صفحة 1
الكتاب: اهتمامات اللّغة العربيّة وهمومها
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) اهتمامات اللّغة العربيّة وهمومها
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم (1/1)
صفحة 2
" إنّ التّهاونَ والخطأَ في الهويّة والشّخصيّة الإسلاميّة يُعدّ كفرًا."
الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس
قال الشّاعر:
لكلّ قومٍ لسانٌ يعرفون به ... إن لم يصونوه، لم يعرف لهم نسبُ
لن يدرك المجدَ شعبٌ، ما له لغةٌ ... تَحوطها دولةٌ، أسيافها قُضبُ
" ... ولا ثقافة بدون هويّة حضاريّة، ولا هويّة بدون إنتاج فكري، ولا فكر بدون مؤسّسات علميّة متينة، ولا علم بدون حريّة معرفيّة، ولا معرفة ولا تواصل ولا تأثير بدون لغة قوميّة، تضرب بجذورها في التّاريخ، وتشارف بشموخ حاجة العصر، وضرورات المستقبل."
الدّكتور عبد السّلام المسدِّي
إن اللّغة العربيّة تُرَدِّدُ على لسان الباحثين الأصلاء ترجمة لمشاعرها: " أعطوني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل".
محمد سويسي
نعيبُ ... لِسانَنا، والعيُّ ... فينا ... وما للِساننا منْ نقصٍ سِوانَا
عجزنَا عَنْ مُواكبَةِ المَسارِ ... فَقُمْنَا حامِلينَ لَها (1/2)
صفحة 3
سٍنانًا
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مقدّمة
لم يكن قصدي في هذه الأعمال المجموعة في هذا الكتاب تناول قضايا اللّغة العربيّة تناولا نظريًّا أو تعربفيًّا أو تقعيديًّا .. إنّما غرضي كان سردَ مجموعة من الهموم التي تؤرّق من يحمل همّ اللّغة العربيّة، وعرضَ ما تعاني منه اللّغة العربيّة نفسها؛ نتيجة ما أصابها من هجوم عليها، وتقصير في حقّها، فنالها وهنًا وإهانة ومهانة ..
ما عرضت له من قضايا وما سردته من عناصر، تحمل طابع التّعريف، أو بيان قيمة هذه اللّغة ومكاتنها وتاريخيّتها ومردودها الحضاري، ممّا يدخل في اهتمامات اللّغة العربيّة .. إنّما كان للكشف عن هذه الهموم التي تحملها اللّغة العربيّة داخلها، عبّر عنها الدّارسون والباحثون بأسلوبهم الخاصّ، أي هي من أجل التّوضيح والبيان والتّحليل والتعمّق في العرض والتّحليل والمناقشة .. جاءت في هذه الأعمال التي شملها الكتاب، إمّا مقدّمات أو تمهيدًا أو تعقيبًا، أو ملاحظات، أو استقراءً، أو نتائج وخلاصات ...
هذه الأعمال جمعت بينها صفتَا الاهتمام والهمّ .. لذا وردت الكلمتان مكرّرةً عدّة مرّات، في كلّ الأعمال المعروضة تقريبًا .. وكلمة الاهتمام تحمل معنيين بحسب حرف الجرّ الذي يجاورها (باء أو من) اهتممت بالشّيء: معناه اعتنيت به وأوليت له عنايتي. واهتممت منه، أي حزنت ولحقني منه همّ، كما قال النّابغة الذّبياتي مخاطبًا مستعطفًا المنذر بن ماء السّماء: " وتلك التي أهتمّ منها وأنصبُ" ولذا اخترت – بطريقة تلقائيّة وعفويّة – عنوان الكتاب: " اهتمامات اللّغة العربيّة وهمومها". لعلّ الفقرة الأتيّة التي وردت في أحد بحوث الكتاب توضّح هذا.
إنّ التّركيبة أو الجملة " اللّغة العربيّة والفكر العالمي"، التي تحمل طرفين، وصل بينهما حرف (الواو)، تثير مجموعة من الموضوعات، وتشير إلى مجموعة من الاهتمامات، وتقدّم مجموعة من الأطروحات، وتبرز مجموعة من قضايا اللّغة العربيّة ... كلّها تطلب ضرورة معالجة هموم هذه اللّغة، وتدفع وتدعّ الدّارس دعًّا (1/3)
صفحة 4
ليبحث في صميم هذه اللّغة، التي أثارت جدلاً كبيرًا حولها وما تزال. فماذا تعني المعادلة المعروضة للبحث والدّرس والتّحليل ... "
جمعت في هذا الكتاب أعمالاً سابقة لي حرّرتها تتعلّق باللّغة العربيّة .. تنوّعت بين سرد حقائق علميّة، وردّ شبهات، وتحميل مسؤوليّات، وتسجيل انطباعات، وتوجيه إراشات، وتقديم رؤى وتأمّلات، وبثّ مشاعر وانفعالات .. هي في نهاية المطاف تحمل رسالة، أرجو أن أكون موفّبقًا في تبليغها وإيصالها إلى من يهمّه الأمر ... كما أرجو أنَّ من وُجِّهت إليه يعيها حقّ الوعي، ويدركها حقّ الإدراك ..
أشير وأنبّه إخواني القرّاء أنّ فيما عرض في الكتاب بعض التّكرار أو التّشابه في الرّأي أو الفكرة، أو العبارة والجملة والفقرة ... السّبب أنّ الأعمال المضمّنة في الكتاب نشرت في مناسبات مختلفة، وفي فترات متباعدة – نسبيًّا – وبينها تشابه في المناسبة وفي الاهتمام، وفي النّاس المخاطبين .. وقد أبقينا على هذه الأعمال كما نشرت أوّل مرّة ... إلاّ بعض التّغييرات الطفيفة في الأسلوب أو تصحيح الأخطاء أو التّعديل أو الإضافة الضّروريّة .. فأنا أعتذر لهم عن هذا ..
الله نسأل السّداد والرّشاد والقبول والثّواب على ذلك .. إنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
الجزائر يوم السّبت: 21 من شعبان 1437ه
28 من ماي ... 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر (1/4)
صفحة 5
راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤوليّة أبنائها نحوها (1)
تمهيد
كلّ أمّة تريد أن تثبت وجودها، وتحمي نفسها من الاستلاب والذّوبان، وتروم التّطوّر والتّفاعل مع بقيّة الأمم في العالم؛ لتبقى حيّة، يُعترَف بها، ويُحفَظ مكانُها ومقامُها في الوجود ... تجتهد وتجاهد في المحافظة على مقوّماتها، التي تكشف عن حقيقتها، وتبرز قيمتها ومكانتها.
من هذه المقوّمات التي ترتكز عليها هذه القيمة وهذه الحقيقة اللّغةُ، إلى جانب الدّين. يقول الأستاذ أحمد الرّيسوني: " اللّغة والدّين هما المحدّدان الأساسيّان لهويّة أيّة أمّة من الأمم وانتماءاتها على مرّ التّاريخ، ويزداد هذان المحدّدان قوّة في ذلك إذا الْتَحَمَا في بوتقة واحدة، بحيث تكون اللّغة القوميّة لجماعة بشرية ما، هي نفسها لغتها الدّينيّة.
ورغم المحاولات الحديثة والحثيثة لإعادة تشكيل الأمم والشّعوب وانتماءاتها والانتماء إليها، على أسس جغرافيّة وسياسيّة وقانونيّة، فإنّ ذلك لَمْ يُلْغِ ولَمْ يُضعف قوّة الانتماء الدّيني والانتماء اللّغوي، فما زال الولاءُ القومي واللّغوي والانتماء الدّيني يعلوان فوق الانتماء الوطني السّياسي، في حالة ما إذا كانا مختلفين. " (2)
__________
(1) - شاركت بهذا البحث ف النّدوة الدّولية " تحديث العربيّة ومستقبلها في سوق لغات العالم، الرّاهن والمطلوب، التي نظّمها (المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر). (25 – 26 فبراير 2009م). ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، (المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر)، 1430هـ/ 2009 م، ص: 169 – 203.
(2) - أحمد الرّيسوني، " نداء من أجل العربيّة "، مجلّة إسلاميّة المعرفة، (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، السّنة الثّالثة عشرة، عدد: 49، صيف 1428هـ/ 2007م، ص: 5. (1/5)
صفحة 6
تأتي اللّغة في صدارة ما يُعتمد في تشكيل بنية الأمّة، فهي مادة للفكر، ورموز لحالات نفسيّة. يقول الدّكتور شكري فيصل: " الحضارة في نوع من التّعريف الموجز، هي لغة. وعن طريق اللّغة يكون التّفكير كلّه، ويكون التّواصل كلّه، ويكون التّفاعل بين العقول والأفكار .. اللّغة هي أضخم عمليّة حضاريّة تنشئ الحضارة، وتتمثّلها وتعبّر عنها، وهي ذات رصيد حضاري، لا حدود له؛ ولهذا فإنّ نموّ لغتنا وازدهارها وقيامها بدورها الفكري هو معلم بارز من معالم حياتنا الحاضرة، وطريق أساسي من طرق بناء المستقبل. " (1)
__________
(1) - الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع "، ينظر كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، (المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم)، تونس، سنة 1990م، ص: 32. (1/6)
صفحة 7
يعني هذا أنّ للّغة أدوارًا ووظائفَ نفسيّة عاطفيّة، وتربويّة تثقيفيّة، تعمل على ربط الأفراد بالفكر الذي تحمله اللّغة، وتعمد إلى تأصيل الانتماء، وإلى توطيد العلاقة بالأصول، وتغرس روح الحماسة والعاطفة إلى المنابع والجذور في النّفوس ... ولأنّ اللّغة كما يقول الدّكتور شكري فيصل: " تحمل ضمير الأمّة وروحها، وتحمل طرائق تفكيرها وتعبيرها، وتؤلّف شرايينها وأوردتها وأعصابها، التي تنقل أحاسيسها وانفعالاتها .. ولذلك يجب أن تسلم لها دائمًا أصولها، حتّى لا تداخلها الهجنة، ولا يتسرّب إليها ما يفقدها خصائصها عن طريق البحوث النّظرية المجرّدة" (1)
فاللّغة هي الفكر والوجدان والذّاكرة الجماعيّة ... ؛ إذ هي التي تترجم عن الخواطر، وتنقل الأفكار والمشاعر، وتسجّل حقيقة ما تتميّز به الأمّة، وما تملكه من فكر وثقافة ... يقول الدّكتور جميل عيسى الملائكة: " اللّغة كما يقرّر أكثر علمائها لا تقتصر وظيفتها على التّفاهم بين الأفراد، وإنّما تتجاوز ذلك إلى أنّها الأداة التي يتعلّم ويفكّر بها الإنسان، فهي تقود عقله وتوجّهه، وبها يستدلّ على السّلوك القويم مع الآخرين، وهي فضلاً عن ذلك تحفظ التّراث الثّقافي للمجتمعات، فهي إذن منظّمة للعلاقات الاجتماعيّة، ووسيلة التّعامل والتّعاون بين أفراد المجتمع، وأهمّ أدوات الحفاظ على كيانه, ويتبع ذلك أنّها العامل الأوّل في انتشار الثّقافة وتداولها في المجتمعات المتحضّرة، وأنّها من أهمّ مقوّمات الحضارة الإنسانيّة." (2)
بمعنى دقيق: إنّ اللّغة هي عنوان الشّخصيّة التي تميّز أمّة عن غيرها. إلى جانب كونها وسيلة للتّفاهم والتّعليم والتّطوّر، التي تعين أيّ أمّة على الاحتكاك والامتزاج والتّحاور مع الثّقافات والحضارات المختلفة. ومن خلال ما تتمّيز به لغتها تظهر أصالتها وقوّة تأثيرها، أو هشاشتها وضعفها ووهنها ...
يقول أحمد الرّيسوني: " وتشكّل اللّغةُ الأمُّ، لُغَةُ التَّنشئةِ والتّعامل حضنًا وغذاءً نفسيًّا وعاطفيًّا لشخصيّة الإنسان. فالمفهوم الأَوَّلِي والبسيط السّائد عن وظيفة اللّغة، بأنّها أداةٌ للتّواصل والتّفاهم بين النّاس فحسب، هو جزء من الحقيقة، وليس كلَّ الحقيقة. ووصف اللّغة بعبارة (اللّغة الأمّ) هو التّعبير الحقيقي الصّادق عن دور اللّغة ووظائفها. فاللّغة (الأمّ) تعني أنّ للّغة وظائف كوظائف الأمّ." (3)
إذا كانت الأمّ تقوم بمهمّة تنشئة الوليد على النّموذج الذي يطلبه المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد الصّغير؛ ليكبر على الأصول والمبادئ التي تشكّل شخصيّته الحقيقيّة، فعدّت مدرسةً، يتخرّج فيها أفراد المجتمع، فإنّ للّغة الوظيفة نفسها في تخريج الأفراد على الفكر الذي ينتمون إليه. يعني هذا أنّ الهُويّة مرتبطة كلّ الارتباط باللّغة قبل كلّ شيء كالعرق والوطن والدّين والأرض. من هنا كانت مهمّة اللّغة خطيرة. فلابدّ أن توفّر لها الشّروط الضّرورية كي تقوم بدورها أحسن قيام.
لأهميّة اللّغة ودورها الأساس في تشكيل الشّخصيّة، والبناء الحضاري، كانت مسألة اللّغة مرافقة لبداية الوجود البشري على الأرض. يقول أحمد الرّيسوني: " ولحكمة ما أرادها الله تعالى كانت المسألة اللّغويّة حاضرةً منذ اللّحظة الأولى لخلق الإنسانِ، فكان أوّل تعليم ربّاني تلقّاه الجنس البشري هو اللّغة والبيان، حتّى قبل أن يتعلّم آدم كسب
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 38.
(2) - الدّكتور جميل عيسى الملائكة، " اللّغة العربيّة ومكانتها في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة "، ينظر المصدر السّابق، ص: 123.
(3) - مجلّة إسلامية المعرفة، عدد: 49, ص: 5. (1/8)
صفحة 8
قوته، أو عبادة ربّه، أو ستر عورته. {وعَلّمَ آدَمَ الأسماءَ كُلَّها} (البقرة/ 31). {الرّحمن عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الاِنْسَانَ عَلَّمَهُ البَيانَ} (الرّحمن/ 1 – 4). وأقلّ درس يستفاد من هذا، هو أنّ للّغة وظيفة أساسيّة وعاجلة في حياة الإنسان" (1)
اللّغة العربيّة لن تخرج عن هذا المفهوم والتّقدير للّغة، فقد أثبتت أنّها في درجة القوّة التي تحمل فكرًا كبيرًا قويًّا أصيلاً، وأنّها في مستوى المسؤوليّة التي أنيطت بها في الكشف عن هذا الفكر الذي تحتضنه، وأنّها وفيّة للأصول التي تنتمي إليها: تعبيرًا عنها، ونقلاً لما تفرزه هذه الأصول، ونشرًا له، ومحافظة على الإرث الذي أبدعته. وقد أثبتت إيفاءَها بما علّق عليها من مسؤوليّة في توثيق الصّلة بهُويّة الأمّة الإسلاميّة. يقول جميل عيسى الملائكة: " وقد كانت اللّغة العربيّة، وما زالت وثيقة الأواصر بهُويَّة هذه الأمّة ووجودها وشخصيّتها وخصائصها, فقد وعت منذ أمد بعيد تكوين الأمّة الحضاري، وواكبت تطوّر تراثها الثّقافي في العلوم والآداب والفنون والتّشريع والفلسفة، وتعهّدت نقله من جيل إلى جيل، عبر العصور. فهي قلب الأمّة النّابض وجهازها المحرّك." (2)
في المعنى نفسه يقول الدّكتور عبد المجيد حنون: " ومن هذا المنطلق كانت اللّغة العربيّة الرّباط الذي جمع قديمًا قبائل متعدّدة، وهي اليوم الرّباط الذي يجمع شعوبًا مختلفة الأعراق، متنوّعة الأنظمة السّياسيّة، ومتباعدة جغرافيًا في هويَّة واحدة، أساسُها اللّغة العربيّة، تسمّى الأمّة العربيّة، بما في ذلك بلدنا الجزائر." (3)
اللّغة العربيّة تشكّل عنصر الارتكاز في الكيان العربي والإسلامي، وبؤرة انصهار عناصر تكوين الأمّة العربيّة والإسلاميّة، ومحور انبعاث أشعّة الوجود العربي والإسلامي، من دونها لا تكون لهما حياة ولا حسّ. ومن هذه الأشعّة يتحرّك الوجود كلّه. من هنا كانت الأمّة العربيّة الإسلاميّة تلتفّ حول اللّغة العربيّة، جاهدة في المحافظة على وحدتها. يقول الدّكتور محمّد خليفة الدّناع: " وأهمّ ما يميّز هذه الأمّة أنّها تتعامل بلغة واحدة: عقيدة وسلوكًا وبحثًا وتدريسًا. فلغة التّراث، ولغة القرآن، ولغة الدّرس، ولغة الحديث واحدة، أو يجب أن تكون واحدة؛ رغم اختلاف البقاع وتشتّت الأقطار بعوامل سياسيّة استدماريّة عبر حقب التّاريخ، إلاّ أنّ رابطها اللّغة العربيّة التي حاول الاستدمار أن يطمسها ويمحو معالمها. " (4)
إذا كان للّغة العربيّة هذا الدّور المهمّ، في وضع القاعدة الأولى في بناء الصّرح الحضاري للأمّة العربيّة والإسلاميّة، فإنّ الالتفاف حولها وحمايتها وتطويرها مسؤوليّة كبيرة، يتوقّف عليها البقاء وفرض الوجود، ومقاومة الاستلاب، وضمان مكان في حلبات الصّراع والقراع، والنّزال والنّضال، التي هي سمة من سمات العلاقة بين الثّقافات والحضارات. لا يفوز ولا ينتصر في هذه المعارك إلاّ من تشبّع بمقوّماته وتشرّبها، وتسلّح بها وتحمّس لها، وانطلق في حياته وبناء فكره منها. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " إنّ فوز الأمّة العربيّة في معركة الهويّة الثّقافيّة متوقّف على
__________
(1) - المصدر السّابق, ص: 6.
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 123.
(3) - الدّكتور عبد المجيد حنون، ينظر كتاب: اللّغة والهويّة والتّعدّدية اللّسانيّة "، نشر المجلس الأعلى للّغة العربيّة (الجزائر)، نوفمبر 2006م، ص: 88.
(4) - الدّكتور محمد خليفة الدّناع، " العربيّة الفصحى رباط قومي"، ينظر كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 158. (1/9)
صفحة 9
الاعتماد على المنطلقات القوميّة في السّعي لإثبات وتأكيد الهويّة. وفي طليعة تلك المنطلقات اللّغةُ العربيّةُ، فهي الطّليعة المتقدّمة والصّفّ الأمامي، ورأس الرّمح في معركة الهويّة." (1)
كيف هي حال اللّغة العربيّة في الوقت الرّاهن؟ ما علاقة أبنائها بها؟ كيف هو حضورها في حياتهم اليوميّة؟ في حياتهم العلميّة، في أجهزة إعلامهم؟ كيف يقدّمها المنتمون إليها للعالم؟ هل يرون لها مستقبلاً؟ هل لهم ثقة بها أن ترتفع بهم إلى مدارج الكمال؟ هل يطمئنّون إليها أن توفّر لهم فرص الإبداع والابتكار، كما يرون ذلك في اللّغات الأخرى؟ كيف ينظرون إليها؟ هل يرونها عاجزة عن حمل المعارف؟ هل يعتقدون أنّها تقف عائقًا أمام اقتحام عالم المعرفة والمعلوماتيّة؟ ثمّ أين الخلل في عدم إتقان بعض أبنائها (ربّما أغلبهم) بعامّة، ومتعلّموها ومثقّفوها لها بخاصّة؟ ... ما هو مكانها في قلوب السّاسة؟ ما حظّها في مراسيم تنظيم شؤون البلدان العربيّة؟ هل يمكن النّهوض باللّغة العربيّة في مختلف المستويات والمجالات والأصعدة؟ هل يمكن التّرغيب فيها وتحبيبها للنّاشئة – بخاصة -؟ هل يمكن وضع مخطّطات ومشروعات في التّعريف باللّغة العربيّة، والكشف عن جماليّاتها وخصائصها؛ حتّى يرفع عنها الغبن واللّبس والتّهم التي ألصقت بها؟ هل في نيّة أبنائها إفادة غير النّاطقين بها، واتّباع سياسة محكمة لتلبية شغفهم في إتقان هذه اللّغة؟ بالجملة هل يمكن تغيير الواقع، وتبديل حال اللّغة العربيّة الرّاهن، وإصلاح الخلل ورأب الصّدع؟ وردم الفجوة بين الأفراد واللّغة الأمّ؟ فترجع إلى سابق عهدها وإبداعها، كما كانت في الحقب الماضية؟ (2)
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، " اللّغة العربيّة هويَّتنا القوميَّة "، ينظر المصدر السّابق، ص: 24.
(2) - يضاف إلى هذه الأسئلة ما عرضه الدّكتور محمد العربي ولد خليفة من أسئلة في هذا السّياق. ينظر كتاب: اللّغة والهويّة والتّعدّدية اللّسانيّة، نشر المجلس الأعلى للّغة العربيّة (الجزائر)، نوفمبر 2006م، ص: 8، 9. (1/10)
صفحة 10
قوّة اللّغة العربيّة ومكانتها
يقوا صالح الخرفي: " ... فاللّغة العربيّة قوام الشّخصيّة في الوطن العربي عموديًّا، وبعدها أفقيًّا في الشّعوب الإسلاميّة، التي تربطنا بها رابطة الدّين، فإذا تعزّز الشّعورُ الدّيني بالأداة المعبّرة عنه تعانقت العروبة والإسلامُ في أروع مظاهرهما وأكمل صورهما وأوسع آفاقهما؛ لما فيه خير البشريّة جمعاء." (1)
اللّغة العربيّة هي المقوّم الأساس في تكوين شخصيّة الفرد المسلم، هي السنّاد الذي يسند كيان الأمّة، هي الرّمز الذي يبرز حقيقة الفرد العربي، هي الوعاء الذي يختزن الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، هي الأداة التي تعمل وتحمل ابن هذه اللّغة على الإبداع وإنتاج المعرفة ... إلى جانب كونها العنصر الذي يوحّد المسلمين بمختلف أوطانهم وجنسيّاتهم.
إنّ اللّغة العربيّة هي الحياة العربيّة الإسلاميّة، والوجود العربي والإسلامي، ففيها تُقْرَأُ هذه الحياة، وهذا الوجود في كلّ جوانبهما: الفكريّة والفنّية والاجتماعيّة والنّفسيّة ... التأمّل والبحث فيها يقدّم الوجه الحقيقي لهما. ينتج عن هذا أنّ طريقة التّعامل معها، وصلة أهلها بها هما اللّذان يعطيان القيمة الصّحيحة لها. ويقدّمان الدّليل المحسوس أو الواقعي لما يمكن أن تفرزه من نتائج حسنة أو سيّئة، وما تمنحه من قوّة أو ضعف، تضعها في خانة معيّنة، ينظر إليها النّاس من خلالها. يقول الدّكتور محمد سويسي: " إنّ اللّغة العربيّة هي مستودع الثّقافة العربيّة، وهي صلة الأمّة بالأجيال السّابقة، وصلتهم بعضهم ببعض في الحاضر، وصلتهم بالأجيال القادمة ... " (2)
للأسف الشّديد إن هذه اللّغة لم تعد تحمل تلك القيمة، ولم تصبح لها تلك المكانة، ولم يعد أبناؤها يحتفون بها، أو يقيمون لها وزنًا. فهي في أرضها غريبة، وبين أهلها مهينة، ومن القائمين عليها مهمّشة، ومن أقامها وضعها على أرض هشّة. هل ينطبق على الفرد العربي في البلدان العربيّة اليوم – أيضًا - قول المتنبّي:
ولكنَّ الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللّسان
إنّها لم تعد تجد من بنيها اهتمامًا ولا تقديرًا. بل هم يصمُونَها بالعقم، ويصفونَها بالتّخلّف، وَيَسِمُونَها بالغريبة عن زمانها، وغير المنسجمة مع العصر. وتَبِعَ ذلك ازدراءُ غيرهم لها، وتزهيدُ أبنائها فيها، وإقصاؤُها من المحافل العامّة، والمنتديات العالميّة. يقول الدّكتور شكري فيصل: " اللّغة العربيّة إذن ليست في وضع أمنِيٍّ سليم، يساعدها على التّطوّر الحقيقي في ملاحقة الحضارة واحتوائها. إنّها في حالة حربٍ. الدّفاعُ عن الذّات يشغلها: دفاعها أمام الغزاة من الخارج، وأمام الضّعفاء من الدّاخل. وهي حالة من حالات الاستنزاف، يجب أن تتجاوزها؛ حتّى تلتقي قدراتنا اللّغويَّة كاملة على العمل لنصرة العربيّة، بعيدًا عن كلّ جدلٍ نظري، أو نقاش لا مردود له، بعد أن استقرّ في الذّهن اللّغوي البشري أنّ لغة الشّعوب ذاتها هي أقصر الطّرق إلى تقبّل المعرفة والعلم والحضارة." (3)
إنّ اللّغة العربيّة هي أحد مظاهر السّيادة الثّقافيّة، الاعتزاز والتّحصّنُ بها، يحفظ الشّخصيّة، ويدفع إلى الإبداع والابتكار، واكتساب المعرفة وبناء الحضارة. لذا يجب أن تنأى عن المشاكل التي تعيقها عن امتلاك هذه المميّزات.
__________
(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 22.
(2) - المصدر السّابق، ص: 154.
(3) - المصدر السّابق، ص: 33. (1/11)
صفحة 11
لكن واحسرتاه، إنّ اللّغة العربيّة تتخبَّطّ في مشاكل كثيرة سبّبت لها إعاقات، حبستها عن الانطلاق والإبداع. فما هي هذه المشاكل التي تعاني منها في الوقت الرّاهن؟ أو ما هي مظاهر هذه المعاناة؟ (1/12)
صفحة 12
المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة
هي كثيرة نشير إلى بعضها، على سبيل التّمثيل، بغيةَ التّحسيس والتّذكير بالواجب نحو هذه اللّغة. (1) هذه المشاكل، أو المعاناة - إذا استمرّت تتضاعف وتقوى - تعرّض العربيّة للخطر، وبعدها تصاب الأمّة الإسلاميّة في الصّميم. (2) من هذه المشاكل:
1 – اتّهام اللّغة العربيّة بالعجز عن الإبداع ومواكبة العصر
هذه الفرية وهذه التّهمة تعدّ أخطر دعوى ترفع ضدّ اللّغة العربيّة؛ بغية النّيل منها أوّلاً، وبالفكر الذي تحمله بالتّبع، وقصدَ صدّ أهلها عنها، وتحويل قبلتِهم ووجهتِهم نحو فكرٍ غيرِ فكرهم. يقتنع السّذّج والمغفّلون وأصحاب الضّمائر الرّخوة، والنّفوس الواهنة بحقيقة ما يمليه عليه أولئك القاسطون؛ فينصرفون عن لغتهم (الأمّ)، وعاء فكرهم الحقيقي، وحاملة رسالتهم الصّحيحة، ومستودع ثقافتهم الأصيلة ... فيزدرونها ويحتقرونها. فيكنّون لها العداء، ممّا يؤدّي إلى فتح واجهات الصّراع داخل المجتمع العربي والإسلامي، حول المقوّمات والأصول والمبادئ، فتُعْرَضُ مشروعات محاكمة الانتماء، أو المزايدة عليه، أو التّشكيك فيه. إلى غير ذلك من المشاكل والملهيات التي تصدّ عن التّوجيه الصّحيح للطّاقات والقدرات. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " ... تثير هذه الإشكاليّة جدلاً دائمًا بين الطّلاب وأساتذتهم، وبين المثقّفين أنفسهم، وتظهر النّتيجة شكلاً من الهروب من واجب المحافظة على الذّات القوميّة، والتّخلّي عن العمل على تعزيز الانتماء، فتلقى التّهم على اللّغة العربيّة؛ لأنّها في رأي معظم المتعلّمين غيرَ قادرة على مواكبة التّطوّر العلمي والحضاري، ولا تستوعبُ المصطلحات العلميّة الحديثة، ولا تساعد على فهم النّظريّات العلميّة المتطوّرة، وهي في رأي بعض دارسي العلوم الإنسانيّة عاجزة عن التّفاعل مع النّظريّات الألسنيّة الحديثة." (3)
أمام هذا السّيل العارم من التّهم الباطلة لا أجدُ إلاَّ أن أقولَ لهؤلاء الضّعفاء الواهنين:
نعيب لساننا والعيُّ فينا ... وما للسانِنا من عجزٍ سِوانا
عجزنا عن مواكبة المسار ... فقمنا حاملين لها ... سِنانا
2 – ضعف العصبيّة القوميّة عند بعض أبناء العربيّة
تشكو اللّغة العربيّة وهنًا في العلاقة الحميميّة بينها وبين بعض أبنائها، ممّا نتج عنه فتورٌ في الحماسة لها، أدّى إلى عدم الاعتراف بها؛ مقوّمًا يبني الشّخصيّة، وأداة فعّالة تساعد على الإبداعِ، وعنصرًا يعين على مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي ... لذا نُفِثَ في روعهم، ورسخ في أذهانهم أنّه: لا مجال للتّعامل بها، أو الاحتفاظ بها. إنّها ليست في شيء من الأهميّة والجدوي. النّتيجة والمحصّلة من ذلك اللّجوءُ إلى اللّغات الأخرى والاهتمامُ والاحتفاء بها؛ بديلا عن اللّغة العربيّة. تقول مها خير بك ناصر: " جسّد الاعتزاز بالمنطوق الأجنبي حالة تغريب عن اللّغة القوميّة، فعكس العجز عن
__________
(1) - ذكر بعضها الدّكتور محمّد بوغازي, ينظر كتاب توطين المعرفة العلميّة والتّكنولوجيّة وأهميّة نشرها بالعربيّة، نشر المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر، نوفمبر 2006م، ص: 23.
(2) - ينظر الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي، وكتابه: لماذا اللّغة العربيّة، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، 1418هـ/ 1998م. فيه فصل، عنوانه: "حقيقة الخطر الذي يهدّد الأمّة المسلمة حين تضعف اللّغة العربيّة " ص: 51 – 60.
(3) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، " إشكاليّة اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغويّة وكيميائيّة التّحوّل. "، مجلّة اللّغة العربيّة، المجلس الأعلى للّغة العربيّة, (الجزائر) , العدد السّادس عشر، خريف 2006م، ص: 284. (1/13)
صفحة 13
إتقان لغة العصر شعورًا بالنّقص، وإحساسًا بالعجز عن مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي، وبلغت سيطرة اللّغات الأجنبيّة في بعض البلدان العربيّة، درجة يعجز معها المتعلّم عن معرفة اللّفظ العلمي أو الأدبي، أو التّداول اليومي في اللّغة العربيّة، وصارت المعرفة باللّغة العربيّة عند بعضهم مرادفة للجهل والأميّة. " (1)
إنّ هدا الشّعور، أو هذه النّظرة هي من أكبر الأدواء التي تصيب العربيّة في الصّميم. إنّها دعوى باطلة، وفكرة خاطئة. تسبّب ظلمًا وإجحافًا كبيرين، ينالان اللّغة من أبنائها، وظلم دوي القربى أشدّ وأفتك سلاح يفضي إلى الهلاك. ثمّ إنّ هذا الاعتقاد يصرف فلذات الأكباد إلى وجهات أخرى، وترك الأمّ تشكو الغربة والبعد ونكران الجميل، بِضربِها بضرّات لها، تتربّص بها الدّوائر لتنقضَّ عليها، ودفعِ الأبناء لِيَنْفُضُوا أيديهم منها، بعد أن يَنْفَضُّوا من حولها، ويهجروا حجرها، وينأوا عن حضنها.
إذن إنّ اللّغة العربيّة تواجه معوّقات داخليّة، أكثر من المعوّقات الخارجيّة، في طريق سيرورتها وتطوّرها، أو لِنَقُل ضمان حياة طبيعيّة، كما تعيش اللّغات الأخرى التي تجد سندًا ودعمًا وخدمة من بنيها. هنا مكمن الخطر؛ لأنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحدٍ, هو التّخلّي عن هذه اللّغة، وعدم الاعتراف بها مقوّمًا في البناء والتّقدّم، والارتماء في أحضان لغات أخرى دخيلة، بعيدة عن طبيعة الفكر الذي ينتمي إليه العربي المسلم، الذي ينقلب بذلك فأسًا يجتثّ شجرة أصالته من الجذور. تقول مها خير بك ناصر: " ... لأنّ الخطر الحقيقي يكمن في ضمير الشّعوب العربيّة. وهو متجسّد في عدم الثّقة بالنّفس، وفي ضعف الانتماء الوطني أوّلاً، والقومي ثانيًا، وفي شدّة الإعجاب بكلّ دخيلٍ، ولو كان مشبوهًا؛ لأنّ الانبهار بما لدى الآخر من دون ملامسة جوهره، ومعرفة شيء من حقيقته، سبَبٌ أساس في تشويه الفكر العربي وتخلّيه عن هُويّتِه. وهذا من الأسباب التي تقود البعض إلى حالة من الانبطاح أمام أصحاب السّلطة، بأسلوب يتنافى وإنسانيّة الإنسان، وكرامة الفرد؛ ممّا ينذر بضياع أبسط مقوّمات الاعتزاز بالنّفس، وبخسارة الاعتزاز بالانتماء الفكري، والتّعويض عنه بانتماء نفعي إلى مجموعة لا تعترف بالقدرات، ليتحوّل إلى رقم في صناديق النّفعيّة." (2)
هذه الأدواء النّفسيّة أكثر الأخطار على اللّغة العربيّة والانتماء؛ لأنّها توجد فجوة أو هوّة كبيرة في العلاقة بين اللّغة وأبنائها، فيزدادان ابتعادًا أو تباعدًا بمرور الزّمن، وينهدّ بذلك الكيان، وتفقد السّيادة. وامتلاك السّيادة الفكريّة أو الثّقافيّة، أو الاحتفاظ بها، منطلقه امتلاك سيادة اللّغة (الأمّ) في وطنها وبين أهلها قبل كلّ شيء.
يقول صالح الخرفي: " عندما يكون العطاء الخارجي على حساب الأصالة الذّاتيّة تفقد اللّغة وظيفتها في بناء الذّات؛ لتتحوّل إلى معول في هدمها. ولن يكون ذلك إلاّ بانقطاع الصّلة بين اللّغة منطوقةً على طرف اللّسان، وبين اللّغة مغروسةً في العمقِ العقائدي، والبعد الحضاري، وهو انفصام رفضته اللّغة العربيّة في أوج سيادتها، فاستعصت بذلك على المتربّصين بها، وعانت منه في عهود الانحطاط والتّبعيّة، فهان أمرها على النّاطقين بها، والكائدين لها. " (3)
__________
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 283.
(2) - المصدر السّابق، ص: 304.
(3) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 18. (1/14)
صفحة 14
يعرض جميل عيسى الملائكة همًّا آخر يصيب العربيّة، مصدره المتعلّمون، غير المحصّنين بلغتهم، غير العارفين لحقيقتها، الذين ينبهرون بحضارة البلدان التي يقيمون فيها، وهم في ريعان الشّباب: " غير أنّ ممّا يؤسف له أنّ نفرًا من الذين يبتعدون عن هذه البلاد ردحًا من الزّمن للدّراسة، وهم ما زالوا في غضارة الشّباب، تبهرهم حضارة البلاد التي يزورونها، ويتعلّمون لغاتها ويأخذون من علومها، في حين لم تكن تهيّأت لهم قبل ذلك فرصة إتقان العربيّة، وممارستها في العمل العلمي المتخصّص، وإذا بهم يعتقدون بقصور العربيّة عن مجاراة العلوم. وما القصور إلاّ فيهم، فما أحوج أمثال هؤلاء إلى هدايتهم بصقل معرفتهم بالعربيّة في دورات وحلقات دراسيّة مركّزة لإعادة ثقتهم بها. " (1)
إنّ القصور كامنٌ في هؤلاء الطّلبة الدّارسين في البلدان الأجنبيّة، وليس في لغتهم الأمّ. إنّ هؤلاء هم خطر على اللّغة العربيّة؛ لأنّهم الطّبقة التي قد يراهم بعض النّاس حجّة فيما يقولون، إذ هم يتحدّثون عن دراية علميّة متخصّصة، وتجربة واقعيّة مُمارسَة، وبدافع الحاجة إلى ما يعينهم على بناء صرحهم العلمي. لذا لابدّ من أخذ تصرّفاتهم بعين الاعتبار، وعدّ ما يقولون أحسن الأفكار ... هذا ما قد يعتقده بسطاء النّاس، وغير الملقّحين بلقاح الأصول والقواعد الصّحيحة، فيكون ذلك وبالا ووباء على اللّغة العربيّة.
مع ذلك يجب البحث عن الأسباب التي أدّت بأولئك المتعلّمين إلى اتّخاذ تلك المواقف السّلبيّة من لغتهم الأصليّة. وعلى القائمين على التّوجيه والتّربية تحمّل مسؤوليّة عدم توفير القواعد التي ينطلقون منها في إتقان اللّغة العربيّة في أثناء دراستهم قبل التّخصص، بل تعليمهم اللّغة العربيّة العلميّة، التي تخدم تخصّصاتهم. ثمّ مواصلة رعايتهم بالتّقرّب إليهم، وإحاطتهم بسياج من الحماية الفكريّة والثّقافيّة والنّفسيّة، ومنع الاستلاب والتّبعيّة عن حياتهم العلميّة.
يقول صالح الخرفي: " إنّ الاعتراف الدّولي باللّغة العربيّة لغة رسميّة في منظّماته ومحافله محلّ عبرة واعتبار، عندما تضعف العصبيّة القوميّة عند بعض أبناء هذه اللّغة، فيطلبون بديلاً لها في لغات أجنبيّة. وأنّ هذا الفتور إزاء أحد المقوّمات الأساسيّة للذّاتيّة ناتج عن استلاب ثقافي وفراغ حضاري، مردّهما ضعف التّكوين الشّخصي في التّربية العربيّة الحديثة. الأمر الذي ينتج عنه سرعة الانبهار بالحضارة الغربيّة الحديثة، التي غالبًا ما تحتضن طلاّب الدّراسات العليا من أبناء العروبة والإسلام." (2)
هناك خطر آخر يهدّد العربيّة في عقر دارها، ومن أبنائها المنهزمين نفسيًّا، القاصرين عن فهم لغتهم واستيعاب مضمونها، وتشرّب جماليّاتها وفنّياتها، والوقوف على مكانتها وقيمتها ودورها في الحياة الفكريّة العالميّة. هذه الهواجس وهذه الأفكار وهذه التّصرّفات سكنتهم وداخلتهم؛ نتيجة الخوف من العولمة التي غزت ديارهم وأهليهم، ومسّت قلوبهم الواجفة، وعقولهم الممسوسة ... فصدّقوا ما قيل لهم، وطبّقوا ما أُملِي عليهم، ونفَّذوا ما أُمروا به، فقالوا وردّدوا وروّجوا ولوّحوا أنّ اللّغة العربيّة عاجزة عن استيعاب العلوم المعاصرة، وغير قادرة على مواكبة تطوّرات العصر المتساوقة المتلاحقة، فنبذوا لغتهم ظهريًّا، وقلبوا لها ظهر المجنّ، وسافروا وشرّقوا وغرّبوا وغرّدوا خارج سربهم، وتغنّوا بغير ألحانهم، فكانت اللّغة العربيّة (الأمّ) هي الضّحية، إذ أصبحت عندهم من سقط المتاع الذي لا يصلح لشيء. تقول مها خيربك ناصر: "بعث الخوف من العولمة في الذّات العربيّة المعاصرة شعورًا بالإحباط؛ نتيجة تنحّي المفكّر
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 131.
