صفحة 1
الكتاب: الصورة والموسيقى في الشعر العُماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الصّورة والموسيقى في الشّعر العماني الحديث
(عند الاتّجاه المحافظ)
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم (1/1)
صفحة 2
مقدّمة
الجوانب التي تحتاج إلى الدّراسة في الشّعر العماني الحديث ما تزال كثيرة، رغم صدور عدّة دراسات فيه، أماطت اللّثام عن كثير من الغموض في هذا الشّعر، وأثارت كثيرًا من القضايا والإشكالات، تشجّع الدّارس والباحث للغوص في أعماق هذا الشّعر. مع ذلك فإنّ هذا الشّعر لم يصبح واضح المعالم عند كثير من الباحثين، وما يزال الجهل به يخيّم على عقول كثير من الدّارسين. وما تزال بعض الأحكام الصّادرة في حقّه محلّ جدل ونقاش، له أو عليه. من هذه الجوانب جانب التّصوير والموسيقى في الشّعر المحافظ، الذي ارتأينا الكتابة فيه، بعد ما طلب منّا دراسة الصّورة والموسيقى في الشّعر العماني.
لاحظنا أنّ الانطباع السّائد عند كثير من الدّارسين الشّباب أنّ هذا الشّعر لا يرقى إلى مستوى الشّعر الجيّد؛ لأنّه يفتقر إلى مظاهر الإبداع، وتنعدم فيه عناصر الجودة. نسي هؤلاء أن يدرسوا هذا الشّعر في إطاره الزّماني والمكاني، وأن يبحثوه في سياق التّطوّر التّاريخي للحركة الشّعرية العمانيّة، وأن يقرؤوه في ضوء الظّروف التي عاشتها عمان. كما أنّ بعضهم أعطى لهذا الشّعر أكثر ممّا يستحقّ، من حيث القيمة الفنّيّة، والبعد التّاريخي، وأهميّة المضمون، فغالوا في تقديره، عن سذاجة، أو عن جهل بحقيقة الشّعر والفنّ، أو بدافع التّعاطف مع ناظميه، احتراما وتقديرا وتعظيما ...
حاولنا في هذه العجالة تقديم فكرة عن تعامل الشّعراء ذوي الاتّجاه المحافظ مع الصّورة الشّعريّة، إبداعا واستلهاما واقتباسا. واجتهدنا في وضع تجاربهم ومحاولاتهم في إطارها الحقيقي بكلّ موضوعيّة، قدر المستطاع. وكان هذا الجانب قد أخذ حصّة الأسد في الدّراسة؛ لكون الشّعر تصويرا في الدّرجة الأولى, ولكون الشّعراء أعطوا هذا الجانب أهميّة كبيرة.
في جانب الموسيقى بيّنا كيف اعتنى الشّعراء به اعتناء خاصّا، وفهموا الموسيقى جزءا مهمّا في العمل الشّعري، وعدّوها شطرا لا ينفصل عن التّصوير، بل من دونها لا يعدّ التّصوير شيئا. وكان تركيزهم على الإيقاع أكثر. من هنا كان الحديث عن الموسيقى مركّزا أيضا على هذا الجانب. مع كلّ هذا نقول للقارئ الكريم إنّ محدوديّة الدّراسة، التي هي محاضرة لم تمكنّا من الاستقصاء والاستقراء اللاّزمين لتنفيذ الخطّة التي أردناها إسهاما في إنصاف هذا الشّعر، وبيان ما له وما عليه.
ركّزنا على بعض الشّعراء المعروفين أكثر في السّاحة الأدبية العمانية، لأنّ الدّراسة محدودة في حجمها، ولأنّ غرضنا كان تقديم وجه من أوجه الكتابة الشّعرية في عمان، التي ظلمت في فسح مجال لها (1/2)
صفحة 3
في الدّراسات التي قدّمت عن الأدب العربي، وما قدّم منها كان مجحفًا في حقّها عرضًا، أو إصدار أحكام غير موضوعية في بعضها. فلم يكن غرضنا القيام بدراسة شاملة معمّقة لهذا الشّعر.
القرارة يوم الإثنين: 14 ... من رجب ... 1425هـ
30 ... من أوت (أغسطس) 2004م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/3)
صفحة 4
الصّورة الشّعريّة
التّصوير هو الجوهر والأساس في العمل الشّعري الإبداعي. يقول الجاحظ: " فإنّما الشّعر صياغة وضرب من النّسج, وجيش من التّصوير. " (1) معنى ذلك: إنّ العمل الشّعري يكتسب صفته الإبداعيّة وقيمته الفنّيّة بواسطة التّصوير؛ لذا فإنّ عبقريّة الشّاعر الإبداعية تقاس, وتعرف بمدى قدرته على التّصوير الجميل الدّقيق، الذي يقودنا إلى عالمه الدّاخلي؛ إذ الصّورة الشّعريّة وسيلة الشّاعر المهمّة والرّئيسة في نقل عواطفه ومشاعره وفكره وآماله وآلامه إلينا.
من هنا: " قيل إنّ الشّعر يَظَلُّ مُبْهَمًا في نفس الشّاعر، فلا يتّضح لنا إلاّ بعد أن يتشكّل في صورة," (2) وقيل أيضا: " الصّورة الأدبيّة أصدق تعبير عمّا يجول في النّفس من خواطر وأحاسيس، وأدقّ وسيلة تنقل ما فيها إلى الغير بأمانة وقوّة, وأجود موصل إلى الآخرين في سرعة وإيجاز ووفرة. والصّورة أجمل وأنضر طريقة في شدّ العقل والخيال إليها, وربط الإحساس بِها, وتجاوب المشاعر لها, وإحياء العاطفة وسحر النّفس. ويؤثر الأديب والشّاعر والنّاقد الصّورة الأدبيّة في الأدب والنّقد لأهداف كثيرة. " (3)
كيف يمكن للفنّان أن يحلّق خارج الصّورة الأدبيّة, إذا كان ما يرجوه من الكتابة الشّعريّة هو ما توفّره الصّورة الشّعريّة. فالصّورة الأدبيّة جمال ونضارة, واستجابة سريعة للأحاسيس والعواطف, وقوّة وأمانة ودقّة في نقل المشاعر إلى الغير, وزرع العدوى الشّعوريّة في نفوسهم, وفسحُ المجال للخيال كي يتحرّك فيبدع، وفتحُ الفضاء للعقل كي ينشط فيبتدع ...
إنّ الصّورة تمثّل كنه الشّعر وتجسّد ماهيته, وتكشف عن وظيفته, وتحقّق غايته، التي تعبّر عن موقف الفنّان من قضايا الكون والحياة والإنسان, وما يدور حوله, وما يتطلّع إليه. وتبرز ما يستقيه من الماضي, وما يستشفّه من الواقع, وما يستشرفة في المستقبل.
لهذا الدّور الكبير الذي تؤدّيه الصّورة في العمل الشّعري, ولهذه الدّقّة التي تتميّز بها, ولهذه الرّقّة التي تتوافر عليها, نجد تركيبها ليس سهلا, وبناءها ليس هيّنا. فهما غير متهيّئين لكلّ من يرغب في كتابة الشّعر. وقوّتُها وعمقُها ممّا يتفاوت فيهما الفنّانون والمبدعون. حتّى اكتشافها في الأعمال الفنّيّة الإبداعيّة ليس متيسّرا لكلّ من يحاول أن يكشف عنها, وليس بمقدور كلّ الدّارسين والنّاقدين أن يضعوا أيديهم عليها، أو يُبْرزوها, أو يلاحظوها ويلاحقوها؛ لأنّ الفنّان قد يختفي بمشاعره وأفكاره وراء لفظة, أو خلف عبارة، أو في ظلّ تركيبة. وقد يتستّر أو يتسربل برمز أو إشارة أو إيماءة ... لذا قد لا يتفطّن إلى (1/4)
صفحة 5
هذه الصّورة من يقرأ هذا المبدع: " والفنّ الصّادق والشّعر العبقري هو الذي يعبّر عن نفس صاحبه من وراء حجاب، وإن لم يتحدّث عن نفسه صراحة. وخير الطّرق التي تبرز شخصيّة الشّاعر وأصالته، بل أقواها وأشدّها أثرا في النّفس هو طريق الوحي والإشارة. " (4)
قد يتعجّل الدّارس الحكم فيما يكتب الشّاعر، فيحكم له أو عليه، وقد يثبت له التّصوير وقد ينفيه عنه، وقد يمرّ على الأثر الأدبي ويتجاوزه من دون أن يمسّ خيوط الصّورة، أو يقف على خطوطها؛ لأنّ تعبير الفنّان أدقّ وأعمق من أن تدركه عين النّاقد بيسر وسهولة، أو يحيط به عقل الدّارس، أو يكتشفه المتذوّق للأدب والشّعر بخاصّة. فالصّورة تعتمد " على الكشف الذي يحتّم على المتلقّي التّركيز ونفاذ البصيرة، الذي تعقبه هزّة مفاجئة وارتياح بعد العثور عليها وفهمها. " (5) كما أنّ مرجع هذا الإخفاق – أحيانا - في كشف التّصوير في الأثر الشّعري يكمن في كون طبيعة الصّورة الأدبيّة أنّها " التّركيب القائم على الإصابة في التّنسيق الفنّي الحيّ لوسائل التّعبير، التي ينتقيها وجود الشّاعر – أعني خواطره ومشاعره وعواطفه – المطلق من عالم المُحَسَّات؛ ليكشف عن حقيقة المشهد أو المعنى في إطار قويّ نَامٍ محسّ مؤثّر، على نحو يوقظ الخواطر والمشاعر في الآخرين. والشّاعر - في نشوة العمل الفنّي، وغمرة التّكوين الدّاخلي للصّورة في نفسه - يحسّ بتجرّد تامّ من أثقال المادّة، ويصير هو في ذاته خيالا وفكرا وشعورا وعاطفة، مجرّدا عن الماديّات." (6)
هذه الدّرجة العالية من التّنسيق الفنّي، وهذه الملابسات التي تحيط بلحظة الكتابة، والمنطلقات التي ينطلق منها المبدع, وهذا الوضع الذي يكون عليه الفنّان، أعني تجرّده من المادة، والانتقال إلى عالم المجرّدات, وهذا المزج بين الفكر والعاطفة، ومحاولة الجمع بين الإفصاح عن المكنون، والضّنّ على المتلقّي بالسّهولة في كشفه ... كلّ ذلك يجعل من الصّورة الفنّيّة أو الشّعريّة ظاهرة أو عالما فسيحا للكتابة، وفضاء واسعا للكشف والإفصاح أو الفصح عن المستور والمخفيّ، أو المتخفّي العصيّ.
كما أنّ " الصّورة تتّخذ كلاّ من اللّفظ والأسلوب وسيلة للتّخيّل والتّجسيم والتّشخيص والتّلوين والإيحاء والحركة والأضواء والظّلال والإيقاع الرّتيب ... " (7)
بناء على كلّ ما أتينا على ذكره نقول: إنّ الصّورة الشّعريّة تُعنَى بالكشف عن العالم النّفسي، عن طريق تشخيص الحالة النّفسيّة، والحرص على إثارة المشاعر في المتلقّي. وتعتمد على الخيال أو القوّة الفعّالة والخلاّقة كما تسمّيها جماعة الدّيوان (8)
هي تخرج عن المألوف في التّعبير, وتتمرّد على الدّلالات المعجميّة، وتنأى عن التّقريريّة والمباشرة إلى الإيحاء والرّمز و الإيماء ... (9) وهي نحمل " دلالات خاصّة لا يمكن أن تكون مشابهة لسابقتها. (1/5)
صفحة 6
والصّور النّاجحة في هذا هي التي لا تلتزم النّسق اللّغوي الذي تحمله مفرداتها، ولا التّركيب الوصفي لها. " (10)
إذا كانت هذه بعض خصائص الصّورة الشّعريّة, وهذه طبيعتها. فكيف كان التّصوير في الشّعر العماني الحديث؟ وما هي طبيعة الصّور فيه؟ وما هي أنواع هذه الصّور؟ وكيف بنى الشّاعر العماني صوره؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه بشيء من الإيجاز والتّركيز؛ بانتقاء نماذج واختيار أمثلة، تقرّب الصّورة في ذهن القارئ, من دون التّتبع الدّقيق للتّصوير في هذا الشّعر؛ بسبب قصر حجم الدّراسة، التي هي عبارة عن محاضرة، وليست بحثا موسّعا، يتيح الفرصة للاستقصاء والاستقراء، ويفسح المجال للدّراسة المعمّقة.
سنقتصر على مجموعة محدودة من الآثار لشعراء معدودين، يمثّلون الاتّجاه المحافظ في الشّعر العماني الحديث. والبداية تكون مع نماذج من القصائد التي زخرت بالصّور، التي جاءت متتالية متتابعة متساوقة، ثمّ نتناول أمثلة أخرى لصور منفردة.
من مقدّمة قصيدة نونيّة أبي مسلم البهلاني الرّواحي المعروفة عند العمانيّين بـ (الفتح والرّضوان) نأخذ هذه الأبيات:
تلك البوارق حاديهنّ مرنان ... فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان
شجت صوارمها الأرجاء واهتزعت ... تزجي خميسا له في الجوّ ميدان
تبجّست بهزيم الودق منبعِقا ... حتّى تساوت به أكم وقيعان
سقى الشّواجن من رضوى وغصّ به ... سرّ وجوف, وغصّت منه جرنان
وجلّل السّهل والأوعار معتمدا ... ربوع ما ضمّ عندام وجعلان
وَرَاثَ ينضَح للجرداء ساحتها ... وطمّ ما ردّ صَفْنان وصَخْنَان
يُريقُ في الجوّ منه رَيِّقٌ هَطِل ... في لوْحِهِِ من سناء البرق ألوان
إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت ... عيني وشبّت لشجو النّفس نيران
وصيّر البرق جفني من سحائبه ... يا برق حسبُك ما في الأرض ظمآن
إنّي أَشَُحّ بدمعي أن يَسُحّ على ... أرض، وما هي لي يا برق أوطان
هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي ... إلى معاهدَ لي فيهنّ أشجان
تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت ... وهنّ وسط ضميري الآن سكّان (11)
انتخاب الشّيخ سالم بن راشد الخروصي إماما للمسلمين أثار في نفس أبي مسلم الرّواحي مكامن الحنين إلى وطنه عمان، الذي فارقة غصبا عنه وقهرا، وغادر معاهده كرها وجبرا، كما عبّر عن ذلك (1/6)
صفحة 7
بقوله: نزحت عنها بحكم لا أغالبه ... لا يغلب القدر المحتوم إنسان (12) ... لقد كان دائم التّطلّع للرّجوع إلى بلده؛ ليسهم في خدمته، ويعمل على الرّقيّ به إلى مدارج الكمال، أو على الأقلّ الخروج به من دائرة التّخلّف إلى ميدان التّقدّم، ومن نفق الظّلام إلى نقطة الضّوء. فلمّا تغيّرت الظّروف بتولّي الإمام سالم بن راشد أمور المسلمين، تحرّكت في قلبه هذه المشاعر, ودارت في ذهنه هذه الخواطر، فكانت منه هذه الصّور المتتالية المتساوقة، التي يشدّ بعضها برقاب بعض، وجاءت لتقدّم هذه اللّوحة البديعة.
كان البرق الذي بدا في ألوان مختلفة، وأشكال متعدّدة المحور الذي دارت حوله صور الشّاعر؛ فقد أثار الأشجان، وحرّك العواطف، وساق معه أمطارا مدرارة، غطّت السّهول والأودية والتّلول والأغوار والنّجاد والوهاد. فكانت خيرا وبركة على البلاد والعباد، وسبب الهياج والذّكرى والإثارة للشّاعر. كانت نعمة وفضلا على عمان، وأصبحت له هو مثار حسرة وألم، لأنّه لم يتمكّن من الإفادة منها في التّمتّع بما أتت به لبعده عن وطنه. فتحوّلت هذه الأمطار – بالنّسبة له - من سحائب في السّماء تنزل لتحي الأرض وتنعش النّفوس، وتبعث الأمل في القلوب، وتنشر السّعادة والطّمأنينة والسّكينة بين بني وطنه، إلى سحائب في جفنه ترسل الدّمع مدرارا، وتزرع في قلبه الحزن والأسى، وتثير فيه المكامن والمواجد؛ حتّى أنّه تأسّف على إرسال هذه الدّموع على أرض لا يرى أنّها أهل لذلك، مخاطبا البرق الذي كان السّبب في كلّ هذه الأحوال، وفي الوقت نفسه يلومه، ويعتذر له على عدم الجود بدمعه على أرض لا يراها وطنه:
إنّي أشحّ بدمعي أن يسحّ على ... أرض وما هي لي يا برق أوطان
قال في موضع آخر يجسّد هذا المعنى، ممّا يدلّ على تأثّره بما يتركه البرق في قلبه:
أشعل البرق علينا جذوة ... فانطفا واتّقدت فينا الشّعل (13)
بل هو يذهب بعيدا حين يحرج البرق، ويناشده الانتقال من مجال استطارة القلب، بالحنين والشّوق والوجد، إلى استطارة الرّمق وبلّ الغلّة، وإطفاء اللّهيب، بطلب الانتقال به إلى وطنه:
هَبْك استطرت فؤادي فاستطر رمقي ... إلى معاهد لي فيهنّ أشجان
هذه اللّوحة التي رسمها الشّاعر أبو مسلم البهلاني، عمد فيها إلى تعديد الصّور، وإرسالها مترادفة متتابعة، ولجأ فيها إلى التّركيز على البرق، وقدّم عنه صورا متنوّعة لحركته وتأثيراته في النّفس ودلالاته المعنوية المختلفة، ومغازيه المتعدّدة ... (1/7)
صفحة 8
يعلّق الدّكتور سمير هيكل على طبيعة الحركة التي أضفاها أبو مسلم على هذه الصّور، التي عكستها حركة البرق، وإن كانت في الحقيقة إرادة الشّاعر في تقليب النّظر في تأثيرات البرق، التي هى إسقاطات نفسية على ما يشعر به في داخل نفسه من مشاعر متنوّعة وأحاسيس كثيرة متعدّدة نحو وطنه عمان, فأراد أن يستغلّ الإيحاءات التي تدلّ عليها صورة البرق، وهو يظهر في الأفق، فأتى بهذه الصّور. يقول سمير هيكل: " ... ونلاحظ هذه الحركة في البروق التي تصبح ركبا متحرّكا، يسوقه حادٍ يغنِّي بصوت كلّه رنين, والبرق يتبعه الرّعد، فإذا أرجاءُ الكون تهتزّ ويصبح الجوّ ميدانا فسيحا لجيوش البروق والرّعود، المتمثّلة بالأمطار الغزيرة التي لا تلبث أن تداهم الأرض؛ فتغمرها وتغطّيها في السّهول والأوعار." (14)
هكذا تمكّن خيال الشّاعر الذي أمدّته به مشاعره أن ينتزع صورا متعدّدة من لمحة البرق ولمعته، وأن ينسّق بينها بطريقة فنّيّة بارعة، فأوجد خواطر ونقل مشاعر, وأنتج بدائع، وأبدى روائع ... يقف عليها من تأمّل وتملّى هذه الصّور.
