نتيجة تصرُّفات الإنسان البعيدة عن مستواه ومكانته؛ بوصفه صاحب عقل يدرك ويعي ويميِّز.
الأشخاص المنحرفون الذين يسيرون في ركاب الاستعمار، ويتخلَّون عن مبادئهم، لا يقدمون على هذه السبيل إلاَّ بدافع الحصول على السيادة، أو لغرض ملء البطون. يقرِّر "الحفناوي هالي" (3) هذه الفكرة ويقدِّم بها الشخصيات الحكومية، التي انحرفت عن سواء السبيل؛ إذ كانت متقاعسة عن أداء واجبها نحو أبناء ملَّتها، وبني جلدتها. لم يمنعهم من أداء ما عليهم إلاَّ كونهم حكوميِّين، والحكومي يجب أن يتجنَّب السير في هذه السبيل، ويحجم عن تقديم الخدمات لمواطنيه، هذا ما لُقِّنَه كما يقرِّر الحفناوي هالي تعريضاً وتهكماً. بهذه النظرة يَعْرُضُ لطائفة من المثقَّفين الحكوميِّين، ويَعْرِضُ عليهم سؤالاً في غاية التهكم والسخرية والاحتقار ويُعرِّضُ قائلاً: " ورجال هذه الطبقة يرون أنَّهم غير مطالبين شرعاً بأيِّ واجب للوطن؛ بدعوى أنهَّم حكوميُّون، والحكوميُّ يجب أن يبتعد عن جميع
__________
(1) أحد كتَّاب جريدة البصائر، وأحد المشرفين على جريدة الشعلة، خاصَّة ما يتعلَّق بالرسم الكاريكاتوري.
(2) السعدي حكَّار، "حقائق مُرَّة"، جريدة البصائر الثانية، ع: 219 (27/ 02/1953م).
(3) الحفناوي هالي (ت 1967م)، أديب وشاعر جزائري، واكب الحركة الإصلاحية، شارك في الصحافة الجزائرية بعدة مقالات، وكان التهكم من بين سمات كتابته، اشتغل في حقل التربية والتعليم، وعمل بعد الاستقلال في وزارة الأوقاف. (1/121)
صفحة 122
الحركات! وإذا كانت بطونكم حكومية يا سادة، فهل دينكم وعقولكم وضمائركم حكومية أيضا؟ ومن يدري فلعلَّ جوابهم - لو أجابوا - يكون نعم" (1).
بالنظرة نفسها يفسِّر كاتب تصرُّفات الرجل الحكومي "محمد العاصمي" المفتي الحنفي الرسمي، ويتناول الفكرة بالأسلوب نفسه، أسلوبِ التهكم والتعريض (2).
من هذه النصوص نُسجّل أنَّ الأدباء حاولوا معالجة بعض القضايا دينياًّ، وحرصوا على كشف ما فيها من انحراف عن الدين، وتبصير الناس بخطورتها وبذلك أسهموا في التوعية والتوجيه. وهكذا نثبت أنَّ الأدب الجزائري الساخرلم يغفل عن الأشخاص المنحرفين - مهما يكن هذا الانحراف- لأنَّه كان أدباً هادفاً، فكان يتَّخذ بعض الأشخاص نماذج لنقد بعض أنواع السلوك. قد يكون بعض الأشخاص من نسيج الخيال، أو يكون في تصوير سيرتهم مبالغة، لكنَّ السلوك يظلُّ منتزعاً من الواقع؛ إذ أنَّ في طريقة المعالجة فضحاً للانحراف، وتنفيساً عن النفوس، وعقاباً معنوياًّ لهؤلاء المنحرفين، ومحاربة للعيوب الاجتماعية، ومقاومة لأسباب الخروج عن الدين. وفي كلِّ ذلك محافظة على سلامة المجتمع والعمل على تقدُّمه وتطوُّره.
هناك ملاحظة سجَّلناها في النصوص التي عرضناها، والتي تناولت الموضوع. وهي التشابه الكبير في الأفكار التي ذكرها الأدباء، والتماثل في الأوصاف التي خلعوها على هؤلاء المحرفين. كما لاحظنا توظيفًا يكاد يكون واحدًا لبعض الرموز التي أتوا بها؛ ممَّا يضفي على كتاباتهم سمة الواقعية في التناول وصفة الصدق في الكتابة والاتِّحاد في المشاعر.
هناك قضايا إسلامية عامة أخرى تندرج في إطار عملية التوجيه والتوعية والتعبئة، أسهم الأدب الجزائري الساخر في معالجتها؛ بوصفها مسائل تهمُّ حياة المسلمين وشخصيتهم، التي مرَّت بها ظروفٌ عصيبة، تظافرت على إيجادها عوامل داخلية وأخرى خارجية، أثَّرت تأثيراً كبيرا في إحداث تغييرات في القِيَم
__________
(1) الحفناوي هالي "من أمراضنا الاجتماعية"، البصائر الثانية، ع: 88 (25/ 07/1949م).
(2) ينظر " أدفاع عن الدين أم الدفاع عن البطن الرخيصة" (د. إ)،جريدة الشعلة، ع:47 (23/ 11/1950م). (1/122)
صفحة 123
والمقوَّمات، وعملت على تلوين حياة المسلمين بألوان، وطبعتهم بطوابع تحمل على الإشفاق في كثير من الأحيان، نعرض بعضها:
ج - أدواء المسلمين:
كثرت العلل والأدواء التي أصابت المسلمين لعوامل كثيرة، هذه الأمراض كانت تنتظر الطبيب الذي يكشف عنها، ويقترح لها الدواء الناجع. وقد كان الأدباء الجزائريون ممَّن أسهم في إبراز بعض هذه العلل، مستعملين في ذلك أساليب مختلفة، من بينها أسلوب السخرية والتهكم، اللذين يكشفان عن حالات الشدة والعسر، وتفاقم الأوضاع في عالم المسلمين وحياتهم.
من بين عللهم التي أفرزتها الظروف العصيبة، التي مرُّوا بها الهجوم الشنيع والمخطَّط على أصالتهم، والتنكيل الشديد الذي لاقوه من خصوم الإسلام؛ ممَّا سبَّب - أحيانا - فقد عنصر الثبات على المبادئ، والمحافظة على الأصالة. تبيِّن الفقرة الآتية ذلك؛ إذ يظهر فيها صاحبها تحسُّره من هذا الداء. وقد وضَّح ذلك من خلال مقارنته بين الإنسان والجراد: الحيوان الضعيف، الذي أبدى مقاومة شديدة، رغم حملات الإبادة، التي شنَّها ضدَّه السكان؛ قصد القضاء عليه. فقد بقي صامدا، أو على الأقلِّ لم يمكن التخلُّص منه نهائيًّا. بينما الإنسان المالك لأسباب القوَّة والمناعة تعرَّض لحملات الإبادة والإفناء، فلم يستطع المقاومة، فنجح المتسبِّبون في ذلك في زحزحة بعض المسلمين - مثلا - عن مبادئهم، وتشكيك البعض الآخر في بعض قِيَمِهم، ففقدوا بذلك عنصر الثبات. وهو داءٌ كانت له عواقبُ وخيمة على المجتمع الإسلامي.
كتب "مغفَّل" تحت عنوان "مُنغِّصاتي" يقول: " ينغِّصني من الجراد الخبيث أن يثبت في مواقفه، ويصاول على حياته، ولم يزحزحه عن مبدئه كلَّ ما يلاقيه من التعذيب والتنكيل، ولا يقتدي به في الثبات والصبر والجلد كثيرٌ من بني الإنسان الجبناء في مواقفهم الحاسمة، التي هي حدٌّ فاصل بين الموت والحياة. فهل الجراد أذكى وأحذق وأعقل وأمهر من الإنسان" (1).
__________
(1) مغفَّل (وهو أبو اليقظان) "البستان" ع: 7 (13/ 06/1933م). (1/123)
صفحة 124
سؤال الكاتب يحمل كلَّ معاني الاحتقار والتهكُّم بالإنسان، الذي يكون أضعف من الجراد في الثبات والتحدِّي. والنصُّ بعامَّة يحمل علامات الحسرة والألم من هذا الداء، الذي أضرَّ بالإسلام والمسلمين. فأسلوب الكاتب في التناول يبرز آيات التأزُّم النفسي والإحباط والتذمُّر من الوضعية السيئة التي كان يعيشها العالم الإسلامي، من خلال الإشارة إلى الحالة في الجزائر. فقد كانت فترة الثلاثينيَّات من هذا القرن مرحلة صعبة وعصيبة، إذ كان الهجوم فيها عنيفا ومنظَّما على الشخصية الإسلامية والهوية الوطنية ... بسبب ما كان قد سنَّته السلطات الاستعمارية الفرنسية من سلسلة قوانين جائرة، مغرضة، للقضاء على الإسلام. يكفي أن نشير إلى قانونَين صدرَا سنة 1933م، وهي السنة التي كتب فيها النص، الذي نحن بصدد التعليق عليه.
1) قرار 18 فيفري 1933م، القاضي بمنع رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من التدريس في المساجد.
2) قرار 27 فيفري 1933م، القاضي بحلِّ الجمعية الدينية الإسلامية في الجزائر العاصمة، وتكوين جمعية دينية إسلامية بديلة برئاسة (مسيو ميشال) وهو مسيحي كاثوليكي. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ النص كان يرمي إلى الإفصاح عن الحالة المتدهورة في الجزائر وبطريقة رامزة (1)، وفي الوقت نفسه يشير إلى وجوب الثبات في الميدان، وعدم الاستسلام لإرادة العدوِّ وتعسُّفه. إذن فالنص إلى جانب ما يحمله من آياتِ التوبيخ واللوم والسخرية. فأنَّه يتضمَّن دعوة خفية إلى مواصلة المقاومة والجهاد.
داء عدم الثبات الذي أشار إليه "مغفَّل" أورث خلالاً سيِّئة، وأوجد روحًا مريضة، صرفت الناس والمسلمين عن الفضائل الحسنة، أدَّت ببعضهم إلى الانسلاخ من جميع المعاني القومية والخلال الإسلامية: "حتَّى أصبح بعض المحترمين منهم لا يتحرَّج
__________
(1) إنَّ أبا اليقظان عرف - في جهاده الصحفي- بمقاومته الشديدة للطغيان الاستعماري، وبشكل سافر لا ليونة فيه، لكن بعد مصادرة جرائده الأربع (وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور) مال إلى أسلوب السخرية والرمز؛ للانفلات من الرقابة الاستعمارية، دون التخلِّي عن مبادئه في المقاومة، وهو ما تكشف عنه جريدته "البستان" بشكل واضح. ينظر أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص: 235 وما بعدها. (1/124)
صفحة 125
من أن يصرِّح في الناس بقوله: أنَّه لا يهمُّنا شيءٌ من أمر الدين والعربية والتعليم، لأنَّنا سياسيُّون، ولا نريد أن نقدِّم شَيئاً على السياسة قبل أن تتحقَّق أهدافنا" (1).
يتهكَّم الكاتب من السياسيِّين المحترمين، الذين أعمت السياسة أبصارهم وبصائرهم، فنبذوا المبادئ وهجروا الفضائل، وأصبح سلوكهم بعيدا عن روح الإسلام، وحياتهم فقيرة من الثبات. يبدو تهكم الكاتب في انتزاع اعتراف من هؤلاء المحترمين بأنَّهم ضدُّ مقوِّمات الأمَّة الإسلامية. اعتراف لم يدلوا به صراحة، إنّما استقرأه الكاتب من سيرتهم وأعمالهم. وتزداد السخرية بروزا بفضل هذا التعليل الذكيِّ، المضحك المبكي؛ وهو أنَّ سبب الانسلاخ من المبادئ، والتقاعس عن أداء الواجب هو السياسة التي يتمسَّك بها هؤلاء لتُحقِّق لهم أهدافهم. وفي ذلك تعريض بهم لأنَّهم مرتبطون بالغرب، متنكِّرون لأصالتهم.
ثم قال بعد ذلك: "ولا أدري أيَّ شيء تصوَّره هؤلاء الإخوان وعرفوه، حين اختاروا هذه السبيل، واندفعوا فيها والحال أن أبسط العقلاء يدرك بالبداهة أنَّها إن قدّر لها النجاح فسوف لا تؤدِّي بنا أبدًا إلى كمال العرب وما فيه من عجب، وإنَّما إلى كمال الترك وما يضمر من ترك" (2).
ينعى الكاتب على هؤلاء المنحرفين عن مبادئهم كيف يختارون هذه السبيل، التي لا توصلهم ولا تسلمهم إلاَّ إلى الهاوية، ولا تحطُّ بهم إلاَّ في دركات الذلة والمهانة. وقد أضفى روح السخرية على الفقرة استعمالُ الجناس (كمال العرب وما فيه من عجب، كمال الترك وما يضمر من ترك) فكمال العرب هو الفضيلة والخلَّة الحميدة؛ لأنه يدلُّ على الحسن والفعل الجميل. وهو ما كان يحمد للعرب أيَّام عزِّهم، وللمسلمين أيَّام كانوا فضلاء. وكمال الترك رَمزٌ يدلُّ على الخيانة والغدر، وعلى التراجع عن المبادئ، والتخلي عن الأصالة، وهو ما صنعه كمال أتاتورك. وكمال الترك أدَّى إلى ترك مآثر الأجداد والأسلاف، وأخذ ما عند الغير. إذن
__________
(1) الحفناوي هالي، "عرب ولكن بدون عروبة"، جريدة البصائر الثانية، ع:41 (28/ 06/1948م).
(2) م. ن. (1/125)
صفحة 126
هناك فرق كبير بين كمال العرب: عنوان المروءة والشهامة والإباء والعزَّة، وكمال الترك: رمز الضعف والوهن والتبعية.
إنَّ سبب كلِّ ذلك هو السياسة الملعونة التي وَجَّهت أبناء المسلمين، وعلَّمتهم أن يهتمُّوا بتاريخ الغير، ويهملوا تاريخهم وتاريخ آبائهم؛ لذا يظهر الكاتب تحسُّره من هذا الجانب، ومن حال أبناء الإسلام، ويصوِّره بأسلوب كاريكاتوري مضحك مبكٍ: "سل أيَّهم شئت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبه وقليل من سيرته، أو عن صلاح الدين وأيَّامه، أو عن عبد القادر الجزائري، وكيف قضى أيَّامه، وأين ختمها، أو عن أيِّ شيءٍ له اتِّصال بالعروبة الحقَّة وتاريخها المجيد، فإنَّك لو فعلت لأخرج صدره ورفع شفته السفلى إلى أعلى، مُشيراً بذلك إلى أنَّه لا يدري، ولا يلزمه أن يعرف مثل هذه السفاسف، في حين أنَّه يجيبك بإسهاب وإعجاب عمَّا يعرفه من جغرافية أمِّ الوطن، وحياة نابليون، ونظرية داروين، ذلك الذي يقول بأنَّ الإنسان أصلُه قرد، ومن يشابه أباه فما ظلم" (1).
في إرسال هذا المثل في آخر الفقرة تكمن سخرية الكاتب من هؤلاء الناس، واحتقاره هذه الفئة من البشر، وتتجسَّد حسرته من صنيع أولئك المسلمين المعجبين بالغير، المؤمنين بآرائهم ونظريَّاتهم، التي تقدح في شخصيَّتهم أحياناً؛ بسبب عدم انسجامها مع مبادئ العقل والفطرة البشرية. لكنَّ داء التقليد وعيب التخلِّي عن الأصول والمبادئ وعلَّة الانبهار ... كلُّ ذلك يجعل المرء يسقط في هذا الفخِّ، ويتردَّى إلى هذا المستوى. ولكن من يشابه من هو من طينته، ومن اتَّخذه قدوة وإماماً، فما ظلم نفسه؛ لأنَّه هو على شاكلته.
في هذا المثل تبدو الزفرة الحارَّة والنَّفثة الحادَّة والكمد الكمين في القلب. وكنتيجة أولية لفقدان عنصر الثبات، ومقوِّم الأصالة أن كان الجاهلون هم الضحية، وهم الجانون والمتحمِّلون للنتائج الوخيمة، فغدوا: "في حيرة من أمرهم، فلم يدروا أيستمسكون بعروة الله الوثقى، فيثبتون على ما شرع الرسول من دين، وسنِّ باديس
__________
(1) م. ن. (1/126)
صفحة 127
من ثورة على الجمود والإلحاد، أم يكتفون (بالعروة) الأخرى، وهم يخشون أن يكون حبلُها غير متين، فتضطرب بهم وتسبق واوها الراء فيكونوا من الخاسرين" (1).
هذا التلاعب بالألفاظ صبغ الفقرة بلون من الظرف الجاد الهادف، فالناس الجهلاء والبسطاء عدموا عنصر الثبات على مبدإ معيَّن، وافتقدوا الظفر برؤية معيَّنة، فاختلط عليهم الأمر، فلم يعرفوا هل يستمسكون بالعروة الوثقى التي شرعها الله، وبيَّنها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ووضَّحها العلماء، فتكون هي المطلوب الاعتصام بها، أم يتعيَّن - وفقاً للتطور والتقدُّم - الاحتماء بالعروة الأخرى، التي أوجدتها السياسة. وهذه الثانية لم يطمئن إليها الناس أيضاً، فهي عروة مبتدعة، قد تنفصم؛ لأنَّ حبلها غير متين، وحقيقتها غير واضحة، ومن ثمَّ فهي غير ثابتة. والتمسُّك بها يحدث اضطراباً في حياتهم؛ وبذلك يخطئون السبيل ويتنكَّبون عن الجادَّة، فينتقلون من العروة إلى العورة، فيكونون من الخاسرين. إنَّ هذه نتيجة منطقية لفقدان عنصر الثبات.
عدم تبيُّن الإنسان موقعه في الوجود، وعدم وضوح الرؤية أمامه، وعدم معرفته حقيقته وأنيَّته المنحصرة بين المبادئ الراسخة الصحيحة، والأهداف المرسومة المعلومة تجعل، منه عنصراً غير عارف لواجبه في الحياة: لا يدري كيف يتحرَّك، ولا لماذا يعمل. ولا ماذا يصنع به ... لذا تجده يتحوَّل بسرعة، ويتقلَّب كثيراً، ويميل عن الجادة بسهولة ... هذا ما سجَّله الكاتب على هؤلاء الذين حوَّلتهم السياسة عن أصالتهم بسرعة، وصرفتهم عن مبادئهم، وأشغلتهم بمناقشة قضايا لا تهمُّهم، وأبعدتهم عن المسائل الأساسية، التي هي من صميم واجباتهم وأوكدها: " ... فمالت طائفة عن الجادة، وأعلنت ثورتها لا على الجمود والإلحاد، ولكن على القديم بما فيه من كتاب ولغة وتاريخ، وأعلنت انضمامها إلى رجال السياسة والكياسة الموفقين، وراح الجميع يوجِّهون كامل اهتمامهم وجهودهم إلى بحث وحلِّ مشاكل خطيرة جداًّ كقضية ترومان، هل هو اليهودي أم خالته؟ وهل برادلي القائد الأمريكي عربي أم لا؟ وقد تأتيك جماعة مختارة تسألك أن
__________
(1) م. ن. (1/127)
صفحة 128
تدلَّها عن موقع الجابون الذي نسميه بلغتنا اليابان، تسألك هل هو متَّصل بالقطر التونسي من الشرق أم من الشمال" (1).
هكذا تصنع السياسة بالنفوس، وتلعب بالعقول، تصرفها عن رسالتها الحقيقية، وتنأى بها عن أصالتها، وتشغلها بما يبعد عنها التمسُّك بمبادئها الأصلية، وتزرع فيها ما يزهِّدها في ماضيها. تلهيها بمناقشة مسائل خطيرة كتحقيق نسب ناسٍ لا شأن لهم بهم، ولا قيمة لهم في حياتهم. وقد يصل الأمرُ بالإنسان الغرِّ الجاهل، الذي يعيش على هذه الأفكار، ويتغذَّى بهذه التوجيهات، فيسألك عن موقع اليابان الذي يقع في الجنوب الأقصى لآسيا، هل هو متَّصل بتونس - الواقعة في شمال إفريقيا - من شرقها أم من شمالها.
هذه سخرية مُرَّة وحزينة بمن فقد عنصر الثباب، وتنكَّر للأصالة، فأصبح ريشةً في مهبِّ الرياح، وغدا منشغلاً عن نفسه وعن شؤونه بمصالح الغير وهمومه ومشاكله ... وممَّا جمَّل هذا التهكم وحسَّنه فنِّياًّ بعضُ العبارات والألفاظ والأوصاف التي انتقاها الكاتب وانتقرها. ليعرِّض بها بمن أشار إليهم في النص، ولتعبِّر عن حقيقة مشاعره المتدفِّقة والحزينة، إذ نقرأ فيها المقت والألم، والازدراء والاندهاش، والتوتُّر النفسي. من هذه الألفاظ والعبارات: «رجال السياسة والكياسة الموفقين، حل مشاكل خطيرة، جماعة مختارة ... ».
هكذا يُبدي الكاتب تهكُّمه من العرب الذين اعتلَّت نفوسهم، فخرجوا عن عروبتهم. ويُظهِر سخريته من المسلمين الذين مرضت قلوبهم فسلب منهم إسلامهم. هذه العلل هي عنوان على التخلُّف.
التخلُّف الفكري أضرَّ بالمسلمين، وبخاصة في العهود الأخيرة، إذ أفقدهم تلك الهيبة، وذلك التقدير اللذَين كانا لهم. هذا التخلف أثَّر حتىَّ على محصولهم من العلم، أو طريقة تحصيلهم له، فأصبح العالم عندهم لا قيمة له ولا وزن. يسجِّل
__________
(1) م. ن. (1/128)
صفحة 129
الشيخ البشير الإبراهيمي هذه الحقيقة، ويقرِّر أنَّ من تقع عليه، العين في العصر الحديث هو عالم يقرأ ويحفظ، لكنَّه لا يفقه. سَبَبُ ذلك هو التخلُّف الفكري، الداء الذي أصاب العالم الإسلامي، فأنتج علماء (أو شبه علماء) متشابهين في حقيقتهم، لا يزيدون على كونهم نُسخاً لطبعة واحدة، وغثاء كغثاء السيل، كثرة دون فائدة. ومن تمام عيِّهم وقصورهم أنَّهم إمَّعيُّون، إذا حصل تحريف في واحدة من هذه النُّسخ وقع في جميعها، لأنَّ الواحد منهم ينقل ما ينقل ويحفظ دون فقه. هكذا يصوِّرهم الكاتب: "هذا العدد المتشابه الذي كأنَّه نسخ من طبعة واحدة من كتاب، لا يقع التحريف في واحدة منها إلاَّ وقع في جميعها، ولا يزيد واحد منهم في العدد إلاَّ كما يزيد كتاب في مكتبة، لا كما يزيد فارس في كتيبة" (1).
فالكاتب يسخر من هؤلاء؛ بنسبة التخلُّف والتأخُّر إليهم، إذ لا تعدو قيمة أحدهم سوى كونه كتاباً أضيف إلى مكتبة. لا جديدَ أتى به، ولا فائدةَ جناها المجتمع منه. فهو عضو خامل هامد قابع في زاوية، كما يركن الكتاب في ركن المكتبة، بينما المفروض أن يكون فارساً في كتيبة، لو كان له ما يؤهِّله لذلك.
يمعن الكاتب في التهكم بهؤلاء العلماء (تجاوزًا) والسخرية من تخلُّفهم؛ فيدلِّل على فكرته ورأيه فيهم: "بآية أنَّهم ما كثروا في الأمَّة إلاَّ قلَّت بهم الأمَّة، ولا ثقلوا في أنفسهم إلاَّ خفَّ وزنها في الأمم، ولا تغالوا في التعاظم إلاَّ كان ذلك نقصاً من معاني العظمة فيها" (2).
في هذه المقابلة التي اعتمدها الكاتب تكمن السخرية، وفي استخراج نتائج تغاير ما يقصد إليه هؤلاء العلماء يكون التهكم، وفي هذا التعريض بهم يبرز مقت الكاتب لهم. فهم إن كثروا في الأمَّة عدداً نقصت قيمتها وأهميَّتها - بسببهم - عند الأمم الأخرى، وإن عظموا في أنفسهم، واستشعروا ذلك، أضرُّوا بالأمَّة، ونالوها
__________
(1) عيون البصائر، ص: 639. المقال بعنوان "من نفحات الشرق: الأستاذ محمد بهجت البيطار". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 64 (24/ 01/1949م).
(2) م. ن. (1/129)
صفحة 130
في مكانتها عند الآخرين، وإن غالوا في التعاظم، وبالغوا فيه أصابوا العظمة نفسها؛ ففقدت قيمتها – بسببهم - عند الناس.
هكذا يشمت الكاتب بهؤلاء الأدعياء، ويقدح فيهم، ثم يدلِّل أيضاً على ضعة نفوسهم ويقول: "وبآية أنَّ علمهم لم يؤهِّلهم لقيادة الأمَّة، فتركوا القيادة لغيرهم، فأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجرِّ، فيدخل عليها، ويعمل فيها" (1).
بهذا التعليل الساخر، يقدِّم إلينا الكاتب صورة رائعة عن حقيقة هؤلاء الأدعياء،. فالعلم الذي يرقى بالإنسان ويسوِّده، حَرَمَ هؤلاءِ من هذا الفضل؛ لأنَّ علمهم كان مزيَّفاً؛ إذ أرداهم، وتركهم عبيدا لغيرهم، يتحكَّمون فيهم كما يشاؤون، وكان المفروض أن يكونوا في الصدارة، يقودون غيرهم، غير أنَّهم أصبحوا هم المقودون، مثلهم مثل أدوات التصدير في النَّحو، تحتلُّ الصدارة في الجمل، لكنَّها تفقدها بمجرد دخول حروف الجرِّ عليها. فإنَّ عجزهم وضعفهم وتخلُّفهم جعلهم فريسة سهلة وصيداً ثميناً مهيَّأ للغير، يعمل فيهم ما يشاء، ويجرُّهم جراًّ، ولا يستطيعون لذلك دفعاً ولا ردًّا، بينما العلم الأصيل لا يوصل إلى هذا المصير، إنَّما يؤدِّي إليه التخلُّف والادِّعاء.
يستمرُّ الكاتب في التهكم بهذا التخلُّف، مقارنا بين حقيقة العلم والعالم في أوروبا وحقيقتهما في أوطان المسلمين؛ مظهراً تذمُّره من هذا التخلُّف، وتحسُّره من هذا السلوك، ساخراً من الذين شوَّهوا سمعة المسلمين؛ بادِّعائهم ما ليس عندهم، وزعمهم أنَّهم يملكون أسمى شيء وهو العلم. وقد جسَّد الكاتب هذه السخرية، وهذا التهكم في أسلوب اتَّسم بالشماتة والتعليل والمقارنة والمقابلة ... حتى يخرج ما في قلبه من كمد، وما في صدره من نفثات، عسى ذلك يُسهِمُ في تدارك الأمر، وتغيير الحال إلى ما هو أحسن.
من مظاهر التخلف وأمارات العجز والعيِّ والقصور أن لا يفقه الإنسان ما يجري حوله، ولا يعي رسالته في الوجود، ويرضى أن يعيش على هامش الحياة.
__________
(1) م. ن. (1/130)
صفحة 131
بعض الناس يرضون بهذا السلوك، ويعيشون دون أية عقدة. يصوِّر أحمد رضا حوحو ذلك في حوار جرى بينه وبين حماره:
"قال حمار الحكيم - سألني سائل عن الحرية والعدالة الإنسانية، ما هي معانيها؟ وهل لها وجود حقيقي في الأرض وبين البشر؟ أم هي مجرَّد كلمات تزيِّن قواميس اللغة؟
قلت – لا شك أن الذي سألك معتوه.
قال – لماذا؟
قلت – لأنَّه لا يوجد فلاسفة بين البشر اليوم حتىَّ يوجد فيلسوف بين الحمير يوجه إليه سؤاله.
قال – إنَّك تُهينني دائماً، وتحطُّ من قدري، ولو لم أكن حماراً لما تحمَّلتك إلى هذا الحد.
قلت – أرجو أن لا يذهب بك الغرور إلى أن تدَّعي أنَّك فيلسوف القرن العشرين.
قال – أنا لا أدَّعي ذلك، ولكن هذا لا يمنعني من إجابته.
قلت – يا صاحبي ما لنا ولهذه الأشياء العميقة العويصة، فحسبنا أن نكتب على هامش الحياة، ولنترك هذه البحوث إلى سادتنا الفلاسفة والعلماء" (1).
السخرية في النص تبدو في ردِّ الكاتب على سؤال الحمار، لا شكَّ أن الذي سألك معتوه ناقص العقل؛ لأنَّه لا يعرف أنَّه ليس بين بني البشر اليوم فلاسفة، حتى يكونوا في زمرة الحمير. وفي التعبير تعريض بحالة التخلف والتأخر التي تسود العالم الإسلامي. ويكمن التهكم أيضاً في إجابته بأنَّه لا داعي للاشتغال بالأمور الجادَّة العميقة، التي تحتاج إلى بذل جهد وعمل تفكير. فلنترك ذلك إلى العلماء والفلاسفة وأصحاب الهمم، فنحن دون هذا المستوى. ولنشتغل بما لا يعني ولا يفيد، ولنكتب على هامش الحياة بعيداً عن الواقع المعيش. هذا التفكير نفسه انعكاس وتسجيل لظاهرة التخلف التي انتشرت في بعض المجتمعات الإسلامية، وقد أشار إليها بشيء من الغمز واللمز.
__________
(1) أحمد رضا حوحو، مع حمار الحكيم ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1988م، ص: 52،53. (1/131)
صفحة 132
ويتجسَّد التعريض أيضاً في الأسئلة التي عرضها حمار الحكيم على الكاتب. فهي بالإضافة إلى إبرازها المفارقات في الكون والتناقض في حياة الناس: بين ما يقولونه وما يطبِّقونه، فهي تكشف عن التخلف الذي يجعل الشخص لا يقوى على تحقيق ما يدَّعيه، وتنفيذ ما يتشدَّق به (1).
هذه نماذج من النصوص التي عالجت موضوع أدواء المسلمين بأسلوب السخرية والتهكم، وفيها نقرأ علامات الحسرة والمرارة والأسى على الأحوال المتدهورة والمتردية. وقد تفنَّن الأدباء في الكشف عن هذه الأدواء: من عرض الحالة إلى إجراء المقارنات والمقابلة بين أحوال المسلمين وغيرهم، وإظهار علامات الدهشة والاستغراب، إلى إبراز آيات الشماتة والتعريض بتصرُّفات المسلمين. مجمل القول لقد حاول الكتَّاب تشخيص هذه الأدواء، والتأمل فيها بعين إسلامية ورؤية دينية واقتراح حلول لها، ومعالجتها بأدوية إسلامية (2).
د - قضية فلسطين:
حماسة الأدباء الجزائريِّين للدِّين الإسلامي، وإحساسهم العميق بالعروبة، وشعورهم بالعلاقة الوطيدة بالعالم الإسلامي والعربي، وارتباط وطنهم (الجزائر) بهما، جعلتهم يفسحون مجالا وحيِّزاً كبيراً للقضايا الإسلامية والعربية في أدبهم، وهو ما يفسِّر هذا التجاوب والحماسة المتدفِّقة لكلِّ ما يحدث ويجدُّ في العالمين العربي والإسلامي (3). لقد كانوا يفسِّرون تلك الأحداث تفسيراً دينيًّا، وينظرون
__________
(1) ينظر في الموضوع، "الحفناوي هالي" مع أديبنا الكبير"،جريدة البصائر الثانية، ع:111 (13/ 03/1950م) تناول الكاتب مسألة تخلّف المسلمين بتحليل عميق ورؤية فاحصة، ونقد صريح، وأسلوب طريف ساخر. وكذا محمد البشير الإبراهيمي "داء المسلمين ودواؤهم" و"حالة المسلمين "، آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 175 وما بعدها، وص: 222،223. في المقالين نظرات ساخرة وجمل تهكمية بحال المسلمين.
(2) لم نشر إلى هذه الحلول لأن الفقرات التي وردت فيها لا تحمل سمات السخرية.
(3) ينظر على سبيل المثال المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 381 وما بعدها، والدكتور عبد الله ركيبي، وكتابه قضايا عربية في الشعر الجزائري المعاصر، ط3، الدار العربية للكتاب، ليبيا تونس، سنة 1397هـ/1977م. (1/132)
صفحة 133
إليها برؤية إسلامية. هذا التناول هو في حقيقته نوع من الحرب التي خاضها الجزائريُّون مع فرنسا عدوَّة الإسلامِ والعروبة؛ وذلك بالوقوف أمام أساليبها الهادفة إلى قطع صلتها بالمشرق الإسلامي، وبتر انتمائها إلى الأصالة الإسلامية، أو تشويههما على الأقلَّ.
هذا التفسير الديني للأحداث السياسية في العالم الإسلامي له ما يبرِّره؛ إذ أنَّه تعبير نفسي عن الاغتراب، الذي يشعر به الجزائريُّون وسط قمع استعماري بغيض، يسلب الحرية، ويُحارب الانتماء، ويقضي على الأصول، وينغِّص الحياة. وهو أيضا تعويض عمَّا حرموه في وطنهم الأصلي؛ إذ وجدوا في التعبير عن قضايا العالم الإسلامي والعربي متنفَّساً من الكمد الذي يملأ قلوبهم.
الأدب الجزائري الساخر نشط وسط هذه الأجواء المحمومة، وهذا الصراع المرير، وتحرَّك بوازع الحميَّة الدينية، فسجَّل حضوره في هذا المجال وعالج كثيراً من القضايا الإسلامية. ونحن إذ نعرض لهذا التناول، ولهذه المعالجة نكتفي بقضية واحدة، شغلت وما تزال تشغل بال الأدباء الجزائريِّين بخاصة، إنها قضية فلسطين؛ لأنَّ قصدنا هو تقديم نموذج من تناول الأدب الجزائري الساخر للقضايا الإسلامية، ولم يكن هدفنا إجراء مسح أو جرد لما عالجه هذا الأدب من هذه القضايا.
لم يسجِّل في الأدب الجزائري اهتمام بقضية إسلامية -سياسيًّا- مثلما سجَّل لقضية فلسطين. فقد كان لها حضور كبير في هذا الأدب، منذ أن بدأ الحديث عنها في الزوايا والأماكن الخاصة، ومنذ كانت القضية أفكاراً تعرض، وحديثاً عادياًّ يتداول، ومنذ كانت إرهاصاتها تلوح في الأفق (1). وقد تتبَّع الأدب الجزائري تفصيلات القضية وتطوّراتها، وعالجها معالجة جادَّة ودقيقة، وقد عرف الأدباء خبايا القضية: خوافيها وقوادمها. عرفوا دسائس الصهيونية ومناوراتها، وفقهوا انعكاسات كلِّ ذلك ونتائجه؛ لأنَّهم ذاقوا استعماراً لبلادهم مشابهاً للاستعمار
__________
(1) ينظر في الموضوع مثلاً: عيون البصائر، ص: 483 - 513، والمقالة الصحفية الجزائرية ... مج 1، ص: 397 وما بعدها، وقضايا عربية في الشعر الجزائري المعاصر، ص: 41 وما بعدها. (1/133)
صفحة 134
الصهيوني، فعرفوا مرارة الضيم والقهر الاضطهاد، وقدَّروا معنى التضحية لأجل استرجاعِ الحرية والكرامة. ولهذا كان تنديد الأدباء الشديد بقوى الاستعمار بعامة هو تنديد ومقاومة غير مباشرة للاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان الكشف عن مؤامرات اليهود والصهيونية في فلسطين هو كشف عن مؤامرات فرنسا ومناوراتها في الجزائر. كما كان لما ذاقه الجزائريُّون من أذى، وما جرَّعهم اليهود من مرارة في مختلف الميادين وما أصابهم من كيدهم. كان لكلِّ ذلك دور في اشتداد حقد الجزائريِّين على اليهود والصهيونية.
هذه العوامل وغيرها دفعت الأدباء إلى التصدي لليهود، والكشف عن دسائسهم، وخطرهم على الدين والقومية (1). وهو ما نفحنا بهذه الكتابات الضافية عن فلسطين وما يتَّصل بها. "فمغفَّل" مثلاً يرسل هذه الزفرة متحسِّراً من تصرُّفات الغرب، ومن قساوة قلوبهم وخبثها، يرسل هذه النفثة؛ حين لحظ انعدام الرحمة في القلوب نحو المسلمين، إذ يموت أحدهم كمداً، وينتحر لكلب أو حيوان عزيز عليه يفقده، ولا يشفق على شعبين كاملين يحترقان ويموتان: "ينغِّصني أن يعمد أحد الذَّوات العاليين من الإنقليز بفرنسا، فينتحر لأجل احتراق كلبين له في حريق، أكل له الأخضر واليابس، ولا تحدِّثه نفسه بمثل تلك الفعلة لأجل احتراق شعبين كاملين: مصر وفلسطين مثلا ... الخلق كلُّه عيال الله ... " (2).
يلحظ في النص الجانب النفسي في التناول والعرض. فالقلب مكلوم والنفس مجروحة والحياة منغَّصة، بسبب هذا التصرف البعيد عن الإنسانية. وقد جسَّدت هذه الحالة وهذه السخرية عبارة "لا تحدِّثه نفسه ... "وعبارة "الخلق كلُّه عيال الله" كما كشفت عن التهكم المقارنةُ بين شعبين وكلبين. كما أنَّ للإمضاء بـ "مغفَّل" دلالة نفسية عميقة على حالة الشعور بالإحباط والإهانة ...
__________
(1) ينظر المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 397،398.
(2) مغفَّل (وهو أبو اليقظان)،"منغِّصاتي"،البستان، ع:7 (13/ 06/1933م). (1/134)
صفحة 135
وفي سياق إظهار الحسرة وتصوير الفاجعة يفصح محمد البشير الإبراهيمي (1) عن حقيقة الصهيونية، التي هي استغلال واستعباد وقضاء مصالح، وهي تعتمد في كلِّ ذلك على "الحاخام" والصيرفي والتاجر، وتتذرَّع بالتوراة والبنك والمصنع. هذه الأشياء حتىَّ ولو كانت من متطلَّبات الحياة، فإنَّها عند الصهيونية مسخَّرة لمآرب دنيئة وأغراض مادية بحتة. هذا ما جعل الصهيونية محلَّ سخرية الكاتب وتهكمه واحتقاره (2).
تطوَّرت قضية فلسطين وتفاعلت أحداثها، وجاء قرار التقسيم، فكانت الفاجعة الكبرى، التي أنكأت الجرح، فانبرى محمد البشير الإبراهيمي يسجِّل هذه الحادثة بكلِّ مرارة. كتب واصفا قرار التقسيم؛ مبتدئا بالشكوى من ظلم الغرب وحيفه وقُسُوطه، فكان منه هذا التهكم الممزوج بالحزن، الذي يسعى من خلاله التنفيس عمَّا في نفسه من كمد: " ... وتكشَّف ذلك اللبس الذي دام عشرات السنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أنَّ حقَّ الشرق لا وليَّ له في الغرب ولا نصير، وجاء بها المجلس الذي يسمّونه – زورا- مجلس الأمم المتَّحدة شنعاء لا توارى من أحكام القاسطين وأحلام الطامعين" (3).
تابع الكاتب وصف قرار التقسيم، والكيفية التي تمَّ بها؛ مفصحاً عن أساه وحسرته الملفوفين بلفافة السخرية. فبيَّن أنَّ المناقشة دارت حول من هو أحقُّ بأرض فلسطين: العرب أم اليهود، فظهر الحق بأدلَّته الواضحة، وانكشف الباطل بدعاويه المقطوعة عن أدلَّتها: "وأنصت التاريخ ليسجِّل الشهادة، واستشرف الكون لينظر هل تخرق للأقوياء عادة، ونشر الأصل والدعوى وتعارضت البيِّنة والشبهة، وأجرَتها الحقيقة بوضوحها فحكِّموا الانتخاب" (4).
__________
(1) اكتفينا في الموضوع بما كتبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي فقط، لأنَّه أحسن من كتب عن قضية فلسطين فكراً وأسلوباً. ما دام هدفنا التمثيل لمعالجة الأدب الجزائري الساخر للقضية فحسب.
(2) ينظر عيون البصائر، ص: 485.
(3) م. س، ص: 488. المقال بعنوان "وصف قرار التقسيم". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 21 (02/ 02/1948م).
(4) م. ن. (1/135)
صفحة 136
اختار الكاتب لهذه الوصفة، وهذه الصورة المفصحة عن التهكم الحزين نسيجاً من العبارات الموحية، والراسمة ظلالاً من المعاني والمشاعر. فالتاريخ ينصت بوعي ويقظة تامَّين ليسجِّل شهادته فيما يتمخَّض عنه النقاش والجدال، وتطلَّع الكون واشرأبَّ، واتَّخذ لنفسه مكاناً عاليًا يراقب منه ما يسفر عنه الصراع والنِّزال في القضية، مُنتظراً هل تحدث المفاجأة ويهزم الأقوياء؛ بسبب وهن حُجَجِهم، وضعف أدلَّتهم فيما يدَّعونه، وهل ستخرق العادة التي تعطي الحقَّ للقويِّ مهما تكن أدلَّته ودعاويه. في هذا التساؤل سخرية وتهكم وحسرة في آن واحد. فبالرغم من تعارض البيّنة من أهل الحقِّ مع الشبهة من أهل الباطل، واتِّضاح الحقِّ وافتضاح الباطل، فإنَّ تلك الأمم المدحورة بالحجج اتَّحدت في باطلها، فقرَّرت الانتخاب وإجراء التصويت.
يتساءل الكاتب عن جدوى الانتخاب ونتيجته معروفة مسبَّقاً. إنَّها في صالح من له وليٌّ ونصير، ومحامٍ في الهيئة التي تشرف على الانتخاب، بينما الشرق الذي لا وليَّ له ولا نصير، فمآله الخسران والخذلان: "وليت شعري أيُّ موضع للانتخاب هنا؟ إنَّ تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العُشُرِ مع صاحب النصف، كلاهما باطل، ولا يسيغه عقل ولا شرع، وأيُّ فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية الأزلام الصمَّاء وحصى التصافُن، وبين تحكيم أصوات من أموات، وويلات سمُّوهم ممثِّلي دويلات؟ " (1).
الكاتب يسخر من هذه الدول المتَّحدة على الباطل، ويعيب عليها لجوءها إلى الانتخاب؛ تحايلا ومراوغة، بعد أن انهزمت أمام الحقِّ، الذي أبان عن مستحقِّ الأرض. لكي يُفصح عن هذه المهزلة، ويكشف عن مدى احتقاره هؤلاء الناس، نسب فعلهم إلى عمل الجاهلية، الذي يحتكم إلى الأزلاَمِ الصمَّاء والحصى الجامدة. وهو ما يكشف عن تخلُّفٍ في العقل وأفَنٍ في الفكر؛ لأنَّه يوحي إلينا أنَّنا ما نزال نعيش في الجاهلية؛ التي نعيب عليها السفاهة والحمق والجهل. حتَّى لو كان هذا التهكم لا يعني شيئاً بالنسبة إلى الدول القاسطة الجائرة في حقِّ الشرق؛ لأنَّه تعيير
__________
(1) م. س، ص: 489. (1/136)
صفحة 137
بما لا يؤثِّر فيها. إلاَّ أنَّه يبقى أثراً نفسيًّا صدرمن الكاتب، يعبِّر عن حالة الأسف والتحسُّر، يخفِّف – ولو قليلا - من الكمد الكامن في قلبه.
ظلَّ الألم يعتصر قلب الكاتب، والبرحاء يتضخَّم فيه - رغم محاولته إخراجه والتخلُّص منه - كلَّما تطوَّرت القضية، وكلَّما تأمَّل في خفاياها، وتظلُّ مشاعره تضطرم وتتفاعل في نفسه، كلَّما تأمَّل في حالة المسلمين ومدى تجاوبهم مع القضية، وردود فعلهم. فسجَّل حسرته وأسفه على ما تفضَّل به المسلمون من جهد وعمل في صالح القضية الفلسطينية، وفي مواجهة قرار التقسيم. وقد كان ذلك كلاماً وخطباً وآراء لا تسمن ولا تغني من جوع. قال متأوِّهاً ساخراً: " أيَّها العرب! قُسِّمت فلسطين، فقامت قيامَتُكم، هدرت شقائق الخطباء، وسالت أقلام الكتَّاب، وأرسلها الشعراء صيحات مثيرة، تحرَّك رواكد النفوس، وانعقدت المؤتمرات، وأقيمت المظاهرات ... " (1).
الكاتب من خلال هذه الكلمات، وهذا الوصف يدغدغ عواطف الكتَّاب بشيءٍ من التهكم اللطيف، الذي هو عتاب رقيق على مواقفهم وسلوكهم، الذي لا يضيف للقضية شيئاً يفيدها، إلاَّ أن يعطي الفرصة للعدوِّ كي يتمادى في غيِّه، ويساعد اليهود على المضيِّ في احتكار الحقِّ المسلوب، فالخطباء يهدرون، والكتَّاب يسيلون الأقلام، والشعراء يثيرونها صيحات، والمظاهرات تقوم هنا وهناك. والمؤتمرات تعقد بالجملة، ولكن ما هي النتيجة؟ وماذا "كنتم ترجون من الدول المتَّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنَّه مجلس أمم كما يزعم؟ كأنَّ تلك الأمم وحَّد بينها الانتصار على الألمان النَّازي واليابان الغازي، فجعلت من شكر الله على تلك النعمة أن تنظم أُممَ العالم في عقد من السلام والحرية، تستوي فيه الكبيرة والصغيرة، ودُولَه في مجلس تستوي فيه القوية والضعيفة ليقيم العدل، ويُنصف المظلوم" (2).
__________
(1) م. س، ص: 490.
(2) م، ن. (1/137)
صفحة 138
وصل التوتر النفسي بالكاتب إلى درجة كبيرة؛ بسبب عدم جدية المسلمين في إيجاد حلٍّ للقضية الفلسطينية، وحفظ ماء الوجه. وإنقاذ الكرامة، من جرَّاء المهازل التي يرتكبها الأعداء في حقِّ أصحاب الحقِّ، ونتيجة آيات الذلِّ التي يتعرَّضون لها. وقد بلغ به التذمُّر والقلق إلى أن يتهكم أيضاً بالغرب ومناوراته، وادِّعاءاته إقامة العدل وإنصاف المظلوم، متَّخذاً مجلس الأمم المتَّحدة مثلاً على ذلك. هذا المجلس الذي جمع كلمته، ووحَّد صفوفه لينشر السلام والحرية في العالم؛ شكراً لله على نعمة الانتصار على الألمان واليابان، وكانت النَّتيجة إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، على طريقته الخاصة ومفهومه للعدل. فكان ما حدث، وكان تقسيم فلسطين.
هذا ما يمكن استنتاجه من نصِّ الإبراهيمي، الذي كان ينبِّه المسلمين إلى الاستفاقة من غفلتهم، وأخذ الحذر من هؤلاء الأعداء واتِّخاذ الحيطة، وإعداد العدَّة؛ لمواجهة الأخطار المحدقة بهم، هذا ما يشير إليه تساؤله: "وهل كنتم ترجون من الدول المتَّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنَّه مجلس أمم كما يزعم؟ ".
إنَّ تخاذل المسلمين، وإفراطهم في الثقة في وعود المتحكِّمين في مصائر الناس، وشؤون العالم جرَّأ هؤلاء الأقوياء على التلاعب بمشاعر المسلمين وعواطفهم، والمراهنة على مستقبلهم، فنفَّذوا مخطَّطاتهم، وأنجزوا وعودهم الخاصة بهم، لماذا؟ لأنَّهم: "وازنوا بين ما نملك من قوى مادية، نستطيع بها الممادَّة في الجهاد، وبين ما يملك الصهيونيُّون من ذلك، ودرسوا وقارنوا واستنتجوا واستخدموا الجمع والطرح، فأنتجت لهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنَّنا لا نملك مصنعاً للسِّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنِّيين، كالذي يملكه اليهود من كلِّ ذلك. وأنَّ ثلاثين سنة مرَّت – وكلُّها نذر بهذه العاقبة - لَم توقظنا من غفلتنا، ولَم تدفعنا إلى الاستعداد لها؛ فقالوا: نقسِّمها ونربح اليهود لأنَّ لنا فيهم فائدة معجَّلة ولا نخشى العرب، لأنَّه ليس فيهم مضرَّة مؤجلَّة" (1).
__________
(1) م. س، ص: 493. المقال بعنوان " العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء "نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 22 (29/ 02/1948م). (1/138)
صفحة 139
إذن فالأقوياء لم يفعلوا تلك الفعلة، وهي التقسيم، وسلب حقِّ المسلمين، إلاَّ لماَّ وازنوا وقارنوا وقدَّروا واستخدموا الجمع والطرح، ودرسوا الأمر بجدية وعمق، وعرضوا مقدِّمات هي: أنَّ المسلمين لا يملكون من وسائل الحياة ما يمكِّنهم من المحافظة على كيانهم، فضلاً عن أن يفرضوا أنفسهم على الغير، ولا أن يصمدوا أمام أية مقاومة أو هجوم. فولَّدت لهم هذه المقدِّمات نتائج وخيمة وهي أنَّ السيطرة على المسلمين ممكنة، وقهرهم هو في مقدورهم. هذا هو التهكم عينُهُ والسخرية ذاتها، وقد صدراَ ممَّن ملئ قلبه كمداً وحسرة على تخلُّف المسلمين وسذاجتهم؛ اللذين جعلاهم صيداً ثميناً مهيَّأ للغير.
يزداد حنق الكاتب على هؤلاء المتخاذلين وهؤلاء المقهورين، ويتعجَّب منهم كيف يعيشون في غفلة، ولا يعتبرون بالأحداث ولا ينظرون إلى المستقبل بعين فاحصة، رغم ظهور علامات تنذر بهذا المصير المشؤوم، وهو ما حمل الأقوياء الأعداء على تقرير مصير المسلمين بكل سهولة وبساطة (1).
كم هي موحية ومعبِّرة وساخرة عبارة "وقالوا" إنَّها تحمل دلالات نفسية عميقة، تترجم عن نفس الكاتب المتحسِّرة المصدورة، التي تتنزَّى ألماً على هوان نفوس المسلمين على الغير. ويتعمَّق شعور الكاتب بهذا الإحباط النفسي فيرسلها سخرية لاذعة حزينة، فيتكلَّم بلسان الغير، وهو يسقط مشاعره على ما توحي به الأحداث، وتنطق به الحوادث. وهي أنَّ قيمة اليهود أثمن من مكانة العرب؛ لأنَّ اليهود فيهم منفعة معجَّلة والمسلمين ليست فيهم حتَّى مضرَّة مؤجَّلة.
بهذه المقابلات الطريفة بين العرب المسلمين واليهود، ومدى ما يتوفَّر عليه كلِّ طرف من قوى مادية ومعنوية. وبهذا العرض النفسي الذي انتزعه الكاتب بواسطة خياله، والذي يتعلَّق بما يشعر به الغرب، ويحسُّ به نحو المسلمين، وهو: أنَّهم مجموعة أو كتلة من الذُّلِّ والهوان والقصور ... وقد جَرَّأ ذلك الغرب لكي ينحاز إلى اليهود الأقوياء، الذين فيهم منفعة وفائدة، ويتعصَّب ضدَّ المسلمين؛
__________
(1) ينظر هذه الأفكار والمشاعر نفسها المصدر السابق، ص: 594. (1/139)
صفحة 140
لكونهم لا يشكِّلون خَطَراً عليه. ومن هذه الإيماءات الشعورية النفسية العميقة الخفية، التي أبرزها الكاتب بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة ... تكمن الجمالية الفنية الساخرة، التي تكشف عن صدق العواطف، وعن واقعية التناول، وترمي إلى تحريك النفوس، وهزّ المشاعر للنهوض للقيام بالواجب نحو فلسطين.
لكنَّ الكاتب - مع كلِّ ذلك - لم يرد أن يبقى مع هذا الشجن، وهذا الإحساس (إظهار مهانة المسلمين وتخاذلهم) ممَّا من شأنه أن يرفع من قدر اليهود. فتصدَّى لهؤلاء الأقوياء، يسفِّه أحلامهم، وينتقد خطَّتهم في قهر المسلمين، ويفنّد رأيهم ونظرتهم إلى المسلمين، وتعرَّض لليهود يكشف عن حقيقتهم، ويذكر مخازيهم بغير قليل من السخرية والتهكم، اللَّذين لا يعدوان أن يكونا تنفيساً عن قلب مجروح ونفس مكلومة، لا يؤثِّران في المسخور منه: " كان حظُّ فلسطين في أدوار الزمن وأطوار التاريخ وعصور الفتوحات حظَّ العقيلة الكريمة، تؤخذ في ميدان البطولة ممهورة لا مقهورة، أخذها البابليُّون غلابا، وأخذها الفرس اغتصاباً، وأخذها الرومان اقتساراً، وأخذها العرب اقتداراً، ولا يعد أخذ اليهود لها من كنعان واحدة من هذه" (1).
يسخر الكاتب ويشمت من اليهود؛ حين يسلب منهم صفة القوَّة والعزَّة والبأس، إذ أنَّ كلَّ الأمم التي سكنت فلسطين، أو تعاقبت عليها، كان لها مبرِّر من القوّة في امتلاكها، إلاَّ اليهود الذين لم يظهروا بأساً في أخذها؛ لأنَّ امتلاكها كان: "كتابة الله بشرطها، ومعجزة موسى في حدودها" (2). واضح من هذه الفقرة أنَّ الكاتب يقصد التعيير والشماتة باليهود؛ شفاءً لما في قلبه من غلٍّ وحنق عليهم.
لكنَّ جرحه ينكأ، وحزنه يتجدَّد. وألمه يتضخَّم حين يشاهد مفارقات في الحياة ومتناقضات في هذه القضية، تجعلها بضاعة مزجاةً وغرضاً خسيساً يباع في الأسواق، ويساوم فيه، فيقول معرِّضا بهؤلاء الأقوياء والأعداء، الذين يدَّعون أنَّهم
__________
(1) م. س، ص: 495.
(2) م. ن. (1/140)
صفحة 141
متحضِّرون متمدِّنون، ساعون لنشر الحرية: "ولكنَّها في هذا العصر عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، وعصر الديمقراطية، ديمقراطية العالم الجديد، وعصر الحرية، حرية الثورة الإفرنسية، وعصر الشيوعية، شيوعية ماركس ولينين، تؤخذ في أسواق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعاً ومساومة" (1).
يتساءل الكاتب ساخرا ً: أين المبادئ التي تحملها هذه الاتِّجاهات والتيَّارات، وهذه النزعات؟ أين المعاني التي تتضمَّنها هذه الشعارات؟ إنَّنا نعيش عصر الحضارة المتطوِّرة، والتمدُّن المتقدِّم!! أين هذه النظريات والنظرات، وما موقعها من التطبيق في قضية فلسطين؟
يعود الكاتب ثانية ليعرِّض باليهود؛ فيذكِّرهم بماضيهم المخزي؛ حين كانوا يحادُّون أنبياءهم ورسلهم، وحين كانوا يتردَّدون في تلبية نداءات الرسول موسى - عليه السلام -، التي هي أوامر صادرة من الله (2) ويشير – على الخصوص- إلى عصيانهم رسولهم موسى - عليه السلام -، حين قال لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْباَرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَباَّرِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتىَّ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَّخْرجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (3) ثَّم يعيِّرهم بعيب شراء الضمائر والذِّمم، والاستعانة بغيرهم ليحموهم، ويردُّوا عنهم ما ينغِّص حياتهم؛ لأنَّهم جبناء ضعفاء أذلاَّء، لا يستطيعون القيام بشؤونهم بأنفسهم: "فات اليهود أن يأخذوها بالسيف من العرب، فيكفِّروا بعد عشرات القرون عن سيِّئة اجترحها أسلافهم يوم قالوا: يا موسى إنَّ فيها قوماً جبَّارين، فَاتهم ذلك وأعوزتهم الخصائص الدموية، التي يكونون بها كذلك، فلجؤوا إلى ما هو الأشبه بهم لا بها، وهو ... وهو الشراء، شراء القويِّ ليكون لهم ميعناً، ولحماتهم رهيباً، وشراء المعلنات اللاَّفتة والأصوات، ولو كانت ... خافتة! " (4).
__________
(1) م. ن.
(2) ينظر سيِّد قطب، في ظلال القرآن مج2، ج6، ط10، دار الشروق، بيروت، القاهرة، سنة 1402هـ/1982م، ص: 869.
(3) سورة المائدة، الآيتان: 21،22.
(4) عيون البصائر، ص: 495. (1/141)
صفحة 142
في النص وفي هذه السخرية أمران:
1) السخرية من اليهود الذين عرفوا بالجبن والنكوص على الأعقاب، ونقض المواثيق، والتعنُّت والجدال الفارغ. فأسلافهم مثلاً تعنَّتوا، ولم يستجيبوا لنداء موسى - عليه السلام - لدخول فلسطين الأرض المقدَّسة، أرض الميعاد، التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكاً، وأن يبعث من بينهم أنبياء (1). هؤلاء لم يريدوا الدخول إلى أرض فلسطين جبناً وخوفاً، فلماذا لم يكفِّر يهود اليوم عن هذه الجريرة، وعن هذا العار بأخذ فلسطين من العرب بالقوَّة؟ أم أنَّهم لا يملكون الخصائص الدمويَة التي تؤهِّلهم لذلك.
2) التهكم من ضعة نفوس اليهود ودناءتها، التي تلجأ إلى وسيلة رخيصة، لحماية ذاتها، أسلوب شراء الضمائر والذِّمم، سبب ذلك ضعفها، وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها.
مهما يكن الحكم على أفكار الكاتب، فسخريته تحمل دلالات الشماتة والتعيير والقدح؛ تنفيساً عن القلب، وترويحاً وتخفيفاً عن النفس وآلامها وأحزانها.
يعود الكاتبَ التحسُّر – ثانية - على الحيف والتعسف والتحيُّز لجانب اليهود على حساب المسلمين؛ إذ تقبل كلُّ تصرُّفات الفريق الأوَّل، مهما تكن في الشناعة والجرم، ويحاسب الفريق الثاني على كلِّ ما يصدر منه، ولو كان ذلك دفاعاً عن نفسه، وعن حقِّه المشروع. يسجِّل هذه الحقيقة: "يقيم اليهود معسكرات التدريب، ويجهِّزون سفن التهريب، كل ذلك تحت سمع الاستعمار الفرنسي وبصره، فلا يجدون منه إلاَّ الأمن والعافية والأعين الغافية، ولو هبَّ العرب بشيء من ذلك أو بأقل القليل منه لقامت قيامةُ الاستعمار الفرنسي، واستخرج لكلِّ حركة اسماً؛ ممَّا اشتمل عليه قاموس المحرَّمات، وربط بكلِّ اسم منها عقوبة، تنصُّ عليها القوانين المدَّخرة لوقت الحاجة" (2).
__________
(1) ينظر سورة المائدة، الآية: 20.
(2) عيون البصائر، ص: 511. المقال بعنوان " أمَّا عرب الشمال الإفريقي" نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 30 (05/ 04/1948م). (1/142)
صفحة 143
كوَّن الكاتب هذه السخرية الحزينة باعتماده على استخراج كوامن الألم والأسى في النفس، وبواسطة تصويره الرائع لهذا التذمُّر والقلق النفسي. فالعيون تكون غافية وغاضَّة عن جرائم اليهود، بينما تكون متيقِّظة ومتربِّصة بكلِّ ما يفكِّر المسلمون في القيام به من أعمال، ولو كانت مشروعة منطقاً وشرعاً. وللاستعمار قاموسٌ خاصٌّ يشتمل على مجموعة من المحرَّمات على المسلمين، يكون مرجعاً لاستخراج عقوبة لكلِّ ما يقوم به المسلمون من أعمال، وما يبدونه من حركات، ويكون سهلا عليه وضع اسم لكلِّ حركة، وربطها بقانون مهيَّأ لوقت الحاجة.
فالتهكم الحزين قوامه في النص كلمات منتقاة مكثَّفة، وصور متخيَّرة موحية، ونسيج مترابط منسَّق. من كلِّ ذلك جاءت الفقرة قطعة من النفس المكلومة.
يستمرُّ الكاتب في سرد الفوارق في المعاملة بين الفريقين في التحيُّز إلى جانب اليهود المعتدين والتعصُّب ضدَّ المسلمين المنتصفين لأنفسهم؛ لاسترجاع حقوقهم المسلوبة، ثمَّ يرسلها زفرة حارَّة، ممزوجة وملفوفة في ثوب منَ التعيير والثلب والقدح والشماتة، كما تعوَّد على ذلك في كلِّ مرَّة يشتدُّ فيها حنقه على اليهود، ويتضاعف كرهه لهم؛ بسبب استفزازاتهم وتحرُّشاتهم: " ... آمنَّا الآن – على بداوتنا- بأنَّ العالم المتحضِّر قد تهوَّد، وآمنَّا بأنَّ السحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه، ولكن بغير أدواته. أبطله بعصا الخشب، وأحيوه بحبال الذهب. وآمنَّا بسفسفة القضايا العقلية التي تحيل اجتماع الضدَّين، حين رأينا التضادَّ يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية، فإذا هو ممكن، وإذا عقيدتا الصَّلب لعيسى والتأليه له تجتمعان في هالة من البريق المعشِّي للأبصار والبصائر، فكأنَّه لا تأليه ولا صلب ... كلُّ ذلك لأنَّه لا ضمير ولا قلب" (1).
يظلُّ الكاتب يحمل الفكرة نفسها، وهي أنَّ اليهود مفتونون بالحياة المادية، ويصرُّ على تعييرهم بها في تخريبهم الجانب الروحي في أنفسهم، وفي كونهم لا يفتؤون يستعبدون الناس بهذه المادة ويدوسون بها المبادئ والقيم. والسخرية من
__________
(1) م. س، ص: 512. (1/143)
صفحة 144
ذلك تبدو في هذه الجملة التي تحمل آهات حزينة وألماً مبرحاً (آمنَّا الآن – على بداوتنا- بأنَّ العالم المتحضّر قد تهوَّد) " آمنَّا" جملة كثَّف الكاتب فيها أحاسيسه ومشاعره. وجملتا "على بداوتنا، العالم المتحضِّر .. " عرَّض بهما بهؤلاء المتقدِّمين، الذين أرضخَهم اليهود لإرادتهم، فأصبحوا ينفِّذون أوامرهم وخططهم. أمَّا نحن فعلى بساطتنا وتخلُّفنا - في نظركم - فقد عرفنا الآن وفهمنا أن تحضُّركم وتمدُّنكم ليس لهما معنى ولا قيمة عندنا، ما داما لم ينفعاكم في التخلُّص من سيطرة اليهود. ففي العبارتين دلالة نفسية عميقة في الشماتة بهؤلاء الأعداء المتحضِّرين. ويكون تهكمه باليهود شديداً، وتعريضه بهم ماكراً؛ حين يقابل بين إبطال موسى السحر في القديم، وإحيائهم له في الحاضر. هو أبطله بالعصا، وهم أحيوه بإغراء الناس بالمال والذهب. ويكون في اجتماع الضدَّين، الصَّلب لعيسى والتأليه له مجال كبير للسخرية والتهكم. يستغرب الكاتب كيف يمكن أن يجتمع هذان الضدَّان في معتقد واحد، إلاَّ أن تكون الأحكام العقلية كلُّها سفسطة؛ بوصف الإنسان مقياسَ كلِّ شيء كما يقول السُفسُطائيُّون، فيكون كلُّ شيء ممكناً. أو يكون ذلك السلوك هو نتيجة من نتائج بريق الذهب المعشِّي للأبصار والبصائر.
ومع كلِّ ذلك فإنَّ الكاتب يحمِّل المسؤولية - في الدرجة الأولى - المسلمين، الذين أضاعوا فلسطين بتخاذلهم واختلافاتهم، وبخيانتهم أحيانا أخرى، ولهذا فهو يعرِّض بهم وبهزائمهم: "إنَّنا معشر العرب بمواقفنا في قضية فلسطين، وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيَّتها وممالأة بعضها لليهود إلى الآن بالتهريب والتجسُّس، بذلك كلِّه أقمنا الدليل، الذي لا يكذَّب على أننا لم نرث من قبيلة امرئ القيس، التي هي إحدى أصولنا إلاَّ الخلق الذي مدح به الشاعر إذ قال:
"وأمثَلُ أَخلاَق امرِئِ القيسِ أَنَّها صِلابٌ علَى عَضِّ الهوَان جُلُودُها" (1)
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي ج4، المؤسَّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1985م، ص: 197. المقال بعنوان "متى يبلغ البنيان" نشر في مجلَّة " الأخوَّة الإسلامية" (بغداد) س2، ع: 11 (18/ 06/1954م). (1/144)
صفحة 145
هكذا شغلت قضية فلسطين فكر الشيخ البشير الإبراهيمي كثيراً، وأنبتت في قلبه جرحاً لم يندمل؛ لذا عالجها معالجة معمَّقة مفصَّلة، متتبِّعا أطوارها، مسجِّلاً تطوُّراتها بجزئيَّاتها ودقائقها. مستعملا في كلِّ ذلك أساليب متنوِّعة من المحاججة والاستعطاف والتعريض واللوم والسخرية، التي تكون هادئة أحياناً وحادَّة عنيفةً أحياناً أخرى. وهو القائل: "وجاءت نكبة فلسطين، فكانت في قلبي جرحاً على جرح، وكانت الطامَّة والصَّاخة معاً، وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها، وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تصوَّر لي الخواطر إلاَّ أشنع ما في تلك العواقب ... رحبت إلى العيد الذي هو مثار أشجاني، فجرَّدت منه شخصاً أخاطبه وأناجيه، وأشكوه وأشكو إليه، وأسأله وأجيبه، وأبثُّه الشكاية من قومي غيظاً على القادرين، وتأنيباً للغادرين، حتى اجتمعت لي عن ذلك صحائف مدوَّنة، نشرت القليل منها على الناس، وطويت الكثير إلى حين ... " (1).
مما يلحظ في تناول الإبراهيمي للقضية الفلسطينية النظرة الإسلامية، التي كان ينظر بها إلى المسألة. كان يضع كلَّ تحرُّكات العدوِّ واليهود والغرب في ميزان الإسلام، ويستنتج النتائج، ويقدِّر العواقب التي تحصل للإسلام والمسلمين، ثمَّ يناقشها ويفحصها على هذا الضَّوء. وكانت كلّ تصرّفات المسلمين في هذه المسألة يضعها في محكِّ المبادئ الإسلامية والرؤية الإسلامية، ثم يميِّز بعد ذلك ما للمسلمين في ذلك وما عليهم، فيمدح المسلمين أو يعاتبهم أو يغضب ويتهكم منهم حسب مواقفهم. وما يمكن تسجيله هو أنَّ الصور التي قدَّمها عن اليهود هي واحدة ومكرَّرة في كثير من النصوص. والملاحظة نفسها تنسحب على فلسطين وتعامل المسلمين معها، وكذا نظرة الغرب للقضية. حتى القاموس اللغوي يظلُّ - في معظمه- متشابهاً. هذا يندرج ضمن ظاهرة التكرار في أدب محمد البشير الإبراهيمي اللاَّفتة للنظر، وهي جديرة بالدراسة.
__________
(1) م. س، ص: 162، 163. (1/145)
صفحة 146
هذه نماذج من إسهام الأدب الجزائري الساخر في الاتّجاه الإسلامي. ومن خلالها نسجّل حضوره المكثّف والقويّ في الساحة الأدبية وفي معالجة قضايا كثيرة، وكان تناوله لها ينطلق من الواقع المعيش، ويتحلّى في أغلب الأحيان بالصدق في العرض والتحليل؛ ولهذا نحسّ فيه هذه المرارة وهذا الأسى العميق، اللذين صبغا كتابات الأدباء، لكن دون أن يصل إلى حدّ اليأس والقنوط والانطواء على النفس. بل نعثر فيه على سمات التفاؤل والأمل. الدليل على ذلك ما تتوفّر عليه أغلب النصوص من العرض الجاد والجرئ للقضايا، والاعتداد بالنفس في تبنّي الآراء، والكشف الصريح لخفايا المسائل مع محاولة زرع الثقة في القلوب، واستشراف المستقبل.
من هنا لحظنا أنّ السخرية تأتي ملفوفة بالحزن والأسى في المنطلق، لتحسيس المتلقّين بخبايا القضية وخطورتها، ومشعرة وموحية بالهدف المنشود منها، وما ينبغي أن يُعمَل في المنتهى، وبين البداية والنّهاية يكون التفاؤل مبثوثا بين السطور أو ملمّحاً إليه. يشعر به من يربط بين المبادئ والأهداف في خطّ مستقيم، يتنقّل عليه الأديب بسخريته الهادفة. من هنا كان التهكم مسخَّراً وموجّها، ولم يكن عفوياًّ. نلحظ ذلك في حرص الأدباء على صبغ إنتاجهم بالسخرية والتهكم والتفكّه بمختلف أساليبها. ولهذا تنوَّعت أنماط المعالجة، وتعدّدت طرق التناول، واختلفت ألوان السخرية وأشكالها وقيمتها، فتأرجحت بين القوّة والتوسّط والبساطة والضّعف، والوضوح والخفاء، لا تُكتَشَفُ إلّا بعد التأمّل والإمعان، وربطها بملابساتها وظروفها التي ترعرعت فيها. من هذه المنطلقات سمحنا لأنفسنا إدراج بعض النصوص ضمن ما يتَّصف بالسخرية، وهو ما قد يخالفني فيه البعض؛ لأنّني أحسست أنّ أصحابها كانوا حريصين وراغبين في السخرية، ولو لم يوفّقهم الحظّ أحياناً.
?? (1/146)
صفحة 147
الفصل الثاني (1/147)
صفحة 148
الفصل الثاني
قضايا اجتماعية
أ - الطرقية
تمهيد
1 - حقيقة الطرقية
2 - فضح مخازي الطرقية
3 - السخرية من سذاجة عقول أتباع الطرقية
4 - وصف الصراع بين الطرقيين والمصلحين
5 - الصراع عن طريق انتزاع اعترافات
ب - نقد الأوضاع الاجتماعية
ج - المرأة (1/148)
صفحة 149
الفصل الثاني
قضايا اجتماعية
كانت الأوضاع في الجزائر متدهورة جدًّا في الجانب الاجتماعي (في الفترة التي حدَّدناها للدِّراسة) لأسباب كنَّا قد أشرنا إلى بعضها في الفصل السابق. وهو ما تطلَّب القيام بعمل دؤوب، ووضع خطط لمعالجة هذه الأوضاع. فكانت الجهود تُبذل حسب الإمكانات المتوفِّرة، وحسب مستوى الوعي الموجود عند الأفراد وحسب درجة النضج الفكري الذي يسود كلَّ مرحلة من المراحل التي مرَّت بها الجزائر. وقد أسهم الأدب الساخر في معالجة هذه الأوضاع الاجتماعية إسهاماً معتبراً، إذ حاول أن يمسُّ معظم الجوانب في هذا المجال. نحاول التمثيل له بما يعطي لنا فكرة عن إسهامه، أو على الأقلِّ يقدِّم صورة عن حضوره في تناول قضاياه، دون رصد لكلِّ الموضوعات التي عالجها.
أ - الطرقية:
نشير في البداية إلى أنَّنا أدرجنا موضوع الطرقية ضمن القضايا الاجتماعية، رغم أنَّ له صلة بالدين من حيث فهم الطرقيين له، وتعاملهم معه؛ وذلك لأنَّ لتوظيفهم الدين انعكاسات اجتماعية خطيرة. وقد كان محور الصراع بين الطرقيين والمصلحين هو فرض السيطرة على المجتمع. إذ كان كلُّ فريق يحاول بثَّ أفكاره وغرسها فيه، مستغلاً في ذلك عاطفة الجماهير الدينية. ونظراً إلى ما أحدثه الطرقيُّون من بدع، وما أثاروه من مسائل، لفتت انتباه الأدباء وحرَّكت قرائحهم، فقاموا فأسهبوا في الكتابة. وبهذا غدت الطرقية قضية من القضايا، التي كان لها حضور مكثَّف في الأدب الجزائري الساخر.
نريد أن نلفت الانتباه - هنا أيضاً- إلى أنَّنا إذ نتناول موضوع الطرقية بشيء من التوسُّع والإسهاب في إيراد النصوص، والإطالة أحياناً في تقديم بعضها، وتعديد (1/149)
صفحة 150
أخرى في الفكرة الواحدة؛ فلأنَّ المعارك التي خاضها الأدباء (مصلحون وطرقيُّون) فيما بينهم كانت عنيفة وعديدة، استمرَّت زمناً طويلاً. ومن جهة أخرى فإنَّنا نعدُّ الطرقية المجال الذي أفرز كثيرا من أنواع الانحراف. وقد كانت له صلة وثيقة بكثير من الأطراف التي، أسهمت في هذا الانحراف. وعامل ثالث في هذه الإطالة هو كثرة النصوص التي جمعناها، وتنوُّع الأفكار، وتعدُّد الرؤى والأطروحات في الموضوع. يضاف إلى كلِّ ذلك حرصنا على إطلاع القارئ على هذه الأفكار وهذه الأساليب؛ قصد مساعدته على الاستنتاج وإصدار الأحكام فيما كتب ونشر. مع كلِّ ذلك فقد أسقطنا نصوصاً كثيرة. اعتمدنا على الإحالة في كثير من الأحيان.
تمهيد:
كانت الجزائر قبل قيام الحركة الإصلاحية في جهل مطبق وفوضى عارمة في حياتها، وكانت البدع والخرافات منتشرة انتشاراً لافتاً للنظر "وبات زمام الأمَّة بيد الأولياء وشيوخ الزوايا، يستغلُّون عاطفتها الدينية استغلالاً رهيبًا" (1)، حتى رسخ في الأذهان أنَّ من لا شيخ له فالشيطان شيخه، وقيل عن العامة: أنَّهم "كانوا يعتقدون أنَّه لابدّ لكلّ امرئ من شيخ يتّبعه، وينتسب إليه؛ ليشفع فيه في الآخرة" (2). وقد أنتج هذا مجتمعًا، انتشر فيه الانحراف عن الدين انتشاراً أقلق العلماء، الذين حاولوا التصدِّي له، والوقوف أمام تيَّاره الجارف، وتصحيح العقائد الزائفة ... فلم ينجحوا كثيراً لأنَّ عملهم كان يعدُّ مروقاً من الدين في نظر الطرقيين.
وقد كان خصوم العلماء ورجالِ الحركة الإصلاحية من المرابطين ورجال الزوايا أو الطرقيين يقفون ضدَّ محاولات العاملين في حقل الإصلاح، ويعارضون كلَّ ما يقومون به، وقد كانوا أداة طيِّعة في يد المستعمر، يعملون على تنفيذ سياسته في إبقاء الجماهير جامدة خامدة هامدة، يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله: " ...
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 107.
(2) محمد علي دبُّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1340هـ/1921م-1395هـ/1975م) ج1، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1394هـ/1974م، ص: 21. (1/150)
صفحة 151
وعندما جاء العلماء يطالبون بالإصلاح واليقظة، ويشيرون إلى أنَّ الدين ليس عبادات خرافية وتوسُّلات للأشياخ والتعايش مع الإدارة الفرنسية، ولكنَّه قبل كلِّ شيءٍ طريق إلى العيش الكريم والحرية العقلية والسياسية، ثارت ثائرة الخصوم" (1).
وقد تركت هذه السياسة آثارها واضحة في نفوس بعض الناس بعامة، والناشئة بخاصة؛ إذكان التدجيل باسم الدين، وكان التضليل باسم الدين، وكان التمويه باسم الدين ... فتفاقم الوضع وتأزَّم؛ حتىَّ اقتنع المصلحون "أنَّه لا يتمُّ في الأمَّة الجزائرية إصلاح في أيٍّ فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشؤومة" (2). فتحرَّكت الرجال وانبرت الأقلام لاستئصال هذا الداء العضال، وهذا الوباء الفتَّاك؛ فكانت الخطب تدبَّج، ودروس الوعظ والإرشاد تكثَّف، وكانت المقالات تنشر، والقصائد تنظم، والصحف تنتشر، فجاءت صحيفة "المنتقد (3) مثلاً سنة 1925م لتقف سداًّ منيعاً، وحاجزاً واقياًّ أمام تدهور الأوضاع، ولتردَّ على شعار الطرقية المضلِّل "اعتقد ولا تنتقد". ثم تتتابع – بعد ذلك - الصحف التي تقرأ في عناوينها وأسمائها وتتأمل؛ فتكشف ضراوة المعارك التي خاضها أصحابها ضدَّ هذه المناكر والمفاسد. وقد تأسَّست لتفصح عن حقيقة ما يشعر به هؤلاء نحو أولئك الضَّالِّين المضلِّين (4).
وقد كان من بين الأساليب التي استعملها الأدباء في هذا المجال أسلوب السخرية، الذي كشف عن حقيقة الطرقية وتعنُّتهم في باطلهم وتمسُّكهم به؛ رغم تنبيه العلماء لهم، وتحذيرهم من مغبَّة هذا السلوك. وبذلك تكون السخرية تعبيراً
__________
(1) الدكتور أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، ج3، ط3، المؤسَّسة الوطنية للكتاب (الجزائر) سنة 1986م، ص: 93.
(2) سجل مؤتمر جمعية العلماء، ص: 62.
(3) المنتقد (1925) جريدة إصلاحية وطنية، أسَّسها في قسنطينة الشيخ عبد الحميد بن باديس، كانت لسان حال الشباب الناهض. اتَّجهت نحو الإصلاح الديني، حاربت الطرقية دون هوادة. وقاومت أفكار الفرنسة والتغريب، كانت تحوُّلاً مهمّا في تاريخ الحركة الفكرية والأدبية، دامت أربعة أشهر، وصدر منها ثمانية عشر عدداً. ينظر الصحف العربية الجزائرية، ص: 52 - 55.
(4) ينظر المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 111. (1/151)
صفحة 152
عن الحسرة التي تملأ القلب، والكمد الذي يغمر الوجدان، وتنفيساً عن النفس المكلومة التي ترى مقدَّسات الأمَّة تنتهك، ومقوِّماتها تحطَّم، وتأتي تخفيفاً من آلام الأديب الإنسان، الذي يرى نفسه مسؤولاً عمَّا يجري؛ رغم أنَّه قام بواجبه في النصح والإرشاد والتوجيه، كما تكون السخرية أيضاً وسيلة للتغيير، وحمل الغير الموجَّه إليهم الخطاب والكلام على اتخاذ مواقف، ممَّا يتبنَّاه الأديب. إذن يتعهَّد الكتَّاب بالتصدي – وبكلِّ حزم وحماسة – لهؤلاء الخرافيِّين، والمتقوِّلين على الدين، وفضح مخازيهم وكشف مؤامراتهم، وأخذهم "مغافصة (1) والهجوم عليهم وهم غارُّون، وإسماع العامة المغرور صوت الحق فصيحاً غير مجمجم" (2).
فمحمد الأمين العمودي (3) يترجم هذا الإحساس، ويعلن عن هذه الخطَّة في بداية المعركة، وهو يوجِّه نداءه إلى زميليه "بيضاوي" (4) و"تأبَّط شرًّا" (5): "وإنِّي أوصيكما بآكد الحاح، وألح تأكيد بالثبات في العمل والإغلاظ في القول، ومقابلة كلِّ قاسٍ بما هو أقسى منه، وكلِّ مقذع بما هو أقذع، وأن نحمل على الخرافيِّين الأفَّاكين الحملة العنيفة التي تليق بهم، وأن لا تأخذنا بهم رأفة في الدين ... " (6).
1 - حقيقة الطرقية:
حرصًا على بيان حقيقة الطرقية، المبنية على الخداع والمكر، وإمعاناً في القدح فيهم، وفضحهم للعامَّة، عمد الأدباء إلى أساليب متنوِّعة للوصول إلى هذه الغاية.
__________
(1) أي أخذهم على غرَّة
(2) سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، ص: 50.
(3) محمد الأمين العمودي (1890 - 1957م) ولد بوادي سوف، إحدى مدن جنوب شرق الجزائر، أحد رجال الحركة الإصلاحية، يكثر في أدبه الحديث عن البؤس والتشاؤم، أمين عام جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين (1931 - 1936م)، نشر في كثير من الصحف الإصلاحية، أسَّس جريدة بالفرنسية هي (الدفاع LA DEFENSE)، كما أصدر جريدة "الجحيم" بالاشتراك مع محمد السعيد الزاهري ومحمد عبابسة. اغتالته المنظَّمة السرية الفرنسية أثناء الثورة التحريرية الجزائرية.
(4) هو مبارك بن محمد الميلي، كان يمضي بهذا الاسم مقالاته في جريدة البرق.
(5) هو محمد السعيد الزاهري، كان يمضي به مقالاته في جريدة البرق.
(6) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 134. (1/152)
صفحة 153
من ذلك بيان أنَّ ظاهر هؤلاء الطرقيِّين لا ينبئ عن باطنهم، وأنَّ الأسماء التي تسمَّوا بها لا تتطابق مع الواقع. قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:" ... فمال بال أصحابنا (علماء السنَّة) يتسمَّون باسم لا يلتقون مع معناه في طريق، ولا يقوم عليه شاهد من أقوالهم، ولا ينتزع عليه دليل من أفعالهم، لولا أنَّها الشعوذة لبستهم فأنكرناهم فيها، فلبسوها فأنكرناها عليهم، فخرجوا من باب اللباس إلى باب التلبيس، وقالوا نحن قوم أصحاب أسماء، قد أسقطنا الواقع من اعتبارنا، وأسقطنا الأعمال من حسابنا، فلا نرفع بها رأساً ولا رجلاً، وما دمنا بهذه الصفة، وما دامت في الأمَّة بقايا من البله والغفلة و"النية" فلندع أنفسنا بالعلماء، وإن لبسنا من الجهل سرابيل، ولنسمَّ "علماء السنَّة" وإن كنَّا نخوض في البدعة خوضاً، فجاء هذا الاسم كما ترى، وليس في الأسماء أكذب منه، ولا أشدَّ منافرة لمُسمَّاه" (1).
توفَّر النص على جملة من الخصائص اشترطها الدكتور شوقي ضيف في السخرية هي: الذكاء والمكر مع إخفاء ذلك وتركه للكلمات والجمل تبرزه (2)؛ لتنال من المسخور منه نيلاً رقيقاً، لكنَّه يفعل فيه فعل الداء، الذي ينال من الجسم نيلاً بطيئاً، ولا يظهر أثره إلاَّ حين يسري في الجسد، ويعمُّه كلَّه، ويؤثِّر فيه تأثير الرصاصة، التي لا تنفجر إلاَّ حين تتمكَّن في الجسم، فتصيب هدفها من الإيلام ثم الإهلاك.
فالكاتب سخر من الطرقية، حين عرَّض بعقائدهم وخرافاتهم، وخبث مخبرهم وبخداعهم ... وتهكَّم بهم، حين مسَّهم مسًّا مؤلماً، ولذعهم وانتزع منهم اعترافات بمخازيهم وسدرهم في غيِّهم، حتى ولو كانت هذه الاعترافات متكلَّفاً فيها. وقد ربطها الكاتب بمبرِّرات خبيثة، هي تعبير عمَّا يحمله من فكرة عن تصرُّفات الطرقيِّين أكثر منها تصريحات بمعتقداتهم صدرت منهم. والأهمُّ من ذلك كلِّه أنَّه لذعهم ووخزهم، ومكر بهم وعبث وشمت بهم شماتة لا يستبينونها إلاَّ بعد حين. وهو يرمي
__________
(1) محمد البشير الإبراهيمي "تعالوا نُسائِلكم"، جريدة "السُنة النبوية"،ع: 7 (22/ 05/1933م). نشر المقال باسم "كاتب نَقَّاد من أعضاء جمعية العلماء". ينظر أيضا آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 41.
(2) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 35. (1/153)
صفحة 154
من كلِّ ذلك إلى إقناع المتلقِّي بالفكرة الرئيسية، التي يدور حولها كلامه، بأنَّ الطرقية هي سبب بلاء المسلمين، وبذلك يرفع الحجب عن حقيقة الطرقية.
يستمرُّ الشيخ البشير الإبراهيمي في التهكم بالطرقيِّين؛ محاولة منه التعريف بهم للعامَّة. وقد عمد في هذا التعريف إلى ذكر بعض الوسائل، وبعض أنواع التخدير، التي يمارسونها للوصول إلى قلوب الغافلين والبسطاء، واستمالتهم إليهم؛ وذلك باللجوء إلى بعض ألوان التدجيل، المتمثِّلة في الرؤى والمنامات والفداء والمكفِّرات ... فكتب يسائل الطرقيِّين: "عهدنا أدعياء السنة تجَّاراً حاذقين، لا يخفى عليهم ما يروج وما يكسد، وعرفنا أنَّ رأس مالهم التدجيل، وعرفنا أنَّ بضاعتهم هي هذه الأمَّة المسكينة، التي أحكموا الحيلة في تخديرها بالرؤى والمنامات والمكفِّرات، وزعزعوا عقيدتها في الله؛ بما أثبتوه لأنفسهم من التصرف في الكون أحياء وأمواتاً، ومن مشاركة الخالق فيما تفرَّد به من الخلق والأمر، وأفسدوا فطرتها الدينية بما ابتدعوه لها من عبادات ميكانيكية، هي إمَّا زيادة في الدين أو نقص منه" (1).
حاول الكاتب إلصاق تهمة التجارة بهؤلاء الطرقيين، ووصفهم في الوقت نفسه بأنَّهم لم يحسنوها؛ لأنَّهم لم يعرفوا الوسيلة النَّاجعة للرِّبح، فلم يفرِّقوا بين البضاعة الرائجة والأخرى الكاسدة؛ هكذا تهكماً وسخرية. وقد بدا في النص متذمِّراً مصدوراً؛ بسبب انتهاكات الطرقييِّن حرمات الدين، وتخديرهم العامة. يبدو ذلك من خلال اللغة الموحية التي استعملها: (عهدنا أدعياء السنَّة، عبادات ميكانيكية ... ) ومن خلال تكرار عبارة (عرفنا) التي نفث بواسطتها – من أعماق قلبه - ماكان يشعر به من كمد وحسرة.
غير أنَّه يبدو من خلال تقرير إخفاق الطرقيِّين في التجارة بالدين واستمالة العامة إليهم معاكساً لما يحسُّ به في نفسه من نجاح في مسعاهم، ولوكان نسبيًّا، لم يلجئه إلى تقرير ذلك الحكم إلاَّ فكرة نصرة الإصلاح والحرص على هزم الطرقيِّين نفسيًّا، دليل ذلك ما افتتح به مقالته "تعالوا نُسائلكم"، الذي كان فيه متأثِّراً، مهتمًّا
__________
(1) "تعالوا نُسائلكم"، جريدة السنة النبوية، ع:9 (05/ 06/1933م). (1/154)
صفحة 155
من أعمال الطرقيِّين، وما كانوا يقومون به من مساعٍ لعرقلة نشاط المصلحين. وفي ثنايا ما كتبه في الحلقات الأربع إشارات إلى ذلك.
يدعِّم الشيخ البشير الإبراهيمي رأيه سالف الذكر وحكمه على الطرقية -بأنَّها عنوان على الدجل والخداع والمكر- بما وعاه وفقهه من سيرتهم، وبما سجَّله من معتقدات الناس فيهم، وبما لمسه من احتمائهم بكلمة "صوفي"، التي يلوذ بها كلُّ من أراد ارتكاب الموبقات والمنكرات؛ اتِّقاءً لغضب الناس، مستغلاًّ عاطفة الناس الدينية، حتى غدا الحرام حلالاً والمنكرُ معروفاً؛ لأنَّ كلمة "التصوُّف" أصبحت أمًّا ولوداً تلد البرَّ والفاجر، وتحمي الفاسق والداعر، والماجن والساحر، وتؤوي الأفَّاك والأثيم، واللص والزنديق ... وغدت "المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم، فكلّ راقص صوفيّ، وكلّ ضارب بالطبل صوفيّ، وكلّ عابث بأحكام الله صوفيّ، وكلّ ماجن خليع صوفيّ، وكلّ مسلوب العقل صوفيّ، وكلّ آكل للدّنيا بالدين صوفيّ، وهلمّ سحباً ... " (1).
الحسرة والمرارة بارزتان في النص، كشف عنهما الكاتب بأسلوب تهكميٍّ ساخر، مصدرهما المفارقات التي لاحظها في هذه الحياة وانقلاب الموازين، التي تجعل من الإنسان المنحرف شخصاً سَوياًّ، ومخلوقاً يتَّصف بصفات المسلم الحقيقي، ومبعثهما هذه السذاجة وهذا التخلُّف وهذا الجهل الذي يردي بالإنسان العاقل إلى أسفل دركة من الانحطاط الفكري؛ فيصدِّق كلَّ شيءٍ، ويتقبَّل كلَّ ما يقدَّم له فيكون عقله – بذلك- عقالاً يعقل فكره من الانطلاق والتدبير والتمييز بين المعقول وغير المعقول من التصرفات، بدل أن يكون حاجزاً يقيه من التردِّي إلى الهاوية.
يرى الكاتب أنَّ سبب استفحال هذا الداء وتمكُّنه من النفوس هو استعارتنا بعض المصطلحات من بعض الأمم التي لا تمتُّ إلينا بصلة في المعتقد والسلوك. هذه الكلمة "التصوُّف" التي يتَّسع معناها لكلِّ خير وشرٍّ، استعرناها من الفرس والروم: " ويميناً لو كان للمسلمين يوم اتَّسعت الفتوحات وتكوَّنت المعامل الفكرية ببغداد
__________
(1) سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ص: 38. (1/155)
صفحة 156
ديوان تفتيش في العواصم ودروب الروم ومنافذ العراق العجمي، لكانت هذه الكلمة من المواد الأولية المحرَّمة الدخول" (1).
تتدعَّم أقوال الإبراهيمي ونظرته بما جاء في جريدة "الشعلة" في ركن " تحت السياط نغنيِّ"، وقد بيَّن صاحب المقال حقيقة الطرقية، وعدَّها صنيعة الاستعمار، وكان من جملة ما قال: "الطرقية هيكل ضخم خالي الوفاض من كلِّ نافع مفيد إلاَّ من جهاز ميكانيكي عجيب الصنع، تديره الولاية العامة، ويشرف عليه الاستعمار. فإذا شاء الاستعمار أن يظهرنا في مظهر الهمجيِّ المتأخِّر وجَّه الطرقية إلى إقامة الزرد والتطبيل والتزمير والرقص والعبث، وأنَّها لتجيد هذا النوع من المسخ، ولها فيها أدوار عجيبة" (2).
ثم يسرد الكاتب بعض الأعمال التي يقوم بها الطرقيُّون، التي تسعى كلُّها وترمي إلى خدمة المستعمرين، وتنفيذ مخطَّطاتهم، إلى أن يذكر عملاً منافيًأ لآداب الإسلام وتعاليمه، متهكما ومعرِّضًا: " ... ولا زلنا نذكر ذلك العمل المزري المخجل حقًّا، تلك الوصمة، ذلك العار الذي قاموا به سنة 1940، حيث سافر وفدهم إلى فرنسا، وقدَّم إلى "بيتان" (3) شواهد الإخلاص، وقدَّم إليه المصحف الكريم، الذي لا يمسُّه إلا المطهَّرون" (4).
السخرية تبدو أكثر بروزاً في هذا التعريض: المصحف الشريف، الذي لا يمسُّه إلاَّ المطهَّرون، يهدى ويقدِّم إلى ملحد مشرك نجس، لا يؤمن به، ولا بما جاء به، بل هو يحاربه؛ لأنَّه يراه عدواًّ، وهو السبب في عدم استسلام المسلمين في الجزائر لإرادته وإرادة أمثاله من أعداء الإسلام. فالكاتب إذن يعرِّض بنفاق هؤلاء
__________
(1) م. ن.
(2) " الطرقيَّة عدوَّة الشعب مهما اختلفت أنواعها " (د. إ)، جريدة الشعلة، ع:1 (15/ 12/1949م).
(3) فيليب بيتان PHILIPPE –PETAIN (1856 - 1951 م). تولَّى رئاسة الجمهورية الفرنسية وعمره 84 عاماً أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا. أي أثناء الحرب العالمية الثانية.
(4) جريدة الشعلة، ع:1. (1/156)
صفحة 157
الطرقيِّين وبدناءة نفوسهم وضَعَتِهاَ، التي تشتري لهو الحديث لتضلُّ عن سبيل الله، وينعى عليهم دوسهم المبادئ، واستفزازهم مشاعر المسلمين.
مثلما حرصت المقالة الصحفية على إبراز حقيقة الطرقية، فإن الشعر أسهم بدوره في هذا المجال. إذ نجد شاعراً كان أشدَّ الشعراء سخرية بالمتصوِّفة، وأقساهم عليهم وأكثرهم تعرية لعوراتهم، وألحَّهم على ملاحقتهم في حركاتهم وسكناتهم، والتصدّي لهم بالهجو والتعريض. أنَّه الشاعر "محمد السعدي الزَّاهري" (1) قال كاشفاً عن حقيقتهم:
وَزَعانِفٌ زَعَمُوا بأنْـ ... نَهُم الضَّراغِمَةُ الأسُود
ظنُّوا السيادَةَ فِي اللِّحي ... وبِطُولِهِنَّ وبالجُعُود
أبصرتَهُم يتَفَاخَرُو ... نَ على البريَّة بالجدُود (2)
في الوصفة يكشف الشاعر عن جديد في حقيقة الطرقية، وهو ادِّعاء القوَّة والشجاعة والمهابة، واللجوء إلى اللحى لبسط السيادة وفرض الهيبة، ثم الافتخار بالجدود للحصول على الشرف. وفي وصف القوم بالزعانف (3) ما يكشف عن الزيف والنذالة، وعلى دغل في الأصالة، وفي تصوير ما يتفوَّهون به أنَّه زعمٌ لا أساس له من الصحة ما يجعل الناس يتفطَّنون لحقيقة هؤلاء فيتخلَّون عنهم.
محاولة فرض السيادة والهيبة جعلت المتصوِّفة والطرقية تعتقد أن كلَّ من يقف في طريقها، ومن ينكر أعمالها، ومن يتعرَّض لها بسوء يلحقه ضرر ويناله أذى. تهكم الشاعر
__________
(1) محمد السعيد السنوسي الزاهري (1899 - 1956م)، أديب جزائري شاعر وكاتب، مصلح عنيف على الطرقية، حارب الخرافات والبدع. عالج القصَّة والمقال الإصلاحي، نشر في جرائد جزائرية وشرقية خاصَّة الرسالة والمقتطف والفتح. صاحب الجرائد الآتية: الجزائر والبرق والوفاق والمغرب العربي ... من آثاره "الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير ... "
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 598.
(3) الزعانف: من معانيها كلُّ جماعة ليس أصلهم واحداً. ينظر القاموس المحيط، ج3، ص: 148. (1/157)
صفحة 158
"حسن بولحبال" (1) بهذا المعتقد؛ لأنَّه هو نفسه تعرَّض لما جعله محلَّ تشفِّي الطرقية، إذ كسرت رجله في حادثة، فقيل له: إنَّ هذا جزاء من يسبُّ المتصوِّفة، فردَّ عليهم:
قالوا: كُسِرتَ، فقلتُ: ربِّي جابرٌ ... أو تجرؤُونَ على الفتى معْ ربِّهِ
فتدلَّلُوا بمُرُوقِكُم من دينه ... وتقرَّبُوا ببعادِكُم عن قُربِه
قالوا: سببتَ تَصَوُّفاً، عجباً لهم ... قَد دنَّسُوه، وأشفقُوا من سبِّهِ (2)
كثر ما أحدثه الطرقيُّون في الدين من بدع، وما أقاموه من وسائط، يزعمون أنَّها تقرِّبهم من الله زلفى، وقد جعلوا منها آلهة أو مصدراً للنفع والضر. وهو ما عقلوا به إرادتهم، وعطَّلوا به عقولهم؛ حتىَّ ضاقت هذه الأشياء الجامدة والتافهة ذرعاً بهذه التصرُّفات. حاول الشعراء تسجيل هذه الفكرة بأسلوب فكاهيٍّ طريف، وقرَّروا هذه الحقيقة على لسان هذه الأشياء، ليثبتوا ضلال هؤلاء المبتدعة، ويسجِّلوا ضحالة تفكيرهم. من هؤلاء "قدور الحلوي" (3) الذي كتب قصيدة على لسان "الشمعة"، التي كان الناس يتبرَّكون بها وهي جماد. منها هذه الأبيات:
أشرِكُوني بالله، لله أشكُو ... مِن صنيع الزَّعانف الجُهَّال
زعَمُوا أنَّني أريدُ وأقضِي ... نسبُوا ليَ التأثير في كلِّ حال
وتنَادَوْا من رامَ حفظَ كتاب ... فليغالب في سومها ولْيُغال (4)
هذه الشكوى تكشف عن جانب من حقيقة الطرقية، وتبرز ما كان يحسُّ به رجال الحركة الإصلاحية من ضجرٍ وقلقٍ من أولئك المبتدعين. وما الأفكار التي نطقت بها الشمعة سوى معانٍ استخلصها المصلحون من تصرُّفات الطرقيِّين وعلاقتهم بالله، وتعاملهم مع الدين، وقد اختفى الشاعر المصلح وراء الشمعة
__________
(1) حسن بولحبال من مواليد 1897. شاعر أديب من شعراء الحركة الإصلاحية الجزائرية، أسلوبه يتميَّز بالسخرية والفكاهة، اشتغل بالتدريس مدة طويلة، له ديوان شعر مخطوط.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 594. نشرت القصيدة في جريدة الإصلاح، ع: (24/ 10/1929م).
(3) شاعر ينتمي إلى الحركة الإصلاحية.
(4) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 590. نشرت القصيدة في جريدة "المرصاد"،ع: (25/ 03/1932م). (1/158)
صفحة 159
وتستَّر؛ ليتمكَّن من لفت أنظار الناس إلى المبتدعة، بطريقة ذكية ساخرة ولاذعة، لتكشف حال الطرقية، ويُعرَف ضلالهم؛ ومن ثمَّ ينفضُّ الناس من حولهم، وينصرف عنهم الذين وقعوا في أشراكهم ومصائدهم.
وفي عبارة "تنادَوْا" تهكُّم وسخرية من صنيع هؤلاء القوم الذين ضلُّوا الطريق وأخطؤوا الوسيلة. هذه العبارة تذكِّرنا بقصَّة أهل الجنَّة، الذين أقسموا ليصرمنَّها مصبحين ويحرموا منها المساكين، الذين يملكون حظًّا في هذه الجنَّة؛ فبيَّتوا النية والشر من الليل {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنُ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمُ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ} (1) مثلما سخر الله من هؤلاء القوم بهذا الوصف، بعد أن حرمهم ممَّا بيَّتوا عليه (2)، سخر الشاعر من الطرقيين بهذا الوصف المبنيِّ على الزَّعم والوهم والادِّعاء، الذي تكون عاقبته الخسران المبين (3).
والوصف بالزَّعم هو ما نعت به الله المشركين مع شركائهم، وهم دائماً يبوؤون بالخسران المبين، وقد تردَّدت كثيراً في القرآن مقرونة ببيان صنيع المشركين والمبتدعين (أي أصحاب الضَّلال والزيغ) وهي المعاني التي ضمَّنها الشاعر "قدُّور الحلوي" أبياته سابقة الذكر، وهو ما يقدح في أولئك القوم، ويبعث على السخرية منهم. قال تعالى: { ... وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمُ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (4).
يستَفحِلُ الانحراف الديني الذي يبديه هؤلاء المضلُّون والمبطلون الطرقيُّون، فلا يطيق الشعراء سكوتا عنه؛ وبخاصة حين استوى عند أولئك الحلال والحرام،
__________
(1) سورة القلم، الآيتان: 21، 22.
(2) ينظر السورة نفسها، الآيتان: 19، 20.
(3) ينظر تفصيل القول في القصَّة، وتفسير الآيات الواردة في الموضوع، في ظلال القرآن، مج6،ج29، ص: 3664 وما بعدها.
(4) سورة الأنعام، الآية: 94. ينظر السورة نفسها الآيات: 22، 136، 138.وقد ارتبط فيها الزعم بالشرك. ثم محمد إسماعيل إبراهيم، معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، ج1، ط 2، دار الفكر العربي، سنة 1969، ص: 241. (1/159)
صفحة 160
واختلطت العربدة بالتسبيح والتهليل والذكر، وحين استمرأ هؤلاء المنحرفون الفاحشة، وادَّعوا العلم – مع قصورهم في ذلك قصوراً فظيعاً- وتطاولوا على الغيب، وادَّعوا معرفة أسراره، وتجرَّؤوا على مقام ذي الجلال كالقدرة على المنح والمنع، إلى غير ذلك من التصرُّفات، التي لا تناسب المقام الذي يمثِّلونه، مقام الشيخ الورع والعالم الوقور ...
وما أقلق هؤلاء الشعراء وأقضَّ مضاجعهم، وأثار نخوتهم الدينية، هو تقبُّل العامة لهذا السلوك، وتشجيعهم له؛ إمَّا تملُّقاً أو جهلاً، أو اتِّقاء لغضب الشيوخ المضلِّين، وكذا تغلغل هذه الأفكار في المجتمع، وترسُّخها في الأذهان. فكانت هذه الأبيات المعبِّرة عن هذا الشعور بالسخط والتذمر، اللذين ترجمت عنهما السخرية الحزينة والتهكم اللاَّذع. يقول محمد السعيد الزَّاهري:
كانوا طوائفَ شَتَّى، كلُّ طائفة ... تُطيعُ شيخاً لها في كلِّ ما زعماَ
إن قال إنِّي (وليٌّ) صدَّقوهُ، وإن ... هو ادَّعى الغَيبَ قالوا أحكمُ الحُكماَ
وإن تعلَّم بعض الشيء تهجيةً ... قليلة، هَتفوا يا أعلم العُلَماَ
وإن هو ارتكبَ الفحشاء فاضحةً ... فلا محالة معذورٌ، وقد أثِمَا
أو احتسى الخمرَ، قالوا إنَّها عسلٌ ... ولا غرابةَ في هذا، ولا جُرُمَا
أو ادَّعى أنَّ خير الخلقِ يخدِمُه ... فما اعتدى عندهُم فيها ولا ظَلَمَا
أو لم يصلِّ، رأوه حسبما زعموا ... يُقيمُها، إذ يزورُ البيتَ والحرَمَا
إذا بكى، حسبوا الأيَّام باكيةً ... ويَضحَكُ الدينُ والدُّنيَا إذا ابتَسَمَا
في كفَّة المنع والإعطاء عندهمُ ... والدينُّ والخيرُ فيما شادَ أو هَدَمَا (1)
السخرية تبدو في تصوير سذاجة عقول هؤلاء الأتباع المغرورين، وتصديقهم لكلِّ ما يدَّعيه الشيوخ المضلُّون، حتى ولو كان العقل لا يمكنه تقبُّل هذه الترَّهات. والتهكم يظهر أيضا في تصوير تسليم أولئك المخدوعين بكلِّ ما يصدر من الطرقيِّين، حتى ولو كان غير مقبولٍ شرعاً، ولا يستقيم طبعاً، وتتجسَّد السخرية في
__________
(1) د. صالح الخرفي، الشعر الجزائري، ص:27،28. نشرت القصيدة في مجلة "الشهاب" ج9، مج10، 1934م. (1/160)
صفحة 161
إبراز محاولة تبرير تصرُّفات أسيادهم؛ ممَّا يكشف عن تأثير كبير، وتخدير فظيع لعقولهم. وقد أضفى الحوار الذي اكتفى فيه الشاعر بذكر الإجابات فقط، إذ تصوَّر أنَّ هناك ناساً يسألونه عن تصرُّفات القوم فيجيبهم على المقطوعة جواًّ من الحيوية والطرافة والظرف. وقد صوَّر به الشاعر بعض الحركات التي يقوم بها هؤلاء الأتباع، وهم يهتفون ويصفِّقون، ويقدِّمون علامات الولاء والرضى لأسيادهم، وكأنهم في مهرجانات التهريج، فيها الهتاف والتصفيق، وترديد الشعارات المزيَّفة ... تعرض فيها مظاهر النِّفاق والمهانة والذل والاستكانة والخنوع والخضوع ...
بهذه الصورة تصل السخرية إلى مدى، تأتي بثمارها ونتائجها في التشنيع والتعرية، وتقديم حقيقة أولئك الدجالين، الذين يستغلُّون جهل العامة، فيبتزُّون منهم أموالهم ومروءتهم، ويسخِّرونها في قضاء مآربهم ويتخذونهم عبيداً وخدماً (1) وبذلك" اتَّجهت العامة الجاهلة إلى مشايخ الطرق، تراهم زعماءها وقادتها وملاذها، لا تخالف لهم رأيًا، تعتقد فيهم العصمة وترى فيهم القدسية، فهم يعرفون الغيب ويعلمون ما في السرائر" (2).
2 - فضح مخازي الطرقية:
تبقى صفة المتاجرة والاستغلال البشع للناس باسم الدين؛ لابتزاز أموالهم، تهمة يحاول المصلحون – كثيرا – إلصاقها بالطرقية؛ إمعاناً في التشنيع بهم. وهي تعدُّ إحدى المخازي التي عُنِي الأدباء بالكشف عنها. يؤكِّد محمد السعيد الزاهري على ذلك في "قوارصه" (3) ويفضح الدجل، الذي يبديه هؤلاء الانتهازيُّون ويقرِّر هذه الترهة، وهي ادِّعاء الشيخ – ببركته – القدرة على تحويل الناس من جهلة إلى علماء فطاحل. فحاول بطريقة ساخرة ماكرة انتزاع اعتراف من طرقيٍّ مرَّ بهذه التجربة،
__________
(1) ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، ص: 23.
(2) م. س، ص: 24.
(3) هو ركن خاصٌّ له في جريدته "البرق" التي أنشأها سنة 1927م، خصَّصهُ لملاحقة الطرقية، يقرصها فيه بسلاح الكلمة. (1/161)
صفحة 162
ثم أضفى من روحه وشخصيته وإبداعه ما أعان على الكشف عن جانب من أباطيل أولئك الدجَّالين، وعن الحيل التي يصطادون بها الغفَّل من الناس. حتى وإن بدت على الحكاية مسحة من الوضع والتخيُّل، فإنها تفصح عمَّا عرف عن القوم من الدجل والتمويه والمخادعة.
قال وهو يخاطب من سمَّاها في المقال "لالة فلانة" التي كان جدُّها فيما يبدو شيخا طرقيًّا، يمارس شيئا من الشعوذة، كان قد توفِّي. قال لها الكاتب: إذا ضقت ذرعا بهذه الدنيا، وبهذه المصائب، فما عليك إلاَّ أن تستنجدي بجدِّك، فأنَّه ينجدك في الحال من كلِّ سوء: " ... وكرامات الشيخ جدِّك لا تحصى ولا تعدُّ، فأنَّه حضر لي أنا مرارا، لمَّا استعنت به. سافرت إلى مصر في طلب العلم، فلم أجد ما آكل، ولا ما أشرب، فأعرضت عن القراءة بحكم الضرورة، وعدت أبيع الفول لأنيِّ لم أستطع خدمة غير ذلك، فلمَّا طال عليَّ الأمد وأردت الرجوع إلى بلدي، استحييت أن أرجع بلا علم، وبدون المطلوب، الذي جئت من أجله، واهتممت بذلك كثيرا؛ حتىَّ صرتُ لا يُغمض لي جفن ولا يهدأ لي بال من كثرة الوساوس، وشدَّة التخمين. ففي ليلة من الليالي أخذتني سنة وقد كنت استعنت بجدِّك يا شريفة، فرأيت في نومي إنسانا أبيض اللحية ... " ثم وصف لها هيئته وصفا جميلا هادفا، وكيف أقبل عليه وسلَّم عليه، ثم قال له لا تخف: "إنِّي حاضر لك أقضي جميع حوائجك، ثم قال لي افتح فاك، ففتحت، فبصق فيه بصقة كبيرة ... وقال لي أسرط (1) فإنَّك أخذت العلم! فلمَّا استيقظت وجدت طعمها ما زال في فمي أحلى من العسل، ووجدت نفسي عالما أزهرياًّ، بل علاَّمة وفهَّامة ودرَّاكة وتكلامة، فرجعت إلى هنا، وها أنا ذا اليوم أحارب شرذمة الضلال، الذين لا يؤمنون بالمشايخ، ويكفرون بجدِّك يا "لالة" الشريفة. تلك الشرذمة التي لا تؤمن إلاَّ بالله وحده، ولا تشرك به شيخا من الأشياخ، ولو كان جدُّك أنت يا "مولاتي"، وسأنتصر عليهم بجاه جدِّك ... " (2).
__________
(1) سرط الشيء: ابتلعه.
(2) البرق، ع: 3 (21/ 03/1927م). (1/162)
صفحة 163
نلحظ في النص جملة من الأمور:
1) تفصيل وإطناب في سرد القصَّة؛ لغرض إيقاف المتلقِّي على بعض الدقائق من تصرُّفات بعض الطرقيِّين، التي لا يقبلها العقل، فضلا عن الدين؛ ممَّا يفهم أو يستنتج من منطوق بعض الكلمات، التي عمد الكاتب إلى الإتيان بها في هذا النص، حتى يستدرج القارئ ليشاركه في سخريته واحتقاره لأمثال هؤلاء الناس الدجالين المحتالين.
2) بيَّن الكاتب طبيعة التكوين التي تتمتَّع بها هذه الفئة من الناس، وهي أصلا ليست ممَّا يُطمأنُّ إليه، وليست من المعارف والعلوم التي تطلب فيمن يتصدَّى لقيادة المجتمع، وتوجيهه، والإشراف على حياته. وهو ما يحمل الناس على إعادة النظر في معتقدهم في أشياخ الطرق؛ إذ كيف يمكن التحوُّل من جاهل إلى عالم في طرفة عين؟ رؤيا ترى وشيخ يقبل، ففم يفتح، تلقى فيه البصقة ثم تسرط، تعقبها لحظة استيقاظ من نوم. هذه اللحظة تربط بين المنام واليقظة؛ وكيف يحقق المنام في لحظة ما عجزت عنه اليقظة في سنوات؟ وينتقل الإنسان من زمرة الجهَّال إلى جماعة العلماء هكذا مرَّة واحدة؟ في هذا السرد، الذي يثير علامات استفهام، ويبعث على الدهشة تكمن السخرية والتعريض.
الفكرة نفسها يقرِّرها في مقال آخر؛ حيث يتهكَّم بشخصٍ، ترك حزب الإصلاح، وانضمَّ إلى الخلوة "العليوية" (1) وقدكان هذا الشخص أميًّا، فلمَّا اتَّصل بالخلوة أصبح عالما، وأخذ ينظم قصائد في سبِّ رجال الإصلاح وشتمهم. يعلِّق الكاتب على ذلك: "وليت شعري من أين جاءه النظم، ومن أيِّ الطرق دخله الفهم، فهل بصق العليوي (2) في فمه ففتح عليه" (3).
__________
(1) الزاوية العليوية، أسَّسها أحمد بن مصطفى بن عليوة في مستغانم سنة 1910م، كانت شديدة العداوة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين.
(2) أحمد بن مصطفى بن عليوة صاحب زاوية تسمى باسمه بمستغانم (غرب الجزائر) وصاحب جريدة البلاغ الجزائري التي كانت مناوئة للحركة الإصلاحية، توفي في العقد الرابع من القرن العشرين.
(3) ينظر جريدة "البرق" ع: 10 (09/ 05/1927م). أرجّح أن يكون المقال لتأبّط شرًّا وهو محمد السعيد الزاهري لأن فيه روحه وأسلوبه. ويلحظ أن هذا العدد ملئ بالكلمات البذيئة. (1/163)
صفحة 164
3) كشف حقيقة ما يراد، وما تهدف إليه تصرُّفات هؤلاء القوم، وهي إعداد جيش من الناس، يقفون في وجه العلماء والمصلحين، الذين يصدحون بالحقِّ، هؤلاء الناس يستمدُّون قوَّتهم من بركات الأشياخ، الذين يصنعون المعجزات، ثمَّ من جاههم الذي يعينهم على الانتصار لهم.
4) العناية بوصف المظهر الجميل، الذي يخفي أعمالاً قبيحة ودنيئة؛ لغرض التأكيد على أنَّ ذلك أسلوب من أساليب الإغراء والإغواء والتخدير (1).
