صفحة 1
الكتاب: الشعر والهوية القومية
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الشّعر والهُويّة القوميّة
طبعة ثانية مزيدة ومنقّحة
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة الطّبعة الثّانية
قدّمت إليّ دعوة من السّفارة العراقيّة بالجزائر للمشاركة في مهرجان مربد الشّعري الثّاني عشر، الذي انعقد في بغداد في خريف 1996م. لبّيتُ الدّعوة. وقد كان من بين محاور الملتقى – إلى جانب الإلقاءات الشّعريّة – " الشّعر والهويّة القوميّة ". اخترت أن أقدّم التّجربة الشّعرية الجزائريّة في تناول الهويّة نموذجًا؛ لما تتميّز به من خصوصيّة وخصوبة، رأيت أن تكون نموذجًا لكيفيّة التّعامل مع الهويّة، المنطلق من قواعد وضوابط ومبادئ ثابتة راسخة، ووَفق خطّة، كانت تتوخّى الواقعيّة في التّناول، وترتبط بالأهداف في المعالجة.
طبعت هذه الدّراسة مشكورة " جمعيّة الجاحظيّة "، سنة 1999م. نظرًا للأخطاء الكثيرة التي زخرت بها الطّبعة الأولى، التي شوّهت - أحيانًا- الكتاب، ارتأينا إعادة طبع الدّراسة، مع إضافة دراسة عن " الهويّة في شعر مفدي زكريّاء"، الشّاعر الذي جسّد الهويّة في شعره أحسن تجسيد، وبيّن كيف تكون العلاقة بين الفنّان والهويّة، وكيف يعالجها المعالجة الحقيقيّة، وبذلك نقدّم نموذجًا صادقًا وناطقًا لحقيقة الهويّة.
نسأل اللهَ التّوفيق والسّداد والفوز، إنّه سميع مجيب.
الجزائر يوم الجمعة: 27 من جمادى الثّانيّة 1436هـ
17 من أفريل 2015م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/2)
صفحة 3
المقدّمة الأولى
تعرّضت الهويّة القوميّة – في تاريخ العرب الحديث – لتفسيرات ومساومات وتقديرات متباينة، متناقضة أحيانا ... ترجع أسباب ذلك إلى الرّصيد الثّقافي، أو النّشأة الثّقافيّة التي ميّزت الأجيال المتأخّرة بخاصّة، التي كانت غير مؤسَّسة في بناء شخصيّاتها على ثوابث راسخة متميّزة، متجذّرة في أعماق الأصالة. وترجع هذه المساومات – أيضا – إلى الظّروف السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة التي مرّ بها كلّ شعب أو قطر من الأقطار العربيّة. وقد يكون سبب ذلك مصالح خاصّة طبعت مسيرة فئة خاصّة، تريد السّير في ركاب نظام معيّن (غربي أو شرقي)، وقد يكون السّبب تعصّبا أعمى أو تحيّزا سافرا ضدّ مقوّمات معيّنة ... أو الرّغبة في التّشبّع بثقافة ما، على حساب الثّقافة الأصليّة، وقد يكون السّبب السّذاجة في تقبّل مشروعات الآخر، أو عدم التفطّن إلى دسائسه ...
حدث هذا - بخاصّة - في مرحلة ما بين الحربين العالميّتين. هذه الفترة بالنّسبة للعرب – سياسيّا واجتماعيّا وقوميّا – كانت مرحلة حاسمة، مثقلة بالأحداث الخطيرة، حافلة بالثّورات، مليئة بالمؤامرات على المقوّمات والثّوابث الأساسيّة للأمّة العربيّة الإسلاميّة.
لقد تعرّضت القوميّة العربيّة الإسلاميّة لهزّات عنيفة، مؤلمة؛ لهذا فُرض - وما يزال يفرض - على العرب أن يخوضوا معركة المصير والكرامة والحرّية والأصالة، إذ أنّ هذه الأوضاع المؤسفة ما تزال قائمة إلى اليوم – وإنْ بأشكال مختلفة – سبَّب أو عقَّد منها - إلى جانب الأعداء - أبناء هذه القوميّة أنفسهم.
كلّ هذه العوامل أفرزت هويّة غائمة، غير واضحة المعالم عند بعض النّاس: وقد أثيرت في العهد الحديث أشكال من القوميّة: القوميّة الإسلاميّة، العربيّة، الشرقيّة، المصريّة، الفرعونيّة، الفينيقيّة، الأمازيغيّة ... وقد استجابت هذه النّزَعات لنَزَغَات الغرب لإحياء الحضارات القديمة؛ بهدف ضرب الوَحدة العربيّة والوَحدة الإسلاميّة: «وأعانت الدّول المحتلّة –كلٌّ في منطقة نفوذها – على دَعْمِ قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس النّاس بأسلوب علمي منظّم، وذلك بمساعدتها على إحياء التّاريخ القديم لكلّ قطر من هذه الأقطار.
ونشط الحفر للبحث عن آثار الحضارات القديمة السّابقة على الإسلام في كلّ من العراق وسوريّة ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر لتوهين عرى الجامعة العربيّة، ولتشتيت القلوب، التي ألّف بينها الإسلام، وجمعها على لغة واحدة، فاستيقظت العصبيّات الجاهليّة وراح كلّ بلد يفاخر البلاد الأخرى لمجده العريق، وشغلت الصّحف بالكلام عن الكشوف الأثريّة الجديدة، وما (1/3)
صفحة 4
تدلّ عليه من حضارات البابليّين والآشوريّين والكلدانيّين والحيثيّين والفينيقيّين والفراعنة ... وللأوربيّين في ذلك أسلوب خبيث ماكر ... » (1) ودخل الكلّ في صراع وعراك ضدّ الكلّ، الخاسر فيه كان الهويّة القويّة والوَحدة العربيّة والإسلاميّة.
إنّ ما يستغرب منه أن تثار قضيّة الهويّة، وأن يختلف فيها أبناء الملّة الواحدة والثّقافة الواحدة في هذا الوقت الذي يتكالب فيه الأعداء، ويسعون إلى إزالة هذه الأمّة العربيّة من الوجود، ويدعو فيه المغرضون والسّذّج منّا إلى عالميّة الثّقافة والدّخول في كنف النّظام العالمي الجديد، تمحى فيه الفوارق الثّقافيّة، وتكون فيه السّيادة والسّيطرة للقويّ جاها وسلطانا وديكتاتوريّة وطغيانا ...
أمام هذه التّطّورات كان لا بدّ من البحث عن الأسباب الفاعلة، وإيجاد السّبل القويمة لمعالجة مشكلة الهويّة والقوميّة، ومعرفة دور الشّعر في تحليلها، والعمل على استدراك ما فات، يقول الدّكتور عبد الله ركيبي: «إنّ ما نعيشه الآن يفرض علينا أن نبحث عن جذور الفكر الأصيل في تراثنا العربي، ونبحث عن الأصالة الرّاسخة فيه، حتّى نعرف أنفسنا، ونؤكّد الصّلة التي تعمّق من فكرة الوَحدة، التي يعبّر عنها شعراؤنا في المغرب أو في المشرق وانعكست في قصائدهم وأشعارهم» (2).
حاولنا في هذه المحاضرة المشاركة في هذا الموضوع وتحليل القضيّة، بالاعتماد على دور الشّعر في تثبيث الهويّة وذلك باتّخاذ تجربة الشّعر الجزائري نموذجا لذلك.
اختيارنا لهذا الشّعر نموذجا أملته عوامل كثيرة، منها: جهل كبير من إخواننا المشارقة – بخاصّة – بهذا الشّعر وما قيل منه قبل استقلال الجزائر على الخصوص. بل صدرت حوله أحكام صبغته بصبغة، أبعدت عنه سمات العروبة والأصالة الإسلاميّة، بسبب تمكّن الاستعمار الفرنسي من المكوث في الجزائر مدّة قرن ونصف تقريبا، وضربه اللّغة العربيّة في العمق. وقد تخيّل لكثير من إخواننا في المشرق العربي أنّ ما أنتجته القريحة الجزائريّة أدبا هو ما كتب باللّغة الفرنسيّة فقط، وهو الذي يمثّل الأدب الجزائري الحقيقي، ولهذا تكرّم بعض إخواننا المشارقة بترجمة بعض النّماذج المكتوبة باللّغة الفرنسيّة إلى اللّغة العربيّة؛ حرصا منهم على التّعريف بالمأساة الجزائريّة.
__________
(1) - د. محمد محمد حسين، الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، الجزء الثّاني. ط 2.مؤسّسة الرّسالة، بيروت، سنة 1407هـ/ 1986م. ص: 137، 138.
(2) - د. عبد الله ركيبي، قضايا عربيّة في الشّعر الجزائري المعاصر. ط 3. الدّار العربية للكتاب ليبيا، تونس. سنة 1397هـ/1977م. ص: 7. (1/4)
صفحة 5
هذا العمل وإن كان منطلقه نيّة حسنة، إلاّ أنّه يمسّ الجزائر في العمق، إذ يتّهمها في أصالتها؛ بفقدها أحد مقوّمات شخصيّتها، المتمثّل في اللّغة العربيّة، وما ينجرّ عن ذلك من انعكاسات سلبيّة على فكرها. هذا الظّنّ أدّى بالدّكتور طه حسين إلى أن يصرّح في إحدى جلسات مجمّع اللّغة العربيّة في أواخر الخمسينيّات: «إنّ الاستعمار الفرنسي نال من الكتّاب الجزائريّين إلى درجة أنّهم فقدوا قوميّتهم العربيّة» (1)
يقول د. صالح الخرفي: «العزلة التي فرضها الاستعمار على الجزائر، والقطيعة التي استهدفت بها روابط العروبة والإسلام، والحرمان الذي استنزف كلّ عرق نابض والعقيدة والقوميّة، هذه العزلة هي التي هيّأت في الشّرق مناخا خصبا للظّنون الخاطئة، وتلك القطيعة هي التي خلّفت فراغا ذهنيًّا متهيِّئا لتقبّل كلّ شيء، ولو كان على حساب أصالة القطر وعروبته وإسلامه، فنتج عن ذلك سوء فهم للحقائق وسوء ظنّ بالمظاهر العابرة التي تخفيها، وجرّ ذلك إلى سطحيّة في التّعارف وحساسيّة في الاحتكاك، وضيق صدر في تفسير الأمور، واحتكام إلى النّظرة المرتجلة، تنزع في أحكامها إلى المعرفة الحديثة العهد، القريبة المأخذ، عارية من الحقيقة الرّاسخة الجذور، المتّئدة النّفس، نظرة أشبه بالنّبتة الطّفيليّة التي لا تمتدّ عروقها أعمق من قشرة الأرض ... » (2)
كما أن ما تعيشه الجزائر اليوم من رواسب فكريّة، وما تعجّ فيها من تيّارات، أثارها أو تبنّاها من فقدوا الوطنيّة وابتعدوا عن الأصالة، فحملوا الرّاية ضدّ ما هو أصيل ... رسّخ في أذهان إخواننا المشارقة بخاصّة: أنّ صورة الجزائر هي كما يقدّمها هؤلاء، وأنّ الجزائريّين الحقيقيّين هم هؤلاء، بأفكارهم وميولهم ومعتقداتهم.
من العوامل التي دعتنا إلى تناول الشّعر الجزائري نموذجا للشّعر القومي أنّنا وجدنا فيه نفحات ولفحات، ولفتات وومضات، تعبّر عن العناصر المشتركة المكوّنة للهويّة القوميّة؛ كالدّين واللّغة والتّاريخ والآمال والآلام، وفيه كان الحديث كثيرا عن العروبة والقضايا العربيّة والإسلاميّة ... وبخاصّة وأنّ الجزائر مرّت بتجربة قاسيّة فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي؛ نتيجة الهجوم الذي تعرّضت له في هويّتها وقوميّتها، وبالنّظر إلى المقاومة التي أبدتها في صدّ هذه المؤامرات والدّسائس. وقد كان للشّعر دور كبير في هذه المعارك والمصادمات من أجل تثبيث الهويّة القوميّة، هذه التّجربة تصلح أن تكون مثالا يحتذى في هذا المجال في الوقت الرّاهن ...
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1. دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان. سنة 1985م. ص: 220. وللمؤلف نفسه، ينظر الشّعر الجزائري، (ش، و، ن، ت)، الجزائر، (د. ت) ص: 259.ومجلّة الفكر، عدد: جانفي 1958.
(2) - الدّكتور صالح خرفي، صفحات من الجزائر، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1973، ص: 303. (1/5)
صفحة 6
لكلّ ذلك اتخذنا الشّعر الجزائري نموذجا لحديثنا عن دور الشّعر في الهويّة القوميّة. ما ركّزنا عليه يعدّ ماضيا وخبرة يستفاد منها في خوض معركة الهويّة والقوميّة في الوقت الرّاهن.
باتنة يوم الجمعة: 04 من رجب الأصمّ 1417هـ
15 من نوفمبر ... 1996م (1/6)
صفحة 7
مفهوم الشّعر ودوره عند الشّعراء الجزائريّين
نعرض في البدء السّؤال الآتي: كيف كانت نظرة الشّعراء للشّعر مفهوما ووظيفة؟
قام الشّعر بدور كبير في الدّعوة إلى الهويّة القوميّة العربيّة الإسلاميّة، وتوضيح حقيقتها وتحديد عناصرها، ورعايتها والمحافظة عليها وحمايتها ... وبيان تميّزها عن غيرها من الهويّات الأخرى، التي تحاول التّيّارات المتصارعة والدّعوات المغرضة طمسها.
سجّل التّاريخ هذا الدّور الكبير، مثلما كان الحال في معركة الدّعوة الإسلاميّة والحركات الشّعوبيّة عبر التّاريخ، ومثلما حدث في تاريخ العرب الحديث، الذي كانت تتوزّعه الجامعة الدّينيّة والجامعة الوطنيّة. (1)
حاول الشّعر – بذلك - المحافظة على القوميّة، وهو عمل أو وظيفة منوطة به، إذا عددنا الشّاعر رائدا يتحمّل مسؤوليّة كبيرة في حياة الأمّة في جوانبها المختلفة. إذ عليه أن يقاوم الاستبداد والتخلّف والانهزاميّة وضعف الشّخصيّة ... عليه أن يقوم بكل واجباته نحو قومه ووطنه، إن تقاعس عن هذه الوظيفة، عُدَّ شعره - إن سقط منه هذا المجال - «خيانة كبرى وخنجرا مسمّما في قلب المجتمع» كما يقول الشّاعر الجزائري رمضان حمود (2)
«بل إنّ دور الشّاعر الرّيادي لا يقف في حدود النّظر إلى الواقع، والتّفاعل مع الحاضر فحسب، إنّما دوره أن ينظر إلى مستقبل بلده ومستقبل شعبه، وأن يهيّء التّربة الصّالحة للخلف» (3) وقديما قالوا إنّ الشّعراء هم أنبياء، إذ هم ساسة الأفكار وقادة الشّعوب، وقد قال شاعر الثّورة الجزائريّة مفدي زكريّاء (1908 - 1977):
رسالة الشّعر في الدّنيا مقدّسة ... لولا النُّبوّة كان الشّعر قرآنا (4)
في أداء هذه الوظيفة تجمع القوميّة أطرافها، لتوحّد في الأمَّة المنزع والمصير والميول، يقول الشّاعر أبو اليقظان (1888 - 1973): «اعلم أنّ آداب كلّ أمّة مرآتها، ومرآة الأدب الشّعر،
__________
(1) - ينظر الاتجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، ج 1.
(2) - الدّكتور محمد ناصر، الشّعر الجزائري الحديث، اتّجاهاته، وخصائصه الفنّية. (1925 - 1975) ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، سنة 1985م. ص: 130.
(3) - المرجع نفسه.
(4) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط 2.منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة. الجزائر، سنة 1973، ص: 290. (1/7)
صفحة 8
فالشّعر هو مظهر تظهر فيه مشاعر الأمّة، وتتجلّى فيه أحوالها، وتتراءى للرّائي نفسيّتها، ويعرف به درجة مزاجها العقلي» (1)
أمّا محمّد السّعيد الزّاهري (1899 - 1956) فيعطي مدلولا أوسع للشّعر ووظيفة أكبر وأسمى، بإبرازه المعنى العميق للشّعر المنبثق من الشّعور، فهو يرى أنّ الشّعر ونظمه يجب أن لا ينحصر في فئة معيّنة، بل ينبغي أن يتعاطى قرضة كلّ أفراد الشّعب الجزائري، ماداموا يعيشون مآسي، وما داموا في الوقت نفسه يملكون مشاعر وعواطف: «إنّ الشّعر هو الشّعور، وأبناء الجزائر يشعرون جميعا بهذه الآلام، فما بالهم لا يكونون شعراء أجمعين؟ أشعر بمجد الجزائر القديم، وأشعر بعد ذلك بما صارت إليه هذه الأمّة من البؤس الأليم، فينفطر قلبي انفطارا ويغلي صدري هموما وأحزانا» (2)
هذه اللّفتة تعدّ لبنة مهمّة، أو نظرة واعية هادفة في طريق بناء صرح القوميّة، لأنّها ترمي إلى تَحسيس كلّ مواطن وكلّ فرد بأنّه مسؤول عن كلّ ما يتعلّق بوطنه وقومه، مهما يكن مستوى هذا الشّخص أو وظيفته أو مركزه الاجتماعي ...
كما تدعو هذه النّظرة إلى تجنيد القوى لتشييد الوطن، وتهدف إلى توحيد العواطف وتكاثف الجهود، للوقوف أمام كلّ ما يعوق تطوّر البلاد ومسيرته، هذه الرّؤية ترغب أن تمتزج المشاعر فيما بينها ليقبل الجميع متّحدين على النّهوض بالجزائر ... وبذلك يكون الشّعر أداة قوميّة للدّفاع والهجوم في آن واحد، ثمّ بثّ الوعي والحماسة في القوم، وفي هذا يقول الشّاعر رمضان حمود (1906 - 1929):
وشعري كالحسام يصون عرضا ... بلا حرب عوان أو نصال
يصادم من يَعيث بِمجد قومي ... ويطعن ذا الضَّلال بلا نزال
أسيّره كما
__________
(1) - أبو اليقظان، الدّيوان، ج 1، ط 2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، رغاية، الجزائر. نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية. سنة 1989. ص: 53.
(2) - ينظر كتاب في رحاب المغرب العربي، ص: 221. (1/8)
صفحة 9
حكمت ظروفه ... ولكن كلّه نحو المعالي (1)
وقال أيضا:
أرى همّتي شرّا عليّ ولعنة ... إذا هي لم ترفع من المجد منزلا
فتلك خصال صيّرتني مطالبا ... بحقّ بلاد، بات حقّا معطّلا
أشدّ عليها بالنّواجذ جازما ... بأنّ حياتي بعدهنّ من البلى
فلا أنثني والله – والقبر فاغر - ... إذا دام شعبي في الهوان مكبّلا (2)
أما مفدي زكريّاء الذي يَعُدّ رسالة الشّعر في الدّنيا مقدّسة، فيعرض الأدوار التي قام ويقوم بها الشّعر، فقال من جملة ما قال:
وكم رفعنا بِها أعلام نهضتنا ... فخلّد الشّعر في الدّنيا مزايانا
وشيجة الشّعر في دنيا عروبتنا ... أقوى من القدر الجبّار سلطانا
والشّعر طهّر في الدّنيا سرائرنا ... والشّعر يسّر للخيرات أشقانا (3)
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، رمضان حمود: حياته وآثاره. ط 2، (م، و، ك)،الجزائر، سنة 1405هـ/1985م. ص: 194، 195.
(2) - المرجع السابق. ص: 194.
(3) - اللّهب المقدّس، ص:293،290. (1/9)
صفحة 10
بيّن الشاعر الدّور الكيبر الذي يقوم به الشّعر، إنّه دور وطني قومي، يهتمّ بتسجيل المآثر والمكرمات وتخليد المزايا، ويعمل على إيجاد أسباب الوَحدة والتّضامن والتّآزر. وبه تمكّن العرب أن يجتمعوا في دمشق (الفيحاء) في مهرجان الشّعر (يوم 23 ديسمبر 1961) الذي ألقى فيه مفدي زكريّاء قصيدته باسم الجزائر الجريحة؛ معبّرا عن تمسّك الجزائريّين بعروبتهم، وبالوشائج التي تربطهم بإخوانهم العرب في كلّ مكان، هذا هو المفهوم القومي أو الدّلالة القوميّة للشّعر.
لهذه الوظيفة الاجتماعيّة والرّسالة السّامية للشّعر قال محمد العيد آل خليفة (1904 - 1979) بعد أن ذكّر بأثر الشّعر في الشّعب:
لقد بذر الشّعر فيه الفدى ... وحسبك بالشّعر من باذر
وقفت على الشّعب جهدي به ... وكرّست عمري إلى الآخر (1)
أيّها الشّعب أنت موضع شعري ... وشعوري، لا زينب والرّباب (2)
الشّعر أيضا يمكّن من إثارة الحماسة في النّفوس، وبعث الشّعور الوطني في القلوب؛ للنّهوض لمقاومة كلّ ما يمسّ الكرامة، وينال من الذّات، ويصيب الإنيّة. يقول محمود بن دويدة:
فكم كهرب الشّعر مغلوبا على وطن ... فجرّد السّيف يتلو آية الغلب (3)
هكذا نلمس الرّوح القوميّة في هذه النّظرات، التي ربطت بين وظيفة الشّعر الوطنيّة في جوانبها الثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسية والتربويّة. أو بمعنى آخر إنّ الشّعر لم يوجد إلا ّ ليخدم الدّين والوطن وقضايا المجتمع.
هذا هو الشّعر القومي الذي يعمل على الكشف عن حقيقة مشاعر الأمّة، ويترجم آمالها، ويعرض آلامها، ويواسي جراحها، ويرسم لأبنائها الطّريق الأصلح في الحياة.
__________
(1) - محمد العيد آل خليفة، الدّيوان، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1979، ص: 261.
(2) - ديوان محمد العيد محمد عليّ خليفة، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، (د. ت)، ص: 261.
(3) - د. محمد ناصر، الشّعر الجزائري الحديث. ص: 73. (1/10)
صفحة 11
إذا ما حاولنا أن نستخرج الدّلالات القوميّة في الآثار السّابقة والتّعريفات الآنفة فإنّنا نقول: إنّ الشّعر هو مرآة الأدب، وهو السّجلّ والدّيوان. إنّه المصير والكرامة، هو أداة كفاح في سبيل تأصيل قيم الشّعب، وأداة نضال سياسي واجتماعي لبعث الإحساس الوطني والقومي وهو وسيلة من وسائل الرّقيّ والنّهوض ... وبهذا توصف رسالة الشّاعر بأنّها إصلاحيّة توجيهية تعليميّة تحميسيّة. (1)
مفهوم القوميّة وأسباب بعثها
__________
(1) - ينظر تحليل لهذا المفهوم المرجع السّابق، ص: 66. (1/11)
صفحة 12
يقول الدّارسون: في الأدب القومي تتجلّى منازع الأمّة ومطامحها وآمالها وآلامها. وفيها تبرز وتتّضح ملامح الشّعر الحماسي القديم والتّراث الأدبي الأصيل.
حين نفحص الشّعر القومي لا نجده سوى آراء وأفكار ونظرات، تترجم فلسفة المجتمع في تفكيره ومسيرته وتنظيمه لشؤونه في الحياة، يتحرّك هذا الشّعر وَفق خطّة مرسومة وَتَوَجُّهٍ محدّد، ليصل إلى هدف معيّن محدّد أيضا. إنّه «تعبير عن وجدان الأمّة من خلال نفسيّة الشّاعر، فإذا ما حاد عن هذه الحقيقة، ونأى بشعره عن محور وجدان قومه ليدور في فلك فرد أو زمرة من النّاس، انقلب بوقا لأولي الأمر، يؤثر العيش في كنفهم كالهرّ الأليف، الذي يترقّب فتات الموائد» (1)
بهذا المفهوم نقول: إنّ الشّعر القومي عمل فنّي ينشئه شاعر أصيل في مشاعره وأفكاره، يعبّر عن عواطف أمّته، ويكشف عن آلامها، ويسجّل آمالها، ويعنى فيه بقضايا مجتمعه، لذا يرى الدّكتور أمجد الطّرابلسي في كتابه «الأدب العربي بين الأدب القومي والأدب الإنساني»: أنّ «الشّروط التي يجب توافرها في الأدب ليكون قوميّا هي نزاهة الإحساس وصدق التّعبير عنه، والقدرة على النّقل والإيحاء، والبقاء في محور الأمّة فكريّا وعاطفيًّا ولغويّا» (2)
هذه شروط جوهريّة في وصف العمل الفنّي بالقوميّة، وهي ليست في متناول كلّ النّاس وكلّ الفنّانين، لأنّ الظّروف التي يمرّ بها الإنسان: الضّغط النّفسي والاجتماعي والسّياسي والثّقافي ... قد تسبّب ضعفا في نفسه، وتؤدّي به إلى الانحراف عن جادّة الصّواب في بعض مواقفه وآرائه وعلاقاته بمن يحيطون به، فيفقد البقاء في محور أمّته فكريّا وعاطفيّا ولغويّا. هذه المقاييس أو هذه الشّروط كفيلة بتمييز الأدب القومي من غيره.
