صفحة 1
الكتاب: دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
دار النشر: جمعيّة التّراث
البلد: الجزائر
تاريخ النشر: ذي القعدة 1432هـ - أكتوبر 2011م
الطّبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الطّبعة الأولى
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الطّبعة الأولى
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الإيداع القانوني:
ردمك:
حقوق الطّبع محفوظة للمؤلّف
ذي القعدة 1432ه/ أكتوبر 2011م
نشر جمعيّة التّراث
القرارة (الجزائر) (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة
الأدب الجزائري غنيّ بما أفرزه من قيم، وما عالج من قضايا وطنيّة وإسلاميّة وعالميّة. وكبير بكبر الأدباء الذين أنتجهم وأنتجوه. وقويّ بحضوره في المناسبات العظيمة والمواقف الحاسمة، وحيّ باستمراره في العطاء، وفي تفاعله مع الآداب الأخرى: تأثّرًا وتأثيرًا. دراسته دراسة خاصّة وملحّة، تدعو إليه عوامل كثيرة، نذكر من بينها:
1 – جهل فئات كبيرة من أبناء الجزائر به، وبخاصّة الشّباب، ومنهم الطّلبة الجامعيّون، ومن هؤلاء طلبة أقسام اللغّة العربيّة بالجامعات الجزائريّة.
2 قلّةاحتفاء بعض أبناء هذا الأدب به، وفقدهم حاسّة تذوّق الأدب بعامّة، وعدم شعورهم بهوى نحوه بخاصّة.
3 – ظهور تيّارات كثيرة داخل هذا الأدب، واتّجاهات عديدة فيه، لم تتمكّن من التّعايش مع بعضها جنبًا إلى جنب بسلام أدبي، وتحاملُ بعض الأفراد على الآخرين، ما نتج عنه إقصاء بعض الأسماء، وفرض أخرى على أذواق الشّعب، وسيطرة أشخاص على ريادة الأدب في الجزائر، وتفرّدهم بحقّ تمثيلها أدبيًّا في المنتديات الدّولية بحقّ وَبغير حقّ.
4 – انعزال بعض الأسماء الكبيرة، الأصيلة في تفكيرها، القويّة في إبداعاتها، المتمكّنة من أدوات الكتابة. وعدمُ نشر بعضها ما تنتج وما تبدع. وإبقاؤُه في أدراج مكاتبها، ليحتلّ مكانه فيها، بدل أن يجد مكانته في قلوب أبناء وطنه. ممّا ترك فراغًا ملأه بعض من ليست له صلة بالأدب والفنّ.
5 - غياب الأدب الجزائري عن المحافل الدّولية بشكل محيّر ولافت للنّظر – كغياب الثّقافة الجزائريّة الأصيلة عنها أيضًا – ممّا يعرض أكثر من سؤال على المواطن الجزائري، وعلى غير الجزائري، بخاصّة المثقّفين والأدباء. (1/3)
صفحة 4
هذه بعض العوامل المتسبّبة في صدور الأحكام الجائرة حول الأدب الجزائري، وفي إقصاء الأدب الأصيل من السّاحات العامّة والخاصّة. وهي عوامل تلحّ على ضرورة مواصلة جهود التّعريف به تعريفًا، يكون بعيدًا عن التّهريج والتّشويش والتّشويه ... يضاف إلى جهود من له الرّيادة والفضل في هذا المضمار.
قدّمنا بعض الدّراسات المتواضعة جدًّا في التّعريف بهذا الأدب، نشرت في بعض المجلاّت، وألقي بعضها محاضرات في بعض الملتقيات، في فترات زمنية متباعدة، فرأينا أن نجمعها في كتاب؛ عساها تفيد القارئ الكريم، ويكون في هذا أداء بعض الواجب نحو الأدب الجزائري، كما دعونا إليه.
قد يلحظ القارئ وجهة معيّنة، أو اتّجاهًا خاصّا كانت في كتابتنا ودراستنا. هناك دوافع خاصّة دفعت إليه (قد تكون من دون إرادة منّا)، نشير إلى أهمّها:
1 – تجاوبنا مع هذا الاتّجاه، الذي قدّم الكثير للشّباب الجزائري – في رأينا - بما حمل إليه من قيم، مرتبطة أشدّ الارتباط بأصالته ومجتمعه، وبما أعطاه من طاقات وإمكانات، يستشرف بها مستقبله؛ بما يتناسب مع معتقده وبيئته، من دون الاستغناء عن الجديد الذي يَفِدُ ويفيد، ولا يمسّ الأصول، ويتعدّى الحدود، ويكسر السّدود ..
2 – وجدنا في هذا النّوع من الأدب تناولاً لقضايا ومسائل وأفكار ونظرات ... ما وسمه بالواقعية، وتحمّل الأمانة والمسؤولية الملقاة على الأديب. هذا ما يعين على الإفادة منه في التّربية والتّوعية والإنهاض ومحاربة كلّ أنواع الهمود والخمود، والوهن والمهانة، والرّدّة والرّداءة والتّردّي، التي هي سمة عصرنا هذا. فهؤلاء الأدباء قدّموا ذلك عن تجارب عاشوها أو عايشوها أو وعوها ... قد يقول قائل: إنّ رسالة الفنّ لا تخضع لهذه المعايير، أو هي ليست المقاييس والضّوابط التي تحكم الفنّ ... ولهذا فلا مكان لهذا النّتاج في السّاحة الأدبيّة. مهما يكن الأمر فإنّ (1/4)
صفحة 5
هؤلاء الأدباء فهموا الأدب رسالة، يُخدم بها المجتمع فأقاموا على هذه القاعدة صرح أدبهم.
3 – بعض ما عرضناه مجهول تمامًا، المصادر التي تضمّه يعسر الحصول عليها؛ لأسباب وعوامل قد تكون موضوعيّة، وفّقنا الله إلى الاطّلاع عليها، والقيام بدراسة الأدب الذي حوته، وقد أدرجنا بعضًا منه في هذا الكتاب، عسى يفيد منه من يطّلع على هذه الدّراسات.
4 - تحامل بعض الأدباء على هذا الأدب، وعدّه كارثة على الأدب الجزائري؛ لأنّه يناقض حقيقة الفنّ، ولأنّه أعاق حركة تطوّر الأدب في الجزائر، فنادوا بوجوب أن يمحى من الذّاكرة والأذهان، ويلقى به في زوايا النّسيان ... وكان يهاجمه من يحمل هذه النّظرة عنه، ويحظر عليه الظّهور في المحافل الوطنيّة العامة والدّولية؛ حتّى لا يسيء إلى سمعة الجزائر الأدبيّة ...
بينما – نحن - وجدنا هذا الأدب رسالة سامية، قام بواجب كبير في خدمة الجزائر وغيرها. قلنا لماذا لا نجمع هذا المتناثر ممّا كتبناه عن هذا الأدب، للتّعريف به أوّلا، ثمّ إنصافه ثانيًا.
هذا هو هدفنا في هذا الكتاب، وهذا هو جهدنا، نطلب الله تبارك وتعالى أن يحقّق رجاءنا، وأن يثيبنا على هذا العمل الجزاء الأوفى والأبقى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله وقلبه سليم، إنّه خبير بنا النّفوس عليم.
الجزائر يوم الثّلاثاء: 03 من شعبان 1432ه
05 من جويليّة 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربيّة وآدابها (1/5)
صفحة 6
كليّة الآداب واللّغات
جامعة الحاج الأخضر باتنة
القضيّة الفلسطينيّة في أدب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1)
لم يسجّل - في الأدب الجزائري الحديث – اهتمام بقضية إسلاميّة – سياسيًا – مثلما سُجّل لقضيّة فلسطين، فقد كان لها حضور كبير في هذا الأدب، منذ بدأ الحديث عنها في الزّوايا والمجالس الخاصّة، ومنذ كانت القضية أفكارًا تعرض، وأحاديث تتداول، ومنذ كانت إرهاصاتها تلوح في الأفق. (2)
عن ارتباط الجزائريّين بهذه القضيّة بقول محمّد البشير الإبراهيمي (3) " يا فلسطين، إنّ في قلب كلّ مسلم جزائري من قضيّتك جروحًا دامية، وفي جفن كلّ مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كلّ مسلم جزائري في حقّك كلمة
__________
(1) - نشر المقال في مجلّة الموافقات (المعهد الوطني العالي لأصول الدّين)، جامعة الجزائر، السّنة الرّابعة، العدد الرّابع، محرّم 1416هـ/ جوان 1995م، ص: 739 – 758.
(2) - ينظر أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، ومحمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص: 483 – 513. ود. محمد ناصر، المقالة الصّحفية الجزائريّة ... مج 1، ص: 39 وما بعدها. ود. عبد الله ركيبي، قضايا عربيّة في الشّعر الجزائري المعاصر، ص: 41 وما بعدها ...
(3) - الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889 – 1965م) أحد أركان الإصلاح في الجزائر وعلمائها الأفذاذ، كاتب وخطيب وأديب متميّز بكتاباته الرّصينة (جاحظ زمانه)، متضلّع في اللّغة العربيّة، رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، بعد وفاة الشّيخ هبد الحميد، ابن باديس سنة 1940م، رئيس تحرير جريدة البصائر الثّانيّة، لسان حال جمعيّة العلماء الجزائريّين، (1/6)
صفحة 7
متردّدة هي: فلسطين قطعة من وطني العربي الصّغير، وفي عنق كلّ مسلم جزائري لك – يا فلسطين – حقّ واجب الأداء، ومتأكّد الرّعاية." (1)
لقد تتبّع الأدب الجزائري تفصيلات القضيّة وتطوّراتها، وعالجها معالجة جادّة ودقيقة. لقد عرف الأدباء خبايا القضيّة: خوافيها وقوادمها. في هذا يقول إبراهيم أبو اليقظان: " إنّ من يمعن النّظر ويدقّق البحث في قوادم المسألة وخوافيها، يجد أنّ المسألة ليست مسألة المبكى والبراق، وإنّما حقيقة المسألة هي السّرطان الصّهيوني النّاشب مخالبه في غلصمة العالم، الظّاهرة عوارضه الرّاهنة في فردوس الإسلام وجنّته الأرضية، ومقرّ أنبيّاء الله فلسطين." (2)
كما فقه الأدباء دسائس الصّهيونية ومناوراتها، ووقفوا على انعكاسات ذلك كلّه، ونتائجه على مستقبل الحياة العربيّة والإسلاميّة؛ لأنّهم ذاقوا استعمارًا لبلادهم مشابهًا للاستعمار الصّهيوني، فعرفوا مرارة الضّيم والقهر والاضطهاد، وقدّروا معنى التّضحية لأجل استرجاع الحريّة والكرامة.
لهذا كان تنديد الأدباء الشّديد بقوى الاستعمار بعامّة، هو تنديد ومقاومة غير مباشرة للاستعمار الفرنسي في الجزائر، وكان الكشف عن مؤامرات اليهود والصّهيونية في فلسطين، هو كشف عن مؤامرات فرنسا ومناوراتها في الجزائر. كما كان لما ذاقه الجزائريّون من أذى وما جرّعهم اليهود من مرارة، في مختلف الميادين، وما أصابهم من كيدهم ... كان لكلّ ذلك دوره في مضاعفة حقد الجزائريّين على اليهود والصّهيونية.
هذه العوامل وغيرها دفعت الأدباء إلى التّصدّي لليهود، والكشف عن دسائسهم، وبيان خطرهم على الدّين والقوميّة؛ شعورًا منهم بأنّ " نقطة الإحساس في العالم العربي اليوم، إنّما هي نقطة فلسطين، والخطر الدّاهم الذي يهدّد العرب في
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، ص: 483.
(2)، الحزائر، ع: 1، (25/ 01/1930م). - جريدة ميزاب، (أبو اليقظان إبراهيم (1/7)
صفحة 8
كيانهم وفي حياتهم وفي وحدتهم، إنّما هو خطر اليهود في هذه المنطقة العربيّة، وأنّ الواجب المحتّم على كلّ عربي مسلم، في أيّ قطر من أقطار الأرض هو أن يقف إلى جانب أخيه العربي الفلسطيني، ينصره ويؤازره، ويضحّي إلى جانبه بأغلى وأثمن التّضحيات؛ مهما كلّفه ذلك. فالمسألة ليست مسألة بلاد نائية، وليست مسألة محليّة، لا تهمّ إلاّ أهل فلسطين وحدهم، إنّما هي مسألة العالم العربي والإسلامي بأسره. " (1)
استجابة لهذه المشاعر الجيّاشة الحسّاسة، نفحنا الأدباء الجزائريّون بكتابات ضافية عن فلسطين وما يتّصل بها. نحن في هذه الصّفحات نمثّل بنماذج لهذا التّناول، مِمّا كتبه أحد كبار أدباء الجزائر، وأحد قادتها في الحركة الإصلاحية والنّهضة الحديثة، إنّه الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي. اخترناه نموذجًا لهذا التّناول لأنّه يعدّ أحسن من كتب عن قضيّة فلسطين: فكرًا وأسلوبًا وتحليلاً ...
لقد شغلت قضيّة فلسطين بال الإبراهيمي، واستحوذت على اهتماماته، ولذلك انبرى مدافعًا عنها، في كلّ مناسبة وفرصة سانحة. فقد كان على رأس الهيئة العليا لإغاثة فلسطين التي تأسّست سنة 1948م، التي يتكوّن مكتبها من السّادة: محمد البشير الإبراهيمي، والطّيّب العقبي، وإبراهبم بن عمر بيّوض، وفرحات عبّاس، ومصّالي الحاج.
كتب الإبراهيمي عن القضيّة الفلسطينيّة أكثر من خمس عشرة مقالة، اشتملت على أفكار متنوّعة، ونظرات عميقة ثاقبة، وتضمّنت تحليلا جيّدًا للأحداث والمواقف: مواقف العرب والمسلمين والصّهاينة، وحملت وجهات نظر مستقبليّة خطيرة للنّتائج المترتّبة عن تعاقب الأحداث وتسلسلها الإيجابيّة والسّلبيّة، وفيها
__________
(1) - عبد الكريم بوصفصاف، جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين ودورها في تطوّر الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1931 – 1945م)، ص: 357. ينظر أيضًا مجلّة الشّهاب، قسنطينة، الجزائر، مج 13، ج 5 (10 جويلية 1937م)، ص: 358. (1/8)
صفحة 9
كَشَفَ عن تخاذل العرب، وإسهام بعضهم في ضياع فلسطين، وفيها نَبَّهَ إلى مناورات الصّهاينة، وتواطؤ الغرب مع اليهود لضرب المسلمين واغتصاب فلسطين ... وهو القائل: " كاتب هذه السّطور عربي يعتزّ بعروبته إلى حدّ الغلوّ، ويعتدّ بها إلى حدّ التّعصّب، ويفخر بأبوّة العرب إلى حدّ الانتخاء ... وإذا حشر نفسه في العصبة الذّائدة عن فلسطين، وأشركها في العصبة الغالبة لفلسطين، فليس بِمدفوعٍ عن ذلك؛ لأنّه عربي أوّلا، ومسلم ثانيًا، وفلسطيني بحكم العروبة والإسلام ثالثًا ... " (1)
يصرّ البشير الإبراهيمي على التّأكيد أنّ فلسطين حقّ عربيّ، وأنّها للعرب والمسلمين وحدهم، من دون سواهم. ويثبت هذا بالحجج التّاريخيّة والأحداث المهمّة، التي حصلت في أرض فلسطين، والتي لها علاقة بالمسلمين، كحادث الإسراء والمعراج، بكلّ دلالاته التي تشير إلى سيادة الإسلام والمسلمين على غيرهم، ويؤكّد على ذلك أيضًا بوجود المسجد الأقصى فيها، وهو أولى قبلتي المسلمين، كما يَدْعَمُ رأيه في هذا المجال بالحجج الشّعورية التي تربط العرب بأرض فلسطين؛ متمثّلا في حرص المسلمين والعرب على حماية فلسطين من الغاصبين المعتدين عليها، مقابل فقدان هذه الغيرة وهذه الحماسة في اليهود. ويثبت حقّ العرب في هذه الأرض بطول المدّة التي أقاموها في فلسطين منذ القديم: " ... فإنّ هوى المسلمين لك أنّ فيك أُولى القبلتين، وأنّ فيك المسجد الأقصى، الذي بارك الله حوله، وأنّك كنت نهاية المرحلة الأرضية، وبداية المرحلة السّماوية ...
وإليك إليك ترامت همم الفاتحين، وتراءت إليك الأيْنُقُ الذُّلُلُ بالفاتحين، تحمل الهدي والسّلام وشرائع الإسلام، وتنقل النّبوّة العامّة إلى أرض النّبوّات الخاصّة، وثِمارَ الوحيِ الجديد إلى منابت الوحي القديم ... وكانت النّتيجة أنّ
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 505. (1/9)
صفحة 10
الإسلام طهّرك من رجس الرّومان، كما طهّر أطراف الجزيرة قبلك من رجس الأوثان." (1)
لهذه الامتيازات كانت فلسطين حقًّا للعرب المسلمين، وتملّكهم لها كان منطقيًا؛ بموجب ما دفعوه في سبيلها من غال ونفيس، وما قاموا به من أجل تطهيره، من الدّنس والرّجس. ومن جهة أخرى فإنّ صلتها بالعربيّة وعراقتها بها كانتا أكثر من اليهودية والصّهيونية، وما كان يتحرّك على أديمها كان عربيًّا، أكثر ممّا كان يهوديًّا: " إنّ فلسطين أرض عربيّة لأنّها قطعة من جزيرة العرب، وموطنٌ عريق لسلائل من العرب، استقرّ بها العرب أكثر ممّا استقرّ اليهود، وتمكّن فيها الإسلام أكثر ممّا تمكّنت اليهودية، وغلب عليها القرآن أكثر ممّا غلبت التّوراة، وسادت فيها العربيّة أكثر ممّا سادت العبرية ... " (2)
في سياق إظهار الحسرة وتصوير هول الفاجعة التي ألمّت بالمسلمين، والكشف عن الشّعور بالإهانة والإحباط النّفسي في قضيّة فلسطين، في سياق ذلك يفصح محمد البشير الإبراهيمي عن حقيقة الصّهيونية، التي هي استغلال واستعباد وقضاء مصالح؛ إذ تعتمد في كلّ ذلك على " الحاخام " و " الصّيرفي " و " التّاجر " ... وتتذرّع بالتّوراة والبنك والمصنع ... لتحقّق مآرب دنيئة، وأغراضًا مادية بحتة، فهي في حقيقتها: " استعمار من طراز جديد، في أسلوبه ودواعيه، وحججه وغاياته، يجتمع مع الاستعمار المعروف في أشياء، وتفرق بينهما فوارق، منها أنّ الصّهيونية تعتمد قبل كلّ شيء على الذّهب، تشتري له السّكوت والنّطق، وتشتري به الحكومات والشّعوب، تعتمد عليه وعلى الحيلة والمكر والتّباكي والتّصاغر في حينه، وعلى التّنمّر والإرهاب في فرصته." (3)
__________
(1) المصدر السّابق، ص: 483. ينظر أيضًا ص: 505. -
(2) - المصدر السّابق: ص: 485، 486. ينظر ص: 497 وما بعدها,
(3) - المصدر السّابق، ص: 485. ينظر أيضًا ص: 491، وص: 501. (1/10)
صفحة 11
يبدو الكاتب - من خلال هذا التّصوير – مفجوعًا فعلاً، وهو ما حمله على أن يصف الصّهيونية بأنّها استعمار من طراز جديد، لم يجد له مثيلاً ولا شبيهًا، وقد توفّر على خصائص ومميّزات، تفوّق بِها على غيره من أشكال الاستعمار المعروفة في العالم ... في هذا التّعبير والتّصوير جانب نفسي مهمّ، يكشف عن الأسى والحزن اللّذين يملآن قلب الكاتب، ويُبينُ عن القلق والتّذمّر اللّذين يغمران نفسه، ويظهر الشّعور بوطأة الهيمنة الصّهيونية على نفوس العرب، وعلى أراضيهم وممتلكاتهم.
زيادة على ذلك، حاول الكاتب الشّماتة والتّعريض باليهود، وذلك بذكر مخازيهم، ونسبة الصّهيونية إلى الاستعمار، والتّأكيد على تفوّقها عليه. أفادت ذلك العبارة الآتية: (في أسلوبه ودواعيه، وحججه وغاياته). كما أنّ في حرص الكاتب وصف الصّهيونية بالمادية في تفكيرها وسلوكها دليلاً آخر على هذا الضّجر والقلق والشّماتة باليهود ...
تطوّرت قضيّة فلسطين، وتفاعلت أحداثها، ثمّ جاء قرار التّقسيم، فكانت الفاجعة الكبرى، التي أنكأت الجرح. كتب محمد البشير الإبراهيمي مصوّرًا مضاعفات هذا الحدث؛ مبتدئًا بالشّكوى من ظلم الغرب وحيفه وقُسوطه. قدّم هذا في ثوب تهكّمي، موشًّى بالحزن؛ سعيًا منه إلى التّنفيس عن النّفس ما بها من كمد، وذلك في أضعف الإيمان: " ... وتكشّف ذلك اللّبس الذي دام عشرات السّنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أنّ حقّ الشّرق، لا وليّ له في الغرب ولا نصير، وجاء بِها المجلس الذي يسمّونه – زورًا – مجلس الأمم المتّحدة شنعاء لا توارى، من أحكام القاسطين وأخلاق الطّامعين." (1)
تابع الكاتب وصف قرار التّقسيم، والكيفيّة التي مرّ بها، فبيّن أنّ المناقشة دارت حول من هم أحقّ بأرض فلسطين: العرب أم اليهود، فظهر الحقّ بأدّلته الواضحة، وانكشف الباطل بدعاويه المقطوعة من أدلّتها " وأنصت التّاريخ ليسجّل
__________
(1) - المصدر ا لسّابق، ص: 488. (1/11)
صفحة 12
الشّهادة، واستشرف الكونُ لينظر هل تُخرَقُ للأقوياء عادة، ونُشرَ الأصلُ والدّعوى، وتعارضت البيّنة والشّبهة، وأفصح الحقّ، ولجلج الباطل وافتضح، ولكنّ تلك الدّول المتّحدة على الباطل ألجمها الحقّ بحججه، وأَجَرّتها الحقيقة بوضوحها، فحكّموا الانتخاب." (1)
اختار الكاتب لهذه الوصفة المفصحة عن الحزن والضّجر نسيجًا من العبارات الموحية، والرّاسمة ظلالاً من المعاني والمشاعر. فالتّاريخ ينصت بوعي ويقظة تامّين؛ ليسجّل شهادته عمّا يتمخّض عنه النّقاش والجدال، وتطلّع الكون واشرأبّ، واتّخذ لنفسه مكانًا عاليًا، يراقب منه ما يسفر عنه الصّراع والنّزال في القضيّة، منتظرًا هل تحدث المفاجأة، ويهزم الأقوياء؟ بسبب وهن حججهم، وضعف أدلّتهم فيما يدّعون، متسائلاً هل ستخرق العادة التي تعطي الحقّ للقويّ، مهما تكن أدلّته ودعاويه؟
في هذا التّساؤل سخرية وحسرة في آن واحد، إذ بالرّغم من تعارض البيّنة من أهل الحقّ، مع الشّبهة من أهل الباطل، واتّضاح الحقيقة وافتضاح ما هو مزوّر، فإنّ تلك الأمم المدحورة بالحجج، اتّحدت في باطلها، فقرّرت الانتخاب وإجراء التّصويت.
تساءل الكاتب ثانية عن جدوى الانتخاب، ونتيجته معروفة مسبقًا؛ إذ هي في صالح من له وليّ ونصير ومحامٍ في الهيئة التي تشرف على الانتخاب، بينما الشّرق الذي لا وليّ له ولا نصير، فمآله الخذلان: " وليت شعري، أيّ موضع للانتخاب هنا؟ إنّ تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العشر مع صاحب النّصف، كلاهما باطل، ولا يسيغه عقل ولا شرع، وأيّ فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية الأزلام الصّمّاء وحصى التّصافن، وبين تحكيم أصوات من أموات، وويلات سمّوهم ممثّلي دويلات" (2)
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 489. (1/12)
صفحة 13
يسخر الكاتب من هذه الدّول المتّحدة على الباطل، ويعيب عليها لُجوءَها إلى الانتخاب؛ تحايلاً ومراوغة، بعد أن انهزمت أمام الحقّ، الذي أبان عن مستحقّ الأرض.
لكي يفصح عن هذه المهزلة، ويكشف عن مدى احتقاره هؤلاء النّاس، نسب فعلهم إلى عمل الجاهليّة، الذي يحتكم إلى الأزلام الصّمّاء والحصى الجامدة، وهو ما يُبين عن تخلّف في العقل، وأفنٍ في الفكر، إذ ما يزال ناس القرن العشرين يعيشون ويحيون حياة الجاهليّة، التي يعيبون عليها السّفاهة والحمق والجهل. حتّى ولو كان هذا التّهكّم لا يعني شيئًا بالنّسبة للدّول القاسطة الجائرة في حقّ الشّرق؛ لأنّه تعييرٌ بما لا يؤثّر فيها، إلاّ أنّه يبقى أثرً نفسيًا، صدر من الكاتب، يعبّر عن حالة الأسف والتّحسّر، يخفّف – ولو قليلاً – الكمد الكامن في قلبه، الكائد له.
يظلّ الألم يعتصر قلب الكاتب، والبرحاء يتضخّم فيه – رغم محاولاته إخراجه والتّخلّص منه – كلّما تطوّرت قضيّة فلسطين، وكلّما تأمّل في خفاياها، وتظلّ مشاعره تضطرم وتتفاعل مع نفسه، كلّما عرض حال المسلمين، وتجاوبهم مع القضيّة، الذي هو - في عمومه – تجاوب لا يتناسب مع خطورتها وخطرها.
سجّل الشّيخ البشير الإبراهيمي ما تفضّل به المسلمون من جهد وعمل في صالح القضيّة الفلسطينيّة، وفي مواجهة قرار التّقسيم، وقد كان ذلك كلامًا وخطبًا وآراء، لا تسمن ولا تغني من جوعٍ. قال متأوِّهًا: " أيّها العرب، قسّمت فلسطين، فقامت قيامتكم، وهدرت شقائق الخطباء، وسالت أقلام الكتّاب، وأرسلها الشّعراء صيحات مثيرة، تحرّك رواكد النّفوس، وانعقدت المؤتمرات، وأقيمت المظاهرات ... " (1)
إنّ الكاتب، من خلال هذه الكلمات، وهذا الوصف يدغدغ عواطف الكتّاب بشيء من التّهكّم اللّطيف، الذي هو عتاب رقيق لهم، على مواقفهم وتحرّكهم، الذي
__________
(1) المصدر السّابق، ص: 490. ينظر أيضًا ص: 487.- (1/13)
صفحة 14
لا يضيف إلى القضيّة ما يفيدها، إلاّ أن يعطي الفرصة للعدوّ كي يتمادى في غيّه، ويساعد اليهود على المضيّ في احتكار الحقّ المسلوب. فالخطباء يهدرون، والكتّاب يسيلون الأقلام، والشّعراء يثيرونها صيحات، والمظاهرات تقوم هنا وهناك، والمؤتمرات تنعقد بالجملة، ولكن ما هي النّتيجة؟ وماذا حدث؟: " كنتم ترجون من الدّول المتّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنّه مجلس أمم، كما يزعم؟ كأنّ تلك الأمم وحّد بينها الانتصار على الألمان النّازي واليابان الغازي، فجعلت من شكر الله على تلك النّعمة أن تنظّم أمر العالم في عقد من السّلام والحريّة، تستوي فيه الكبيرة والصّغيرة، ودولَه في مجلس تستوي فيه القويّة والضّعيفة ليقيم العدل وينصف المظلوم." (1)
وصل التّوتّر النّفسي بالكاتب درجة كبيرة؛ بسبب عدم جدّية المسلمين في البحث عن حلّ للقضيّة الفلسطينيّة، لحفظ ماء الوجه، رغم مشاهداتهم المهازل الكثيرة، التي يرتكبها الأعداء في حقّ أصحاب الحقّ، وتجرّعهم مرارة الذّلّ والهوان من الصّهاينة.
بلغ به التّذمّر والقلق حدًّا، انتقل به إلى التّعريض بالغرب وبمناوراته، وادّعاءاته المتكرّرة إقامة العدل، وإنصاف المظلوم؛ متّخذًا مجلس الأمم المتّحدة مثلاً لهذه المناورة وهذا الخذلان. هذا المجلس الذي جمع كلمته ووحّد صفوفه لينشر السّلام والحريّة في العالم؛ شكرًا لله على نعمة الانتصار على الألمان واليابان، وكانت النّتيجة إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه على طريقته الخاصّة، ومفهومه للعدل ... فكان ما حدث، وكان تقسيم فلسطين.
هذا ما يمكن استنتاجه من نصّ الإبراهيمي، الذي كان ينبّه المسلمين إلى الاستفاقة من غفلتهم، وأخذ الحذر من هؤلاء الأعداء، واتّخاذ الحيطة، وإعداد العدّة لمواجهة الأخطار المحدقة بهم. هذا ما يشير إليه تساؤله: " وهل كنتم ترجون من
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 490. (1/14)
صفحة 15
الدّول المتّحدة على الباطل غير ذلك؟ وهل كنتم تعتقدون أنّه مجلس أمم، كما يزعم؟ ".
يبقى هذا التّساؤل قائمًا إلى اليوم؛ رغم التّطوّرات التي عرفتها القضيّة الفلسطينيّة، بعد اتّفاقية السّلام الموقّعة بين منظّمة التّحرير الفلسطينية وإسرائيل (غزّة وأريحا أوّلا) يوم 13 من سبتمبر 1993م. وتبقى المواقف هي هي، لم تتغيّر في جوهرها، ومجزرة يوم الجمعة 15 من رمضان 1415هـ، التي ارتكبها الصّهاينة في حقّ المصلّين في الحرم الإبراهيمي بالخليل خير مؤيّد وداعمٍ لما ذهب إليه محمد البشير الإبراهيمي، قبل أزيد من أربعين سنة.
إنّ تخاذل المسلمين وإفراطهم في الثّقة في وعود المتحكّمين في مصائر النّاس وشؤون العالم جرّأ هؤلاء الأقوياء على التّلاعب بمشاعر المسلمين وعواطفهم، والمراهنة على مستقبلهم، والتّحكّم فيه. لهذا قاموا بتنفيذ مخطّطاتهم فيهم، وإنجاز وعودهم الخاصّة بهم، لماذ؟ لأنّهم كما قال الإبراهيمي: " وازنوا بين ما نملك من قوى مادية، نستطيع بها الممادّة في الجهاد، وبين ما يملك الصّهيونيون من ذلك، ودرسوا وقارنوا، واستخدموا الجمع والطّرح، فأنتجت لهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنّنا لا نملك مصنعًا للسّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنّيّين، كالذي يملكه اليهود من كلّ ذلك، وإنّ ثلاثين سنة مرّت – وكلّها نذر بهذه العاقبة – لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفعنا إلى الاستعداد لها فقالوا؛ نقسّمها ونربح اليهود؛ لأنّ لنا فيهم فائدة معجّلة، ولا نخشى العرب لأنّه ليس فيهم مضرّة مؤجّلة. " (1)
إذن إنّ الأقوياء لم يفعلوا تلك الفعلة، وهي التّقسيم، وما سلبوا حقّ المسلمين، إلاّ لَمّا وازنوا وقارنوا وقدّروا، واستخدموا الجمع والطّرح، ودرسوا الأمر بجدّية وعمق، وعرضوا مقدّمات هي: أنّ المسلمين لا يملكون من وسائل الحياة، ما يمكّنهم من المحافظة على كيانهم، فضلاً عن أن يفرضوا أنفسهم على
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 493. ينظر أيضًا ص: 501، فيها فكرة قريبة من هذا المعنى. (1/15)
صفحة 16
غيرهم، ولا أن يصمدوا أمام أيّة مقاومة أو هجوم، فولّدت لهم هذه المقدّمات نتائج خطيرة، وهي أنّ السّيطرة على المسلمين ممكنة، وقهرهم في المقدور.
يزداد حنق الكاتب على هؤلاء المتخاذلين، وعلى هؤلاء المقهورين، ويتعجّب منهم، كيف يعيشون في غفلة، ولا يعتبرون بالأحداث، ولا ينظرون إلى المستقبل بعين فاحصة؛ رغم ظهور علامات تنذر بهذا المصير المشؤوم، وهو ما حمل الأقوياء – أعداء الإسلام – على تقرير مصير المسلمين كما يريدون، وبكلّ بساطة وسهولة.
كم هي موحية ومعبّرة وساخرة عبارةُ (وقالوا)، إنّها تحمل دلالات نفسيّة عميقة، تترجم عن نفس الكاتب المصدورة، التي تتنزّى ألمًا على هوان نفوس المسلمين على الآخر.
يتعمّق شعور الكاتب بهذا الإحباط النّفسي، فيرسلها سخرية لاذعة حزينة، ويتكلّم بلسان الطّرف الثّاني، وهو يسقط مشاعره على ما توحي به الأحداث، وتنطق به الحوادث، وهي أنّ قيمة اليهود أثمن من مكانة العرب؛ لأنّ اليهود فيهم منفعة معجّلة، والمسلمين ليست فيهم حتّى مضرّة مؤجّلة.
لقد أضفت المقارنة السّاخرة بين اليهود والمسلمين على النّصّ جمالية رائعة ومتعة فنّية، كما كان لهذه الدّفقات الشّعوريّة، ولهذه الإحساسات النّفسيّة العميقة الخفيّة دورُها في إبراز التّهكّم في حلّة جميلة، جمالَ صدق مشاعر الكاتب، وفي صورة معبّرة مؤثّرة هادفة، هدفَ واقعيّة التّناول.
إلاّ أنّ الكاتب – مع كلّ ذلك – لم يرد أن يبقى مع هذا الشّجن وهذا الإحساس؛ بإظهار مهانة المسلمين وتخاذلهم، بما يعمل على الرّفع من قيمة اليهود، بل تصدّى لهؤلاء الأقوياء، يسفّه أحلامهم، وينتقد خطّتهم في قهر المسلمين، ويفنّد رأيهم ونظرتهم إلى العرب، ثمّ تعرّض لليهود يكشف عن حقيقتهم، ويذكر مخازيهم، بغير قليل من السّخرية والتّهكّم، اللّذين لا يعدوان أن يكونا تنفيسًا عن قلب مجروح، ونفس مكلومة، لا يؤثّران في المسخور منه كثيرًا: " كان حظّ (1/16)
صفحة 17
فلسطين في أدوار الزّمن وأطوار التّاريخ وعصور الفتوحات حظّ العقيلة الكريمة، تؤخذ في ميدان البطولة ممهورة لا مقهورة، أخذها البابليّون غلابًا، وأخذها الفرس اغتصابًا، وأخذها الرّومان اقتسارًا، وأخذها الغرب اقتدارًا، ولا يعدّ أخذ اليهود لها من كنعان واحدة من هذه. " (1)
يشمتُ الكاتب باليهود؛ حين يسلب منهم صفة القوّة والعزّة والبأس، إذ كلّ الأمم التي سكنت فلسطين، أو تعاقبت عليها، كان لها مبرّر من القوّة في امتلاكها، إلاّ اليهود فإنّهم لم يظهروا بأسًا في أخذها. واضح من هذه الفقرة أنّ الكاتب كان يقصد التّعيير والشّماتة باليهود؛ شفاء لما في قلبه من حنق عليهم.
جرحه ينكأ وحزنه يتجدّد، حين يشاهد مفارقات في الحياة، ومتناقضات في هذه القضيّة، تجعلها بضاعة مزجاة، وغرضًا خسيسًا، يباع في الأسواق، ويساوم فيه ... فيقول معرّضًا بهؤلاء الأقوياء والأعداء الذين يدّعون أنّهم متحضّرون متمدّنون، ساعون لنشر الحريّة: " ولكنّها في هذا العصر عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، عصر الدّيمقراطية، ديمقراطية العالم الجديد، وعصر الحريّة، حريّة الثّورة الإفرنسية، وعصر الشّيوعية، شيوعية ماركس ولينين، تؤخذ في أسواق الأغراض والمنافع الخسيسة، بيعًا ومساومة. " (2)
يتساءل الكاتب ساخرًا: أين المبادئ التي تحملها هذه الاتّجاهات والتّيّارات وهذه النّزعات؟ أين المعاني التي تتضمّنها هذه الشّعارات؟ إنّنا نعيش عصر الحضارة المتطوّرة، والتّمدّن المتقدّم، أين هذه النّظريّات والنّظرات؟ وما موقعها من التّطبيق في قضيّة فلسطين؟
يعود الكاتب ثانية ليعرّض باليهود، فيذكّرهم بماضيهم المخزي، حين كانوا يحادّون أنبياءهم ورسلهم، وحين كانوا يتردّدون في تلبية نداءات الرّسول موسى - عليه السلام -
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 495.
(2) - المصدر نفسه. (1/17)
صفحة 18
(1) التي هي أوامر صادرة من الله. ويشير – على الخصوص – إلى عصيانهم رسولهم، حين قال لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الاَرْضَ المُقَدَّسَةَ التي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارينَ وِإنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَّخْرُجُوا مِنْهَا فَإٍنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإنَّا دَاخِلونَ} (سورة المائدة/ 21، 22)
ثمّ يعيّرهم بعيب شراء الضّمائر والذّمم، والاستعانة بغيرهم ليحموهم، ويردّوا عنهم ما ينغّص حياتهم؛ لأنّهم جبناء ضعفاء أذلاّء، لا يستطيعون القيام بشؤونهم بأنفسهم: "فات اليهود أن يأخذوها (أي فلسطين) بالسّيف من العرب، فيكفّروا بعد عشرات القرون عن سيّئة اجترحها أسلافهم، يوم قالوا: يا موسى إنّ فيها قومًا جبّارين، فاتهم ذلك، وأعوزتهم الخصائص الدّموية، التي يكونون بها كذلك، فلجؤوا إلى ما هو الأشبه بهم، لا بها، وهو ... وهو الشّراء، شراء القويّ ليكون لهم معينًا، ولحمايتهم رهينًا، وشراء المعلنات اللاّفتة، والأصوات ولو كانت ... خافتة." (2)
في النّصّ أمران:
الأوّل: السّخرية من اليهود، الذين عرفوا بالجبن والذّلّ والهوان، (كما صوّرهم المشهد القرآني المقتبس)، وبالنّكوص على الأعقاب، ونقض المواثيق، والتّعنّت والجدال الفارغ ... فقد رفض أسلافهم أن يستجيبوا لنداء موسى - عليه السلام - لدخول فلسطين، الأرض المقدّسة: أرض الميعاد، التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكًا، وأن يبعث من بينهم أنبياء (3) هؤلاء لم يريدوا الدّخول إلى أرض فلسطين جبنًا وخوفًا. فلماذا لم يكفّر يهود اليوم عن هذه الجريرة، وعن هذا العار؛ بأخذ فلسطين من العرب بالقوّة؟ هل سبب ذلك هو أنّهم لا يملكون الخصائص الدّموية التي تؤهّلهم لذلك؟
__________
(1) - ينظر سيّد قطب، في ظلال القرآن، مج2، ج6، ط1، دار الشّروق، القاهرة، بيروت، 1403ه/ 1982م، ص: 869.
(2) - عيون البصائر، ص: 495. ينظر الاستعمال نفسه، ص: 485.
(3) - ينظر سورة المائدة، الآية 20. (1/18)
صفحة 19
الثّاني: التّهكّم بضعة نفوس اليهود ودناءتها، التي تلجأ إلى وسيلة رخيصة لحماية ذاتها، أسلوب شراء الضّمائر والذّمم، سبب ذلك هو ضعفها وعدم قدرتها على الدّفاع عن نفسها.
أخيرًا يرسلها الكاتب زفرة حارّة، وصيحة مدويّة، وآهات متحسّرة: " يا بخس فلسطين! .. أيبيعها من لا يملكها، ويشتريها من لا يستحقّها؟ يا هوان فلسطين! أيكون من ذوي الحقّ في بيعها تلك الدّولارات، التي لم تخلق خلقًا طبيعيًّا؟ وإنّما خلقتها المنافسات، والتي لم يبلغ الكثير جزءًا ممّا بلغته فلسطين من مجد في التّاريخ، وسابقة في الحضارة، ويدٍ في نفع البشرية، بل لم تبلغ مجتمعة ما بلغته فلسطين من احتضان النبوّات، واستنباط الشّرائع والعلوم والحكم." (1)
مع كلّ هذا الهوان الذي لحق بفلسطين، فالكاتب، ككلّ عربي يمتلك الإباء والشّمم والشّهامة، والاعتداد بالنّفس، لا يستنقص من نفسه، ولا من بني جلدته، ولا من وطنه العربي الكبير، فيتسلّى عن المهانة الرّاهنة بالماضي المجيد؛ عساه يبعث النّخوة في النّفوس، والحماسة في القلوب، ويرجع الثّقة في الشّباب؛ من أحل نهضة، ترجع الأرض المسلوبة، والكرامة المهدورة، هذا ما يوحي به فحوى النّصّ السّابق، الذي رفع فيه من مكانة فلسطين الجريحة، ووضعها في مكان لا تصل إليه هذه الدّول المتآمرة على فلسطين. بل هو في هذا السّباق يتبنّى أسلوب التّحقير والتّعيير لهذه الدّول، فيقول عن الإنكليز مثلا: " أيّها العرب، إنّ الإنكليز هم أوّل الشّرّ ووسطه وآخره، وإنّهم كالشّيطان منهم يبتدئ الشّرّ وإليهم ينتهي، وإنّهم ليزيدون على الشّيطان بأنّ همزاتهم صور مجسّمة، تؤلم وتؤذي وتقتل، وجنادل مسمومة، تهشّم وتحطّم وتخرّب. لا لمّة تلمُّ ثمّ تنجلي، وطائف يمسّ ثمّ يخنس، ووسوسة تلابس ثمّ تفارق" ولهذا فهم "يدفعون بما يدفع به العدوّ المواثب، بالثّبات المتين للصّدمة، والعزم المصمّم على القطيعة، وبت الحبال والإرادة المصرّة على المقاطعة في
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 495. (1/19)
صفحة 20
الأعمال، والإجماع المعقود على كلمة واحدة، ككلمة الإيمان،: (إنّ الإنكليز لكم عدوّ فاتّخذوه عدوًّا) (1) يردّدها كلّ عربي بلسانه، ويجعلها عقيدة جنانه، وربيطة وجدانه، وخير ما يقدّمه من قربانه." (2)
إنّ هذا الأسلوب المعتمد على الشّماتة والتّحقير والتّعيير وإظهار الكبرياء والتّعالي على الغزاة والمحتلّين، وعدم الاعتراف ببأسهم، ما هو إلاّ أسلوب نفسي، ووسيلة مؤقّتة، يلجأ إليها الكاتب للتّخفيف عن آلامه النّفسيّة، والتّغلّب على شعوره بالإحباط النّفسي، وزرع الأمل في النّفوس المنقبضة، وتضميد الجراح النّازفة. هذه هي رسالة الأديب التي تقوم على التّنفيس عن النّفوس آلامها، وعلى زرع الأمل فيها لمقاومة أسباب اليأس والخوف والانهزام. ثمّ التّحلّي بخلّة الشّعور بعزّة النّفس والاعتداد، الذي يدفع إلى التّحرّك والعمل الدّؤوب المستمرّ ...
هذا هو الأسلوب الذي اعتمده الكاتب لتحقيق الغايات التي أشرنا إليها، إلاّ أنّه يعود إلى التّحسّر والشّكوى ثانية، حين يحسّ بالحيف والتّعسّف والتّحيّز إلى جانب اليهود، على حساب المسلمين، إذ تقبل كلّ تصرّفات الفريق الأوّل، مهما تكن في الشّناعة والجرم، ويحاسب الفريق الثّاني على كلّ ما يصدر منه، ولو كان ذلك دفاعًا عن النّفس، وحقًّا مشروعًا. يسجّل الكاتب هذه الحقيقة فيقول: " يقيم اليهود معسكرات التّدريب، ويجهّزون سفن التّهريب، كلّ ذلك تحت سمع الاستعمار الفرنسي وبصره، فلا يجدون منه إلاّ الأمن والعافية، والأعين الغافية، ولو هبّ العرب بشيء من ذلك، أو بأقلّ القليل منه، لقامت قيامة الاستعمار الفرنسي، واستخرج لكلّ حركة اسمًا، ممّا اشتمل
__________
(1) - استوحى الكاتب فوله تعالى: (:إنّ الشّيطان لكمْ عدوّ فاتّخذوه عدوًّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحابِ السّعير) (سورة فاطر/ 6) فليتأمّل هذا الاستيحاء.
(2) - عيون البصائر، ص: 501. المقال نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 24 (23/ 02/1948). وهو تحت عنوان: " الإنكليز حلقة الشّرّ المفرغة ". وكلّه قدح في الإنكليز وتعريض بهم وكشف لحقيقتهم ولمؤامراتهم في فلسطين، وتحذير للمسلمين من الاغترار والانخداع بما يقولون ويروّجون ... (1/20)
صفحة 21
عليه قاموس المحرّمات، وربط بكلّ اسم منها عقوبة، تنصّ عليها القوانين المدّخرة لوقت الحاجة. " (1)
كوّن الكاتب هذه الصّورة الرّائعة عن تصرّفات المحتلّ الغاصب من تجسيده الجيّد لتذمّره وقلقه النّفسي ممّا يشاهده من المفارقات والتّناقضات في الحياة؛ لعيون تكون غافية وغاضّة عن جرائم اليهود، بينما تكون متيقّظة ومتربّصة بكلّ ما يفكّر المسلمون في القيام به من أعمال، ولو كانت مشروعة عقلا وشرعًا وقانونًا. وبيّن في ظلم الغاصب المعتدي أنّ للاستعمار قاموسًا خاصًّا، يشتمل على مجموعة من المحرّمات على المسلمين، يكون مرجعًا لاستخراج عقوبة لكلّ ما يقوم به المسلمون من أعمال، وما يبدونه من حركات، وبذلك يسهل عليه وضع اسم لكلّ حركة وربطها بقانون مهيّأ لوقت الحاجة.
يستمرّ الكاتب في سرد الفوارق في معاملة الفريقين: التّحيّز إلى جانب اليهود المعتدين، والتّعصّب ضدّ المسلمين المنتصرين والمنتصفين لأنفسهم؛ لاسترجاع حقوقهم المسلوبة، ثمّ يرسلها زفرة حارّة وآهات عالية، ملفوفة في ثوب من التّعيير والثّلب والقدح والشّماتة، كما تعوّد على ذلك في كلّ مرّة، يشتدّ فيها حنقه على اليهود، ويتضاعف كرهه لهم، بسبب استفزازاتهم وتحرّشاتهم ... : " آمنّا الآن – على بداوتنا – بأنّ العالم المتحضّر قد تهوّد، وآمنّا بأنّ السّحر الذي أبطله موسى قد أحياه أشياعه، ولكن بغير أدواته، أبطله بعصا الخشب، وأحيوه بحبال الذّهب، وآمنّا بسفسفة القضايا العقليّة، التي تحيل اجتماع الضّدّين، حين رأينا التّضاد يجمع طرفيه في دائرة مغنطيسية، فإذا هو ممكن، وإذا عقيدتا الصّلب لعيسى والتّأليه له تجتمعان في هالة من البريق المعشّي للأبصار والبصائر، فكأنّه لا تأليه ولا صلب، كلّ ذلك لأنّه لا ضمير ولا قلب." (2)
__________
(1) - عيون البصائر، ص 511.
(2) - المصدر السّابق، ص: 512. (1/21)
صفحة 22
يظلّ الكاتب يحمل الفكرة نفسها، وهي أنّ اليهود مفتونون بالحياة المادية، ويظلّ يعيّرهم بها في تخريبهم الجانب الرّوحي في أنفسهم، وفي إمعانهم في استعباد النّاس بهذه المادة (الذّهب)، ودوسهم بها المبادئ والقيم.
السّخرية من كلّ ذلك تبدو في هذه الجمل التي تحمل ألمًا مبرّحًا وشماتة بالأعداء: (آمنّا الآن – على بداوتنا – بأنّ العالم المتحضّر قد تهوّد). " آمنّا " جملة كثّف الكاتب فيها أحاسيسه ومشاعره، و" على بداوتنا، العالم المتحضّر " جملتان عرّض بهما بهؤلاء المتقدّمين الذين أرضخهم اليهود لإرادتهم، فأصبحوا ينفّذون أوامرهم وخططهم، فنحن على بساطتنا وتخلّفنا في نظركم أيّها المتحضّرون – عرفنا الآن وفهمنا أنّ تحضّركم وتمدّنكم ليس لهما معنى ولا قيمة عندنا، ما داما لم ينفعاكم في التّخلّص من سيطرة اليهود. ففي العبارتين دلالة نفسيّة عميقة في الشّماتة بهؤلاء الأعداء الذين يدّعون التّحضّر والتّمدّن.
ويظهر تهكّمه باليهود شديدًا وتعريضه بهم ماكرًا؛ وذلك حين يقابل بين إبطال موسى السّحر في القديم، وإحيائهم له في الحاضر، هو أبطله بالعصا، وهم أحيوه بافتتان النّاس بالمال والذّهب. ويكون في اجتماع الضّدّين: الصّلب لعيسى والتّأليه له مجال كبير للتّعريض. يستغرب الكاتب كيف يمكن أن يجتمع هذان الضّدان في معتقد واحد، إلاّ أن تكون الأحكام العقليّة كلّها سفسطة؛ بوصف الإنسان مقياس كلّ شيءٍ كما يقول السّفسطائيّون، فيكون كلّ شيءٍ ممكنًا، أو أن يكون ذلك السّلوك هو نتيجة من نتائج بريق الذّهب المعشّي للأبصار، والمعمِي للبصائر.
مع كلّ ذلك فإن الكاتب يحمّل المسؤولية – في الدّرجة الأولى – المسلمين، الذين أضاعوا فلسطين؛ بتخاذلهم واختلافاتهم، وبخيانتهم أحيانًا أخرى. لهذا فهو يعرّض بهم وبهزائمهم: " إنّنا معشر العرب بمواقفنا في قضيّة فلسطين وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيّتنا، وممالأة بعضنا لليهود إلى الآن بالتّهريب والتّجسّس. (1/22)
صفحة 23
وبذلك كلّه أقمنا الدّليل الذي لا يكذّب، على أنّنا لم نرث من قبيلة امرئ القيس، التي هي إحدى أصولنا إلاّ الخلق الذي مدحها به الشّاعر حين قال:
وَأَمْثَلُ أَخْلاَقِ امرِئِ القَيْسِ أنَّها ... صِلابٌ على عضّ الهوانِ جُلُودُها" (1)
من المسؤولية التي يتحمّلها المسلمون في ضياع فلسطين واستيلاء اليهود عليها، بعد أن مكّنتهم انكلترا بذلك، القصورُ في فهم خطط المتآمرين على مصالح المسلمين، والتّقصير في الإعداد والاستعداد، لمواجهة الأخطار المحدقة بمصير الأمّة العربيّة وبمصالحها، وهو ما أدّى إلى اغتصاب فلسطين.
بوضّح الكاتب ذلك فيما يأتي: " إنّ انكلترا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قوميّ لليهود بفلسطين، وأعدّوا لتحقيقه المال، وأعدّوا الرّجال، وأعدّوا الأعمال، واتّخذوا من الوقت سلاحًا، فلم يضيّعوا منه دقيقة، واستعانوا بنا علينا ... فاكتسبوا من ضعفنا قوّة، ومن جهلنا قوّة، ومن تخاذلنا قوّة، ومن غفلتنا قوّة، ومن أقوالنا الجوفاء قوّة، وأصبحت هذه القوّات كلّها ظهيرًا لهم علينا. " (2)
ومن تمام ضعف المسلمين قصر مداركهم وضيق تفكيرهم، هذه الصّفة جعلت فريقًا منهم يفكّر في جمع المال لترميم مسجد الصّخرة وتزيينه، بينما القدس كلّها مرمى اليهود، وهدفهم في احتلالها وضمّها إليهم. إنّ هذا الفريق لا يقدّر العواقب، ويسعى إلى جمع المال لحماية المسجد، ويغفل عن الخطر الأكبر، وهو احتلال القدس.
تصدّى الكاتب لهذا التّصرّف، الذي قصم ظهر المسلمين، وجرّأ اليهود على الاستمرار في تنفيذ مخطّطاتهم، وطلب من المسلمين إظهار الإرادة والتّصميم والاتّحاد؛ لتغيير نظرة اليهود نحوهم، حتّى يبتعدوا عن طريقهم: " إنّ اليهود بَنَوْا أمرهم على كلمة، وهم واصلون إلى تطبيقها ما دمنا على هذه الحالة، فلنَبْنِ نحن أمرنا على عكسها
__________
(1) - آثار محمد البشير الإبر اهيمي، ج4، ص: 197.
(2) - عيون البصائر، ص: 491. (1/23)
صفحة 24
إن كنّا رجالاً، ونعمل على تحقيقها متساندين، هم يقولون لا معنى للقدس بدون الهيكل المطمور تحت الأرض، فلنعكس نحن لهم القضيّة، ما دامت الأقدار قد أوقفتنا منهم هذا الموقف، ولنقلها صريحة مجلجلة، يفسّرها العمل، لا فائدة في الصّخرة والأقصى بدون القدس، ولا فائدة لنا من القدس بدون فلسطين، فالثّلاثة واحد، وليس الواحد ثلاثة. فإذا قبلنا هذا وقرنّاه بالتّصميم، وعرف اليهود تصميمنا أقلعوا عن غيّهم، وقالوا ما قال أسلافهم: (إنّ فيها قومًا جبّارين ... ) (1)
شغلت المسألة بال الكاتب، وهاله أن يكون تفكير المسلمين السّخيف سببًا في ضياع كلّ شيءٍ في فلسطين، فكتب مبيّنًا وجهة نظره لرئيس وفد المؤتمر الإسلامي، المنعقد في القدس يوم 03 من سبتمبر 1953م، لبحث قضيّة فلسطين. قدّم الكاتب للرّئيس رأيه في المسألة، ولم يفته - كعادته في الفرص المتاحة – التّعريض بالمسلمين المتخاذلين، والتّحسّر من نظرة الازدراء والاحتقار والمهانة، التي بنظر بها العالم إلينا (أي المسلمين): " ... قلنا له: إنّ العالم حكم علينا بالسّفه والخطل في نكبة فلسطين، وأقام على حكمه البيّنات والشّواهد، فما لنا نقيم له في كلّ يوم دليلاً جديدًا على عدالة هذا الحكم علينا ... " (2)
هذه الفكرة وهذا النّداء اللّذان أدلى بهما الكاتب في سبتمبر 1953م، موجّهان إلى المسلمين في كلّ مرحلة، تَمرّ بها القضيّة الفلسطينيّة، حتّى بعد إبرام اتّفاقية السّلام مع إسرائيل في سبتمبر 1993م (أي بعد أربعين سنة كاملة)، يجب أن يتذكّروا هذا النّداء، وهم يباشرون جلساتهم الماراطونية مع إسرائيل في المفاوضات العسيرة الشّاقة.
يستمرّ الكاتب في شرح المسألة بفكره الثّاقب، ونظرته الفاحصة، ورؤيته العميقة في الأمور، مبيّنًا أنّ عاقبة هذا المسلك خطيرة (الغفلة عن جوهر القضيّة)؛ إذ سيزهّد
__________
(2) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 199.1
- المصدر السّابق، ص: 200. (1/24)
صفحة 25
النّاس في التّفكير في تحرير فلسطين، وتضعف فيهم الحماسة للدّفاع عنها؛ لأنّ سراة القوم وعلماء الأمّة استبدلوا بالقدس ترميم المسجد الأقصى، أو يفسّر تفكيرهم هذا بأنّ القدس في مأمن من الطّامعين والأعداء: " ... فيكون من آثار الخطب والأحاديث في نفوس المسلمين أنّ القدس لا خوف عليها، ما دامت همّة العلماء، حملة العمائم منصرفةً إلى ترميم المسجد، وفي ضمن التّرميم إعادته إلى سابق جماله، من زخرفة بالفسيفساء والأصباغ. وهذه مظاهر عرس، لا مظاهر مأتم. هذا هو الذي يقع في أذهان النّاس، حين تهدر شقائق الخطباء بالتّرهيب من سقوط المسجد، والتّرغيب في إقامته." (1)
كما خاطب الكاتب العرب والمسلمين، حين تخاذلوا في قضيّة فلسطين بأسلوب (سجع الكهّان) الذي يعتمد على السّجع والأقسام والأيمان بكلّ ما يظنّ الكهنة أنّه يحمل قوى خفيّة، كالكائنات الطّبيعيّة، كما يلجأ الكهنة إلى الإيهام في أقوالهم، والإغراب في الكلام، وبناء أسجاعهم على الرّمز والتّلميح ... (2)
" أقسم بالذّيب الأطلس، والثّعبان الأملس، إنّ المتّجر بالأحرار لمفلس، وإنّ العاقل بين الأشرار لمبلس ... ثأر للغرب في فلسطين لم تنبت عليه شجرة من يقطين، وشياطين تنزو للإغراء إثر شياطين، ويوم في أعناقكم بيوم حطّين، تنسيه غريزة الماء والطّين، فتذكره نعرة الجنس والدّين. أنسيتم يوم تنادوا مصبحين، وتعادوا مسلّحين، وتداعوا مصطلحين، وتعاوَوْا من كلّ حدب، وتهاوَوْا من كلّ صيِّبٍ، وذؤبان تقدّمها رهبان، وغربان تظلّلها صلبان، بنفوس من الحقد ثائرة، وقلوب بالبغضاء فائرة، تنازعكم إرث الإسلام، ومعراج نبيّ الإسلام؟ أنسيتم ما فعله صلاح الدّين بالمعتدين؟ إن نسيتم أمسكم، فهم له ذاكرون، وإن كفرتم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 201.
(2) - ينظر الدّكتور شوقي ضيف، الفنّ ومذاهبه، في النّثر العربي، ط6، دار المعارف بمصر، 1971م، ص: 41 (1/25)
صفحة 26
بيومكم فهم له شاكرون. أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بيهود؟ كل ذلك وقع وأنتم رقود. أمعنوا في الاستعداد، وأمعنتم في الرّقاد، اعتمدوا على العلم و (الرّيال)، واعتمدتم على الجهل والخيال، جاؤوكم بصفّ واحد كملموسة الصّخر، وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاؤوكم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظّفر قائد واحد ورأي جميع، وقادكم إلى العار قوّاد متشاكسون ورأي شتيت، ما أضاع السّيادة إلاّ توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسلموا واحترقتم." (1)
اعتمد الكاتب في سخريته من العرب والمسلمين على التّعريض والمقارنة بين ماضي العرب في فلسطين وحاضرهم في التّعامل مع القضيّة الفلسطينيّة، وفي ذلك عتاب ولوم على التّخاذل، كما عمد إلى المقابلة بين جدّية الغرب واليهود في الاستيلاء، واكتساب مزيد من القوّة، وبين هزل العرب المتخاذلين والمتقاعسين، واكتساب مزيد من أسباب الهوان والضّعف ...
كما لجأ الكاتب إلى التّكرار وأسلوب التّبكيت، عن طريق الأسئلة المحرجة المحزنة، والتّلوين الصّوتي. وقد اختار من أساليب سجع الكهّان الإغرابَ واللّجوءَ إلى القسم والسّجع ولزوم ما يلزم والرّمز .. رغم التّكلّف الذي يبدو في هذا الأسلوب، وعجزه عن تمكين الكاتب من بلوغ هدفه في تحريك النّفوس وهزّها؛ لتقوم بواجبها نحو القضيّة الفلسطينيّة، وبقيّة القضايا العربيّة والإسلاميّة، رغم كلّ ذلك فإنّه يبقى له دور في التّعبير والإفصاح عن الحسرة الكبيرة، التي ملأت قلبه الكاتب؛ بسبب التّقاعس عن أداء الواجب، وبسبب الرّضى بالهوان والذّلّ.
إذن إنّ اختيار الكاتب هذا الأسلوب في معالجة القضيّة يرجع إلى عامل نفسي. كأنّي به لمّا أحسّ بأنّ المخاطبين والمعنيّين بهذا الكلام لم يستجيبوا للنّداءات المتكرّرة، والاستغاثات المتعاقبة، ولم يأبهوا بالتّحذيرات المتتالية ... لمّا وقف على ذلك لجأ إلى هذا
__________
(1) عيون البصائر، ص: 601، 602.- (1/26)
صفحة 27
الأسلوب، وإلى طريقة الكاهن في المخاطبة، خاصّة وأنّ الكاهن – كما كان سائدًا في الجاهليّة – لا تعصى أوامره، ولا تردّ أحكامه ولا تنقض، بل هو قادر – حسب اعتقاد الجاهليّين- على التّنبّؤ ومعرفة الغيب، من ذلك الإعذار بحدوث كوارث وأحداث ... (1) فيكون في استعمال الكاتب أسلوب سجع الكهّان تصويرًا للألم النّفسي؛ بسبب خذلان أبناء الإسلام قضيّتَهم، وتعبيرًا عن الغضب العارم على التّقاعس عن أداء الواجب، وإفصاحًا عن الحسرة البالغة من الرّضى بالذّلّ والهوان.
الخاتمة
هكذا شغلت قضيّة فلسطين فكر الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي كثيرًا، وأنبتت في قلبه جرحًا لم يندمل؛ لذا عني بها، فعالجها معالجة معمّقة مفصّلة، تتّبع أطوارها، وسجّل تطوّراتها، بجزئياتها ودقائقها، واستعمل في هذا أساليب متنوّعة، من المحاججة والاستعطاف، والتّعريض واللّوم، والسّخرية التي كانت هادئة أحيانًا، وحادّة عنيفة أحيانًا أخرى. وهو القائل: " وجاءت نكبة فلسطين فكانت في قلبي جرحًا على جرح، وكانت الطّامّة والصّاخّة معًا، وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تصوّر لي الخواطر إلاّ أشنعَ ما في تلك العواقب ... رحت إلى العيد الذي هو مثار أشجاني، فجرّدت منه شخصًا أخاطبه وأناجيه، وأشكوه وأشكو إليه، وأسأله وأجيبه، وأبثّه الشّكاية من قومي غيظًا على القادرين، وتأنيبًا للغادرين، حتّى اجتمعت لي من ذلك صحائف، نشرت القليل منها على النّاس، وطويت الكثير إلى حين ... " (2)
__________
(1) ينظر الفن ومذاهبه في النّثر العربي، ص: 41. -
(2) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1985م، ص: 162، 163. النّصّ من مقال تحت عنوان: " هل لمن أضاع فلسطين عيد؟ ". (1/27)
صفحة 28
وهو القائل: " أيّها العرب، لا عيد حتّى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتنجزوا لفلسطين المواعيد، ولا نحر حتّى تقذفوا بصهيون في البحر." (1)
ممّا لاحظناه في تناول الإبراهيمي للقضيّة الفلسطينيّة النّظرة الإسلاميّة، التي كان ينظر بها إلى المسألة، كان يضع كلّ تحرّكات العدوّ واليهود والغرب في ميزان الإسلام، ويستنتج النّتائج، ويقدّر العواقب، التي تحصل للإسلام والمسلمين، ثمّ يناقشها ويفحصها على ضوء الإسلام.
كما كان يضع كلّ تصرّفات المسلمين في هذه القضيّة في محكّ المبادئ الإسلاميّة، ثمّ يميّز بعد ذلك ما للمسلمين في ذلك وما عليهم، فيمدحهم أو يعاتبهم، ويغضب ويتهكّم منهم، حسب مواقفهم. لاحظنا أيضًا أنّ الصّور التي فدّمها عن اليهود هي واحدة ومكرّرة أحيانًا، حتّى القاموس اللّغوي يظلّ – في معظمه – واحدًا ومكرّرًا.
هذه بعض الأفكار التي تناولها الأديب الجزائري الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي في القضيّة الفلسطينيّة، وهي جديرة بالتّأمّل والتّحليل؛ لأنّها تمسّ جوهرها، وتكشف عن حقيقة علاقة العرب والمسلمين بقضيّتهم، ومدى ما قدّموه لها، وتفضح حقيقة اليهود ومناوراتهم ومراوغاتهم.
هذه المعالجة تفتح عيون كلّ من له علاقة بالقضيّة الفلسطينيّة، وبصائرَ كلّ من يتعامل معها، من قريب أو بعيد، سواء من حمل السّلاح للجهاد، أم من جلس في طاولة المفاوضات، أم من سافر للقيام بمهمّات دبلوماسيّة أو سياسيّة، ومن بفعل كلّ ذلك إلى يومنا هذا، وإلى يوم تحرير فلسطين. هذه الأفكار التي قدّمها الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي صالحة لأن تكون نبراسًا لكلّ أولئك. فليفكّروا في كلّ خطوة يخطونها في التّعامل مع القضيّة، ويقدّروا العواقب؛ انطلاقًا من تلك النّظرات والآراء.
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 518. النّصّ من مقال تحت عنوان: " عيد الأضحى وفلسطين". (1/28)
صفحة 29
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
معهد اللّغة العربية وآدابها، جامعة باتنة، الجزائر
السّخرية في أدب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1)
مقدّمة
تُعدّ السّخرية مقياسًا من مقاييس ذوق الأمّة، وحسّها الحضاري، ومعيارًا من معاييرها في الحكم على الأشياء، والنّظر إلى الأمور. لذا فإنّ الدّارس يمكنه أن يستعين بها في معرفة المقوّمات التي تحكم تلك الأمّة. وعن طريقها أيضًا يمكن أن نكتشف كيفيّة معالجة أبناء الأمّة القضايا، ونوع الاهتمام بشؤون الحياة في مختلف المجالات. وكثيرًا ما تكون السّخرية صدًى للحالة السّياسيّة والاجتماعيّة لأمّة ما. وقد تفلح في تصوير حالة المجتمع، وبلورة قضاياه، أكثر من الأدب العادي؛ لأسباب وعوامل، تفرضها وسيلةً للتّعبير والتّصوير، لا يقوم غيرها بِهما ... إلى جانب ما تتوفّر عليه السّخرية من إيناس وإضحاك ومتعة وطرافة وترويح، وتصوير بديع ... تنشرح لها النّفس، وتطمئنّ إليها؛ لأنّها تنفّس عنها، وتترجمُ عن إحساسها ... لكلّ ذلك وصفت السّخرية بأنّها ظاهرة طبيعية في حياة الأمم بعامّة، والحياة الأدبيّة بخاصّة.
__________
(1) - ألقي البحث في اليوم الدّراسي الذي أقامه (المجلس الأعلى للغة العربيّة)، الجزائر، شهر جوان 2009م. كتبتُ مقالاً عنوانه: " من أساليب السّخرية في أدب الإمام الإبراهيمي"، نشر في مجلّة الوعي، دار الوعي، الجزائر، العدد: 2، ذي القعدة، ذي الحجّة،1431هـ/ نوفميبر،2010م، ص: 67 – 72. (1/29)
صفحة 30
الأدب الجزائري لم يَخْلُ من روح السّخرية والفكاهة، بخاصّة الحديثُ منه. وقد صوّرت تصويرًا جيّدًا البيئات: الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة ... التي عاشها الجزائريّون، في أثناء الاحتلال الفرنسي بخاصّة. وقد عكست هذه السّخرية ما كان يستأثر باهتمام الأدباء، وعلى رأسهم من كان له احتكاك وتواصل مع الحياة اليوميّة، واتّصال بالقضايا العامّة والمصيرية للأمّة، كالعلماء ورجال السّياسة والاجتماع والثّقافة ...
من هؤلاء الأدباء الذين يتصدّرون قائمة من كتب بأسلوب السّخرية الكثير الكثير، وعالج به قضايا متعدّدة، وكان لهذا أثره في حياة الجزائريّين، وحركة النّهضة والإصلاح ... الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي نتناول في هذه الصّفحات جزءًا من هذا الفنّ في كتاباته الرّائعة الخالدة، التي عملت على تحريك دولاب النّهضة، ونجحت في إثارة الحماسة، وشحذ الهمم للقيام بشؤون المجتمع. نركّز على جانبين: جانب الأساليب التي كتب بها الإبراهيمي هذا الأدب وعالج القضايا. وجانب التّصوير الفنّي، الذي تفنّن فيه ليكشف عن مشاعره وأحاسيسه إلى المتلقّي، فيبلغ قلبه، ويستأثر بعقله، ويطلعه على حقيقة ما يحسّ به. فهذا هو دور التّعبير المعتمد على التّصوير.
° ° أساليب السّخرية في أدب الإبراهيمي
إنّ السّاخر فنّان يملك خيالاً مرنًا وعقلاً راجحًا، ومشاعر محتدمة، وذكاءً لَمَّاحًا وروحًا مرحة، وقدرة على الصّياغة، وملكة لاختيار ما يُحقّق غرضه من الكتابة ... بفضل هذه المعطيات يتناول المسخورَ منه بالعبث والمداعبة والتّفكّه والتّهكّم والنّندّر ... (1)
__________
(1) - ينظر كتابنا السّخرية في الأدب الجزائري الحديث (1925 – 1962)، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر،1425هـ / 2004م، ص: 273. (1/30)
صفحة 31
إنّ السّاخر ينوّع في أساليب التّعبير، حسب الظّروف التي توجّه كتابته، والبيئة التي يوجد فيها، والدّوافع التي تدفع به إلى تناول الموضوع عن طريق السّخرية والتّهكّم والتّفكّه، ووَفق الأهداف التي يسطّرها من توخّيه هذا الخطّ في التّعبير. لِهذا لا يمكن حصر أساليب التّعبير السّاخرة؛ " لأنّها من ابتكار العقل، ونتاج المشاعر المتدفّقة، التي لا تعرف التّوقّف، وكلّها تبحث لها عن أيّة وسيلة للوصول إلى وعي المتلقّي المخاطب " (1).
تصل إلي المتلقّي بعد أن يطبعها الفنّان السّاخر بروحه، ويصبغها بنوعية انفعالاته، فتغدو جديدة جديرة بالاهتمام؛ إذ تلفت نظر المتلقّي، بعد أن لم تكن ذات قيمة، قبل تدخّل خيال الفنّان في صياغتها. هذا ما يجعل أساليب السّخرية غير قابلة للعدّ والحصر. يقول الدّكتور نعمان محمد أمين طه عن الفنّان السّاخر: "يستخدم وسائل وأساليب متعدّدة في سخره، تتداخل كلّ منها؛ بحيث لا يمكن إحصاؤها أو عدّها، وهي معرّضة دائمًا لابتكار العقول المبتكرة، بحيث لا يمكن للبلاغي حصرها في اصطلاحات ضيّقة، فمثلها كحروف الهجاء في أيّة لغة من اللّغات، يمكن للإنسان اشتقاق آلاف الألفاظ منها، والتّعبير بها عن آلاف الأحاسيس، فتكون طيّعة في يده، يستخدمها كيف يشاء." (2)
إذن ليس هناك ضوابط تضبط أنواع الأساليب السّاخرة ولا أشكالها. كما أنّه ليس لها مذهب معيّن تصدر عنه، وليس لها انفعال محدّد تنطلق منه. هي لا تخضع ولا تصدر إلاّ من الحريّة التي يمكننا بها: " أن نتناول من أمور الحياة الخاصّة والعامّة ما نشاء، بالأسلوب الذي نختاره. " (3)
بِهذه الشّروط والمقاييس، وبِهذه المعطيات جاءت الأساليب التي كتب بها الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي ما كتبه بواسطة السّخرية، وقد تنوّعت وتعدّدت؛ بما لا يمكن حصرها. نحاول سرد بعضها، والتّمثيل لها بما يسمح به نطاق البحث. حسبنا تقديم صورة عن إسهام الكاتب بالسّخرية في التّعبير عن اهتماماته ومعالجاته القضايا والأفكار التي كانت تعجّ في المجتمع الجزائري، وبخاصة في الحقبة الاستعماريّة.
- أساليب بلاغيّة
من بين أساليب المعاني التي كتب بها الإبراهيمي أسلوبُ الاستفهام، الذي اعتمده للسّخرية من بعض الشّاذين والمنحرفين عن سواء الفطرة البشرية. لمّا سمع بعقد رحال الزّوايا مؤتمرات لضرب الحركة الإصلاحيّة، ومناهضة من يتحرّك لينهض بالأمّة، ويعمل على إخراجها من دوائر التّخلّف والتّردّي ... تساءَل تساؤل متهكّم ساخر موتور، ساخط على هذه الأعمال الشّائنة، التي تصبّ في صالح المستعمر، الذي يريد للجزائر أن تبقى في براثن الجهل والأميّة والتّخلّف ... تساءل عن هوية هؤلاء المؤتمرين المتآمرين، ما علاقتهم بالأمّة الإسلاميّة، التي ينتحلون اسمها، وهم لا يتورّعون في الإضرار بها: " أَليسَ هؤلاء المؤتمرون من الأمّة؟ أَليسُوا أئمّة الأمّة؟ وهذه المجلّة (4)، التي قرّروا إصدارها – وما نراها تكون إلاّ لسان
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 272، 273.
(2) - الدّكتور نعمان محمد أمين طه، السّخرية في الأدب العربي، ط1، دار التّوفيقيّة للطّباعة بالأزهر، سنة 1399هـ/ 1979م، ص: 47.
(3) - الدّكتور حامد الهوّال، السّخرية في أدب المازني، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1982م، ص:292.
(4) - هي جريدة " صوت المسجد " (1948 – 1949)، أصدرتْها هيئة اتّحاد الأئمّة الجزائريّين (الرّسميّين)، وكان يرأس تحريرها محمد العاصمي، كان لها مع جريدة البصائر الثّانيّة مناوشات وصراع كبير، ينظر الدّكتور عبد المالك مرتاض، فنون النّثر الأدبي في الجزائر (1931 – 1954)، ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1983م، ص: 533. (1/31)
صفحة 32
حالهم – فماذا ينشرون فيها؟ أتكون رسميّة تنشر أوامر التّولية والعزل؟ إنّ الأمر ليس بأيديهم، وقد كفتهم الكافية، أم تكون رسميّة بمعنى آخر، فتنشر الفتاوى الشّرعيّة، التي تعمر أوقات المفتين، ليعمّ النّفع بها، والخطبَ الجمعيّة، التي يلقيها خطباؤهم؛ ليقرأَها من لم يسمعها؟ أم تنشر شروط الإمامة العصريّة، ومنها الاعتماد في التّزكية على (الدّوسي). " (1)
أسئلة متتالية، أرسلها الكاتب ليفصح من خلالها عن شعوره بالأسى والحسرة من تصرّفات رجال، يحسبون أنّهم الحامون المنافحون عن دين الله، بينما هم يسيرون وفق خطّة الاستعمار في محاربته. بأسلوب الاستفهام السّاخر يقرّر أنّ هؤلاء الذين يعدّون أنفسهم أئمّة الأمّة، هم على الإسلام غمّة. فهم بمؤتمراتهم التي يعقدونها بحجّة خدمة الإسلام، وبالصّحيفة التي اتّخذت اسم صوت المسجد، وهو المنبع الذي يأخذ منه المسلم دينه، ينفّذون سياسة المستعمر المحارب للإسلام، بتسخير هذه الصّحيفة في نشر ما يخدم عدوّ الإسلام. هذه الأسئلة المتتابعة، الآخذ بعضها برقاب بعض، خرجت عن مقتضى الظّاهر؛ إذ لم يكن القصد منها طلب معرفة شيء، لم يكن معروفًا من قبلٍ، إنّما الهدف كان تقرير حقائق وتأكيد أمور، ٍ على جهة التّقريع والتّقرير والتّحقير؛ سخرية وتهكّمًا بهؤلاء الذين يسيرون في ركاب المستعمر، وينفّذون خططه في ضرب الإسلام والمسلمين. هذه الاستفهامات جاءت لتلفتَ الأنظار إلى حقيقة ما يفكّر فيه أولئك النّاس، ولتسجّل أعمالهم، وتكشف عن شخصيّتهم. ما يؤكّد على صفة التّقرير الذي لا يحتاج إلى جواب
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، 430. المقال بعنوان: " مؤتمر الزّوايا بعد مؤتمر الأئمة"، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 31 (02/ 04/ 1948م). (1/32)
صفحة 33
بالنّفي أو الإثبات قولُ الكاتب بعد ذلك: " وما نقلنا إلاّ القليل، وما لنا فيه إلاّ الرّواية العادلة: " (1)
يبقى أسلوب الاستفهام وسيلة ناجعة لتنفيس الكاتب عن الكمد الذي يملأ قلبه، ويكون مركبًا مهمًّا يركبه ليعبّر عن المكامن التي تسكن داخله. ممّا يراه تعسّفًا وظلمًا يرتكب في حقّ بعض النّاس، فلا يجد في التّعبير المباشر القدرة على تحقيق ذلك، بل يرى الجدوى في التّعبير غير المباشر بواسطة السّخرية.
الاستعمار الفرنسي يحارب المسلم الجزائري في كلّ شيء، وبخاصّة في مقوّمات شخصيّته، ويتصدّى لأوّل من يتصدّى، لِمعلّم الدّين واللّغة العربيّة. لا يرى الكاتب فيه سوى عدوّ بغيض، لا يحيد عن هذه الصّفة، مهما أظهر من سلوك، قد يبدو فيه الخروج عن هذه القاعدة.
في النّصّ الآتي يتساءل الكاتب عن سذاجة بعض النّاس وغفلتهم، اللّتين تمنعانهم من وعي هذه الحقيقة. ويرى في آخرين مكابرة في عدم الإقرار بهذه القاعدة. فيقول موبّخًا متعجّبًا متحسّرًا من هذه الأعمال الجائرة.: " وحسبُ الاستعمار (ديمقراطيّة) أن يحاكم معلّمي العربيّة والإسلام، ويسجنهم على التّعليم كما يحاكم المجرمين، ويسجنهم على الإجرام في محكمة واحدة، وسجن واحد وظرف واحد، وقد يكون يوم الجمعة في الغالب. أليس هذا احترامًا للإسلام؟ ومن مصلحته كما يقول العاصمي؟ أليست هذه هي الدّيمقراطيّة؟ فما لكم تكذّبون؟ " (2)
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 375، 376. المقال بعنوان: "عادت لعترها لميس ". نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 64 (24/ 01/1948م).في المقال بسط ورصد وحصر لتحرّكات المستعمر العدوّ لكلّ مقوّمات الشّخصيّة الجزائريّة العربيّة الإسلاميّة. يوضّح الكاتب في بداية المقال دلالة العنوان على ما يريد التّنبيه إليه، وهو أنّ الاستعمار لن يتخلّى أبدًا عن سياسته، ولن ينحرف عن هدفه، وهو الحرب الشّاملة الكاسحة لكلّ مظاهر الإسلام. " ولميس هذه في مورد المثل هي امرأة كانت لها عوائد شرّ تعتادها، وأخلاق سوءٍ تفارقها ثمّ تقارفها؛ لغلبة الفساد فيها، وصيرورته أصلاً في طباعها. - والعتر هو الأصل – فسيّرت العرب فيها المثل. أمّا مضرب المثل فهي الإدارة الجزائريّة، وعترها هو الاستعمار البغيض إلى كلّ نفس، وما يقتضيه من ظلمٍ وعنت للمستضعفين، وما يبنى عليه من انتهاك لحرماتهم، وما ينتهي إليه من وحشيّة في معاملاتهم، وقتل لمعنويّاتهم، ومسخ لأخلاقهم." المصدر السّابق، ص: 371. (1/34)
صفحة 34
أنهى الكاتب هذه المجموعة من الأسئلة بسؤال، فيه كلّ آيات الحسرة على حال المسلمين، التي تبعث على الشّفقة والرّحمة؛ إذ هم غافلون عمّا يعمل الظّالمون، أو متغافلون عمّا يأتيه المجرمون. وقد اختار الكاتب الأسلوب الذي يستعمله القرآن في تقريع الذين لا يفقهون ولا يعقلون، فيبقون في ضلالهم يعمهون. (فما لكم تكذّبون). ولكن بواسطة السّخرية التي تقرع من لا يعي حقيقة عمل المستعمر في المساس والإضرار بالدّين. يقول الكاتب: أليس في صنيع المستعمر الدّيمقراطيّةُ الكاملة التي يؤمن بها. فإنّه احترامًا للإسلام، يساوي بين عمل معلمّ القرآن ومرتكب الجرائم، ويجعله في صفّ واحد معه: صفة ومحاكمة ومأوى، ويتمّ ذلك في أحد الأيّام المشهودة عند المسلمين وهو يوم الجمعة. أليس هذا احتفاء بالإسلام، وتجسيدًا للدّيمقراطيّة؟، فما للجاحدين ينكرون هذا الفضل؟ ويرفضون هذا الإجراء؟
ما يدلّ على هدف الكاتب تبصيرَ الجزائريّين بما يخطّط لهم، وما يكشف عن قصده من هذا الأسلوب وهذا العرض قوله بعد ذلك في هذا المقال: " أليس معنى مقاومة التّعليم نشر الأميّة وتكاثر الأميّين؟ لا يقتضي المنطق إلاّ هذا، ولا يفعل الاستعمار إلاّ هذا، لأنّ له مذهبًا في المحافظة على الأميّة لئلاّ تزول، كمذهب العلماء في المحافظة على الحيّات السّامّة لئلاَّ ينقطع نسلها." (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 376. (1/35)
صفحة 35
يضيف ما يوضّح هذا التّوجّه من الاستعمار، سخريّة وتحسّرًا: " ... ولو أنّ طفلاً منهم خرج من غاره، ودخل مدرسة عربيّة لجاءت الحكومة تسعى وهي تخشى أن يصيبه سوء من عدم المحافظة على الصّحّة .. " (1)
عمد الكاتب إلى هذه السّخرية والتّهكّم ليقرع الجزائريّين، الذين لا يعقلون، ولا يعون ولا يفقهون ما يحاك ضدّهم، وما يراد لَهم ...
يجرّد الكاتب قلمه، ويشهر أسلوب السّخرية ليفضح الحكومة الاستعماريّة في تنكيلها بالإسلام، ويكشف عن تآمرها للفتك به، ويفنّد دعواها المحافظةَ على الدّين الإسلامي بالاستفهام الفاضح النّاطح لكلّ ادّعاء: " وتعالوا نسلّم جدلاً أنّها صادقة في دعواها، ومخلصة في نيّتها، فبماذا تفسّر المحافظة على الإسلام؟ أبابتلاع أوقافه، وأكلها أكلاً لَمًّا؟ والأوقاف هي الأساس المادي للدّين؟ أم بتحويلها المساجد كنائس؟ أم بحسن اختيارها لرجال الدّين؟ أم بأعمالها (المشكورة) في حرية الحجّ؟ أم بتدخّلاتها المعروفة في الصّوم والإفطار والأعياد؟ أم بتنشيطها على الزّرد و (أعراس الشّيطان). " (2)
نبقى مع الأساليب البلاغيّة، ونذكر لونًا آخر من ألوانها، الذي لجأ إليه محمد البشير الإبراهيمي؛ ليتهكّم من الاستعمار الذي يستخفّ بعقول المسلمين، ويستهزئ بدينهم، ويتصرّف فيه كما يشاء. نلتقي هذه المرّة مع (الجناس)، اللّون البديعي والمحسّن اللّفظي، الذي يلجأ إليه؛ لإضفاء المتعة والرّوعة على الكلام. هذه الجمالية صادرة من الإيقاع الجميل، الذي يحدثه التّكرار الصّوتي بين لفظتين. يستغلّه الفنّان أحيانًا ليولّد منه سخرية، تهزم المسخور منه، وتمتع المتلقّي ...
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 377.
(2) - المصدر السّابق، ص:105، 106. المقال بعنوان:" ونعود إلى فصل الحكومة عن الدّين" الحلقة السّادسة. نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 104 (23/ 04/1950م) ينظر الأسلوب نفسه المصدر ذاته، ص: 388، 389. و 457، 458 ... (1/36)
صفحة 36
يسخر الكاتب من الاستعمار، الذي كوّن لجنة سمّاها (لجنة فرانس إسلام France Islam)؛ لتدافع عن الإسلام والمسلمين؛ زعمًا وادّعاء وتمويهًا وتنويمًا ومغالطة ... فبعد أن ذكر بعض مخازي هذه اللّجنة، حثّ على تقديم يد المساعدة للمستعمر وللّجنة – تهكّمًا – مستعملاً الجناس التّام: " ... إنّ هذا – في دين اللّجنة – لفتح جديد للسّياسة الفرنسية. من أَنْضَى في تحقيقه بَدَنَه، فكأنّه قرّب إلى الاستعمار بَدَنَه." (1)
" بدنه " الأولى تعني جسده. " بدنه " الثّانية تعني ناقة أو بقرة. السّخرية تكمن في هذا التّصوير. وهو أنّ الإنسان الذي يُشقي جسمَه ونفسه في خدمة سياسة المستعمر هو بمنزلة من يقدّم ناقة أو بقرة سمينة إلى العدوّ، كما يتقرّب المسلم إلى ربّه بمثل ذلك؛ طاعة وشكرًا له. فمن يقدّس العدوّ ويشكره ويثني عليه ألا يستحقّ السّخرية والازدراء؟ ما أفاد هذا ودلّ على السّخرية، وأوحى بهذا التّهكّم المبكت المضحك هو الجناس التّام المماثل، الذي ردّ الأفهام إلى ما جاء في الأثر من التّشجيع على أنواع الطّاعات إلى الله سبحانه وتعالى؛ لكسب رضاه، ونيل مَحبّته.
أسلوب التّعريض
التّعريض أسلوب يعتمد على التّعيير غير المباشر، واللّعب بالمعاني." وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلاؤم" (2) "وفي التّعريض ينال الأديب السّاخر من المسخور منه، ويعبث بخصمه بطريقة خفيّة ذكيّة مؤلمة في الوقت نفسه؛ وبذلك يوفّر التّعريض الجمالية في التّعبير،
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 389. المقال بعنوان: " لجنة فرانس إسلام ", الحلقة الثّانية، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 114, (10/ 04/1950م).
(2) - السّخرية في أدب المازني، ص: 44. (1/37)
صفحة 37
والطّرافة في القول. ومن ثمّ يبعث المتعة في نفس القائل ونفس المستمع، والمطلّع على القول المعرّض. " (1)
محمد البشير الإبراهيمي استعمل هذا الأسلوب كثيرًا، وبخاصّة حين رأى حدوث أشياء غريبة، تتنافى مع العقل، وتتناقض مع الفطرة البشريّة، ممّا سبّب له أسى وحزنًا عميقين، لَم يجد معهما إلاّ أن يتناول المتسببّ فيهما بالتّعريض؛ تهكّمًا وسخرية، فيمرّغ كبرياءه في التّراب، ويعبث به وبشخصيّته، فينفّس عن نفسه.
يعرّض الكاتب بالعرب، الذين هانوا على أنفسهم، واستهانوا بقيمهم، فأهانهم من يتربّص بهم الدّوائر، ومن ينتظر لهم الفرص للانقضاض عليهم. يَعْرِضُ الكاتب هذه الصّورة في قضيّة فلسطين، التي كشفت بجلاء هذا الوهنَ والهوان؛ حين عرّض بما يبديه العرب من سلوك، جرّأ العدوّ على تحقيرهم والاستهانة بهم، فقال تحت عنوان: " العرب واليهود في ميزان الأقوياء" (2): " إنّ الأقوياء الذين تولّوا أمر التّقسيم، وحملوا أولئك الضّعفاء بالوعد والوعيد على التّصويت عليه، ما ارتكبوا تلك الجريمة الشّنعاء، وغمطوا حقّ العرب، إلاّ بعد أن غمزوا مواقع الإحساس من العرب، فرأوهم جادّين كالهازلين، ورأوا منهم ناكثين كالغازلين، ورأوا في أمرائهم المقاومين على أعنف ما تكون المقاومة، والمساومين على أخسّ ما تكون المساومة، وفي شعوبهم الجاهلَ والذّاهلَ، والمتشدّد والمتساهل؛ فبنوا مقدّمات الحكم على هذا التّفاوت في الكيان العربي، وغرّهم بالعرب الغَرور، ولم يتبعوا الأيّامَ نظرَهم، بل وقعت عينهم على يوم العرب، وأغفلوا غدهم." (3)
أهناك تعريض بهذا التّردّي والانحطاط والهوان أكثر من هذا؟ فهذه الأوضاع شجّعت الأقوياء أن يجهزوا على العرب الضّعفاء، فقرّروا التّصرّف في شؤونهم
__________
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 279، 280.
(2) - نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 22 (09/ 02/1948م)
(3) - عيون البصائر، ص: 493. (1/38)
صفحة 38
وممتلكاتهم بما يخدم مصالحهم ومصالح مدلّلتهم إسرائيل. فماذا فعلوا بعد هذا؟:" ثُمّ فعلوا الفعلة النّكراءَ، فوازنوا بين ما نملك من قوى مادية، نستطيع بها المُمادَّة في الجهاد، وبين ما يَملك الصّهيونيّون من ذلك، ودرسوا وقارنوا، واستخدموا الجمع والطّرح، فأنتجت لَهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنّنا لا نملك مصنعًا للسّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنّيّين، كالذي يملكه اليهود من كلّ ذلك، وأنّ ثلاثين سنة مرّت - وكلّها نذر بهذه العاقبة – لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفعنا إلى الاستعداد لها، فقالوا: نقسّمها، ونربح اليهود؛ لأنّ لنا فيهم فائدة معجّلة، ولا نخشى العرب؛ لأنّه ليس فيهم مضرّة مؤجّلة." (1)
التّعريض صارخ ومدوٍّ في هذا العرض المحزن المضحك في آن واحد. إنّه تشريح لهوان العرب، وتشخيص لحالهم المنحطّة المتردّية، التي جعلتهم محلّ مساومة غيرهم، ومحور التّخطيط لفرض مخطّطاتهم عليهم، والأدهى من ذلك أن يكونوا تحت مجهر أصحاب المصالح الأقوياء، الذين وازنوا وقارنوا، وفكّروا وقدّروا ونظروا، وجمعوا المعطيات وطرحوا منها ما لا يسبّب لهم خسارة ولا ضررًا، وأبقوا على ما يفيدهم وينعش مصالحهم. فوجدوا الفائدة في الاحتفاظ بمصالح اليهود؛ لأنّ فيها فائدة معجّلة، ونبذوا العرب؛ لأنّهم لا يشكّلون لهم أيّ خطر، في القريب أو البعيد. ما أحزن الكاتب أنّ الغفلة وسوء التّدبير، هما اللّذان أوصلاَ العرب إلى هذا المصير، إذ لَم يعتبروا بالأيّام، ولم يتّعظوا بالأحداث، ولم يستعدّوا لبناء مستقبلهم، كما فعل غيرهم. فكانت النّتيجة استلاب أرضهم؛ لأنّهم ليسوا أهلاً للاحتفاظ بها.
في عرض الكاتب أيضًا تعريض بهؤلاء الأقوياء، الذين يحكّمون مصالحهم في التّصرّف فيما ليس من حقّهم، وتسيير أمورهم بما يمليه عليهم هواهم، من دون مراعاة القيم والأخلاق والعلاقات العامّة بين بني البشر.
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/39)
صفحة 39
من هذا المنطلق جاء تعريضه بعصور التّقدّم والدّيمقراطية وانتشار الأفكار التي تدعو إلى التّحرّر، وإلى تحكيم العقل في أيّ تصرّف وممارسة؛ لأنّها لم تجد لها تطبيقًا في الواقع، بل كان يضرب بها عرض الحائط، حين يتعلّق الأمر بما لا يروق الذين ينادون بهذه المبادئ والمفهومات. فقضيّة فلسطين لا تجد لها مكانًا في فضاء هذه الأفكار المزعومة، إذ يتغافل فيها عن حقّها، فتباع في سوق النّخاسة وتشترى، بشكل فظيع: " ... ولكنّها في هذا العصر عصر الحضارة، حضارة القرن العشرين، وعصر الدّيمقراطيّة، ديمقراطيّة العالم الجديد، وعصر الحرية، حرية الثّورة الفرنسية، وعصر الشّيوعية، شيوعيّة ماركس ولينين، تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعًا ومساومة." (1)
الحسرة والكمد باديان في النّصّ، فالكاتب عرض مجموعة من الجهات التي تكالبت على القضيّة الفلسطينيّة، وعرّض بها جميعًا وبما تمارسه ضدّ الفلسطينيّين، وهي التي تدّعي حمل أفكار تدعو، بل تدفع إلى حماية المستضعفين، وإحقاق الحقّ، وإحلال السّلام والأمن في ربوع العالم. ما يدل على هذا الغضب وخيبة أمل الكاتب في هذه الجهات مجتمعة، هو لجوؤه إلى تكرار الألفاظ، التي تَلْفِظُ ما بداخله من شجًى وأسًى وضنًى (عصر، حضارة، ديمقراطيّة، حرية، شيوعيّة) هذه الجهات هي: حضارة القرن العشرين، ديمقراطيّة العالم الجديد، حرية الثّورة الفرنسيّة، شيوعية ماركس ولينين.
في هذه الإشارات وهذّا التّنصيص يبرز التّعريض؛ لأنّ العالم الجديد بحلّته وفكره المتطوّرين – ادّعاء -، والثّورة الفرنسيّة، التي تحمل لواء الحرية والعدل والمساواة قولاً، وقد قامت - أصلا - لانتزاعها من الظّلمة والمستبدّين، وتعهّدت بنشرها في العالم بأسره. والشّيوعيّة التي نَهضت لتحارب الاسترقاق والعبوديّة – زعمًا -، وتؤمّن فرص العيش للجميع بدافع المساواة. كلّ هذه الدّعاوى سقطت حين تحرّكت
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 495. (1/40)
صفحة 40
المصلحة الخاصّة، وحين استأثرت الأهواء بالنّفوس، وحين هاجت الأحقاد على العدوّ المشترك، وهو الإسلام والمسلمون.
يستمرّ الكاتب في تتبّع مهازل المستعمر، ومخازي المحتلّ، ونشر غسيله المتعفّن بأوساخ تصرّفاته الشّنيعة. في النّصّ الآتي يعرّض بسياسة فرنسا، التي ما فتئت تمارسها في مسألة " فصل الدّين عن الحكومة "، وتقدّم فيها أفانين من المكر والخداع والتّمويه والتّضليل والمراوغة. يعرّض الكاتب بالحكومة واصفًا ساخرًا متهكّمًا، فيقول: " ... ونظرنا نظر المستقلّ، الذي يبني أحكامه على الواقع المحسوس، فوجدنا هذا الوليد النّاقص الذي يسمّونه الدّستور الجزائري، لم يشرّع جديدًا، ولم يزرع مفيدًا، ولم يزد على أن نقل هذه القضيّة من ميدان إلى ميدان، ومن يدٍ إلى يدٍ، نقلها من فرنسا إلى الجزائر، ومن برلمان يسيطر على الأفراد، إلى شبه برلمان يسيطر عليه فرد .. ليدفع الغضاضة عن فرنسا (اللاّئكية)، ويلصقها بفرنسا (المسلمة)، التي تتمسّك من الإسلام بمعابده، وتعرف كيف تسيّره وتسيّرهم. فكأنّه يقول لحكومة الجزائر: لِنتِ فاشتدّي، ورضِيتِ قليلاً فاحتدّي، وتركت لك ما إن عملت به لم تضلّي من بعدي، ولم أضع لك قانونًا، بل شبكة كلّها خروق، فاخرجي من أيّها شئت ... " (1)
في هذا التّعريض تبرز النّزعة العقليّة، التي تميّزت بها كتابات الإبراهيمي واضحة، هو ينزع هذا المنزع كثيرًا؛ ليتدرّج مع مخاطبيه في عرض فكرته، فيقنعهم بها. في الوقت نفسه يجهد في إفحام خصمه، وتفنيد رأيه، وفضح تصرّفاته والكشف عن حقيقة ممارساته.