أمَّا "سمهري" فيعمد إلى انتزاع شهادة اعتراف وإقرار من هؤلاء الطرقيِّين - وهو يحاول فضح مخازيهم - فيلجأ إلى الخيال، ويبتكر أحاديث. من ذلك نسجه رواية بديعة، يجعل الطرقي يعرَّف – من خلالها - بنفسه وبحقيقته، وبما يقوم به من أعمال، في أسلوب تهكميٍّ ساخر، يشبه سجع الكهَّان وتعليقات الدجَّالين؛ ليكون الشكل معبِّراً عن المضمون. فتحت عنوان "الفرطاس في الخلوة" يسجِّل الكاتب كلمات الشكر التي قدَّمها "الفرطاس" لشيخ الزاوية "ابن عليوة"، الذي كان السبب في وصوله إلى المراتب العالية والغايات السامية، التي تحقَّقت بوسائل غير مشروعة؛ بدليل مقارنته بين حالة ماضية تعيسة، وحالة حاضرة سعيدة، حصلت في زمن قليل، كانت على حساب الأمَّة المسكينة: " ... فبفضلك أيَّها الشيخ قد كنَّا لا نملك من حطام الدنيا سوى صندوق (سيراج) والآن صرنا نملك القناطير المقنطرة من الذهب الوهَّاج، ونأكل لحم الدجاج، ونشرب حليب النعاج، ولا نجالس إلاَّ الأفاضل مثل ابن علاَّل وبلحاج. ببركتك أيُّها الشيخ كنت أميًّا لا أحسن وضع إمضائي، فأصبحت عالماً نحريراً، وكاتبا كبيراً، حتىَّ إنَّ علماء القطر انتخبوني أميراً، وسيجنون من ذلك خيراً كثيراً.
ببركتك أيُّها الشيخ كان الجهل مخيِّماً في هذا القطر، فأصبح العلماء يُعدُّون فيه
__________
(1) ينظر للكاتب نفسه "إنِّي أرى في المنام "، مجلَّة " الرسالة "، ع: 145 س4 (13/ 04/1936م)، فقد اتَّبع الأسلوب نفسه في السخرية والتهكم بالطرقية. ينظر أيضا: د. صالح الخرفي، محمد السعيد الزاهري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1986م، ص: 153 وما بعدها. (1/164)
صفحة 165
بالألوف، وهذا أمر غير معروف. ببركتك أيُّها الشيخ رجع التصوُّف إلى صباه والعاقبة لك (1)، وصارت الأمَّة الجزائرية آمنة مطمئنَّة لا تخشى طوارق الإصلاح ... " (2).
في النص سخرية لاذعة مبنية على التعريض والتبكيت والتندُّر والاحتقار والشماتة، فممَّا يلحظ فيه تكرير جملة "ببركتك أيُّها الشيخ" في كلِّ مقطع؛ للتأكيد على هذا الولاء الزائف للشيخ، وللإفصاح عن هذا التأثير الكبير في الأتباع، وللكشف عن النفاق والرياء اللذين يتَّصف بهما هؤلاء الإمَّعِيُّون، ولإبراز طبيعة حياتهم المبنية على الادِّعاء والغرور، إلى غير ذلك من المعاني السخيفة ...
نلحظ في نصِّ سمهري ومحمد السعيد الزاهري اتِّفاقاً في بعض النقط، منها كون الطرقيِّين يدَّعون العلم، ويزعمون أنَّهم يتمكَّنون من تكوين أتباعهم بسرعة، وكذا تسخير كلِّ وسائلهم لمحاربة الإصلاح، وأنَّهم لا يتعلَّمون ما يتعلَّمونه في الزاوية إلاَّ ليقوموا بهذا الدور؛ فيكون في طريقة تعلُّمهم الظفر بالجهل الذي هو سلاح الطرقيِّين.
هكذا يصبغ "سمهري" صوره الساخرة تلك بصبغة فنية، تتمثَّل في إضافة روحه، وإعمال خياله فيها؛ حتى تستجيب لما يحمله من فكرة التخطئة لهؤلاء الناس في سيرتهم، ومن ثمَّ تبلِّغ عنه آراءه، وحقيقة ما يجب سلوكه واعتناقه في هذه الحياة، وهو الإصلاح وما يساير هذا الاتِّجاه.
أمَّا من سمَّى نفسه "بوسعادي" فكتب مقالة، يفضح فيها الطرقيِّين، وما يأتونه من مخازٍ، وهم يتظاهرون بمظاهر الورع والسخاء؛ إذ أنَّهم يرصدون المارَّة في الطرق، ويعدُّون كلَّ وسائل التغرير بهم، كأن يهيِّئوا لهم أدوات الطبخ وأنواع الطعام، وكلَّ ما يشعر المارَّ بأنَّهم كرماء أسخياء، ثمَّ يقومون ببعض الحركات، ويلبسون الألبسة، التي تدلُّ على ورعهم؛ حتى إذا ارتاحت نفس المسكين إلى هذه الفئة، وانشرح قلبه لما يشاهد أمامه، وألقى عصا الترحال، وانضمَّ إلى مجلسهم، تحوَّل الورع والنسك إلى وحشية وشراسة وافتراس، وانقلبت تلك الأنوار والبركات إلى أسلحة فتَّاكة، وذلك
__________
(1) يتأمَّل هذا التعبير وهذا التعريض، إنَّه على شاكلة رجوع الشيخ إلى صباه ...
(2) سمهري (وهو الأمين العمودي) " الفرطاس في الخلوة "جريدة المرصاد، ع: 36 (09/ 12/1932) (1/165)
صفحة 166
الطعام إلى طعم في سنَّارة الصيَّاد، فيصطاد القومُ المسكين، ويفتكون به. يصوِّر الكاتب كلَّ ذلك بشيء من التهكم والسخرية.
ننقل من المقال هذه الفقرات: " ... فإذا هم رأوا من بعيد شخصًا منفرداً تباشروا وأخبروا رئيسهم، فيسجد سجدة طويلة، يقول فيها: اللَّهم رازق الذئاب الجائعة في أغوارها، والثعابين القابعة في أحجارها. اللَّهم إنَّك تعلم أنَّنا لا حرفة لنا إلاَّ سلب الغافلين، والغافلون قليل، وقد طفنا المشرقين والمغربين نبحث عنهم فلم نجدهم، ووجدنا الناس كلَّهم قد أفاقوا من غفلتهم، واستيقظوا من رقدتهم، وليست لنا صناعة سواها، فاجعل اللَّهم زائرنا هذا - وكلَّ زائر لنا - غبيًّا غافلاً وبليداً جاهلاً، ذا لحم وثير وشحم كثير، فإنَّك بجوعنا وإفلاسنا خبير بصير، ثم يخرجون من مخابئهم ... " (1) ثم يَغدِرونَ بالرجل ويفتكون به.
بهذا الوصف يذكر الكاتب ويسجِّل إحدى مخازي الطرقية المنحرفة. وقد تجلَّت سخريته هنا فيما يأتي:
1) انتزاع اعتراف منهم بمخازيهم في خداع الناس، والفتك بهم، والاستعانة بالدعاء ومناجاة الله في أن يعينهم على الغيِّ والضلال والفساد. إنَّ ذلك في حدِّ ذاته تهكُّم؛ إذ كيف يُدْعى الله، ويطلب الإعانةَ على الفساد، باستغلال الدين في ذلك. ولهذا فإنَّ هذه الأفكار التي حملها هذا الاعتراف هي إسقاطات نفسية، وملامح شعورية تخصُّ الكاتب، وتترجم عماَّ يحسُّ به نحو هؤلاء المنحرفين؛ ولذا قصد إلى التعريض بهم وبسلوكهم، فتخيَّل أنَّهم يعترفون بخطئهم، ويقرُّون به، لتتَّضح حقيقتهم أمام الناس.
2) الاعتماد على الوصف الساخر الماكر، الذي يعين على اكتشاف طبيعة هؤلاء الناس، التي يقف عليها المتلقِّي؛ حين يربط بينها وبين ما استعاره لوصف هؤلاء المستغلِّين وبين ما تتركه هذه الأوصاف من آثار في نفسه؛ ومن ثمَّ تتكوَّن له صورة عن هؤلاء المسخور منهم (اللَّهم رازق الذئاب الجائعة في أغوارها، والثعابين
__________
(1) "بوسعادي" حذار من الورع والسخاء الماكر"، جريدة البصائر، ع: 174 (14/ 07/1939م). (1/166)
صفحة 167
القابعة في أجْحَارها) فزيادة على تشبيه هؤلاء بالثعابين والذئاب، الذي يوحي بالغدر والسطو؛ فإنَّ ذلك يبين عن طبع فيهم وهو المخادعة والهجوم – مغافصة - على الغير والتعدِّي عليه. ولهذا فهم دائماً جائعون قارمون، متربِّصون بفرائسهم، قابعون في مآويهم؛ انتظاراً للفرص السانحة للغدر.
3) وصف الفريسة المرتقبة أو الضحية المطلوبة بأوصاف معيَّنة ومدقَّقة (غبيًّا غافلاً بليداً، جاهلاً، ذا لحم وثير وشحم كثير)، وتعليل ذلك بأنَّ الله خبير بصير بإفلاسهم وجوعهم. لقد ساعد ذلك على كشف درجة الدناءة والخسَّة التي وصلت إليها نفوس هؤلاء القوم. وهي أوصاف منتزعة من الواقع المعيش، إذ أنَّ أغلب هؤلاء الضحايا من هذا النَّوع ومن هذا الصنف من الناس.
تكثر مخازي الطرقييِّن، وتنتشر بدعهم، ويستفحل خطرهم. فينتج عن ذلك ضعف قيمة المقدَّسات الدينية في النفوس، فتداس حرمات الله، ويُستغنَى عن فرائضه وواجباته، وسُننه، ويستبدل بها بعض الأعمال والطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان. في هذا السياق يسخر الشيخ البشير الإبراهيمي سخرية حزينة من بعض هذه الترَّهات، التي يبقى معها القلب متألِّماً قلقاً على مصير الإسلام والقرآن. يقول وهو يتعرَّض لبعض أعمال "التيجاني": "إذا كان هذا القرآن متعبَّداً بتلاوته اللفظية، وهو ستون حزباً، فإنَّ تلاوة إنجيل التيجاني القصير وهو (صلاة الفتح) (1) مرَّة واحدة تعد ستَّة آلاف ختمة من القرآن، وإذا كان القرآن قد شرَع الغزو، وهو أَحْمَزُ الأعمال وأشقُّها، فإنَّ تلاوة هذا الإنجيل التيجاني مرَّة واحدة تعدل آلاف الغزوات، وهي لا تقوم إلاَّ على حركة اللسان من غير اقتحام الميدان، ولا تعرُّضٍ للرُّمح والسِّنان. وإذا كان القرآن يفرض الحجَّ وفيه ما فيه من مصاعب ومتاعب، فإنَّ إنجيل التيجاني تعادل تلاوته آلاف المرَّات من الحجِّ ومئات الآلاف
__________
(1) ينظر ما كتبه الشيخ عبد الحميد بن باديس عن هذه الصلاة، وعن هذه الطريقة مجلَّة الشهاب، ج7، مج14، سنة 1938م، وج7، مج10، ص: 302. (1/167)
صفحة 168
من الصلاة؛ كما هو منصوص في كتب التيجاني وكتب أصحابه" (1) ثمَّ يرسلها زفرة حارَّة متحسِّراً على نقض أحكام الله، وتعطيل القرآن ...
حاول النص تبيان أنَّ أمثال هؤلاء الدجالين يسعون إلى استغلال ميل الناس إلى اليسر والسهولة، ونفورهم من الشدَّة والمشقَّة، فيقنعونهم بأنَّ ما أتى به "التيجاني" هو أفضل ممَّا جاء من عند الله، بدليل إشارة النص وتركيزه على الجهاد والحجِّ، وهما عملان شاقَّان متعبان مرهقان. وحرص النص على الكشف أنَّ الدجال يعمل على صدِّ الناس عن الواجبات الدينية بتيسير منه؛ مستغلاًّ ضعف الإنسان وجهله، ناسيًا أنَّ الجنَّة حُفَّت بالمكاره، والفوز في الآخرة لا يأتي إلاَّ بعد بذل الجهد وركوب المصاعب. كما يستغلُّ خاصية من خصائص الإسلام وإحدى منن الله على عباده، وهي مضاعفة الأجر والسخاء في ذلك، فيبيِّن للأتباع أنَّ أيسر عمل يقومون به ممَّا يأمرهم به – ومرَّة واحدة- يعدل آلاف المرَّات ما أمر الله به عباده.
ويكون تعريض الكاتب بهؤلاء الدجالين بارزاً حين يسمِّي تُرَّهات التيجاني إنجيلاً؛ لأنَّ الإنجيلَ كان مِمَّا يصدُّ به بعض أعداء الإسلام الناس عن القرآن. كما وسم الكاتب عمل التيجاني، ومن يسير في ركابه ونهجه بعمل المرتدِّين، كالمتنبِّئين الذين يصدُّون الناس عن ذكر الله؛ بالإتيان بما يشبه القرآن للتَّغرير بهم، مستغلِّين في ذلك عاطفتهم الدينية. كما يكون التهكم سافراً ولاذعاً حين يقول الكاتب إنَّ تلاوة هذا الإنجيل مرَّة واحدة تعدل آلاف الغزوات (وهي لا تقوم إلاَّ على حركة اللسان من غير اقتحام للميدان، ولا تعرُّضٍ للرُّمح والسِّنان).
يمكن لنا أن نتصوَّر ما يكنُّه الكاتب من آيات احتقار هؤلاء الناس، بقدر ما ندرك من حقيقة الجهاد، وما يتطلَّبه من التضحية والتعرض للمصاعب والمتاعب في سبيل حياة سعيدة من جهة، وما يجنيه الإنسان القاعد والمتخلِّف عن الجهاد من جهة ثانية، وما يتحصَّل عليه من يكون بعيداً عن الأسنَّة والقنا. ثمَّ إنَّ في هذا التوظيف وفي هذه الإشارات دلالات نفسيَّة؛ إذ تنال من شخصية المتحدَّث عنه، وتجعله محلَّ سخرية واحتقار؛ بسبب سوء عمله.
__________
(1) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 103. (1/168)
صفحة 169
هنا ينجح الكاتب في تقديم صورة عن حقيقة هؤلاء الناس. حتى ولو كان الكاتب مبالغاً في تصويره هذا النموذج من البشر؛ إذ قدَّمه بصورة شاعرية: فيها المبالغة وفيها التهويل، إلاَّ أنَّه لم يعدُ الحقيقة؛ حين أشار إلى تصرُّفات هؤلاء الطرقيِّين بأسلوب ساخر معرِّض. وقد انطلق من الواقع المعيش، ومن تجاربه الخاصة مع هؤلاء، وممَّا عرفه من سيرة القوم، ومن دقَّة ملاحظاته لما يكتنف سلوكهم من انحراف.
والمبالغة في تهويل مواقف أولئك الناس تكون مقبولة؛ لتحذير الناس من مغبَّة أعمالهم، ومن هذه النتائج تقديس الأشياخ المضلِّين، يقدَّسُون في حياتهم وبعد مماتهم، فيصبحون فتنة، وكلُّ ما يتَّصل بهم من أسماء وأولاد وأملاك ... يكون فتنة. يذكر الكاتب نفسه جانباً من هذه الفتن التي انتشرت، وكان محرِّكوها شياطين الإنس الذين، تكون فيهم القابلية للشرِّ والفساد والعكوف على الضلال وسرعة الاستجابة للهوى ومحادَّة الله في أوامره ونواهيه. يذكر ويصف – في أسلوب تهكُّمي- ناحية من نواحي الجزائر، وهي العمالة الوهرانية، التي عشَّش فيها الشيطان، وقد اختارها لإقامة أعراسه، التي تقوم على الزردات والبدع وتقديس الأولياء ...
سخر الكاتب من الشيطان الذي حاول اللعب بعقول الناس وهزَّ نفوسهم وأزَّهم أزاًّ، والرميَ بهم في الهاوية. وقد عدَّه فاشلاً في عمله؛ لأنَّه لم يكن حاذقاً ولا متقناً عمله: "ولكن يبدو أنَّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية بليد القريحة، جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسِّ، خشن المسِّ، بدويُّ النزعة، وحشيُّ الغريزة، فكلُّ ما يأمرُ به أولياءه وأتباعه، فهو من جنس طبعه، سمج غثٌّ، خالٍ من الجمال والفن والذوق، وقد عهدنا الشيطان "المتمدِّن" لطيف الإحساس، فنِّي الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب، فاتنة المظهر، والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدِّ، يكسو بها أعماله، فيصبي الحلماء، ويستنزل النسَّاك إلى مواطن الفتاك، وأمَّا هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران، فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية" (1).
__________
(1) عيون البصائر، ص:347. المقال بعنوان "أعراس الشيطان". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 95 (14/ 11/1949م). (1/169)
صفحة 170
هذه الجمل المتتابعة، وهذه الأوصاف المتتالية، وهذا الأسلوب في التناول، الذي فيه السجع والجناس، وتكرير الكلمات، والتركيز على معاني الذوق والجمال والفنية. مجموع كلِّ ذلك يدلُّ على حالة نفسية متأزِّمة، وعلى ضجر الكاتب من تصرُّفات الطرقيِّين المتكرِّرة المضرَّة والمحيِّرة، كما يشير إلى أنَّ الكاتب لم يتمكَّن من إخراج ما في قلبه من كمد وحسرة، ولم يعثر على العبارة أو الجملة المناسبة للإفصاح عن حقيقة مشاعره. فلجأ إلى التهكم والسخرية. إلاَّ أنَّه يبدو غير موفَّق في تعبيره؛ إذ جاء الكلام غير سويٍّ، كثر فيه التكرار والإرداف، وبرز فيه التأثُّر الذي أبان عن الحقد والضجر من هؤلاء، دون التمكُّن من الوقوف أمام أعمالهم. وهنا يظهر الانهزام النفسي.
كما برز في النص تناقض الكاتب مع نفسه، فبعد أن راعى طبيعة الشيطان - في أوَّل مقاله - الذي لا يعترف بالجمال والذوق، وما ينعش النفس " فالشيطان في غنى عن هذا كلِّه " جاء بعد ذلك - وبتأثير الحالة النفسية من الانهزام، أو من عدم التمكُّن من الحدِّ من انتشار أعراس الشيطان هذه - لينقض هذه الفكرة، فيعدُّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية بدويًّا، خشن الطبع، جامد الفكر، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا تتناسب مع الفتنة التي "هي سلاح الشيطان الأحدّ" مع أنَّ الشيطان قد حقَّق مراده، وصرف الناس عن الله إلى أوليائه هو، ونسب إلى هؤلاء ما هو في الحقيقة لله من النَّفع والضرِّ، والمنح والمنع، ونجح في ترسيخ عادة الزردة والوعدة: "جل ما شئت في عمالة وهران في النصف الأخير من الربيع، والنصف الأوَّل من الخريف، فإنَّك تسمع في كلِّ سوق أذانا بزردة، وترى في كلِّ طريق حركة إلى زردة، وركابا تشدُّ إلى وعده" (1). ثم يعيد المعنى مرَّة ثانية " ... ودعا داعي الشيطان إليها فأَسمَعَ، وكأنَّما أذَّن في القانتين بصلاة، أو ثوَّب في المستطيعين بحجٍّ، فإذا هم في اليوم الموعود مهطعين إلى الداعي: رجالاً ونساء وأطفالاً، يُزجون الرواحل، ويسوقون القرابين، ويحملون الأدوات، تراهم فتقول إنَّ القوم صبَّحوا
__________
(1) م. س، ص: 348. (1/170)
صفحة 171
بغارة، تسيل بهم الطرق، وتغصُّ بهم الفجاج، حتى إذا وصلوا إلى الوثن نُصبت الخيام، وسالت الأباطح بالمنكرات والآثام" (1).
فالكاتب يقرُّ بنجاح الشيطان في الإغواء - رغم ما وصفه به من أوصاف تنقص من معنويَّاته - وبفوزه في حمل القوم على إقامة أعراس على طريقته، وبالكيفية التي يريدها. يعترف الكاتب بذلك في أسلوب تهكميٌّ حزين. يبدو ذلك في استعارته بعض المعاني التي تستعمل في مواطن تخالف ما يقوم به الشيطان كالقيام للصلاة المشروعة في قنوت، وفي استجابة فورية. وتلبية نداء الحجِّ المشروع، غير أنَّ الاستجابة التلقائية كانت لغير هذين، إنَّما كانت لوسوسة الشيطان وفتنته. حتى إنَّ القوم هرعوا مهطعين إلى الداعي، الذي دعاهم إلى هذه الأعراس وهرولوا دون وعي كما يهطع الناس يوم البعث من شدَّة الفزع لما يرون أمامهم من أهوال (2).
وقد كانت استجابتهم لنداء الزردة والوعدة بسرعة، وبشيء من الحماسة غير الواعية، وكأنَّ القوم فوجئوا بغارة ففرُّوا بسببها إلى أماكن آمنة، وهي أماكن تقام فيها هذه الطقوس. فالسير بهذا الجمع الغفير، الذي "تسير بهم الطرق، وتغصُّ بهم الفجاج "إلى هذه المواطن، التي يرجو فيها القوم قضاء مآربهم، وتحقيق لذَّاتهم، وهم يحملون هذه القرابين والأدوات، ممنِّين أنفسهم بإقامة الأفراح، تتحوَّل عند الكاتب - بطريقة تهكمية وبتأثير نفسي- إلى الهروب من غارة، تجنُّبا للهلاك. هكذا تكون السخرية فاترة، والتهكم بارداً لا يؤثِّران في النفس، بسبب التكلُّف ومحاولة نكران الواقع.
لعلَّ هذه الطريقة في تناول موضوع الطرقية هي التي جعلت الأستاذ "محمد العيد تاورتة" يقرِّر أنَّ كثيرًا من النصوص التي حاور فيها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الطرقية ورجال الدين الرسميِّين "هي أقرب إلى الاستهزاء والتحقير منها إلى التهكم والتعريض، إنَّها مهاجمات عنيفة موجَّهة لهم، مليئة بالتحقير والسخرية
__________
(1) م. س، ص:349.
(2) قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} سورة القمر، الآية: 8. (1/171)
صفحة 172
اللاَّذعة ... وقد يكون هجومُه لهم مزيجاً من التحقير والتحدي، فضلا عن تصويره لهم في صور ساذجة بلهاء ... (1).
هذا الحكم وإن كان ينطبق على النص الذي سردناه وعلَّقنا عليه، وينصرف إلى بعض كتابات البشير الإبراهيمي عن الطرقية ورجال الدين الرسميِّين. إلاَّ أنَّه لا ينسحب على كلِّ النصوص التي كتبها في الموضوع. فلا يُتوهَّم أنَّ كتاباته فيه لا جدوى منها؛ لأنَّ الكتابة التي هذه صفتها لا تخدم النهضة ولا الإصلاح، إنَّما تبقى مهاترات لا طائل من ورائها، وكتابات الشيخ البشير الإبراهيمي لم تكن من هذا القبيل إلاَّ في القليل منها.
3 - السخرية من سذاجة عقول أتباع الطرقية:
إذا كان الاستعمار معبود الطرقيِّين، وقد استغلَّهم أبشع استغلال، وضرب بهم الحركة الإصلاحية، فإنَّهم بدورهم استعبدوا عقول بسطاء الناس، واسترقُّوا مشاعرهم، وخدَّروهم؛ حتى أصبحوا يعتقدون فيهم معتقدات هي الشرك عينه، وجعلوهم متعلِّقين بهم إلى درجة أنَّ هؤلاء الأتباع أهملوا واجباتهم الدينية والدنيوية، فسكنوا الخلوات، وأقاموا فيها، وغرقوا في أوحال البدع.
أورد صاحب ركن "قوارص" في جريدة "البرق" نموذجا من هذا السلوك. وحكى أنَّ امرأة جميلة جلست بين يدي القاضي تشكو إليه زوجها، الذي أهملها، وجفاها. غاب عنها وتركها معلَّقة، لا هي متزوِّجة ولا هي مطلَّقة. فأمر عَوْنَهُ بإحضار الزوج " فإذا هو مغَفغف اللحية، قد تهدَّل شعر شاربه على فمه، كما يتهدَّل على الماء حشيش جنبات الساقية، مصفرَّ اللون، غائر العينين، ولكن ما تزال بسحنته بقايا الجمال" (2).
__________
(1) محمد العيد تاورتة، نثر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1929 - 1939م) (جمع وتوثيق ودراسة)، رسالة ماجستير (مخ)، معهد الآداب والثقافة العربية، جامعة قسنطينة (الجزائر) سنة 1399 - 1400هـ/1979 - 1980م)، ص: 72.
(2) البرق، ع: 19 (18/ 07/1927م). المقال دون إمضاء، أرجِّح أنَّه لمحمَّد السعيد الزاهري. (1/172)
صفحة 173
نتأمَّل في هذا الوصف التهكمي لهذا الزوج، وفي هذه الحالة المزرية التي آل إليها، وفي هذا الإهمال لنفسه؛ رغم أنَّ الرجل كان وسيما حسب ما نلمح من وصف الكاتب. وربَّما تكون هذه حالة، يريد الكاتب أن يلصقها بكلِّ طرقيٍّ تابع لأسياده، وبذلك تنطبع في الأذهان صورة مزرية عن كلِّ من يسير في هذا الطريق.
بعد هذه التوطئة النفسية، التي تهيِّئ النفوس لتقبُّل الفكرة التي يريد الكاتب تبليغها إلى المتلقِّي، وهي الاقتناع بحقارة هذا السلوك. يصوِّر لنا الكاتب وبطريقة ساخرة تصرُّفات هذا التابع وبعض معتقداته الضالة: "فاستنطقه القاضي فقال بصوت عالٍ: الله! الله! كيف اشتغل بها، وكيف لا أجفوها، وقد شغلت بالخلوة، وما أدراك ما الخلوة! فيها ترى الله، وفيها ترى الجنَّة، وترى النَّار، وفيها وفيها ... لقد شغلت في الخلوة حتىَّ عن نفسي، فطلَّقها أيُّها القاضي إن شئت، فأنَّه لم تَبقَ لي بها حاجة، فقضى القاضي بطلاق الفتاة ... " (1).
أيُّ تهكم أو سخرية أكثر من هذا؟ تهكم بمن يعتقد أن الله يرى في الخلوة (2) وأنَّ عالم الغيب موجود فيها؛ إذ يرى فيها ما خفي خارجها. ولكي يهوِّل الكاتب الأمر استعمل أسلوب التعظيم؛ ليثبت أنَّ هذا التابع قد هام في الخلوة، وذاب في هذه المعتقدات إلى درجة أنَّه لم يعد يهتمُّ بنفسه. هذا هو المبرِّر والمفسِّر لهذا الوصف الذي قدَّمه عن هذا التابع في بداية المقال. لم يكتف الكاتب بهذه الأوصاف، وهذه الجمل، بل أردف قائلاً بعد إعلان القاضي حكم الطلاق "وهنا اغرورقت عيناه بالدموع شوقاً إلى الخلوة، وغرق ... " (3).
__________
(1) م. ن.
(2) يقول الشيخ مبارك الميلي: " ... مرسوم بهذا البيت أمام المُريد كلمة "الله"، ينظر إليها أيام إقامته بالخلوة، التي يفقد فيها الأكل، ولا يخرج منها حتى يشاهد الله جهرة، أو يرى أبويه الهالكين أو شيئا آخر ... " المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 116. وبيضاوي "ابن ملجم القرن العشرين" الشهاب، ع: 178 (06/ 01/1927م).
(3) البرق، ع: 19. (1/173)
صفحة 174
يمعن الكتَّاب في السخرية من أتباع الطرقية، ومن عقولهم الضعيفة وتصرّفاتهم الشاذَّة، وتفكيرهم السقيم، فهم لا يفقهون شيئا فيما هم مقدمون عليه، ومقلِّدوه ومتَّبعوه؛ لأنَّهم ليسوا في مستوى الرسالة التي تطاولوا عليها، ولم يكونوا في مستوى الاسم أو العنوان الذي أعطوه لمؤسَّستهم "علماء السنَّة" التي تكوَّنت –كما يشير البشير الإبراهيمي- من علماء مأجورين، وطلبة مدحورين. هؤلاء الذين امتنَّت عليهم الزوايا بالخبز، وتفضَّلت عليهم بتعليم أشل، فتركتهم عبيداً يرجون عطاء أسيادهم ونوال رؤسائهم. هؤلاء "اجتمعوا كلُّهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول، أوهمتهم أنَّهم سيصبحون بفضل سادتهم مشايخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة موظَّفين (مُنَيْشَنِين) " (1).
هل هناك هجاء وتهكم أكثر من هذا؛ حين يوصف شخص بأنَّه يعيش على الأوهام، ويحيا على المزاعم، ويبني مستقبله على الأحلام. فيتخيَّل العظمة الزائفة، ثم يبقى أسير شخص آخر يسيِّره كيفما يشاء ويقوده حيث يريد. وهل هناك سخرية واحتقار أكثر من هذا، حين يوسم إنسان بأنَّه ينتظر نياشين وأوسمة فارغة من محتواها من عدوٍّ لله وللوطن. أنَّه الغباء وفقدان المروءة. وهو أيضاً عنوان على السذاجة والغفلة.
بهذه الأوصاف يقدِّم لنا الشيخ البشير الإبراهيمي صورة عن أعضاء جمعية السنَّة، التي تأسَّست لمناوأة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، الذين انضمُّوا إلى هذه المنظَّمة دون أن يفقهوا لهذا الانضمام معنى. أنَّهم دخلوا عالماً جديداً لم يألفوه، ولا ينسجم مع مستواهم ولا حقيقتهم، كالبدوي الذي يدخل عاصمة متحضِّرة، يكون كلُّ ما يشاهده فيها غير عادي، وكلُّ ما يسمعه يكون غريباً عليه، فلا يدري كيف يتصرَّف!!! قيل لهم إنَّكم في جمعية، فلم يعرفوا من يرأسها، ولا كيف تسيَّر، طرقت أسماعهم مصطلحات، لم يكن لهم عهد بها؛ لأنَّهم أصلا لم يخلقوا لها، ولم تخلق لهم. ثم جاءت قاصمة الظهر التي لم يُفكِّر فيها، ولم تدُر في الخلد، جاء دور المطالب
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 124. (1/174)
صفحة 175
والواجبات: الإعانة، الاستدراك، التبرُّع ... ما هذه الألغاز؟ ما هذه الترهات؟.
يستمرُّ الشيخ البشير الإبراهيمي على هذا المنوال في بيان حقيقة هؤلاء القوم، الذين يدَّعون العلم ومعرفة السنَّة، التي يسخِّرونهما لهداية الناس: "دخل الجميع – لأوَّل مرَّة في تاريخ حياتهم - جمعية لا يدرون بمن تدار، ولا كيف تدار، وسمعوا لأوّل مرَّة كلمات النظام والاشتراك والمواد واللجان، وسمعوا خطبا مأجورة، لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية ما لا عهد لهم به، ولا ألفته نفوسهم، وهو المال، الاشتراك، التبرُّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم إن الشيء لم نخلق له، وإنَّ هذا لشيء يراد" (1).
يتأمَّل في هذه السخرية وهذا التهكم، اللذين عمد فيها الكاتب إلى استعارة جواب المشركين حين قيل لهم إنَّ الله واحد لا شريك له: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُ أَن امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادْ} (2) هؤلاء المشركون استغربوا تقليص الآلهة في إله واحد؛ لأنَّهم لم يألفوا ذلك. والدهشة والعجب أنفسهما يسيطران على هؤلاء الأتباع مِمَّن انضمَّ إلى جمعية السنَّة؛ حين يسمعون ما لم يألفوه، ولم يخطر على بالهم. هذا الاقتباس يؤصِّل في المسخور منهم صفتي الضلال والعماية، اللتين لازمتا المشركين. كما تكشف الصورة عن إيحاءات كثيرة وظلال متعدِّدة، نقف عليها حين نوفَّق في الربط بدقَّة بينها وبين صنيع أولئك الطرقيِّين.
نتساءل الكاتب: لماذا كان هذا الإنكار، وهذا الجواب من الطرقيِّين؟ فجاء الحسم منهم إنَّ: "آباءنا عوَّدونا أن نأخذ ولا نعطي، إنَّ زوايانا قائمة، فما معنى هذه الزاوية المنفرجة، التي اسمها جمعية علماء السنَّة، إنَّ نكاية الإصلاح فينا لأهون علينا ممَّا يدعوننا إليه" (3).
__________
(1) م. س، ص: 125.
(2) سورة ص، الآيتان: 5، 6. ينظر تفسير هاتين الآيتين والتعليق عليهما في ظلال القرآن، مج5،ج23، ص: 3007 وما بعدها.
(3) م. ن. يرجع إلى بقية المقال لمزيد من التفاصيل، وأخذ فكرة عمَّا يشعر به الكاتب من مكايد الطرقيِّين. (1/175)
صفحة 176
في هذه النهاية زفرة حارَّة يرسلها الكاتب، وهو يسقط هذه المشاعر على نفسه؛ لأنَّ اعتبار عمل الإصلاح نكاية هو ما كان يفهمه المصلحون من تصرُّفات الطرقيِّين. فأراد بطريقة ذكية تسجيل ذلك على لسان طرقي، أو أراد أن يقول إنَّ ما أراد أن يقوم به الإصلاح نحوكم أيُّها الطرقيُّون، وما يدعوكم إليه – رغم ثقله عليكم؛ لأنَّ فيه تركاً لما ألفتموه، وفيه مجاهدة للنَّفس، وفيه إعناتاً لكم - هو بعيد عن الاستغلال والقهر والعبودية.
يبدو أنَّ هؤلاء الطرقيِّين لا يعرفون سوى معاني الاستهلاك والأخذ ... وقد كانت لهم عاداتهم وتقاليدهم وزواياهم. وكلُّ أساليبهم بركة ونعمة، تعمل على محو معاني البذل والتضحية والسخاء. يصوِّر من سمَّى نفسه "رمضان" هذه الفكرة في النادرة أو الفقرة الآتية، وهو يعرض جواب طرقيٍّ أحمق جاهل يجيب مندوب صحيفة، قال له: " قد بِتُّ البارحة طاويًّا، فهل عندك من طعام؟ قال كلاَّليس من عاداتنا معشر الفقهاء (يعني حفظة الشيخ خليل) إطعام الطعام فإنَّ العامة إذا رأونا نضيِّف أو نتصدَّق قبضوا عنَّا أيديهم" (1).
سوقاً للأمثلة التي تبيَّن أنَّ الأتباع غرقوا في أوحال الوثنية والضلالات، نذكر نموذجاً سجَّله الشيخ البشير الإبراهيمي، يكشف فيه مدى ما بلغه القوم من السفاهة في الرأي والتفاهة في التفكير، والغاية في الضلال؛ بهذا التصديق بكلِّ ما يتفوَّه به أسيادهم، وبهذا الاعتقاد الضال في أشياخهم وأوليائهم، الذين فتنوا بهم، حتى بعد مماتهم، وما يشغلون به أوقاتهم، ويهدرون طاقاتهم في العناية بها. يصوِّر الكاتب ذلك بطريقة تهكمية، ويقدّمه بما يشعرنا باحتقاره هذا السلوك المشين: " ... وكان هؤلاء يعتقدون أنَّ أرواح الأولياء كالثعابين والحيَّات، تتّخذ من الحجارة المجموعة مقرًّا وملجأ، فكلَّما وجدوا حجارة مجموعة اعتقدوا أنَّها مباءة لولي، واتَّخذوها مزاراً. ولقد مررت في إحدى جولاتي في تلك المقاطعة الوهرانية بقطعة أرض موات كأنَّها مقبرة أموات مرصَّعة بالحجارة، مغطَّاة بالسدر والدوم، تحفُّها قطع متجاورات،
__________
(1) الكفاح الإصلاحي بالعمالة الوهرانية: "يتعبَّدا بخليل" "الشعلة"،ع: 39 (12/ 09/1950م). (1/176)
صفحة 177
غرست زيتوناً وكروماً وفواكه شتىَّ، فكأنَّ تلك القطعة من بينها جنَّة الرجاز التي تخيَّلها أبو العلاء المعرِّي في رسالة الغفران، فشهدت كلُّ واحدة بصاحبها ... " (1).
السخرية تبدو فيما ضمَّنه الكاتب هذه الفقرة:
1) وصف عقول هؤلاء الناس بالسفاهة والسذاجة، لأنَّهم عدُّوا أرواح الأولياء كالثعابين والحيَّات، فهداهم تفكيرهم وضلالهم إلى اتِّخاذ كلِّ مجموعة أحجار مركومة مقرًّا لولي، يجب الاعتناء والاحتفاء بها، وتزيينها، والإكثار من زيارتها؛ لأنَّ ذلك يُعدُّ قُربة للولي.
2) وصف مفصَّل لعمل هؤلاء القوم في تزيين محيط هذه الأشجار المركومة، الموجودة في أرض موات، لا حياة فيها، وحمايتها بالسدر والدوم، تمنع عنها الأعادي واللصوص، ثمَّ إحاطتها بأشجار مثمرة منتجة في هذه الأرض الممحلة، بدل غرسها في أرض صالحة للإنبات والإنتاج. وكأنِّي بالكاتب يشير إلى ضياع مجهوداتهم فيما لا يعني، وهدر طاقاهم فيما لا طائل وراءه. إلى غير ذلك من المعاني التي يمكن أن يستنتجها المتأمِّل، وهو يحاول الغوص في أعماق النص، ويقف على دلالات كلِّ لفظة وجملة.
3) تشبيه أرواح الأولياء بالثعابين والحيَّات، فيه دلالة على الضلالة التي تضرُّ بهؤلاء الأولياء، حتى ولو لم يقصد هؤلاء المبتدعة ذلك. فإذا كانت هذه المخلوقات مصدر سموم وأخطار على البشر، فإنَّ أرواح هؤلاء الأولياء، التي تقدَّس من دون الله، أو تشرك بالله في التعظيم، تكون مصدر ضرر وهلاك لأصحابها؛ لأنَّه بسبب هذا التقديس سيلحقهم سخط الله، حتى ولو كان كثير من الأولياء غير راضين بذلك.
4) استنطق الكاتب التراث ليسعفه بلون من السخرية، وذلك حين عمد إلى لفت المتلقِّي إلى المقارنة بين هذه الجنَّة وجنَّة الرجَّاز التي تخيَّلها أبو العلاء المعرِّي (2).
__________
(1) عيون البصائر، ص: 349.
(2) الرُجَّاز الذين يجعل أبو العلاء "بيوتهم في الجنَّة أقلُّ ارتفاعا من بيوت الشعراء، تماما كما تقلُّ أبيات الرجز من حيث القيمة الفنية عن أبيات الشعر ... " ينظر الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم النثر، ص: 676. (1/177)
صفحة 178
ثمَّ عرَّض بالقوم حين قال إنَّ كلَّ واحدة من هاتين الجنَّتين تشهد بصاحبها.
أمَّا محمد السعيد الزاهري فيستغلُّ حادث محاولة اغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس (1). فينزل على الطرقية يكشف مخازيهم، ويعرِّض بسذاجة عقول أتباعها الذين لطَّخوا شرفهم وثلموا أعراضهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. كتقديم بناتهم ونسائهم لشيخ الطريقة ليعبث بهنَّ، ويرون في ذلك بركة وقربانا في سبيل الله. فهم يمنعونهنَّ من السير وحدهنَّ في الشارع، يتحجَّبن عن الناس، ويُسفرن للشيخ، يفعل بهنَّ ما يشاء. يسجِّل الشاعر ذلك في سخرية وتهكم لاذعين:
ولربَّما زارَ النساءُ مُرابِطاً ... قد جِئنَهُ لتطلُب البركاتِ
فينالُ ما يعطينَه، وينلنَ ما ... ينويه، ولكن على النيَّاتِ (2)
يمعن الشاعر في التهكم والسخرية؛ للضَّحك على هذا المستوى من التفكير والتصرَّف من جهة، وللبكاء على هذه المفارقات العجيبة في هذه الحياة من جهة ثانية، وللنِّكاية بهؤلاء القوم من جهة ثالثة.
وعفِيفةٍ هَتَكَ المرابطُ عرضَهَا ... وتظنُّ ذلك أطهَرَ القُرُبَاتِ
فتظلُّ تفخرُ في النساءِ بأنَّها ... ظَفَرت مِنَ الأيَّام بالرَّغَبَات
نهاية كلِّ هذا العرض والتصوير تقرير حقيقة التصوُّف:
هذا التصوُّف عندهنَّ وهذه ... آثارُ علمِ القوم والسَّاداتِ (3)
نلحظ شدَّة هذا الهجوم وقسوة هذا النقد، اللذين كانا ردَّ فعل على شناعة الفعل المُقدَمِ عليه، وخطورة أعمال هؤلاء القوم، التي أصابت الأمَّة في الصميم، يقول د. صالح الخرفي معلِّقا على هذه الأبيات، وهو يعقد مقارنة بين قصيدة محمد
__________
(1) يقول الدكتور محمد ناصر "وكان هذا الحادث الخطير مثارا لأقلام إصلاحية كثيرة، توجَّهت ضدَّ الطريقة العليوية بصفة خاصَّة، تمطرها بوابل من المقالات التهكمية اللاَّذعة، تفضح حقيقتها للقرَّاء بأسلوب يسيل مرارة واستهزاء." المقالة الصحفية الجزائرية. مج1، ص: 116.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 602. نشرت القصيدة في جريدة الشهاب، ع: (13/ 01/1927م).
(3) م. ن. ينظر المعنى نفسه الشاعر ابن عبد السلام. المرجع السابق، ص: 597،598. (1/178)
صفحة 179
العيد من الحادث، التي تتَّسم بالهدوء والمسالمة، وقصيدة محمد السعيد الزاهري المتميِّزة بالهجوم والشدَّة والحدَّة: " نجد الزاهري ... ملتصقاً بالواقع، مواجهاً له بنفس الملامح المرعبة، التي يجسِّمها الاغتيال، والفضح المتعقِّب تعقُّب خطوات زعيم المصلحين، فيشنُّ حملة تفتيشية على أوكار الضلالة، تمتدُّ أطول من ثلاثين بيتاً، يترك (الطرقية) المنحرفة و (التصوُّف) الخادع بعدها أشلاء ممزَّقة ... يهوي بالمعاول ... ويدسُّ أنفه في القتام" (1).
4 - وصف الصراع بين الطرقية والمصلحين:
يشتدُّ الصراع بين المصلحين والطرقيِّين بعد محاولة اغتيال زعيم الحركة الإصلاحية، فيجرِّد كلَّ طرف سلاحه، ويشهره في وجه الطرف الثاني، ويكون للمعارك القلمية حضور دائم، وحرب حامية الوطيس على صفحات الجرائد، فتكون النقائض، وتكون المهاترات الكلامية أحياناً.
إذا كانت حادثة محاولة الاغتيال قد تمَّت سنة 1926م فإنَّ جريدة "البلاغ الجزائري" الطرقية قد أنشئت في السنة نفسها؛ لتحتضن إنتاج الطرقيِّين، الذين حملوا لواء الهجوم على المصلحين، بينما تنشأ جريدة "البرق" ذات الاتِّجاه الإصلاحي يوم 07 مارس 1927م، لتهاجم الطرقيِّين بعنف، خاصة الكُتَّاب العليويِّين. وكان يكتب فيها بعض رجال الحركة الإصلاحية (2). وقد أنشأها "محمد السعيد الزاهري" ليسمع منها صوت المصلحين، وينشر أفكارهم، ويلاحق الطرقيِّين.
ينبري كتَّاب الاتِّجاه الإصلاحي لمقارعة الطرقيِّين (3)، وكانوا يتَّخذون من وسيلة الهجوم على الشخصيات أسلوباً من أساليب النَّيل من الفكرة أو الاتِّجاه؛ لأنَّ الشخص يمثِّل – أحياناً- هذا الاتِّجاه أو ذاك. وفي هذا المعنى يقول محمد السعيد الزاهري، وهو يبرِّر سلوكه هذا "وخطَّة الطعن في الشخصيات أحيانا ما
__________
(1) الشعر الجزائري، ص: 80. ينظر التعليق ذاته والرأي نفسه عبد الله ركيبي الشعر الديني ... ص: 602.
(2) ينظر الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 610.
(3) خاصَّة كتاب جريدة البرق، ينظر مثلاً ع: 4 (28/ 03/1927م). (1/179)
صفحة 180
هو إلاَّ نزعة عمومية، كان من الواجب النزوع إليها؛ لأنَّ تلك الشخصيات متَّصلة بالحياة العمومية، فالحمل عليها من عوامل الإصلاح الاجتماعي" (1).
انطلاقاً من هذه الفكرة نجد الكاتب يتناول بعض الشخصيات المنحرفة أو المناوئة للحركة الإصلاحية بالتهكم والسخرية؛ خدمة للصَّالح العام، وللإصلاح الشامل كما يرى. مثلاً تناول تأبَّط شرًا شخصية "أحمد سكيرج" (2) تناولاً لاذعاً، واستعمل في هجائه والنَّيل منه آيات قرآنية وعبارات التقديس والإجلال تفكُّها به، مع ذكر ما كان يدَّعيه لنفسه، وما كان ينسبه مَنْ على شاكلته من الطرقيِّين لأنفسهم، مراوحاً بين التوعُّد والاسترحام المفتعل للإمعان في التهكم، خاصة لما هدَّد سكيرج بتوقيف "البرق" لسان حال المصلحين وجريدة محمد السعيد الزاهري.
يتهكم منه فينسب إليه الملك والعظمة ثم ينفي عنه بعد ذلك هذه الأبَّهة الزائفة: " ... ولهذا زعمت أنَّك قادر على تحجير (البرق) الذي خطف بصرك، وأعشى عينيك، قادر على تحجير البرق، ما شاء الله كان، عفواً يا جلالة الملك سكيرج! سبحانك يا سكيرج! يا ذا الجلال والإكرام، واستغفرك وأتوب إليك! يا غافر الذنب! ويا قابل التوب (3)، يا سكيرج لا إله إلاَّ أنت يا سكيرج، سبحانك إنِّي كنت من الظالمين (4)، لا تعطِّل جريدة البرق، ولا تصدر فيها إرادتك السنِية يا صاحب العزَّة والجلالة، يا سكيرج اللهم يا سكيرج يا لطيف ألطف بعبدك الضعيف، أترك له جريدته، لا تعطِّلها يا سكيرج، سألتك بالخلوة العليوية، وما فيها من الفيوضات؛ أن تعفو عن صاحب البرق، وتصفح عنه، فإنَّك أنت العفوُّ الغفور" (5).
__________
(1) "نصر من الله" البرق، ع: 20 (24/ 07/1927م).
(2) يذكر عبد الله ركيبي أن "سكيرج" رجل مغربي، كان قد أثار ضجَّة كبيرة في هجائه للمصلحين، بعد ارتداده من رجل إصلاح إلى طرقي. الشعر الديني ... ص: 626،627. ينظر أيضًا البرق، ع: 11/ 04/1927م، وع: 23/ 05/1927م. وسكيرج كان واقفًا إلى جانب جريدة البلاغ الجزائري الطرقية.
(3) قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ... } سورة غافر، الآيات: 1،2،3.
(4) قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} سورة الأنبياء، الآية: 87.
(5) تأبَّط شرًّا (محمد السعيد الزاهري) جريدة البرق، ع: 3 (21/ 03/1927م). (1/180)
صفحة 181
أيُّ تهكم هذا!! إلى أين يريد الكاتب أن يحطَّ بصاحبه، إلى أية دركة يبغي إنزاله فيها. فهو لم يكتف بهذا التذلُّل المصطنع الماكر للمتحدَّث إليه، ولم يشفِ غليله نداء واحد. فتوسَّل إليه بنداءات كاذبة، وضمَّنها صفات هي لله وحده. فسكيرج قابل التوب، غافر الذنب، وهو الله الواحد، وهو المستجار من الظلم، وهو المقدَّم له الولاء المطلق والخضوع، وهو المعترف له بالتقصير والظلم؛ لهذا يطلب منه التلطُّف بالعبد الضعيف ... ويوغل في التعريض بتصرُّفات الطرقية حين يستنجد بجاه الزاوية وبفيوضاتها وكراماتها أن تعفو عن جريدة البرق، ولا تمسَّها بأذى، ولا تعطِّلها "يا سكيرج إنَّك أنت العفوّ الغفور" هذه الأفكار في الحقيقة هي ما تؤمن به الطرقية ويعتقده الأتباع والمريدون.
هل هناك إبراز للهوان والضعف والاحتقار للمخاطب أكثر من هذا الأسلوب وهذه الطريقة، إنَّه أسلوب الزاهري المؤلم الموجع المقذع، الذي يصيب المرء في مقاتله. يقول الدكتور محمد ناصر معلِّقا على نفسية الزاهري، وعلى اللقب الذي اختاره لنفسه: "وفي لقبه الأدبي (تأبَّط شرًّا) دلالة واضحة على نزعته الهجومية الحادَّة تلك، واسمعه كيف يشهد بذلك على نفسه (1) وانقضَّ أخيراً (تأبَّط شرًّا) مباغتًا للنَّفعييِّن المقامرين، ونجم عن تهكماته وقوارصه أثر، كلَّما تذكَّروه تمثَّل لهم كشبح مخيف، مكَّنَ من نفوسهم الإيمان بحديث الغول، ولكثرة ما تأبَّطه من المنغِّصات الهدَّامة لصروح الطرقيِّين ظَلَمَه من لم يدعه (تأبَّط شروراً) " (2).
ثم سرعان ما انقلب الكاتب على صاحبه؛ فراغ عليه ضربًا بيمين قلمه، وأوسعه قدحاً وإيلاماً ولذعاً، فسلب منه ما كان قد نسبه إليه من الملك والعظمة، وتهكم ممَّا كان يتوعَّده به من تعطيل جريدة البرق. تحدَّاه إن هو فعل ذلك؛ بأنَّه سيردُّ على المشتركين اشتراكهم في الجريدة؛ اعترافاً بسطوته وقوَّة بأسه عليه.
ويكون "سكيرج" فرعون موسى، فيخاطبه الكاتب بما خاطب به السحرة فرعونَ؛ حين سقط في أيديهم، لما تفوّق عليهم موسى وأبطل سحرهم، بعدها
__________
(1) "نصر من الله" البرق" ع: 20.
(2) المقالة الصحفية ... مج1، ص: 130،131. (1/181)
صفحة 182
أعلنوا إيمانهم بربِّ موسى وهارون. فهدَّدهم فرعون بالتنكيل بهم، لكنَّ المؤمنين الجدد قالوا: اقض ما أنت قاض (1). فيعلن الكاتب إصراره على ما هو مُقدم عليه، وعلى إكمال مسيرته الإصلاحية؛ رغم كلِّ المؤامرات التي يحوكها الخصوم من الطرقيِّين. وفي هذا التوظيف دلالات كثيرة: " ... فإن قامرت أن تعطِّل البرق، ولم تفعل، فأنت كذَّاب أشر، أقض ما أنت قاض يا سكيرج ... " (2).
لا ينسى الكاتب استغلال المناسبة للتَّعريض ببعض تصرُّفات الطرقية، المتمثِّلة في التخلِّي عن الشرف والابتعاد عن الأمَّة؛ وذلك بالسير في ركاب المستعمر، وتعاطي الرشوة في سبيل تنفيذ مخطَّطات الأعداء: " وأعدك وعد صحفيٍّ شريف، لا يرجع عن قوله، لا قاضٍ خسيس، يدور مع الرشوة حيثما دارت. أنَّا نردُّ على كلِّ مشترك في البرق ثمن اشتراكه المدفوع؛ إذا أنت عطَّلت جريدة البرق، ونزيدك أنَّنا نعوِّضها بالصاعقة أو الرعد إذا أنت قدرت أن تحجر البارق ... " (3).
ويكون بقية المقال كلِّه تهكما بسيرة سكيرج، الذي كان تيجانيًّا ثم أصبح عليويًّا ... ويكون سخرية بتصرُّفات أخرى، ذكَّره الكاتب بها، ثم هدَّده في النهاية " ... ثم نقتفي آثارك حتىَّ نسدَّ فاك وأنفك راغم" (4).
يبدو محمد السعيد الزاهري في التصوير قاسيا وعنيفاً وشديداً على خصمه، وقد برزت فيه القوَّة، التي هي طعم السخرية ونكهتها كما يقول سيمون بطيش (5).
تشتدُّ اللهجة أيضاً من جانب الطرقييِّن، ويطلب كتَّابهم من مسؤوليهم السماح لهم بمنازلة كتَّاب الحركة الإصلاحية، وفسح المجال في الجرائد لأخذ أولئك الكتَّاب بالنَّواصي والأعناق، وفضح مخازيهم، وإفراغ القطر على رؤوس الشياطين،
__________
(1) ينظر سورة طه، الآيات: 70،71،72.
(2) جريدة البرق، ع: 3.
(3) م. ن.
(4) م. ن. يرجع إلى ما كتبه أحمد سكيرج في جريدة البلاغ الجزائري ع: 20. وهو ما كان سببًا في حملة محمد السعيد عليه.
(5) ينظر السخرية والتهكم في أدب مارون عبُّود، ص: 17. (1/182)
صفحة 183
وإصلائهم ناراً حامية وتجريعهم الزقوم والغسلين. وقد أجهدوا أنفسهم في استعمال أسلوب السخرية، لكنَّه جاء ضعيفاً، غلب عليه الهجوم والإقذاع والتعيير (1).
مِثلما كانت المقالة الصحفية بارزة بروزا شديدًا في هذا الصراع، كان للشِّعر حضور أيضاً في هذه المنازلة الأدبية والفكرية. يشير الدكتور عبد الله ركيبي مثلاً إلى معركة كانت حامية الوطيس بين الشاعر الإصلاحي "حسن بولحبال وشخص ينتمي إلى الطرق الصوفية يسمِّي نفسه رشيدا" وقد استمرَّت المعركة بينهما طويلاً. تخلَّلت القصيدة لمحات ساخرة، من ذلك رسم صورة كاريكاتورية فكاهية لشعر أصحاب الطرق، الذي ليست له أية قيمة أدبية: معنوية وفنية، مماثلا بينه وبين شَعَر لحية الشيخ:
وشعركم له شَعَر ولكن ... كشعر الشيخ ينتفه المريد (2)
في هذا التوظيف دلالات، نشير إليها للوقوف على ما في البيت من سخرية:
1) مقارنة مضحكة ساخرة بين شعر هؤلاء الطرقيِّين وشَعَر شيخهم، وفي ذلك تعريض هادف إلى ازدراء الطرقيِّين واحتقارهم؛ فكما أنَّ أشياخ الطرق يتَّخذون لحي، يتظاهرون بها بالتقوى والصلاح والزهد، يصطادون بها السذج من الناس، والبسطاء منهم. فإنَّ شعرهم يحاول أن يتَّخذ لنفسه شَعَراً، عساه يظفر بالتقدير والاحتفاء من سامعيه. مادام الشعَر غدا رمزاً للخصال الحميدة، ومادام كلُّ من حملَهُ يضمن التقديس والاحترام. حتىَّ ولو كان هذا غير ممكن، لكنَّ الطرقيِّين ألفوا تحويل المستحيل ممكناً، ولو ادَّعاء وزعماً.
2) إقذاع وسخرية من الشعَر واللحية معاً، حين يصوِّرهما الكاتب بأنَّهما مهانان محتقران؛ إذ يعبث المريدون وغيرهم باللحية، الرمز على الرجولة والشهامة والمروءة، بل تنتف لأنَّها ليست حقيقية ولا أصيلة. والحال نفسها تنطبق على الشعر.
__________
(1) ينظر مثلاً "عمر بوبكر الزنجي الغرنافجي" نتوء رؤوس الشياطين"، جريدة الروح، ع: 18 (15/ 11/1938م) ينظر الجريدة نفسها "تصدع بالحق وتهدم ما بناه المبطلون" (د. إ) ع: 7 (30/ 04/1938م). المقال تعريض بجريدة الأمّة لأبي اليقظان، وتهديد وتوعَّد بمحاربة المصلحين بسلاح أحدٍّ، وبمقابلتهم بقسوة أشدٍّ ... مع محاولة صبغ الكتابة بالسخرية.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 604. ينظر جريدة "صدى الصحراء"، ع: 15/ 03/1926م. (1/183)
صفحة 184
أمَّا شعره (أي الشاعر) فهو أصيل وفحل، يعمل عمله في الطرقيِّين، ويؤثر فيهم أيّما تأثير. يستغلُّ الكاتب الحروف التي يتركَّب منها اسمه (بو لحبال) فيولِّد منها معنى يهجو به رشيداً وشيعته، ويسخر منهم ويهدِّدهم:
أنا صاحبُ الحبل الطويل (1) أتيتُكُم ... شعري كحبلٍ محكمٍ وطويلِ
مهمَا ألاقي جمعَكُم ينتابُنِي ... داءُ الحماسِ، وعند ذاك أَصُولُ (2)
زيادة على السخرية، فإنَّ البيت الأوَّل حمل مجوناً تضمَّنَتهُ كلمة "حبل" التي اشتقَّها الشاعر من اسمه. هذه الملاحظة تترجم عن روح العصر الذي كثرت فيه هذه الممارسات، وفي الوقت نفسه تفصح عن الصراع الذي اشتدَّ بين الطرقيِّين والمصلحين، فأفرز مثل هذا السلوك (3). كما يستغلُّ بولحبال توقيع خصمه كتاباته وأشعاره باسم مستعار"رشيد"فيسخرمنه ويتَّهمه بالجبن والخوف، ثمَّ يهجوه هجاء مؤلماً شديداً، وينتقده بأسلوب بذئ، ينبذه الذوق، ويرفضه الحياء (4):
أنتَ من جهل اسمه فظلَّ خفيًّا ... حضَرت أمُّه وغابَ أبُوه
قد تَوارَيتَ بالحجَاب بجُبنٍ ... فلماذَا على الرِّجال تتيهُ (5)
قد كان هناك صراعٌ عنيف وشديد بين أدباء، يمثِّلون اتِّجاهات جرائد معيَّنة، التجأت إلى السخرية والتهكم، لكنَّهما بَدَوا ضعيفين في كتاباتهم - في كثير من الأحيان - ومسفِّين بالأدب والفنِّ أحيانا أخرى. تمَثَّلا واضحين في المهاترات
__________
(1) كان الشاعر يوقع كتاباته باسم (بوحبل).
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 605. ينظر جريدة "صدى الصحراء" ع: 29/ 03/1926م. ارتكب الشاعر خطأً نحويًّا؛ إذ لم يجزم الفعلين (ألاقي، وينتابني) فإنَّ "مهما" تجزم الفعلين المضارعين إذا دخلت عليهما، كان المفروض أن يقول (ألاق، وينتبني) إلاَّ أن الوزن لا يستقيم. في الشطر الأوَّل كسر.
(3) هذا على غرار بيت "ديك الجن" الذي أشار فيه إلى مدير المرصاد، فأتني بدجاجهم ولا عليك:
"نظرة فارتعاشة فانتفاض ... فانقضاض فمهلة فابيضاض"
ينظر جريدة المرصاد، ع: 29 (21/ 10/1932م).
(4) أغلب ما كتبه بهذه الروح فيه إسفاف وتجريح، يدخل في باب المهاترات لا الفن. ينظر الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 606.
(5) م. ن. (1/184)
صفحة 185
الكلامية التي أبداها بعض الكتَّاب من الفريقين، وهي تخرج من باب التهكم إلى المتاجرة بالكلمة، والاشتغال بالولوغ في أعراض الناس، والانصراف إلى اللهو المحظور في الدين والأدب. وهي تدلُّ - في كثير من الأحيان- على الإفلاس من الحجَّة، والفقر إلى الأدلَّة، والضعف في التحكُّم في النفس، التي تكتب بدافع من الحقد والغضب؛ فتثور وتهيج وتتبذَّى في أسلوب الخطاب ... إنَّ ذلك يدلُّ على حال السقوط والانهزام النفسي والاندحار والتدنِّي، ويسجِّل حالة الضعف الفنِّي، والعجز وعدم التمكُّن من الأدوات الفنِّية في الكتابة بأسلوب السخرية. هذه الطريقة في المعالجة تدلُّ على ابتعاد الأدباء عن آداب المخاطبة وقواعد المناقشة والحوار والتنافس وأدب الاختلاف.
ونحن إذ نسجِّل هذه الملاحظات على هذه النصوص، ونحن نعالج موضوع السخرية، التي قد تبدو غير متوفِّرة فيها، ممَّا قد يخرجها من دائرتها؛ فلأنَّنا لمسنا وأحسسنا بأنَّ أصحابها قصدوا السخرية وإن أخطؤوا سبيلها، بدليل لجوء الأدباء إلى التعريض والاستهزاء والتقحُّم على الغير، وإن اشتطُّوا في ذلك. وقصدنا الإشارة إلى ذلك للتأكيد على الوضع الصعب، الذي كانت تعيشه الجزائر في ظلِّ الاستعمار، وبخاصة فترة الثلاثينيَّات، التي تصاعد فيها الصراع واحتدَّ الخلاف بين أطرف مختلفة، كانت تنشط في الساحة. ثم لأثبت أنَّ الأدباء لم يكونوا دائماً موَّفقين في سخريتهم. ومن ثمَّ أؤكِّد علىنَّ السخرية الفنية النَّاجحة تتطلَّب – عادة- مستوى معيَّناً للمعالجة الأدبية؛ لابدَّ من الحرص على الارتقاء إليه؛ كي تكون الكتابة مقبولة فنيًّا.
5 ـ الصراع عن طريق انتزاع اعترافات:
اتَّخذ الصراع بين المصلحين والطرقيين شكلاً آخر، وتلبَّس لبوس الاعترافات، أو انتزاعها من أصحابها، أو الإقرار بما نُسبَ إليهم من أعمال منكرة. فكانت الحقائق – في نظر كلِّ فريق- تنتزع في جلسات، ومن أحاديث، وفي اجتماعات ألف كلُّ طرف عقدها، وهي تدخل في صميم استراتيجيَّته، وضمن خطَّته وأسلوبه في العمل، حتىَّ ولو كانت هذه الأحاديث هي إلى الخيال في التناول (1/185)
صفحة 186
أقرب منها إلى الحقيقة. إلاَّ أنَّها تبقى طريقة مبتكرة في الكتابة (1) وأسلوبا متعمَّداً في السخرية. وهو ما يقوم دليلاً على التطوُّر في الصراع، والتقدُّم في المنافسة والمنازلة.
فـ "إيَّاس" (وهو الشيخ بيُّوض) (2) حاول من خلال ما كتبه تحت عنوان "جلسة المخذولين" (3) أن يبيِّن أنَّ الطرقيِّين كانوا في جلساتهم واجتماعاتهم، يعملون على تدبير المؤامرات وتلفيق التهم ضدَّ المصلحين، وفي الوقت نفسه عمِدَ إلى نفي ما ينسبه الطرقيُّون إليهم من هذه الأعمال الشنيعة. لكنَّ أحد هؤلاء الطرقيِّين وهو "هبنَّقة" أحد أبطال "جلسة المخذولين" يجيبهم بما هو متعارفٌ عليه، وبما يوصف به أشياخهم - عادة - من التدجيل والتلاعب بالدين، والتطاول عليه بالتحليل والتحريم؛ حسب الأهواء والمصالح:
"هبنَّقة – ليس كذلك، بل نقرُّ ونستصوب فعلنا، فإنَّنا لا نعدم تأويلاً نحقُّ به باطلنا كما قال الشيخ في خطابه الافتتاحي، فما دام الشيخ فينا لا نخشى أن تعترض طريقنا عقبة من جهة الدين، فهو بهمَّته يذلِّلها، فلا يعجزه أن يأتي بدليل يبيح به حرامًا، أحوجتنا الضرورة إليه، فأمْرُ الشرع بيده، يمحو ما يشاء ويُثبِّت.
الأهوج – إنَّ الكذب لأجل المصلحة جائزٌ شرعاً، فخذوا فيما أنتم فيه، ولا تنازعوا" (4).
إنَّ الكاتب يصبغ كتابته بصيغة السخرية حين يقتبس جملة قرآنية، وصف الله نفسه بها أو فيها، بأنَّه القادر على كلِّ شيءٍ، والمتصرِّف المطلق في الكون
__________
(1) وإن كانت الطريقة ليست جديدة، فقد عرفت من قبل في الأدب العربي، مثل أحاديث ابن دريد، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، وإمتاع أبي حيّان ومؤانساته، وأمالي المرتضى ... وما عرف في الأدب العربي الحديث.
(2) الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (1899 - 1981م) ركن من أركان الحركة الإصلاحية الجزائرية، عضو إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، مؤسِّس معهد الحياة الثانوي (القرارة) سنة 1925م. من آثاره تفسير القرآن الكريم تدريسا في مسجد القرارة (1935 - 1980) وشرح كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (1931 - 1945م) شرعت جمعية التراث (القرارة) في طبع تفسيره. تراجع ترجمته في كتاب: أعلام الإصلاح في الجزائر، بأجزائه الخمسة، لمحمد علي دبُّوز.
(3) ينظر جريدة "وادي ميزاب" الأعداد: 61، 62،64، 72، 79، 81.
(4) "إيَّاس" جلسة المخذولين، جريدة وادي ميزاب، ع: 81 (04/ 05/1928م). (1/186)
صفحة 187
{يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (1) وهبنَّقة قال " فأمر الشرع بيده يمحو ما يشاء ويثبِّت، وبذلك يكون الشيخ في عرف هؤلاء الطرقيِّين هو المتصرِّف المطلق؛ لأنَّ فيه صفة من صفات الله تعالى. وفي ذلك تهكم واحتقار وقدح في أعمال هؤلاء القوم.
المقال كلُّه اعترافات بمخازي الطرقيِّين ومكايدهم، وحديث عن سعيهم في الوشاية والسعاية، بطريقة ذكية ذكاء سمي الكاتب "إياس بن معاوية": كنقل الشجار والخلاف اللذين يقعان غالباً في أمثال هذه المواقف والجلسات التي تخصَّص لحبك المؤامرات وتدبير الحيل.
بهذه الطريقة ينقلنا الكاتب إلى الواقع الذي يعيشه هؤلاء الطرقيُّون؛ حين يخلون بأنفسهم؛ فيعترفون بأخطائهم وقصورهم في تدبير المؤامرات، ويقرُّون بانهزامهم في كلِّ مخطَّطاتهم، ويتحسَّرون على إذاعتهم صيت المصلحين بهذا التصرُّف، ورفع أقدارهم عند الخاصَّة والعامَّة من ذوي القلوب الطيِّبة والعقول الراجحة، فيتأخَّرون هم ويتقدَّم غيرهم. كما يحاول - بهذا الأسلوب- تسجيل أعمال المصلحين وإصلاحاتهم الدينية والاجتماعية والتربوية والسياسية ... وفي الوقت نفسه يتهكم بتصرُّفات هؤلاء المبتدعين.
في هذه الطريقة، وهذا الأسلوب جانبٌ نفسيٌّ، يحاول اغتيال معنويات الطرقيِّين، وردِّ الاعتبار للمصلحين؛ لطمأنة الناس بسلامة منهجهم، والقيام بحملة إعلامية في صالح هؤلاء؛ لأنَّ العامة انساقت وراء ادِّعاءات الطرقيِّين ودعاويهم؛ فاستجابت أو تفاعلت مع أفكارهم. بينما أفكار المصلحين لما تتبلور، بل إنَّ العامة أخذت فكرة خاطئة عنهم وعن نشاطهم.
وعلى المنوال نفسه ينسج "رقيب" وعلى النموذج عينه ينشئ مقاله "حديث المفلسين" (2) فيضمِّنه اعترافات الطرقيِّين بمؤامراتهم، وفي الوقت ذاته يسجِّل إقرارهم
__________
(1) سورة الرعد، الآية: 39.
(2) ينظر جريدة الأمَّة، الأعداد: 165 - 169 - 170، وجريدة الفرقان، الأعداد: 1 - 2 - 3. (1/187)
صفحة 188
بانهزاماتهم أمام قوَّة المصلحين، وفشل كلِّ مناوراتهم ومكايدهم، التي لم تمرَّ، ولم تنطل على الناس بفعل إخلاص العاملين في ردِّ أعمال الطرقيِّين المنكرة. فحين وصل سمعهم مثلاً أنَّ المؤامرة التي دبَّروها لنسف أحد معاقل المصلحين قد باءت بالفشل علتهم كآبة، وظهرت على وجوههم خيبة الأمل، وشعروا بإحباط نفسي، فقال: "الجميع ما هذا الذي تقصُّ علينا يا أبا رغال؟ أنحن في يقظة أم في منام؟
أبو رغال – إنَّما أقصُّ عليكم الواقع الذي لا شكَّ فيه، وفي حال اليقظة، لا في المنام" (1).
يستغلُّ الكاتب هذه المناسبة؛ ليعرِّض بمواقف هؤلاء القوم المتناقضة، والتي لا تعتمد على أسس صحيحة، ولا تستند إلى مبادئ ثابتة، فيذكِّرهم بموقفهم في رفض العمل بالتليفون في ثبوت هلال رمضان وشوَّال، بينما يقبلون عدا ذلك من الأخبار. هذا الموقف يدلُّ على التعنُّت وعلى الجمود الفكري. كما يدلُّ على السذاَجة؛ حين يرفض أحدهم تصديق خبر انهزامهم؛ لأنَّه جاءه بواسطة الهاتف. وفي تصوير ذلك والتعليق عليه تهكم وسخرية لاذعة.
(الشيخ الأرعن) يجيب (أبا رغال):" هوِّنوا عليكم فإنَّ الخبر إنَّما ورد على زعيمنا (النمرود) عن طريق التليفون، وخبر التليفون غير صحيح.
(أبو الدسوم) كعْرَرْ (2) نحن إنَّما نجاريك في ذلك فيما يخصُّ هلال رمضان وشواَّل فقط، وأمَّا ما عدا ذلك فلكم دينكم ولي دين" (3).
لكي يثبت الكاتب اندحار هؤلاء القوم، وسقوطهم وضلالهم، ينتزع منهم هذا الاعتراف وإقرارهم بأنَّهم كانوا واقعين تحت تأثير وسوسة الشيطان، وإغوائه ووعوده الكاذبة المضلِّلة. قدَّم ذلك في صورة الملاومة والجدل، اللذين يكونان يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين. وذلك حين يتفطَّن الضعفاء أنَّه غُرِّرَ بهم. وفي هذا التصوير مسحة من التهكم والإقذاع:
__________
(1) رقيب هو (أبو اليقظان)، "حديث المفلسين"، جريدة الأمَّة، ع: 165 (03/ 05/1938م).
(2) كعرر: لفظة عامية، تطلق ويقصد بها الدعوة إلى الكف عن التقعير. ويبدو في مدلولها أنَّها قريبة من معنى كلمة كَعَرَ التي تعني: أنَّبَه تأنيبا شديداً.
(3) جريدة الأمَّة، ع: 165. (1/188)
صفحة 189
"باقل: بالله عليكم لا تخرجوا بنا عن الموضوع. فإذا كان الأمر صحيحاً كما يزعم أبو رغال، فليس أمامنا إلاَّ إلقاء السلاح والاستسلام وكفي.
الزنديق: يظهر من كلام النمرود الأمر بإلقاء السلاح، الرضوخ إلى الأمر الواقع، وأين ما كان يعدنا ويمنينا به، وأنَّه وأنَّه ... " (1).
ومن يتَّخذ أمثال هؤلاء الناس أولياء وأئمَّة فقد خسر خسراناً مبيناً؛ لأن الله تعالى يقول: { ... وَمَن يَتَّخِذِ الشيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشيْطَانُ إلاَّ غُرُوراً} (2) إنَّ هذه الاعترافات المنتزَعة بهذه الطريقة هي التي أضفت على النصوص مسحة من السخرية والتهكم.
حاول الطرقيُّون بدورهم تقليد المصلحين في هذا الأسلوب. فهذه جريدة "الروح" (3) جرَّبت أن تحذو حذو جرائد وادي ميزاب والأمَّة والفرقان، بخاصة في استعمال طريقة الحوار، وتسمية أبطال القصص، أو الحوادث التي تقع بأسماء، تبعث على الاشمئزاز والنفور ممَّن سموا بها، وكذا اختراع العناوين اللاَّفتة للنظر، التي تجسِّد أو تحاول الكشف عن حقيقة هؤلاء المصلحين الوضيعة (في نظرهم) مع الحرص على انتزاع الاعترافات بمخازيهم منهم أنفسهم.
كلُّ ذلك يدخل ضمن الحملة الإعلامية والحرب النفسية، التي تعمل على الانتصار للفكرة ومناقضة ما يقابلها (4)، وذلك في أسلوب ساخر. وإن كانت
__________
(1) م. ن.
(2) سورة النساء، الآيتان: 119، 120.
(3) الروح (1937 - 1938م) أصدرها أحد أقطاب المحافظين، هو أبو العلا بكير بن الحاج سليمان، وقد أنشئت خصِّيصا لمناوأة المصلحين. أغلب موادها تتبُّعٌ لعورات المصلحين، وهجوم عليهم وسبُّهم وشتمهم، وهي تمثِّل نموذج الكتابة المنحطَّة، وكانت تهاجم على الخصوم جريدة الأمَّة لأبي اليقظان، ليس فيها زاد فكري أو أدبي بالمفهوم الصحيح لهما. صدر منها حوالي ثلاثين عددًا.
(4) ينظر مثلاً جريدة الروح، "هذيان المنافقين" الأعداد: 10،11،18،19،20. ردًّا على ما كتبه أبو اليقظان في الأمَّة تحت عنوان "حديث المفلسين". وكان التقليد حتىَّ في الأسماء المستعارة في الإمضاء مثلاً: "رقيب" في "الأمَّة" "نقيب" في "الروح" ... (1/189)
صفحة 190
السخرية في "الروح" أقلُّ روعة وقيمة ومتعة من "الأمَّة والفرقان ووادي ميزاب"، بل تكون أحياناً ضعيفة ومُسِفُّة غارقة في أوحال السباب والشتم والبذاءة والوقاحة. ممَّا يسلب منها - في كثير من الأحيان- صفة الأدب، وأية قيمة فكرية.
جاء في مقال على لسان المصلحين مثلاً: " المدعي- إذا نظرت إلى الناس، وقارنت حالي بحالهم وجدتهم في هناءٍ، ووجدتني في شقاء دار بي فراشان (كذا) يلعبان بي لعب الصبيان بالدمى، فجنَّساني بجنسية الفراشية (1)، فها نحن ندور على مصباح (العزَّابة) والمشائخ، وأنَّه لا محالة في يوم ما نصير من الهالكين. ولئن شكوت إليكم يا إخواني المنافقين حالي، فلكي تعينوني في الرأي، وتحملوا معي هذا الحمل الثقيل ... " (2).
لا شكَّ أنَّ التجنُّس بجنسية "الفراشية" يحمل معاني الحقارة والسفاهة؛ إذ أنَّ الفراشة تُنعت بالجهل والحمق؛ لأنَّها تلقي بنفسها إلى التهلكة بحومها حول الضوء والنُّور الذي يكون فيها موتها وفناؤها. ولا أدلَّ على ذلك من القول المأثور " أجهل من فراشة." كما أنَّ الصورة تعطينا -زيادة على السخرية من تصرُّفات أولئك المصلحين- فكرة عن قدرة الطرقيِّين على إفناء خصومهم، وتؤكد أنَّ النُّور الذي تحوم حوله فراشة المصلحين هو ضياؤهم، وهم يعدُّون أنفسهم أعلى قيمة وأحسن حالا وأفضل من خصومهم.
ممَّا لحظت أن الكتَّاب أو الأدباء كانوا يعمدون - في كثير من الأحيان- إلى استنطاق خصومهم؛ لينتزعوا منهم اعترافات بتصرُّفاتهم المشينة، وليشعروا العامة بإقرار هؤلاء بذنوبهم ومخازيهم، حتى ولو كان في ذلك تكلُّف ولجوء إلى الخيال؛ وذلك إمعاناً في السخرية وعمدا إلى إسقاط مشاعرهم وأفكارهم التي يؤمنون بها على هذه الاعترافات.
__________
(1) هذه الصفة دارت كثيراً في كتابات بعض الذين تعرَّضوا للمصلحين، مندِّدين بأعمالهم. ينظر مثلاً جريدة الروح، ع: 6 (15/ 04/1938م).
(2) "هذيان المنافقين" (د. إ)، الروح، ع: 10 - 11، سنة 1938م. (1/190)
صفحة 191
هكذا تكشف لنا النصوص التي قدَّمناها عن وجه إسهام الأدب الجزائري الساخر في موضوع الطرقية، الذي شغل بال الكتَّاب كثيرا ً، واستنفذ منهم طاقات وأوقاتاً كثيرة؛ نظراً إلى خطورة الموضوع من حيث انعكاساته على المجتمع، ومن حيث إفصاحه عن أفكار ونظريَّات متباينة، وكشفه عن نفسيَّات متنافرة في أفكارها ونزعاتها، ومن حيث إبرازه لأنواع السلوك والتفكير المختلفة ... وقد انعكس كلُّ ذلك على بحثنا هذا فآثرنا الإطالة في الكتابة في الموضوع، وتقديم بعض التفصيلات، للوصول إلى بيان إسهام الأدباء في الموضوع وتقييمه. بعد كلِّ ذلك نسجل ما يأتي:
1) نسجِّل كثرة النصوص التي تعرَّضت لموضوع الطرقية والمتصوِّفة، وكذا تعدُّد الأساليب، ومختلف الأفكار التي تناولها الأدباء في هذا الموضوع؛ محاولة منهم تعريف الناس بحقيقة الطرقية: كَشْفًا لمؤامراتهم، وفضحاً لأساليب تضليلهم، ودفعاً لآيات التمويه والتزييف لعمل المصلحين وغيرها ... وذلك بأساليب تهكمية ساخرة لاذعة، مؤثِّرة أحياناً وغير موفَّقة في التناول أحياناً أخرى؛ إذ كان الأديب يحاول –أحياناً- أن يصوِّر إحساساته ومشاعره، ويُبدي تذمُّره وتضايقه من هؤلاء المتصوِّفة، فلا نظفر منه بعمل أدبي، ولا نلمس منه تحقيق هدفه في النَّيل من أولئك المتحدَّث عنهم؛ فيتظاهر بمظهر المحتقر لهم ليخفي هذا الإخفاق.
2) كشفت هذه النصوص، أنَّ الصراع المرير والطويل بين المصلحين والطرقيين، كان سببه الرئيسي هو اختلاف نظرة كلِّ طرف إلى الدين، وإلى مجمل القضايا في الحياة، وكان للمبادئ والأهداف التي يؤمن بها كلّ فريق دوره في هذا المجال، وَحُبّ الزعامة عمل - أيضاً - على تغذية هذا الصراع وهذه المنافسة (1).
3) كثيرٌ من إسهامات الأدباء كانت تتجاوز مناقشة الفكرة إلى تصيُّد سقطات الشخص، وتتبُّع حركاته وسكناته، وإحصاء أنفاسه، ورصد كلِّ حرف من الحروف التي يرسمها أو ينطق بها، مع اللجوء إلى التأويل والاستنتاج
__________
(1) يراجع الشعر الديني الجزائري الحديث ... ص: 583، 588،628. (1/191)
صفحة 192
والاستقراء ... بما يعين على الوقوف على ما يدين صاحب هذه الإسهامات؛ تبعاً لما يتماشى مع أفكار صاحب النقد أو الانتقاد، حتى ولو كان ما يُتأوَّل غير وارد في ذهن كاتب المقال. يبدو ذلك أكثر في جانب الطرقية وأصحاب الزوايا المناوئين للمصلحين. هذا الأسلوب يفقد للصِّراع الفكري والأدبي نكهته وقيمته وأهميِّته أو دوره، فعوض أن يكون هذا الصراع عامل بناء، يكون سبب هدم وتقويض للحركة أو تشويش على النهضة.
4) في كثير من الأحيان يكون الهجوم على الشخص بوصفه شخصاً، وليس لكونه يمثِّل اتجِّاهاً أو فكرة، يحاربه الأديب بسبب تلك الفكرة؛ فيعمد إلى ذكر اسمه، وإلى تجريحه والانتقاص منه، وتسفيهه وهجائه ... ممَّا يجعله يسفُّ أحياناً إلى حضيض المجون والإقذاع والبذاءة، وينزلق إلى حمأة السب والشتم، فنلمس في تهكمه آثار الحقد والانهزام النفسي، والإخفاق في إيصال الفكرة؛ ممَّا يظهر ضعفاً في توظيف أسلوب السخرية.
5) ظهر أدباء الاتّجاه الإصلاحي أغزر إنتاجا من خصومهم في الاتجِّاه الطرقي، وكانوا أكثر توفيقاً – في كثير من الأحيان- وكتاباتهم كانت أرقى فنًّا ومستوى – وقد بيَّناَّ ذلك في موطنه- ولهذا كان تركيزنا على إنتاجهم أكثر.
6) لحظنا أنَّ اللحية والسبحة والعمامة اتُّخذت عند بعض الأدباء رمز الخيانة والنِّفاق والدجل والمكر (1).
ب - نقد الأوضاع الاجتماعية:
تعرَّض الأدب الجزائري – فيما تعرَّض له - لنقد الأوضاع الاجتماعية، التي تفشَّت في المجتمع الجزائري. وكان في هذا التناول إضحاك وتهكم ولذع وإيلام
__________
(1) ينظر مثلا: محمد العزوزي حوحو "بخ بخ، ساق بخلخال"، الشهاب، ع: 82 (03/ 02/1927م) ومفدي زكريَّاء: "مصرع الفضيلة" (قصيدة) وادي ميزاب، ع: 62 (23/ 12/1927م) ومحمد السعيد الزاهري، البرق، ع: 23 (15/ 08/1927م)، وبوسعادي "حذار من الورع الغادر والسخاء الماكر"، البصائر، ع: 174 (14/ 07/1939م)، ومخبر "خفافيش الظلام"، البصائر، ع: 180 (25/ 08/1939م)، وكتابات رضا حوحو وغيرها ... (1/192)
صفحة 193
واحتقار - أحياناً- للجهة التي صدرت منها تصرُّفات، لاَ تتناسب مع المكانة أو الهيئة المحترمة التي تتَّصف بها. وقد ظهر هذا النقد بأساليب متنوِّعة، وأشكال مختلفة، تعدَّدت تعدُّد مظاهر الانحراف، واتِّساع ميادينه ومجالاته؛ قصد الإصلاح والتقويم والتغيير. من بين تلك الأساليب أسلوب السخرية؛ لأنَّه "حين تتَّسع الانحرافات الفردية والاجتماعية، وتتفشَّى مظاهر الفساد والقهر، تستخدم السخرية وسيلة للإصلاح والتقويم، وتقوم بفعل القصاص والعقاب، كما تقوم بتخفيف أعباء الانفعال، واستهلاك الكمية الفائضة من التوتر" (1).
بعض هذه الأمراض وهذه الآفات يطلعنا عليها "الحاج محرَّم"، وهو يبعث بجواب مغلوق إلى مدير جريدة "البستان"، يلومه فيه على تهجُّمه عليه (أي على شهر محرَّم)، الذي يحلُّ على الناس كلَّ عام، فيحتفون به، دون أن يفقهوا حقيقة ما يقومون به، ولا يعرفون أنَّ "محرَّم" يمثل الطهر والأمانة واتِّباع شرع الله، والانتهاء عمَّا نهى الله عنه. يحتفلون به والأمراض الاجتماعية والمحرَّمات والمنكرات تملأ حياتهم. وكأنِّي بمدير الجريدة يلوم هذا الشهر، أو يتندَّر به وبمجيئه والعالم على تلك الحالة، فيجيبه "الحاج محرَّم " هل الناس تغيَّروا أم أنا الذي تغيَّرت، انظر إلى ناس القرن الأوَّل والذي يليه، والذي يليه، كيف هم في التقى والفضيلة والمروءة والعفَّة والغيرة، إلى غير ذلك من الأخلاق الإسلامية التي عدَّدها له.
ثم سرد عليه ما شاهده أثناء إقامته بين ناس العصر وماساءه، ثم قال: "ها أنتم هؤلاء ترون وتعلمون علم اليقين أنَّه ما كفر (محرَّم) ولكنَّ الشياطين كفروا، يعلِّمون الناس ما تقدَّم من المعاصي، ويعلمونها بلا احتشام ولا خجل. فهبكم يا مولاي الكريم مكاني، فبماذا تعاملون من يعاملكم؟ بالإهانة والحقارة؟ والله سبحانه يقول (2) { ... فَمَن اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... } (3).
__________
(1) الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 307.
(2) سورة البقرة، الآية: 194.
(3) "الحاج محرَّم في رحلته 1352هـ جواب مغلوق إلى سيدي مدير جريدة البستان"، البستان، ع: 2 (11/ 05/1933م). يبدو أن المقال لأبي اليقظان. (1/193)
صفحة 194
وَصَفَ "الحاج محرَّم" الحالة الاجتماعية المتدهورة في الجزائر بطريقة فكهة، وقدَّمها في ثوبٍ من التندُّر، ينسجم مع أسلوب جريدته "البستان" الفكاهية. وفي ذلك دلالات نفسيَّة عميقة، تفصح عمَّا كان يعانيه المصلحون من متاعب؛ بسبب انتشار هذه الآفات، وتكشف عن عملهم الدؤوب، وجهادهم المتواصل للقضاء على هذه الآفات. وقد أضفى على النص جوًّا من السخرية اقتباسُ الكاتب تركيباً قرآنيًا، نسب إلى الشياطين "ما كفر محرَّم ولكن الشياطين كفروا يعلِّمون الناس ما تقدَّم من المعاصي" والله تعالى يقول: { ... وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ الناس السحْرَ ... } (1) كما أنَّ إجراء الحوار بهذه الطريقة الفَكِهة، واختيار أسلوب التندُّر هو نوع من التفنُّن في وسائل المعالجة والتناول، عسى ذلك ينفع في الإصلاح والتغيير.
أمَّا الكاتب "الهاشمي التيجاني" (2) فقد كتب مقالاً في حلقات عنوانه "من حياتنا الاجتماعية" (3) قدَّمه على شكل حوار في نقد بعض الأوضاع الاجتماعية. لم يخل من أسلوب التهكم والسخرية. فيه تعريض بالتزمُّت والانغلاق، ونقد بعض العادات والتقاليد البالية، وبعض طرق الزواج التي لا تخدم العلاقة بين الزوجين ... كما تضمَّن سخرية من مظاهر الإسراف، وتهكماً ببعض التصرُّفات المزرية بالآداب العامة، والتنكّر للأصالة، وجهل الدين ... وقد اشتمل المقال بعامة على أفكار متطوِّرة جريئة.
وعن مصرع الفضيلة وانتصار الرذيلة كتب أحمد رضا حوحو مصوِّرًا هذه الحقيقة بأسلوب ساخر تهكمي، وبوصف كاريكاتوري مضحكٍ مبكٍ في آن
__________
(1) سورة البقرة، الآية، 102.
(2) الدكتور الهاشمي التيجاني، أديب وكاتب جزائري غزير الإنتاج، تقلَّد عدَّة مسؤوليَّات سياسية وثقافية واجتماعية قبل استقلال الجزائر وبعدها، نشر في عدَّة جرائد ومجلاَّت جزائرية وغير جزائرية مثل البصائر في الجزائر، العلم ومنبر الشعب والرأي العام ودعوة الحق في المغرب، و ( Le monde) في باريس. مؤسِّس جمعية القيم الإسلامية (الجزائر) سنة 1963م، رئيس تحرير مجلَّتيها "التهذيب الإسلامي" و ( Humanisme Mesulman) من إصداراته "مذهب النسخ في التفسير بالفرنسية سنة 1990م، والنسخة العربية للكتاب صدرت سنة 1993م، هو الآن أستاذ في المعهد الوطني العالي لأصول الدين جامعة الجزائر. معلومات أفادنا بها الكاتب في مراسلة خاصَّة بتاريخ 02/ 11/1993م.
(3) ينظر البصائر الثانية، الأعداد: 94 - 96 - 97 - 98 - 99 - 100 - 101 - 102 - 103. (1/194)
صفحة 195
واحد. قدَّم الكاتب ذلك مسجِّلاً الظُّروف والأساليبب التي جعلت الناس ينزلون إلى هذه الدركة، ويسبحون في هذه الحمأة، ولا تكون هذه الأساليب سوى ما يتَّصف به الناس من سوء الأخلاق، وتعفُّن في العلاقات بينهم، وانقلاب الموازين عندهم والتخلِّي عن الدين في هذه العلاقات، وتحكيم الهوى في هذا السبيل: " ... وجلس الفتى في ركن منعزل، وهو على أسوإ ما يكون من الحالة النفسية، مصفّر الوجه، محطَّم الأعصاب. كان يمثِّل بحقِّ الفضيلة المطعونة في صميمها، المغلوبة على أمرها، وزاد تأثُّره حينما بدت له الرذيلة المنتصرة، يؤيِّدها الجاه الكاذب، الذي شيَّدته المادة، يؤازرها شهود الزور، الذين خلقتهم المادة. هذه المادة التي جمعت من الحرام ولا سيما من أموال الضحايا الكثيرين بطرق الربا وغيرها من أنواع اللصوصية المشروعة في عرف الإنسان وقانونه، قانون الإنسان الذي يدين البائس الجائع، وهو يختلس رغيفًا، يعدُّ من حقِّه، ما دام من حقِّه أن يعيش، ويرمق بعين الإكبار والإجلال الثريِّ العظيم، وهو يسلب أموال الناس جهارا، يحميه القانون الذي وضعه الإنسان ويساعده" (1).
بناء صورة المجتمع، وبيان حقيقته بهذه الكيفية، وكأنَّه بنيان يشدُّ بعضه بعضاً، لكن بمواد مُحَطِّمة له، فيه التشييد والخلق، فيه المؤازرة والتأييد، فيه القانون والحماية. لكنَّ كلَّ هذه الأشياء تشين هذا البنيان عوض أن تزيِّنه وتقوِّي منه. تقديم هذه الصورة بهذه الطريقة أسلوب طريف، لا يخلو من السخرية والتهكُّم، بسبب المفارقات التي يتوفَّر عليها المجتمع، ولكثرة الرذائل التي تنتشر فيه.
بناؤها على هذا النسق فيه دلالة نفسية كبيرة على عمق الجرح المحفور في نفس الكاتب؛ تألماً من الوضعية المتردِّية. وقد تكفَّلت السخرية والتندُّر بالتعبير عن ذلك، والتنفيس عمَّا في القلب.
__________
(1) غادة أم القرى، ص: 40. حتى ولو كان الحديث عن "جميل" أحد أبطال روايته "غادة أم القرى" والقصَّة تدور أحداثها في أرض الحجاز؛ إلاَّ أنَّ الأفكار التي تضمنتها هذه الرواية، كان يعني بها الكاتب كلَّ من اتَّصف بما حكى عنه؛ بدليل إهدائه هذه الرواية إلى: " تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذا الوجود، إلى المرأة الجزائرية أقدِّم هذه القصَّة تعزية وسلوى." م. س، ص: 3. (1/195)
صفحة 196
جريدة "الشعلة" بدورها تشير إلى هذه الأوضاع المتدهورة، وتعرَّض في ركنها "مسامير" ببعض هذه الأحوال، بطريقة لا تخلو من طرافة، لكنها مؤلمة وهادفة: "أضرب حدَّاد الشعلة عن صنع المسامير أثناء شهر رمضان، لا رفقاً بالمسمِّرين، ولكن رفقاً بنفسه؛ لأنَّه لا يطيق أن يتحمَّل عناء الصوم وحرارة الصيف وصنع المسامير، وعبثاً حاولنا إقناعه بضرورة العمل؛ لأنَّ رمضان أبطاله من هواة المناكر والعبث، فللقمار رجال لا يزاولونه إلاَّ في رمضان، والكيف المخدِّر اللعين تجده يبخر أغلب المقاهي برائحته الكريهة. وإخواننا الأغنياء الذين لا يعرفون من فضائل رمضان إلاَّ التخمة في الأكل. ولكنَّ الحداد أبى أن يصنع مسماراً واحداً لهؤلاء جميعاً، وحجَّته أوَّلاً: إنَّ المسألة مسألة دين، وهو يميل جدًّا إلى فصل الدين عن المسامير. ثانيًّا: إنَّ في رجال الوعظ والإرشاد كفاية، وما عليكم إلاَّ أن تنبِّهوهم إلى مثل هذه الموبقات التي يسمعون بها من بعيد، ويتحدَّثون عنها من أبعد! ... وقلنا وموبقات العيد؟ ... قال تلك أنا لها فإلى يوم العيد إن شاء الله" (1).
زيادة على وصف الحالة المتردِّية، وكثرة ما في المجتمع من انحرافات. فإنَّ النص لم يخلُ من بعض التعريض برجال الوعظ والإرشاد الذي يهملون واجباتهم الدينية ... وكأنَّه يلمِّح إلى أنَّ من بين المتسبِّبين في هذا التدهور رجال الدين، الذين كان عليهم أن يقوموا بواجباتهم، ويكونوا قريبين من الشعب؛ لتوجيهه وإرشاده، غير أنَّهم يظلُّون بعيدين عنه بعد الكرسي عن ميدان العمل، وبعد حقيقتهم - بوصفهم موظَّفين وناساً يخدمون السلطة - عن طبيعة الهيئة التي يمثِّلونها. كما عرَّض الكاتب بالذين يتَّخذون شهر الصيام مناسبة للكسل، فيُضربون عن العمل بحجَّة عدم قدرتهم على النشاط والحركة، بينما هم ينشطون في ميادين الموبقات، ولم ينس التهكُّم بالذين يسيرون في ركاب الاستعمار من الجزائريِّين.
من هذه النصوص الطويلة التي سردناها - وقد تعمَّدنا ذلك - يتبيَّن لنا أنَّ الأوضاع الاجتماعية في الجزائر كانت متردِّية تردِّياً فظيعاً؛ ممَّا جعل أغلب الذين
__________
(1) "حدَّاد الشعلة" (د. إ)، الشعلة، ع: 28 (22/ 06/1950م). (1/196)
صفحة 197
كتبوا عنها، أو نقدوها يطيلون الحديث عنها، ويبالغون في تصويرها؛ حتى سلبوا عن المجتمع كلَّ حسنة (1). وقد لحظنا أنَّ بعض الجرائد كانت تخصِّص أركانا كاملة لنقد الأوضاع الاجتماعية السيِّئة اللاَّفتة للنظر. بل إنَّ بعضها كانت تخصِّص أغلب موادها للغرض نفسه، والتعريض ببعض التصرفات غير اللاَّئقة.
يمكن لنا أن نأخذ مثالاً على ذلك جريدة "البستان" لأبي اليقظان التي أنشأها خصِّيصاً لمحاربة الرذيلة وتشجيع الفضيلة (2). أغلب مواد الجريدة تعريض وتهكم وسخرية، لكنَّها كانت هادفة وبنَّاءة. ينظر مثلاً "ما زال الحال" (3) و"ممزوجات" (4) و"تعجُّباتي" (5) و"أين يذهب الإحسان" (6) و"كلامك هو الكبير" و"مقلقاتي" (7)، و"فيك البركة" (8) و "انظر المَقَدْمين ... " (9) من خلال هذه العناوين وغيرها عالج أبو اليقظان ظواهر وآفات اجتماعية كثيرة: التهرُّب من المسؤولية، التسويف، الأنانية، وخلف الوعد، الكسل، التملُّق، النفاق، التقليد الأعمى، الذي يمليه – أحيانا ً- الخنوع والرضوخ لذوي النفوذ؛ بغية قضاء المصالح. كما أنَّ بعض الإمضاءات في الجريدة توحي بالسخرية والتهكم، وفي الوقت نفسه تهدف إلى النقد والتوجيه والإصلاح. من هذه التوقيعات (مغفَّل، كذَّاب، نائم، راقد، متفرِّج، عسَّاس البستان، غارس الشوك ... ) (10).
__________
(1) ينظر بالإضافة إلى ما ذكرناه، أحمد رضا حوحو،"حمار الحكيم"، البصائر الثانية، ع:69 (28/ 02/1949) و"مع حمار الحكيم"، الجريدة نفسها، ع: 98.
(2) ينظر جريدة "النور"،ع: 78 (02/ 05/1933م).
(3) جريدة البستان، ع: 8 (20/ 06/1933م).
(4) م. س، ع: 2 (11/ 05/1933م).
(5) م. س، ع: 10 (11/ 07/1933م).
(6) م. س، ع: 4 (23/ 05/1933م) وع: 5 (30/ 05/1933م).
(7) م. س، ع: 6 (06/ 06/1933م).
(8) م. س، ع: 10 (11/ 07/1933م).
(9) م. س، ع: 9 (27/ 06/1933م).
(10) في الأسلوب نفسه، والهدف ذاته ن ينظر الجرائد الآتية: "أبو العجائب"، الجحيم، الشعلة ... (1/197)
صفحة 198
عن ظاهرة النفاق التي سادت المجتمع كتب أبو اليقظان مقالاً تحت عنوان "أي هكذا"، بيَّن فيه التناقض والتنافر في سلوك بعض الناس؛ حين يؤيِّدون كلَّ موقف يعرض أمامهم، ولو اقتضى الحال الترحيب بموقفين أو رأيين متناقضين، المهم عند هؤلاء أن لا يخسروا ولاء من تكون مصلحتهم مرتبطة بهم. قدَّم لنا صورة لهذا النموذج من الناس في سخرية وتهكُّم: فحين يُنبَّه شخص إلى وجوب التحلِّي بالصدق والإخلاص والاستقامة في الحياة يجيب (أي هكذا)، وإذا قيل له يجب على من يعيش في زمن النفاق والخداع أن يكون موافقاً للجميع، ومحبًّا للجميع، وأخًا حميمًا للجميع، يجيب (أي هكذا)، وحين يقال له يجب أن تكون مع المصلحين، مناصرًا لهم في إحياء السنن ومحو البدع، يقول (أي هكذا)، ولما يُنبَّه أن يكون حرباً على هؤلاء المصلحين المغيِّرين في الدين، المشوِّشين ... يقول (أي هكذا)، وحين يطلب منه العمل على توحيد صفوف المسلمين، ومساعدة العاملين في سبل الخير، على مقاومة الجهل والبؤس والفساد، والإخلاص في ذلك يقول: (أي هكذا)، ولماَّ يقال له عليك أن تتوارى عن الناس ولا تفكِّر إلاَّ في نفسك، فالزمان قد فسد، وضمائر الناس قد خبثت ... يجيب (أي هكذا).
يدعي إلى الأخذ بأسباب التقدُّم، وطلب العلم والتجديد في أساليبه، فيقول (أي هكذا). في مقابل ذلك حين يقنع بضرورة العكوف على القديم، ولزوم الجمود والتعصُّب لمبدإ {إِنَّا وَجْدَنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1)، ولو كان فيه ضرر وإضرار يجيب ويقول (أي هكذا). حين يقال له: "إنَّ من آيات العصر الجديد وحسناته الباهرة هذه الجرائد الصادقة النزيهة، فهي الأمُّ المثقَّفة لأولادها، والمدرسة السيارة المهذِّبة لأبنائها، والمعلِّم النصوح لتلاميذه، والمرشد الحكيم لمريديه، والطبيب الحاذق بمرضاه، والمصلح الكبير لشعبه (أي هكذا). تبًّا وسحقاً لتلك الأوراق الثائرة التي يسمُّونها الجرائد، فهي أداة تغليط وإفساد وآلة
__________
(1) سورة الزخرف، الآية: 23. (1/198)
صفحة 199
تهويش وتشويش، ووسيلة شقاق ونفاق، هي ملتقى رياح الأهواء والبولتيك، ومجمع النزاع والشجار، وهتك الأستار (أي هكذا) ... ! " (1).
هكذا يعالج أبو اليقظان ظاهر النفاق التي نخرت المجتمع، وقوَّضت أركانه بطريقة ساخرة، وبذلك يكشف عن تفاهة التفكير البشري، وضعف شخصية الإنسان الذي يعيش بدون مبادئ، ويحيا بغير غاية. ثم يقول في خاتمة مقاله: " ... إليكم يا معشر العقلاء أهرب من هذه الحرباء، التي لا تبقي على كائن واحد أكثر من حال. فالثباتَ الثباتَ على المبدإ على كل حال؛ ليهلك من هلك عن بيِّنة، ويحي من حيي عن بيِّنة" (2).
من بين الظواهر التي عالجها الأدباء بأسلوب السخرية ظاهرة البخل التي تكشف عن نفس لئيمة، وطبعٍ جافٍّ، وتفصح عن شخصية غير سوية، جماعها الأنانية والأثرة، والبعد عن فعل الخير ... وقوامها وحقيقتها الانقباض والخوف من كلِّ شيء والإشفاق من الفقر والبؤس. تعيش هذه النفس في إطار من الهواجس والوساوس، تفرز نظريات ونظرات في الحياة والسلوك لا تقرُّها الطبيعة البشرية، ولا يقبلها العقل، ولا يرضاها الدين.
هذه الأفكار حاول الشاعر "الحارث بن همام" (3) أن يرصدها لنا في سخرية وتهكم، وهو يتحدَّث بلسان حال البخيل، الذي يرى في مدِّ النقود نار الوقود. يُدعى إلى المشاريع الخيرية فلا ترى منه إلاَّ الفرار ... قدَّم كلَّ ذلك في شكل حوار فكاهيٍّ، وصور ساخرة؛ سابرًا أغوار نفسية البخيل، مستخرجاً ما تنطوي عليه نفسه من أخلاق دنيئة:
__________
(1) "أي هكذا" (د. إ)، جريدة البستان، ع: 7 (13/ 06/1933م)
(2) م. ن.
(3) هو لقب أدبي لمحمد العيد حسبما ذكر لي الدكتور محمد ناصر. (1/199)
صفحة 200
إذا الإخوانُ بي حفُّوا وطافُوا ... تولاَّني ارتجاجٌ وارتجاف
وضَاقَت حيلتي واشتدَّ كربي ... وكاد يصيبُني الموتُ الزُّعاف
وما سبَبٌ لذلك غير أنِّي ... أخافُ عليَّ منهم ما أخاف
أخافُ طموح أعيُنِهِم لكيسِي ... فأكرهُ أن يفارقَه الغلاف
تلامِسُه بقعر الجيب كفِّي ... وعيني مالها عنه انصراف
وإن أفتحْهُ أفتَحْهُ اختلاسًا ... وفي نفسِي انكسارٌ وانكساف
فإن لمحَته بين يدي عينٌ ... ألمَّ بلحيتِي (حاءٌ وكاف)
فيا من قام يدعُوني لبذلٍ ... دعاؤُكُم لي هراءٌ أو هُرَاف
وقولُك لي بأنَّ البذل فخرٌ ... خُرافٌ لا يُماثِلُه خُراف
فأخبرُ سائرَ الإخوان عنِّي ... بأنِّي لا أُضِيفُ ولا أُضَاف
وإنِّي إن صنعتُ لهم طعامًا ... عرانِي في طبيعتِيَ انحراف
ألا يا باذلي الأموال كفُّوا ... فإنَّ البذلَ ظُلمٌ واعتساف
وهل ضِقتُم بِحمل المال ذرعًا؟ ... لعمري إنَّكُم قومٌ ضِعاف
فها أنا دونكم حامٍ لمالي ... كما يحمي السُّويداءُ الشِّغاف
وكيف يُؤذِّني مالي، ومالي ... - بحمد الله- أوراقٌ خِفَاف؟
وإن قلتُم زكاة النقدِ فيها ... فتلكَ قضيَّةٌ فيها خلاف
فيا من ظنَّني للجودِ أهلاً ... وبعضُ الظَّنِّ إثمٌ واقتراف
رويدَك إنِّني رجلٌ بخيلٌ ... فهل يكفيك هذا الاعتراف (1)
توخَّى الشاعر في هذه القصيدة أساليب مختلفة للوصول إلى غايته، وهي تقديم صورة حقيقية عن البخيل، والكشف عن خطورة البخلاء في المجتمع، من حيث وقوفهم عقبة في سبيل تطوُّره وتقدُّمه؛ لأنَّ الإمساك عن البذل والانزواء عن الناس، وبثِّ هذه الأفكار في الأوساط، والتشكيك في جدوى الإنفاق وإعطاء الزكاة، أفكار لا تتماشى مع روح الشريعة، ومع سنن التطوُّر في الكون والمجتمع.
__________
(1) الحارث بن همام، "لسان حال البخيل"، جريدة المرصاد، ع: 5 (29/ 01/1932م). (1/200)
صفحة 201
التنبيه إلى هذه الخطورة هدفٌ أساسي يرمي إليه الشاعر. خاصة وأنَّ الشاعر قال القصيدة سنة 1932م. في هذه الفترة كان المصلحون يسعون إلى بناء المجتمع الجزائري؛ بعد التفكُّك الذي أصابه؛ نتيجة عوامل وأسباب، فكان من بين ما اعتمدوا عليه الحضُّ على البذل والإنفاق في سبيل بناء المشاريع الخيرية؛ لاحتواء النّشء ومؤازرة المعوزين والمحتاجين، لينتشلوهم من براثن الاستعمار ومن أشراك الأعداء؛ لأنَّ مثل هذه الأفكار التي نطق بها البخيل تصدُّ عن الهدف الأسمى.
وممَّا أضفى على النص مسحة من الطرافة والسخرية الهادفة تتبَّع الشاعر الجزئيات في حركات البخيل وتصويرها بدقَّة؛ فنفسه تتحرَّك وتهتاج حين يطلب منها تقديم شيءٍ أو إخراج جزء من ماله ولو كان ضئيلاً. تحرُّكها وإشاراتها وتصرُّفاتها كلُّها تبعث على الضحك والازدراء ... قدَّم الشاعر هذه التفصيلات في أسلوب ساخر ماكر. كما اعتمد الشاعر أسلوب المحاججة المنطقية؛ بغية إنطاق البخيل بحجج وردود عن كلِّ مسألة وكلِّ مقالة تقدَّم له؛ تحثُّه على البذل. هذه الطريقة تنطوي على سخرية لاذعة؛ لأنَّها توقفنا على تفاهة هذه النفس، حين تصدر منها هذه الأجوبة، وهذه التفسيرات، التي تبعدها عن حقيقة الإنسان، وطبيعة البشر، كما تكشف عن ضآلة هذا العقل وتفاهة هذا التفكير. هذا التناول يذكّرنا بالجاحظ مع بخلائه، وكيف يسبر أغوار نفوسهم ليعرّفنا بتصرُّفاتهم، وطبيعة نصائحهم وتفسيراتهم لسلوكهم ...
وقد لجأ الشاعر أيضًا إلى الجناس الذي أضفى علة النص جوًا من الجمال والحسن، أعان على إيجاد مسحة من السخرية والتهكم (ارتجاج وارتجاف، انكسار وانكساف، هراء وهراف ... ) وبمثل هذه الأساليب التي توخَّاها الشاعر هيَّأ لنصّه جوًّا من المتعة، ونصيبًا من الحركة والحيوية، تبعد عنه الملل والجمود ..
من خلال ما أتينا به من النصوص التي تناولت نقد الأوضاع الاجتماعية، نسجّل أنَّ الأدباء أبدعوا – في عمومهم- وتفنَّنوا في الكتابة، وتشخيص بعض الآفات الاجتماعية، وقد ظهرت فيهم خصائص المبدع الذي يمتاز عن غيره (1/201)
صفحة 202
بحساسية مرهفة في الكشف عمَّا يكون من ثغرات وفجوات في الحياة الاجتماعية، قد لا يشاركه فيه من هو حوله؛ بسبب اختلاف في الرؤية والنظرة، وتباين في مستوى المعرفة، ورقّة الوجدان ... وهو ما أشار إليه "مصطفى سويف" في حديثه عن الخصائص الكبرى للتَّفكير الإبداعي، التي من بينها: "الحساسية المرهفة لإدراك ما تنطوي عليه مواقف الحياة المختلفة من ثغرات أو مشكلات، وتعتبر هذه الحقيقة نقطة الانطلاق للتّفكير المبدع" (1). ليس معنى هذا أنَّ كلَّ ما كتب في الموضوع كان في مستوى الإبداع، بل هناك ما كان بعيداً عن ذلك وقد أشرنا إليه في محله.
ج - المرأة:
من بين الموضوعات التي تناولها الأدب الجزائري الساخر موضوع المرأة، غير أنَّ ما كتب فيه كان قليلاً بالمقارنة إلى ما كتب في الموضوعات الأخرى، وبالنظر إلى ما كان يحتاجه هذا الموضوع من اهتمام وعناية؛ لأهمية المرأة في المجتمع، ولدورها الكبير في طبعه وتوجيهه وجهة معيَّنة، وبالنَّظر إلى الوضعية المزرية التي كانت تعيشها المرأة الجزائرية، من جهل مطبق وأمِّية فظيعة، يقول أحمد توفيق المدني: " تمتاز المرأة المسلمة في قطر الجزائر بالجهل العظيم، فأبناء جلدتها لم يفكِّروا في تكوين مدارس أهلية لها بعد أن اضمحلَّت (ديار المعلمة)، والمدارسُ الحكومية للبنات لا تأوي إلاَّ نحو ثلاثة آلاف بنت، بقطع النَّظر عن التعليم الذي يتلقَّينه فيها" (2).
كما كنَّ يعشن عيشة نكدة من حيث الفقر والحرمان والحاجة؛ ممَّا كان يؤدِّي بهنَّ إلى الانحراف والفساد والمتاجرة بالعرض أحياناً. يضيف المؤلِّف نفسه: " ... فَيَعْمَلْنَ بصفة خادمات في المنازل الأوروبية والإسرائيلية، وتقودهنَّ الفاقة والحاجة إلى المواخير، ويعبث بهنَّ عبثًا، تتفتَّت له القلوب، وتنفطر منه الأكباد. فأغلبية النساء في الجزائر تقاسي من المهد إلى اللحد آلام الفاقة والاحتياج والعمل
__________
(1) "مصطفى سويف"، "الشروط الاجتماعية للإبداع"، مجلة فصول، مج11، ع:1، ربيع 1992م، ص: 15.
(2) أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1984م، ص: 362. يتحدَّث المؤلِّف عن وضعية المرأة قبل سنة 1931م. (1/202)
صفحة 203
الشاق، ولا تكاد تعرف للحياة معنى، ولا لِلَذة العيش سبيلاً" (1). ثمَّ بالنظر إلى الآراء المختلفة التي صدرت حولها: في طبيعتها وفي عملها، وفي علاقاتها بغيرها، وفي نظرة الدين والفلسفات الوضعية إليها، رغم كلِّ ذلك، فإنَّ ما كتب عنها لا يرقى إلى مستوى أهمِّية الموضوع.
لعلَّ سبب ذلك هو الجهل الذي ساد المجتمع، فلم يكن في مستوى الوعي الذي يقدِّر خطورة هذا الموضوع، ومن ثمَّ لم يفكِّر في معالجته في درجة معالجة القضايا الأخرى على الأقلِّ. ولعلَّها المحافظة، التي طبعت المجتمع، فلم تكن هناك جرأة على فتح ملفِّ هذا الموضوع؛ لِمَا قد يؤدِّي إليه ذلك من عدم التحكُّم في النتائج، التي قد يتوصَّل إليها. يؤيِّد قولَنا هذه اللهجةُ العنيفة التي أبداها بعض الكتَّاب، حين نوقشت بعض المسائل المتعلِّقة بالمرأة (2). ولعلَّه التحفظ الذي كان يبديه بعض العلماء وأصحاب الجرائد؛ حين ينشرون بعض القصائد المتعلِّقة بالمرأة مثلاً، أو حين يشتبه في أنَّ بعض الأقوال يفهم منها التغزُّل بالمرأة (3). إنَّ التحفُّظ والمحافظة قد يؤدِّيان إلى سوء فهم الكاتب حين يتحدَّث عن المرأة وعن تحريرها (4). هذه الأساليب مجتمعة جعلت الحديث أو الكتابة عن المرأة قليلة، خاصة في الأدب الساخر (5). نورد فيما يأتي مقتطفات ممَّا كتب في موضوع المرأة.
ممَّا حرَّك مشاعر الأدباء وأثار حفائظهم وآلمهم كثيراً تفرنج المرأة، وانحلال أخلاقها، خاصة حين يكون للأعداء دخل في هذا السلوك؛ تشجيعًا لهذا الانحلال،
__________
(1) م. س، ص: 363.
(2) ينظر ما خاطب به رمضان حمُّود دعاة التجديد، رمضان حمود حياته وآثاره، ص: 149.
(3) ينظر مجلَّة الشهاب ج3، مج14، سنة 1938م. يذكر الدكتور صالح الخرفي أنَّ سطوة التقاليد جعلت روَّاد الحركة الفكرية يضيِّقون مجال القول على الأدباء، وكانوا يتحرَّجون من نشر أدب فيه حديث عن المرأة، غير مألوف في الأوساط. ينظر الشعر الجزائري، ص: 292 - 296، وجريدة البصائر الثانية، ع: 129، سبتمبر 1938. فيها مقال لحمزة بكوشة، عنوانه "مجلة الشهاب واحترام الأفكار"، ينتقد فيه ابنَ باديس على تضييق حرية القول.
