صفحة 1
الكتاب: اللّغة العربيّة ودورها في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) اللّغة العربيّة ودورها في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مقدّمة (1/1)
صفحة 2
نحن في حاجة إلى غرس قيم الفهم والوعي والإدراك في النّفوس؛ لفقه حقيقة المفهومات فقهًاجيّدًا، ومعرفة ماهيّاتها، بذا يمكن لنا حذق كيفيّة التّعامل مع الأشياء، وتوظيف هذه المفهومات توظيفًا صحيحًا (سليمًا)، ثمّ استثمارها بما يحقّق الجدوى منها ..
هذا الفهم العميق، وهذا الإدراك الجيّد يساعدان على معرفة الوسائل والطّرق والأسباب التي تعين على الفهم الصّحيح للموضوعات، والوعي الجيّد للمفهومات .. وبهما نستعين على اكتساب المهارات المناسبة للإفادة منها ..
من الموضوعات التي تتطلّب هذا الفهم والإدراك الصّحيح العلاقةُ بين اللّغة العربيّة والتّذوّق الأدبي، وقبلها معرفة طبيعةة كلٍّ منهما. ممّا لاحظناه أنّ حقيقة اللّغة العربيّة، ومفهوم التّذوّق الأدبي غير واضحين في أذهان كثير ممّن بنظرون إلى اللّغة العربيّة نظرة غير سليمة، ولا يفقهون مفهوم التّذوّق الأدبي، فضلا عن إدراك العلاقة بينهما، وتلازمهما في كشف دورهما فيما بينهما في أداء وظيفتيهما ..
تناولنا هذا الموضوع في هذه الدّراسة، وحاولنا (واجتهدنا) فيمعالجته، حسب المحاور التي ضمنّاها فيها. لبيان ذلك عرضنا لما يبيّن ويوضّح حقيقة التّذوّق الأدبي أو الذّوق الأدبي. ودور الأدب في تكوين هذه الملكة لاستكناه طاقة الألفاظ والتّراكيب في إيجاد الجماليّة والحسن، اللّذين هما ثمرة التّذوق الأدبي. وبما أنّ القرآن هو القمّة في البيان، وهو موطن الجمال والمتعة الفنّية فإنّنا ذكرتا مجموعة من الخصائص التي تتميّز بها اللّفظة القرآنيّة، وبيّنّا كيف أنّ استلهام لغة القرآن يعين على تكوين ذوق أدبي، يساعد على التّعبير الفنّي والتّصوير البديع. وعرضنا للأهداف العامّة والخاصّة لتدريس اللّغة العربيّة ودراسة الأدب، التي تسهم في تكوين الذّوق الأدبي. وبعض العناصر التي تكشف عن العوامل المساعدة على الارتقاء به ..
مزجنا الكتابة في موضوع التّذوّق الأدبي بتأثير اللّغة العربيّة بين الطّرفين مزجًا كاملاً، فكنّا ننتقل بين العنصرين الأساسيين في الموضوع، أو طرفي المعادلة اللّتين تنتظمانه؛ لنثبت العلاقة الكبيرة والوثيقة بين الأدب واللّغة، وأنّ التّأثير والتّأثر بينهما قويّ ومتين، وأنّهما مرتبطان أشدّ الارتباط .. بمعنى دقيق لا يمكن أن نعنى بأحدهما ونترك الاخر، بل علينا أن نتناولهما في مستوى واحد من العناية والتّركيز والعرض والتّحليل، فتذّوّق الأدب لن يحصل إلاّ إذا فقهنا أسرار اللّغة العربيّة فقهًا جيّدًا، وتعاملنا معها بووعي ودراية وعناية. واللّغة لا يمكن أن تدرك قيمتها وقوتها إلاّ إذا أمررنا عليها أساليب وطرقًا فنيّة أدبيّة لاستكناه مكامن الجماليّة والقوّة فيها .. (1/2)
صفحة 3
بهذا التّعامل نؤكّد تلازم الطّرفين في عمليّة الإبداع والقراءة والتّحليل. هذا التّعامل يثبّت إحدى الوشائج التي تربط اللّغة بالأدب، وتصل بينهما بقوّة وشدّة في منهج الإعداد العلمي والتّربوي للفرد.
الجزائر يوم الأربعاء: 10 من ذي القعدة 1433ه
26 من سبتمبر ... 2012م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربيّة وآدابها، كليّة الآداب واللّغات، جامعة الحاج الأخضر باتنة، الجزائر
تمهيد (1/3)
صفحة 4
يقول الباقلاني: " إنّ الكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النّفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخيّر من اللّفظ ما كان أقرب إلى الدّلالة على المراد وأوضح في الإبانة عن المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الأذن، ومستنكر المورد على النّفس." ويقول الخطّابي: " إنّ عمود البلاغة التي تجمع لها هذه الصّفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به." (1)
يقول محمود محمد النّاكوع: " الكلمة وما تعبّر عنه من فكر وخطرات، كانت وما تزال من أرقى وأجمل نعم الله التي ميّز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، ومن أوتي قوّة الكلمة وقوّة البيان وجماله: تعبيرًا ومضمونًا، نثرًا أو شعرًا، فقد ملك مفاتيح الأدب، وملك من خلاله عقول وقلوب النّاس، وبخاصّة قلوب من يتذوّقون النّصّ الأدبي." (2)
هذه الفقرات تبيّن أنّ الكلمة التي وكلت إليها وظيفة الإبانة عن المشاعر، ونقل الخواطر، والإفصاح عن الأفكار، وكشف الأستار .. أو أنيط بها مهمّة التّبليغ والإبلاغ .. يجب أن تتوفّر على صفات وخصائص متميّزة ومهمّة وعالية لتقوم بدورها الحقيقي والأساس في الرّبط بين الفرد وما يدور بداخله، وبينه وبين محيطه، وبينه وبين غيره من البشر ... هذه الصّفات تتمثّل أساسًا في قوّتها وجمالها واتّساقها وانسجامها ومرونتها لتتلاءم وتتجاوب مع العالم النّفسي للفرد، ثمّ في رشاقتها وأناقتها لتجذب إليها المتلقّي الذي يستقبلها مع المضمون الذي تحمله إليه، وفي قدرتها على الوصل بين العالم الدّاخلي للإنسان وعالمه الخارجي، وقابليتها للتّكيّف مع المواقف والمشاهد والطّوارئ والمستجدّات، والرّغبات والطّلبات والنّزوات ..
هذه الحقيقة، أو هذه الوظيفة والمَهمّة الكبيرة للكلمة تتطّلّب الاهتمام بجانب خطير في سيرورتها وانتقالها من المنتج لها إلى متلقّيها، لتَنقُل ما يدور في الأذهان ويفيض به الخاطر، وما يكون في الجَنان من المشاعر ... يتطلّب هذا الدّورُ البحثَ في داخل هذه الكلمات عن سرّ كبير وبديع يدفع إلى الإفادة منها، والارتباط بها، إنّه صفة الجمالية والحسن اللّذين هما عنصر وعامل وسببُ إعطاء الكلمة القوّةَ وحسن التّقبّل عند سماعها في سياق جميل بديع ممتع ... يقول محمد علي أبو حمدة: " ... وإنّه وإن كان أعيان هذه الأمّة قد شغلهم صيانة التّراث اللّغوي والأدبي – حياطة لرسالة الإسلام – عن صرف الهمم في تذوّقه، إلاّ ما جاء
__________
(1) - الدّكتور إبراهيم السّعافين وآخرون، أساليب التّعبير الأدبي، الإصدار الثّالث، دار الشّروق، عمّان، الأردن،2000م، ص: 23.
(2) - محمود محمد النّاكوع، الحبّ والجمال في الإسلام، ط2، نشر مكتب الدّراسات العلميّة، الجزائر، محرّم 1428هـ/ جانفي 2007م، ص: 107. (1/4)
صفحة 5
منهم عفو الخاطر، فإنّنا اليوم في مسيس الحاجة إلى عبور هذه النّصوص العبور الجمالي الذي يدوّن ويناقش، ويثير ويستثار.
وإنّني من هذا المنبر الشّر يف في غرفة التّدريس بالجامعة لأناشد ذوي الحسّ الجمالي، الذين لهم مع النّصوص عيش، وصارت لهم معها ألفة، وكوّنوا حولها رأيًا- أن يصيّروا هذا الرّأي تعليلاً، يصحّ أن يكون التّواصل الفكري، ويصحّ أن يكون الحوار يرفد أو يرفض. إنْ ذلك في الاستثارات التي تعيد لنصوصنا الشّعرية رواجها، وتجدّد شبابها، وتعمّق الإحساس بفنّيتها وجمالها لدى شبابنا وشابّاتنا، وفي عيون قرّائنا والرّانين إلى لغتنا من داخل معسكر الإسلام الذي شرّفنا ويظلّنا، أو من خارجه." (1)
النّصّ يحمل نداء رقيقًا وقولا جميلا لإبراز رقّة اللّغة العربية وجمالها، لتنميّة الذّوق في أبناء هذه اللّغة، وترقيته بالمداومة على تملّي أنساقها، وفتح المحال للتّحاور مع مفرداتها وتراكيبها، واستثارة الحسّ بالجمالية فيهم، وتحريك القابلية لاستخراج الحسن والرّوعة في النّصوص؛ بترويضهم على التّذوّق الفنّي والجمالي. الكلمات التي جمّلت بها ووشّيت بها جمل النّصّ تدلّ على هذا: (العبور الجمالي، الحسّ الجمالي، تجدّد شبابها، تعمّق الإحساس بفنّيتها وجمالها لدي شبابنا وشابّاتنا ... )
إنّ اللّغة العربيّة - إذن - بما تمتلك وتختزن من جمال وحسن وقوّة وبَدعٍ ... تنتظر من يتناولها أحسن التّناول، ويسير بها في الطّريق الصّحيح في توظيفها واستعمالها، والكشف عن مخزونها القيّم لترقى بعمليّة الإبداع إلى مكان قصيّ ومرتبة متقدّمة، وتوفّر ما يعين على رقيّها ... وهو التّذوّق الفنّي الأدبي. هذه الفائدة أو هذه الغاية هو محصّلة بَدَهيّة، يجب أن يصل إليها كلّ من يتعامل مع اللّغة العربيّة التّعامل الواعي الرّاقي؛ فهي تملك رصيدًا فنيّا وفكريًا، يجب أن لا يغيب أو يختفي بسبب عدم القدرة على توظيف الإمكانات والقدرات. في ذلك. يقول محمد علي أبو حمدة: " إنّ التّذوّق الجمالي للنّصوص الشّعريّة لهو في الوقفات الذّاتيّة التي يستنطق من خلالها المتذوّق كوامن الأحاسيس التي فجّرت ينابيع الشّعر، ورافقت عمليّة ولادته، وهو العبور الجمالي الذي من خلاله تبين النّصوص ذات نكهة وطعم وشميم – إن صحّ التّعبير – خاصّة، يستشعر حلاوتها من واقعها. إنّها الذّاتيّة الفرديّة بكلّ ما للذّاتيّة من تفرّد في التّكوين الفكري والثّقافي وطرائق التّفكير ودرجة الإحساس بالجماليّة والاستجابة لها. إنّها أفق ذاتي في التّعامل مع النّصوص.
__________
(1) - محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لقصيدة " بانت سعاد"، ط2، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1403هـ/ 1983، ص: 8، 9. (1/5)
صفحة 6
فإن كان هذا الأفق في المدرّجات التي تصحّ أن تعبر لتغدو حوارًا وتعليلاً فذلك في الزّاد المعطاء الذي ينبغي أن يحرص عليه، وأن تُكثَّر منه الآفاق – كي تغدو أعمال التّذوّق الجمالي للشّعر العربي الذي وطَّأ لرسالة الإسلام – في المنافسة التي تحبّب لكلّ من اتّصل بهذه اللّغة الشّريفة بسبب – أن يعاود قراءة الشّعر بعيون جديدة، وبنفسيّة متجدّدة، ووَفق مناخات متعدّدة. " (1)
إنّ كلّ من كتب عن اللّغة لعربية بهذا المنظور، وألّف من هذا المنطلق، وسار إلى هذه الغاية، وكشف عن دور هذه اللّغة في الحياة الاجتماعية، وأثرها في تنمية المجتمع، وبيّن مكانها في مسيرة الحياة، وعلاقتها بتحقيق أهداف معيّنة محدّدة في منهجيّة التّعامل مع المحيط والفضاء الخارجي، وتحديد رؤية واضحة للمستقبل واستشرافه, والحديث عن طرق إنجاز أعماله ومشروعاته: تفكيرًا وتخطيطًا وتنظيرًا وتنظيمَ شؤونه ... كلّ من تناول ذلك تطرّق إلى مجال الأدب والأسلوب والفنّية والجماليّة ... تدفعه إلى هذه الميادين اللّغةُ العربيّة، التي يعالج حقيقتها وخصائصها ومقوّماتها ...
تتضافر كثير من العناصر لإبراز هذه المجالات، التي يجمعها الأدب في حضنه، وينسّق بينها، ممّا ينتج وسيلة مهمّة، هي ثمرة هذا التّضافر والتّكاثف والتّآزر ... هذه النّتيجة والوسيلة هي " التّذوّق الجمالي لنصوص اللّغة العربية ". إذن يتعاون المعجم اللّغوي والبلاغة والنّحو وفقه اللّغة. واللّفظ المفرد والتّراكيب والنّظم والنّقد ... ليُقدّم كلُّ ذلك ويُعِدّ فضاء كبيرًا ومساحة رحبة يترعرع فيها الذّوق الفنّي ويرتقي التّذوّق الجمالي. ينطلق من اللّغة العربية وينتهي إليها. هو يبني كيانه وذاته وحقيقته من اللّغة العربيّة. ويقدّم ثمرته ونتاجه بيانًا وإبداعًا، لِيبرز قيمة اللّغة العربيّة وقوّتها، وخصوبتها وعذوبتها ...
يقوم المتذوّق للأثر الأدبي بهذه العمليّة بشكل متكامل؛ لأنّ الجماليّة وجدت - أصلا - بهذا التّكامل والشّموليّة، فلا يمكن أن نفصل أجزاءَ العمل الأدبي عن بعضها ونحن نبحث ونستخرج الحسن الذي فيه. " ... لأنّ العمل الأدبي كلٌّ متماسك متفاعل، فاللّغة هي اللّبنات الأولى التي تبني النّصّ، والمضمون هو المعنى الذي نشكّله من اللّغة، ونشكّل اللّغة بناء عليه، والخيال هو الصّورة التي تتراءى من انسجام المعنى واللّغة، وتولّد هذه الصّورة عادةً عاطفة في نفس المتلقّي، وتقوم هذه العاطفة بتوليد اتّجاه لدى المتلقّي تجاه الموضوع المطروق، وتأتي الموسيقى لتعضد كلّ ذلك ... (2)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 7، 8.
(2) - الدّكتور عبد القادر أبو شريفة، حسين لافي قَزَق، مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م، ص: 86، 87. (1/6)
صفحة 7
هذا هو الرّباط المحكم الذي يكون بين العناصر المكوّنة للنّصّ الأدبي. وهذه هي العلاقة الوطيدة المتينة المحكمة بين التّذوّق الأدبي واللّغة العربيّة، وهذا هو التّفاعل الكبير العميق بينهما ..
في البداية نقول: إنّ تبادل التّأثير والتّأثر بين اللّغة والأدب في الارتقاء بالذّوق الأدبي الفنّي، يجعلني ويدفعني إلى ذكرهما معًا، وتحليل آثارهما في عمليّة تكوين الذّوق وتنميته بشكل متداخل. فما حقيقة التّذوّق الأدبي؟ (1/7)
صفحة 8
مفهوم التّذوّق الأدبي
تباينت الآراء حول مفهوم التّذوق الأدبي تبعًا لتباين المدارس الفنّية في نظرتها وإدراكها لطبيعة الإبداع الأدبي؛ ولأنّ طبيعة التّذوّق لا تخضع لقواعد محدّدة فقد تشابهت المفهومات، إلاّ أنّ القدماء والمحدثين مختلفون في استخدامهم المفهوم، كما أنّهم مختلفون أيضًا في التّسمية: القدامى يستعملون عبارة: الذّوق الأدبي، والمحدثون يقولون: التّذوّق الأدبي. لا نناقش هذا الاختلاف في التّسمية.
1 - التّذوّق الأدبي حاسة (1):
عرّفه قلقيلة بأنّه: " الحاسّة السّادسة الحاصلة للإنسان نتيجة تمرّسه بالأعمال الأدبيّة والفنّية ووقوعه تحت تأثير حضارة خاصّة وثقافة معيّنة.". وقال عنه أحمد عوض إنّه "حاسّة فنيّة يُهتدَى بها في تقدير الشّعر والمفاضلة بين نصوصه، ومن خلاله تُدرك نواحي الجمال في العمل، ويتأتّى من خلال التّمرّس بالأساليب الأدبيّة والمران عليها وكثرة الاطّلاع؛ وذلك لصقل الموهبة وإرهاف الحسّ الأدبي.".
2 - التّذوّق الأدبي ملكة, الملكة الموهوبة التي يمكن من خلالها تقدير الأدب الإنشائي والحكم عليه، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه. أشار ابن خلدون إلى أنّ الذّوق لفظة يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها: حصول ملكة البلاغة للسان. وتتحصّل هذه الملكة من خلال ممارسة كلام العرب وتكرار سماعه والتفطّن لخواصّ تركيبه. (
3 - الذّوق خبرة: عرّفه حسن شحاته بأنّه: "خبرة تأمّليّة، تبدو في إحساس القارئ أو السّامع بما أحسّه الشّاعر أو المبدع، وهو - في إيجاز- سلوك لغوي يعبّر به التّلميذ عن إحساسه بالفكرة التي يرمي إليها النّصّ الأدبي."
__________
(1) - لم أتعرّض لما ذكره ابن منظور في الموضوع؛ لأنّه لا يخدم ما نحن بصدد معالجته. فقد ذكر أنّ (الذّوق) مصدر (ذاق) و (المذاق) طعم الشّيء، و (الذّواق) هو المأكول والمشروب. والذّوق فيما يكره ويحمد. لسان العرب المحيط، المجلّد الأوّل، إعداد وتصنيف يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، لبنان، (د. ت)، ص: 1084. ذكر الدّكتور راضي حنفي نقلاً عن ماهر شعبان عبد الباري وكتابه: التّذوّق الأدبي: طبيعته، نظريّاته، مقوّماته، معاييره، قياسه:
هناك علاقة وثيقة بين الذّوق الأدبي والتّذوق الأدبي، حيث إنّ التّذوّق عمليّة " process" والذّوق الأدبي مُنْتَج" out put". . ينظر موقع منتديات بوابة العرب http://vb.arabsgate.com. (1/8)
صفحة 9
4 - ... الذّوق قدرة واقتدار وحكم: عرّفه عبد العزيز بأنّه قدرة صاحب الطّبع الأدبي على بيان المزايا البلاغيّة التي تحدث في النّظم؛ بسبب الفروق والوجوه التي تكون بين كلام وكلام، فيقف على أسباب الجودة ليحتذيها، وعلى أسباب الرّداءة ليتجنّبها في تأليفه ونقده. أمّا مصري حنورة فعرّفه بأنّه: قدرة تجعل صاحبها مستمتعًا بمواطن الجمال في العمل الأدبي والتّعرّف على جودة العمل ورداءته، وهو إحساس بما هو متناسق أو محكم أو جميل.