يبقى البرق أحد الرّموز الذي يلجأ إليها الشّاعر أبو مسلم البهلاني في التّعبير عن أحاسيسه وخواطره وأفكاره، وهو يعدّ أحد مفاتيح شخصيته (15)
في اللّوحة الآتية نسجّل توالي الصّور، التي عنيت بالتّفصيل والإتيان بالجزئيات، والاعتماد في بنائها على التّشبيه والاستعارة والاستفهام والمبالغة ... بحيث لم تخرج عن طريقة بناء الشّاعر المحافظ صوره, التي هى صور بلاغيّة. قال الشّاعر نفسه في حمد بن ثويني:
منطق كان ثامن السّبعة الشّهـ ... ـب وإن قلت تاسع الأفلاك
يشهد العقل منه ما يشهد السّمـ ... ـع ومعناه شاسع الإدراك
لو نحا البحر كان عذبا فراتا ... أو رفاتا لآذنت بِحراك
كلمات كالسّحب تمطر نورا ... ومعان كالدّرّ في الأسلاك
صبغت صفحة الوجود ضياء ... خطف النّور من بصير السّماك
يلمع الضّوء حيث تجري بها الأقـ ... لام حتّى الأقلام صارت مذاكي
لست أدري أوجهه أو سنا المنـ ... ـطق أعلى أم الأيادي الزّواكي
أم ضياء الجلال والعزّ منه ... مذهبي فيه مذهب الشّكّاك
كادت الأرض تميد ابتهاجا ... وتخرّ الدّنيا للثم الشّراك
يوم ألقى الملاك من حكمة القو ... م، فسرّت به نفوس الملاك (1/8)
صفحة 9
ونفوس الأكوان تصغي إليه ... في ازدحام كمرسلات العراك (16)
عند محمد بن شيخان السّالمي أيضا تتكرر ظاهرة الإتيان بصور متتابعة مترادفة لوصف مشهد واحد، أو تصوير موقف واحد. قال في مقدّمة مدح السّلطان فيصل بن تركي أبياتا غزليّة:
في نور طلعته، أو نار وجنته ... لا بأس للصّبّ أن يرمى بمهجته
بالله يا نور ذلك الوجه نسألكم ... هداية في دجى من ليل طرّته
وأنت يا نار خدّيه أما لحشى ... فيك اصطلى نهلة من خَمر ريقته
قد كنت في السّلم ذا جهل به ومتى ... تلهّبت قلت: شبّت نار فتنته
مذ قام يدعو بلال الخال منتصبا ... بمنبر الخدّ صرنا أهل دعوته
يا عاذل الصّبّ، دعوى الحبّ ظاهرة ... قامت بتأييدها آيات عبرته
أليس للصّبّ عذر في محبّته ... من ليل طرّته أو صبح غرّته؟
لا زلت مستكشفا عن (بابل) خبرا ... حتّى روى لي عنها سحر مقلته
والمسك قُبلته، والنّسك قِبلته ... أنعم بقُبلته! أكرم بقِبلته!
والمسك ضاع شذا من طيب نكهته ... واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته
وكنت أحسب أنّ الحسن منقسم ... في الخلق حتّى رأينا حسن صورته
فبان لي أنّ بحر الحسن مجتمع ... فيه، وما شذّ عنه مثل نقطته
وقيل لي: الحور في الفردوس باهرة ... فما تحقّقت إلاّ عند رؤيته
آمنت بالله منشي الكائنات فما ... أبهى وأبهر من آيات فطرته!
أنتنّ يا نسمات الصّبح طيّبةٌ ... حيث ارتشفتنّ من آثار نفحته
وأنت يا برق لو لم تكتسب شبها ... من ثغره لم تحر فخرا بنسبته
وأنت يا ظبي ما حاكيته أبدا ... لكن تعلّمت منه حسن نفرته (17)
حشد الشّاعر مجموعة من الصّور المتتابعة، التي أوحت به إليه هذه الرّغبة في الإفصاح عن مكنون الحبّ، وألهمت إيّاه تداعي الصّبابة، ووقعُ الغرام، وشدّةُ الهيام. فطلعة الحبيب نور مضيء, ووجنته نار تلهب القلب, هذا النّور هو رجاء الهداية إلى ليل شعر المعشوق, ونار الخدّ أمل في تبريد ما في الجنان من حرقة، يطفئها علّة بعد نهلة من رحيق الرّيق.
هذا الجمال الذي يتمتّع به المحبوب، جعل الشّاعر المتيّم من أتباعه ومريديه، بعد أن أذّن بلال الخدّ فيه قائما، يدعو إلى التّوجّه نحوه. هذا الحسن الأخّاذ جعل حدّا لبحث الشّاعر عن بابل الحسن؛ لأنّه (1/9)
صفحة 10
اكتشفه في مقلة الحبيب، بل إنّ الحسن كان يحسب أو يعرف متوزّعا بين النّاس، فلمّا ظهر المحبوب صحّح الاعتقاد؛ حين وجد هذا الحسن مجتمعا فيه فقط. كما أنّ الشّاعر لم يتأكّد من حقيقة الحور المكنون في الفردوس يوم القيامة إلاّ حين رأى حسن الحبيب وجماله, هذا ما زاده إيمانا بربّه، الخالق المبدع المصوّر أحسن التّصوير ...
حتّى الأشياء المحسوبة في ميزان الجمال، والتي أصبحت مضرب الأمثال في الحسن والفتنة، لم تكسب هذه المواصفات إلاّ من صفات الحبيب، فالبرق اكتسب شبها بالحبيب من لمعان ثغره، والغزال تعلّم صفة التّمنّع والنّفرة من الحبيب .... إلى غير ذلك من الصّور المتلاحقة المتساوقة، التي أرادها الشّاعر هكذا مترادفة لتفصح عن حقيقة ما يدور في قلبه، وما يشعر به.
في سبيل ذلك بنى الشّاعر صوره على طريقة القدماء في تركيب صورهم، أعني الاعتماد على البلاغة. فنجد للاستعارة حظّا وافرا في هذا البناء. دجى طرّته, ليل طرّته، صبح عرّته، نار خدّيه، قامت بتأييده آيات عبرته, قام يدعو بلال الخال, روى لي عنها سحر مقلته ... وكان للتّشبيه حضور أيضا كقوله: واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته، وفي الأمثلة التي عددناها استعاراتٍ، تحمل دلالة التّشبيه: فالطّلعة نور، والوجنة نار, والرّيق خمر, والفتنة نار، والطّرة ليل، والغرّة صبح، والمسك قُبلة، والنّسك قِبلة، والحسن بحر ...
اعتمد – أيضا - الجناس عنصرا في تركيب بعض الصّور: والمسك قُبلته، والنّسك قِبلته، وجنته ومهجته, أبهى وأبهر, طرّته وغرّته ...
كما استند إلى الثّنائية في إبراز المشاعر، سواء كان ذلك عن طريق التّقابل أم التّناظر، التّضاد أم التّرادف: نور ونار, ليل طرّته وصبح غرّته, منقسم ومجتمع, السّلم والحرب، الذي تشير إليه الفتنة قي قوله: قد كنت في السّلم ذا جهل به، ومتى ... تلهّبت قلت: شبّت نار فتنته
لجأ الشّاعر إلى المبالغة ليصوّر حقيقة مشاعره وعواطفه، وليزيّن وصفه في نفوس قارئيه ومستمعيه:
لا زلت مستكشفا عن (بابل) خبرا ... حتّى روى لي عنها سحر مقلته
والمسك ضاع شذا من طيب نكهته ... واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته
وقيل لي: الحور في الفردوس باهرة ... فما تحقّقت إلاّ عند رؤيته
وأنت يا برق لو لم تكتسب شبيها ... من ثغره لم تحر فخرا بنسبته
وأنت يا ظبي ما حاكيته أبدا ... لكن تعلّمت منه حسن نفرته (1/10)
صفحة 11
قد يكون الشّاعر غير صادق فيما ذهب إليه، إنّما سار على هدي أسلافه من الشّعراء في تقديم صور نمطيّة للحبيب، صور مبتذلة مستهلكة, لا تقدّم أيّ دليل على حرارة الحبّ، أو درجة الهيام، ولا تُسْعِفُ بأيّ دليل للصّدق في الارتباط بالمحبوب، وقد يكون ما قدّمه هو تقليد سار عليه؛ بصفته شاعرا يقتفي سنن الشّعراء القدامى، الذين يبدؤون قصائدهم بمقدّمات غزلية، من دون أن يكون لما قدّموه علاقة بالصّدق العاطفي، وشاعرنا يتنفّس بشعره في جوّ القصيدة القديمة في كثير من معانيه وفنّه. ومعلوم أنّ هذه الأبيات الغزليّة كانت مقدّمة للحديث عن السّلطان فيصل بن تركي. ويلاحظ على كثير من الشّعراء العمانيّين ذوي الاتّجاه المحافظ الميل إلى بدء قصائدهم بمقدّمات, تشبه مقدّمات القصائد الجاهليّة، من حيث الأسلوب، وإن اختلفت عنها في مضامينها.
مهما يُقَل في هذه المبالغة من حيث صدقها وعدمه، أو فنّيتها وخلوّها من الفنّ، فإنّها تبقى مبالغة تقبل من شاعر يحاول فعلا أن يعبّر عن حقيقة ما يحسّ به، أو يجتهد في أن يفرغ أحاسيسه في قالب، ويستغلّ فرصة يراها سانحة، حين لا يجدها مهيّأة في كلّ وقت، وبخاصّة وهو يعيش في مجتمع محافظ، لا يقبل بهذا الأسلوب المباشر في التّعبير عن المكنون في القلب, فيكون في إقحام هذا الإحساس في موضوعات أخرى, أو التّحايل على الوضع، أو التّستّر بأسلوب، يبعد عنه التّهمة في ممارسة ما لا يرضى به المجتمع، كأن يضع ذلك في مقدّمة غزلية لقصيدة، هي أصلا وضعت للحديث عن المآثر والمكارم والأفضال, وهو بذلك يصيب هدفين برمية واحدة: التّنفيس عن النّفس وإثارة مشاعر المتلقّي؛ بفضل هذا التّناول وهذا التّشخيص المتّسم بالمبالغة. و" الصّورة تشخيص للحالة النّفسية, ومحاولة لإثارة المشاعر في المتلقّي؛ لذا فهي تسعى إلى الاتّضاح عن طريق الإيحاء والإشارة, وقد تعتمد المبالغة في تقديم المعنى أو عناصره المهمّة. كما يرى ذلك الدّكتور جابر عصفور" (18)
مهما يقل عن هذه الصّور، والمبالغة التي تتّسم بِها، وعن نَمطيتها، فإنّها تبقى شاهدة على مهارة الشّاعر في التّصوير؛ لِكثرة الصّور التي أتى بها، التي لم تُخِلَّ بالخيط النّفسي العام الذي انتظم مشاعره. كما أنّ هذه الصّور رغم قدمها ونمطيتها؛ قد جمّلها التّعبير البديعُ، وزيّنها التّركيب المحكم، ووشّتها اللّغة الشّاعرة الصّافية السّهلة.
تعدّدت القصائد التي حشد فيها الشّاعر ابن شيخان السّالمي صورا متتالية متتابعة. قال وهو يتحدّث – أيضا – عن السّلطان فيصل بن تركي:
خيام ما يطاولها السّحاب ... وشهب في البسيطة أم قباب؟
وأطناب بأوتاد أنيطت ... أم الجوزا بأيديها شهاب؟ (1/11)
صفحة 12
وأعمدة تجلّلها سماء ... من الياقوت يكسوها ضباب؟
وتلك مصانع نشأت بأيد ... أم الأفلاك ليس لها حجاب؟
أسود أم جنود في ذراها ... ومرد تحتها جرد عراب؟
وصيد أم حديد في خباها ... وبيض أم مثقّفة حراب؟
ملاك أم ملوك في خيام ... بحور أم بدور لا يصابوا؟
قصور أم طيور حائمات ... لها من كلّ دامية شراب؟
فيا خيمات أنس تحتميها ... ليوث سادة لم يستعابوا
كساك الأفق كأسا عبقريّا ... فكان عليك من شفق نقاب
ووشم خدّك الوردي خال ... فكان عليك من ملك خضاب (19)
هذه اللّوحة التي قدّمها الشّاعر عنيت هذه المرّة بالوصف الخارجي، تعبيرا عن قوّة الإعجاب والإجلال بالخيل التي يملكها فيصل بن تركي. وقد عمد فيها إلى التّصوير المؤسّس على تعديد الصّور والتّنويع في الوضعيات، التي يظهر عليها ما وصفه، والحركات التي يقوم بها، والمميّزات التي يَملكها، والتي تفوق كلّ ما تملكه الكائنات ...
يَلْجَأُ الشّاعرُ -كعادته - إلى البلاغة والمبالغة في بناء صوره. كان الدّور هذه المرّة للاستفهام، الذي حمّله مسؤولية التّبليغ عنه، والإفصاح عن مشاعره وخواطره. وكان الغرض من هذه الاستفهامات المتكرّرة هو تقرير الحقائق وإظهار الإعجاب والدّهشة، واستكناه ما في القلب من آيات التّقدير لمن يملك هذه النّجائب، واستخراج ما يحمله الجنان من حبّ وولاء لصاحب هذه المملوكات العظيمة.
وكان للتّكرار نصيب وافر في هذا التّصوير:
- تكرير صيغة (كذا أم كذا). أسود أم جنود، وصيد أم حديد، ملاك أم ملوك ... هذا التّكرار أعطى قوّةً للمعنى الذي أراد أن يثبته الشّاعر في نفس المتلقّي، وهو بيان قيمة هذه الخيول وأهمّيتها، ومن ثمّ إبراز مكانة من يملكها.
- تكرار بعض الكلمات: شهب شهاب, خيام خيمات, أسود ليوث.
- تكرير أوزان معيّنة، وهو ما أحدث إيقاعا، أسهم في بلورة بعض الصّور. وزن (فِعال): خيام، قباب، شهاب، حجاب, حراب، خضاب، نقاب. (فَعال): ضباب, شراب، سحاب, سماء. (فُعول): أسود، ليوث، جنود، قصور، طيور، ملوك, بحور، بدور. (فُعل وفِِعل): صيد، بيض، مرد، جرد، أفق. (1/12)
صفحة 13
إنّ اللّجوء إلى البلاغة في بناء الصّور، أو احتضان البلاغة لإبداع الشّعراء، أو شدّها لهم يبقى بارزا ومسيطرا في نتاج المبدعين ذوي الاتّجاه المحافظ في الشّعر العماني. فالتّشبيه والاستعارة وألوان البديع، والمبالغة في التّعلّق بالحبيب ... هو ما يميّز كثيرا من قصائد ابن شيخان في المدح. كما أنّ الشّاعر يُمهّد لأغلب قصائده في المدح بشيء من الغزل، والوصف الحسّي للمحبوب، وتصوير العلاقة الرّوحية بينه وبين هذا المعشوق.
يظلّ الشّاعر وفيّا لخطّه في الكتابة، وهو بناء صوره من ألوان البلاغة كالتّشبيه والاستعارة وأنواع البديع، مع المبالغة، واعتماد صور قديمة نمطيّة في هذا التّصوير. كما في هذه اللّوحة، التي هي مقدّمة لمدح السّلطان " تيمور بن فيصل بن تركي"، والإشادة بمحامده ومكارمه، وإبراز مكانته السّامية. قدّم ذلك في صور متتابعة، جاهدًا نفسه للكشف عن ولائه له، والإفصاح عن مكنون حبّه الصّادق نحوه، فنجح في رسم صور مقبولة معنى وفنّا، وأخفق في بناء أخرى؛ إذ جاءت عادية، ليس فيها ما يثير المشاعر، ولا ما يوقظ الفكر، ولا ما يشعر بتميّزها (20)
بعد وصف جمال الحبيب يقول:
كأنّ الدّجى زنجيّة، ونجومها ... لآلئ، قد نيطت عليها فرائد
كأنّ السّها عين تغصّ على قذى ... وإخوتها حور العيون شواهد
كأنّ سهيلا والكواكب خلفه ... شجاع أمام الجيش قام يجالد
كأنّ السّماك استأسر اللّيل سمكه ... فخاض حشاه رمحه المتوارد
كأنّ الثّريا نسوة قد تجمّعت ... فكلّ على بثّ الهوى متواجد
كأنّ طلوع البدر في ذنب الدّجى ... محيّا حبيب أزعجته المواعد
كأنّ نسيم الفجر فارة تاجر ... تغصّ الرّبى من نشرها والفدافد
كأنّ طلوع البدر في ذنب الدّجى ... مهنّد (تيمور) جلته المشاهد
هو السّيّد الشّهم الهمام (ابن فيصل) ... فيا نعم مولود، ويا نعم والد
يسر ويبكي الدّهر منه، كأنّما ... تقام به سرّاؤه والشّدائد
له صولة تفني العداة ورحمة ... يعيش بها من حظّه اليوم خامد
بباب أبيه زحمة لعفاته ... فذا صادر عنه، وذلك وارد
فما جاء إلاّ من لجدواه آمل ... ولا سار إلاّ من للقياه حامد (21) (1/13)
صفحة 14
يمكن للقارئ أن يقف على الإشارات التي ذكرناها، إذا حلّل القطعة أو اللّوحة إلى مستويات: المعجم والدّلالة والبلاغة والمعنى والموسيقى والصّورة.
أمّا الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي فقد نحا منحى آخر في قصيدته " المسيح والخائن " منحى قصصيّا، اعتمد فيه على الصّور الشّعرية المتلاحقة في التّصوير، في معظم مقاطع القصيدة، وفي أغلب مراحل نموّ المواقف، وتطوّر الأحداث وتأزّمها.
المدخل الذي يكون – عادة - مخصّصا للوصف والتّمهيد للقصّة: وصف المكان وتقديم الشّخصيات، وإبراز بعض الجزئيات، التي تساعد على فهم سير أحداث القصّة، ووعي حقيقة المواقف فيها، ومتابعة التّطوّر الذي يحصل فيها ... هذا المدخل كان في قصيدة " المسيح والخائن) ذا طبيعة تصويريّة. عمد فيه الشّاعر إلى التّصوير المعنوي، الذي يكشف عن الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه، وهو أخذ العبر والدّروس من الواقعات والمواقف. وهو منذ البداية يبرز هذا التّوجّه نحو التّوجيه والإرشاد في كتابة القصيدة:
هاكها تملأ النّفوس اعتبارا ... وتزيد العقول فيها ادّكارا
وتلفّ الإيمان قبضة نور ... في قلوب كانت لها مستنارا
راضها العلم، فهي حلبة وعي ... سابقات النّهى عليها تبارى
وجلالها الإيمان في عبر الدّهـ ... ر على حجزة الزّمان إطارا
قصّة يقعد المسيح عليها ... هكذا قيل فاتّخذها منارا
وأدر في عظاتها عين واعٍ ... تُلْفِ للفكر حولها مستدارا (22)
يقول الدّكتور أحمد درويش معلّقا على المدخل في القصيدة: " لاحظنا أنّ صور المدخل دارت في إطار التّصوير المعنوي على الإجمال، وقد كان ذلك متّسقا مع إعداد القلب لمتابعة قصّة الصّراع بين القناعة والطّمع. وقد بدأ المقطع الأوّل برسم الخطوات الأولى لتلك القصّة, فجاءت صوره كلّها حسّية؛ لكي تحدث لونا من التّوازن الذي ينشده الفنّ الجديد دائما بين العناصر المختلفة، لكن ذلك التّصوير الحسّي يشفّ في الواقع عن الهدف المعنوي الذي تسعى إليه القصيدة." (23)
بعد المدخل الذي ركّز فيه الشّاعر على التّصوير المعنوي, انتقل إلى صلب الموضوع، وإلى صميم الأحداث، ومعه إلى التّصوير الحسّي. وبذلك يكون قد وازن بين الجانبين: المعنوي والحسّي في الكتابة الشّعريّة والتّصويرية. (1/14)
صفحة 15
حاول الشّاعر أن يضع القارئ في قلب الأحداث، وأنّ يحطّ به في رحاب تكوُّن الواقعات, وسيرها ونموّها, والدّخول إلى مداخل النّفوس، وسبر أغوارها، من خلال تقديم بعض الجزئيات مُصًوَّرَةً.