(4) ينظر المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 245، ومجلة الشهاب، ج8، مج5، ص: 39. وج9، مج5، ص: 10. وجريدة النجاح، ع: 780.
(5) هناك كتَّاب اهتمُّوا بموضوع المرأة كثيرا كأحمد رضا حوحو، الذي كتب مقالات وقصصاً ورواية عن المرأة. (1/203)
صفحة 204
وشماتة بالمسلمين. سجَّل محمد السعيد الزاهري حسرته وألمه من تصرُّف امرأة تونسية سافرة، قدَّمت رقصها عنوانًا على التقدم والتحرُّر، معرِّضًا ومتهكِّما بهذا السلوك وبهذه المرأة الآبقة: " ... مرقت هذه المرأة من عوائد قومها هذا المروق كلَّه، ثم تزعم أنَّها ما تزال مسلمة تونسية عربية، تتَّفق مع بنات عمِّها في القومية والدين، وربمّا زعمت أنَّها برقصها ذلك قد عملت صالحًا، سيشكره الله ورسوله، وأنَّها تبتغي بذلك ثواب الدار الآخرة، وقد دعت المسلمات اللاَّئي كنَّ لها أخوات إلى أن يلتحقن بها، حتى ينلن عند الله أجر المتبرِّجات الراقصات" (1).
السخرية بارزة في النص، وقد أظهرتها كلمات اعتمدها الكاتب عن قصد للإبانة عن هذا الازدراء، الذي يكنُّه لمثل هذا الصنف من الناس، الذين يتخلَّون عن أصالتهم. أتى مثلاً بكلمة (زعم) وكرَّرها مرَّتين ليفصح عن ذلك. وقد ألف استعمال هذه الكلمة مع الناس المنحرفين، تمامًا مثل ما كان يصنع القرآن مع المشركين والخارجين عن جادَّة الإسلام. ويبدو التهكم جليًّا في نعت المرأة الراقصة بأنَّها تظنُّ أنَّها قدمت عملاً صالحًا، يُرضي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثمَّ فإنهَّا تنال مع من يسير في طريقها أجر المتبرِّجات الراقصات. فهذا تعريضٌ ممزوج بالمرارة والحسرة والألم.
ومن بين ما عولج في موضوع المرأة مسألة الحجاب والسفور. وقد أثار معارك حامية الوطيس، وقع فيها من الجدال والنقاش ما أسال حبر الأدباء كثيرًا، وما عمَّر مجالسهم بالكلام الطويل، وما استنفد من طاقاتهم الشئ الكثير (2). فرمضان حمُّود نعت الخائضين في موضوع الحجاب -خاصة قاسم أمين وأنصاره- بأنَّهم دعاة التجديد من أجل التجديد، وأنَّهم ينادون إلى الخروج عن ملَّة الإسلام؛
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 264،265. نشر المقال تحت عنوان "التفرنج الآثم" في جريدة البرق، ع: 7 (18/ 04/1927م).
(2) ينظر في الموضوع وعلى سبيل المثال، المقالة الصحفية الجزائرية، مج1، ص: 244 - 255، ومج2، ص: 252. ود. صالح الخرفي، الشعر الجزائري، ص: 175. والشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 677 - 679. وعبد القادر قرش، أدب جمعية العلماء الجزائريِّين (1931 - 1956م) رسالة ماجستير (مخ) كلية الآداب، جامعة بغداد 1403هـ/1983م، ص: 171 - 177. (1/204)
صفحة 205
لهذا لذعهم لذعات موجعة، وعرَّض بهم تعريضاً مؤلماً، وسخر منهم سخرية قاسية، وتهكم بهم تهكماً جارحاً لكرامتهم. فقد اتّهمهم في رجولتهم وشكَّ في حقيقة جنسهم، وذلك لما لاحظه من الغيرة التي أبدوها على المرأة، فاقت غيرتها هي على نفسها، وتجاوزت ما قدَّمها لها الإسلام، وما تكفَّل به من المحافظة على حرمتها. فقال إنَّ الحقَّ أبلج والحقيقة ظاهرة للعيان، فلماذا كلُّ هذه الثرثرات، وهذه السخافات؟ ولماذا كلُّ هذه الجعجعات التي لا تعطي طحينًا: " ... ومن الغريب أنَّ أوَّل من يلج منكم هذا الميدان الواسع الفجاج – ميدان التجديد المعكوس- يرفع عقيرته بالمطالبة، فكأنَّه فرد من أفراد تلك العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج، وكأنَّه موكل من طرفهنَّ لإبلاغ الرجال الحقيقييِّن أنَّ في جانبهنَّ رجالاً يتمنَّون أن يكونوا مثلهنَّ في جميع الصفات والحالات ... إنَّ عدم غيرتكم على شرفكم وعرضكم، ممَّا يشكِّكني في رجولتكم المزعومة، ومن يدري والدهر أبو العجائب – أن لو عرضناكم على المشرِّحين لتغيَّر رأينا- وانقلبت القضية، وكان شأننا معكم غير هذا الشأن، ومن يدري، والشكُّ في كلِّ شيء مذهبكم" (1).
لقد شكَّل وضع المرأة الجزائرية قضية في الأدب الجزائري الساخر -رغم قلَّة النصوص في الموضوع- ذلك لأنَّ المرأة الجزائرية كانت تعيش حياة مأسوية من التخلُّف والجهل والفقر والإهانة وعدم الاهتمام بها، ممَّا جعل أحمد رضا حوحو يجيب محاوره (حمار الحكيم)، حين طلب منه التحدُّث عن المرأة، (وهو ينفي أن يكون في المجتمع الجزائري امرأة):
- هل تريد أن نطرق موضوع المرأة؟
- كن مرتاحاً من هذه الناحية، فلا وجود للمرأة في بلادنا.
عجباً تعيشون بدون نساء، وكيف تتناسلون؟
__________
(1) رمضان حمُّود حياته وآثاره، ص: 147. نشر المقال في جريدة "وادي ميزاب" ع: 113 (21/ 12/1928م) المقال بعنوان "دعاة التجديد". (1/205)
صفحة 206
- قلت لدينا آلات للنسل، نحتفظ بها في بيوتنا.
- قال هذه مشكلة عويصة دعنا منها" (1).
التهكُّم بارز في هذا النص، وفي بعض الجمل التي كشفت عن المرارة التي تعصر قلب الكاتب؛ بسبب التخلُّف الذي أصاب المرأة الجزائرية، وبسبب ذلك عدَّت غير موجودة على مسرح الحياة (فلا وجود للمرأة في بلادنا، لدينا آلات للنسل نحتفظ بها في بيوتنا) حتىَّ الحمار يحسُّ بهذا الأمر فيوافق الكاتب على أنَّ المشكلة صعبة، فالأحسن تجنُّب الخوض فيها، لأنَّ المشاكل التي تعيشها المرأة الجزائرية كثيرة ومعقَّدة، عقَّد منها الجهل فأضرَّ بها.
علَّق رضا حوحو على ظاهرة، إهمال المرأة في المجتمع " ... فحتى المرأة ثارت ثائرتها، وتفضَّلت عليَّ بالشتم والسباب اللاَّئقين بمقامي" (2) وهو ما يدلُّ على الجهل والتحفُّظ في الحديث في موضوع المرأة. فقد كان الكاتب يهدف إلى الرفع من مكانة المرأة والعناية بها، ولم يكن يقصد إنكار فضلها في عملها في البيت، لكنَّ المجتمع فهم عكس ذلك.
إنَّ الجهل ونقص الوعي وضعف الإدراك جعل المرأة تبقى متخلِّفة، ولا يكون لها حضور في المجتمع، وهو ما حمل رضا حوحو على أن يقرِّر تلك الفكرة عن المرأة الجزائرية. وقد سبَّب هذا الجهل للمرأة الجزائرية مشاكل عديدة، وجرَّ لها كلَّ ويل. فقد استغلَّها - بسبب ذلك - عديمو الضمير الإنساني وفارغو الإيمان، استغلُّوها في قضاء مآربهم.
في هذه النقطة تسجِّل جريدة الشعلة حادث اعتداء شنيع، وقع في إحدى المدن الجزائرية على أرملة وبنت لها. استغلَّ رجلٌ جشع حاجة المرأة إلى ما يضمن لها حياتها ويسدُّ رمقها. حاول مساعدتها ليظفر ببنتها، نفَّذ الرجل الخطَّة ونجح فيها، فثلم عرض
__________
(1) مع حمار الحكيم، ص: 15.
(2) ينظر البصائر الثانية، ع: 69 (28/ 02/1949م) وكتاب "مع حمار الحكيم" ص: 21، 22. (1/206)
صفحة 207
البنت وأدمى قلب الأرملة. وقد كان من أسباب ذلك جهل المرأة: "لم تكن الأرملة تحسن شيئا شأن كلِّ جزائرية، أنعم عليها الاستعمارمع كلِّ جزائري بنعم الجهل والخيبة، وجرَّدها حماة الإنسانية وناشرو المدنية من كلِّ سلاح يقيها شرَّ العثرات" (1).
اعتمد الكاتب على بعض الكلمات ليتهكم من المتسبِّب في هذه الوضعية المزرية، ويسخر من الضحية، التي كان ما آلت إليه هو نتيجة لسلوك معيَّن، وهو تهاون المجتمع في حمايتها وصيانتها من الوقوع في هذه الحمأة وهذه الهاوية، حين غفل عن تثقيفها وتعليمها والأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها وصلاحها.
وقد اعتمد على الكلمات نفسها، واعتصر ما فيها من طاقة تعبيرية، وشحنة شعورية؛ ليفصح عن المرارة التي تغمر نفسه، وتعصر قلبه، وليعرِّض بهؤلاء الذين يدَّعون التحلِّي بالصفات الإنسانية والأخلاق الفاضلة، وهم عن كلِّ لك بعداء، هذه الكلمات هي (أنعم، بنعم الجهل والخيبة، جرَّدها حماة الإنسانية وناشرو المدنية ... ) وقد رسم من ذلك صورة، يقف المتلقِّي على ما فيها من سخرية وتهكم وتعريض، بقدر ما يتعمَّق كلِّ لفظة؛ ليستكنه مدلولها في السياق الذي وضعت فيه، وبقدر ما يستحضر من مشاهد العبث بالمرأة وإهانتها، والزَّجِّ بها في متاهات الانحراف والضلال والغواية والتضييق عليها في العيش، مع ادِّعاء حمايتها من هذه الأخطار؛ انطلاقاً من الشعارات الجوفاء الفارغة التي تبقى منوِّمات ومخدِّرات لربَّات الخدور.
يظلُّ الجهل مسبِّباً متاعب للمرأة؛ إذ يستغلُّه المستغلُّون في قضاء مصالحهم؛ فينعمون عليها بما يمسّ كرامتها، وما ينالها في جوهرها يكون – هذه المرَّة- حظ الاستعمار ليقرَّ حقًّا للمرأة المسلمة كان ضائعاً، أنَّه حقُّ الانتخاب الذي يكفل للمستغلِّ حقَّ الفوز؛ لأنَّ المرأة جاهلة لا تعرف كيف تتصرَّف مع الحقِّ إلاَّ بما يخدم مصالح المستعمر. لهذا تَساَءلَ الشيخ البشير الإبراهيمي عن الداعي إلى التفكير في هذا الحقِّ وإعطاء المرأة المسلمة حقَّ الانتخاب، وكأنَّ المشاكل الأخرى كلَّها قد حلَّت،
__________
(1) "اعتداء شنيع" (د. إ)، الشعلة، ع: 27 (15/ 06/1950م). (1/207)
صفحة 208
والحقوق جميعها قد استوفيت، وتحصَّل الرجل على كلِّ مطالبه: " ... وبقيت المرأة المسلمة محرومة من ذلك كلِّه، فوجب على الحكومة العادلة، وعلى المجلس الرحيم أن ينصفاها، وأن يرفعا عنها هذا الإجحاف، وأن يعجِّلا لها بالحقِّ الضائع، والثمرة المغصوبة، والحرية المسلوبة، إذن فلتحي العدالة ... ولتحي المساواة ... " (1).
سؤال محيِّر مقلق متجذِّر في النفس، متململ متقلِّب في القلب تقلُّب الشعور وتدفُّقه وهيجانه، يطفح بالمرارة والحسرة على ما آلت إليه حال المرأة من الاستخفاف والمهانة والتلاعب بها وبكرامتها. وهو في الوقت نفسه ينضح بآيات السخرية والتهكم ممَّن كان السبب في هذه الوضعية.
هؤلاء الذين يكشف تصرُّفهم عن سخافة عقولهم وتفكيرهم الأهوج -في نظر الكاتب- يدفعهم حرصهم المغرض إلى إعطاء المرأة حق الانتخاب، وهو آخر ما يمكن أن يمنح لها - إن كان هذا فعلا ينفعها- بينما الحقوق الأساسية التي تكفل لها كرامتها وشخصيتها، تبقى محرومة منها. ويمعن الكاتب في التهكم بمن يحرصون كلَّ الحرص على إعطاء المرأة حقوقها؛ حينَ يَتَساءَلُ عن الهدف من هذا التصرُّف، في الوقت الذي سلب فيه الرجل كلَّ حقوقه، ولم تحلَّ مشاكله الاجتماعية والاقتصادية، ولم ينل حتى حقَّ الانتخاب، ولو ناله فأنَّه لن يظفر بحريته فيه، في حين أوجبت الحكومة العَادلة والمجلس الرحيم على أنفسهما إنصاف المرأة؛ بدفع هذا الإجحاف عنها، والتعجيل بردِّ الحقِّ الضائع إليها، والثمرة المغصوبة والحرية المسلوبة ...
إنَّ الإتيان بهذه العبارات في هذا السياق، وعلى هذا النسق، وقرن كلِّ كلمة بصفة يُمكِّنُ المعنى أن يتقوَّى، والفكرة أن تتَّضح، والمشاعر أن تتفصَّح، بقول الدكتور محمد كامل جمعة: "ومن وسائل القوَّة استخدام الصفات التي تترك في نفس القارئ أثرا جماليًّا، إلى جانب قوَّة دلالتها، والصور التي تثيرها في خيال
__________
(1) عيون البصائر، ص: 117، المقال بعنوان "فصل الحكومة عن الدين".نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 108 (20/ 02/1950م). (1/208)
صفحة 209
القارئ" (1). كما أنَّها تحمل دلالات نفسية مهمَّة، تترجم عن الحزن العميق، والأسى الكبير اللذين يسكنان قلب المصدور، وفي الوقت ذاته تنضح سخرية وتهكما. بِمَنْ هذه هي حاله: ادِّعاء إعطاء الحقِّ، وتقديم المساعدة، وحقيقة الأمر استغلال الموقف في تمرير المؤامرة، وتعقيد الموقف والوضعية، والإمعان في الإساءة إلى أحوال المرأة المسلمة. ويأتي التعريض والتهكم المرير في هذه الزَّفرة الحارَّة "إذن فلتحي العدالة، ولتحي المساواة".
إنَّ الشاب الجزائري غائب عن كلِّ شيء، ومنسيٌّ في كلِّ مشهد، ولم يكن هناك مشهد يحرص فيه العدوُّ على تغييبه فيه كموعد الانتخاب: " أفيريدون بإعطاء المرأة المسلمة ورقة الانتخاب أن يشركوها مع الرجل في هذه النِّعم؟ " (2).
من غريب الصدف، ومن توافق الأفكار، وتوارد الخواطر أن يتَّفق نصُّ جريدة "الشعلة" ونصُّ البشير الإبراهيمي على استعمال كلمة "نعم" لإظهار الحسرة، وللسخرية من تصرُّفات المستعمر، الذي يستغلُّ جهل المرأة لقضاء مصالحه، وللزَّجِّ بالمسكينة في متاهات الضلال. كما أنَّ النصين يلتقيان في سنة واحدة هي سنة 1950م. ممَّا يدل على أنَّ استياءً عاماً قد عمَّ الكتاب فعبَّروا عن ذلك بأسلوب السخرية والتهكُّم.
يواصل الإبراهيمي تنديده بموقف الحكومة الفرنسية في استغلال جهل المرأة، والزَّجِّ بها في متاهات الانتخابات فيقول: "المرأة الجزائرية تَنتحِب والحكومة الجزائرية تريد لها أن تَنتخِب، والفرق بسيط مادام الفارق نقطة ... وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء ... وصدق المثل (عسى الغوير أبؤُساً)، وإذا كانت نظرة الإسلام إلى القضية هي هذه فهي من الدين الذي يجب فصل الحكومة عنه" (3).
تضمَّن النصُّ معاني وأفكاراً بالغة الأهمية، صبغها الكاتب بصبغتي التهكم والتعريض، نعى على الحكومة إلهاء المرأة المسلمة في موضوع الانتخاب، واعترافه
__________
(1) د. محمد كامل جمعة، الأسلوب، ط: 2، مكتبة القاهرة الحديثة، سنة 1963، ص: 82.
(2) عيون البصائر، ص: 118.
(3) م. س، ص: 119. (1/209)
صفحة 210
بحقِّها فيه، في الوقت الذي تتخبَّط فيه في مشاكل، وتندب حظَّها التعس في الحياة، فعل هذا ليبقيها تحت سيطرته وسلطانه. عبَّر الكاتب عن هذه التبعية، ورمز لها بحرف "الخاء"، الذي يميِّز اللغة الفرنسية ويُكنَّى به عن التابعين للفكر الفرنسي، وفي الوقت نفسه كشف عن العسر، وعن ضنك العيش اللذين يلاقيهما من يبقى في كنف أصحاب "الخاء"، وأفصح عن الشقاء والتعاسة اللذين يلازمان من يمنِّي نفسه بالعيش في هذا الجوِّ، ومن تظلُّه هذه المظلَّة: "وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء" بهذه الجملة الرامزة الساخرة يقرِّر الكاتب التبعية الفكرية لمن يجبر على النطق بالخاء، منهم هذه المرأة المسلمة التي ينتحِب لها جهلُها "الخاءَ". كما بيَّن الكاتب أن الشر كلَّ الشر يأتي من هذا الحرف "الخاء"، ورمز إلى ذلك بالمثل العربي "عسى الغوير أبؤُسًا " أي عسى الغوير يصير أبؤسًا، وهو مثل يضرب للرَّجل، فيقال لعلَّ الشرُّ جاء من قبلك (1).
لا نبرح سنة 1950م، ونبقى مع الحروف التي تميِّز اللغة الفرنسية وفكرها، فنلتقي مع مقال بعنوان "ما نَعْغَفْشْ لَغْبِيَة" (2) أي ما نعْرَفْشْ لْعَرْبِيَّهْ، ينتقد فيه صاحبه تصرُّفات آنسة عربية مسلمة (شكلاً)، لا تحسن النطق بلغتها العربية، وكان عيبها يظهر جليًّا حين تحاول النطق بالراء، فتنطق به "غيناً". ذكر صاحب المقال أنَّها اشترت فاكهة من بائع الفواكه، كانت تعدُّ النقود بالفرنسية، عاتبها البائع على هذا التصرُّف، وطلب منها استعمال اللغة العربية لغتها: الأصلية أجابته "ما نعْغَفْشْ لغْبيَّهْ".
تكرَّرت الحادثة مع صويحبات لها؛ فيدور الحديث بين الجالسات، بينما المرأة تبقى واجمة ساكتة لا تنبس ببنت شفة، يُنْتَقَدُ عليها هذا الصمت الطويل تجيب: "ما نَعْغَفْشْ لَغَبِيَّهْ"، ثم تلام على هذا التصرف وتنبه إلى عواقبه الوخيمة، ونتائجه السلبية على المجتمع.
__________
(1) الغوير تصغير غار، والأبؤس جمع بؤس وهو الشدَّة. أصل هذا المثل - فيما يقال- من قول الزبَّاء حين قالت لقومها عند رجوع قيصر من العراق ومعه الرجال، وبات بالغوير على طريقه "عسى الغوير أبؤسًا" أي لعلَّ الشرَّ يأتيكم من قبل الغار. ينظر مجمع الأمثال للميداني، ج2، ص: 17.
(2) ما نعغفش لغبيه (أي لا أعرف العربية) الشعلة، ع: 7 (26/ 01/1950م). (1/210)
صفحة 211
تذهب المرأة -هذه المرَّة- إلى دكَّان الجرائد، تشتري صحفاً غرامية وبوليسية، قبل مغادرتها الدكان يداعبها البائع فيناولها صحيفة عربية، تمعن فيها النظر، ثمَّ تبتسم وتجيبه "ما نَعْغَفْشْ لَغْبِيَهْ ". يسوق الكاتب هذه القصَّة في أسلوب ساخر ليعرِّض بهؤلاء اللاَّئي يتنكَّرن لأصالتهنَّ، ويعتنين بلغة "الخاء والغين" بينما يجهلن لغة "الراء والعين".
نظرة الأعداء إلى المرأة تظلُّ نظرة تتَّسم بالضبابية، فهم يحاولون -دائماً- إقناعها بأنَّها مهضومة الحقوق، مسترقة مهدورة الكرامة، يعملون على تأصيل هذه الفكرة، وتثبيت هذه النظرة فيما يؤوِّلونه من تفسير بعض الآيات، وفهم بعض النصوص الشرعية حسب أهوائهم، وجَعْلِ ذلك ذريعة للنَّيل من الإسلام. من ذلك ما يذكره الشيخ البشير الإبراهيمي من أنَّه ناظر جماعة من هؤلاء في الموضوع: "فأفحمناهم وألقمناهم حجراً، وقلنا لهم: هاتوا مثالاً نتناقش فيه، فقالوا الميراث، قلنا من أيِّ جهة فإنَّ المرأة ترث بعدَّة أسباب، فنظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد، وكادوا يتسلَّلون، وكأنَّهم كانوا لا يعرفون إلاَّ أنَّ المرأة مظلومة في القرآن الذي يقول: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} " (1).
التهكُّم والسخرية يظهران في لجوء الكاتب إلى آية قرآنية هي قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمُ إِلىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنَ اَحَدٍ ثمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ} (2) في هذه الآية يكشف الله عن الخذلان والتبكيت والخسران. وهو حال المنافقين الذين يسقط في أيديهم؛ حين تنزل سورة، فلا يملكون إلاَّ التسلُّل واحداً واحداً، فينصرفون عن الحقِّ، "وهذا حالهم في الدنيا، لا يثبتون عند الحقِّ، ولا يقبلونه ولا يفهمونه" (3). فهؤلاء الملاحدة والغربيّون
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 361،362. والآية من سورة النساء، الآية: 11.
(2) سورة التوبة، الآية: 127.
(3) أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) ج3، ط3، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 1401هـ/1981م، ص: 477. (1/211)
صفحة 212
يبوؤون بالخسران في النَّيل من الإسلام، وتدحض حججهم، لكنَّهم لا يقرُّون بهذا الحقِّ. هذا من تمام ضعف نفوسهم، وقصور عقولهم.
فإذا كان الغرب لا يمكن له أن يفلح في النَّيل من الإسلام، فأنَّه ينجح أحياناً في النَّيل من المسلمين. فحين يتقدَّم أحدنا إلى الزَّواج بالأجنبية مثلاً، تؤثِّر فيه هذه المرأة؛ إذ يذهب إليها بعقله الشرقيِّ وشخصيته الإسلامية، فيرجع بعقل غربي بعد أن يُمسخ عقله الشرقي، ومعه هذه المرأة الحارسة له أن يحيد عن الطريق الذي رسمته له.
يصوِّر الشيخ البشير الإبراهيمي - بأسلوب ساخر- هذا التصرُّف، وهذا الضعف في الشخصية، وهذا الاستعداد للتَّخلِّي عن المبادئ ونبذ الأصالة: "إنَّ الغرب لا يعطينا إلاَّ جزءاً ممَّا يأخذه منَّا، ولا يعطينا إلاَّ ما يعود علينا بالوبال، وقد أعنَّاه على أنفسنا، فأصبح الواحد منَّا ... يذهب بعقله الشرقي فينبذه هناك كأنَّه عقال على رأسه، لا عقل في دماغه، ثمَّ يأتينا يوم يأتي بعقل غربي، ومنهم من يأتي بعقل غربي، ومعه امرأة تحرسه أن يزيغ" (1).
أية سخرية هذه التي يُتبرَّعُ بها على من فقد شخصيته وأصالته وقوَّة التحكُّم في نفسه، وتُوجَّه لمن يأتي معه بامرأة أجنبية، تحرسه من أن يزيغ عن المبادئ، ويحيد عن الأهداف التي سطَّرها له المجتمع (الجديد)، الذي تفضَّل عليه بهذه المرأة، ومَنَّ عليه بها. وأيُّ تهكم أمرُّ من التهكم بمن كان عقله عقالاً في رأسه، ينزع منه متى أريدَ له ذلك. وليس هو شيئا مثبتاً ومركَّزاً في دماغه، يعينه على التصرُّف بما يتماشى مع المنطق ويتناسب مع مكانة الإنسان وقدره.
وممَّن شُغلَ بموضوع التزوُّج بالأجنبيَّات أحمد رضا حوحو، الذي استنطق حماره الحكيم فأفاده ببعض المعلومات في الموضوع. قَدِمَ إليه حماره في يوم من الأيَّام مبكِّراً على غير عادته. تثير هذه الزيارة دهشة رضا حوحو، يستفسر حماره الأمر،
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 225. المقال بعنوان "داء المسلمين ودواؤهم"، نشر في مجلَّة "المسلمون" ع: 9 س3، ذو القعدة 1373هـ/يوليو 1954م. (1/212)
صفحة 213
فيقف منه على أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة مستعجلة وخطيرة، هي قضية الزواج بعامة، والزواج بالأجنبيَّات بخاصة.
في هذه الحركة، وهذا الموقف لفتة ذكية إلى تفاقم الوضع، وانتشار ظاهرة الزواج بالأجنبيَّات، حتى إنَّ رضا حوحو حين حاول صرف الحمار عن الموضوع، وطلب منه تأجيله إلى وقت آخر، رفض هذا التأجيل، وقال مسألة زواجي أهمُّ من كلِّ مهمٍّ، ولماَّ قال الحمار: "أريد استشارتك في نوع شريكة العمر" أجاب رضا حوحو: "قلت: خذ لك أية أتان تعثر عليها والسلام.
قال: لا تنس أنِّي لست كبقية الحمير، فأنا أتمتَّع ببعض الثقافة. قلت: فاسلك إذن مسلك المثقَّفين.
قال: ماذا تعني؟
قلت: أعني أن تتزوَّج بأتان أجنبية.
قال: ما هذا الهذيان؟ أَؤُصبت في عقلك؟!!
قلت: أبداً. فإن الشائع في هذه الأيَّام هو زواج المثقَّفين بأجنبيَّات، وأيُّ مانع في أن يتزوَّج حمارنا المثقَّف بأتان أجنبية، تليق بمقامه المحترم؟
قال: إنَّك لا تعني ما تقول.
قلت: لماذا؟
قال: أمَّا يكفي هذا الانحلال الاجتماعي والخلقي، الذي جرَّه زواج بعض رجالكم من الأجنبيَّات، حتى أضيف إليه انحلالاً آخر في فصيلة الحمير؟
قلت: كيف ذلك؟
قال: زواجي من أتان أجنبية تخالفني في الجنس والعادات والتفكير، فيه خطورة كبيرة على أخلاقي وعاداتي وتفكيري.
قلت: يبدو لي أنَّك تهوِّل الأمر ... ولا تنس أنَّك أنت الذي ستتزوَّجها، وعليه فأنت الذي ستفرض عليها عاداتك وأخلاقك وتصبَّها في قالبك. (1/213)
صفحة 214
قال: إنِّي لم أر حتىَّ الآن حماراً شرقياًّ تزوَّج بأتان غربية، ولكنِّي أعرف كثيرًا من الرجال الشرقيِّين تزوَّجوا من نساء أجنبيَّات، ولم أر بينهم من استطاع أن يُعرِّب زوجه الغربية، وقليلون جدًّا الذين لم تُفرنجهم أزواجُهم ... " (1).
في هذا الحوار الساخر عرض الكاتب أفكاراً عديدة، كلُّها تعالج موضوع الزواج بالأجنبيَّات، وتُعدِّدُ سلبيَّاته؛ لغرض التنفير منه. فمن تسجيل حقيقة مرَّة، وهي انتشار ظاهرة زواج المثقَّفين بالأجنبيَّات؛ حتى غدت (موضة) العصر. وهو تهكم من الذين تؤدِّي بهم ثقافتهم إلى سلوك مشين، يحطُّ من كرامة الإنسان المثقَّف، وفي قول الكاتب يكمن التعريض والتهكم بظاهرة شيوع الزواج بالأجنبيَّات، المنافي لتقاليد المجتمع وتعاليم الدين، وهو ما سبَّب انحلالاً اجتماعيًّا وخلقيًّا في المجتمع الجزائري المسلم.
من هذه الفكرة ينتقل الكاتب إلى تقرير ما يحزُّ في النفس، ويدمي القلب، وهو فرض الزوجة الأجنبية أفكارها وسيطرتها على الرجل الشرقي، (2) أمَّا العكس فلم يحدث. إلى غير ذلك من الأفكار التي سجَّلها الكاتب بأسلوب الحوار الساخر، الذي لم يخلُ من الأسى والحزن (3).
في دعابة طريفة يرسل محمد الأمين العمودي أبياتاً، يسخر فيها من الطبيب "سعدان" الذي تزوَّج فرنسية، أنجب منها ولدًا، كانت الأمُّ تدعوه "موريس" والأب الدكتور يناديه "محمد الصالح". وهذه إحدى المشاكل التي يجنيها المتزوِّج بالمرأة الأجنبية. والدعابة تحمل آيات العتاب واللوم لمن يسلك هذا السبيل، كما تسخر وتنتقد ما يجري في المجتمع:
__________
(1) مع حمار الحكيم، ص: 47، 48. المقال بعنوان "حمار الحكيم والزواج". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 70 (07/ 03/1949م).
(2) يلتقي الكاتب في هذه النقطة مع الشيخ البشير الإبراهيمي في النص السابق.
(3) عن انتهاك حرمات الفتيات المسلمات بتأثير الزوجات الأجنبيَّات، ينظر عبد المجيد الشافعي، "مأساة جديدة"، البصائر الثانية، ع: 304 (04/ 02/1955م). (1/214)
صفحة 215
حَيِّ الطَّبيب، ولا تنس قَرينَتَهُ ... هو سليمانُ و (المَدَامُ) بلقيسُ
له غلامٌ أطال الله مُدَّته ... تنازَعَ العُربُ فيه والفرَنسِيسُ
لا تعذِلُوه إذا ما خان أمَّتَه ... فنصفُهُ صالحٌ والنصفُ مُورِيسُ (1)
ومن بين ما عالجه الأدب الساخر في الموضوع خِطبة الرجل المرأة من دون رؤيتها من قبل، وقد تتمُّ الخطبة بواسطة العجائز. وقد نبَّه الأدباء إلى العواقب الوخيمة التي تنتج عن ذلك (2). إلى غير ذلك من الموضوعات الاجتماعية.
ـ هكذا تنكشف لنا إسهامات الأدب الجزائري الساخر في المجال الاجتماعي، وهي إسهامات تبرز مدى ارتباط الأديب بالمجتمع، وتسخير مواهبه في خدمته، والعمل على إنقاذه والسعي إلى تطويره.
ـ كما تكشف هذه الإسهامات عن خطورة الوضع التي وصل إليها المجتمع؛ بسبب انتشار سلبيات كثيرة، عملت على زعزعة أركانه، لولا أنَّ الله قيَّض رجالاً وكتَّابا أجهدوا أنفسهم، وبذلوا قصارى ما يملكون من قوَّة في الإصلاح والتغيير نحو الأحسن، ومن هنا نسجل حضور الأديب الساخر المكثَّف في العمل الاجتماعي.
ـ كثير من الأفكار كانت متشابهة في عرضها، وفي أسلوب معالجتها، وطريقة الرمز إليها؛ ممَّا يدلُّ على اتِّحاد المشاعر، وتوافق الرؤى – في أغلبها - وعلى اتِّحاد المنابع والمصادر التي كان يصدر ويستقي منها الأدباء، وعلى وحدة الأهداف التي رسمها من تصدَّوا لمعالجة هذه القضايا الاجتماعية.
ـ نسجِّل هذا التضافر وهذا التضامن في محاربة كلِّ ظاهرة اجتماعية تبرز، وهذه الحملات المتتالية في محاربتها بمختلف ألوان السخرية وفي مختلف الميادين، خاصة ميدان الصحافة.
__________
(1) مجلَّة الثقافة (وزارة الإعلام والثقافة، الجزائر) ع: 6، س1، ذو القعدة 1391هـ/جانفي 1972م، ص: 55. في الأبيات زحافات كثيرة واضطراب في الوزن.
(2) ينظر على سبيل المثال، الهاشمي التيجاني، "من حياتنا الاجتماعية"، جريدة البصائر الثانية، ع: 98 (12/ 12/1949م). (1/215)
صفحة 216
ـ رغم أنَّ الأدباء قد نجحوا -بصفة عامة- في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بالأسلوب الساخر، إلاَّ أن الإخفاق كان حليف بعض الكتابات؛ تفسير ذلك –عندي- أنَّ بعض الأدباء لا يملكون الأدوات الفنية المناسبة لأسلوب السخرية، وبعضهم لم يتمكَّن من الفوز بالصيغ الملائمة لمشاعره، وآخرين كانوا يتنكَّبون عن صراط السخرية والتهكم، ويحيدون عن هدف الإصلاح والتوجيه إلى القصد إلى التعيير والتجريح والتشهير، أو التفكُّه من أجل التفكُّه. (1/216)
صفحة 217
الفصل الثالث (1/217)
صفحة 218
الفصل الثالث
قضايا سياسية
أ - حقيقة الوطنية
ب - فضح سياسة الاستعمار في الجزائر
ج - النيابة والمجلس الجزائري
د - أذناب الاستعمار (1/218)
صفحة 219
الفصل الثالث
قضايا سياسية
عاشت الجزائر وضعًا سياسيًّا صعبًا، نتيجة ممارسات استعمارية شرسة، وتوجيه صليبيٌّ حقود على الإسلام؛ إذ تبنَّى المستعمر في الجزائر كلَّ أساليب القمع والقهر والاستبداد، ومحاولات طمس الهوية الوطنية والإسلامية. فكلُّ تصريحات رجال الكنيسة والمبشِّرين والجنرالات في الأيَّام الأولى من احتلال الجزائر، كانت ترمي إلى القضاء على الهوية الإسلامية والانتماء العربي في الجزائر. فقد صرَّح أحد رجال الكنيسة قائلا: " ليس غرضنا من فتح المدارس في شمال إفريقيا أن نكوِّن عقولاً مثل عقول جان جاك روسو أو مونتسكيو أو فولتير، ولكن لنبدِّل لغة بلغة، وديناً بدين وعادات بعادات" (1). وقال "الكاردينال لافيجري": "علينا أن نخلِّص هذا الشعب ونحرِّره من قرآنه، وعلينا أن نُعنى على الأقلِّ بالأطفال لننشئهم على مبادئ غير التي شبَّ عليها أجدادُهم، فإنَّ واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل أو طردهم إلى أقاصي الصحراء، بعيدين عن العالم المتحضِّر" (2).
هذان التصريحان يبرزان النِّية المبيَّتة من الاستعمار في القضاء على الأصالة الجزائرية، ويكشفان عن روح القهر والغدر والتسلُّط التي تسكن نفوس المستعمرين. وقد اتَّخذ هذا التوجُّه سبيل التوصية، وإصدار الأوامر لتنفيذ تلك المخطَّطات، وتجسيد تلك السياسة في الواقع، وتجنُّد كلِّ الجهات والفئات، التي من شأنها المساعدة على بلوغ الغاية. لهذا فإنَّنا نجد الجنرال "بيجو" (3) يقول للأب المسيحي (بريمو) وهو يقدِّم له ناشئة جزائرية ليُعنَى بها: "وليست القضية حضارة ومدنية، إنَّها الاستماتة في الوصول بهذا الشعب إلى حالة من العدم، تريح أعصاب
__________
(1) صالح الخرفي، شعر المقاومة الجزائرية، (ش. و. ن. ت)، (د. ت) الجزائر، ص: 228.
(2) د. صالح الخرفي، المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1983م، ص: 49.
(3) أحد الجنرالات الذين حاربهم الأمير عبد القادر، وقد وقَّع معه الأمير إحدى معاهداته مع فرنسا. (1/219)
صفحة 220
الدخيل، وتبعد عنه أيَّ شعور بتوقُّع انتفاضة تقُضُّ مضجعه. حاول يا أبتِ أن تجعلهم مسيحيِّين، وإذا فعلت فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النَّار" (1).
إنَّ الجهود إذن كلُّها منصبَّة لتحويل الجزائريِّين المسلمين عن وجهتهم الحقيقية، وقطعهم عن أصولهم، بل وإطفاء شعلة الوطنية فيهم، وقتل روح المقاومة والمطالبة بالحقوق في نفوسهم، ووأد مشاعرهم. لهذا كانت نداءات الوطنييِّن لعدم الاستسلام لهذه المخطَّطات، وعدم التراجع أمام هذه الضربات، كانت الدعوات في هذا المجال متكرِّرة عبر كلِّ الفترات والمراحل، التي مرَّ بها الكفاح الوطني، بل كانت تنادي بتحمُّل المسؤولية في إنقاذ الوطن وحماية الأمَّة، وإذكاء روح الإسلام والوطنية في نفوس الأبناء.
لقد أسهم الأدب الساخر في هذه التعبئة والتوعية، وتوضيح الرؤى، وتصحيح المفاهيم، وفضح بعض أساليب المراوغة والقمع والبطش، وكشف بعض مواقف الخذلان والخيانة ... كلُّ هذه الإسهامات تندرج ضمن القضايا السياسية، التي عولجت بأسلوب التهكم والتعريض. نشير إلى بعضها فيما يأتي:
أ - حقيقة الوطنية:
من بين ما أثمره الأسلوب القمعي، الذي انتهجه الاستعمار في الجزائر، والسياسة التي تبنَّاها في توجيه الأمَّة، من بين ما أفرزه عدمُ وضوح الرؤية في أذهان بعض الشباب في كثير من القضايا الوطنية، وعدم تبيِّن الأصيل من الدخيل، وعدمُ وعي المصطلحات، وتمييز العمل الصالح من الطَّالح، وما هو وطنيٌّ وغير وطني. فكانت بعض الأعمال التي يُقدَمُ عليها باسم الوطنية هدماً وتقويضاً لأركان المجتمع.
في هذا الموضوع كتب أبو اليقظان يبيِّن ما هي الوطنية الحقَّة؛ بعد أن لاحظ أنَّ الناس يتغنَّون بها وهم خواء منها، يمجِّدون الوطنية ويتحرَّكون باسمها، ويعملون نقيض ما تدعو إليه. وإذ نعتوا –بسبب ذلك- وقيل لهم لستم وطنيِّين، ثاروا
__________
(1) شعر المقاومة الجزائرية، ص: 71. (1/220)
صفحة 221
وغضبوا واغتاظوا: " ... يشيدون المراقص فيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر فيزعمون: أنَّها لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن شجَّعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي والمقاصف، فيموِّهون أنَّ ذلك لتمدين الوطن، ينظِّمون حفلات الرقص والغناء فيختلط الحابل بالنابل، فيعلنون بلا خجل إنَّ ما يتجمَّعُ منها لفائدة المشروع الخيري الوطني، وليتها لم تسن ولم تتصدَّق، كأنَّما الوطن فندق متداعي الجدران، والوطنية فؤوس ومعاول تقتنى لهدمه واكتساحه" (1).
إنَّ أبا اليقظان يسخر من هذه الأفكار السقيمة، ومن هذه العقول السخيفة، التي انقلبت عندها الموازين، واختلطت لديها المفاهيم، فأصبحت ترى في الفؤوس والمعاول التي تهدم، ترى فيها أدوات للبناء والتشييد. فالكاتب بقدر ما يتهكم بتصرُّفات هؤلاء الناس، فهو يتحسَّر كمداً على تركيبات هذا الصنف من البشر وتكوينهم، الذي أسهمت فيه الخطَّة الاستعمارية والعمل التنصيري الصليبي الذي أشرنا إليه آنفاً.
لذا نجد كاتباً آخر وهو "أبو فراس" يبيِّن حقيقة الوطنية، التي يجب أن يتحلَّى بها الجزائري المثقَّف بخاصة، ليعمل - على ضوئها، وانطلاقاً من فهم حقيقتها- لإنقاذ الوضع، وتلافي السلبيَّات. يبيِّن ذلك وهو يوجِّه كلامه إلى خرِّيجي جامع الزيتونة، وهم يتأهَّبون للمشاركة في الحياة الوطنية في المغرب العربي بعامة والجزائر بخاصة، منتقداً - في الوقت نفسه - جمود المثقَّفين وخرِّيجي المدارس والمعاهد في المشاركة في الجهاد الوطني، أو عدم العمل فيه بقوَّة وفعالية. ويلوم الذين يرجعون من تونس إلى الجزائر (كخزائن الكتب تمشي على رجلين) ثم يشير إلى المسؤولين على هذه الناشئة أن يُذْكُوا الحماسة الوطنية في قلوبهم، ويدرِّبوهم على الكفاح السياسي المنظَّم ... ثمَّ يقدِّم إلى هؤلاء النَّشء توجيهات وطنية بأسلوب فكاهي طريف، ممزوج بالمرارة والحسرة، لكنّه كان هادفاً: "ليست الجزائر بحاجة إلى رجال يرفعون الفاعل، وينصبون المفعول، ويخفضون المضاف إليه، ويحرِّكون ويسكِّنون
__________
(1) " الوطنية الحقَّة ... " (د. إ)، وادي ميزاب، ع: 52 (07/ 10/1927م). [المقال لأبي اليقظان]. (1/221)
صفحة 222
أواخر الكلمات لا غير. وإنَّما هي بحاجة إلى رجال يرفعون رأسها عاليًا، وينصبون أقلامهم وأفكارهم للذَّود عن حماها، والدفاع عن كرامتها، ويخفضون رؤوس المتفوِّقين والخونة المنافقين، ويحرِّكون المؤسَّسات، ويسكِّنون عواصف الظُّلامات. أولئك هم الرجال الذين تحتاجهم الجزائر اليوم، ويحتاجهم المغرب الأعظم الجبَّار، فماذا يهمُّنا قيام زيد أو قعود عمرو، ما دام الاستعمار قائماً لا يقعد. والشعب قاعداً لا يقوم" (1).
إنَّ الكاتب يريد نفخ روح الوطنية في نفوس الطبقة المثقَّفة والطلبة الذين كانوا في فترة التلقِّي والمرحلة النظرية في تكوُّنهم. اليوم وهم يتأهَّبون للانتقال إلى المرحلة العملية، يجب عليهم أن يفهموا أنَّه لابد من تسخير علومهم في خدمة المجتمع والوطن. ولا يمكن أن يبقوا نظريِّين في حياتهم، ولا أن يحصروا أنفسهم ونشاطهم في دائرة تخصُّصهم فقط، بل يجب أن يبرهنوا على إخلاصهم لوطنهم. وعليهم أن يدركوا أخيراً أنَّه لم يسمح لهم بالتعلُّم إلاَّ رجاء أن تتقوَّى فيهم الروح الوطنية، التي تدفعهم إلى العمل على حماية الوطن والرفع من شأنه ...
إنَّ حقيقة الوطنية أوسع وأبعد ممَّا كان يتصوَّره بعض المثقَّفين. إنَّها التصدِّي للاستعمار، ولكلِّ ما يعكِّر صفو الحياة الوطنية، ويعرقل الكفاح الوطني. والوطنية تعني التفطُّن لدسائس العدوِّ ومعرفة مخطَّطاته في تهميش الجهاد، وحصره في زاوية معيَّنة، كإبقائه في دائرة محاربة الطرقية والتعرُّض لرجال الزوايا: "إنَّ الطالب الجزائري الذي يعرف حرفين بالعربية أصبح اليوم ولا همَّ له إلاَّ التطوُّع جنديًّا في محاربة الطرقيِّين، كأن ليس عليه من واجبات غير هذه، وكأنَّ شعبه لا يشكو إلاَّ من هذه الناحية، وكأنَّ الاستعمار لا يعنيه في قبيل ولا دبير، والأديب الجزائري -من ناثر وشاعر- أصبح اليوم لا يعرف غير لغة البدعة، الضلالة، القبور، القبب،
__________
(1) أبو فراس (هو مفدي زكرياء) "ملاحظات نزيهة من رسالة صديق"، محمد قنانش ومحفوظ قدَّاش، حزب الشعب الجزائري 1937 - 1939، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، سنة 1985م، ص: 238. الرسالة كتبها مفدي زكريَّاء في السجن سنة 1937م. (1/222)
صفحة 223
الزردة، الوسيلة، وإنَّك لتشاهد في مجموع الأدب الجزائري طابعاً (لاهوتيًّا) لا يكاد يخرج من بين القبور ... " (1).
الرسالة تطفح كلُّها وطنية، وفي الوقت نفسه تنضح أسى وحسرة على ما آلت إليه الأوضاع في الجزائر من تدهور، وعلى ما أصيبت به الوطنية من سوء فهم بعض النفوس لحقيقتها. التفكُّه المعرِّض الهادف يبدو في بعض عبارات النص، كقول الكاتب (يعرف حرفين بالعربية، التطوُّع جنديًّا في محاربة الطرقيِّين، طابعاً لاهوتيًّا لا يكاد يخرج من بين القبور ... ). وقد كانت هذه الفكاهة الطريفة دفعاً قوياًّ لمحاولة تقديم حقيقة الوطنية، بما يشحذ العزائم على تجسيدها في الميدان بأعمال تتناسب مع خطرها. كما كانت هذه اللفتات الطريفة حربًا على عقم الأساليب المتَّبعة في التوجيه والجهاد، ومواجهة سياسة الاستعمار الفرنسي في محاربة الوطنية في نفوس الشعب الجزائري.
ب ـ فضح السياسة الاستعمارية في الجزائر:
تضاعف حيف الاستعمار وظلمه للجزائريِّين وتنكيله بهم؛ ضمن استراتيجية مسطَّرة، وسياسة مخطَّطة؛ للقضاء على الشخصية الوطنية الإسلامية، بما يقف معه العقل مشدوهاً وحائراً من تصرُّفات من يدَّعي نشر الحرية والعدل والمساواة بين الناس.
نعرض فيما يأتي نموذجًا من هذه الممارسات، يقترحه علينا أبو اليقظان، يقدِّمه إلينا في شكل حكاية من حكايات التسلية، أو ما تعمر به جلسات السمر؛ ممَّا يروِّح عن النفس، ويسلِّي القلب، ويؤاسي الكئيب ولو إلى حين، بما تشتمل عليه هذه الحكايات من مفاجآت وغرائب ... إلاَّ أنَّ تقديم أبي اليقظان لها كان هادفاً إلى الكشف عن جانب من ممارسات المستعمر التعسُّفية. قدَّم مثلاً حيًّا ونموذجاً من معاملة المستعمر الأهالي، والمشاريع المنجزة. فكتب عن زيارة الحكومة الفرنسية لتدشين المطبعة العربية (2).
__________
(1) م. س، ص: 236.
(2) أنشأ أبو اليقظان المطبعة العربية سنة 1931م. هو يعد أول وطني يؤسس مطبعة عربية في الجزائر. ينظر د. محمد ناصر، جريدة الشعب (الجزائر) ع: 2912 (09/ 04 /1973م)، ومحمد ناصر بوحجام، أبو اليقظان في الدوريات العربية، المطبعة العربية، غرداية (الجزائر) سنة 1985م، ص: 59. (1/223)
صفحة 224
بدأت قصَّته كما يأتي: "وحيث أنَّنا أتممنا نحن مشروع مطبعتنا العربية، ولم نقم بهذا الواجب (واجب التدشين) رأت الحكومة من اللاَّئق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي، فأرسلت لجنة تتركَّب من حضرة كوميسار البوليس وأعوانه، لينوبوها في ذلك" (1). ثم سرد تفصيلات الزيارة وعملية التدشين، متهكماً ومعرِّضا بالمعاملة التي قدَّمتها اللجنة، والتي تليق بمقام المشروعات: "ففي الساعة 7و15 صباح السبت 07 مارس شرَّفتنا اللجنة بلباسها الرسمي، حاملة إذن والي الولاية العامة المحترم بتفتيش محلِّ المطبعة، ففتَّشوه - رعاهم الله - بكلِّ دقَّة ولطف، وتتبَّعوا مكتبه ورفوفه وملفَّات المعاملات، ودواليب الماكينات، وصناديق الحروف، وغير ذلك، ثمَّ دعونا بسلام من غير أن يبدوا لنا سبباً لهذا، غير أنَّا فهمنا بعد كمال التدقيز أنَّ المراد من هذا التفتيش، إنَّما هو مجرَّد التدشين، فشكرناهم على ذلك شكراً جزيلاً، كما شكرنا لديمقراطية القرن العشرين، التي بلغت بحرمة المنزل والحرية الشخصية إلى هذه الدرجة العالية" (2).
السخرية والتهكُّم يبدوان في هذه النقط:
1 - في العرض المفصَّل المدقَّق لزيارة اللجنة، وفي هذا تعريض بسخافة عقول هؤلاء الأعضاء، القاصدين المحل، ثمَّ في وصف تحرُّكاتهم وحركاتهم، وفي ذلك تعبير عن احتقار الكاتب هؤلاء، وازدرائه تصرُّفاتهم التي تكشف عن النذالة والدناءة.
2 - في انتقاء كلمات وجمل وأوصاف معيَّنة، ظاهرها احترامُ وتقديرُ هؤلاء المفتِّشين، وباطنها تنكيت بهم وتعريض (ففتَّشوه - رعاهم الله - بكلِّ دقَّة ولطف) (إذن والي الولاية المحترم) (شكرناهم على ذلك شكرًا جزيلا) ...
3 - في التعريض بأعمال المفتِّشين، التي تتنافى مع ما تلوح به أقوالهم من آيات الاحترام والتقدير للغير، وإعطاء الحرية وبسط الديمقراطية: (شكرنا لديمقراطية القرن العشرين، التي بلغت بحرمة المنزل والحرية الشخصية إلى هذه الدرجة العالية).
__________
(1) "وادي ميزاب عند تدشين، المطبعة العربية" (د. إ)، جريدة المغرب، ع: 37 (19/ 03/1931م).
(2) م. ن. (1/224)
صفحة 225
استمرَّ الكاتب بعد ذلك في وصف وقائع التدشين والزيارة التي تجاوزت المهمَّة التي كلَّفت بها هذه اللجنة. فتهكم منها، ورأى الكاتب أنَّ سبب كلِّ هذه التصرفات هو أنَّ شبح "وادي ميزاب" (1) ما يزال ماثلاً أمامهم بهيبته وروعته - رغم مضيِّ عامين على نعيه - فقصدوه في قبره وفتحوه بدون أية استشارة أو استئذان. قدَّم الكاتب هذا الوصف بالأسلوب نفسه، الذي ينضح سخرية، معتمداً على بعض الكلمات المعرّضة: " ثم إنَّ اللجنة المحترمة لم تكتف بهذا، بل جاوزت حدود الإذن الرسمي، فوهمت أنَّه لا يزال شبح "وادي ميزاب" بمدفنه، فقصدته بكلِّ شجاعة، ففتحت قبره بدون حضور وليِّه، فدارت في زواياه، وبكلِّ أسف لم تجد إلاَّ غباراً متراكماً على مكتبه، ومن العجيب أنَّه ما يزال بعبع "وادي ميزاب" ماثلاً رغماً عن مضيِّ عامين على مصرعه وقد ذكَّرتنا هذه القصَّة بقصَّة حجا ورفات الحمار" (2).
تأسَّف الكاتب لكون مجهود اللجنة كان ضائعاً، إذ لم تعثر على ماكانت تطلبه، وهو القبض على جريدة "وادي ميزاب"؛ لأنَّها قد ماتت منذ عامين. لكنَّ الخوف والفرق اللذين تركتهما في قلوب المستعمرين جعلاهم لا يصدِّقون بموتها، ففتَّشوا عنها حتىَّ في مدفنها. تحسَّر الكاتب أيضا على الخسارة التي لحقت اللجنة: خسارة على الشجاعة التي أظهرتها، وخسارة على الجهد المبذول، وخسارة على الجسارة في خرق القوانين في سبيل غاية لم تتحقَّق. وتكون هذه اللفتات الساخرة من الكاتب بالغة غايتها من الاحتقار والازدراء، حين يربط بين قصَّة الزيارة بنتائجها وقصَّة جحا ورفات الحمار.
وبعد أن يضيف تجاوزات أخرى قامت بها اللجنة، كالاعتداءات على بعض المنازل وتفتيشها دون حضور أربابها، بعد عرض ذلك يكشف عن هذا الضعف وهذا الجبن اللذين ظهرت بهما اللجنة: "ولكن مالنا ولهذه الضوضاء والجلبة كلِّها!
__________
(1) جريدة وادي ميزاب أولى جرائد أبي اليقظان (1926 - 1929م) صدر منها 119، عدداً عطِّلت في شهر فيفري 1929م، ينظر كتاب الصحف العربية الجزائرية، ص: 65 - 79.
(2) المغرب، ع: 37. (1/225)
صفحة 226
أضاقت الصدور وفقدت الوسائل الحكيمة إلاَّ هذه الوسيلة التي لا يفهم بادئ الرأي منها إلاَّ نهاية الضعف والوهن السياسي" (1).
لمزيد من الاطِّلاع والكشف عن عسف المستعمر، وقهرالشعب، نفتِّش مع أبي اليقظان عن الحرية التي منحتها فرنسا للجزائريِّين، ونتعرَّف على الديمقراطية التي تبرَّعت بها عليهم، ونتبيَّن الأفضال التي كانت تنعم بها على المواطنين: "بعثنا الله إليكم لنبدِّل ذلَّكم عزًّا، ولكن بصبِّ كؤوس الهوان على رؤوسكم، وفقركم غنى، ولكن بابتزاز أراضيكم ومقدَّرات بلادكم، وترك مئات الآلاف يلتحفون الغبراء وجهلكم علماً، ولكن بإغلاق المدارس في وجوه أبنائكم، وترك 90 ألف نسمة يذرعون الطرقات، وعبوديتكم حرية، ولكن بإحاطتكم بأسلاك شائكة من قيود القوانين الاستثنائية. نحن نتعهَّد باحترام ديانتكم، ولكن بمضايقة رجال الدين، وإطلاق العنان للمبشِّرين يجوسون خلال الديار، ويأخذون طريقهم إلى القلوب لابتزاز العقائد منها، نحن نحترم آدابكم وثقافتكم، ولكن بمطاردة لغتكم العربية واعتبارها وهي لسانكم لغة أجنبية كلغة الألمان والطليان. نحن نعطيكم الحرية التامة في انتخاب نوابكم، ولا تَتَدَخَّلُ فيما بينكم أبداً إلا بإطلاق المسدَّسات فقط، وقتل وجرح الناخبين فحسب!!.
ذوق سليم ومنطق مستقيم، وعدل عميم، ومنهاج قويم، جاءتنا به أوروبا لتخرجنا من الظلمات إلى النُّور ... !!! لتملي علينا دروس الحضارة والتمدين، لتلقِّننا مبادئ التثقيف والتهذيب ما شَاء الله لا قوَّة إلاَّ بالله!!. أهكذا يكون التمدين؟ أهكذا يكون التهذيب؟ أبهذا تمتلك القلوب؟! " (2).
النص ينضح حسرة ومرارة، أفصح عنهما الكاتب بأسلوب ساخر معرِّض بالمفارقات في تصرُّفات المستعمر. وكشفت عنهما هذه المقابلة بين الادِّعاء وحقيقة
__________
(1) م. ن.
(2) "لكم الحرية التامَّة في الانتخاب ولكن تحت طلقات المسدَّسات وبين أزيز الرصاص" (د. إ)، جريدة الأمَّة (أبو اليقظان) ع: 155 (22/ 02/1938م). المقال لأبي اليقظان، كتبه بعد حوادث بسكرة التي وقعت يوم: 06/ 02/1938م، أثناء معركة الانتخابات. (1/226)
صفحة 227
ذلك في ميدان التطبيق وطريقة التنفيذ، وأبانت عنهما عبارة (نفعل كذا ولكن ... ). فهذه الكلمات والجمل تعبِّر تعبيراً صادقاً وقويًّا عن قمَّة القلق النفسي والألم المبرِّح؛ بسبب تدهور الحالة السياسية في الجزائر، وتكشف عن قوَّة احتدام الصراع مع المستعمر. كما تعبِّر بصفة خاصة عن حالة الكاتب الخاصة، وتوتُّر نفسه ونفاذ صبره من مضايقات الاستعمار له في جهاده الصحافي، ومصادراته المتكرِّرة لجرائده؛ فبعد شهور فقط من كتابة هذا المقال، يصادر العدوُّ جريدته "الفرقان" (1) بعدها يقرِّر اعتزال الصحافة التي قال عنها يوماً ما:
إنَّ الصحافة للشعوبِ حياةٌ ... والشعبُ من غير اللِّسان مواتُ
فهي اللِّسانُ المفصِحُ الذلق الذي ... ببيانِه تُتَدارَكُ الغاياتُ (2)
فاعتزاله الصحافة كان بسبب هذه المضايقات التي لاقاها من المستعمر، فهجر هذه الوسيلة الضرورية لحياة الشعوب، وهذا اللسان المفصح عن آمال الجماهير وغاياتها، وقد تركها تحت ضربات العدوِّ القاتلة، وغيَّر وسيلة العمل والجهاد (3).
حين نستحضر هذا الجوَّ الذي تنفَّس فيه نصُّ أبي اليقظان، سابق الذكر نقف على المرارة والحسرة اللتين طبعتاه، ونفهم السخرية التي وصف بها الكاتب أعمال المستعمرين (4).
ولكثرة هذه الممارسات التعسُّفية والتجاوزات في الظلم والقهر اختار كاتب أن يرسل رسالة مفتوحة إلى سيّدنا عيسى - عليه السلام -، يسأله فيها، هل هو الذي
__________
(1) صدر العدد السادس من الجريدة يوم: 02/ 08/1938م. وهو آخر عدد يصدره أبو اليقظان في نشاطه الصحافي.
(2) ديوان أبي اليقظان ج1، ط2، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية (الجزائر).نشر جمعية التراث، العطف (الجزائر) سنة 1989م. ص: 130.
(3) هو القائل: " ... بعدما رأيت الجوّ مكفهراًّ بعد تعطيل جرائدنا، وبعد أن أيست من الرجوع إلى ميدان الصحافة ورأيت نفسي وفي الأجل بقية للعمل والحمد لله، حوَّلتُ وجهي للتأليف ... أبو اليقظان إبراهيم "نشأتي" (مخ)، ص: 59. ينظر أيضا كتابنا "أبو اليقظان في الدوريّات العربية" ص: 176،177.
(4) ينظر هذه الأفكار وهذه المشاعر، عيون البصائر، ص: 407، وجريدة "الشعلة" ع: 7 (26/ 01/1927م) فيها مقال بعنوان "لمن تُغني". (1/227)
صفحة 228
أمر المستعمرين - الذين هم أتباعه شكلاً- بأن يتجبَّروا ويطغوا ويظلموا ويستعبدوا غيرهم؟ هل هي وصاياه إليهم بذلك؟ ثم يعرض عليه أسئلة أخرى على وجه السخرية والاستنكار؛ لحمايته أولئك الذين يحتفلون بتعاليم وآيات لا يطبِّقونها في حياتهم. هذه الصورة الساخرة استوحاها الكاتب من الموقف الذي عرضه الله تعالى على عيسى - عليه السلام -؛ حين سأله هل هو الذي أمر الناس بأن يتّخذوه وأمَّه إلهين من دون الله (1).
في سؤال الكاتب سخرية من سفاهة عقول هؤلاء الناس. كما أنَّ الرسالة كلُّها تهكمٌ بأعمال الفرنسيِّين والمستعمرين، الذين ظلموا وطغوا في البلاد (2).
تكثر تعسُّفات الاستعمار، فينشط الأدباء في الكتابة للكشف عن حقيقة الاستعمار. فهذا محمد البشير الإبراهيمي لا يترك أية مناسبة إلاَّ ويسلكها في سبيل ذلك، ولا يضيِّع أية مناسبة متاحة إلاَّ ويغتنمها في هذا المضمار؛ لشدَّة كرهه الاستعمار ومقته له. في هذه المرَّة يحاول الانتصاف لكلمة الاستعمار، التي حوَّلت عن معناها وهو العمارة والتعمير إلى معنى خسيس، أراده لها القاسطون؛ بقصد التمادي في قهر الناس، والسيطرة عليهم، فاستعار هذه الكلمة ليوهم العامة بأنَّه قدم إليهم لينشر الخير والفضيلة بينهم، وأنَّه جاء للبناء والتشييد ...
يقدِّم لنا الكاتب هذه الحقيقة في ثوب فكاهيٍّ تهكمي، يبدؤه بسؤال ساخر هادف: "وعجيب وهل الاستعمار مظلوم؟ إنَّما يقول هذا (كولون الشمال) أصحاب الكيمياء، التي أحالت السيِّد عبدا والدخيل أصيلاً. أمَّا أنت فتوبتك أن تحشر كلمة (مظلوم) هذه في الكلمات المظلومة. هوِّن عليك فإنَّ المظلوم هنا هو هذه الكلمة العربية الجليلة، التي ترجموا بها لمعنى خسيس ... " (3).
انطلق الكاتب من سؤال ساخر، وهو ما يوحي بهذه الحالة النفسية النَّاقمة، التي تشاهد الحيف والضيّم الكبيرين، اللذين سلَّطا على الشعب الجزائري، وبخاصة
__________
(1) ينظر سورة المائدة، الآيات: 116 - 120، ثم تفسيرها في ظلال القرآن مج2، ج7، ص: 1000 وما بعدها.
(2) ينظر "زيَّادي" رسالة مفتوحة إلى روح سيِّدنا عيسى بمناسبة عيد الميلاد"، جريدة البصائر الثانية، ع: 19 (12/ 01/1948م). ينظر أيضاً عيون البصائر، ص: 77،78، فيها المعاني نفسها والصورة عينها.
(3) عيون البصائر، ص: 574. (1/228)
صفحة 229
بعد مجازر الثامن من ماي 1945 الرهيبة التي كانت "نكبة كبيرة على الجزائرييِّن بسبب ما تركته من ويلات ومصائب، إذ ثكلت الحركة الوطنية، وقتلت العشرات من قادتها ومسيِّريها، وفتكت بالآلاف من المواطنين الذين جاؤوا مطالبين بحقوقهم المسلوبة، ومنادين بالاعتراف بحقِّهم في العيش والاستفادة من خيرات بلادهم" (1).
بعد أن بيَّن البشير الإبراهيمي أنَّ الكلمة حشر فيها معاني الخراب والانتهاك والظلم والتعدِّي والفساد والسرقة والنَّهب والقسوة والقتل ومجموع الرذائل ... وبذلك كانت ثقيلة على الأسماع، منبوذة من النفوس. بعد ذلك دعا الشعب إلى الاستفاقة من هذه الغفوة، والإفاقة من هذه الغفلة، وعدم الانخداع بمثل هذه التمويهات والمغالطات، وأشارإلى الناس: أن سمَّوا الأشياء بأسمائها؛ حتىَّ تقفوا على حقيقة ما يراد بكم، وتتبيَّنوا أموركم. ثمَّ أضاف مستمراًّ في الشماتة بالاستعمار تهكماً وحنقاً عليه: "أما والله لو أنَّ هذا الهيكل المسمَّى بالاستعمار كان حيواناً لكان من حيوانات الأساطير بأَلْفِ فَمٍ للالتهام، وألف معدة للهضم، وألف يد للخنق، وألف ظلف للدَّوس، وألف مخلبٍ للفرس، وألف ناب للتَّمزيق، وألف لسان للكذب وتزيين هذه الأعمال. ولكان مع ذلك مغتلمًا هائجًا بادئ السوءات والمقابح، على أسوإ ما نعرفه في الغرائز الحيوانية" (2).
يشتدُّ حنق الكاتب على المسمىَّ الاستعمار، المنتحل هذا الاسم؛ لكثرة جرائمه واعتداءاته، فيبدي سخريته الممزوجة بهذا الغضب العارم ويصوِّر الاستعمار حيواناً من حيوانات الأساطير، التي تمتلك قوَّة خارقة، لا حقيقة لها إلاَّ في أذهان البسطاء من الناس، وعقول السذج منهم، مع ذلك يصرُّ على نعت الاستعمار بأنَّه جبان ضعيف؛ إذ أنَّ قوَّته التي يدَّعيها ليست سوى القوَّة التي تقرأ في الأساطير، وهو إلى جانب ذلك منقاد إلى الشهوات، وأسير الغرائز أكثر من الحيوان.
__________
(1) محمد ناصر بوحجام "إرهاصات الثورة في الشعر الجزائري"، المجلَّة الثقافية (الجامعة الأردنية)،ع: 30، ربيع الثاني 1414هـ/ تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1993م، ص: 134.
(2) عيون البصائر،: 575. (1/229)
صفحة 230
في هذا التصوير، وفي هذا التعبير يكمن الألم النفسي الذي يعصر قلب الكاتب، فأخرجه في هذه الجمل المتساوقة، وفي هذه الأوصاف الساخرة.
وبعد أن كشف عن حقيقة هذا المسمَّى بالاستعمار خاطب الناس، وناداهم من الأعماق نداء المتذمَّر الواجد على هذا الهيكل: "سمُّوا الاستعمار تخريبًا - إذ لا تصحُّ كلمة استخراب في الاستعمال- لأنَّه يخرِّب الأوطان والأديان والعقول والأفكار، ويهدم القيم والمقامات والمقوِّمات، وخذوا العهد على المجامع العربية أن تمنع استعمال هذه الكلمة في هذا المعنى الذي لا تقوم بحمله عربة مزابل" (1).
هذه الفقرة الساخرة المعرِّضة نقلت زفرة الكاتب، ونفثة صدره. نداؤُه واستغاثته جسَّدا قلقه وضجره من تعسُّف المستعمر.
يبقى التأويل واستعارة المصطلحات فرصة للتَّمويه والتضليل؛ لتمرير المؤامرات وتحقيق المصالح. بناءً على ذلك يقرّر البشير الإبراهيمي أنَّ الحرية مفقودة في الجزائر؛ بسبب تفسير معنى السياسة حسب أهواء المستعمر، وتطبيقها حسب ما يمليه الظرف والعامل والمصلحة. يورد الفكرة في تهكم وحسرة على حالات العسر والعنت التي يعيشها الشعب الجزائري؛ بسبب الفهم الخاطئ لمعنى السياسة: "للسياسة في جميع بلاد الله وعند جميع خلقه معنى محدود قارٌّ في حيِّزه من الإدراك، إلاَّ في هذا البلد وعند حكومته وساسته المقلِّدين، فإنَّ معناها غير محدَّد ولا مستقر، يتَّسع إلى أقصى حدود الاتِّساع فيحمل ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف، وما اطَّرد وما شذَّ، ويضيق إلى أقصى حدود الضيق، فتلتوي مسالكه، وتنسدُّ مجاريه، وتتهافت أقيسته، ولا يتبيَّن فيه مورد عن مصدر، كلُّ ذلك بالتبع لأهواء الاستعمار المتباينة، وأهويته المتناوحة، والاستعماركلُّه رجس من عمل الشيطان، فغير غريب أن يكون من خصائصه تغيير الأوضاع والمعاني، ليصحِّح لنفسه الألوهية المزوَّرة إلى حين" (2).
__________
(1) م. ن. ينظر شبيه بهذه الفكرة تحليل الكاتب نفسه لكلمة "الديمقراطية،" عيون البصائر، ص: 576،577.
(2) عيون البصائر، ص: 30. المقال بعنوان "جمعية العلماء موقفها مع السياسة والساسة". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 3 (08/ 08/1947م). (1/230)
صفحة 231
تبدو سخرية الكاتب في وصف الاستعمار بالمتناقض في ممارساته وتفكيره؛ إذ لم يهتد إلى حقيقة السياسة، فحشر فيها ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف ... ووسَّع من مدلولها ومجالها، وضيَّق منها أحياناً أخرى ... إذن حين أساء الاستعمار فهم حقيقة السياسة، وأخطأ الطريق في استعمالها أصبحت اللفظة دون معنى، ومن ثمَّ تجرَّأ كلُّ الناس على ولوج بابها، والتعامل معا بما أفقدها قيمتها وهيبتها، بعدما كانت شبحاً وغولاً جاثماً على صدورهم وقابعاً في قلوبهم، وماكثاً غصَّة في حلوقهم: "ويوشك هذا اللفظ بسوء تصريف الاستعمار له أن يصبح بلا معنى كالألفاظ المهملة، وكما جازف الاستعمار قبل اليوم بكلمة (عدوِّ فرنسا) يرمي بها في غير هدف، ويسم بها كلَّ من هبَّ ودبَّ، فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوة فرنسا، وفتح لهم – بما يردِّد من لفظها، ويبدع من أسبابها- أبواباً وطرائق. كذلك جازف بكلمة السياسة، يرمي بها حتى المصلِّين والحجَّاج، فكان من آثار ذلك أن غمرت الناس هذه الموجة المكتسحة من السياسة، ولا يجني الظالم إلاَّ على نفسه. وإذا أراد الله بأمَّة خيراً جعل يقظتها على أيدي أعدائها" (1).
واضح من سخرية الكاتب وتهكمه اللذين عمل الخيال في بلورتهما، ومن صياغة الأفكار التي تضمَّناها أنَّه كان يهدف إلى هدفين أساسييَّن:
1) كان يرمي إلى وصف الاستعمار بالغباوة والسذاجة؛ إذ أنَّه لم يحسن التصرُّف مع من هم تحت سيطرته ورحمته، ولم يتَّبع معهم الأسلوب الذي يبقيهم تحت نفوذه، بل تعامل معهم بما يفتح عيونهم للعمل على الخروج من التبعية له، وعلى الانفلات من قيده. وفي هذه اللفتة عامل نفسي: فيه عدم الاعتراف للعدوِّ المستعمر بسيطرته، وتحكُّمه في رقاب الشعب وإحكام قبضته عليه؛ رغم ما يبدو من مظاهر السيطرة عليه في الحياة العامة، وممَّا يرتكبه من جرائم متتالية في حقِّه. وفيه أيضاً اغتيال معنويَّات العدوِّ أمام الشعب وإبعاده عن عيون الناس، وطرد
__________
(1) م. ن. (1/231)
صفحة 232
هاجس الخوف منه من قلوبهم؛ حين يكشف عن غباء الغاصب المحتلِّ، وعن ضعفه في الوقت نفسه، وحين يبرز سوء تصريفه لفظة (سياسة) بما يرجع عليه بالوبال.
2) دعوة الشعب بطريق خفيٍّ إلى الخوض في السياسة، ما دام كلُّ الناس يتعاطونها؛ بسبب فهم الاستعمار الخاطئ لها. ثمَّ أيضاً نداؤه المواطنين إلى النهضة واليقظة والثورة على العدوِّ. خاصة وأنَّ فترة ما بعد حوادث الثامن من ماي 1945م عرفت انقلاباً في الأفكار، وفي سياسة الأهالي مع المستعمر، وشهدت نهضات أدبية، وكتابات متطوِّرة في أسلوبها ولهجتها؛ ممَّا عُدَّ إرهاصات للثورة: " ... وبفضل تلك المأساة ظهرت في أفق الجزائر ألحان الحرية والضحايا والاستقلال والعلم الرفراف إلى آخر هذه الرموز المقدَّسة لدى الشعب ... " (1).
ما نستأنس به في استنتاجنا ذلك هو ما جاء في مقال الكاتب نفسه:" ... ولكن السخافة كلَّها في هذا التبذُّل، الذي أصبحت معه كلمة (السياسة) كلفظ "البعبع"، هذا يخوَّف به الصغار ولاحقيقة له، وتلك يخوّف بها الكبار ولا معنى لها. وما جاء هذا البلاء إلاَّ من الوضعية الشاذة، التي بني عليها نظام الحكم الاستعماري على المسلمين في الجزائر: حكومة لائكية في الظاهر مسيحية في الواقع، جمهورية على الورق، فردية في الحقيقة، تجمع يديها على دين المسلمين ودنياهم، وتتدخَّل حتىَّ في كيفية دفن موتاهم. وما دامت هذه السيادة سائدة، وما دامت العنصرية موجودة، فإنَّ هذه اللفظة (لفظة السياسة) تبقى ذليلة، مهينة مجرَّدة من جلالها وسموِّها، نجدها في باب الإجرام والاتهِّام أكثر ممَّا نجدها في باب الإكبار والاحترام" (2).
__________
(1) د. أبو القاسم سعد الله، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ط3، الدار التونسية للنشر (تونس) والمؤسسة الوطنية للكتاب (الجزائر) سنة 1985م، ص: 43، ينظر أيضا: د. أنيسة بركات درار، أدب النضال في الجزائر من سنة 1945م حتَّى الاستقلال، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1983م، ص: 79 وما بعدها، ود. نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير ط1، دار العلم للملايين بيروت، كانون الثاني (يناير) 1981م، ص: 315 وما بعدها. ومحمد ناصر بوحجام "إرهاصات الثورة في الشعر الجزائري" المجلة الثقافية، ع:30.
(2) عيون البصائر، ص: 31. (1/232)
صفحة 233
يركِّز محمد البشير الإبراهيمي كثيرًا في كتاباته على فكرة السخافة والسذاجة الاستعمارية، وفكرة الادِّعاء والزعم، دون التقدُّم خطوة واحدة نحو التنفيذ. يركِّز على ذلك بدافع نفسيٍّ؛ توهيناً لقوَّة المستعمر، وإحباطاً لمعنويَّاته، ونفخاً للرُّوح في نفوس المسلمين، ودفعاً لها لمزيد من بذل الجهد في سبيل نهضة تقوم بالبلاد، وترفع من شأنه، وتمحو من أبنائها آثار الاندحار والانهزام ....
ففي مقال آخر يتهكم ويسخر من فرنسا، التي تعدُّ نفسها ممدِّنة العالم ومعلِّمته، وناشرة لواء الحرية فيه، وأنَّها الأستاذة الكبرى لكلِّ من سلك هذا السبيل (1) ... ومع ذلك فهي تخالف كلَّ ذلك، وتنتهك من الحرمات، وتخرق من القوانين، وتبدي من سوء المعاملة، ما يكشف عن غبائها وسذاجتها وسخافتها. فبقية المستعمِرين يعاملون المستعمَرين بأسلوب اللين وإرخاء البسط، وسياسة الشعرة، وهو أسلوب متطوّر في الاستعمار والتغليط والمكر، حسب نظر الكاتب: " قرأنا سير الإنكليز في الهند فوجدناهم بالغوا في إعطاء الحرية للأديان حتىَّ بلغوا حدَّ السخافة وسوّوا في تلك الحرية بين (قرَّاء البقرة) بالحقِّ وبين (عبَّاد البقرة) بالباطل، ويسَّروا سبيل الحجِّ، حتى اتسع معنى الاستطاعة" (2).
هذا صنيع الإنكليز مثلاً، بينما فرنسا لا تفقه في هذه السيرة والسياسة شيئاً. يعلِّق الكاتب على ذلك بما يشفي غليله من التهكم بفرنسا، ويما يطفئ غيظه من سياسة الاستعمار. وإن كان ذلك لا يتعدَّى كونه ترويحاً عن النفس، وتنفيساً عن القلب؛ إذ أنَّ لِمَا ورد من وجهة نظر الكاتب دلالة نفسية أكثر من القيمة الواقعية؛ لأنَّ إعطاء الحرية لا يفسَّر دائماً بما ذهب إليه الكاتب. بل لو تصرَّفت فرنسا حسبما قال هو لاتُّهمت بالغباء والسذاجة؛ انطلاقاً من سياستها المسطَّرة، وتبعاً لأهدافها
__________
(1) البشير الإبراهيمي يعرِّض بفرنسا، ويصفها - في أكثر من موضع - بأنَّها أستاذة المثل العليا للإنسانية، وحامية حقوق الإنسان، وحاملة لواء الحرية، وزعيمة التحرير في العالم ومنارة العدل ... ينظر على سبيل المثال، عيون البصائر، ص: 79 - 84.
(2) م. س، ص: 85. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 83 (/ /1949م). (1/233)
صفحة 234
المسجَّلة. لكنَّ منطقات الكاتب في تسجيل تلك الأفكار كانت من عقدة نفسية مع المستعمر الفرنسي؛ لذا كانت منه هذه الآراء الشاذة نوعاً ما: "في الدول المستعمرة من هي أبرع من فرنسا في فقه الاستعمار، ومن بلغت فيه رتبة الاجتهاد المطلق، وهي – مع ذلك- تعامل الإسلام بما يليق به من كرامة، وبما يستحقه من حرية، فهل هي في هذا جاهلة لأصول الاستعمار؟ وهل هي في هذا غافلة عمَّا في حريته من خطر؟ لا ... وإنَّما هي في هذا أوسع نظراً، وأكثر تبصُّراً بالعواقب من فرنسا" (1).
تبدو أفكار الكاتب بعيدة عن الواقع، وتظهر غير منسجمة مع ما يجب على المستعمر تبنيه؛ لأنَّه ماء جاء إلى الجزائر، وما هيمن عليها إلاَّ ليطمس معالم الشخصية الإسلامية، ولذا فما كان عليه أن يهادن الناس، ولا ليلين قناته ... ومن هنا تبدو سخرية الكاتب متكلَّفة غير مصيبة هدفها في النَّيل من الاستعمار. ولكن يبقى لها جانبها النفسي، من حيث بلِّ الغليل، وإزالةُ الحرقة، وإخراج ما في القلب من كمد، بهذه الشماتة وهذا التعريض بالمستعمر وادِّعائه إعطاء الحرية للجزائريِّين.
تبقى حوادث الثامن ماي 1945 وما بعدها مفرزة نتيجة واحدة، هي انعدام الحرية في الجزائر، واستحالة الظفر بها في ظلِّ سياسة الاستعمار، سواء في حالة لينه أم شدَّته. فقدان هذه الحرية، ويأس الناس من الفوز بها من المستعمر، الذي يعد بها ويُمنيِّ في كلِّ مرة يحزب فيها الأمر عليه، وفي كلِّ مرَّة يحتاج فيها إلى سواعد تعينه على صدِّ عدوان، وفي كلِّ موقف حرج يبحث فيه عن مخرج له منه ... ثمَّ لا تكون وعوده بعد ذلك إلاَّ سراباً بقيعة. هذه الحالة دفعت محمد البشير الإبراهيمي إلى أن يوجِّه كلاماً ذا مغزى عميق إلى أبناء الجزائر، ويقدِّم إليهم لفتة وإشارة بالغة الأهمية: بأن لا يطلبوا الحرية من عدوِّ الحرية، مع شرح أسباب فقدان هذه الحرية، وعوامل حرمان الشعب منها: "يا ممسكي الأعنَّة إنَّ رَكوبة الباطل صعبة فلا تتقحَّموا، ويا مشرعي الأسنَّة أنَّه لا سهم في الجعبة فلا تتوهَّموا، ويا منتهكي الحرمات ما ماتت الحرية بينكم، ولكن الحُرَّ مَات، ويا ناشدي الحقِّ في مجامع
__________
(1) م. ن. (1/234)
صفحة 235
المبطلين ... لا ردَّ الله ضالتكم، أتطلبون الفصَّ من اللصِّ، وتقيسون في مورد النص، إنَّ الحقَّ ينشدكم فلا يجدكم، فلا ترجون وجدانه، حين تطلبون نشدانه؟ التمسوه في صفوفكم المتفرِّقة وآرائكم المغرِّبة المشرِّقة، فإذا لم تجدوه فلا تلوموا الذئب على الافتراس، الأماني كواذب، وأكذب منها رجاء العدل من مستعمر" (1).
إذن فالحرية منعدمة في الجزائر؛ رغم تشدَّق الاستعمار بها، وادِّعاء ساسته توفيرها أو منحها الجزائريِّين؛ إذ لم يكن منه إلاَّ التنكيل بهم، والإعسار والإعنات، ومحاربتهم حرباً لا هوادة فيها، ولا محيد عنها. سجَّل الكاتب ذلك، ثمَّ عَرَضَ و عَرَّضَ ببعض العوامل التي ساعدت المستعمر على تشديد الخناق على الوطنيِّين، لخَّصها في قوله (التمسوه في صفوفكم المتفرِّقة ... ).
ثم يزيد الكاتب هذه السياسة إيضاحاً، فيسرد مجموعة أعمال (جرائم)، قامت بها فرنسا لِتُثْبِتَ التزامها بوعودها، وتعلُّقها بالحرية، وتمسُّكها بالديمقراطية. مثلما أقدمت عليه سنة 1945م، ومكافأتها الجزائرييِّن (إحسانا) بعدما شاركوا في الحرب العالمية الثانية إلى جانبها؛ ممنِّين أنفسهم بالانعتاق ونيل الحرية، منتظرين ذلك اليوم المشهود، الذي بشَّرت به من فرنسا وعودٌ؛ لقاء ما يبذله الجزائريُّون في سبيلها من جهود وجهاد: "وظنَّ الجزائريُّ الذي شارك في الحرب بما له وحاله، وبمهجته – كما ظنَّ كلُّ الناس- أنَّه واصل إلى مراده، ومتقاضٍ أجرَ جهاده، وأنَّ الحرب – وهي نار - نقَّت القلوب من الدغل، ولكنَّ الاستعماركان كعقرب الشتاء تحسُّ وإن لم تتحرَّك، فسجَّل تلك الأصوات المطالبة بالحرية، وأسرَّ المكيدة في نفسه إلى يوم النصر الأخير، وأتى بها شنعاء صلعاء في حوادث 8 ماي 1945، وانطوى اليوم الذي أرَّخوا به لانتصار الديمقراطية؛ بتسجيل أكبر انكسار للدِّيمقراطية، وشاء القدر الواعظ أن يدخل الضيفان الحاملان للواء الديمقراطية إلى الجزائر، وفي كلِّ مسمع نغمة من الحرية، وفي كلِّ جانحة نشوة من الانعتاق، وفي كلِّ نادٍ ذكر من
__________
(1) م. س، ص: 390. المقال بعنوان "ويح المستضعفين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 118 (01/ 05/1950م). (1/235)
صفحة 236
الديمقراطية، وأن يخرجَا منها، وفي كلِّ حيٍّ مأتم وفي كلِّ بيت نادبة. هذه أربع شهادات يشهدن أنَّ الخامسة أختهُن" (1).
سرد الكاتب أربع محطَّات أو أربع شهادات، تبيَّن وعود فرنسا للجزائرييِّن بمنحهم الحرية وإعطائهم حقوقهم: أولاها كانت في وزارة "كليمانصو" عقب الحرب العالمية الأولى، وآخرها أثناء الحرب العالمية الثانية. لكنَّ هذه الوعود كانت مجرَّد تهدئة للأعصاب، وامتصاص للغضب، وربح للوقت؛ إذ النتائج أثبتت انكسار الديمقراطية وانتكاسة الحرية. سجَّل الكاتب ذلك بشيء من التهكم والسخرية، ثم أنهى هذه الخاطرة وهذه المشاعر باقتباس صورة من القرآن الكريم، بعد تحويرٍ فيها بما يتناسب مع جوِّ السخرية والازدراء: "هذه أربع شهادات يشهدن أنَّ الخامسة أختهن"، ذلك أنَّ القرآن الكريم بيَّن أنَّه إذا اتَّهم الزوج زوجه بالخيانة، عليه أن يحلف أربع مرَّات أنَّه صادق فيما ذهب إليه، والخامسة أنَّ عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وعلى الزوج أن تحلف أربع مرَّات أنَّ زوجها كاذب فيما ادَّعاه، والخامسة أنَّ عليها غضب الله إن كان صادقاً (2). فالخامسة في كلِّ مرة تخالف الأربع الشهادات السابقة عليها، لكنَّ خامسة كاتبنا في أعمال فرنسا هي من جنس الأربع الشهادات السابقة. بمعنى أنَّ الضيم سيستمرُّ، والقهر لا يرفع، والحرية لا تكون، ما دامت هذه الأساليب التي يمارسها المستعمر قائمة.
هذه الممارسات التي لا يسأل فيها الحاكم عمَّا يفعل، ويسأل فيها المحكوم عمّالم يقترف، تكشف عن هدف خبيث يرمي إليه المستعمر، وهو زرع بذرة احتقار المسلم الجزائري والاستعلاء عليه، وبثَّ روح الذلَّة والصغار والهوان في نفسه، والذي يجب: "تجريده من أسباب القوَّة والحياة بكلِّ وسيلة، وترويضه على الذلِّ حتى يطمئنَّ إليه، ويعتقد أنَّه كذلك خلق، أو لذلك خلق، فإذا سُلِب مالُه عَدَّ
__________
(1) م. س، ص: 393.
(2) ينظر سورة النور، الآيات: 6 - 9، وتفسيرها، في ظلال القرآن، مج4، ج18، ص: 2491 - 2494. (1/236)
صفحة 237
سلامته من الضرب غنيمة، وإذا ضُرِب جسمُه عدَّ نجاته من ضرب العنق منحة كريمة، وإذا تأوَّه للألم النفسي أو البدني عدَّ التأوُّه منه جريمة ... " (1).
أيُّ حزن يغمر جوانح الكاتب، وأية كآبة تعلو نفسه، وأي أسىً يعمُّ كيانه، وهو يرى أو يشاهد هذه التصرُّفات التعسفية التي تمارس على شعبه وأمَّته، حتىَّ أصبحت الجزائر مدرسة قائمة بذاتها في فنِّ التعذيب والتنكيل، والتفنُّن في تعليم فنِّ الضرب وأساليب القهر: " ... وأصبحت تجاربه الأولى في أبداننا، ولولا هدير وصخب الساسة لسمعتم أنين المكلومين، ولامتزج في آذانكم حفيف السياط بالصراخ والعياط" (2).
أية سخرية يحملها هذا النص وهو يتدرَّج في وصف الذل التي يتعرَّض لها الجزائري؛ وهو يحمد الله على ما ناله من العدوِّ، وأنَّ ما نجا منه كان أشد ممَّا أصيب به، فعليه أن يقبل بما يمارس عليه. في التعبير تعريض بممارسات المستعمر، واستثارة لنخوة الجزائري وإبائه، كي يثور على هذه الوضعية؛ فيبعد عن نفسه هذا الذل وهذا الهوان. وفي الوقت ذاته فيه تهكم بمن يرضى بهذه الحالة.
هذه الممارسات كادت تؤصِّل في القلب صفة الهوان والضعة، التي تؤدي إلى الاستسلام للعدوِّ والأمر الواقع. ولهذا دعا الكاتبُ نفسُه الشعبَ إلى النهوض لاستئصال جرثومة الاستعمار قائلا لهم: إن لم تفعلوا ذلك أصابكم الهوان والذل، فاستمرأتم هذه التصرُّفات، فتموت فيكم النخوة، وتنطفئ جذوة الوطنية. وكان التلميح والتلويح بهذه الفكرة بطريق خفيٍّ وبواسطة التندُّر والتعريض، رغم أنَّ الكلام موجَّه إلى الرأي العام العالمي، إلاَّ أنَّ فيه إشارة إلى المواطنين للثورة على هذه الممارسات: "وليوشكن إن تمادي زمنكم في التفنُّن ولم تبادروا جرثومة الاستعمار أن تستمرئوا لذَّة نيرون باحتراق روما، وأن يهاجر أبناؤكم إلى الجزائر للتخصُّص
__________
(1) عيون البصائر، ص: 394. المقال بعنوان "حدِّثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 119 (15/ 05/1950م).
(2) م. س، ص: 407. المقال بعنوان "حدثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 121 (29/ 05/1950م). (1/237)
صفحة 238
في فن التعذيب على أساتذته. نعم، نعم! ولا نكرر الفضل، إنَّ حرية الرذيلة من آفات زمنكم، وهي موجودة على أكمل وجه وأتمِّ حال في الجزائر" (1).
تلك هي حقيقة الاستعمار الذي يقدِّم لنا البشير الإبراهيمي هناته وبركاته، التي يتفضَّل بها على الأهالي والمواطنين؛ بناءً على أنَّه المتصرِّف في حياتهم وشؤونهم الخاصة؛ لأنَّه وصيٌّ عليهم وموكَّل، ولأنَّه الأعرف بما يصلح بهم وما ينفعهم.
يصوِّر الكاتب ذلك مرسلاً زفراته وحسراته ممزوجة بسخرية وتعريض بهذه التصرُّفات المشينة: " ... هلمَّ إلى الدين تجد الاستعمار الذي كفر بالأديان يقول لك بصريح القول والعمل، أنا أحقُّ منك بالتصرُّف في دينك، فلا تدخل المسجد إلاَّ بإذني، ولا تصلِّ إلاَّ وراء إمامي، ولا تحجَّ إلاَّ برخصتي، ولا تصم إلاَّ على رؤيتي، ولا تزكِّ إلاَّ بعد استشارتي، ولا تضع زكاتك إلاَّ حيث أريد، لا حيث تريد. ومعنى هذا كلِّه نسخ آية من القرآن بآية من وحي الشيطان، ولم يبق إلاَّ أن تتلوها كما يريد (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للاستعمار) (2) وكذب الشيطان الرجيم، وأفك الاستعمار الذميم" (3).
السخرية تبدو في التكثيف الذي ضمَّنه الكاتب بعض الألفاظ كلفظة "كفر"، والتعريض بما يدَّعيه المستعمر من التحكُّم في شؤون المسلمين ودينهم، الذي كفر به، ويبدو التهكُّم في ذكر النتيجة التي يوصل إليها هذا الموقف وأشباهه، وهو نسخ آية قرآنية بآية من وحي الشيطان. وليس الشيطان سوي الاستعمار في نظر الكاتب.
انطلاقًا من هذه القاعدة، وهي امتلاك الاستعمار حقَّ التصرُّف المطلق في شؤون الأهالي، فإنَّ الأعنَّة تكون مشرعة، والأيادي تكون مطلقة للعبث بالشعب، ومعاملته بما يشير به الهوى، وتدعو إليه المصلحة؛ لذا كثرت الاعتداءات والتجاوزات. كشف عن بعض ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي، وعدَّ ما كانت
__________
(1) م. ن.
(2) يقول الله تعالى: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآي وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الأنعام، الآية: 162.
(3) عيون البصائر، ص: 395. ينظر الفكرة نفسها معروضة بالأسلوب عينه، المصدر ذاته، ص: 84، 85. (1/238)
صفحة 239
تجهِّزه فرنسا، وما كان يعدُّه الاستعمار هو حملة حربية حقيقية على شعب أعزل، وسجَّل أنَّ ما فعلته فرنسا في الشعب الجزائري هو أكثر شناعة ممَّا فعله فرعون، من تقتيل الرجال وتذبيح الأبناء واستحياء النساء، بل إنَّ فرعون لو أطَّلع على وحشية أعمال فرنسا لافتخر أنَّه لم يصل إلى غاية الوحشية والتنكيل: "وقعت حوادث 8 ماي 1945م المريعة، ودارت رحاها في سطيف وخرَّاطة وقالمة، وانجلت عن تلك الفضائح الوحشية التي تكفي وحدها لتلطيخ تاريخ فرنسا بالسواد؛ من تحريق للديار وإتلاف للثمار، ونهب للأموال، وتقتيل للرجال، وتذبيح للشيوخ والنساء والأطفال، وانتهاك للحرمات الإنسانية ممَّا لو رآه فرعون لافتخر بفوات ما فاته منه، فقد كان يذبِّح الأبناء ويستحي النساء" (1).
هذه الفضائح المتكرِّرة، التي كانت بدايتها في حوادث 8 ماي 1945م جعلت العقلاء يفهمون أنَّ تلك الحوادث هي عنوان على كتاب كبير من الجرائم، وأنَّها أمثلة من قاعدة عامة، يؤمن بها المستعمر: "وهي أنَّ دم المسلم هدر، وعرضه مباح، وماله فيْءٌ، ودينه لهو ولغته لغو، ومنظره قذى وبدنه هدف تدريب على الضرب، وصراخه من الألم نغمات موسيقية" (2).
هذا الاستنتاج الذكيُّ المتسربل بثوب السخرية والتهكم يحمل دلالات كثيرة، ويكشف عن معان عميقة. أبرزها التعبير عن هذا الجرح الأنكى، الذي تجذَّر وتعمَّق في جسم الشعب الجزائري؛ بسبب هذا التعسُّف وهذا الظلم، اللذين لا حدَّ لهما ولا نهاية. ومن هذه المعاني أيضاً تنبيه الشعب إلى الثورة، وإلى مزيد من بذل الجهد في النضال والمقارعة؛ ما دامت الأمَّة الجزائرية مستهدفة، لأنَّ العدوَّ لا يفهم إلاَّ لغة القوَّة. وقد لحن الكاتب إلى ذلك ولمَّح تلميحاً بهذه السخرية، التي هي لفتات وإشارات إلى الحقوق المسلوبة، وإلى واجب العمل على استردادها ولهذا قيل: "إنَّ هذه السخرية لفتات مستمرَّة، تنبِّه الأذهان إلى الحقِّ الضائع، وتجدِّد
__________
(1) م. س، ص: 410. المقال بعنوان "ويحهم أهي حملة حربية". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 146 (12/ 03/1950م).
(2) م. س، ص: 411. (1/239)
صفحة 240
مشاعر الكراهية للمستعمرين، وتذكي نار الوطنية المقدَّسة، فلا يضعف لهيبها، وإن بدا خافتاً، ولا يخبو نورها رغم إرادة أعداء الحرية والنور" (1).
من هذه اللفتات الإشارةُ إلى حقيقة الحرية، التي تمنح للجزائرييِّن بمناسبة احتفال فرنسا بعيد الحرية يوم 14 جويلية من كلِّ عام. يعلق "محمود بوزوزو" (2) على هذه الحركات التي تقوم بها فرنسا في هذا العيد، مقارناً بين أقوال خطبائها وما يمارسه زبانيَّتها في الواقع مع الأهالي؛ تجسيداً للشِّعارات الملوِّحة بالحرية يقول الكاتب معرِّضاً: "ولك أن تبحث عن البراهين الدالة على صدق هذه الدعوى، فستجدها بكلِّ سهولة عند الشعوب التي حرَّرتها فرنسا من شقاء الاستقلال، ابحث عن الحرية الفرنسية في مجازر الهند الصينية ومدغشقر والجزائر وتونس ومرَّاكش، وابحث عنها في السجون والمعتقلات المنتشرة في هذه الأقطار، وإذَّاك تستطيع أن تصفِّق بكلِّ جهدك، حين تسمع خطيباً فرنسياًّ رسميًّا ينوِّه بالحرية ... " (3).
في هذا التعريض قدح في مصداقية الدولة الفرنسية التي لا تنسجم أقوالها مع أفعالها، كما أنَّ ما في النص من تهكم ممزوج بالحسرة، يكشف عنه هذا الأسلوب الذي عُرِضت به حقيقة الحرية، وذلك حين يطلب الكاتب البحث عن هذه الحرية المنشودة (المفقودة) في المناطق التي تُقمع فيها، ويُشدِّد فيها عليها الخناق (وإذِّاك تستطيع أن تصفِّق بكل جهدك ... ).
بعد هذا التعريض بمن يدِّعي أموراً ثم يكون عمله مناقضاً لأقواله، يوجِّه الكاتب إلى الوطني نداءً ملفوفاً سخرية وتهكماً بالمستعمرين، وممزوجاً حسرة
__________
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 100.
(2) محمود بوزوزو، من مواليد مدينة بجاية (الجزائر) سنة 1914 أو 1915. اشتغل بالتدريس. شارك في الصحافة الناطقة بالعربية والفرنسية، وبخاصَّة جريدة البصائر، ثم أنشأ جريدة (المنار) سنة 1951، ذات الاتجاه الوطني، المدعومة من حزب الشعب الجزائري، اشتغل في الحركة الكشفية الجزائرية مرشداً عامًّا. استقر بعد الاستقلال في سويسرا. وما يزال فيها واعظاً مرشداً في المركز الثقافي الإسلامي بجنيف. معلومات أفادنا بها الأستاذ محمد الصالح رمضان، في مراسلة بتاريخ (10/ 10/1993م).
(3) محمود بوزوزو "مأساة الحرية في بلاد الحرية"، جريدة المنار، ع: 46، س3 (24/ 07/1953م). (1/240)
صفحة 241
ومرارة على حال المستضعفين المقهورين، قائلا: " ... وأن تحفظ كلَّ كلمة تقرؤها في الصحف الفرنسية الرسمية عن الحرية، ولكن حذارِ أن تهتف بالحرية، حذار أن تكتب عن الحرية، حذار أن تشارك في مظاهرة للحرية، ولو في عيد الحرية، فالواقع الأليم يحذِّرك هذا التحذير، ويزيل عنك ما أصابك من التخدير بما تسمعه وتقرؤه عن الحرية والتحرير، إذ تتعرَّض لما تعرَّض له أمثالك من الهائمين المخدِّرين، الذين قاموا يشاركون يوم 14 جويلية 1953م في عيد الحرية بباريس" (1).
نقرأ في عبارات الكاتب أسىً عميقاً، ونكشف عن نفس حزينة وقلب مكلوم، تطلب وترجو الوطنييِّن وذوي الإحساس الرهيف الصادق أن لا يفكِّروا في الحرية بأية طريقة ووسيلة؛ حتىَّ المشاركة في الاحتفال يوم عيدها؛ شفقة عليهم أن يصابوا بانتكاسة نفسية تطيح بهم، وتنال منهم؛ لأنَّهم سيصطدمون بوجود فارق كبير مهول بين المطامح والمنجزات، بين الأماني والحقائق، بين الأقوال والأفعال ... هذه الشفقة هي شفقة تهكم وسخرية، إذ هي تعرِّض بالذين يقولون ما لا يفعلون، ويعيشون على تخدير الشعوب وتنويم الناس (2).
الواقع المعيش جعل الكاتب يبكي ويضحك في آن واحد. يبكي على حال الوطنييِّن المزرية، وهم يعلِّقون تحقيق حريَّتهم على يد المستعمر الكذَّاب المخادع، الذي يلعب بهم وبمشاعرهم، هذا التلاعب كشفته تصرُّفاته، وتصريحات قادته. ويضحك من هؤلاء الأفَّاكين والكذَّابين، الذين خدَّروا الشعوب بأمثال هذه الممارسات. فاختلطت في هذه السخرية الدمعة بالضحكة الهازئة؛ نتيجة هذا التناقض المتجذِّر في عمق الحياة الجزائرية؛ التناقض بين الأقوال والأفعال، بين
__________
(1) م. ن.
(2) هذه اللهجة نفسها، وهذا التحليل ذاته، وهذه التعليقات عينها، سجَّلها الكاتب نفسه في مقال له تحت عنوان "قمع فظيع وغضبة مقدَّسة". ينظر جريدة المنار، ع: 11 (14/ 11/1952م). ينظر أيضاً أبو اليقظان "تحويسة مجَّانا"، جريدة البستان، ع: 8 (20/ 06/1933م). ومفدي زكرياء، كتاب مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة، ص: 252. المقال بعنوان "على هامش عيد الحرية بالجزائر تعاليق وشروح". نشر في جريدة النهضة (تونس)، ع: 4412 (02/ 08/1937م). (1/241)
صفحة 242
المطامح والمنجزات. هذا التناقض هو الذي أوجد سخرية الكاتب، التي تندرج ضمن فكاهة أية حضارة والتي تكون "نتائج المتناقضات ذات الجذور العميقة المتأثِّرة بالحياة ذاتها، من نحو التناقض الغريب بين مطامحنا ومنجزاتنا" (1).
الواقع المرُّ الحزين جعل الكاتب يعمد إلى تكرير كلمة "الحرية" في كلِّ جملة، وفي هذا التكرار دلالة نفسية عميقة؛ ففيه كَشفٌ عن تعقله بالحرية وهيامه بها. ولما كانت متمنِّعة عنه كان يروِّح عن نفسه، ويسلِّيها بالتلفُّظ بها ولو إلى حين.
لمزيد من الكشف عن الحقائق، وهذه الممارسات التعسُّفية في الجزائر، ولزيادة فضح هذه الأساليب البشعة في التعذيب والتنكيل بالوطنيين، وحرمانهم من الحرية، لجأ كاتب إلى أسلوب التعريض؛ ليظهر من خلاله سخريته وحزنه ممَّا يشاهد من هذه الجرائم، التي فاقت كلَّ تصوُّر وتقدير، فقال: "لست أدري إن كان (مسيو سوستيل) (2) الوالي العام الجديد، قد أطَّلع على "كتاب الأدغال" الشهير الذي ألَّفه كاتب الإنكليز الأكبر "كيبلنج"، لكن سواء كان قد قرأه أولم يقرأه، فقد أتاحت له الأقدار فرصة لمعاينة كتاب "الأدغال" من نوع جديد، يجد فيه الأستاذ المبرَّز في علم الفلسفة مجالاً فسيحاً للبحث والدراسة، ويكشف فيه عالِمُ السلالات البشرية نوعاً جديداً من أصناف البشر، قضى عليه شيرخان الغابة الخبيث أن يعيش على هامش العالم الإنساني، وأن ينزع من بين جنبيه كلَّ ما يتمتَّع به البشر من عاطفة وإحساس وتطلُّع إلى السموِّ والتسامي، فكتاب الأدغال الجديد هو قطر الجزائر و"شيرخانه" الخبيث الخسيس هو الاستعمار" (3). هذا التعريض وما يحمله من سخرية يلخِّص لنا سياسة الاستعمار مع الشعب الجزائري، القائمة على البطش والفتك والغدر.
وفي سبيل تجسيد هذا التهكم عمد الكاتب إلى كلمات وعبارات القدح والشماتة بالحاكم الفرنسي "سوستيل"، الأستاذ المبرز في الفلسفة، الذي كان من
__________
(1) صفاء خلوصي "الضحك في الأدبين العربي والغربي"، مجلة العربي (الكويت)،ع: 34 سبتمبر 1961، ص: 104.
(2) جاك سوستيل كان مقيما عاماً للجزائر في بداية الثورة. له مؤلفات عن القضية الجزائرية.
(3) "كتاب الأدغال" (د. إ)، جريدة البصائر الثانية، ع: 306 (18/ 02/1955م). (1/242)
صفحة 243
المفروض أن يهديه فكره وعقله إلى التعقُّل والتروِّي والتبصُّر في معاملته الأهالي. لكنَّه خالف طبيعته؛ فارتكب جرائم وجرائر؛ لأنَّ روح الغدر والانتقام والبطش تسيطر على نفسه. أنَّه عالم السلالات البشرية، الذي يكشف صنفاً جديداً من الناس، الذين يخرجون عن الطبيعة البشرية؛ لذا فهو يحكم عليهم أن يعيشوا على هامش الحياة، وعلى غير عادة البشر، فاقدين الإحساس، محرومين من المشاعر، محجَّراً عليهم التطلُّع إلى الأعلى، والتفكير في الحسن فضلاً عن الأحسن. إنَّ هذه الممارسات هي سياسة الاستعمار "شيرخان الغابة" الذي يهيمن على كلِّ شيءٍ، أليس ذلك هو كتاب الأدغال من نوع خاصّ؟ في هذا التعبير وهذا التصوير تكمن السخرية الحزينة.
هناك نصوصٌ كثيرة تبيِّن حقيقة الحرية التي يتبرَّع بها المستعمر لمن هو تحت سيطرته، وهو ما جعل أصحابها يدعون إلى كسر قيود هذه الحرية. وقد اتَّخذت هذه الدعوات أشكالاً، وتلبَّست بألبسة متنوِّعة، وظهرت بمظاهر مختلفة ... وكلُّها تدخل في إطار الحملات الإعلامية والتوعية للنهوض والعمل على تدارك الأمر.
فـ"الحفناوي هالي" كتب تحت عنوان "أحبُّ عيش الحرية" (1) ساخراً من نوع الحرية المتوفِّرة في الجزائر. وقد كانت حقيقة الحرية لا تعرف عند المواطنين إلاَّ بالسماع، أمَّا تطبيقها فلا وجود له في عالم الوجود. فحين يعلن أحد الحاضرين في الندوة أنَّ الحرية معروفة لديه، ويلوم الكاتب لعدم معرفته حقيقة الحرية، يردُّ عليه: " أعني أنَّني إلى الآن ما زلتُ وما زِلتَ، وما زلتُم جميعاً، لا نعرف من الحرية إلاَّ ما يعرفه ابن الوزير السجين، الذي لم يرَ من الدنيا إلاَّ الفأر ... لقد ولدنا في سجن كذلك الطفل، وعرفنا من الحرية ما عرفه الطفل من الدنيا، ولذلك كان للناس الحرية في أن يتحرَّروا، وكان لنا الحرية في أن نتفنَّن في أساليب العبودية، وعلى
__________
(1) في عدد: 305 من جريدة البصائر الثانية، وفي ختام مقال كان قد نشره الكاتب نفسه في ركن "ندوتي" ذكر أنَّ محاوره سمع في المذياع بهذا العنوان، فطرب لها، فقال للكاتب: إنَّه موضوع طريف، فليكن محور الندوة المقبلة. وافق الكاتب على ذلك وفعلاً استهلَّ به ندوته في العدد اللاحق. (1/243)
صفحة 244
ذلك فحرية القول – مثلاً- هي عندهم أن تفكِّر وتقدِّر ثم تفكِّر وتقدِّر ثم تقول – مع احتياط- قليلاً من القول؛ لأنَّك تتحدَّث أو تكتب لأناس حازت عقولهم مناطق حريتها، ولا يسمحون لعقلك باحتلالها، لتتركهم بلا عقول" (1).
وظَّف الكاتب مشهداً قرآنياًّ، تمثَّل في الصورة التي ظهر بها الوليد بن المغيرة المخزومي- وهو من سادات قريش، وآراؤه وسيرته تؤثر في الشباب - وقد أبدى إعجابه بالقرآن الكريم، ولمَّا عاتبته قريش على ذلك، بدأ يقلِّب وجهات النظر، ويبدئ ويعيد فيها، ويعصر فكره ويقدِّر؛ ليقول كلاماً يُرضي به قريشاً، وفي الوقت نفسه يدنيه من حقيقة ما يعتقده في قلبه حول فصاحة القرآن وبيانه ... نطق فقال: {إِنَّ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُّوثَرُ إِنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ الْبَشَر} (2).
توظيفه هذه القصَّة يحمل سخرية وتهكماً بالغين ممزوجين بأسى وحزن كبيرين؛ يعبِّر عن فقدان الحرية في الجزائر، مع التحرُّز من الإفصاح عن ذلك، حذراً واحتياطاً من اكتشاف المستعمر مقاصد الكاتب من تلك النداءات التي ضمَّنها نصَّه، ومن ذلك التوجيه الذي خصَّ به المواطنين. فالكاتب كان يبحث – بهذا التهكم - عن صيغة تجمع بين التمويه على العدوِّ وإيصال النداء إلى المواطنين.
وقد زادت السخريةَ اتِّضاحا والمشاعر الحزينةَ افتضاحا هذه العبارةُ، التي أجاب بها الكاتبُ الذي لامه على عدم معرفته معنى الحرية (ما زلتُ وما زلتَ وما زلتُم جميعا .. )، في تصريف الفعل، وتكريره تعبير عن الأسى والحزن والكمد الدفين في القلب، وقد ضخَّم منها أيضا غفلة الناس وتخلُّفهم في معرفة حقيقة ما يراد بهم، وفقه طبيعة الحياة التي يحيونها، إذ القوم يعيشون حياة تعسة نكدة، مضيَّقاً عليهم، ويظنُّون أنهَّم يتقلّبون في سعادة ويرفلون في حرية.
فنصُّ محمود بوزوزو الذي كتبه سنة 1953، أي قبل اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية ونصُّ الحفناوي هالي المكتوب سنة 1955 أي بعد قيام الثورة،
__________
(1) الحفناوي هالي، "ندوتي: أحبَّ عيش الحرية"، جريدة البصائر الثانية، ع (18/ 02/1955م).
(2) سورة المدثِّر، الآيتان: 24، 25. ينظر القصة مفصَّلة، تفسير ابن كثير، ج7، ص: 156 - 158. (1/244)
صفحة 245
يتَّفقان في الفكرة، وهي فقدان الحرية في الجزائر، ويتَّفقان في تسجيل نوع الحرية الممنوحة للجزائرييِّن، وهي حرية مقيَّدة، ويبيِّنان معًا أنَّ ما كان يمارسه المستعمر هو أسلوبٌ خاصٌّ، استعمله للتَّمويه والتخدير، وليمرِّر به مؤامراته ومخطَّطاته على الجزائرييِّن، لذا اتَّفق الكاتبان على دعوة الشعب - سخرية وحسرة - إلى عدم التلفُظِ بالحرية، وعدم المشاركة في كلِّ ما يمتُّ إليها بصلة؛ تعريضاً بالحرية المزيَّفة التي يمنحها العدوُّ للجزائريين، وتنبيهاً إلى عدم التمسُّك بالسراب الخادع، لأنَّ ما يقدِّمه المستعمر ليس حرية حقيقية.
هذا التنبيه يحذِّر الجزائريِّين من تقديم مزيد من التنازلات للعدوِّ، مقابل هذه الممنوحات المدغولة، كما ألف ذلك في مختلف مراحل وجوده في الجزائر. ومن شأن هذا التنبيه أن يوقف الشعب على حقيقة ما يراد به، فيستعدَّ بكلِّ حماسة ووعي لاسترجاع الحرية المسلوبة بقوَّة وشجاعة. كما يكشف النصان عن التعنُّت الاستعماري الذي لا تنهيه إلاَّ القوَّة وشدَّة المقاومة. هكذا تصل السخرية والتعريض إلى هدفهما، وهو التعبئة والتوعية العامة.
هناك مجال آخر يبدو فيه تعسُّف وحيف كبيران، إنَّه ميدان الانتخابات؛ إذ أنَّ ما يسبقها (أي الانتخابات) من أعمال وتحرُّكات مريبة، تشحن الجوَّ وتوتِّره، تجعل الأدباء يسجِّلون ملاحظاتهم وانطباعاتهم، ويفصحون عن مشاعرهم بكلِّ مرارة وحسرة مع السخرية من المسؤولين الفرنسيِّين، ومن أسلوبهم في توجيه الانتخابات. وكان "م. نيجلان" (1) ممَّن عرَّض به وبنشاطه في انتخابات المجلس الجزائري، وبكيفية تزويره لهذه الانتخابات، وبسعيه في تحقيق النتيجة التي يريدها. إذ قد كان يستعمل في سبيل ذلك أذنابه من "الأميار" والباشاغوات وحكَّام الأحواز، الذين يطبخون له هذه الانتخابات حسب مذاقه.
__________
(1) الوالي العام للجزائر في الأربعينيَّات وبداية الخمسينيَّات، كان مشهورا بالتزوير في الانتخابات، حتى أصبح مضرب المثل في ذلك. (1/245)
صفحة 246
عبَّر كاتب عن هذه الحقيقة، موجِّهاً خطابه إلى "م. نيجلان"، ومعرِّضا بهؤلاء الأذناب: "عليك يا صاحب الجلالة أن تجهِّز طابوراً منتخباً من طهاة انتخابات الجزائر، وتصحبه معك إلى الألزاس، ولتشكيل لجنة تنتخب لك أمهر هؤلاء الطهاة، وأشدَّهم وقاحة، وأعرقهم في الخسَّة والدناءة، وأبعدهم عن المبادئ الثورية الجمهورية، وأجهلهم بالتقاليد الفرنسية السامية، وأنصحك أن يكون في المنتخب من هؤلاء كمشة من أميار الجزائر، وحَفْنَة من حكَّام أحوازها، وشكارة من قوادها وبشاغاواتها، يصحب الجميع نواب من المجلس الجزائري كخبراء ومفاتٍ، يدلون بآرائهم عند اشتداد هجوم الأعداء وتألُّب الخصوم" (1).
في النص ملاحظتان في غاية الأهمية في التهكم:
1) القدح والسخرية من (م. نيجلان)، الذي هو صاحب الجلالة تعريضاً واحتقاراً. والتهكم من كيفية إعداده للانتخابات، وتزويرها، وتهيئته طهاة مهرة في ذلك، تعرف عنهم الخسَّة والدناءة والوقاحة، والجهل بالتقاليد، والبعد عن المبادئ في التحرُّك والنشاط. إلاَّ أنَّ المهمَّة لا تتم إلاَّ بهذه المواصفات التي يكون فيها النصح المغشوش والتوجيه المغموز.
2) التعريض بأذناب الاستعمار، الذين يخدمون ركابه، ويرعون مصالحة، وهم من أرْذَلِ الناس، لا وطنية لهم ولا شهامة. وهم أَخسِّ بني البشر، هم غثاء كغثاء السيل (حفنة، كمشة، شكارة)، فيهم المير، والباش آغا، والمفتي المرتزق، والخبير المأجور، يحرسون مصالح المستعمر؛ ويتكفَّلون بردِّ أيِّ عدوان يكون عليه، وليس العدوُّ هنا سوى الوطن والإسلام.