5 - التّذوّق الأدبي عمليّة تقويم وحكم. عرّفه ربيع شعبان بأنّه: الحكم الذي يُصدره القارئ على العمل الأدبي استجابة لنواحي الجمال في ذلك العمل من خلال تركيز انتباهه وتفاعله معه، على نحو يستطيع من خلاله الحكم عليه. وعرّفه سعيد خيري محمد بأنّه: تقويم الطالب للنّصّ الأدبي أثناء تفاعله معه عقليًا ووجدانيًا وجماليًا واجتماعيًا، معبّرًا به التّعبير عن مدى تقبّله للنّصّ الأدبي واستمتاعه به.
6 - الذّوق الأدبي انفعال ونشاط وسلوك: عرّف محمود رشدي خاطر التّذوّق الأدبي بأنّه: انفعال يدفع الفرد إلى الإقبال على القراءة والاستمتاع في شغف وتعاطف، وإلى تقمّص الشّخصيّات التي في الأثر الأدبي وإلى المشاركة في الأحداث والأعمال والحالات الوجدانيّة التي تَصوّرها المبدع. وعرّفته ثريا محجوب بأنّه: نوع من السّلوك ينشأ من فهم المعاني المتضمّنة في النّصّ الأدبي والإحساس بجمال أسلوبه والقدرة على الحكم عليه وتأثّره بالصّور البيانية التي يحتويها. (1)
ماذا نقرأ في هذه التّعريفات؟:
1 – إنّ النّظرة إلى التّذوّق الأدبي تختلف بحسب الثّقافة التي يحملها الشّخص الذي يتناوله، وبحسب الأهداف التي يسطّرها من معالجته النّصوص، وبحسب المجال الذي يشدّه، كالتّربية والتّعليم، أو الحقل الأدبي المحض وغيرهما. فإذا أكّد اللّغويّون أنّه حاسّة فنّية وملكة بيانيّة، وقدرة على الحكم. وركّز التّربويّون على كونه خبرة تأمّليّة جماليّة واستجابة انفعاليّة للنّصّ الأدبي .. فإنّنا نسجّل أنّ بينهم اتّفاقًا على جوهر مفهوم التّذوّق، أو نقول بين النّظرتين تكامل، كلّ من الفريقين انطلق من طبيعة عمله، لكنّه كان يهدف إلى ما يرمي إليه الفريق الثّاني. وهو البحث عن الجماليّة في النّصّ ويقدّرها بحسب ما يطلبه تخصّصه وتهدي إليه اهتماماته وانشغالاته ..
__________
(1) -ينظر الدّكتور راضي فوزي حنفي، " مفهوم التّذوّق الأدبي" موقع منتديات بوّابة العرب http://vb.arabsgate.com (1/9)
صفحة 10
2 – مهما يكن الاتّجاه الذي يحكم المنظّر، والاهتمامات التي تهيمن على نشاطه العلمي فإنّ القاسم المشترك في التّعريفات هو: البحث عن الجمال والحسن والمتعة والإبداع، وتنمية الوجدان، وإثارة الانفعال والعاطفة والحماسة في المتلقّي بطريقة معالجة الأثر الأدبي؛ قصد نقل عدوى التّأثّر فيه والإفادة منه: اقتداء وتقمّصًا لخصائص الشّخصيّات التي تعالج أعمالها الأدبيّة، والتّشبّع بالقيم التي تتضمّنها الآثار الأدبيّة, التي تسهم في تطوير الحياة، وتحريك الهمم ... باختصار تظهر هذه الاستجابة وهذا التّأثّر في سلوك المنظّر وممارساته.
3 – الإحساس بجمال النّصّ الأدبي، والقدرة على إصدار أحكام حوله.
4 - هو ملكة، يقوم على الاستعداد الفطري، ينمو ويتطوّر بالممارسة والمران والتّأمّل في الآثار الأدبيّة، أي يكون صقل هذه الملكة بالخبرة، وطول الممارسة والمدارسة والتّمرّس ...
5 – التّذوّق الأدبي بهمّ الطّرفين: المبدع والمتلقّي: " للتّذوّق أهميّة كبرى بالنّسبة للمبدع وللمتلقّي على حدّ سواء، وتتّضح أهميّته بالنّسبة للمبدع بعدما ينتهي من عمله إبداعاً وتأليفاً، ويعود هذا الأديب: شاعراً أو كاتباً إلى عمله لينقّحه أو يراجعه، فيضيف كلمة، أو يحذف أخرى، أو يغيّر في عناصر الصّورة الأدبيّة، أو ربّما يعدّل فكرة العمل كليّة ...
أمّا أهميّته بالنّسبة للمتذوّق أو المتلقّي فتبرز في أنّ هذا المتذوّق يعايش النّصّ الأدبي معايشة تكاد تكون كاملة، فيشارك المبدع أفراحه وأتراحه، في آماله وآلامه، ويسبح معه في عالم الرّؤى والخيالات، كما أنّ المتذوّق في قراءته للعمل الأدبي أو سماعه له ينفّس عن روحه بهذه القراءة أو بهذا الاستماع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبعث في نفسه التّواقة للجمال الإحساس بهذا الجمال، ويتمثّل هذا الجمال في عدة مقوّمات منها: طرافة الفكرة، وجمال اللّفظ جرساً ومعني، وجمال الصّورة تركيباً وبناءً، وجمال الأسلوب تأليفاً وتكويناً، وأخيراً صدق العاطفة في النّصّ الأدبي.” (1)
__________
(1) - ينظر موقع النّيل والفرات www.neelfurat.com http:|| (1/10)
صفحة 11
التّذوّق الأدبي والتّحليل الأدبي
إنّ التّحليل الأدبي الذي يعنى بتفكيك بنية النّصّ لمعرفة دقيقة وعميقة لمكوّناته، هدف إلى إدراك الخصائص التي تشتمل عليها كلّ العناصر التي يتركّب منها الأثر الأدبي ويشتمل عليها: الجانب الفكري، النّاحية الفنّيّة، القيم الإنسانيّة، وكلّ ما يتضمّنه النّصّ ... وأثر ذلك في المتلقّين: فكرًا ووجدانًا وفنًّا وذوقًا، وفي خضمِّ حياتهم ومعتركها .. إنّ هذا التّحليل يحتاج إلى حسّ مرهف، وانفعال عالٍ، وإدراك كبير، ووعي عميق ... للقيام بالعمليّة وتحقيق الغاية منها. ما يوفّر هذا هو التّذوّق الأدبي الجيّد. فهو ولو كان شيئًا مغروسًا في نفس الفرد، إلاّ أنّ نموّه ورقيّه يخضعان لعمليّة الصّقل والتّهذيب والتّوجيه في الإبداع والإمتاع والإقناع ...
" والذّوق الفنّي نفسه ليس هوى فرديًّا، بل هو استعداد فطريّ، واكتساب ذاتي في آن واحد، وكذلك الثّقافة ليست مطالعة النّصوص الخالدة وحسب، بل هي – إلى ذلك – إلمام بأطراف من العلوم الإنسانيّة، كعلم الجمال والفلسفة وعلم النّفس، ومع ذلك يُطلب من الدّارس الشّادي أن تكون قدمه راسخة، ورأيه مسدّدًا منذ الخطوات الأولى ... " (1)
يعني هذا أنّ الذّوق من مكوّنات شخصيّة الإنسان، بل هو من مقوّماته، التي تؤكّد إنسانيّته، إنّما يحتاج إلى صقل وتنمية وتطوير ليؤدّي مهمّته أو وظيفته ليدرك الجمال الذي خلقه الله - عز وجل - في الأشياء التي أحسن خلقها، وأتقن صنعها، هذا الذّوق يدفعه أن يكون جميلا في سلوكه ومعاملاته وفي علاقاته مع المحيط الخارجي.
في الجمل الآتية نقرأ الجمال، وفي الكلمات الآتية نتملّى الحسن، وفيها نجد الدّليل المادي المحسوس على قيمة الذّوق السّليم في إيجاد الجمال، وتسجيل الحسن. قال الشّيح حمّو بن عمر فخّار (1337 - 1426هـ / 1919 – 2005م) محيّيًا كوكبة من الشّباب أقاموا مهرجانًا ثقافيًّا، وكان أهمّ ما فيه مشاركات أدبيّة فنيّة بديعة، سجّل شعوره بالاغتباط والسّرور والانشراح بأسلوب رفيع، وكلم بديع، ينمّ عن حسّ مرهف، وذوق شفّاف: " والرّابطة المحكمة التي تجمعنا: حبّ الرّوعة، وتعشّق الرّفعة، والإعجاب بالإبداع والذّوق السّليم ... لذلك – تجدنا – نعانق الجمال ونتملاّه من أيّ سماء نزل، وننشق العبير من أيّ روض فاح، ونرشف الماء النّمير من أيّ نهر تدفّق، ونرتاح للخرير على أيّ صخرة انحدر وانهمر ...
نطرب للصّوت الرّخيم، لا نبالي حنجرته، ونغتنم هبّ النّسيم، ولا نعارض وجهته .. اليد الصّنّاع نربت على كتفها، والعبقريّة المبدعة نسبّح بحمد خالقها ... أمّا سحر البيان فلشاعره منّا قلادة المديح، ولناثره عندنا صرّة من خزانة سخيّ غير شحيح .. " (2)
هذا الجمال هو حقيقة موجودة في الكون، يعلن عنها الفكر، ويصوّرها الفنّ أحسن تصوير، يقوم المتأمّل فيها باكتشافها، هذا فعل التّذوّق الأدبي. يقول محمد المبارك: " ... فالفكر يسجّل الحقيقة وبعبّر عنها، وقد ينشئها ويدفع إلى تحقيقها، والفنّ يصوّر الجمال ويعبّر عنه، وقد ينشئ الجمال ويبدعه، والحقيقة والجمال في الحياة والطّبيعة ملتقيان، فالشّجرة والنّهر والزّهرة والشّوكة والجبل والسّهل والشّمس والقمر والنّجوم والفراشة كلّها حقائق من حقائق الكون، ولكلّ منها جماله." (3)
يحتاج التّذوّق الأدبي إلى توفير الشّروط التي يدرج فيها ويترعرع، وينمو ويتطوّر ويرتقي؛ حتّى يثمر الثّمار اليانعة، وينتج النّتائج الرّائعة في الفنّ. يقول عبد القاهر الجرجاني: " وبقدر ما يكون المرء من التهاب الطّبع وحدّة القريحة، بقدر ما يكون يتغلغل في الأسرار. وبقدر ما تكون له ألمعيّة يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفيّ. " (4) ما هي هذه الشّروط؟
__________
(1) - عبد الله الطّنطاوي، محمد الحسناوي، في الدّراسة الأدبيّة، تذوّق النّصّ الأدبي، دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م، ص: 8، 9.
(2) - الأستاذ حمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعية التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م، ص 10.
(3) - محمد المبارك، دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ط4، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1392هـ/ 1993م، ص: 93.
(4) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقديّة إبداعيّة، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م، ص: 22. ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ط2، مكتبة القاهرة، القاهرة، 1961م، ص: 293، 296. (1/11)
صفحة 12
الشّروط المطلوبة في تنمية التّذوّق
من هذه الشّروط:
1 - يذكر الدّكتور محمد علي أبو حمدة عنصرًا مهمًّا في حسن الإفادة من حاسّة التّذوق الفنّي، هو الحوار مع النّصّ حوارًا عميقًا واعيًا، أي إعمال الفكر في النّصّ، واستنطاق الكلمات والجمل فيه، ومعاينة العلاقات التي تربط أجزاءه، وتحليلها وتقويمها ونقدها ... للظّفر بالجماليّة والحسن اللّذين قد يتوفّران في النّصّ. هذا المعنى الحقيقي لمصطلح الارتقاء بالذّوق الأدبي أو مفهومه: " ... إنّه بإذكاء الحوار مع النّصوص وحولها يكون ثمّة جدّة للنّصوص في عيون الرّائين والمتوسّمين. ولمّا كان التّذوّق النّقدي ذاتيًّا في أوّله، فإنّ هذا التّذوّق حين تعطيه لغةُ الحوار أسباب التّواصل الفكري ومسوّغ الكينونة الشّرعيّة، يغدو في التّراث الفكري الذي يضيف إلى (أفقيّة) الرّؤية النّقديّة أفقًا جديدًا، والذي يضيف إلى مستويات الاستشراف النّقدي مستوى جديدَا ... إنّ الرّأي بالرّأي يفلح، وإنّ التّذوّق بالتّذوّق ليضيف إلى زاد العربيّة زادًا، فكيف إذا كانت العربيّة مادة الإسلام وكتاب الله تعالى ... " (1)
إنّ هذا الحوار الذي يقدح به زناد الخاطر، ويسعف به الفكر، بمساعدة العوامل الفطريّة التي يتوفّر عليها ذوو النّفوس الحسّاسة، والقرائح المخصبة، والطّبع الحادّ ... يقود إلى مواطن الحمال في النّصوص الأدبيّة، ومواقع الحسن في الآثار الفنّيّة. هذه العمليّة هي حقيقة التّذوّق، وهي الكفيلة بترقيته وتنميته، وهي التي تزيد للعربيّة قوّة في البروز والانكشاف الجميل ..
2 - إنّ الدّراسة الأدبيّة الجادّة المتجدّدة تعتمد على الذّوق المرهف، مستندة إلى الثّقافة الواسعة الخصبة، مع التّدريب على طرق ممارسة التّذوّق. إنّ الثّقافة الواسعة شرط في إخصاب التّذوّق الأدبي.
3 - في سبيل تذوّق النّصّ الأدبي تذوّقًا جيّدًا لابدّ من قراءة النّصّ قراءة متأنّية واعية، والحرص على إدراك العلاقات النّحويّة وتفحّص الأداء اللّغوي والدّلالات المركزيّة والهامشيّة للألفاظ .. أي القيام بمعالجة النّصّ الأدبي والتّحليل الفنّي له، كما يسيغه التّذوّق، ويدفع إليه الغوص في الأثر الأدبي. هذه الممارسة تمسّ
__________
(1) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي للآيات الثّلاثين: خواتيم سورة البقرة، مع تركيز الإضاءة على آيات الرّبا في النّسق القرآني الكريم، ط1، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1410هـ/ 1990م، ص: 11، 12. (1/12)
صفحة 13
طرفين أو جانبين، وتعمل على تطويرهما: عمليّة التّذوّق التي تتطوّر وتترقّى بالممارسة، وعمليّة التّحليل الفنّي تتعمّق كلّما نَمت وثيرة التّذوّق. (1)
4 – عنصر الخيال مهمّ أيضًا في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي. فالخيال: " هو القدرة على رؤية ما لا يرى، واستحضار ما ليس حاضرًا، والتّأليف بين المشاهد والصّور والمواقف المتعدّدة، بطريقة تجعل القارئ يتأثّر ويشارك في الرّأي، وينتقل من عوالم غير عالمه الواقعي. والخيال انفتاح في الذّهن على رحاب واسعة في ميادين الحياة الإنسانيّة، ومن فجاج الكون على تنوّعها وأبعادها. هو شريط يعرض به الأدباء على قرّائهم صورًا من خوالي الأيّام وحاضرها ومستقبلها، ومن معايش الشّعوب ومقدّراتهم، وخصائصهم في التّفكير والتّنظيم والتّعامل. " (2)
لهذه الوظائف التي يقوم بها الخيال في حياة النّاس، ولدوره في تهيئتها وتجميلها والإفادة من مجرياتها، كان للأدب منه نصيب كبير، وشأن عظيم؛ إذ أنّ وجوده فيه يساعده على نقل المتلقّي إلى أجواء الأحداث، ما مضى منها وما يأتي، بل يعين على التّعمّق في فهم ما يدور في المحيط، وما يجيش في النّفس، وعلى تصوّر ما يستقبل من الوقائع والواقعات ... فيؤثّر في الوجدان، ويحرّك الأذهان .. " ولسنا نغالي إذا قلنا: إنّ الفرق بين الأدب الجيّد والأدب الرّدئ، مردّه في الغالب إلى قدرة التّخيّل عند الأدباء، وابتداع ما هو إنساني مؤثّر." (3). يتدخّل الذّوق بشكل كبير في اكتشاف هذا الخيال في المبدع، وتوجيهه وصقله، ومعرفة دوره في استيعاب ما يشتمل عليه النّصّ من خصائص ومميّزات عند المتلقّي. من ذلك قدرته على فقه حقيقة اللّغة وما تتضمّنه من طاقات وإمكانات، تسهم في الارتقاء بالتّذوّق بالأدب.
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل ينظر مبحث " كيف نعالج النّصّ الأدبي "، كتاب مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 21 – 27. والدّكتور فتحي علي يونس، الدّكتور محمود كامل النّاقة، أساسيّات تعليم اللّغة العربيّة، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر بالقاهرة، 1977، ص: 183 وما بعدها.
(2) - الدّكتور أحمد أبو حاقة،،البلاغة والتّحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين بيروت، 1988م، ص: 296.
(3) - المرجع السّابق، ص: 297. (1/14)
صفحة 14
اللّغة ودورها في الارتقاء بالأدب
اللّغة أداة مهمّة للتّوصيل والتّواصل وربط الصّلات، ووسيلة ضروريّة لنقل الأفكار والعواطف والمشاعر، ووعاء مهمّ لحفظ التّجارب والذّكريات. هي تؤدّي وظائف كثيرة أساسيّة في حياة البشر: نفسيّة، اجتماعيّة، فكريّة ... لها دور كبير في تقديم السّمات الحضاريّة لأيّة أمّة.
إنّ اللّغة تحتلّ مكانة مركزيّة كبيرة في رسم مسير الحضارة، وتوجيه مصيرها. فالعناية بها ورعايتها، والعمل على التّعامل معها بحذق ومهارة، وبمنهجيّة محكمة أمر محتوم، مختوم عليه بالتّخطيط الحسن، والتّنظير الجيّد، والتّطبيق المفيد. من جملة هذه الشّروط المطلوبة أو الوسائل المنشودة غرسُ حبّ اللّغة في القلوب، وما يساعد على ذلك تكوين حاسّة تذوّقها في النّفوس، أو إيقاظه، والارتقاء به صُعُدًا بتحسين الأداء والتّلقين والتّعليم ... لمعرفة طرق التّعامل معها - حتّى يتحقّق هذا المطلب - نسرد بعض الحقائق عنها؛ لمزيد من التّعرّف على طبيعتها، وفقه كنهها.
حقائق عن اللّغة:
- هي وسيلة نشر النّصّ الأدبي، فالكلمة المكتوبة هي المعتمدة.
- الحضارة لغة.
- باللّغة يفكّر الإنسان ويتعلّم.
- اللّغة أساس التّنمية الفكريّة والماديّة,
- لا حياة للغةٍ لا تنتج علمًا.