(2) - المصدر السّابق، ص: 21. (1/15)
صفحة 15
العربي عن حلبة الصّراع، وقبوله حالة التّلقّي، وتعليل عجزه باتّهام اللّغة العربيّة بالقصور عن استيعاب ماهية العلوم المعاصرة، فتظهرنا العولمة بخوفنا منها عاجزين، ونبرّر عجزنا العلمي بقصور اللّغة العربيّة عن استيعاب العلوم، وعن أنماط الثّقافة الحضاريّة المعاصرة، ونجرّد اللّغة من قدرتها على تدوين المعارف، ومن سماتها التّوليديّة التّخصيبيّة، بسبب عدم ثقتنا بانتمائنا، ونصوّرها قاصرة عن استيعاب المنتَج العلمي والثّقافي والحضاري. " (1)
هذه النّظرة السّيّئة إلى اللّغة العربيّة، وهذا الشّعور السّلبي نحوها، يدفعان بهؤلاء المهزوزين في شخصيّتهم إلى البحث عن وسائلَ للتّقدّم والتّطوّر بعيدًا عن لغتهم؛ إذ الوقوف في نقطة معيّنة، أو محطّة محدّدة، ترفضها الحياةُ، وتأباها الفطرة. فلا يجد هؤلاء إلاّ اللّغات الأجنبيّة ملاذًا وموئلاً لهم للخروج من حالة الجمود والهمود، فيركبون متونها وصهواتها لتنقلهم إلى عوالم فكريّة غيرِ التي تتّصل بهم، وتقيم كيانهم الحقيقي، وتحطّ بهم في محطّات، لا تتّصل إليهم بسبب. يقول الدّكتور علي الشّابي: " لقد علّمنا التّاريخ والواقع أنّ تقدّم الأمّة العربيّة بالنّظر إلى بنيتها اللّغويّة والرّوحيّة والتّراثيّة هو رهين اعتمادها على لغتها التي هي حسب تعبير " Louis Massignon " عامل أساسي لنشر السّلام في العالم، وأداة صالحة لنقل اكتشافات الفكر بين الدّول (2). كما علّمنا تاريخنا المعاصر أنّ السّعي إلى التّقدّم باعتماد اللّغات الأجنبيّة، بدل اللّغة العربيّة، لا يعدو أن يكون ركضًا وراء السّراب، وترسيخًا لقيمة الاستهلاك والاستلاب الفكري، وتكريسًا للتّبعيّة الثّقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة." (3)
إنّ الاستمرار في هذا النّهج، بهذا التّفكير، سيعجّل بموت اللّغة العربيّة، وبموتها تذوب الهويّة العربيّة والإسلاميّة، وتلك هي البليّة العظمى، بل الطّامّة الكبرى التي تنزل صاعقة على الأمّة الإسلاميّة. إذن لابدّ من أخذ هذه القضيّة بالجدّيّة الكاملة، لإنقاذ الأصالة، والإفادة من العصرنة، والمحافظة على الأصول، والتّفاعل مع الثّقافات الأخرى. تقول مها خير بك ناصر: " ستفرض العولمة انتشار اللّغة الإنكليزيّة، حتّى بين الطّبقات الشّعبيّة، ولكن الخوف ليس من انتشار هذه اللّغة بين الخاصّة والعامّة، وإنّما المشكلة تكمن في ازدراء أبناء العربيّة للغتهم؛ لأنّهم بذلك يعملون على موتها، وبموت اللّغة القوميّة تتلاشى الهويّة الوطنيّة. فكم من شعوب انقرضت بانقراض لغتهم. ولا أبالغ إذا قلت: إنّ معظم الشّعوب اليهوديّة لا تتخلّى عن لغتها العبريّة، التي تشكّل الجامع المشترك لهم في أصقاع الأرض جميعها. والشّعب الأرميني حافظ على خصائصه القوميّة باحترامه للغته القوميّة، واتّخاذها أداةَ تواصل فكري، ووجداني وقومي؛ لأنّ اللّغة توحّد المجموعات المتباعدة جغرافيًا، وتشعر الفرد بانتمائه الفكري والوجداني إلى بني قومه، وتعزّز الرّوابط." (4)
هناك عمل كبير منوطٌ على عاتق القابعين في سدّات المسؤوليّة، مهما تكن هذه المسؤوليّة، وعلى القائمين على وضع خطط توجيه الأمّة، وعلى الماسكين بزمام إدارة شؤونها ... على هؤلاء عبء ثقيل، وجهد جهيد في توفير ما
__________
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 311.
(2) - يراجع تقويم (لوي ماسينيون)، كتاب: " ماكس فانتاجو (المعجزة العربيّة)، تعريب " رمضان لاوند "، بيروت، 195م، ص: 6.
(3) - الدّكتور علي الشّابي، " اللّغة العربيّة لغة القرآن ورسالة الإسلام "، ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 65.
(4) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16. عن التّحدّيات التي تواجه الثّقافة والقوميّة والمقوّمات والسّيادة عن طريق شبح العولمة أو غول العولمة، يراجع على سبيل المثال، كتاب العولمة والتّحدّي الثّقافي، للدّكتور باسم عليّ خريسان، نشر دار الفكر العربي، 2001م، بيروت. وكتاب عولمة السّيادة حال الأمّة العربية، للدّكتور حسن البزّاز، نشر المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1422هـ/ 2002م. (1/16)
صفحة 16
يساعد على الحفاظ على الهويّة؛ بواسطة رَبْطِ النّاس بمقوّمات شخصيّتهم، وعلى رأسها اللّغة العربيّة، وجَعْلِهِم يتعلّقون بها، ويمارسون بها حياتهم، فتبقى حيّة، تتحرّك في الفضاءات وتتطوّر. يقول شكري فيصل: " إنّ العمل على اكتساب العربيّة في مواطنها وبين أبنائها هو أبرز ميادين العمل لخدمتها، واستمرارها وتحدّيها. وحين يؤمن قومٌ بلغتهم إيمانًا صادقًا علميًا، وحين يمارسونها ممارسة سليمة، فإنّ ذلك أوّل مراحل الحفاظ عليها من جهة، وتمهيد الطّريق أمام تطوّرها من جهة أخرى، تطوّرًا ينبع من ثنايا الاستعمال والتّطبيق، لا من خلال التّهويمات النّظريّة." (1)
إنّ إتقان اللّغة العربيّة، وممارستها في الأعمال العلميّة المتخصّصة، مطلب فطري، وضرورة حضاريّة، لخدمتها وصيانتها وحمايتها، والارتقاء بها في ميادين التّفاعل الثّقافي. كما أنّ ردّ الاعتبار للعربيّة، المقوّم الأساس للشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة كفيل بفتح المجال أمامها للإبداع، وردّ الاعتبار للشّخصيّة نفسها.
3 – إهانة المحيط للّغة العربيّة
البيئة التي تَدْرُجُ فيها اللّغة العربيّة تهينها أكبر الإهانة، فمن يعتزّ بلغته العربيّة يعيش فيها غريبًا، إذ يصطدم بتصرّفات غريبة وهو يتعامل مع أبناء جلدته وبني أرومته. ويُواجَهُ بأنواع من السّلوك التي يحارُ فيها العقل، ولا تقبلها الفطرة. فالشّارع لا يحسن اللّغة العربيّة، والإدارة لا تتقنها، والمؤسّسات الثّقافيّة لا تعتني بها كما ينبغي، ومراكز التّكوين لا تعلّمها كما يجب. والإعلام يقترف في حقّها جرائم لا تغتفر. والأسرة لا تولي لها اهتمامًا ...
لنأخذ مثالاً على هذا التّفريط في اللّغة العربيّة، بل تحقيرها، تصرّفات التّجار معها. إنّ منهم من يفضّل اللّغة الأجنبيّة في كتابة واجهة محلّه، ولا يعترف باللّغة العربيّة، فهي تصغر في عينيه، وتبدو له حروفها أشكالاً ذميمة، ولا أقول قبيحة، هي لا تجذب له الزّبائن، ولا توفّر له ربحًا وفيرًا. ومنهم من يميل أو يحلو له أن يزيّن اسم متجره بكلمات أجنبيّة مكتوبة بحروف عربيّة، أو يروّج بها بضاعته، من أمثال: "سوبر ماركت"، " كايرو شوز"، "بوتيك"، "فابريكا"، " فِي بِير vie pure " ... ، في هذا تقع المسؤوليّة على الجهات المختصّة، التي تسمح بهذه التّصرّفات، وترخّص لأصحابِها بذبح الأصالة، ونحر الكرامة، والدّوس على الهويّة.
بل إنّ هذه الجهات ترتكب ما يجعلها قدوة وحجّة لهؤلاء التّجار، فهي تتصرّف التّصرّف ذاته. مثلا نقرأ في بعض المدن العربيّة الحمل الآتية: " هاوس آند جاردن"، سانتر سيتي"، "سانتر فيل" ...
بعض المشتغلين بأمور الرّياضة لا يحلو لهم إلاّ أن يتحدّثوا باللّغة الأجنبيّة، أو أن ينطقوا الكلمات الأجنبيّة بأصوات عربيّة. من أمثال: (قول، سْتَاد، فَاوْلْ، كُرْنَرْ، أَوْتْسَايْدْ، كَابْتَن، أُنْتِرِينُور، كُونْتْرُول، .. ). وقمصان اللاّعبين تكتب باللّغات الأجنبيّة، وإلاّ لا تكون مقبولة ومتناسبة مع جماليّات الكرة وفنّياتها. والشّعارات والإعلانات التي تملأُ الملاعب، تكون معظمها باللّغات الدّخيلة والدّائسة على الكرامة العربيّة. وهكذا نصطدم بهذه الأشكال من الإهانة للّغة العربيّة في بقيّة جوانب الحياة اليوميّة للعربي في أرضه.
__________
(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 45. (1/17)
صفحة 17
هل هناك خيانة أكبر من هذا؟ هل هناك غمٌّ وكربٌ أعظم من هذا؟ إنّ هذا يكشف بوضوح وصراحة عن احتقار اللّغة العربيّة. (1) هذه الظّاهرة تنبئ عن كارثة حقيقيّة، وهي التّخلي عن الانتماء. حين يحصل هذا نترقّب فقدان الهويّة، ثمّ الذّوبان والتّلاشي بعد ذلك. تقول مها خير بك ناصر: " ... ولكنّ احتقار اللّغة الأمّ ينذر بكارثة ضياعٍ، وفقدان الهويّة؛ لأنّ التّخلّي عن الانتماء القومي، والتّنكّر للأصل يهدّد بخسارة الذّاكرة الثّقافيّة للأمّة، وغيابها عن مستويات الفاعليّة الحضاريّة، ومن ثمّ عجز أفراد الأمّة عن مواكبة الحركات الفكريّة الفاعلة على مسرح الوجود، وتكون النّتيجة فقدان الكيان الذّاتي والمعنوي للقوميّة العربيّة." (2)
4 – التّباهي بتطعيم الكلام العربي بالألفاظ الأجنبيّة
هذه الظّاهرة تشمل عامّة النّاس وخاصّتهم، حتّى أصبحت تقليعة، قلعت العربيّة من بعض عقول المغرورين والمغفّلين ومن حياتهم. وإنّك لترى الشّخص لا يحسن تلك اللّغة الأجنبيّة التي ينطق بها، لكنّه يقحم نفسه مع من يريد أن يكون من المتقدّمين المتطوّرين؛ فيتكلّم اللّغة الأجنبيّة. هذه الظّاهرة يسمّيها الدّكتور عبد القادر فضيل: (التّسيّب اللّغوي) (3) من مثل العبارة الآتية، التي ملأت الآفاق: (عِيشْ la vie ).
أراد أحدهم أن يخبر عن شخص داسته سيّارة فقتلته. أي أن يقول:" داسته سيارة، فجمعناه قطعة قطعةً " فقال: "كْرَزَتُو اَتُّومُوبِيلْ أُو رَمَرْسِينَاهْ مُرْسُو مُرْسُو ". وآخر قال:" أنا طَالَعْ فَلْبِيسْ أُو رَايَحْ أَلْبينَاكْ أَنْقابَلْ لَبْرُوفْ أُنْجِيبْ لَبُو" أي أنا صاعد إلى الحافلة، في اتّجاه حيّ ابن عكنون، لأُقابلَ الأستاذ، وآتِيَ بالمنحة " ...
ما هذا النّشاز؟ ما هذا الدّوق؟ ما هذا العقل الذي لا يميّز بين المتنافر والمنسجم من الألفاظ والعبارات؟ هل فقد النّاس الإحساس؟ هل استوى عندهم التُّرب والتِّربُ؟؟؟
بعضهم يتحدّث – صراحة ووقاحة – باللّغة الأجنبيّة، ولا يرضى أبدًا أن ينبس بلفظة عربيّة؛ تكبّرًا واحتقارًا للغته (الأمّ). وأحسن هؤلاء حالاً من يعتذر لمخاطَبيهِ أن يسمحوا له، فيحدّثهم بلغة أجنبيّة، لأنّه لا يحسن اللّغة العربيّة، فيكون العذر في مستوى الجرم الذي ارتكبه في أحد مقوّمات شخصيّته.
زار عالم ألماني بلدًا عربيًّا في مهمّة علميّة، فقصد مركزًا ثقافيًّا، فطافت به موظّفة بهذا المركز، وبدأت تقدّم له شروحًا باللّغة الفرنسيّة، فاعتذر لها، أنّه لا يحسن هذه اللّغة، فاستغربت منه: كيف لا يحسن اللّغة الفرنسيّة، فقال لها: هل يفرض عليّ أن أحسن الفرنسيّة، وأنا الألماني، أنا أتقن الألمانيّة، وأعرف العربيّة. فالمفروض أن تشرحي لي باللّغة العربيّة، فأنا في بلد عربي.
__________
(1) - كتب الشّيخ إبراهيم أبو اليفظان مقالا، عنوانه: " اللّغة العربيّة غريبة في دارها "، نشره في جريدته " وادي ميزاب "، ع: 55، الصّادر يوم: 3 من نوفمبر 1927م. تناول فيه الوضعيّة الغريبة للّغة العربيّة في موطنها، ذكر المظاهر والأسباب والأخطار النّاجمة عن ذلك، ومستقبل الهويّة والشّخصيّة القوميّة. للقارئ أن يتأمّل في المقال الذي كتب سنة 1927م، في ظلّ الاحتلال العسكري، وفقدان الحريّة. والحالة التي تعيشها العربيّة اليوم في الألفيّة الثّالثة, في رحمة الاستقلال واسترجاع السّيادة. ولينظر وليفكّر وليعتبر وليقدّر ما شاء له التّقدير ...
(2) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 284.
(3) - ينظر كتاب اللّغة والهويّة والتّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 83. (1/18)
صفحة 18
هذا العالم قال لأحد الإخوة في هذا البلد: أنا أنصح كلّ من يقصد بلدكم أن يصطحب معه قاموسًا متعدّد اللّغات؛ لينجد به نفسه حين يخاطب فردًا منكم، فأنا لم أتبيّن اللّغة التي تتحدّثون بها، فهي خليط من الفرنسيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة ولغات أخرى. كأنّه يقول: أين لغتكم القوميّة الرّسميّة. (1)
ما هذا التّقريع من العالم غير العربي؟ ما هذه الذّلة من الفرد العربي؟ ما هذا العار الذي نرتكبه نحو لغتنا (الأمّ)، التي أرضعتنا لبانها، وحضنتنا؟ فهي لا تطلب منّا سوى أن نرعى لها حقّها، ونبرّها بإحلالها في قلوبنا المحلّ اللاّئق، وأن نفسح لها مجالاتٍ في حياتنا.
موقف العالم الألماني يذكّرني بما قاله أحمد الرّيسوني عن بعض الدّول العربيّة: " لا يستطيع الملاحظ أن يستنتج أنّ اللّغة العربيّة هي اللّغة (الرّسمية) للبلد. فاللّغات الأجنبيّة تواصل اكتساحها واحتلالها لموقع السّيادة والرّيادة على الخريطة العربيّة، في مجالات التّعليم والإعلام والإدارات والمعاملات الحكوميّة، والمرافق الاقتصاديّة والتّجاريّة والخدماتيّة. وهي لذلك معزّزة بجهود ومخطّطات ومؤسّسات وتمويلات. وهكذا تستولي اللّغة الإنكليزيّة على المشرق العربي، وتستولي اللّغة الفرنسيّة على المغرب العربي." (2)
إنّ هذا السّلوك ليس حضاريًا، ولا مسؤولاً، بل فيه تجنٍّ واعتداءٌ على الحقوق؛ إذ فيه حرمان اللّغة العربيّة من مكانتها بين اللّغات الفاعلة في العالم، وإقصاؤها من مكانها في المحافل الدّولية. يقول أحمد الرّيسوني: " لقد أصبح الكثيرون من النّخب العربيّة، ومن المسؤولين العرب يجيدون ويمجّدون اللّغات الأجنبيّة، أكثر بكثير ممّا يفعلونه مع لغتهم، حتّى إنّ بعض المنظّمات التّابعة للأمم المتّحدة قد بدأت تتداول قرار حذف اللّغة العربيّة من اللّغات الرّسميّة المعتمدة لديها، وذلك لسببين:
الأوّل: هو أنّ ممثّلي العربيّة أنفسهم لا يستعملون لغتهم العربيّة داخل هذه المنظّمات؛ حرصًا منهم على إظهار معرفتهم باللّغة الأجنبيّة.
الثّاني: هو أنّ الدّول العربيّة غير ملتزمة بتعهّداتها الماليّة والبشريّة, في دعم متطلّبات استعمال العربيّة في أجهزة الأمم المتّحدة وفروعها.
على أنّ التّفريط الرّسمي العربي في اللّغة القوميّة الرّسميّة، على صعيد الأمم المتّحدة، وعلى الصّعيد الدّولي بصفة عامّة، ليس إلاّ فرعًا ونتيجة للتّفريط الأصلي على الصّعيد الدّاخلي ... " (3)
أين الوفاء بالعهود والمواثيق؟ أين الالتزام بشروط التّمثيل؟ أين المسؤوليّة في تقديم الوجه الحقيقي للأمّة؟ فَدَاؤُنا منّا، وكان الواجب أن نكون فِدَاءً لِلغتنا. إنّ ضررنا يأتينا من داخلنا، ومصيبتنا تلحقنا من ساحلنا. هل يصدق علينا – في تعاملنا مع لغتنا – قول الشّاعر:
ما حيلة الرّيح، إذا من داخل ... هبّت، وفُلْكٍ أوتيت من ساحلِ
__________
(1) - هذه الدّولة هي بلدي الحبيب الجزائر .. واأسفاه .. وامعتصماه!!
(2) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 8.
(3) - المصدر السّابق، ص: 9. (1/19)
صفحة 19
ليتذكّر أولئك أنّ الهويّة والكيان والوجود هي اللّغة. ومسايرة الحركات الفكريّة الفاعلة في العالم، تكون بلغة (الأمّ) الأصيلة القويّة. والذّاكرة الثّقافيّة التي تواكب الفاعليّة الحضاريّة مردّها إلى اللّغة ... فلْنَعِ تلك الخسارة الكبيرة المهلكة التي تلحق بالأمّة، حين تكون اللّغة العربيّة في الدّرك الأسفل من الاهتمام، وقد ينعدم الاهتمام أصلاً، أو يكون اهتمامًا فاقدًا للهمّة والحماسة، والإرادة التي توفّر الأجواء المساعدة على تعلّمها وإتقانها؛ بما يرتقي بها إلى مكانتها، وإلى ما يرفع عنها التّحدّي.
كما نبيّن لهؤلاء المتنطّعين، والغافلين أو المغفّلين، أنّ المبالغة في تطعيم اللّغة العربيّة بالألفاظ الأجنبيّة الغريبة عن الأذن، يمسخها ويشوّهها، ويسلخها من أصالتها، ويصمها بالعجمة، التي تنفُرُ منها الأذواق السّليمة، والنّفوس الكريمة، فضلا عن كون ذلك يعدّ من أبرز مظاهر التّبعيّة الثّقافيّة، والتّسيّب أو التّرهّل الفكري.
للاستعمار دور كبير في مناهضة الثّقافة الإسلاميّة؛ بالتّشجيع على تبنّي هذه الفكرة، وتطبيق هذه الخطّة، وسلوك أيّ سبيل للنّيل من الثّقافة العربية: " قال " بينو " الوزير السّابق في الحكومة الفرنسيّة: لقد خسرت فرنسا إمبراطوريّة استعماريّة، وعليها أن تعوّضها بإمبراطوريّة ثقافيّة. فالمدخل الحقيقي إلى الاستعمار الجديد هو الهيمنة اللّغويّة والثّقافيّة " (1)
5 – إهانة اللّغة العربيّة في ميادين التّدريس (2)
مظاهر هذا التّقصير أو الإهانة كثيرة، منها:
أ – عدم إعطائها القدر الكافي أو المناسب: في مناهج التّعليم بمختلف مراحله: وضعَ مناهج، وشموليةَ فروعها، والحجمَ السّاعي المناسب، وإعدادَ الوسائل الكفيلة بتدريسها، وتنفيذ المنهجيّة السّليمة، التي تساير التّطوّر والتّجديد.
ب – عدم التّقيّد بالتّدريس باللّغة العربيّة الخالصة، فالمدرّسون في مختلف المراحل يخلطون اللّغة العربيّة بالعاميّة واللّغات الأجنبيّة. ممّا يؤثّر سلبًا على العربيّة نفسها والمتلقّين معًا.
ج - سلب اللّغة العربيّة حقّ تلقين العلوم بها – بخاصّة في الجامعة – وتفضيل اللّغات الأجنبيّة عليها؛ اقتناعًا من المخطّطين والمدرّسين بأنّ الجدوى والنّتائج الجيّدة لا تكون إلاّ باللّغة الأجنبيّة، التي تضمن إعداد شباب مثقّف متكوّن أحسن تكوُّن، وبهم تتقدّم البلدان العربيّة. منطوق تصرّفهم يشي بأنّ العربيّة قاصرة عن هذا الدّور. مع أنّ العلماء يؤكّدون أنّ التّقدّم الحقيقي لا يكون إلاّ باللّغة (الأمّ).
يقول أحمد الرّيسوني: " كما أنّ (اللّغة الأمّ) تشكّل وسيلة لا بديل عنها لأيّ إبداعٍ، أدبي أو علمي، مستقلّ ومتميّز. ودونها لا تكون إلاّ التّبعيّة والذّيليّة والهامشيّة. فليس هناك أمّة أبدعت وتميّزت: حضاريًّا أو علميًّا أو أدبيًّا، بغير لغتها القوميّة الرّاسخة فيها. وها هي التّجربة اليابانيّة على – سبيل المثال – حيّة وقريبة؛ إذ كان الاعتماد الأساسي والكبير للنّهضة اليابانيّة على اللّغة القوميّة، وليس على اللّغة الإنكليزيّة، كما يظنّ الكثيرون. وإلى الآن فإنّ الشّعب الياباني يُعدُّ متأخّرًا في سلّم المعرفة باللّغة الإنكليزيّة، ضمن شعوب العالم. فقد جاء اليابانيّون في المرتبة الثّامنة
__________
(1) - من قضايا اللّغة العربيّة، ص: 23، 24.
(2) - عن مظاهر وضع اللّغة العربيّة المتدنّي المتردّي في المدارس والجامعات الجزائريّة، ينظر ما سجّله الدّكتور عبد القادر فضيل، كتاب: اللّغة والهويّة والتّعدّدية اللّسانيّة، ص: 83. (1/20)
صفحة 20
عشرة في امتحانات خاصّة، أُجريت على الصّعيد الآسيوي. ولو كان الامتحان على الصّعيد العالمي لتدحرج ترتيبهم إلى الوراء أكثر، ولسبقهم كثير من العرب." (1)
هذه الملاحظة، وهذه الحقيقة تُسِرّ وتهمس في أبناء اللّغة العربيّة إلى الحرص على إقحامها:"مجالات العمل، تَمكينها من ممارسة دورها الحضاري في ميادين الحياة المختلفة، وبدفعها لخوض معركة الإنتاج المعرفي والإبداع الحضاري. مثلها مثل اللّغات الأجنبيّة، التي لا يتردّد أهلها في جعلها أداة السّيادة في وطنها، والتي بها يدخلون عالم المعرفة." (2)
يضيف محمد سويسي: إنّ لسان حال اللّغة العربيّة يقول: " (أعطوني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل). وفي المعنى يقول ريفارول: (ما كانت قطّ اللّغة الثّريّة لتكون لغة شعبٍ جاهل معوز. " (3) واللّغة العربيّة أثبتَتْ عبر تاريخها أنّها لغة ثريّة، تتوفّر على إمكانات هائلة للإبداع وإنتاج المعرفة، وقد فعلت. لذا فتنبيه الدّكتور محمد سويسي ينعى على أبناء العربيّة أن يجرّوا الجهل للغتهم؛ بكسلهم وتخاذلهم وخمودهم. فالعربيّة لست كذلك ولن تكون. يقول الدّكتور محمد علي بوغازي: " لقد أثبت اللّغة العربيّة قدرة فائقة على حمل أرقى المعارف العلميّة والتّكنولوجيّة.
والواقع إنّ اللّغة العربيّة هي من ثراء المبنى وغنى الإمكانات، بحيث تقدّم هي ذاتها فرصًا نادرة لولوج عصر المعلوماتيّة، وكثافة المعرفة باقتدار. " (4)
في هذا السّياق يؤرّقني قول الدّكتور تمام حسان، وهو يوجّه عتابه المرّ، وتقريعه اللاّذع إلى المقصّرين في حق اللّغة العربيّة، ولا يجد آذانًا مصغية، ولا قلوبًا واعية. فيستمرّ الحال على ما هو عليه في سحب الثّقة في اللّغة العربيّة، بل يزداد سوءًا؛ حين يتغلغل هذا الإحساس في الأجيال المتعاقبة، ويترسّخ عقيدة فيهم: أَلاّ مكان للّغة العربيّة في ميادين العلوم، ولا معوّل عليها في كسب المعرفة. يقول الأستاذ: " ... فما عذر جامعاتنا التي ما تزال تصرّ على تعليم العلوم الطّبيعيّة والرّياضية بلغات الغرب؟ إنّ هذا الموقف من جامعاتنا يكشف عن اتّهامٍ للّغة العربيّة بالقصور عن الوفاء بمطالب العلم الحديث. وهو اتّهام ظالم من قوم أَوْلَى بهم أن يتّهموا أنفسهم بالعجز عن ترجمة علومهم؛ لقصور منهم عن إتقان لغتهم القوميّة، وعن القدرة على الانتفاع بمرونتها ... " (5)
د - نقص فادح في نشر المعرفة باللّغة العربيّة تأليفًا وترجمةً. وعدم توفير مراجع باللّغة العربيّة للكتابة بها.
هـ – ضعف في التّرجمة إلى اللّغة العربيّة، وبخاصّة العلوم المعاصرة. يتجلّى ذلك في ترجمة الغثّ والسّمين من الموضوعات, من دون دراسة دقيقة، وخطّة محكمة, ويبرز أيضًا في ركاكة الأسلوب، وتعقيد المعنى، وافتقاد الرّوح الدّينيّة والوطنيّة في بعض الأحيان في المحتوى اللّغوي؛ نتيجة ضعف في اللّغة العربيّة، وهشاشة في التّشبّع بالدّين ... كلّ هذا يعود على العربيّة بالويل والثّبور.
__________
(1) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 7.
(2) - اللّغة والهويّة والتّّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 82.
(3) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 144.
(4) - توطين المعرفة العلميّة والتّكنولوجيّة وأهميّة نشرها بالعربيّة، ص: 22.
(5) - الدّكتور تمام حسان، " اللّغة العربيّة والشّعوب الإسلاميّة "، ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 78. عن مظاهر وضع اللّغة العربيّة في الجزائر، ينظر ما كتبه الدّكتور عبد القادر فضيل، كتاب اللّغة والهويّة والتّعدّديّة اللّسانيّة، ص: 69 – 86. (1/21)
صفحة 21
6 – حرمان النّاشئة من سماع اللّغة العربيّة في أوساطهم
النّاشئة لا تسمع اللّغة العربيّة كثيرًا في الأوساط التي تتحرّك فيها وتعيش وتدرج: في المنزل والشّارع والنّادي، والإدارة والملعب والمكتب .. في الاجتماعات واللّقاءات والمحاورات والمكالمات ... ومن يسمعها يسمعها مشوّهة محرّفة، ومن يلقّنها لا يتحمّس لها. ومنهم من يتناقض مع نفسه معها، مرّة يتحدّث بها، ويحثّ على ذلك، ومرّات ينطق بما يخالف دعوته. مع العلم أنّ تعليم أيّة لغة، إنّما يتمُّ بِمهارات أربع: أوّلها الاستماع، ثمّ القراءة فالمحادثة فالكتابة. فإذا كان النّشء وغيره لا يسمع اللّغة العربيّة، أو يلتقطها محرّفة، وتقرع آذانه الكلمات الأجنبيّة بكثرة، فإنّ النّتيجة تكون الوهنَ الحاصلَ في موطنها وأوطانها.
7 – صمت المثقّف عمّا يحدث للّغة العربيّة
ممّا تعاني منه اللّغة العربيّة عدمُ تحمّل المثقّف العربي مسؤوليّتَه في حماية لغته من الانحدار والانكسار والاندحار، والتّدنّي والتّردّي والتّجنّي. وهو ما أنتج نتائج وخيمة على اللّغة أوّلا، ثمّ على الأمّة التي تنتمي إليها ثانيًا. هذه السّلبيّة لا تفسّر إلاّ بالتّخلّي عن الواجب، أو الانهزاميّة والاستسلام للقوّات الضّاغطة على النّفوس؛ كي تبتعد عن ميادين القراع والصّراع، ولا تُقرَأُ إلاّ على أنّها ضربٌ من اليأس في استرجاع اللّغة (الأمّ) مكانتَها ودورَها في خضمّ سيرورة الحياة، وتطوّر الأحداث، وتفاعل الثّقافات ...
يقوا الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة العربيّة بما هي حامل للهويّة الثّقافيّة، وضامن لسيرورة الذّات الحضاريّة، لا يتهدّدها شيء مثلما يتهدّدها صمت المثقّف، وهو ينظر إلى الزّحفِ اللّهجي يكتسح مجالاتها الحيويّة، ولا سيّما في الإبداع الثّقافي، وفي الحديث عن كلّ شأنٍ ثقافي، مهما تقلّصت أبعاده، أو انكمشت أحجامه، أو ضؤُلت أوزانه، وليس من حقّ العرب في أن يواجهوا مخاطر الكونيّة الزّاحفة المستشرية إلاّ بجبهة داخليّة متينة، تستمدّ قوّتها من التّماسك اللّغوي المطّرد في أنساقه، والمنسجم بين أطرافه. فالثّقافة معرفة وفنّ. والعرب الآن يفصّحون المعرفة ما وسعهم الإفصاحُ، ولكنّهم يلهّجون الفنّ، إلاّ من رحم ربّنا، وفي هذا يكمن نذير الانفصام." (1)
إنّ الممارسات السّيّئة مع اللّغة العربيّة مضرّة بها، والسّكوت عنها أشدّ ضررًا، بخاصّة إذا صدر هذا ممّن يفترض أن يكونوا سدنتها وحماتها، وهم المثّقفون، الذين حباهم الله وأكرمهم بنعمة الثّقافة والعلم والوعي؛ لكي يسخّروه في خدمة ما ومن هو بحاجة إلى خدماتهم. إنّهم مطالبون بالنّهوض بأعبائهم – أكثر – حين تمسّ المقوّمات، وتداس الحرمات، وتنتهك المقدّساتُ، كاللّغة العربيّة التي هي الحياة بالنّسبة للمنتمين إليها.
إنّ اللّغة العربيّة تشكو هؤلاء إلى الضّمير الحيّ، والمروءة المتيقّظة، والشّهامة المتّقدة. يقول الدّكتور صالح بلعيد وهو يتحدّث عن المثقّفين بعامّة والإعلاميّين بخاصّة وواجبهم في حماية اللّغة العربية: " ... فهم أولى النّاس بالمبادرة بوضع الحدود للهويّة اللّغويّة، التي يتهدّدها وضع لغوي خطيرٌ، وإن وقع تحجيم هذا الأمر قد يؤدّي إلى فراغ ثقافي ولغوي يوصلاننا إلى حالات وهميّة لا مرجع لها، ويفتح الباب لانفصال لغوي جديد. " (2)
8 – الاستعمال المشوّه والغريب للّغة العربيّة
من المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة الاستعمال المشوّه لها، وارتكاب الأخطاء الكثيرة في حقّها، أخطاء في النّطق بها، في كتابتها، في إقحام صيغ ليست لها أيّة صلة بها، بل أحيانًا تظهرها ممجوجة، مذمومة، مملولة، ناشزًا ... تنفّرها من أذواق أصحاب الحسّ الجمالي، وتجعلها في حال سخريّة منها عند الكائدين لها ...
ما دامت قبلة كثير منّا هي فرنسا، فليسألوا أنفسهم: هل يمكن أن يتسامح الفرنسي مع من يهشّم لغته، أو يستهزئ بها .. يقول صالح بلعيد: " ... ولن يرضى الفرنسي أن يسمع مستهزئًا بلغته، يظهر في الشّاشة، أو يكتب في الصّحف الفرنسيّة، مهما كانت درجته العلميّة أو السّياسيّة. وقد حصل هذا قديمًا عند العرب، بأنّ اللاّحنَ في اللّغة العربيّة يستبعدُ إلى بلاد العجم. وهناك من يجري عليه العقابُ شديدًا. وهذا كلّه من باب التّحرّز الذي كان يضعه النّحاةُ للّغة العربيّة، ويتمثّل ذلك في المحافظة على صفائها، إلى درجة المغالاة." (3)
9 – الانهزام النّفسي وسحب الثّقة في اللّغة العربيّة
تضافرت عوامل كثيرة (4) في زرع داء الانهزام النّفسي في قلوب أبناء اللّغة العربيّة، فراحوا يبعدونها من حياتهم ومعاملاتهم، ومن تفكيرهم ومشروعاتهم، التي يضعونها للرّفع من مستوياتهم وأقدارهم، حتّى يوجدوا لهم مكانًا مع الأقويّاء – حسب زعمهم – فلم يقووا على صدّ الهجمات التي توجّه نحو لغتهم (الأمّ)، ولم يفعلوا ما يفرض حضورها في الحياة العامّة، ولم ينهضوا ليثبتوا أصالتها وقدرتها على ريادة المجالات العلميّة والتّكنولوجيّة، والتّحكّم في ميادين المعرفة. ونسوا تاريخ اللّغة العربيّة الحافل بعظائم المنجزات؛ حين كان أبناؤها أبطالاً وفرسانًا في تخصّصاتهم العلميّة، يطوّرون بها المعارف والعلوم، ويطوّعون العالم لهم. كما أنّ هذا الانهزام أنساهم أحقاد الأعداء على لغتهم، والعمل على طمسها (5). كما أدّى بهم ذلك إلى الاستكانة والكسل والخمول والخمود، وعدم الاجتهاد في تطوير لغتهم، فركنوا إلى الاستعانة بالخبرات الأجنبيّة، واتّجهوا إل التّرجمة وحدها في كسب العلوم، وتطوير أدائهم المعرفي. علمًا أنّ الاعتماد على التّرجمة كثيرًا يفقد النّشء الثّقة في لغتهم.
10 – مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة
من الأدواء الفتّاكة بالهويّة الإسلاميّة، والقاتلة لمقوّمات الشّخصيّة العربيّة، مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة، بخاصّة حين يكون شعار من يشّجع على هذا النّهج هو إحياء اللّغة الوطنيّة، واللّغة الرّسميّة، والمحافظة على الهويّة ... هنا تصبح هذه الدّعوات معيقات حقيقيّة لتطوّر اللّغة العربيّة، بل تكون خطرًا على وجودها، ففي أهون الشّرور هزالها وضعفها، وفقدان قوّتها، وقوّة التّأثير فيمن يحسبون في أبنائها. ويكون نتيجة ذلك فقدان الحماسة نحوها، وقد يتطوّر الأمر إلى نصب العداء لها، وتركها نهائيًا ... وإن كان هذا السّلوك قد صاحب اللّغة العربيّة منذ القديم، لكنّه في الوقت الحاضر استشرى، وارتدى ألبسة واتّخذ أقنعة، لها سموم مبيدة للّغة العربيّة أكثر:" ... وصولاً إلى العصر الحاضر، حيث
__________
(1) - الدّكتور صالح بلعيد، " اللّغة العربيّة والصّحافة"، مجلّلة اللّغة العربية، ع: 16، ص: 142.
(2) - المصدر السّابق نفسه.
(3) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع:: 16، ص: 160.
(4) - من هذه العوامل سياسة الاستعمار معها ومع أبناء اللّغة العربيّة، وهجوم الصّهيونيّة على كلّ ما هو عربي أو إسلامي، وضعف الحماسة لها مِنْ بعض مَنْ ينتسبون إليها، وعدم اهتمام القائمين على التّكوين والإعداد والبناء بواجبهم الكامل في تلقين اللّغة العربيّة للنّاشئة بخاصّة ...
(5) - ينظر ما كتبه الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي في الموضوع، عيون البصائر، ط2، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 2003م، ص: 221 – 223. (1/22)
صفحة 22
استفحل الدّاءُ وعمّ البلاءُ، وأصبح الموتورون من العروبة والعرب ولغتهم يجاهرون بتكريس اللّهجات الإقليميّة الانفصاليّة على حساب اللّغة العربيّة الفصحى، خزّان علوم العرب وآدابهم وتراثهم المشرق، العروة الوثقى بين العروبة والإسلام." (1)
يقول أحمد الرّيسوني: " ... انبعثت بعد فشلٍ قديم دعواتٌ متحمّسة ومبادرات فعليّة، لمحاولة ترسيم اللّهجات العاميّة واتّخاذها بدائل عن الفصحى. وهكذا ظهرت في المغرب العربي على سبيل المثال صحف وإذاعات وقنوات مكتوبة وناطقة بالعاميّة. ولحسن الحظّ فإنّ أصحابها يشتكون من إعراض الجمهور عنهم واستهجانه لعملهم. ذلك أنّ عامّة النّاس، بما فيهم الأميّون وأشباه الأميّين يفضّلون لغة فصيحة ميسّرة، على العاميّة المغرقة في محلّيتها وخصوصيّتها وقلّة جدواها، فهم يريدون خطابًا يرتقي بهم، لا خطابًا يحطّ بهم. " (2)
عادة ما تصحب هذه الدّعوات مشروعات تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداء للّغة العربيّة. وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانيّة التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيّتها. من أسلحة هؤلاء تقديمُ معلومات خاطئة، عن تاريخيّة هذه اللّغة ودخولها إلى أوطانها، وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمرة ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها. ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيّتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها ... إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة، التي تسبّب مشاكل كثيرة وكبيرة للّغة العربيّة.
11 – غياب سياسة حقيقيّة ورغبة جدّية لتقوية اللّغة العربيّة
غياب التّخطيط المدروس لمستقبل اللّغة العربيّة على مستوى الحكومات والهيئات والأفراد، أثّر كثيرًا على مردود اللّغة العربيّة في العطاء، وسبّب جحود أبنائها لها.
إنّ اللّغة العربيّة تشكو عدم وجود مشروعات جادّة ومحكمة، للقيام على شؤونها: تعليمًا، وتطويرًا، وصيانة وحماية، ونشرًا، ومدافعةَ الأخطار المحدقة بها، والمخطّطات الكائدة لها. فالمسؤولون لا يقومون بما ينبئ عن اهتمامهم الجدّي والكبير والمسؤول عن اللّغة (الأمّ) الحاملة للفكر، والحامية للهويّة والحانية على أبنائها. والهيئات والمؤسّسات التي تعنى بجانب التّخطيط لخدمة اللّغة العربيّة قليلة جدًّا، وبعضها الذي ينشط تنقصه الإمكانات، وقد ينحسر مجال نشاطها: زمانًا ومكانًا وبشرًا: أفرادًا يعملون وآخرون يُخاطَبون ويوجَّهون. وقليل من الباحثين من يعمل على تطوير اللّغة وتطويعها لمسايرة التّجدّد والتّغيّر؛ لظروف وعوامل قد تكون موضوعيّة، وقد تكون أعذارًا غير مقبولة.
إذن هناك تقصير كببر في حقّ اللّغة العربيّة، وربّما تَجَنٍّ سافرٌ نحوها في زاوية التّخطيط والبرمجة والاستراتيجيّة. وهو ممّا تعانيه أشدّ المعاناة، فلابدّ من الانتباه لهذا، والإفاقة من الغفلة، والاستيقاظ من الغفوة، والتّخلّي عن الججود والتّنصّل من المسؤوليّة، لابدّ من صحوة ووثبة عملاقة نحو الأمام. يقول أحمد الرّيسوني: " إنّ المسألة اللّغويّة عمومًا، ومسألة اللّغة العربيّة تحديدًا، تستدعي وتستحقّ جهودًا أكبر بكثير ممّا تأخذه الآن. ولا أُراني مبالغًا إذا قلت: إنّ قضيّة
__________
(1) - ماجد الصّائغ، الأخطاء الشّائعة وأثرها في تطوّر اللّغة العربيّة، ص: 5.
(2) - إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 9. (1/23)
صفحة 23
اللّغة العربيّة تحتاج إلى صحوة وحركة، على غرار الحركة الإسلاميّة والصّحوة الإسلاميّة. فهل نطمح إلى أن نشهد انتفاضة لغويّة عربيّة، تبشّر بمستقبل قريب للّغة العربيّة في عصر العولمة.