هاتان الملاحظتان تُبِينَان عن سخرية الكاتب من المستعمر، ومن طريقة الانتخابات، التي يتبنَّاها أو يسلكها. ومن النواب الذين يسيرون في هذا السبيل، والذين ينفِّذون سياسة عدوِّ الشعب والوطن؛ لهذا وجدنا نصوصا كثيرة تعرَّضت للنواب بعامة، والمجلس الجزائري بخاصة، الذين هم نتاج هذه الانتخابات.
__________
(1) "الاستقلال المرذول"، (د. إ)، الشعلة، ع: 54 (08/ 02/1951م). (1/246)
صفحة 247
ج - النيابة والمجلس الجزائري:
ممَّا يدخل في أعمال الحيف والظلم، التي أضرَّت بالجزائريين كثيراً ممارسات من نوع خاصٍّ، كانت تقوم بها فرنسا لضرب الحركة الوطنية والكفاح الوطني، تتمثَّل في إقامة تنظيمات سياسية واجتماعية، ظاهرها إعطاء الجزائريِّين الفرصة للتمتُّع بالحرية، وباطنها خنق هذه الحرية وحرمان الشعب منها. وذلك بوضع أشخاص معيَّنين فيها، معروفين بولائهم لفرنسا، وآخرين يسيرون في ركابها، وينفِّذون سياستها. هؤلاء تفرزهم الانتخابات المزوَّرة والمغشوشة. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فإنَّ الحيف يتمُّ بسنِّ قوانين وإجراءات، تمنع المخلص من النواب لوطنه من التحرُّك والنشاط بحرية، طبقاً لما يمليه عليه ضميره، وتفرضه عليه مسؤوليته التي رفعه إليها أبناء وطنه.
من هذه المخازي وهذا الظلم ما يصدر عن المجلس الجزائري، وما تنتجه الانتخابات التي تجري في جوٍّ خاصٍّ، وبأسلوب معيَّن، وما تفرزه النيابة، التي تنشط بهذه المعطيات، وتتحرَّك طبقا لهذه الضوابط. وكم جنت النيابة على الجزائر بسبب ذلك. هذه الوضعية تعرّض لها الأدباء بشيء من السخرية وعدُّوها استكمالا لفصول التنكيل والظلم (1).
كثيرًا ما ترشِّح الحكومة لمجالس النيابة أشخاصاً أمييِّن، لا يعرفون حتىَّ وضع إمضاءاتهم على الورق، بل أكثرهم لا يفقه ولا يعي المسائل التي تناقش أمامه، ولا يعرف كيف يتصرَّف مع الموضوعات التي تعرض عليه، لقصور تفكيره، ولجهله اللغة العربية التي هي لغته الأصلية، ولعدم حَذْقِهِ اللغة الفرنسية، التي هي لغة التخاطب في هذه المجالس. وكثيرا ما يقترع النائب على مشروعات تضرُّ به من حيث لا يدري؛ لتمتُّعه بالجهل والأمية الكافيين لإذلاله. هؤلاء النواب تختارهم الحكومة ليدافعوا عن حقوق الأمَّة، ويفكِّروا في مستقبلها.
__________
(1) خاصَّة في فترة ما قبل الثلاثينيَّات. ينظر تفاصيل عن حالة النيابة في الجزائر في هذه المرحلة، المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 345 وما بعدها. (1/247)
صفحة 248
كتب محمد السعيد الزاهري في هذا، يتهكَّم ويسخر من شخص صوَّت ضدَّ نفسه وهو لا يدري: "لقد حدث أنَّ البلدية عزمت على أن تقطع مرتَّباً قدره مائة وخمسون فرنكاً، كان يتقاضاه نائب أهليٌّ، فجمعت الأعضاء لهذه المهمَّة، فوافقوا جميعاً على قطع هذا المرتَّب، ووافق معهم هذا العضو الأهلي النائب على ذلك، ولماَّ جاء الوقت الذي كان يقبض فيه، طلب مرتَّبه، وألحَّ في طلبه إلحاحاً جاهلاً، وأنكر كلَّ إنكار أن يكون وافق على قطع رزق له ... " (1).
هذا المثال الذي ضربه الكاتب لضعف التمثيل النيابي، الذي يبديه النواب الأهليُّون، يفصح عن الحسرة التي يُحِسُّ بها في ضرب مصالح الأهالي، وتضييع حقوقهم، ويكشف في الوقت نفسه عن المقت والكُره، اللذين يحملهما لهؤلاء النواب (2). وقد اختار هذا النموذج الساخر، ليكشف بواسطته تفاهة هؤلاء الناس الأغرار، الذين يحرِّكهم الاستعمار كيفما يشاء. وبهذا ينبِّه الناس إلى عدم الاطمئنان إلى هذه السياسة التي تمارسها فرنسا لهدف تفويت الفرص على المسلمين للمطالبة بحقوقهم.
ممَّن تصدَّى للنواب بقوَّة أحمد رضا حوحو، الذي كان يحاربهم، ويكشف عن أعمالهم، ويبرز ذلَّهم وتقاعسهم في أداء واجبهم نحو أمَّتهم. وقد كان ذلك على صفحات جريدة "الشعلة" بخاصة "التي كان يصدرها، حيث أنَّه لا يكاد يخلو منها عدد واحد من أخبار ساخرة عن النّواب وتعاليق لاذعة، يلسعهم بها، وأشعار فصيحة وعامية، تهزأ بهم، وتصوِّرهم تصويراً كاريكاتوريًّا في غاية السوء" (3).
ومن الأدباء الذين كتبوا كثيرا في الموضوع أيضاً قدُّور بن محي الدين الحلوي،
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 353. المقال بعنوان "العربية والنواب" نشر في جريدة البرق، ع: 18 (11/ 07/1927م).
(2) ينظر هذه المشاعر والأحاسيس ما كتبه شعراً، جريدة الإصلاح، ع:6 (24/ 10/1929م).
(3) أحمد منُّور، "مسرح أحمد رضا حوحو، دراسة أدبية تحليلية مقارنة" رسالة ماجستير (مخ)، معهد اللغة والأدب العربي، جامعة الجزائر سنة 1409هـ/1989م، ص: 163، 164. (1/248)
صفحة 249
وقد حرَّر مقامات كثيرة تنديداً بالنواب، بأسلوب لم يخل من السخرية والتهكُّم (1).
من أمثلة خيبة أمل الجزائريِّين في هذه النيابة ما سجَّله الشيخ البشير الإبراهيمي، من تلاعب الحكومة الفرنسية بمشاعر المسلمين، وتفنُّنها في الاستهزاء بعواطفهم، والضحك عليهم، والإبقاء عليهم في دائرة الوعود والأماني، والأقوال. من ذلك ادِّعاؤها فصل الدين عن الدولة، وعدم التدخُّل في شؤون الديانة. إلاَّ أنَّها تخالف ذلك، وتستحوذ على أوقاف المسلمين والمساجد، ولا يستطيع المجلس الجزائري - الذي أنشأته الحكومة الفرنسية للقيام بمهمَّات التشريع - عمل أيِّ شيء في هذا المجال؛ رغم أنَّها ضمنت فيه للجزائريِّين مقاعد، لكن بطريقتها الخاصة.
سجَّل الكاتب ذلك كما يأتي: " ... وقد مرَّت على هذا المجلس سنتان، وعرفنا من أعماله وبرامجه اليد التي توجِّهه، والريح التي تسيِّره، والجهة التي يتَّجه إليها، وصدق كلُّ ما قلناه فيه، وأن عسى أنْ يهبط عليه الوحي في لحظة، فيتناول مسألة فصل الدين الإسلامي بآراء مسيحية، وأفكار لائكية، وعقول بين ذلك، ثم ينتخب لدراسة الموضوع مقرِّرين مسيحييِّن أو لائكييِّن أو ما شاء الهوى ... ويا ضيعة الإسلام بين الأهواء" (2).
السخرية في النص تكمن في هذا التعريض بهذه التركيبة البشرية، التي ستدرس مسألة فصل الدين عن الدولة بآراء مسيحية، لا ترى مصلحتها في بقاء الإسلام على وجه الأرض، وبأفكار لائكية، لا تدين بأيِّ دين، بل ترى الدين أفيون الشعوب، يجب القضاء عليه، ثم بعقول تتأرجح بين هذا وذاك. وأخيراً تكون صياغة التقرير
__________
(1) ينظر مثلا "النائب يتقلَّب" و "مقامة النائبة المبلس" و "النائب يتزبَّب قبل أن يتعنَّب" ... جريدة المرصاد، الأعداد: 56 (25/ 08/1933م)، 59 (14/ 09/1933م)، 60 (/09/ 1933م)، 61 (05/ 10/1933م). ينظر أيضا أحمد بن عاشور "الرجلان والدبُّ الأبيض"، البصائر الثانية، ع: 94 (07/ 11/1949م)، فيه حديث ساخر عن النائب المستقلِّ في المجلس الجزائري، الذي لا يفكر إلاَّ في بطنه الفضفاض، ولا يهتم إلاَّ بما يفترس.
(2) عيون البصائر، ص: 91. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة".نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 87 (13/ 07/1949م). (1/249)
صفحة 250
النهائي في الموضوع من غير المسلمين؛ لتتمّ فصول المهزلة، وأدوار المسرحية. هذا هو التطبيق الفعلي لشعار الحكومة الفرنسية "فصل الدين عن الدولة ".
والتهكم يبلغ قمّته في هذه الصورة الموحية المعبّرة عن الحزن الشديد والقلق العارم من هذا التماطل في البثِّ في مسائل الدين الإسلامي، التي أبت سياسة الحكومة إلاَّ أن ترتبط بها. منها قضية فصل الدين عن الحكومة. ويرى الكاتب أنَّه ربَّما يتمُّ ذلك بوحي ينزل من السماء، أي بمعجزة خارقة؛ لأنَّ كلَّ الدلائل تشير إلى أنّ هذا الفصل لن يكون. هكذا تفصح العبارة "وأن عسى أن يهبط عليه الوحي في لحظة " عن قمَّة اليأس في تلبية الحكومة الفرنسية والمجلس الجزائري مطالب الشعب.
الوحي دخل قاموس الكاتب اللغوي فأصبح رمزاً متميِّزاً، يعبِّر عن حالة شعورية خاصة تجاه الاستعمار ومن يسير في ركابه، ممَّن لا يتحرَّكون لتلبية مطالب الشعب إنَّما ينشطون في تنفيذ مؤامرات العدوِّ، وقد كرَّره كثيرًا في كتاباته (1)؛ معبِّراً به عن قلقه ويأسه من تحقيق آماليه وغاياته مع العدوِّ الفرنسي، وقُنوطه من تحقيق أهدافه وأهداف الأمَّة بواسطة المجلس الجزائري.
ذكر الكاتب مجموعة من القضايا، سكت عنها المجلس الجزائري بإيعاز من الحكومة. ولمَّا حان وقت معالجتها - حسب مصلحة فرنسا - نزل عليها وحي الشيطان متتابعاً؛ كي تفكّر فيها، وتضع لها القوانين والإطار الذي تحلُّ فيه: "ينزع شيطان الاستعمار الحكومة، فتحرك مسائل كانت نائمة ارتجالاً بلا باعث من الحكمة، ولا داعٍ من الضرورة، ولا مناسبة من الوقت ولا اقتضاء من المصلحة، ونسكت نحن على مضض، حتى ينفذ الصبر، ثم نتحرَّك للكلام" (2).
بعد التعريض بالحكومة الفرنسية في هذا المنزع، وهذه الطريقة في المعالجة، ثمَّ بالمسلمين لسكوتهم عن حقِّهم الضائع، وكرامتهم المهانة، يقول: "يوحي شيطان
__________
(1) ينظر على سبيل المثال عيون البصائر الصفحات: 91، 95، 117، 120، 183، 192 ... وآثار محمد البشير الإبراهيمي ج1، ص: 200. وآثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 149، 308 ...
(2) عيون البصائر، ص: 117. المقال بعنوان "فصل الحكومة عن الدين".نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 108 (20/ 02/1950) (1/250)
صفحة 251
الاستعمار إلى الحكومة وحياً متتابعاً، لا فترة فيه، فإذا تلقَّت الوحي، ونزل به الروح الخبيث على قلبها، نجمته على فترات، وأوحت في كلِّ فترة إلى أوليائها ما يثير شرًّا، أو يوقظ فتنة، وقد أصبح المجلس الجزائري اليوم متنزَّلَ وحيها، فلا تمضي فترة إلاَّ وأوحت إليه شيئاً من ذلك النَّوع، الذي يثير الشرور، أو يوقظ الفتن" (1).
كرَّر الكاتب لفظة "الوحي" بمختلف مشتقاتها ستَّ مرَّات في هذه الفقرة، وفي النص كلِّه تسع مرَّات، ليعبِّر عن ضجره وقلقه من سياسة الحكومة الفرنسية في التعامل مع الدين الإسلامي، وعن أسفه على عدم قدرة المجلس الجزائري القيام بمهمَّاته في تحقيق مطامح الشعب، وفي الوقت نفسه يسخر منهما ويتهكم بهما؛ لكون ما يأتيانه من سلوك هو من وحي الشيطان الرجيم، ومن وحي الروح الخبيث، الذي يوحي إلى أوليائه ما يثير الشرَّ ويحرِّك الفتن. بدل أن يكون روحاً أميناً كما قال تعالى عن جبريل الذي كان ينقل عن الله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكلِّ أمانة ما يبلِّغه للناس وينذرهم به (2).
يضرب الكاتب – بعد ذلك - أمثلة أخرى لهذا الوحي المفاجئ، الذي يجيء للمجلس الجزائري، بعد سكوت طويل، ومماطلة كبيرة، في بحث قضايا المسلمين وانشغالاتهم. هذه المرَّة يكون نصيب هذا التفكير وهذه العناية مسألة القضاء الإسلامي التي: "نزل بها الوحي المفاجئ مستورة بجلباب شفَّاف، وهو كلمة الإصلاح، التي عنونوها بها، وتلهَّى المجلس أسبوعاً أو يزيد، ووقع النقاش في حواشيها، وفي صميمها واختلف الرأي، واشتدَّ الجدال، وافترق المجلس فيها معسكرين، يحرِّك كلُّ واحد منهما الدالان، وقالت النَّظَارة إنَّ الأمر جدَّ، وإذا بالوحي ينزل مرَّة أخرى بالنسخ أو بالفسخ، والنسخُ قبل إمكان العمل جائز عند الأصولييِّن، قائم الشواهد من الواقع، وإذا القضية كأنَّها تدريب على لعبة، لا بحث في قضية جدية" (3).
__________
(1) م. ن.
(2) عيون البصائر، ص: 120.
(3) قال تعالى: {وَإِنَّهُو لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} سورة الشعراء، الآيات: 192، 193، 194. (1/251)
صفحة 252
بناء ... ما دام الوحي ينزل على المجلس الجزائري من الشيطان، الذي ينزعه، فيتحرَّك، فإنَّ كلَّ تصرُّفات هذا المجلس وتحرُّكاته، وإفرازاته لا تكون إلاَّ من نوع أعمال الشيطان، ولا تكون أبداً في صالح المواطنين. فهو يسكت طويلاً، ويتغافل عن قضايا المواطنين. وإذا خرج عن هذا الصمت. لا يكون دافعه في ذلك سوى مصلحة أو غرض ذاتي يتماشى مع سياسة من يُسيِّر هذا المجلس. لهذا يتهكم الكاتب بأعمال هذا المجلس، حين يتحرَّك ليناقش قضايا المواطنين ومسائل الإسلام، إذ يرى أنَّ ما قرَّره المجلس في مسألة القضاء الإسلامي من إصلاح إن هو إلاَّ تمويه وتضليل، لفَّه هذا الوحي وستره بهذا الجلباب الشفَّاف، وهو لباس الإصلاح. كما أنَّ هذا المجلس أشغِلَ بالتفكير في هذه المسألة أسبوعاً كاملاً؛ تزجية لوقته، وإذكاء لروح الصراع والخلاف بين أعضائه. وقد أفرز فعلاً معسكرين يحرِّك كلاًّ منهما (الدالان)؛ ليكون هذا الصراع، وهذه النتيجة سبباً في العبث بالقضية، بالنسخ والفسخ لكلِّ ما يُتوصل إليه. هكذا تكون الفرصة سانحة للحكومة الفرنسية لتوجِّه القضايا الإسلامية حسب هواها ومصلحتها.
ويزيد الكاتب النص تهكماً وسخرية، حين يستدلُّ على ما تقدم علينا فرنسا في هذه المواقف، وهو إلغاء ما يتوصَّل إليه من نتائج حسب ما تراه هي، يستدلُّ على ذلك بحكم شرعيٍّ إسلامي، وهو قول الأصولييِّن "والنسخ قبل إمكان العمل جائزٌ" وهو تعريض مقذع بالطرفين الفرنسي وأعضاء المجلس معاً. ومن ثمَّ تكون مناقشة القضاء الإسلامي بهذه النظرة وبهذا الأسلوب، كأنَّها "تدريب على لعبة، لا بحث في قضية جدية" كلُّ ذلك لأنَّ ما قام به المجلس هو وحي من الشيطان.
والسخرية تكمن أيضاً في هذا الوصف الدقيق المسجِّل لتحرُّكات المجلس في مناقشة القضاء الإسلامي، وفي طريقة معالجته له؛ بما يكشف عن عدم تحمُّس الحكومة والمجلس للموضوع. وبهذا الوصف الساخر تنكشف نفسية الكاتب المنقبضة والمتذمِّرة من تصرُّفات الحكومة التي توجِّه المجلس كما تشاء، والغاضبة على ضعف التمثيل النيابي في الجزائر. (1/252)
صفحة 253
بناءً على ما ذكره محمد البشير الإبراهيمي لوحظ أنَّ الناس يئسوا من تحقيق أهدافهم، ونيل حقوقهم من هذه النيابة وممَّن يمثِّلها؛ إذ لا نوَّاب ولا نيابة في الجزائر بالمعنى الذي تعرفه الأمم والناس، وتعرفه فرنسا نفسها "أمُّ الشعوب النيابية في العالم" إنَّما هذه النيابة: "وظائف توزِّعها الحكومة على أعوانها، وتضع عليها هذه الأسماء تمويهاً وتغليطاً، وتغطِّيها بأقلية ضئيلة من النواب الأحرار، تمهيداً للغدر، وتعويذاً من العين، ودفعاً للتهمة وقالة النقد، فإذا اجتمعت هذه المجالس ليوم الفصل في المشكلات، أو ليوم الرأي في المعضلات، لم تجد نواباً ولا رأياً، ولكنَّك تجد الحكومة تتحكَّم وتسيطر وتوجِّه، وتملي، ثم لا يكون إلاَّ رأيها" (1).
يكثر محمَّد البشير الإبراهيمي من ضرب الأمثلة على غياب التمثيل النيابي للشعب في المجلس الجزائري، وعلى عدم استفادة الوطن والإسلام من هذه النيابة. يعرض – هذه المرَّة - لقضية فصل الدين عن الحكومة، التي كتب فيها عدَّة مقالات (2)، يطالب فيها الحكومة والمجلس البثِّ فيها، لكنَّهما لم يستجيبا حتى أصبحت المسألة "القضية ذات الذنب الطويل". ولما جاءت خاطرة من وحي الشيطان، تحرَّك الجميع لبحث القضية، ولكنَّ هذا التحرُّك كان مرتبطاً بمصالح الحكومة وبظروفها، التي أجبرتها على فتح باب المناقشة في الموضوع. سجَّل الكاتب هذه المبادرة وهذه الطريقة التي تمَّت بها بشيء من السخرية والتهكم: "وبَادَرَ المجلس فألَّف اللجنة التي تنظر القضية وتبحثها، وَنشَرَ أسماء رجالها من القسمين، وتسامح في هذه المرَّة فأدخل في اللجنة رجالاً كانوا مذودين عن حياض اللجان، فكأنَّ طائفاً من الديمقراطية طاف بهذا المجلس، أو كأنَّ خاطرة من الوحي تنزَّلت عليه أو كأنَّ هاتفاً من وراء الغيب هتف به أن أثبت وجودك ... فإن استطاع المجلس أن ينقل القضية من ذيل الجدول إلى رأسه، اتَّحدت القرائن على أنَّ
__________
(1) م. س، ص: 400. المقال بعنوان "حدِّثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 120 (22/ 05/1950م).
(2) كتب في الموضوع ما يزيد عن 20 مقالة. ينظر عيون البصائر، ص: 80 - 187. (1/253)
صفحة 254
هناك اتِّجاهاً جديداً، ولو في هذه القضية بخصوصها، كلُّ الفصل في هذا الاتِّجاه راجع إلى الظروف" (1).
سخرية الكاتب في النص تبدو في تصوير الوضعية التي عليها المجلس، الذي لا يعني وجوده شيئاً بالنسبة إلى الشعب الجزائري؛ لأنَّه لا يُعنى بحلِّ قضاياه. لكن لما طرأت ظروف وعوامل سمحت بفتح باب المناقشة في قضية الشعب، التي استعصى إقناع المجلس بالفصل فيها، بادر المجلس فألَّف اللجنة التي تنظر القضية وتبحثها.
المبادة وتكوين اللجنة يوحيان بالتهكم - الذي يقصده الكاتب- بمن تحرَّك للقيام بهذا العمل؛ إذ بعد مدَّة طويلة، ومطالبات كثيرة ملحَّة، يسمع المجلس لذلك، فيبادر إلى فتح باب الاستماع إلى هذه المطالب، ويكوِّن لجنة لتنظر في القضية، ثمَّ يتسامح المجلس في قبول رجال، كان قد رفضهم في السابق في مناقشة الموضوع، فيكونون هذه المرَّة في اللجنة. هكذا تكون سخرية الكاتب الحزينة بهذا التصرُّف، الذي يكشف عن خبث في النفس، ومكر في المعاملة. وقد كان التهكم أكثر سرياناً، وأكثر تجلَّة في هذه الأفعال (بادر، ألَّف، تسامح ... ) نستطيع الوقوف عليها، وعلى دلالاتها العميقة بقدر ما نكشف من آيات تذمُّر الكاتب من تصرُّف المجلس غير المنطقي في قضية فصل الدين عن الحكومة، وبقدر ما ننتزع من علامات مقت الكاتب لهؤلاء الذين يقفون في طريق مصالح الجزائرييِّن، وبقدر ما نتبيَّن من آيات عدم ثقته في هذه النيابة، التي لم تقدِّم شيئا محسوساً للجزائرييِّن.
ثم يكون تعريض الكاتب بهذا الانقلاب المفاجئ في المعاملة، وفي هذا التفكير وهذا الاهتمام بهذه القضية حين يبدي تعجُّبه من هذا التغير؛ ويقرِّر تقرير الساخر الماكر، بأنَّ هناك عوامل غير طبيعية كانت السبب في هذا التحوُّل في الموقف: كأنَّ طائفاً من الديمقراطية طاف بهذا المجلس، أو كأنَّ وحياً من الشيطان تنزَّل عليه –كما اعتاد الاستعمار، ومن يسير في ركابه، أو من يتقيَّد بتوجيهاته أن يسلك هذا
__________
(1) م. س، ص: 183. المقال بعنوان "القضية ذات الذَّنب الطويل". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع 176 (10/ 12/1951م). (1/254)
صفحة 255
السلوك - أو كأنَّ هاتفاً هتف به من وراء الغيب أن أثبت وجودك وبرهن على أنَّك – فعلا - تمثَّل هيكلاً يدافع عن مصالح الأمَّة، ويرعى حقوقها.
وفي هذه التقديرات والاستنتاجات تعريض بالمجلس الذي، لم يستطع القيام بواجبه نحو الشعب، ولم يقدر أن يؤكِّد وجوده هيكلاً مستقلاًّ، يؤدِّي مهمَّاته كما تنصُّ على ذلك مواصفات المجلس النيابي.
المهمُّ من كلِّ ذلك أن الكاتب يريد أن يثبت أن لا وجود للنيابة في الجزائر ولا للمجلس النيابي، الذي يفكِّر في قضايا الأمَّة وفي مستقبلها (1). كثير من الأدباء يؤيِّدون الكاتب في أنْ لا نيابة في الجزائر؛ لأنَّ أغلبية هؤلاء النواب كانوا أذناب الاستعمار يحقِّقون له مآربه، وينفِّذون خططه.
د - أذناب الاستعمار:
اكتوى الشعب الجزائري كثيراً بأذناب الاستعمار، الذين كان يسخِّرهم العدوُّ لقضاء مآربه، ولضرب مصالح المواطنين، أو تعطيلها على الأقلِّ. من هؤلاء رجال الدين الرسميُّون، الذين يعيِّنهم المستعمر في وظائف دينية، بشروط خاصة، يشترطها فيهم، أو لمميِّزات معيَّنة يلحظها فيهم، التي تتماشى مع مصالحه وسياسته.
كتب مامي إسماعيل مسجِّلا هذه الحقيقة، متحسِّراً على ما آلت إليه مناصب الدين الجليلة من الاحتقار والإهانة؛ حتى أصبحت وسيلة للارتزاق، وغدت من نصيب مَنْ أصبح ذنباً من أذناب الاستعمار فقط – في أغلب الأحيان- ومن كان أميًّا لا يفقه في أمور الدين والوطنية شيئاً ... كتب يصف هذه الحالة، ساخراً متندِّرا ً: " إذا سمعنا بأنَّ الجمعية الدينية بالجزائر عيَّنت لمنصب الإفتاء أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب،
__________
(1) ينظر ما سجَّله مفدي زكرياء عن النواب، اللهب المقدَّس، ط2، منشورات وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية (الجزائر)، فيفري 1973، ص: 266. وعن حقيقة التمثيل النيابي في الجزائر، وعن هيئة النواب وأفكارهم وأعمالهم، ينظر صالح الخرفي، الشعر الجزائري، ص: 177. والحركة الوطنية الجزائرية، ج3، ص: 57 - 77. (1/255)
صفحة 256
ولا يفهم ولا يعقل، لا نتعجَّب أصلاً، ونقدِّم لها - وبمجرَّد إعلان تسميته - فائق التهاني، راجين لها مزيد التقدُّم في العبث وإهانة الديانة، وله بالنفاق والتدجيل" (1).
الألم يعصر قلب الكاتب على هذا الاستهزاء بالدين، وعلى دوس كرامة المسلم، والتلاعب بمصيره وبمقوِّماته. وهو ما جعله يسجِّل هذه الخواطر بطريقة ساخرة معرِّضة، متعجِّباً من إسناد منصب الإفتاء - وهو الذي تقوم عليه حياة المسلم، وترتكز عليه عبادته وعلاقته بربِّه - إلى أميٍّ لا يعرف الكتابة والقراءة، وليس له عقل أو فكر يعينه على إدراك الأمور. النتيجة التي تحصل من ذلك هي ضرب الإسلام أو تشويهه. وبمرور الزمن يُقْضَى عليه نهائيًّا؛ ولهذا قرَّر الكاتب تقديم أحرِّ التهاني للجمعية بمزيد التقدُّم في العبث بالدين وإهانته، وللمفتي الأميِّ المنصَّب على رأس المسلمين بمزيد من النفاق والتدجيل.
ثم يمعن الكاتب في التهكم بأمثال هذه النماذج التي تعيَّن على رأس المسلمين كرجال دين رسمييِّن، يذكر الدرجات التي يتدرَّجون فيها، إلى أن يصلوا إلى منصب الإفتاء: "وهل يتقدَّم للإفتاء المتدرِّبون، أي الذين ابتدؤوا يصلحون المساجد بالمكنسة، وارتقوا إلى مؤذن إلى حزَّاب، إلى باش حزَّاب، إلى راوي حديث إلى إمام، وهم لا يفقهوون من العلم شيئًا" (2).
سؤال ماكر معرِّض، يقدِّمه الكاتب للتعبير عن غرابة هذا السلوك، الذي تتَّبعه الحكومة الفرنسية في رعاية الإسلام، وتوفير وسائل نشره بين الناس؛ فهي ترقِّي صاحب المكنسة الذي يَصلِحُ بها المساجد درجة إلى أن يصبح مفتياً يُصْلِحُ أحوال المسلمين، ويفتيهم فيما أشكل عليهم في دينهم، وهو لا يفقه من العلم شيئاً. أنَّه سؤال ساخر ومعبِّر عن الألم والحسرة معاً.
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 102. المقال بعنوان "الجمعية الدينية". نشر في جريدة النجاح، ع: 696 (30/ 01/1929م).
(2) م. ن. (1/256)
صفحة 257
فالحكومة الفرنسية تريد أن تكوِّن من رجال الدين هيئات وتشكيلات على طرازها، تؤيدها في سياستها، وتنفِّذ أوامرها، وتستجيب لمطامحها ومطامعها. ومن ثمَّ لا يكون تحرُّكها ونشاطها إلاَّ بوحي منها، ولا تكون سلطتها مستمدَّة إلاَّ منها، ولا يكون عملها في مجال الدين، إنَّما يكون في مجالات أخرى غير الدين. وقد نجحت الحكومة في هذا التكوين والإعداد، فكان لها هذا: "الجند العاطل من الأئمَّة والمفتين، والخطباء والمؤذِّنين، والقومة والحزَّابين، وأتباع (شريعة يوسف أجمعين) كوَّرتهم، وصوَّرتهم، ونقَّحتهم، وحوَّرتهم، على المنوال الحكومي. دوَّرتهم حتى أصبحوا جزءاً أصيلاً من الأدوات الحكومية، لا يفرق بينهم وبين سائر الموظَّفين الحكومييِّن فارق، حتى في التبديل والنقل من بلدة إلى بلدة. فإنَّ حكمة النقل إنَّما تظهر في الموظَّف العسكري أو الإداري، أمَّا رجل الدين فأية حكمة في نقله؟ ... لولا اعتباره موظَّفاً حكوميًّا، يُنقل لمعان إداريَّه وحكم حكومية، أمَّا إن كان نقله لنقص أو تقصير في الواجب الديني، فإنَّ الدين يعزلُه ولا ينقُلُه، هذا أكبر دليل وأنهض حجَّة على أنَّ هذه الوظائف فارقت الدين والتحقت بالحكومة" (1).
يبدع الكاتب في تجسيد حقيقة هؤلاء الرجال، الذين يؤدُّون كلَّ آيات الإخلاص والولاء للحكومة الفرنسية، ويقومون بتحقيق أهدافها في تحطيم الإسلام، ويسخر من هذه التصرُّفات. فيبدأ بوصف هؤلاء الأذناب بأنَّهم جنود عاطلون مرتزقون، وقعوا في أشراك الاستعمار، الذي اصطادهم بشبكة المطامع. ثمَّ يثنِّي بتصوير ساخر، يبيِّن من خلاله أنَّ أولئك الناس عجينة خام في يد المستعمر، شكَّلهم ويشكِّلهم حسب ما تقتضي مصلحته، وتتطلَّبه أهدافه ومطامعه؛ ولذلك كوَّرهم وصوَّرهم، ونقَّحهم من شوائب الإسلام والوطنية والمروءة والشهامة، ومن كلِّ ما يبقيهم أوفياء لدينهم وأمَّتهم ووطنهم، وبذلك حوَّرهم ونقلهم من أبناء الإسلام والوطن إلى أذناب وأتباع لسادتهم المستعمرين، ومن ثمَّ كانوا في النهاية على منوال الحكومة ينسجون ....
__________
(1) عيون البصائر، ص: 109. المقال بعنوان "ونعود إلى فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 105 (30/ 01/1950م). (1/257)
صفحة 258
بهذا الوصف الساخر، وبهذا التقرير المعرِّض يسجِّل الكاتب أنَّ هؤلاء النَّاس أصبحوا موظَّفين حكومييِّن، بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى. لا رجالاً يمثِّلون جانب الدين؛ إذ لا تفرق بينهم وبين سائر الموظَّفين الحكومييِّن فارق في القيام بوظائف الحكومة: إخلاصًا لها في العمل، وجدَّية ومسارعة في تنفيذ سياستها وتقديماً لآيات الولاء والخضوع ....
بعد ذلك يبدي الكاتب تعجُّبه من تصرُّف الحكومة؛ فيتساءل ساخراً عن سبب نقل هؤلاء الموظَّفين الدينييِّن وترقيتهم، فإن الدين ليست فيه ترقية ولا تبديل ولا نقل، فإن كان سبب كلِّ ذلك هو النَّقص أو التقصير أو القصور، فإنَّ الدين يقوم مباشرة بعملية العزل والإقصاء، ولا يقرُّ بالترقية والنقل. هذا دليل آخر على الصبغة الحكومية لهذه الوظائف، التي لا تمتُّ إلى الدين بصلة، ولا ترتبط به بسبب. وقد أكَّدت على هذه الحقيقة عبارات ساخرة (لمعانٍ إدارية، وحكم حكومية).
الاستعمار نفسه يعترف بأنَّه كان مخطئًا في سياسته هذه؛ وفي تصرّفه هذا، وهو توليته مناصب حسَّاسة جهلة أمييِّن. وقد سبَّب له هذا السلوك مشاكل عديدة، كشف عنها " أغستان ببرك" (1) في مقال كتبه سنة 1946م (2) ذكر قائلاً: إنَّ خطأنا الفاحش في سياستنا الدينية منذ عشرين سنة أنَّنا اعتمدنا في المساجد على موظَّفين دينييِّن جاهلين، كثيري الطمع، لا يحسنون سوى الولاء والانقياد المطلق.
يستغلُّ محمد البشير الإبراهيمي هذه الشهادات على هؤلاء الأذناب؛ ليدعِّم رأيه فيهم، في عدم رجاء الفائدة منهم، فيشمت بهم ويعرِّض ويكشف عن حقيقتهم للناس بتزكية "ببرك": "والشيخ ببرك رجل إداري شاب قرناه في الوظائف الإدارية الخاصة بالمسلمين، وكانت خاتمة تلك الوظائف إدارة الشؤون الأهلية المعروفة في تاريخ الاستعمار بأقطابها: لوسياني وميرانت، وميو، وببرك، وما منهم إلاَّ له مقام معلوم وتصرُّف مذموم، وله من تمكين أوضاعها جزء مقسوم. وهذه الإدارة هي
__________
(1) مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامَّة، أثناء الحرب العالمية الثانية. يبدو أنَّ وفاته كانت في أواخر الأربعينيَّات.
(2) نشر المقال في مجلَّة "البحر المتوسّط" ج11 (جويلية-أوت 1951م)،ينظر عيون البصائر، ص: 200 - 202. (1/258)
صفحة 259
مرجع رجال الدين في التولية والعزل والتسيير والتوجيه، ومنها يتنزَّل الرضا والسخط عليهم. فالشيخ "ببرك" كان رئيس القوم وموجِّههم ومربِّيهم، ومكمِّل ما كان ناقصاً فيهم من رسوم الخضوع والامتثال المطلق، وقد لابسهم ولابسوه، وعرف مداخلهم ومخارجهم، وأكمل تربيتهم و"تسليكهم" فإذا شهد عليهم بشيء فهي شهادة عيان، وإذا وصفهم بنقيصة فهي صنيع يده فيهم" (1).
يمرِّغ الكاتب كبرياء هؤلاء الأذناب في التراب بهذه الأوصاف، التي خلعها عليهم، وهذا التصوير الذي صوَّرهم به. هؤلاء الأذناب تابعون أبداً، وخاضعون أبداً، ومسيَّرون وموجَّهون أبداً؛ إذ هناك الإدارة التي تتولَّى مسؤولية تعيينهم وعزلهم، وتيسير ذلك والتضييق عليه، حسب هواها، وما تمليه المصلحة. ومن هذه الإدارة تتنزَّل الرحمات والبركات إن أحسن هؤلاء تطبيق سياستها، ومنها يتنزَّل السخط والغضب إن حادوا عن الطريق، أو لم يتمكَّنوا من تحقيق أهدافها.
أيُّ هوان وأيُّ ذلٍّ هذا؟! وأيُّ سقوط هذا الذي يجعل مصير هؤلاء الأذناب في أيدي الغير، يتصرَّف فيه كيف يشاء؟!. لا يكتفي الكاتب بهذا، بل يستمرُّ في الشماتة بهؤلاء الأذناب: رجال الدين المأجورين المدحورين، فيذكر بالفضل سيِّدَهم "ببرك"، الذي ربَّاهم ووجَّههم، وأكمل ما نقص فيهم من آيات الخضوع والرضوخ والامتثال المطلق لكلِّ نداء أو أمر يأتيان من أصحاب النعم عليهم، وممَّن أوقعوهم في هذه الأشراك، ثم ضحكوا عليهم في النهاية؛ بمثل هذه الشهادات، التي سجَّلها ضدَّهم ببرك؛ لأنَّهم لابسوه، ولابسهم، وعرف مخبرهم وظاهرهم، واستنتج في خاتمة المطاف أنَّهم فاقدو المروءة وخربو الذمم، فهم ليسوا أهلا للوفاء بالعهود.
لم يغفل الكاتب في هذا السياق عن التعريض بالشيخ ببرك نفسه؛ حين حمَّله مسؤولية عدم تأدية هؤلاء الأذناب المأمورية، التي أنيطت بهم تجاه أسيادهم – أحيانا- وأرجع ذلك إلى سوء إعداده هؤلاء للقيام بهذا الدور. وقد اعتمد الكاتب
__________
(1) عيون البصائر، ص: 201. المقال بعنوان "شهادة الشيخ ببرك على رجال الدين، وشهد شاهد". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 177 (17/ 12/1951م). (1/259)
صفحة 260
في تكوين هذه السخرية، وإيجاد هذا التهكم على ألفاظ وعبارات معيَّنة، انتقاها انتقاء؛ حيث كثَّف منها لترسم له هذه الظلال، وتمدَّه بهذه الإيحاءات المتتالية مثل (مرجع، تتنزَّل، الشيخ، رسوم الخضوع، لابسهم، لابسوه، تسليكهم ... ).
بعد هذا الإجمال في تقرير حقيقة أولئك الأذناب، يعمد الكاتب نفسُه إلى التفصيل، فيضرب مثلاً لتصرُّفات هؤلاء ويقدِّم نموذجاً لهذا الصنف بمحمد العاصمي (1)، المفتي الحنفي، الذي عيَّنته السلطة الفرنسية في هذا المنصب الوظيفي الحكومي، وكان هذا المفتي مناوئاً للمصلحين، وآلة مسخَّرة في يد الاستعمار، وذنباً من أذنابه. يدلِّل الكاتب على وجهة نظره في رجال الدين الرسميِّين الموظَّفين، الذين يسيرون في ركاب الاستعمار، ويكونون أذناباً، ويستشهد على ذلك بهذا المفتي الحنفي محمد العاصمي، الذي يعدُّه المثال الموضِّح للقاعدة العامة، المتمثِّلة في تبعية هؤلاء الموظَّفين المطلقة للإدارة الاستعمارية والرضوخ التام لإدارتها.
لكنَّ هذا المفتي يَفضُل هؤلاء الأذناب بأنَّ ما كان فيهم متفرَّقاً من مميِّزات أو مظاهر التبعية والخضوع الخالص، وضرب الإسلام وأنصاره، وما يتميَّز به هؤلاء من الأمية والجهل ... كلُّ ذلك كان متجمِّعاً فيه، ولهذا كان خطيراً على الإسلام والمسلمين. يوضِّح الكاتب ذلك ويبرهن على هذه الحقيقة؛ متسائلاً تساؤل ساخر متهكِّم عن سبب هذا الارتقاء إلى هذا الوظيف السامي قائلاً: "آية ذلك أنَّه وصل إلى ما هو فيه بغير الوسائل التي يسلكها الناس لمثل ذلك في المتعارف عندهم، وكأنَّه يضع قدمه حيث ينتهي طرفه، وما هو إلاَّ طالب كآلاف الطلبة، من مثل طبقته، فلماذا تقدَّم وتأخَّروا؟ ولماذا أصبح رأساً بعد أن كان بالأمس ذنباً؟ أهو الحظُّ؟ لا بل هو
__________
(1) محمد العاصمي (1888 - 1951م)، عين مفتيا رسميًّا للمذهب الحنفي في الجزائر سنة 1944. كان من أبرز عناصر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ثم انقلب عليها، وأصبح من أكبر المناوئين لها. هو مؤسِّس مجلَّة "صوت المسجد" لسان حال رجال الدين الرسميِّين، وكانت مناوئة لجريدة البصائر على الخصوص. (1/260)
صفحة 261
شيء آخر غير الحظِّ، هو شيء تشمُّه الحكومة الجزائرية بحاسَّة زائدة فيها، فتميِّز به السابق من أدواتها من المقصِّر ... " (1).
في هذا التساؤل تكمن السخرية والتهكم من العاصمي والحكومة الفرنسية معًا. فالكاتب يعرف أن ليست للعاصمي مؤهِّلات ترشِّحه لذلك المنصب السامي، منصب الإفتاء، ويعلم أيضاً أنَّ الصدفة والحظَّ لم يكن لهما دور في هذه الترقية من الذنَب إلى الرأس مرَّة واحدة. إنما السرُّ كلُّ السرِّ في الترقية يكمن في هذه المرشِّحات الخاصة التي ترشِّح إلى أمثال هذه المناصب السامية الحسَّاسة، وهي الإخلاص للحكومة والرضوخ التام لمطالبها، والتبعية المطلقة لها، مع الجدِّ في ضرب الإسلام والمسلمين.
إذن إنَّ الحكومة تعرف الشخص المؤهَّل لهذه المناصب بحاسَّة زائدة عن الناس؛ لما تنطوي عليه من المكر والغدر والظلم ... ولهذا يضيف الكاتب: "ودع عنك المؤهِّلات العلمية، ودع عنك الموازين الصحيحة، ودع عنك القيم المعقولة، فذلك كلُّه لا قيمة له، ولا عبرة في هذا الباب، ودع عنك حرمة الدين" (2).
إذن فالحكومة لا تستعمل المنطق والعقل في اختيار موظَّفيها، ولا تضع موازين مضبوطة في هذا التعيين: من علم وأخلاق ودين ومراعاة مصالح من تسيِّر شؤونَهم، وتتولَّى أمورهم، إنَّما تُحكِّم هواها وعاطفتها. هذا ما يقدح في مصداقيتها؛ بزعمها دولة تدَّعي التطوُّر والتقدُّم في أفكارها ونظريَّاتها في التسيير والتوجيه.
بعد ذلك يوجِّه الكاتب خطابه إلى الناس، الذين يتوهَّمون أنَّ للرجل أتباعاً؛ بناء على ما كانت تذيعه الحكومة أو توحي به، أو تصبُّه في أذهانهم، ويبيِّن لهم نوع أتباع العاصمي هؤلاء: "ونقول للذين يتوهَّمون أنَّ للرجل أتباعًا. إنَّ أتباع هذا الرجل من جنس مذهبه، وإن المقدِّمة الأولى لنتيجتكم هذه قد سبقتها أعوام، يوم أمسى ناسخاً في محكمة موجودة، فأصبح رئيساً لمذهب معدوم، فتباعد طرفي
__________
(1) عيون البصائر، ص: 143، 144. المقال بعنوان "أهذه هي المرحلة الأخيرة من فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 139 (29/ 01/1951م).
(2) م. س، ص: 144. (1/261)
صفحة 262
القضيَّة يقدح في هذا الإنتاج (1)، فإذا سوَّغ لكم منطقكم أن تقولوا هذا مفتي مذهب، وكلُّ مفتي مذهب له أتباع، فلا تأمنوا أن يقول قائل إنَّه مفتي مذهب غير موجود، فله أتباع ... غير موجودين، فإن قلتم إنَّكم لا تريدون المذهب الفقهي، وإنما تريدون المذهب (الصناعي) قلنا إنَّ هذا المذهب لا يتبع العاصمي فيه إلاَّ الأخسرون أعمالاً، والأضلُّون سعياً" (2).
إذن إنَّ أتباع العاصمي موجودون في الخيال وفي زعم الحكومة، وفي خطِّة التآمر والمناورة وليس في الواقع المعيش. إنَّ العاصمي رئيس لمذهب معدوم، وهو مفتي مذهب غير موجود. هكذا يصنع الاستعمار بأذنابه، يوهمهم بالعظمة، ويوحي لهم بأنَّهم تسنَّموا مراتب عالية سنية في المجتمع ... فما عليهم إلاَّ أن يستمرُّوا في سيرتهم في التبعية للاستعمار، وتنفيذ مخطَّطاته في ضرب الإسلام والوطنية.
يمضي الكاتب نفسه في التعريض بالاستعمار الذي يؤهِّل الناس ويكوِّنهم بسرعة؛ لاحتلال مناصب دينية سامية حتى يشرفوا على شؤون الأمَّة الدينية حسب ما يمليه المنطق الاستعماري؛ فيتهكم بهؤلاء الأذناب، الذين يبقون دائماً في دائرة الإخلاص والسمع والطاعة لهؤلاء المستعمرين، ويذكر أنَّ هذه المدرسة لا تسير على منهج المدارس العلمية التكوينية في تتبُّع المراحل بكلِّ دقَّة في الإعداد، إنَّما تقوم على اختصار الوقت، واختزال الطريق، واستعجال النفع ممن تهيِّئه لهذه المناصب. ولا يكون العلم شرطاً في صحَّة الانتساب لهذه المدرسة: "ثمَّ تأتي الشروط الإيجابية والسلبية في كلِّ فرد، وأهمُّها في الإيجاب الاستعداد للشرِّ في التلميذ، وأهمُّها في السلب التجرُّد من الدين والفضيلة، وتأتي بعد الأهمِّ مهمَّات في الطرفين، كالسمع والطاعة الإخلاص، وكالتسليم في المشخِّصات الإنسانية، وموت الضمير الآدمي، وإخماد الشعل الفكرية، وقطع العلائق الفطرية مع القوم والجنس والوطن" (3).
__________
(1) لعلَّ الصواب هو الاستنتاج.
(2) عيون البصائر، ص: 144.
(3) م. س، ص: 455. المقال بعنوان "إبليس ينهي عن المنكر". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 143 (19/ 02/1951م). (1/262)
صفحة 263
نلحظ في هذه المقدِّمة المرارة والحسرة اللتين تعصران قلب الكاتب، وهو يشاهد هذه الأذناب، ترتمي في أحضان الاستعمار؛ ليوجِّهها ويسخِّرها في قضاء مآربه، وتنفيذ مخطَّطاته، وهو نفسه قد اكتوى بنيران تصرُّفاتهم. فعبَّر عن هذا الألم النفسي، وهذا الشعور الموتور بهذه الطريقة الفنِّية الساخرة، التي لم يبتعد فيها عن الواقع، ولم يجنح فيها إلى الخيال إلاَّ ليرتفع بالنص إلى مستوى الفنِّ، ويرقى بالوعي إلى درجةٍ، تحرِّك الضمائر؛ لتتدارك الأمر. وقد جسَّد الكاتب في هذه الفقرة نتائج التكوين الذي يتلَّقاه الفرد المسلم على أيدي المستعمرين، وبيَّن حقيقة الذين يوالون العدوَّ، ويبقون ذنباً له. من هذه النتائج موت الضمير الآدمي، إخماد شعل الفكر، قطع العلائق الفطرية مع القوم والجنس والوطن.
ينتقل بنا الكاتب إلى المغرب الأقصى ليقدم لنا نموذجاً آخر من خرِّيجي هذه المدرسة الاستعمارية، وقد حاول بطريقته الساخرة أن ينطق هذا التلميذ ليقول: "أنا روح الاستعمار وسرُّه وحقيقته المشخِّصة، وأنَّه لو لم يكن في الدنيا استعمار لكنت وحدي استعماراً قائماً بذاته، ولو انقطع الاستعمار- لا قدَّر الله- فسأكون أنا وحدي حافظَ أنسابه، ووارث أسلابه، وقيِّمَ أبوابه، والمتعبد بتلاوة كتابه، وأنا وحدي المثال المحقِّق لقاعدته، وأنا وحدي الدليل على خروج الاستعمار من صورته الذهنية إلى حقيقته الخارجية" (1).
الكاتب في هذه اللوحة الفنية، أراد إيقافنا على نتائج التكوين التي يتحصَّل عليها المرتمون في أحضان الاستعمار، أو المغرَّر بهم، أو المجرورون إليه، وكيف يكونون أذناباً له، وربَّما فاقوه في النَّيل من الإسلام والوطن؛ ولهذا قدَّم الكاتب بطريقة ساخرة اعترافات هذا التلميذ الذنَب، وهذا المتربِّص المارق من أصله، وهذا المتلوِّن التابع الإمَّعيِّ ... ليكشف عن حقيقة ذاته، التي تصرِّح بأنَّها ابن الاستعمار الوفي، وظله الأمين وروحه الخالصة ...
__________
(1) م. س، ص: 456. (1/263)
صفحة 264
هذه الاعترافات، وإن كانت من خيال الكاتب، تظلُّ إسقاطات نفسية، تجسِّد ما كان يشعر به ضيق، ممَّا كان يمارسه هؤلاء الأذناب من شرور ضدَّ أوطانهم وملَّتهم وجنسهم. وهو بهذه الطريقة حاول تقديم صورة حية عن خطر هؤلاء الناس على الأمَّة الإسلامية، وفي الوقت نفسه حرص على الإفصاح عن الضجر والقلق اللذين أصابا الضمائر الحية والمشاعر اليقظة؛ بسبب هذه التصرُّفات، التي لا تمتُّ إلى العقل بصلة، ولا ترتبط بالدين والمروءة والكرامة بسبب. كما أنَّ هذه الطريقة التي سلكها الكاتب في السخرية، كان يرجو منها أن تهزُّ الناس، وتنبِّههم من غفلتهم، وتوقظتهم من سباتهم، وتخرجهم من غفوتهم؛ لينظروا إلى الأمور بنظرة العقل، ويزنوها بميزان المبادئ، ويحكموا لها أو عليها بحكم الإسلام، ومن ثمَّ سيتفطَّنون لممارسات الاستعمار، وتجاوزات هؤلاء الأذناب وشرورهم، إلى غير ذلك من المعاني التي تقدِّمها هذه اللوحة الساخرة.
في هذين النموذجين اللذين قدَّمهما الكاتب لحقيقة أذناب الاستعمار، أحدهما من الجزائر والثاني من المغرب الأقصى، لحظت التشابه في الأفكار التي قدَّمهما عن الرجلين، اللذين يخدمان استعماراً واحداً، وهو العدوُّ الفرنسي. فالعاصمي هو المثال الموضِّح لقاعدته، والتلميذ المغربي هو المثال المحقِّق لها أيضاً، وكلاهما خرج عن مألوف الناس في التكوُّن والرقيُّ في السلم والدرجات بالطريقة التي تعارف عليها البشر، وكلاهما روح الاستعمار وسرُّه. إلى غير ذلك من المعاني التي نقرؤها في النصَّين، مع ملاحظة أنَّهما كتبا في سنة واحدة، هي عام 1951م. هذا يدلُّ على صدق مشاعر الكاتب، وعلى واقعية عرضه وتقديمه هذه الحقيقة، كما يؤكِّد على تشابه الأوضاع في المغرب العربي.
كما أنَّ كلا النصَّين انطلق من الواقع، مع توفُّر قدر كبير من الخيال فيهما، الذي عمد إليه الكاتب لتوضيح الفكرة، وتصوير حقيقة المشاعر الموتورة. هذا الأسلوب يتماشى مع حملة التصعيد التي عرف بها الأدب الجزائري في هذه الفترة؛ نتيجة تدهور الأوضاع، وهو ما عرف بإرهاصات الثورة في الأدب الجزائري. (1/264)
صفحة 265
إذا كان لرجال الدين الرسمييِّن وانتقاد سيرتهم، وتبعيَّتهم المطلقة للاستعمار حضور كثير في الأدب الجزائري الساخر، لخطورة سلوكهم هذا على المجتمع وعلى الدين. فإنَّ بقية الأذناب قد نالوا نصيبهم من هذا الأدب. فأبو اليقظان - مثلا- يعرِّض ببعض هؤلاء الأذناب المرتبطين بفرنسا، ويطلب منهم الالتجاء إليها، والاحتماء بها؛ لتحضنهم وتتكفَّل بهم، فالمسافة بينهم وبينها قريبة جدًّا. وقد ألحَّ عليهم بالإسراع في السفر إليها؛ لأنَّ من لم يجدَّ في الأمر لن يحصل على مطلوبه ومرغوبه. وقد أبدى هذه المشاعر في سخرية وتهكم لاذعين، معتمداً ومستنطقاً مثلين شعبيين هما: "ما يَمشي الرجْلْ غِير وِينْ يِحَبْ القَلْب" و"القَاعَد ما اعطاتُو كَسْرَة": "كلُّ إنسان إذا حلَّت به نكبة أو فاجعة أو مصيبة التجأ إلى أمِّه الحنون، يستعطفها. ولأجل هذا سافر بعض السادة لفرنسا لزيارة "أمِّهم الحنون" فنحثُّ الناس على طاعة الأم، والالتجاء إليها عند الحاجة فإنَّه ليس بيننا وبينها سوى مسافة يوم وليلة، وهي التي تَفْصِلُ بين أبنائها بالعدل والمساواة والحرية (والقاعد ما اعطاتو كسرة) " (1).
النص تضمَّن سخرية لاذعة، مبعثها الألم الذي يعصر قلب الكاتب؛ بسبب تصرُّفات بعض الناس، الذين فقدوا كرامتهم، وتنكَّروا لأصلهم؛ حين التجؤوا إلى فرنسا لتمنحهم ما يريدون، وتغذِّيهم وتنمِّيهم، وتنشئهم على طريقتها الخاصة. وللإمضاء بـ "رضيع" دلالة عميقة ومعنى كبير؛ إذ أنَّ الرضيع في حاجة ماسَّة إلى صدر دافئ يحتضنه، ولن يكون متوفِّراً إلاَّ عند الأمِّ. والرضيع هو هؤلاء الأذناب، حتى ولو كان الاسم يمثِّل صاحب المقال الذي ينتقد هذه التصرفات، إلاَّ أنَّ الإمضاء يظلُّ حاملا علامات السخرية والازدراء، وتبقى هذه النصائح التي قدَّمها إلى هؤلاء الأذناب إسقاطات نفسية. أمَّا الأمُّ الحنون فهي فرنسا. والكاتب في هذه الفقرة لم يغفل عن التعريض بفرنسا، صاحبة العدل والمساواة والحرية. وفي هذا إشارة وهمس إلى أولئك الراحلين إلى فرنسا والمستجدين نوالها،
__________
(1) "رضيع" "ما يمشي الرجل غير وين يحب القلب". جريدة البستان، ع:9 (27/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان. (1/265)
صفحة 266
قائلاً لهم إنَّكم لن تجدوا عندها إلاَّ سراباً، حتى إذا ما جئتموه لم تجدوا شيئاً ممَّا كنتم تطمعون فيه، بل وجدتم عذاباً ومضاعفة البؤس والشقاء.
يبدو أنَّ كثيرًا ممَّن كانوا في المجلس الجزائري نوَّاباً عن الأمَّة، كانوا من الأذناب، الذين لا يستطيعون الانفكاك عن فرنسا، ولهذا خدموها وأعانوها على ضرب مصالح المواطنين. هذه المرَّة يخشُّ مسماره الشعلة في جسم قرد الميلية، الذي أضرَّ كثيراً بالمسلمين والوطنييِّن؛ ليهزَّه ويكشف عن مخازيه وفضائحه، وتعامله مع سيِّده الاستعمار. فهو بالإضافة إلى ما يتَّصف به من الدناءة والخسَّذة والضعة، ممَّا ينسب إلى القرد، هو أيضاً "قراد" مخادع ممتصٌّ لدماء بني جلدته. وهو ما يؤهِّله ليقوم بواجبه نحو أسياده أكمل قيام؛ باعتباره ذنباً لهم: "ينتسب إلى عائلة المتنوِّرين "نوَّار الدفلى: " ويقوم بوظيف هامٍّ لم ترشِّحه إليه كفاءة أو حسن سلوك أو تضلُّع في فن التربية والتعليم، وإنَّما رشَّحه لؤمٌ في النفس، وخسَّة في الطبع، وإخلاص في السربيس (1) وإتقان لضرب الشيتا" (2) (3).
يكشف الكاتب عن حقيقة هذا الذنب، ويتهكم منه حين يصفه بأنَّه متنوِّر، لكن على شاكلة "نوَّار الدفلى"، الذي لا ينفع في شيء، يعجبك منظره لكنَّ رائحته تؤذيك. بمعنى أنَّ هذا المقام، الذي احتلَّه قرد الميلية لم يكن بسبب كفاية علمية أو أخلاقية، إنَّما كان بسبب كفاية في التملُّق والتزلُّف والإخلاص في خدمة الأسياد، والحرص على البقاء ذنباً. مع كلِّ هذه الخدمات، وهذا الولاء والإخلاص، وهذه الإمَّعية ... فإنَّه لم ينل ما كان يريده ويسعى، وهو الفوز بمقعد في المجلس الجزائري، لهذا يشمت الكاتب به، وبأمثاله من الأذناب: "ترشَّح لانتخابات المجلس الجزائري ترشيحاً نيجلانيًّا؛ رغم ما فعل من أجله وما بذل من مجهود لإنجاحه، فقد فشل فشلاً ذريعاً، وهزم هزيمة منكرة، ولعلَّ السبب في ذلك
__________
(1) السربيس، أي الخدمة.
(2) ضرب الشيتا، كناية عن التملُّق والتزلُّف.
(3) "المسامير: قرد الميلية". (د. إ) جريدة الشعلة، ع: 24 (25/ 03/1950م). (1/266)
صفحة 267
كثرة الأذناب المترشِّحين من ضاربي (الشيت)، وحيرة الحكام أيُّهم يقدَّم، فتوزَّعت المجهودات، ونطحهم العتروس فخابوا كلُّهم" (1).
يبدو في النص تذمُّر الكاتب من هؤلاء الأذناب، الذين كثروا بشكل أضرَّ بالأمَّة كثيراً، وتركوها في حالة من العسر والضيق (2).
يسجِّل شاعر مواقف أذناب الاستعمار، الذين يؤيِّدون كلَّ شيء، ويساندون كلَّ ما يتفضَّل به أسيادهم حتىَّ الظلم واحتقار ذواتهم، وإهانة نفوسهم. يسجِّل ذلك في قصيدة بعنوان "نعم نعم". فبالنِّسبة إلى الانتخابات والنُّواب، الذين لا يتحرَّكون داخل المجالس إلاَّ ليقولوا نعم للمصادقة على ما يعرض أمامهم، ملتزمين بسيرة الإمَّعي الذنب يقول الشاعر:
إذا صال قَومٌ في المجالس مرعداً ... أجبنا وما في القول غيرنعم نعم
وإن قيل إنَّ العرب أشام أمَّة ... رفعنا الأكفَّ قائلين نعم نعم
وإن قيل إنَّ العرب ألأم أمِّة ... ضربنا الصدور منشدين نعم نعم (3)
في النص تصوير كاريكاتوري رائع لصنيع القوم السذج، الذين يهينون أنفسهم، دون أن يشعروا. إنَّ هذا فعل الذنب الذي لا يعي ما يقوم به. والصورة تكون أكثر تأثيراً حين يقول "رفعنا الأكفَّ قائلين نعم نعم" يقولونها بكلِّ اعتداد، لكنَّه اعتداد الذليل، الذي ينطق بما يرضي سيِّده، ولو كان فيه ما يهينه ويحقر ذاته. وفي هذا الاعتراف الساذَج تكمن السخرية الممزوجة بالأسى والحسرة على حال المسلمين من الذلِّ والهوان.
ممَّا لحظته في كتابات الأدباء عن هؤلاء الأذناب، الذين ارتبطوا بفرنسا، تشابهاً في المعاني والصور التي قدَّموهم بها. إنَّ هؤلاء الأذناب يرتقون في المناصب
__________
(1) م. ن.
(2) ينظر في الموضوع "تحت السياط" نغنِّي، لمن نغني". (د. إ)، جريدة الشعلة، ع7: (26/ 01/1950م).
(3) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 670. يقول د. عبد الله ركيبي: نشرت القصيدة في جريدة النجاح، ع: (26/ 06/1925م)، وقد رمز الشاعر لنفسه (بحرف ج. بعناية) وأطلق على القصيدة نشيد: (بني وي وي) ويقصد كلمة ( oui) الفرنسية. (1/267)
صفحة 268
بسرعة؛ بسبب جهلهم وأميَّتهم، وهم دائماً مخلصون لأسيادهم. كما هم محتقرون لمجتمعاتهم، وهم دائماً – في نظر العامة- محطّ آمالهم في تحقيق أهدافهم ومطامحم. إلاَّ أنَّ هذه الآمال لا تتعدَّى مجال الأحلام والأماني.
هذه الملاحظة تنصرف وتنطبق على جلِّ ما اطَّلعت عليه من نصوص في الموضوع. بداية ممَّا قيل في العشرينيَّات إلى الخمسينيَّات. هذا يدلُّ على الواقعية في التناول، وعلى الصدق في المعالجة، كما يفصح عن الكفاح المرير والصراع الشاق الطويل، الذي أبداه الأدباء في معالجة هذه القضية، قضية التبعية والإمَّعية ... كما يدلُّ ذلك على طول النفس والصبر اللذين تحلَّى بهما الأدباء في معالجة الموضوع، إذ لم يثنهم بقاء الوضع على حاله مدَّة طويلة من الزمن عن الالتزام بتناول القضية، وعدم اليأس والقنوط في ذلك.
هكذا تُؤكِّد لنا السخرية أنَّها قادرة على حمل لواء مقاومة الانحراف والظلم، وقد حاول الأدباء العبث بالاستعمار والدوس على غروره، وتحطيم كبريائه، والتندُّر به وبتصرُّفاته، والظهور أمامه أقوياء معنويًّا، والتلميح إليه بأنَّه الأضعف والأذلَّ ... والحالة نفسها تنطبق على أذنابه، وعلى كلِّ المنحرفين عن مقوِّمات الوطنية. وإن كانت بعض النصوص التي عرضناها لم ترقَ إلى هذا المستوى وإن حاول أصحابها تحقيق ذلك. (1/268)
صفحة 269
الفصل الرابع (1/269)
صفحة 270
الفصل الرابع
أساليب السخرية ودلالاتها التعبيرية
أ - أساليب بلاغية
ب - أسلوب التعريض
ج - أسلوب التصوير الهزلي (الكاريكاتوي)
د - أسلوب التنكيت والتندر
هـ - أسلوب التبكيت
و - أسلوب المفارقة (1/270)
صفحة 271
الفصل الرابع
أساليب السخرية ودلالاتها التعبيرية
يتخيَّر الأديب الفنَّان ألفاظه وتراكيبه ليعبِّر بها عن مكنون مشاعره وعصارة فكره، ويبني من كلِّ ذلك أساليب ينتقيها انتقاء ليبلغ غايته في إقناع المتلقِّي بما يريد إيصاله إليه.
هذا الاختياروالانتقاء، وهذا القصد في الكتابة يعبِّر تعبيرًا صادقًا عن مواقف معيَّنة وأفكار، تحمل عمقًا معيَّنًا وكثافة متميِّزة ودلالات خاصة، ويُبِينُ إبانة واضحة عن شخصية الكاتب، المتبنّي لتلك المواقف، والمتميِّز عن غيره "في اختيار المفردات، وصياغة العبارات والتشبيهات البلاغية" (1). ولهذا عدَّ: "الأسلوب قناة للعبور إلى شخصية صاحبه، سواء منها الفنية أو الوجودية" (2).
من هذا المنطلق أقرَّ "بوفون BUFFON" (3) في كتابه (مقالات في الأسلوب) "إنَّ الأسلوب هو الرجل" وقال عنه "شوبنهاور" (4) "الأسلوب هو ملامح التفكير" و"فلوبير" (5) " الأسلوب طريقة مطلقة في تقدير الأشياء "و "ماكس جاكوب" (6) "إنَّ جوهر الإنسان كامن في لغته وحساسيَّته" (7).
هذه التعريفات والتحديدات تشير إلى أنَّ الأسلوب هو الطريق أو فنُّ القول (8) أو المنهج، أو المسلك الذي يسير فيه أو عليه من يريد بلوغ هدف معيَّن
__________
(1) محمد عزَّام، الأسلوبية منهجًا نقديًّا، ط1، منشورات وزارة الثقافة. دمشق سنة 1989م، ص: 10.
(2) م. س، ص: 23.
(3) بوفون: BUFFON (1707 - 1788 م) أديب فرنسي وعالم بالطبيعيات من مؤلَّفاته "التاريخ الطبيعي".
(4) شوبنهاور أرثور SCHOPENHAUER (1788 - 1860 م) فيلسوف ألماني، صاحب مذهب التشاؤم، وهو القائل بوجود تناقض بين عالم الإرادة وعالم العقل.
(5) فلوبير غوستاف FLAUBERT- GUSTAVE (1821 - 1880 م) كاتب فرنسي.
(6) جاكوب ماكس JACOB - MAX ( 1876 - 1944 م) كاتب ورسَّام فرنسي سريالي.
(7) تراجع هذه التعريفات في كتاب " الأسلوبية منهجا نقديًّا "، ص: 23.
(8) لسان العرب، مج2، ص: 177. مادة (سلب). (1/271)
صفحة 272
من قوله أو كلامه. هذا السلوك أو هذا الأسلوب الذي: "هو اختيار الألفاظ وترتيبها في شكل له أثره وطابعه في اللغة المستعملة" (1) يخضع لمؤثِّرات خاصة، وعوامل توجِّهه وجهة معيَّنة، وتصبغه بصبغة متميِّزة. ذكر "علي أبو ملحم" مجموعة من هذه المؤثِّرات، حصر أصولها في اثنين رئيسيَّين، تتفرَّع عنها بقية العوامل. هذان العاملان هما شخصية الأديب وموضوع الكتابة.
عن العامل الأوَّل يقول أو يرى أنَّ للصِّفات العقلية والعاطفية والجسمية، التي تكون عليها شخصية الأديب أثرها الكبير في نوعية الأساليب التي يظهر بها العمل الأدبي، فتصطبغ بالتشاؤم والتفاؤل، والشمولية والجزئية، والرقة والخشونة، والقوَّة والركاكة ... كما أنَّ شخصية الأديب تتأثَّر بالبيئة والجنس والثقافة والدين، فتنشأ عن ذلك أساليب مصبوغة بصبغة القيم الدينية والاجتماعية التي تطفو على حياة الأديب. وعن العامل الثاني يقول: إنَّ موضوعات الأدب، يمكن حصرها في الإنسان والطبيعة، وما له صلة بما يحتكّ أو يتأثَّر بهما أو يؤثِّر فيهما (2).
بهذا المفهوم فإنَّ الأفكار والآراء والمشاعر يمكن أن تبلَّغ بأشكال وبكيفيات متنوِّعة؛ لأنَّ الأسلوب هو: "اختيار واعٍ يسلِّطه المؤلِّف على ما توفِّره اللغة من سعة وطاقات ... " فـ (قيرو) يعدُّ الأسلوب مجموعة ألوان يصطبغ بها الخطاب ليصل بفضلها إلى إقناع القارئ، وإمتاعه وشدَّ انتباهه وإثارة خياله. و"دي لوفر" يلحُّ على أنَّ الأسلوب هو سلطان العبارة إذ تستبدُّ بنا .. " (3).
ما يمكن تسجيله هنا هو أنَّ أسلوب التعبير يتنوَّع ويختلف ويتلوَّن حسب الشروط، التي يتحرَّك بمقتضاها، وحسب المناخ الذي يوجد فيه، ومن هنا تتنوَّع أساليب الكتابة وأشكال التعبير؛ بما لا يمكن حصره في عدد معيَّن؛ لأنَّها من ابتكار
__________
(1) محمد كامل عطية جمعة، الأسلوب، ط2، مكتبة القاهرة الحديثة، س 1963، ص: 63.
(2) ينظر "علي أبو ملحم"، "في الأسلوب الأدبي"، المطبعة العصرية، صيدا، بيروت (لبنان) سنة 1968م، فصل العوامل المؤثِّرة في الأسلوب، ص: 62 - 73.
(3) الأسلوبية منهجاً نقديا ًّ، ص: 24. (1/272)
صفحة 273
العقل ونتاج المشاعر المتدفِّقة التي لا تعرف التوقُّف. وكلُّها تبحث لها عن أية وسيلة للوصول إلى وعي المتلقِّى المخاطب أو المقصود بالخطاب.
والساخر نفسه، وهو أديب فنَّان، يملك خيالاً مرنًا وعقلاً راجحًا، ومشاعر محتدمة، وذكاء لمَّاحًا، وروحًا مرحة، وقدرة على الصياغة، وملكة لاختيار ما يحقِّق غرضه من الكتابة ... بفضل هذه المعطيات والامتيازات يتناول المسخور منه بالعبث والمداعبة والتندُّر والتهكم ... "يستخدم وسائل وأساليب متعدِّدة في سخره، تتداخل كلٌّ منها؛ بحيث لا يمكن إحصاؤها أو عدُّها، وهي معرَّضة دائمًا لابتكار العقول المبتكرة، بحيث لا يمكن للبلاغي حصرها في اصطلاحات ضيِّقة، فمثلها كحروف الهجاء في أية لغة من اللغات، يمكن للإنسان اشتقاق آلاف الألفاظ منها، والتعبير بها عن آلاف الأحاسيس، فتكون طيِّعة في يده، يستخدمها كيف يشاء" (1). هذا يعني أنَّ الساخر يبتكر صورًا ساخرة من خياله، بعد أن يطبعها بروحه، ويصبغها بنوعية انفعالاته، فتغدو جديدة كلَّ الجدَّة، أو لافتة للنَّظر، بعد أن لم تكن ذات أهمية من قبل.
هذا ما يجعلنا نقرُّ بأنَّه ليست هناك ضوابط تضبط أنواع الأساليب الساخرة أو أشكالها. كما أنَّ السخرية لا تخضع لمذهب خاصٍّ، ولا لانفعال معيَّن، إنَّما هي خاضعة فقط للحرية التي يمكننا بها "أن نتناول من أمور الحياة الخاصة والعامة ما نشاء بالأسلوب الذي نختاره" (2).
انطلاقاً من الملاحظات والإشارات العامة إلى طبيعة الأسلوب نحاول التعرُّف على الأساليب التي أفرزها الأدب الجزائري الساخر وهي كثيرة نحاول عرض بعضها. هذه الأساليب عبَّرت عن اهتمامات الأدباء بقضايا المجتمع. ومن ثمَّ يكون غرضنا من هذا العرض هو بيان مدى إسهام الأدب الجزائري في هذا المجال، وفي هذا النمط من التعبير.
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 47.
(2) السخرية في أدب المازني، ص: 292. (1/273)
صفحة 274
أ - أساليب بلاغية:
توخِّي الأساليب البلاغية في الأدب هو من ضروريَّات بل أساسيَّات الكتابة الأدبية، غير أنَّه يجب أن لا يتمَّ ذلك بتكلُّف أو تصنُّع؛ حتى لا يُزرى بهذه الأساليب ولا يوصف صاحبها بأنَه عاجز مفلس في مجال الأدب. لقد ذكرنا بعض هذه الأساليب فيما سبق من النصوص التي تناولناها، وأشرنا بعض الإشارة إلى الجانب الفنيِّ والمعنوي منها. ونريد في هذا المبحث أن نخصَّ بالتحليل بعض أوجه البلاغة - وذلك على سبيل التمثيل وليس الحصر- لمزيد تسليط الضوء على مجالات بروز السخرية في الأدب الجزائري.
من بين أساليب المعاني التي استعملها الأدباء أسلوب الاستفهام، الذي اعتمدوه للسخرية من بعض الشاذِّين والمنحرفين عن سواء الفطرة البشرية. تساءل محمد البشير الإبراهيمي تساؤل متهكم ساخر من رجال الزوايا، الذين عقدوا مؤتمرات لضرب الحركة الإصلاحية، ومناهضة العمل الإصلاحي النهضوي، ومؤازرة العدوِّ في أعماله وتحرُّكاته في هذا السبيل. تساءل عن إنية هؤلاء المؤتمرين، وعن طبيعة الأسباب التي تربطهم بالأمَّة الإسلامية، وعن حقيقة شخصيتهم من حيث الاستقلال بالرأي والحرية في التصرُّف، وعن طبيعة عملهم ونشاطهم: "أليس هؤلاء المؤتمرون من الأمَّة؟ أليسوا أئمة الأمَّة؟ وهذه المجلَّة (1)، التي قرَّروا إصدارها – وما نراها تكون إلاَّ لسان حالهم - فما ينشرون فيها؟ أتكون رسمية تنشر أوامر التولية والعزل؟ إنَّ الأمر ليس بأيديهم، وقد كفتهم الكافية، أم تكون رسمية بمعنى آخر؟ فتنشر الفتاوي الشرعية والخطب الجمعية التي يلقيها خطباؤهم؛ ليقرأها من لم يسمعها؟ أم تنشر شروط الإمامة العصرية، ومنها الاعتماد في التزكية على (الدوسي)؟ " (2).
__________
(1) هي جريدة "صوت المسجد" (1948 - 1949) أصدرتها هيئة اتِّحاد الأئمَّة الجزائريِّين (الرسميِّين) وكان يرأس تحريرها محمد العاصمي. كانت لها مع البصائر الثانية خطوب وطوائل. فنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 533.
(2) عيون البصائر، ص: 430. المقال بعنوان "مؤتمر الزوايا بعد مؤتمر الأئمَّة"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 31 (2/ 04/1948م). (1/274)
صفحة 275
هذه الأسئلة المتتالية الآخذ بعضها برقات بعض، خرجت عن مقتضى الظاهر؟ إذ لم يكن القصد منها طلب معرفة شيءٍ لم يكن معروفًا من قبل، إنَّما الهدف كان تقرير حقائق وتأكيد أمور على جهة التوبيخ والتقرير والتحقير؛ سخرية وتهكما بهؤلاء الذين يسيرون في ركاب المستعمر، وينفِّذون خططه في ضرب الإسلام والمسلمين. هذه الاستفهامات جاءت لتلفت الأنظار إلى حقيقة ما يفكِّر فيه أولئك الناس، ولتسجِّل أعمالهم ومن ثمَّ تكشف عن شخصيتهم. ما يؤكِّد على صفة التقرير الذي لا يحتاج إلى جواب بالنَّفي أو الإثبات قول الكاتب بعد ذلك: " وما نقلنا إلاَّ القليل، وما لنا فيه إلاَّ الرواية العادلة" (1).
كما يستعمل الكاتب نفسه الأسلوب ذاته؛ للإفصاح عن حسرته من معاملة الاستعمار لمعلِّمي الدين واللغة، مقرِّرا حقيقة لا معدل عنها، وهي أنَّ الاستعمار عدوُّ الإسلام مهما تكن الظروف والأحوال، موبِّخًا متعجِّبا ممَّن لا يفهم هذه الحقائق: "وحسب الاستعمار (ديمقراطية) أن يحاكم معلِّمي العربية والإسلام ويسجنهم على التعليم كما يحاكم المجرمين، ويسجنهم على الإجرام في محكمة واحدة، وسجن واحد وظرف واحد، وقد يكون يوم جمعة في الغالب، أليس هذا احتراما للإسلام؟ ومن مصلحته كما يقول العاصمي، أليست هذه هي الديمقراطية؟ فما لكم تكذِّبون؟! " (2).
أنهى الكاتب هذه المجموعة من الأسئلة بسؤال فيه كلُّ معاني التحسُّر والتفجُّع من حال المسلمين، الباعث على الشفقة والرحمة، وفيه معنى التوبيخ الخفيِّ للناس الذين لا يتفطَّنون لدسائس المستعمر. وقد اختار الكاتب الأسلوب الذي استعمله القرآن في تقريع الكفّار الذين لا يؤمنون ولا يعقلون بما هو أمامهم من البراهين والأدلَّة على وجود الله (فما لكم تكذِّبون). عمد الكاتب إلى هذا الأسلوب ليقرع الجزائرييِّن الذين لا يعقلون، ولا يعون ما يحاك ضدَّهم (3).
__________
(1) م. ن.
(2) م. س، ص: 375، 376. المقال بعنوان "عادت لعترها لميس". نشر في البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م).
(3) ينظر للكاتب الأسلوب نفسه، المصدر السابق، ص: 105، 106، 458. (1/275)
صفحة 276
أمَّا "السعدي حكَّار" فيروعه الجهل المطبق والأمية المتفشية اللذين سادا المجتمع، ويحزُّ في نفسه أن يرى الناس راضين بذلك، بل مقتنعين – وهم على هذه الحالة - بأنَّ لهم علمًا كافيًا، يقيم حياتهم، فيتساءل تساؤل تهكم، فيه احتقار لهؤلاء الذين يغترُّون بأنفسهم ويقتنعون بما لديهم، فيقبعون في دركة التخلُّف والجهل ... "فكلُّنا - والحمد لله - نعرف القراءة والكتابة؛ بدليل أنَّنا جميعًا نحمل أوراق التعريف، وفوقها إمضاءاتنا، وإن أعوزنا الحال نمضي بالإبهام، أو نخطَّ صليبًا، أو ليست هذه كتابة؟ وهل الكتابة إلاَّ علامات ودلائل على حسن المعرفة وفهم المقصود؟ " (1) التساؤل يحمل كلَّ معاني الاحتقار لهذا الصنف من الناس، والاندهاش من ضعة تفكيرهم، كما ينقل بكلِّ صدق تحسُّر الكاتب من الحالة المتدهورة، ويقرُّ حال التخلُّف العقلي والضعف الإدراكي والمعرفي، ويردُّ على هذه الفكرة وهذه النظرة، وهي اعتبار إتقان خطِّ حروف ورسمها هو نهاية المعرفة وغايتها ...
ثم يضيف الكاتب متهكما نافيًا ورادًّا – في الوقت نفسه - على اعتقاد السذَّج والمغفَّلين أنَّ العلم والمعرفة هو فقط حفظ وترديد لما هو في المجلَّدات وما شابهها: "وهل العلوم إلاَّ بين المجلَّدات الضخمة من شروح وحواشٍ وتعليقات؟ " (2).
ومن بين أساليب علم المعاني البلاغية التي كثر استعمالها في الأدب الجزائري الساخر أسلوب الاعتراض، الذي يعتمد على جمل يأتي بها في أثناء كلام متَّصل؛ لغرض يقصد إليه البليغ، ولا يكون لهذه الجمل أيُّ محلٍّ من الإعراب. وتكون هذه الجمل موجعة مؤلمة، حين توضع في موضعها، وفي سياق محكم، فيتحوَّل الكلام من معنى الذمِّ، أو من الوصف العادي والكلام العابر إلى تهكم يصيب في المقاتل.
الأدباء الجزائريُّون اعتمدوا هذا الأسلوب للنّيل من خصومهم، والسخرية منهم. فأبو اليقظان الذي اكتوى بنار السياسة، وذاق منها الأمرَّين؛ بسبب ما ناله من الاستعمار من التنكيل والتضييق، ومصادرة جرائده، ووأد أفكاره ومحاولات
__________
(1) السعدي حكَّار، "حقائق مرّة "، البصائر الثانية، ع: 228 (08/ 05/1953م).
(2) م. ن. (1/276)
صفحة 277
إخماد مشاعره ... كتب لاعنًا السياسة، مندِّدا بها، داعيًا إلى نبذها، مستعملا جملاً اعتراضية، ساعدته على نقل الكلام على خلاف ما يوهم الناس من ترك السياسة إلى ممارستها. ينقل ذلك بواسطة التهكم بالاستعمار الذي كان السبب في التزهيد فيها.
فبعد أن ذكر أنَّه لا يتمكَّن من النطق بكلمة "سياسة " لأنَّها كلمة لاذعة، يعاقب عليها القانون بكلّ أنواع العقاب، قال: "لا أنطق بها ناسيًّا، ولا أتعمَّده ولا أظنُّه، ولا أشكُّ فيه ولا أتوهَّمه، ولا أحدِّث به نفسي، ولا يخطر ببالي ولا يقع في هاجسي ولا خيالي، وإن أرغمت وأجبرت، وألجأتني الضرورة – لا قدَّر الله، والله يالطيف على النطق به- فإني استبدله بالـ ... بو ... ليـ ... تيك (1) إذ أنَّ هذا اللفظ معناه الخاص في دائرته الضيِّقة المحدودة، وحدُّه الفاصل بين ما هو من السياسة – أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلَّة - وما ليس منها" (2).
الجمل الاعتراضية في النص أبانت عن ازدراء الكاتب المستعمِر، الذي كرَّه إلى الناس السياسة، وحملهم على لعنها. ففي قوله: " لا قدَّر الله، والله يا لطيف على النطق بها " إشعار بروح الازدراء والسخرية من خانق الحرية. إذ الكاتب يحترس حتى من النطق بها مَخَافَة التلبُّس بتهمة الإجرام، مع أنَّ ممارسة السياسة حقٌّ شرعي. كما أنَّ في هذه الجمل "استغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلَّة" اعترافًا ضمنيًّا بارتكاب الجريمة، وتعهُّداً بعدم اقتراف زلَّة ممارسة السياسة، كما أنَّ فيها أيضًا استهزاءً واحتقارًا للمستعمر، الذي لا يراعي الحقوق ولا يَرْعَي الذمم؛ فيلجئ أصحاب الحقوق إلى التخلي عنها، والاعتذار عن اقتراف زلَّة ممارستها.
في هذا الاستعمال دلالة نفسية عميقة على حالة التذَمُّر والسخط، التي عاشها الكاتب، وعلى حالة الإحباط، التي شعر بها، وهو يرى نفسه مقيَّدة من الانطلاق بحرية لممارسة حقّه المشروع، وقَلَمَه محجّرًا عليه لنقل مشاعره وتبليغ أفكاره (3).
__________
(1) ارتكب الكاتب خطأ لغويًّا، المفروض أن يقول: استبدل بها البوليتيك (السياسة).
(2) "أديب و ... "، " أعوذ بالله من السياسة "، جريدة البستان، ع: 06 (06/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان.
(3) ينظر أيضا الحفناوي هالي، "مع أديبنا الكبير"، جريدة البصائر الثانية، ع:111 (13/ 03/1950م). (1/277)
صفحة 278
ومن أساليب البديع التي تدخل ضمن المحسِّنات المعنوية أسلوب تأكيد الذم بما يشبه المدح، الذي يعمد إليه الأديب ليضمِّن كلامه معاني تناقض أو تبعد المعنى الظاهر المباشر، إذ يذمُّ في معرض المدح ويضع العلقم الخفيِّ في الطعم الحلو (1).
محمد السعيد الزاهري يتهكم من أحد مقرَّبي الطرقية وسراتها، الذين كانوا يعيشون على نفقة عاهرة، وكان تحت كفالة ساقطة "وكان يموت من شدَّة الجوع من قبل أن يلتجئ إليها، وهي الآن تقوِّته، وليس لها من مكسب غير "الكوميرس" التي تعرق في عمله بياض النهار وسواد الليل (وخير الرزق ما كان بعرق الجبين وكدٍّ) " (2).
ظاهر الكلام مدح للمرأة التي تكسب رزقها من الحلال وعرق الجبين، ومن الكدِّ الذي يأخذ منها بياض النهار وسواد الليل، ومدح للرجل الذي يقتات من مال يكتسب من عرق الجبين، وحقيقته وباطنه ذمٌّ للرجل؛ لأنه يعتمد على امرأة تكسب رزقها من الحرام. إنَّ ذلك هو العلقم الخفيُّ في الطعم الحلو.
السخرية وروعتها تكمن في هذه المفاجأة، التي لا تخطر على البال؛ فقد بدأ الكاتب الساخر بالمدح ثم ختمه بالذم. وعنصر الطروء أو المنافاة عنصر قويٌّ في تكوين المضحكات كما يقول العقَّاد. وفي أسلوب الذم في معرض المدح تتولَّد الدغدغة الفكرية المضحكة المتولِّدة عن خاطر غير معهود، ومن ثمَّ تحدث المفاجأة التي تبعث على السخرية (3).
كما أنَّ في النص "تذييلاً" وهو من أساليب الإطناب. وهو عبارة عن تعقيب جملة بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدًا لها. في النص جاءت جملة "وخير الرزق ما كان بعرق الجبين وكدِّ" جاريةً مجرى المثل، ذيَّلت النص. فهي لم تضف جديدًا سوى تأكيد المعنى الذي ورد قبلها.
__________
(1) ينظر الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص: 28.
(2) ينظر جريدة البرق، ع:15 (20/ 06/1927م).
(3) ينظر كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 87، 88. وكتاب العقَّاد. جحا الضاحك المضحك، ص: 63. (1/278)
صفحة 279
ومن ألوان البديع الذي استعمله الأدباء في السخرية (الجناس)، وهو محسِّن لفظي يقصد إليه؛ لإضفاء نوع من المتعة والروعة على الكلام، بما يحمله التعبير من إيقاع جميل، يُحدثه التكرار الصوتي، الذي يقرن إلى ما يتوفَّر في الكلام من خصوصيَّات فنية، فتتولَّد السخرية والتهكم.
يسخر محمد البشير الإبراهيمي من الاستعمار، الذي كوَّن لجنة سمَّاها "لجنة فرانس إسلام" للدِّفاع عن الإسلام والمسلمين زعمًا وادِّعاءً وتمويهًا. فبعد أن ذكر بعض مخازيها، حثَّ على تقديم يد المساعدة للمستعمر وللَّجنة - تهكُّما- مستعملاً الجناس التام: " ... إنَّ هذا - في دين اللجنة- لفتح جديد للسياسة الفرنسية، من أضنى في تحقيقه بدنه، فكأنَّه قرَّب إلى الاستعمار بدنه" (1).
"بدنه" الأولى تعني جسده، و"بدنه" الثانية تعني ناقة أو بقرة. السخرية تكمن في هذا التعبير، وهو أنَّ الإنسان الذي يشقي جسمه ونفسه في خدمة سياسة المستعمر هو بمنزلة من قدَّم ناقة أو بقرة سمينة إلى العدوِّ، كما يتقرَّب المسلم إلى ربِّه بمثل ذلك طاعة وشكرًا له. فمن يقدِّس العدوَّ ويشكره ألا يستحقُّ السخرية والازدراء. ما أفاد ذلك وأوجد هذا التهكم هو الجناس التام المماثل، الذي ردَّ الأفهام إلى ما جاء في الأثر من التشجيع على أنواع القربات إلى الله.
ب - أسلوب التعريض:
التعريض أسلوب يعتمد على التعبير غير المباشر، واللعب بالمعاني، من غير أن يكون بين المعاني تلاؤم مشروط "وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلازم" (2). وفي التعريض ينال الأديب الساخر من المسخور منه، ويعبث بخصمه بطريقة خفية ذكية ومؤلمة في الوقت
__________
(1) عيون البصائر، ص: 389. المقال بعنوان "لجنة فرانس إسلام ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:114 (10/ 04/1950م).
(2) السخرية في أدب المازني، ص: 44. (1/279)
صفحة 280
نفسه؛ وبذلك يوفِّر التعريضُ الجماليةَ في التعبير، والطرافةَ في القول. ومن ثمَّ يبعث المتعة في نفس القائل، ونفس المستمع والمطَّلع على القول المعرِّض.
لقد عرف الأدب الجزائري نصوصًا كثيرة في هذا اللون وقد لحظنا كثرة النماذج، وتعدُّد الأدباء الذين استعملوا أسلوب التعريض وسيلة للتعبير عن اهتماماتهم. نشير مثلاً إلى مقال "إنِّي أرى في المنام" لمحمد السعيد الزاهري (1) الذي ملئ تعريضًا بشكل لافت للنَّظر، فيه تعريض بأعمال رجال الطرق، الذين كانوا يستغلُّون سذاجة عقول بعض الناس، فيعمدون إلى سلب أموالهم، بعد أن يقنعوهم بأنَّهم رأوا رؤى بأن يفعلوا كذا وكذا، وأنَّ رؤاهم تأتي كفلق الصبح تحقُّقًا في الواقع. قدَّم الكاتب هذه الفكرة بأسلوب ممزوج بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأمثال عربية، وقد أعان كلُّ ذلك على تكوين أسلوب التعريض.
كما كتب مفدي زكرياء مقالاً تحت عنوان "قلم أثيم في أسطورية بوليس الصحافيِّين" (2) وكتب محمد البشير الإبراهيمي مقالاً تحت عنوان "إبليس ينهى عن المنكر" (3). المقال كلُّه تعريض ينضح أسى وحسرة من المفارقات التي لحظها في الحياة. فيه الاستهزاء والتحقير والتبكيت والتنكيت. وفيه تعريض بواسطة الإقرار والاعتراف بالمخازي، وبواسطة عقد مقارنات.
من ألوان التعريض التي استوقفنا في الأدب الجزائري الساخر التعريض الممزوج بالحسرة والأسى، الذي يعبِّر عن الحالة النفسية المتأزِّمة، التي عاشها بعض الناس، وبخاصة أصحاب الضمائر الحية والمشاعر الوطنية الصادقة، التي كان يحزُّ في نفوسها أن ترى وطنها يعبث بها الأعداء في الوقت الذي يتقاعس فيه بعض أبنائه عن أداء واجبهم، ويتخلَّون عن مناصرة العاملين ومؤازرة المجاهدين في نضالهم.
يتحسَّر أبو اليقظان من هذه التصرُّفات، ويعرِّض بأولئك الذين يقعدون عن أداء واجبهم، ثم يدَّعون بأنَّهم قد أدّوه؛ حين يكتفون بتقديم كلمة شكر وكلمة طيِّبة
__________
(1) ينظر صالح الخرفي، محمد السعيد الزاهري، ص: 153.
(2) ينظر جريدة "وادي ميزاب "،ع:49 (16/ 09/1927م).
(3) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع: 143 (19/ 02/1951م). وعيون البصائر، ص: 455 - 458. (1/280)
صفحة 281
للعاملين - ممَّا يعدُّ من معسول القول - دون التحرُّك للإعانة في تحمُّل المسؤولية ولو بأداء الاشتراك في جريدة، يتحمَّل المصلح أعباءها المادية والمعنوية. يقول الكاتب "إنِّي سمعتُ بعض الناس يجهرون بأصواتهم، ويحمدون الله على تأدية واجبهم نحو جريدتنا: فسألتُ أحداً عن ذلك، فقال ألم أقل لكم في كلِّ مناسبة (أحسنتم) وهنا بقيت حائرًا، وقلت لعلَّ هذه الكلمة تُصرف بمقدار عند أحد التجار الكبار أو البنوك، وهنا ذهبت إلى (البانكة) ودفعت ورقة في (القيشي) مكتوبًا عليها (أحسنتم) فغضب (الكيسي) غضبًا شديدًا، فدهشتُ قائلاً: أعوذ بالله من الأزمة، حتى صارت كلمة (أحسنتم) تُصرف عندهم بثمن الاشتراك، والأمر لله" (1).
التعريض يبدو في هذا الاستفهام، الذي كان باعثه الاندهاش والتعجُّب من هذا التصرف (ألم أقل لكم ... ) وفي التبالُه والتجاهُل (لعلَّ هذه الكلمة ... ) وفي الحديث النفسي، الذي دار داخل نفس الكاتب، وفي هذا الأسف الذي يكشف عن قمَّة الحسرة والأسى اللذين ملآ قلب الكاتب (أعوذ بالله من الأزمة ... والأمر لله)، ثمَّ في اللجوء إلى استعمال كلمات غير عربية (البانكة BANQUE: المصرف، القيشي GUICHET: كوَّة أو نافذة التذاكر، الكيسي CAISSIER: أمين الصندوق) وهو خروج عن مألوف الكاتب، بل عن المألوف بعامة وذلك للتَّعبير والإفصاح عن الحالة النفسية غير الطبيعية التي كان عليها الكاتب.
يعرِّض الكاتب نفسه - متحسِّرًا متألِّما - بالظلمة والمستبدِّين، الذين أذلُّوا الشعب الجزائري وقهروه. فيقترح على الجمعية السياحية الأوروبية، التي طلبت من بلدية الجزائر أن تهيِّئَ لأعضائها حوضًا من الماء الحلو بعد خروجهم من البحر؛ لينزعوا من جلودهم ملوحة البحر، حتى لا تحترق بأشعَّة الشمس التي لا يطيقونها. يقدِّم للجمعية اقتراحه بعد أن رفضت البلدية طلبها: "ونحن نقول لهم الأمر بسيط جدًّا، لا يكلِّفهم أدنى تعب، نحن الذين فاضت عيوننا دمًا من شدَّة الظلم والاستبداد ... لنا حمير -كما لهم- ذوات رجلين، إن شاؤوا استبدلناهم بجلودنا
__________
(1) "أحسنتم"، (د. إ)، جريدة البستان، ع:1 (27/ 04/1933م). النص لأبي اليقظان. (1/281)
صفحة 282
الغليظة، التي لا يؤثِّر فيها ماء البحر المالح، ولا شمس الجوِّ الحارَّة ... فبهذا يرتفع النزاع بين الحكومة والجمعية بسلام، ونراها أنجع وسيلة لفضِّ هذه المشكلة المعقَّدة" (1).
الحسرة بادية في هذا النصِّ؛ فالكاتب يعرِّض - متألِّما - بهذه الأفكار السخيفة التي تفكِّر في الكماليَّات وفي وسائل الترف، في حين يرزح كثير من الناس تحت نير الظلم والقهر، ولا يجدون أدنى شروط العيش، وأبسط وسائل الحياة. كما يكون التعريض في هذه الصورة الحزينة التي قدَّمها عن الاستعباد وكثرة الاعتداءات، وفظاعة التعذيب والتنكيل والاحتقار، المتمثِّلة في صورة الحمير البشرية، التي تمتلك بفضل الممارسات التعسُّفية والاعتداءات الجسدية المتكرِّرة ضدَّهم، تملك جلوداً غليظة لا تؤثِّر فيها الشمس الحارَّة، ولا ماء البحر المالح. مصداقًا لقول المتنبِّي "ما لجرح بميِّت إيلام" إذ كان بإمكان أعضاء الجمعية السياحية الأوروبية أن يفضُّوا مشكلتهم المعقَّدة، ويزيلوا الخلاف بينهم والبلدية بحلٍّ بسيط جداًّ، لو استعاروا جلودنا ليقوا أنفسهم شرَّ العواقب. هذا هو التعريض عينُه.
ويكون العبث بأمور الدين مجالاً خصبًا للتَّعريض، خاصة حين يوجد من يسير في ركاب المستعمر، وينفِّذ خططه في ضرب الإسلام. أوحين يوجد من يسيِّر ويدير شؤون الدين حسب هواه ومصالحه. لقد كان العبث بهلالي رمضان والعيد كبيرًا جداًّ، إذْ كانت الحكومة الفرنسية تتصرَّف فيهما كما تشاء، وذلك بإصدار أوامرها إلى رجال الدين الرسميِّين، ليعلنوا عنهما حسبما تقتضيه مصلحتها. وقد ندَّد المصلحون والكتَّاب بذلك كثيراً.
فهذا الأمين العمودي يعرِّض برئيس جمعية علماء السنة (السينية) -كما كان يسمِّيهم المصلحون - الذي غاب عن ضيف قدم إلى زاويته، ويقول: "الذي منعه من حضور هذا المحفل استعداده لوضع هلال رمضان في مكان يليق به" (2).
__________
(1) "فلاح البستان"، جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م). المقال لأبي اليقظان. ارتكب الكاتب خطأ لغويًّا، إذ المفروض أن يقول: استبدلنا بهم جلودنا.
(2) سمهري، جريدة المرصاد، ع:36 (09/ 12/1932م). (1/282)
صفحة 283
التعريض يبدو في هذا القدح والتنديد بصنيع رئيس جمعية علماء السنة، الذي يبقى أسير أو رهن إشارات أسياده المستعمرين، فيعبث بالدين. وجمالية هذا التعريض تكمن في هذا الوصف الساخر لهذه الحركة الذي يقوم بها هذا الرجل، وهي الاستعداد لوضع هلال رمضان في مكان يليق به. وما يليق هو ما يساير أهواء العدوِّ، وليس ما تمليه الفطرة الدينية، وهي عدم التدخل في سنن الكون. هذا التصرُّف هو تحدٍّ لإرادة الله، وتعدٍّ على حرمة الدين، وتطاول على مشاعر المسلمين، وفي حقيقته تردٍّ في السلوك والأخلاق (1).
إنَّ الحسرة التي تملأ قلوب المقهورين؛ بسبب الممارسات غير الإنسانية، وغير المحدودة في حقِّهم، تدفع الأدباء إلى سلوك مسلك التعريض للتَّنفيس عن النفس المجروحة، والإبانة عن الكمد الذي يملأ القلوب. فهذا الإبراهيمي يعرِّض بعصور التقدُّم والديمقراطية وانتشار الأفكار التي تدعو إلى التحرر، وإلى تحكيم العقل في أيِّ عمل وتحرُّك وممارسة ... في هذا الوقت تبقى فلسطين في سوق النخاسة تباع وتشترى وتساوم: " ... ولكنَّها في هذا العصر عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، وعصر الديمقراطية، ديمقراطية العالم الجديد، وعصر الحرية، حرية الثورة الفرنسية، وعصر الشيوعية، شيوعية ماركس ولينين، تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة؛ بيعًا ومساومة" (2).
هنالك مزاعم ينطق بها هؤلاء التقدُّميُّون، وهي أنَّهم يعيشون امتيازات عصر القرن العشرين، وعالمًا جديداً في شكله ومضمونه، هو عهد الحرية التي حملت
__________
(1) التعريض بهذه التصرفات كثير جداًّ في الأدب الجزائري الساخر. ينظر على سبيل المثال جريدة الشعلة: أ-ع:2 (22/ 12/1949م) في ركن "في الميزان"، فيه تعريض بـ "م. نيجلان" الذي عيِّن يوم المولد قبل دخول شهر ربيع الأوَّل. ب-ع:32 (03/ 08/1950م) ومقال " إمام جامع الصخرة ". وجريدة البصائر الثانية أ- "لا بمنجم " لباعزيز عمر، ع:86 (11/ 07/1949م). ب- " الشك في الإيجاب نصف السلب " لمحمد البشير الإبراهيمي، ع:111 (13/ 11/1950م). ج- للكاتب نفسه " أكبر زلَّة تقترفها لجنة الأهلَّة "، ع:160 (18/ 06/1951م).
(2) عيون البصائر، ص: 495. المقال بعنوان " العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 22 (09/ 02/1948م). (1/283)
صفحة 284
لواءها الثورة الفرنسية التي تبنت شعار (الحرية الأخوَّة المساواة) وعهد الشيوعية التي لا تؤمن بالطبقية والاسترقاق ... غير أنَّ الشعارات كلَّها تبقى دعاوي وتصريحات لا سبيل لها إلى التطبيق، وليس لها من صفة الالتزام إلاَّ حين تكون المصلحة، وحين تستجيب لهوى أصحابها، وتخضع لإرادتهم. من هنا كان تعريض الكاتب بهؤلاء الأقوياء، الذين يزنون العرب واليهود بميزانهم الخاص.
بالطريقة نفسها، وبالروح ذاتها، يعرِّض الكاتب عينُه بسياسة فرنسا التي كانت تتعامل مع مسألة "فصل الدين عن الحكومة" بما يمليه عليها هواها. يقدِّم عنها - هذه المرَّة - أوصافًا في غاية التهكم والسخرية؛ معرَّضًا بسياستها المبنية على الغشِّ والخداع والمكر والمراوغة.
رأى الكاتب أنَّ نقل مسألة الفصل من فرنسا إلى الجزائر لم يتعدَّ نقلها من ميدان إلى ميدان، ومن يد إلى يد، ومن برلمان إلى برلمان، لماذا هذا التصرُّف؟ يعلّل الكاتب ذلك تعليلاً ذكيًّا معرِّضًا، يكشف من خلاله عن حسرته وأساه: "ليدفع (أي الدستور الجزائري) الغضاضة عن فرنسا (اللاَّئكية) ويلصقها بفرنسا (المسلمة) التي تتمسَّك من الإسلام بمعابده ورجاله، وتعرف كيف تسيِّره، وتسيِّرهم، فكأنَّه يقول لحكومة الجزائر لِنتِ فاشتدِّي، ورضيت قليلاً فاحتدِّي، وتركت لك ما إن عملت به لم تضلِّي من بعدي، ولم أضع لك قانونًا، بل شبكة كلها خروق، فاخرجي من أيِّها شئت ... " (1).
يظهر التعريض في هذه الصفات التي ألصقها الكاتب بالحكومة الفرنسية المتقلِّبة بين اللاَّئكية حين تكون في فرنسا وتشرِّع للفرنسيِّين، وبين الإسلام حين تكون في الجزائر وتشرِّع للجزائريِّين، وتتصرَّف مع الدين فيها. كما يبدو في هذا التضمين الذكيِّ للحديث النبويِّ الشريف الذي يبيِّن للمسلمين طريق الرشاد والاستقامة والهداية، وهو العمل بهديه. الأمر نفسه يجب أن تسلكه الحكومة، وهو السير على
__________
(1) عيون البصائر، ص: 92. المقال بعنوان " فصل الدين عن الحكومة "، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 88 (25/ 07/1949م). (1/284)
صفحة 285
هدي الدستور الجزائري، الذي يبيِّن لها ما إن اتَّبعته لن تضلَّ بعده أبداً، وهو الزيادة في الشدَّة والتضييق والتنكيل. وسبيل ذلك شبكة من قوانين، كلها خروق تعين على التصرف، وبكلِّ حرية في كلّ موقف؛ لأنَّه لا حرج عليها في التأويل. وهو ما يتيح لها إيجاد أيِّ مخرج أو حجَّة للَّعب بمصائر المسلمين والتسلُّط عليهم وقهرهم.
إلى جانب هذا التعريض الذي يكون ممزوجًا بالحسرة والأسى، نلتقي مع نموذج من التعريض الملفوف بلفافة الاستهزاء وتحقير الذين يمارسون سلوكاً يتنافى مع الفطرة البشرية ومع أدنى مبادئ العقل. فأبو اليقظان يستنطق عصفوراً، ويحاول أن ينتزع منه إجابة مقنعة، وتقييمًا لتصرُّفات بعض الناس المنافية للطَّبيعة البشرية. سأل الكاتب عصفوره: "لماذا تكره النَّياشين إذا رأيتها معلَّقة على صدر ذوي اللِّحاء والبرانيس بأنواعها ... ؟
- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصيَّاد على كتفه بندقية يقتنصني.
- لماذا؟
- عصفوري: لأنَّ هذه النَّياشين الحمر تذكِّرني بلونها الأحمر بجريان الدم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصيَّاد، ولهذا أتشاءم منها كلَّما رأيتها أو سمعت منها (كذا). فقلت صدقت والله أيُّها العصفور الحرُّ. فلتعش حراًّ طليقاً رغماً عن الإنسانية المعذَّبة" (1).
التعريض الهازئ يبدو في النقط الآتية:
1) احتقار الإنسان الذي لا يمكِّنه عقله من إدراك أبسط الحقائق، بينما يدركها الحيوان فاقد العقل والإدراك. جاءت هذه الإشارة على لسان حيوان ضعيف، وهو العصفور.
2) التعريض بالذين يقبلون هدايا وأوسمة تقدير من الأعداء، الذين يكيدون
__________
(1) "فلاَّح البستان"، جريدة البستان، ع:8 (20/ 06/1933م) النص لأبي اليقظان. (1/285)
صفحة 286
للإسلام وأهله، هذا التقدير لا يأتي ولا يحصل - عادة - إلاَّ مكافأة على تقديم أعمال وخدمات تحقِّق أهداف الاستعمار.
هذا النص المعرِّض كتب سنة 1933م. هذه السنة ومثيلاتها من العقد الرابع من القرن العشرين هي السنوات التي كثر فيها الهجوم على الشخصية الإسلامية. بل إنَّ السنة نفسها كانت سنة شؤم على الحركة الإصلاحية والعلماء، الذين فوجئوا بصدور قانون غلق المساجد في وجه الوعاظ والمرشدين. في هذا الظرف العصيب والمأسوي يقبل بعض الجزائريِّين نياشين وأوسمة من هؤلاء الأعداء. وفي اللون الأحمر الذي اختاره الكاتب للنياشين دلالة وإشارة إلى الاعتداءات المتكرِّرة على الجزائر والإسلام. بينما أصحابها غافلون، غير مكترثين بما يجري وما يمارَس.
3) التعريض وتحقير الذين يرتدُون لباس الأصالة والهمَّة والمروءة، والذين يظهرون بسمت أهل الشهامة والإباء والعزَّة: لِحىً عنوان الرجولة، وبرانس عنوان الأصالة، مع ذلك يدنِّسون هذه الرموز، ويسيئون إليها بهذه التصرُّفات. من هنا جاء تعريض الكاتب تعريض احتقار وازدراء واستهزاء.
من النصوص المعرِّضة المستهزئة ما كتبه "باعزيز عم" (1) (عن المتلاعبين بمشاعر المسلمين وأمور الدين، المتصرِّفين في أعيادهم ومواسمهم بما شاء لهم هواهم. كتب وهو يبدي احتقاره لهؤلاء:" ... كلاَّ لا أقصد هنا إلى ما قصد أولئك السادة الفقهاء وطلبتهم المنبثُّون في أنحاء القطر، ولا أريد أصلاً أن أمسَّ مُنجِّمهم بسوء، فالهلال هذه المرَّة قد بدا بحمد الله في أوانه، ورآه المبصرون في كلِّ مكان، ولكنَّ الذي أذهب إليه أنا شيء آخر، لا صلة له بالصوم ولا بالإفطار، ولا بتناول، لا هلال شعبان ولا هلال رمضان؛ لأنَّ هذا كلُّه ما كفانا مؤونة النظر فيه أولئك الفقهاء المتضلِّعون في علم
__________
(1) باعزيز عمر (1906 - 1977م) أو الفتى الزواوي كما كان يمضي بعض مقالاته في "الشهاب"، أديب وكاتب جزائري، عضو بارز في الحركة الإصلاحية. من أشهر كتَّاب مجلَّة الشهاب وجريدة البصائر، إنتاجه غزير تمثَّل في عشرات المقالات والبحوث والخطب والرسائل والرحلات ... معلومات أفادني بها الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة يوم: 10/ 10/1993م. (1/286)
صفحة 287
المعقول والمنقول، الضاربون كذلك في فنِّ التنجيم بسهمٍ وافر، فنالوا الألقاب العريضة والرتب المتنوِّعة والشارات البرَّاقة، وقيل لهم قولوا في الهلال وغيره من مسائل الدين ما شئتم، فكلمتكم هي العليا، فأنتم العلماء، بكم يعلو نجم الدين، ويقوى وازعه في النفوس، وبكم تُقام الفرائض والسنن، ويرفع للمسجد صوت ... " (1).
التعريض في النص يبرز في هذا المسِّ الرقيق، وهذا اللمز الخفيِّ، اللذين أبداهما الكاتب، بواسطة ألفاظ موحية معبِّرة على الاستهزاء بأولئك الأوصياء على الدين، والماسكين لشؤون المسلمين دون كفاية، بل العاملين على العبث به وبهم (ولا أريد أصلاً أن أمسَّ مُنجِّمهم بسوء، الضاربون في فنِّ التنجيم بسهم وافر). فإذا كانت شؤون الدين تخضع للتنجيم، فماذا يبقى للإسلام من حرمة في هذه الأرض!.
تكرير الكاتب للفظة "تنجيم" في نصِّه ساعد على إعطاء التعريض قوَّة الاستهزاء أو شدَّته بأولئك المنحرفين عن سواء السبيل. من هذا المسِّ الرقيق المعرِّض قوله: "ما كفانا مؤونة النَّظر فيه أولئك الفقهاء المتضلّعون في علم المعقول والمنقول".وهذه الأوصاف التي خلعها الكاتب على هؤلاء المنجِّمين، مع الإشارة إليهم بإشارة البعيد (أولئك)، كلُّ ذلك أبرز هذا التعريض الساخر المستهزئ من أولئك.
بفضل هذا التفوُّق الذي سجّله الكاتب لأولئك الصنف من العلماء المنجِّمين نالوا الرتب المتنوِّعة والألقاب العريضة، وبفضل تلك الشارات البرَّاقة استحقُّوا - بجدارة - أن يكونوا رهن إشارة أسيادهم، الذين يحتقرون الدين الإسلامي؛ فيسيرون على هديهم في تسيير شؤون الدين، الذين قالوا لهم: اعلموا أنَّ كلمتكم هي العليا، وكلمةَ غيركم هي السفلى. مثلما كانت كلمة الذين كفروا هي السفلى، وكلمة الله هي العليا (2).
وفي استعارة الكاتب لهذه الصورة القرآنية – أيضًا - يكمن التعريض المستهزئ المحتقر لهؤلاء، وبكم يتمُّ كلُّ شئ، وبكم يوطِّد الدينُ أركانَه، ويرسخ في
__________
(1) باعزيز بن عمر." لا بمنجِّم "، البصائر الثانية ع: 86 (11/ 07/1949م).
(2) قال تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة، الآية:40. (1/287)
صفحة 288
النفوس ... لأنَّكم الأعلون والعلماء الحقيقيُّون. هكذا تَمَكَّنَ الكاتب من خلال هذه اللغة الموحية أن يقدِّم لنا لوحة ساخرة، قوامها التعريض والاستهزاء والتحقير.
قد لا يكون للتَّعريض هدف سوى التنفيس عن النفس، ويكون ذلك حين يضجر الإنسان ويتأذَّى كثيراً من ألوان الظلم المسلطة عليه، ومن كثرة المفارقات التي يلحظها في حياته، دون أن يبصر أمامه بريق أمل للخروج من هذا الضيق والعسر والقلق، أو يرى أنَّ أجل ذلك بعيد. كلُّ ذلك يسبِّب له آلامًا نفسية مبرِّحة، لا يجد سبيلاً للتَّنفيس عنها سوى التعريض. فمحمود بوزوزو يُبدي قلقه وضجره من تصرُّفات الفرنسييِّن المتباينة مع أقوالهم وتصريحاتهم. فهم يعلنون أنَّ فرنسا (وطن حقوق الإنسان)، وتصرِّح الدولة للرأي العام، إنَّ حقوق الإنسان مُحترمة في الجزائر، بينما الواقع يخالف ذلك.
عبَّر الكاتب عن هذه المفارقات بشيء من التهكُّم المعرِّض، الذي عمد فيه إلى سرد حركات الفرنسييِّن لتجسيد هذه النظرة، وهذا الشعار في الواقع المعيش، مستعملاً جملاً وتراكيب، وصفت هذه الجدِّية والسرعة في تطبيق هذا الشعار في الواقع، وإقامة الدليل على صحّته، وضّح ذلك بطريقة معرِّضة.
قال بعد أن خطب رئيس الجمهورية الفرنسية معلِنًا أنَّ فرنسا وطن حقوق الإنسان "إذا بنا نرى الشرطة الفرنسية في الجزائر تحرص بنشاط متزايد على إقامة الدليل على صدق الخطيب، وتبيِّن للعالم بالمحسوس الملموس أنَّ حقوق الإنسان في أمنٍ وسلام، تحت حماية السلطة الفرنسية، وأنَّ الإنسان يمرح في نعيم مقيم في ظلِّ الاستعمار الفرنسي، فالجهاز الشرطي الفرنسي في الجزائر لا يألو جهدًا في هذا السبيل. فهو في حركة مستمرَّة، ساهرٌ على حفظ هذه الحقوق سهرَ الأمِّ الحنون على ولدها العزيز. ومن أجل ذلك يقوم بعمليَّات واسعة النطاق في القطر الجزائري لقمع الشعب الذي بلغ تعلُّقه بحقوق الإنسان درجة خطيرة جدًّا على هذه الحقوق" (1).
__________
(1) محمود بوزوزو،" قمع فظيع وغضبة مقدَّسة "، جريدة المنار، ع:11 (14/ 11/1952م). (1/288)
صفحة 289
التعريض اعتمد على سرد تحرُّكات الحريصين على تفسير حقيقة شعار (فرنسا وطن حقوق الإنسان) المنافية لما يحمله الشعار. وجنح إلى تعديد الأوصاف وإيراد النعوت، التي تحمل دلالات نفسية معيَّنة، تترجم عن حالة الكاتب المنقبضة المتذمِّرة. وقد لجأ "محمود بوزوزو" إلى تعليل ذكيٍّ لأعمال الفرنسييِّن، التي تكشف عن تعلُّقهم بتطبيق الشعار بطريقتهم الخاصة، واستعمل لغة واضحة سلسة موحية بجرس ألفاظها.
مع كلِّ ذلك يبقى هذا التعريض في دائرة التنفيس والتخفيف عن النفس، لا يتعدَّاه إلى الضغط على المُتحدَّث عنهم، وإلى التأثير في مجريات الأحداث (1).
هذه نماذج من أسلوب التعريض، الذي حفل به الأدب الجزائري الساخر، وقد تمكَّن من الكشف عن الوضع السائد في الجزائر في الفترة المحدَّدة للدِّراسة. كما استطاع الإبانة عن القضايا التي كانت طافية على الساحة الجزائرية. من هذه النماذج ما أعان الرأي العام على معرقة حقيقة ما كان سائداً، ومنها ما بقي في دائرة التنفيس عن النفس والتعبير عن الخلجات فحسب.