- يقول عدنان النّحوي: " اللّغة ليست حروفًا وكلمات وجملا فحسب. إنّ اللّغة تختزن بين أحرفها وكلماتها فكرًا وتصوّرًا، وإنّ هذا الفكر والتّصوّر يتسلّل بين الكلمات والجمل، ويتلبّس الحروف والكلمات من خلال تاريخ طويل كانت اللّغة تنمو معه وتصارع. نلمس بعض مظاهر التّاريخ والصّراع بين الكلمات والتّعبيرات، ونلمس بعض نواحي التّصوّر والفكر، وبعض معالم طبيعة الأمّة التي تحملها، والتي نمت معها. (1/15)
صفحة 15
وربّما نلمس روح ذلك ومعالمه في جرس اللّغة وموسيقاها، وفي دقّة بيانها وبلاغتها، وفي تركيبها وأسلوبها، ممّا يعطي اللّغة خصائص ومميّزات تنفرد بها." (1)
نسج الدّكتور عدنان النّحوي الفقرة السّابقة بكلمات تبرز ما تتميّز به اللّغة من جمال ورونق وبهاء، إلى جانب كونها وعاء للمضمون الفكري والاجتماعي وغيرهما. هذه الكلمات هي: (جرس اللّغة وموسيقاها، دقّة بيانها وبلاغتها، في تركيبها وأسلوبها ... ) يدلّ هذا أنّه لا يمكن معرفة كنه اللّغة وتفقّه حقيقتها إلاّ بالغوص إلى أعماقها، والولوج إلى داخلها؛ بركوب مطيّة التّذوّق الفنّي الجمالي. هذا يعني أن تدريس اللّغة ودراستها من الأفضل أن يتمّا عن طريق الأدب: لاستثارة الحسّ وتنميته، وتكوين الذّوق وإرهافه، لإعداد النّفوس فتدرك الجمال وتتملّى الحسن ... إنّ الأدب في أحد تعريفاته: كلّ ما عبّر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب لغوي جميل. فلابدّ من ركنين في مكوّنات الأدب: معانٍ تثير العاطفة والخيال، وألفاظٌ جميلة تؤدَّى بها هذه المعاني.
التّرابط بين اللّغة والأدب قويّ ومتين، والجمال عنصر مشترك بينهما. هذا الجمال يدرك ويكتشف ويتملّى بالتّذوّق.
- الدّستور (القرآن) الذي صيغ بالفصحى لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة ويملكون ناصيتها.
- " المضمون أو المعنى هو الفكرة السّابقة على الألفاظ؛ من حيث وجودها في ذهن الكاتب. واللّفظ البليغ هو الذي يبرز المعاني إلى الواقع المادي الملموس أو المتخيّل، وقد نسج تنوّع البيئة العربيّة الإسلاميّة وطول عمر الألفاظ وتنوّع التّجربة حالات من المعاني حول ألفاظ اللّغة، أخذت تتراكم مع مرور العصور، فأصبحت اللّفظة واسعة الأفق بعيدة المدى، وأصبحت كلّ لفظة تحمل أطيافًا من المعاني التي أغرم الموهوبون باستعمالها، والتي يسعى المتذوّقون إلى تلمّسها واكتشافها. " (2)
- غزارة المعاني الذي تتضمّنها ألفاظ اللّغة العربيّة، وتراكمها عبر العصور المتعاقبة المتتابعة، في حاجة إلى كشفها ونشرها، ثمّ فهمها واستيعابها والإفادة منها واستلهامها واستثمارها، وقبل ذلك إدراك ما تراكم في اللّفظة الواحدة من دلالات، توفّرت فيها بقوّة ما تملكه من طاقات وقوّة على السّكنى بداخلها. هذه القوّة وهذه الطّاقة اللّتان يمكن لهما أن تنفجرا عن معان كثيرة، ودلالات عميقة، لا تنكشف ولا تخضع إلا للفنّان الذي
__________
(1) - الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي، لماذا اللّغة العربيّة، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 1418هـ/ 1998م، ص: 75 76.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، ص: 33، 34. (1/16)
صفحة 16
يحسن التّعامل مع اللّغة، ويجيد وسائل ترقية حاسّة تذوّقه لها، وتمرّسه على الأساليب التي وضعت فيها لتعبّر وتحبّر وتصوّر وتؤثّر ... فالنّصّ أشار إلى المتذوّق الذي يسعى إلى تلمّس المعاني التي تتضمّنها اللّفظة واكتشافها، إذن إنَّ للذّوق الأدبي دورًا كبيرًا في هذه العمليّة.
- يقول الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي: " فللغة العربيّة جمال متميّز من سائر اللّغات، إنّه جمال الوضوح والدّقّة في المعنى، وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن يعضه العلماء المسلمون في تاريخ طويل. وسيظلّ الجمال متجدّدًا تتفتّح أبوابه مع الأيّام. ولا تنطبق قواعد الجمال في اللّغات الأخرى على قواعد جمال اللّغة العربيّة. فللّغة العربيّة جمال آسِرٌ، هزّ جميع من درسها وعرفها. لقد هزّت الأدباء والشّعراء، وهزّت الشّعوب على مدى تاريخ طويل، وستظلّ تهزّهم إلى أن تقوم السّاعة.
ولقد تحدّدت مصطلحاتها اللّغويّة، حتّى تستقرّ أحكام الإسلام وتشريعه على قواعد راسخة، وحتّى تستوفي اللّغة أسباب الوضوح والدّقّة والجمال. ولقد استقرّ مفهوم النّثر ومفهوم الشّعر، حتّى لا يختلط الكلام، وحتّى يتمايز كلام الله، وحتّى تستقيم المعاني." (1)
كلّ ذلك يبيّن أنّ للكلمة مكانة وقيمة في النّسيج الأدبي، ولها قوّتها في التّعبير الجيّد، والتّصوير الفنّي .. فما هي قيمتها في الاستعمال الأدبي؟
__________
(1) - لماذا اللّغة العربيّة؟، ص: 41، 42, (1/17)
صفحة 17
قيمة الكلمة في الاستعمال الأدبي
النّصّ يتكوّن من كلمات، والكلمة هي مجموعة أصوات، تتجاور فتؤلّف معنى، هذه الكلمات تكوّن تركيبّا، له دلالته الفكريّة أو الوجدانيّة أو الفنّيّة ... هذه الألفاظ لا تبقى محصورة في نطاقها الضّيّق، من الدّلالة المعجميّة، وخصائصها المحدّدة. بل قد تحمل دلالات أخرى وخصائص جديدة، بحسب ما يقتضيه الاستعمال. في هذا يقول الدّكتور أحمد أبو حاقة: " ولبس الأمر مقتصرًا على المعاني وحدها في تركيب الكلام، وإنّما الأصوات نفسها التي يتكوّن منها اللّفظ تتداخل وتتمازج ويتألّف من مجموعها أنغام جديدة. هي نتيجة التّفاعل بين الحروف والمقاطع الصّوتية التي يتألّف منها الكلام. " (1)
هذا يعني أنّ الكلمة هي محور الاهتمام والنّظر في أي معالجة للنّص، ينظر فيها من حيث كونها مفردة، وفي وجودها في تركيب، ويتعامل معها مجموعة أصوات متجاورة، ومن منظور المعاني التي تتجمّع منها مع كلمات أخرى، ثم من حيث أثرها مفردة أو مركّبة في جمل مع جاراتها من الكلمات الأخرى المؤثّرة في السّمع والذّهن والوجدان. بذا يتبيّن قيمة الكلمة في النّص الأدبي، وأساليب استعمالها.
كما أنّ قيمة الكلمة تتجلّى في نجاحها في التّبليغ، الذي يعني هنا البلاغة؛ إذ البلاغة هي نجاح المخاطِب في بلوغ الغاية من إيصال المعنى إلى المخاطَب، أي تبليغه ما يراد من فكر وشعور. كما تعني جمال الكلام الأدبي. أو هي الجمال الأدبي ذاته، الذي يضمّ معاني جيّدة وأسلوبًا جيّدًا، فهو ينطلق من الكلمة، ويخصّ المعنى والمبنى معًا. هذه الحقيقة تبيّن قيمة الكلمة في النّظم. هذا الجمال الشّامل للطّرفين يعني " بلوغ المعنى واضحًا كاملا، محرّكًا للذّهن في قالب ممتع جميل، تنفعل به النّفس، ويرتاح له الذّوق السّليم ... والكلمة الجيّدة أيضًا هي التي تطرب لها الأذن، ويرتاح لها الذّوق بعذوبة ويسر، ويطيب للإنسان أن يردّدها، وكلّما فعل ذلك وجد فيها متعة متجدّدة وانفعالاً لذيذًا., " (2)
__________
(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 22، 23.
(2) - المرجع السّابق، ص: 23. (1/18)
صفحة 18
الظّفر بالكلمات الجيّدة المفصحة المبلّغة يخضع إلى الاختيار الجيّد. هذا الاختيار يستند إلى ضابط وحاكم يحكم بمناسبة الكلمات للمقام والحال، وملاءمتها للفكرة والشّعور ... أو عكس ذلك. هذا الضّابط أو الحاكم لن يكون سوى الذّوق السّليم. والمقاييس التي تستعمل تنبثق منه. وهي " تتجلّى في دقّة اللّفظة، وحسن جرْسها، وتآلف حروفها وأصواتها، واتّفاقها مع ما قبلها وما بعدها من اللّفظ، لا في المعنى فحسب، بل في الشّكل أيضًا، فالذّوق السّليم يقدّر موقع الكلمة، والأبعاد الصّوتيّة التي يقتضيها، ونوع الحروف التي تتلاءم وجوّ المعاني ... " (1) ومدى التّلاؤم بين الفكرة والصّياغة: إنّ أيّ نصّ أدبي يتكوّن من ألفاظ لغويّة، يختارها الأديب من اللّغة بطريقة مخصوصة، ليبني بها المعنى الذي يريد، وليعبّر عن الفكرة أو الأفكار التي يريد التّعبير عنها، وهو في سبيل ذلك يسعى إلى إجادة صياغة النّصّ الأدبي ليكون مؤثّرا، ومَهمَّة معلِّم الأدب أن يدرّب التّلاميذ على هذه المهارة، وذلك بمناقشتهم حول بعض الألفاظ والتّراكيب اللّغويّة التي استخدمها الأديب، وأثرها على وضوح المعنى أو غموضه ومناسبتها لفكرة النّصّ، ومدى توفيق الأديب في اختياره لها، وإجراء المقارنات بين الألفاظ موضوع المناقشة وألفاظ أخرى، يمكن استخدامها بدلا منها .. (2)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 25.
(2) - ينظر منتدى موقع وادي العرب الجزائري http||www.wadilarab.com . المقال بعنوان: " مهارات التّذوّق الأدبي وأساليب المعلّم وإجراءاته لإكساب التّلاميذ تلك المهارات". (1/19)
صفحة 19
ضوابط في تناول اللّغة
هناك قواعد وضوابط يجب مراعاتها في تناول اللّغة؛ لتؤدّي وظائفها المنوطة بها، وبخاصّة ما يخدم جانب التّذوّق الجمالي، هذه القواعد لا تخرج عن دائرة الأهداف المنشودة والمرسومة للسّير السويّ في الحياة، والنّهوض القويّ بالشّؤون، وتحقيق حقيقة عمارة الأرض التي استعمرها الله - عز وجل - الإنسان وجعله خليفة فيها. ومعظم هذه القواعد التي أشار إليها الدّارسون مرتبطة بدرس الأدب، أي أنيط دورها بمجال الأدب. من هذه القواعد والضّوابط:
1 – إنّ تدريس اللّغة العربيّة بالمنظور الحديث" ينبني أساسًا على ما يسمّى بفنون اللّغة، وهي أربعة: الاستماع، والحديث، والقراءة، والكتابة. وتسمّى هذه الفنون أحيانًا مهارات اللّغة, وربّما كان وراء اختيار كلمة (مهارة) هنا أنّ اللّغة أساسًا أداة اتّصال، والمهارة جزء أساسي وعامل مهمّ في دقّة الاتّصال وسرعته، كما أنّ اخنيار كلمة (فنّ) تدلّ على أنّ الفرد حين يستخدم لغة يبتكر فيها ويبدع – علاوة على مراعاته لمبادئها العامّة ... " (1)
إذا كانت اللّغة لا تدرّس إلاّ بفنّ، ولا تقدّم إلاّ بمهارة، وإذا كانت تحتاج إلى الدّقة والاقتدار ... لتمكينها من أداء وظيفتها بقوّة، وإذا كان الفرد لفنيّة اللّغة يمكن له أن يبدع ويبتكر بها ... فإنّ هذه المواصفات تفرض على المتعامل معها أن يكون فنّانًا ليحسن تناولها، ويتقن توظيفها، والجمال أساسًا هو عمل متقن .. بمعنى أنّ من يريد الاستثمار في اللّغة يجب أن يكون ذا حسّ مرهف، وذوق رفيع، ليتناول اللّغة بمنظور جمالي، فإنّ هذا يعينها على الارتقاء بالذّوق الأدبي إلى المستوى العالي. ففي تدريس اللّغة العربيّة على أساس تناول فنون اللّغة أو مهاراتها يكون الإتقان، ويظهر الجمال والحسن، كلّ ذلك يحتاج إلى تكوين ذوق سليم وحسّ مرهف؛ لإدراك أسرار اللّغة.
__________
(1) - أساسيّات تعليم اللّغة العربيّة، ص: 34. (1/20)
صفحة 20
2 – يرى أغلب المهتمّين بتدريس اللّغة أنّ يكون تناولها برؤية شموليّة، ما ينتج عن ذلك التّعامل معها بفكر شمولي؛ تبعًا لأنّها محورُ أساسٌ، تدور حولها حياة الإنسان، أي هي تُعنَى بحياته الشّاملة، ومكوّنات اللّغة ومقوّماتها التي تبني كيانها أو تقوم عليها أركانٌ كثيرة، لا يمكن فصلها في تقديمها والكشف عن كنهها. " فهناك شعور عام بالحاجة إلى النّظر إلى اللّغة على أنّها وحدة متكاملة، تترابط فروعها في كلٍّ منسجم، وبالحاجة إلى دراسة اللّغة مرتبطة بأنشطة التّلميذ خارج المدرسة، وبمسايرة اللّغة للتّطوّر العام في المجتمع المحلّي والعالمي، وإلى تجديد الوسائل المستخدمة في تعليمها، وإلى إعداد معلّمها إعدادًا جيّدًا، بتناول نموّه المهني والعلمي." (1)
3 - دراسة أساليب اللّغة بربط أجزائها بعضها ببعض، وهذا لا يكون ولا يتمّ إلاّ في نصوص أدبيّة. يقول محمد المبارك: " ... فيدرسون (أي الباحثون) أساليب اللّغة في ربط أجزاء الجملة، وربط الجمل بعضها ببعض، والصّلة بينها وبين ما يقابلها من الدّلالات والمفاهيم، وارتباط هذه المفاهيم في أذهان أهل اللّغة، وهو ما يطلق عليه علماء فقه اللّغة الفرنسيّين ( Syntaxe)، ويقابلها في العربية (نظم الكلام)، وقد استعملها أسلافنا في مثل هذا الموضع للنّثر، كما استعملوها للشّعر .. ," (2)
4 هي تُعنى بدراسة الألفاظ، والتّراكيب، وتلوين الأسلوب (وبخاصّة إلى خبر وإنشاء والدّافع إلى ذلك، وأثره على المتلقّي وفيه)، والصّنعة الفنّيّة، والموسيقى .. هذه الدّراسة قد يقول قائل هي إلى الدّراسة الأدبيّة الشّاملة تنسب، لا إلى الدّراسة اللّفظيّة .. نقول: إذا كنّا نعدّ اللّفظة هي حجر الزّاوية في بناء النّصّ، بل في البناء الفنّي، والتّحليل والنّقد، والمناقشة كلّها تتمحور حول الكلمات وعلاقاتها في ما بينها .. فإنّ هذا لا يتعارض ولا يتناقض مع مضمون ما يحمله مصطلح دراسة الأسلوب اللّفظي أو فحواه. الغاية من التّركيز عليه، أو الإشارة إليه هو بيان أنّ دراسة اللّغة لا تنفصل عن الدّراسة الفنيّة الأدبيّة .. هذه المنهجيّة في الدّراسة تساعد على تكوين الذّوق الأدبي، الذي يبعد الجفاف والجمود والجفاء عن اللّغة في أثناء تناولها، أو حين التّعامل معها .. اللّفظة نفسها تحمل دلالة إذا كانت في سياق نظم، يحمل تجربة, يقول سيّد قطب: " والتّعبير في اللّغة يشمل كلّ صورة ذات دلالة، ولكنّه لا يصبح عملاً أدبيًّا إلاّ حين يتناول تجربة شعوريّة معيّنة ... " (3)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص:33.
(2) - دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ط4، ص: 134.
(3) - سيّد قطب، النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 9. (1/21)
صفحة 21
نثبت في هذه الدّراسة نموذجًا من تحليل آيات سورة (العاديات) (1).
دراسة الأسلوب اللّفظي:
أ – الألفاظ: ورد في النّصّ نوعان من الألفاظ: أحدهما لتصوير المعاني الحسيّة، وكانت واضحة ودقيقة التّعبير (ضبح، موريات، مغيرات، أَثرْن، نقع، وَسَطْن)، أو مصوّرة (بُعثِر). ثانيهما: للتّعبير عن المعاني المجرّدة، وهي معانٍ عامّة (كنود، حبّ الخير، شهيد، خبير).
ب – صياغة الآيات، أو التّراكيب والجمل: كانت الآيات في ترتيبها وتركيبها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، كما كان تنوّعها مقابلا لتنوّع الأفكار، وهي على العموم قصيرة في جميع أجزاء الصّورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التّحليل النّفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسيّة للجملة، خالية من الزّوائد حلوّ الأفكار والمشاهد من التّفصيلات، متناسبة في تنوّعها وانتقالاتها مع تنوّع الموضوع، من فعليّة غير مؤكّدة في القسم الأوّل، إلى اسميّة مؤكّدة في القسم الثّالث.
ج – الموسيقى: تنقسم موسيقى السّورة إلى نغمات عدّة متناسبة مع أقسام النّصّ من الوجهة الفكريّة والنّحويّة. فالقسم الأوّل يتألّف من خمس فقرات موسيقيّة ذات نغمة واحدة، تقلّ فيها المدود، وتتوالى حروفها المتحرّكة، ممثّلة بذلك حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها، ثمّ ارتفاعها. والقسم الثّاني: أطول نفسًا، وأكثر مدودًا، وكأنّه يشير بمدوده الطّويلة إلى التّأمّل الطّويل والهدوء النّفسي (كنود، شهيد، شديد)
والقسم الثّالث: يجمع بين المدود الطّويلة في بعض أجزائه (أفلا يعلم إذا) وتوالي الحبكات في كلمات أخرى (بُعْثِرَ).
أمّا القسم الأخير: فإنّه ذو نغمة هادئة، ناشئة عن المدود والميم السّاكنة والتّنوين، ويلاحظ أنّ لبعض ألفاظ السّورة حرْسًا موسيقيًّا واضحًا مناسبًا لمعناها، مثل كلمتي (قدحًا ونقعًا)، المناسبتين لوقع حوافر الخيل، وكلمة (بُعثِر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل كلمة (حُصِّل) الدّالة بصادها المشدّدة على شدّة التّقصِّي والجمع.