إنّ قضيّة اللّغة العربيّة يجب أن ترفع إلى مرتبة القضايا الكبرى للأمّة، قضايا الوجود، والسّياسة والتّخطيط (الاستراتيجي) للحاضر والمستقبل. ويجب أن تعدَّ قضيّة حكومات وشعوب، لا قضيّة مهتمّين ومتخصّصين. نحن نرى أنّ مجامع اللّغة العربيّة –على جهودها وعطاءاتها الجليلة – تجد نفسها مشلولة أمام الواقع المتدهور لهذه اللّغة، ذلك أنّها دون أنصار، ودون تجاوبٍ رسمي، ولا سند شعبي، ولا يكاد يعلم بقضيّتها أحد." (1)
12 – تعجيم اللّغة العربيّة
بعض الدّول العربيّة تقيم فيها أعداد هائلة من الوافدين والمقيمين غير العرب، يتوزّعون على مختلف ميادين العمل. وبعض المراكز يمثّلون فيها الأغلبيّة، هؤلاء لا يحسنون اللّغة العربيّة، فيضطرّون إلى التّحدّث بها، لكنّها تكون مكسّرة، مهشّمة، ممسوخة، والأهالي يتعاملون معهم بتلك الطّريقة. وقد تمكّن هؤلاء الوافدون أن يدخلوا في قاموس لغة السّكان العرب الأصليّين مفردات، لا أصل لها ولا فصل، ولا مبنى لها ولا معنى واضح، فتزحزحت بعض الألفاظ العربيّة عن يوميّات العربي، لتحتلّ مكانها ألفاظ أعجميّة غريبة، تبعث على الضّحك والبكاء في آن واحد.
حصل هذا نتيجة تنازل العربي عن لغته؛ لمصالح يريد أن يقضيها مع هذا الأعجمي الوافد على بلده، والذي ملأ حياته واحتلّ مكانه في النّشاط. بدل أن يغتنم العربي الفرصة ليعلّمه اللّغة العربيّة، ويكون بذلك قد أسهم في نشرها في الأوساط غير العربيّة. ليكون هذا رسولَ العربيّة إلى أهله ووطنه. كما يكون – دائمًا – العربي رسول اللّغة الأجنبيّة إلى أهله وبلده، بعد أن يتشبّع باللّغة التي كان يتحدّث بها في البلد الذي يقيم فيه، ويتشرّبها أحسن ما يكون التّشرّب، فَيَنْقُلَ إلى عقر داره فكر هذه اللّغة، ويضربَ به فكره الحقيقي، بعد أن يضرب بلغته (الأمّ) عرض الحائط.
هذا الأعجمي لو عاش أو أقام في بلد غير عربي، مَا تعامل مع أهله إلاّ بلغتهم، بل قد يتقنها، ولا يمكن له أن يتحدّث معهم بلغته (الأمّ)، أو يهجّن لغتهم. لماذا يكون العربي دائمًا هو المستهدف، وهو المهجَّن، من القويّ والضّعيف؟؟ هذه مصيبة أخرى تتعرّض لها اللّغة العربيّة، ومعول آخر تحطّم بها، ومسمار آخر يضرب في نعشها. (2)
14 – تقلّص فرص الشّغل في أسواق العمل العربيّة للمتكوّنين باللّغة العربيّة.
هذا عائق كبير للإقبال على اللّغة العربيّة، وحاجز سميك يمنع أبناءها من التّقرّب إليها، ما دامت النّفوس تتحكّم فيها الأغراض الدّنيويّة، وتسيّرها المصالح الخاصّة. على المخطّطين وأصحاب القرار, وعلى القيادات أن تراعي هذا الجانب، فتضع من ضمن اهتماماتها ومسؤوليّاتها، توفير فرص العمل للمتكوّنين باللّغة العربيّة. وإلاّ فقدت العربيّة كلَّ حقبة أعدادًا كبيرة، تفرّ إلى لغات أخرى. والأخطر من هذا أن يكون هناك سوء تدبير أو تخطيط، أو ... حين يهيّأ منهاج، فيه مواد يدرسها الطّالب في مراحل ما قبل الجامعة باللّغة العربيّة، فإذا ما تخطّى عتبة الثّانويّة العامّة، أوعقبة الباكالوريا، وفرح بولوج أبواب الجامعة، ركبه همّ، وتملّكته حسرة، حين يقال له: عليك أن تكمل مشوارك العلمي باللّغة الأجنبيّة؛ لأنّ تخصّصك منصوص عليه ومحكوم أن يدرس باللّغة الأجنبيّة. فينعى المسكين نفسه، ويلعن السّنوات
__________
(1) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع: 49، ص: 10، 11. ينظر ص: 11، 12 المقترحات التي قدّمها الأستاذ أحمد الرّيسوني لتحريك القضيّة.
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 9. ما كتبه أحمد الرّيسوني في الموضوع. (1/25)
صفحة 24
التي كان يضيّع فيها أوقاته مع اللّغة العربيّة، التي تسبّب له شقاءً وبلاء وضياعًا. فما عليه إلاّ أن يقدّم نصيحة غالية لإخوانه: أن لا يهتمُّوا بهذه اللّغة الميّتة، بل عليهم أن يصرفوا عنها اهتمامهم، وينصرفوا إلى اللّغات الحيّة الضّامنة لسوق العمل.
15 – خطر الفضائيّات
الإدمان على تتبّع الفضائيّات، ومتابعة ما تبثّه من دون فرز واختيار الأنسب لفطرة الإنسان، ومن دون الاقتصاد في ذلك، وتقبّل كلّ ما تقدّمه، بأيّ مضمون كان، أو أسلوب يُعرض خطأٌ وخطلٌ وخطرٌ. يفسد النّفوس، ويخرّب العقول، ويصيب القلوب. فإذا ما قدّم ما يقدّم بلغة فاسدة، أو مشوّهة ممسوحة، كان الخطر أكبر؛ لأنّ ذلك يؤثّر على الفكر والمعتقد والوعي والعلاقة مع اللّغة (الأمّ).
إنّ كثيرًا من الذين يظهرون على شاشاتنا العربيّة يرتكبون جنايات كبيرة في حقّ اللّغة العربيّة، يستحقّون عليها أقسى العقوبات، تغريمًا أو تعزيرًا أو نفيًا أو سجنًا، وربّما أكثر من كلّ هذا ... ؛لأنّ سلوكهم يصيب الأمّة الإسلاميّة والعربيّة في المقاتل، فيرديها صريعة. فهو يستحقّ القصاص منه بما أزهق من روح الأمّة، وهي اللّغة العربيّة ...
برامج باللّغة العربيّة المحطّمة المشوّهة تقدّم، وأخرى تململ سيبويه في قبره تُعرَض، وغيرها بلهجات محليّة مطعّمة بلغة عربيّة محتشمة تبثّ، وبرامج تمزج فيها اللّغة العربيّة باللّغات الأجنبيّة، يُستنجَد بها للتّعبير عن المقصود؛ لأنّ المتكلّم لا يجسن اللّغة العربيّة، أو قد يظنّ أنّ المشاهد لا يفهم الخطاب الموجّه إليه باللّفظة العربيّة السّليمة ...
مهما تكن المظاهر، ومهما تكن التّصرّفات، ومهما تكن النّوايا، فإنّ النّتيجة واحدة هي المساس باللّغة العربيّة، والنّيل من قدرها ومكانتها. يقول الدّكتور صالح بلعيد: " وأعتبر ما يأتي من هذه المحطّات المخلّة بالوجه اللّغوي الصّحيح لدرجة الفساد، من المنتوج الرّخيص السّهل المنال؛ لأنّ هذه المحطّات تنزع إلى إرضاء جمهورها، وتنزل إلى مستواهم البسيط، وتخاطبهم بما يريدون، ولا تحاول أن تعمل على ترقية لغتهم بدعوى الإثارة والدّعاية والتّشهير والتّمنشير، ويستدعي هذا النّوع من التّكسير اللّغوي ما يستدعي. بل هي طريقة جديدة في الحداثة والعمق؛ بحكم السّرعة. وفي نظرهم من يقف في وجه هؤلاء فهو رجعي سلفي أصولي، لا يريد للّغة التّطوّر. وعلى العموم فإنّ بضاعة أمثال هذه القنوات نافقة هشّة، لا تذهب بعيدًا." (1)
16 – أخطاء الإعلام وجناياته
كم هي الأخطاء الكبيرة والجنايات العظيمة، التي يرتكبها الإعلام في حقّ اللّغة العربيّة، والتي تركت آثارها السّلبيّة على حقيقة هذه اللّغة، وحاضرها ومستقبلها. فمن كسر قواعدها، والانحراف بإعرابها، إلى تهشيم بنية كلماتها، أي عدم التّقيّد بقواعد الصّرف في النّطق والكتابة بها؛ لجهلٍ وقصورٍ في هذه القواعد، إلى اختراع صيغ وأوزان ما أنزل الله بها من سلطان، واختراق السَّنَنِ العربي، إلى تهجين أساليب اللّغة بأساليب دخيلة عليها وعلى البيان العربي. بمعنى استفحل داء تأثّر الإعلاميّين (والكتّاب) بأساليب اللّغات الأجنبيّة، فأكثروا من الاقتباس والتّرجمة للمفردات والأساليب والصّيغ، من دون ضابط ولا أصول ولا مراعاة لخصوصيّة اللّغة العربيّة, وما يجني عليها.
__________
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 155، 156. (1/26)
صفحة 25
هذه المظاهر الجديدة في اللّغة الصحفيّة التي تزاحم المناويل الصّحيحة لها، هي منكرات تقترف في حقّ اللّغة العربيّة، التي يراد لها أن تهجر أصولها ومنابعها لتسير في غير دربها؛ ريثما تلتحق بصفّ الموؤودين والهالكين إلى غير رجعة، وبذلك تتعرّض الهويّة والأصالة للخطر، ما دامت هذه اللّغة هي وعاء القرآن، وضامن الهويّة، وحامل الفكر، وحامي الشّخصيّة ... فعدم احتفاظها بخصائصها ومميّزاتها يدفع بها إلى حافة القبر .. لتنتظر أوان سقوطها فيه، إذا لم تتدارك وتنقذ .. (1)
هذه بعض المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة، والمعيقات التي تعيقها عن السّير الحسن، وعن التّحرّك المطّرد، وعن استثمار طاقاتها ومخزونها الثّرّ في خدمة الفكر العالمي، وفي تطوير الحياة، والإسهام في النّهضات المختلفة. هذه المشاكل تأتيها من داخل الدّار، ومن خارج الحمى.
هذه الوضعيّة تفرض علينا أن نعرض على أنفسنا – كما فعل كثير من المهتمّين بشؤون اللّغة العربيّة – الأسئلة الآتية:
1 – ممّن ننقذ اللّغة العربية في الوقت الرّاهن؟
2 – مَنِ الجاني عليها في هذا العصر بخاصّة؟
3 – هل تموت هذه اللّغة، وتتلاشى الهويّة التي تحملها؟
4 - ما هو السّبيل إلى الخروج بها من الأنفاق المظلمة، إلى الفضاءات المضيئة، والرّجوع بها إلى سالف عهدها المزدهر المنتج المثمر؟ ...
كثير من المشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة في عقر دارها، كان للاستعمار دور كبير فيها، إلى جانب قابليّة أبناء هذه اللّغة لاستقبالها، أو تقبّلها طوعًا أو كرهًا. يعلّق الأستاذ محمد عبد السّلام آزادي عن مفاجأة الاستعمار للصّحوة التي أتت بها النّهضة العربيّة، وما قدّمته للّغة العربيّة، فرأى فيها صحوة إسلاميّة قائمة، لا تكون معها للغرب المتربّص بالإسلام قائمة، فعمد إلى ضرب اللّغة العربيّة، صمّام الأمان، ومقوّم الشّخصيّة، ومحرّك النّخوة العربيّة الإسلاميّة. فاقترف ما يذكره الأستاذ: " ولكن فور ما تنبّه الاستعمار الثّقافي إلى أنّ نهضة اللّغة العربيّة بهذه السّرعة المذهلة، نهضة للإسلام، فأخذوا يتآمرون ضدّ اللّغة العربيّة على نحوٍ تالٍ:
1 – صرفوا عنايتهم باللّهجات العربيّة الإقليميّة، وحاولوا وضعَ القواعد المعياريّة لهذه اللّهجات لتكون بديلاً للفصحى.
2 – وخوّفوا النّاس من الفصحى بأنّها صعبة، وليس سهلاً التّمكّن من ناصيّتها، ولا طائل في ممارستها؛ لأنّه لا علاقة بينها وبين الحياة المعاصرة.
3 – ونادوا لكتابة العربيّة بالحروف اللاّتينيّة، واختاروا لها أنصارًا وأعوانًا من بني العرب.
4 – وقاموا بمطالبة خلق اللّغة العربيّة الفصحى الوسيطة؛ لتكون سهلةً ووسطًا بين العاميّة والفصحى.
__________
(1) - عن العوامل التي تؤدّي بالصّحافيّين إلى ارتكاب أخطاء في اللّغة، ينظر ما سجّله الدّكتور صالح بلعيد، مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 181 – 183. (1/27)
صفحة 26
5 – ودعوا إلى استخدام اللّغة العاميّة" (1)
هذا بعض ما تعانيه اللّغة العربيّة في أوطانها، فما هو الواجب الذي ينتظر من له غيرة عليها؟
الواجب نحو اللّغة العربيّة
إنّ اللّغة العربية قادرة أن تسترجع مكانتها وهيبتها ودورها في خضمّ الحياة الحاضرة العامّة، التي تتّسم بالسّرعة والتّجدّد المطّرد، وبإمكانها أن تندمج في المسيرة الفكريّة العالميّة، وأن تقود القافلة، متى جدّد أبناؤها النّية في العمل الجاد، ومتى حسّنوا علاقتهم بلغتهم، ومتى رموا عن أنفسهم خلال الخوف والانهزام والاستسلام، ودافعوا عنهم آفات الكسل والخمول والتّبعيّة، ومتى وعوا رسالتهم في الوجود نحو لغتهم، وفقهوا خصائصها، واعترفوا لها بقوتّها وقدرتها على استيعاب أسباب الحضارة، وعوامل التّطوّر ...
بِهذا الوجه الجديد، ستغدو من جديد معلمًا بارزًا من معالم حياتنا الرّاهنة، يقدرها غيرنا قدرها؛ لأنّها ستؤسّس لمستقبل واعد، يكون مبنيًّا عل عمد صحيحة متينة، توفّره لنا لغتنا، التي أنكرنا قوّتها، وجحدنا فضلها ودورها، ورميناها بالقصورِ، في حين كان مكانها القصورَ الشّامخة في القدر والعلوّ والسّؤدد. يقول صالح الخرفي: " ولو قدّر للّغة العربيّة، بفضل التّربيّة العربيّة الإسلاميّة السّليمة أن تحتلّ في النّفوس مكانة من الاعتزاز، لا تقبل التّشكيك، وإيمانًا بقدرة العطاء، وطاقة الإبداع، لكان يومها أفضل من أمسها، وغدها خيرَ الاثنين معًا: بناءً ذاتيًّا، وعطاءً حضاريًّا، وإبداعًا علميًّا. وهي كذلك عندما تتوفّر لها هذه العصبيّة القوميّة، كما هي متوفّرة لكلّ لغات العالم. إنّ الإنجاز الحضاري الذي تحقّقه اللّغة العربيّة في بعض مواقعها، في الوطن العربي، والإبداع العلمي الذي تبرهن عنه بين الفينة والأخرى، إنّما هو بمقدار الإيمان بهذه اللّغة، والثّقة في قدرتها ... " (2)
لكي نرتقي باللّغة العربيّة إلى المستوى المطلوب، ونصل بها الغاية القصوى، يجب اتّباع خطوات مدروسة، وتخطيط منهج محكم، يعمل على استرجاع هذه اللّغة مكانتها في نفوس أبنائها أوّلا، بعدها يعمدون إلى حمايتها من الاعتداء عليها، وصونها من التّزييف والتّشويش. وليتأكّد أبناؤها أنّ مسيرتها وعطاءها التّاريخيين يعطيانهم كلّ الأمل والدّعم
__________
(1) - الدّكتور محمد عبد السّلام آزادي، التّأصيل الإسلامي للّغة العربيّة وآدابها في جهود الشّيخ أبي الحسن النّدوي، ط1، دار المنارة للنّشر والتّوزيع والتّرجمة، المنصورة، مصر، 1427ه/ 2006م، ص: 57.
(2) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 21. (1/28)
صفحة 27
للتّشمير عن ساعد الجدّ للعمل على خدمة لغتهم لتنهض كي تقوم بدورها في مسيرة الفكر العالمي. فهي لغة لها القابليّة لتتفاعل مع اللّغات الأخرى، ولها القدرة على التّطوّر والنّماء. من هذه الخطوات:
1 – الالتفات حول اللّغة العربيّة
التّجمّع حول اللّغة (الأمّ) روحًا وعملاً، للظّفر بالوحدة، التي توثّق الصّلة باللّغة، وتمتّن العلاقة بين أبنائها, وهو ما يعين على توفير روح الحماسة لها، وتدفع تلك الحماسة إلى التّقرّب منها أكثر لمعرفة خصائصها، والنّتيجة تكون زرع حسّ تذوّقها والانجذاب إليها. يقول الدّكتور إبراهيم أنيس: "لا تتمّ الوَحدة السّياسيّة وتستقيم النّظم الاجتماعيّة في شعب من الشّعوب، إلاّ على أساس الوَحدة اللّغويّة، التي تصبح للشّعب بمثابة رباط سحري، يجذب أفراده بعضهم إلى بعض، وليوثّقوا الصّلة بينهم؛ فيفكّرون بعقل واحد، ويشتركون في مشاعر وأحاسيس موحّدة، ويتعاونون على ما فيه خيرهم، وما يكفل لهم الأمن والاستقرار والرّخاء." (1)
هذه الملاحظة مهمّة، وهذا التّنبيه مفيد، يكشفان عن الخطوة الأولى في العمل على خدمة اللّغة، ويضعان الأساس لبناء شامخ شاهق عظيم،. عناصره: الوَحدة السّياسيّة والفكريّة والشّعوريّة، والرّباط الوثيق، والصّلة القويّة، ثمّ الالتفاف والانجذاب إلى عنصر اللّغة، نقطة الانطلاق السّليم في الحياة أو الممارسة، الذي يوفّر الحياة الحقيقيّة، المبنيّة على الأمن والاستقرار والرّخاء. هذه الدّعوة تحتاج إلى خطوات عمليّة ومخطّطات واقعيّة لتجسيدها في الواقع. كلّ هذا يمكن القيام به، بعد توفّر هذا العنصر: الالتفاف حول اللّغة العربيّة والحماسة لها.
2– حماية اللّغة العربيّة
اللّغة العربيّة تحتاج – بعد صدق الحماسة نحوها – إلى الحماية من كلّ أشكال الترهّل والاعتداء والاستلاب والتّهميش، بهذه الخطوة يبدأ الخروج من أنفاق المشاكل والتّخلّف، وينطلق التّطوّر. يقول صالح الخرفي: " والتماس التّطوّر مبدؤه في الاحتماء باللّغة القوميّة، وليس في الهروب منها. والحماية مسؤوليّة متبادلة بين المُواطن ولغته. والحماية لا تعني التّقوقع، الذي يكتم أنفاس اللّغة، ولكنّه التّفتّح الأصيل، الذي يجدّد دورتها الدّموية." (2)
ممّا يدخل في هذا العنصر إحاطة اللّغة العربيّة بجملة من القوانين والمراسيم، التي تضمن صيانتها وحمايتها من المعتدين عليها وعلى حرمتها. على غرار ما تفعل الأمم التي تعتزّ بلغتها، وترعى حرمتها وتغار عليها: " ... فإنّ الفرنسيّين يتّبعون في المحافظة على منزلة اللّغة الفرنسيّة في العالم، وعلى عالميّتها سياسة حِمائيّة، تتمثّل خاصّة في إصدار القوانين والقرارات الرّسميّة عن مجلس الوزراء، ونشرها بالجريدة الرّسميةّ للحكومة الفرنسيّة، وهي – في معظمها – قوانين وقرارات خاصّة باستعمال اللّغة الفرنسيّة، والتّصدّي للدّخيل فيها من اللّغة الإنكليزيّة، يضاف إلى ذلك أنّهم قد خصّوا اللّغة الفرنسيّة وظاهرة الفرنكوفونيّة المرتبطة بها بكتابة دولة، تعنى بهما، وتعمل على دعمهما." (3)
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 158.
(2) - المصدر السّابق، ص: 28.
(3) - الدّكتور إبراهيم بن مراد، " مكانة اللّغة العربيّة بين لغات العالم الواسعة الانتشار"، ينظر المصدر السّابق، ص: 224. (1/29)
صفحة 28
هذا ما يجب أن يقوم به الغيورون على لغتهم لحمايتها. وَقَفَ نائب في البرلمان الفرنسي، وجهر قائلا: إنّنا نضع القوانين لمعاقبة المجرمين، والذين يسرقون ويقتلون، فلماذا لا نضع القوانين لمعاقبة الذين يفسدون اللّغة. (1)
إنّ هذا النّائب، وعى مسؤوليّته، وأنّه أُجلِس على مقعد البرلمان وشّرف به؛ ليقوم بواجبه نحو إخوانه الذين أعطوا فيه الثّقة، فَيحمي شخصيّتهم. وعَلِمَ عِلْمَ اليقين أنّ في إفساد اللّغة قتلاً للأمّة، وهذا الجرم أفظع وأنكى من قتل النّفوس وسرقة الفلوس. فكان لابدّ أن يقوم بواجب حماية لغته من كلّ ما يتال منها ...
3 – تفعيل مقوّمات اللّغة العربيّة
إنّ التّفعيل والتّطوير يكونان بالاستعمال والتّطبيق. مع تحديث اللّغة على أسس منهجيّة تراعى فيها شروط التّطوير، بمعنى أوضح وأصرح: تكون تنمية الألفاظ بطريقة مدروسة، تبتعد عن الاعتباطيّة والعشوائيّة، وتكون مصحوبة بوعي تامٍ للعمليّة التّطويريّة، ومقرونة بمعرفة صحيحة بطرقها ومضاعفاتها، مع توخّي الحذر من الانزلاق والسّقوط في نقيض نتائج التّحديث. يجب أن يتمَّ تحديث اللّغة العربيّة بناءً على قواعد مؤسّسة وأصيلة وثابتة، تنبع من خصائص اللّغة العربيّة نفسها، وصادرة من الفكر الذي يحكم هذه اللّغة.
مثل ذلك يقال عن الأساليب الغريبة التي زاحمت نظيراتها في اللّغة العربيّة، فأقالتها عن موطنها وموضعها، فتشوّه البيان العربي، وفسدت أذواق النّاس، واختلط عليهم الأصيل الباني من الدّخيل الهادم.
4 – إشاعة التّعبير والنّطق الصّحيحين السّليمين باللّغة العربيّة
يجب العمل على إسماعَ النّاس الكلامَ العربي الفصيح، في مختلف المستويات والأصعدة والمناسبات والمجالات. لتلتقط الأذن الأصوات الصّحيحة التي تتلاءم مع النّسق العربي. ويطلب الحرص على تعميم ذلك والإكثار منه. والالتزام في الكتابة بالأسلوب العربي السّليم المبين. وتحاشي الأخطاء الإملائيّة في الكتابات التي تظهر في المحيط التي يتحرّك فيه ابن اللّغة العربيّة. وتجنّب الصّيغ التي لا تتوافق مع السَّنَن العربي في الكتابة. وفي ميدان التّعليم.
على المدرّسين أن يدرّسوا باللّغة العربيّة مهما تكن المادة التي يدرّسونها، وأن يتحرّوا النّطق السّليم لها. وعلى المسؤولين والقادة والسّاسة إتقان اللّغة العربيّة؛ لينطقوا بها سليمة صحيحة، فهم يمثّلون الواجهة والقدوة لمن يسوسونهم.
على المذيعين وهم يستقطبون جمهورًا عريضًا يستمع إليهم، ويشاهدهم ويتأثّر بهم ويقلّدهم أن يراعوا الذّمّة والوفاء والحرمة في اللّغة العربيّة، فلا يَتَجنَّوا عليها بالنطّق السّيّء بها، وبتهجين أساليبها، وتكسير صيغها ...
بهذا يمكن أن يشيع التّحدّث والتّعبير باللّغة العربيّة، فتتعوّد الآذان سماع هذه اللّغة فتألفها، وتسارع الألسن إلى النّطق بها بدل اللّغات الأجنبيّة الدّخيلة. يقول عبد الإله نبهان: " إنّ العربيّة من أبرز عناصر هويّتنا، وأقوى مقوّمات وحدتنا، لذلك يجب بذل الغالي والنّفيس في سبيل تدعيمها وترسيخها. ومثل هذا لا يقوم به كتيّب ننشره، ولا جدول نصنع عنوانه: (قل ولا تقل). إنّ من ينهض باللّغة هو إشاعة التّعبير الصّحيح السّليم على ألسنة المتعلّمين والمذيعين والممثّلين، وعلى صفحات الجرائد والمجلاّت والكتب العامّة وكتب التّعليم .. وإنّ الإلحاح على تقديم المتعة
__________
(1) - ينظر مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 198. (1/30)
صفحة 29
باللّغة الفصيحة، عن طريق الأغنيّة والتّمثيل، ليقدّم للّغة خدمة جلَّى، قد تعجز عنها عشرات المؤلّفات، في عصر انصرف فيه كثير من النّاس إلى المشاهدة والاستماع. " (1)
إصابة هذا الهدف، أو تنفيذ هذا المطلب يتطلّب استعدادًا كبيرًا وإعدادًا جادّا؛ بمعرفة اللّغة العربيّة وإتقانها: مفردة وتركيبًا وصيغًا وأساليب ... وإلاّ عسر تحقيق هذا المطلوب. يضيف محمد سويسي: "إنّما اللّغة أداة يكون لها من الصّلاحية والنّجاعة بقدر ما يكون لمستعمليها من الكفاءة والبراعة، وبقدر ما يكون زادهم العلمي أوفر ومستواهم الثّقافي أعلى وأشمل." (2)
5 – إعداد العلماء الرّاسخين في العلم
بعد وجود من يجيد النّطق بالعربيّة سليمة، نطلب العلماء الرّاسخين الذين يستثمرون إمكانات اللّغة العربيّة، ويفجّرون طاقاتها؛ لتنتج العلوم، وتوفّر المعارف. هؤلاء هم الذين يطّورون البحث بها، ومن خلالها، وبذلك يثبتون جدارة هذه اللّغة في السّير في ركاب الإبداع والتّطوير يقول محمد سويسي: " فلا يمكن للعربيّة إذن أن تتقدّم، وأن تتجدّد في الميدان العلمي والفلسفي والاقتصادي والفنّي، ما لم يتكوّن من أبناء العربيّة في العلوم سائرها، والفنون كافّة، ينتجون في جملة فروعها، ويكشفون اللّثامَ عن مفاهيم جديدة، ويستنبطون طرقًا مستحدثة، ويقفون على معلومات طريفة، فيعبّرون عنها، بما يرونه لائقًا بها، موافقًا لمدلولها ومضمونها. " (3)
هذا الدّور تقوم به مراكز التّكوين، ومؤسّسات التّربية والإعداد. ومناهج التّعليم ... فهذه مسؤوليّتُها كبيرةٌ في بناء القاعدة الصّلبة في اللّغة العربيّة، وتكوين الذّوق والحماسة نحوها ... لنا أن نتساءل: ماذا تعدّ مدارسنا وجامعاتنا ومراكز التّكوين، والمؤسّسات الثّقافيّة من الأفراد النّاطقين باللّغة العربيّة نطقًا سليمًا، ومن يدعمها الدّعم الحقيقي، ومن المتحمّسين والحماة لها، وكيف تعدّهم؟؟
" إنّ تطوّر لسان عربي علمي، ليس شرطًا من شروط الوحدة الثّقافيّة والتّقدّم العلمي وحسب، ولكنّه شرط لازم من شروط القوّة والمنعة، وسبيل إلى تحقيق الوحدة العربيّة الشّاملة" (4)
6 – استنفار الجميع
تطلب اللّغة العربيّة من جميع أبنائها الالتفاف حولها، والتّحمّس لها، ومناصرتها وحمايتها، والذّود عن حوضها. تطلب منهم الشّعور بالمسؤوليّة الكاملة نحوها وتحمّلها بصدق وإخلاص وكفاية ودراية؛ وذلك بفسح المجال لها في حياتهم بكلّ جوانبها، حتّى تغدو جزءًا من وجودهم.
7 - الدّعم الحكومي والقرار السّياسي
نجاعة الخطوات السّابقة تتوقّف أساسًا على ما توليه الحكومات العربيّة من اهتمام، وتتحمّله من مسؤوليّة نحو لغة الهُويّة والفكر والثّقافة، وما توفّره من إمكانات ماديّة ومعنويّة؛ لتستعيد اللّغة العربيّة مكانتها ودورها، ولتقوم بما
__________
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 194.
(2) - ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 153.
(3) - المصدر السّابق، ص: 144.
(4) - المصدر السّابق، ص: 13. (1/31)
صفحة 30
قامت به في القديم: من تنمية الفكر، وتطوير الحياة، بالإبداع والابتكار والتّخصيب، والتّفاعل مع اللّغات والثّقافات الأخرى.
كما أنّ القرار السّياسي الذي تتّخذه السّلطة، التي بيدها الحلّ والعقد والرّبط، والأمر والنّهي. وفي قبضتها الزّجر والرّدع ... من شأنه ترشيد النّاس إلى احترام لغتهم، وتوجيه النّاشئة إلى تعلّم لسانهم العربي، منذ بداية مشوارهم الدّراسي، ومتابعة رعايتهم إلى آخر مراحل التّكفّل بهم. واحتضان الشّباب في نوادٍ وجمعيّات وتنظيمات ومؤسّسات، وهيئات فكريّة وثقافيّة وسياسيّة وفنّيّة ورياضيّة ... يكون من برامجها الاحتفاء باللّغة العربيّة، واستعمالها في المحادثات والمكاتبات والمناقشات ...
من واجبها سنّ قوانين، وإصدار قرارات، وفرض عقوبات على كلّ من يدوس على اللّغة العربيّة، أو يتهجّم عليها، أو يهمّشها، أو يتطاول عليها، أو يتنكّر لها ... وضمن ذلك يمكن للسّلطة أن توجد في بعض المؤسّسات مدقّقين لغويّين، أو مراقبين لغويّين، مهمّتهم حماية اللّغة العربيّة. بداية من عرض ما يُقَدَّم عليها، لعامّة النّاس من إعلانات أو إشهارات أو دعوات باللّغة العربيّة، قبل إخراجها إلى الفضاء الخارجي، وانتهاء بمراقبة المحيط والتّبليغ عن كلّ خطأ يرتكب في حقّ اللّغة العربيّة، فيما يتداوله النّاس في حياتهم اليوميّة، بخاصّة ما يكون في واجهات المحلاّت التّجاريّة، والملصقات التي تكون في بعض الأماكن العامّة. فتختفي من الشّارع – مثلا – كلمة (حذاري)، التي أقلقت أصحاب الأذواق السّليمة، وتعود إلى أصلها (حذارِ). وتنتقل الألف التي وضعت قسرًا على (السّاعادة) إلى (اتّصلت)، التي سلبت منها جورًا وعدوانًا، فتصبح (اتّصالات) ...
يقول إبراهيم بن مراد: لا يمكن للّغة العربيّة " أن تستعيد دورها بين لغات العالم الواسعة الانتشار، إلاّ إذا اتّخذت الدّول العربيّة سياسات لغويّة واضحة، علميّة الغايات والأهداف، خالية من الدّعاية الظّرفيّة. على أنّ تلك السّياسات لا يمكن لها أن تثمر، وأن تكون ناجحة ما لم تتوحّد في سياسة واحدة، يُتّفَق عليها، وتُتَّخذ جماعيًّا. فإنّ اللّغة العربيّة ليست لغة دولة دون أخرى، بل هي قاسم مشترك بين الدّول العربيّة جميعًا، ولذلك فإنّ المشاريع التي تحقّق للرّقيّ بها وإلحاقها باللّغات العالميّة الواسعة الانتشار، ينبغي أن تكون مشاريع جماعيّة، وأن تكون الميزانيّات المرصودة لها مشتركة." (1)
قال الشّاعر:
لكلّ قومٍ لسانٌ يعرفون به ... إن لم يصونوه، لم يعرف لهم نسبُ
لن يدرك المجدَ شعبٌ، ما له لغةٌ ... تَحوطها دولةٌ، أسيافها قُضبُ
بعد هذا العرض المقتضب نتساءل ماذا تطلب اللّغة العربيّة؟
__________
(1) - ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 224. (1/32)
صفحة 31
مطالب اللّغة العربيّة
مطالبها كثيرة؛ لكثرة ما اقترف في حقّها، وطول الزّمن الذي جرحت فيها كرامتها، وديست حرمتها، وهضم حقّها، وسلّطت عليها ألوان من الظّلم والضّيم. نذكر بعضها:
1 – أن تستعيد دورها في الحياة العامّة، وفي مسيرة الفكر الإنساني؛ بإخراجها إلى فضاءات رحبة، غير قاعات الدّراسات، والمجالس الضّيّقة المتخصّصة، والمجالات البحثيّة الخاصّة ... إذ كما يقول الشّيح أبو الحسن النّدوي: " لابدّ من إخراج اللّغة العربيّة من داخل حيطان الأماكن المقدّسة إلى مواقف الحياة، مع الصّبغة الإسلاميّة، فتجد اللّغة العربيّة لونها وسمتها الأصيلة المغصوبة." (1)
2 – أن يحميها أبناؤها من الاعتداءات المتكرّرة عليها من الدّاخل والخارج، وأن يتحمّلوا المسؤوليّة الكاملة في ذلك، فلا يجوز أن يغفلوا عن ذلك لحظة واحدة، أو أن يتأخّروا عن هذا الواجب قيد أنملة.
3 – أن يسترجع أبناؤها الثّقة بها، فإنّ ذلك مصدر العطاء؛ فإنّ هذا يفسح لها المجال كي تنطلق في الآفاق الرّحبة بأبنائها المتحمّسين لها، الآخذين بزمامها، الملتفّين حولها، فتنتج وتبدع.
__________
(1) - التّأصيل الإسلامي للّغة العربية وآدابها في جهود الشّيخ أبي الحسن النّدوي، ط1، ص: 66. ينظر أيضًا السّيد رزق، " اللّسان العربي والإسلام "، مجلّة مجمع اللّغة العربيّة المصري، 1958، 10/ 143. (1/33)
صفحة 32
4 – تتوسّل من أبنائها أن يحسّوا بجماليّاتها، ويدركوا خصائصها، ويعرفوا أسرارها ... فينشطوا ليتداولوها فيما بينهم، ويتعاملوا بها؛ بما تستحقّه من برّ وتقدير وتكريم.
5 –أن يُعْمَدَ ويُعمَل على تبسيط تعليمها، وانتقاء الأساليب النّاجعة، واستعمال أحدث الوسائل في تدريس قواعدها.
6 – أن يقوم أبناؤها بدفع التّهم عنها، وتصحيح التّشويهات والتّضليلات، وردّ الشّهات.
7 – أن يُهتمَّ بإعداد المكوِّن فيها، وتوفير الجوّ الملائم والبيئة الصّالحة لعمل المعلّم في هذا الفضاء.
8– المِران عليها وكثرة الاستماع إليها، والتّحدّث بها.
9 - أن تكون اللّغة العربيّة الصّحيحة حاضرة في المدارس والجامعات، وأن تكون هي لغة التّدريس، في كلّ ما يُدرَّسُ بالعربيّة. أي على المعلّم والأستاذ أن ينطق باللّغة العربيّة السّليمة، أيًّا كانت المادة التي يدرّسها.
10 – أن يُفرَّغ التّلاميذ لدراسة اللّغة العربيّة، في المراحل الأولى من التّعليم، ولا يشغلون عن إتقانها بلغة أجنبيّة، تشوّش عليهم سبيل تعلّمها بشكل سليم. فإنّ هذا يساعدهم على التّركيز عليها: استماعًا وقراءة ومحادثة وكتابة. فإنّ تلقين الطّفل – بخاصّة – أكثر من لغة في سنواته الدّراسية الأولى خطرٌ على الّلغة (الأمّ).
11 - أن يتقن المسؤولون والمرشدون والوعّاظ وسراة القوم، وأصحاب الصّدارة ... اللّغة العربيّة.
12 - أن يسحب الفرد العربي قوله لمخاطبيه من العرب: اعذروني، أنا لا أحسن العربيّة. فأنا لا أستطيع أن أحدّثكم بها؛ لأنّني لا أتقنها. فليعلم هذا أنّه بذلك يزجّ بنفسه في منفى، كما قال الشّاب سليم، مخاطبًا باللّغة الفرنسيّة إخوانه الجزائريّين المجتمعين في حفلة تأسيس النّادي العربي بباريس، والحزن بادٍ على وجهه: " كم يحزنني، ويمزّق نياط قلبي أن أكون عربي الأصل، عربي النّزعة، فلا أستطيع أن أخاطبكم إلاّ بلغة الأجنبي، وأن أستمع لخطبكم، فلا أفهم منها إلاّ نبراتكم، التي تهزّ جوانحي، وأرى حماسكم، فأكاد أطير جنونًا بكم ... " (1)
كان هذا حال الكاتب الجزائري مالك حدّاد. الذي كان يعيش مأساة حقيقيّة، تبعث على الشّفقة والرّثاء. وما عبّر عنه بانّه كذلك، هو في الوقت نفسه يدعو إلى التّقدير والاحترام، لأنّ في مواقفه وفاء للّغة (الأمّ)، وفيها عبرة ودرس كبيران لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيدٌ.
عاش الرّجل حزينًا كئيبًا؛ لأنّه لا يحسن مخاطبة بني قومه بلغته الأصليّة، فكان يناجيهم ويتحدّث إليهم بلغة المستعمر، المدمّر للغته. كان يردّد: (اللّغة الفرنسيّة هي منفاي).
يقول الدّكتور عبد الله ركيبي عن مالك حدّاد: " ... وعرفت فيه تلك الغيرة الشّديدة على العروبة، والمرارة التي عاشت تملأ نفسه، من أنّه سجين لغة أجنبيّة، من أنّه معقود اللّسان، يتيم التّعبير، لا يقوى على الغناء؛ لأنّه محروم من شدوه الطّبيعي، بلغة آبائه وأجداده. وهذا ما عبّر عنه في قوله لصديقه الشّاعر الفرنسي (بلى يا أراجون، لو كنت أعرف الغناء لتكلّمت العربيّة). وحين يصحب معه ولده إلى الاتّحاد (اتّحاد الكتّاب الجزائريّين) يشير إليه قائلاً له: هذا هو انتقامي. لأنّ ابنه يدرس العربيّة مع أبناء جيله من الأطفال الجزائريّين.
__________
(1) - أبو اليقظان إبراهيم/ " اللّغة العربيّة غريبة في دارها "، جريدة وادي ميزاب، ع: 55، (03/ 11/ 1927م). ينظر أيضًا اللّغة العربية غريبة في دارها، ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1413هـ/ 1993م، ص: 28م. (1/34)
صفحة 33
إنَّ هذا الخطّ القويّ الشّفاف الذي يربطه باللّغة (الأمّ)، هو سرّ مأساته، التي عبّر عنها فنًّا مبدعًا، شعرًا ورواية. وهو شيء يميّزه ويطبع أدبه بطابع خاصّ، يدلّك عليه، حتّى ولو لم يوقعه. يقول في مقدّمة روايته: " سأهبك غزالة: " اللّغة الفرنسيّة حاجز بيني وبين وطني، أشدّ وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسّط، وأنا عاجز عن أن أعبّر بالعربيّة عمّا أشعر به بالعربيّة: إنّ الفرنسيّة لمنفاي." (1)
13 - المراسلات بين المصالح الإداريّة، وبينها وبين المواطنين تكون باللّغة العربيّة.
14 – العمل على نشرها، على نطاق واسع، داخل مواطنها وخارجها, والاهتمام بتعليمها لغير النّاطقين بها، ما داموا راغبين في تعلّمها، مهما يكن دافعهم إلى ذلك. إنّ إقبال غير العرب على تعلّم العربيّة يزداد يومًا بعد يوم، ومنهم من يحرص على تعلّمها، أو التّعامل معها بطرق علميّة. التقيت سنة 1996م في بغداد بدكتورة من كوريا الجنوبيّة، منحتها جامعتها، التي تدرّس فيها- وفي قسم اللّغة العربية بها – تفرّغًا لمدّة سنتين، التحقت بالجامعة الأردنيّة؛ لتعدّ قاموسا كوريًا عربيًّا، فتعينَ أهل بلدها على فهم اللّغة العربيّة، والتّعامل بها. وغير هذه التّجربة كثير.