مجمل القول إنّ «القوميّة بمفهومها البسيط تعني شعورا مشتركا بين جماعة من البشر بأنّ ثمّة ما يجمعهم ويؤلّف بينهم؛ ليكونوا أمّة واحدة متميّزة عن سائر الأمم» (3)
إلاّ أنّ المشكلة التي برزت في العصر الحديث، وفي تاريخ المسلمين والعرب، هي عدم الاتّفاق على هذه الشّروط الجامعة لهم على قوميّة واحدة، بسبب التّقلّبات السّياسيّة، التي حدثت في حياة المسلمين والعرب، وبسبب التّطوّرات الثّقافيّة التي وجدت في محيطهم، هذه المستجدّات،
__________
(1) - الدّكتور عمر الدّقاق، نقد الشّعر القومي، منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق. سنة 1978م، ص: 40.
(2) - المرجع السابق. ص: 91.
(3) - الدّكتور عمر الدّقاق، الاتّجاه القومي في الشّعر العربي الحديث، دار الشّروق العربي، بيروت (د. ت).ص: 195. (1/12)
صفحة 13
التي تسبّب فيها الأعداء، وغذّاها المغرضون، ورعاها المتربّصون والمرجفون. أنتجت ثمارا خبيثة، زادت في الشّقة بين الأشقّاء. وزعزعت الثّقة بين الأخلاّء.
يقول د. عمر الدّقاق: «اتّسم المفهوم القومي في الشّعر العربي الحديث بالغموض والاضطراب، شأن كلّ مفهوم اجتماعي في طور نشأته، ولم ينبجس صافيا أوّل الأمر، فقد صحبته منذ ولادته في نفوس العرب منازع أخرى ذات جذور تاريخيّة ونفسيّة عميقة، أخذت تضفي عليه ألوانها حتّى بات من العسير التّمييز بينها وبينه في بعض الأحيان» (1)
نتيجة لهذا الغموض في تحديد الإطار الذي يجمع العرب في قوميّة واحدة والمسلمين في قوميّة موحّدة، نشأ الصّراع، وازداد العراك، وتفشّى الانقسام، وكثرت التّسميات. وتزيّت القوميّات بأزياء مختلفة، وتلوّنت المفهومات بألوان شتّى. فإذا العروبة تعني الإسلام عند جمهرة من الشّعراء. ومن هذا المفهوم انبثق مصطلح «الجامعة الاسلاميّة»، التي جرى الحديث عنها حين كانت العاطفة الدّينيّة هي المسيطرة على القلوب، «وحين كانت الظّروف التي تسود العصر توحي بأنّ الخصومة بين الشّرق والغرب هي خصومة بين الإسلام والمسيحيّة، أو هي استمرار للحروب الصّليبيّة، كما تصّور بعض زعماء الوطنيّة وكتّابها ... » (2). وما يزال لهذا المفهوم وهذا التّصوّر حضور إلى يومنا الحاضر، بخاصّة عند من يرى في إثارة بعض النّزاعات العرقيّة مساسا بالإسلام وما يتّصل به.
وعند بعض النّاس كان المفهوم القومي موشّى بالنّزعة الشّرقيّة، في محاولة لإعانة المستضعفين للوقوف أمام أطماع الغرب «إلاّ أنّ المفهوم الشّرقي كان مترجرجا في أذهان الشّعراء، يتّسع حينا ليشمل الشّرق بجموع أممه، وينحسر حينا ليعني المسلمين، أو يضيق حينا آخر ليقتصر على العرب وحدهم.» (3).
وكانت القوميّة تعني أحيانا النّزعة الوطنيّة الخالصة، التي تهتمّ بالإقليم، وما يجرُّ إلى ذلك من الاعتناء بالتّاريخ الوطني القديم والحديث، والتّفكير في حدود جلب المصلحة للوطن والاهتمام بمصيره فقط، مفصولا عن بقيّة الأقطار، لأسباب سياسيّة واجتماعيّة ونفسيّة.
من مظاهر ذلك الافتخار والاعتزاز بالأصول الخاصّة بكلّ شعب أو قطر. أي وُجدت نزعات وطنيّة محلّية، حرصت على إبراز كيان خاصّ بها: فالمصريّون أحفاد الفراعنة واللّبنانيّون
__________
(1) - نقد الشّعر القومي. ص: 209.
(2) - الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، ج 1، ص: 8.
(3) - نقد الشّعر القومي. ص: 210. (1/13)
صفحة 14
أحفاد الفينيقيّين، والعراقيّون أحفاد البابليّين والآشوريّين، والحجازيّون أحفاد العرب الأمجاد، وشعوب المغرب العربي أحفاد الأمازيغيّين ... فأصبحنا نقرأ ونعيش بعض التّكتّلات: الرّابطة الإسلاميّة، الجامعة العربيّة، الجامعة المصريّة، القوميّة الشّرقيّة، النّزعة العروبيّة، النّزعة الأمازيغيّة ... (1)
إلاّ أنّ التّيار الغالب - في الأخير – على تفكير النّاس، والذي طغى على مشاعر الشّعراء هو تيّار القوميّة العربيّة (2) وقد تجلّى ذلك في إلحاح «الشّعراء على وَحدة الأصل العربي ووَحدة اللّغة العربيّة، وماضي العرب وتاريخهم المشترك وآلامهم وآمالهم ونزوعهم الشّديد نحو وَحدة أقطارهم وشعوبهم» (3)
لسنا في صدد نقد هذه المفهومات وهذه النّزعات. المهمّ أنّ الشّعر القومي هو خير ما يكشف عن الوجدان الجماعي، ويصوّر اتّجاهات الشّعوب العربيّة ومنازعها، وما تتميّز به حياتها الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة. والشّعراء حين تناولوا القوميّة، تعاملوا مع تلك التي تدعو إلى المحافظة على المقوّمات الأصيلة، التي تشعر بوجود كيان متميّز، وتحسّس بالوَحدة التي تربط الشّخص بمن لديهم علاقة في الجنس والمرجعيّة والمصالح، تلك التي تدفع الفرد كي يطالب بحقوقه وينهض ليذود عن وطنه الكبير.
كما أنّهم حين بحثوا في القوميّة أقرّوا أنّها هي تلك التي تجمع القوم على لغة واحدة، وآمال وآلام واحدة ومصير واحد ... فماذا عن الشّعراء الجزائريّين وكيف تناول شعرُهم القوميّةَ، وما هي مظاهرها فيه؟
قبل الإجابة عن السّؤال؛ بعرض تجربة الشّعر الجزائري في التّعامل مع القوميّة .. نوضِّخ أنّنا نتبنّى مفهوم القوميّة الذي ينبثق من الدّين، أو الذي يرى الدّين عاملاً أساسيًّا في بناء الهويّة. المفهوم الذي يرى الهويّة: " بأنّها جوهر وحقيقة وثوابت الأمّة العربيّة، التي اصطبغت بالإسلام، منذ أن دانت به غالبيّة الأمّة. وبناء على ذلك فإنّ العادات والتّقاليد والأعراف والآداب والفنون وسائر العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وأيضًا العلوم الطّبيعيّة والتّجريبيّة والنّظرة للكون والحياة
__________
(1) - عن تطوّر مفهوم القوميّة في المجتمع العربي، ينظر، الاتجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، ج1، ص: 7 - 16. والاتّجاه القومي في الشّعر القومي. ص: 209 وما بعدها.
(2) - عن الظّروف التي أدّت إلى ظهور روح القوميّة العربيّة، ينظر الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، ج 2. ص: 99 وما بعدها.
(3) - نقد الشّعر القومي. ص: 211. (1/14)
صفحة 15
والذّات والآخرة والتّصوّرات الأنطولوجيّة والسُّسيولوجيّة والسّيكولوجيّة، ومعايير القبول والرّفض. هي جميعها عناصر الهويّة المبنيّة على الدّين." (1)
__________
(1) - الدكتور أشرف حافظ، الهويّة العربيّة والصّراع مع الذّات، ط1، دار كنوز المعرفة العلميّة للنّشر والتّوزيع، عمَّان، الأردن، 1433ه/ 2012م، ص: 19، 20. ينظر أيضًا، الدّكتور عابدين الشّريف، الإعلام والعولمة والهويّة، ليبيا، 2006م، ص: 51. (1/15)
صفحة 16
مظاهر القوميّة في الشّعر الجزائري
عاش الشّاعر الجزائري وما يزال يعيش أزمة كبيرة، لأنّه وجد في محيط يعاني مأساة الاغتراب اللّغوي ويكافح في استماتة في سبيل تعريب الجماهير، والارتفاع بها إلى مستوى المتلقّي المتذوّق الواعي لرسالة الأدب، والفاهم لدور الشّاعر في الحياة وريادته لها ... بهذا دخل في صراع داخلي مع نفسه، ثُمَّ مع غيره، ليصحّح الانحراف، ويرشد إلى الصّواب؛ ليتلقّى بعد ذلك أنواعا من الهجوم على أفكاره ومواقفه، ويتّهم في عقله ويوصم بأوصاف جريحة موغلة في القدح والشّماتة.
مع أنّ كلّ ما قام به هو محاولة جادّة وصادقة للدّفاع عن القوميّة، وإثبات الهويّة، وقد نجح في هذا نجاحا كبيرا، بخاصّة إبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر، رغم أنّ الوطنيّين كانوا يخوضون- في مواجهة كلّ ذلك – معارك متعدّدة الجبهات، ويواجهون وجوها مقنّعة، ويلتقون بسبل ملتويّة، ويحاربون أعداء ظاهرين ومتستّرين ... كلّ هذه الواجهات تجنّدت لضرب الشّخصيّة الوطنيّة، والنّيل من القوميّة العربيّة والإسلاميّة.
نتج عن ذلك ما زعزع القوميّة: إذ وجد إسلام مشوّه وثقافة دخيلة مسمومة، وشعب تسلّط على زمامه المستعمر، وشباب مشوّه الثّقافة واللّسان، مفصول عن تاريخه وحضارته. وقد كان ما أقضّ مضاجع المصلحين بخاصّة هو تشكّك في الشّخصيّة الوطنيّة، بل جحود وكفران بها، وما تأسّفوا له أن يحمل هذه الفكرة أبناء الجزائر أنفسهم، بل مثقّفوها: «وليته التشكّك السّاذَج عند رجل الشّارع العام أو فالح الأرض البسيط، يتظافر على تغذيته جهل المواطن ومكر الدّخيل، أو ليته الهجس الخفيّ، تسرّه القلوب المريضة، ولكنّها الفكرة المدروسة المدسوسة، تتجرّأ على الصّدع بواسطة الجريدة أو الكتاب المطبوع، وترفع عقيرتها في وسط النّهار.
فلا غرابة في أن يكون الجهد الذي استنفذه الانحراف الدّاخلي مع الحركة الإصلاحيّة يزيد أضعافا على ذلك الذي يكفله عدوّ دخيل، لا يحتاج لأكثر من مناورة ذكيّة» (1)
بدافع من هذا الوضع المتردّي الذي أصاب الهويّة الوطنيّة والقوميّة العربيّة والإسلاميّة، تحرّك الشّعر ليقول كلمته، وليقوم بواجبه في معركة الأصالة والهويّة وإثبات الذّات. نهض ليكون وفيّا لمشاعر الأمّة ولعواطف الشّعب، وليؤكّد على قوميّته، والشّعر القوميّ ليس سوى التّعبير عن وجدان الأمّة من خلال نفسيّة الشّاعر، الذي حرص على عرض مسائل أساسيّة من أجل
__________
(1) - الدّكتور صالح خرفي، الجزائر والأصالة الثّورية. ص: 19. (1/16)
صفحة 17
الوصول إلى غايته، وهي: الدّعوة إلى الاستمساك بالدّين واللّغة والوطن; استجابة لشعار الحركة الاصلاحيّة في الجزائر: الإسلام ديننا والعربيّة لغتنا والجزائر وطننا. إنّه الثّالوث الذي يكوّن حقيقة الوطن الجزائري. من هذه المسائل أيضا طبيعة الجزائر، التي تنووِلت من منطلق قومي، وكذا العمل على بثّ الوعي التّاريخي في النّفوس، واحترام التّاريخ وعدّه ذاكرة، يجب أن يَتَأَبَّى عن النّسيان، ثمّ التّركيز على مسألة الانتماء العربي والإسلامي.
1 - التّغنّي بالوطن:
كثر الحديث عن الوطن كثرة لافتة للنّظر، واتّخذ التّعبير عن حقيقته والتّعلّق به، والحرص على حمايته والذود عنه ووصف أجزائه ومناطقه والإشادة بخصال أبنائه ... اتّخذ ذلك أشكالا متنوّعة، وظهر بألوان متعدّدة: شكل التّصريح باسمه «الجزائر» وبتلك المعاني من دون مواراة، ومظهر التغزّل به، كما يتغزّل بالمحبوبة، وأسلوب الرّمز ...
وقد كان الإفصاح عن تلك المعاني يقترن بتجديد الحنين إلى التّربة والاعتزاز بالأرض الخصبة، ومزج المواقف البطوليّة بوصف الطّبيعة السّاحرة التي احتضنت تلك المواقف وتلك البطولات. وبذلك اندمجت الذّات بالتّراب اندماجا، لا يمكن أبدا فصلهما عن بعضهما. في هذا المزج والاندماج يكمن الرّد الصّريح على سياسةالمستعمر الرّاميّة إلى سلب الأرض من ذويها؛ بِعَدّ الجزائر قطعة من فرنسا.
قال محمد العيد آل خليفة سنة 1937م:
يا موطنا لي خصبه ونعيمه ... وله هواي على المدى وتشيُّعي
مصطفاي الباهي الظّليل ومخرفي ... الزّاهي، ومشتاي الجميل ومربعي
ما زال حبّك ناشئا مترعرعًا ... في ناشيءٍ بجوانحي مترعرع
أقسمت لو خيّرتني في مصرع ... ما اخترت إلاَّ في سبيلك مصرعي
اِسأل أُجب وامر أُطِع واصرخ أغث ... واصفح أُنِب واسمع أقُل وانْصح أَع (1/17)
صفحة 18
مضت الدّهور وأنت حيّ سالم ... من عهد (عقبة) والغزاة التّبّع
ها أنت في وسط الزّعازع ثابت ... باقٍ على الإسلام لم تتزعزع
بوركت من وطن تسامى فالْتَقَى ... بالمنتهى، في مستواه الأرفع
يحميه شيبٌ كالملائك طيبةً ... وشبيبةٌ مثل النّجوم اللّمع (1)
يبدو في هذه اللّوحة التّمسّك بالوطن مهما تكن الحال. فهو مُصطفى الشّاعر ومخرفه ومشتاه ومربعه، وهو كلّ شيء في حياته. كما يبرز فيها الخضوع التّام لما يمليه الوطن ويأمر به. هذه المشاعر ردّ واضح على محاولات العدوّ صدّ أبناء الوطن عن منبتهم بوسائل الإغراء والتّهديد على السّواء.
يظلّ الشّاعر غير آبه بما يلاقيه وما يعانيه من الآلام، مهما يكن مصدرها، حين يكون ذلك في سبيل وطنه الحبيب وأرضه الزّكيّة، بل يصبح كلّ ما يقوم به وما يبديه من سلوك ويظهره من ممارسات هو من أجل الجزائر. هذا هو الصّدق والوفاء، وهذا هو الارتباط القومي والولاء الوطني اللّذان يكونان في السّرّاء والضّرّاء. وهذا هو الطريق الأسلم لتثبيت الهويّة القوميّة في النّفوس، فليعتبر الذين يكونون مع وطنهم وله في حال السّرّاء، وضدّه وعليه في حال الضّرّاء.
قال محمد السّعيد الزّاهري وهو يضمّن كلّ بين اسم الجزائر:
وفنيت في حبّ الجزائر مثلما ... يفنى المحبّ الحقّ في الأحباب
كيف الخلاص من الجزائر بعدما ... ملكت عليّ مشاعري وصوابي
فإذا ضحكت فللجزائر، أو
__________
(1) - ديوان محمد العيد. ص: 144. (1/18)
صفحة 19
نَحبْـ ... ـــتُ فلم يكن إلاّ لها تنحابي
أو أُبْتُ يوما أو ذهبت، ففي ... الجزائر مذهبي أبدا لَها، ومآبي
مهما تأذّى في الجزائر مسلم ... إلاّ توفّر من أذاه منابي
وإذا أصاب بني الجزائر حادث ... فهناك عظْمُ بليّتي ... ومصابي
ويلذّ لي من بعد ذلك أن يطو ... ل على الجزائر في الحساب حسابي (1)
يحذو شاعر الثّورة الجزائريّة مفدي زكريّاء حذو زميليه محمد العيد ومحمد السّعيد، فيبرز حقيقة الوطن الجزائري، رادّا على كلّ استفزازات الفرنسيّين، ومتحدّيهم في محاولاتهم اليائسة مَحْوَ آثار وجود كيان اسمه (الجزائر).وثورة التّحرير الجزائريّة مشتعلة، وتفاعلاتها متواصلة، متصاعدة بضربات الثّوّار، ومتنامية؛ رغم تسليط أنواع العذاب والقهر والتّنكيل على الشّعب الجزائري.
قال سنة 1958:
وقل الجزائر واصغ إن ذكر اسمها ... تجد الجبابر ساجدين وركّعا
إنّ الجزائر في الوجود رسالة ... الشّعب حرّرها وربّك وقّعا
__________
(1) - في رحاب المغرب العربي. ص: 221 - 222. (1/19)
صفحة 20
إنّ الجزائر قطعة ... قدسيّة ... في الكون، لحّنها الرّصاص ووقّعا
وقصيدة ... أزليّة، أبياتُها ... حمراء، كان لها نفمبر مطلعا
نظمت قوافيها الجماجم في الوغى ... وسقى النّجيعُ رويَّها، فتدفّعا
غنّى بها حرّ الضّمير، فأيقظت ... شعبًا إلى التّحرير شمّر مسرعا
سمع الأصمُّ رنينَها فَعََنا لَها ... ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا (1)
نقرأ في هذه الأبيات الإصرار على التّمسّك بالأرض والوفاء للوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ التّصويرَ والتّقدير والصّدق والوفاء والمعاهدة على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن والهيام به، والعمل على نصرته. إنّ ذلك جزء من التّعبير عن الهويّة والقوميّة.
أمّا أبو القاسم سعد الله في قصيدته «ثورة الأرض سنة 1955» فيكشف عن مأساة ابن الجزائر، الذي ليس له من أمّه الأرض إلاّ ما ينغّص حياته، وينكّد عليه عيشه ;بسبب ما يمارسه عليه المستعمر من ألوان الحرمان والقهر والإبعاد والتّشريد، في الوقت نفسه يبيّن أنّ هذا الابن – رغم ذلك – يصرّ على الالتصاق بالأرض، ويعاهد على البقاء وفيّا لانتمائه وأصالته:
يا مالكين
هذا ترابي من قديم
أسقيه من عرقي، وأفراحي الحبيبه
أسقيه ذكراي الكئيبه
أسقيه ألحان البطوله
__________
(1) - اللّهب المقدّس. ص: 58. (1/20)
صفحة 21
هذا ترابي من قديم
يا مالكين
تفديه كلّ جوانحي ودمي الحميم
يا مترفين
أنا هنا، أبدا هنا
ذعر وإعصار ونار
لا شيء ... يمنع سيلنا
إن قعقعت في أفقكم عزماتنا وسلاحنا
إنّا هنا، أبدا هنا
نمشي على الشّوك المذرّب
ونشيد دنيا من أمانينا الحبيبه
دنيا طليقه
في أرضنا الملأى بطاقات الحصيد
سنعيش أحرار وصيد
في أرضنا البكر الولود (1)
يقول الدّكتور صالح الخرفي: «ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسيّة للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له: التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القوميّة بأصالتها وعراقتها، اللّغة بثرائها وحضارتها، ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر كما لم يتغنّ بها من قبل، وتنطلق القوميّة انطلاقة شعريّة، فيها عنف الاحتباس الخانق لها طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيت في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرار من الطّرف الآخر على أغنية (الجزائر قطعة من فرنسا)،يزيد من جموح هذه اللّفظة وإلحاحها على الأبيات والقوافي» (2)
لخّص الباحث النّتائج التي يحصل عليها المستمسك بهويّته، المصرّ على إثبات أصالة انتمائه، وسجّل المقوّمات الأساسيّة للهويّة والقوميّة. وقد استنتجها واستخرجها ممّا قرأه في شعر الشّعراء الجزائريّين، الذين واجهوا مقولة المستعمر (الجزائر قطعة من فرنسا Algerie Francaise)‘ L) وما تبع ذلك من سنّ القوانين وإصدار تعليمات واقتراح وسائل قمعيّة جهنّميّة لتجسيدها في
__________
(1) - أبو القاسم سعد الله، النّصر للجزائر، ط 3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، سنة 1986م. ص: 69، 70.
(2) - الشّعر الجزائري. ص: 258. (1/21)
صفحة 22
أرض الواقع. إلاّ أنّ القوميّة المخنوقة – بسبب هذه الممارسات القاسيّة – تنطلق انطلاقة المارد من قمقمه، لتؤكّد على الانتماء الحقيقي الذي لا مساومة فيه: الانتماء الدّيني واللّغوي والفكري.
إذا تغنّى الشّعراء الجزائريّون بوطنهم كلّ هذا الغناء، وأظهروا كلّ هذا الهيام، فهم لم يجانبوا الصّواب، ولم ينحرفوا عن سواء السّبيل في الدّعوة إلى القوميّة، التي هي أعمّ من الوطنيّة، بخاصّة وأنّهم كانوا يمزجون بين ما هو وطني وما هو قومي، ويتناولون المقوّمات التي تجمع العرب والمسلمين، أي كانوا مهتمّين وحريصين على توعيّة النّاس بمفهوم القوميّة بمعناها الواسع. مع أنّ الحديث عن الوطن هو – في الحقيقة - جزء أو لبنة في طريق بناء صرح القوميّة.
إنّهم في صنيعهم هذا كانوا متأسّين بسيرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، الذي أمر بأن يبدأ المرْءُ بمن يعول؛ استجابة لأمر الله تبارك وتعالى: {وأَنذِر عشيرتك الأقربين} (سورة الشّعراء/ 214) وما عشيرة الشّعراء الأقربون سوى الجزائر، التي هي جزء من العالم العربي والإسلامي إن صلحت نفعت وإن طلحت ضرّت.
2 - التّوعيّة التّاريخيّة:
حارب الشّعراء - في إطار التّوعيّة التّاريخيّة – ظاهرة التّمرّد على الماضي، والتّنكّر لما يربط الشّعب الجزائري به: من مقوّمات ومبادئ، قرنوا ذلك بالكشف عن الملامح البارزة في تاريخ الجزائر، والإبانة عن الصّفحات البيضاء في هذا التّاريخ.
كانوا يعمدون إلى شخصيّات تاريخيّة، يذكرون مناقبها، ليطلعوا الشّباب على بطولاتهم وأمجادهم؛ ليستنهضوا هممهم، وينفخوا فيهم روح الانتماء والولاء للتّاريخ الإسلامي والعربي. كما عملوا على تحدّي المستعمرين والمستشرقين – على السّواء - بسرد القيّم الحضاريّة والإنسانيّة التي عرفها التّاريخ العربي ... (1) لينشأ عليها النّشء، فتتكوّن فيهم قوّة المقاومة للدّخيل المحتلّ الغاصب.