هذا التّناول للّغة انطلاقًا من اللّفظة وسياقها ومجاورتها لغيرها في نظم محكم، وتحليلها بما تتوفّر عليه من فنّية وجماليّة ودقّة في التّعبير والتّصوير، يبيّن أنّ اللّغة تبرز على حقيقتها إذا تُنووِلت في عمليّة شاملة لفروع
__________
(1) - ينظر في الدّراسة الأدبيّة تذوّق النّصّ الأدبي, ص: 20، 28، 29. (1/22)
صفحة 22
كثيرة من مكوّنات اللّغة ومقوّماتها، إذ بذلك تستثار ملكة الحسّ، وتستفزّ غريزة التّذوّق، فتتعاونان على استخراج مكامن الجمال في النّصّ المبني والمؤسّس من الألفاظ منتظمةً في جمل ..
هذه العمليّة تمثّل ما يسمّى بالأسلوب، الذي هو الطّريقة التي يعتمدها الأديب في تأليف كلامه للتّعبير والتّصوير. وفيه تظهر براعته، ويبرز إبداعه، ويتشكّل ذوقه .. " والأسلوب أفضل معرض لقوّة الإدراك ويقظة الشّعور، وحسن الذّوق .. ولا يتأتّى لامرئ أن يكون ذا أسلوب أصيل جميل، إلاّ بعد مران طويل، ومطالعة لا تفتر لأجود الآثار الأدبيّة، وتنمية للذّوق، وفهم لحقيقة الأدب، وتمييز للأساليب، واستعداد للإبداع في هذا المجال." (1)
إنّ دراسة الأسلوب تعني تناول نوعه وجماله وحسنه، وطبيعته وصناعته، وقوّته، ومدى تفنّن الأدباء فيه: إبداعا وإمتاعًا وبيانا وبلاغة ... وما يكون فيه من سلبيّات ... هذه النّواحي يهدي إليها الذّوق السّليم.
الكلمات التي ضمّنها الكاتب لبيان حقيقة الأسلوب، ومكانته في الكتابة، تبيّن دور الذّوق الأدبي في عمليّة التّعبير والتّحبير والتّصوير، إلى جانب عبارتَي: حسن الذّوق، وتنمية الذّوق، وردت العبارات الآتية: (قوّة الإدراك، أسلوب أصيل جميل، فهم لحقيقة الأدب، تمييز دقيق للأساليب، استعداد للإبداع ... ) هذه العمليّات لا يهدي إليها سوى الذّوق السّليم .. هذا دليل آخر يؤكّد دوره في تطوير الأداء الفنّي، انطلاقًا من اللّفظة. والتّذوق نفسه ينمو ويترقّى بالإفادة من تلك العمليّات. وكتابة النّصّ هو بناؤه وإنشاؤه، واللّفظة تعدّ جزءًا من بنيته، الذي لا يمكن تحليله إلاّ بكلّ أجزائه المكوّنة له. يقول الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل: " والبنية في النّقد الحديث مجموعة متشابكة من العلاقات، تتوقّف فيها الأجزاء على بعضها، وترتبط كلّها بالنّصّ لتشكّل وحدة عضويّة، وحين ندرس البناء الفنّي للنّصّ فإنّنا ندرس عباراته وصوره وموسيقاه وأفكاره وتركيباته اللّغويّة والعواطف وعلاقة كلّ ذلك بعضه ببعض. وعليه فإنّ بناء النّصّ أوسع وأشمل من الأسلوب، الذي هو نسيج لغوي." (2)
__________
(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 209، 210.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 19، 20. ينظر الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الأدب وفنونه، ط5، دار الفكر العربي، 1973م، ص: 26، 27. والدّكتور صلاح فضل، نظريّة البنائيّة في النّقد الأدبي، ط3، دار الشّؤون الثّقافيّة العامة، بغداد، 1987م، ص: 296، 297. (1/23)
صفحة 23
اللّغة هي دائمًا المدار الذي تدور حوله الاهتمامات، وتحوط الدّراسات، وتحوم التّقريرات. فماذا يجب مراعاته في تدريس اللّغة العربيّة بخاصّة؟
ما يجب مراعاته في تدريس اللّغة العربيّة
لضمان النّجاح في تطبيق القواعد السّابقة، ومن خلالها نسير بناشئتنا - بخاصّة – في السّبيل الصّحيح لتكوين التّذوّق الأدبي الفنّي الجمالي فيهم، والارتقاء به إلى ما يعينهم على بناء الجانب اللّغوي في شخصيّتهم العلميّة والأدبيّة، نقدّم الملاحظات الآتية:
1 - نجتهد في جعلهم يدركون خصائص اللّغة العربيّة، ويعرفون أسرارها، ويحسّون بجماليّاتها وفنّياتها .. ؛ حتّى ينشطوا لتداولها فيما بينهم، ويتعاملوا بها، بما تستحقّ من برّ وتقدير وتكريم ..
2 – نحرص على تبسيط طرق تعليمها، وانتقاء الأساليب النّاجعة المناسبة في ذلك، واستعمال أحدث الوسائل في تدريس قواعدها.
3 – نهتمّ بإعداد المكوِّن فيها، وتوفير الجوّ الملائم والبيئة الصّالحة السّليمة لعمل المعلّم في هذا الفضاء ..
4 – هذا المعلّم المكوّن يجب أن تكون له معرفة خالصة باللّغة في كلِّ ما يتّصل بها بسبب، وبخاصّة معرفة فنون اللّغة ومهاراتها ..
5 – يقدّم معلّم اللّغة العربيّة درس النّحو متّصلا بالدّرس البلاغي – بخاصّة – للعلاقة الوطيدة بينهما، واستثمارهما معًا في تحليل الظّواهر اللّغويّة والنّصوص الأدبيّة .. فهذا مطلب بيداغوجي منهجي وأساسي في العمليّة التّعليميّة التّكوينيّة؛ فهو يساعد على استكناه أسرار اللّغة في النّصوص، وتنمية الذّوق في النّاشئة، وفي مَنْ يُتحاورُ معهم في تناول اللّغة، ومعالجة قضاياها. " لقد تفطّن القدماء إلى أنّ الدّرس النّحوي وحده غير كافٍ لفهم أسرار الخطاب، إذ إنّ الدّرس البلاغي كان ضروريًا أيضًا، ولهذا نصّت المدرسة البصريّة على ضرورة الاهتمام بالدّرس البلاغي. وهكذا صار النّحو والبلاغة يشتركان في خدمة اللّغة، فالنّحوي يعلّم قواعد الإعراب، ودلالة الألفاظ على المعاني، والبلاغي يعلّم أسرار اللّغة وتميّز أساليبها. وفي هذا السّياق (1/24)
صفحة 24
يقول ابن الأثير: (البلاغي والنّحوي يشتركان في أنّ النّحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللّغوي، وتلك دلالة عامّة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدّلالة، وهي دلالة خاصّة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء الإعراب) " (1)
تضافر النّحو مع البلاغة في الدّرس اللّغوي، يقدّم الدّلالة المعنويّة الحقيقيّة للألفاظ ملفوفةً في ثوب قشيب بديع، يبرز حسنها وبهاءها، وجماليّتها التي تحتويها، وبذلك يستمتع المعنيُّ بهذا الدّرس بنشوة استكناه لبّ الكلمة وما يختزن بداخلها، هذه العمليّة تعين ذوقة على النّموّ والسموّ، والرقيّ ...
6 – أفضل طريقة لتحصيل اللّغة وتحصينها هي معرفة القضايا النّحويّة في تفاعل تامّ مع القضايا الأخرى البلاغيّة والصّرفيّة داخل السّلسلة الكلاميّة، بعيدًا عن القواعد الجافّة والتّقديرات الافتراضيّة .. إنّ ما يثقل كاهل المتعلّم، ويتعب نفسه ويرهقها ويزرع فيها الملل والاشمئزاز من تعلّم اللّغة ... ما يجده من جفاف في أساليب تعليمها، وجمود في طرق تلقينها، والإكثار من التّهويمات والافتراضات اللّغويّة؛ فتغدو اللّغة أمامه قوالب جاهزة جامدة، أو قواعد صارمة مفترضة، يتعب عقله في إدراكها، ويشقى خياله في تصوّرها .. بينما حين تقدّم هذه القواعد في تفاعل وتلاقح وتناغم وتحاور مع بقيّة فروع اللّغة، فإنّ هذا التّفاعل ينتقل إلى داخل نفس المتعلّم فينفعل انفعالا إيجابيًّا، يدفعه إلى البحث عن أسرار هذه اللّغة ومقوّماتها، ومنها الجمال الذي يقبع داخلها؛ بفضل المعارف التي تمدّه بها فروع اللّغة المختلفة. يقول الدّكتور محمد القاسمي، بعد أن عاب على المناهج التّربويّة في مختلف المستويات التّعليميّة الفصلَ في الدّرس اللّغوي بين هذه الفروع: " ... فالبلاغي محتاج قبل تحليل النّصّ الفنّي والكشف عن أسراره الجماليّة إلى معرفة اللّغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وتركيبها، فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم، وهذه المعرفة تحصل له من علم اللّغة والنّحو، فإن حاول تكلّم اللّغة من دون هذه المعرفة الضّروريّة كان كلامه كما قال الحطيئة وهو يتحدّث عن الشّعر: (يريد أن يعربه فيعجمه)، ولكنّه إذا علم اللّغة والنّحو والصّرف فإنّه يستطيع أن يعبّر عن حاصل المراد وأصل المعنى." (2)
__________
(1) - الدّكتور محمد القاسمي، " تفاعل النّحو والبلاغة في تحصيل اللّغة العربيّة "، كتاب: العربيّة الرّاهن والمأمول، منشورات المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر، 2009م، ص: 449. ينظر ابن الأثير، المثل السّائر في أدب الكاتب، ج1، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة العصريّة للطّباعة والنّشر، صيدا، لبنان، 1990م، ص: 39.
(2) - اللّغة العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 449. يفرّق الدّكتور شكري فيصل بين تعليم اللّغة واكتسابها. يقول: " اكتساب اللّغة لا تعليمها .. والاكتساب لا يكون في ساعة واحدة من ساعات اللّيل والنّهار، ولا يكون في بيئة ضيّقة صغيرة، إذا قيست بالبيئات الطّويلة العريضة، التي يتقلّب فيها الإنسان العربي. اكتساب اللّغة هو معرفة أقصر الطّرق إلى ممارستها في كلّ حالات الوجود اليومي، وفي كلّ المواقف والمواقع .. وما نفعله الآن لا يعدو أن يكون تعليمًا جزئيًا، يرمي به الطّالب فور خروجه من قاعة الامتحان .. هذا إذا استطاع أن يحمل منه شيئًا." (الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع "، كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1990، ص: 44.) (1/25)
صفحة 25
نادى بهذا المطلب منذ القديم عبد القاهر الجرجاني، فقد نبّه إلى ضرورة توسيع أفق النّحو وتطويع أدواته، حتّى يُتمكَّن من اكتشاف مواطن الحسن والجمال في اللّغة. ما نبّه إليه عبد القاهر الجرجاني يبيّن مدى ارتباط فروع اللّغة العربيّة ببعضها، وكذلك يثبت دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الأدبي. فدراسة البلاغة مثلا ضمن فضاء النّحو، وقيامها على دعائمه ييسّر وينتج سبل إدراك الجمال والحسن. (1)
7 – في حصّة القراءة التي تقرّر للتّدريب على القراءة الصّحيحة، وفي الوقت نفسه تعرض فيها نصوص ذات طابع معرفي، تستغلّ الفرصة لتنمية القاموس اللّغوي للتّلميذ، تختار النّصوص الرّاقية التي لها طابع أدبي، ويستطيع التّلميذ استيعاب معانيها، والاستمتاع بها، سواء كانت شعرًا أم نثرًا أم قصصًا، وتتميّز بمستوى إبداعي، يتناول الجانب الجمالي .. ويجب أن نحبّب للتّلميذ قراءة النّصوص الأدبيّة قراءة جيّدة مؤثّرة فيه، ونختار له هذه النّصوص من الأدب الرّاقي من عيون الأدب قديمه وحديثه؛ حتّى ينجذب إلى الأدب واللّغة، وتتكوّن لديه حاسّة التّذوّق الرّقيقة السّليمة ..
8 – يفول الدّكتور محمد القاسمي: " القضيّة الرّئيسيّة التي يواجهها معلّم اللّغة العربيّة ومتعلّموها على حدّ سواء تكمن في تدريس قواعد هذه اللّغة، والطّريقة التي تقدّم بها تلك القواعد في عمليّة التّعليم. فالطّريقة التي تقدّم من خلالها القواعد العربيّة لطلاّبنا في مختلف أسلاك التّعليم لا تخلو في أغلب الأحيان من التّكلّف والصّنعة والتّلقين الأجوف من جانب المدرّس، ومن الحفظ الخالص من جانب المتعلّم، في غياب تام لتحليل النّصوص الفنّية، أو محاورتها؛ بهدف تذوّقها واستجلاء عناصر الجمال المستكنَة فيها. ويضاف إلى ذلك أنّ المدرّسين وخاصّة في شعب اللّغة العربيّة في مختلف الجامعات المغربيّة يعتمدون بشكل مطلق، وفي معظم المجالات على اجترار التّراث اللّغوي، كما جاءت في متونه القديمة، وفي غياب تام لمحاورة ذلك التّراث وتبسيطه بطرق جديدة ولغة جديدة، تتناسب ومتطلّبات العصر. فالأمثلة ما زالت في درس النّحو تدور حول علاقة زيد بعمرو، وفي دروس البلاغة عن الشّاهد
__________
(1) -ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، 1960م، ص: 67. ومحمد القاسمي، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 450. (1/26)
صفحة 26
الشّعري كما وقف عنده البلاغيّون القدماء. " (1) ما هو مطلوب هو: تعديل طرق تدريس اللّغة العربيّة: مضمونًا ومنهجًا.
9 – " إذا كان تر اثنا الأدبي: شعرًا ونثرًا، يحتوي على كنوز ونفائس في هذا المجال، فإنّ تحبيب الدّرس اللّغوي إلى نفوس النّاشئة يحتّم علينا أن نقوم بالانفتاح على التّيّارات والثّقافات الأدبيّة التي تشتمل على إرث إنساني أصيل، وعطاء حضاري متجدّد، بدل اجترار أمثلة وشواهد ونصوص لا علاقة لها بواقعه وهمومه." (2)
هذا المطلب يضمن للّغة العربيّة الحياة والدّيمومة؛ لأنّها به تتغذّى بما يستجدّ من المقوّمات التي تتفاعل معها، وتحاول التّكيّف معها (من دون التّخلّي عن خصائصها) فالأصالة والمعاصرة مقوّم حياة ومقاوم للفناء. هذه إحدى القواعد التي تجذب النّابتة إلى لغتها، وتغرس فيها حبّها والحماسة لها، وهذا أيضًا نتاج الذّوق السّليم الرّهيف ..
أختم هذا المبحث بالإشارات الآتية التي تخصّ من يتولّى تدريس اللّغة العربيّة، وهي تخدم موضوعنا المتعلّق بدور اللّغة العربيّة في الارتقاء بالذّوق الأدبي:
1 - الحرص على تعليم اللّغة العربيّة بإتقان، وتسهيل عمليّة تعلّمها، وتحبيبها لدارسيها.
2 - مراعاة عمليّات الفهم والتّذوّق والنّقد، وعدّها جزءًا أساسًا في الدّراسة.
3 – عدم إهمال الموضوعات الوصفيّة في الأدب والقراءة والتّعبير. فميزتها أنّها تكوّن الذّوق وتنمّيه، وتوسّع الخيال، وتدفع إلى التّأمّل وإعمال الفكر، وتثير المشاعر، وتحرّك الوجدان ... أي هي تجمع بين تنمية ما ينتجه العقل وما ينطلق ويخرج من الجنان.
4 – إقامة أنشطة خارجيّة غير صفيّة، ممّا يُعَدّ وسائل مساعدة في التّعلّم: رحلات علميّة، عقد ندوات متنوّعة في مضامينها، تخصيص لقاءات أدبيّة للتّدريب على الأنشطة اللّغويّة والأدبيّة، كتابة مقالات، إلقاء خطب، مناقشة موضوعات، تنظيم مناظرات ... القيام بكلّ ما يخدم المواد التي يدرسها الطّلبة في الصّفّ، ويعين على تطبيقها. في هذه الوسائل تنويع في طرق التّلقّي والتّكوّن، وكسر للرّتابة والرّوتين والجمود والنّفور ... وهي غير الحالات التي قد تتطلّبها الدّراسة الصّفيّة. (3)
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 448.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - تراجع تجربة معهد الحياة بالقرارة، الجزائر، في هذا السّبيل. ينظر محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1389هـ/ 1969م، ص: 119 – 220. (1/27)
صفحة 27
5 – معالجة الكتابة والتّدريب عليها في أبعادها الأربعة: الخطّ والإملاء، والتّعبير، والتّحرير، كلّ واحد من المجالات يراعي اللّغة، ويهدف إلى التّكوّن في الأدب، وتنمية حاسة الجمال في النّفس، إذا طبّقت تطبيقًا جيّدًا، وروعيت فيه الأهداف المنوطة به.
على العموم إنّ الغرض الأساس من تدريس اللّغة العربيّة – بخاصّة – في المدارس بمختلف مستوياتها هو أن يتمكّن المتعلّم أن يفهم ما يقرأ فهمًا صحيحًا، وأن يعبّر عن أفكاره وعواطفه تعبيرًا دقيقًا سليمًا، وأن يعدّ نفسه ويستعدّ ليشارك في الحياة العامّة بلغة جيّدة .. كلّ ذلك يوفّره حسن التّعامل مع اللّغة، من ذلك تكوين ملكة التّذوّق، وحسن معرفة خصائص اللّغة العربيّة، وإتقان منهجيّة الإفادة من الدّرس اللّغوي. فاللّغة العربيّة تعدّ " إحدى الوسائل المهمّة في تحقيق المدرسة لوظائفها المتعدّدة؛ لأنّ اللّغة أهمّ وسائل الاتّصال والتّفاهم بين التّلميذ وبيئته، وهي الأساس الذي تعتمد عليه تربيته من جميع النّواحي، كما يعتمد عليه كلّ نشاط يقوم به، سواء كان ذلك عن طريق الاستماع والقراءة، أو عن طريق الكلام والكتابة." (1)
يقول الدّكتور نهاد الموسى: " ... وهذه المستويات الثّلاثة (الثّقافيّة والإبداعيّة والمعرفيّة) تمثّل مادة التّعليم لتحقيق المعرفة اللّغويّة الخالصة والمهارات اللّغويّة الأساسيّة، وربط تعليم اللّغة بالحياة التي يعيشها التّلميذ لتكون صورة تترجم عن مشاهد بيئته وفعاليّتها ومظاهر الحياة الإنسانيّة وأحوالها من حوله،؛ ليتيقّن من جدوى اللّغة العربيّة في حياته الإنسانيّة والمعاصرة في تكوين القدرات النّقديّة، وتنمية الذّائقة الأدبيّة، وإطلاق الطّاقات الإبداعيّة لديه (كم في الكتابة الإبداعيّة) والمحاورات التي تنبئ عن اجتهاد في الرّأي واتّخاذ موقف فكري مستقلّ، وخاصّة في محاكمة ما تلقيه إلى المتعلّم القنوات الفضائيّة والمشاهد الإعلاميّة في الأنترنت بمرجع ثقافي، يمكّنه من الفرز وميز الغثّ والزّبد من السّمين والنّافع. " (2)
6 - يظلّ الذّوق والإبداع والنّقد والفعاليّة والتّنمية ... عناصر مرتبطة باللّغة، ومن إفرازاتها؛ ممّا يؤكّد دورها الكبير في الارتقاء بالعمل والأداء في مختلف الأصعدة والمستويات، وبخاصّة في مجال الأدب الذي يتيح لها الفرصة لكي تنتج وتستثمر طاقاتها وإمكاناتها. وهي بدورها تفيد الأدب؛ إذ " تمدّ الأديب بوسائل التّزويق والتّزيين في الألفاظ والمعاني، وتقدّم له الزّخارف بجميع أنواعها، من صوتيّة ولفظيّة ... " (3)
__________
(1) - أساسيّات تعليم اللّغة العربيّة، ص: 27.