ننقل ما سجّله الدّكتور خالد حسين أبو عمشة، معلّقًا على المؤتمر الدّولي لتعليم اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها (2): "وما لفت الانتباه في تداولات المؤتمر كثرة الإقبال على تعلّم اللّغة العربيّة وتعليمها للنّاطقين بغيرها؛ إذ برز كثير من المهتمّين والمعنيّين في البلاد الغربيّة بذلك، تحقيقًا لأغراض سياسيّة واقتصاديّة ودبلوماسيّة، فضلا عن السّياحيّة, خاصّة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. كما تزايد اهتمام قطاعات كبيرة من أبناء الشّعوب الإسلاميّة غير العربيّة بتعليم اللّغة العربيّة؛ لأسباب تتعلّق بالرّغبة في فهم القرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف، والتّواصل مع الشّعوب العربيّة من جهة، فضلا عن الأسباب الاقتصاديّة والسّياحيّة من جهة أخرى. كما لوحظ كثرة المراكز اللّغويّة التي أخذت على عاتقها مهمّة تعليم اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها، وتنافسها في ذلك، سواء في البلاد العربيّة أم الأجنبيّة, الأمر الذي يبشّر بكلّ خير في الاهتمام بلغة القرآن، والقيام على نشرها، وتيسير تعليمها." (3)
إنّ هذه الملاحظة أو الانطباع يضاعفان من مسؤوليّة أبناء العربيّة، في القيام بالواجب خارج ديارهم، فلا يقبل لهم أيّ عذر في التّخلّي عنه. بل إنّ الظّروف مشجّعة على الإقدام بكلّ حماسة وقوّة، وبتخطيط ودراسة محكمة في السّير قدمًا في هذا السّبيل. إنّ هذا الاهتمام الكبير ممّن أَشرنا إليهم يقدّم درسًا لا ينسى، ويعطي تحذيرًا مبكتًا لكل من يهين لغته العربيّة في أوطانها بخاصّة ..
لماذا لا يكون لتجّارنا – مثلا الذين يجوبون ربوع العالم للتّجارة – ذلك الحسّ الدّيني، والمسؤوليّة الكاملة على مقوّماتهم، فيُرَحِّلون لغتَهم معهم إلى حيث يسافرون؛ لينشروها كما كان يفعل أجدادهم في القديم. الدين كانوا يحملون إلى جانب البضاعة تعاليم الإسلام ومقوّماته، وينشرونها أين يحلّون، وبذلك انتشر الإسلام، وتعلّم أهالي تلك الأوطان اللّغة العربيّة، وأبدعوا بها وأفادوا. فالصّين اليوم من البلدان التي يمكن القيام فيها بهذا العمل؛ نظرًا لكثرة تردّد
__________
(1) - الدّكتور عبد الله ركيبي، عروبة الفكر والثّقافة أوّلاً، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986م، ص: 121، 122.
(2) - انعقد بمركز اللّغات بالجامعة الأردنيّة، عمّان/ الأردن، في الفترة: 1 – 3 من جمادى الأولى 1429هالموافق 6 – 8 من أيّار 2008م.
(3) - مجلّة إسلاميّة المعرفة، ع 53، صيف 1429ه،/ 2008م، ص: 203، 204. (1/35)
صفحة 34
إخواننا التّجار عليها، وبأعداد هائلة، ولكون أهل هذه الدّولة ممّن لوحظ عليهم الرّغبة في تعلّم العربيّة؛ لدوافع مختلفة، وفي بعض جامعاتها أقسام للّغة العربيّة. فلماذا لا تستغلّ هذه الظّروف لتوسيع رقعة وجود اللّغة العربيّة؟
تطلب وترجو اللّغة العربيّة ألاّ تكون حبيسة الدّيار العربيّة. وعلى العرب أن يقوموا بالمبادرات العلميّة الجادّة، في تعليمها لغير العرب، بطرق عصريّة، مصبوغة بالطّابع الإسلامي. (1)
الخلاصة
إنّ اللّغة العربيّة مقوّم أساس في الهويّة الإسلاميّة، وعنصر البقاء للقوميّة، وأداة تحريك الفكر ... العناية بها والمحافظة عليها وتطويرها، وفسح المجال لها في الحياة العامّة، يحفظ للمنتمين إليها حقّهم في العيش بأمن وسلام وراحة، ويضمن لهم احترام غيرهم لهم. في التّفريط في ذلك ضياع وتيه وهلاك بعد ذلك.
للأسف إنّ هذه اللّغة تعاني مشكلات كثيرة، وشقاؤها آتيها من أبنائها، ووأدها قد يكون من المنتسبين إليها؛ عن عمد للتّخلّي عنها، وربّما محاربتها. أو عن تقصير في القيام بها وبشؤونها، وفي العمل على تطويرها. أو عن سذاجة وغفلة عمّا يخطّط لها، ويدبّر في الخفاء والعلن.
هذه المشكلات كثيرة وخطيرة، وهي في تزايد سريع، ممّا ينذر بكارثة كبيرة تلحق باللّغة، ثمّ الهويّة بعدها. فبات لزامًا النّهوض والتّحرّك والإسراع في تدارك الأمر، وإصلاح الوضع، ورأب الصّدع. فالمسؤوليّة دينيّة أوّلا؛ لأنّ اللّغة العربيّة ناقلة الرّسالة، ومبلّغة الوحي الإلهي. فبقاء القرآن مرهون ببقائها. وتاريخيّة ثانيًا؛ لأنّ الأجيال المتعاقبة ستحاسب المفرّطين في حقّ مقوّم هويتّهم ومُقيمِها. وهي مسؤوليّة حضارية ثالثًا؛ لأنّ هذه اللّغة حاملة فكر كبير راقٍ، هو حقّ للبشريّة كلّها، بحكم أنّها حاوية وحاملة للرّسالة الخاتمة الخالدة، التي أرسلت للعالمين كلّهم، وللنّاس كافّة. خذلانها أو وأدُها يصيب الحضارة الإنسانيّة بانتكاسة وتخلّف. فالواجب إذن تغيير راهن اللّغة العربيّة المتردّي إلى
__________
(1) - ينظر كتاب: لماذا اللّغة العربيّة؟ فصل: " اللّغة العربيّة ومسؤوليّة الدّعاة المسلمين فيالبلاد النّاطقة بغير العربيّة "، ص: 71 – 87. (1/36)
صفحة 35
رهان على الرّقيّ بها إلى مستوى القوّة والعزّة التي تتمتّع بهما. فهذه بعض المقترحات والتّوصيات، نقدّمها في ختام هذا العمل المتواضع، عسانا نسهم مع المسهمين الجادّين في خدمة لغتنا، وتسهيل السّبيل لها لتقوم بما وجدت من أجله.
مقترحات و توصيات (1)
1 – الاعتناء بتلقين النّشء اللّغة العربيّة بالطّرق السّليمة، منذ الصّغر، كتعليمهم قراءة القرآن وحفظه في سنّ مبكّرة، وتحفيظهم نصوصًا عربيّة فصيحة: أحاديث نبويّة وأشعارًا، وتوفير نصوص نثريّة فصيحة أمامهم. هذا ما يفيدهم في تنميّة رصيدهم اللّغوي، وتهذيب أساليبهم في الكتابة، وتقوية ملكتهم الإبداعيّة باللّغة العربيّة ...
كما يعينهم ذلك على الارتباط منذ البداية بأصولهم الحقيقيّة. فتلقين الطّفل لغة سليمة خالية من الأخطاء، وعلى أصول صحيحة، تُكوِّن فيه القاعدة اللّغويّة الصّلبة التي يبني عليها صرحه العلمي. الإغفال عن هذه الملاحظة ينتج لنا هذا الفرد الضّعيف الذي نُعايِنُه ونُعايشُه اليوم، ونعاني منه ومن سلبيّته في الارتباط بلغته (الأمّ) ..
2 – في اختيار نصوص القراءة في المرحلة الابتدائيّة – بخاصّة – يجب مراعاة توزيعها: بين ما يعنى بالجانب المعرفي، وما يهتمّ بما يعين على تكوين ملكة الإبداع والتّمرّن على الكتابة الفنّية الأدبيّة، كالموضوعات التي تهتمّ بالوصف، لأنّ الوصف يوسّع دائرة الخيال في التّلميذ، ويدفعه إلى إعمال عقله، فتتكوّن فيه حاسّة تذوّق الأدب، فيقبل على اللّغة العربيّة. شرط أن تكون النّصوص المقترحة منتقاة بعناية ودراسة معمّقة، تخدم الغرض من تدريس الأدب، وتعين على التّمرّس على اللّغة العربيّة. (2)
__________
(1) - هناك توصيات مهمّة في كتاب: من قضايا اللّغة العربية المعاصرة فلتراجع. الكتاب هو مجموعة بحوث ودراسات قيّمة، نشرتها المنظّمة العربية للتّربية والثّقافة والعلوم، بعد المؤتمر السّابع للوزراء المسؤولين عن الشّؤون الثّقافية في الوطن العربي. الذي انعقد بالرّباط بالمملكة المغربيّة: 9 – 12 ربيع الأوّل/ 10 - 13 أكتوبر 1989م. وكان كلّ بحث يختم بتوصيات.
(2) - ينظر كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 133. فيها توصيّات مهمّة للاعتناء باللّغة العربيّة في التّربية والتّعليم، بخاصة في المراحل الأولى. (1/37)
صفحة 36
3 – " تدريس (خصائص اللّغة العربيّة) على مستوى التّعليم الثّانوي، يتناول نبذة عن تاريخ العربيّة، وتميّزها بقدمها واستمرار تطوّرها ونموّها مع محافظتها على ملامحها الأصيلة. وعن حقبة ازدهارها وثبوتها في زمن تداعي البلاد وضعفها، وخصائصها المميّزة بشموليّة حروفها وأصواتها، ووفرة مفرداتها وثرائها بالمترادفات، وكثرة أبنيتها الاشتقاقيّة، ممّا يوفّر طواعيّتها للاصطلاح العلمي، وعمّا شرّفها به تعالى من إعلاء شأنها في كتابه العزيز، وأقوال العرب والمسلمين والأجانب فيها، ليتعرّف الطّلبة على أهمّيتها ومكانتها؛ فيعتزّوا ويتمسّكوا بها." (1)
هذه التّوصية توجّه الأنظار إلى ربط الطّلبة بالتّراث، والتّعمّق في معرفة أسرار اللّغة العربيّة؛ للتمكّن من اللّغة، وتصحيح بعض المفهومات الخاطئة نحوها. فمن شأن هذا أن يحكم الرّباط بين الأجيال المتعاقبة وتراثهم، كما يرجع ثقتهم به وبلغتهم، فيتمسّكوا بها، ويتحمّسوا لها.
4 - تأسيس نوادٍ، وتكوين جمعيّات على مستوى المدارس المتوسّطة والثّانويّة والجامعات، تعنى بالتّدريب والتّطبيق على موضوعات اللّغة العربيّة وآدابها, تكون فيها الخطابة والمناظرة والمحاورات اللّغويّة والأدبيّة، وكتابة المقالة، والتّمرّس على المسرح، والتّدرّب على نظم الشّعر. والتزام اللّغة الفصيحة فيها، أو الاجتهاد في استعمالها، في مرحلة التّدريب؛ لتتكوّن في الطّلبة الملكة، التي تساعد على امتلاك أدوات التّعامل مع اللّغة العربيّة بكفاية: قراءة وفهمًا وكتابة ...
4 – إقامة مسابقة سنويّة في المناظرة باللّغة العربيّة بين الطّلاب المتخصّصين في اللّغة العربيّة وآدابها في الجامعات ومراكز اللّغات؛ تقويةً للأداء الإلقائي في اللّغة العربيّة، وتكون هذه المسابقات بين مستويات مختلفة للنّاطقين بالعربيّة وللنّاطقين بغيرها.
5 – تنظيم دورات مستمرّة للمعلّمين والأساتذة عامّة، ومدرّسي اللّغة العربيّة خاصّة، لتطوير معارفهم اللّغويّة، وتحسين أدائهم المهني، حتّى يؤدّوا عملهم على أحسن ما يكون. ويكون الأمر أكثر إلحاحًا مع الذين درسوا في الدّول الغربيّة، ولم تتوفّر لهم الفرص الكاملة لتعلّم اللّغة العربيّة، التي يحتاجون إليها، ونحن ندعو إلى التّوجّه إلى تدريس العلوم في جامعاتنا – بخاصّة – باللّغة العربيّة.
6 – إشاعة اللّغة العربيّة في المحيط الذي يتحرّك فيه العربي. إذ لا ينبغي أن يُحسّ أنّ اللّغة العربيّة غريبة عنه في البيئة التي يعيش فيها. فلا تكون لغته (الأمّ) لغة المناسبات والمقامات المحدّدة، ولغة أداء الفرائض الدّينيّة فحسب، أو لغة خاصّة بفئة دون فئة ... يجب أن يشعر كلّ عربي أنّها جزء من كيانه، وبعض منه، وأنّها بمكانة الدّم الذي يسري في جسده، فقدانه لها يعرّض نفسه للهلاك والفناء.
7 – إلى جانب أساليب التّرغيب والتّحبيب والإغراء، يجب توخّي وسائل الزّجر والرّدع والتّعزير؛ فالإنسان جبل على الامتثال طوعًا أحيانًا، وكرْهًا أخرى. هذه إرادة الله، وسنّة الحياة. فالعطف والرّحمة تنطلق أحيانًا من القسوة والشّدّة، اللّتين توفّران عواقب، هي خيور وفوائد، كما قال الشّاعر:
فقسَا ليزدجروا، ومن يكُ راحمًا ... فَلْيَقْسُ أحيانًا على من يرحمُ
__________
(1) - الدّكتور جميل عيسى الملائكة، ينظر كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 134. وعن خاصيّة التّواصل مع التّراث العربي واعتماده، وكونه ضرورة وفرضًا على كلّ مستعمل للّغة العربيّة، ينظر ما ذكره الدّكتور صالح بلعيد، مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 187، 188. (1/38)
صفحة 37
فرحمةً بمن لا يعرف مصلحته، أو من يتعنّت ويصرّ على البقاء في الضّلال المبين، أن يؤخذ بالشّدّة، حتّى يفهم ويعي، ويستبين الحقّ، فيُجنَّبَ المزالق والعواقب الوخيمة؛ لذا على المسؤولين وأصحاب مراكز القرار، سنّ قوانين تلزم أبناء اللّغة العربيّة باستعمالها سليمة، على الأقلّ في مجالات معيّنة. وإصدار قوانين ردعيّة زجريّة عقابيّة لمن يتعدّى على اللّغة العربيّة: استهانةً بها، وتهميشًا لها، وإبعادَها عن الميادين التي يجب أن تكون فيها، وتكسيرها وتشويهها ...
في السّياق ذاته يجبُ تشديد النّكير، بل الغلظة على من لا يحترم السّيادة، ويدوس على الشّخصيّة، ولا يتقيّد بالتّحدّث باللّغة العربيّة في المحافل الدّوليّة، بخاصّة التي تكون اللّغة العربيّة من بين اللّغات الرّسمية فيها. بل يفترض أن يسعى كلّ من يتبوّأ مقعدًا في تلك المحافل والمنتديات أن يفرض لغته فيها.
الجزائر يوم الثّلاثاء: 16 من رمضان 1429هـ
16 من سبتمبر 2008م
الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجام
اللّغة العربية والفكر العالمي (1)
مقدّمة
إنّ التّركيبة أو الجملة " اللّغة العربيّة والفكر العالمي"، التي تحمل طرفين، وصل بينهما حرف (الواو)، تثير مجموعة من الموضوعات، وتشير إلى مجموعة من الاهتمامات، وتقدّم مجموعة من الأطروحات، وتبرز مجموعة من قضايا اللّغة العربيّة ... كلّها تطلب ضرورة معالجة هموم هذه اللّغة، وتدفع وتدعّ الدّارس دعًّا ليبحث في صميم هذه اللّغة، التي أثارت جدلاً كبيرًا حولها وما تزال. فماذا تعني المعادلة المعروضة للبحث والدّرس والتّحليل:
1 – هل تعني البحث في العلاقة بين العربيّة والفكر العالمي؟ علاقة توافق وتعاون وتآزر، أو علاقة تضاد وتناحر وتنافر؟ علاقة تأثير وتأثّر؟ وما جدوى هذا على مسيرة الفكر الإنساني؟ علاقة غالب بمغلوب، علاقة هيمنة وسيطرة وسيادة؟ ...
2 – هل يقصد بها إبراز مكانة اللّغة العربيّة في الفكر العالمي، ومكانها في خريطة تطوّر هذا الفكر؟ والغاية بيان دورها وفضلها في بناء الحضارة الإنسانيّة؟
__________
(1) - قدّم البحث إلى المؤتمر الدّولي السّادس (اللّغة العربيّة وعالميّة الكتاب العربي) المجلس الأعلى للّغة العربيّة، بيروت، لينان، 21 - 22 من ذي الحجّة 1430ه/ 8، 9 من ديسمبر 2009م. ونشر في مجلّة الحياة (جمعيّة التّراث، ومعهد الحياة)، القرارة، الجزائر، ع: 15، رمضان 1432ه/ أوت 2011م، ص: 109 – 133. (1/39)
صفحة 38
3 – هل تبحث المعادلة في حضور العربيّة في الفكر العالمي - حاليًّا – من غيابها؟
4 - هل تهدف إلى تسجيل تخلّف هذه اللّغة عن ركب الفكر العالمي؟ فيكون لزامًا البحث في عوامل هذا لتلافيها؟
5 – هل تطلب دراسة سبل النّهوض بها، وبعث أمجادها، وتصحيح مسارها ... لتسهم في تطوير الحياة الفكريّة والثّقافيّة؟
مهما تكن الغاية من وضع هذا العنوان، ومهما يكن مضمون هذه الجملة، فإنّنا نسجّل أهميّة كلّ ما تثيره من موضوعات. هي في المحصّلة تبرز الاهتمام بخدمة هذه اللّغة، وتُبين عن أهميّتها؛ لما تثيره من مجموعة هذه الاهتمامات والأسئلة وغيرها.
نحن في هذه الدّراسة لا نتطرّق لهذه الموضوعات، ولا ندرس هذه العلاقة. إنّما نسجّل مكانة اللّغة العربيّة، وقيمتها ودورها في الحضارة الإنسانيّة، ودورها التي ستقوم به في مسيرة الفكر العالمي. ونركّز على البحث في الأسباب المعيقة لمسيرتها، ثمّ على دورها في الإسهام في سيرورة الفكر العالمي وتطوّره، عسى أن يمكّنها هذا من استرجاع مكانتها الرّائدة في الحضارة الإنسانيّة، وتتهيّأ لها الأجواء والمناخ كي تتطوّر وتقوم بدورها في هذه المسيرة. نعتمد في هذا البحث عرضَ أسئلة وأطروحات، تمهّد السّبيل للوصول إلى الخطوات التي تمكّنها وتساعدها على الاندماج في مسيرة الفكر العالمي بقوّة وبفاعليّة، كما كانت في زمن الخصب والازدهار. هذا التّناول وهذا العرض يبدأ بالتّذكير - باختصار – بمقوّماتها وقيمتها.
مكانة اللّغة العربيّة
1 – يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " من أهمّ ميزات اللّغة العربيّة اليوم قِدَمُها، فهي تكاد تكون أقدم لغة حيّة مستعملة اليوم؛ لأنّ نصوصها المكتوبة تعود إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا خلت، بينما لا يزيد عمر الإنقليزيّة أو الفرنسيّة أو الإسبانيّة على السّبعة أو الثّمانية قرون. فإنّ أنظمة هذه اللّغات الصّوتيّة والصّرفيّة والنّحويّة لم تكوّن إلاّ بين القرنين الثّالث عشر والرّابع عشر الميلاديين. ثمّ إنّ العربيّة قد بقيت على امتداد تاريخها الطّويل محافظة على وحدتها، فلم تتصدّع لتنقسم إلى لهجات، على غرار ما حدث للّغة اللاّتينيّة، ولم يطرأ على أصواتها وأبنيتها وتراكيبها تبدّل يذكر، ولم تنقسم – لذلك – إلى عربيّة قديمة وعربيّة حديثة، قد يستعصي القديم منها على فهم المحدثين." (1)
قيمة اللّغة العربيّة – حسب ما سجّل النّصّ – تكمن في:
أ – قِدَمها على كلّ اللّغات المتداولة اليوم في السّاحة العلميّة والثّقافيّة، بشكل واسع. كما أنّ الأنظمة الصّوتيّة والصّرفيّة والنّحويّة لهذه اللّغات المستعملة اليوم تأخّر تكوّنها إلى ما بعد استواء اللّغة العربيّة على سوقها، واكتملت لها بنيتها، التي حدّدت طبيعتها وهُويتَّها، لقد تأخّر ذلك بحوالي عشرة قرون كاملة.
ب – تمكّنت من المحافظة على وحدة تكوّنها، وانسجام تراكيبها؛ رغم العواصف التي تعرّضت لها، ومحاولة تقسيمها إلى لهجات ولغات محليّة، لسبب أو لآخر. فلم يكن فيها عربيّة قديمة وأخرى حديثة، كما حدث للّغات الأوروبيّة، بالرّغم من تكوّنها المتأخّر عن اللّغة العربيّة.
__________
(1) - الدّكتور إبراهيم بن مراد، " مكانة اللّغة العربّة بين لغات العالم الواسعة الانتشار"، كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، إصدار المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1990م، ص: 215. (1/40)
صفحة 39
ج – بقيت أصولها ثابتة، وبنيتها قائمة، تستجيب للتّطوّرات التي حدثت في المعارف التي تتأثّر بها اللّغة قطعًا، فاستجابت وتكيّفت معها، من دون تضييع أصولها، وهو ما لم يحصل مع اللّغات الأخرى، التي انقرضت، أو حصل لها انحراف أو تشويش أو تشوّه في كيانها وطبيعتها.
كلّ هذه المؤشّرات أو المظاهر تكشف عن أصالة اللّغة العربيّة وقوّتها التي تبوّئها المكانة الرّفيعة، وتبقيها حيّة قادرة على مزيد من العطاء والإبداع بالفعل؛ لأنّها تملك ذلك بالقوّة. هذا ما يمنحها عُدّة المحافظة على عالميّتها، مهما تكن الظّروف التي تمرّ بها، أو تدفع إليها ... (1)
2 – يقول الدّكتور حسين نصّار: " إنّ أكبر تحدٍّ واجهته العربيّة كان عندما أخرجها الإسلام من جاهليّة غنيّة كلّ الغنى في الإبداع الأدبي، فقيرة كلّ الفقر إلى حدّ الإملاق في الإنتاج العلمي، ثمّ ألقى بها في بحر وافر من الحضارات والعلوم والفلسفات والفنون، وكلّ صنوف المعرفة التي ابتكرتها الأمم المتاخمة للجزيرة العربيّة، ويسجّل المؤرّخون كيف انبثقت حركة فكريّة منذ أواخر القرن الهجري الأوّل، وكيف انفردت الشّعوب النّاطقة بالعربيّة (من الشّعوب النّاطقة بالسّريّانية والفارسيّة واليونانيّة) بالرّيادة العلميّة والحضاريّة في مجال البحث العلمي والتّرجمة والتّعريب."
يقول غوستاف لوبون: " لقد أصبحت اللّغة العربيّة لغة عالميّة في جميع الأقطار التي احتكّت مع الشّعوب العربيّة، حيث تراجعت أمامها حتّى اللّغة اللاّتينيّة في شبه الجزيرة الأيبيريّة (الأندلس). ولقد أدرك أولو العلم في تلك الفترة أنّ اللّغة العربيّة هي الوسيلة الوحيدة لنقل العلوم والفنون والآداب، بل لقد اضطرّ رجال الكنيسة إلى تعريب مجموعاتهم القانونيّة لتسهيل قراءتها في الكنائس الإسبانيّة" (2)
هذا النّصّ يسجّل للّغة العربيّة عالميّتها، التي كانت تتمتّع بها في القديم بخاصّة؛ بما قامت به من أدوار في البناء الحضاري، وتطوير وسائل الإفادة وتفعيل مجالات الحضارة الإنسانيّة بعامّة. وهو ما دفع بغالبيّة الشّعوب التي احتكّت بها أن تتعامل بها في مختلف حقول المعارف الإنسانيّة. إنّ هذا يقرّ بدورها الرّيادي في مسيرة الفكر العالمي، ويبرز مكانتها الحضاريّة.
3 – هده المكانة الحضاريّة العالميّة، اكتسبتها اللّغة العربيّة بفضل ما تتمتّع به من مميّزات وإمكانات لصهر الثّقافات التي احتكّت بها، بعد أن استوعبتها، وكيّفتها بما لا يمسّ بأصولها. إنّ هذا يمنحها صفة المرونة في تقبّل الثّقافات الأخرى. هذا عنصر آخر يضاف إلى مكانتها العالميّة. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " بهذه البَدَهيَّات العلميَّة، الحضاريَة، الإنسانيَة تمّ إنتاج الحضارة (العربيَة – الإسلاميَة – العالميَة) التي صهرت المعارف العلميّة، والفلسفيّة، والثّقافيّة، والحضاريّة عند أمم كثيرة، في مختبر البيئة الفكريّة الحضاريّة الجديدة، وسجّلت النّتائج بلغة عربيّة، أثبتت قدرة متفوّقة على احتواء إبداعات العقل
__________
(1) - عن عالميّة اللّغة العربيّة في القديم، وازدياد هذه العالميّة وقوّتها ... ينظر المرجع السّابق، ص: 216 وما بعدها. وعن مكانة اللّغة العربيّة بين اللّغات العالميّة ينظر الدّكتور أحمد بن نعمان، كتابُه مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء، ط1، شركة دار الأمّة، الجزائر، 2008، ص: 289، 290. ومقال الدّكتور عبد الجليل مرتاض، " العربيّة ورهانها العولمي لسانيّا "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، (المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر)، 1430هـ/ 2009 م، ص: 705 – 743.
(2) -الدّكتور بكري عبد الكريم، " عالميّة اللّغة العربيّة: الرّؤية والأداة "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 285. (1/41)
صفحة 40
اللاّمحدود، فاغتنت اللّغة العربيّة بمفردات غريبة عن التّداول الاجتماعي، ولكنّها لم تكن غريبة عن طبيعة تكوينها وخصائصها ومميّزاتها." (1)
4 – تميّزت بصفة التّأثّر والتّأثير بلا حدود، مع المحافظة على هويّتها وشخصيّتها. هذه سمة اللّغات القويّة الغنيّة بالعناصر الحيّة التي تعطي وتأخذ، وهو ما يمنحها فرصة التّطوّر والتّجدّد. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " احتضنت اللّغة العربيّة حصاد الفكر العربي، الذي خضع في خلال رحلة الفكر اللاّمحدود إلى مؤثّرات داخليّة وخارجيّة، بدأت بالتّفاعل التّجاري والحضاري والاجتماعي مع شعوب غير عربيّة، فأمدّتْهم التّجربة الإنسانيّة القائمة على الحوار والتّبادل والتّفاعل بمفردات، لم تكن في أصل المنطوق العربيّ، ونقلوا أيضًا إلى الآخر مفردات دخلت مع حركة الزّمان، في أصل لغتهم، فأثبتت اللّغة العربيّة قدرتها على التّأثّر والتّأثير، وأكّدت على سلامتها وأصالتها بقبول الكثير من المفردات غير العربيّة، وحافظت على مقوّماتها؛ بالرّغم من تعدّد اللّهجات، التي لم يُحفظ منها إلاّ ما يتوافق وطبيعتها، ولا يتناقض وجوهرها وخصائصها. " (2)
يسجّل النّصّ مظهرًا آخر من مظاهر القوّة، التي تُبين عن جدارة اللّغة العربيّة في أخذ سمة العالميّة، إنّها صفة التّأثّر والتّأثير، التي تعني قبولَها مفرداتٍ من لغات أخرى، وإغناءَها هي (أي اللّغة العربيّة) وغيرَها بمفردات من بناتها. من دون المساس بأصولها، ومن دون تضييع خصائصها. هذه الظّاهرة ناتجة عن مرونة اللّغة العربيّة وغناها وسعتها لتقبّل هذا الفعل الحضاري.
5 – هناك جانب آخر مهمّ يبيّن طبيعة اللّغة العربيّة، هو جانب الاشتقاق، أي هي لغة اشتقاقيّة. وهي الصّفة التي تجعلها صالحة لكلّ زمان ومكان، وقادرة على استيعاب المستجدّات، والتّفاعل مع أخواتها من اللّغات الأخرى، وفي هذا تقول العربيّة عن نفسها على لسان حافظ إبراهيم:
وسعت كتاب الله لفظًا وغايةً ... وما ضقت عن آي به وعظاتِ
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمخترعاتِ
هذا الجانب القويّ في اللّغة العربيّة يدفع بها أن تكون عالميّة، يستفيد منها البشر بمختلف أجناسهم، وبخاصّة الباحثون في اللّسانيّات. إنّه أحد مظاهر قوّتها وحيويّتها وعِلميّتها. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " تظهر الدّراسات اللّغويّة المنطقيّة والموضوعيّة ديناميكيّة اللّغة العربيّة التي أَكسبَتْها حركيّة فيزيائيّة وخصائص كيميائيّة، ساعدت في حفظ بذور هذا الفكر العالمي، وتحصينه في مختبرات الفكر الإسلامي الإنساني، وذلك من خلال الطّاقة الحركيّة الاشتقاقيّة والتّوليديّة، التي أسهمت في رعاية عمليّة تخصيب العلوم والمعارف العالميّة، في مختبرات لغويّة عربيّة، خَمّرت المواد المعرفيّة؛ وَفق ما تفرضه شروط التّجربة، وما تتطلّبه من وسط لغويّ سليم، قادر على استيعاب
__________
(1) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، " إشكاليّة اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغويّة وكيميائيّة التّحوّل"، مجلة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربيّة)، الجزائر، ع: 16، خريف 2006، ص: 282.
(2) - المرجع السّابق، ص: 286، 287. (1/42)
صفحة 41
المكوّنات وتحفيزها في إعادة إنتاجها وتدوينها؛ إرثًا حضاريًّا إنسانيًّا كونيًّا، شارك في صنعه عباقرة عرب وغير عرب." (1)
6 – ما تملكه اللّغة العربيّة من مميّزات قويّة، جعلتها تتبوّأ مكان الصّدارة بين اللّغات الفاعلة المؤثّرة، الدّليل على ذلك المكانة التي كانت عليها أو فيها زمن الخصب والنّماء والقوّة. يذهب الدّكتور عبد الجليل مرتاض بعيدًا حين يقرّر أنّ العولمة الحالية استمدّت جذورها ونبتت بذورها في حقل اللّغة العربيّة: " ... هل يمكن القول – ودون مسحة رومانسيّة – إنّ اللّغة العربيّة كسبت رهان العولمة اللّسانيّة القديمة؟ لعلّ ما أَلمحنا إليه لا يشكّل إلاّ أمثلة مبتورة ومبعثرة، ولكن ما وقفنا عليه يدفعنا إلى أن نميل إلى القول، وبكلّ اطمئنان: إنّ اللّغة العربيّة كسبت رهان العولمة القديمة، التي تأسّست على تراثها وأصالتها وجذورها هذه العولمةُ الجديدة. ولئن كانت العولمة الجديدة موجّهة ومُسيّسة، ووجبات مطبوخة على قدّ الذّوق والمقاس اللّذين، ترغب فيهما الدّول المسمّاة كبرى، فإنّ العولمة التي قادتها اللّغة العربيّة قرونًا من الزّمن، من أقصى آسيا شرقًا إلى غرب أوروبا جنوبًا، لم تكن قاهرة، ولا مجبرة إقليميًّا وشعبًا؛ لاتّخاذها لغة، أو تَبَنِّي خطّها رسمًا " (2)
يضيف هذا النّصّ عناصر أخرى مهمّة، تُبين عن قيمة اللّغة العربيّة وفضلها على الفكر العالمي أو دورها – على الأقلّ – في الفكر الإنساني:
أ – إنّ العولمة الجديدة التي تتبجّح بريادتها للعالم، وبتوجيهها لمسار الفكر العالمي، سُبِقت في هذا المسار بعولمة قديمة، هي عولمة اللّغة العربيّة.
ب – إنّ العولمة الجديدة تأسّست على أعقاب العولمة القديمة، التي كانت اللّغة العربيّة هي البانية لها، وبذلك كسبت هذا الرّهان.
ج – إنّ العولمة الجديدة انبنت على الهيمنة والسّيطرة والقهر، ولذلك تظهر فيها آثار التّسييس المفرط، والتّوجيه المغرض، والتّغرير الماكر ... بينما العولمة القديمة كانت بعيدة كلّ البعد عن هذه السّياسة وهذا التّوجّه، بل اجتهدت في خدمة الفكر؛ بما تملك من مقوّمات قويّة صالحة للتّطوير القويّ، والتّنمية الشّاملة.
7 – تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " لم تخسر اللّغة العربيّة في زمن نهضة العرب قيمتها الحواريّة، أو طاقاتها الاختزاليّة المعرفيّة، بل أثبتت عبر تاريخها قدرتها على نقل ما ينتجه الفكر الإنساني، وتكريس المنتج قيمًا معرفيّة، تختزل عمليّات التّلقّي والتّأثير، وانعكاساتهما في مظاهر الحياة السّياسيّة والدّينيّة والاقتصاديّة والتّاريخيّة والفكريّة والفلسفيّة والعلميّة، فتميّزت اللّغة العربيّة بالخصوبة والحيويّة والنّموّ والتّطوّر المؤسّس على الأصول ... " (3)
8 – أصالة مقوّمات اللّغة العربية، وآثارها الإيجابية التي ظهرت في مختلف مراحل مسيرة الفكر الإنساني العالمي، منحت هذه اللّغة الفرصة أن تعيد مكانتها بين اللّغات المؤثّرة في الحياة العامّة الحالية، رغم ما تعانيه من مشاكل ومعوّقات ومثبّطات في مسيرتها- داخليًّا وخارجيًّا – في المشاركة الحضاريّة الفاعلة في الحياة اليوميّة. يقول الدّكتور عادل نوفل: "لقد أثبتت اللّغة العربيّة عالميّتها، بعد أن اعتُمدت في منظّمة الأمم المتّحدة كلغة من لغات هذه المنظّمة،
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 288.
(2) - الدّكتور عبد الجليل مرتاض، " العربيّة ورهانها العولمي لسانيًا "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 729.
(3) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 285، 286. (1/43)
صفحة 42
وأثبتت اللّغة العربيّة عِلميّتَها، بعد أن استُخدِمت بنجاح باهر في التّعليم العالي، في كافة العلوم الأساسيّة والطّبيّة والهندسيّة ... في الجامعات السّوريّة، وفي بعض الجامعات العربيّة، وأثبتت حيويّتها بقدرتها الفائقة على استيعاب كلّ جديد في مختلف المجالات العلميّة والأدبيّة، بعد أن نُقل إليها ألوف الكتب والمؤلّفات في العلوم والآداب والفنون على مرّ العصور." (1)
إذا كانت اللّغة العربيّة قد برهنت على عالميّتها، وعلى عِلميّتها، وعلى حيويّتها، وهي العناصر المكوّنة لقوّة الشّيء، فهي جديرة بأن يلتجئ إليها من يريد أن يستفيد من الحياة ما يعينه على بناء ذاته وشخصيّته وكيانه، والتّأسيس لمستقبل حياته. ويتعدّى جدواها إلى إفادة ما حولها وبِجَنْبِها من الثّقافات، وهو ما يضفي عليها صفة العالميّة بالقوّة والفعل.
9 – قدّم أحمد بن محمد الضّبيب بشرى للمنتسبين للّغة العربيّة والمتعاطفين معها، ولمن يريد الإفادة من مقوّماتها، فحواها: "إنّ دراسة أُجريت في اليابان على اللّغات العالميّة، تستهدف معرفة أكثرها وضوحًا، من النّاحية الصّوتيّة في استخدامات الحاسب الآلي، أثبتت أنّ العربيّة تتصدّر هذه اللّغات من هذه النّاحية." (2)
10 – ميزة اللّغة العربيّة أنّها شاملة بمكوّناتها، صالحة للولوج في مختلف الميادين العلميّة والفكريّة والأدبيّة والتّربويّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفنّيّة، وكلّ المجالات التي يحتاج إليها البشر، وتلتصق بحياتهم، ويتوقّف عليها تحرّكهم ونشاطهم. يقول الدّكتور محمد مصطفى بن الحاج: " ولم تكسب العربيّة عالميّتها هذه بسعة الانتشار وكسب الصّراع اللّغوي فقط، بل كان لها طابعها العالمي لكونها لغة العلم والبحث والمراسلات الدّوليّة والعلاقات السّياسيّة والاقتصاديّة، كما كانت لغة الآداب والفنون في مختلف الثّقافات التي اعتنق أهلوها الإسلام. ولقد شهد الكتّاب الأجانب المنصفون فيما كتبوه عن تاريخ العلم في العالم، وعن أصول النّهضة الأوربيّة، وعن فضل الحضارة العربيّة، فأبانوا واعترفوا بعالميّة الثّقافة العربيّة ولغتها في تلك العصور." (3)
11 – من المكاسب التي ظفرت بها اللّغة العربيّة، التي تكشف عن عالميّتها، حصولها على مقاعد لتكون حاضرة في المحافل الدّوليّة، لتنقل بها اهتمامات العالم العلميّة والثّقافيّة والتّربويّة والسّياسيّة وغيرها، إلى جنب اللّغات الأخرى المتداولة. فقد اعتُمدت في المؤسّسات الثّقافيّة والعلميّة والسّياسيّة الدّوليّة كمنظّمة الأمم المتّحدة واليونسكو، ومنظّمة الأغذية والزّراعة، ومنظّمة الصّحّة العالميّة، ومنظّمة العمل الدّوليّة ...
يقول الدّكتور عبد الكريم بكري: إنّ من العوامل الدّافعة لغير العرب إلى تعلّم اللّغة العربيّة: " اهتمام الجامعات الأجنبيّة بالحضارة العربيّة والثّقافيّة الإسلاميّة، ممّا يمكن اعتباره استمرارًا للحركات الاستشراقيّة التي عرفها الغرب في القرون الأخيرة، والتي كانت تحرص على معرفة الثّقافة الإسلاميّة في لغتها الأصليّة." (4)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 760. عن ازدهار اللّغة العربيّة وانتشارها بقوّة في أرجاء كثيرة من المعمورة قديمًا وحديثًا ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، مقال الدّكتور بكري عبد الكريم،: عالميّة اللّغة العربيّة الرّؤية والأداة"، ص: 283 – 294.
(2) - الدّكتور أحمد بوطرفاية، " اللّغة العربيّة وسهام العولمة"، المرجع السّابق، ص: 777.
(3) - الدّكتور محمد مصطفى بن الحاج، " عالميّة اللّغة العربية "، كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 258.
(4) - كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 290. (1/44)
صفحة 43
12 – ممّا يستدلّ به أيضًا شاهدًا على عالميّة اللّغة العربيّة حضورها المكثّف في أمريكا، في جامعاتها ومؤسّساتها، لدوافع كثيرة مختلفة. ومهما يكن تفسير هذا الوجود في هذا القطر الذي يريد أن يستحوذ على العالم، ويسيطر على مقدّراته، ويفرض نفسه وثقافته على الجميع، فإنّ حضور اللّغة العربيّة في مجالها الحيوي، وفي حياة شعبها يبرز ما لهذه اللّغة من أهميّة.
استثمارُ ذلك استثمارًا إيجابيًّا ممنهجًا ومخطّطًا، وبإرادة حكوميّة وشعبيّة، يضيف مؤشّرًا آخر وعاملاً آخر في تأكيد عالميّة العربيّة من جديد، ويوفّر لها الفرصة كي تتبوّأ مكانتها في الفكر العالمي راهنًا ومستقبلاً. يقول الدّكتور وليد العناني في سياق عرضه مظاهر حضور اللّغة العربيّة في الجامعات الأميركيّة، بعد أن سجّل ظاهرة إرسال الطّلبة الأمريكيّين إلى الجامعات العربيّة: " ويقترن بهذا المظهر مظهر أكاديمي آخر، يتمثّل في إقامة علاقات التّبادل الثّقافي وبرامج تعليم العربيّة في ما وراء البحار؛ فقد عقدت كثير من الجامعات الأمريكيّة برامج الدّورات اللّغويّة في البيئة العربيّة، حيث يمضي فيها طلبة البرنامج مدّة معيّنة في إحدى الدّول العربيّة، وغالبًا ما تكون في الصّيف. وظاهر أنّ الغرض الرّئيسي من هذه الدّورات اكتساب كفاية تواصليّة مناسبة بالعربيّة، واكتساب قدر مناسب من الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، إضافة إلى تحصيل قدر من العاميّة ... " (1)
إذا كانت اللّغة العربيّة قد كسبت الصّراع اللّغوي، وحازت على الرّهان، بدليل سبقها إلى خوض مجالات البحث المختلفة، ونيل الرّيادة في المراسلات الدّوليّة، والفوز بالتّقدّم في العلاقات المختلفة لمظاهر الحضارة في العالم ... ألا يكون ذلك محفّزًا على استرجاع هذه القوّة الكامنة؛ بإقحام أبنائها لها من جديد في هذه الحقول، والخوض بها في مسيرة الفكر العالمي، حتّى تُبقِيَ على عالميّتها، التي هي في كمون وهمود، وسكون وخمود، إلى أن يعمل أبناؤها على بعث قوّتها من جديد. التي قال عنها الدّكتور إبراهيم بن مراد: " ... وقد ظلّت اللّغةَ العلميّةَ والثّقافيّةَ الأولى حوالي خمسة قرون أو تزيد، تحمل معها خلاصة الفكر الإنساني القديم في الثّقافة والعلم، وإسهام العرب في إثراء الحضارة الإنسانيّة في شتّى حقول المعرفة. " (2)
هذه بعض الشّهادات التي تكشف عن قوّة اللّغة العربيّة، وهذه بعض الخصائص التي تبرز حقيقتها. وهي كلّها تقرّ وتظهر جدارتها في التّموقع في مقعد اللّغة العالميّة، وتعترف بسعتها الكبيرة في حمل الفكر العالمي، وقدرتها على تطوير هذا الفكر، والسّير به أشواطًا بعيدة في خدمة الإنسانيّة خدمة شاملة، مِمّا يثبت حضور هذه اللّغة بقوّة في مسيرة الفكر الإنساني في كلّ مراحله. ولكن هل هذا الحضور موجود اليوم؟
يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " كانت اللّغة العربيّة في القديم لغة عالميّة، قد تصدّرت اللّغات المعروفة طيلة قرون كاملة، فكانت اللّغة العالميّة الواسعة الانتشار بحقّ، قد حملت معها حضارة وفكرًا أصيلين، وأثّرت في اللّغات القريبة منها والبعيدة عنها. وهي اليوم قاصرة تجهد نفسها، ويجاهد أهلها لتلتحق بالّلغات العالميّة الكبرى، وتستعيد إشعاعها الماضي ومنزلتها القديمة ودورها الحضاري. " (3)
__________
(1) - الدّكتور وليد العناني، " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني "، المصدر السّابق، ص: 296.