في هذا العرض اجتهد - بهذه النّزعة - أن يفضح المستعمر في مناوراته ومؤامراته، ويكشف المستور من دسائسه، وينبّه البسطاء من النّاس إلى معرفة ما
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 92. المقال بعنوان: " فصل الدّين عن الحكومة" الحلقة الرّابعة. نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 88 (25/ 07/1949م). (1/41)
صفحة 41
يخطّطه له. فهو بمنطوق كلامه يقول: فلا يغرّنكم ولا يخدعنّكم بظاهر عمله، فتغفلوا عن باطن ما يرمي إليه.
" يظهر التّعريض في هذه الصّفات التي ألصقها الكاتب بالحكومة الفرنسيّة، المتقلّبة بين اللاّئكية، حين تكون في فرنسا وتشرّع للفرنسيّين، وبين الإسلام حين تكون في الجزائر وتشرّع للجزائريّين، وتتصرّف مع الدّين فيها. ما بلفت النّظر في هذا التّعريض التّضمينُ الذّكيّ للحديث النّبوي الشّريف، الذي يبيّن للمسلمين طريق الرّشاد والاستقامة والهداية، وهو العمل بِهديه. فالأمر نفسه يجب أن تسلكه الحكومة، وهو السّير على هدي الدّستور الجزائري، الذي يبيّن لها ما إن اتّبعته، لن تضلَّ بعده أبدًا، وهو الزّيادة في الشّدّة والتّضييق والتّنكيل، وسبيل ذلك شبكة من قوانين، كلّها خروق، تعين على التّصرّف، وبكلّ حرية في كلّ موقف؛ لأنّه لا حرج عليها في التّأويل. وهو ما يتيح لَها إيجاد أيّ مخرج أو حجّة للّعب بِمصائر المسلمين، والتّسلّط عليهم وقهرهم." (1)
ما جمّل هذا التّعريض، وأعان على الكشف عن حسرة الكاتب ودهشته من المفارقات العجيبة في سلوك فرنسا المتناقض، المتلوّن والمتحوّل من ميدان إلى ميدان، ومن وضع إلى وضع. هذه المقابلةُ بين حالين، أو هذه الثّنائية في العرض. فمسألة فصل الدّين عن الحكومة تتغيّر بتغيّر مكان تطبيقها فيه، هي تنتقل من برلمان يسيطر على الأفراد في فرنسا، إلى شبه برلمان يسيطر عليه فرد في الجزائر. هذا النّقل يدفع الغضاضة عن فرنسا اللاّئكية في فرنسا، ويلصقها بفرنسا (المسلمة) في الجزائر ..
ثمّ يقدّم الكاتب ملاحظات وتنبيهات، ممّا يومئ إليه هذا الدّستور الوليد النّاقص، وهي تفصيلات وتوجيهات، يفقهها من وُكِل إليه أمر فهم ما يشير إليه في خطابه وتشريعه، ومن يعرف جيّدًا ماذا تريد فرنسا تحقيقه. فيردف قائلاً: " ... وكأنّه يقول لها: بدأتِ فتمّمي، وخصّصتِ فعمّمي، وصدعت الحائط فرمّمي،
__________
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 284، 285. (1/42)
صفحة 42
وتساهلتِ فصمّمي، وأشرتِ بالتّرياقِ وأنتِ ... فسمّمي، وجَمّلتٍ الوجهَ قليلاً فذمّمي. وقالوا: إنّ فرنسا تغضب الإسلام، فأقيمي الدّليل على أنّ المسلمين راضون، وشدّدي اللاّم من صفتهم، فإذا هم (مُسَلِّمون). ففهمت الحكومة هذه الإشارة، وتلقّتها كأنّها بشارة، وكيف لا تستبشر والدّستور برمّته (لا مركزية)؟ من النّوع الذي يسيل عليه لعابها، وبنود القضيّة الدّينيّة منه إطلاق لِيَدِهَا في التّصرّف المطلق؛ لذلك فهي قد فهمت من الدّستور أشياء، غير ما فهم النّاس؛ ولذلك قامت بالتّنفيذ على حسب مفهومها، لا على حسب فهم النّاس ... " (1)
التّعريض بالحكومة، جمّلته جمل مسجوعة في هذه الفقرة، جاءت متوازنة في تركيبها، ومتناسقة في إيقاعاتها، تولّدت من جرْس الكلمات، الذي تعمّد الكاتب إيجاده، ليفصح عن مكنونه، وهو ما زاد من وقعه المؤثّر في نفس المتلقّي. وهو من الكاتب تفنّن، دفع إليه ازدياد توتّره ممّا يراه أمامه، وما يحسّ به من تفجّع وألم من تصرّفات الحكومة المتزايد، فزاد هو من حدّة خطابه، وشدّد من لهجته. وكان من نتائج ذلك تعريضه أيضًا بالمسلمين، الذين انتقل بهم إلى (مسلِّمين)؛ إذ بخذلانهم وسكوتهم وهوانهم، أثبتوا أنّهم راضون بما يُفْعَلُ بهم، فالحكومة بما تقوم به تبيّن بالدّليل أنّ صنيعها مشروع؛ فهؤلاء القابعون في ذلّهم قابلون بما تفعل بهم. لفحهم الكاتب بهذا التّعريض الذي يطفح حزنًا وأسًى على المسلمين النّاكصين النّاكثين.
هذا الدّليل هو شاخص في تنفيذ الحكومة الفرنسيّة ما فهمته من الدّستور. يضيف الكاتب: "فبدأت بالمجلس الجزائري، فصاغته على ما يوافق هواها، وظفرت منه بمفرد يأتي بالجماعة، ولها من ورائه مددٌ من (رجال الدّين)، وعدد من المرتزقة المجنّدين، وبددٌ
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 92. (1/43)
صفحة 43
من الظّلمة المعتدين، وأوزاع من العوام غير المهتدين، وأشياع من الزّملاء (المنتدين) (1) فإذا اتّحد هؤلاء اتّحادًا كيمياويًا تمّ المطلوب، وكان حزب الحقّ هو المغلوب" (2)
النّفثة التي أراد الكاتب إخراجها من صدره، بِهذا التّصوير، الذي اعتمد فيه أسلوب التّعريض، تنقله العبارة الأخيرة الباعثة على الشّفقة على المتخاذل، وعلى المتذمّر والمصدوم بِهذا الهوان على السّواء: " وكان حزب الحقّ هو المغلوب ". المفروض أن يكون العكس، فالله عزّ وجلّ يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ والذينَ آمَنُوا فَإنّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالبُونَ} (سورة المائدة، الآية: 56).
أسلوب التّصوير الهزلي (الكاريكاتوري)
حين يريد الفنّان المبالغة في تصوير شيء، يبعث في المتلقّي الضّحك الماكر أو العابث أو المقوّم للسّلوك الشّاذ ... يعمد إلى التّصوير الكاريكاتوري. وهو أسلوب يُعنَى بالمبالغة في عرض أشكال المسخور منه وإشاراته وحركاته الظّاهرة، وتصرّفاته اللاّفتة للنّظر، وفي تشخيص ملامحه الخَلْقية والخُلُقية. والسّاخر - بهذا الأسلوب – يعمد إلى الوقوف عند جوانب الضّعف في جسد شخصِ أو وجهه، ويكبّرها، كأنّما يريد أن ينمّي الضّعف أو العيب الذي يكمن فيه إلى أقصاه. (3)
السّاخر بما يملكه من ذكاء وفطنة وخيال، وحسّ مرهف، واستعداد للتّعبير الطّريف ... يبدع في التّصوير الدّقيق لما يراه انحرافًا عن سواء الفطرة في الحياة العامّة.
__________
(1) - المنتدون في اصطلاحنا كما يشير - الإبراهيمي – هم كلّ من دخل (النّادي الفرنسي الإسلامي). وهو نادٍ أنشأته حكومة الجزائر وزوّدته بمال ورجال وبرامج للاصطياد والتّنويم والتّلفيق. المصدر السّابق، ص: 93.
(2) - المصدر السّابق، ص: 92، 93.
(3) - ينظر أبو عيسى فتحي محمد معوّض، الفكاهة في الأدب العربي، (دراسات ووثائق)، (ش. و .. ن، ت)، الجزائر، 1390هـ/ 1970م، ص: 36. (1/44)
صفحة 44
هو يدرك الحركات غير العادية أكثر من غيره، فيتناولها بالتّضخيم والمبالغة؛ ليراها النّاس مشوّهة، فيضحكون منها ويتفكّهون، وبذلك يصل إلى هدفه، الذي سطّره؛ باعتماده هذا الأسلوب. فالمصوّر الكاريكاتوري كما يقول عبد العزيز البشري: " يعمد إلى الموضع النّاتيء في خلال المرء، فيزيد في وصفه، ويبالغ في تصويره، بما يتهيّأ من فنون النّكات" (1) لهذا فهو قادر أن " يصوّر كلّ ما يحيط بالحياة من ألوان الفكاهة والسّخرية." (2)
محمد البشير الإبراهيمي كتب بهذا الأسلوب لمعالجة بعض القضايا والمسائل، التي رأى فيها انحرافًا صارخًا عن الفطرة، أو وجد فيها شذوذًا في التّصرّف والتّعامل، مِمّا يتطلّب إصلاحًا وتقويمًا ... أي اختار لها الأسلوب الذي يبعث على الضّحك والتّفكّه ... عساه ينجح في هذا الإصلاح والتّقويم.
تأسّست جمعيّة السّنّة، لتناوئ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين وتعارضها. فقامت بأعمال استفزازية، حسب ما يراه أعضاء جمعيّة العلماء. صوّر الكاتب أحد اجتماعات جمعية السّنّة، وكشف من خلاله حقيقة هذه الجماعة، التي لا تتصرّف تصرُّف الإنسان العادي، فضلاً عن الواعي لما يقوم به: " دخل الجميع – لأوّل مرّة في تاريخ حياتهم – جمعيّة، لا يدرون بمن تُدارُ، ولا كيف تُدارُ، وسمعوا لأوّل مرّة كلمات: النّظام والاشتراك والمواد اللّجان، وسمعوا خطبًا مأجورة، لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجانّ، ثمّ تقاضتهم الجمعيّة ما لا عهد لهم به، ولا ألفته نفوسهم
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 292.
(2) - محمد سلام مصطفى، شعر السّخرية في العصر العبّاسي، دراسة ونقد، رسالة ماجستير (مخ)، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، 1974م، موجودة في مكتبة قسم اللّغة العربيّة، كليّة الآداب، جامعة القاهرة، تحت رقم: 1568.، ص: 207. (1/45)
صفحة 45
وهو المال، الاشتراك، التّبرّع، الإعانة، فقالوا في أنفسهم: إنّ هذا لشيءٌ لم نُخلقْ له، إنّ هذا لشيءٌ يُراد ... " (1)
كلّ الحركات التي سجّلها الكاتب لهذه الجماعة في هذا الاجتماع هي شاذّة، تكشف عن انحراف في الشّخصيّة السّوية للإنسان العادي. إذ كيف يعقل أن ينضمّ ناس إلى تنظيم لا يدرون لماذا حشروا أنفسهم فيه، ولا يعرفون ماذا يقومون به؟ كيف يتصوّر قومٌ لا يفقهون معنى التّبرّع والإعانة والنّظام ... ؟ وهم الذين انضمّوا إلى تنظيم تأسّس ليقوم بأعمال تناهض أعمال من يراهم مؤسّسوه ضالين عن سواء السّبيل، وهم أعضاء جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين؟ وعملهم لا يقوم إلاّ على ما نفى الكاتب استيعابَهم له. إنّها المبالغة في التّصوير المغرق في السّخرية والتّهكّم والتّفكّه؛ لغرض بيان سوء تصرّف أعضاء جمعية السّنّة، وجهل أتباعهم بما يراد لهم.
يبدأ التّصوير بهذه المبالغة السّاخرة بِهؤلاء الأتباع، الذين استجابوا لنداء أسيادهم، من دون أن يفقهوا في الأمر شيئًا. هم ينتمون إلى جمعيّة لها رئيسها وبرنامجها، ولها أهدافها المحدّدة والمرسومة سلفًا، رغم كلّ ذلك فهم لا يعرفون عن ذلك شيئًا، هم يحضرون لأوّل مرّة في حياتهم اجتماعًا دعوا إليه .. هذه التّصرّفات هي انحراف عن سواء الفطرة البشرية. وهو عيب أراد الكاتب لفت النّظر إليه.
ثمّ يتدرّج الكاتب في وصف مركّز للحركات والإشارات الظّاهرة والباطنة، التي أبداها هؤلاء الأتباع. أبرزها عن طريق المبالغة في التّصوير؛ ليبيّن علامات الدّهشة والاستغراب التي أظهروها، حين سمعوا كلمات ومصطلحات، لا عهد لهم بها، ولا خطرت ببالهم؛ لأنّهم لم يخلقوا لها، فكلّ ميسّر لما خلق له. هي ألغاز وطلاسم، لم يألفوا سماعها، هي غير موجودة في قاموس حياتهم، البعيدة عن هذا المسار: ما هو النّظام، ما هو الاشتراك؟ ما هي المواد، وما هي اللّجان ... ؟
__________
(1) - سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، دار الكتب، الجزائر، 1982م، ص: 60. (1/46)
صفحة 46
أتصوّر هؤلاء – حسب وصف الكاتب المبالغ فيه – وأتَخيَّلُهم في حالة مزرية: شفاههم ممتدّة إلى الأمام، جباههم مقطّبة عليها تَجاعيد، وجوههم مصفرّة، انعدم الدّم فيها، عيونهم غائرة لا ترى الأشياء رؤية سليمة ...
تشتدّ حالهم، وتنقبض نفوسهم، ويتوقّف الدّم في عروقهم، حين بتحوّل الأمر من القول إلى الفعل؛ فيطلب منهم ما لا علم لهم به، ولا فكّروا فيه، يوم قبلوا الانضمام إلى جمعيّة السّنة: (المال، الاشتراك، التّبرّع، الإعانة ... ) فلا يملكون إلاّ الحيرة، ولا يجدون جوابًا يتنصّلون به ممّا وقعوا فيه سوى استعارة جواب الكفّار، الذين لم يصدّقوا ما قيل لهم: ليس هناك آلهة، إنّما هو إلهٌ واحد. (إنّ هذا لشيءٌ يراد).هذا التّضمين لجواب الكفّار، وهذه الإشارة تحمل كلّ آيات السّخرية والتّهكّم بمن لا يدري ما يراد له، وما يفعل به، فغيره أراد له أشياء هي عجاب، هي اختلاق. قال تعالى: {أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا ِلَشَيْءٌ عُجابٌ وانْطَبَقَ المَلأُ مِنْهُمُ أنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا علَى آلِهَتِكُمُ إنَّ هذَا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنَا بِهذا في الملَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} (سورة ص، الآيات: 5 – 7).
كتب الإبراهيمي كثيرًا عن قضيّة فصل الدّين عن الحكومة، وقدّم صورًا كثيرة، وعرض مواقف متعدّدة لها في الموضوع، وسرد مشاهد مختلفة؛ ممّا تعرّضت له من المناورات والمؤامرات والمداورات. كتب يصوّر مواقف الحكومة الفرنسيّة وحركاتها وممارساتها تصويرًا كاريكاتوريًا، عسى يجدي هذا الأسلوب في تليين مواقفها فتستمع إلى مطالب الوطنيّين الأحرار. أو على الأقلّ يتمكّن الكاتب أن ينفّس بهذا الأسلوب عن نفسه المأزومة المكلومة: " كتبنا في هذه القضيّة، ما إنّ مداده ليكوّن عدّة غُدران، وما إنّ صحائفه لتغطّي بضعة جدران، ولكن كنّا مع هذه الحكومة المتصامّة – من عتوّ واستعلاء – كمن يحرق البخور لأصحاب القبور. (1/47)
صفحة 47
ونحن نعلم أنّ الحكومة تترجم كلّ ما نكتب، وتقرِؤُه فتفلي الحروف، وتحدّد مواقعها من الكلمات، ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسّر وتحلّل على قدر ملكتها في العربيّة، وحظّها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني، وتحمل الكلام من المقاصد وحظّها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدّلالات المعروفة، من مطابقة وتضمّن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء. تفعل كلّ ذلك لا لتمحّص الحقّ ثمّ تفيءَ إليه عند ظهوره، بل لتؤلّف قاموسًا من الجمل – التي هي لباب الحقّ – فتنسّقها في ملفّات، فتحاسبنا عليها متى عرضت دورة فوق العادة، أو فورة فوق القانون." (1)
عبّر الكاتب عن خيبة أمله، وصوّر امتعاضه من مواقف الحكومة بواسطة التّصوير الكاريكاتوري؛ ليدقّق في رسم حركات الحكومة، وهي تقوم بفحص ما ينطق بما يكتبه، تحلّله كلمة كلمة، وجملة جملة. تقرن بين أجزاء الكلام، وتربط السّابق باللاّحق، وتفرز بين التّصريح والتّلميح. تتدرّج في ذلك من البسيط إلى المركّب، وتتابع تنقّل الحروف، من الكلمة إلى الجملة إلى الموضوع: إلى أن تستقرّ في قاموس، يوضع في ملفّ، تُحاسب به على اقتراف المحظور، في دورة غير عادية، وفي فورة تتعدّى على القانون.
هذا التّفصيل في العرض والتّحليل، والتّدرّج في الوصف، والتّركيز على نقط معيّنة، والمبالغة في تقديمها، وإضفاء الحركيّة على تناول الحكومة لكتاباته في موضوع فصل الدّين عن الحكومة، برصد حركاتها ووصف تأنّيها في قراءاتها، وطول النّظر فيها، طولَ مدّة بحث المسألة ... كلّ ذلك صبغ النّصّ بصبغة الكاريكاتورية. " هكذا يعين الكاريكاتور والمبالغة في التّصوير على إضاءة جوانب من نفس الكاتب السّاخر، وما
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 136. المقال بعنوان: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من فصل الحكومة عن الدّين "، الحلقة: 11، نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 137 (15/ 01/1951م).كتب الإبراهيمي في الموضوع أكثر من اثنتين وعشرين حلقة. ينظر المصدر السّابق، ص: 80 – 267. (1/48)
صفحة 48
يعجّ فيها من مشاعر، وما يسود المجتمع من أفكار وآراء ومواقف وتصرّفات، تكون سببًا في الشّعور بالضّيق والقلق والأرق." (1)
أسلوب التّبكيت
التّبكيت أسلوب ساخر، يعتمد على التّلميح والإشارة والرّمز. ويتميّز بالتّعبير اللاّذع، الذي يهدف إلى إفحام المخاطب والمتحدّث إليه، وجرح كبريائه؛ بقرعه بالحجّة وتعنيفه بالكلام؛ لإسكاته ودحره، أو الكشف عن زيف ما يدّعيه ... تبدو أهميّة هذا الأسلوب، إذا استخدم في النّقد البنّاء، وتصحيح الأوضاع، وتهذيب الأخلاق. إنّ هذا الأسلوب المبني على التّلميح والاختصار والرّمز، قد يجدي في بعض الأحيان أكثر من غيره من الأساليب مع من يتميّز بالتّعالي والكبرياء والجحود واحتقار غيره؛ إذ إنّه يَخزه، ويلذعه لذْعًا، ينال من نفسه بذكاء ومكر، ويصيبه في المقاتل.
لمّا أراد محمد البشير الإبراهيمي كشف زيف انتساب بعض شيوخ الطّرق إلى السّنّة، عمد إلى أسلوب التّبكيت، يحرج به هؤلاء ويلذعهم، مستغلاّ طبيعة هذا الأسلوب في الاختصار والتّلميح والوخز. قال: " ... وإذا كان في أفعال العباد ما لا يتمّ إلاّ بتوفيق من الله، فإنّ فيها ما لا يتهيّأ لأصحابنا من دعواهم في السّنّة، دعوى آل حرب في زياد " (2)
الإشارة إلى دعوى آل حرب انتسابَ زياد بن أبيه إليهم، كانت كافية – عند الكاتب – لإبراز الزّيف والادّعاء، اللذّين يكتنفان نسبة هؤلاء إلى السّنة، إنَّهم
__________
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 293.
(2) - محمد البشير الإبراهيمي، " تعالوا نسائلكم "، الحلقة الأولى، جريدة السّنّة النّبوية (ج. ع. م. ج)، ع:7 (22/ 05/1933م). ينظر أيضًا آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأوّل، ط1، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 41. في النّصّ إشارة إلى نسبة معاوية بن أبي سفيان بن حرب " زياد بن أبيه إلى أهله، وهو ما لم يثبت إلاّ بالادّعاء. (1/49)
صفحة 49
عنها بعداء. فمن يعرف حقيقة نسب زياد ابن أبيه، وما ادّعاه آل حرب فيه، يفهم بسهولة حقيقة هؤلاء الشّيوخ. هذا ما يدفع إلى سحب الثّقة منهم، فيقعون في موقف حرج من أمرهم. هذا ما أفرزه أسلوب التّبكيت الذي لجأ إليه الكاتب.
ما يدلّ على نيّة الكاتب في دحض هذا الادّعاء، وجرح كرامة من تدثّر به، والنّيل من كبريائهم، وجعلهم عرضة للسّخرية والتّهكّم ... ما مهّد به لهذه الإشارة، حين قال على لسانهم:" ... وقالوا: نحن قوم أصحاب أسماء، قد أسقطنا الواقع من اعتبارنا، وأسقطنا الأعمال من حسابنا، فلا نرفع بها رأسًا ولا رجلاً، وما دمنا بهذه الصّفة، وما دامت في الأمّة بقايا من البله والغفلة و (النّيّة) فلندع أنفسنا بالعلماء، وإن لبسنا من الجهل سرابيل، ولنسمِّ أنفسنا (علماء السّنّة) وإن كنّا نخوض في البدعة خوضًا. فجاء هذا الاسم - كما ترى – وليس في الأسماء أكذب منه، ولا أشدّ منافرة لِمُسمّاه." (1)
يواصل الكاتب في هذا المقال التّعريض بهذه الجمعية وعلمائها، مع غمزهم بالتّبكيت وتعييرهم، والإصرار على فضح مخازيهم، وكشف سوءاتهم، وتعريتهم أمام النّاس، ونزع ما يتستّرون به ويتوارون خلفه ... ليتبيّن أنّ بينهم وبين السّنّة بعد المشرقين. يضيف قائلا: " إنّ نسبة هؤلاء القوم إلى السّنّة كنسبة عمرو، الذي قال فيه الشّاعر:
اُرفق بعمرو إذا حرّكت نسبته ... فإنّه عربيّ من قوارير
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/50)
صفحة 50
لا جرم أنّهم سنّيون من قوارير، لكنّنا لا نرفق بهم على النّحو الذي دعا ذلك الشّاعر الهازئ، فإنّ عَمْرًا لم يضرّ أحدًا بادّعائه النّسبة العربيّة، وهؤلاء أضرّوا بل أضلّوا، فمن الرّفق بالأمّة وبهم أن نكسر القوارير، فينكسر معها الضّلال والإضلال." (1)
في المقال نفسه، الذي يحمل صفة التّبكيت، بهذا العنوان" تعالوا نسائلكم " (2) يمكر بهؤلاء، ويعبث بكبريائهم؛ بعرض أسئلة محرجة موغلة في اللّذع والغمز. بقول، وهو يكشف بعدهم عن السّنّة التي ينتحلون اسمها، ويدّعون خدمتها وحمايتها من المضلّين المفسدين أمثال الكاتب ومن يسير في ركابه، ويتبنّى نهجه: " ... ونقول لكم: سلّموا العلم بالكتاب والسّنّة وهدي السّلف إلى من مارسها بالبصيرة النّافذة، وتناولها بالذّهن الوقّاد، والقريحة الحيّة، وأنفق فيها من عمره مثل ما أنفقتم في اللّهو واللّغو والتّطبيل والتّزمير، فَتُمارون وتصرّون وتستكبرون. فيا ويحكم إنّ (التّسليم) من أصول طرائقكم فيما تزعمون .. فهل يجب التّسليم عندكم للمتخمّر إذا تخمّر، فعبث بالمقامات العليا من نبوّية وملكية وألوهية، ويجب التّسليم عندكم للمشعوذ إذا شعوذ، وللشّيطان إذا استحوذ، وللمجذوب إذا اختلّت أعصابه، وضاع صوابه، وسال لعابه، ولا يجب التّسليم لكتاب الله إذا قام دليله، ولهدي نبيّه إذا اتّضح سبيله .. ؟ وهل من محادّة لله ورسوله أعظم من هذه؟ وهل في مراتب الاستخفاف بالدّين أسفل من هذه؟ فهاتوا مخلصًا من هذا، وهيهات أن تجدوه، ولو كان الشّيطان لكم نصيرًا. " (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 42. نشره باسم " كاتب نقّاد " في ثلاث حلقات بهذا العنوان في السّنّة النّبوية. الحلقة الأولى، ع: 7 (22/ 05/1933). الحلقة الثّانية، ع: 9 (05/ 06/1933م). الحلقة الثّالثة، ع: 11 (19/ 06/1933م).
(2) - نشره في ثلاث حلقات. مطوّلة.
(3) - آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأوّل، ص: 43، 44. (1/51)
صفحة 51
النًّصّ ينضح كلّه تبكيتًا، في لغته الرّامزة، وفي مضمونه، الذي ذكّر فيه الكاتب هؤلاء الأدعياء ببعض معتقداتهم ومصطلحاتهم الغريبة، التي يوظّفونها في حياتهم، وفي تصرّفاتهم الشّاذة، التي بها يبرهنون أنّهم بعيدون عن السّنّة. هو بنفي عنهم اتّصافهم بالبصيرة النّافذة، والذّهن الوقّاد، والقريحة الحيّة؛ لهذا يجب أن يتركوا الميدان لغيرهم، الذين يحسنون التّعامل مع الكتاب والسّنة وهدي السّلف بما يليق بها ... وفي النّهاية يواجههم ويبكتهم بأسئلة تقريعية، يخاطب بها نفوسهم؛ عساها ترعوي وتثوب إلى رشدها، فترجع إلى سواء الصّراط ... نترك للمتلقّي الوقوف بنفسه عند مظاهر هذا التّبكيت. إلاّ أنّ قوله: " ولو كان الشّيطان لكم نصيرًا " متحدّيًا بها هؤلاء المدّعين فهم اشّريعة وفقهها جيّدًا ... يرجع بنا إلى قوله تعالى؛ متحدّيًا الثّقلين أن يأتوا بمثل القرآن، وفي الرّبط بين قول الإبراهيمي وقوله تعالى يكمن التّبكيت، وتكون التّهكّم والتفكّه والازدراء. قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرًا} (سورة الإسراء:88)
يزيد الكاتب هؤلاء شماتة، فيعرض جانبًا آخر من مخازيهم، التي تعلن بعدهم كلّ البعد عمّا يدّعونه من الاستمساك بالسّنّة .. والصّدور عنها في سلوكهم. إنّه مظهر استغلال الأتباع في ابتزاز أموالهم، واستغفالهم ببعض الحركات، المنافية للدّين. يتهكّم بهم ويطلب منهم الابتعاد عن المضمار، فهم ليسوا له أهلاً.
يعقد مقارنة ماكرة بينهم وبين اللاّهوتيّين، الذين يراهم أفضل منهم، ماداموا قد تساووا معهم في العبث واللّهو واللّغو، فهم متفوّقون عليهم بما يشير إليه في الفقرة الآتية. فعل هذا تعريضًا بتصرّفاتهم. قال: " ... آنَ للاّهوتيين من العالم أن ينتزعوا من أعمالكم حجّة، مدارها على هذا المقياس ما دامت العبادة بالبندير أو بالبيانو، فالبيانو أرشق، وما دام الأمر بين أكل الأفاعي وبين أكل الخبز المقدّس، (1/52)
صفحة 52
فالخبز أفضل. وما دامت المغفرة تباع بالدّراهم عندنا وعندهم، فنحن سواء. فما أعظم جنايتكم على الإسلام." (1)
أسلوب المفارقة
" هو أسلوب، يعمد إليه الأديب للكشف عن التّناقض الحاصل في تصرّفات بعض النّاس، وتقديم ذلك تقديمًا متهكّمًا ساخرًا مستهزئًا. من ذلك تسمية الأشياء تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلاً مغلوطًا، وسرد المشاعر سردًا شاذًّا." (2)
قدّم الإبراهيمي عرضًا وافيًا عن تصرّفات الحكومة الفرنسيّة في مسألة فصل الدّين عن الحكومة، أو فصلها هي عن الدّين، كما كان يطلب منها ذلك دائمًا، وسرد مواقفها المتناقضة المتذبذبة، التي تسيّرها وتلوّنها وتعدّدها أهواء ومصالح خاصّة، التي دفعتها في الأخير أن تقرّرَ ما ذكره في النّصّ الآتي. وفيه يظهر سخريته وتهكّمه من المفارقات التي بدت بها الحكومة في موقفها: " ... ووقع الفصل في باريز لفظًا وكتابة ونصًّا في الدّستور. فهل يقع هنا في الجزائر؟ وهل يقع على ما تريده الأمّة، أو على ما تبغيه الحكومة؟ والنّوّاب المسلمون مهما يبلغ ببعضهم التّأثّر، فإنّهم لا يوافقونها على إبقاء ما كان على ما كان، لأنّ ذلك مناقض للفصل الذي نصّ عليه الدّستور نصًّا صريحًا ..
أمّا الحكومة الجزائريّة فإنّها تحلف برأس كلّ عزيز عليها أنّها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل في آن واحد. وأنّها زعيمة بالجمع بين المتناقضات. ولا عجب
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 49. المقال بعنوان: " تعالوا نسائلكم" الحلقة الثّانية، نشر في جريدة السّنّة النّبوية، ع:9 (6/ 5/1933م).
(2) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث. ص: 314، 315. (1/53)
صفحة 53
من حكومة كاثوليكيّة لائكيّة، أن تضيف نقيضًا ثالثًا، وهو (التّمسّك بالإسلام)." (1)
سخرية الكاتب كانت من المفارقات التي سجّلها عن هذه الحكومة. هي تجمع بين الفصل والوصل في آن واحد. وتهكّمه كان من صدور تناقضات صارخة في مواقفها، وفي طبيعتها: حكومة لائكيّة تتبنّى المذهب الكاثوليكي، تضيف إلى ذلك التّمسّك بالإسلام. وتفكّهه بها كامن في تعبيره الموغل في الاستهزاء بالحكومة. هي تحلف برأس كلّ عزيز عليها أنّها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل .. هي زعيمة الجمع بين المتناقضات ..
هذا التّهكّم أو الضّحك على الحكومة هو من قبيل التّنفيس عن النّفس، والكشف عن مخازيها، التي ينبّه إليها الكاتبُ الجزائريّين؛ ليحتاطوا لأنفسهم، ويعتمدوا عل إمكاناتهم في حلّ هذه المشكلة، ولا ينتظروا من هذه الحكومة شيئًا.
في الحقيقة هي ليست متناقضة، إنّها تقرّر ما تقرّر حسب مصلحتها والظّروف التي تكون عليها. ولكنّنا نحن نستمتع بهذا التّصوير والتّعبير ونتفكّه، ونقرأ من خلاله حالة التّذمّر التي كان عليها الأحرار الذين تأخذهم على دينهم الغيرة والأنفة، ونسجّل من خلال هذا التّعبير جهادهم ونضالهم ومقاومتهم لكلّ تعدٍّ على مقوّماتهم.
أوضاع الجزائريّين المتردّية، التي أفرزتها الممارسات التّعسّفية الني يقترفها الاستعمار في حقّهم، تزرع الأسى والحزن في قلوب الوطنيّين، فيتحرّكون لكشف ذلك، فيتّخذون أسلوب السّخرية أحيانًا وسيلة في التّعبير عن ذلك. سجّل الإبراهيمي هذا الضّيم الذي تعرّض له الشّعب الجزائري، فتدهورت حاله، فقال بأسلوب المفارقة: " ... في الجزائر إسلام مستباح الحمى، منتهك الحرمات، وفي الجزائر أوقاف دينيّة منقوصة العقود، مهدومة الحدود، وفي الجزائر مشرّدون شبعوا بالجوع، واكتسوا بالعري، وعلموا بالجهل، وتداوَوا من المرض بالمرض، واستجاروا من الموت بالموت فأجارَهم، فلا هم أحياء ولا هم أموات ... (2)
إنّ الكاتب أراد إخراج ما في صدره بهذا العرض السّاخر، في الوقت نفسه كان يقصد إلى إحراج فرنسا بالكشف عمّا تقوم به؛ بلفت الضّمائر الحيّة إلى هذه الممارسات. هذا الأسلوب الذي يقوم على الإيلام غير المباشر، والوخز غير الظّاهر في بدايته، لكنّه ينفذ إلى أعماق المسخور منه ببطء، لا يتفطّن له إلاّ بعد أن يتمكنّ منه، فيؤذيه ويؤلمه؛ إذ يُبينُ عن خلل في تركيبة كيان المفكّه به؛ حين يقرأ المتلقّي هذا التّناقض في سلوكه وتصرّفاته. فكيف يشبع الإنسان بتجويعه؟ وكيف يتعلّم بتجهيله؟ وكيف يُكسَى بتعريته؟ وكيف يُداوَى بتسليط المرض عليه؟ فمن يطّلع على هذه الأعمال المشينة يعرف حقيقة المستعمر؛ فيهزأ به، ويحتقره، ويثور عليه. هذا ما يخشاه الظّالم ويتوجّس منه خيفة. وهو ما يهدف إليه الكاتب. فأسلوب المفارقة يحقّق هذا بطريقة فنّية.
أسلوب التّفكّه
قد يلجأُ الأديب إلى أسلوب التّفكّه؛ ليرفّه عن نفسه، أو ليشبع رغبة فيها، فيتندّر أو يداعب أو يضحك ... قد يعمد إلى نقط الضّعف في بعض الأشخاص، أو إلى بعض المظاهر المثيرة، أو غير العادية ... فيتندّر بها ويتفكّه، من دون أن بقصد إيلام أصحابها، أو التّشهير بهم. وقد يكون لهذا التّفكّه هدف محدّد، وهو استخلاص عبر ودروس من هذه السّخرية الفكهة. كما نلمس ذلك في مقالات أحمد رضا حوحو، التي تناول فيها شخصيّات، بميزانه في جريدة البصائر الثّانية (3). وقد يكون دافع السّاخر بعث التّفاؤل
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 62. المقال بعنوان: " فصل الدّين عن الحكومة: طلائع ومقدّمات "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 57، (22/ 11/1948).
(2) - المصدر السّابق، ص: 388.
(3) - ينظر نماذج من تحليل ما كبته عن هذه الشّخصيات كتابنا: السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 299 – 305. (1/54)
صفحة 54
في النّفس؛ بمحاولة التّسامي على الألم، وتناسي المصائب والمشاكل وتجاوز المنغّصات ... كما نلمس ذلك عند مفدي زكرياء، في كثير من رسائله التي كان يرسلها من السّجن.
قد يكون الدّافع إلى التّفكّه الحرص على أداء رسالة، أو الرغبة في نشر فكرة، أو بثّ مشاعر ... كما عرفت بذلك بعض كتابات الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان. ومقالات الشّيخ حمّو لقمان، وبخاصّة ما كان ينشره في جريدة البستان لأبي اليقظان ...
كتب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي عن رحلته إلى باكستان، وعن مشكلته مع اللّغة التي واجهته في هذا البلد (1)؛ إذ كان لا يحسن إلاّ اللّغة العربيّة، وأهل باكستان لا يتكلّمونها. فكتب متهكّمًا متندّرًا بما حدث له مع مخاطبيه ومستقبليه وزائريه: " ... أبت لي همّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلّمت في بعض يومٍ ألزمَ ما يلزمني للضّروريات، أهمّها - عندي – طلب الماء البارد في ثلاث كلمات: طانده، باني، لاو. والأولى معناها: بارد، ولكنّ مخرج الطّاء فيها من أغرب المخارج، والثّانية معناها: الماء، والثّالثة معناها: هات ومن هذه الجملة تعلم صعوبة التّركيب، وغرابته في ذوق العربي. ومن اللّطائف أنّ أستاذي في هذه الجملة هو ولدنا الفضيل، حلّ به ما حلّ بي، فحفظ ثمانين كلمة من الأوردية، فألّف منها قاموسًا غير محيط، وفتح الله عليه فأصبح معلّمًا لتلميذ واحد، هو أنا، ثمّ حفظت زيادة عن شيخي كلمة (بَزَاف) بفتح الأوّلين وسكون الثّالث، ومعناها الثّلج، ثمّ حفظت ثلاث كلمات ضرورية، وهي (أو) ومعناها تَعالَ، و (جاو)، بمعنى اذهب، و (جالدي)، ومعناها أسرع. وأسعفتني الذّاكرة بكلمة تركية، حفظتها قديمًا، ووجدتها هنا، وهي (نَماز)، ومعناها الصّلاة، وحفظت (روطي)، ومعناها الخبز، و (نَماك)، ومعناها الملح، ومن حصل على الصّلاة والماء البارد والعيش والملح، فقد فاز فوزًا عظيمًا. وحفظت (يَهوت)، ومعناها كثير، و (اِمروز)، بكسر الهمزة، ومعناها اليوم،
__________
(1) - ينظر جريدة البصائر الثّانية، ع: 198 (04/ 08/1952م). (1/55)
صفحة 55
وسألت عن أمس وغد؛ لأجمع بين الأزمنة، فقيل لي: (كَلْ) بفتح الكاف وسكون اللاّم، وأنّه صالح لهما معًا، وأنّ الفرق بينهما موكول إلى السّياق، فقلت: دعوا هذه إلى السّياق، إلى كلمات أخرى ظهر بها شفوفي (1) على شيخي، وكم ترك الأوّل للآخر. وحفظت رقم غرفتي بالإنكليزية وهو: (وان، تو، فايف)، يعني مائة وخمسة وعشرين، فأصبحت بهذه الكلمات في أنس واطمئنان، ولذت فيما عدا ذلك بالسّكوت. فإذا دخل عليّ زائر، ولم يكن مترجم، حيّا ورددتُ، وبشّ وبششتُ، ثمّ انقلبتُ سلكًا أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب، ولكي أدفع عنت التّليفون إذا خلوتُ حفظت جملة بالإنكليزية، معناها لا أتكلّم الإنكليزية، لا أتكلّم الأوردية." (2)
القصد إلى التّفكّه والتّندّر واضح في النّصّ، إذ فيه مداعبة للنّفس، وتسلية بالموقف الحرج الذي حصل للكاتب في دار الغربة. كما فيه ضحك على النّفس التي تجهل ما لا ينبغي جهله، وهو تعلّم اللّغات. في هذا التّفكّه أيضًا عزم أكيد على إخراج ما في القلب من مشاعر الأسف على التّقصير في تعلّم ما يجب تعلّمه، من ذلك تعلّم بعض اللّغات؛ لأنّ الافتقار منها يسبّب عجزًا في إيجاد وسيلة الاتّصال والاطّلاع، وأسباب التّواصل مع المحيط. دليل ذلك قول الكاتب: " أبت لي همّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلّمت ... "، وقوله: " فانقلبت سلكًا أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب".
__________
(1) يبدو أنّ الكلمة المناسبة هي (تفوّقي). -
(2) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الرّابع، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985م، ص: 34، 35. المقال بعنوان: " رحلتي إلى الأقطار العربيّة، (3). نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 198، (04/ 08/1952م). (1/57)
صفحة 56
في هذا التّفكّه إيماءة، بل دعوة إلى وجوب حذق أمور أساسيّة في حياة الفرد المسلم؛ حيثما وكيفما يكون، وهو ما يفهم من قوله: " ومن حصل الصّلاة والماء والعيش والملح فقد فاز فوزًا عظيمًا".
هذه إشارات، قدّمها الكاتب للقارئ في ثوب فكهٍ طريف ظريف، يزيل به السّأم والملل عن نفسه، وفي الوقت ذاته يجذب المتلقّي إليه؛ ليملي عليه ما يريد. هذا ما عناه الدّكتور محمد ناصر، حين قال: إنّ الشّيخ البشير الإبراهيمي يشيع في كتاباته روحًا فكهة " تجذب القارئ أو السّامع؛ لأنّ اللّهو والسّخر يخرجان اللّفظة عن جمودها وصرامتها، ويفتّقان أكمامها، ويبعثان فيها الحركة، وهو بذلك يذكّرنا بأدب الجاحظ." (1)
في أرجوزته " رواية الثّلاثة " داعب ثلاثة من أبنائه الأدباء، الذين كانت لهم مشاركة كبيرة في الحركة الإصلاحيّة، وفي ميدان التّعليم بخاصّة. (2) شعر الشّاعر الإبراهيمي بأنّ هؤلاء الأبناء قصّروا في حقّ أبيهم الرّوحي، الذي كان يأبوهم ويحبوهم (3)، وكان يعاملهم معاملة خاصّة: رعاية وتثقيفًا ومداعبة ... وهم أنفسهم كانوا يشعرون بهذا. لكن لمّا طرأ طارئ (4)، وفرّق بينهم وبين شيخهم وأبيهم، تقاعسوا عن التّواصل معه، ولو بالمراسلة؛ وفاء لصاحب الفضل عليهم ... تأثّر الأب الرّوحي لذلك: " فألقى الشّيطان على لسان الشّيخ، أو ألقى هو على لسان الشّيطان هذه الأرجوزة الطّويلة، ونحل كلّ واحد من الثّلاثة ما يستحقّه من فصول ومعانٍ، في صور مجالس، يتجاذبون فيها أطراف الحديث عن هذه الزّلة التي ارتكبوها ... نظم الشّيخ هذه الرّواية، وتخيّل معانيها في أوقات متضاربة، كانت الوحشة والملل ألزم صفاتها، فجعلها مذبّة للوحشة ومجلبة للأنس وأداة للتّسلية " (5)
القصد إلى التّفكّه والمداعبة واضح في هذه الأرجوزة، من خلال تصريح الشّاعر بذلك. لقد شعر بالوحشة في منفاه؛ بسبب ابتعاده عن ميادين النّشاط والحركة، وإبعاده عن الأصدقاء والخلاّن، وتقاعس الأبناء عن المراسلة والتّواصل. فكان لابدّ من إيجاد وسيلة لدفع هذا الملل وهذه الوحشة والغربة عن نفسه، والتّنفيس عن قلبه. ففكّر في هذه المداعبة الطّريفة الظّريفة الخفيفة، بِهذه الأرجوزة الطّويلة، طول ما شعر به الشّاعر من كآبة وحسرة وسأم ... وإن كانت المداعبة لم تخلُ من فوائد علميّة، وبخاصّة في مجالي اللّغة والأدب، ولم تنعدم منها العبر والدّروس ... (6)
الفكرة التي بنيت عليها الرّواية طريفة. تمحورت حول (الفرنك اللّعين)، الذي منع هؤلاء المعلّمين الثّلاثة عن مراسلة شيخهم؛ فقد عجزوا عن دفع قيمة طابع البريد، فأحجموا عن كتابة رسالة واحدة إليه. صوّر الشّاعر تألّمّهم النّفسي، وقدّر وخز ضمائرهم؛ بسبب هذا التّقاعس عن الكتابة، ووقوف الفرنك اللّعين أمامهم عائقًا وحاجزًا عن التّعبير عن عواطفهم النّبيلة، ووفائهم لشيخهم ...
تفنّن الشّاعر في التّفكّه والدّعابة، فتخيّل عبث الفرنك بعقول الأبناء الثّلاثة، وقدّر تفكيرهم في كيفية التّصرّف مع هذا الوضع، وفضّ مشكلة دفع قيمة الطّابع؛ لإيجاد حلّ للقيام بواجب الوفاء والبرّ بشيخهم، والإسراع إلى مراسلته .. فكان الاستدعاء لعقد اجتماعات وجلسات للنّظر في الأمر. وكثرت المناقشات، وتعدّدت الاقتراحات، وطال
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفنّي (مخ)، ص: 23.
(2) - هؤلاء الأدباء هم: الشّيخ سعيد بن حافظ، مدير مدرسة التّربية والتّعليم الحرّ بقسنطينة، وعبد الحفيظ الجنّان، ومحمد بن العابد الجلاّلي، معلّمان بالمدرسة.
(3) - يأبوهم: يعاملهم معاملة الأب لأبنائه. يحبوهم: يعطيهم.
(4) - هو حدث نفي الشّيخ البشير الإبراهيمي إلى مدينة " أَفْلُو " (جنوب الجزائر)، في أثناء الحرب العالمية الثّانيّة.
(5) - آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأوّل، ص: 281، 282.
(6) - ينظر المصدر السّابق، ص: 287. (1/58)
صفحة 57
الإبرام والنّقض ... وقد ظهرت في هذه التّحرّكات والحركات: "مخايل من تنطّع الإداريّين، وغطرسة المديرين، وسخافة المعلّمين .. " (1). وبرزت الأنانية والمشاحنات. كلّ ذلك للوصول إلى حلّ، وهو دفع قيمة طابع البريد؛ حتّى يقوم الأبناء الثّلاثة بواجب المراسلة.
على هذا المنوال من التّفكّه والدّعابة نسجت أرجوزة (رواية الثّلاثة)، التي تعدّ حوالي تسعمائة بيت. افتتحها الشّاعر بقوله:
إلى الفتى عبد الحفيظ الجنّانْ ... أدامه المولى الحفيظُ المنّانْ
مؤدّب الصِّبيان في مدرستي ... وحامل الأثقال من غطرستي
مسكنه في زنقة، لا تعرف ... إذ طُمست من جانِبَيْها الأحرف
وَوَسْمُه إمساكُ قرنِ الثَّوْرِ ... في يدهِ، كنافخٍ في الصُّور
وهذه علامةٌ مُنْفَصِلَـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 283. (1/59)
صفحة 58
ـــــــــــــــــــــــــــــــــه ... تَتْبَعُها علامَةٌ مُتَّصِلَه (1)
بعد الانتهاء من تقديم بطاقة الاستدعاء، وانقضاء الجلسة الثّانية، تبدأ الجلسة الثّالثة في مكتب الرّئيس، وأمام المجتمعين حول صحن فطائر وإبريق أتاي:
قال الرّئيس:
أبدأُ بالأَكلِ مصلّيًا على ... كأسٍ من التّاي اللّذيذ، قد حلا
وأفْتَحُ الجلسةَ بالفطائرِ ... من واقعٍ في صحنه وطائر
جئتُ بِها تشوِي اللّسانَ واللّها ... كفَّارةً عمَّا مضى ضدًّا لَها
فَأشْبِعُوا بُطونَكُمْ فالبِطْنَهْ ... كما أتَى عنها، تُثيرُ الفِطْنَهْ
وأكثِروا الأَكْلَ فإنَّ المَعِـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 288. (1/61)
صفحة 59
ـــدَهْ ... ليْسَتْ إذا ما فَرَغتْ بِالمُسْعِدَهْ
والعلمُ قَدْ أَثْبَتَ أنَّ العَقْلاَ ... في عصرِنَا، أَضْحَى يُضاهِي البَقْلاَ
فَتارَةً يَثبُتُ في الرّؤوسِ ... وتارَةً يَنْبُتُ في الضُّروس
وهذه فوائدٌ علميّه ... أشهَى إليكُمْ من وصالِ ميَّه (1)
يقول الجلاّلي عن الفرنك المضنون به:
فاسْمَعْ أحاديثَ الفرنكِ منِّي ... وارْوِ غرائِبَ الغرامِ عنِّي
لَمْ تُلْفَ في مصارعِ العشّاقِ ... ولا حَوَتْها زينَةُ الأَسْواق
لكنّهُ في الصّوتِ غيرُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 322، 333. (1/62)
صفحة 60
رنَّانْ ... وإِنْ نَقَدْتَهُ برأْسِ (الزّنّانْ)
يا حسنهُ مدوّرًا منوَّرا ... لا مُدْمَجَ الخلقِ، ولا مُكَوَّرَا
أَعزُّ عنْدِي من وحيدِ أُمِّهِ ... كلُّ المُنَى في ضَمِّهِ وشَمِّه
إِذْ ساقَهُ الحَظُّ إليَّ وَحْدِي ... (بَعْدَ اشْتِياقٍ وديدِ وَجْدِي)
وَفّرْتُهُ مِنْ مَطْعَمي وَمَلْبَسِي ... وَغَدْوَتِي وَرَوْحَتِي وَمَحْبَسِي
وَفُزْتُ في هذا الزّمانِ الخانِقِ ... بِجَمْعِهِ الدَّانِقَ بَعْدَ الدَّانِق
لَفَفْتُهُ كالحِرْزِ في (1/63)
صفحة 61
كتَّانَهْ ... في غايَةِ الجَوْدَةِ والمَتانَهْ
وَخِطْتُهُ عَنْها بِخَيْطِ قُطْنِ ... (لِصَوِنِهِ منْ غُفُلٍ وَفَطْنِ)
وَزِدْتُ عَنِها قطعةً مِنْ أَدَمٍ ... كأنّها مقدودَةٌ من قَدَمي
ثُمَ لَفَفْتُ الكُلَّ في قَصْدِيرِ ... مُلَيَّنٍ كَجِلْدَةِ البنْدير
لَمْ تَسْتَطِعْ مَطَالبِي إِخْراجَهُ ... مِنْ حِرْزِهِ يَوْمًا، ولا إِحْراجَهُ
هذا وَكَمْ بِتُّ حَليفَ الجُوعِ ... وَطارَ من تأثيرِهِ هَجوعِـ (1/64)
صفحة 62
ـــــــــــــــــــــــــي
وراوَدَتْهُ القَهْوَةُ اسْتِسْلامَا ... عَنْ نَفْسِهِ، فاسْتَعْصَمَ اسْتِعْصامَا (1)
° ° الصّورة الفنّية في أدب الإبراهيمي
يعمد الأديب الفنّان إلى التّصوير ليكشف عن عالمه الدّاخلي، وما يعجّ فيه من مشاعر وأحاسيس؛ فينقلها إلى المتلقّي بطريقة، تمكنّه من التّجاوب معه شعوريًا، وبذلك يعيش معه موضوعه أو فكرته، أو عواطفه. بمعنى أوضح إنّ الفنّان يعمد إلى التّصوير ليشخّص حالته النّفسيّة، بواسطة الظّلال والإيحاءات التي يمدّها بالتّعبير الفنّي. هذه هي طبيعة العمل الأدبي. يقول سيّد قطب: " فميزة التّعبير الأدبي هي الظّلال التي يخلعها وراء المعاني، والإيقاع الذي يتّسق مع هذه الظّلال، ويتّفق في الوقت ذاته مع لون التّجربة الشّعورية التي يعبّر عنها، ومع جوّها العام." (2)
التّصوير يكون في الشّعر مثلما يكون في النّثر، بل يصعب إيجاد حدّ فاصل بينهما في هذا المجال، هذا ما جعل أحد الدّارسين يقول: " إنّ أساس شاعرية النّثر يكمن في طريقة استخدام اللّفظة في النّصّ الأدبي." (3) " فليست هناك كلمة شعرية، وأخرى غير شعرية، وإنّما هناك تشعير الكلمات المستحدثة. " (4) فكيف كان التّصوير السّاخر في أدب الإبراهيمي؟ نحاول الإجابة عن هذا السّؤال بعرض نماذج من هذا التّصوير.
يتهكّم الكاتب ببعض النّاس الذين يصنّفون في خانة العلماء، وهم بعداء كلّ البعد عن هذه الدّائرة، وهذا الشّرف، بسبب ما يأتون من أعمال، لا تثبّت فيهم صفة العالم، بل هم يفقدون هذه الميزة سريعًا. دليل الكاتب في هذا هو تزحزحهم عن مركز القيادة والصّدارة، بمجرّد بروز من هو أحقّ منهم بهذه المكانة، أو ظهور من يفضح زيف هذه السّمة والصّفة فيهم.
ليعبّر الكاتب عن هذه الحقيقة ويصوّرها للمتلقّي عمد إلى التّشبيه، ليبني منه صورته البلاغية:"وآية ذلك أنّ علمهم لم يؤهِّلْهم لقيادة الأمّة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التّصدير التي يسبقها حرف الجرّ، فيدخل عليها، ويعمل فيها. " (5)
من كلمة التّصدير بنى الكاتب صورته، إنّ الصّدارة استرقها شبه العالم. ومن طبيعة أدوات التّصدير أنّها تحتلّ مكان الصّدارة مؤقّتًا، في غياب ما يبعدها عن هذا المكان. بهذه المقارنة نلحظ المماثلة والمشابهة الدّقيقة الني قصدها الكاتب بهذا البناء الفنّي. فهؤلاء النّاس الذين يدّعون ما ليس عندهم، ويأخذون أماكن غيرهم، هم كأدوات التّصدير، التي لا تثبت مكانها، حين يأتي ما يجرّها منه، مثلما يُجرُّ هؤلاء النّاس بسهولة من المجال الذي احتلّوه، حين يأتي من هو أحقّ بتلك المكانة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 330.
(2) - سيّد قطب، النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 43، 44.
(3) - عبد الحميد بوزوينة، بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي (دراسة وصفيّة تحليليّة فنّية)، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1988م، ص: 128.
(4) - الدّكتور صلاح فضل، نظريّة البنائية في النّقد الأدبي، ط3، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، بغداد، العراق، 1987م، ص: 399.
(5) - عيون البصائر، ص: 639. المقال بعنوان: " الأستاذ محمد بهجت البيطار"، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 64، (24/ 01/1949م). (1/65)
صفحة 63
يبقى الكاتب ملتزمًا بِمسؤوليّته في الكشف عن الزّيف والخواء اللّذين يلتصقان بالنّاس السّلبيّين، فيعمد هذه المرّة إلى بيان الفراغ العاطفي لرجال الدّين نحو الملّة والوطن. وهم صنف من النّاس تنتخبهم الحكومة الفرنسيّة؛ لينفِّذوا سياستها في الجزائر، ويقوموا على مشروعاتها فيها. لكي يبيّن الكاتب أنّ هؤلاء فارغو الرّوح، فاقدو الإحساس الدّيني ... وهم في المواقع التي يشغلونها، لا يمثّلونها، ولا يساوون شيئًا؛ إذ لا حسّ لهم، ولا أثر لهم إيجابي في خدمة دينهم ووطنهم ... ليصوّر ذلك قال: " ... ويومئذ يصبحون في الفراغ من المعاني الإسلاميّة كمدافع المتحف، كلّ ما فيها من مظاهر الرّوعة: الاسم والصّورة. " (1)
يسخر الكاتب من هذا الصّنف من النّاس، الذين لا يملكون روحًا، ولا يحملون معنًى، بل هم هياكل قابعة في مناصبها، تخدم عدوّ الشّعب، وتحقّق مصالحه، ولا تأبه بشؤون الأمّة والوطن ... اختار لذلك صورة المدفع، الذي يحتفظ به في المتحف، بعد أن يفقد مفعوله وروعته، التي يكون عليهما حين يكون في ميدان القتال.
كانت الوسيلة هي (التّشبيه) وأداتها (الكاف). مع ذلك تبقى الصّورة ضعيفة، لا نلمس فيها ظلالاً وامتدادات شعوريّة؛ لأنّها لم تَلِجْ بنا إلى داخل نفس الكاتب، بل أبقتنا هذه الصّورة خارجها، نتلمّس هذه المشاعر تلمّسًا. أعاقتنا عن ذلك أداة التّشبيه التي تقف أحيانًا دون انتقال العدوى الشّعوريّة إلى المتلقي. يقول إيليا حاوي: " فالكاف وكأنّ وما أشبه، هي وسيلة من وسائل التّمييز الخارجي، ونتيجة لرغبة الإنسان في تحديد الأشياء، وفصل بعضها عن بعض فصلاً تامًّا. إنّ
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 152. المقال بعنوان: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة: فصل الحكومة عن الدّين "، الحلقة: 15، نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 142 (12/ 02/1951م) (1/66)
صفحة 64
التّشبيه يدلّ على أنّ النّفس ما برحت تصدر إلى الخارج، لتفهم الأشياء أكثر ممّا تعانيها." (1)
في هاتين الصّورتين اللّتين بناهما الكاتب من التّشبيه، وهي مصنّفة ضمن الصّور البلاغية، لا نحسّ فيهما بقوّة التّصوير وروعته؛ إذ تفتقدان إلى الإيحاء والتّكثيف، اللّذين يفجّران طاقة اللّفظة، ويسبران غور النّفس الشّاعرة. وفيهما تظهر عبقريّة الأديب, وفنّية ما يبدع أكثر. في الأشكال الآتية نعثر على صور فنيّة أجمل وأبدع.
يبني محمد البشير الإبراهيمي الصّورة الإشارية الآتية من جملة قرآنيّة، ليندّد بِموقف أثاره كثيرًا. يستلهم مشهدًا من قصّة موسى - عليه السلام - ليصوّر أحد مواقف محمد السّعيد الزّاهري الغريبة، نتيجة تذبذبه في انتمائه وانتسابه إلى فئات مختلفة، وهيئات كثيرة، متباينة النّزعات. يشير الكاتب إلى ذلك معرّضًا ساخرًا: " ولو آنستَ في ذلك العهد من جانب الطّرقية نارًا، لقلتَ في غير تردّد: إنّي أجد على هذه النّار هُدًى." (2)
الصّورة مستلهمة من قوله تعالى: {وَهَلَ اَتَاكَ حَديثُ موسَى إذْ رَأَى نارًا فقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّيَ آتيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوَ اَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} (سورة طه، الآيتان: 9، 10)
__________
(1) - ينظر مجلّة الثّقافة (وزارة الثّقافة والإعلام)، الجزائر، ع:40، أغسطس، سبتمبر 1977م، ص: 65.
(2) - عيون البصائر، ص: 636. المقال بعنوان: " إلى الزّاهري "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 61، سبتمبر 1948م. (1/68)
صفحة 65
التّهكّم في الصّورة الفنّية أوجده التّحوير الذي أحدثه الكاتب في مضمون المشهد القرآني؛ ليستجيب لمشاعره، التي تدفع به لينال من خصمه، ويعبث به. (1) فموسى - عليه السلام - خرج من مصر هاربًا من الأقباط، راجعًا إلى مدين، فتاه في الطّريق، وضلّ السّبيل، فقصد نارًا رآها؛ ليأتي منها بِجذوة من نارٍ، يستدفئ بها وأهله، أو يحصل على قبس يستضيءُ به، ويهديه إلى الطّريق الصّحيح. فهو انتقل من ضلال إلى هدًى، بينما الزّاهري يقصد نار الطّرقية؛ لينتقل من هدًى إلى ضلال. إذن إنّ هدى الطّرقية هو ضلال عن سواء السّبيل. فالتّعبير بالهدى في هذه اللّوحة هو تَهكّم وسخرية واستهزاء.
حين نتذكّر أنّ محمد السّعيد الزّاهري كان عنيفًا على الطّرقيّة، وكان يُحاربُها حربًا شديدةً، نقف على قوّة تعريض الكاتب وشدّة تَهكّمه به، فيكون الهدى الذي ينشده هو الحمى الذي يلجأ إليه؛ عساه يحميه من ضربات المصلحين، وأعضاء جمعيّة العلماء، ولو كان هذا على حساب الأصول والمبادئ التي كان يعتنقها، ويدافع عنها، قبل أن ينقلب عليها، بدليل قول الكاتب بعد ذلك: " ثمّ وقع بك الحظّ على هؤلاء القوم (أي الشّبوعيّين)، أو وقع بهم عليك وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنّما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة، يوم ينكفئ القِدرُ بما فيه من صُبابة ... " (2)
يستلهم الكاتب مشهدًا آخر من مشاهد القرآن، وهو نداء نوح {: - عليه السلام - فدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (سورة القمر، الآية: 10)؛ ليتحدّث عن مصر، ويصوّر محنتها مع الاستعمار الإنكليزي، الذي تمادى في ظلمه، إلى حدٍّ لم تُطِقْ مصر توقيفه. فقد استنفذت تجاربها، واستفرغت جهودها، وخطّت خططًا للتّغلّب على
__________
(1) - عن أسباب الخلاف بين الإبراهيمي والزّاهري، ينظر آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الثّالث، ص: 121. وكتاب فنون النّثر الأدبي في الجزائر، ص: 137.
(2) - عيون البصائر، ص: 636. (1/69)
صفحة 66
هذا الظّلم المستشري، ثمّ وكلت أمرها إلى الله: " ... فرأت أنّ ساعة العمل خير من ألف شهر في الكلام، وأنّها تمارس خصمًا، إن استنجزته الوعد طاول، وإن تقاصرت أمامه تطاول، فخطت هذه الخطوة واثقةً مستبصرة، وتركت للأقدار ما وراءها، كما يفعل المظلوم المستيئس من إنصاف ظالمه، ومن نصر النّظارة، يركب الحدّ الخشن، ويعتمد على نفسه، وينادي ربّه: (إنّي مغلوبٌ فَانْتَصِرْ) " (1)
نوح - عليه السلام - انتهى جهده، ونفد صبره، ويئس من استجابة قومه لدعوته، فنادى ربّه، وطلب منه نصرته ونصرة أمره. قال له انتصر لحقّك. هذا المشهد استوحاه الكاتب ليصوّر به الحالة المزرية التي آلت إليها مصر؛ بسبب محنتها مع الاستعمار الإنكليزي.
في هذا الاستيحاء، وهذه الإشارية تلميح خفيّ وذكيّ للمصريّين أن يرجعوا إلى ربّهم، ويطلبوا النّصر منه، لا من غيره، فإنّ من ينصر الله ينصره. ندرك هذا المعنى حين نحضر أمامنا السّياق الذي وردت فيه الآية، وما حكاه القرآن بعد ذلك، بأنّ الاستجابة لدعاء نوح - عليه السلام - جاءت سريعة (2) قال تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الاَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الماءُ علَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر} (سورة القمر، الآيتان: 11، 12). فالمعاني التي أوجدتها صورة الكاتب، والمشاعر التي فجّرتها، أشارت إليها الآيتان القرآنيتان.
هذه " الإشارية " تَمَّت بفضل حسن ربط الكاتب بينها، وبين ما جاء في القرآن. فنوح - عليه السلام - سلّم أمره إلى ربّه، بعد أن بذل جهده وقام بواجبه في الدّعوة. كذلك فعل المصريّون، لكنّ الكاتب يدفع بهم إلى أن يزيدوا في جهودهم وجهادهم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 548، 549. المقال بعنوان: " محنة مصر محنتنا "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 174، (05/ 11/1951).
(2) - ينظر سيّد قطب، في ظلال القرآن، مج6، ج27، ط1، دار الشّروق، القاهرة، بيروت، 1403هـ / 1983م، ص: 3430. (1/70)
صفحة 67
في مقارعة العدوّ. ولا ينسوا أن يستنصروا ربّهم، كما فعل نوح - عليه السلام -. الإشارية تفيد الإفادة والاعتبار من المشهد. وفي هذا التّناول دعم نفسي، فيه شحذ الهمم، وبعث الأمل في النّفوس، وفيه زرع اليقين في نصر الله.
يسخر الكاتب من الحاقدين على الإسلام، الذين ينتقدون تعاليمه وأحكامه؛ جهلا بحقيقتها، وتطاولاً عليه، لكنّهم ينهزمون بسهولة؛ لأنّهم لا يثبتون في مواقف الحجاج والجدل والمناظرة. يستعير الكاتب لتصوير هذا مشهدَ المنافقين في الانهزام والاندحار كما رسمه القرآن الكريم: " ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع (موضوع المرأة)، فأفحمناهم وألقمناهم حجرًا. قلنا لهم: هاتوا مثالاً، نتناقش فيه، فقالوا: الميراث، قلنا: من أيّ جهة فإنّ المرأة ترث بعدّة أسبابٍ، فنظر بعضهم إلى بعض، هل يراكم من أحد، وكادوا يتسلّلون، وكأنّهم كانوا لا يعرفون إلاّ أنّ المرأة مظلومة في القرآن، الذي يقول: للذّكر مثل حظّ الأنثيين." (1)
هذه الصّورة تقدّم امتدادات شعورية كثيرة، وظلالا من الإيحاءات عديدة، تُمعن في السّخرية والتّهكّم، نقف عليهما بقدر ما نفهم المعاني القرآنيّة ودلالاتها التي وردت في قوله تعالى، وهي تعرض وصفًا لأحد مواقف المنافقين: {وَإذَا مَا أُنْزِلَتْ سورةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى َبعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنَ اَحَدٍ ثُمَّ انْصَرفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم بأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} (سورة التّوبة، الآية: 127). وفي قوله أيضًا: { ... قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الذينَ يَتَسَلَّلُونَ منكم لِواذًا ... } (سورة النّور، الآية: 63). فالله عزّ وجلّ في الآية الأولى شمت بالمنافقين، حين وصفهم بأنّهم ناس وضعون، قلوبهم مصروفة إلى غير طريق الهدى، وهم قوم لا يعون ولا يعقلون. فمن حدّث عنهم الكاتب هم في مرتبة من جاء ذكرهم في الآية.
نسجّل بين صورة الكاتب وما أشار إليه القرآن تشابهًا كبيرًا:
__________
(1) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الرّابع، ص: 361، 362. (1/71)
صفحة 68
1 – من حيث وصف هؤلاء المغرضين الحانقين على الإسلام، وأولئك المنافقين بعدم الاعتراف بالحقّ، حين يظهر، وهو ما يجعلهم قابعين في ضلال مبين.
2 – من حيث وصفهم بالمنهزمين والمدحورين، الذين لا يثبتون في المجادلة؛ لوهن حججهم. إلاّ أنّ الصّورة القرآنيّة صوّرت انهزامهم ووهن نفوسهم، وبيّنت أنّهم يتسلّلون في حذر، حتّى لا يشعر بِهم أحدٌ. بينما صورة الكاتب بيّنت أنّهم كادوا يتسلّلون. في هذا التّحوير في الصّورة القرآنيّة ضعف ونقص. إلاّ أن يكون الكاتب قد قصد أنّهم – لقوّة الهزيمة، وشدّة وقعها في نفوس المسخور منهم – بقوا جامدين في أماكنهم، لا يستطيعون حراكًا.
" قد يعمد الأديب في التّصوير إلى التّوسّع في الإشارة؛ رغبة منه في مزيد الإفصاح عن مكنون نفسه، فيستعير صورًا متعدّدة، أو يعدّد الإشارة إلى جزئيّات صورة واحدة، ويمنحها دلالات شعورية خاصّة، وذلك للتّشابه الفكري والنّفسي، الذي يلحظه الأديب بينها والصّورة التي يريد أن يرسمها. " (1)
كتب محمد البشير الإبراهيمي يتهكّم بالمجلس الجزائري، الذي لا يملك من أمره شيئًا، وليست له أيّة استقلالية في إصدار قرارٍ، فحريته مسلوبة منه، هي في يد الحكومة الاستعمارية: " ولا يظنُّ الخليُّون الغافلون من الفريقين أنّ المعارك بيننا وبين الحكومة الاستعمارية في قضيّة المساجد والأوقاف انتهت بهذه الطّريقة الهازلة الشّوهاء، التي تمخّض بها المجلس الجزائري، ووضعها لأقصى أمد الحمل، بعد آلام وأوجاع، زاد في فظاعتها أنّ حمله بها كان عن سفاحٍ، ولا عجب إذا حَمَلها كرهًا أن يضعها كرهًا. " (2)
يسخر الكاتب من المجلس الجزائري، الذي لا يملك سوى أن ينطق بما تمليه عليه الحكومة الفرنسيّة. فكم من مرّة تفتح النّقاش في القضايا التي تُهمّ المسلمين،
__________
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 356، 357.
(2) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الرّابع، ص: 273. (1/72)
صفحة 69
وتخصّ حياتهم، فتمدّد في آماد النّقاش، وتطيل زمن النّظر فيها؛ نكاية بالمسلمين، وتعطيلاً لمصالحهم، وبحثًا عن ذريعة ووسيلة لعدم الاستجابة لِمطالبهم. هذه المرّة اتّخذت قرارات، لكن أيّة قرارات؟ قرارات شوهاء، بعيدة عن مصالح المسلمين، وما كانوا ينتظرونه. عبّر الكاتب عن هذه الخيبة وصوّرها بالتّصوير الإشاري؛ اعتمادًا على المقولة المشهورة: "تَمخَّض الجبل فولد فأرًا "، وعلى تعبير قرآني تضمّنته الآية الكريمة: {وَوَصَّيْنَا الاِنَسانَ بِوَالَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا ووَضَعَتْهُ كَرْهًا ... } (سورة الأحقاف، الآية: 15).
في هاتين الإشارتين تصوير ساخر بأعضاء المجلس الجزائري، الذين يعانون عسرًا كبيرًا في التّحرّك والقيام بدور ونشاط داخل المجلس. سواء في الانسجام مع ما يعرض فيه، أم في الخروج بأفكار يهضمها ويقتنع بها، أم بما يرضي جمهورهم الذي ينتظر منهم مناقشة قضاياهم، والوصول إلى نتائج تحقّق مصالحهم، وتضمن حقوقهم ... وهو ما يجعل أعضاء هذا المجلس يطيلون النّظر في المسائل، ويُمدّدون الوقت ويبدّدونه في المناقشة، ثمّ لا يتمخّض كلّ ذلك إلاّ على تافه من الأفكار، وسافل من النّتائج.
قد يخفي الفنّان مصادر صُوَرِهِ، فلا بشير إليها، ويترك للمتلقّي اكتشافها بذكائه وقدرته على إدراك فنيّة هذه الصور التي بناها الأديب، وقد يهتدي إلى مصادرها. هذا الاكتشاف يعطي الصّورة الفنّية روعة وجمالية أكثر. قد لا يكون للصّورة المبتناة مصدر، إنّما يعتمد فيها الفنّان على اللّغة الموحية، وهي المعروفة بالصّورة الإيحائية، وهي درجة أسمى يصل إليها الأديب في تصويره.
الصّورة الإيحائية هي " التي تعتمد على اللّغة الموحية، التي ترسم ظلالا وامتدادات شعورية، لا نهاية لها؛ استجابة لتدفّق المشاعر. أو هي تلك الصّورة التي يصعب – أحيانا – على المتلقّي مسك أطراف أصولها التي استلهمها الأديب. ولا يمكن له الاهتداء إلى تلك الأصول، إلاّ إذا كان في حالة حضور ذهنيّ يقظ، وكان (1/73)
صفحة 70
قادرًا على الرّبط بينها وبين الحالة النّفسيّة للأديب، وعقد رابطة شعورية معه، لتتوفّر له المتعة الفنّية، بعد أن يكشف جمالية الصّورة." (1)
يحزن البشير الإبراهيمي ويؤلمه أن يتلاعب المستعمرون بالمسلمين، ويخدعوهم ويموّهوا عليهم، فيلهونهم بالوعود الخلاّبة الكاذبة، ويمنّونهم بالحريّة والاستقلال، حتّى يكفّوا عن المقاومة والجهاد. فيكتب ساخرًا متهكّمًا، منفّسًا عن نفسه المكلومة. يستغلّ في تصويره هذا دلالة دينيّة، أو توجيهًا إسلاميًا له قيمته وقداسته. هو واجب تأدّب المسلم مع صلاة الجمعة، حين يكون الخطيب يخطب على المنبر، إذ يُفْرَضُ عليه الإنصات التّام، وعدم التّحدّث أو القيام بأيّة حركة، تفسد هذا الخشوع وهذا الإنصات إلى الخطيب، فإن لم يتقيّد بهذا يفقد أجر صلاة الجمعة ... :
" وعلمت مصر – كما علم غيرها – أنّ الشّعار الكاذب 14 – 18 هو وعود المتحاربين للأمم الضّعيفة بأنّ نهاية الحرب هي بداية تحريرهم، فليسكتوا إلى حين؛ لأنّ السّلاح خطيب جمعة، يجب الإنصات له، ويجرم الكلام معه." (2)
قام الكاتب بتغيير فنّي في الدّلالة الأصلية للمقولة، التي تعني وجوب الامتثال لهذه الأوامر: الإنصات الكلّي والخشوع، والحضور الذّهني والقلبي والرّوحي، في أثناء إلقاء الخطبة قبل الصّلاة. فهذه شروط، تضمن قبول الصّلاة .. هذه الأمور الإيجابيّة في عبادة المسلم، تصبح سلبيّة ومخزية في حياة المقاوم المسلم، الذي يحكم عليه المستعمر أن يستسلم لإرادته، ويرضخ لأوامره، ويتقبّل كلّ مخطّطاته، ويتحرّك وَفق توجيهاته، ويكون ملتزمًا بكلّ ذلك تمام الالتزام.
كلّ هذه النّتائج، التي كانت مضمّخة ومصبوغة بعاطفة الكاتب الكئيبة، أوحت بها هذه اللّوحة الفنيّة السّاخرة، التي اعتمد فيها الكاتب على الإيحاء، الذي بدفع المتلقّي
__________
(1) - السّخرية في الأدب الجزائري الحديث، ص: 360.
(2) - عيون البصائر، ص: 549. (1/74)
صفحة 71
أن يفهم ويعي ما يرمي إليه الكاتب، من دون أن يفصح له عن ذلك .. وهو يحاول بهذه الصّورة أن ينفّس عن نفسه المجروحة، ويروّح عن فلبه المصدور المصدوم.
يعتمد الفنّان أحيانًا على تصويرٍ، يبنيه من الرّمز؛ لدواعٍ أو دوافع قد تكون سياسيّة أو اجتماعيّة أو نفسيّة، يُتيحُ له أن يعبّر عن شعوره، ويبلّغ فكرته إلى المتلقّي، ثمّ يفلت من الرّقيب، الذي لا يرحمه إذا ظفر على دليل يدينه على ما اقترف من خطأ بكتابته. وقد بكون الدّافع في اللّجوء إلى الرّمز هو إضفاء مسحة من المتعة والجمالية على النّصّ الأدبي. هذه المتعة يوجدها ما يحصل عليه المتلقّي من معان ومشاعر، بطريق غير مباشر. فالرّمز " يتيح لنا أن نتأمّل شيئًا آخر وراء النّصّ. فالرّمز قبل كلّ شيءٍ معنى خفيّ وإيحاء " (1)
من أنواع الرّمز الذي استخدمه محمد البشير الإبراهيمي الرّمز اللّغوي، الذي يتبلور في كلمة واحدة، وقد حاول من خلاله تصوير بعض المشاهد، ونقل بعض المشاعر، ونقد بعض الأوضاع.
كتب عن قضيّة فلسطين كثيرًا، ونفث مشاعره نحو مأساة العرب فيها، وركّز - بخاصّة – على ما يصمهم بالضّعة والهوان؛ بسبب تخاذلهم وتقاعسهم نحوها. هذه المرّة يعمد إلى الرّمز اللّغوي، ويختار (النّقطة) ليعبّر عن أساه وحسرته، ومن خلال هذه النّقطة، يذكّر ويصوّر الفارق بين حرص الغرب على سلب الحقوق، وتقاعس العرب في انتزاع تلك الحقوق؛ فضاعت العروبة، وتاهت الشّهامة، فهانت النّفوس، صوّر الكاتب ذلك بالتّركيز على (النّقطة). وجّه خطابه إلى العرب قائلاً: " جاءتكم النّذر تترى، والمعجزات شفعًا ووترًا، وقامت عليكم الحجّة من ثلاثين حِجّة، فتغافلتم أوّلاً،
__________
(1) - الدّكتور مصطفى السّعدني، البنيات الأسلوبيّة في لغة الشّعر العربي الحديث، نشر منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، 1987م، ص: 71. (1/75)
صفحة 72
وتخاذلتم أخيرًا، وضاعت العروبة بين التّغافل والتّخاذل. إنّ الفارق بين لفظَي العَرَبِ والغَرْبِ نُقطةٌ، وفيها كلّ السّرّ، وفيها كلّ الشّرّ " (1)
الرّمز كان في (النّقطة)، التي نكتت في القلب نقطة بالتّغافل، ثمّ تلتها نقطة بالتّخاذل، ثمّ تبعتها نقطة بالتّقاعس، أعقبتها نقط؛ حتّى رانَ على قلوب العرب ما كانوا يكسبون، فعميت بصائرهم، فطفقوا يتصرّفون تصرّفات غير مسؤولة، ويسلكون مسالك غير محمودة ... من ذلك أنّهم أصبحوا يرون العزّة في غيرهم، والضّعة في أنفسهم ... وضّح الكاتب مفعول هذه (النّقطة)، والفارق الذي أوجده بين القوّة والعجز، بين الإقدام والإحجام، بين المبادرة والمماطلة ... : " وقف الغَرْبُ بالباب فلم تتحرّكوا، ثمّ أنشبَ الظّفر والنّاب، فلم تستدركوا، ثمّ دسّ أنفه في التّراب، فوجد رائحة الزّيت، ثمّ طلب الوقوف بالأعتاب، فوطّأتم له أكناف البيت. " (2)
افتقار العرب إلى (النّقطة)، هو الذي أفقدهم عزّتهم، ومنحهم الهوان، فساقهم إلى التّخاذل. صوّر الكاتب هذا بِهذا التّدرّج سخرية وتهكّمًا: لم تتحرّكوا، فلم تستدركوا، بل في النّهاية وطّأتم للغرب أكناف البيت.
كلّ هذه الظّلال النّفسيّة، وهذه الامتدادات الشّعورية، أوجدها هذا الرّمز (النّقطة). التي نقلت إلينا وصوّرت حالة الكاتب النّفسيّة، وهي كلّها حزن وأسى وتحسّر على حال العرب المخزية. زاد الصّورة وضوحًا وكشفًا المجاورة بين لفظتي (السّرّ والشّر). والفاعل في كلّ هذا هو النّقط. إنّها بيت القصيد.
تبقى (النّقطة) منغّصة حياة الكاتب، تستفزّه فيتحرّك شجنه، ويتجدّد حزنه، وذلك حين يتأمّل في معاملة المستعمر للمرأة الجزائريّة المسلمة، التي يريد لها الانحلال والتّفسّخ:
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 594. المقال بعنوان: " سجع الكهّان" (3)، وكان بإمضاء " كاهن الحيّ"، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 71 (14/ 03/1949م).
(2) - المصدر نفسه. (1/76)
صفحة 73
"المرأة الجزائريّة تنتَحب، والحكومة الجزائريّة نريد لها أن تنتخب ... والفرق بسيط مادام الفارق نقطة ... وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء ... " (1)
النّقطة هي التي توجد الغصّة في حلق الكاتب، الذي يقلقه ويعذّبه أن يكون حال المرأة المسلمة بهذه الصّفة، وبهذا الاستغلال. فالحكومة الجزائريّة لم تفكّر في تنمية عقلها بالعلم، ولا في تقوية جسمها بالغذاء، ولا في تنقية بدنها من الأمراض بالعلاج، ولا في تربية أبنائها بتوفير الرّعاية الكاملة. لم تولِ لها اهتمامًا، فتركتها تنتحب، بينما لمصلحتها ولأجل إفسادها دعتها لتنتخب.
السّخرية تبدو في تهويل مصيبة المرأة الجزائريّة المسلمة، التي تنتحبُ من وضعيتها المزرية، وتشكو حرمانها من أبسط حقوقها، وتنتخب لتسعد أولئك الذين نَحروا فيها السّعادة، وانتخبوا لها الشّقاء. الرّمز يكمن أيضًا في حرف (الخاء)، الذي يعني فرنسا، والسّخرية تمتزج بالاحتقار لمن ينطق بالخاء، فعسر النّطق بها دليل على النّفور منها، وعدم الرّضا بأيّة علاقة تربط الجزائري الحرّ بفرنسا. فيا لسعادة من لا ينطق بِـ (الخاء)، إنّه يحيا عزيزًا، ويعيش هنيئًا.
يؤرّق الكاتب تخلّف العرب، ويرهقه تأخّرهم، فيكتب معلّقًا على (العقال)، الذي يضعونه على رؤوسهم، ويقول ساخرًا: " وضع الأجداد العقال للرّجل، فنقلته الأحفاد إلى الرّأس، وعدلوا به من الأباعر إلى النّاس، وما بين النّقل والنّقل ضاع العقل، والتّصريف للألفاظ كالتّصرّف في الأموال، فيه القصد والسّرف. " (2)
لفظة (العقال) رمزت بطريقة مركّزة مكثّفة وموحية إلى المعاني السّلبيّة في حياة العربي. ما أعان على إبراز هذه المعاني، وإثارة هذه الإيحاءات لجوء الكاتب
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 119. المقال بعنوان: " فصل الحكومة عن الدّين " (9)، نشر المقال في جريدة البصائر الثّانية، ع: 108 (20/ 02/1950).
(2) - المصدر السّابق، ص: 595. (1/77)
صفحة 74
إلى استعمال أساليب متعدّدة: المقابلة بين الأباعر والنّاس، وبين الرّجل والرّأس، وبين عمل الأجداد وفعل الأحفاد. ثمّ الجناس بين النّقل والعقل، وبين الأجداد والأحفاد، وبين التّصرّف والتّصريف. ثمّ التّوليد: العقال والعقل ... كلّ هذه الأساليب كانت وسائل لتوليد المعاني والأفكار، وإخراج المشاعر بواسطة الرّمز (العقال).
من الأخطار التي حاربها الكاتب الضّعف في الشّخصيّة، والاستعداد للتّخلّي عن المبادئ، ونبذ الأصالة. كتب في هذا مستوحيًا رمز (العقال): " إنّ الغرب لا يعطينا إلاّ جزءًا ممّا يأخذه منّا، ولا يعطينا إلاّ ما يعود علينا بالوبال، وقد أعنّاه على أنفسنا، فأصبح المهاجر منّا إلى العلم، يذهب بعقله الشّرقي، فينبذه هناك، كأنّه عقال على رأسه، لا عقل في دماغه، ثمّ يأتينا يوم يأتي بعقل غربي، ومنهم من يأتي بعقل غربي، معه امرأة تحرسه أن يزيغ." (1)
إنّ من يكون عقله عقالاً في رأسه، يعقله أن يفكّر تفكيرًا صحيحًا، ويتصرّف تصرّفًا سليمًا، ولا يكون له عونًا أن يعقل في سلوكه وتدبيره وسيرته ... إنّ هذا يستحقّ أن يتهكّم به، ويسخر منه.
إلى جانب الرّمز اللّغوي بنى البشير الإبراهيمي بعض صوره من الرّمز الموضوعي، الذي يعني: " إضفاء صفة الرّمزية على بعض الشّخصيّات والأعلام، من خلال ما اشتهر عنهم، بحيث تصبح ملهمًا يلهم الكتّاب في كتاباتهم." (2)
__________
(1) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 225. المقال بعنوان: " داء المسلمين ودواؤهم"، نشر في مجلّة المسلمون، س3، ع:9، ذي القعدة 1373هـ/ يوليو 1954م.
(2) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 270. (1/78)
صفحة 75
يعرف هذا النّوع من الاستعمال في البلاغة بِـ " التّلميح "، وهو أن يشير الشّاعر إلى قصّة معلومة، أو مثل سائر، أو بيت شعري مشهور، إشارة دالّة، دون أن يلجأ إلى التّفصيل في هذا الأثر الأدبي أو الفكري القديم." (1)
لِيقدّم البشير الإبراهيمي صورة عن مظاهر الذّلّ والهوان والجبن، التي يتّصف بها الصّهاينة في العصر الحديث، يستلهم مشهدًا قرآنيًا، يصّور الله فيه اليهود جبناء خائفين متخاذلين؛ فلا يلبّون نداء موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدّسة التي كتب الله لهم. ارتدّوا على أدبارهم، فانقلبوا خاسرين، ولم يدخلوها؛ بحجّة أنّ فيها قومًا جبّارين، فقالوا لن ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون (2): " ما أشبه الصّهيونيّين بأوّلهم في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله، فقالوا لموسى: إنّ فيها قومًا جبّارين، وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور حتّى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظلّ حِرابها، وتحت حماية مدافعها وقوانينها ... " (3)
من هذا الرّمز الموضوعي بنى الكاتب صورته ليسخر من الصّهاينة الذين يدّعون القوّة والبسالة فيسطون على الأرض المقدّسة فلسطين. يعيّرهم بأجدادهم وتاريخهم السّلبي لينال منهم، ويجرح كبرياءهم ... إلاّ أنّ تهكّمه هذا هو تنفيس عن النّفس المكلومة، أكثر منه مساس بكبرياء اليهود. وما جاء في المقال كلّه يصبّ في هذا المصبّ.
__________
(1) 2 - الدّكتور حامد حفني داود، تاريخ البديع نشأته وتطوّره ومعالمه الكبرى من القرن الثّاني إلى أواخر القرن الرّابع عشر الهحري (مخ)، ص: 106.
(2) - ينظر سورة المائدة، الآيتان: 21، 22.
(3) - عيون البصائر، ص: 485. المقال بعنوان: " فلسطين (1) تصوير الفاجعة "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 05 (05/ 09/1947م). (1/79)
صفحة 76
إلاّ أنّ هذا الاستلهام، وتوظيف هذا الرّمز يبقى من النّاحية الفنّية رائعًا. وقد أصبح هذا المشهد القرآني رمزًا للهوان والذّلّ والصّغار والتّقاعس عن أداء الواجب. الكاتب نفسه وظّفه كثيرًا في كتاباته (1)
مشهد آخر له علاقة بحياة موسى - عليه السلام - هو غرق فرعون، الذي يقدّم دروسًا عبرًا، ويرمز إلى عاقبة الظّلم والتّجبّر والطّغيان. وإلى الاستسلام والاعتراف بالهزيمة والاندحار.
إلى المعنى الأخير يرمز محمد البشير الإبراهيمي، وهو يعرض موقف التّلاميذ الجزائريّين الزّيتونيّين، الذين أضربوا عن الدّراسة؛ بسبب تردّي أوضاعهم، وبخاصة فيما يتعلّق بتطوير تعليمهم، وتجديد مناهجهم، وإصلاح برامجهم؛ رغم مطالباتهم المتكّررة المسؤولين ليقوموا بهذا، لم يستجيبوا لهم، فكان آخر الدّواء الكيّ، فحصل الإضراب، الذي لم يأبه به المعنيّون في البداية؛ إذ بدا لهم سحابة صيف، ستنقشع قريبًا، وطيش شباب، سيزول وينتهي، لكنّ ذلك لم يحدث، واستمرّ الإضراب، فاستسلم له المسؤولون في الأخير واعترفوا بشرعيّته.
كتب الكاتب يصوّر هذا المشهد، مخاطبًا التّلاميذ بأسلوب الرّمز: " ... وأريتمونا مثالاً للتّصميم، بعد ما قامت فينا نواعيه، ونموذجًا من التّحدّي، بعد ما فقدت منّا دواعيه، ورمزًا من التّحكّم في التّحكّم، بعد ما خابت من قبلكم سواعيه، وعنوانًا من الوفاء لزمنكم، قلّ راعيه، وغاب واعيه.
أضربتم فسخروا وقالوا: عادة ونوبة، ثمّ أصررتم فتماروا وقالوا: رُعونة من ورائها معونة، ثمّ تحدّيتم فصدّقوا، ولئن زدتم ليقولنّ: آمنّا أنّه لا إله إلاّ الذي خلق الزّيتونة شجرة مباركة، والزّيتونيّين رجالاً مباركين .. " (2)
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 495. 2
(2) - المصدر السّابق، ص: 451، 452. المقال بعنوان: " إضراب التّلامذة الزّيتونيين "، نشر في جريدة البصائر الثّانية، ع: 118 (01/ 05/1950م). (1/80)
صفحة 77
الرّمز مستوحى من قوله تعالى عن غرق فرعون موسى: { ... حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ الذِي آمَنَتْ بِهِ إِسْرائِيلَ وأنَا مِنَ المُسْلمين} (سورة يونس، الآية: 90). فالمسؤولون استسلموا للأمر الواقع، بعد أن هزمهم التّلاميذ بتحّديهم وإصرارهم وتصميمهم ... فآمنوا بِما آمن به هؤلاء الطّلبة، وأنّه هو الحقّ المبين. لكن يبقى الرّمز ضعيفًا فنِّيًا، تبدو عليه مسحة التّكلّف، والرّغبة في استعارة نسيج قرآني للتّصوير. من دون أن يتمكّن هذا الاستيحاء من الإفصاح عن مكنون الكاتب من المشاعر، وكذا العجز عن إطلاع المتلقّي بما يعتمل داخله.
° ° الخاتمة
النّماذج التي قدّمناها عن السّخرية في أدب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي- وهي غيض من فيض- تظهر القيمة الفنّية لكتاباته، والقيمة الموضوعية لما عالجه من قضايا ومسائل، والقيمة التّاريخية لما سجّله فيها من أحداث وحوادث وأحاديث. وتُبينُ عن المسؤولية الكبيرة التي تحلّى بها في خدمة الإسلام والعربيّة والوطن وقضاياه الاجتماعيّة والثٌقافيّة والتّربويّة والسّياسيّة وغيرها. وتكشف عن الشّجاعة الكبيرة التي تَجَلَّى بها في خضمّ معارك الدّفاع عن الأصالة والمقوّمات والهوية. والمقارعة والنّزال والنّضال من أجل البقاء. وفي ميادين التّكوين والبناء والتّشييد. وفي مضامير الإصلاح والتّطوير والتّجديد ...
كما تبرز هذه العيّنات امتلاك الكاتب القدرة على التّفنّن في الكتابة، بما كان يتوفّر عليه من قاموس لغوي غنيّ، مع حسن تصرّف فيه: اختيارًا للمناسب من ألفاظه، التي تستجيب للدّواعي والدّوافع والأهداف من الكتابة عنده. وخروجًا بها من معانيها المعحمية، إلى دلالاتها الإيحائية. إذ يمكن لنا أن نحصي له لغة خاصّة يتميّز بها. أي كان يستعمل ألفاظًا خاصّة للدّلالة على معان تخصّه هو وترتبط به. (1/81)
صفحة 78
كما تكشف هذه الأمثلة عمّا يحذقه من أساليب عديدة، سمحت له بالتّنويع في الكتابة؛ بحسب ما يقتضيه المقام، وما يمليه كلّ ظرف وموقف ومشهد وحالة ... وتظهر ما يتميّز به من خبال، أسعفه في التّعبير والتّصوير الدّقيقين المركّزين. من كلّ ذلك استحقّ أن ينحني له العقّاد إجلالا وتقديرًا، وأن ينتزع من أقرانه وأترابه لقب جاحظ عصره.
الجزائر يوم الثّلاثاء: 24 من جمادى الأولى 1430هـ
19 من ماي ... 2009م
السّخرية في أدب الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (1)
الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان (2) الذي عرف بحضوره القويّ الفعّال في ساحة النّضال والكفاح والعمل الوطنيّ الدّؤوب، لم يدّخر أيّ جهد في الإسهام
__________
(1) - نشر المقال في مجلّة الموافقات، (المعهد الوطني العالي لأصول الدّين)،الجزائر، العدد الخامس، السّنة الخامسة، 1416هـ/ 1996م، ص: 392 – 415.
(2) - الشّيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان (1306 - 1393هـ/ 1888 – 1973م) صحفي وكاتب وشاعر وفقيه، ورائد من روّاد الحركة الإصلاحيّة في الجزائر، وعميد الصّحافة الجزائريّة، أصدر ثماني جرائد، ما بين (1926 – 1938م)، ترك أكثر من ستّين مؤلّفًا، كانت له مشاركة فعّالة في النّهضة الجزائريّة الحديثة ... (1/82)
صفحة 79
في حركة النّهضة والإصلاح والتّغيير، ومقاومة أسباب التّخلّف والانهزام والتّقاعس، ومناهضة كلّ عوامل فقدان المناعة الدّينيّة والاجتماعيّة والوطنيّة ...
دخل الميدان بفكره وقلمه، فحرّر مقالات، وأنشأ صحفًا، ونظم شعرًا، واعتلى منابر في المساجد والمنتديات، وألّف كتبًا ورسائل. ورعى شبابًا، وترأّس بعثات علميّة ...
جرّب في كتاباته أساليب مختلفة، تتناسب مع طبيعة الظّروف المتغيّرة التي كان يمرّ بها، وعرفتها بلاده الجزائر بخاصّة، والعالم الإسلامي بعامّة، وتنسجم مع شخصيّته المتّزنة القويّة الثّابتة الصّامدة، وتتلاءم مع نوع النّاس المخاطبين الموجِّه لهم ما يكتب، وتستجيب للإستراتيجيّة التي كان يرسمها لنشاطه وتحرّكه ودعوته، من دون أن تنال من شخصيّته ومبادئه وأهدافه ...
من بين الأساليب التي ميّزت كتاباته أسلوبُ السّخرية، التي بها استطاع تبليغ رسالته الدّينيّة والاجتماعيّة والوطنيّة ... فالسّخرية أسلوب حضاري ناجح في تأدية الواجب والرّسالة المنوطين بالأديب نحو مجتمعه.
ما حمل أبا اليقظان على انتهاج هذا الأسلوب " وهو غير ما عرف به من قصد في الكلام، وصرامة في المواقف، وجدّية في معالجة الأمور. ولكن قد يلجأ المرء أحيانًا لأن يعبّر عن إحساسه بأسلوب فيه غير قليل من السّخرية. وهو أسلوب (1/83)
صفحة 80
لا ينبئ عن نفس مرحة، ولا يعبّر عن قلب رضيٍّ، بقدر ما هو تعبير عن الحزن والأسى أحيانًا، وعن السّخط والغضب أحيانًا أخرى." (1)
ما دعاه إلى الكتابة بهذا الأسلوب عوامل كثيرة، نذكر منها ما بأتي:
1 – الضّغط السّياسي، الذي كان يمارسه المستعمر على الشّعب الجزائري. إذ عمل على سلبه مقوّماته وسلخه منها، وتشويه شخصيّته، وطمس معالمه الحضارية، واجتهد في تجهيله وكبت حريّته ... وللمستعمر من القوّة المادية، ما لا يتوفّر عُشُرُهُ لابن الجزائر، ليقف في وجهه بالوسائل المادية، التي تحقّق الفوز بالمطلوب. فكان عليه أن يبتعد عن المباشرة في المواجهة، ويتجنّب العلنيّة في المقاومة، ويخفي النّيّة المبيّتة لتوعية الجماهير وتكوينها وتثقيفها ... فكانت السّخرية إحدى هذه الوسائل غير المباشرة في المقاومة والانتقام.
2 – تألّم الشّيخ أبي اليقظان للأوضاع المتردّية، وانتشار الانحرافات: دينًا واجتماعًا، أدبًا واقتصادًا ... واتّساعها بما عجز الأدباء معه على معالجة الأوضاع، فقاده هذا العامل، بل دفعه – كما قاد ودقع غيره من الأدباء الجزائريّين- إلى اعتماد أسلوب السّخرية في المعالجة؛ عساه يجدي فيما عجزت عنه الأساليب الأخرى.
3 – تغيير وسيلة المواجهة لكلّ مخطّطات التّدمير والتّشويه. وتعويض طريقة المعالجة بما يلائم الظّروف، وبما يساير المستوى الإدراكي للمخاطبين، وبما يتناسب مع أحوال الكاتب النّفسيّة، وذلك باتّباع أسلوب ساخر تهكّمي، يتوخّى اللّغة البسيطة السّهلة، التي قد تنزل إلى لغة الشّارع أحيانًا.
