صفحة 1
الكتاب: بذور الحياة لرمضان حمود
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) ... ... ... ... بذور الحياة بدأت النسخ يوم 21 أكتوبر2001
الإهداء:- إلى كل أديب يخدم لغة القرآن.
-إلى كل مجدد تحت راية الإسلام.
-إلى كل من يسعى لإنقاذ شعبه من أنياب الشقاء.
-إلى كل من وضع حجرة تأسيس في بنيان نهضتها القومية. أقدِّم كلماتي هته كهدية يصحبها الحب والإخلاص
ميزاب: رمضان حمود
بِسْمِ ‘الله الرَّحمَنِ‘ الرَّحِيمِ’
مقدمة
الحمد لله الكبير المتعال والصلاة والسلام على رسوله المبعوث لإتمام مكارم الخصال وعلى آله وصحبه الذين حببوا للناس الفضيلة والهمة وبذروا في النفوس "بذور الحياة" الحقة.
وبعد فإن للأمم أطوارا وأحوالا فتارة تشرق شمس عزها ومجدها ويبتسم ثغر السعادة في وجهها،فتتيه في السماء عظمة وجلالا،وتناجي النجوم أنفة واستكبارا .
وطورا يلتوي عليها الدهر الغادر فيعضها بأنياب الشقاء القاسية فيتركها عبرة للمعتبرين وأثرا بعد عين .
تلك سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا.
إن الأمة الإسلامية التي ازدهرت مدنيتها واتسع ملكها وعلا سلطانها في الخافقين قد جرت عليها تلك السنة العامة - رغم إرادتها- فأتى عليها فترة من الدهر ليست بالقصيرة عانت فيها من أنواع الخطوب والأهوال والتذلل والاستعباد ما يعاني المغلوب على أمره والضعيف مع القوي الجبار، عانت أمورا تشيب لها النواصي وتذوب لهولها الرواسي،ضيعت كل مجد،وتنازلت عن كل عظمة وإلى الآن لازالت هائمة في طيشها وغرورها لأنها تعودت الخنوع والاستسلام حتى تخدرت أعصابها فلم تعد تشعر بآلامها ومكان دائها شأن المريض المشرف على الهلاك فإن تخبطه وأنينه ينقلبان سكونا عميقا ورضاء بما هوعليه. (1/1)
صفحة 2
لسقوط الإسلام عوامل كثيرة وأسباب متشعبة أهمها:التجرد عن الدين والأخلاق والاسترسال مع الجهل والشقاق.فإنه انتشرت البدع والخرافات والتفرنج ونبتت أشواك الشقاق والنفاق التي زرعتها أيدي الجهل وزيد في الدين ونقص منه حسب الأهواء والأغراض سلط الله على المسلمين من لا يرحمهم ولا يراعي فيهم إلا ولا ذمة لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
فقد كان الدين الإسلامي في أول نشأته عزيزا محترما في النفوس يرى بعين الكمال والتبجيل لا يتجاسر أحد على هتك حرماته لأنه كان منيع الحمى قويا برجاله العظام ولأنه جاء موافقا لطبيعة البشر ونواميس الكون يصلح لكل زمان وفي كل مكان لا يأمر إلا بما يحسن ولا إلا عما يخبث ويشين،بعيد عن الغلظة والشدة والتنطع صافي الأديم لم يكن حجر عثرة في سبيل الحياة والنهوض وآمال الإنسان الصالحة بل كان عونا كبيرا وسلما للرقي والتجدد النافع فهويقول بكل صراحة : الدنيا مطية الآخرة "لايُكَلِّفُ الله نَفْسًا اِلا
وُسْعَهَا "يسروا وبشروا ولا تنفروا "رَبَّنَا آتِنَا ِفي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَِفي الآخِرَةِ حَسَنَةً" إلخ،هذا هودستور الإسلام مجملا وهته هي شريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهذا هوالحق المبين وما بعد الحق للمرء من سبيل .
ولكن ماذا فعلنا نحن من بعد ما تبين أنه الحق من ربنا فهل حذونا حذوالأوائل ونسجنا على منوالهم أم غيّرنا فغير الله بنا فكنا من القوم الخاسرين . (1/2)
صفحة 3
نعم إن العلماء المنتمين إلى الدين عوض أن يربوا النفوس الجموحة ويغرسوا فيها محبة الدين القويم والفضائل والكمالات والعمل بها فقد بدلوا وغيروا فيما تلقوه عمن سبقهم وحكموا أهواءهم وشهواتهم ولم يقوموا بواجبهم المنوط بعُهْدتهم نحوالأمة المعذبة من الدعاية والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح الخالص لله وفي الله فطعنوا الدين في صميم فؤاده بخنجر الجمود والتحذلق والتنطع فصاروا عالة على المجتمع ورمزا على الركود والاستكانة واليأس فملتهم الناس واسثقلتهم فظنوا أن الدين هوما يصفونه بألسنتهم فنبذوه نبذ النواة وألقوا به عرض الحائط واتبعوا السبل فحق العذاب على الجميع وأتى أمر لا مرد له فأصبحنا بعد عزنا وأنفتنا أذلاء في ديارنا غرباء في أوطاننا نئن ونبكي ولا راحم هناك ونستغيث ولا مغيث وهكذا أراد الله بالأمة الإسلامية الشقاء والتعاسة .
وللملوك أيضا وذوي النفوذ والسيطرة أياد أثيمة في انهيار مجد الإسلام الضخم وعظمته الهائلة فإن الجناة المستبدين استبدلوا آخرتهم بدنياهم ورضوا بالخلاعة والتلذذ بأنواع الملاهي والفجور حتى نسوا واجبهم الذي خلقوا لأجله فأسندوا حقوقهم إلى رعاة ذوي مطامع وغايات فاسدة فأهلكوا الحرث والنسل وجعلوا النفوس الحرة جسرا لأغراض دنيئة يريدونها،فكأنهم رأوا أن سعادتهم لا تتم إلا بشقاء الأمة المنكوبة وخرابها،وكأنهم ملوا حياة العز والاستقلال فتمنوا أن يكونوا عبيدا أذلاء يساقون كالأنعام إلى حيث البوار والدمار. (1/3)
صفحة 4
أما نتيجة ذلك فإن النفوس ضعفت عن حمل عبء المجد وتمردت على العلم والحياة الحقة وانفصلت منهن انفصالا كليا واستقلت عنهن استقلالا تاما وانفردت بنفسها فسطا عليها ذئب الراحة والخلاعة والمجون والجبن فاستعبدها فتنازلت عن كل مكرمة وسقطت من عليائها وانسلت الغيرة من القلوب كما تنسل الشعرة من العجين فبقي الجو صاف للرذيلة والجهل فعششا وفرخا وتم لهما ما يريدان وما يريده الهوى والشيطان . فحق حينئذ على غراب الخراب أن ينعق فوق ربوع كانت جنة الدنيا وفردوسها الجميل فأصبحت واحسرتاه بلقعا يبابا. فويل للفضيلة من الجهل وويل للشرف من الرذيلة.
إني لتعروني هزة وينفطر قلبي وينشق كبدي وأغيب عن رشدي وأحس بألم شديد يدب بين جوانبي دبيب الموت في الحياة كلما خلوت بنفسي ونظرت إلى حالتنا الحاضرة وتفكرت فيما سنصير إليه إن نحن دمنا في هته السيرة البطيئة المخجلة وكلما قارنت بيننا وبين أجدادنا الفاتحين النبلاء وتأملت في أعمالهم الذهبية التي خلدت مجدا عاطرا في بطون التواريخ وما آل إليه أمرنا من ذل ومسكنة . وكلما أرسلت طرفي إلى شبابنا وكهولنا وشيوخنا فرجعت خائبا من كل أمل ورجاء لما تشاهد من عدم الشعور بالنقص والألم والاسترسال مع الغي والموت الحقيقي.وكلما رأيت تخاذلنا وتفرقنا وأكل وجوه بعضنا بعضا كالوحوش الضارية وانشقاق عصا وحدتنا وقوميتنا فلا رئيس ولا مرؤوس ولا آمر ولا مأمور كأن لا صلة تجمعنا ولا دين يقودنا أتحسر كثيرا لهته الذكريات المؤلمة فأتمنى أن لوكنت نسيا منسيا لا علي ولا لي أسبح في محيط اللانهاية حيث تجد النفس لذتها وراحتها الأبدية فلا يزعجها مزعج ولا يؤلمها مؤلم . (1/4)
صفحة 5
وفي الحقيقة أن تلك المصائب التي داهمتنا كسيل جارف لم تحل بيني وبين ما أريده لوطني العزيز ولم تطف شعلة عزيمتي ولم تثبط همتي بل ما زادتني إلا ثباتا وإقداما وشعورا بعظمة المسؤولية التي ألقاها الواجب على كاهلي.نعم كانت الباعث الأكبر والسبب الوحيد في إشهار قلم ناري قدر له أن يكبو وهو لازال في شبابه غضا وقدر له بفضل الإرادة أن يقوم ويجدد الكَرَّة بعزيمة فولاذية لا تكَلُّ مرة أخرى فها هو اليوم بعدما أفللته بعض التجارب قد شحذته الثقة والعزيمة والثبات صار ينادي بكل صراحة غير هياب ولا وجل لعل الأمة المعذبة بل الشهيدة تجيبه إن كان فيها رمق من الحياة يصلح للنهوض وهولا محالة سيسر أقواما ويسوء آخرين على أني لم أحركه لأكدر به صفوأحد ولكن هكذا أراد القدر وهكذا شاءت القلوب المريضة أن تضيق نفسها بنفسها وفضاء الله واسع ولست من الذين يكتبون للتسلية والترويح عن النفس ولا من الذين يتلذذون بالعبارات المنمقة الرقيقة ولكني أكتب لأفيد وأستفيد، أكتب لا ليقال إنه كتب بل ليقول لي ضميري:"إنك قمت بواجبك وأديت ما عليك فكن مطمئنا" ثم بعد هذا لا أرجو جزاء من مخلوق ولا أخاف عقابا إذ الله وحده يرجى ويرهب ويطلب منه العفو والثواب.
في كتابي هذا توجد كلمات اجتماعية نقدية أدبية تاريخية قومية حكمية إرشادية دينية أخلاقية إلخ إلخ إلا السياسة فإني لم أطرقها لعدم حاجتنا إليها وتعطشنا إلى ما هو أهم وأكيد لنهوضنا وحياة بلادنا العزيزة.إن السياسة لتضر بالأمم في أول نشأتها خصوصا إذا كان الجل من أبنائها لا يفرقون بين الحسن والقبيح ويسبحون في بحور من الجهل الأسود. (1/5)
صفحة 6
فيا أيها القارئ الكريم واللئيم معا إني أضع هذا الكتاب بين يديك جازما بأن سيكون له أثر وصدى في أعماق نفسك نعم سيشغل قسما من فكرك وجزءا من وقتك ومكانا في طاولتك ولكني لست أدري ولا المنجم يدري ماذا يكون حظه ونصيبه منك.أهَل تقابله بالحفاوة والتبجيل؟ أم باِلازدراء والاحتقار؟ ولكني ألتمس منك قبل أن تنفذ حكمك الصارم أن تعلم أنه لم يصل إلى يدك إلا بعد أن مر على كل شعبة من شعاب مخ أضناه التفكير وأحرقها وجف ماؤها. نعم لم تره عينك إلا بعد أن سهرت عليه عين قلبك كادت ترمد.ولم تفتحه بأناملك إلا بعد أن فتح الدهر القاسي أمام صاحبه أبوابا عريضة من الشقاء والتعاسة ولم تقرأ فيه سطرا إلا بعد أن قرأ في سبيل وضعه سطورا سوداء من التعب والآلام.وعلى كل حال فنحن الآن متفقون -فيما أظن-بأن فيه شيئا من العمل والسعي والصبر.فما علي بعد هذا إلا أن أقول أن عملي لله وحده وإني لا أطلب في مقابل ذلك جزاء ولا شكورا.
وادي ميزاب ـ الجزائرـ رمضان حمود بن سليمان
بذور الحياة
بقلم
* رمضان حمود بن سليمان *
خواطر وسوانح وأفكار
ــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــ
كلمات مرسلة في جميع شؤون الحياة
{ الدين }
- الدين ناموس العمران وأب الفضائل والكلمة الجامعة لقوانين البشر.
- لا نقدر أن نسير بدون دين لأنه هو المحرك الوحيد للقيام بجميع الواجبات.
- إن للدين قوة معنوية تكهرب المرء وتبعث فيه روح الأمل والإقدام على الدواهي وعدم الخوف من أي قوة كانت.
- لا يشعر بحلاوة الدين وعذوبته إلا من أدى شعائره قياما بالواجب لا رغبا ولا رهبا.
- محال أن يتمسك بالدين من يراه مخالفا لنواميس الطبيعة ومضادا للعقل والفطرة السليمة لأن الإنسان جُبل على حب الحياة والتمسك بأذيال العقل فإذا قام حاجز بينه وبين مراده سعى في هدمه بكل قواه غير هياب ولا وجل. (1/6)
صفحة 7
- الإسلام دين الإنسانية جمعاء لأنه يقول لا أكلف أحدا إلا بما يقدر ولا آمر إلا بما يستطاع والنفس التي لا تكلف بما فوق طاقتها تكون سَلِسة الانقياد للأخذ بزمامها.
- مِن المُسَلَّم أن البشر في رقي مطرد من منذ ابتداء الخليقة إلى زمننا وإلى ما بعد وإن إنسان اليوم غير الذي كان ينحت من الجبال كهوفا ولهذا صح أن نقول أن دين الإسلام الذي جاء آخر الأديان هو أفضلها وأرقاها وأوسعها وأعمها لأنه دين الآخرين وغيره دين الأولين.
- لو ألغي الدين من صحيفة الوجود وعوض بالقوانين الوضعية لبات العقل ضربة قاضية على الكائن الضعيف لأن الدين والعقل ككفتي ميزان والكون بينهما إبرة لطيفة تعتدل إذا استوتا وتسقط إذا اختلت إحداهما عن مكانها التي وضعت فيه.
- إن شرور العالم كلها ناشئة عن مخالفة القوانين الإلهية واتباع النفس والهوى.
- إن سبب الإلحاد هو استثقال الدين توهما إذ لو أمعن الملحد النظر في تمرده لوجده أثقل على ضميره من الكرة الأرضية.
- إن بني إسرائيل الذين عبدوا العجل أدركوا أن الإنسان لا يمكن بحال أن يبقى بلا دين ولو فترة من الزمان.
- لا القوانين الزجرية ولا السجون الضيقة يردعان المجرم عن اقتراف الموبقات إذا لم تكن له عقيدة داخلية ترهبه ودين صحيح يؤدبه.
- ما رأينا وما سمعنا أن في التاريخ أمة عاشت بلا دين يعتقد ولا إله يعبد إلا أوروبا فهي تزعم أنها قادرة على تسير نفسها بنفسها ولا تفتقر إلى شريعة سماوية ولكن لم يفتنا أن نفهم والتبشير يزعج راحتنا أن الاستعمار والحاجة اقتضيا أن تنتمي إلى الإلحاد لتجد الأبواب مفتوحة أمامها.
- لو كان الدين حلة تلبس لما كفى صابون العالم لغسل ما لصق به من الأدران والخرافات الباطلة.
- محال أن يقضى علينا وكتاب الله بين أيدينا.
- الدين ينهاكم عن اتباع النفس ولكنه لا يأمركم بقتلها وزجها في هاوية الجمود واليأس.
- ما قتل الإسلام إلا المسلمون وما دفن الدين إلا الجامدون . (1/7)
صفحة 8
- ليس الدين معناه الموت كما يظنون ولكنه هوالحياة بعينها.
- الإسلام والفضيلة اسمان مترادفان كلاهما غريب في زماننا.
- لولم يكن للدين فائدة إلا أنه يردع المجرم عن اقتراف الموبقات لكفاه لزوما للبشر خصوصا في القرن العشرين قرن المادة الصرفة.
- المسلمون اليوم يحبون الاتحاد ويسعون للحصول عليه بما عز وهان غير أن الجل من علمائهم الدينيين لا زالوا ـ واخجلتاه ـ يعتقدون أن الدين معناه التكفير والتضليل والتفريق وكل ما يحدث به صدع النفوس وتعذيب الأرواح وجرح الضمائر.
- إن حالة المسلمين سيئة وسيئة جدا لأنهم تمسكوا تمسكا غريبا بلفظة الدين أو الإسلام وهم أبعد الناس عن تعاليمه ومبادئه العالية فيما أرى.
- التعصب المذهبي هوالذي قضى على الإسلام قضاء مبرما.
- بالله أيها المسلمون لا تجعلوا دينكم مسرحا تمثلون فيه أبشع المناظر وأفظع الروايات فقد كدتم أن تجعلوه بأعمالكم الشنيعة مصرعا للفضيلة ومجزرة للشرف وسجنا للإنسانية.
{ الأخلاق }
- سقوط الشرق وفلول حسامه وصمة عار لا يمحوهما من صحيفت تاريخه إلا بالأخلاق.
- الأخلاق هي القوة الوحيدة التي نطارد بها الدهر الجبار.
- كل مشروع أسس على غير الأخلاق فمحال أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ومحال أن يدوم.
- العلم وحده سيف يقطع حامله إذا لم يكن له غمد من الأخلاق.
- الأخلاق سلاح الضعيف ومفتاح سجنه.
- إذا قيل هذا شعب لا حظ له من الحياة معناه لا خلاق له.
- الشرق في حالة تستذرف الدموع وتقرح الكبد فإن بقي له سهم في كنانة الأمل والحياة فهوالأخلاق لا غير.
- ما أمهر أوروبا في إفساد أخلاقنا ومحاربة قوميتنا وما أضعف نفوسنا إذا وقفنا أمامها وقفة العاجز المستسلم ولم نعلمها كيف يكون التمسك بهما ومقاومة صدمتها.
- يجب أن نبذل مجهودات كبيرة في فتح شبابنا الجديد الذي علقنا عليه آمالا جساما ليكون لنا وبجانبنا فكان ـ وياللسقوط والدناءة- علينا وضدنا بأخلاقه المخربة. (1/8)
صفحة 9
- إذا عدمنا الأخلاق الإسلامية والتربية الصحيحة فمن الظلم أن نلوم غيرنا إذا دعانا إلى أخلاقه وعوائده وساقنا كالأنعام إلى مجزرة أحلامه وأمانيه.
- في سنين قليلة أفسد الغربيون للشرقيين ما لا يصلح في قرون عديدة..نعم أفسدوا عليهم أخلاقهم ودينهم.
- الأخلاقَ الأخلاقَ أيها المسلم الضعيف فهي حصنك الحصين الذي تلتجئ إليه البقية الباقية التي ورثتها عن آبائك الكرام فبدونها تضمحل وتموت.
- الأخلاق هي المادة الأولية لتكوين الشعوب.
- هناك بعض الناس يظنون أن الأخلاق منحصرة في الجلوس والقيام والأكل والرقاد والتحية والنطق ويستغنون بالمظاهر الخارجية عن البواطن.
- الأخلاق أن تكون أبيا وطيبا غيورا عاملا لرفع الإنسانية من الحضيض محبا للفضيلة والشرف.
- الأخلاق أن لا تبغض الحق وأن تعامل من حولك بما لا يوبخك به ضميرك وأن تقوم بواجبك نحو الله ونفسك ووطنك والناس.
- الأخلاق هي الوسيلة الرئيسة لبلوغ السعادة،والهناء سعادة النفس وهناء الضمير.
- الأخلاق غذاء الأرواح الطاهرة الزكية.
- الأخلاق هي التي تحفظ الأمم من الفناء وتسقيها بماء الخلود والبقاء. (1/9)
صفحة 10
- ما هذا التساهل في الدين ما هذا الإلحاد المخوف ما هذا الاندماج في الغير أين الأخلاق التي تزعمون أنكم تلقيتموها عن أساتذتكم الأوروبيين القائلين أن لكل أمة أخلاقها وعوائدها ومحال أن تعيش بدونها.ما بالكم عميتم عن هته الحقيقة أيها الشبان المارقون وتزعمون أنكم فهمتم كل شيء وغيركم غاب عنه كل شيء.أتطمعون أن تبلغوا عظمة الغرب وجلاله وأنتم كالذباب لا يقع إلا على القاذورات.ألم يبلغكم بأنكم صرتم أضحوكة العالم المتمدن بالمخزيات التي تقترفونها تقليدا مع جهلكم بأساليب الحياة.فأنتم اليوم خليط من عدة عناصر متباينة عجيبة لم يحك لنا التاريخ أمثالكم في عصر من عصوره الغابرة . آه .. لا أقدر أن أقنعكم بشيء لأنكم لا تخجلون من اقتراف العار ولأن نفوسكم قد مسخت مسخا وأرواحكم الشرقية الطاهرة فارقت أجسادكم فاحتلتها أرواح سافلة متمردة تستمد قوتها من الرذيلة ووحيها من الشيطان ... ما أشقاكم وما أشقى وطنا أنتم أبناؤه..
- وويل لأبناء الغد المساكين من شبان الشرق الحاضر بل ويل للمستقبل كله من مؤامراتهم الفظيعة الموجهة ضد الأخلاق والفضيلة والواجب.
- ورود الأخلاق الفاضلة لا تفتح أكمامها إلا في بساتين الدين الصحيح .
- إن انحطاط أخلاق شبابنا مسبب عن سكوت العلماء وجبن الدعاة والكتاب ورضاء الحكومة.
- أرى الشرق في انحطاط مستمر بانحطاط عقلية أبنائه الفلتاء الذين لا خلاق لهم ولا دين.
- الأخلاق أن تحاكم نفسك أمام ضميرك وعقلك كلما سولت لك فعل شيء لا يليق.
- الأخلاق أن تزن أعمالك كلها بمسبار الخوف من السمعة غير الحسنة في جميع مواقف الحياة. ...
{ التربية والإرشاد }
- شجرة الصدق لا تنبت إلا في قلب يسقى بماء العفاف والنبل .
- أجمل ثوب يرتديه الإنسان حسن الخلق .
- الشر لا تهتم به إلا النفوس الدنيئة كما أن الشوك لا ينبت إلا في أرض خبيثة .
- المروءة أن لا تطرق باب الخبائث وأن لا تعدم في سوق الفضيلة. (1/10)
صفحة 11
- التواضع لا يسكن إلا قلبا طاهرا خاليا من النقائص متنورا بأشعة الفضائل والكمال .
- من لم يصبر لإخوانه فليتحمل فشوأسراره .