(2) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 225.
(3) - المصدر السّابق، ص: 224. (1/45)
صفحة 44
بل إنّ كثيرًا من الدّارسين وعامّة النّاس يشكّكون في قوّتها، وفي قدرتها على مسايرة العصر في سرعة تطوّره، وكثرة مخترعاته، وحجم مستجدّاته، فأصبحوا يلقون أسئلة عديدة عن إمكانيّة قيام اللّغة العربيّة بدور اللّغة الحاملة للفكر والحضارة، والقادرة على التّواصل والتّبليغ، وبكلمة واحدة صريحة التّشكيك في عالميّتها. يردّد هذا أبناؤها والأجانب عنها، عن حسن نيّة، وعن سوء قصد، وبغرض النّيل منها، وإبعادها عن السّاحة، أو على الأقلّ حرمانها من أن تحوز على شرف العالميّة، الذي هو من حقّها في الماضي، وهو نصيبها في الحاضر. ينقل الدّكتور محمد سويسي بعض هذه الأسئلة في الفقرة الآتية: " هل العربيّة صالحة لأداء المفاهيم العلميّة والفلسفيّة المعاصرة؟ بل هل العربيّة ما فتئت لغة حيّة، يمكنها التّعبير عن كلّ مدلول نظري أو تطبيقي من المدلولات الحديثة؟ وذلك أنّ العربيّة تعترضها اليوم مشاكل لغويّة عويصة، فوقفت في مفترق الطّرق، بين ماض انقضى وطويت صفحاته، أدّت معانيه أحسن تأدية، وحاضر متجدّد، تطوّرت أحداثه وتنوّعت معالم انبعاثه العلمي والاجتماعي والتّكنولوجي ... وقوي تيّار تجدّده بسرعة، فاقت ما للّغة من سرعة التّطوّر، فتخلّفت عن الرّكب، ووقفت لا تفقه المتَّجَه، ولا تعلم أيّ سبيل تسلك كي يكون لها ما يؤهّلها للقيام برسالتها." (1)
هذه الأسئلة تحمل أسوأ الاتّهامات، وأمكر المؤامرات ضدّ اللّغة العربيّة، الغرض منها القضاء عليها، وطمس معالمها، أو الحطّ من قيمتها وصرف النّظر عنها، هذه الاتّهامات قد تكون صادرة عن جهل وسذاجة، وقد تكون نابعة من إرهاب فكري، وقهر ايديولوجي، وعقدة الاستعلاء والتّفوّق والسّيطرة والهيمنة ...
كيف يكون ردّ هذه الاتّهامات، لتحظى اللّغة بمكانها في سيرورة الفكر العالمي؟ وترجع لها مكانتها؟ وماذا يجب أن يقام به ليفسح لها المجال كي تؤكّد على هذا المكسب؟ وتسترجع هذا الحقّ؟ هل تتمكّن أن تحقّق هذا المطلب أو هذه الغاية؟ وهل يمكن لها أن تجد مكانًا في الفكر العالمي؟ وهل يكون لها تأثير على مسيرة الحضارة العالميّة والإنسانيّة الرّاهنة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، والرّدّ على هذه الاهتمامات يحتاج إلى مزيد البحث والدّراسة، ويطلب جرأة وشجاعة في عرض راهن اللّغة العربيّة في أوطانها وخارج ديارها، والوقوف على حقيقة العلاقة بينها وأبنائها، ونظرة غيرها إليها، ومدى إرادة أهل الدّار في النّهوض بها، ومدى استعداد غيرهم لتقبّلها، وإتاحة الفرصة لها، وفسح المجال لها كي تستعيد مكانتها، وتسهم في البناء الحضاري، وإغناء الفكر الإنساني, وتطوير مسيرة الفكر العالمي ... البداية تكون بإزالة المشاكل والعوائق والمثبّطات التي تحول بينها والقيام بدورها الحقيقي. فما هي هذه المشاكل والمعيقات؟ (2)
__________
(1) - الدّكتور محمد سويسي، " اللّغة العربيّة في مواكبة الفكر العلمي"، المصدر السّابق، ص: 140.
(2) - كتب الكثير عن المعيقات والمشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة، وعن بعض الحلول التي يمكن أن تسهم في إزالة هذه التّحدّيات. ينظر مثلا: كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول ص: 89 وما بعدها، وص: 174 وما بعدها، وص: 740، 741، وص: 745 وما بعها، وص: 771 وما بعدها. وكتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، المنظّمة العربيّة للّتربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1998م، ص: 350 وما بعدها، ود. أحمد بن نعمان، كتابُه: مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء،، ص: 57 وما بعدها. ومجلّة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر)، ع: 16،، ص: 304 وما بعدها ... (1/46)
صفحة 45
معيقات اللّغة العربيّة في مواكبة الفكر العالمي وعودتها إلى العالميّة
1 – اتّهام اللّغة العربيّة بالعجز عن الإبداع ومواكبة العصر
إنّ العصر بسرعة تطوّره، وقوّة حركته، وكثرة مفاجآته العلميّة والفكريّة، لا يسمح للّغة العربيّة الجامدة الهامدة، وغير المؤهّلة بالتّفاعل مع كلّ هذه التّغيّرات. هذه فكرة اقتنع بها من كانت معرفته بحقيقة اللّغة العربيّة وقيمتها ضعيفة، أو علاقته بها مريضة. وقرّرها من لا يقدر للظّروف قدرها، ولا ينظر إلى الأشياء نظرة موضوعيّة حضاريّة.
في كثير من هذه النّظرات التي سجّلت في هذه المشكلة، والآراء التي استقرّت في الأذهان كان سببها طريقة تعاملنا نحن المنتسبين إليها، والمنتمين إليها؛ إذ لم نظهرها ولم نتعامل معها بما يليق بمقامها، وبما يرقى إلى حقيقة دورها، اسْتَهَنّا بها وهمّشناها، وأحلناها إلى زاوية الرّكون والرّكود، بل تنكّرنا لها، وتركنا الغوص فيها، وأبحرنا إلى لغات أخرى؛ بحثًا عمّا يسمح لنا بالتّقدّم والازدهار، ويمنحنا الاندماج في الفكر العالمي؛ بالحصول على صفات العلميّة والمنهجيّة، والتّفاعل مع الآخر ... فقيل عنها ما قيل ظلمًا وعدوانًا وتجنّيًا، وألصقت بها التّهم: " لأنّها في رأي معظم المتعلّمين غير قادرة على مواكبة التّطوّر العلمي والحضاري، ولا تستوعب المصطلحات (1/47)
صفحة 46
العلميّة الحديثة، ولا تساعد على فهم النّظريّات العلميّة المتطوّرة، وهي في رأي بعض دارسي العلوم الإنسانيّة عاجزة عن التّفاعل مع النّظريات الألسنيّة الحديثة." (1)
2 – ضعف الحماسة للّغة العربيّة
نتج عن العامل الأوّل مرض خطير على اللّغة العربيّة، هو ضعف الحماسة لها، وضعف العصبيّة القوميّة نحوها، لدى من يحمل ضدّها فكرة خاطئة عن حقيقتها وطبيعتها. هذا العنصر عائق كبير في استرجاع مكانتها، التي فقدتها؛ بسبب التّخلّي عن المحافظة عليها، وبالتّبع حرمت من حمايتها وصيانتها، فضلا عن مساعدتها على التّطوّر لتساير مسيرة الحياة المتجدّدة المتغيّرة بسرعة فائقة. فقد لجأ أصحاب هذا الرّأي إلى لغات أخرى وتحمّسوا لها، واندمجوا فيها وفي فكرها، وتركوا لغتهم الأمّ؛ انطلاقًا من هذا الزّعم. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " جسّد الاعتزاز بالمنطوق الأجنبي حالة تغريب عن اللّغة القوميّة، فعكس العجز عن إتقان لغة العصر شعورًا بالنّقص، وإحساسًا بالعجز عن مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي، وبلغت سيطرة اللّغات الأجنبيّة في بعض البلدان العربيّة درجة يعجز معها المتعلّم عن معرفة اللّفظ العلمي أو الأدبي، أو التّداولي اليومي في اللّغة العربيّة، وصارت المعرفة باللّغة العربيّة عند بعضهم مرادفة للجهل والأميّة." (2)
في الحقيقة إنّ هذا النّفور من اللّغة العربيّة، أو عدم التّحمّس لها، أو رفض قبول التّعامل بها؛ لغةَ اتّصال وتعلّم وتكوّن، ولغةَ انفتاح على العالم، ولغةَ اندماج مع الآخر، ولغةَ قضاء مآرب وبلوغ أهداف ... إنّ كلّ هذا ناتج عن هاجس خوف أبنائها من: " العولمة التي غزت ديارهم وأهليهم، ومسّت قلوبهم الواجفة، وعقولهم الممسوسة ... فصدّقوا ما قيل لهم، وطبّقوا ما أُملِيَ عليهم، وروّجوا ولوّحوا أنّ اللّغة العربيّة عاجزة عن استيعاب العلوم المعاصرة، وغير قادرة على مواكبة تطوّرات العصر المتساوقة المتلاحقة، فنبذوا لغتهم ظهريًّا، وقلبوا لها ظهر المِجنِّ، وسافروا وشرّقوا، وغرّبوا وغرّدوا خارج سربهم، وتغنّوا بغير ألحانهم، فكانت اللّغة العربيّة (الأمّ) هي الضّحيّة؛ إذ أصبحت عندهم من سقط المتاع، الذي لا يصلح لشيء ... " (3)
هذه الانهزاميّة والخذلان يهدّدان اللّغة العربيّة؛ لأنّهما يمنعان أصحاب هذه اللّغة من معرفتها حقّ المعرفة، ويحجبان عنهم النّور الذي ينير دروب هذا الكيان، ليتعرّفوا على خصائصها وجماليّاتها، ويحجزان عنهم الرّؤية المستقبليّة لهذه اللّغة، ليصدروا عنها أحكامًا جائرة، تؤثّر على علاقتهم الإيجابيّة بها. هذا ما يضعهم في خانة المعادي لها، أو المحتقر لها، أو المستهين بقيمتها ومكانتها، فيصدّ عنها ويسير في وجهة معاكسة لمسارها. وبالتّبع لن يصدّق من يقول له: إنّ هذه اللّغة كانت عالميّة، وستبقى عالميّة، تحضن الفكر العالمي، وتنشر الثّقافة العالية، وتسهم في تطوير الحياة من حوله.
3 – تهميش المحيطِ اللّغةَ العربيّة في الحياة العامّة
__________
(1) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 284.
(2) - المصدر السّابق، ص: 283.
(3) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤولية أبنائها نحوها"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 177، 178. (1/48)
صفحة 47
تعاونت فئات كثيرة، وجماعات غير قليلة في تهميش اللّغة العربيّة في حياة المنتمين إليها، عن غير وعي أحيانًا، وعن جهل وسذاجة في أغلب الأحيان، وعن قصد وترصّد وسبق إصرار في كثير من الأحايين، وعن نيّة مبيّتة وتخطيط محكم للقضاء على هذه اللّغة في بعض الأوقات، وبعدها الإجهاز على الهويّة.
تعاون البيت والشّارع وبعض الهيئات المحسوبةِ رائدةً وموجّهةً وقائدةً للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتضافر على خنق اللّغة العربيّة وخلق مشاكل لها المؤسّساتُ التّربويّة والتّكوينيّة، والجمعيّات الثّقافيّة والرّياضيّة، وسفراءُ هذه اللّغة في المنتديات والتّجمّعات والتّظاهرات والاحتفالات ... هل يمكن أن نقول مع الدّكتور عادل نوفل: إنّ اللّغة العربيّة ومعها ثقافتها التي تنتمي إليها أصبحتا مهدّدتين بالانقراض، ومن ثمّ فلا مطمع في إسهامهما في تطوير الفكر العالمي، أو إيجاد مكان لهما فيه: " لقد أصبحت اللّغة والثّقافة العربيّتان مهدّدتين لدى أغلب شرائح المجتمع، إمّا لأسباب الأميّة والفقر وانحسار دور الدّولة، أو لأسباب ثورة الاتّصالات التي ربطت نخبًا معيّنة بثقافات خارجيّة، من خلال المدرسة والمربيّة الأجنبيّة والأنترنيت والأقمار الصّناعيّة ... " (1)
ماذا يبقى للّغة العربيّة من مساحة تنشط فيها؟ وكيف لها أن تبرز في ظلّ هذا الحصار المضروب عليها بإحكام وتحكّم؟ وأنّى لها أن تتخطّى عتبات محيطها لتحلّق في الفضاء العالمي، وهي تعاني هذا القهر والحيف والظّلم في وسطها، حتّى غدت غريبة في دارها؟ فمن يقبلها وعاء للفكر العالمي وقد أهانها أهلها ونبذوها، ورفضوها حاويةً لفكرهم، وحاملة لثقافتهم, وحامية لشخصيّتهم، وناقلة لمشاعرهم؟ ولنا أن نتساءل مع المتسائلين: ما هي مكانة اللّغة العربيّة ومكانها في ديارها؟ وما هو مستقبلها في أوطانها؟ وذلك قبل أن نبحث عن مكانها في العالم؟
4 – مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربيّة
إنّ اللّغة العربيّة وجدت ضرّات كثيرة في ساحتها وفي حرمها، أضرّت بوظيفتها ورسالتها، واصطدمت بمزاحمة شديدة من طفيليّات في فضائها الذي تتحرّك فيه، إنّها اللّهجات المحليّة التي ملأت حياة النّاس، وشغلت فكرهم، ومالوا إليها على حساب اللّغة العربيّة الفصيحة. بل تجاوز هذا إلى تبنّي مشروعات مدروسة لضربها وزحزحتها من الوجود؛ بإبعادها عن حياة النّاس. ويكون الخطر أكبر حين يكون التّدريس بها، حتّى فيما يتعلّق أو يتّصل بفروع اللّغة العربيّة نفسها، ويستفحل أكثر، حين تُستهدَف بالمناهج المسطّرة فئةُ الشّباب، الذين هم عماد المستقبل، ومحطّ آمال الأمّة في حمل مقوّماتها وقيمها. " عادة ما تصحب هذه الدّعواتِ مشروعاتٌ، تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداءً للّغة العربيّة، وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانيّة، التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيّتها. من أسلحة هؤلاء تقديم معلومات خاطئة عن تاريخيّة هذه اللّغة، ودخولها إلى أوطانها. وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمِرة، ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها، ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها، إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة ... " (2)
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 762.
(2) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤوليّة أبنائها نحوها "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 188. (1/49)
صفحة 48
يضيف الدّكتور عبد السّلام المسدّي همًّا آخر، يرتكبه المثقّفون، الذين هم الروّاد في نشر الثّقافة، والقدوة في السّلوك الحضاري، يتمثّل في مخاطبة الجمهور باللّهجات المحليّة كثيرًا، ممّا يرسّخ في أذهان المستمعين إليهم، وفي مدارك المتلقّين عنهم، أنّ ما يقومون به هو السّلوك الحسن، والطّريق الصّحيح، فيسيرون هم بدورهم في هذا الدّرب الضارّ باللّغة العربيّة. " إنّ المثقّف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القوميّة، وهو يخطّ ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل، ثمّ إذا حاور أو ارتجل أو تحدّث عير أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسّل باللّهجة العاميّة، لهو مثقّف متواطئ على ذاته الثّقافيّة، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدبي انسياقًا مع الكسل الذّهني، أو اتّقاء لركوب المحاذير، إنّه يهيّئ المشهد الأوّل من تراجيديّة الانتحار الجماعي." (1)
يعضد الدّكتور عبد الله محمد الغذامي هذا الرّأي، وينعى التّصرّف، ويضيف عنصرًا آخر في معضلة استعمال العاميّة على حساب اللّغة العربيّة الفصحى: " ... غير أنّنا - اليوم – صرنا نشاهد بروز اللّهجات المحليّة (العاميّة)، وكأنّها لغة ثقافيّة رسميّة، وصرنا نسمع المسؤولين الكبار ونجوم المجتمع كالفنّانين والفنّانات والرّيّاضيّين يتحدّثون بالعاميّة. وفي هذا ضرر كبير؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون رموزًا ونجومًا اجتماعيّة، يميل النّاس إلى تقليدهم في اللّباس والتّصرّفات وطرائق الكلام، وهذا يحسّن من شأن (العاميّة)، ويجعلها محبوبة ومقبولة، في حين تتراجع الفصحى إلى مقام خاصّ، ويجري تمثيلها عبر نماذج غير رمزيّة وغير نجوميّة." (2)
حين يغدو الوعاء هو اللّهجة المحليّة، وحين يكون رموز هذا الوعاء مثقّفين ونجومَ المجتمع، وحين يكون الانجذاب إلى هذه اللّهجة كبيرًا ... فماذا يبقى للّغة العربيّة الفصيحة من فضاء تدرج فيه؟ وماذا يكون لها من دور في تنشيط الحياة العامّة؟ وكيف تتحرّك وسط هذا المجال الموبوء في بيئتها؟؟ فأنّى لها أن تقدّم شيئًا مهمًّا في رسالتها، فضلاً عن أن تتطوّر، أو أن تتقدّم خطوات إلى العالميّة؟ وكلّ ما في محيطها يعاكسها، ويضايقها، أو يتخلّى عنها إلى وسائط وأوساط أخرى؟
5 – الافتتان باللّغات الأجنبيّة
سلكَ الولوع باللّغات الأجنبيّة مجرًى خطيرًا على اللّغة العربيّة، وصل حدّ هجران اللّغة (الأمّ)، بعد رميها بالعقم وعدم الجدوى في عالم اليوم. يكاد هذا الدّاء يعمّ كلّ القطاعات، ويصيب كلّ الفئات، حتّى التي لا تحسن النّطق باللّغة الأجنبيّة، ولا التّعامل والإفادة منها، المهمّ أن يكون ذلك تقليعة عصريّة (غير مدروسة)، وتكون برهانًا على التّقدّم والتّطوّر ... والخطر يكون عظيمًا حين يحدث هذا في المؤسّسات التّربويّة التّكوينيّة الموجِّهة المؤسِّسة للكيان، والمسؤولة عن وضع قواعد البناء والأركان. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " كما أنّ هذا الافتتان باللّغة الأجنبيّة أخذ نصيبه في قطاع التّربية والتّعليم، وصار الإنسان العربي يحرص على تعليم أطفاله اللّغات الأجنبيّة، وكانت المدارس الخاصّة سبّاقةً في ترسيخ هذا الاتّجاه، بل ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك، وصارت تقوم بتدريس المواد العلميّة بهذه اللّغة الأجنبيّة، وبهذا تمّ إقصاء اللّغة
__________
(1) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 340. ينظر أيضًا ص: 341.
(2) - الدّكتور عبد الله محمد الغذامي، " اللّغة العربيّة في مواجهة تحدّيات القرن العشرين"، المصدر السّابق، ص: 352. (1/50)
صفحة 49
العربيّة، وإبعادها عن مكانتها الطّبيعيّة، وكذلك الحال بالنّسبة للتّعليم الرّسمي، وما يشتمل عليه من ازدواجيّة اللّغات في مراحله المختلفة في الأقطار العربيّة ... " (1)
6 – انتشار التّعليم الخاصّ الأجنبي من دون استراتيجيّة
هذه المدارس الخاصّة غير ملتزمة بأصول الأوطان التي توجد فيها، وتترعرع وتتلمل وتتحرّك فيها، وغير مكترثة بمشاعر أهلها، تنتهج نهجًا يضرّ بالبلاد والعباد، ولا يهمّها سوى ما تراه متماشيًا مع مصالحها وأهدافها. من ذلك التّدريس باللّغة الأجنبيّة، مُقصية اللّغة العربيّة من مناهجها إقصاء كليًّا، أو جزئيًا، بما يضرّ بالهويّة وبالشّخصيّة. في غياب استراتيجيّة مدروسة محكمة من المسيّرين لشؤون التّربيّة والتّعليم في هذا البلد العربي أو ذاك. وقد يكون التّراخي منهم، وعدم مراقبة ما يحدث للّغة العربيّة وثقافتها من اضطهاد ونحرٍ ووأْدٍ في ديارها؛ لأسباب وعوامل ودوافع.
7 – تهميش اللّغة العربيّة في التّعليم العالي
للتّعليم العالي دور كبير في تخريج الكفاءات التي ترفع البلاد على قواعد، تكون الأساس الذي تنهض بها. هذه الطّاقات التي تسيّر الوطن وتوجّهه الوجهة التي يراد لها أن تكون عليه في مستقبل أيّامِ أيِّ بلد. هذا التّعليم وقع فيه انحراف من النّاحية الحضاريّة والثّقافيّة؛ بسبب تهميش مقوّم رئيس في البناء الحضاري الصّحيح، وهو اللّغة العربيّة. إذ همّشت، وفي بعض الميادين أقصيت نهائيًّا من التّكوين والإعداد. فأصبح أبناء اللّغة العربيّة يُعَدّون بغير اللّغة العربيّة؛ حتّى رسخت في أذهان الأجيال الصّاعدة المتلاحقة حقيقةٌ، هي: إنّه لا جدوى من اللّغة العربيّة، فلا مَقام لها في السّاحة الثّقافيّة، ولا مُقام لها في أرضهم. هذه معضلة ومشكلة تلحق الأذى باللّغة العربيّة أوّلا، وتمنعها من أن تنتقل إلى العالميّة ثانيًا، بهذا التّصرّف المشين المُهين للشّخصية الحقيقيّة.
يقول الدّكتور عادل نوفل: " تعدّ قضيّة تعريب التّعليم العالي في الوطن العربي من القضايا القوميّة الرّئيسة، وتؤكّد البحوث والدّراسات أنّ غربة التّعليم العالي عن واقعه العربي، وضعف ارتباطه بقضايا التّنمية، يمكن إرجاعها بالأساس إلى أنّه تعليم مستورد من ثقافات أخرى في محتواه ولغته ... وما زالت قضيّة تعريب التّعليم العالي في محتواه ولغته قضيّة ثانويّة، لم تأخذ بعدها القومي؛ بالرّغم من طرحها في العديد من المؤتمرات، وعلى المستويات العليا، وبالرّغم من خطورة أبعادها ونتائجها، فإنّ دولة عربيّة واحدة فقط – سورية – قد خطت خطوات جادّة في طريق تعريب التّعليم كافّة، والتّعليم العالي منه بخاصّة، وبالرّغم من المشاكل والمعوّقات، التي تواجه هذه الجهود؛ بسبب فرديّة العمل، فإنّ النّتائج ستكون آثارها إيجابيّة على التّعليم السّوري بصفة خاصّة، والعربي بصفة عامّة." (2)
8– المغالاة في اشتراط إتقان اللّغة الأجنبيّة للعمل في البلاد العربيّة
بالرّغم من ضرورة إتقان اللّغة الأجنبيّة للعمل في بعض القطاعات، لضمان السّير الحسن للعمل فيها، إلاّ أنّ الشّطط في اشتراط هذا الإتقان، يُوجِد مشكلة حضاريّة، ويولّد أزمة هويّة، ويؤدّي إلى اختلال في الشّخصيّة؛ لأنّ الفرد العربي يعاني حرمانًا من الوظيفة في أرضه وداره، يأخذها عنه الأجنبيّ. فيسطو على حقّه. ويسبّب له عقدة نفسيّة، تجعل ابن البيئة يحمل قناعة أنّ الوجود الحقيقي هو للأجدى والأنفع، والارتباط يجب أن يكون بالأقوى؛ لأنّ
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 773.
(2) - المصدر السّابق، ص: 761، 762. (1/51)
صفحة 50
سنّة الحياة تمنح البقاء للأصلح والأقوى، فاللّغة الأجنبيّة قويّة وصالحة، واللّغة العربيّة بعيدة عن ذلك، فلماذا التّمسّك بها؟ يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " وممّا يواجه اللّغة العربيّة في سوق العمل المغالاة في اشتراط إجادة اللّغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة في بعض البلدان: كتابة وقراءة وتحدّثًا من قبل الشّركات الأجنبيّة، وبعض المؤسّسات والشّركات الوطنيّة، إذ أصبح المواطن غريبًا لغويًّا في كثير من المؤسّسات والشّركات، وفي أماكن النّفع والخدمات العموميّة، كبعض المستشفيات والفنادق والمطاعم ووكالات السّفر والسّياحة، حيث يمكن القول إنّ المواطن أُجبر على تعلّم اللّغة الأجنبيّة كي يحصل على مطلوبه، وهذا وضع شاذٌّ، إذ المفروض أن تقع مسؤوليّة تعلّم اللّغة العربيّة على عاتق العامل الأجنبي، فهو الذي ينبغي أن يجيد لغة البلاد التي يعمل بها." (1)
9 - انعكاسات الفجوة الرّقميّة على تطوّر اللّغة العربيّة
ساعد انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات عند من يملكها، ومن يستخدمها بعناية وكفاية، على معالجة المعلومات بسرعة وتنقية عالية ... وأمّده بإمكانات هائلة لتخزينها، والتّصرّف فيها بشكل جيّد، وبذلك طوّر من أدائه ونشاطه، وأعطى له ذلك قوّة التّحكّم في مجريات التّطوّر في الحياة العامّة ... يقول الدّكتور منصور فرح عن الدّول التي تملك هذه التّكنولوجيا، إنّها مكّنتها " من السّيطرة على المعلومات والمعارف باستخدام التّقنيات الرّقميّة الحديثة، ممّا أدّى إلى تسارع لا مثيل له من قبل في الإنتاج الصّناعي والمعرفي المبني على التّجديد والإبداع. ومع توسّع شبكة الإنترنيت ووسائل الاتّصالات الرّقميّة المختلفة أخذت العولمة أبعادًا جديدة، جعلت الدّول الغنيّة تحكم سيطرتها على الدّول النّامية، من خلال ما بات يعرف بالاقتصاد المبني على المعرفة، وازدادت الهوّة بين الأغنيّاء والفقراء على جميع المستويات، ومنها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والعلميّة." (2)
واضح ممّا أشار إليه الدّكتور أنّ سرعة امتلاك المعرفة، واستخدامها بشكل جيّد وممنهج في تطوير الحياة في مختلف نواحيها، وفرض الحضور في مجتمعات المعرفة، والسّاحات العلميّة بقوّة، وضمان عدم الزّحزحة عن ركب التّقدّم والتّطوّر ... يتطلّب إتقان أساليب توليد المعرفة، وإعادة توليدها من جديد، ويكون هذا في دأب وعمل مستمرّ، مرتبط بمعطيات التّطوّر التّكنولوجي لوسائل الاتّصال المتجدّدة في كلّ لحظة وآن.
ما نصيب اللّغة العربيّة من ذلك؟ في الحقيقة إنّ الجواب مخجل ومحزن؛ لأنّ أهلها لم يعملوا على تطوير أساليب الاتّصال الحديثة، بما يمكّن هذه اللّغة من استيعاب المعارف الجديدة. ربّما يرجع هذا إلى كونهم لم يقتنعوا بجدواها وقدرتها على السّير في هذا الطّريق، كما بيّنا هذا في سياق سرد المشاكل والتّحدّيات التي تعاني منها من بنيها، الذين رموها بالعقم وبالنّقص وقلّة الجدوى. بهذه النّظرة وهذه الوضعية، لا يمكن لها أن تقترب من عتبة العالميّة، مع قدرتها على ذلك بجدارة واستحقاق.
ما نسجّله بكلّ حسرة وأسى هو أنّ الفجوة تزداد اتّساعًا بين ما للعربيّة من إمكانات وعناصر قويّة للتّطوّر واستخدام الوسائل الحديثة في الاتّصالات، وما يجب أن تحمله رسالةً، تقوم بها، لتضطلع بدور كبير في مسيرة الحركة
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 773.
(2) - الدّكتور منصور فرح، " الفجوة الرّقميّة في المجتمع العربي وأثرها على اللّغة العربيّة "، مجلّة المجمع الجزائري للّغة العربيّة، س:3، ع: 6، ذي الحجّة 1428ه/ ديسمبر 2007م، ص: 79، 80. استُخدِم تعبير الفجوة الرّقميّة لأوّل مرّة سنة 1995م للدّلالة على هذه الهوّة الواسعة التي تفصل من يملك الأدوات الحديثة لتوليد المعرفة واستغلالها ونشرها ومن لا يتسنّى له ذلك ... ينظر المصدر نفسه، ص: 80. (1/52)
صفحة 51
الفكريّة العالميّة، لتمكين أهلها وغيرهم من امتلاك المعرفة بقوّة وبسرعة لتطوير الحياة. ولهذا فإن اللّغة العربيّة تُرَدِّدُ على لسان الباحثين الأصلاء ترجمة لمشاعرها: " أعطوني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل".
ما تملكه اللّغة العربيّة من إمكانات لتأتي بما لم تأتِ به اللّغات الأخرى، وما تنطق به الألسن، يبيّن ما لها من قدرة على التّمركز على أريكة العالميّة. في الوقت نفسه تُعَدُّ اللّغةَ الأمَّ لعدد كبير من سكّان المعمورة الذين يشكّلون وزنًا في الحياة العامّة، ويشغلون حيّزًا كبيرًا في البسيطة كمًّا وكيفًا، إذا عرفوا أقدارهم واحترموا قيمهم,
من هنا يأتي التّأكيد على ضرورة القناعة بأنّ التّطوّر الحقيقي يكون بواسطة اللّغة الأمّ، فالعرب والمسلمون لا يمكنهم التّقدّم إلاّ إذا التجؤوا إلى لغتهم، وركبوها لتحلّق بهم في سماء الرّفعة والسّؤدد. يقول الدّكتور منصور فرح: " وتشكّل اللّغةُ الأمُّ الأداةَ الأهمّ في تداول المعلومات وتوليد المعارف، فهي التي تستخدم في التّربية والتّعليم، وهي التي تسمح بالتّفاعل بين المواطنين، الفقراء منهم والأغنيّاء، وبينهم وبين المؤسّسات الوطنيّة المختلفة. واللّغة العربيّة هي لغة تجمع البلدان العربيّة، وتسمح بتوسيع نطاق المعارف ما بينها، وهي لغة قابلة للتّطوّر واستيعاب الجديد والمبتكر في العلوم والتّقانة، كما في حياتنا اليوميّة ... " (1)
يرى الدّكتور منصور فرح أنّ ردم الفجوة الرّقميّة، وإتاحة الفرص للّغة العربيّة لتتطوّر يتطلّب: "جهودًا مكثّفة مبرمجة، من قبل جهات عدّة، تمتدّ على حقبة من الزّمن، ما يتطلّب عمليّة تنسيق ومتابعة حثيثة، وإعادة نظر مستمرّ، ولكن بعض الأمور المرتبطة باللّغة العربيّة وتطوّرها تحتاج إلى معالجة، وتشكّل فرصًا للتّقدّم، وتطوير اللّغة العربيّة، ونكتفي في هذا البحث بالتّطرّق إلى أربعة منها، وهي تطوير التّعليم والتّعلّم باللّغة العربيّة، وبناء صناعة المحتوى الرّقمي العربي، وتمكين استخدام الإنترنيت بالعربيّة، والاعتماد على المشاركة المفتوحة لتطوير ونشر العربيّة." (2)
10 – خوف الغرب من تزايد الوزن الحضاري للّغة العربيّة في المستقبل
إنّ ممّا يرعب الغرب ويقضّ مضجعة تنامي انتشار اللّغة العربيّة، وازدياد حضورها في المجتمعات العلميّة، والمؤسّسات الثّقافيّة. يحدث هذا بعد ركود وهمود أصابا اللّغة العربيّة، سَمحا للغرب أن يتطاول على العالم، ويفرض إرادته ومشروعاته.
هو يعلم جيّدًا حقيقة هذه اللّغة وما تتمتّع به من قوّة وأصالة، جعلتا منها في الماضي وعاء ثريًّا وقويًّا لبناء الحضارة الإنسانيّة، ومصدرًا كبيرًا للفكر العالمي، أعلامه وأقطابه يعرفون جيّدًا أنّهم وأسلافهم تعلّموا من هذه اللّغة، بروزُها بشكل قويّ من جديد يقوّض كلّ مخطّطاتهم، ويفسد كلّ مشروعاتهم؛ لهذا يرون أنّه لا مفرّ ولا مناص من محاربتها بكلّ الطّرق والوسائل. هاجسهم هذا مبنيّ على معطيات موضوعيّة، إلى جانب معرفتهم الكاملة بخصوبة هذه اللّغة وقدرتها على الإبداع والتّطوير. ّ
هذه القوّة والثّراء اللّذين تتوفّر عليهما اللّغة العربيّة .. ينذران بخطرٍ على الغرب، يبزّ لغاتهم؛ إذا ما أتيح للعربيّة أن تتحرّك بحريّة وطلاقة، فهي لغة حوالي المليار من العرب والمسلمين، الذين يشكّلون رقمًا له وزنه في تحريك الحياة العامّة. أي إن العربيّة هي مرجعيّتهم التي يلوذون بها في الصّدور في نشاطهم وحركاتهم. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: "
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 109، 110.
(2) - المصدر السّابق، ص: 96. ينظر تفصيل هذا ص: 96 – 110. (1/53)
صفحة 52
إنّ هؤلاء المخطّطين الاستراتيجيّين يقرؤون للحقيقة الموضوعيّة حسابها. فاللّسان العربي هو اللّغة القوميّة لحوالي 270 مليون نسمة، وهو يمثّل إلى جانب ذلك بدون شكّ مرجعيّة اعتباريّة لأكثر من 750 مليون مسلم غير عربي، كلّهم يتوق إلى اكتساب اللّغة العربيّة بحذق ومهارة، فإن لم يتقنوها فلأنّها ليست لغتهم القوميّة، فإنّهم في أيسر الاحتمالات يناصرونها، ويحتمون بأنموذجها.
ثمّ إنّ اللّسان العربي حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حيٌّ على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كلّ العلوم النّظريّة والطّبيّة والفلسفيّة، وهو بهذا الاعتبار يخيفهم أكثر ممّا يخيفهم اللّسان الصّيني أو الهندي، ولا يغفل هؤلاء المهندسون الثّقافيّون السّاهرون على برمَجةِ الذّهن الجماعي في عصر الأمميّة والكونيّة عن الرّسالة الحضاريّة والرّوحيّة التي حَمَلت بها اللّغة العربيّة، وهم العارفون بأنّ التّماهي بين اللّغة العربيّة والهويّة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثّقافات الإنسانيّة مثلما بلغه عند العرب بكلّ اطّراد تاريخي، وبكلّ تواتر فكري واجتماعي ونفسي. " (1)
هذا الهلع من اللّغة العربيّة، يسوق الغرب بدافع الكراهيّة والحسد وحبّ السّيطرة والهيمنة ... إلى اتّخاذ إجراءات عدائيّة، وارتكاب جرائم ثقافيّة في حقّ اللّغة العربيّة؛ حتّى لا تبرز في السّاحة الدّوليّة، بالشّكل الذي يهدّد مصالح الغرب، ويجهض مشروعاته. هذا تحدٍّ آخر خطير وكبير يواجه اللّغة العربيّة. يقف حاجزًا وعائقًا في طريق عالميّتها، وحضورها في الفكر العالمي بقوّة.
هذه بعض المعيقات التي تعترض سبيل اللّغة العربيّة كي تسير نحو العالميّة، وتقدّم إسهامات مجدية وكبيرة للفكر العالمي، كما كانت عليه من قبل. يجب إزالة هذه العقبات قبل الحديث أو تقويم دورها ومكانتها وحضورها، أو علاقتها بالفكر العالمي؛ حتّى لا نظلمها بإصدار أحكام جائرة نحوها. كما ينبغي أن لا نتجاهل هذه الحقائق، ونحلم بأنّ لغتنا بخير، وأنّنا بها نبلغ كلّ هدف، ونحقّق كلّ مأمول، شفيعنا ومؤازرنا وسندنا في هذا ماضيها المشرق، وإنجازاتها الكبيرة، وريادتها القديمة للفكر العالمي ... فيقال لنا ما قاله شاعر العراق معروف الرّصافي:
وهل إن كان حاضرنا شقيًّا ... نسود بكون ماضينا سعيدَا
هذا تضليل للنّاس وظلم لهم. إنّ ما يجب عمله هو وعي الواقع الذي نعيشه، والاعتراف بالتّقصير نحو اللّغة العربيّة، واليقين بأنّها ستتبوّأ مكانها الحقيقي في الرّيادة والقيادة والسّيادة، في سيرورة الفكر العالمي، إذا قمنا بواجبنا نحوها؛ بتبنّي مشروعات نهضويّة، محكمة التّدبير والتّخطيط، قويّة التّطبيق، ملزمة التّنفيذ ... فكيف نمكنّ اللّغة العربيّة من الاندماج في حركية الفكر العالمي؟
__________
(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، " الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 320. (1/54)
صفحة 53
تمكين اللّغة العربيّة من الاندماج في حركيّة الفكر العالمي
القيام بهذا المطلوب يكون كالآتي:
1 - يجب أن تسترجع اللّغة العربيّة مكانتها القوميّة، قبل البحث عن مكانتها العالميّة، فالمكانة القوميّة هي المحور، الذي منه تنطلق كلّ المحاولات لإيجاد مكان مع الأقويّاء في زمن طغيان العولمة وسيطرتها على كلّ شيء. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " إنّ التّصدّي لسهام العولمة أو التيّار الجارف لكلّ شيءٍ يقتضي منّا في بداية الأمر أن نتأكّد من صلابة تمسّكنا بانتمائنا إلى اللّغة العربيّة، إذ لا يمكن الاعتقاد بعولمة أيّ شيءٍ، ما لم نتحقّق من هويّتنا، والمكان الذي سننطلق منه، فالضّغط على نقطة المركز (الهويّة) شرط أساس للتّفتّح على الآخر. والطّموحُ للالتحاق بالرّكب العالمي، أو بما هو عالمي، يتوقّف في بداية المطاف على معرفة من نكون. وهذا هو السّلاح الأوّل والفعّال في هذا (1/55)
صفحة 54
المجال، ثمّ ننطلق بعد ذلك إلى أهداف وأبعاد أخرى ... فإذا أردنا أن تنتشر موجاتنا فينبغي أن يكون لدينا رابط قويّ بنقطة المركز (الهويّة) " (1)
2– كي تتقدّم العربيّة، وتسهم بقوّة في الفكر العالمي، يجب أن يكون أبناؤها أقويّاء راسخين في اللّغة العربيّة، حتّى يتقنوها، ويعرفوا خصائصها وحقيقتها، ليدفعوا بها في خضمّ الحركة الفكريّة العالميّة بقوّة وثقة فيها.
3 - يجب العمل على تطوير اللّغة العربيّة بالسّرعة التي تسير بها وتيرة العولمة، وتتطوّر تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والتّحوّل نحو مجتمع المعرفة " وتنشيط تطوير اللّغة العربيّة، وتسريع وتيرة البحث والتّطوير في تراكيبها لمواكبة المتغيّرات والحاجة إلى ابتكار المصطلحات." (2)
4 – العمل على النّهوض باللّغة العربيّة، والحرص على جعلها صالحة للاستعمال في جميع المجالات والأصعدة والميادين العلميّة والتّقانات بخاصّة، وبذلك تنتشر المعرفة باللّغة العربيّة. تطويرُ أساليب التّعبير والاتّصال باللّغة العربيّة يمكّن النّاطقين بها من مختلف شرائح المجتمع الوصولَ إلى المعرفة بسهولة ويسر.