(2) - الدّكتور نهاد الموسى، " تعليم اللّغة العربيّة، رأي في واقع الحال ورؤية في أفق الآمال "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 484، 485. عن المستويات التي يجب مراعاتها في تعليم اللّغة العربيّة ينظر رأي الدكتور نهاد، المرجع نفسه، ص: 481 – 485.
(3) - مصطفى لطفي، اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ط1، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1976م ص: 197. (1/28)
صفحة 28
هذا أحد المظاهر الذي يبيّن دور اللّغة العربيّة في الارتقاء بالذّوق الأدبي؛ لأنّ الاستعمال الصّحيح لهذه الإمكانات يخضع للذّائقة الأدبيّة التي يتوفّر عليها الأديب، فتهديه إلى حسن استعمال الزّخارف الصّوتيّة واللّفظيّة من دون الشّطط فيه؛ فلا يبتعد الفنّان عن روح الأدب الحقّ، ويصبح ما ينتجه لهوًا أو عبثًا، أو عملا لا طائل منه.
7 – تحتاج اللّغة العربيّة إلى توفير وسائل كافيّة لتعلّمها وإتقانها، ومعرفة خصائصها وأسرارها، وتذوّق جماليّاتها ... فإنّ ذلك يعين على النّموّ الفكري والوجداني والنّفسي للمتعلّم، فينجذب إليها، ويرغب فيها، ويرتبط بها. يقول أيمن مصطفى حجازي عن اللّغة العربيّة هي: " ... أداة تعبيريّة طيّعة حيّة، تبلغ ذروتها حين يعمد النّاطقون بها إلى التماس الجمال الفنّي في تعبيرهم بها، وفي التّألّق والازدهار والقوّة والقدرة على مسايرة ركب التّقدّم في كافة الميادين." (1)
8 - ارتباط اللّغة بالأدب ارتباط عضوي، في مجال التّكوين والإعداد، أي لا يمكن النّجاح في عمليّة الارتقاء بالجانب اللّغوي في الفرد ما لم تَتَسَيّج بالأدب، وتستند إليه. إنّ الأدب: " تعبير مبدع عن الذّات بلغة مؤثّرة، أو إعادة صياغة للحياة بلغة مؤثّرة. فنلاحظ أنّ اللّغة عنصر أوّلي وأساسي في الأدب، إذ لولاها لكان التّعبير عن الذّات بطريفة أخرى كالرّسم، أو النّحت أو الموسيقى .. وهذه فنون غير فنّ الأدب، مع أنّها تلتقي في التّعبير عن الذّات ... " (2)
يقول الدّكتور محمد القاسمي: " ... ومن هنا فإنّ تقوية مناعة اللّغة العربيَة وتحبيبها إلى نفوس الطّلبة في مختلف مراحل التّعليم تتطلّب جانبين أساسيّين: الجانب اللّغوي العلمي والجانب الأدبي الفنّي. ولا شكّ أنّ تفاعل المادة العلميّة اللّغويّة بالمادة الأدبيّة بشكل يرتبط فيه التّراث بالحداثة، والأصالة بالمعاصرة، ثمّ تكاملهما في أيّ درس تربوي، من شأنه أن يمنح الدّرس اللّغوي نفسًا جديدًا، وإقبالاً كبيرًا من جانب الطّلاّب والمتعلّمين بشكل عام. وذلك لأنّ روافد العلوم اللّغويّة تمكّن الطّالب من تناول فروع اللّغة ومستوياتها المختلفة بالدّرس والتّحليل؛ وَفق منهجيّة تربويّة منظّمة. كما أنّ روافد الدّراسات الأدبيّة تمكّن الطّالب من تناول الجوانب الجماليّة للغة، وما لها من تأثير فاعل على نفوس الطّلبة ووجدانهم .... " (3) فدرس الأدب ضروري لتعلّم اللّغة العربيّة، وتذوّقها والانجذاب إليها.
الأدب ودوره في تعلّم اللّغة والتّفقّه فيها
تكشف اللّغة العربيّة حقيقتها، وتُظهر جمالها في النّصوص الأدبيّة، وتبرز حسنها في درس الأدب، لهذا كان الأدب مجالاً أساسًا وتربة خصبة لترعرعها ونموّها وتطوّرها، واستكناه حسنها. والأدب يمكّن الكلمة من القوّة في البروز وبيان ما تمتلك من خصائص، فتؤثّر في المحيط بجمالها ورونقها. يقول الدّكتور جودت الرّكابي: " والأدب ذو أثر فعّال في تربية الشّعوب، وتكوين الأجيال. وبالكلمة الجميلة نحارب القبح والظّلم لنبني عالم الخير والجمال؛ ولذا كان الأدباء دومًا مشاعل هداية تنير للعالم الطّريق نحو الحياة المثلى." (4)
يرى الأستاذ مصطفى لطفي: " ... الأفضل أن نقول: إنّ العمل الأدبي بناء لغوي، يستغلّ كلّ إمكانات اللّغة الموسيقيّة والتّطويريّة والإيحائيّة؛ لينقل إلى القارئ خبرة جديدة متأثّرة بالحياة." (5) ويقول أيضًا: " الأسلوب ليس مجرّد طريقة للكتابة، يتعلّمها من يشاء، بل هو صورة لغويّة، تنقل بدقّة العواطف والأفكار الخاصّة بالكاتب ... " (6)
هذه هي العلاقة بين الأدب واللّغة، إنّهما مترابطان ومتداخلان أو مشتركان في أداء وظيفة النّقل والتّبليغ، أو لنَقُل كلّ منهما يحتاج إلى الثّاني في هذا المجال.
تحقيقُ هذه الغاية، والوصول إلى الأهداف المنشودة والمنوطة بالأدب - الذي ينطلق من الكلمة، وينبني على اللّفظ - وتجسيدُ هذا المفهوم للأدب المرتبط باللّغة، يحتاج إلى عنصر مهمّ في عمليّة البناء الأدبي هو " التّذوّق
__________
(1) - أيمن مصطفى حجازي، " مستقبل اللّغة العربيّة ورهانها في ظلّ العولمة "، كتاب: العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 785.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 27.
(3) - العربية الرّاهن والمأمول، ص: 448.
(4) - الدّكتور جودت الرّكابي، طرق تدريس اللّغة العربيّة، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م، ص: 173.
(5) - اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ص: 197.
(6) - المرجع السّابق، ص: 199. (1/29)
صفحة 29
الأدبي ". يقول جودت الرّكابي: "عندما نتحدّث عن الأدب وطريقة درسه ونقده، نأتي على ذكر تعبير (التّذوّق الأدبي)، ويقصد به في عرف الأدباء والنّقاد تلك الملكة الموهوبة التي يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائي، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه، أو تلك الحاسّة الفنّيّة التي يهتدى بها إلى تقويم العمل الأدبي وعرض مزاياه وعيوبه، وملكة التّذوّق لا تحصل بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين التي استنبطها أهل البيان، ولكنّها تكتسب بممارسة الكلام الجيّد والتّفطّن لخواصّه ومزاياه، مع توافر الاستعداد، واستجابة الطّبع. " (1)
اللّفظة تختزن طاقات هائلة كامنة فيها، تحتاج إلى من يفجّرها بالأساليب والطّرق المناسبة، والأدب مجال كبير وفسيح لتفجير هذه الطّاقات. من جملة ما تخفيه اللّفظة وتضنّ به الإيحاءُ، الذي لا تسمح بظهوره إلى على يد الأدب، ولا تمنح فرصة امتطائه إلاّ على صهوته، فالإيحاء يسمح بالكشف عن وجه من وجوه الحسن والجمال والقوّة في اللّفظة منتظمةً في خيط مع زميلاتها؛ لتكوّن نظمًا محكمًا يُبين عن المكنون، ويفصح عن الأفكار، ويفضح المشاعر، ومن جماع ذلك يتقدّم المتلقّي ليتملّى الرّواء والبهاء اللّذين يقدّمهما الإيحاء، بواسطة الذّوق السّليم. يقول مصطفى لطفي: " أمّا ميزة اللّغة حين تستخدم استخدامًا أدبيًّا، فهي أنّها إيحائيّة، لا تكتفي بالقول والتّعبير، بل تهدف إلى التّأثير في القارئ وتوجيهه، وتحويله من موقف إلى موقف، وإقناعه وتغييره تغييرًا تامًّا. إنّ كلّ لغة لها إمكاناتها، والعمل الأدبي يستغلّ أكبر قدر ممكن من هذه الإمكانات بصورة تبعده عن الانصباب في قوالب جامدة وأشكال هندسية، لا محيد عنها، وتقرّبه من التّطوّر النّامي الذي يزخر بالحيويّة والحركة." (2)
يحمل النّصّ الإشارات الآتيّة:
1 – طاقات اللّغة الكامنة يفجّرها الأدب، وعلى رأس هذه الإمكانات الإيحاء.
2 – العمل الأدبي الصّحيح يبعد عن الجمود، ويحمي من البقاء أسير قوالب جاهزة، بل يعين على التّطوّر الإيجابي النّامي.
3 – اللّغة الإيحائيّة تؤثّر في المتلقّي، وتبعث فيه القابليّة للتّغيّر لمسايرة تطوّر الحياة، والتّأقلم مع المتغيّرات.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 182.
(2) - اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ص: 196. (1/30)
صفحة 30
4 – اللّغة المتدثّرة بالأدب تفعل فعلها السّحري في النّفوس والقلوب والعقول. كلّ هذا لن يحدث إلاّ إذا أحاطه ورفده تذوّق أدبي فنّيّ سليم، يدفع إلى الولوج إلى داخل النّفس والغوص فيها؛ فاللّغة رموز لحالات نفسيّة، ومادة فكريّة ..
لماذا يقدر الدّرس الأدبي على تفجير طاقات اللّغة، ويعين على الارتقاء بالذّوق إلى الدّرجات العالية؟ لأنّ: "الدّرس الأدبي أداة من أدوات التّهذيب الرّفيع الذي يصقل الإحساس، ويرهف المشاعر، وينقّي الوجدان، ويتاخم مكارم الأخلاق، كما أنّ الدّرس الأدبي النّاجح يسمو بصاحبه إلى مزيد من التّطلّع إلى آفاق الفنّ الأدبي العالية ... " (1)
ماذا نجد؟ أو على ماذا نقف؟ وماذا نفيد من الدّرس الأدبي؟؟: تهذيب القول، صقل الإحساس، إرهاف المشاعر، تنقية الوجدان، اكتساب مكارم الأخلاق ... كلّ هذه المظاهر أو هذه النّتائج تجمعها صفة الجمال والحسن، الذي هو مظهر الإتقان.
هذه الثّمرات هي من نتاج التّذوّق الذي يوفّره الدّرس الأدبي. وهو ما يطلب في تناول النّصوص الأدبيّة، وفي التّدرّب والتّمرّس على إدراك الجمال، والارتقاء بالذّوق الأدبي إلى آفاق عالية، والسّياحة به في فضاءات فسيحة.
5 - نضيف إلى ما ورد في النّصّ التّنبيه أو الإشارة إلى أنّ اللّغة الأدبيّة تتجاوز المدلولات الذّهنيّة المجرّدة إلى آفاق تخيّليّة تتّكئ على الصّورة والإيحاء، ولا تقتصر على نقل المعنى، وإنّما تتعدّاه إلى الإيحاء به، فاللّغة الشّعريّة لغة خاصّة وظيفتها تجاوز حدود العبارة الظّاهرة، لها القدرة على التّأويل، وإظهار المعنويات في صورة موحيّة وتجسيدها. ولتحقيق هذه المهارة ينبغي على المعلّم أن يتناول فكرة من النّصّ ويناقش التّلاميذ في معانيها الحقيقيّة ويبيّن المعاني المجازيّة، وتأثير ذلك في تجسيد المعنويات، والأهداف البعيدة التي يرمي إليها النّصّ، وإجراء الموازنات بين نصّ وآخر، شبيه به لبيان الفرق بين النّصين في إظهار المعنى، وأسلوب استخدام الكاتب للرّمز، وتأثير ذلك الاستخدام على إبراز المراد (2)
__________
(1) - في الدّراسة الأدبيّة، تذوّق النّصّ الأدبي، ص: 9.
(2) - ينظر موقع منتدى وادي العرب الجزائري http: ||www.wadilarab.com المقال بعنوان: " مهارات التّذوّق الأدبي وأساليب المعلّم وإجراءاته لإكساب التّلاميذ تلك المهارات". (1/32)
صفحة 31
للأدب - إذن - دور كبير في الكشف عن اللّغة، من يقوم بهذا؟ الأديبُ الفنّان المبدع. قال" كارليل " عن رجل الأدب: هو " نور الدّنيا وكاهنها الذي يقودها، كأنّه عمود النّار المقدّس، في جوّها المظلم خلال هباء الزّمن، وفضاء الأحقاب. " (1)
يقول محمد المبارك: " أذكر أنّي قرأت كلمة لأحد كبار نقّاد الأدب الفرنسي في معرض تعريفه للأدب الأصيل، المسمّى بالفرنسيّة Classique خلاصتها: أنّ روائع الأدب الأصيل في أمّة هي تلك التي تجلّى فيها – في فترة من فترات تاريخ أدبها - الأصيلُ من خصائصها، والنّقيّ الصّافي من صفاتها، والخالد الباقي من روحها، والرّفيع من مزاياها. فلا تزال في تاريخ أدب تلك الأمّة منهلاً يرتاده القاصدون، ومرتعًا ينتجعه الرّوّاد النّابغون .. " (2)
لهذه القيم التي يحملها الأدب فإنّ من ينتسب إليه، ومن ينتج ويبدع فيه يجب أن يعرف دوره ورسالته وهو يتحرّك في حرمه، ويدرج في رحابه، ويقود سفينته، ويسير بالنّاشئة في مضماره .. لابدّ أن يعرف أوّلا الأهداف التي ينبغي أن يحقّقها بالأدب، ثمّ الصّفات التي يجب أن يتحلّى بها وهو يبني بنيان النّابتة الأدبي باللّغة.
الأهداف التّربويّة من تدريس النّصوص الأدبيّة أو الأدب
1 - تنمية المعلومات والمعارف في الطّالب، وتوسيع أفقه الثّقافي. 2 – تنمية ثروته اللّغويّة. فإنّ زيادة الذّخيرة اللّغويّة فيه تساعده على حسن فهم المقروء والمسموع أو الزّيادة فيه، والقدرة على استعمال ما يحصل عليه منهما. 3 – تنمية قدرته على القراءة الصّحيحة المعبّرة، وتنمية مهاراتها. 4 – اتّصاله بالتّراث الأدبي في عصوره المختلفة، وتمثّله والتّزوّد من قيمه الفنّية والمعنويّة؛ لذا يُعتمَد في المرحلة الثّانويّة (3) على النّصوص الأدبيّة المختارة بعناية من العصور المختلفة، والتّركيز على التّحليل الفنّي لتنمية الذّوق الجمالي في الطّالب. 5 - إثارة وجدانه، وإرهاف شعوره، وتحريك عاطفته. 6 - تنمية الذّوق الأدبي. 7 – تنمية القدرة على النّقد. 8 – تنمية القدرة على استخراج الصّور البيانيّة من الآثار الأدبيّة. 9 – تنمية إدراكه للقيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة
__________
(1) - أساسيّات تدريس اللّغة العربيّة، ص: 222.
(2) - دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ص: 90.
(3) - لأنّ الطّالب في هذه المرحلة يكون قد بلغ المرحلة التي يتفتّح فيها وجدانه، وعاطفته تكون قابلة لأن تتلقّى ما ينمّيها، وبذلك يكون قادرًا على تلمّس ما يقدّم له في درس الأدب وما يهذّب وجدانه، وينقّي شعوره، ويصقل ذوقه وينمّيه، ويرهف إحساسه ... (1/33)
صفحة 32
والأدبيّة والجماليّة. 10 _ تمكينه من الكتابة بأسلوب أدبي جميل، تظهر فيه سلامة التّفكير، والقدرة على المناقشة والتّذوّق والإبداع. 11 - إثارة النّزعات الشّريفة في نفسه، 12 – تنمية الإحساس بالحياة فيه، والتّعبير عنها. 13 – فهمه للحياة ورؤيتها بوضوح ووعي في آثار الأدباء, فيتجاوب معهم، ويستمتع بالمظاهر التي تنقلها عيون الفنّانين، فيشعر بمتعة فنيّة مع كلّ ذلك. .. (1)
باختصار ما يجنيه دارس الأدب بتطبيق هذه الأهداف: متعلّمًا أو معالجًا للنّصوص الأدبيّة، هو التّمتّع بما في الأدب من جمال الفكرة وجمال العرض، وجمال الأسلوب، وموسيقى اللّغة والإيقاع والسّجع والقافية, ثمّ السّموّ بالذّوق الجمالي الأدبي وتنميته؛ نتيجة قراءة الأدب الجميل، أو سماعه، فتتربّى في الفرد عاطفة حسّاسة وقويّة، تؤثّر فيما يتخيّره من الأدب لقراءته، أو ما ينتجه هو من أدب.
يحصل هذا - أيضًا - حين يدرك الفرد المتذوّق للأثر الأدبي أهميّة الكلمة في النّصّ. يضيف الدّكتور نهاد الموسى: " ... إنّ موقف المتعلّم هنا يتمثّل في تذوّق هذه الأعمال (التي يقرؤها) وتفسيرها، كما يتمثّل في قراءتها قراءة إضافيّة، يصبح فيها متلقيًّا منشئًا في آنٍ معًا. فإذن يصبح المتعلّم يمارس نشاطًا إبداعيًّا، يستثمر فيه ما استدخل من هذه النّماذج، فيضع لنفسه مذكّرات أو سيرة ذاتيّة، أو يحاول شعرًا أو نثرًا، أو كتابة قصّة أو مشهدًا تمثيليًّا " (2)
ماذا نقرأ في هذه الأهداف؟ نقرأ فيها:
1 - التّنمية المتنوّعة لشخصيّة الفرد المعنيّ بالإعداد لخوض معترك الحياة بقوّة.