هذه الإشارات من شأنها تقويّة الرّوح القوميّة في النّفوس، وتركيز حقيقة الهويّة في الأذهان، وهي التي تجعل الشّباب - إذا وعاها حقّ الوعي – واقفا كالسّدّ أمام كلّ من يحاول تشكيكه في إنيّته، وتبقيه دائما معتزّا بشخصيّته مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقا بأرومته مهما تكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده، ممّا قد لا يرضى به. والشّعراء كما يقول د. محمد
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل ينظر الدّكتور صالح خرفي، الشعر الجزائري. ص: 105 وما بعدها. (1/22)
صفحة 23
مصايف (ت1987): «عند ما يذكرون الماضي، ولا سيّما المشرق منه، إنّما يفعلون ذلك تخليدا لروح النّضال في الشّعب، وطلبا للدّروس والعبر التّاريخيّة التي توعي الفرد والجماعة بواجباتهما نحو الوطن، وتذكيرا للغزاة بأنّ لهذا الشّعب ماضيه الأغرّ الذي يشّده، وشخصيّته التي تقيه من كلّ ذوبان» (1)
هذا المنهج الذي اختاره الموجّهون للشّعب الجزائري واعتمده الشّعراء الجزائريّون، جعلت الشّاعر مفدي زكريّاء يقول سنة 1957م، عام الانتصارات في ملحمة الثّورة الجزائريّة:
وعن ... أصلابنا ... قدما ورثنا ... دمًا حرّا وأضلاعا صلابا
وخضنا ثلاث سنين دأبا ... فأصبحنا من التّحرير قابا
فلا نرضى مساومة وغبنا ... ولا نرضى لسلطتنا اقتضابا
ولا نرضى شريكا في حمانا ... ولو قسمت لنا الدّنيا منابا (2)
بهذه الرّوح القوميّة الصّادقة يرسل محمّد العيد آل خليفة نفثات؛ متأسّفا على حال الانهزاميّة والذّلّة التي لازمت بعض ضعفاء النّفوس، مصحوبةً بلفتات مهمّة هادفة إلى ربط الخلف بتاريخ السّلف، بالإشارة إلى الشّخصيّات الكبيرة التي أنجبها التّاريخ الإسلامي. قال سنة 1949م:
لنا وطن مثل الفراديس بهجة ... فكيف رضينا أن يداس وينهبا
وكيف رضينا أن نعيش أذلّة ... ضعافا، يرانا الغير أحقر من هبا؟
حيارى كقطعان جفتها رعاتها ... فأغْرَتْ بها خصمين: ذئبًا وثعلبا
__________
(1) - د. محمد مصايف، د. محمد ناصر، د. عبد المالك مرتاض، دراسة في الشّعر الجزائري الحديث من 1925 إلى 1954. (مخ). ص: 27.
(2) - اللّهب المقدّس. ص: 40، 41. (1/23)
صفحة 24
ألسنا من الأجناس أفصحهم فما ... وأسمحهم دينا وأصلحهم أبا؟
بِنَا دَرَّت الدّنيا عليهم بخيرها ... وأخصب منها كلُّ ما كان أجدبا
ولدنا وأنجبنا، فَفُزْنَا عليهمُ وهل أنْجبُوا فيها ... عليّا وخالدا ... ومنْ ولدَ الصِّيدَ المناجيدَ أَنْجَبَا ... وعمرً وَمعنًا وابن قيس ومصعبا
وهل أنجبوا مثل الغزالي باحثا ... ومثل ابن خلدون خبيرا مدرّبا؟
وهل أنجبوا مثل ابن حيَّان جابرا ... وهل جرّبوا من قبل ماكان جرّبا؟
وهل نشروا في الكون عدلا ورحمة ... كأجدادنا، أم صيّروه مخرّبا؟ (1)
بينما يستغلّ الشّاعر أحمد سحنون حلول شهر محرّم، فيحيّيه ويستنهض همم شبيبة طه وفتية الضّاد، بالرّوح نفسها التي أبداها محمد العيد وبالمعاني ذاتها، قال سنة 1366هـ/1947م:
يا فتيةَ ... الضّاد ... هذا ... شهر ... المحرّم ... حيّا
شهرٌ ... تألّق ... فيه ... تاريخنُا ... عبقريّا
عودوا ... إليه، ... ففيه ... ما ... يستفزّ ... الوطنيّا
فيا ... شبيبة ... طه ... وجنده ... المفديّا
__________
(1) - ديوان محمد العيد. ص: 195. (1/24)
صفحة 25
ومن بذكراه ... أضحى ... رغمَ ... العوادي حفيّا
محمد ليس ... يرضى ... بأن ... تعيش ... شقيّا
وإن ... قنعت بدون ... يكون منك ... بريّا
إن لم تكن مثل طه ... فلست في ... طه ... شيّا
تبني كما كان ... يبني ... مجدًا ... يطول ... الثّريّا
إلى ... الأمام ... لتُحيي ... ما ... كان حيّا
إلى الأمام ... لتُقصي ... عن الحمى ... الأجنبيّا
عار على جند ... طه ... ألاّ ... يكون ... قويّا (1)
في هذ ه اللّفتات تكون الفرصة مواتية لبعث الأمل في النّفوس، والثّقة في الذّوات، إذ أنّ ما قام به الآباء والأجداد غير ممتنع أو مستعص على الأبناء والأولاد. كما أنّ في هذا المسلك تتوثّب القوميّة وتتيقّظ لتربط بين الماضي والحاضر، وتستشرف المستقبل في تواصل، لا يقبل الانقطاع والبتر أبدا.
فعلا عملت هذه الإضاءات التّاريخيّة على إخراج الشّعب الجزائري من فضاء التّيه إلى مجال الاهتداء، ومن دوّامة الضّياع إلى منطلق الإقدام، ومن وضعية الشّكّ إلى حال اليقين ... وأبانت بأنّ له شخصيّته المتميّزة وكيانه المستقلّ، وأنّ له من المؤهّلات ما يساعده على خوض غمار الحياة بكل كفاية وثقة نفس.
__________
(1) - ينظر د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري. ص: 116. (1/25)
صفحة 26
هكذا أتت التّوعيّة التّاريخيّة بثمارها، حتّى إذا لاحت بشائر الثّورة التّحريريّة «كانت الشّخصيّة القوميّة أرسخ قاعدةٍ لانطلاقها، وأقوم سبيلٍ لصمودها واستمرارها، وفي هذا المنعرج التّاريخي تصبح اللّفتة إلى الماضي يمينا وقسما وعهدا شريفا، وتغدو الذّكرى أبعد ما تكون عن الشّفاعة والاستعطاف وأقرب ما تكون إلى تجديد العهد وتأكيد البيعة:
هذي يميني عن الشّبّان صادقة ... خذها لأحمد عهدا عند رجعاكا
واذكر له أنّنا قمنا على محن ... شعبا كريما عزيز النّفس درّاكا (1)
هذه صورة من التّجربة الشّعرية الجزائريّة في إثارة أحد مقوّمات القوميّة، ألا وهو التّوعية التّاريخيّة، إنّها تجربة قاسية، ظلَّت صامدة ثابتة. سارت متدرّجة في مسلسل مترابط الحلقات، لم تنقطع، ولم تتأثّر بما وقف في وجهها من عقبات ومثبّطات، أو ملهيات ومغريّات، وضغوط وتهديدات ... حتّى وصلت الجزائر إلى شاطئ الأمان، فتحرّرت وانعتقت، واسترجعت كرامتها، فحافظت بذلك على هويّتها، وتمكّنت من قوميّتها.
في ختام هذا المبحث أسجّل ملاحظتين:
1 - كي يبرهن الشّاعر الجزائري على عراقته وأصالة أرومته، وكي ينفّس عن كربته، ويخفّف من تأثير المحنة أو المأساة على قلبه، كان يلجأ إلى الماضي وأمجاده بكثير من الحماسة والزّهو والافتخار، هذا بدوره كان يعينه على استمداد المدد المعنوي والنّفسي، لتجديد الثّقة في نفسه، وإعادة الأمل إلى قلبه، لينطلق في العمل والحركة والنّشاط أكثر عزيمة وإرادة.
2 - لم يكن تعلّق الشّعراء الجزائريّين بالماضي الزّائل، والبكاء على المجد الآفل؛ هروبا من الحاضر المؤلم، والواقع المرّ، كما سجّل ذلك الدّكتور عمر الدّقاق على الشّعر العربي (2)، بل كان التفاتهم إلى الماضي المجيد لغرض إثارة الحماسة في نفوس الأخلاف كي تنهض لتستضيء من تجربة الأسلاف، وتعمل على استرداد المجد الضّائع والكرامة المدسوسة، وتأخذ من الماضي ما يعينها على مواصلة الدّرب واستئناف المسيرة. كما قال الشّاعر الرّبيع بوشامة مخاطبا أبناء الجزائر:
سكنتم من ذرا الأوطان في
__________
(1) - المرجع السّابق. ص: 128،127. (البيان للشّاعر الجزائري الرّبيع بوشامة (1916 - 1959) من قصيدة نشرت في جريدة البصائر (الجزائر)، عدد 24: (23 فيفري 1948م).
(2) - نقد الشّعر القومي. ص:20،21. (1/26)
صفحة 27
حرم ... مقدّس، ساده مستعمر عاد
قوموا لحفظ تراث من مكارمكم ... وحطّموا كلّ أغلال وأصفاد
ألا ادأبوا لتعيدوا للحمى سيرا ... كريمة، حاطها تاريخ أجداد (1)
هكذا تبيّن هذه التّجربة أنّ بإمكان أيّ شاعر معتزّ بشخصيّته، معتدّ بهويّته، أن ينحو منحى أولئك الشّعراء، ليصون قوميّته من المساومة، وهويّته من المزايدة، وكرامته من المداهمة. فلنردّد مع مفدي زكريّاء في النّهاية وفي كلّ وقت:
نحن قوم جدودنا ملكوا الدّنـ ... ـيا فهيهات أن نعيش عبيدا (2)
3 - وصف الطّبيعة:
إذا بحثنا عن موضوع الطّبيعة في الشّعر الجزائري – بخاصّة ما قيل منه في عهد الاحتلال الفرنسي- لم نجده سوى نفحات ونفثات، تتناول مايعبّر عن المأساة التي عاشها الشّعب، وهو يرى بأمّ عينيه أرضه تسلب منه، وموطنه يداس، وجمال الطّبيعة في بلاده يتحوّل إلى دمن.
قد يستغلّ الشّاعر اشتداد الضّيق عليه وتأزّم نفسه، وتوتّر أعصابه، وامتلاء قلبه كمدا، بسبب ما يحيط بشخصيّته من إهانة، وما يلحق وطنه من مآسٍ، فيلجأ إلى الطّبيعة يتناول مظاهرها وبعض أوصافها، فينقل إلينا ما يعيشه داخل نفسه. ولهذا تغدو هذه اللّوحات وهذا الوصف، وهذا العرض رموزا وإيماءات، تفصح عمّا أصاب الأصالة والهويّة. لذا كان توظيف الطّبيعة عند هؤلاء الشّعراء أحدَ الوسائل المختارة لبعث الوعي القومي في النّفوس.
قال محمد العيد آل خليفة سنة 1932 يخاطب نفسه:
فليس بِحرّ من يرى العزّ ممكنا ... ويبقى أسيرَ الذّل تحت التّغلّب
__________
(1) - د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري. ص: 124.
(2) - د. محمد ناصر، مفدي زكريّاء شاعر النضال والثّورة. ط 2،المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الرّغاية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث العطف، غرداية، سنة1989م، ص: 216. (1/27)
صفحة 28
وأغرب خطب هالني خطب موطن ... لنا، منعته الشّمسَ أسرابُ أغرب
كما حبست عنه الرّياح وعارضت ... له دون سيل القَطر من كلّ مسرب
بأجنحة سود كأنّ خيالها ... ظلام بليل قاتم الوجه غيهب
فيا لك فردوسا تحوّل دمنة ... ويا وحشتا من أغرب فيك نُعّب
ويا وحشتا من محنة نكبت بها ... سلالة ... مازيغ وفتية ... يعرب
تسام بخسف وهي ولهى حزينة ... وتوسم إفكا بالخنى والتّعصّب (1)
نشعر في هذا النّص بهذه الغلالة السّوداء وهذه القتامة، التي تعبّر عن اشتداد الأزمة، وتكشف عن الأنّة العميقة المنبعثة من المأساة الجاثمة على الوطن، ونلمس أنّ الطّبيعة الفاتنة الأخّاذة توضع أمامنا حياةً بائِسةً قاسيةً، ووسيلةً مقاوِمةً مقاتِلةً.
نسجّل منذ البداية أنّ الشّعراء في تعاملهم مع الطّبيعة كانوا مجسّدين نداء مصطفى الأشرف، الذي هو نداء أملاه الدّافع الوطني والقومي والعمل الرّسالي: «ولسنا ندعو الشّعراء إلى مدح طبيعة مؤنّقة ملطّفة مخنّثة، طالما أشْبَعَنا وصف ربيعها، وأروانا إلى حدّ السّآمة والتّخمة، وإنّما هي طبيعة الشّنفرى والطّرماح، ذاتُ الذّئب والطير، وطبيعةُ ذي الرّمة وابن شهيد، ذاتُ الجنّ والغول، وغابات أساطيرنا الشّعبيّة التي تكفل اليتامى، وتجعلهم يأنسون الوحوش ويؤنسونها، وللغابات معان أخرى لا تنتمي إلى النّشوة الرّومنطقيّة، بل إلى مفاهيم الحرّيّة العاملة، وإباء الضّيم والخفاء الايجابي والالتجاء إلى الغاب» (2)
هذه المعاني التي أومأ إليها مصطفى الأشرف هي المعاني التي تهدي الشّعراء إلى توظيف أشعارهم فيما يعين على بعث روح النّضال والتّضحيّة والفداء والاستماتة من أجل إثبات الهويّة.
__________
(1) - ديوان محمد العيد آل خليفة. ص: 289.
(2) - د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري، ص: 256 من مقال لمصطفى الاشرف «البطولة في الثّورة الجزائريّة» مجلة الفكر (تونس)،عدد 2 نوفمبر 1959م. (1/28)
صفحة 29
أ- البحر:
إذا أخذنا البحر نموذجا لهذا الأسلوب من التّعامل مع الطّبيعة، فإنّنا نجده يحمل معاناة الشّعب ومأساة الجزائر ومحنة الشّاعر. لا يوصف البحر إلاّ لتبثّ إليه الشّكوى، أو ليقدّم إليه اللّوم، أو ليرجى منه العطف، أو ليكشف إليه الوضع ... في هذا التّعامل رمز وتعويض وتنديد وتوعّد ... هذه الدّلالات وغيرها تصبّ كلّها في خانة النّضال والكفاح والتّمسّك بمقوّمات الأصالة.
نشير هنا إلى أنّ الشّاعر الجزائري يلتجئ إلى البحر حين يكون محزون النّفس، منكسر القلب، وحين يبحث عن العزاء والدّواء، يلتجئ إليه ليبتعد بروحه عن الأرض، رمز الظّلم والقهر والنّفاق والرّذيلة والفساد، يلوذ إليه فرارا من الاضطهاد والملاحقة والرّقابة.
إنّ البحر جميل وبديع وعظيم، يحمل معاني الجلال والكبرياء والحسن والخلود، إنّه الكون الواسع، والغضب الثّائر ... هذه هي المعاني التي نلتقي بها في الشّعر الجزائري، فالشّعراء لم يصفوا البحر، ولم يركنوا إليه هروبا من الواقع، ولم يلوذوا إليه طلبا للرّاحة والاستجمام. إنّما فسحوا له مجالات وفضاءات في أشعارهم ليصبّوا فيه أفكارهم ومشاعرهم، عساهم يجدون فيه من آيات الدّعم النّفسي والمعنوي ما يمكّنهم من القيام بواجب التّوعية والتّوجيه، بعيدا عن الرّقابة الاستعماريّة. ومن ثمّ ينبعث فيهم الأمل والرّجاء وروح العمل لبذل مزيد من الجهد في طريق الكفاح والنّضال. هذا الأسلوب في التّعامل مع الطّبيعة هو أحد الدّلالات القوميّة للعمل الشّعري.
يقول الدّكتور محمد ناصر: «وقد اجتذب البحر الشّعراء الوجدانيّين الجزائريّين اجتذابا ملحوظا، اجتذبهم في حالتي السّكون الهادئ والثّورة الغاضبة، ووقف أكثر من شاعر أمام البحر هذه الوقفة التي عرف بها الرّومانسيّون، فهم يلتجئون إليه التجاء المكروب، ويرتاحون إلى مرآه ارتياح المتعب. وغدا عندهم مظهرا للحرّيّة اللاّمتناهية، التي هم دائمو البحث عنها، ومعبّرا عن الثّورة المتجدّدة الرّافضة، التي تلائم أنفسهم التي لا ترضى بحال أبدا» (1)
__________
(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث، ص:97، 98. (1/29)
صفحة 30
من الشّعراء الذين وقفوا أمام البحر كثيرا واستوحوه، واستدرجوه واستدرّوه ليستجيب لخطّهم النّضالي، ويحتوي مشاعرهم، نذكر محمد العيد آل خليفة، أحمد سحنون، مبارك جلواح، الطّاهر بوشوشي، عبد الكريم العقون، عبد الله شريط، محمد الأخضر عبد القادر السّائحي ...
نقدّم فيما يأتي نماذج من أشعار أحمد سحنون - بخاصّة – الذي ارتبط بالبحر ارتباط ودّ وحبّ. وقد ناجاه مرّات عديدة، وخاطبه مخاطبات متفاوتة المستويات. لهذا أطلق عليه زميله مصطفى بن رحمون (1921 - 1984) لقب (جار بحر الرّوم) (1).
يعدُّ أحمد سحنون البحر صديقه، يبادله الأحاديث، يبثّه شكواه، يفضي إليه بما يعتلج في صدره، وما يشعر به من الأحاسيس التي هي أحاسيس الفرد الجزائري المقهور، ومشاعر الوطني الموتور:
يابحر يا إلف روحي ... وأنسَه، ... حين تسأم
نجواك ... دنيا ... خيالي ... إذا دُجى اللّيل خيّم
ففي ... هديرك ... شعر ... به ... النّسيم ... ترنّم
وفي ... صفائك ... سحر ... كأنّه ... سحر ... مبسم
وفي ... هدوئك ... سرّ ... من ... الحقيقة أعظم
يا بحر حسبك ... أنّي ... بكلّ ما فيك ... معرم
فأنت ... للشّعر ... وحي ... وأنت ... للحزن ... بلسم (2)
أحمد سحنون، حتّى وإن أشبه الرّومانسيّين في اللّجوء إلى الطّبيعة، يحتمي بها من أحزانه، ويتدفّأ بحنينها ورأفتها، لتبدّد ما به من حزن، وتكشف ما به من همّ وغمّ. فإنّه كان – بذلك -
__________
(1) - ينظر ديوان أحمد سحنون. ديوانه، (ش. و. ن. ت)،الجزائر، 1977. ص:41.
(2) - المصدر السّابق. ص: 35. (1/30)
صفحة 31
يترجم عن أحزان بني جلدته، وينقل مأساة شعبه، وينفث ما بصدور قومه. هنا تكمن القيمة القوميّة لشعر الطّبيعة عنده وعند معظم الشّعراء الجزائريّين بعامّة.
قال الشّاعر نفسه:
فكأنّ موجك وهو يعثر بالصّخور إذا اصطدمْ
دمع جرى من موجع فقد التّصبّر فانسجمْ
يا بحر ما هذي الشّكاة؟ ألست توصف بالعظمْ؟
ماذا التبرّم بالحياة كأنّما أشجاك همْ
أتضيق ذرعا كابن آدم بالوجود وما انتظمْ
أتضجّ من عبث السّياسة، كم أباد وكم هدمْ
ومن المعمّر إذا طغى، ومن المسيطر إذ ظلمْ
أتضجّ من شرف يداس، ومن حقوق تُهتضمْ؟
أتضجّ من حرّ يهان، ومن وضيع يحترمْ؟ (1)
في النّصّ حديث عن السّياسة الاستعماريّة والمعمّر الفرنسي المستبدّ الطّاغي، وفيه تعليق على الشّرف المداس والحقوق المهضومة، وإشارات إلى المفارقات في حياة البشر: حرّ يهان ووضيع يحترم ...
__________
(1) - المصدر السابق. ص: 33. (1/31)
صفحة 32
هذه الإيماءات وهذه الإفضاءات هي إسقاطات نفسيّة جماعيّة – إن صحّ التّعبير- وردت على لسان فرد. إنّها في حقيقتها كشف عن حالة الضّيق والعسر التي عاشها الشّعب الجزائري، حاول الشّاعر الكشف عنها بطريقة فيها التّستّر والتّخفّي برمز البحر وبأسلوب الخطاب الفردي الممزوج باللّوم والعتاب والاستنكار.
في هذا وعن الشّعر الوجداني يقول محمد ناصر: «إنّه شعر لم ينفصل قطّ عن هذا الإحساس الوطني الثّوري في جميع مراحله، فإنّ النّزوع الوجداني لدى الشّعراء كانت تمتزج فيه العواطف الذّاتيّة بالمشاعر الوطنيّة امتزاجا رائعا، وأحسب أنّه من الصّعب على الدّارس أن يفصل بين الإحساسين في نصّ واحد أحيانا» (1)
أمّا عبد الكريم العقون (1918 - 1959م) فيقول في قصيدته (من وحي البحر) سنة 1947م، معبّرا عن هذا الحس الذي يجده في نفسه نحو البحر، الذي يلقى فيه الأنس والطّمأنينة والسّلوى من عذابه وحزنه، والهدوء من ثورته الجامحة وغضبه الثّائر:
ها أنا اليوم قد وقفت أناجيـ ... ـك، أيا بحر، فاستمع لنشيدي
إنّك اليوم مؤنسي وسَميري ... ونجيّي في قفر هذا الوجود
سكنت نفسي الحزينة وارتاحت ... إلى ... حسنك البديع الفريد
علّها اليوم في جوارك تنسى ... ما تعانيه من بلاء شديد
هل أرى فيك بلسما لجروحي ... أو ألاقي تحرّرا من قيود (2)
أم كلانا قد
__________
(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث. ص: 113.
(2) - د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري. ص: 268. (1/32)
صفحة 33
أرهقته اللّيالي ... بصروفٍ ما فوقها من مزيد (1)
البيت ما قبل الأخير يحدّد الهدف من هذا الالتجاء والاحتماء
ب - الصّحراء:
فسح الشّعراء الجزائريّون مجالا واسعا وفضاء كبيرا للصّحراء في أشعارهم، ليبثّوها كثيرا من أفكارهم القوميّة، وليقدّموا إليها مجموعة من مشاعرهم الوطنيّة. وهم يرمون في كلّ ذلك إلى إثارة النّخوة في النّفوس التي كادت أن تفقدها؛ بسبب الظّروف القاسيّة التي عاشتها، وكانوا يهدفون إلى إرجاع النّاس إلى فطرتهم في معتقدهم وأخلاقهم وسلوكهم، بعد أن أفسدتها أدناس المدينة وصخبها. وكانوا يصبون إلى تذكير النّشء بالبطولات التي احتضنتها أرضهم عبر تاريخ الجزائر وغيرها؛ لشحذ الهمم وتحميس الشّعب لإظهار بطولات مماثلة، تساعد على الخروج من دائرة التّخلّف والحرمان والقهر والضّيم.
كما لم ينسوا وصف جمال الصّحراء ومفاتنها بقصد التّمتّع بهذا السّحر والحسن، وبهدف التّذكير بضرورة الحفاظ على هذا الجمال وحمايته من التّخريب والإهمال، واستثمار خيرات الصّحراء وثمارها في مصلحة الوطن. وهو ما يمليه المطلب الوطني والواجب القومي.
من الشّعراء الذين عنوا بوصف الصّحراء مفدي زكريّاء، أحمد الطّيب معاش، أحمد سحنون، صالح خرفي ...
يغازل مفدي زكريّاء نوفمبر سنة 1957م، ويطارحه مشاعره نحوه، ويعاهده على البقاء معه وفيّا، يسنده كي يحرّر الوطن من الأعداء والغاصبين، ويذكّره بأنّ الأرض الجزائريّة كلّها تنتفض لتتحرّر من نير الظّالم الغاشم.
من جملة هذه المناطق الصّحراءُ، التي يعدّ الشّاعر أحدَ أبنائها، ترعرع فيها صبيّا ودرج فيها فتىً، امتزج بكثبانها، وتسلّق نخيلها، واغترف من مائها، وأكل ثمارها وسامر لياليها ...
عمد الشّاعر إلى وصف مفاتن الصّحراء في صورة رومانسيّة حالمة، مستذكرًا الذّكريات الحلوة والمرّة التي سجّلها على أرضها. إلاّ أنّ ذلك لم يكن الغاية، إنّما المرمى كان إظهارَ التّعلّق بها وتحريكَ النّفوس كي تحسّ بهذا الذي يشعر به، فتثور لكي تتمكّن من الاحتفاظ بها.