أفصح الشّيخ عن هذا الأسلوب في المعالجة في العدد الأوّل من جريدته "البستان " (2) وذكر أنّه بناء على تعطّش كثير من النّاس إلى صحيفة فكاهيّة، وبسبب عدم
__________
(1) 1 - الدّكتور محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1980م، ص: 170.
(2) - البستان (1933م) أصدرها الشّيخ أبو اليقظان في الجزائر العاصمة باسم السّيّد " عيسى تعموت " مساعده في جهاده الصّحفي؛ مبالغة في الحيطة، وحفاظًا على رسالته الصّحفية. هي جريدة أسبوعيّة فكاهية انتقادية صدر منها عشرة أعداد. (1/84)
صفحة 81
استفادة كثير من أبناء الأمّة من جرائده الجدّية، ولعلوّ مستوى هذه الجرائد الفكري على المستوى الإدراكي لهؤلاء النّاس، كما أنّ كثيرًا من الظّرفاء بقوا محرومين من مجال ينشرون فيه إبداعهم، في وقت استحالت فيه الحياة إلى جحيم لا يطاق: "بناء على ما تقدّم رأينا من الواجب أن ننشئَ جريدة عربيّة نصف شهريّة، تفي بهذا الغرض الشّريف، فأسّسنا هذه الجريدة تحت اسم (البستان)؛ إشعارًا بما ستحمله إلى قرّائها الكرام من كلّ ما يحمله البستان من أنواع الثّمار والفواكه والبقول والزّهور والرّياحين بإذن الله." (1)
لاحظنا من خلال ما قرأناه واطّلعنا عليه، ممّا نشر في الجريدة من خواطر وملح وطرف وفكاهات ونودر ... أنّ صاحب الجريدة كان يهاجم وينتقد، ويوجّه ويحرّض على المقاومة والتّصدّي لكلّ أساليب القمع والتّضليل والتّشويه ...
4 – محاولته التّنفيس عن نفسه المجروحة وقلبه المكلوم؛ اجتهادًا منه في التّخفيف من أعباء الحياة الثّقيلة، ودفع السّأم والملل عن حياته الشّخصيّة. يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: إنّ البلسم الشّافي من هذه الآلام، ومن الأعباء الثّقيلة "يكمن في فكاهة تزيل عن النّفس كآبتها، وتجعلها تعيش لحظة تستروح فيها نسائم الحياة وأنفاسها العطرة." (2)
إنّ السّخرية من هذا المنظور تساعد السّاخرين، ومن يتعاطفون معهم على تجديد روح المقاومة والصّبر على متاعب الحياة وأعبائها، وتمنح فرصة التّماسك أمام
__________
(1) - جريدة البستان، ع: 1، (27/ 04/1933م).
(2) - أبو عبسى فتحي محمد معوّض، الفكاهة في الأدب العربي (دراسات ووثائق)، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1390هـ/ 1970م، ص: 46. (1/85)
صفحة 82
الأحداث، وعدم الاستسلام لضربات الزّمن والعدوّ، والتّقليل من قوّتهما وهيبتهما، اللّتين تبدوان وكأنّهما خارقتان، لا تقهران، أو كأنّهما شبح لا يمكن الاقتراب، ولا النّيل منه ...
نسجّل - هنا – أنّ الشّيخ أبا اليقظان، حين كان يختار السّخرية – أحيانًا – في كتاباته، وفي معالجته بعض القضايا، إنّما كان – فقط – يغيّر وسيلة التّوجيه والتّوعية، وطريقة المقاومة، أي كان يتوخّى الإستراتيجيّة التي يراها ناجعة في البلوغ به إلى غاياته، والوصول إلى أهدافه، ولم يكن أبدًا يتخلّى عن مبادئه، أو يتحوّل عن وجهته، أو ينحرف عن خطّه المستقيم، الذي رسمه لنفسه. وهو الذي يمتدّ بين نقطتي ارتكاز، لا تحيدان أبدًا: هما نقطة المبادئ الثّابته، ونقطة الأهداف المرسومة سلفًا. فلم تتفرّق به السّبل قددًا أبدًا.
يستطيع الدّارس أن يقف على هذه الحقيقة، حين يقلّب سجّل حياته: ما قال وما كتب، وما أسمع وما أشار، وما أسرّ وما أعلن، وما نفّذ وأدار ... سيجد أنّ مواقفه ومضامينه الفكرية لم تختلف، ولم تتناقض أبدًا في كلّ مراحل حياته، ولم تتغيّر في مختلف الظّروف التي مرّ بها، أو وُجد فيها.
نحاول في الصّفحات الآتية أن نُبينَ عن هذه السّخرية، وعن بعض مضامينها وفنّيتها بشكل مركّز مختصر؛ عسانا نفلح في الكشف عن جانب من شخصيّة أبي اليقظان، وعن أسلوب من أساليبه في المقاومة، والعمل النّهضوي، ومن ثمّ تقديم نموذج للأديب الملتزم، صاحب رسالة وواجب نحو مجتمعه والإنسانيّة جمعاء.
نشير في البداية إلى أنّنا في عرضنا هذا اتّبعنا طريقة، قد يكون فيها نوع من التّعسّف في عمليّة الدّراسة والتّحليل للأثر الأدبي. تتمثّل في هذا الفصل بين أجزاء العمل الفنّي، الذي وُجدَ – حين وُجد، أو أنشأه الأديب، حين نشأه – متّحدًا في جزأَيْه: الفكري والفنّي. غير أنّ الدّراسة التي تُعنى أو تهدف إلى إتاحة الفرصة للكشف عن عناصر القوّة أو الضّعف في المضمون والشّكل، بشيء من التّفصيل والتّعمّق، قد (1/86)
صفحة 83
تشفع لنا في هذه الممارسة. مع الإشارة إلى أنَّ رسالة أبي اليقظان كغيره من الأدباء الجزائريّين المصلحين، كانت موجّهة إلى الإصلاح والتّوجيه والتّغيير ... معنى هذا أنّهم كانوا يُعنَوْنَ بالمضامين أكثر من اهتمامهم بالجانب الفنّي، وكان مفهومهم للأدب مرتبطًا بالوظيفة التي يقوم بها.
على هذا الأساس أو من هذا المنطلق تكون دراستنا لظاهرة السّخرية في أدب أبي اليقظان؛ حتّى ننصفه في تجربته الشّعرية، ونقدّم صورة عن السّخرية الهادفة في كتاباته، التي قد تكون لها قيمة مضمونية، أكثر منها فنّية.
من بين القضايا الاجتماعيّة التي عالجها أبو اليقظان في أدبه السّاخر قضيّة الجمود الفكري، الذي يحمّل أصحابه مسؤولية كلّ ما حدث، وكلّ ما عاناه المصلحون والمجدّدون في مسيرتهم الإصلاحيّة؛ بسبب تصرّفاتهم الخاطئة، ونظرتهم الضّيّقة إلى الحياة. فكلّ جديد عندهم هو بدعة، وكلّ ما ينزل إلى الميدان، ممّا لم يُنقل عن السّلف، ولم يُعرف عن الآباء هو منبوذ، وكلّ ما لم تنصَّ عليه النّصوص الشّرعيّة صراحة هو محرّم.
هذا التّفكير وهذا الجمود صوّرَا لأصحابهما أنّ الصّحافة بدعة وخرافة. وقد أوْصلاَ بعضهم إلى النّفور منها وشتمها ولعنها، والبصق عليها؛ نكاية بأصحابها. يقول أبو اليقظان: " ومن العجيب أنّنا نرى كثيرًا من النّاس تشمئزّ نفوسهم من الجرائد وما تصرّف منها، وينفرون من رؤيتها وسماعها نفور الشّقيّ من صحيفة أعماله، وقد يبلغ بهم الحال إلى حدّ شتمها وتمزيقها، والبصق عليها والاستبراء بها، ويخيّل لهم وهمهم في ذلك إنّما يفعلون كلّ ذلك بأصحابها المختفين وراء سطورها. تلك والله سخافة وحماقة لا دواء لها. " (1)
إنّ النّصّ يفصح عن تذمّر الكاتب من مضايقة خصوم الإصلاح للمصلحين، والشّماتة بهم، ويُبين عن علامات القلق من المقاومة أو المناهضة الكبيرة، التي تلافيها
__________
(1) - جريدة وادي ميزاب، ع: 3، (15/ 10/1926م). (1/87)
صفحة 84
الصّحف الإصلاحيّة في الجزائر؛ لما لها من دورٍ في الكشف عن حقيقة أولئك الجامدين، وفتحِ أعين النّاس على تصرّفاتهم، التي تسبّبت في التحجّر والتّقوقع والتّخلّف، ممّا يؤدّي إلى ممارسات حمقاء. (1)
لكي يوضّح أبو اليقظان خطر هؤلاء الجامدين على النّهضة بعامّة، اصطنع طريقة الإدلاء بالاعترافات، أو انتزاع ذلك من أصحابها، والإقرار بما نسب إليهم من أعمال منكرة. فكانت الحقائق تنتزع في جلسات، ومن أحاديث وفي اجتماعات، ألف هؤلاء عقدها – وهي تعدّ في نظر الكاتب وسيلة في مقاومة الحركة الإصلاحيّة – حتّى ولو كانت هذه الأحاديث التي أجراها الكاتب على لسان من يتصدّى لهم مفتعلة، إذ هي إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، إلاّ أنّها تبقى طريقة مبتكرة في الكتابة الفنّية (2) التي تهدف إلى التّنويع في أسلوب المقاومة، والظّفر بوسيلة تهزم هؤلاء المناوئين. هذا الأسلوب يقوم دليلاً على التّطوّر في الصّراع، والتّقدّم في المنافسة والمنازلة؛ لأنّ خصوم المصلحين أنفسهم سلكوا هذا المسلك (3) كلّ هذا يدخل ضمن الحملة الإعلاميّة والحرب النّفسيّة التي تعمل على الانتصار للفكرة، ومناهضة ما يقابلها.
__________
(1) - بعض هذه الممارسات والتّصرّفات، يحكيها لنا، وينقلها – بأسلوب ساخر - الشّيخ الطّيّب العقبي، أحد رجال الإصلاح البارزين في الجزائر. ينظر جريدته " الإصلاح"، ع: 7، (7/ 11/1927م).المقال تحت عنوان: " ماذا ينتقدون عليّ ".
(2) - وإن كانت الطّريقة ليست جديدة، فقد عرفت من قبل في الأدب العربي، مثل أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزّمان الهمذاني، وإمتاع أبي حيّان التّوحيدي ومؤانساته، وأمالي المرتضى ... وما عرف في الأدب العربي الحديث.
(3) - ينظر مثلا جريدة " الرّوح " الطّرقية، الأعداد:،10، 11، 18، 19، 20 سنة 1938" المقال الذي نشر في حلقات تحت عنوان: " هذيان المنافقين "، كان ردًّا على ما كتبه الشّيخ أبو اليقظان في جريدتيه " الأمّة والفرقان " تحت عنوان " حديث المفلسين". (1/88)
صفحة 85
كتب أبو اليقظان مقالاً في حلقات تحت عنوان: " حديث المفلسين " (1) ضَمّنه اعترافات الطّرقيّين بمؤامراتهم. وفي الوقت نفسه إقرارهم بانهزامهم أمام قوّة المصلحين، وفشل كلّ مناوراتهم ومكايدهم، التي لم تمرّ ولم تنطلِ على النّاس؛ بفعل إخلاص العاملين في ردّ أعمال الطّرقيّين المنكرة. فحين وصل سمع هؤلاء المناوئين أنّ المؤامرة التي دبّروها لنسف أحد معاقل المصلحين قد باءت بالفشل، علتهم كآبة، وظهرت على وجوههم خيبة الأمل، وشعروا بإحباط نفسي، فقال " الجمع: ما هذا الذي تقصّ علينا يا أبا رغال؟ أنحن في يقظة أم في منام؟ - أبو رغال، إنّما أقصّ عليكم الواقع الذي لا شكّ فيه، وفي حال اليقظة، لا في المنام." (2)
يستغلّ الكاتب هذه المناسبة ليعرّض بمواقف هؤلاء القوم المتناقضة، والتي لا تعتمد على أسس صحيحة، ولا تستند إلى مبادئ ثابتة، فيذكّرهم بموقفهم في رفض العمل بالتّليفون في ثبوت هلالي رمضان وشوّال، بينما يقبلون عدا ذلك من الأخبار. هذا الموقف يدلّ على التّعنّت، وعلى الجمود الفكري، كما يدلّ على السّذاجة؛ حين يرفض أحدهم تصديق خبر انهزامه، لأنّه جاءه بواسطة الهاتف. في تصوير هذا، والتّعليق عليه تهكّم وسخرية لاذعين.
" الشّيخ الأرعن " يجيب " أبا رغال ": " هوّنوا عليكم فإنّ الخبر، إنّما ورد على زعيمنا (النّمرود) عن طريق التّليفون، وخبر التّليفون غير صحيح.
- أبو الدّسوم، كَعْرَرْ (3) نحن إنّما نجاريك في ذلك، فيما يخصّ هلال رمضان وشوّال فقط، وأمّا ما عدا ذلك فلكم دينكم ولي دين" (4)
__________
(1) - ينظر جريدة "الأمّة "، الأعداد: 165، 169، 170. وجريدة الفرقان، الأعداد:، 1، 2، 3 الحلقات نشرت سنة 1938م. الجريدتان لأبي اليقظان.
(2) 2 - رقيب (أبو اليقظان)، " حديث المفلسين "، جريدة الأمّة، ع: 165، (03/ 05/ 1938م).
(3) - " كَعْرَرْ"، لفظة عامية، تطلق ويقصد بها الدّعوة إلى الكفّ عن التّقعير. يبدو في مدلولها أنّها قريبة من كلمة " كَعَرَ"، التي تعني: أنّبه تأنيبًا شديدًا.
(4) - جريدة الأمّة، ع: 165. (1/89)
صفحة 86
لكي يثبت الكاتب اندحار هؤلاء القوم، وسقوطهم وضلالهم، ينتزع منهم هذا الاعتراف وإقرارهم بأنّهم كانوا واقعين تحت تأثير وسوسة الشّيطان وإغوائه ووعوده الكاذبة المضلّلة. قدّم هذا في صورة الملاومة والجدل، اللّذين يكونان يوم القيامة بين الضّعفاء والمستكبرين، وذلك حين يتفطّن المستضعفون أنّه غُرّر بهم. في هذا التّصوير مسحة من التّهكّم والإقذاع: " – باقل، بالله عليكم لا تخرجوا بنا عن الموضوع، فإذا كان الأمر صحيحًا كما يزعم أبو رغال، فليس أمامنا إلاّ إلقاء السّلاح والاستسلام وكفى.
- الزّنديق، يظهر من كلام النّمرود الأمر بإلقاء السّلاح الرّضوخ إلى الأمر الواقع. وأين ما كان يعدنا ويمنّينا به، وأنّه وأنّه ... " (1)
من يتّخذ أمثال هؤلاء النّاس أولياء وأئمّة فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ لأنّ الله تعالى يقول: { ... وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا منْ دونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلاَّ غُرُورًا} (سورة النّساء/ 119، 120)
وقد جسّد الكاتب هذه المعاني شعرًا فقال: " أبو رغال يرأس الجلسة هذه المرّة، ولشدّة الزّهو بتعطيل " الغمّة " (أي الأمّة) كان حديثهم هذه المرّة نظمًا. يفتتحها كما يأتي:
يا تيوسَ الجمودِ، بُشرَى فقدْ جَا ... تِلِفونُ إليَّ مِنْ خِـ
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/90)
صفحة 87
ــــــــــــــلاّني
أنَّ عاصِفَةَ السّيَاسَةِ بالغُمّةِ ... هَبَّتْ، فَأَصْبَحَتْ في شَان
أبو الحمام: ... خِلْتُهُ كَذْبَةً لَدَى نيْسانِ ... صّحِحُوا النَّبَأَ العَطيمَ، فإنّي
فَكَفَى لَطْخَةً مِنَ العارِ ما شَوْ ... وَهْنَا مِنْ كِتابَةِ الجُـ (1/91)
صفحة 88
ـــــــــــــــــــدْران
الشّيخ الأرعن: ... ألْف بخٍ، إنْ صَحَّ يا إِخْوانِي ... ألف أُفٍّ، إنْ كانَ غيْرَ صَحِيـ (1/92)
صفحة 89
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــحٍ
كَيْفَ نَقْبَلُ هاهُنا ما يَجِئُ في ... التّلفونِ، وَنَحْنُ في نُكْران
الزّعنفة: ... في خُصُوصِ شَوَّالَ أَوْ رَمضَانِ (1)
اتْرُكُوا الهَذَيانَ، ذلكَ حـ
__________
(1) - رقيب، " حديث المقلسين "، جريدة الفرقان، ع: 1، (05/ 07/ 1938م). (1/93)
صفحة 90
ـــــــرام
إنّ هذه الاعترافات المنتزعة بهذه الطّريقة، هي التي أضفت على تلك النّصوص مسحة من السّخرية والتّهكّم. (1)
في معرض حديث الشّيخ أبي اليقظان عن أدواء المسلمين، التي كانت نتيجة تخلّيهم عن مبادئهم، أو كانت حصيلة الظّروف العصيبة التي مرّوا بها، تناول بالكتابة الهجوم الشّنيع والمخطّط على أصالتهم، والتّنكيل الشّديد الذي لاقوه من خصوم الإسلام؛ ممّا سبّب لهم – أحيانًا – فقدَ عنصر الثّبات على المبادئ، والمحافظة على الأصالة.
تبيّن الفقرة الآتية ذلك؛ إذ يظهر فيها الكاتب تحسّره من هذا الدّاء. وضّح هذا من خلال مقارنته بين الإنسان والجراد: الحيوان الضّعيف، الذي أبدى مقاومة شديدة؛ رغم حملات الإبادة التي شنّها ضدّه السّكّانُ؛ قصد القضاء عليه، فبقي صامدًا، أو على الأقلّ لم يمكن التّخلّص منه نهائيًا. بينما الإنسان المالك لأسباب القوّة والمناعة. تعرّض لمخطّطات الإبادة والإفناء، فلم يستطع المقاومة، فنجح المتسبّبون في ذلك في زحزحة بعض المسلمين - مثلا – عن مبادئهم، أو تشكيكهم في بعض قيمهم؛ ففقدوا بذلك عنصر الثّبات. وهو داءٌ كانت له عواقب وخيمة على المجتمع الإسلامي.
كتب تحت عنوان " منغّصاتي " يقول:" ينغّصني من الجراد الخبيث أن يثبت في مواقفه، ويصاول على حياته، ولم يزحزحه عن مبدئه كلّ ما يلاقيه من التّعذيب والتّنكيل، ولا يقتدي به في الثّبات والصّبر والجلد كثير من بني الإنسان الجبناء في
__________
(1) - على المنوال نفسه كتب " إيّاس " الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1316 – 1401ه/ 1899 – 1981م) مقالاَ في حلقات، تحت عنوان: " جلسة المخذولين"، ينظر جريدة وادي ميزاب" (الشّيخ أبو اليقظان)، الأعداد: 61، 62، 64، 72، 79، 81، سنة 1927، 1928م. (1/94)
صفحة 91
مواقفهم الحاسمة، التي هي حدّ فاصل بين الموت والحياة. فهل الجراد أذكى وأحذق وأعقل وأمهر من الإنسان؟ " (1)
سؤال الكاتب يحمل كلّ معاني الاحتقار والتّهكّم بالإنسان الذي يكون أضعف من الجراد في الثّبات والتّحدّي. النّصّ بعامّة يحمل علامات الحسرة والألم من هذا الدّاء، الذي أضرّ بالإسلام والمسلمين.
أسلوب الكاتب في التّناول يبرز آيات التّأزّم النّفسي والإحباط والتّذمّر من الوضعية السّيّئة التي كان يعيشها العالم الإسلامي، من خلال الإشارة إلى الحالة في الجزائر، فقد كانت فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين مرحلة صعبة وعصيبة، إذ كان الهجوم فيها عنيفًا ومنظّمًا على الشّخصيّة الإسلاميّة والهوية الوطنيّة ... بما كان قد سنّته السّلطات الاستعمارية من سلسلة قوانين جائرة مغرضة؛ للقضاء على الإسلام. يكفي أن نشير إلى قانونين صدرَا سنة 1933م، وهي السّنة التي كتب فيها النّصّ، الذي نحن بصدد التّعليق عليه:1 – قرار 18 فيفري 1933م، القاضي بمنع رجال جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين من التّدريس في المساجد. 2 – قرار 27 فيفري 1933م، الذي نصّ على حلّ الجمعيّة الدّينية الإسلاميّة في الجزائر اّلعاصمة، وتكوين جمعيّة دينيّة إسلاميّة بديلة، برئاسة (مسيو ميشال)، وهو مسيحي كاثوليكي.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ النّصّ كان يرمي إلى الإفصاح عن الحالة المتدهورة في الجزائر، ولكن بطريقة رامزة (2) وفي الوقت نفسه يشير إلى وجوب الثّبات في الميدان،
__________
(1) - " مغفّل " (أبو اليقظان "، " منغّصاتي "، جريدة البستان)، ع:7، (13/ 06/ 1933م).
(2) - إنّ أبا اليقظان عرف في جهاده الصّحفي بمقاومته الشّديدة للطّغيان الاستعماري، وبشكل سافر، لا ليونة فيه. ولكن بعد مصادرة. جرائده الأربع: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النّور مال إلى أسلوب السّخرية والرّمز للإفلات من الرّقابة الاستعماريّة، من دون التّخلّي عن مبادئه في المقاومة. وهو ما تكشف عنه جريدته " البستان " بشكل واضح. ينظر كتاب أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص: 235 وما بعدها. (1/95)
صفحة 92
وعدم الاستسلام لإرادة العدوّ وتعسّفه. إذن إنّ النّصّ إلى جانب ما يحمله من أمارات التّوبيخ واللّوم والسّخرية، فإنّه يتضمّن دعوة خفية إلى مواصلة المقاومة والجهاد.
داء عدم الثّبات الذي أشار إليه " مغفّل" أورث خلالاً سيّئةً، وأوجد روحًا مريضة، صرفت النّاس والمسلمين عن الفضائل الحسنة، وأدّت ببعضهم إلى الانسلاخ من جميع المعاني القوميّة والخلال الإسلاميّة: " أصبح بعض المحترمين منهم، لا يتحرّج من أن يصرّح في النّاس يقوله: إنّه لا يهمّنا شيءٌ من أمر الدّين والعربيّة والتّعليم؛ لأنّنا سياسيّون، ولا نريد أن نقدّم شيئًا على السّياسة قبل أن تتحقّق أهدافنا." (1)
هذا ما جعل أبا اليقظان يركّز على هذه النّقطة، ويقدّم حسرته وألمه بهذا الأسلوب المركّز الملمّح المعرّض؛ حتّى يخز القلوب، ويمسّ المشاعر مسًّا موجعًا، عساها تتحفّز لاستدراك الأمر، وفي الوقت نفسه يحتال على العدوّ؛ بإخفاء حقيقة ما يدعو إليه. وأسلوب المغافصة واستغفال العدوّ من أهداف السّخرية، لهذا يوغل الكاتب في عالم الخيال، ويستبطن حياة الجراد ويستلهمهما ليوجّه بعض الانتقادات لما يحدث من مساس بالشّخصيّة والأصالة، ولما ينال من كرامة الفرد ومقوّماته، فقال: " يقلقني أن يتسرّب الجراد حتّى للحدائق والبساتين والمساجد ودكاكين الحلاقة، فيأتي على الأخضر والأكحل والأحمر والأصفر، ولا يترك إلاّ أرضًا جرداء وذقونًا قاحلة ...
يقلقني من هذا الجراد عناده وإصراره وثباته وسيره دائمًا وأبدًا إلى الأمام، وانقياده إلى زعمائه ورؤسائه أنّى ساروا، وأينما توجّهوا، ولا يثنيهم عن عزمهم،
__________
(1) - الحفناوي هالي، " عرب ولكن بدون عروبة "، جريدة البصائر الثّانية، (ج. ع. م. ج)، الجزائر، ع: 41، (28/ 06/ 1948م). (1/96)
صفحة 93
لا حرق ولا خنق، ولا تبديد ولا تشريد، ولا ولا ... ولا أرى هذه الصّفات في أبناء آدم، اللّهم إلاّ في الخسائس والتّوافه، وما فيه نزهة إبليس ... " (1)
من هذه المقلقات والمنغّصات نقف على الإشارات النّفسيّة، والومضات الشّعورية التي كشفت عنها هذه الرّموز المنتقاة من عالم الجراد، التي هي لذعات وانتقادات، ودعوات ونداءات إلى الإفاقة والنّهوض والعمل على التّغيير. وقد لاحظت أنّ أبا اليقظان أكثر من الحديث عن الجراد، والرّمز بواسطته إلى مجموعة من الأفكار، وبخاصّة في جريدته " البستان ". هذا التّوظيف في حاجة إلى تأمّل.
لكي ينتقد الكاتب مواقف الانهزام ومواقف الخيانة للوطن، الصّادرة من بعض من كان يسخّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه. وفي الوقت نفسه يعرّض بسياسة العدوّ العاملة على خنق حريّة المواطنين. في سبيل ذلك يلجأ إلى حوار يجريه مع عصفوره: " سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري، وكان العصفور ذكيًّا شيطانًا، فأجابني عنه بِما أقنعني، وتركني باهتًا لإصابة نظريته، وهو: لماذا تكره النّياشين إذا رأيتها معلّقة على صدور ذوي اللّحاء والبرانيس بأنواعها؟
- عصفوري: نعم أكره هذا، أكثر من رؤيتي الصّيّاد وعلى كتفه بندقيته يقنصني.
- ولماذا؟
- عصفوري: لأنّ هذه النّياشين الحمر تذكّرني - بلونها الأحمر - بجريان الدّم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصّيّاد، ولهذا أتشاءم منها كلّما رأيتها، وسمعت منها.
- فقلت: صدقت والله أيّها العصفور الحرّ، فلتعش حرًّا طليقًا؛ رغمًا عن الإنسانيّة المعذّبة ... " (2)
__________
(1) " مغفل" (أبو اليقظان)، " مقلقاتي "، جريدة البستان، ع: 6، (06/ 06/ 1933م). -
(2) 1 - فلاّح البستان (أبو اليقظان)، " صدقت والله"، جريدة البستان، ع: 8، (20/ 06/ 1933م). (1/97)
صفحة 94
النّصّ ملئ رموزًا. فالعصفور – غالبًا – ما يكون مقفوصًا، أو تكون حريّته منغصّة بالمطاردات.
على هذا الحال كان الشّعب الجزائري تحت الحكم الفرنسي؛ ولهذا كان دائم التّطلع إلى الحرية، التي لا تشترى بالذهب، مثلما يردد الطّائر في الأناشيد المتواترة المؤلفة على لسانه. وفي الرّمز إلى العصفور وإجراء الحديث على لسانه أكثر من دلالة معنوية، وفي استصدار هذه النظريّة من عصفور: المخلوق الضّعيف تعريض بالإنسان صاحب العقل والإدراك، الذي تغيب عنه هذه الحقائق.
كما فيه تعريض بالذين يقبلون هدايا وأوسمة تقدير من الأعداء، الذين يكيدون للإسلام وأهله. هذا التّقدير لا يأتي ولا يحصل – عادة- إلا مكافأة على تقديم أعمال وخدمات تحقّق أهداف المستعمر. وفيه تعريض أيضا وتحقير الذين يرتدون لباس الأصالة والهمّة والمروءة، والذين يظهرون بسمت أهل الشّهامة والإباء والعزّة: لحىً عنوان الرّجولة، وبرانيس عنوان الأصالة، مع ذلك يدنّسون هذه الرموز، ويسيئون إليها بهذه التّصرّفات.
والمقارنة بين النّياشين الحمراء المعلّقة على صدور ذوي اللّحاء والبرانيس، والصّياد الذي يحمل بندقيّته ليصطاد العصفور، مقارنة بين عدوّ مكشوف وعدوّ متستّر بمظهر القريب والصّديق، الذي يُطمأنّ إليه ويركن ... ثم يخون ويغدر في الخفاء، ولهذا كان العصفور يكره أصحاب النّياشين أكثر من الصّيّاد.
في هذا تعريض بالسّائرين في ركاب الاستعمار المنفّذين خططه، وغيرها من الرّموز التي أوجدها الكاتب من هذه القصّة الموضوعة على لسان عصفور؛ ليكشف من خلالها عن مشاعره الحزينة وحسرته المريرة، وهنا تتحقّق وظيفة الرّمز، الذي يومئ ويوحي؛ بوصفه تعبيرا غير مباشر عن النّواحي النّفسيّة، ويكشف عن الصّلة بين الذّات والأشياء، ويفرز مشاعر معيّنة عن طريق الإثارة النّفسيّة، لا عن طريق (1/98)
صفحة 95
التّسمية والتّصريح. لكلّ ذلك كان تعريض الكاتب هادفًا للتّنديد بالتّصرّفات المشينة المُهينة، وحاملاَ لآيات الاحتقار والازدراء والاستهزاء.
كما وجّه أبو اليقظان سخريته لنقد الأوضاع الاجتماعيّة التي تفشّت في المجتمع الجزائري، وكان في هذا التّناول إضحاك وتهكّم ولذع وإيلام واحتقار – أحيانا- للجهة التي صدرت منها تصرّفات لا تتناسب مع المكانة أو الهيئة المحترمة التي تتّصف بها. وقد هدف الكاتب من هذا التّناول السّاخر إلى الإصلاح والتّقويم، وأداء واجبه الاجتماعي بصفته أديبا له رسالة يؤدّيها بأيّة وسيلة يراها مناسبة وملائمة. والسّخرية الفنّية الهادفة تستطيع القيام بهذا الدّور؛ لأنّه كما يقال: "حين تتّسع الانحرافات الفردية والاجتماعيّة، وتتفشّى مظاهر الفساد والقهر، تستخدم السّخرية وسيلة للإصلاح والتّقويم، وتقوم بفعل القصاص والعقاب، كما تقوم بتخفيف أعباء الانفعال، واستهلاك الكميّة الفائضة من التّوتر" (1).
كتب أبو اليقظان على لسان "الحاج محرّم" جوابا مغلوقا، أرسله إلى مدير جريدة البستان، يسرد له فيه مجموعة من الأمراض والآفات الاجتماعيّة، التي انتشرت في المجتمع بشكل فظيع. سجّل له فيه لومه على تهجّمه عليه (أي على شهر محرّم) الذي يحلّ على النّاس كلّ عام، فيحتفلون به، دون أن يفقهوا حقيقة ما يقومون به، ولا يعرفون أن "محرّم" يمثّل الطّهر والأمانة، واتّباع شرع الله، والانتهاء عمّا نهى الله، فيحتفلون به والأمراض الاجتماعيّة والمحرّمات والمنكرات تملأ حياتهم.
كأنّي بمدير الجريدة يلوم هذا الشّهر، أو يتندّر به، وبمجيئه والعالم على تلك الحال، فيجيبه، أو يسأله "الحاج محرّم" هل النّاس تغيّروا أم أنا الذي تغيّرت؟! أنظر إلى ناس القرن الأوّل والذي يليه، والذي يليه، كيف هم في التّقى والفضيلة والمروءة والعفّة والغيرة، إلى غير ذلك من الأخلاق الإسلاميّة التي عدّدها له. ثم
__________
(1) - د. شوقي محمد المعالمي، الاتّجاه السّاخر في أدب الشّدياق، مكتبة النّهضة المصرية، القاهرة، سنة 1988، ص: 307 (1/99)
صفحة 96
سرد عليه ما شاهده في أثناء إقامته بين ناس العصر، وما ساءه منهم. ثم قال: "ها أنتم هؤلاء ترون وتعلمون علم اليقين أنّه ما كفر (محرّم) ولكن الشّياطين كفروا، يعلّمون النّاس ما تقدّم من المعاصي، ويعملونها بلا احتشام ولا خجل.
فهبكم يا مولاي الكريم مكاني، فبماذا تعاملون من يعاملكم؟ بالإهانة والحقارة؟ والله سبحانه يقول: (1) " ... فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ... " (2).
وصف "الحاج محرّم" الحالة المتدهورة في الجزائر بطريقة فكهة، وقدّمها في ثوب من التّندّر، ينسجم مع أسلوب جريدته "البستان" الفكهة، وفي ذلك دلالات نفسيّة عميقة، تفصح عمّا كان يعانيه المصلحون من متاعب؛ بسبب انتشار هذه الآفات، وتكشف عن عملهم الدّؤوب المستمرّ للقضاء على هذه الآفات.
أضفى الكاتب على النّصّ جوّا من السّخرية باقتباسه تركيبيًا قرآنيًا، نسب إلى الشّياطين فعل المنكرات ونفاه عن سليمان - عليه السلام -. فيكون محرّم هو سليمان، وناس اليوم يمثّلون الشّياطين: " ما كفر محرّم ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس ما تقدّم من المعاصي" والله تعالى يقول: { ... وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر ... } (3).
كما أن إجراء الحوار بهذه الطّريقة الفكهة، واختيار أسلوب التّندّر هو نوع من التّفنّن في وسائل المعالجة والتّناول، عسى ذلك ينفع في الإصلاح والتّغيير.
__________
(1) - سورة البقرة، الآية: 194.
(2) - "الحاج محرّم في رحلته 1352 هـ" "جواب مغلوق إلى سيّدي مدير جريدة البستان". ينظر جريدة البستان ع:2 (11/ 05/1933م) يبدو أن المقال لأبي اليقظان.
(3) - سورة البقرة، الآية: 102. (1/100)
صفحة 97
كان الشّيخ أبو اليقظان قد أنشأ جريدة " البستان" ليحارب بها الرّذيلة ويشجّع الفضيلة بواسطة السّخرية (1). فأغلب موادها تعريض وتهكّم وسخرية، لكنّها كانت هادفة وبنّاءة. ينظر مثلا: "ما زال الحال" (2) و "ممزوجات" (3) و"تعجّباتي" (4) و"أين يذهب الإحسان" (5) و"كلامك هو الكبير" (6) و"مقلقاتي" و"فيك البركة" (7) و"انظر المقدمين" (8).
من خلال هذه العناوين عالج أبو اليقظان ظواهر وآفات اجتماعية كثيرة منها: التّهرّب من المسؤولية، التّسويف، الأنانية، خلف الوعد، الكسل، التّملق، النّفاق، التّقليد الأعمى، الذي يمليه – أحيانا- الخنوع والرضوخ لذوي النّفوذ؛ بغية قضاء المصالح ...
كما أنّ بعض الإمضاءات في الجريدة توحي بالسّخرية والتّهكم الموجّهين إلى النّقد والتّوجيه والإصلاح. من هذه التّوقيعات (مغفّل، كذّاب، نائم، راقد، متفرّج، عسّاس البستان، فلاّح البستان، غارس الشّوك، رضيع، مضحك ... )
إلى جانب الأوضاع الاجتماعيّة تناول الشّيخ أبو اليقظان بعض القضايا السّياسية، خاصّة ما يتعلّق بالوطن (الجزائر) الذي يعاني من خطر الاستعمار والاستبداد. فحين يتعلّق الأمر بمقوّمات الشّخصيّة، وبحقيقة الوطنيّة التي يجب أن تكون
__________
(1) - ينظر ما صّرح به في جريدته "النّور" ع: 78 (02/ 05/1933م).
(2) - جريدة البستان ع: 8 (20/ 06/1933م).
(3) - المصدر السّابق. ع:2 (11/ 05/1933م).
(4) - المصدر السّابق. ع:10 (11/ 07/1933م).
(5) - المصدر السّابق. ع:4 (23/ 05/1933م). و ع:5 (30/ 05/1933م).
(6) - المصدر السّابق. ع:6 (06/ 06/1933م).
(7) - المصدر السّابق. ع:10 (11/ 07/1933م).
(8) - المصدر السّابق. ع:9 (27/ 06/1933م). (1/101)
صفحة 98
واضحة المعالم لدى الفرد؛ حتى يكيّف سلوكه، ويحدّد نهجه في الحياة على أساس سليم. ينبري الشّيخ أبو اليقظان ليوضّح الأمور ويصحّح المفهومات، ويفصح عن الحقيقة.
لاحظ الكاتب أنّ من بين ما أثمره الأسلوب القمعي، الذي انتهجه الاستعمار في الجزائر، والسّياسة التي تبنّاها في توجيه الشّعب الجزائري وقيادته. من بين ما أفرزه هذا الوضع عدم وضوح الرّؤية في أذهان بعض الشّباب في كثير من القضايا الوطنيّة، بعدم تبيّن الأصيل من الدّخيل، وعدم وعي المصطلحات، وتمييز العمل الصالح من الطّالح، وما هو وطني وغير وطني، فكانت بعض الأعمال التي يُقدَم عليها باسم الوطنيّة هدما وتقويضا لأركان المجتمع.
في هذا الموضوع كتب الشّيخ أبو اليقظان يبيّن حقيقة الوطنيّة، بعد أن لاحظ أنّ النّاس يتغنّون بها، وهم خواء منها، يمجدّون الوطنيّة بأقوالهم، ويتحرّكون باسمها، ويعملون نقيض ما تدعو إليه، وإذا نُعتوا – بسبب ذلك - وقيل لهم لستم وطنيّين ثاروا وغضبوا واغتاظوا: " ... يشيدون المراقص قيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر فيزعمون إنّها لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن شجّعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي والمقاصف فيموّهون أنّ ذلك لتمدين الوطن، ينظّمون حفلات الرّقص والغناء، فيختلط الحابل بالنّابل، فيعلنون بلا خجل أنّ ما يتجمّع منها لفائدة المشروع الخيري الوطني، وليتها لم تزن ولم تتصدّق، كأنّما الوطن فندق متداعي الجدران، والوطنيّة فؤوس ومعاول تقتنى لهدمه واكتساحه" (1).
يسخر أبو اليقظان من هذه الأفكار السّخيفة، ومن هذه العقول السّقيمة، التي انقلبت عندها الموازين، واختلطت لديها المفاهيم، فأصبحت ترى في الفؤوس والمعاول التي تهدم، ترى فيها أدوات للبناء والتّشييد. فالكاتب بقدر ما يتهكّم بتصرّفات هؤلاء النّاس، يتحسّر كمدا على تركيبات هذا الصّنف من البشر
__________
(1) - الوطنيّة الحقة، (د. إ) جريدة وادي ميزاب، ع: 52 (07/ 10/1927) المقال لأبي اليقظان. (1/102)
صفحة 99
وتكوينهم، الذي أسهمت فيه الخطّة الاستعماريّة والعمل التّبشيري الصّليبي، الذي أشرنا إليه آنفا.
نبقى مع موضوع الاستعمار وحيفه وتنكيله بالوطنيّين، ونورد نموذجا من هذه الممارسات، يقترحه علينا الشّيخ أبو اليقظان. يقدّمه إلينا في شكل حكاية من حكايات التّسلية، أو ما تعمر به جلسات السّمر؛ مما يروّح عن النّفس، ويسلّي القلب، ويؤاسي الكئيب، ولو إلى حين، بما تشتمل عليه هذه الحكايات من مفاجآت وغرائب. إلاّ أنّ تقديم أبي اليقظان لها كان هادفا إلى الكشف عن جانب من ممارسات المستعمر التّعسفية. قدّم مثلا حيًّا ونموذجا صارخًا من معاملة المستعمر الأهالي والمشاريع المنجزة. فكتب عن زيارة الحكومة الفرنسيّة لتدشين المطبعة العربيّة التي أنشأها سنة 1931م.
بدأ قصّته كما يأتي: "وحيث أنّنا أتممنا نحن مشروع مطبعتنا العربيّة، ولم نقم بهذا الواجب (واجب التّدشين) رأت الحكومة من اللاّئق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي، فأرسلت لجنة تتركّب من حضرة كوميسار البوليس وأعوانه، لينوبوها في ذلك" (1).
ثمّ سرد تفصيلات الزّيارة وعمليّة التّدشين متهكّما معرّضا بالمعاملة التي قدّمتها اللّجنة، والتي هي أَلْيَقُ بمقام المشروعات: "ففي السّاعة 7 و15 صباح السّبت 7 مارس، شرّفتنا اللّجنة بلباسها الرّسمي، حاملة إذن والي الولاية العامّة المحترم بتفتيش محلّ المطبعة، ففتّشوه – رعاهم الله- بكل دقّة ولطف، وتتبّعوا مكتبه ورفوفه وملفّات المعاملات، ودواليب الماكينات وصناديق الحروف، وغير ذلك. ثم ودّعونا بسلام، من غير أن يُبدوا لنا سببا لهذا، غير أنّنا فهمنا بعد كمال التّدقيز أن المراد من هذا التّفتيش إنّما هو مجرّد التّدشين، فشكرناهم على ذلك شكرا جزيلا، كما
__________
(1) - "وادي ميزاب عند تدشين المطبعة العربيّة" (د. إ)، جريدة المغرب ع: 37) 19/ 03/1931). (1/103)
صفحة 100
شكرنا لديمقراطيّة القرن العشرين التي بلغت بحرمة المنزل والحرية الشّخصيّة إلى هذه الدّرجة العالية" (1).
السّخرية والتّهكم يبدوان في هذه النّقط:
1 - في العرض المفصّل المدقّق لزيارة اللّجنة، وفي هذا تعريض بسخافة عقول هؤلاء الأعضاء القاصدين المحلّ، ثمّ في وصف تحرّكاتهم بدقّة. وفي هذا تعبير عن احتقار الكاتب هؤلاء النّاس، وعن ازدرائه تصرّفاتهم، التي تكشف عن النّذالة والدّناءة.
2 - في انتقاء كلمات وجمل وأوصاف معيّنة، ظاهرها احترام هؤلاء المفتّشين وتقديرهم، وباطنها تنكيت بهم وتعريض (ففتّشوه – رعاهم الله- بكل دقّة ولطف) (إذن والي الولاية المحترم) (شكرناهم على ذلك شكرا جزيلا).
3 - في التّعريض بأعمال المفتّشين، التي تتنافى مع ما تلوح به أقوالهم من آيات الاحترام والتّقدير للآخر، وإعطاء الحرية وبسط الدّيمقراطيّة (شكرنا لديمقراطيّة القرن العشرين، التي بلغت بحرمة المنزل والحريّة الشّخصيّة إلى هذه الدّرجة العالية).
واصل الكاتب بعد ذلك وصف وقائع التّدشين والزّيارة، التي تجاوزت المهمّة التي كلّفت بها هذه اللّجنة، فتهكّم منها، ورأى أنّ سبب كلّ هذه التّصرّفات هو أنّ شبح "وادي ميزاب" (2) ما يزال ماثلا أمامهم بهيبته وروعته –رغم مضيّ عامين على نعيه- فقصدوه في قبره وفتحوه بدون أيّة استشارة أو استئذان.
قدّم الكاتب هذا الوصف بأسلوب ساخر، معتمدا على بعض الكلمات المعرّضة: " ثمّ إنّ اللّجنة المحترمة لم تكتف بهذا، بل جاوزت حدود الإذن الرّسمي.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - جريدة وادي ميزاب، أولى جرائد أبي اليقظان (1926 - 1929)، صدر منها 119 عددًا، صادرها المستعمر في شهر فيفري 1929. ينظر د. محمد ناصر، الصّحف العربيّة الجزائريّة (1847 – 1939م)، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1980م، ص: 65 - 79 (1/104)
صفحة 101
فوهمت أنّه لا يزال شبح (وادي ميزاب) بمدفنه، فقصدته بكلّ شجاعة، ففتحت قبره بدون حضور وليّه، فدارت في كلّ زواياه، وبكلّ أسف لم تجد إلاّ غبارا متراكما على مكتبه، ومن العجيب أنّه ما يزال بعبع (وادي ميزاب) ماثلا في المخيّلات رغما عن مضيّ عامين على مصرعه!! وقد ذكّرتنا هذه القصّة بقصّة جحا ورفات الحمار" (1)
تأسّف الكاتب لكون مجهود اللّجنة كان ضائعا، إذ لم تعثر على ما كانت تطلبه، وهو القبض على جريدة (وادي ميزاب) لأنّها قد ماتت منذ عامين، لكنّ الخوف الذي تركته في قلوب المستعمرين جعلهم لا يصدّقون بموتها، ففتّشوا عنها حتىّ في مدفنها. تحسّر الكاتب أيضا على الخسارة التي لحقت اللّجنة: خسارة على الشّجاعة التي أظهرتها، وخسارة على الجهد المبذول، وخسارة على الجسارة في خرق القوانين في سبيل غاية لم تتحقّق. وتكون هذه اللّفتات السّاخرة من الكاتب بالغة غايتها في الاحتقار والازدراء، حين يربط بين قصّة الزّيارة بنتائجها وقصّة جحا ورفات الحمار.
لمزيد من الاطّلاع والكشف عن عسف المستعمر وقهره الشّعب، نفتّش مع أبي اليقظان عن الحريّة التي منحتها فرنسا للجزائريّين، ونتعرّف على الدّيمقراطيّة التي تبرّعت بها عليهم، ونتبيّن الأفضال التي كانت تنعم بها على المواطنين: " بَعَثَنا الله إليكم لنبدل ذلّكم عزّا، ولكن بصبّ كؤوس الهوان على رؤوسكم، وفقركم غنى، ولكن بابتزاز أراضيكم ومقدّرات بلادكم، وترك مئات الآلاف يلتحفون الغبراء، وجهلكم علما، ولكن بإغلاق المدارس في وجوه أبنائكم، وترك 90 ألف نسمة يذرعون الطّرقات، وعبوديّتكم حريّة، ولكن بإحاطتكم بأسلاك شائكة من قيود القوانين الاستثنائية، نحن نتعهّد باحترام ديانتكم، ولكن بمضايقة رجال الدّين، وإطلاق العنان للمبشّرين يجوسون خلال الدّيار، ويأخذون طريقهم إلى القلوب لابتزاز العقائد منها، نحن نحترم آدابكم وثقافتكم، ولكن بمطاردة لغتكم العربيّة، واعتبارها وهي
__________
(1) - جريدة المغرب، ع:37. (1/105)
صفحة 102
لسانكم لغة أجنبيّة كلغة الألمان والطليان، نحن نعطيكم الحريّة التّامة في انتخاب نوابكم، ولا نتدخّل فيما بينكم أبدا إلا بإطلاق المسدّسات فقط، وقتل وجرح النّاخبين فحسب!!
ذوق سليم ومنطق مستقيم، وعدل عميم، ومنهاج قويم، جاءتنا به أوروبا، لتخرجنا من الظّلمات إلى النّور ... !! لتملي علينا دروس الحضارة والتّمدين، لتلقّننا مبادئ التّثقيف والتّهذيب، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله!! ..
أهكذا يكون التّمدين؟! أهكذا يكون التّهذيب؟ أبهذا تمتلك القلوب؟! " (1).
النّصّ ينضح حسرة ومرارة، أفصح عنهما الكاتب بأسلوب ساخر معرّض بالمفارقات في تصرّفات المستعمر، كشفت عنهما هذه المقابلة بين الادّعاء والحقيقة في ميدان التّطبيق وطريقة التّنفيذ، وأبانت عنهما عبارة (نفعل كذا ولكن ... )
هذه الكلمات والجمل تعبّر تعبيرا صادقا وقويّا عن قمّة القلق النّفسي والألم المبرّح، بسبب تدهور الحالة السّياسيّة في الجزائر، وتكشف عن قمّة احتدام الصّراع مع المستعمر، كما تعبّر بصفة خاصّة عن حالة الكاتب الخاصّة ونفسيّته، ونفاذ صبره من مضايقات الاستعمار له في جهاده الصّحفي، والمصادرات المتكرّرة لجرائده. فبعد شهور فقط من كتابة هذا المقال، يصادر العدوّ جريدته "الفرقان" (2). بعدها يقرّر اعتزال الصّحافة التي قال عنها يوما ما:
إنّ الصّحافة للشّعوب حيـ
__________
(1) - " لكم الحرية التّامة في الانتخاب ولكن تحت طلقات المسدّسات وبين أزيز الرّصاص" (د. إ) جريدة الأمّة ع: 155 (22/ 02/1938م) المقال لأبي اليقظان كتبه بعد حوادث بسكرة التي وقعت يوم (06/ 02/1938) أثناء معركة الانتخابات.
(2) - صدر العدد السادس من الجريدة يوم: 02/ 08/1938م. وهو آخر عدد يصدره أبو اليقظان في نشاطه الصّحفي. (1/106)
صفحة 103
ــــــــاة ... والشّعب من غير اللّسان موات
فهي اللّسان المفصح الذّلق الذي ... بِبَيانه تتدارك الغايات (1)
إنّ اعتزاله الصّحافة لم يكن إلاّ بسبب المضايقات التي لقيها من المستعمر، فهجر هذه الوسيلة الضّرورية لحياة الشّعوب، وهذا اللّسان المفصح عن آمالها وغاياتها، وتركها تحت ضربات العدوّ القاتلة، وغيّر وسيلة العمل والجهاد (2)
حين نحضر هذا الجوّ الذي تنفّس فيه نصّ أبي اليقظان سابق الذّكر، نقف على المرارة والحسرة اللّتين طبعتاه، ونفهم السّخرية التي وصف بها الكاتب أعمال المستعمرين.
هذه نماذج من المضامين التي شملتها سخرية أبي اليقظان، وهي كثيرة لا يسع المقال المحدود، ولا المقام الضيّق بالتّعرّض لها كلّها. حسبنا أن نكشف عن هذه السّخرية الهادفة الملتزمة التي تميّز بها أدب أبي اليقظان والتي كان لها دور كبير في خدمة القضايا المختلفة، ثمّ الإسهام في اليقظة والنّهضة الجزائريّة الحديثة.
أمّا عن الأساليب التي اعتمدها الشّيخ أبو اليقظان في السّخرية، يكفي أن نشير إلى بعضها على سبيل التّمثيل فقط.
__________
(1) - ديوان أبي اليقظان ج1 ط2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الرّغاية (الجزائر) سنة 1989، ص: 130.
(2) - وهو القائل: " ... بعدما رأيت الجوّ مكفهرّا بعد تعطيل جرائدنا، وبعد أن أيست من الرّجوع إلى ميدان الصّحافة ورأيت نفسي وفي الأجل بقيّة للعمل والحمد لله، حوّلت وجهي للتّأليف ... " أبو اليقظان إبراهيم، "نشأتي" (مخ) ص: 59. ينظر أيضا كتابنا "أبو اليقظان في الدّوريات العربيّة "، جمع وتعليق، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1985م، ص: 176، 177. (1/107)
صفحة 104
من بين أساليب علم المعاني البلاغية التي استعملها الكاتب، أسلوب الاعتراض، الذي يعتمد على جمل يأتي بها الكاتب في أثناء كلام متّصل؛ لغرض يقصده بهذه البلاغة، ولا يكون لهذه الجمل أيّ محلّ من الإعراب، وتكون هذه الجمل موجعة مؤلمة؛ حين توضع في موضعها، وفي سياق محكم، فيتحوّل الكلام من معنى المدح إلى معنى الذمّ، أو من الوصف العادي والكلام العابر إلى تهكّم يصيب في المقاتل.
اعتمد الكاتب هذا الأسلوب لينال من خصومه، ويسخر منهم. فهو الذي اكتوى بنار السّياسة وذاق منها الأمرّين؛ بسبب ما أَذاقه الاستعمارُ من أنواع التّنكيل والتّضييق، ومصادرة جرائده، ووأد أفكاره، ومحاولات إخماد مشاعره ... كتب لاعنا السّياسة، مندّدا بها، داعيا إلى نبذها، مستعملا جملا اعتراضية، ساعدته على تحويل الكلام ونقله إلى خلاف ما يتوهّم الناس؛ من ترك السّياسة إلى ممارستها وذلك بواسطة التّهكم من الاستعمار الذي كان السّبب في التّزهيد فيها. فبعد أن ذكر أنّه لا يتمكّن من النّطق بكلمة "سياسة " لأنّها كلمة لاذعة، يعاقب عليها القانون بكلّ أنواع العقاب قال: " لا أنطق بها ناسيا، ولا أتعمّده، ولا أظنّه، ولا أشكّ فيه، ولا أتوهّمه، ولا أحدّث به نفسي، ولا يخطر ببالي، ولا يقع في هاجسي ولا خيالي، وإن أرغمت وإن أجبرت، وألجأتني الضّرورة – لا قدّر الله، والله يا لطيف على النّطق به- فإنّني أستبدله بالـ ... بو .. لتيك (1)، إذ أنّ هذا اللّفظ معناه الخاصّ في دائرته الضّيّقة المحدودة، وحدّه الفاصل بين ما هو من السّياسة – استغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة- وما ليس منها". (2)
الجمل الاعتراضية في النّصّ أبانت عن ازدراء الكاتبِ المستعمرَ، الذي كرّه إلى النّاس السّياسة، وحملهم على لعنها، ففي الدعاء " لا قدّر الله، والله يا لطيف على
__________
(1) - ارتكب الكاتب خطأ لغويا. المفروض أن يقول: أستبدل به البولتيك (السّياسة).
(2) - "أديب و ... "، " أعوذ بالله من السّياسة "، جريدة البستان ع:6 (06/ 06/1933م) النّصّ لأبي اليقظان. (1/108)
صفحة 105
النّطق بها " إشعار بروح الاحتقار والسّخرية من الخانق على الحرية؛ إذ الكاتب يحترس حتىّ من النّطق بها مخافة التّلبس بتهمة الإجرام، مع أنّ ممارسة السّياسة حقّ شرعي.
كما أنّ في هذه الجمل " أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة " اعترافًا ضمنيًا بارتكاب الجريمة، وتعهّدًا بعدم اقتراف زلّة ممارسة السّياسة، كما أنّ فيها أيضا استهزاء واحتقارًا للمستعمر، الذي لا يراعي الحقوق، ولا يرعى الذّمم، فيلجئ أصحاب الحقوق إلى التّخلّي عنها، والاعتذار عن اقتراف زلّة ممارستها.
في هذا الاستعمال دلالة نفسيّة عميقة على حالة التّذمّر والسّخط، التي عاشها الكاتب، وعلى حالة الإحباط، التي شعر بها، وهو يرى نفسه مقيّدة، لا تتمكّن من الانطلاق بحرية لممارسة حقّها المشروع، ويجد قلمَه محجّرا عليه لنقل مشاعره وتبليغ أفكاره.
من الأساليب التي اعتمدها الكاتب – أيضا- في سخريته، أسلوب التّعريض، الذي يعتمد على التّعبير غير المباشر واللّعب بالمعاني، من غير أن يكون بين المعاني تلاؤم مشروط. " وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلازم " (1).
في التّعريض ينال الأديب السّاخر من المسخور منه، ويعبث بخصمه، بطريقة خفيّة ذكيّة ومؤلمة في الوقت نفسه، وبذلك يوفّر التّعريض الجمالية في التّعبير والطّرافة في القول، وبذلك يبعث المتعة في نفس القائل ونفس المستمع والمطّلع على القول المعرِّض.
من ألوان التّعريض التي استوقفتنا في سخرية أبي اليقظان اللّون الممزوج بالحسرة والأسى، الذي يعبر – عادة- عن الحالة النّفسيّة المتأزّمة التي يعيشها بعض النّاس، وبخاصّة أصحاب الضّمائر الحيّة والمشاعر الوطنيّة الصّادقة، التي يحزّ في
__________
(1) - د. حامد الهوّال، السّخرية في أدب المازني، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، سنة 1982م، ص: 44. (1/109)
صفحة 106
نفوسها، أن ترى وطنها، يعبث به الأعداء، في الوقت الذي يتقاعس فيه بعض أبنائه عن أداء واجبهم، ويتخلّون عن مناصرة العاملين ومؤازرة المجاهدين في نضالهم.
يتحسّر أبو اليقظان من هذه التّصرّفات، ويعرّض بأولئك الذي يقعدون عن أداء واجبهم، ثم يدّعون بأنهم قد أدّوه؛ حين يكتفون بتقديم كلمة شكر وكلمة طيّبة للعاملين، ممّا يعدّ من معسول القول، دون التّحرك للإعانة في تحمّل المسؤوليّة، ولو بأداء ما عليهم من الاشتراك في جريدة، يتحمّل المصلح أعباءها الماديّة والمعنويّة.
يقول الكاتب إنّي سمعت بعض النّاس يجهرون بأصواتهم، ويحمدون الله على تأدية واجبهم نحو جريدتنا: "فسألت أحدا عن ذلك، فقال ألم أقل لكم في كلّ مناسبة: (أحسنتم) وهنا بقيت حائرا، وقلت لعلّ هذه الكلمة تصرف بمقدار عند أحد التّجار الكبار أو البنوك. وهنا ذهبت إلى (البانكة) ودفعت ورقة في (القيشي) مكتوبا عليها (أحسنتم)، فغضب (الكيسي) غضبا شديدا، فدُهشتُ قائلا: أعوذ بالله من الأزمة، حتّى صارت كلمة (أحسنتم) تصرف عندهم بثمن الاشتراك، والأمر لله " (1).
التّعريض يبدو في هذا الاستفهام، الذي كان باعثه الاندهاش والتّعجب من هذا التّصرّف (ألم أقل لكم؟ .. ) وفي التّبالُه والتّجاهل (لعلّ هذه الكلمة .. ) وفي الحديث النّفسي، الذي دار داخل نفس الكاتب. وفي هذا الأسف الذي يكشف عن قمّة الحسرة والأسى اللّذين ملآ قلب الكاتب (أعوذ بالله من الأزمة .. والأمر لله). ثم في اللّجوء إلى استعمال كلمات غير عربيّة (البانكة banque): المصرف، (القيشي guichet): كوّة أو نافذة التّذاكر. (الكيسي caissier): أمين الصّندوق. هذا الاستعمال هو خروج عن مألوف الكاتب، بل عن المألوف بعامّة. لجأ الكاتب إلى هذا ليعبّر ويفصح عن الحالة النّفسيّة غير الطّبيعية التي كان عليها.
يعرّض الكاتب نفسه – متحسّرا متألّما- بالظّلمة والمستبدّين، الذين أذلّوا الشّعب الجزائري وقهروه، وذلك باقتراحه على الجمعية السّياحيّة الأوروبيّة، التي طلبت
__________
(1) - "أحسنتم" (د. إ) جريدة البستان، ع:1 (27/ 04/1933م) النّصّّ لأبي اليقظان. (1/110)
صفحة 107
من بلديّة الجزائر أن تهيئ لأعضائها حوضا من الماء الحلو لينزلوا فيه بعد خروجهم من البحر؛ لينزعوا من جلودهم ملوحة البحر، حتى لا تحترق بأشعّة الشّمس التي لا يطيقونها.
يقدّم اقتراحه بعد أن رفضت البلدية طلبها: "ونحن نقول لهم الأمر بسيط جدًّا، لا يكلّفهم أدنى تعب، نحن الذين فاضت عيوننا دما من شدّة الظّلم والاستبداد .. لنا حمير –كما لهم- ذوات رجلين، إن شاؤوا استبدلناهم بجلودنا الغليظة، التي لا يؤثّر فيها ماء البحر المالح، ولا شمس الجوّ الحارّة ... فبهذا يرتفع النّزاع بين الحكومة والجمعيّة بسلام، ونراها أنجع وسيلة لفضّ هذه المشكلة المعقدة" (1).
الحسرة بادية في هذا النّصّ، فالكاتب يعرّض – متألّما - بهذه الأفكار السّخيفة التي تفكّر في الكماليات، وفي وسائل التّرف، في حين يرزح كثير من النّاس تحت نير الظّلم والقهر، ولا يجدون أدنى شروط العيش، وأبسط وسائل الحياة. كما يكون التّعريض في هذه الصّورة الحزينة التي قدّمها عن الاستعباد وكثرة الاعتداءات، وفظاعة التّعذيب والتّنكيل والاحتقار، المتمثّلة في صورة الحمير البشرية، التي تمتلك -بسبب الممارسات التعسّفية والاعتداءات الجسدية المتكرّرة ضدّهم - جلودا غليظة لا تؤثّر فيها الشّمس الحارّة، ولا ماء البحر المالح؛ مصداقا لقول المتنبي: "وما لجرح بميّت إيلام". إذ كان بإمكان أعضاء الجمعيّة السّياحية الأوروبية أن يفضّوا مشكلتهم المعقّدة، ويزيلوا الخلاف بينهم والبلدية بحلّ بسيط جدّا، لو استعاروا جلودنا ليقوا أنفسهم شرّ العواقب. فهذا هو التّعريض عينه.
بأسلوب التّندّر يحدّثنا أبو اليقظان عن مهزلة الانتخابات، والأسلوب الذي كانت تمارسه فرنسا في الجزائر؛ لتوهم النّاس بالحصول على حقوقهم، بينما هي تقوم بعمليّة تخديرهم وتنويمهم؛ لتلهيهم عن المقاومة والعمل الجهادي.
صوّر الكاتب ذلك في شكل قصّة قصيرة رامزة كان أبطالها فواكه وبقولا: " بما أنّ السّعادة عند علماء اللّغة والفلسفة هي الضّحك، فقد رأينا أن نتحف القرّاء بقصّة طريفة في القرن العشرين، قرن النّور والحضارة والتّمدّن والحرية، وهي أنّ البقول والفواكه اشتركت مع الإنسان في الحقوق، ودخلت معه في ميدان الانتخاب. فقد انتخب الباذنجان والفلفل والطماطم والبصل والثّوم والقرع، مع مشاركة مادة القطران معهم، وانتخبوا السّيّدة (كبوية) رئيسا، فقد أصابوا، إذ هو كبير الجسم مجوّفه، مكوّر الشّكل، فارغ الفؤاد. فنهنّئه بهذا الفوز، ونتمنّى له الانتشار، ونقول له بملء أفواهنا في بوق إسرافيل مبروك" (2).
التّنكيت والتّندر يبدوان في هذه القصّة المفتعلة الرّامزة، التي تختصر المسافة إلى الهدف، وهو فضح مهزلة الانتخابات، وتنبيه النّاس إلى عدم الوثوق بهذه الممارسات؛ لأنّها إحدى مؤامرات العدوّ ودسائسه. وقد وفّق الكاتب في اختيار فاكهة (الكابوية) لتمثّل الرّئيس، الذي وقع عليه الاقتراع؛ تنكيتا وتقريعا لمن ينحرف في سلوكه عن سواء السّبيل؛ لأنّ " الكابوية " بشكله الكبير المكوّر المجوّف الفارغ، يمثّل نوع النّاس الذين يفوزون في الانتخابات، التي تنظّمها فرنسا، وتوجّهها كيفما تشاء، وبما يتماشى مع مصالحها.
العبارة الأخيرة تعصر ما في قلب الكاتب من كمد وحسرة وألم؛ بسبب الممارسات التي تنال الأمّة في الصّميم – فهي من قبيل التّندّر والتّنكيت الأليمين-
__________
(1) - "فلاح البستان" جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م) المقال لأبي اليقظان. ارتكب الكاتب خطأ لغويا، إذ المفروض أن يقول استبدلنا بهم جلودنا.
(2) - "مضحك" " أعجوبة آخر الزّمان" جريدة الأمة، ع:21 (19/ 02/1935) النّصّ لأبي اليقظان. (1/111)
صفحة 108
وذلك حين يعلن الكاتب عن تهنئته بفوز "الكابوية" في الانتخابات، وحين يختار "بوق إسرافيل" وسيلة توصل الخبر إلى كل مكان.
بأسلوب المفارقة الذي يعتمده الأديب للكشف عن التّناقض الحاصل في تصرّفات بعض النّاس، وتقديم ذلك تقديما متهكّما ساخرا مستهزئا. الذي منه تسمية الأشياء تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلا مغلوطا، وسرد المشاعر سردا شاذّا. كتب أبو اليقظان مقالا كاملا يوصي فيه ابنه وصايا تخالف ما اعتاده النّاس، وما يدعو إليه العقل، وما يفرضه الدّين. نطق بذلك مجاراة للظّروف والملابسات التي يعيشها المجتمع الجزائري، وتعبيرا عن المفارقات التي لحظها في المجتمع؛ بما يدعو إلى الإشفاق والدّهشة والتّحسّر من استهتار النّاس بالقيم السّامية والأخلاق الفاضلة: " كن منافقا مرائيا ملاّقا، وفي كنف هذه الصّفة تعيش مملوء الجيب، طويل العمر، وإيّاك والصّراحة والجهر بالحقّ، فإنّ هذا مما يقصم ظهرك، كن خائنا كذّابا، فإنّك بذلك تعيش خفيف الظّلّ، عذب اللّسان، وإيّاك والنّصح والصّدق، فإنّ هذا ممّا يجعلك مرموقا بعين الحنق والاستثقال ... " (1).
في المقابلة بين النّصائح والنّتائج المتحصّل عليها تكمن السّخرية؛ لأنّها إفرازات تكشف عن سلوك تضرّر به المجتمع كثيرا، وهو اللّجوء إلى السّهل الميسور، والاشتغال باللّهو والعبث، والتّحلّي بصفات رذيلة، وارتكاب الموبقات والحماقات. هذه هي المفارقات التي أدهشت الكاتب وحيّرته، وقد عالجها في أدبه كثيرا وبأساليب متنوّعة. منها أسلوب السّخرية التي أفرغت ما في قلبه من كمد، وما فيه من وجد.
__________
(1) - "أبوك الكذّاب" "وصية كذّاب لابنه" جريدة وادي ميزاب ع: 88 (22/ 06/1928م) النّصّ لأبي اليقظان. ينظر للكاتب نفسه، "عوم بحرك يا ... " جريدة البستان ع:4 (23/ 05/1933م)، و"محادثة أصمّ"، المصدر نفسه ع:10. (1/112)
صفحة 109
حين صدر قرار وزارة الدّاخلية بتعطيل "جريدة وادي ميزاب"، ومصادرة كلّ ما يصدر وَفقا لخطّة هذه الجريدة. تألّم أبو اليقظان كثيرا واشتدّ حنقا على المستبدّ، فخاطبه بما يليق بمقامه الحقير، وبممارساته الدّنيئة، متهكّما ساخرا سخرية مريرة، لاجئا إلى أسلوب المفارقة، وهو يسجّل المآسي التي تتعرّض لها الصّحافة الوطنيّة فقال:
يا بلبل الصّداح صَهْ واخرس فلا ... تتعرّضن لأعظم الأرزاء
واسكت بِربّك يا حمام الرّوض عن ... ذاك الهديل، ففيه شر الدّاء
يا أيّها السّنور خذ حذرا فلا ... تنبس علانية بِبِنت مواء
يا أيّها الطّفل الصّغير اسكت فلا ... تطلب علالات ولو ببكاء
فلقد غدونا في زمان من يـ (1/114)
صفحة 110
ـــــرم ... فيه الكلام يكن من السّفهاء (1)
في هذه النّداءات المتساوقة تكمن المفارقة، التي تبطن الأسى والحزن والحسرة من هذا المصير والعاقبة الوخيمة التي آلت إليها الصّحافة الوطنيّة، وصوت الحرية، ولسان المستضعفين والمقهورين؛ ولهذا لا يمكن لأيّ مخلوق أن يطلق أيّ صوتٍ، وإلاّ عُدَّ من السّفهاء. وإن كان الكاتب بهذا الأسلوب، أسلوب المفارقة، يدعو إلى غير ذلك، أي عدم الرّضوخ لهذه التّهديدات، وعدم الاستسلام لهذه الممارسات. هذه إحدى وظائف السّخرية. إثارة المشاعر، وشحذ الهمم بطريقة خفية غير مباشرة.
لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب؛ اتّقاء لحساسية النّاس، وتجنّبا لإثارة حفائظهم، وهروبا من لفت نظر المستعمر إلى ما يدعو إليه، حتىّ لا يفسد عليه خطّته في النّهوض بمجتمعه. وقد اختار أن ينبّه إلى هذه المفارقات تنبيها لطيفا فيه التّورية والتّلميح والتّعريض. هذه هي السّخرية عينها، إنها: " تقوم على التّورية والتّعمية والإيلام غير المباشر كالسّهم المميت، الذي لا يظهر أثره إلاّ بعد أن يكون قد تمكّن من الرّمية كلّ تمكّن، من غير أن تفطّن له في أوّل الأمر" (2).
لم يكن الشّيخ أبو اليقظان بدعا من الأدباء، الذين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا الأسلوب، بل وجد من سلك هذا السّبيل نفسه، يقول د. محمد ناصر: " فإنّ في أخلاق المجتمع ما يدعو الكتّاب إلى معالجتها في بعض الأوقات بمثل ذلك الأسلوب، وكأنّهم يقابلون سخرية النّاس بالقيم وبالمبادئ، بسخرية مثلها، أو كأنّهم يضطرّون إلى مثل هذه الوقفة إذا أعياهم القول الجاد والنّظرة الصّارمة " (3).
__________
(1) - ديوان أبي اليقظان ج1، ص:198
(2) - د. نعمان محمد أمين طه، السّخرية في الأدب العربي، ط1، دار التّوفيقيّة للطّباعة بالأزهر، القاهرة، سنة 1399 هـ/1979، ص:196.
(3) - د. محمد ناصر المقالة الصّحفية الجزائريّة، نشأتها وتطوّرها وأعلامها (1903 – 1931) مج2. (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص:192 (1/115)
صفحة 111
كما أنّ هذه الطّريقة معروفة في الأدب، فمن بين الأدباء العرب المعاصرين، الذي نهجوا هذا الأسلوب "محمود بيرم التّونسي" (1).
من الأساليب التي دارت في أدب أبي اليقظان السّاخر، الذي مرّر به أفكاره ومشاعره أسلوب الاستفهام. من خلال النّموذجين الآتيين أحسسنا أنّ الكاتب حرص على تقرير بعض الحقائق، التي تخفى على كثير من النّاس. فتنطلي عليهم حيل المستبدّين والظّلمة. وفي الوقت نفسه يقدّم توبيخًا للمتسببين في تعاسة الأمّة الإسلاميّة.
النّموذج الأوّل يتعلق بمأساة الصّحافة في الجزائر. فقال مخاطبا الذين يدّعون حماية القانون:
هل في قوانين القضا فصل به ... يقضي على المعدوم بالإفناء
أفتفرض الأحكام ضدّ أجنّة ... قبل الولادة في بطون خفاء (2)
وبما يجدّد شبهها في
__________
(1) - ينظر د. محمد الصالح الجابري، محمود بيرم التّونسي في منفاه حياته وآثاره، ج1، ط1، دار الغرب ا لإسلامي، بيروت، لبنان، 1407ه/ 1987م، ص:541
(2) - علّق الشيخ أبو اليقظان أيضا على قرار تعطيل جريدة (البستان) بسخرية: "وهكذا يفعل الاستعمار الفرنسي، يحكم على الإنسان بالإعدام، وهو جنين في بطن أمّه". بنظر كتابه: "نشأتي" (مخ)، ص:56. وكتاب أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص: 246. (1/116)
صفحة 112
عرفهم ... هل بالصّرامة ضدّ كلّ جفاء
أبذا قضى عصر العدالة والإخا ... تبًّا لكلّ سياسة خرقاء
أو ليس مرمى الكلّ شيئا واحدا ... هو قطع مجرى الحقّ للعلياء (1)
وعن قضية فلسطين أفضى بالمشاعر نفسها. وتساءل تساؤل ساخر متهكّم بمن يعيش على الادّعاء، ويرتكب أعمالا تعسفيّة:
بعسفهم معا أضحى أباة ... العروبة في البلاد مشردّينا
فهل جمعيّة الحيوان تدري ... بهذا العسف أم تغضي الجفونا
وأين دعاة حفظ الأمن هل هم ... بعصر النّور أحيا يرزقونـ
__________
(1) - ديوان أبي اليقظان، ج1، ص:199. (1/117)
صفحة 113
ــــا
أباسم الرّفق بالإنسان يقصى ... عن الأوطان ناس آمنونا
أباسم الحقّ والإنصاف أنتم ... على طمس الحقيقة مجمعونا
أباسم العدل منصفكم يرى ... قم لأقعد أيّها المتفلسفونا (1)
هكذا نلحظ هذا الكمّ الهائل من النّصوص التي وظّف فيها الشّيخ أبو اليقظان السّخرية وسيلة لأداء رسالته الاجتماعيّة. وقد حاول التّنويع في الأساليب؛ ليعالج موضوعات مختلفة. ويلائم بين مشاعره المحتدمة الكثيرة المتأثّرة بالظّروف التي أدّت إلى إثارتها، ويوفّق بينها والمخاطبين والمقصودين بالتّناول وقد كانت سخريته ذات قيمة موضوعيّة أكثر منها فنيّة؛ لأنّها لم تكن في مستوى كتابات السّاخرين الفنّانين الكبار؛ لهذا ركّزنا على الجانب الموضوعي فيها أكثر من الجانب الفنيّ.
نسجّل في الختام:
1 - إنّ هذه السّخرية أدّت رسالة مهمّة في المجتمع؛ إذ كانت تسعى إلى الإصلاح والتّقويم والتّغيير، وقد حاول أبو اليقظان من خلالها إسقاط مشاعره وأفكاره على ما كان تبنّاه من أساليب في كتاباته الأدبيّة الأخرى.
2 - بقيت مبادئه ثابتة، وأفكاره قائمة من دون تغيير أو تبديل.
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص:90. (1/118)
صفحة 114
3 - سخريته ليست من النّوع المرح المضحك، بل بالعكس هي من النّوع الذي يثير الأسى والحزن والكآبة في النّفس، لأنّها تأتي – عادة- للتّعبير عن السّخط والقلق على الوضع الذي عاشه مجتمعه بخاصّة.
الرَّجل المسلم الجزائريُّ في أدب الشّيخ ابن باديس (1)
إنَّ أصعب ما يُواجه الإنسان في عمله، ويُرهِق الحضارات في مسيرتها بناءُ النُّفوس وإعدادُ الرِّجال وتكوينُ الشَّخصيَّة، ورفعُ الكيان وتشييدُ الهيكل ... ؛ لأنَّ ذلك يتطلَّب مَلكات وخبرات، وطول نَفَس وصبرا، ووعيًا بالرِّسالة المنُوطة بالإنسان والأمانة المُوكلة إليه الَّتي اختارها وقَبِلها حين عُرِضت عليه بعد أن رفضتها الأرض والسَّماوات والجبال. وتتطلَّب فهمًا للواقع المعيش والظُّروفِ المحيطة به، والمتسبِّبَةِ في إيجاد وضعيَّة خاصَّة، وحذقًا ومهارةً لكيفيَّة الإقلاع، حين العزم على القيام بالواجب، وكفايةً في القيادة والتَّسيير، وتكيُّفًا مع الإمكانات المتوفِّرة، واستثمارها في تحقيق
__________
(1) - نشر المقال في مجلّة " الموافقات ّ، المعهد العالي لأصول الدّين، جامعة الجزائر، س: 6، ع: 6، 1418هـ/ 1997 – 1998م، ص: 363 – 381. (1/119)
صفحة 115
الأهداف المرسومة والغايات المُسطَّرة، ومعرفة كيفيَّة التَّعامل والتَّحرُّك والتَّعايُش مع الفئات الَّتي تنشط، أو تُوجد في البيئات الَّتي يعمل فيها الشَّخص السَّاعي إلى الإصلاح والتَّغيير.
كما تتطلَّب حُسْنَ التَّصرُّف مع أولئك الموجَّهين، واطِّلاعا كبيرا على أحوالهم، وخَبْرَ نفوسهم وتطلُّعاتهم، وكفاية القائم بواجب التَّوجيه وعلى أمانة الإعداد في استيعاب الثَّقافة الَّتي يُهدَف إلى إنشاء من يوجَّهون عليها، وتتطلَّب الدّراية والتَّمتُّع بالشُّموليَّة في النَّظرة والتَّربيَة والتَّوجيه ...
لماذا كلُّ هذه المطالب؟ لأنَّ البناء والإصلاح والتَّغيير عمل شاقٌّ، طريقهُ محفوفة بالمخاطر، ونتائجُه لا تتحقَّق بسهولة، ولا يُتَحَصَّل عليها إلاَّ بعد لأْيٍ وجهود جهيدة.
نحن اليوم نجني ثمار ريح التَّغيير الَّتي هبَّت بقوَّة على العالم بعامَّة، وبلادنا الجزائر بخاصَّة، ونعيش آثارها الخطيرة على الشَّخصيَّة، والكيان، والثَّقافة بعامَّة. لقد أفرزت هذه الرِّيح تحدِّياتٍ فكريَّةً كثيرةً في حياة الفرد المسلم؛ من أكبر هذه التَّحدِّيات الفكريَّة عدمُ فهم حقيقة الإسلام، وعدمُ وضوح معالمه لدى مسلم اليوم، وهو ما أدَّى به إلى سوء توفيقه في التَّعامل معه تعاملا يحقِّق إسلاميَّته كفرد ينتمي إلى هذا الدِّين؛ عقيدة، وقولا، وعملا. فالإسلامُ غريبٌ في داره، كما أنَّ ملاءمة المسلم بين عقيدته وواقعه؛ بين دينه وما يجري في مجتمعِه أمرٌ عسير وصعب. من ذلك أيضا أنَّ ثقافة المسلم يجب أن تخضع - كما يُملَى عليه-ـ لما يسمَّى عالميَّة الثَّقافة أو كينونة الثَّقافة، وهو ما يؤدِّي إلى فقد خصوصيَّة ما تتميَّز به ثقافةُ المسلم. ونتيجة لكلِّ ذلك أصبحت رسالةُ المسلم اليوم غيرَ واضحة.
ريح التَّغيير والتَّفتُّح وحرِّيَّة التَّفكير والاعتقاد والعمل المبنيَّة على غير أساس صحيح أفرزت نتيجة خطيرة، وهي التَّحرُّر من كلِّ قيد، والتَّنصُّل من كلِّ رباط، وعدمُ الاعتراف بأيَّة وصاية وأيَّة زعامة، وأيَّة رَقابة على الفكر. كما بلورت فكرة (1/120)
صفحة 116
أو نتيجة خطيرة أخرى؛ هي: أنَّ كُلَّ من ينتسب إلى الإسلام يحسب نفسه أكثر فهمًا له من غيره، وأنَّه هو الأولى بالزَّعامة والقيادة والوصاية على هذا الدِّين.
كما ولَّدت هذه الحرِّيَّة أزمةً في التَّربيَة: في كيفيَّة ممارستها، واختيار الوسائل النَّاجعة للقيام بها، بل عمَّقت الخلافَ في محتوى هذه التَّربيَة في برامجها ومناهجها، وأَنْتَجت مُعضِلة أخرى في مستوى علماء الإسلام؛ تتمثَّل في التَّنظير للإسلام بما يتلاءم - أحيانا - مع روح كلِّ مُنَظِّر، وينسجم مع كفايته في الثَّقافة الإسلاميَّة.
ريحُ التَّغيير أَنْتَجت ثمارا خبيثة؛ وهي عدم اقتناع المسلم، أو المنتمي إلى الإسلام بأنَّ له رصيدا فكريًّا غنيًّا، يمكنه الاعتزاز به، والرُّجوع إليه والإصدار عنه، والعمل على الإضافة إليه.
بل إنَّ هذه الرِّيحَ تجُبره - أحيانا أخرى - على الإعلان عن فقد الإسلام مبرِّرات وُجوده، وبعدها الاقتناعُ بأنّ التَّخلِّيَ عنه أصبح ضربة لازب، أو قد يُتَساءل – أيضًا -ـ هل تستطيع الثَّقافة الإسلاميَّة أن تكون سَنَدا وأساسا لحضارة جديدة.
إلى غير ذلك من الإفرازات الَّتي تهدِّد الإسلام من داخل الدِّيار والحصون والقلاع؛ لذا بات لزاما معالجةُ هذه الوضعيَّةِ وتداركُ الأمر، وذلك بالتَّشمير عن ساعد الجدِّ، والاستعانةِ بالتَّربيَة الحسنة، والاسترشادِ بسير السَّلف الصَّالح، والاستنارةِ بتجارِب علماء الإسلام الرَّبَّانيِّين؛ فالتَّربيَة "وسيلة هامَّة وناجحة لدعم العقيدة، ونقلِها سليمةً إلى الأجيال، فالمربُّون ـ في ممارسة عمليَّة التَّربيَة ـ يسعون دائما إلى تحقيق الأهداف الَّتي يرتبط بها المجتمع، ومِنْ ثَمَّ يحاولون تنشئة الأجيال على النَّموذج الذي يُؤمنون به، وترسيخَ العقيدة الَّتي يعتنقونها، والتَّربيَةُ فرصة المجتمع في تكييف العناصر الثَّقافيَّة الجديدة، والقضاءِ على المشكلات الَّتي قد تنجُم في أثناء صِراعها مع العناصر (1/121)
صفحة 117
الثَّقافيَّة القديمة السَّائدة." (1)
في هذا الصَّدد نودُّ الرُّجوع إلى سيرة الإمام الشّيخ عبد الحميد بن باديس (2) رئيسِ جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين، وأحدِ رواد الحركة الإصلاحيَّة في الجزائر والعالم الإسلاميِّ، وصاحبِ التَّجربة الكبيرة المهمَّة في الإصلاح والتَّربيَة والتَّعليم والتَّوجيه، وصاحبِ الحنكة والدُّربة في الإعداد والتَّكوين والتَّنشئة، وصاحبِ المميِّزات والصِّفات المطلوبة في القائد والمعلِّم والموجِّه والزَّعيم؛ فيه الكفاية العلميَّة والتَّربويَّة، وبُعْد النَّظر، والشُّموليَّة في التَّوجيه والرُّؤية، والمرونة، والكياسة، والمهارة في القيادة وسياسة الأمور، والأبوَّة الحانية، والأستاذيَّة المخلصة ...
نحن في أمسِّ الحاجة إلى معرفة سيرته ونشاطه وتربيته في وقتنا الحالي، الذي يعيش فيه النَّاس أزمةً في التَّربيَة، وضلالا عن سواء السَّبيل، وفَقْرًا إلى روح الحماسة لدينهم ووطنهم وتاريخهم، وعدمَ وعي رسالتهم في الحياة، وعدمَ فهمِ مبرِّرِ وُجودهم في هذه الدُّنيا.
استرجاع محطّات حياة ابن باديس وأضرابِه من المُصلحين، واستذكارُ مواقفهم، واستعراضُ آرائهم، واستظهارُ آثارهم ... تَغْدُو - في نظرنا - ضرورةً ملحَّة وواجبًا مؤكَّداً وفرضًا محتوما؛ لأنَّ النَّشء يعيش في تِيه، وفي حالة اضطراب
__________
(1) - ينظر مجلّة الحياة (أصدرها طلبة معهد الحياة بالقرارة)، ع: 8، جمادى الثّانية 1404هـ/ مارس 1984م، ص: 2.
(2) - الشّيخ عبدالجميد، ابن بايس (1889 – 1940م) أحد الرّوّاد البارزين، والأركان الأساسيّين في الحركة الإصلاحيّة في الجزائر، رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّينن، صاحب جريدتي المنتقد والشّهاب، أبرز كتّاب المقالة الصّحفيّة الإصلاحيّة الجزائريّة. من آثاره: مجالس التّذكير في التّفسير، العقائد الإسلاميّة، مبادئ الأصول ... أدرجنا هذا العمل ضمن الدّراسات الأدبيّة؛ لأنّ ما كتبه الشّيخ ابن باديس كان بأسلوب أدبي رائع، وكان قد نشره في مجلّة الشّهاب، التي كانت لا تحتضن إلاّ ما يتميّز بالأدبيّة والفنّيّة، إلى جانب قيمة المضمون والمحتوى ... (1/122)
صفحة 118
نفسيٍّ وقلق فكريٍّ. هو يبحث عن الفكر الأصيل الَّذي يُنقِذه من هذه الحِيرَة وهذا التَّذبذب. وقد لمسنا ذلك واضِحًا في أسئلة الطَّلبة، وفي الموضوعات الَّتي يختارها بعضُهم في أبحاثهم الجامعيَّة الَّتي يدُور كثيرٌ منها حول فكر المصلحين، ومواقف العاملين المخلصين.
في هذا السّياق اخترنا كلمةً للشّيخ عبد الحميد بن باديس " الرَّجل المسلم الجزائريُّ " (1) لنعلِّق عليها، عسانا نأخذ منها ما يُعِيننا على حلِّ كثيرٍ من المُعضلات التَّربويَّة الَّتي نُعاني منها.
اخترنا الشّيخ عبدَ الحميد بنَ باديس بالذَّات؛ لأنَّه من الشَّخصيَّات الجزائريَّة القليلة الَّتي أُتيحت لها فرصٌ للنِّضال والجهاد والعمل الإصلاحيِّ أكثر من غيرها، وقد ظفر بهذه المنحة للعوامل الآتية:
أوَّلا: لمؤهِّلاته الفِطريَّة، وتكوُّنِه الصَّحيح والقويِّ؛ وهو ما يسمح له بالإسهام في مجالات الإصلاح بقوَّة أيضًا؛ وقد فعل ابنُ باديس هذا، فصَالَ وجَالَ ونال.
ثانيا: بحكم المراكز الَّتي عمل فيها، وشغل منصب الرِّئاسة والقيادة والصَّدارة فيها؛ فهو - مثلا - كان رئيسَ جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين، ومؤسِّسَ جريدة المنتقد، وجريدة ومجلَّة الشِّهاب، ورئيسَ تحريرهما، كما كان المتصدِّرَ لكثير من المجالس والمنتديات ...
ثالثا: لأنَّه عاش في فترة كثُر فيها الهجوم على الشَّخصيَّة الوطنيَّة الإسلاميَّة، واشتدَّ الحديث والخوض في موضوعات خطيرة على حياة المسلم الجزائريِّ
__________
(1) - هي في الأصل محاضرة ألقاها الشّيخ في نادي التّرقّي بالجزائر العاصمة (ارتجالا)، في شهر ربيع الأوّل 1384هـ، ثمّ كتب ما بقي في ذهنه ونشره في مجلّة الشّهاب، ج10، م5، غرّة جمادى الثّانية 1348هـ/ نوفمبر 1929م. ينظر كتاب " اين باديس حياته وآثاره، ج3 "، جمع ودراسة الدّكتور عمّار طالبي، دار الغرب الإسلامي، بيروت ـ، 1403ه/ 1983م،، 464 – 470. (1/123)
صفحة 119
كمشروع الاندماج، وقانون التَّجنيس، وقانون استعمال اللُّغة العربيَّة، وموضوع التَّعليم القُرآنيِّ .... وفترةِ تفشِّي الجهل، وانتشارِ البدع، واحتدام الصِّراع بين التَّيَّارات والأفكار المتباينة، وعدم وضوح الرُّؤية وتوحيدها في كيفيَّة الجهاد ووسائل النِّضال.
نكاد نقول إنَّ ابنَ باديس وزملاءَه المصلحين انطلقوا من الصِّفر في هذا الجهاد، وهذا العملِ التَّربويِّ. يقول الدُّكتور صالح الخرفي «وبدأ ابنُ باديس الجولةَ من الصِّفر، بل من الصِّفر المركَّب، فلم يكن هناك كُفر، ولكن إسلامٌ مشوَّه، لم يكن هناك جهلٌ فحسب، ولكن ثقافة دخيلة مسمومة، ولم يكن هناك شعبٌ ألقى حبله على غاربه، ولكن كان هناك الشّعب الَّذي تسلَّط على زمامه المستعمرُ، لم يكن هناك الشَّباب الجاهلُ فقط، ولكن الشَّباب المشوَّه الثَّقافة واللِّسان، المفصول عن تاريخه وحضارته، وما أشبه اللَّيلة بالبارحة، وما أشدَّ حاجتنا إلى ابن باديس يُبْعثُ من جديد ... " (1)
نعم ما أشبه اللَّيلة بالبارحة، فنحن المسلمين - اليوم - نكاد نعيش الوضعيَّة نفسَها، فباطِّلاعنا على تلك الأوضاع التي سادت زمن ابنِ باديس، وعلى سياسته في معالجتها، ووقوفنا على وسائله في الإصلاح والتَّغيير والتَّربيَة والتَّوجيه، وبراعته في إعداده لكلِّ حادث حديثا خاصًّا يليق به، وتقديمه لكلِّ مقام مقالا يصلح أن يُتَّخذ منوالا يُنسج عليه للوصول إلى الأهداف من دون تهوُّر أو اندفاع ولا جُبن وضعف وتوان ... كلُّ ذلك يُعين على تصحيح أخطائنا في مجال التَّربية، ويقوّم انحرافنا في مضمار الإصلاح، أو يقرّبنا – على الأقلّ – من الأهداف التي نصبو إلى بلوغها.
مع كلّ ذلك وتماشيًا واستجابة لما تدعو إليه التّربية الصَّحيحة، التي تتوخَّى
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي،، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 130، 131. (1/124)
صفحة 120
التَّكوين السَّليم للرِّجال، فإنَّ ابن باديس ينبِّهنا إلى نقطة مهمَّة في هذا المجال؛ وهي: يجب أن يكون الإنسان ابنَ وقته، لا يتخلّف عنه في التَّفكير، وفي اتّخاذ الوسائل الَّتي تنسجم وتستجيب للحياة المعاصرة، يقول موجِّها كلامه للنَّشء: « .... وحافظ على حياتك، ولا حياة لك إلاَّ بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميل عاداتك، وإذا أردت الحياة لهذا كلِّه؛ فكن ابنَ وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة، وطرق المعاشرة والتَّعامل. كن عصريًّا في فكرك، وفي عملك، وفي تجارتك، وفي صناعتك، وفي فلاحتك، وفي تمدّنك ورقيِّك .... ». (1)
نحن بدورنا ندعو إلى الإصدار في العمل التَّربويِّ عن روح ابن باديس، ولا نطلب تبنِّي كلّ وسائله وطرقه التي إن صلحت في وقته؛ فإنَّها - ربَّما- تُعيق المسيرة في الوقت الرَّاهن.
رابعا: لأنَّ ابن باديس كرَّس حياته للتَّربيَة والتَّعليم وتكوين النَّاشئة وإعداد الرِّجال، الَّذين يتلقَّون عنه الدَّعوة الإصلاحيَّة والتَّوجيه العربيَّ الإسلاميَّ الرَّشيد؛ لينطلقوا بعد تكوُّنهم لينشروا العلم والإصلاح، ويبثُّوا الوعي الإسلاميَّ في أرض الله الواسعة ... وهو القائل: «إنِّي أُعلن أنَّني لست لنفسي وإنَّما أنا للأمَّة؛ أعلِّم أبناءها، وأُجاهد في سبيل دينها ولغتها، وإنَّ كلَّ ما يقطع عليّ ّهذا الطَّريق أو يعوقني عن أداء واجبي في هذه السَّبيل؛ فإنِّي لا أرضى به ولو كان ذلك من مصلحة الأمَّة». (2)
لقد كان ابنُ باديس حريصًا على إيجاد أرضية ثابتة تقف عليها دعوتُه
__________
(1) - ابن باديس جياته وآثاره، ج3، نشر المقال في جريدة الشّهاب، ع: 49، س3، (15 صفر 1345هـ/ 23 أوت 1926م). ص: 178.
(2) - جريدة البصائر، ع: 93، ديسمبر 1937م. (1/125)
صفحة 121
الإصلاحيَّة، وعملُه التَّربويُّ قبل أن ينغمس في التَّيَّارات السِّياسيَّة. (1)
بل كان يحذر من الغرق في بحر السِّياسة وفي متاهاتها؛ حتَّى لا تُفقَد الحدودُ بين التَّربية والتَّعليم من جهة، والسِّياسة من جهة أخرى، وهو ما يحدث بكثرةٍ لناشئتنا اليوم، الذين لا يعرفون: أَهُم يتعلَّمون ليمارسوا السِّياسة، أم يمارسون السِّياسة لكي يتعلَّموا. نحن في حاجة ماسَّةٍ إلى الاستفادة من روح هذه التَّربية، وهذا التَّوجيه في زمننا الأغبر هذا.
لماذا اخترنا موضوع "الرَّجل المسلم الجزائريُّ" أمَّا عن الرَّجل؛ فلأنَّ كثيرا من المشاكل التَّربويَّة التي تُعاني منها الأسرة المسلمة تعود إلى عدم فقه الرَّجل معنى الرُّجولة الَّتي يحملها، ويتزيَّا بها، ولا يعلمُ لها قدرها، الذي يفرِض عليه أن يتحمَّل مسؤوليّته كاملة نحو أهله: زوجه وبنيه وبناتِه، وكلِّ من هو تحت كفالته؛ في التَّوجيه والرِّعاية والتَّوعية والرَّقابة والأخذِ بأيديهم نحو الأحسن والأَخْيَرِ، والابتعادِ بهم عمَّا يهدِم شخصيّتهم وأخلاقهم ودينهم.
أمَّا عن الجزائريِّ المسلم فالجواب نقتبسه من الشّيخ عبدِ الحميد بنِ باديس نفسِه: « ... وإنَّما نذكر المسلم الجزائريَّ؛ لأنَّه هو الذي قُدِّر أن يكون منَّا ونكونَ منه، كما يكون الجزء من كلِّه، والكلُّ من جزئه، فحاجته أشدُّ وحقُّه أوجب، فكان المقصود بالقصد الأوَّل على أنَّه لم يُذكر لتخصيصه، وإنَّما ذكر ليشعر بنفسه، فيعمل لإسلامه وجزائريَّته؛ فيكون ذا قيمة ومنزلة في المجموع». (2)
__________
(1) - ينظر الدّكتور تركي رابح، دراسات في التّربية الإسلاميّة والشّخصيّة الوطنيّة، ط1، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1402هـ/ 1982م، ص: 134.
(2) - محمد الصّالح الصّدّيق، الشّيخ عبد الحميد بن باديس، من آرائه ومواقفه، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1403هـ/ 1983م، ص: 11. ينظر أيضًا مجلّة الشّهاب، ج1، م12، غرّة محرّم 1355هـ/ أفريل 1936م. (1/126)
صفحة 122
نحن بدورنا نذكّر الرَّجل الجزائريَّ المسلم المعاصر بتوجيهات ابن باديس كي يرجع إلى إسلامه، ويتمسَّك بوطنه ويلتفَّ حوله، ويعتزَّ بشخصيَّته؛ فَيُقلِع عن تصرُّفاته المسيئة له ولدينه ولبلاده، وليكفَّ عن ضلاله، ويخرج من ظلام التِّيه إلى نور الهداية.
كما نستغلُّ هذه التَّوجيهاتِ لنعالج بها وضعنا الحالي، ولنبثَّ بعض المشاعر، وننشُرَ بعض الخواطر التي تشغل بالنا، ونحن نراقب الحياة التي يحياها المسلم اليوم؛ إذ جانبٌ كبير منها هو خروجٌ عن جادَّة الطَّريق، وابتعادٌ عن شرع الله.
تخيَّلَ الشّيخ عبدُ الحميد بنُ باديس رجلاً مسلما جزائريًّا واقفا يُناديه من بعيد بعُنجهيَّة، يلومه على التَّفكير في تعليم المرأة وتثقيفها، بدل الاهتمام بالنُّهوض بالرَّجل أوَّلا وتكوينه قبل المرأة؛ وذلك برفع حجاب الجهل عنه، حتَّى يكون في المستوى الذي يُعينه على القيام بمسؤوليّته الدِّينيَّة والتَّربويَّة أحسن قيام: «إذا أردتم التَّفكير الصَّحيح والإصلاح المنتج ففكِّروا فِيَّ قبلها، فأنا أبوها وزوجها ووليُّها ومصدر خيرها وشرِّها».