صوّر الشّاعر الرّحلة التي قام بها المسيح والخائن، وقد كانت طويلة وشاقّة. وقد كانا " يعبران خلالها الصّحراء والفيافي، ويجتازان من خلال معجزة البحر، دون أن يغرقا، والنّار دون أن يحترقا، ويفترشان الأرض، ويلتحفان السّماء، ويهتديان بالنّجوم. ومن خلال الرّحلة الطّويلة يزداد الطّمع في أحد النّفسين غلوّا وشرها، ويزداد الخير في النّفس الأخرى نموّا وتأصّلا ... " (24)
ممّا يبرز صفة التّصوير في هذه الأبيات ابتعاد الشّاعر عن التّعبير المباشر، حين أراد أن يجسّد أو يصفَ حركة السّير، التي تَفاوَتَتْ بين السّرعة والبطء، بين السّهولة والصّعوبة، بين اللّيونة والخشونة, بين التّحمّس لِهذا السّير في بعض المراحل والجدّ فيه, والتّباطؤ والتّراخي فيه:
خرج ابن العذراء يرسل في الأفـ ... ـق ذراعي شهم, يجوس الدّيارا
فإذا مرمل نحيف، يناديـ ... ـه اصطحبني تجد لديّ اصطبارا
قال: أهلا, هلمّ نذرع الأر ... ض عشيّا وغدوة ونهارا
فلنا بالعفاء فرش وثير ... حين ترخي السّما علينا الدّثارا
ولنا بالفضاء سطر من النّو ... ر إذا أظلم الدّجى جاءَ نارا
ومن الله حبل قرب متين ... لو تحدّاه الدّهر طار غبارا
يا رفيقي إلى السّبيل فما زلـ ... ـنا بنيه ولن نزال الخيارا
فخذ الدّرهمين واشترِ خبزا ... بلغة القوت فالطّريق الصّحارى
هاك منّي بالدّرهمين تراغيـ ... ـف ثلاثا، إن تطفئ الجوع نارا
قال: يا صاحبي احتملها إلى أن ... نجد الجوع مستطيرا شرارا
واسبكرّا سعيا إلى الله في البيـ ... ـد كأنْ يرميان فيها الجمارا
ثمّ قال النّبيُّ للمرمل المتـ ... عب: هيّا بالزّاد نطفي الأوارا (25)
استمرّ الشّاعر على هذا المنوال في وصف الرّحلة، وما حدث فيها، وكيف مرّت، وفي سرد الحوار الذي دار بين المسيح والخائن ... (1/15)
صفحة 16
إذا وقفنا عند بعض العبارات التي حملت صورا شعريّة، عبّرت بكلّ وضوح وقوّة عن مشاعر الشّاعر، ونقلت وترجمت عن أفكاره، أو على الأقلّ أنبأت عن الأهداف التي يرمي إلى الوصول إليها -ما دام غرضه من هذه القصّة المصوّرة شعرا هو التّوجيه والإرشاد وأخذ العبر وتقديم النّصح- إذا وقفنا عندها لمحنا التّصوير الذي اعتمده الشّاعر للتّعبير عمّا بداخله. فالتّركيب: " يرسل في الأفق ذراعي شهم يجوس الدّيارا " قدّمت فكرة عن حركة المسيح، وهو يتقدّم بسرعة ليجول في الفضاء الواسع، ويسير في الأرض الفسيحة، التي قد تكشف له عن بعض الأسرار، وتستقبله ببعض المفاجآت. وعبارة: " يجوس الدّيارا " تُعبّر عن تنقّله في الأرض طالبا هدفا معيّنا. وقوله بعد ذلك:
واسبكرّا سعيا إلى الله في البيـ ... ـد كأنْ يرميان فيها الجمارا
دليلُ نيّة المسيح السّير في الأرض والسّياحة فيها, من دون النّظر إلى ما ستعترضه من مشاقّ وأهوال.
الوصفُ الذي قدّمه، وهو يفصح عن اقتحامه المصاعب: ذرع الأرض، من دون توقّف، وافتراش أديمِها، والالتحاف بالسّماء, والاستضاءة بنور القمر، إذا أظلم اللّيل ... المتلقّي والقارئ للقصّة يتوقّع أو ينتظر من هذه الإشارات أمورا تحدث، أو أشياء ينوي المسيح الوصول إليها أو إحداثها. فالشّاعر يبدأ من هنا توجيهَ الأحداث بما يخدم الغرض من إيراد هذه القصّة. يبدأ بإرسال رفيقه بدرهمين لشراء خبز؛ بلغة القوت فالطّربق الصّحارى.
لا يخفى على المثقّف بالثّقافة القرآنيّة أثر القرآن في هذه اللّوحة. فقد استلهم الشّاعر موقف موسى عليه السّلام مع الذي علّمه الله من لدنه علما، والذي طلب منه موسى عليه السّلام أن يصطحبه ليتعلّم منه ما علّمه الله، فاعتذر له صاحب العلم أنّه لن يستطيع معه صبرا، لكنّ موسى عليه السّلام عاهده على الصّبر. قال الله تبارك وتعالى: {فََوَجَدَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} (26)
دَعَمَ الشّاعر تصويره للموقف، ورفد تعبيره بواسطة الصّورة الإشارية، التي حطّت بالمتلقّي في سورة الكهف، وفي المشهد الذي حكاه الله عن موسى عليه السّلام مع من أوتي علما لدنيّا. والإشاريّة كانت بعبارة " اصطحبني تجد لديّ اصطبارا "
إلى جانب ما تحمله الصّورة من معنى الاسترحام والاستجداء والرّغبة والرّجاء في قبول سيّدنا عيسى عليه السّلام أخذ المرمل النّحيف في صحبته، في الرّحلة التي قادت المسيح عليه السّلام, كما قادت (1/16)
صفحة 17
موسى عليه السّلام، فإنّها تحمل دلالة السير في المجهول، وإلى غير المعلوم, في نظر النّحيف المرمل. كما كان موسى عليه السّلام يُقْدِمُ على أمور لا يحيط بها خبرا.
وتَحْمِلُ دلالةَ الارتباط بالقرآن الكريم، وبالأصول التي تحكم حياة الشّاعر، ويصدر عنها في سيره وحركته. بدليل محاولة الشّاعر استلهام نسيج القرآن، حتّى في ألفاظه، حيث بقي في جوّ سورة الكهف, وفي ظلال موقف موسى مع فتاه وهو يحادثه. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبيِلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} (27) قال المسيح هو يحاور رفيقه الخائن:
أخذا يمشيان والنّجم حيران ... وبدر السّما يزيح السّتارا
فإذا البحر في الأمام، ولا منجاة ... منه والبحر ليس يبارى
أرني ما ترى أخي فلعلّ اللّه يقضي بما تراه اختبارا
قال: ما لي من حيلة يا نبيّ اللّه والحول في المفازة غارا
قال: جِزْهُ وَرَايَ، لا تخش غير اللّه في البطش قاهرا جبّارا
وعلى الفور جاوزاه فلمّا ... بلغا الغاية التي لا تُمارى
قال: جزناه دون لمسة ضرّ ... فبحقٍّ أين الرّغيف استطارا؟
وبمن قد أراك ذي الآية الكبرى ... قل الصّدق، لا تكن ختّارا
لست أدري به وإنّي أمين ... صادق القول فاعتبرني اعتبارا
قال: نمضي معا إلى الله، فاللّـ ... ـهُ تراه لصادق القول جارا (28)
إنّ المتأمّل في التّعبير القرآني والأبيات الشّعرية لا يمكن أن يخفى عنه تضمين الشّاعر لبعض عبارات القرآن، بل استلهام روحه في بناء صوره. نلحظ ذلك في محاولة مسايرة القرآن في الخطوات التي سجّلها عن تحرّك موسى عليه السّلام وفتاه، التي أسقطها على حركة المسيح والخائن، حتّى المكان (البحر) كان قاسما مشتركا بين المشهدين، ومجاوزته كانت متشابهة في الموقفين.
على ذكر البحر يبدو أنّ الشّاعر - لرغبته في البقاء مرتبطا بالمشهد القرآني أو النّسيج القرآني أو التّصوير القرآني – رضخ لتداعي الخواطر فساقه ذلك إلى استغلال معجزة موسى عليه السّلام في عبور البحر بسلام، بعد أن انفلق له وكان كلّ فرق كالطّود العظيم (29) ليُبيّن أنّ عيسى عليه السّلام جازه ورفبقه " دون لمسة ضرّ ". (1/17)
صفحة 18
كما كانت الصّورة التي يعبّر بها العربي عن سرعة النّاقة في سيرها في الهاجرة (أنّها تتقاذف الحصى بين أرجله) ملهما للشّاعر كي يبيّن سرعة الرّجلين في المشي وهما يقطعان الفيافي والقفار. قال الشّاعر القديم:
ترمي يداها الحصى في كلّ هاجرة ... رمي الدّراهم تنقاد الصّياريف
قال الشّاعر عبد الله الخليلي:
واسبكرّا سعيا إلى الله في البيـ ... ـد كأنْ يرميان فيها الجمارا
عن هذة الحركيّة التي أعطاها الشّاعر لتصويره، يسجّل الدّكتور أحمد درويش تعليقا مهمّا, ويقدّم ملاحظة جيّدة، تعظّم من التّصوير الذي أتى به الشّاعر: " ... أنّ التّركيز في الحركة انتقل من الجزء الأعلى في الجسد، ممثّلا في الذّراعين والأعين في اللّقطة الأولى، إلى الجزء الأسفل، ممثّلا في الأقدام التي ترمي الجمار في اللّقطة الثّانية. وكأنّ الذي يسير، جدّ به المسير فخفض بصره وتتابعت خطاه وحدها. والتّعبير من هذه النّاحية جيّد والصّورة معبّرة. لكن الحركة ليست سرعة فقط، إنّها سهولة أو صعوبة. إنّ الحركة قد تكون سهلة كحركة السّكّين في الزّبد، وقد تكون صعبة كحركة الفؤوس في الجدار. وهذا ما تعبّر عنه اللّقطة الثّالثة:
أخذا يقطعان قارعة الدّر ... بِ كما تقطع الفؤوس الجدارا " (30)
هكذا نوّع الشّاعر في صوره؛ أصالة واستلهاما، وساير الموقف في حركته سرعة وبطئا، ودار مع المشهد صعودا ونزولا, وساير الأحداث نموّا وتطوّرا، وتدرّج معها واقعا ومنطقا. فقدّم في النّهاية صورا غاية في الجمال والفنّ والمغزى.
قد لا يكون للشّاعر دور كبير في هذا التّصوير، إنّما يرجع ذلك إلى طبيعة الأحداث، وسير الواقعات. نقول مع ذلك: إنّ صياغة ما وصفه الشّاعر، والتّركيز الذي اعتمده في الوصف, والخطّ الذي رسمه لتفاعل الأحداث والمواقف, والخيال الذي وجّهه لاختيار أسلوب التّعبير عنها، واعتماد طريقة تركيب الصّور ... كلّ ذلك أعطى لتصويره هذه القيمة. كما أنّ لكلّ ذلك علاقة بإرادة الشّاعر ووعيه لعمليّة بناء الصّورة، الذي أعانه على توجيه الأحداث؛ لتوصله إلى هدفه ومرماه. إنّ هذا يدخل ضمن عمل القاصّ الذي يحبك قصّته بقصد معيّن, وتوجّه مقصود.
خلاصة الفول: إنّ هذه القصيدة مثال جيّد وحيّ للاعتماد على التّصوير في الشّعر القصصي. وفي تعديد الصّور والإتيان بها متتابعة. فقد أبدع الشّاعر حين قدّم صوره في تراكيب، اعتمدت التنوّع في بنائها, والمزاوجة بين التّصوير المعنوي والحسّي، والتّدرّج في التّصوير، وتبنّي النّموّ فيه، ومخاطبة مجموعة من (1/18)
صفحة 19
الحواسّ، واستلهام آثار الآخر والتّراث، واختيار جزئيات معيّنة في سيرورة الأحداث وتوجيهها بما يخدم غرضه وهدفه، واللّجوء إلى الخيال لملء الفجوات، وإثارة المتلقّي, مع ترك الفرصة له – في بعض الأحيان – كي يستنتج ويعلّق، ويتوقّع ويدقّق ... مع الانقياد لما يوجّهه إليه؛ وذلك من خلال الصّياغة والحبكة اللّتين اعتمدهما الشّاعر.
فعل كلّ هذا، مع التزامه بالخطّ العام الذي اختطّه لقصيدته، وفسحه المجال للخيط النّفسي أو الوحدة النّفسية أن تفرض وجودها في القصيدة. وهو ما منحها هذا التّرابط والتّماسك والانسجام. إذ: " الصّورة الشّعريّة لا تستمدّ فعاليتها من كونها صورة تثير في القارئ جانبا تخيّليا مضاعف الدّلالة, بقدر ما تعتمد على سيرورة متشابكة العناصر، تتكامل ضمنها مجمل الصّور الجزئيّة, وتتضاعف كي تضاعف الدّلالة في مستوى النّصّ برمّته." (31)
القصيدة بصفة عامّة حوت ما يطلب في الصّورة الشّعريّة من أفكار وصور جزئية وعاطفة وإيقاع ... جمع بينها خيط نفسي، وفّر للقصيدة الوحدة النّفسية: " ولا ينبغي أن يتصوّر الأسلوب من غير العناصر الأدبيّة، وهي الأفكار والصّور الجزئيّة والعبارة والإيقاع والعاطفة. وبهذه المقوّمات تكون وحدة النّصّ في العمل الأدبي، بحيث لا يتأتّى الفصل بين عناصره، ولا يُسقط جزْء من أجزائه. " (32)
هذه نماذج من القصائد التي أردف فيها الشّعراء صورا متتابعة متلاحقة، نعرض في الصّفحات الآتية بعض الصّور المنفصلة، استكمالا للدّراسة.
يميل شعراء الاتّجاه المحافظ - كما قلنا سابقا – إلى بناء صورهم من البلاغة، ويأتي التّشبيه في الدّرجة الأولى، ولذلك أسباب، ترجع إلى طبيعة التّشبيه، حسبما يذكر ذلك الدّكتور أحمد الهادي الطّرابلسي: منها سهولة بنائه، إذ يعتمد على الحاسّة البصريّة, وما أيسر أن يلتقط الإنسان بعينه مشاهد ومناظر، تبقى البراعة في كيفية التقاط ما تقع عليه العين، وفي طريقة تقديم ذلك للمتلقّي، في أسلوب جميل وفنّي. ومنها السّمة العقلانيّة الصّارمة التي يمتاز بها التّشبيه، في محافظته على التّمايز والانفصال بين العوالم التي يحاول التّقريب بينها. (33) إنّ هذا يتماشى مع طبيعة الشّعراء المحافظين، الذين يمثّلون الاتّجاه الكلاسيكي في الانتماء والتّمذهب، والكلاسيكيّة معروفة بتمجيدها للعقل، وتعاملها في كلّ شيء بِما يمليه العقل، وتَقيُّدِها بالقواعد، التي هي نتاج العقل.
قال ابن شيخان السّالمي:
بتنا على سمر ألذّ من الكرى ... وأرقّ من ماء الغمام الرّاشح
وسنان من خمر التّصابي واللّمى ... يقظان من شدو الحمام الصّادح (1/19)
صفحة 20
نَبَّهْتُهُ من سكرِ خمرةِ ريقه ... فأفاق, لكن مال وهو مصالحي
لمّا بدا ضوء الصّباح تمايلت ... أعطافه رغدا بنهج نازح
ورنا إليّ ونصّ جيدا حاليا ... فتحدّثوا عن ذا الغزال السّارح (34)
يحكي الشّاعر مطارحته لحبيبه، ومبيته بجنبه، ويصف تمتّعه بمحاسنه، وتلذّذه بما قام به معه. صوّر ذلك معتمدًا على التّشبيه، يصف به هذه اللّحظات الهنيئة التي قضاها مع هذا الغزال. سمره معه كان ألذّ من الكرى متعة، وأرقّ من الماء الصّافي عذوبة، ما ناله من ريقه وارتشفه من لماه كان أحلى من الخمرة نشوة، حين أصبح الصّباح أفاق الحبيب من سكرته ووسنه، فتمايل نحوه طربا وغنجا ودلالا، كما تتمايل الأغصان وتترنّح ...