هذه اللّفتة تدخل ضمن رسالة الشّاعر الوطنيّة، وهي توعيّة النّشء بضرورة الثّورة ضدّ كلّ مغتصب للأرض، وكلّ معتد على الحمى:
__________
(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث. ص: 103. (1/33)
صفحة 34
وفي صحرائنا جنّات عدن ... بها ... تنساب ثروتنا انسيابا
وفي ... صحرائنا الكبرى كنوز ... نطارد ... عن مواقعها الغرابا
وفي ... صحرائنا تبر وتمر ... كلا الذّهبين: راق ... وطابا
وفي صحرائنا شعر وسحر ... كلا الملكين: حطّـ بها الرّكابا
وفي ... صحرائنا أدب وعلم ... زكا بهما المثقّف واستطابا
وفي واحاتنا ... ظلّ ظليل ... تفور به ... نواعرها ... حبابا
يدغدغ تحتها الغنّام نايا ... فينطق من فم الغنم الرّبابا
فما يدري بجنّته نفاقا ... ولا كذبا ولا خان الصّحابا
وتحت نعالها استقلال شعب ... يلاقي في (المنظّمة) الصّعابا (1)
نلحظ في النّصّ تكرار لفظة (صحرائنا) التّي تُبينُ عن تمسّك الشّاعر بهذه الأرض، وهيامه وعشقه لها، كما نسجّل هذا التّتبّع الدّقيق لما تتمتّع به الصّحراء من كنوز وخيرات. كما نلحظ استعمال الشّاعرِ كلماتٍ وصورًا، تعطي الصّحراءَ قيمةً كبيرة، فتعمل على اجتذاب النّفوس إليها
__________
(1) - اللّهب المقدّس. ص: 33 - 38. (1/34)
صفحة 35
وصدّها عن الانجذاب إلى غيرها (جنّات عدن، كنوز، تبر، تمر، سحر، شعر، أدب، علم، يراقص، يدغدغ، نواعر ... )
ممّا يؤكّد ما قلناه، من أنّ الغاية من كلّ هذا الوصف هو إثارة النّخوة واستشارة الهمم، ... للنّهوض للقيام بواجب الافتداء لافتكاك الأرض من ربقة العدو، هو ماجاء في نهاية تلك اللّوحة:
وتحت نعالها استقلال شعب ... يلاقي في (المنظّمة) الصّعابا
في نصّ آخر يسجّل الشّاعر نفسه المزايا والأفضال التي تتميّز بها الصّحراء، ويسرد الأخلاق التي تتمتّع بها. ألا يكون ذلك دعوة إلى التّعلّق بهذه الأرض؟ ونداء إلى أخذ دروس منها في التّضحيّة والفداء؟ ونصيحة لتعلّم الأخلاق والخلال الحميدة منها؟
إنّ هذا هو الحسّ الوطني والشّعور القومي اللّذان يجب أن يتحلّى بهما الفرد حتّى يبقى وفيّا لوطنه وقومه ومقوّماته ومبادئه وأصالته، مهما يتقلّب الزّمان، وتدلهمّ الخطوب، وتتغيّر الأحوال، ومهما تكن حال الوطن من العسر واليسر ...
قال مفدي زكريّاء سنة 1972م:
ألا مال لهذا الحساب ومالي ... وصحراؤنا نبع هذا الجمال
هنا مهبط الوحي للكائنات ... حيال النّخيل وبين الرّمال
ومهد الرّسالات للعالمين ... ونور الهدى ومصبّ الكمال
هنا ... العبقريّات ... والمعجزات ... وصرح الشّموخ وعرش الجلال
تبادلنا الشّمس إشعاعها ... ويلهمنا ... الصّفو نور الهلال
ونعدو ... فنسبق ... أحلامنا ... ونهزأ من وثبات الغزال
وجنَّبَنَا الغدرَ ... ماءُ ... الغدير ... وحذّرَنا الظّلُّ نهجَ الضّلال (1/35)
صفحة 36
وعوّدنا الصّدقَ راعي المواشي ... وعلّمنا الصّبرَ صبرُ الجمال
وأخرجتِ ... الأرضُ أثقالها ... فطار بها العلم فوق الخيال
تُوفّرُ ... للشّعب ... أقدارَه ... وتكفي الجزائرَ ذلَّ السّؤال (1)
ينسج الشّاعر صالح خرفي على منوال مفدي زكريّاء، ويخاطب شهر نوفمبر سنة 1960م، ويقسم أيمانا مغلظّة على أن يفتدي الجزائر ويفتكّها من براثن الأعداء؛ بخوض معاركَ، وتقديم ضحايا، وتسجيل بطولات كبيرة ... يستوحي هذه الشّجاعة وهذه البطولة من ملامح الصّحراء الطّاهرة الكريمة القويّة ...
البيد سفح للأشمّ، كلاهما ... للثّأر مشدود الأواصر والعرى
يا من على الصّحراء سال لعابهم ... كم مورد فيها، سلوا هل أصدرا؟
أقسمت بالرّمضاء فيها، بالرّيا ... ح الهوج، تنتعل الجديب المقفرا
بالنّاقة الوجناء فيها، لم تزل ... عربيّةَ الخطوات، شامخة الذّرا
أقسمت بالحادي، وبالفصحى التي ... ناجى بها اللّيل الجميل المقمرا
بالخيمة السّوداء، باللّيل الأنيس ... بنارها، ما انفكّ طائي القرى
بالنّفط في الصّحْرا، عشقت سواده ... الدّاجي، وعفت به النّضار الأصفرا
بالذّرة الرّعناء أقعد راجلا ... إشعاعها المودي، وأعمى مبصرا
أقسمت بالصّحراء مهدا لانبثا ... ق الوحي، نقَّاها (حراء) وطهّرا
__________
(1) - مفدي زكريّاء، إلياذة الجزائر، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، سنة 1987. ص: 36. (1/36)
صفحة 37
سنعيد ذكرى (القادسيّة) للنّهى ... تهوي بكسرى، أو تطيح بقيصرا
سنشنّها (عمريّة) (سعديّة) ... سنثير رملتها قتاما أغبرا
ذكرى سنجعلها، وتبقى عبرة ... في الخافقين، لِمن وعى وتذكّرا (1)
توجد قصائد كثيرة تغنّت بالصّحراء والرّيف. إنّ الدّارس حين يتأمّلها يقرأ فيها المشاعر الوطنيّة، والمعاني القوميّة بأوضح ما يكون، وهو ما يجب أن يتشبّع به الشّاعر القومي، ويحذقه الفنّان صاحب الرّسالة.
إنّ التّعامل مع هذا الموضوع بهذه الصّورة، يحمل الشّاعر على الاقتناع بأنّ الشّعر بعظمته وشأنه الكبير قادر في أيّة لحظة، وفي أي ميدان تحرّك، وفي أيّة وجهة وجد، وفي أيّ موضع وضع، وفي أيّ سبيل سيق، وبأيّة وسيلة اقتيد ... قادر على البقاء وفيّا لهويّته القوميّة، قدير على تحريك المشاعر الصّادقة في النّفوس، وزرع الأفكار الصّالحة في الرّؤوس. يعلّق الدّكتور محمد ناصر على تعامل الشّعراء الجزائريّين مع الصّحراء قائلا: «ويمتزج بنزوعهم الفردي هذا نزوع قومي يتمثّل في الشّعور بأنّ المدن بحضارتها ومدنيّتها، إنّما تمثّل وجه الغرب المستعمر، في حين يظلّ الريف والصّحراء بطهارتهما وإشراقهما يمثّلان وجه الوطن الحقيقي، الذي لم يفسده المستعمر بحضارته المزيّفة، ولم يدنّسهما بأقدامه الدّخيلة» (2)
مجمل القول: إنّ وصف الطّبيعة عند هؤلاء الشّعراء لم يكن القصد منه – في الدّرجة الأولى – إلاّ الإفصاح عن الإصرار على التّمسّك بالأرض والتّعلّق بها، والدّعوة إلى تحرير البلاد من ربقة الاستعباد، والنّداء إلى التّأسّي بأخلاق الصّحراء، والرّجوع بالإنسان إلى الفطرة التي فطر الله النّاس عليها ... إنّ هذا يعدّ سبيلا من سبل تصوير الشّعور الوطني أصدق تصوير. وهو أحد مظاهر الرّسالة القوميّة.
__________
(1) - صالح خرفي، أطلس المعجزات، ط 2، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1982م. ص: 177، 178. مطلع القصيدة هو:
بايعت من بين الشّهور نفمبرا ... ورفعت لصوت شعبي منبرا
(2) - دراسة في الشّعر الحديث. ص:110. (1/37)
صفحة 38
4 - تعامل الشّعراء مع اللّغة تعاملا قوميّا:
شعر الشّعراء الجزائريّون بالغربة الثّقافيّة في وطنهم بخاصّة في عهد الاحتلال، إذ كانت الثّقافة الدّينيّة ضعيفة: غلوّا في الجمود أو إفراطا في التّحلّل من الدّين، أو الدّعوة إلى الاندماج والتّجنيس، والانقطاع عن الماضي، والارتماء في أحضان الحضارة الغربيّة، إلى جانب الضّعف في اللّغة العربيّة لاسباب عديدة ... أحسّ الشّعراء – نتيجة لذلك- بخطر داهم يهدّد اللّغة العربيّة والإسلام بالتّبع؛ بما نتج عن ذلك من مزالق فكريّة، أصابت الأصالة في العمق، فعملوا على تدارك الأمر وإنقاذ الموقف واتّخاذ أية وسيلة في هذا المجال، فهداهم تفكيرهم إلى سلوك مسلك عملي، وهو محاكاة الأساليب البيانيّة العاليّة في الكتابة كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي القديم ...
نظرا لكون القرآن الكريم يمثّل عند الشّعراء الجزائريّين (1) - كغيرهم – المعين الذي تأخذ منه التّجارب، والملجأ الذي يلجأ إليه في حلّ المشاكل الفكريّة بخاصّة. كيف لا يكون كذلك!! وهو القمّة التي وصلت إليها البلاغة والفصاحة، فقد استلهمه الشّعراء – استجابة للدّافع القومي، وانطلاقًا نحو تثبيت الهويّة – في فضح الكثير من دسائس الاستعمار وأهدافه التي ترمي إلى طمس معالم الشّخصيّة الإسلاميّة العربيّة في الجزائر. واستوحوه في الكشف عن الصّراع الحضاري بين الاستعمار والانتماء العربي الإسلامي، والصّراع الدّيني بين المصلحين والطرقيّين، والصّراع الأخلاقي بين المؤمنين والمنحرفين سلوكيّا وفكريّا ...
ضمن الرّسالة القوميّة التي تحمّلها الشّعراء، حاولوا الارتقاء بلغتهم والتّوسّع فيها في وقت ضعفت فيه الثّقافة اللّغويّة – كما هو حالنا اليوم – وهو ما انجرّت عنه انزلاقات، هي من المشاكل التي تعاني منها الهويّة والقوميّة، التي نرجو أن نعمل جميعا على تداركها. فقد وجدوا في القرآن الكريم الغناء من هذا الفقر؛ فعملوا على احتذائه والسّير على نسقه في التّعامل مع اللّغة واستعمالها في سبيل بعث الثّقافة اللّغويّة القويّة، ونشرها في أوساط الجماهير، والوقوف والصّمود أمام التّيّارات التي تعمل على الحطّ منها وإضعافها.
كانوا في هذا الاستعمال يستغلّون العاطفة الدّينيّة في المتلقّين والمخاطبين، فكانوا يقدّمون أفكارهم ومشاعرهم في سياق من الألفاظ القرآنيّة التي تحمل دلالات، تعين على إثارة عاطفة أو
__________
(1) - الحديث ينصرف إلى الشّعر الذي قبل الاستقلال بخاصّة. (1/38)
صفحة 39
تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع الأمل ونزع اليأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغويّة ...
في هذا الاستعمال والاستلهام من هذا الرّافد في هذا الظّرف العصيب، الذي عاشته الجزائر (عهد الاحتلال) تتّضح الرّوح القوميّة التي تسعى إلى التّحريض على الاستمساك بالمبادئ، واثبات الإنيّة وحماية الذّات، ومحاربة سياسة المسخ والتّذويب والتّشويه والتّغريب. في هذا المنحى تظهر رسالة الشّاعر الفنّان القومي، فليعتبر أولو الأبصار والألباب.
لقد فهم الشّعراء أنّ هجوم الاستعمار على اللّغة العربية هو محاربة للهويّة الإسلاميّة وللانتماء العربي (1) لهذا قاوموا هذا التّيّار والاتّجاه الذي يرمي إلى الإنقاص من مكانة اللّغة العربيّة، ويهدف إلى قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها. فكان الرّجوع إلى القرآن الكريم ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّاريّة من أجل البقاء. يقول الدّكتور محمد ناصر: « ... إنّ هذا الموقف لم يكتسب بُعدًا ثقافيّا أو اجتماعيّا أو دينيّا فحسب، وإنّما اكتسب أيضا بعدا سياسيًّا. فقد كان الحرص على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحة نقيّة جزءًا من الحرص على المقوّمات الأساسيّة للشّخصيّة الجزائريّة، أمام أفواج الفرنسة والمسخ» (2)
أشير في النّهاية إلى أنّ ظاهرة استلهام لغة القرآن كانت أكثر بروزًا في الاتّجاه التّقليدي في الشّعر الجزائري، الذي يمثّل مرحلة الانبعاث في الأدب ومرحلة النّهضة الفكريّة والاجتماعيّة، التي تميّزت بميزة بعث الأساليب العربيّة الصّافيّة، والتّمسّك بأمتن الرّوابط القوميّة وهي اللّغة العربيّة، وما تنطوي عليه من ثقافة العرب وأساليبهم ... لذا عدّ الاتّجاه التّقليدي في حدّ ذاته ظاهرة قوميّة. وما صنعه الشّعراء الجزائريّون هو ما قام به إخوانهم في بلدان العالم العربي، كما يشير إلى ذلك الدّكتور عمر الدّقاق (3)
5 - العروبة في الشّعر الجزائري:
__________
(1) - هو الموقف نفسه الذي اتّخذه ويتّخذه كلّ من يسير في ركاب المستعمر من أبناء الجزائر و غيرهم حاضرا وماضيا.
(2) - الشّعر الجزائري الحديث، اتّجاهاته وخصائصه الفنية. ص: 294، ينظر نماذج من تأثّر الشّعراء بالقرآن الكريم كتابنا «أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث» ج 1،ج2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، سنة 1992.
(3) - ينظر كتاب «نقد الشّعر القومي» ص: 205. (1/39)
صفحة 40
إنّ الشّعراء الجزائريّين كانوا أكثر تشبّثا بمقوّمات العروبة والإسلام، لانّ وطنهم حورب أكثر من غيره: في عقيدته ولغته وتاريخه، إلى درجة أن وجد شباب كاد يفقد الشّعور بوجوده، فضلا عن معرفة حقيقة انتمائه، أي لم يعرف هل له ثقافة خاصّة يصدر عنها، وأصالة معيّنة يرجع إليها؟
استمسك الشّعراء بتلك المقوّمات؛ للوقوف أمام الهجمات والتّشويهات التي كانت تسعى إلى استبدال دين بدين ولغة بلغة وعادات بعادات. هذه بعض عناصر القوميّة التي: «طاردها المستعمر شبرا شبرا، وأحكم عليها الخناق مسجدا ومدرسة حرّة وكتابا عربيّا، وصحيفة وطنيّة وناديّا ثقافيّا، وبذر الفرقة مذهبا وعقيدة، عرقا وأرومة» (1)
من مظاهر هذا الاستمساك التّغنّي بالعروبة: فكرة وعقيدة وقيمًا ومشاعر ... ؛ انطلاقا من الصّراع اليومي والمواجهات المستمرّة لهذه المقوّمات. قال صالح خرفي تحت عنوان «صرخة جزائريّة» سنة 1958م.
لا تلمني على الغنا والتّغنّي
بأماني عروبتي، لا تلمني
بينها فرّق الزّمان وبيني
ورمتني بهجرها والتّجنّي
ثمّ وافت في نشوة المطمئنّ
تتهادى على جبال الجزائر
تيمّت قلبها شجاعة ثائر
لا تلمني عن العروبة فينا
إنّها تستفزّ ثأرا دفينا
__________
(1) - في رحاب المغرب العربي ص: 204. (1/40)
صفحة 41
إنّها حيَّة ترنّ رنينا
تتحدّى قساوة المعتدينا
إنّها شمعة بتلك المغاور
نورها مزّق الدّجى في الجزائر (1)
تبدو في هذا النّصّ الحسرة على اتّهام الجزائري بأنّه ليس عربيّا، ويطفو عليه الأسى على اعتقاد أنّ العروبة مهجورة في الجزائر. وفيه في مقابل ذلك اعتذار لمن يلحظ إسراف الشّاعر في التّغنّي بالعروبة.
قام الشّعراء برسالة إعلاميّة تصحيحيّة لما يروّج عنهم وعن أوطانهم، من الانسلاخ من الدّين والتّخلّي عن العروبة. قال الشّاعر نفسه سنة 1958م ذاتها تحت عنوان «الجزائر الثّائرة:
من قال عنّا في العروبة قالة ... فقد افترى زورا علينا وادّعى
هي بعض ما ينساب بين عروقنا ... هي وقع دقّات تهزّ الأضلعا
هي طرفنا، إن مسّه يوما قذى ... متطاول، فلقد أقضّ المضجعا
ولو ارتضينا بالمذلّة عيشة ... لمشى الطّغاة بها إليها ركّعا
لكنّ حرف الضّاد في لهواتنا ... يأبى لغير العزّ أن يتضرّعا
وحشاشة أنفت – ولو أدى ... بها الإجهاد – أن تستجدي المستنقعا (2)
إذا انبرى الشّعراء يتغنّون بالعروبة؛ وفاء للأمجاد الغابرة، وشعورًا بالمسؤوليّة تجاه الأجيال الصّاعدة ... فلأنّ هذا السّلوك هو أحد الوسائل في القيام بالواجب القومي نحو الهويّة. من هؤلاء
__________
(1) - أطلس المعجزات. ص: 101، 102.
(2) - المصدر السّابق. ص: 123. (1/41)
صفحة 42
الشّعراء الذين اهتمّوا كثيرا بهذا الموضوع الشّاعر مفدي زكريّاء، الذي نجد في شعره ألفاظا كثيرا تدور في فلك العروبة مثل (العروبة، العربيّة، العرب، يعرب، عربيّ، الضّاد، الفصحى، الشّرق، المشرق ... )
نقف فيما يأتي عند بعض دلالات العروبة عنده، لبيان بعضٍ من إسهاماته في تثبيت الهويّة القوميّة (1). قال سنة 1956م:
وخلّدت من مجد العروبة صفحة ... رسمت على عنوانها وجه قحطان
وملءَ عروقي صارخ دمُ يعربٍ ... فألهمني ينبوع يعرب تبياني
وهمت بأبناء العروبة يافعا ... أرى كلَّ أبناء العروبة إخواني (2)
في هذه اللّوحة رسم الشّاعر شخصيّته، وكشف عن هويّته، وأفصح عن منهجه في الحياة، الذي لن يكون سوى السّير في ركاب العروبة، والإصدار عنها في كلّ حركة وسكنة، والعمل على حمايتها والذّود عنها.
سجّل افتخاره بما وُهِبَه، وما تحصّل عليه، وهي العروبة التّي تمثّل الإطار السّليم للأصالة؛ شريطة أن يكون هذا الشّيء الموهوب ساعيّا وعاملا على جمع الصّفّ ولمّ الشّمل وتوحيد خطّة العمل:
وهبنا العروبة جنسا ودينًا ... وإنّا بما قد وهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفّا ... ويجمع شملا رفعنا جبينا (3)
بل يصل الشّاعر الغاية في الاندماج في العروبة والعربيّة، اللّذين نصّب نفسه محاميا عنهما، حين يعرض حال بعض العرب، الذين تزوّجوا بالأجنبيّات، وذلّوا أمامهنّ، وتنكّروا لأصولهم،
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل في هذا الموضوع، ينظر مقالنا «العروبة في شعر مفدي زكريّاء» مجلة الثّقافة، وزارة الثّقافة، (الجزائر) عدد:107 - 108 مارس – أفريل، سنة 1995م. ص: 38 - 75. نقلنا منه بعض الفقرات في هذا البحث.
(2) - اللّهب المقدس. ص: 320 - 321.
(3) - إلياذة الجزائر. ص: 43. (1/42)
صفحة 43
ورضخوا لإرادتهنّ ... تتحرّك غيرة الشّاعر، وتنتصب مشاعره، فيمضي يعلن صراحة عن تمسّكه بالعروبة، واندماجه الكلّي فيها، ويتعهّد بالتّضحيّة في سبيلها، قال سنة 1972م:
وبعض تزوّج ... بالأجنبيّه ... وقال: مثقّفة ... حضريّه
تراقصني ... وتراقص هذا ... وذاك وتعبث عن حسن نيّه
وتختال بالميني جوب دلالا ... وتستعرض المغريّات الخفيّه
وتتركني ... لا جناح عليها ... وتذهب ... للسّهرة ... النّرجسيّه
وتقضي اللّيالي خارج بيتي ... وذلك من نعم ... المدنيّه
وإن ولدت لست أدري لمن ... كفى أنّه من بني البشريّه
أناديه صالح عند الصّباح ... وأدعوه موريس عند العشيّه
وإن زلّ يوما تناديه بيكو ... فأحسب ... بيكو من البكويّه
وتدعو مساعدنا مون أراب ... فأهوى العروبة والعربيّه
وأنحر في نحرها ... غيرتي ... فتغدو أنا، ثمّ أصبح هيّه (1)
إنّ الشّخصيّة الإسلاميّة والشّخصيّة العربيّة عند مفدي زكريّاء وجهان لعملة واحدة، لا تقبل هذه العملة إلاّ بهما معا، ولا تتداول إلاّ بسماحة الإسلام وفي ظلّ العروبة: الإسلام الذي ترعرع في مهد العروبة، والعروبة التي استمدّت قوّتها وقيمتها من الإسلام.
قال الشّاعر نفسه سنة 1937م يقدّم حقيقة الشّعب الجزائري للأشقّاء:
إنّ شعبًا على العروبة والإسـ ... لام قد شبّ، لا يطيق
__________
(1) - المصدر السّابق. ص: 104. (1/43)
صفحة 44
فصالا
إنّ جنسًا مقدّسا عربيًّا ... ليس يرضى أن يستحيل خيالا
إنّ جنس النّبيء صعب على الهـ ... ـم، فيا غرب كفّ عنك المحالا (1)
وقال سنة 1955م:
نحن في هذه الجزائر إخوا ... ن، جراحاتنا الثّخينة حمرا
لحمة الضّاد والعروبة والتّا ... ريخ والدّين آي ربّك كبرى
وهواها وماؤها ... وسماها ... وثراها الزكيّ، شبرا فشبرا (2)
أمّا صالح خرفي فيحيّي سنة 1964م الوفود العربيّة المجتمعة في بغداد تحت إشراف وزراء التّربيّة العرب ويقول لهم:
لولا عرى الإسلام تجمع بيننا ... لولا العروبة لم نَجُد بشهيد (3)
وقال الشّاعر عيسى لحيلح سنة 1984م:
تبقى العروبة ما صانت عقيدتها ... ماعاش حيّ، ومنه القلب مسلوب (4)
توجد ملامح كثيرة للعروبة في الشّعر الجزائري، اكتفينا بالإشارة إلى بعضها. وقد لحظنا أنّ الشّعراء قد انضووا تحت رايتها انضواء كاملا، وانصهروا في بوتقتها انصهارا كلّيّا، وصدروا عنها في كلّ أنشطتهم وتحرّكاتهم.
__________
(1) - مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة. ص: 212.
(2) -اللّهب المقدّس. ص: 283.
(3) - صالح خرفي، أنت ليلاي، (ش، و، ن، ت)،الجزائر، سنة 1974م. ص: 170.
(4) - عيسى لحيلح، وشم على زند قرشي، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، سنة 1985م. ص: 32. القصيدة تحت عنوان «كهربوا الضّاد» أُلقيت في الملتقى الدّولي الثّاني للتّعريب بجامعة قسنطينة سنة 1984م. (1/44)
صفحة 45
إنّ الذي دفعهم إلى تناول مسألة العروبة بهذه الكثافة هو ما لحظوه من الهجوم العنيف على اللّغة العربيّة وما يتّصل بها، والتّشويش على الوَحدة الوطنيّة والوَحدة العربيّة، وذلك بإهانة المقوّمات، وإحياء النّعرات والنّزعات.
دلالات العروبة – كما تناولها الشّعراء - كانت الأصالة، الأخوّة، التّضامن، الإباء، التّحدّي، التّصدّي، الاعتداد بالنّفس، الكرامة، العزّة ...