2 – تمكين المكوّن بقدرات مختلفة.
3 – التّكوين في الجانب اللّغوي والفنّي.
4 – التّزوّد بالقيم والمضامين التي يتضمّنه ويحتويه التّراث، وإحكام الصّلات به.
5 – التّدريب على التّحليل والمناقشة، وحسن التّحاور مع النّصوص.
6 - غرس قيم الجمال والإحساس والنّقد في النّفس.
7 – تنمية الذّوق الأدبي الذي يسوق الفرد إلى تملّي الجمال والحسن في الآثار الأدبيّة.
__________
(1) - ينظر أساسيّات تدريس اللّغة العربيّة، ص: 231، 232. وطرق تدريس اللّغة العربيّة، ص: 174 – 176.
(2) - اللّغة العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 484. (1/34)
صفحة 33
كلّ هذه القدرات وهذه المكاسب – التي هي أهداف منوطة بالدّرس الأدبي – تنطلق من اللّغة، وتُبنَى بها. هذه إحدى الوشائج التي تربط اللّغة بالأدب، وتصل بينهما بقوّة وشدّة في منهج الإعداد العلمي والتّربوي للفرد. يبيّن هذا أنّ تدريس اللّغة عن طريق الأدب يكوّن الذّوق، وينمّي الإحساس، ويوفّر فرص إدراك الحسن والجمال في النّصوص ... عن طريق التّمثّل والهضم والتّفاعل في الدّرس الأدبي واللّغة التي كتب بها ..
هذه بعض الأهداف المنوطة بالدّرس الأدبي. ومن يقوم بتحقيقها هو مدرّس الأدب. هناك دور آخر يقوم به الأديب الفنّان. فما هو هذا الدّور؟ وما الشّروط المطلوبة فيمن يقوم به؟
إنّ الدّور الخطير الذي تقوم به الكلمة المعبّرة واللّغة الرّاقية تتطلّب من المبدع والمتلقّي شروطًا أو مطالب لتحسين الأداء، وحسن التّلقّي:
1 – أن يكون ملمّا بأسرار اللّغة وواقفًا على دلالاتها، وفقيهًا بحقيقتها، وواعيًا بدورها في سيرورة الحياة .. ؛ لينجح في استنفاذ ما فيها من طاقات تعبيريّة، واستثمار ما لها من إمكانات تصويريّة ... ليتمكّن من الملاءمة بين مشاعره الفيّاضة المتدفّقة، وأفكاره المتنوّعة المتداعية، وإيجاد الانسجام والتّناغم بين اللّغة المستعملة ومواقفه وأهدافه المنشودة بهذه اللّغة. وقد قيل: " إنّ الشّاعر الذي لم تسلم إليه اللّغة أسرارها لأعجز من أن تثير أيّ حالة شعوريّة. " (1)
2 – كي يرتقي الفنّان إلى مستوى مكانة اللّغة، ويوفّق إلى تحقيق وظيفتها: في الإفصاح عن المكنون من المشاعر، وبلوغ الغاية في نقل الأفكار إلى الآخر وغير ذلك ... عليه أن يحذق كيفيّة استغلال كلّ صفة في اللّغة: تنوّعِ دلالاتها، وموسيقى ألفاظها، والظّلال التي تمدّها، والإيحاء الذي تمنحه للماهر في اللّغة، وذلك من خلال ما توفّره بانسجام حروف ألفاظها، ووَفق اتّساق كلّ لفظة بأخرى مجاورة لها، في نظم محكم بديع ... (2) فالأدب أداة للكشف عن عالم الكلمة، ووسيلة لبيان غناها، والفنّان كما يقال: مطالب بالتّعامل مع الكلمة على أساس الكشف عن أسرارها وما تختزنه في أعماقها، وما يمكن أن تحمله من دلالات. ولهذا قيل عن الشّعر، (والقول ينطبق على الكتابة الفنّية بعامّة): " هو استكشاف دائم لعالم الكلمة، واستكشاف دائم للوجود عن طريق
__________
(1) - ينظر يحي الشّيخ صالح، شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، دراسة فنّية تحليليّة، رسالة ماجستير (مخطوطة)، معهد الآداب واللّغة العربيّة، جامعة قسنطينة، الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1984 - 1985م. ص: 347. طبعت الرّسالة سنة 1987م.
(2) - ينظر محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)،ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 128. (1/35)
صفحة 34
الكلمة، ومن ثمّ كان الشّعر هو الوسيلة لغنى اللّغة، وغنى الحياة على السّواء، والشّعر الذي لا يحقّق هذه الغاية الحيويّة لا يمكن أن يسمّى شعرًا بحقّ ... " (1)
إنّ الكلمة غنيّة، لكنّ غناها يبقى كامنًا، غير ظاهر، وغير متيّسر لكلّ النّاس الكشفُ عنها. والأديب الفنّان الماهر هو تكون له القدرةُ على القيام بهذه المهمّة. هنا تبدو مسؤوليّته كبيرة في هذه العمليّة. هذا ما يبيّن ويؤكّد – أيضًا - دور الأدب في إبراز حقيقة اللّغة، وفي الوقت نفسه يثبت دور الكلمة في البناء الفنّي للأثر الأدبي، فتكون الأدوار متبادلة ومتكاملة بين الأدب واللّغة.
3 – بما أنّ الألفاظ تتأثّر بالمعاني، بمعنى أنّ المضمون هو الذي يستدعي كلمات معيّنة، ينتقيها الفنّان المبدع لتعبّر عن حقيقة ما يتنبّاه من أفكار، أو ما يحمله من مشاعر، أي إنّ الكلمة هي رهن بالمعنى في بروزها، وتبوّئها مقعدًا أو مكانًا في سياق الجملة والنّصّ ... فإنّ على الأديب أن يكون مرنًا في اختيار الكلمات والتّصرّف المبدع في رسم كلمات النّصّ، وبمعنى أفصح أن تكون الكلمات منحوتة من أفكار الأديب، ومصبوغة بمشاعره، لا تبقى في دائرة اللّغة المعجميّة، أي يجب أن تبرز آثاره الأدبيّة مطبوعة بطابعه الشّخصي: " ... وإنّ هذه الألفاظ تتأثّر بالمعنى. وعلى الأديب أن لا يتشبّث بالوقائع كما هي فيسردها دون إضفاء شيء من نفسه عليها، أو دون استخراج الجمال الكامن في هذه الأشياء أو الأحداث، فإنّ تلوين الأفكار بأصباغ جماليّة ونفسيّة له أثر كبير في تقدير النّقّاد والقرّاء، وهذا التّلوين يكون عن طريق التّصوير والخيال." (2)
يقول مصطفى لطفي: " والفرق بين العبقري وسائر النّاس أنّ هؤلاء يستخدمون اللّغة كما يجدونها، وكما وصلت إليهم. أمّا العبقري فإنّه يستخدم اللّغة لأداء ما توحي إليه عبقريته من أغراض خاصّة، ويشكّلها بالشّكل الذي يتلاءم مع مواهبه وإبداعه، وبهذا تتطوّر اللّغة إلى الأفضل، على يدي الشّخصيّات الأدبيّة الخلاّقة والنّخبة الممتازة. " (3)
إذا حصل الإبداع، وتمّ استثمار المواهب في التّجديد والتّطوير، وسخّرت العبقرية في كسر الجمود وتجاوز المألوف، واستغلّت الإمكانات والطّاقات في السّير بعمليّة الابتكار قدمًا ... دبّت الحيويّة في الأوساط، وتقدّمت الحياة وسارت بخطى ثابتة صحيحة نحو الأهداف المنشودة، بل تحقيق الغرض الأساس منها، وهو عمارة الأرض بما يتلاءم مع الظّروف والمستجدّات. فالأدب يخدم اللّغة بالفنّيّات التي يمنحها لها، واللّغة تقدّم للأدب شحنات
__________
(1) - الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، ط3، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: 174.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 39.
(3) - اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ص: 195. (1/36)
صفحة 35
وقوّة ليتطوّر، بما يصنعه العبقري الذي يحسن التّعامل مع اللّغة؛ بما أشار إليه النّصّ السّابق. هذا التّناغم والتّرابط بين اللّغة والأدب في الأداء والبروز في فضاءات التّعبير والتّصوير والتّحبير يحصلان حين يكون هناك ذوق سليم، يدفع إلى حذق طرق الأداء وتحسين العمل. هكذا نقول اللّغة والأدب يعملان معًا على توفير الذّوق بينهما، بشكل متداخل متبادل دومًا. هذا ما استوحته من نصّ مصطفى لطفي.
4 - للمتلقّي دور في عمليّة الارتقاء بالذّوق الأدبي، وذلك من خلال ما يحذقه من طرق جيّدة في قراءة النّصوص؛ وَفق ما يتقنه من مناهج صحيحة في تناول الآثار الأدبيّة. هذه المهارة أو المعرفة تتيح له القدرة على تحليل النّصوص تحليلا صحيحًا، يظهر فيه الإبداع والإمتاع، يعينه على تنمية ذوقه الأدبي، فيمتاح ما في اللّغة من إمكانات وطاقات. ما دام البحث متعلّقًا ومنصبًّا على اللّغة ودورها في الارتقاء بالتّذوق الأدبي.
نأتي بأمثلة من التّأمل في اللّفظة واستعمالاتها أو وجودها في النّصّ، ومكانها في سياقه، بل دورها في التّعبير والتّصوير وإيجاد المعاني:
1 – اللّفظة المفتاح:
الوقوف على اللّفظة المفتاح في النّصّ يعين على الفهم الجيّد، والتّذوّق الفنّي، وإدراك الجماليّة ... في لفظة "القميص " وقف الدّكتور محمد علي أبو حمدة، مقدّمًا الدّلالات التي أوحي بها القميص في سياق الأحداث التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة يوسف بالتّحليل، واستخراج ما فيها من جمال فنّي، مسلّطًا عليها ذائقته الأدبيّة. وهو بذلك يمثّل نموذجًا للمتلقّي الذي وظّف عنصر " اللّفظة المفتاح " في النّصّ الأدبي. يقول الدّكتور: " ولعلّ هذا القميص كان قد لبسه إسحاق ويعقوب على نحو له مباركة سماويّة وشارة إلهيّة، تمثّل ما كان التّابوت على نحو أو آخر. ويبدو أنّ يعقوب كان قد خلع هذا القميص على يوسف تفاؤلاً بما رآه فيه من مخايل الذّكاء، ويبدو أنّ هذا القميص قد كان ممّا يلي الجسد." (1)
انطلق من هذه المقدّمة ليعرض المواطن التي وردت فيها لفظة "القميص " في آيات سورة يوسف عليه السّلام، وفي كلّ مرّة يذكر الدّلالة التي يدلّ عليها القميص في الآية، ويربطها بمجموع الدّلالات الأخرى، التي تبيّن حقيقة يوسف الفتى العفيف، الوزير المخلص، الأخ الرّحيم، الابن البار ...
" وأوّل ما يطالعنا (القميص) هو في قوله تعالى: {وَجَاؤُوا عَلى قَميصِهِ بِدمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أمْرًا فَصَبْرٌ جميلٌ وَاللهُ المسْتَعانُ علَى ما تَصِفُون} (يوسف/ 18) وإذن يكون هؤلاء الإخوة قد أخذوا
__________
(1) - في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقديّة إبداعيّة، ط2، ص: 36 (1/37)
صفحة 36
القميص الخارجي، وبقي قميصه الدّاخلي لاصقًا بجسده. فلمًا أن رأى يعقوب القميص الخارجي هو الذي عليه الدّم لم يصدّق أنّ يوسف قد أكله الذّئب، إذ كيف يأكل الذّئب يوسف بالكامل ولا يكون تقطيعه (الذّئب) لجسد يوسف وملابسه بالكامل؟ وهذا أعطى يعقوب انطباعًا أنّ قميص النّبوّة لم يمسّ بسوء. وإذن فيوسف والقميص الدّاخلي إنّما هما في مأمن وأمان. ولعلّ هذا ما يفسّر كيف أنّ يعقوب كان متأبِّيًا على كلّ الرّوايات التي قدّمت، وكان دائم التّطلّع إلى (عودة ظافرة) ليوسف والقميص أيضًا." (1)
تتبّع الدّكتور أبو حمدة الآيات التي وردت فيها لفظة (قميص) وبيّن ما تعنيه في سياق كلّ آية، وربط بينها والدّلالات التي تحملها. جاء القميص في معرض الإغواء والمراودة، فخرج يوسف بشخصيّة الرّجل المحافظ على خصائصه الفاضلة كما أراد النّسق القرآني أن يظهره." لقد وجد يوسف نفسه يهمّ مقبلاً على المرأة، ثمّ فجأة ينتفض متأبِّيًا. فهل رؤية القميص الدّاخلي الذي يلامس جسده (قميص النّبوّة) قد أعاد إليه أمانة السّرّ مع يعقوب وإسحاق؟ يبدو أن لا شيء غير هذا. يُعزِّز هذا الاستنتاجَ دورانُ التّنويه بالقميص في حكاية الحكومة بين الخصمين، ثمّ حكاية البشير ورجوع البصر لدى يعقوب." (2)
سرد محمد علي أبو حمدة مجموعة أدلّة تبيّن بطولة (القميص)، الذي أبان عن شخصيّة يوسف عليه السّلام المتماسكة القويّة الأصيلة. ففي الآيات (26 – 28) دارت لفظة (القميص) أربع مرّات. يقدّم هذا دليلاً على الرّمزيّة التي يحملها، والتي تستوقف المتأمّل في النّصّ الأدبي بالذّائقة الأدبيّة، والمتدبّر في آي الذّكر الحكيم، وتسوقه لأن يستنتج شيئًا يكون مهمًّا يختفي وراء الكلمة (القميص)، ومعنى ينتظم ويسري في التّراكيب. " فهل دوران لفظة (القميص) أربع مرّات في هذا السّياق لا تعكس أهمّية منوطة بهذا القميص؟ إنّ الذي يعرف أساليب العرب في القول لا يعوزه كبير اجتهاد كي يتبيّن الدّور (البطولي) الذي خاضه (القميص) في هذه (المعركة الجانبيّة)، وخرج (القميص) هذه المرّة أيضّا (منتصرًا) فهل كان (القميص) الذي قُدَّ من دبرٍ هذه المرّة هو قميص النّبوّة صاحب السّرّ؟ أغلب الظّن أن نعم ... " (3)
في الآية: {اذْهبُوا بِقَميصِي هذا فَأَلْقُوهُ علَى وَجْهِ أبِي يَاتِ بَصيرًا واتُوني بأهلكُمْ أَجْمعين} (يوسف/ 93) وفي الآية: {فَلَمَّا أَنْ جاءَ البَشيرُ أَلْقاهُ علَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بصيرًا} (يوسف/ 96).
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 37، 38.
(2) - المرجع السّابق، ص: 38، 39.
(3) - المرجع السّابق، ص: 38، 39. (1/38)
صفحة 37
يعلّق الدّكتور قائلاً: " وحين يتحدّث يوسف عن القميص هنا، فإنّما يتحدّث بصيغة بالغة الخصوصيّة. فهو يقول: (اذهبوا بقميصي هذا) وقوله (يوسف) قميصي، بإضافة القميص إلى ياء المتكلّم، ثمّ تأكيده باسم الإشارة (هذا) لهو في الدّلالة الكبيرة على أنّ هذا القميص يقوم الآن بدور (البطولة) وحسم النّصر لصالح معركة الحقّ. ولو لم يكن هذا القميص هو قميص النبوّة ما كان يوسف ليتحدّث بمثل هذه الثّقة بالنّتيجة في مثل قوله: {فَأَلْقوهُ علَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بصيرًا} وقد حصل: { .. أَلْقاهُ علَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بصيرًا} (1)
العثور على (اللّفظة المفتاح) مِنْ هدي التّذوّق الأدبي، والوقوف عليها في النّصّ الأدبي يساعد على فهم الدّلالات التي يحملها البناء اللّغوي للنّصّ، كما يعين على ربط أفكاره وأجزائه ببعضها، وفقه دور العلاقات التي تنتظمها، ومتابعة المآلات التي توصل إليها كلّ لفظة وكلّ تركيبة في النّصّ، كما يساعد في الحصول على الوحدة العضويّة في النّصّ ..
هذا ما جسّده الدّكتور بما قرّره في ختام بسط الحديث والتّحليل لدلالات (القميص) لفظةً مفتاحيةً في النّصّ: " وهكذا يكون (القميص) قد قام بدور كبير من أدوار البطولة، وكان وراء تأمين الاتّصالات (اللاّسلكيّة) بين يوسف من جهة وبين يعقوب من جهة أخرى، عبر لغة (الشّيفرة) التي كان يسمع بعضَ مفرداتها إخوةُ يوسف، ولكنّهم ما كانوا يقدرون على حلّ مغاليقها وفكّ رموزها. وقد كان هذا (القميص) يقوم بتأمين الاتّصالات في حدود الإمكانات البشريّة وآفاقها المتاحة لها، من تأويل وفراسة وألمعيّة واستنتاج وقياس، من غير ما وحي وإخبار إلهي. وفي ذلك ما فيه من إلهاب المشاعر وتطهير العواطف ورياضة النّفس على الصّبر، وعلى التّرقّب، وعلى الاحتمال، وعلى العزم، وعلى الشّعور بحلاوة التّقوى، ونشوة النّصر، واجتياز التّحدّيات والمصاعب والحواجز والعقبات. " (2)
الدّكتور أراد أن يبيّن للقارئ أنّ يوسف عليه السّلام بطل في الأخلاق، وقويّ في شخصيّته، أَبِيٌّ على الإغراء والإغواء، وفيّ للمبادئ ولأصحاب الفضل ... وحرص أن يشرك المتلقّي في تذوّق نظم القرآن في سرد الأحداث التي مرّت على يوسف عليه السّلام، فركزّ على أحد العناصر التي تحقّق هذه المتعة، وتكشف عن جمال الأسلوب القرآني، وهو عنصر (اللّفظة المفتاح) فتتبّع المعاني التي دلّت عليها لفظة (القميص) في السّورة، واستخلص منها بطولةَ يوسف عليه السّلام، وقهرَه لكلّ التّحدّيات والضّغوط، فانتصر في نهاية المطاف. والعمليّة
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 39، 30.
(2) - المرجع السّابق، ص: 40، 41. (1/39)
صفحة 38
ذاتها سلكها مع لفظة (الشّيطان) في السّورة نفسها (1). هذا نموذج من تأثير اللّغة في الأدب، ودورها في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي.