لقد أبرز التّشبيه ما أراد الشّاعر أن يفصح عنه من مشاعر الطّرب والانتشاء والمتعة، التي حصل عليها بقربه من غزاله، وما جناه منه بهذا القرب. زيّن هذا التّصوير عمدُ الشّاعر إلى وصف ما حوله من آيات، وزادت المشهد نشوة ومتعة سماع أصوات جميلة صادرة من الحمام الصّادح، وكأنّه يشارك الشّاعر بهجته، أو يهيّئ له جوّ الانتشاء، وقد قدّم ذلك بأسلوب المقابلة:
وسنان من خمر التّصابي واللّمى ... يقظان من شدو الحمام الصّادح
تتشابه الصّور التي يقدّمها الشّعراء في وصف لحظات التّصابي، وتصوير حالات الانتشاء بالقرب من الحبيب، وتتشابه الأساليب أيضا. فهذا الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي يقدّم الأوصاف نفسها – تقريبا - ويعمد إلى التّشبيه، وهو يبيّن حالات التّصابي التي تصاحب فترة الشّباب. وتبقى الصّور المقدّمة متشابهة, هناك ثغر يرسل رضابا رقيقا كالخمر، عذبا كالغدير، صافيا كالماء، وهناك شفاه ولمى تتفتّح عن أسنان بيضاء كأنّه الطّلع. وعيون تقتل بنظراتها الحادّة كما يقتل السّيف الصّارم:
بين نفح الصّبا وبين الشّباب ... صلة في تفاعل جذّاب
وعليه من مسرح الأنس سرب ... من أمان نديّة الجلباب
وعيون يرنو بألحاظها السّحـ ... ـر كما سلّ صارم من قراب
وشفاه كرقّة الخمر تفـ ... ـترّ عن الطّلع في غدير الرّضاب (35)
وفي لوحة أخرى يقدّم ابن شيخان أوصافا لا تخرج عمّا سبق ذكره، مع إضافة تشبيهات أخرى:
هذا الحبيب سرى بصبح جبينه ... وأتى وقد صدع الدّجى بفرنده
رشأ تربَّي في النّعيم بروضة الجر ... داء، لا بحمي الغوير ونجده
لله من وادي الأراك مبيتنا ... ولَّى وما سمح الزّمان بردّه (1/20)
صفحة 21
حصباؤه هي أم نجوم مجرّة ... نثرت عليه؟ أم جواهر عقده؟
تسري الصّبا بجسومنا فكأنّها ... نسجت من الدّيباج أطيب برده
نعطو الحديث عتابنا فيميلنا ... طربا، ويأتينا الغرام بجنده
أرد الرّضاب وأجتني من خدّه ... وردا، ففزت بوَرده وبوِرده
أطفى صداي بنهلة من ثعره ... وشفا جواي بقبلة من خدّه
يا خجلة من خدّه, وطلاقة ... من وجهه، ورشاقة من قدّه (36)
الحبيب – دائما – له وجه كالصّبح وضاءة ونورانيّة، وشعرٌ أسود كالدّجى، وهو رشأ في حسنه وجماله. وريقُه رضاب وخمرة, وخدُّه ورد. والغرامُ يهجم على المتيّم بجنده وسيوفه وفرنده. والشّاعر ابن شيخان يعشق المبيت مع الحبيب، حين تغفو العيون، وتغفل النّفوس ...
هكذا يستند الشّعراء إلى التّشبيه لتقديم هذه اللّوحات، مع الاستعانة في هذا التّصوير بمحسّنات أخرى، يُمكن للقارئ كشفها بسهولة في الأبيات.
يلاحظ على هذه الصّور اعتمادها على الصّور القديمة، وعلى ما ألف الشّعراء وصف محبوباتهم بها، كما أنّ كثيرا من الألفاظ التي وردت في اللّوحات الثلاث مشتركة أو مكرّرة. (المبيت، الخمر، الرّضاب, الصّبا والتّصابي, رنا، الرّقة, الفرند والصّارم والجند ...
من شعر أبي مسلم البهلاني الذي عمد فيه إلى التّصوير بواسطة التّشبيه، نذكر هذه الأمثلة:
هي النّوى جعلتني في محاجرها ... مثل الخيال وروحي ثمّ جثمان (37)
يعبِّر الشّاعر عن تأثّره بالغربة وبعده عن وطنه عمان، وكيف أثّر فيه الحزن والحسرة، حتّى غدا هيكلا، بل خلقا لا يكاد يرى، كالخيال الذي لا تراه العين. كأنّي بالشّاعر يستلهم قول المتنبّي:
كفى بجسمي نحولا أنّني رجل ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
المعنى طرقه كثير من الشّعراء من قبل كابن الرومي وغيره. المهمّ إنّ أبا مسلم وجد في التّشبيه وسيلة مهمّة لتصوير ما يحسّ به، كما فعل مع الصّورة الآتية:
يا للرّجال دماء المسلمين غدت ... هدرا كما عبثت بالماء صبيان (38)
زفرات حارّة يرسلها الشّاعر على ما آل إليه أمر المسلمين من مهانة وهوان، ومن ردّة ورداءة وتردٍّ. في سلسلة من الأبيات التي استهلّها بِـ " يا للرّجال " يَنْعَى فيها الخذلان والتّقاعس والذّلة ... هو بذلك يصوّرا الحالة المتردّية التي صار عليها المسلمون من الهوان والرّخص، ومن فقدان دمائِهم حرمتها، بسبب قلّة الغيرة عليها، فتركت للأعداء يعبثون بها. (1/21)
صفحة 22
لم يجد الشّاعر أحسن صورة يقدّمها لهذه الحالة سوي تشبيه عبث الأعداء بهذه الدّماء بلعب الصّبيان بالماء. فالماء الذي له قيمته وأهمّيته ترك في أيدي الأولاد يهينونه، كذلك إنّ الدّماء التي لها حرمتها وقيمتها تخلّى عن حمايتها أصحابها، وتركت للأعداء يفعلون بها ما يشاؤون. صوّر هذا بواسطة التّشبيه التّمثيلي.
وقال عن الدّنيا وتعلّق النّاس بها، وتمنِّيهم فسحة الأمل للعيش فبها، مع أنّها لا تدوم, ولا تقدّم للإنسان سوى الكدر والنّكد، عمد في تصوير ذلك إلى تشبيه شيء معنوي بآخر معنوي:
وهل نقضي سوى عيش قصير ... أَجَبِّ الظّهر مقبوب الوضين
نمنِّي فسحة قُبِضت عليه ... على غصص كأوقات السّجين
وعيش حشوه كدر وسوء ... يلذّ على مداهنة الضّنين (39)
يعلّق الأستاذ محمد بن ناصر المحروقي على هذا التّشبيه قائلا: " فالمشبّه هو (فسحة)، ووجه الشّبه (منعها أم قبضها)، وأداة التّشبيه (الكاف)، والمشبّه به (أوقات السّجين)، وفي البيت نكتة لطيفة، حيث شاكل الشّاعر بين أمرين معنويين: الأوّل الفسحة، والثّاني أوقات السّجين. ووجه الشّبه يبدو موفقا؛ ففي الأمرين غصص وتنكيد, فالفسحة التي تنتظر ويتوقّع أن تكون مريحة، تأتي وهي ثقيلة مثلما تمرّ أوقات السّجين. فالمشبّه وإن كان فسحة لفظا، إلاّ أنّه سجن معنى, لذا يمرّ في غصص, وفي هذا ما لا يخفى من معاناة الشّاعر من وطأة الاستعمار وتحكّمه به، وتلاعبه بالألفاظ؛ حيث يسمّي الاستعمارُ الأمورَ بغير مسمّياتها, ويمنح المستعمَرين ما يسمِّيه بالفسحة, وهو في حقيقته غصص ونكد." (40)
إنّ الشّاعر لا يوفّق دائما في بناء صور جيّدة من التّشبيه. بل قد يكون له عائقا في عمليّة التّصوير، وبخاصّة إذا اعتمد على صور غيره, من دون أن يحسّ لها القارئ حرارة أو عاطفة صادقة. مع العلم أنّ التّشبيه يوحي بأنّ هناك انفصالا بين المشبّه والمشبّه به, نقرأ ذلك في الأثر الأدبي الذي ينشئه الفنّان، ونعرفه من خلال التّعريف الذي قدّمه المنظّرون للتّشبيه. يقول ابن رشيق القيرواني: " التّشبيه صفة الشّيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة، أو من جهات كثيرة، لا من حميع الجهات؛ لأنّه لو ناسبه كليّة لكان إيّاه." (41)
قال ابن شيخان السّالمي يصف معركة وقعت بين قبيلتين، وكيف تمكّنت إحداها من الانتصار على الأخرى، وكان ذلك بسبب قوّتها وشدّة بأسها. لجأ في هذا التّصوير إلى التّشبيه. قال:
فكأنّ الجيش سيل عرم ... وهم عند تلقّيه سبا
وكأنّ الصّمع نار لمعت ... وله الأجسام صارت حطبا (1/22)
صفحة 23
وكأنّ السّيف والهام بها ... منبر قامت عليه خطبا (42)
بالرّغم من استلهام الشّاعر صورة قرآنية، نقلت إلينا ما حدث لمملكة سبأ، حين أرسل الله عليها سيلا عرما، فهدّ السّدّ الذي كان له دور في حضارة المملكة؛ انتقاما وعقابا على كفرهم وإعراضهم. قال تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ بِجَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إَلاّ الكَفُورَ} (43) رغم ذلك فإنّ الصّورة تبدو ضعيفة وغير مصوّرة للمشهد الذي أراد الشّاعر تجسيده.
قد يكون الشّاعر قد قصد المعنى الذي دلّ عليه التّعبير القرآني, أي أنّ هزيمة القبيلة الثّانية، كانت انتقاما ونكالا بها، جاءها العقاب سيلا عرما من القبيلة الغالبة. مع ذلك يبقى التّشبيه دون المستوى من حيث التّأثير العاطفي، ومن حيث القيمة الفنّية. وضعف التّصوير يبدو في التّشبيهات الأخرى: الصّمع نار، الأجسام حطب، السّيف والهام بها خطباء على منبر.
من الصّور التي يبدو فيها الضّعف، ولم يكن للتّشبيه فيها دور في تصوير مشاعر الشّاعر، أو لم يكن لها تأثير في نفس المتلقّي الصّورُ الآتية: قال أبو مسلم البهلاني في الشّيخ عبد الرّحمن بن سالم الرّواحي:
هزّك الفضل والفتوّة والسّؤ ... دد والمجد كاهتزاز السّيوف
أنت منّا كدرّة التّاج في التّا ... ج ومثل الرّبيع حذو الخريف (44)
وقوله في حقيقة من يستمسك بالدّنيا، ولا يعرف ما تنطوي عليه من شرور, بل يعيش على هذه الشّرور والخبث، مثلما يعيش الجعلان في الكنيف، قدّم هذا بأسلوب التّشبيه الضّمني:
ببني الدّهر علّة ليس تشفى ... بدواء حتّى لقاء الحتوف
لا تحاول علاجهم بكمال ... آفة الدّهر في كمال الشّريف
وتموت الجُعلان في نفحة الطّيـ ... ـبِ وتحيا سعيدة في الكنيف (45)
أمّا ابن شيخان السّالمي، فيبقى غارقا في غزله، ويظلّ يبحث في كلّ مرّة عن تعبير ملائم لحاله، أو تصوير منسجم مع مشاعره، فينجح أحيانا, ويخفق أخرى. لم ينجح - هذه المرّة - في تصويره، فجاءت صورته المستلهمة من القرآن الكريم باهتة ضعيفة. قال:
فاز ذاك الخال، لكن ... بين نار الوجنات
مثل ما فاز خليل اللّه من نار العداة (46)
ومن شعر عبد الله الطّائي يصوّر فيه حنينه العارم، وشوقه الشّديد إلى وطنه عمان، هذه الأبيات التي بنى فيها صوره من التّشبيه، لكنّها بدت بسيطة، بل ضعيفة: (1/23)
صفحة 24
أبدا على عيني وملء فؤادي ... تبدو رؤاها رائحا أو غادي
فكأنّما هي للفؤاد نجيبة ... وكأنّها للعين نور هادي
أحيا على الذّكرى فإن فارقتها ... أمسى منامي مثل شوك قتاد
فارقتها جسما وعشت خليلها ... ذكرا يقضّ مضاجعي ووسادي (47)
لجأ الشّعراء أيضا إلى الاستعارة في بناء صورهم. نكتفي بأمثلة من شعر أبي مسلم البهلاني. من الاستعارة التّصريحيّة بنى أبو مسلم الصّورة الآتية، وهو يتحسّر على انقلاب الموازين، وتغيّر الأحوال، فقد تطاول الضعيف على القويّ، وتَجاسر الذّليل على العزيز، واستأسد النّذل علي الشّهم ... بسبب التّخاذل والتّخلي عن الواجب ونقص الغيرة على الحرمات:
يا للرّجال لقد ذلّت حفيظتكم ... إذا استطالت على الآساد حملان (48)
فاستطالة الحمل الوديع الضّعيف المهين على الأسد الهصور القويّ المهيب، تعطي صورة عن التّحوّل في حياة النّاس إلى الأسوأ والأنكى. وقد كان للاستعارة دور في تقديم هذه الفكرة أو الصّورة.
أمّا عبد الله الطّائي فيعتذر عن عدم استعداده لقول شعر؛ لأنّه يريد أن يريح قلبه قليلا، حين بدا الخليج هادئا بعد سنوات من الكفاح المرير من أجل كرامته، حسب تعبير الدّكتور أحمد درويش، فيلجأ إلى الاستعارة التّصريحية يبني منها صورته:
سََأَلَت: ْ هل لك في سهرتنا هذي قصيده؟
انظر اللّيل وقد رصّع بالأنجم جيده
وارمق الجوّ وقد لَحَّن بالصّمت نشيده
أفما حرّك في القلب أحاسيسَ جديده؟ (49)
من الاستعارة المكنيّة بنى أبو مسلم البهلاني صوره الآتية، وهو يصف أصحابه من أهل النّهروان؛ متأّثرا بسلفه أبي حمزة الشّاري، في وصف أصحابه الشّباب. قال في معرض هذا الوصف:
غرّ إذا سجد الظّلام على الفضا ... سجدوا على الثّفنات كالأحجار
قطع النّحيب صدورهم وكأنّما ... وضعوا السّحائب موضع الأشفار (50)
الظّلام يسجد معلنا دخول اللّيل وكأنّه إنسان يعي ما يفعل، ليفسح المجال لهؤلاء الأتقياء أن يقوموا بعبادة اللّيل. في التّعبير أيضا مشاكلة، بالمفهوم البلاغي. والنّحيب يتحرّك كالبشر ليقطع الصّدور، ويوجل القلوب، بسبب الخوف من الجليل، وخشية المعبود, والشّوق إلى جنّة الله.
من الصّور المبنية من المقابلة قول ابن شيخان وهو يصف نفسه: (1/24)
صفحة 25
وإنّي ضعيف الصّبر في كلفة الهوى ... وإن كنت قوّاما لحمل العظائم
وفي مدح السّلطان فيصل بن تركي قال:
إذا اهتمّ في أمر تدانى بعيده ... وباعد عنه مضعفات العزائم (51)
قال أبو مسلم البهلاني مخاطبا البرق، عساه يخفّف عنه معاناته وأساه، باجترار الهموم والتّسلي عنها، بكونه ما يزال يفكّر في وطنه، ولم ينسه، كما نسيه غيره، فكان يخاف أن تسري إليه عدوى الهجران والنّسيان والتّنكّر وعدم الوفاء:
يا برق حرّك همومي إن تكن سكنت ... فكلّ حظّي نحريك وإسكان (52)
إنّ المقابلة والطّباق يبنيان من الجمع بين الضّدّين والمتناقضين والمتقابلين. هذه الطّريقة تساعد في - كثير من الأحيان - على بلورة المواقف، والإفصاح عن المكنون، وتصوير المشاعر. والفنّان المبدع قد يلجأ إلى الجمع بين المتباعدين ظاهريّا؛ بمحاولة إيجاد العلاقة بينهما, للكشف عن عالمه الدّاخلي النّفسيّ. هذه هي حقيقة التّصوير الشّعري، حسبما يقرّر (بول ريفردي P. Reverdy ) إذ يقول عن الصّورة الشّعرية بأنّها: " إبداع صرف، وهي لا يمكن أن تنبثق من المقارنة، وإنّما تنبثق من الجمع بين حقيقتين، تتفاوتان في البعد قلّة وكثرة ... " (53)
من الوسائل التي اعتمدها الشّعراء أو لجؤوا إليها وسيلة التّجسيم. وفيها يحوّل الشّاعر المعنى إلى هيئة وصورة تقع تحت الحوّاس، أي تجسّم الفكرة في أشكال محسوسة، وتحوّل المجرّد إلى شيء منظور ومرئيّ. بمعنى: إنّ المعاني اللّطيفة الدّقيقة تبدو وكأنّ العين تراها؛ لأنّها تتجسّد أمامها؛ بفعل إرادة الفنّان الذي يتدخّل ببراعته وخياله وما يملك من فنّ ومهارة في صيرورة المعنى والفكرة وما هو مجرّد، إلى هيئة ظاهرة مشكّلة في ذهن المتلقّي. فـ " المعوّل في التّجسيم لا على المشابهة والمضاهاة، كما في التّشبيه الحسّي الخالي من الشّعور، بل المعوّل فيه على التّبديل والتّحويل والتّغيير والتّصيير. " (54)
قال عبد الله بن عليّ الخليلي موجّها كلامه لصديقه الشّاعر عبد الله بن محمد الطّائي، وفيه نلاحظ كيف صوّر الأشياء المعنوية تصويرا حسّيّا، بطريقة التّجسيم أو التّجسيد، بواسطة الاستعارة، حيث صيّر للحبّ لسعة ومرارة، وللغرام طعما حلو المذاق:
كيف تشكو, ولا أرى لك تشكو ... لسعة الحبّ، ما لها من راقي
وعجيب من أن ترى الحبّ مرّا ... إنّ طعم الغرام حلو المذاق
أنا لا أشكو وإن طال صدٌّ ... من أخلاّي، أو طويل اشتياقي (55) (1/25)
صفحة 26
كذلك بنى الشّعراء صورهم من التّشخيص، الذي يُعْنَى بمنح المعاني حياة، كما يحيا الإنسان، وبتحويل الأشياء في الطّبيعة إلى أشخاص، تتحرّك وتنبض بالحركة، وجعلها تدرك وتحسّ، وتتفاعل مع الإنسان في مشاعره وأفكاره وخواطره. وللتّشخيص علاقة بالشّعور في تحريك العمليّة الإبداعيّة، وتوجيه الخيال إلى التّفنّن في الإبداع؛ من هنا يراها العقّاد ملكة خلاّقة.