5 – إصلاح مناهج التّربية والتّعليم في جميع مراحل التّعليم، يكون قوامُه التّكوينَ باللّغة العربيّة (اللّغة الأمّ)، بما يمكّن أبناءَها أن يفكّروا بها، ويبحثوا ويبدعوا وينتجوا المعرفة ... بهذا ترجع لهم الثّقة في لغتهم، أمّا هي فتنبعث فيها الحياة من جديد، وتتقدّم بفعل تنشيطها ودفعها إلى ميادين البحث والدّراسة. نحن مع الدّكتور عادل نوفل حين يقول: " لقد صار واضحًا في عصر العولمة الذي نعيش فيه أنّ التّقدّم التّكنولوجي المتسارع، يرتبط ليس فقط برأس المال المادي، إنّما أيضًا برأس المال البشري، الذي أساسه الإنسان، الذي يجب أن يفهم ويستوعب ويتمثّل العلوم بلغته الأمّ، لكي يستطيع لاحقًا استنباط الجديد، من خلال البحث العلمي." (3)
6 – تنمية اللّغة العربيّة باستيعاب المستجدّات اللّغوية العلميّة المعاصرة وإنتاج العلم بها.
لابدّ من العمل على جعل اللّغة العربيّة منتجة للعلم، ومستوعبة للمستجدّات في السّاحة بسرعة وإتقان، بالتّرجمة والتّعريب أحيانًا، وبالإبداع أخرى؛ لأنّه لا مكان للخامل، ولا بقاء للمتقاعس، ولا مُقام للنّائم، وبخاصّة في عصر ثورة المعلومات، وانفجار المعرفة، كما أنّ اللّغة التي لا تنتج علمًا تموت، أو تبقى متخلّفة، وسيهجرها أهلها وذووها.
7 – يجب تعميم استعمال اللّغة العربيّة يشتّى الطّرق الممكنة، بإقامة المشروعات، وتسطير البرامج ووضع المناهج، وسنّ قوانين مشجّعة على استعمال العربيّة، وأخرى رادعة وزاجرة لمن يهملها أو يتعدّى عليها، حتّى تصبح اللّغة العربيّة جزءًا من حياتنا اليوميّة، وعنصرًا في برامجنا اليوميّة، وأحد اهتماماتنا اليوميّة ... وبذلك نحيا مع اللّغة العربيّة، فتمدّنا هي – أيضًا – بالحياة وتعطينا الطّاقة التي بها نصول ونجول، فلا نحول، وننطلق إلى العالميّة بقوّة وثقة في النّفس. يقول الدّكتور أحمد شفيق الخطيب: " إنّ مستقبلنا العلمي الحضاري والثّقافي مرهون بأن تصبح اللّغة العربيّة جزءًا من
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 771.
(2) - مجلّة المجمع الجزائري للّغة العربيّة، س: 3، ع: 6، ص: 110.
(3) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 754. (1/56)
صفحة 55
الحياة اليوميّة في المدرسة والبيت، كما في المصنع والجامعة ومراكز البحوث، وأن تغدو الثّقافة العلميّة جزءًا من ثقافة الصّانع والزّارع والبنّاء والحدّاد والنّجّار والعامل، كلّ في مجالات عمله." (1)
الخلاصة
ــــ إنّ اللّغة العربيّة لا تهدّدها العولمة المتوحّشة، ولا النّظام العالمي الجديد، فهي قادرة على الإفلات من قبضتهما، والسّير قدمًا نحو التطوّر ومزيد التّأثير في مجرى الفكر العالمي، والإضافة إليه، ولكنّ الخطر الأكبر، والدّاء المميت يأتيانها من داخل الدّيار؛ بسبب تهاون أهلها وإهمالها، والتّنقيص من قيمتها وإهانتها، والاعتداء عليها بكلّ أصناف الاعتداء.
__________
(1) - الدّكتور أحمد شفيق الخطيب، " الثّقافة واللّغة العربيّة في عصر العولمة"، المصدر السّابق، ص: 701. (1/57)
صفحة 56
ــــ إنّ مقام اللّغة العربيّة عالميًّا يظلّ ضعيفًا، مادامت الأمّة العربيّة والإسلاميّة لمّا تشكّل قوّة، يكون لها تأثيرها في مجريات الأحداث، ووزنها في تطوّر الحياة، تشارك في صنع القرارات، وتوجيه المسار. وستبقى اللّغة العربيّة بعيدة عن المنافسة، التي تمنحها الاندماج في سيرورة الفكر العالمي، ما لم يحدث في العالم العربي والإسلامي انفجار علمي قويّ، وثورة كبيرة لتطوير اللّغة العربيّة، وتطويعها لتتكيّف مع المستجدّات، واستيعاب المتغيّرات، والتّعبير عنها بدقّة، كما كان لها هذا الدّور في أزهى عصورها، أين أنتجت الحضارة، وأثمرت الفكر القويّ، ما مكّنها من تسنّم قمّة الفكر العالمي.
ــــ رغم ما يُبذل من جهود مشكورة للرّقيّ باللّغة العربيّة، لاسترجاع مكانتها العالميّة، وهي مبادرات صادقة، صادرة ونابعة من الإخلاص والوفاء لهذه اللّغة، ومدفوعة بطموح كبير لخدمتها، وإنصافها، ورغبةٍ ملحّة وجادّة للتّعريف بحقيقتها لغير النّاطقين بها، ليفيدوا منها، كما أفاد من قبلهم بها، حين كانت في أوج قوّتها، وكان أهلها في قمّة العطاء وقوّة الإبداع ... إلاّ أنّها تظلّ جهودًا قاصرة عن جعل اللّغة العربيّة لغة عالميّة واسعة الانتشار، فهي كما يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " لا تحظى من الاهتمام الوطني والقومي، إلاّ بقدر ضئيل، ثمّ إنّها جهود مشتّتة موزّعة، غير موحّدة المناهج، لم تتجاوز بعد مرحلة الاقتراح وإبداء الرّأي في المجال المعجمي. فإنّ قرارات المجامع وأعمالها العلميّة، وفي المصطلحات ليست إلزاميّة. ثمّ إنّ التّعريب ما زال – رغم طول العهد بالإفاقة – بين أخذ وردّ، ورفض مطلق، وقبول مقيّد، وتطبيق مضطرب، قد يضرّ اللّغة ولا ينفعها كثيرًا." (1)
ــــ لابدّ من تأسيس خطاب علمي باللّغة العربيّة، عبر إقامة مشروعات قويّة، ووضع برامج محكمة التّخطيط، تنطلق من رؤية مستقبليّة دقيقة، تستشرف ما يكون عليه العالم بعد حقب زمنيّة بعيدة، يكون مجالات تنفيذها دوريّاتٍ متخصّصةً، وندواتٍ علميّةً مركزّةً، وحلقاتٍ دراسيّةً مكثّفةً، ودراساتٍ وبحوثًا معمّقة، وكلَّ وسيلة تفتح المحال للّغة العربيّة كي تبرز وتنشط وتتطوّر.
نحن نتفاءل خيرًا بمستقبل اللّغة العربيّة، وبرجوعها إلى واجهة النّشاط الفكري العالمي؛ رغم ما تعانيه، ورغم ما ينتظرها من عقبات كثيرة، عليها أن تذلّلها وتتخطّاها، وهي ليست بالهيّنة ولا بالبسيطة؛ لأنّ البذرة التي أخرجت اللّغة العربيّة، ومنحتها الحياة هي قويّةٌ وغنيّةٌ وحيّةٌ؛ لذا فهي قادرة على مزيد الإنبات، وقادرة على تغذيتها، لتبقى حيّة مدى الحياة. ولأنّ الفروع التي أورقت وأزهرت، ثمّ أثمرت اللّغة العربيّة، قابلة للتجدّد، ما يعني أنّ هذه اللّغة تحمل بين طيّاتها عناصر التّطوّر؛ للتكيّف مع كلّ المعطيات والمتغيّرات، لتبقى فاعلة ومؤثّرة في المحيط والسّاحة العالميّة، بدليل رحلاتها عبر العالم، التي حطّت بها في الجامعات الصّينيّة والجامعات الكوريّة، وفي الجامعات والمراكز الأروبيّة والأمريكيّة بقوّة ... وحضورها في المنتديات العالميّة. من أمثلة ذلك ما كتبه الدّكتور وليد العناني عن اهتمام بعض المؤسّسات العلميّة والثّقافيّة الأمريكيّة باللّغة العربيّة، وتدريسها فيها؛ لدوافع وأهداف، بيّنها الدّكتور في مقاله (2)
__________
(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 224.
(2) - المقال بعنوان: " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني"، ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 295 – 320. ينظر أيضًا المصدر نفسه، ص: 321 – 329. مقال الدّكتورين سرير إلهام ومحمد مرتاض، بعنوان: " وضع اللّغة العربيّة في الولايات المتّحدة الأمريكية "، عرضا فيه مجموعة من الأسئلة والأطروحات حول اهتمام هذا البلد باللّغة العربيّة، ووضعها الحقيقي فيه. (1/58)
صفحة 57
من العناصر التي تناولها الدّكتور في المقال نقرأ حجم الاهتمام باللّغة العربيّة، والأهداف المسطّرة من التّناول، ونفهم المتغيّرات التي حدثت في العالم، فدفعت إلى هذا المسار. مهما تكن هذه التّفسيرات والتّحليلات والاستنتاجات والتّقديرات, فإنّ هذا يبقى مؤشّرًا على الفرص المتاحة لانتشار اللّغة العربيّة، ودخولها العالميّة.
تناول الدّكتور في هذا المقال النّقط الآتية: العربيّة في أمريكا: مظاهر الاعتناء بها. التّوسّع في برامج اللّغة العربيّة. ازدهار تأليف كتب تعليم العربيّة للنّاطقين بغيرها. حوسبة العربيّة والاستثمار في إنتاج برمجيّاتها. إنشاء وسائل إعلام تستعمل العربيّة لغة لها. عقد النّدوات والمؤتمرات المتخصّصة باللّغة العربيّة. إنشاء رابطات وجمعيّات لمعلّمي العربيّة وباحثيها. تعلّم العربيّة في أمريكا: الأهداف والبواعث. العربيّة في السّياق الأمريكي: السّياق الاجتماعي، السّياق العلمي الأكاديمي، السّياق العسكري الأمني، السّياق التّربوي التّعليمي.
إلاّ انّه يجب الحذر والتّنبّه إلى هذا الحضور والوجود في هذه المؤسّسات، هل هما مؤسَّسان على قواعد صحيحة وسليمة من أيّ هدف مغرض؟ ومن أيّ ضرر يلحق بأصالة اللّغة العربيّة. هل الهدف مصلحي: تجاري؟ استهلاكي؟ القصد منه الإضرار باللّغة من باب من تعلّم لغة قوم أَمِنَ شرّهم، وَأَمَّنَ لهم الشّرّ، على طريقة جورج بوش الابن الذي أصدر ما يشبه الأوامر لتعلّم العربيّة لمحاربة الإرهاب والتّطرّف حسب زعمه. حصل هذا بشكلّ جدّي بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م، وبعد الغزو والإغراة على العراق ... وعلى نهج المغرضين الذين يدرسون الإسلام بعامّة والقرآن بخاصّة؛ لينقلبوا عليهما بتصيّد ما يزعمونه أخطاء ومخازي ومآسي فيهما؟ هل الغرض نبيل هو الإفادة من اللّغة العربيّة؟؟ علينا الحذر من فسح المجال، وفتح الباب على مصراعيه، والتّرحيب والتّهليل بكلّ مبادرة وخطوة لاحتضان اللّغة العربيّة، من أيّ جهة كانت، من دون تقويم هذه المبادرات، والنّظر فيها لمعرفة كيف فَسَحَت لها المجالَ، ولماذا احتضنت هذه اللّغةَ ...
يقول الدّكتور وليد العناني عن تصريح جورج بوش بشأن وجوب تعلّم الجنود والدّبلوماسيّين الأمريكيّين اللّغة العربيّة: "ولعلّ خلاصة التّصريح تتمثّل في قوله: كيف نربح معركتنا مع الإرهابيّين؟ وماذا نفعل تحقيقًا لهدفنا هذا؟ إنّ استراتيجيَّتنا تتمثّل في الوصول إلى أعدائنا في بلدانهم؛ لذلك ينبغي على جنودنا في الصّفوف الأماميّة أن يكونوا قادرين على التّكلّم بلغتهم، وأن يكونوا قادرين على الاستماع لهم في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، ليتمكّنوا من معرفة لغة هؤلاء الأعداء القتلة في مدنهم وقراهم لحماية الشّعب الأمريكي. إنّنا محتاجون إلى ضباط أذكيّاء يستطيعون أن يفهموا ما الذي يريده متحدّث ما، عندما يتكلّم العربيّة أو الفارسيّة أو الأرديّة. ونحتاج دبلوماسيّين يقنعون الحكومات بمشاركتنا جهودنا في مكافحة الإرهاب بلغتهم هم. إنّ شعبنا يتوقّع منّا النّجاح، وأن نكون حكيمين في استثمار مصادرنا، والاستثمارُ الجيّد لمصادرنا الآن يتمثّل في تعليم هذه اللّغات (وأهمّها العربيّة) , من الرّوضة إلى نهاية الصّفّ الثّاني عشر، وفي جامعاتنا. علينا أن نشجّع متكلّمي هذه اللّغات للقدوم إلى بلادنا وتعليمنا كيف يتكلّمون لغتهم ... " (1)
الجزائر يوم الجمعة: 17 من ذي الحجّة 1430هـ
__________
(1) - المصدرالسّابق، ص: 316، 317. (1/59)
صفحة 58
04 من ديسمبر ... 2009م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
شروط التّنميّة والنّهضة باللّغة العربيّة (1)
تمهيد
__________
(1) - شاركت بهذا العمل في ندوة "التّخطيط اللّغوي في الجزائر"، المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر، ماي 2011م. نشر البحث ايضًا في مجلّة الثّقافيّة، مركز السّلطان العالي للثّقافة والعلوم، مسقط، سلطنة عمان. (1/60)
صفحة 59
اللّغة العربيّة مقوّم أساس في الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة، هي حاملة تراث، وناقلة معرفة، وحاضنة ثقافة ... أغنت البشريّة، وطوّرت مسارها، وطوّعت نشاطها، أسعفت الغرب – بخاصّة - بنهضته الحديثة في مجالات معرفيّة متعدّدة.
هي تتوفّر على طاقات وقدرات عالية، تمكنّها من تنميّة الفكر الإنساني، وتغذيّة الحضارة الإنسانيّة، وتطوير الحياة البشريّة. وقد أثبتت ذلك في عصور الازدهار، وحين كان أهلها وذووها أقويّاء بعزّتهم وكرامتهم.
هذه اللّغة التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في مسيرة الفكر البشري. تصاب اليوم بانتكاسات خطيرة، خسرت بها مكانتها وقيمتها، فلَحِقَتْ بمن ينتسب إليها أضرارٌ جسيمة، ونالت عجلةَ التّنميّة والنّهضة في أوطانها أعطالٌ وأعطابٌ، سبّبت تخلّفًا وتأخّرًا عن الرّكب، أَنْتَجا تبعيّة وانبطاحًا وذلّة وصغارًا، تعدّى الضّررُ إلى خارج محيط المرتبطين باللّغة العربيّة؛ نتيجة تعطّل جزء من مكوّنات العالم والبشريّة.
الجاني على هذه اللّغة هم – في الدّرجة الأولى – ذووها. وهم الضّعفاء والخاسرون. هي قويّة بذاتها، غنيّة في جوهرها، قابلة للبقاء والاستمراريّة للعطاء، متى عنِي بها، وأُقْدِرَت قدرَها. أعلن الكاتب الإسباني " كاميلو جوزي سيلا " الحائز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1989م، في تقديراته الاستشرافيّة عن اللّغات الإنسانيّة: " لن يبقى من اللّغات البشريّة إلاّ أربع، قادرة على الحضور العالمي، وعلى التّداول الإنساني، وهي: الإنجليزيّة، والإسبانيّة، والعربيّة، والصّينيّة." (1)
الخروج من هذه الوهدة، والتّخلّص من هذه الانتكاسة ممكن، وإرجاع اللّغة العربيّة إلى جادة الطّريق وسواء السّبيل ليس بالمستحيل، بشرط سلوك الأقوم والأحسن من الخطط والوسائل في سبيل ذلك، واستصحاب الحكمة في التّفكير، والأناة في التّدبير، والتّحلّي بالشّجاعة في اتّخاذ القرارت، والتّسربل بالإرادة والعزيمة في التّنفيذ، والتّحلِّي الصبر ذريعة في التّحرّك ... إنّه لن ينجح أيّ مشروع ولن يفلح أيّ تخطيط، ولن يثمر أيّ تفكير، ولن ينتصر أيّ تدبير ... ما لم تُفقَه الحقائق الدّامغة الواضحة، ولم تُعالَج المشكلات المعيقة، ولم تُواجه التّحدّيات المثبّطة ... إنّ كلّ هذا ممكن؛ لأنّه كما يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان: عند توفّر الإرادة يكون المستحيل ممكنًا، وعند فقدانها يكون الممكن مستحيلاً.
في هذه الصّفحات نحاول تقديم تصوّر لما يجب فعله لتوفير البيئة الصّالحة لتقوم اللّغة العربيّة بعمليّة التّنميّة، وصنع النّهضة، وفعل ما ينتج حضارة ... يكون هذا العرض في نقاط مركّزة. إنّي أرى أنّ هذا ما يجب أن يتمّ أوّلاً، ثمّ تأتي الخطط التي تقترح ثانيًّا. فنحن في حاجة إلى ضمان الوعي بما يُعرَض، والاقتناع بما يُقدَم عليه، بعد معرفة الحقائق التي تكشف عن قيمة ما نتعامل معه، وفقه ما هو واجب علينا القيام به بالشّكل الحسن. فإثارة الوعي بدور اللّغة يثمر التّعامل تعاملاً، يرقى بالطّموح الذي يسكن قلوب العاملين المخلصين إلى درجات عالية من النّجاح، ويرتفع بالعمل إلى مستوى المسؤوليّة الكاملة المنوطة بمن يكون في المضمار، يسعى للقيام بالتّنميّة والنّهضة باللّغة. هذه بعض الحقائق في الموضوع.
بعض الحقائق عن اللّغة
__________
(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، " الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب: مستقبل الّثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1998م، ص: 321. (1/61)
صفحة 60
ـــــــ إنّما الحضارة لغة، " اللّغة هي أضخم عمليّة حضاريّة تنشئ الحضارة، وتتمثّلها وتعبّر عنها، وهي ذات رصيد حضاري، لا حدود له، ولهذا فإنّ نموّ لغتنا وازدهارها وقيامها بدورها الفكري، هو معلم بارز من معالم حياتنا الحاضرة، وطريق أساسي من طرق بناء المستقبل." (1)
ــــــــ باللّغة يفكّر الإنسان ويتعلّم. إنّها هي التي: " تقود عقله وتوجّهه، وبها يستدلّ على السّلوك القويم مع الآخرين، وهي فضلاً عن ذلك تحفظ التّراث الثّقافي للمجتمعات، فهي إذن منظِّمة للعلاقات الاجتماعيّة، ووسيلة التّعامل والتّعاون بين أفراد المجتمع، وأهمّ أدوات الحفاظ على كيانه، ويتبع ذلك أنّها العامل الأوّل في انتشار الثّقافة وتداولها في المجتمعات المتحضّرة، وأنّها من أهمّ مقوّمات الحضارة الإنسانيّة." (2) أي هي أداة للتّفكير، وتلقّي المعرفة.
ــــــــــــــــ يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة أداة أساسيّة في حركة المجتمع، وعامل فعّال في تهيئة تطوّره المستقبلي. " (3)
ـــــــــ " إنّ عبقريّة الإنسان لا تتجلّى في شيء كما تتجلّى في لغته التّداوليّة المكتسية بالأمومة." (4) فإذا كانت الأمّ تقوم بمهمّة تنشئة الوليد على النّموذج الذي يطلبه المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد الصّغير؛ ليكبر على الأصول والمبادئ التي تشكّل شخصيّته الحقيقيّة، فغدَت مدرسة يتخرّج فيها أفراد المجتمع، فإنّ للّغة الوظيفةَ نفسَها في تخريج الأفراد على الفكر الذي ينتمون إليه. يعني هذا أنّ الهويّة مرتبطة كلّ الارتباط باللّغة، قيل كلّ شيء، كالعرق والوطن والدّين والأرض. لذا كانت مهمّة اللّغة خطيرة، فلابدّ أن تتوفّر لها الشّروط الضّروريّة كي تقوم بدورها أحسن قيام. من هذه الواجبات أو الأدوار المنوطة باللّغة النّهوضُ بالمجتمع والتّنميّة، التي تسهم في بنائه على أسس صحيحة، وتقوم على ازدهاره وتقدّمه. فهذا دور كبير وخطير، تضطلع به اللّغة.
هناك شروط يجب أن تتوفّر حتّى يتحقّق القصد، وينال المرغوب، ويحصل المطلوب. هذا ما نذكره في الصّفحات الآتيّة، قبل ذلك نمهّد للموضوع، ونقدّم مجموعة أفكار أو آراء تكون كالآتي:
ــــــــ تتقدّم اللّغة العربيّة بتقدّم أهلها، وتتخلّف بتخلّف أصحابها.
ــــــــ اللّغة هي الأداة الفعّالة في تحريك المشروعات الثّقافيّة والحضاريّة، فاللّغة فكر وإبداع. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة سلاح حضاري بأيدينا، فإذا ما زهدنا فيه انقلب علينا، وغدا الرّامي مرميًّا، والقنّاص فريسة." (5)
ــــــــ التحدّي للثّقافة يعدّ تحدِّيًّا للّغة، والعكس صحيح.
ـــــــــ اللّغة أساس التّنميّة الفكريّة والماديّة.
__________
(1) - الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة، بحث في الإطار العام للموضوع"، ضمن كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، إصدار المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1990م، ص: 32.
(2) - الدّكتور جميل عيسى الملائكة، " اللّغة العربيّة ومكانتها في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة "، المصدر السّابق، ص: 123.
(3) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن العشرين، ص: 333.
(4) - المصدر السّابق، ص: 332.
(5) - المصدر السّابق، ص: 333. (1/62)
صفحة 61
ــــــــ لا حياة للغة غير منتجة للعلم.
ــــــــــ إنّ اتّساع اللّغة رهنٌ باتّساع النّشاط المعرفي العلمي في المجتمع. غياب هذا النّشاط يؤذي اللّغة، وبالتّبع يتَأذَّى المجتمع؛ بتخلّفه وتأخّره، وبقائه في الحضيض والدّرك الأسفل من الحياة. وهو ما يعيشه المجتمع حاليّا، أو على الأقلّ بقي بعيدًا من أن يتمكّن من القيام بتنميّة مفيدة، ونهضة منتجة نتاجًا حسنًا. فالتحق به ضرر كبير، قال عن هذا الوضع الدّكتور عبد القادر فيدوح: " ... كلّ ذلك الضّرر ناجم من أنّ إهمال اللّغة وقلّة الاطّلاع، وانحسار القراءة، والتّشبُّع بالمعلومة المسمومة، يؤدّي بالضّرورة إلى انغلاق الأفق وانسداد الرّؤية ... " (1)
ــــــــــ يتعزّز الشّعور الدّيني بالأداة المعبّرة عنه: " اللّغة والدّين هما المحدّدان الأساسيّان لهويّة أيّة أمّة من الأمم وانتماءاتها على مرّ التّاريخ، ويزداد هذان المحدّدان قوّة في ذلك إذا التحما في بوتقة واحدة، بحيث تكون اللّغة القوميّة، لجماعة بشريّة ما، هي نفسها لغتها الدّينيّة." (2)
ـــــــــ يقول محمد سويسي: " إنّما اللّغة أداة يكون لها من الصّلاحية والنّجاعة بقدر ما يكون لمستعمليها من الكفاءة والبراعة، وبقدر ما يكون زادهم العلمي أوفر، ومستواهم الثّقافي أعلى وأشمل." (3)
ــــــــ اللّغة هي التي تحمل من ينتمي إليها على الإبداع وإنتاج المعرفة.
ــــــــ لغة الشّعوب الخاصّة بها هي أقصر الطّرق إلى تقبّل المعرفة والعلم واستيعابهما وهضمهما، والإفادة منهما في الإبداع.
ـــــــــــ اللّغة كما تقول مها خير بك ناصر: منزل الكائن البشري، ومرآة فكره، وملجأ يؤكّد بها وجوده، وينطلق منها لتحقيق رغباته وآماله وطموحه. هذا ما يثبت الارتباط الوثيق بين اللّغة والفكر والثّقافة.
ــــــــــ امتلاك السّيادة الفكريّة أو الثّقافيّة، أو الاحتفاظ بها، منطلقه امتلاك سيادة اللّغة (الأمّ) في وطنها، وبين أهلها قبل كلّ شيء.
ـــــــــــ التّرجمة تقدّم مفتاحًا لكي تصبح اللّغة العربيّة منهج تفكير، إضافة إلى كونها وسيلة اتّصال، هذا ما يجعل منها أداة منتجة للعلم، ومتحكّمة في تقنياته.
هذه الحقائق وغيرها تبرز القيم الكبيرة والمهمّة التي تتوفّر عليها اللّغة، كما تُبين في الوقت ذاته عن العلاقة التي تربطها بمن ينتمي إليها، وتكشف عن مسؤوليّتهم في السّير بها في المضمار الصّحيح، والذّهاب بها بعيدًا في سبيل التّنميّة والنّهضة والتّطوّر والازدهار، والتّقدّم بالمجتمع إلى المعالي والعوالي. هذه المرامي تتطلّب تخطّي العقبات، والتّخلّص من المشاكل والمعيقات.
__________
(1) - الدّكتور عبد القادر فيدوح، " رهانات اللّغة العربيّة في ظلّ العولمة "، كناب: العربيّة، الرّاهن والمأمول، المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر، 1431هـ/ 2009م، ص: 835.
(2) - أحمد الرّيسوني، " نداء من أجل العربيّة "، مجلّة إسلاميّة المعرفة، (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، السّنة الثّالثة عشرة، عدد: 49، صيف: 1428هـ/ 2007م، ص: 7.
(3) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 153. (1/63)
صفحة 62
التّخلّص من المشاكل والمعيقات
المشاكل والمعيقات التي تقف عقبات في طريق التّنميّة باللّغة كثيرة، يجب التّخلّص منها، نذكر منها:
ــــــــــ التّخلّي عن مظاهر التّبعيّة الثّقافيّة والتّسيّب الفكري، والتّرهّل اللّغوي.
ــــــــــ التّخلّص من الانهزام النّفسي، والابتعاد عن خلق عدم الثّقة بالذّات.
ــــــــــ الكفّ عن احتقار اللّغة العربيّة؛ فإنّ هذا ينذر بكارثة ضياع وتيه، ثمّ هلاك وفناء ...
ــــــــــ في ظلّ العولمة، وفي خضمّ ثورة المعلومات تتعرّض اللّغة العربيّة للتّهميش والتّحييد؛ نتيجة طغيان اللّغة الإنجليزيّة في كلّ الأصعدة.
ــــــــــ الانفكاك من هوس العولمة، التي تزرع في قلوب أبناء اللّغة العربيّة هواجس: أنّ لها إخفاقات كثيرة، لا تسمح لها بالقيام بأيّة نهضة؛ لأنّها لا تتوفّر على أيّة سمات الجودة، فلا يمكن التّعويل عليها في القيام من الكبوة. ذكر الدّكتور عبد القادر فيدوح بعض مظاهر هذا الهوس والخطل، وسرد بعض هذه الإخفاقات المزعومة:
ــــــــــ زوال صفة ثبات اللّغة العربيّة أمام اللّغات الحيّة,
ــــــــــ انتفاء القيمة الجوهريّة للّغة العربيّة في ظلّ العولمة.
ـــــــــ عقم الثّقافة العربيّة لا يشجّع على تبنّي اللّغة العربيّة وإحيائها.
ـــــــــ انقطاع الثّقافة العربيّة عن دوران الرّكب الحضاري، فانقطع بها حبل التّواصل.
ــــــــ عجز الوعي العربي عن تمثّل روح العصر والدّخول في الألفيّة الثّالثة.
ــــــــ عدم الإسهام في مشروع الحداثة، وانبتات التّواصل مع ما بعد الحداثة. (1)
ـــــــــ غُرِسَت في أذهان بعض النّاشئة فكرة، هي عبارة عن صورة نمطيّة: إنّ اللّغة العربيّة لغة عاطفة وشعر وقصص وخيال وأقوال، وليست لغة عقل وتحليل وعلم وطبّ وهندسة وأعمال ... بمعنى أوضح وأصرح: هي لا تصلح أن تكون لغة تنميّة ونهضة وتطوير للحياة ... فالتّنصّل منها والانفصال عنها ضرورة حياتيّة، ومطلب حضاري.
هذه اتّهامات خطيرةـ، وتقدير مغرض، وتقويم مضلّل، الهدف منه قطع الصّلة بين اللّغة العربيّة وأبنائها، ومنعهم من التّواصل مع العالم بها، وحرمانهم من الإسهام بها والعمل على النّهوض بالمجتمع العربي الإسلامي. (لغتهم التي تحمل هويّتهم، وتحتضن ثقافتهم، وتدفعهم إلى الإبداع والحضور في مسار التّطوّر والتّقدّم)، ومن بعدها دَعُّهُمْ إلى البقاء في دائرة التّخلّف والتّبعيّة دَعًّا.
__________
(1) - العربيّة، الرّاهن والمأمول، ص: 831. (1/64)
صفحة 63
تظلّ هذه الاتّهامات قائمة، ما دمنا قابعين في دائرة الكسل عن القيام بواجبنا نحو اللّغة العربيّة، وما بقينا قانعين بالوضع الذي نحن عليه، وبما نعيشه ونحياه، ومقتنعين بهذه الأحكام المقرّرة عن لغتنا ... لذا بجب دفع هذه الشّبهات، وردّ هذه الاتّهامات، وتصحيح هذه المفهومات، وأداء ما علينا على لغتنا من واجبات. فما هو الواجب عمله؟
واجبات يفرض علينا القيام بها
ــــــــ تقويّة الشّعور الدّيني بالأداة المعبّرة عنه، وهي اللّغة العربيّة.
ــــــــ الاعتراف باللّغة العربيّة مقوّمًا في بناء الشّخصيّة، وأداة مساعدة على الإبداع، وعنصرًا مساعدًا على مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي. وعاملاً في تنميّة الإبداع وتطوير الحياة.
ــــــــــ اتّخاذ العربيّة لغة البحث.
ــــــــــ البحث عن المبادئ والقيم التي تجعل من اللّغة العربيّة لغة معارف علميّة.
ــــــــــ إتقان اللّغة العربيّة في أوطانها، وممارستها في الأعمال العلميّة المتخصّصة. فإنّ إتقانها وممارستها في الأعمال العلميّة المتخصّصة مطلب فطري، وضرورة حضاريّة، لخدمتها وصيانتها وحمايتها، والارتقاء بها في ميادين التّفاعل الثّقافي. كما أنّ ردّ الاعتبار للعربيّة، المقوّم الأساس للشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة كفيل بفتح المجال أمامها للإبداع، وفي هذا ردّ الاعتبار للشّخصيّة نفسها.
ـــــــ يضيف الدّكتور شكري فيصل عنصرُا آخر، إلى ما سبق ذكره، (وهو إتقان اللّغة العربيّة في أوطانها وبين أبنائها). هذا العنصر يركزّ الانتماء والتّمسّك بالمقوّم الأساس في الشّخصيّة، ويربط بين الإبداع والإتقان والبيئة التي تدرج فيها هذه اللّغة، وتتأثّر بها وتتلونّ وتصطبغ.
في هذا التّوجيه يكون النّموّ السّليم للنّشاط المؤسَّس، والعمل الفعّال للتّنميّة والنّهضة: " إنّ العمل على اكتساب العربيّة في مواطنها وبين أبنائها هو أبرز ميادين العمل لخدمتها، واستمرارها وتحدّيها، وحين يؤمن قوم بلغتهم إيمانًا صادقًا علميًّا، وحين يمارسونها ممارسة سليمة، فإنّ ذلك أوّل مراحل الحفاظ عليها من جهة، وتمهيد الطّريق أمام تطوّرها من جهة أخرى، تطوّرًا ينبع من ثنايا الاستعمال والتّطبيق، لا من خلال التّهويمات النّظريّة." (1)
ــــــــــ إقحامها في ميادين العمل.
ــــــــــ تمكينها من ممارسة دورها الحضاري.
ـــــــــــ الالتفاف حول اللّغة العربيّة؛ حماسة لها، وحمايةً، وتطويرًا ...
ــــــــــ تفعيل مقوّمات اللّغة العربيّة.
ـــــــــــ إعداد علماء راسخين في مختلف حقول المعرفة، يخدمون اللّغة العربيّة خدمة شاملة.
__________
(1) - الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع "، كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 45. (1/65)
صفحة 64
ـــــــــــ إعداد مدقّقين لغويّين، ومراقبين في ممارستها وتوظيفها ... في كلّ المؤسّسات والهيئات، وفي المحيط الخارجي، يضمنون لها سيادتها وكرامتها، وحمايتها، حتّى تتمكّن من التّحرّك بأمان، وبعدها تتطوّر لتسهم في التّنميّة والنّهضة.
ــــــــــ تقريرها متطلّبًا إلزاميًّا للطّلبة في كلّ التّخصّصات في الجامعة.
ـــــــــ في مراحل التّكوين، وفي فضاءات الإعداد والتّهيئة والتّنشئة ... يجب تخصيص الحصص الكافيّة لتعلّم اللّغة العربيّة، والإلمام بكلّ المواد التي هي من مكوّناتها. إنّ ذلك كفيل بتحقيق النّموّ الفكري باللّغة العربيّة.
ـــــــــ إخراجها من بين جدران الأماكن المقدّسة، ومنحها الفرص لتسيح في الأرض بمختلف فضاءاتها، وتتصّلَ بكل المواقف في الحياة. تسير بكلّ حريّة في دروب الحياة المختلفة، فتصير صالحة، بل قادرة على توفير أسباب التّنمية والنّهضة ...
ـــــــــ تبسيط تعليمها وتسهيل تقديمها في مراكز التّكوين، ومؤسّسات التّعليم، والأوساط العامّة ...
ــــــــ توفير الوسائل الكافيّة لتعلّمها وإتقانها، ومعرفة خصائصها وأسرارها، وتذوّق جماليّاتها ... إنّ كلّ ذلك يعين على النّموّ الفكري والوجداني والنّفسي للمتعلّم، فينجذب إليها، ويرغب فيها، ويرتبط بها. يقول أيمن مصطفى حجازي عن اللّغة العربيّة هي: " ... أداة تعبيريّة طيّعة حيّة، تبلغ ذروتها حين يعمد النّاطقون بها إلى التماس الجمال الفنّي في تعبيرهم بها، وفي التّألّق والازدهار والقوّة والقدرة على مسايرة ركب التّقدّم في كافة الميادين." (1)
ـــــــ " إنّ التّصدّي لسهام العولمة أو التّيّار الجارف لكلّ شيء يقتضي منّا في بداية الأمر أن نتأكّد من صلابة تمسّكنا بانتمائنا إلى اللّغة العربيّة. " (2)
هذه ملاحظة مهمّة، إذ إنّ الإقلاع في كلّ موقف، وإلى كلّ اتّجاه، ونحو أيّ نشاط ... يجب أن يكون من أرض صلبة متينة، عبر تماسك في الكيان، وتمسّك بالثّوابت والقواعد ... هذه الصّلابة تعين على الوقوف أمام العولمة التي تريد أن تهين اللّغة العربيّة وتوهنَها، ثمّ تزهقَها ..
ــــــــ اقتحام المفكّر العربي حلبة الصّراع الفكري، وعدم البقاء في نقطة التلقّي والاستقبال، والانطلاق إلى المبادرة والمشاركة في الحراك الحضاري، والفعل الثّقافي، والحضور الذّاتي وفرض الأطروحات الخاصّة ...
ـــــــــ تحتاج اللّغة العربيّة إلى قرارات سياسيّة صارمة وحكيمة لجعلها في مقدّمة اهتماماتنا، ومحلّ تقديرنا واحترامنا ... وهو ما يدفع بنا إلى دفعها لتطوير الحياة، ونهضة المجتمع وتنميّة الطّاقات والقدرات ...
__________
(1) - أيمن مصطفى حجازي، " مستقبل اللّغة العربيّة ورهانها في ظلّ العولمة "، كتاب: العربيّة، الرّاهن والمأمول، ص: 785.
(2) - الدّكتور أحمد بوطرفاية، " اللّغة العربيّة وسهام العولمة "، العربيّة، الرّاهن والمأمول، ص: 771. (1/66)
صفحة 65
الخلاصة
اللّغة العربيّة مقوّم رئيس في هيكل الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة، تتوفّر على قدرات وطاقات وإمكانات، تمكنّها من تطوير المجتمع، وتنميّة مجالات الحياة المختلفة. وقد أثبتت وبرهنت على ذلك في عصور قوّة أهلها، وعزّة المنتمين إليها، وفي العهود التي كان أصحابها يؤدّون بها ما هي أهل لها.
هذه اللّغة مرّت بفترات ضعف ووهن وتقهقر، تسبّب فيها ذووها، فتكالب عليها الأعداء، وعقّها الأبناء، فرماها الفريقان بالعقم، وأنذراها بالفناء. وضيّقا عليها منافذ التّنميّة والنّهضة، وافتعلَا لها مشاكل ومعيقات ومثبّطات ... فعلى أصحاب اللّغة العربيّة إذا أرادوا – صادقين مخلصين – أن تقوم لهم بالتّنميّة المطلوبة، والنّهضة المنشودة أن يزيلوا من طريقها المعيقات، ويقوموا بما عليهم نحوها من واجبات. فهي مهيّأة ومؤهّلة لذلك، كما ذكرنا في العرض. إذا حصل هذا تكون الفرص سانحة للنّهضة والتّنميّة باللّغة العربيّة. هذا ما يجب الإيمان والاقتناع به، والانطلاق منه في العمل الجادّ المؤسّس للمجتمع المتطوّر.
نختم هذه الخواطر بمقولة للدّكتور عبد السّلام المسدّي، تثبت قاعدة مهمّة في مضمار التّنميّة والنّهضة: " ... ولا ثقافة بدون هويّة حضاريّة، ولا هويّة بدون إنتاج فكري، ولا فكر بدون مؤسّسات علميّة متينة، ولا علم بدون حريّة معرفيّة، ولا معرفة ولا تواصل ولا تأثير بدون لغة قوميّة، تضرب بجذورها في التّاريخ، وتشارف بشموخ حاجة العصر، وضرورات المستقبل." (1)
باتنة يوم الخميس: 03 من جمادى الأولى 1432ه ... 07 من أفريل ... 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة باتنة
__________
(1) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن العشرين، ص: 349. (1/67)
صفحة 66
استلهام لغة القرآن يحفظ اللّغة العربيّة ويحمي الشّخصيّة
اللغة أداة مهمة للتّواصل ونقل الأفكار والعواطف، ووعاء لحفظ التّجارب والذّكريات، ومن ثمّ فهي وسيلة راقية لربط الصّلات بين البشر، لهذا فهي تؤدي وظيفة اجتماعيّة أساسيّة في حياة النّاس، تقرِّب بينهم؛ بما تقوم به من دور كبيرة في الكشف عن العالم الدّاخلي لكل فرد، والإبانة عن مشاكل المجتمع وهمومه، وعرض قضاياه. وبالجملة فهي تساعد على تقديم الوجه الحقيقي لكلّ أمّة. يقول الدّكتور عزّ الدّين اسماعيل:" ستظلُّ اللّغة دائما أوضح وأقوى وأدلَّ ظاهرة تتجمَّع فيها كلّ سمات الوجه الحضاري الذي تعيشه الأمّة. وليس مبالغة أن يقال: إذا أردت التّعرف على الإطار الحضاري لشعب من الشّعوب في زمن من الأزمان، فادرس لغته، وفي عروق اللّغة –إذا صحّ المجاز-يعيش العصر ... " (1)
إنّ الحياة النّفسيّة أجدر الجوانب بالتّعرف عليها؛ لأنّها هي التي توجِّه حياة الكائن البشري وتسيِّرها. ولهذا قيل عن اللّغة إنَّها:" رمز لحالات نفسيّة؛ هي مادة للفكر، فالصّوت اللّغوي وظيفة عقليّة، لها دلالتها على الكلام النّفسي الدّاخلي" (2)
لهذا فإنّ الفنّان أو الشّاعر مطالب بالتّعامل على أساس الكشف عن دلالتها، وما يمكن أن تقوم به من دور في نقل التّجربة الشّعوريّة المتجدّدة، باعتبار أنّ الشّعر هو:" استكشاف دائم لعالم الكلمة، واستكشاف دائم للوجود عن طريق الكلمة، ومن ثمّ كان الشّعر هو الوسيلة لغنى اللّغة وغنى الحياة على السّواء ... " (3)
لغة القرآن الرّاقية في دلالتها، القويّة في تعبيرها، تمتاز بمميّزات، لا تتوفَّر عليها أيَّة لغة معبِّرة أخرى؛ ممّا جعلها تتسنّم الذّروة في البلاغة والبيان. وقد فتحت لغة القرآن المجال واسعا للكتّاب والشّعراء لكيفيّة الاستفادة أو التّصرّف في أفانين القول، وأفادت طريقة التّعامل مع اللّغة وأساليب التّعبير عن الأفكار بواسطة الرّموز الموحية، وألهمت (1/68)
صفحة 67
الكتّاب والشّعراء ضرورة الالتفاف حول اللّغة العربيّة والاحتماء بها للمحافظة على الكيان والذّات، والابتعاد عن مزالق الانسلاخ والذّوبان والتّنكُّر للأصول.