يحدِّد ابنُ باديس - في هذه الفقرة - الجوانب التي تمثِّل الرَّجل، فكلُّ جانب يحدِّد المسؤولية الَّتي ينبغي أن يتحمَّلها الرَّجل حسب الصِّفة التي يكُون عليها، وكلُّ واحد منها يُبيِّن أنَّه يجب أن يكون مُتكوِّنا ومؤهَّلا معرفيًّا وتربويًّا؛ حتَّى يقوم بواجبه كاملا.
في غياب هذا التَّفكير وهذا العمل على الإعداد الصَّحيح للرَّجل، في مُقابل الاهتمام بالمرأة المخلوقة الضَّعيفة التي لا تقوى على توظيف علمها توظيفا صحيحا، في وسط يكون فيه الرَّجل صاحبُ القِيادة والقِوامة والولاية جاهلًا، ووسط مجتمع تفرض هي نفسَها فيه على الرِّجال، وعلى كلِّ أفراد المجتمع، وهي النَّاقصة عقلا ودينا.
في غياب هذا التَّفكير الذي يردُّ الأمور إلى نصابها يكون الخطر، ويكون ما يحذر منه الرَّجل المتخيّل؛ لأنَّ ذلك يُحْدِث فوضًى اجتماعيَّةً، ويُورث صِرَاعا وفِتَنا تؤدِّي إلى تداعي أركان المجتمع وتآكل أُسُسِه، وبعدها يكون انهياره وفناؤه. (1/127)
صفحة 123
يشير – هذا الرّجل المتخيّل - إلى إحدى هذه النَّتائج الوخيمة: «أنتم تفكِّرون في تعليم المرأة، فَلِمَن تعلِّمونها؟ لي أنا الرَّجل الجاهل لِيقعن لها ما يقع للعالِم الضَّعيف المغلوب من الجاهل القويِّ الغالب؟ ومن يعلِّمها؟ أنا الجاهل! كيف أترك نفسي وأعلِّمها؟».
أسئلة مهمَّة وأساسية يقدِّمها ابن باديس (على لسان الرَّجل المتخيّل) في هذا المجال، تُحدِّد الأولويَّة في الإعداد والتَّعليم، فالرَّجلُ والمرأة مَعْنيَّان بالتَّعليم، لكنَّ البداية يجب أن تكون من الرَّجل؛ لأنَّه هو الذي يعلِّم المرأة ويثقِّفها، فكيف يعلِّمها جاهل؛ ففاقد الشَّيء لا يُعطيه كما يقال؟ وكيف يهتمُّ الرَّجل بغيره، وينسى نفسه؟ يقول أحمد شوقي:
يا أيُّها الرّجلُ المُعلّمُ غيرَهُ ... هَلاَّ لِنَفْسِكَ كانَ ذَا التّعليمُ
بل إنَّ ابن باديس ينبِّه إلى نقطة مهمَّة، هي من إفرازات التَّربية غيرِ المؤسَّسة على قواعد سليمة؛ إنَّها مشكلةُ وقوع الجاهل القويِّ الغالب - بالقوَّة والطَّبيعة - تحت رحمة العالِم وسيطرته - بحكم الواقع - العالمِ الضَّعيفِ المغلوب بالفطرة.
إنَّ هذه الوضعيَّة تُنتج إفرازاتٍ وخيمةً على المجتمع؛ فهي إمَّا أن تحُدث صدامات وصراعات بين الطَّرفين: المرأة والرَّجل؛ بسبب مطالبة كلّ طرفٍ بالقِوامة والقيادة في الأسرة: المرأة بما تعيشه واقعا ملموسا، وبما هيَّأَهُ لها الظَّرف بحكم تكوُّنها وتعلُّمها، إذ لا ترضى لها نفسُها أن تكون تحت رحمة جاهلٍ، أو امْرئٍ غَيرِ متعلِّمٍ يُسِيء إليها ويظلمها، وقد تشعر بالإهانة أصلا، وهي تنقاد لجاهلٍ وهي المثقَّفة المتعلِّمة. والرَّجل يتمسَّك بالقِوامة والقِيادة والتَّصرُّف المطلق في المنزل؛ استنادا إلى الحقِّ الذي منحه إيَّاه الشَّرع، ولو كان جاهلا بكيفيَّة تأدية الواجب الذي يقابل هذا الحقَّ. (1/128)
صفحة 124
قد لا يحدث الصِّراع، إنَّما يكون الاستسلام المطلق والسَّلبيُّ للأمر الواقع؛ إذ قد تنقلب الموازين وتُصبح المرأة هي القوَّامة، ولا يحمل الرَّجل من رجولته إلاَّ اسمها. وقد تستسلم المرأة لتصرُّفات الرَّجل الطَّائشة الحمقاء، فتتحوَّل الحياة جحيما، بدل أن تكون أَمْنا وطمأنينة. إنَّ هذه الأوضاع أو هذه الحالات كثيرا ما نصادفها في علاقات الأزواج وسلوكهم. إذن فَلنعِ جيِّدًا هذه الأسئلة ولنقرأْ قراءة سليمة وواعية ما تثمره إجاباتها من نتائج؛ حسب تصرُّفنا وسلوكنا.
ثمَّ يضيف الرَّجل المتخيِّل لابن باديس: «أنتم تفكِّرون في نزع حجابها وخلطها بالمجتمعات، ألا تخافون عليها غيرتي؟ فلأُقاتلنَّ عليها، ألا تخافون إغارتي؟ فلأضايِقْهُنَّ ولتريْنَ منِّي كلَّ أنواع التَّعدِّي والأذى».
هل وعينا جيِّدا ما قاله الرَّجل المتخيِّل؟ هل عرفنا حقَّ المعرفة ما جنيناه على أنفسنا مِنْ تَرْك النِّساء يختلطن بالرِّجال من دون مراعاة الحدود الشَّرعية في ذلك، ومن دون تقدير النَّتائج الوخيمة لتصرُّفاتنا؟ وهل تحرَّكت غيرتنا ونخوتنا لتثأر لكرامتنا، ولما يحدث في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ومؤسَّساتنا من أنواع السُّلوك غيرِ اللاَّئق والاعتداءات، بسبب كلِّ ذلك ... ؟!!
فلنتأمَّل هذه النَّفثات، ولنحلِّل هذه الإيماءات، ولندرس واقعنا دراسة موضوعيَّة، ولنعمل بنصيحة الرَّجل المتخيِّل: «وإذا أردتم إصلاحها الحقيقيَّ فارفعوا حجاب الجهل عن عقلها قبل أن ترفعوا حجاب السَّتر عن وجهها، فإنَّ حجاب الجهل هو الذي أخَّرها. وأمَّا حجاب السَّتر فإنَّه ما ضرَّها في زمان تقدّمها، فقد بلغت بناتُ بغداد وبنات قرطبة وبنات بجاية مكانة عالية من العلم وهُنَّ متحجِّبات، فليت شعري ما الذي يدعوكم اليوم إلى الكلام في كشف الوجوه قبل كلِّ شيء ... ».
قال الشّيخ عبد الحميد بن باديس: أمام اعتراض هذا الرَّجل المتخيّل لم أجد بُدًّا من العدول عن الحديث عن المرأة وحالتها وواجباتها وحقوقها إلى تناول (1/129)
صفحة 125
موضوع الرَّجل الذي يشكو وَهنا في تفكيره، وضعفا في شخصيّته، وانحرافا في سلوكه، وقد تناولَه في نواحيه الثَّلاثة: رجولته، إسلاميّته، جزائريَّته. في الحقيقة إنَّ هذه النَّواحِيَ الثَّلاثةَ هي ما حاول الاستعمار الفرنسيُّ تهوينها في الفرد الجزائريِّ حتَّى يسيطر عليه؛ وهي الجوانب التي تستهدف في الإنسان للقضاء عليه وعلى شخصيّته.
فإذا أُصيب في رُجولته فَقَدَ السَّيطرة على نفسه، والتَّحكُّم فيمن هو تحت كفالته ورعايته، وإذا أُصيب في إسلاميّته فَقَدَ شخصيّته وأصالته وانتماءه، وإذا أصيب في جزائريّته فَقَدَ الحماسة لوطنه وحبَّه لترابه ولِذَوِي قرباه.
ما المشاكل الَّتي نعيشها اليوم؟ وما الهزَّات التي نتعرَّض لها حاليا؟ وما الانتكاسات النَّفسيَّة التي نمرُّ بها في زماننا هذا؟ وما هذا النُّفور الذي يحصل بيننا؟ وما هذا الصِّراع الدَّامي والدَّمويُّ الذي ما يفتأ يتنامى فينا؟ وما الإهانات التي ما نبرح نتلقَّاها من غيرنا؟ وما ... وما ... كلُّ ذلك ما هو إلاَّ نتائج لما أُصِبنا به في رجولتنا وإسلاميّتنا وجزائريّتنا، فكيف عالج الشّيخ عبد الحميد بن باديس هذه النَّواحي الثَّلاثة؟ وماذا يمكن لنا أن نستفيده - نحن - من هذه المعالجة؛ بما يُعيننا على حلِّ مشاكلنا التَّربويَّة الحالية، واتِّقاء نكساتنا النَّفسيَّة الآنية، وتجنُّب هزَّاتنا الاجتماعيَّة الرَّاهنة؟ ... هذا ما نحاول معرفته واستنتاجه من خلال هذا العرض والتَّحليل.
1 ـ الرَّجل: يقول ابن باديس: «خُلِقَ الرَّجُل قَوِيًّا مُتَهَيِّئا بما مُنح من القوَّة للقيام بما يقتضيها من عظائم الأمور، وجلائل الأعمال للإنسانيَّة التي هو فرد منها، للوطن الذي هو من نبَاته، وللبلد الذي هو من سُكَّانه، للبيت الذي هو رئيسه».
ذكر ابن باديس أنَّ الرَّجل قويٌّ، إنَّ هذه الصِّفة التي أُعطيَها تدعوه إلى تسخيرها في القيام بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، لمن؟ لكلِّ الإنسانيَّة من دون تمييز؛ لأنَّ في ما منحه الله من المنح والنِّعم (عبر عنها بالقُوَّة) - التي تجعله يتميَّز بها عن غيره، ويتفوَّق عليه - حقًّا لكلِّ من يدبُّ على وجه الأرض أن يستفيد منها، حسب ما (1/130)
صفحة 126
يستطيع هذا الممنوح له هذه القوَّة أو هذه النِّعم أن يقدِّم من أعمال وخدمات؛ لسبب بسيط يذكره ابن باديس هو: لأنَّ هذا المميَّز والمنحول هذه النِّحلة هو فردٌ من هذه الإنسانيَّة.
ثُمَّ يشير إلى الجهات التي يجب أن تنتفع بهذه القُوَّة، الذي هو واجب مقابل حقٍّ؛ حتَّى يكون لهذه المنحة تبرير، وحتَّى لا يكون ما خلق الله وما أعطى عبثا: {أَفَحَسِبْتُم أنَّما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأنّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون/ 115). هذه الجهات هي: «للوطن الذي هو من نباته، وللبلد الذي هو من سكَّانه، وللبيت الذي هو رئيسه».
ألم يُقِم ابن باديس الحجَّة على كلِّ شخص مُتِّع بهذه القوَّة (وهي ما أُعطِيَ ومُيِّز به) إنْ هو قصَّر ولم يقم بواجب إشراك النَّاس في الخير الذي خصَّ به؟ ألم يُنَبِّه الخلقَ إلى مسؤوليّتهم في الحياة؟ مسؤولية قيام كلِّ فرد بواجبه، نحو كلِّ من بمتُّون إليه بصلة ورابطة؟ ...
ألا يتمُّ بهذا الفهم الصَّحيحِ للواجب التَّعاونُ والتَّكافلُ؟ ويعمُّ الرَّخاء، وينتشر العدل؟ ويسود الأمن والطُّمأنينة؟ ويستشعر النَّاسُ الثِّقة فيما بينهم؟ بلى! حين يُؤدِّي كلُّ فرد لبيته ولبلده ولوطنه وللإنسانيَّة قاطبةً ما عليه من واجب نحوها، وما لها هي من حقٍّ في هذه القوَّة تنقص المشاكل، وتحلُّ محلَّها السَّعادةُ.
على كلِّ عاقلٍ أن يتأمَّل في هذه المقُولة، ويرتِّب النَّتائج بعد ذلك، ثمَّ يقارن بين ما يسودنا اليوم، وما يحكمنا وما يسيِّرنا وما ينصرف ويتصرَّف منَّا وفينا وعنَّا .... وبين ما ينتج عمَّا أشار إليه ابن باديس؛ لنقوّم هذا التَّوجيه، ثُمَّ لنقف على مكمن أخطائنا وانزلاقاتنا، ثمَّ لنعرف أَمَا نزال في حاجة إلى توجيهات ابن باديس وأضرابه أم نحن في غنًى عنها؟
بعد ذلك يخصُّ ابن باديس الأسرة بتوجيهٍ خاصٍّ انطلاقًا من معنى الرُّجولة، ودورِ الرَّئيس فيها؛ فيشير إلى ناحية من نواحي الامتياز عند الرَّجل، الآتية من القوَّة الممنوحة له؛ وهي القِوامة التي هي له حقٌّ، مقابل واجبٍ عليه أن يقوم به: {الرّجالُ (1/131)
صفحة 127
قَوَّامونَ على النّساءِ بما فضّلَ اللهُ بعضهُمْ على بَعْضٍ وبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالهِمْ ... } (النّساء/34).
في الآية إقرارٌ بحقٍّ وتثبيتٌ لواجب، وفيها تحديدُ المسؤوليّة وتحميلها، وفيها تبريرٌ لسبب إعطاء القِوامة للرَّجل وتفضيلِه على المرأة؛ وذلك لأنَّها ناقصةُ عقلٍ ودين وضعيفةٌ، فلا يمكن لها أن تكون هي القوَّامة، ثُمَّ بما أنفق الرَّجل من ماله على المرأة، وعلى كلِّ أفراد أسرته؛ إذ هو مُطالَب بالإنفاق ولو كان فقيرا. هذه الأفضليَّة تفرِض على الرَّجل كما قال ابن باديس: «واجب الرِّعاية بالسَّعي والتَّكسُّب، بالتَّهذيب والتَّعليم للزَّوجة، للأبناء، للبنات».
قال أحد الكتَّاب: (الرّجال قوّامون على النّساء) مبالغةٌ في القيام بأمر النِّساء في المسؤوليّة والتَّوجيه، وقائمون عليهنَّ بالأمر والنَّهي والإنفاق والتَّوجيه كما يقوم الولاة على الرَّعيَّة بسبب ما منحهم الله من العقل والتَّدبير، وخصَّهم من الكسب والإنفاق. قال أبو السُّعود: «والتَّفضيل للرَّجل لكمال العقل وحسن التَّدبير ورزانة الرَّأي ومزيد القوَّة؛ ولذلك خصُّوا بالنُّبوَّة والإمامة والولاية والشَّهادة والجهاد وغير ذلك».
بعد هذا العرض نسأل أنفسنا: هل نحن فاهمون فاقهون معنى القِوامة؟ هل نحن مُدْرِكون لماذا أُعطينا - نحن الرِّجال - هذا الحقَّ وهذه القوَّة؟ وهل نحن قائمون بواجبنا مُقَابِل هذا الحقِّ؟ ساهرون على توجيه أفراد أسرتنا لنقي أنفسنا وأهْلِينَا نارا وَقُودها النَّاس والحجارة؟ هل وظَّفنا كمال عُقُولِنَا فيما يعود على أهلنا بالخير والنَّفع؟ هل تحلَّينا بحسن التَّدبير والرَّزانة في الرَّأي؛ لنُصْلِحَ أحوالنا وأحوال أفراد أسرتنا الذين نحن مسؤولون عنهم؟
الواقعُ الذي نُشاهده يُجِيب بالسَّلب، بلا! فالكثير هم الذين فقدوا القِوامة في بيوتهم، وفقدوا التَّحكُّم في زمام أمور أهلهم وتسييرهم وتوجيههم بالنَّظر إلى ما ذكرته الآية، آنفة الذِّكر، أي الواجب الذي يفرضه الحقُّ أو القوَّة الممنوحة (1/132)
صفحة 128
للرَّجل.
وما تطاوُل المرأة على الرَّجل، وما عدمُ احتفاء الأولاد بالوالد، وما تجرُّؤُ الأبناء على الأب، وما شعور النَّشء بالحرِّيَّة المطلقة في أن يقولوا ما يشاؤون، ويلبسوا ما يريدون، وأن يمشوا إلى حيث يرغبون ... من دون تلقِّي توجيهات واستقبال مواعظ. وما حدث كلُّ ذلك إلاَّ لضعف هذا العنصر (القوامة) أو انعدامه أحيانا في بعض البيوت؛ وهو ما ورّث فسادا في الأخلاق، وانحرافا في السُّلوك؛ لذا اشتدَّ قلق الأولياء من تصرُّفات أولادهم وتذمُّرهم من أعمالهم، وكثر شكواهم من التَّعب في تربيتهم. كما أنَّ هناك مَنْ يُبدي ضجره من تبذير زوجه وأبنائه في المعاش والملبس ... ومنهم من يشتكي من تصرُّفات الزَّوج التي تأتي على حساب القيام بشؤون البيت، وعلى حساب الدّين أحيانا، ومنهم من يُكثِر من إظهار تضايقه من التَّدخُّل السَّلبيِّ للمرأة في تربية الأبناء. كلُّ ذلك حصل ويحصل نتيجة ضعف شخصيَّة الرَّجل وانحسار سلطته؛ أي فقد قوَّته، وبذلك فقد رجولته وسيادته.
إنّ من سُلِبَ هذه السِّيادة في البيت فَقَد السِّيادة في قومه ومجتمعه، يقول ابن باديس: «فهو (أي الرَّجل) السَّيِّد في بيته ليكون سيِّدًا في قومه، والسِّيادة الحقيقيَّة إنَّما هي بالنَّفع والعمل المنتج، فسيِّد البيت هو الأكثر عملا، والأجلبُ نفعا له في سبيله؛ فالسِّيادة حظُّ العاملين على درجاتهم في الأعمال».
لقد رتَّب ابن باديس على عنصر القِوامة، والتَّمتُّع بالسِّيادة الكاملة في البيت نتائج خطيرة (مهمَّة) ممَّا يستلزم التَّفطُّن لها؛ لأنَّها تعبِّر عن حقيقة القوَّة في الرَّجل، وعن حقيقة شخصيَّته؛ فالرَّجل السَّيِّد في بَيْتِهِ يكون سيِّدًا في قومه، وحين يكون كذلك ينتج عملا صالحا، ويكون أكثر نفعًا لمجتمعه؛ لأنَّه يكون أكثر جدِّيَّة وإخلاصا وحرصا على العمل المفيد، وأوفر مبادرة وتضحية من أجل الوطن.
هكذا نرى، أنَّه حين تُطبَّق التَّعاليم الدِّينيَّة، ويتمسَّك بما في القرآن والسُّنَّة من التَّوجيهات والإرشادات، وحين يوجد من يبلِّغُها ويوضِّحها للنَّاس ويشرحها شرحا (1/133)
صفحة 129
جيِّدا، وحين تجد من يستمع إليها ويتقبَّلها ... يَنْبُت النَّباتُ الحسنُ، وتكون الثِّمارُ الطَّيِّبة.
2 ـ المسلم:
أمَّا عن إسلاميَّة الرَّجل فإنَّ ابن باديس يبيِّن أنَّ الإنسان لا يُعدُّ مسلما حقيقيًّا إلاَّ إذا فهم أنَّ الإسلام اعتقاد وقول وعمل؛ أي عقيدة وتطبيق صحيح، وتجسيد للإسلام في الواقع، والتزام بمبادئه في الحياة يقول: «هو (أي المسلم) المتديِّن بالإسلام؛ والإسلام عقائد وأعمال وأخلاق، بها السَّعادة في الدَّارين».
في هذا التَّوجيه تنبيه إلى أنَّ النَّاس يعيشون في غفلة عن الجانب التَّطبيقيِّ في التَّديُّنِ، وفيه تصحيح لمفهوم النَّاس للتَّعامل مع الدِّين من حيث الالتزامُ والإخلاص في العبادة.
إنَّ هذه الحقيقة هي السّائدة والحاصلة في حياة أغلب المسلمين اليوم. وقد أورث هذا الواقع مخادعة للنَّفس، وادِّعاء الانتماء إلى الإسلام، والحماسة له دون تجسيد ذلك في واقع الممارسة؛ وبذلك ساء سلوك المسلمين وشُوِّهت سُمْعة الإسلام، وتُطُوول عليه وادُّعي ...
كما أشار ابن باديس إلى نقطة جديرة بالالتفات إليها، وهو يقوم برسالة الإصلاح والتَّصحيح، وتقديم الوجه الحقيقيِّ للإسلام. هذه النُّقطة تُبعد عن الإسلام صفة الرَّهبنة، وتُثبت فيه صفة الشُّموليَّة لأمور الدِّين والآخرة؛ إذ إنَّه بتعاليمه يسعى إلى سعادة الدَّارين، وليس كما يفهم بعض النّاس- قصورا منهم في الفهم والإدراك - أنَّه دين يُعنى فقط بالآخرة.
يرى هؤلاء أنّ على المؤمنين أن يزهدوا في الدُّنيا زهدا كاملا، ولا يلتفتوا إليها إطلاقا، فقد حظر هؤلاء على النَّاس التَّمتُّع بالحياة الدُّنيا بما هو مشروع، وحرَّموا على العباد زينة الله التي أخرج لهم، والطَّيِّبات من الرِّزق. هذه الفكرة أو النَّظرة أضرَّت بالمسلمين كثيرا؛ فقد حجّرت عليهم الحركة والدَّأب، وجمَّدت (1/134)
صفحة 130
نشاطهم وعقولهم.
كما أنَّ الصِّراع الحاصل بين أفراد بعض التَّجمُّعات الإسلاميَّة - وما يزال - من أسبابه؛ هذه النَّظرةُ، وهذا الفهمُ الخاطئ للإسلام وتعاليمه، لهذا ذكر ابن باديس أنَّ تحصيل الإسلام بقواعده وأعماله وأخلاقه ... لِسعادة الآخرة فشيء ظاهر للعيان «وأمَّا تحصيلُها لسعادة الدُّنيا؛ فقد صار في هذه العصور المتأخِّرة عند كثير من النَّاس ممَّا يخفى، مع أنَّ دعوته إلى تحصيل السَّعادة والسِّيادة في الدُّنيا في آيات القرآن العظيم كثيرا جدَّا».
ثُمَّ سرد مجموعة من الآيات الَّتي تحثُّ على الاهتمام بما يُعِين على عمارة الأرض واستثمارها لأجل تحقيق السَّعادة الدُّنيويَّة التي بها تنال الآخرة ... كالدَّعوة إلى العِلم، والحثِّ على الفلاحة والصِّناعة والتِّجارة ...
إنَّ ابن باديس بهذه الإيماءات يُفْصِح عن أحد مظاهر الحياة التي كان يحيِاها الشَّعب الجزائريُّ؛ ألا وهو مظهرُ الجمودِ الفكريِّ وتحجُّرِ العقول اللَّذين عطَّلا حركة الحياة.
فالإسلام إذًا لا يحظُر - أبدا - التَّمتُّع بزينة الحياة الدُّنيا المشروعة؛ بل بالعكس يدعو ويوجب على النَّاس السَّعي لاستغلال كلِّ وسيلة تساعد على عمارة الأرض، وتحقيق سعادة الدُّنيا: { ... هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الارْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فيهَا فاسْتَغْفروهِ ... } (هود/ 61)
يُضيف ابن باديس: إنَّ الإسلام - إلى جانب ذلك - هو دين المعاملة والأخلاق الحسنة: «وهو إلى هذا دين السَّلامة، (والمسلم من سلم النَّاس من لسانه ويده)، ودين المحبَّة (لا يؤمن أحدكم حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)، ودين التَّرقّي بالعلم: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذينَ يَعْلَمُونَ والذينَ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر9)، ودين السِّيادة بالعدل والسَّعادة بالإحسان: {إنَّ الله يأمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسانِ} (النّحل/90).
إنَّ ابن باديس يوجِّه أنظار النَّاس إلى أن يفقهوا حقيقة الإسلام؛ حتَّى يتَصرّفوا (1/135)
صفحة 131
في حياتهم - ما داموا يدَّعون الانتماء إليه - وَفق ما يمليه هو، وَوَفق ما يرتضيه، لا وَفق ما يريدون هم؛ حتَّى لا ينخدعوا - أيضا - ولا يقعوا تحت تأثير دعايات من أراد تشويه الإسلام، وتزهيدَ النَّاس فيه، أو تقديمَه لهم بطريقة غيرِ سليمة.
نحن نرى أنَّ هذا التَّوجيه ما يزال يشملنا اليوم، وما يزال يعنينا ما دمنا لا نفقه حقيقة الإسلام إلاَّ قليلا، وما بقينا بعيدين عن فهمه: روحا ومعاني سامية، وعملا صالحا، وسلوكا حسنا، ودينا شاملا لسعادتي الدُّنيا والآخرة.
3 ـ الجزائريُّ: أمَّا عن جزائريَّة الرَّجل فإنَّ ابنَ باديس يُبيِّن أنَّ من يُنسب إلى هذا الوطن، عليه أن يرعى حرمته، ويعي واجباته نحوه، ... وعليه أن يعرف أنَّ ما حظي بالنِّسبة إليه إلاَّ لأنَّ له معه ذكرياتٍ سجَّلها آباؤه وأجداده، كما تربطه به علاقات محكمة لا تنفصم عُراها مهما يعتري هذا الوطن من محن ونكبات، ومهما يَشعُرُ هذا الوطنيُّ بأنَّه مسَّه من وطنه جور، وناله ولَحِقَه من أهله ضررٌ وضنٌّ:
بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة ... وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرام
عليه أن يعرف أنَّه يربطه بوطنه رباط المصالح المشتركة، والأهداف المتَّحدة، رباطِ الآمال والآلام، يقول ابن باديس: «إنَّما يُنْسَبُ للوطن أفراده الذين ربطتهم ذكريات الماضي، ومصالح الحاضر، وآمال المستقبل، فالذين يعمرون هذا القطر، وتربطهم هذه الرَّوابط هم الجزائريُّون».
فلينظر كلُّ واحد منَّا كيف هي علاقته بوطنه اليوم، وهو يمرُّ بظروف صعبة وبوضعيَّة حرجة، هل هو ملتفٌّ حوله يذود عن حوضه بسلاحه؛ سلاحِ العلم، وسلاحِ التَّضحيَّة والفداء، وسلاحِ الصَّبر معه وعليه، وسلاحِ العزيمة والإرادة، وسلاحِ التَّنمية والتَّرقية والنُّهوضِ به في كلِّ المجالات، هل هو متمثّل قول (1/136)
صفحة 132
الشَّاعر محمَّد العيد:
بلادك في الدُّنيا تلادك فارعها ... وحاذر على أكنافها أن تروّعا
وأرضك في الأوطان أمُّك فاحْبُها ... بِبِرٍّ ففي أخلافها عشت مرضَعا (1)
هل يتخلّى الرَّجل الجزائريَّ عن وطنه، ويتركه يتخبَّط وحده في المشاكل والمحن، وَيهجره إلى حيث ينشد ويجد ما يحقِّق مصالحه، ولا أقول سعادته؟ لأنَّ من هجر وطنه، استجابة لمصالحه الخاصَّة لا يكون سعيدا، إنَّما يُعدُّ شقيًّا مسكينًا!! لهذا يضيف ابن باديس أشياء أخرى تحقِّق النِّسبة للوطن: «والنِّسبةُ للوطن تُوجب علم تاريخه والقيام بواجباته؛ من نهضةٍ علميَّة واقتصاديَّة وعمرانيَّة، والمحافظةَ على شرف اسمه وسمعة بَنِيه، فلا شرفَ لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعةَ لمن لا سمعة لقومه».
هذه هي - في فلسفة تربية ابن باديس - المواصفات التي بها تتحقَّق رجولة المسلم الجزائريِّ الذي هو النَّموذج المطلوب في كلِّ مجتمع إسلاميٍّ، وبها تتمُّ خلافةُ الإنسانِ اللهَ في الأرض واستعمارُها.
إنَّ هذه الحقائق وهذه المواصفاتِ لا يمكن أن تحصل، ولا أن تتمَّ إلاَّ عن طريق واحد، وسبيل واحد؛ هو التَّعليم. يقول ابن باديس: «هذه الحقائق التي ذكرناها، بها يكون الرَّجل رجلا، والمسلم مسلما، والجزائريّ جزائريًّا، فتهذيب الرَّجل وتعليمُه لا يكون إلاَّ بالعلم والعمل بها، وما ذلك إلاَّ ببثِّها: بالمحاضرات في النَّوادي، بالدُّروس العامَّة في المساجد، بالخطب الجُمُعِيَّة على المنابر».
__________
(1) - آل خليفة محمَّد العيد؛ ديوان محمَّد العيد محمَّد على خليفة، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة: 1979م، ص:187. (1/137)
صفحة 133
هكذا يعلِّق ابن باديس أهميَّة ودورا كبيرين على التَّعليم، وكان يراه المنقذَ الأوَّلَ من الفوضى والتَّخلُّف، والباني الحقيقيَّ للشَّخصيَّة، وخيرَ محافظ على الكيان، وأحسنَ ضامن لبقاء الأمَّة واستمراريَّة فكرها وفلسفتها ورُوحها؛ لهذا كان أوَّلَ ما أعلن عنه حين برز بقوَّة في ميدان الإصلاح، بعد أن بدأت هياكلُه ومنابرُه في التَّبلور؛ كالصِّحافة، والمساجد، والنَّوادي .... أعلن وقال سنة 1925م (البداية الحقيقيَّة للنَّهضة الجزائريَّة الحديثة، والسّنَّة التي عرفت تحوُّلاتٍ كبيرةً في حياة الجزائريِّين سنة ميلاد الحركة الإصلاحيَّة)، قال في افتتاحيَّة أوَّل جريدة أصدرها؛ وهي «المنتقد»: « ... ولأنَّنا جزائريُّون نعمل لإسعاد شعب الأُمَّة الجزائريَّة، وإحياء القوميَّة في أبنائها، وترغيبهم في العمل النَّاجح، والعلم النَّافع، والعمل المفيد، وحتَّى ينهضوا كأمَّة لها حقَّ الحياة والانتفاع في العالم، وعليها واجب الخدمة والنَّفع للإنسانيَّة» (1).
هذا الإعلان المبكِّر لابن باديس في بداية مشواره الصِّحافيِّ الذي خرج به من دائرته الضَّيِّقة (في قسنطينة) التي قضى فيها عشر سنوات في التَّدريس لتكوين نشءٍ علميٍّ، ودخل حقل العمل العامِّ بالدَّعوة العامَّة للإسلام الصَّحيح، وإشراكِ كلِّ المسلمين في دعوته (2). إنَّ هذا الإعلانَ يُثبِت أنَّ ابنَ باديس لم يتخلَّ - أبدا - عن أسلوب التَّعليم الذي يراه الأنجعَ في التَّربية والتَّكوين.
أمَّا نحن فنتساءل هل نحن واعون بخطر التَّعليم؟ هل نحن مدركون لضرورة الاهتمام والاعتناء به؟ هل نحن عارفون لما يجب أن نقدِّمه من وسائل، ونسخِّرَه من إمكانات للنُّهوض به؛ حتَّى يؤدِّيَ رسالته المنوطة به؟ هل نحن دارون لما نضعه من مناهج، وما نخطِّطه من برامج في مختلِف مراحل التَّعليم؟ تعليم أبنائنا الذين يجب أن
__________
(1) – جريدة المنتقد (قسنطينة)؛ ع: 01 (02 جويلية 1925م).
(2) – ينظر كتاب دراسات في التَّربية الإسلاميَّة، ص:134. (1/138)
صفحة 134
نُنشِئَهم طبقا للفلسفة التي تنسجم وتستجيب لها البيئة التي يتنفّسون فيها، ويدرُجون ويترعرعون. هذه الفلسفة التي تُتَرجم عن روح الدِّين الإسلاميِّ، وتنبع منه.
علينا أن نَعْرِض مسيرتنا التَّعليميَّة على المحكِّ الذي ذكره ابن باديس، والرُّوحِ التي بثَّتْها أقوالُه وتصريحاتُه؛ لنعرف أَنَحن على الدَّرب سائرون، والنَّهج القويم سالكون؟ أم في الغيِّ والضَّلال سادرون؟ علينا أن نعمل بنصيحة شيخنا: «وإذا كانت هذه طريقنا للتَّعليم العامِّ فعلينا أن نجعلها في أوَّل ما نهتمُّ به من شؤون إصلاحنا، إذ لو كانت هي كما يجب أن تكون، وقامت بواجبها كما يجب أن تقوم؛ لكُنَّا على حال غير ما نحن عليه اليوم».
إلاَّ أنَّ العناية بالرَّجل وحده من دون المرأة لا يُجدي ولا يُفيد، بل يضرُّ ويسيء كما يقول ابن باديس: «إنَّ العناية بالرَّجل تستلزم العناية بالمرأة؛ شقيقته في الخِلقة والتَّكليف، وشريكته في البيت والحياة، هما زوجان متلازمان، لا تكمل الوحدة البشريَّة إلاَّ بكمالهما».
يضيف ابن باديس: إنَّ بين الرَّجل والمرأة لحمةَ اتِّصال قويَّة. على كلِّ واحد منهما يتوقَّف بلوغ غايات الثَّاني، وتحقيق مصالحه، وإثبات ذاتيته ... ؛ لذا يجب الاعتناء بالطَّرفين والزَّوجين والقُطبين معا عنايةً واحدة، وتعليمهما وتكوينهما تكوينا يناسب طبيعة كلِّ طَرَف، ويُحقِّق في النِّهاية التَّكامل في توفير أسباب السَّعادة في هذه الحياة. وقد دَعَمَ ابن باديس رأيه في إيجاد هذه العلاقة بين الزَّوجين، وهذا التَّلازم والاتِّصال والتَّشارك بينهما، دعَم ذلك بعدَّة آيات قرآنيَّة.
لكن مع ذلك وانسجاما مع روح الشَّريعة الإسلاميَّة، وملاءمةً للفطرة البشريَّة؛ فإنَّ الرَّجل يجب أن يكون الأوَّل، والمرأة الثَّانية، يقول ابن باديس: «فإنَّه هو المقدَّم عليها، والقيُّوم على شأنها، والمسؤول على إنهاضها، تشهد بهذا الفطرة الظَّاهرة في ضعف خَلقها، والتَّاريخُ البشريُّ بما فيه من مدنيَّات قديمة وحديثة كلُّها قامت على كواهل (1/139)
صفحة 135
الرِّجال، ويشهد به الدِّين في قوله - سبحانه وتعالى -: {الرّجال قوّامون على النّساء .. } (النّساء/ 34)
هل نحن اليوم واعون بهذه الشَّراكة، وبهذا التَّلازم بين الزَّوجين، وبهذه العلاقة العاطفيَّة والعلاقة النَّفعيَّة بين الرَّجل والمرأة؟ وهل أفكارنا اليوم منسجمة مع هذه العلاقة؛ حتّى نتصرَّف معها طِبْقا لما تمليه الشَّريعة الإسلاميَّة وتشير إليه، أو تُنبِّه الفطرة البشريَّة؟ فنظفرَ بالحياة الطَّبيعيَّة السَّعيدة الَّتي تتطلَّب من كلِّ طرف تكوينا يتناسب مع طبيعته، وإسناد مسؤوليَّة تستجيب لكفاية كلِّ واحد منهما، وتحدِّد مجالات النَّشاط التي تتوافق مع إمكانية كلِّ زوج، وتُعيِّن الواجبات التي يقوم بها كلُّ طرف ... فبهذا يتحقَّق التَّكامل المنشود. هل نحن عاملون بهذه الملاحظات؟ هل نحن ضاربون بها عرض الحائط، غير معترفين بها؟
انطلاقا من هذه الحقيقة: حقيقةِ اشتراك المرأة مع الرَّجل في صنع السَّعادة وبناء الحياة رأى ابن باديس ضرورة الاهتمام بالمرأة، ورأى واجبا عليه الإدلاء برأيه في المرأة المسلمة الجزائريَّة مثل ما تكلَّم عن الرَّجل المسلم الجزائريِّ. قال عن المرأة: إنَّها: «خُلقت لحفظ النَّسل، وتربية الإنسان في أضعف أطواره: {وَحًمْلُهُ وَفِصالُه ثلاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف/15)، فهي ربَّة البيت وراعيتُه، والمضطرَّةُ بمقتضى هذه الخِلقة للقيام به، فعلينا أن نعلِّمها كلَّ ما تحتاج إليه للقيام بوظيفتها، ونربِّيها على الأخلاق النِّسويَّة التي تَكُون بها المرأة امرأة، لا نصف رجل ونصف امرأة، فالتي تلد لنا رجلا يطير خيرٌ من التي تطير بنفسها».
إنَّ ابن باديس يحدِّد تحديدا دقيقا وظيفة المرأة في الحياة التي تضمن التَّكامل المنشود بين الرَّجل والمرأة؛ من أجل بناء حياة تسعدهما وتسعد من ينشأ في كنفهما من الأبناء.
نحن بدورنا يجب أن نضطلع بمسؤوليتنا في إعداد برامج، وتسطير مناهج، وتهيئة تعليم وتكوينٍ، يؤهِّل المرأة للقيام بوظيفتها الأساسيَّة، لا أن نُعِدَّها كي تبتعد عن مهامها الحقيقيَّة؛ ليقوم بها مَن لا يحُسِن - بطبيعته وخصائصه - أن يضطلع (1/140)
صفحة 136
بهذه الوظيفة التي هي من خصوصيَّة المرأة.
كما أنَّ علينا أن نُنشئها على الأخلاق النِّسويَّة حتَّى نُعِدَّ امرأة تتآزر مع الرَّجل، وتتعاون معه في سبيل ملء الفراغ الذي يطبع حياته، الذي لا تملؤه إلاَّ المرأة الميسّرَة والمخلوقة لتقوم بهذا الدَّور ... حتَّى لا نكوّن نصف امرأة، أو نصف رجل بتعبير أدقّ. أَتَعليمنا وتكويننا وتقاليدنا - حاليا - ترعي هذه الملاحظة؟ وتعمل بهذا الإرشاد التَّربويِّ أم هي في غفلة عنه؟
إنَّ الحقيقةَ المُرَّة التي نعيشها في حياتنا - اليوم - هي تخلِّي كثير من النِّساء عن وظائفهنَّ الأساسيَّة، وإعراضهنَّ عن واجباتهنَّ الحقيقيّة، وهي التَّربيةُ التي لا تُحسنها سوى المرأةِ المتعلِّمةِ المتكوِّنة تكوينا سليما، أساسه الدِّين والخلق. في هذا يقول ابن باديس: «البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأصليُّ لتكوين الرِّجال، وتديُّن الأمم هو أساس حفظ الدِّين والخلق. والضُّعف الذي نجده من ناحيتهما في رجالنا، معظمه نشأ من عدم التَّربية الإسلاميَّة في البيوت، بسبب جهل الأمَّهات وقلَّة تديُّنهنَّ» (1).
إهمال هذه النُّقطة في تربيتنا وتعليمنا، وعدمُ مراعاة هذه الخصوصيَّة أبرَزَ مشاكل تربويَّة في تكوين أبنائنا، وأثار مشاكل أسريَّة أضعفت من العلاقات بين الأزواج، وبين الآباء والأبناء ... وأورث مشاكل اجتماعيَّة كإقامة علاقات غيرِ طبيعيَّة في حياتنا اليوميَّة أحيانا، وأوجد مشاكل نفسيَّة ... سبب كلِّ ذلك عدم انسجام نفسيَّة المرأة - في كثير من الأحيان - مع ما تقوم به من أعمال خارجةٍ عن طبيعتها، أو غيرِ متلائمةٍ معها، وسببُه أيضا عدمُ تخرُّجها على الأخلاق النِّسويَّة التي تُعِدُّها لتكون امرأة حقيقيَّة، لا نصف امرأة أو نصف رجل، والتي تُهيِّئها لتلد لنا رجلا يطير، بدلا من أن تطير هي بنفسها.
__________
(1) – الإمام الشّيخ عبد الحميد بن باديس؛ من آرائه ومواقفه، ص: 88. ينظر أيضا مجلَّة الشِّهاب، ج8 م، 11 شعبان 1354هـ/ نوفمبر 1935م. (1/141)
صفحة 137
في هذا السِّياق، وعن ضرورة تعليم المرأة، وإعدادها بما يتناسب مع طبيعتها، وما يُحقِّق فيها أنوثتها، يقول ابن باديس عن المسلمة: «فعلينا أن نعلِّمها ما تكون به مسلمة، ونعرِّفها من طريق الدِّين ما لها وما عليها، ونفقِّهها ... ».
قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَلَهُنّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمَعْرُوف ... } (البقرة/ 228)؛ حتَّى تعرف كيف تنشئ أبناءها على الأخلاق الإسلاميَّة؛ على العفَّة والطَّهارة والالتزام بأوامر الدِّين .... قال ابن باديس في موضع آخر وفي مناسبة أخرى: «فإذا أردنا أن نكوِّن رجالا؛ فعلينا أن نكوِّن أمَّهات دينيات، ولا سبيل لذلك إلاَّ بتعليم البنات تعليما دينيا، وتربيتهنَّ تربية إسلاميَّة، وإذا تركناهنَّ على ما هنَّ عليه من الجهل بالدِّين، فمُحال أن نرجو منهنَّ أن يكوِّنَّ لنا عظماء الرِّجال. وشرٌّ من تركهنَّ جاهلات بالدِّين إلقاؤُهنَّ حيث يُربَّين تربية تُنفِّرهنَّ من الدِّين، وتحقِّره في أعينهنَّ؛ فيُصبحْنَ ممسوخات لا يلدن إلاَّ مثلهنَّ ... ». (1)
بناءً على ذلك أشار ابن باديس -كما بيَّن حين تحدَّث عن الرَّجل المسلم الجزائريَّ - إلى أنَّ الجزائريَّة هي التي تُعَرف: «بدينها، ولغتها، وقوميَّتها، فعلينا أن نعرِّفها حقائق ذلك؛ لتلد لنا أولادا منَّا ولنا، يحفظون أمانة الأجيال الماضية للأجيال الآتية، ولا ينكِرون أصلهم، وإن أنكرهم العالم بأسره، ولا يتنكَّرون لأمَّتهم، ولو تنكَّر لهم النَّاس أجمعون».
ويقول أيضا إنَّ الطَّريق الموصل إلى هذا: «هو التَّعليم: تعليم البنات تعليما يناسب خِلقتهنَّ ودينهنَّ وقوميتهنَّ، فالجاهلة التي تلد أبناء للأمَّة يعرفونها مثل أمَّهاتنا - عليهنَّ الرَّحمة - خير من العالمة التي تلد للجزائر أبناء لا يعرفونها، تعليم كلِّ واحد لأهله بما عنده من علم».
هذا هو الرَّجل المسلم الجزائريُّ، وهذه هي المرأة المسلمة الجزائريَّة التي تُعِينُه على تحقيق ذاتيته، والمحافظة على هُويته في فلسفة الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس. فلنتأمَّل في هذه الفلسفة، ولنقرأ في هذه التَّوجيهات، ولنقارن بين هذه النَّظرة وما أنتجته، وما نَتبنَّاه نحن اليوم، وما نمارسه، وما أَفْرَزَ وأَنْتَجَ لنا؛ لنعرف حقيقة ما قدَّمناه وما قمنا به. ثمَّ لنقوّم جهودنا ومسيرتنا، ونختبر مفاهمنا وفلسفتنا وتفكيرنا في مجال التَّربية والتَّكوين والإعداد، ولنعرف هل النِّظام التَّربويُّ الذي رسمناه، ونُعيد رسمه باستمرار يعكس بالفعل الأهداف التي تصبو مبادئنا إلى تحقيقها؟ لأنَّه كما يقول الأستاذ سليمان الشَّواشي: «فمناهج التَّربية في أيِّ بلد من البلدان تعطينا فكرة واضحة عن حياة الأمَّة وأسلوب عيشها؛ وهي في النِّهاية تبرز لنا بوضوح مقوِّمات حضارتها وخصائصها التي انفردت بها» (2).
يختم ابن باديس حديثه بقوله: «ويوم نسلك هذا الطَّريق في تعليم المرأة، والطَّريقَ السَّابق في تعليم الرَّجل سلوكا جِدِّيًّا نكون ـ بإذن الله ـ قد نهضنا بهما نهضةً صحيحة نرجو من ورائها كلَّ خير وكمال».
باتنة يوم الخميس: 20 من شوال 1417هـ 27 من فيفري 1997م
الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي شاعر الإصلاح (3)
مقدّمة
إنّ الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي (4) متعدّد النّشاط والجهاد، فهو ضليع في ميادين الشّريعة ومصادرها. وهو مرشد ومربٍّ، يؤدّي رسالة المعلّم
__________
(1) - مجلّة الشّهاب، ج8، م11.
(2) - مجلّة العلم والتّعليم، ع: 23، س: 3، ص: 24.
(3) - قدّم البحث في الأيّام الدّراسيّة العلميّة والوطنيّة، حول فكر الإمام الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، التي أقيمت في مدينة بريّانن ولاية غرداية، الجزائر. أيّام: 21 – 23 مارس 2002م.
(4) - الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، الملقّب (بالبكري) (1319 - 1406هـ/ 1901 – 1986م)، عالم من علماء الجزائر المرموقين، ركن أصيل من أركان الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، عضو جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، فقيه ومربٍّ وأديب ومؤرّخ، ومؤلّف ومحقّق ... له نظرات مهمّة في التّعليم بخاصّة. من مؤلّفاته: فتاوى البكري في أربعة أجزاء. مسيرة الإصلاح في جيل. ميزاب منذ مائة عام. قواعد الإسلام للشّيخ إسماعيل الجيطالي (تحقيق). كتاب النّيل وشفاء العليل للشّيخ عبد العزيز اثّميني (تحقيق) ... (1/142)
صفحة 138
الحقيقية، حيث لا يكتفي بتقديم المعارف، بقدر ما يحاول إسداء النّصائح والإرشادات التي تسهم في بناء النّفوس وتكوين الرّجال، وإعداد النّشء لتحمّل أعباء الحياة الكبيرة ومسؤوليّاتها الخطيرة. يبدو ذلك جليّا في التقارير التي كان يعدّها نهاية كلّ سنة دراسيّة عن مدرسة لفتح بمدينة بريّان.
وهو مؤرّخ محقّق، يعنى بتسجيل الأحداث، وتدوينها في مذكّراته، وقدير على استنطاق الوقائع والوصول إلى نتائج مهمّة، تفسّر كثيرا من الأمور. كما له اطّلاع كبير على التّاريخ، خاصّة سير الرّجال العاملين، تشهد بذلك المقدّمات التي كان يضعها لبعض الكتب التي حقّقها، والإجابات التي كان يسعف بها كلّ من سأله، وكذا بعض مؤلّفاته ومقالاته.
وهو مفتٍ مقتدر، يبصّر الغافل ويهدي الضّال، يظهر ذلك في فتاويه، حيث يتّصف بروح عالية من أخلاق المفتي، كالسّماحة والبعد عن التّعصّب المذهبي، والشّجاعة في إبداء الرّأي في المسائل المستجدّة والقضايا المستعصية، بفكر متفتّح متنوّر.
وهو مصلح ديني واجتماعي، أسهم مع زملائه في إصلاح المجتمع، ومحاربة البدع والخرافات، وبثّ الوعي الدّيني بالوعظ والإرشاد في المساجد والمناسبات، والتّعليم في المدارس، والكتابة في الصّحف، والتّأليف والتّحقيق ...
وهو أديب، ينظم القصائد الرّائعة، ويحرّر الفصول الأدبيّة المطوّلة، ويدبّج الخطب البديعة، وينقد الأدباء الكبار ويناقشهم مناقشة، تكشف عن إلمامه الواسع بالأدب، وامتلاكه لحسّ مرهف وذوق أدبيّ رفيع. (1/143)
صفحة 139
في هذه الصّفحات نحاول التّعريف بشعره تعريفا متواضعا، وتقديم صورة أوليّة عنه؛ لأنّنا نفتقر إلى معطيات كثيرة تساعدنا على دراسته دراسة موضوعية وافية. منها عدم توفّر كلّ ما نظمه بين أيدينا، وغياب كثير من المعلومات عمّا ورد في شعره، وعجزنا عن فكّ بعض الألغاز فيه، ومنها عدم توفّر الوقت الكافي لدراسته دراسة نقديّة.
حرصنا أن لا تفوتنا مناسبة إقامة هذا الملتقى الأوّل من نوعه للتّعريف ببعض الجوانب من حياته ونشاطه. ومن جملة المجالات المجهولة في شخصيّة الشّيخ الجانبُ الأدبي، وبخاصّة ميدان الشّعر، فقرّرنا الكتابة فيه.
بما أنّ تناول هذا الجانب كلّه غير ممكن للأسباب التي ذكرناها سابقا، فإنّنا اقتصرنا على موضوع الإصلاح في هذا الشّعر، وضيّقنا من حيّز الدّراسة فركّزنا على ما تناوله في شخصيّة الشّيخ بيّوض؛ لكثرة ما نظمه عن هذه الشّخصيّة، ولأنّها تمثّل الجانب الإصلاحي الذي يريد الشّيخ عبد الرّحمن إبرازه، وتجسّد الأفكار التي يهدف إلى إبرازها. وقد تناولنا بعض ما كتبه عن الشّيخ بيّوض، ودرسناه دراسة موضوعيّة متواضعة، من دون الدّراسة الفنيّة المعمّقة. سيكون للدّراسة الشّاملة مناسبة أخرى إن شاء الله.
نشير إلى أنّنا أطلنا في عرض بعض النّصوص لإطلاع القارئ على أدب الشّيخ؛ لأنّه غير متداول ولا معروف، ولا هو في المتناول. كما سمحنا لأنفسنا بتفكيك بعض ما جاء في الأبيات المستشهد بها، أي نثرناها لمساعدة القارئ على معرفة الأفكار التي يريد الشّيخ إيصالها له. نرجو أن يكون هذا العمل بداية لدراسة أكثر عمقا وتحليلا، وذلك حين تتهيّأ الظّروف. نسأل الله الهداية والتّوفيق.
الشّيخ عبد الرّحمن ناصر الإصلاح (1/145)
صفحة 140
يستغلّ الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي بعض المناسبات، وحصول بعض الأحداث، فيتحدّث عن بعض الشّخصيّات، ويسجّل بعض مواقفها، وينوّه ببعض خصائصها، ويعدّد بعض صفاتها ... يستغلّ كلّ ذلك ليفصح عن الواقع الذي تعيشه الأمّة، ويكشف عن الحالات التي تستحقّ المعالجة، ويشير إلى القضايا التي يجب التّصدّي لحلّها، وينبّه إلى المسائل التي يجب أن تولى الاهتمام. وبذلك فهو يتّخذ الشّعر وسيلة للإصلاح والتّوجيه والإرشاد والتّوعية. من هنا فإنّ الشّعر عنده رسالة يجب أن يسخّر لخدمة الأمّة والنّهوض بالمجتمع. وهو شأن زعماء الإصلاح وشعراء الحركة الإصلاحيّة في الجزائر. فالشّعر عندهم رسالة مقدّسة وأمانة يجب حملها والاضطلاع بها في سبيل النّهوض بالمجتمع. وكانوا ينظرون إلى الشّعر بأنّه وسيلة للإصلاح والإحياء والتّقويم والتّوجيه والتّعليم والتّهذيب والتّكوين ... (1) وفي هذا يقول محمد الهادي السّنوسي الزّاهري (ت 1974م) عن الشّاعر الحقيقي: " إنّه ذلك الفذّ القادر الذي أوقف نفسه على بني جلدته أو بني الإنسان أجمعين ... يجاهد بفكره في سبيلهم ليهدي الضّال، ويعلّم الجاهل، ويضرب لأبناء البشر المثل العالية في السّعادة وكمال الإنسان." (2) فالشّيخ عبد الرّحمن بكلّي لم يخرج عن هذا المفهوم، ولم يتخلّف عن هذه النّظرة في شعره.
فحين تفقد القرارة (بالجزائر) أسدها الشّيخ بكير العنق (3) وحين يأخذ الحين رجل ميزاب (4) يبكيه الشّاعر. يرثي فيه صفاته الحميدة، ينعى فيه وطنيّته ونضاله، ومقارعته الجمود والفساد والاستعمار، ويندب فيه ما كان يحمله في قلبه من حبّ للخير وغيرة على الوطن، ويتحسّر على ما كان يتحمّله من غصص وعذاب في طريق جهاده ضدّ كلّ أشكال الذّلّ والهوان، وكلّ أنواع الخنوع والخضوع ... ويرثي فيه ما يحمله في جنبه من ألوان التّضحيّة والفداء في سبيل إصلاح المجتمع. (1/146)
صفحة 141
لقد غاب أسد القرارة -كما كان يلقّب – سنة 1934 م، في وقت عصيب على الجزائر، فترة اشتداد الصّراع بين الإصلاح والجمود، فترة تكالب قوّات كثيرة على الجزائر: هجوم على الحركات الإصلاحيّة، تضييق عل الحركات الوطنيّة، محاصرة للمقوّمات الإسلاميّة الوطنيّة؛ من دين ولغة وتاريخ ... وسنّ قوانين لإجهاض كلّ حركة، واقتراح مشروعات التّجنيس والاندماج وغيرها. (1)
في هذا الوقت الحرج الصّعب، وفي هذا الظّرف العصيب، الذي بدأت فيه الحركة الإصلاحيّة تشقّ طريقها، وتمهّد سبيلها، وتنظّم صفوفها، وتجمع شملها، وتطوّر وسائلها لإصلاح ما فسد، وتغيير الوضع نحو الأحسن. في هذا الوقت تفقد القرارة ووادي ميزاب أحد رموزها، وأحد زعمائها، وأبرز مفكّريها، وأقوى رجالها ...
يقوم الشّاعر ليسجّل مشاعره، ويقدّم عواطفه نحو هذا المصاب الجلل:
ما لجمع الإصلاح يبدو حزينا ... ولدمع البلاد يجري سخينا
ولصوت الإرشاد من بعد ما كا ... ن بشير الحياة، أمسى أنينا
__________
(1) - عن فترة ثّلاثينيّات القرن العشرين في الجزائر والتّطوّرات التي حدثت فيها، ينظر على سبيل المثال: الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري الحديث، والدّكتور عبد الله ركيبي، الشّعر الدّيني الجزائري الحديث، والدّكتور محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، والسّخرية في الأدب الجزائري الحديث ... (1/147)
صفحة 142
ولروح الإخلاص من بعد ما كا ... ن مثير الشّعور، عاد دفينا
ولروض الأخلاق من بعد ما كا ... ن نضيرا، أمال عنه العيونا
ولوجه الوفاء والنّبل والإقـ ... دام والاهتداء، صار مشينا
ولورد الصّفاء من بعد ما كا ... ن زلالا، أضحى لنا غسلينا (6)
إذن إنّ الإصلاح أصبح منكوبا، بسبب انتكاسة المنجزات التي كان قد حقّقها؛ في الإرشاد والإخلاص والأخلاق الفاضلة، والوفاء والنّبل والإقدام والهداية والصّدق، وغيرها من المظاهر التي كانت قواعد يبني عليه الإصلاح بنيانه، ويؤسّس هيكله. هذه القواعد وهذه الأسس أصابها الوهن والضّعف، أو على الأقلّ هي مهدّدة بذلك؛ بسبب غياب بناتها، وذهاب أحد حماتها، ورحيل أحد المعوّل عليهم في تطوير هذه الحركة.
فالدّمع كان سخينا، والبشر صار أنينا، والشّعور بات دفينا، وروض الأخلاق أضحى مذبولا، بعدما كان غضّا نضيرا، والشّين عوّض ما كان من الأخلاق زينا، (1/148)
صفحة 143
والغسلين استبدل بالماء الزّلال ... وبالأحرى إنّ الحال تغيّرت، والأوضاع تبدّلت. قدّم الشّاعر كلّ ذلك بأسلوب التّشاؤم الممزوج بالحسرة والأسى والدّهشة. كما عمد إلى أسلوب المقابلة بين الأحوال. واعتمد وسيلة الثّنائية، التي تعين على الكشف عن الحقائق. والتّكرار الذي يساعد على التّأكيد والتّركيز على ما يراد الإفصاح عنه. ثمّ يقول:
ويك ما لي كلّما اجتزت بابا ... سمعت أذني البكا والرّنينا
ما أصاب " القرارة " اليوم ربّي ... مادهاها؟ ومالهم واجمينا؟
لا تسلها فقد أصيبت برزء ... يالها نكبة تهدّ المتونا
إنّها فقدت هماما كريما ... داعيا للحياة، دنيا ودينا
فقدت رمز عزّها وعلاهـ (1/149)
صفحة 144
ــــــــــــــــــــــــــا ... وعزيز ميزاب والمصلحينا! (7)
ثمّ يتوجّه بالخطاب إلى أسد القرارة، ويقول له: كيف تغيب عنّا؟ وكيف تبدّل بالهبوب والوثوب سكونا وهمودا؟ وكيف تتوارى عنّا وعن عرينك وبلادك يعيث فيها المفسدون، ووطنك يسومه الأعداء خسفا، ويحاولون له خطفا. أتختفي وقومك في حاجة إلى من ينفض عنهم غبار الكسل والرّكون؟ ومن يزيل عنهم أسباب الذّلّ والانهزام؟
في هذا الحديث والخطاب تعبير عن حالة العسر التي تعيشها الأمّة، وإفصاح عن الوضعيّة التي يمرّ بها الشّعب، عبّرت عن ذلك الكلمات الآتيّة (مهينا، هونا، ذليلا، العذاب، الدّونا، انهزاما ... ):
إيه يا " أسد القرارة " مهلا ... كيف تعتاض بالوثوب سكونا؟
أين تذهب أيّها " العنق "الفحـ ... ل وهذي البلاد تبدي حنينا؟
أتصدّ عن البلاد وقد عا ... ث بها اللّؤماء والمفسدونا؟
وأرادوا - وما أرادوا رشادا - ... سلبها حقّها العزيز الثّمينا؟ (1/150)
صفحة 145
وأرادوا – وما أرادوا صوابا - ... أن يعيش الفتى ذليلا مهينا؟
ما عهدناك ساكتا عن ضلال ... أو ترضى لنا العذاب الهونا؟
قد عهدناك لا تقرّ انهزاما ... مالك اليوم تستلذّ الرّكونا؟
لا! وحقّ الإباء والفضل ما كنـ ... ت مُقِرّا - لولا المنونا الدّونا؟ (8)
ثمّ ينتقل ليعدّد المناقب والخصال التي كان يتّصف بها الفقيد، منها إيواء الأيتام، وإغاثة المعوزين، والإنفاق في سبيل الله، وعدم اللّين للجور، وإباء الرّضوخ للآخر. بل كان حربا على الظّلم وريحا على الضّيم، مذيقا لعبيد العصا عذابا مهينا، وكان شجى في حناجر الظّالمين ...
أيّهذا الفقيد حزت صفات ... بوّأتك العلا وكنت قمينا
منطقا صائبا وفكرا سديـ (1/151)
صفحة 146
ــــدا ... وإباء وعفّة ويقينا
وسخاء ونجدة وحفاظا ... وشعورا ورأفة واللّينا
فسخوت بها لخير بلاد ... ورجوت بذاك أجرا مبينا
وصدعت بالحقّ غير مبال ... وقمعت خيانة الخائنينا
وأهبت بالقوم للعلم حتّى انـ ... تشر العلم واهتدى الجاهلونا
ونهجت بهم إلى الغاية المثـ (1/152)
صفحة 147
ـــــــ ... ـلى، فأنت الإمام للسّالكينا
ووفّيت بما تحمّلت من عهد ... فكنت بذاك حقّا أمينا
فسلام عليك مذ كنت طفلا ... وسلام عليك في الذّاهبينا
وسلام عليك يا موقظ الحسْ ... سِ ومحيي الشّعور في المبعثينا (9)
إنّ الفقيد بما يتّصف به من خصال كريمة، وما يتميّز به من خلال عظيمة هو مبارك، كما بورك الصّالحون والتّقيّون. ما أفاد ذلك الصّورةُ القرآنيّة التي اقتبسها الشّاعر، وضمّنها البيت ما قبل الأخير. الآية المقتبسة هي التي ذكرها الله لعيسى - عليه السلام -: " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا " (10) ثمّ إنّ هذه الصّفات التي سجّلها للشّيخ هي ما تنسب للمصلحين، وهي المميّزات التي تميّز بها من يسير في طريق الإصلاح والتّغيير نحو الأحسن. وكأنّي بالشّاعر يبرز دور المصلحين في خضمّ معركة الحياة، وفي الوقت نفسه يشير إلى من بقي على قيد الحياة، وإلى الأخلاف السّير في نفس السّبيل، والبقاء أوفياء لنهج الشّيخ العنق، والإيماء لهم إلى تحمّل المسؤوليّة، وحمل الأعباء في النّضال والجهاد؛ للقضاء على أسباب التّخلّف والفساد، والعمل الجادّ في النّهوض بالمجتمع، والأخذ بيده إلى حيث الفلاح والنّجاح وتبوّؤ المكان العالي, وتسنّم المكانة السّاميّة. دليل ذلك ما ورد في الأبيات التي أنهى بها القصيدة: (1/153)
صفحة 148
نم هنيئا فقد رحلت بوقت ... تستلذّ الأحرار فيه المنونا
وتركت الأشبال بعدك تقفو ... هديك المستقيم، تحمي العرينا
وتذيق الأنذال سمّا زعافا ... وتشيد للدّين حصنا حصينا (11)
كما يغتنم الشّاعر فرصة زيارة أحد المشايخ (يبدو أنّه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض) (12) إلى الجزائر العاصمة كما يبدو، فيعلن فرحته بهذه الزّورة الميمونة المثمرة: لقاء مع الأحبّة وتوطيد أواصر الأخوّة، وغرس أخلاق الصّفاء والحبّ الصّادق ... يستغلّ المناسبة ليشيد بمآثر الشّيخ ومناقبه الكثيرة، التي أحلّته مكانة عليا سامقة بين قومه والعارفين للفضل:
وأسعد أيّام الصّبابة عنده ... ليوم يفوز منك بالبسمات
كيوم أرانا الله فيه شمس سمائه ... يفيض سرورا والزّمان مُـ (1/154)
صفحة 149
ـوات
فيالك من يوم سعيد مبارك ... كخال علا يوما سما الوجنات
كواكب غيث السّعد فيه طوالع ... وليست لعمر الحقّ بالآفِلات
ولِمْ لا وفيه كان شمل جميعنا ... نظيما بأستاذٍ أخي الحملات
سميّ خليل الله من كان موئلا ... لأمّته إن تُرمَ بالنّكبات
يناضل عنها والخطوب جسيمة ... بجأش ربيط صادق العزمات
مآثره مشهورة وكثيرة ... مواقعه مشهودة الوثبات (13) (1/155)
صفحة 150
رغم الضّعف الفنّي الذي اتّسمت به الأبيات، فقد غلبت عليه التّقريريّة والمباشرة، واستعمال كلمات متداولة، واللّجوء إلى صور مستهلكة، والإتيان بتشبيهات عادية متداولة - وهو الطّابع العام الذي يتّسم به شعر الشّيخ عبد الرّحمن – فإنّ الشّاعر كان هادفا من خلال هذا العرض وهذا الوصف إلى مباركة جهاد الشّيخ بيّوض في طريق الإصلاح، وفيها نقرأ أيضا رغبة الشّاعر الكشف عن تضايق الإصلاح من خصومه، وصبر الشّيخ ومن معه على هذه المضايقة. وقد َوْمأ إلى ذلك بقوله:
سميّ خليل الله من كان موئلا ... لأمّته إن تُرمَ بالنّكبات
يناضل عنها والخطوب جسيمة ... بجأش ربيط صادق العزمات
ما يدلّ على ذلك إشارته إلى خصومه، ممّن كان كان يصارعهم المحتفى به في الميدان:
سلوا (الأرضخ) المعلوم عنه يجبكم ... بموقفه المعروف بالصّولات
فيالك من يوم شهيد مسجّل ... على الجامدين الخزي والوصمات (1/156)
صفحة 151
هو البحر إن يغضب، هو اللّيث إن سطا ... هو الطّود لا يعتدّ بالصّدمات
هو البطل المغوار واللّسن الذي ... إذا قال أجلى الشّكّ بالبيّنات
فهذي صفات قد حباه إلهه ... بها، وهو معطي الخير والرّغبات (14)
إنّ في النّصّ إشارة خفيّة إلى الصّراع الذي كان سائدا بين الشّيخ بيّوض وخصومه، فالشّيخ تلقّى منهم صولات ووصمات وصدمات ... لكنّه كان ليثا لايجارى، ومغوارا لايدانى، ولسنا لا يبارى. وفي هذا الوصف الأخير يلتقي الشّاعر مع " إيّاس " (الشّيخ بيّوض) في ييان انهزام خصومه في ميدان البيان والفصاحة، فهما يتحدّثان عن "الأرضخ " أحد أبطال " جلسة المخذولين " (15) قال إيّاس على لسان " الأرضخ "، مدافعا عن الشّيخ الذي كتب مقالا يردّ فيه على المصلحين بأسلوب ركيك وفكر ضعيف، ينمّ عن الإخفاق في صولاته: " فإنّ الشّيخ والحمد للّه في غزارة العلم وقوّة البيان ورجحان العقل واتّساع دائرة الفكر، بحيث لا يدرك له شأو، ولا يشقّ له غبار، ولو شاء لأتى بما يعجز الإنس والجنّ، ولكنّه اختار تلك الطّريقة في كتابته عن قصد وتعمّد. وكثيرا ما كانت تتساقط عليه الأساليب البليغة العالية، فيدفعها عن نفسه، ويختار من بينها الأركّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاّ الرّاسخون في العلم. ذلك كلّه لحبّه الخمول الذي هو أصل كلّ خير، وكراهيّته الشّهرة، التي هي (1/157)
صفحة 152
رأس كلّ خطيئة. فهو يبتعد عنها ابتعاد أحدكم من النّار. كان يخاف إذا كتب بمثل ذلك الأسلوب العالي أن ينتشر صيته، وتتّجه إليه الأنظار. فربّما داخله العجب بذلك، فأضرّ بآخرته. هذا غرضه ومقصده، شأن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ... " (16)
" يعرّض الكاتب بالشّيخ، ويتندّر به بطريقة ذكيّة خفيّة، ملمّحا إلى حقيقة شخصيّته، التي تتّصف بالضّعف والعجز عن الكتابة، والفقر إلى الأفكار السّليمة، إلى غير ذلك ممّا تتّصف به الشّخصيّة الكبيرة والزّعيم، الذي يتصدّر قومه. " (17)
ما كتبه الشّيخ بيّوض يوضّح ما أثبته الشّيخ عبد الرّحمن في أبياته. ويعضد ما كان يرمي إليه من مناصرة الحركة الإصلاحيّة التّصحيحيّة، ويكشف عن الصّراع الذي كان مفتوحا على جميع الأصعدة.
تحت عنوان " ذكرى " أو " ذكرى وترحيب " كتب الشّيخ عبد الرّحمن قصيدة، تَعُدّ اثنين وتسعين ومائة بيت (192) تُعَدّ إحدى مطوّلاته – رحّب فيها بقدوم الشّيخ بيّوض لزيارة مدينة بريّان بمنطقة وادي ميزاب. (18) استهلّها بقوله: ...
اشرب على نخب الزّعيم وحزبه ... كأسا دهاقا من رحيق ولاء
وانثر أزاهير المسرّة غضّة ... فرحا بأفلح سيّد العلماء (19)
القصيدة كلّها إشادة بمكانة الشّيخ بيّوض، وتعديد لخصاله، وتسجيل لأعماله، وتنويه بأفضاله، وتذكير بحهوده، وتعريف بجهاده: (1/158)
صفحة 153
عفوا شقيق الرّوح، صنوُك عاجز ... والاعتراف مظنّة الإغضاء
عظم السّرور بكم فقيّد مقولي ... في أن ينال مداك باستقراء
فرأيت أن أعنى برحلتك التي ... تركت دويّا في البلاد النّائي
فأقيّض فيها القول أجعلها صدى ... ونموذجا يحكى مدى الآناء
فاقبل وغضّ الطّرف منك تفضّلا ... وأعر شعري كامل الإصغاء
وإليك موعدتي فها أنا شارع ... فيما أفصّل من سنى وسناء (20)
واضح أنّ الغاية التي يرمي إليها الشّاعر من تسجيل هذه الرّحلة هو بيان ما كان قدّمه الشّيخ بيّوض من أعمال جليلة إلى الشّعب الجزائري، ومن خلال ذلك يكشف عن جهود المصلحين في سبيل التغيير والتّجديد والتّطوير إلى ما هو أصلح بالأمّة. وغير خفيّ أنّ من أهداف سرد وقائع الرّحلة شحذ عزائم الشّباب (1/159)
صفحة 154
لمزيد من العمل، وبذل الجهد للنّهوض بالوطن، وتذكيرهم بأنّ الحياة كفاح وصراع ومعارك وتضحيّات ... للقضاء على الفساد والإجهاز على الضّلال، وإجلاء السّكون والجمود عن الحياة، والهمود والرّكون عن المسيرة. وهو بهذا الرّصد للرّحلة يقول للنّشء لكم في الشّيخ بيّوض إسوة حسنة لمن كان يرجو النّجاح في الدّنيا والفوز في الدّار الآخرة:
يا يوم ينّاير عدتك كوارث ... وبقيت في الأيّام كالطّغراء
خلّدت في التّاريخ ذكر زعيمنا ... متلألئا كالكوكب الوضّاء
توحي إلى الأجيال مجد جدودهم ... وتقودهم للعزّة القعساء
وتريهم كيف السّبيل إلى العلا ... كيف الرّقيّ لرتبة العظماء
كيف الحياة وإنّها (1/160)
صفحة 155
لمعارك ... شجعانها تقضي على الجبناء
تتقطّع الأعناق دون بلوغها ... إلاّ لصاحب همّة شمّاء
لا تنثني عزماته أو ينثني ... جيش الضّلال مبعثر الأشلاء
لا تنقضي وثباته أو يغتدي ... جسم الفساد مفكّك الأجزاء
لا تنتهي صرخاته أو ينجلي ... ليل الجمود بهاته الأرجاء
لا يرتضي دون النّجاح (1/161)
صفحة 156
نهاية ... ولو أنّها تقضي على الحوباء (21)
الأبيات تذكر صراحة أنّ هذه الرّحلة، توجّه نداء حارّا للشّباب كي يسير في ركاب الشّيخ بيّوض في الجهاد والعمل، وأن يقتفي أثره في النّضال، وأن يتّخذه إسوة في التّحرّك،؛ ليعرف كيف السّبيل إلى تسنّم ذروة المجد.
لقد ساعد تكرار المعاني والكلمات والتّوازن الموسيقي الذي أحدثه الشّاعر في الأبيات - وخاصّة في الأبيات الأخيرة - على تثبيت المعاني التي أشرنا إليها، وعلى تأكيد المغازي التي رمى إلى تحقيقها. وبذلك تحمل هذه الوصفة رسالة بالغة الأهميّة في ذلك الوقت العصيب الذي تحتاج فيه الحركة الإصلاحيّة إلى معاضدة، وإلى توضيح الرّؤى، وإلى توجبه وترشبد ...
يستمرّ الشاعر في هذا السّبيل فيشدّ من أزر الشّيخ بيّوض وصحبه المصلحين، ويشجعه على المضيّ في جهاده، ويرجوه عدم الاستماع إلى أحاديث الخصوم أو الاكتراث بما يقومون به لعرقلة مسيرته وتثبيط عزمه، والوقوف في طريق نضاله. في هذا الهمس وهذه النّجوى وهذا الإيماء فضح لبعض مخازي خصومه، وسرد مؤامراتهم ضدّه وضدّ الإصلاح:
بيّوض يا فخر البلاد وذخره ... وملاذه في اللّيلة اللّيلاء
لا ترهبن كيد الخصوم ودسّهم ... وجموعهم فالويل للخصمـ (1/162)
صفحة 157
ــــــــاء
إن يجمعوا أو يكتبوا أو يبرقوا ... أو يعمدوا مكرا إلى الإقصاء
ما حطّ ذلك من مقامك إنّما ... من قدرهم حطّوا لدى العقلاء
لم يخذلوا مسعاك لكن أيّدوا ... عمي القلوب وشرعة الأهواء
ما حاربوا مبداك لكن حاربوا ... مبدا الصّلاح وملّة الحنفاء
ما سفّهوك وإنّما قد رسموا ... خطط الفساد بهاته الأنحاء
ما أبعدوك وإنّما قد (1/163)
صفحة 158
سجّلوا ... خزي الدّهور ولعنة الأناء
ما أنكروا جدواك لكن أنكروا ... شمس الحياة ومصدر الأضواء
ما ضرّهم – نقض الاله صفوفهم - ... أن يقلعوا عن هذه الغلواء
ويبيّضوا صحفا أطالوا مسخها ... بالإفك والتّزوير والبغضاء
هذا هو الدّاء العياء فمن لنا ... بمحنّك يأتي على الأدواء (22)
في مقابلة الشّاعر بين ما كان يدبّره خصوم الشّيخ بيّوض له، وما يحصلون عليه من نتائج سلبيّة، وما يظفرون به من عواقب وخيمة، في مقابل انتصار حزب الإصلاح، وتمكّن الشّيخ بيّوض من احتلال مكانة مرموقة بين أهل الفضل، وتقدّم (1/164)
صفحة 159
في حهاده، وتطوّر في عمله ... في كلّ ذلك وفي هذا الأسلوب الذي لجأ إليه الشّاعر يكمن الهدف من وصف الرّحلة.
يستطيع القارئ – في هذه المقابلات - أن يقرأ أفكار الشّاعر، ونزعته وتوجّهاته التي تأبى إلاّ أن تبرز النّظرات الإصلاحيّة، وتظهر حزب الإصلاح هو المنتصر، وترشد الشّباب إلى أن يكونوا بجانبه دائما؛ مساندين مؤازرين مدافعين، مناضلين عنه، مبشّرين بأفكاره.
إلى جانب المقابلة عمد الشّاعر إلى أسلوب التّكرار والتّوازن الموسيقي، كما اعتاد ذلك كثيرا، حتّى غدا ذلك ظاهرة ميّزت شعره. هذه الأبيات تذكّرنا بما قاله الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان (ت 1393ه/ 1973م) في حقّ الشّيخ إبراهيم أبي إسحاق طفيش (ت 1385ه/ 1965م) حين نفته فرنسا من تونس بعد أن أخرجته من الحزائر. القصيدة تحت عنوان " نفي النّفي إثبات
جاء في القصيدة ما يأتي:
قد أبعدوه عن الإهانة والشّقا ... وإلى السّعادة والعلا فعلانا
ونَفَوْهُ من رقٍّ إلى حريّةٍ ... ومن الممات إلى الحياة عيانا
قد أوصدوا أبواب تونس عنه، بل ... فتحوا له أبواب مصر مجانـ (1/165)
صفحة 160
ـــــــــا
قد أبعدوك فقرّبوك إلى الرّجا ... ل، فنلت عطفا وحنانا ا (1)
أبيات الشّيخ عبد الرّحمن في الشّخ بيّوض تحمل روح قصيدة الشّيخ أبي اليقظان في الشّيخ أبي إسحاق، وكثيرا من معانيها.
ثمّ يتّجه الشّيخ عبد الرّحمن إلى أبناء جلدته وأفراد أمّته، يبيّن لهم سفه ما يقومون به، وضلال ما يمارسونه، ويعدّد لهم أسباب ذلك، ويحصي لهم نتائج كلّ ذلك على الأمّة. وهو بذلك يناشدهم الإفاقة من هذه الغفلة والخروج من هذه المتاهات:
أبناء جنسي والحوادث جمّة ... هل تدركون معي رسوخ الدّاء؟
__________
(1) - ينظر ديوان أبي اليقظان، ج1، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 104، 105. نظمت القصيدة في جمادى الثّانية، 1341ه.
مطلع القصيدة:
بشراهم، بشراكم، بشرانا ... خابوا وفزنا، كلّنا بمنانا (1/166)
صفحة 161
أوما علمتم أنّ أصل شقائنا ... وبلائنا من هاته الشّحناء!
لولا تطاحننا وسوء سلوكنا ... وذهابنا شيعا مع الأهواء
لولا تخاذلنا ونبذ كتابنا ... وهدي الرّسول وسيرة العظماء
لولا تعصّبنا المبيد وطاعة السْـ ... سُفهاء والغوغاء في العلماء
لولا تنكّبنا المحجّة جانبا ... ولواذنا بالجهل والجهلاء (1/167)
صفحة 162
وصدودنا حمقا وفرط جهالة ... عن علم ما يهدي إلى العلياء
لأظلّنا ستر الإله وحفظه ... وحمى حقيقتنا من الدّخلاء
نجفو الهداة ونحن نعلم أنّهم ... رسل السّلام ومصدر النّعماء
ونسدّ عن أقوالهم آذاننا ... ونصيخ للغوغاء والخبثاء
ونرى العلوم بضاعة الكسلاء والنْـ ... نَوكى أولي التّضييع والسّخفاء
فمتى يوافينا النّجاح وهذه ... صفة العموم وشارة الكبراء؟ (23) (1/168)
صفحة 163
إنّ هذه الأبيات صريحة في فضح تصرفّات الخارجين عن سواء الصّراط، من مبتدعة ومنحرفين، ومعرقلين حركة التّغيير، والمناهضين عمل المصلحين. هي تحمل صفة الحملة ضدّ هذه التّصرّفات، وصفة الدّعاية للإصلاح. وربّما كانت مندرجة في إطار الصّراع الذي كان سائدا بين الأفكار والعقليّات والنّزعات.
يرى الشّاعر أنّ خير من يعين على تحقيق النّصر على هذه المشاكل، وأفضل من يأخذ بالأيدي نحو الأصلح، وأحسن من يمسك بحبل النّجاة من هذا الضّلال والتّيه ... هو الشّيخ بيّوض. هو بذلك يعبّئ الشّباب كي يلتفّوا حول الزّعيم، رمز الإصلاح وأسّه ومنارة الإنقاذ ... :
ياأيّها الأستاذ والبطل الذي ... يسمو بهمّته على الجوزاء
هذي حقيقتنا وهذا داؤنا ... فاحسم هداك الله أصل الدّاء
قد للحياة فما هناك معارض ... جندَ الشّباب وأسرة الصّلحاء
واجمع على خير البلاد قلوبهم ... فالاتّحاد أساس كلّ بناء (1/169)
صفحة 164
واطبع نفوسهم بطابع حكمة ... فسلامة العقبى مع الحكماء
واغرس بهم حبّ الطّموح فإنّه الـ ... معراج نحو الوثبة العلياء
وانفث بهم روح الإخاء فإنّما ... تحيا البلاد بوحدة وإخاء (24)
لم ينس الشّاعر – وهو يسجّل مآثر الشّيخ بيّوض وجهاده في سبيل النّهوض بالمجتمع وإصلاح ما رآه فاسدا في دينه ودنياه - أن يذكر للحاضرين، ويسجّل للأجيال ما قام به من أعمال كبيرة؛ كتقديم مطالب أهل الصّحراء ووادي ميزاب إلى الحكومة الفرنسيّة، وإطلاع الإخوة خارج منطقة وادي ميزاب والأشقّاء في شمال الجزائر على ما يعانيه سكّان الوادي من شظف العيش وعسر الحياة.
في هذه الأبيات عمد إلى استنطاق التّاريخ، للكشف عن كيفية قدوم الأجداد إلى هذه المنطقة القاحلة الجرداء، ثمّ سرعان ما حوّلوها إلى جنّة نضرة خضراء. في هذا تنبيه الأجيال إلى أفضال آبائهم عليهم، وشحذ هممهم لمقارعة الصّعاب، ومقاومة العقبات، ومصارعة الطّبيعة ومواكبة الحياة، بكلّ ما تفرزه أو تفجأ به الإنسان من طوارئ ومفاجآت؛ لأنّ الواحد منّا في هذه الحياة في صراع دائم دائب مع التّعب، إن غلب التّعب نجح وانتصر، وإن غلبه خاب واندحر:
ياوقفة جنب الرّئيس شريفـ (1/170)
صفحة 165
ـــــــــــــــــــــــــــة ... رفعت مكانتنا إلى الخضراء
كانت عصا موسى بكفّك ساعة الـ ... إدلاء بالتّصريح للخبراء
فتلقّفت سحر الجمود وأظهرت ... أنّ الجمود لأصل كلّ بلاء
وكشفت للأقوام حالة قطرنا ... بصراحة ولباقة وجلاء
وأقام في الصّحراء يعمر قفرها ... حتّى غدت كالرّوضة الغنّاء
يتلو على الأيّام سورة مجده ... ويفاخر الأجيال في الإنشاء (1/171)
صفحة 166
ويهيب بالهمم الرّكيدة صارخا ... إنّ البطالة ميتة الأحياء
ما انفكّ في وسط الجزائر واصلا ... بين التّلول وساحة الصّحراء
متحمّلا شظف المعيشة كادحا ... منأى البلاد يُسيغ كلّ عناء
ويكافح الأمحال طول حياته ... متقلّبا في شدّة اللأّواء (25)
يشيد الشّاعر أيضا ببراعة الشّيخ بيّوض في الخطابة وإلقاء الدّروس، وينوّه بنجاحه في استمالة الشّباب وجذب النّفوس إلى حديثه (26) ويسجّل نبوغه في اللّغة العربيّة وامتلاكه ناصيّتها.
في ذكر هذه الجوانب دعوة للشّباب لكي يعتني بهذا المجال، الذي يعدّ من وسائل النّجاح في العمل الإصلاحي والدّعوي. وقد حقّقت فيه الحركات الإصلاحيّة نجاحا كبيرا. وفي الوقت نفسه فيه إشادة بتفوّق الشّيخ بيّوض على خصومه في هذا الميدان، وتعريض بهم لإخفاقهم في هذا المضمار. بدليل أنّه عاد مرّة ثانيّة ليعدّد مخازي خصوم الشّيخ (27) ويصفهم بأوصاف، تكشف عن شدّة تذمّره وتضايقه منهم ومن مواقفهم، التي هي كلّها عرقلة لحركة التّغيير والإصلاح. وتؤكّد القوّة التي ظهر بها (1/172)
صفحة 167
زعيمها الشّيخ بيّوض بأعماله ومآثره. أي يريد أن يقول إنّ حزب الإصلاح في انتصار وخصومه في اندحار.
تسجيل الرّحلة بهذا الرّصد الدّقيق لمراحلها، وبهذا التّفصيل الواعي الهادف لمحطّاتها، وبهذا الوصف البديع والشّاعري لما دار فيها من أحاديث، وما صدر فيها من مواقف، وبهذه التّعليقات والتّأويلات والتّفسيرات والإيضاحات، وبهذه الحماسة المفرطة، وبهذا الولاء لشخص الشّيخ بيّوض، واللّوم والتّوبيخ لخصومه، والانتقاص منهم ومن مكانتهم وقدرهم. وتقديم هذه الرّحلة بهذا التّوجيه لأحداثها؛ بما يخدم الحركة الإصلاحيّة، وبما يصرف همم الشّباب إلى الشّعور بمسؤوليّتهم نحو وطنهم ونحو قيمهم ومبادئهم. وإلى ما ينمّي في الأجيال روح التّضحية والفداء، وروح الانتماء إلى أصول ثابتة، لا يمكن التّخلّي عنها، وإلى ما يقوّي العزائم، ويعزّز الإرادة، ويبعث الأمل في النّفوس ...
تقديم الرّحلة بهذه الكيفية، وبهذه المواصفات يكشف عن التّوجّه الإصلاحي والتّعبوي الذي دفع الشّاعر إلى نظم القصيدة. لذا نقول إنّها حملت رسالة خاصّة. نشير فقط إلى أنّ هذه القصيدة في حاجة إلى دراسة فنّية نقدية؛ لما تضّمنته من أساليب متنوّعة، وظواهر فنيّة وخصائص، في حاجة إلى وقفات.
وفي سنة 1946م يسافر الشّيخ بيّوض إلى الجزائر العاصمة على رأس وفد، ليقدّم مطالب الأمّة إلى الوالي العام " شاتينيو "، بعد عودته استقبله الشّاعر بقصيدة عنوانها " أهلا وسهلا ومرحبا، استهلّها بقوله:
اشرب على نخب الإمام كؤوسا ... وانعم بمرآه البهيّ نفوسا
واقرأ على الدّنيا محاسن (1/173)
صفحة 168
فضله ... واسجد لدى محرابه تقديسا (28)
التزم الشّاعر في هذه القصيدة التي تعدّ ثلاثة وخمسين ومائة بيت (153) بما عهدناه عنه كلّما كان الحديث عن الشّيخ بيّوض، وجاء النّظم بعد قيام الشّيخ بعمل ما، حيث يطول نفسه في الكتابة، ويكون التّركيز على إنجازات جماعة الإصلاح، ويحلو الكلام لفضح مخازي خصومه، وتكون الفرصة مناسبة لتوجيه الدّعوة للنّاس، للقوم، للشّباب ليأخذوا بأسباب الحياة والتّقدّم، ونبذ الكسل والخمول والتّفرّق والتّقاعس ...
يركّز كثيرا على صنيع خصوم الشّيخ بيّوض، الذي لا يوصل إلاّ إلى نتيجة واحدة، وهي تخريب هذا الوطن وتفريغه من كلّ معاني الحياة، وإبعاده عن كلّ مظاهر التّعمير، بل الإبقاء به يرزح تحت وطأة التّخلّف، ويقبع أسير التّبعيّة والقهر.
القوم يقولون: إنّ بيّوض خنجر مغروس في جسم الدّين، وهو أصل كلّ داء؛ لأنّه يريد أن يصون المنطقة من الحكم الفرنسي العسكري الغاشم، ولأنّه يسعى إلى التّمدّن والتّحضّر والتّطوير. إنّه مبتدع ومبدّل ومبدّد وعاقّ لنا ولديننا؛ لذا:
قوموا حماة الدّين صونوا أمره ... ثمّ ابذلوا نفسا لكم ونفيسا
وابنوا السّدود أمامه أي أبرقوا ... بالاحتجاج لندفع التّهويسا (29) (1/174)
صفحة 169
هكذا تحتفظ القصيدة بهذا الخطّ العام الذي انتهجته قصائده الأخرى، تسير فيه في اتجّاه مستقيم لا تحيد عنه إلى السّبل، حتّى لا تضلّ عن الهدف وهو الحديث عن الإصلاح ونصرته، والدّعاية له. ويكون في هذه القصيدة تركيز على خطر الحكم العسكري، وتبيان وجهة نظر الشّيخ بيّوض وحزب الإصلاح في القضيّة، وهو رفض هذا الحكم رفضا تامّا. ينبّه الشّاعر بهذا النّاس ليتفطّنوا إلى مكائد الأعداء ودسائس المغرضين، ويومئ إليهم أن لايسمعوا إلى من هو قاصر في تفكيره، وعاجز في تدبيره، وساذَج في توجيهه:
لا مرحبا بالعقل إن لم ينتصب ... علما يدلّ إلى الرّشاد نفوسا
ويميّز الحسنى فيتبعها الذي ... يبغي الهدى خدنا له وأنيسا
ما بالنا – أفنا – نناصر خصمنا ... أنريد تصير الحمى ناووسا (30)
ثمّ عرض مجموعة من المشاكل التي يتخبّط فيها الشّباب وأبناء منطقته، وهم خارج دائرة مساقط رؤوسهم يعيشون آلام الغربة ومتاعبها، ويحيون حياة التّمزّق والتّفرّق والتّشرذم والتّشتّت وغيرها. تساءل بعد ذلك متى تنجلي هذه الظّروف العصيبة؟ متى تتغيّر الأوضاع؟ متى تنفرج الأزمة وترتقي البلاد وتتطوّر؟ متى تأخذ الصّناعة مكانها في المجتمع؟ لن يحصل ذلك إلاّ حين تأخذ الأمّة بأسباب الحياة الحقيقيّة (31) وحين يتحقّق ذلك يكون الإصلاح قد تمكّن من الأمّة ويفرح ويزهو ويزدهي: (1/175)
صفحة 170
فهنا نرى الإصلاح يطفح بشره ... ونرى الخصوم يطأطئون رؤوسا (32)
هذا البيت يترجم المشاعر الحقيقيّة التي يحملها الشّاعر، ويفصح عن الغرض الحقيقي من نظم هذه القصيدة، وهي نصرة الإصلاح، ومباركة خطواته وأعمال زعمائه، على رأسهم الشّيخ بيّوض.
إنّ القصيدة تحمل آيات الحسرة والتّذمّر على الأوضاع الفاسدة، والقلق والضّجر من تطوّر الحياة السّياسة، التي أفرزت عرض مشروعات خطيرة على مستقبل الشّعب الجزائري بعامّة وعلى سكّان الصّحراء بخاصّة. منها مشروع فصل الصّحراء عن شمال الجزائر. ومنها تطوّر أساليب الكفاح والنّضال، الذي أدّي أحيانا إلى الصّدام والاختلاف في طريقة المواجهة، والغاية من النّضال. وعلى صعيد العالم تفاعل نتائج الحرب العالميّة الثّانيّة، وانعكاسها على الجزائريّين. وفيما يخصّ الشّيخ بيّوض المعنيّ بقصيدة الشّيخ عبد الرّحمن، فإنّ فترة الأربعينيّات – التي قيلت فيها القصيدة – هي فترة حرجة بالنّسبة إليه. ففيها فرضت عليه الإقامة الجبريّة، وفيها تعرّض لمحاولات الاغتيال، وفيها عَرَض كثيرا من آرائه السّياسيّة والاجتماعيّة والتّربويّة الخطيرة، التي كان لها تأثير خاصّ في الحياة العامّة، وفيها كان محور الحركة الإصلاحيّة بكلّ جوانبها وتطوّراتها ... (33)
تنظر في هذا السّياق قصيدته التي استقبل بها الشّيخ بيّوض في مدينة بريّان يوم 16 من شوّال 1363هـ /04 من أكتوبر 1944م (34) فهي تحمل الأفكار نفسها، والرّسالة ذاتها، والمشاعر عينها، والرّؤى نفسها، حتّى العبارات والتّراكيب والأوصاف الواردة في هذه القصيدة لا تختلف عمّا ورد في القصائد الأخرى التي تناولت الموضوع نفسه.
الخاتمة (1/176)
صفحة 171
خلاصة القول: إنّ شعر الشّيخ عبد الرّحمن يكاد ينحصر في مجال واحد هو مجال الإصلاح. حتّى في هذا الميدان، يكاد لا يخرج عن دائرة رثاء الأوضاع المتردّية، المتمثّلة في ضعف التّعليم وانتشار الجهل وزهد النّاس في العلم، واستفحال الجمود الفكري، وسيادة التّخاذل والتّقاعس، وضعف التّفكير السّليم والتّدبير السّديد - عند بعض النّاس - في مستقبل الأمّة والوطن. كلّ ذلك جعل أعداء الدّين، وخصوم الإصلاح والتّطوير يسيطرون، ويقومون بتوجيه الشّباب إلى عواقب وخيمة، ويدفعون بالبلاد إلى مصائر مجهولة. وهو ما دعا الشّاعر إلى أن يرحّب بكلّ عمل يناهض هذه الأفكار، ويقف سدّا منيعا أمام كلّ تحرّك يعرقل النّهضة. لذا كان يكثر من سرد مخازي المعرقلين والمغرضين، ويكرّر الدّعوة إلى ما ينهض بالمجتمع وينوّع في هذه الأساليب، ويحارب ما يناهض هذه الدّعوات. ويلحّ على الإشادة بزعيم الأمّة والإصلاح الشّيخ بيّوض، واتّخاذه محور شعره في هذا المجال: تسجيلا لأعماله، وتنويها بأفضاله، ودعوة للاقتداء به، وإلحاحا على مؤازرته ... لأنّه وجد في التّركيز عليه تحدّثا عن الإصلاح، وكشفا عن أفكاره هو ... لهذه الملاحظات وهذه السباب كان شاعر الإصلاح بحقّ، وناصر أعماله، وناشر أفضاله.
الهوامش
1 - ينظر محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية (الجزائر) سنة 1992م، ص: 33 – 38.
2 - محمد الهادي السّنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، مطبعة النّهضة، تونس، سنة 1927 م، ص: 16.
3 - أحد أركان الإصلاح في مدينة القرارة، وهو سياسي محنّك، وداهية دوّخ الاستعمار الفرنسي، لذا كان يلقّب بأسد القرارة، توفّي سنة 1934م.
4 - وادي ميزاب منطقة تقع في الجنوب الجزائري. (1/177)
صفحة 172
5 ديوان الشّيخ عبد الرحمن بكلّي (مخ)، ص: 7. نشر ت القصيدة في جريدة الأمّة (الشّيخ أبو اليقظان) ع: 20 (12/ 02/ 1935م)
6 المصدر. نفسه.
7 المصدر السّابق، ص: 7، 8.
8 المصدر السّىبق، ص: 8، 9.
9 - سورة مريم، الآية: 15.
10 - الدّيوان، ص: 9.
11 - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1316 – 1401هـ / 1899 – 1981م) ركن من أركان الحركة الإصلاحيّة بالجزائر، عضو إدارة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائرييّن، مؤسّس معهد الحياة (القرارة) سنة 1343هـ / 1925م. من آثاره تفسير القرآن الكريم.؛ تدريسا في مسجد القرارة ما بين 1935 _ 1980م. وشرح كتاب: " فتح الباري شرح صحيح البخاري " تدريسا في معهد الحياة ما بين (1931 - 1945م)، آخر ما طبع له ضمن تفسيره " في رحاب القرآن " الجزء التّاسع: تفسير سورة العنكبوت، والجزء العاشر: تفسير سورة الرّوم، نشر جمعيّة التّراث القرارة (الجزائر) سنة 1422هـ / 2001م.
12 – المصدر السّابق، ص: 1، 2. القصيدة تحت عنوان " فأهلا وسهلا بالحبيب ومرحبا " نشرت في جريدة وادي ميزاب (أبو اليقظان) ع: 35 (27/ 05/ 1927).
13 - الدّيوان، ص: 2.
14 - عنوان مقال نشره الشّيخ بيّوض في حلقات. ينظر جريدة وادي ميزاب (1926 – 1929م) الأعداد: 61، 62، 64، 72، 79، 81.
15 - إيّاس، " جلسة المخذولين "، جريدة وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/ 1928م) (1/178)
صفحة 173
16 - محمد ناصر بوحجام، السّخرية في الأدب الجزائري الحديث: 1925 – 1962م، رسالة دكتوراه (مخ) جامعة الجزائر، معهد اللّغة والأدب العربي، السّنة الجامعيّة: 1404هـ/ 1993 – 1994 م، ص: 239.
17 - تمّت الزّبارة يوم 03 جانفي (يناير) 1944م، والقصيدة نظمت في شهر ربيع الأنور 1362هـ/ مارس 1944م.
18 - الدّيوان، ص: 25. " أفلح " هو الشّيخ إيراهيم بيّوض.
19 - المصدر السّابق، ص: 25، 26.
20 - المصدر السّابق، ص: 26.
21 – المصدر السّابق، 26، 27.
22 - المصدر السّابق، ص: 27، 28.
23 - المصدر السّابق، ص: 28.
24 - المصدر السّابق، ص: 28، 29.
25 - المصدر السّابق، ص: 30، 31.
26 - المصدر السّالق، ص: 32.