- أهون خلق الله وأضعفهم من لم يقم بواجبه.
- الكسل مزرعة الآلام والأحزان.
- السكوت في غير محله ضعف وخور.
- كلما علا الغراب عن الأرض صغرت الأشياء في عينيه (1)
- إذا أردت أن يُفهم كلامك ويُعمل بمقتضاه فخاطب الناس باللغة التي يفهمونها وبما تتمنى يخاطبوك به لوكانوا مكانك وكنت مكانهم.
- قبل أن تتحدث اِعلم أن الناس سيتحدثون عنك .
- هيهات أن تجد أنصارا وأعوانا بشراسة الأخلاق وعدم مراعاة إحساساتهم وعواطفهم.
- سمعة المرء مكتوبة بمداد عمله.
- الجاهل حي لا كالأحياء وميت لا كالأموات.
- البخيل من يعجز عن منفعة غيره ولو بلسانه.
- لا تقل إني ضعيف وغير قادر على القيام بالأعمال الجليلة ما دمت تسعى وما دمت ضنينا بأوقاتك الثمينة.
- البطالة سفينة تنقل العمر إلى محيط العدم إلى حيث الهلاك والبوار.
- المتهور أعمى بلا عصا يسعى لحتفه بظلفه.
- المسرف يلقى صفرا في آخر الحساب.
- حذار أن تفتح للئيم باب المزاح فيتسرب إلى غرفة عرضك وكرامتك .
- لا تفتح أبوابا تعجز عن وصدها.
- لا تعتقد أشياء يسوءك المجاهرة بها.
- من السفالة أن يحتقر المرء مواطنه ويزدري بهم لأنهم بسطاء لا يفهمون مقاصده ومراميه.
- من العقوق أن ينكر المرء أصله ولو كان خاملا ويفتخر بسواه ولو كان ماجدا كاملا.
- الكريم يسكت فيعطي ويعطي فيسكت.
- يجب أن أرى في نفسي من النقص والاختلال ما لا يراه عدوي الراصد لأصلح حالي وأقوم اعوجاجي قبل أن يلسعني بعقارب انتقامه وبغضه.
- الغضب لأمر تافه شرارة يقذفها بركان ضعيف النفس.
- من الجنون أن تصادم من هو أقوى منك ثم تصرخ بعد ذلك بالعويل والبكاء.
__________
(1) - معناه أن اللئيم كلما ازداد ارتقاء في العلم أوالمال نظر إلى من هودونه بعين النقص والازدراء. (1/11)
صفحة 12
- من لم تدسه الأقدام ولم يعتبر بحوادث الأيام لن يبلغ المجد والمرام.
- لا يمكن أن يسود المرء مادام يسكر بخمرة المدح وتفتر عزيمته بحنظل الهجاء.
- لا تطلب ما لا تقدر عليه وما لا طمع فيه فتمت مكمودا أومجنونا.
- ليس الحق ما نتشدق به في كل ناد وما تصفه ألسنتنا إنما الحق ما كان نتيجة أعمالنا ومساعينا.
- الرجل ترفعه كلمة وتضعه أخرى فليزن الكلام قبل النطق فإن في اللفظة الواحدة حياته أوموته وعزه أوذله.
- من مكارم الأخلاق عدم الطعن في أذواق الخصوم والكف عن التبجح بما يكتمون.
- لا يتنزه القلب من الضغائن والأحقاد إلا إذا أفعم بالحب والإخلاص.
- لا تلصقوا بأنفسكم ذنوبا أنتم براء منها قصد التواضع والسلامة كما يقولون فإن ذلك دليل على سفالة النفس وقلة الهمة.
- التسامح أقرب طريق إلى الوفاق.
- أقرب ما يكون المرء إلى الدناءة والخزي عندما يذكر من لا يستحق الذكر.
- لا يعد وطنيا من لا يبكي لبكاء مواطنه ولا يفرح لفرحهم.
- يبكي المتقاعد عن واجبه على وطنه الشهيد ولكن الوطن لا يحتاج إلى بكائه فليبدل سيرة أجدى وأنفع .
- الحكيم لا يستغني عن مشورة خِلانه في الرخاء لكي يجدهم على بصيرة من أمره في الشدة والحرج.
- المرء بهمته فإذا أردت أن تكون عظيما فارفع نفسك بهمتك إلى سماء العظماء ودعمها بالأعمال الجليلة والمساعي الخطيرة.
- احترام الناس بعضهم بعضا أكبر باعث للمحبة والوفاق.
- من هان عليه عرضه وماله ودمه فليجهل قدره.
- دخول المرء فيما لا يعنيه ظلم لنفسه التي بين جنبيه .
- قد يظن البعض أن كثرة الكلام واللغو دليلان على العلم والنباهة وأن الصمت والرزانة دليلان على الجهل والفهاهة.
- الشجاع من قال فصدق وأوعد فأنجز.
- الصبر لنوائب الدهر محمود ولكن الخضوع للذل والهوان دناءة وخسة. (1/12)
صفحة 13
- إذا ضمك مجلس ودار الكلام بين الحاضرين كن أنت الأخير في الحديث حتى تجمع بين الأفكار والآراء فتعلم ما تشمئز منه النفوس وما تبتهج به فيكون كلامك بعد أقرب للصواب وأوقع في الألباب.
- الترف والمجون يحطمان ما تركت الأسلاف للأخلاف.
- الجبن في أعراض الأبرياء شجاعة ودين .
- ويل لشعب فسدت أخلاق شبيبته فهي الداء العضال والموت المحتم تخرب في أمد قصير ما لا يخربه العدو الداهم في قرون عديدة
- السعادة كل السعادة لأمة تهذبت أبناؤها وتغذت بلباب المعارف وأدركت ما لها وما عليها وعرفت كيف تسبح في لجة هته الحياة المتلاطمة الأمواج.
- اللؤم منبع الوقاحة،والوقاحة أساس كل رذيلة .
- الفضيلة لا تتغير وإن عبث بها يد الدهر.
- الحسد صارم بتار إذا جعلت قلبك غمده قطعك وإن أشهرته فَضَحَك.
- عدم الاعتناء بالشيء يستلزم الحرمان منه.
- ذاكرة الصغير أشبه شيء بالمرآة الصقيلة ينعكس عليها كل ما مر أمامها فاختر أيها الأب ما تريد إن شئت مثلت أمامها صورة أسد وإن أحببت خيال قرد.
- الترف والخلاعة عاملان لسقوط الأمم وخرابها .
- الكسل يأكل العمر أكلا فلا يفيق الكسلان من سباته العميق إلا وأسد الأجل الراصد في باب حياته يترقب افتراسه فيبكي ما شاء الله ولات حين مندم.
- لا تهمل حياتك سدى ولا تظن أن العمر بضاعة تباع وتشترى كلا ولا تلعب بشبابك الثمين فيلعب الزمان بك في شيخوختك.
- لا تعول في رفع قدرك ومكانك على ثوب النسب فإنه شفاف لا يستر ما تحته من الخبث والدناءة.
- من الدناءة وسوء الأخلاق أن تحتقر من يحترمك ظنا منك أنه محتاج إليك فهولا يقدر أن يعيش بدونك.
- ماذا يفيدك علمك إذا لم ينحنِ ظهرُك تحت أعباء الحياة الثقيلة.
- إذا نزلت بين ظهران قوم احترم عوائدهم تأمن غوائلهم.
- أعقل الناس من سمع حديثا يعلمه وظن المتكلم أنه يجهله. (1/13)
صفحة 14
- لاتعاتب صديقك في أمر يهمك شخصيا ولوكان ما كان وإن رأيت ولا بد من تنبيهه فاجعل المعاتبة من باب المفاهمة لا من باب النهي والتأنيب خوفا من إظهار سلطتك عليه فتتغير القلوب.
- قلما تجد من يفهم كلامك إذا كانت لهجتك ممزوجة بالغضب أوالسيطرة. ...
{ يجب أن.. }
- يجب أن نكون أقوياء بعزائمنا لنذلل الحياة.
- يجب أن نعيش سعداء،يجب أن نحيا كرماء،هذه غايتنا وهذه أنشودتنا.
- يجب أن نؤسس نهضتنا على الاعتدال والرزانة لنلكم أفواه خصومنا ومعارضينا بصخرة أعمالنا.
- يجب أن نكمل نقصنا بالشهامة وعلو الهمة حتى يكون الرجل من بمثابة ألف من غيرنا.
- يجب أن نعرف لماذا خلقنا وماذا يطلب منا.
- يجب أن ننبذ الخيال والأحلام في مطالبنا وأن نتمسك بأذيال الحقيقة المتحجرة.
- يجب أن ندرس أسباب سقوطنا حتى نكون على بصيرة من أمرنا فنؤسس حياتنا الجديدة على أرض متينة لا تُزعزع.
- يجب أن نفهم أننا لا نزال في الدرجة الأولى من النهوض لئلا تكون مطالبنا فوق طاقتنا فتضربنا .
- يجب أن لا نتكل إلا على أنفسنا ولا ننظر إلا للمثل الأعلى في سيرتنا فالغاية بعيدة والطريق بالأخطار .
- يجب أن نكون على صعيد واحد في الأيام المنيرة وفي الليالي المظلمة حتى لا نضل عن الطريق السوي والمنهج القويم.
- يجب أن لا نيأس لنزكي أعمالنا ونعزز مواقفنا عند نزول الدواهي والفواجع .
- يجب أن نتسامح في كثير من الأمور لنجعل من خصومنا المعارضين أنصارا وأعوانا رغم إرادتهم.
- يجب أن نحبب للشعب الثبات والصبر والاستماتة في المواقف الحرجة ليحصد بكل سهولة ما زرعه زعماؤه وأنصاره.
- يجب أن نشم السماء أنفة أمام تيار الظلم والاستبداد وأن نخضع لصوت العدل والإنصاف رغم كبرياء النفس وطغيانها.
- يجب أن نعوِّد أنفسنا اقتحام جلائل الأعمال في كل ساعة وحين لنكون دائما على أهبة لتلقي أوامر المجد والعظمة.
- يجب أن نسترد حقوقنا بقوة الإيمان والمقارعة بالحجة ومواصلة الطلب. (1/14)
صفحة 15
- يجب أن لا نضمر البغض والحقد للذي لا نقدر أن نقاومه بالقوة ولكن يجب أن نعلم بماذا صار قويا فنقابل الشيء بمثله فننجح ونفوز.
- يجب أن لا تبهر القوة عقولنا وأفكارنا عند ظهورها فيستأصل الضعف في نفوسنا فلا نقدر أن نحاربه.
-------------------
{ كلنا يعلم.. ولكن أين..؟ }
- كلنا يعلم أن دعائم البلاد لا تقام إلا برجال العلم والعمل وأن الدين الحنيف لا تشرق شمسه إلا في سمائهم الصافية ولكن أين إدراك الواجب؟
- كلنا يعلم أن الحق له رنة وصدى في أنحاء المعمورة وأن الرؤوس الغليظة تخضع له صاغرة ذليلة وأنه يخترق الآذان الصمة طوعا أوكرها ولكن أين من يقول للظالم إنك ظالم جبار وللخائن إنك خائن خبيث ولا يخشى في الله لومة لائم؟
-كلنا يعلم أن الضعيف لا يقدر أن يعيش بجانب القوي لحظة واحدة أعزل (1) ، فإما الفناء والاضمحلال وإما التجنس والاندماج ولكن أين التنبه والحذر؟
- كلنا يعلم أن الحمية الجاهلية هي السبب الرئيسي في استعبادنا والوصول إلى ما نحن فيه من ذل ومسكنة ولكن أين أصحاب العقول الراجحة والأفهام المستقيمة؟
كلنا يعلم أن اولادنا محتاجون قبل كل شيء إلى الأخلاق الإسلامية والآداب الفاضلة حتى تنار طرق الحياة أمامهم فلا يَضَلُّون ولا يُضِلُّون ولكن أين أطباء العقول الماهرون؟
- كلنا يعلم أن اتباع الحق مأمور به شرعا ووضعا رغم الأغراض والشخصيات ولكن أين الانقياد والإنصاف؟
- كلنا يعلم أن صاحب الباطل مخذول لا يلبث أن يتقهقر أمام نسيم الحق العتيد ولكن أين الإقدام والثبات؟
- كلنا يعلم أن الوطن يحتاج إلى كل واحد منا بعينيه لا غير وأن كل من فر هاربا من ساحة الوغى ومقارعة العدو متكلا على غيره فهو جبان خائن ومجرم لئيم ولكن أين الشعور والإحساس بل أين القلوب الحية؟
__________
(1) - الدين الأخلاق العلم الاتحاد ...إلخ إلخ هي سلاحنا الوحيد الذي نقارع به جيوش الضلال والفساد. (1/15)
صفحة 16
- كلنا يعلم أن الوطن ينادي والدين يستغيث والشرف يبكي ولكن أين ألسن الإجابة والتلبية؟
- كلنا يعلم أن لا خير في حياة المرء إذا كانت مقرونة بالذل والهوان والحياة الحقيقة حياة العز والاستقلال ولكن أين الأحياء الأباة؟
- كلنا يعلم أن النجاح والسعادة نتيجتا الصبر على المكاره والسعي المتواصل مع الثبات في المبدأ ولكن أين العزائم الفولاذية والإرادات الحديدية؟
-------------------
{ الشرق والشرقيون }
- في شمال إفريقيا الآن نهضة علمية لا بأس بها تشرئب إليها الأعناق من كل مكان ولكن من سوء الحظ أنها تسير ببطء محسوس مع شيء من الفتور كدنا نيأس من نتيجتها لولا الأمل الصادق والواجب المفروض.
- إن للشرقي مواهب تؤهله لكل عظمة أقوى وأغزر من مواهب الغربي (1) ولكن الدهر الغشوم أحنى عليه وأرخى سدوله على سمعته القديمة فحجب فكره تحت غبار الضغط والإهمال.
- في الشرق أمم تصبو إلى نيل سماء الغرب ولكنها لم تزل تجهل الطريق الموصل والأسباب الأولية اللازمة.
- لست من المتشائمين على الشرق أبدا ولكني أقول بملء فيّ ما دامت أقواله أقوى وأضخم من أفعاله فحاضره أحسن من مستقبله.
- محال أن ينال الشرقي المجد والعظمة بغير الطريق التي سارت فيه أسلافه وبغير الآلات المعنوية التي استعملتها في حفر أساس بنيانها الضخم. وأما تشبثه بأذيال الغربي تيها وتقليدا فلا ينتج منه إلا المسخ والاندماج.
- إذا تقهقر مسلم أمام خصمه فسببه :"فيه قولان" (2)
- إن سقوط المسلمين قد يُتدارك بشيء واحد هوأن يكونوا مسلمين بالمعنى التام.
- المسلمون يرثون علو الهمة عن أجدادهم ولذا إن عثروا لا يسقطون
__________
(1) 3- دليلنا التاريخ الغابر والتاريخ شاهد عدل.
4- يعني أن غير المسلم يعتقد بلا تردد أن في الإقدام نجاحا وفوزا وأما المسلم الضعيف فلا يمضي على أمر إلا إذا لعبت به الوساوس فيقول إذا تقدمت إما أن أظفر وإما أن أسقط فالمسألة-واخوفاه- ذات
(2) وجهين. (1/16)
صفحة 17
- ما دام المسلم يعرف ربه ويؤمن به يسعى دائما بكل قواه بأن يكون عبدا له لا لغيره.
- قبيح على الشرقي أن ينسى بأن تحت تراب وطنه المقدس عظام آبائه الأولين وأنه عن قريب لا محالة سيجاورهم في مرقدهم الأخير ولا ينقي تلك الأرض من الشوك الذي زرعه يد الزمان الظالم.
- وما سقط هذا الشرق التعس إلا بكثرة مذاهبه وانفكاك أواصر بنائه.
- الإسلام ينادي .. فلتجبه أبناؤه بالعلم والمعارف والرجوع إلى الكتاب والسنة.
- المسلم كيف ما كان حاله يكره من صميم فؤاده بأن يقال له أنت "ملحد" ولوما بلغ ما بلغ من الكفر والتمرد وذلك مما يدل على أن الإسلام سوف يلمع كأول مرة كان بها.
- إذا فسد مسلم وانحلت عزائمه فاعلم أنه متكل على شرف أصله.
- المسلمون في حاجة إلى غسل ما لصق بهم من أدران الخرافات الباطلة تحت عنوان الدين وإن تبرأت بها الشريعة وهربت منها الملة السمحاء فرار السليم من الأجرب.
- ما دام الشرق لا يعتني بدرس حياة عظمائه اعتناء خاصا هيهات أن يصير عظيما.
- منع الشرق النهوض إهماله أمرين عظيمين بهما ترفع ألوية الأمم ويعز شأنها هما:"اللغة والدين "، أما اللغة فالعربية وأما الدين فما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه.
- إن للدهر قوارع جمة ينبه بها الشرق الغافل ولكن كل ذلك لم يجد نفعا لأن نومه عميق ونفسه ضعيفة.
- إن سيرة الشرق الحاضرة مصيرها انفكاك ممالكها بعضها عن بعض في أقرب وقت إن دام في حالته الحاضرة لأن الإسلام الذي هو مصدر كل وحدة ورابطة صار يتضاءل كل يوم وإذا ضعف السبب ضعف المسبب.
- إن كلمة"الشرق"لا تطلقها بعض الشعوب الشرقية على أخواتها إلا في الشدة وإما في الرخاء فترى نفسها هي الشرق والشرق هي.
- المسلمون اليوم جسد بلا رأس وكل عضو يتألم بانفراده فلا جامعة ولا رابطة بينهم فلو قدر على الرأس أن ترد في مكانها لشكت إلى الطبيب ما يعاني الهيكل كله من السهر والحمى لعجل الشفاء ولتم المراد. (1/17)
صفحة 18
- الشرق الآن أجوف كالطبل لا يفهم من نغماته إذا قرع أكثر من كون أبنائه مذبذيين متخاذلين لا يصلحون لمهم.
- صارت ممالك الشرق في القرن العشرين كقطع ذهبية ملقاة بفلاة لا يحرسها إنس ولا جان.. وشلت يد وصلت إليهن ولم تتصرف فيهن كما شاءت وشاء قانون حفظ المهن من التلاشي والضياع .
-------------------------------------------------
{ أنت وطني ما دمت.. }
- أنت وطني ما دمت متعلقا بعوائدك وقوميتك ولغتك وشرفك تعلقك بنفسك التي بين جنبيك.
- أنت وطني ما دمت تشعر بوجودك الحقيقي وشخصيتك البارزة بين الأقوياء المستبدين.
- أنت وطني ما دمت ترى أن التسامح في أقل قليل من حقوقك يفضي إلى انهيار مجدك الضخم الكبير.
- أنت و طني ما دمت تعتقد أن التظاهر بالضعف والاستكانة أمام الغاصب جناية لا تغتفر.
- أنت وطني ما دمت تفيض رأفة ورحمة على مواطنيك البؤساء المعترين.
- أنت وطني ما دمت تبغض الانتقام من خصومك حين تظفر بهم وتميل إلى التسامح لأن روابطكم الوطنية والدينية والقومية واحدة لا تنفك أبدا.
- أنت وطني ما دمت ممتازا عن غيرك بشعائر بلادك المقدسة لا تبغي بهن بديلا.
- أنت وطني ما دمت تغيب عن رشدك إذا مس شرف أخيك ماس.
- أنت وطني ما دمت تعمل لا لأجل أن يقال إنه عمل.
- أنت وطني ما دام لك ضمير حي يشعر ونفس حساسة تتألم وعين متيقظة لا تنام.
- أنت وطني ما دمت ترسل جل بل كل أعمالك مع أثير الغد إلى الجيل الذي يسكن مدينة المستقبل.
- أنت وطني ما دمت تفتخر بأعمال أسلافك الكرام ترغيبا لبني جلدتك على اتباع ما كانوا يعملون.
- أنت وطني ما دمت ترى أنك خليق بالبقاء وجدير بالحياة وإن كانت فؤوس الاستعمار موضوعة فوق رأسك وقبر الدمار فاغر فمه ليبلعك.
- أنت وطني مادمت تعتقد أن بلادك لا تساوم ولا تقدر بثمن مهما جل وارتفع وإن من أراد سلبها والقضاء عليها يجب أن يُقَطَّع إربا إربا بغير رحمة ولا شفقة. (1/18)
صفحة 19
- أنت وطني ما دمت أمينا صادقا غيورا شجاعا لا تخون،لا تداهن،لا تتملق،لا تخاف،لا تزدري بالضعيف ولا تبالي بالقوي.
- أنت وطني ما دمت تتقوى بإخوانك ويشتد ساعدك بهم ولوفي الرخاء.
-------------------------------------------------
{ الوطن والوطنية }
- الوطنية كتاب صحائفه القلوب ومداده الإخلاص.
- قد يظن البعض أن الوطنية الصادقة شيء خلاف الدم الجاري في العروق وأن التمنطق بها كاف لحماية الشرف والحقوق.وهذا الظن مناف للصواب والحقيقة.
- كل الناس تدعي الوطنية وكلهم ينتمون إليها ويبكون في الرخاء عليها ويتغالون في عشقها والافتتان بحبها ولكن:
"إذا اشتبكت دموع في خدود تبيّن من بكى ممن تباكى".
- من أحرقت الوطنية لبه بجمرة الحماس والغيرة بقي أبد الدهر مفتوح العينين حي الوجدان نقي الضمير حر النفس مطمئن البال.
- كل من يتألم لرؤية الفساد والعسف في غير وطنه يصلح بأن يكون وطنيا خادما لبلاده وأمته.
- كل ما ألقاه في سبيل إحياء وطني وبلوغ مقصدي لا يثبط همتي لأني أتيقن أن لا خطب أعظم من الموت والموت في هذا السبيل المقدس أحلى من الشهد.
- جدير بالمحبة والاحترام من سعى في المصلحة العامة وبذل نفسه ونفيسه في إحياء شعبه وترقية أمته.
- الوطنية أن تنصر الفضيلة وتكشف اللثام عن وجه الحقيقة وتصبر كل الصبر وتشكر قومك حين يهدون لك وسام الجنون ولقب الطيش.
- من الجنون بل من المحال محاولة إطفاء جذوة الوطنية الملتهبة في أمة دب في شرايينها روح التضامن والحياة النضرة وشعرت بما لها وما عليها إذ الحياة معنى كامن في النفوس وما استمد قوته من الروح فمن العبث القضاء عليه ما دام ذلك الوازع موجودا.