من التّجارب التي يمكن الاستشهاد بها في هذا المجال تجربة الشّعر الجزائري، الذي استلهم القرآن الكريم في الأفكار والمعاني واللّغة والصّورة والرّمز والموسيقى، وبخاصّة إبّان معركة الدّفاع عن الذّات والشّخصيّة. فالدّارس لهذه التّجربة يمكن له أن يخرج بنتيجة واحدة وهي: إنّ الاقتباس من لغة القرآن ظاهرة بارزة في الشّعر الجزائري، بخاصّة في فترة ما قبل الاستقلال، والاهتمام باللّغة العربيّة كان سمة واضحة أيضا. السّؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي الأسباب والعوامل التي أدّت إلى وجود هذه الظّاهرة؟ وما هي الأهداف المتوخاة من هذا السّلوك؟
الأسباب متعدّدة، بعضها ذاتي يرجع إلى الثّقافة الشّخصية، وبعضها اجتماعي نفسي يرجع إلى الشّعور بالغربة الثّقافيّة في مجتمع عربي مسلم، وبعضها سياسي، يرجع إلى الظّروف العامّة التي كان يعيشها المجتمع؛ بسبب تصرّفات المستعمر في التّزييف والتّشويه ومحاربة الهويّة الوطنيّة، وطمس الشّخصيّة الإسلاميّة، وبسبب التّغريب الذي كان يدعو إليه دعاة الادماج والتّجنيس. وبعضها يرجع إلى واقع النّقد الأدبي الذي هو في علاقة جدليّة مع الحركة الشّعريّة.
1 ـــــــ عن السّبب الأوّل: فإنّ جلّ الشّعراء تعلّم في الكتاتيب والزّوايا، وفي مدارس الجماعات الإصلاحيّة، ومدارس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، التي كانت ثقافتها دينيّة قرآنيّة محضة، وعربيّة خالصة. كما مارس معظمهم مهنة التّدريس، وتعليم القرآن والحديث النّبويِّ وقواعد اللّغة العربيّة. وزاول كثير منهم مهمّة الوعظ والإرشاد في المساجد. فكانوا مع القرآن صباح مساء، يحفظونه ويلقّنونه ويفسّرونه، ويستنبطونه منه الأحكام، ومع القواعد يحفظون متونها، ويتنافسون في ذلك ... فكان لا بدّ أن يكون لهذا المخزون أثر في تعبيراتهم، ولهذا المحفوظ من القواعد والأنماط انعكاساته في كتاباتهم؛ لأنّ:" السّلوك اللّغوي الآلي ينمُّ عن وجود بقايا من القواعد التي تعلّمناها وحفظناها، حتّى أصبحت فينا عادات راسخة." (4) والشّاعر يكتب بوحي من الثّقافة التي تلقّاها في صباه، وترعرع فيها في شبابه، ووفقا لطبيعة الجمهور الذي يخاطبه.
2 - شعر هؤلاء الشّعراء بالغربة الثّافيّة في بلادهم؛ وقد كانت الثّقافة الدّينيّة ضعيفة: غلوّا في الجمود، أو إفراطا في التّحلُّل من الدّين، أو الدّعوة إلى الاندماج والتّجنيس والانقطاع عن الماضي والارتماء في أحضان المدنيّة الغربيّة، مع ضعف في اللّغة العربيّة؛ بسبب ما مرَّت به هذه اللّغة في فترات الجمود والانحطاط، وبسبب انعدام مراكز التّعليم والتّكوين أو قلَّتِها. (1/69)
صفحة 68
كان الشّعراء يحسّون بخطر داهم يهدِّد اللّغة العربيّة والإسلام بالتّبع، فعملوا على تدارك الأمر وإنقاذ المواقف، واتخاذ أيّة وسيلة في هذا المجال، فهداهم تفكيرهم إلى سلوك مسلك عملي، يتمثّل في محاكاة الأساليب البيانيّة العالية كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي الرفيع ... فكان الدّافع اجتماعيًّا دينيّا هو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، ونفسيًّا هو الخروج من الغربة، بمحاولة الارتباط بالأصول الحقيقيّة، والاغتراف من المنابع الصّافية.
3 - هذا السّلوك هو تعبير عن موقف سياسي تجاه مؤامرات المستعمر الفرنسي الهادفة إلى تشويه الثّقافة العربيّة، وطمس الشخصيّة الإسلاميّة؛ وذلك بمحاربة اللّغة العربيّة، واضطهاد المعلّمين، وعدّ من يعلّم العربيّة مجرما، مخالفا للقانون، يدان على جريمته.
كان الشّعراء قد فهموا من الهجوم على اللّغة العربيّة أنّ ذلك محاربة للهويّة الإسلاميذة، وللانتماء العربي، لهذا قاوموا هذا التيّار، الذي كان يرمي إلى الإنقاص من قيمة اللّغة العربيّة، ويعمد إلى قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها، فكان الرّجوع إلى القرآن ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّارية من أجل البقاء. لهذه الاعتبارات كان موقف الشّعراء - وهم يستنجدون بلغة القرآن، ويولون الاهتمام للغة العربيّة- موقفا سياسيًّا؛ فيه الدِّفاع، وفيه الحماية. قال الدكتور محمد ناصر:" ... وما من شكٍّ في أنّ الحفاظ على اللّغة العربيّة في الإنتاج الفكري والأدبي، كان هدفا من أهداف الحركة الإصلاحيّة. فإنّ هذا الموقف لم يكتسب بُعدًا ثقافيّا واجتماعيّا أو دينيًّا فحسب، وإنَّما اكتسب أيضا بُعْدا سياسيًّا. فقد كان الحرص على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحةً نقيَّةً جزءًا من الحرص على المقوِّمات الاساسيّة للشّخصيّة الجزائريّة أمام أفواج الفرنسة والمسخ." (5)
4 - العامل السّابق أدّى إلى ظاهرة أخرى هي الاهتمام باللّغة العربيّة من حيث هي تراكيب وصيغ معدّة للتّعبير، وعدّها قواعد، يجب أن تتقن، حتَّى يوضع حدّ للفوضى اللّغويّة، التي كانت سائدة، والتي أدّت إلى تشويهها، بسبب عدم التّمكُّن من ضبط قواعدها، فصعَّب ذلك من مهمّة تعلّمها، فعزف عنها النّاس؛ ممَّا حدا بالنّقاد إلى فرض صرامة شديدة على الكتابة الأدبيّة، وممارسة نقد مسلّط أساسا على المادة اللّغويّة. كانوا مهتمِّين بتصحيح الاخطاء اللّغوية: نحوا وصرفا وبلاغة ... وكانوا حريصين على تقديم نماذج للاستغلال الحسن للّغة، التي لا تتوفَّر – في نظرهم- إلّا في القرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي القديم.
هذه الطّريقة التي التزمها النّقاد انعكست على نتاج الشّعراء؛ فصبوا هم أنفسُهم اهتمامهم على اللّغة والأساليب، يختارون منها الجزلة القويَّة، مع محاولة تجنُّبِ الوقوع في الأخطاء اللّغويّة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ فقصدوا المنابع الأصيلة، وعلى رأسها القرآن الكريم. (1/70)
صفحة 69
مجمل القول: إنّ الشّعراء الجزائريّين حين اغتنوا باللّغة العربيّة، وحين اقتبسوا من أغنى مصدر لها، هم في الحقيقة كانوا يحاولون التّعرّف على ذواتهم وإِنياَّتهم، وكانوا يصرّون على إنقاذ شخصيّتهم العربيّة الإسلاميّة من براثن الاستعمار والباغي الدّخيل، الذي يريد استلاب الثّقافة الإسلاميّة، وإذابتها في بوتقة الحضارة الغربيّة.
بهذا يتبيذن أنّ اللّغة العربيّة هي أفضل الوسائل لمعرفة حقيقة الشّخصيّة الإسلاميّة. إنّها الوعاء الذي يحفظ مقوِّماتها، بل هي كما يقول محمد المبارك:" فرضت علينا من حيث نشعر ولا نشعر قوالب فكريّة، ومفاهيم وآراء وعواطف. فهي البيئة الفكريّة التي نعيش فيه، كما نعيش في أرضنا بجبالها وسهولها وصحرائها وغيطانها، ولا شكّ انّ البيئة الفكريّة أشدّ أثرًا من البيئة الأرضيّة في العقول والنّفوس." (6)
هذه تجربة الشّعر الجزائري في المحافظة على اللّغة العربيّة، وإحيائها في النّفوس، ونشرها في الكتابة صحيحة سليمة، وفي ردّ الاعتبار لها، وإحلالها مكانها الحقيقي اللاّئق بها. كلّ ذلك كان عن طريق الاقتباس من القرآن الكريم.
ألا يمكن سلوك الطّريقة نفسها في زمننا الحاضر، إذ أنّ اللّغة العربيّة تتعرَّض لكثير من المخاطر التي تعرّضت لها قبل سنوات، حين كان الاستعمار متسلِّطًا على رقاب المسلمين، متحكِّمًا في فكرهم وعقيدتهم ولغتهم وأدبهم. فما تزال اللّغة العربيّة تتلقَّى الضَّربات تلو الضّربات، من أبنائها ومن غيرهم، توصف بأنها عقيمة، تُهمّش في الأحاديث اليوميّة، تُشوّه في الكتابات، تّذَلّ في المنتديات العامّة، يُزهَّد فيها النّشء، تُحجَّم في المناهج الدّراسيّة، يُعتدَى عليها وعلى قواعدها في وسائل الإعلام ... فهي تشعر بالإهانة في دارها، وتحسّ بالغربة بين أهلها.
لعلّنا لو وقفنا على ما كانت عليه اللّغة العربيّة في الجزائر إبّان الاستعمار الفرنسي، وعرفنا كيف تعامل معها الشّعراء بخاصّة، وكيف وظّفوا القرآن في سبيل إنقاذها وإنقاذ الأجيال من الاستلاب الثقافي، ومن الضّعف اللّغوي، واقتفينا أثرهم لحفظنا لغتنا وثقافتنا من هذه الاعتداءات، وحافظنا عليها مقوّمًا لشخصيّتنا، وملهمًا مهمًّا لإبداعاتنا وتفكيرنا. (7)
والله ولي التّوفيق.
الهوامش
1 - الدّكتور عز الدّين اسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنيّة والمعنويّة، ص: 175.
2 - الدّكتور محمد غنيمي هلال، النّقد الأدبي الحديث، ص:33.
3 - الشّعر العربي المعاصر، ص:174.
4 - الدّكتور حنفي، ابن عيسى، محاضرات في علم النّفس اللّغوي، ص:294. (1/71)
صفحة 70
5 - الدّكتور محمد ناصر، الشّعر الجزائري الحديث اتّجاهاته وخصائصه الفنّية، ص:294.
6 - محمد المبارك، عبقريّة اللّغة العربيّة، ص:05.
7 - ينظر كتابنا: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث.
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
دفع وهم شائع وردّ اتّهام ذائع!!
هناك وهم شائع من المتعلّمين بأنّ اللّغة العربيّة أصبحت ليس لها أيّ دور في الحياة المعاصرة، فالعلم والمكتشفات الحديثة تحتلّ المكانة الأولى، بينما اللّغة العربيّة لها دور ثانوي. كيف تردّ على هذه المقولة؟ (1)
أوّلا إنّ السّؤال يتضمّن مغالطة خطيرة، تتمثّل في الفصل بين اللّغة العربيّة والعلم والتّكنولوجيا والمكتشفات، وكلّ ما هو تقدّم وتطوّر، بمعنى إفراغ اللّغة العربيّة من أيّة قيمة، وأيّة فائدة. إنّ هذا اتّهام خطير، وتزييف للحقائق، وتجاهل لتاريخ هذه اللّغة، وإنكار لدورها الكبير في الحركة الفكريّة الإنسانيّة. هذه اللّغة تعلّمت منها أوروبا، الني أصبحنا اليوم عالة عليها، هذه اللّغة قال عن أصحابها جورج سارطون " في كتابه " الثّقافة الغربيّة في رعاية الشّرق الأوسط " لقد أنقذت النّهضة العربيّة العباسيّة أوروبا في القرون الوسطى".
بماذا أنقذتها؟ أنقذتها بعلومها، ومكتشفاتها وتكنولوجيّتها. ولم تكن هذه المكاسب العلميّة تسجّل إلاّ باللّغة العربيّة. أوروبا أيضا كانت تعتمد جامعاتها في الطّبّ إلى أواخر القرن السّادس عشر على كتاب القانون في الطّبّ للشّيخ الرّئيس ابن سينا.
هذه اللّغة هي التي أنتجت أبا بكر الرّازي الذي قيل عنه:" كان الطّبّ معدوما فأوجده جالينوس، وكان ناقصا فأتمّه الرّازي ". هذه اللغّة هي التي أسهمت في الميلاد العلمي لجابر بن حيّان المتفوّق في الكيمياء، الذي سبق لافوازييه الفرنسي، الذي تنسب إليه نظريّات كثيرة في الكيمياء، فلقّبوه بأب الكيمياء، بينما هذا اللّقب يستحقّه جابر بن حيّان قبله. ولا ننسى ابن الهيثم والخوارزمي وغيرهم، ممّن أبدع في مجال العلوم والرّياضيات ... ولم تكن اللّغة التي أبدعوا بها سوى اللّغة العربيّة. هذه اللّغة التي أنتجت علماء كبارا عظاما، جعلت المستشرقة الألمانيّة " زيغريد هونكيه " تقول في كتابها " شمس العرب تسطع على الغرب ": إنّ أعلم
__________
(1) - هذا سؤال ورد إليّ في كليّة التّربيّة بنزوى (سلطنة عمان)، ضمن رسالة أرسلتها إليّ طالبة، لمّا كنت مدرّسًا فيها .. (1/72)
صفحة 71
علماء أوروبا في القرون الوسطى لا يصلح أن يكون بوّابا لإحدى مكتبات بغداد. الفترة التي تشير إليها الكاتبة الألمانيّة، هي عصر الدّولة العبّاسيّة ..
هذه اللّغة أنتجت علماء كثيرين، لم يجد " ويل ديورانت" صاحب كناب " قصّة الحضارة " كيف يحصيهم عددا، أو يعدّهم عدّا، إلاّ أن يقول: إنّ عدد العلماء المسلمين لا يقلّ عن عدد الأعمدة الموجودة في كامل المساجد الممتدّة بين سمرقند بآسيا الوسطى إلى قرطبة في الأندلس ...
هذا الإرث العلمي الكبير، وهذا الإبداع العظيم لم يحصل، ولم يكتب إلاّ باللّغة العربيّة. فماذا يقول من للحقائق يدابر, ومن للحقّ يكابر، ومن بالمشاعر يتاجر؟ إنّ اللغّة العربيّة لم تكن عاجزة عن الاكتشاف والإبداع، ولن تكون قاصرة عن احتلال الصّدارة في التّطوير والاختراع، ودفع حركة الابتكار إلى الأمام باعا بباع. وقد صدق الشّاعر حافظ إبراهيم حين قال عن اللّغة العربيّة:
وسعتُ كتاب الله لفظا وغاية ... وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحرُ في أحشائه الدّرّ كامنٌ ... فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟
إنّ اللّغة العربيّة لم يكن لها دور ثانوي في الحركة العلميّة، بل كان لها الفضل الكبير في التّقدّم العلمي. لكنّها اليوم أصبحت تتمتّع بالفشل في إحراز الفضل، وتوفير الازدهار والتّقدّم، لا لعجز فيها، ولا لقصور في طبيعتها، ولكن لضعف حامليها، ووهن حاميها.
فحين ضعف فينا الحافز الإيماني لتعلّم اللّغة العربيّة، وحين فقدنا الوازع القومي للدّفاع عنها، وحين تكرّست فينا روح التّبعيّة، وحين سَكَنَنَا هاجسُ الخوف من الغول المسيطر على حياتنا, وحين َرِكَبْتَنا عقدة سحب الثّقة من إمكاناتنا وقوّاتنا، وحين انطلت علينا مؤامرة الاستسلام للواقع المفروض علينا، وأنّنا لن نستطيع الانفصال عن اللّغات الأخرى، التي تملك زمام تسيير الحياة كما تريد؛ انطلاقا ممّا تتوفّر عليها هذه اللّغات من القوّة والمميّزات الغنيّة، وهو ما تفقده لغتنا المظلومة، وحين تخلّى مسؤولونا عن فسح المجال للّغة العربيّة كي تبرز بمستوى القوّة التي تملكها، في المحافل العامّة، وتقاعسوا عن توفير الإمكانات الضروريّة كي تبدع وتسهم في المجالات العلميّة، وحين فتحت الأبواب على مصاريعها للّهجات المحليّة كي تزاحم اللّغة العربيّة في احتلال مكان الاهتمام في نفوسنا،، وحين صوّرنا لأبنائنا – بتصرّفاتنا وسلوكنا – أنّ اللّغة العربيّة قد ولّت وأدبرت، من خلال إعلامنا، ومناهجنا وبرامجنا المختلفة، ومن خلال تربيتنا التي تعاني خللا كبيرا في تجسيد حقيقة فلسفة الأمّة التي ننتمي إليها. وحين حرمنا ناشئتنا من معرفة تاريخ هذه اللّغة في أوج ازدهارها، وضيّعنا عليهم فرصة الاطّلاع على إنجازات هذه اللّغة في المجال العلمي والتّكنولوجيا؛ حتّى يكون لهم ذلك حافزا لاسترجاع الثّقة بأنفسهم، ولمعرفة ما يكمن في لغتهم من عناصر القوّة ... وحين تخلّى (1/73)
صفحة 72
مسؤولونا عن إيجاد الجوّ الملائم لشبابنا الذي يرغب في الإبداع والاختراع بلغته. وحين ربطناه يفكر غيرنا من خلال التّعلّم بلغة تحمل أفكارا قد تكون متناقضة مع فكره، والفكر يتأثّر باللغة التي يكتب بها، وقد قال المفكّر الفرنسي "دو لا كروا " " إنّ الفكر يصنع اللّغة في الوقت الذي تصنع فيه من طرف اللّغة " ...
حين وقعنا في هذه الأخطاء، برزت نتائج خطيرة، جعلتنا عالة على غيرنا، وأبقتنا إمّعيّين تابعين له محتاجين؛ لأنّه أصبح هو الذي ينتج لنا ما نحتاج إليه لنسيّر حياتنا، ولذلك لا نستطيع أن نضمن هذه الحاجات إلاّ إذا تعلّمنا بلغته هو، وليس باللّغة العربيّة، من هنا ترسّخ في أذهاننا وعقول أبنائنا أنّ اللّغة العربيّة ليس لها إلاّ دور ثانوي في حياتنا.
إنّ هذا وهم كما ورد في السّؤال، لن يزول حتّى نغيّر نظرتنا إلى اللّغة العربيّة، ونغيّر علاقتنا بها؛ فيغيّر الله ما بنا من وهن وضعف وعجز .. وَلْنُرَدِّدْ مع حافظ إبراهيم:
إلى معشر الكتّاب والجمعُ حافل ... بَسطتُ رجائي بعد بسط شكاتي
فإمّا حياة تبعث الميت في البلى ... وتنبت في تلك الرّموس رفاتي
وإمّا ممات لا ... قيامة ... بعده ... ممات لعمري لم يُقَسْ بممات
أنهي هذه الخواطر بما قاله الشّاعر مفدي زكريّاء:
واتّقوا الله في العروبة والفصـ ... حَى، فكم صوّبوا إليها النّبالا
لغة العزّ والكرامة والمجـ ... ـدِ، تَهادى على الدّهور اختيالا
تتحدّى العصر الجديد، وتغزو ... أفق الفكر، قوّة ... وكمالا
كم رماها ذوو الجهالة، بالعقـ ... ـم؛ سفاهًا وخسّةً و ضلالا
مسخوها، وشوّهوها انتهاكًا ... وابتغوها سخافة وابتذالا
جهلوها فأنكروها، طعم الـ ... ماء مرّ لِمنْ يَئِنُّ اعتلالا (1/74)
صفحة 73
واسترقّ المستعمرون عقولا ... يوم شدّوا عن البلاد الرّحالا
باقيات عيونهم راصدات ... في حمانا، تصلى البلاد وبالا
أنزلَتْ بالنّفوس وهْما وشكًّا ... وأشاعت في النّاشئين انْحلالا
ذلّ شعبٌ لَمْ يتّخذ لغةَ الأجْـ ... ـداد، حصنًا، ورام عنها انفصالا
وعقوق البنين أعظمُ خطبٍ ... يرهق الشّعب ذلّة ونكالا
والله وليّ التّوفيق
نزوى يوم الثلاثاء: 10 من شعبان 1424ه
07 من أكتوبر 2003م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كليّة التّربيّة بنزوى، سلطنة عمان (1/75)
صفحة 74
بسم الله الرّحمن الرّحيم
عذْرًا أُستاذي ورجاءً .. !! (1)
كتبت لي طالبة في ورقة الإجابة في الامتحان العبارة الآتية: " أستاذي راعني في التّصحيح، فإنّي في المرحلة الثّانوية كنت أدرس في القسم العلمي، وأنا أجد صعوبة في الأدب العربي".
فَحْوَى هذه العبارة أنّ الطّالبة تعاني ضعفًا في اللّغة العربيّة التي تدرس بها في قسم اللّغة العربيّة التي تنتمي إليه. وتشكو وهنًا في اللّغة التي تتّصل بِها بسبب. ودلالتُها أنّ الذي يدرس ويتعلّم علومًا غير مادة اللّغة العربيّة غير مَعْنِيٍّ بإتقان لغته القوميّة، وغير مطالب بالاحتفاء بأحد مقوّمات شخصيّته. والشّيخ ابن باديس يقول: " إنّ التّهاونَ والخطأَ في الهويّة والشّخصيّة الإسلاميّة يعدّ كفرًا."
تأمّلتُ عبارة الطّالبة، وتدبّرت عذرها، وتفحّصت رجاءَها وقرأت كلماتها قراءة متأنيّة متقطّعة ... فقلت في نفسي هل هانت على النّاس لغتُهم حتّى صاروا يطلبون الإعفاء عن إتقانها؟ هل ذلّت نفوسهم حتّى باتوا يعتذرون عن الاحتفاء بها؟ هل ضاقوا بها ذرعًا حتّى انقبضت قلوبهم عن تحمّلها؟ هل جفّ وجدانهم حتّى تنكّروا لها؟ وجفاء ذوي القربى أشدّ ضررًا وإيذاءً على النّفس من وقع الحسام المُصلَت.
لغتنا في أرضها غريبة، وبين أهلها مهينة، ومن القائمين عليها مهمّشة، ومن أقامها وضعها على أرض هشّة، لم تعد تجد من بنيها اهتمامًا ولا تقديرًا. بل وَصمُوها بالعقم، ووصفوها بالتّخلّف، وَوسَمُوها بالغريبة عن زمانها، وغير المنسجمة مع العصر ... إذن لا جدوى منها، فلترحل عن الوجود، ولتلبس الكفن ولتدخل قبرها، أو تركن في متحف حفظ التّحف القديمة. إنّ الزّمان المتقدّم لم يعد يتحمّلها، والعصر المتطوّر لا يطيق مُواكبتها، والتّقنيات الحديثة لا تنسجم معها، والمخترعات الجديدة لا تقبل بها وعاءً. والإدارات لا ترضى بها لغة للتّبليغ والتّواصل. والشّارع لا يبغي لها حضورًا. والسّاسة الكبراء لا يقبلون بها عنصر سيادة. والسّادة الفضلاء لا يرعون لها حرمة. والمحافل العامّة
__________
(1) - الطّالبة تدرس في قسم اللّغة العربيّة وآدابها، كليّة الآداب، جامعة باتنة، الجزائر .. (1/76)
صفحة 75
تستنكف من حضورها. والمجامع الخاصّة تستثقل وجودها ...
تجرّعت هذه اللّغة كؤوسًا من الهوان والإهانة والشّتم، وشبعت وتخمت من ألوان الضّير والظّلم والضّيم؛ حتّى تعقّدت، ونعتْ نفسها عند المتأخّرين، بعد ما كانت قد أينعت عند المتقدّمين، فردّدت على لسان حافظ إبراهيم:
رجعتُ لنفسي فاتَّهمتُ حصاتي ... وناديتُ قومي، فاحتسبتُ حياتي
رَمَْوني بعقمٍ في الشّباب فليتني ... عقمتُ فلمْ أجزعْ لقول عُداتي
لماذا كلّ هذا الجفاء لَها؟ لماذا كلّ هذا التّنكيل بها؟ لماذا كلّ هذا الإجحاف في حقِّها؟ لماذا كلّ هذا الإعراض عنها؟ لماذا كلّ هذا التفنّن في إذلالها وتهميشها وإبعادها عن حياة النّاس؟ لماذا كلّ هذا الكيد لها؟؟ ثمّ تلبيسها تهمة عدم قدرتها على العيش في عصر التّطوّر والتّقدّم، وعدم التّمكّن من الحياة في انسجام مع تغيّرات الزّمان وتحوّلات المكان ...
ألأنّها اللّغة التي حملت كتاب ربّ العالمين؟ أمْ أنّها اللّغة التي أثبتت جدارتها في زحزحة كلّ فكر دخيل هجين، لا يقوى على الصّمود والتّحدّي والتّمكين؟ ألأنّها اللّغة التي تطرد الرّداءة في التّفكير، والرّدّة في التّدبير، والتردّي في التّعبير؟ ألأنّها اللّغة التي صاحبت آخر الرّسالة النّاسخة لما سبقها، والمهيمنة على العالمين؟ ألأنّها اللّغة التي لم تستطع أيّة لغة أخرى أن تلحق بها قوّةً أصالةً ومرونةً وطواعيّةً للتّكيّف مع المتغيّرات، واحتواءً المستجدّات؟ ألأنّها اللّغة التي لم تقدر الضّفادع المنقنقة المزعجة في بِركها المتعفّنة أن ترتفع معها إلى مصاف عذوبة حوضها؟ فسُعِيَ إلى الكيد لها، كما تفعل المرأة القبيحة مع الحسناء الجميلة، حين لا تستطيع مجاراتها في زينتها وجمالها؟ ألأنّ هذه الأصوات زعانف لا تملك أصالة وانتماء واضحًا، فقامت ودبّرت وفكّرت وقدّرت وعبست ... ورأت أن لا سبيل إلى الإطاحة بهذه اللّغة سوى تشويهها والتّشويش عليها؟؟ ...
لقد كال المغرضون للّغة العربيّة، وكادوا لها كيدًا، واستوفوا في مكاييلهم، واشتطّوا في كيدهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وساعدهم على ذلك المنحرفون والمرجفون من أبناء اللّغة العربيّة المحسوبين عليها. ومظاهر الانحراف باللّغة العربيّة كثيرة، والانحراف عن سواء الفطرة، والانحراف بالعقل السّليم والتّفكير السّديد متعدّدة. نذكر بعضها:
إذا تقدّم شخص ليسحب مبلغًا من المال من بعض المراكز البريديّة، جُوبِهَ برفض طلبه أو يكونَ مكتوبًا باللّغة الدّخيلة، التي أذلّت الشّعب حقبًا من الدّهر كان مذكورًا، وأَرَتْهُ ألوانًا من القهرِ. فصاحبُ الرّفض أو القرار يرى الشّهامة في ركوب قطار التّبعيّة والرّضوخ لمن قهر السّيادة، وحطّم الإرادة، وتسنّم في ذلك القيادة.
إذا فتح أحد دكّانًا رأى أنّ خير لغة تجذب له الزّبائن، وتضمن له الأرباح وتملأُ الخزائن، هي اللّغة التي لا تمتّ إلى القرآن والأصالة بسبب، فعليه أن يُهيّئ لافتة الواجهة، ويتفنّن في إعدادها وزخرفتها بغير لغته ولغة أجداده؛ لأنّها – (1/77)
صفحة 76
في نظره وببساطة – لغة لا تنفع في ميدان التّجارة، والتّجارة مهارة وشطارة، بينما لغة الدّخيل والمستعمر هي التي تمثّل قمّة الحضارة؛ لذا فهي عند التّفكير السّديد، والنّظر البعيد الأجدى، فهي تعطي أجرًا أوفر وحظًّا أوفى ...
إذا حلّت السّنة الجديدة، يتسارع النّاس ويتسابقون في إعداد هدايا من الأقلام والمفكّرات والمحافظ واليّوميّات وغيرها لتقديمها إلى الزّبائن والزّائرين والأصدقاء ... هنا يرى أصحاب الشّهامة والفخامة، والسعادة والسّيادة، أنّ الذّكاء والكياسة، والفطنة والسّياسة ... تدعو وترشد إلى اختيار الوسيلة المثلى للظّهور بالمظهر اللاّئق بالمقام، المشرّف للموقف الهمام، المتمثّل في اختيار اللّغة التي تسجّل على هذه الهدايا السّنِيَّة، وهذه البضاعة الغالية. طبعًا يجب أن تكون اللّغةَ الرّاقيةَ الرّائقةَ، الشّيّقةَ الأنيقةَ، وليست اللّغةَ الميّتةَ الوضيعة المهينةَ العتيقةَ ... تكون لغة موليير وفولتير، ولن تكون لغة الخليل بن أحمد وسيبويه وجرير. فلتكن اللّغةَ التي تذبح الأصالة، وتسلخ الهويَّة، وتبعد السّيادة وتهين الكرامة. وليست اللّغةَ التي تُبْقِي على المروءة والعزّة وتحفظ الشّهامة.
حين تريد الأمّ شراء ألبسة لأبنائها، عقلُها لا يرَى، وقلبُها لا يرضى، ونفسُها لا تهوى سوى الألبسة التي تحمل أمامها وخلفها وما بينهما الحروف اللاّتينيّة. فتلبسها أولادها، الذين يجوسون بها خلال الدّيار، ويجوبون الشّوارع، وينتقلون فيها بين النّاس، مبشّرين بمستقبل زاهر واعد بوأد الأصالة، ونسف المروءة، وقطع الصّلة بالأصول، مهلّلين بموقع جيّد حسن طيّب مريح للثّقافة الدّخيلة، التي أخرجها الآباء من الأبواب الضّيّقة، لتعود وتدخل من الأبواب الواسعة المفتوحة مع الأبناء البررة لتضحيّات آبائهم في سبيل استرجاع الكرامة، وحفظ الأصالة ...
إذا اقتنى بعضهم سيّارة فخمة أو وضيعة، كبيرة أو صغيرة، تجاريّة أو خاصّة ... يكبر عليه أن يهينها بكتابة حروف عربيّة عليها، فهو يرى في هذا التّصرّف المشين مساسًا بكبريّائه، ونيلا من حرمة سيارته. إنّ الذي يعرف قدرها، ويكافي مكانتها هو الحرف اللاّتيني المقدّس المبجّل، وليس الحرف العربي المعطّل ... وإذا ما أراد بيعها لجأ إلى لفظة: " A VENDRE " هكذا يكتبها بحروف بارزة، لتكشف عن عظمته وقدره. ويأنفُ أن يكتب عليها " للبيع " لأنّها لا تفيد في الرّيعِ. إنّها تحطّ من قيمته، وتعطّل له مصالحه.
إذا أقيمت تظاهرات كبيرة، ومهراجانات ضخمة، طُرِدَت اللّغة العربيّة من لافتات الإشهار شرّ طرد، ومنعت من البروز في الواجهات، وحُرمت من تَبَوُّؤِ مقعد لها في سير هذه التّظاهرات؛ لأنّها بصراحة أو بوقاحة لا يمكنها أن تنافس ضرّاتها من اللّغات الأخرى في امتلاك قلوب عشّاق الاغتراب والتّنكّر للأصالة، والاغتراف من المنهل المعادي للأصول. وهي ببساطة – أيضًا – لا تملك قوّة إرضاء من يأتون من بعيد لينحروا مروءتنا، وينخروا كياننا، وينشروا الميوعة فينا. فالذّكاء يقتضي اختيار الوسيلة المناسبة للموقف المناسب.
إذا تقدّم مسؤول ليحدّث النّاس والعالم باللّغة العربيّة، حمل معه معاول ليحطّمها، واصطحب معه فؤوسًا ليهشّمها، بما يأتيه من أخطاء فاحشة، وما يرتكب في حقّها من جنح وجنايات، في قواعدها وعباراتها وصيغها عشيّة وصباحا، فلا يرى في ذلك حرجًا ولا جناحًا. ولا يمكن أن يأتي بعشر معشارَ ذلك في لغة من أذلّ شعبه، وسلب سيادته، وهدّ كيانه، وأخذ لبّه.
إذا قدَّم عالم متكوّن، أو طبيب ماهر، أو مهندس قدير كلمة أو محاضرة أو نصيحة ... إلى جمهوره اعتذر له أنّه لا يحسن اللّغة العربيّة، فليعذره إذا حدّثه بلغة لا يفهمها ولا يرضاها ولا يقبلها تدخل بيته، بصورة السّالب أصالتَه، (1/78)
صفحة 77
والدّائس على كرامته. فيكون العذر أقبح من الذّنب. لقد غدا مثل هذا الاعتذار سمة جزائريّة، الجزائريّون فيه بدع من بقيّة الشّعوب العربيّة، أخذوا فيها شهادة تقدير، مع التّهنئة والشّكر والامتنان.
يعيش المرء منّا غريبًا في داره، بلغته التي يعتزّ بها ويفخر، وبلسانه العربي الذي إليه ينتمي، ومنه ينحدر. يصطدم في وطنه بتصرّفات غريبة وهو يتعامل مع أبناء جلدته وبني أرومته. ويُواجَهُ بأنواع من السّلوك التي لا يعيها العقل، ولا تقبلها الفطرة. فالشّارع لا يحسن اللّغة العربيّة، والإدارة لا تتقنها، والمؤسّسات الثّقافيّة لا تعتني بها كما ينبغي، ومراكز التّكوين لا تعلّمها كما يجب. والإعلام يقترف في حقّها جرائم وجرائر لا تغتفر. والأسرة لا تولي لها اهتمامًا. فلا عجب إذن أن تصل الطّالبة إلى أعلى محطّات التّعلّم وهي الجامعة، فتعتذر لأستاذها عن ضعفها في اللّغة العربيّة، وهي تنتمي إلى قسم اللّغة العربيّة، وترجوه أن ينظر إليها بعين الشّفقة والرّحمة، فيتجاوز عن زلاّتها، ويغفر لها ما تبديه من ضعف فيها، ويسمح لها بالنّجاح في الامتحان: امتحان إثبات الرّداءة، والدّوس على اللّغة، وامتحان الإسهام في القضاء عليها في وطنها، والتّخلّي عنها وعاءً للفكر، ومقوّمًا للشّخصيّة والكيان، وصمّام الأمان من الاستلاب؟ وأداة للتّوصيل والتّبليغ ... إنّ هذه الطّالبة تريد أن تكتب باللّغة العربيّة في اللّغة العربيّة بما ليس من اللّغة العربيّة. وهو منطق كثير من أبناء هذه اللّغة وقدرتهم وطاقتهم ...
إنّ اللّغة العربيّة هي هويُّتنا القوميّة. وهي عنوان شخصيّتنا، وهي معلم سيادتنا، ومؤشّر بقائنا وقوّتنا بمميّزاتنا وخصائصنا، واستقلالنا وحريّتنا؛ لذا يجب أن نعيد لها سيرتها الأولى في الغنى والقوّة والسّيادة والرّيادة والقيادة، والفعاليّة والنّفع وأخذ مكانها في مسار حركة تطوّر الفكر الإنساني. وأن نضمّها تحت جناحنا؛ لتخرج بيضاء من غير سوء في مضمونها، وطبيعتها وقيمتها ... وهو ما كانت تتمتّع به في زمن القوّة والازدهار والاستقرار.
يتطلّب منّا هذا اعتمادها في جميع مراحل التّعليم وتخصّصاته، وفي مختلف أجهزة الإدارة والإعلام والمصالح العامّة، وفي المجالات التي تحتكّ بها الجماهير وتتحرّك في نشاطها اليومي. هذه هي الإرادة والتّخطيط والسّياسة التي تضمن انتشار اللّغة العربيّة، واستعادة مكانتها، ودورها الرّيادي في الفكر الإنساني، وإسهامها الإيجابي في الحضارة الإنسانيّة كما كانت من قبل.
جاء في بيان عَمّان في الدّورة الأولى التي عقدها مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشّؤون الثّقافيّة في الوطن العربي، الذي نظّمته المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم: " وجوب العمل على تعميم استعمال اللّغة العربيّة لغةً للتّعليم في جميع مراحله، وبجميع أنواعه، وفي البحث العلمي، ووسائل الإعلام والثّقافة. باعتبار اللّغة العربيّة القوميّة هي أهمّ دعامة الوحدة. وهي الوعاء الصّحيح للثّقافة الأصيلة للأمّة. وإنّ أصالة التّفكير العلمي لا تترسّخ في الأمّة إلاّ من خلال لغتها."
فأين تطبيق هذا النّداء، وتجسيد هذا البيان، وتنفيذ هذه السّياسة في الواقع؟ وما هو دورنا ومسؤوليّتنا عن تردّي أوضاع اللّغة العربيّة في بلادنا في غياب التّكفّل الكامل بها؟ فلنعلم ولنفقه أنّنا مسؤولون شرعًا وطبعًا، وإنسانيًّا وحضاريًّا على الاحتفاء باللّغة العربيّة، وتوفير ظروف انتشارها واستعمالها في الحقل المعرفي، وتنمية الثّقافة الصّحيحة، وتطوير الحضارة الإنسانيّة. يقول الإمام أبو منصور الثّعالبي: " من أحبَّ اللهَ أحبَّ رسوله المصطفى صلّى الله عليه (1/79)
صفحة 78
وسلّم، ومن أحبّ النّبيّ العربي أحبّ العربَ، ومن أحبّ العربَ أحبّ اللّغة العربيّة، التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ العربيّة عُنِيَ بها، وثابر عليها، وصرف همّته إليها، ومن هداهُ اللهُ للإسلام، وشرحَ صدرهُ للإيمانِ، وأتاه حسن سريرة فيه. اعتقد أنّ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم خير الرّسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربيّة خير اللّغات والألسنة، والإقبال على تفهّمها من الدّيانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التّفقّه، وسبب إصلاح المعاش والمعاد."
نشير في الختام إلى ملاحظة مهمّة، تتعلّق بالجانب النّفسي للتّعامل مع اللّغة العربيّة، وتقدير حقيقتها، بما ينعكس على طبيعة العلاقة بين اللّغة والمنتمين إليها. هي إنّ التّرجمة عامل مهمّ في استيعاب المستجدّات في مختلف المجالات المعرفيّة للاستفادة من منجزات الثّقافات المختلفة. وهي تعين على تنمية الثّقافة العربيّة الإسلاميّة وإغنائها. لكن يجب التّنَبُهُ إلى خطر الاعتماد كليّة على ما يترجم من اللّغات غير العربيّة، وعلى الاقتصار عليها في التّدريس، دون إشراك اللّغة العربيّة في نشر العلوم والمعار، بما يكتب بها .. فإنّ ذلك يولّد عقدة بين أبنائها، بأنّها لغة لا تصلح للعلم، ولا تقوى على مواكبة التّطوّر. فيزهدون فيها، فيتّخذون منها موقفًا سلبيًّا، فيعزلون أنفسهم عنها: " إنّ الاعتماد على لغات أجنبيّة في نقل المعرفة العلميّة لناشئتنا، وتدريس العلوم والتّقنيّات في أغلب الجامعات العربيّة بلغات أجنبيّة، يعني عزل اللّغة العربيّة والثّقافة القوميّة العربيّة عن كلّ مضمون علمي، خاصّة وأنّ التّجارب قد أكّدت أن لا سبيل إلى تحقيق تقدّم جدّي في شتّى مجالات المعرفة خارج اللّغة القوميّة." (من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم, تونس. 1990م، ص: 12).
الجزائر يوم الثّلاثاء: 28 من جمادى الأولى 1429هـ
03 من جوان ... 2008م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كليّة الآداب، جامعة باتنة، الجزائر
واحسرتاه على بلدي الحببيب!!