ج - أسلوب التصوير الهزلي (الكاريكاتوري):
من الأساليب التي يلجأ إليها الفنَّان الساخر - أحيانًا - التصوير الهزلي (الكاريكاتوري) الذي يعمد من خلاله إلى المبالغة في عرض أشكال المسخور منه وإشاراته وحركاته الظاهرة، وتصرُّفاته اللاَّفتة للنظر، وفي تشخيص ملامحه الخَلْقِية والخُلُقِية فَيقف عند جوانب الضعف في جسد شخص أو في وجهه، ويكبِّرها، كأنَّما يريد أن يُنمِّيَ الضعف أو العيب الذي يكمن فيه إلى أقصاه" (2).
إنَّ الطبيعة البشرية بعيدة عن الانسجام التام والتوازن الخالص المطلق في حركاتها وهيئاتها (3) "ففيها أبداً نذير باعوجاج وإيذان بجعدة، أي فيها تشوُّه ما،
__________
(1) ينظر الفكرة نفسها، والمعالجة ذاتها، الكاتب عينه، والجريدة نفسها، ع:46 (24/ 07/1953م).
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 36.
(3) ينظر الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص: 22. (1/289)
صفحة 290
كان يمكن أن يعيب الطبيعة" (1). وتشوُّهات الطبيعة هي مادة التصوير الكاريكاتوري، إلى جانب الشذوذ، الذي يبدو في الهيئة أو الحركة، كالتصلُّب والآلية اللذين هما خصيما الحياة والطبيعة.
والساخر بما له من ذكاء وفطنة وخيال، وحسٍّ مُرهَف، واستعداد للتعبير الطريف ... يتفطَّن إلى هذا الشذوذ، ويُدرك الحركات غير العادية، التي يعجز غيرها عن إدراكها، فيضخِّمها، ويهيِّئُها ليراها الناس مشوَّهة؛ حسبما يهدف أو يرمي إليه، مع تركيزه على النقط المثيرة فيها. والمصوِّر الكاريكاتوري كما يقول عبد العزيز البشري "يعمد إلى الموضع الناتِىءِ في خلال المرء فيزيد في وصفه، ويبالغ في تصويره بما يتهيَّأ من فنون النكات" (2) وبذلك فأنَّه قادر على أن "يصوِّر كلَّ ما يحيط بالحياة من ألوان الفكاهة والسخرية" (3).
إذن إنَّ التصوير الكاريكاتوري هو المبالغة الباعثة على الضحك الساخر، الهادفة إلى غاية ما، قد تكون نبيلة ترمي إلى الإصلاح والتقويم والبناء، وولوج دخائل النفوس البشرية وتقريبها من المتلقِّي بالكشف عنها؛ لأنَّ كثيراً من الشخصيات تختفي وراء أشكال معيَّنة، ولا تبدو على حقيقتها، فيأتي الكاريكاتيري ليبين عنها. وقد تكون المبالغة مغرضة تسعى إلى التحقير والاستنقاص من المسخور منه. وقد تكون لمجرَّد الإضحاك والتندُّر. إلاَّ أنَّ هذه المبالغة - مهما يكن هدفها - ليست غاية، إنَّما هي وسيلة لإبراز الشذوذ والتصلُّب والانحراف، كما نصَّ على ذلك الدارسون (4).
نحاول فيما يأتي تقديم نماذج، نكشف من خلالها أسلوب التصوير الكاريكاتوري في الأدب الجزائري الحديث وطبيعته، والأهداف التي يرمي إليها.
__________
(1) مجلة المورد مج4، ع: 2، ص: 48.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 292.
(3) شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 207.
(4) ينظر الفكاهة في الأدب ... ص: 203. ومجلة المورد مج4،ع:2. (1/290)
صفحة 291
حزَّ في نفوس الأدباء أن يبقى بعض الناس في دائرة التخلُّف، تفتك بهم سذاجتهم التي طبعت حياتهم العامة في كلِّ جوانبها ومراحلها، وقد استغلَّها بعض المحتالين، فغرُّوا بهم؛ بما لقَّنوهم من أفكار، ورسَّخوا فيهم من معتقدات، هي بعيدة عن الدين، نشؤوا عليها، فلم يكن في وسع المصلحين نزعها من قلوبهم وعقولهم، رغم المحاولات الكثيرة، أو على الأقلِّ كان نجاحهم في ذلك ضئيلاً.
لهذا لجأ الأدباء إلى السخرية والتصوير الهزلي (الكاريكاتوري) يجسِّدون من خلاله هذه التصرُّفات، وهذا السلوك بشيء من التضخيم والدقة الهازئة الهازلة المضحكة في رسم الحركات، عساهم يفلحون في تنبيه أولئك المحتالين إلى سوء ما يقومون به نحو الدين. وينجحون في إيقاف المغرَّر بهم على حقيقة ما يراد بهم، وإقناعهم بضرورة الإفاقة من هذه الغفلة وتغيير سلوكهم.
فمحمد السعيد الزاهري يسخر من الطرقيِّين ومن أتباع الحملاوي، الذين بلغت بهم السذاجة والضلال - في آن واحد - إلى أن يعتقدوا البركة والقدوة في (كلبين شيخين)، قاما بزيارات لبعض القرى والمدن لجمع التبرعات والصدقات. يصوِّر الكاتب تصرُّفات هؤلاء الطرقيِّين تصويراً هزليًّا كاريكاتوريًّا (1).
ظلَّت الطرقية قذى في عيون الأدباء ذوي الاتّجاه الإصلاحي، أرَّقهم ونكَّد عليهم حياتَهم. وقد تصدَّوا لها، وحاربوها بكلِّ الوسائل والأساليب الممكنة. فهذا محمد البشير الإبراهيمي يقدِّم تصويراً هزليًّا (كاريكاتوريًّا) عن أتباع جمعية السنة التي تأسَّست لتناوئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين والمصلحين.
صوَّر الكاتب أحد اجتماعات الجمعية، وما دار فيه من حركات، وما أفرزه من تصرُّفات، كشفت عن أشياء، أراد الكاتب إيصالها إلى المتلقِّي؛ نكاية بالخصوم، وسخرية بهم وبأعمالهم: "دخل الجميع - لأوَّل مرَّة في تاريخ حياتهم- جمعية، لا يدرون بمن تدار ولا كيف تدار، وسمعوا لأوَّل مرَّة كلمات: النظام والاشتراك
__________
(1) ينظر "الشيوخ الكلاب" (د. إ)، جريدة البرق، ع: 22 (08/ 08/1927م). المقال لمحمد السعيد الزاهري. (1/291)
صفحة 292
والمواد واللجان، وسمعوا خُطباً مأجورة، لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية مالا عهد لهم به، ولا ألفته نفوسهم وهو المال. الاشتراك، التبرُّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم إنَّ هذا لشيء لم نخلق له إنَّ هذا لشيء يراد ... " (1).
يبدأ التصوير بهذه المبالغة الساخرة بهؤلاء الأتباع، الذين يحضرون اجتماعًا لأوَّل مرَّة في حياتهم. فرغم انتمائهم لجمعية لها رئيسها وبرنامجها وأهدافها، فإنَّهم لا يعرفون عن ذلك شيئًا. فهذا عيب أراد الكاتب إثارته، للنَّيل من هؤلاء المناوئين للإصلاح. ثمَّ يأتي التدرُّج في وصفٍ مركَّز للحركات والإشارات الظاهرة والباطنة، التي كشف عنها سلوك خاصٌّ، حرص الكاتب على إبرازه عن طريق المبالغة. هذا السلوك هو إظهار علامات الاستغراب والاندهاش لما يسمعون أمامهم من كلمات هي مصطلحات وألغاز لأنَّهم لم يألفوا سماعها من قبل، هي غير موجودة في قاموس حياتهم (النظام، الاشتراك، المواد، اللجان ... ).
أتصوَّر هؤلاء -حسب وصف الكاتب لهم- أتصوَّر شفاههم ممتدَّة، جباههم مقطَّبة، وجوههم مصفرَّة، عيونهم غائرة، الدم متوقِّفٌ في عروقهم ... هذا ما يُفرزه الاندهاش والاستغراب والحيرة.
تشتدُّ حالتهم، وتنقبض نفوسهم، حين يتحوَّل الأمر من القول إلى التطبيق، ويطلب منهم مالا علم لهم به، ولا خطر لهم على بال، يوم قبلوا الانضمام إلى جمعية علماء السنة: (المال، الاشتراك، التبرُّع، الإعانة ... ) فلا يملك هؤلاء من حيلة، ولا يتوفَّر لهم من وسيلة للتَّعبير عن عدم تصديقهم لما يسمعون وما يشاهدون، سوى استعارة جواب الكفَّار الذين لم يصدِّقوا أن ليس هناك آلهة، إنَّما هو إله واحد، إنَّ هذا لشيءٌ يُراد (2).
__________
(1) سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، ص: 60.
(2) قال تعالى: {اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُو أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمُو إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} سورة ص، الآيتان: 5، 6. (1/292)
صفحة 293
هكذا يعين الكاريكاتور والمبالغة في التصوير على إضاءة جوانب من نفس الكاتب، وما تعجُّ فيها من مشاعر، وما يسود المجتمع من أفكار وآراء ومواقف وتصرُّفات، تكون سببًا في الشعور بالضيق والقلق.
"الحفناوي هالي" مثلا يصوِّر لنا عيبا من العيوب الاجتماعية، التي تسيء إلى سمعتنا. هذا العيب يتمثَّل في سوء الأخلاق، وعدم التحلِّي بحسن العشرة، وحسن التعامل مع ما يوجد في البيت من أفراد وأدوات. وهو ما يصمنا بأنَّنا بعيدون عن الاستفادة من المدنية والحضارة. قدَّم الكاتب هذه الحقيقة في قالب ساخر، قوامه وصف حركات وإشارات، بطريقة مركَّزة ومثيرة للانتباه، مما أضفى عليها صفة التصوير الكاريكاتوري: "وإذا استضافك صديق وجئت لتدخل بيته، وجب عليك أن تسير وراءه كالسجين، خافض الرأس، غاضَّ الطرف، لا تلتفت يمنه ولا يسرة. وإنَّك لترى وجهه يتلوَّن خجلاً إذا رفعت امرأة صوتها، بحيث يسمعها الضيوف. وإنِّي لا أحدِّثكم بما سمعت، ولكن بالذي ألقى فإنِّي ابتليت بمخلوقة، لا تعرف السكوت، وبغيرة أشدُّ حساسية من الردار، فإذا دخل الضيوف، بدأت المعركة والصياح مع الأبناء، ومع القطط، ومع القدر إذا احترقت، ومع المدخنة التي تردُّ عليها الدخان، ومع الشمس التي بعثها الله محرقة في هذا اليوم التعس. وهنا اضطرُّ إلى التضاحك بقوَّة، وإلى رفع صوتي بحديثي مع الضيوف؛ لأمنعهم من سماع صوتها. وإنِّي لأعاني من ذلك عناءً كبيراً، وقد فتح الله عليَّ بحيلة، أراحتني من هذا العناء كلِّه، فقد غدوت كلَّما دخل الضيوف أفتح الإذاعة لتقوم مقامي وتمثِّل دوري" (1).
الصورة التي قدَّمها الكاتب تشير إلى حالة غير طبيعية، شاذَّة عن المألوف، والحلول التي تبنَّاها للتغلُّب على هذه الحالة هي غير طبيعية، والوصف الذي اختاره للحركات وتناميها غير عاد، فيه المبالغة والتضخيم. هذه الملاحظات وهذه الإشارات غير العادية، هي التي وسمت نصَّه بالكاريكاتورية وبالوصف الهزلي الطريف.
__________
(1) الحفناوي هالي، "ساعة أخرى مع الأديب الكبير"، جريدة البصائر الثانية، ع: 74 (04/ 04/1949م). (1/293)
صفحة 294
نبقى مع المواقف، فنقدِّم نموذجًا عن تصوير موقف الحكومة الفرنسية من القضايا الوطنية والدينية، ومن مطالب الشعب. كتب محمد البشير الإبراهيمي في هذا الموضوع يبرز هذا الموقف، بواسطة رسم حركات الحكومة، وهي تقوم بفحص ما ينطق به الوطنيُّون من كلام، تحرص الحكومة على تحليله كلمة كلمة، وجملة جملة؛ لتقارن بين أجزاء الكلام، وتربط السابق باللاَّحق، وتفرز بين التصريح والتلميح، وبين الدلالات المختلفة، تتدرَّج في ذلك من البسيط إلى المركَّب، وتتابع تنقُّل الحروف من الكلمة إلى الجملة إلى الموضوع؛ حتى تستقرَّ في قاموس يوضع في ملف، تحاسب به هؤلاء الناطقين بذلك الكلام.
هذا التفصيل في القول، وهذه المبالغة في التصوير، والإطالة فيه - طول مدَّة بحث موضوع فصل الحكومة عن الدين- والتركيز على نقط معيَّنة مثيرة حسَّاسة حساسية الموضوع، وهذا التأنِّي في رصد حركات الحكومة في قراءة ما يكتبه الوطنيُّون، هو الذي صبغ النص بصبغة الكاريكاتورية: " ... نحن نعلم أنَّ الحكومة تترجم كلَّ ما يُكتب وتقرؤه، فتفلي الحروف، وتحدِّد مواقعها من الكلمات، ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسِّر وتحلِّل على قدر ملكتها في العربية، وحظِّها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني وتحمل الكلام من المقاصد، وحظُّها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدلالات المعروفة من مطابقة وتضمُّن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء، تفعل كلَّ ذلك لا لتمحِّص الحقَّ ثم تفئ إليه عند ظهوره، بل لتؤلِّف قاموسا من الجمل، التي هي لباب الحقِّ، فتنسِّقها في ملفَّات، فتحاسبنا عليها، متى عرضت دورة فوق العادة، أو فوق القانون" (1).
كما عبَّر الأدباء بالتصوير الكاريكاتوري عن استيائهم من بعض التصرُّفات المنافية للعقل، المتمثِّلة في مظاهر الإسراف والتبذير، تفاخرًا ومباهاة. يصف كاتب
__________
(1) عيون البصائر، ص: 136. نشر المقال تحت عنوان "فصل الحكومة عن الدين" في جريدة البصائر الثانية، ع:137 (15/ 01/1951م). (1/294)
صفحة 295
حاله مع مائدة الطعام وأنواع الحلويَّات التي قدِّمت له بمناسبة عرس أسرة عريقة في المال والحسب. ومن عادة هذه الأُسَر أن تغتنم أمثال هذه المناسبات لتتفنِّن في إقامة الولائم والأفراح التي من شأنها أن تعود عليها بالثناء الطيِّب والذكر الجميل، وتضمن لنفسها الولاء والاحترام.
يبدو على وجه صاحبنا التهلُّل وعلامات الفرح والسرور، وعلامات التمتُّع بأمسية هنيئة مريئة. هكذا يلحظ عليه زميل له. فيجيبه حقًّا قضيت أمسية ممتعة، لكنَّها مُتعبة، فيسأله صاحبه هل أتعبتك الأجواق أم التخمة؟ فيجيبه: "لا والله أكلت أكلا بسيطاً، إلاَّ أنَّني شمَّرت عن ساق الجدِّ، حين أتى دور الحلويَّات، وأنت تعلم أنَّ لي في هذا الميدان شهرة لا أرى لأحد حقَّ الحرص عليها سواي، لو كنت ممَّن يقرأ في أسارير الوجه لكشف لك اضطرابها عندي عن المعركة الهوجاء، التي لا زال يخوض غمارها في أمعائي كلٌّ من "القطائف" و "المقروط" و"قلب اللوز" و "بقلاوة" (1)، وقد أردفتها بكمية لا بأس بها من "المحلبي"؛ ظناً منِّي أنَّ هذه المادة المائعة المسالمة ستقوم مقام الفيصل بين تلك العناصر المتنافرة، غير أنَّ هذه استصغرت شأن الحكم المزعوم وكادت أن تطرده من حيث أتى، لو لم أتدارك الموقف بعدَّة فناجين من القهوة الأجَّاجة السوداء، أحرقت الحلويَّات وما يحويها من الأمعاء، لما استطعت أن أقف اليوم على رجلي" يعلِّق صديقه على ذلك: "الحمد لله على خلاصك، لكن كيف قُدِّمت لكم كلُّ هذه الأصناف في وليمة واحدة؟ ظنِّي بلك استدعيت لعرس لا لمقصف" (2).
التصوير الكاريكاتوري يبدو في هذه السخرية المضحكة الهازئة من سلوك بعض الناس الموغل في التجاوزات. وقد اعتمد الكاتب في تصويره وتجسيده هذه الأخلاق المشينة (التفاخر والمباهاة والإسراف) على المبالغة والتضخيم؛ اللذين هما عماد التصوير الهزلي (الكاريكاتوري) إلاَّ أنَّ الكاتب انْطَلَقَ في هذا التصوير من
__________
(1) أنواع من الحلويَّات معروفة في الجزائر.
(2) "الهاشمي التيجاني"، " من حياتنا الاجتماعية "، جريدة البصائر الثانية، ع: 98 (12/ 12/1949م). (1/295)
صفحة 296
الواقع. فالحلويَّات تخوض معارك هوجاء حامية الوطيس في أمعائه، التي هي من الرقة ما لا يمكن لها أنْ تتحمَّل شدَّة المعارك وأهوالها ومخاطرها، حتى إنَّ السائل "المحلبي" لم يستطع أن يوقف هذه المعارك، فقد استصغرته هذه الحلويَّات ...
هذا التصوير الكاريكاتوري أوجدته هذه اللغة البسيطة، وهذه الألفاظ الموحية والعبارات المعبِّرة (شمَّرت عن ساق الجدِّ، هذه المادة المسالمة، شأن الحكم المزعوم، استدعيت لعرس لا لِمِقْصَف ... ). هذه التراكيب أحكم نسيجها هذا الوصف الطريف الحيِّ، غير الجامد، بل المتنامي والمتماسك في مادَّته اللغوية، وصوره المعبِّرة، المفصحة عن مشاعر الكاتب الهادفة إلى غاية واحدة، وهي محاربة هذه الأخلاق الاجتماعية الفاسدة: الإسراف والتبذير والمباهاة والتفاخر.
كما كان ضعف الثقافة المصحوب بسذاجة العقول فرصة للتهكم والتصوير الكاريكاتوري، وكان ما تفرزه هذه الحالة من أنواع السلوك مناسبة للتندُّر. من أمثلة ذلك ما حكاه كاتب عن إمام "جامع الصخرة" الكائن بقرية تقع في ضاحية مدينة "الغزوات" (1)، يملك من أسباب التخلُّف المعرفي ما أهَّلَه كي يعلِّم الناس، ويفسِّر القرآن بطريقة غريبة، لا يراعي فيها قواعد اللغة العربية، ولا أسباب النزول، ولا مدلول الآية الحقيقي، بل يكتفي في ذلك بالموافقة اللفظية، وبما يتناسب مع عقله الساذَج، وإذا وجد كلمة أو عبارة في آية ما توافق أخرى في العامية أو الفصحى بأيِّ وجه من الوجوه، فسَّر بها الآية: "ينظر هذا الإمام إلى قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَة} (2). فيجد كلمة القارعة توافق في الحروف كلمة (القرعة) التي هي اسم للنَّبات المعروف، فيحملها عليها، ويفسِّرها بها. وقد بلغنا من هذا المخلوق أنَّه فسَّر كلمة (فسوَّى) من قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} (3) بما هو متعارف عند العامة؛ لذلك أمر تلاميذه أن يغضُّوا أبصارهم حياء عند تلاوتها.
__________
(1) مدينة تقع في الغرب الجزائري.
(2) سورة القارعة، الآيتان: 1، 2.
(3) سورة الأعلى، الآية: 2. (1/296)
صفحة 297
وهكذا نراه يحمل قوله تعالى: {الَّذِينَ جَابُوا الصخْرَ بِالْوَادِي} (1) على قريته: جامع الصخرة لتوافُقِ اللفظين، ويزيده إيمانا بهذا التفسير كلمة بالوادي؛ لأنَّ قريته واقعة على طرف الوادي" (2).
من خلال هذه الشذرات وغيرها حاول الكاتب تقديم صورة كاريكاتورية عن حقيقة هذا الإنسان الساذج في تفكيره، البسيط في ثقافته، الضعيف في مداركه؛ وذلك بالمبالغة في تجسيد هذا العيب، الذي يفزره هذا الوضع، وتضخيم ذلك؛ بما يجعل هذا الإنسان أفكوهة بين الناس، ومحطَّ سخرية الجميع واحتقارهم. هذه هي حقيقة التصوير الكاريكاتوري.
كما أنَّ الكاريكاتور الذي يعتمد على الألوان والخطوط والظلال والأضواء (3) استغلَّه الأدباء للتَّنفيس عن نفوسهم المكلومة، والترويح عن قلوبهم المعذَّبة؛ وذلك بالمبالغة في وصف بعض العيوب الجسدية، كما فعل "مفدي زكرياء" في وصف أحد حرَّاس السجن، الذي هو طالع نحس على المساجين، وكانوا يسمُّونه بالبومة للؤم نفسه، وعنجهيَّته وجفاف طبعه وغلظة معاملته.
قدَّم هذا الشخص "بأسلوب جاحظي النزعة، تتداخل فيه الفصحى والعامية إمعانًا في السخرية" (4) "وماذا عسى أن أصف لك: وجه منتفخ الأوداج، مطبق كخبزة السميد، عينان عطشاوان صفراوان، ترشحان رمصًا (5) كالدماميل، خدَّان أحمران مبلبلان كالرئة، أنف أخنس منتصب كشهادة الزور، مشفران غليظان يبرطمان كعجلة السيارة، طويلان يتهدلان كمشفري كافور الإخشيدي، فمٌ أبخر يتناثر منه اللعاب شظايا كفم الصل، يتقلَّب فيه لسان كالخروبة، يتدمدم بلغة
__________
(1) سورة الغاشية، الآية: 9.
(2) إمام جامع الصخرة، (د. إ)، جريدة الشعلة، ع: 32 (03/ 08/1950م).
(3) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 36.
(4) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 67.
(5) الرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين. (1/297)
صفحة 298
خنشفارية، لا يفهمها إلاَّ (م مارنشدو) (1) ظهر محدودب كحمَّالة الحطب، بطنٌ شاخصٌ، يتخرخر تحت عنقه كبطن ذات التوأمين كملفَّات المساجين السياسيين، رجلان شثنتان (2) نافجتان كأرجل أولاد ياجوج وماجوج ... وقد لا يدهشك أنَّ هذه الطامة البشرية لا يحسن القراءة ولا الكتابة" (3).
لقد أضفى هذا الوصف النفسي الذي عبَّر عن حقيقة مشاعر الكاتب، وما هيَّأه من سبب الولوج إلى أعماق نفسه، لقد أضفى مسحة "الكاريكاتورية" على لوحته الفنية، وعماد ذلك:
1) إيراد مجموعة من الأوصاف المعبِّرة عن شخصية الكاتب ونفسيَّته: مشاعر وأفكارًا، هذه الأوصاف المتنوِّعة بين الألوان والهيئات والحركات ... وردت بشكل مبالغ فيه، لكنَّه كان جميلاً وهادفًا: (عينان عطشاوان صفراوان ترشحان، خدَّان أحمران مبلبلان كالرئة، فم أبخر، بطن شاخص، ظهر محدودب، رجلان شثنتان مبكبكتان نافجتان ... ).
2) الاعتماد على مجموعة من التشبيهات الهادفة إلى الإفصاح عن أفكار معيَّنة، وتقديم تصوُّر خاصٍّ للأوضاع، وتوجيه الأنظار إلى سياسة معيَّنة، تحدِّد العلاقة مع العدوِّ: تصوراً لحقيقته، وتحديدًا لمنهجية مقاومته. عرض الكاتب كلَّ ذلك بطريقة خفية، نبَّهت إليه هذه المبالغة في التصوير، وتضخيم عيوب هذا السجان، التي يُمثِّل الاستعمار والعدو: (مطبق كخبزة السميد، عينان ترشحان رمصًا كالدماميل، خدَّان مبلبلان كالرئة، أنف أخنس منتصب كشهادة الزور، يدان قصيرتان كأعمار الدول الجائرة، مبكبكتان كملفَّات المساجين السياسيِّين، بطن شاخص كبطن ذات التوأمتين، فم أبخر يتناثر منه اللعاب شظايا كفم الصل ... ).
__________
(1) يقول الدكتور محمد ناصر: لعلَّ الكاتب يشير إلى أحد حرَّاس السجن أو إداريِّيه، ينظر مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 79.
(2) رجلان شثنتان: غليظتا اللحم.
(3) حزب الشعب الجزائري، ص:231. (1/298)
صفحة 299
3) توظيف بعض الرموز التي تعمِّق بعض المفهومات بواسطة المبالغة في الوصف، وتضخيم العيوب (كحمَّالة الحطب) (1) فالرمز يدل على الذلَّة والشر وإثارة الفتن. وكالوصف الآتي (رجلان شثنتان نافجتان كأرجل أولاد ياجوج وماجوج) وما هناك من مبالغة في وصف شخص هذا السجَّان، الذي يمتاز بالبشاعة والدمامة، حتى كانت رجلاه أشبه بأرجل ياجوج وماجوج. وهو ما يرمز إلى الغلظة والظلم والطغيان والاستبداد والإفساد (2) بالربط بين حقيقة (ياجوج وماجوج) وما يقوم به المستعمر ممثَّلا في حارس المساجين الذي وصفه مفدي زكرياء، نقف على الجانب الكاريكاتوري في هذا الوصف.
4 - إقحام كلمات عامية في نسيج فصيح؛ للمبالغة في تضخيم العيوب، وللفت الأنظار، حرصًا على كشف حقيقة هذا السجَّان، وما يرمز إليه، وما يدلُّ عليه في نظره (يبرطان، لغة خنشفارية، مبكبكتان ... ).
هذه الألوان من التراكيب وهذه الأنسجة من التعابير التي اعتمدت على المبالغة والتضخيم، هي التي أوجدت لنا هذا الأسلوب الكاريكاتوري. يعلِّق الدكتور محمد ناصر على هذه اللوحة الفنية، وهذا التصوير الكاريكاتوري: "ألا يذكِّرنا هذا الأسلوب الذي يمتزج فيه النقد بالفكاهة، والهجاء بالسخرية بالجاحظ وبخلائه؟ أليس في هذه القطعة من التصوير الكاريكاتوري ما يعيد إلى أذهاننا لوحات المازني وَلَدَغاتِه؟ " (3).
من ألوان الأسلوب الكاريكاتوري في الأدب الجزائري طريقة وصف الشخصيات وصفا ساخرا طريفًا لهدف بثِّ أفكار خاصة، وانتقاد أوضاع معيَّنة،
__________
(1) حمَّالة الحطب هي أمُّ جميل أروى بنت حرب بن أمية، زوجة أبي لهب التي آذت النبي كثيرًا، فنزلت فيها وفي زوجها سورة المسد. و (حمَّالة الحطب) "كناية عن حمل الشرِّ والسعي بالأذى والوقيعة". ينظر في ظلال القرآن، مج6، ج30، ص: 4000.
(2) قال المفسِّرون إنَّ ياجوج وماجوج أمَّتان تعيشان على الصيد والإغارة والنهب، وكان يضرب بهما المثل في الإفساد والتخريب.
(3) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 67. (1/299)
صفحة 300
ولفت الأنظار إلى حقائق ذات أهمية. وهو ما لحظته، - بصفة خاصة- في مقالات "أحمد رضا حوحو" التي كان يكتبها وينشرها في ركن "في الميزان" في جريدة "البصائر" الثانية، وقد كان يقدِّم وصفًا دقيقًا مركَّزا عن بعض الشخصيات الأدبية والعلمية، بأسلوب كاريكاتوري مضحك ممتع؛ جانحًا فيه إلى المبالغة والتضخيم، هادفا إلى الإصلاح والتغيير والتوجيه (1).
نحاول فيما يأتي ضرب أمثلة مختلفة من هذه الكتابات.
كتب عن الشيخ "نعيم النعيمي" (2) مقدِّما صورة عن هذا الشيخ، الذي يمتاز بالفوضى في حياته العلمية والعامة، هذه الفوضى جعلت الفكر يتشوَّش ويتعب حين يحاول التعرُّف عليه؛ لأنَّ جوانب حياته المتعدِّدة "وضعت في لفٍّ ونشر مشوَّش، ذات اتِّجاهات متعاكسة، تتأرجح بين مدٍّ وجزرٍ فهو شابٌّ في هندام الشيوخ، عالم في عقل أديب، فقيه في خيال شاعر، قديم حديث ذو ذاكرة قوية، ولكنَّه فظيع النسيان، سريع الغضب، سريع الرضا" (3).
بعد هذا التقديم الطريف لشخصية الشيخ النعيمي، الذي عمل فكر الكاتب وخياله فيه بالمبالغة في تحديد ملامحها، يخلص إلى جانب من جوانبها، وهو الإفراط في النسيان، فيصف بعض مظاهر هذا النسيان، ويقدِّمه بطريقة كاريكاتورية فكاهية؛ لينبِّه القارئ، أو يوجِّهه إلى إدراك مغزى هذه الوصفة، أو هذا التصوير، وهو عدم الاعتناء بالمظاهر على حساب الجوهر، وأنَّ المجال الذي يحسب للمرء هو
__________
(1) مما لحظته من خلال قراءتي لمقالات رضا حوحو في الموضوع أنّه كان يعمد ويهدف إلى محاربة التقليد الأعمى، ومقاومة التفكير المادي المحض. وانتقاد تداخل التخصُّصات، واشتغال المرء بما ليس ميسَّرًا له، وانتقاد منهجية بعض الناس في الحديث والكتابة والفوضى في الحياة بعامَّة. وكان يدعو إلى تمجيد الفكر الحرِّ الطليق، وإلى الاهتمام بالعلم والأدب، والعمل على تطويرهما ...
(2) الشيخ نعيم النعيمي (1911 - 1973م) فقيه لغويٌّ أديب رجَّاز، أحد رجال الحركة الإصلاحية اشتغل بالتدريس قبل الاستقلال، وبعده عمل مفتِّشا للأوقاف والشؤون الدينية بقسنطينة. له أراجيز في السخرية. يمتلك حافظة خارقة، لا تغادر كبيرة ولا صغيرة إلا استوعبتها وحفظتها. معلومات أمدَّني بها الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة يوم: 10/ 10/1993م.
(3) أحمد رضا حوحو " الشيخ النعيمي "، جريدة البصائر الثانية، ع: 262 (12/ 03/1954م). (1/300)
صفحة 301
المجال الأدبي والعلمي، وليس المجال الذي يعني بالجانب المادي فحسب: " ... وقد نسي قفة تكدَّست فيها بعض المشتريات، التي أوصته ربَّة المنزل بشرائها، وإذا ألقيت نظرة على محتويات هذه القفَّة وجدت فيها نصيبًا من المشتريات المظلومة. وقد صارحك السكَّر أنَّه مظلوم، وأنَّ ربَّة الدار أوصته أن يأتي بقطعة صابون، ولقال لك الزيت إنَّه احتلَّ ظلمًا مكان زجاجة الخلِّ، حيث خانت الشيخ ذاكرتُه فأبدل بالصابون سكَّراً، وبالخلِّ زيتًا، كما خانته ذاكرته فاحتلَّ عربة الترام المعاكسة إلى خطِّ اتِّجاهه، وقد تربَّع جالسًا في مقعد، منتظرًا خلوَّ مقعدٍ ليحتلَّه؛ لأنَّه نسي أنَّه جالس، يسير إلى اتِّجاه معاكس إلى اتِّجاه منزله، وإذا تذكَّر أنَّه نسي محفظة نقوده عند بائع، نسي اسمه وحرفته ومكانه، يهبط مسرعًا، تاركاً وراءه محفظة كتبه، وقد نسيها كما نسي ضيفًا ضرب له موعداً في مكان نسيه ... " (1).
حرِصَ الكاتب على بيان أنَّ النسيان قد أفرط بالشيخ إلى حدِّ أنَّه لم يترك له حسًّا، فأفقده إنسانيَّته وقد بالغ في تصوير ذلك. وبيَّن أنَّ ذاكرته كانت تخونه: يضيِّع اتِّجاه بيته، ويفقد محفظة نقوده وكتبه. يظلم بعض الظلم؛ فيشتري أشياء لا تُطلب منه، ويترك أخرى مطلوبة. يتعب ربَّة بيته، التي لا تطمئنُّ على مصالحها ومآربها أن يقضيها لها زوجها، يضيِّع مصالح الناس؛ لأنَّ ذاكرته لا تقوى على تذكُّر مواعيده، ولا الأشخاص الذين يلتقي بهم، ولا أمكنة المواعيد. إلى غير ذلك من ألوان المبالغات التي اعتمدها الكاتب؛ ليقدِّم صورة كاريكاتورية رائعة عن هذه الشخصية.
ومما ساعده على هذا التصوير، وتوفير هذا الأسلوب لجوؤه إلى لغة بسيطة موحية، وإلى بعض الاستعارات المنتقاة، التي سبرت غور شخصية الشيخ، ومتحت نفسية الكاتب الذي كان يرمي إلى أن يقول ليس المهمُّ ما وصفناه، وليس العيب في ما يتصرَّف به الشيخ، إنَّما المهمُّ هو أنَّ الشيخ، حتى ولو كان كثير النسيان لشؤون معاشه؛ فإنَّ له في ميداني العلم والأدب ذاكرة " قوية يقظة، لا يشقُّ لها غبار، ففي استطاعته أن يروي لك نادرة طالعها في كتاب، يذكر لك اسمه ومؤلِّفه
__________
(1) م. ن. (1/301)
صفحة 302
وتاريخ طبعه، ويذكر لك عدد السطور من كتاب لاحظ فيه خطأ مطبعيًّا لبيت من الشعر أو نصًّا من حكم" (1).
رسم الكاتب نفسه صورة عن مشكلة تداخل التخصُّصات، وفقدان الحدود بينها؛ بما يعود بالسلب على العلم – أحياناً – مثَّل لِذلك بشخصية عبد الرحمن شيبان (2)؛ فتساءل مع القرَّاء هل هو ينتمي لعلماء الدين أم لرجال الأدب (3). قال عن هذه الشخصية: "لقد اعتقد ذات يوم أنَّه رجل دين، فتعمَّم و (تجبَّب) وتبرنس، وجلس للإمامة والإفتاء، وتقدَّم له شخص يطلب الفتوى في مسألة دينية، فما كان من الشيخ إلاَّ أن تنحنح وراجع قواعد أصوله وفروعه، وقال: قال الشيخ معروف الرصافي رحمه الله ورضي عنه، واسترسل يرتِّل قصيداً من شعر الرصافي، فهو إذن رجل دين" (4).
الصورة الكاريكاتورية تبرز في رسم الكاتب حركات "عبد الرحمن شيبان" وهو يكلِّف نفسه عناء كبيرًا، ليحشرها في زمرة علماء الدين مع أنَّه من رجال الأدب، بدليل أنَّه يروي عن الرصافي وما شابهه بدل الفقهاء، ويرتِّل قصائد بدل نصوص شرعية. هذه الحركات المفاجئة، اللاَّفتة للنَّظر تبعث على الضحك والسخرية؛ إذ بمجرَّد أن اعتقد "شيبان" نفسه - ذات يوم هكذا ومرَّة واحدة - رجل دين، تلبَّس بلبوس علماء الدين - دون أن يكون منهم- فتعمَّم وتجبَّب وتبرنس وجلس للإمامة والإفتاء، وقد أصبح عالماً دينيًّا بين عشية وضحاها. ثمَّ بمجرَّد أن استفتي في مسألة دينية استعدَّ للإجابة؛ فتنحنح إشعارا بِعظمته، وببروزه في الميدان، بل وتبرُّزه في مضمار الدين، ثمَّ راجع قواعده بأصولها وفروعها، ثم قال
__________
(1) م. ن.
(2) من كتَّاب جريدة البصائر البارزين، مفتِّش اللغة العربية في المرحلة الثانوية سابقًا، ووزير سابق للشُّؤون الدينية في الجزائر.
(3) هذه المشكلة مثَّلت هاجسًا كبيرًا، شوَّشت فكر الكاتب؛ إذ كان يراها تكاد تكون عامَّة في هذه الطائفة من الأدباء الذين درسوا دراسة مسجدية، والذين يروون دينهم عن كبار الأدباء. كان يعرض هذه المشكلة مرَّات عديدة، وفي مناسبات مختلفة وبخاصَّة في جريدة البصائر، ركن "في الميزان".
(4) أحمد رضا حوحو، "عبد الرحمن شيبان"، البصائر الثانية، ع: 265 (02/ 04/1954م). (1/302)
صفحة 303
ما قال ملتجئا "تارة إلى الرصافي وبشَّار، وأخرى إلى ابن الرومي والمتنبِّي، وهو يعتقد أن مشاكل الحياة يفهمها هؤلاء أعمق ممَّا يفهمها ابن عرفة وابن حبيب" (1).
السخرية تبرز في صورة الاعتقاد غير الحقيقي والساذج، الذي أبداه "شيبان" وهو أنَّ مشاكل الحياة كلَّها يحلُّها الأدباء وليس الفقهاء، ولما تبيَّن له خطأ معتقده وسوء تقديره، قرَّر طلاق الفقه والإفتاء، والعدول عن مظاهر رجالهما من لبس العمامة والجبَّة ... والاكتفاء بما هو ميسَّر ومخلوق له وهو الأدب: "واختلط على الشيخ دينه بأدبه، فقرَّر أن يطلِّق العمامة والجبَّة والإفتاء في الدين، فتطربش وتسرول ونصَّب نفسه مفتيًا في الأدب، وفي الأدب فقط" (2).
ومع "حمزة بكوشة" (3) (يقدِّم الكاتب عينه الفكرة نفسها، وهي أنَّ اشتغال الشخص بما ليس مهيَّأ له مضيعة للوقت، وهدر للطاقة فيما لا يجدي. فبعد أن بيَّن أن الرجل اشتغل في عدَّة ميادين ولبس عدَّة أزياء، وتطوَّر مع عدَّة أزمنة قال: "إنَّه نزع جبَّته وعمامته، وفارق وعظه وإرشاده، وفرض نفسه ضريبة ثقيلة على التجارة. أجل إنَّه اليوم تاجر، ولكنَّه غير ناجح؛ لأنَّ تجارته هواية لا احتراف، ولهذا نجده في فصل الخريف تاجر تمور، وفي فصل الشتاء تاجر قدور، وهو يمارس هاتين التجارتين على طريقته الأدبية، فيسمِّي تجارة الخريف نثراً والأخرى شعراً، ولهذا لا تتعجَّب إذا ما قلت لك إنَّ حرفة الأدب أفسدت عليه تجارته" (4).
__________
(1) م. ن.
(2) م. ن.
(3) حمزة بكوشة (شنّوف) كاتب وشاعر وصحفي ومحام وناقد، ولد حوالي سنة 1907، اشتغل بالتدريس قبل الاستقلال وبعده بالتجارة في فترات متقطِّعة من حياته. عضو إداري في جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، عضو لجنة تحرير جريدة البصائر الثانية، امتدَّ عطاؤه الفكري والثقافي أكثر من نصف قرن. مؤسِّس جريدة المغرب العربي سنة 1937، كتب في جرائد الشهاب والبصائر والليالي والمرصاد والأمَّة والشعلة ... كان يعنى بالخصوص بالكتابة عن الشخصيَّات المنسية. من آثاره موجز تاريخ الجزائر، ديوان شعر. معلومات أفادنا بها الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة يوم: 10/ 10/1993م.
(4) أحمد رضا حوحو، "الشيخ حمزة بكوشة"، جريدة البصائر الثانية، ع: 268 (23/ 04/1954م). (1/303)
صفحة 304
السخرية من "بكوشة" تبدو في هذا التصوير اللاَّذع، وهو كون صاحبنا ضريبة ثقيلة على التجارة التي لا تطيقه، ولا تتحمَّله في صفوفها؛ لأنَّه دخيل عليها، لا يحمل أية ميزة ولا مؤشِّر يبيح له الانضمام إليها، بل العكس إنَّ ممارسته التجارة يعطِّل حركتها، مثلما تكون الضريبة عائقًا لها عن السير الحسن.
كما أنَّ التهكم الهازئ يبرز في تصوير "بكوشة" بأنَّه هاوي تجارة، وليس محترفًا؛ بدليل أنَّه لا يثبت على تجارة واحدة كامل العام، بل كان ينتقل من صنف إلى صنف. والسخرية الماكرة تبلغ قمَّتها، حين يصوِّره بأنَّه لا يفرِّق بين الأصناف في التجارة والأصناف في الأدب، إذ يسمِّي تجارة الخريف نثرًا وتجارة الشتاء شعرًا. هذه المبالغة هادفة إلى تصوير حقيقة "بكوشة" الذي لا يفقه ميدان عمله الحقيقي، وهنا يتولَّد التصوير الساخر.
ثم يضيف الكاتب قائلا: "وإذا أخذنا بمذهب طه حسين في التشكيك، وطبَّقنا على حمزة بكوشة ما طبّقه طه على شعراء الجاهلية، وألقينا نظرة خاطفة على شريط حياته، نجده يبدو لنا في بعض الأحيان شيخًا معمَّمًا، يعظ ويرشد، وأحيانًا يبدو مطربشًا مرتديًا لباسًا إفرنجيًّا، معتكفًا على تحبير أعمدة الصحف، وتارة عالماً دينيًّا، يعلِّم ويفتي، وأخرى شاعرًا ماجنًا يتغزَّل ويجد، بعد ذلك نجده تاجرًا معتكفًا على الحسابات والأرقام، وفي صورة تختلف كلَّ الاختلاف عن الصور المتقدِّمة ... وعلى هذا فإنَّ شخصية هذا الرجل خرافية لا وجود لها في عالم الحقيقة، ولنا الحقُّ إذن وكلُّ الحقِّ في التساؤل: هل في الجزائر حمزة بكوشة؟ " (1).
في التساؤل الأخير تبلغ السخرية ذروتها؛ إذ فيه المبالغة في تقدير شخصية "حمزة بكوشة" غير المستقرَّة على حال واحدة، وغير الثابتة في ميدان واحد. هذا عيب فيه - في نظر الكاتب - لأنَّه يعيقه عن الإنتاج الحسن، والإتقان الجيِّد للأعمال. وهو ما عبَّر عنه بقوله: (إنَّ شخصية هذا الرجل خرافية لا وجود لها في عالم الحقيقة).
__________
(1) م. ن. وهو نفسه (أي بكوشة) كان يتساءل هذه الأسئلة، بما كان يكتبه في جريدة البصائر الثانية. هل عندنا أدباء؟ هل عندنا علماء؟ هل عندنا زعماء؟. (1/304)
صفحة 305
هكذا يكون الكاتب قد وظَّف الأسلوب الكاريكاتوري في نقد شخصيَّاته التي عرضها في ميزانه، للتَّوجيه والتربية والإصلاح، وخدمة أهداف نبيلة. ولم يكن قصده التفكُّه فقط، أو النَّيل من الناس؛ بسرد عيوبهم وذكر نقائصهم ومثالبهم.
هذا الأسلوب لم يكن جديداً في الأدب العربي فقد عرف به كتَّاب كثيرون. عرف به "ابن دنيال (ت 710هـ) بتمثيليَّاته (1) وله نماذج في كتاب "الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن" (2). كما استعمله "محمود بيرم التونسي" في انتقاد بعض الشخصيات التونسية التي كانت تترفَّع عن المجتمع؛ بما عدَّه انحرافًا اجتماعيًّا. كان ينشر هذه النقدات في جريدته "الشباب" في ركن سمَّاه "الشخصيات التونسية بالريشة والقلم" (3).
نسجِّل في الختام أنَّ الأسلوب الكاريكاتوري الذي كتب به الأدباء ما عرضناه، اعتمد على المبالغة، وعمد إلى اللغة البسيطة الواضحة الموحية، وحرص على التتبع الدقيق لبعض أنواع السلوك، وخصوصيَّات خُلقية وخَلقية، وجنح إلى وصف تفصيلي لبعض الجوانب، وعرض مركَّز لبعض الآراء. قصدا إلى تحقيق الأهداف المرسومة والمنشودة من الكتابة.
د - أسلوب التنكيت والتندر:
يلجأ الأديب - أحيانا- إلى السخرية المرحة القصيرة لتصوير إحساسه بالأثر الذي يعمل في نفسه، ومن ثمَّ يسعى إلى التخلُّص من الغيظ الذي يملأ قلبه، فيخفِّف عنه آلامه. هذا ما يعرف بأسلوب النُّكتة أو النَّادرة الساخرة التي هي خبر أو قصَّة قصيرة مضحكة (4) "عمادُها ذكاء حادٌّ وبديهة حاضرة، وتخلُّص فكه وردٌّ
__________
(1) ينظر كتاب السخرية في أدب المازني، ص: 92 وما بعدها.
(2) ينظر زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع، ج1، دار الجيل، بيروت، (د. ت)، ص: 333 وما بعدها.
(3) ينظر "محمود بيرم التونسي في المنفى حياته وآثاره، ج1 "، ص: 552 - 554.
(4) الفكاهة في أدب الجاحظ، ص: 13. نقلاً عن الفكاهة في مصر، ص: 13. ينظر أيضاً الشعر الفكاهي في مجلَّتَي الفكاهة والإثنين، ص: 9. (1/305)
صفحة 306
سريع" (1) وأساسها تنويه خفيٌّ أو تلميح ذكيٌّ، يبتعد عن التصريح (2). ومن بين ما يعنيه التنكيت الإسقاط على الرأس، والطعن في عمل وفعل ما (3).
والنُّكتة تساعد الشخص على الشعور بالانتصار على الضغط والحرمان (4). إلاَّ أنَّ لها وجهًا سلبيًّا إذ "تلطِّف وطأة الظلم، وتوهم المظلوم أنَّه ينتقم لنفسه بعض الانتقام، فتهوِّن عليه الشدائد، وتروِّضه على الصبر والانتظار، فهي من ثمَّ معين للحُكَّام على المحكومين" (5).
الأدباء الجزائريُّون استغلُّوا هذا الأسلوب لنقد الساسة وبعض الناس الشاذين والمناوئين والمنحرفين، فأفرغوا نقداتهم لهم في قوالب صغيرة وقصص قصيرة جدًّا؛ بعد أن مزجوها بروح مرحة وأسلوب شيِّق، يزيل عن النفس السأم والملل، ويصل إلى الهدف بسهولة ويسر، وهو ما تتوخَّاه النكتة والنَّادرة، التي يعمد فيها الأديب إلى تصوير "المشاهد الهزلية في سرعة وخفاء، بحيث ينتهي كلُّ شيء فورًا، فلا تكون المسافة بين البداية والنهاية كبيرة، ولا تزدحم بالتناقضات، وبحيث لا يقع (أي الساخر) في فخِّ الانسياق وراء الهزل الفارغ، ولا يزحم عقل القارئ أو السامع في نفس الوقت بما يفقده النكتة أثرها المطلوب" (6). وقد اشتهر في هذا المجال "نفريت" (توفيق المدني) الذي اتَّخذ من السخرية السريعة الخفيفة مهمازًا ينتقد به الأفراد المنحرفين.
حين عجز أحد شيوخ الطرقية عن منازلة الكتَّاب المصلحين في الكتابة الأدبية والمناظرة الكلامية التي نشبت بين الفريقين. كتب "إيَّاس" مصوِّراً حقيقة
__________
(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 45. والفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 90.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 45. نقلا عن كتاب سيكولوجية الفكاهة والضحك للدُّكتور زكريَّاء إبراهيم، ص: 178.
(3) ينظر لسان العرب مج3، ص: 713، 714، مادة (نكت).
(4) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 90. نقلا عن كتاب الفكاهة عند العرب، للدكتور أنيسة فريحة، ص: 19.
(5) عبَّاس محمود العقَّاد، "الفكاهة والطغيان"، مجلَّة الرسالة، القاهرة، ع: 288 (09/ 01/1939م)، ص: 50.
(6) السخرية في أدب المازني، ص: 19، 20. (1/306)
صفحة 307
هذا الشيخ في ضعف الكتابة: أسلوبًا وفكرًا ومحاججة. ولم ينس تسجيل ما يدور في خلد الشيخ وخلد أمثاله من آراء سقيمة وأفكار مريضة ... سجَّل ذلك بأسلوب النُّكتة والنَّادرة الساخرة؛ متظاهرا بنفي مظاهر العجز والضعف والإخفاق عن الشيخ، وهو يقصد إلى إثباتها له. إمعانًا في التنكيت والتندُّر به.
يقول الكاتب على لسان "الأرضخ" أحد أبطال "جلسة المخذولين" مدافعًا عن الشيخ الطرقي، الذي كتب مقالاً يردُّ فيه على المصلحين، بأسلوب ركيك وفكر ضعيف، ينمُّ عن فقر في العلم وجمود في العقل وضيق في الفكر: "فإنَّ الشيخ والحمد لله في غزارة العلم وقوَّة البيان ورجحان العقل واتِّساع دائرة الفكر، بحيث لا يدرك له شأو ولا يُشَقُّ له غبار، ولو شاء لأتى بما يعجز الإنس والجن، ولكنَّه اختار تلك الطريقة في كتابته عن قصد وتعمَّد، وكثيرًا ما كانت تتساقط عليه الأساليب البليغة العالية، فيدفعها عن نفسه، ويختار من بينها الأركَّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاَّ الراسخون في العلم، ذلك كلُّه لحبِّه الخمول الذي هو أصل كلِّ خير، وكراهية الشهرة التيِّ هي رأس كلِّ خطيئة، فهو يبتعد عنها ابتعاد أحدكم من النار. كان يخاف إذا كتب بمثل ذلك الأسلوب العالي أن ينتشر صيته، وتتَّجه إليه الأنظار، فربَّما داخله العجب بذلك، فأضرَّ بآخرته. هذا غرضه ومقصده، شأن أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (1).
يعرِّض الكاتب - في النص- بالشيخ الطرقي ويتندَّر به بطريقة ذكية وخفية، ملمِّحًا إلى حقيقة شخصيته التي تتَّصف بالضعف والعجز عن الكتابة والفقر إلى الأفكار السليمة إلى غير ذلك، ممَّا يجب أن تتَّصف به الشخصية الكبيرة والزعيم الذي يتصدَّر قومه. هذه الطريقة هي التي تحقِّق هدف السخرية، وهو النَّيلُ من كبرياء المسخور منه، والحطُّ من شخصيته وإسقاطُ قدره (2).
__________
(1) إيِّاس، "جلسة المخذولين"، جريدة وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/1928م).
(2) فمن معاني الإندارِ الإسقاطُ، ينظر لسان العرب، مج3، ص: 607. مادة (ندر). كما أنَّ من معاني التندُّر المأخوذ من أصل مادة (ندر) إظهار العيوب بطريقة ملتوية، فيها تباله وتجاهل وإظهار نوادر الشخص الذي يتندَّر منه ومن شذوذه. ينظر كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 11. (1/307)
صفحة 308
ومن ألوان هذا التندُّر سوقه بعض أوصافه للرَّجل على شكل أقوال مأثورة، وحقائق مقرَّرة مستخلصة من التجربة والمخابرة (الشهرة رأس كلِّ خطيئة، الخمول الذي هو أصل كلِّ خير، يختار من بينها الأركَّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاَّ الراسخون في العلم ... ).
كما يبرز التندُّر بالشيخ وأتباعه في تصويرهم بأنَّهم يحرصون على الابتعاد عن الخطيئة وعن النَّار، ويبتغون صلاح الآخرة، شأن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بينما كلُّ تصرُّفاتهم تشي بعكس ما يبدونه. يلمِّح الكاتب إلى ذلك، دون أن يشير إليه، صراحة وهذا ادعى إلى النَّيل من المسخور منه.
والنص وإن لم يكن قصَّة حقيقية، غير أنَّه كان يحمل روح القصَّة؛ إذ تعمَّد الكاتب نسج جزئيَّات أو لمحات من شخصية الشيخ العلمية والأدبية في شكل قصَّة، وأتى في هذا النص بما هو شاذٌّ ومخالف للقياس وللمنطق – هذه إحدى مواصفات النكتة والنَّادرة - وهو ما أضفى على النص صفة التنكيت والتندُّر، اللذين لا يبدوان بارزين فيه إلاَّ بعد التأمُّل، وربط ما جاء في النص بالروح التي يحملها الكاتب نحو هؤلاء المناوئين لنشاطه الإصلاحي وبعلاقته بهم. وبهذا الأسلوب بضع الكاتب من الشيخ الطرقي، في حين يبدو وكأنَّه يرفع من قدره.
يبقى التندُّر بالطرقية وسلوكها ومعتقداتها إحدى وسائل الكتَّاب المصلحين للنَّيل من خصومهم. النَّادرة الآتية تكشف هذه المفارقة العجيبة، التي أفرزها سلوك الطرقيِّين -حسب نظر الكاتب - إذ أنَّ الدين يأمر بترك اللحية - والدين هو ما يدَّعي الطرقيُّون التمسُّك به - بينما الأتباع المتديِّنون لا يطيقون ذلك، حتىَّ إذا أمر الأشياخ بعدم حلق اللحية، ثقل على الأتباع تطبيق ما يأمر به الدين.
وإذا كان الأشياخ قد فرضوا على كلِّ مخالف لذلك دفع ضريبة سنوية، فإنَّ ذلك سيسبِّب لهم استنزاف جيوبهم، لأنَّهم لن يتمكَّنوا من تنفيذ الأوامر:"صدر الأمر بفرض ضريبة سنوية على كلِّ حلِّيق من أتباع الطرقية (البربلانية) وأطلق عليها اسم (ضريبة الحلق) وقد أحدث هذا الأمر ضجَّة بين الأتباع الحلِّيقين، ورأوه (1/308)
صفحة 309
ضربًا من ضروب التدجيل، وفنًّا من فنون التحصيل، والمظنون أنَّهم سيحتجُّون ضدَّه؛ لأنَّه مستنزف لجيوبهم، مخلٌّ بوظائفهم (1).
التندُّر يظهر في هذا التلميح الذكيِّ للمفارقة التي تبدو في سيرة هؤلاء الطرقيِّين: التناقض بين المعتقد والسلوك، بين الادِّعاء والحقيقة. وقد أبرزت هذا التنكيتَ (2) بعضُ الكلمات والعبارات المنتقاة: (ضريبة الحلق، ضرب من ضروب التدجيل، مخلٌّ بوظائفهم ... ).
في هذا التنكيت مسٌّ بمصداقية الطرقيِّين، وكشف لحقيقتهم، وفضح لدخائلهم، وتنبيه الناس إلى عدم الاغترار بما يدَّعيه هؤلاء القوم.
كما يتندَّر أبو اليقظان بمهزلة الانتخابات، وبالأسلوب الذي كانت تمارسه فرنسا في الجزائر؛ لتُوهِم الناس بأنَّهم يحصلون على حقوقهم، بينما هي تقوم بعملية تخديرهم وتنويمهم، لتلهيهم عن المقاومة والعمل الجهادي. صوَّر الكاتب ذلك على شكل قصَّة قصيرة رامزة، كان أبطالها فواكه وبقولاً: "بما أنَّ السعادة عند علماء اللغة والفلسفة هي الضحك، فقد رأينا أن نتحف القرَّاء بقصَّة طريفة في القرن العشرين، قرن النُّور والحضارة والتمدُّن والحرية، وهي أنَّ البقول والفواكه اشتركت مع الإنسان في الحقوق، ودخلت معه في ميدان الانتخاب، فقد انتخب الباذنجان والفلفل والطماطم والبطل والثوم والقرع مع مشاركة مادَّة القطران معهم وانتخبوا السيِّد (كبوية) رئيسًا، فقد أصابوا، إذ هو كبير الجسم، مجوَّفه، مكوَّر الشكل، فارغ الفؤاد، فنُهنِّئه بهذا الفوز، ونتمنى له الانتشار، ونقول له بملء أفواهنا في بوق إسرافيل مبروك" (3).
التنكيت والتندُّر يبدوان في هذه القصَّة المفتعلة الرامزة، التي تختصر المسافة إلى الهدف، وهو فضح مهزلة الانتخابات، وتنبيه الناس إلى عدم الوثوق بهذه
__________
(1) "تسديد العجز" (د. إ)، جريدة ً المرصاد، ع:
(2) من معانيه الضرب والقرع والحز المؤثِّر، ينظر لسان العرب، مج3، ص: 713. مادة (نكت).
(3) "مضحك"، " أعجوبة آخر الزمان "، جريدة الأمَّة، ع:21 (19/ 02/1935م) النص لأبي اليقظان. (1/309)
صفحة 310
الممارسات؛ لأنَّها إحدى مؤامرات العدوِّ ودسائسه. وقد وفِّق الكاتب في اختيار فاكهة "الكابوية" لتمثِّل الرئيس، الذي وقع عليه الاقتراع تنكيتًا وتقريعًا لمن ينحرف في سلوكه عن سواء السبيل، لأنَّ "الكابوية" بشكله الكبير المكوَّر المجوَّف الفارغ، يمثِّل نوع الناس الذين يفوزون في الانتخابات، التي تنظِّمها فرنسا، وتوجِّهها كيفما تشاء، وبما يتماشى مع مصالحها. والعبارة الأخيرة تعصر ما في قلب الكاتب من كمد وحسرة وألم أزاء الممارسات التي تنال الأمَّة في الصميم - إذ هي من قبيل التندر والتنكيت والتألُّم - وهو يعلن تهنئته بفوز "الكابوية" في الانتخابات، ويختار بوق إسرافيل وسيلة توصل الخبر إلى كلِّ مكان.
هذه نماذج من أسلوب التنكيت والتندُّر، الذي استعمله الكتَّاب للتخلُّص من آثار الظروف العصيبة التي ألمَّت بهم فآلمتهم كثيرًا. حاولوا بواسطته دفعها عن أنفسهم ولو إلى حين؛ لأنَّ النكتة تخفِّف من حدَّة التوتُّر لدى القائل والسامع معًا، وتحرِّر من الضغط والنفوذ المسيطرين على النفس (1).
هـ - أسلوب التبكيت:
ممَّا يتفرَّع عن التنكيت والتندُّر أسلوب التبكيت، الذي يُعمَدُ فيه إلى إفحام المخاطب والمتحدَّث إليه، والكشف عن زيف ما يدَّعيه، وجرح كبريائه؛ بقرعه بالحجَّة، وإسكاته وتعنيفه بالكلام. من أمثلة ذلك ما أورده القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (2). في هذا السؤال تبكيتٌ لوائدها (3).
وهو في السخرية أسلوب يعتمد – عادة - على التلميح والإشارة والرمز واللجوء إلى التعبيرات والجمل اللاَّذعة. هذه الجمل "تكون كالحكم السائرة، وتتناول شخصًا من الأشخاص أو مهنة من المهن بالنقد اللاَّذع المختصر، ويكون في صيغة (التعريف) وقد اشتهر كثير من أدباء الغرب بهذا النَّوع أمثال برناردشو
__________
(1) ينظر الشعر الفكاهي في مجلَّتَي الفكاهة والإثنين، ص: 11 - 13.
(2) سورة التكوير، الآيتان، 8، 9.
(3) لسان العرب، مج1، ص: 248، مادة (بكت). (1/310)
صفحة 311
الكاتب الإيرلندي وأوسكار وايلد الإنجليزي ... وقد يستخدمون طريقة المقابلة، بدلا من التعريف كقولهم في بعض البلاد الشرقية لا يرى الزوج امرأته قبل الزَّواج، وفي بعض البلاد الغربية لا يراها بعده! " (1) وقد تُستخدم في التبكيت وسائل أخرى غيرما جاء في النص.
حفل الأدب الجزائري بنماذج كثيرة من هذا النَّوع. وقد كانت بعض الصحف والجرائد تخصِّص أركانًا تتناول فيها بعض الأحداث، وتنتقد بعض الأوضاع بهذا الأسلوب المختصر. من هذه الجرائد جريدة "البرق" في ركنها "قوارص" وجريدة "الشعلة" في ركنيها "قاموس الشعلة" و" تحت السياط نغنِّي"، بينما نجد جريدة "البستان" يغلب على موادها وأركانها هذا الأسلوب. فمن عناوينها (معجباتي، منغِّصاتي، مزهياتي، مقلقاتي، ممزوجات، أخبار من الآخرة، أخبار آخر الساعة ... ).
من الأقلام التي كتبت في جريدة البستان بهذا الأسلوب قلم "لقمان حمُّو" (2) المعروف بروحه المرحة، وشخصيته الجذَّابة وفكره الثاقب، وقد كان يوجِّه نقداته اللاَّذعة المبكتة إلى المنحرفين عن سواء الفطرة، خاصة المعارضين للفكرة الإصلاحية، والمنحرفين خلقيًّا واجتماعيًّا. وكان "يستغلُّ الأمثال الشعبية ويرسلها على ألسنة بعض الحيوانات المعروفة، ملاحظاً تناسب الفكرة التي تتضمَّنها الفقرة مع طبيعة الحيوان نفسه" (3).
نورد فيما يأتي مثلاً لكتاباته ممَّا حسبناه أسلوبًا تبكيتيًّا. كتب تحت عنوان "عِشْ تَرَ": "يقولون إنَّ (الموُدَة) ترتقي إلى أن يصبح الرجل يلبس (الروبَّة) الفستان،
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 46.
(2) لقمان حمُّو (سليمان بوعصبانة حمّو) (ت 1965) من تلاميذ الشيخ بيُّوض إبراهيم. وهو من أعيان مدينة القرارة ولاية غرداية. من أقوى ركائز الإصلاح في وادي ميزاب والقرارة بخاصَّة. كان يلقب بلقمان الحكيم. شغل منصب أوَّل رئيس مشيخة (بلدية) في القرارة بعد الاستقلال. مؤسِّس جريدة (القرارية) التابعة لمعهد الشباب (الحياة) سنة 1926م. أسلوبه يمتاز بالمرح والتهكُّم والسخر الهادف ...
(3) أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص: 242. (1/311)
صفحة 312
والمرأة تلبس (البرنوس)، وإنَّ أوَّل (البرنوس) هو ذلك المعطف الذي على كتف المرأة و (الروبَّة) هو (الكشبوسير CACHE POUSSIERE) وسيأتي زمن، كلُّ واحد يكتب اسمه في شاشيته وحرفته ومسكنه" إمضاء (بغل) " (1).
ولما أراد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بيان زيف انتساب شيوخ الطرق إلى السنَّة، عمد إلى أسلوب التبكيت، الذي يعتمد على الإشارة والتلميح. قال: "ومن أمثلة ما تهيَّأ لأصحابنا منه دعواهم في السنَّة دعوى آل حرب في زياد" (2).
هذه الإشارة إلى قصَّة دعوى آل حرب انتساب زياد إليهم، كشفت ما كان مستترًا عن الأنظار، وهو بُعدُ علماء جمعية السنَّة - المناوئة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين- عن السنَّة، كما اطلعت الأفهامَ على حقيقة هؤلاء. وبذلك سُقط في أيديهم. وهذه إحدى غايات أسلوب التبكيت.
يعلِّق الأستاذ "محمد العيد تاورته" على هذا النص: "وفضلاً عمَّا توحي به قصَّة ادِّعاء (شيوخ الطرق) للسنَّة وربطها بقصَّة ادِّعاء آل حرب في زياد من تهكم واضح، فإنَّ الإبراهيمي يضيف إلى هذا التهكم تهكما من نوع آخر، وهو استخدامه لعبارة (أصحابنا) التي يتهكم بواسطتها من خصومه، شيوخ الطرق وأتباعهم" (3).
كما يبدو التبكيت المفحم في النص الآتي، الذي يختصر المسافة لمعرفة حقيقة بعض الناس، الذين يستغلُّون الدين للتدجيل: "سأل إمام رسمي في أحد المساجد الرسمية - طبعًا- أحد المتسوِّلين، الذي يتظاهر بالعماء، محتلاًّ باب الجامع صباح مساء، يستجدي المارَّة بإلحاح، لماذا تدجِّل على الناس، وتتظاهر بالعماء كذبًا وزورا ً؟ فأجابه: حتىَّ لا أراك يا سيدي وأنت تدجِّل على الله والناس" (4).
__________
(1) "لقمان"، "ممزوجات"، جريدة البستان، ع:8 (20/ 06/1933م).
(2) محمد البشير الإبراهيمي، "تعالوا نسائلكم"، الحلقة الأولى، جريدة السنة النبوية، ع:7 (22/ 05/1933م). ينظر أيضا عيون البصائر، ص: 458.
(3) نثر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ص: 666.
(4) "واحدة بواحدة (د. إ)، جريدة الشعلة، ع:1 (15/ 12/1949م). (1/312)
صفحة 313
وفي نصٍّ آخر يكون التبكيت موجَّهًا للتَّعريض بشخص يتزيَّا بأزياء لا تتناسب مع جنسه (الذكر). وكان الهدف تنبيه الناس إلى نوع من الانحراف عن الفطرة وعن الطبيعة، ومن ثمَّ نصحهم وإرشادهم إلى الصحو من هذه الغفلة: "قصد رجل المرحوم عبد الحليم بن سماية (1) صاحب المواقف المشهورة، واستفتاه في لبس خاتم من ذهب، فأجابه بالجواز، لكنَّ المستفتي عارضه بالحديث الشريف الذي يقول: الذهب والفضَّة هما حرام على ذكر أمتي. فجابهه الشيخ نعم هذا صحيح، لكن هل أنت ذكر؟! " (2).
كما قلنا سالفًا إنَّ التبكيت قد يكون على شكل تعريفات مختصرة، تعبِّر عن المشاعر المحتدمة، وفي الوقت نفسه تكشف عن براعة أصحابها في تزييف ما يدَّعيه بعض الناس من إرادة الخير للغير، وتفنيد ما يزعمونه من قصد الإصلاح والتغيير نحو الأحسن. وهو ما أسميته بأسلوب التبكيت. نأخذ أمثلة على ذلك بما جاء في ركن "قاموس الشعلة" الذي هو عبارة عن أفكار في كلمات وآراء في همسات: "المجلس الجزائري مستودع أدمغة عاطلة عن العمل، وقيل إنَّه مجموعة كبيرة من الأفكار والعقول، تفكِّر تفكير رجل واحد، وتحسُّ إحساسه. الجزائر قطعة من فرنسا في الخطب والبروتوكولات، وقطعة من جهنَّم في الحكم والمعاملات، وقيل أنَّها متحف تحفظ فيه نماذج مختلفة من أحكام القرون الأولى، وقيل إنهَّا معمل تجري فيه تجارب القضايا المنطقية المعكوسة، وقيل أنَّها أرض عربية إسلامية مغتصبة، ولكنَّ هذا القول ضعيف، لا يستند على قوَّة، وكلُّ اعتماده على الواقع، ولا أكثر ولا أقل" (3).
__________
(1) عبد الحليم علي بن سماية (1866 - 1933م) من المصلحين الجزائريِّين الأوائل الذين اعتنقوا مذهب محمد عبده، صاحب ثقافة وعلم واسعين، من الرجال الذين أسهموا في تثبيت أركان الإصلاح في الجزائر، نشر مقالات في الأخلاق والمجتمع في جريدة الإقدام وكوكب إفريقيا ... ينظر المقالة الصحفية ... مج2، ص: 218.
(2) "هل أنت ذكر" (د. إ)، جريدة الشعلة، ع7: (26/ 01/1950م).
(3) قاموس الشعلة (د. إ)، جريدة الشعلة، ع:31 (13/ 07/1950م). (1/313)
صفحة 314
التبكيت الذي أراه في هذه التعريفات - الذي قد لا يبدو جليًّا في النص، وقد يردُّه البعض- يبرز فيما يأتي:
1 - تزييف ادِّعاءات المستعمرحبَّه الخير لأهل الجزائر، وتهيئته وسائل العيش والحياةِ حياةً كريمة بينما هذه الوسائل في الحقيقة تخدم مصالحه، وتذلُّ أبناء الوطن. وفي ذلك تبكيت وتقريع له، وكشف ادِّعاءاته لمعرفة حقيقته.
2 - تهكم بالجزائريِّين الذين يظنّون أنَّهم يعيشون عيشة رغدة وطيِّبة، وينخدعون بالمظاهر التي تعلن عنها فرنسا، وهي في حقيقتها إذلال لهم. وفي هذا تندُّر بسذاجة عقولهم وتفكيرهم، وفيه تبكيت للجزائريِّين المحسوبين أعضاء في المجلس الجزائري، الذين هم عاطلون عن العمل والتفكير؛ ما داموا لا يقوون على الدفاع عن الوطن، ولا يستطيعون الانفلات من تفكير من يسيِّرهم، أي هم فاقدون للاستقلالية في الرأي والتفكير ... عسى ذلك يحرِّك فيهم ما خفت من المشاعر، ويعيد إليهم ما فقد من حسن التفكير والتدبير.
3 - التأكيد على التناقض والمفارقة في تصرُّفات المستعمر بخاصة؛ إذ الجزائر قطعة من فرنسا في الخطب ... وقطعة من جهنَّم في الحكم والمعاملات، وهي معمل تجرى فيه تجارب القضايا المنطقية المعكوسة.
بين طيَّات هذه التعريفات يكمن التهكم، الذي يجسِّد مشاعر نفسية من الإحباط والتذمُّر والاحتقار. وفيها تبكيت ملمَّح ومرموز إليه رمزًا، بما أشرنا إليه سابقًا.
هكذا يكون أسلوب الاختصار مجديًا في التعبير عن المشاعر ونقل الأفكار: "وهكذا يكون الرمز والإيماء في السخرية التي تجافي الإطناب كلَّ المجافاة؛ إذ أنَّها نتاج العقول الذكية، وتخاطب في الأغلب الأعمِّ العقول اللمَّاحة" (1).
و - أسلوب المفارقة:
هو أسلوب يعمد إليه الأديب للكشف عن التناقض الحاصل في تصرُّفات بعض الناس، وتقديم ذلك تقديما متهكما ساخرًا مستهزئًا. من ذلك تسمية الأشياء
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 49. (1/314)
صفحة 315
تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلاً مغلوطاً، وسرد المشاعر سردًا شاذًّا.
كتب أبو اليقظان مقالاً كاملاً بهذه الطريقة يوصي فيه ابنه وصايا، تخالف ما اعتاده الناس، وما يدعو إليه العقل، وما يفرضه الدين. نطق بذلك مجاراة للظّروف والملابسات التي يعيشها المجتمع الجزائري، وتعبيرًا عن المفارقات التي لحظها في المجتمع؛ بما يدعو إلى الإشفاق والدهشة والتحسّر من استهتار الناس بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة: "كن منافقًا مرائياً ملاَّقًا، وفي كنف هذه الصفة تعيش مملوء الجيب، طويل العمر، وإيَّاك والصراحة والجهر بالحقِّ، فإنَّ هذا ممَّا يقصم ظهرك. كن خائناً كذَّاباً، فإنَّك تعيش خفيف الظل، عذب اللسان، وإيَّاك والنصح والصدق، فإنَّ هذا ممَّا يجعلك مرموقًا بعين الحنق والاستثقال ... " (1).
في المقابلة بين النصائح والنَّتائج المتحصَّل عليها تكمن السخرية؛ لأنَّها نتائج تكشف عن سلوك تضرَّر به المجتمع كثيرًا، وهو اللجوء إلى السهل الميسور، والاشتغال باللهو والعبث، والتحلِّي بصفات رذيلة وارتكاب الموبقات والحماقات ... هذه هي المفارقات التي أدهشت الكاتب وحيَّرته، وقد عالجها في أدبه كثيرًا، غير أنَّه لم ير لذلك أثرًا يقنعه بجدوى مسعاه أو عمله، فتحوَّل إلى ساخر متهكِّم، يفرغ ما في قلبه من كمد، وما فيه من وجد.
لم يكن أبو اليقظان بدعًا من الأدباء، الذين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا الأسلوب. بل وُجِدَ من سلك السبيل نفسه، يقول د. محمد ناصر: "فإنَّ في أخلاق المجتمع ما يدعو الكتَّاب إلى معالجتها في بعض الأوقات بمثل ذلك الأسلوب، وكأنَّهم يقابلون سخرية الناس بالقيم بالمبادئ بسخرية مثلها، أو كأنَّهم يضطرُّون إلى مثل هذه الوقفة إذا أعياهم القول الجاد والنَّظرة الصارمة" (2).
كما كان تذمُّر الأدباء من المفارقات التي تطبع دائمًا سياسة المستعمرمع
__________
(1) "أبوك الكذَّاب"، "وصية كذَّاب لابنه"، جريدة وادي ميزاب، ع:88 (22/ 06/1928م) النص لأبي اليقظان. ينظر للكاتب نفسه، "عُومْ بحْرك يا ... " جريدة البستان، ع:4 (23/ 05/1933م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية، مج2، ص: 192. (1/315)
صفحة 316
الأهالي كان ذلك كبيرًا، وقد برز ذلك جليًّا، فكتبوا عنها ساخرين نشير إلى ذلك بشيء من الاختصار (1). يتعرَّض محمد البشير الإبراهيمي إلى مسألة فصل الدين عن الحكومة، أو فصلها عن الدين؛ مبرزًا التناقض الذي تعيشه مع هذه القضية، التناقض بين القول والعمل، بين التصميم والتردُّد في حسم الأمر. وفي الأخير تقرَّر الفصل في باريس وفي الدستور، وتأكَّد الوصل في الجزائر والواقع، وهنا تكون المفارقة: الجمع بين الوصل والفصل في آن واحد: "أمَّا الحكومة الجزائرية، فأنَّها تحلف برأس كلِّ عزيز عليها أنَّها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل في آن واحد، وأنَّها زعيمة الجمع بين المتناقضات، ولا عجب من حكومة كاثوليكية لائكية أن تضيف لهما نقيضًا ثالثًا، وهو التمسُّك بالإسلام" (2).
المفارقة تبدو في الجمع بين الفصل والوصل، وفي احتواء الحكومة متناقضات لا يحتملها المنطق: حكومة لائكية تتبنَّى المذهب الكاثوليكي، تضيف إلى ذلك التمسُّك بالإسلام. وتهكم الكاتب من هذه الحكومة يبرز في هذا التعبير الموغل في الاستهزاء والاحتقار، تحلف برأس كلِّ عزيز عليها أنها قادرة ... ، زعيمة الجمع بين المتناقضات ... ).
ويعبِّر الكاتب نفسه عن المفارقات التي يعيشها الشعب الجزائري نتيجة ممارسات استعمارية جائرة. " ... وفي الجزائر مشرَّدون شبعوا بالجوع، واكتسوا بالعرى، وعلموا بالجهل، وتداووا من المرض بالمرض، واستجاروا من الموت بالموت فأجارهم ... " (3).
يبقى الانحراف مجالاً كبيرًا للكشف عن المفارقات، وقد استغلَّه الأدباء للسخرية والتهكُّم، خاصة عندما يؤدِّي هذا الانحراف إلى الانسلاخ من الجنسية، والتخلِّي عن الملَّة والوطنية. فالبشير الإبراهيمي يسخر من أبناء المسلمين، الذين
__________
(1) لقد أشرنا إلى ذلك في ثنايا البحث، وحلَّلنا بعض النماذج.
(2) عيون البصائر، ص: 62. المقال بعنوان "فصل الدين عن الحكومة ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:57 (22/ 11/1948م).
(3) م. س، ص: 388. المقال بعنوان "لجنة فرانس إسلام". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:115 (10/ 04/1951م). ينظر أيضاً أبو اليقظان جريدة الأمَّة، ع:155 (22/ 02/1938م). (1/316)
صفحة 317
يسافرون إلى أوروبا، فيتنكَّرون لأصولهم، ويندمجون في الجنسيَّات الأخرى. يكشف الكاتب عن هذه المفارقة بإجراء مقابلة بين صنيع موسى - عليه السلام - مع فرعون حين التقطه؛ وكفله وربَّاه منذ كان وليداً، وقد لبث في كنفه سنين، مع كلِّ ذلك كفر به، ولم يسر فيما سار فيه، وكان له سخنة عين، وبين صنيع أبناء المسلمين الذين التقطتهم أوروبا، فقد كانوا قرَّة عين لها، وسخنة عين لأوطانهم ودينهم؛ إذ تخلَّوا عن ملَّتهم، وساروا في ركاب الغرب: "إنَّ جلَّ أبنائنا الذين التقطتهم أوروبا لتعلِّمهم عكسوا آية فرعون مع موسى. ففرعون التقط موسى لينفعه ويتَّخذه ولداً، فكان موسى له عدوًّا وحزنًا وسخنة عين (1) أمَّا أبناؤنا فقد التقطتهم أوروبا وعلَّمتهم وربَّتهم، فكانوا عدوًّا لدينهم وحزنًا لأهله، وسخنة عين لأهلهم وأوطانهم إلاَّ قليلاً منهم دخل النَّار فما احترق، وغشي اللج فأمن الغرق" (2). (3) (4)
ومن النصوص الشعرية التي تبرز المفارقات في حياة الإنسان: التناقض بين ما يمليه العقل والمنطق والمبدأ وبين الممارسة في الميدان، ما كتبه أحمد رضا حوحو متقمِّصًا شخصية رجل يحكي عن حقيقته وعن سيرته التي هي كلُّها نفاق ورياء وخيانة للضمير والوطن. كتب الشاعر بأسلوب لا يخلو من الطرافة والضحك المبكي:
إن تسأل (3) في البِيُرو عَنيِّ ... هكذا كنت أغني
"شيعة تُحلي صدري ... هي قصدي، هي فنِّي
فرضا الأسياد عنِّي ... ذاك غاية التمنِّي
أنا في الدوار سوط ... كلُّهم يخشون منِّي
أنا في المجلس ذيل ... أي ذيل أرقى منِّي (4)
(5)
__________
(1) ينظر سورة القصص، الآيتان: 7، 8. وسورة الشعراء، الآيات: 17 - 20.
(2) آثار محمد البشير الإبراهيمي ج4، ص: 225. المقال بعنوان "داء المسلمين ودواؤهم". نشر في مجلَّة "المسلمون"، ع:9، س:3، ذو القعدة 1373هـ/يوليو 1954م.
(3) كان على الشاعر أن يقول "إن تسل" حتى يستقيم الوزن.
(4) في البيت كسر عروضي.
(5) أحمد رضا حوحو، "خادم لهم وإنِّي ... "، جريدة الشعلة، ع:6 (19/ 01/1950م). (1/317)
صفحة 318
فبلادي لا تساوي ... ضحكة الأسياد عنِّي
يعرف الأسياد أنِّي ... خادم لهم وإنِّي ...
إن رموك بالتقاصي ... فحبوني بالتداني
خسة في النفس طبع ... في هواها لا تلمني
لا تلمني يا صديقي ... هكذا دوماً أغنِّي (1)
لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب، وتمثَّل حال بعض الناس الذين يتَّصفون بهذه الأخلاق الرذيلة، ليكشف عن مفارقات عجيبة تبرز من حين إلى حين في حياة البشر. لجأ الكاتب إلى ذلك الأسلوب؛ اتِّقاء لحساسية الناس، وتجنُّبًا لإثارة حفائظهم. وقد اختار أن ينبِّه إلى هذه المفارقات تنبيهًا لطيفًا فيه التورية والتلميح والتعريض. أي ابتعد عن المباشرة في التناول. إلاَّ أنَّ الأسلوب يؤلم ويترك أثره في النفس وفي الشخص المعني.
هذه هي السخرية عينها، إنَّها " تقوم على التورية والتعمية والإيلام غير المباشر، كالسهم المميت، الذي لا يظهر أثره إلاَّ بعد أن يكون قد تمكَّن من الرمية كلَّ تمكُّن من غير أن تفطن له في أوَّل الأمر" (1). وهذه الطريقة معروفة في الأدب. فمن بين الأدباء العرب المعاصرين، الذين نهجوا هذا الأسلوب "محمود بيرم التونسي" (2).
هذه نماذج من المفارقات في السلوك والتصرُّف التي اخترت لهَا عنوان أسلوب المفارقة؛ لأنَّنا أحسسنا أنَّ الأدباء كانوا حريصين على الضحك على بعض الهيئات والشخصيات والأفكار، والكشف عن التناقض في الحياة وتضخيم هذه التناقضات؛ بإعمال الخيال فيها أحيانًا. وقد أدرجناها ضمن أساليب السخرية؛ لأنَّها كانت مبنية على ما بنيت عليه طبيعة السخرية؛ من النَّيل من الشخص أو
__________
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 196. بالروح نفسها ولتحقيق الغاية ذاتها، ينظر قصيدة "الصراع النفسي" لرمضان حمُّود، كتاب رمضان حمّود حياته وآثاره، ص: 192.
(2) ينظر "محمود بيرم التونسي" في منفاه ... ص: 541. (1/318)
صفحة 319
الموضوع محل التناول والهزء منه وتقريعه بطريقة غير مباشرة، وكان القصد من ذلك الإصلاح والتوجيه والتربية. وهو ما لحظناه في النَّماذج التي أشرنا إليها.
هذه لمحة عن أساليب السخرية في الأدب الجزائري الحديث، وقد تمكَّن الأدباء الجزائريُّون - من خلالها - الإسهام في معالجة القضايا الوطنية بخاصة. وقد امتازت هذه الأساليب وهذه النَّماذج - في أغلبها - بالبساطة في لغتها والدقة في التحليل، والواقعية في طريقة العرض، والوضوح في أهدافها التي رسمها أصحابها، والتفنُّن في ألوان الكتابة. (1/319)
صفحة 320
[صفحة بيضاء] (1/320)
صفحة 321
الفصل الخامس (1/321)
صفحة 322
الفصل الخامس
الخصائص الفنية
أ - اللغة
ب - الصورة الفنية
ج - الرمز (1/322)
صفحة 323
الفصل الخامس
الخصائص الفنية
أ - اللغة:
للُّغة دور اجتماعي كبير تقوم به في الكشف عن العلاقات الاجتماعية التي تسود أفراد مجتمع ما، بمختلف ما يلوِّن هذه العلاقات. واللغة وسيلة حضارية لنقل الأفكار والمشاعر وحفظ التجارب، والإبانة عن اهتامات المجتمع ومشاكله وكلِّ ما يخصُّه، ومن ثمَّ فهي تساعد على تقديم الوجه الحقيقي للأمَّة " ... تظلُّ اللغة دائمًا أوضح وأقوى وأدلَّ ظاهرة تتجمَّع فيها كلُّ سمات الوجه الحضاري الذي تعيشه الأمَّة" (1).
كما أنَّ للُّغة جانبًا نفسيًّا يبين عن العالم الداخلي للفرد، وعمَّا يعتمل فيه من أحاسيس وعواطف، وقد قيل: إنَّ اللغة "رموز لحالات نفسية، هي مادة للفكر، فالصوت اللغوي وظيفة عقلية، لها دلالتها على الكلام النفسي الداخلي" (2). من ثمَّ فهي تكشف عن شخصية الفرد بواسطة رموزها، التي يساعدها على القيام بوظيفتها النفسية كلٌّ من التجربة والحالة النفسية والقدرة على اختيار الرموز المعبِّرة.
حتى تؤدِّي اللغة وظيفتها يجب أن تكون دقيقة في التعبير وصفًا وإيحاء وتصويرا، ومراعاةً للعلاقة بين الرموز المنتقاة والموضوع والحالة النفسية لكلٍّ من الفنَّان والمتلقِّي. بعبارة أوضح يجب إيجاد لحمة بين هذه العناصر؛ لأنَّ مراعاة ذلك يساعد على التأثير في نفس المتلقِّي؛ فتستجيب لما تخاطَب به، بعد أن يتمكَّن الفنَّان من إخراج ما في قلبه من مشاعر وأحاسيس. واللغة التي يوظِّفها الأديب الساخر لا
__________
(1) الدكتور عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية. ط3، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، سنة 1981م، ص: 175.
(2) الدكتور محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجَّالة، القاهرة، سنة 1973م، ص: 33. (1/323)
صفحة 324
تؤدِّي وظيفتها إلاَّ إذا التزم فيها بهذه المواصفات، التي تشترط في اللغة الفنية. فكيف كانت لغة الأدب الجزائري الساخر؟ وما هي خصائصها؟.
نحاول فيما يأتي سرد بعض هذه الخصائص مع تسجيل أنَّ كثيرًا من هذه الإشارات قد وردت في ثنايا هذا البحث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. الخصائص التي وقفنا عليها لا تنسحب على كلِّ الأدباء بالتساوي، ولا نجدها مجتمعة عند كلِّ أديب، إنَّما يتفاوت الأدباء في الخصائص من حيث بروزها في أدبهم قوَّة وضعفًا، كثافة وندرة، وانعدامَ البعض منها عند آخرين، إنَّما نشير إلى ما تجمَّع لدينا من هذه الخصائص؛ انطلاقًا من استقراء النصوص، لا اعتبارًا لما كتبه كلُّ أديب على حدة.
1 ـ الوضوح والبساطة والسهولة:
أوَّل ما يلفت النَّظر في لغة الأدباء هذه التقريرية والمباشرة التي طبعت كتاباتهم، والوضوح والبساطة والسهولة التي وسمت لغتهم، ولهذه الخاصية أو الظاهرة أسبابها، التي من بينها التأثُّر بمدرسة الإحياء في المشرق -عند الكثير منهم- التي تغلب على كتاباتها هذه الصفة. ومنها طبيعة الجمهور المخاطب، الذي يتميَّز بثقافة بسيطة، وبخاصة الثقافة الأدبية. كما قد يكون سبب ذلك طبيعة المقاومة والصراع مع مختلف الفئات، وفي مختلف الواجهات، التي تقتضي اللجوء إلى لغة سهلة واضحة، لا تعير للجانب الفنّي كبير اهتمام؛ إذ يكون المهمُّ والأهمُّ في كلِّ ذلك هو إيصال الفكرة، ولو على حساب الفنِّ. كما كان لطغيان النَّزعة العقلية والفكرية في كتابات الأدباء أثره في إفراز هذه الظاهرة. ومن الأسباب أيضًا تداول الأدباء مفردات معيَّنة واستعمال لغة متشابهة نظرًا لتشابه الظروف التي عاشوا (1).
ونعني بالوضوح والسهولة ما اشترطه النُّقاد، وهو بقاؤهما في إطار الجمال الفنِّي، الذي يستبعد الابتذال في الألفاظ، ومجاراة المعروف من المعاني والأفكار بين عامة الناس، وينأى عن لغة التخاطب العادي، وفي هذا يقول عباس محمود العقّاد:
__________
(1) هذه الملاحظة تنسحب على الأدب الجزائري بعامَّة في الفترة التي حدَّدناها للدِّراسة (1925 - 1962م). (1/324)
صفحة 325
"هذه السهولة ينبغي أن تقتصر على الذين يقدِّرون الجمال ويحبُّونه، بعد الخبرة والممارسة والتذوُّق والتهذيب" (1).
نكتفي بإيراد نماذج قليلة؛ نظراً لشيوع هذه الظاهرة في كثير من النصوص التي عرضناها في ثنايا البحث في مختلف الفصول.
"باعزيز بن عمر" ينتقد رجال الدين الرسميِّين، الذين يعبثون بمصالح المسلمين وأمور الدين. فيخضعون لإرادة المستعمر في تعيين وقت بروز هلال رمضان والعيد وغيرهما. يستعمل في ذلك لغة بسيطة واضحة، لا تعقيد فيها ولا غرابة. وقد بلغت هذه اللغة - أحيانا- حدَّ التقريرية؛ ببساطتها وخلوِّها من التصوير والإيحاء تقريبًا.
فبعد أن نفى الكاتب أنَّه قصد في حديثه تناول هلال رمضان أو شعبان؛ لأنَّ الهلال هذه المرَّة قد رآه كلُّ الناس، يضيف: "لأنَّ هذا كلَّه ما كفانا مؤونة النَّظر فيه أولئك الفقهاء المتضلِّعون في علم المعقول والمنقول، الضاربون كذلك في فنِّ التنجيم بسهم وافر، فنالوا الألقاب العريضة والرتب المتنوِّعة والشارات البرَّاقة، وقيل لهم: قولوا في الهلال وغيره من مسائل الدين ما شئتم، فكلمتكم هي العليا، فأنتم العلماء، بكم يعلو نجم الدين ويقوى وازعه في النفوس، وبكم تقام الفرائض والسنن، ويرتفع للمسجد صوت" (2).
السخرية التي توفَّر عليها النص تعريضًا وتبكيتًا وتحقيرًا، قدَّمتها لغة بسيطة واضحة كانت في متناول مدارك المخاطبين، ومنسجمة مع المشاعر المحتدمة، التي تعتمل في نفس الكاتب، المتحفِّزة للظُّهور والوصول إلى قلوب الناس المنحرفين عن
__________
(1) الدكتور بدوي طبانة، قضايا النقد الأدبي، دار المرِّيخ للنشر، الرياض، سنة 1404هـ/1984م، ص: 135. لمزيد معرفة حقيقة الوضوح والغموض في الأدب ينظر المرجع السابق، ص: 117 - 142. والمؤلِّف نفسه، التيارات المعاصرة في النقد الأدبي، دار الثقافة، بيروت، لبنان، سنة 1405هـ/1985م. ص: 438 - 445. ود. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر ... ص: 187 - 194. وإبراهيم رمَّاني، الغموض في الشعر العربي الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر سنة 1991م.
(2) باعزيز بن عمر، " لا بمنجم"، جريدة البصائر الثانية، ع:86 (11/ 07/1949م). (1/325)
صفحة 326
سواء الفطرة، والراغبة في بلوغ هدفها، وهو إشعار المتلقِّين بضرورة التصدِّي لهذا السلوك المشين.
وقد كان النص خاليًا من اللغة الإيحائية إلاَّ ما رسمته عبارة (فكلمتكم هي العليا) من ظلال، وقد حرص الكاتب من خلالها إبراز احتقاره هذا الصنف من الناس، الذين تكون كلمتهم هي العليا في التلاعب بالدين، وسخريته هذه بناها واستلهم فيها قوله تعالى: { .. وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1). هنا يكمن سرُّ نجاح الأديب حين يوِّفق بين الرموز اللغوية المنتقاة والتجربة الشعورية ومستوى المخاطبين.
أمَّا "محمود بوزوزو" فيبسِّط لغته؛ ليعبِّر عن فكرة، وهي أنَّ الاستعمار لا يريد الخير للجزائر ولا للمسلمين أبداً، وليقنع الناس بعدم جدوى الاطمئنان لأقواله ووعوده، وليكشف عن التناقض السافر بين الأقوال والأفعال. فبعد أن يشير إلى ما ذكره رئيس الجمهورية الفرنسية؛ وهو أنَّ فرنسا بلد حقوق الإنسان. يتندَّر بهذه المقولة، وينكَّت بهذا البلد ويعرِّض به مسجِّلاً بأنَّ جهازه الأمني والشرطة الفرنسية بخاصة تحرص على إقامة الدليل على صدق الخطيب: "وتبيِّن للعالم بالمحسوس الملموس أنَّ حقوق الإنسان في أمن وسلام تحت حماية السلطة الفرنسية وأنَّ الإنسان يمرَح في نعيم مقيم، في ظلِّ الاستعمار الفرنسي. فالجهاز الفرنسي في الجزائر لا يألو جهداً في هذا السبيل، فهو في حركة مستمرَّة، ساهرٌ على حفظ هذه الحقوق سهر الأمِّ الحنون على ولدها العزيز، ومن أجل ذلك يقوم بعمليَّات واسعة النطاق في القطر الجزائري لقمع الشعب، الذي بلغ تعلُّقه بحقوق الإنسان درجة خطيرة جداًّ على هذه الحقوق ... " (2).
عمد الكاتب إلى اللغة البسيطة ليبرز للناس ما يجوب بداخله بكلِّ وضوح. كما كانت له هذه اللغة البسيطة عونًا على تبسيط فكرته عن حقيقة الاستعمار ونواياه واستراتيجيته في الجزائر.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 40.
(2) محمود بوزوزو، "قمع فظيع وغضبة مقدَّسة "، جريدة المنار، ع:11 (14/ 11/1952م). (1/326)
صفحة 327
وقد لجأ محمد البشير الإبراهيمي إلى اللغة نفسها ليكشف عن حقيقة الاستعمار أيضًا؛ لأنَّ ما يقوم به العدوُّ من تمويه وتغليط، وإخفاء دسائسه ومؤامراته، وغفلة الناس وعجزهم أحيانًا عن اكتشاف ذلك ... يفرض على الأديب انتقاء لغة سهلة واضحة، بعيدة عن الزخرفة، بسيطة في تقنياتها، حتى لا تحجب المعاني.
قال الكاتب عن الحكومة الفرنسية وتعاملها مع القضايا الإسلامية بمختلف وجوهها: " ... إنَّما هذه نهاية طور من أطوارها الغريبة التي صاحبتها العقلية الفرنسية، منذ كان الاستعمار في الجزائر، وقد تعوَّدنا من هذه العقلية المذبذبة بين الدين والإلحاد، الملفَّحة بجراثيم اليهودية والمادية، أنَّها كلَّما عرضت لقضية الدين الإسلامي في الجزائر جالت بها في مثل هذه المجالات الملتبسة وعالجتها بنصوص، لا يعرف فيها عموم من خصوص، وتركت القضية دائرة والعقول معها حائرة، ولكنَّها لم تحشد لها مرَّة من المرَّات مثل هذه الحشد" (1).
يعرِّض الكاتب بالحكومة التي تجتهد في ضرب الإسلام بأية وسيلة، فيصوِّرها مضطربة في مواقفها، متذبذبة بين الإلحاد والدين، ومتنقِّلة بين مختلف المحطَّات وسائرة في مختلف المجالات، مجرِّبة كلَّ الوسائل وكل الطرق، ومُقترحةً مجموعة من النصوص ومصدرة مجموعة من القوانين والمراسيم، متخبِّطة خبط عشواء، كالذي أصابه مسٌّ من الشيطان.
يختار لهذا التبسيط والتصوير لغة بسيطة واضحة، حتى يفرغ ما في قلبه من حسرات وكمد من تعسُّفات المستعمر، وينقل الشعور إلى غيره ...
من هذه النماذج نقف على أحد أسباب نجاح الأديب في رسالته، وذلك حين يوفِّق بين الرموز اللغوية المنتقاة والتجربة الشعورية ومراعاة مقام المخاطبين ومستواهم. وربَّما تمثَّل الأدباء فكرة بعض النُّقاد: أن لا سبيل إلى التأثير في الغير والكشف عن المشاعر والأحاسيس ونقل الأفكار والآراء "إلاَّ أن تسفر العبارة عن
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273. (1/327)
صفحة 328
معانيها، وتكشف الألفاظ عن حقيقة كلِّ ما يراد منها، فلا يتكلَّف القرَّاء أو المستمعون شيئًا من الجهد أو العناء في تأمُّل ما يقرؤون وما يسمعون، حتى يصلوا إلى ما يريد الأدباء تأديته من الآراء أو الأفكار أو المعاني. فلا يقدِّمون إليهم إلاَّ ما يرون أنَّهم يطيقون إدراكه من المعاني الواضحة المؤدَّاة في أسهل عبارة وأيسر ما يستطيعون من وسائل الأداء" (1).
وقد وجدنا في النصوص التي عرضناها سمات ممَّا يتطلَّبه الفن والأدب من الخيال والتعبير غير المباشر والإيحاء ... ولو كانت قليلة، وهو ما يضمن لها البقاء في دائرة الفنِّ مستجيبة لرأي النُّقاد، الذي يقول: إنَّ "السهولة المحبَّبة هي سهولة الجمال التي يستشعرها القرَّاء المثقَّفون أو القرَّاء المتأدِّبون، وليست سهولة الابتذال التي ترضي الجهَّال، ويطرب لها عوام الناس" (2).
لا نعني بهذه الملاحظة أنَّ البساطة والسهولة والوضوح توصل دائمًا إلى تحقيق الهدف، أو تُبقي دائمًا على حظوظ النص من الفنية والأدبية. بل هناك نصوص كان الوضوح والبساطة والتقريرية وبالاً عليها وعلى الأدب؛ لإسرافها في الوضوح والتصريح، مما أفقد هذه النصوص متعتها الفنية؛ لأنَّ السحر الفنِّي يكمن في الخفاء، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في الفصول السابقة من هذا البحث. غير أنَّ هناك نصوصًا ابتعدت قليلاً عن الوضوح، وتعمَّدت إخفاء المعاني، لتمنح المتلقِّي فرصة التأمُّل والاستكشاف، وهو ما نشير إليه فيما يأتي:
2 ـ التكثيف:
يحاول الأديب بواسطة تكثيف لغته اعتصار طاقاتها التعبيرية، وشحنها بمجموعة من المعاني والدلالات النفسية والامتدادات الشعورية، وذلك بدافع عوامل
__________
(1) قضايا النقد الأدبي، ص: 120. ممَّن يرى هذا الرأي ابن سنان الخفاجي في كتابه "سرُّ الفصاحة "، وأناتول فرانس ANATOL FRANCE، ينظر المرجع نفسه، ص: 120، 121. إلاَّ أنَّ هذا الرأي لم يسلم من النقد. ينظر رأي العقَّاد، المرجع نفسه، ص: 135.
(2) م. س، ص: 137. (1/328)
صفحة 329
نفسية خاصة تحيط به، ولغاية فنية تتناسب مع طبيعة الفنَّان الذي يرغب في التلميح والرمز والإيحاء، والتستُّر وراء رموز لغوية وإيماءات وإشارات، تنوب عنه في الإثارة، وإيجاد المتعة الفنية ...
الأدب الجزائري الساخر لم يخلُ من هذا العنصر الذي هو من متطلَّبات الفنِّ والأدب. نحاول الإشارة إلى بعض الاستعمالات؛ لنسجِّل وجود هذه الخاصية فيه.
لفظة "البركة" التي تحمل معنى النَّماء والزيادة، وتتضمَّن دلالة الدعاء بالمزيد من الشيء المتحصَّل عليه. هذه لفظة عادية، لكنَّها حين توظَّف في سياق من دلالات نفسية معيَّنة مشحونة بعاطفة وشعور بالألم والحسرة، وحين توضع في إطار من الهزء والتهكم من تصرُّفات، لا تتماشى مع الفطرة والمنطق، ومع ما يحمله الساخر من أفكار تتنافى مع مشاربه ونزعاته ... تتكثَّف فيها المعاني والمشاعر، وتتزاحم أمام المتلقِّي؛ لأنَّه يشعر أنَّ الأديب إنَّما نقل إليه مشاعره الكثيرة بواسطة هذه اللفظة؛ رامزاً ومُلمِّحًا وموحيًا، لذلك فهو يمتح هذه الكلمة ويسبر غورها؛ ليقف على دلالاتها النفسية والفكرية ... هذه اللفظة "البركة" تردَّدت كثيراً في كتابات الأدباء الجزائريِّين الساخرين؛ لتعبِّر عن نفاذ صبرهم من الانحرافات الكثيرة الحاصلة في الحياة العامة (1).
نكتفي هنا بمثال واحد لمحمد البشير الإبراهيمي، يشير فيه إلى أفعال "عبد الحيِّ الكتَّاني" الذي كان يسخِّره الاستعمار لقضاء مآربه، وضرب الإسلام والمسلمين. وقد لجأ إلى لفظة "البركة" ليبيِّن للناس أنَّ هذا الرجل قادر على تنفيذ كلِّ مخطَّطات الاستعمار والاستجابة لكلِّ ما يقوم به من أعمال تعسُّفية، وما
__________
(1) ينظر على سبيل المثال "محمد السعيد الزاهري"، إني أرى في المنام"، مجلَّة الرسالة، ع: 145، سنة 1936م. وجريدة البرق، ع:3 (21/ 03/1927م). و"إيَّاس"، جريدة وادي ميزاب، ع:79 (20/ 04/1928م) و"سمهري"، جريدة المرصاد، ع: (09/ 12/1932م). والهاشمي التيجاني، جريدة البصائر الثانية، ع: 98 (12/ 12/1949م). ومحمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص: 59، 452، 610. وآثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 108. (1/329)
صفحة 330
يسخِّره من وسائل في سبيل ذلك ممَّا يعرفه المسلمون والوطنيُّون:"وما يشاء الاستعمار إخماد حركة إلاَّ كانت على يديه البركة" (1).
فالمستمع حين يسمع هذه الكلمة "البركة" يتصوَّر أشياء كثيرة، ويتخيَّل أموراً عديدة، يمكن أن يقوم بها الرجل لإذلال المسلمين، ويقدِّر شخصية الرجل وأعماله وسلوكه ... وقد أفصح الكاتب قبل ذلك عمَّا يثيره هذا التكثيف: قال عن الرجل وكيف يسخِّره الاستعمار: " ... يحرِّكه للفتنة فيتحرَّك، ويدعوه إلى تفريق الصفوف فيستجيب، ويندبه إلى التغريب والتخريف فيجده أطوع من بنانه، ويريد منه أن يكون حمىَّ تنهك فيكون طاعونًا يهلك، وأن يكون له لسانًا، فيكون لسانًا وأذنًا وعينًا ويداً، ورجلاً ومقراضًا للقطع ومعولاً للصدع" (2).
أليس في كثرة هذه الأعمال بركة، وفي تطوّر هذا السلوك نماء وبركة، وفي تنفيذ أوامر أسياده بسرعة، وبأكثر فعالية مما يُطلب منه بركة ... وقد استعملت البركة هنا استعمالاً عكسيًّا لمدلولها المعجمي، استغلَّ الكاتب فيها جانبها الإيحائي الذي يوفِّر الإثارة النفسية. وهنا تكمن السخرية والتهكم المؤلم الموجع. هذا الاستعمال أضفى على لفظة "البركة" حيوية وحركية، وذلك بفضل عنصر التكثيف.
هناك لفظة أخرى دَارتْ في أدب الأدباء مكثفة معبِّرة عن دلالات كثيرة هي
__________
(1) عيون البصائر، ص: 610.
(2) م. س، ص: 609، 610. (1/330)
صفحة 331
لفظة "تبشِّر" للسخرية من بعض صور الانحراف. فأبو اليقظان مثلاً يسخر من الغرب الذي يريد الهيمنة على الشرق، ويخبره بأنَّ عهد السيطرة والطغيان قد ولَّى، وعصر استلاب الشرق والتغرير به قد تراجع، فالشرق قد أفاق من نومه، واستفاق من غفلته، ولم يعد لقمة سائغة، ولا صيداً مهيّأً ... "فلتبشر أوروبا جمعاء وخصوصًا إيطاليا وألمانيا بأنَّ شرق اليوم غير شرق الأمس، وأنَّ زمان استبلاه الشرق قد فات" ... (1).
لفظة "تبشِّر" الساخرة أفادت المتلقِّي معاني كثيرة، فقد نقلت مشاعر تذمُّر الكاتب وسخطه من العدوِّ واحتقاره المستعمر، وإيماءته إلى المسلمين كي يسترجعوا الثقة في أنفسهم وفي إمكاناتهم للتصدِّي للعدوِّ وممارساته. وفي ذلك استنهاض للهمم، وشحذ للعزائم؛ لإبعاد ما يدبِّره الغرب للشَّرق: من استلاب وتغرير ما زالا قائمين؛ لأنَّ الواقع لا يؤيِّد الكاتب فيما ذَهبَ إليه، فشرق اليوم ما يزال شرق الأمس (في تلك الفترة) إلاَّ أنَّ الكاتب يؤمن إيمانا عميقًا "بيقظة الشرق وتحدِّيه لأوروبا الاستعمارية، وأنَّ الغلبة في النهاية له مهما مارست القوى الاستعمارية من ضغوط عليه" (2). وبفضل التكثيف حصلنا على امتدادات شعورية، ودفقات نفسية، وإضاءات فكرية، ومعان كثيرة. ولكنَّها تشي بالتهكُّم بالغرب الذي يزعم أنَّه أحكم قبضته على الشرق.
أمَّا محمد السعيد الزاهري فيتوعَّد خصومه من كتَّاب جريدة البلاغ وأتباع الطريقة العليوية، الذين انحرفوا عن جادَّة الإسلام، وناوؤُوا المصلحين في نشاطهم، واشتغلوا بتتبُّع عورات العلماء والمصلحين، وانشغلوا أو عموا عن معايبهم، يقول الكاتب: "هل عميتِ أيَّتها البلاغ عن معائب قومك؟ أم كثرت عليك حتى لم تستطيعي لها إحصاء ولا عدًّا، فتركت الاشتغال بترك المخازي العليوية، وأبشِّرك بأنِّي سأشتغل بكشف الستر عن شيخك العليوي" ... (3).
"أبشِّرك" كشفت عن الغضب العارم الذي استبدَّ بالكاتب، وعن الشرِّ الذي يبيِّته لهؤلاء المناوئين، وقد تأكَّد ذلك من قوله في نهاية المقال: "وما دمت لم أترجم له ترجمة تليق به، فليس لمثابي عن الكتابة من سبيل" (4).
كما أبانت " أبشِّرك" عن المعارك العنيفة التي كانت بينه وبين خصومه من العليويّين وأفصحت عن تذمُّر الكاتب من تصرُّفاتهم، وعن احتقاره الشديد لهم. وما
__________
(1) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 395. المقال بعنوان "ماذا يخبئ الغرب للشَّرق". نشر في جريدة "وادي ميزاب "، ع:18 (28/ 01/1927م).
(2) م. س، ص: 394، 395.
(3) تأبط شرًّا، جريدة البرق، ع:15 (20/ 06/1927م).
(4) م. ن. (1/331)
صفحة 332
يدعِّم ذلك ويكشف عن السخرية في هذا التوظيف استلهام الكاتب استعمال القرآن هذه الكلمة "بشر" في حديثه عن المشركين، الذين يستكبرون عن آيات الله، ويعرضون حين سماعهم لها. إذ جاءت بشارة القرآن لهم آية في السخرية والتهكم اللذين يليقان بتصرُّفاتهم وسلوكهم (1) كما جاء نذير الكاتب لهم في صورة بشارة محقِّرة وساخرة. هذه التأويلات والاستنتاجات وغيرها وفَّرها عنصر التكثيف.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيسخر من النُّواب المسلمين في المجلس الجزائري، الذين وصلوا إلى هذا المجلس بطريقة ملتوية، ويكشف لهم عن احتقاره لهم، وفي الوقت نفسه يلمِّح ويومئ إلى التعسُّف والتجاوزات التي تحدث في الانتخابات التي توصل إلى المجلس، ويوحي إلى الوطنيِّين والناس بعدم الاعتراف بهؤلاء النُّواب ... كلُّ هذه المعاني والمشاعر التي أراد الكاتب الإفصاح عنها ضمَّنها عبارته "فأبشروا": ... "ومادامت الانتخابات بالعصيِّ فأبشروا بطول البقاء في هذه الكراسي" (2).
هذه العبارة الساخرة الهازئة تذكِّرنا بسخرية جرير من الفرزدق حين قال له:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشِرْ بطول سلامة يا مربع (3)
مع تحويرٍ بسيط يتناسب والدلالة التي أرادها الكاتب، تعبِّر عن مقته لهؤلاء الناس (النُّواب) المنحرفين. أي إنَّ مكثهم مع الانحراف يطول ما دام الشذوذ يطبع كلَّ التصرفات والتحرُّكات ...
من الألفاظ التي بدا فيها عنصر التكثيف جليًّا حين وضعت في سياق من الإشراقات النفسية والمشاعر المحتدمة، الكاشفة عن التذمُّر والحسرة والألم، من هذه
__________
(1) قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذْنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ} سورة لقمان، الآية: 7. وقال: {يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ} سورة الجاثية، الآية: 8. ينظر أيضا معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، ج1، ص: 68، 69.
(2) عيون البصائر، ص: 188. المقال بعنوان "كتاب مفتوح إلى الأعضاء المسلمين بالمجلس الجزائري"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:33 (26/ 04/1948م).
(3) شرح ديوان جرير، ص: 424. ينظر استعمال هذه اللفظة محمد العيد، ديوانه، ص: 188، وصالح خبَّاشه، الروابي الحمر، ص: 156. (1/332)
صفحة 333
الكلمات لفظة "تبرَّعت" التي عبَّر من خلالها "أحمد رضا حوحو" عن مشاعره الجيَّاشة الكثيرة: حسرته على مصير "جميل صادق" (1) المتَّهم بالسكر زورًا وبهتانًا، وتألُّمه من تفشِّي أخلاق رديئة في المجتمع مثل الغيبة والنَّميمة والبهتان ... كما كشف الكاتب من خلال كلمة "تبرَّعت" عن آلامه المبرِّحة في قلبه، التي سببها تخلُّف مجتمعه ... وفي كلِّ ذلك دلالات نفسية عميقة: ... "وفعلاً ما برح الخبر أن تسرَّب إلى بيته حيث تبرَّعت عجوز شمطاء من أولئك العجائز اللواتي لا عمل لهُنَّ إلاَّ التطواف في دور الناس، ولا همَّ لهنَّ سوى نقل أخبار السوء من هنا وهناك، بعد ما يضفن إليها ما شاء لهنَّ خيالهنَّ الخصب من توليد الحواشي والتعليقات" (2).
هنالك كلمات أخرى وردت في كتابات الأدباء فيها تكثيف ساخر. منها كلمة "أنعم" (3) ولفظة " تمخَّض " (4) وعبارة " آمنَّا " (5).
هذه نماذج من النصوص التي عمد فيها الأدباء إلى تكثيف لغتهم للإفصاح عمَّا يعتمل في دواخلهم من مشاعر وأحاسيس. هذا التكثيف صبغ بعض الآثار الأدبية بالصبغة الفنية. وقد منح الفرصة للمتلقِّي كي يجهد نفسه في التأويل والاستنتاج، والبحث عن المعاني التي يمكن أن تتضمَّنها اللفظة الواحدة، وهو ما يوطِّد العلاقة الشعورية بين الأديب والمتلقِّي.
3 - التلاعب بالألفاظ وتوليدها:
مما يلحظه الدارس في لغة الأدب الجزائري الساخر ظاهرة التلاعب بالألفاظ واشتقاق كلمات تتولَّد منها معان جديدة. هذه الظاهرة تميَّز بها أدب محمد البشير
__________
(1) في رواية غادة أم القرى.
(2) م. س، ص: 41. ينظر استعمال اللفظة أيضًا ص: 282. والهاشمي التيجاني، جريدة البصائر الثانية، ع:98 (12/ 12/1949م).
(3) ينظر مثلاً محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص: 118، وجريدة الشعلة، ع:27 (15/ 06/1950م).
(4) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.
(5) عيون البصائر، ص: 452 - 512. (1/333)
صفحة 334
الإبراهيمي بخاصَّة (1) غير أنَّ هذا الأسلوب ليس مأمون العاقبة. إذ قد يؤدِّي أحيانا إلى التكلُّف، والإسفاف في التعبير، والعجز عن الإفصاح عن المكنون ...
كتب "سمهري" ساخرًا من مصطفى العليوي الطرقي، ومعرِّضًا به، وبالمكانة العظيمة التي أحلَّها فيها أتباعه (وهو لا يستحقُّها)، صوَّر حالته وهو يستمع إلى أحد أتباعه يمدحه، ويعدِّد أنواع الأذى الذي لحقه من خصومه وحسَّاده، صوَّره وهو متأثِّر بتلك الكلمات: ... "ولما سمع العليوي هذه الكلمات الأخيرة بكى وزَهَقَ وشَهَقَ ونَهَقَ وشَخَرَ ونَخَرَ، وأغمي عليه" ... (2).
يستجيب الكاتب لمشاعره المحتدمة ولانفعالاته الشديدة فيطلق العنان لقلمه كي يخطَّ كلمات، تستدعي الواحدة منها الأخرى، لتنتظم في خطٍّ شعوري واحد، تنسق بينها السخريةُ من العليوي المبتدع في الدين. وقد كان للموسيقى حظُّ كبير في هذه الكلمات، التي تكرَّرت فيها الحروف والأصوات، فأحدث ذلك إيقاعًا خاصًّا؛ (الهاء) تكرَّرت ثلاث مرَّات، (القاف) ثلاث مرَّات، (الراء) مرَّتين، (الخاء) مرَّتين.
كما عبَّرت هذه الحروف عن حالة الكاتب النفسية. فـ (الهاء) حرف حلقي يخرج من أقصى الحلق، يشير به الكاتب إلى الغصَّة التي يشعر بها؛ بسبب تصرُّفات هذا الشيخ، وقريب من (الهاء) حرف (الخاء) الذي يخرج من أدنى الحلق، ثم يأتي (القاف) الذي مخرجه الحنك، وهو باطن الفم، ثم يتقدَّم الكاتب بتوظيف هذه الأصوات، ونقل هذه الغصَّة ليضعها في ظهر اللسان وهو ينطق بحرف (الراء) ... وكأنَّه عمد في هذا التوليد إلى إخراج هذه الغصَّة بالتدريج مستغلاً صفات هذه الحروف ودلالاتها، مترنِّمًا بترديدها وتكريرها.