بهذه المعاني التي تناول بها الشّعراء العروبة أكّدوا على عروبة الجزائر وانتمائها إلى الأمّة العربيّة والإسلاميّة؛ مهما تكن التّحوّلات التي تتعرّض لها، والمحاولات التي تسعى إلى تغيير وجهها الحقيقي.
نسجّل أنّ تناول موضوع العروبة بهذه الكثافة، وهذا التّوسّع هو رسالة مقدّمة إلى الأجيال، تنبّههم إلى كيفيّة التّعامل مع العروبة، وتحديد العلاقة التي يجب أن تسود أبناء الملّة الواحدة، وذلك بالتّرفّع عن الاعتبارات العرقيّة والنّزاعات الطّائفيّة، والسّموّ عن الانشغال بالمسائل الهامشيّة، والارتقاء إلى الاهتمام بالمهمّ، وما يوطّد العلاقات فيما بينهم، وما يخدم الأصالة والدّين والوحدة ... هكذا تبرز القيمة القوميّة للشّعر، حين يقوم برسالة التّصحيح والتّبليغ وتثبيت الهويّة.
أريد في نهاية هذا المبحث أن أعرض وجهة نظر الدّكتورة نور سليمان في قضيّة جوهريّة، تبيّن البعد القومي في الكتابة والتّعبير والتّصوير، ودور اللّغة القوميّة في بلورة الأفكار، وطبع المشاعر بطابع متميّز، له من صبغة الانتماء والانتساب والولاء ما يعمّق الوعي في نوع اللّغة المستعملة في الكتابة، وما ينبّه إلى ضرورة التّفطّن إلى المؤامرات التي تمرّر، والدّسائس التي تحاك في التّهوين من طبيعة اللّغة المعتمدة في الخطاب والتّوصيل والتّبليغ، وهي المؤامرات التي نجد لها رواجا في هذا الوقت، وهذا الزّمان الذي وهنت فيه الرّوح القوميّة، وهان فيه الشّعر، قالت الدّكتورة: «لقد اهتمّ شعراء الجزائر بالعربيّة أكثر من زملائهم الشّعراء بالفرنسيّة في تأكيد عروبة بلدهم، وكانت العروبة الحاجز الأكبر بينهم وبين المستعمر، وأمّا الآخرون فقد انفصلوا عن هذا المستعمر، لأنّه بالدّرجة الأولى مستعمر، من غير التّركيز على القوميّة العربيّة، ولعلّ السّبب الأكبر في ذلك جهلهم للّغة العربية وابتعادهم عن أجوائها، وبقي بعض هؤلاء الشّعراء بالفرنسية يتذكّرون أصلهم القبائلي ولغتهم البربريّة» (1)
__________
(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1981م، ص: 337. (1/45)
صفحة 46
6 - قضايا إسلاميّة وعربيّة في الشّعر الجزائري:
حماسة الأدباء الجزائريّين للدّين الإسلامي، وإحساسهم العميق بالعروبة، وشعورهم بالعلاقة الوطيدة بالعالم العربي والإسلامي وارتباط وطنهم (الجزائر) بهما، وتمسّكهم بالقوميّة مرجعيّةً في العمل والنّشاط والإصدار والإيراد ... كلّ هذا جعلهم يفسحون مجالا وحيّزا كبيرا للقضايا الإسلاميّة والعربيّة في أدبهم، وهو ما يفسّر هذا التّجاوب الكبير مع كلّ ما يحدث ويجدّ في العالمين العربي والإسلامي.
لقد كانوا يفسّرون الأحداث تفسيرا دينيّا، وينظرون إليها برؤية إسلاميّة. هذا التّناول هو في حقيقته نوع من الحرب التي خاضها الجزائريّون مع فرنسا عدوّة الإسلام والعروبة، وذلك بالوقوف أمام أساليبها الهادفة إلى قطع صلتها بالمشرق الإسلامي، وبتر انتمائها إلى الأصالة الإسلاميّة أو تشويشها على الأقلّ.
هذا التّفسير الدّيني للأحداث السّياسيّة في العالم الإسلامي موقف قومي، له ما يبرّره؛ إذ أنّه تعبير نفسي عن الاغتراب، الذي يشعر به الجزائريّون، وسط قمع استعمار بغيض يسلب الحرّيّة، ويحارب الانتماء، ويقضي على الأصول، وينغّص الحياة، وهو أيضا تعويض عمّا حرموه في وطنهم الأصلي من كلّ ذلك، إذ وجدوا في التّعبير عن قضايا العالم الإسلامي والعربي متنفّسا من الكمد، الذي يملأ قلوبهم.
هذا التّصرّف أو هذا السّلوك درس يقدّمه هؤلاء الشّعراء لكيفيّة التّعامل مع القوميّة، التي هي الكفيلة بلم ِّ الشمل وجمع الشّتات وإبعاد التّشتّت وتوحيد الصّفّ ونزع الشّقاق، وزرع الثّقة ... القوميّة التي تسعى إلى ربط الشّرق بالغرب، القوميّة التي تدعو إلى الالتحام وقت الرّخاء وزمن الشّدّة، القوميّة التي توجب الوفاء وتفرض الولاء وتحفظ الانتماء في السّرّاء والضّرّاء، القوميّة التي تربط بين الماضي والحاضر، وتخطّط للمستقبل في إطار المبادئ والقيّم ... هذه المعاني والأفكار عالجها الشّعر الجزائري، وهو يتناول القضايا العربيّة والإسلاميّة. من هذه المسائل علاقة الجزائر بالشّرق. قال محمد العيد:
وابن الجزائر بابن الشّرق مرتبط ... وإن أحاطت به الأشواك أسوارا (1)
__________
(1) - ديونا محمد العيد. ص: 456. من قصيدة في رثاء حافظ إبراهيم، وردت فيها كلمة الشّرق خمس مرّات والقصيدة تعدّ 24 بيتا. (1/46)
صفحة 47
كان الحديث عن الشّرق في الشّعر الجزائري حديثا عن انتماء الجزائر للوطن العربي، والولاء الرّاسخ للعروبة؛ لأنّ الشّرق يمثّل – عند الشّعراء الجزائريّين – التّاريخ والفكر والرّوح، ويمثّل منبع القيّم العربيّة والإسلاميّة ماضيا وحاضرا. لذا كان حلمَ الخلاص وطريقَ الوحدة الشّاملة. قال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: «داوِ الكلوم يا شرق، فما زلنا كلّما استشفينا بك نجد الرّاحة والعافيّة ونظفر بالأدويّة الشّافيّة. وما زلنا كلّما استنشقنا ريحا استنشقنا رندك وعرعارك، وكلّما استورينا زندا استجدنا مرخك وعفرك، ومازالت أفئدتنا تهوي إليك فتصافحنا حرارة الإيمان وبرد اليقين وروح الأمان، ومازلت تتحفنا مع كلّ بازغة منك بالنّور اللاّئح والشّعاع الهادي، ومازال يتبلّج علينا من سناك في كلّ داجيّة فجر، وتسري إلينا من صباك في كلّ غماء نفحات منعشة» (1) هذه المشاعر جسّدت أحسن تجسيد في الشّعر الجزائري.
قال محمد العيد آل خليفة سنة م1947، تحت عنوان «يا شباب»:
يا شباب اتّجه إلى الشّرق واحفظ ... كلَّ كنز له، إليه انتساب
إنّما الشّرق نسبة العرب الأحـ ... ــرار، لم تنقطع لها أسباب
إنّما الشّرق للعروبة كهف ... آمن الظّلّ، بالأذى لا يصاب
إنّما الشّرق للعروبة ورد ... بارد الماء، سائغ مستطاب
هو صفو، وغيره لك شوب ... فَرِدِ الصّفو، لا تَرِدْ ما يُشاب (2)
أمّا مبارك جلوح العبّاسي (1908 - 1943م) فدعا إلى التّقدّم والأخذ بأسباب العلم وإلى الوَحدة والألفة. طلب من الجزائريّين أن يمدّوا أيديهم إلى المشرق الإسلامي في قصيدة بعنوان «أترى لِذي الويلات يا دهر غاية»:
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة 1971م. ص: 551. من مقال تحت عنوان «من نفحات الشّرق»، نشر في جريدة البصائر، عدد: 164.سنة 1951.
(2) - ديوان محمد العيد. ص:260، 259. (1/47)
صفحة 48
هذي يد الشّرق الشّريفة أصبحت ... لشتات شمل المسلمين تؤلّف
دعني أصافحها وألثم كفّها ... وأكن كما تهوى كريما يسعف
يا أيّها الشّرق المعظّم إنّ ذا ... بدر المعالي كاد فينا يخسف
فأسرع بما فيه الحياة لنا معا ... إذ أنت أعلم بالحياة وأعرف (1)
إذن إنّ العارف والمؤلّف بين الإخوان والمسعف والموئل هو الشّرق، فما على الجزائريّين إلاّ أن يمدّوا أيديهم إليه لينجدهم ...
كم هي القصائد التي عبّرت عن الحسّ الوجداني للشّعر الجزائري نحو الشّرق. فقد كان الشّاعر الجزائري يستلهمه، ويأخذ من تجاربه ما يجنّبه الانحراف والابتعاد عن أصالته. هذا ما كان يعتقده، وهو يأمل أن يكون مصيبًا، وتكون هذه الأصالة حقيقيّة؛ حتّى يكون التّأسّي سليما.
يظهر هذا التعلّق وهذا الاستنجاد وهذه الاستغاثة وهذا الارتباط بالشّرق؛ دافعًا قوميًّا أملته الظّروف العصيبة التي عاشها الشّعب الجزائري. يتجلّى أكثر ما يتجلّى في قصائد مفدي زكريّاء مثل: «اقرأ كتابك» (2) و «على عهد العروبة سوف نبقى» (3) و «رسالة الشّعر في الدّنيا مقدّسة» و «قل ياجمال» و «فلا عزّ حتّى تستقلّ الجزائر» و «معجزة الصّانع» و «فلسطين على الصّليب» (4)
__________
(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث. ص: 45.
(2) - اللّهب المقدّس. ص: 57.
(3) - المصدر السّابق. ص: 120.
(4) - المصدر السّابق. ص: 287 وما بعدها. (1/48)
صفحة 49
في هذه القصائد حديث صادق، ومشاعر فيّاضة، وعواطف جيّاشة، ورؤى عميقة، ونظرات ثاقبة حول الشّرق، فيها اعتراف بتجاوب الأشقّاء بكل صدق وإخلاص مع القضيّة الجزائريّة في أثناء الثّورة التّحريريّة.
قال الشّاعر سنة 1955م تحت عنوان «على عهد العروبة سوف نبقى»، وهو يتحدّث عن المغرب العربي:
به ... قلب العروبة ... مستقلٌّ ... إلى وطن العروبة ذاب شوقا
فدام على عروبته ... وفيًّا ... يراعي عهدها؛ خلقا وخلقا
وولَّى وجهه للشّرق، لمّا ... تطلّع يبتغي للعزّ أفقا
فلم ينسَ العروبة وهو حرّ ... وما نَسِيَ العروبة وهو يشقى
بلاد المغرب العربي (شرق) ... وكانت قبلة العربي ... شرقا
رسولَ الشّرق، قل للشّرق إنّا ... على عهد العروبة، سوف نبقى
وأنّا في الجزائر خير شعب ... عروبته مدى الأجيال وُثْقَى
وأنّ الوَحدة الكبرى إذا ما ... تحرّرت الجزائر، سوف تبقى (1)
في خضمّ الأيّام التّعسة السّوداء، التي فرضها الطّوفان الاستعماري على الجزائر، لم تنس أبدا عروبتها، ولم تتنكّر لقوميّتها، ولم تبخل بمشاركة شقيقاتها من الأقطار العربيّة ثاراتها، ولم تجبن ولم تتأخّر عن مواساة جراح أبناء العروبة، ولم تتخلّف عن نجدة إخوانها في الدّم واللّسان.
__________
(1) - المصدر السّابق. ص:.121 – 123. (1/49)
صفحة 50
إنّ الشّعر الجزائري الذي بشّر بالقوميّة العربيّة الإسلاميّة، لم يكن لتغيب عنه حوادث العالم العربي وقضاياه، حتّى وهو يعيش أحلك الظّروف وأقسى المحن. فبرغم ما فرضه الاستعمار الفرنسي من قيود على الاتّصال بالعالم العربي والإسلامي، وما ضربه من ستار حديدي على ما يجري فيهما، فإنّ الشّعر الجزائري كان يمدّ الرّأي العام بأنباء الوطن العربي، ويفيده بكلّ ما يحدث فيه، استجابة للرّسالة القوميّة التي تفرض عليه البقاء مرتبطا بكلّ من تجمعه به أواصر الدّم واللّسان.
هذه الرّوح هي التي تكشف الشّعور القومي، الذي كان يحكم كتابات الشّعراء، وهي التي تبيّن دور الشّعر وعلاقته بالهويّة؛ إذ تبرز وتوضّح ما يجب عمله للبقاء في ارتباط وثيق وصلة قويّة بالأصول وبالأشقّاء. فلا المحن تفرّق بين الأخلاء، ولا الظّروف تفقد حرارة التّجاوب مع الآلام والآمال المشتركة، ولا المضايقات والاستفزازات تنسي الأخ في أخيه.
في السّلوك الذي أبداه الشّعراء الجزائريّون في أحلك أيّامهم وأشدّ لياليهم تحهّما عبرةٌ ودرسٌ في كيفيّة التّعامل مع الأشقّاء وقضاياهم، وكيفيّة معالجة أمورهم، مهما تكن الأوضاع التي يمرّون بها من الرّخاء والشّدّة. والشّدّةُ كما يقال محكّ الأصالة. وكم راجت وتروّج اليوم في الوطن العربي عملة زائفة، هي التّنكّر للقوميّة والتّخلّي عن بعضنا، والسّير في ركاب غيرنا، والتّقلّب في المواقف.
لقد أظهر الشّعراء وعيا كبيرا بالقضايا العربيّة والإسلاميّة كقضيّة فلسطين، التي كانت وما تزال محكّ الأصالة العربيّة في كلّ قطر عربي «واسم فلسطين والجزائر تعانقا في أكثر من موقف، وصدَّرا أكثر من قصيدة، والجزائر لا تزال تخوض مسيرتها المجهولة» (1) وكاستقلال بعض الأقطار العربيّة، كما تفاعل الشّعراء مع الثّورات العربيّة وأحداث الوطن العربي والمعارك الأدبيّة ومناسبات التّكريم والتّأبين لعظماء العالم العربي والإسلامي، من كتّاب وشعراء وزعماء ومصلحين ...
من الأحداث العربيّة البارزة التي كتب عنها الشّعراء الجزائريّون حادثة دمشق 1926م. المتمثّلة في ضرب القوّات الفرنسيّة لدمشق بالقنابل، وقد كان من أوائل هؤلاء الشّعراء، الذين تعرّضوا للحدث إبراهيم أبو اليقظان الذي: «لم تكن مشاركته مجرّد مواساة أو تعاطف وجداني، بقدر ما كانت إيمانا بأنّ النّضال العربي، إنّما هو نضال واحد أينما كان. ولم يكن شعره نواحا
__________
(1) - الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري. ص: 261. (1/50)
صفحة 51
أو تباكيا على ما وقع، بل كان يدعو إلى مزيد من الضّحايا ومزيد من المقاومة، لأنّ هذا الأسلوب هو وحده الذي يصلح مع الاستعمار الغربي الذي غزا بلادنا ليفرض السّيطرة والاستغلال» (1)
قال الشّاعر:
ابن صرح المجد عن أسّ الضحايا ... وأَشِدْ عرش العلا رغم البلايا
خُضْ غمار الهول غوصا إنّما ... لؤلؤُ التّيجان في بحر المنايا
إنّ في الموت لطلاّب العلا ... لحياةً، لا حياة أهل الدّنايا
إنّما الدّنيا جهاد من ينم ... يومَه ... داسته أقدامُ الرّزايا
ولنيلِ الحقّ أدوارٌ غدت ... خطواتٍ، جازها جلُّ البرايا
ليس حكم النّفي والسّجن ولا الـ ... ـــحكم بالشّنق له إلاّ مطايا
أيّ شعب نال ما نال إذا ... لم يُقدِّم سلفا تلك الهدايا
أيّ شعب نال حرّيّته ... وهو لم يطلع لها تلك الثّنايا
إنّ أهلَ الغرب خطّوا خطّة ... لبني الشّرق، بدت منها خفايا
بدت البغضاء من أفواههم ... وهي عنوان على ما في الطّوايا (2)
__________
(1) - قضايا عربيّة في الشّعر الجزائري المعاصر. ص: 102.
(2) - ديوان أبي اليقظان، ج1. ص: 125. القصيدة مثبتة في الدّيوان تحت عنوان «في الجهاد الوطني «. (1/51)
صفحة 52
هذه المعاني التي ضمّنها الشّاعر هذه القصيدة، التي تحثّ على الجهاد والمقاومة، فيها حديث عن حقيقة الحرّيّة وطبيعة نوايا الغرب، وتوعيّة الأمّة العربيّة بما يجب فعله للوقوف أمام مخطّطات المستعمر وإفشالها ... هذه المعاني التي استوحاها الشّاعر من حادثة دمشق، تكشف عن هذه الرّوح القوميّة التي يتمتّع بها الشّاعر الجزائري، وفي وقت مبكّر. وهي التي حملته على التّنبيه إلى نوايا الغرب الخبيثة على العالم العربي والإسلامي، وهو يلمّح إلى أنّ ما حدث في سوريّة سيحدث في أيّ قطر عربي ...
من الأحداث التي انفعل معها الشّعر الجزائري كثيرا الثّورة المصريّة سنة 1952م والعدوان الثّلاثي عل مصر سنة 1956م. قال محمد العيد مخاطبا مصر:
فشنّيها عليهم حرب ثأر ... وشنّيها لَظًى ذاتَ اتّقاد
وخطّيها ... كتائب غير كتب ... وصحفًا من دم، لا من مداد (1)
وغداة الإعلان عن الوحدة بين مصر وسوريّة يوم 8 فيفري 1958 قال صالح خبّاشة:
بردى إلى اللّيل المرحب أقرب ... يا ليت دجلةَ في اللّقا لا تكذب
كثرت دويلات لنا، فكأنّها الـ ... أوراق، يخلطها العدوُّ ويلعب
هَلاَّ تضمُّك وَحدةٌ كبرى تصو ... نُ ذمارنا؟ فإلى متى نتشعّب
قَسَمَ الغزاةُ بلادَنا لقمة فسا ... غت، لو صمدنا وحدة لم يقربوا
أمّا الحدود، فزوّروها بيننا ... كالشّوك يدمي خطونا ... ويعذّب
للنّور يا أبناءَ يعرب فاركضوا ... ... آنَ الأوانُ لكم لأن تتغلّبوا (2)
__________
(1) - ديوان محمد العيد. ص: 344.
(2) - صالح خباشة، الرّوابي الحمر، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة 1971 م، ص: 83، 85، 86. (1/52)
صفحة 53
أمّا عن القضيّة الفلسطينيّة، فنقرُّ أنّنا لم نسجّل في الأدب الجزائري الحديث اهتماما بقضيّة إسلاميّة عربيّة مثلما سجّلنا لهذه القضيّة، فقد كان لها حضور كبير في هذا الأدب، منذ بدأ الحديث عنها في الزّوايا والأماكن الخاصّة، ومنذ كانت القضيّة أفكارا تعرض وحديثا عاديّا يتداول، ومنذ كانت إرهاصاتها تلوح في الأفق.
كان لما ذاقه الجزائريّون من أذى، وما جرّعهم اليهود من مرارة في مختلف الميادين، وما أصابهم من كيدهم، كان لكلّ ذلك دوره في اشتداد حقد الجزائريّين على اليهود والصّهيونيّة.
لقد عرفوا مرارة الضّيم و القهر والاضطهاد؛ لذا قدّروا معنى التّضحيّة لاسترجاع الحرّيّة والكرامة، فكان تنديد الأدباء الشّديد بقوى الاستعمار بعامّة هو تنديد ومقاومة غير مباشرة للعدوّ الفرنسي المستبدّ في الجزائر، وكان الكشف عن مؤامرات اليهود والصّهيونيّة في فلسطين هو كشف عن مؤامرات فرنسا ومناوراتها في الجزائر (1)
هذا التّعامل مع هذه القضيّة بهذه الكيفيّة، وبهدف تحقيق تلك الغايات، وبهذا الوعي العميق، وهذه الشّموليّة في النّظرة، هو ما يعطي لهذا العمل الأدبي القيمة القوميّة، لأنّه يوفّر له الطّابع الرّسالي. وهو ما يجب أن يكون عليه الأدب في كلّ زمان ومكان وفي كلّ الحالات.
كتب الشّاعر مفدي زكريّاء سنة 1961م قصيدة تحت عنوان «فلسطين على الصّليب»، تعدّ 83 بيتا. بناها على شكل حوار بينه وفلسطين، استوحى فيها الفاصلة القرآنيّة في سورتي الحاقّة والقارعة، واستلهم معانيها التي تتناول أهوال يوم القيّامة والحساب والجزاء والعقاب، وهو ما ينتظر عباد الله (خيرا أو شرّا). عرض الشّاعر في هذه القصيدة القضيّة الفلسطينيّة وتصرّفات العرب معها، وخذلانهم لها، بسبب مواقفهم السّلبيّة نحوها:
أناديك في الصّرصر ... العاتيه ... وبين قواصفها الذّاريه
وأدعوك بين أزيز الوغى ... وبين جماجمها الجاثيه
فلسطين يا مهبط الأنبيا ... ويا قبلة العرب الثّانيه
فلسطين والعرب في
__________
(1) - ينظر كتابنا «السّخرية في الأدب الجزائري الحديث» (1925 – 1962) (مخ). ص: 97 وما بعدها. وص: 133، 134. من النّسخة المطبوعة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1425ه/ 2004م. (1/53)
صفحة 54
سكرة ... قد انحدروا بك للهاويه
رماكِ الزّمانُ بكلِّ لئيم ... زنيمٍ من الفئةِ الباغيه
وصبَّ بكِ الغربُ ... أقذارَه ... ورجسَ نفاياته الباقيه
بكيتُ فلسطين في ... حائط ... به- قبل – قد كانتِ الباكيه
بعد أن تندب فلسطين حظّها مع أبنائها، تودّ لو أنّها كانت تملك أمرها لانتقمت لنفسها من أبنائها، ولقامت بغسل العار.
فلو كان لي أمر تدبيرها ... لما احترت في أمرها ثانيه
فأقتصّ من قوم موسى غدا ... وآخذهم ... أخذة ... رابيه
ومن يحتقر وثبات الشّعوب ... تذيبه ... أعاصيرها السّافيّه
يقرّر الشّاعر في النّهاية أنّ انتكاسة العرب في فلسطين، يجب أن تكون عبرة ودرسا، يُفاد منها للنّهوض والتّشمير عن ساعد الجدّ. هذا هو بيت القصيد في هذا النّصّ الشّعري. هذه النّهاية تجسّد البعد القومي في هذه القصيدة. وبذلك تعطي لهذا الموضوع (قضايا عربيّة إسلاميّة في الشّعر الجزائري) الطّابع القومي في التّناول والمعالجة:
وفي ... نكبة العرب موعظة ... مدى الدّهر للمهج الواعيه
فمدّوا يدا نحو أوطاننا ... وننقذ حمانا من ... الهاويه
فإنْ تنصروا الله ينصركم ... وينجزْ ... أمانيكم ... الغاليه (1/54)
صفحة 55
ولنْ يخلف الله ... ميعاده ... ولا ريب ساعتنا آتيه (1)
معوّقات القوميّة:
مع كل ما ذكرناه وسجّلناه عن دور الشّعر الجزائري الحديث في تجسيد القوميّة، فإنّ هناك معوّقاتٍ كثيرةً حالت دون تثبيت هذه الرّوح في بعض النّفوس، وقد بدا هذا – بخاصّة – في الشّعر الذي قيل بعد استقلال الجزائر.
لقد أحسّ الشّعراء أنفسهم بهذا التّغيير الذي سيحدث في المعتقد والتّفكير والسّلوك. ولهذا حرصوا على التّركيز على المقوّمات، والتّذكير بالتّضحيات التي بذلت في سبيل حماية القوميّة. وأكثروا من التّحذير من الخروج عن الجادّة، ومن الانحراف والنّزوع نحو الغرب.