27 - المصدر السّابق، ص: 37.
28 - المصدر السّابق، ص: 40.
29 – المصدر السّابق، ص: 41.
30 – المصدر السّابق، ص: 43.
31 - المصدر السّابق، ص: 44.
32 - ينظر كتابنا " الشّيخ بيّوص والعمل السّياسي" وكتابنا " الشّيخ بيّوض وقضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال " وخطبة الشّيخ بيّوض، التي ألقاها يوم الثّلاثاء: 05 من شوّال 1367هم/ 10 من أغسطس 1948م، بمناسبة اختتام مؤتمر قدماء التّلاميذ، الذي انعقد في مدينة القرارة، ودام ثلاثة أيّام: (03 – 05 من شوّال 1367ه/ 08 – 10 من (1/179)
صفحة 174
أغسطس 1948م) عن جمعيّة قدماء تلاميذ معهد الحياة، ينظر الشّيخ محمد عليّ دبّوز، وكتابه: " نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة ج3، ط1، 1389ه/ 1969م، ص: 186 – 222.
33 - الدّيوان، ص: 47 – 50.
نزوى يوم: 28 من ذي الحجّة 1422هـ
12 من مارس ... 2002م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
جريدة الشّباب نادٍ للتّباري في الأدب والفكر (1)
مقدّمة
يرجع اهتمامي بموضوع جريدة الشباب إلى سنة 1980، فبعد وفاة الشّيخ علي يحي معمر، رحمه الله، (1339 – 1400ه/ 1919 – 1980م) بدت لي فكرة
__________
(1) - شاركت بهذا البحث في مهرجان الوفاء الذي أقيم في مدينة القرارة، أيّام: 4 – 6 جمادى الأولى 1430هـ/ 29، 30 من أفريل و1 من ماي 2009م. (1/180)
صفحة 175
كتابة مقالة، أو إعداد بحث عن حياته، فكان أوّل ما خطر ببالي تصفّحُ جريدة الشّباب للاطّلاع على ما كتبه فيها، فشرعت فعلا في نسخ مقالاته، ثمّ توسّعت الفكرة إلى فهرست الجريدة. وقد شملت العمليّة مجلّدا ونصف مجلّد. لم أتمكّن من إتمام العمل لأسباب ومشاغل حالت دون ذلك.
جاءت مناسبة الاحتفال بالذّكرى الخامسة والسّتّين لتأسيس معهد الحياة فطلب منّي إعداد دراسة عن الجريدة، فاستجبت للطّلب. لكنّني عندما بدأت العمل تأكّد لي أنّني لن أتمكّن من إنجازه في الأجل المحّدد، لأنّ هناك عملا كبيرا يجب القيام به قبل الشّروع في هذه الدّراسة، يتمثّل فيما يأتي:
أوّلا: تذليل بعض الصّعوبات والعقبات التي تعترض سبيل من يتصدّى لهذه الدّراسة، هذه العقبات يمكن معرفتها من خلال الملاحظات التي سجّلتها في أثناء قيامي بفهرست الجريدة، أذكرها فيما بعد.
ثانيا: الحصول على مجموعة كبيرة من الأجوبة عن الأسئلة التي تفرض عليّ الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ الذين كانوا طلبة وكتّابا في الجريدة أو مشرفين عليها، أو كانت لهم علاقة بها، وهو ما يتطلّب وقتا كبيرا، لا أملكه في هذه الفترة.
بناء على ذلك قدّمت اعتذاري عن عدم تمكّني من القيام بهذه المهمّة؛ إذ لا يمكن لي أن أقدّم دراسة غير مركّزة في غياب المعلومات الكافية. لكنّ اللّجنة المشرفة على تحضير الاحتفال رفضت اعتذاري، وهو ما حملني على بذل جهدي لتقديم عمل متواضع يضمن لجريدة الشّباب حضورا في الاحتفال، لكنّه لا يسعفها بالظّهور بوجهها الحقيقي، ولا بإيفائها حقّها، مثلما كانت وفيّة ومخلصة مع أبنائها، حين احتضنت نتاجهم وقوّمته ووجّهته الوجهة الحسنة.
إذن بدافع من هذا الإلحاح، قمت بهذا العمل المتواضع الذي هو وصف وعرض للجريدة ـ شكلا ومضمونا ـ بعيدا عن الدّراسة والتّحليل والنّقد، بل هو إلى التّقرير الصّحفي أقرب. (1/181)
صفحة 176
قمت بفهرست أعداد الجريدة من أوّل عدد صدر سنة 1926 أو 1927 إلى سنة 1951م. ومن عناوين المقالات التي نشرت في هذه الفترة، حاولت التّعريف بالجريدة ودورها وبما كانت تهتمّ به، وبمنهجها ودورها في الحياة الأدبيّة والفكريّة لطلبة معهد الشّباب (الحياة) في تلك الفترة.
تناولت في هذا التّقرير تأسيس الجريدة ونظامها، والشّكل الذي كانت تظهر به، والأهداف التي كانت ترمي الوصول إليها، وسجّلت أصداء بروزها في نفوس المتعطّشين إلى الأدب والثّقافة، والقائمين على عملية التّربية والتّكوين، ثمّ ذكرت محتويات العدد الأوّل مع تقديم فقرة من كلّ مقال نشر فيه، ثمّ سجّلت اهتمامات الجريدة من خلال عناوين المقالات، وأخيرا ختمت العرض بملاحظات عامّة.
حتىّ أقدّم صورة واضحة من عملي هذا أضع بين يديه هذه الملاحظات:
1 - لم أتّبع في العرض منهجا معيّنا وواضحا للأسباب والظّروف التي أحاطت بإعداد هذا التّقرير، كما أسلفت القول ـ وقد يلاحظ المطّلع عليه اضطرابا في طريقة التّهميش مثلا.
2 - تجاوزت في قبول بعض المصطلحات وإيرادها حسبما جاءت في الجريدة، أو كما ذكرها أصحابها، رغم عدم دقّتها أحيانا.
3 - ليس كلّ ما نشر في الجريدة كان مقبولا، ولا في المستوى المطلوب، فالكاتب يكون في كثير من الأحيان مجبرا على الكتابة؛ لأنّ عمله يدخل ضمن الواجبات المفروضة على الطّالب، يحاسب عليه كما يحاسب على دروسه؛ لذا قد لا يحتفي بما يكتب. فهناك مقالات لم تتعدّ عشرة أسطر.
4 - هناك أعداد كثيرة ناقصة.
5 - في الجريدة خلل كبير، وهو ما عبَّرتُ عنه بالعقبات التي تعترض من يتصدّى لدراسة جريدة الشّباب. أذكر هذا الخلل في النّقط الآتية: (1/182)
صفحة 177
- أحيانا تكون نسبة المقالة في الفهرست إلى شخص بينما التّوقيع ذيل المقالة يكون لغيره.
- قد تسجّل عناوين مقالات في الفهرست، من أن تكون موجودة داخل العدد.
- قد تنشر مقالات في عدد، وعناوينها في فهرست عدد آخر.
- بعض المقالات غير تامّة، البداية موجودة والنّهاية منعدمة أو العكس، وقد توجد إحداهما في عدد، والأخرى في عدد آخر. يكتشف الباحث علاقة الأولى بالثّانية بفطنته ودقّة ملاحظاته وقوّة تركيزه, وقد يكون المقال من دون عنوان وإمضاء.
- أحيانا يشترك شخصان أو أكثر في إمضاء مستعار، ممّا يسبب مشكلة تحديد صاحب المقال، مثلا "أبو حفص" يمضي به من اسمه" عمر بن سليمان"، و" عمر بن محمد داودي". و" أمين" يوقّع به " قاسم بن الحاج سعيد بسيس"، و " يوسف، ابن زايط". و" ابن أفلح" استعاره " عبد الرّحمن حوّاش"، و"محمد بيوض". " ابن عمر" لقب أسرة، و"ابن عمر" إمضاء يمضي به" صالح بليدي" .... وبعض الإمضاءات تكون بأسماء النّساء" هند"، " زينب الحكيم"، "دلال الحبيب" ....
- أحيانا يكون التدّاخل بين الأعداد، حصل هذا في أثناء جمع الأعداد في مجلّدات. قد يكون حدث ذلك بسبب سقوط بعض الصّفحات بخاصّة الصّفحات الأولى من الأعداد.
- ترتيب بعض الأعداد لم يكن سليما، كما أنّ ترقيم الصّفحات لم يسلم من الأخطاء.
- وضع تواريخ الأعداد هو الآخر لم يسلم من الزّلل والخلط، فأسبوع الجريدة أحيانا يكون يوما واحدا ومرّة يومين، وأخرى أربعة أيّام وثمانية وأكثر ... (1/183)
صفحة 178
- التّاريخ الهجري - أحيانا - لا يوافق التّاريخ الميلادي، ومرّات يكون الخطأ في ترتيب الشّهور، فيوضع مثلا رجب قبل ربيع الأوّل.
- أحيانا يكون العدد من دون تأريخ ولا رقم. وقد يشترك عددان أو أكثر في تاريخ واحد. وقد يكون رقمٌ واحد مكرّرّا في أعداد كثيرة.
- ترقيم الأعداد لم يكن له ضابط معيّن، أحيانا يلتزم فيه التّسلسل، وأحيانا أخرى لا يراعى ذلك، ممّا يصعّب من مهمّة من يريد الاستفادة من الجريدة. فالتّرقيم كان هكذا: السّنة الأولى عام 1926 إلى السّنة العشرين عام 1946. وبِتَصفّح المجلّدات نعثر على تسلسل آخر، يبدأ من السّنة الأولى عام 1943 ثمّ نلتقي بسنة 21 في بعض أعداد عام 1947؛ ممّا يجعلنا نرجّح أنّ الأرقام أحيانا توضع بالتّخمين. وسيلاحظ المطّلع على هذا العرض هذا الخلل واضحا في الهوامش.
- بعض الصّفحات انْمَحت كتابتها، ممّا يتطلّب التّعجيل بإنقاذ الباقي.
هده بعض الصّعوبات التي منعتني من القيام بدراسة الجريدة، وجعلتني أكتفي بتقديم تقرير وصفي مقتضب لها. نرجو أن تسعفنا الظّروف لتذليل هذه الصّعوبات في الأيّام القادمة؛ حتىّ نكشف عن وجه مشرّف، كان يقوم به معهد الحياة في الحياة الأدبية والفكرية في الجزائر، وما ذلك على الله بعزيز، والله وليّ التّوفيق.
الجزائر يوم السبت 20 جمادى الثّانية 1409 هـ
28 جانفي 1989 م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/184)
صفحة 179
مقدّمة ثانية
أُعِدَّ هذا العمل سنة 1409هـ/ 1989م ليقدّم في الاحتفال بالذّكرى الخامسة والسّتّين لتأسيس معهد الحياة، الذي كان مقرّرًا أن يكون في السّنة المذكورة. إلاّ أنّ هذا لم يحدث. فبقي العمل مستورًا قابعًا في محفوظات مكتبة الحياة، وفي رفّ مكتبتنا, وقد نشرنا جزءًا منه في مجلّة " المعارف "، العدد الأوّل. التي أصدرتها الرّابطة الجزائرية للفكر والثّقافة.
مرّ على العمل عقدان من الزّمن، وجاءت فرصة إقامة " مهرجان الوفاء "، الذي يقام إن شاء الله في شهر جمادى الأولى 1430هـ/ أفريل 2009م. وهو مخصّص للتّعريف بشخصيّة أستاذنا ومعلّمنا فضيلة الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدّون) - رحمه الله -. وتدشين المبنى الجديد لمعهد الحياة العتيد، والصّرح الشّامخ، الذي بنى قواعد الحياة السّويّة للمسلم على تقوى من الله ورضوان. وما يزال يقوم بالرّسالة الشّريفة، التي أناطها بها مؤسّسوه الأوائل مشائخنا الأكارم: الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، والشّيخ عدّون بن سعيد شريفي، والشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان وغيرهم، رحمهم الله جميعًا.
أعددنا هذا العمل المتواضع البسيط لنشارك به في هذا الحدث الكبير، ونحن نأمل أن يخطو معهد الحياة خطوات كبيرة في بناء شخصيّة الفرد المسلم، وأن يسير قدمًا نحو التّطوّر والتّجديد، بما يتماشى مع تقدّم الحياة وتجدّدها، وبما يستجيب للمرحلة الجديدة التي يسير نحوها المعهد، ويحقّق آمال كلّ من ينتظر منه آفاقًا جديدة، تتناسب مع الحلّة القشيبة التي يبدو فيها هيكل المعهد وشكله، فيكون المضمون مناسبًا للشّكل.
بما أنّ جريدة الشّباب تعدّ من الميادين المهمّة التي اعتمدها المعهد وسيلة ناجعة في تكوين الطّلبة أدبيًا وفكريًا، وقد حقّق بها غايات كبيرة في هذا المضمار، وقطع أشواطًا مهمّة، قمنا بالتّعريف بها، ولا أقول دراستها، لنعرض وجهًا مشرقًا (1/185)
صفحة 180
للمعهد، الذي قال عنه أستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر، أحد الذين تخرّجوا أدبيًا في هذه المدرسة (مدرسة جريدة الشّباب): " ولقد كان المستوى الرّفيع الذي بلغته هذه النّهضة نتيجة طبيعية لما كان المؤسّسون الأوائل، من مشايخ المعهد وأساتذته، يبذلون في هذا السّبيل، فإنّ هذا يدعونا إلى وقفة استردادية، نعود فيها بالذّاكرة إلى ذلك العهد الزّاهر، إبّان الثّلاثينيات والأربعينيات. وهذه الوقفة تفرض علينا أن نعود إلى أوّل مصدرٍ لذلك الإنتاج الأدبي المبكّر في صفحات " مجلّة الشّباب " التي كان " معهد الشّباب " يصدرها، ويتّخذها ناديًا للتّلاقي والحوار، وسوقًا عكاظيةً للتّباري والتّنافس، ومنبرًا حرًّا لتدريب الألسنة والأقلام." (1)
نقدّم هذا العمل لنسجّل هذا الدّور، وهذه الرّيادة في بدايات بروز النّهضة الإصلاحيّة في الجزائر بعامّة. وبيان النّشاط الطّلابي المتميّز، الذي خطّط له الموجّهون والقادة، ورعوه بالمتابعة والتّوجيه والتّشجيع والاحتضان ... ولنقدّم للنّاشئة نموذجًا حيًّا وجيّدًا في مضمار التّكوّن؛ بما يساعد على التّأسّي والاقتداء؛ عسى أن يكون ما أبداه الطّلبة على صفحات هذه الجريدة حافزًا للنّهوض بالأدب من ركوده، والقيام به من سقوطه في زمن الانقلاب على المقوّمات الحقيقيّة للتّكوين. فنعين على خدمة الرّسالة الدّينية، وأعني به التّكوّن الأدبي واللّغوي. وفي هذا يضيف الدّكتور محمد ناصر: "ومع حاجة الوطن إلى الإطارات الجامعيّة، كان
__________
(1) - الدّكتور محمد صالح ناصر، افتتاحيّة العدد الخامس لمجلّة الحياة، (معهد الحياة القرارة، الجزائر)، رمضان 1422هـ/ ديسمبر 2001م، ص: 9. قدّم الأستاذ عمر بن قاسم بلعدّيس بحثًا قيّمًا. هو في الأصل مذكّرة لنيل شهادة اللّيسانس في اللّغة العربيّة وآدابها، من كليّة الآداب واللّغات جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1427 ـ 1428هـ/ 2006 ـ 2007م. البحث موسوم بِـ "الحسّ الرّومانسي في مقالات الشّيخ محمد عليّ دبّوز الأدبيّة. رؤية تحليليّة من خلال نماذج من جريدة الشّباب (مخطوط). قدّم من خلاله صورة رائعة وجيّدة عن جريدة الشّباب التي يصدرها طلبة معهد الشّباب (الحياة). وكشف عن المستوى الأدبي والفكري الرّاقيين الّلذين كان يبديهما طلبة المرحلة الثّانويّة بالمفهوم الحالي، كما أبان عن دور هذه الجريدة في صقل مواهب هؤلاء الطّلبة. (1/186)
صفحة 181
لابدّ لأبناء المعهد أن يكونوا في الصّدارة، ومن هنا كان الاتّجاه نحو الدّراسات الأكاديميّة في شتّى مجالات العلم والمعرفة، وبلغ بعضهم في تخصّصه مكانة مشرّفة عالية، وأثروا المكتبة العربيّة ببحوثهم ودراساتهم القيّمة، ولا سيّما في مجالي الأدب العربي والشّريعة الإسلاميّة. وهذا التّوجّه الأكاديمي أثّر سلبًا على الإبداع الأدبي، فأصبح الاهتمام بالشّعر، والأجناس الأدبيّة الأخرى نادرًا, مِمّا يجعلنا نقول آسفين إنّ الدّور الأدبي الرّائد الذي كان معهد الحياة يرفع رايته منذ سبعة عقود من الزّمن تقريبًا أخذ يضعف ويتراجع، وهي خسارة للحركة الأدبيّة في الجزائر ولا شكّ." (1)
هذا نداء وصرخة يوجّههما الدّكتور إلى القائمين على عمليّات التّوجيه والتّخطيط والتّدبير والتّسيير في معهد الحياة، أن يبقوا أوفياء لمبادئ الأسلاف، ومحافظين على رسالته، ومثابرين على إكمال رسالة المؤسّسين، وتطوير عملهم بما يجعلهم أيضًا أوفياء للعصر الذي يعيشونه.
هذا من جملة ما هدفنا إليه بهذا العمل، وهو تقديم صورة عن أحد ركائز المعهد في التّكوين والتّوجيه والتّربية. مع تسجيل أنّنا لم نضف إلى البحث شيئًا عمّا كتبناه سنة 1989م، إلاّ بعض التّصويبات القليلة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يحقّق رجاءنا، ويعيننا على البقاء في سكّة الأسلاف في هذا المجال، وهو الهادي إلى سواء الصّراط، وحسن العمل.
القرارة يوم السّبت: 24 من ربيع الأوّل 1430هـ
21 من مارس ... 2009م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 10. (1/187)
صفحة 182
تأسيس جريدة الشّباب
ذكر لي أستاذي الشّيخ عدون أن تأسيس جريدة الشّباب كان مرتبطا بتأسيس معهد الحياة وتكوين "جمعية الشّباب" (1). والجريدة متمّمة لأعمال الجمعية، يقول الشّيخ محمد علي دبوز:" ولدت جريدة الشّباب مع جمعية الشّباب في سنة واحدة، وقد سبقت الجمعية بأمد قصير ثُمَّ ولدت الجريدة. إن الغرض منهما واحد وكلّ منهما يكمّل الآخر، فالجمعية لتدريب الألسنة والجريدة لتمرين الأقلام" (2).
يؤكّد الشّيخ عدون على أن تأسيس الجريدة كان سنة 1926 (3) ويقول:" إنّ لمطالعات المشايخ والطّلبة للمجلات المشرقية وجرائدها (كالزّهرة) التّونسيّة و (الفتح) لمحبّ الدّين الخطيب، و (اللّواء) المصريّة، وبعض الجرائد الجزائريّة (كالنّجاح) و (الشّهاب) ... كان لهذه القراءات دور كبير في إنشاء جريدة الشّباب."
يُمكن لنا أن نضيف أنه ربمَّا يعود ذلك إلى عهد الشّيخ الحاج عمر بن يحي (ت 1339ه/1921م)، فقد كان يعقد مع طلبته ما سمّي آنذاك "بندوة المطالعة "
__________
(1) - هي جمعية أدبية أسّسها الشّيخ عدون سنة 1926م. هي وسيلة تكوينية للطّلبة، يتبارون فيها على إلقاء الخطب ونظم الأشعار، وكتابة الأناشيد، وإعداد المحاضرات، وهي نادٍ يطبّق فيه الطّلبة ما يتلقّونه من دروس في فصول المعهد. لمزيد من التّفاصيل ينظر شريفي سعيد، الحياة العلميّة بالقرارة في جيل، (مخطوط) سنة 1956م، ص: 37. طبع الكتاب تحت عنوان (معهد الحياة نشأته وتطوّره). ينظر أيضًا محمد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزء الثّالث، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1969م.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة ... الجزء الثّالث، ص 135.
(3) - في مقابلة جمعتني به في منزله بالقرارة يوم الأربعاء 24/ 08/ 1988 م. (1/188)
صفحة 183
وذلك ليلة الجمعة، وكان يخصّصها لقراءة ما يصله من الجرائد من مصر وتونس ومن داخل الوطن. فالشّيخ أبو اليقظان إبراهيم (ت1393ه/ 1973م) مثلا، يذكر أنّ الحسّ الصّحافي تكوَّن لديه من حضوره هذه النّدوة، واستفادته ممّا كان يقرؤه عليهم أستاذهم الحاج عمر بن يحي. فلا مانع من أن يكون الحسّ نفسه قد انتقل إلى طلبة معهد الحياة، بخاصّة وأنّهم قد وجدوا من يشدّ بأيديهم، ومن يحسّ بإحساسهم ويحمل طموحهم نفسه، عل رأس هؤلاء أستاذ الجيل الشّيخ عدون (سعيد شريفي).
مؤسّس هذه الجريدة هو السّيّد حمو بن عمر سليمان بوعصبانه (لقمان) (1).كانت الجريدة أسبوعيّة تصدر يوم الخميس، وابتداء من عدد: 36 (2)
__________
(1) - قال عنه الشّيخ محمد علي دبّوز: " الأديب البطل المخلص حمو بن عمر لقمان رحمه الله، أوّل كاتب لمجلّة الشّباب، ومن أحسن من كتب فيها. وهو من خرّيجي معهد الحياة الأوّلين البارزين. كان أديبًا له قلم ولسان، وهو من الدّعاة الكبار المتحمّسين النّاجعين للنّهضة. وله مقالات اجتماعيّة قويّة الرّوح في جرائد أبي اليقظان، ويمتاز بالشّجاعة والإخلاص والطّموح وقوّة الشّخصيّة، والمرح وعذوبة الرّوح. توفّاه الله في الكهولة، في يوم 15 محرّم 1385هـ/ ماي 1965م. " نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 147. في الحقيقة إنّ لقمان حمو ليس أوّل كاتب لجريدة " الشّباب " فحسب، بل هو مؤسّسها. ينظر "القرارية " عدد:1 سنة: 1 (ب. ت) العدد الأوّل كان باسم "القراريّة"، صدر العدد الرّابع بعنوان "الشّباب"، وابتداء من العدد العاشر يكون هذا اسمها. بينما العددان الثّاني والثّالث صدرا باسم " الشّباب النّاهض" والعددان 37 و38 باسم "المشيب". إنّ الشّيخ دبّوز يستعمل كلمة مجلّة للشّباب، بينما هي في الحقيقة جريدة. بدليل أنّ كلّ التّعريفات التي قدمّت لأعدادها، كانت تنصّ هكذا: جريدة أسبوعيّة، صحيفة انتقادية تهذيبية ... ولم ترد ولا مرّة واحدة كلمة " مجلّة " في كلّ أعدادها. مجلّة الشّباب كانت شهريّة، صدرت سنة 1946، والسّنة التي بعدها. وقد اطّلعتُ على ثلاثة أعداد منها في مكتبة الحياة بالقرارة. يبدو أنّ هذه الأعداد هي كلّ ما صدر منها.
(2) - صدر يوم 23 رمضان 1346هـ .. (1/189)
صفحة 184
أصبحت تصدر عشيّة يوم الجمعة، وعادت إلى الظّهور صبيحة الخميس ابتداء من عدد: 143 (1). بعد ذلك لم تكن تلتزم بيوم معيّن في الصّدور. فقد صدرت يوم الأربعاء والأحد فترة طويلة كما صدرت يوم السّبت والثّلاثاء ...
كانت تبرز في نسخة واحدة بخطّ اليد. يجمع المحرّر (2) المقالات ثم ينسخها، ليكوّن منها عددا، يأتي به في الموعد الرّسمي لانعقاد الجلسة، فيقرؤه على الحاضرين.
كانت تصدر في أربع صفحات لفترة طويلة، وقد تزيد على ذلك، إلى أن تصل أحيانا أكثر من ستّين صفحة. هذا الرّقم نادرا ما تصل إليه.
صدر العدد الأوّل بالدّيباجة الآتية: اسم الجريدة " القرارية" ( El guerraria ) تحته "جريدة أسبوعيّة لتعليم مبادئ الكتابة،"، على اليمين " المراسلات: تنشر على عهدة أصحابها وإمضاءاتهم الصّريحة ومُصرَّحًا بها في الجريدة "، " المكاتبات: باسم مدير شؤون الجريدة وصاحب قلمها: حمّو بن عمر، القرارة ( Guerrara ),"، على اليسار: " تصدرها نخبة من الشّبيبة القرارية ". " تنشر الجريدة جميع أنواع الإعلانات ويُتّفَقُ فيها مع المدير"، " الاشتراك عن سنة بالقرارة 40 فرنكا، عن نصف سنة 25 فرنكا، من نظر عددين يُعَدُّ مشتركًا ".
ابتداء من عدد 49 (3) أصبح يكتب على يمين عنوان الجريدة، بدلا ممّا سبق ذكره الآيةُ الكريمة: { ... وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (سورة هود، الآية: 88)، وعلى يساره تكتب الآية الكريمة: { ... ِبسْمِ الله مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة هود، الآية: 41). ابتداء من عدد: 55
__________
(1) - صدر يوم 29 شعبان 1351هـ / 1932م.
(2) - تعني كلمة المحرّر هنا الناّسخ.
(3) - صدر العدد يوم: 15 ربيع الأنور 1347 هـ/ 31 أوت 1928م. (1/190)
صفحة 185
(1). وقد تضاف إليها بعض الحكم (شعرا ونثرا)، وبداية من عدد: 175 (2) أصبحت الدّيباجة كما يأتي: اسم: " الشّباب " وسط الصّفحة، فوقه بيت أحمد شوقي:
شباب قنّع لا خير فيهم ... وبورك في الشّباب الطّامحينا
تحت اسم الجريدة: " نشرة علميّة أدبيّة اجتماعيّة انتقاديّة، تصدرها نخبة من الشّبيبة المتعلّمة صبيحة الخميس من كلّ أسبوع". على اليسار محتويات العدد. وابتداء من سنة 1941م أصبحت الدّيباجة كالآتي: اسم " الشّباب " وسط الصّفحة، تحته بيت أحمد شوقي المذكور آنفا، على اليمين " مبدؤُنا الدّين والأدب والعلم والعمل"، على اليسار:" شعارنا الخلق قبل الثّقافة ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد".
أهداف الجريدة
أفصحت الجريدة عن هدفها الأساسي من خلال التّعريف الذي اختارته لنفسها: " القرارية جريدة أسبوعيّة لتعليم مبادئ الكتابة ". فالغاية الأساسية التي تهدف إليها الجريدة هي: تدريب الأقلام على الكتابة، التي تفتح الآفاق أمام النّاشئة، للتّفكير والتّطوير والإصلاح والاستزادة من المعرفة، ولنفي الأميّة الفكريّة والثّقافيّة عن الأوساط.
بذلك تكون الجريدة قد وفّقت في وضع اللّبنة الأولى (الثّابتة) في الأساس، الذي ستبني عليه بنيانا ضخما متماسكا، ينطلق من هدف تنمية ملكة التّفكير والتّدبر والتّعبير الصّادق عن حقيقة المشاعر والطّموح، وينتهي إلى معالجة القضايا العامّة التي تشغل بال المهتمّين بشؤون الوطن والمجتمع.
إنّ هذه النّخبة من الشّباب التي تحمّلت مسؤولية إصدار هذه الجريدة، عاهدت نفسها على الالتزام بالنّهوض بهذا المجتمع، الذي هو في أمسّ الحاجة إلى طاقات الشّباب وكفاءاتهم في كلّ الميادين. وقد وجد الكتّاب (الطّلبة) أنفسهم، وهم يتصدّون للكتابة أمام حشد كبير من الأعمال، وأمام واجهات كبيرة مفتوحة، تنتظر منهم العمل الجادّ المتواصل لتحسين الأوضاع؛ لهذا لم يلتزموا بتعريف موحّد لكلّ أعداد الجريدة، ولا بوصف واحد لها.
يبقى الوصف: "جريدة أسبوعيّة لتعليم مبادئ الكتابة " يلازمها إلى غاية عدد 20، لنلتقي في عدد: 21 مع الوصف الآتي: "جريدة أسبوعيّة تهذيبيّة "، وتكون جريدة أخلاقيّة انتقاديّة في عدد 37، وجريدة أخلاقيّة سياسيّة في عدد: 38، وجريدة انتقاديّة تقريظيّة في عدد: 42، وابتداء من عدد: 48 تعرّف نفسها كما يأتي:" نشرة علميّة أدبيّة اجتماعيّة انتقاديّة، تصدرها نخبة من الشّبيبة المتعلّمة "، وأحيانا كان يضاف إليها: "حرّة تبحث في مختلف الفنون"، كما كانت تصف نفسها أنها: " مجلّة أدبيّة علميّة اجتماعيّة "، " مجلّة علميّة أدبيّة أخلاقيّة سياسيّة " (3).
من هذه التّعريفات نقف على الطّموح الذي كان يتمتّع به هؤلاء الشّباب لمساعدة مجتمعهم على النّهوض والتّقدّم، وفهم رسالة المثقّف في المجتمع. وَلْنَقِفْ قليلا
__________
(1) - صدر العدد في جمادى الثاّنية 1347هـ/ نوفمبر 1928م.
(2) - صدر العدد يوم: 11 محرّم 1353هـ/ 26 أفريل 1934م.
(3) - ذكر لي أستاذي الشّيخ عدون أنّه إلى جانب جريدة الشّباب صدرت مجلّة الشّباب، وذلك في الأربعينيّات. وقد اطّلعت شخصيّا على العدد الأوّل، المؤرّخ بغرّة رجب 1365هـ غرّة جوان 1946م والعدد الثّاني السّنة الثّانية، والعدد الثّالث السّنة الثّانية. يبدو أنّ كلمة ّ مجلّة " أطلقت على ما كان صدر شهريًا. وما عدا ذلك فكان يحمل اسم " جريدة ". (1/191)
صفحة 186
مع مدير شؤون الجريدة وصاحب قلمها ومؤسّسها السّيّد حمو بن عمر لقمان، وهو يقدّم لنا جريدة "القرارية"، ويبيّن الدّافع إلى تأسيسها والأهداف التي تصبو إلى تحقيقها.
يقول في افتتاحيّة العدد الأوّل، بعد حمد الله وشكره والثّناء عليه والسّلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" أمّا بعد فلابدّ لكلّ مشروع من مقصد وغاية، ولكلّ عمل من داع، والذي دعاني لتأسيس شبه جريدة غير خفيّ على كلّ ذي رأي صائب وفكر ثاقب، شرعنا بحول الله تعالى وقوّته على [كذا] تأسيس شبه جريدة أسبوعيّة، تصدر كلّ يوم خميس، والقصد الأكيد منها تعليم الكتابة وتسابق الهمم، وتباري الأقلام، وتشحيذ الأفكار، وفكّ عقال الخمول والجمود، والخروج إلى المعترك الحيوي بقدم ثابت، علّنا نفيق من الهجوع الطّائل، والخمول الذي استولى على النّفوس، فأخلدت إلى الرّاحة، وهي في الحقيقة غرقي في لُجّة المتاعب" (1).
يضيف مدير الجريدة: " ثانيا السّبب الباعث لتأسيس شبه جريدة هو جمع القلوب على المحبّة والإخلاص، وتكوين الرّابطة والجمعيّة؛ للمفاوضة في المصالح. ولماّ كانت الجرائد قطب رحى العالم وسبب العمران والنّجاح، اعتمدنا على من لا معين لنا سواه على إبراز صحيفة علميّة أدبيّة أخلاقيّة سياسيّة اقتصاديّة، نسأل الله العون والتّوفيق والسّداد، وعلى الله قصد السّبيل. ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين" (2).
من هذه الافتتاحيّة تتّضح لنا معالم هذه الجريدة ومنهجها وأهدافها. هذه الأهداف ليست سوى استنهاض الهمم، وشحذ العزائم وفتح المجال أمام النّاشئين، للتّدرّب على الكتابة الأدبيّة، وحملهم على تحمّل مسؤوليّاتهم في مساعدة مجتمعهم على النّهوض، والقيام من كبوته في كلّ الميادين: الدّينيّة والعلميّة والأدبيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة ...
__________
(1) - القرارية س1، ع1، (ب، ت).
(2) - الشّباب النّاهض، س1، ع2، يوم: 17/ 02/1927م. (1/192)
صفحة 187
هذا ما أكّدته – أيضًا - افتتاحيّة العدد: 46 (1) التي كانت بعنوان: " الشّباب في المرحلة الثّالثة": " الغرض من تأسيس الجريدة هو إفساح مجالٍ، تتمرّن فيه أقلام الشّبيبة، وتتبارى فيه أفهامهم، وإبراز مكوّنات الضّمائر، واستثمار كنوز المواهب، وتهيئة جيشٍ من الكتّاب كامل العدّة، يكون مفزعَنا وملجأَنا، لما للقلم في هذا العصر من القوّة النّافذة والسّطوة الفعّالة والقول الفصل، لهذه الغاية فكّر بعض متنوّري الشّباب في تأسيس جريدة، تكفل لهم النّجاح في مقصدهم ومرماهم".
وقد ركّز الكتّاب على بيان مسؤولية هؤلاء الشّباب النّاهضين ودورهم في تجسيد هذه الأهداف إلى واقعٍ؛ بالبروز في الميدان العملي. وجّه " محمد أبو صالح" كلامه للطّلبة قائلا:" ... رابطة إخواني، أنتم المكلّفون بصون بلادكم والقائمون بشؤونها، والذّابون عن حوضها، والدّارئون طوارئها، والذّاهبون بها من غمرات الخلل والضّعف إلى سواحل النّظام والسّعة، بل أنتم سياجها الضّامن إحصانَها، والصّائن حقوقها، فكيف لا تكون كذلك، وأنتم تستمطرون وتستوهبون صباح مساء مواهب ذلك الشّهم الغيور الأستاذ عدّون، الذي أضاع جلّ أوقاته ونفسه ونفيسه في إفادتكم، وتثقيف أذهانكم، وإنجاح مقاصدكم وتحقيق أمانيكم وترقية وطنكم" (2).
أصداء بروز الجريدة
كان لبروز الجريدة " القرارية " صدى كبير في النّفوس، تَمثّل في هذه الاستجابة التّلقائية لنداء مدير الجريدة، للجديّة في العمل، وفي هذا الالتفاف حوله ومؤازرته، ومساعدته على نشر دعوته بين الطّلبة والنّاشئة. وفي هذا تشجيعٌ ودَعْمٌ معنوي لمن قامَ بهذا المشروعِ العظيم. قال " أبو صالح عاشور بن الحاج موسى "،
__________
(1) - صدر يوم: 01/ 02/1929م.
(2) الشبّاب النّاهض، س1، ع3، يوم: 24/ 02/1927م. (1/194)
صفحة 188
من مقال بعنوان: " حاجتنا إلى اللّغة العربيّة "، وهو يعالج مسألة ضعف الحصيلة عند الطّلبة، الذي تولّدت عنه ضحالة في الثّقافة العربيّة، وجهل بتاريخ الإسلام، مِمّا ينذر بخطرٍ داهمٍ على الإسلام. وكان الكاتبُ قد وجد فيما أقدم عليه زميله " حمو بن عمر لقمان" وسيلة ناجعة ومهمّة لمعالجة هذا النّقص، فراح يهنّئه، ويدعو إخوانه إلى الاستجابة لمطلبه، والعمل بجديّة لإنجاح مشروعه هذا: " ... خلاصة القول انظروا يا سادتي، لهذا الدّاعي الغيور على وطنه وإخوانه، الحازم، مدير جريدة " القرارية" يستعمل كلّ وسيلة، ويدبِّر كلّ حيلة لترقيتنا، وبأخذ بأيدينا إلى أوج العلا، ونحن ملازمون القعودَ، ويكابد كلّ ما يلاقيه من العقبات الكودة (1) وحمل أثقال الجبال، ووسع البال لنهوضنا، يكفينا من أعماله تأسيس هذه الجريدة؛ لتتسابق أقلامنا فيها. لم يكن قصده منفعته الخاصّة، وإنّما منفعة الجميع. وإنّ في هاتيه الجريدة تعبًا عظيمًا، ومشقّة كبيرة، ولكن في سبيل الوطن قليلٌ ما. فهل من مُجازٍ يجازي هذا الفتى، أو تنكرون المعروف " (2)
أمّا محمد أبو صالح " فيخاطب مدير الجريدة، مشجّعًا إيّاه على ما أنجزه، ومحرّضه على المضيّ في النّهج الذي هو سالكه، والعمل بنصائح أساتذته، والامتثال لأوامرهم: " ... وأنت أيّها المدير على الأخصّ، إنّ الحقّ لك قد حصحصَ، فاصدع به، وثابر على هذا الوفاق والوئام، واقض القضاء الصّارم على من عقّ وخانَ. أيّها المحرّر الذي كنت في مقدّمة من أخلص وحافظ، وصبر على هذه التّبعية، تبعية الإدارة والتّحرير. احتفظ على هذا المبدأ الشّريف، إذ حظيت به، وامتثل أمر أستاذك ومعلّمك الأستاذ عدّون." (3)
__________
(1) - جاء في القاموس المحيط، أنّ " الكودة " هو ما جمع من تراب ونحوه. ولعلّ الكاتب لا يقصد هذا، إنّما أراد أن يقول: كأداء أو كؤودة، أي صعبة.
(2) - " حاجتنا إلى اللّغة العربية "، القرارية، س1، ع1، (ب. ت).
(3) - الشّباب النّاهض، س1، ع3، يوم: 24/ 02/1927م. (1/195)
صفحة 189
بعد صدور العدد الأوّل من الجريدة، وما تضمّنه من موضوعات، وما كشف عنه من نيّة صادقة في العمل على التّكوّن والتّدرّب على الكتابة، وتنمية القدرات، كتب " النّفوسي الحاج سعيد" منوّهًا بكتّاب هذا العدد: " لقد أسرّني جدًّا اهتمامكم بالكتابة والتّعليم، والحمد لله الذي منحكم ومدّكم بعناية منه. سادتي، تفكّروا في مستقبلكم ووطنكم وأخلاقكم فهذّبوها، وإنّي في غاية الانشراح بهاتيه الصّحيفة، فنرجو لها من الله الثّبات والتّقدّم والنّصر والتّأييد والحفظ. " (1)
أرسل المسمّى صالح بن يحي، ابن يحي (2) رسالة من قسنطينة، يبارك فيها هذا المولود الجديد: " إخواني الأدباء، حفظكم الله، وفتح عليكم أبواب حكمته. سلامًا عاطرًا، وثناءً زاهرًا، قدرَ جدّكم واجتهادكم.
أمّا بعد، فإنّي سمعت بأحوالكم واجتهادكم، ووقوف الشّيخ عدّون معكم، وأنشأتم جريدة " القرارية ". بارك الله فيكم أجمعين. أقدّم لحضراتكم بعض كلمات، أرجو أن تزيدكم حرصًا ونشاطًا على ما أنتم عليه.
إخواني، أيّدكم الله، أسرعوا وبادروا في افتتاح أنواع العلوم والمعارف، وواظبوا عليها، وعضّوا عليها بالنّواجذ, فلا تهملوا شيئًا من أوقاتكم، ما دام الجوّ صافيًا، واغتنموا الفرص، ما دامت لكم سانحة، فقد سبق في علمكم أنّ الدّهر لا تدوم حالته أبدًا ... (3)
إذن استقبلت الجريدة بكلّ فرح وسرور، وتلقّى المشرفون عليها عبارات التّهاني والتّقدير على صنيعهم هذا، وعلى إنجازهم العظيم. هذا الاهتمام بالجريدة
__________
(1) - الشّباب النّاهض، س1، ع2، يوم: 17/ 02/1927م
(2) - ذكر لي أستاذي الشّيخ عدّون أنّ لقبه هو: " ابن يامي ". المقابلة الخاصّة، القرارة، يوم: 24/ 08/1988م.
(3) - الرّسالة مؤرّخة بيوم: 03 من رمضان 1345هـ/ 07 من مارس 1927م. وقد تضمّنت مجموعة أخرى من النّصائح. (1/196)
صفحة 190
يتجلّى أيضًا في العتاب الذي يوجّهه – أحيانًا – بعض الكتّاب إلى مدير الجريدة، حين تتأخّر عن الصّدور في موعدها المحدّد (1)
لا يمكن لنا ونحن نتحدّث عن ظروف تأسيس جريدة الشّباب، وعن جانب الرّعاية والعناية - التي أوليت لها في خطواتها الأولى – أن نغفل دور أستاذنا الشّيخ عدّون بن بالحاج – حفظه الله – في هذا التّأسيس، وفي رعاية الجريدة وتنشيطها، وبعث الحيوية فيها، بإسهاماته وتوجيهاته وإرشاداته، وتقديم ملاحظاته ومساعداته لأبنائه الطّلبة، وتسخير تجربته لهم، وحملهم على الجدّ والمثابرة؛ من خلال نقد أعمالهم، بدافع من الغيرة عليهم، وعلى مستقبلهم.
زيادة على كلّ ذلك فقد تَحَمَّلَ إدارة الجريدة وتحريرها (أي نسخها) فترة طويلة؛ رغم أعماله الكثيرة. وقد ناله في سبيل ذلك عناءٌ كبيرٌ، وتعبٌ شديدٌ. ذكر لي: أنّ الطّلبة قد يتأخّرون عن تقديم أعمالهم، فيقصدهم في بيوتهم في يوم قيلولة يوم الجمعة، ويجمع أعمالهم، ويعكف على نسخها، ليصدر العدد في موعده، في عصر اليوم نفسه. (2)
نقدّم دليلاً على ما ذكرناه مقتطفاتٍ من مقال له بعنوان: " إخواني الأعزّاء" (3) بثّ فيه مشاعره نحو أبنائه الطّلبة وحبّه لهم. وسجّل فيه حرصه الشّديد على تقدّمهم، وفرحه الكبير على نجاحهم. كيف لا وهو يرى فيهم غرض المنى. وعلى أساسهم تشاد صروح المستقبل. يقول فضيلته: " إنّ قلمي ليكبو دون غايته، إذا حاول أن يكتب شيئًا مِمَّا يختلج في ضميري من الحبور والابتهاج بسيرتكم، وما تنطوي عليه جوانحي من الولاء والعطف عليكم، والاستبشار بمساعيكم،
__________
(1) - ينظر مثلاً جريدة الشّباب، س1، ع28، الصّادر يوم: 01/ 09/1927م. المقال بعنوان: "الشّباب ومديره"، وهو من دون إمضاء.
(2) - المقابلة الخاصّة, القرارة، يوم: 24/ 08/1988م.
(3) - ينظر جريدة الشّباب النّاهض، س1، ع2، يوم: 17/ 02/1927م. (1/197)
صفحة 191
وتقدّمكم. إنّني أجد في نفسي انشراحًا وارتياحًا لا يوصفان، إذا رأيتكم في سلّم النّجاح ترتقون، وعلى اختطاف زهرات الآداب تتزاحمون. للنّاس فيما يعشقون مذاهب، ومذهبي في العشق نجاحكم وسعادتكم. كم ليلة سهرتها والكواكب أنيسي لفائدتكم، وكم فراشٍ بتّ فيه أتململ والهواجس تضاجعني، ووشاة الهموم تسعى كلّ السّعي في التّفريق بين جفنيّ. كلّ ذلك في سبيل حياتكم، ولا يستقرّ بي قرارٌ، ولا يطيب لي مقعدٌ إلاّ مقعدي أمامكم، أستمطر عليكم سحاب فكري لإخصاب أرضكم وإنعاشها. ليس لي وقتٌ أنفس من وقتٍ أصرفه وأبذله في سبيلكم.
إنّني لَسعيدٌ الحظّ إذ حظيت بِهذه الخدمة الجليلة، وأعُدُّها فرصة ثمينة، ومنحةً نفيسة، منحت بها؛ لأنّني بذلك أدركُ مناي، وأحصل على مرغوبي، وهو فوزكم ونجاحكم. كيف لا وأنتم غرض المنى، وعلى أساسكم تشاد صروح المستقبل، وبكم نُحلّق في جوّ السّعادة."
ثمّ قدّم للطّلبة نصائح، تحثّ على: الاتّحاد، التّخلّي عن رذائل الأخلاق، والتّحلّي بفضائلها، والتّفاني في سبيل المهنة والتّفرّغ لها، والمثابرة عليها بكلّ جدّ، من غير ضجر ولا ملل، وصرف الشّطر الأكبر من الوقت في شحذ الأدمغة من مختلف الفنون، بقدر الاستعداد والمواهب، والاعتناء بالحفظ ومطالعة نفائس الكتب. أخيرًا العمل بِمقتضى ما ذكر لهم؛ لأنّ فيه سعادتهم وراحتهم وهناءهم في الدّارين.
مجالات الجريدة
إنّ المجالات التي كتبت فيها الجريدة، والتي تَمكّنّا من رصدها هي: الدّين والأدب واللّغة، والنّقد، وشؤون العلم والتّعليم والتّربية والأخلاق، والاقتصاد والاجتماع والسّياسة والطّبيعة، والسّير، ووصف الرّحلات والتّهاني ... (1/198)
صفحة 192
أمّا الأبواب الثّابتة (1) في الجريدة، فهي الافتتاحيّة، صفحة العلم، صفحة الفنّ، صفحة المرأة، النّقد الأدبي، شباب النّقد، البريد الأدبي، بريد الشّباب، في الميزان، ديوان الشّباب، منار المسترشدين، المراسلات، تلغرافات الشّباب، مذياع الغرائب، مذياع الشّباب، راديو الجمعة، نقل الأديب، مقتطفات، ألغاز الشّباب ...
محتويات العدد الأوّل
تضمّن العدد الأوّل " القرارية " المقالات الآتية: الافتتاحيّة لمدير الجريدة " حمو بن عمر لقمان". ممّا جاء فبه: " بحمد اللّهم بارئ الكائنات، أبتدئ قولي وعملي، وبمعونتك أستسهل الصّعب، فإنّه لا حول لي. وعلى فضلك أعتمد في المهمّات، وأستنزل برحمتك ولطفك عند المضايق والملمّات ... وتجلّيت برحمتك الواسعة على كلّ موجود، فكان افتقار عموم الخلق إلى كرمك الوافر دالاًّ على تفرّد جلالتك العظيمة بالعطاء والجود ... "
نشر " أبو صالح عاشور بن الحاج موسى " مقالاً بعنوان: " حاجتنا إلى اللّغة العربيّة"، جاء فيه: " ... إنّنا في أشدّ الحاجة إلى خدمة نفائس الكتب، التي خلّفها أئمّتنا الكرام، وحشّوها وشرحوها، وفهم ما شذّ منها وغير ذلك. وكما أنّنا في حاجة أيضًا إلى تأسيس الجمعيّات والجرائد والمجلاّت، إذ هي قطب رحى الأمّة، إذا صلحوا صلحت والعكس. فكلّ ذلك يحتاج إلى اللّغة العربيّة، ولربّما نحتاج لغة أخرى. إذ هي الأصل. وأمّا نحن الآن فقد أهملناها وتركناها، واشتغلنا بالبطالة والكسالة، واللّهو واللّعب وحبّ الملذّات والشّهوات ... ومن رأيناه في صدد اللّغة أَعبناه وسخرنا منه ... ".
تحت عنوان " النّفس " كتب " أبو محمد النّاصر بن سليمان ". نقتطف من مقاله ما يأتي: " فإذا كان أضرّ أعداء الإنسان، وبلاؤُه عليه أشدّ بلاء، فحقيق على الإنسان
__________
(1) - لا يعني هذا أنّ هذه الأبواب وردت كلّها في أعداد الجريدة كلّها، إنّما سجّلنا هنا ما تردّد أو ثبت في أعداد كثيرة، وأصبح ركنًا ثابتًا في أعداد عديدة. (1/199)
صفحة 193
أن يشتغل بمعالحتها وقمعها على الانهماك في شهواتها، وأن يسيء الظّنّ بها في جميع حالاتها؛ لأنّ الظّنّ بها ذريعة إلى تحكيمِها، وتحكيمُها داعٍ إلى فساد الأخلاق بها، فإذا كان حال النّفس هكذا كان الإنسان محتاجًا إلى أن يلجمها بلجام التّقوى؛ لتبقى له، فلا تنقطع فتنقاد، فلا تطغى فيستعملها في المصالح والمراشد، ويجنّبها طرق المهالك والمفاسد؛ لأنّ هذه النّفس دابّة جموحة، ومطيّة صعبة المركب، وإِنْ أسرفت عليها في التّأديب أهلكتها، وأهلكت نفسك، وإن أهملتها أضرَّت بك وصرعتك."
كتب " قاسم بن الحاج سعيد بسيس" مقالاً بعنوان " صوت العلم يناديكم فهل من مجيب:" سادتي، راعكم الله، استفيقوا من نومكم العميق، واتركوا اعتقادكم الفاسد، وجِدُّوا واجتهدوا واطمحوا للعلا، فإنّ القوم رحلوا وفازوا وبلغوا الثّريّا، وبيننا وبينهم مراحلُ لا تحصى. شتّان بيننا وبينهم، ونحن لا نزال في الحضيض الأسفل، وفي زاوية الإهمال.
سادتي، إلى متى هذا الجمود والخمول والكسل والبطالة والتّقهقر؟ تنبّهوا فإنّ الوقتَ ثمينٌ، والأفلاك تدور، والعلم كلّ يوم في شأنٍ، والاختراعات العجيبة التي تذهل العقول كلّ حينٍ ظاهرةٌ، فهيَّا بنا نقرع أبواب العلوم، وننظر ما فعله أولئك الرّجال والنّساءُ، فإنّا خلقنا أحرارًا، لا نعيش عبيدًا. فهيَّا بنا ندرس تاريخ الأمم الحيّة، وننظر ما بلغوا من الرّقيّ والتّمدّن والحضارة، ونقيس بين الحالتين، ولكن رضينا بالجهل حظًّا، وبالذّلّ والمسكنة قسمًا."
كانت لمدير الجريدة " حمو بن عمر لقمان " مشاركة ثانية في هذا العدد بمقال آخر، عنوانه" العلم". مِمَّا جاء فيه: " ... أيّها القوم، لقد خطب الخطباءُ في هذا الموضوع الجليل، لا فُضَّت أفواههم، وكتب الكتّابُ، لا شلّت أناملهم، على العلم والحضِّ على نشر التّعليم في الحواضر والبوادي، تلك التي عليه مدار الحياة والعمران، ونجاح الوطن الذي ينادي ويصرخ ويبكي، ولا مسمع له ... " (1/200)
صفحة 194
يضيف الكاتب قائلاً: " تأمّلوا في الرّجال الذين يعرفون حقوق العلم والمدرسة ما بلغوا، درسوا أسرار الوجود، وخاضوا غمار البحار، واستخرجوا من بنات أفكارهم ما لا يخطر بالبال. وهذه نبذة بسيرة من اختراعاتهم. سخّروا البرق التّلغرافي، والأثير والتّلغراف اللاّسلكي لمناجاة البعيد، والتّيليفونيك للكلام من قطر إلى آخر، والنّجار الكهربائي لتوليد النّور، والقّوّة لجرّ الأثقال بواسطة السّكّة الحديدية. و .. و .. و
ولمّا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت طاروا في السّماء بواسطة المنطاد، وغاصوا في أغمار البحار، وانصرفت أفكارهم إلى جعل كلّ مستحيلٍ جائزًا، فأنطقوا الجماد (الفونوغراف)، ومثّلوا بالصّور المتحرّكة (السّينماتوغراف)، واكتشفوا مجاهل الأرض، وبنوا المصانع والمعامل والمطابع، وأتقنوا فنّ التّجارة والزّراعة والصّناعة، ففاضت على بلادهم ينابيع الثّروة. ورتّبوا الجيوش البريّة والبحريّة، وعزّزوها بسلاح مهلك، فتقدّموا حين عملوا بكتابنا، وتأخّرنا حين تركنا العمل به، فعزّوا وهُنَّا، واستراحوا وتعبنا. وتلك الأيّام نداولها بين النّاس. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (سورة هود، الآية: 117)
لقد بات القوم في عيش رغدٍ وعزٍّ، ولقد أتوا من مدهشات الاختراعات العصرية بكلّ غريب وعجيب. وقد ذكرنا نصيبًا، وليعتبر من له نبض الحياة. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. كلاّ، استولى علينا الخمول والاتّكال على الغير، وتصغير أنفسنا، وتعظيم الغير، فلم نزدد إلاّ شقاءً وهمًّا وغمًّا."
اهتمامات الجريدة
اهتمامات الجريدة كثيرة ومتعدّدة، تدلّ على الجديّة التي تحلّى بها كتّابها، وعلى الإخلاص والصّدق في العمل، الذي قدّمه هؤلاء النّشء، بهدف تغيير الأوضاع إلى الأحسن. (1/201)
صفحة 195
نذكر فيما يأتي بعض هذه الاهتمامات؛ بالاعتماد على عناوين المقالات، حيث لم يسعفنا الحظّ لقراءة كلّ المقالات، حتّى تكون الدّراسة شاملة ومعمّقة، مع التّمثيل لكلّ نقطة ببعض العناوين فقط.
1 – اهتمّت الجريدة بالتّوجيه الدّيني والاجتماعي والتّعليمي، واستنهاض الهمم. نذكر من بين العناوين التي اطّلعنا عليها ما يأتي: " التّهاني" لِـ" نصوح " (1). " الانحراف عن الإسلام وعلله وآثاره ودواؤه " (2) " لابن جبير ". و" العودة إلى القرآن " (3) " لعوف أحمد ". و" افعل ما بدا لك ما لم تمسّ أفعالك ركنًا من أركان الدّين " (4) " لِناصر بن يوسف " و" حول إصلاح التّعليم " (5). و" العلماء وآثارهم في الأمّة " (6) " لِصالح أيّوب "
2 - اهتمّت الجريدة بالأدب ومجالاته وميادينه: تأريخًا ونقدًا وتنظيمًا وإبداعًا ... وذلك تحقيقًا لأهمّ هدف سعت إلى بلوغه، وهو تكوين الطّلبة أدبيًا وفكريًا؛ لهذا كانت تجتهد في تعريفهم بحقيقة الأدب؛ بتشجيع الطّلبة أنفسهم على الكتابة فيه، ثمّ تقديم إبداعاتهم ونتاجهم، قصد التّمرّن والتّمرّس في الكتابة.
في أعداد مختلفة من الجريدة نعثر على مقالات كثيرة يمكن إدراجها تحت عنوان "تاريخ الأدب" مثلاً كتب " الحاج بن أحمد سليمان بوعصبانه " حلقات عديدة،
__________
(1) - ع: 57:، يوم: 30/ 11/1928م.
(2) - ينظر ع:192، يوم: 04/ 10/1934م. وع: 194، يوم: 18/ 10/1934م. " ابن جبير " هو الشّيخ دحمان سعيد بن عبد الله.
(3) - ينظر ع: 300، يوم: 17/ 05/1939م.
(4) - ينظر س:1، ع: 8، يوم: 28/ 04/ 1943م.
(5) - ينظر ع: 94، يوم 24/ 01/1930م. المقال من دون إمضاء.
(6) - ينظر ع: 182، يوم: 05/ 07/1934م. (1/202)
صفحة 196
يعرّف فيها بتاريخ الأدب العربي، أو تاريخ آداب اللّغة العربيّة (1). كما سجّلنا " لِبكير بن عمر بيّوض " سلسلة مقالات، يؤرّخ فيها هو أيضًا الشّعرَ العربي، كالمقالات الآتية: " صحّة نسبة الشّعر الجاهلي إلى قائله " (2) و" الملاحم والشّعر القصصي" (3) وَ" الشّعر الغنائي عند العرب " (4) وَ" الفخر والحماسة " (5) وكتب " عليّ يحي معمّر " " مقالات حول موضوع النّثر الفنّي عند العرب في العصر الجاهلي" (6)
إلى جانب ذلك حرص الكتّاب على الدّفاع عن الأدب العربي، حين يتعرّض للهجوم عليه، أو التّنقيص منه. مثلما كتب " محمد جريدي": " الأدب العربي والجناة عليه " (7).كما كانوا حريصين على الكتابة عمّا يعين على فهم هذا الأدب، كتركيزهم على بيان أهميّة اللّغة العربيّة وكشف بعض أسرارها. في هذا المعنى كتب " سليمان الوارث" " التّمسّك باللّغة القوميّة واجب " (8). وكتب ابن جبير في " دلالة اللّفظ على معناه بجرس حروفه" (9)، وكتب " نوح طباخ" مقالا في ثلاث حلقات تحت عنوان: " أسلوب القرآن الحكيم وأثره في الأدب" (10).
__________
(1) - ينظر ع: 9، يوم: 14/ 04/1927م. ثمّ الأعداد: 10، 12، 16. الكاتب هو جدّي من أمّي، رحمه الله.
(2) - ينظر ع: 233، يوم: 23/ 01/1936م.
(3) - ينظر ع: 234، يوم: 06/ 02/1936م. وع: 235، يوم: 12/ 02/1936م.
(4) - ينظر ع: 236، يوم: 19/ 02/1936م.
(5) - ينظر ع: 237، يوم: 26/ 02/1936م
(6) - ينظر ع: 324، يوم: 16/ 07/1940م. ثمّ الأعداد: 327، 329، 334، 335، 337.
(7) - ينظر ع: 28/ 03/1946م. و ع: 04/ 04/1946م,
(8) - ينظر ع: 170، يوم: 08/ 03/1934م.
(9) - ينظر ع: 251 يوم 04/ 02/1937.
(10) - ينظر ع: 424 يوم: 3/ 5/1945، والعددان 428، 430. (1/203)
صفحة 197
تخطّى الكتّاب مجال التأريخ إلى ميدان التّعريف والتّنظير - إِنْ جاز للنّاشئ أن ينظِّر- فقدّموا آراءهم في بعض القضايا الأدبيّة. كتب بكير بن عمر بيوض " مقالا في حلقات تحت عنوان " الشّعر وصفاته وشروطه" (1). أمّا " فريد" فكتب يتساءل " هل الشّعر شعور" (2) أمّا " ابن أفلح محمد بيوض " فيعرض سؤالا عاما: " ما هو الشّعر (3).
عن حقيقة الأدب كتب " عمر ملاّل" تحت عنوان " حقيقة علم الأدب وفوائده " (4). أمّا مقال " أحمد عوف" فهو بعنوان " الأدب" (5). وكتب الحاج شريفي " عن الأدب العاطفي وأثره في النّفس" (6). وكتب " محمد جريدي" تحت عنوان " نظريّة الخطابة" (7)، أمّا " بابه بن بهون أوجانه" فكتب عن " حكمة المناظرة" (8).
كما كانت للكتّاب محاولات في الأدب المقارن، نذكر من بين هذه المقالات "صناعة الشّعر عند ابن رشيق وبوالو" (9) لِعلي يحي معمّر.
إلى جانب كلّ ذلك اهتمّ الكتّاب بترجمة بعض الآثار الأدبيّة الأجنبيّة. من بين العناوين التي عثرنا عليها لـ" ابراهيم بن محمد": "الشّباب والخريف للكاتب الفرنسي شاطوبريان" (10)، و" النّزهة في الخلوات والوحدة لجان جاك روسو" (11).
أمّا الواجهة التي كانت أفسح مجالا في كتابة الطّلبة فهي - طبعا - ميدان الإبداع والنّتاج الفكري.
كانت الجريدة تنشر ما تنتجه قرائح الشّعراء، ولو كان دون المستوى، مع الحرص على تقديم الملاحظات والتّوجيهات. كما كانت تدعو إلى تشطير بعض الأبيات، ومعارضة أخرى، وشرح غيرها، وكانت تطلب - أحيانا - من الطّلبة نقد بعض الأعمال المنشورة في صفحاتها وغيرها، لتكوّن فيهم ملكة النّقد.
بعد استقرائنا لعناوين كتابات الطّلبة وجدنا أن الأنواع الأدبيّة التي كتبوا فيها هي: الشّعر، القصّة، الرّواية (المسرحية)، المقال، الخطبة، المناظرة ...
من الأدب الذاتي نقرأ مقالة " فريد" بعنوان " قلبي يحبّ ... ولكن ماذا؟ " (12) كما نلتقي مع خميسيّات محمد علي دبّوز، التي تجاوزت الأربعين خميسيًّا (13).
في مجال القصّة يمكن أن نذكر العناوين الآتية: " الصّديق الخائن" لـ" محمد علي دبوز" (14) " قصّة الشّباب" لـ " يحي حوّاش" (15)، " الرّجل الذّكيّ"
__________
(1) - ينظر ع:230 يوم: 05/ 12/1935م والعددان: 231، 232.
(2) - ينظر ع: 377، يوم 13/ 03/1943، فريد هو حمو بن عمر فخار.
(3) - ينظر س: 4، ع:7، عام 1947.
(4) - ينظر ع: 222، يوم 19/ 09/1935.
(5) - ينظر ع: 278، يوم 30/ 06/1938.
(6) - ينظر مجلّة الشّباب، ع:1 غرّة جوان 1946.
(7) - ينظر ع:21/ 03/1946.
(8) - ينظر س: 9، ع: 11.يبدو أنه صدر سنة 1951.
(9) - ينظر ع 410، يوم 30/ 06/1944.
(10) - ينظر ع: 278، يوم 30/ 06/1938.
(11) - ينظر ع: 300، يوم 06/ 04/1939.
(12) - ينظر ع: 359، يوم 26/ 02/1942، و ع: 360 يوم 05/ 03/1942.
(13) - ينظر مثلا ع:360، وع: 362.
(14) - ينظر ع: 317، مارس 1940.
(15) - ينظر ع: 428، يوم 17/ 05/1945. (1/204)
صفحة 198
لـ" سليمان الباروني" (1). وفي حلقات نشر " محمد بن عمر داودي" قصّته" غباوة اللّصوص" (2).
أكثر الكتّاب من إجراء المحاورات والمناظرات بين الأشياء والموضوعات، يدلّ هذا على الاهتمام بما يجري في السّاحة، وما ينزل من جديد إلى الميدان، ويدلّ على الحرص على البحث عن الأدلّة للإقناع والاقتناع. وبعض المحاولات والمحاورات تدلّ على الرّغبة في التّفكّه الفكري، واللّجوء إلى الفضول العقلي. نذكر على سبيل المثال ما يأتي: "مناظرة بين الصّحيفة والإذاعة" (3) لِـ " زكري بن بهون باحماني"، وَ" مناظرة قصيرة بين العلم والمال" لـ" عيسى بن عبد الرحمن بكلّي" (4)، وَ" مقارنة بين الجريدة والرّاديو" لـ"محمد بن مسعود الورجلاني" (5)، و" مناظرة بين العقل والنّفس" لـ" محمد زغدود" (6).
اهتمّ الكتّاب (الطّلبة) كثيرا بالنّقد الأدبي بعامّة، ونقد ما يكتبونه بخاصّة، وكانوا – أحيانا - يخصّصون لذلك أركانا معيّنة في الأعداد المختلفة كـ " في الميزان"، و " في المقصّ" "، والنّقد الأدبي" و" شباب النّقد" ... في هذا الإطار تندرج المعارك الأدبيّة بين العقاديّين والرافعيّين، التي كان من أقطابها علي يحي معمّر، محمد علي دبّوز، اليسجني الحاج الناصر محمد، أحمد بن عمر الشّيخ أحمد ...
كتب أحد الطّلبة بإمضاء " متأدّب " يحرّض إخوانه على انتهاج هذا النّهج، واتّباع مسلك النّقد للأعمال الأدبيّة لتنمية ملكة الأدب في النّفس:" أهيب بكتّابنا
__________
(1) - ينظر ع: 31/ 05/1948.
(2) - ينظر ع 17/ 04/1947 وما بعده. صاحب الإمضاء هو غير سليمان بن عبد الله الباروني النّفوسي، لأنّ الشّيخ سليمان توفّي سنة 1940م.
(3) - ينظر ع: 31/ 01/1946.
(4) - ينظر س: 4، ع: 13. (ب. ت).
(5) - ينظر ع: 05/ 05/1946.
(6) - ينظر ع: 24/ 03/1946. (1/205)
صفحة 199
النّاشئين وأدعوهم إلى خدمة الأدب، بخدمة وسائله ومقاصده، فيعتنوا بمطالعة أساليب البلغاء، نثرا وشعرا، ويكتبوا عنها ما يلاحظونه فيها، وما ينتقدون وما يقرظون، ويعقدوا نثرهم ويحلّلوا شعرهم، ويوازنوا بين شاعر وآخر، وبين كاتب وآخر ويترجموا للأدباء، ويكتبوا عن حياتهم في كلّ نواحيها، عن البيئات التي تقلّبوا فيها والعوامل التي كوّنتهم، وكيَّفَتْ حياتهم وأساليبهم في الكتابة، ويعتنوا بانتقاد بعضهم بعضًا: كتابة وتحريرا وإنشاء وتحبيرا، إلى غير ذلك من النّواحي والمواضيع التي تخدم الأدب وتنمّي ملكته في النّفس، فإنّ في الاعتناء بذلك تشحيذا للهمم، وحثًّا على المطالعة، وعلى البحث والتّنقيب وإعمال الفكر، وإدمان النظر، وذلك هو طريق النّبوغ والنّجاح المحقّق. أخذ الله بأيدينا، وهدانا إلى سواء السّبيل " (1).
من المقالات التي كتبت ضمن المعارك الأدبيّة، التي حصلت بين العقاديّين والرّافعيّين نورد العناوين الآتية: " بين الأدب العقادي والرّافعي لِ" أحمد بن عمر الشّيخ أحمد" (2)، " الأدباء والمتأدّبون" لـ" علي يحي معمّر" (3). نشر هذا الأخير مقالا في حلقتين تحت عنوان: " أَسمع جعجعة ولا أرى طحينا" (4)، كتب هذا المقال بعد نقده قصيدةً لأحد زملائه، وما أثاره هذا النّقد من زوابع من المنتصرين لصاحب القصيدة.
ممّا جاء في هذا المقال: " ... لكنّ الحكم الأدبي في تقدير الفنّ والأدب، إنّما هو الذي يستطيع تعليل حكمه كما يقول العقّاد، فإذا عجز عن الحكم استطاع أن يعلّل عجزه بكلام سائغ في الأفهام، ولا يكون ذلك إلاّ من ناقد ذي ثقافة أدبيّة واسعة وطبيعة فنيّة موهوبة، ونظر مميّز فاحص، فهو الذي يمكّنه أن يميّز الجوهر من
__________
(1) - ... ينظر ع: 214، يوم 18/ 07/1935.
(2) - ينظر ع: 280، يوم 28/ 07/1938.
(3) - ينظر ع: 279، يوم 21/ 07/1938.
(4) - ينظر ع: 281، يوم 25/ 08/1938، و ع: 282، يوم 01/ 09/1938. (1/207)
صفحة 200
الخزف، والدّرّ من الصدف، وهذا التّمييز هو المعوّل عليه في التّقدير الحقّ، وهو الحكم الأدبي الصّحيح، الذي يرمقه المعنيّون بدراسة التّواريخ الأدبيّة للأمم والأفراد، ثمّ هو الذي يبقى على الزّمن، على حين تطير الفواقع والقواقع، وتموت التّقاريظ الأدبيّة الرّخيصة { ... فَأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاس فَيَمْكُثُ ِفِي الأَرْضِ ... } (سورة الرّعد، الآية: 17) " (1). أمّا "اليسجني محمد الحاج النّاصر " فكتب مقالا بعنوان " النّقد وأدعياء الأدب" (2)، نقتطف منه ما يأتي: " النّقد صقال الذّهن الحرّ، ومرآة الأدب الحرّ، وصورة الاتّجاه الحرّ، فيه تتجلّى حرية الفكر وصفاء الذّوق، وسلامة الضّمير، وصدق الاتّجاه، فلولاه لما تطوّر الأدب هذا التّطوّر الغريب الذي نشاهده في هذه العصور الحديثة، في جميع أعصر الأدب التي نهض فيها وازدهر.
وأيّ جيل من أجيال الأدب خلا من النّقد، وحرم منه، كان ذلك العصر مثالا لعبودية الفكر وطغيان العاطفة، وتغلّب الأهواء، وكان ذلك الأدب صورة للفكر المستعبد، والعاطفة الطاغية، والأهواء الغالبة، فيفقد ذاتيته وصورته، ويحرم كرامته المقدّسة، وحماه المصان، إذ الأدب صورة لإيمان الشّعب وشعوره بل لآمال الجيل وأمانيه، فإذا كان صورة لعاطفة فرد أو هوى شخص عجز عن أداء رسالته، وضاق عن تبليغ أمانته ... "
وفي إطار النّقد والانتقاد لم يغفل الطّلبة عن تقويم مسيرة الأدب في معهد الحياة، فقد كتبت مقالات كثيرة في هذا المجال، نشير إلى اثنتين فقط، الأولى لـ" ابن سعيد" بعنوان " الشّعر في معهد الشّباب" (3) والثّانية لـ" صالح خباشة " بعنوان "الشّعر مرآة الأدب فلم طمستموها" (4).
3 - اهتمّت الجريدة بنقد الأوضاع في كثيرٍ من النّواحي. وقد لاحظنا أنّ بعض العناوين التي وردت في هذا الشّأن، كادت أن تتّخذ صفة الرّكن الثّابت في أعداد الجريدة لكثرة ورودها في صفحات الصّحيفة. يمكن أن نُمثّل لذلك ببعض العناوين: "كلمات شائكة وشائقة "، "وخزات الشّباب"، " في المقصّ"، " في الميزان"، "الكتّاب في المشرحة " ...
من المقالات التي يمكن ذكرها هنا: " مكتشفات مرآتنا المكبّرة" (5) و" وادي ميزاب في الميزان" لـ" بكير بيوض" (6). أمّا محمد علي دبّوز فنشر مقالا في خمس حلقات تحت عنوان " من وراء المنظار" (7). ومن مقالات " علي يحي معمّر" في هذا المجال " أَعَلَى الطّريق القويم نحن؟ " (8).
4 - اهتمّت الجريدة بالحياة العامّة وما يطرأ فيها، ويحتاج إلى علاج، وما يُفْقَدُ فيها ويفرض على القائمين على الأمور والمسؤولين توفيره، وغير ذلك ...
نُسجّل من خلال ما نشر من مقالات في هذا المضمار الاهتمام الكبير بشؤون الأمّة والرّغبة الصّادقة في تحسين الأوضاع، واستشفاف المستقبل ...
من هذه المقالات: " حاجتنا إلى إنشاء المعامل" لـ " بالحاج" (9)، و" حالة تجارتنا" لـ " بالحاج بن أحمد " (10)، و" مستقبل الأمّة برجالها " لـ" بيوض" (11)،
__________
(1) - ينظر ع: 281.
(2) - ينظر ع: 288، يوم 22/ 12/ 1938.
(3) - ينظر ع: 30/ 05/1946، ابن سعيد هو بالحاج بن سعيد شريفي.
(4) - ينظر ع: 13، يوم 17/ 07/1950.
(5) - ينظر ع: 286 يوم 13/ 10/1938، وهو لمن رمز لنفسه باسم " كشّاف"، يبدو أنّه "عيسى بن الحاج عمر بوحجام "، فاسمه ورد صريحا في ع: 288، في مقال له فيه نشر تحت عنوان مكتشفات مرآتنا المكبّرة.
(6) - ينظر ع: 317 مارس 1940.
(7) - وذلك ابتداء من ع: 330 يوم 12/ 12/40.
(8) - ينظر ع: 370 يوم 16/ 07/1942، المقال بإمضاء " أبو أمامة".
(9) - ينظر ع:21 يوم 14/ 07/1927 يبدو أن صاحب الإمضاء هو الحاج بن أحمد سليمان بوعصبانة.
(11) - ينظر ع: 22 يوم 21/ 07/1927، يبدو أن المقال لبكير بيوض. (1/208)
صفحة 201
و"ضعف الأمّة في ضعف أبنائها العاملين" لـ" أحمد بن محمد بكوش" (1)، وضمن هذه الانشغالات اهتمّت الجريدة بأحداث الحرب العالمية الثّانية. كتب " بكير بن حمّو علّوط " عن " حالة الحرب الحالية في العالم" (2)، أما محمد جريدي فكتب عن " ويلات النّازية" (3).وأشار " عمر الشّيخ صالح" إلى " الحرب الحاضرة" (4). وبعد أن أوقفت الحرب أوزارها كتب " محمد الصّغير" مقالا بعنوان " في انتهاء الحرب" (5).
كما نشرت الجريدة مقالات في موضوعات أخرى كمسألة التّجنيس التي كتب عنها " عمر كراوة " (6). وكتب " إبراهيم قرادي" عن " الأزمة الاقتصادية" (7). أمّا "ابن أفلح" فنشر مقالا بعنوان " تشرشل وبحيرة الموت" (8).
5 - اعتنت بأحداث العالم الإسلامي وشؤون المسلمين وأوضاعهم. كتب " بكير بيّوض" مقالا تحت عنوان " غطيط المسلمين وهجوم الملحدين" (9). وفي المعنى نفسه نشر " أمين " مقالا بعنوان " الضّربة القاضية على المسلمين والإسلام" (10)." حالة الإسلام والمسلمين في إفريقيا" (11) هو عنوان مقال لـ"بكير بيّوض". أسباب سقوط
__________
(1) - ينظر ع: 154 يوم 19/ 01/1352 هـ/ 1933.
(2) - ينظر س:1،ع: 3، يوم 24/ 03/1943.
(3) - ينظر س:1،ع: 7، يوم 21/ 04/1943.
(4) - ينظر ع: 25 يوم 25/ 03/1945.
(5) - ينظر ع: 17/ 05/1945.
(6) - ينظر س:1،ع: 26، يوم 29/ 12/1943.
(7) - ينظر ع: 405، يوم 25/ 05/ 1944.
(8) - ينظر ع: 22، يوم 22/ 05/1947.
(9) - ينظر ع: 64، يوم 01/ 02/1929.
(10) - ينظر ع: 190، يوم 20/ 09/ 1934.
(11) - ينظر ع: 296، مارس 1939. (1/209)
صفحة 202
الدّولة العثمانية" (1) لـ" أمين ". و " نهضة تركيا الحديثة" (2).لِـ " إبراهيم قرادي".
6 - اهتمّت بمجريات الأحداث في العالم العربي، وقد نالت قضية فلسطين حصّة الأسد من اهتمامات الطّلبة. من بين هذه العناوين " فلسطين وموقف الجزائر إزاءها " (3) " فلسطين المجاهدة في ثلاثة أعوام" (4) لـ" قاسم بن الحاج سعيد ابسيس"، " صوت فلسطين العربية " لـ " أبي محمد الأخضر الغويني المسعدي" ... (5)
أولى الكتّاب اهتماما كبيرا بالشّرق العربي. فقد كتب " ابن عمر" مقالا بعنوان "الشّرق العربي" (6). ونشر " ناصر بن محمد المرموري" مقالا بعنوان " حول عيد الجامعة العربية" (7). و" الأمين يوسف" "ذكرى الوحدة العربية" (8). وبدون إمضاء نشر مقال في ستّ حلقات بعنوان " حركة الإصلاح في تونس" (9).
كما اهتمّ الكتّاب النّاشئون بحياة الزّعماء والعظماء العرب والشّخصيات الإسلامية، فعرّفوا بها وأشادوا بأعمالها، وطلبوا الاقتداء بسيرها وأخلاقها. نذكر من بين هذه المقالات ما يأتي: " نبذة من حياة وأخلاق مصطفى كامل" (10) لـ " محمد بن إبراهيم رمضان"، و"حول المجاهد الكبير عبد الكريم" (11) لـ " أبي رشيد الأخضر". أمّا عيسى بن بنوح بكلّي " فكتب مقالا بعنوان " إلى زعيم العروبة والإسلام حسن البنّا " (12).
7 - كان للجزائر: الوطن والتّراب والشّعب والأمّة والحضارة والنّهضة والتّاريخ ... اهتمام كبير، وعناية خاصّة من الكتّاب النّاشئين، عبّروا من خلال ما كتبوه عن اعتزازهم بوطنهم، واستمساكهم به، ومعاهدتهم على الدّفاع عنه، بِخاصّة وأنّ الاستعمار الفرنسي كان يعمل على تشويه صورة الوطن أمام المواطن الجزائري.
كتبوا في هذا الإطار عن الوطنية. من هذه المقالات: " الواجب الوطني" (13) لـ" أحمد بكوش"، " ما هي الوطنيّة" (14) لـ" سليمان الوارث"، " وطني" (15) لـ" عيسى بوحجام"، " نشأة المرء في عيشة وطنيّة" (16) لـ" أبي نواس حشحوش". في المقابل بيّنوا أنّ عدم الإخلاص للوطن يعين الاستعمار على البقاء في الجزائر. في هذا المعنى كتب " ابن عمر صالح بليدي" مقالا بعنوان " تضليل الشّعب تثبيت للسّياسة الاستعمارية" (17).
__________
(1) - ينظر ع: 228، يوم 21/ 11/1935.
(2) - ينظر ع: 285، يوم 06/ 10/1938.
(3) - ينظر ع: 92، يوم 27/ 12/1929 المقال بدون إمضاء.
(4) - ينظر ع: 296، مارس 1939.
(5) - ينظر ع: 30/ 05/1946
(6) - ينظر ع: 11/ 04/1946. يبدو أنّ صاحب المقال هو صالح بن عمر بليدي.
(7) - ينظر ع: 03/ 04/1947/ الأمين يوسف، يبدو أنّه ابن زايط يوسف,
(9) - ينظر ع: 66، يوم 22/ 02/1929، ثمّ الأعداد: 78، 79، 80، 81، 84.
(10) - ينظر ع: 06/ 03/1943.
(11) - ينظر ع: 04/ 03/1943، أبو رشيد هو الأخضر الغويني المسعدي.
(12) - ينظر ع: 10/ 03/1949.
(13) - ينظر ع: 256، يوم 01/ 04/1937.
(14) - ينظر المصدر نفسه.
(15) - ينظر المصدر نفسه.
(16) - ينظر س4، ع1، يوم 27/ 01/1946 يبدو أنّ صاحب الإمضاء هو محمد بن عمارة حشحوش.
(17) - ينظر ع: 12/ 02/1948. (1/211)
صفحة 203
كما كتبوا عن عظمة الجزائر وفجر نهضتها. من ذلك هذان المقالان " الجزائر في عهد عظمتها" (1) " وفجر النّهضة الجزائرية " لـ" أبي الوفاء" (2).
لم ينسوا التّعرض للجانب السّياسي في الجزائر، وعلاقة الاستعمار بالوطن، والتّأكيد على إخفاق سياسة فرنسا في الجزائر. من هذه المقالات:" سياسة الاستعمار في الجزائر تخفق" (3) لـ" أمين"، " فرنسا كيف يكون غدك" (4) لـ" بالحاج شريفي"، "الجزائر إزاء الحركة السّياسيّة " (5) لـ" ابن أفلح". وكتب " ابن سعيد " عن " الشّيوعيّة في الجزائر" (6). " الحالة السّياسيّة في الجزائر" (7) مقال لـ" ابن عمر". وكتب " عيسى سعودي " عن " سبب احتلال الفرنسيّين للجزائر" (8).
كما لم يغفلوا عن الإشادة بزعماء الجزائر وأبطالها ورجالها المخلصين. من هذه المقالات "دولة الأمير عبد القادر الهاشمي" (9) لـ" أبي الحسن علي بن صالح "،ومقالة " قاسم بن الحاج عمر بوحجام" " في شرف الأستاذ الشّيخ بيّوض (10). أمّا "عيسى بوحجام" فكتب عن " ذكرى الشّيخ عبد الحميد بن باديس" (11).
__________
(1) - ينظر ع: 70، يوم 03/ 05/1929، المقال بدون إمضاء.
(2) - ينظر ع: 190، يوم 20/ 09/1934.
(3) - ينظر ع: 195، يوم 26/ 10/1934.
(4) - ينظر س1،ع: 2، يوم 10/ 03/1943.
(5) - ينظر ع: 02/ 05/1946.
(6) ينظر ع: 417، يوم 15/ 03/1945.
(7) - ينظر ع: 09/ 05/1946.
(8) - ينظر س4،ع 9، يوم 11/ 06/1947.
(9) - ينظر ع: 140، يوم 20/ 12/1350هـ/1932م.
(10) - ينظر س1، ع8، يوم 28/ 04/1943.
(11) - ينظر مجلّة الشّباب ع1، غرّة جوان 1946. (1/212)
صفحة 204
8 - كتبت الجريدة عن منطقة وادي ميزاب وتاريخها واهتماماتها وما طرأ فيها من مستجدّات وقضايا، وتحدّثت عن مستقبلها ... مع الشّكوى من الضّيم والظّلم والتّسلّط. بإمضاء "الميزابي المضام" نلتقي بمقالتين " إلى وزير الدّاخلية "، وإلى "الوالي العام بالجزائر" (1). وإذا أَلَمَّ بميزاب مكروه انبرى الكتّاب لمواساته، وضمد جراحه. في هذا المعنى كتب "عيسى بن صالح شرّاك" مقالة بعنوان "دمعة على وادي ميزاب" (2).
وإذا ما حدثت أمور لا تسرّ، وتحتاج إلى معالجة، أو طرأ جديد، يتطلّب التّأمّل فيه، وفيما يمكن أن يحدثه من تغيير في الحياة الاجتماعيّة (إيجابا أو سلبا)، لم يتأخّر الكتّاب الشّباب عن تقديم وجهات نظرهم في كلّ ذلك. كتب "عيسى بوحجام" يقول: " السيّنما حياتها بأيدينا " (3). أمّا "رشيد بن محمد" فكتب يبيّن خطر السّينما في وادي ميزاب" (4). وكتب "فؤاد نور الدّين فخّار" عن " أثر السّينما في وادي ميزاب" (5). وعن حالة الشّباب في ميزاب كتب " محمد بنورى" (6).
كما أنّ الكتّاب لم يغفلوا عمّا يمكن أن يساعد على النّهوض بمستقبل ميزاب. فَـ " سليمان بعوشي" كتب مثلا يبيّن " أثر العلم في الأمّة الميزابيّة" (7).
كما ذهبوا بنظراتهم بعيدا، حين راحوا يستشرفون مستقبل ميزاب، وما ينتظره؛ للعمل على إعداد العدّة وتهيئة الوسائل المساعدة على ازدهاره. كتب
__________
(1) - ينظر ع: 76، يوم 09/ 08/1929.
(2) - ينظر ع: 403، يوم 01/ 04/1944.
(3) - ينظر ع: 249، يوم 23/ 10/1936.
(4) - ينظر ع:428 يوم 17/ 05/1945.
(5) - ينظر س4،ع: 2، يوم 02/ 02/1946.
(6) - ينظر س1،ع: 7، يوم 21/ 04/1943.
(7) - ينظر س4،ع: 11، يوم 11/ 06/1946. (1/214)
صفحة 205
إبراهيم قرادى "تحت عنوان: "مستقبل ميزاب الاقتصادي" (1). أمّا محمد رمضان فاختار عنوانا آخر "مستقبل ميزاب السّياسي" (2)، ونشره في حلقتين. وكتب "بدر الكمال" عن "ميزاب والمستقبل" (3).
خصّ الكتّاب مدينة "القرارة " بمجموعة كبيرة من المقالات، من دون إغفال بقية المدن الميزابيّة. ربّما يعود هذا لكونهم موجودين على أرضها في أثناء الكتابة بصفتهم طلبة معهد الحياة. كتب " قاسم بن عمر الرّاعي" "عن تاريخ القرارة (4) أربع حلقات. ونشر "عيسى الطّالب" مقالا تحت عنوان "مأساة غابة القرارة" (5).
بجانب الاهتمام بالتّاريخ كان لهم تشوّف إلى المستقبل. كتب " عيسى بوحجام" عن "القرارة ومستقبلها الزّاهر" (6). أمّا " أحمد عاشور" فينظر إلى المستقبل متسائلا " ما هو موقفك أيّتها القرارة حين تنبع فيك العيون" (7).
تَتَفَجَّرُ العين الارتوازية، فلا يغفل الكتّاب الطّلبة عن تسجيل هذا الحدث، بل النّظر والتّأمل في النّتائج، وما يمكن أن يُحدثه هذا التّفجّر في مستقبل القرارة. كتب "محمد الصّديق" مقالا تحت عنوان "مستقبل القرارة بعد حفر البئر الارتوازية " (8). وكتب "بكير الوارث" مقالا آخر بعنوان " أثر البئر الارتوازية في القرارة" (9).
9 - أولت الجريدة عناية كبيرة بالتّاريخ وصانعيه: بيانا لحقيقته وأهميته، وكيفية التّعامل معه، والاستفادة منه؛ لغناه بالدّروس والعبر.
قدّم كتّاب الجريدة نماذج من الشّخصيّات التّاريخية التي كان لها دور كبير في مجرى التّاريخ، أو دفعت عجلته إلى الأمام، ابتداء من شخصيّة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء والرّسل والصّحابة والتّابعين والأئمة المرشدين، وانتهاءً ببعض الشّخصيّات، التي تنتمي إلى بعض الحضارات والثّقافات المختلفة القديمة منها والمعاصرة.
كتب "بكير بيّوض" تحت عنوان " تاريخ ما أهمله التّاريخ" (10) .. وعن سيرة عمر بن الخطّاب كتب " الخليل" تحت عنوان "عمر بن الخطاب أعظم ديمقراطي في الإسلام" (11). ومن سجلّ البطولة وصفحاتها كتب " ابن عساكر محمد بن عمر" عن " الإمام يحي ملك اليمن" (12)، و" إبراهيم قرادى" عن " أبي حمزة الشّارى" (13)، وكتب آخر عن " أيوب بن العبّاس" (14).
__________
(1) - نظر ع:298، يوم 29/ 03/1939، العنوان نفسه وللكاتب ذاته ينظر الأعداد: 306، 435، 437.
(2) - ينظر س:21، ع: 3، مارس 1948، و س:5،ع: 4، يوم 04/ 03/1948.
(3) - ينظر ع: 12، يوم 25/ 06/1947، بدر الكمال هو محمد بن عمارة حشحوش.
(4) - ينظر س1، ع: 3، يوم 24/ 03/1943. و س1،ع: 6، وس1، ع: 9، وس1، ع: 12.
(5) - ينظر س:5،ع 2، يوم 17/ 02/1948. وقد كتبت عدة مقالات بهذا العنوان في أعداد مختلفة.
(6) - ينظر ع: 256 مكرّر، يوم 18/ 04/1937.
(7) - ينظر ع: 10/ 03/1946.
(8) - ينظر ع: 07/ 01/1949.
(9) - ينظر ع: 13/ 12/1949.
(10) - ينظر ع: 198، يوم 31/ 01/1935.
(11) - ينظر ع: 275، يوم 16/ 03/1938. و ع: 24/ 06/1938.
(12) - ينظر س:22،ع: 7، يوم 27/ 05/1948.
(13) - ينظر ع: 373، فيفري 1943 ..
(14) - ينظر ع: 317، مارس 1940. (1/215)
صفحة 206
أمّا " أحمد بن عمر الشّيخ أحمد" فيعرض في حلقات حياة الحاج عمر بن يحي، فيكتب تحت عنوان " الشّيخ الحاج عمر بن يحي كلمة عامّة عن حياته" (1). كما كتب " الزّرقة بكير" عن ربنسن كروزو" (2) في حلقات.
10 - اهتمّت الجريدة بالإصلاح والمصلحين.، فقد ركّز الكتّاب على بيان حقيقة الإصلاح وتوضيح مدلول الجمود والتّقليد المضرّ، والكشف عن نتائج التّقوقع والجمود الفكري والتّحجّر العقلي، وعنوا بتسجيل أعمال المصلحين العاملين.
عن ضرورة الإصلاح والتّغيير كتب "خليل" تحت عنوان: "نحن في حاجة إلى الإصلاح ولكن من هم المطالبون به" (3). إنّ الإصلاح كان ضروريا " لأن الجمود أساس الانحطاط " (4)،كما كتب " سليمان عدّون". وينعى " أبو الوفاء محمد بن بهون" على بعض العلماء تصرّفاتهم التي لا تتماشى مع مفهوم الإصلاح ولا تستجيب له، فيكتب تحت عنوان "بعض علمائنا بتعصّبهم يختطّون لميزاب قليبا (5). أمّا " ناصر بن محمد المرموري" فيكشف عن حقيقة الجامدين، ويكتب تحت عنوان "حالة الجمداء المقلّدين" (6). بينما يكتب "صالح بن عمر بليدي"، يبيّن علاقة الميزابيّين بالإصلاح:
__________
(1) - ينظر ع: 278، يوم 30/ 06/1938، وما بعده.
(2) - ينظر س:1، ع 6، وما بعده.
(3) - ينظر ع: 141، يوم 07/ 01/1351هـ/1932م.
(4) - ينظر ع: 252، يوم 11/ 02/1937. و ع: 253، يوم 17/ 02/1937.
(5) - ينظر ع: 256، يوم 01/ 04/1937.
(6) - ينظر س:1، ع: 21، يوم 22/ 08/1943. (1/216)
صفحة 207
"الميزابيّون والإصلاح" (1). وهو ما دعا "إبراهيم أداود " ليُبِينَ عن الأساس الذي ينبني عليه الإصلاح: "الأساس المتين للإصلاح" (2).
11 - لم تنس الجريدة شؤون العلم، فقد أكّدت على ضرورة نشر العلم، وتوفير الشّروط المطلوبة لذلك، كما عملت على تسجيل بعض القضايا العلميّة، وتقديم بعض المعارف والتّأريخ للعلم، وغير ذلك من النّقط التي تبيّن أهميّة العلم والتّعلم.
بدون إمضاء نعثر على مقال بعنوان "سبيل الدّعاية إلى العلم" (3) في حلقتين. وفي سياق الحديث عن ضرورة التّعلم ونشر العلم يعقد الكتّاب مقارنات بين طلب العلم وطلب المادة. القصد من ذلك هو الدّعوة إلى طلب العلم، والابتعاد عن الجري وراء المادة. كتب " الحاج سليمان بومريقه" مقالا تحت عنوان "بين العلم والتّجارة" (4). كما نشر "عمارة بن إبراهيم" مقالا تحت عنوان "الشّباب بين سبيلي المادة والعلم" (5).
لتحفيز الهمم للانكباب على تحصيل العلم، عمد الكتّاب إلى عرض حظّ الأسلاف من العلم ومن التّأليف. بدون إمضاء نلتقي بمقال بعنوان "حول نصيب أسلافنا من التّأليف" (6). أما " محمد مرموري" فيكتب مؤرّخا للحركة العلميّة في ميزاب، تحت عنوان " الحركة العلميّة بوادي ميزاب" (7)، بينما يكتب "الأخضر
__________
(1) - ينظر س:1، ع: 2، يوم 10/ 03/1943.
(2) - ينظر مجلّة الشّباب، ع:1، غرّة جوان 1946.
(3) - ينظر ع: 89، يوم 08/ 11/1929. وع: 90، يوم 15/ 11/1929.
(4) - ينظر ع: 359، يوم 26/ 02/1942.
(5) - ينظر ع: 376، يوم 04/ 03/1943.
(6) - ينظر ع: 75، يوم 02/ 08/1929 ينظر العنوان نفسه، بإمضاء باحث ع: 76، يوم 09/ 08/1929. وقد نشر المقال في حلقات عديدة.
(7) - ينظر ع: 296، مارس 1939. (1/218)
صفحة 208
السّائحي" مقارنا بين التّعليم في تونس والقرارة: " بين القرارة وتونس مقارنة بين التّعليمين" (1).
من المقالات التي تناولت قضايا علميّة نذكر: " قاعدة أرشميدس والأجسام الطّافية" (2) لـ " أمين"، " في الكونيات" (3) بإمضاء " أمين" أيضا. وقد نشر الموضوع في حلقات.
12 - نشرت مقالات عديدة في التّربية وعلم النّفس. من خلال العناوين التي اطّلعنا عليها في هذا المجال، تأكّد لدينا اهتمام الكتّاب النّاشئين بهذا الجانب، الذي يحتاج إليه الأبُ المربّي والأمّ والمعلّم والمرشد، وكلّ مشتغل وعامل في حقل التّربية والتّكوين والتّوجيه.
الموضوع الذي استقطب اهتمام الكتّاب (الشّباب) أكثر هو تربية البنات وتعليم المرأة. كتب " نوح طبّاخ" مقالا تحت عنوان " على هامش التّربية وتعليم البنت" (4). وقد نشره في حلقتين. أمّا " ناصر بن ناصر" فكتب مقالا تحت عنوان " تعليم البنات " (5). كما كتب " علي يحي معمّر" مقالا في حلقتين تحت عنوان " المرأة والتّعليم" (6). في المقابل حذّر " إبراهيم بن محمد تعموت" من جهل المرأة، فكتب مقالا تحت عنوان " خطر جهل المرأة الميزابية" (7).
__________
(1) - ينظر ع: 305، يوم 22/ 06/1939.
(2) - ينظر ع: 189، يوم 13/ 09/1934.
(3) - ينظر مثلا ع: 216، يوم 01/ 08/1935، وع: 218، يوم 15/ 08/1935.
(4) - ينظر ع: 339 يوم 13/ 03/1941، وع: 341 يوم 27/ 03/1941.
(5) - ينظر ع: 29/ 04/1946.
(6) - ينظر ع: 407، يوم 08/ 06/1944. وع: 408، يوم 14/ 06/1944.
(7) - ينظر ع:3، يوم 15/ 02/1950، المقالات التي اهتمّت بالمرأة كثيرة جدّا في الجريدة لا يمكن ذكرها كلّها هنا. (1/219)
صفحة 209
اهتم الطّلبة في هذا الموضوع بالتّربية المنزليّة بعامّة، وتربية الأطفال بخاصّة. كتب "عمارة بن إبراهيم" مقالا تحت عنوان " التّربية المنزلية" (1). أمّا " ابن أفلح حوّاش عبد الرحمن" فكتب تحت عنوان " الطّفل والأمّ أو القسوة والحنان" (2). وفي الاعتناء بتكوين الطّفل، وتنمية قدراتهم وتوجيههم نلتقي مع زاكي عبد المجيد" في مقال، تحت عنوان " تربية وتنمية الأطفال" (3). ويؤكّد " القطب الثّاني " على أهميّة القصص في التّربية، فكتب تحت عنوان " التّربية بالقصص" (4).
إلى جانب المنزل كان الاهتمام بالمدرسة، وتوفير الشّروط الضّرورية لممارسة عمليّة التّربية حاضرًا في كتابات الطّلبة. في هذا المعنى كتب " صالح بن عمر بليدي" مقالا تحت عنوان " علم النّفس وأثره في مدرستنا" (5).
اهتمام الكتّاب (النّاشئة) بعلم النّفس كان بارزًا أيضًا. فقد تناولوا بعض الموضوعات المتعلّقة بهذا الموضوع. من ذلك مقالة " قاسم بن عمر الراعي"، التي نشرها في حلقتين تحت عنوان" تكوين ملكة الانتباه وتنميتها" (6)، ومقالة " رشيد محمد اطفيش" " معنى الثّبات" (7).
13 - اهتمّت بوصف الطّبيعة في الجزائر بعامّة وفي القرارة بخاصّة. نال " وادي زقرير" نصيبا كبيرا من اهتمامات الكتّاب والشّعراء. كيف لا وهو الذي يروى غابة القرارة، وهو المفرّج عن الأحزان، وضفافه متنزه الطّلبة والشّباب وسكان القرارة.