2 – يقول الدكتور فوزي عيسى: " إنّنا مع تقديرنا لكلّ الإشكالات المطروحة نؤمن بحتميّة دخول النّصّ من بوّابة اللّغة. فالأدب في جوهره فنّ لغوي، واللّغة هي وسيلة الأديب، كما أنّ الرّخام أو البرونز أو الفلّين هي مادة النّحّات." (2)
يعني هذا أنّه يجب على المتلقّي في معالجة النّصّ أن ينطلق من اللّغة. وممّا يركّز عليه اكتشاف صفة التّكثيف في اللّفظة وما تحمله من دلالات، وما ترسمه من ظلال وامتدادات شعوريّة، نتيجة هذا التّكثيف. نضرب مثلا بنصّ شاعر الثّورة الجزائريّة مفدي زكرياء (1326 – 1397هـ/ 1908 – 1977م) نقف معه في لفظة (نطق) التي "لها في القاموس الشّعري لمفدي زكريّاء مدلول خاصّ، فهي تعبّر عن قوّة ردّ فعل الشّعب الجزائري على الظّلم والتّعسّف وغمط الحقوق، وتشير إلى حسم الأمر باتّخاذ القرار بالزّحف، واستعمال القوّة من دون رجعة." (3) ...
نطق الرّصاص فما يباح كلام ... وجرى القصاص فما يتاح ملام
وقضى الزّمان، فلا مردّ لحكمـ
__________
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 31 – 36. سمَّى الدّكتور ما تناوله بالحبكات: " ولو شئنا أن نتبيّن ملامح هذه الحبكات الصّغرى، أو قل أردنا أن نتبيّن ملامح (الأبطال) الصّغار التي ساعدت في تطوير الأحداث بطريقة فيها نقاط تعتيم وإضاءة لكانت كالآتي: ... " (ص: 30)
(2) - الدّكتور فوزي عيسى، تحليل النّصّ الشّعري، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، مصر، 2002م، ص: 15.
(3) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، محاضرات عن الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ط1،نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م، ص: 123. القصيدة تعدّ 77 بيتًا، نظمها الشّاعر في سجن بربروس بالجزائر العاصمة. (1/40)
صفحة 39
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ... وجرى القضاء، وتمّت الأحكام
وسعت فرنسا للقيامة، وانطوى ... يوم النّشور، وجفّت الأقلام
لغة القنابل في البيان فصيحة ... وُضعت لمن في مسمعيه صُمام
و (لوافح) النّيران خير (لوائح) ... رُفعت لمن في ناظريه رُكام
و (روائح) البارود مسك (نوافـ (1/41)
صفحة 40
ــــــــــــــــج) ... سُجرت لمن في منخريه زُكام
والحقّ والرّشاش إن نطقا معًا ... عَنَتِ الوجوه، وخرّت الأصنام (1)
قال الشّاعر هذا الكلام، وأرسل هذا الخطاب من السّجن سنة 1957م، وثورة التّحرير الجزائريّة على أشدّها. بعد خذلان المنظّمة الدّوليّة القضيّةَ الجزائرية في دورتها الثّالثة عشرة، في الوقت الذي كبّد فيه الثّوّار العدوّ خسائر فادحة، وحقّقوا انتصارات متتالية، حتّى عرف هذا العام بعام الانتصارات الكبرى في الثّورة الجزائريّة (2)، بعد هذه لانتصارات قبلت الأمم المتّحدة إدراج القضيّة في جدول أعمالها. سبق هذا تشكيكُ بعض النّاس في نجاح الثّورة الجزائريّة – حين اندلعت في الفاتح من نوفمبر 1954م - في صمودها أمام القوّة الفرنسيّة العاتية، بسبب ضعف إمكانات الجزائريّين. بل هناك من سخر من خطل الثّوّار وخورهم. كما أنّ فرنسا كانت تنشر دعاية مضادة لهم، وتصوّرهم أوباشًا، قطّاع طرق، خارجين عن القانون ... كلّ هذا الكلام وهذا الهذيان، قضى عليه منطق الرّصاص والرّشاش.
إذن " حين يكون الشّاعر في حالة كبيرة أو عالية من التّوتّر النّفسي والتّدفّق الشّعوري، يكثّف من لغته الشّعريّة، ويلجأ إلى اللّغة القويّة، وإلى الرّموز، التي تختصر الطّريق بينه وبين المتلقّي، وهو ما يعينه على إيجاد صور موحيّة مؤثّرة، معبّرة عن المشاعر بقوّة، مصوّرة المواقف والمواقع بصدق. " (3)
هذه المعاني ضمّنها الشّاعر لفظة (نطق) وكثّف فيها مشاعره، وأرسلها من غياهب السّجن المظلم، لتضيء طريق النّضال للسّائرين فيه خارج المعتقل.
__________
(1) - مفدي زكرياء، اللّهب المقدّس (ديوان شعر)، ط2، منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر، 1972، ص: 42، 44.
(2) - ينظر جودي الأخضر بو الطّمين، كتابه: لمحات عن ثورة الجزائر، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1981م، ص: 61، 62.
(3) - محاضرات عن الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ص: 122. ينظر أمثلة عن توظيف الشّاعر للفظة (نطق) بتكثبف وقوّة: اللّهب المقدّس، ص: 31، 42، 44، 134. ومجلّة الأصالة (وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر)، ع: 13، مارس، أفريل، 1973م، ص: 59 ... (1/42)
صفحة 41
الذّوق العالي عند المتلقّي يعينه على اكتشاف هذه المعاني، ومعرفة مشاعر الشّاعر، وهو يغوص في النّصّ، ويربط أجزاءه ببعضها، ويجهد في إيجاد العلاقات التي تصل بين الكلمات والجمل. بهذا ندرك قيمة التّذوّق الأدبي، ونقف على دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الفنّي.
3 – تأمّل دقّة استعمال الألفاظ؛ لنقل المشاعر، والتّعبير عن الأحاسيس، وتصوير المشاهد، وإبراز الشّخصيّة ... في كتاب: " في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف" نماذج كثيرة محلّلة ومبسّطة ومعروضة ومقدّمة بعنصر التّذوّق الفنّي، الذي ينطلق من دلالة اللّفظة. نأخذ مثالا من تعليق الكاتب على الآية: {إذْ قالُوا لَيوسفُ وأَخُوهُ أحبُّ إلى أبينَا منَّا ونحنُ عُصْبَةٌ ... } (يوسف/8) " ... وأحبّ إلى أبينا منّا: تركيب بالغ الجمال، فائق الحسن. وهو تعليق ألفاظ على بعض، فيها من الانسيابيّة والموسيقى الدّاخليّة ما يجعل حروف الجرّ ذات طعم مميّز. إنّ حروف الجرّ في اللّغة العربيّة ما كانت لتكون بأحسن من مثل هذا السّياق، وهذا التّعبير، وهذه التّحوّلات في المواقف والعواطف.
وتقديم (إلى أبينا) على (منّا) واضح التّركيز على ما يعلّقه الإخوة على اللّفظة الدّالة على الأب، مركز هذا الثّقل والتّجاذب. وها هي اللّفظة الدّالة على الأب لهي في مركز القضيّة معنى، وهي في مركزها لفظًا ومساحة وتوسّطَا من الجملة، وللقارئ أن يتخيّل أوتادًا مشدودة إلى المركز والوتد الذي يمثّل الأخوين قريبًا من المركز قربًا يفوق أوتاد الإخوة (العصبة)، وواضح أنّ جملة (ونحن عصبة) جملة حاليّة من الضّمير في منّا. وقولهم: (إنّ أبانا لفي ضلال مبين) جملة عربيّة، حوت من أساليب التّوكيد وقوّة الرّأي أعلاها. إنّ: حرف توكيد، واللاّم المزحلقة للتّوكيد. والإضافة فيها عنصر التّوكيد أيضًا. والنّعت (مبين) فيه زيادة توكيد أيضًا " (1)
نقدّم مثالاً آخر من تحليل الدّكتور محمد الأمين الخضري، الذي ركّز على الدّقة في استعمال اللّفظة، والتي تنتج عنها دلالات بليغة، تربط بين المعاني التي يحملها النّسق، والنّجاح في حسن تصوير المشاعر، وتبليغها إلى المتلقّي ... يحصل هذا من حسن التّأمّل والتّملّي اللّذين ينتجان عن الذوق المرهف، ويقود إلى ترقية التذوّق. هذا المثال من عمليّة تجلية المعاني من بعض الألفاظ في سورة المدَّثِّر.
يقول الدّكتور: ... فهذا لفظ (المدّثّر)، الذي جيء به ملاطفة للنّبيّ، في مطلع السّورة، وأصله (المتدثّر) أبدلت التّاء (دالا)، وأدغمت في مثيلتها، وهي تحمل نفس المعنى، لكنّ الإدغام جسّد حالة المبالغة في التّخفّي؛ إيماء إلى شدّة الفزع. فجاء إدغام الحروف، وهو نوع من الإخفاء محاكاة للمعنى. وعلى العكس من ذلك فكّ
__________
(1) - في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، ص: 62، 63. (1/43)
صفحة 42
الإدغام في قوله (ولا تَمْنُنْ) مع صحّة الإدغام. وذلك لأنّ في الفكّ وضوحًا، وتكرار الحرف يتناسب مع حبّ الظّهور والشّهرة الذي هو معنى المنّ. وكلمة (الرُّجز) المعبّر بها عن العذاب أو الإثم، تُشيع بجرْسها وأصول مادّتها جوًّا من النّفور واستقذار المعصية؛ لأنّ من دلالتها معنى القذر، وذلك يتناسب مع الأبرار الذين تنفر طباعهم من المعاصي، وهو السّرّ الذي من أجله عُبِّر بالهجر، بدلا من التّرك في قوله (والرُّجز فاهْجر)؛ لأنّ الهجر يشي بالقطيعة والتّدابر. فإذا ما لجأ السّيّاق في التّهديد، وتعالت نذر الوعيد اكتسبت الألفاظ أردية القوّة والخشونة. فالنّفخ في الصّور يُعبّر عنه بالنَّقر في النّاقور، والنّقر هو الفزع، والمادّة بدلالتها تصوّر أجواء هذا اليوم، وما يحيط به من الأهوال، وهي بجرْسها وصيغتها تدقّ طبول الفزع وأجراس الخطر. ويختار القرآن مادّة (الرّهق) بما تحمله من معنى القهر للدّلالة على ما يلحقه الله بـ (الوليد) من العذاب في قوله (سأُرهقه صَعودًا)، وتتجاوب معها في التّصاعد بالمشقّة والإرهاق (صعودا)، حتّى لكأنّنا نرى (الوليد) ونحسّ أنفاسه المتقطّعة، وهو يتصعّد في عقبة شاقّة ... (1)
التّأمّل في اللّفظة القرآنيّة، وملاحظة دقّة استعمالها، يعين على استخراج ما تحمل من حسن وجمال، وما تتضمّن من معان عالية، وقوّة البيان الذي تشتمل عليه .. هذه العمليّة يدفع إليها الحسّ المرهف، وقوّة الإدراك اللّذان ينتجان ما يسمّى بالتّذوّق الفنّي الجميل. إذن اللّفظة إذا اسْتُكْنِهَت وغيص إلى أعماقها، وربطت بما جاورها؛ بما يدفع إليه أو يهدي التّذوّق الأدبي أثمرت مثل هذه النّتائج.
4 – من العناصر التي تبرز الجماليّة في النّصّ الأدبي، وفي نظم القرآن المبين البديع، عنصر الحبكة، التي نشدّ إليها خيوط الموضوع أو القصّة، أو الأحداث التي تحرّك المسار وكلّ ما يتّصل بمشاهدها ونسقها ... ، وهو ما يطلق عليه بعض الدّارسين بؤرة النّصّ، أو نقطة المحور أو المركز الذي تدور حوله بقيّة النّقط ... وتكون هي نقطة الارتكاز في النّصّ. " ولأنّ قصّة يوسف - عليه السلام - مقصود بها وضع الأمور في إطارها الصّحيح، وشدّ الخيوط إلى حبكة واحدة متجانسة، تحت مظلّة الفكر الإسلامي والرّؤية الإسلاميّة، كان قوله تعالى افتتاح السّورة الكريمة: {ألر تلك آياتُ الكتابِ المبينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلَهِ لَمِنَ الغَافِلينَ} (يوسف/ 1 - 3)
__________
(1) - ينظر أساليب التّعبير الأدبي، ص: 23، 24. تراجع الآيات: 1 – 17، سورة المدّثّر. (1/44)
صفحة 43
بعض الألفاظ التي بدئت بها السّورة تكشف عن بعض ملامح النّظم الذي تميّزت بها السّورة، فهناك (أحسن القصص، المبين ... ) وهو ما يدعو إلى التّأمّل فيها، وتملّي هذا الجمال، والتّذوّق الأدبي يعين على ذلك، كما أنّ الذّوق الفنّي نفسه يرتقي بإعماله.
5 - بما أنّ اللّغة العربية هي لغة وسعت كتاب الله، وهي البحر الذي يكنز دررًا من المعاني في أصداف. فهي تحتاج إلى الغوّاص الذي يبحث عنها. في هذه الصّدفات يكمن ويركن الجمال والحسن، اللّذان يعمل التّذوّق الفنّي الأدبي للإفصاح عنهما. قال محمد علي أبو حمدة وهو يعلّق على الجمالية التي تتوفّر عليها سورة يوسف، المنبعثة من جمال اللّغة العربيّة: " ... وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ أعلى مراتب البلاغة في التّذوّق الجمالي للسّورة الكريمة هو الوقوف على مضامينها، كما يُحدِّثُ نسقُها القرآني الكريم باللّسان العربي المبين، من على هدي من أساليب العرب في القول وطرائقهم في البلاغة والفصاحة ... " (1)
__________
(1) - في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، ص: 25. (1/45)
صفحة 44
القرآن والدّراسة الأدبيّة والارتقاء بالذّوق الأدبي
اللّغة العربيّة مرتبطة بالقرآن الكريم، الذي أبرز حسنها وجمالها وجلالها .. يقول عدنان النّحوي: " لقد جاء القرآن الكريم في أعلى درجة من البيان، وأعلى درجة من الإعجاز وأعلى درجة من اليسر. كلّ ذلك باللّغة العربيّة ليوفّر للإنسان أعلى درجة من الدّقّة والأمانة في التّلقّي، وكذلك في التّبليغ في أخطر قضيّة في حياة البشرية، قضيّة الإيمان والتّوحيد، التي لا يقبل الله بها اضطرابًا أبدًا ولا شركًا، ولا يغفر ذلك أبدًا. " (1)
إنّ لغة القرآن الرّاقية في دلالتها، القويّة في تعبيرها، تمتاز بخصائص جعلتها تتسنّم الذّروة في البلاغة والبيان، وقد فتحت لغة القرآن المجال واسعًا للكتّاب والشّعراء لكيفية الإفادة منها، والتّفنّن في أضرب القول، وأفادت طرق التّعامل مع اللّغة وأساليب التّعبير، وأتاحت الفرصة للمعلّمين والمكوّنين في حذق سبل إعداد المتعلّمين اللّغة السّليمة، وغرس حاسة التّذوّق فيهم. وألهمت الكتاب والشّعراء ضرورة الالتفاف حول اللّغة العربيّة للمحافظة على الكيان، وتربيّة الوجدان، وتنمية الذّوق، وتهذيب أسلوب الكتابة ...
يقول محمد المبارك: " ... ويمكن أن ينظر إلى القرآن من ناحية فنّية وطرائق تعبيره – فقد عرف القرآن بفنّ خاصّ انفرد به – فتدرس الوسائل الفنّية التي كانت فيه مظهرًا للمعاني والأفكار والفنون الأدبيّة التي تفرّقت في سوره وآياته، وطرائق القرآن في صوغ الكلام وتركيبه، وفي نظمه وترتيبه، وما يتكوّن من ذلك من نغمات موسيقيّة، تتجاوب مع الموضوع، وما يتألّف منه القرآن من مفردات لغويّة، لم تكن فيه على أنّها وحدات فكريّة فحسب، بل وحدات فنّيّة أيضًا، لها خصائصها الفنّيّة، كما أنّ لها خصائصها الفكريّة والمنطقيّة. " (2)
__________
(1) - لماذا اللّغة العربيّة، ص: 57.
(2) - دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ص: 92.، (1/46)
صفحة 45
هذا النّصّ يبيّن أنّ القرآن كتاب فن وبيان أيضًا. فما يتوفّر عليه من العناصر المكوّنة للكتابة الأدبيّة العالية، من لغة: مفردات وتراكيب، وموسيقى، وأساليب متنوّعة ... وما يتميّز به من نظم محكم، ونسيج مترابط ... يكون رافدًا ومعينًا ومنهلا لغرس ذائقة الجمال والحسن في الكتابة الفنّيّة الأدبيّة، ثمّ التّدريب على حسن صوغ بديع الكلام والقول. قال عن لغته مصطفى صادق الرّافعي: " أيّ معنى أعجب من أن تتجاذبك معاني الوضع في ألفاظ القرآن، فترى اللّفظ قارًّا في موضعه، لأنّه الأليق في النّظم، ثمّ لأنّه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدّلالة، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، مع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية، ممّا يتقدّمه أو يترادف عليه ... " (1)
قال الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض: " ... إنّ مقصدي من هذه الدّروس ... أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن ... " (2) هدف الشّيخ هو إنشاء أجيال تفهم بلاغة القرآن، وإعداد نفوس تتدرّع بعدّة الفصاحة والبيان. فما هي خصائص اللّفظة القرآنيّة التي بوّأتها المنزلة الرّفيعة والذّروة في القوّة والدّقة والفصاحة؟
خصائص اللّفظة القرآنيّة
نذكر هنا بعض هذه الخصائص؛ بما يعيننا على فهم دور القرآن في تذوّق الأدب، والإفادة منه في الكتابة الفنّية:
1 – تمتاز بالدّقة في الاستعمال وصفًا وتعبيرًا وتصويرًا.
2 – تمتاز بأنّها تحاول استكناه المعاني التي يمكن أن تدلّ عليها؛ ممّا يتيح للقرآن استنفاذ الطّاقة التّعبيريّة الكامنة في الألفاظ.
3 – تمتاز بجمال جرْسها الذي يترك أثرًا جميلا في الأذن، لينساب في الوجدان، بعد أن يرسم المعنى في مخيّلة المتلقّي، فيحصل الجلالُ والجمال.
4 – تمتاز ألفاظ القرآن بالتّناسق بينها. " ونعني به اتّساق القرآن وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته، واتّصالاته وسكتاته، وذلك ما يسترعي الأسماع، ويستهوي النّفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أيّ كلام آخر
__________
(1) - مصطفى صادق الرّافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النّبويّة، ط8، دار الكتاب العربي، ببيروت، (ب. ت)، ص: 247.
(2) - محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج،2 ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 30. (1/47)
صفحة 46
من منظوم أو منثور." (1) لهذه توصف اللّغة القرآنيّة بأنّها " مختارة منتقاة، بما يناسب أغراضها، وبما يؤثّر في النّفس الإنسانيّة، ويستميلها إلى الاستجابة والإذعان. " (2)
ممّا يستميل النّفس فنيّة الأسلوب القرآني، وجمال نسقه، وبديع بنائه، وفصاحة كلماته ... كلّ هذا يزرع في النّفس النّشوة، ويمنحها المتعة والرّوعة، فتحاول الإفادة منه فنًّا، والاستقاء منه مضمونًا. يقول محمد المبارك: "والقرآن كالطّبيعة تلتقي فيه الحقيقة والجمال ويتلازمان، ويقابل ذلك التقاء الفكر والفن المعبّرين عن الحقيقة والخيال.