__________
(1) ينظر أمثلة عن ذلك عيون البصائر، ص: 65، 92، 119، 455، 594. ومقالات سجع الكهَّان، ص: 587 وما بعدها، و ص: 607 ... وجريدة البصائر الثانية، ع:41 (28/ 06/1948م). وجريدة الشعلة ع:24 (25/ 03/1950م). المقال بعنوان "قرد الميلية"، وهو دون إمضاء.
(2) "سمهري"، "الفرطاس في الخلوة "،جريدة المرصاد، ع:36 (09/ 12/1932م). (1/334)
صفحة 335
هذه التركيبة الفنية كانت مزيجا بين مخارج عديدة، بدأت بالحلقي وانتهت باللساني. بالإضافة إلى الجمع بين صفات أصوات كثيرة: الشدَّة والرخاوة، الهمس والجهر، والانخفاض والاستعلاء، الانفجار ... فالجمع بين تلك المخارج والصفات المتقابلة، وما تولَّد عن ذلك من تكرُّر نبرات متشابهة من خلال حركة (الفتحة) التي عمَّت أغلب حروف النص. والفتحة صوت ليِّن قصير، يسمع بوضوح من مسافة بعيدة (1). كلُّ ذلك أكسب النص جمالاً ومتعة فنية، وأعان على توضيح ما أراد الكاتب إبرازه والكشف عنه وهذا بفضل التوليد والتلاعب بالألفاظ.
غير أنِّي أسجِّل على النص ضعفًا، يبدو فيما يأتي:
1 - التدرُّج في توليد الكلمات والتلاعب بالألفاظ بدا فيهما الضعف؛ بسبب التكلُّف في ذلك؛ إذ لم يكن التدرُّج في هذا التوليد متناميًا بل كان متذبذبًا في دلالاته ومعانيه فالبداية بعد البكاء كانت بـ (زَهَقَ) التي تعني أنَّ الشخص قد انتهى لأنَّ زُهوقَ النفس يعني هلاكها، وخروجها من الجسم، بعد الزهوق يأتي الشهيق وهو بكاء الرجل في صدره ليتدعَّم بالشخير، الذي هو صوت ينطلق من الحلق أو الأنف، ويتأكَّد بالنَّخير، وهو مدُّ الصوت في الخياشيم ... هذا الاضطراب في وصف حالة المسخور منه مسَّ من القيمة المعنوية للنص، وهو عيبٌ يؤخذ على الكاتب.
2 - اللجوء إلى الترادف المعنوي بدون مبرِّر، لم يكن ذلك إلاَّ للاستجابة للعاطفة الجيَّاشة والرغبة في إيجاد موسيقى داخلية، تسمحان باختيار الأسلوب المناسب، ولغة التعبير الملائمة. لذلك فإن التوليد قد نجح موسيقيًا ولحقه بعض الضعف معنويًّا.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فكتب ساخرًا من بعض الذين قصدوا بيت الله الحرام للحجِّ، وقد كانوا حجَّاجًا شكلاً، لكنَّهم كانوا بعيدين عن صفات الحجَّاج. سجَّل الكاتب هذه الملاحظة تعليقًا على قصيدة لمحمد العيد، كان هنَّأ بها
__________
(1) وهو أوضح من الضمَّة والكسرة. ينظر الدكتور إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، ط5، نشر مكتبة الأنجلو مصرية، سنة 1975م، ص: 27. (1/335)
صفحة 336
حجَّاج بيت الله: "وليس كلُّ الحجَّاج يستحقون هذه التهنئة، ففيهم من حجَّ زورًا، وعمل مُنْزَوِرا، ورجع موزورا، وأهدى بدنه، فكأنما قرَّب زرزورا ... " (1).
رغبة الكاتب في السخرية والتهكم جعلته يلجأ إلى طريقة التلاعب بالألفاظ، ليولِّد من ذلك معاني بحسب الألفاظ (المولَّدة أو المستدعاة) التي توفَّر عليها نصُّه، فالحجُّ كان من البعض (زورًا)، ليس فيه صدى الإيمان ولذلك كان في هذا العمل انحراف واعوجاج، ليست فيه استقامة (منزورًا)، وكان من أدلَّة هذا الانحراف البخل في الإنفاق، والتقتير في الهدي، فبدل تقديم ناقة، كان الهدي (زرزورًا)، ولذا فعوض أن يرجع الحاج مأجورًا، قفل إلى بلده (موزورًا).
هذا التوليد صاحبته موسيقى داخلية أوجدها الكاتب من المزج بين الأصوات. فقد زاوج بين حرفي (الراء والزاي) اللسانيَّين، المتَّصفين بصفة الجهر، كما قابل في الكلمات بين الشدَّة والرخاوة: الراء الشديدة الذلقة والزاي الرخوة الصامتة، توسطَّهما حرف اللين (الواو) وبذلك يضيق مجرى النفس ثم يتَّسع وينطلق دون أن يكون أمامه حائل أو مانع، ثمَّ ينحبس الهواء قليلاً، ثم ينطلق ... تتكرَّر العملية مرَّات مع عدد الكلمات المولَّدة. ومن هنا يحدث حفيف وصفير كصفير الطائر. يعبِّر عن هذا الزفير الذي يرسله الكاتب حسرة من سلوك الناس وانحرافهم، ويكشف عن الضيق والقلق، الذي سبَّبه هذا السلوك. ضيقٌ حاول الكاتب التخلُّص منه، لكنَّه تعثَّر ثمَّ انطلق، مثل ما يحدث للهواء أثناء الكلام، الذي يخضع للرَّخاوة والشدَّة والجهر والذلاقة والصمت. التلاعب بالألفاظ والتوليد أضفيا على النص مسحة من السخرية بالإضافة إلى السجع والموسيقى الداخلية.
ويكون التنفيس عن النفس، وإزالة ما بها من غيظ، دافعًا للُّجوء إلى أسلوب التلاعب بالألفاظ، الذي تفرغ بواسطته أحاسيس ومعان، تحمل السخرية والتهكم بالمعنيِّ وبالمشار إليه.
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 214. المقال بعنوان "نفحات من الشعر الجزائري الحديث". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:94 (07/ 11/1949م). (1/336)
صفحة 337
يشتدُّ الغضب بالبشير الإبراهيمي على الحكومة الفرنسية المتحكِّمة في مصير الجزائريِّين، ويتذمَّر من تصرُّفاتها التعسفية، التي ليس لها حدود (1)، فيكتب مطلقا العنان لقلمه يدبِّجُ كلامًا، قوامه كلمات مشتقَّة من اسم (الحكومة)، يسلب من خلالها من الحكومة كلَّ المعاني الحسنة، وينسب إليها كلَّ معاني الضعة والسفالة والانحطاط، في وصف ساخر هازئ: "وإذا قلنا (الحكومة) فإنَّنا لا نعني رجالاً يحملون ألقابًا عالية، ويقتعدون مناصب رفيعة، ويذهب الواحد منهم فيخلفه آخر، وإنَّما نعني هذا الجهاز الاستعماري الثابت المقيم، الذي لا يبرح من موظَّفين صغار ومعمِّرين كبار. فهؤلاء في الجزائر هم الحكام وهم الحكومة وهم الحكم، وهم كلُّ ما يتصرَّف من هذه المادة، لا نستثني إلاَّ المحكوم والحكمة والحكيم، فليس فيهم محكوم. بل كلُّ واحد منهم جبَّار في الأرض، وليس في أعمالهم حكمة، وإنَّما هي ظلم، تمدُّه قوة، يمدُّها استعلاء، تمدُّه عنصرية رعناء" (2).
ما يصدر من الحكومة هو الجور والظلم، وما يأتيه الحكام هو الباطل، وما يصدره الحَكَمُ الخصم هو الحيف والقسوط. وكلُّ ما يتصرف من اسم الحكومة لا يخرج عن هذه المعاني بل إنَّ التعسُّف يتسلسل في أعمالهم، كما أشار الكاتب إلى ذلك في آخر النص وفي بقية المقال. بينما الحكمة بعيدة عن سلوكهم.
اشتقاق الألفاظ الذي ولَّد معاني ذات دلالات نفسية خاصة، كان طريفًا، وقد حمل سخرية الكاتب من الحكومة الاستعمارية. إلاَّ أنَّ هذه السخرية كانت بسيطة، وكان التكلُّف في هذا التلاعب بالألفاظ غير خفيٍّ. المهمُّ أن الكاتب كان يهدف إلى التهكم، وإلى إفراغ ما في نفسه من كمد وحسرة. هذه خاصية في أدب الإبراهيمي الذي يميل إلى الإطناب أحيانًا، ويشغف بالاشتقاق والتوليد
__________
(1) خاصَّة بعد أن كشف أحد أعضاء البرلمان الجزائري عن مؤامرة كبيرة، وحملة واسعة النطاق للقضاء على الوجود الإسلامي في الجزائر، وقد صدّقت ذلك حوادث وقعت في بعض المدن الجزائرية، لم تحرِّك الحكومة ساكنًا لمعاقبة مرتكبي الجرائم.
(2) عيون البصائر، ص: 411، 412. المقال تحت عنوان: "ويحهم أهي حملة حربية"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:146 (12/ 03/1950م). (1/337)
صفحة 338
والتلاعب بالألفاظ. ومن خلال ذلك يسعى إلى تبليغ أفكاره ومشاعره، فهو "يستثمر أحيانًا المادَّة اللغوية، فيشتقُّ منها اسمين فأكثر لاستقصاء المعنى المراد، إذ لو ذكر مشتقًّا واحداً لما تمَّت الفكرة، ولبقيت ناقصة" (1).
قد لا يشبعنا الكاتب ضحكًا وسخرية، لأنَّ التهكُّم ليس عميقًا في هذه النصوص، إلاَّ أنَّنا نحسُّ من خلال هذه السخرية الخفيفة مرارة وألماً وحزنًا تعصر قلب الكاتب، أراد التغلُّب عليها بأية وسيلة ممكنة، وبما يمليه عليه ظرفه، ومؤهِّلاته الآنية، وبما يحمله من إمكانات الاستخفاف والتعالي الساخر على المعنيِّ والمستهدف. فاستجابت له أدواته الفنية، وهدته إلى أسلوب توليد المعاني، عن طريق التلاعب بالألفاظ، الذي هو مولع به كثيرًا. وقد رأى في هذه الطريقة نيلاً من الخصم وتأكيد معاني السخرية، وهنا نلمس أثر الثقافة البيانيَّة في كتابته (2).
لم تكن لغة الشعر الجزائري الساخر ببعيدة عن لغة النَّثر في الخصائص المذكورة آنفًا؛ لذا نحاول الإشارة إليها إشارة عابرة استكمالاً للجوانب المتعلِّقة بالموضوع فقط.
غلب على كثير من النصوص طابع المباشرة والوضوح والسهولة؛ للعوامل التي ذكرناها سابقاً (3). فرمضان حمُّود يعرض علينا سخطه على الجامدين فكريًّا، فيهجوهم هجاءً ساخرًا، كاشفًا عن حقيقتهم. وذلك بلغة خالية من التصوير، وبعيدة عن التعقيد اللغوي والمعنوي في الوقت نفسه. يقول:
فمن أراد أن يحيا على الناس مشرفا ... ومنعزلاً عنهم يحبُّ التصوُّفا
يقدِّم رجلاً، ثم يدبر عشرة ... وإن سمع الأقدام زاد توقُّفا
__________
(1) عبد الحميد بوزوينة، بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي (دراسة وصفية تحليلية فنية)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1988م، ص: 61. ينظر أيضا ص: 25.
(2) ممَّن يميل إلى طريقة التلاعب بالألفاظ مفدي زكريَّاء. ينظر مثلاً مقاله "إلى البلبل الزعلان"، جريدة الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م).
(3) ينظر ص: من هذا البحث. (1/338)
صفحة 339
ويمضي على قتل الجديد من أصله ... ويرجع للقصر القديم، وقد عفا
ألا قل له فليتَّخذ فوق ربوة ... مغاراً كحجر الضب سجنًا ومختفى
هناك تحت الصخر ينحت كهفه ... ويبكي على أفكاره متلهِّفا
ويترك ما من شأنه أن يضرَّه ... كرفع بلاد بعدما كان صفصفا (1)
(1) كان الشاعر ساخرًا بواسطة الهجاء، الذي عمد فيه إلى القدح والغمز والتحقير. وقد استعمل في ذلك لغة بسيطة واضحة، ولم يلجأ إلى التصوير ولا إلى التلميح، إذ أنَّه اكتفى في الإعلان عن مشاعره وتذمُّره بعرض سلوك الجامد، وطبيعة عمله وحقيقة تفكيره بلغة قريبة إلى النّثر منها إلى الشعر بما وسم نصه بالمباشرة والتقريرية.
الملاحظة نفسها تنطبق على نص محمد السعيد الزاهري، الذي هاجم فيه الصوفية والطرقية؛ بذكر بعض مخازيها. وقد هدف إلى السخرية والتهكم، إلاَّ أنَّه بقي في دائرة السرد والعرض، نائيًا عن التصوير، وقد كانت لغته بسيطة وواضحة، إلى حدٍّ وصمت النص بالضعف الفنِّي. هذه أبيات منه:
ولربَّما زار النساءُ مرابطا ... قد جئنه لتطلب البركات
فينال ما يعطينه، وينلن ما ... ينويه، لكن على النيَّات
وعفيفةٍ هتَكَ المرابطُ عرضها ... وتظن ذلك أطهر القربات
فتظلُّ تفخر في النساء بأنَّها ... ظفرت من الأيَّام بالرغبات
هذا التصوُّف عندهنَّ وهذه ... آثار علم القوم والسادات (2)
قصد الشاعر إلى السخرية بارزٌ، إلاَّ أنَّ هذه السخرية كانت ضعيفة؛ بسبب المباشرة في التعبير والوضوح المفرط في اللغة. فإذا استثنينا بعض الكلمات التي يبدو فيها بعض التكثيف المعرِّض (البركات، على النيَّات، آثار علم القوم ... ) فإنَّ باقي الألفاظ لا تخرج عن الوصف الذي ذكرناه.
__________
(1) رمضان حمُّود حياته وآثاره، ص: 201، 202.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 602. (1/339)
صفحة 340
المباشرة والوضوح والسهولة نلحظها أيضًا في نص ”صالح خبَّاشة“ الذي تهكَّم فيه بـ”روبير لاكوست“ (1):
متى أصبحتم قوَّاد حرب؟ ... ألا عفوًا نسينا فاعذرونا
عرفناكم بـ (موسكو) حين أبتم ... بنور الانتصار محجَّلينا (2)
ورتَّلنا بطولتكم نشيدًا ... بما أبديتمُ في (لاندوشينا) (3)
بما خلَّدتم في (دْيانْ بْيَانْ فُو) ... وأرغمتم عليه (هوشيمينا) (4) (5)
في النص سخرية وتعريض بلاكوست وبانهزام شعبه وأسلافه المتكرِّرة، إلاَّ أنَّ النص تغلب عليه التقريرية واللغة الواضحة، الخالية من الإيحاء.
ومن بين الخصائص التي سجَّلناها للشِّعر الجزائري الساخر خصِّيصة التكثيف، التي حاول الشعراء من خلاله التهكم بمن تناولوه. نمثِّل لذلك بلفظة (زعم) التي تردَّدت كثيرًا في الشعر الجزائري. يقول محمد السعيد الزاهري، مهاجما الطرقية:
كانوا طوائف شتَّى، كلُّ طائفة ... تطيع شيخًا لها في كلِّ ما زعما
إن قال إنِّي (وليٌّ) صدَّقوه، وإن ... هو ادَّعى الغيب، قالوا أحكم الحكما
وإن تعلَّم بعض الشيء تهجية ... قليلة، هتفوا يا أعلم العلما (6)
فالزعم الذي يعبَّر به عادة عما يُشكُّ فيه، أو ما يعتقد كذبه، وظَّفه الشاعر ليثبت زيف ما يدَّعيه شيخ كلِّ طريقة، وليكشف عن سذاجة عقول أتباع هذه
__________
(1) ربير لاكوست ROBERT LACOSTE حاكم عام مقيم في الجزائر أثناء الثورة التحريرية. يطلق عليه مجرم الحرب.
(2) إشارة إلى انهزام "نابليون" في روسيا.
(3) هي الهند الصينية كما ينطقها الفرنسيُّون.
(4) إشارة إلى المعركة الفاصلة التي انهزم فيها الفرنسيُّون مستسلمين، أمَّا " هو شيمنه " فهو الزعيم الذي قاد ثورة الهند الصينية، وكان رئيس جمهورية فياتنام الشمالية.
(5) الروابي الحمر، ص: 57، 58.
(6) صالح الخرفي، الشعر الجزائري، ص: 37. ينظر استعمال الكلمة الشاعر نفسه، المرجع نفسه (الملحق الشعري)، ص: 21. (1/340)
صفحة 341
الطرق، وعن كلِّ ما يمكن أن يستنتجه المتلقِّي من الأفكار، التي تفرزها السذاجة، والاتِّباع الأعمى لمن تكون أعماله زعمًا.
يؤكِّد ذلك ما جاء في الأبيات، التي جاءت في القصيدة، من تصديق الشيخ في كلِّ ادِّعاءاته، وعدَّها من الدين، ولو كان ظاهرها يكشف عن الانحراف. ونقف على ما في الكلمة من تكثيف حين نربط بين توظيف الشاعر لها واستعمال القرآن لها في معرض التعريض بالمشركين الذين كانوا يناوئون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين (1).
يضيف الشاعر إلى الكلمة (زعم) لفظة (زعانف) التي تعني من بين ما تعنيه: كلُّ جماعة ليس أصلهم واحداً، وتعني الخرق والبلى وهو ما يفرزه (الزَّعم).كلُّ ذلك ليزيد المعاني السابقة رسوخًا في الذهن، وليكون التكثيف أكثر فعالية في التعبير:
وزعانف زعموا بأنْـ ... نهمُ الضراغمة الأسود
ظنُّوا السيادة في اللِّحي ... وبطُولهِنَّ وبالجعود
أبصرتهم يتفاخرون ... على البرية بالجدود (2)
وبالوسيلة نفسها (التكثيف) وباللفظتين أعينهما (زعم، زعانف) وسرد المعاني ذاتها، التي أشار إليها الزاهري، وللغرض نفسه وهو السخرية من الطرقية كتب "قدُّور الحلوي" بأسلوب فكاهي طريف يصوِّر بعض البدع، التي كان يأتيها الطرقيُّون. كتب على لسان الشمعة التي كانوا يتبرَّكون بها:
أشركوني بالله، لله أشكو ... من صنيع الزعانف الجهَّال
زعموا أنَّني أريد وأقضي ... نسبوا ليَ التأثير في كلِّ حال
وتنادَوا من رام حفظ كتاب ... فليغالب في سومها وليغالِ (3)
كما لا نعدم في الشعر الجزائري الساخر اللغة القوية، خاصة حين يكون في الأمر استفزاز وتعدٍّ سافر على الحرمات، وتحدٍّ للمقوِّمات. وحين يوجد الشاعر
__________
(1) ينظر معجم الألفاظ والأعلام القرآنية ج1، ص: 240.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 598.
(3) م. س، ص: 590. (1/341)
صفحة 342
الذي يملك من المؤهِّلات الفنية والشعورية ما يعينه على بثِّ القوَّة ألفاظه، بقدرٍ يناسب قوَّة المعارك التي تخاض مع الخصم العتيد، مثل مفدي زكريَّاء الذي يؤمن بالقوَّة فضيلة تحقِّق المجد، وتتصدَّى للظُّلم، وتتحدَّى الموت، ويراها "وسيلة لغاية شريفة هي الحرية في أسمى معانيها، حرية الاعتقاد، حرية الانتقاد، حرية الفكر، حرية القول، حرية السكون وحرية الحركة" ... (1).
كتب بهذه الخاصية معظم قصائده، الثورية منها والمناهضة لكلِّ انحراف بخاصة، لمَّا أقدم العدوُّ الفرنسي على تصعيد أعماله التعسفية ضدَّ الوطنيِّين الجزائريِّين: سجنا ونفيًا وتقتيلاً وتنكيلاً، وحين نفَّذ حكم الإعلام على "أحمد زبانة" (2) منذراً الوطنيِّين بعاقبة التمادي في عمليَّات ”التمرُّد“ على فرنسا، منبّهًا إلى الكفّ عن هذه الممارسات وعن الكفاح، كتب مفدي زكريّاء مجيبا فرنسا، ومعقّبًا على اطروحاتها، مستهزئًا بها وساخرًا متهكما:
يا فرنسا امطري حديدًا ونارًا ... واملئي الأرض والسماء جنودا
واضرميها عرض البلاد شعاليـ ... ـل، فتغدو لها الضعاف وقودا
واستشيطي على العروبة غيظًا ... واملئي الشرق والهلال وعيدا
سوف لا يعدم الهلال صلاح الدْ ... دِين، واستصرخي الصليب الحقودا
واحشري في غياهب السجن شعبًا ... سيم خسفًا، فعاد شعبًا عنيدا
واجعلي بربروس في خياشم الفلك الدوْ ... وَار حبلاً، وأوثقي منه جيدا
عطّلي سنّة الإله كما عطْ ... طلت من قبل "هوشيمن" المريدا (3)
حشد الشاعر في ألفاظه كلَّ ما يملكه من طاقات تصويرية لإبراز مشاعره، التي تحمل سخرية وتهكما من العدوِّ، الذي يزعم أنَّه يملك من القوَّة والبأس ما يمكِّنه
__________
(1) أحمد رحماني، " لغة القوَّة في شعر مفدي زكريَّاء " الحلقة الثانية، مجلَّة الضاد" (قسنطينة)،ع: 8 - 9، ديسمبر/ جانفي، 1984م، ص: 14.
(2) أوَّل شهيد دشَّن المقصلة وذلك يوم 18 جويلية 1956، خلافًا لما جاء في اللهب المقدَّس ص: 9، سنة 1955. ينظر محمد ناصر الشعر الجزائري الحديث ... ص: 322.
(3) اللهب المقدَّس، ص:17، 18. (1/342)
صفحة 343
من القضاء على جذوة الثورة وحرارة الجهاد والنِّضال. هذه القوة تتجلَّى في أفعال الأمر المتلاحقة المدوية، والمتدفِّقة تدفُّق مشاعر الشاعر التي ليس لها توقُّف ولا نهاية. هذه الأوامر التي تحمل سمات التهديد لخروجها عن مقتضى الظاهر بلاغيًّا، والأمر يفترض أن يكون صادرًا من الأعلى إلى الأدنى (هكذا كان يدَّعي الاستعمار أنَّه الأعلى وغيره هو الأسفل) لكنَّ الأمر هنا صدر من الشاعر إلى السلطة الحاكمة. الألفاظ القوية التي نجدها في النص هي: (امطري، حديدًا، جنودًا، اِضرميها، شعاليل، وقودًا، استشيطي، غيظًا، وعيدًا، أحشري، أوثقي، المريدا ... ).
والقوَّة تبرز أيضًا في اللجوء إلى حروف اللين (واو، ياء، ألف) والحركات (الفتحة، الضمَّة، الكسرة) وحروف اللين من طبيعتها أنَّها تساعد على بثِّ المشاعر بطلاقة وحرية؛ لأنَّ الصفة التي تتَّصف بها هي: "أنَّه عند النُّطق بها يندفع الهواء من الرئتين مارًّا بالحنجرة، ثم يتَّخذ مجراه في الحلق والفم في ممرٍّ ليس فيه حوائل تعترضه" ... (1) كما أنَّ نسبه حركة الفتحة - وهو صوت لين قصير- في النص عالية بالمقارنة مع الضمة والكسرة، وهو ما أعان على تبليغ المشاعر بوضوح. والفتحة تسمع من مسافة أبعد بكثير، وهي أوضح من الضمَّة والكسرة (2). إنَّ هذا من تمام القوَّة التي تُنتِج الحرية للقول والإفصاح عن المشاعر. وفي اختيار رويِّ القصيدة دالاً مجهورًا شديدًا انفجاريًّا، يعكس القوَّة التي يحملها النص.
كلُّ هذه المواصفات التي تحمل دلالة القوَّة، عبَّرت عن السخرية والتهكم من فرنسا، بلغة قوية فخمة صاخبة، لا تقبل اللين والرفق بمن لا تسكن قلبه الرحمة. وهي اللغة التي تتماشى مع مدلول الثورة والفداء والدماء.
وبأقلِّ قوَّة، لكن بكثير من السمات التي لحظناها في نصِّ مفدي زكريَّاء كتب صالح خبَّاشة يعيب على فرنسا تصرُّفاتها وممارساتها التعسُّفية وفتكها بالأهالي دون تمييز بين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة ... كتب يسخر منها، ويأمرها
__________
(1) الأصوات اللغوية، ص: 26.
(2) م. س، ص: 27. (1/343)
صفحة 344
بالمضيِّ في ظلمها وطغيانها. يتهكم بها لأنَّها تظنُّ بأنَّها بذلك ستنتصر على قوَّة إيمان الشعب بقضيَّته، وهو وَهمٌ سيقضي عليها، بل قال لها:
سوقي جيوشك للفنا لا تجزعي ... دول (الشمال) على يمينك حاميهْ
لا تقربي الآساد في آجامها ... فقطوف هامات الأهالي دانيهْ
لا ترحمي الأيتام في أكواخها ... مثل الهياكل، تائهات باكيهْ
لا تهملي تلك الحوامل فابقريـ ... ـها، واهتكي ستر الحريم علانيهْ
ولتنهبي كلَّ الذخائر دون أيِّ ... تحرُّجٍ، إنَّ الخزائن خاويهْ
دكِّي المنازل، حرِّقي سكَّانها ... وإلى دياجير السجون الباقيهْ
إيماننا أرسى من الجبل الأشمْ ... مِ، وصخرنا يوهي الرؤوس الباغيهْ (1)
نعثر في النص على هذه الكلمات القوية (سوقي، الفنا، الآساد، فابقريها، اهتكي، دكِّي، حرِّقي، دياجير، صخرنا، يوهي، الجبل الأشمَّ .. ) التي ساقها الشاعر في سياق التهكم المعرِّض، الذي سبَّبه غضب عارم، وقلق كبير على حال الثورة، وضيق من حيف فرنسا وظلمها الذي ليس له حدود.
كما نلحظ قوَّة الألفاظ في هذه الجزالة التي تعطي التراكيب - التي يتكوَّن منها الكلام- متانة وتماسكًا بين أجزائه، والتحامًا بينها وتجربة الشاعر: فحين نستقرئ الحروف أو الأصوات التي بنى بها الشاعر نصَّه، نجدها أصوات اللين، التي تعين على وضوح الفكرة والمعنى، وأصواتًا مهموسة مع قلَّة من الأصوات المجهورة، وأصواتًا رخوة مع قلَّة من الأصوات الشديدة: (القاف) المهموسة الشديدة تكرَّرت ست مرَّات. (الحاء) المهموسة الرخوة تكرَّرت ست مرات. (الهاء) المهموسة الرخوة تكرَّرت تسع مرَّات. (السين) المهموسة الرخوة تكرَّرت سبع مرَّات. (الجيم) المهجورة تكرَّرت ست مرَّات. (الميم) المجهورة تكرَّرت إحدى عشرة مرَّة. إلى غير ذلك من الأصوات التي تجاورت، فتآلفت لتنتج هذه الجزالة، التي تعطي النص قوَّة تعكس قوَّة مشاعر الشاعر.
__________
(1) الروابي الحمر، ص: 73، 74. (1/344)
صفحة 345
واختيار قافية تنتهي بياء موصولة بهاء السكت، مَنحَ النص سلاسة وسهولة في النطق، وقد توفَّر في هذا الاستعمال تباعد المخرجين (الحلق واللسان) وتقابل الصفتين (الهمس والجهر). هكذا تكون النهاية معبِّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها.
خلاصة القول في النص: إنَّه جمع بين صفات مختلفة، تآلفت في سياق من الانسجام؛ لتوجد جوًّا من السخرية بمن يدَّعي الانتصار والقوَّة. كما توفَّر في النص الوضوح دون ركاكة، والعمق دون غموض أو إبهام. وهذا هو معنى الجزالة، كما يراه أبو الهلال العسكري: "أمَّا الجزل والمختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة ولا تستعمله في محاوراتها" (1).
ومن جملة ما أوجد هذه الجزالة هذا الهمس الذي قال عنه محمد مندور: "إنَّ الهمس إحساس بتأثُّر عناصر اللغة، واستخدام تلك العناصر في تحريك النفوس وشفائها ممَّا تجد، وهذا في الغالب لا يكون من الشاعر عن وعي بما يفعل، وإنَّما هي غريزته المستنيرة ما تزال به، حتى يقع على ما يريد" (2).
من كلِّ ما تقدَّم بما وضَّحناه تتكوَّن الرنَّة المدوية، التي تنجذب إليها النفس لتعي حقيقة ما تحمله الكلمات، التي تكشف عن خطورة الوضع، الذي يجب العمل على تغييره؛ لأنَّ الشاعر، بقدر ما يسخر من ادِّعاءات العدوِّ، فهو يعترف بفظاعة الوضع وعسره؛ لذا كان يلمِّح إلى أنَّه يجب على الجزائريِّين مضاعفة النضال، وهو في هذه السخرية الظاهرة، يستنهض الهمم، ويشحذ العزائم بدليل قوله بعد ذلك:
قسماً سنضرمها إلى يوم القيا ... مة يا فرنسا أو تتوبي جاثيهْ
إنْ تجنحي للسَّلم نجنح للسَّلا ... مِ، ومن تروق له الحروب الداميهْ؟ (3)
__________
(1) يحي الشيخ صالح، شعر الثورة عند مفدي زكريَّاء (دراسة فنّية تحليلية)، ط1، دار البعث، قسنطينة، سنة 1987م، ص: 375. نقلاً عن عبد العزيز عتيق، في النقد الأدبي، دار النهضة العربية، بيروت، سنة1972م، ص:152.
(2) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ... ص: 325. نقلاً عن د. محمد مندور، في الميزان الجديد، نهضة مصر، القاهرة، دون تاريخ، ص: 69. بتصرّف.
(3) الروابي الحمر، ص: 74. (1/345)
صفحة 346
هذا هو فعل اللغة القوية الجزلة؛ إلاَّ أنَّ الشاعر صالح خباشة لم يكن متعمِّدًا هذا الانتقاء واختيار ألفاظه بهذا الحسِّ الصوتي، لكن الصدق الفنيَّ والتمرُّس على الكتابة الفنية وامتلاك أدواتها، هي التي وضعت الفنَّان في هذا السبيل وفي هذا يقول محمد مندور: "إنَّ الشاعر القويَّ ليس هو الذي يعتمد في قوَّته على قوَّة الألفاظ، وإنَّما الشاعر هو الذي يهمس فتحسُّ صوته خارجًا من أعماق نفسه في نغمات حارَّة ... " (1).
من هذه النماذج يتبيَّن لنا أنَّ الأدباء قد نوَّعوا في لغتهم بين الوضوح والبساطة والتكثيف والقوَّة ... غير أنَّ الطابع العام الغالب على لغتهم هو السهولة والوضوح للأسباب التي ذكرناها آنفا. وقد كان الضعف نصيب كثير من النصوص؛ لعدم توفيق أصحابها إلى الملاءمة بين التجربة واختيار الرموز اللغوية المناسبة؛ لأسباب قد يكون منها عدم التحكُّم في المشاعر المضطرمة والانفعالات، وعدم التوفيق إلى اختيار القالب المناسب لها. وقد يكون القصور الفنِّي، لأنَّ السخرية تتطلَّب مستوى أدنى – فنيًّا- لا يمكن النزول عنه. وليس كلُّ الأدباء يملكون هذا المستوى. لكن ما يمكن تسجيله هو: إنَّ هذه اللغة تمكَّنت من بلوغ مراميها في أغلب الأحيان في التعبير والإفصاح عن المشاعر، والتنفيس عن آثارها في الصدور ...
ب - الصورة الفنية:
يعدُّ التصوير عنصرًا أساسيًّا في العمل الأدبي الشعري منه والنثري؛ إذ لا يُتصوَّر أدب جميل بدون صور فنية. والإبداع والتجديد والتطوُّر يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى في جانب التصوير الفنِّي. كما أنَّ للتَّصوير علاقة وثيقة بالشعور؛ إذ أنَّ الأديب الفنَّان يعمد إلى التصوير ليكشف عن مشاعره وأحاسيسه، وبه يطلع المتلقِّي على عالمه الداخلي ليؤثر فيه نفسيًّا، ومن ثمَّ ينقل إليه العدوى الشعورية؛ ليعيش معه ملابسات الموضوع أو الفكرة أو الشعور، يقول سيِّد قطب عن العمل الأدبي: "إنَّه
__________
(1) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ... ص: 624. (1/346)
صفحة 347
التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية" (1). أي بالتصوير يتمُّ تشخيص الحالة النفسية؛ لأنَّ العمل الأدبي وحدة مؤلَّفة من الشعور والتعبير (2) ويضيف سيِّد قطب: "فميزة التعبير الأدبي هي الظلال التي يخلعها وراء المعاني، والإيقاع الذي يتَّسق مع هذه الظلال، ويتَّفق في الوقت ذاته مع لون التجربة الشعورية التي يعبِّر عنها، ومع جوِّها العام" (3). كما أنَّ التصوير يعين على إثارة العواطف الأخلاقية والمعاني الفكرية (4) وإيجاد العلاقة بين الفكرة والواقع الحيِّ، بل بين الأشياء المتباعدة.
هذه بعض مميِّزات التصوير التي يستوي فيها الشعر والنثر؛ إذ الجمال الفنِّي يمكن أن يتوفَّر في كليهما بل إنَّنا -أحيانا- لا نتمكَّن من إيجاد حدٍّ فاصل بينهما؛ حين نكون أمام نصوص ذات التصوير الفنِّي العالي، هذا ما جعل أحد الدارسين يقول: "إنَّ أساس شاعرية النثر يكمن في طريقة استخدام اللفظة في النص الأدبي" (5) "فليست هناك كلمة شعرية وأخرى غير شعرية، وإنَّما هناك أساسًا تشعير للكلمات المستحدثة" (6).
نسأل بعد ذلك كيف كان التصوير في الأدب الجزائري الساخر؟
للإجابة عن هذا السؤال صنَّفنا هذا التصوير تحت عناوين تمثِّل أنواع الصور المعروفة في الدراسات الأدبية والنقدية.
1 ـ الصورة البلاغية:
نعني بها تلك الصور التي يبنيها الأديب استناداً إلى أساليب بيانية، تندرج ضمن أبواب البلاغة، على منوال ما كانت عليه أغلب صور الأدب العربي القديم، التي
__________
(1) سيِّد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشروق، بيروت، القاهرة، سنة1403هـ/1983م، ص:9.
(2) م. س، ص: 21.
(3) م. س، ص: 43، 44.
(4) الدكتور مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، ط3،دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، سنة1983م ص: 8.
(5) بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي، ص: 128.
(6) د. صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، ط3، دار الشؤون الثقافية العامَّة. بغداد، العراق، سنة 1987م، ص: 399. (1/347)
صفحة 348
كانت تجسِّد مفهوم التصوير في النقد العربي القديم. نماذج من هذا التصوير هو ما نعثر عليه بكثرة في الاتِّجاه المحافظ والاتِّجاه الوجداني في الأدب الجزائري. وهو التصوير السائد في الفترة التي حدَّدناها للدراسة (1) نحاول فيما يأتي ضرب أمثلة لذلك.
رمضان حمُّود يسخر من دعاة التجديد، ويتهكم بهم، ويعرِّض بهم، ويتَّهمهم في رجولتهم، ويشكُّ في حقيقة جنسهم، حين يلحظ فيهم الغيرة المفرطة على المرأة، وعلى حقوقها أكثر من غيرة الإسلام عليها. في هذه السخرية يلجأ إلى التصوير البلاغي المبنيِّ على التشبيه فيقول: "ومن الغريب أنَّ أوَّل من يلج منكم هذا الميدان الواسع الفجاج -ميدان التجديد المعكوس- يرفع عقيرته بالمطالبة، فكأنَّه فرد من أفراد تلك العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج، وكأنَّه موكل من طرفهنَّ لإبلاغ الرجال الحقيقييِّن أنَّ في جانبهنَّ رجالاً يتمنَّون أن يكونوا مثلهنَّ في جميع الصفات والحالات ... ومن يدري - والدهر أبو العجائب - أن لو عرضناكم على المشرِّحين لتغيَّر رأينا، وانقلبت القضية، وكان شأننا معكم غير هذا الشأن، ومن يدري، والشكُّ في كلِّ شيء مذهبكم" (2).
التصوير الساخر يتجلَّى في التعريض بسلوك هؤلاء المجدِّدين، ويبرز في الشكِّ في جنس أولئك الناس ورجولتهم؛ تبعًا لغيرتهم الشديدة على العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج. ويلوح التهكم في تلك الظلال والامتدادات الشعورية التي تحاول أن تنقلنا إلى داخل نفس الكاتب؛ لنكتشف الحسرة التي تملأ قلبه، ودرجة المقت والاحتقار اللذين يكنِّهما لهؤلاء المجدِّدين على غير قاعدة أصيلة.
ما أفاد هذا التصوير الساخر هو الوسيلة البلاغية: التشبيه: (فكأنَّه فرد من أفراد تلك العائلة اللطيفة الرقيقة المزاج، وكأنَّه موكل من طرفهنَّ لإبلاغ الرجال الحقيقييِّن أنَّ في جانبهن رجالاً يتمنَّون أن يكونوا مثلهنَّ في جميع الصفات والحالات). فالتشبيه بلفظتي (كأنَّه، ومثل) قدَّم - مع بقية الألفاظ- صورة أدبية،
__________
(1) ينظر محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ... ، ص: 426 وما بعدها.
(2) رمضان حمُّود حياته وآثاره، ص: 147. (1/348)
صفحة 349
ترجمت مشاعر الكاتب، إلاَّ أنَّها تبقى ضعيفة فنيًّا؛ لأنَّ التشبيه هنا أوجد نوعًا من الانفصال بين التجربة الشعورية، أو الصراع الداخلي والموضوع الذي يعالجه. فالأداتان (كأنَّ، مثل) وقفتا حاجزًا منع المتلقِّي من تصوُّرِ الكاتب مندمجاً ومنصهرا في تجربته الشعورية كامل الاندماج، ومن ثمَّ كان الإيحاء والرمز في الصورة ضعيفًا.
ومن الصور التي اعتمدت على التشبيه ما وصف به مفدي زكريَّاء زبانية السجن الذين يراقبونه وبقية زملائه، الذين لهم من الغلظة والشدَّة ما جعلهم: "يحملون رؤوسًا كرؤوس الشياطين ومفاتيح كأرجل الخيل" (1).
زيادة على هذه الأداة (الكاف) التي أفسدت على المتلقِّي إحساسه بحقيقة معاناة الأديب السجين، فإنَّ التشبيه برؤوس الشياطين تشبيه بمجهول؛ لأنَّ حقيقة الشياطين غير معروفة (2) حتى ولو كانت مفزعة، إلا أنَّها تبقى عاجزة عن تقديم حقيقة ما يعاني منه الكاتب. ومن جهة أخرى فإنَّ الكاتب نحت هذه الصورة من ذاكرته، ولم يبنها من خياله، ولهذا جاءت باهتة وضعيفة فنيًّا.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيتهكم ببعض الناس الذين يصنَّفون في خانة العلماء، لكنَّهم في حقيقة الأمر هم بعيدون عن هذا المستوى؛ بدليل أنَّهم سرعان ما يزحزحون من مركز القيادة والصدارة بمجرد بروز من هو أحقُّ منهم بهذه المكانة. لكي يعبِّر الكاتب عن ذلك عمد إلى التشبيه وقال: ... "بآية أنَّ علمهم لم يؤهِّلهم لقيادة الأمَّة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجرِّ فيدخل عليها، ويعمل فيها" (3).
__________
(1) مفدي زكريَّاء، شاعر النضال والثورة، ص: 268.
(2) لا نقدح في استعمال القرآن لهذه الصورة؛ لأنَّ للقرآن أسلوبه في التخويف والإنذار. كما جاء في قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} سورة الصافات، الآية: 65. وهو تخويف بشيء لا يدرك كنهه، ولا تعرف حقيقته. يعمد القرآن إلى هذا الأسلوب حتى يهوِّل الأمر على الجاحدين والمنكرين لآيات الله، وعلى العصاة؛ ليحتاط الإنسان لنفسه فلا يتنكَّر لربِّه.
(3) عيون البصائر، ص: 639. المقال تحت عنوان " الأستاذ محمد بهجت البيطار". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م). (1/349)
صفحة 350
نلحظ هنا مماثلة هؤلاء الناس لأدوات التصدير، التي لا تثبت على حالها، حين يأتي ما يؤثِّر فيها، فتُجَرُّ مثلما يُجرُّ هؤلاء الناس من مكانهم بسهولة حين يأتي من هو أحقُّ بتلك المكانة. كما نلحظ أنَّ الكاتب استغلَّ ثقافته اللغوية لبناء هذه الصورة. مع ذلك تبقى ناقصة إيحاء وتكثيفا.
ولكي يشير الكاتب نفسه إلى الفراغ العاطفي لرجال الدين نحو الملَّة والوطن، هؤلاء الذين تنتخبهم الحكومة الفرنسية ليسيِّروا مصالحها في الجزائر، بعد أن توثِّق العلاقة بينهم وبينها، وتحلَّ روابطهم بالإسلام الذي يمثِّلونه. لكي يبيَّن أن هؤلاء هياكل بلا روح، وأنَّهم في مواقع المناصب التي يمثِّلونها لا يساوون شيئًا عبَّر بقوله: "ويومئذ يصبحون في الفراغ من المعاني الإسلامية كمدافع المتحف، كلُّ ما فيها من مظاهر الروعة: الاسم والصورة" (1).
يسخر الكاتب من هذا الصنف من الناس، الذين لا يملكون روحًا، ولا يحملون معنى، بل هم هياكل قابعة في مناصبها، تخدم غيرها، وتحقِّق مصالحها، ويختار لذلك صورة المدفع الذي يحتفظ به في المتحف، بعد أن يفقد مفعوله وروعته، التي يكون عليهما حين يكون في ميدان القتال. وقد رأى أنَّ هذه الصورة قادرة على تقديم حقيقة هذا الصنف وتقديرها، وتجسيد مشاعره الحقيقية نحو هؤلاء الناس، وكانت الوسيلة البلاغية (التشبيه) وأدواتها (الكاف) هي الدالة على ذلك. ولكن مع ذلك تبقى الصورة ضعيفة نسبيًّا، لا نلمس فيها ظلالاً نفسية وامتدادات شعورية؛ لأنَّها لم تمكنَّا من الولوج إلى داخل نفس الكاتب، لنعرف ما تعانيه، وإنَّما أبقتنا الصورة نتلمَّس الحقيقة من الخارج. هذا ما يسلم إليه التشبيه عادة. وقد قال إيليا حاوي: "فالكاف وكأنَّ وما أشبه هي وسيلة من وسائل التمييز الخارجي، ونتيجة لرغبة الإنسان في تحديد الأشياء، وفصل بعضها عن بعض فصلاً، تامًّا. إنَّ التشبيه يدلُّ على أنَّ النفس ما برحت تصدر إلى الخارج لتفهم الأشياء أكثر ممَّا تعانيها" (2).
__________
(1) عيون البصائر، ص: 152. المقال تحت عنوان: "فصل الحكومة عن الدين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 142 (12/ 02/1951م).
(2) ينظر مجلَّة الثقافة، (وزارة الإعلام والثقافة بالجزائر) ع: 40، أغسطس، سبتمبر 1977م، ص: 65. (1/350)
صفحة 351
هناك صورة أخرى للكاتب نفسه، قريبة من الصورة السابقة، صوَّرت هذا الصنف من الناس الموظَّفين الرسميِّين، الذين تنتدبهم السلطة الاستعمارية لمنافسة جمعية العلماء في أعمالها، لكن لخدمة أغراض السلطة الاستعمارية: ... "وهي من ورائهم تتوارى، كما يتوارى سائق الحمار بالحمار، ثمَّ يخزه ليندفع على غير هدي الغريزة الحمارية، فلا يفهم الناس إلاَّ أنَّ وراء الحمار سائقًا، وأنَّه يسوقه إلى ما ليس في طبعه، أو ليس في قدرته" (1).
أمَّا "مامي إسماعيل" فيلجأ إلى وسيلة بلاغية أخرى، وهي "الاستفهام"، فيسخر من الذين يهزؤون بالدين، ويعرضون منصبه في المزاد العلني؛ فيتقدَّم إلى شغله كلُّ من هبَّ ودبَّ، ومن ليست له كفاية في تقلُّده: "وهل يتقدَّم للإفتاء المتدرِّبون، أي الذين ابتدؤوا يصلحون المساجد بالمكنسة، وارتقوا إلى مؤذِّن إلى حزَّاب إلى باش حزَّاب، إلى راوي حديث إلى إمام، وهم لا يفقهون من العلم شيئا" (2).
تكمن السخرية في هذا الاستفهام الإنكاري التقريعي التحسُّري من هذا الانحراف عن الفطرة، والقلق من هذه الإهانة، وهذا الازدراء بالدين، حين يكون سبب الارتقاء إلى هذا المنصب الخطير في حياة المسلم هو الجهل المطبق. هكذا يقدِّم الاستفهام صورة من الأحاسيس وامتداداتها وظلالها، التي تجذِّر في نفس المتلقِّي مشاعر الاستياء ومعاني الاستنكار والتذمُّر من هؤلاء العابثين بالدين.
هذه نماذج من الصور التي اعتمد فيها الأدباء على وسائل بيانية بلاغية للإفصاح عن مشاعرهم. غير أنَّ التصوير بدا فيها محدودًا، تنقصه التلميحات الرامزة والإيحاءات النفسية، والتكثيف الذي يفجِّر طاقة اللفظة، ويسبر غور النفس الشاعرة. وهو ما يكشف عن عبقرية الأديب، وعن ضروب إبداعه. هذه المواصفات أو بعضها نعثر عليها في الشكل الآتي:
__________
(1) عيون البصائر، ص: 417. المقال تحت عنوان: "في كلِّ ناد أثر من ثعلبة ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 152 (23/ 04/1951م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 102. (1/351)
صفحة 352
2 ـ الصورة الإشارية المكثَّفة:
"الصورة الإشارية وسيلة من وسائل التعبير يستعملها الشاعر في وضع خاصٍّ، كأن يورد سطرًا أو مقطعًا لشاعر سابق بين ثنايا كلامه، أو يستخدم لغته وإيقاعه في تضاعيف لغته وإيقاعه" (1). أو هي تلك الصورة التي يقدِّمها لنا الشاعر معتمدًا على لفظة قرآنية، أو جملة منه أو مشهد (2). أو صورة يستلهمها ويضعها في سياق خاصٍّ، ويصوغها صياغة شعرية، يضمِّنها دلالات معيَّنة، ويمنحها طاقة تصويرية، بغية الإفصاح عن المكنون وإطلاع الغير على عالمه الداخلي.
يسخر "إيَّاس" من الطرقية، ومن أحد أشياخهم، الذين يدَّعون أنهَّم يملكون كلَّ شيء، وأنَّهم الغاية في العلم، والمنتهى في فقه الشريعة، فيقول عنه: "فلا يعجزه أن يأتي بدليل يبيح به حرامًا، أحوجتنا الضرورة إليه، فأمُرُ الشرع بيده، يمحو ما يشاء ويثبِّت" (3).
تبدو سخرية الكاتب في هذا التصوير المعرِّض، الذي يبرز الشيخ عارفًا بكلِّ شيء، وعالماً وألمعيًّا، حتى إنَّه لا تعجزه قوَّة يغيِّر بها ما فرضه الله من حلال وحرام، تدعو إليه ضرورة السير في منهج الطرقية. لكي يبني الكاتب هذه الصورة استلهم قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (4).
لجوء الكاتب إلى هذه الإشارة القرآنية كان لغاية إظهار مقته واحتقاره هذا الصنف من الناس الذين كثرت مزاعمهم، واستفحلت ادِّعاءاتهم، حتى تطاولت على الله، وهو ما كان يسود حياتهم. فبهذه الصورة الإشارية وإحضاره للأذهان مضمون الآية، التي صاغها صياغة جديدة، ومنح ألفاظها طاقة تصويرية، ودلالات خاصة، بكلِّ ذلك أعان الكاتبُ المتلقِّي على الاطِّلاع على عالمه الداخلي. وهذا هو دور الصورة الإشارية.
__________
(1) الدكتور نعيم اليافي، "الصورة الإشارية في القصيدة الشعرية"، الشعب الأسبوعي، (الجزائر)،ع:36 (20/ 03/1976م)، ص: 18.
(2) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 111.
(3) إيّاس، "جلسة المخذولين "، جريدة وادي ميزاب، ع:81 (04/ 05/1928م).
(4) سورة الرعد، الآية: 39. (1/352)
صفحة 353
أمَّا مفدي زكريَّاء فيفجِّر ما في قلبه من كره واحتقار لمحي الدين باشتارزي، الذي كتب عنه مقالاً يَنْعى عليه سعيه في نشر الفساد بواسطة أعماله المسرحية. لم يعجب محي الدين هذا التعليق، فردَّ عليه. فكتب مفدي بدوره تعليقا آخر، يصوِّر فيه بوء محي الدين بالفشل في الردِّ، استحضر فيه مشهد فرعون مع قومه، الذين أشاروا عليه بإرسال النداء في الأرض ليأتيه السحرة من كلِّ مكان فيبطلوا سحر موسى. قال تعالى: {قَالُوا ارْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} (1).
قال مفدي زكريَّاء: "لما قرأ انتقادنا حاص وباص ودارت به الأرض الفضاء، وأرسل في المقاهي والكباريات حاشرين، يأتون بكلِّ كاتب عليم" (2).
نستخرج من النص امتدادات شعورية ودلالات نفسية، بقدر ما نتمكَّن من إيجاد علاقات بين مشهد القرآن والصورة الإشارية: بين النصين معنى الاستنجاد بالغير للدفاع عن النفس، ومعنى الفشل الذريع في إظهار التفوُّق على المناوئ أو المنافس أو المقارع، ومعنى السلوك مسلكًا مشينًا، منافيًا للأخلاق الفاضلة؛ ممارسة السحر بالنسبة لقوم فرعون، وارتكاب الموبقات بارتياد الكباريات وما شابهها بالنسبة لمحي الدين ... وغير ذلك من المعاني والدلالات التي يمكن استخراجها من هذه الصورة الإشارية المكثفة، ذات الإيحاءات الكثيرة الرامزة. وهي في عمومها تكشف عن مشاعر السخط والتذمُّر والاحتقار والازدراء.
نبقى مع الصورة الإشارية المبنية من مشاهد قرآنية خالصة، فنلتقي مع محمد البشير الإبراهيمي الذي يستلهم بدوره أحد مشاهد قصَّة موسى - عليه السلام -؛ ليصوِّر أحد مواقف محمد السعيد الزاهري (3) وتذبذبه في انتمائه وانتسابه إلى فئات مختلفة وهيئات كثيرة متباينة النزعات. يشير الكاتب إلى ذلك معرِّضًا ساخرًا: "ولو
__________
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 111، 112.
(2) إلى البلبل الزعلان، (د. إ)، جريدة الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م). النص لمفدي زكريَّاء.
(3) عن أسباب الخلاف بين الإبراهيمي ومحمد السعيد الزاهري، ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي ج3، ص:121. وفنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 137. (1/353)
صفحة 354
آنست في ذلك العهد من جانب الطرقية نارًا، لقلت في غير تردُّد إنِّي أجد على هذه النَّار هدى" (1).
قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوَ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} (2).
في الإشارة إلى المشهد القرآني سخرية وتعريض بالزاهري. هذا التهكم أوجده التحوير الذي أحدثه الكاتب في فحوى المشهد القرآني؛ ليستجيب لمشاعره وعواطفه، وبذلك ينال من خصمه ويعبث به. فموسى - عليه السلام - خرج من مصر هاربًا من الأقباط، راجعًا إلى مدين، فتاه في الطريق وضلَّ السبيل، فقصد نارًا رآها ليأتي منها بقبس يستدفئ به وأهله، وليحصل على ما يهديه إلى الطريق الصحيح، فهو انتقل من ضلال إلى هدى. بينما يقصد الزاهري نار الطرقية؛ لينتقل من ضلال إلى ضلال. إذن إنَّ هُدَى الطرُقية هو ضلال عن سواء السبيل.
فحين نستحضر أنَّ الزاهري كان عنيفًا على الطرقية، وكان يحاربها حربًا شديدة، نقف على قوَّة تعريض الكاتب وشدَّة تهكمه به. فيكون الهدى الذي ينشده هو الحمى الذي يحميه من ضربات المصلحين وأعضاء جمعية العلماء، ولو كان هذا على حساب المبادئ والأصول، بدليل قول الكاتب بعد ذلك: "ثمَّ وقع بك الحظُّ على هؤلاء القوم (أي الشيوعيِّين) أو وقع بهم عليك، وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنَّما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة" (3).
يستلهم الكاتب نفسه نداء نوح - عليه السلام - ... {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (4) ليتحدَّث عن مصر، ويصوِّر محنتها مع الاستعمار الإنكليزي، الذي تمادى في ظلمه، إلى حدٍّ لم تطق مصر توقيفه، ممَّا دفع بها إلى توكيل الأمر إلى الله: ... " وتركت للأقدار ما
__________
(1) عيون البصائر، ص: 636.المقال بعنوان "إلى الزاهري" نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:61، سنة 1948م.
(2) سورة طه، الآيتان: 9، 10.
(3) م. ن.
(4) سورة القمر، الآية: 10. (1/354)
صفحة 355
وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النظارة، يركب الحدَّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربَّه: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} " (1).
فنوح الذي انتهى جهده ونفذ صبره، ويئس من استجابة قومه لدعوته، نادى ربَّه، وطلب منه نصرته ونصرة أمره، وقال له انتصر لحقِّك. هذا المشهد استوحاه الكاتب ليصوِّر به الحالة المزرية التي آلت إليها مصر؛ بسبب محنتها مع الاستعمار الإنكليزي.
في ذلك تلميح خفيٌّ للمصريين ليرجعوا إلى ربِّهم، ويطلبوا النصر منه، لا من غيره؛ لأنَّ من ينصر الله ينصره. ندرك هذه الملاحظة حين نستحضر السياق الذي وردت فيه الآية، وما حكاه القرآن بعد ذلك بأنَّ الاستجابة لدعاء نوح كانت سريعة (2): {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر} (3). فالمعاني التي أوجدتها الصورة، والمشاعر التي فجَّرتها، أشارت إليها الآية القرآنية. هذه "الإشارية" تمَّت بفضل حسن ربط الكاتب بينهما مع تحوير بسيط؛ إذ الآية ذكرت أنَّ نوحًا سلَّم أمره إلى ربه بعد أن بذل جهده وقام بواجبه. والنص أشار ولمح إلى المصريين أن يبذلوا مزيداً من الجهد، في مقارعة العدوِّ؛ لأنَّهم لما يستنفذوا كلَّ طاقاتهم؛ ولم يتَّبعوا كلَّ السبل، منها سبيل استنصار الله لينصرهم.
التحوير اللطيف الذي قام به الكاتب ضروريٌّ ليستجيب للموقف الذي يريد إبرازه، والفكرة التي يحرص على تبليغها، وهي الاعتماد على النفس في الجهاد مع استنصار الله. هذا الموقف هو بمثابة بداية جديدة للجهاد. بينما عبارة القرآن أفادت نهاية الجهاد؛ لأنَّ نوحًا نطق بالعبارة بعد عناء كبير وعمل طويل، وبعد ذلك جاءت نهاية القوم، وهي الغرق والفناء، هذا المشهد أنهى عمل نوح.
__________
(1) عيون البصائر، ص: 549. المقال بعنوان "محنة مصر محنتنا ". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:174 (05/ 11/1951م).
(2) ينظر في ظلال القرآن، مج6، ج27، ص: 3430.
(3) سورة القمر، الآيتان: 11، 12. (1/355)
صفحة 356
الكاتب نفسه يتهكم من المغرضين، الذين ينالون من الإسلام، وينتقدون تعاليمه وأحكامه، فيظهر انهزامهم في المناقشة والمناظرة. يستعير لتصوير ذلك صور المنافقين في الانهزام والاندحار كما رسمها القرآن: "ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع (موضوع المرأة) فأفحمناهم وألقمناهم حجرا. قلنا هاتوا مثالا نتناقش فيه، فقالوا: الميراث، قلنا من أيِّ جهة فإنَّ المرأة ترث بعدَّة أسباب، فنظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد. وكادوا يتسلَّلون، وكأنَّهم كانوا لا يعرفون إلاَّ أن المرأة مظلومة في القرآن الذي يقول للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين" (1).
هذه الصورة تقدِّم ظلالا كثيرة، تمعن في السخرية؛ اعتمادًا على ما أشارت إليه الآية الكريمة: وهي تقدِّم وصفا للمنافقين: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِنَ اَحدٍ ثمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأنَّهُم قَومٌ لا يَفْقَهُونَ} (2).
بين صورة الكاتب وصورة القرآن تشابه كبير:
1 - من حيث وصف هؤلاء المغرضين وأولئك المنافقين بعدم الاعتراف بالحقّ حين يظهر. وهذا ما يجعلهم قابعين في ضلال مبين.
2 - من حيث وصفهم بالمنهزمين والمدحورين، الذين لا يثبتون في المجادلة؛ لوهن حججهم. إلاَّ أنَّ الصورة القرآنية صوَّرت انهزامهم ووهن نفوسهم، وبيّنت أنَّهم يتسلَّلون في حذر، حتى لا يشعر بهم أحد. بينما صورة الكاتب ذكرت أنَّهم كادوا يتسلَّلون. وفي هذا التحوير في الصورة القرآنية ضعف ونقص. إلاَّ أن يكون الكاتب قد قصد أنهم – لقوَّة الهزيمة وشدَّة وقعها في نفوس المسخور منهم- بقوا جامدين في أماكنهم فلم يستطيعوا حراكا.
3 ـ الصورة الإشارية المفصَّلة:
قد يعمد الأديب في التصوير إلى التوسُّع في الإشارة؛ رغبة منه في مزيد الإفصاح عن مكنون نفسه فيستعير صورًا متعدِّدة، أو يعدِّد الإشارة إلى جزئيَّات
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص:361، 362.
(2) سورة التوبة، الآية: 127. (1/356)
صفحة 357
صورة واحدة، ويمنحها دلالات شعورية خاصة؛ وذلك للتشابه الفكريِّ والنفسي، الذي يلحظه الأديب بينها والصورة التي يريد أن يرسمها.
فمحمد السعيد الزاهري يتهكم من "سكيرج" الذي كان شديد المناوأة للمصلحين، وقد توعَّد بتوقيف جريدة "البرق" التي كان يصدرها محمد السعيد الزاهري.
وقد زاوج في هذا التهكم بين الاسترحام المفتعل، وعدم الاكتراث بهذا التهديد والإصرار على المضيِّ في نهجه الذي اختطّه لنفسه؛ تعريضًا وسخرية، بانيًا صورته من إيضاءات قرآنية، كيَّفها وفقًا لما يستجيب لمشاعره ونفسه، التي تشتطُّ غضبًا على "سكيرج" ومن هم على شاكلته من الطرقية: ... "يا سكيرج لا إله إلاَّ أنت، يا سكيرج سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، لا تعطِّل جريدة البرق، ولا تصدر فيها إرادتك السنية" ... ثم ينقلب عليه بعد هذا الاسترحام التهكمي: ... " فإن قامرت أن تعطِّل البرق، ولم تفعل، فأنت كذَّاب أشر، اقض ما أنت قاض يا سكيرج" ... (1).
الصورة الإشارية المفصَّلة هذه فيها قسمان: قسم الاستعطاف الماكر، الذي بناه الكاتب من مشهد يونس - عليه السلام -، وهو يناجي ربَّه، يسترحمه ويستغفره ممَّا صدر منه، ويطلب منه النجاة (2). وقسم عدم المبالاة بتهديدات "سكيرج" الذي بناه من مشهد سحرة فرعون، الذين لم يأبهوا بتهديد فرعون لهم، حين أعلنوا إيمانهم بالله بعد أن تفوَّق عليهم موسى وهزمهم (3).
من هذه الإشارات الفنية يعطي الكاتب للمتلقِّي فرصة اكتشاف عالمه النفسي الداخلي، وما يعتمل فيه من أحاسيس ومشاعر متأجِّجة. فهو لم يعلن عنها مباشرة، إنَّما ترك إدراكها للذَّوق والمعرفة.
__________
(1) تأبَّط شرًّا، جريدة البرق، ع:3 (21/ 03/1927م).
(2) ينظر سورة الأنبياء، الآية: 87.
(3) ينظر سورة طه، الآية: 72. (1/357)
صفحة 358
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي، الذي كانت معاركه مع الحكومة الفرنسية، ومع من يسير في ركابها، ومن تسيطر عليه، كانت حامية وطويلة، فقد كتب يتهكم بالمجلس الجزائري، الذي لا يملك من أمره شيئًا، ولا من الاستقلالية في إصدار القرارات، ومن الحرية في التشريع شيئاً: "ولا يظنُّ الخليُّون الغافلون من الفريقين أنَّ المعارك بيننا وبين الحكومة الاستعمارية في قضية المساجد والأوقاف انتهت بهذه الطريقة الهازلة الشوهاء، التي تمخَّض بها المجلس الجزائري، ووضعها لأقصى أمد الحمل، بعد آلام وأوجاع، زاد في فظاعتها أنَّ حمله بها كان عن سفاح، ولا عجب إذا حملها كرهًا أن يضعها كرهًا" (1).
يتهكم الكاتب بالمجلس الجزائري، الذي لا يملك سوى أن ينطق بما تمليه عليه الحكومة الفرنسية؛ دليل ذلك أنَّه حين ناقش قضايا المسلمين في الجزائر، طالت هذه المناقشة، مع كلِّ ذلك جاءت شوْهاء بعيدة عمَّا ينتظره المسلمون، وبعيدة عن الاستجابة لحقوقهم. وقد عبَّر الكاتب وصوّر تذمّره وشعورَه بخيبة أمله بالتصوير الإشاري المعتمد على المقولة المشهورة "تمخَّض الجبل فولد فأرًا"، وعلى تعبير قرآني، وهو قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أمُّه كَرْهًا، وَوَضَعتْهُ كَرْهًا} ... (2).
في هاتين الإشارتين تصوير ساخر لأعضاء المجلس الجزائري، الذين يعانون عسرًا كبيرًا في تحرُّكهم داخل المجلس، سواء في الانسجام مع ما يعرض فيه، أم في الخروج بأفكار يهضمها ويقتنع بها. وهو ما يجعل أعضاءه يطيلون النظر، ويمدِّدون في المناقشة ثمَّ لا يتمخَّض كلُّ ذلك إلاَّ عن تافه من الأفكار.
هكذا أراد الكاتب أن يصوِّر هذا المجلس، وهكذا أراد أن ينقل مشاعره، وأن يفصح عن رأيه باللجوء إلى ما تختزن ذاكرته وذاكرة الملتقِّي من الإشارات لبناء صورته الإشارية هذه.
__________
(1) آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.
(2) سورة الأحقاف، الآية: 15. (1/358)
صفحة 359
يتذمَّر "الحفناوي هالي" من تضييق المستعمر على الحرية، ويتألَّم من عدم شعور الناس بهذا التضييق وهذا الحرمان. فيكتب مصوِّرًا هذه المشاعر، مُلَمِّحًا رامزًا، معتمدًا على صورتين معبِّرتين، هما صورة ابن الوزير السجين، الذي لم يَرَ في حياته إلاَّ الفأر، فكان يقيس ويناظرُ كلُّ ما يشاهده بالفأر، ومشهد قرآني، مخبر عن مظهر "الوليد بن المغيرة المخزومي" وهو يفكِّر كيف ينطق بكلام في حقيقة القرآن، يجنِّبه سخط قريش، ويدنيه قليلاً من الواقع. وهو ما سجَّلته الآية الكريمة: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر ثمَّ قُتِلَ كَيْفَ قدَّر ثمَّ نَظَرَ ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِن هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُوثَرْ} (1).
" ... وعلى ذلك فحرية القول – مثلاً- هي عندهم (أي المستعمرين) أن تفكِّر وتقدِّر، ثمَّ تفكِّر وتقدِّر ثمَّ تقول – مع احتياط - قليلاً قليلاً من القول؛ لأنَّك تتحدَّث أو تكتب لناس حازت عقولهم مناطق حريَّتها، ولا يسمحون لعقلك باحتلالها لتتركهم بلا عقول. أمَّا حرية القول عندما نحن أحفاد الوزير فإنَّ أساسها:
إذا لم تكن تنفع فضُر، فإنَّما يُرجى الفتى كيما يضرُّ وينفعا
وهل بإمكان السجين أن ينفع؟! " (2).
المشابهة الفكرية والنفسية بين الصورة الإشارية المفصَّلة، وما في المشهدين الآخَرين تبدو في كون ابن الوزير أميًّا لا يفقه شيئًا في هذه الحياة، سوى ما أتيح له أن يراه وهو الفأر. المتسبّب في ذلك هو من وضعه في السجن، وحرمه من حقِّ المعرفة. وفي كوننا نحن أميِّين ومتخلِّفين في معرفة حقوقنا وحقيقة حريَّتنا، إلاَّ ما تعمَّد أو أراد الاستعمار منحه لنا، فاطمأننَّا إلى ذلك النَّزر القليل، واقتنعنا بحالتنا، وبهذه الحرية القليلة.
وفي مشهد الآيات وصور الكاتب مطابقة بين خوف الوليد بن المغيرة من التصريح بما يغضب قريشًا، وخوفنا نحن من الاستعمار؛ بتوضيح حقيقة الحرية
__________
(1) سورة المدثر، الآيات: 18 - 24.
(2) الحفناوي هالي، " أحبُّ عيش الحرية "، جريدة البصائر الثانية، ع:306 (18/ 02/1955م). (1/359)
صفحة 360
والتصريح بمطالبنا في الحصول عليها، وهو ما يغضب العدوَّ، ويؤلِّبه علينا. فكان التفكير في كيفية التصريح، وإعادة النَّظر والتأمل فيه، وأخذ الحذر من التلفظ بما لا يساير الأهواء ويثير الحفائظ. كان ذلك ما يميِّز الموقفين.
مع ذلك كان إرضاء بعض الحقيقة مطلبًا نفسيًّا "إنْ هذا إلاَّ سحر يوثر" في المشهد القرآني، "ثم تقول – مع احتياط - قليلاً قليلاً من القول" في الصورة الإشارية المفصَّلة.
"هكذا تكشف الصورة الإشارية المفصَّلة عن المواقف، وتفصح عن المشاعر بشيء من التفصيل، مع إرشاد القارئ أو المتلقِّي إلى مصادرها" (1).
هذه الإشارات وهذا التفصيل، وهذا الإرشاد إلى المصادر لا يقدح في القيمة الفنية للتصوير إلاَّ أنَّه يكون أقل فنية وإثارة للمشاعر في المتلقِّي من الإيحاء الذي يُترَكُ له مهمَّة الاكتشاف وملء الفجوات، وهو ما نجد له أمثلة في الشكل الآتي:
4 ـ الصورة الإيحائية:
هي تلك الصورة التي تعتمد على اللغة الموحية، التي ترسم ظلالاً وامتدادات شعورية، لا نهاية لها؛ استجابة لتدفُّق المشاعر. أو هي تلك الصورة التي يصعب – أحيانًا - على المتلقِّي مسك أطراف أصولها التي استلهمها الأديب. ولا يمكن له الاهتداء إلى تلك الأصول إلاَّ إذا كان في حالة حضور ذهنيٍّ يقظ، وكان قادرًا على الربط بينها وبين الحالة النفسية للأديب، وعقد رابطة شعورية معه. لتتوفَّر له المتعة الفنية، بعد أن يكتشف جمالية الصورة.
فابن أدهم القسنطيني يتهكم من العليوي المناوئ للمصلحين، وينكر عليه ادِّعاءه إنجاب ولدٍ، كان قد نسبه إلى نفسه، وهو العقيم. بعد أن يستعرض كلَّ
__________
(1) أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 237. الإشارة إلى الآيات نفسها وردت في مقال "قرد الميلية "، جريدة الشعلة، ع: 24 (25/ 03/1950م). (1/360)
صفحة 361
الاحتمالات التي تنفي إمكانية إنجابه ولداً يقول: "وإن لم يكن نجله حقًّا، فلماذا يدَّعيه، وهو رجل واحد فردٌ صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن لم كفؤاً أحد" (1).
الصورة وإن كانت مستلهمة من سورة الإخلاص إلاَّ أنَّها موحية ورامزة وناشرة ظلالا وامتدادات شعورية كثيرة، مصوِّرة ومجسِّدة لحالة الأديب النفسية، المتوتِّرة، النَّاقمة على هذه الشخصية، التي أضرَّت كثيراً بالإسلام والمصلحين - حسب رأي الكاتب - فالتفرد بتلك الصفات التي أفادتنا بها الصورة التي هي صفات لله عزَّ وجلَّ ونسبتها إلى العليوي سخرية وتهكم؛ لأنَّ أعمال الطرقية ومعتقداتهم كانت تُحِلُّ أشياخهم محل الإله.
وفي هذه النسبة قدح في العليوي؛ إذ أنَّه فرد لم يكن له شريك في حياته، فكيف أنجب الولد، وبأية طريقة؟ وفيها طعن في شيخ الطريقة، الذي يعيش في خلوة، ولا يستقبل الناس إلاَّ فيها. ترى ما السرّ في ذلك؟! المهمُّ أنَّه فرد صمد، لم يكن لم مشابه وكفؤ في سيرته وصفاته، إلى غير ذلك من المعاني التي يمكن استنتاجها من الصورة بقدر ما يمكن إيجاده من علاقة بين الحالة النفسية للكاتب وما يحمله من فكرة عن العليوي.
هكذا نلحظ أنَّ هذا التحوير التصويري الإيحائي لما جاء في سورة الإخلاص، الذي قام به الكاتب قد أعطى الصورة بعداً فنيًّا وفكريًّا، يحقِّق كثيرًّا من مواصفات التصوير الأدبي.
و"سمهري" بدوره بتهكم من العليوي، ويعمد إلى التكثيف والتعريض؛ باستعمال أسلوب الإقرار وانتزاع الاعتراف، ليبني من كلِّ ذلك صورة إيحائية؛ ليقول على لسان الفرطاس زائر زاوية العليوي: "ببركتك أيُّها الشيخ رجع التصوُّف إلى صباه، والعاقبة لك، وصارت الأمَّة الجزائرية آمنة مطمئنة، لا تخشى طوارق الإصلاح" (2).
__________
(1) ابن أدهم القسنطيني، جريدة البرق، ع:6 (11/ 04/1927م). أرجِّح أن يكون النص لمحمد السعيد الزاهري، لأنَّ هذا الأسلوب هو أسلوبه، والنص نشر في جريدته البرق، ثمَّ هو نفسه كان يمضي مقالاته بهذا الاسم المستعار.
(2) سمهري، "الفرطاس في الخلوة "، جريدة المرصاد، ع:36 (09/ 12/1932م). (1/361)
صفحة 362
كشفت الصورة عن الأسى والحزن اللذين ملآ قلب الكاتب، وهو يشاهد الأوضاع تزداد سوءًا في الجانب الديني، وقد كان للطرقيِّين الذين استفحل خطرهم دور كبير في هذا التردي. وقد جاءت لفظة (ببركتك) مكثِّفة لهذه المشاعر، ساخرة من الشيخ محتقرته؛ إذ أنَّ مجهودات الشيخ كانت كبيرة وبارزة في انتشار البدع، وقد كانت في العليوي البركة في رجوع التصوُّف إلى صباه. وهل يكون هذا تندُّرًا وتنكيتًا بالشيخ على غرار مقولة (رجوع الشيخ إلى صباه)؟!. هذا التعبير يفتح مجالاً للتَّأويل، بقدر ما يُتمكَّن من الربط بين التعبيرين وإيجاد ضروب المشاكلة بينهما.
في هذا التصوير إشارة إلى نشاط التصوُّف من جديد بعد خفوته قليلاً (بفضل عمل المصلحين) خاصة وأنَّ هذه السنة (1932م) التي نشر فيها النص، شهدت ميلاد جمعية علماء السنة المناوئة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين. وقد أسَّسها بعض من كانوا في جمعية العلماء بعد أن انسحبوا منها.
في الصورة اعتراف ضمني بالمناوأة والمشاكسة والاستمرار في مضايقة المصلحين؛ لأنَّ الجوَّ أصبح مهيَّأ للطُّرقيِّين فيه الأمن والطمأنينة. كلُّ هذه المعاني وغيرها، وفَّرتها هذه الصورة الإيحائية.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيحزنه ويؤلمه أن يتلاعب المستعمرون بالمسلمين، فيلهونهم بالوعود الخلاَّبة الكاذبة، ويمنّونهم بالحرية، ليكفُّوا عن المقاومة. يحزُّ في نفسه ذلك فيكتب متهكما ساخرَا، منفسًا عن نفسه، مستغلاًّ دلالة دينية، وهي واجب تأدُّب المسلم مع صلاة الجمعة. تتمثَّل هذه الدلالة في السكون والخشوع والإنصات ... حتىَّ لا تبطل صلاة المسلم: ... "وعلمت مصر -كما علم غيرها- أنَّ الشعار الكاذب لحرب 14 - 18 هُو وعود المتحاربين للأمم الضعيفة بأنَّ نهاية الحرب هي بداية تحريرهم، فليسكتوا إلى حين؛ لأنَّ السلاح خطيب جمعة، يجب الإنصات له، ويحرم الكلام معه" (1). قام الكاتب بتغيير فنِّي في الدلالة الأصلية للمقولة، التي تعني
__________
(1) عيون البصائر، ص:549. المقال بعنوان: "محنة مصر محنتنا". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 174 (05/ 11/1951م). (1/362)
صفحة 363
وجوب الامتثال لهذه الأوامر: الإنصات الكلِّي والخشوع، والحضور روحيًّا مع الخطبة. هذه الشروط هي التي تضمن قبول هذه العبادة (صلاة الجمعة). هذه الأمور الإيجابية في عبادة المسلم، تصبح سلبية ومخزية في حياة المقاوم المسلم، الذي يحكم عليه المستعمر أن يستسلم لإرادته، ويرضخ لأوامره، ويتقبَّل كلَّ مخطَّطاته، ويتحرَّك وفق توجيهاته، ويكون محترمًا لكل ذلك، متلزمًا بالخطِّ المرسوم ...
كلُّ هذه النتائج التي كانت مضمَّخة بعاطفة الكاتب الكئيبة ... أوحت بها هذه اللوحة الفنية الساخرة، التي حاول الكاتب من خلالها التنفيس عن نفسه المكلومة، والترويح عن قلبه المجروح.
ممَّا عرضناه من نماذج التصوير في الأدب الجزائري الساخر. وهي أمثلة قليلة بالقياس إلى كثافة المادة التي جمعناها في الموضوع، نسجِّل أنَّ التصوير فيها كان مفتقرًا إلى الإبداع والتجديد؛ إذ أغلب الصور التي لحظناها كانت مستلهمة ومستمدة ومبتناه من صور سابقة، إلاَّ ما حاول الأدباء تغييره وتحويره؛ ليستجيب لحالاتهم النفسية والفكرية كما أنَّ عنصر التكثيف فيها كان قليلاً، والتشكيل الموسيقي المؤثِّر في التصويركان ضعيفًا، أو على الأقلِّ كان قليلاً. لكن هذا التصوير كان معبِّرًا، مبلغًا ما كان يقصد الأديب تبليغه.
ربَّما كانت لهذه الظاهرة أسباب: من بينها ضيق أفق ثقافة الأدباء الفنية، وانحسارها في الثقافة الفنية التقليدية. والثقافة الأدبية العربيذة بخاصة. ومنها مسايرة الأدباء لمستوى الجمهور المخاطب، والمعنيِّ بذلك الأدب. وقد ارتبط هذا بمفهوم الأدب ووظيفته عند أغلب الأدباء، وهي الوظيفة الاجتماعية، التي لا تخرج عن دائرة الإصلاح والتقويم والتهذيب والتوجيه والدعوة إلى النهوض، وهي خاصية، عرف بها الأدب الجزائري بعامة في الفترة التي نحن بصدد دراستها (1) ولهذا كانت مراعاة مقام المخاطبين من صميم رسالة الأديب.
__________
(1) ينظر الدكتور محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ... ص: 66 وما بعدها. (1/363)
صفحة 364
ج - الرمز:
الدلالة المعجمية للرَّمز تعني الإشارة بالعينين والحاجبين والشفتين والفم، والإيماء بأية وسيلة أخرى قادرة على الإفهام والإبانة عن المراد (1).
أمَّا الدلالة الفنية للرَّمز فتعني الانتقال من لغة التوضيح والتصريح إلى لغة الإيحاء والتلميح، وقد عُرِّف الرمز الفنِّي بأنَّه: "تركيب لفظيٌّ أساسه الإيحاء - عن طريق المشابهة - بما لا يمكن تحديده، بحيث تتخطَّى عناصره اللفظية كلَّ حدود التقرير، موحِّدة بين أمشاج الشعور والفكر" (2).
وما يلجئ الفنَّان إلى هذه الطريقة هو شعوره بضيق اللغة عن استيعاب مشاعره المتدفِّقة، وعجزها عن تصوير حقائق الأشياء، فيحاول إيجاد "لغة في اللغة" (3) وقد تجبره ذلك ظروف اجتماعية ضاغطة، تمنعه من الكشف عن أفكاره ومشاعره بوضوح وصراحة، أو يكون هناك وضع سياسي لا يسمح للأفكار والمشاعر أن تنال منه فتزعزع مكانته وتنال من هيبته، "فيضطر الفنَّان إلى التلميح والتعريض والإيحاء، حتى لا يعرِّض مواقفه للمقاومة والصدام، وآراءه للإجهاض والوأد" (4).
وقد يكون الدافع في اللجوء إلى الرمز هو إضفاء مسحة من المتعة والجمالية على النص الأدبي. من هذه المتعة نقل المتلقِّي بعيدًا عن الأثر الأدبي ونصِّه المباشر. فالرمز "يتيح لنا أن نتأمَّل شيئًا آخر وراء النص، فالرمز هو قبل كلِّ شيء معنى خفيٌّ وإيحاء" (5). هذه المتعة تتمثَّل في هذا التأثير السحري الذي يشعر به المتلقِّي وهو يتأمَّل الرمز في الأثر الأدبي، فيأسره بقوَّة إيحائه وشدَّة خفائه. وهنا تكمن فنية الرمز.
__________
(1) ينظر لسان العرب، مج1، ص: 1223 (مادة رمز).
(2) ينظر الدكتور محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، ط: 3، دار المعارف مصر، سنة 1984م، ص: 41.
(3) م. س، ص: 120.
(4) أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 269.
(5) الدكتور مصطفى السعدني، البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث، نشر منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، سنة 1987م، ص: 71. (1/364)
صفحة 365
إذن إنَّ الأديب "لا يكون رمزيًّا باختياره وإرادته، وإنَّما هو مُضطَرٌّ إلى ذلك اضطرارًا، لأنَّ الأدب ليس إلاَّ تعبيراً بالألفاظ والجمل، أي إنَّ أداته هي اللغة، وتلك اللغة لا تعدو أن تكون رموزًا مثيرة وإشارات موحية بالعواطف والانفعالات" (1).
وقد عرف الأدب الجزائري ألواناً من الرمز، استخدمه الأدباء تحت ضغوط الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية ... حرصًا منهم على الإفلات من الرقيب. قال د. محمد ناصر: "إنَّ استخدام هذا الأسلوب دافع موضوعي وطني، يقف وراءه الإحساس بمسؤولية الكلمة ودور الشاعر في مواجهة الظلم والجبروت، بأية طريقة كانت، حتىَّ ولو كانت إيحاءً وتلميحًا" (2).
لا نقصد بالرمز الذي استعمله الأدباء الجزائريُّون، مصطلح (الرمزية) كما هو في الاتّجاه الأدبي المعروف بالمذهب الرمزي، الذي نشأ في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، متأثِّرًا بالفلسفة المثالية الألمانية. إنَّ ما نعنيه هو الأسلوب الذي يرتكز على التحايل والتعريض والتلميح، والذي استغلَّه الأدباء في التعبير غير المباشر وإفراغ تجاربهم في قالبه، لمنع وصولها إلى من لا يرغبون أن تصل إليهم، وفي الوقت نفسه يحقّق أهداف الأدباء المعنوية قبل كلِّ شيء. أي إنَّ الرمز الذي نعنيه هو ذلك الإيحاء الخفيُّ المؤثِّر الذي يستعمل اللغة أداة تصوير وتبليغ، ليحقِّق الأهداف التربوية والإصلاحية، ويبلِّغ عن النفس ما يعتمل فيها من مشاعر، وعن الشخص ما يتبنَّاه من أفكار، دون الإيغال في الرمزية المذهبية. وإن كانت النماذج التي سنعرضها تتوفَّر على حدٍّ أدنى من الإيحاء والتلميح والتعريض.
نشير في البداية إلى أنَّ الرمز يدخل في نسيج كثير من الكتابات الأدبية. فهو يعدُّ عنصرًا أساسيًّا في كثير من الأساليب البلاغية. بل لقد وصف قدامة بن جعفر البلاغة بأنَّها "لمحة دالَّة " (3) والإشارة رمز، والتشبيه والإيجاز والمجاز بما فيه من استعارة
__________
(1) قضايا النقد الأدبي، ص: 129.
(2) الدكتور محمد ناصر، "تطوُّر الرمز في الشعر الجزائري"، مجلَّة الثقافة (الجزائر)،ع: 94، ذو القعدة- ذو الحجَّة 1406هـ/ يوليو- أغسطس 1986م، ص: 153.
(3) ينظر أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص: 147. (1/365)
صفحة 366
وكناية ... كلُّ ذلك يعدُّ - أصلاً- مادة للرَّمز (1). كما أنَّه يكمن في القصص الأسطوري والخرافات والحكايات والنكات، وكلُّ المأثورات الشعبية (2). ويدخل ضمن الرمز النَّوادر والملح والطرف التي لا يُصرَّح فيها بالفكرة المقصودة. وكذا التصوير الذي هو نفسه رمز، بل كما قيل "ليس الرمز إلاَّ وجهًا مقنَّعًا من وجوه التعبير بالصورة" (3). "وإنَّ أهمَّ مقوِّمات التهكم الرمز" (4).
بناءً على ذلك فإنّ الإشارات إلى الرمز في الأدب الجزائري الساخر قد تمَّت في الآثار الأدبية التي عرضناها في ثنايا هذا البحث بطريقة مباشرة وغير مباشرة؛ بوصف الرمز مقوّمًا أساسيًّا للسخرية.
ونشير أيضًا إلى أنَّ الأدباء تعمّدوا استعمال طرق رامزة مختلفة مثل: طريقة الرؤى والأحلام كما كتب أبو اليقظان "في المنام" (5)، ومحمد السعيد الزاهري "إنِّي أرى في المنام" (6). وطريقة التعريض (7) وطريقة الحوار كما نجد ذلك في كثير من كتابات محمد البشير الإبراهيمي، ومقالات أحمد رضا حوحو، التي كان يوقِّعها بِـ "حمار الحكيم"، و"جلسة المخذولين" (8) و"حديث المفلسين" (9) و"هذيان المنافقين" (10)، وغير ذلك من الطرق الكثيرة. بناءً على ذلك فإنَّنا سنختصر الحديث عن الرمز في هذا المبحث.
__________
(1) م. س، ص: 148.
(2) الشعر العربي المعاصر ... ص: 138. يذكر عز الدين إسماعيل أنَّ هذا رأي فرويد في كتابه تفسير الأحلام.
(3) م. س، ص: 195.
(4) ينظر الفكاهة في أدب الجاحظ، ص: 84.
(5) ينظر جريدة البستان، ع:4 (23/ 05/1933م).
(6) ينظر مجلَّة الرسالة، ع: 145 سنة 1936م.
(7) ينظر فصل أساليب السخرية في هذه الرسالة.
(8) ينظر "إيَّاس"، جريدة وادي ميزاب، الأعداد: 61، 62، 64، 72، 79، 81.
(9) ينظر "رقيب"، جريدة الأمَّة، الأعداد: 165، 169، 170. وجريدة الفرقان، الأعداد: 1، 2، 3.
(10) ينظر جريدة "الروح"، الأعداد: 10 - 11، 15، 18، 19، 20. (1/366)
صفحة 367
لحظنا أنَّ بعض النصوص كانت عبارة عن نزغات ولذعات وإشارات رامزة، معرِّضة متندِّرة ساخرة من فكرة معيَّنة، أو سلوك شاذ، أو من أشخاص معيَّنين، يمثِّلون نماذج من الانحراف الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك. كما في مقالَيْ "محمد البشير الإبراهيمي: "أكبر زلَّة ترتكبها لجنة الأهلَّة" (1) وفي "صميم القضية الدينية: بداية النهاية" (2) هذا المقال كان كلُّه سخرية شحنت حماسة وتهديدًا وتحذيرًا وغضبًا على من كان السبب في المساس بالدين وبالمقوِّمات الأساسية للشَّعب الجزائري أو الأمَّة الإسلامية.
فحين يتأكَّد الاستعمار أنَّه أمسك بخناق الأمَّة، ووقف على نقط الضعف فيها، ويطمئنَّ إلى أنَّها ضعفت وذلَّت، وأنَّها لن تقوم لها قائمة ... هنا يبرز وينهض من يفنِّد هذه المزاعم، وهذه الادِّعاءات وهذا الغرور بالأسلوب الساخر الهازئ، الذي يتخلَّله الرمز والتلميح. هذا ما لمسناه في المقال آنف الذكر.
من أنواع الرمز الذي استخدمه الأدباء في الإفصاح عن مشاعرهم، والإبانة عن أفكارهم، الرمزُ اللغوي "الذي يتبلور في كلمة واحدة" (3)، إذ بواسطته يحاول الأديب تصوير موقف أو مشهد بطريقة مركَّزة موحية.
إنَّ بعض الألفاظ تحمل دلالات لغوية، يأتي الأديب فيصيِّرها رموزًا على فكرة أو سلوك أو مشهد (4)، وبذلك يختصر الطريق بينه والمتلقِّي. حين أراد أحد أفراد الطرقية أو أتباعهم التعبير عن تذمُّره من المصلحين، والسخرية منهم والتندُّر بأعمالهم، لجأ إلى لفظة "الفراشية" التي تحمل دلالات: الحمق والسفاهة والهوان والوهن والطيش والتشويش ... إذ أنَّ الفراشة تلقي بنفسها إلى التهلكة؛ بحومها حول الضوء والنور، الذي يكون فيه موتها وفناؤها. هذا النور هو قوَّة الطرقية المؤسَّسة على الحقِّ والشدة.
__________
(1) ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 307.
(2) ينظر آثار ممد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 273.
(3) الشعر العربي المعاصر ... ص: 218.
(4) أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص: 151. (1/367)
صفحة 368
اختار الكاتب هذه اللفظة "الفراشية" فوصف بها أعمال المصلحين. وقد وضعها في سياق حوار، انتزع فيه اعتراف أحد أتباع المصلحين بالإفساد والانهزام؛ إمعانًا في التهكم والسخرية: "المدِّعي ... إذا نظرتُ إلى الناس وقارنتُ حالي بحالهم، وجدتُهم في هناء، ووجدتُني في شقاء، دار بي فراشان يلعبان بي لعب الصبيان بالدمى، فجنَّساني بجنسية الفراشية، فها نحن ندور على مصباح العزَّابة والمشايخ، وأنَّه لا محالة في يوم ما نصير من الهالكين. ولئن شكوت إليكم يا إخواني المنافقين حالي، فلكي تعينوني في الرأي، وترفعوا معي هذا الحمل الثقيل" ... (1).
ما يؤكِّد قصد الكاتب إلى وصف المصلحين بتلك الأوصاف، التي أشرنا إليها آنفًا، من خلال لفظة "الفراشية" هذه الأعمال التي أومأ إليها، التي سمَّاها "لعب الصبيان" وهي ما يقوم به المصلحون ضدَّ مشايخ الطرقية. وتشبيه الطرقييِّن المصلحين بالفراشية دار كثيرًا في كتاباتهم، مندِّدين بأعمالهم (2).
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيتلاعب بالألفاظ ليقدّم رمزًا لغويًّا، يصوِّر به مشهدًا، يشهد على ضعة العرب وهوان نفوسهم عليهم. صوَّر ذلك وهو يتحدَّث عن قضية فلسطين. فسجَّل حرص الغرب على اهتبال الفرص لكسب المعركة، وتخاذل العرب، لتسلب منهم حقوقهم، وتضيع منهم العروبة وسط التغافل والتخاذل: "إنَّ الفارق بين لفظي العرب والغرب نقطة ... وفيها كلُّ السر وفيها كلُّ الشر" (3).
الرمز كان في (النقطة) التي نكتت في القلب نقطة تلتها نقط، حتى ران على قلوب العرب ما كانوا يكسبون، فعميت بصائرهم، فأخذوا يتصرَّفون تصرُّفات حمقاء سفيهة، من ذلك أنَّهم أصبحوا يرون التفوُّق والتقدُّم في الغرب، وعزَّة النفس فيه ... والتخلُّف والضعف والهوان في العرب ... وقد وضَّح الكاتب عمل هذه
__________
(1) "هذيان المنافقين" (د. إ)، جريدة الروح، ع: 10 - 11، سنة 1938م.
(2) ينظر مثلا جريدة الروح، ع:6 (15/ 04/1938م).
(3) عيون البصائر، ص: 594. نشر النص تحت إمضاء "كاهن الحي" في جريدة البصائر الثانية، ع:71 (14/ 03/1949م). (1/368)
صفحة 369
(النقطة) وقال: "وقف الغرب بالباب فلم تتحرَّكوا، ثمَّ أنشب الظفر والنَّاب فلم تستدركوا، ثمَّ دسَّ أنفه في التراب، فوجد رائحة الزيت ثم طلب الوقوف بالأعتاب، فوطَّأتم له أكناف البيت" ... (1).
هذه (النقطة) الفارق بين العزَّة والهوان، هي التي جعلت العرب، الذين تنقصهم هذه (النقطة) يتخاذلون. وقد صوَّر الكاتب هذا التخاذل في هذا التدرُّج الساخر، لم تتحرَّكوا ولم تستدركوا، بل في النهاية وطَّأتم للغرب أكناف البيت.
كلُّ هذه الظلال النفسية والامتدادت الشعورية أوْحَت بها هذه (النقطة)، التي رسمت لنا صورة للحالة النفسية المتوتِّرة الحزينة للكاتب. والمقابلة بين لفظتي (السر والشر) زادت في الكشف عن حالة الكاتب إذ أنَّ بيت القصيد يمكن في هذه النقط.
وتظلُّ (النقطة) منكِّدَة حياة الكاتب، فيتحرَّك شجنه ويتجدَّد حزنه، حين يتأمَّل في معاملة المستعمر للمرأة الجزائرية المسلمة التي يريد لها الانحلال والتفسُّخ: "المرأة الجزائرية تنتحب والحكومة الجزائرية تريد لها أن تنتخب ... والفرق بسيط ما دام الفارق نقطة ... وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء" ... (2).
الملاحظات المذكورة المسجَّلة في النص السابق تنطبق على هذا النص؛ من حيث دلالة (النقطة) على نفسية الكاتب المأزومة، ومن حيث المعاني التي تدلُّ عليها (الخاء) وهي ترمز إلى فرنسا. السخرية الحزينة تكمن في تهويل مصيبة المرأة الجزائرية التي تنتخب من وضعيَّتها المزرية، وتشكو حرمانها من أبسط حقوقها، وتنتخب لتسعد هؤلاء الذين حرموها ذلك.
ويبدو التهكم في هذه المقابلة بين عسر مخرج (الخاء)، وهو كناية عن عدم الرضى بأية علاقة مع فرنسا، وسعادة من لا ينطق بـ (الخاء)، وفي ذلك إشارة إلى هناء وراحة من ليست له علاقة بفرنسا.
__________
(1) م. ن.
(2) عيون البصائر، ص: 119. نشرالنص في جريدة البصائر الثانية، ع: 108 (20/ 02/1950م). (1/369)
صفحة 370
والكاتب نفسه يؤرقه تخلُّف العرب ويشجيه ذلُّهم، فيكتب معلِّقًا على "العِقَال" الذي يضعه العربي على رأسه. ويقول ساخرًا رامزًا: "وضع الأجداد العقال للرِّجل فنقلته الأحفاد إلى الرأس، وعدلوا به من الأباعر إلى الناس، وما بين النَّقل والنَّقل ضاع العقل، والتصريف للألفاظ كالتصرُّف في الأموال، فيه القصد والسرف" (1).
لفظة "العقال" رمزت إلى المعاني التي أشرنا إليها سابقًا، وذلك بطريقة مركَّزة ومكثَّفة. وما أعان على إبراز هذه المعاني وإثارتها لجوء الكاتب إلى استعمال أساليب متعدِّدة: المقابلة بين الأباعر والناس، بين الرجل والرأس، بين عمل الأجداد وعمل الأحفاد. ثم الجناس بين الأحفاد والأجداد، وبين الراس والناس، وبين النقل والعقل. بين التصريف والتصرُّف، ثم التوليد: العقال والعقل ... كلُّ هذه الأساليب كانت وسائل توضيحية؛ لإبراز ما كان يعتمل في نفس الكاتب (2).
تكثر هذه الرموز اللغوية في الأدب الجزائري الساخر، فلفظة "يوحي" بمشتقَّاتها تتردَّد في أدب الإبراهيمي كثيرا. وهي توحي وترمز إلى الوسوسة والإغواء والإغراء والنزوع إلى الشر ... (3) ولفظة " تيوس" ترمز إلى الخبيث والجبن (4).
مما نسجِّله عن الرمز اللغوي الذي استعمله الأدباء أنَّه كان يجمع بين الإيحاء والوضوح، وهو طابع أغلب الرموز التي وقفنا عليها. وهذا ما يؤكِّد أنَّ الأدباء ما كانوا يكتبون بمواصفات الرمزية المذهبية الموغلة في الإبهام والتقنع والخفاء والإيحاء. إنَّما كانوا يحاولون الابتعاد عن التصريح والتناول المباشر؛ بما يوفِّر للنص المتعة الفنية، مع إتاحة الفرصة لأفكارهم ومشاعرهم كي تصل إلى المقصود بالخطاب والحديث، وهو ما ينفِّس عن نفوسهم بعض ما يعانونه من الألم والحسرة.
__________
(1) م. س، ص: 595. نشر النص باسم كاهن الحي في جريدة البصائر الثانية، ع: 71.
(2) ينظر الاستعمال نفسه آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 255.
(3) ينظر مثلاً عيون البصائر، ص:91، 95، 117، 118، 165، 183، 192. وآثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 149، 308، وج4، ص: 333.
(4) ينظر مثلا جريدة الفرقان، ع:1. و البرق، ع:7و10. و الشهاب، ع: 13. و الأمَّة، ع: 165. وكتاب الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 602. (1/370)
صفحة 371
إلى جانب الرمز اللغوي لجأ الأدباء إلى الرمز الموضوعي، الذي يعني أساسا "إضفاء صفة الرمزية على بعض الشخصيات والأعلام من خلال ما اشتهر عنهم، بحيث تصبح ملهما يلهم الكتَّاب في كتاباتهم" (1). يعرف هذا النوع من الاستعمال في البلاغة بِـ "التلميح، وهو أن يشير الشاعر إلى قصَّة معلومة أو مثل سائر أو بيت شعري مشهور إشارة دالَّة دون أن يلجأ إلى التفصيل في هذا الأثر الأدبي أو الفكري القديم" (2).
هذه الشخصيات هي أعلام حقيقية، إنما اتَّخذت صفة الرمزية من خلال الاستعمال الأدبي الفني. نشير إلى أنَّ هذا النوع كان كثير الاستعمال في الأدب الجزائري الساخر، وهو ما جعل بعض الشخصيات تتَّخذ دلالة رمزية أو نمطية. وقد كانت الإشارة إلى هذا الاستعمال في ثنايا هذا البحث. من هنا نكتفي هنا بذكر نماذج لتسجيل هذا التناول في الأدب الجزائري (3).
كتب محمد السعيد الزاهري يردُّ على من سمَّاه " أحمد مدني" (وكان يخاطبه بابن خالة النديم) الذي دافع عن جريدة "النديم" التونسية، التي تعرَّضت لجريدة "البرق" التي كتبت تندِّد بالعاهرات والراقصات اللآئي نزعن جلباب الحياء (4).
لما كثرت افتراءات أحمد مدني وهجومه على البرق، كتب محمد السعيد الزاهري مقالا عنوانه (الآن) مستوحيًا مشهد غرق فرعون موسى، رامزًا إلى كثرة الظلم والتجبُّر والطغيان؛ لأنَّ ما كتبه ابن الخالة ضدَّ "البرق" فيه –كثير من الظلم- كما يرى
__________
(1) أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 270.
(2) أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص:. نقلاً عن د. حامد حفني داود في كتابه: تاريخ البديع نشأته وتطوُّره ومعالمه الكبرى من القرن الثاني إلى أواخر القرن الرابع عشر، ص: 106 (مخ).
(3) نشير هنا إلى أن هذه الرمزية قد اكتسبتها هذه الشخصيات من خلال الاستعمال الأدبي بعامَّة، وليس من الاستعمال الساخر فحسب.
(4) كتب محمد السعيد الزاهري مقالاً في حلقات تحت عنوان "التفرنج الآثم". ينظر جريدة "البرق" الأعداد: 4، 5، 7. والمقالة الصحفية الجزائرية، مج1، ص: 249 وما بعدها. في هذا المقال ردَّ محمد السعيد الزاهري على تصريحات راقصة تونسية، عدَّت سيرتَها الخليعة تقدُّما، وما تأتيه من سلوك لا يناقض الإسلام، ثم حذَّر من انتقال العدوى إلى النساء الجزائريَّات. (1/371)
صفحة 372
محمد السعيد الزاهري قال: ... "ولا أكتمك أيُّها المدني، إنَّنا لم نعاقب ابن خالتك على اعتدائه علينا في هذين الشهرين فقط، بل عاقبناه حتى على الاعتداءات التي اعتداها علينا منذ ستِّ سنين، ولا شكَّ جاء كيله وافيًا ووافيًا على قدر مظالمه وجرائمه ... فإن كانت النار التي أوقدناها على النديم الظالم قد أضرَّ دخانها ببعض جيرانه، والشدَّة التي شددناها عليه قد أعمت بنيرانها بعض قرنائه، فليس علينا من سبيل في ذلك، إنَّما السبيل على النديم، وعلى الذين يظلمون الناس" ... (1).
هذا النص، وهذا العنوان " الآن " ينقلنا إلى قوله تعالى: {الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الناس عَن آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} (2). ولفظة "الآن" أحضرت إلى ذهن المتلقِّي معاني الظلم الكبير والطغيان الشديد؛ لأنَّ هذه الكلمة جابه بها الله فرعون حين استسلم واعترف بوحدانية الله بعد أن أدركه الغرق، فقال له الله تعالى: ولات ساعة مندم، لن تنفعك توبتك، لقد عثت في الأرض فساداً وظلمًا كبيرين، فهذا مصيرك.
استلهام هذا المشهد يقرّر في ذهن المتلقي شدَّة ظلم ابن الخالة للبرق وكتَّابها، وهو ما صرّح به الكاتب في النص السابق. ثم إنَّ الله نجَّى فرعون ليكون لمن خلفه آية، تذكِّر الناس بعاقبة الظالم المستبدِّ. كذلك فإنَّ الكاتب أراد أن يترك ابن الخالة عبرة لمن يعتبر: ... "ولكنَّنا لا نترك كلمتك التي وجَّهتها إلينا تمرُّ بلا مناقشة ولا جدال، فإلى العدد القادم إن شاء الله" (3). هكذا استغلَّ الكاتب رمزية المشهد إلى الظلم والحيف ليخاطب به ابن الخالة؛ سخرية وتهكما.
المشهد نفسه يستلهمه محمد البشير الإبراهيمي فيتهكم من الجامدين والمتقاعسين الذين يستسلمون للأمر الواقع، ولا يقومون بواجب التطوير والتجديد. وذلك بعد إضراب الطلبة الجزائريِّين الزيتونيين؛ تعبيرًا عن تحدِّيهم لآليَّات الجمود
__________
(1) "الآن" (د. إ)، جريدة البرق، ع:13 (30/ 05/1927م). أرجِّح أن يكون المقال لمحمد السعيد الزاهري.
(2) سورة يونس، الآيتان: 91، 92.
(3) البرق، ع: 13. (1/372)
صفحة 373
والركود والتقوقع: ... "ولئن زدتم ليقولنَّ آمنَّا أنََّه لا إله إلاَّ الذي خلق الزيتونة شجرة مباركة والزيتونيِّين رجالاً مباركين" (1). إلاَّ أنَّ الرمز كان ضعيفا هنا، تبدو عليه مسحة التكلُّف والرغبة في استعارة نسيج قرآني للتصوير، دون توفيق الكاتب إلى الإفصاح عن مشاعره ومن ثمَّ عدم تمكين المتلقِّي من استكناه ما يعتمل داخل نفسه.
ولتقديم صورة من مظاهر الذل والهوان والجبن، لجأ محمد البشير الإبراهيمي إلى مشهد قرآني يرمز إلى ذلك، إنَّها صورة اليهود الذين لم يلبُّوا نداء موسى - عليه السلام - لدخول الأرض المقدَّسة جبنا وخوفًا. بل احتاطوا لحياتهم بفرض تقديم ضمانات، منها خلوُّ الأرض المهاجر إليها من الجبَّارين: "ما أشبه الصهيونييِّن بأوَّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله فقالوا يا موسى إنََّ فيها قوما جبَّارين، وإنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها (2)، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظلِّ حرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها" ... (3).
أصبح هذا المشهد القرآني رمزًا للهوان والذلة والصغار والتقاعس عن أداء الواجب. وقد لجأ الكاتب إليه، ووصف به الصهيونية ليسخر منها، وينفِّس عن نفسه المكلومة وقلبه المجروح (4).
أمَّا مفدي زكريَّاء، فيعبِّر عن خيانة بعض رجال الدين الذين احتموا بمظاهر، كإطالة اللحى واتخاذ السبح ولبس العمائم ... ليخدعوا الناس (5). فكتب يسخر من هؤلاء الدجالين، واصفًا الأبَّهة التي يظهرون بها بأنَّها مزيَّفة. وقد استلهم في هذا الوصف صورة "ارم ذات العماد ":
__________
(1) عيون البصائر، ص: 452. المقال تحت عنوان "إضراب التلاميذ الزيتونيِّين". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 118 (01/ 05/1950م).
(2) ينظر سورة المائدة، الآيتان: 21، 22.
(3) عيون البصائر، ص: 485. عنوان المقال: "فلسطين 1، تصوير الفاجعة"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:5 (05/ 09/1947م).
(4) ينظر الاستعمال نفسه المصدر السابق، ص: 495.
(5) ولهذا اتخذت هذه المظاهر عنده وعند بعض الأدباء رموز الخيانة والنفاق والدجل ... ينظر مبحث الطرقية في هذه الدراسة. (1/373)
صفحة 374
وانطوَوْا تحت هيكل الدين ظلمًا ... فَغدا الدين عنهم في ابتعاد
خدعوا الناس بالعمائم كبرى ... وبنوا في الرؤوس ذات العماد
ولكم تحتها عقارب شرٍّ ... وأفاعي فتنة وعناد (1)
"فإرم عاد" التي كانت ظالمة طاغية كان مسكنها بالأحقاف وكان قومها "بدوًا ذوي خيام، تقوم على عماد، وقد وصفوا في القرآن بالقوَّة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها" (2). استلهم الشاعر هذه الإشارة القرآنية ليرمز بها إلى ظلم أولئك الناس للدِّين، وليشير إلى ضلالهم. وكانت تلك العمد التي وضعوها على رؤوسهم (العمائم) - عنوانًا على الأبَّهة والعظمة- محلَّ سخرية وتهكم واحتقار الشاعر، لأنَّها ترمز إلى ما يحمله الناس من فكرة سيِّئة عن "عاد ارم" التي أهلكها الله؛ بسبب ظلمها وطغيانها.
أمَّا محمد العيد فيستغلُّ بيت "جرير" في هجاء الفرزدق، الذي غدا مثلا للتَّهديد الفارغ، وعنوانًا على الجبن وذلَّة النفس وضعفها ...
زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أَن سيَقتُلُ مَرْبعًا أَبشِر بِطُولِ سَلاَمَةٍ يَا مَرْبعُ (3)
استلهمه الشاعر ليسخر ممَّا يهدِّد الجزائر سواء ما تسبَّب فيه البشر أم الخطوب وغيرها، وليبعث الأمل في نفوس الجزائريِّين في الوقت نفسه:
يهدِّدنا ريب الزمان بخطبه ... ولم نك من ريب الزمان لنُفجعَا
وبشِّر أخًا يخشى الوعيد بما به ... عَلمْنا جريرًا قبلُ بشَّر مربعا (4)
__________
(1) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 183، 184. القصيدة تحت عنوان "مصرع الفضيلة"، نشرت في جريدة "وادي ميزاب"،ع:62 (23/ 02/1927م).
(2) في ظلال القرآن مج6،ج30، ص: 3903.
(3) شرح ديوان جرير، ص: 424.
(4) ديوان محمد العيد، ص: 188. (1/374)
صفحة 375
فبالرغم من ضعف توظيف هذا الرمز، إلاَّ أنَّ الشاعر قصده، والتجأ إليه؛ ليسخر من التهديدات المتكرِّرة التي تسعى إلى النَّيل من عزيمة الجزائريِّين في الجهاد والنضال، وفي الوقت نفسه يزرع الثقة في النفوس لتواصل مسيرتها الكفاحية (1).
هكذا نلحظ أنَّ الرمز الموضوعي لم يوظَّف توظيفًا كبيرًا، حتى النماذج القليلة التي وقفنا عليها، كانت في – عمومها - متوسِّطة أو ضعيفة أحيانًا. ربَّما يرجع هذا إلى قصور التعامل مع هذا النوع من الكتابة، الذي يعتمد على الاستلهام، ويعمد إلى الإيحاء والخفاء والإبهام، بما يبعث جمالاً متعة في العمل الأدبي.
ومن أسباب ضعف هذا التوظيف الرمزي حِرصُ الأدباء على الوضوح، ورغبتهم في إيصال الأفكار إلى المتلقِّي - متوسط الثقافة الأدبية والفنية- و مساعدته على معرفة حقيقة المعاني والمشاعر بسرعة. وهو ما تستلزمه طبيعة المرحلة التي يمرُّ بها الشعب الجزائري، التي تتطلَّب وعي الواقع بسرعة والنهوض لمعالجته بأكثرسرعة، بدل الضرب في أودية الحدس والتأمل رويدًا رويدًا، ممَّا يتيح الفرصة للوضع كي يتأزَّم، ويفوِّتها على الشعب، الذي يفرض عليه الإسراع لإصلاح أمره، لأنَّ رسالة الأديب كما فهمها هؤلاء الأدباء هي النهوض للإصلاح والتوجيه والتربية ...
من ألوان الرمز الذي استخدمه الأدباء في السخرية لون اتَّخذ عالم الحيوان وسيلة التعبير عن الأفكار والمشاعر، والتنفيس عن القلوب، مراعاة للجانب الفني للأدب؛ بالابتعاد عن التقريرية في التعبير، أو "لبيان تميُّز الحيوان عنه (أي الإنسان) في بعض الصفات في فترة زمنية معيَّنة، أو للتَّركيز على وجه من وجوه الشبه بينهما، وقد يكون المقصود ليس الإنسان بصفة عامة، وإنَّما إنسان معيَّن، تمنع مكانته أو سلطته المساس به، حتى بالكناية أو التورية أو التعريض أو غيرها. فتنجح أساليب الرمز في الوصول إلى الغرض، وفي تقوية الضوء أمام العيون والبصائر، بما لا يحتاج إلى عناء بعد ذلك، وقد تكون الحملة موجَّهة إلى أخلاقيَّات سادت في المجتمع
__________
(1) ينظر هذا التوظيف الشاعر صالح خبَّاشة، الروابي الحمر، ص: 156. (1/375)
صفحة 376
لظروف طارئة، وأصبحت من التفشي إلى الدرجة التي ينبغي أن تتوجَّه إليها الأقلام بأكثر من أسلوب، وعلى أكثر من درب ... " (1) ولا يخلو هذا الاستعمال من التعريض بالإنسان والتهكم به ببيان تميُّز الحيوان عنه وتفوُّقه عليه في بعض الصفات.
هكذا نلحظ أنَّ في اللجوء إلى عالم الحيوان في السخرية تحقيقًا للغاية من الرمز، وهي حماية صاحبه من التناول الصريح المكشوف للأفكار، والإفصاح المفضوح عن المشاعر، وفي الوقت نفسه مساعدته على تقريب المعنى البعيد، وصون نفسه ممَّا لا تحمد عقباه ولو نظريًّا.
هذا الأسلوب ليس بدعاً في الأدب، فقد عرفه الأدب العربي، كما أُثِر عن ابن المقفع من خلال كتاب " كليلة ودمنة "، ومن خلال الأعمال التي تتابعت على هذا الكتاب، أو التي استلهمته عبر العصور التي مرَّ بها الأدب العربي، ومن خلال ما استفاده الأدباء من الآداب الغربية. كما كتب "إخوان الصفا" رسالة عنوانها "قصَّة الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن"، وهي قصَّة طريفة تعكس الخصومة الأبدية بين الإنسان والحيوان، طرافتها تتمثَّل في جعل الحيوانات عقلاء فصحاء مجادلين (2). وعرفه في الأدب الحديث أدب أحمد شوقي، والصحافة المصرية والتونسية وغيرهما، وممَّن ألَّف بهذا الأسلوب طاهر الطناحي. وعرفته الآداب العالمية القديمة والحديثة: المصرية القديمة واليونانية والفارسية والهندية والرومانية وعرفه "لافونتين LA FONTAINE" (1621 - 1695 م) في الأدب الفرنسي ... " (3).
الأدب الجزائري كغيره من الآداب استعمل هذا اللون من ألوان الرمز، ولجأ إلى عالم الحيوان، وألّف قصصًا قد تبدو خرافية، إلاَّ أنَّها كانت هادفة وموجَّهة إلى غايات معيَّنة، كما عقد مقارنات بين عالمي الإنسان والحيوان. كلُّ
__________
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 45، 46.
(2) لمزيد من التفاصيل عنها، ينظر د. زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع، ج1، ص: 333 وما بعدها. ود. مصطفى الشكعة، الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم النثر، ص: 682 وما بعدها.
(3) ينظر الدكتور محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، دار العودة، بيروت سنة 1983م، ص: 179 - 195. (1/376)
صفحة 377
ذلك بطريقة رامزة، تستجيب لآمال الشعب والأدباء، وما يجيش في صدورهم من رجاء في تغيير الأوضاع المتردية، وتحقيق ما يطمحون إليه. كتب "الرشيد" (عبد الحفيظ الهاشمي) (1) مقالة تهكم فيها وسخر من المتجنِّسين، وصوَّرهم كالنَّعامة، لا هي جمل ولا هي طير؛ وذلك بسبب تذبذبهم بين جنس العرب وجنس العجم، قال مستهزئاً معرِّضًا: ... "وهناك قسم من المخلوقات تجمَّع فيه من الأوصاف ما أكثر العلاقات، فإذا عقدت الخنصر والبنصر على أن تضمَّه إلى عنصر منعك باب التنازع في الأوصاف عن الحكم بالنسبة والمضاف، فيبقى بين بين، ليس في نسبته يقين، وكذلك مثل النَّعامة التي أشبهت البعير في الهامة، وحاكت الطيور في الأجنحة وفي المخالب التي هي لها أسلحة. هكذا شأن المارقين الذين ابتعدوا عن أوصاف المسلمين، وهم الذين تزيَّنوا بوشاح التجنيس، وباعوا دينهم عملاً بوسوسة إبليس، فصاروا مذبذبين، حين قطعت منهم الأوداج، وندموا ولات حين مندم، فما لبضاعتهم رواج" (2).