" بالتّشخيص يمنح الشّاعر المعنى حياة آدميّة, ويبعث في الفكرة حركة نابضة, وتسري في الخاطرة الألوان الشّاخصة والأشكال الإنسانيّة, وتلتهب المواد في الطّبيعة بالعواطف البشريّة، وتفيض مظاهر الحياة بالوجدان المتدفّق، والانفعال القويّ, ويصير غير الأحياء من النّاس أناسا يتعاطفون ويتجاوبون ويعشقون ويحبّون، وبذلك تتّحد مظاهر الحياة في طيّات سرّ الوجود." (56)
قال عبد الله بن عليّ الخليلي، وهو يصف حاله؛ معتمدا على التّشخيص، بانيا صورته من الاستعارة، حيث منح النّفس صفة المرأة التي اعتجرت بعباءة من الهموم والأحزان, وبذلك شخّص الشّيء الجامد (النّفس) ومنحها حياة وحركة وإرادة في التّحرّك, فبرزت أمام المتلقّي شخصا، تنبض بالشّعور، وتمتلئ بالحيوية، وتتحرّك طبقا لتلك المشاعر:
إذا اعتجرت نفسي بآلامِ بُعدهم ... دوَت بين طيّات الضّلوع عواصف
فيا عاذلي حسبي جوى وصبابة ... وحسبك في دين الهوى ما نقارف (57)
من القرآن أيضا بنى الشّعراء صورهم، وقد أبدعوا أيّما إبداع في ذلك. فقد تنوّعت أساليبهم في هذا التّضمين: بين اقتباس لفظ أو تعبير، ونقل صورة، واستلهام رمز ... فمن اللّوحات البديعة التي نستنشق فيها عبير القرآن، ونلتقط منها صورا رائعة معنويّا وفنّيا أبيات من قصيدة قدّم بها الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي حديثه عن النّبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، عنوانها (علم النّبيّين صلّى الله عليه وسلّم). وكان من تداعي الخواطر، ومن طبيعة الموضوع أن يُجَرّ إلى استحضار أشخاص الأنبياء عليهم السّلام، فيختار نقطا بارزة في حياتهم، تبيّن قدرهم، وتبرز خصوصية من خصوصيّاتهم، يكشف من خلالها مكانة النّبيّ؛ علما وسيّد المرسلين:
يا أهل بيت المصطفين تحيّة ... منّي إليكم، سيبها لا يقلع
يا أهل بيت الطّاهرين محبّة ... بالعرف سلك نظامها يتضوّع
يقف الخليل ببرده وسلامه ... فيها كما يجثو الذّبيح الطّيّع
ويقوم بالتّرحيب بين ضيوفه ... خلف البشائر والملائك خشّع
ويبيت يعقوب تجاه قميصه ... جذلا، ويعلو يوسف المتورّع (1/26)
صفحة 27
وترى شعيبا وهو تحت وقاره ... شيخا يلوذ به الكليم المفزع
وكأنّما الأسباط في عليائهم ... دوح الحقيقة والمهيمن يزرع
وكأنّما موسى وعيسى بعدهم ... علمان بينهما النّبيّ الأروع
علمان بينهما الرّسالة آية ... وهما ومن دون المهيمن خضّع
تجلو " محمد " في ملامح وحهه ... بيديه ألوية الزّعامة تحمع (58)
المثقّف بالثّقافة القرآنيّة، لا يعسر عليه إرجاع هذه الإشارات إلى مظانّها في القرآن الكريم، ولا يخفى عليه المعنى الذي قصد الشّاعر تثبيته في أذهان المخاطبين، وهو بيان مكانة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بين الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. ولا تنأى عنه دقّة اختيار إشارات معيّنة في حياة أولئك الرّسل، ومن ثمّ الوقوف على الصّورة التي نحتها الشّاعر من تلك الإشارات القرآنيّة، ممّا كوّن صورة بديعة ورائعة؛ فنّا ومغزى.
كان أنّ لبعض سور القرآن حضورًا بارزًا في كتابات الشّعراء. وقد استلهموها في التّصوير والتّعبير عن مشاعرهم وخواطرهم. كسورة الكهف، التي وردت فيها قصص مثيرة وعالية العبر والدّروس وآيات عجيبة، كقصة أهل الكهف، وقصة موسى عليه السّلام والخضر، وقصة ذي القرنيين، وأحوال يأجوج ومأجوج ...
يفتتح الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي مقصورته بمخاطبة البرق، الذي بخل عليه بعطائه، وأمسك عنه فضله. بينما نال غيرَه، ومال عنه كما مالت الشّمس عن فتية الكهف. تساءل: هل لأنّه في فجوة من عمره، في سعة من حياته، لا يناله ما يروعه لأنّ عناية الله تحرسه، كما كان الفتية في متّسع من الكهف. إذا طلعت الشّمس" نزاور عن كهفهم، تميل عنهم، فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم؛ لأنّ الكهف كان جنوبيّا، ولأنّ الله تعالى زوّرها عنه ... وهم في فجوة منه، أي وهم في متّسع من الكهف، يعني في وسطه، بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حرّ الشّمس في ذلك ... " (59) وهو بذلك يتشبّه بالفتية الذين ربط الله على قلوبهم وزادهم هدى، ليعبّر عن عناية الله به، ولو صدّ البرق عنه، ولم يعبأ به.
إلى جانب ذلك ضمّن الشّاعر هذه اللّوحة بعض العبارات التي وردت في سورة الكهف؛ رغبة منه في البقاء مرتبطا بهذه السّورة، التي لها مكانة خاصّة في نفوس المسلمين (رغم أنّ القرآن كلّه قدح عسل، لا فرق بين آياته وسوره):
يا برق حيّها بكالثّلج ندى ... لعلّها تبرد تسعار الحشا (1/27)
صفحة 28
ما لنُعاماك تعامى موضعي ... أذاك عمدا منك أم كان خطا
أم ما لمنهلّك لا ينالني ... كأنّني من فتية الكهف فتى
تزاور الشّمس إذا ما طلعت ... عنّي يمينا وشمالا في المسا
كأنّني في فجوة من عمري ... تقلّبني عناية الله اعتنا
فلا يرعك مظهري ولا تخف ... منه فلو أمعنت سرّك الخفا
هلّم قم بي نتلطّف سيرنا ... إن يظهر النّقد علينا ما اختفى
فإن تكنيِّ في الرّقيم لَمعة ... فتلك من جذوة موسى تجتلى (60)
تعلّق الشّاعر بنسيج القرآن، واستلهامه له واضحان في هذه اللّوحة، فبالإضافة إلى إيراد قصّة الفتية في الكهف، وما نالهم من رعاية الله، وهم محصورون فيه، التي كان الشّاعر يرمي أن يثبت من خلالها أنّ رعاية الله تشمله هو أيضًا، وقد صوّر ذلك بواسطة الإشاريّة التي ترجع بالمتلقّي إلى القرآن الكريم، زيادة على ذلك نجد في الأبيات كلمات وعبارات هي من وحي الآيات الواردة في سورة الكهف: (نتلطّف، الرّقيم، تزاور، فجوة، تقلّبني، طلعت، يمينا وشمالا ... ) (61)
الشّاعر نفسه يكتب قصيدة جوابا على رسالة بعث بها إليه شيخه أبو عبيد السّليمي وأولاده, يعتذر لهم فيها على عدم الارتقاء إلى مستواهم في البيان والمهارة في الكتابة؛ إذ هم يطلبون منه ما لا يطيقه. أجابهم مُشبّهًا موقفه بموقف موسى عليه السّلام مع الخضر، حين عجز عن الوصول إلى مرتبته في الفهم والإدراك، غير أنّه حاول كما حاول موسى عليه السّلام التّحلّي بالصّبر على ما قد يعسر عليه فهمُه من تصرّفات الخضر:
على رسلكم من كاتبين رسالة ... ومملين تبيان البلاغة والسّحر
تلقّيت أسطارا عليّ كريمة ... فكنت كموسى شاقه مدد الخضر
فإن أستطع صبرا فلله همّتي ... وإلاّ فحسبي بغية الفضل من أجر
ترومون منّي حلّ ما حلّ مثله ... عسير على مثلي ولو لم يكن يدري
على أنّني والفضل يُرعى لأهله ... عرفت لكم فضل التّقدّم في الكرّ (62)
أمّا أبو سرور فيسجّل الانتصار التّاريخي الذي حقّقه العرب على الصّهاينة، وتخطّيهم خطّ "برليف" الذي كانت تحتمي به إسرائيل، وكانت تدّعي أنّه لا يمكن تخطّيه. اختار صورة " سدّ ذي القرنين " الذي ضرب الله به المثل في القوّة والضّخامة. قال الشّاعر: خطّ برليف كان يحكي سدّ ذي القرنين – حسب اعتقاد أصحابه – لكنّه انهار أمام قوّة الجنود العرب: (1/28)
صفحة 29
ما خطّ برليف على غلوائه ... في أين أمسى، هل له آثار
قد كان يحكي سدّ ذي القرنين في ... غلوائه، فإذا به ينهار (63)
أدّى السّلطان قابوس بن سعيد صلاة عيد الأضحى المبارك في مدينة (صحم) بسلطنة عمان. فسجّل الشّاعر أبو سرور هذا الحدث، وعدّ قدومه إلى هذه المدينة يمنا وبركة، كما كانت ليلة القدر يمنا وبركة وخيرا على البشريّة؛ بِما نزل فيها من قرآن غيّر مجرى حياة النّاس نحو الأحسن، استلهم في ذلك سورة القدر:
أليلة القدر وافت في غلائلها ... من قبل إعلاننا عن صومنا الخُبرا
تنزّلت عندها الأملاك تصحبها ... والرّوح فيها سلام بالمنى انسفرا
إذا بها تعلن الأخبارَ في جذل ... كأنّما الكون في أريافها حضرا
قابوس وافى بذا الأضحى يؤازره ... وفضلُ مَنْ فَطَرَ الأكوان ما انفطرا (64)
من بين ما اعتمده الشّعراء في بناء صورهم الرّمز الموضوعي, الذي يعنِي" إضفاء صفة الرّمزية على الشّخصيات والأعلام، من خلال تصرّفاتهم أو سلوكهم، أو من خلال ما اشتهر عنهم، بحيث تصبح ملهما يلهم الكتّاب في كتاباتهم, كما فعل الشّعراء مع الأعلام والشّخصيات القرآنيّة" (65) والرّمز إذا استخدم استخداما شعريّا جيّدا يكون أداة مهمّة في نقل المشاعر، المنبثقة من الموقف المراد تصويره؛ لأنّه يعين على تحديد الأبعاد النّفسيّة، التي يراد تجليتها.
استلهم الشّعراء العمانيّون بعض الأعلام القرآنيّة للتّعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم، وللإفصاح عن أفكارهم وخواطرهم، مستغلّين ما فيها من دلالات، وما تحمله من معانٍ ساميّة وعميقة ... وأكثر الرّموز حضورا في الشّعر العماني المحافظ كان موسى عليه السّلام، ربّما يرجع ذلك إلى المعاني الكبيرة التي حملتها حياة موسى عليه السّلام, وإلى اشتمالها على مواقف مثيرة. إنّ قصّة موسى عليه السّلام أكثر قصص الأنبياء ورودا في القرآن الكريم، فقد وردت حولي ثلاثين مرّة.
يقدّم الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي لقصيدة بأبيات يحثّ فيها على حجّ بيت الله والاستغفار من الذّنوب، والإنابة إلى الله, ورجاء رحمته:
علق الحبّ فاستراح هياما ... ومشى يحمل الغرام غراما
واستساغ الذّهول كالشّهد حتّى ... مات فيه روما وحيّ مراما
ورأى النّار من طُوى فطوى النّفـ ... س إليها لينشر الأجراما
ودعاه من جانب الطّور داعيـ ... ـه فلبّى دعاءه مستهاما (1/29)
صفحة 30
واطّباه إلى الحقيقة طيف ... زاره في طريقه إذ هاما (66)
إنّ " طوى" الذي رآه المستهام، فانطلق نحو مرماه ليقضي رومه، هو" طوى " الوادي المقدّس الذي نودي فيه موسى عليه السّلام، وقد اختاره الله تبارك وتعالى لتبليغ الرّسالة، وتحمّل الأمانة. فمثلما دعت موسى عليه السّلام نار الطّور، فقصدها عساه يأتي لأهله بخبر أو جذوة من النّار لعلّهم يصطلون، ثمّ نودي ليبلّغ أمر تحمّل مسؤولية الرّسالة ... كذلك لبّى المغرم والمستهام الدّعاء الذي جاءه من طوره هو ... قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى موسى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ أَنْ يَا موسى إنّي أَنَا الله رَبُّ العَالَمِينَ} (67)
رغم أنّ الصّورة المستلهمة ليست معبّرة خير تعبير عمّا يقصد الشّاعر الإفصاح عنه - إلاّ أن تكون هذه مقدّمة لتوجيه المستهام إلى أن يهيم فيما هو أحسن وأفضل، وهو بيت الله الحرام – فإنّها تكشف عن الرّغبة في الارتباط بالقرآن، واستيحاء معانيه وآثاره.
بعد أن أرشد الشّاعر أنّ النّار التي يجب أن يستجيب لها هي النّار التي ينبعث منها نور الهداية، النّار التي توصلك أيّها المستهام إلى البقاع المقدّسة، يقول له أقدم ولا تخف، إنّها نار الكليم موسى عليه السّلام، ففيها البركة والخير لك:
هو ذاك النّور الذي غشَى الطّو ... ر فأمسى دكّا وأضحى رماما
هي نار الكليم آنسها ليـ ... ـلا، فأقبل ولا تخف إقداما (68)
قال أبو سرور وهو يشيد بالطّلبة المتفوّقين، الذين أكرمتهم مدرسة عبد الرّحمن بن عوف بمدينة ... " صحم " بسلطنة عمان. وهو يبيّن أنّ هذا التّفوّق ليس بمقدور كلّ أحد، كما أنّه ليس كلّ جبل هو طور سيناء الذي عرف به موسى عليه السّلام:
ما كلّ شادٍ سبَى الألبابَ بلبلُه ... كلاّ ولا كلّ طود طور سنينا (69)
يبقى طور سيناء رمز التّجلّي، كما حدث لموسى عليه السّلام، ورمزا لمصدر النّور والخير. فإذا أراد الشّاعر حثّ النّاس على اقتباس النّور، أو السّعي إلى مصدر النّور ليكسب خيرا، أو ينال فضلا، لجأ إلى رمز " طور سيناء " يستلهمه ليسعفه بالمعنى الذي يريد، وينجده لبلوغ هدفه في مخاطبة متلقّيه. قال عبد الله بن عليّ الخليلي:
الله أكبر يا سلالة يعرب ... إنّ اللّقا قد حان فادنُ وأقبلا
وخض اللّظى حربا على قهر العدا ... فالحرب معركة المصير المجتلى (1/30)
صفحة 31
حربا تجلّى طور سيناء حولها ... نورا وكبِّر للإله وهلّلا
لا العجل فيها بالخوار بمفلح ... كلاّ فأين السّامريّ وما جلا (70)
إذا كان " طور سيناء " يرمز إلى النّور والهداية، فإنّ " السّامري " يدلّ على الضّلالة، إذ أنّ السّامري هو الذي ضلّل قوم موسى عليه السّلام، وأغراهم بعبادة العجل، بعد غياب موس عليه السّلام. فالشّاعر يقول إنّ العجل لا يمكن أن يصدّ عن السّير في سبيل الله، وبخاصّة في حرب الأعداء (71)
إنّ هذه الأبيات تذكّرنا بما قاله الشّاعر الجزائري مفدي زكريّاء عن إبطال أسطورة القوّة الإسرائليّة التي لا تقهر، وذلك في حرب رمضان 1393هـ:
هنا يرضع العزّ أكبادنا ... ويصرخ في دمنا الفائر
فننسف أسطورة الحالمين ... ونسخر من عجلها السّامري (72)
تظلّ نار موسى والوادي المقدّس، الذي وُجِدَتْ فيه مصدرَ هداية، أو رمز الرّشاد والإرشاد في نظر الشّعراء. فهذا أبو مسلم البهلاني يقول، مستلهما الصّورةَ:
هذه النّار وذا الوادي المقدّس ... فاخلع النّعلين، والذّلة فالبس
وأجد أنت هُدًى أو قبسا ... لا تجاوز إنّ هذا اللّيل عسعس (73)
صورة أخرى دارت في شعر الشّعراء، وهي المستلهمة من قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (74)
قال أبو سرور
وكراما موجَّهين لدينا ... للنّهى والعلوم أفضلَ غُرّ
لو غدا البحر في ثناهم مدادا ... نفد البحر قبل شكر وذكر (75)
قد يبني الشّاعر صورته من عدّة تركيبات قرآنيّة، يستلهمها في التّصوير، ويوفّق في إيجاد التّناسق بينها؛ لأنّ الخيط النّفسي انتظم هذه النّسوج. قال عبد الله بن عليّ الخليلي وهو يسجّل توكّله على ذي الجلال والإكرام، وعدم جزعه من الأهوال، ما دام الله حافظه:
إذا طاف بي من جانب الهول طائف ... تحصّنت من ذكر المتين بإحسان
كأنّي موسى والعصا حدّ مقولي ... وعزمي في شهاب ثاقب خلف شيطان
كذلك من كان القويّ بسرّه ... وما شاب عرفان المتين بنكران
وما هي إلاّ عزمة بشريّة ... أتت من جليّات العظيم ببرهان
ألم يأنِ أن تدري من الأمر وجهه ... بصادق إخلاص اليقين ألم يانِ (76) (1/31)
صفحة 32
قال الشّاعر نفسه وهو يخاطب أهل أرض الكنانة سنة 1960م:
وإلام لا تستجمعون لخصمكم ... وَثْبًا، وأنتم أهل كلّ صقيل
أو لستم أهلا لقطع وتينه ... رميا بأحجار من السّجّيل
فتضامنوا متكاثفين كأنّكم ... سدٌّ لذي القرنين غير مهيل (77)
استلهام القرآن الكريم في بناء الصّور الشّعريّة في الشّعر العماني المحافظ ظاهرة بارزة، ولذلك أسباب، عالجها كثير من الدّارسين. غير أنّ هذا الاستيحاء تفاوت بين النّجاح والإخفاق في بلوغ الغاية من اللّجوء إلى القرآن الكريم للتّعبير والتّصوير. المهمّ إنّ هذا جانب من التّصوير في شعر شعراء الاتّجاه المحافظ، يجب إبرازه وتحليله ونقده.
كان التّراث، والشّعر العربي منه والتّاريخ بخاصّة مجال استلهام الشّعراء. وكان استيحاؤهما لافتا للنّظر، بحيث يتعذّر في هذه العجالة، وفي الحيّز الضّيّق من الدّراسة الإتيان بأمثلة لذلك. نحيل القارئ إلى بعض النّماذج، ليقف بنفسه على هذا الجانب المهمّ في بناء الصّورة عند هؤلاءِ الشّعراء. (78)
من مصادر التّصوير عند هؤلاء الشّعراء الاشتقاق والتّوليد، المعتمد على كلمة يوردها شاعر، فيدور معها ويقلّبها؛ ليخرج منها صورة. لكنّ هذا الأسلوب غير مأمون العاقبة، فكثيرا ما يخفق الشّاعر في تكوين صورة جميلة بديعة، يحسّ المتلقّي لها أثرا في نفسه. مثال على هذا بيتان لعبد الله بن عليّ الخليلي:
وابْكِِ حول الحطيم من حُطم الحُبْـ ... ـبِِ إلى أن تراك ثمّ حطاما
حيث لفح الأشواق يبرّده نفـ ... ـح من الوصل، فاح عنه اللّقاء (*)
التّكلّف واضح في البيتين، لم يكن وراء هذا التّصوير إلاّ الشّغف بالتّلاعب بالكلمات، وإظهار البراعة في التّفنّن في الكتابة، من دون الارتقاء بذلك إلى مستوى الفنّ.
ملاحظات عامّة
إذا كانت هناك ملاحظات عامّة يمكن تسجيلها بعد هذه الدّراسة المقتضبة المحدودة عن الصّورة الشّعريّة في الاتّجاه المحافظ في الشّعر العماني الحديث، فهي كالآتي:
- تميّز التّصوير في الشّعر الذي أوردنا أمثلة عنه بطول النّفس، وسعة الاستيعاب، وفسحة التّحرّك، وتنوّع مظاهر البروز، وكثرة الدّلالات والإيحاءات. وتنوّع طرق بناء الصّور وصياغتها. (1/32)
صفحة 33
- تميّزت كثير من القصائد بكثرة الصّور المتلاحقة المتتابعة المتساوقة، التي يشدّ بعضها أزر بعض، وكثير منها كان بينها انسجام كبير، رَبطَ بينها خيط نفسيّ، انتظم هذه الصّور بشكل دقيق ومتين.