__________
(1) - ينظر ع: 355، يوم 23/ 12/1941.
(2) - ينظر ع: 13/ 06/1946.
(3) - ينظر س:1، ع: 16، يوم 06/ 07/1943.
(4) - ينظر ع: 04/ 03/1945.
(5) -ينظر ع: 25/ 03/1948.
(6) - ينظر ع: 438، يوم 12/ 07/1945. وع: 439، يوم 19/ 07/1945.
(7) - ينظر ع: 30/ 05/1946. (1/220)
صفحة 210
كتب " أبو سليمان علي بن عيسى تاوريرت" مقالا تحت عنوان " زقرير في ضيافة القرارة" (1)، ونشر" أحمد بن عمر أوراغ" مقالا تحت عنوان " حول زقرير" (2). و" زقرير ركن حياتنا" (3) مقال لـ " بكير الوارث". أمّا " ابن عمر" فيكتب مُسْتَقْبِلاً زقرير بكلّ فرح وسرور: " زقرير عليك السّلام" (4).
اهتمّ الطّلبة – أيضًا - بوصف الرّحلات والجولات. من هذه المقالات مقالة "بالحاج شريفي:" جولة في جبال الأطلس" (5)، ومقالة " أحمد عاشور" " رحلة إلى السّوداء في ثلاث ساعات" (6).
أعجب الكتّاب بالصّحراء، وتفنّنوا في وصف اللّيل. من المقالات التي كتبت في هذين الموضوعين " ليلة في الصّحراء" لـ" عيسى بوحجام" (7)، و" الطّبيعة في اللّيل" (8) لـ" ابن بالحاج"، و" ليلة ممطرة" (9) لـ" خليفة النّفوسي"، " وجمال الصّحراء" (10) لـ"صالح خباشة"، و" منظر من الطّبيعة في ليلة مقمرة" (11) لـ " معيز محمّد".
كما وصف الكتّاب الحدائق والبساتين. نذكر هنا مقالين الأوّل لـ" قاسم بوحجام" تحت عنوان " وصف بستان في وصف الرّبيع " (12)، والثّاني لـ" إبراهيم شريفي" تحت عنوان " في حديقة غنّاء" (13).
نختم هذا العرض بذكر عنواني مقالين، يؤكّدان غرام الطّلبة بالطّبيعة. مقال "بكبر علّوط" بعنوان " ما أجمل الطّبيعة" (14)، ومقال " زكري باحماني" " منادمة الطّبيعة" (15).
14 - قدّمت عروضا عن كتب صادرة: تقريظا أو نقدا أو مجرد عرض. كتب أحمد بن عمر الشّيخ أحمد" عرضا عن " كتاب محمد عثمان باشا للأستاذ أحمد توفيق المدني" (16). في حلقتين، وآخر بعنوان " لمحة في كتاب مع أبي العلاء المعرّي في سجنه" (17) في حلقتين أيضا. ونشر " محمد الحاج الناصر اليسجني" مقالا بعنوان "الدّكتور طه حسين وكتابه مع المتنبي" (18). أمّا عيسى بوحجام فكتب مقالا تحت عنوان " تقريظ كتاب التّصوّف الإسلامي للدّكتور زكي مبارك" (19). أما الفتي " محمد بن يحي" فكتب " كلمة عن كتاب الحيوان للجاحظ" (20).
__________
(1) - ينظر ع: 297، يوم: 22/ 03/1939.
(2) - ينظر ع: 340، يوم 20/ 03/1941.
(3) - ينظر ع: 23/ 05/1949.
(4) - ينظر ع: 27/ 04/1949. نشرت في هذا العدد تسع مقالات، خمس منها عن "زقرير" والأعداد التي تلت هذا العدد تضّمنت عدة مقالات عنه.
(5) - ينظر ع: 363، يوم 15/ 05/1942.
(6) - ينظر ع: 13/ 03/1946.
(7) - ينظر ع: 309، يوم 07/ 12/1939.
(8) - ينظر ع: 357، محرّم 1361هـ.
(9) - ينظر ع: 362، يوم 18/ 03/1942.
(10) - ينظر ع: 22/ 06/1949.
(11) - ينظر ع: 07/ 06/1950.
(12) - ينظر س: 1، ع: 24، يوم 14/ 12/1943.
(13) - ينظر ع: 28/ 11/ 1949.
(14) - ينظر ع: 404، يوم 08/ 05/1944.
(15) - ينظر ع: 13/ 03/1946.
(16) - ينظر ع: 265، يوم 26/ 08/1937. و ع: 267، يوم 16/ 09/1937.
(17) - ينظر ع: 341، يوم 27/ 03/1941 و ع: 343، ماي 1941.
(18) - ينظر 302، يوم 17/ 05/1939.
(19) - ينظر مجلّة الشّباب ع:1، غرّة جوان 1946.
(20) - ينظر ع: 256 (ب. ت) يبدو أنّ الفتى هو محمد بن يحي سليمان بوعصبانة.
4 - نهضة الجزائر الحديثة ... ، ج3، ص 139. (1/221)
صفحة 211
15 - اهتمّت الجريدة بإحياء المناسبات الدّينيّة أو الخاصّة. وذلك بتخصيص أعداد ممتازة لها، كإحياء مناسبات ميلاد الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، والإسراء والمعراج، والهجرة، وبعض الأحداث التّاريخيّة العالميّة والوطنيّة والمحليّة، والذّكرى السّنوية لتأسيس جريدة "الشّباب "، وتخصيص أعداد خاصّة لتكريم بعض الأساتذة، وبعض الطّلبة الذين يستحقوّن التّكريم. وكتهنئة طالب من كتّاب الجريدة بمناسبة زفافه بقرينة الحياة، وتأبين آخر فارق الحياة ...
يبدو أن جريدة الشّباب تأثّرت في هذا المنحى بمجلّة " الرّسالة" لـ" أحمد حسن الزّيّات"، كما يذكر ذلك الشّيخ محمد علي دبوز: " ومن تأثّر مجلّة الشّباب بمجلّة الرّسالة أنَّها اقتدت بها في الاحتفال بالهجرة النّبويّة. فكانت الشّباب تُصْدِرُ عددا خاصًّا ممتازا في الهجرة النّبويّة، يكتب فيه كلّ طلبة المعهد وبعض تلاميذه القدماء، وبعض المشائخ كالشّيخ أبي اليقظان والشّيخ عدون" (1).
16 - اهتمّت بنشر الأخبار المحليّة والوطنيّة، وأحيانا بعض الأخبار العالميّة. وكانت تعنى في الدّرجة الأولى بنشاط الحركة الإصلاحيّة وأحوال طلبة معهد الحياة، وكتّاب جريدة الشّباب وبأخبار الوطن وميزاب والقرارة. لهذا فهي سجلّ مُهمٌّ لمن أراد التّعرف على بعض الأحداث، التي حدثت في ميزاب بعامّة، والقرارة بخاصّة، يقول الشّيخ محمد علي دبوز: " هذه هي مجلّة الشّباب العظيمة، رأيت آثارها في معهد الحياة ونماذج منها، إنَّها سفر تاريخي نفيس يصوّر عهودا كثيرة لنهضتنا، ويحدّثنا عن المجتمع الجزائري، سيّما ميزاب في عهوده الماضية" (2).
الخاتمة
__________
(1) 5 - المصدر السّابق، ص 148. (1/222)
صفحة 212
هذه هي جريدة الشّباب في طموحها واهتماماتها وفضلها ودورها الكبير في حياة الطّلبة الأدبيّة والفكريّة. فقد قامت بدور كبير في تكوينهم الأدبي، وتنمية قدراتهم. وتفجير طاقاتهم الفكريّة. لقد كانت وفيّة بعهدها الذي قطعته على نفسها، حين برزت إلى الوجود، وهو تعليم النّاشئة مبادئ الكتابة والإنشاء والتّدريب على التّفكير السّليم، والرّؤية الواضحة الصّحيحة؛ بعيدا عن التّحجّر العقلي والتّقوقع الفكري. فقد كانت حريصة على فتح المجال للمواهب كي تتفتّق، وفسح الطريق للنّشء كي يدرج ويتقدّم؛ فكانت لا تتأخّر عن نشر ما يقدّمه الطّلبة ولو كان ضعيفا، مقتنعة أنّ الإنسان لا يولد قويًّا، ولا عالما، إنّما يقوى بمرور الزّمن، ويتعلّم من خطئه، ويتقدّم حين يوجّه ويرشد.
فعلاً وجد الطّلبة منها ومن مديرها والقائمين عليها كلّ عون؛ فَحصلوا على نتائج، لمسوا آثارها في حياتهم العمليّة. يقول محمد علي دبوز " لقد خلقت مجلّة الشّباب في نفوس الطّلبة نشاطًا وطموحًا، وكانت سبب المنافسة الشّريفة بينهم في الأدب والعلوم، فعكفوا في جدّ وغرام على الكتب القديمة والحديثة يدرسونها في إتقانٍ، وأقبلوا على المجلاّت العربيّة الرّاقية يقرؤون لكتّابها النّابهين، ليقبسوا منهم أسلوب المقالة، وأسلوب القصّة، وأسلوب الشّعر الحديث، فحاكوهم في أساليبهم، كلّ حسب شخصيّته واختياره. وإذا في مجلّة الشّباب نجد ألوانًا من الأساليب. فمنهم من تجد في أسلوبه سِيمَا الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني، أو غير ذلك من القدماء. ومنهم من يعجب بالمحدثين، فيحاكي أحمد حسن الزّيات، أو الرّافعي أو العقّاد، أو أحمد أمين، ومنهم من تأثّر بالمازني، فمزج جدّه بالهزل، ومنهم من يحاكي زكيّ مبارك، فيمزج كلامه بروح غرامية، ويعنف في هجومه، ويرعد ويزبد في موضوعه، وغير ذلك من أساليب المجلاّت العربيّة الشّرقية الرّاقية، سيّما مجلّة الرّسالة، التي كانت أحبّ إلى نفوسنا من غيرها. (1/224)
صفحة 213
لقد كان لمجلّة الشّباب في نفوسنا الأثر الحميد، لولاها لبقيت العجمة تلجم أقلامنا واللّكنة والقصور يقتلان عقولنا، إنّ أيّامها وأيّام الجمعيّة هي أسعد أيّام حياتنا، جزى الله خيرا من أنشأهما، وبارك الله فيهما للمعهد والجزائر والعربيّة والدّين" (1).
ليس معنى هذا أنّ الجريدة كانت جيّدة وقويّة منذ تأسيسها، بل بدأت محتشمة في أسلوبها الذي كان يغلب عليه الضّعف في التّعبير، وفي تطبيق قواعد اللّغة العربيّة، وفي بساطة التّفكير وفي نوع الموضوعات التي كانت تتناولها وتناقشها. وأخذت في التّطوّر بمرور الزّمن. فقد نشرت إدارة الجريدة الإعلان الآتي: " هذا وقد برزت الجريدة، وأرجوكم أن تغضّوا البصر عن الألحان والأخطاء لأنّ قصدنا منها تعليم الإنشاء والكتابة فقط" (2). هذا الإعلان يبيّن لنا كيف كانت انطلاقة الجريدة متواضعة في مضمونها وشكلها، إلاّ أنّها كانت قويّة بجدّيتها وإخلاصها في التّكوين ومعالجة الأوضاع.
في ختام هذا العرض نسجّل الملاحظات الآتية:
1 - الجريدة كانت متأثّرة تأثّرا كبيرا بمجلّة الرّسالة. يبدو ذلك في محاكاة كتّابِها لأساليب كتّاب "مجلّة الرّسالة" (3)، بل كانت تقلّدها أحيانا في بعض أركانها، كالاحتفال بالهجرة النّبويّة؛ بتخصيص عدد ممتاز كلّ سنة كما أشرنا آنفا، وكاستعارة ركن " نُقَل الأديب "، الذي كان في مجلّة الرّسالة، وكانتهاج أسلوب المعارك الأدبيّة، الذي كان كثيرا ما يظهر على صفحات الرّسالة. بل إنّ أهمّ تلك المعارك الأدبيّة التي نَشَبَتْ على صفحات جريدة الشّباب، كانت بين العقّاديّين والرّافعيّين. والعقّاد والرّافعي من الكتّاب الدّائمين في مجلّة الرّسالة، وقد وقعت بينهما معارك أدبيّة.
مِمّا يؤكد هذا التّأثّر هذه الفقرة من مقالة لأحد كتّاب جريدة الشّباب، يصف فيها مجلّة الرّسالة. يقول من أمضى باسم " متأدّب": " إنّها مجلّة تبحث في الأدب في الغالب، وأكثر مقالاتها إمّا في موضوع الأدب، وإمّا في مواضيع أخرى، ولكنّها مكتوبة بأسلوب أدبي، كمقالات الزّيّات والرّافعي وأحمد أمين والبشرى وأديب عباس وغيرهم. والرّسالة - حقيقة – تُحيِي في النّشء أساليب البلاغة العربيّة كما قالوا فيها، وأفضل من ذلك الاعتناء بالكتب الأدبيّة القديمة، فهي المنبع الصّافي الذي لا يشوبه كدر، فمن أراد النّبوغ في الأدب فليعكف عليها وليلازمهما " (4)،
كما نرجّح تأثّر جريدة الشّباب - أيضا - بمجلّة النّديم التّونسيّة (5)، فقد احتوت جريدة الشّباب على بعض أركان موجودة أصلا في جريدة النّديم ككلمات شائكة، في المقصّ، مذياع الغرائب.
نقدّم مثالاً لهذا التّأثّر والتّعلّق بمجلّة " الرّسالة " من مقال كتبه " قاسم بن الحاج سعيد بسيس"، سجّل فيه تأثّره بوفاة الأديب مصطفى صادق الرّافعي. والفراغ الذي تركه في السّاحة الإسلاميّة والأدبيّة، وهو الذي كان يرفد طلبة معهد الشّباب بأدبه، وكانوا يقرؤون ويتعلّمون منه، بِما كان ينشره على صفحات مجلّة الرّسالة المفضّلة لديهم. كتب قاسم بسيس تحت عنوان: " من لنا بعد الرّافعي" (6) مِمّا جاء في المقال: " أحقًّا إنّ صحيفة مصطفى صادق الرّافعي طويت وختمت، وصارت في حيّز التّاريخ، بعدما كانت في متناول الأيدي ومرأى الأبصار؟ ... لقد اختار الرّافعي أسلوبه
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 138، 139.
(2) - " القرارية "، س:1، ع:1، (ب. ت).
(3) - ينظر نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص 138 - 139.
(4) - جريدة الشّباب ع: 220، يوم 29/ 08/1935.
(5) - هي صحيفة فكاهيّة أخلاقيّة انتقاديّة، مؤسّسها حسين الجزيري ابتداء من 12/ 02/1921.
(6) - نشر المقال في عدد: 26، الصّادر يوم الخميس: 23 من رجب 1356هـ / 30 من سبتمبر 1937م. (1/225)
صفحة 214
البياني الرّفيع، ليرشد الأفكار الزّائغة، فتفنّن في دعوته، وجاء في الأدب والإصلاح بما لم يستطعه غيره. وأظهر للعالم عظمة الدّين الإسلامي وجدواه، وردّ على الملحدين، وقمع المتمرّدين، وأرجع القافلة الضّالة إلى حظيرة الإسلام الآمنة،. هذا ما فعله في كتبه وديوانه رحمه الله. وفي آخر أيّامه أطلّ على العالم من شرفة مجلّة (الرّسالة) الغرّاء لأحمد حسن الزّيّات، فأرسل صرخته المدوّية في العالم الإسلامي، فأسمع القاصي والدّاني، فكنّا نحن في المغرب أكثر النّاس إصغاءً لدعوته، فقرأنا مقالاته في الرّسالة باهتمام وإعجاب؛ فعلّمنا كيف نفكّر التّفكير السّليم السّامي، ونفخ فينا العزّة الإسلاميّة، فرفعنا رؤوسنا، وأمدّنا بالعدّة فدفعنا في صدور الجامدين والملحدين، وكان لنا أعظم هادٍ وأستاذٍ، وكان للمسلمين حياة ونورًا. فها هو مدده ينقطع عنّا، وشمسه تتوارى، ونحن لا زلنا في النّشوء، في أشدّ الحاجة إلى الغذاء الصّحيح، والتّربية القويمة. فمن لنا الله بعدك يا رافعي."
2 - كتب في الجريدة بعض المشائخ والأساتذة وقدماء تلاميذ معهد الحياة، وبعض المعجبين بالجريدة، من غير طلبة المعهد. إنّ ما ذكره الشّيخ محمد علي دبوز: " ... وهي (أي جريدة الشّباب) خاصّة لا يكتب فيها غير تلاميذه" (1) غير صحيح. وهو نفسه يقول في موضع آخر: " يكتب فيه (العدد الممتاز) كلّ طلبة المعهد وبعض تلاميذه القدماء وبعض المشائخ كالشّيخ "أبي اليقظان" و"الشيخ عدّون" (2).
3 - كان للجريدة مراسلون ومشاركون من خارج القرارة: من الجزائر، البليدة، غليزان، تونس، وغيرها ...
4 - نشرت الجريدة قصائد ومقالات لبعض الكتّاب في العالم العربي، نقلتها من بعض الجرائد والمجلاّت العربيّة.
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة ... ج3، ص 135.
(2) - المصدر السّابق، ص 139. (1/226)
صفحة 215
5 - تكرّر الانقطاع في إصدار الجريدة وصل أحيانا إلى ستّة أشهر كاملة.
6 - اشتملت بعض الأعداد على مقال واحد ينظر مثلا عدد: 38 وعدد: 406، وبعضها على مقالين. ينظر الأعداد الآتية: 168، 330، 331، 335، 351.وأحيانا على ثلاث مقالات. ينظر الأعداد: 329، 344، 349، كما وُجدت أعداد حرّرها شخصان فقط.
المضمون الإسلامي في الشّعر الجزائري الحديث (1)
* المقدّمة
احتفى الشّاعر الجزائري ذو الاتّجاه الإسلامي بالقرآن الكريم، وضمّنه شعره: استلهامًا لمعانيه، واستيحاء لأساليبه، واقتباسًا من لغته وصياغته ... فعل هذا لأنّه يراه النّبع الذي يستقي ويتغذّى منه، ولأنّه ينطلق في تفكيره ورؤاه وتحرّكه من التّصوّر
__________
(1) - نشر المقال في مجلّة الحياة (معهد الحياة وجمعيّة التّراث)،القرارة، الجزائر، عدد: 13،رمضان 1430ه/سبتمبر 2009م، ص:50 – 79. (1/228)
صفحة 216
الإسلامي. والذي يجسّد هذا التّصوّر، ويبيّن حقيقة الإسلام في الدّرجة الأولى هو القرآن ... وهو معجز لاحتوائه: " الكلمة الفذّة بتناسقها الموسيقي العجيب، وفي استقطابه مضامين تؤلّف منهجًا في الحكم والسّياسة والاقتصاد وغيره، على نسق غير مألوف لدى البشر، الأمر الذي أدهش المعارضين من أرباب الفصاحة والبلاغة وأهل اللّسن والكلمة الشّعرية الرّنّانة المشعّة, فاستسلموا بعد أن وقع التّحدّي إثر التّحدّي، عاجزين منبهرين مندهشين من الإعجاز البياني الفريد" (1)
لهذا كان الشّاعر الإسلامي الجزائري يقصد القرآن أوّل ما يقصد في نظمه؛ حين يريد أن يعبّر عن أفكاره، وينقل مشاعره، وهو ما يضمن لها أن تظهر مصبوغة بالصّبغة الإسلاميّة، وتتناغم مع التّصوّر الإسلامي, الذي يعطي لهذه الصّياغة طابع الأدب الإسلامي، الذي هو: " التّعبير الفنّي الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب من خلال التّصوّر الإسلامي" (2)
إذن إنّ نقطة الارتكاز في التّعبير والنّظم بتصوّر إسلامي كان القرآن الكريم عند هؤلاء الشّعراء. فالقرآن هو الكنز الذي لا يفنى، وهو المعين الذي لا ينضب، وهو الشّفاء لما في الصّدور، وهو النّظم الذي يحتذى، ومنه يكون الصّدور في التّحرّك السّليم القويم ... يقول محمد العيد آل خليفة:
كتاب الله كتاب ليس يفنى ... وشَمسُ لا يعببُ لها ضياءُ
__________
(1) - أسامة يوسف شهاب، نحو أدب إسلامي معاصر، ط1، دار البشير للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1405هـ/ 1985م، ص: 34. نقلا عن الأستاذ محمد المنتصر الرّيسوني في بحثه " الإعلام الإسلامي، منطلقات وأهداف".
(2) - الدّكتور عبد الرّحمن العشماوي، إسلامية الأدب لماذا وكيف، ط1، دار المعراج الدّولية للنّشر، الرّياض، المملكة العربية السّعودية، 1413هـ، ص: 14. (1/229)
صفحة 217
هدى للمتّقين (1)، فكن تقيًّا ... وسلهُ من الهداية (2) ما تشاءُ
تَدَاوَ به من الأسقام تَبْرأْ ... ففيه لكلّ ذي سقمٍ (3) شفاءُ (4)
ويقول الدّكتور محمد صالح ناصر:
الذّكر وصفة ربّه، فيه لمن فتكت به علل الزّمان دواءُ
تتشرّب الألباب حلو بيانه، وبيانه القرآن فيه شفاءُ
كالسّيل عند السّدّ يهدر دافقًا، فإذا سرى في النّفس فهو الماءُ (5)
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى {ألمِّ ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقينَ} البقرة، الآيتان: 1، 2.
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ ... } الإسراء، الآية: 9.
(3) - إشارة إلى قوله تعالى: {وَنُنزِّل مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلمُؤْمنينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَسَارًا}، الإسراء، الآية: 82.
(4) - محمد العيد محمد علي خليفة، ديوانه، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1979م، ص: 538.
(5) - الدّكتور محمد ناصر، في رحاب الله (ديوان شعر)، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الجزائر، 1991، ص: 6، 7. يخاطب في هذه الأبيات شيخه الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1316 - 1401هـ/ 1899 - 1981م) في حفل أقيم له بمناسبة ختمه تفسير كتاب الله العزيز، الذي دام فيه خمسًا وأربعين سنة كاملة. وكان الختم يوم: 23 ريبع الثّاني 1400ه/ 12 من فبراير 1980م. الحفل كان في مسقط رأسه القرارة، الجزائر، يومي: 8، 9 رجب 1400ه/ 22، 23 مايو 1980م. (1/230)
صفحة 218
إنّ الشّعراء دعوا وبكلّ قوّة إلى الذّهاب إلى القرآن والاستقاء منه، والأخذ من فيضه ما يحلّي لهم الحياة، ويزيّن لهم الحضارة. قال مفدي زكرياء:
بني وطني، هذي الحضارة فاقتفوا ... ولجوا بابها، واستصحبوا (المنهل العذبا) (1)
يقول مصطفى محمد الغماري:
عش بالكتاب وللكتاب مغرّدًا ... فالكون من فيض الكتاب خصيب (2)
لشدّة تعلّق شعراء هذا الاتّجاه بالقرآن نجد شاعرًا كَـ " مفدي زكرياء "،إذا أراد التّعبير عن شيء عظيم، يحتلّ من نفسه مكانة سامية كثيرًا ما، كان يقرنه بالقرآن الكريم، أو يربطه به، أو بما له به صلة. وقد تردّدت في أشعاره كثير من الكلمات التي تنضح بروح القرآن، واصفة شعره، كالكلمات الآتية: (الذّكر، المثاني، الوحي، التّنزيل، الإعجاز، الآيات ... )؛ " لأنّ القرآن يمثّل في نفسه نهاية السّموّ الذي لا نهاية بعده، ومن ثمّ كان يرى أنّه لا نهضة أدبيّة أو فكريّة بدون
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 159. وفي بيت آخر يقول:
بني وطني، هذي الحياة شريفة ... فلجوا بابها، واستصحبوا المنهل العذبا
المصدر نفسه ص: 107.
(2) - مصطفى محمد الغماري، بوح في موسم الأسرار (ديوان شعر)، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985م، ص: 86. (1/231)
صفحة 219
القرآن، وأنّه لا يروي ظمأ هذه الأمّة إلاّ عبّها من هذا المنهل العذب، الذي لا ينضب ولا يضعف." (1)
قال عن الشّهيد أحمد زبانا:
قولة ردّد الزّمان صداها ... قدسيًّا، فأحسن التّرديدا
احفظوها زكيّة كالمثاني ... وانقلوها للجيل ذكرًا مجيدا (2)
قال عن جبهة التّحرير الوطني:
ونظام تخطّه ثورة التّحـ ... ـرير، كالوحي مستقيمًا رشيدا (3)
__________
(1) - مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 107.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 11.
(3) - المصدر السّابق، ص: 15. ينظر أيضًا، ص: 227، 290. ومن وحي الأطلس، ص: 48. وينظر كتاب مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 153. ولمزيد من التّفاصيل يراجع كتابنا " أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ج2، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م. (1/232)
صفحة 220
هذه اللّفتات تبيّن مكانة القرآن في نفوس أولئك الشّعراء، الذين اتّخذوه المنهل والمصدر والموئل لكتاباتهم الإسلاميّة. نحاول في هذه الصّفحات سرد بعض صور هذا التّناول، والإتيان ببعض الشّواهد على ذلك، بما يسمح به حجم المقال محدود المجال. نتناول بعض الجوانب، من دون الاستقصاء. ونعرض بعض الشّواهد من دون نقدها. فالغرض هو تقديم وجه من وجوه الشّعر الجزائري لقرّاء العربيّة، ومحبّي الأدب. كما نقتصر على بعض النّماذج، ولبعض الشّعراء. نعرض في البداية مسألة الانتماء والعقيدة والهوية ...
** الانتماء وحقيقة المذهب والمشرب
أوّل ما يبيّن الرّوح الإسلاميّة في المرء، هو تحديد انتمائه، وبيان حقيقة مشربه ومذهبه في الحياة، المنبثقين من هذه الرّوح. يقول محمد العيد آل خليفة في أبيات تحت عنوان: " يسائلني":
يسائلني عن نسبي كلّ وافد ... عليّ، وعن شعري، وعن كنه مطلبي
فقلت لهم: أرض العروبة موطني ... وديني هو الإسلام والقدوة النّبي
ومن مطلبي جمع العروبة كلّها ... على وحدة عظمى بشرق ومغرب
وتَهيئة الجيل الجديد لفـ (1/233)
صفحة 221
ــــــــــــــوزه ... من الدّين والدّنيا بأشرف مأرب
ونشر الثّقافات السّليمة حرّة ... وكسب المعالي، لا لجاه ومنصب
رضعت قريضي في لبان أمومتي ... ومن منهل الأحرار واصلت مشربي
تسامحت والإسلامُ دين تسامح ... وآمنت بالقرآن دون تعصّب
إذا كنتَ في ديني وفي وطني أخًا ... فلست أبالي أن تخالف مذهبي (1)
الانتماء إلى الإسلام، والنّهل من القرآن، القدوة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، التّحرّك وربط العلاقات على أساس الأخوّة الإسلاميّة، تهيئة النّشء ليعمل للدّين والدّنيا معًا، العمل بروح التّسامح، وإلى غاية الوحدة، والسّعي إلى نشر الثّقافة الأصيلة ... هذا ما يحويه شعر محمد العيد، وهذه هي الإجابة عن من يسأل عن مذهبه في الحياة، وعن مشربه في الكتابة. فهذا الذي طبع شعره بالطّابع الإسلامي، وأعطى له هذه القيمة؛ لأنّه من هذا المفهوم هو شعر رسالي. والإسلام يدعو ويدفع من يعتنقه لأن يكون صاحب رسالة، تنبع من الأمانة التي تحمّلها وحَملها، من دون المخلوقات الأخرى، التي أشفقت منها.
أمّا الدّكتور محمد ناصر فيكشف عن حقيقة المسلم الصّادق المخلص لدينه، الذي ينطلق من الإسلام في علاقاته مع إخوته في الملّة، وهو المذهب الذي يجب أن
__________
(1) - ديوان محمد العيد آل خليفة، ص: 548. (1/234)
صفحة 222
يسير عليه وفيه المسلم الموفّي بعهد الله، وغير النّاقض للميثاق. ومن هذا الوصف نعرف مشربه ومذهبه هو. قال تحت عنوان: " أحبّك والله يا أخي في الله":
في القلب أنت أخي في الله من صغر ... كم ذا لقيتك بين الآي والسّور
جلاّك لي الله أوصافًا وتسمية ... فليس تخطئ عيني اليوم في النّظر
عيناك عيناي، بيت الله وجهتنا ... نستلهم الرّشد من أفيائه الغرر
رجلاي رجلاك، هدي الله وحّدنا ... نحو المساجد في الآصال والبكر
فكم رأيتك نورًا أستضيء به ... في ظلمة الكفر، تجلي اليأس عن فكري
وأجتليك ربيعًا، والحياة لظًى ... وإن دجا الخطب فيها كنت لي قمري (1/235)
صفحة 223
قرأت فيك تسابيح الهدى فهفا ... قلبي إليك، ولم أسأل عن الخبر
قلبي وقلبك نبع الوحي في دمنا ... فكيف في السّعي حِدنا عن سنى الأثر
ومنبع الوحي صافٍ في أصالتنا ... فكيف في شربنا مِلنا إلى الكدر
وصبغة الله أغنت عن مساومة ... بالجنس والعرق والأنساب والفكر
بالحبّ وحّدنا التّوحيد من أزل ... فليس نُقْسَمُ في عسر وفي يُسُر
أقسمت بالله، لن أنفكّ عن قسمي ... أخوّة الدّين دستوري مدى العمـ (1/236)
صفحة 224
ـــــــر (1)
مصدر الشّاعر نبع وحي، يسقيه عذبًا من الهدى، يشربه عقيدة صافية، تهديه إلى سواء السّبيل، ليصطبغ بصبغة الله، ويتدّثر بدثار القرآن، فيحميه من ضلالات الشّيطان، ومن تداعيات الهوى، وينطلق بقلبه نحو أخيه في الله، يظهر له الولاء الكامل، ويقدّم له حبّه الخالص، ويعاهده على الارتفاع في علاقته به عن حضيض الأفكار البالية، وعن أوحال الغواية والسّفاهة. مذهبه ما يدعو إليه شرع الله، ألوانه ما تقدّمه صبغة الله، أعماله ما يرضاه توحيد الله. دستوره الأخوّة في الله.
مصطفى الغماري يقول:
ملأت فؤادي بالسّنى البكر حسبة ... لربّ، له الكون العظيم يسبّح
فقلبي بنور الحقّ نشوان مهتدٍ ... وروحي بإشراق الهداية يصدح
ويسعدني في دفقة النّور، أنّني ... أرى الله في كلّ الوجود، وألْمح
أرى الله في الأزهار نشوى، وفي الهوى ... وفي وشوشات الطّير تشدو وتَمرح
أرى الله في سكري وصحوي، وحيثما ... توجّهت، يدنيني إليه فأفرح (2)
__________
(1) - في رحاب الله، ص: 79، 80.
(2) - مصطفى محمد الغماري، أسرار الغربة (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1977م، ص: 7، 8. (1/237)
صفحة 225
من مُلئَ فؤاده بنور الله، فأصبح به يبصر، ومن فاض قلبه بالإيمان، فأشرقت روحه بالهداية، ومن يكون الله حاضرًا في كلّ حركة وسكنة من حياته، ومن يرى الله في كلّ مخلوقاته ... فماذا عساه أن يكون، سوى المؤمن القويّ في إيمانه، الثّابت في عقيدته، السّامي في روحه ...
في الحقيقة إنّ هذا ما يجب أن يكون عليه من ينتمي إلى شرع الله. وفي الأبيات المذكورة قدّم لنا الشّاعر بطاقة هويّته، التي منها نفهم شعره الذي يتحرّك فيه بوحي من الرّوح الإسلاميّة، ويصطبغ بالصّبغة الإيمانية. وهو القائل:
عيناي تغتبقان كرم عقيدتي ... والكون يضرب شارد الألحان
ويداي تعتصران من ضوء الهدى ... وتجول أيدي القوم في البهتان
والله جلجل في السّماء ضياؤه ... والتّيه يحسبه من الألحان (1/238)
صفحة 226
أنا هاهنا .. كالعهد، لم يثنِ الخطا ... سأم، ولست مفارقًا إيماني (1)
لا يفارق الشّاعر إيمانه، مهما يلجّ غيره في التّيه، ومهما يعزف من الألحان، ومهما يقدّم من البهتان؛ ذلك أنّه اغتبق الهدى، فكان له منها في حياته ضياء، واعتنق كيانه كلُّه العقيدةَ واحتضنها، فكان له منها أشعّة وسناء، أنارت له الدّروب، فسار في الطّريق المستقيم. فما نصيب العقيدة في شعره وفي غيره من الشّعراء؟
***العقيدة والإيمان
إنّ أوّل ما يحرص عليه المؤمن الموفّي بعهد الله هو تثبيت الإيمان بالله في قلبه، الذي منه ينطلق ليسلك دروب الحياة، على هدي وبوحي من ذلك الإيمان. لذا كانت العقيدة تسري في طوايا أشعار هؤلاء الشّعراء، وتنساب بين شرايين كتاباتهم، يُشرِبون بها نفوس النّاشئة بخاصّة؛ لأنّهم معرّضون أكثر من غيرهم للاستلاب، و زعزعة عقيدتهم، والمساس بإيمانهم. وغير الشّباب ليس سالمًا من هذا الخطر.
تركيز العقيدة في القلب، يضمن تقبّل كلّ الإرشادات الدّينية؛ لأنّ صاحبها يسلّم أمره لله. وقبل ذلك، فإنّ التّمكّن من العقيدة الصّحيحة يساعد على توجيه الحياة توجيهًا سويًّا، بما يتماشى وفطرة الله التي فطر النّاس عليها. ومن زاغت عقيدته فمآله الزّوال والفناء، كما يقول مفدي زكرياء:
شربتُ العقيدة حتّى الثّماله ... فأسلمت وجهي لربّ الجلالـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 38. (1/239)
صفحة 227
ـــــه
ولولا الوفاء لإسلامنا ... لما قرّر الشّعب يومًا مآله
هو الدّين يغمر أرواحنا ... بنور اليقين، ويرسي عداله
إذا الشّعب أخلف عهد الإله ... وخان العقيدة، فارقب زواله
ويصنع إيمانُنا أمّة ... قوامًا، فترجف منه الضّلاله (1)
محمد العيد آل خليفة يقول:
ونحن الرّجال الثّابتون
__________
(1) - مفدي زكرياء، إلياذة الجزائر، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1987م، ص: 89. (1/240)
صفحة 228
عقيدة ... على المبدأ الأسمى، إلى حين نقبر (1)
الشّاعر نفسه يزيد حقيقة الإيمان بيانًا وإيضاحًا، ويكشف عن دوره في حياة المسلم: تثبيتًا وترسيخًا وطمأنينة وتوجيهًا سديدًا. فيركن إلى سرد بعض الصّفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، التي تدور حول معاني القهر والغلبة والإرادة، التي لا يشاركها فيها أحد؛ ليوقف النّاس على عظمة الله وقوّته المطلقة. غايته من ذلك تثبيت الإيمان في القلوب، وتحفيز النّفوس لتتمسّك بالدّين، فلا تخاف في هذا السّبيل أيّة قوّة تصدّها عنه:
حمدًا لمن في الحقّ غاث وغارا ... ولوجهه عنت الوجوه صغارا
سبحانه زجر القويّ عن الأذى ... وحمى الضّعيف من الأذى وأجارا
الغالب القَهّار فوق عباده ... من ذا يكيد الغالب القهّارا؟
من ذا يعقّب من سوّى القُوى ... ودرى الغيوب، وقدّر الأقدارا؟ (2)
يستغلّ الشّاعر " المعاني والدّلالات التي تحملها هذه الألفاظ، التي تصف الله بالقويّ الذي لا يهزم، وصاحب العزّة التي لا تذلّ، والكلمة التي لا تردّ، والحكم الذي لا يعقّب، ليشير إلى المسلمين أن يلتمسوا النّصر من صاحب القوّة المطلقة، ويثقوا بأنفسهم وبقوّتهم، كلّما تعرّضوا للأذى من غيرهم، قصد إخضاعهم وإضعافهم، بخاصّة إنّ
__________
(1) - ديوان محمد العيد آل خليفة، ص: 160.
(2) - المصدر السّابق، ص: 112. (1/241)
صفحة 229
الشّعب الجزائري الذي يخاطبه الشّاعر سنة 1934م (1) كان يعيش محنًا متتالية؛ بغية تليينه، وتحويله عن وجهنه الحقيقية وأصالته، والتّمسّك بدينه." (2)
العقيدة تصنع من المسلم قوّة تأتي على كلّ عتوّ وفساد، وعلى كلّ حاجز وسدّ يحول بينه والقيام بمطالب العقيدة، وتنشئ منه راسيات لا تُزعزع، وبنيانًا لا يُزحزح، وتكوّن منه حصونًا تحمي الأصالة، وتوجد منه قنابل تدكّ معاقل الأعداء، وتنقض بنايات الضّلالات والغوايات. هذه المعاني ضمّنها مصطفى الغماري شعره، فسجّل بذلك أحد المضامين التي حواها الشّعر الجزائري الملتزم والمنطلق من التّصوّر الإسلامي:
وفي دمي شجر التّوحيد، يزرعني ... جيلاً، يدكّ القيود والعطبَا
جيل العقيدة، لا تُشرى ضمائره ... وليس عن قمّة السّمحاء منقلبَا
تشتاق للوحدة
__________
(1) - القصيدة التي منها هذه الأبيات، هي بعنوان: " هيهات يخزى المسلمون"، نشرت في مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج3، مج 10، سنة 1934م. وهي فترة حاسمة للشّعب الجزائري، فقد تمّ فيها بناء المدارس الحرّة لتعليم الجماهير، وتشييد المساجد، وتأسيس النّوادي؛ لتحصين الشّعب الجزائري من الحملات المسعورة ضدّ الأصالة، والدّعوات المتكرّرة إلى الاندماج مع الشّعب الفرنسي، والتّجّنس بالجنسية الفرنسيّة ... وشهدت الفترة ألوانًا وأشكالاً عديدة وقاسية من الظّلم والقهر ومنع الحقوق ... مورست على الشّعب الجزائري.
(2) - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 48. (1/242)
صفحة 230
الخضراء كلمته ... وتعشق الخالدين: الشّمس والعربَا (1)
وقال:
كم مهجةٍ ضمّها التّوحيد فازدهرت ... وظامئ من سنا القرآن كم شربَا (2)
من بديع تعبير الشّاعر أن يختار كلمات موحية، وأن يقدّم صياغة مصوّرة، بلجوئه إلى المجاز، يستعين به لينقل الحقيقة، فيقنع المتلقّي، ويؤثّر على وجدانه، فيتجاوب معه. فقد عمد إلى كلمات الزّرع والإزهار والاشتياق والعشق والخضراء والظّمأ والسّنى والأضواء ... هذه الكلمات جاءت متجاورة في تناسق وتناغم، تحمل المشاعر والعواطف التي يطفح بها قلب الشّاعر، تضمّنت دلالات مهمّة وعالية القيمة، على فعل العقيدة في النّفس، وفي حياة المسلم. فما يزرع يزهر ثمّ يثمر. وما يحتوي نورًا يضيء وينتشر. وما يسكن العلياء لا يتسفّل ولا ينكسر.
في المقابل يتأسّف عيسى لحيلح على حال المسلمين مع دينهم، وينعى عليهم التّنكّر لمبادئ الإسلام، ويسأل متى تحظى العقيدة بالاحتفاء والاهتمام والتّمسّك بها في أرضها وفي موطنها، ومتى تنعم الأرض بنعيم العقيدة وحرارتها:
أفيقوا .. فما تجدي لحانا إن أصبحت ... حبالاً، وكان القلب أمردَ أصفرَا؟
متى يا فتى الإسلام تثأر غاضبًا ... وترفع قرآنًا، وتمضي مكبّرَا؟
__________
(1) - مصطفى محمد الغماري، قصائد مجاهدة (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1982م، ص: 76، 77.
(2) - المصدر السّابق، ص: 122. (1/243)
صفحة 231
متى تستلذّ الأرضُ دفءَ عقيدتي ... وأسحب ظلّي في سناها معطّرَا؟ (1)
اختار الشّاعر كلمات فيها حرارة وعاطفة وحنان (تستلذّ، دفء، ظلّ، معطّر) ليضفي على التّعبير روحًا وجدانيّة. تعين على التّعبير الدّقيق المبين، ثمّ التّأثير القويّ الكبير.
الّلوان البياني الذي نسج به الشّاعر هذه الأبيات، فقدّم مضمونًا فكريًا كبيرًا، وبنى صورة فنّية رائعة بديعة الجناس (لحانا وحبالا)، الذي ولّد به معنى لطيفًا، ونبّه إلى خطورة الاهتمام بالمظهر على حساب المخبر، والظّهور أمام النّاس بما يتناقض مع ما يموج في الصّدور.
المقابلة الضّمنية بين امتلاء الوجه باللّحية، وخلوّ القلب من الإيمان والعقيدة (وكان القلب أمرد أصفرَا)، وتصوير القلب باللّون الأصفر، الذي يشير إلى الجدب والقفر والخواء، مقابل اللّون الأخضر (الذي لم يذكره الشّاعر، وإنّما يفهم مِمَّا يقابل اللّون الأصفر)، الذي يرمز إلى الامتلاء والخصب والنّماء، وهو ما تمثّله العقيدة. هذه المقابلة يقرؤها المتلقّي بدقّة ويفهمها؛ إذا أدرك أبعاد هذه الإشارة، بعقيدته التي تملأ قلبه ... وبذلك يكتشف ويدرك الرّوعة الفنّيّة والفكريّة ا اللّتين تضمَّنهما البيت.
إذن حين تنعدم العقيدة في القلب، وتفقد في حياة النّاس، فإنّهم يسيرون نَحو العدم، وينحدرون إلى الفناء. يقول مصطفى الغماري:
حين تجفونا العقيدهْ ... يرتوي منّا العدمْ
__________
(1) - عيسى لحيلح، وشم على زند قرشي (ديوان شعر)، ط1، دار البعث للطّباعة والنّشر، قسنطينة، الجزائر، 1405هـ/ 1985م، ص: 10. (1/244)
صفحة 232
ونناجي ألف درب ... والهوى قيح دمْ (1)
في زمن رفض العقيدة الإسلاميّة، وفي ظلال الغربة التي تعيشها في أوطانها - لأنّ أهلها لا يطبّقونها، وقد يجاهرونها العداء - يصبح التّنديد بهذا السّلوك، ومناهضة هذا التّصرّف، فرضًا مَحتومًا، والغضب على هذا التّسيّب والتّعدّي واجبًا دينيًا، لا يعذر المرء في عدم إظهاره؛ عملاً على تدارك الأمر، وحرصًا على الثّأر لدين الله.
يقول مصطفى الغماري:
شرف العقيدة ثورة ... خضراء، تحرسها الزّنود
شرف العقيدة فارس ... في جرحه انتفضت عهود
شرف العقيدة ساعد ... للفجر، وثبته ... شديد
__________
(1) - يحياوي الطّاهر، البعد الفنّي والفكري عند الشّاعر مصطفى الغماري، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1983م، ص: 147. (1/245)
صفحة 233
دين المحبّة لا تقام ... على الكلام له الحدود (1)
إذا صِينَت العقيدة، وغذّي القلب بالإيمان، وجد المرء نفسه تتحرّك بروح إسلاميّة، وترفض كلّ ما يمسّ الشّخصيّة، وينال من الكيان. وقد وجدنا في شعر الشّعراء الذين تناولناهم في هذه الدّراسة معالجة إسلاميّة لمسألة الهوية، التي تتبنّى المقوّمات الأساسيّة في الشّخصيّة الإسلاميّة، من دين ولغة وتاريخ وغيرها.
****الهوية في الشّعر
عمد الشّعراء إلى تركيز مقوّمات الهويّة في النّفوس، وتأكيد انتمائها الإسلامي، ومحاربة كلّ عوامل النّيل من الرّوح، التي تُحاهرُ وتُجاهد على إبقاء الصّلة وثيقة بين الأصول والفروع؛ لتظلّ الرّوح الإسلاميّة سارية في عروق أبناء الإسلام. فكان كلّ ما يمسّ المقوّمات، أو ما يشكّك فيها محلّ معالجة.
من مجالات تناول الهويّة الدّعوة إلى التّمسّك بالدّين، والاحتفاء باللغة العربيّة، والالتفاف حول الوطن؛ تجسيدًا لشعار الحركة الإصلاحية في الجزائر: (الإسلام ديننا والعربيّة لغتنا والجزائر وطننا). والعناية بالتّاريخ؛ بصفته ذاكرةَ الأمّة، ومصدرَها في البناء الحضاري، والانطلاق نحو المستقبل ... هذه المقوّمات التي صنعت كيان الشّعب الجزائري عبّر عنها مفدي زكرياء بقوله:
نحن في هذه الجزائر، إخـ
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 144، 145. (1/246)
صفحة 234
ــوا ... نٌ، جراحاتنا الثّخينة حمرَا
لُحمةُ الضّاد، والعروبة، والتّا ... ريخ، والدّين: آي ربّك كبرَى (1)
1 - حقيقة الإسلام
مِمّا أولاه الشّعراء عناية كبيرة، وهم يحدّدون عناصر الهوية، بيانُ حقيقة الإسلام، الذي شوّهه المغرضون والأعداء، وأساء فهمه المنتمون إليه، فكانت النّتيجة فساد المجتمع، وميوعة قيمه. لم يغفلوا هذا الجانب الأساس. فكان صنيعهم داخلاً فيما يسمّيه المنظّرون ضبط المصطلحات، وتحديد المفهومات.
قال مفدي زكرياء:
والدّين علم وفضل واصطناع يد ... مكارم بثّها في الكون قرآنُ
وذي مَحجّتنا البيضاءُ ناصعةٌ: ... برٌّ وعدلٌ وإحسانٌ وأمانُ (2)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 283 ..
(2) - مفدي زكرياء، أمجادنا تتكلّم (ديوان شعر)، جمعه وحقّقه مصطفى بن الحاج بكير حمّودة، نشر مؤسّسة مفدي زكرياء، والوكالة الوطنيّة للاتّصال والنّشر والإشهار، الجزائر، 2003م، ص: 101. (1/247)
صفحة 235
قال محمد العيد:
واختصّ بالمنح العظام محمّدًا ... منهم فكان الخاتم المختارا
آتاه قرآنًا، يَحضُّ على الهدى ... ويفصّل الأحكام والأخبارا
وشريعة تعطي الحقوق سوية ... للنّاس، لا ميزًا ولا استئثارَا
شمسٌ من الأفق المقدّس أشرقت ... فارتدّ ليل العالمين نَهارَا
ومَحجّة بيضاءُ، من لم يعتصم ... بسوائها ضلّ السّلوك وجارَا
كم سار حزبُ الله فيها آمنًـ (1/248)
صفحة 236
ــــــــا ... يَهدي العباد، ويفتح الأمصارَا
حتّى انضوى المعمورُ تحت لوائه ... وغدا حِمًى للمسلمين ودارَا
هيهات يُخزى المسلمون ودينهم ... علم الخلود، يظلّل الأقطارَا (1)
وقال أيضًا: ...
الدّين إذعانٌ لربّ واحدٍ ... سبحانه هو غافر الآثام (2)
إنّ الدّين قيم ومبادئ محدّدة، تحمل مكارم الأخلاق، التي تهدي إلى السّلوك السّوّي، تنبعث من القرآن الكريم، والهدي النّبوي الشّريف، اللّذين يدعوان إلى إفراد الله بالعبودية. من يلتزم بهذا؟ هم حزب الله، وحزب الله هم المفلحون. فالتقيّدُ بالإسلام يوفّر السّعادة في الدّنيا والآخرة، أي هو الفلاح.
2 - العروبة والإسلام
قال مفدي زكرياء:
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 112، 113.
(2) - المصدر السّابق، ص: 215. (1/249)
صفحة 237
عهد العروبة ركن من عقيدتنا ... وللعروبة في أصلابنا رحم (1)
وقال:
وُهبنا العروبة جنسًا ودينا ... وإنّا بما وهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفًّا ... ويجمع شملاً رفعنا جبينا (2)
وقال:
يا نازلين كرامًا في ديارهمُ ... أرض الجزائر للأحرار أوطان
ويا عروبةُ من أمّ لنـ
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 303.
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 43. (1/250)
صفحة 238
ــــــــــــــــا وأبٍ ... هنا العروبة دوحات وأغصان
هنا الأصالة في صلبٍ وفي رحمٍ ... هنا القرارات تدبير ورجحان (1)
وقال صالح الخرفي:
لولا عرى الإسلام تجمع بيننا ... لولا العروبة لم نجد بشهيد (2)
وقال عيسى لحيلح:
تبقى العروبة ما صانت عقيدتها ... ما عاش حيّ، ومنه القلب مسلوب (3)
كشفت هذه النّماذج الشّعرية عن حقيقة العروبة، التي يؤمن بها الرّجل الأصيل، والشّاعر الملتزم، يعتنقانها ويصدران عنها في تفكيرهما وسلوكهما. إنّها العروبة التي تنطلق من العقيدة الإسلاميّة، وتحطّ فيها، وتتفيّأ ظلالها. أو بمعنى أوضح إنّ العروبة لا تعني في تصوّر الشّاعر الإسلامي سوى الإسلام.
لقد أحكم الشّعراء الصّلة بين العروبة والإسلام، وجعلوا سدا نسيجه الإسلام، ولحمته العروبة. فلم يفصلوا بينهما أبدًا في نظمهم؛ نتيجة تجذّر الإسلام في نفوسهم، وتغلغل العروبة في كيانهم، وتفاعلهما في دواخلهم، وفهمهم العميق
__________
(1) مفدي زكريّاء، أمجادنا تتكلّم، ص:184.-
(2) - صالح الخرفي، أنت ليلاي (ديوان شعر)، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1974م، ص: 170.
(3) - وشم على زند قرشي، ص: 32. (1/251)
صفحة 239
لدلالاتهما. من هذا المنطلق والمفهوم والمعتقد تناول الشّعراء موضوع العروبة، وقاموا برسالة تصحيحية للأفكار المنحرفة في هذا الفضاء المفتوح على التّأويلات والممارسات، التي أضرّت بالأصالة والوحدة بخاصّة.
يلاحظ القارئ المتأنّي للشّعر الجزائري، وبخاصّة ما قيل في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، كيف كان تعلّق الجزائريّين بالشّرق كثيرًا: الحديث عنه، مناجاته، محاورته، استمداد أسباب النّهوض منه، استرفاده في تطوير حياتهم، عتابه أحيانًا حين يقصّر في حقّ الجزائر ... كلّ هذا ناتج عن الحسّ الإسلامي الذي يسكن قلوبهم، ويحرّك وجدانهم، ويدفع بهم إلى تمثّله في حياتهم. فأصبحت كلمة الشّرق تعني عندهم الإسلام، الأصالة، العروبة، الجذور ... قال محمّد الصّالح رمضان:
لقد قال قوم: قد مسخنا فرنجة ... وصرنا بمنأى عن بني الشّرق، مبهم
فما نحن إلاّ من سلالة يعرب ... وللشّرق نعزى، لا لغرب مهدّم (1)
قال مفدي زكرياء يؤكّد هذه الحقيقة، سنة 1955م، وهو يتحدّث عن المغرب العربي:
به قلب العروبة مستقـ
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 202. (1/252)
صفحة 240
ــــــــــــــــــلّ ... إلى وطن العروبة ذاب شوقا
فدام على عروبته وفيًّا ... يراعي عهدها خُلُقًا وَخَلْقا
وولّى وجهه للشّرق، لَمَّا ... تطلّع، يبتغي للعزّ أُفقا
فلم ينس العروبة، وهو حرّ ... وما نسي العروبة، وهو يشقى
بلاد المغرب العربي (شرق) ... وكانت قبلة العربي شرقا
رسول الشّرق، قل للشّرق إنـ (1/253)
صفحة 241
ــــّا ... على عهد العروبة، سوف نبقى
وأنّا في الجزائر خير شعبٍ ... عروبته، مدى الأجيال وثقى (1)
إنّ الشّاعر نفسه " يرى أنّ المغرب بأقطاره وطن واحدٌ، عربي الوجهة، شرقي الانتماء. ممّا يؤكّد على هوية الجزائر العربيّة الإسلاميّة. يبرز الشّاعر هذا حين يقرن الجزائر ويربطها بإحكام بمن يجاورها سكنًا، ويشاركها انتماءً " ... انتماء يضمّ العروبة إلى الإسلام، ويجعل الإسلام يحوي العروبة." (2) قال الشّاعر نفسه:
كفر الألى قالوا: (الشّمال ثلاثة) ... ودعوا إلى إذلاله بالنّار
نصبوا العصيّ على الحدود سفاهةً ... وسعوا إلى توزيعه لضرار
المغرب العربي شعب
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 121 – 123. القصيدة التي منها هذه الأبيات عنوانها: " على عهد العروبة سوف تبقى".
(2) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " الهوية في شعر مفدي زكرياء"، مجلة الحياة، معهد الحياة وجمعية التّراث، القرارة، الجزائر، عدد: 12، رمضان 1429هـ/ أكتوبر 2008م، ص: 229. (1/254)
صفحة 242
واحدٌ ... ملء العروق دم العروبة جاري
للشّرق، لا للغرب ولّى وجهه ... فغدا له سندًا لخوض غمار (1)
يبقى الشّرق هو الرّمز الذي يمثّل الأصالة والوجهة الحقيقية عند الشّاعر الجزائري الملتزم بالخطّ الإسلامي. في هذه الأبيات يضيف الشّاعر: إنّ هذا الانتماء إلى الشّرق، والتّوجّه إلى قبلته، يعين على الثّبات في ميدان المعركة من أجل استرجاع الحريّة. نفهم هذا حين نتذكّر أنّ القصيدة قيلت سنة 1955م، وحرب التّحرير الجزائريّة في بدايتها. بإمكاناتها المادية البسيطة، هي في حاجة إلى دعم معنوي كبير؛ لمواجهة شراسة الاحتلال الفرنسي الغاشم.
في سياق آخر، وفي أتون معارك التّحرير، لا تفارق الشّاعر فكرة الارتباط بالشّرق، والاستنجاد به. قال في السّجن سنة 1956م:
جيش، إلى النّصر يحدوهم ملائكة ... مسوّمون، بموج الموت يندفق
وجبهة، بسديد الرّأي
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 118. في اللّوحة الفنّية تأثّر بالقرآن الكريم. فالشّاعر قال: كفر الألى، قالوا: الشّمال ثلاثة. والله تبارك وتعالى يقول: {لَقَدْ كَفَرَ الذينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مٍنْ إِلَهٍ إِلاَّ إلَهٌ وَاحِدٌ .. } سورة المائدة، الآية: 73. ينظر تعليقنا على أبيات الشّاعر كتابنا: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 243. (1/255)
صفحة 243
تسنده ... كلّ المعاميد فيها، مِدرهٌ لبقُ
وفتية، هرعوا للشّرق، يعضدهم ... إن يَصعقوا، فكأنّ الكون ينصعق (1)
حين نُحضر الأجواء التي عاشها الشّاعر الجزائري، التي كانت ملوّثة بفيروسات التّنكيل بالأصالة، نعي جيّدًا دلالة الرّمز (الشّرق) في الشّعر الجزائري، ونفهم لماذا كثر استعماله في التّعبير والتّصوير، والتّبشير والتّحذير ...
يرى الشّاعر أنّ منبع العروبة هو الشّرق، فماذا جاء به الشّرق؟ جاء بشمس الإسلام، جاء بالمقوّمات التي تبلور كيان المسلم، من لغة وتاريخ وعادات مصبوغة بالصّبغة الإسلاميّة، جاء بالفتوح التي فتحت على بلاد المغرب بأنواع السّعادة والهناء والاستقرار، التي فقدها حقبًا كثيرة في تاريخه، وقد عاش صراعات كثيرة ومتعدّدة مع مختلف الأقوام الذين غزوه في دياره ... اليوم وقد عاد المكر السّيّئ يحيق به، والسّلب الدّنئ ينال أرضه ومقوّماته، يكون المنجد معنى وحسًّا هو الشّرق.
كما أنّ الشّرق يحمل دلالة خاصّة، فالشّمس التي تحيي الأرض والعباد، تبزغ من الشّرق، والمسلم يولّي وجهه، ويستقبل ربّه في عبادته وصلاته، وهو متوجّه نحو القبلة (بالنّسبة لرجل المغرب تأتيه في الشّرق) ... كلّ هذه الدّلالات تبيّن الرّوح الإسلاميّة التي تحملها نفس الشّاعر الجزائري، وهو يتناول العروبة مربوطة إلى لفظة الشّرق. هذا هو التّصوّر الإسلامي لما يعرض، أو ما يتناول.
الشّاعر الجزائري الملتزم بالخطّ الإسلامي لا يفرّق أبدًا بين العروبة والإسلام، فهو يتناولهما بمفهوم واحد، وكثيرًا ما يرادف بينهما في القصيدة الواحدة. فطرته واحتدام مشاعره، هما اللّذان يوحيان له بالكلمة التي ينطق بها ويعبّر، وهو بذلك يخدم رسالته، التي تدفعه إلى تقديم المفهوم الحقيقي لدلالة الكلمات والمفهومات
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 27. (1/256)
صفحة 244
والمصطلحات، فاللّغة كلمات، تحمل رموزًا، وتنتج إيحاءات، وتفرز ظلالا، فمن يستعملها يجب أن يجيد الاختيار، ويتقن الاستعمال، ويحسن الاستخدام، ويحذق التّوظيف، ويعي رسالته في التّناول والتّوجيه. نضرب أمثلة بالشّاعر مفدي زكرياء.
نحن روح مزاجه الضّاد والدْ ... دِينِ، فلن يستطيعَ قطّ انحلالا
قوم على الولاء خلقنا ... يشهد الدّهر ذكرنا والفعالا
نحن شعبٌ على الزّمان عزيز ... عربيّ، كالنّيّرين اشتعالا
عشتم للشّمال والشّرق والفصـ ... ـحَى، وقضيتم الحياة نضالا
أيّها الشّعب والجزائر تشكـ (1/257)
صفحة 245
ــــــــــو ... في ثنايا الضّلوع داءً عضالا
وتنادي بني العروبة (وامعـ ... ـتصماه) قد أحكموا الاغتيالا
إنّ شعبًا على العروبة والإسـ ... ـلام قد شبَّ، لا يطيق فصالا
إنّ جنسًا مقدّسًا عربيًّا ... ليس يرضى أن يستحيل خيالاً (1)
في هذه الأبيات ملاحظتان بارزتان:
__________
(1) - مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 212. هذه الأبيات من قصيدة، عنوانها: " صوت الجزائر بردة الوطنيّة الجزائريّة "، نشرتها جريدة الشّباب التّونسية في عدديها: (5/ 3/ 1937م) و (7/ 4/ 1937م) وقدّم لها الكاتب والشّاعر التّونسي " بيرم التّونسي"، صاحب الجريدة بقوله: "إيه أيّتها الشّقيقة العزيزة، لقد بعد عهدك بالعربيّة حتّى كانت تنكرك، وتلهف النّاطقون بالضّاد على سماع صوتك بينهم. فها أنت تنجبين شاعرك الفرد مفدي زكرياء، يصوّر لنا ملامحك، ويقرّب إلى قلوبنا شخصك، وما خفي من شؤونك، وشجونك. و" الشّباب " ينشر مزهوًّا قصيدة مفدي زكرياء، التي خصّه بها دون الصّحف العربيّة، ويهنّئ الجزائر بشاعرها الفرد ". (1/258)
صفحة 246
أ - حدّد الشّاعر هويّة الشّعب الجزائري، بقوله: (نحن، نحن، إنّ، إنّ، شعبٌ، شعبًا، جنسًا، روح ... ) هذا الشّعب مسلم عربي، لا يمكن أن يُعَرَّفَ ويُعْرَفَ إلاّ بعملة واحدة لها وجهان: الإسلام والعروبة. امتزج الضّاد، الذي يُمثّل العروبة بالدّين، الذي يمثّل الإسلام. شبّ عليهما هذا الشّعب، فلا يطيق عنهما انفصالا، ولا يمكن للرّوح التي جمعتهما أن تنحلّ عنهما، أو عن أحدهما.
ب – الارتباط بالشّرق واللّجوء إليه ظاهرة بارزه في سلوك الشّعراء الجزائريّين ونظمهم، حين يتعلّق الأمر بالحديث عن الأصالة، والشّكوى من الاعتداء عليها، وطلب النّجدة والغوث ... الجزائر تنادي بني العروبة قاطبة، وفي مقدّمة هؤلاء أهل الشّرق. الشّاعر دعا الجميع أن يعيشوا للشّرق والفصحى وشمال إفريقيا.
يؤكّد الشّاعر هذه الحقيقة في موضع آخر، وفي ظروف أخرى، وفي بقعة أخرى، فمن السّجن، يرسل شعره ليثبت أنّ العروبة في الجزائر باقية، وأنّها بروح الإسلام ممتزجة. قالها وهو حرٌّ طليق، ونادى بها وهو مقيّد قابع في السّجن ... ممّا يرسّخ في الأذهان أنّ اختلاف الظّروف لا يغيّر في القضية شيئًا؛ لأنّ الأمر يتعلّق بمعتقد راسخ في القلوب، وفكرة ثابتة في الأذهان، وفطرة لا يمكن تجاوزها. قال عن وطنه الجزائر سنة 1956م:
أحبّها مثل جبّ الله، أعبدها ... آمنت بالله، لا كفرٌ ولا نزق
أرض الجزائر في إفريقيا قـ (1/259)
صفحة 247
ــــــــــدسٌ ... رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلب العروبة، لم يعصف بنخوتها ... عسفٌ، ولا نال من إيمانها رهقُ (1)
إنّ كلّ ما صنعه المحتلّ الغاصب لم ينل من عروبة الجزائر، بل زادها ذلك تحدّيًا وثباتًا، فبقيت صامدة، محافظة على أصالتها ونخوتها وهويّتها؛ لأنّها تدثّرت واحتمت بالإيمان والعروبة، فهي أرض مقدّسة، استمدّت رحابها من رحاب حنّة الخلد. فلن ينال منها، ولن يعصف بها.
استغلّ الشّاعر مناسبة إقامة مدرسة الإخاء بمدينة بسكرة (تقع في الشّرق الجزائري) احتفالا، فأشاد بنشاطها وعملها الكبير في التّربية والتّعليم ... قدّم ذلك مازجًا بين العروبة والإسلام، ليبيّن للنّاشئة بخاصّة أنّ التّنشئة يجب أن تكون بهذا الأسلوب، وبهذا المفهوم. كما وجّه إرشادًا إلى القائمين على عمليّة التّربية والإعداد، أن لا يخرجوا عن هذا الإطار في عملهم. وهو رسالة إلى كلّ من يتنكّب الجادّة، فيفصل بين العروبة والإسلام. هذه مسؤولية الأديب المسلم، وهو ما يدفع إليه التّصوّر الإسلامي. قال سنة 1931م، تحت عنوان: " قف للعروبة حيّها ببسكرة":
كذا يطيب الجنَى، ولتشدُ ألحانُ ... وليصغِ آثارنا في التّرب قحطان
بنخوة في عروقٍ، ملؤها شَممٌ ... وعزّةٍ في دمٍ، يذكيه إيمـ
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 26. (1/260)
صفحة 248
ـــــــــــــــــــــــــان
وأنفسٍ عربيّاتٍ مقدّسة ... دانت لها قبلُ أعراش وتيجان
قوم أعالون، أمجاد جحاجحة ... كانوا هم الرّوحَ، والإسلام جُثمانُ
قوم هم العرب الأمجاد، لا عجبٌ ... أن ندّعي صَيَدًا، والدّمع هتّانُ
قف للعروبة، حيّها ببسكرة ... وارقص لها طربًا، والقلب ولهان
لله مدرسةٌ، تزهو بنابِتة ... كأنّها في رحاب الخلد بستانُ
من كلّ أبلجَ، يزهو تائهًا (1/261)
صفحة 249
فرحًا ... بنخوة بثّها في العربِ عدنانُ (1)
مزج الشّاعر مزجًا محكمًا بين الكلمات، التي تفصح بشكلها عن العروبة: (قحطان، عدنان، عربيات، العرب، العروبة) والكلمات التي تشكّل بمظهرها الإسلام: (إيمان، الإسلام، لله، رحاب الخلد). لكنّهما في الحقيقة شيء واحد، هو هذا المفهوم الذي يجعل العروبة والإسلام جسدًا واحدًا. والشّاعر بفطرته، وبانسياب مشاعره، زاوج بين الكلمتين، وبادل الأدوار بينهما في التّعبير والتّصوير، وربط بينهما ربطًا متينًا. هذه الصّياغة وهذا التّقديم لهما دلالتهما وقيمتهما، حين نعلم أنّ المقام والفضاء هو مجال التّربية والتّوجيه والإرشاد والإعداد، إذ يكون للشّكل أثره في المضمون، وبذلك يؤدّي الأديب الواعي رسالته أحسن أداء، وهي مهمّة الفنّان الملتزم.
إنّ تناول الشّاعر مفدي زكرياء، وغيره من الشّعراء الجزائريّين ألفاظَ: العروبة والإسلام والشّرق بهذه الطّريقة، يبيّن وعيهم الكبير لعمليّة التّعامل مع الكلمة، ويكشف عن الفكر الأصيل الذي يحمله هؤلاء الذين صنعوا هذه اللّوحات الفنيّة، ويبرز الدّور الكبير المنوط بالكلمة الشّاعرة المسؤولة. (2)
3 - اللّغة العربية
من مقوّمات الهوية، ومن مظاهر الشّخصيّة، ومن ركائز العروبة والإسلام اللّغةُ العربيّة. فهي الوعاء الذي يحمل الفكر الإسلامي، ويحفظه وينقله. وهي مظهر العروبة. من هنا كان اهتمام الشّعراء بها كثيرًا وكبيرًا وخاصًّا. اهتمّوا بها مفردات
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 97، 98، 99.
(2) - ينظر كتابنا: " الشّعر والهوية القومية " والنّتائج التي سجّلناها عن إسهام الشّعر الجزائري في بلورة مفهوم القومية، وتعديد مظاهرها، التي من أبرزها مفهوم العروبة، ص: 58 – 62. (1/262)
صفحة 250
وتراكيب وصيغًا وأساليب، واقتباسات من المصادر الصّحيحة والقويّة، كالقرآن الكريم والحديث الشّريف والأدب العربي الأصيل ...
كما اعتنوا بها: دفاعًا عنها، وحماية لها من الاعتداءات المتكرّرة عليها. ورعوها: دعوة إلى إتقانها والتّمرّس عليها، واستعمالها في الحياة العامّة ... كلّ ذلك يدخل في إطار الرّسالة التي تحمّلوها؛ بدافع الالتزام بالخطّ الذي يربطهم بأصولهم ومبادئهم. وقد انطلقوا في هذا السّبيل من التّصوّر الإسلامي في التّفكير والتّحرّك.
كثيرًا ما يستغلّ الشّعراءُ مناسبات مخاطبة العظماءِ للحديث عن اللّغة العربيّة، تنويهًا بالأدوار التي قاموا بها، وتذكيرًا للأجيال بمسؤوليتها نحو هذه اللّغة .. وهي في كلّ الحالات رسالة يقوم بها الشّاعر نحو أمّته ووطنه وأصوله.
قال الدّكتور محمد ناصر سنة 1987م مخاطبًا شيخه الإمام إبراهيم بيّوض، في ذكرى وفاته السّادسة، مثنيًا عليه احتفاءَه بالضّاد: إتقانًا له، وتلقينًا لأبنائه، ودفاعًا عنه، وحماية له. هذه الأفكار والمشاعر التي ضمّها الشّاعر هذا الخطاب هي نُقُولٌ لما يحمله من هوى، وما يتبنّاه من رؤى نحو اللّغة العربيّة. وما يثقل قلبه ويوجعه، ممّا تتعرّض له هذه اللّغة، من أخطاء وأخطار في حقّها. هذا هو سلوك الفنّان الملتزم، وهذه هي اهتمامات الشّاعر المسلم. قال الشّاعر تحت عنوان: " المجد أنت مجاهدًا وموسّدًا "، وكان من جهاده العناية باللّغة العربيّة:
روّيتنا آي البيان من الكتاب، فشبَّ في واحاتنا البلغاءُ
فهم النّخيل أصالةً وتفتّحًا، وهم الغدير، تُحبّه الصّحراءُ
الحرف حنّ في فصحاكَ "حاءٌ " قد ترعرع في حشاي (1/263)
صفحة 251
و"باء "
وغرست في أحشائنا حبّ الفصيح، فما لنا بدل الفصيح حُداءُ
والضّاد في أحشائنا نورٌ من القرآن، شعّ فأورقت أحشاءُ
لم تغرنا باريس "بالشّقراء" تسبي عاشقيها في الحديث " الغاءُ "
أو ينسِنا الفصحى لسانُ جدودنا، وهم هوَوا حرف الكتاب وشاؤوا
رفعوه في رأس البلاد مآذنًا، هزّت قلوب المسلمين فَجاؤوا
وحموه من سيف الدّخيل، وللدّخيل شراسة في حقده عمياءُ
فهم لهم الأنصارُ، إن عزّ الفدا شرفوا به، الأمواتُ والأحياءُ (1)
ما لقّنه الشّيخ بيّوض أبناءَه هو لغة فصحى، مستمدّة من القرآن الكريم، تغلغلت في الأحشاء فأورقت، وسكنت القلوب فاستنارت، ربط بينها والأبناء حبّ دافئ عميق، فأحدث فيهم غرامًا بها وعشقًا، سدّ الطّريق أمام كلّ لغة أخرى، تزحف لتستأثر بالهوى والهيام، فتسبي العقول والقلوب، سواء كانت لغة باريس تتمايل، وهي
__________
(1) - في رحاب الله، ص: 42. (1/264)
صفحة 252
الشّقراء، تزحف بِـ (غائها)، أم كانت لغة الأجداد، أي اللّغة الأمازيغية التي هي لغة الشّاعر محمد ناصر. فمكان اللّغة العربيّة في القلب لا يقلع، ومقامها في النّفس لا ينزع. يكفي أنّها (نور من القرآن، وحرف الكتاب، ومن آي البيان من الكتاب ... ) فما دامت مرتبطة بالقرآن فهي الجديرة بالتّقدير والاحتفاء والرّعاية.
لذَا رفع الآباء الحرف العربي فوق رؤوسهم مآذنَ، واعتنوا به وبشّروا؛ فهزّوا به قلوب المسلمين. ومنهم شيخه الإمام بيّوض. وهو ما يجب أن يفعله الغيورون على دينهم ولغتهم، ويقوم به كلّ فرد مؤمن بمقوّماته الإسلاميّة، وقيمه الأصيلة.
قال الشّاعر نفسه يخاطب أستاذه الشّيخ عدّون بن بالحاج (سعيد شريفي) (1321– 1425هـ / 1902 – 2004م):
الضّاد عهدك، كم نشرت له المدارس للشّبيبة، تحمل الفصحى قضيّه
وقوافل الأجيال، كم وردت بحوضك تنهل الفصحى كؤوسًا أحمديه
الضّاد في لهواتهم، والبربرية في لبان الأمّهات لهم سجيّه (1)
أشاد الشّاعر بشيخه؛ لأنّه قضى حياته في خدمة اللّغة العربيّة، وسخّر الوسائل الكفيلة بتنشئة الأجيال على إتقانها وعشقها وحبّها. أثنى عليه؛ لأنّه اتّخذ الفصحى عهدًا، وحملها قضيّة. مدحه لأنّه نشّأ الشّبيبة على حذق اللّغة التي تخدم الإسلام، فهي تشرب كؤوسًا أحمدية. أليس في هذا التّناول تبرز الرّوح الإسلاميّة؟ أليس في هذه اللّفتات يكمن التّصوّر الإسلامي؟
__________
(1) - مجلّة الحياة (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر، عدد: 8، رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004م، ص: 243. (1/265)
صفحة 253
قال عبد الكريم العقون (ت 1956م) مخاطبًا أمير البيان شكيب أرسلان في ذكرى وفاته سنة 1949م. مذّكرَه بدوره في خدمة لغة الضّاد. والخطاب موجّه إلى الأحياء، أكثر ممّا هو يعني الفقيد، الذي ذهب إلى ربّه قرير العين، وقد أدّى ما عليه نحو لغة القرآن والبيان، فالدّور على من بقي حيًّا:
فوا رحمتا للعرب، تبكي فقيدها ... "شكيبًا " لها دمع مدى الدّهر هتّان
خلقت لدين الله والضّاد حارسًا ... فأنت لعمر الله, للمجد عنوان
تجاهد للفصحى جهادًا، يزينه ... مضاءٌ وإقدامٌ وعزم وإيمان
ثمانون عامًا، في الكفاح قضيتها ... ذيادًا عن الفصحى، به الغرب حيران
فيا علمًا قد كان في الشّرق خافقًا ... به يحتمي حقّ مهانٌ وأوطان
عزيز علينا أن تغيب، (1/266)
صفحة 254
وينطوي ... كتاب به فضل، ودين وعرفان (1)
لم يكن البكاءُ في هذه اللّوحة سوى على القيم، التي فقدت حاملها وحاميها، ولم يكن الأسف إلاّ خوفًا على اللّغة العربيّة ألاّ تظفر بمن يقوم عليها. اللّغة المرتبطة بالدّين والوطن والأصول. وليست هذه الإيماءات والنّفثات سوى دعوات إلى المعاهدة على البقاء على الوفاء بعهد الأمير شكيب أرسلان. فاللّغة العربيّة في حاجة إلى جهاد وكفاح ودفاع، ومضاء وإقدام؛ للذّود عنها وحِمايتها. اللّغة، التي ما تفتأ تهان وتداس.
في افتتاح مؤتمر طلبة شمال إفريقيا بالجزائر سنة 1932م، قال مفدي زكرياء، مناشدًا الاهتمام باللّغة العربيّة، داعيًا إلى رعايتها:
بني الشّرق، هلاّ اليوم نظرة راحمِ ... إلى لغة، أمست رهينة أصفاد
إلى لغة تشكو عقوق رجالِها ... وقد أصبحت للغير كعبة قصّاد
ألا ترقبون الله فيها، فإنّها ... لسان كتابٍ، من هدي الله وقّاد
هي البلبل الصّدّاح من عهد آدمٍ ... على غصن ريّان، بالوحي ميّـ
__________
(1) - في رحاب المغرب العربي، ص: 208. (1/267)
صفحة 255
ــــــــــاد
هي المثل الأعلى وينبوع حكمة ... بها ضربت دون اللّغات بأسداد
فلا غرو إن أصبحْتُ صبًّا بِحبّها ... ولا بدعَ إن أصبحتُ بلبلها الشّادي
ولا غرو إن ملكت طوعًا رقابَها ... وصرّفت في تقليبها كفّ تنقاد
وسقتُ سفيني فوقَ لُجّة بَحرها ... وألقيتُ دلوي عندها مع ورّاد
وكلّلت من شعري جبين حياتِها ... وأرغمتُ من أبنائها أنف حُسّادي (1)
لسان كتاب الله، في حاجة إلى مراقبة الله فيها، ورفع عقوق الأبناء عنها. إنّها المثل في القوّة والمتانة والإحكام. هي حاملة الوحي، وينبوع الحكمة. لذا هي جديرة بالاهتمام والعناية. فالشّاعر يفتخر أنّه تمكّن من إتقانها، فصدح بها عاليًا في الآفاق والمنتديات، كما هو في هذا المحفل الذي جمع الطّلبة. ويعتزّ أنّه أندي جبين اللّغة بشعره، الذي كتبه بحروفها، وبجودة عالية. لسان حال الشّاعر يقول: هذه التّجربة أمامكم أيّها الطّلبة، فاستلهموها، وسوقوا سفنكم فوق لجج بحر اللّغة،
__________
(1) - مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 204. (1/268)
صفحة 256
وألقوا دلاءكم مع الدّلاء، كي تردوا من حياضها، وتسقوا بها زهراتكم، فتنمو وتتفتّح أكمامها، وترسل أريجًا مفيدًا، ينعش النّاس، كما أفعل أنا.
هذه هي رسالة الشّاعر الملتزم، الموفّي بعهده، الشّاعر بِمسؤوليّته نحو أحد مقوّمات شخصيّته. وهذا هو تفكيره وتدبيره اللّذان ينطلقان من الرّوح الإسلاميّة، التي تسكن جنبه، وتملأ حناياه، وتتململ بين طواياه. (1)
4 – التّاريخ
ركّز الشّعراء على الجانب التّاريخي لمحاربة ظاهرة الانفصال عن الأصول، والابتعاد عن المنابع، ولوقف نزيف التّشكيك في أصالة تاريخ الشّعب الجزائري. ولقطع الطّريق أمام كلّ من يبغي على هذا الشّعب، ويبغي له تلاشيًا وذوبانًا. ومن جهة أخرى كان الشّعراء يهدفون إلى وقف النّشء -بخاصة - على مكامن العبر في تاريخهم، ومواطن العظات فيما قدّمه الأسلاف والصّانعون للتّاريخ. هذا أيضًا واجب ديني حمله الشّعراءُ على كواهلهم، تحرّكوا له بروح إيمانيّة؛ بما يخدم رسالتهم.
نحا الشّعراء كثيرًا منحى التّوعية، واستنهاض الهمم، من خلال ذكر جوانب من التّاريخ التّليد، والمقارنة بينه وبين الحالة الرّاهنة التي يعيشها أبناء هذا التّاريخ. قال محمد العيد سنة 1935م
إنّ للعربِ في الحضارة قِدْمًـ
__________
(1) - عن وقفة الضّاد في وجه المستعمر في الجزائر، كما قدّمها الشّعراء، ينظر الدّكتور صالح الخرفي، شعر المقاومة الجزائريّة، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 265 – 272. (1/269)
صفحة 257
ــــــــا ... قَدَمًا للورى، عليها استناد
كم وعوا في الحجاز من قبل روما ... وأثينا من حكمة وأفادوا
وعت الأرضُ كلّ ما عادَ من عا ... دٍ عليها، وشادهُ شدّاد
وأضعنا الأثارَ، فامّحت الطّرْ ... قُ، وضلّت من بينها الرّوّادُ
أيّها المشرقون في ظلم التّا ... ريخ، هل عصركم علينا يعاد؟
ذابت الأنفس اشتياقًا لِمرآ ... كم، وحنّت الأكبـ (1/270)
صفحة 258
ــــــــــادُ
كلُّ ما شدتم على الأرض من مَجْـ ... ـدٍ تليد، أضاعهُ الأحفادُ (1)
الحزن على حاضر أبناء الإسلام واضح في هذه الأبيات، والحرص على استرجاع هذا المجد بارز فيها أيضًا، ودعوة الأخلاف إلى الوفاء لأمجاد الأسلاف بيّن في هذا النّصّ. لهذا عمد الشّاعر إلى الحثّ على أخذ العبر من الماضي التّليد، والنّداء إلى القيام، كما قام الآباء، فسجّلوا هذا المجد. بدليل ما ذكره قبل هذه الأبيات:
حرتُ في عزونا إلى العرب لولا ... فِكَرٌ خصبةٌ ولُسْنٌ حدادُ
ونفوس لنا تُهيبُ إلى المَجْـ ... ـدِ بنا، ما لها سواه مراد
ما يفتأ الشّاعر نفسه يكرّر أسفه على ما آل إليه حال المسلمين من الهوان والضّعف، بعد الأمجاد التي سجّلها من سبق من سالف الأمّة. يذكر ذلك مقارنًا ما قدّموه من آيات التّفوّق والتّميّز، بما أنجبه الغَرْبُ، الذي استهوى شباب الأمّة الإسلاميّة، وأغراهم وغَرَّرَ بهم ليسيروا في ركابه، بعيدين عن أصولهم. فقد أسكرهم بِمشروعاته، وطوّح بِهم بمؤامراته. والشّاعر بهذه اللّفتات يريد أن يستنهض الهمم، ويدفع بالأخلاف
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 119. (1/271)
صفحة 259
إلى الرّجوع إلى رشدهم، فيتمسّكوا بماضيهم وتاريخهم. أشار إلى الجزائرِ، وطنِ من يخاطبهم قائلاً:
لنا وطنٌ مثل الفراديس بهجة ... فكيف رضينا أن يداس وينهبَا؟
وكيف رضينا أن نعيش أذلّةً ... ضعافًا يرانا الغير أحقر من هبَا
حيارى كقطعان جفتها رعاتُها ... فأغرت بها خصمين: ذئبًا وثعلبَا
ألسنا من الأجناس أفصحهم فمًا ... وأسْمحهم دينًا، وأصلحهم أبا؟
بنا درّت الدّنيا عليهم بِخيرها ... وأخصبَ منها كلّ ما كان أجدبَا
ولدنا وأنجبنا، ففزنا عليهمُ ... ومن ولد الصِّيدَ المناجيد أَنْجبَا
فهل أنجبوا فيها عليًّا، (1/272)
صفحة 260
وخالدًا، ... وعمْرًا، ومعنًا، وابن قيس، ومصعبَا؟
وهل أنجبوا مثل الغزاليِّ باحثًا ... ومثل ابن خلدون خبيرًا مدرّبَا؟
وهل أنجبوا مثل ابن حيّان جابرًا ... وهل جرّبوا من قبلُ ما كان جرَّبَا؟
وهل نشروا في الكون عدلاً ورحمةً ... كأجدادنا، أم صيّروه مُخَرّبَا؟
يقاسي من الأرزاء شرًّا منظّما ... ويلقى من الأهواء ظلمًا مرتّبا (1)
أسئلة فيها تقريع وتقرير وتنبيه، الهدف من ذلك هو تسجيل المآثر، وإيقاظ الضّمائر، ودفع الجرائر، عن وطن الجزائر، ثمّ بقية الأوطان الإسلاميّة. هذه الإيماءات، وهذه الوخزات داخلة في إطار التّوعية التّاريخيّة، التي قام بها الشّعر الجزائري لوقف الهجوم المنظّم والمبيّت على الشّخصيّة الإسلاميّة، بدايتها الالتفات إلى الماضي، التفاتَ تذكير واعتبار، لتُبنَى عليه الدّعوة إلى التّخلّصِ من التّبعية إلى غير الثّقافة والفكر الإسلاميين. (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 195.
(2) - ينظر مزيدًا من التّفصيل في الموضوع الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، ص: 95 - 133. (1/273)
صفحة 261
لا يغفل محمد العيد عن التّاريخ الإسلامي، فيذكّر الأبناء ببعض الأسماء التي عرفت في التّاريخ بتميّزها. هذه المرّة يشير إلى بعض الأعاجم الذين آمنوا وحسن إسلامهم، فشرفوا بالإسلام، وهم أيضًا قاموا بواجبهم في خدمة الدّعوة الإسلاميّة. قال هذا في سياق خطابه إلى من يسمّى (بِنْوَا)، وهو فرنسي الجنسيّة، اعتنق الإسلام، بعد أن اقتنع به. وأصبح اسمه (عليّ سليمان):
إنّي أراك علوت قومك رتبة ... و (سلمت) من شركٍ، ومن إجرام
فالْحَقْ بِـ (إتيان) و (جونسو) رفعةً ... وكرامةً، واخلد على الأيّام (1)
هذا هدى، من قام مضطلعًا ... أمَّ الرِّجال، وشمَّ كالأعلام
(سلمان) فاق الفرس أجْمعهم به ... و (صهيب) فاز به على الأروام
وبلال ساد به على الأحباش، ما ... دوّى الأذانُ بمطرب الأنغـ
__________
(1) - هما الفرنسيان اللّذان دخلا في الإسلام، نصر الدّين إتيان ديني، وعبد الكريم جونسو. (1/274)
صفحة 262
ـام
(بِنْوَا) بنو الإسلام من أقطارهم ... حيَّوك بالتّرحيب والإعظام
أنت الفرنسيّ الحنيفُ، فمرحبًا ... بكَ من شقيقٍ، واجب الإكرام (1)
تسجيل هذا الحدث المهمّ، والإشارات التي ركّز عليها الشّاعر، تفصح عن الغرض، وهو الإشادة بالإسلام، وبفضله في الارتفاع والارتقاء بمن يعتنقه ويتبنّاه. كما أنّ فيه تطمينَ المسلم الجديد، بأنّه سيسعد بالإسلام، فما عليه إلاّ أن يثبت، ولا يتأثّر بالمضايقات التي بتعرّض لها من أقربائه، ومِمّن لا يرضى له هذه الوجهة الجديدة. فأمامك من الأعاجم أمثالك، من أسلموا وحسن إسلامهم، ووجدوا مكانتهم في المجتمع الإسلامي. وقد قدّموا جهودًا كبيرة وتضحيات جسامًا للدّعوة الإسلاميّة، اتّخذهم مَثَلَكَ وقدوتك. كما أنّ في هذا التّناول إيماءة لطيفة مبطّنة إلى بقية أبناء الإسلام، أن يُفيدوا من هذه الإشارات التّاريخية، فيثبتوا على دينهم، كما ثبت أولئك، ويقوموا بواجبهم كما قاموا. وقد أشار الشّاعر في القصيدة إلى (بنْوَا عليّ سليمان) أن ينهض ويشمّر لنصرة الإسلام وحمايته من الأعداء.
يضيف مفدي زكرياء جانبًا آخر من عظمة الأمّة الإسلاميّة، وهو جانب القوّة والصّلابة، والتّأثير في التّاريخ. سجّل هذا وهو يدعو قومه من أبناء الجزائر أن يضاعفوا جهودهم لاسترجاع حريتهم من الغاصب المحتلّ. ففي ماضي آبائهم آيات من البطولة والقوّة والبسالة، التي قلبوا بها وجه التّاريخ لصالحهم. فليتّخذوهم إسوة. في الوقت نفسه ينذر المساومين والمستهترين بحرية الجزائريّين؛ غزاة
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 214، 215. (1/275)
صفحة 263
ومتخاذلين في القضيّة من شعوب العالم. في كلّ هذا كان التّاريخ هو المصدر، وهو المَعين. قال الشّاعر:
وإنّا أمّة وسط، نصافي ... مودّتنا الألى، قالوا صوابَا
وإنّا أمّة للمجد قامت ... على الأشلاء، وامتلأت شبابَا
وعن أصلابنا قِدمًا ورثنا ... دمًا حرًّا، وأضلاعًا صِلابَا
نزلنا من معاقلنا صقورًا ... وصلنا في الوغى، أُسدًا غضابَا
وفي استقلالنا متنا كرامًا ... وبلّغنا الرّسالة من تغابى
وقلّبنا من التّاريخ (1/276)
صفحة 264
وجهًا ... وجدّدنا لهيكله إهابَا (1)
إنّ الهدف من هذه الإشارات التّاريخية هو تذكير النّاكرين والجاحدين والمستهزئين بالشّخصيّة الوطنيّة، والمساومين في الأصالة، بما يبدونه، من إنكار حقيقتها، وعدم الاعتراف بقوّتها وقيمتها، بدليل أنّ الشّاعر أنهى القصيدة بإنذار المستعمر أنّ القوّة التي استمددناها من تاريخنا، ستكون المدد في إبعادكم عن حمانا، والنّأي بكم عن المساس بشخصيّتنا:
وجئنا بالخوارق معجزات ... فلم نترك لناكرنا ارتيابَا
وخضناها (ثلاث سنين) دأبًا ... فأصبحنا من التّحرير قابَا
فلا نرضى مساومة وغبنًا ... ولا نرضى لسلطتنا اقتضابَا
ولن نرضى شريكًا في حِمانا ... ولو قسمت لنا الدّنيا منابَا (2)
قال الشّاعر هذه الأبيات ضمن قصيدة، عنوانها: " قال الله " سنة 1957م، مخلّدا الذّكرى الثّالثة لثورة التّحرير الجزائريّة، ومسجّلا انتصارات الثّوّار على الجيش الفرنسي، المدجّج بالعتاد الحربي المتطوّر، والمساند من الجهات المعادية
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 40، 41.
(2) - المصدر السّابق، ص: 41. (1/277)
صفحة 265
للجزائر، وللكيان الإسلامي والعربي." فربط الشّاعر ظفر الأخلاف بانتصارات الأسلاف. وفي هذا التّناول ربط الأجيال بالتّاريخ وبالأصول ... هذه الإيماءات من شأنها تقوية الرّوح القوميّة في النّفوس، وتركيز حقيقة الهوية في الأذهان. وهي التي تجعل الشّخص – إذا وعاها حقّ الوعي – واقفًا سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يحاول تشكيكه في هويته، وتبقيه دائمًا معتزًّا بشخصيّته، مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقًا بأرومته مهما يكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده." (1)
حين تكون الرّسالة واضحة، ويظلّ الضّمير يقظًا، وتبقى الغيرة على الشّخصيّة الأصيلة مستأثرة بالنّفوس، تصبح المناسبات كلّها صالحة ومهيّأة وموجّهة لاسترفاد التّاريخ واستثارته؛ لبعث النّخوة والهمّة في الكلّ للارتباط به، وتوظيفه في النّهوض والقيام بالواجب نحو الدّين والوطن والمقوّمات. يستغلّ أحمد سحنون حلول شهر محرّم، وهو بداية عام جديد في حياة المسلمين، فيستنهض همم شباب القرآن، ويستثير عواطف شبيبة طه، ويحرّك مشاعر فتية الضّاد؛ ليرجع إلى جادّة الطّريق، ويعمل على تحرير نفسه من براثن الشّهوات، وفكّ أسره من نير الاستعمار.
فهذا التّاريخ أمامك - أيّها النّشء- وهذا سجّل سيرة طه الرّسول - عليه السلام - مفتوح لك، وهذه ذكرى الهجرة تحلّ عليك تذكّرك وتعظك وترشدك. يقول الشّاعر:
يا فتية الضّاد، هذا ... شهر المحرّم حيَّا
شهر تألّق
__________
(1) - محمد ناصر بوحجام، " الهوية في شعر مفدي زكرياء"، مجلّة الحياة، ع: 12، ص: 236. (1/278)
صفحة 266
فيه ... تاريخنا عبقريَّا
يبدو به كلّ عام ... كغرّة في مُحيَّا
عودوا إليه ففيه ... ما يستفزّ الخليَّا
عودوا إليه ففيه ... ما يَخلق الوطنيَّا
فيا شبيبة طه ... وجنده المفديَّا
ومن بذكراه أضحى ... رغم العوادي حفيَّا
محمّد ليس يرضى ... بأن تعيش شقيَّا
وإن قنعتَ بدونٍ ... يكون منك بريَّا
إن لم تكن مثل طـ (1/279)
صفحة 267
ـــــه ... فلست في طه شيَّا
تبني كما كان يبني ... مجدًا يطول الثُّريَّا
إلى الأمام لتقصي ... عن الحمى الأجنبيَّا
عار على جند طه ... أن لا يكون قويَّا (1)
نسبة الشّباب إلى الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، وإلى الضّادِ، اللّسانِ العربي، وربطهم بوطنهم، يدلّ على قصد الشّاعر إلى استثارتهم للارتباط بأصولِهم، والعمل على تصحيح كلّ ما يخدش هذه الصّلة. كما يدلّ أيضًا أنّ استلهام هذا التّاريخ يبعث الهمّة والثّقة في الفتية؛ كي تتحرّك لاسترجاع ما سلب منها، ودفع ما يخدش أصالتها. مضمون الأبيات الثّلاثة الأخيرة يؤكّد هذا.
إنّ الشّعراء حاولوا أن يربطوا الأجيال المتعاقبة بماضيها، وأن يحيوا المناسبات التّاريخية لاستلهام التّاريخ في بعث النّخوة في الشّباب. وأشادوا ببطولات بعض الرّجال الأفذاذ الخالدين ليزرعوا في النّفوس القيم والشّمائل التي تدفع إلى ميادين
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 116. (1/280)
صفحة 268
الكفاح والعمل بقوّة وثقة. وذكّروا بالمواقف ليختصروا الطّريق أمام الشّباب في الجهاد والنّضال ... على العموم عمل الشّعراء على أن يوجدوا اللّحمة بين الأجيال وماضيها، وأن يرجعوا بالشّخصيّة إلى جذورها، وهي جذور تتعمّق في تربة الإسلام والعروبة.
إنّ الشّخصية الوطنيّة، التي هي انعكاس للشّخصيّة الإسلاميّة، جسّدها الشّعراء في أشعارهم، منطلقين من أبعادها الثّلاثة: الإسلام والعروبة والتّاريخ. الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنيّة والقوميّة. (1) جسّد مفدي زكرياء هذا بقوله:
نَحن في هذه الجزائر إخوا ... ن، جراحاتنا الثّخينة حمرا
لُحْمةُ الضّاد، والعروبة، والتّا ... ريخ، والدّين: آي ربّك كبرى (2)
الشّيخ ابن باديس نفسه قال معلّقًا على ما أدلى به أحمد شوقي: إنّ الجزائر: لا عيب فيها، سوى أنّها قد مُسخت مسْخًا ... " ... وَلَعَلم أنّ الأمّة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله. وأنْجبها العربُ، وهي أمّة التّاريخ. وأنبتتها
__________
(1) - ينظر كتابنا: الشّعر والهوية القومية، ص: 60.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 283. (1/282)
صفحة 269
الجزائر، وهي العاتية على الرّومان والوندال، لا تستطيع، ولن تستطيع أن تمسخها الأيّام ونوائب الأيّام." (1)
هذه المعالجة الواعية المسؤولة لِمَوضوع الهويّة أنتج ثمارًا طيّبة، أثلجت صدر الشّاعر مفدي زكرياء، صوّر هذا، وعبّر عنه بما مكنّه من أن يقدّم دعوة للسّير في هذا الاتّجاه، وبهذه المنهجية، لتأدية الواجب في التّنشئة السّليمة للبقاء في الصّراط السّويّ؛ بالمحافظة على الأصالة. إنّها رسالة الشّعر في التّوجيه والتّوعية والتّرشيد. قال مفدي زكرياء في إلياذته، بعد أن عرض بعض صور التّخنّثّ والميوعة والتّخلّي عن الأصالة، التي أبداها بعض الشّباب، أثنى على من أفلت من هذه الحمأة والوحل، ونجا من هذا المستنقع الآسن:
وأفلتَ من قفص الاتّهام ... شباب أصيلٌ، وفيّ الذّمامْ
شباب تطهَّر فيه الضّميرُ ... فأعرضَ عن شبهات الطّغام
وأشربَ من نبعِ إسلامه ... وفلسفة الدّين روح النّظام
ولم يتنكّر لأَمْجـ
__________
(1) - شعر المقاومة الجزائريّة، ص: 275. ينظر أيضًا مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج4، م10، ذي الحجّة 1352هـ/ 17 من مارس 1934م. (1/283)
صفحة 270
ــــــــــــــــــــــــــاده ... وأجداده الخالدين العظام
ولم يكُ بالتّبعيات يغزى ... ويجري وراء السّحاب الجهام
ولا بالمذاهب يُغري فتُشرى ... ببخسٍ عقيدته كالسّوام
ولم تختطفه مراهقةٌ ... ثقافيةٌ، ضلّ عنها الفِطام
ولم تُجْدِ فيه معاولُ هدمٍ ... يصوّبُها دارس الإنْهزام
ولم يتأقلم بيسرى ويُمنى ... وإسلامه بين ذاك قوام (1/284)
صفحة 271
شباب عليه مناط الرّجا ... فمنكم، ومنّي عليه السّلام (1)
بِهذه المعالجة الأصيلة للهوية الوطنيّة، بقي الشّعراءُ أوفياء لخطّهم في التّعبير عن أحداث وطنهم، وفي نقل رؤاهم وأفكارهم، التي تتفيّأ التّصوّر الإسلامي وتتدثّر به. من هذه المراحل التي سجّلها الشّعر الجزائري، بل واكبها وعايشها، مرحلةُ الثّورة التّحريرية. فقد أسبغ عليها الشّعراء اللّباس الإسلامي؛ لأنّها أصلا انطلقت باسم الإسلام، وقامت لتحرّر الإسلام من براثن الأعداء.