- الوطنية الحقة سعادة يتمتع بها الرجل الغيور بين قوم ضلت أفكارهم في صحراء الخرافات الفارغة والجمود المميت ولوكان يلقى في سبيل صيانتها والذود عن حياضها ما لا يتحمله غيره. (1/19)
صفحة 20
- الغلو في الوطنية محمود ولكن بشرط أن نحترم أفكار غيرنا وأن نقبل الحق من حيث أتى ومن أي فم خرج.
- غايتنا الوحيدة التي ترمي إليها نهضتنا العلمية الإصلاحية هي إحياء ما اندرس من مجد آبائنا والاقتداء بعظمائنا وتلقين العالم بأننا أمة إسلامية متمسكة بدينها وعوائدها وقوميتها ووطنها تمسكا متينا لا تبغي بهن بديلا.
- قد يظن البعض أن خدمة الأمة المعذبة والذب عن شرفها المداس شيء خلاف الواجب أوانه فرض كفاية. وهذا الظن ليس من الوطنية في شيء.
- الوطن كالهواء والنور والماء كلها ضرورية للإنسان وآلات حياته فإذا فقدت إحداها لم تقم مقامها الأخرى.
- الغيرة القومية درع تدافع به الأمة عن شرفها وترد به كل ما يطرأ عليها من المطامع والدسائس.
-------------------------------------------------
{ العظمة }
- البطولة بنت اليقين والإيمان.
- ينام الرجل العظيم على فراش الحوادث والنوائب ولكنها لا تقلق مضجعه.
- لا يشترط في العظيم غزارة العلم ولكن يجب أن يكون عموميا قبل كل شيء وذا رأي وحزم وشجاعة وعمل.
- بالله يا دهر مالي أراك تفارق منازل العظماء ولا تأوي إلا إليهم أهل نسيت شيئا عندهم ففتشت فلم تجد إلا راحتهم فأخذتها أم تشاركهم في سعادتهم فسولت لك نفسك سلبها فكنت لها من المجيبين.
يا دهر رفقا .. فإن قلوبهم من لحم ودم وإن أظهروا لك الشجاعة والصلابة وعقولهم لطيفة وإن رأيت منهم الصبر والرزانة ولكن أنشدك بقساوتك المعهودة أن لا تترك سهما في كنانتك إلا رميتهم بها وأن لا يفتحوا بابا إلا أغلقته لكي يفهموا جيدا كيف تعيش البؤساء والفقراء من أمتهم وكيف تلعب بهم الأيام فيسعون ويجدون ليل صباح في سعادة الجميع ورقي البلاد.
- عظمة النفس في الإنسان بمثابة الكهرباء في الأجسام فالأولى تظهر في الخارج بالعلم والتجارب والثانية بالفرك والتحاكك.
- العظيم من سجل اسمه في قلوب قومه بمداد المحبة والإخلاص. (1/20)
صفحة 21
- العظيم عظيم القلب قوي الإرادة لا يتأخر ولا يتردد أبدا.
- قد يقف الرجل العظيم خاشعا أمام تابوت بطل من أعدائه مراعيا قام به من الأعمال التي خلدته ميتا.
- عندنا رجال لو وجدوا تربة صالحة لبذر أفكارهم وآرائهم لقاموا بأعمال خالدة وحياة ضخمة.
- عظمة النفس تجلب الطمع فيما وراء الاستطاعة البشرية.
- إنما مثل العظيم في حياته كمثل الشمس المنيرة في سمائها فالأول لا تقدر أعماله حق قدرها إلا إذا مات وغاب عن الأبصار والثانية لا تتوجه إليها الأنظار إلا إذا كسفت وتغير نورها.
- يقول العظيم فتهتز لقوله القلوب لأنه يشخص بذاته أمة كاملة.
- لا تنظر إلى عظيمين من وجهة المقارنة فتهضم لواحد منهما حقه ولكن انظر إلى كل بانفراده وإلى البيئة التي عاش فيها والناس الذين أحاطوا به الفرص التي صادفته فاغتنمها،ثم اطرح سيئاته من حسناته وصرح بعد ذلك بما يوحيه لك العدل والإنصاف.
- أعظم الناس من كثرت أقوال الناس فيه .
- لن تبلغ رتبة العظمة إلا بشهادة الخطوب.
- إن للعظيم عيونا لا تعارضها عن رؤية المستقبل الحجب الكثيفة.
-------------------------------------------------
{ الإرادة والعزيمة والهمة }
- لا تتأخر أبدا تفتح لك السماء أبوابها فيسربلك الله بروح من عنده.
- النفس العظيمة طماحة إلى العلووالتقدم حتى في أحلامها.
من عشق العظمة فليكن ذا همة عالية وإرادة ثابتة وفكرة واسعة فحامل هته الخصال بين جنبيه لا بد والأيام يظفر ببغيته لأنهن يبعثن الإنسان دائما إلى الأمام بقوة لا تكل ولا ترجع.
العظيم يقصد غاية شريفة فيبلغها أويموت في سبيلها ولا يتأخر عن طلبها.
الإرادة تخترق أسوار النوائب وتستعذب في سبيل العلا أشد المصاعب.
هيهات أن تبلغ غاية جليلة كانت أم حقيرة إذا لم تجعل الثقة التامة في نفسك.
لا تقولوا إذا قدرتم أن تفعلوا.
حاربوا الأيام والليالي بالليالي. (1/21)
صفحة 22
قلب العظيم كقلوب الناس جميعا مركب من لحم ودم ولكنه مملوء بغضا وحقدا على الحياة فهويرغمها إلى ما يريد فتراه دائما في كفاح معها إما غلبته فمات شهيدا وإما غلبها فعاش سعيدا.
ما أصعب الأخذ بزمام نفس سارت وراء غايات متعددة وأماني كثيرة متشبعة.
الصعود المعنوي شيء عظيم جدا لا تطمح إليه إلا النفوس المقتبسة نورها من أشعة الكمال.
من السقوط أن ننظر إلى الظالم بعين مملوءة رعبا وخوفا لأنه كان أقوى منا وأعز نفرا.
الشهامة ثروة الفقير وتاج الضعيف.
العامل المجد قادر على أن يعيش سعيدا رغم أنف حوادث الأيام والليالي.
حياة الشجاع في موته وموت الجبان في حياته.
العزيمة إذا رفعت رأسها من عرينها لا تنثني دون بلوغ الغاية والمراد والفناء من هته الدار دار الجور المحفوفة بالأبالسة.
الرجل الحقيقي من يزيده السجن إقداما والإبعاد ثباتا والتهديد بالإعدام اطمئنانا.
إن حمل المجد ثقيل وثقيل جدا لا تحمله إلا النفوس الكبيرة المتشبعة بأنواع التضحية وعدم الاكتراث بالألم.
لا يصعد من يخشى السقوط.
قدرك عملك ومكانك همتك.
من بحث عَلِم ومن علم تفكر ومن تفكر أراد ومن أراد فعل ومن فعل نال.
قل أوافعل واستمر تر الجبال الشواهق تسير أمامك صاغرة ذليلة.
الإرادة قوة إلهية لا يتجاسر أحد على الوقوف أمامها.
- - -
{ التاريخ }
التاريخ آلة مصورة لحوادث الزمان الغابر فهولكل أمة ديوان محاسنها ومساويها.
التاريخ كالذهب يجبر بعد الكسر.
إذا جهلت أمة تاريخها فقد جهلت مستقبلها وإذا جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها بيدها وألقتها في يد غيرها.
التاريخ مرآة مكبرة يرى الإنسان بها ما لا يراه بغيرها وسبيل المستقبل ممهد بآلة الماضي.
يجب على الأمهات أن يرضعن التاريخ للأطفال الصغار مع اللبن في حجورهن الرحبة حتى تمتزج بهم محبة عظمائهم وأسلافهم امتزاج النور بالشمس والماء بالراح. (1/22)
صفحة 23
يجب أن نصرف أوقاتنا في درس تاريخنا وتدوينه بطريقة عالية مجردة عن العواطف والتأثيرات الخارجية كالتي يسلكها الغربيون اليوم أزاء تاريخهم وإلا فعلينا السلام.
ليس التاريخ سرد الوقائع سردا وحشرها في بطون الكتب حشرا وهوأفضل الفنون وأنفعها لتربية النفوس وتثقيف العقول فمن الحكمة أن لا تخشى الضمائر بفضلات لا فائدة فيها إلا اشتغالها بالسفاسف التي لا طائل بعدها.بل يجب موضع عناية تامة من تنقيب وبحث وفلسفة واستنتاج.
إن للتاريخ معنى غير المعنى الذي نفهمه نحن اليوم وربما فهمناه حين ندرك جليا عظمة الغرب وجلاله وبماذا وصل إلى ماهوعليه الآن(5)التاريخ محيي الأمم وقد يكون قاتلها إذا شربته من كأس غيرها.
- - -
{ الشباب }
إن عزيمة الشباب لأمتن سبب إلى بلوغ سماء الكمال.
الشباب مصدر جميع القوات البشرية في أطوارها كلها.
إذا كان عمر المرء كالجسد فالشباب بمكان القلب منه.
لا تحدُّ وثبات الشباب إلا بالقبر.
الشباب مسرح الشيطان يمثل فيه أدوارا محزنة.
قرأت علم الشباب فلم أزد إلا جهلا وتأملته فألفيته ضربا من ضروب الجنون.
في لوح الشباب سطر غامض المعنى لا يفهمه إلا الشيوخ.
الغرام مائع يغلي بنار الطيش في مرجل الشباب.
نعم نحن معاشر الشبان لم تحنكنا التجارب فنعرف لحقيقة الحياة معنى ولكننا لا نهمل الاعتبار بالماضين ولا نستغني عن مشورة أولي الألباب من العصريين.
النبوغ كامن في قلوب الشبان ولكنه لا يبرز إلى الخارج إلا بالضغط والاضطهاد.
إذا أراد الله إسعاد شعب ألهم شبانه النظر يمينا وشمالا بعين تفيض بحثا وتنقيبا.
الشهاب نار حامية ينفع ويضر ونفعه أعظم من ضرره في معظم الحالات.
الشباب معناه القوة والحياة.
شباب كل أمة هدف أنظار الباحثين عن ضعفها وقوتها.
الشباب سيف لا يفل إذا كان حامله بطلا خبيرا.
- - -
{ الحياة }
الحياة زهرة باسمة تقتطفها يد المنون.
الحياة كلمة غامضة لا يفهمها إلا العظماء. (1/23)
صفحة 24
الحياة ميدان فسيح فيه يقارع الإنسان أنواع الخطوب والأهوال.
الحياة مسرح العجائب والإنسان يمثل فيه أدوارا مختلفة هامة ثم يختفي عن الأبصار.
الحياة صحيفة فيها تسجل أعمال الإنسان.
الحياة منبع الشقاء والأتعاب والموت.
الحياة طيف معشوق ولذة موهومة.
الحياة الحقة محفوفة بالأخطار والدواهي.
الحياة سراج وهاج وزيته الأمل فإذا فقدت الزيت فرحمة الله على السراج الوهاج.
الحياة لا تحارب إلا من سالمها ولا تسالم إلا من حاربها فقاتلوها على الدوام تسلموا من شرها وإلا أعوزتكم الموت فلم تجدوها.
الحياة كماء ينحدر من قمة جبل كل قطرة سالت منه يبلعها بحر الفناء رجوع لها إلى الأبد.
الحكيم يخترق بحر الحياة ولا يخشى الغرق.
ليست الحياة إلا طرة؟؟ سورة الممات ولا الموت إلا فاتحة كتاب اللانهاية.
الحياة كتاب نفيس فطالعوه بدقة وتعقل وإمعان ولا تهملوا منه شيئا لأن الممتحن في مدرسة الآخرة هوالله جل جلاله.
حياة العظيم قليلة الأمل والأقوال كثيرة التنفيذ والأعمال.
لا يدرك عظمة الحياة إلا من جعل الموت نصب عينيه طول عمره.
{ التجديد }
إن حركة التجديد لا تقف عند حد لأنها سنة الكون من لدن آدم إلى يومنا، ومحال أن يعرقلها مصادم مهما كانت قوته ونفوذه.
هناك طائفة في الشرق ترى أن التجدد هوالاندفاع وراء الشهوات والمخازي والاسترسال مع الهوى.فهذا النوع من التجدد لا يرد صداه إلا حائط الهزيمة والخيبة.
الرجعية مضرة بالأمم إلا في التاريخ والدين فمفيدة جدا.
ليس التجدد آلة نهدم بها ما بنته أسلافنا ولكنه قوة غير متناهية نرمم بها الماضي ونمهد بها المستقبل.
التجدد المطلوب من الشرق في نهضته الحالية هوأن يأخذ حسنات الماضي فيضيفها إلى ما في يده من اللباب ويكمل ما نقص من مدنية الغرب الصالحة ثم يخرج من ذلك حياته الطيبة التي خلق لأجلها والتي لا يقدر أن يعيش بدونها. (1/24)
صفحة 25
في العالم قوتان متطاحنتان الاستبداد والثوران والغلبة لا بد أن تكون لأحدهما ولا أظنني مخطئا إذا قلت أن الاستبداد شيخ هرم والثوران فتى نضير والجديد لا يبنى إلا على أنقاض القديم.
أضحك وأبكي كلما رأيت شبابنا الجديد يسير وراء تيار الغرب سيرة الأعمى الأصم الأبكم وهولا يفهم شيئا مما يفعل سوى أنه يقلد متمدنا جديدا يعرف مصادر الأمور ويخترع(الموضات) التي توافق الذوق الرقيق والمزاج اللطيف؟؟.
الرقي المادي وحده يورث الجنون والأدبي مجردا عن الماديات سرعان ما يعتريه الخمول فعلى الشرقي إن رام التجدد النافع الجمع بينهما ليصير سيدا مطاعا.
إن التجدد الصحيح لحد الآن لم يوجد في الشرق، نعم هناك إلحاد وزيغ من طرف،ومحافظة ورجعية من طرف إذ لووجد التجدد المطلوب لما رأينا الشرق في هته الحالة ،حالة تسمع فيها جعجعة ولا ترى طحينا.
- - -
{ السجن }
بين جدران السجون تنبت شجرة الحياة الاستقلالية.
السجون مدرسة فيها يتعلم المهضومون كيف يقاوم الاستبداد والظلم.
السجن جسر بين المرء والعظمة.
السجن نصف التجارب.
السجون لا بد أن تمتلئ بالأحرار في بداية كل نهضة قومية كما أن النهضة لا بد أن تتم رغم الحواجز والعراقيل التي تنصب في سبيلها.
إن الحرية لا تؤسس إلا على السجون.
إن السجن رمز على ضعف الاستبداد والجبروت.
ليس العار أن تغشى السجن ولكن الخزي الأكبر أن تتسامح في دينك ووطنك وشرفك خوفا من السجن.
ما سمعنا يوما أن السجن والإبعاد والإعدام قضت على أمة أبدا بل ما رأينا إلا فاتحة مجدها وعزها وعظمتهما.
لولا السجون لما قامت قيامة للإصلاح ولا تغيرت الأنظمة العتيقة البالية.
إن لِـ"الباستيل"أيادي بيضاء على عظمة فرنسا التي نلمسها اليوم بأيدينا ونراها بأعيننا.
لولا مشاركة المجرمين للأحرار في السجون لقلت أنها بيوت مقدسة يجب أن تحترم.
- - -
{ المرأة } (1/25)
صفحة 26
أول حجرة تضعها الأمة في بناء حريتها هوتهذيب المرأة وتثقيفها لأنها التربة التي ينبت منها الشعب كله.
المرأة صورة جميلة وعنصر طيب ولكن شوهتها يد الشهوات.
المرأة كبيرة جدا في نفسها وأمام مرآتها فهي تحب أن يراها الرجل الذي خلق لأجلها "بالمكروسكوب" ولكنه يأبى النزول على حكمها فتبغضه على الدوام.
المرأة قلب الرجل النابض يصلح بصلاحها ويفسد بفسادها.
المرأة منبع الرحمة والشفقة وهل رأيت أسلاك الحنان كيف تعمل بين الأم وولدها إذا وضعته في حجرها وضمته إلى صدرها.
المرأة شريكة الرجل في مكافحة الحياة.وهل تدوم صداقة بين شريكين متباينين في الثقافة والعقلية؟.
المرأة الجزائرية لا زالت على فطرة طاهرة نقية وإن كانت جاهلة.فلنعلمها ما يهمها من ضروريات الحياة لا غير.
هناك حركة نسائية في عالم الشرق تنسج على منوال الغربيات وتصبوإليهن أما نتيجتها فاضمحلال شخصية الشرق وميزته العالية.
قد جعلت المرأة الجديدة قرن العشرين ماخورا(؟؟) واسع الأطراف للأجيال المقبلة.
المرأة أضعف من الرجل بكثير والدليل أنها ما طلبت الحرية والمساواة إلا في العصر الذي ضعفت فيه الرجولية الصحيحة بل اضمحلت تماما.
ليست المرأة أداة من أدوات المنزل ولكن على كل حال لا ينظم إلا باستقرارها بين جدرانه طول يومها.
نجاح المرأة في ترجلها وتبرجها مسبب عن تخنث الرجل وعدم غيرته.
المرأة في منزلها كالوردة في غصنها يجب أن تسقى وأن يترك لها منفذا من الهواء والنور لتأخذ لونها الطبيعي الجميل الذي قدر لها ثم تترك في مكانها بلا انزعاج إذ لورمنا اقتطفها ذبلت وذوت.
المرأة الشرقية لا يظهر صلاحها ونفعها بغير الدين والأخلاق والتربية المنزلية.
فيا للعجب لقوم يريدون أن يرفعوا الحجاب عن وجه المرأة ونقاب الجهل والتأخر والاستعباد لا زال مسدولا على وجوههم. (1/26)
صفحة 27
إن المرأة الشرقية إذا تركناها تسير وراء خطوات الغربيات قبل نهوض الشرق نهضة صادقة رأت الرجل أحقر من أن يطاع وهومستعبد في يد غيره.
الشرق في حاجة إلى تربية أبنائه تربية دينية أولا فبناته ثانيا لا العكس.
المرأة ضعيفة في كل شيء إلا في التمرد عن الطبيعة التي جعلتها ضعيفة فإنها قوية جدا.
- - -
{ السعادة }
السعادة بنت عرق الجبين وقوة الساعد.
ليست السعادة سوى الأمل.
نطلب السعادة في بلوغ غاية فإذا صرنا إليها رأيناها شقاء وتعاسة بعد مدة قصيرة.وذلك مما يدل على أن السعادة وهم والمرء عبد الأوهام والخيالات.
من شاء أن يرى هيكل السعادة المفتتن به فلينظر بدقة وليتأمل في عيني الصغير من كل حيوان.
ما أشد اطمئنان النفس وما أقوى جذلها حينما تذكر عملا جليلا قامت به حق القيام.
الثاكل من حرم سعادة النفس وهناؤها.
لا يكون الرجل شريفا ولا سعيدا بين ظهران قومه جعل رأس ماله سعادة نفسه.
سعادة الحكومة العادلة بسعادة أمتها ولا خير في حكومة تسعد بشقاء الأمة وتشقى بسعادتها.
إذا اعتقدت أنك سعيد فأنت كذلك لأن الاعتقاد قوة لا تضعف أمام الأوهام.
السعادة أن تعيش بين قوم يفهمون كلامك إذا نطقت ويعرفون هدفك إذا رميت وغايتك إذا سعيت.
السعادة كالبرق الخاطف تتلألأ مرة بعد أخرى في سماء حياتنا فلا نشعر بحلاوتها إلا في ليالي شقائنا وتعاستنا.
متى شعرت الأمة أن لها عظماء يجب اتباعهم ومتى شعر العظماء أن لهم أمة متعلقة بهم يجب الأخذ بيدها والسير بها في المنهج السوي فإن شجرة السعادة بأثمارها اللذيذة تظللهم فليمدوا أيديهم وليجتنوا منها ما لذ وطاب.
- - -
{ الجزائر الفتاة }
الجزائر الجديدة فتاة صغيرة لم تبلغ سن الرشد بعد فمن الحكمة أن يجعل لها وصي ماهر وعفيف معا لكي يربيها تربية صالحة قومية تزاحم بها الأمم الحية فيما بعد. (1/27)
صفحة 28
الجزائر في حاجة إلى زعيم وطني يدير مصالحها وإلا فأعمالها ومصالحها ومساعيها ومطالبها لا تكون إلا ضربا من العبث وتضييعا للوقت.
الوقت قامت تنادي أبناءها وتلتمس منهم المعونة على الصعود إلى سماء الرقي والحياة ولكنهم ـ ويا للأسف ـ لا زالوا لاهين بالسفاسف من الأمور مشتغلين بما لا يعني ولا يجدي نفعا فهم لا يسيرون شبرا من الأرض إلا ويعدونه تقدما باهرا معتبرا يستحق الالتفات.
إن الذي منع الجزائر من النهوض الحقيقي إلى اليوم هوعدم اعتنائها بلغة دينها وأجدادها لغة القرآن لغة العرب.
إذا صح أن الأمم لا تتكون إلا من طينة تاريخها الغابر وأن الأمة التي لا تاريخ لها لا تنهض إلا باندماجها في غيرها فإن للجزائر العزيزة تاريخا ماجدا وماضيا خطيرا يذكر بكل إجلال وتعظيم.
إن مستقبل الجزائر موكل بثقة أبنائها في نفوسهم ومساعدة فرنسا ـ محررة الأمم وصاحبة الشعار المثلث ـ إياهم.
يجب أن نجعل للجزائر صبغة قومية خاصة بها لتكون ممتازة عن غيرها في ميدان المسابقة والزحام.
إن الذي قضى على مجد الجزائر الزاهر وخدش سمعتها في الخارج هوتخاذل أبنائها وتقهقرهم بآرائهم إلى عصور مظلمة ساد فيها التعصب والجهل.
لا أُراني مبالغا إذا قلت أن التجارة الجزائرية من مدخول ومخروج أوسع تجارة تتعاطاها الممالك الأفريقية ولا أظنني مجحفا بحقها إذا قلت أن حظ أبنائها ونصيبهم من ذلك القشور والفضلات.
الجزائر في حاجة إلى إنهاض التجارة والفلاحة والصناعة والأدب والعلم واللغة والدين والتاريخ أكثر من حاجتها إلى التفنن في ضروب السياسة المضرة بالأمم غير الراسخة أقدامها في معامع الحياة الجديدة.