لقد حدث – فعلا – عقوقٌ وتخلٍّ عن بعض المقوّمات، وانحرافٌ عن الأهداف القوميّة. كتب الشّعراء يبدون تذمّرهم من هذه التّغييرات، مثلما سجّل ذلك محمّد العيد و مفدي زكريّاء
__________
(1) - اللّهب المقدّس. ص: 336 - 349. ينظر تعليقنا على هذه القصيدة كتابنا «أئر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث «ج 2. ص: 353 - 359. (1/55)
صفحة 56
وأحمد سحنون ... ينظر مثلا قصيدة «وحدتي» لمفدي زكرياء (1) وقصيدة «هذه قمّة الفتوّة» لمحمد العيد (2)
نلمس هذا التّردّي في التّحلّي بالقوميّة، ونقرأ هذا التّخلّي عن الأصالة عند شعراء الاتّجاه الجديد في الشّعر الجزائري. وعند من سمّوا بشعراء السّبعينيّات (3) بخاصّة الذين طغى عليهم التّوجُّه الأيديولوجي المستورد، فضلّوا الطّريق نحو القوميّة الأصيلة.
إذا ما بحثنا عن المؤثّرات (4) التي أثّرت في شعر هؤلاء فإنّنا نجدها تتمثّل في ضعف التّعليم العربي، الذي هو من الرّواسب الاستعماريّة ومخلّفاته. وفي انحطاط مستوى اللّغة في أعمال الشّعراء الفكريّة والأدبيّة، وهو ما أدّى بهم إلى ارتكاب أخطاء لغويّة ونحويّة وصرفيّة ورسميّة كثيرة. وتوظيف اللّغة العامّيّة والدّخيلة في كتاباتهم.
من المؤثّرات أيضا قلّة معرفتهم بالتّاريخ العربي والإسلامي، وانقطاع حلقاته عنهم. هذا ما أضعف فيهم العاطفة القوميّة. وكان من مظاهر هذا الضّعف الاعتماد على ثقافة الآخر في الاستلهام والاستيحاء، وفي تكوين الشّاعريّة وبناء الشّخصيّة. من ذلك استلهام الرّموز غير المنسجمة مع أصالتنا، من دون مراعاة الخصوصيّة الثّقافيّة، والاستفادة من المتغيّرات الثّقافيّة وتكييفها مع ما ينسجم وثقافتنا فنّيّا وإبداعا، من دون تبنّي ما تحمل من أفكار، تناقض القوميّة الأصيلة.
الخاتمة
في ختام هذا البحث عن دور الشّعر الجزائري في معالجة الهويّة القوميّة، نذكر بعض النّتائج التي تبيّن إسهام هذا الشّعر في بلورة مفهوم القوميّة وتعداد مظاهرها، للمقارنة بين هذه المعالجة وما يقوم به الشّعر حاليّا. وبها يمكن معرفة دور الشّعر المعاصر في هذا المجال والنّتائج المتحصّل عليها:
1 - إنّ المشاعر التي أبداها الشّعراء تفصح عن حالة الكآبة والبؤس والضّياع والتّيه، وعن الشّعور بالفراغ الرّوحي، والإحساس بانعدام الانتماء (في بعض الأحيان) أو محاولة الآخر إقناع الجزائريّين بذلك. كما تكشف عن الإحباط النّفسي، ومحاولة المستعمر الفرنسي دفع الشّعب إلى الركون إلى الأمر الواقع، والاستسلام لمخطّطاته.
__________
(1) - ينظر د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري (الملحق الشّعري). ص: 119، 120.
(2) - ديوان محمد العيد. ص: 265 - 273.
(3) - وإن كنت لا أوافق على التّقسيم الزّمني للشّعراء الذي يتّخذ العقد مرجعا في التّصنيف.
(4) - وهي مظاهر في الوقت نفسه. (1/56)
صفحة 57
إلاّ أنّ كلّ ذلك لم ينل من عزيمة الشّعراء، ولم يفتّ في إرادتهم وقوّة شخصيّتهم، بل عبّروا بشعر حماسي فيّاض قويّ عن قهر هذه المؤامرات، ودحض هذه الدّعوات، وردّ هذه الممارسات، وأثبتوا للعدوّ أنّهم ما يزالون أقويّاء أعزّاء صناديد، متمسّكين بوَحدتهم، متماسكين بقوّتهم. هذه النّتيجة هي أحد مظاهر التّعبير الشّعري عن القوميّة.
2 - الشّعر الجزائري زمن الاحتلال بخاصّة كان شعرا وطنيّا في معظم ما عالجه، وما تناوله من موضوعات فوصف الطّبيعة مثلا كان سبيلا أو وسيلة لتصوير الجانب القومي والرّوح القوميّة.
3 - لم يكن التّغنّي بالجزائر إلاّ أسلوبا من أساليب التّعبير عن آلام البلاد، وقد حاول الشّعراء تصوير حالة شعبهم من خلال نفوسهم، وهو ما يبرز هذا التّعاطف الوجداني الذي كان يسري بين الشّاعر وقومه ووطنه، ويكشف عن الخيط المشترك الذي كان ينتظم نفوس الشّعراء، كما ينتظم وطنهم وشعبهم باتحاد آلامهم وآلامها، وآمالهم وآمالها ...
4 - كان هدف الشّعراء الجزائريّين وطنَهم الجزائر: شعبا وأرضا وقيما وانتماء ضاربا في أعماق التّاريخ.
5 - معالجة القضايا العربيّة والإسلاميّة في الشّعر الجزائري هو تعبير عن القوميّة.
6 - التّعلّق الكبير بالعروبة والعرب والعربيّة في الشّعر الجزائري بشكل لافت للنّظر، يكشف عن الظّروف العسيرة التي كانت تعيشها الجزائر تحت نير الاستعمار، وتُبينُ عن مسيرة البحث الطّويل والعناء المستمرّ اللّذين أبداهما الجزائريّون في سبيل إقرار الهويّة القوميّة. وللبحث عن هذه الهويّة كان الطّريق طويلاً محفوفًا باليأس والتّشاؤم القاتل أحيانا ... لكنّ الانتصار على كلّ ذلك كان كبيرًا وباهرًا.
كما يفصح هذا التّعلّق عن الاغتراب الفكري والغربة الرّوحيّة والنّفسيّة، ومع ذلك بقي الشّعراء محافظين على الرّوح العربيّة والإسلاميّة، وظلّت مشعّة حيّة في ضمائرهم، وبها واصلوا الكفاح والنّضال فحموا مقوّمات أمّتهم من التّلاشي والذّوبان.
7 - إنّ الشّعر الجزائري بهذه الرّوح، وبهذا الصّبر الكبير والصّمود القويّ، يقدّم درسا للأجيال في طريقة المحافظة على الأصالة، وعلى العروبة والقوميّة، مهما تكن الظّروف والأحوال من الإغراء والإغواء والتّغرير والتّهديد ...
8 - استوحى الشّعراء اتّجاههم ومواقفهم من روح الشّخصيّة الوطنيّة، التي تقوم على العناصر الثّلاثة الآتية: الإسلام، العروبة، التّاريخ، التي كانت هدف المستعمر في الهجوم (1/57)
صفحة 58
والمصادرة ... الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيّم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنيّة والقوميّة.
9 - كانت قصائد الشّعراء نسيجا محكما سداه الإسلام ولحمته العروبة. لم يفرّق الشّعراء بينهما أبدا في كتاباتهم؛ نتيجةَ تجذّر الإسلام في النّفوس وتشابك تراث العرب والمسلمين.
10 - ممّا يدلّ على قيمة الشّعر ودوره وضرورته للحياة السّابقة واللاّحقة، وضمان الاستمراريّة، واستعصائه - في الوقت نفسه - على غير الواعي المجرّب المتمرّس الخبير ... أنّك لا تجد في الشّعر الجزائري - إلاّ القليل- من يساوم فيه، ويتاجر في المقوّمات الأساسيّة للهويّة القوميّة، من لغة ودين ومصير وآمال وآلام ... فبرغم الأصوات التي تتعالى في الشّوارع، وفي بعض المحافل الخاصّة والعامّة، من عامّة النّاس وسراتهم أحيانا، في الزّوايا والتّكايا .... لإحياء بعض اللّهجات ومساواتها باللّغة العربيّة، وإعطائها الدّور أو القيمة التي للّغة العربيّة، وجعلها طوعا أو كرها، قهرا وقسرا لغة علم ومعرفة، رغم قصورها عن ذلك في القديم والحديث ... رغم كلّ ذلك فإنّ الشّعر لم ينزل إلى هذه المستوى، ولم يدخل في هذه اللّعبة، فينساقَ مع هذا التّيّار، بل عدّ اللّغة العربيّة هي اللّغة الأساسيّة، التي لا مزاحم لها، ولا مزايدة عليها، إذ أنّها أحدُ مقوّمات الهويّة العربيّة الإسلاميّة. إنّ هذه النّتيجة تُبينُ عن دور الشّعر في هذا المجال.
هذا هو الشّعر القومي، الذي يحمل رسالة: فيها التّبشير بمؤهّلات الأمّة ومكوّناتها، والإنذار لمن يتصدّى لهذه القوميّة، والإعلانُ عن مقاومة مّنْ يمسُّ المقوّمات.
فيها بثّ الوعي ونفخ الرّوح فيمن يتأخّر عن الدّفاع عن نفسه ومكوّنات شخصيّته. فيها زرع الأمل في النّفوس التي أصابها اليأس من المحافظة على توازنها الرّوحي أمام الضّربات المتتاليّة الرّاميّة إلى تحطيمها نفسيّا، فيها إبعادها عن التّشاؤم من البحث عن الذّات، حين يعمد إلى تغييبها. فيها رسم الطّريق السّليم للأجيال المتلاحقة في هذا الموضوع ...
هلاّ وعى الشّعراء المعاصرون هذه الرّسالة وفقهوا هذا الدّور، لينهضوا فيقفوا في وجه كلّ الدّعوات الهدّامة والتّيّارات القائمة هنا وهناك، في كلّ ركن وزاوية، منتصبة لضرب الهويّة، ومحاربة القوميّة، وأن لا يستسلموا للظّروف والمخطّطات المغرضة بأيّة حجّة وبأيّ لبوس وبأيّة صبغة تظهر عليها.
بإمكان الشّعر أو الشّعراء أن يقوموا بهذا الدّور، لكن الرّداءة التي أصبح يتّصف به الشّعر المعاصر، وما تطالعنا به الصّحف والدّوريّات، لم تُبقِ للِشّعر مكانته التي كان يحتلّها في القلوب (1/58)
صفحة 59
والنّفوس، ولم تَحْفَظْ له دوره الذي كان يقوم به في الحياة العامّة، إنّ هذا التّردّي في الكتابة الشّعريّة جعلت الشّعر أبخس بضاعة في السّوق أو في الحياة.
لقد تسبّب في هذه الوضعيّة – أيضا – انتشار التّكنولوجيا وسيطرة العلوم على الحياة العامّة، وانصراف النّاس بتفكيرهم واهتماماتهم إلى الحياة المادّيّة، ونفورهم من الحياة الرّوحيّة والمعنويّة والأدبيّة. وقد أعانت على ذلك مناهجنا الدّراسيّة وبرامجنا الإعلاميّة، وسيرتنا اليوميّة وتوجيهاتنا المنحرفة أحيانا ... كلّ ذلك قلّص من دور الأدب بعامّة والشّعر بخاصّة في توجيه الحياة، أو على الأقل في صنع ما تتطلّبه الحياة على أسس سليمة، ترعى مقوّمات القوميّة والهويّة حقّ الرّعاية.
إذن يجب ردّ الاعتبار للشّعر في أوساط النّاس أوّلا: بمحاربة الرّداءة، وتقديم حقيقة الشّعر وبيان ضوابطه ... وطرد المتطفّلين عليه، وعدم قبول الحجّ إلى حرمه إلاّ لصاحب الكفاية الفنّيّة والفكريّة. ثمّ بتذكير الأخلاف بدور الأسلاف – بفضل شعرهم - في إدارة شؤون الحياة والقيادة والرّيادة في ذلك. وبإقناع النّاس بأنّ الحياة لا تقوم على التّكنولوجيا فحسب، بل على الرّوح والأدب أيضا. (1/59)
صفحة 60
الهويّة في شعر مفدي زكريّاء (1)
تمهيد
عاش الشّاعر الجزائري- وما يزال يعيش أزمة نفسيّة كبيرة -؛ إذ وجد في محيط يعاني مأساة الاغتراب الفكري واللّغوي، والاضطراب في جانب الانتماء، ويقاسي من معضلة الهويّة ... فدخل في صراع داخلي مع نفسه، وآخر خارجي مع غيره، ليصحّح الانحراف، ويصوّب المسار، ويتدارك الأمر. فتحرّك ليدافع عن القوميّة، ويثبِّت الهويّة الحقيقيّة.
قام الشّعر ليقول كلمته، وليقوم بواجبه في معركة الأصالة والهويّة، تقدّم ليفي بوعده في التّعبير عن مشاعر الأمّة، ويفصح عن مقوّماتها، نهض ليوضّح لها طريقها الصّحيح, ومنهجها السّليم في معرفة هويّتها الحقيقيّة، أبحر ليتحمّل عبء التّغيير نحو الأصلح والأقوم ...
تحرّك بمنهجيّة محكمة، وبروح صادقة أصيلة، تستلهم الثّالوت، الذي يحكم الهويّة الوطنيّة: الدّين واللّغة والوطن. شعار الحركة الإصلاحيّة، وكلّ وطنيّ أصيل، متأصّل راسخ في عقيدته، متمسّك بوطنيّته، متشبّث بلسانه.
من هؤلاء الشّعراء الذين قاموا بهذا الدّور، شاعرُ القضيّة والرّسالة، والوطنيّة والأصالة، مفدي زكريّاء، الذي سخّر حياته، ووجّهها شطرَ دينه ووطنه ولغته، وأفناها في سبيل الدّفاع عن الهويّة والقوميّة الأصيلة، وتجرّع من أجل ذلك الأمرّين. لكنّه لم يعبأ بكلّ هذا، بل وجد فيه الحلاوة والسّعادة والرّاحة، ما دام ذلك يقود إلى الهناء والعيش الحرّ ...
قصائده كلّها تنضح بهذه الرّوح، روح الأصالة والوطنيّة، وتنبض بالحماسة الصّادقة للانتماء والهويّة الحقيقيَّيْن. لذا نجد في شعره هذا ا التّكرار لما يفصح عن الأصول، وهذا التّعدّد لمظاهر الانتماء، وهذا التّفنّن في إبراز حقيقة الهويّة ... نحاول الوقوف عند بعض الأمثلة التي تشهد بكلّ ذلك.
__________
(1) - الدّراسة محاضرة ألقيت في الملتقى الدّولي مفدي زكريّاء، المنعقد في قصر الثّقافة والنّادي الوطني للجيش ببني مسّوس، الجزائر العاصمة، يومي: 11، 12 ديسمبر 2007م، من تنظيم مؤسّسة مفدي زكريّاء الثّقافيّة. (1/60)
صفحة 61
1 – قصائد مسخّرة لتثبيت الهويّة
تظهر بعض القصائد وكأنّ الشّاعر وجّهها أصلاً لتثبيت الهويّة، وتركيز مقوّماتها في نفوس المنتمين إلى الأمّة العربيّة الإسلاميّة، وردِّ كلّ أشكال الادّعاءات التي يبديها من يروم فصل فروع الأخلاف عن جذور الأسلاف. حتّى ولو كانت المناسبة التي يقول فيها الشّاعر هذه القصيدة أو تلك لا تدفع إلى القول في هدا الموضوع. إلاّ أنّ الشّاعر وهو يحمل رسالة محدّدة ودائمة، وهو ينوء بِهمَّ المحافظة على الهويّة، والدّفاع عنها ... يستغلّ كلّ فرصة، وكلّ موقف ومشهد ليستلهم من كلّ ذلك ما يسعفه ويعينه على أداء رسالته. أمّا إذا كان في الأمر استفزاز، وفي المخطّط استهتار، أو كانت المعركة مسألة موت أو حياة في مسألة الأصالة والهويّة، وكان العمل يجري على الدّوس على المقوّمات، وتحويل وجهة الأمّة إلى وجهة تتناقض مع الأصول والمبادئ، فإنّ الموقف يدفعه إلى التّحرّك والتّجنّد والتّجلّد والتّفنّن في القول والعمل لصيانة الهوية، وحماية الانتماء. (1)
في خضمّ معركة التّحرير من سيف الظّلم المصلت على الهويّة، وفي أتون الحرب ضدّ السّطو على الحريّة، وفي غمرة الرّدّ على الادّعاءات المغرضة، الهادفة إلى تشويه الأصالة، والتّشكيك في حقيقة الانتماء. نافح مفدي زكريّاء مع الشّعب الجزائري في مقاومة الاعتداء على الهويّة، ومقاضاة المهاجمين على الأصالة، ومحاربة مشروعات الاستهتار بالقيم والمقوّمات. وقف سنة 1955م ليوضّح لرسل الشّرق حقيقة ما يحمله الشّعب الجزائري، من روح الانتماء إلى الأصول الحقيقيّة، فهو أبدًا لم يخن العهد، ولم يتخلّ عن أرومته العربيّة الإسلاميّة. ارتجل أبياتًا، في حفل أقيم في الدّار البيضاء بالمغرب الأقصى، شاركت فيه وفود عربيّة، قَدِمَتْ لتهنئة الشّعب المغربي بعيد الاستقلال. فقال عن الجزائر ضمن الحديث عن المغرب العربي، الذي يؤمن به الشّاعر وطنًا واحدًا، لا ينقسم ولا يتجزّأ:
سَلِ الفصحى .. وقل للضّاد رفقًا ... لسانُ الحال أفصح منك نطقَا
وخلِّ الشّعر، فالأيّام
__________
(1) - ينظر مثلا في ديوانه اللّهب المقدّس القصائد الآتية: " الذّبيح الصّاعد ". و" اقرأ كتابك "، و" لا عزّ حتّى تستقلّ جزائر " ... "وإلياذة الجزائر ". وغيرها. (1/61)
صفحة 62
شعرٌ ... قصائدُها على الأجيال تُلقَى
وتِهْ يا قلبُ، فالأكوانُ نشوَى ... وذُبْ في كاسِها نَجْوًى وعشقَا
وسِرْ في المغرب العربيّ لَحْنًا ... وفي قيثارة الأعياد عرقَا (1)
كان الحديث عن المغرب الأقصى مقدِّمةً للتّحدّث عن الجزائر. فبعد أن أشار إلى أنّ هذا الشّعب منتمٍ إلى العروبة، ومندمجٌ فيها، ومتوجّه إلى قبلتها، ومتحمّس لما تدعو إليه وما تحمله من قيم ومقوّمات ... تحوّل إلى الجزائر وخاطب الأشقّاء العرب وسفراءَهم، وطلب منهم أن ينقلوا عنه هذه الحقائق:
رسولَ الشّرق .. قل للشّرق إنَّا ... على عهد العروبة، سوف نبقَى
وإمّا بالجزائر، أنكرونا ... سنخرق وصمة (الإجماع) خرقَا
رسولَ الشّرق .. قل للشّرق إنَّا ... نُسام الخسفَ ألوانًا، ونُسْقَى
وأنّ الشّامتين بنا أبادُوا ... أعزّ ديارِنا نسْفًا ومَحْقا
وأنّ العابثين بنا أزالوا ... مرابض أسْدِنا هدْمًا وحرْقا
وقد زعموا الجزائر من فرنسا ... وراموا (مزجها) سفَهًا وحمقا
سيعترف الزّمان غدًا ... بأنَّا ... سبقنا وثبةَ الأقدار سبْقَا
وأنَّا في الجزائر خيرُ شعبٍ ... عروبتُه مدى الأجيال وُثْقَى
وأنَّ الوَحدة الكبرَى، إذا ما ... تَحرّرت الجزائر، سوف تبقَى (2)
الشّاعر في هذه الطّلب والالتماس يرجو من كلّ أخ شقيق أن يكون خير رسولٍ وخير مبلّغ، ينقل الحقيقة لقومه، ويبيّن لهم أنّ الشّعب الجزائري ليس إلاّ عربيًّا مسلمًا، وليس صحيحًا
__________
(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط2، نشر وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر، فيفري 1973، ص: 120.
(2) - المصدر السّابق، ص: 122، 123. (1/62)
صفحة 63
ما يدّعيه المحتلّ الغاصب الكذّاب، أنَّه تحوّل عن وجهته، وتخلّى عن أصوله، و أصبح جزءًا من كيانه ..
في الذّكرى الرّابعة لثورة نوفمبر المجيدة، كتب الشّاعر رائعته: " اقرأ كتابك" في ظلمات السّجن، وأرسلها إلى الملأ الفسيح الرّحيب؛ ليطارد بها ظلام الضّيق والضّيم. وكان المحورُ الذي يرسل أشعته ليحرّك دولاب الثّورة والنّقمة على الدّخيل المستبدّ في هذه الرّسالة الموجّهة، هو الوطن. وكانت البؤرة التي صهرت مشاعر الشّاعر، وانطلقت منها شظايا تحرق أجسام المعتدين الغاصبين، هي الجزائر. والوطن هو محور الهويّة والأصالة. فممّا قاله في هذه القصيدة، وهو يشيد بشهامة الشّعب الجزائري وأصالته:
شعبٌ، دعاه إلى الخلاص بُناتُهُ ... فانصبّ مذْ سمعَ النّدا، وتطوّعا
وأراده المستعمرون عناصرًا ... فأبى مع (التّاريخ) أن يتصدّعا
واستضعفوه، فقرّروا إذلاله ... فأبتْ كرامته له أن يخضعَا
واستدرجوه، فدبّروا ... إدماجه ... فأبت عروبته ... له أن يُبلعَا
وعن العقيدة، زوّروا تَحريفه ... فأبى مع (الإيمان) أن يتزعزعَا
وتعمّدوا قطعَ الطّريقِ، فلَمْ تُرِدْ ... أسبابُه بالعرب أن تتقطّعَا
نسبٌ بدنيا العربِ زكّى غرسَهُ ... ألَمٌ، فأورقَ دوحُهُ، وتفرّعَا (1)
كلّ محاولات الغاصب في إبعاد الشّعب الجزائري عن أصوله باءت بالفشل؛ لأنّه قويّ بمقوّماته، عصيّ على الأعداء بثباته، أبيّ على الانسلاخ والذّوبان بتماسكه وصلابة أصوله، راسخ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 59، 60. ينظر أيضًا ص: 204، 205. (1/63)
صفحة 64
الجذور بصفاء انتمائه ووضوح هويّته. هذه المقوّمات التي قاوم بها الشّاعر تلك المحاولات اليائسة نابعة من العروبة، التي يحضنها الإسلام، ويغذّيها الإيمان، وترعاها العقيدة:
تلك العروبة، إن تثُرْ أعصابُها ... وَهَن الزّمانُ حيالها وتضعضعَا
الضّادُ في الأجيال خلّدَ مَجْدَها ... والجُرحُ وَحّدَ في هواها المنزعَا (1)
فليعلم المستعمرون، وكلّ من يجهل الحقيقة، أنّ العروبة هي مصدر الانتماء. ومن ثمّ فهي التي تقرّر ماذا تصنع، وكيف تتحرّك، وبماذا تشير ... :
وتعلّم ... المستعمرون حقيقة ... تبقى لمن جَهلَ العروبة مرجِعَا
دنيا العروبة، لا ترجّح جانبًا ... في الكتلتين، ولا تفضّل موضِعَا
للشّرق، في هذا الوجود رسالة ... علياء، صدّق وحيها، فتجمّعَا (2)
إنّ القصيدة كلّها تنضح تمسّكًا وتعلّقًا بالعروبة، وتصرخ عاليًا: لا أصل للجزائر سوى هذه الأرومة. آلامها وآمالها، إرادتها وإدارتها، جراحاتها ونداءاتها، توجّهاتها ووجهتها ... كلّها عربيّة. إنّ الانتماء عربيّ إسلاميّ، والهويّة عربيّة إسلاميّة.
إنَّ تمسّك الشّاعر بالأصالة، وتشبّثه بالانتماء يفرضان على شعره دومًا حضور كلمات أو معانٍ أو مشاعرَ، تترجم عن هذا الشّعور أو الإحساس. لهذا نجده في قصيدة:" فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائر" يخاطب سنة 1961م الإخوة العرب، ويؤكّد لهم أن لا عزّة ولا كرامة للعرب حتّى تستقلّ الجزائر بحريّتها، وتبعد عنها كلّ ما يمسّ أصالتها، ويخدش انتماءها. فبعد أن يتجوّل بهم في ربوع بلاده، ويطلعهم على ذكرياته الحلوة فيها، ويقدّم لوحات جميلة عن هذه الأماكن، يقول لهم:
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 60.