***** الخاتمة
هذه بعض الملامح عن المضمون الإسلامي للشّعر الجزائري. حاولنا من خلالها الكشف عن هذا الوجه الغائب عن كثير من الدّارسين، وبخاصّة غير الجزائريّين، وهو متجاهل من بعض الدّارسين الجزائريّين، الذين لا يعجبهم ولا يرضيهم أن يقال: إنّ في الشّعر الجزائري مضمونًا إسلاميًا. بل إنّ هذا يقلقهم ويزعجهم، ويقضّ مضاجعهم؛ لأنّه يفسد عليهم خططهم في تجريد الجزائر من أصالتها، ويعيق مخطّطاتهم في تحويل وجهة الجزائر غير الوجهة الشّرقية، التي تعلّق بها الشّعراء ذوو الاتّجاه الإسلامي.
كما أنّ هذا المضمون مجهول عند النّاشئة، التي يراد لها أن تتحوّل عن قبلتها الحقيقيّة، إلى وجهات أخرى، فلا تُلقّنُ هذا الشّعر، ولا تُعرَّفُ بِهذا الاتّجاه؛ حتّى لا تكون عالة على سياسة التّهجين والاندماج، التي لم تفلح فيها فرنسا، وهي ماسكة بزمام الأمور في الجزائر، أيّام الاحتلال الغاشم.
حاولنا التّركيز على بعض المظاهر، التي ظهر فيها التّصوّر الإسلامي، كالانتماء والعقيدة والهوية، تناولنا فيها العروبة والإسلام، واللّغة العربيّة، والتّاريخ.
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 109. (1/285)
صفحة 272
وهي أبرز مقوّمات الشّخصيّة. وهناك مجالات أخرى، لم نتمكّن من التّطرّق لها، لمحدودية حجم الدّراسة. أمّا شعر الثّورة فقد أفردنا له دراسة خاصّة كما أنّنا اقتصرنا على بعض الشّعراء؛ للسّبب نفسه، لكنّنا اخترنا أبرز الشّعراء الذين يمثّلون هذا الاتّجاه.
أغلب النّماذج كانت ممّا قيل تحت الاحتلال، وقد بدا فيها الحسّ الإسلامي أكثر, هذا بدوره يعرض سؤالاً: لماذا كان التّصوّر الإسلامي في شعر ما قبل الاستقلال أظهر وأعمق؟ ماذا تعني هذه الحقيقة؟ هل هناك شعر ضرب بينه وبين النّشر والظّهور بسور؟ قلّته، أو حجبه، أو مضايقة أصحابه، أو تقصير أهله, أو تقاعس أربابه ... أين يكمن السّببُ؟ كلّ ذلك في حاجة إلى بحث ودراسة وتحليل ومعالجة موضوعية ومعمّقة.
ما سجّلناه مِمّا قرأناه وما عرضناه من هذا الشّعر هو ما يأتي:
1 - تغلغل الرّوح الإسلاميّة في نفوس ناظميه، ووعي رسالتهم الشّعرية، التي لم تتحوّل عن خدمة الدّعوة الإسلاميّة، والمجتمعات التي يتحرّكون فيها، والقضايا الإسلاميّة، التي يحملون همّها، ويتفاعلون معها.
2 – تشرّب مصادر الثّقافة الإسلاميّة، والإصدار عنها في كتاباتهم، وبخاصّة القرآن الكريم. فقد وعَوا مضمونه، وفهموا لغته، وفقهوا أساليبه، وحذقوا طرق الاقتباس منه. فكان القرآن حاضرًا في قصائدهم، وبخاصّة الشّعراء المتمرّسين. إنّ نقطة الارتكاز في التّعبير والنّظم بتصوّر إسلامي كان القرآن الكريم عند هؤلاء الشّعراء
3 – عالجوا بكلّ صدق وإخلاص وصراحة الأوضاع المتردّية، التي لا تتماشى مع الرّوح الإسلاميّة. وهذا داخل ضمن الرّسالة التي تفرضها الأمانة التي هم مسؤولون عنها أمام الله. (1/286)
صفحة 273
4 – ربطوا ربطًا مُحكمًا بين التّاريخ والحاضر الذي عاشوه، واتّخذّوا من الماضي محطّات للانطلاق في التّصحيح والتّأسيس والتّطوير.
5 – إنّ الشّعراء حاولوا أن يربطوا الأجيال المتعاقبة بماضيها، وأن يحيوا المناسبات التّاريخية لاستلهام التّاريخ في بعث النّخوة في الشّباب؛ ليزرعوا في النّفوس القيم والشّمائل التي تدفع إلى ميادين الكفاح والعمل بقوّة وثقة.
على العموم عمل الشّعراء على أن يوجدوا اللّحمة بين الأجيال وماضيها، وأن يرجعوا بالشّخصيّة إلى جذورها، وهي جذور تتعمّق في تربة الإسلام والعروبة. هذه الشّخصيّة الإسلاميّة، جسّدها الشّعراء في أشعارهم، منطلقين من أبعادها الثّلاثة: الإسلام والعروبة والتّاريخ. الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنيّة والقوميّة.
باتنة يوم الأربعاء: 07 من ذي القعدة 1429هـ
05 من نوفمبر ... 2008م (1/287)
صفحة 274
تجربة مفدي زكرياء الشّعرية رائقة رائدة (1)
* مقدّمة
قال مفدي زكريّاء (2):
على نبضات الشّعب وقّعتُ ألحاني ... ومن نشوة التّحرير، لَحّنتُ أوزاني
وأنشدتُ في أفراح شعبي وترحه ... روائعَ، لَمْ يصدع بإعجازها ثاني
وخلّدتُ من مَجدِ العروبة صفحةً ... رسَمتُ على عنوانها وجهَ قحطان
وملءَ عروقي، صارخٌ دمُ يعـ
__________
(1) - الدّراسة: محاضرة ألقيت في اليّوم الدّراسي الذي أقامته مؤسبّسة يت الحكمة بتونس العاصمة، في قصر قرطاج، بوم الأربعاء: 13 من جانفي 2010م.
(2) - مفدي زكريّاء (1326 – 1397هـ/ 1908 – 1977م) شاعر الثّورة الجزائريّة، أحد أركان الحركة الوطنيّة الجزائريّة وركائزها. صاحب معظم الأناشيد الوطنيّة الجزائريّة، صاحب إلياذة الجزائر الخالدة، شعره أحسن سجلّ للثّورة التّحريرية الجزائريّة ... (1/288)
صفحة 275
ــــربٍ ... فألهَمَنِي ينبوعُ يعربَ تِبياني
وتيَّمني حبُّ الجزائرِ، فارتوى ... نشيدي في السّاحات من دمها القاني
وفي المغرب الجبّار، ناشدتُ وَحدةً ... سبقتُ بِها –في فَجرِ عمريَ– أقراني
وأحببْتُ أوطاني رضيعًا، ولَمْ أزلْ ... أغنّي مع الدّنيا بأمجاد أوطاني
وهِمتُ بأبناءِ العروبة يافِعًا ... أرى كلّ أبناء العروبة إخواني
ورُضتُ القوافي الجامِحاتِ، فأسلَمَتْ ... وناديتُ عملاق القريضِ فلبّاني
سهولتها تغري البسيط، وإنّها ... من العمق تستعصي على كلّ وزّان
وما ذاك إلاّ أنّ شعري من دمي ... يفجّره وعيي وحسّي ووجداني (1/289)
صفحة 276
وشعرهم بدعٌ من الخلق (مُشكِلٌ) ... ولا رحمٌ فيه لكعبٍ وحسّان
تعلّقتُ بالفصحَى، فأُشربتُ حُبَّها ... وأرْغمتُ فيها أنفَ من يتحدّاني
إذا كان للشّيطان فضلٌ عليهم ... فشعري وحيٌ، لا وساوس شيطانِ (1)
يقدّم الشّاعر مفدي زكريّاء بطاقة تعريف عن شخصيّته الأدبيّة، ويعلم المتلقّي بمفاتيح تجربته الشّعريّة. بِهذا التّقديم يعرف القارئ طبيعة شعر الشّاعر، ويقف الدّارس على الرّوح التي توجّه الشّاعر في حركته ونشاطه ومواقفه، تململه وتدرّجه في مختلف الفضاءات. ويتبيّن مواقفه ووقفاته في مختلف محطّات حياته.
هذه اللّوحة حدّدت بعض المجالات التي تشغل اهتمام الشّاعر، وكشفت عمّا يعتلج في ضميره، وأبرزت المسار الذي يتحرّك وينشط فيه في حياته النّضالية، وبيّنت التّحدّيات التي واجهها في الميدان، وأظهرت القوّة والثّقة بالنّفس اللّتين يتمتّع بهما في خوض غمار الحياة، التي لا تسالمه أبدًا، ولا تستسلم له بسهولة، وأبانت عن الخصائص النّفسيّة التي تحكم حياته ومسيرته ...
بالحملة، هذه اللّوحة بيّنت أنّ للشّاعر تجربة شعرية كبيرة، تدعو وتغري الباحث كي يبحث فيها، ويكشف عنها للقارئ. إنّ كلّ ما يتّصل بالشّاعر مفدي زكريّاء هو تجربة: فكرَه، مواقفَه، مشاعرَه، شخصيّتَه، صورَه الفنيّة، قاموسَه الشّعري، رموزَه، أسلوبَه في الكتابة، علاقتَه بمحيطه بكلّ أبعاده، معتقدَه السّياسي،
__________
(1) - مفدي زكرياء، اللّهب المقدّس، ط2، نشر وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة، الجزائر، فيفري 1973م، ص: 321، 322. (1/290)
صفحة 277
تحرّكَه، نقده، مشاكساتِه، مصادماتِه، مصالحاتِه. كلّ ذلك تجربة تستحقّ الوقوف عندها وفيها.
حاولنا في هذه الصّفحات الكشف عن جوانب من هذه التّجربة الشّعريّة، التي أثمرت ثمارًا يانعة، وأثارت قضايا، لَها علاقة بطبيعة شخصيّته، وبمواقفه ومذهبه في الحياة، وأسفرت عن جدل كبير حوله؛ بحثًا، وسبرًا لغورها ونقدًا، وانتقادًا لها وانتقاصًا منها، وتحاملاً عليها، واستحسانًا وتثمينًا لها.
في هذا البحث عرضنا مفهوم الشّعر عنده، ونظرته إلى وظيفته في أداء الرّسالة، وما حقّقه هو نفسه به، وذكرنا بعض خصائص هذه التّجربة، من خلال عرض نماذج منها، التي كشفت عن رسالية هذه التّجربة، وما حمل بواسطتها مفهوم القضيّة. وقد مثّلنا لذلك بكون الشّعر رسالة. ثمّ بقضيّة العروبة والعربيّة، انتماء وأصالة، وقيمة حضارية، ومقوّمًا للوجود والبقاء والتّطوّر. وبتعامل الشّاعر مع الجزائر؛ وطنًا وفضاء ومقوّمات، وتحدّيات لكلّ ألوان السّيطرة والقهر والإذلال ... وقد كانت مأساة فلسطين القضيّة المحورية للكرامة العربيّة والإسلاميّة ضمن هذا المبحث، لمّحنا إليها تلميحًا.
الهدف من كلّ هذا التّناول هو عرض التّجربة الشّعريّة عند مفدي زكريّاء، والوقوف على خصائصها، وتسجيل قيمتها المعنوية، تاركين جانبها الفنّي وتقويمه إلى مناسبة أخرى، لأنّ حجم البحث لا يتّسع لأكثر ممّا خطّط له. اقتصرنا على ديوانه "اللّهب المقدّس "، الذي هو سجّل الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، لهذا كانت النّماذج المثبتة في هذا البحث - في عمومها - تتناول الثّورة التّحريريّة. وهي في الحقيقة الشّواهد التي تبرز تجربة الشّاعر الفنّية بوضوح وجلاء.
*مفهوم الشّعر عند مفدي زكرياء (1/291)
صفحة 278
إنّ الشّعر - في حقيقته - إفصاح عن المشاعر، وتصوير للآمال والآلام، وإبراز للاهتمامات والانشغالات، وكشف عن الهموم والأحزان ... به تقدّم المطالب، وتسجّل المكاسب، وتواسى القلوب المكلومة، وينفّس عن النّفوس الكئيبة. كما أنّه وسيلة للتّوعية والإصلاح والنّهوض والتّقدّم، والتّنمية بكلّ أبعادها وجوانبها.
هذه المعاني هي ما يحتويها مدلول الشّعر عند مفدي زكريّاء. نحن لا نعثر على تعريف محدِّد لماهية الشّعر عنده، في كلّ ما عبّر به عن حقيقة الشّعر، الذي انطلق فيه مباشرة إلى بيان وظيفته العمليّة، مبعدًا كلّ ما لا يخدم ما أشرنا إليه سابقًا. يقول مثلاً:
هو الشّعر آيات النبّوغ، تفجّرت ... بكاساته البيضا، فناولها الخلقا
هو الشّعر أنّات القلوب، تردّدت ... بِمزهره الصّدّاح، تخترق الأفقا
هو الشّعر للإحساس أهدى من القطا ... وأبصر في بحر العواصف من زرقا (1)
هذه التّقريرات، التي ركّزت على الوظيفة في تحديد حقيقة الشّعر، بعيدًا عن التّنظير السّابح في الخيال والافتراض، هي نابعة من التّجربة التي عاشها الشّاعر مع واقع المجتمع الذي يتحرّك فيه، وصادرة من المعاناة الوجدانية التي مرّ بها، ومنبعثة من المعايشة الواقعية لما يحدث أمامه.
__________
(1) - محمد الهادي السّنوسي الزّاهري، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، المطبعة التّونسيّة،
تونس، 1926م، ص: 157. (1/292)
صفحة 279
يرى مفدي زكرياء الشّعر رسالة مقدّسة يقوم بها الشّاعر لأداء واجبه في خدمة المجتمع، ونصرة القضايا العادلة. يحارب بها الذّلّ والانهزام، ويردّ بها الظّلم والطّغيان. في اللّوحة الآتية يرسم لنا أثر الشّعر في الحياة، من خلال تجربته الخاصّة:
فكم هتكنا بها الأستار مغلقةً ... وكم غزونا بها في الغيب أكوانا
وكم جلونا بها الأسرار مبهمةً ... وكم أقمنا بها للعدل ميزانا
و كم صرعنا بها في الأرض طاغية ... وكم رجَمنا بها في الأرض شيطانا
وكم حَصدنا بها الأصنام شاخصةً ... وكم بعثنا من الأصنام إنسانا
وكم رفعنا بها أعلام نَهضتنا ... فخلّد الشّعرُ في الدّنيا مزايانا (1)
وظيفة الشّعر كبيرة، وأثره في الحياة عظيم، فيه فعل السّحر، وفعالية المعجزة. له دور خطير في توجيه الحياة، وبلوغ الأهداف، وتحقيق العسير من الآمال، وركوب الصّعب من الأهوال، والذّهاب بعيدًا في الظّفر بما يبدو شبه محال، في كل ميدان ومجال. هذه المكاسب التي حدّدها الشّاعر كانت عن تجربة، بل هو لم يسجّل سوى ما حقّقه في الميدان، وقدّمه للقارئ خير برهان، على دور الشّعر في الوجود وأثره في الوجدان. هذه الحقائق دوّنها بعد أن مرّت على تجاربه الشّعرية
__________
(1) اللّهب المقدّس، ص: 290.- (1/293)
صفحة 280
سنواتٌ، ومرّ هو بمواقف ومشاهد عديدة. قالها ضمن قصيدة، باسم الجزائر، في مهرجان الشّعر بدمشق، في سبتمبر، سنة 1961م؛ فتعدّ بهذا نتائج لتجربة شعرية مهمّة ورائدة.
قال، يكشف عن دور الشّعر، ويبيّن قوّته، ويُبِين عن تحدّيه لكلّ قوّة تريد النّيل من المجاهدين به في ساحات النّضال، ومعارك النّزال:
وشيجة الشّعر في دنيا عروبتنا ... أقوى من القدر الجبّار سلطانا
والشّعر طهّر في الدّنيا سرائرنا ... والشّعر يسّر للخيرات أشقانا
فلا السّياسة دكّت صرح دولتنا ... ولا المطامع، نالت من سجايانا
يسمو بنا الوحي عن دنيا مُموّهةٍ ... ويقصر النّفط عن إلهام صحرانا (1)
الشّعر وحيٌ، هو ملتصق بالقرآن، ومرتبط به، من حيث القوّة والطّهر، ومن حيث التّأثير والخير الذي يصدر منه، ويوصل إليه، ويحثّ عليه. لهذا أبعد الشّاعر
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 293. (1/294)
صفحة 281
عن باحته كلّ من يبوح بما لا يتماشى مع القيم الأصيلة، وكلّ من يلوح منه ما لا يتناسب مع حُرمته، وما لا ينسجم مع الفطرة، وما لا يخدم الأهداف النّبيلة. هو بتحسّر ويتأسّف من هذا الصّنف الذي يرتزق بالشّعر، والذي يقوله في أغراض دنيئة ومائعة، تخرج به عن رسالته السّامية:
لَهفي على الشّعر أضحى عند بعضهم ... بضاعة، ما لها عزٌّ ولا شأن
هذا يتاجر بالأشعار مُحترفًا ... وذاك غايته عزٌّ ونيشان
هذي الدّعارة في الآداب رائِجةٌ ... بناتُها اليوم أشعار وألْحانُ
فأصبح الشّعر خنثَى مثل قائله ... لا الشّعر شعرٌ، ولا الفنّان فنّان
وكلّ شعبٍ غدا بالشّعر مرتزقًا ... فَحظّه من حياة العزّ خسران (1)
__________
(1) - مفدي زكريّاء، تحت ظلال الزّيتون، ط1، دار النّشر، تونس، 1965م، ص: 20. (1/295)
صفحة 282
يقدّم نفسه مثلا للشّاعر الملتزم بالقيم الحقيقية للشّعر؛ ليبيّن رسالة الشّعر:
إذا استقام المالكون مدحتهم ... وصغتُ مديحي من قواعد إيماني
وفي صانع التّاريخ تسمو قصائدي ... ويرجح في دنيا العروبة ميزاني
أقدّس فيك العلم والفكر والحجى ... ورفعة إنسان، وخبرة يقظان (1)
هو يمدح في محمد الخامس القيم والشّمائل. هو لا يقول الشّعر إلاّ في الرّجال العظام، ولا ينظمه إلاّ في المواقف العظيمة. يفعل هذا لينشر المكارم والفضائل، ويعلي من قدر المعالي والشّمائل، ويهزّ المشاعر، ويستفزّ الخواطر. في هذا يقول:
حبستُ شعري وإلهامي على وطني ... فانساب ينشر في الدّنيا معالينا
وهِمت في الثّورة الكبرى، أساوقها ... أهزّ في الثّورة الكبرى رواسينا
حلّقتُ كالنّسر في آفاق حاضرنا ... وغُصتُ كالسّحر في أعماق ماضينا
كم صفّقت لأناشيدي
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 322، 325. (1/296)
صفحة 283
مدافعنا ... وأطرقت لتسابيحي نوادينا
فكان شعريَ والرّشاش في مرحٍ ... هذا يغنّي، وذا يزجي التّلاحينا
وكان للجيش تنزيلاً، يرتّله ... وقد تنزّل يفتكّ الميادينا
وللجزائر تبيانًا، تلقّنه ... من ليس يفهم في الدّنيا معانينا
وكان للمغرب الجبّار ملحمة ... تَهزّ أفراحُنا فيها مآسينا
وللعروبة، في الأجيال مكتبـ (1/297)
صفحة 284
ــــــــــــة ... إعجازها، يتحدّى من يبارينا (1)
هذه تجربة الشّاعر مع الشّعر الأصيل، ومع النّظم الحقيقي، الذي يسمو بالكلمة إلى المراتب العالية، ويحطّ بها في ميادينها الحقيقيّة. لهذا فهو للجيش المقاوم شحنة وطاقة، وللتّاريخ سجلّ، يدوّن البطولات، وللمغرب ملحمة، وللعروبة مكتبة ... فيه كلّ عناصر القوّة، ومقوّمات البقاء والخلود. إنّه يتمتّع بعناصر، تجعله تنزيلاً وتبيانًا ووحيًا وتسابيحَ، تصنع منه مصدر إلهام، ومنبع قوّة، ومنهل شجاعة وإقدام ... هو رفيق الرّشاش في الميدان، وموضع إعجاب وتجاوب المدافع ...
إنّ هذا ما يعطي لهذا الشّعر هذه الأصالة وهذه الحيوية، وهذه القدرة على العمل للنّهوض بالمجتمع، وبكلّ المهمّات الرّامية إلى الارتفاع من الحضيض والخروج من المستنقعات.
اقتناعًا من الشّاعر بقوّة شعره، وبدوره في ميادين النّضال والجهاد والعمل البنائي،
وإيمانًا منه بالقيمة الكبيرة للشّعر، كثرت دعواته للاهتمام بالشّعر، وفسح المحال له كي يقوم بواجبه في هذه الحياة، ويقول ما يراه مناسبًا في كلّ الأحوال:
وخلّ الشّعر، فالأيّام شعرٌ ... قصائدها على الأجيال تلقى (2)
قال مخاطبًا جريدة البيان البرازيليّة، التي كانت لها مواقف مشرّفة مع الثّورة الجزائريّة، ومهنِّئَها، بمناسبة عيدها الفضّي الخمسيني، في شهر ماي 1960م:
قمْ وخلّد يوم البيان " البيانا " ... حيّ باسم الجزائر المهرجانـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 227، 228
(2) - المصدر السّابق، ص: 120. (1/298)
صفحة 285
ــــــا
وابعث الشّعر كالتّسابيح تعز ... فه السّما عن هلالها ألحانا
ولتكن صرخة المدافع فيها ... "فاعلاتن "، وقصفها ألحانا
وجراح المضرّجين قوافيـ ... ـها، وإلهامها زكيّ دمانا (1)
تجربة الشّاعر الكبيرة والواعية مع الشّعر، واندماجه به، وتفاعله معه، جعلته يؤمن بأنّ سلطة الشّعر كبيرة ومهمّة في حياة الكفاح والنّضال والعمل الجادّ، وفي معارك الوعي والتّحرّر والتّنمية ... وهو ما دفع به أن يصف الشّعر بأوصاف، تبدو لبعض النّاس مبالغة، أو خروجًا عن المألوف والمعتقد، لما في ذلك من القداسة والإجلال المبالغ فيه. فالشّعر وحي:
دنياهم دنّس الأطماع حرمتها ... والشّعر كالوحي، أصفانا وزكّانا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 175، 176. الهلال المقصود هو الهلال الأحمر الجزائري. (1/299)
صفحة 286
وإنّنا - الشّعراءُ النّاسُ - ما فتئتْ ... أرواحنا، تغمر الإنسان إيمانا (1)
هو صلاة:
رتّلوه على الضّحايا صلاةً ... يستَجِبْها سُبْحانه وتعالى (2)
هو تسابيح
وسرت روحه نشيدًا زكيًّا ... كالتّسابيح، للسّما تتعالى (3)
هو رسول ورسالة:
أَوْفَدَتْهُ إلى العصور رسولاً ... ثورةُ الحقّ، يلهم الأجيالا (4)
إنّ هذه الأوصاف التي خلعها الشّاعر على شعره، والأسماء التي أطلقها عليه، تكشف عن حقيقة واحدة، هي: إنّ تجربته مع الشّعر كانت غنيّة، هي معروضة على القارئ، يفيد
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 289، 290 .. ينظر أيضًا ص:185، 293.
(2) - المصدر السّابق، ص: 191.
(3) - المصدر السّابق، ص: 185. ينظر أيضًا ص:25، 175، 227، 288.
(4) - المصدر السّابق، ص: 186. ينظر أيضًا ص: 280، 290 .. (1/300)
صفحة 287
منها في حياته، وفي مسيرته، وفي تعامله مع الكلمة. كما تبيّن صدق الشّاعر مفدي زكريّاء مع ما يقول، وما ينحت من مشاعر بالكلمة المسؤولة. وهو القائل مخاطبًا أحمد توفيق المدني:
إيه (توفيق) فيك أخلصتُ شعرًا ... قدسيًا كالوحي، ظنّوه سِحرا
أنا إن كنتُ في القريض أميرًا ... أبدًا في المديح، ما قلتُ شعرا
وإذا أنكروا رسالة شعري ... جئتُ بالمعجزات في الشّعب تترى
قد رأينا الحقوق، تؤخذ قهرًا ... فاغتصبنا إمارة الشّعر قهرا (1/301)
صفحة 288
ورشقنا اللّوا، فمن ينتزعه ... يتقدّم، يكن بذلك أحرى (1)
* خصائص تجربة الشّاعر الشّعرية
تجربة مفدي زكرياء الشّعرية أفرزت خصائص كثيرة، نذكر منها:
1 - طول نفسه الشّعري، إذ تتميّز أغلب قصائده بالطّول.
2 – الاستقصاء والتّصوير الدّقيق للمواقف والمشاهد.
3 – اللّغة القويّة، التي تستجيب لمشاعره المحتدمة، ومواقفه الحاسمة، وتنسجم مع شخصيّته التي لا تقبل الضّيم، ولا ترضخ للتّهديد، ولا تؤمن بأنصاف الحلول في القضايا التي يعرضها، ويكفر بأساليب المهادنة والمراعاة والمداهنة، هو لا يؤمن إلاّ بالمداهمة.
4 – رموزه مستمدّة ومستلهمة - في أغلبها - من الأصول التي تحكم المجتمع، والمصادر التي تنظّم وتوجّه حياته، كالقرآن الكريم والسّنة النّبويّة والأدب العربي القديم ...
5 – يبثّ مشاعره، وينشر أفكاره، ويدعو إلى مواقف ... بواسطة الحديث عن شخصيّات، يذكر مآثرها ومناقبها، ويسرد مخازيها ومثالبها.
6 – شعره رسالة، أي إنّه يرسل بواسطة شعره رسائل إلى من يقصدهم بالخطاب:
أوفَدَتْهُ إلى العصور رسـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص:280. (1/302)
صفحة 289
ـــــــــــــــــولاً ... ثورةُ الحقّ، يلهم الأجيالا (1)
من أمثلة ذلك قصيدته: " الذّبيح الصّاعد"، و" إلى أغادير الشّهيدة". هما قصيدتان تبرزان بجلاء هذه الخصّيصة، وتقرأ فيهما بوضوح رسالة الشّعر عنده.
7 – شعره يتميّز بأنّه شعر قضيّة، يحمل على عاتقه هموم القضيّة التي تشغل باله، يذكرها ويعرضها ويشرحها ويقدّمها في كلّ مناسبة متاحة، وفي كلّ وقت ومكان. من النّماذج التي تمثّل ذلك قصائده: " فلسطين على الصّليب"، " لا عزّ حتّى تستقل جزائر "، " رسول الشّرق " ... بإمكان القارئ أن يقف على هذه الحقيقة بقراءة هذه القصائد وغيرها، والتّأمّل في الأفكار والمشاعر التي عرضها فيها. ومن هذه القضايا: قضيّة العروبة والعربيّة، ومفهوم الشّعب ...
لن نعرض كلّ هذه الخصائص، إنّما نذكر بعضها ونحلّلها، بذكر بعض القضايا، التي تبرز حقيقة التّجربة الشّعرية عند مفدي زكرياء:
أ - الشّعر رسالة
التّجربة الشّعرية لمفدي زكريّاء بيّنت أنّ الشّعر رسالة، يقوم - بواسطتها - بواجب التّوعية والتّربية والتّوجيه، ومعالجة الواقع، وخدمة القضايا العامّة ... نقدّم نموذجًا على هذه الرّسالة قصيدته: " الذّبيح الصّاعد "، نأخذ منها عناصر؛ لبيان هذه الرّسالة.
القصيدة تعدّ ثمانية وستّين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن، مسجّلاً بها تدشين أوّل شهيد في الثّورة التّحريرية الجزائريّة للمقصلة، إذ استعملتها فرنسا لأوّل مرّة في إعدام أحد مجاهدي حرب التّحرير الجزائرية. هو الشّهيد " أحمد زبانا ".
يبدأ الشّاعر القصيدة بوصف حال الشّهيد، وهو يتوجّه نحو منصّة الإعدام. يصوّره سائرًا إليها في نشوة واعتزاز، وفي حالة اطمئنان وراحة بال؛ لأنّه يتقدّم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 186. (1/303)
صفحة 290
لينال جزاءه على حسن أدائه لواجبه المقدّس، وهو النّضال من أجل تحرير وطنه من أيدي الغاصبين الظلمة الجائرين الجبناء:
قام يَختال كالمسيح وئيدا ... يتهادى نشوان، يتلو النّشيدا
باسم الثّغر، كالملائك، أو كالطْـ ... طِفلِ، يستقبل الصّباح الجديدا
شامِخًا أنفه، جلالا وتيهًا ... رافعًا رأسه، يناجي الخلودا
رافلا في خلاخل، زغردت تَمـ ... ـلأً من لَحنها الفضاء البعيدا
حالمًا كالكليم، كلّمه المَجْـ ... ـدُ، فشدّ الحبال يبغي الصّعودا (1/304)
صفحة 291
وتسامى كالرّوح، في ليلة القد ... ر سلامًا، يشعّ في الكون عيدا (1)
إنّ الشّاعر لا يصف مأتمًا، إنّما يقدّم صورة عن لحظات الفرح والسّرور، التي أحاطت بالمناضل أحمد زبانا، وهو يتقدّم ليلقى مصيره. قام الشّهيد بنفسه إلى منصّة الجزاء، وهو في حالة من الفرح والابتهاج، رافعًا رأسه؛ عزّة وأنفة وافتخارًا. شامخًا أنفه؛ نكاية وشماتة بِمن أرادوا له أن يموت ذليلا. صعد إلى مذبح البطولة، راجيًا أن يكون كليمَ الله موسى - عليه السلام -، في تكليم المجد له. وروحَ الله، يشعّ على فضاء الجزائر عيدًا ببطولته وشهادته، في ليلة الاستشهاد، كما أشعّ جبرائيل على الكون نورًا بالقرآن الذي أتي به إلى رسول البشرية، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة القدر ...
لحظات الحزن والأسى، تتحوّل بوصف الشّاعر وتصويره وتقديمه إلى لحظات فرح وسرور وغبطة. إنّه الشعر الذي يحوّر في المشهد، ويحيل الموقف، ويوجّه المنظر إلى ما يخدُم رسالته وأهدافه.
من بين الأهداف التي يقصدها الشّاعر من هذا التّصوير وهذا التّحوير ما قدّمه بعد الأبيات السّابقة:
وامتطى مذبح البطولة معـ ... راجًا، ووافى السّماء يرجو المزيدا
وتعالى مثل المؤذّن، يتلـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 9، 10. (1/305)
صفحة 292
ـــــــــو ... كلمات الهدى، ويدعو الرّقودا
صرخة، ترجف العوالم منها ... ونداءٌ، مضى يهزّ الوجودا
اشنقوني، فلست أخشى حبالا ... واصلبوني، فلست أخشى حديدا
وامتثل سافرًا مُحيّاك جلاّ ... دي، ولا تلتثم، فلستُ حقودا
واقضِ يا موتُ فِيَّ ما أنت قاضٍ ... أنا راضٍ، إنْ عاش شعبي سعيدا
أنا إن متُّ، فالجزائر تَحيا ... حرّة مستقلّةً، لن تبيدا (1)
إنّ الشّهيد لم يرتقِ سلّم المقصلة، وهي مذبح البطولة إلاّ ليؤذّن في النّاس بحيّ على الكفاح، وبالنّداء لهم بالثّبات في الميدان ومواصلة الجهاد، ولم يصعد إلاّ ليوقظ النّوّام من رقدتهم ليقوموا بواجب النّضال، وهو لم يتسلّق المنصّة إلاّ ليعلن للعدوّ الجبان: أنّك لن تستطيع ثني شعبي عن المقاومة والتّحدّي والتّصدّي لعدوانك وطغيانك. فأمامك صورة سحرة فرعون، الذين تحدّوا ملكهم، حين هدّدهم بالصّلب
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 10. (1/306)
صفحة 293
والقتل، إن هم لم يتراجعوا عن قرارهم في ترك دينه، والدّخول في دين موسى - عليه السلام -: {قالوا لَنْ نُوثِرَكَ علَى مَا جَاءَنَا منَ البَيِّناتِ والذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِه الحياةَ الدّنْيَا} (طه/ 72) نتيجةُ هذا الإصرار رضى الله وجنّته، ونهاية تحدّي زبانا انتصار شعبه، وعيشه سعيدًا. إنّها رسالة موجّهة إلى الأحياء من المجاهدين أن يستمرّوا في النضال، ولا يتأثّروا بما حدث له هو، يجب أن لا يرهبهم العدوّ الظّالم الجبان، إنّ الجزائر ستستقلّ وتأخذ حريّتها الأبدية الدّائمة.
هذا العهد يسجّله الشّاعر على الشّعب الجزائري، ويطلب من الشّهيد، وهو يرتقي إلى السّماء أن يبلّغ الرّفاق الذين سبقوا في الشّهادة بأنّ الباقين على قيد الحياة، لن يبيحوا من الجزائر إصبعًا، ولن يقفوا عن الكفاح:
يا "زبانا"، أبلغ رفاقك عنّا ... في السّماوات، قد حفظنا العهودا
واروِ عن ثورة الجزائر للأفـ ... ـلاك، والكائنات ذكرًا مَجيدا
ثورة، لم تكن لبغيٍ وظلمٍ ... في بلادٍ، ثارت تفكّ القيودا
ثورة، تَملأُ العوالم رعبًـ (1/307)
صفحة 294
ــــــــــــــــــــــــــا ... وجِهادٌا، يذرو الطّغاةَ حصيدا (1)
قام الشّاعر في هذه اللّوحة بعملية تصحيحية لحقيقة الثّورة الجزائريّة، التي روّج لها المستعمر، أنّها أعمال الغوغاء الخارجين عن القانون، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ... كما قام بالدّور الإعلامي، وهو بيان قوّة الثّورة، التي تلقي الرّعب في قلوب الحاقدين والمرجفين في الأرض. وقد تناول في الأبيات اللاّحقة بعض الأعمال البطولية التي نفّذها الثّوّار في الميدان.
لم ينسَ الشّاعر – وهو يقوم برسالته – أن يؤدّي واجبه في التّحميس وإثارة القلوب، وشحذ الهمم. عمد في هذه اللّوحة إلى سرد المفارقات التي تصدر من الظّالم، والتي لا يقبلها العقل، وترفضها الفطرة. ثمّ إلى استفزاز النّفوس بإظهار دهشته مِمَّن يرضى بالذّلّ، ويقنع بالصّغار، ويقبع في الهوان. عمد في هذا إلى الاستنفار والتّحريض:
وإذا الشّعبُ داهمته الرّزايا ... هبّ مستصرخًا، وعاف الرّكودا
وإذا الشّعبُ، غازلته الأماني ... هام في نيلها، يدكّ السّدودا
دولة الظّلم للزّوال، إذا ما ... أصبح الحرّ للطّغام مسودا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 11، 12. (1/308)
صفحة 295
ليس في الأرض سادة وعبيد ... كيف نرضى بأن نعيش عبيدا؟
أمن العدل، صاحب الدّار يشقى ... ودخيل بها، يعيش سعيدا؟
أمن العدل، صاحب الدّار يعرى ... وغريب، يَحتلّ قصرًا مشيدا؟
ويجوع ابنها، فيعدم قوتًا ... وينال الدّخيل عيشًا رغيدا؟
ويبيح المستعمرون حِماها ... ويظلّ ابنها طريدًا شريدا؟
يا ضلال المستضعفين، إذا هم ... ألفوا الذّلّ، واستطابوا القعودا (1/309)
صفحة 296
ليس في الأرض بقعة لذليل ... لعنته السّما، فعاش طريدا
يا سماء، اصعقي الجبان، ويا أرْ ... ضُ، ابلعي القانع الخنوع البليدا (1)
أرسل الشّاعر مجموعة أسئلة استفزازية، تضمّنت المفارقات التي يقترفها الظّالم الجهول بنفوس الأحرار، الذي لا يقدّر العواقب، ولا يدرس النّتائج التي تنقلب عليه. هذا العرض هو في حقيقته إثارة للنّفوس الحرّة، كي لا تقبل بحياة الذّلّ، وترفض حالة الخنوع، ولا ترضى بالقعود عن النّضال لتغيير الأحوال. لهذا لَفَظَ الشّاعرُ القانعَ بالذّلّ، ولعن الجبان، وطلب له الصّعق والبلع، تصعقه السّماء، وتبلعه الأرض؛ حتّى لا يبقى في الوجود إلاّ من يطلب العزّة، وينشد الكرامة، ويغازل الحريّة، ويعمل للحصول عليها وافتكاكها بقوّة إرادته. هذه مهمّة أخرى يقوم بها الشّعر.
أرسل الشّاعر مجموعة أسئلة استفزازية، تضمّنت المفارقات التي يقترفها الظّالم الجهول بنفوس الأحرار، الذي لا يقدّر العواقب، ولا يدرس النّتائج التي تنقلب عليه. هذا العرض هو في حقيقته إثارة للنّفوس الحرّة، كي لا تقبل بحياة الذّلّ، وترفض حالة الخنوع، ولا ترضى بالقعود عن النّضال لتغيير الأحوال. لهذا لَفَظَ الشّاعرُ القانعَ بالذّلّ، ولعن الجبان، وطلب له الصّعق والبلع، تصعقه السّماء، وتبلعه الأرض؛ حتّى لا يبقى في الوجود إلاّ من يطلب العزّة، وينشد الكرامة، ويغازل الحريّة، ويعمل للحصول عليها وافتكاكها بقوّته إرادته. هذه مهمّة أخرى يقوم بها الشّعر.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 15 – 17. (1/310)
صفحة 297
واصل الشّاعر رسالته، فتحدّى فرنسا أن تحقّق هدفها في صدّ الثّورة من المواصلة والاستمرار، وأوعدها شرًّا. وقال لها: امطري حديدًا، واضرميها شعاليل، واستشيطي غيظًا، واملئي السّجون بالأحرار، وافعلي ما تشائين، فإنّ نار الثّورة ستبقى مشتعلة تأكلك وتأكل وتمحق كلّ من يقف في طريقها، وتفني وتسحق كلّ من يعطّل سيرها:
نحن ثرنا، فلات حين رجوع ... أو ننال استقلالنا المنشودا (1)
هذا هو الهدف من عرض الشّاعر لهذا الحدث، وقد صرّح به في نهاية القصيدة بجلاء:
يا زبانا، ويا رفاق زبانا ... عشتم كالوجود، دهرًا مديدًا
كلّ من في البلاد أضحى زبانا ... وتَمنّى بأن يموت شهيدا
أنتم يا رفاق، قربان شعـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 17. (1/311)
صفحة 298
ــــــــــــــبٍ ... كنتم البعثَ فيه والتّجديدا (1)
ما يمكن تسجيله عن هذا التّناول لحدث إعدام زبانا ما يأتي:
1 – محور القصيدة ومغزاها ومضمونها هو النّظرة إلى الاستشهاد على أنّه شيء إيجابي للثّورة الجزائريّة كي تستمرّ؛ بإقبال المجاهدين على التّضحيّة بحياتهم فداء للجزائر. وفيه إرهاب العدوّ وإرباكه واغتيال معنوياته، وإحباط مُخطّطاته.
2 – الثّورة التّحريرية - وهي في أيّامها الأولى - في حاجة إلى عمل كبير، يتمثّل في رفع معنوياتها، وفي حاجة إلى تصحيح المغالطات والأكاذيب التي لفّقت ضدّها.
3 – التّأكيد على شمولية الثّورة والجهاد كلَّ جهة، وكلّ نفس، وكلّ ميدان.
4 – التّعبئة العامّة والاستنفار الكامل لمواجهة كلّ المخطّطات والمؤامرات.
5 – الرّسائل التي أدّتها القصيدة كثيرة: رسائل توضيح وتصحيح، وتحميس وتثبيت، وتسجيل بطولة وإقدام وشجاعة، وأخذ عهد، واستنفار وشحذ همم، وتحدٍّ وصمود ... كلّ ذلك كان وقودًا تحتاجه الثّورة في هذه الفترة المبكّرة من حياتها؛ لتزداد اشتعالا، فتلهب الحماسة في أبنائها ليثبتوا في ميدان الكفاح، وتلهب جسوم الأعداء فيحترقون بنارها.
أثمرت هذه الرّسائل ما عبّر عنه الشّاعر سنة 1961م، أي قبل شهور قليلة من إعلان الجزائر استقلالها والظّفر بالحريّة: ...
ورثنا عصا موسى، فجدّد صنعها ... حِجانا، فراحت تلقف النّار، لا السّحرا
وكلّم موسى اللهُ في (الطّور) خفية ... وفي (الأطلس الجبّار) كلّمنا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 19. (1/312)
صفحة 299
جهرا
وأنطق عيسى الإنس بعد وفاتِهم ... فألهمنا في الحرب أن ننطق الصّخرا
وكانت لإبراهيم بردًا جهنّم ... فعلّمنا في الخطب أن نَمضغ الجَمرا
وآدم بالتّفّاح، ضيّع خُلده ... و (ماريان)، بالتّفّاح نلقي بها البحرا
وحدّثنا عن يوم بدرٍ محمّدٌ ... فقمنا نضاهي في جزائرنا بدرا (1)
هذه اللّوحة رسالة كبيرة وواضحة إلى كلّ من يهمّه أمر تحرير الجزائر، فيها تسجيل فعل الثّورة الجزائريّة الكبير، وفيها سرد بطولات الثّوّار الجزائريّين الخارقة، التي جعلت الشّاعر يعقد مقارنات، ويقدّم مقاربات عن هذه الثّورة، التي هي في حاجة إلى هذا التّصوير، وهي على قاب قوسين أو أدنى من اختطاف النّصر، كما احتاجت إليه
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 308، 309. (1/313)
صفحة 300
في بداية انطلاقتها. هي في حاجة إلى دعم معنوي كبير، لما تلاقيه من حرب نفسيّة شرسة، ودعاوى من أنّ هذه الثّورة ستفشل مثلما فشلت مثيلاتها من قبل، فكان هذا التّحدّي بهذا التّصوير البديع ضرورة، للإبقاء على جذوة الثّورة مشتعلة، وعلى روح المقاومة فائرة، وعلى الصّمود في الميدان قائمًا.
لجأ الشّاعر في هذه اللّوحة " إلى المقارنة، وتعمّد المبالغة؛ ليفصح عن مشاعره، دون أن يهدف إلى المفاضلة، أو بقصد عقد مقارنة حقيقية. فالمقارنة لا تصحّ، فضلا عن المفاضلة، لكنّها المشاعر الفيّاضة، والرّغبة في الكشف عن خلجات النّفس، ونقل العدوى الشّعورية إلى المخاطبين، وتوضيح الرّؤية للآخر، والقصد إلى زرع الأمل في النّفوس، والرّفع من معنويات المجاهدين ... " (1)
هذا أحد عناصر القوّة في تجربة مفدي زكرياء الشّعرية، وهي الخروج عن مألوف النّاس في التّعبير، وتحدّي الأساليب الموروثة في التّصوير، التي ينحتها من مشاعره، ويقدّها من فكره، ويبدعها من جرأته وشجاعته في تجاوز الموروث.
ب - العربيّة والعروبة
العروبة وما يتّصل بها قضيّة حملها الشّاعر على عاتقه، عرّف بها، ودافع عنها. شغلت حيّزًا كبيرًا من شعره. هي في عرفه قيمٌ وطباع عالية القدر مقدّسة:
ونحن بنو الأشراف عربٌ طباعنا ... مقدّسة، لا نُضمر العشّ والغدرا (2)
منطلق الشّاعر في هذا التّقدير كان من العقيدة، ومنها أيضًا كان تناوله لها في شعره:
__________
(1) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، سنة 1992م، ص: 312
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 313. (1/314)
صفحة 301
عهد العروبة ركن من عقيدتنا ... وللعروبة في أصلابنا رحم
وفي الجزائر أكبادٌ، تفور دمًا ... فداء يعرب، يجري سيلها العرم
مدّوا لها يد صدقٍ، غير واهية ... تثأرْ ليعرب، فيها السّاح والقمم
من الجزائر ذئب الغرب باغتنا ... وفي الجزائر عهد الذلّ يُختتم (1)
1 - العروبة عهد، وركن من العقيدة، هي من صلب الجزائر ورحمها.
2 – الجزائر فداء للعروبة، دمها يفور ويسيل من أجلها.
3 – الجزائر تناضل بثورتها لإخراج المستعمر من أرضها، تقوم بذلك لتثأر للعروبة في أرضها، ومنها في كلّ الأراضي العربيّة. لهذا تطلب مدّ العون لها؛ لتقوم بهذا العمل الكبير. وفي بيت آخر يطلب هذا الطّلب؛ انطلاقًا من أنّ العروبة هي في ثنايا ثورة الجزائر وطواياها:
عزّ العروبة في أعطاف ثورتنا ... إن تسندوا حربنا ترفع لكم شانا (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 303، 304.
(2) - المصدر السّابق، ص: 297. (1/315)
صفحة 302
إنّ الشّاعر لا يشكّ أبدًا في هذه النّصرة، ولا يداخله ريب في مدّ إخوانه يد العون لبلاده. فهو يطلق في البيت الآتي سؤالاً، يقرّ من خلاله وعي أبناء العروبة حقيقة معاناة الجزائر ومأساتها، وهذا ما دعاه إلى طلب العمل على مساعدتها:
سل العروبة، هل ضجّت لشكوانا؟ ... وسل أميّة، هل رجّت لبلوانا؟ (1)
4 – إذا كان الذّئب العدوّ قد باغت الجزائر باحتلال أرضها، فإنّها ماضية لطرد الذلّ من أرض العروبة كلّها.
هذه الأفكار التي نثرها الشّاعر، وهذه المشاعر التي بثّها، وهو يخاطب العرب عن طريق مخاطبة جمال عبد النّاصر، أحد روّاد القوميّة العربيّة، التي ربط فيها بين تحرير وطنه، وتحرير أرض العروبة كلّها، يدلّ على الالتزام بالقضيّة الكبرى، وربط تحرير الجزء ورفع الذلّ، بدفع الضّيم وتحرير الكلّ.
إذا كان الشّاعر في النّصّ السّابق قد انطلق من وطنه الجزائر، لينصر الأرض الكبرى، أرض العروبة كلّها، فإنّه في النّصّ الآتي يسجّل نصرة إخوانه وأصدقائه وأشقّائه لبلاده، باسم العروبة. قال شاكرًا لأسرة جريدة " البيان " وقوفهم إلى جانب الثّورة الجزائريّة، وقد دعاهم إلى هذا دافع العروبة:
ودعاكم داعي العروبة في الجلْـ ... ــلَى، فقمتم تخفّفون بلانا
لم نزل في الهوى، وإن شطّت الدّا ... ر على العهد – في الهوى– إخوانا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 287. (1/316)
صفحة 303
كلّما أَنَّ بالجزائر عانٍ ... أسْمَعت مصرُ صوته لبنانا
كبدٌ تلك، في العروبة حرّى ... أكسبتها هذي الجراحات شانا
لم تزل في انطلاقةٍ وانبعاث ... تتحدّى – رغم الزّمان – الزّمانا
ومضت للخلود والمجد تبني ... منذ ثارت، تحطّم الأوثانا (1)
1 – العروبة قيم ومثل، تقوم لتخفّف البلاء عن المبتلى، وتتحدّى صروف الزّمن، وتحطّم كل الأوثان والأغلال.
2 – كوّنت بين أبنائها هوى وحبًّا، ينجذبون بهما إلى بعضهم، ويقومون بشؤون بعضهم بالتّعاون والتّآزر والتّكاثف ...
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 176. (1/317)
صفحة 304
3 – بين النّصّ السّابق وهذا النّصّ تشابه في الكلمات والجمل والصّور، التي رسمت اللّوحتين عن العروبة: (وفي الجزائر أكباد، تفور دمًا)، (كبد تلك في العروبة حرّى). (فداء يعرب، يجري سيلها العرم)، (قمتم تخفّفون بلانا).وغيرها من التّراكيب التي بُني منها النّصّان. إنّ هذا يبيّن التّرابط الكبير بين الوطن والعروبة، كما يظهر مدى صدق الشّاعر في هذه القضيّة.
هذا طبعي أن يكون بين الأشقّاء، وأبناء العروبة هذا التّلاحم وهذا الرّباط؛ لأنّ أصولهم واحدة، وهمومهم مشتركة، وأفراحهم وأتراحهم قاسم مشترك بينهم. فلابدّ أن يكون هذا الانسجام والالتئام:
وفي الشّرق إخوان كرام أعزّة ... عروبتنا، كم عبّدت بيننا الطّرقا (1)
بهذه الطّرق المعبّدة يكون التّجاوب شعوريًا ووجدانيًا بين أبناء العروبة، والاستجابة لدواعي النّجدة والإغاثة:
نحن في هذه الجزائر إخوا ... ن، جراحاتنا الثّخينة حمرا
لحمة الضّاد والعروبة والتّا ... ريخ والدّين آي ربّك كبرى
__________
(1) المصدر السّابق، ص: 204.- (1/318)
صفحة 305
وهواها وماؤها وسماها ... وثراها الزّكيّ، شبرًا فشبرا
فاسألوها تجبكمْ من حشاها ... صرخات الجدود، تنذر شرّا
وتنادي: أليس فيكم رشيدٌ ... يدفع اليوم منكم القول جهرا (1)
هذا النّداء يفهمه العربي الأصيل أكثر، حين يُخاطَب فيه الضّمير، ويُهَزّ فيه الوجدان، ويُقدَّم له اللّوم عن التّقصير في القيام بالتزامه بما تُمليه عليه القيم التي ينتمي إليها، والتي تُمثّلها العروبة التي يتّصل بها بسبب وطيد. كما حدث مع القضيّة الفلسطينيّة، التي قدّم فيها الشّاعر وخزات للضّمير العربي، الذي قصّر في حقّها، ثمّ في لحظات الصّحوة من الغفوة، واليقظة من الغفلة، يقوم فيقول:
تيقّظ فيّ الضّمير العربي ... وطهّرني اليوم إيمانيَهْ
لئن نام – من قبل – فيّ الضّمير ... وأخلد للموت إحساسيَـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 283. (1/319)
صفحة 306
ـــــــــــــــــهْ
فإنّ العروبة تربأ بي ... وينهاني – اليوم – قرآنيَهْ
مصيرك آخذُه بيدي ... وأدعو – إلى الثّأر – إخوانيَهْ
وأقفو الجزائر في زحفها ... وأعضد ثورتها الغاليَهْ
أنا العربيّ الكريم الجدود ... أنا النّور في اللّيلة الدّاجيَهْ (1/320)
صفحة 307
أنا الشّعب، والشّعب لا ينثني ... أنا الحرّ، إن حلّت الدّاهيَهْ (1)
تظلّ العروبة – دائما - قيمًا في نظر الشّاعر. تستنفر الأبناء إلى فعل الخير، والقيام بالواجب، كلّ واحد نحو الآخر. وتنادي وتطالب برفع الغبن من الجميع عن الجميع.
اللّغة العربيّة مقوّم رئيس ومحوري، ونقطة ارتكاز في العروبة، الاعتناء بها واجب مؤكّد، ونصرتها والدّفاع عنها فرض محتوم. وقد أولى لها الشّاعر العناية والرّعاية والحماية، فكان يصرخ بأعلى صوته للاهتمام بها، ويناشد الجميع الالتفاف حولها. وكان يردّد:
اتّقوا الله في العروبة والفصـ ... ـحى، فكم صوّبوا إليها النّبالا
لغة العزّ والكرامة والمجـ ... ـدِ، تَهادى على الدّهور اختيالا
ذلّ شعبٌ لم يتّخذ لغة الأجـ ... ـداد حصنًا، ورام عنها انفصالا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 346، 348. (1/321)
صفحة 308
وعقوق البنين أعظم خطبٍ ... يرهق الشّعب ذلّة ونكالا (1)
يستقبل الشّاعر الإمام الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1307 – 1385ه/ 1889 – 1965م) فارس الضّاد وحامي اللّغة العربية، لمّا زار تونس سنة 1961م، ويشيد بمناقبه ومآثره، التي منها نصرة اللّغة العربية:
يا كريمًا، يطيب فيه النّظام ... التّحيات، أيّهذا الهمام
والذي أنقذ العروبة لمّا ... نصبت للعروبة الألغام (2)
يذكر أمام الإمام قيمة اللّغة العربيّة, ومكانتها في نفوس الكرام والعظام، ثمّ يشكوه عقوق أبنائها، وإهانتهم لها، ويطلب منه أن يتدارك الأمر بما يستطيع فعله لحماية اللّغة العربيّة من السّقوط وعقوق اللّئام:
واعتززنا بمنطق عـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 189، 190 ..
(2) - المصدر السّابق، ص: 240، 241. (1/322)
صفحة 309
ــــــــــــــــــــــــــــــــربيّ ... دنّست قدسَه الرّفيع لئام
لغةٌ، من دم الحشاشات مبنا ... ها، ولفظٌ تعنو له الأفهام
ومعان للمنتهى تتسامى ... صُعدًا، لا تَحدُّها الأجرام
شوّهتها – طوع الدّخيل– غرابيـ ... ـبُ، يغذّي عروقَها الانهزام
وابتغاها ضفادع الحيّ سُخفًا ... يسفعُ الأنفَ من هراها زكام
عوراتٌ، لم يُجدِ فيها حياءٌ ... وعقولٌ، ما حلّ فيها الفطام
ويله الشّعب، من عقوق بنيـ (1/323)
صفحة 310
ــــــه ... هم بنوه؟ أم هم عليه سهام؟
نحن نشكوك – أيّها الشّيخ - داءً ... يتلظّى في الشّعب منه، ضرام
فتدارك جراحه بعلاج ... أنت في سرّه العجيب إمام (1)
شبيه بِهذا الشّعور ما ذكّر به القرّاء عند رثاء شيخ أدباء تونس" العربي الكبادي":
فمضى يشتكي من القوم للفصـ ... ـحَى، ويدعو الجدود، تَجعلُ حدًّا (2)
إنّ العروبة والعربيّة أصل في بنية شخصيّة المجتمع الذي ينتمي إليه الشّاعر، وجذرٌ في التربة التي يدرج فيها، وجذع في الشّجرة التي ينحدر منها ... فلا يمكن الانفكاك عنهما، ولا التّخلّي عن المحافظة عليهما. شعره شاهد على ذلك، إنّها إحدى ثمرات تجربته الشّعرية، التي أصّلت فيه هذا المعنى، وركّزت فيه هذا المضمون، وجعلته خادمًا لهما:
قدس العروبة، والآيات شاهدة ... ما انفكّ تغمره حبًّا طوايانا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 243، 244.
(2) - المصدر السّابق، ص: 217. (1/324)
صفحة 311
وحرمة الضّاد في الأجيال ما فتئت ... يرتاش من نبلٍ معناها جناحانا (1)
ج - الجزائر قضيّة في تجربة مفدي زكريّاء الشّعرية
قال الشّاعر:
بلادي، التي أعنو احتسابًا لوجهها ... وأحمل في الأرزاء من أجلها إصرا
بلادي، التي من ذوب قلبي نظمتها ... نشيدًا، فغنّى الكون ثورتها شعرا
غمست بِمطلول الجراحات ريشتي ... فجاءت رسومي تلهب العقل والفكرا
وواكبتُ في الأعماق ثورة أمّتي ... ولا زلتُ حتّى أرسم البعث والنّشرا (2)
هذه اللّوحة حدّدت علاقة الشّاعر ببلاده:
1 – يذلّ الشّاعر لها ويخضع، ويلبّي كلّ ما تطلب، ويتحمّل كلّ عنت ونصب من أجلها. زاد هذا المعنى اتّضاحًا، وارتباط الشّاعر بالبلاد، حين لجأ إلى تعبير قرآني، يبيّن علاقة العباد بربّ العباد، وهي علاقة تذلّل وخضوع. قال تعالى: {وَعَنتِ الوُجوهُ للحيّ القيّوم وَقدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} (طه/ 111).
2 – احتلّت سويداء قلبه، ثمّ نظمها شعرًا، غنّاه كلَّ العالم.
3 – رسم جراحاتها بريشته، فأطلع الكون على مأساة بلاده. هذه هي رسالة الشّعر.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 297.
(2) - المصدر السّابق، ص: 317، 318. (1/325)
صفحة 312
4 – عاهد على مواصلة النّضال والعمل حتّى يبعث بلاده ويخرجها من محنتها مع العدوّ الغاصب، أي حتّى يحرّرها من الظّلم والقهر والطّغيان.
إنّ الشّاعر متيّم ببلاده، هائم في حبّها، مقدّر قيمتَها ومكانتَها ... عبّر عن هذا شعرًا. كانت فيه المبالغة المقبولة في هذه المواقف، والمسوّغة للكشف عن المشاعر، والإبانة عمّا يدور في الخاطر:
فكم كنت يا رحمن في الشّكّ غارقًا ... فآمنت بالرّحمن في الثّورة الكبرى (1)
بلادي، عرفتُ الله في قسماتِها ... وآمنتُ أنّ الله ليس له ثاني
بلادٌ، يَهيجُ الوجدُ، إن مرّ ذكرها ... وأهوى بها الشّعب النّبيل ويَهواني (2)
حمل الشّاعر الجزائر قضيّةً في شعره، تغنّى بقيمها وجمالها، وتحمّل من أجلها كل إصر، عرضها في كلّ نادٍ، وصرخ بها في كلّ وادٍ، وأقحمها في كلّ مجال، وصدح بها في كل فضاء. عمل على فكّ أسرها، وحثّ على تحريرها من كلّ قيد وغلّ، التزم بذلك في كلّ مواقفه وأشعاره، ونادى بذلك في كلّ المنابر والمحافل: ...
يا لائمي في هواها، إنّها قبس ... من الجزائر، والأمثال تنطلـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 309.
(2) المصدر السّابق، ص: 328. - (1/326)
صفحة 313
ـق
بنتَ الجزائر أهوى فيك طلعتها ... فكلّ ما فيك من أوصافها خلق
أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها ... آمنت بالله، لا كفرٌ ولا نزق
أرض الجزائر في إفريقيا قدس ... رحابُها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلب العروبة، لم يعصف بنخوتِها ... عسفٌ، ولا نال من إيمانِها رهق
نادى المنادي إلى التّحرير، يدفعها ... فاستصرخت من قيود الحجر تنعتق
يا ربّ عجّل بنصرٍ، كم وعدت به ... فإنّ بابك باب ليس ينغلق (1)
__________
(1) 1 - المصذر السّابق، ص: 26/ 28. القصيدة عنوانها: " بنتَ الجزائر .. أهوى فيك طلعتها"، مطلعها: سيّان عندي مفتوح ومنغلق ... يا سجن بابك أم شدّت به الخلق. (1/327)
صفحة 314
أظهر الشّاعر في هذه الأبيات، وهو في السّجن تعلّقَه بوطنه الجزائر، وهيامَه به، واستعدادَه الكامل والمطلق للدّفاع عنها، وتحريرها من كلّ غلّ وعبودية:
وأنت يا سجن، لو أفلتَّ ناصيتي ... رأيتني لخطوط النّار أخترق
لا أبتغي العزّ إلاّ في مغامرة ... إنّ السّماوات للمقدام تنفتق
روحي، وهبتكِ يا روحي فدا وطني ... زلفى إلى الله، لا منّ ولا ملق (1)
لشدّة غرامه بوطنه كان يتغزّل به، ويناديه " سلوى". يناديه من أعماق سجن "بربروس "، وفي ظلمة اللّيل، إذ لا يجد من يهمس إليه ويناجيه ويسمر معه سوى وطنه، الذي أحبّه حبًّا لا حدود له.
أمّا في قصيدته " اقرأ كتابك"، التي أرسلها من السّجن أيضًا، وخلّد بها الذّكرى الرّابعة لانطلاق ثورة أوّل نوفمبر. فقد حدّد فيها حقيقة هذه الجزائر، وقدّم عنها أوصافًا، بل أعطى عنها تعريفات، كتعريفات المناطقة أو العلماء للمصطلحات التي يتعاملون بِها في تخصّصاتهم، ليفهمهم من يتناول عناصر العلم الذي ينتمون إليه.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 28، 29. (1/328)
صفحة 315
هو يريد أن يقدّم للعالم حقيقة الجزائر، التي أراد أن يطمسها، أو يغيّر في شخصيّتها المحتلّ البغيض:
وقل: الجزائر واصغ إن ذكر اسمها ... تَجد الجبابر ساجدين وركّعا
إنّ الجزائر في الوجود رسالة ... الشّعبُ حرّرها، وربّك وقّعا
إنّ الجزائر قطعة قدسيّة ... في الكون، لَحّنَها الرّصاص ووقّعا
وقصيدة أزليّة، أبياتُها ... حَمراء، كان لها (نفمبر) مطلعا
نظمت قوافيها الجماجم في الوغى ... وسقى النّجيعُ رويّها فتدفّعـ (1/329)
صفحة 316
ـــــــــــــــــــــــــــا
غنّى بها حرّ الضمير، فأيقظت ... شعبًا إلى التّحرير، شمّر مسرعا
سمع الأصمّ رنينها، فعنا لَها ... ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا (1)
1 - الجزائر في قلب الشّاعر ساكنة، ولعقله شاغلة.
2 - هي قصيدة أزليّة، وقطعة قدسيّة، هي رسالة الله في الأرض.
3 – ذكر اسمها يرهب الجبابرة والطّغاة.
4 – هي ملحمة، قوافيها الجماجم، وروّيها الدّماء الحمراء.
5 – الجميع يصغي إليها وينظر، ويقدرها قدرها، حتّى الأصمّ والأعمى.
لهده المعاني التي تحملها الجزائر، ولهذه المكانة التي تحتلّها في العالم، أحبّها الشّاعر واعتزّ بالانتماء إليها. في هذا الوصف لحقيقة الوطن، ومكانته في النّفس، يكمن دور الشّعر في إظهار المشاعر، وتسجيل الخواطر. وهي التّجربة الشّعرية التي تميّز بها الشّاعر مفدي زكرياء. وهي رسالة صادقة وأمينة، يقوم بها الشّاعر الصّادق الأمين. هذا مِا نفيده من هذا العرض.
حبّ الشّاعر وطنَه، دفع به إلى تشديد اللّوم والنّكير على كلّ متقاعس في أداء واجبه نحوه، وتضييع حقوقه، وإلى صبّ جامّ غضبه على من يمسك أمواله، ويحبس
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 58. (1/330)
صفحة 317
نفسه عن التّضحية من أجله، والدّعاء عليه باللّعنات، والدّعاء بالخير لمن يسعى في سبيل إسعاده، وتحقيق آماله، والتّخفيف من آلامه:
وقومٍ، إذا جئتهم أمسكوا ... وشدّوا على الدّور أقفالَها
كرامٌ، مساريع في موبقات ... جبينُ المروءة يندى لَها
فيا لعناتُ احصدي أنفسًا ... عن الشّعب تُمسك أموالها
ويا صلواتُ اعضدي معشرًا ... غدوا للجزائر آمالها (1/331)
صفحة 318
وقالوا: سنبقى على عهدها ... وقالوا: نَموت ونَحيا لَها (1)
ناشد الشّاعرُ الجزائريَ الحرَّ أن يقوم ليحرّر وطنه من ربقة الأغلال التي كبّلته في الميادين المختلفة. ثمّ عرض مجموعة من الأعمال التّعسّفية التي مورست عليه، واستذلّ بِها شعبه، وسجّل على المتخاذلين المتقاعسين الخيانة، والنّفاق والخسران:
اتّقوا الله في الجزائر، يا نا ... سُ، فقد ضاقت الجزائر صبرا
عاث فيها الطّغاة عسفًا وظلمًا ... ورماها البغاة، جهلاً وفقرا
واستذلّت رقابها، فتراها ... وهي في أرضها، تَجوع وتعرى
واستبيحت أرزاقها، ليـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 277. (1/332)
صفحة 319
ــــــــس إلاّ ... (قيصر) يَملك الحياة و (كسرى)
إنّ كفًّا غدت تفرّق ما قد ... جَمع الله في الجزائر بترا
ولسانًا، في الحقّ أخرس، لَم يصـ ... ـرخْ بوجه الفساد، ضعْ فيه جَمرا
وضميرًا منافقًا، ظلّ يَختا ... ل، ويَختان شعبه، باء خسرا
والخؤون الخؤون، من لَمْ يعالج ... كبدًا في الجزائر، اليوم حرّى (1)
نصرة الجزائر لا تكون إلاّ بالعمل الميداني الجادّ، وليس بالحركات التي لا تقدّم شيئًا ملموسًا، ولا تحرّك حسًّا، كالاكتفاء بإظهار المشاعر والعواطف، وكتقديم الدّعاء وقراءة القرآن، وكإنشاد الأناشيد، والتّغنّي بالوطن ... من دون قرن ذلك بالعمل والحركة:
وهل نصرنا، كفاحًا في جزائرنا ... يشقّ (سبعًا شدادًا)، ملؤها شَمم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 281، 282. (1/333)
صفحة 320
بالمال والنّار لا (بالعطف) نُنْجدها ... فلا الأناشيد تغنيها، ولا النّغم
ولا (الصّلاة على الأموات) تكسبها ... نصرًا، ولا الخطبُ الجوفاء والكلم
ففي الجزائر (حيفا) و (الجليل)، وفي ... أرض الجزائر جرح العرب يلتئم
لن يطمئنّ على استقلالهم عرب ... وفي الجزائر نار الحرب تضطرم (1)
إيمان الشّاعر وقناعته بأنّ للجزائر مكانة خاصّة، ومكانًا متميّزًا في السّاحة العربيّة، جعلته يخاطب الأشقّاء العرب ويقول لهم: لا تحلموا بالأمن والاستقرار، ما دامت الجزائر لم تحصل على حريّتها، ولم تطرد الدّخيل من أرضها. ويحثّ الجارتين مرّاكش وتونس على السّعي لتحرير الجزائر، فهي قلب المعرب العربي، وهما الجناحان، فكيف يمكن للصّقر أن يطير من دون قلب. إنّ هذا الشّعور الذي يسكن قلب الشّاعر ناتج عن الحبّ الشّديد لوطنه، والإخلاص غير المحدود له:
وفي المغرب الجبّار شعب مكافح ... تسانده الدّنيا، وتسمو به الحربُ
على خافقيه: تونس ومرّاكش ... تحاول تحليقًا، فيثقلها الخطبُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 302، 303. (1/334)
صفحة 321
جناحان في صقرٍ، تصدّع قلبه ... وكيف يطير الصّقر، ليس له قلبُ (1)
يذهب الشّاعر ببلاده بعيدًا، حين يقرّر أنّها الجناح الذي يتحرّك به المغرب العربي، ومن دونه لا حركة ولا حياة تكون في المنطقة. هل هو الحبّ الأعمى للوطن؟ هل هو الإخلاص والتّفاني في سبيل الموطن؟ هل هي المشاعر الطّافحة الطّاغية، تفعل كلّ هذا؟ فرأَى الجزائرَ الوطنَ الأغلى في العالم، والأغنى في الوجود!! هكذا يصوّر الشّعر العواطف، ويقدّم المشاعر. إنّها تجربة الشّاعر مفدي زكرياء الغنيّة الثّرية، التي تعلّم كيف يكون التّعبير، وكيف يتمّ التّصوير ... قال مخاطبًا وطنه:
المغرب العربيّ، أنت جناحه ... حرّك جناحك يصعد المنطاد
ولتشهد الدّنيا هنالك وحدة ... جبّارة، تُفتحْ لَها الآباد
شعب الجزائر قام يبني صرحها ... بدمائه، والحادثات شداد
اِقبل تحيّته، وبارك حربـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 181. (1/335)
صفحة 322
ــــــــــــــــــــــــــه ... فبفوزه تتجدّد الأعياد (1)
نظم الشّاعر سنة 1961م قصيدة " فلسطين على الصّليب". نقرأ فيها ملامح الوطنيّة، وتعلّق الشّاعر بوطنه الجزائر؛ رغم أنّ الموضوع يخصّ فلسطين. في التّناول نقف على قيمة التّجربة، حين تأتي من شاعر متمرّس متمكّن، ومن فنّان يحمل رسالة، ويتبنّى قضيّة.
إنّ من بين عناصر القصيدة مشهدَ تعهّدِ ابن الجزائر على العمل لتحرير فلسطين، وهو المشغول والمثقل بِمهمّة تحرير أرضه أوّلاً.
1 - إنّ تسليط الضّوء على فلسطين، ومعاهدة ابن الجزائر على تحريرها، هو تعبير عن اللّحمة التي تربط العرب ببعضهم، ودليل على التّضامن الذي يجب أن يسودهم ويحكمهم.
2 - فيه رسالة موجّهة إلى فرنسا المستعمرة الحاقدة، المصرّة على إذلال الشّعب الجزائري، والمصمّمة على التّمسّك بقرار البقاء في الجزائر إلى الأبد، وعدّها قطعة من فرنسا، وجزءًا لا ينفصل عنها.
3 – فيه إعلان على العزم والإصرار على التّحرّر والانعتاق.
4 – في آخر القصيدة العبرة والمغزى والهدف والرّسالة والحقيقة والعقيدة، والمواقف المتّخذة، والأفكار المتبنّاة ... وهي نتائج التّجربة الشّعرية الرّائدة.
5 - إنّ هذه القصيدة تحمل قضيّة التّحرّر والانعتاق ورفع الذّل والخزي والعار. وقد ربط فيها الشّاعر بين قضيّة تحرير الجزائر وقضيّة تحرير فلسطين، وقرن فيها عمل ثوّار الجزائر بعمل ثورة كلّ العرب على العدوان والتّسلّط.
6 - سجّلت القصيدة خيبة آمال فلسطين في العرب؛ نتيجة تقاعسهم وتخاذلهم. وهو تسجيل للشّعور العام الذي يصيب أحرار العرب من قضايا العروبة والإسلام.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 172. (1/336)
صفحة 323
7 – إنّ تضمين الشّاعر توبة العربي من غيّه، والاستفاقة من غفلته، والقيام من غفوته ... دعوة إلى الالتفاف حول القضيّة الفلسطينيّة، والتّضحية من أجلها، ومنها الدّعوة إلى الاهتمام بكلّ القضايا العربيّة؛ إذ أنّها القضيّة المحورية في الحياة العربيّة والإسلاميّة، ومنها يرتفع الذّلّ عن العرب والمسلمين، فيسمو بهم إلى السّماوات العلى، أو يزداد، فيرديهم ويمرّغ بهم في الثَّرى.
8 – في طريقة عرض أفكار القصيدة، وسرد مشاعرها، تتكوّن القضيّة، وتكون رسالة الشّعر، التي يقوم بها في الوجود، ويضطلع بها في الحياة، ويسوق بها المجتمع.
ننهي هذا المبحث عن الجزائر قضيّة في شعر مفدي زكرياء بما ذكره في آخر إلياذته، التي تلخّص رسالته الشّعريّة. ومنها نفهم علاقته ببلاده التي أبعد عنها قسرًا وقهرًا:
أرى في كيان الجزائر ذاتي ... بكلّ اعتزاز، وكلّ اعتداد
وما زلت عنها بدنيا القلوب ... سفير القلوب، بدون اعتماد
وإنّي بتخليد مَجد بـ (1/337)
صفحة 324
ـــــــــــــــــــلادي ... مقيمٌ على العهد، رغم البعاد
بلادي، بلادي، الأمان الأمان ... أغنّي علاك، بأيّ لسان؟
جلالك، تقصر عنه اللّغى ... ويعجزني فيك سحر البيان
إليك صلاتي، وأزكى سلامي ... بلادي، بلادي، الأمان الأمان (1)
* عوامل نجاح تجربة مفدي الشّعرية وأسبابها
تجربة الشّاعر مفدي زكرياء الشّعرية متميّزة، وبخاصة ما قاله عن ثورة التّحرير الجزائريّة، التي أبدع فيها إبداعًا كبيرًا. فما هي عوامل هذا الإبداع؟ وما هي أسباب هذا النّجاح؟
هناك عوامل كثيرة أسهمت في هذا الإبداع وهذا النّجاح، منها ما يأتي:
__________
(1) - مفدي زكريّاء، إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكرياء، الجزائر، 2004م، ص: 99، 100. (1/338)
صفحة 325
1 – الأصالة في عرض التّجربة، والتّعبير عمّا يعتلج ويتفاعل في صدر الشّاعر، أصالة في ابتكار أشكال هذا التّصوير، وأصالة في الصّدور فيه من الأصول التي تحكم المجتمع الذي ينتمي إليه، ويتحرّك فيه، ويعبّر عنه. هذه الأصول نابعة من الرّوح الإسلاميّة، ومن الطّابع الوطني اللّذين يحرّكان فيه مشاعره، ويوجّهان تجربته الشّعرية؛ مصبوغةً بصبغتهما، ومطبوعةً بطابعهما، فهي تخرج من رحمهما، وترجع إلى تربتهما. نأخذ مثلا على هذا المظهر من لوحة فنّية، وصف فيها الشّاعر نوفمبر. فيها تصوير لنجاعة ثورة أوّل نوفمبر، وتسجيل لانتصاراتها الكثيرة الكبيرة على العدوّ، وفيها دعوة للصّمود والثّبات في الميدان، ومواصلة النّضال والجهاد، وفيها صبغ المعركة مع المحتلّ بالصّبغة الإسلاميّة، وتقدير توفيق الله ومباركته للعمل الثّوري، ونصرة المجاهدين الصّامدين في مضمار المعركة:
تباركت شهرًا بالخوارق طافحًا ... وسبحان مَنْ بالشّعب في ليله أسرى
فكم كنت يا رحمن في الشّكّ غارقًا ... فآمنت بالرّحمن في الثّورة الكبرى
وكم كنت بين (الكاف والنّون) حائرًا ... ومذ قلتَها – ياربّ – جنّبتني الكفرا
ولبّاك شعبٌ، كاد يفقد ظنّه ... بوعدك لولا أنّه يَحفظ الذّكرا
ويقرأ في التّنزيل، عند (1/339)
صفحة 326
صلاته ... بأنّك بعد العسر، تغمره يسرا
وأشربته حبّ الشّهادة، فارتَمى ... على غمرات الموتِ، تلهبه الذّكرى
وطالبته بالمهر، إن رام عزّة ... فأسرع من أرواحه يدفع المهرا
ولقّنته أنّ الجهاد عقيدة ... طوى الأزل العلويّ في صدرها سرًّا
ودون منال المَجد حشرٌ ومعبرٌ ... فراح على آكامه يقطع الجَسرا
وأعلنت إفلاس السّياسة، فانبرى ... لسوق المنايا صامدًا، يفتح التِّجرا (1)
أ - في اللّوحة تظهر قوّة المشاعر، في الحديث عن الثّورة التّحريرية، وسرد البطولة التي أبداها الشّعب في مقاومة المستعمر، وفي الدّعوة الصّارخة إلى وجوب التزام المقاومين بمنهج القوّة في التّصّدي والتّحدّي للقوّة الاستعمارية العاتية،
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 309، 310. (1/340)
صفحة 327
فالشّاعر يهمس في آذان المجاهدين، ويلقي في روعهم أن هكذا فلتكونوا، وبهذا فلتعملوا، يجب الالتزام بهذه الوصفات:1 - الإيمان بوجوب المقاومة، 2 - اليسر يأتي بعد العسر، 3 - الإقبال على الشّهادة برغبة وصدق، 4 - وجوب بذل الغالي والنّفيس مهرًا للعزّة والكرامة، 5 - الجهاد عقيدة، 6 - لبلوغ المجد جسر، قوامه التّضحية والفداء، 7 - الحياة لا تكون ولا تأتي إلا عن طريق الموت ...
ب – هذه المعاني وهذه المغازي هي من ثمرات الإيمان، ومن نتائج الصّدور عن عقيدة راسخة ثابتة. جسّدها الشّاعر وسجّلها بشاعريته المبدعة الرّائعة باختيار صور من الثّقافة الإسلاميّة. فليلة أوّل نوفمبر هي ليلة الإسراء. والنّصرُ على العدوّ وعدٌ من الله. والإيمان الصّادق ثمرة العقيدة الصّحيحة. والجهاد واجب ديني.
ج – لإبراز هذه الأفكار والصّور انتقى الشّاعر لغة قويّة في ألفاظها وتصويرها: (الخوارق، الثّورة الكبرى، الشّهادة، ارتمى، الجهاد، جسر، انبرى، المنايا، صامدًا ... ). جمعت هذه الكلمات بين القّوة ودقّة التّصوير. هذه القوّة نابعة أصلاً من القرآن الكريم، الذي يراه الشّاعر المصدر الذي يلهمه القوّة على تحقيق ذاته ووجوده، وصيانة شخصيّته، والظّفر بحريّته، واسترجاع كرامته ... القرآن أعطاه فضيلة القوّة في التّحدّي والمغامرة، وقهر العدوّ، وردّ الظّلم، وتحدّي الموت، ونبذ الصّغار ورفض الحياة الذّليلة، ولفظ العيش المهين ... وهو ما استلهمه في هذه اللّوحة، وفي شعره بعامّة ليبلع به الأهداف التي سطّرها وخطّط لها. وقد نجح في هذه التّجربة نجاحًا كبيرًا. (1)
2 - الصّدق في التّعبير والتّصوير، ونقل المشاعر، وبثّ الخواطر.
__________
(1) - شعره كلّه ينضح بالنّفحات القرآنيّة، الذي كان يستلهمه في التّعبير والتّصوير، ينظر نماذج عن هذا كتابنا أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث. من قصائده التي برزت فيها آثار القرآن والأصول العربيّة واضحة، " وقال الله"، ص: 30 – 41. (1/341)
صفحة 328
هذا الصّدق الذي توفّرت لتجربة مفدي الشّعرية حصلت؛ لأنّ شعره كان نابعًا من خفقات قلبه، ومن نبضات ثورة شعبه، ومصطبغًا بلوم دمائه، وكان قد قطّره من شرايين كبده، واستمدّ نغمه من وقع سلاسل المسجونين الأحرار ... قال:
وما ذاك إلاّ أنّ شعري من دمي ... يفجّره وعيي وحسّي ووجداني (1)
من قصيدة " قالوا نريد "، الذي أنشدها الشّاعر أمام ملك المغرب محمد الخامس باسم الجزائر الثّائرة سنة 1955م. نعرض هذه الأبيات:
قالوا: نريد، فقيل للأقدار ... كوني، فكانت رجّة الأقدار
قالوا: نريد، فقال ربّك، نلتم ... فمشيئتي وإرادة الأحرار
يا أيّها الملك الحبيب، مَحبّة ... وتَحيّة، من حافظ لِجوار
مولاي، خذها نفحةً من
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 321. (1/342)
صفحة 329
شاعر ... ما كان يومًا في القريض يُجاري
كلماته بالمعجزات طوافحٌ ... وحديثه كالكوكب السّيّار
وروّاته عجبٌ، بكلّ مَحلّة ... لا فرق بين مُجاهد وهزار
ميزانها قلب الجزائر نابضًا ... ورنينها من صرخة الثّوّار
إنّ الجزائر أمّة عربيّة ... تسعى إلى استقلالها وتُجاري (1/343)
صفحة 330
بارك – فديتك - يا محمد سعيها ... وجِهادها، واخلد مع الأنصار (1)
نقل الشّاعر إلى ملك المغرب مشاعره نحو ثورة بلده، بعبارات وكلمات تعبّر عمّا يموج في صدره، وما يغمر كيانه. فكلماته نفحة شاعر. وهي بالمعجزات طوافح. وحديثه كوكب سيّار. رواة شعره كافّة أفراد الشّعب، من دون استثناء، فهناك مجاهد في المعركة يردّد كلماته، وهزار يطرب لها؛ استحسانًا، وتجاوبًا معها.
هذه الكلمات هي ميزان الجزائر ونبضاتها، هي حقيقتها وماهيتها، لأنّ نغماتها تردّدات وذبذبات الثّوّار الذين يجاهدون لتحرير الجزائر، إنّها الحقيقة التي تقدّم الجزائرَ لكم أيّها الملك وللعالم؛ لذا فإنّ هذه الكلمات صادقة ومخلصة في طبيعتها.
وقال عن ثورة التّحرير أيضًا:
غنّى بثورتها الرّهيبة شاعرٌ ... وشدا يُخلّد في العصور قتالَها
واشتقّ من نبضاتها أوزانه ... واختار من لون الدّماء جمالَها
صهرته آلام الجزائر، فانبرى ... يَختطّ من آلامه أشكالَها (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 113، 117، 118.
(2) - المصدر السّابق، ص: 131، 132. (1/344)
صفحة 331
التزم الشّاعر بالتّغنّي بثورة بلده، ونشر أخبارها في العالم كلّه، ليعرف حقيقتها، ويخلّد أعمالها ونضالها، هذا الإعلام كان منحوتًا من نبضات الثّوّار، وملوّنًا بلون دمائهم؛ إشارة بهذا إلى قوّة تصوير هذه الثّورة، المنبعث من قوّة نضالها، والتّلميح أيضًا إلى صدق التّعبير وتقديمها للكون.
إذن إنّ نجاح الشّاعر في الحديث عن الثّورة الجزائريّة؛ تسجيلاً لوقائعها وأحداثها، وتهليلاً بانجازاتها، وتبشيرًا بالانتصار فيها ... إنّ النّجاح في هذا، تبيّنه اللّوحة الآتية:
هذا نشيدي –بني أمّي– سكبت به ... روحي، قوافيه أنّات وتنهيد
وهذه كلماتي، صغتها حكمًا ... يَحلو بِها اليوم إنشادٌ وتغريد
ميزانُها خفقات القلب نايضة ... ولَحنُها في فم الدّنيا زغاريد
قطّرتُها من شراييني، ومن كبدي ... في ذمّة الله والتّاريخ يا عيد (1)
هذه أبيات من قصيدة طويلة وجّهها الشّاعر للأمّة سنة 1953م، وهي تحتفل بطلبة العلم. بيّن فيها لبني أمّته مشاعره نحو هذه الأمّة، وما يجب أن يقوموا به للنّهوض بها. هذا التّقديم كان نشيدًا وحكمًا، وتغريدًا وزغاريد. كلّ هذا كان ميزان خفقات القلب النّابض، قطّرتها شرايين الشّاعر وكبده، فجاءت الكلمات
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 272. (1/345)
صفحة 332
شديدة في نبراتها، قويّة في طاقتها، عالية في روحها، متّسقة في لحنها .. هذا الذي منحها الصّدق، ثمّ القبول والتّجاوب مع المتلقّين. وكم كان يردّد هذا الشّعور في شعره:
هذي تَحيّة شاعر، يسمو به ... في دولة الأدب الرّفيع نظام
ورسالة صاغ (الشّهيد) بيانَها ... وزكا بِها في الخالدين (عصام)
أسرى بِها من بربروس خياله ... وهفت به لِحماكم الأحلام
غنّى بِها في اللّيل، يعزف لَحنها ... وقع السّلاسل، والرّفاق نيام
والقلب بالأنّات يقطع بَحرها ... دقّاته الأوزان والأنغام (1)
قاموس الشّاعر في هذا المعنى كلمات وتراكيب متكرّرة. ِما يدعو إلى تقرير سِمة الصّدق في شعوره، والتّقيّد بصيغ واحدة في تعبيره. فخطاب الشّاعر تحيّة وسلام دائمًا؛ تقديرًا للجهاد والنّضال والوفاء لمن هو في الميدان. وشعره رسالة لكلّ من يعنيه أمر خطابه. وكلماته أنّات وآهات وآلام تنقلها لحنًا وغناء أوزانُ قلبه، وأنغامُ شعره، ويغنّيها الثّائرون بما يحملون من أسلحة، وما يكون عليهم من قيود
__________
(1) 51، 52. - المصدر السّابق، ص: (1/346)
صفحة 333
وسلاسل في السّحون وفي الفضاءات المختلفة ... في كلّ هذه المظاهر التّعبيرية والتّصويرية يكمن الصّدق والوفاء.
3 – الواقعية في التّعامل مع معركة التّحرّر
كسب الشّاعر الرّهان في تجربته الشّعرية؛ لأنّه كان واقعيًا في تعامله مع معركة التّحرّر. ففي كلّ أشعاره كان يعلن أنّ هناك سبيلاً واحدة في انتزاع الحقّ المغصوب، وطرد العدوّ من الحمى، ألا وهي استعمال القوّة في ذلك؛ لأنّ ما أخذ بالقوّة، لا يستردّ إلاّ بالقوّة، ولأنّ تجاربه مع قوى الطّغيان والعدوان أثبتت له أنّ كلّ منهج خارج هذا الإطار لا يجدي نفعًا، بل هو لا يزيد العدوّ إلاّ عتوًّا وغلوًّا في القهر والظّلم والتّعسّف. قال سنة 1960م في المؤتمر القومي للثّورة الجزائريّة، المنعقد في ليبيا:
أضرّ به معذّبه فثارا ... وأرهقه مسخّره فطارا
رأى طرق السّياسة شائكات ... ففضّل ساحة الشّرف اختصارا
ولا تُجدي السّياسة معْ ذئابٍ ... تصرّفهم غدَا خزيًا وعارا
ولا تُجدي السّياسة معْ لصوص ... تستّرُ بالدّجى، تَخشى (1/347)
صفحة 334
النّهارا
وخير سياسة الأرض قولٌ ... إذا ما قلته ألهبت نارا
ومن طلب الكرامة وابتغاها ... يقدّم مهرها المهج الحِرارا
نزلنا للجهاد، وقد سئمنا ... وعودًا، في الفضا طارت بُخارا
وعفنا من رجالك يا فرنسا ... كِذابًا، لَمْ نطق معه اصطبارا
نرى استقلالنا عدلاً وحقًّا ... فرنسا، لَمْ تزل فيه تَمـ (1/348)
صفحة 335
ـــارى
له فوق الحماجم قد صعدنا ... وفي تَحقيقه خضنا الغمارا
فلا نرضى به أبدًا بديلاً ... نعيم الخلد، لو نعطى الخيارا (1)
الواقعيّة في مخاطبة جمهور الشّعب الجزائري، وتوجيهه الوجهة الصّحيحة في الكفاح، والتّعامل مع العدوّ، كانت نتيجة خبرة طويلة، وعقبى ممارسة كبيرة في الاحتكاك بالمحتلّ، أقنعت الشّاعر الثّائر المناضل أنّ غير لغة القوّة لا تجدي مع الظّالم المستبدّ. هذه الحقيقة نقلها الشّاعر شعرًا إلى مخاطبيه، ليقنعهم بها، وليثير فيهم الحماسة لينهجوا منهجه في النّضال. هذا مِا أكسب النّجاح لتجربته الشّعرية.
القصيدة في عمومها حملت صفة التّحدّي، وروح المقاومة، والمعاهدة على مواصلة الجهاد في معركة الحريّة والكرامة. قال عن هذا الشّعب الذي اقتنع بهذا المنهج مصداقًا لهذا التّقرير للواقع في موضع آخر:
ويعلن بالرّشاش حقّ وجوده ... ويدفع للتّحرير مليون قربان
تصوم به الآلاف عن أكل
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 152، 153، 155. (1/349)
صفحة 336
لقمة ... يقدّمها – مسمومة – كفّ سَجّان
نذرنا نصوم الدّهرَ، أو يطهر الحمى ... وتُنصَفَ في التّاريخ ثورة (مقراني)
وتسمننا الأحجار، نقضم صخرها ... ونبلع إن جعنا شعاليل نيران (1)
* الخاتمة
حاولنا واجتهدنا في هذا البحث المتواضع تقديم صورة تقريبية عن تجربة شاعر الرّسالة والقضيّة، وشاعر المواقف والوقفات الحاسمة، في مسيرة النّضال والكفاح والمقاومة؛ وأجهدنا أنفسنا للتّعريف بِخصائص هده التّجربة الرّائدة المتميّزة؛ لنقدّمها للطّامحين في السّير في طريق الشّاعر، فينتجوا أدبًا رفيعًا، ويكتبوا فنًّا بديعًا، يؤدّون بهما ما أدّاه مفدي زكرياء بفنّه وتجربته الشّعرية الرّائعة. نقول – وبكلّ موضوعيّة - عجزنا أن نصل إلى هذا الهدف، بالمستوى الذي يرقى إليه أدب شاعر الكلمة المسؤولة، والجملة الأمينة، والبيت الصّادق، والقصيدة الملهبة الملهمة.
إنّ تجربة الشّاعر الشّعريّة غنيّة بعناصر تكوين الشّخصيّة والكيان والأركان، ثريّة بأسباب العمل المؤسِّس للبناء الحضاري، وسنيّة في توفير عوامل المقاومة والمناهضة لكلّ ما يمسّ الكرامة، وينال من الإباء. تجربته الشّعرية مدرسة تعلّم كلّ هذه الأشياء. وهو ما حاولنا الكشف عنه في هذه الصّفحات القليلة.
ركّزنا على شعر الثّورة، وقد وجدناه أحسن ما ينقل إلينا خصائص هذه التّجربة الشّعريّة، بالمواصفات التي أشرنا إليها سابقًا. مضمون هذه التّجربة كَشَفَ عن تاريخ الجزائر النّضالي الكبير، في معركة الكرامة، وأَبْرَزَ الدّور الخطير للفنّان المتمرّس الملتزم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 325، 326. (1/350)
صفحة 337
القويّ في معركة الوعي والنّهوض بالأمّة. وهي نقطة الارتكاز، والعمود الفقري في شعر مفدي زكرياء.
بهذه التّجربة الشّعرية الرّائقة الرّائدة نجح الشّاعر مفدي زكرياء في أداء رسالته في نصرة القضايا العادلة، وخدمة بلاده، والنّهوض بالشّباب الصّاعد الواعد. لهذا كتب لشعره الخلود، ولتجربته أن تكون محلّ عناية واستلهام واسترفاد من الذين يطمحون في تنمية تجاربهم. قال هو نفسه عن هذه التّجربة وعن شعره:
بلادي، وقفت لذكراك شعري ... فَخلّد مَجدك في الكون ذكري
وألهمني فصدعتُ الدّنا ... بإلياذتي في اعتزاز وفَخر
وكنت أوقّع في الشّاهقاتِ ... خطى الثّائرين بألحان صدري
فَخلّد قدسُ اللّهيب بياني ... وأذكى لهيب الجزائر فكري
وإن يَجحدوني، فَحسبـ (1/351)
صفحة 338
ـــي أنِّي ... وهبت الجزائر فكري وعمري (1)
القرارة يوم الأحد: 17 من محرّم ... 1431هـ
03 من جانفي 2010م
الرّؤية الإسلاميّة في إلياذة الجزائر (2)
تمهيد
الأدب ذاكرة تخزّن التّجارب، وسجلّ يحفظ المآثر، ووسيلة تنقل المشاعر، ورسول يذيع الخواطر، وأسلوب يبلّغ الأفكار، ومطيّة توصل إلى الأهداف، وتساعد على نيل الأوطار. الأدب يعمل على توجيه المسيرة، ويحرص على بثّ الوعي، ويجتهد في تطوير الحياة، ويجاهد من أجل إصلاح المجتمع، ويمضي في سبيل استشراف المستقبل ... هو بذلك يحمل رؤى، ويتبنّى مواقف، وينهض بمسؤوليات، ... لذا لابدّ أن يكون ذا شخصيّة متميّزة، حاملاً هويّة خاصّة، مُصبَغًا بصبغة معيّنة ... هو بذلك يعدّ أحد مرتكزات الأمّة وأعمدتها في تخطيط مسيرها، وتعيين مطيرها، وتحديد مصيرها.
الأديب الذي يحمل مبادئ إسلاميّة، ويتشبّع بالرّوح الإسلاميّة، ويفهم رسالته في الوجود، ويعي دوره في الميادين التي يتحرّك فيها، ويعرف حدود العالم الذي ينتمي إليه (عالم الأدب) ... لن يتخلّف عن أداء ما يفرضه عليه هذا العالم الذي يحتضنه، وهو ينتسب إليه. حين يلتزم بذلك يحقّق هويّته أديبًا. يقول الدّكتور محمد ناصر: "إنّ الأدب من المنظور الإسلامي لا يكتمل إلاّ من خلال رسالة يحملها،
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 97. اللّهيب: إشارة إلى ديوان الشّاعر " اللّهب المقدّس"، الذي حلّد به مسيرة الثّورة التّحريريّة الجزائريّة.
(2) - أعدّ البحث لملتقى: " الأبعاد الدّينيّة في شعر مفدي زكريّاء"، الذي ينعقد في مدبنة (تلمسان عاصمة الثّقافة الإسلاميّة)، الجزائر، لسنة: 1432هـ/ 2011م. تاريخ الملتقى يومي: 17، 18 من ذي القعدة 1432ه/ 15، 16 من أكتوبر 2011م. (1/352)
صفحة 339
ومسؤوليّة ينهض بأعبائها، لأنّ الله إنّما خلق الإنسان ليؤدّي رسالة، خلق من أجلها ... ولا تتمّ رسالة الأديب المسلم إلاّ إذا كان واعيًا برسالته الحضاريّة هذه، حاملاً بين جنبيه قلبًا يفيض بالمحبّة والإشفاق لكلّ إخوانه المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، يشجى لآلامهم، ويندّد بأعدائهم، ويكشف عوار الخونة والمنافقين ... إنّ هذا الشّعور الفيّاض، بل أقول: إنّ هذا الوعي من الأديب المسلم هو وحده الكفيل بمدّ جسور المحبّة والتّفاعل بينه وبين المتلقّين ... " (1)
حدّد هذا النّصّ عناصر مهمّة في صفة الأديب المسلم:
1 – صاحب رسالة محدّدة، تتمثّل في تسخير أدبه في أداء الواجب الذي من أجله وُجد.
2 – هذا الواجب هو الرّسالة الحضاريّة، التي تسعى للبناء والتّمكين للمبادئ الأصيلة أن تسود في الأرض، وتتجسّد في الواقع المعيش ثمارًا طيّبة، وخيرًا يعمّ في الأرض ...
3 – سبيل تحقيق ذلك حبٌّ يغمر قلب الأديب، يشمل كلّ البشريّة، وشفقةٌ ورحمةٌ تعمّان كلّ المسلمين بخاصّة، ما يدفعانه إلى الاهتمام بآمالهم، والاهتمام من آلامهم، هذا الشّعور وهذا التّفكير يساعدان على ربط جسور المحبّة بينه وبين من يخاطبهم، ومن يفكّر فيهم، والمحبّة سبيل التّعاون على البرّ والتّقوى، وطريق إلى البناء والتّعمير. فميزة الأدب الإسلامي هي خدمة الحياة بالبناء والإصلاح. (2)
4 – هذه المواصفات التي يتّسم بها الأديب المسلم، وينطلق منها في عمله الأدبي، تحثّه وتفرض عليه واجبًا آخر، هو تطهيرُ المجتمع الإسلامي من كلّ مظاهر
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، خصائص الأدب الإسلامي، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1993م، ص: 22 – 24.