الجزائر لا بد أن تنهض نهضة صادقة كغيرها من الأمم الشرقية الجديدة ولكن نتساءل هل بدأت تسير في الطريق الموصل أم لا زالت تمهده؟.ذلك موضع إشكال، وهمة أبنائها البررة لا يعسر عليهم حل ذلك وتحقيق الأمل. (1/28)
صفحة 29
الجزائريون أوسع الناس عقلا وأذكاهم قلبا وأقلهم علما لأنهم يقتنعون بالقليل.
الجزائر تربة صالحة للنبوغ والحرية لغيرة أبنائها وحرارتهم النادرة.فلوأنصف الدهر ورحل الجهل لرأي العالم منهم عجائب تذهل الألباب.
الجزائر أمة إسلامية قبل كل شيء يجب أن تحتفظ على دينها قبل كل شيء.
الجزائر في خطر عظيم من داء التفرنج القتال فلتكن على يقظة وحذر.
من الممكن أن تنصف الجزائر وتعطي جميع الحقوق لما قامت بجميع الواجبات وليس من الممكن أن تكون أمة حية معتبرة في جغرافية العالم إذا لم تجعل الثقة في نفسها وتتكل على داخليتها.
يجب على الجزائري النبيه أن لا يغتر بالظواهر الخلابة وأن لا ينتسب لحزب سياسي ويهجر آخر فالأحسن أن يعمل في دائرة الاعتدال والرزانة إذا طلب فتؤيده جميع الأحزاب بالرغم عنها.
لن تحشر الجزائر من رمسها وتاريخها مدفون.
لا تتكون وحدة قومية جزائرية بغير جرائد وطنية وكتب قيمة تدعوالناس إلى فكرة واحدة وغاية مشتركة.
- - -
{ الفلسفة }
الفلسفة التي لا توصل صاحبها إلى الاعتراف بوحدانية بديع السماوات والأرض فهي فلسفة بتراء.
الفلسفة أن تبحث بكل دقة ثم تحكّم عقلك بكل ما يمر أمام فكرك وبصرك وأذنيك وأن لا يكون للتقليد في آرائك نصيب.
الفلسفة أن تصغي لما يوحيه إليك ضميرك ثم لا تبالي بسخط بكر ولا برضاء خالد.
الفلسفة الصحيحة وسلامة الذوق كفيلان لنبش كنوز الحقائق.
الفلسفة أن تلقن للناس حقائق مجهولة لديهم فإذا فهموها امتزجت بنفوسهم فظنوا أنها معلقة في ذهنهم قبل أن يخلقوا ويخلق العالم.
الفلسفة أن ترى الأشياء لا بعين التعجب والاقتناع ولكن بالتفنن والإبداع.
إن اليونانيين أول من غاص بحور الفلسفة واعتنى بها اعتناء تاما لأنهم كادوا يعبدون الفن والجمال بل فعلوا.ومن هنا نفهم أن الفلسفة بنت الجمال والحب. (1/29)
صفحة 30
الفلسفة خلاف القواعد والقيود فهي أبوهما لأن الإنسان عرفها قبل كل شيء وترعرعت معه في مهد فطرته قبل أن يركب فكرة ويقوم لسانه.
الفيلسوف محتقر في أول نشأته لدى الناس جميعا لأنه يقول أشياء غير معهودة وآراء لا تهضمها العقول الصغيرة ولكنه يعبد في آخر أيامه.
هناك من يسمي معارضة الشرائع السماوية والازدراء بها فلسفة عالية.
فلسفة الأولين مبنية على الوهم والخيال وأما فلسفة الآخرين فعلى البحث والتحقيق لأن درجة المدارك قد ارتفعت باتساع دائرة العلم والمعارف.
الفلاسفة والشعراء من سلالة واحدة وكلهم يتغدى بلبان الطبيعة ويترعرع في حجرها.
الفيلسوف يتعب كثيرا في استخراج كنوز الحقائق ويتعب أكثر في نقشها على صحائف الأدمغة البشرية ولكنه لا يجد من اللذة والغبطة عند انتصاره على الهمجية والجهل أقل مما قاسى من الألم والأتعاب.
إن للفلسفة حدا طبيعيا تقف فيه العقول والأفكار فإذا خرقته صادمت التعاليم السماوية والأنظمة الكونية وأيدت الفوضى والتوحش والفساد.
- - -
{ اللغة والأدب }
أدب كل أمة هومجموع تأثيرات القلبية وانفعالاتها النفسانية ومرآة قوتها المعنوية وحياة لها بدونه.
الأدب مقياس الأمم بها يعرف الدرجة التي بلغتها من الرقي والتقدم.
لكل جيل أدب مخصوص به لا ينبغي للجيل الذي يأتي من بعده أن يقلده فيه،فحياة الأمس غير حياة اليوم وحياة اليوم غير حياة الغد.
إن أدبنا اليوم كإناء جميل مزركش الجوانب يبهر الأنظار ولكنه مملوء بماء عفن وقد نتنت رائحته فهوغير سائغ للشاربين.
الأدب العربي اليوم غير الأدب الذي تتطلبه حياته الفتاة وينشده موقفه الجديد وإنما يلزم أن يسار به إلى غايات أسمى من التي هوفيها الآن.
اللغة هيكل حياة الأمم ومفتاح عزها واستقلالها.
يجب أن نخرج من عالم العدم إلى بحر الوجود أدبا جديدا يلائم عصرنا ونهوضنا وقوميتنا وثقافتنا الشرقية بأن يكون عربيا مبينا عليه مسحة من خيال الغرب الجميل. (1/30)
صفحة 31
اللغة العربية لغة واسعة الأرجاء بعيدة الأطراف لا يضاهيها لسان في العالم ولكن الجل من أبنائها الجامدين خنقوا أنفاسها ولم تتركوا لها منفدا تتسرب منها أشعة الحرية والتقدم فباتت وهي عزيزة الجانب في الزمان الماضي ذليلة حقيرة في دارها اليوم.
يجب أن نحافظ على جوهر اللغة وأسرارها وأن نستعمل أفكارنا ونحكّم أذواقنا فيما عدا ذلك.
لا تزدهر اللغة إلا في تربة الأدب الحي ولا تشتهر في الخارج إلا به فلولا شكسبير وأدبه الخالد لما عرف العالم معنى الإنكليزية.
اللغة جسم وروحه الأدب ولا معنى لجسم بلا روح.
الأدب زبدة مخيض عقول الكتاب والشعراء وذلت أمة لم تنبت أرضها هذا الصنف الأصلي لكل مكرمة ومحمدة.
الأدب الذي لا يصدر عن نفس حساسة باهتزاز أثير الحب شاعرة بجميع الواجبات الوطنية بسيطة في نفحاتها لا يتسرب إلى أعماق النفوس المنيرة الحية بل لا يخلد طويلا ولا يلبث أن يقضي عليه سلطان النسيان والإهمال.
يجب على الأمة النبيهة إذا رامت النهوض والتقدم أن لا تتلقى أدبها القومي الجميل إلا من فم رجال أقوياء العزائم يقولون ولا يترددون يبنون آراءهم وأفكارهم على أساس الحكمة العالية التي تخلد وتدوم.
لا بد للأمة من عقيدة ثابتة تدين بها أبناؤها لتتكون بينهم لحمة قوية وصلة متينة تكون السبب في تعاونهم على خدمة أفراد أمتهم العاجزين والسير بهم في طريق الوحدة والقوة والوئام.وهذا لا يكون إلا بأدب بديع تسعى الطبقة المتعلمة في وضعه وبثه بين الجميع.
- - -
{ الترجمة وتأثيرها في الأدب }
الترجمة من أركان الأدب التي لا يستهان بها وإحدى الطرق التي يسلكها الأدب المتفنن نحومدينة البيان وسحر الكلام.وهي الواسطة بين الأمم قديما وحديثا لا غنى لأحداها عنها.
ومن فوائدها التأثير على الأدب فإنها تقع عليه وقوع ندى الصباح على الوردة الباسمة. (1/31)
صفحة 32
فإذا كان أدب كل أمة ـ وهومجموع تأثيراتها القلبية وانفعالاتها الروحية وزبدة تمخضت عقول بلغائها ـ كالرأس من بقية جسدها فالترجمة والنقل الصحيح من لغة أجنبية إليها عينا تلك الرأس .فالأديب في كل قوم وفي كل لسان لا يزال متمسكا بيد حديدية على جثة أدب قومه ولغته يسومها سوء العذاب ويسجنها في غيابات الجمود والتقليد الأعمى حتى إذا رن وراءه صوت فتاة اللغة الأجنبية الرخيم حركت ميت شعوره التفت إليها معجبا بتغريدها الشجي وجمالها الفتان أفلتت تلك المسكينة من بين يديه القاسيتين فركضت نحوروضة الحرية والتفنن واقتطفت ما لذ وطاب من أثمارها اليانعة وأزهارها الذكية وقفلت راجعة إليه(بحكم التنافس مع ضرتها الأجنبية الجديدة) تحمل روح الحياة وسر الجمال.فيحظى بفتاتين عوضا له عن جثة بالية.وهكذا أصبح سعيدا بعامل التجدد وفضل الأجنبية..
أنا لا أقصد بالترجمة الترجمة اللفظية والاختلاس والمسخ وقتل الأدب بسيف الأعجمية شر قتلة لا حياة بعدها وعدم المبالاة بتحطيم الأوضاع والقواعد الأساسية والبلاغة العربية والإمتيازات والفروق التي يبنى عليها أدب كل قوم والتي إن فقدت شوه وجهه الجميل وروحه الجذاب ولا أقول أن الأدب العربي ضيق يحتاج إلى توسيع أومعوز يفتقر إلى ثروة أجنبية أوخامل الذكر فلا بد له ممن يرفع صوته ليعرفه الناس ولكني أقول وأكرر بكل حرية ـ ولا أفوه إلا بما أعتقد ـ إنه مريض ومشرف على الهلاك إن لم يتداركه أبناؤه في عصر يخالف تمام المخالفة عصوره المتقدمة الغابرة فهومحتاج إلى دواء ناجع يوافق علته ومزاج طبيعته المنغمسة في حالة الجوالحاضر إذن إن حياة اليوم غير حياة الأمس وحياة الغد غير حياة اليوم.نعم يحتاج إلى نطاسي(؟؟) ماهر يعرف موضع الداء فيقاومه بالدواء الملائم له حتى يبله الله ويرجع إليه صحته الأولى في رونق جديد. (1/32)
صفحة 33
أما السكوت عن ندائه وتركه يتألم في فراشه فمن الخطورة بمكان ألا فليتنبه الغافلون من أبنائه فإن لكل زمان رجال ولكل جيل أدب مخصوص به لا يلزم أن يقلده الجيل الذي يليه من بعده ولا هويتوقف على من قبله.
فإن الاتكال على الغير من شيمة الكسالى الأنذال والجمود على طريقة واحدة وحالة واحدة من شأن طبيعة الحجر الأصم(وقد ينموهذا ويحس) لا الإنسان العاقل سلطان البسيطة ومدور دولابها الخطير.
وهل الإنسان المتقدم أرقى عقلا من المتأخر؟ وهل كلما زاد العقل نضوجا زاد بمن سبقه؟
وهل قوة الإدراك في تقهقر مستمر حتى أن المرء لا يفعل شيئا إلا ويسأل هل فعلته القدماء أم لا؟ وهل هومطابق لإرادتهم أم لا؟ وهل القدماء رمز على العلم والاختراع والمتأخرون على الجهل والاتباع؟ وهل خلق الإنسان ليكون ذيل غيره وغيره هوالرأس؟ وهل يدوم بناء مهما كانت صلابته وبراعة مشيده بغير ترميم وتجدد؟ وهل التفنن في الأدب مختص بالقدماء وحدهم؟ أم نشاركهم فيه كاشتراكنا في العقل والذوق؟ وإذا كنا نشاركهم فهل من المعقول الاتكال عليهم؟ وهل العصور كلها سواء والحياة في القرن الأول من ابتداء الخليقة كالحياة في العصر الذي نحن فيه؟ أم تغيرت الأحوال وأتى ما لم يخطر ببال؟ وما السبب في هذا التغير الفادح والبون الشاسع؟ وهل السبب ارتفاع درجة الأدب في الغرب؟ وهل الغرب لم يقتبس نوره من شمس الشرق أم هوكشرق اليوم يأنف أن يأخذ ما يستحسنه من غيره ولوكان ضروريا لحياته؟؟؟؟؟.
تلك أسئلة ألقها على نفسك أيها الأديب وتأمل فيها جيدا وحكِّم عقلك واجعل بين يديك قاموس إنصافك وتجرد عن كل غرض فإذا وعيت ما وعيت واستنتجت ما استنتجت اِمض في سبيلك ولا تجبني بالقول لأن العصر يحرم ذلك بل أريد بالفعل والإقدام.
إن عوامل الانقلاب والتغيير في مملكة الأدب كثيرة لا تحصى وأهمها الترجمة الصحيحة أوالتعريب الذي يقطع به مسافات بعيدة من مركز التقليد إلى غاية التقييد. (1/33)
صفحة 34
إن المرء شحيح بلغته وأدبه(مهما كان عنصره وجنسه ومهما كان حبه للتجدد)ومتمسك بهما تمسكه بروحه التي بين جنبيه وإذا أهدى الله له لغة أجنبية بذرها تبذيرا غير آسف عليها ولا نادم على ما فعل. وإن قدر له ترك شيء في يده به حوادث الزمان استعمل فكره في استخراج اللب من القشور والذهب من التراب فيحظى بجانب وافر من بلاغة تلك اللغة بينما هوفي لغته صفر الكف من عدم البحث والتنقيب لوقف لوقوف بعض النقاد الجامدين في سبيل مراده قائلين له(كلْ هذا ... وإلا مُتْ ... ) فماذا عساه يفعل ياترى إذا لم يبدل الطريق؟ ويترك تلك الصخور في مكانها؟ ويسمح في حقوق كثيرة؟. (1/34)
صفحة 35
لا ينهض الأدب العربي من كبوته هته إلا إذا نهض العالم الإسلامي(6) من غفلته وأرسل بعثات علمية إلى عواصم أوروبا من نخبة شبابه الزاهر لدراسة جميع اللغات الحية(كما فعلت مصر وسوريا وهما جزء من هيكله الضخم) فهذا يتخرج في الفرنسية مثلا وهذا في الإنكليزية وهذا في الألمانية وهذا في اليونانية وهكذا..إلخ فإذا رجعوا إلى أوطانهم بثوا آداب وعلوم تلك اللغات في قومهم بطريق التعليم والترجمة بشرط أن يغضوا أبصارهم عن عادات وأخلاق أساتذتهم ولا ينسوا ميزتهم الشرقية ـ فلا تمضي مدة وجيزة حتى تنتشر بذور الحياة في أرضه ـ أي الشرق ـ الخصبة وتنبت نبتا حسنا يعسر على غيرهم غرسها في أمد طويل ومساع جسيمة.وهذا النبات لا يثمر إلا بالبحث عن أسرار نهوض الغرب ودراسة أدبه درسا عميقا لا مجرد اطلاع وتسلية وتعجب والوقوف بجانب شعرائه وبلغائه وعلمائه موقف تمحيص واستنتاج لا افتتان وعمى.ولكن أنى يكون ذلك وشبابنا أرشدهم الله ـ وهم في وطنهم بجانب فقهائهم متفرنجون ملبسا ومطعما ومشربا ومجونا وإلحادا لا آدابا وعلما ونشاطا ويقظة واتحادا وقوة. وكان لغة غيرهم غاية يسعى لها ما وراءها غاية لا وسيلة من الوسائل التي توصلهم إلى سعادة دينهم ووطنهم وأمتهم بل أخاف أن كثيرا منهم بلقاء ربهم لكافرون وإن الوطن عندهم عبارة عن أرض فوقها سماء مباحة لجميع السالبين وإن أمتهم قطيع من الغنم ما خلقت إلا لفائدة الراعي وأنهم بين ظهرانيها:كالقاعد على الكرسي أمام قاعة المسرح يشاهد مأساة دراماطيقية هائلة تقشعر منها الجلود وتسحق الكبد سحقا بوقائع تجلت فيها مظاهر الجبروت ووحشية الإنسان ثم لا يلبث أن يدْعَك يديه ويهز رأسه ويفتح عينيه تعجبا ورضوخا لبراعة المثل وعبقرية المؤلف ... ... ! ! (1/35)
صفحة 36
نحن لا نتشاءم من هؤلاء كثيرا فهم عضومن جسدنا المتألم وإخواننا رغم أنوفنا وأنوفهم وإنا لنرجوهم من الخير والسعادة مانرجولأنفسنا(وقد يوجد فيهم المتدين التقي ... الذي اختاره على سبعين ... من العاكفين في بطون الزوايا) وإنما نطلبهم بأصلهم العربي وواجبهم الإسلامي المقدس أن يتمسكوا بالدين قبل كل شيء ثم إذا سافروا إلى أوروبا للدراسة وهوما ننشده آناء الليل وأطراف النهار ـ أن ينقلوا لنا لب ما يشاهدونه هناك ويبثوا فينا روح ما تلقوه عن أساتذتهم المتنورين حتى نعيش في اتصال علمي أدبي حيوي مع معاصرينا وحتى يخصب أدبنا المنكوب بمعان جديدة وشعور حي وخيال لطيف:
إن الأدب العربي الآن خصوصا ـ المغربي ـ(7) مثل إناء مزركش الجوانب بديع المنظر مملوء بماء سلسبيل وقد مر على ركوده مدة غير وجيزة فنتنت رائحته وفسد طعمه وتراكم عليه الذباب فأصبح موجودا وليس بموجود وماء وليس بماء وأصحابه بجانبه على ظمأ يرون الحتف بعينهم ولا يفيدهم شيئا كان لا ماء عندهم ولا شجر.أليس من المعقول بل من الضروري تبديله بماء صحي نظيف زلال يبعث في جسم مجتمعنا النحيل دما غنيا بمواد الحياة والاستقلال وأما الإناء فيترك هوهوبلا تغير ولا تبديل وذلك ما اقتضاه حفظ القوميه والجنسية بحفظ اللغة الأصلية لغة الآباء والأجداد.ولله در حافظ حيث يقول على لسان حال لغته وهوأفصح من أعرب عن الأم المعذبة:
فلا تكلوني للزمان فإنني أخاف عليكم أن تحين وفاتي
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة وكم عز أقوام بعز لغات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا فياليتكم تأتون بالكلمات
فعسى هته الكلمات تحرك همم الأدباء الأحرار في قطرنا فيهبوا إلى ما اقترحت ويقوموا قومة رجل واحد في خدمة أمتهم ووطنهم ودينهم ولغتهم بخدمة أدبهم والتفنن فيه فيأتون أهلهم بالمعجزات الباهرات لا بالكلمات البسيطات. (1/36)
صفحة 37
وقبل أن ينفلت خيط موضعنا من يدي أقول أن ولوعي بالمطالعة في كثير من الفنون كبير وبالأدب خاصة أكبر حتى أني أهمل دروسي في بعض الأوقات ابتغاء مرضاته إذا نادى مناديه.أخلوبنفسي مع كتابي فأشعر براحة عظيمة لا يفوقها إلا حضور صديق أديب أراه بجانبي يشاركني في تصوراتي وأحلامي نبكي جميعا في مواضع البكاء ونبتسم في مكان الابتسام وقليل ما أرى أمثال هؤلاء الأصدقاء في وطننا القاحل من رجال الأدب والفن.ولهذا فإني لا أتلذذ براحة الانزواء في بلد أدباء أهلها.أما الآن فقد رزقنا جرائد حرة وطنية تخدم الأدب وأهله.وتسعى في الجمع بينهم وإن نأت بهم الأوطان وفرقهم الزمان فهي الرسول الأمين والمنبر السيار والشمس الناطقة فها إني أقدم إلى أعضاء أسرتي الحقة أسرة الأدب قطعة نثرية الوضع شعرية المعنى عثرت عليها في طريق جولاتي فأخذت من نفسي مأخذها وتعلقت بأذيال فكري فسقتها إلى ميدان الأسماع تحت عنوان المنفي « L’éxilé » للكاتب الفرنسي الشهير"لاموني" « Lamennais » وهومن فلاسفة القرن التاسع عشر المعدودين على الأصابع وقد ترجمتها من لغته الجميلة إلى لساننا البديع بتصرف كبير يقتضيه الذوق العربي رغم قصوري في اللغتين:
احفظ اللهم عبدك التائه المسكين ! !
واحرسه بعينك التي لا تنام ! !
فإنه هائم على وجهه في أرضك الواسعة ! !
"وارحمتا للغريب بالبلد النا زح ماذا بنفسه صنعا ! ! "
"فارق أحبابه فما انتفعوا بالعيش من بعده ولا انتفعا ! "
مررت بأمم شتى وقمت ما شاء الله بينهم.نظروني بعيونهم الجافة ونظرتهم بعيني الفريدة.كلموني فأجبتهم ولكن هل عرفوا حقيقة أمري؟ كلا. ! !
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله.
انظر إلى هته الأشجار بظلالها وأثمارها وإلى تلك الأزهار بعبيرها وألوانها.إنها جميلة جدا إنها في غاية الحسن ولكن هل تجذبني لمناجاتها؟وهل تكلمني وأكلمها؟لا ! !
لماذا؟لأنها في وطن غير وطني ! ! وفي أرض غير أرضي ! ! (1/37)
صفحة 38
أواه على المنفى المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
أنظر إلى هذا الجدول الصغير إنه يسيل بفتور جذاب فوق بساط من السندس الأخضر.
يختال بين زهوره مترنحا جريانه ينساب كالثعبان
فإذا كف النور صافح خده ونظرته فورا بلا إمعان
خلت المياه معادنا من فضة أوإنها جيد على حسان
تخفي وتظهر والشعاع ينيرها كالزئبق الرجراج باللمعان8
ومع ذلك كله إن خريره لا يهمني ولا يذكرني أيام الصبا وعهد الطفولية لأنني لم أعرفه من قبل ولم أقض بجانبه أياما طوالا عند نعومة أظافري فهوليس لي وأنا لست له:
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
ما ألذ الغناء الذي أسمعه إنه صوت شجي يحرك الساكن ويسكن المتحرك.
ولكن هيهات أن يخترق صدري فهولا يتجاوز أذني ولا يهيج في نفسي عاطفة الحزن ولا عاطفة السرور لأنه غريب عن مزاجي وطبيعتي ولأنه في هواء غير هوائي.
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
سألوني ما الذي أبكاك؟أفرقت وطنا كنت تهواه ويهواك؟أم أنك عاشق مغرم؟وقد أسهرك هم مكتوم؟وما بال نهر دمعك لا ينضب؟ونسيم سرورك لا يهب؟
فلما عرفتهم بحالي ! !فما منهم من رثى لي ! !
"لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها"
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
مررت ببعض الشيوخ السعداء وقد أحاطت بهم أبناؤهم إحاطة الهالة بالقمر فما من الأولين من ناداني يابني ! !ولا من الآخرين من دعاني ياأخي ! !لأنني غريب في بلادهم والغريب لا يعبأ به..
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
رأيت شبانا متعانقين محتابين أجسادهم متعددة وأرواحهم متحدة فوقفت قربهم علهم يقربوني.فما صافحني أحد ولا عرف مكاني من الوجود لماذا؟لأنني(غيرهم)ومنفي غريب والمنفي جزاؤه البغض والحرمان.
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله.. (1/38)
صفحة 39
نظرت فتيات صغار ذات جمال وبهاء يبتسمن بتلك الأفواه الأرجوانية والألحاظ القاتلة ابتسامات عذبة حلوة ساحرة ـ تشبه ذلك النسيم العليل الذي يهديه لنا رجل الصباح ـ في وجوه بعولهن وقد اخترنهم كقطب لرحى حياتهن السعيدة فلما ابتسمت أمامهن رأيت وجوها متقطبة وعيونا ترميني بشزر النظر وإشارات الهزء والسخرية.لماذا يبغضنني؟لأنني أجنبي والأجنبي عندهن شيطان رجيم يجب الاستعاذة بالله منه.ما أشقاني وما أسوأ حظي فقدت كل شيء في غير وطني حتى ابتسامة ولوبسيطة تسليني وتزيل همومي.لالا إني أحبها ولا أحب رؤيتها فهي لا تزيدني إلا همّا وغما لأنها صادرة ممن لا أحبه ولا يحبني!!
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله ! !
في الوطن يوجد كل شيء فيه ضارب أطنابه فيه السعادة متجسمة هناك الأب الشفوق هناك الخل الصدوق هناك الأخ الرحيم هناك الزوج الكريم.
أواه على المنفي المسكين إنه غريب في بلاد الله.
خفف عنك أيها المنفي المسكين كفاك سلوى إنك بشر والبشر عنصر لطيف حساس ذوعقل وفكر وشعور ومن كانت هته أوصافه فلا بد أن يتألم ولا بد أن يشقى بل لا ينفك في عذاب دائم وحسرة أبدية إن كان إنسانا بالمعنى الصحيح.خفف عنك إذ لا وطن في الدنيا فمن العبث العثور عليه والحياة كلها أضغاث أحلام تستحيل السعادة الحقيقية فيها.واعلم أن كل من تراه حولك من الآباء والإخوان والأصدقاء والأزواج هم هلكى معك لا محالة والدوام لربك وحده فاصبر إن الله مع الصابرين.
- - -
{ الشعر والشاعر }
الشعر شريعة هائلة ولكنها لا تدخل تحت قانون من القوانين السماوية.
الشعر صلاة الأرواح النبيلة الطاهرة ولكنها صلاة بلا ركوع ولا سجود.
الشعر وحي الضمير وإلهام الوجدان.
الشعر موج متدفق يقذفه بحر النفس الطامي.
الشعر ناموس كوني عام تدخل تحت تعاليمه جميع العوالم.
الشعر تموجات روحانية تخترق القلوب الحية. (1/39)
صفحة 40
الشعر هوتلك الأحلام اللذيذة التي يصورها الصبي في مخيلته الصافية فيعجز لسانه الضعيف عن النطق بها وعن إبداء حقيقتها فيثغثغها مرة ويرسلها مرة أخرى مع أثير تلك النظرة الصامتة وتلك الابتسامة الحلوة الساحرة.
الشعر أقرب طريق بين قلوب المتحابين.
الشعر هوما حرك الساكن وسكن المتحرك.
الشعر أنفس هدية تقدمها الطبيعة الهادئة إلى القلوب الكسيرة.
الشعر دعاء العابد في معبده وبكاء الطفل في مهده وأنين المظلوم في سجنه وتقلب المريض في فراشه وتأوه الثاكل على عزيزة.
الشعر كتاب لطيف يحوي بين دفتيه جمال الكون وبدائعه.
الشعر صورة تتجلى فيه عظمة الله.
الشعر مرآة تنعكس عليها أشعة الحب والجمال.
الشعر هي الحقيقة المبغوضة عند الماديين.
الشعر هوتلك الجاذبية الساحرة التي تجمع بين النخلة وزهرة الربيع الفاتحة أكمامها.
الشعر غذاء النفوس المتفرعة من دوحة الكمال.
الشعر بخار لطيف يتصاعد من أدمغة البائسين.
الشعر هوتلك النظرة العميقة التي يودع بها الأب الشفوق أولاده البررة عند الاحتضار.
الشعر هوكل ما تتلذذ لسمعه الآذان وتتهافت على رؤيته الأبصار وتحن لوقعه القلوب.
الشعر هومعنى تلك الدمعة الحارة المترجرجة في مرآة عيون المنكوبين.
الشعر هوذاك الفخيخ الضئيل الذي ينبعث من صدر الطفل في مهده فيسري مع سكون الليل البهيم فينشر عبيرا معنويا على الكون الجاث في عرينه.
الشعر أعذب ماء ينعش الأرواح المعذبة في صحراء اليأس المحرقة.
الشعر أجنحة البشر يطير بها إلى سماء الملائكة المقربين.
الشعر هوقلب الطبيعة النابض.
الشعر هوذاك الروح الملتهب الذي يبعث الجندي إلى ساحة الوغى فيجود بأنفس نفيس لديه راضيا مسرورا.
الشعر هوالحياة اللذيذة والأليمة معا.
الشعر هوكل شيء وكل شيء هوالشعر.
الشعر حياة القلوب ونور العقول وأنيس الضمير.
الشعر قبسة من الروح الملتهب.
الشعر مفتاح الضمائر المغلقة.
الشعراء يعشقون المجد ولكنهم يكتفون برؤيته من بعيد. (1/40)
صفحة 41
الشعراء نسيم الحياة لرياض النفوس.
الشعراء رسل الحرية والسعادة وكثرة ما يموتون مستعبَدين ومعذَّبين.
الشعراء بذور الحياة ومؤسسوالنهضات.
الشعراء لا ينبغون إلا في زمن العسف والاستبداد.
لا ينطق الشاعر الخبير بحقيقة إلا وتنفذها الأجيال المقبلة إن لم يلق رواجا كافيا في عصره.
نعرف الجمال ونتيه به ولكن الشعراء هم الذين يعلموننا كيف نذوقه ونستلذه.
لولم يكن للشاعر مزية إلا إنسانيته لكفته فخرا.
تظهر عبقرية الشعراء غالبا في أول النهضات ووسطها وأما في دور الفتور والاضمحلال فمعدمون لأنهم يؤسسون ويشيدون وفي الهدم لا يحضرون.
لا ينبغ الشاعر غالبا إلا في القرى والأرياف وأما في المدن فقليل.
لا يكون الشاعر شاعرا إلا إذا حدث قومه باللغة التي يفهمونها وبالمعاني التي يهضمونها.
الشاعر هوالذي يعلم الناس كيف تستثمر الحياة.
الشاعر لا ينتصر لحزب دون آخر ولكن يجب أن يكون أداة الإصلاح وأب الجميع.
. - - -
حقيقة الشعر وفوائده تخريج ص:102
-نظرة عامة وبحث لطيف-
قد يظن البعض أن الشعر هوذلك الكلام الموزون المقفى ولوكان خاليا من معنى بليغ وروح جذاب وإن الكلام المنثور ليس بشعر ولوكان أعذب من الماء الزلال وأطيب من زهور التلال.فهذا ظن فاسد واعتقاد فارغ وحكم بارد إذ الشعر كما قال شابلن CHAPLIN هوالنطق بالحقيقة تلك الحقيقة العميقة الشاعر بها القلب والشاعر الصادق قريب من الوحي.
نعم هوأعلى منزلة من أن يتناوله هؤلاء النظامون الماديون عبيد التقليد وأعداء الاختراع إذ لا يدرك كنهه إلا من له فكر ثاقب وعقل صائب وذوق سليم حتى يقدر أن يستخرج دره من صدفه وسمينه من غثه ومن نبش دفائنه بغير هته الآلات الثلاث فقد حاول مستحيلا وطلب أمرا عسيرا وكان من الذين:
أتوا بكلام لا يحرك سامعا
ّعجوز"له"شطر"وشطر هو"الصدر"
وقد حشروا أجزاءه تحت"خيمة"
كعظم رميم ناخر ضمه القبر
وزين"بالوزن"الذي صار مقتفى
"بقافية"للشط يقذفها"البحر" (1/41)
صفحة 42
وقالوا وضعنا"الشعر"للناس هاديا
وما هوشعر ساحر لا ولانثر
ولكنه"نظم"وقول مبعثر
وكذب وتمويه يموت به الفكر
فقلت لهم لما تباهوا بقولهم:
ألا فاعلموا أن الشعور هوالشعر
وليس بتنميق وتزوير عارف
فما الشعر إلا ما يحن له الصدر
فهذا خرير الماء شعر مرتل
وهذا غناء الحب ينشده الطير
وهذا زئير الأسد تحمي عرينها
وهذا صفير الريح ينطحه الصخر
وهذا قصيف الرعد في الجوثائر
وهذا غراب الليل يطرده الفجر
فذاك هو"الشعر الحقيق"بعينه
وإن لم يذقه الجامد الميت الغر
الشاعر والمصور أجيران للفن والجمال وكلاهما مدين بالإجادة والتدقيق في النظر والبحث هذا في المحسوسات وذاك في الروحيات.فكما أن المصور لا يقدر أن يتقن صورته إلا إذا تزود بجانب وافر من الشعور والإطاقة وكان الشكل أوالمنظر الذي يريده أمامه يراه بعيني رأسه.فكذلك الشاعر لا طاقة له على امتلاك العقول والأخذ بأزمة النفوس إلا إذا أجاد تصوير تلك العواطف الهائلة التي تقوم في ميدان صدره الرحب عندما يريد أن يعرب للسامع عن خاطر من خواطره الخاصة أوالعامة كانت.لا مجرد تنميق وتزوير وتكلف مشين وتعمل بارد وكذب فادح.فإن هذا مما ينقص من قيمة الشعر والشعراء في نظر الأمة النبيهة ومما يزهدها في سماع بنات أفكار الفحول منهم.بل قد يهبط بالقومية إلى أسفل سافلين من جهة الأجانب أيضا فإنهم يستلزمون بسيرة هؤلاء الناعقين-قادة الأمم في كل عصر ومصر إما إلى الجحيم وإما إلى النعيم-إن أبناءها هازلون لا جادون وإنهم محتاجون إلى التأديب والتقريع أكثر منهم إلى التعليم والتثقيف إذ هم عالمون ولكنهم متلاعبون وسائرون ولكنهم متقهقرون. (1/42)
صفحة 43
وعندي أن الغرب ما تقدم إلا بشعرائه المجيدين ولا تأخر الشرق إلا بشعرائه المعكوسين الذين ارتدوا ثوب الجمود والتقليد ونسوا واجبهم الوطني الشريف ومالوا إلى اللهووالترف والمجون فنسجت العامة على منوالهم فمات الشعور القومي والميزة الشرقية وتبلدت غيوم الجبن وحب الذات على العقل ومسخت النفوس وعم الوبال جميع الطبقات.
نعم إنك لا ترى في هته السنين الأخيرة إلا مخمسا ومشطرا ومعارضا ومحتذيا ومادحا وهاجيا ومتغزلا و"مسمطا.."إلى غير ذلك مما يدل على البطالة المتناهية التي دهمت هؤلاء الأقوام البؤساء في عقر دارهم فقضت على حياتهم النفيسة وعزهم الموروث وملكهم الشامخ فصاروا آية للناظرين وعبرة للمعتبرين.
فيا أيها الشعراء الأحداث بكم تحيا الأمة وبكم تموت-لا قدر الله-فأنتم رسل الحرية والسعادة الأبدية إن شئتم وأنتم النعاة إن أردتم.
إن قمتم بواجبكم فمرحى..
وإن تقاعدتم عنه فبرحى..
ألا جددوا عصرا منيرا لشعركم
فسلسلة التقليد حطمها العصر
وسيروا به نحوالكمال ورمموا
معالمه حتى يصافحه البدر
كما كان من قبل الرشيد وبعده
فتلك عصور الشعر حف بها النصر
فمن شاء منكم التشطير فليشاطر مواطنيه في الأمور العظام والأعمال الجليلة ومن أراد المعارضة فليعارض الخونة سماسرة السوء ويعاكسهم في أعمالهم الخبيثة ومن له غرام بالاحتذاء فليحتذ أجداده الكرام وأسلافه العظام في آبائهم ونخوتهم وعزهم وقوتهم وسلطانهم وإيمانهم وإنسانيتهم وجميع خصالهم الحميدة ومن تعلقت نفسه بالمدح فليمدح الأخلاق الفاضلة وينشرها بين قومه ويتشبث بالفضيلة ومن يميل إلى الهيجاء فليهج العوائد الفاسدة ويذم الرذيلة بأنواعها ومن يحب التغزل فليتغزل في وطنه الجميل الذي يعيش فيه ويأكل خيراته.
فبذلك تسعد البلاد وترتقي.
فمعذرة أيها القارئ الكريم علنا انحرفنا بك عن موضوعنا الأول فها نحن نعود والعود أحمد فنقول: (1/43)
صفحة 44
الشعر كامن في أعماق نفس الإنسان كمون النار في الحجر تظهر آثاره للخارج بالتحاكك والممارسة وقد يشعر العامي الجاهل الأمي ويكهرب النفوس بشيطانيته ويترك أثرا مبينا في قلوب السامعين.ويحاول العالم العروضي مجاراته فلا يفعل شيئا سنة لله في نفوس عباده وهل تجد لسنة الله تبديلا؟
وذلك أن الأول-بقطع النظر عن لحنه وتحريفه-يرسل كلامه من نفس متقدة وروح ملتهب وقلب مملوء إحساسا وشعورا فيلقى رواجا كافيا في أسواق الأفئدة والصدور.
والثاني ينمق كلامه تنميقا ويزوره تزويرا فيرسله مع بريد التكلف والركاكة فيأتي كثوب ضم سبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات.فهولا يتجاوز الآذان ولا يساوم بابخس الأثمان.فحذرا أيها المنشئ الأديب أن تتقدم خطوة واحدة إلى صناعة الشعر(فهوليس بصناعة ولا بضاعة كما يقولون ولكنه إلهام وجداني ووحي الضمير) بنحوك أوصرفك أوعروضك أوقوافيك أوبلاغتك أوكثرة مادتك إذا لم تجد في نفسك وازعا نحوه وميلا إليه وتلذذا غريبا روحانيا لسمعه يكاد ينسيك نعيم الدنيا وما فيها فإنك إن فعلت ولم تراع هته الشروط اللازمة ضيعت وقتا نفيسا وعمرا ثمينا وجنيت خزيا وعارا.
فالشعر تيار كهربائي مركزه الروح وخيال لطيف يقذفه النفس لا دخل للوزن ولا للقافية في ماهيته وغاية أمرهما أنهما تحسينات لفظية اقتضاها الذوق والجمال في التركيب لا في المعنى كالماء لا يزيده الإناء الجميل عذوبة ولا ملوحة وإنما حفظا وصيانة من التلاشي والسيلان.
فعلى تلك السنة وذاك المجرى وضع العرب"ديوانهم"وهم أميون لم يدخلوا مدرسة ولم يتلقوا حكمة اليونان ولا مدنية الرومان ولم يعرفوا وزنا ولا قافية-بعد قررها الخليل-وإنما حاكوا بشعرهم نغمات الطبيعة المترنمة وكانت صالحة لاحتواء ما يختلج في صدورهم النقية من العواطف كالحب والبغض والسرور والحزن والحلم والغضب فنسبوا وافتخروا وتحمسوا ورثوا ومدحوا وهجوا ووصفوا وبكوا الأطلال. (1/44)
صفحة 45
ولوأنهم قصدوا بالشعر الوزن والقافية لما قالوا في بداية الدعوة المحمدية-على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحيات-إن القرآن شعر وإن صاحبه شاعر مجنون مع علمهم أنه كلام مرسل لا أثر للوزن فيه وإن صاحبهم لم يسمع منه بيتا في سوق من أسواقهم ولا في مجتمع من مجتمعاتهم ولا تحدث أحد عنه بذلك أبدا وإنما هوالكلام المبين والقرآن الحكيم تركهم في ريبهم يعمهون.
الشعر مسطر بريشة الشعور على صحائف لغات الأمم الخاصة بها سواء كانت متمدنة أومتوحشة ولا يختص بالأولى وحدها بل ربما انتشر بين أفراد الثانية أكثر منه في تلك خلاف النثر فإنه ابن العلم والتمدن والشعر هوالذي يهيء له الطرق إذ يترعرع مع الإنسانية في مهدها وينموتدريجيا على قدر القوة الفطرية والقابلية العقلية فيها فهوناموس عام تدخل تحت تعاليمه جميع الكائنات وقد يبلغ الغاية القصوى والقدح المعلى في لغة قوم فيكون الأمر الناهي وقائد زمام نهضتهم وعليه تدور رحى حياتهم الاجتماعية وهوما نشاهده الآن في أوساط العربيين الفائزين.وقد يوجد ولا يذكر بحكم الأمية السائد-رغم أهميته في تلك اللغة-كشعر سكان أواسط إفريقية الذين لم يبلغهم نور الحضارة ولا رسول التمدن.أوكشعر العامة عندنا.
وقد ينبت نبتا حسنا في لغة خصبة واسعة الأرجاء بعيدة الأطراف بديعة الحسن ويسقى بماء التقييد والتفنن والإبداع فيسر لرؤيته الناظرون ويتفنن برشاقته المفتتنون ثم لا يلبث أن يرميه الله بريح عاصف من جانب التقليد الأعمى والجمود المميت فيمسي في خبر كان أوأثرا بعد عين.ومن هذا القبيل شعرنا العربي المنكوب الذي اقتطفت زهرته من بستان الحياة في ريعان شبابه فترك أبناءه حيارى لا دليل لهم يتخبطون بكل واد ويتبعون كل ناعق واحسرتا عليه.. (1/45)
صفحة 46
ألهم أهل الجزيرة الفيحاء الشعر وضربوا فيه بسهم صائب وتفننوا في جميع أنواعه البدوية وتمسكوا به تمسكهم بدينهم ولغتهم وقوميتهم وعوائدهم وأخلاقهم بل جعلوه مرآة حياتهم فحفظوا به أنسابهم وتفاخروا به على بعضهم بعضا وعلى من سواهم من الأمم المجاورة لهم فقامت به قبائل وضيعة النسب وقعدت به أخرى جليلة الشأن وبشراراته شنت الغارات ووقعت الحروب الطوال وبه أطفئت وكاد حاملوا لوائه يعبدون من دون الله وهم الذين قال فيهم شاعر الشرق حافظ بك إبراهيم على لسان لغتهم:
سقى الله في ارض الجزيرة أعظما
يعز عليها أن تلين قناتي
حفظن ودادي في البلا وحفظته
لهن بقلب دائم الحسرات
فصار يتدرج في سلم الرقي-تبعا لسنة النشوء والارتقاء-رويدا رويدا بفضل الأسواق والمحافل التي كانوا يقيمونها لأجله في المواسم والأفراح إلى أن طلعت عليه شمس الإسلام المنيرة بأشعتها القرآنية مسحت وجهه ولينت خشونته وهذبته تهذيبا محسوسا وسارت به شوطا بعيدا نحوالأمام.ثم جاءت الحضارتان المبيضة والمسودة فأثرتا فيه تأثيرا عميقا وأدخلتا فيه تحسينات معنوية ذات بال وأهمية كبرى لم تعرف منه قبل.
ولاشك أن الأخيرة أجنبية عنه إذ أنها فارسية أكثر منها عربية ولهذا تجده غالبا في ذلك العصر-العباسي-ممزوجا بثقافة وروح فارسية تكاد تلمس باليد حين تقارنه بشعر من سبق من الأعراب الأصليين المنزويين في جزيرتهم الجرداء.
ولها والحق يقال-أي الحضارة الفارسية-أيد بيضاء في ترقيته والسير به في مدارج الكمال.
ولكن هل بعد ذلك وصل إلى غايته ومنتهاه؟
وهل لبث في مكانه لا إلى الأمام ولا إلى الوراء؟
أم كبى كبوة ذهبت بقوته؟
تلك أسئلة عريضة طويلة تجيبك عنها الدموع الغزار والزفرات الأليمة والتأوه المذيب.. (1/46)
صفحة 47
وذلك أنه سلط الله عليه من يقتله بالتحسينات الكاذبة والاستعارات الفارغة والتشبيهات المملة وإفراغ المعنى القبيح في اللفظ المليح وإلزام ما لا يلزم وتعقيد العبارات والإتيان بالكلمات الغريبة الغليظة الشبيهة بصليب الحجر فخنقوا أنفاسه وقضوا عليه قضاء مبرما لا حياة بعده إلى يوم يبعثون.