لا يخفى قصد الكاتب إلى الرمز تعريضًا وسخرية، حتى ولو لم يكن هذا الرمز عميق الإيحاء، وممتدَّ الظلال الشعورية؛ للجوء الكاتب إلى التوضيح والتفسير. إلاَّ أنَّ كلَّ جملة من جمل النص تعبِّر عن "طاقة من الحديث تعتمل في قلب صاحبها، ولكنَّ الظروف السياسية تضيِّق الخناق، فلا تخرج إلاَّ تلويحًا وتعريضًا" ... (3). التشبيه بالنَّعامة يرمز إلى الجبن والخوف والذلة، والإشارة إليها يرمز إلى عدم وضوح شخصية هذا الصنف من الناس؛ إذ ليست لهم خصوصيَّات تميِّزهم عن غيرهم، شأن المذبذبين. فالنَّعامة جمعت بين هيكل الجمل الضخم وهيئة الطائر الضعيف. المقابلة بين الضخامة من جهة والهيئة الضعيفة تذكِّرنا بقول حسَّان
__________
(1) عبد الحفيظ الهاشمي، ولد سنة 1895م، مؤسّس جريدة النجاح سنة 1919م، كاتب وشاعر، تقلَّد عدَّة مناصب قضائية وتعليمية.
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 205. المقال تحت عنوان "النعامة لا طير ولا جمل"، نشر في جريدة النجاح، ع: 256 (18/ 02/1925م).
(3) م. ن. (1/377)
صفحة 378
بن ثابت "جسم البغال وأحلام العصافير". وفي محاكاة هذا الصنف من الناس الطيرَ في الأجنحة – في هذا السياق- إشارة إلى عدم الاستقرار في مكان واحد، تمامًا مثلما تتحرَّك الطيور من مكان إلى مكان، لا تستقرُّ إلاَّ حيث تجد فائدتها وغذاءها، وهو ما يصنعه هؤلاء الناس. وفي إيراد عبارة (وفي المخالب التي هي لها أسلحة) إشارة ورمز إلى لجوء هؤلاء الناس إلى ظلم بني جنسهم بعد أن مرقوا منهم.
ألا يمكن لهذه اللوحة أن تذكِّرنا بقول الشاعر: "أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة" إلى غير ذلك من الدلالات التي يمكن أن توحي بها هذه الرموز المستقاة من عالم النَّعامة.
أمَّا "أبو اليقظان" فيلجأ إلى عالم الجراد (1)؛ ليمرِّر من خلاله أفكاره وانتقاداته لبعض الناس وتصرُّفاتهم. نشير إلى بعض الفقرات من مقاله في الموضوع: "يقلقني أن يتسرَّب الجراد حتى للحدائق والبساتين والمساجد ودكاكين الحلاقة، فيأتي على الأخضر والأكحل والأحمر والأصفر، ولا يترك إلاَّ أرضًا جرداء وذقونا قاحلة ... ! يقلقني من هذا الجراد عناده وإصراره وثباته وسيره دائمًا وأبدا إلى الأمام، وانقياده إلى زعمائه ورؤسائه أنَّى ساروا، وأينما توجَّهوا، ولا يثنيهم عن عزمهم لا حرقٌ ولا خنقٌ ولا تبديدٌ، ولا تشريد، ولا ولا، ولا أرى هذه الصفات في أبناء آدم، اللهم إلاَّ في الخسائس والتوافه، وما فيه نزهة إبليس" ... (2).
ويقول: "ينغِّصني من الجراد الخبيث أن يثبت في مواقفه، ويصاول على حياته، ولم يزحزحه عن مبدئه كلُّ ما يلاقيه من التعذيب والتنكيل، ولا يقتدي به في الثبات والصب روالجلد كثير من بني الإنسان الجبناء في مواقفهم الحاسمة، التي هي حدٌّ فاصل بين الموت والحياة" (3).
__________
(1) لحظت أن أبا اليقظان أكثر من الحديث عن الجراد والرمز بواسطته إلى مجموعة من الأفكار، خاصَّة في جريدته "البستان" هذا الاستعمال في حاجة إلى تأمُّل.
(2) "مغفَّل"، "مقلقاتي"، جريدة البستنان، ع: 6 (6/ 6/1933م) النص لأبي اليقظان.
(3) "مغفَّل"، "منغِّصاتي"، جريدة البستان، ع:7 (13/ 06/1933م) النص لأبي اليقظان. (1/378)
صفحة 379
من هذه المقلقات والمنغِّصات نقف على الإشارات النفسية والومضات الشعورية التي كشفت عنها هذه الرموز المنتقاة من عالم الجراد، التي هي لذعات وانتقادات، ودعوات ونداءات إلى الإفاقة والنهوض والعمل على التغيير ... وقد ابتعد فيها الكاتب عن التصريح والكشف الفاضح. هذا الأسلوب هو الذي فضَّلته جريدته "البستان" الفكاهية الرمزية.
لكي ينتقد الكاتب نفسه مواقف الانهزام ومواقف الخيانة للوطن، الصادرة من بعض من كان يسخِّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه، وفي الوقت نفسه يعرِّض بسياسة العدوِّ العاملة على خنق حرية المواطنين، في سبيل ذلك يلجأ إلى حوار يجريه مع عصفور: "سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري، وكان العصفور ذكيًّا شيطانا، فأجابني عنه بما أقنعني، وتركني باهتا لإصابة نظريَّته، وهو: لماذا تكره النياشين إذا رأيتها معلَّقة على صدور ذوي اللحاء والبرانيس بأنواعها ... ؟
- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية يقنصني!
- ولماذا؟
- عصفوري: لأنَّ هذه النياشين الحمر تذكِّرني بلونها الأحمر بجريان الدم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصياد، ولهذا أتشاءم منها كلَّما رأيتها أوسمعت عنها.
- فقلت: صدقت والله أيُّها العصفور الحرُّ، فلتعش حرًّا طليقًا رغم عن الإنسانية المعذبة ... ! " (1).
النص مُلئ رموزًا؛ العصفور غالبا ما يكون مقفوصًا، أو تكون حريته منغَّصة بالمطاردات، وعلى هذه الحال كان الشعب الجزائري تحت الحكم
__________
(1) "فلاَّح البستان"، " صدقت والله "، جريدة البستان، ع:8 (20/ 06/1933م). النص لأبي اليقظان. (1/379)
صفحة 380
الفرنسي؛ ولهذا كان دائم التطلع إلى الحرية، التي لا تشتري بالذهب مثلما يردِّد الطائر في الأناشيد المتواترة المؤلَّفة على لسانه. وفي الرمز إلى العصفور وإجراء الحديث على لسانه أكثر من دلالة معنوية. وفي استصدار هذه النظرية من عصفور: المخلوق الحيوان الضعيف تعريض بالإنسان صاحب العقل والإدراك، الذي تغيب عنه هذه الحقائق. والمقارنة بين النياشين الحمراء المعلَّقة على صدور ذوي اللحاء والبرانيس، والصيَّاد الذي يحمل بندقيَّته ليصطاد العصفور مقارنة بين عدوٍّ معروف مكشوف، وعدوٍّ متستِّر بمظهر القريب والصديق، الذي يُطمأَنُّ إليه ويُركَن ... ثم يخون ويغدر في الخفاء، ولهذا كان العصفور يكره أصحاب النياشين أكثر من الصيَّاد.
وفي هذا تعريض بالسائرين في ركاب الاستعمار المنفِّذين خطَطَه. وغيرها من الرموز التي أوجدها الكاتب من هذه القصَّة الموضوعة على لسان عصفور؛ التي هدف من خلالها الكشف عن مشاعره الحزينة وحسرته المريرة. وهنا تتحقَّقُ وظيفة الرمز الذي يومىء ويوحي؛ بوصفه تعبيرا غير مباشر عن النواحي النفسية، ويكشف عن الصلة بين الذات والأشياء، ويفرز مشاعر معيَّنة عن طريق الإثارة النفسية، لا عن طريق التسمية والتصريح (1).
هكذا نلحظ أنَّ الأدباء حرصوا على الاستفادة من الأسلوب الرمزي في التعبير عن مشاعرهم، وحاولوا الجمع بين استغلال طبيعة الرمز وطاقته في الإيحاء والإثارة النفسية والابتعاد عن التعبير المباشر، لإضفاء الجمالية على كتاباتهم، وبين تحقيق الأهداف المعنوية، وهي تبليغ المشاعر والأفكار إلى من يقصدونهم بالخطاب، وإخفائها عمَّن لا يرغبون في الاطِّلاع عليها. محاولة التوفيق بين هذين الهدفين، مع مراعاة مستوى الثقافة الأدبية للمعنيِّ بهذه الإشارات (وهو مستوى متوسِّط أو دونه) جعلت الكتابة بأسلوب الرمز كتابة فقيرة إلى الرمزية
__________
(1) ينظر كتاب الأدب المقارن، ص: 398. (1/380)
صفحة 381
الفنية كما اصطلح عليها في مذهب الأدب الرمزي. فرموز الأدباء – في عمومها- ينقصها التكثيف والإيجاز؛ لأنَّهم غالبًا ما يلجؤون إلى تفسيرها وتوضيحها، بما يفسد على المتلقِّي لذَّة الاكتشاف والمعايشة الوجدانية كما يتطلَّبه الفن.
كما أنَّ الرموز المستعملة لم تكن عميقة لفقدانها الأصالة؛ إذ لم تكن متميِّزة، بل كانت – في أغلبها- مبتذلة، دارت كثيرا في أقلام كثير من الكتاب قديما وحديثًا. والرمز "إذ كثر تداوله بإشارة إلى مضمون واحد، فقد يعتريه ما يعتري الكائنات الحية من شيخوخة أو موت، فيضيق إيحاؤه بما ينتابه من ابتذال، ويصبح أقرب إلى الدلالة العرفية منه إلى الإثارة النفسية" (1).
لكنَّ هذه الملاحظات لا تسلب من هذه النصوص كلَّ إيجابية، وكلَّ قيمة، بل لقد أدَّت هذه الرموز إلى تحقيق بعض أهدافها في الإثارة والتوجيه.
ممَّا سبق نلحظ أن الجانب الفني في الأدب الجزائري الساخر لم يكن له كبير عناية، ولم يكن ذا أهمية لافتة للنظر؛ إذ كان الاهتمام في الكتابة بالجانب الفكري والموضوعي، وما يصلح الحياة الفاسدة أو الحالة المتدهورة، وما يعين على النهوض والتحرك، وكان التوجُّه نحو ما يساعد على التنفيس عن النفس آلامها وأحزانها بأية وسيلة ممكنة، ولو بالتضحية بالجانب الفني.
ولهذا لحظنا أحيانًا البساطة في التعبير والضعفَ في التصوير، وفي توظيف الرمز، والتكلُّف في استعمال اللغة. كما لحظنا نقصًا في توظيف الموسيقى. كلُّ ذلك مرجعه أسباب موضوعية ونفسية وشخصية، كنَّا أشرنا إليها سابقًا. ليس معنى ذلك أنَّ الأدباء لم يتمكَّنوا من التعبير أدبيًّا عن أفكارهم ومشاعرهم. إنَّما قصدنا الإشارة إلى أنَّ الجانب الفنِّي في كتاباتهم كان ناقصًا.
__________
(1) م. س، ص: 328، 329م. (1/381)
صفحة 382
خلاصة القول: إنَّ لكتابات الأدباء وجهين: وجهاً إيجابيًّا، يتمثَّل في التعبير الصادق المخلص عن أفكارهم ومشاعرهم، ووجهاً سلبيًّا يتجسَّد في الضعف الفنِّي نسبيًّا؛ إذ يفتقر إلى الرمز والصورة والإيحاء والابتكار والتوليد باستثناء بعض النماذج، وقد أشرنا إليها في موضعها. (1/382)
صفحة 383
الفصل السادس (1/383)
صفحة 384
الفصل السادس
الخصائص العامة للسخرية
أ - الواقعية المصبوغة بالرومانسية
ب - التأثر بالتراث
ج - الحوار
د - التكرار
هـ - السخرية البذيئة أو الإسفاف في الكتابة
و - التفكه (1/384)
صفحة 385
الفصل السادس
الخصائص العامة للسخرية
أ - الواقعية المصبوغة بالرومانسية:
إنَّ أهمَّ خاصية يلحظها الدارس في الأدب الجزائري الحديث هي الواقعية التي طبعت أدبهم، وقد عكست الواقع المرير، الذي عاشه الشعب الجزائري في مختلف المجالات. هذا الوضع القاسي حمَّس الأديب وشجَّعه وجعله يتفانى في خدمة وطنه بقلمه: عرضًا للواقع وتحليلاً له؛ استنهاضًا للهمم، وتحريكًا للنفوس لحمل الأسلحة بكافَّة أنواعها، وفي جميع الأصعدة، للمقاومة والتحدِّي والعمل الجادِّ الهادف للتغيير نحو الأحسن، ثم اقتراح حلولٍ للتخلُّص من المأساة، ووضع المواطن في مسار يجعله دائمًا متعلِّقًا بالغاية البعيدة والهدف الأسمى، وهو التحرُّر والانعتاق من كلِّ غلٍّ يحرمه حريَّته ... ولهذا كانت الواقعية في التناول والتحليل والكتابة السمةَ الغالبة في الأدب الجزائري بعامة، وبها كان يتَّسم الأدب الساخر الذي هو جزء منه (1).
الواقعية بصفة عامة تُعْنى بعرض الحقائق بكلِّ سلبيَّاتها وإيجابيَّاتها، ومعالجة الموضوعات العادية. وتحرص على الارتباط بالمجتمع والتركيز على واقعه ومشكلاته وأحداثه. أي إنَّ الأديب الواقعي مطالب بالتعبير عن الوجدان الاجتماعي، والاهتمام بإبراز الواقع. وفي هذا يقول محمد غنيمي هلال: "والواقعيُّون - بعامة - لا يحبُّون المبالغة في العناية بالأسلوب؛ لأنَّه وسيلة لا غاية، والأهمية كلُّها للمنطق، وللطريقة التي تسود ترتيب الأحداث والتعبير عنها" (2). كما أنَّ الواقعيِّين يستلهمون واقع الطبقات الدنيا والنفس الإنسانية؛ ليجعلوا منها مادَّة تجاربهم في أدبهم (3).
__________
(1) هذه الظاهرة كانت السمة التي طبعت الأدب العربي الحديث. ينظر مثلا الدكتور نسيب نشاوي، مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1984م، ص: 331 - 333.
(2) الأدب المقارن، ص: 396.
(3) م. س، ص: 393. (1/385)
صفحة 386
ما يؤيِّد هذا الالتزام بالواقع والارتباط به أنَّ الواقعيِّين ما تعرَّضوا إلى موضوعات تاريخية في قصصهم ومسرحيَّاتهم إلاَّ وحاولوا أن يربطوا بين هذه الموضوعات والقضايا التي تتَّصل بالواقع المعيش (1).
هذه السمات التي تميِّز الواقعية الفَنية، نجد لها بعض المظاهر في الأدب الجزائري الساخر، وإن لم تكن بالمفهوم الفني الدقيق للواقعية. إلاَّ أنَّ بعض ملامحها قد توفَّرت فيه، للأسباب التي ذكرناها آنفًا، تتعلَّق بالمأساة التي عاشها الشعب الجزائري؛ لأنَّ الواقعية بمفهومها الواسع ليست وليدة القرن التاسع عشر بل هي كانت موجودة منذ القديم، كالفلسفة الواقعية المقابلة للفلسفة الاسمية في المفهوم الأفلاطوني، والواقعية المقابلة للمثالية، كما أنَّ هناك واقعية تقليدية ونقدية واشتراكية ...
وهناك من يرى أنَّ الواقعية ليست اتِّجاهًا فنّيًّا جماليًّا، يتميَّز بتقنية خاصة في التعبير، إنَّما هي اتِّجاه فكري رؤيوي خاصٌّ، يستند إلى معطيات الواقع الموضوعي في التفكير، ويبتعد عن الغيبية الميتافيزيقية في التفسير والتحليل والاستنتاج (2). والفنَّان في هذا الاتِّجاه يختار إحدى المدارس الفنية المعروفة للتعبير. من هذا المنطق أبحنا لأنفسنا نسبة بعض الآثار الأدبية في الأدب الجزائري الساخر إلى الواقعية أو وسمها بها؛ رغم أنَّ الاتِّجاه الواقعي الفنِّي –كما هو متعارف عليه –لم يظهر في الأدب العربي بعامة والشعر منه بخاصة إلاَّ في منتصف القرن العشرين (3).
بناءً على رأي الدكتور ميشال عاصي السابق، فقد لحظت أنَّ الأدباء الجزائريِّين مزجوا في كتاباتهم - في كثير من الأحيان- بين الواقعية والرومانسية لأنَّهم كانوا يهدفون من خلال رسم الواقع وعرض الحقائق إثارةَ مشاعر المتلقِّين، ودغدغة عواطفهم؛ لإيقافهم على حقيقة ما يعيشونه، وإبراز الواقع كما هو، فنهضوا للعمل
__________
(1) م. س، ص: 396.
(2) ينظر الدكتور ميشال عاصي، الفن والأدب، ط2، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، سنة 1970م، ص: 201، 202.
(3) ينظر مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ص: 331. (1/386)
صفحة 387
أو الإسهام في التغيير؛ لأنَّ الوصف الواقعي الخالص "يقعد عن الخلوص إلى ما وراء المنظورات من خواطر وواردات تدغدغ الجفون الرهائف" ... (1).
إذن فالرؤية الفكرية الواقعية تحتاج إلى ما يجمِّلها ويصبغها بالصبغة الفنية. والرومانسية قادرة على الإسهام بذلك في هذا المجال. إلى جانب كوناها تعبِّر عن عاطفة الإنسان قبل كلِّ شيء، وهي أصلا تدعو إلى التحرُّر المطلق. ثّم إنَّ السخرية حتى ولو كانت تأخذ مادتها من الواقع، فإنَّها تعمد إلى الخيال، وتختار الصور اللاَّذعة، التي تؤذي الخصم، وهذا يتطلَّب توفير عنصر آخر، يعين الواقعية على بلوغ هدفها بواسطة الفن، وهو ما يمكن أن توفِّره الرومانسية. وقد لوحظ هذا الأسلوب عند عبد القادر المازني، الذي تميَّزت كتاباته بالواقعية الممزوجة بالرومانسية (2) كما عرف أدب محمود تيمور هذه الخاصية (3). وقد تأثَّر بدوره في هذا المنحنى بالكاتب الواقعي "بلزاك" (4).
نحاول فيما يأتي التمثيل لهذه الخاصيَّة في الأدب الجزائري الساخر.
أدب أحمد رضا حوحو الساخر اتَّسم بهذه السمة في الكثير منه. فنماذجه البشرية (5) التي اختارها لكي يعرض ويصوِّر مجموعة من الطباع البشرية في عدد من البشر، والمنتقاة من صميم المجتمع (6) لم تخلُ من هذه السمة (الواقعية المصبوغة بالرومانسية)، رغم تصريحه أنَّه لم يعمد إلى الخيال لتنميق ما كتبه عنها وتزويقه وتوليد صور، ولم يلجأ إلى التحليل النفساني للاستعانة به في إثبات فكرة أو ردِّ أخرى، ممَّا يستعمله الرومانسيُّون عادة. يقول: ... "وإنَّما التجأت إلى المجتمع
__________
(1) الصورة الأدبية، ص: 269.
(2) ينظر السخرية في أدب المازني، ص: 333.
(3) ينظر محمود تيمور، أدب وأدباء، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، سنة 1968م، ص:138.
(4) هونوريه دي بلزاك ( Honore de Balzak) (1799 - 1850 م)، كاتب وقصصي فرنسي له "الكوميديا البشرية " و" أوجيني غراندِه" ...
(5) ينظر كتابه غادة أم القرى ... ص: 179 وما بعدها.
(6) م. س، ص: 179. (1/387)
صفحة 388
وانتزعت من مختلف طبقاته نماذج عشت مع بعضها، وسمعت عن بعضها، نماذج حية أقدِّمها للقارئ لعلَّه يتوصَّل إلى تفهُّم بعض طباع مجتمعه" ... (1) كما نلمس ذلك في شخصيَّاته التي كان يعرضها في ركن " في الميزان" في جريدة البصائر الثانية، وفي مقالاته التي كتبها على لسان حمار الحكيم، التي جمعها في كتابه "مع حمار الحكيم".
وقد عرفت بهذه الخاصية بعض كتابات الشيخ محمد البشير الإبراهيمي خاصة شخصيَّاته التي عرض سيرها بواقعية، غير أنَّها كانت منقولة عبر نفسه ووجدانه (2). نلحظ هذه الخاصية مثلاً في مقاليه: "إبليس ينهي عن المنكر" (3) و"إبليس يأمر بالمعروف" (4) اللذين حاول فيهما رصد سيرة شخصيَّتين أضرَّتا كثيرًا بالإسلام. فنجد إلى جانب الواقعية التي حاول من خلالها الكشف عن بعض الحقائق ملامح رومانسية، كجموح العاطفة، والجنوح إلى الخيال لتوليد صور فنية، والتحليل النفسي للتعبير عن الأحاسيس وإظهار الشكوى والحسرة ... وحشد النعوت والإكثار من الترادف، واستعمال أساليب بيانية، وغير ذلك من التعبيرات التي تكسر جمود الوصف الواقعي، وتوفِّر له الحيوية والحركية، بل إنَّ عنوانَي المقالين أنفسهما رومانسيَّان.
كتب الكاتب نفسه معلِّقا على تقرير "محمد العاصمي" (المفتي الحنفي في الجزائر) حول قضية "فصل الدين عن الحكومة" بواقعية تكشف الحقائق، مع مسحة رومانسية تفصح عن المشاعر: "إنَّ الإدارة الجزائرية العليا مطبخة - ليست كالمطابخ - تطبخ فيها الآراء والأفكار في كلِّ ما دقَّ وجلَّ من شؤون المسلمين. والقائمون على هذا المطبخ طهاة يحسنون الفن، ودهاة يحكمون بأوَّل الظن، وهم منتخبون من طراز خاصٍّ، أوَّل الشروط فيهم أن يكونوا قد أفنوا أعمارهم في حكم المسلمين، واجتازوا المراتب الإدارية من أدناها إلى أعلاها، وتمرَّسوا
__________
(1) م. س، ص: 180.
(2) ينظر عيون البصائر، ص: 605 وما بعدها.
(3) م. س، ص: 455.
(4) م. س، ص: 459. (1/388)
صفحة 389
بمحكوميهم، وفهموا ميولهم واتِّجاهاتهم، ودرسوا مواطن الضعف والقوَّة فيهم، وآخر الشروط فيهم أن يكونوا استعماريِّين قبل كلِّ شيء. والسيِّد السند من هؤلاء، هو الذي يثبت أنَّه حكم المسلمين حكمًا استبداديًّا، وعرف كيف يرهقهم، وكيف يذلُّهم، وكيف يضرب بعضهم ببعض، ويمزِّق شملهم، وكيف يدرِّبهم على أن يكونوا آلات صمَّاء لا أناسي، وكيف يستلب منهم العقل والإدراك، وكيف يروِّضهم على يقابلوا اللكم بالبكم، والصفع بالشكر، حتى يكتسب من كلِّ ذلك ملكة فيما يسمُّونه " السياسة الأهلية " بحيث لو كانت لها درجات كالدرجات العلمية، لمنحوا صاحبها لقب أستاذ في الشيطنة، كما يقال أستاذ في الفلسفة" ... (1).
المقال طويل كلُّه على هذا النمط. وقد تعمَّدنا سرد فقرة طويلة منه؛ لنكشف للقارئ عن هذه الخاصية (الواقعية المصبوغة بالرومانسية) في أدب الإبراهيمي.
الواقعية تبدو في سرد الكاتب وعرضه الواقع الذي كانت تعيشه القضية الدينية في الجزائر، وما جرَّه استمساك الأهالي بدينهم والمطالبة بعدم تدخُّل الحكومة في شؤون الدين، ما جرَّه ذلك من تنكيل وتضييق وتعذيب ... وقد تجرَّع الكاتب نفسه غصصًا في هذه المعارك مع المستعمر. وقد كتب عدَّة مقالات في الموضوع.
في النص تجسيد للواقع المعيش بتفاعلاته وتناقضاته ومفارقاته، وعرض لحالة صنف من الناس، باعوا ضمائرهم وذمَّتهم ليخدموا الاستعمار ومخطَّطاته عن وعي أو غير وعي، بإرادتهم وغير إرادتهم، وفيه إبراز لمنهجية المستعمر في اختيار هؤلاء الناس الذين يسخِّرهم لخدمة أغراضه وأهدافه، وفيه تتبُّع لتفصيلات وسرد لجزئيَّات. هنا تكمن الواقعية؛ إلاَّ أنَّ الكاتب لم يكتف بالسرد الموضوعي، بل أقحم ذاته، وحكَّم عاطفته ووجدانة لتوجيه الموضوع أو الأفكار كما يريد، وحيث
__________
(1) عيون البصائر، ص: 64. المقال بعنوان "التقرير الحكومي العاصمي". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:58 (29/ 11/1948م). (1/389)
صفحة 390
يرضى، كما أشرك خياله في التصوير للإفصاح عن مشاعره وعواطفه، وسبر أغوار نفسه؛ بالتحليل والتعمُّق في التناول للكشف عن القلق والتوتر في مشاعره.
وهكذا وجدنا أنفسنا مع صورة واقعية مضمَّخة أو مصبوغة بروح رومانسية وجدانية، فيها الخيال والعاطفة الجيَّاشة، فيها من التعبيرات والتراكيب: المجاز والكناية والتعريض والترادف: ترادف الألفاظ والمعاني، والتأكيد والإطناب والتبسيط والتفريع، وفيها أساليب بلاغية كثيرة أخرى، ممَّا يدرجها ضمن الكتابة الشعرية بمفهومها الفني، لا بمدلولها الإيقاعي من الوزن. وفيها من سمات الرومانسية: حشد الصفات وكثرة الإرداف، ما يستجيب لاحتداد المشاعر، والحماسة المفرطة لتداعي المعاني. والرومانسي لا يشفى غليله مرادف واحد، ولا صفة واحدة ولهذا يكثر منهما في كتاباته (1). هذه الظاهرة تجسَّدت في هذا النص، وهي سمة عرف بها الإبراهيمي في كتاباته بعامة (2).
وفي نصٍّ آخر للكاتب نفسه يقول: ... "ولو أنَّ أفراد هذه الطائفة رزقوا بصائر ينظرون بها الأشياء على حقيقتها، وعقولا يدركون بها الأمور باعتبار غاياتها وعواقبها، لعلموا كما علمنا أنَّ هذه الحكومة سائرة على مذهب استعماريٌّ دوَّنَه (أئمَّتها) الأوَّلون، وهذَّبه (شُرَّاحها) المتأخِّرون، وأنَّها بالغة من ذلك المذهب إلى غايته أو ملاقية حتفها دونها كما يقول العرب، وأنَّها من قساوة القلب وجمود العاطفة بالدرجة التي لا تؤثِّر فيها الأحاديث البليغة، ولا الأحداث البالغة. ذلك المذهب هو ترحيل الإسلام من المحراب ليتسنَّى لها ترحيله من الجامع ثمَّ الوطن.
هذا نصُّ المتن، وجاء (شرَّاح هذا المتن المحقِّقون) فأرشدوا إلى وسائل تلك الغاية، وبيَّنوا السبل المؤدية إليها، فأفاضوا وأطنبوا، إلى أن جاء بعض حذَّاقهم البارعين في بناء فقه السياسة على علم النفس - على غير طريقة فقهائنا الجامدين-
__________
(1) ينظر محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث ... ص: 346.
(2) ينظر للكاتب نفسه، عيون البصائر، ص: 227، 228، ومقاله: "التعليم العربي والحكومة "، فقد كتبه بالمواصفات التي كتب بها النص السابق. (1/390)
صفحة 391
فأرجع الوسائل الكثيرة المتشعِّبة إلى وسيلة واحدة، وهي ترحيله - أوَّلاً وقبل كلِّ شيء - من نفوس هذه الطائفة القائمة بالدين في نظر الناس" ... (1).
يستطيع المطَّلع على هذه الفقرات وبقية المقال أن يقف على الواقع الذي كان يعيشه الشعب الجزائري مع الدين تحت نير الحكومة الفرنسية، بفضل العرض التفصيلي الذي قدَّمه الكاتب عن الموضوع، ويلحظ فيه أنَّ الكاتب رتَّب الأحداث ترتيبًا منطقيًّا ليصل إلى الهدف من كتابته هذا النص. وهذه السمة من سمات الكتابة الواقعية. إذ الكاتب الواقعي يلحظ "الأحداث في الطبيعة ويرتِّبها ترتيبًا، يوجِّه بها الظاهرة التي يلحظها لتنتهي إلى النتيجة التي يريدها" (2).
والكاتب لم يكن قصده -هنا- سرد الحقائق مجرَّدة، وعرض الواقع كما هو، إنَّما كان هدفه توجيه هذا العرض وجهة معيَّنة، يكون فيه تحسيس الشعب بخطورة الوضع، وإظهار الحسرة والألم والقلق من الحالة المتردِّية، ولذا طغت على النص ظاهرة الشكوى، ثم التنكيت والتندر بسياسة المستعمر؛ لينفِّس عن نفسه المأزومة، ويخفِّف عن قلبه المصدور. جماع كلّ ذلك أو رباطه أسلوب التهكم الذي اختاره الكاتب لهذا العرضِ، الذي كشف فيه عن الواقع بعد أن مرَّره بوجدانه، وشكَّله طبقًا لروحه، وهو ما صبغه ببعض أصباغ الرومانسية التي تتحكَّم في كتَّابها العاطفةُ، ويستبدُّ بهم الخيال، ويسيطر عليهم الألم والشكوى.
فمن سمات الأسلوب الرومانسي التي نجدها في النص:
1) الولوع بحشد الصفات المتتالية المتساوقة (الأحداث البليغة والأحداث البالغة، الشرَّاح المحقِّقون، الحذَّاق البارعون، الفقهاء الجامدون ... ).
2) تكرار المعاني للتأكيد (فأرشدوا إلى وسائل تلك الغاية، وبيَّنوا السبل المؤدِّية
__________
(1) عيون البصائر، ص: 151. المقال بعنوان "فصل الحكومة عن الدين"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:142 (12/ 02/1951م).
(2) مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ص: 323، 324. (1/391)
صفحة 392
إليها، فأفاضوا وأطنبوا ... ) هذا الإطناب سببه نفسي، وهو محاولة الإقناع والتنفيس عن النفس؛ لأنَّ الجملة أو اللفظة الواحدة لا تطفيء غليان النفس، ولا تشفي الغليل، ولا تخمد اللوعة، ولا تسكِّن الزفرة.
3) المبالغة في وصف الأشياء وتقديرها؛ سخرية وتهكما: سادة الاستعمار الأوائل أئمَّة في سياسة الظلم والحيف، هم واضعو متن هذه السياسة، والمتأخِّرون شرَّاح هذا المتن محقِّقون بارعون في تأصيل فقه سياسة الاستبداد، وبنائه على قاعدة علمية من علم النفس، على عكس فقهاء المسلمين الجامدين، الذين لا يفقهون في دينهم شيئا ... في هذه المبالغات يكون التعبير النفسي عن التذمر والقلق من الوضع.
4) طغيان العاطفة وشدَّة الانفعال اللذين ساقا الكاتب إلى ركوب متن الخيال لتصوير مشاعره وتجسيد أفكاره. فكانت لنا منه هذه اللغة الإيحائية غير المباشرة.
إلى غير ذلك من بعض الأصباغ الرومانسية التي حاولت استكناه نفسية الكاتب عن طريق السخرية؛ ولهذا ارتأينا وسم أسلوب هذا النص وما سبقه من النصوص بسمة الواقعية المصبوغة بالرومانسية. أشير في النهاية إلى أنَّني تعمَّدت سرت نصوص طويلة لتمكين القارئ من الوقوف على هذه الخاصية في أدب محمد البشير الإبراهيمي.
الكاتب الثاني الذي نستشهد به في هذه الخاصية هو أحمد رضا حوحو. ومن حواره الذي أجراه مع حماره وهو تحت عنوان " المجنون " (1) نسرد هذه الفقرة.
دخل حمار الحكيم على رضا حوحو، ومعه شخص غريب، فلمَّا سأل عنه حوحو أجابه الحمار: إنَّه "مجنون"، فيلسوف في الجنون، أو مجنون في الفلسفة، ثم قال: "لست أدري إذا ما كان صاحبي هذا مجنونًا حقاًّ، ولكنَّ الذي أعلمه أنَّ البشر اصطلحوا على أن ينعتوه بالمجنون، وأن ينعتوا أمثاله ممَّن كثرت حقائقهم، وتجلَّت صراحتهم وانعدم تملُّقهم، وانمحى نفاقهم وبرز ذكاؤهم، وكثر فهمهم،
__________
(1) تعرّض في هذا المحاورة إلى شقاء صاحب العقل وتعبه ونصبه، وإلى نظرة الناس إليه نظرة ازدراء واحتقار؛ لأنَّه يفهم الأشياء على حقيقتها، لا كما يراها الناس مزيَّفة، ولهذا يتصرَّف معها كما يجب، بعيداً عن النفاق والكذب والخداع. هذا ما لا يرضى به النذاس، لهذا وصفوه بالمجنون. (1/392)
صفحة 393
واتَّقدت أذهانهم. وإذا أمعنت النظر في هذه الصفات مستقلَّة وجدتها جديرة بكلِّ عبقريٍّ كامل العقل والإدراك. صفات حميدة يرتضيها الإنسان ويرتاح إليها، ولكنَّ الناس اصطلحوا على أن لا يروها مجتمعة في شخص إلاَّ قالوا عنه إنَّه مجنون، كما اصطلحوا على أن لا يصفوا بالعقل إلاَّ من كان في بلادة الحمار -كما تقولون عنَّا- وغباوته، ومكر الثعلب ونفاقه، وحيلة الذئب وخداعه، وعلينا أن نرضى بهذا الاصطلاح ولو كارهين، وأن نقبل بهذا الحكم ولو مرغمين؛ لأنَّ البشرية أجمعت رأيها على ذلك، ومن يخالف إجماع البشرية أدخل في زمرة المجانين، وأخرج من حظيرة العقلاء، وحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل" (1).
يصوِّر النص المفارقة العجيبة التي تنتشر بين الناس، وتعيش معهم، وهي وصف الإنسان السويِّ العاقل، الذي ينسجم تفكيره مع مبادئ العقل، وصفه بالمجنون، كما يكشف النص عن هذه المفارقة بواقعية واضحة وسخرية معرِّضة.
سجلَّ الكاتب بعض هذه المظاهر التي تتجلَّى فيها هذه الظاهرة (جلاء الحقائق، ظهور الصراحة، انعدام التملق، انمحاء النفاق، بروز الذكاء، كثرة الفهم، اتِّقاد الذهن ... ). وفي ذكر هذه المظاهر بهذه الرؤية الواقعية تعريض بمن يفهم ويعتقد أنَّ هذه الأمور تصنِّف أو تُدخل صاحبها في زمرة المجانين، ومن يخالف هذه القاعدة يحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل.
هذه المفارقة أثارت مشاعر الكاتب وهزَّت عاطفته، وحرَّكت وجدانه، فتحرَّك خياله ليبحث عن الأسلوب المناسب للإفصاح عن هذه المشاعر والأفكار، فاهتدى إلى التعبير غير المباشر: تعريضًا وتكنية واستعارة وتصويرًا، ومبالغة في إبراز الظاهرة (المفارقة). وقد عمد إلى التفصيل والتفريع والإطناب والتبسيط؛ لإقناع المتلقِّي بفكرته التي أخذها عن المجتمع وهي التخلف، ما دام يفهم الحقائق معكوسة، وهي تسمية المجنون عاقلاً، والعاقل مجنوناً.
__________
(1) مع حمار الحكيم، ص: 64، 65. (1/393)
صفحة 394
ثم لجأ إلى إيراد معان متتالية، وألفاظ متتابعة، تدفَّقت أمامه تدفُّق مشاعره التي لا تنتهي، والتي لم يتمكَّن من الحدِّ منها؛ شعورًا منه بأنَّ الألفاظ والجمل لم تستطع شفاء غليله وإطفاء حرقة قلبه، والبوح بكلِّ ما يشعر ( ... ممَّن كثرت حقائقهم، وتجلَّت صراحتهم، وانعدم تملُّقهم ... ) (إلاَّ من كان في بلادة الحمار وغباوته، ومكر الثعلب ونفاقه، وحيلة الذئب وخداعه ... ) وقد تعمَّد أيضًا تكرير المعاني (أدخل في زمرة المجانين، وأخرج من حظيرة العقلاء، وحكم عليه بالحرمان من نعمة العقل ... ).
تُعدُّ هذه بعضًا من سمات الكتابة الرومانسية؛ إذ أنَّ كتَّابها لا يشفون من الانفعال "إلاَّ بالإلحاح على الألفاظ المتتالية، لأنَّ المرادف الواحد أو الصفة الواحدة لا تطفئ لهم غليلاً ... والرمانسيُّون هم كالبدائيِّين يعظم شأن النعوت في شعرهم لانسياقهم بحماس اللفظ وهوسه" (1). هكذا امتزجت في نصِّ رضا حوحو الواقعية بالرومانسية في التعبير والكتابة.
هذه الخاصية اتَّسم بها - أيضا- نصُّ "حذار من الورع الغادر والسخاء الماكر" (2)، لمن سمَّى نفسه "بوسعادي"، فقد عرض فيه واقع بعض لصوص الطرق، أو اللصوص الورعاء الأسخياء، الذين يتظاهرون بمظاهر الورعين؛ ليستغفلوا الناس، حتى يسلبوهم أموالهم وأرواحهم. صوَّر ذلك بواقعية لم تخلُ من رومانسية.
هذه نماذج من النصوص التي تشير إلى وجود ظاهرة الواقعية المصبوغة بالرومانسية في الأدب الجزائري الساخر. هذه الخاصية أفرزتها المأساة التي كان عاشها الشعب الجزائري.
حاول الأديب ذو الرسالة الاجتماعية أن يخفِّف من هذه المأساة، فعمد إلى وصف الواقع، وعرضه بتفصيلاته وجزئيَّاته. ومن خلال ذلك عمد إلى توجيه الأحداث أو الظواهر التي لحظها في الواقع إلى ما يخدم هدفه وغايته، وهي العمل
__________
(1) محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث، ص: 346. نقلاً عن إيليا حاوي، أبو القاسم الشابي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1981م، ص: 95.
(2) ينظر جريدة البصائر الأولى، ع:174 (14/ 07/1939م). (1/394)
صفحة 395
على التغيير نحو الأحسن. هذا ما وسم هذه الكتابة بالواقعية الاسمية، ولا تعني أبداً الواقعية الفنية، التي هي رؤية خاصة نابعة من تجربة عاناها الأديب، ثم صاغها صياغة فنية متميِّزة؛ إذ الأسلوب الذي كتبت به هذه النصوص – في أغلبه – يفتقر إلى السمات الفنية في الكتابة الواقعية. ليس معنى ذلك أنَّ الفنية كانت منعدمة في هذه النصوص، بل لقد حاول الأدباء إضفاء نسبة منها في كتاباتهم؛ استجابة للعاطفة، وللخيال الذي هو الأداة والوسيلة المبدعة عند الفنَّان، فصبغوها ببعض الأصباغ الرومانسية. إلاَّ أنَّها ليست رومانسية فنية، تصدر عن مدرسة أو مذهب أدبي فني، إذ أنَّ معظم الأدباء الجزائريِّين في الفترة التي نحن بصدد دراستها، كان تقليديَّ النظرة والأسلوب. إنَّ ما توفَّر في إنتاجهم من سمات الرومانسية الإحساسُ المرهف بالواقع المؤلم، والإسراع إلى الثورة عليه، واستعمال أساليب يحسُّ القارئ والدارس من خلالها الروح التي تحرِّك الرومانسيِّين للكتابة، كالعاطفة والخيال والشعور بالألم، الذي يبالغ في التصوير والشكوى إلى حدِّ الشطط أحياناً. وقد كانت هذه السمة خاصية عرفها الأدب الجزائري بعامَّة (1).
ب - التأثر بالتراث:
1 ـ القرآن الكريم:
أثر القرآن الكريم في الأدب الجزائري الحديث ظاهرة لافتة للنظر. يرجع هذا أساسًا إلى التكوين الذي خضع له الأدباء وإلى الثقافة التي تشبَّعوا بها، وهي الثقافة الإسلامية، التي كان القرآن عمادها وأسُّها الذي تستند إليه، بل لقد اندمج الأدباء في القرآن اندماجًا كليًّا، إذ عدُّوه بطاقة هوية الثقافة العربية على حدِّ قول الأستاذ "باهي محمد" (2). وقد مرَّت إشارات إلى هذه الاقتباسات في ثنايا هذا البحث.
__________
(1) ينظر القصَّة الجزائرية القصيرة، ص: 124، 125.
(2) ينظر المجاهد الثقافي (الجزائر)،ع: 4 سنة 1969م، ص:7. وكتابنا أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 28 وما بعدها. (1/395)
صفحة 396
ممَّن ظهرت في أدبه هذه الظاهرة جلية - فيما اطَّلعنا عليه من نصوص في الأدب الجزائري الساخر- محمد البشير الإبراهيمي، ومحمد السعيد الزاهري؛ إذ لا يكاد يخلو نصٌّ ممَّا كتبوه بالأسلوب الساخر من أثر للقرآن فيه. بل هناك نصوص كثر فيها التضمين والاقتباس كثرة كبيرة. من أمثلة ذلك ما كتبه محمد البشير الإبراهيمي تحت عنوان: "عادت لعترها لميسُ" (1) و"إبليس ينهى عن المنكر" (2) و"سجع الكهَّان" (3). وما كتبه محمد السعيد الزاهري: "سكيرج" (4) و"يا أعداء الشباب" (5) و"يتظلَّمن وهنَّ ظالمات" (6) و"إنِّي أرى في المنام" (7). وما كتبه أبو اليقظان تحت عنوان "الإنذار الأخير من البستان" (8). وما كتبه من رمز إلى اسمه بـ (م. ق): "مقامة النائب المبلس" (9).
بل هناك مقالات اتَّخذت عناوينها عبارات قرآنية مثل مقال محمد السعيد الزاهري "الآن") (10) (ومقال: "بيَّوض وأبو اليقظان وبوراس هل عندكم من علم فتخرجوه لنا" (11). و"الذي خبث لا يخرج إلاَّ نكداً" (12). ومقال محمد البشير الإبراهيمي" وشهد شاهد" (13) وغيرها من المقالات.
__________
(1) عيون البصائر، ص: 371.
(2) م. س، ص: 455.
(3) م. س، ص: 587 - 604.
(4) جريدة البرق، ع:3 (21/ 03/1927م). المقال بإمضاء تأبَّط شرًّا. ينظر أيضا ع: 12 (23/ 05/1927م).
(5) م. س، ع:8 (25/ 04/1927م). المقال بإمضاء جسَّاس.
(6) م. س، ع:10 (09/ 05/1927م). المقال بإمضاء تأبَّط شرًّا.
(7) صالح الخرفي، محمد السعيد الزاهري، ص: 153.
(8) جريدة البستان، ع:7 (13/ 06/1933م). المقال بإمضاء غارس الشوك.
(9) جريدة المرصاد، ع: 59 (14/ 09/1933م).
(10) جريدة البرق، ع: 13 (30/ 05/1927م). المقال دون إمضاء.
(11) جريدة الروح، ع: 25 (22/ 04/1939م). المقال دون إمضاء.
(12) جريدة الشعلة، ع: 36 (31/ 08/1950م). المقال دون إمضاء.
(13) عيون البصائر، ص: 199. (1/396)
صفحة 397
كتب محمد السعيد الزاهري يتهكَّم من طلبة شمال إفريقيا الذين أذلهَّم الاستعمار، وقهرهم، حتىَّ أصبحوا لا يتحرَّكون إلاَّ بوحي منه، ولا يقومون بأيِّ عمل إلاَّ ليلبُّوا ويحقِّقوا مطامحه، ولا يسيرون إلاَّ بتوجيهه، معطِّلين بذلك كلَّ جوارحهم، أو بالأحرى فقدوا الحرية في التحكُّم فيها: ... "ولو أنَّ أبناءنا اهتدوا بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وتخلَّقوا بخلق القرآن لما غلبنا الاستعمار على أفئدتهم وأسماعهم وأبصارهم، حتىَّ صاروا ولهم قلوب لا يفقهون بها إلا ما يرضي الاستعمار، ولهم آذان لا يسمعون بها إلا ما يرضي الاستعمار ولهم أعين لا يبصرون بها إلاَّ ما يرضي الاستعمار. إن الاستعمار أيُّها السادة يقول: ما منع المسلمين أن يندمجوا فينا إلا القرآن الذي جعلهم يندمجون في الأتراك، ويرضون بهم سادة حاكمين عليهم" (1).
هذه الصورة التي أعطاها الكاتب لهؤلاء الطلبة الذين أساؤوا فهم الإسلام؛ حين استطاع الاستعمار أن يحتلَّ عقولهم ويبثَّ بينهم الزيغ والضلال، استوحاها من قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (2).
فحين يستحضر المتلقِّي هذه الآية تتملَّكه السخرية من هؤلاء الطلبة؛ إذ الآية تشير إلى صنف من الناس يتَّصفون بالغفلة والسفاهة والحيوانية ... لأنَّهم حادوا عن الفطرة البشرية، وعطَّلوا الأجهزة التي وهبهم الله إيَّاها ليدركوا بها الحقائق، ومن ثمَّ يؤمنوا بالله خالقهم، والمنعم عليهم بتلك الجوارح؛ ولهذا استحقُّوا أن يكونوا من ذرء جهنَّم. كما أنَّ الطلبة عطَّلوا هذه الأجهزة التي وهبت لهم ليدركوا بها واجباتهم نحو وطنهم، فينهضوا للقيام بها.
يستمرُّ الكاتب في التهكم، فيضيف: إنَّ هؤلاء يعطِّلون هذه الجوارح في جانب معرفة الدين ويوظِّفونها في خدمة الاستعمار؛ لأنَّه امتلك قلوبهم، واحتلَّ
__________
(1) الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، دار الكتب، الجزائر، سنة 1983م، ص: 38، 39.
(2) سورة الأعراف، الآية: 179. (1/397)
صفحة 398
عقولهم، وتحكَّم في حواسِّهم. إنَّ التحوير الذي قام به الكاتب في الصورة القرآنية مَنَحَ صورته سخرية واحتقارًا وهزءًا أكثر.
أمَّا "إيَّاس" فيستوحي قول الله تعالى مُمْتَنًّا على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حين ساومه المشركون في ترك دعوته، باستهوائه بمختلف أنواع الإغراء، وبتهديده أحيانًا أخرى بالنّفي وإخراجه من مكَّة: {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ... وَإِنْ كَادُوا لَيْستَفزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبثُونَ خَلفَكَ إلاَّ قَلِيلاً ... } (1) فقال على لسان أحد الطرقيِّين: "بارك الله فيك كذلك، ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا، إذا لدعونا عليك دعوة سوء من دعواتنا المشهورة، تهوي بك في مكان سحيق" (2). قال الأهوج لأبي دلامة (وهما شخصيَّتان من أبطال جلسة المخذولين) هذا الكلام، حين اعترف أبو دلامة أن السبب في تطوُّر أعمال المصلحين وانتشار آثارهم هو شدَّة مناوءاتنا لهم. ولما سأله الأهوج عن إجابته وتعليقه على من أدرك هذه الحقيقة، ووقف على نجاح المصلحين في أعمالهم، وتفوُّقهم في المجال الفكري والأدبي، أجاب أبو دلامة إنَّي استعملت معهم أسلوب السفسطة والمواربة، والتمويه، ولم أعترف لهم بشيء من ذلك. بعد ذلك قال له الشيخ المقولة آنفة الذكر.
فسخرية الكاتب تكمن في استيحائه هذا الموقف القرآني مع تحوير في مضمونه؛ ليستجيب لمشاعره وحالته النفسية. إذ أنَّ الآيات تشير إلى التوفيق إلى الهداية وإلى الخير؛ ولهذا امتنَّ الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. بينما يشير النص إلى التوفيق إلى الضلال وفعل الشرِّ؛ لأنَّ التثبيت في نهج الطرقية المناوئ للمصلحين هو صدٌّ عن سبيل الله. وهنا يكون منُّ الشيخ على أبي دلامة، وتقرير الكاتب ذلك سخريةً وتهكما وازدراءً.
__________
(1) ينظر سورة الإسراء، الآيات: 74 - 76.
(2) إيَّاس، "جلسة المخذولين"، وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/1928م). (1/398)
صفحة 399
لقد استوحى الكاتب الآيات استيحاء عميقا وهادفًا. فالله أشار إلى النبي أنَّه لو ركن إلى الكفر والشرك والضلال لأذاقه عذابًا شديدًا {إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (1). والكاتب بدوره يشير إلى تهديد الشيخ أبا دلامة، لو مال إلى الاعتراف بتفوُّق المصلحين وأذاع ذلك بين الناس "إذا لدعونا عليك دعوة سوء من دعواتنا المشهورة تهوي بك في مكان سحيق" (2).
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فقال عن محمد العاصمي، الذي كان أداة طيِّعة في يد الاستعمار، وحربًا على جمعية العلماء والمصلحين بعامة: ... "ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدثنا عنه في الماضي إلاَّ باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلاَّ لأنَّنا أوْسَعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغْنا عليه ضربًا باليمين، ولكنَّ هذا الرجل (المصنوع) يأبى علينا إلاَّ أن نعتبره شيئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت حين سكتنا، وتمادى على السبِّ والشتم، ليشغل العاملين بهذا الفراغ ... وقديماً فهمنا أنَّ له أربًا في اللجاج والمراء، لأنَّ هذه الطريقة هي التي تظهره وتقرِّبه زلفى إلى آلهته، وهل لشركائه مثل رأيه حتى يعرِّضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؟ أنَّه لهم مولى شؤم وعشير سوء، لبئس المولى ولبئس العشير! " (3).
تذمُّر الكاتب من العاصمي كان كبيرًا؛ بسبب أعماله التي أضرَّت بالإسلام والمسلمين، وبسبب سيره في ركاب الاستعمار وتنفيذ خططه. ولهذا يحاول – دائمًا- أن يكون عابد أصنام أو صنمًا قائمًا بذاته، يجب القضاء عليه ليتمكَّن الإسلام أن ينتشر. فهو شبيه أو صنو الأصنام التي كانت دومًا تشويشًا على دعوات الرسل.
يستلهم الكاتب - هذه المرَّة - صنيع إبراهيم - عليه السلام - مع الأصنام التي أضلَّت الناس عن سواء السبيل، وذلك بعد أن حاول استنطاقها فلم تنطق، وعرض عليها
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 75.
(2) وادي ميزاب، ع: 79.
(3) عيون البصائر، ص: 144، 145. المقال تحت عنوان: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضية فصل الحكومة عن الدين"، نشر في جريدة البصائر الثانية، ع:139 (29/ 01/1951م). (1/399)
صفحة 400
الطعام فلم تأكل. بعد أن فعل معها ذلك تهكما وسخرية، وأقام الحجَّة عليها {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} (1) أي أفرغ شحنة غضبه، وشفى نفسه من الحسرة والضيق من هذا الضلال المبين. كذلك فعل الإبراهيمي ذلك مع العاصمي قولاً لا عملاً، كما صنع إبراهيم - عليه السلام -. وإن كان ذلك يصيب المسخور منه في نفسه وشخصيته؛ لأنَّ الإشارة إلى هذا المشهد القرآني يكفي لإثارة حفيظة العاصمي. إذ الكاتب بذلك يعدُّه صنمًا من حيث أنَّه هيكل لا يحرِّك ساكنًا، وجامداً لا حياة فيه. ومن حيث كونه عنوان الغواية والضلال. ويزيد الكاتب النص سخرية، والمسخور منه احتقاراً، حين يستعير جواب المشركين لمّا ليموا لماذا تعبدون الأصنام: نحن نعبدهم ليقرّبونا من الله: ... {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءََ مَا نَعْبُدُهُمُ إلاَّ لِيُقرِّبُونَا إِلى اللهِ زُلْفَى ... } (2) أي إنَّ العاصمي يكثر من المناوأة ومضايقة المصلحين ليزداد قربًا من معبوده وهو الاستعمار. هذه الصورة بهذه الإشارة كافية لزرع بذرة احتقار العاصمي وازدرائه والسخرية منه في قلوب المؤمنين.
الشخص الذي يتّصف بهذه الصفة، يكون مزعزع العقيدة، هو كمن يعبد الله على حرف يتّجه في عبادته إلى أيّ شيءٍ: شخصٍ، وثنٍ، ذي مصلحة وحاجة ... هكذا كان العاصمي بئس المولى وبئس العشير كما قال تعالى: {يَدْعُو لمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِير} (3).
هكذا نلحظ أنَّ الأدباء كانوا على وعي كبير في عملية الاقتباس من القرآن. وقد تمكّنوا من تصوير مشاعرهم، وتقديم أفكارهم بواسطة التركيبات القرآنية المستلهمة. وهذا أحد المظاهر الذي ظهر فيه الأدب الجزائري الساخر. مع ملاحظة أنَّ هناك نصوصًا خالف فيها الحظّ أصحابها في تكوين سخرية.
__________
(1) سورة الصافات، الآية: 93.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
(3) سورة الحج، الآية: 13. لمزيد من الوقوف على دلالة اقتباس هذه الآية على السخرية والتهكم، ينظر الآيات التي قبلها وتفسيرها، كتاب في ظلال القرآن، مج4، ج17، ص: 2412، 2413. (1/400)
صفحة 401
2 ـ الأدب العربي:
تأثُّرُ الأدب الجزائري الساخر بالأدب العربي القديم بعامة، والعباسي منه بخاصة كان جليَّ الأثر، واضح المعالم، فإن جريرًا والحطيئة وابن الرومي والمتنبِّي وأبا العلاء المعرِّي والجاحظ وابن شهيد، وابن زيدون وغيرهم قد تركوا بصمات سخرياتهم في إنتاج الأدباء الساخر.
من بين هؤلاء الذين تمكَّنوا من التأثُّر بهذا الأدب وتمثُّله، والاستفادة منه واستيحائه والبروز فيه بقوَّة، نذكر محمد البشير الإبراهيمي ومحمد السعيد الزاهري ومفدي زكريَّاء وأحمد رضا حوحو ... وقد مرَّت الإشارات إلى ذلك في ثنايا هذا البحث بين فصوله ومباحثه. ولهذا نكتفي بعرض نماذج قليلة.
في مقالة لمحمد البشير الإبراهيمي "عن عبد الحيِّ الكتَّاني ما هو؟ وما شأنه؟ " (1) نلحظ آثار "رسالة التربيع والتدوير" للجاحظ (159 - 255هـ) فكما كان دافع الجاحظ في كتابة رسالته وسلوكه مسلك الهجاء فيه هو تضايقه من "أحمد بن عبد الوهاب" (2) بسبب حقده وحسده الجاحظ، ومن ثمَّ نشأت عداوة بين الرجلين (3) وبسبب ادِّعائه العلم والثقافة أكثر ممَّا يمتلكهما، مع حسد العلماء ومخاشنتهم والتطاول عليهم (4). كتب الإبراهيمي مقالة عن "عبد الحيِّ الكتَّاني" يهجوه فيها، كردِّ فعل للأضرار التي ألحقها بالإسلام والمسلمين، وتأديبا له على مخاشنته وتطاوله على مقام العلماء والكبراء والشرفاء.
المقالة في حجم الرسائل في طولها، وفي مميِّزاتها من حيث الشكل والأسلوب. وعنوانُها تضمَّن سؤالا يستوقف الدارس ليبحث ويعرف حقيقة عبد الحيِّ الكتَّاني من
__________
(1) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع: 33.
(2) يذكر الدكتور نعمان محمد أمين طه أنَّ هذه الشخصية غير معروفة. وكلُّ ما يعرف عنها أنَّها من الكتّاب في العصر العبّاسي، ينظر كتاب السخرية في الأدب العربي، ص: 193.
(3) م. س، ص: 194.
(4) الجاحظ، رسائل الجاحظ، جمعها ونشرها حسن السندوبي، ط1، المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1352هـ/1933م، ص: 187، 188، 197. (1/401)
صفحة 402
وجهة نظر الكاتب. كما كانت رسالة الجاحظ كلُّها أسئلة مبكتة: " ... بأن أسأله (أي أحمد بن عبد الوهاب) عن مائة مسألة، أهزأ فيها، وأعرِّف الناس مقدار جهله ... " (1).
في النصين هجاء وقصاص وتأديب وزجرٌ وتعريض واستهزاء واستخفاف عابث، وتهكم مرير، وغمزات موجعة، وحرص كبير على حماية المجتمع من أمثال الرجلين في أخلاقهما، ورغبة ملحَّة في الكشف عن عيوبهما، وإبراز حقيقتهما بأسلوب أدبي ساخر غير مباشر.
نجد في مقال الإبراهيمي كثيرًا من الخصائص والملاحظات التي استخرجها الدارسون من رسالة التربيع والتدوير: مثل: التباله والمبالغة والمدح الكاذب ا لسَّاخر والاستعانة بضروب المفارقات، والتبكيت واستدراج المسخور منه إلى أن يظهر خطأ ما يعتقده أو ما يتبنَّاه. ويبين عن جهله وغروره، واستعمال جمل اعتراضية هادفة إلى السخرية والمزاوجة والتفلسف، والإيغال في توظيف النزعة العقلية، التي قد تفقد التهكم نكهته وقيمته، والميل إلى تشقيق الكلام والمحاججة، والإكثار من إيراد المترادفات، والاستشهاد بالقرآن والحديث والحكم والأمثال والإشارات التاريخية والشعر ... والمقابلة بين المسخور منه وأصحاب الأمجاد، وإظهار تفوُّقه عليهم؛ سخرية وتهكما. واستعمال السجع غير المتكلَّف في كثير من الأحيان، وتوظيف المعارف المختلفة في توليد السخرية والتهكم.
يسرف البشير الإبراهيمي أحياناً في الهجاء، حتى يتجاوز فيه أسلوب السخرية إلى أشياء أخرى. ولقد انقلب المقال في كثير من فقراته -كما كان شأن رسالة التربيع والتدوير- هجاء مقذعًا، وغمزات موجعة؛ بفعل التصوير الكاريكاتوري، الذي اعتمد فيه الكاتب على التوليد والاشتقاق، بداية بالعبث بكنية عبد الحيِّ ولقبه واسمه، وانتهاء يسرد مواقفه ومخازيه: "حتى إنَّ المقال غدا إبَّان نشره حديث الأدباء وسمرهم، يتندَّرون بما جاء فيه، متظرِّفين بمقاطع منه في مجالس
__________
(1) م. س، ص: 188. (1/402)
صفحة 403
لهوهم وأنسهم" (1). خلاصة القول: إنَّ معظم السمات التي لوحظت في "رسالة التربيع والتدوير" نجد لها حضورصا أو وجودًا في مقال "عبد الحيِّ الكتَّاني".
قال الإبراهيمي: "وقد رأينا بعض من كتب لعبد الحيِّ، أو كتب عليه، يكنِّيه بأبي السعادات، وهو لا يعني سعادات ابن الشجري، ولا سعادات ابن الجزري، وإنَّما يعني سعادات ثلاثا، لكلِّ واحدة منهنَّ أثر في تكوينه أو في شهرته: جريدة "السعادة" لأنَّها تطريه. وقرية "بوسعادة" لأنَّها تؤويه. ونسخة أو جزءًا من البخاري بخطِّ ابن سعادة لأنَّ الخزانة الجليلة تحويه" ... (2).
عمد الكاتب في هذه الفقرة إلى التوليد وتشقيق الكلام، ليوجد سخرية من عبد الحيِّ، وقصد إلى إيراد المترادفات الكثيرة معنى ولفظاً، والمبالغة في تقرير حقيقة عبد الحي الكتاني وتقديرها؛ سخرية وتهكما واستهزاء. كما نلحظ في هذه الفقرة ظاهرة التلوين الصوتي، الذي نجم عن إيقاعات مختلفة ناتجة عن التكرار والترداد والترادف والمعادلة بين الألفاظ والجمل التي تؤدِّي إلى توازن صوتي دقيق في كثير من الأحيان؛ إذ الفكرة عنده لا تؤدَّى في جملة واحدة، بل تحتاج إلى أخرى وغيرها لتقوم بوظيفة الإفصاح عمَّا يشعر به الكاتب، فيجتمع في التعبير الأداء الموسيقي والأداء المعنوي (3).
يتابع الكاتب التهكم من عبد الحي، ويصف حاله مع المستعمر، وكيف كان يسخِّره لقضاء مآربه: "يحرِّكه للفتنة فيتحرَّك، ويدعوه إلى تفريق الصفوف فيستجيب، ويندبه إلى التضريب والتخريب فيجده أطوع من بنانه، ويريد منه أن يكون حمَّى تنهك، فيكون طاعوناً يهلك، وأن يكون له لسانًا، فيكون له لسانًا وأذنًا وعينًا ورجلاً ومقراضًا للقطع، فأسًا للقلع، ومعولا للصَّدع، وما يشاء الاستعمار إخماد حركة إلاَّ كانت على يديه البركة" (4).
__________
(1) الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفنِّي، ص: 28.
(2) عيون البصائر، ص: 608.
(3) ينظر هذه الخاصية والأمثلة عليها الدكتور شوقي ضيف وكتابه الفن ومذاهبه في النثر العربي، ط6، دار المعارف بمصر، سنة 1971م، ص: 169، 170.
(4) عيون البصائر، ص: 610. (1/403)
صفحة 404
إذا أرجعنا ما حملته كلُّ جملة من فكرة إلى المعنى العامِّ والمشترك بينها وجدناها تدلُّ على أنَّ عبد الحي الكتاني فتنه في يد المستعمر، وآلة مسخَّرة له، وحربًا على المسلمين ... وقد لجأ الكاتب إلى المبالغة في تقدير شخصية المسخور منه؛ حين وصفه بأنَّه حمَّى وطاعونًا وأذنًا ولسانًا وعينًا ورجلاً وبركة ...
أمَّا الجاحظ فقال في تقرير حقيقة أحمد بن عبد الوهاب. (نلحظ فيها الملاحظات التي ذكرناها من نصِّ الإبراهيمي): ... "وكان ادِّعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلُّفه للإبانة عنها على قدر غباوته فيها ... وكان قليل السماع غُمرًا وصَحَفِيًّا غُفْلاً (1) لا ينطق عن فكر، ويثق بأوَّل خاطر، ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق، يعدُّ أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلَّق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلاَّ الانتحال لاسم الأدب" (2).
المبالغة الساخرة في نصِّ الإبراهيمي تبدو أيضا في الفقرة الآتية: ... "ولكنَّ السوأة التي لا توارى، والزلة التي تضيق عنها المغفرة، والعظيمة التي يستحي الشيطان أن يوسوس بها، والشنعاء التي لا يقدم عليها إلاَّ من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في علم الشرِّ ... وما كنَّا نتصوَّر أنَّ شرَّ شرِّير يتَّضع قدره إلى هذا الحدِّ، أو يتَّسع صدره لحمل هذا الوسام، وسبحان من يزيد في الخلق ما يشاء" (3).
المبالغة نفسها عن طريق المدح الكاذب الساخر تبدو أيضا في وصف الجاحظ: ... "وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها (كذا) خَوْدٌ إلاَّ وهي تعثر باسمك، ولا قينة إلاَّ وهي تغنِّي بمدحك، ولا فتاة إلاَّ وهي تشكو تباريح حبِّك، ولا محبوبة إلاَّ وهي تَثْقُبُ الخروق لممرِّك، ولا عجوز إلاَّ وهي تدعو لك، ولا غيور إلاَّ وقد شقي بك، فكم من كبد حرَّى منضجة ومصدوعة مفرثة ... وكم عبرى مولهة وفتاة معذَّبة، قد أقرح قلبها الحزن، وأجمد عينها الكمد" ... (4)
__________
(1) الغُمر بضمِّ الغين: من لم يجرِّب الأمور. والصَحفي من لم يلق العلماء، وإنَّما أخذ علمه عن الصحف. والغُفل: المجرَّد من المزايا.
(2) رسائل الجاحظ، ص: 187.
(3) عيون البصائر، ص: 611.
(4) رسائل الجاحظ، ص: 217. (1/404)
صفحة 405
وبأسلوب المفارقة يقول الإبراهيمي عن عبد الحي الكتَّاني: "وإذا أنصفنا الرجل قلنا أنَّه مجموعة من العناصر، منها العلم ومنها الظلم، ومنها الحق ومنها الباطل، وأكثرها الشرُّ والفساد في الأرض، أطلق عليها - لكثرتها واجتماعها في ظرف - هذا الاسمُ المركَّب" ... (1)
قال الجاحظ عن أحمد بن عبد الوهاب ساخرًا متندِّرًا: ... "ومن غريب ما أعطيت وبديع ما أوتيت، أنَّالم نرَ مقدودًا واسع الجُفْرَة (2) غيرك، ولا رشيقًا مستفيض الخاصرة سواك! فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت الطويل وأنت المتقارب. فيا شعرًا جمع الأعاريض! ويا شخصًا جمع الاستدارة والطول" ... (3)
ومن الخصائص التي تميَّز بها نصُّ الإبراهيمي ما يمكن تسميته النظر العقلي أو القياس الفلسفي، هذه السمة غلبت على كتاباته: ... "أما جزؤه الثاني (أي الحي في عبد الحي) فليس هو من أسماء الله الحسنى، ولا يخطر هذا ببال مؤمن، يعرف الرجل، ويعرف صفات عباد الرحمن المذكورة في خواتيم سورة الفرقان، وإنَّما هو بمعنى القبيلة، كما يقال كاهن الحيِّ وعرَّاف الحيِّ وعير الحيِّ، وقبَّح الله الاشتراك اللفظي، فلو علم العرب أنَّه يأتي بمثل هذا الالتباس لطهَّروا منه لغتهم، وتحاموه فيما تحاموا من المستهجنات، ولو أدرك نفاة الاشتراك في الاستعمالات الشرعية زمن عبد الحي، أو لو أدرك هو زمنهم وعرفوه كما عرفناه لكان أقوى أدلَّتهم على نفيه، ولارتفع الخلاف في المسألة، وسجَّل التاريخ منقبة واحدة لعبد الحي، وهي أنَّ اسمه كان سببًا في رفع خلاف" (4).
وقال الجاحظ لأحمد بن عبد الوهاب: "وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة، ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمَّة لأنَّك رجل لا عقب لك، والإمامة اليوم
__________
(1) عيون البصائر، ص: 607.
(2) الجُفرة: جوف الصدر، وما وسع البطن والجنبين.
(3) رسائل الجاحظ، ص: 191.
(4) عيون البصائر، ص: 608. (1/405)
صفحة 406
لا تصلح في الإخوة، ولو صلحت في الإخوة كانت تصلح في ابن العمِّ، ثم أنَّها دنت من الأرحام بعد ذلك، فصارت لا تصلح إلاَّ في الولد. وفي هذا القياس أنَّها بعد أعوام لا تصلح إلاَّ ببقاء الإمام نفسه إلى آخر الأبد، وهذا هو علَّة أصحاب التناسخ وأنت رافضي، ولم يكن هذا عندك" ... (1)
إنَّ المبالغة في استعمال العقل والقياس المنطقي والتأمل الفلسفي في النصين شانت وأفسدت الجانب الساخر فيهما.
من الرسائل التي تأثَّرت برسالة التربيع والتدوير رسالةٌ بعث بها محمد الصالح رمضان (2) إلى معلِّم كان يدرِّس في تلمسان، أحاط به الغرور والإعجاب بنفسه رغم جهله وقصوره. وقد كتبها بأسلوب ساخر طريف على شكل مقامة، بناها واستوحى فيها القضية النحوية المعروفة بـ "المسألة الزنبورية" استعملَ فيها السجع واللغة الأنيقة "كما أقام موضوعها على ذكر نحاة وعلماء وأدباء. فهي من حيث فكرتها تشبه من بعض الوجوه رسالة التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ" (3). الرسالة تقع في صفحتين.
__________
(1) رسائل الجاحظ، ص: 224.
(2) الأستاذ محمد الصالح رمضان ولد يوم 14 أكتوبر 1914م. من الشخصيات الجزائرية المتميِّزة بنشاطها الكبير في مختلف المجالات. كاتب وشاعر، كتب القصَّة والمقال والمسرحية والشعر، وأسهم بدراسات أدبية كثيرة. عني بتحقيق بعض آثار الشيخ عبد الحميد بن باديس ونشره. اشتغل بالتعليم قبل الاستقلال وبعده، شارك في أعمال جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين. وأسهم في نشاط الحركة الكشفية الجزائرية، وهناك بدأ عمله السياسي. له أعمال أدبية وفكرية كثيرة منها: الناشئة المهاجرة (مسرحية) والخنساء (مسرحية) ... وألحان الفتوَّة (ديوان شعر) ... من كتَّاب جريدتَي البصائر والعبقرية ... وكثير من المجلاَّت بعد الاستقلال. وما يزال يكتب ويبحث وينشر الدراسات. لمزيد من التفاصيل ينظر الدكتور عمر بن قينة، "صوت الجزائر في الفكر العربي الحديث"، ديوا ن المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1993م، ص: 389 - 401.
(3) فنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 319، 320. راجعنا الكاتب عن هذه الرسالة. فقال لنا: إنِّي لا أملك نسخة منها. فقد استعارها منِّي أستاذ، ولم يرجعها إليَّ. وذلك في مقابلة لنا معه شهر أكتوبر 1992م. لذا اعتمدنا على بعض ما أورده الدكتور عبد المالك مرتاض في المرجع السابق. (1/406)
صفحة 407
قال محمد الصالح رمضان: "ما هذه الزنبورة التي جاءنا بها كسائي مصره لسيبويه عصره؟ أَحَضَر فيها يحي البرمكي لديه، فنعرف ألَسْعَة العقوب أشدُّ أو الزنبور، ورنَّة القيثارة أحسن أو نغمة الطنبور؟ وهل هو هي أو إيَّاها، فإذا به يجهل القضية أو يتناساها؟ إنَّ حكمك أيُّها الكسائي لصنيعة يدك، ولكنَّ سيبوبه زمانك ليس كسيبوبه البرامك ... انتخب لي من عبقر أو مدغشقر صاحب العبقرية، والقزم الأصغر المغربل المفلاس، الرخيص من كلام الناس، فتقدَّم لسرح الفولاذ المموَّه بالنحاس، مشمِّرًا حاسر الراس، فقلنا له ياس ما عليك من باس، لو أتيت بدل المسحاة بالفاس، لعدت عوضًا عن النحاس بالماس، فعاد إلى الكناس كالخنَّاس ... واختار من العطارين مختارًا، فصبَّ على المجلس من عقاقيره قنطارًا! زاعما أنَّها ذَنُب. وإن هي إلاَّ ذنوب، ثم أشعل فيها نارًا، ظنًّا منه أن رائحة بخوره ستخرج المجلس من التخطيط في جوره" ... (1)
أمَّا حمُّو لقمان فيستوحي"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرِّي (ت 449هـ/1059م) التي كانت ممتلئة سخرية من بعض المعتقدات، وفيها يستطرد أبو العلاء في وصف الجنَّة، ويتخيَّل لقاءاته مع بعض الشعراء والأدباء. ولَم يَنْسَ وصف بعض الأهوال، وفيها كان يحاور رضوان خازن الجنَّة محاورة طريفة (2). على العموم هي رحلة " تخيَّلها في الجنَّة والموقف وفي النار، كي يحلَّ – في عالم خياله – مسائلَ ومشاكل ضاق بها في عالم واقعه من العقاب والثواب، وتناسخ الأرواح والغفران ... مع كثير من المسائل الأدبية واللغوية، يوردها مورد الساخر تارة، والناقد اللغوي المتبحِّر تارة أخرى" ... (3)
كما يستلهم حمُّو لقمان "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد (ت 382هـ/426م) التي هي عبارة عن رحلة خيالية في عالم الجن، تمَّت فيها لقاءات مع شياطين
__________
(1) م. س، ص: 320، 321.
(2) ينظر الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص: 275 - 280.
(3) الأدب المقارن، ص: 229. (1/407)
صفحة 408
الشعراء والكتَّاب الذين عاشوا قبله، وكانت له معهم مناظرات ومساجلات أدبية. وكان المنتصر فيها – دائمًا- هو ابن شهيد؛ لأنَّه كان يهدف من كتابة هذه الرسالة بثَّ أفكاره والإفصاح عن مشاعره.
على منوال هاتين الرسالتين وبوحي منهما كتب حمُّو لقمان مقالاً متسلسلاً تحت عنوان: "جواب عن سؤال" (1). بعد مصادرة الاستعمار جريدة "النُّور" (2). اختار لهذه السلسلة أسلوبًا خياليًّا، يحمل دلالات السخرية والتهكم من المستعمر، المتسبِّب في هذه المصادرة والمضايقة، وفيها عمد إلى الرفع من شأن الجريدة وصاحبها أبي اليقظان. وقد عرَّض في ثنايا هذه الرحلة إلى العالم الأخروي بسياسة الاستعمار وعلاقتها بالصحافة العربية، وانتقد كثيرًا من المسائل المتعلِّقة بالتعليم والتربية والوعظ والارشاد وحرية التفكير ...
قال حمُّو لقمان: "قرأت في البستان مقال السائل عن متروك النور، وإليك الجواب عن الوصية فقط لما فيها من المنافع. لما أراد أن يرحل قطار (الأكسبريس) بحضرة الكهل الغيور الوطني الصميم الأسد الهصور جلالة (النور) إلى حيث يجد جزاءه موفورًا، وأبرق برقية إلى جمعية العلماء ليلاقوه هناك، وسريعًا ما اجتمعت الجمعية عند النادي الفردوسي، وأرسلوا ثلاثة لمحطَّة القطار وهم قطب الأئمَّة الشيخ طفيَّش (3) ونافخ الروح الإسلامي في العالم جمال الدين الأفغاني ومبيد الخرافات والأوهام الباطلة الشيخ محمد عبده، وكان هناك ما كان حسبما رواه الراديو بواسطة المريخ" (4).
ثم يستمرُّ الكاتب في وصف هذه الرحلة السماوية المتخيَّلة الهادفة: "الليلة الأولى: وصل النور في السماء الأولى ونزل في نزل الأبرار، وأخذ راحته هناك يومًا
__________
(1) ينظر جريدة البستان، الأعداد: 4، 5، 6،7.
(2) إحدى جرائد أبي اليقظان التي ذهبت ضحية الحقِّ والكفاح الإسلامي الوطني (1931 - 1933م). صودرت بعد العدد: 78، الصادر يوم: 02 ماي 1933م.
(3) الحاج امحمَّد بن يوسف اطفيَّش الجزائري (1820 - 1914م)، صاحب التصانيف الكثيرة في مختلف المعارف، وأحد أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر وأحد المجدِّدين في الفكر الإباضي.
(4) جريدة البستان، ع:4 (23/ 05/1933م). (1/408)
صفحة 409
وليلة، فخرج يجول في أنحاء المدينة، فالتقى هناك بكثير من الأدباء الأبرار، وجدهم في بستان النزهة، وبين أيديهم جريدة (السلسبيل) التي تصدر في عدن، فوجد فيها قطعة هذا عنوانها: "أهلا وسهلاً"، سيصل غداً هنا حضرة النور في الطيَّارة من الأرض من قارة إفريقيا من بلد الجزائر، منفيًّا من أرضه مارًّا للفردوس (ديريكت) ويكون غذاؤه الرسمي عند أمير الصحافة السماوية، وعشاؤه عند سلطان العلوم والمعارف، ثمَّ يصعد إلى مقرِّه. فاستغرب النور لهذه الأنباء، ولهذه الحياة الجديدة فقال: "إذا طَرْدَكْ البخيلْ عند الكْريم تْبَاتْ "، ووجد هناك تربة خصبة للجرائد" (1).
واضح من هذه الفقرات أنَّ الكاتب كان يقصد - من خلال سرد هذه الرحلة الطريفة- أن يرفع من شأن أبي اليقظان، وفي الوقت نفسه يسلِّيه ويصبِّره، ويزرع فيه الأمل لمواصلة الكفاح، ولا يعبأ بتعسُّفات المستعمر وحيفه. فإنْ نال من قدره العدوُّ الفرنسي فإنَّ عظماء الإسلام الذين مضوا إلى ربِّهم يعرفون قدره ومكانته، ويباركون أعماله. بدليل استقبال ثلاثة منهم لجريدة النور الموؤودة، وفتح باب جنَّة الفردوس ليدخلها مباشرة بدون حساب، وهي جائزة أولياء الله الذين عبدوه وبإخلاص وصدق، ثمَّ يكون بعد ذلك معزَّزًا مكرَّما، ومضيَّفًا عند رموز الثقافة الأصيلة: أمير الصحافة، وسلطان العلوم والمعارف ... أراد الكاتب أن يعوِّض الإهانة التي لحقت أبا اليقظان في الأرض عزَّة وكرامة في السماء، بدليل قوله عن طريق مثل عامي: "إذا طرْدَكْ البخيل عنْدَ الكْريم تْباتْ".
هنا نشعر أنَّ لقمان حمُّو يتنفَّس في جوِّ "رسالة التوابع والزوابع" إذ فيها حاول ابن شهيد التماس "التقدير والتكريم عند من هم أعلى قدرًا من معاصريه وأوفى شهرة وأعلى كعبًا في الأدب بفرعيه الشعر والنثر، فهداه خياله الخصيب إلى كتابة قصَّته" (2). وذلك بعد أن شعر أنَّ الأدباء والنّقاد لم يولوه اهتمامًا يليق بمكانته ومنزلته الأدبية، بل كانوا يحقدون عليه ويحسدونه. وقد تردَّدت في الرسالة
__________
(1) م. س، ع: 6 (06/ 06/1933م).
(2) الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، ج:2، قسم النثر، ص: 600. (1/409)
صفحة 410
عبارات: فقد أجزتك، وما أنت إلاَّ محسن على إساءة زمانك، هذا شيء لم نُلهَمْهُ نحن ... يعلِّق مصطفى الشكعة على ذلك ويقول إنَّ هذا "في الواقع صدى لما في نفس ابن شهيد من مرارة وحفيظة على أهل زمانه" ... (1)
يصحب لقمان حمُّو "النّور" في رحلته بقلمه ويقول: " الرحلة الثانية، صعد إلى السماء الثانية مقر كثير من الأدباء والرسل، وكان في ذلك اليوم احتفال برجوع الحُجَّاج، وماكان يظنُّ أنَّ غير الأحياء يحجُّون، فشاركهم في فرحهم، فدخل إلى قاعة الحفلة، فوجد هنالك الشعراء يترنَّمون بأبدع بيت تضمَّن أخبارًا كثيرة ويفسِّرونها. ومن جملة ما شرح مناجاته لنوح:
أرَى طوفان هذا الغرب يطغى ... وأهل الشرق سادتهم نيام
فإن لم يأتنا نوح بفلك ... على الإسلام والدنيا السلام
فقال شاعر يا نوح أدرك الإسلام في الدنيا ... " (2).
نسجِّل عن هذه الرحلة الطريفة أنَّها كانت كشفًا غير مباشر لمظاهر التذمُّر والسخط والقلق من ممارسات الاستعمار التعسفية، كما نلحظ فيها إعلانًا عن بعض الأفكار والآراء، ومباركة لنهج أبي اليقظان وصحافته، ومن يسير في طريق الإصلاح والنهضة.
ورسالتا ابن شهيد وأبي العلاء المعرِّي كانتا تهدفان إلى الغاية نفسها، وتحملان السمات ذاتها. فالنصوص الثلاثة كانت رحلات خيالية، غلب عليها طابع الحوار الهادف، وكانت فرصة لبثِّ أفكار لم يُتَمَكَّن من إذاعتها بشكل مباشر. كما أنَّ الدافع إلى كتابتها هو الشعور بالضيق وبالحسرة ممَّا يشاهد من انحرافات لم يُمكِن الإفصاح عنها مباشرة. وييدو على رسالة الغفران ورحلة لقمان التأثُّر بحادث الإسراء والمعراج.
__________
(1) م. س، ص: 612.
(2) جريدة البستان، ع:7 (13/ 06/1933م). (1/410)
صفحة 411
ومن الآثار الأدبية التي استلهمها الأدباء الجزائريُّون في مجال السخرية رسالة ابن زيدون الهزلية في هجاء ابن عبدوس؛ إذ نجد لها أثرًا واضحًا في مقال الإبراهيمي " إلى الزاهري" (1). فابن زيدون (394هـ- 463م) تهكم بابن عبدوس وسخر منه سخرية نالت من مكانته، ورماه بعيوب لا حصر لها، وسلبه آدميَّته، وجرَّده من الرجولة، مستلهمًا كثيرًا من الأمثال والإشارات التاريخية وبعض الأعلام ...
وقد كتبت الرسالة إثر عداوة بين الرجلين بعد صداقة كانت جمعتهما (2). كذلك كتب الإبراهيمي مقالته إثر عداوة بينه والزاهري، بعد صداقة جمعتهما في إطار أعمال المصلحين، وجمعية العلماء. وعلى غرار سلفه ابن زيدون فقد حشد في مقالته كثيرًا من الأقوال من القرآن والأمثال العربية والإيماءات التاريخية، ومصطلحات معروفة في مختلف المعارف كالحلول والتقية، والمفهوم والمنطوق ... استلهمها تهكما وسخرية.
قال الكاتب: "كتبت - أيها الشيخ- كثيرا من الباطل، وسنكتب قليلاً من الحقِّ، ولكنَّ قليلنا لا يقال له قليل، ولو كنت وحدك تكتب بقلمك، وتقول بلسانك، وتعبِّر عن فكرك لأوليناك جانب الاهتمام، وسكتنا عنك طول العمر، كما سكتنا عنك في ماضيك القريب، وفي ماضيك البعيد احتقارًا لشأنك، واستهانة بما أهان الله منك، وربَّما عذرناك في مجانبتك للصِّدق، بأنَّك لا تعرفه. وإنَّما يؤاخذ الإنسان بترك ما عرف، وربَّما أثنينا عليك بالوفاء للصاحب الذي صاحبك منذ عققت التمائم وهو الكذب، وباستقامتك على الجبلة التي جبلت عليها وهي الشر، والموهبة التي خُصِّصت بها، وهي البراعة في قلب الحقائق. وربَّما رحمناك من هذه النار التي تصلاها، وهي نار الحقد، ومعذرة ... فإنَّ من الميسور أن نطفئ النار ذات الوقود، وليس من الممكن أن نطفئ الحقد من صدر الحقود" ... (3)
__________
(1) جريدة البصائر، ع: 61، سنة 1948م.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 284.
(3) عيون البصائر، ص: 631. (1/411)
صفحة 412
بنى الكاتب تهكمه الموجع في النص من إحداث التقابل والتضاد والمقارنة والموازنة والهجاء المقذع ... ساق كلَّ ذلك في ثوب من التعريض، الذي عمد فيه إلى محاولة إيجاد العذر لتصرُّفات الزاهري الخارجة عن الفطرة البشرية؛ احتقارًا واستهزاء. هذه الأوصاف كافية لتسلب الزاهري كرامته، ومن ثمَّ تنال من مكانته، وتجعله أضحوكة وأفكوهة بين الناس.
ثم قال له الكاتب أيضًا: "أتذكر - يا شيخ- ماضيك الصحافي وصحائفك الماضية، التي تهاوت في مثل عمر الزهر من (الجزائر) إلى (البرق) إلى (الوفاق) وقد ماتت كلُّها بالهزال والتسمُّم، ولو كانت ممَّا ينفع الناس لمكثت في الأرض. فاحتفظ بما بقي من أعدادها، فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم يكنس الله طباعهم، ويطبع على بصائرهم، فيصبح السبُّ والكذب عندهم من الفنون الجميلة. فيشيدون المعاهد العالية لتعلُّمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد، أتذكر يوم ضاقت بك الحيل، فعرضت همَّتك وذمَّتك وقلمك في المزاد العلني، فكنَّا أزهد المشترين فيه؟ ... " (1).
هذا النص وما فيه من إقذاع وهجاء وشماتة بالزاهري، يكشف عن الحقد الدفين الذي يكنَُّه الكاتب لهذا الشخص. وهو الشيء نفسه والروح ذاتها تطالعنا بهما رسالة ابن زيدون إلى ابن عبدوس قال عنه إنَّك: ... "كثير المعايب، مشهور المثالب، كلامك تمتمة، وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة، وضحك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة، ودينك زندقة، وعلمك مخرقة. فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنَّة معك سقر ... وهلاَّ علمت أنَّ الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أنَّ المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلت الخبيث والطيِّب لا يستويان" ... (2).
فالنصان وإن اختلفا في المعاني الواردة فيهما وفي طريقة الهجاء والسخرية إلاَّ أنَّهما متشابهان في الروح التي سادتهما. وهي المبالغة في تصوير ضعة المسخور منهما وذلَّتهما، وفي الدلالة على الحقد الذي يحملانه لهما ...
__________
(1) م. س، ص: 635، 636.
(2) ينظر أنيس المقدسي، تطوُّر الأساليب النثرية في الأدب العربي، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، كانون الثاني (يناير) سنة 1968م، ص: 329. (1/412)
صفحة 413
وينزعه جاحظية ولذعات تشبه لذعات ابن زيدون، التي نال بها من كبرياء ابن عبدوس، كتب مفدي زكريَّاء يسخر من أحد حرَّاس السجن متفكِّهًا به، مقدِّمَه في صورة كاريكاتورية مضحكة: ... "وما عسى أن أصف لك؟ وجه منتفخ الأوداج، مطبق كخبزة السميد، عينان عطشاوان صفراوان، ترشحان رَمَصًا كالدماميل، خدَّان أحمران مبلبلان كالرئة، أنف أخنس منتصب كشهادة الزور. مشفران غليظان مبرطمان كعجلة السيارة طويلان يتهدَّلان كمشفري كافور الإخشيدي، فم أبخر يتناثر منه اللعاب شظايا كفم الصلِّ، يتقلَّب فيه لسان كالخرُّوبة، يتدمدم بلغة خنشفارية، لا يفهمها إلاَّ "م. مارشاندو"، ظهر محدوب كحمَّالة الحطب، بطن شاخص يتخرخر تحت عنقه كبطن ذات التوأمين، يدان قصيرتان كأعمار الدول الجائرة، مبكبكتان كملفَّات المساجين السياسيِّين، رجلان شثنتان نافجتان كأرجل أولاد ياجوج وماجوج، نفس خبيثة سافلة دنيئة ... وقد لا يدهشك أن تعلم أنَّ هذه الطامة البشرية لا تحسن القراءة ولا الكتابة" ... (1)
الاستخفاف بحارس الظلم، والتندُّر بممارسات الحيف بارزان في النص. وكانت الغاية هي التعبير عن هذا الغيظ الذي ملأ قلب الكاتب، والكشف عن هذا الحقد الذي سكن صدره نحو الاستعمار. وكان الكاتب قاصدًا التنفيس عن النفس المجروحة. يؤكِّد ذلك قوله بعد ذلك: "يا حلاوته منظرا يتجدَّد كلَّما قدِّر للبومة (حارس السجن) أن يكون من حرَّاس الطبقة الثالثة التي نقطنها، فلولا هذا الانتقام العذب اللطيف - ساعة على ساعة- يسلِّينا بعض الشيء، ويشفي غليلنا لما كان باستطاعتنا أن نتحمَّل كلَّ ما يجرُّ لنا طالعه من نحس وشؤم" ... (2)
هذه اللوحة التي قدَّمها مفدي زكريَّاء عن حارس السجن لا تبعد كثيرا عن وصف ابن زيدون لابن عبدوس، في روحها وفي دلالتها على الحقد الدفين، وعلى الرغبة في الانتقام والتشفِّي والحرص على التنفيس عن النفس، وفي طريقة الوصف
__________
(1) حزب الشعب الجزائري ... ص: 231.
(2) م. ن. (1/413)
صفحة 414
المعتمد على تداعي المعاني، وتتبُّع مواطن الضعف الخَلقي والخُلقي، قال ابن زيدون عن خصمه: ... "هجين القذال أرعن السبَّال، طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع، سيِّئ الجابة (1) والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة، ظاهر الوسواس، منتن الأنفاس، كثير المعايب مشهور المثالب" ... (2)
ومن أصناف الأدب العربي وألوانه التي نجد لها أثرا في أدب محمد البشير الإبراهيمي الساخر ما يسمى بـ: "سجع الكهَّان"، الذي عرف به الأدب الجاهلي خاصة. فقد كانت عند العرب في العصر الجاهلي طائفة تسمَّى الكهَّان "كانوا يفزعون إليهم لاستشارتهم في الأمور الجلَّى، كإعلان الحرب أو قعود عن نصرة أحلاف أو كشف قتل إنسان أو ناقة ... وقد يجلؤون إليهم للحكم بينهم أو للمنافرة، ممتثلين لأحكامهم، فهي لا تنقض ولا تردُّ، وقد يطلبون إليهم تعبير رؤاهم وأحلامهم، وهم بدورهم قد يتنبَّؤون لأقوامهم بوقوع كارثة أو حدوث غزو" ... (3) يعتمد الكهنة في كهانتهم على السجع، وعلى الأقسام والأيمان بكلِّ ما يظنُّون أنَّه يحمل قوى خفية كالكائنات الطبيعية، ويلجؤون إلى الإيهام في أقوالهم، والإغراب في الكلام، كما يبنون أسجاعهم على الرمز" ... (4)
بوحي من هذا النوع من الكتابة حرَّر محمد البشير الإبراهيمي مجموعة مقالات تحت عنوان: "سجع الكهَّان") (5) (. وقد عمد إلى هذا الأسلوب ليعبِّر عن سخطه على الانحراف الذي حدث في الحياة السياسية بخاصة، ولينتقد تصرُّفات بعض الحكام العرب وتخاذلهم، وعدم قيامهم بواجباتهم والتزاماتهم نحو أوطانهم وأقوامهم.
__________
(1) الجابة: الجواب. والمثل يقول: ساء سمعًا فأساء جابة.
(2) تطوُّر الأساليب النثرية في الأدب العربي، ص: 329.
(3) الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص: 38.
(4) ينظر م. س، ص: 41.
(5) ينظر عيون البصائر، ص: 587 - 604. وقد نشرت هذه الفصول في جريدة البصائر الثانية، الأعداد: 69،70، 71، 72، 74، 75، 88. سنة 1949م. (1/414)
صفحة 415
اختيار الكاتب لهذا الأسلوب يعود إلى عامل نفسي، كأنِّي به لما شعر أنَّ المخاطبين والمعنيِّين بهذا الكلام لم يستجيبوا للنداءات المتكرِّرة والاستغاثات المتعاقبة، ولم يأبهوا بالتحذيرات المتتالية. لماَّ أحسَّ بذلك لجأ إلى هذا الأسلوب، وإلى طريقة الكاهن؛ تفكُّهًا وسخرية وتنفيسا عن نفسه المأزومة، لأنَّ الكاهن لا تعصى أوامره ولا تُردُّ أحكامه ولا تنقض، بل هو قادر على التنبُّؤ ومعرفة الغيبيات، من ذلك الإعذار بحدوث كوارث وأحداث.
في ذلك تعبير عن اليأس من إصلاح الوضع، أو على الأقلِّ الإفصاح عن الحسرة الكبيرة التي ملأت قلبه. مع ذلك يبقى التكلُّف هو الطابع الذي يطبع هذا الأسلوب المختار للسخرية، وهو ما أبعده من الهدف المرسوم لهذه الكتابة. الذي قال عنه الكاتب: "هذه فصول إنَّ لم تكن فيها روح الكاهن، ففيها من الكاهن سجعه، وإن لا يَجُل في جوانبها صدى الكهانة ففيها من ذلك الصدى رجعه، فيها الزمزمة المفصحة، والتعمية المبصرة، وفيها التقريع والتبكيت، وفيها السخرية والتنكيت، وفيها الإثارة اللاَّمحة، وفيها اللفظة الجامحة، وفيها العسل للأبرار، وما أقلَّهم، وفيها اللسع للفجَّار، وما أكثرهم، فلعلَّها تهزُّ من أبناء العروبة جامدًا، أو تؤزُّ منهم خامدًا، فنجني شيئًا من ثمرة النية، ونغيِّر أواخر هذه الأسماء المبيَّنة" (1).
خاطب العرب والمسلمين حين تخاذلوا في قضية فلسطين: "أقسم بالذيب الأطلس، والثعبان الأملس، إنَّ المتَّجر بالأحرار لمفلس، وإنَّ العاقل بين الأشرار لمبلس، وإنَّ العربي لزنيم إذا بقي في المجلس (2)، ذهب العزُّ الأقعس، وجلَّ الجدُّ الأتعس، ونزل من غير ما أنسى النسيب في الكثيب الأوعس، والتشبيب بالثغر الألعس. ثأر للغرب في فلسطين لم تنبت عليه شجرة من يقطين، وشياطين تنزو للإغراء إثر شياطين، ويوم في أعناقكم بيوم حطِّين، تنسيه غريزة الماء والطين، فتذْكره نعرة الجنس والدين، أنسيتم يوم تنادوا مصبحين، وتعادوا مسلَّحين، وتداعوا مصطلحين، وتعاووا من كلِّ
__________
(1) م. س، ص: 587.
(2) يعني مجلس الأمم المتحدة الظالم. (1/415)
صفحة 416
حدب، وتهاوَوْا من كلِّ صيب، ذؤبان تقدمها رهبان، وغربان تظلِّلها صلبان، بنفوس من الحقد ثائرة، وقلوب بالبغضاء فائرة، تنازعكم إرث الإسلام، ومعراج نبيِّ السلام؟ أنسيتم ما فعله صلاح الدين بالمعتدين؟ إن نسيتم أمسكم فهم له ذاكرون، وإن كفرتم بيومكم فهم له شاكرون، أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم جاؤوكم بالفهود في المهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بهود؟ كلُّ ذلك وقع وأنتم شهود، ولكنَّهم كانوا أيقاظًا وأنتم رقود، أمعنوا في الاستعداد وأمعنتم في الرقاد، اعتمدوا على العلم (والريال) واعتمدتم على الجهل والخيال، جاؤوكم بصفٍّ واحد كملمومة الصخر وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاؤوكم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظفر قائد واحد ورأى جميع، وقادكم إلى العار قوَّاد متشاكسون ورأي شتيت، ما أضاع السيادة إلاَّ توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسلموا واحترقتم" (1).
اعتمد الكاتب في سخريته هذه على التعريض والمقارنة بين ماضي العرب وحاضرهم في التعامل مع القضية الفلسطينية. وفي ذلك عتاب ولوم على التخاذل. كما عمد إلى المقابلة بين جدِّية الغرب واليهود في الاستيلاء واكتساب مزيد من القوَّة، وبين العرب المتخاذلين المتقاعسين واكتساب مزيد من أسباب الهوان والضعف ... كما لجأ إلى التكرار، وأسلوب التبكيت عن طريق الأسئلة المحرجة المحزنة ... والتلوين الصوتي. وقد اختار من أساليب سجع الكهَّان الإغراب واللجوء إلى القسم والسجع ولزوم ما يلزم والرمز. إلاَّ أنَّ هذه الأساليب المعتمدة تظلُّ دون بلوغ الكاتب هدفه من تحريك النفوس وهزِّها لتقوم بواجبها، للتكلُّف الذي وسم هذه السخرية في كثير من فقراتها. ويبقى لها هدف التنفيس عن النفس.
المهمُّ أنَّ أثر سجع الكهَّان المعروف في الأدب الجاهلي واضح في هذه الفقرات؛ إذ فيها روح ما جاء في قول "زبراء" كاهنة بني رئام. يروى أنَّها أنذرت قومها غارة عليهم: "واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنجم الطارق
__________
(1) عيون البصائر، ص: 601، 602. (1/416)
صفحة 417
والمزن الوادق؛ إنَّ شجر الوادي ليَأدُو خَتْلا، ويَحرقُ أنيابًا عُصْلاً، وإنَّ صخر الطود ليُنذر ثكلاً، لا تجدون عنه معلاً" (1).
إلى جانب النثر تأثَّر الأدب الجزائري الساخر بالشعر العربي القديم هذه إشارات إلى بعض مواطن هذا الاقتباس.
سأل سجناء بربروس حارس السجن عن الطبيب متى يأتي لفحص المرضى، وكان الحارس مشغولاً يعدُّ السجناء ليقدِّم تقريره لمسؤوليه، إلاَّ أنَّ هذا الحارس كان لا يتقن الحساب كما ينبغي، فكان في كلِّ مرَّة يخطئ في العدِّ والحساب. لهذا لما سئل عن الطبيب: يأتي أم لا؟ وهو يعدُّ اختلطت عليه الأمور، علَّق مفدي زكرياء على ذلك ساخرًا "لست في حاجة يا سيِّدي القارئ الكريم إلى إحاطتك علمًا أنَّ الحساب عليه رحمة الله، ذهب إلى حيث الحمار بأمِّ عمرو" ... (2)
هذا تضمين ساخر لقول الشاعر:
لقد ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمروٍ فلا رَجَعَت، ولا رَجَعَ الحمارُ (3)
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فيتهكم بجمعية الأئمة الطرقيِّين، الذين يتقاعسون عن أداء واجبهم نحو الأمَّة، بينما يخلصون العمل للعدوِّ، ويبقون آلة مسخَّرة في أيدي الاستعمار، يطعمهم من جوع ويؤمِّنهم من خوف، ولا يهمُّهم ما حلَّ وما يحلُّ بالأمَّة من مصائب وكوارث ومجاعة إذ هم مؤمِّنون معاشهم: ... "وقد حلَّت المصائب بهذه الأمَّة، وهؤلاء القوم غارُّون في نومهم وامتلأت السجون والمعتقلات بالرجال، وهم آمنون مطمئنُّون، وجاعت الأمَّة وما منهم إلاَّ الطاعم الكاسي" (4).
__________
(1) الدكتور شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، ط5، دار المعارف بمصر، سنة 1971م، ص: 421. أدَا بأدو أدواً الرجل: ختله وخدعه. عُصلا: معوجَّة. المعلّ: الملجأ.
(2) حزب الشعب الجزائري، ص: 230، 231.
(3) ينظر حسن سعيد الكرمي، قول على قول، ج1، ط2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت لبنان، سنة 1971م، ص: 297.
(4) عيون البصائر، ص: 432. (1/417)
صفحة 418
استوحى الكاتب روح الشاعر الحطيئة (ت59هـ) الساخرة من الزبرقان بن بدر حين خاطبه:
"دَعِ المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي" (1)
بينما يستلهم محمد العيد بيت جرير:
زعَم الفرزدَقُ أن سيقتلُ مربعًا أبشِر بِطُول سلامةٍ يا مربعُ (2)
فسخر من كلِّ ما يحاول النَّيل من الجزائر من خطوب ورزايا وأشخاص:
وبشِّر أخًا يخشى الوعيد بما به علِمْنا جريرًا قبلُ بشَّر مربعًا (3)
والبيت نفسه استوحاه صالح خباشة ليسخر من "روبير لاكوست" الذي كان يدَّعي ويزعم أنَّ الثورة الجزائرية سيُقضى عليها سريعًا، وقد كان يقول: لم يبق من عمرها سوى ربع ساعة:
أرباع ساعات توعّدنا بها ... (لاكوست) أين وعيده المتميِّعُ
زعم المغفَّل أن سيمحق شعبنا ... (فأبشر بطول سلامة يا مربعُ) (4)
جـ- التاريخ:
وظَّف الأدباء الجزائريُّون كثيرًا من الإشارات التاريخية في السخرية والتهكم بخصومهم. وقد سبق بيان ذلك والإشارة إلى الكثير منها في ثنايا البحث؛ لهذا نحاول الاستشهاد بنماذج من كتابات محمد البشير الإبراهيمي فقط.
كتب يتهكم من محمد العاصمي، المفتي الحنفي الذي عيَّنته الحكومة؛ لتضرب به صفِّ المسلمين ووحدتهم، وتعبث بالدين الإسلامي – حسب رأي الكاتب – استغلَّ نسبة الحنفي فيه ليقارن بينه وبين "مسيلمة الكذَّاب" الحنفي. في
__________
(1) ديوان الحطيئة، ص:
(2) شرح ديوان جرير، ص: 424.
(3) ديوان محمد العيد، ص: 188.
(4) الروابي الحمر، ص: 156. ينظر التوظيف نفسه محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص: 188. (1/418)
صفحة 419
هذه المقارنة دلالات كثيرة، وكلُّها تحمل روح الاحتقار والازدراء، والتهكم من العاصمي؛ لأنَّ عمله وسلوكه وتصرُّفاته تشبه ما قام به مسيلمة الكذَّاب في مناهضة رسالة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فالقارئ المستحضر لهذه الإشارة التاريخية، تتكون لديه قناعة بضعة نفس العاصمي، ومن ثمَّ يسخر منه ويزدريه: ... "وإنَّ وجود وظيفة مفْتٍ حنفي في الجزائر تزوير على المذهب الحنفي، وأين العاصمي ومن جرَى مجراه من فقه أبي حنيفة ودقائقه وقياسه. إنَّ نسبة الحنفي تشترك في بني حنيفة وأبي حنيفة، فلينظر العاصمي أشبه النِّسبتين به. وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الذي آووه ونصروه، ومن غرائب الشبه أنَّ مسيلمة الحنفي كان تشويشًا على النبوة الحقَّة، وأنَّ المفتي الحنفي كان تشويشًا على مطالب المسلمين الحقَّة" (1).
الإشارة التاريخية نفسها يوظِّفها الكاتب ذاته للحديث عن الموضوع عينه، ساخرًا من العاصمي نفسه: ... "لأنَّ شرط نصب الإمام أن يكون من حكومة مسلمة أو من جماعة المسلمين، لا يختلف في هذا مسلمان، ولا يخالف فيه إلاَّ العاصمي في قياسه لحكومة الجزائر على حكومة ابن السعود، وهو قياس لا يُشبِهُه في الفساد إلاَّ قياس مسيلمة على محمد في شهادة الإخلاص" (2). وفي مقالة "إبليس ينهى عن المنكر" (3) إشارات تاريخية كثيرة، وظَّفها للسخرية من أحد أذناب الاستعمار الذين كانوا ينشطون في المغرب الأقصى، وكانت فيها الإشارات إلى بعض المنحرفين والمناوئين كابن أبي الصلت المدَّعي النبوَّة، وعقبة بن أبي معيط المشرك، والشاب الظريف التلمساني الشاعر الجزائري الأصل ذي الشطحات الخيالية، التي تكشف عن مجونه وإلحاده، وصالح بن طريف (4) وغيرهم ليثبت
__________
(1) عيون البصائر، ص: 65. ينظر أيضًا جريدة البصائر الثانية، ع:58 (24/ 11/1948م).
(2) م. س، ص: 89، ينظر أيضًا جريدة البصائر الثانية، ع:87 (13/ 07/1949م).
(3) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع:143 (19/ 02/1951م).
(4) متنبِّئ ظهر في مدينة تامسنا بالمغرب الأقصى، وضع لنفسه قرآنا سخيفًا، سمَّى سوره بأسماء غريبة، وفتن به كثيرًا من القبائل البربرية، وكان ظهوره في خلافة هشام بن عبد الملك سنة 127هـ. ينظر عيون البصائر، ص: 458. (1/419)
صفحة 420
انحراف هذا الفرد المغربي، ومن ثمَّ يبرِّر سخريته منه: "أنا وحدي الدليل على خروج الاستعمار من صورته الذهنية إلى حقيقته الخارجية، وإنَّني كنت أرجو أن أكونه لو لم يكن، فلمَّا أخطأني من ذلك ما أخطأ ابن أبي الصلت من النبوَّة، لم أكن كابن أبي الصلت، بل كنت أوَّل المؤمنين به، الذابين عن حياضه، المغرِّدين كالذبابة في رياضه النَّاشرين لدينه، العاملين على امتداد سلطانه. وإنَّني عاهدت نفسي على أكون للاستعمار ما كان أبو مسلم الخراساني للمنصور، أو ما كان طاهر بن الحسين للأمين، وساءا مثلاً ... أين يقعان منِّي؟ وأين يقع المنصور والأمين من المستعمرين الميامين؟ ... فاجعلوني سيِّدًا أكن لكم عبدًا، وأعينوني بقوَّة أجعل لكم بين البربر وبين العرب ردمًا" ... (1)
3 ـ الأمثال العربية:
استلهم الأدباء في كتاباتهم الساخرة الأمثال العربية، مستغلِّين ما فيها من حسن التشبيه وجودة الكناية ونهاية البلاغة كما يقول النظام (2)، وما تتميَّز به من الإشارات الخفية، والأسلوب التلميحي وهو ما يتناسب مع لون السخرية والتهكم.
كتب محمد العزوزي حوحو متهكما من الطرقية العليويِّين وماكانوا يبدونه من بأس وشجاعة فارغين من حقيقتيهما. وذلك حين حاولوا اغتيال عبد الحميد بن باديس؛ مظهرًا تعجُّبه الساخر من هذه العزَّة والقوَّة مستلهمًا المثل العربي القائل: "بخ بخ ساق بخلخالٍ، الذي وضعه عنواناً لمقاله" (3): "حقًّا إنَّ الليالي أمَّهات العجائب؛ سمعنا بالجمل استنوق، وبالبغاث استنسر، وباستحالة الأنثى ذكر، ولكن ما سمعنا، ما كنَّا نظنُّ أنَّ جماعة اللحي والقصع الثريدية، أرباب الأحول والثبات، رجال الرقصات والشطحات الزاهدين القانعين، يزهقون أرواح الذين يقفون حَجَرَ عثرة في سبيل معايشهم" (4).
__________
(1) م. س، ص: 456.
(2) الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص: 26.
(3) ينظر جريدة الشهاب، ع:82 (03/ 02/1927م). ينظر المثل وقصَّته، مجمع الأمثال للميداني، ج1، ص: 110.
(4) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 131. (1/420)
صفحة 421
نلحظ أنَّ الكاتب استعار بعض مصطلحات الصوفية وتهكم بالطرقية، تهكما مريرًا، وقد بناه على التعجُّب ممَّا أبداه العليويُّون من شجاعة وبأس، أو تظاهروا بهما لاغتيال زعيم الحركة الإصلاحية. وهما في الحقيقة على منوال استنسار البغاث والتنمُّر والاستِئساد ...
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فقد كتب مقالاً مطوَّلا تحت عنوان "عادت لعترها لميس" (1) مستلهما المثل العربي الذي ورد بهذه الصيغة. ليندِّد بتعسُّفات المستعمر، التي تجاوزت كلَّ التوقُّعات، وليعدِّد بعض الجرائر التي كان يحي بها بعض العادات السيئة.
فإذا كانت "لميس" اسم امرأة، والعتر يعني الأصل، والمثل يشير إلى عودة الإنسان إلى ما تركه من عادات سيِّئة (2) فإنََّ الإبراهيمي يقول: "أمَّا مضرب المثل فهي الإدارة الجزائرية، وعترها هو الاستعمار البغيض إلى كلِّ نفس وما يقتضيه من ظلم وعنت للمستضعفين، وما يبنى عليه من انتهاك لحرماتهم، وما ينتهي إليه من وحشية في معاملتهم، وقتل لمعنويَّاتهم، ومسخ لأخلاقهم" (3).
كانت بعض العوائد منتشرة في بعض جهات القطر، فتنوسيت بعد أن هجرها الناس لأسباب، فأبى الاستعمار إلاَّ أن يحييها من جديد: "ولما جاءت الحرب وفشت الخصاصة في الناس نسوها وهجروها، والفقر ينهى عن الفحشاء والمنكر أحيانًا، إلى أن عادت لميس، فأزَّت لإحيائها خلفاء إبليس" (4).
توفَّر المثل على السخرية لما وضع في سياق كشف عن ازدراء الكاتب له، ومن ثمَّ حاول التنفيس عمَّا في نفسه من غيظ وحنق. فقوله (والفقر ينهى عن الفحشاء والمنكر أحيانًا) استلهام لقوله تعالى: {الشيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ... } (5) مع
__________
(1) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م).
(2) ينظر مجمع الأمثال للميداني، ج2، ص: 5.
(3) عيون البصائر، ص: 371.
(4) م. س، ص: 372.
(5) سورة البقرة، الآية: 268. (1/421)
صفحة 422
تحوير فنِّي يستجيب للحالة النفسية للكاتب، ويحقِّق هدفه من هذه التركيبة التعبيرية، وهو السخرية من الاستعمار. كما كان التحوير في حقيقة الفقر الذي قيل عنه كاد الفقر أن يكون كفرًا، إذ كان هنا ناهيًا عن الفحشاء، لكنَّ النهي كان نتيجة الخصاصة التي مرَّت بالشعب الجزائري؛ بسبب الحرب العالمية الثانية.
يضاف إلى ذلك استعمال لفظة " أزَّت" المعبِّرة من خلال جرسها عن الوسوسة وهزِّ النفوس للعودة إلى ارتكاب المنكرات التي يأمر بها الشيطان. هذه التحويرات وهذا الاستيحاء، وهذه اللمسات الفنية، هي التي أعطت المثل صبغة السخرية والتهكم.
بعد ذلك يذكر الكاتب بشيء من التحسُّر الهازئ المعرِّض ما جنته الحكومة الفرنسية على التعليم "وعادت لعترها لميس في هذه الأيام، وكان عودتها هذه المرَّة للمدارس العربية التي تديرها جمعية العلماء، فبعد أن سكتت عليها سنين اتَّسق فيها سيرها، وعاد على الأمَّة خيرها عادت عليها هذه الأيام بالتضييق والتعسير. وأخرجت ما كان مخبوءًا في جعبتها من القوانين والقرارات، ألقت بها في أيدي القضاة وحرسة الأمن ليرهقوا ويغلقوا ويحاكموا، كأنَّما التعليم جريمة، يترتَّب عليها العقاب، وكأنََّ حبل الأمن اضطرب بسبب هذه المدارس ومعلِّميها وأطفالها" (1).
ويعبِّر الكاتب نفسه في موضع آخر عن أساه العميق، وعن ألمه المبرِّح بأسلوب الهازل الهازئ الضاحك من عبث الزمان ومفارقات الدنيا، مقارنًا بين الصحافة الحكومية الاستعمارية التي تعيش وتتحرَّك بكلِّ حرية وقوَّة؛ لأنَّ لها سندًا من العدَّة والعدد، والصحافة الحرَّة التي يشبه شأنها "شأن النواب الأحرار قلَّة في العدد ونضوب في المدد، وريح تلاقي إعصارًا" (2).
لقد وظَّف الكاتب المثل العربي "إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارا" (3) الذي يضرب مثلا لمن يظهر بأسًا فَيُرمى بمن هو أدهى منه وأشدُّ وأقوى. وقد ساقه في
__________
(1) عيون البصائر، ص: 375.
(2) م. س، ص: 401.
(3) ينظر مجمع الأمثال، ج1، ص: 30. (1/422)
صفحة 423
معرض سخريته من الاستعمار الذي خاطبه بقوله: "حدِّثونا عن العدل فإنَّنا نسيناه" وهو عنوان المقال الذي بثَّ فيه نفثاته وزفراته (1).
وفي موضع آخر يوظِّف المثل نفسه مع تحوير يناسب طبيعة ما يشعر به نحو المستعمر، الذي طغى وتجبَّر، فقال تحت عنوان "خصمان فمن الحكم؟ " (2) سؤال يحمل علامات الحسرة والتذمُّر، وقد بيَّن فيما كتب حقيقة الاستعمار بشيء من التندُّر به والتفكه المعرِّض " زيَّن للاستعمار سوء عمله فطغى وبغى، وكفر وعتا، وأتى من الشر ما أتى، فلو تُصوِّرَ إنسانًا لأربى على فرعون الذي نازعَ الله ربوبيته، وحدَّثته نفسه أن يطَّلع إلى إله موسى، وعلى عاقر النَّاقة الذي جرَّ العذاب على قومه، ولو تُصوِّر حيوانًا لكان وحشًا (إن لم يلغ في الدماء ينتهس) ولو تُصوِّر ماءً لكان ملحًا زعاقًا وحميًا وغساقًا أو إعصارًا يدمِّر كلَّ شيء بإذن الشيطان، ولكنَّه حقيقة" ... (3)
السخرية توفَّرت في هذه الفقرة بفضل هذه المبالغة الهادفة والمعبِّرة عن الحسرة الكبيرة. كماكان لتذييل الفقرة بالمثل بعد سرد مجموعة من الإشارات التاريخية القرآنية، والأوصاف غير المحبَّبة إلى النفس. وكذا قرن عمل الريح الشديد بوحي الشيطان، كان لكلِّ ذلك أيضًا دوره في إيجاد السخرية.
نبقى مع الكاتب نفسه ومقارعاته الاستعمار، فنلتقي معه في أسئلته المبكتة التي وجَّهها إلى تلميذ من تلاميذ الاستعمار، الذين درَّبهم وأعدَّهم لضرب الإسلام والمسلمين. نلتقي معه ضمن مقال بعنوان:" إبليس ينهى عن المنكر" (4) يسأل التلميذ عن حقيقة الدين الذي يناصره، والذي يبيح له ظلم الناس إلى أن يقول: "فإن كان يعني دين محمد بن عبد الله، قلنا له ما قاله عمر لعقبة بن أبي معيط حنَّ قِدْحٌ ليس منها، وقلنا له: ليس الإسلام بعشِّك فادرُج، وليست داره بدارك فاخرج" (5).