(2) - ينظر محمد الرّابع الحسني النّدوي، الأدب الإسلامي وصلته بالحياة، ط1، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، 1405ه/ 1985م، 27. (1/353)
صفحة 340
الانحرافِ والتّخلّفِ والخروجِ عن الأصول، ومحاربةُ كلّ ما يلوّث المحيط، ويفسد البيئة، مهما يكن هذا الفساد، أو هذا التلوّث.
الشّاعر مفدي زكريّاء (1326 – 1397ه/ 1908 – 1977م) صدر في شعره عن هذه المواصفات، والتزم به محاربةَ كلّ المظاهر التي تسيء إلى الشّخصيّة الإسلاميّة، ومناهضةَ كلّ خلق يصدم الأصالة، والتّشنيعَ على كلّ فعل يخلّ بالحياء، والتّنديدَ بكلّ عمل يشين بالسّمت، ومباركةَ كلّ مُبادرة وَتَحَرُّكٍ يكونان في الطّريق الصّحيح، وفي إطار المقوّمات التي تصدر عن الدّين والأمّة والوطن. فكانت مفردات: (العقيدة (1)، الإيمان (2)، الإسلام (3)، الأخلاق (4) الهداية (5)، العروبة (6)، الأصالة (7)، الجزائر (الوطن) (8)، الشّعب (9)، الضّمير (10) ... ) هي الكلمات المفاتيح، التي تفتح بها شخصيّته الإسلاميّة، وهي المعايير والقيم التي تقاس بها أقواله وأفعاله ومواقفه، كما هي المحطّات التي تختزن وتحتوي رؤاه الإسلاميّة، وتقود إلى الموضوعات التي عالجها، والقضايا التي تبنّاها، والمسائل التي عرض لها ... وتسوق إلى إدراك ما تتميّز به.
__________
(1) - ينظر الإلياذة،:62، 122، 123، 139، 146 ...
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص:62، 110، 123، 132، 134، 139، 148 ...
(3) - ينظر المصدر السّابق، ص: 123،131، 134، 146، 148،
(4) - ينظر المصدر السّابق، ص: 132، 133، 142.
(5) - ينظر المصدر السّابق، ص: 59.
(6) - ينظر المصدر السّابق، ص: 70.
(7) - ينظر المصدر السّابق: 54، 59، 123، 129، 132، 133، 142، 143، 146، 151 ...
(8) - ينظر المصدر السّابق، ص: 39، 40، 42، 43، 44، 71، 72، 100، 132، 134 ... وردت كلمة الجزائر بنداء بلادي عشرات المرّات في الإلياذة.
(9) - ينظر المصدر السّابق، ص: 47، 100، 110،123، 132، 143، 158 ...
(10) - ينظر المصدر السّابق، ص:123، 141، 146، كلّ ما أثبتناه هو أمثلة فقط. (1/354)
صفحة 341
فمفدي زكريّاء شاعر مبادئ، وشاعر رسالة، وشاعر قضيّة، وشاعر وَحدة، وشاعر الأصالة، وشاعر الالتزام ... هذه الأوصاف تبوّئه وتمنحه مرتبة الأديب المسلم. نقرأ ونلمس هذا في مضامين شعره، وفي معجمه الشّعري، وفي الأساليب التي كتب بها، وفي رموزه التي بنى بها صوره الشّعريّة، وفي رؤاه الإسلاميّة التي توجّه شعره، وتصبغ شعوره، وتلوّن مشاعره ... : " إنّ المطّلع على إنتاج مفدي لا يخطئ تلك الرّوح الدّينيّة التي تسري في شعره، لتأثّره الشّديد بالقصص القرآني، وبالتّاريخ الإسلامي عمومًا، سواء في ذلك في مضمونه، أو معجمه اللّفظي." (1)
إنّ شخصيّة مفدي زكريّاء الإسلاميّة، والالتزام بالعرض الإسلامي يبدوان أكثر وضوحًا وجلاء في إلياذته الخالدة، التي كتبها ليخلّد اسم وطنه الجزائر المسلمة العربيّة الأصيلة، بعد عشر سنوات من نيل استقلالها، واسترجاع سيادتها وأصالتها، التي تحتمي بالإسلام، وتتقوّى بالإيمان، وتترسّخ بالعقيدة. (2)
يريد أن يقول – بتوجيهها إلى أبناء الجزائر -: هذه هي هويّتكم، وهذا هو كيانكم، وهذه هي مبادئكم وأصولكم التي دافع عنها آباؤكم طويلاً، ودفعوا عليها دماء زكيّة، واندفعوا يبذلون من أجلها نفوسًا غالية أبيّة، وأموالاً طائلة سنيّة، بلدكم أمانة في أعناقكم، احفظوا له أصالته، وادفعوا عنه الاغتراب والدّخلاء، صونوه بالإيمان، وحصنّوه بالعقيدة، وذودوا عنه بالأخلاق. هذه المعاني تردّدت في أغلب أبيات الإلياذة.
__________
(1) - مفدي زكريّاء، إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء والدّيوان الوطني لحقوق المؤلّف والحقوق المجاورة، الجزائر، 2004م، ص: 27.
(2) - نظمها سنة 1392هـ/ 1972م وألقى جزءًا منها (ستّمائة وعشرة أبيات)، - وهو ما تمّ نظمه، إلى ذلك الوقت- في قاعة نادي الصّنوبر بالجزائر العاصمة، بمناسبة انعقاد ملتقى التّعرّف على الفكر الإسلامي السّادس. (1/355)
صفحة 342
صبغُ مفدي زكريّاء أغلى ما كتب، وطبعُ ما نظم في أواخر حياته، بهذه الصّبغة، وهي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، وبهذا الطّابع الذي لا يعلوه طابعٌ (1) ... يكشف عن الجانب الإسلامي في شعره، ويبرز الرّؤية الإسلامية في معالجاته. وإذا علمنا أنّ إلياذته هي تلخيص لشعره في مضمونه وشكله، وتتويج لشاعريّته، وترديد لكثير من المعاني التي جاءت في أثناء قصائده ... أدركنا صفة الالتزام التي صبغت شعره. الذي يدعو الأدباء الإسلاميّين أن يصبغوا أدبهم به، على: "أساس أنّه موقف ورؤية ومبدأ ومسؤوليّة، ومن منطلق أنّ ما يحكم تجارب
__________
(1) - يقول الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم عن مفدي زكريّاء: " وأخبرًا وكأنّه أحسّ بقرب الميعاد مع خالقه، سبحانه وتعالى، إذ توفِّيَ بعد ذلك بقليل. فها هو يمجّد بلاده للمرّة الأخيرة، وهو بودّعها الوداع الأخير، قبل أن يعود إليه جثمانه الهامد، وروحه تحوم عليه، وترفرف خفّاقة فوق طائرة جزائريّة تقلّه من تونس، بأمر الرّئيس الرّاحل هواري بومدين، ليوارى في تربة بلاده، وفي وادي ميزاب بالذّات قائلا:
بلادي، بلادي، الأمان، الأمان ... أُغنِّي علاك، بأيّ لسان؟
جلالك تقصر عنه اللّغى ... ويعجزني فيك سحر البيان
إليك صلاتي، وأزكى سلامي ... بلادي، بلادي، الأمان، الأمان
(إلياذة الجزائر، ص: 33). (1/356)
صفحة 343
الأدباء صفات ثلاث: إيمان وعمل صالح وانتصار للإسلام، كما حدّدت ذلك الآية الكريمة: {إِلاَّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالحاتٍ وَذَكروا الله كَثِيرًا وانْتَصَرُوا منْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِيُونَ} (الشّعراء: 227) " (1)
لهذه الميزة التي تميّزت لها إلياذة الجزائر، ونظرًا لضيق مجال الدّراسة ... ىرتأيت أن أقدّم هذه الإلياذة نموذجًا للرّؤية الإسلاميّة في شعر مفدي زكريّاء. فما هي حقيقتها؟
إلياذة الجزائر سجّل للقيم والمبادئ الإسلاميّة
إنّ إلياذة الجزائر التي تعدّ " نشيد الأناشيد" و" جمع الجوامع"، أنتجته عبقريّة مفدي زكريّاء، الذي توفّرت له عوامل موضوعيّة: فكريّة ونفسيّة وفنّيّة، ساعدته على الإبداع والتفنّن في الكتابة الشّعريّة الهادفة، التي منها " إلياذة الجزائر". هذه العوامل هي التي مكّنته: " من أن يطلع العالم بهذا العمل الرّائع، الذي ترصّد فيه أمجاد السّيف وأمجاد القلم، منذ القديم البعيد، ثمّ نظمها في عقد فريد، أو "نشيد الأناشيد"، لينفخ من خلاله التّاريخ في نفوس الأجيال، فتزداد اعتزازًا وحماسة وتطلّعًا، ويصل المشاعر، فيزداد تماسُكًا ورسوخًا وقوّة" (2)
حرص مفدي زكريّاء – في هذا العمل الرّائع - على تقديم تاريخ الجزائر للأجيال، بكلّ سماته وصفاته ومقوّماته، التي تجسّد القيم والمبادئ الإسلاميّة، وقد سمّاها الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم (وزير التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة في السّبعينيّات من القرن العشرين) (ت 1992م) " الإلياذة الجزائريّة العربيّة الإسلاميّة
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر بوحجام، الرّؤية الإسلاميّة في كتاب: أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1418هـ/ 1997م، ص: 10.
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 27، 28. (1/357)
صفحة 344
العالميّة" (1) يمكن تحديد بعض ما تميّزت به من زاوية الرّؤية الإسلاميّة، والتّصور الإسلامي:
1 – كشفت عن جانب مهمّ في الشّخصيّة الجزائريّة، الذي منحها القوّة والشّدّة والثّبات، هذه القيم هي ثمار من غرس الإسلام، الذي يربّي أبناءه عليها؛ حتّى ينشؤوا على خلّة الالتفاف حول المبادئ والأصول، والتّمسّك بالقيم، ثمّ ليكونوا بعدها صالحين لحمل رسالته الكبيرة العالميّة الخالدة: " فمن الصّفات التي عرف بها الشّعب الجزائري منذ القرون البعيدة، تمسّكه الشّديد بقيم ومبادئ، شكّلت على مَرِّ العصور خصائصه المميّزة، فشبّ عليها، وجسّمها في حياته الخاصّة والعامّة، ودافع عنها دفاع المستميت ضدّ جميع الغزاة المحتلّين.
ولم تكن تلك القيم والمبادئ مقصورة على جيل متفرّد من أجياله، أو مرحلة متميّزة من مراحل تاريخه، وإنّما هو طبع أصيل، زاده الإسلام وهجًا وتألّقًا وصقلاً، عندما أنار ربوع الجزائر بنور هدايته، وتشرّب أهلها تعاليمه السّمحة، وانصهروا في ظلّ قيمه الخالدة، فتوحّدت القلوب بالعقيدة، وتوحّدت الألسن بالقرآن، وتوحّد السّلوك بالخلق الإسلامي الرّفيع، وبرزت الشّخصيّة الجزائريّة قويّة وضّاحة، إسلاميّة الرّوح، عربيّة اللّسان، إنسانيّة الطّابع. لتسهم بفعاليّة في إغناء الحضارة العربيّة الإسلاميّة الواسعة." (2)
هذه القيم، وهذه الصّفات وهذه المكاسب، التي ميّزت الشّخصيّة الجزائريّة، حرص مفدي زكريّاء على تسجيلها وحفظها في ذاكرة الشّعب الجزائري، في الوقت نفسه، كان يوجّه رسالة إلى الأجيال المتلاحقة يريد منهم أن يحفظوها، ويعملوا بمقتضاها، ويطوّروا مسيرتهم نحو الأفضل والأحسن، مع المحافظة على الأصالة، والتّمسّك بالقيم والمبادئ.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 34.
(2) - المصدر السّابق، ص: 24. (1/358)
صفحة 345
فما قدّمته الإلياذة تاريخ، يحوي تجارب وقواعد العمل وفق أصول. هذا الذي أعطى لها قيمة كبيرة خالدة. يقول الأستاذ مولود قاسم معلّقًا على الإلياذة، ومبرزًا أهميّة التّاريخ، الذي تضمّنته: " فالتّاريخ هو الأهمّ، والبداية والنّهاية، وبيت القصيد، والزّبدة من كلّ ثقافة، ليس فقط للتّعريف بالأنجاد والأمجاد (1) وليس فقط لاستخلاص التّجارب، ولكن أيضًا لغرس الاعتداد بالنّفس، وتعميق الوعي بالذّات، وتوطيد الاعتزاز بالوطن.
وليس هذا من باب التّغنّي بالماضي، والاكتفاء بما تركه لنا الأجداد، بقدر ما هو عمليّة إبراز الأسس الأصيلة للبناء عليها في انطلاقتنا الجديدة، مع الاستفادة من تجارب الأمم في جميع الأزمنة، وبأخذ ضرورات عصرنا بالاعتبار." (2)
2 – يقول مولود قاسم: " الإلياذة أحسن سجّل لتاريخ الجزائر حتّى اليوم، أي أحسن كتاب فيه وعنه وله. وحتّى إذا ما كتب هذا التّاريخ يومًا ما بصفة كاملة شاملة، فستبقى إلياذة الجزائر أروع تاريخ للجزائر، وأكثر وقعًا في النّفوس، وأسهله على الحفظ والتّذكّر والاستشهاد في معرض الاستشهاد والاحتجاج." (3)
3 – الإلياذة جمعت بين رسم الجمال وسرد الجلال، هي تختلف عن الإلياذات التي كتبت عبر التّاريخ؛ إذ أنّها لم تروِ الأساطير، إنّما خلّدت أمجادًا، ونقلت وقائع وواقعات وأحداثًا حقيقيّة، وأرسلت رسائل مع هذا السّرد، وهذا العرض. ومزجت بين السّرد التّاريخي والعرض الفنّي الرّائق، لذا كتب لها أن تكون دائما جديدة في قراءتها وسماعها؛ لأنّها سجّل تاريخي، وتحفة أدبيّة، وموعظة حسنة، ورسالة مقدّمة وموجّهة إلى كلّ من يقرؤها ... فالتّاريخ عند مفدي زكريّاء: " وعي وحسّ وحضور. فهو ينفذ إلى ما وراء الأحداث والأسماء والأرقام، ليستخلص مواطن القوّة والعظمة، ويستشفّ معاني الجمال وأسرار الحكمة. فقد امتزج عنده الحسّ التّاريخي بالحسّ الفنّي، فجاءت على يديه ملحمة البطولات والأمجاد، على تقادم العهد، حيّة نابضة بالدّم، تثير كوامن الوجدان، وتحرّك سواكن الأشجان، قبل أن تجيء وقائع وأحداثًا ومواقف، يتأمّل فيه الفكر، وينظر مدى رجحانها في الميزان. وليس هذا بعزيز على شاعر موهوب، فقديمًا قال أرسطو: (الشّعر أكثر تعبيرًا عن الحقيقة من التّاريخ) " (4) في هذا المعنى يقول مفدي زكريّاء وعن إلياذته:
وقالوا: انحرفتَ بإلياذة ... تلوم الشّباب، ومثلك يعلو
هوميروس أرّخ، لم ينتقد ... وشهنامة الفرس بالوصف تغلو
فقلت: وشعر الخرافات يفنى ... وشعر اليطولات لا يضمحلّ (5)
__________
(1) - الأنجاد: هي جانب الجمال الطّبيعي من الإلياذة، والأمجاد: هي قسم الجلال، أي التّاريخ والدّيمومة والدّوام (مولود قاسم).
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 35.
(3) - المصدر السّابق، ص: 30.
(4) - المصدر السّابق، ص: 27.
(5) - المصدر السّابق، ص: 155. (1/359)
صفحة 346
هذه المميّزات سجّلت للإلياذة فضائل الأصالة، وحفظ التّاريخ، ونشر القيم، وتحريك الهمم، وتنشيط الأذهان، وإثارة الوجدان، ... هذه الخصائص تعدّ عوامل مكّنت إلياذة الجزائر أن تسهم في تقديم تاريخ الجزائر صافيًا، مع إتاحة الفرص للعيش معه، والاستمتاع به، والإفادة منه في البناء والإصلاح والتّقويم ... لذا حريّ بنا أن نوليها الاهتمام الكبير، والاحتفاء اللاّئق بها. يقول الأستاذ مولود قاسم: " والإلياذة تستحقّ كلّ هذا وأكثر، فهي إلياذة الجزائر، أي أجمل وأكمل صياغة لتاريخها، بآلامها وآمالها، بانتكاساتها وانتصاراتها، كما هي وظيفة التّاريخ لأيّة أمّة من الأمم، إذ هو عقلها، كما كان يقول الفيلسوف الألماني (آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer ): ( التّاريخ للأمم هو كالعقل للأفراد)، إذ أنّه هو مرشدها ودليلها، وخلاصة تجاربها، وسجّل مجدها ووجودها، كأمّة بين الأمم، بتأكيده عناصر الشّخصيّة، ومكوّنات الذّاتيّة، والأصالة لديها، وإعطائها وجهًا بارزَ السّمات، ووجودًا متميزًا هو عنوانها، وبه تعرف وتُنادَى في المحافل." (1)
هذه الإلياذة التي اتّسمت بطابع الأصالة، وقوّة الصّياغة، وجودة العرض، استحقّت أن تنال الإعجاب والتّقدير، وتظفرَ بالاهتمام والعناية؛ فقد نقلت التّاريخ، وحملت رسائل، ونجحت في ذلك؛ لأنّ صاحبها يمتلك شخصيّة قويّة متميّزة، فما هي سماتها؟؟
شخصيّة مفدي زكريّاء المسلمة
شخصيّة الشّاعر مفدي زكريّاء الإسلاميّة تكشف عنها هذه الأبيات من إلياذة الجزائر:
تقدّس واديك منبت عـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 34، 35. (1/360)
صفحة 347
ـــــــــــزّي ... ومسقط رأسي، وإلهام حسّي
وربضَ أبي .. ومرابع أمّي ... ومغنَى صباي، وأحلامَ عُرسي
وفخرَ الجزائر، فيكِ تناهَتْ ... مكارمُ عُربٍ، وأمجادُ فرس
وأحفاد أوّل من ركّزوا ... سيادةَ أرضِ الجزائرِ أمْس
دماءُ ابنِ رستُمَ ملءَ الحنايا ... صوارخُ يُلهبنَ عزّةَ نَفْس
وعرقُ الأصالة طهّر طبعي ... ونور الهداية أذهب رجسي (1/362)
صفحة 348
وكرّمتُ باسمِ المفاخر قومي ... وشرّفتُ باسمِ الجزائرِ حنسي
إذا للكريهة نادى المنادي ... بذلتُ حياتي، وودّعتُ أنسِي
وَإنْ للسّخاءِ استجابَ كريمٌ ... ففي الجودِ لَقَّنْتُ أروعَ درس
وإن شيّدُوا للبقا والخلودِ ... جعلتُ وفاتي دعامةَ اُسِّ (1)
الاعتزاز بالشّخصيّة، والارتباط بالأرض: مسقط الرّأس، ومرعى الصّبا، ووطن الانتماء، وموطن الأصالة ... والوفاء للآباء، وتسجيل مآثر الماضين، والرّجوع إلى التّاريخ، والاعتراف بالفضل لمن ربَّى وكوَّن، والالتزام بالاغتراف من منابع الأصالة، والمعاهدة على خدمة الوطن، والذّود عنه، والتقيّد بالقيم، والتّحلّي بالأخلاق الحسنة ... كلّ ذلك يرسم صورة شخصيّة مفدي زكريّاء، التي كانت تتبنّى الرّؤى الإسلاميّة، المنطلقة من مبادئ ثابتة وقواعد راسخة، لتلتزم سلوكًا قويمًا؛ فتنتج مواقف حاسمة أصيلة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 59. (1/363)
صفحة 349
هذه الشّخصيّة المتميّزة بالأصالة هي من نتاج أرومة أصيلة، وهي فردٌ من جنس شعب مؤمن، أُشرب العقيدة، وعَرفَ الاستسلام لربّ الجلالة. غُرِس فيه الوفاءُ للإسلام، وغُذِّي بالأخلاق التي زرعت فيه الإخلاص ... ما الذي صنع كلّ هذا؟ إنّه الدّين الذي غمر الأرواح بنوره، وأسكن اليقين في القلوب ... :
شربتُ العقيدة حتّى الثّماله ... فأسلمتُ وجهي لربّ الجلاله
ولولا الوفاءُ لإسلامنا ... لَما قرّر الشّعبُ يومًا مآله
ولولا استقامة أخلاقنا ... لَما أخلصَ الشّعب بومًا نضاله
ولولا تحالف شعبٍ وربّ (1) ... لَما حقّق الرّبُّ يومًا سؤالـ
__________
(1) - في هذا المعني قال الشّاعر نفسه سنة 1957م:
وقال الله: كن يا شعبُ حربًا ... على من ظلَّ لا يرعى جنابا
وقال الشّعبُ: كن يا ربُّ عونًا ... على من بات لا يخشى عقابا
فكان، وكان من شعبٍ وربٍّ ... قرارٌ أحدث العجب العجابا
(اللّهب المقدّس، ط2، منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة، الجزائر، 1973م ص: 32) (1/364)
صفحة 350
ـــــــــــه
هو الدّين يغمرُ أرواحنا ... بنور اليقين، ويُرسي العداله (1)
الرّؤية الإسلاميّة هي التي حدّدت هذه الملامح التي يكون عليها الفرد والشّعب معًا، هناك العقيدة والإسلام والشّعب، الكلمات والمضامين التي يدور حولها شعر الشّاعر، وهي في الحقيقة من مقوّمات الأصالة، التي ترتبط كلّها بالدّين، فيوثّق صلتها بالرّبّ، الذي يرعي النّفوس، ويبثّ فيها اليقين، ويزرع فيها الإيمان.
مفدي زكريّاء يتّفق مع أحمد شوقي في دور الأخلاق في تقويم النّفس، حين يقول:
صلاحُ أمرك للأخلاق مرجعـ
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 123. (1/365)
صفحة 351
ــــــه ... فقوّم النّفس بالأخلاق تستقم
مخالفة هذا النهج، والابتعاد عن الدّين، وفقد الإيمان ... يؤدّي إلى الهلاك، ثمّ الزّوال، كما قال مفدي زكريّاء:
إذا الشّعب أخلفَ عهد الإلهِ ... وخان العقيدة، فارقبْ زواله (1)
الشّعب الجزائري (وهو جزء من الأمّة الإسلاميّة) يجب أن يبقى مسلمًا، ويتحرّكَ في حياته، ويدبّر أموره بروح إسلاميّة، ويربط كيانه بالدّين الإسلامي، ويستلهم مسيرته ونشاطه من المنابع الإسلاميّة. فكيف كان ينظر مفدي زكريّاء إلى الأعمال التي يقوم بها الجزائريّون وهم يقدمون على التّحرّر من كلّ تبعيّة وهيمنة وسيطرة؟
الرّؤية الإسلاميّة للعمل والتّحرّك
مفدي زكريّاء يرى أنّ التّحرّك الذي أبداه الجزائريّون (يجب أن يلتزموا به) كان إسلاميًّا في روحه وطبيعته، لهذا كتب له النّجاح. يمكن التّدليل على هذا بقطعة من الإلياذة تسجّل حقيقة ما قام به الجزائريّون في أثناء حربهم التّحريريّة، فتخلّصوا من نير الاستعمار، وانعتقوا من تسلّطه على دينهم وثقافتهم ... :
تأذّن ربّك ليلةَ قدرِ ... وألفى السّتار على ألف شهر
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/366)
صفحة 352
وقال له الشّعبُ: أمرَكَ ربّي! ... وقال له الرّبّ: أمرُكَ أمري!
ودانَ القِصاصُ فرنسا العجوز ... بِما اجترحتْ من خداعٍ ومكر
ولعلع صوتُ الرّصاص يدوّي ... فعافَ اليراعُ خرافاتِ حبر
وتأبى المدافعُ صوغَ الكلامِ ... إذا لم يكن من شُواظٍ وجمر
وتأبى القنابل طبعَ الحروفِ ... إذا لم تكن من سبائكَ حُمْر (1/367)
صفحة 353
وتأبى الصّفائحُ نشرَ الصّحائـ ... ـــفِ، ما لم تكن بالقرارات تسري
ويأبى الحديد استماع الحديث ... إذا لم يكن من روائع شعري
نفمبرُ .. غيَّرتَ مجرى الحياة ... وكنتَ - نفمبر - مطلع فجر
وذكّرتنا في الجزائر بدرًا ... فقمنا نضاهي صحابة بدرِ (1)
ثورة التّحرير الجزائريّة إسلاميّة صرفة في مكوّناتها وسيرورتها، دليل ذلك:
1 - باركت السّماء انطلاقتها، فكانت بدايتها في ليلة مباركة، تشبه ليلة القدر في قيمتها؛ اللّيلة التي نزل فيها القرآن، الذي كان يمنًا وخيرًا على العالم كلّه، وكانت ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م نعمة على الجزائر؛ إذ صارت فاتحة خير لتحرير البلاد من دنس الاستعمار، ونشر نور الحريّة والانعتاق والاستقلال.
2 – استجاب الرّبّ لنداء الشّعب، ونفّذ وعده في نصرة المستضعفين، وعزّة المؤمنين المجاهدين، وقال له: أمرك أمري، أنا معك في كفاحك ونضالك.
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 100. (1/368)
صفحة 354
3 – معركة التّحرير الجزائريّة المظفّرة هي معركة بدر الخالدة؛ كلتاهما كانت نصرًا للإيمان على الكفر، ودحرًا للظّلم والظّالمين، وكلتاهما أتَتْ بالتّغيير الذي أبدل بالحياة الشّقيّة حياةً سعيدة، بل كلتاهما غيّرتْ مجرى الحياة نحو الأحسن. كما أنّ من روح معركة بدر وأبطالها استمدّ مجاهدُو ثورة أوّل نوفمبر القوّة الإيمانيّة والعدّة المعنويّة، والإرادة الفولاذيّة ... إنّ ارتباطَ الشّاعر بالدّين، وتشرّبَه لأبعاده، وتَأَصُّلَ ذلك في أعماق الشّعب الجزائري، هو الذي جعله يربط ثورة نوفمبر بمعركة بدر العظيمة. وقال في موضع آخر:
وَحَدّثَنا عن يومِ بدرٍ محمّدٌ ... فقمنا نُضاهي صحابة بدرِ (1)
4 – صبغَ الشّاعرُ صورةَ الجهاد في الثّورة التّحريريّة بصبغة القرآن؛ باستعماله ألفاظًا قرآنيّة، مثل قوله: بما اجترحت من خداع ومكر. (اجترحت) كلمة قرآنيّة وردت في سياق بيان الله منزلة من اكتسب السّيّئات، في الدّنيا والآخرة، وفرنسا ارتكبت واجترحت ما تستحقّ به القصاص. قال تعالى: {أمْ حَسِبَ الذينَ اجْتَرَحُوا السّيّئاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ كالذينَ آمنُوا وعملُوا الصّالحاتِ سواءٌ مَّحْياهُمْ وممَاتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُون} (الجاثيّة: 21)
وقوله: (من شُوَاظٍ وجمرِ)، وردت لفظة (شُواظ) في قوله تعالى: {يُرْسَلُ عليْكُمَا شُواظٌ منْ نارٍ ونُحاسٌ فلا تَنْتَصِرانِ} (الرّحمن: 35). كما يُرسَل على الثّقلين: الجنّ والإنس الضّالين المكذّبين لهب وصُفْرٌ مذابٌ، كذلك فإنّ الشّاعر لا يرضى إلاّ النّار والجمر يصيب بهما فرنسا الظّالمة.
__________
(1) اللّهب المقدّس، ص: 309 - (1/369)
صفحة 355
الرّؤية الإسلاميّة، والتّصوّر الإسلامي هما اللّذان ألهما الشّاعر تقديم أعمال الثّورة الجزائريّة بهذه الصّورة، والكشف عن كنهها، الذي ليس سوى الإسلام مجسّدًا في سيرورتها.
ظلّ التّصوّر الإسلامي هو الموجّه لمعالحة الشّاعر حالَ الجزائر، فبعد أن حسم الجزائريّون أمرهم مع فرنسا، وأجبروها على الاعتراف بحقّهم في استرجاع سيادتهم، أرادت أن تجرّب معهم أسلوبًا آخر؛ عساها تفلح في الحصول على فرصة أخرى للبقاء في الجزائر، فابتكرت مهزلة الاستفتاء على تقرير المصير والتّصويت على الاستقلال (بنعم أو لا). سجّل الشّاعر موقف الشّعب برؤية إسلاميّة في مضمونه وشكله:
أتَى أمرُنا صارخًا فانطلقنا ... ولذنا بوحدتنا فانعتقنا
وفاوَضَنا القومُ في أمرنا ... وأمرِ سيادتنا .. فرفضنا
وقالوا: سنُجري عليها اقتراعًـ (1/370)
صفحة 356
ـــــــــــــــــــا ... بلا، ونعم – خدعة – فاعترضنا
فرنسا .. تناسيتِ ما ليسَ يُنسى ... أما في نفمبرَ .. كنَّا اقترعنا؟! (1)
وأجْرَى علينا الرّصاصُ انتخابًا ... وخضَّبَ أوراقَنَا .. فانتخبنا؟!
وقلنا، وقالت لنا الكائنات: ... خذُوا حِذركُمْ واثبتُوا، فثبتنا (2)
عرضت فرنسا على الجزائريّين استفتاء سخيفًا، وقدّمت مشروعًا دنيئَا، يَمْنَح الجزائريّين استقلالاً داخليًا، مع التّبعيّة لفرنسا. رأى الشّاعر والجزائريّون أنّ هذا العرض حيلة وخدعة وطعم، تريد أن تصطاد به بعض السّدّج، ومن لا يفقه العواقب جيّدًا، والشّعب هو أصلا لم يقبل بهذا، وقام وتحرّك فأبطل كلّ المؤامرات.
__________
(1) - وردت الإشارة إلى ذلك في قصيدة الشّاعر" اقرأ كتابك " التي نظمها في السّجن سنة 1958م:
شعْبُ الجزائرِ، قال في استفتائه ... لا!! لن أُبيحَ من الجزائر إصبعَا
واختار يوم (الاقتراع) نفمبرَا ... فمضى وصمّم أن يثور ويقرعَا
(اللّهب المقدّس،، ص: 57)
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 115. (1/371)
صفحة 357
سجّل الشّاعر هذا الموقف برؤية إسلاميّة، وأعطاه صبغة إسلاميّة، وربط ذلك ببعض الآيات القرآنيّة، ليبيّن أنّ المنطلق في تحرّكات الجزائريّين هو دائمًا قرآنيّ، وما يقومون به هو توجيه قرأني. وردت في الأبيات إشارة إلى قوله تعالى: {أتَى أَمْرُ الله فلا تستعجلوه سُبْحَانَهُ وَتَعالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (النّحل: 1) في هذا الاستلهام إشارة إلى عدم التّراجع عن الموقف أبدًا، وأنّ الاستقلال لا محيد عنه، كاستحالة عدم قيام السّاعة.
في البيت أيضُا إشارة إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا الله كثيرًا لَعَلّكُمْ تُفْلِحون} (الأنفال: 45)
كما وظّف الشّاعر قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ اِنْفِرُوا جميعًا} (التّوبة: 71) الاستعمال كلّه توجيه قرآني، ومعالجته استلهام قرآنيّ.
هذه النّهج القويم، وهذا الالتزام الرّكين، اللّذان كانا في حرب التّخلّص من الاستعمار الدّخيل على الشّعب، يفرضان مواصلة الحرب الدّاخليّة على ما يمسّ الأصالة، هذا التمسّك بهذا الأسلوب، وهذا النّداء منطلقهما الرّؤية الإسلاميّة إلى العمل والجهاد، والبقاء في الميدان لمحاربة كلّ ما يضرّ الدّين، مهما يكن شكله ولونه ومصدره وأثره:
إذا ما انتصرنا بحرب الخلاص ... فثورتُنا اليوم حربُ الأصاله
نَهدنا لمعركة المستـ (1/372)
صفحة 358
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى ... نربّي النّفوس، ونغزو الجهاله
ويصنع إيماننا أمّة ... قوامًا .. فترجفُ منها الضّلاله
وإنْ ينصر الشّعب حرب الضّمير ... أَقَمْنَا بوحي الضّمير احتفاله (1)
حرب الضّمير التي يدعو إليها الشّاعر، حرّكت في قلبه أشجانًا وكمدًا ووُجدًا؛ بسبب ما لاحظه من انحرافات في حياة النّاس وبخاصّة الشّباب، الذي أحزنه ما آلت إليه حاله من الدّوس على القيم، وهتك الحرمات، والاستهتار بالمقوّمات، وهو ما ينذر بكوارث خطيرة للأصالة، وضربات قاسية للشّهامة، ومساس فطيع بالطّبائع الصّالحة. هذه الحسرات وهذه النّفثات يقذفها إلى الخارج ما يحمله الشّاعر من روح إسلاميّة في داخل نفسه، وقد انطلق من هذه الرّؤية الإسلاميّة وهو يعالج الموضوع:
طبائعنا صالحات جليله ... تعاف انحلال النّفوس الذّليله
وتأبى رُجولتنا الابتـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 123. (1/373)
صفحة 359
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــذال ... وأحلاسَه والشّعور الطّويله
تخنّثَ هذا الزّمانُ ودبّتْ ... خنافيسُ هِبِّي، تُشيعُ الرّذبله
ونافِسَ آدمُ حوَّاءَهُ ... دلالاً وغُنْجًا، وذبحَ فضيله
وجرّتْ ذُيولَ الطّواويس هذي السْ ... سَراويلُ وَهْيَ القِصارُ الطّويله
ولولاَ النّهودُ لما كُنْتَ تَفْرُ ... قُ بينَ جميلٍ، وبينَ جميلَـ (1/374)
صفحة 360
ه
وشَاعَ الشّذوذُ، وذاعَ الحشيشُ ... وأصبحَ للموبقات وسيلَه
وتَقْرَفُ آذانَنا القاذوراتُ ... فلمْ تُجْدِ في صرفها أيُ حيلَه (1)
هذه الموبقات التي لا تقبلها الطّبائع السّليمة، وهذه القاذورات التي تزكم الأنوف، وهذه الأعمال الشّنيعة التي تأباها المروءة، ولا ترضاها الفحولة، وتأباها الرّجولة ... لا تتناسب مع الأصالة التي هي سمة أرض الجزائر، بحسب ما يراه الشّاعر، لأنّها ضَلالة:
وأرض الجزائر أرض الفحول ... فأينَ الشّهامَةُ؟ أينَ الرّجوله؟؟
ومن لمْ يَصُنْ حُرُماتِ البـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 124. (1/375)
صفحة 361
ــــــــــــلادِ ... وَيَذْرُ النّفاياتِ .. قد خانَ جيلَه (1)
هذه الهموم التي حملها الشّاعر تكشف عن شدّة اهتمامه بالشّباب، الذي آلمه ما آل إليه حاله، وهو الذي يرى فيه أمله ومستقبل الأمّة، فكيف كانت معالجاته لأحواله؟ وما هي الرّؤى التي يحملها نحوه؟
رؤية الشّاعر للشّباب
إنّ الرّؤية الإسلاميّة إلى الحياة، جعلت الشّاعر مفدي زكريّاء ينظر إلى تصرّفات الشّباب نظرات ناقدة، ويكشف على المنحرف منها، وينبّه إلى العواقب التي تفرزها وانعكاسِها على مستقبل الأمّة. هذه المظاهر غير السّليمة ولّدت في نفسه شعورًا بالإحباط، وأوجدت في قلبه حسرات وآلامًا.
سجّل في إلياذته أسفه الشّديد على سلوك الشّباب: مُعتقدًا وسيرة وتوجّهًا. حدث منه كلّ هذا لانحرافه عن سواء السّبيل، وتركه الإسلام، وانخداعه بالمذاهب الهدّامة المستوردة من خارج البيئة الإسلاميّة:
أمانًا من الخطر الدّاهم ... ومن معولٍ قاصفٍ هادم
غزى المذهبيّون عقلَ الشّباب ... بِمُستورد آفنٍ آثـ
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/376)
صفحة 362
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
وزاغُوا بهم دون إسلامهم ... إلى مذهبٍ، ليس بالسّالم
ودسُّوا شيوعيَّةً كالوباء ... كما يُصرَفُ السُّمُّ للطّاعم
وقالُوا: التّقدُّمُ شرعُ الحياةِ ... وَكم ركضَ الحُلْمُ بالنّائم
وقالوا: الرّجُوعُ إلى الدّين رجعى ... وأنّ الحياة مع القائـ (1/377)
صفحة 363
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
فَضَلَّ الشّبابُ البرئُ انخداعًا ... برقطاء في جلدها النّاعم
ولجّ مع الأرذلين انحرافًا ... عن المبدأ الخالد الدّائم
وبثَّ أساتذةٌ في الشّباب ... رواسب مستعمر غاشم
وقيل: دكاترة عالمـ (1/378)
صفحة 364
ــــــــــــــــــــــــون ... فويلٌ لمستهتر عالم (1)
اللّوحة رسمت صورة عن سلوك الشّباب الذي أقضّ مضجع الشّاعر، وقدّمت الحقيقة التي كان عليها الشّباب الذين ضحّى من أجله المجاهدون والشّهداء، وهم يتطلّعون إلى توفير الحياة، التي تضمن السّير في الصّراط المستقيم، وتكفل المحافظة على الأصالة، والتّمسّك بالمبادئ، والالتفاف حول الأصول، وعدم الوقوع في دائرة المذاهب التي تتعاكس مع الانتماء الحقيقي الأصيل.
المرارة التي أحسّ بها الشّاعر في قلبه، والغصّة التي حبست أنفاسه ... جسّدتها كلمات دقيقة اختارها الشّاعر بعناية، ووضعها في سياق التّراكيب التي صوّرت هذه الحالة المقلقة، الكلمات هي: (الخطر، معول، هادم،، آفن، آثم، غاشم، مستهتر وباء، السّمّ، رقطاء، الأرذلين، انحرافًا، انخداعًا، غزا، زاغو ... )
هذه الكلمات نحتها الشّاعر من مشاعره، المصطبغة بالرّؤية الإسلاميّة، التي صوّرت له وبيّنت له أنّ ما صدر عن الشّباب انحراف خطير، يحمل وباء فتّاكًا بالمجتمع الذي حرص هو وغيره من الأحرار الغيورين على الأصالة أن يحموه من السّقوط في مهاوي الضّلال والغيّ ...
رأى الشّاعر في تصرّفات الشّباب ميوعة، وتفسّخًا، وضياعًا وتيهًا ... تهدّد المجتمع بالاضمحلال والزّوال؛ لأنّ الشّباب الذي تكون هذه حاله لا يقوى على البناء والنّهوض بالمجتمع، ولا يعوّل عليه في المحافظة على المكاسب، وعلى صون الكيان:
تفسّح هذا الشّباب وماعـ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 131. (1/379)
صفحة 365
ـــا ... وخرّبَ أخلاقه وتداعى
فويل الجزائر والمسلمين ... إذا دنّس النّشءُ هذي الطّباعا
وكيف يسوس البلادَ غبيّ ... بليدٌ، أضاع الضّمير فضاعا؟
ومن يطمئنَّ لأقدار شعب ... إذا استخلف الشّعبُ فيها الضّباعا؟
وكيف يقومُ بنيانُه ... وتقويمَ أخلاقه، ما استطاعا؟
وكيف يصونُ الأصالةَ (1/380)
صفحة 366
نشْءٌ ... وقد ساوموه عليها فباعا؟
وكيف ينير الطّريقَ شبابٌ ... وقد طمس الرّجس فيه الشّعاعا؟
وكيف يداوي المريضُ صحيحًا ... وفي قلبه مرض السّلّ شاعا؟
وكيف يصارع موجَ الحياة ... وما اسطاع في أصغريه الصّراعا؟
هو الخطر الجارف المستطير ... فإن تهملوه، الوداع .. الوداعا!! (1)
حين يسود البلادَ غبيّ، وحين تقود الشّعبَ الضّباعُ، وحين يعود المريضُ الصّحيح ليداويه، وحين يُساوَمُ النّشءُ على الأصالة فيبيع، وحين يطمس الرّجزُ على القلوب فتضيع، وحين ينتشر الغيّ فتعمى البصائر، وحين تفسد طباع
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 132. (1/381)
صفحة 367
الشّباب، وتسوء أخلاقه ... فكيف يُطمأنّ إلى مستقبل الأمّة؟ وكيف يرتاح الشّعب ويسعد؟ وكيف يعلو بنيان المجتمع؟ وكيف يكون طريق الحياة نيّرًا واضح المعالم؟ ألا يمكن - في هذه الأحوال - أن نردّد مع شاعر المعرّة:
فيا موتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذميمةٌ ... ويا نَفْسُ جِدِّي إنّ دهركِ هازِلُ
هذه المظاهر هي الخطر الجارف، الذي يحمل شرًّا مستطيرًا، وينذر بالويل والثّبور على الجزائريّين والمسلمين جميعًا؛ لأنّ ما يصيب الجزءَ ينال الكلّ. فإذا لم يتحرّك ذوو الغيرة، ومن يفقه المسؤوليّة، ويضعها في قلبه، وعلى أعناقه فعلى الدّنيا والدّين السّلام.
الأسئلة الذي عرضها الشّاعر في تحليل الأوضاع المتردّية تتضمّن السّخرية من تصرّفات الشّباب غير السّليمة، وترسل رسالة واضحة إلى العمل على تغيير ما في الأرض، حتّى تغيّر السّماء الأحوال إلى الأحسن. هنا تكمن الرّؤية الإسلاميّة في النّظر إلى الأوضاع من وجهة نظر الإسلام، وعرضها على موازين الشّرع، الذي يعلن أنّه لا يقبل المتردّية منها.
مظاهر الخطر الجارف لكلّ القيم، والشّر المستطير النّاسف للأصالة، والوباء القادم الدّاهم لكلّ شيء ... تكشف عنها اللّوحة الآتية، التي يواصل فيها الشّاعر وصف حالة المجتمع المريضة، بشبابه المستهتر، المائع بسلوكه، البائع لضميره، القابع مع الموبقات، الضّائع فيه كلّ شيء، وعلى رأس ذلك الأصالة، فعاش الاضطراب والتّيه والضّلالة:
ومستهترون أضاعوا الثّنايا ... وشاع تنكّرهم للسّجايا (1/382)
صفحة 368
وقالوا: التّقدّم خلع العِذارِ ... وهتك العفاف، ونشر الخطايا
وجدل الشّعور، ولبس الحليّ ... وحمل القلائد، مثلَ الصّبايا
ويفتخرون بشرب الخمور ... وفي الكأس ترسب كلّ البلايا
فهم يرقصون كطير ذبيح ... ولا يحفِلون بركب المنايا
وقالوا: التّقدّم شِعر لقيطٌ ... تطير الأصالة فيه شظايا (1/383)
صفحة 369
تفاعيله كضمير اليهود ... يصوغ مبانِيهِ خبث النوايا
وقد أصبح الشِّعر-كالجيل- خنثى ... تذيب الميوعة فيه الخلايا
وصَهْيَنَ صَهيُونُ أخلاقنا ... فكيّفنا أن نكون رعايا
وهل يُحزِنُ العتقُ مستعمِرًا ... وأخلاقُنا في يديه سبايا (1)
المعايير في تقويم حال الشّباب هي: (الأصالة، والأخلاق، والسّحايا، والضّمير) هذه هي القيم الذي يدافع عنها الشّاعر في كلّ ما نظم شعرًا، يتحدّث
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 133. (1/384)
صفحة 370
فيه عن مقوّمات الشّعب. في العرض والنّقد تبدو الرّؤية الإسلاميّة. فكلّ ما يمسّ هذه القيم فهو ميوعة، واستهتار، وخلع العذار، وهتك العفاف، ونشر الخطايا، وذبح الأصالة، ولقاطة، وخبث النّوايا، وخَنَثٌ ... تُنْتِجُ بلايا ومنايا وسبايا ...
هذه الإفرازات هي أكثر ما يتعرّض له الشّباب، الغضّ الطّريّ، ضعيف التّكوين، قليل التّجربة، النّاقص الإرادة، غير الواعي، حديث العهد بمجريات الأحداث، وما يدور في الحياة ... لذا كان لزامًا الاهتمام به، واحتضانه والتّكفّل بإرشاده، وتلقينه ما يساعده على البقاء في درب الأصالة، ونهج الاستقامة، هذه النظرة هي من صميم التّوجيه الإسلامي، فمنطلقها رؤية إسلاميّة، جسّدها الشّاعر في القطعة الآتية، بعد ما عرض حال الشّباب، كما مرّ في الأبيات السّابقة قال:
بناةَ الجزائر صونوا الشّبابا ... ولا تأمنوا في الشّباب الذّئابا
ولا تهملوا أمر طلاّبنا ... فقد أصبح العقل فيهم يبابا
فكم شوّه المسخُ فيهم عقولاَ ... وكم أمعن المسخُ فيهم خرابا
وحرّف من زاغ إسلامُهـ (1/385)
صفحة 371
ـــــــــــــــــــــــم ... وأفقدهم وعيَهم والصّوابا
وأصبح تفكيرهم قرمزيًا (1) ... دخيلاً وإيمانُهم مسترابا
وتفشو حماقات (كوهينُ بانْدَتْ) (2) ... فتحدث في الأغبياء اضطرابَا
وتنعق أبواق ماركس فيهم ... فيتّخذون الدّليل الغرابا
فويل لطلاّبنا من شيـ
__________
(1) - القرمزي: هو اللّون الأحمر الدّاكن، يرمز به إلى الشّيوعيّة.
(2) (كوهين بانْدَتْ) أحدث اضطرابًا في فرنسا، وتسبّب في سقوط (ديغول)، وتعرف هذه الحماقة بثورة 22 ماي 1968م. (1/386)
صفحة 372
ــــــــــــوخ ... توافهٍ، لا يعلمون الكتابا
ومرتزقين بأفكارهم ... صنائعُ .. لا يقرؤون الحسابا
ولا زال فينا لمستعمرينا ... عيونٌ .. وإن أسلمونا التّرابا (1)
ركّز الشّاعر في هذه اللّوحة وهذا العرض على ما يأتي:
1 – الجانب الفكري في تكوين الشّباب - وبخاصّة الطّلبة - الذي ضلّوا به عن الأصالة، إذ غزت عقولهم الشّيّوعية، فأفقدتهم صوابهم. وكان من بين من أضلّهم عن سواء السّبيل أساتذة نشؤوا وتثقّفوا بهذا الفكر، وفي هذا خطر كبير؛ لأنّ ما نشكو منه يتعلّمه طلاّبنا في مدارسنا وجامعاتنا. وهؤلاء الشّيوخ في هذا الضّلال لا يعلمون من قرآننا (مصدر أصالتنا) شيئًا. من هنا جاء انحرافهم، أي إنّ الابتعاد عن ثقافتنا وفكرنا آتٍ من داخل بيوتنا. والاستعمار الفكري أخطر من استعمار الأراضي، والبلاء يكون أفدح وأفظع إذا جاء من الجامعات، مرتع الأفكار، ومنبع التّيّارات.
2 – الذين يقومون بعمليّة المسخ والفسخ والنّسخ لعقول النّاشئة والطّلاب لا يقرؤون القرآن، ولا يعرفون في مصادر المعرفة الحقيقية التي تحكم شعبنا شيئًا، كما
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 134. (1/387)
صفحة 373
لا يقدرون ليوم الحساب ويوم القيامة أيّ حساب، أي هم بعيدون عن الأصول والمبادئ التي ينتمي إليها من يوجِّهون، أي كان الدّليل والموجّه غير مناسب لإعداد النّشء على النّهج الصّحيح؛ لذا كانت نتائجُ تكوينهم هذه الثّمارَ غير الطّيّبة.
استعان الشّاعر لبيان هذه الحقيقة بالقرآن في قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلاَّ أَمانِيَ وَإِنْ هُمُ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (البقرة: 78) أي هؤلاء جهلة، يحترفون الكذب لتضليل النّاس. كما استنجد بالبيت الذي يحمل مغزى كبيرًا ودلالة مهمّة، وتنبيهًا قيّمًا، يختزن حكمة بالغة، وتجربة غالية، هي قول الشّاعر:
إذا كان الغراب دليل قومٍ ... يمرُّ بهم على جيفِ الكلاب
كلّ كلمة في البيت تحمل على التّقزّز والنّفور، وتتضمّن آيات الاحتقار والازدراء، وكلّ لفظة فيه تدعو إلى الابتعادِ عن المحيط الذي يدرج فيه مَنْ عَنَاهُم في حديثه، وعدمِ تقبّل ما يأتونه، بل مناهضةِ ما يقومون به ... (1/388)
صفحة 374
3 – صوّر شناعة ما يصدر عن طلاّب العلم، بسبب الغواية التي تعلّموها من شيوخ الضّلال؛ باعتماد كلمات، تحمل الفراغ والخراب والدّمار ... وهو ما ينذر بعواقب وخيمة: (الذّئاب، يباب، خراب، المسخ، حماقات، اضطراب، الغراب، أبواق، مرتزقين، مستعمرين، الأغبياء (1)، توافه ... شوّه، حرّف، زاغ، تفشو، تنعق، أفقدهم ... )
أعانت هذه الكلمات على تصوير دقيق للمشهد الثقافي، ونقل الجانب الفكري اللّذين يطبعان ويسودان حياة الشّباب، كما ترجمت بشكل واضح عن مشاعر الشّاعر المتحسّرة على حال طلاّب المعرفة، الذين يعوّل عليهم في بناء الوطن على الأصالة وعلى القواعد الصّحيحة، التي تنبثق من صميم مكوّنات المجتمع.
هذه الأشجان الحزينة كوّنتها وصاغتها الرّؤية الإسلاميّة التي لا تستسيغ التّصرّفات التي لا تتناسب مع الأصول والمبادئ، التي تحكم الشّعب الذي ينتمي إليه الشّاعر، لذا تبرّم منها وانزعج وقلق. (2)
__________
(1) - يطلق الشّاعر هذا الوصف على من يلحظ في تصرّفاتهم خطلاً وأفنًا وحماقة ... تضرّ بالمجتمع، وهو كثير الاستعمال لها. ينظر مثلاً:
وكيف يسوس البلاد غبيٌّ ... بليدٌـ أضاع الضّمير فضاعا
إلياذة الجزائر، ص: 132.
يا سماء، اصعقي الجبان، ويا أر ... ضُ، ابلعي القانع الخنوع البليدا
اللّهب المقدّس، ص: 17.
(2) - أفرد الشّاعر مقاطع كثيرة في إلياذته للحديث عن الشّباب، وعرض أحواله، ومعالجة أوضاعه برؤية إسلامية، جديرة بالتّأمّل؛ لمعرفة جانب مهمّ، غير معروف في شخصيّة الشّاعر مفدي زكريّاء، ينظر ص: 131 – 146. (1/389)
صفحة 375
لم يغفل الشّاعر الجانب الإيجابي والمشرق في الشّباب، هذا التّقدير لهم كان أيضًا من رؤية إسلاميّة. فبعد أن عدّد بعض المخازي التي وقع فيها الشّباب، وسرد بعض السّلبيات التي أبعدته عن الأصالة، عاد فسجّل أنّ هذا لا ينطبق على كلّ الشّباب، فهناك من انفلت من شراك الضّلالات، وتخلّص من أسر الغوايات، فكان من خيرة الشّباب بإيمانه وسلوكه وأخلاقه ... :
وأَفْلتَ مِنْ قَفَصِ الإِتّهامْ ... شبابٌ أصيلٌ وفيُّ الذّمامْ
شباب تطهَّرَ فيه الضّميرُ ... فأعرض عن شبهات الطّغامْ
وأُشربَ من نبعِ إسلامه ... وفلسفة الدّين روح النّظامْ
ولم يتنكّرْ لأمجـ (1/390)
صفحة 376
ــــاده ... وأجداده الخالدين العظامْ
ولم يكن بالتّبعيّات يغزى ... ويجري وراء السّحاب الحَهامْ
ولا بالمذاهب يُغرَى فَتُشرَى ... بِبَخْسٍ عقيدتُه كالسّوامْ
ولم تختطفهُ مراهقة ... ثقافيّةٌ، ضلَّ عنها الفِطامْ
ولمْ تُجْدِ فيه معاوِلُ هدْمٍ ... يصوِّبُها دَارسُ الإِنْهزامْ
ولمْ يتأَثّرْ بيُسرى (1/391)
صفحة 377
ويُمنى ... وإسلامه بين ذاك قوامْ
شبابٌ عليه مناط الرّجا ... فمنكم ومنّا عليه السّلامْ (1)
أظهر الشّاعر الوجه المشرق في الشّباب، وأبرز الجوانب الإيجابيّة فيه، في هذا العرضِ رسالةٌ موجّهة للمسؤولين القائمين على شؤون النّشء؛ ليعتنوا بهم، ويقوموا بتوجيههم التّوجيه الحسن؛ حتّى يكونوا صالحين منتجين الرّشدَ. فالشّباب ليس كلّه شرًّا، بل فيه الخير الكثير، ويُنْتِجُ الخير إذا اعتني به واحتضن، وتُكفّل برعايته وترشيده، وتأهيله للتي هي أقوم من السّلوك؛ بدليل ما سجّله الشّاعر في هذه الصّورة، التي تكشف عن خلال التّمسّك بالدّين والطّهارة، ورفض كلّ ما يمسّ الأصالة، والوقوف سدًّا منيعًا لصدّ كلّ ما يفرض التّبعيّة، ونبذ كلّ مراهقة ثقافيّة، تزرع في الشّباب نزقًا فكريًّا، أو تبثّ فيه طيشًا ذهنيًا ...
إنّ الشّاعر بعد أن عرض حال الشّباب المتدهورة، وتأسّف وتحسّر، وطلب الانتباه إلى هذا، والعمل على إصلاحه، لم ينس الاعتراف بقدرات الشّباب ومؤهّلاتهم التي صنعت منهم أشخاصًا لهم دورهم في صنع الحياة السّعيدة، والإسهام في البناء الحضاري. في هذا تكمن النّظرة الإسلاميّة للحياة، التي تتجنّب التّزوير وقبول الواقع كما هو، وعدم الاكتراث بالنّقائص، والغفلة عن تسجيلها ومعالجتها، وفي الوقت نفسه لا تبالغ في تصوير الحياة سوداء قاتمة، وتتجاهل تسجيل الجوانب الإيجابيّة فيها، من جهة أخرى لا
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 146. (1/392)
صفحة 378
تصوّر الحياة البشريّة مثاليّة؛ لأنّ هذه الصّورة لا وجود لها. فالأدب المنبثق من التّصوّر الإسلامي – كما يقول سيّد قطب – يتوخّى: " الصّدق في تصوير المقدرات الكامنة، أو الظّاهرة في الإنسان، والصّدق كذلك في أهداف الحياة اللاّئقة بعالم من البشر، لا بقطيع من الذّئاب! " (1)
هذه المعالجة التي تراعي الجوانب الإيجابية والسّلبية معًا، هي الكفيلة بتطوير الحياة وتنميّة المسيرة، وبها يتحقّق أحد أهداف الأدب، الذي يصدر من التّصّوّر الإسلامي. يقول أسامة يوسف شهاب: " والأديب المسلم يكتب متأثّرًا بطبيعة التّصوّر الإسلامي للحياة، وبطبيعة الإسلام ذاته، في تطوير الحياة وترقيتها، وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة ... " (2) هذا ما فعله وقدّمه مفدي زكريّاء في هذه المعالجة الهادفة.
كما أظهر الوجه الإيجابي في الفتى، عرض الجانب الإيجابي في الفتاة. بعد أن كشف عن سوءات الفتيات اللاّئي فقدِنَ الحياء، وشمّرن ذيلاً عن عوراتهنّ، وأظهرن أخلاقًا سيّئةَ، قال عنها:
وأخلاقهنّ كوجوههنّ ... بواسر، مُمتقعاتٌ عليله
وأجسادهنّ قطاع غيـ
__________
(1) - أسامة يوسف شهاب، نحو أدب إسلامي معاصر، ط1، دار بشير للنّشر والتّوزيع، عمّان، 1405هـ/ 1985م، ص: 18.
(2) - المرجع نفسه. (1/393)
صفحة 379
ــــــــــــــــــــــــــــــــــار ... فكلّ القطاعات يكفي بديله
إذا جفّ ماء الحياء بأنثى ... فَلِمْ لا تجفُّ الطّباعُ الأصيله! (1)
قال مفدي زكريّاء بعد ذلك:
وحاشاك حاشاك، بنتَ الأصاله ... ومن شرّفت جنسها ورجاله
وصانَ شبابَكِ بنتَ الحلال ... كما صُنتِ عرضَكِ بين الحثاله
سلكتِ الطّريقَ القويمَ المبينَ ... فجنّبَكِ العقْلُ سبلَ الضّلاله
وأضفى عليكِ جلالُ الحياء ... جمالَ الحياةِ، فصُنتِ جلالـ
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 142. (1/394)
صفحة 380
ـــــــــه
وهالكِ من جنسكِ الإبتذال ... فعفتِ حقارته وابتذاله
وناداكِ شعبُكِ يومَ التّنادي ... فشرّفتِ ثورته ونضاله
وكنت لحوّاءَ في الخالدات ... مثالاَ فريدًا، عدِمنا مثاله
فمثلكِ من يصنع الجيلَ شهمًا ... ويرعى استقامته واعتداله
ويزرع ملءَ دماهُ (1/395)
صفحة 381
اعتدادًا ... يذيب ميوعته وانحلاله
إذا الجيل قطّع أسبابه ... بأمجاده، فاقطعنَّ حباله (1)
البنت التي عاب عليها الشّاعر أخلاقها السّيّئة، ونعى عليها تخلّيها عن حيائها الذي يميّزها، سجّل لها في هذه اللّوحة قدرتها على صنع الأجيال، وبناء النّفوس، والقيام بتشييد أمجاد الشّعب .. ؛ لأنّها تملك المقوّمات التي تسمح لها بفعل ذلك. بل لقد فعلت، فقد صانت أصالتها، وحفظت عرضها، وحافظت على حيائها الذي ضمن لها جمال الحياة وسعادتها، وقامت بواجبها الوطني في التّصدّي للعدوان على وطنها ... بذلك أثبتت أنّها قادرة على المشاركة في صنع الحياة بقوّة، وبخاصّة تكوين الأجيال؛ فهي المدرسة التي تُعَدُّ فيها، وتكوّن النّاشئة والنّابتة ...
الشّاعر حين يركّز على جانب صنع الأجيال، الذي تقوم به المرأة، يكون قد وجّه الأنظار إلى الاهتمام بهذه النّاحيّة في المرأة، وعدم الغفلة عنه، إنّه الوجه الذي يحمد للمرأة، ويسجّل لها مكرمةً، وهو الميدان الذي تستطيع أن تقوم به وعليه بكفاية واقتدار؛ حين تتوفّر لها المقوّمات التي أشار إليها الشّاعر في اللّوحة التي عرضها.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 143. (1/396)
صفحة 382
إلى جانب العرض، وتسجيل الوجه المشرق في المرأة، في اللّوحة رسالة موجّهة إلى التّركيز على دور المرأة الحقيقي، وهو الاعتناء ببناء الأجيال، فهي المدرسة التي تُعِدُّ النّشء الإعداد السّويّ القويّ، بدليل قوله:
فمثلك من يصنع الجيل شهمًا ... ويرعى استقامته واعتداله
ويزرع ملءَ دماه اعتدادا ... يذيب ميوعته وانحلاله
للمرأة مهمّة كبيرة ورئيسة في التّربيّة والإعداد، وفي اعتدال الحيل واعتداده ... لا يجوز أن تتقاعس فيها. بقدر ما تكون هذه المَهمَّة محمدة لها، فهي فرض عليها. هذا الواجب هو الذي يقضي على ما كان يشكوه الشّاعر من ميوعة وانحلال، واستهتار وعدم استقامة في الشّباب.
في هذا التّناول يظهر التّصوّر الإسلامي والرّؤية الإسلاميّة، التي لا تبقى في حدود تسجيل الواقع بنقائصه وسلبيّاته، ومحاسنه وإيجابيّاته، إنّما يتعدّيانه إلى التّنبيه إلى ما يجب القيام به في إطار النّمط الفكري والثّقافي الذي يريد الأديب أن يوجّه إليه النّفوس والمخاطبين. أي إنّ هذه المعالجة تحمل رسائل، وهو ما لاحظناه في شعر مفدي زكريّاء.
مظاهر غريبة (1/397)
صفحة 383
سحّل مفدي زكريّاء في شعره كثيرًا من المظاهر التي رآها غريبة في المجتمع، الذي يحمل صفة الإسلام، وتعرّض لها بالنّقد، في إطار رسالته التّصحيحيّة التّوجيهيّة، نذكر نموذجًا واحدًا دليلا على هذه المعالجة.
اندهش الشّاعر من بعض التّصرّفات التي لا تكشف إلاّ عن فساد في الطّبع، وخلل في العقل، وأفن في الفكر، وعفن في العقيدة، وخور في الإيمان ... أفعال الأغرار (الذين ذكرهم في الأبيات الآتية) سلوك ناتج عن بُعْدٍ من شرع الله، وتنكّب عن جادّة الصّواب، وحياد عن سواء الصّراط:
وأزعج قومًا أذانُ الصّلاةِ ... يُجلجلُ في القِمَمِ الضّارعاتْ
فيلقي له السّمعَ قلبُ شهيد ... تموج به القيمُ الصّالحات
ويصدُمُ آذانَ قومٍ بوقرٍ ... فتفجعُهم صرخات الحياة (1/398)
صفحة 384
وحيُّ الدّرابكِ (1) في كلّ فجٍّ ... تُصَبُّ على أهله اللّعنات
وقرعُ الطّبول، ونفخ المزاميـ ... ـــرِ، لَمْ يزعِج المُهجَ الفاجرات
ولائمُ يخجلُ إبليس منها ... ويرشحُ زقّومها بالهِنات
وأعراس خمرٍ (2) تراقُ علـ
__________
(1) - في الصّحراء يعبّر عن الأمور السّخيفة، أو الرّجل الوضيع بقولهم: (حيّ الدّرابك). والدّرابك: جمع دربوكة، يقرع عليها لضبط موازين الإيقاع، وأصبح استعمالها منتشرًا فوضويًّا، وبصورة مزعجة في كلّ حيّ، وكلّ درب، صباح مساء، يقلق راحة النّاس ... (مفدي زكريّاء).
(2) - في بعض الأوساط (الفاقدة الحياء) تعقد ولائم، تسمّى (أعراس البيرة)، يخلع منها العذار، ويذبح فيها السّمت والوقار، حتّى أنّ بعضهم يسقي الكُسكُسي بالخمر الصّرف، ويقدّمه للوافدين معتزًّا فخورًا (بِتَقَدُّمٍيَتِهِ) الدّاعرة الهوجاء. إنّ هذه الضّوضاء العربيدة لا تقلق راحتهم، على ما هي، فيزعمون أنّ مكبّرات الصّوت في المآذن تقلق راحة السّكّان، وتقضّ مضاجعهم. {قاتَلَهُمُ اللهُ أنَّى يُوفَكُونَ} (التّوبة:30). (مفدي زكريّاء). (1/399)
صفحة 385
ــــى ... كساكسَ تَقْرَفُ منها اللّهاة
وصوتُ دعاة الهزيمة يُغرِي الضْـ ... ضُلوعَ، ويزرع فيها الممات
أَيُطِربُكُمْ في الحيّ ناعقٌ ... وتستنكرون أذان الصّلاة؟
وفوق المآذن صوت الإله ... يقود الشّراع لشاطي النّجاة (1)
عالج الشّاعر الانحراف في السّلوك الذي سجّله في هذا المقطع، وقدّمه بالصّورة الآتية:
1 – عقد مقارنة بين موقفين متقابلين متناقضين، كشف من خلالهما دناءة الذين لا يفقهون ولا يعقلون، والذين ران على قلوبهم ما يكسبون.
2 – في تصوير خسّة ما قام به هؤلاء الذين أزعجهم أذان الصّلاة، (النّداء الذي يدعو إلى الخير والفلاح)، اعتمد على آيات وألفاظ قرآنيّة، ليضفي على تصويره الصّفة الإسلاميّة، ثمّ ليبيّن أنّ ما قام به هؤلاء الأغرار هو تحدّ لله وشرعه، وفي هذا ما فيه من انحراف عن فطرة الله التي فطر النّاس عليها. وفي هذا التّناول وهذه الإشارات تذكير للغافل، وتنبيه للضّال.
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 150. (1/400)
صفحة 386
من ذلك قوله تعالى: {إنّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوَ اَلْقَى السّمعَ وَهُوَشهيدٌ} (ق: 37).
من الألفاظ القرآنيّة: كلمة (وقر)، وهو الصّمم الذي يمنع من سماع الحقّ: {وإذا تُتْلَى عَلَيهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبْرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ في أُذْنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَليمٍ} (لقمان: 7) الأذان يتلو آيات بيّنات، تدعو إلى الفلاح، وإلى القيم الصّالحات، يُعْرِضُ عنها من يشري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله، وينزعج من نداء الله، ويتّجه نحو قرع الطّبول ونفح المزامير، وأعراس الخمور .. بشّر هؤلاء باللّعناب تصبّ عليهم، كما بشّرهم الله في كتابه بالعذاب الأليم.
كلمة (زقّوم) الطّعام القاتل، طعام الأثيم، الذي هو كالمهل، تغلي في البطون كغلي الحميم ... أيضًا كان لها دورها في تصوير العاقبة الوخيمة لهذا السّلوك. هذه الشّجرة التي تخرج في أصل الجحيم، يأكل منها الظّالمون، ويملؤون منها بطونهم. مع المرارة المهلكة يشربون من ماء شديد الحرارة فيشتدّ عذابهم ... قال تعالى: {أَذَلكَ خَيْرٌ نُزُلاً أم شَجَرَةُ الزّقّوم إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً للظّالمين إنّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجَحيمِ طَلْعُهَا كأنّه رؤوس الشّياطين} (الصّافات: 62 - 65) وقال أيضًا: {إنَّ شَجَرَةَ الزّقُّومِ طعامُ الأثيمِ كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطونِ كَغَلْيِ الحَميمِ} (الدّخان: 43 – 45)
حين نعرض ما جاء في تصوير الشّاعر ما ارتكبه الذين استبدلوا بصوت الرّحمن مزاميرَ الشّيطان، وأبدوا قلقهم بنداء الله، واستجابوا لدعوة إبليس ... ، على ما جاء في الآيتين الكريمتين، نقف على شناعة ما قام به هؤلاء الظّالمون الفاسقون، وندرك قمّة التّصوير الفنّي في اللّوحة الأدبيّة،. أنداء الله أفضل أم قرع الطّبول ونفخ المزامير وأعراس الخمور؟؟ إنّ ما قام به هؤلاء المنحرفون هو فتنة من فتن الشّيطان اللّئيم، وما فعلوه صادر ممّا يوصل إلى الجحيم ...
عبارة (في كلّ فجّ) تركيبة قرآنية. فالله تبارك وتعالى أتى بها في سياق الدّعوة إلى السّير في عبادة، وهي الحجّ، الذي يغسل الذّنوب، فيأمل من يلبّي النّداء في نعيم الله، بينما (1/401)
صفحة 387
هؤلاء المغرّر بهم استجابوا بها ولبّوا دعوة إبليس، فساروا لحصد ذنوب، تلقي بهم في قعر جهنّم وبئس المصير. قال تعالى: {وَأَذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يَاتُوكَ رِجالاً وعلَى كلّ ضامِرٍ يَاتِينَ من كلّ فَجٍّ عَميقٍ} (الحجّ: 27) نداء الله يؤذّن للسّير في طريق الخير والرّشاد، ودعوة الشّيطان تؤذّن للذّهاب إلى مواطن الشّرّ والفساد.
3 – عمد الشّاعر في التّصوير إلى كلمات موحيّة، معبّرة مصوّرة؛ لانزعاجه من سلوك أولئك الكفرة الفجرة: (اللّعنات، الهنات،، الممات، ناعق، الفاجرات، دعاة الهزيمة، يخجل إبليس، تقرف ... )
هذا التّنوّع في تصوير الموقف المشين، واختيار كلمات خاصّة، وتراكيب معيّنة، مناسبة للحالة الشّعورية التي كان عليها الشّاعر، وعاكسة للثّقافة التي يحملها ... تكشف عن الوجه الذي ينقل الرّوح التي تصطبغ بها نفسه، كلّ ذلك يبرز الرّؤية الإسلاميّة التي تطبع شعره.
الانحراف في السّلوك، وتنكّب الجادّة، سببهما عدم تشرّب المبادئ، وعدم التّشبّع بالأصول، والجهل بالقواعد التي تحكم وتنظّم العمل داخل المنظومة التي ينتمي إليها الفرد. لم يغفل مفدي زكريّاء هذا الجانب.
استغلّ فرصة عرض التّاريخ، فأوضح هذا العنصر، وبيّن المبادئ التي يجب أن تقوم عليه الدّولة، التي تتحرّك بروح إسلاميّة، وتريد أن تقود وتسود بهذه الصّبغة. إنّ هذا التّناول، وهذه المعالجة يكشفان عن الرّؤية الإسلاميّة للموضوع.
المبادئ التي تقوم عليها الدّولة
كلّ ما عرضه الشّاعر يصبّ في خانة واحدة، ويكشف عن محيط خاصّ، هو البيئة الإسلاميّة، ويصبو إلى غاية واحدة، هي الالتزام بالمبادئ الإسلاميّة، وتوفير المقوّمات الإسلاميّة. فحين تحدّث عن الدّولة الرّستميّة، وكونها أوّل دولة إسلاميّة مستقلّة في الجزائر والمغرب الإسلامي، بيّن الأسس التي قامت عليها، وذكر بعض (1/402)
صفحة 388
المبادئ التي سادت فيها، وهي قيم إسلاميّة صرفة، وذكر أنّها نجحت في بناء الكيان الأصيل، ووفّقت في نشر الفضل في الأرض.
ذكر من بين أسس البناء الحضاري: الالتزام بشرع الله، ونشر العلم، وبثّ النّظام، والتقيّد بمبدأ الشّورى، ونبذ العصبيّة، والتّمسّك بمبدأ الانتخاب الحرّ لإمام المسلمين ... كلّ هذه المقوّمات هي من أسس إقامة الدّولة وبناء الحضارة. الشّاعر بهذا العرض يريد أن يمرّر رسالة، يقول فيها: هكذا يجب أن تكون الدّولة الجزائريّة الحديثة، ملتزمة بالمبادئ التي نادى بها الإسلام، وأمر بها. في هذا تبرز الرّؤية الإسلاميّة في المعالجة الشّعريّة:
وهالَ ابنَ رُستُمَ أنْ لا نسودَ ... ونبني كيانًا لنا مستقلّا
فقامَ بتاهرتَ يعلي اللّواء ... ويُرسي نظامًا، وينشرُ فضلا
يُوجّهُ حكمَ البلادِ الشّراةُ ... بوحي الشّريعة، حقًّا وعدلا
ويجعلُ أمرَ الجماعة شـ (1/403)
صفحة 389
ــــــــــــــــورى ... وحقَّ انتخاب الإمامة فضلا
فلم يكُ للتّبعيّات ذيلا ... ولم يكُ بالعصبيّات يُبلَى
فدوّخ بغدادَ في أوْجِها ... فكانت لِتاهرتَ بغدادُ ظلاّ
وفاض بها العلمُ يجلُو العقول ... ويغمرُ أرضَ الجزائرِ نبلا
وتاهَ الرّبيعُ بجنّاتها ... يهادي تلمسان وردًا وفُلاّ
فكان ابنُ حمّادَ من وحيها ... كأوصافها، عبقريًّا وفحلا
وأفلحُ خلّد أمجادَها ... فأفلحَ أَفْلَحُ قولاً وفعلا (1)
هذا العرض الذي قدّمناه عن الرّوح التي طبعت إلياذة الجزائر، جعلت منها قطعة من الأدب الإسلامي بحقّ، إذ الأدب الإسلامي هو: " كلون بارز من ألوان الفنون، ينظر إلى الكون ومفرداته، أو إلى الحياة وحركتها، وإلى المخلوقات وصراعاتها، نظرة يحكمها التّصوّر الإسلامي، والالتزام العقائدي، ويحلّل بصدق همسات النّفس، وأشواق الرّوح، وتفاعل الفكر، وتوهّجات السّموّ الإنساني، وتدنّيات اليأس والألم والحيرة، وينتصر لقيم الحقّ والخير والجمال، في الإطار الفنّي النّاجح، وفي نسيج من الصّدق، ويجعل من الفنّ والالتزام كيانًا واحدًا، لا انفصام فيه ولا تمزّق أو تضاد." (2)
كلّ هذه السّمات متوفّرة في إلياذة الجزائر، هي بذلك تكشف عن عنصر من عناصر شخصيّة مفدي غير المعروفة بدقّة عند أغلب النّاس بعامّة، والدّارسين بخاصّة.
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 71.
(2) - الدّكتور نجيب الكيلاني، " الوجه الحضاري للأدب الإسلامي" بحث ضمن كتاب: " نحو أدب إسلامي معاصر"، ص: 258. (1/404)
صفحة 390
أقول: إنّ هذا العنصر يظهر الوجه الحقيقي له، الذي يجب أن يعرف حتّى ينصف - هو - أوّلاً، ثمّ ليكون هذا سبيلا لوعي الوظيفة السّاميّة والحقيقيّة التي يقوم بها الشّعر؛ ما دام الكثير يدين بالفضل للشّعر الثّوري لمفدي، فليعرف المتلقّي أنّ الشّاعر كان في شعره واحدًا في سماته وخصائصه وطبيعته، فشعره الثّوري هو شعر إسلامي في مبناه ومعناه، إذا كان تأثيره إيجابيًّا في كلّ من قرأه، فليعلم هذا أنّ سبب ذلك هو أنّه كان يصدر عن التّصوّر الإسلامي والالتزام العقدي، والصّدق الفنّي ... فما على الباحثين إلاّ أن يحتهدوا في الكشف عن هذه الحقيقة، من خلال الدّراسات المعمّقة الموضوعيّة. ليقدّموا الوجه الحقيقي لمفدي زكريّاء، هذا الوجه يقول هو عنه ما نقرؤه في الآتي:
الوجه الحقيقي لمفدي زكريّاء
قال في إلياذته معبّرًا عن تمسّكه بالرّوح الإسلاميّة، والدّين الإسلامي، منيبًا إلى ربّه، مستغفرًا من ذنوبه:
فيا ربّ قد أغرقتني ذبوني ... وأنت العليم بما في القلوب
أتوبُ إليكَ بإلياذتي ... عساها تكقّر كلّ ذنوبي (1/405)
صفحة 391
عصيتُك علمًا بأنّك تعفو ... على المسرفين (1) فهانت خطوبي
ولولا صفاتُك ربٌّ غفور ... رحيمٌ، لضاقت عليّ دروبي
وأكّد فعلَ الصّفاتِ العُصاةُ ... فأكّدَ فضلَكَ ستْرُ العيوب
عصيتُكَ لمّا خلقتَ الجمالَ ... وهِجْتَ به نصبي ولغوبي
وصيّرتني شاعرَا مُرهَفًـ
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى: {قُلْ يَا عبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا علَى أَنْفُسِهمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إنّ الله يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعًا إنّه هو الغَفورُ الرَّحيم} (الزّمّر: 53) (1/407)
صفحة 392
ـــا ... يهبُّ الصِّبا والهوى لهبوبي
ولولا الجمال لعشتُ عقيمًا ... وما همتُ يومًا بغزو القلوب
وإن أنا لم أعصِ أهلكتني ... وأبدلتني بطروب لعوب
فيا ربِّ! ما حيلتي في الهوى ... وفيكَ - إذا لم تُكفِّرْ – ذنوبي (1)
الوجه الذي يبرز حقيقة الشّاعر، وهو ما سجّله في هذه القطعة، في أواخر حياته-والعبرة بالخواتيم- تتوّج ما عرضناه في الرّؤية الإسلاميّة في شعره. نقرأ في هذه اللّوحة أشياء كثيرة، هي من صميم التّصوّر الإسلامي:
1 - الاعتراف بالذّنوب، وطلب المغفرة من الله، والتّوسّل والتّضرّع إليه ... من أخلاق المسلم، فعلُ ذلك توجيه وإرشاد إسلاميّان. وهو ما أراد الشّاعر أن يرسّخه في قلب المسلم، ويثبّته في عقله.
2 – إعلان توبة الشّاعر إلى الله العليّ القدير، الرّحيم الغفور ... هو تسجيل ضمني للروّح الإسلاميّة التي تحملها هذه الإلياذة، التي ختم بها أعماله الأدبيّة، وهي تتضمّن بأكملها رسائل، من وحي الإسلام والوطن والضّمير والشّعب ...
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 152. (1/408)
صفحة 393
3 – دعوة إلى المتلقّي والمخاطب للتّقيّد بالإسلام في التّصوّر والتّخطيط والتّحرّك في كلّ مجال، وفي كلّ أمر وَوَضع وحال. فما سجّله الشّاعر من مآثر للجزائر، كانت كلّها من توجيه الإسلام، وتجسيدًا للمبادئ الإسلاميّة.
هذه هي الرّؤية الإسلاميّة الحقيقيّة، وهذا هو التّصوّر الإسلامي للأشياء، فكما تحدّث الشّاعر عن ذاته، مبرزًا وجهه الحقيقي، قدّم بلاده بوصفة إسلاميّة، فصوّرها منبعَ الدّين، وعنوان الإيمان، وجوهر العقيدة:
فيا أيُّها النّاسُ هذي بلادي ... ومعبد حبّي، وحُلم فؤادي
وإيمان قلبي، وخالص ديني ... ومبناه في ملّتي واعتقادي
بلادي، أحبّكِ فوق الظّنون ... وأشدو بحبّك في كلّ نادي
عشقتُ لأجلك كلّ جميلٍ ... وهمتُ لأجلك في كلّ وادي
ومن هام فيك أحبّ (1/409)
صفحة 394
الجمال ... وإن لامه الغشمُ، قال: بلادي
لأجل بلادي عصرت النّجوم ... وأترَعْتُ كأسي، وصغتُ الشّوادي
وأرسلتُ شعري، يسوف الخطى ... بساح الفدا .. يوم نادى المنادي
وأوقفتُ ركب الزّمان طويلاً ... أسائله: عن ثمودٍ وعاد
وعن قصّة المجد، من عهد نوحٍ ... وهل إِرمٌ، هي ذات العماد
فأقسم هذا الزّمان يمينًا ... وقال: الجزائر، دون عناد (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 62. (1/410)
صفحة 395
الحبّ الخالص العارم للوطن هو من ثمرات الإيمان الصّادق. تسجيل هذه المشاعر بهذه الطّريقة هو من عمق الرّؤية الإسلاميّة، وهو أيضًا توجيه لجعل العلاقة مع الوطن لا تكون إلاّ بهذه الصّفة، وهذه الرّوح ...
قال مفدي زكرّياء وهو يعتزّ بإلياذته التي قدّمها هديّة لشعبه، ومكرمة لبلاده؛ ووفاء لجهاد الرّجال الأبطال، وخدمة للصّاعد من الأجيال، هذا التّوجّه هو قيمة خلقيّة، نبعت من الرّؤية الإسلاميّة:
بلادي، وقفتُ لذكراكِ شعري ... فخلّد مجدَكِ في الكونِ ذكري
وأَلْهَمْتَنِي، فصدعتُ الدُّنَا ... بإلياذتي، في اعتزاز وفخر
وكنتُ أوقِّعُ في الشّاهقات ... خطى الثّائرين بألحان صدري
فخلّد قُدْسُ اللّهيب (1) بياني ... وأذكى لهيبُ الجزائر فكري (2)
__________
(1) - هو ديوان الشّاعر: اللّهب المقدّس، خلّد فيه شعره الذي كتبه في أثناء الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، طبع لأوّل مرّة سنة 1961م، وهو أوّل ديوان يطبع له.
(2) - المصدر السّابق، ص: 154. (1/411)
صفحة 396
الخاتمة
إنّ ما خلّده مفدي زكريّاء في إلياذته تاريخ مجيد، سجّله أبطال الجزائر، في مختلف المراحل التي مرّت بها، أبدوا في هذه الصّفحات النّاصعة صورًا رائعة من المروءة والشّهامة، وأظهروا براهين نيّرة في العزّة والكرامة، وقدّموا آيات باهرة من الفداء والتّضحيّة ... كلّ ذلك كان نتيجة وثمارًا لتمسّكهم بالأصالة مرجعيّة، وبالإيمان قوّة، وبالأخلاق سلوكًا، والارتباط بالوطن انتماء ... فكانت لهم هذه المقوّمات خير سند ومعين على تسجيل صفحات بيضاء في مسيرة الجزائر العظيمة.
سجّل الشّاعر ذلك في إلياذة الجزائر، وعرضه برؤية إسلاميّة، ركّزت على عناصر خاصّة، كانت المرتكزات في مضمونها، هي: العقيدة، الإيمان، الإسلام، الأصالة، الضّمير، الوطن، الشّعب ... بالمنظور الإسلامي.
إنّها الأسس التي تهيّء للانطلاقة، وتؤسّس للنّهضة، وتدفع للبناء الحضاري ... وهي التي تحدّد المنهج، وتصحّح المسار، وتعيّن الرّؤية المستقبليّة.
قدّم الشّاعر بإلياذته نقدًا للأوضاع غير الصّحيحة، وعرض وصفات لعلاجها، وأرسل من خلال هذه الملحمة رسائل إلى مختلف الفئات التي يعنيها أمر صلاح المجتمع، ويهمّها إصلاح الأحوال، ويسعدها أن ترى الشّباب في خير: اعتقادًا، وسلوكًا وعملا، ويرضيها ويعجبها ويريحها أن تجد الشّعب مثقّفًا وواعيًا ومتطوّرًا، متمسّكًا بمبادئه، متعلّقًا بأصوله، وعاملا بحزم وجدّ على ازدهار وطنه، مجاهدًا للمحافظة على ثوابته وهويّته ...
كانت الإلياذة وهي تنمو في أبياتها حتّى تصل ألف بيتٍ وبيتًا، تكبر معها المعاني الأصيلة التي أراد الشّاعر أن يرسّخها في قلوب المخاطبين، وتعظم الأفكار التي رغب أن يوصلها إلى عقول المتلقّين. هذه هي الرّسالة التي كان يرمي أن بوصلها إلى النّاس وهو الذي يرى الشّعر رسالة مقدّسة:
رسالة الشّعر في الدّنيا (1/412)
صفحة 397
مقدّسة ... لولا النّبوءَةُ كان الشّعر قرآنا
وكم رفعنا بها أعلام نهضتنا ... فخلّد الشّعر في الدّنيا مزايانا (1)
حبستُ شعري وإلهامي على وطني ... فانساب ينشر في الدّنيا معالينا (2)
تظهر أهميّة الإلياذة ورسالتها في رفع الأعلام العوالي، وبثّ الإعلام لنشر المزايا والمعالي، لتكون نبراسًا ونورًا للأجيال الصّاعدة المتعاقبة، تنير دروبها، وتستضيء بها في حياتها، وتستلهمها في ترشيد مسيرتها، وتصحيح مسارها ... في هذه المهمّة وهذه الرّسالة تبرز الرّؤسة الإسلاميّة في الإلياذة.
الجزائر يوم الإثنين: 02 من شعبان 1432ه
04 من جويلية 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربيّة وآدابها
كليّة الآداب واللّغات
__________
(2) - المصدر السّابق، ص: 227. (1/413)
صفحة 398
جامعة الحاج الأخضر باتنة
فقيد الأدب الدّكتور صالح الخرفي (1)
ودّعت أسرة الأدب – منذ أيّام – أحد أبنائها البررة، وأحد العاملين المخاصين لها، الجادّين في نصرة اللّغة والأدب والفكر الأصيل. إنّه الشّاعر والكاتب والمفكّر الجزائري: صالح بن صالح الخرفي. وقد وافته المنيّة في تونس العاصمة يوم الأحد 03 من شعبان 1419هـ/ 22 من نوفمبر 1998م.
يعدّ المرحوم أحد أعمدة الأدب والفكر في المغرب الإسلامي بخاصّة. كتب شعرًا، وحرّر مقالات، ونشر دراسات، وألّف كتبًا. حاضر وشارك في عدّة ملتقيات ومؤتمرات أدبيّة وفكريّة في مختلف الأقطار العربيّة. مَثَّلَ الجزائر – بخاصّة – في أكثر من مؤتمر أدبي وفكري في أثناء الثّورة التّحريريّة الجزائريّة وبعدها، وأسمع صوتها، وعرّف بها وبفكرها وأدبها وتاريخها؛ بقوّة شعره وعديد مقالاته، وكثرة مؤلّفاته. كما كان حريصًا على التّعريف بالمغرب الإسلامي وبمفكّريه؛ لأنّ هذا الجناح المغربي من العالم الإسلامي غير معروف بمستوى ما قدّمه أبناؤه من أعمال جليلة في الفكر والثّقافة. وقد حاول الدّكتور تدارك هذا النّقص بمؤلّفاته ودراساته وكتاباته وجهوده الذّاتيّة ..
الدّكتور صالح الخرفي من مواليد مدينة القرارة، ولاية غرداية (الجزائر). سنة 1932م، تلقّى دراسته الايتدائيّة في مدرسة الحياة بالقرارة، والمرحلة الثّانويّة في معهد الحياة بالقرارة. كان من أساتذته فيه الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض وفضيلة الشّيخ عدّون بن بالحاج شريفي، والأستاذ بكير بن عمر بيّوض ... أمّا المرحلة الجامعيّة فقد
__________
(1) - نشر المقال في مجلّة النّهضة، مسقط سلطنة عمان، عدد: 904، الثلاثاء: 24 رمضان 1419هـ/ 12 يناير 1999م. ص: 38، 39. (1/414)
صفحة 399
زاول جزءًا منها في تونس، والجزء الآخر في القاهرة. وقد حصل على الدّكتوراه من جامعة القاهرة.
درَّس في جامعة الجزائر، كليّة الآداب، دائرة اللّغة العربيّة وثقافتها، التي تحوّلت الآن إلى معهد اللّغة والأدب العربي. (1)، وقد كان رئيسًا لهذه الدّائرة، (أي مديرًا للمعهد، كما يعرف في التّسعينيّات).
كما تولّى رئاسة تحرير مجلّة الثّقافة الجزائريّة ومجلّة المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، وقد كان مديرَ إدارةِ الثّقافة في المنظّمة قبل أن يتقاعد ..
عمل مستشارًا في وزارة التّعليم العالي والبحث العلمي الجزائريّة. كان عضوًا في اتّحاد الكتّاب الجزائريّين، وعضوًا مراسلاً لمجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة ...
نشر مقالات ودراسات متنوّعة في مجلاّت وصحف جزائريّة وغير جزائريّة. كتب شعرًا باللّغة العربيّة الفصحى، وله في ذلك أربعة دواوين، هي: أوّل نوفمبر، أطسلس المعجزات، أنت ليلاي، من أعماق الصّحراء، وعشرات القصائد التي لم تجمع بعد في ديوان. كما كتب شعرًا باللّغة الميزابيّة البربريّة. إلى جانب مجموعة من الأناشيد بالعربيّة القصحى والعربيّة الدّارجة (أي الشّعر الملحون) وبالميزابيّة ..
مؤلّفاته تقارب العشرين، إلى جانب الدّراسات الكثيرة، التي نشرها عن مختلف المجالات. قسم كبير من هذه المؤلّفات عُني بالتّعريف بالأدب الجزائري، الذي يعدّ الدّكتور من الرّوّاد الذين كتبوا فيه، وعرّفوا به بعد استقلال الجزائر، سنة 1962م. هذه بعض مؤلّفاته:
ـــــ شعر المقاومة الجزائريّة.
ـــــــ الشّعر الجزائري الحديث.
ـــــــ شعراء من الجزائر. الشّعر الجزائري
ـــــــ المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث.
__________
(1) - تسمّى الدّائرة الآن: قسم اللّغة العربيّة وآدابها، التّابع لكليّة الآداب واللّغات. (1/415)
صفحة 400
ــــــــ صفحات من الجزائر.
ــــــــ شهيد الكلمة أحمد رضا حوحو.
ــــــــ الجزائر والأصالة الثّوريّة.
كما كان اهتمامه كبيرًا بالمغرب الإسلامي. من مؤلّفاته في هذا المجال:
ــــــ في رحاب المغرب العربي.
ــــــــ عبد العزيز الثّعالبي والحزب الحرّ الدّستوري.
من شعره ما يأتي:
قال وهو يخاطب شهر نوفمبر، مستوحيًا ومستلهمًا ملامح الصّحراء:
البيدُ سفحٌ للأشَمِّ، ... كلاهما ... للثّأر مشدودُ الأواصرِ ... والعرى
يا من على الصّحراء سال لعابُهم ... كم مُوردٍ فيها، سلُوا هل أصدرَا؟
أقسمتُ بالرّمضاء فيها وبالرّيا ... حِ الهوج، تنتعل الجديب المقفرا
بالنّاقة ... الوجناء فيهَا، لم تزل ... عربيّة الخطوات، شامخة الذّرا
أقسمت بالحادي، وبالفصحى التي ... ناجَى بها اللّيل الجميل المقمرا
بالخيمة السّوداء، بالليل الأنيس ... بنارها، ما أنفد ... طائي ... القِرَا
بالذّرّة ... الرّعناء، ... أقعد ... راجلاً ... إشعاعُها المودي، وأعمى مبصرًا
بالنّفط في الصحرا عشقت سواده (1/416)
صفحة 401
الدْ ... دَاجي، وعفتُ به النّضارَ الأسودا
أقسمتُ بالصّحراء مهدًا لِانْبثَا ... ق الوحي، نقّاهُ (حراء) وطهّرا
سنُعيد ذكرَى (القادسيّة) للنّهى ... تهوي بكسرى، أو تُطيحُ بقيصرَا
سَنَشُنُّها (عمريّة) (سعديّة) ... سَنُثيُر ... رملتَها ... قتامًا ... أغبرَا
ذكرى سنجعلها، وتبقى عبرة ... في الخافقين، لمن وَعَى ... وتذكّرَا
مطلع القصيدة:
بايعتُ من بين الشّهور نفمبرَا ... ورفعتُ ... لصوت شعبيَ ... منبرَا
قال أيضًا وهو يسجّل ثبات الشّعب الجزائري ومجاهديه أمام العدوّ الفرنسي المدجّج بالأسلحة الفتّاكة، المُدْعَمِ بالأحلاف العسكريّة. وقد صوّر هذا الثّباتَ ثباتَ سدِّ ذي القرنين، الذي صمد أمام طوفان (ياجوج وماجوج):
رمانا الغربُ بالنّوّب الدّواهي ... فكنّا في اتّساع الصّدر بحرَا
وجاؤونا ... بِ (ياجوج) ... حنودًا ... فكنّا سدّ (ذي القرنين) أِسْرَا
فراموا ... بالحديد له ... انصداعا ... فكان ... حديدُهم ... للسّدِّ قطرَا
فما استطاعوا له نقبَا، فولَّوا ... على الأعقاب، ... يلتمسون أزرَا (1/417)
صفحة 402
من شعره الغزلي قوله:
خرجتْ تنشرُ الثِّيابَ، فليتَ الـ ... ـجسمَ منّي – نحافةً –كان سِلْكَا
علَّها ... تُطفِئُ ... الغليل ... بثوبٍ ... باردٍ، ... إنّني ... أغالبُ ... فتكَا
أَيْقَنَتْ أنّني بها عبْدُ حُسْنٍ ... وجَمالٍ، تَبَوَّأَتْ منهُ ... ملكَا
فغدَتْ ... ساعَةً، تَروحُ وتغدو ... مثلَ عصفورةٍ، تُلاعبُ أَيْكَا
فهي لا تنشرُ الثّيابَ ... ولكنْ ... تنشرُ الحسنَ والجمالَ المُزكَّا
إِخوَتِي! إنْ وجدتُمونيَ مَيْتًا ... وسألتُمْ عن قاتلي، فهي تلكَا
إنّ شاعرنا لم تُمتهُ (تلك)، إنّما مات لأنّ أجله جاء. وقد توفِّي لمرض ألَمَّ به، تغمّده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه ..
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
نزوى، سلطنة عمان (1/418)
صفحة 403
موضوعات الكتاب
المقدّمة
القضيّة الفلسطينيّة في أدب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي
السّخرية في أدب الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي
السّخرية في أدب الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان
الرّجل المسلم الجزائري في أدب الشّيخ ابن باديس
الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي شاعر الإصلاح
جريدة الشّباب نادٍ للتّباري في الأدب والفكر
تجربة مفدي زكريّاء الشّعريّة رائقة رائدة
المضمون الإسلامي في الشّعر الجزائري الحديث
الرّؤية الإسلامية في إلياذة الجزائر
فقيد الأدب الدّكتور صالح الخرفي (1/419)
صفحة 404
ما يكتب خلف الكتاب
الأدب الجزائري غنيّ بما أفرزه من قيم، وما عالج من قضايا وطنيّة وإسلاميّة وعالميّة. وكبير بكبر الأدباء الذين أنتجهم وأنتجوه، وقويّ بحضوره في المناسبات العظيمة والمواقف الحاسمة، وحيّ باستمراره في العطاء، وفي تفاعله مع الآداب الأخرى: تأثّرًا وتأثيرًا. دراسته دراسة خاصّة وملحّة، تدعو إليه عوامل كثيرة، نذكر من بينها: جهل فئات كبيرة من أبناء الجزائر به، وبخاصّة الشّباب، ومنهم الطّلبة الجامعيّون، ومن هؤلاء طلبة أقسام اللغّة العربيّة بالجامعات الجزائريّة، وقلّة احتفاء بعض أبناء هذا الأدب به، وفقدهم حاسّة تذوّق الأدب بعامّة، وعدم شعورهم بهوى نحوه بخاصّة، وظهور تيّارات كثيرة داخل هذا الأدب، واتّجاهات عديدة فيه، لم تتمكّن من التّعايش مع بعضها جنبًا إلى جنب بسلام أدبي، وتحاملُ بعض الأفراد على الآخرين، ما نتج عنه إقصاء بعض الأسماء، وفرض أخرى على أذواق الشّعب، وسيطرة أشخاص على ريادة الأدب في الجزائر، وتفرّدهم بحقّ تمثيلها أدبيًّا في المنتديات الدّولية بحقّ وَبغير حق، و انعزال بعض الأسماء الكبيرة، الأصيلة في تفكيرها، القويّة في إبداعاتها، المتمكّنة من أدوات الكتابة، وعدمُ نشر بعضها ما تنتج وما تبدع. ممّا ترك فراغًا ملأه بعض من ليست له صلة بالأدب والفنّ، وغياب الأدب الجزائري عن المحافل الدّولية بشكل محيّر ولافت للنّظر – كغياب الثّقافة الجزائريّة الأصيلة عنها أيضًا – ممّا يعرض أكثر من سؤال على المواطن الجزائري، وعلى غير الجزائري، بخاصّة المثقّفين والأدباء.
هذه بعض العوامل المتسبّبة في صدور الأحكام الجائرة حول الأدب الجزائري، وفي إقصاء الأدب الأصيل من السّاحة ... هذا الكتاب يعرض نماذح من هذا الأدب الغائب عن الأنظار أو المغيّب.
المؤلّف (1/420)