- غالبا ما كان الشّعراء يبنون صورهم ممّا كانت تبنى منه صور الشّعر العربي القديم، مثل التّشبيه والاستعارة والمجاز والمحسّنات اللّفظيّة والمعنويّة. والشّعرُ الكلاسيكي تتشكّل أغلب صوره الشّعريّة من البلاغة. إنّ ذلك يمثّل – في الحقيقة - مرحلة مرّ بها الشّعر العماني الحديث، كما حدث في الشّعر العربي، الذي بدأ بمرحلة المحافظة، ثمّ تدرّج في التّجديد.
- استلهم الشّعراءُ التّراثَ كثيرًا في بناء صورهم الشّعرية. فللقرآن الكريم والتّراث العربي أثرٌ كبيرٌ في بناء هذه الصّور.
- إذا كانت أغلب صور الشّعراء قديمة، فإنّهم صاغوا كثيرا منها صياغة جديدة، واختاروا لها ألفاظا وكلمات مناسبة، معبّرة عن أفكارهم ومشاعرهم، وانتقوا تعبيرات تتناسب مع مستوى مخاطبيهم، وتساير الواقع الذي يعيشونه ...
- يلاحظ تشابه الصّور والرّموز المستعملة بين هؤلاء الشّعراء؛ بسبب محدوديّة الثّقافة الفنّيّة التي يتوافرون عليها، وتشابه الثّقافة التي تلقّوها، وهي ثقافة دينيّة في الدّرجة الأولى.
- يلاحظ التّكلّف – أحيانا – في بناء بعض الصّور؛ نتيجة الجري وراء التّقليد. وفي هذا يقول شُبَّر ابن شرف الموسوي: " ويحافظ الشّاعر الكلاسيكي على نمطيّة الصّور الشّعريّة القديمة وموضوعاتها وتشبيهاتها القديمة، دون تجديد يذكر، مقلّدا صور القدماء، وهو ما يجعل هذه التّشبيهات عند بعض الشّعراء صورا وتشبيهات أساسيّة، يجب الالتزام بها دون تجديد." (79)
إنّ هذا الحكم مبالغ فيه، رغم اعترافنا بنمطيّة الصّور التي أتى بها الشّعراء، وتقليدهم للقدماء في طريقة بناء الصّور، واستلهام بعضها. إنّنا لا نسقط هذا الحكم على كلّ ما أنتجه الشّعراء، وننفي عنهم أيّ دور في التّجديد، أو الاستقلاليّة في بناء الصّور، وما أتينا عليه من الأمثلة، وتحليلنا لها يثبت هذا. يبدو لنا أنّ شُبَّرَ كان متسرّعا في حكمه، ولم يدرس هذا الشّعر دراسة متأنّية. (1/33)
صفحة 34
الموسيقى
إذا اعتنى الفنّان بالموسيقى فلأنّها تترجم عن أفكاره، وتنوب عن عواطفه ومشاعره؛ بما توفّره له من ظلال، وما تهيّئه من الأجواء كي يعبّر، وللمستمع كي يفهم ويعي، إذ أنّها تنقل بصدق الأحاسيس. قالوا: إنّ الموسيقى الحقّة هي التي تساير موضوع القصيدة، أو تتلاءم مع التّجربة الشّعريّة. هذا يؤكّد العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والعمليّة الإبداعيّة. يقول سبِنْسر: " إنّ خير الموسيقى ما تتمشّى مع الأفكار، وتتساوق مع المعاني، وتتجاوب ألوان نغماتها ونبراتها مع حالات النّفس. فالشّاعر في اهتياجه وغضبه وغيظه يكون تعبيره الموسيقي عالي النّغمة، وفي حزنه يكون منخفضَها، وفي تعجّبه وفرحه وهدوئه واطمئنانه تكون المسافات الصّوتيّة قصيرةً. وأمّا في بثّه وألمه فتكون مسافات الصّوت طويلةً، وهكذا تساير النّغمات حالات النّفس، كما تساير موضوع القصيد وفكرته. " (80)
إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الآخر – باستغلال عنصر الموسيقى – يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة (81) من هنا كانت الموسيقى أساسا في الفنّ، وعدّت جنديّا من جنود التّعبير الشّعري (82)
نتساءل بعد هذا التّمهيد كيف تعامل الشّعراء العمانيّون ذَوُو الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر؟
إنّ موسيقى الشّعر جرس وإيقاع ووزن. والشّاعر المحافظ اهتمّ بكلّ هذه النّواحي في شعره. إلاَّ أنّه أعطى للإيقاع أهميّة كبرى؛ ربّما لأنّ موسيقاه تتميّز بالحماسة، وهو يقصد إلى شعر يدغدغ به العواطف، ويتوجّه به إلى من يهتزّ ويرقص له، وهو أصلا يؤمن بأنّ الشّعر يجب أن يحمل طابع الخطابيّة, وصفة المنبريّة، وما يحقّق ذلك هو الإيقاع، الذي يوجد موسيقى داخليّة، تبعث على التّجاوب مع مشاعر الفنّان " فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة ... كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه (1/34)
صفحة 35
واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة." (83)
قد يعمد الشّاعر إلى إيجاد الإيقاع من تكرير صيغة معيّنة، يراها معبّرة عمّا يريده معنى، وتستجيب لعواطفة نغَمًا، من حيث إنّها تولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. قال أبو مسلم البهلاني في " النّونيّة " وهو يصف أئمّة الدّين:
صيد سراة أباة الضّيم أسد شرى ... شمس العزائم أوّاهون رهبان
سفن النّجاة هداة النّاس قادتهم ... طهر السّرائر للإسلام حيطان
صعب الشّكائم في ذات الإله فإن ... حنّاهم الحقّ عن مكروهة لانوا (84)
أوجد الشّاعر الإيقاع من كلمات، جاءت على صيغ متشابهة، من دون أن يكون فيها تكلّف، أو تعسّف على العمليّة الإبداعيّة، هذه الكلمات هي: (صيد، أسد، شمس، سفن، طهر، صعب)، (سراة، أباة، هداة)، (العزائم، السّرائر، الشّكائم) زيادة على تكرير حروف معيّنة كـ (السّين والصّاد) وهي من حروف الصّفير، التي لها وقع خاصّ في النّفس. وحرف (الهاء والرّاء) فالهاء تتميّز بالهمس، والرّاء تعرف بالذّلاقة. إنّ ذلك ينسجم مع حروف الصّفير وتتناغم، لتكوّن لوحة موسيقيّة، تعبّر عن الإعجاب بهؤلاء الأئمّة، والتّغنّي بفضائلهم. والهمس والذّلاقة والرّخاوة، تساعد على إيجاد جوّ من الارتياح والاطمئنان، يشعر به من يظهر إعجابه وتقديره لمن يتحدّث عنهم، كما فعل أبو مسلم الرّواحي مع هؤلاء الأئمّة.
يميل أبو مسلم كثيرا إلى انتهاج هذا الأسلوب في الكتابة الشّعريّة، حين يتعلّق الأمر بالتّغنّي بالأمجاد، وذكر محاسن الأجداد, فنجده يلجأ إلى إيجاد موسيقى مطربة، طربه للمكارم، فيحاول رسم لوحة من الإيقاعات، مكوّنة من كلمات متكرّرة في صيغها وهيئتها، كما نجد ذلك في اللّوحة الآتية وهو يسرد مجموعة خلال، تَميّز بها أسلافه، معاتبا الموت، وقد انتقر خيار الأمّة، قال ذلك بمناسبة وفاة الشّيخ نور الدّين السّالمي (ت 1332هـ/ 1914م):
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا ... وتركت أمّتنا بغير خيار
أسرعت في الأغواث والأقطاب ... والأعلام والأبطال والأخيار
مهلا فما أبقيت ثمّ بقيّة ... نزح القطين وجفّ روض الدّار
أفقدتني شهب الفضائل كلّهم ... ويلاه من شهبي ومن أقماري
ويلاه أين سماؤها ونجومها ... وشموسها، ذهبوا كأمس الجاري (1/35)
صفحة 36
أنضاهم التّسبيح والتّرتيل ... والتّهجيد بين جوانح الأسحار
خُبْتٌ إذا جنّ الظّلام رأيتهم ... طاروا إلى الملكوت بالأسرار
غُرّ إذا سجد الظّلام على الفضا ... سجدوا على الثَّفَنَات كالأحجار
قطع النّحيب صدورهم وكأنّما ... وضعوا السّحائب موضع الأشفار (85)
بنى الشّاعر صِيَغَهُ على أوزان معيّنة، وكأنّه عمد إلى المجموعات في التّركيب؛ ليحدث موسيقى من الإيقاع الرّتيب. فهناك صيغة (أفعال) (الأغواث، الأقطاب، الأعلام، الأبدال، الأخيار, الأسحار، الأسرار، الأحجار، أقمار ... ) وهذه الصّيغة تكرّرت في معظم أبيات القصيدة. وضيغتا (تفعيل وفعول) (التّسبيح، التّهجيد، التّرتيل، نجوم، شموس ... ) وصيغة (فُعْل) (خبت، غرّ شهب ... )
يلاحظ التّشابه بين اللّوحتين السّابقتين في ذكر صفات الممدوحين. ممّا يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث الإيقاع في أبياته، أو على الأقلّ استجابته لفورة مشاعره، التي ترغب أن تَخْرُجَ في ثوب قشيب من التّلوين الموسيقى. ممّا يدلّ على ذلك، إطلاقه العنان لقريحته كي تردف الصّيغ المتشابهة في سلسلة طويلة، كما في البيت الثّاني. عَمْدُ الشّاعر إلى هذا الأسلوب يكشف عن الحالة الشعوريّة المتوتّرة عنده، وهو يلاحظ الموت ينتقي الأخيار والأقطاب والأعلام ...
وهو حين وجد هذه الصّيغة مستجيبة لعواطفه، أردف كلمات أخرى على منوالها متساوقة، وأحيانا غير ذلك، وقد التزم بذلك في كامل القصيدة. والإيقاع يصنع ذلك في الصّورة الشّعريّة، لأنّ له علاقة بالتّوتّر الشّعوري. وفي هذا تبدو براعة الشّاعر: " والإيقاع مظهر عبقريّة الشّاعر، ومجال التّفوّق على الغير، واستقلال الشّخصيّة بالعمل الأدبي، فمن الممكن أن يتصرّف الشّاعر في الإيقاع، حيث يختار للصّورة الوَقْفَ المناسب لها، سواء كان سكونا أو حرف لين، حسب الغرض من الصّورة ... " (86)
في قصيدة مدح بها ابن شيخان السّالمي السّلطان فيصل بن تركي (ت 1332هـ/ 1913م) ركّز فيها كثيرا على صيغ (مَفْعَل، الأَفْعَل، مُسْتَفْعِل، مُفَعَّل، مُفْتَعِل، فَعْلَة ... ) أحدث من خلالها موسيقى ذات إيقاع رتيب، دفعته إليه رغبة في المبالغة في وصف الممدوح، واستجابة لدافع إيجاد موسيقى داخليّة، تساعد على ترجمة ما يعتمل بداخله، وتشدّ المتلقّي إليه:
سلطاننا (فيصل) من صيتُه ... قد سار في الشّرق والمغرب
ملك عظيم الحلم ذو هيبة ... يغدو لها الرّئبال كالثّعلب
متّسع المجلس ذو حضرة ... تبدي شذا الأفضل والهنجب
مشيّد المجد، له رفعة ... حكت سما (كيوان) بالمنكب (1/36)
صفحة 37
بحر العطا والفضل، ذو منّة ... تأتي على الأبعد والأقرب
مسدّد السّعي مليء الثّنا ... مستحسن الطّلعة والمذهب
يهتزّ مرتاحا لفيض النّدى ... مثل اهتزاز الصّارم الأقصب
تقول كفّاه لراجي الغنى: ... كم لك من أهل ومن مرحب
مستبحر الفكرة غوّاصها ... مستخرج الحكمة لم تثقب
مستيقظ حامي حياض الحمى ... مقتحم الأهوال والأصعب (87)
قد يحدث الشّاعر الإيقاع في شعره؛ بإيجاد توازن وتوازٍ وتساوٍ بين فقرات تراكيبه التي يصوغها. وهو ما يساعد على توفير تقابل بينها، مِمَّا يوفّر صفةَ التّماسك في نسيج الكتابة. قال ابن شيخان:
العدل باقٍ والعزائم تصعد ... والبغي فانٍ والصّوارم تشهد (88)
زيادة على التّرصيع الذي أسهم في إحداث الإيقاع, نلاحظ هذا التّوازي بين كلمات الشّطرين: العدل والبغي، باق وفان، العزائم والصّوارم، تشهد وتصعد.
في البيت الآتي نجد التّركيبة نفسها، والصّياغة ذاتها, قال الشّاعر نفسه:
فأسبل بحرا دونه كلّ زاخر ... وأقبل بدرا دونه كلّ طالع (89)
فالكلمات: (أسبل وأقبل، بحرا وبدرا، دونه وكلّ في الشّطرين، زاخر وطالع.) أوجدت هذا الإيقاع. كما أسهمت في توفيره حروف مكرّرة في الكلمتين المتقابلتين: (الهمزة واللاّم) في الكلمتين (أقبل وأسبل) , (الباء والرّاء) في الكلمتين (بحرا وبدرا)
الملاحظة نفسها تنطبق على البيت الآتي، وقد تعوّد ابن شيخان على هذه الصّياغة:
فهو الغيث الغمام المرتجى ... وهو اللّيث الحسام المنتضى (90)
تَعَاوَنَ التّقابلُ بين حالين، يكون عليهما السّلطان تيمور بن فيصل (ت 1383هـ/ 1963م): حالِ الإحسان في السّلم، وحالِ البطش والقوّة في الحرب، والتّوازي بين كلمات شطري البيتين، وتكرارُ حروف معيّنة في بعض صيغها، تعاونَ كلُّ ذلك على إيجاد إيقاع مطرب راقص، معبّر عمّا يجيش في حنايا الشّاعر نحو الممدوح. وما تلا هذه الأبيات كان على هذا المنوال من التّوازن والتّساوي في الكلمات، والتّوازي في الصّيغ وفي النّهايات، نهايات الأشطر:
صاحب الشّكر إذا عمّ الرّجا ... صاحب الصّبر إذا حُمّ القضا
جامع الصّبر إذا احتفّ الملا ... واسع الصّدر إذا ضاق الفضا
صاحب الخيل إذا اشتدّ المدى ... ساكب الخير إذا الخير انقضى (1/37)
صفحة 38
كذلك يعمل التّقابل بين الأحوال التي يكون عليها المتحدّث عنهم، وتكرير حروف معيّنة، لها علاقة بمشاعر الشّاعر ... يعمل هذا على إحداث إيقاع جميل، هادف إلى الإفصاح عن المكنون، كما في قول أبي مسلم الرّواحي:
صعب شكائمهم، سحب مكارمهم ... إن حاربوا صعبوا، أو أكرموا لانوا
شمّ إذا حزموا، نار إذا عزموا ... شهب إذا رجموا، للفضل هتّان
لله ما جمعوا، لله ما تركوا ... لله إن قربوا، لله إن بانوا (91)
يلاحظ في أبيات ابن شيخان وأبي مسلم، بعض التّشابه في الصّفات التي خلعاها على الممدوحين، في أثناء العمد إلى المقابلة بين أحوالهم. والتّشابه برز أيضا في تكرير حروف معيّنة، كحروف الشّين والصّاد والرّاء ...
قال أبو سرور عن أمجاد عمان، في قصيد عنوانه " عمان المفاخر":
فقرّت بهم عينا، وطالت بهم يدا ... وتاهت بهم فخرا، وزانت بهم ذكرا (92)
إنّ حسن التّقسيم أوجد موسيقى رتيبة داخل البيت، كانت ناتجة عن الإيقاع الجميل المطرب المعبّر. (قرّت عينا، طالت يدا، تاهت فخرا، زانت ذكرا)
قال ابن شيخان، وقد سباه التّفنّن في التّصوير، فاختار حسن التّقسيم، أو التّرصيع، كما يعبّر عنه القدماء شكلا لتركيبة نظمه:
وما غصنها إلاّ التوى، وما بدرها ... إلاّ انزوى، وما طيرها إلاّ انهوى (93)
يلاحظ في البيت التّقسيمُ، الذي انبنَى على التّساوي في عدد الفقرات في الشّطرين، وعلى التّوازي بين هذه الفقرات في عدد الكلمات وصيغها, وعلى السّجع داخل البيت, ممّا ولّد نغَما موسيقيّا، هو الإيقاع الذي أضفى على الصّورة جمالا وروعة وجلالا.
اللّوحة الآتيّة غنيّة بالمصادر، التي ولّدت الإيقاع الجميل، فساعد على التّصوير، وعلى شدّ المتلقّي إليه، والتّأثير فيه شعوريّا. فيها حسن التّقسيم، فيها التّوازي بين فقرات النّصّ، وفي عدد الكلمات في كلّ فقرة، وفي الصّيغ التي حكمت هذا النّسيج في التّصوير، وفي تكرير حروف معيّنة، وفي التّقابل بين المعاني، بما يعرف بالثّنائيّة في الكتابة. نترك للقارئ فرصة الكشف عن المتعة والجمال - في هذه اللّوحة - النّاتجين من هذا الإيقاع. قال ابن شيخان في حقّ السّلطان فيصل بن تركي:
هو الهمام ابن تركي، من له خضعت ... شوامخ الدّهر وانقادت لخدمتهِ
الدّافع الخطب في إزعاج طارقه ... والفارج الكرب في إدلاج شدّتهِ (1/38)
صفحة 39
والواهب الصّمع عفوا غير مكترث ... والهازم الجمع بأسا يوم زحفتهِ
والقاسم المال إحسانا ومكرمة ... والمالك الحمد مختوما بجملتهِ
من أوسع الأرض عرفا وقت نائلة ... وألبس الأسد خوفا وقت سطوتهِ
وانهلّ سيل العطايا في تبسّمه ... وانهدّ سيب المنايا في عبوستهِ
والنّاس صنفان: مغبوط بنعمته ... فضلا, وآخر مسخوط بنقمتهِ
وللنّهار دليل من مشارقه ... وللظّلام دليل من كتيبتهِ
من ذا يعود خليّا من مكارمه؟ ... من ذا يكون غنيّا عن مروءتهِ؟ (94)
إنّ ممّا يسهم في إحداث الجرس؛ لإبراز المعنى المراد تبليغه تكرير الصّوت. فإنّ ذلك يعين على تصوير الموقف وتجسيمه أو تشخيصه. يستغلّ الشّاعر الخصائص الصّوتيّة، التي تتميّز بها بعض الحروف، فيوجّهها لتكشف عن إيحاءات الصّوت أو اللّفظة أو الجمل المكرّرة.
التّكرار من مصادر الإيقاع عند الشّاعر العماني المحافظ، تكرار الحرف، تكرار الكلمة, تكرار الجمل، تكرار الصّيغ ...