__________
(1) ينظر جريدة البصائر، ع:120 (22/ 05/1950م).
(2) ينظر م. س، ع:159 (11/ 06/1951م).
(3) عيون البصائر، ص: 173.
(4) ينظر جريدة البصائر، ع: 143 (19/ 02/1951م).
(5) عيون البصائر، ص: 458. (1/423)
صفحة 424
الإشارة إلى المثلين "حنَّ قدحٌ ليس منها") (1) (و"ليس هذا بعشِّك فادرجي") (2) (سخرية لأنََّ في ذلك تلميحًا إلى غربة هذا التلميذ عن الدين، الذي يدَّعي مناصرته والانتماء إليه. والمثلان يضربان للرَّجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها، أو يتمدَّح بما لا يوجد فيه، ولمن يرفع نفسه فوق قدرها، أو لمن يتعاطى ما لا ينبغي له.
ج - الحوار:
من الخصائص البارزة في الأدب الجزائري الساخر ظاهرة الحوار، الذي وجد فيه الأدباء الوسيلة الناجعة لبثِّ الشكاوي وإخراج الكمد من القلب؛ لأنَّ الحوار يفترض وجود شخص، أو محاور يشارك الأديب الحديث، أو متجاوب تبثُّ إليه المشاعر، وتنقل إليه الأفكار. هذا ما يساعد على النقد والتوجيه، وعلى كسر الجمود، ودفع الملل والسأم. كلُّ ذلك يتناسب والهدف من السخرية.
الحوار يتَّخذ أسلوب الحكاية و"الحكاية أسلوب اجتماعي هدفه الإصلاح والتقويم والتوجيه في مجال الحياة العامة، وعلى هذا نجد فيها النقد والسخرية والفكاهة الضاحكة اللاَّذعة، كما نجد فيها إثارة العبرة الرادعة أو القدوة النّافعة أو الإقناع بحقيقة الواقع الأليم الذي تتجنَّبه النفوس" (3).
يكشف أبو اليقظان - بواسطة الحوار- عن بعض المفارقات في الحياة، وينتقد سلوكًا ساد في المجتمع، أعاق كثيرًا تطوُّر الحياة، وعرقل النهضة الإصلاحية. تمثّل هذا السلوك في اللاََّمبالاة والتفكير المادِّي، والحرص على المصلحة الخاصة ... كتب ساخرًا محادثًا أصم لا يفهم ولا يفقه ما يقال له: " أنا - نهارك سعيد أيُّها الأخ.
هو – نعم كنت في الحانوت لشراء بعض لوازم البيت وضروريَّاته ... !
أنا – هل بلغك ما وقع في الأسبوع الماضي من اجتماعات جمعية العلماء الهادئة الرصينة التي أسفرت عن نتائج مهمَّة .. ؟
__________
(1) مجمع الأمثال للميداني، ج1، ص: 191.
(2) م. س، ج2، ص: 181.
(3) الاتجاه الساخر في أدب الشدياق، ص: 230. (1/424)
صفحة 425
هو – نعم الصابة في أكثر البلاد حسنة، ولكنَّ الأسعار منخفضة جدًّا، فهي لا تكفي لسدِّ الضروريَّات، وأداء الديون والله يستر.
أنا – أرى لك ولدًا نجيبًا تلوح عليه مخائل الذكاء، فهل أنت تفكِّر في مستقبله ومستقبل عائلته، فتودعه معهدًا من معاهد العلم لينشأ مهذَّبًا ويشبَّ رجلا كاملاً؟
هو – نعم كنت في الحديقة أمس لالتقاط بعض الثمار لتفكيه العيال بها.
أنا – هل لك أن تعرف أنَّ الناس أصبحوا اليوم هم غيرهم بالأمس، فقد أخذوا يعرفون قيمة الحياة المعنوية ولا يأبهون كثيرًا بالغذاء والقوت وضروريَّات العيال.
هو – نعم كنت أمس مأذونًا في مائدة الأخ الكريم فلان، فأحضر لنا فيها من الألوان ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين.
لا نبالغ إذا قلنا إنَّ كثيرا من الناس مع الجرائد ودروسها العظيمة أشبه بحال محادثي الفاضل الأصم معي، والأمر لله" (1).
أبان الحوار عن الألم النفسي الذي ملأ قلب الكاتب، كما كشف عن سخرية مريرة حزينة، واحتقار هذا الصنف من الناس.
أمَّا من أمضى مقاله بـ (م، ق) فكتب مقالاً بعنوان "مقامة النائبة المبلس" (2) أجرى فيها حوارًا بين إبليس ونائبه مبلس. يوصي فيها إبليس النائب بالتحلِّي بمساوئ الأخلاق، وفيها يتعهَّد بإيذاء العلماء، ومنعهم من ارتياد المساجد، حتى لا يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يذكِّروا الناس بما جاء في القرآن الكريم ... يجيبه هذا النائب: ... "حقَّ لي أن أفتخر بك وأقول: شيخي في كلِّ ذلك الداهية إبليس، ما أغويت أحدًا ولا وسوست في صدره، ولا فرَّقت بين المرء وزوجته، ولا أفسدت بين الصهر وصهره، فالفضل فيه منك وإليك، والمنَّة منَّتُك، والإحسان إحسانُك، والثناء فيه عليك، بيد أنِّي منذ عشعشتَ في قلبي، وبضت وفرَّخت فيه، وران على قلبي ما
__________
(1) "محادثة أصم "، جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م). المقال دون إمضاء، هو لأبي اليقظان.
(2) ينظر جريدة المرصاد، ع:59 (14/ 09/1933م). (1/425)
صفحة 426
اكتسبته من الإثم، وفتح لي في التمويه، وتسنَّى لي أن أضلَّ كما تضلُّهم حضرتك من غير تمثيل ولا تشبيه" ... (1)
اتَّخذ الجواب طابعًا ساخرًا؛ بسبب هذه الاستجابة التلقائية لوصية إبليس، وإظهار آيات الرضوخ التام لوسوسة الشيطان، وبفعل هذا الاعتراف المنتزع من النائبة المبلس، الذي هو تجسيد هازئ لواقع ما يسود الحياة العامة من الأعمال والتصرفات المسيئة لأقطاب الحركة الإصلاحية، المعرقلة لنشاط رجالها.
ردَّ عليه إبليس التحية: "يا بنيَّ قد رضيت عنك كلَّ الرضا، سأنفخك بالكبر حتىَّ تكون من المتكبِّرين في الأرض، ويصرفك الله عن آياته، كما أخبر هو أصدق القائلين، {سَأَصْرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} (2) وسأخلع عليك خلعة العجب، فلا ترى فوقك من أحد من العالمين، وتكون بذلك عندي من المقرَّبين" (3) إلى آخر ما جاء في المقال من النقدات واللذعات والنَّفثات المقدَّمة بأسلوب الحوار الساخر.
لعلَّ الأديب الجزائري الذي استعمل الحوار الساخر في كتاباته أكثر من غيره هو "أحمد رضا حوحو" الذي قال عنه أبو القاسم سعد الله: "لم أعرف أديبًا جزائريًّا وصل إلى مستواه فيه ... وكان حواره يمتاز بالسرعة والجدَّة والنكتة، ممَّا جعله خفيفًا على الأذن، قريبًا من القلب، وقد ساعدته شخصية الحمار الذي أجرى على لسانه مناقشات كثيرة للمشاكل الاجتماعية والوطنية، ساعدته هذه الشخصية على طرافة الحوار وخفَّته" ... (4) حتىَّ مقالاته النقدية الأخرى كان يكثر فيها من الحوار، وكان يوظِّفه لبثِّ مشاعره، ونقل أفكاره، وكان يميل كثيرا إلى الحوار الداخلي (المونولوج)، ربَّما يرجع هذا إلى الإرهاب الفكري الذي مورس عليه.
كتب يسجِّل واقعًا مريرًا يعيشه بعض الناس، وهو عدم الاكتراث والاهتمام بالعلم والأدب والمعرفة، وعدم تقدير العالم، بينما يكون الجدير بالاحترام والتقدير
__________
(1) م، ن.
(2) سورة الأعراف، الآية: 146.
(3) المرصاد، ع: 59.
(4) دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص: 93، 94. (1/426)
صفحة 427
هو صاحب النقود. أجرى الحوار في هذا الموضوع مع حماره الحكيم، الذي جاءه مبكِّرًا – مرَّة - على غير عادته: "خيرًا إن شاء الله، ما هذه الزيارة المبكِّرة؟
- قال: جئتك في مسألة خاصة.
- قلت: لو لم أعرفك حمارًا لقلت إنَّك أتيت تستدين منيِّ بعض النّقود.
- قال: وهل عندك نقود حتىَّ يطمع الناس في الاستدانة منك، فإن كلَّ ثروتك هذه القصاصات من الورق التي تنفع لإيقاد النَّار.
فكَّرت مليًّا في قوله ثم قلت؛ حقًّا ما تقول ... فلا تنفع عصارة هذه الأفكار إلاَّ لإيقاد النَّار، وهي مع ذلك كلُّ ثروتي وعزائي" ... (1)
كما سخر من عادة ترك المرأة في البيت، وعدم مشاركتها في الحياة العملية.
"- هل تريد أن نطرق موضوع المرأة؟
- كن مرتاحا من هذه النَّاحية، فلا وجود للمرأة في بلادنا.
- عجبًا، أتعيشون بدون نساء، وكيف تتناسلون؟
- قلت: لدينا آلات للنَّسل نحتفظ بها في بيوتنا" (2).
وتهكم بالزواج بالأجنبيَّات:
"قلت فاسلُك إذن مسالك المثقَّفين.
قال – ماذا تعني؟
قلت – أعني أن تتزوَّج بأتان أجنبية.
قال – ما هذا الهذيان ... أؤُصبت في عقلك؟
قلت – أبدًا ... فإنَّ الشائع في هذه الأيام هو زواج المثقَّفين بأجنبيَّات، وأي مانع في أن يتزوَّج حمارنا المثقَّف بأتان أجنبية تليق بمقامه المحترم.
قال – إنَّك لا تعني ما تقول.
__________
(1) مع حمار الحكيم، ص: 44، 45.
(2) م. س، ص: 15. (1/427)
صفحة 428
قلت – لماذا؟
قال – أما يكفي هذا الانحلال الاجتماعي والخلقي الذي جرَّه زواج بعض رجالكم من الأجنبيَّات، حتى أضيف إليه انحلالا آخر في فصيلة الحمير ... ؟ " (1).
أمَّا حسن بولحبال فسخر من الطرقيِّين الذين يعتقدون أنَّ من يقف ضدَّ التصوُّف، يصاب في نفسه أو ماله ... وقد انكسرت رجل الشاعر في حادثة، فقال الطرقيُّون، إنَّ ما حدث له كان جزاء له على سبِّه للتصوُّف فكتب متهكما من هذا الاعتقاد:
قالوا: كُسِرت فقلت: ربِّي جابر ... أو تجرؤون على الفتى معْ ربِّه؟
فتدلََّلوا بمروقكم من دينه ... وتقرَّبوا ببعادكم عن قربه
قالوا: سببت تصوُّفًا، عجبًا ... قد دنَّسوه، وأشفقوا من سبِّه (2)
د - التكرار:
التكرار خاصية أخرى لحظناها في الأدب الجزائري الساخر: تكرار اللفظة والجملة والفكرة والمعنى ... هذا التكرار منه الإيجابي الذي يخدم فكرة الأديب، والسلبي الذي يسيءُ إلى شخصيته وإلى النص. كما أنَّ هذا التكرار قد يحصل في نصٍّ واحد يربط الألفاظَ والجملَ المكرَّرة خيطٌ شعوري واحد، وقد يكون في نصوص مختلفة، تحمل دلالات واحدة أو متقاربة في معانيها. وقد يحصل تكرار اللفظة أو الجملة أو الفكرة من عدَّة أدباء، ممَّا يعطيها دلالة خاصة، أو رمزًا معيَّنًا. وممَّا يدفع الأديب إلى التكرار الحالة النفسية التي يكون عليها، بحيث يأتي هذا التكرار في سياق شعوري كثيف، يصل إلى درجة المأساة، سمَّته "نازك الملائكة": "التكرار اللاَّشعوري الذي يغني الأديب عن عناء الإفصاح المباشر عن مدى كثافة الذروة العاطفية" (3).
__________
(1) م. س، ص: 48.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 594. نشرت القصيدة في جريدة الإصلاح، ع: 24/ 10/1929م.
(3) نازك الملائكة، قضايا الشعر العربي المعاصر، ط6، دار العلم للملايين، بيروت، آذار (مارس) سنة1981م، ص: 287. (1/428)
صفحة 429
فمحمد البشير الإبراهيمي يلتجئ إلى تكرير الفكرة بالاستناد إلى حشد مجموعة من الأوصاف المتتالية المتشابهة، وتكرير بعض الكلمات بمختلف صيغها؛ ليكشف عمَّا يقبع في لاشعوره من المقت والكره لخلفاء إبليس، الذين يقومون بأعماله في الأرض، "والتكرار في حقيقته إلحاح على جهة هامَّة في العبارة يُعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها ... فالتكرار يسلِّط الضوء على نقطة هامَّة حسَّاسة في العبارة، ويكشف عن اهتمام المتكلِّم بها، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيِّمة، تفيد النَّاقد الأدبي، الذي يدرس الأثر ويحلِّل نفسية كاتبه" ... (1)
يقول البشير الإبراهيمي: "ولكن يبدو أنَّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية، بليد القريحة جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسِّ، خشن المسِّ، بدوي النَّزعة، وحشيَّ الغريزة، فكلُّ ما يأمر به أولياءه وأتباعه، فهو من جنس طبعه، سمج غثٌّ خالٍ من الجمال والفن والذوق، وقد عهدنا الشيطان "المتمدِّن" لطيف الإحساس، فنِّي الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب، فاتنة المظهر، والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدِّ، يكسو بها أعماله، فيصمي الحلماء، ويستنزل النسَّاك إلى مواطن الفتاك. أمَّا هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران، فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية" ... (2)
هذه الأوصاف المتتالية تدل على حالة نفسية متأزِّمة، مرَّ بها الكاتب، ملؤها الضيق والضجر والمقت، لم تتمكَّن الكلمات والعبارات من إخراج ما في قلبه من كمد وحسرة. وهو ما ألجأه إلى التكرار؛ ليكشف عن المأساة التي يعانيها.
وقد كان تكرار الكلمات بمختلف الصيغ. مثلاً: لفظة "شيطان" تكرَّرت أربع مرَّات، "الطبع" مرَّتين، "الذوق" ثلاث مرَّات، "الحس" مرَّتين، "وحشي" مرَّتين، "الفن" ثلاث مرَّات، "الفتنة" مرَّتين، "الأعمال" ثلاث مرَّات ... كما كانت الأوصاف التي ساقها الكاتب متشابهة في الدلالة المعنوية.
__________
(1) م. س، ص: 276.
(2) عيون البصائر، ص: 347، وجريدة البصائر، ع:95 (14/ 11/1949م). (1/429)
صفحة 430
هذا التكرار لم يفد جديدًا، لا معنويًّا ولا فنيًّا. إذ أنَّنا نستطيع أن نرجع كلَّ ما ورد في النص إلى فكرة واحدة، يكفي فيها وصف واحد أو وصفان. وهي أنَّ الشيطان لم ينجح في إغراء الناس، ولم يتمكَّن من نشر البدع والمعتقدات الفاسدة. كما كان هذا التكرار مملاًًّ، وقد جاء استجابة لعاطفة عارمة، وانفعال حادٍّ دون مراعاة الجانب الفني في التعبير كثيرًا. وهذا عيب يؤخذ على الكاتب. وإن كان هو يهدف إلى توضيح الفكرة أكثر من الاهتمام بالجانب الفني، لأنَّ هذه الأوصاف التي قدَّمها بهذا التكرار تبقى أحكامًا عامة مطلقة، لا تميِّز هذا الشيطان الذي أشار إليه الكاتب عن غيره، كما يصم التكرارُ تجربته بالعقم؛ بسبب الاجترار.
يلتجئ الكاتب نفسه إلى تكرار أو تكرير لفظه "يوحي" ليضع بين أيدينا مفتاح الفكرة التي يحملها نحو الاستعمار وأذنابه، وهي الإصرار بكلِّ قوَّة، وبجميع الوسائل لإنزال الشرِّ بالشعب الجزائري، والإمعان في نشر الفساد في المجتمع. إذ أصبحت لفظة "الوحي" تعني – في سياق ما كتبه الكاتب – "الوسوسة": "يوحي شيطان الاستعمار إلى الحكومة وحيًا متتابعا، لا فترة فيه، فإذا تلقَّت الوحي ونزل به الروح الخبيث على قلبها، نجمته على فترات وأوحت في كلِّ فترة إلى أوليائها ما يثير شرًّا، أو يوقظ فتنة. وقد أصبح المجلس الجزائري اليوم متنزَّل وحيها، فلا تمضي فترة إلاَّ أوحت إليه شيئًا من ذلك النوع، الذي يثير الشرور، أو يوقظ الفتن" (1).
أراد الكاتب أن يسخر من أعمال الاستعماروأذنابه الخاضعين لوسوسة الشيطان، التي وصمها بأنَّها تصرُّفات دنيئة وسافلة ... فلجأ إلى لفظة "الوحي" التي كرَّرها ستَّ مرَّات في هذه الفقرة وفي النص تسع مرَّات ليوجِّه الأضواء اللاَّشعورية إلى أعماق نفسه فيطلعنا عليها، فنكتشف مقته وبغضه الشديدين لهذا الاستعمار المتجبِّر المتغطرس. ومن ثمَّ تنتقل العدوى الشعورية إلى المتلقِّي ليحمل الروح نفسها نحو العدوِّ الاستعماري. بذلك يكون الكاتب قد قدَّم الصفة الحقيقية لعمل الاستعمار وأذنابه، وهي الانحراف بأوسع معانيه، والإفساد في الأرض.
__________
(1) عيون البصائر، ص: 117، وجريدة البصائر، ع:108 (20/ 02/1950م). (1/430)
صفحة 431
مع ملاحظة أنَّ لفظة "الوحي بمختلف مشتقَّاتها تردَّدت كثيراً في كتابات محمد البشير الإبراهيمي، حتى غدت أَحدَ مفاتيح شخصيته وقد قال "بودلير BAUDELAIRE (1821 - 1867): " يقول أحد النَّقاد إنَّنا لكي نكشف عن روح شاعر ما، أو على الأقَّل عن شواغله العظمى، علينا أن نبحث في أعماله عن أكثر الكلمات دورانًا، فهذه الكلمات هي التي تبوح بهواجسه الملحَّة" (1). ومحمد البشير الإبراهيمي يصرُّ دائمًا على وصف الاستعمار بما توحي به لفظة "الوحي" الواردة في سياق هذا النص، بأنَّه رجس من عمل الشيطان، بل هو الشيطان نفسه (2). كما يصفه بأنَّه حيوان الأساطير وهيكل حيواني يمشي على أربع (3).
أمَّا "محمود بوزوزو" فيظهر تعلُّقه الكبير بالحرية فيصرُّ على المطالبة بها، خاصة بعد أن خطب رئيس الجمهورية الفرنسية، وأكَّد على أنَّ فرنسا بلد يدعو إلى تحرير الشعوب، بينما يعطي عساكره وجنوده وشرطته الدليل على صدق هذه الدعوى (تعريضًا) بالزيادة في قمع الشعب، وتسليط أشدِّ العذاب عليه، والتضييق على حريِّته، فكتب يقول: ... "وإذَّاك تستطيع أن تصفِّق بكلِّ جهدك حين تسمع خطيبا فرنسيًّا رسميًّا ينوِّه بالحرية ... وأن تحفظ كلَّ كلمة تقرؤها في الصحف الفرنسية الرسمية عن الحرية، ولكن حذار أن تهتف بالحرية، حذار أن تكتب عن الحرية، حذار أن تشارك في مظاهرة للحرية، ولو في عيد الحرية، فالواقع الأليم يحذِّرك هذا التحذير، ويزيل عنك ما أصابك من التخدير بما تسمعه وتقرؤه عن الحرية والتحرير، إذ تتعرَّض لما تعرَّض له أمثالك من الهائمين المخدَّرين الذين قاموا يشاركون يوم 14 يوليو 1953م في عيد الحرية في باريس" ... (4)
تكرَّرت لفظة "الحرية" في الفقرة ثماني مرَّات، وهو ما يدلُّ على تعلُّق الكاتب بها، رغم دعوته لعدم التلفُّظ بها والتفكير فيها؛ سخرية وتهكما من المفارقة
__________
(1) الأسلوبية ... ص: 49.
(2) ينظر مثلا عيون البصائر، ص: 30، 86، 395، 409 ..
(3) ينظر مثلاً المصدر السابق، ص: 77، 84، 395، 575 ...
(4) محمود بوزوزو، "مأساة الحرية في بلاد الحرية"، جريدة المنار، ع:46 (24/ 07/1953م). (1/431)
صفحة 432
التي لحظها والتناقض الذي سجَّله بين تصريحات المسؤولين وممارساتهم. كما تكرَّرت لفظة "حذار والتحذير وحذر" خمس مرَّات.
نجاح الكاتب في التكرار كامن في تسليط الضوء على نقطة حسَّاسة من النص. وقد كشف عن اهتمام الكاتب وتعلُّقه بها. وهي التمسُّك بالحرية، مهما تكن الظروف، ومهما تتعدَّد وسائل الحرمان منها وتشتدُّ. وبذلك يثير الحماسة في نفوس الشعب؛ ليزداد تمسُّكاً بحقِّه في الحرية، ولينهض ويثور ضدَّ الطغيان والظلم. إذن فالتكرار كان وثيق الصلة بالمعنى العام للنص. وهو الدعوة إلى الثورة والمطالبة بالحقوق.
هناك كلمات كثيرة تكرَّرت في كتابات الأدباء، حملت دلالات متشابهة أو متقاربة معبِّرة عن ظروف متماثلة عاشها الأدباء. إلاَّ أنَّ حظَّ التوفيق في توظيفها كان متفاوتًا بين الأدباء. نحيل إلى مصادر بعضها، مكتفين بالإشارات التي ألمحْنا إليها في ثنايا البحث.
زيادة على كلمة "الوحي" التي وردت في أدب الإبراهيمي عشرات المرَّات. وقد نبَّهنا إلى ذلك فيما سبق. هناك كلمة "البركة" بمشتقَّاتها، التي وظَّفها الأدباء للدِّلالة على الاستهزاء والسخرية من بعض مواقف الانهزام والخذلان والاستغلال، كلُّ ذلك يعبِّر عن تذمُّر الأدباء من الانحرافات المتكرِّره (1). ولفظة "تيوس" التي خاطب بها الأدباءُ الجامدينَ والطرقيِّين (2) وغيرها من الكلمات.
هـ - السخرية البذيئة أو الإسفاف في الكتابة:
قد تستبدُّ العاطفة الجامحة والانفعال الحادُّ بالأديب، فينفلت من عقال العقل، ويفقد السيطرة على مشاعره، ولا يتحكَّم في قلمه، فيعنف في المناقشة، ويحتدُّ في
__________
(1) ينظر على سبيل المثال محمد السعيد الزاهري،" أيُّها الفلتاء المتشرِّدون"، البرق، ع: 3، و" إنِّي أرى في المنام"، مجلَّة الرسالة، ع:145. و"إيَّاس"، جريدة وادي ميزاب، ع:79. و"سمهري "، جريدة المرصاد، ع:36. و" الهاشمي التيجاني"، جريدة البصائر الثانية، ع: 98. ومحمد البشير الإبراهيمي، جريدة البصائر، ع: 33 و 57، وآثار محمد البشير الإبراهيمي ج1، ص: 108 ...
(2) ينظر مثلا جريدة الشهاب، ع: 13/ 01/1927م. و"تأبَّط شرًّا" جريدة البرق، ع: 7، وجريدة الأمَّة، ع: 165. وجريدة الفرقان، ع: 1. (1/432)
صفحة 433
الجدال، وقد يسفُّ في الكتابة، ويتبذَّى في الكلام، فيكتب بواقعية مكشوفة، تسفر عمَّا في قلبه المشحون المأزوم وتجلي حقيقته وشخصيته، بعد أن تزيل عنها القناع؛ إذ ينقلب الأديب "إلى الساخر الذي لا يبالي بالقيم الروحية، ويستغلُّ الذمامات والمقابح الحسية والخلقية والفكرية، ويتورَّط في الفحش والسباب ويهبط إلى التبذُّل في المعاني والألفاظ؛ ذلك لأنَّه يهدف إلى الإيجاع والتشهير بالشخص بين أهل عصره" (1).
عرفت المقالة الصحفية الجزائرية – بخاصة - صراعًا حادًّا، ومناقشات عنيفة بين كتَّابها، وبخاصة بين كتَّاب الحركة الإصلاحية، وكتَّاب جماعة الطرقيِّين. وقد اشتدَّ النزال، وتطوَّرت المساجلات، وأصبحت أسلوبًا بذيئًا أحيانًا: سبًّا وشتمًا وتلفيقَ الحقائق وكَيْلَ التُّهم.
فمحمد السعيد الزاهري الذي عرف بقلمه السيَّال ميدان المنازلة والصراع والقراع والصدام ... كان مريرًا مؤذيًا "بذَّاء مُفْحشًا في القول، لا يتورَّع عن أن ينال خصمه في عرضه أو شرفه، ولا أن يصمه بأقبح النُّعوت، وأقذر الصفات" (2). كتب يخز العليويِّين وشيخهم مصطفى العليوي. وجريدتهم البلاغ الجزائري، ويؤلمهم ويثير حفائظهم: "لقد فسقت جريدة البلاغ العليوية فيما تقول عن أنصار الله المصلحين وأولياء الله المؤمنين، وفجرت فيما تتوعَّد به رجال الدين ورجال النهضة من طنين الذباب ونباح الكلاب، ونبيت التيوس، وليس ذلك منها بغريب، فهي اللسان المعرب عن المخازي إعرابًا فصيحًا، وهي التي تبيِّن لنا في كلِّ عدد من أعدادها ما للعليويِّين الأوباش من الجهل الأعمى، ومن الكفر الفاحش، وإنَّك لا تبصر نسخة من نسخ وريقة العليويِّين إلاَّ وتحسب نفسك أبصرت رأسًا أقرع يسيل دمًا وقيْحًا، أو تحسب نفسك تنظر بعينك أست المتألِّه العليوي، وقد انتفخ من البواسير، حتىَّ تفقَّأ بالرطوبات والصديد، وتخيَّلت أنَّك ترى العفونات" (3).
__________
(1) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 89.
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج2، ص: 196.
(3) تأبَّط شرًّا، " أيُّها الفلتاء المتشرِّدون"، جريدة البرق ع:7 (18/ 04/1927م). (1/433)
صفحة 434
المقال طويل كلُّه على هذا النسق، كلمات بذيئة فاحشة، يستحي الإنسان من قراءتها، فضلاً عن إذاعتها بين الناس، أو مجرَّد إطلاعهم عليها. وكلُّه أوصاف أقلُّ ما يقال عنها: أنَّها كاشفة عن حقد دفين وحنق شديد، وربَّما لؤم في النفس. كلُّ ذلك يبعد الكاتب عن أخلاقيَّات الكتابة وأدب المناقشة والجدل والمناظرة.
كما تندَّر ساخرًا بصحيفة البلاغ أيضًا بهذه الفقرة: ... "علقت جريدة (البلاغ) العليوية من (البرق) الفحل وأخذها المخاض في هذه الأيَّام، وعَلِمَ الناس كلَّ ذلك، فجعلوا يرسلون إلينا رسائل التهاني الكثيرة ولكن جاءتنا رسالة تقول: هل تزوَّج البرق بجريدة البلاغ حقًّا، هل وَطِئَهَا وطئاً حلالاً؟ حتى تضع له ولدًا شرعيًّا، أم كان من البرق سفاحًا كسفاح الجاهلية الأولى؟ أم اتَّخذها خليلة كما يفعل المتمدِّنون في هذا العصر؟ وعلى أية حال فإنَّنا نهنِّئ البرق بهذه الزوجة الصالحة، وندعُو لهما بالرفاء والبنين" (1).
ليس وراء هذه الكتابة سوى تبريد غلَّة الحقد والمقت، وإخماد لوعة التشهير والتجريح، وتسكين زفرة الكمد والحسرة. أمَّا ما ينتظر من هذه الكتابة من إصلاح وتربية وتغيير فهو بعيد، وغير ممكن بهذه الطريقة وهذا الأسلوب. وأمَّا ما كان يرجى منها من متعة فنية وصياغة أدبية، فقد خالف الحظ فيهما الكاتب. ولهذا قال الدكتور محمد ناصر:" والذي يبدو لنا أنَّ أكثر مقالات الزاهري عن الطرقية كان يراد من ورائها الهجاء والاستهزاء بالخصم أكثر ممَّا كان يقصد منها إلى المناقشة الهادفة أو البحث النزيه" (2).
اللهجة نفسها والأسلوب ذاته اتَّبعتهما جريدة "الإخلاص" الطرقية في مهاجمتها المصلحين، فقد اعتمدت على الكلمات البذيئة الجارحة، والاتِّهامات والتلفيقات، وقلب الحقائق وكيل الشتائم والشماتة. مبعث كلِّ ذلك حزازات
__________
(1) جريدة البرق، ع:8 (25/ 04/1927م). كتب عن العليويِّين بهذا الأسلوب نصوصًا كثيرة، ينظر البرق الأعداد: 3، 6، 10، 11، 23.
(2) المقالة الصحفية الجزائرية ... مج1، ص: 130. (1/434)
صفحة 435
شخصية واختلافات في الآراء والنظرات، سبَّبت فسادا في الودِّ. أدَّى بدوره إلى هذا الأفن في التفكير، فالإسفاف في التعبير (1).
وهذا أبو الحسن علي بن صالح (2) الذي يترجم عن فكر الطرقيِّين، يتعرَّضُ للشّيخ إبراهيم بيُّوض، الذي يمثِّلُ الاتِّجاه الإصلاحي، فيتَّهمه اتِّهامات كثيرة، ويخاطبه بعبارات بذيئة، لا تخدم الأدب ولا الأخلاق، ولا حتىَّ الغاية التي يرمي إليها الكاتب نفسه. ففي مقال طويل له عن الشيخ بيوض، نلتقي مع الكلمات والعبارات الآتية (بيُّوض حشرة، يتكوَّن من عفونات، الجرب البيُّوضي (3) واليقظاني (4). هذه النفس أنتن من جيفة، هذه الجرثومة الفاسدة المتكوِّنة من المستنقعات، خنزير، الأفعى الشريرة، الأفعى الخبيثة، الأفعى البرصاء، الحية الرقطاء، لتتقيَّأ ما في بطن سريرتها من الأقذار والأوساخ، سلحت في المحراب، ولحست خبث ما سلحت، فمها الأجذم ومخرجها الأبرص، جريان بطنها المنتن، أصابها الله بالجذام ...... أيَّتها الحية البرصاء، إنَّك كلَّما سطا عليك تيَّار الحمى وكبس على دماغك الحنق والحسد، وغلى مرجل الخبث في أمعائك الممتلئة زقُّوما، وغشيتك غشاوة العمى والنفاق، انفجرت بإلقاء أوساخك، تسلحين وتلحسين ما تسلحين، وطفقت كالمجنونة العمياء، ترمين ساحة أولئك الرجال الكرام بكلِّ نقيصة، وتلصقين بهم كلَّ دنية" (5).
__________
(1) ينظر مثلاً "مناظر أسبوعية "،ع:39 (04/ 10/1933م) وع: 44 (08/ 11/1933م).
(2) شاعر جزائري، شارك في الصحافة الجزائرية بمقالات كثيرة. من إنتاجه ديوان أبي الحسن علي بن صالح، ومآسي وأين الآسي ...
(3) هذه الصفة ألف الطرقيُّون وصف المصلحين بها. ينظر على سبيل المثال ما اتَّهمت به جريدة الإخلاص العصبة الباديسية، ع:21 (24/ 05/1933م).
(4) مع ملاحظة ما كان قد كتبه من كتابات حسنة في حقِّهما.
(5) أبو الحسن علي بن صالح، "بيان حقيقة ودحض باطل"، جريدة الروح ع:18 (15/ 11/1938م). ينظر قريبًا من هذا المستوى في الكتابة والتناول وكيل الشتائم، وإن كانت أقلَّ إقذاعًا الجريدة نفسها، ع:3 (15/ 11/1937م). (1/435)
صفحة 436
هذا نموذج من الترَّهات التي تخرج من مجال السخرية والتهكم الفنيين إلى باب المهاترات والولوغ في الأعراض، ممَّا هو موجود بكثرة في أدب الطرقيِّين. وهذا دليل على الإفلاس من الحجَّة، وتقرير لحال السقوط والاندحار والتدني.
وفي مقال آخر بعنوان "سلاح البندير ... وأعمال البشير" (1) تعرَّض فيه صاحبه المناوئ لجمعية العلماء ومحمد البشير الإبراهيمي. اعتمد فيه على العنعنة الساخرة الجارحة، والكلمات التشهيرية البذيئة، وبذلك كشف عن إسفافه في الكتابة، وسقوطه في أسلوب المواجهة.
وممَّا يندرج في هذا المجال أسلوبُ التعيير، الذي يلجأ إليه الأدباء حين يشعرون بتضايقهم من بعض الناس المناوئين لهم، ولا يجدون الأسلوب المناسب لإقناعهم بالابتعاد عنهم بالتي هي أحسن، أو حين يعجزون عن هزمهم، أو حين يتمادى هذا المناوئ في غيِّه وفي ضلاله، فلا يجد الكاتب إلاَّ وسيلة الهجاء المقذع والتقريع، والرمي بألفاظ محرقة كالشظايا، وكلمات جارحة كسياط العذاب ... التي تجمعها صفة التعيير والتشهير.
قال محمد البشير الإبراهيمي معيِّرًا محمد السعيد الزاهري مخاطبا إيَّاه: " ... أتذكر يا شيخ ماضيك الصحافي وصحائفك الماضية، التي تهاوت في مثل عمر الزهر من "الجزائر" إلى "البرق" إلى "الوفاق"، وقد ماتت كلُّها بالهزل والتسمُّم!؟ ولو كانت ممَّا ينفع الناس لمكثت في الأرض! فاحتفظ بما بقي من أعدادها فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم يكنس الله طبائعهم، ويطمس على بصائرهم، فيصبح السب والكذب عندهم من الفنون الجميلة، فيشيِّدون المعاهد العالية لتعلمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد، أتذكر يوم ضاقت بك الحيل فعرضت همَّتك وذمَّتك وقلمك في المزاد العلني، فكنَّا أزهد المشترين فيه! كن شريفا ولو لحظة من عمرك، واعترف بهذه الحقيقة! " (2).
__________
(1) ينظر جريدة الشعلة، ع: 34 (17/ 08/1950م).
(2) عيون البصائر، ص: 635، 636. وجريدة البصائر، ع:61 (27/ 12/1948م). (1/436)
صفحة 437
بقية المقال كلِّه على هذه الشاكلة من التعيير والتشهير: فيه الهجاء المقذع، والتبكيت، وفيه التحقير والاستهزاء، بما هو خارج عن المتعارف عليه في المناقشة والمنازلة الأدبية. وبهذا الأسلوب يكون الكاتب قد خرج عن دائرة السخرية والتهكم وإن كان قد قصدهما.
بالرغم من اعترافنا بسقوط هذا النص فنيًّا بسبب الأسلوب الذي كتب به، إلاَّ أنَّنا لا نوافق الدكتور عبد المالك مرتاض في قوله: "إنَّنا لا نتمثَّل أسلوب الإبراهيمي في الجدال والنقاش إلاَّ هجاء بحتًا، بل تأنيبا وتقريعا ولوما وتوبيخا ألذع من الهجاء لفظا، وأشدَّ منه وقعا" (1)، إذ أنَّ هذا الحكم لا ينطبق إلاَّ على بعض كتاباته، بينما أغلب كتاباته الساخرة كانت تمتزج فيها شخصيته العلمية بشخصيته الأدبية، الأولى تمدُّه بالمعارف المختلفة التي يتوفَّر عليها الشيخ، والثانية تسعفه بالأدوات الفنية التي تتيح له تكوين عجينة من السخرية؛ ليتهكم من الفكرة أو الشخصية. وله في باب الجدال والنقاش مقالات كثيرة ناظر ونازل فيها الطرقيِّين والاستعمار والحكومة الفرنسية ومناوئيه، ومناهضي الحركة الإصلاحية، وحاججهم محاججة منطقية ساخرة هادفة (2).
هذه نماذج من النصوص التي التجأ فيها الأدباء إلى الكلمات البذيئة والمضمون السخيف لهدف السخرية من خصومهم، والاستخفاف من شخصيَّاتهم والتندُّر بأعمالهم، والتفكُّه بأفكارهم بأية وسيلة مهما تكن، وكانوا بذلك قد ابتعدوا عن أسلوب السخرية والتهكم معنويًّا وفنيًّا، وأضرُّوا بالتجربة الأدبية. لذا فنحن مع من يرى: "أنَّ الإغراق في الإيلام، والإسراف في تضخيم السخرية يفقدها وقعها ومضمونها الإنساني في معظم الأحيان، كما أنَّه يعكس ويقلب الأدوار فيها، فبدلا من أن يسخر الناس مع الساخر من الضحية، فأنَّهم ينقلبون
__________
(1) فنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 377.
(2) ينظر مثلا عيون البصائر، ص: 157، 158، 165، 382، 383. وآثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 41 - 49 وما بعدها. وص: 52، 53. وآثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 9، 10. بالإضافة إلى ما عرضناه في ثنايا البحث من نصوص. (1/437)
صفحة 438
عليه ويصبح هو مدعاة لسخريتهم، وإن كان مجرَّد منظم لمشهد، إذ يأملون أن يكون المروِّض فريسة للأسد يوما" (1).
و - التفكه:
قد يلجأ الأديب إلى التفكُّه، ليسرِّي عن نفسه ويجلب إليها السرور؛ فيعمد إلى بعض نقط الضعف في الأصدقاء، أو إلى بعض المظاهر البارزة في شخصياتهم، فيتندَّر بها ويتفكَّه، دون أن يقصد إلى إيلامهم أو التشهير بهم، وقد يكون لهذا التفكُّه هدف وهو استخلاص عبر ودروس من هذه السخرية الفكهة. كما نلمس ذلك في مقالات رضا حوحو التي تناول فيها شخصيَّات بميزانه في جريدة البصائر الثانية. وقد يكون دافعه بعث التفاؤل في النفس؛ بمحاولة التسامي عن الألم وتناسي المصائب كما نلمس ذلك عند مفدي زكريَّاء الذي يقول عنه الدكتور محمد ناصر: "ومن سمات التفاؤل عنده، ما يشيع في رسائله ومقالاته من فكاهة ومرح يشعرك من خلالها أنَّه يحاول أبدا أن يتسامى على الألم، ويعلو عليه، ويسعى جاهدا إلى تغليب الابتسامة الهادئة على الانقباض والامتعاض، على الرغم ممَّا يعصر نفسه من آلام مبرحة، إذ نلحظ في رسائله مداعبة لأصدقائه، وتظرُّفًا مع إخوانه بأسلوب أدبي رفيع" (2). كقوله في رسالة أرسلها إلى أبي اليقظان من تونس (3): ... "ثمَّ ما هي أحوال الهزير المقدام أسد الوادي (4) إلى السيِّد غرَّافة (5)، الذي ليس في قلبه رأفة على الدجاجة الخوَّافة، التي على حتفها بضلفها طوَّافة، الله يسلِّط عليها آفة، أمَّا هو يسلك الله أمره ويهرول إلى لمزاب على طريقة صطافة" (6).
__________
(1) الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ص: 19.
(2) مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة، ص: 66.
(3) الرسالة مؤرَّخة بتاريخ: 30/ 03/1929م.
(4) يعني وادي ميزاب بالجزائر.
(5) إبراهيم غرَّافة صديق الكاتب في الكفاح الوطني، وأحد مناضلي حزب نجم شمال إفريقيا وحزب الشعب الجزائري، والحزب الشيوعي، وهو من المناضلين الوطنيِّين المخلصين الصادقين، توفي سنة 1947م.
(6) مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 267. (1/438)
صفحة 439
مسحة التفكُّه بارزة في النص، حتىَّ ولو كان ذلك إشادة بشجاعة إبراهيم غرَّافة وقوَّة بأسه. والدجاجة الخوَّافة إشارة إلى شخص معيَّن كان ضحية وطنية غرَّافة.
وقد تمتزج الرغبة في التفكُّه بالحرص على أداء رسالة، أو القيام بنشر فكرة أو بثِّ مشاعر، إلاَّ أنَّ الطابع الغالب على النص يبقى التفكُّه والتندُّر، كشأن كثير من كتابات محمد السعيد الزاهري عن الطرقية، الذي يحرص دائما على الكشف عن حقيقتهم والتعريض بأعمالهم ومعتقداتهم؛ فيخزهم ويوجعهم حتىَّ يجعلهم عرضة لاستهزاء المستهزئين، وضحك العابثين.
كتب تحت عنوان:" إفلاس" "أسرف ولد من أولاد الزوايا على نفسه حتى أفلس، ساءت حاله، ولم يبق له أثاث في داره يبيعه، وينفق ثمنه في ضروريَّاته غير مصحف قرآن شريف، مخطوط باليد، فلزَّته الحاجة أن يبيعه، فجعل يطوف على معارفه وأصدقائه، يعرض عليهم المصحف، ويحثُّهم على شرائه بقوله: إنََّ هذا المصحف بخطِّ يد المؤلِّف نفسه، يعني بخطِّ يد الله، أستغفر الله! ما أقبح الجهل والإفلاس بالرجل" (1).
اخترع الكاتب هذه القصَّة ليتفكَّه بالطرقية الذين تضايق منهم كثيرًا. كما كتب عنهم تحت عنوان "جناية اللحية ": " أعرف فقيرًا عليويًّا لحيته طويلة طبعًا، خطب فتاة آنسة إلى أبيها، فأنكحه إيَّاها، فجهَّز الزوج جهاز الزواج، وتهيَّأ له، ولم يبق له دون البناء والدخول إلاَّ يومان وليلة، حتى جاءه من خطيبته كتاب، تقول فيه: خطيبي فلان، سلام عليكم لا نبتغي الملتحين أمَّا بعد، فلا تطمع أن يكون لك من سبيل إليَّ ما لم تحكِّم الموسى في لحيتك، ثمَّ ختمت له الكتاب بقول ابن الرومي:
إن تطل لحية عليك وتعرض ... فالمخالي معروفة للحمير
خلق الله فوق خدِّك مخلا ... ةً، ولكنَّها بغير شعير
ولمَّا قرأ الكتاب بكى حتى تبلَّلت لحيته، التي هان عليه أن يفرِّط في الخطيبة دون أن يفرِّط فيها" (2).
__________
(1) "قوراص: إفلاس"، جريدة البرق، ع:23 (15/ 08/1927م).
(2) م. ن. (1/439)
صفحة 440
يتفكَّه الكاتب هنا، وفي الوقت نفسه يشير إلى رذيلة التدجيل والاستغلال؛ لأنََّ اللحية عنده ترمز إلى الخيانة والتدجيل في كثير من المواقف. وما الإتيان ببيتي ابن الرومي لتذييل كلام الخطيبة إلاَّ دليل على ذلك القصد إلى التفكُّه مع التعريض.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فكتب عن رحلته إلى باكستان، وعن مشكلته مع اللغة التي واجهته (1) في هذا البلد. إذ كان لا يحسن إلاَّ اللغة العربية، وأهل باكستان لا يتكلَّمونها. فكتب متفكِّهًا متندِّرًا بما حدث له مع مخاطبيه ومستقبليه وزائريه: "أبت همَّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلَّمت في بعض يوم ألْزَمَ ما يلزمني للضَّروريات، وأهمُّها -عندي- طلب الماء البارد في ثلاث كلمات: طاندة، باني، لاو. الأولى معناها بارد ... والثانية معناها الماء، والثالثة معناها هات ... ومن اللطائف أنََّ أستاذي في هذه الجملة هو ولدنا الفضيل (2)، حلَّ به ما حلَّ بي، فحفظ ثمانين كلمة من الأوردية، فألَّف منها قاموسًا غير محيط. فتح الله عليه فأصبح معلِّمًا لتلميذ واحد هو أنا، ثم حفظت زياده عن شيخي ثلاث كلمات ضرورية وهي (أو) ومعناها تعال، و (جاو) ومعناها اذهب، و (جالدي) ومعناها أسرع، وأسعفتني الذاكرة بكلمة تركية، حفظتها قديماً، ووجدتها هنا، وهي (نماز) ومعناها الصلاة، وحفظت (روطي) ومعناها الخبز (ونماك) ومعناها الملح. ومن حصل الصلاة والماء البارد والعيش والملح فقد فاز فوزًا عظيمًا. وحفظت (بهوت) ومعناها كثير و (إمروز) بكسر الهمزة ومعناها اليوم ... وحفظت رقم غرفتي بالأنكليزية وهو: وان، تو، فايف، يعني: مائة وخمسة وعشرين، فأصبحت في أنسٍ واطمئنان ولُذْتُ فيما عدا ذلك بالسكوت. فإذا دخل عليَّ زائرٌ، ولم يكن مترجم، حيَّا ورددت، وبشَّ وبششت، ثمََّ انقلبت سلكاً أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب. ولكي أدفع عَنَتَ التليفون إذا خلوت حفظت جملة بالإنكليزية معناها لا أتكلَّم الإنكليزية لا أتكلم الأوردية" (3).
__________
(1) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع:198 (04/ 08/1952م).
(2) حسنين الفضيل بن محمد السعيد الوارتلاني (1900 - 1959م)، أحد رجال الحركة الإصلاحية الجزائرية، سياسي وخطيب، تجوَّل كثيرا في أقطار العالم للتعريف بالجزائر وقضيَّتها. ممثل جمعية العلماء في القاهرة، توفي في استنبول. من آثاره: الجزائر الثائرة.
(3) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 34، 35. (1/440)
صفحة 441
القصد إلى التفكُّه والتندُّر بارز في النص، إذ فيه إشباع رغبة ملحَّة في إخراج ما في القلب من مشاعر الأسف على التقصير في تعلُّم ما يجب تعلُّمه. من ذلك إتقان بعض اللغات، لأنَّ الافتقار منها يسبِّب قصورًا في إيجاد وسيلة الاتِّصال، وأسباب التواصل مع المحيط. يترجم ذلك قوله: " أبت لي همَّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلَّمت ... " وقوله: "فانقلبت سلكاً أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب". وفي هذا التفكُّه إشارة إلى وجوب حذق أمور أساسية في حياة الفرد المسلم حيثما وكيفما يكون، كقوله: "ومن حصل الصلاة والماء والعيش والملح، فقد فاز فوزًا عظيمًا".
هذه إشارات قدَّمها الكاتب للقارئ في ثوب فكه طريف ظريف، يزيل عن القارئ السأم والملل. وفي الوقت نفسه يجذبه إليه فيملي عليه ما يريد، وهذا ما عناه د. محمد ناصر حين قال: إنَّ الشيخ البشير الإبراهيمي يشيع في كتاباته روحًا فكهة "تجذب القارئ أو السامع؛ لأنَّ اللهو والسخر يخرجان اللفظة عن جمودها وصرامتها، ويفتقان أكمامها، ويبعثان فيها الحركة، وهو بذلك يذكِّرنا بأدب الجاحظ" (1).
وفي أرجوزته "رواية الثلاثة" (2) داعب فيها ثلاثة من أبنائه الأدباء، الذين كانت لهم مشاركة كبيرة في الحركة الإصلاحية، وفي مجال التعليم بخاصة (3).
شعر الشاعر بأنَّ هؤلاء الأبناء قصَّروا في حقِّه (حقِّ أبيهم الروحي) الذي كان يأْبُوهم ويحبُوهم (4) وكان يعاملهم معاملة خاصة: رعاية وتثقيفا ومداعبة ... وهم أنفسهم كانوا يشعرون بهذا، لكن لما طرأ حادث (5) فرَّق بينه وبينهم، تقاعسوا عن أداء واجب الوفاء لصاحب الأفضال ولو بالمراسلة، إذ نسوه، وقد شعروا بهذا التقصير: ... "فألقى الشيطان على لسان الشيخ، أو ألقى هو على لسان الشيطان
__________
(1) الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفني، ص: 23.
(2) علَّق عليها وشرح بعض مسائلها الأستاذ الجيلالي بن محمد الفارسي.
(3) هؤلاء الأبناء هم: الشيخ سعيد بن حافظ، مدير مدرسة التربية والتعليم الحر بقسنطينة، وعبد الحفيظ الجنان، ومحمد بن العابد الجلالي معلِّمان بالمدرسة.
(4) يأبوهم: يعاملهم معاملة الأب لأبنائه. يحبوهم: يعطيهم.
(5) هو حادث نفي الشيخ الإبراهيمي إلى مدينة "أفلو" (جنوب الجزائر) أثناء الحرب العالمية الثانية. (1/441)
صفحة 442
هذه الأرجوزة الطويلة ونحل كلَّ واحد من الثلاثة ما يستحقُّه من فصول ومعانٍ في صور مجالس، يتجاذبون فيها أطراف الحديث عن هذه الزلَّة التي ارتكبوها ... نظم الشيخ هذه الرواية، وتخيَّل معانيها في أوقات متضاربة، كانت الوحشة والملل ألزم صفاتها، فجعلها مذبَّة للوحشة ومجلبة للأنس، وأداة للتسلية" (1).
القصد إلى التفكُّه والمداعبة بارز في هذه الأرجوزة من خلال تصريح الشاعر بذلك. فقد شعر بالوحشة في منفاه؛ بسبب الابتعاد عن مجال النشاط، والإبعاد عن الأصدقاء والخلاَّن، وتقاعس الأبناء عن المراسلة. فكان لابدَّ من دفع هذا الملل إلى عن نفسه بالتفكيه عنها والتنفيس عن قلبه بهذه المداعبة الطريفة الظريفة. وإن كانت المداعبة والأفكوهة لم تخل من فوائد علمية، وبخاصة في مجالَي اللغة والأدب، ولم تنعدم منها العبر والدروس (2).
الفكرة التي بنيت عليها الرواية طريفة، إذ تمحورت حول الفرنك اللعين، الذي منع هؤلاء المعلمين الثلاثة عن مراسلة الشيخ، المتمثِّل في قيمة طابع البريد الذي عجزوا عن دفع ثمنه. صوَّر الشاعر تألُّمهم النفساني، ووخز ضمائرهم، بسبب هذا التقاعس عن الكتابة وانتصاب الفرنك اللعين؛ ليمنعهم من التعبير عن عواطفهم النبيلة نحو شيخهم.
تفنَّن الشاعر في التفكه والدعابة، فتخيَّل عبث الفرنك بعقول الثلاثة، وتفكيرهم في كيفية التصرُّف مع الوضع، وفضِّ مشكلة دفع قيمته، والقيام بواجب الوفاء نحو الشيخ، والإسراع إلى مراسلته، فكان الاستدعاء لعقد اجتماعات وجلسات للبثِّ في الأمر، وكثرت المناقشات وتعدَّدتت الاقتراحات، وكان الإبرام والنقض.
وقد ظهرت في هذه التحركات والحركات: "مخايل من تنطُّع الإداريِّين وغطرسة المديرين وسخافة المعلِّمين ... " وبرزت الأنانية والمشاحنات كل ذلك للوصول إلى حلٍّ وهو دفع قيمة طابع البريد حتى يقوم الثلاثة بواجب المراسلة. على
__________
(1) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ص: 281، 282.
(2) ينظر م. س، ص: 287. (1/442)
صفحة 443
هذا المنوال من التفكُّه والدعابة نسجت أرجوزة "رواية الثلاثة" التي تعدُّ حوالي تسعمائة بيت، افتتحها الشاعر بقوله:
أدامه المولى الحفيظ المنَّانْ ... إلى الفتى الحفيظ الجنَّانْ
وحامل الأثقال من غطرستي ... مؤدِّب الصبيان في مدرستي
إذ طُمست من جانبها الأحرف ... مسكنه في زنقة لا تعرف
تتبعُها علامة متَّصلهْ (1) ... وهذه علامة منفصلهْ
بعد الانتهاء من تقديم بطاقة الاستدعاء، وانقضاء الجلسة الثانية، تبدأ الجلسة الثالثة. في مكتب الرئيس. وأمام المجتمعين حول صحن فطائر وأتاي:
كأس من التاي اللذيذ قد حلاَ ... الرئيس: أبدأ بالأكل مصليًّا على
من واقعٍ في صحنه وطائر ... وافتح الجلسة بالفطائر
كفَّارة عمَّا مضى ضدًّا لها ... جئتُ بها تشوي اللسان واللّها فأشبعوا بُطُونكم فالبطنهْ
كما أتى عنها تُثير الفِطنهْ ... وأكثروا الأكل فإنَّ المعدَةْ
ليست إذا ما فرغَت بالمُسْعدَهْ ... والعلم قد أثبت أنَّ العقلا
في عصرنا أضحى يضاهي البقلا ... فتارة يثبت في الرؤوس
وتارة ينبت في الضروس ... ... وهذه فوائد علميه
أشهى إليكم من وصال ميَّهْ (2)
ثم يقول الجلاّلي عن الفرنك المضنون به (3):
واروِ غرائب الغرام عنِّي ... فاسمع أحاديث الفرنك منِّي
لا مُدمَجَ الخلق ولا مكوَّرَا ... ... يا حسنه مدوَّرًا منوَّرًا
وغدوتي وروحتي ومحبسي ... ... وفَّرته من مطعمي وملبسي
بجمعه الدانق بعد الدانق ... وفزت في هذا الزمان الخانق
في غاية الجودة والمتانهْ ... لففته كالحرز في كتَّانهْ
__________
(1) م. س، ص: 288.
(2) م. س، ص: 322، 323.
(3) م. س، ص: 330. (1/443)
صفحة 444
(لصونه من غُفُلِ وفَطنِ) كأنَّها مقدودة من قدمي ... وخِطتُه عنها بخيط قطن
مليَّنٍ كجلدة البندير ... ... وزدت عنها قطعة من أدمِ
من حرزه يومًا ولا إحراجه وطار من تأثيره هُجُوعي ... ثم لففت الكُلَّ في قصدير
عن نفسه فاستعصم استعصامَا ... لم تستطع مطالبي إخْراجَه
هذا وكم بتُّ حليف الجوع
وراودتْهُ القهوة استسلاماَ
هذا النموذج - وإن كان طويلاً- يوكِّد على قصد الراجز محمَّد البشير الإبراهيمي إلى التفكُّه، وفي الوقت نفسه يدلُّ على توفُّر هذا اللَّون في الأدب الجزائري.
أما "الحفناوي هالي" فيداعب رضا حوحو على طريقته في تناول شخصيَّات، وونها في ميزانه الخاصِّ، تفكُّها وتندُّرًا مع الوقوف على مكامن العبر في حياة تلك الشخصيات:
مشرق مظلم عبوس طروب ... سائق مائق ضحوك غضوب
كامل ناقص صدوق كذوب ... نابه خامل أمين خؤون
عادل جائر كسول دؤوب ... مؤمن ملحد عليم جهول
قادر عاجز شجاع هيوب ... موسر مفلس كبير صغير
واضح غامض صريح مشوب ... باهت فاتح قديم جديد
قارص أو فضائل وعيوب ... بارد في حرارة وهو حلو يزن الناس هكذا (بصروف)
كصروف الزمان وهي خطوب ... إنَّ وزن الحكيم ليس بمطبو
ع كوزن الحمار وهو غريب فلعلّ الميزان فيه ثقوب ... فأعد يا أخا الحمار اعتبارا وزن الناس مقسطاً أو فَسمِّ الـ
وزن كيلا إذن وأنت أديب (1)
نلحظ في النص تقليد الحفناوي أحمد رضا حوحو في تناول شخصيَّاته. ومحاولة إبراز التناقضات التي تعيشها تلك الشخصيات، والمفارقات التي تبرز في
__________
(1) الحفناوي هالي، "مداعبة أو الشيخ حوحو في الميزان على طريقته"، البصائر الثانية، ع: 266 (09/ 04/1954م). (1/444)
صفحة 445
تركيباتهم وحياتهم، وكأنِّي بالشاعر يريد أن يثبت أنَّ كلَّ الناس يتوفَّرون على ذلك النسق في الحياة مع حرصه على مداعبة صاحبه والتفكُّه به.
من خلال بعض الخصائص العامة التي سجَّلناها عن السخرية في الأدب الجزائري الحديث. يتأكَّد لدينا ارتباطها الشديد بالواقع وبالقضايا التي أفرزتها بعض الظروف الصعبة التي مرَّ بها الشعب الجزائري تجلَّى ذلك في الواقعية التي وسمت أدب السخرية التي عبَّر بواسطته الأدباء عن مشاعرهم وأفكارهم.
إلاَّ أنَّ تلك الخصائص لم تميِّز هذا الأدب عن غيره من الآداب؛ إذ أنَّ تلك الخصائص هي ما نجد لها وجودًا فيها، باستثناء خصوصية القضايا المتَّصلة بواقع الشعب الجزائري وطرق معالجتها.
كما كشفت لنا هذه السخرية عن عيب في هذا الأسلوب الذي كتب به الأدباء وهو البذاءة في الكتابة، والتسفُّل في المخاطبة؛ إذا أن التهكم أدَّى في بعض الأحيان إلى التخلِّي عن المبادئ والأهداف والتغير في المواقف ... وبذلك تخرج السخرية عن غايتها وفنيّتها إلى الإقذاع والنَّيل من الأعراض، وإلى المهاترات الكلامية التي تسيء إلى الأدب والفنِّ. (1/445)
صفحة 446
[صفحة بيضاء] (1/446)
صفحة 447
خاتمة (1/447)
صفحة 448
[صفحة بيضاء] (1/448)
صفحة 449
خاتمة
إنَّ أهمَّ النَّتائج التي توصَّل إليها البحث تتلخَّص فيما يأتي:
أولا: السخرية في الأدب الجزائري الحديث كانت ذا طبيعة خاصة، نابعة ومنبعثة من طبيعة الحياة التي كان يحياها الأديب الجزائري، ومتلوِّنة بلون البواعث على ظهورها وانتشارها، وطبيعة التكوين الفنِّي للأديب. وهو ما جعلها تقترن بالألم والحسرة، والتنفيس عن النفس والشكوى والإقذاع والتعيير أحيانًا ... ولهذا كانت السمة الغالبة على هذه السخرية عند غالب الأدباء هي القتامة؛ لأنَّ هذا التهكم كان صادرًا عن نفوس منقبضة متذمِّرة، أحال الاستعمار حياتها إلى مأساة حقيقية، وأوجد الانحراف بكلِّ أشكاله في حلوق الأدباء غصصًا، آلمتهم كثيرًا.
ونحن بدورنا تأثَّرنا بذلك في عرضنا وتحليلنا للنصوص، فألفينا أنفسنا نكرِّر عبارات وألفاظاً كثيرة، تحمل دلالات الأسى والحزن والحسرة والكمد، والشعور بالألم النفسي. من هنا نسجِّل أنَّ الفكاهة والسخرية في الأدب الجزائري الحديث لم تكن في - عمومها- لأجل التفكه، أو لذات السخرية، أو للإمتاع ... كما كان ذلك منتشرًا في الأدب العربي، القديم منه بخاصة، بل كانت تحاول التعبير عن خلجات النفس؛ للتنفيس عنها، وكانت تسعى إلى الإصلاح والتقويم والتغيير في أغلب الأحيان. من ذلك أنَّ الأدباء كانوا يحرصون على إسقاط مشاعرهم وأفكارهم على ما كانوا يتبنَّونه من أساليب في الكتابة، وما يبتكرونه وما يتخيَّلونه من وسائل لمعالجة الموضوعات: كالالتجاء إلى انتزاع اعترافات وإقرارات، ورواية أحداث وحكايات، وقصِّ رؤى ومنامات ... وقد حاولوا من خلال كلِّ ذلك اتّخاذ السخرية سلاحًا يضربون به على أيدي الضاحكين على مشاعر الناس، العابثين بالقيم والمقوِّمات.
ثانيًا: عالج الأدب الجزائري الساخر في معظم مواده قضايا جزائرية، وقد حاول الكشف بصدق ووضوح عن القضايا الوطنية، وعن الانحرافات التي كانت سائدة فيه، وعن حقيقة العمل الجهادي والمقاومة والإصلاح الذي تبنَّاه المصلحون (1/449)
صفحة 450
في الجزائر. وقد نزل هذا الأدب إلى حياة الشعب، وصوَّر تناقضات العصر ومفارقات الناس، ممَّا يدلُّ على ارتباطه بواقعه وبيئته. وبذلك يكون شاهدا على الأوضاع المتردِّية التي كانت تعيشها الجزائر، أي كان الأدب الساخر صدى لما كان يعجُّ في المجتمع. ومن ثمََّ فهو يؤرِّخ لحقبة تاريخية مهمَّة مرَّت بها الجزائر.
نشير هنا إلى أنَّ الأدباء ولو لم يقدِّموا - أحيانا بواسطة السخرية- حلولاً لبعض ما انتقدوه، واكتفوا بالإشارة والرمز والتعريض، وما إلى ذلك من الأساليب والصيغ التي تتماشى مع أسلوب السخرية والتهكُّم، فإنَّهم كانوا يهدفون إلى إثارة المتلقِّي والمخاطب، وتحسيسه بالوضع، وفي الوقت نفسه الهمس والتلميح له بالنهوض للعمل على التغيير والإصلاح. والساخر -كما يقول الدارسون- ليس مطالبًا بتقديم حلول لمشكلات الحياة؛ بقدر ما هو معنيٌّ بأن تكون له فكرة عن الحياة بخيرها وشرِّها، وعن تطوُّراتها وانعكاساتها، ثمَّ إشعار المتلقِّي بذلك.
ثالثًا: كانت بعض الموضوعات أكثر استئثارًا باهتمام الأدباء، وأكثر حضورًا في أدبهم الساخر من غيرها كموضوع الاستعمار، الذي شغل حيِّزًا كبيرًا في كتابات الأدباء، فقد سخروا منه وبممارساته ومناوراته. كما تفنَّنوا في الكشف عن كلِّ ذلك. وقد برز في هذا المجال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي سخَّر موهبته في التهكم بالاستعمار وملاحقته ملاحقة شديدة.
ربَّما يرجع سبب هذه الكثافة في تناول موضوع الاستعمار إلى أنَّ الفترة المخصَّصة للبحث كانت تخصُّ مرحلة وجوده في الجزائر. وإلى كثرة جرائره وتعسُّفاته فيها.
كذلك حظيَ موضوع الطرقية بعناية كبيرة في المعالجة والتناول. وقد لحظنا كثرة النصوص التي تعرَّضت لهذا الموضوع، وتعدُّد الأساليب، وتنوُّع المعاني والأفكار التي حاولت التعريف بحقيقة الطرقية.
وقد كانت لهجة الأدباء عنيفة قاسية - في كثير من الأحيان- ممَّا جعلها - في بعض الأوقات - تسقط في حمأة السبِّ والشتم والبذاءة، كبعض كتابات محمد السعيد الزاهري، وبعض ما كتبه أدباء الطرقية. (1/450)
صفحة 451
كما ورَّطت هذه اللهجة العنيفة الأدباء في البقاء - أحياناً- في مناقشات هامشية، والانصراف إلى التعيير والإهانة والتحقير. ومحاولة التهكم بقلب الحقائق، وتزييف الوقائع، وتغليط الرأي العام، والهجوم على الشخص نفسه، لا بوصفه يمثِّل اتِّجاهًا معيَّنًا أو فكرة خاصة، وذلك حين تتحكَّم العواطف والأهواء في توجيه الفكرة، وتغذية الصراع. بصفة عامة فإنَّ الأدب الجزائري الساخر لم يخلُ من الكلمات البذيئة، ولم يسلم من المهاترات الكلامية، ممَّا يستحيي الإنسان من إيراده أحيانًا. وبذلك يكشف الأدباء عن انهزامهم النفسي، وعجزهم عن إيصال أفكارهم- بهذه الطريقة - ونقل مشاعرهم بصدق ووضوح، ومن ثمَّ يُخفقون في أسلوب السخرية.
لكن مع ذلك تبقى هذه النصوص مصوِّرة لواقع اشتدَّ فيه الصراع والخلافات، وطغى فيه الجمود، وكثر الانحراف، وتعقَّدت فيه الحياة. كما تشهد في الوقت نفسه على جهود المصلحين في مسيرة الجزائر النّهضوية.
رابعًا: غلبت على السخرية الروح الإسلامية في الكتابة والمعالجة، كما كانت في -معظمها- تتنفَّس في أجواء الأدب العربي القديم؛ من حيث الأساليب. أي كانت تستلهم التراث كثيرًا. قد يعود هذا إلى طبيعة تكوين الأدباء الدينية ونشأتهم الثقافية، التي كانت في عمومها لا تخرج عن تأثيرات الموروثات التراثية. وقد يكون ذلك تعبيرًا عن ردِّ فعل تجاه ممارسات الاستعمار، التي جعلت الأدباء يشعرون بالاغتراب في وطنهم، والابتعاد شيئًا فشيئًا عن أصالتهم ومقوِّماتهم، فأرادوا إنقاذ أنفسهم والأجيال من هذا الاستلاب بواسطة هذا الأسلوب في الكتابة.
خامسًا: السخرية كانت أكثر بروزًا في المقالة منها في بقية الأجناس الأدبية الأخرى. قد يعود ذلك إلى طواعية النثر لأسلوب السخرية أكثر من الفنون الأخرى. وقد يرجع إلى استجابة الأدباء التلقائية لما قرَّره بعض النقاد والدارسين في المقالة. وهو أنَّ نجاحها وفنيِّتها يتوقَّفان على ما يتوفَّر فيها من عنصر السخرية.
سادسًا: بعض الأدباء كانوا يحاولون كتابة أدب ساخر ليعبِّروا عمَّا يحسُّون، وفي الوقت نفسه ينفلتون من الرقابة المترصِّدة لكلِّ من يبوح بخلجات صدره؛ بما لا (1/451)
صفحة 452
يعاكس – ظاهريًّا - أهواء من يريدون إذلال الشعب، أو تسخيره لقضاء مصالحه، أو إحكام السيطرة عليه. وبعضهم كانوا يجتهدون في توفير مسحة تهكمية وساخرة في أدبهم، تقليدًا أو محاكاة لنماذج في الأدب العربي، لإيجاد الوسيلة المناسبة والجذَّابة، التي تربط مخاطبيهم بأدبهم، كي يستمعوا إلى أفكارهم، ويتعرَّفوا على مشاعرهم، لكنَّهم يظهرون - أحياناً - دون المستوى فنيًّا؛ لأنَّ الموهبة أخطأتهم، أو الأدوات الفنية لم تسلم لهم قيادها، أو الأسلوب المناسب لم يسعفهم ... فظهرت سخريتهم ضعيفة أو باهتة أو متكلَّفًا فيها.
سابعا: أساليب السخرية امتازت بالتنوع والتفنُّن في الكتابة وتميَّزت بلغتها البسيطة الواضحة، والواقعية في العرض، والتتبُّع الدقيق لبعض أنواع السلوك، والوصف التفصيلي لبعض الجوانب.
ثامنا: كان اهتمام الأدباء في الكتابة - بواسطة السخرية- منصبًّا على الجانب الفكري وما يصلح الحياة الفاسدة أو الحالة المتردية، وما يعين على النهوض. وكان الاعتناء بما يساعد على التنفيس عن النفس آلامها بأية وسيلة ممكنة، ولو كان ذلك على حساب الفن. لهذا لم يكن للجانب الفنِّي كبير عناية أو اهتمام؛ إذ بالرغم من تنويع الأدباء في لغتهم بين الوضوح والبساطة والتكثيف والقوَّة، غير أنَّ الطابع العام الغاب على هذه اللغة هو السهولة والوضوح والتقريرية. وقد كان الضعف نصيب كثير من النصوص؛ لعدم توفيق أصحابها إلى الملاءمة بين التجربة واختيار الرموز اللغوية المناسبة.
كما أنَّ التصوير كان مفتقرًا إلى الإبداع والتجديد؛ إذ أنَّ أغلب الصور كانت مستلهمة من صور لأدباء آخرين، إلاَّ ما حاول أصحابها تغييره وتحويره؛ ليستجيب لحالاتهم النفسية والفكرية. كما أنَّ التشكيل الموسيقي المؤثِّر في التصوير كان ضعيفًا، وكذا الرموز التي استعملها الأدباء لم تكن عميقة لفقدانها الأصالة، إذ لم تكن متميِّزة، بل كانت – في أغلبها - ممَّا دار كثيرًا في كتابات بعض الأدباء قديمًا وحديثًا. (1/452)
صفحة 453
كما أنَّ هذه الرموز - عمومًا- ينقصها التكثيف؛ لأنَّ أصحابها غالبًا ما يلجؤون إلى تفسيرها. وهذا يفوِّت على المتلقِّي لذَّة الاكتشاف، وفرصة المعايشة الوجدانية لما يبثُّه الأديب من مشاعر وأفكار، كما يطلبه الفن، وينشده الأدب.
مع كلِّ هذه الملاحظات السلبية المسجَّلة على السخرية الفنية في الأدب الجزائري الحديث. فأنَّها تمكَّنت من بلوغ مراميها في أغلب الأحيان في التعبير والإفصاح عن المشاعر، والتنفيس عن آثارها في الصدور. (1/453)
صفحة 454
[صفحة بيضاء] (1/454)
صفحة 455
المصادر والمراجع (1/455)
صفحة 456
[صفحة بيضاء] (1/456)
صفحة 457
المصادر والمراجع
أ- المصادر
1 - القرآن الكريم (رواية ورش).
2 - آل خليفة، محمد العيد: ديوان محمد العيد محمد علي خليفة (ش. و. ن. ت) الجزائر سنة 1979م.
3 - آل الشيخ، مفدي زكرياء: اللهب المقدَّس، ط2، منشورات وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية الجزائر، سنة 1973م.
4 - الإبراهيمي، محمد البشير: أ - عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، سنة 1963م.
ب- آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ط1 (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م.
ج - آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، (ش. و. ن. ت) الجزائر سنة 1981م.
د- آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4 (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1985م.
5 - أبو اليقظان إبراهيم: أ - نشأتي (مخطوط).
ب- ديوان أبي اليقظان ج1، ط2، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية، الجزائر، سنة 1989م.
6 - الأعشى: ديوان الأعشى، دار بيروت للطباعة والنّشر، بيروت، سنة 1406هـ/1986م.
7 - امرؤ القيس: ديوان امرئ القيس، دار صادر، بيروت (د. ت).
8 - بها الدين زهير: بهاء الدين زهير، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1401هـ/1981م.
9 - الجاحظ، أبو عثمان عمرو: رسائل الجاحظ، ط1، جمعها ونشرها حسن السندوبي، المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1352هـ/1933م.
10 - حسَّان بن ثابث: ديوان حسَّان بن ثابت، مج1، تحقيق وتعليق د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت، سنة 1964م. (1/457)
صفحة 458
11 - الحطيئة: ديوان الحطيئة، رواية ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، شرح أبي سعيد السكَّري، دار صادر، بيروت، سنة 1401هـ/1981م.
12 - حوحو، أحمد رضا: أ- مع حمار الحكيم، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1988م.
ب- غادة أم القرى وقصص أخرى، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية، الجزائر، سنة 1989م.
13 - خبَّاشة، صالح: الروابي الحمر (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1971م.
14 - الزاهري، محمد السعيد: الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، دار الكتب، الجزائر، سنة 1983م.
15 - الفرزدق: ديوان الفرزدق، مج1، دار صادر، بيروت (د. ت)
؟ - سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، دار الكتب، الجزائر، سنة 1982م.
ب - المراجع
أ ـ الكتب:
1 - إبراهيم، محمد إسماعيل: معجم الألفاظ والأعلام القرآنية، ج1، ج2، ط2، دار الفكر العربي، سنة 1969م.
2 - أحمد، د. محمد فتّوح: الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، ط3، دار المعارف، القاهرة، سنة 1984م.
3 - إسماعيل، د. عز الدين: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ط3، دار العودة ودار الثقافة، بيروت سنة، 1981م.
4 - ابن الكتَّاني، أبو عبد الله: كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت- لبنان (د. ت).
5 - ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) ج3، ط3، دار الأندلس للطباعة والنَّشر والتوزيع، سنة 1401هـ/1981م. (1/458)
صفحة 459
6 - ابن منظور: لسان العرب المحيط، مج1، مج2، إعداد وتصنيف يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت (د. ت).
7 - أنيس، د. إبراهيم: الأصوات اللغوية، ط5، الناشر مكتبة الأنجلو المصرية، سنة 1975م.
8 - أبو عيسى فتحي محمد معوَّض: الفكاهة في الأدب العربي (دراسات ووثائق) (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1390هـ/1970م.
9 - أبو ملحم، علي: في الأسلوب الأدبي، المطبعة العصرية، صيدا بيروت (لبنان) سنة 1968م.
10 - بطِّيش، سيمون: الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبُّود، ط1، دار مارون عبوّد، سنة 1403هـ/1983م.
11 - بلبع، د. عبد الحكيم: أدب المعتزلة إلى نهاية القرن الرابع الهجري، ط2، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجَّالة، مصر، سنة 1969م.
12 - البلقاسمي، د. يوسف محمد: التهكم في أدب الجاحظ، رسالة دكتوراه (مخ) كلية الآداب، قسم اللغة العربية، جامعة عين شمس القاهرة، سنة 1962م، موجودة في مكتبة القسم تحت رقم 8496.
13 - بلقراد، د. محمد: الفكاهة والضحك في الأدب العربي، رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة (مخ) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الجزائر، سنة 1973م.
14 - بوزوينة، عبد الحميد: بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي (دراسة وصفية تحليلية فنية) ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1988م.
15 - تاورتة، محمد العيد: نثر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1929 - 1939م) جمع وتوثيق ودراسة رسالة ماجستير (مخ) معهد الآداب والثقافة العربية، جامعة قسنطينة، سنة 1399 - 1400هـ/1979 - 1980م.
16 - التوحيدي، أبو حيَّان: كتاب الإمتاع والمؤانسة، ج1 - 3، صحَّحه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين، وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت (لبنان) (د. ت). (1/459)
صفحة 460
17 - تيمور، محمود: أدب وأدباء، دار الكتاب العربي للطّباعة والنّشر، القاهرة، سنة 1968م.
18 - الجابري، د. محمد الصالح: محمود بيرم التونسي في المنفى، حياته وآثاره، ج1، ط1، دار الغرب الإسلامي بيروت- لبنان، سنة 1407هـ/1987م.
19 - جمعه، محمد كامل: الأسلوب ط2، مكتبة القاهرة الحديثة، سنة 1963م.
20 - حاوي، إيليا: شرح ديوان جرير وضبط معانيه وشروحه، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، بيروت- لبنان، سنة 1982م.
21 - حسين، د. طه: حديث الإربعاء، ج2، ط12، دار المعارف بمصر، القاهرة، سنة 1976م.
22 - الحوفي، د. أحمد محمد: الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها، دار نهضة مصر للطباعة والنَّشر، القاهرة (د. ت).
23 - الخرفي، د. صالح: أ- شعر المقاومة الجزائرية (ش. و. ن. ت) الجزائر (د. ت).
ب- الشعر الجزائري (ش. و. ن. ت) الجزائر (د. ت).
ج - المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث (ش. و. ن. ت) الجزائر سنة 1986م.
د- محمد السعيد الزاهري، المؤسَّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1986م.
24 - دبُّوز، محمد علي: أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975م) ج1، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، سنة 1394هـ/1974م.
25 - ركيبي، د. عبد الله: أ- قضايا عربية في الشعر الجزائري المعاصر، ط3، الدار العربية للكتاب، تونس ليبيا، 1397هـ 1977م.
ب - القصَّة الجزائرية القصيرة، المؤسسة الوطنية للكتاب (الجزائر) سنة 1983م.
ج - الشعر الديني الجزائري الحديث، ط1 (ش. و. ن. ت) الجزائر سنة 1981م.
26 - الزمخشري، أبو القاسم: أساس البلاغة، تحقيق الأستاذ عبد الرَحيم محمود، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان (د. ت).
27 - سعد الله، د. أبو القاسم: أ- دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ط3، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1985م. (1/460)
صفحة 461
ب- الحركة الوطنية الجزائرية (1930 - 1945م) ج3، ط3، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1986م.
28 - السعدني، د. مصطفى: البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث، نشر منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، سنة 1987م.
29 - سلام، مصطفى محمد: شعر السخرية في العصر العباسي، دراسة ونقد، رسالة ماجستير (مخ) كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، سنة 1974م، موجودة في مكتبة قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، تحت رقم: 1568.
30 - شرَّاد، د. شلتاغ عبود: أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ط1، دار المعرفة، دمشق سنة 1407هـ/1987م.
31 - الشكعة، د. مصطفى: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، ج1، قسم الشعر، ج2، قسم النثر، ط2، درا الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1974م.
32 - الشيخ صالح، يحي: شعر الثورة عند مفدي زكريَّاء، دراسة فنية تحليلية، ط1، دار البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1407هـ/1987م.
33 - ضيف، د. شوقي: أ- تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، ط5، دار المعارف بمصر، سنة 1971م.
ب- الفن ومذاهبه في النَّثر العربي، ط6، دار المعارف بمصر، سنة 1971م.
ج - التطور والتجديد في الشعر الأموي، ط7، دار المعارف بمصر سنة 1981م.
34 - طبانة، د. بدوي: أ- قضايا النقد الأدبي، دار المرِّيخ للنشر، الرياض، سنة 1404هـ/1984م.
ب- التيَّارات المعاصرة في النقد الأدبي، دار الثقافة، بيروت- لبنان، سنة 1405هـ/1985م.
35 - طه، د. نعمان محمد أمين: السخرية في الأدب العربي، ط1، دار التوفيقية للطباعة بالأزهر، سنة 1399هـ 1979م.
36 - عاصي، د. ميشال: الفن والأدب، ط2، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، سنة 1970م. (1/461)
صفحة 462
37 - عبد النبي، شوقي إمام حسنين: الشعر الفكاهي في مجلَّتي الفكاهة والإثنين (1926 - 1939م) رسالة ماجستير (مخ)،كلية الآداب قسم اللغة العربية، جامعة القاهرة، سنة 1984م، الرسالة تحت رقم: 4106.
38 - عبد النور، جبُّور: المعجم الأدبي، ط2، دار العلم للملايين، بيروت، كانون الثاني (يناير) سنة 1984م.
39 - عزَّام، محمَّد: الأسلوبية منهجًا نقديًّا، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، سنة 1989م.
40 - عطية، حسن علي وأمين، محمد (إشراف): المعجم الوسيط، ج1، ج2، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان (د. ت).
41 - العقَّاد، عباس محمود: ساعات بين الكتب، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، سنة 1979م.
42 - غربال، محمد شفيق (إشراف): الموسوعة العربية الميسَّرة، مج1 - 2، دار إحياء التراث العربي، سنة 1965م.
43 - الفحَّام، د. شاكر: مختارات من شعر الأندلس، المطبعة التعاونية 1398هـ/1978م - 1399هـ/1979م.
44 - فرشوخ، د. محمد أمين: أدب الفكاهة في لبنان، دراسة وعرض، ط1، دار الفكر اللبناني، بيروت، سنة 1989م.
45 - فضل، د. صلاح: نظرية البنائية في النقد الأدبي، در الشؤون الثقافية العامة بغداد، سنة 1987م.
46 - الفيروزاباذي، محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج1،2،3،4، دار العلم للجميع، بيروت، لبنان (د. ت).
47 - قطب، سيِّد: أ- في ظلال القرآن، ج1 - 6، ط1، دار الشروق، القاهرة، بيروت، سنة 1402هـ/1982م.
ب- النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشروق، القاهرة، بيروت، سنة 1403هـ/1983م. (1/462)
صفحة 463
48 - قنانش، محمد وقدَّاش، د. محفوظ: حزب الشعب الجزائري (1937 - 1939م) ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1985م.
49 - الكرمي، حسن سعيد: قول على قول، ج1، ط2، الناشر دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، سنة 1971م.
50 - مبارك، د. زكي: النثر الفني في القرن الرابع، ج1، 2، دار الجيل بيروت (د. ت).
51 - المدني، أحمد توفيق: كتاب الجزائر، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1984م.
52 - مرتاض، د. عبد المالك: فنون النثر الأدبي في الجزائر (1931 - 1954م)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1983م.
53 - المعاملي، د. شوقي محمد: الاتِّجاه الساخر في أدب الشدياق، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، سنة 1988م.
54 - المقدسي، أنيس: تطوُّر الأساليب النَّثرية في الأدب العربي، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1968م.
55 - الملائكة، نازك: قضايا الشعر المعاصر، ط6، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1981م.
56 - منصوري، محمد: شعر التهكُّم والسخرية عند حافظ وطوقان، رسالة ماجستير (مخ) معهد الآداب واللغة العربية، جامعة قسنطينة، سنة 1405هـ/1984م.
57 - منُّور، أحمد: مسرح أحمد رضا حوحو (دراسة أدبية تحليلية مقاربة) رسالة ماجستير (مخ) معهد اللغة والأدب العربي جامعة الجزائر، سنة 1409هـ/1989م.
58 - الميداني، أبو الفضل أحمد: مجمع الأمثال، ج1، ج2، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، سنة 1959م.
59 - ناصر بوحجام، محمد: أ – أبو اليقظان في الدوريات العربية، ط1، المطبعة العربيذة، عرداية (الجزائر) سنة 1985م.
ب - أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث (1925 - 1976م) ج1، ج2، ط1، المطبعة العربية غرداية (الجزائر) سنة 1992م. (1/463)
صفحة 464
60 - ناصر، د. محمد: أ- المقالة الصحفية الجزائرية نشأتها، تطوُّرها، أعلامها من 1903 إلى 1931م، مج1، مج2 (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م.
ب- أبو اليقظان وجهاد الكلمة (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1980م.
ج - الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939م (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1980م.
د- رمضان حمُّود حياته وآثاره، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، سنة 1985م.
ه - الشعر الجزائري الحديث اتِّجاهاته وخصائصه الفنية (1925 - 1975م) ط1، دار الغرب الإسلامي بيروت، لبنان، سنة 1985م.
و- مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة (دراسة ونصوص) ط2، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية، الجزائر، سنة 1989م.
ز- الشيخ البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفنِّي (محاضرة).
61 - ناصف، د. مصطفى: الصورة الأدبية، ط3، دار الأندلس، بيروت، سنة 1983م.
62 - نشاوي، د. نسيب: مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية في الشعر العربي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، سنة 1984م.
63 - النَّويري، شهاب الدين: نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر الرَابع والسابع، مطابع أحمد كوستاتسوماس وشركاه، القاهرة (د. ت).
64 - هلال، د. محمد غنيمي: أ- النقد الأدبي الحديث، دار نهضة مصر للطَّبع والنَّشر، الفجَّالة، القاهرة، سنة 1973م.
ب- الأدب المقارن، دار العودة، بيروت، سنة 1983م.
65 - الهوَّال، د. حامد: السخرية في أدب المازني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982م.
ب ـ الدوريات:
1 - أبو العجائب (محمد العابد الجلاَّلي) ع: 1 (24/ 05/1934م).
2 - الأمَّة (أبو اليقظان) ع: 21 (19/ 02/1935م).
ع: 101 (08/ 12/1936م).
ع: 146 (30/ 11/1937م). (1/464)
صفحة 465
ع: 155 (22/ 02/1938م).
ع: 165 (03/ 05/1938م).
3 - البرق (محمد السعيد الزاهري): ع: 03 (21/ 03/1927م).
ع: 06 (11/ 04/1927م).
ع: 08 (25/ 04/1927م).
ع: 13 (30/ 05/1927م).
ع: 15 (20/ 06/1927م).
ع: 19 (18/ 07/1927م).
ع: 20 (24/ 07/1927م).
ع: 22 (08/ 08/1927م).
4 - البستان (أبو اليقظان): ع: 01 (27/ 04/1933م).
ع: 02 (11/ 05/1933م).
ع: 04 (23/ 05/1933م).
ع: 06 (06/ 06/1933م).
ع: 07 (13/ 06/1933م).
ع: 08 (20/ 06/1933م).
ع: 09 (27/ 06/1933م).
ع: 10 (11/ 07/1933م).
5 - البصائر الأولى (ج. ع. م. ج): ع: 174 (14/ 07/1939م).
البصائر الثانية: ع: 19 (12/ 01/1948م).
ع: 41 (28/ 06/1948م).
ع: 69 (28/ 02/1949م).
ع: 74 (04/ 04/1949م).
ع: 86 (11/ 07/1949م). (1/465)
صفحة 466
ع: 88 (25/ 07/1949م).
ع: 98 (12/ 12/1949م).
ع: 219 (27/ 02/1953م).
ع: 228 (08/ 05/1953م).
ع: 262 (12/ 03/1954م).
ع: 265 (02/ 04/1954م).
ع: 266 (09/ 04/1954م).
ع: 268 (23/ 04/1954م).
ع: 306 (18/ 02/1955م).
6 - البلاغ (العراق): ع: 3، س 4، عام 1393هـ/1973م.
7 - الثقافة (الجزائر): ع: 6، ذو القعدة 1391هـ/جانفي 1972م.
ع: 40، شعبان، رمضان 1397هـ/ أغسطس، سبتمبر 1977م.
ع: 48، ذو الحجّة، محرّم 1399هـ/ ديسمبر 1978م.
ع: 94، ذو القعدة، ذو الحجَّة 1406هـ/ يوليو، أغسطس 1986م.
8 - الرسالة (أحمد حسن الزيات): ع: 145، س4 (13/ 04/1936م).
ع: 288، س7 (09/ 01/1939م).
9 - الروح (أبو العلا سليمان بن بكير): ع: 06 (15/ 04/1938م).
ع: 07 (30/ 04/1938م).
ع: 10 - 11، سنة 1938م).
ع: 18 (15/ 11/1938م).
10 - السنَّة النبوية (ج. ع. م. ج): ع: 07 (22/ 05/1933م).
11 - الشعب الأسبوعي (الجزائر): ع: 36 (20/ 03/1976م).
12 - الشعلة (حوحو، بوشمال، الصادق حمَّاني) ع:01 (15/ 12/1949م).
ع: 06 (19/ 01/1950م). (1/466)
صفحة 467
ع: 07 (26/ 01/1950م).
ع: 24 (25/ 03/1950م).
ع: 27 (15/ 06/1950م).
ع: 28 (22/ 06/1950م).
ع: 31 (13/ 07/1950م).
ع: 32 (03/ 08/1950م).
ع: 34 (07/ 08/1950م).
ع: 39 (21/ 09/1950م).
ع: 54 (08/ 02/1951م).
13 - الضاد (قسنطينة): ع: 8 - 9، ديسمبر، جانفي 1984م.
14 - العربي (الكويت): ع: 34، سبتمبر 1961م.
15 - فصول (الهيئة المصرية العامة للكتاب) مج 11، ع1، ربيع 1993م.
16 - المجلة الثقافية (الجامعة الأردنية) ع:30 ربيع الثاني 1414هـ/تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1993م.
17 - المرصاد (محمد عباسية الأخضري): ع: 05 (29/ 01/1932م).
ع: 29 (21/ 10/1932م).
ع: 36 (09/ 12/1932م).
ع: 59 (14/ 09/1933م).
18 - المغرب (أبو اليقظان) ... ع: 37 (19/ 03/1931م).
19 - المنار (محمود بوزوزو) ... ع: 11 (14/ 11/1952م).
ع: 46 (24/ 07/1953م).
20 - المورد (بغداد) ... مج4، ع2 سنة 1975م.
21 - وادي ميزاب (أبو اليقظان) ... ع: 52 (07/ 10/1927م).
ع: 79 (20/ 04/1928م). (1/467)
صفحة 468
ع: 81 (04/ 05/1928م).
ع: 88 (22/ 06/1928م).
ج ـ المراسلات:
- مراسلة مع الأستاذ أحمد منُّور، الجزائر، في: جانفي 1988م.
- مراسلة مع الدكتور أبي القاسم سعد الله، الجزائر في 22/ 03/1993م و 31/ 07/1993م.
- مراسلة مع الدكتور صالح الخرفي، تونس في 22/ 09/1988م.
- مراسلة مع الدكتور عباس الجراري، الرباط في 25/ 09/1993م.
- مراسلة مع الدكتور محمد الصالح الجابري، تونس في 21/ 09/1993م و22/ 08/1993م.
- مراسلة مع الأستاذ محمد الصالح رمضان، الجزائر في 03/ 10/1993م و 10/ 10/1993م.
- مراسلة مع الأستاذ محمد الطاهر فضلاء، الجزائر في 10/ 11/1992م.
- مراسلة مع الدكتور الهاشمي التيجاني، الجزائر في 02/ 11/1993م.
د ـ المقابلات:
- مقابلة مع الدكتور محمد الصالح الجابري، تونس في 07/ 08/1991م.
- مقابلة مع الأستاذ محمد الصالح رمضان، الجزائر في شهر أكتوبر 1991م وشهر أكتوبر 1992م.
- مقابلة مع الأستاذ محمد الطاهر فضلاء، الجزائر في 09/ 10/1991م. (1/468)
صفحة 469
فهرس الآيات (1/469)
صفحة 470
[صفحة بيضاء] (1/470)
صفحة 471
فهرس الآيات القرآنية
الرقم ... الآية ... اسم السورة ... رقم ... رقم ... التسلسلي ... الآية ... الصفحة
1 ... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍٍ عَسَى أَن يَّكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ... } ... الحجرات ... 11 ... 23
2 ... { .. إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فِإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} ... هود ... 38 ... 23
3 ... {وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَشْرَارِ أَتَّخَذْناَهُمْ سُخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الاَبْصَارُ} ... ص ... 62، 63 ... 23
4 ... { ... فَظَلْتُمْ تفَكَّهُونَ} ... الواقعة ... 65 ... 26
5 ... {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ... } ... الطور ... 18 ... 26
6 ... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَّكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ... } ... الحجرات ... 11 ... 46
7 ... {بَشِّرِ المْنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} ... النساء ... 138 ... 46
8 ... {وَعَدَ اللهُ المنَافِقِينَ وَالمنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ .. } ... التوبة ... 68 ... 46
9 ... { ... وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تمتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} ... الزمر ... 08 ... 46
10 ... {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} ... الواقعة ... 35، 36، 37 ... 51
11 ... {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَناَ فيِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد} ... هود ... 79 ... 56
12 ... {رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ... نوح ... 26 ... 94
13 ... {وَمِنَ الناس مَن يَّشْتَرِي لهْوَ الحَدِيثِ لِيُضَلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... } ... لقمان ... 06 ... 96
14 ... {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْباَرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَباَّرِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتىَّ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَّخْرجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ... المائدة ... 21، 22 ... 141 (1/471)
صفحة 472
15 ... {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنُ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمُ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ} ... القلم ... 21، 22 ... 159
16 ... { ... وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمُ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} ... الأنعام ... 94 ... 159
17 ... {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُ أَن امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادْ} ... ص ... 05، 06 ... 175
18 ... {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ... الرعد ... 39 ... 187، 352
19 ... { ... وَمَن يَتَّخِذِ الشيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشيْطَانُ إلاَّ غُرُوراً} ... النساء ... 119، 120 ... 189
20 ... { ... فَمَن اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... } ... البقرة ... 194 ... 193
21 ... { ... وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ الناس السحْرَ ... } ... البقرة ... 102 ... 194
22 ... {إِنَّا وَجْدَنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} ... الزخرف ... 23 ... 198
23 ... {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} ... النساء ... 11 ... 211
24 ... {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمُ إِلىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنَ اَحَدٍ ثمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ} ... التوبة ... 127 ... 211
25 ... {إِنَّ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُّوثَرُ إِنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ الْبَشَر} ... المدثر ... 24، 25 ... 244 (1/472)
صفحة 473
26 ... {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَة} ... القارعة ... 01، 02 ... 296
27 ... {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} ... الأعلى ... 02 ... 296
28 ... {الَّذِينَ جَابُوا الصخْرَ بِالْوَادِي} ... الغاشية ... 09 ... 297
29 ... {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} ... التكوير ... 08، 09 ... 310
30 ... { .. وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... التوبة ... 40 ... 326
31 ... {قَالُوا ارْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} ... الأعراف ... 111، 112 ... 353
32 ... {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوَ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} ... طه ... 09، 10 ... 354
33 ... {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} ... القمر ... 10 ... 354، 355
34 ... {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر} ... القمر ... 11، 12 ... 355
35 ... {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِنَ اَحدٍ ثمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأنَّهُم قَومٌ لا يَفْقَهُونَ} ... التوبة ... 127 ... 356
36 ... {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أمُّه كَرْهًا، وَوَضَعتْهُ كَرْهًا} ... الأحقاف ... 15 ... 358
37 ... {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر ثمَّ قُتِلَ كَيْفَ قدَّر ثمَّ نَظَرَ ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِن هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُوثَرْ} ... المدثر ... 18 - 24 ... 359
38 ... {الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الناس عَن آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} ... يونس ... 91، 92 ... 372 (1/473)
صفحة 474
39 ... {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ... الأعراف ... 179 ... 397
40 ... {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( ... ) وَإِنْ كَادُوا لَيْستَفزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبثُونَ خَلفَكَ إلاَّ قَلِيلاً ... } ... الإسراء ... 74 - 76 ... 398
41 ... {إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} ... الإسراء ... 75 ... 399
42 ... {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} ... الصافات ... 93 ... 400
43 ... {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءََ مَا نَعْبُدُهُمُ إلاَّ لِيُقرِّبُونَا إِلى اللهِ زُلْفَى ... } ... الزمر ... 03 ... 400
44 ... {يَدْعُو لمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِير} ... الحج ... 13 ... 400
45 ... {الشيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ... } ... البقرة ... 268 ... 421
46 ... {سَأَصْرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} ... الأعراف ... 146 ... 426 (1/474)
صفحة 475
فهرس الأعلام (1/475)
صفحة 476
[صفحة بيضاء] (1/476)
صفحة 477
فهرس الأعلام
ـ أ ـ
الإبراهيمي، محمد البشير: ... 10، 72، 106، 107، 114، 116، 129، 135، 138، 145، 153، 154، 155، 156، 167، 171، 172، 174، 175، 176، 207، 209، 211، 212، 228، 229، 230، 233، 234، 238، 249، 253، 258، 274، 279، 280، 283، 291، 294، 312، 316، 327، 329، 332، 334، 335، 337، 349، 353، 358، 362، 366، 367، 368، 370، 372، 373، 388، 389، 390، 392، 399، 400، 401، 402، 403، 404، 405، 411، 414، 417، 418، 421، 429، 431، 432، 436، 437، 440، 441، 450.
الأبشيهي: ... 64.
الأخفش: ... 21.
الأخطل: ... 54، 55، 56.
الأصفهاني، أبو الفرج: ... 59، 61.
الأعشى: ... 41، 42.
الأفغاني، جمال الدين: ... 408.
الأمين: ... 10، 72، 152، 214، 263، 282، 420.
الأنماري، سلمة بن الخرشب: ... 41.
الأيُّوبي، صلاح الدين: ... 126، 416.
أبان اللاحقي: ... 59، 63.
إبراهيم، حافظ: ... 72، 73.
إبراهيم، زكرياء: ... 71.
إبراهيم الطبيب: ... 73.
إبراهيم - عليه السلام -: ... 399، 400.
ابن أبي الصلت: ... 419، 420.
ابن الأدهم القسنطيني: ... 360.
ابن باديس، عبد الحميد: ... 126، 178، 420.
ابن بسَّام العبرتاني البغدادي: ... 59. (1/477)
صفحة 478
ابن الجوزي: ... 64.
ابن الجزري، أبو السعادات: ... 115، 403.
ابن حبيب: ... 303.
ابن دنيال: ... 67، 305.
ابن الرومي: ... 59، 61، 62، 303، 401، 439، 440.
ابن رزيق الكوفي: ... 59.
ابن زيدون: ... 64، 401، 411، 412، 413، 414.
ابن سعادة: ... 115، 403.
ابن سكرة: ... 61.
ابن سماية: ... 313.
ابن الشجري، علي بن محمد: ... 115، 403.
ابن شهيد، أبو عامر بن سعيد: ... 78، 401، 407، 408، 409، 410.
ابن الصائغ: ... 67، 68.
ابن عاشور، محمد الطاهر: ... 107، 108.
ابن عرفة: ... 303.
ابن عبد ربِّه: ... 64، 66.
ابن عبدوس: ... 411، 412، 413.
ابن العميد: ... 59.
ابن عليوة، أحمد بن مصطفى (العليوي): ... 163، 164، 179، 180، 331، 334، 360، 361، 362، 420، 421، 433.
ابن قتيبة: ... 64.
ابن القيِّم: ... 107.
ابن الموهوب، محمد المولود: ... 80.
ابن المقفع: ... 59، 60، 376.
ابن هذيل، يحي: ... 66.
أبو حكيمة: ... 59.
أبو الحسين، يحي الجزَّار: ... 67، 69.
أبو الحسن، علي بن صالح: ... 435. (1/478)
صفحة 479
أبو حنيفة: ... 419.
أبو سفيان بن حرب: ... 50.
أبو دلامة: ... 37، 59، 398، 399.
أبو الشمقمق: ... 63.
أبو علي البصير: ... 59.
أبو العلاء المعرِّي: ... 59، 61، 78، 177، 401، 407، 410.
أبو العيناء: ... 59.
أبو عيسى، فتحي محمد معوَّض: ... 40.
أبو فراس (مفدي زكرياء): ... 221.
أبو ملحم، علي: ... 272.
أبو غلالة المخزومي: ... 59.
أبو نجم العجلي: ... 57.
أبو نوَّاس: ... 58، 59.
أبو هلال العسكري: ... 257، 345.
أبو اليقظان، إبراهيم: ... 87، 95، 98، 197، 198، 199، 220، 221، 223، 226، 227، 265، 276، 280، 285، 309، 315، 330، 366، 378، 396، 408، 409، 410، 424، 435، 438.
أتاتورك، كمال: ... 125.
أحمد بن عبد الوهاب: ... 66، 401، 402، 404، 405.
أدلر، الفريد: ... 86.
أرسطو: ... 29.
إرم: ... 373، 374.
أسامة: ... 24.
إسماعيل، مامي: ... 105، 106، 238، 255، 351.
إسحاق - عليه السلام -: ... 416.
أشعب ين جبير: ... 52، 55، 56، 57.
امرؤ القيس: ... 41، 144.
أمين، عمر عبد العزيز: ... 72. (1/479)
صفحة 480
أمين، قاسم: ... 204.
أميمة بن الحلاج: ... 41.
أناتول، فرانس: ... 35.
إياس بن معاوية: ... 187.
إياس (الشيخ بيُّوض): ... 186، 306، 352، 398.
ـ ب ـ
باش تارزي، محي الدين: ... 111، 112، 113، 353.
باعزيز بن عمر: ... 286، 325.
باهي، محمد: ... 395.
بيرك، أغستان: ... 258.
البخاري: ... 115، 403.
برادلي: ... 127.
البرمكي، يحي: ... 407.
برناردشو: ... 310.
بريمو (الأب): ... 219.
بشَّار بن برد: ... 58، 59، 303.
بشر بن هارون: ... 61.
البشري، عبد العزيز: ... 34، 64، 71، 72، 73، 290.
بطيش، سيمون: ... 26، 116، 182.
بكوشة، حمزة: ... 10، 303، 304.
بلزاك، هونوره ده: ... 387.
بلقراد، محمد: ... 25، 44، 48، 59.
بودلير: ... 431.
بوراس: ... 396.
بوزوزو، محمود: ... 240، 244، 288، 289، 326، 431.
البوصيري: ... 67. (1/480)
صفحة 481
البهاء زهير: ... 62.
بوفون: ... 271.
بولحبال، حسن: ... 158، 183، 184، 428.
بيتان، فليب: ... 156.
بيجو (الجنرال): ... 219.
بيضاوي (مبارك الميلي): ... 152.
بيوض، إبراهيم: ... 186، 396، 435.
ـ ت ـ
تأبط شرًّا (محمد السعيد الزاهري): ... 152، 180، 181.
تاورتة، محمد العيد: ... 171.
ترومان: ... 127.
التلمساني، الشاب الظريف: ... 419.
التوحيدي، أبو حيَّان: ... 64.
التونسي، محمود بيرم: ... 72، 305، 318.
التيجاني، الهاشمي: ... 167، 168، 194.
تيمور، محمود: ... 387.
ـ ج ـ
الجاحظ، أبو عثمان عمرو: ... أ59، 60، 61، 64، 70، 3، 201، 299، 410، 402، 404، 405، 406، 441.
جاكوب، ماكس: ... 271.
جبريل - عليه السلام -: ... 251.
جحا: ... 71، 225.
جحطة البرمكي: ... 59، 63.
جرير: ... 53، 54، 56، 332، 374، 401، 418.
الجزائري، الأمير عبد القادر: ... 128.
الجزيري، حسين: ... 72. (1/481)
صفحة 482
الجلاَّلي، محمد العابد: ... 443.
جمعة، محمد كامل عطية: ... 208.
الجنان، عبد الحفيظ: ... 443.
جيدة، عبد الحميد: ... 30.
ـ ح ـ
الحارث بن همام: ... 199.
حاوي، إيليا: ... 350.
حسان بن ثابت: ... 45، 47، 50، 377.
حسين، طه: ... 57، 73، 304.
الحصري: ... 64.
الحطيئة: ... 47، 48، 49، 50، 401، 418.
حكَّار، السعدي: ... 121، 276.
الحلوي، قدُّور بن محي الدين: ... 158، 159، 248، 341.
حمَّاد، عجرد: ... 59.
الحمدوني، إسماعيل بن إبراهيم: ... 59، 62.
الحمامي: ... 67.
حوحو، احمد رضا: ... 10، 15، 72، 103، 104، 105، 109، 111، 131، 194، 205،أ 206، 212، 213، 248، 300، 317، 333، 366، 387، 392، 394، 401، 426، 438، 444.
حوحو، محمد العزُّوزي: ... 420.
حمُّود، رمضان: ... 99، 102، 204، 338، 348.
الحوفي، أحمد بن محمد: ... 33، 71.
حمزة بن بيض: ... 57.
ـ خ ـ
خباشة، صالح: ... 340، 343، 346، 418.
الخراساني، أبو مسلم: ... 37، 420.
الخرفي، صالح: ... 178. (1/482)
صفحة 483
الخوارزمي: ... 59.
ـ د ـ
داروين: ... 126.
دعبل الخزاعي: ... 59.
دي لوفر: ... 272.
ـ ر ـ
راسم، عمر: ... 75.
الرافعي، مصطفى صادق: ... 72.
الرشَّاش، سعيد بن فرج: ... 66.
الرصافي، معروف: ... 302، 303.
ركيبي، عبد الله: ... 10، 86، 183.
رمضان، محمد الصالح: ... 10، 406، 407.
روبير، لاكوست: ... 340، 418.
روسو، جان جاك: ... 219.
ريَّاشي، اسكندر: ... 72.
ـ ز ـ
الزاهري، محمد السعيد: ... 10، 72، 157، 160، 161، 165، 178، 179، 180، 181، 182، 204، 248، 278، 280، 291، 331، 339، 340، 341، 353، 354، 357، 366، 371، 372، 396، 397، 401، 411، 412، 433، 434، 436، 439.
زبانة، أحمد: ... 342.
زبراء: ... 416.
الزبرقان بن بدر: ... 47، 418.
الزريبي، المولود بن عمر: ... 82.
زياد بن أبيه: ... 312. (1/483)
صفحة 484
ـ س ـ
سالم بن عبد الله بن عمر: ... 55.
السرَّاج الورَّاق: ... 67.
سعد الله، أبو القاسم: ... 10، 150، 426.
سعدان (الطبيب): ... 214.
سقراط: ... 29.
سكيرج، أحمد: ... 180، 181، 182، 357، 396.
سلام، محمد مصطفى: ... 23، 27.
سلمة بن سلامة بن وقش: ... 50.
سليمان - عليه السلام -: ... 215.
سمهري (الأمين العمودي): ... 165، 334، 361.
سهل بن هارون: ... 59.
سوستيل، جاك: ... 242.
سويف، مصطفى: ... 202.
سيبويه: ... 407.
ـ ش ـ
الشدياق: ... 72.
الشرباصي، أحمد: ... 71.
الشكعة، مصطفى: ... 410.
شليغل، فريدريك: ... 36.
شوبنهاور، آرثور: ... 271.
شوقي، أحمد: ... 72، 376.
شيبان، عبد الرحمن: ... 302، 303.
ـ ص ـ
صالح بن طريف: ... 419.
صنوع، يعقوب: ... 71، 72. (1/484)
صفحة 485
ـ ض ـ
ضيف، شوقي: ... 24، 52، 71، 153.
ـ ط ـ
طاهر بن الحسين: ... 420.
طرفة بن العبد: ... 42.
طفيش، الحاج امحمد: ... 408.
الطناحي، الطاهر: ... 376.
طه، نعمان محمد أمين: ... 21، 44، 46، 51.
طوقان، إبراهيم: ... 72.
طويس: ... 57.
ـ ع ـ
عاصي، ميشال: ... 386.
العاصمي، محمد: ... 122، 260، 261، 262، 264، 275، 388، 399، 400، 418، 419.
عامر بن طفيل: ... 41.
العاملي: ... 64.
العبد، إمام: ... 72.
عبده، محمد: ... 408.
عبد الله بن فرح: ... 66.
عبُّود، مارون: ... 72.
عبيد بن الأبرص: ... 41.
العقاد، عباس محمود: ... 33، 37، 71، 72، 89، 278، 325.
العقبي، الطيِّب: ... 95.
علاء الدين بن دقيق العيد: ... 68.
العمودي، محمد الأمين: ... 10، 72، 152، 214، 282.
عقبة بن أبي معيط: ... 419، 423.
العلاق، حسين: ... 58. (1/485)
صفحة 486
علقمة بن علاثة: ... 41، 42.
عمر بن الخطاب: ... 51.
العنبري، قريط بن أنيف: ... 41.
عطية الله، أحمد: ... 71.
عيسى - عليه السلام -: ... 143، 144، 227، 228.
ـ غ ـ
الغاضري: ... 52، 57.
غرافة، إبراهيم: ... 438، 439.
الغزَّال، يحي بن حكم: ... 65.
ـ ف ـ
الفرزدق: ... 54، 55، 56، 332، 374، 418.
فرشوخ، محمد أمين: ... 71.
فرعون: ... 181، 182، 239، 317، 357، 371، 372، 423.
فرُّوجي، رابح: ... 10.
فلوبير، غوستاف: ... 271.
فولتير: ... 219.
ـ ق ـ
قدامة بن جعفر: ... 365.
قطب، سيِّد: ... 346، 347.
قيرو: ... 272.
ـ ك ـ
الكبيسي، عناد إسماعيل: ... 71.
الكتاني، عبد الحيِّ: ... 114، 116، 118، 329، 401، 403، 404، 405.
كليمانصو: ... 236.
كيبلنج: ... 242. (1/486)
صفحة 487
ـ ل ـ
لافونتين: ... 376.
لافيجري (الكردينال): ... 219.
لقمان، حمُّو: ... 311، 407، 408، 409، 410.
لوسياني: ... 258.
لينين: ... 141، 283.
ـ م ـ
ماركس، كارل: ... 141، 283.
المازني، عبد القادر: ... 72، 299، 387.
مروان بن أبان بن عثمان: ... 56.
المتنبي، أبو الطيِّب: ... 59، 282، 303، 401.
مرتاض، عبد المالك: ... 10، 116، 437.
مسيلمة الكذّاب: ... 418، 419.
مفدي، زكريَّاء: ... 111، 112، 280، 297، 299، 342، 343، 349، 353، 373،401، 413، 417، 438.
محمد العيد آل خليفة: ... 335، 374، 418.
المدني، أحمد توفيق: ... 202، 306، 371.
الملائكة، صادق: ... 39.
الملائكة، نازك: ... 428.
موسى - عليه السلام -: ... 72، 140، 141، 142، 143، 144، 181، 182، 317، 353، أ354، 357، 371، 373، 423.
مونتسكيو: ... 219.
مندور، محمد: ... 345، 346.
منور، أحمد: ... 10.
ميرانت: ... 258.
ميو: ... 258.
المويلحي، محمد: ... 72. (1/487)
صفحة 488
ـ ن ـ
نابليون: ... 126.
ناصر بوحجام، محمد: ... 03، 16.
ناصر، محمد: ... أ10، 16، 76، 77، 84، 88، 181، 299، 315، 365، 434، 438، 441.
النجار، محمود: ... 72.
النظام: ... 420.
نعيمان: ... 51.
النعيمي، نعيم: ... 10، 300.
النميري، الراعي: ... 41.
نوح - عليه السلام -: ... 94، 354، 355، 410.
النويري، شهاب الدين بن عبد الوهَّاب: ... 64.
النويهي، محمد: ... 31.
نيرون: ... 237.
نيجلان: ... 245، 246، 266.
ـ هـ ـ
هارون - عليه السلام -: ... 182.
هالي، الحفناوي: ... 121، 243، 244، 293، 359، 444.
الهاشمي، عبد الحفيظ: ... 377.
هلال، محمد غنيمي: ... 385.
الهمذاني، بديع الزمان: ... 59، 64.
هند بنت عتبة: ... 50.
هنِّي، عبد القادر: ... 16.
هود - عليه السلام -: ... 416.
الهوَّال، حامد عبده: ... 22، 30، 32، 38.
هوشيمنه: ... 340، 342. (1/488)
صفحة 489
الهيثم بن عدي: ... 56.
ـ و ـ
وايلد، أوسكار: ... 311.
الوليد بن المغيرة: ... 244، 359.
وهب: ... 59.
ـ ي ـ
ياجوج وماجوج: ... 298، 299، 413.
يخامر بن عثمان: ... 65.
اليشبغاوي، أبو الحسن بن سودون: ... 67.
يوسف بن هارون: ... 66.
يوسف الشربيني: ... 67، 68، 69.
يونس - عليه السلام -: ... 357. (1/489)
صفحة 490
[صفحة بيضاء] (1/490)
صفحة 491
فهرس المحتويات (1/491)
صفحة 492
[صفحة بيضاء] (1/492)
صفحة 493
فهرس المحتويات
مقدمة 09
تمهيد 19
أ - السخرية بين المدلولين اللغوي والفني 19
ب - وظيفة السخرية في الأدب 32
ج - السخرية في الأدب العربي 38
د - السخرية في الأدب الجزائري قبل سنة 1925 74
هـ عوامل انتشار السخرية في الأدب الجزائري 83
الفصل الأول: قضايا إسلامية 93
أ - الجمود الفكري 93
ب - الأشخاص المنحرفون 103
تمهيد 103
1 - انحراف رجال الدين الحكوميين 105
2 - انحراف في السلوك 111
3 - انحراف عن المبادئ والمحتمع 114
ج - أدواء المسلمين 123
د - قضية فلسطين 132
الفصل الثاني: قضايا اجتماعية 149
أ - الطرقية 149
تمهيد 150
1 - حقيقة الطرقية 152
2 - فضح مخازي الطرقية 161
3 - السخرية من سذاجة عقول أتباع الطرقية 172
4 - وصف الصراع بين الطرقيين والمصلحين 179
5 - الصراع عن طريق انتزاع اعترافات 185
ب - نقد الأوضاع الاجتماعية 192
ج - المرأة 202 (1/493)
صفحة 494
الفصل الثالث: قضايا سياسية 219
أ - حقيقة الوطنية 220
ب- فضح سياسة الاستعمار في الجزائر 223
ج - النيابة والمجلس الجزائري 247
د - أذناب الاستعمار 255
الفصل الرابع: أساليب السخرية ودلالاتها التعبيرية 271
أ - أساليب بلاغية 274
ب - أسلوب التعريض 279
ج - أسلوب التصوير الهزلي (الكاريكاتوري) 289
د - أسلوب التنكيت والتندر 305
هـ أسلوب التبكيت 310
و - أسلوب المفارقة 314
الفصل الخامس: الخصائص الفنية 323
أ - اللغة 323
ب- الصورة الفنية 346
ج - الرمز 364
الفصل السادس: الخصائص العامة للسخرية 385
أ - الواقعية المصبوغة بالرومانسية 385
ب- التأثر بالتراث 395
ج- الحوار 424
د- التكرار 428
ه- السخرية البذيئة أو الإسفاف في الكتابة 432
و- التفكه 438
خاتمة 449
المصادر والمراجع 457
فهرس الآيات القرآنية 471
فهرس الأعلام 477
فهرس المحتويات 493 (1/494)