وإني لأصف هؤلاء المتحذلقين الأغبياء بقولي:
في الناس قوم لن يبالوا أن أتوا
بغريب لفظ أوقبيح بناء
وضعوا الكلام لنفسهم وضميرهم
لا للأنام كعبرة علياء
جعلوا الكتابة غاية يسعى لها
أومنصبا لفخامة وثناء
زعموا الفصاحة والبيان بوضعهم
وعر الكلام كصخرة صماء
فتكلموا بالطبع حسب عقولهم
وإذا بهم في ليلة ظلماء
بلي الأديب بجهلهم وحياتهم
إذ حدثوا بجهالة ورياء
قد شوهوا وجه الجمال بفوهة
نزلت به من منزل الجوزاء
إن التكلف والتعمل هفوة
ذهبت بروح الشعر والإنشاء
لوسرحوا الأقلام تجري طليقة
لأتت لنا بعجائب الأشياء
ماذا عسى يجدي الكلام لمن مضى
لكن لب القول للأحياء
ولكن الأدب وإن عبث به أقوام لا يعدم أنصارا يأخذون بيده.فقد تداركه الله برحمة من عنده إذ قيض له من جانب الغرب رجالا وهم الأندلسيون أحيوا معالمه ونبشوا دفائنه بل كسروا تلك الأغلال الثقيلة القاسية التي أوقفته عن السير زمنا.وقد قامت عليهم قيامة الجامدين المقلدين فاعتمدوا في ثورتهم-هته-الأدبية على سلطان الغناء القاهر المتبوئ عرش الأفئدة والصدور.وسموا غزواتهم الظافرة"الموشحات"فوشحوا الأدب العربي بحلة ذهبية لا تبليها أيدي القرون.فقد وسعوا فيه وزادوا ونقصوا وخالفوا من سبقهم من النظامين الواقفين كصخرة عثرة في سبيل نموه وجاؤوا بالعجب العجاب في تلك الثورة المباركة التي"لو" أمد الله عمرها وأطال أيامها لأصبحت الثريا وما أدراك ما الثريا حذاها الوضيع. (1/47)
صفحة 48
على أنها وإن حطمت أغلال القافية التي أَنَّ تحت ضغطها الحديدي الشعر وأدخلت تحسينات في الوزن المعروف من قبل فهي لم تتجاوز هته الحدود المادية كثيرا ولم تعتن بدرس نفسية الأمة درسا مدققا في ذلك العصر الذهبي الجميل ولم ترفع الستار عن سر أطوارها العديدة التي تقلبت فيها حاملة لواء النصر السيادة على إفريقيا وأوربا حتى تترك لنا صحيفة خالدة طافحة بمكامن أسرارها-أي الأمة الأندلسية-وخبايا زواياها ودرجة النهوض التي بلغتها في كل دور من أدوارها.إذ أن بيتا من الشعر صدق صاحبه فيه ونظر عصره بتأمل وأنصاف وبحث دقيق خير من ألف مجلد من مجلدات التاريخ الحافلة بسرد وقائع ذلك العصر سردا لأن العبرة بالإجادة والتحقيق لا بالإكثار والتلفيق.انظر إلى فيكتور هيكوالفرنسي وشكسبير الإنكليزي اللذين صورا لنا عصرهما أحسن تصوير-وإن بحثا في حياة القرون الوسطى أكثر من بحثهما في عصرهما فإنك لا تطالع رواية أوديوانا لهما إلا وتشعر بنفسك كأنها تقهقرت إلى زمانهما وإلى ما قبل فصارت تنظر ما هنالك من رقي وانحطاط وعدل وجور ونظام وفوضى وتدين وإلحاد إلخ ببحث لطيف يسيل رقة وبيانا.وما ذلك كله إلا بالانقياد إلى الإحساس والشعور لا إلى الهوى والنفس والتأثيرات الخارجية كالخوف من الملوك مثلا- ماتت تلك الدولة الأندلسية فمات الشعر العربي معها ولازال ميتا أومغشيا عليه وجثته الهامدة ملقاة تحت عروش الأعاجم إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري حيث قيض الله من ينفخ فيه روح الحياة الجديدة ويحشره من رمسه المظلم إلى عالم النور والهواء العليل.فتشبث بأذياله كثيرون منهم المجيد ومنهم المتوسط ومنهم المتطفل سنة الله في كل شيء توجهت إليه هم خلقه. (1/48)
صفحة 49
وما هي إلا جولة إثر جولة ظهر من بين تلك الغيوم المتلبدة والطبقات الثلاث فارس الميدان-أحمد بك شوقي-حاملا لواء القوافي فوق ق رؤوس إخوانه الشعراء سائرا أمامهم شامخا بأنفه نحوالسماء فجدد دولة الشعر ورفعها بعد سقوطها وأعزها بعد ذلها-وهكذا سنة التجدد والحشر جارية في نظام الكون من منذ ابتداء الخليقة إلى يومنا وإلى ما بعد-فكان نصيبه وجزاؤه من هذا العمل الجليل الجدير بالإعجاب إن عترفت الناس له بالإمارة الكبرى في دولته الجديدة فقلدها مستحقا لها ولسان الحال ينشد:
"ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه
فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
وبالهمة العلياء ترقى إلى العلا
فمن كان أعلى همة كان أظهرا
ولم يتأخر من أراد تقدما
ولم يتقدم من أراد تأخرا"
وها هوالعالم الإسلامي الفتي يريد أن يحتفل بأحمده كما احتفلت فرنسا بهيكوها والإنكليز بشكسبيرها سابقا فشكرا جزيلا للمحتفل وهنيئا للمحتفل به.إن هذا العمل الخطير وهوالاعتراف بالجميل لأكابر الرجال يدل على دبيب الشعور بالواجب في شرايين الشرقيين دبيب البرء في السقم والفجر في تجاليد الظلام.فكل أمة عظمت من يستحق التعظيم وازدرت بكل خائن لئيم نالت مبتغاها وعقد النصر بلواء مسقبل أيامها.إذا فلتبشر الأمة الإسلامية المنكوبة (1/49)
صفحة 50
نعم إن شوقي أحيا الشعر العربي بعد موته-أوكان في طليعة من أحياه-وفتح الباب الذي أغلقته السنون الطوال ولكنه مع ذلك كله لم يأت بشيء جديد لم يعرف من قبل أوسن طريقة ابتكرها من عنده وخاصة به دون غيره أواخترع أسلوبا يلائم العصر الحاضر.وإنما غاية ما هنالك جاء بهيكل الشعر القديم الموضوع في قرون بلي عهدها ودرس رسمها فكساه حلة من جمال خياله ورقة أسلوبه وفخامة ألفاظه وقوة مادته وتوجه باتساع دائرة معارفه ومعلوماته وضرب به على أوتار قلوب كانت تتمنى بجذع الأنف أن يرسل الله لها من يسمعها نغمات شعر الفحول من القدماء ويحتذي حذوهم حتى تكون حياتهم متصلة بسلسلة محكمة العقد مع حياة أجدادهم تبعا لقاعدة"كل خير في اتباع من سلف وكل شرفي اتباع من خلف" فلما ظهر شوقي تلقته على ظمأ.
وبعبارة أوضح إن الشعر العربي كصحيفة من الأبريز الخالص وقد تراكم عليها غبار الإهمال والنسيان مدة ليست بالقصيرة فجاء شوقي فرفع عنها تلك الأدران فصارت تلمع تحت أشعة فكره المتقد كما كانت عليه من قبل في عصورها الذهبية الأولى تتعجب لرؤيتها الأبصار.ولم يخطر بباله في غضون ذلك كله أن يذيبها بنار التبديل والتغيير والتفنن ويجعلها إناء جميلا ويصب فيه من بنات أفكاره خمرا حلالا ويقدمه للشاربين عذبا زلالا.
شوقي وما أدراك ما شوقي شاعر حكيم مجيد في الطبقة الأولى من الفحول البائدة له غيرة كبيرة على الأدب القديم كغيرته على شرفه ومتمسك به إلى حد التقليد وعدم الالتفات إلى جوانبه وأكثر شعره أقرب إلى العهد القديم منه إلى العشرين الذي يحتاج إلى شعر وطني قومي سياسي حماسي يجلب المنفعة ويدفع الضرر ويحرك همم الخاملين ويوقظ الراقدين الخامدين خصوصا والشرق الفتي في فاتحة نهضته الجديدة فهويخطوأول خطوة ويقطع أول مرحلة في سبيل الحياة والرقي والمدنية العصرية الجميلة: (1/50)
صفحة 51
أجل إننا محتاجون أشد الاحتياج إلى شعراء ملفقين وكتبة مفيدين وخطباء مفوهين مثل"لامارتين"و"فولتير"و"ميرابو"لقطع بحر الاستعمار الطامي والوصول إلى شاطئ السعادة والحرية والاستقلال كما فعل أولئك الأفذاذ العظام.
فإن الرثاء والمديح ووصف القصور و"البالات" والمعارضة والافتخار بمن سبق من الأمم البائدة.إن لم يكن عظة تاريخية نحن في غنى عنها مادام الشرق كله أوجله يئن تحت نير الغرب الثقيل ومادمنا ننظر إليه نظر العبد لسيده والضعيف للقوي الجبار.
أنا لا أقول إن شوقي ليس له بعض قصائد تحوم حول السياسة والاجتماع خصوصا في هته السنين الأخيرة بعد الحرب العالمية -كالتي بكى بها دمشق أخيرا تحت عنوان ضئر الإسلام-أوإنه غير قادر على ذلك-معاذ الله-ولكن أريد أن أقول أن من يجود بمثل"صدى الحرب"و"كبار حوادث وادي النيل"و"النيل" بنفس واحد على نسق واحد لا فرق بين أول ووسط وآخر القصيدة لا يتخللها ملل ولا ضعف ولا قصور لقدير-وأيم الله-وقدير على أن يدبج ببراعة السيال وفكره الجوال روايات شعرية دراماطيقية هائلة،حماسية متقدة،وطنية عالية،يتضاءل بجانبها شعر"فولتير"و"لامارتين"وروايات"شكسبير"وهيكو". ولكن بشرط أن لا يتولع بغريب الألفاظ وصخورها حتى لا نلجأ إلى مطارق القواميس والمعاجم في عصر يقال فيه"الوقت ذهب إن لم تغتنمه ذهب"وأن يكسر تلك القيود الثقيلة ويتجاوز تلك الحدود"الباستيلية"التي أوقفت الأدب عن السير زمنا غير قصير ويمضي في سبيلة لايلوي عما وراءه قائلا:
"وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل"
ولهذا فإننا نترقب ليل صباح خطة جديدة يسنها لنفسه بنفسه ويدعوا الناس إليها ويباشر بثها بيده-مادام متمتعا بنعمة الحياة-ولويلاقي صدمات عنيفة وعراقيل جسيمة في سبيل نشرها والذود عن حياضها فإن وراء ذلك سعادة أمة جمعاء ورفع لغة هي أم اللغات وأوسعها إذ:
"لابد للشهد من نحل يمنعه
لا يجتني النفع من لم يحمل الضررا" (1/51)
صفحة 52
ثم يخالف كل المخالفة من سبقه من الشعراء والأدباء المحافظين حتى يعرج بالأدب العربي المنكوب إلى أعلى عليين ويبلغ به سماء الكمال كما فعل الغربيون بأدبهم وكل شيء ينتمي إليهم ويدور حول محورهم.
لا أن يعيش في عصر الكهرباء والخوارق ولا ندري أقديم هوأم جديد؟أمن أبناء العصر الحاضر هوام من عصور قد سالت في محيط اللانهاية؟فإن هذا مما يجعلنا حيارى في أمرنا لا نستطيع التمييز بين العصور المختلفة رغم التواريخ الموضوعة والبون الشاسع بين أطراف الزمان شوقي من سكان مدينة القرن العشرين ومع ذلك فقد قال فيه أحد الأدباء المشهورين:"أما المبني فله أذواق متعددة بتعدد مقامات القول ترى فيه من نسيج البحتري ومن صياغة أبي تمام ومن وثبات المتنبي ومن مفاجآت الشريف ومن مسلسلات مهيار وفي المجموع صفة عامة للنظم وهي أنه نظم شوقي"وقال فيه آخر: (1/52)
صفحة 53
"إننا لا نرى شاعرا غيرك جمع الله فيه شتات ما تفرق في غيره ممن سلف من نوابغ الشعراء فكأن روحك العالية قد مازجها أرواح النابغة وحسان وجرير والأخطل وبشار وأبي نواس وابن الرومي وابن الطيب ... .."لا مراء أن المذكورين هنا مع شاعرنا أهل قرية انقرضت ومضت إلى سبيل ربها إذا فما الفائدة في حشر الأحياء مع الأموات وكل يعمل على شاكلته وعندي أنها أوصاف ونعوت وتخليط لوأمعن النظر فيها قائلها لما فاه بها أصلا ولا سجلها بقلم يريد به أعلاه عصره على سائر العصور الغابرة فهي هجاء قبيح في صورة إطراء ومديح،إذ لا ترينا شاعرا مستقلا برأيه وفكرته بارزا لشخصه معروفا بنفسه واختراعاته وإنما غاية أمرها جعلته مرآته صافية ينعكس عليها أعمال غيره وألصقته بالقدماء لصقا لا انفكاك بعده يشبه الحرف فإنه لا يفيد معنى إلا إذا الحق بشيء آخر وكأن الغاية القصوى التي نسعى إليها جعل الأقدمين قطبنا الوحيد-في الأدب خاصة-بحيث لا تدور حياتنا إلا عليهم وإن خالفناهم ولوفي جزء من الجزئيات خرجنا عن الجادة وعشنا مذبذبين لا نفقه قولا.لا لا ما هكذا تؤكل الكتف ولا هكذا تساس الحياة ولكن لها شروط وأي شروط..
نعم إن المتقدمين لهم فضل جسيم علينا ومزية كبرى لا يستهان بهما ولا يجوز أن نغمضهما أونغض الطرف عنهما فيبعثنا التاريخ في زمرة كافري النعم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا،وفي الآخرة هم الأخسرون أعمالا،كبني إسرائيل واليونان قديما وحديثا،وتمطر علينا سحائب الويل والثبور فنضحى أضحوكة العالم المتمدن ويصح فينا قول الشاعر.
"تربيب في نعمائه فجحدتها
ومن يجحد النعما فلا شك كافر" (1/53)
صفحة 54
ولكن يجب علينا أن نعرف قبل كل شيء هته النعمة الشاملة التي أثقلت كاهلنا والتي لا ينبغي أن تكفر حتى نقدرها حق قدرها فنكون قد عرفنا ما لنا وما علينا،وما هي ياترى؟إنها ملخصة في هته الكلمات الوجيزة.."إنهم بلغوا تلك الأمانة التي استودعت في أيديهم إلى أيدينا بغير خيانة ولا تقصير"لا أكثر ولا أقل والأمانة هي اللغة العربية لا غير.
أجل إنهم قاموا بواجبهم وأدوا ما فرض عليهم من غير خيانة ولا تقصير جزاهم الله عنا وعن اللغة خيرا،وهل بعدما رفعنا ذلك الحمل عنهم نمضي في سبيلنا متكلين على أنفسنا إلى النهاية أم نمكث في مكاننا لا نبارحه محافظين على خطواتنا خوفا وجبنا؟وإن نحن تكاسلنا عن السير للأمام فمن يبلغ هذا العبء الثقيل إلى أولادنا وأحفادنا؟أيفعل ذلك الأجنبي عن اللغة؟أم ينزل الله ملائكة من السماء أوأجنة من الأرض تقوم مقامنا؟كلا وألف كلا..
"ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم"
فيا أيها الأدباء اجعلوا نصب أعينكم إعلاء الأدب العربي وترقيته وافهموا واعتقدوا أن موقفنا مع أجدادنا الكرام كموقف الأم الحنون مع ولدها فإنها إذا ربته وبلغ أشده واستوى فلا بدله من القيام والسعي في مناكب الأرض لا الركود في حجرها والدوران حولها
"فبمكث الماء يبقى آسنا
وسرى البدر به البدر اكتمل"
اجهدوا أنفسكم في درس لغتكم في فهم أسرارها في تدقيق معانيها في إتقانها غاية الإتقان فإذا تم لكم المراد واستحوذتم على جانب وافر منها انبذوا عنكم كل صلة بينكم وبين ماضيها اجعلوها وسيلة إلى نيل مآربكم لا غاية لا تتجاوزونها غيروا،فننوا،واسعوا،أصلحوا،فإنكم بذلك تكونون عصرا مستقلا منيرا إذا ميزة على غيره مملوء بالأعمال الجليلة والاختراعات الخطيرة. (1/54)
صفحة 55
وهنا يقول قائل كيف نستطيع أن نميز بين اللغة والأدب وهما شيء واحد والتفريق بينهما يستلزم موت أحدهما لا محالة.وهذا اعتراض والحق يقال له نصيب من الأهمية والاعتبار لا ينبغي لنا السكوت عنه فهانحن نجيبه بدليل على سبيل التمثيل ولا نظنه يتردد في قبوله إن كان من المنصفين:
اللغة شيء والأدب شيء آخر اللغة وعاء والأدب مائع يختلف لونه وطعمه باختلاف أذواق الشاربين فاختر أنت أيها"القائل"ما يحلولك أياقوت سيال؟أم ماء زلال؟
وإن شئت الوضوح أكثر فالفرق بينهما كالفرق بين ماء البحر وملوحته فإن الماء شيء والملح شيء آخر وإن ظهر لنا صعوبة انفكاكهما عن بعضهما فبعملية كميوية بسيطة نحصل على كل جزء منهما بعينه منفردا وإن أردنا إتمام عملنا فلنزد لذلك الماء النقي نصيب من السكر فنحرز على ماء حلوعوضا لنا عن ماء مالح أجاج،وهكذا اللغة والأدب.
وقد يقتنع بهذا الجواب ولكنه لا يلبث إن يعد الكرة مرة أخرى قائلا-ناقما علي كلامي على شوقي-ما الفائدة في تتبع خطوات رجل قد عرف ماله وما عليه ونقد أقواله والناس كلها-كما صرحت أنت بنفسك-قد جمعت على علوكعبه في الشعر والأدب مع كون بلادك في غاية الانحطاط فهذا ضرب من العبث وقتل للوقت النفيس. فأقول له أما الداعي إلى ذلك ففيه فوائد جمة منها:
1- خدمة الأدب بقطع النظر عن البلاد السائد فيها.
2- لم أقصد بنقدي التنقيص من سمعة الشاعر الكبير فقدره أعلى منزلة من أن يتناوله يد المتطاول.
3- لغة القرآن تجمعنا رغم تنائينا.
4-الشرق جسد واحد وإن تعددت الأعضاء.
5- للبحث في حياة العظماء فائدة عظمى لا ينكرها إلا امتنعت.
6- أبناء المغرب مشغوفون بالتشبث بأذيال أبناء المشرق من عهد بعيد رغم الحواجز التي بنتها يد الاستعمار.
7- مصر مهد العربية الآن ومنبع العلوم والأدب الشرقي فنحن نحب أن نراها في تقدم مستمر.
8- فتح باب النقد الأدبي لبني جلدتي إذ هوسلطان مملكة الأدب والعلم. (1/55)
صفحة 56
9-وإن كان الكلام على شوقي وأضرابه فإن القصد منه إنارة الطريق الذي يجب أن يسلكه أبناء الجزائر الأدباء لأن الشرق في غنى عن أقوالنا في هته الأيام كما يظهر..
10- لا يوجد عندنا-أي في شمال إفريقيا-شاعر يقدر على خدمة أمة الضاد بأسرها حتى يستحق هذا الالتفات.
11- أعرب عما يجيش في صدري بغير تمويه ولا كذب وبغير زيادة ولا نقصان.
12- لا يمنعني غضب الناس من إبداء خواطري الحرة.
13-شغفي بالتجدد في كل شيء ... فما بالك بالأدب الذي هوكل شيء..
14- عدم عترافي بنهضة الشرق الحديثة ما دامت لم تؤسس على مبادئ عظيمة وحياة جديدة وأدب قومي.
15- لكل زمان رجال ولكل رجال زمان.
16- لا حياة ولا رقي مع التقليد والجمود.
17-اتخاذي في الأدب دينا خلاف الدين الذي دانت به القدماء قبلي إلخ إلخ ...
هته بعض خواطر رمت بي في هذا الميدان الواسع.
الشعراء في الشرق الآن كثيرون يكاد لا يحصى عددهم ولكن المجيدين منهم قليلون جدا حتى أن المشدد في الاختيار لا يرى لهم وجودا ولا يجد لأحدهم نفوذا. (1/56)
صفحة 57
ومن هم المجيدون ياترى؟فهل الذين يسحرون العقول بتصوراتهم الكاذبة ويسمعون كلمة مرحى في كل نثفة ينشئونها وتشف أسماعهم بتصفيق حاد له دوي كدوي الرعد في كل بيت ينشدونها.وتتحلى صدورهم بالألقاب الضخمة والنعوت الفخمة(التي لا يسعها إلا قاموس الأمم المنحطة)لأنهم وصفوا فبهرجوا القول وزادوا ونقصوا فيه وفخموا الألفاظ تفخيما أومدحوا فكذبوا ولكنهم عرفوا كيف يكذبون ويموهون أوهجوا فابكثوا الخصم لأنه ضعيف وغير قادر على رد صدمات الباطل الموجهة نحوعرضه النظيف.أوورثوا فأطنبوا وصدقوا في بيت وانحرفوا عن الجادة في سبعين أوهزلوا فأضحكوا الناس وأفسدوا أخلاقهم وقفلوا عليهم باب الجد فمقتوا أهله وأربابه.أوحشوا بطون الوزن بمعان تافهة ولكنهم أكثروا وتحذلقوا حتى أصيب الشعر بالبطنة فهلكوه أوكادوا يفعلون إلى غير ذلك من الزوائد التي تستغني عنها حياة الأمم الراقية الضاربة في كل فن بسهم صائب فما بالك بأمم عمشاء وقد قامت من سباتها الكهفي وبدأ بصيص ضئيل من نور المدنية يتسرب إلى هيكلها المظلم وكل أعمالها الحيوية البسيطة-بغير مبالغة-لا زالت في عالم القوة والخيال لم تبرز بعد إلى حيز الفعل والوجود.
فهل من الحكمة والسداد أن نعد هؤلاء الناعقين شعراء يستحقون المدح والاعتبار على شاعر يتهم المعكوسة فنغربهم ونغرب أنفسنا معهم فنهلك جميعا.
لالا..نحن لا نغطي الشمس بالغربال فالشعور بالنقص أول مرتبة في الكمال. (1/57)
صفحة 58
الشعراء الحقيقيون الناظرون إلى بلادهم ومستقبلهم نظر الشحيح إلى فلسه والجبان إلى حياته.لا نظر الصبي إلى لعبته وملهاته والكريم إلى نفسه وماله هم الذين يهيئون تربة صالحة للخلف من بعدهم ويخترعون أشياء لم تكن في الحسبان ولم يحلم بها الشعب من قبل ويعلمون الأمة كيف وبما وإلى أين تسير وينفخون فيها روح الاستقلال والحياة الجديدة الحقة ويرمون الاستبداد بالسنة حداد رغم الاضطهاد والقوة والجبروت ولا ينتصرون لحزب دون آخر مالم يكن رجعي فهم خلقوا لأن يكونوا أدوات التربية والإصلاح وإباء الجميع.
لا يسمى الشاعر شاعرا عندي إلا إذا خاطب الناس باللغة التي يفهمونها بحيث تنزل على قلوبهم نزول ندى الصباح على الزهرة الباسمة.لا أن يكلمونها في القرن العشرين بلغة امرئ القيس وطرفة
والمهلهل الجاهليين الغابرين.