حرف (الرّاء) تكرّر في القصيدة الآتيّة بشكل لافت للنّظر: عددًا، وتقفية شطري البيت به، ومجاورته لبعض الحروف، وفي توليده من كلمات ... قال ابن شيخان السّالمي في مدح السّلطان فيصل بن تركي:
بَرَزَتْ بشمس فوق غصن مائر ... وبجيد ظبي تحت طرف فاتر
وبروض ورد بين سيف باتر ... وبظلم خصر من كثيب جائر
فتقمّصت بقميص حسن باهر ... وتعطّرت بنسيم مسك عاطر
وغدت ترى ما فوق رأس النّاظر ... شيبا فولّّت عن ضياء النّاظر
بالله يا لبّ السّقيم الحائر ... ما كان إلاّ كالسّليم السّاهر
رفقا بصبّ منك شاك شاكر ... وبمستهام منك قاص قاصر
فبهيم فرعك في المحيّا النّائر ... خداع صبّ فيه سار سائر
قسما بخالقك القويّ القادر ... ما أنت إلاّ بهجة للنّاظر (95)
تبدو في اللّوحة رغبة الشّاعر الملحّة على توليد معانٍ من حرف الرّاء، واشتقاق كلمات اعتمادا على هذا الحرف، كما يبرز شغفه بالإيقاع الرّتيب، فأكثر من إيراد كلمات تشتمل عليه. يدلّ على ذلك عمده إلى إنهاء شطري كلّ بيت بهذا الحرف. (1/39)
صفحة 40
إذا بحثنا عن أثر هذا الإيقاع في المعاني التي أراد الشّاعر تبليغها، فلا نجده. فحرف الرّاء الذي يتميّز بالجهر والتوسّط بين الشدّة والرّخاوة ويقترن بالذّلاقة، هذه الأوصاف تسهم في إظهار الشدّة والطلاقة في التّخفيف من هذه الشّدّة عن طريق التّعبير عنها بذلاقة، أي تيسير إرسال الصّوت. فنحن لا نحسّ بأنّ الشّاعر يشعر بعسر أو ضيق يلجئانِه إلى اعتماد صوت (الرّاء) بهذه الكثافة، إنّما نشعر أنّه كان يرغب في إيجاد إيقاع، قد يساعده على إحداث موسيقى داخليّة في القصيدة. فالشّاعر في مقام مدح، وفي حالة انبساط وارتخاء. يبحث عن الأصوات التي تبعث على التّطريب، كحروف الصّفير التي نجد لها حضورا في هذه الأبيات، مثل السّين والصّاد والزّاي.
الملاحظة نفسها تنطبق على أبيات لأبي سرور، وهو يتحدّث عن استمرار النّبوغ والتّفوّق، ليسجّل أنّ عمان ما تزال بخير، لأنّها أرض ولود، فالعقم مقبور في أرضها؛ لأنّ المجد له من صلبه عقب:
مزارع النّخل لو أبصرتها انقرضت ... لكن نواها سيكسو أرضها الثّمرا
ما مات مجد له من صلبه عقب ... لكنّما العقم لا داناك قد خسرا
يا دار فخري إنّ الخير ما كُفِرت ... فينا أياديه لو تحت الثّرى قبرا (96)
نحسّ بالإيقاع المتولّد من تكرار حرف (الرّاء)، لكنّنا لا نقرأ ولا نقرُّ له أثرا في المعنى، ولا نفهم المغزى من إيراد كلمات اشتملت على هذا الصّوت. من هنا يبدو التّكلّفُ واضحًا في الكلمات التي ساقها، فهي لا تقدّم أيّ شيء لبناء صورة شعريّة.
قال أبو سرور أيضا:
للمجد هيّا بنا، بالصّارم الذّكر ... بالمدفعيّة، بالصّاروخ بالبتر
بالجدّ، بالموت، بالإيمان نطلبها ... أعني المعاني، لا بالنّوم في السّحر (97)
يعلّق الأستاذ سعيد بن سليمان العيسائي على هذه الأبيات قائلا: " فقد كرّر حرف (الباء) عشر مرّات، وحرف (الرّاء) رويّا خمس مرّات؛ ليضفي على القصيدة حالة إيقاعيّة، انسابت في عفويّة تلقائيّة، ليؤكّد على الحالة الشّعوريّة التي جسّدها (الباء) الذي تلازمه في صورته المعنويّة؛ باعتباره دالاّ على الاستعانة، حين استقرّ في ذهن الشّاعر واختزن في ذاكرته أنّ المعالي والمجد لا يتحقّقان إلاّ بملازمة ما ذكر، إذ جاء تكرار (الرّاء) حرف رويّ في القصيدة خمس مرّات ليمنحها نبرة إيقاعيّة معنويّة." (98)
يبقى هذا التّعليق وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة. بالفعل نحسّ بالإيقاع متولّدا من تكرار الحرفين (الباء والرّاء) وبالعفويّة والانسيابيّة والتّلقائيّة في إيرادها. لكنّنا لا نظفر من خلال ذلك بمعنى يعبّر عن الحالة الشّعورية التي مرّ بها الشّاعر, ولا نحسّ لهذا التّكرار دورا في العمليّة الإبداعيّة. (1/40)
صفحة 41
الشّاعر نفسه كتب مطوّلة عنواها: " هذي عمان " لاحظنا عَمْدَهُ فيها إلى تكرير الحروف في كثير من أبيات القصيدة؛ قصدا إلى إحداث إيقاع رتيب فيها، يعين على استثارة المتلقّي، بجذبه لكي ينتبه إليه ويعي ما يقول، وأحيانا يطلق العنان لتداعي المعاني فتسوق الكلمات بعضها بعضا، مرصوفة بأصوات متكرّرة، كقوله وهو يصف الخروصيّين الذين لهم دور كبير في الحكم في عمان:
هم أسّسوا ووفوا، هم ألّفوا وصفوا ... هم أنصفوا النّاس، بالميثاق مُوَفِّينا (99)
نلاحظ تكرار حرف (الفاء) قي البيت بشكل لافت للنّظر، وفي بقيّة الأبيات، من دون أن يبدو التّكلّف في هذا التّكرار، بل جاءت المعاني المولّدة منه بديعة معبّرة عن الأحوال التي كان عليها هؤلاء الحكّام، كما تروي كتب التّاريخ. زيادة على الإيقاع الجميل الذي أحدثه هذا التّكرار.
دأب الشّاعر العماني الكلاسيكي على توليد المعاني من الحروف المكرّرة في الكلمات المتجاورة، التي تستدعيها ظاهرة التّداعي والرّغبة في التّلاعب بالكلمات، والشّغف بإحداث الإيقاع, الذي يستجيب لطبيعة القصيدة التي تلقى وتسمع، على خلاف القصيدة التي تقرأ وتنشر. نمثّل لذلك بنماذج للشّاعر أبي مسلم البهلاني، نترك للقارئ التّعليق عليها:
زمان زهت فيه أزاهير زهرة الشْ ... شَباب وحبّي لا يعزّ بزورة
سلام على دهر مضى بسلافة السْـ ... ـسرور، وسهلا بعد ذاك بشدّة
طبيبي ومطلوبي وطبّي وطيبتي ... ومعتمدي في الأمر ساكن طيبتي (100)
هم وسعوا الكون حلوما وهدى ... وصائلا ونائلا ومحتدى
هم أمجدوا وأنجدوا وأوجدوا ... وأفقدوا وطوّلوا الباع الوزى
هم جرّدوا وشرّدوا وطرّدوا ... وأوعدوا وأوردوا بحر الجدى (101)
قد ينشئ الشّاعر الإيقاع من تكرير كلمات على صيغة واحدة، استجابة لرغبة النّفس في التّنغيم والتّطريب، قال أبو مسلم البهلاني:
مجرِّس مضرّس ممارس ... يَمترس الخطب إذا الخطب شحا
وقال:
إلى متى نهطع في طاعتهم ... ونتّقي، وليتها تجدي التّقى
إلى متى نهرع في أذنابهم ... لا ملتجى، لا منتهى، لا منتحى (102) (1/41)
صفحة 42
زيادة على الإيقاع المتولّد من الكلمات المتماثلة في الصّيغة: (مجرّس، مضرّس، ممارس)، (ملتجى، منتهى، منتحى) كذلك فإنّ الإتيان بجملتين متساوتين متوازيتين في التّركيب، وتكرير بعض الحروف، أسهم في إحداث الإيقاع: (إلى متى نهطع في طاعتهم، إلى متى نهرع في أذنابهم).
وعلى صيغة (متفعّل) كتب ابن شيخان أبياتا يمدح بها السّلطان فيصل بن تركي، مترنّما بهذه الصّيغة، مكرّرا لها؛ لتحدث له إيقاعا تطربه أوّلا، ثمّ تربط المتلقّي به؛ فيتجاوب مع مشاعره:
متفرّد بالحلم، لـ ... ـكنْ حلمُه معه اقتدار
متوحّد بالرّأي، لا ... يفضي إلى نظر المشارْ
متقسّم معروفه ... متبسّم وقت الكرارْ
متقدّم في موضع ... منه الشّجاع رأى الفرارْ
متواضع للنّاس يحـ ... ـنُو للصّغار وللكبارْ
متفرّس فيه، فلم ... تحجبه غامضة اختبارْ (103)
أمّا عبد الله بن عليّ الخليلي فيحدث في أبياته إيقاعا، بتكرير كلمات جاءت على صيغة واحدة. غيرَ أنّ هذا أضرّ بالعمليّة الإبداعيّة، وأساء إلى الجانب المعنوي، إذ أبقى هذا التّناولُ الشّاعرَ في الوصف الخارجي، من دون الولوج إلى الدّاخل؛ ليقدّم لنا حقيقة الشّخصَ المتحدّث عنه، ومن دون النّفاذ بنا إلى عالمه النّفسي، لنطّّلع على مشاعره، بمعنى: إنّ الإيقاع بقي في حدود الاستجابة الشّكليّة، وهي الرّغبة في إيجاد موسيقى داخليّة، تطرب، من دون أن تؤثّر في المعنى. قال وهو يتحدّث عن الأماكن المقدّسة في الحجاز، وما لها من مكانة غالية في نفوس المؤمنين، وما تحمله من معان ساميّة:
وثمّ مقامات يلوح بها الخفا ... لها خلف أستار الغطا مُشرِق ساني
خلائق رحمن، حقائق رحمة ... رقائق آيات، دقائق تبيان
عوالم توحيد، معالم وَحدة ... طلائع قرّاء، مطالع قرآن
لفائف أحكام, لطائف حكمة ... مجامع إيقان، جوامع إيمان
شواهد إنعام، مشاهد نعمة ... ظواهر ألواح، مظاهر ألوان
محاضر تنزيه، حظائر نزهة ... فضائل غفاّر، فواضل غفران
مدارج إيصال، معارج وصلة ... فوائد منّان، عوائد حنّان (104)
ما يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث إيقاع مطرب ومرقص، اعتناؤه بتوليد المعاني من الكلمات المعتمدة في صنع نسيج تعبيره، ففي كلّ كلمة يأتي بها في كلّ شطر، إلاّ ويحاول أن يولّد منها معنى، (1/42)
صفحة 43
بالتّغيير في ترتيب حروفها، وهو ما يسهم في إيجاد الإيقاع. زيادة على إنهاء الشّطر الأول بكلمات على صيغة واحدة (فعلة) (رحمة، وحدة, حكمة، نعمة، نزهة، وصلة)، وقد تكرّرت بعض الحروف في هذه الكلمات عدّة مرّات: (الحاء) ثلاث مرّات. (الميم) ثلاث مرّات. (الواو) مرّتين.
كلّ ذلك أسهم في إحداث إيقاع عال جميل، أظهر مهارة الشّاعر في التّصرّف في فنون القول, لكنّ هذا يبقى في مستوى الشّكل، من دون أن يتعدّى إلى الجانب المعنوي؛ لأنّ الرّغبة في توفير الموسيقى الدّاخليّة كانت مسيطرة على اهتمام الشّاعر، فكان ذلك على حساب المضمون.
أمّا تكرير المقاطع فظاهرة عامّة في الشّعر العماني الكلاسيكي, لا تخطئها عين القارئ؛ إذ لا يخلو منها أيّ ديوان من الدّواوين. وهي ظاهرة تتلاءم مع القصيدة المسموعة، وتستجيب لطبيعة الشّعر عند هؤلاء الشّعراء، الذين يهدفون أوّلا إلى أداء رسالة. هذه الأمانة تقتضي أحيانا التّأكيد والتّفصيل والتّوضيح ... والتّكرارُ يساعد على أداء هذه المهمّة. لهذه الكثرة لم نأت بأمثلة لهذا الجانب. يؤكّد ذلك شبّر بن شرف الموسوي: " وتغلب على قصائد هذا الاتّجاه طبيعة الإنشاد الخطابي، فتسيطر على قصائدهم النّبرة الحادّة من ناحيّة الموسيقى. وهي ظاهرة عامّة في الشّعر الكلاسيكي قديما وحديثا. " (105)
من المجالات التي استغلّها الشّعراء في إحداث الإيقاع مجال القافيّة، فدورها في بعث جوّ من الموسيقى كبير، ومهمّ في البناء الشّعري؛ نتيجة هذا الإيقاع المنتظم الرّتيب، الذي يتكرّر في فترات زمنيّة مناسبة، فيحدث فواصل موسيقيّة، تطرب السّامع، وينتشي بها، وهو نفسه يتوقّع تردّدها وتكرّرها، فيستعدّ لتلقّيها. كما أنّ للقافيّة ارتباطا بالمضمون الوارد في البيت الشّعري، يتمّم معناه. فالقافية تعدّ جزءا من البيت, لا ينفصل عنه.
القافيّة التي تؤدّي هذا الدّور يجب أن تنسجم مع التّجربة الشّعريّة والحالة النّفسيّة للفنّان، بحيث تكون له القدرة على التّصرّف فيها والتّكيّف مع الأشكال المختلفة والألوان المتباينة من الأساليب.
نحاول تقديم أمثلة لتعامل الشّعراء مع القافيّة موسيقيّا، بحسب المعطيات السّابقة.
أبو مسلم الرّواحي من الشّعراء الذين يحسنون التّصرّف مع القوافي, ويجيدون اختيار ما يتناسب مع موضوع القصيدة. فالنّونيّة التي كتبها بعد انتخاب الشّيخ سالم بن راشد إماما على عمان (ت 1337هـ/ 1919م) أثارت فيه شجونا وخواطر، غلب عليها طابع الحسرة والأسى على حاله، وعلى حال عمان؛ بسبب التّخلّف والتّخاذل والتّقاعس ... وقد رأى في شخص الإمام فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووجد في المناسبة مجالا لتذكير النّاس بواجباتهم نحو وطنهم ودينهم. فأرسلها زفرات حرّى (1/43)
صفحة 44
وآهات تترى، فاختار لقافية القصيدة حرفي الألف والنّون. وهما حرفان يستجيبان لمشاعر الشّاعر، ويرتبطان أشدّ الارتباط بمضمون القصيدة، زيادة على الإيقاع الرّتيب والمنسجم مع عواطف الشّاعر.
فحرف النوّن حرف جهري ذلقي, يتميّز بالغنّة، التي تحدث صوتا خاصّا، بتسرّب الهواء من الأنف ومن اللّثّة العليا، يجاور النّونَ ألفٌ ممتدّة، تمدّده النّفس وترسله إلى الخارج، لتساعد الشّاعر على إخراج ما يحسّ به من كمد إلى خارج نفسه، فيتنفّس قليلا ممّا يضيق به صدره. هذا بالنّسبة له، وبصفته شخصا له مشاعره يريد إطلاع المتلقّي عليها. أمّا بالنّسبة للقارئ والمستمع، فهما يترنّمان بهذا الإيقاع، ويتجاوبان مع الشّاعر؛ بفضل هذه الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات المتناغمة. يقول الدّكتور سمير هيكل: " ... حيث وفّق في اختياره (أي أبو مسلم) لحرف الرّويّ ليكون الحرفَ الأخير، وليكون له موسيقى، فيها ذبذبات صوتيّة متناسبة مع نغمات الحرف الطّويل، ومن هنا كان أفضل هذه الحروف لموضوع القصيدة هو حرف النّون الذي يتردّد بأنفاس الأنف والحلق ... ويبدو أنّ الشّاعر قد تنبّه إلى ما في الألف والنّون من تأثير موسيقي فوظّفهما التّوظيف المثالي في نونيّته." (106)
بداية القصيدة كالآتي:
تلكَ البوارقُ حاديهنّ مرنانُ ... فما لطرفكَ يا ذا الشَّجْوِ وَسْنانُ
شقّت صوارمُها الأرجاءَ واهتزعتْ ... تُزجِي خًميسًا، له في الجوّ ميدانُ
تبجّست بِهزيم الوَدقِ مُنْبَعِقًا ... حتّى تساوَتْ بِهِ أَكمٌ وقيعانُ (107)
على القافية المنتهية بياء موصولة بهاء السّكت، نظم الشّاعر ابن شيخان السّالمي قصيدة في مدح السّلطان فيصل بن تركي، جمع فيها بين الحسرة والفرحة. الأسى على البعد عن الممدوح، واستبطاء الوصول إليه، والابتهاج بالقرب منه والإعجاب بمحاسنه وأفضاله ... الياء حرف لساني، صفته الجهر، والهاء حرف حلقي، صفته الهمس والخفوت. نسجّل في الانتهاء السّلاسة والسّهولة في النّطق، اللّذين وفّرهما تباعد المخرجين وتقابل الصّفتين؛ بحيث ينقطع النّفس مع (الياء) المجهورة لشدّة الحسرة التي أصابت القلب – ولو كانت متكلّفة، وكانت توطئة لتسجيل مشاعر المحبّة والغرام بالممدوح – ثمّ ينطلق مع (الهاء) المهموسة؛ حتّى لا يبقى في القلب كمد.
بهذا تكون النّهاية معبّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها، فتتكوّن رنّة، تنجذب إليها النّفس لتعي حقيقة ما يشعر به الشّاعر, سواء صدّقه المتلقّي فيما ذهب إليه أم لم يفعل ذلك، المهمّ إنّ الشّاعر قصد أن يحدث في نظمه إيقاعا، يوفّر له الموسيقى، التي تجمّل شعره.
أملَى النّسيمُ على القُلوبِ الصّاديهْ ... خبَرَ الحِمَى سَحَرًا، فَأضحَتْ راوِيَهْ (1/44)
صفحة 45
وتَمايَلَتْ طَرَبًا غُصونُ البَانِ إذْ ... فَهمتْ معانيهِ، وكانتْ خافيَهْ
وتَلطّفَتْ أحشاؤُنا بِسُؤالِها ... إيّاهُ عنْ ظَبياتِهِ المتجافيَهْ (108).
لاحظنا تأثّر الشّعراء بالفاصلة القرآنيّة في قوافيهم، فقد حاولوا استلهام القرآن في هذا المجال، وحرصوا على توفير الإيقاع في شعرهم بواسطة القافيّة، وربطه بمضمون القصائد. الشّواهد على هذا أكثر من أن تحصى.