(2) - المصدر السّابق، ص: 64. (1/64)
صفحة 65
بلادي التي أعنو - احتسابًا – لوجهها ... وأحمل في الأرزاء من أجلها إِصرا
بلادي التي من ذوب قلبي، نظمتها ... نشيدًا، فغنّى الكونُ ثورتَها شعرا
غمستُ بِمطلول الجراحات ريشتي ... فجاءت (رسومي) تُلهم العقل والفكرا
وواكبت في الأعماق ثورة أمّتي ... ولا زلت حتّى (أرسم) البعث والنّشرا
ويا عربيًّا في بلاد شقيقة ... عروبتُنا .. من يستطيع لها نكرا؟
فما حربُنا إلاّ امتداد لثورة ... أراد لها من كان يخذلنا خسرا
فلسطين في أرض الجزائر بعثها ... فمدّوا يدًا نَحْمِ المعاقل والثّغرا
فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائرٌ ... ولا مَجد حتّى نصنع الوَحدة الكبرى (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 317 – 319. (1/65)
صفحة 66
2 – العروبة والإسلام
يقول مفدي زكرياء:
وُهبنَا العروبة جنسًا ودينا ... وإنّا بما قد وُهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفًّا ... ويجمع شَملاً، رفعنا جبينا (1)
تناول مفدي زكريّاء هذا الموضوع في إطار تثبيت الهويّة، وتأكيد الانتماء. نجد في أشعاره ألفاظًا كثيرة تدور في فلك العروبة. (2) هذا التّناول يعطي لفظة العروبة مفهومًا متميّزًا، ودلالات خاصّة، تستحقّ الوقوف عليها وعندها؛ إذ تُمَكِّنُ الباحث أن يتعرّف على أحد المعالم، التي تبرز حقيقة الهويّة، التي يسعى الشّاعر إلى بيانها في شعره.
يقول الدّكتور صالح الخرفي: " لم يكتفِ الشّعراء في المغرب العربي بالتّغنّي بلفظة (العروبة) أجراسًا وحروفًا، أو تناولوها تناولاً غائمًا طافيًا، وإنّما كانت اللّفظة تعني تَموّجات فكريّةً، وذبذبات عقائديّة، مستمدّة من الصّراع اليومي، والمواجهة الدّائبة في سبيل الحفاظ على مقوّمات العروبة، يوم كانت العروبة في أقطار عربيّة كثيرة مجرّد جرس منبري، ونشوة اعتزاز. " (3)
__________
(1) - مفدي زكريّاء، إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء، الجزائر، 2006م، ص: 63.
(2) - ينظر الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " العروبة في شعر مفذي زكريّاء "، مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة، الجزائر، السّنة العشرون، عدد: 107، 108، مارس/ افريل 1995م.
(3) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 208، 209. (1/66)
صفحة 67
معنى ذلك أنّ تناول الموضوع كان هدفُهُ الوقوف أمام الهجمات المتكرّرة على الهويّة، ومن ثمّ كانت الغاية تثبيت المنتمين إلى العروبة إليها، وربط الأجيال المتعاقبة بها. هذا التّناول هو رسالة يقوم بها الشّاعر. ومفدي زكريّاء أحد هؤلاء الذين كانت العروبة فيهم عقيدة، لا يمكن التّنصّل منها، أو الانسلاخ منها:
عهدُ العروبة ركن من عقيدتنا ... وللعروبة في أصلابنا رحمُ (1)
يزيد هذه العقيدة وضوحًا وجلاءً، فيقول مخاطبًا العروبة نفسها، وكأنّه يقدّم لها آيات الولاء والوفاء، مؤكّدًا على تجذّر وطنه في أعماقها:
ويا عروبة ُ من أمٍّ لنا وأبٍ ... هنا العروبة دوحات وأغصانُ
هنا الأصالة في صُلبٍ وفي رحمٍ ... هنا القرارات تدبيرٌ ورجحانُ (2)
العروبة عقيدة راسخة في القلوب والأحلام، أصيلة في الأصلاب والأرحام، وهي دم جارٍ في العروق والأجسام ... هذا الذي يجعلها تزهر وتثمر، وتعطي وطنًا أصيلاً كالجزائر. يقدّمه الشّاعر بالبطاقة الآتية:
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 303. دأب الشّاعر كثيرًا على ربط كلمة العروبة بألفاظ جليلة وموحية، كقوله في مواضع كثيرة: "عزّ العروبة" ينظر اللّهب المقدّس، ص: 51، 297.
(2) - مفدي زكريّاء، أمجادنا تتكلّم وقسائد أخرى، (ديوان شعر)، جمعه وحقّقه مصطفى بن الحاج بكير حمّودة، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء والوكالة الوطنيّة للاتّصال والنّشر والإشهار، الجزائر، 2002م، ص: 184. يستعمل الشّاعر كثيرًا لفظة (صُلب)؛ ليؤكّد على تجذّر الأصل في عمق العنصر العربي. يقول مثلاً:
نحن من صلب العربْ ... نحن روحٌ ... من لهبْ
سوف نبني لِعُلانا ... كلّ شبرٍ في الجزائر
" أمجادنا تتكّلم"، ص: 211. (1/67)
صفحة 68
وطنٌ المعجزات والعبقريّهْ ... والبطولات والنّهى والرّويهْ
وبلادٌ ... أصيلة ... عربيّهْ ... عابقاتٌ بها الدّماءُ ... الزّكيهْ
صارخاتٌ بها معاني الحميّهْ ... فارعاتٌ بها ... الزّنود القويّهْ
زاخراتٌ ... بالجود ... والأريحيّهْ ... طافحات بها نبيل المشاعرْ
كرمُ الطّبع من صفات الجزائر (1)
لهذه المكانة التي تحتلّها الجزائر، بهذه المقوّمات التي تتوفّر عليها، وبِهذه المميّزات التي تتميّز بها، وبهذا المحتد الأصيل الذي تنتسب إليه ... يدعو الشّاعر أبناءها وأحرارها إلى المحافظة عليها أصيلة:
وافطِموها على العروبة: فكرًا ... ولسانًا ومهجةً ... وضمائِرْ (2)
هو بدوره يستلهم هذه العروبة بفكرها ولسانها ووجدانها، ليقول شعرًا كبيرًا راقيًا رائقًا، ساميًا سموَّ هذه العروبة نفسها:
على نبضات الشّعب، وقّعتُ ألحاني ... ومن نشوة التّحرير، لَحَّنتُ أوزاني
وأنشدتُ في أفراح شعبي وترحهِ ... روائعَ، لَم يصدع بإعجازها ثاني
وخلّدتُ من مَجد العروبة صفحةً ... رسمتُ على عنوانها وجهَ قحطان
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 206.
(2) - المصدر السّابق، 174. (1/68)
صفحة 69
وملءَ عروقي صارخٌ دمُ يعربٍ ... فألهمني ينبوعُ يعربَ تبياني
وتيّمني حبُّ الجزائر، فارتوى ... نشيديَ في السّاحات من دمها القاني
وهمتُ بأبناء العروبة يافعًا ... أرى كلّ أبناء العروبة إخواني
تعلّقتُ بالفصحي، وأشربتُ حُبّها ... وأرغمتُ فيها أنف من تَحدّاني (1)
باستقراء الكلمات التي بنى بها الشّاعر هذه الأبيات، نقف على هذه الرّوح العالية السّامية، التي يحملها في داخله، نحو العروبة والعربيّة والعرب. هي ألفاظ مشحونة بالعاطفة الجيّاشة، والشّعور الصّادق. والأمل الكبير في خدمة ما يتّصل بالعروبة، والعزم الأكيد على تسخير روحها في القيام بما يمليه الصّالح العام، وفي تحرير الأوطان والأركان من كلّ ما يضرّ بها، وما يعلق بها من أدران.
هذه العهود التي تدفع إليها العروبة نابعة من طبيعتها التي تمتزج بالإسلام قلبًا وقالبًا. من هذا المفهوم نجد الشّاعر لا يفرّق أبدًا بين العروبة والإسلام في الانتماء والتّناول والعمل. يقف الشّاعر دائبًا - دائمًا - على ردّ كلّ ما يمسّ من أصالة الجزائر؛ دعاية أو ممارسة. فقد كتب يندّد بمشروعات التّجنيس والاندماج، وبخاصّة " مشروع بلوم فيوليت".
كتب سنة 1937م قصيدة، عُنْوِنَتْ بِـ" البردة الوطنيّة" تعدّ 43 بيتًا. حاول من خلالها الكشف عن حقيقة الجزائر وانتمائها، بعد أن راجت أخبار، ونشرت دعايات مغرضة، تذيع أنّها تخلَّتْ عن عروبتها، أو سلبت منها؛ بسبب أعمال التّعسّف والتّشويه التي قام بها المستعمر؛ ليسلخها من شخصيّتها، لكنّه لم يفلح. فبقيت الجزائر عربيّة مسلمة، محتفظة بمقوّماتها. كتب الشّاعر هذه القصيدة، وعمد فيها إلى المزج بين العروبة والإسلام، ليبيّن الأصل الذي تنتمي إليه الجزائر، وليؤكّد اللّحمة المتينة بين العروبة والإسلام. يظهر هذا من خلال كلماتٍ، كان يستعملها في النّصّ عمْدًا، وهو يسلك سبيله إلى بيان هذا المعنى. من هذه الكلمات التي كان
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 320، 321. (1/69)
صفحة 70
يمازج بينها في القصيدة: "الدّين، الإسلام، العروبة، عربيّ، الضّاد، الشّرق، الفصحى ... " قال وهو يحدّد من هو، وما حقيقة شعبه، وما أصل وطنه الجزائر:
نحن روح، مزاجه الضّاد والدْ ... دِين، فلن يستطيع قطّ انْحلالا
قومٌ، على الولاءِ خُلِقْنا ... يشهد الدّهر ذكرنا والفعالا
نحن شعبٌ على الزّمان عزيزٌ ... عربيّ ... كالنّيّرين اشتعالا
عشتمُ للشّمال والشّرق والفصـ ... حَى، وقضيتم الحياةَ نضالا
أيّها الشّعبُ والجزائرُ تشكو ... في ثنايا الضّلوع داءً عضالا
وتنادي بني العروبة و (امعـ ... تِصماه) قد أحكموا الاغتيالا
إنّ شعبًا على العروبة والإسـ ... الام، قد شبَّ، لا يطيقُ فصالا
إنّ جنسًا مقدّسًا ... عربيًّا ... ليس يرضى أن يستحيلَ خيالا
إنّ جنس النّبيّ صَعبٌ على الهضـ ... مِ، فيا غربُ كفّ عنك المحالا (1)
حين أراد الإشادة بمدرسة الإخاء ببسكرة، وبما تقوم به من نشاط وعمل كبيرين في التّربية والتّعليم والتّنشئة السّليمة ... ركّز على عناصر رئيسة ومهمّة في هذا التّكوين والإعداد، وربط كلّ ذلك بالعروبة والإسلام مُمْتَزِجَيْن، يتحّركان في خطّ واحد، ويسيران مندمجين فيما بينهما، قال سنة 1931م تحت عنوان: " قف للعروبة حيَّهِا ببسكرة ":
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، 1989م، ص: 212. ينظر العرض نفسه، والرّوح ذاتها (المزج بين العروبة والإسلام)، " أمجادنا تتكلّم"، ص: 221. (1/70)
صفحة 71
كذا يطيب الجنى، ولتشدُ ألحانُ ... ولْيُصْغِ آثارنا في التّرب قَحطانُ
بنخوةٍ في عروقٍ، ملؤُها شمم ... وعزّةٍ في دمٍ، يذكيه ... إيمان
وأنفس ... عربيّات ... مقدّسة ... دانت لها قبلُ أعراشٌ وتيجان
قوم ... أعالون أمجاد جَحاجِحَة ... كانوا هم الرّوح، والإسلامُ جُثمان
قومٌ هم العرب الأمجاد، لا عجبٌ ... أنْ ندّعي صَيَدًا، والدّمعُ هتّان
قف للعروبة، حيّها ببسكرة ... وارقص لها طربًا، والقلب ولهان (1)
إنّ الجزائر لا ترضى بغير الإسلام والعربيّة مصدرًا تنتسب إليه، وأرومة تتَصل بها بسبب ونسب، لهذا فهي لا ترضخ لأيّ جهة تريد ابتلاعها، أو دمجها في كيانها، أو تحويلها عن وجهتها:
فلسنا ... نرضى ... الاِمتزاجا ... ولسنا ... نرضى التّجنيسا
ولسنا ... نرضى ... الاندماجا ... ولا نرتتدّ فرنسيسا
رضينا ... بالإسلام ... تاجا ... كفى ... الجهّال تدنيسا
فكلُّ ... من يبغي اعوجاجا ... رجمناه ... كإبليسا (2)
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 97، 98.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 105. (1/71)
صفحة 72
هو يرى أنّ المغرب بأقطاره وطن واحد، عربيّ الوجهة، شرقيّ الانتماء. ممّا يؤكّد على هويّة الجزائر العربيّة الإسلاميّة. يُبرزُ الشّاعر هذا حين يقرن الجزائر ويربطها بإحكام بمن يجاورها سكنًا، ويشاركها انتماءً:
والمغرب العربيّ شعبٌ واحدٌ ... ملءَ العروق دمُ العروبة جاري
للشّرق، لا للغرب ولّى وجهه ... فغدا له سندًا لِخوضِ غمار (1)
هكذا يتبيّن الانتماء الحقيقي للجزائر كما صوّره مفدي زكريّاء، انتماء يضمّ العروبة إلى الإسلام، ويجعل الإسلام يحوي العروبة. هذا المفهوم حمله الشّعراء الجزائريّون في قلوبهم، وعبّروا عنه في شعرهم، ودعوا الشّعب إلى الالتزام به في حياتهم. فمحمّد العيد آل خليفة مثلا يقول:
يسائلني عن نسبتي كلّ وافد ... عليّ، وعن شعري، وعن كنه مطلبي
فقلت لهم: أرض العروبة موطني ... وديني هو الإسلام، والقدوة النّبي
ومن مطلبي جمع العروبة كلّها ... على وَحدة عظمى، بشرق ومغرب
تسامحتُ، والإسلامُ دين تسامح ... وآمنتُ بالقرآن، دون تعصّب (2)
يعلّق أحمد هويس على هذه الأبيات: " هكذا تتألّق فلسفة الانتماء في شعر محمّد العيد الإنسان. إنّه صوت العروبة بنبرة إسلاميّة صريحة، تترفّع عن الإقليميّة الضّيّقة، وعن الجهوية العمياء. فالعروبة والإسلام لديه بمثابة جسد وروح، لا انفصام بينهما. (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 118.
(2) -أحمد هويس، " صوت محمّد العيد وفلسفة الانتماء": مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة، الجزائر، السّنة الثّانية عشرة، العدد: 71، ذو القعدة، ذو الحجّة، 1402هـ/ سبتمبر، أكتوبر، 1982، ص: 61.
(3) - المرجع السّابق، ص: 61، 62. (1/72)
صفحة 73
إنّ كلّ ما صنعه المحتلّ والغاصب والمعتدي، لم ينل من عروبة الجزائر، بل بقيت صامدة محافظة على أصالتها ونخوتها وهويّتها:
أرض الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ ... رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلبُ العروبة، لم يعصف بِنخوتِها ... عسفٌ، ولا نال من إيمانها رهقُ (1)
3 - التّعلّق بالوطن.
أكثر مفدي زكرياء من الحديث عن الوطن، وتغنّى به بشكل لافت للنّظر، وأظهر تعلّقًا كبيرًا به. وقد اتّخذ ذلك أشكالاً متنوّعة، وظهر بألوان متعدّدة. كان يصرّح باسم الجزائر أحيانًا، وأخري يكنّي، ومرّات يُذَكِّر بالمعاني والقيم التي تحملها. وكان يحرص ويلحّ أن تُحترم، وتبجّل وتقدّس ... وكان يربط تلك المعاني بتجديد الحنين إليها، وإلى تربتها، بخاصّة لمن أخرج منها، أو انتقل عنها، وينعى على الذين هاجروها ونسوها ...
يتساءل أحيانًا عن حقيقة هذه الجزائر، يبحث في الكرة الأرضيّة عن البقعة التي حازت على قصب السّبق والرّيادة في الحسن والجمال والجلال، والعظمة والمجد، وعن المكان الذي لا نظير له ولا ندّ ولا ضريب ... فلا يراه إلاّ حمى وطنه، ولا يحسبه سوى قدس موطنه، ولا يعترف به في غير بلده ... قال سنة 1962م، تحت عنوان: " آمنت بالشّعب فردًا لا شريك له ":
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 26. (1/73)
صفحة 74
لأيّ حَجٍّ هنا تنصبّ بلدانُ؟ ... وأيِّ أرضٍ لها ترتجّ أكوان؟
وأيّ عيدٍ له الأجيال شاخصةٌ؟ ... وأيّ حفلٍ تَجلّى فيه قَحطان؟
وأيّ ساحٍ بها تُصغِي الدّنا كلمي ... كأنّها – بعد وحي الله – قرآن؟
هي الحقيقة، أم حلم يهدهدني؟ ... كم راعه في ظلام اللّيل سجّان
أواقعٌ؟ أم طلاسيمٌ وأخيلةٌ؟ ... (هاروت) أبدعها؟ أم صاغها جان؟
ومن أنا؟ وهل أنا من كنت أعرفه؟ ... أم كيف يحمل عرش الله إنسانُ؟
هي (الجزائر) صدر الغيب أطلقها ... لمّا تفجّر بالعملاق بركان
هي (الجزائر) وعد الله أنْجدها ... لمّا استخفّ بوعد الله طغيانُ
وتلك ألويةٌ للنّصر خافقةٌ ... (ثالوثها) عن ضمير الشّعب عنوان
وذا حمى وطني، والشّمل ملتئم ... وبين جنبيّ إخوانٌ وخلاّن (1)
أسئلة عديدة عرضها الشّاعر على نفسه، يطلب لها جوابا صريحا وجريئا، تعلن للعالم كلّه أنّ وطنَه الجزائرَ بدعةُ الفاطر، وروعة الصّانع، وبسمةُ الرّبّ، ومرآةُ حسنه وبديعُ صنعه، وبابلُ السّحر ... اختار لتقرير هذه الحقيقة أسلوب الاستفهام، الذي يعين على إخراج ما في النّفس من المشاعر والأحاسيس، لتبلغ قلب المخاطب. وتصل عقل المتلقّي، فيقتنعان بما يؤمن به الشّاعر، وهو أنّ الجزائر هي بدع ممّا خلق الله من الأوطان، ومعجزة ممّا صنع من الأكوان، بل هي الحجّة على بديع صنعه، الذي أتقن كلّ شيء خلقه واختاره وميّزه (2):
وطني أنت بدعةٌ صنعتها ... من طلاسيم فنّها يدُ ساحرْ
وطني أنت بسمة الرّبّ في الأرْ ... ضِ، ومرآة حسنه المتواترْ (3)
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 179، 180.
(2) - ينظر هذه الأوصاف، إلياذة الجزائر، ص: 39، 40. وأمجادنا تتكلّم، ص: 171.
(3) - أمجادنا تتكلّم، ص: 171. (1/74)
صفحة 75
كما اختار لهذه الأوصاف ألفاظًا، تتميّز بالقداسة والإيحاء والتّأثير. هذه خصوصية تميّزت بها لغة الشّاعر، وبخاصّة حين يكون في قمّة احتدام المشاعر، وفي صدد تمرير رسالة معيّنة محدّدة. فهو يُرْكِبُ مشاعرَه هذا الأسلوبَ ليختصر المسافة بينه وبين المتلقّي، ويصل به الهدف الذي يرمي إليه بسرعة. من هذه الألفاظ: (قرآن، حجّ، وحي الله، عرش الله، وعد الله، صدر الغيب ... ) و (قحطان، هاروت، جان، طغيان، كلمي ... )
هذه الكلمات، وهذا الاعتداد، وهذه الجرأة، وهذه الثّقة الكبيرة ... دفعته أن يقول:
وأوقفتُ ركب الزّمان طويلاً ... أسائلهُ ... عن ثمودٍ وعاد
وعن قصّة المجد، من عهد نوحٍ ... وهل إرمٌ .. هي ذات العماد
فأقسم ... هذا ... الزّمان يَمينًا ... وقال: الجزائر، دون عناد (1)
هذا الإصرار الكبير على تقرير هذه الحقيقة، وهذا الاعتقاد الجازم، الذي لا يتطرّق إليه شكّ: أنّ الجزائر لا تجاري ولا تبارى في مكانتها، وفي جلالها وجمالها. هو ما جعل الشّاعر مفدي زكريّاء يتجرّأ فيأمرَ مخاطبيه أن يذعنوا للجزائر، وأن يسجدوا لها، لمجرّد سماع اسمها. وجرّأه أن يصفها بأوصاف غاية في القداسة والجلال:
وقل: الجزائر، واصغ إن ذكر اسْمُها ... تَجد الجبابر ساجدين وركّعا
إنّ الجزائر في الوجود رسالة ... الشّعب حرّرها، وربّك ... وقّعا
إنّ الجزائر قطعة قدسيّة ... في الكون، لَحّنها الرّصاص ووقّعا
وقصيدة أزليّة، أبياتها ... حمراءُ .. كان لها نفمبر مطلعا
نظمت قوافيَها الجماجمُ في الوغى ... وسقى النّجيعُ رويَّها فتدفّعا
غنّى بها حرّ الضّمير، فأيقظت ... شعبًا إلى التّحرير شَمّر مسرعا
سمع الأصمّ رنينها فَعَنَا لها ... ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا (2)
نقرأ في هذه الأبيات الإصرار على التّمسّك بالأرض، والولاءَ والوفاءَ للوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ والتّصويرِ والتّقديرِ الصّدقَ والمعاهدة على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن، والهيام به، ونقرأ فيه العمل على نصرته. إنّ كلّ ذلك يندرج ضمن سياق التّعبير عن الهويّة والقوميّة.
إنّ الشّاعر بهذا التّصوير والوصف والتّقرير يتحدّى الاستعمار، ويردّ على استفزازات المحتلّ الفرنسي، ويتصدّى لمحاولاته اليائسة محوَ آثار وجود كيان اسمه (الجزائر). وكان يصرّ على التّشبّث بالأرض، والوفاء للوطن، والتمسّك بالولاء للأصول. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهويّة.
كان الشّاعر أحيانًا يكنّي ويرمز إلى الجزائر، ويخاطبها مخاطبة المتغزّل بها، بما يسمّى (الغزل السّياسي). إمعانًا في إظهار مدى تعلّقه بها، فهي حبيب وخليل، وعشيق وعشير، يستحقّ التّودّد والتذلّل والشّكوى له ومنه. يتقدّم إليه الشّاعر بكلمات هي من صميم لغة المحبّين العاشقين المتيّمين. مثل (الهوى، صبابة، مهجتي، لوعتي، الوصل، حديث الفؤاد، خفوق ... ) قال يناجي ويشكو سنة 1930م، تحت عنوان: " خفقة فؤاد: زهرات ضائعات في صفحات ضائعات":
رسولَ الهوى بلّغ سلامي إلى سلمى ... وعاطِ حُمَيَّا ثغرها الباسم الألمى
وناجِ هواها، علَّ في الغيب رحمةٌ ... تَدَارَكُ هذا القلبَ أن يقضي هَمّا
وبُثَّ شكاةً من مشوقٍ
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 57.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 58. (1/75)
صفحة 76
مُتيّمٍ ... له كبدٌ حرَّى تضيق به غمّا
فكم تحت هذا القلب من لاعج الجوى ... وكم بين هذا الجسم من أضلع كلمَى
ألا ليت هل يدري الحبيب كآبتي؟ ... فينصفَ لي شكوى ظلامتي العظمى
ويا ليت شعري، هل به ما بِمهجتي؟ ... و يا لهفَ نفسي، هل بأضلعه مِمّا ..
بلادي بلادي ما ألذّ الهوى، وما ... أمرَّ كؤوس الحبّ، ممتزجًا سُمّا
بلادي، ألا عطفٌ عليّ بنظرةٍ ... حنانيك، ما هذا السّنُوُّ ولا إثْما (1)
أيّ غرام يسكن قلب الشّاعر نحو وطنه! أيّ هيام يشدّ جنانه ببلده! أيّ هوى يقبع في فؤاده لبلاده! ... لا تفسير لكلّ ذلك سوى التّعلّق بالوطن، والحبّ الشديد له، والارتباط به. ولا تأويل لهذا غير إظهار الولاء له، وتأكيد الانتماء له. والولاء والانتماء مظهران للهويّة.