يجب على الشعراء الكبار أن يتنازلوا إلى مخاطبة الطبقة الوسطى والسفلى من الأمة العامة التي هي هيكل الشعوب ومرجعها الوحيد عند المدلهمات ويقتدوا-بقطع النظر عن اختلاف الأديان-بشعراء فرنسا وأدبائها في إبان انفجار بركان الثورة الكبرى-(تلك الثورة التي ثلث عرش الاستبداد وهزمت جيوش الظلم والجبروت فأصبحت فرنسا بفضلها حرة تمرح بثوبها القشيب أمام الأمم جمعاء حاملة بيدها لواء حقوق الرجل)-وما فعلوا وما قاموا به من أعمال جليلة تذكر بكل إكبار.
الشعراء روح الشعوب فإذا نصحوا لها سارت وتقدمت وإذا خانوها فالسقوط والاضمحلال حظها.وأما السبيل الذي يسلكه شعراؤنا وأدباؤنا اليوم اليوم المملوء بالتحذلق والتمشدق بالألفاظ الضخمة الرنانة والسعي وراء إرضاء الخواص فغايته الويل والبوار. (1/58)
صفحة 59
فكأنهم نسوا-عفا الله عنهم-إن الطبقة العلياء من الأمة التي أوجدتهم وهذبتهم ورفعتهم إلى مستوى ما هم عليه حتى قيل فيهم أنهم"شعراء" إنها بعدما أنارت لهم الطريق غير محتاجة إليهم وأملها الوحيد أن يأخذوا بيد غيرهم ممن هودونهم رتبة فيعم النهوض والإحساس جميع طبقات الشعب.لا أن يعلموا من علمهم ويرجعوا المياه إلى منابعها.
الحاصل أن الشعر الذي لا يحرك نفوس العامة ولا يذكرها في واجبها المقدس ووطنها المفدى فهوخيانة كبرى وخنجر مسموم في قلب المجتمع الشريف.تصور بالله عليك أي درجة يبلغها الشرق المهان أوأن الشعراء تنفخ ببوقها الإسرافيلي في روع كل فرد من أفراد عائلته الكبرى:"إن البلاد تحتضر فهي لا محالة هالكة إن لم يتداركها أبناؤها وكل شخص مهما صغر مكانه مسؤول أمام الله والملائكة والجن والناس أجمعين إن لم يكن لها من المتداركين"
أواه على شعرائنا ما أضلهم عن طريق النهوض وما أعماهم عن الحقيقة الساطعة ...
فيا أيها الأدباء الأحرار انبذوا عنكم التكلف والتنطع في اللغة وأفرغوا المعنى الجميل في اللفظ الجميل واخضعوا لصوت الضمير والواجب وصفوا أنفسكم من الانتقام قبل الانتقاد ولا تقيدوا كتاباتكم بطريقة أحد مهما كان شأنه وقدره في الأدب ومهما كان بيانه الساحر.ولكن أتمنى أن تدور رحى أقلامكم حول محور واحد وتتسابق خيل أفكاركم غاية واحدة وهي:"سعادة الشرق بأي طريق كان ... "
نظرات مختلفة في شؤون الحياة
حوادث الدهر كروايات السنما فبينما ترى احتفالا بمولود وإذا بتشييع جنازة.
الجريمة مكتوبة بدم الذعر والخوف على جبين المجرم.
إذا حرمنا السرعة فلا نحرم الإجادة والإتقان.
الآخرة خزانة أسرار مفتاحها الموت.
كون قدرك وشرفك بيدك وإلا ضاقت عليك الدنيا فلم تجد من يجعل لك مكانا تستحقه.
كثير من يؤمن بالله قليل من يشعر بكماله وقوته.
الوقت أعز شيء عندي لأنه هوالسبب في إيجاد العزيز من الأمور. (1/59)
صفحة 60
الدفاع غريزي في الإنسان ينمومع العقل فمن كبر عقله اشتد دفاعه ومن صغر لبه ضعف انتفاعه.
الرابطة الدينية سلك كهربائي بين المتدينين تيارها يعمل وإن تباعدت البلدان واختلفت الأجناس إذ لا يفصمها إلا الموت.
المدنية الحقة سور منيع على مدينة الإنسانية.
لم تفز أوربا على القارات كلها بعلمها أوبذكائها أوبقوتها ولكن بجسارتها وتبجيل عظمائها.
الملك أسير للأمة المتيقظة راع للأمة الجاهلة.
العدل سلك ودادي بين الحكومة والرعية.
إن الأمة التي لا تحترم زعماءها ولا تجعل لهم منزلة سامية فهي أمة ساقطة لا تستحق الذكر بل لا حق لها في العيش نصيبها الموت الزؤام والعذاب الأليم.
تدوم الحكومة ما دام حزمها وحلمها.
أسعى في إظهار فكرتي وكل ما يوحيه إلي ضميري بكل حرية وبغير تكلف فإذا خانني التصريح لا أهمل الإشارت.
استصغار الضعيف وإهانته يعقبها ارتباك وندامة.
إذا بكى القلم وضحك السيف زلزلت الأرض وانشقت السماء .
نحن لا نطلب إلا الحياة فمن الإنسانية أن لا نحرم من حق طبيعي مشاع.
كيف نحترم ونحب من لا يتمنى لنا إلا الدمار ولا يعيش إلا في ظل شقائنا وتعاستنا.
تريدون أن تبتروا أيدينا ونُقَبِّل أيديَكم وتسبونا ونمدحكم هذا محال لا يقع ولن يقع ما دام ذرة من النخوة والإباء وما دام الدم العربي يجري في عروقنا.
أفضل المحسنين إحسانا من أعان البائس على دهره والضعيف على خصمه والفقير على حاجته.
شر الناس من أعطاه الله عقلا سليما ليفرق بين الصالح والطالح ويعرف الغث من السمين فجعل دليله هواه وخالف فعله ما أنزل الله.
الفقر محنة وموت.
الشح يكون غالبا نتيجة فقر مدقع أعقبته ثروة واسعة.
منذ عرفت الناس وأنا أفتش عن صديق حميم يصافيني وأصافيه فوجدت الأفضل فيهم من يحبني لأني أحبه لا غير.
العلم شجرة تأكل منها الفجرة كما تأكل البررة.
بأي حق وبأي قانون وبأية شريعة تكم أفواهنا وتخنق أنفاسنا ولنا ضمائر حية وقلوب حساسة. (1/60)
صفحة 61
بحر الدموع يطفئ جهنم الحزن.
الإنسان كلب كلوب في حال غضبه.
من الظلم أن نهان ونداس بالإقدام لأننا لم نصل إلى الدرجة التي نقول فيها للظالم إنك عادل رحيم وللمبطل إنك محق صادق.
لا يعد الضعف جناية وجريمة إلا في دين الغربيين.
عجبا أتنادينا الحياة فنسكت عنها خوفا وجبنا ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون.
نحن في عصر لا تصان فيه الحقيقة إلا بالكذب والتمويه.
إن للأمم أمراضا كما للأفراد وأطباؤها دعاتها وإذا مرض هؤلاء فالويل ثم الويل لمن تعلق بهم.
أكبر عقاب للخائن هوأن يرزق طويلا حتى يجتني الشوك الذي زرعه بيده.
الذكاء المفرط مصيبة وآفة للمرء لأنه يكون دائما مقرونا بالكسل والتسويف.
يقولون أن الجهل هوالذي أردنا وأنا أقول أن الشقاق وسوء التربية هما السببان الرئيسان لخراب عزنا ومجدنا ووطننا.
الإنسان بطبيعته يسعى إلى اكتساب المجد والعظمة وهما لا يبنيان إلا على الجماجم والدماء إذا فلماذا وضع اسمي العافية والأمن في قاموس وجوده.
الحق موجود في كل زمان وفي كل مكان ولكنه يظهر في أزمنة دون أخرى على يدي رجال خلقوا لأجل إنقاذ الإنسانية من مخالب الباطل السامة.
يجب على الزعيم أن يتربص قليلا في أعماله وعلى الأمة أن تجِدّ وتسير سريعا حتى يبلغا غاية النفع والصلاح جميعا.
يموت العظيم وفاء عهد منوط بعهدته خوف العار.
الأمة تحفظ استقلالها ما تمسكت بدينها وشرفها وتاريخها وعوائدها.
نعم إننا نفتخر بما فعلت أجدادنا ولكن بماذا تفتخر أولادنا وأحفادنا من بعدنا.
ويل للخائن الذي ينتقم لنفسه من أمة كاملة ابتغاء مرضاة عدوه وهواه.
إذا عرفت أمة مكان ضعفها فما عليها إلا أن تكمل نفسها ولا تتكل على غيرها.
من لم يعاشر الناس جميعا عالمهم وجاهلهم صالحهم وطالحهم غنيهم وفقيرهم وأراد أخلاقهم وإصلاح ما اعوج من طبائعهم فقد حاول أن يركب الجوبلا مناطد ويرفع سقفا بلا عماد. (1/61)
صفحة 62
لا يكبر شيء في عيني مهما كان شأنه ما دمت أسعى في طريق العلم والمعارف فإذا عدلت عنه لا قدر الله عظم كل شيء في نفسي وإن صغر في عيني.
الإنسان المتمدن قلاة جيد الدهر.
في دور الانحطاط يجد النطاسي الماهر فرصة ومنفذا يتسرب منهما إلى درس نفيسة الأمة وخباياها.
اليأس مقبرة الأحياء ومدمر الشعوب.
من الغدر والخيانة أن تعقد صك الصداقة مع امرئ حتى إذا وثق بك وبحبك إياه واتكل عليك فظن أنك تنفعه في الضراء كما أعنته في السراء فلما ألم به خطب جسيم نداك حتى أعياه الانتظار فلم تجبه فكأنكما لم تكونا صديقين حميمين ولا خلين متحابين.
الحكومة العادلة أسيرة لمطالب الشعب.
عدم الخضوع للقوانين والانقياد للرؤساء عاملان للسقوط والانهيار.
الميت في قومه والغريب في بلاده من يرى بعينيه ويشاهد بحواسه اشياء تضره وتسود وجه مستقبله فيلزم الجمود كالحجر ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر.
من الظلم أن تمدح إنسانا بغير موجب وبدون استحقاق ثم لا تلبث أن ترميه بهجر القول وخسيس الكلام.
جمرة الأمل لا يطفيها إلا ماء الأجل.
المال يفسد الطبائع والعلم يهذب القرائح والجهل أمام القبائح.
لا دواء ينفع ولا موعظة تقنع من لا يخجل بعار اقترفه.
ما أصغر عقلك إذا كنت تعتقد أن كل من هش وبش في وجهك يحبك ويهواك.
لا فائدة في تكثير المشاريع مع الجهل المطبق لأن النجاح لا يكون إلا نتيجة العلم فلنسع في إنارة عقولنا قبل كل شيء فيتفرع عن ذلك كل شيء.
لكل سؤال جواب وجواب الموت الاستسلام والرضوخ.
من عاش بلا صديق جاءه الدهر بما لا يطيق.
كلما رأيت تهافت الناس على الدرهم والدينار كتهافت الكلاب على الجيف بكيت على الفضيلة والشرف.
الرحمة مخبوءة في قلوب الشعراء والحكماء فإذا خرجت من هنالك لا تجد من تأوي إليه إلا من رحم ربك.
النميمة نار كامنة في النفوس الشريرة يحركها الحسد ويطفيها التسديد والصمت.
البؤس مكتوب بمداد العبرات على لوح التعاسة والشقاء. (1/62)
صفحة 63
المطالعة معلم والتجارب درس والمكاتبة لقاء ومفارقة من تهواه موت ومعاشرة الضد مصيبة وعذاب.
اليأس ليل بهيم إذا أرخى سدوله على الفكر الضعيف حجب كل ما كانت تنيره شمس الأمل المتلألئة فيظن اليائس أن الساعة قامت وأن الله بعث من في القبور.
لا يبغض المحسن المجيد إلا الشيطان المريد.
الوقاحة عنوان كتاب الخبث واللؤم.
ما أهدى الله لعبده أفضل من عقل صحيح ورأي مليح ولسان فصيح.
حالة البائس الفقير أهون من توبيخ الضمير.
مرارة الصبر ممزوجة بحلاوة الظفر.
كل حركة بنيت على غير الأخطار والدواهي فمآلها الفتور والاضمحلال.
لوغلت أيدي الجبابرة والمستبدين لوقفت كل حركة في مكانها.
لا ترعرع الحرية إلا في مهد الاضطهاد والظلم.
ليست الحرية خبزا يؤكل ولا ماء يشرب ولكن دون بلوغها أهوال تشيب منها الولدان وأعمال تنفطر لها القلوب.
هضم حقوق الأجير والتهاون به عاملان لكساد الصناعة والتجارة.
الجرائد ترجمان الشعب ومرآة حياته الأدبية والمادية.
الكتاب في عصرنا أنفع للأمم من قواد الحروب وبيانهم أوقع في النفوس من مدافع الحكومات وجيوشها الجرارة.
قلما تتجلد الأنذال لسهام الخطوب.
إغاثة المظلوم والضرب على الظالم واقيان من غضب الله وسخطه.
يقول الرجل فيغلط ويتمادى فيسقط.
الكذب وقلب الحقائق وهضم حقوق الضعيف يسمى في عصر المدنية سياسة ودهاء.
ليست المدنية الجديدة الحاضرة إلا مجرد رواية هزلية يمثلها الغربيون في مسرح القرن العشرين والفرق بين مدنيتهم اليوم وهمجيتهم الأولى كالفرق بين من كان راقدا على جنبه الأيمن فتقلب إلى جنبه الأيسر.
والله لا أقدر أن أتصور خسة نفس الخائن اللئيم حينما يلطخ يديه بدماء أمته الشهيدة ويقدمها كهدية إلى عدوها اللدود رجاء غسلهما ببعض دريهمات ترمى إليه كما يرمي السيد الكسرة إلى كلبه الحقير.
بقدر الانحطاط يجب أن يكون سلم الرقي.
الانتقاد الأدبي سلطان مملكة العلم والأدب. (1/63)
صفحة 64
الاستعباد سلسلة من فولاذ لايكسرها إلا الفولاذ.
لووضعت لغة خاصة بالسياسة لسميت الراعي ذئبا.
حياة الشعب مبنية على عقول أبنائها.
حسن التدبير في سياسة السلم خير من إنشاء الحرب والثبات أمام العدوالداهم.
الناس مسوقون بطبيعتهم إلى الطمع وحب الرئاسة فكيف يمكن أن يسود السلم في العالم.
في استطاعة المرء أن يعيش حرا وليس في استطاعته أن يفعل كل ما يريد.
إذا حدثتك نفسك يوما بأن تخبرنا عن أشياء مخالفة للواقع ففكر ماذا يكون حالك معنا ثاني مرة إذا طلبنا منك أن تعيد ما قلت وقد اختلط عليك الحابل بالنابل.
لا يبني الاتحاد والوئام على غير الصفاء والتفاهم.
حسنة أوربا اليوم سيئة عيسى قبل.إذا فإلى ظل من تأوي إليه هته القارة من سخط الله وبطشه.
توحيد الأمر في المواقف الحرجة أكبر عامل للنجاح.
لم تفز فرنسا على جارتها في الطامة الكبرى إلا باتحاد القواد وطاعة الجنود وثقة الأمة.
إذا تكررت التنبيهات حلت العقوبات.
العالم رحى لا تدور إلا حول قطب الحوادث ولا تطحن إلا الأيام.
أظلم طريق يجتازه المرء في هته الدنيا الموحشة طريق خال من صديق يواسيه وخل يواليه.
نار الفتنة الداخلية لا يطفيها إلا ماء القوة الخارجية1تخريج ص143
الليل باب الفكر ومفتاحه السهر.
الكتب كريمة تجود ولا تطلب مكافأة فعلى البخلاء مطالعة الأسفار ليستفيد منهم العالم لأن ذلك لا ينقض من أموالهم شيئا.
الشرور تكون دائما عكس مقترفيها فمن كبرت همته تضاءل شره ومن صغرت نفسه تجسم جرمه.
الحسد والأنانية وحب الرئاسة أمراض مزمنة لا يشفيها إلا طبيب الأجل ودواء المنية.
عدم اكتراثك بالشيء احتقارك إياه.
سكوتك عن خصمك غصة في حلقه وخنجر في قلبه.
العجز كل العجز أن تزيد لكلامك سين التسويف وأنت كالحجر الجامد لا تنفذ من رغائبك مثقال ذرة فلا أنت من الأحياء فتنفع ولا من الأموات فتريح وتستريح. (1/64)
صفحة 65
قد يسد الدهر الأبواب جميعا أمام البائس إلا باب السماء فهومفتوح في كل وقت وحين لمن أراد ولوجه.
الموت سلطان مستبد وخطيب مفوه وشاعر مفلق حكمها مسموع وخطبتها صامتة وشعرها يخترق آذان الكون.
كلام المخلص يهضمه القلب ويتغدى به الروح وكلام المنافق ينبذ نبذ النواة قبل أن يصل إلى الوجدان.
بعد النجدة تكون المعاتبة.
التطفل على محمود العاقبة إذا كان مبنيا على الجسارة والثياب والشعور بالنقص.
لا ترج خيرا لأمة كثر فيها من يقول:التمدن خلاف الدين.
غاية السقوط أول النهوض.
ويل للنهوض من الجامدين وويل للدين من المتفرنجين وويل للوطن من كليهما.
الإنصاف والرجوع للحق يرفعان المرء ويجعلان له مكانة لا تقدر بقيمة في قلوب الناس.
إن للأمم كما للأفراد كبوات أثناء سيرها ورقيها فإن جعلت الثقة في نفسها ولم يكن لها أدنى تردد في بلوغ غايتها قامت ومضت في سبيلها وإن داخلها الشك واليأس من استرجاع ما فات ماتت وانقرضت.
جعل الراعي لوقاية القطيع من فتك الذئاب فإذا كان الراعي نائما والقطيع متفرقا فماذا يكون حال الجميع؟؟
صرخة المظلوم لا تنفك دائما تدوي كدوي الرعد في آذان الظالم الجبار عدلا من الله وانتقاما.
أفضل الكلام ما كان متين العبارة غزير المعنى وجيز المبنى وأحسن منه ما كان حلوالألفاظ جلي المعنى خال من التكلف والتحذلق يسيل رقة وبيانا وينقش في الذهن قبل التأمل والتفكير.
دخول المرء بين متحدثين دليل على سخافة العقل وسفالة التربية وتصلب الخد.
الفكر آلة معدنية يلمع عنصرها بكثرة الاستعمال.
لا قاضي أعدل من الضمير فإنه يأخذ الحق من الأمير كما يأخذه من الحقير.
الفقر منبع النبغاء والغنى منبع السفهاء.
الحازم النبيه لا يدخل بابا إلا ويعرف مخرجه ولا يسير في سبيل إلا ويحقق استقامته ولا يغتر بالدهر ولوأظهر له ابتسامته. (1/65)
صفحة 66
عندما يشتد البرد تحمر الأنوف وتسود الشفاه فعلى الذين لا يتحملون البرد أن يسدوا أنوفهم ويغلقوا أفواههم فإن الهواء مضر برئتهم ودفع الضرر واجب.
ليست المصيبة أن تخاطب من لا يفهمك ولكن البلاء الأسود أن تخاطب من يفهمك ويتعنت.
الكريم من جاد بنفسه في إحياء وطنه ورفع لوائه واللئيم من سعى في إطفاء نور الحق وبذر الشقاق في قلب الأمة.
إذا ابتليت بحب المال فغط شراهتك بالإنفاق على المحتاجين البؤساء وعلى ما يعود بالنفع والصلاح لشعبك وأمتك ودينك.
غايات المعيشة كثيرة والوسائل الموصلة إليها لا تحصى والعفيف النبيل من اختار أحسن الغايات بأفضل الوسائل.
المستبد عدوالحقيقة صديق الأوهام والخرافات.
إذا والى صديق الأمة عدوها فلتتهمه على مصالحها.
إذا ابتليت بتأخر في بعض الأحيان وكان لا بد منه فاجعل لذلك حدا تقف عنده حتى لا تفقد عملك كله في لحظة واحدة.
التعاون مزرعة الحب والائتلاف.
عدم التفاهم منشأ كل عداوة.
الاستعباد أبوه الجهل وأمه النفاق وجده الجمود وجدته الشقاق وقاتل الكل العمل والوفاق.
لكل أمة آفة في سبيل نهوضها ورقيها وآفة أمتنا المسكينة عدم الشعور بالنقص والتنقيص من عظمائها وزعمائها.
إذا صار الجدال غاية العلماء والشح شعار الأغنياء والجور طريق الأمراء والكبرياء داء البسطاء فعلى الوطن السلام.
ما دمنا نتأخر أمام المناصب خوفا من الخروج عن الجادة والزيغ عن الطريق يجب علينا أن نعذر من يتقدم إليها إذا زاغ وحاد ولا نطلب استنشاق رائحة العدل والإنصاف أبدا.
إن دماء البشر التي تسيل في العالم كل سنة كنهر منبعها الطمع.
ليس للسياسة الحربية قواعد قارة لا تتخلف يرجع إليها في المدلهمات ويعتمد عليها حق الاعتماد ولكنها نظرات وتدابير تلهمها القواد في الميادين أمام تيار العدوالزاحف ورب حيلة استعملت في مكانها فظفرت بها أمة فجاءت أخرى فقلدتها فيها فكانت الفاضلة على حياتها واستقلالها. (1/66)
صفحة 67
لا يأخذ الخائن المتدجل من قلب الأمة النبيهة أكثر مما تنال الريح من الصخرة الصماء.
السياسة بحر عميق إن لم تحسن السباحة غرقت.
احتمال الضيم الخضوع للذل دليلان على الدناءة وعدم الإحساس.
التعجب من كل شيء ناشئ عن فساد التصور.
ما أشقى الإنسان أمام نفس تعظم الصغائر وتصغر العظائم.
لا ترم سهما بيمناك إلا والدرع في يسراك.
من الخذلان أن يقوم الرجل بواجباته المفروضة عليه فإذا لم يلق مادحا نكص على عقبه.
من يبكي لنكبة أصابت ماله وأولاده أكثر منه لفقدان حريته فليس بإنسان ولا حيوان وإنما هوحجر جامد.
لا يخطب الذئب بتلك الخطبة المزعجة في نادي القطيع إلا إذا نام الكلب وغفل الراعي.
ارتعاش البدن أمام الظالم لا يدل على الجبن إذا كان اللسان قؤولا والقلب ثابتا ثبوت الرواسي.
التجارة أكبر ميدان تتبارى فيه الأمم والعظمة كل العظمة للسابقة.
التجارة حق مشترك بين الأمم.