الأمثلة على هذا الأسلوب في الكتابة كثيرة جدّا (أعني الإيقاع) لا يمكن التّطرّق إليها في هذه الدّراسة المحدودة. حسبنا تسجيل بروز هذه الظّاهرة في الشّعر المحافظ بشكل جيّد في نماذجه، تنويعا في مصادر الإيقاع، وتلوينا في مظاهره، واعتماده ركنا أساسا في الصّياغة والبناء. وربطا محكما بين المعاني والوسائل المنتقاة لإيجاد هذه الموسيقى. هذا يدلّ على الوعي الكبير لعمليّة البناء الفنّي، وعلى تسجيل نجاح معتبر في مجال الإبداع، وعلى التّحكّم في قواعد الكتابة، وعلى فهم الرّسالة التي هم موكلون بها – معنى وفنّا -، وهم يكتبون. وقد قرأنا نماذج جيّدة في هذا المجال. وسجّلنا ضعفا في بعضها؛ بسبب التّكلّف الذي ظهر عليها، أو العجز عن بناء عمل فنّي من الموسيقى، التي هي جزء مهمّ في الكتابة الشّعريّة. (1/45)
صفحة 46
الخلاصة
إنّ الشّعر العماني المحافظ أسهم إسهاما مهمّا في دفع عجلة الإبداع خطوات إلى الأمام، أو- على الأقلّ - كان مرحلة مهّدت الطّريق للتّجديد، وذلك بتغيير – ولو كان بسيطا – في أسلوب الكتابة، وتنميّة المعجم الشّعري، الذي ساعد على تطوير الصّورة الشّعريّة، وتطويع الإيقاع لتلبيّة رغبة الشّعراء في إبراز مشاعرهم، والإفصاح عن خواطرهم.
إن السّمة الغالبة على التّصوير كانت التّنفّس في أجواء الأدب العربي القديم، واعتماد الصّورة النّمطيّة، وانتهاج طريقة القدماء في بناء الصّورة، مع تحويرات بسيطة، تتماشى مع حالاتهم النّفسيّة، وتتأقلم مع الواقع المعيش.
كان الاهتمام بتوفير الموسيقى في أشعار الشّعراء بارزا، إلى حدّ التّكلّف أحيانا. لذا حرصوا على التفنّن في توفيرها فيما يكتبون، بتعديد مصادرها، والتّنويع في مظاهرها، وكان للإيقاع حظّ كبير في هذا المجال. وقد حالفهم الحظّ أحيانا، وخالفهم التّوفيق مرّات.
إنّ الشّعر العماني في حاجة إلى مزيد من الدّراسات المتأنّية، التي تتوخّى الموضوعية في التّناول، والنّظرات النّاقدة الفاحصة في التّحليل والتّقويم، بعيدًا عن الأفكار المسبقة، والتّوجّهات المذهبية الأدبية الضّيّقة، التي تنظر إلى الآثار الفنّية انطلاقًا من زوايا خاصّة، فتقصي بعضها، أو تصدر على أخرى أحكامًا متسرّعة، فتجني عليها، وتفسح المجال لأخرى، وتعطيها الفرصة تلو الأخرى كي تتصدّر وتتميّز، ولو كانت غير مؤهّلة لذلك.
إنّ الشّعر العماني حلقات متّصلة، تمثّل مختلف الحقب التي مرّت بها عمان، وهذه الحلقات خضعت لظروف متباينة، وبذلك صبغت الشّعر الذي قيل فيها بصبغتها، وأثّرت عليه بالعوامل التي أفرزتها، فمن حقّ هذا الشّعر أن يُبْرَزَ ويقدّم بمراعاة تلك الظّروف، فلا نحكم عليه أو له من دون عرض تلك المعطيات والعوامل التي اكتنفه. كما أنّ من حق الأجيال المتعاقبة أن تعرف هذا الشّعر، وتطّلع على تراثها وأدبها، اللّذين هما جزء من ثقافتها وكيانها وشخصيتها، فهو إحدى القواعد التي تعرف بها أصولها، وتستمدّ منها وجودها واستمراريتها في الحياة، والإسهام في تطوير بلدها وخدمة أمتها. (1/46)
صفحة 47
الهوامش
1 – الدّكتور محمد حسن عبد الله، الصّورة والبناء الشّعري, دار المعارف, القاهرة, ص: 12.
2 – الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الشّعر العربيّ المعاصر, قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة, ط3, دار العودة, بيروت، سنة 1981م، ص: 136.
3 – الدّكتور عليّ عليّ صبح، البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر, ط2، المكتبة الأزهريّة للتّراث، سنة 1416هـ/ 1996م، ص: 33. عن الغاية من الصّورة الأدبيّة في الشّعر ينظر المرجع نفسه ص: 33 – 35.
4 – المرجع السّابق، ص: 289.
5 – محمد ناصر بوحجام, أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث, ج1، ط1،المطبعة العربيّة، غرداية (الجزائر)، سنة 1992م، ص: 203. ينظر أيضا الصّورة والبناء الشّعري, ص: 33.
6 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 11، 12.
7 – المرجع السّابق، ص: 24.
8– يعبّر عنها جماعة الدّيوان بالملكة الخلاّقة أو شاعريّة الشّاعر، التي تستمدّ قدرتها من سعة الشّعور حينا, ومن دقّته حينا آخر. ينظر الدّكتور محمد مصايف، جماعة الدّيوان في النّقد، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، سنة: 1974م، ص: 248.
9 - ينظر أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 201. ينظر أيضا الدّكتور عيسى بن محمد السّليماني, الصّورة الشّعرية قي بناء القصيدة العمانيّة الحديثة (1900 – 1980م)، (رسالة دكتوراه) مخطوطة، جامعة محمد الخامس، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، شعبة اللّغة العربيّة وآدابها، الرّباط (المغرب)، الموسم الجامعي: 1422هـ/ 2002م, ص: 21.
10 - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث, ج1, ص: 202.
11 – ديوان أبي مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الرّواحي العماني، عني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي، حقّقه ودقّقه عبد الرّحمن الخزندار, مطابع دار المختار، سنة 1406هـ/ 1986م, ص: 299. كلمة (شجّت) في البيت الثّاني، وردت (شقّت) في ديوان أبي مسلم البهلاني، الذي حقّقه راشد ين عليّ الدُّغيشي، والذي نشرته شركة دار الفتح (د. ت).
12 – المصدر السّابق، ص: 300. (1/47)
صفحة 48
13 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 406.
14 - يرد البرق كثيرا رمزا في الشّعر العماني الحديث، والدّلالات والمعاني التي أعطاها الشّعراء له متشابهة، ممّا يبعث على دراسة هذه الظّاهرة، لتفسيرها، والحكم لها أو عليها؛ تقليدا وإبداعا ...
15 – الدّكتور سمير هيكل, " بين أبي مسلم البهلاني الرّواحي وأبي البقاء الرّندي, جوانب فنّيّة مقارنة "، قراءات في فكر البهلاني الرّواحي, ط1، وزارة التّراث القومي والثّقافة, إصدار المنتدى الأدبي، سنة 1418هـ/1998م، ص: 68.
16 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 473، 474.
17– ديوان ابن شيخان، محمد بن شيخان السّالمي، ط2، حمعه محمد بن عبد الله السّالمي، راجعه الدّكتور عبد السّتّار أبو غدّة, النّاشر المجموعة الصّحفية للدّراسات والنّشر, جمهورية مصر العربيّة, سنة 1416هـ/1995م، ص: 40.
18 – أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 202. ينظر أيضا جابر عصفور، الصّورة الفنّيّة في التّراث النّقدي والبلاغي عند العرب, ط2، دار التّنوير للطّباعة والنّشر, بيروت, سنة 1983م، ص: 343.
19 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 37, 38.
20 _ ينظر المصدر السّابق، ص: 86 - 88. وص: 114 - 118 والقصيدة التي وجّهها الشّاعر إلى السّلطان تيمور بن فيصل بن تركي أيضا. للشّاعر أبي سرور حميد بن عبد الله بن حميد الجامعي قصائد ضمّنها صورا متتابعة، على غرار بقيّة الشّعراء الذين أتبنا على ذكر أبيات من أشعارهم. ينظر على سبيل المثال قصيدته (تجلّى السّرور) وقصيدته (عمان المفاخر)،ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، النّاشر مكتبة الفردوس, (د. ت)، ص: 88 - 91، 254 - 257.
21 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 112، 113. تتأمّل الأبيات وما فيها من صور ص: 79 من الدّيوان. جاء وصفه في لوحة بديعة، اعتمد تفصيلا أملته حاجة في نفس الشّاعر, وقادته غاية كان يصبو إليها، فوجّه طريقة تصويره، ونسيج تراكيبه هذه الوجهة، التي تتوخّى التّفصيل والتّدقيق. في هذا ما قد يرضي المتلقّي، وقد يزعج النّاقد. ولكلّ فيما يعشق مذهب.
22 – الدّكتور أحمد درويش، تطوّر الأدب في عمان: المصادر المناهج المراحل النّماذج، دار غريب للطّباعة والنّشر والتّوزيع، القاهرة، سنة 1998م، ص:255.
23– المرجع السّابق، ص: 261. (1/48)
صفحة 49
24 – المرجع السّابق، 262.
25 – المرجع السّابق، ص: 255، 256.
26 – سورة الكهف، الآيات: 65 – 69.
27 – سورة الكهف، الآيات: 60 – 62.
28 - تطوّر الأدب في عمان، ص: 256.
29 – سورة الشّعراء، الآية: 63.
30 – تطوّر الأدب في عمان، ص: 263.
31 – الصّورة الشّعرية في بناء القصيدة العمانيّة الحديثة، ص: 19. ينظر أيضا المختارات الشّعرية، ص: 196.
32 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 21. من القصائد التي تجمّعت فيها عناصر الكتابة الفنّية العالية المحكمة قصيدة " وادي الخيال " للشّاعر عبد الله الخليلي، التي تعدّ 130 بيتٍ. فيها صور شعريّة جيّدة، منها صور مستلهمة من القرآن الكريم والتّراث والتّاريخ، وإيقاعات موسيقيّة موحية، فيها رموز، فيها وصف دقيق مفصّل، فيها لغة سلسة جزلة سهلة، فيها التّكرار التي يثبت الفكرة ويركّزها في الذّهن، ويقرّر الحقائق ... ينظر ديوان وحي العبقرية، ص: 121 – 129.
33 – ينظر محمد بن ناصر المحروقي، الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا (1868 – 1920م)،ط1، المركز الثٌقافي العربي، الدّار البيضاء, المغرب, سنة1999 – 2000م, ص:238, 239. ومحمد الهادي الطّرابلسي, خصائص الأسلوب في الشّوقيات، منشورات الجامعة التّونسيّة، سنة 1981م، ص: 142.
34 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 133.
35 – عبد الله بن عليّ الخليلي، ديوان وحي العبقريّة، ظ2، مطابع جريدة عمان للصّحافة والنّشر، مسقط، سلطنة عمان, سنة 1410هـ/ 1990م، ص: 178.
36 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 53.
37 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 300.
38 – المصدر السّابق، ص: 307.
39 – المصدر السّابق، ص: 418.
40 – الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا, ص: 240. (1/49)
صفحة 50
41 – ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشّعر ونقده، ج1, تعليق محمد محي الدّين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، سنة 1981م، ص: 65.
42 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 31. القصيدة التي منها هذه الأبيات مليئة بالتّشبيه, ينظر ص: 29 – 32، ص: 112. من القصائد التي ورد فيها التّشبيه بكثرة أساسا في بناء الصّور الشّعريّة قصيدة للشّيخ عبد الله الخليلي، ينظر ديوانه " وحي العبقريّة " ص: 66, 67،195،196،232،233،261،262 ...
43 – سورة سبأ، الآيتان: 16، 17.
44 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 448.
45 – المصدر السّابق، ص: 449.
46 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 43.
47 – تطوّر الأدب في عمان، ص: 214.
48 - ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 307.
49 – تطوّر الأدب في عمان، ص: 217.
50 – المصدر السّابق، ص: 401.
51 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 84, 85.
52 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 300.
53– الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل, التّفسير النّفسي للأدب, ط4, دار العودة، بيروت, سنة 1981م, ص:70. هذا رأي عبد القاهر الجرجاني أيضًا. ذكر ذلك في معرض حديثه عن تأثير تصوير الشّبه بين المختلفين في الجنس. ينظر أسرار البلاغة، تحقيق هـ. ريتر. ط2, دار المسيرة، بيروت، ص: 116. عن التّصوير المبني على الثّنائية والتّقابل؛ قصد تقرير حقائق، وتسجيل مشاعر بدقّة ينظر عبد الله ابن عليّ الخليلي، وحي العبقرية ص: 173، 174.
54 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 183.
55 – فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار سنة 1418هـ/1998م, وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان, ص: 59.
56 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 187.
57 – المنتدى الأدبي، إصدار 1418هـ/1998م، ص: 58، 59. (1/50)
صفحة 51
58 - وحي العبقريّة، ص: 73، 74. وفي قصيدته " وادي الخيال " التي تتجاوز المائة بيت، صور كثيرة مقتبسة من القرآن الكريم، على مستوى المعجم والتّراكيب والصّورة والموسيقى ... ممّا يدلّ على امتلاك الشّاعر ثقافة قرآنيّة واسعة، انعكست على شخصيّته: حفظا وتمثّلا واستلهاما في الكتابة الفنّيّّة البارعة الواعية. ينظر المصدر السّابق، ص: 121 – 129. ينظر أيضا الشّاعر أبي سلام الكندي، قصيدته: " وله في وصف الحمراء " ديوانه (نشر الخزام) ص: 13 وما بعدها. فيها تأثّر بالقرآن كبير.
59 – أبو الخير عبد الله بن عمر الشّيرازي البيضاوي، أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل المسمّى تفسير البيضاوي، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، د. ت)، ص: 388.
60 – وحي العبقريّة، ص: 129،130. النُّعامى: بضمّ النّون ريح الجنوب، وهي أندى الرّياح. تكُني: أصله تكونني، أي تكون هي أنا، فجزمته إن.
61 – ينظر سورة الكهف، الآيات: 9 – 19.
62 – وحي العبقريّة، ص: 323. استلهم الشّاعر نفسه الصّورة ذاتها في موقف آخر، ينظر تطوّر الأدب في عمان، ص: 255.
63 – سعيد بن سليمان العيسائي، تطوّر الأبعاد العربيّة الإسلاميّة في الشّعر العماني الحديث, ص: 115. الصّورة نفسها استلهمها الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي في الحثّ على التّضامن والتّكاثف والتّماسك، ينظر ديوانه وحي العبقريّة، ص: 256. كما استوحى أبو سرور ما ورد في الآيات الآتية من السّورة نفسها: (60 – 62) فقال عن الشّيخ محمد بن راشد الخصيبي، في حفل تكريم المنتدى الأدبي له:
ومن أتينا إلى عليائه، عُرفَتْ ... بالشّعر والنّثر أيديه بكلّ ذرى
لذا جمعنا له البحرين في صدف ... لِيُؤْتِيَا مجمع البحرين خيرَ قرى
ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 262.
64 – المصدر السّابق، ص: 201.
65 – أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2, ص: 270.
66 – وحي العبقريّة، ص: 56.
67 – سورة القصص، الآيتان:29، 30.
68 – وحي العبقريّة، ص: 58.استلهم الشّاعر أيضا الآية: 143 من سورة الأعراف.
69 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 159. (1/51)
صفحة 52
70 – وحي العبقريّة، ص: 258.
71 – ينظر سورة طه، الآيات: 95، 97.
72 – مفدي زكريّاء، من وحي الأطلس، مطبعة الأنباء، الرّباط، سنة 1976م، ص: 198.
73 - ديوان أبي مسلم البهلاني، ص: 745. ضمّن الشّاعر الآية: 17 من سورة التّكوير.
74 – سورة الكهف، الآية: 109.
75 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 146. تكرّرت الصّورة في صفحة: 92.
76 – وحي العبقريّة، ص: 122، 123. الآيات المستوحاة في هذه الصّورة هي: الآية 19 من سورة القلم. الآية 18 من سورة طه. الآية 10 من سورة الصّافات. الآية 16 من سورة الحديد.
77 – وحي العبقريّة، ص: 255. الآيات المستلهمة في بناء الصّورة هي: الآية 46 من سورة الحاقّة. الآية 3 من سورة الفيل. الآيات 94 – 97 من سورة الكهف.
78 – ينظر مثلا ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص:340، 343،366،349،376،377،378،368،390،389،404،408،418،424،430،450،462
،450،462،465،480 ... ديوان ابن شيخان السّالمين ص: 43،113،114 ... ديوان نشر الخزام، ص: 25 ... ديوان وحي العبقريّة، ص: 73،128،176،261،262 ... ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 89،91 ...
(*) وحي العبقريّة، ص: 57، 68. الحطيم: حجر الكعبة. الحُطَم بضمّ الحاء وفتح الطّاء: الرّاعي الظّلوم. الحطام: الهشيم، ومن الدّنيا فانيها.
79 - شبّر بن شرف الموسوي، اتّجاهات الشّعر العماني المعاصر، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 2000م، ص: 57.
80 – مصطفى عبد اللّطيف السّحرتي، الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديثـ ط2، مطبوعات تهامة، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة، سنة 1404هـ/1984م، ص: 113. ينظر أيضا ص: 107.
81 – أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 344.
82 – الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديث، ص: 107.
83 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 258.
84 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 302.
85 – المصدر السّابق، ص: 400، 401. (1/52)
صفحة 53
86 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر، ص: 244.
87 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 34، 35.
88 – المصدر السّابق، ص: 47.
89 – المصدر السّابق، ص: 73.
90 – المصدر السّابق، ص 119. الصّورة نفسها تتكرّر عنده في البيت الآتي:
كالغيث يوم النّدى، كاللّيث يوم الوغى ... كالدّهر محتفلا، كالبدر منتزحا
المصدر السّابق، ص: 108.
91 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 303، 311.
92 - ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 88.
93 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 25.
94 – المصدر السّابق، ص: 41.
95 – المصدر السّابق، ص: 61. للشّاعر نفسه قصيدة، تعدّ تسعة عشر بيتا، أنهى شطري كلّ بيت فيها بحرف (الدّال) تفنّنا في الكتابة، ورغبة في إيجاد موسيقى داخليّة من السّجع داخل القصيدة.
96 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 266. يُنظر مثال آخر المصدر نفسه، ص: 263.
97 – تطوّر الأبعاد العربيّة الإسلاميّة في الشّعر العماني الحديث، ص: 122. ينظر أبو سرور
وديوانه باقات الأدب, ص: 137.
98 –، ص: 122.
99 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 78.
100 – ديوان أبي مسلم الرّواحي, ص: 287.
101 – المصدر السّابق، ص: 348.
102 – المصدر السّابق، ص: 344، 345.
103 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 64.
104 – وحي العبقريّة، ص: 125.
105 – اتّجاهات الشّعر العماني المعاصر، ص: 107.
106– قراءات في فكر البهلاني الرّواحي، المنتدى الأدبي، إصدار 1418هـ/1998م، ص: 79. تراجع القصيدة ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299 – 315. (1/53)
صفحة 54
107 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299.
108 - ينظر ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 95 – 97.
المحتويات
مقدّمة ... ص:
الصّورة الشّعرية
ملاحظات عامّة
الموسيقى
الخلاصة
الهوامش
المحتويات (1/54)