يوم الجمعة يوم إجازة، يعمد فيه أحدنا إلى استغلاله فيما يعينه على كسر رتابة الأيّام التي يقضيها كامل الأسبوع في النّشاط المتواصل أو العمل المستمرّ، الذي يأخذ منه قوّته وجهده وتفكيره, ويرهق جسمه وعقله. فيعمد إلى تغيير نوع النّشاط اليومي الذي يقوم به. وتبديل الفضاء الذي يتحرّك فيه طول الأسبوع. حتّى يبعد العلل عن جسمه، ويطرد الملل عن نفسه، ويزيل الكلل عن عقله ... فينتعش في روحه، ويتقوّى في جسمه، ويتجدّد في فكره .. من أجل ذلك يخرج من مجال التّعب والنّصب، إلى فضاء المرح والرّاحة.
إنّ يومَ الرّاحة للاسترخاء، وتغيير الأجواء، وإراحة الأعضاء، والتّخلّص من العناء. هو يوم لإراحة الأعصاب، والابتعاد عن التّشنّج والاكتئاب، ونسيان الهموم والأوصاب.
هذا الحقّ مطلب حيوي، ومنهج سويّ في سلوك الإنسان؛ إذ به يوفّر لنفسه طاقة ليواصل العمل والنّشاط؛ فيزيد في الإنتاج، ويتقدّم في التّنمية، ويطوّر في العمل، ويحسّن في الأداء ... بعد الاستراحة القصيرة التي يأخذها وينتزعها من صخب الحياة وضوضائها، وأعبائها ورتابتها ... يعيشها في ظلال الهدوء والمتعة والرّاحة و ... (1/80)
صفحة 79
حلّ يوم الجمعة فخرجت مع أسرتي في نزهة وفسحة لنقوم بجولة في أحد معالم الحياة الجزائريّة الجديدة في العاصمة. المركز التّحاري " أرديس ". المعلم الذي منح الجزائر الغالية فرصة لتلتحق بركب التّمدّن والتّحضّر، والظّهور بمظهر يليق بمكانة العواصم الكبرى في العالم. نحن في الجزائر – والأسى والحسرة يملآن قلوبنا _ نقرّ أنّنا نفتقر إلى معالم تثبت أنّنا شعب متقدّم، وأنّ فضاءاتنا تملك مقوّمات الحضارة في الوقت الحاضر؛ لذا فقدت هيبتها عند أبنائها، ولم تَحْظَ بتقدير غيرها واحترامها.
جولتنا في المركز وما حوله أثارت وجدي، وحرّكت مشاعري، وهيّجت إحساسي، وملأت قلبي أسى وحسرة ... على ما رأيت وسمعت، وما شاهدت وعاينت ..
رأيت مساحة كبيرة فيها من المنتوجات، ما كان يخطر ببالي أنّ الجزائر تملك سوقًا كبيرة بهذا الحجم! وما كنت أدري أنّ في زوايا مراكزها هذا الكمّ الهائل من السّلع المتنوّعة! ولكن هالني وراعني أن أرى إنتاج بلدي مغيّبًا في هذا الفضاء؛ لأنّ أغلب البضائع المعروضة فيه مستوردة من شرق العالم وغربه .. فالعالم حاضر في أرض الجزائر، إلاّ هي فمغيّبة في أرضها، إذن هي تعيش الغربة في ترابها!!
كيف يكون مستقبل اقتصاد الوطن؟! كيف يمكن الاستثمار في مقدّرات الوطن؟! كيف تكون أفكار أبناء الوطن؟! كيف نضمن الاستمراريّة والوجود لهذا الوطن الكبير في خضمّ الصّراع على البقاء، الذي لا يكون إلاّ للأقوى في الإنتاج في كلّ الميادين؟! كيف .. وكيف؟؟
شاهدت مفارقات ومتناقضات ومنغّصات ومقلقات ومزعجات في هذا المركز. الجزائر بلد عربي، لكنّ العربيّة غائبة تمامًا فيه، فيما يعرض، وفيما يرى، وفيما يسمع ... عناوين المحلاّت والأجنحة مكتوبة بلغة من سلبنا حريّتنا، وسرق خيراتنا، وتطاول علينا، وأهاننا في الماضي، ويهيننا في الحاضر، ويريد أن يحطّم مستقبلنا. الإعلانات تقدّم بلسان من داس على كرامتنا، وأجهز على مقوّماتنا، وجعلنا مسلوبي الإرادة في التّحكّم في تدبير أمورنا، وتركنا نعيش التّذبذب في وضع رؤى واضحة لمستقبلنا، إلاّ ما يريد توجيهنا إليه. مثلا: إذا جئت لتعاين الأجهزة الإلكترونيّة، كالحواسيب وأجهزة الهاتف .. لا تجد حروفها وأرقامها إلاّ صارخة في وجهك وصاخّة في مسمعك: إنّ الكتابة لا تكون إلاّ بالحروف اللاّتينيّة، لا مكان في حياتك للّغة العربيّة: كتابة ونطقًا وسماعًا .. فكيف ينشأ ناشئ الفتيان منّا وفينا؟! أينشأ عربيًّا مسلمًا وطنيًّا؟ أم يكبر على ما تثمره لغة موليير وشكسبير؟؟
الأغاني التي تصكّ بها آذان الزّائرين والقادمين إلى المركز غربية الكلمات والألحان. فهل يراد للشّعب الجزائري أن يتحوّل إلى قبلة غير قبلة فكره؟ هل عقمت الجزائر من الألحان الأصيلة والمتجذّرة في أعماق ثقافتة، فيوجّه إلى سماع هذه الأغاني؟
الأحاديث التي تدور بين من هو بداخل المركز: زوّارًا وعمّالاً خليط وهجين من لغات مختلفة، تغلب عليها وتطغى الكلماتُ الفرنسيّة، وتظهر من بينها باحتشام كلمات عربيّة، أحيانًا مكسّرة في حروفها، مهشّمة في بنيتها .. هل اللّغة العربيّة غريبة عن هذا الوطن الحبيب؟! واحسرتاه على الأصالة والشّهامة والكرامة!! وَوَاأسفاه على العزّة والإباء والأنفة!! (1/81)
صفحة 80
من المسؤول عن هذا التّردّي والرّدّة والرّداءة؟! من هو الجاني على شخصيّة الجزائر، التي تأبّت على كلّ من حاول النّيل منها من غير أبنائها ونابِتَتِها؟ أتنالُ الذّلّ والهوان ممّن خرج من رَحمِها، فما رعاها ولا رَحِمها؟! إنّ ظلم ذوي القربى أشدّ غضاضة على النّفس من وقع الحسام المهنّد. وهل نقول: إنّ ما يحدث في السّوق هو من باب ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز: يُجلَب إلى السّوق ما يَنْفُقُ فيها؟.! أي السّوق تستجيب لمطالب روّادها. فما دام المواطن الجزائري يريد هذه الأشياء الموجودة في السّوق فلتيزوّد بها؛ ليقضيَ مآربه، ويبلغ أهدافه، ويحقّق مصالحه .. فلا معنى للتّفكير خارج هذا المجال، ولو على حساب الأصالة والهويّة ... واحسرتاه على هذا التّفكير وعلى هذا المعتقد والمنهج في الحياة!!
إنّ الجزائر الحبيبة ذات القدر الكبير في تاريخها وإمكاناتها الطّبيعيّة والبشريّة، ظلّت متأخّرة في المدنيّة الحديثة، وفي توفير الجماليّة لأبنيتها، والقيمة الحضاريّة لهياكلها. فالحدائق الجميلة المهيّأة التي توفّر المتعة والرّوعة والرّاحة للمواطنين غير متوفّرة. والمساحات الخضراء الموشّاة بالألوان الزّاهيّة التي تبعث الانشراح في قلوب المارّة غير موجودة. والمراكز التّجاريّة الكبيرة التي تتوفّر على مختلف حاجات النّاس المعاشيّة اليوميّة منعدمة ...
إنّ المواطن الجزائري يعيش غربة حضاريّة، وعزلة عن الحياة المريحة؛ بسبب غياب هذه الهياكل والمظاهر عن حياته في بلده. بينما يراها متوفّرة في بقيّة البلدان في العالم. يحزنه ذلك ويؤلمه، ممّا يجعله لا يحتفي ولا يقدر بلده حقّ قدره. واحسرتاه على وطن جليل في قدره، عريق في تاريخه، كبير في إمكاناته، جميل في طبيعته ... ولا يظهر ذلك في هياكله وأبنيته ومظاهر الحياة فيه!!
أنشئت في الجزائر بعض الهياكل الحضاريّة الضّخمة الجليلة، وبنيت بعض المعالم المدنيّة الجميلة، فاستبشرنا خيرًا، وهلّلنا وطربنا وانتشينا؛ لأنّنا حللنا عقدة عدم تمكّننا من مسايرة ركب التّطوّر الذي يسود العالم كلّه، حتّى الدّول التي تبدو صغيرة في حجمها ومكانتها. وفرحنا وسررنا؛ لأنّ التّخلّف والتأخّر اللّذين لازما حياتنا يكونان قد ذهبا إلى غير رجعة، ذَهَبَا مع من يريد أن تبقى الجزائر العزيزة في أسفل سافلين، كما ذهب الحمار بأمّ عمرو .. فقلنا: لا رجع البؤس واليأس والتأخّر، ولا رجع من كرّسه في الجزائر.
لكن سرعان ما أصبنا بانتكاسة وإحباط؛ إذ سقطت هذه الهياكل أرضًا واندحرت بأفعال من لا يرقبون في الله إلاّ ولا ذمّة. فعاثوا فيها فسادًا: تخريبًا لبنيانها، وتهريبًا لسلعها، ومساسًا بجمالها، وتعطيلاً لمرافقها .. فعادت الأمور إلى نصابها، والنّفوس إلى طبائعها ... فحرمنا من هذه المكاسب الحضاريّة الرّائعة في منافعها الماديّة والمعنويّة ... فقلت واحسرتاه على انعدام القيم والمقوّمات التي ترقى بنا إلى مصاف الدّول التي تحترم نفسها، وتحافظ على مكاسبها، وتطلب مزيدًا منها.
هذه الأشجان وهذه الأحزان ولّدتها في جَناني المظاهر التي مرَرْتُ عليها، أو مرّت بي في نزهتي التي قادتني إلى المركز التّجاري " أَرْديس" في يوم الرّاحة، وتهدئة الأعصاب، ونسيان الهموم، وطرد الغموم، وطرح الأتعاب. في يوم التّرويح عن النّفس، وتجديد النّشاط، والتّزوّد بالطّاقة النّفسيّة لمواصلة العمل الرّوتيني، والنّشاط الرّاتب كامل أيّام الأسبوع.
لا سامح الله الشّعور الحادّ، والحسّ المرهف، والضّمير اليقظ، والوجدان المتوتّر .. فكلّ واحد منه فعل في النّفس ما فعل، فأضاع عليّ فرصة الاستمتاع بيوم الرّاحة، وفوّت عليّ الإفادة من الجولة في يوم يختلف عن أيّام الأسبوع .. عفوًا!! بل شكرًا لله أن وهب لي الفرصة لأريح نفسي، وأزيح عنها الضّغط النّفسي بإخراج ما في القلب من كمد ممّا يحدث لوطني (1/82)
صفحة 81
الحبيب الجزائر من مؤامرات لسلخها من مقوّماتها، ومسخها إلى صورة مخالفة لحقيقتها، ونسخها إلى نموذج لا يخدم شخصيّتها .. فواحسرتاه على ما يدور في قلب الجزائر!! وواشكراه على ما سكن قلبي من الإحساس الطّيّب نحو البلد، الذي منح لي المجال لأخفّف عمّا في نفسي من وجد وكمد.
باتنة يوم الأربعاء: 22 من ذي الحجّة 1433ه
07 من نوفمبر ... 2012م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقترحات حول مشروع إنشاء كليّة تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها (1)
__________
(1) - طلب منّي تلميذي الوفيّ الدّكتور محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي (مدير تحرير مجلّة " الثّقافيّة ") تقديم مقترحات في مشروع إنشاء كليّة اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها، التي يزمع مركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلاميّة (مركز السّلطان قابوس العالي للثّقافة والعلوم حاليًّا) تأسيسها في منطقة (مَنَح) بسلطنة عمان .. فقمت بإعداد مسوّدة المقترحات, وأرسلتها إليه، وكان لها حظّ أن تؤخذ منها بعض العناصر والمقترحات .. أثبتّها في هذا الكتاب في مجموع اهتمامات اللّغة العربيّة وهمومها، لأنّي وجدت فيها أشياء تصلح أن تعبّر عن الموضوع، وتتناول بعض ما يمكن إيلاؤُه الأهميّةَ في الاعتناء باللّغة العربيّة ... ثمّ لدلالاتٍ ومغازٍ يدركها القارئ اللّبيب، واللّبيب بالإشارة يفهم .. أثبتنا المشروع كاملا في هذا الكتاب، رغم خصوصيّته لسلطنة عمان .. (1/83)
صفحة 82
أخي الأستاذ محمد بن سالم الحارثي، السّلام عليكم ورحمة الله. متّعكم الله بالصّحّة والعافية، ووفّقكم في أعمالكم ومشروعاتكم ودراساتكم.
اسمحوا لي عن التّأخّر في تقديم مقترحاتي حول مشروع إنشاء كليّة تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها، التي يزمع مركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلاميّة تأسيسها؛ وذلك بسبب بعض الأعمال والارتباطات التي شغلتني، وبسبب الظّروف الصّحّية التي مرّت بي، لقد أجريت عمليّة جراحيّة لبتر قدمي اليسرى المريضة، وجزءٍ من ساقي، أنا بخير والحمد لله. نطلب دعاءكم الصّالح بالشّفاء العاجل.
أرسل إليكم مسوّدة مقترحات عن مشروع الكليّة. وهو – كما اتّفقت معكم في الهاتف في المكالمة الأخيرة – تصوّر عام لهذه الكليّة، لهذا أطلت نوعًا ما في العرض, أرجو النّظر فيه. وأطلب دراسة المشروع دراسة متأنيّة؛ حتّى يُهيَّأ المناخ المناسب لتحقيق أهداف المشروع.
سلامي إلى الإخوة في المركز، وإلى فريق العمل في مشروع إنشاء الكليّة، وإلى كلّ أفراد أسرتكم، وبخاصّة والدكم الشّيخ سالم بن عبد الله المحترم.
تحيّاتي إليكم مرّةة أخرى، دمتم في رعاية الله حفظه، والسّلام عليكم.
الجزائر يوم الأربعاء: 10 من رجب 1431هـ
23 من جوان 2010م
أخوكم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مشروع إنشاء كليّة تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها
توطئة
مواصلةً للدّور الكبير الذي تقوم به سلطنة عمان في نشر الحضارة، وتوفير وسائل اكتساب المعرفة، ورفع الوعي الثّقافي بين النّاس، والسّعي في التّقريب بين الشّعوب، وتنفيذًا للأمر السّامي بإنشاء كليّة تعنى بتعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها، ونشرها في العالم، وبخاصّة في البيئات التي تحتاج إليها، وترغب في اكتسابها؛ لاستخدامها في شتّى مجالات الحياة، التي ترى فيها ضرورة وجود اللّغة العربيّة في معاملاتها ونشاطها فيها؛ وذلك وفق منهج علمي مدروس، واستخدام وسائل وأساليب متنوّعة ومتطوّرة ومناسبة. يقوم بالتّدريس فيها هيئة تدريس متخصّصة. مع (1/84)
صفحة 83
الأخذ بعين الاعتبار – عند وضع البرامج والمقرّرات – ضرورة العمل على إدماج الدّارسين في المجتمع والمحيط الذي يتعلّمون فيه، ليتعرّفوا على ثقافته وعاداته وتقاليده.
الأهداف العامّة
1 – إطلاع المتعلّمين على الحضارة العربيّة والإسلاميّة وتراثهما بعامّة، وتاريخ سلطنة عمان وثقافتها وتاريخها بخاصّة.
2 – إتاحة الفرصة لهم للتّعرّف على ذلك من المصادر الأصيلة، الخالية من الأخطاء والتّشويه والتّحريف.
3 – تمكبنهم من التّعرّف على حياة عمان المعاصرة ونهضتها المباركة.
4 – إطلاع أبناء اللّغات الأخرى على بعض جوانب النّهضة العربيّة المعاصرة.
5 – العمل على تعزيز الرّوابط الإنسانيّة بين أبناء اللّغات المختلفة واللّغة العربيّة. وتحقيق الالتقاء الثّقافي بين أبناء اللّغات المختلفة، والسّعي إلى التّقارب بين الشّعوب؛ بصفة اللّغة وعاء للفكر، وأداة للتّواصل.
6 – العمل على توسيع رقعة انتشار اللّغة العربيّة في العالم.
الأهداف الخاصّة
1 – تزويد المتعلّمين بالمهارات الأساسيّة في اللّغة العربيّة، من استماع وفهم وقراءة ومحادثة وكتابة في زمن محدّد.
2 – تمكينهم من امتلاك وسائل التّزوّد بمعارف ووسائل الاستفادة من المصادر والمعاجم والكتب التي تتناول اللّغة العربيّة في حياتهم العمليّة، بعد التّخرّج من الكليّة.
3 – تمكينهم من الوقوف على أسرار اللغّة العربيّة، وتذوّق الأدب العربي، والتّفاعل معهما.
4 – توفير وسيلة للتّجاوب مع الشّعوب التي تتحدّث باللّغة العربيّة.
5 – تمكينهم من بلوغ غرضهم من تعلّم اللّغة العربيّة.
الأهداف التّربويّة
1 – تنمية الثّروة اللّغويّة.
2 – تنمية القدرة على القراءة الصّحيحة.
3 – تنمية القدرة على فهم النّصوص فهمًا صحيحًا.
4 – تنمية القدرة على الكتابة والتّحرير.
5 – تنمية القدرة على التّذوّق الأدبي.
6 – تنمية القدرة على النّقد.
7 – تنمية المعلومات والمعارف.
8 – تنمية الإحساس بالحياة والتّعبير عنها.
ملاحظات عامّة: (1/85)
صفحة 84
- من أهمّ العناصر في تعليم اللّغة مراعاة مدى وضوح الأهداف بالنّسبة للمعلّم والمتعلّم، ومدى مناسبة المادة المقدّمة للمتعلّم، ومدى ارتباطها بالحياة، ومدى كفاية الطّريقة والوسيلة في إحداث أثر هذا التّعلّم.
- عند وضع برنامج تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها واختيار المواد، يجب الأخذ بعين الاعتبار أهداف المتعلّمين من تعلّمها. وكذا مستوياتهم الثّقافيّة والتّكوينيّة بعامّة، وفي اللّغة العربيّة بخاصّة. إنّ نوعية اللّغة التي تُقرّر لهم بصيغها ومفرداتها وتراكيبها، يجب أن تكون ملائمة لأوضاعهم الثّقافيّة، ومحقّقة لأهدافهم.
إنّ التّنوّع في أغراض المتعلّمين من تعلّم اللّغة العربيّة بتطلّب تنوّع الصّيغ اللّغويّة التي تقدّم إليهم لتلبية حاجات كلّ فريق وتحقيق مقاصدهم التي من أجلها يدرسونها.
- مراعاة اختلاف المستويات الثّقافيّة بين المتعلّمين.
- مراعاة نشأتهم الاجتماعيّة والبيئة التي عاشوا فيها وترعرعوا، من حيث القيم والمعطيات التي انتظمت بها حياتهم، ومدى علاقة ذلك باللّغة العربيّة. أعني مثلاً التّفريق بين مَن نشأ في بلدان إسلاميّة، ومن نشأ في بلدان غير إسلاميّة، وغير ذلك من الظّروف والمعطيات.
- مراعاة اختلاف اللّغات القوميّة أو الأصليّة للمتعلّمين. وقد ثبت بالتّجارب أنّ الطّلاّب يختلفون فيما بينهم في درجة التّحصيل للّغة العربيّة تبعًا لاختلاف لغاتهم الأصليّة. باختصار يجب مراعاة اختلاف الأهداف والمستويات واللّغات القوميّة أو الأصليّة.
- يجب أن تكون المواد المختارة ذات تنوّع في المعاني وأغراض التّعبير؛ بحيث تصوّر الحياة الثّقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة ... ثمّ الجانب الحضاري في كلّ دلك.
- يجب الأخذ بعين الاعتبار اهتمامات الأجانب بثقافتنا وحاجتهم إلى معرفتها والإفادة منها ... فنظرتهم قد تختلف عن نظرتنا نحن إليها؛ بصفتنا أصحاب هذه الثّقافة. يجب أن نضع في حسباننا أنّهم يهتمّون بثقافتنا انطلاقًا من حاجتهم الثّقافيّة، لا من حاجتنا نحن.
- مراعاة الجانب المعرفي والارتباط بالواقع. أي ربط المتعلّم بالحياة الواقعيّة، وعدم إغفال المواقف اليوميّة التي تواجهه في حباته، فمن خلالها تتمّ عمليّة التّعلّم، أو تكون مساعدة في العمليّة.
- الالتزام بالعربيّة الفصحى في التّدريس في جميع المواد، بخاصّة داخل الفصل الدّراسي. " إنّ عامل الاحتفاظ بعربيّة حوّ الدّروس في الفصول، أو قاعات التّعليم من أهمّ العوامل التي تساعد الطّلاب الأجانب على معايشة جوّ اللّغة العربيّة، والتّأثّر بخواصِّ هذه اللّغة، نطقًا واستعمالاً في أرضيّة واقعيّة. ولهذا يجب أن تكون الطّريقة التي يقوم عليها تدريس اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها هي الطّريقة المباشرة، بأن تكون لغة التّخاطب والتّعليم بين المدرّس والطّالب في قاعات الدّروس هي اللّغة العربيّة فقط، دون الالتجاء إلى التّرجمة واللّغات الأجنبيّة. "
- اختيار المعلّم الكفء: علميًّا وتربويَّا واجتماعيًّا وفكرًا وسلوكًا.
- التّنويع في وسائل التّعليم، واختيار الأحدث والأنجع منها.
- التّركيز على التّدريبات كثيرًا والتّنويع فيها. يجب أن يكون الهدفَ الأوّل والأساس في تخطيط برنامج تعليم العربيّة لغير النّاطقين بها. (1/86)
صفحة 85
- معرفة الأخطاء التي وقعت فيها التّجارب الأخرى، والمشاكل التي اعترضتها، وكيف عالجتها.
- إذا كان هناك عزوف عن تعلّم اللّغة العربيّة مثلاً، يجب معرفة أسباب ذلك.
- العمل على تذليل صعوبات تعلّم اللّغة العربيّة، ومحاربة هذه الفكرة، وتغيير هذه النّظرة. أو فكّ هذه العقدة.
- الاهتمام باللّسانيّات التّطبيقيّة.
- في المحصّلة الحرص على تحقيق هدفين رئيسين:
1 – تّكوين الرّاغبين من الأجانب في تعلّم اللّغة العربيّة.
2 – خدمة اللّغة العربيّة، والتّعريف بالمجتمع العربي والإسلامي، في أحسن صورة، وتقديم الثّقافة العربيّة والإسلاميّة للمتعلّمين غير المنتمين إليها؛ من أجل التّعارف والتّواصل وإزالة الهوّة بين الثّقافات المختلفة.
مدّة الدّراسة
هناك اقتراحان:
الأوّل: مدّة الدّراسة تكون ثلاث سنوات. تخصّص السّنة الأولى لتحسين مستوى المتعلّمين، وإعطائهم أو مدّهم بقاعدة صحيحة للانطلاق في تعلّم اللّغة العربيّة بشكل صحيح ومفيد ومنتج ... يركّز فيها على التّهيئة النّفسيّة والعقليّة لتعلّم هذه اللّغة. وتقديم قواعد أساسيّة في النّحو والصّرف والرّسم والبلاغة، والقراءة والمحادثة والكتابة (التّعبير الشّفوي والكتابي) ... وغيرها من المواد التي تهيّء الدّارس لتعلّم اللّغة العربيّة ليدرسها ويستفيد من هذه الدّراسة في المرحلة اللاّحقة. والسّنتان الثّانية والثّالثة للدّراسة المعمّقة للّغة العربيّة وما يتّصل بها، وللمواد المساعدة.
الثّاني:
مدّة الدّراسة تكون سنتين، تسبقهما سنة تمهيديّة، تهيّئ الطّالب للالتحاق بالكليّة. يبدأ فيها من أساسيّات اللّغة العربيّة. الغرض من ذلك إعطاء فرصة للطّالب كي ينطلق من الأساس بقاعدة صحيحة في الدّراسة؛ بالتّمرّس على أساسيّات اللّغة العربيّة. يركّز في هذه السّنة على الآتي:
1 – تعليم الحروف وإتقان النّطق بها، والتّعريف بمخارجها، يكون هذا ضمن موضوعات تدور حول مواقف الحياة اليوميّة، أو غيرها.
2 – تسميع نصوص مقروءة قراءة سليمة، لتعويد الأذن على استماع اللّغة العربيّة الصّحيحة؛ لتسهيل عمليّة التّحدّث باللّغة العربيّة بسلامة " والاستماع – في الحقيقة – مهارة لغويّة أساسيّة في تعليم اللّغة، وما لم يكن الأطفال قادرين على الاستماع فإنّهم سيكونون غير قادرين على الكلام؛ إذ يقوم هذا أساسَا على تقليد الأصوات المسموعة: "
3 – تقديم نصوص حواريّة؛ للتّدريب على المحادثة والحوار.
4 – تكليف الطّلبة بحفظ قصائد شعريّة وأناشيد باللّغة العربيّة. تكون بلغة فصيحة وبسيطة، وذات موضوعات قريبة من اهتمامات الطّالب، ومأخوذة من الحياة اليوميّة، ومتضمّنة بعض القيم والأخلاق والمهارات الحياتيّة ...
5 – تعليم الخطّ والتّدريب على الكتابة الصّحيحة.
6 – تُضاف مواد أخرى تخدم الهدف من اقتراح السّنة التّمهيديّة. (1/87)
صفحة 86
اقتراحنا هذه الخطوة، المتمثّلة في السّنة التّمهيديّة يؤكّده ما سجّله الدّارسون من أهميّة الاهتمام لتعليم اللّغة للأطفال: "يهدف تعليم اللّغة منذ بداية المرحلة الابتدائيّة إلى تمكين الطّفل من أدوات المعرفة، عن طريق تزويده بالمهارات الأساسيّة في القراءة والكتابة والتّعبير، ومساعدته على اكتساب عاداتها الصّحيحة، واتّجاهاتها السّليمة، والتّدرّج في تنمية هذه المهارات على امتداد المراحل التّعليميّة، بحيث يصل التّلميذ في نهاية هذه المراحل إلى مستوى لغوي، يمكنّه من استخدام اللّغة استخدامًا ناجحًا عن طريق التّحدّث والكتابة والقراءة والاستماع؛ بما يساعده على أن ينهض بالعمل الذي يختاره، وعلى أن يواصل الدّراسة في المراحل التّعليميّة التّالية. من هنا نرى أنّ اللّغة العربيّة ليست مادة دراسيّة فحسب، لكنّها وسيلة لدراسة المواد الأخرى. " والمبتدئون من غير النّاطقين باللّغة العربيّة، هم في منزلة الأطفال الذين يبدؤون في تعلّم هذه اللّغة."
مواد الدّراسة
قبل عرض المواد نقدّم الملاحظات الآتية؛ لوضع تصوّر للمواد المقترحة للدّراسة:
1 – مراعاة اللّغة التي يحتاج إليها الطّالب في حياته اليوميّة، وفي مستقبل أيّامه.
2 – الاهتمام باللّغة الوظيفيّة، ولكن من دون الإسراف والإفراط في هذا المطلب.
3 – الحرص على تعليم اللّغة العربيّة بإتقان، وتسهيل عمليّة تعلّمها، وتحبيبها لدارسيها.
4 – إطلاع المتعلّمين على حقيقة اللّغة العربيّة وأسرارها وقيمتها ومكانتها.
5 – إيجاد الصّلة بين اللّغة العربيّة والمواد الدّراسيّة الأخرى.
6 – مراعاة عمليّات الفهم والتّذوّق والنّقد، وعدّها جزءًا أساسًا في الدّراسة.
7 – يكون أساس الدّراسة الأدبيّة التّذوّق والتّحليل من النّاحيتين الجماليّة والاجتماعيّة.
8 – عدم إهمال الموضوعات الوصفيّة في الأدب والقراءة والتّعبير، فميزتها أنّها تكوّن الذّوق، أو تنمّي التّذوّق، وتوسّع الخيال، وتبعث على التّأمّل وإعمال الفكر، وتثير المشاعر، وتحرّك الوجدان ... فهي تجمع بين تنمية العقل وتحريك الوجدان.
9 – اختيار نصوص من الشّعر والمقالة والخطبة والقصّة والخاطرة ...
10 – اختيار نصوص من التّاريخ والأدب العمانيّين.
11 – إقامة أنشطة غير الصّفيّة، ممّا يعدّ وسائل مساعدة في التّعلّم: رحلات علميّة، عقد ندوات متنوّعة في مضامينها، تخصيص لقاءات أدبيّة للتّدريب على الأنشطة الأدبيّة، كتابة مقالات، إلقاء خطب، مناقشة موضوعات، تنظيم مساجلات شعريّة، إنشاء مناظرات في موضوعات متنوّعة ... القيام بكلّ ما يخدم المواد التي يدرسها الطّلبة في الصّفّ، ويعين على تطبيقها، وفي هذه الوسيلة تنويع في طرق التّلقّي والتّكوّن، وكسر للرّوتين الذي يطيع الدّراسة الصّفيّة.
12 – القبام بمعسكرات أو تربّصات مغلقة ومركّزة للتّدريب على تطبيق فواعد اللّغة العربيّة.
13 – تراعى في تعليم اللّغة المهارات الأربع: الاستماع، والقراءة، والمحادثة، والكتابة.
14 – تعالج الكتابة في أبعادها الأربعة: الخطّ والإملاء والتّعبير والتّحرير. (1/88)
صفحة 87
15 – ليست فروع اللّغة إلاّ أداة لتحقيق الاتّصال اللّغوي بين النّاس.
16 – للّغة وظيفتان أساسيّتان: الاتّصال وتسهيل عمليّة التّفكير.
المواد المقترحة مبدئيًا (تضاف إليها مواد أخرى):
النّحو والصّرف، البلاغة، الرّسم، القراءة، اللّسانيّات التّطبيقيّة، علم الأصوات خصائص اللّغة العربيّة، علم النّفس اللّغوي، الحضارة الإسلاميّة، تاريخ عمان، الحياة الاجتماعيّة في عمان، المطالعة، الموجّهة، النّصوص الأدبيّة، التّرجمة ...
استفسارات
هذه مجموعة من الأسئلة يجاب عنها بعد التّأمّل فيها ومناقشتها:
1 – ما هي الأهداف المسطّرة؟ تحدّد بدقّة هذه الأهداف؟
2 – ما هو المستوى المطلوب للالتحاق بالكليّة؟
3 – ما هي الفئات المعنية بالتّكوين؟
4 – ما هي شروط الالتحاق بالكليّة؟
5 – ما هي الوسائل التي يمكن أن توفّرها الكليّة لتنفيذ برامجها؟
6 – كيف تكون علاقة الكليّة بالمراكز والمؤسّسات التي تقوم بالوظيفة نفسها، أي تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها؟
7 – كيف يكون التّعامل مع مشكلات تعليم اللّغة العربيّة؟
مقترحات:
- توزيع الطّلاب على فصول الدّراسة، بحسب أوضاعهم الثّقافيّة ولغاتهم الأصليّة، مع مراعاة مدى ملاءة المواد المختارة لهذه الأوضاع ومقاصد هؤلاء الطّلاب من تعلّم اللّغة العربيّة.
- بالنّسبة للأسئلة المعروضة للمناقشة:
1 – هل ستقوم الكليّة بطرح دورات قصيرة في اللّغة العربيّة للرّاغبين في تعلّمها؟
- ... هذا ممكن، أقترح أن يكون برنامجًا موازيًا، أو مكمّلا لعمل الكليّة، ويكون بعد تأسيس الكليّة ومباشرتها العمل. تقدّم هذه الخدمة في إطار برنامج مكثّف، بعد أن توضع له ضوايط وشروط ومنهج خاصّ.
2 – هل سيتمّ تدريس اللّغة العربيّة المبسّطة لأغراض التّواصل والاستخدام اليومي؟
– بمكن هذا. لكن – في نظري – يكون فرعًا من فروع برامج الكليّة، يستجيب لرغبة فئة معيّنة من المنتسبين إلى الكليّة. أنا أقترح أن يطبّق برنامج كليّة اللّغة العربيّة بشكل أوسع وأشمل وأعمق؛ ليحقّق الأهداف التي أشرنا إليها.
3 – هل سيتمّ تحديد مستوى معيّن كحدّ أدنى للقبول في الكليّة؟
- إذا كانت إمكانات الكليّة تسمح بتطبيق برنامجين، فيمكن تطبيق هذا المقترح: الأوّل: قبول الرّاغبين في الدّراسة في الكليّة من دون أيّ مستوى، أي يقبلون بصفة مبتدئين في تعلّم اللّغة العربيّة. الثّاني: قبول الطّلبة الملتحقين بالكليّة بمستوى معيّن، تحدّده اللّجنة المكلّفة بتحضير الملفّ. إذا استقرّ الرّأي على البرنامج الثّاني، فلابدّ من تحديد الحدّ الأدنى في المستوى لقبول الالتحاق بالكليّة، (1/89)
صفحة 88
4 – بدلاً من الدّورات القصيرة التي تعطى للرّاغبين في تعلّم اللّغة العربيّة، قبل الالتحاق بها، أفضّل تعويض هذا بسنة تمهيديّة، كما أشرنا في الصّفحات السّابقة.
- أقترح تسمية الكليّة " كليّة الخليل بن أحمد الفراهيدي لتدريس اللّغة العربيّة ". (1)
الجزائر يوم الأربعاء: 10 من رجب 1431هـ
23 من جوان 2010م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
__________
(1) - افتتحت الكليّة قبل أكثر من خمس سنوات، وقد تخرّج فيها مجموعة من الطّلبة من مختلف الجنسيّات، أعطي له اسم: " كليّة السّلطان قابوس للّغة العربيّة" موجودة في ولاية مَنَح، بالمنطقة الدّاخليّة في سلطنة عمان، أو كما تسمّى محافظة نزوى .. (1/90)
صفحة 89
الخلاصة
هذه مجموعة من الأعمال التي حرّرناها في موضوع اللّغة العربيّة، وقد حصرناها في جانبين: الاهتمامات والهموم .. وقد انقسمت إلى قسمين: قسم غلب عليه طابع الدّراسة والبحث والتّحليل والنّقد .. وتقديم ملاحظات، وعرض رؤى، وتسجيل استنتاجات .. وقسم أخذ سِمة الانطباع، وبثّ المشاعر، ونقد الأوضاع، وتقويم علاقة أبناء اللّغة العربيّة بها .. وقد كانت النّتيجة أنّ اللّغة العربيّة تشكو عقوقًا من أهلها وذويها، وتتألّم لِما لحق بها من أبنائها ورجالها من الأذى الشّديد، ومن أعدائها من الظّلم المديد .. هذه اللّغة التي لم تجد لعرائسها رجالاً وأكفاء، فكادت تَئِدُ بناتها .. لذا فهي تطلب القيام من هذه الكبوة، وتجاوز هذه الهفوة، والتّخلّص من هذه النّبوة ..
وجدت في نداء الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (ت 1426ه/ 2005م) ما ينبّه ويحرّك الهمم، لتقوم بواجب نصرة اللّغة العربيّة، فارتأيتُ أن يكون مسكَ الختام للخواطر والمشاعر التي سردناها في الصّفحات السّابقة. هذا النّداء يحمل همّ التّفريط في اللّغة العربيّة، وينقل اهتمامها ممّا أصابها من الظّلم والحيف والتّهميش والتّحقير ... (1)
يقول الشّيخ حمّو: " ... وبعد! فإنّ أوّل ما يجب أن يكون شعار مجلّتنا (مجلّة الحياة) الوليدة نصرة اللّغة العربيّة، التي نزل بها الرّوح الأمين على قلب محمّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين. لحكمة بالغة اختار مولانا جلَّ وعلا صياغة كلامه لآخر أمّةٍ وآخر رسول، بلغة العرب الأقحاح؛ رغم اختلاف ألسنة خلقه وألوانهم: { ... إنَّ في ذلك لآياتِ للعالمين} (الرّوم/22) { ... وليَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ ينْصُرُه إنَّ اللهَ لَقوِيٌّ عزيز} (الحجّ/ 40)
وإنّما أهيب بالأبناء لنصرة العربيّة؛ لأنّ أجيالاً في العرب شرقًا وغربًا قد نشأت في أميّةٍ بها. بعضهم يجهلها بتاتًا، وبعضهم يعرفها ويتنكّر لها عمدًا، والبعض يهجوها هجوًا، سرًّا وجهرًا، وأخفّهم عداوةً من لا يقيم لها وزنًا. فسيّان عنده أن يخلطها بلغة الشّارع أو لغة المستعمر، فضاعت في هذه الأخلاط بين سمعنا وبصرنا لغة الضّاد. ولولا ضيق المقام لاستعرضنا لذلك أمثلة تقضُّ المضاجع، وتؤرّق العيون،. إنّها لفي تلوُّثٍ أدهى من تلوُّثِ المحيط، وأعتى من التّصحّر والانزلاق، ولانقراض في الأرض والشّجر والحيوانات البريّة.
ذلك أنّ التّسيّب في لغتنا الوطنيّة – وهي من الثّوابت الأصليّة – سيؤدِّي حتمًا عاجلاً أو آجلاً إلى طمسها، وطمس معالمها في الدّستور والمدارس والدّواوين. ولو كان يقف هذا التّيّارُ الجارف عند هذا الحدِّ لهان الأمر، إنّه القضاء المبرم على الدّين الإسلامي، في أرض الرّستميّين أنصار الله ودينه، منذ حلّوا بالجزائر دعاةً فاتحين. ويعتبرهم أعداء الإسلام غازين مستعمرين. ولقد استشرى مع الأسف الشّديد فاحش الأخطاء في العربيّة، حتّى في بعض حملة الشّهادات، من أبناء الإسلام الأصلاء.
ما حيلةُ الرِّيحِ، إِذا منْ داخِلٍ ... هَبَّتْ، وفُلْكٍ أُرتِيَتْ من سَاحِل
__________
(1) - هذا النّداء جاء في آخر المقال الافتتاحي الذي صدّر به الشّيخ حمّو العدد الأوّل من مجلّة الحياة، التي يصدرها معهد الحياة وجمعيّة التّراث (القرارة، ولاية غرداية، الجزائر). بتاريخ: رمضان 1418هـ/ حانفي 1998م. ينظر ص: 7 – 11. (1/92)
صفحة 90
إنّ المتهاون في لغتنا – وهو يدّعي الإسلام – لن تكون دعواه إلاّ كدعوى آل حربٍ في زياد، وهو بالأحرى مسلم جغرافيٌّ. هو في وادٍ والإسلام في ودٍ، فتضلّعوا يا روّاد المعالي بلغتكم تضلُّع الحاج والمعتمر بماء زمزم، فإنّي أخشى أن يُدَمدِمَ عليكم ربُّكُمْ بذنْبِكُمْ فيُسَوِّيكُمْ، فلا يخاف عقباكُمْ ..
واعشقُوا يا رجالَ الغدِ لغتَكُمْ عشقَ المجنون ليلاه، وارفعوا بها عقيرتكم في اعتزاز، كما رفعها في بيداه:
ملأَتُ سماءَ البيدِ عشقًا وأرضَها ... وحُمِّلتُ وحدِي ذلك العشق يا ربُّ
وفجِّرُوا يا مسلمين ينابيع لغتكُمْ تفجير عدوَّتِكُمْ فرنسا قنبلتَها الذّريّة في أرضكمْ، وبدون ذلك لن يسلمَ دينُكُمْ- والله – ولا لسانُكُمْ. واعلموا يا حماةَ اللّغة وحُرَّاسَ أمانة الدّين أنَّ التّمادي في الأمرِ جريمةٌ شنعاء ومكرٌ سيِّءٌ {ولا يَحيقُ المَكرُ السَّيِّءُ إلاّ بأَهْلِه} (فاطر/ 43) ... (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 10، 11. (1/93)
صفحة 91
موضوعات الكتاب
راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤوليّة أبنائها نحوها
اللّغة العربية والفكر العالمي
شروط التّنميّة والنّهضة باللّغة العربيّة
استلهام لغة القرآن يحفظ اللّغة العربيّة ويحمي الشّخصيّة
دفع وهم شائع وردّ اتّهام ذائع!!
عذْرًا أُستاذي ورجاءً .. !!
واحسرتاه على بلدي الحببيب!!
مقترحات حول مشروع إنشاء كليّة تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها
الخلاصة
موضوعات الكتاب (1/94)