حياة الأمة بحياة تجارتها وصناعتها وموتها بموتهما لأنهما كالدم الذي يفرق المواد الغذائية على سائر أطراف الجسد.
ما دمنا نظهر ما لا نعتقده ونعتقد ما لا نظهره فهيهات هيهات أن ترفع الحقيقة رأسها من كبوتها وهيهات أن نأتي بشيء جديد.
لوخدمنا وطننا ربع ما نتمشدق بحبه لبات فوق الأوطان كلها.
أتعجب كثيرا وأمقت أكثر قوما فينا يتثاءبون في فراشهم الوثير ويعتقدون أن الأمم الشرقية الناهضة تمد لهم يد المعونة وتخدمهم راقدون ولم يعلموا أراح الله منهم الأرض إن البلاد لا يخدمها إلا أبناؤها وأن المتكل على غيره يموت ذليلا مدحورا.
ما أجملك أيتها الحرية وما أفظعك جميلة لأنك نور الله الذي ينير طريق الإنسان في هذا العالم المظلم وفظيعة لأن الأسباب الموصلة إليك لا تخلومن الدماء والأهوال التي تقشعر منها الجلود.
الفتنة نار ملتهبة تحرق الأخضر واليابس وقد يوقدها فرد ويعجز عن إطفائها أفراد عديدون. (1/67)
صفحة 68
قد تذوب الأجسام تحت نار القوة والجبروت ولكن النفوس الحرة هازئة بهما أسيرة العدل والمساواة.
ليست القوة قوة المدافع والجنود المجندة ولكنها بنت الأنصاف والسياسة الرشيدة.
الظلم قوة موهومة أوله الخوف ووسطه الضعف وآخره السقوط.
الاستبداد ضباب كثيف تبدده شمس العلم.
الشعور بألم الذل والهوان داع إلى النهوض والحياة.
الشعور بلذة الحرية خاتمة الاستعباد.
كل بناء تقام دعائمه على غير الفكر والتروي لا يلبث أن ينهدم أمام الحقيقة.
في الأمة أدواء عديدة تنهك جسم مجتمعها أهمها وأهولها العادات الفاسدة.
القوي يراقب حركات وسكنات الضعيف وهل يقدر على مراقبة ما يجيش في صدره من بغض وانتقام.
أتمنى أن أرى العالم عاملا والحاكم عادلا والغني كريما فلا يضل الجاهل ولا يتأوه المظلوم ولا يتوجع الفقير.
يجب أن نحترم البائس إن لم نقدر على إعانته لكي لا يثقل عليه حمل همومه وأحزانه فيسقط تحته مهشم الأطراف.
يسعى المتهور في وضع التاج على رأسه فيكسب القيد في رجليه.
الإنسان يحب دائما استنشاق نسيم الحرية ولكن بأي رئة؟وفي أي بيئة؟.
نعم هناك أمم شرقية تحتقرنا وتظن أن لازلنا في عالم الأموات فنحن لا نلومها فيما تراه سواء أخطأت أم أصابت لأن الأيام وحدها كفيلة بإظهار الحقيقة.ولكن نقول أن التخاذل أصل عذابنا واستعبادنا جميعا وأن بذور الأحقاد والأضغان لا تنبت إلا بماء الازدراء والاحتقار.
يزعمون أن الزجر والقهر والاضطهاد صالحة لتأديبنا وتقويمنا وفاتهم أننا لا نخضع إلا للين وحسن المفاهمة.
الخيال إذا سقي بماء التفنن والإبداع صار حقيقة تلمس.
من حاول أن يعيش سعيدا ولم يحسن عملا فقد حاول أن يحرك بنفخة جبلا.
لم تبق في المعمور أمة تفي بعهد سجلته بيدها لأن المصلحة الشخصية صارت شريعة متبعة.
الجماعة تجمع ما تفرق وباد من مجدها وعزها والفرد برأيه قوة مضافة إلى صفوف أعدائه. (1/68)
صفحة 69
إذا هبت رياح النهوض والحياة استنشق منها ما أمكنك وزاحم بمنكبيك الأمم لأن النهوض شمس عامة إذا طلعت أضاءت الناس جميعا.
الجامد يعيش في ليل داج من الخرافات والأحلام فإذا أطلقت عليه شمس الحقيقة نورها الذهبي ذهب الله بنور بصره وزاده ضلالا على ضلال وعمى على عمى.
رب كلمة يفوه بها صاحبها بين ملإٍ من الناس فتمر على القلوب مرور نسيم الصبا على الورود فتحييها وأخرى كالسموم إذا مر على أخضر جعله يابسا.
الأنانية ثلمة في جدران العمران.
التمادي على الضلال جنون وضعف.
في الناس من يشعر ولا يتحرك ولا يشعر ومن لا يتحرك ولا يشعر وكلهم قد أصيبوا بمرض نفساني وقحط في العقل فطبيبهم الوحيد مناجاة الطبيعة كخرير المياه وتغريد البلابل وصفير الرياح وقصيف الرعود فبذلك تتمكن فيهم ملكة الشعور وحب التحرك.
المال وسيلة العاقل وغاية الجاهل.
الغني من رحمه الفقير وشكره البائس.
البيان أن تكسر زجاجة العقول فتجبرها في آن واحد.
يموت الشجاع فتحيا أمة كاملة.
ليست الأغلبية دليلا على الإصابة والصحة بل كثير ما تغمر الحق وتختنق أنفاسه النورانية.
إذا أردت أن تذوق طعم الموت وأنت حي فاخش الموت واعبد الحياة.
من قال لك ائتني بدليل واضح على أن النهار موجود وكان نور الشمس يلسع جبينه فقل له ائتني بدليل على أنك متيقظ تتكلم لا راقد تهذي وتحلم.
إن الأمة التي لا تؤدبها القوارع ولا تردعها الفواجع لهي أمة حمقاء للدهر أن يمحوها من لوح الوجود.
من الحكمة أن لا تطلب شيئا إلا وأنت قادر على أن تحمله بنفسك الوهم قوة فعالة.
لا تركن إلى الشتم والسباب في غضبك فقد يوصلك إلى ما تحمد عقباه ورب كلمة مركبة من أحرف قليلة أدت إلى فتنة طويلة عريضة على أن الشتم والسباب ملجأ الضعفاء وسلاح الجبناء.
نتمنى أن لوأغلقت أبواب الحانات والمواخير ولماذا لا نسعى في فتح أبوب المدارس الدينية والكليات العلمية فترجع المياه إلى مجاريها. (1/69)
صفحة 70
نلوم أبناءنا على أنهما كهم في اللذات والفجور وغاب عنا أن الصورة آخذة شكلها من المرآة لا أكثر ولا أقل.
إن من الناس أناسا لا يرون الإتقان لب العمل فيتعجبون من نسج العنكبوت السريع ويحتقرون عمل دودة القز البديع وهذا منتهى ما يتصور من الغرور بالظواهر.
إن في الناس أناسا قد أعمى الله أبصارهم وبصائرهم فتراهم كالخفاش لا يعيشون إلا في الظلام.
ليس من الشرف ولا من الهمة مقومة الحق في شخص لأنه يخالفك مبدأ ومشربا.
إلى الآن لم أسلم أن الماديين سعداء كما يزعمون.
العادل هوالذي يبذر الرضى والوفاق في قلوب المتخاصمين.
الحكومة العادلة أساسها الشورى وشعارها الإنصاف.
لا يكون المنتقد مصيبا في انتقاده إلا إذا لسعته عقارب الألسن ولدغته أفاعي الأقلام مرات عديدة.
إن التكالب على المصالح الشخصية يمحي كل أثر للسلام في هذا العالم السفلي.
لا تنفك الأطماع الاستعمارية والحروب الجهنمية سائدة بين الأمم ما دامت قواها المادية غير متساوية.
لا يمكن أن نسير بدون اتحاد ولا أن نتحد بدون غض البصر عن الماضي.
الإخفاق دون بلوغ الغايات نتيجة الشك والتردد.
لكل شيء في هذا الكون غاية ونهاية وغاية الاضطهاد إذا صار المصلح يقاد إلى المحاكم كالمجرم ويزج في قعر السجون.
يجوز اجتماع الماء والنار ولا يمكن أن تنتهي الحروب ما دامت أوربا تعبد الدرهم والدينار.
أعوذ بالله من السياسة لا يسلم من صادقها ولا من عاداها فالأول يغرق في بحر كذبها والثاني لا يعيش مع أربابها.
لا تقتنع بنفسك ولا تنظر إليها بعين الرضاء متى ظفرت بشيء مهما كان فإن وراء الظفر غاية ألذ وأحلى من الأولى وهي أن تستثمر ما حصلت عليه وتزيد في الإحراز على أشياء أخر أعظم وأجل فإن الاقتناع بالقليل الناقص من شأن ساقطي الهمم ونشوة الانتصار تصرع المرء قابلها بالطمأنينة ولم يقاومها بالتنكر وعدم الاقتناع والمبالاة. (1/70)
صفحة 71
عدوي الألد من شغلني عن التعليم وفتح في وجهي بابا غير باب التفكير والبحث.
الندامة والتحسر نتيجتان من نتائج الغرور والإصرار-منفعة الجاهل قلما تتجاوز عتبة داره ومضرة يتوجع منها القريب والبعيد-.
سحب الهموم والآلام تغطي نجوم الصبر والأمل وتمطر وابلا من القلق واليأس.
الفرق بين المجادلة والمفاهمة كالفرق بين الجمر واللؤلؤ.
العين نافذة القلب ومعرض الانفعالات النفسانية.
الناس تختلف في الطبائع والأفكار والعوائد كاختلافها في الألوان والأجناس والبلدان.
جاهل متربص خير من عالم متكبر ولص شيطان أفضل من حارس جبان وسكير شارب أحسن من ناسك كذاب.
التباين أساس نظام الكون وأصل كل حركة.
العالم ملك عظيم ثروته أدبه وأصحابه كتبه ونديمه فكره ووزيره عقله وجنوده ألفاظه وقائد جيوشه بيانه ومملكته علمه وسيفه صمته وأريكته همته ولواؤه اسمه.
معاشرة الضد عذاب أليم ما فوقه عذاب فمن ابتلاه الله بذلك فليجعل الصمت شعاره وإن لم يتحمل فالرحيل أولى به.
أظلم الساعات يفكر فيها المرء أن قد كان له أصدقاء وضيعهم بكلمة أعربت عن نواياه فيهم وعما يضمر لهم.
قل من ينجومن معاتبة الخصوم وتقريظ الأصدقاء والحكيم من شكر الجميع فالأولون يبنون معايبه ليتجنبها والآخرون بحسن ظنهم وإخلاصهم يزداد نشاطا في عمله وثباتا في مبداه.
الأشرار يحبون أن يروا الناس مثلهم ينهجون منهجهم ويحبذون أعمالهم ويعتقدون اعتقاداتهم والأخيار كذلك ولذا ترى الدنيا منقسمة إلى أحزاب مختلفة ومذاهب متشعبة.
الحسد صارم بتار إذا جعلت قلبك غمده قطعك وإذا شهرته فضحك.
لا تضيع وقتك في ترقب الفرص ولكن اغتنمها متى سنحت لك وإذا أفلتت من بين يديك فلا تتأسف عليها فسوف تأتيك أخرى ثم أخرى فكن في أعمالك كلها حازما متيقظا.
العلم وحده يقتل المواهب إذا لم يكن مقرونا بالأخلاق والدين.
السعاية والنميمة سيفان مفلولان لا يجتمعان إلا في غمد الجبن والنذالة. (1/71)
صفحة 72
لا يصلح اجتهاد المرء وكده في تحصيل شيء إذا لم تكن له عقيدة راسخة وغاية حسنة يقصدها إن مثل المهمل في أعماله كمثل الأعمى الذي يسير على طريق يجهلها وأمامه بئر عميق فكلما جد في السير قرب هلاكه.
احتمال الضيم يقتل النفوس ويفسد الأخلاق ويصير العبد حرا والكريم لئيما.
رب وقت فاض فيه سيل الفكر فسبق جري الأنامل وأغرق القلم وعم سهل القرطاس وزمن يعالج فيه علاج الصبي للكلام والبخيل للجود فلا يسمح ولوبقطرة واحدة.
مسكين أنت أيها الإنسان الضعيف إنك في هذا العالم المحفوف بأصناف المكدرات كسفينة بلا شراع في لجة محيط ثائر تتلاعب بها الأمواج المتلاطمة فتارة تغوص وطورا تظهر وآونة يضرب بها عرض الصخور حتى إذا ساعدتها المقادير رمتها موجة إلى شاطئ من شواطئه وألواحها متفرقة شذر مذر.
الخوف ضباب كثيف يستولي على العقل الضعيف فيكفر كل ما كانت تنير شمس الحقيقة.
لا معنى للاتحاد مع الضلال.
الخذلان والبلاهة والغرور والطيش وضعف النفس كلها مخيمة تحت طرابيش المتفرنجين.
إن الغموضة في الكلام دليل على عي وفهاهة صاحبه.
{ نفحات وشعور }
ما أظلم الغبراء في عيني حينما أشاهد البائس التعس يبكي وينتحب ولا يرحمه إنسان ولوبكلمة حقيرة يرثي بها حاله أوعبرة حارة يخفف بها بعض أحزانه.وعندما أرى الغني الميت يتمتع في أمواله ولا ينغص نعيمه أحد ولوبنظرة حادة صامتة يخزيه بها ويلعنه لعنا كبيرا.صبرا أيها البائس المسكين فعين الله لا تنام والدهر لا يدوم على حال ومهلا أيها الغني البخيل فربك لا تخفى عنه خافية وأنه عزيز ذوانتقام.
أحب الانزواء والعزلة عن البشر-ذي الرأس السوداء-لأنني أشعر بلذة رائحة النفس في خلواتي وهناك أجمع ماتشتت من حظي ولكنني مع ذلك أخاف ماذا يكون مصير العالم إذا الناس جميعها تركت العلم وأوت إلى مغاويرها كما تأوي الطيور إلى أوكارها. (1/72)
صفحة 73
أفضل ساعة عندي ساعة أقف فيها أمام بائس منكوب أرثي حظه وأزيل بما استطعت أحزانه وآلامه لأني لا أرى نفسي هادئة مطمئنة أمام بكاء الباكي وزفرات الكئيب.
في صغري كنت أسبح في بحار الحرية الخالصة.ولا أفقه من معانيها شيئا والآن أعرفها واتية بها ولم أجد إليها سبيلا.
لا أرى نفسي شيئا يذكر في الوجود حينما أقف على حياة العظماء من الرجال ولكني أريد أن أكون مثلهم أوأموت.
أحب وطني حبا جما ولوتراكمت الخطوب علي فوق أرضه ومسني من العذاب أليمة.فهوملكي وأنا ملكه أبكي عليه كلما بكى وأحن إليه كلما شكى أحبه ويحبني فهوعين وأنا نورها وهوصوت وأنا صداه أكره من يبغضه وأجل من يهواه اسمه في قلبي مكتوب بنار الحماسة من صغري لا يمحيه يد الدهر في كبري عرفته فعشقته وإن كنت لا أعرف العشق من قبل.سماؤه بلور وترابه تبر وجباله عنبر وجناته زبرجده.فوالله ما رأيت وطنا أحسن منه..
نظرت إلى وطني المسكين نظرة باحث فلم أجد سوى مخلص محروم سعى فلم يجد من يعاضده فقعد عن العمل وجامد سجن نفسه في غيابات اليأس والقنوط فكان حجر عثرة في سبيل الرقي والتقدم ومنافق نفدت سلعته في سوق الغدر والخيانة ففرح بحظه وحرفته فواأسفاه..على وطن أنا فيه..
لم أبلغ عشرين ربيعا من عمري وقد شاهدت في حلال ذلك أيام فرح وأيام حداد فلم أر درسا يشرح مسألة الحياة أحسن منهما ولا موعظة أوقع في النفوس من تكرارهما تخريج ص:167
أخاف من المتملق خوفي من العدوالغاصب كيف لا أحذره وهويصفيني بعالم يكن في ويحلق بي ما ليس لي وما لا يطابق ما عندي ليأخذ ما تحويه يدي.
صدري ينفلق وقلبي ينفطر وكبدي تتفتت حينما أرى أمتي المسكينة عفا الله عنها تحارب نفسها بنفسها وتطعن قلبها بيدها وتنظم من أبنائها جيشين يتصادمان ما بينهما فيشتد فرحها ويقوى جذلها وتظن أنها تحسن صنعا وتفعل جميلا.آه على أمتي ما أشد غرورها.. (1/73)
صفحة 74
ياقوم هذا شعبكم بين أيديكم أهدته لكم أجدادكم الأحرار وقد تحملوا لأجله أمورا تشيب منها الولدان ولم يثنوا أمامها يوما واحدا.فأكرموه اليوم كما كانوا يكرمونه من قبل وإلا فأطلقوا سراحه واتركوه وشأنه عله يجد من يرحمه ويرثيه.لا لا..ولكن قولوا معي مادام منا فرد يشم روح الحياة فهيهات أن تهدم جدرانه ويستباح حريمه.
ما دمت أشعر بكمون الجهل في نفسي أسعى في مطاردته وإنارة مكانه بالعلم والمعارف فإذا سولت لي نفسي يوما بالكمال علمت أن الجهل يكره على مرة أخرى بعد خروجه يريد احتلال عقلي فاستعد لمقاومته.
ما أجمل تلك الأحلام اللذيذة التي كنا نتصورها في صبانا وما أمر هته الحقائق التي ملأت القلوب في شبابنا.
أغيب عن هذا العالم كلما خلوت بنفسي لوضع هته الكلمات فأشعر بأسلاك كهربائية تعمل بين فكري ووجداني وكان ضميري يناجي أرواحا من عالم آخر.فأتأسف كثيرا حين لا أعلم من أمرها إلا ما يخطه قلمي على القرطاس.
لا أعبأ بخصمي ما دام شتمه في طرف لسانه وثرثرة لا تتجاوز الآذان فإذا سكت استعدت له لأن السكوت مقدمة الوثوب.
أشعر بضيق عظيم كلما شرح صدري لعلمي أن لا سعادة تدوم.
يعجبني جدا أن أموت حيا ويسوؤني كثيرا أن أعيش ميتا.
أرضى أن يتحدث عني بالجهل ولا أقبل أن يقال فيَّ أني جامد فالجهل ستار بين الفكر والحقائق إذا العلم مد يده إليه مزقه فبان كل شيء كان وراءه خفيا.وأما الجمود فلا سبيل لحسمه من نفوس أصحابه لأنه ممزوج بدمائهم وغريزي فيهم.
لا احترام إلا الحق تخريج ص:169 ولا أقدس إلا الله ولا أخضع إلا للواجب ولا أخدم إلا الوطن.
أريد أن تعيش نفسي حرة لا تَستعبِد ولا تُستعبَد.
أحب أن يراني الناس بالعين التي أراهم بها لا أكثر ولا أقل.
أتمنى أن يتخطفني طير الإعدام إذا ساءتني رؤية الحق.
لا أحب أن يجاورني من لا همة له لأن الهمة أصل كل مكرمة ومحمدة.
لا أحب أن يعطي لي ما ليس لي ولا أن يسلب مني مثقال ذرة من حقي الطبيعي. (1/74)
صفحة 75
ما أسعدني حينما أقوم بواجبات لم يفرضها علي إلا ضميري الشريف.
أحب الخيال واتية به ولكنني أسعى لأتوصل به إلى الحقيقة المتجسمة
أسجل بقلمي كل ما يجيش به خاطري ولا أكلف الناس أن يسمعوا مني كل ما أقوله.
لا أجبن في إبداء خوطري وأفكاري ولوكنت أخالف بها الناس جميعا لأنني لا أقول إلا ما أعتقد ولا أعتقد إلا ما أقول.. فإذا لم أمثل نفحات نفسي في الخارج فمن يفعل ذلك ياترى؟
إني وإن كنت أجهل أشياء كثيرة ككل إنسان إلا أني لا أجهل حاجتي إلى الزيادة في كل وقت وحين.
إن نقصي لا يمنعني من تكميل نفسي.
أعتذر إذا غلطت صيانة للحق وتربية لنفسي لا نزولا على حكم شخص مهما كان.
أأهضم حق محسن مجيد لحاجة في نفسي ثم أدعي بعد ذلك بأنني وطني؟إذا فالوطنية معناها قلب الحقائق وهضم الحقوق؟
محال أن أرى شابين مسلمين يتحادثان بلغة أجنبية عنهما بين الغادين والرائحين ولا يتصبب جبيني عرقا من شدة الخجل والتأسف.
ربما سمعت ما لا أحب ممن أحب فأقول إن الورد لا يخلومن شوك مؤلم.وربما سمعت ما أحب ممن لا أحب فأقول إن الماس لا يهمل إذا كان مصدره فحما.
أتحسب إني لا أفهم مقصدك ولا أرى داخليتك وما تنطوي عليه سريرتك إذا كنت مبتسما متبصبصا.
لا أثق بحب امرئ حتى يحدثني عنه ضميري.
هناك أشياء كثيرة أريد الاستحواذ عليها ولكن لما كانت الهمة تأباها.عدلت عنها غير آسف على أهميتها.
إذا تأخرت أمام سهام المنتقدين خوفا وجبنا أوتقليلا للخلاف كما يقولون فمن يكون درعا واقيا لفكرتي حاميا لغايتي المقدسة ياترى؟
أعمل وأخطئ خير من أن أجمد وأصيب.هذا هواعتقادي ما دمت حيا.
تالله لوأعلم تقييد الأفكار وضغطها أصل كل سعادة ورحمة لما اخترت إلا شقاء النطق بالحقيقة وعذاب الحرية الفكرية.
- كلمة ختامية -
قد بذرت بذورا في أراضي القلوب وسقيتها بماء الإخلاص ورجائي أن تنبت نبتا حسنا فتزدهر وتثمر.والغاية المقصودة من ذلك هوخدمة الأمة الإسلامية عامة والجزائرية خاصة. (1/75)
صفحة 76
فنسأل الله تعالى أن يجعلها حياة القلوب وربيع النفوس ونور الضمائر وأن يعمم نفعها جميع الطبقات في مختلف الشعوب الشرقية،إنه سميع مجيب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
تم الجزء الأول-والحمد لله أولا وآخرا-من بذور الحياة ويليه الجزء الثاني إن شاء الله.
- أنهيت نسخ كتاب"بذور الحياة" يوم الأحد 09 ذي الحجة 1421هـ/ الموافق لـ 04 مارس 2001م- (1/76)