لقد تضمّن القرآن دعوة إلى تصوّر معيّن للوجود، وإلى سلوك طريق يتناسب مع هذا التّصوّر، ولذلك تجلّى الفكر القرآني في تصوير حقائق الوجود أوّلا، كما هي في واقعها؛ وفقا لنظرته الجديدة، ثمّ في الحقائق التي دعا إلى إيجادها وإنشائها، وصوّرها ليطلب إلى النّاس أن ينتقلوا إليها، وهي الحقائق الأخلاقيّة والسّلوكيّة." (3)
ما أشار إليه النّصّ هو فعل الفنّ والأدب. بهذا ندرك أنّ القرآن يتميّز نظمه بالطّابع الأدبي؛ لهذا يجب أن نجعله في المقدّمة في دراساتنا الأدبيّة، ونستمدّه منهجًا في التّحليل والتّذوّق الأدبي للّغة العربيّة. ومن خلاله نرهف حسّنا نحو العربيّة، وندرك جمالها، ونعرف أسرارها، ونتقن التّعبير بها ...
هذا نموذج من الأعمال التي استلهمت القرآن الكريم في الكتابة الفنّيّة، وفيه نقف على جانب الذّوق الأدبي. الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1307 – 1384ه/ 1889 – 1965م) تهكّم من محمد العاصمي، الذي كان يراه أداة طيّعة في يد المستعمر الفرنسي، يسخّره كيف يشاء، ويعرفه حربًا عل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بخاصّة، والمصلحين بعامّة. " ... ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدّثنا عنه في الماضي إلاّ باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلاّ لأنّنا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغنا عليه ضربًا ياليمين، ولكنّ هذا الرّجل (المصنوع)، يأبى علينا إلاّ أن
__________
(1) - الدّكتور بكري شيخ أمين، التّعبير الفنّي في القرآن، ط4، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1980م،، ص: 185. ينظر مزيدّا من التّفاصيل عن هذه المميّزات، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 131 – 133.
(2) - شلتاغ شرّاد عبّود، أثر القرآن في الشّعر العربي الحديث (المرحلة الإحيائيّة)، رسالة دكتوراه الحلقة الثّالثة (مخطوطة)، معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعية 1983 - 1984م، ص: 103. طبعت الرّسالة في دار المعرفة، دمشق، سورية، سنة: 1408ه/ 1987م.
(3) - دراسة أدبيّة لنصوص قرآنيّة، ص: 93، 94. (1/48)
صفحة 47
نعتبره شيئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت لمّا سكتنا، وتمادى على السّبّ والشّتم، ليشغل العاملين بهذا الفراغ ... وقديمًا فهمنا أنّ له أربًا في اللّجاج والمراء، لأنّ هذه الطّريقة هي التي تظهره وتقرّبه زلفى إلى آلهته، وهل لشركائه مثل رأيه، حتّى يعرّضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؟ أنّه لهم مولى شؤم وعشير سوء، لبئس المولى ولبئس العشير." (1)
تذمّر الكاتب من محمد العاصمي كان كبيرًا؛ بسبب أعماله التي أضرّت بالإسلام والمسلمين، وبسبب سيره في ركاب الاستعمار وتنفيذ خططه، صوّره الكاتب عابد أصنام، بل هو يراه صنمًا قائمًا بذاته، يجب القضاء عليه، ليزاح عن طريق نشر الإسلام عائق وحاجز كبير. استلهم الكاتب في ها التّصوير ما صنعه إبراهيم - عليه السلام - مع الأصنام التي أضلّت النّاس، وصدّتهم عن سواء السّبيل، بعد أن حاول أن يستنطقها، فلم تنطق، وعرض عليها الطّعام فلم تأكل. بعد أن فعل هذا معها تهكّمًا وسخريّة، وأقام الحجّة عليها {فَراغَ علَيْهِمْ ضَرْبًا باليَمين} (الصّافات/93) أي أفرغ شحنة غضبه عليها، وشفى نفسه من الحسرة والضّيق والغيظ من هذا الضّلال المبين. كذلك فعل محمد البشير الإبراهيمي مع محمد العاصمي: قولا لا فعلا، كما صنع إبراهيم - عليه السلام -، لكنّ ذلك بؤثّر فيه نفسيًا ومعنويًا، إذ يصيبه في شخصيّته؛ لأنّ هذا المشهد القرآني المستلهم يثير حفيظة العاصمي المسخور منه، حين يعدّه الكاتب صنمًا، من حيث كونه هيكلاً لا يحرّك ساكنًا، وجامدًا لا حياة فيه، لكنّه بحمل في داخله خصائص الغواية والضّلال، كما كانت صفة الأصنام.
يزيد الكاتب النّصّ سخريّة، والمسخور منه احتقارًا ومهانة، فيستعير جواب المشركين لمّا لِيمُوا: لماذا تعبدون الأصنام؟: نحن نعبدهم ليقرّبونا إلى الله: { ... والذٍّين اتّخذُوا مِنْ دونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمُ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى ... } (الزّمر/ 3) أي إنّ العاصمي يكثر من المناوأة ومضايقة المصلحين والعلماء ليزداد قربًا من معبوده، وهو الاستعمار. هذه الصّورة بهذه الإشارة كافية لزرع بذرة احتقار العاصمي، وازدرائه والسّخريّة منه في قلوب الأحرار وكرام النّفوس.
الشّخص الذي يكون على هذه الشّاكلة، هو مزعزع العقيدة، متقلّب الإيمان، هو كمن يعبد الله على حرف، يتّجه في عبادته إلى أيّ شيءٍ: شخص، وثن، صاحب مصلحة وحاجة ... هكذا كان العاصمي مع
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، ص: 144، 145, الفقرة من مقال للكاتب: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة فصل الحكومة عن الدّين؟ "، نشر في جريدة البصائر الثّانيّة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين)، ع: 139 (29/) 01/ 1951م). (1/49)
صفحة 48
من يقصده لينفّذ له مآربه مع المستعمر الفرنسي،: بئس المولى، وبئس العشير، كما قال تعالى: {يَدْعُو لَمنْ ضرّهُ أَقْربُ مِنْ نَفْعِه، لَبِيسَ المَوْلَى وَلَبيسَ العَشير} (الحجّ/ 13).
المرشد والهادي إلى هذا التّوظيف لأسلوب القرآن، أو استلهام نظمه، هو الذّوق الفنّي الذي يتوفّر عليه الأديب. بهذا ندرك دور لغة القرآن المحكمة في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي. (1)
خاتمة
1 – دراسة النّصّ من الدّاخل يعني الكشف عن العلاقات التي تكون بين أجزائه: كلمات وجملاً ونظمًا، هذه العمليّة، يعين عليها ما يقوم به التّذوّق الأدبي. وهو نفسه يستفيد منها في السمّوّ والارتقاء.
2 – تناول الأسلوب بشموليّة وعمق، وبيان آثاره ودوره في الصّياغة، والتّبليغ والتّعبير والتّصوير ... يساعد على نموّ الذّوق الأدبي في النّفوس.
3 – المتذوّق يسعى إلى اكتشاف أسرار اللّغة العربيّة، وما توجده من معانٍ جديدة وكبيرة وطريفة ..
4 – للمكوِّنين (المعلّمين) دور كبير في إيقاظ حاسّة التّذوّق في النّابتة والنّاشئة، وصقلها وتنميتها وتطويرها ... ؛ بحذق أساليب وإجراءات فاعلة وناجعة لإكسابهم مهارات التّذوّق.
5 – بيان حقيقة الجمال والحسن والإبداع والإمتاع ... يتمّ عن طريق الممارسة والمدارسة والتّمرّس .. أي عن طريق التّطبيق الجيّد لمعالجة النّصوص الأدبيّة.
6 – تدريس اللّغة العربيّة في إطار الأدب.
__________
(1) - ينظر تعليقاتنا على هذا النّصّ كتابنا: السّخريّة في الأدب الجزائري الحديث: 1925 – 1962م)، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر،1425هـ/ 2004م، ص: 399، 400. ثمّ بعض النّماذج من ذلك ص: 395 – 400. (1/50)
صفحة 49
7 – من الإجراءات المهمّة لفهم النّصّ جيّدًاً: مضمونًا وشكلاً، وتملّي ما فيه من جمال وفنيّة الوقوفُ على الكلمات المفاتيح في الأثر الأدبي.
8 – تناول عربيّة الخطاب القرآني، وما يجب فهمه ووعيه في هذه المسألة وهذه الملاحظة أو الإشارة أو الوصفة؛ لمعرفة ما ينبغي عمله وحذق الوسائل والأساليب والطّرق والمنهجيّة المعينة على الارتقاء بالتّذوّق الأدبي.
9 - دور الأديب مهمّ في عمليّة تهذيب الذّوق، هو يسهم في ترسيخ ملكة التّذوّق الأدبي، الذي إن أحسن استعمال الكلمة، ووجّه عنايته وقوّته الإبداعيّة للكشف عن دلالات الألفاظ وعالمها، وسبر أغوارها لتنقل التّراكيب التي تنقل التّجربة الشّعوريّة، التي تعبّر عن حقيقة الحياة، بما يعمل على انجذاب القارئ والمستمع إليها؛ ليعرف كيف يتعامل مع هذه الحقيقة .. إذا تمكّن من القيام بهذا الدّور، وفّر المجال للذّوق الأدبي كي يتكوّن ويترقّى.
10 - تنمية التّربية الخلقيّة والنّزعة الجماليّة عند الطّلبة. يكون من أساسيّات الدّراسة الأدبيّة، التي تعنى بالتّذوّق والتّحليل من النّاحيتين الاجتماعيّة والجماليّة. هذا التّذوّق الأدبي ينتج عن التّمثيل والهضم والتّفاعل والاستمتاع بالأثر المدروس.
11 – من الأهداف المنوطة بالدّراسة الأدبيّة أو التّحليل الأدبي إقدار الطّلبة على فهم النّصوص الأدبيّة، وإدراك نواحي الجمال فيها، وعلى تذوّقها وتحليلها ونقدها، وتنمية ثروتهم اللّغويّة؛ بما في النّصوص المدروسة من الألفاظ والتّراكيب والمعاني. وإقدار الطّلبة على الكتابة في موضوع أدبي بأسلوب صحيح جميل، تتجلّى فيه سلامة التّفكير، والقدرة على المناقشة والتّذوّق والإبداع ... لذا يجب تدريس اللّغة العربيّة عن طريق الأدب، أو مقترنة بالأدب لتكوين الذّوق وترقيته، وتنمية الحسّ بالمتعة الفنيّة، وتوفير قيمة إدراك الجماليّة، وتملّي الحسن ... فالأدب يوفّر هذه المطالب؛ لأنّه في أبسط تعريف له: كلّ ما عبّر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب لغويٍّ جميل. أي إنّ الأدب يتوفّر على ركنين رئيسين يعطيان ويثمران التّذوّق ويرقّيانه، هما: معانٍ تثير العاطفة والخيال، وألفاظٌ جميلة تؤدّى بها هذه المعاني.
12 - للمتعلّم نفسه دور في تكوين الذّوق الأدبي، بما يقوم به من عمل كبير واجتهاد ومثابرة بطريقة منهجيّة في سبيل ذلك. فموقفه يتمثّل أساسًا في تذوّق الأعمال الأدبيّة وتفسيرها، كما يتمثّل في قراءات إضافيّة معمّقة لها مرارًا وتكرارًا، إنّ هذا يدفعه إلى التّغلغل بين سطور النّصوص، ويساعده على فقه حقيقة (1/51)
صفحة 50
المعاني التي تتضمّنها، وعلى تملّي جماليّاتها، والوقوف على أسرار كثيرة فيها .. كلّ هذا يكون ثمرة الذّوق الأدبي ... فيصبح المتعلّم كما يقال: متلقّيًا ومنشئًا في آن واحد. أي يصبح يمارس نشاطًا إبداعيًّا، يستثمر فيه ما وعى واستوعب من هذه النّصوص.
13 - إنّ تدريس اللّغة العربيّة عن طريق الأدب يكوّن الذّوق، وينمّي الإحساس، ويوفّر فرص إدراك الحسن والجمال في النّصوص ... عن طريق التّمثّل والهضم والتّفاعل في الدّرس الأدبي واللّغة التي كتب بها.
14 - الأدب يخدم اللّغة بالفنّيات التي يمنحها لها، واللّغة تقدّم للأدب شحنات وقوّة ليتطوّر، بما يصنعه العبقريُّ الذي يحسن التّعامل مع اللّغة. هذا يعني أنّ اللّغة والأدب لا ينفصلان في عمليّة كتابة النّصوص أو معالجتها فنّيًا. فنحن في قراءتنا لهذه التّعبيرات: الأسلوب صورة لغويّة .. الأسلوب نسيج لغوي .. العمل الأدبي بناء لغوي .. الأدب فنّ لغوي .. اللّغة وسيلة الأدب .. اللّغة الأدبيّة ... وغيرها من التّركيبات التي تمزج اللّغة بالأدب، وتقدّم الأدب هيكلاً لغويًّا؛ ممّا يؤكّد تلازم الطّرفين في عمليّة الإبداع والقراءة والتّحليل، وهما بهذا التّزاوج يسهمان في الارتقاء بالتّذوّق الفنّي الأدبي.
15 – مفاتيح هذه الدّراسة، ومرتكزات توضيح عمليّة الرّقي بالذّوق الأدبي، التي من خلالها نعالج موضوع تنمية التّذوّق الأدبي هي الكلمات والعبارات الآتية: (الذّوق السّليم الرّهيف، التّذوّق الفنّي، الذّائقة الأدبيّة، الجمال، الحسن، الرّوعة، المتعة، البلاغة، الفصاحة، البيان، الدّقّة، الإبداع، الإبانة، الكشف، العمق ... ) (1/52)
صفحة 51
المصادر والمراجع
1 ـــــــ الإبراهيمي، محمد البشير (شيخ).
عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م.
2 ــــــ أبو حاقة، أحمد (دكتور)
البلاغة والتّحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين بيروت، 1988م.
3 ــــ أبو حمدة، محمد علي.
أ ـــــ في التّذوّق الجمالي لقصيدة " بانت سعاد"، ط2، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1403هـ/ 1983.
ب ـــــ في التّذوّق الجمالي للآيات الثّلاثين: خواتيم سورة البقرة، مع تركيز الإضاءة على آيات الرّبا في النّسق القرآني الكريم، ط1، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1410هـ/ 1990م. (1/53)
صفحة 52
جـ ـــــ في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقديّة إبداعيّة، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م.
4 ـــــ أبو شريفة، عبد القادر (دكتور)، حسين لافي قَزَق.
مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م.
5 ـــــــــ إسماعيل، عزّ الدّين (دكتور).
الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، ط3، دار العودة، بيروت، 1981م.
6 ـــــــــــ أمين، بكري شيخ (دكتور).
التّعبير الفنّي في القرآن، ط4، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1980م.
7 ــــــــــ الرّافعي، مصطفى صادق.
إعجاز القرآن والبلاغة النّبويّة، ط8، دار الكتاب العربي، ببيروت، (ب. ت).
8 ـــــــــ الرّكابي، جودت الرّكابي (دكتور).
طرق تدريس اللّغة العربيّة، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م.
9 ـــــــــ السّعّافين، إبراهيم (دكتور) وآخرون.
أساليب التّعبير الأدبي، الإصدار الثّالث، دار الشّروق، عمّان، الأردن،2000م.
10 ــــــــ الشّيخ صالح، يحي (دكتور).
شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، دراسة فنّية تحليليّة، رسالة ماجستير (مخطوطة)، معهد الآداب واللّغة العربيّة، جامعة قسنطينة، الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1984 - 1985م.
11 ـــــــــ الطّنطاوي، عبد الله، محمد الحسناوي.
في الدّراسة الأدبيّة، تذوّق النّصّ الأدبي، دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م.
12 ـــــــــ المبارك، محمد.
دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ط4، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1392هـ/ 1993م.
13 ـــــ النّاكوع، محمود محمد (1/54)
صفحة 53
الحبّ والجمال في الإسلام، ط2، نشر مكتب الدّراسات العلميّة، الجزائر، محرّم 1428هـ/ جانفي 2007م.
14 ــــــــــ النّحوي، عدنان علي رضا (دكتور)
لماذا اللّغة العربيّة، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 1418هـ/ 1998م.
15 ـــــــــ دبّوز، محمد علي (شيخ).
أ ــــــــ نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج،2 ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1391هـ/ 1971م.
ب ـــــ نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1389هـ/ 1969م ..
16 ـــــــــــ زكريّاء، مفدي زكريّاء.
اللّهب المقدّس (ديوان شعر)، ط2، منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة، الجزائر، 1972م.
17 ـــــــــــــ عبّود، شلتاغ (دكتور).
أثر القرآن في الشّعر العربي الحديث (المرحلة الإحيائيّة)، رسالة دكتوراه الحلقة الثّالثة (مخطوطة)، معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعية 1983 - 1984م.
18 ــــــــ عيسى، فوزي (دكتور).
تحليل النّصّ الشّعري، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، مصر، 2002م.
19 ـــــ فخّار، عمر بن حمّو (شيخ)
وقفات ومواقف، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م.
20 ــــــــ قطب، سيّد.
النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م.
21 ـــــــــ لطفي، مصطفى.
اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ط1، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1976م. (1/55)
صفحة 54
22 ـــــــــــ ناصر بوحجام، محمد (دكتور).
أ ــــــــ أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)،ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م.
ب ـــــــ محاضرات حول الثّوررة التّحريريّة الجزائريّة، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م.
23 ــــــــ يونس، فتحي علي (دكتور)، كامل النّاقة، محمود (دكتور).
أساسيّات تعليم اللّغة العربيّة، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر بالقاهرة، 1977م.
24 ــــــــ مجموعة من الباحثين.
كتاب: العربيّة الرّاهن والمأمول، منشورات المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر، 2009م.
25 ــــــــــ مجموعة من الباحثين.
كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1990.
26 ــــــ منتدى موقع وادي العرب الجزائري http||www.wadilarab.com
27 ــــــــ موقع النّيل والفرات www.neelfurat.com http:||
28 ـــــــ موقع منتديات بوابة العرب http://vb.arabsgate.com (1/56)
صفحة 55
الفهرس
مقدّمة
تمهيد
مفهوم التّذوّق الأدبي
التّذوّق الأدبي والتّحليل الأدبي
الشّروط المطلوبة في تنمية التّذوّق
اللّغة ودورها في الارتقاء بالأدب
قيمة الكلمة في الاستعمال الأدبي
ضوابط في تناول اللّغة
ما يجب مراعاته في تدريس اللّغة العربيّة
الأدب ودوره في تعلّم اللّغة والتّفقّه فيها
الأهداف التّربويّة من تدريس النّصوص الأدبيّة أو الأدب
القرآن والدّراسة الأدبيّة والارتقاء بالذّوق الأدبي
خاتمة
المصادر والمراجع
الفهرس (1/57)