كتب الشّاعر سنة 1956م، يناجي وطنه من غياهب السّجن المظلم، الذي نزل به إلى هذا المكان؛ لأنّه أحبّه وأغرم به، وذاب فيه وهام. فعمل بما يعين على تحريره من أيدي الغاصبين، وتحييده عن سُبُلِ الضّيم والحيف والعسف. فَأُبْعِدَ عنه إلى ظلمة السّجون، فقام يناجيه مناجاة الحبيب أبعد عن حبيبه، ويهمس إليه همس الرّوح للرّوح ... كتب يغازله:
وربّ نجوى كدنيا الحبّ دافئةٍ ... قد نام عنها رقيبي، ليس يسترقُ
عادت بها الرّوح من (سلوى) معطّرةً ... فالسّجن، من ذكر (سلوى) كلُّه عَبِقُ
سلوى، أناديك سلوى، مثلهم خطأً ... لو أنّهم أنصفوا، كان اسمَك الرّمقُ
يا فتنة الرّوح، هلاّ تذكرين فتًى ... ما ضرّه السّجنُ، إلاّ أنّه وَمِقُ
هل تذكرين، إذا ما الحظّ حالفنا ... إليك أهتفُ يا سلوى، فنتّفقُ؟
سلوى، حديثك يا سلوى يباغمني ... والطّرفُ يَختانُ، لا يدري به الحَدقُ
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 89 – 91. (1/76)
صفحة 77
أنفاسك الطّهرُ كالصّهباء تغمرني ... دفئًا، ويُسكرني من فرعك العرقُ
سمراء، خدّرها الباري، وصوّرها ... إن أرتشفْ ثغرها يفتكْ بيَ الأرقُ
سلوى، أناديك سلوى، هل تُجاوبني ... سلوى؟؟ فإنّ لساني باسمها ذلقُ
ردّي عليّ أهازيجي موقّعةً ... فقد أعارك وزنًا قلبيَ الخَفقُ
ورتّليها تسابيحًا مقدّسةً ... في معبد الحبّ، يسجد عندها الأفق
يا لائمي في هواها، إنّها قبسٌ ... من الجزائر، والأمثال تنطبقُ
بنت الجزائر .. أهوى فيك طلعتها ... فكلّ ما فيك من أوصافها خُلق
أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها ... آمنت بالله، لا كفرٌ، ولا نزقُ
أرض الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ ... رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا (1)
تكرارُ الشّاعر للفظة (سلوى) دليل على تعلّقه بها، ووصفه لمظاهر الفتنة، التي تجذب قلب العاشق، برهان على غرامه بها، وتذلُّلُه للحبيب مظهر من مظاهر التّمسّك به. وعرضُ الذّكريات حجّة على الحنين إلى هواه ...
إنّ الشّاعر سلك هذا الأسلوب في الحديث عن وطنه، الذي أراد الغاصب أن يستلّ منه حبّه له، ويسلب منه ارتباطه به؛ ليعلن عن الوفاء، ويؤكّد على الولاء، ويثبّت قوّة الانتماء، وكلّ ما يفصح عن الهويّة التي ينتمي إليها الشّاعر.
إنّ الشّاعر وظّف ما يحسّ به العاشق الولهان المتيّم من غرام وجوى وهوى، في تصوير مشاعره نحو وطنه العزيز الغالي، ليكشف للعدوّ أوّلا أنّه متمسّك بوطنه، متشبّثٌ به، مهما يفعل ويصنع، فَلْيندحرْ وليَنْكَسِرْ ... ويقدّم للعالم ثانيًا حقيقة ما يحمله من آيات الوفاء والارتباط بوطنه. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " وعندما يصطدم الحبّ الذّاتي بالحبّ القومي، لا ينتج عن الانصهار إلاّ الانصهارُ في حبّ واحدٍ، يخدم الاثنين معًا، يقدم على الموت ليهب لهما الحياة. وعندما تتلاشى
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 21 – 26. (1/78)
صفحة 78
صورة الحبيب في صورة الوطن المعذّب المعاني، لا تتلاشى إلاّ لتلوح من جديد في وطن حرّ كريم." (1)
4 – التّركيز على التّاريخ
كان مفدي زكريّاء يذكّر بالماضي المجيد، ويسرد مناقب الشّخصيّات الفاعلة في مسيرة الجزائر، ويحارب التّمرّد على الماضي، بل يقاوم التّنكّر له. ويعمد إلى سرد القيم الحضاريّة والإنسانيّة التي سجّلها التّاريخ الإسلامي. له في هذا المجال قصائد كثيرة، يمكن للدّارس أن يقف على ما تتضمّنه من إيحاءات وإشارات، تهدف إلى تحديد هويّة الشّعب الجزائري. يقرأ الباحث هذا – بخاصّة - في " اللّهب المقدّس" وإلياذة الجزائر". وفي الملحمات التي كتبها وهو يسجّل بطولات الشّعب في مختلف مراحل تاريخ الجزائر. قال مثلاً سنة 1957م عام الانتصارات في ملحمة الثّورة الجزائريّة:
وإنّا أمّة وسطٌ، نصافي ... مودّتنا الألى، قالوا صوابا
وإنّا أمّة ... المجدِ، قامت ... على الأشلاءِ، وامتلأت شبابا
وعن ... أصلابنا قدمًا ورِثنا ... دمًا حرًّا، وأضلاعا صِلابا
وقلّبنا من التّاريخ وجهًا ... وجدّدنا لِهيكله ... إهابا
وجئنا بالخوارق معجزات ... فلم نترك لناكرنا ... ارتيابا
وخضنا (ثلاث) سنين دأبا ... فأصبحنا من التّحرير قابا
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 311. (1/79)
صفحة 79
فلا نرضى مساومة وغبنا ... ولا نرضى لسلطتنا اقتضابا
ولن نرضى شريكًا في حِمانا ... ولو قسمت لنا الدّنيا منابا (1)
قال الشّاعر هذه الأبيات ضمن قصيدة، عنوانها " قال الله "، تعدّ سبعة وسبعين بيتًا، سنة 1957م، مخلّدًا الذّكرى الثّالثة لثورة أوّل نوفمبر المظفّرة الخالدة. ومسجّلا انتصارات الثّوَّار على عتوّ فرنسا وغطرستها. فقد مرّغ المجاهدون كبرياء المعتدين الغاصبين في الرّغام. فربط الشّاعر ظفر الأخلاف بانتصارات الأسلاف، وفي هذا التّناولِ ربطُ الأجيال بالتّاريخ وبالأصول. دليل ذلك أنّ الشّاعر افتتح القصيدة بقوله:
دعا التّاريخ ليلكَ فاستجابا ... (نفمبر) هل وفّيت لنا النّصابا
هذه الإيماءات من شأنها تقوية الرّوح القوميّة في النّفوس، وتركيز حقيقة الهويّة في الأذهان، وهي التي تجعل الشّخص – إذا وعاها حقّ الوعي – واقفًا سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يحاول تشكيكه في هويّته، وتبقيه دائمَا معتزًّا بشخصيّته، مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقًا بأرومته مهما تَكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده.
5 – وصف الطّبيعة
تناول مفدي زكريّاء موضوع الطّبيعة – إبّان الاحتلال الفرنسي بخاصّة – من زاوية التّعبير عن المأساة التي عاشها الشّعب، وهو يرى أرضه تسلب منه، ومواطنه تداس، وجمال الطّبيعة في بلاده يتحوّل إلى دمن.
من بين ما تناوله في الموضوع فضاء الصّحراء. وقد بثّ من خلاله أفكاره القوميّة، ومشاعره الوطنيّة. وكان يرمي – بذالك - إلى إثارة النّخوة في النّفوس، التي كادت تفقدها بسبب الظّروف القاسية التي عاشتها. وكان يهدف إلى إرجاع النّاس إلى فطرتهم في معتقدهم وأخلاقهم وسلوكهم، بعد أن أفسدتها أدناس المدنيّة وشرورها.
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 40، 41. (1/80)
صفحة 80
وكان يذكّر النّاشئة بالبطولات التي احتضنتها على أرضها، عبر تاريخ الجزائر وغيرها؛ ليشحذ الهمم، ويحمّس الشّعب، ليُظهر بطولات، تدفع إلى الخروج من التّخلّف والحرمان والقهر والضّيم. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهوية، والارتباط بها.
يغازل مفدي زكريّاء نوفمبر سنة 1957م، ويطارحه مشاعره نحوه، ويعاهده على البقاء معه وفيًا، يسنده كي يحرّر الوطن من الأعداء والغاصبين، ويذكّره بأنّ الأرض الجزائريّة كلّها تنتفض لتتحرّر من نير الظّالم الغاشم. من جملة هذه المناطق الصّحراء، التي يعدّ الشّاعر أحد أبنائها، ترعرع فيها صبيًّا، ودرج فيها فتًى، امتزج بكثبانها، وتسلّق نخيلها، واغترف من مائها، وأكل من ثمارها.
وفي صحرائنا جنّات عدنٍ ... بها تنساب ثروتنا انسيابا
وفي صحرائنا الكبرى كنوز ... نطارد عن مواقعها الغرابا
وفي صحرائنا تبر و تَمرٌ ... كِلا الذّهبين راقَ بِها وطابا
وفي صحرائنا شعرٌ وسحرٌ ... كلا الملكين حطّ بِها الرّكابا
وفي صحرائنا أدب ... وعلمٌ ... زكا بِها المثقّف واستطابا
وفي واحاتنا ظلٌّ ... ظليلٌ ... تفور به نواعرنا ... حبابا
وفوق سَمائها قمر ... منيرٌ ... نطارحه الأحاديث العِذابا
وتحت خيامها انبجست عيونٌ ... لها (هاروت) قد سجد احتسابا (1/81)
صفحة 81
وتحت نعالها استقلال شعبٍ ... يلاقي في (المنظّمة) الصّعابا (1)
عمد الشّاعر إلى وصف مفاتن الصّحراء برومانسيّة حالمة. إلاّ أنّه لَمْ يبقَ في حدود الوصف، والتّلذّذ بهذه المحاسن، والافتخار والاعتزاز بما تتمتّع به من جمال، بل تعدّى كلَّ هذا إلى غاية أسمى ومرمى أسنى، هو إظهار التّعلّق بالصّحراء، لتحريك النّفوس كي تحسّ بما يحسّ به هو ويشعر؛ فتثورَ على ما يمسّ سيادتها، وينال كيانها، ويخدش هويّتها. فيضمن المحافظة على أصالتها.
هذه اللّفتة، وهذا التّناول، يدخلان ضمن رسالة الشّاعر الوطنيّة، وهي توعية النّاس بضرورة الثّورة على كلّ مغتصب للأرض، وكلّ معتد على الحمى. وكلّ مستهتر بالهويّة، وكلّ مستهين بالأصالة.
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 33 – 38. ينظر أيضًا ص: 316، 317. وإلياذة الجزائر، ص: 56. (1/82)
صفحة 82
6 – تعامل الشّاعر مع اللّغة العربيّة تعاملاً قوميًّا
ضمن الرّسالة القوميّة التي تحمّلها الشّاعر، حاول الارتقاء باللّغة العربيّة إلى ما يؤهّلها لتنهض بالثّقافة الإسلاميّة، وتُركِّز الهويّة في النّفوس. فكان في هذا الاستعمال يستغلّ العاطفة الدّينيّة في المتلقّين والمخاطبين، فيقدّم أفكاره ومشاعره في سياق من الألفاظ القرآنيّة التي تحمل دلالات تعين على إثارة عاطفة، أو تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع أمل ونزع يأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغوية، أو كان الشّاعر يوجّهها لتخدم غرضه.
أحسّ مفدي زكريّاء – ومثله الشّعراء الجزائريّون – بالخطر الذي يهدّد اللّغة العربيّة، وبالتّبع ينذر بمصير مشؤوم للإسلام، ومآل مجهول للهويّة. فقاموا بمحاولات جادّة لتدارك الوضع، فكان من بين المبادرات الرّائدة الجادّة محاكاة الأساليب البيانيّة العالية، كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربيّ الرّفيع ... وقد كان دافعهم في ذلك دينيّا اجتماعيّا قوميّا، وهو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من التّردّي والاستلاب. ثمّ نفسيًا، وهو الخروج من الغربة الفكريّة؛ بالعمل على الارتباط بالأصول الحقيقيّة، عن طريق الاغتراف من المنابع الصّافية. وهذا ما يضمن سلامة الانتماء، ويثبّت حقيقةَ الهويّة.
فهم مفدي زكريّاء – مثل شعراء الأصالة – " من الهجوم الاستعماري على اللّغة العربيّة أنّه محاربة للهويّة الإسلاميّة وللانتماء العربي، لهذا قاوموا هذا التّيّار والاتّجاه، الذي يرمي إلى الإنقاص من قيمة اللّغة العربيّة، ومحاولة قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها. فكان الرّجوع إلى القرآن الكريم ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّارية من أجل البقاء. (1/83)
صفحة 83
فمن خلال احتذاء أساليب القرآن ولغته، يمكن إظهار أسرار اللّغة العربيّة، لمعرفة خصائصها وعبقريّتها، وبالتّالي دفع أباطيل المغرضين، كما أنّ هذا الاستعمال بهذه الكيفيّة، هو في حقيقته إيحاءٌ وإشارة إلى ضرورة الاعتزاز بالشّخصيّة الإسلاميّة، وردّ الاعتبار للأمّة العربيّة." (1)
لهذا قال مفدي زكريّاء للطّلبة – بخاصّة – سنة 1960م يدعوهم إلى صيانة اللّغة العربيّة، والمحافظة على الهويّة القوميّة:
اتّقوا الله في العروبة والفصـ ... حى، كم صوّبوا إليها النّبالا
لغة العزّ والكرامة والمجـ ... دِ، تهادى على الدّهور اختيالا
تتحدّى العصر الجديد، وتغزو ... أفق الفكر، قوّة وكمالا
كم رماها ذوو الجهالة بالعقـ ... مِ، سفاهًا وخسّةً وضلالا
مسخوها وشوّهوها انتهاكا ... وابتغوها سخافة وابتذالا
جهلوها، فأنكروها، وطعم الـ ... ماء مُرّ لِمن يئنّ اعتلالا
ذلّ شعبٌ، لَمْ يتّخذ لغة الأجـ ... دادِ حصنًا، ورام عنها انفصالا
وعقوق البنين أعظم خطبٍ ... يرهق الشّعب ذلّة ونكالا (2)
إِنّ النّصّ ركّز على جانب الهويّة، ونبّه إلى قيمة اللّغة. نقف على ذلك من خلال ذكر بعض الإشارات التي أومأ إليها. فقد أشار:
1 - إلى العزّة والكرامة، وإلى الفكر الذي يتأثّر بوعائه (اللّغة) الذي يحمله.
__________
(1) - محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 190، 191. ينظر نماذج من تعامل مفدي زكريّاء مع لغة القرآن وأسالبيه، المرجع نفسه بجزأيه. ونماذج من تعامله مع التّراث بعامّة، الدّكتور محمد ناصر، كتاب: مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 189، 190. (1/84)
صفحة 84
2 – إلى عمليّات التّشويه والتّزييف والإنكار والجحود، التي تتلقّاها اللّغة العربيّة من أبنائها.
3 – إلى المهانة والذّلّ اللّذين يصيبان من ينكر لغته، ويروم الانفصال عنها.
4 – إلى الضّياع والتّيه، اللّذين يتعرّض لهما من لم يكن حصنُه وحضنُه لغتَه.
كلّ هذه الإشارات تصبّ في خانة صيانة الأرومة، وحماية الأصالة، ورعاية الهويّة ...
هذا هو الشّعر الذي يحمل رسالة، رسالة التّصحيح والتّثبيت، والتّأصيل، والدّفاع والنّهوض، والحماية والهداية ... كلّ ذلك يساعد على تبيان الهويّة، ودفعها إلى الاستماتة من أجل البقاء والاستمراريّة. يقول صالح الخرفي: " ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسيّة للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له، التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القوميّة بأصالتها وعراقتها، اللّغة بثرائها وحضارتها، ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر، كما لَم يتغنَّ بها من قبل، وتنطلق القوميّة انطلاقة شعريّة، فيها من الاحتباس الخانق لها طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيتٍ في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرارَ من الطّرف الآخر على أغنيّة (الجزائر قطعة من فرنسا)، يزيد من جموح هذه اللّفظة، وإلحاحها على الأبيات والقوافي. " (1)
هذه العناصر التي تكوّن الهويّة، وهذه الأفكار، وهذه المقوّمات، التي سجّلها الدّكتور صالح الخرفي، هي التي تناولها الشّاعر مفدي زكريّاء في شعره، وهو يعالج موضوع الهويّة.
في الحقيقة إنّ الارتباط بالوطن والرّموز التّاريخيّة، واللّغة القوميّة ... هي قدر مشترك عند كلّ الأمم، التي تريد المحافظة على هويّتها. فعلينا أن نتأمّل ونتملّى جيّدًا شعر مفدي زكريّاء؛ لنعرف هذه العناصر. ثمّ لنقف على الدّلالات التي يحملها تناوله لها، ونفقه الرّسائل التي يوجّهها إلى كلّ وطنيّ غيور، وكلّ حرّ أصيل. وبعد ذلك نقول: إذا ما أردنا أن نحفظ لأمّتنا أصالتها، وأن نرعى لشبابنا هويّتهم، وأن ننأى بنابِتَتِنا عن أفخاخ الغزو الفكري، وأن نبتعد برعايانا عن أشراك الاستلاب الثّقاقي، وأن نهرب بناشئتا عن وباء عقوق الأصول، والمروق من السّبيل السويّ، وأن نجنّب أنفسنا وأبناءَنا مشانق الانتحار الفكري ... فما علينا إلاّ أن نتفقّد مكانة هذه المقوّمات في تفكيرنا وتخطيطنا، وفي مناهجنا وبرامجنا، وفي تربيّتنا وتنشئتنا، وفي مشروعاتنا ومبادراتنا، وفي نوايانا وطوايانا وزوايانا ... ونرجع إلى ما عالجه مفدي زكريّاء في شعره في موضوع الهويّة: تسجيلا للمقوّمات والقيم الأصيلة. وعرضًا للواقع الذي كانت تعيشه الجزائر. ونقدًا وانتقادًا لما راقه، وما لَم يرقهُ. وذكرًا للأسباب والعوامل وما كان، ومن كان خلفها، إيجابًا وسلبًا. وعرضًا
__________
(1) الشّعر الجزائري، ص: 258. (1/85)
صفحة 85
للنّتائج والعواقب وآثارها على الهويّة. ثمّ المقارنة بين ماضينا وحاضرنا، وتسجيل التّشابه والاختلاف في الحالين. وتحمّل المسؤوليّة في النّتائج والانعكاسات والمضاعفات، أمام الله والأمّة والتّاريخ ...
بذلك يكون لما ندرسه فائدة عمليّة، ويكون لما نعرضه مبرّر موضوعي وأخلاقي وحضاري، لا يبقى في حدود العرض الفولكلوري، والتّفاخر بالأمجاد؛ لأنّ ذلك لن يجدينا نفعًا، ولا ينجدنا في محننا الفكريّة والحضاريّة، فالغابر العظيم، لا يفيد الحاضر السّقيم، إن لم يعمل أبناء الحاضر على السّير على سَنَن رجال الماضي، في المبادرة والمثابرة، والسّيادة والرّيادة، ثمّ التّطوير والتّغيير نحو الأحسن، لا إلى الأسوأ والأردأ، فمعروف الرّصافي يقول:
وهل إن كان حاضرن شقيًّا ... نسود بكون ماضينا سعيدا
القرارة يوم: 19 من ذي القعدة 1428هـ
29 من نوفمبر ... 2007م
المصادر والمراجع
1 - الإبراهيمي، محمد البشير (شيخ)
عيون البصائر (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة 1971م.
2 - آل خليفة، محمد العيد (شاعر)
أ - الدّيوان، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1979.
ب- ديوان محمد العيد محمد عليّ خليفة، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، (د. ت)،
3 - أبو اليقظان، إبراهيم (شيخ) (1/86)
صفحة 86
الدّيوان، ج 2، ط 1، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، رغاية، الجزائر. نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية. سنة 1989.
4 – حافظ، أشرف (دكتور)
الهويّة العربيّة والصّراع مع الذّات، ط1، دار كنوز المعرفة العلميّة للنّشر والتّوزيع، عمَّان، الأردن، 1433ه/ 2012م
5 - حسين، محمد محمد (دكتور)
الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، الجزء الثّاني. ط 2.مؤسّسة الرّسالة، بيروت، سنة 1407هـ/ 1986م.
6 - خباشة، صالح (شاعر)
الرّوابي الحمر، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة1971.
7 - الخرفي، صالح (دكتور)
أ - الشعر الجزائري، (ش، و، ن، ت)، الجزائر، (د. ت)
ب - أطلس المعجزات، ط 2، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1982م.
جـ - صفحات من الجزائر، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1973م.
د - الجزائر والأصالة الثّورية،
هـ - أنت ليلاي، (ش، و، ن، ت)،الجزائر، سنة 1974م
و- في رحاب المغرب العربي، ط1. دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان. سنة 1985م.
8 - الدّقاق، عمر (دكتور)
أ - نقد الشّعر القومي، منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق. سنة 1978م.
ب - الاتّجاه القومي في الشّعر العربي الحديث، دار الشّروق العربي، بيروت (د. ت).
9 - ركيبي، عبد الله ركيبي (دكتور)
قضايا عربيّة في الشّعر الجزائري المعاصر. ط 3. الدّار العربيّة للكتاب ليبيا، تونس. سنة 1397هـ/ 1977م.
10 - زكريّاء، مفدي (شاعر)
أ - اللّهب المقدّس، ط 2.منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة. الجزائر، سنة 1973م.
ب - إلياذة الجزائر، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، سنة 1987. (1/87)
صفحة 87
جـ - أمجادنا تتكلّم وقصائد أخرى، (ديوان شعر)، جمعه وحقّقه مصطفى بن الحاج بكير حمّودة، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء والوكالة الوطنيّة للاتّصال والنّشر والإشهار، الجزائر، 2003م.
د- إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء، الجزائر، 2006م،
11 - سحنون، أحمد (شيخ)
ديوانه، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1977م.
12 ـــــــ سعد الله، أبو القاسم (دكتور)
النّصر للجزائر، ط 3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، سنة 1986م.
13ـــــــ سلمان، نور (دكتورة)
الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1981م.
14 ــــــــ لحيلح، عيسى (شاعر)
وشم على زند قرشي، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، سنة 1985م
15 ـــــــــ مصايف، محمد، (دكتور)، ناصر، محمد (دكتور)، مرتاض، عبد الملك، (دكتور)
دراسة في الشّعر الجزائري الحديث من 1925 إلى 1954. (مخ).
16 ــــــــ ناصر، محمد (دكتور)
أ - الشّعر الجزائري الحديث، اتّجاهاته، وخصائصه الفنّية. (1925 - 1975) ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، سنة 1985م.
ب - رمضان حمود: حياته وآثاره. ط 2، (م، و، ك)،الجزائر، سنة 1405هـ/1985م.
جـ - مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة. ط 2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الرّغاية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث العطف، غرداية، سنة 1989م الجزائر.
17 ــــــــ ناصر بوحجام، محمد (دكتور)
أ - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث» ج 1،ج2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، سنة 1992م.
ب - «السّخرية في الأدب الجزائري الحديث» (1925 – 1962) (مخ). (1/88)
صفحة 88
جـ ـــــ "العروبة في شعر مفدي زكريّاء" مجلة الثّقافة، وزارة الثّقافة، (الجزائر)، السّنة العشرون، عدد:107 - 108 مارس – أفريل، سنة 1995م.
الفهرس
مقدّمة الطّبعة الثّانية
المقدّمة الطّبعة الأولى (1/89)
صفحة 89
مفهوم الشّعر ودوره عند الشّعراء الجزائريّين
مفهوم القوميّة وأسباب بعثها
مظاهر القوميّة في الشّعر الجزائري
1 – التّغنّي بالوطن
2 – التّوعية التّاريخيّة
3 – وصف الطّبيعة
4 – تعامل الشّعراء مع اللّغة تعاملاً قوميًّا
5 - العروبة في الشّعر الجزائري
6 – قضايا إسلاميّة وعربيّة في الشّعر الجزائري
معوّقات القوميّة
الخاتمة.
الهويّة في شعر مفدي زكريّاء
1 – قصائد مسخّرة لتثبيت الهويّة
2 – العروبة والإسلام
3 - التّعلّق بالوطن.
4 – التّركيز على التّاريخ
5 – وصف الطّبيعة
6 – تعامل الشّاعر مع اللّغة العربيّة تعاملاً قوميّا
المصادر والمراجع
الفهرس (1/90)