صفحة 1
الكتاب: دراسات في الشعر العُماني
المؤلف: سعد دعبيس
الناشر: دار المعرفة الجامعية
مكان النشر: الإسكندرية
سنة النشر: 1992 دراسات في الشعر العماني
سعد دعبيس
الناشر: دار المعرفة الجامعية
مكان النشر: الإسكندرية
سنة النشر: 1992
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
حاولت في هذا الكتاب إلقاء بعض الأضواء، على بعض التيارات الفكرية والفنية في الشعر العماني، ولعل أهم عامل من العوامل التي وجهتني إلى هذه الدراسة:
إحساسي الشديد بحاجتي وحاجة دارسي الأدب في الأقطار العربية الأخرى (خارج سلطنة عمان) إلى اكتشاف الطريق إلى عالم الشعر العماني ـ قديما وحديثا ـ بمكوناته البيئية والتاريخية، والفكرية، والفنية، وبالتالي اكتشاف الطريق إلى مزيد من التقارب والحب، المبنيين على مزيد من الدراسة والفهم، وليس كالشعر والأدب وسيلة للتواصل الوجداني والفكري بين أبناء الأمة العربية، بالإضافة إلى ما يربطهم من وشائج أخرى كالدين واللغة والتاريخ ... !
لقد آن الأوان لأن نعطي للثقافة المشتركة، والتيارات الأدبية المشتركة، حقهما من الاهتمام، ومن هنا ..
كان إحساسي بأهمية هذه الدراسة ـ أو هذه المحاولة لدراسة بعض تيارات الشعر العماني ـ في تعميق أواصر التقارب الفكري والثقافي، والتجاوب الروحي والعاطفي بين أبناء البلاد العربية، وبخاصة في هذه المرحلة الراهنة، التي أصبحت فيها أمتنا العربية، مهددة بعوامل التمزق والتجزئة، التي يحاول الاستعمار، بشتى أشكاله واتجاهاته، إشعال نيرانها في العالم العربي، عن طريق تكريس النزعات العنصرية والإقليمية، وتهيئة المناخ الفكري والسياسي، لعودة عهد " ملوك الطوائف " من جديد .. ! لنفاجأ كل يوم بأندلس جديدة، تنتزع أمام أعيننا من خريطة الوطن العربي الحبيب .. !
ومن ثَمّ فإني أرى أن دراسة التيارات الأدبية، باتجاهاتها الفكرية والفنية المشتركة بين أقطار الوطن العربي، من أكبر العوامل التي تقف سدا منيعا، أمام مؤامرات التفرقة والتجزئة التي تعزف على أوتار الشعارات الإقليمية البراقة، والمكاسب القطرية الخادعة، تلك المؤامرات التي يراد لها أن تدق (1/1)
صفحة 2
طبول الحرب، والاقتتال الداخلي من جديد، في تلك المرحلة الحزينة التي يمر بها وطننا العربي ... ! ومن هذا المنطلق كانت تلك الدراسة المقارنة التي قدمتها في المبحث الأول من مباحث الكتاب، وهي: تيار الغزل التراثي بين (النبهاني) و (البارودي) .. !.
وعمان العريقة في عروبتها وإسلامها، غنية بشعرائها وعلمائها، ولها تراثها المضيء في مجالي العلم والأدب، فمنذ أقدم العصور .. منذ (مالك بن فهم) تلقانا صفحات مشرقة من إبداعات الشعراء العمانيين .. بدء ا بمالك بن فهم ـ الذي يروي له مؤلف كتاب " كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ": هذه الأبيات، في لوعة الغربة والحنين إلى الأوطان (1): ـ
تحنُّ إلى أوطانها إِبْلُ مالكٍ **** ومن دونِها عرض الفلا والدكادِكِ
وفي كل أرضٍ للفتى متطلبٌ **** وليست بدار الذُلِّ يوماً برامكِ
ستغنيك عن أرض الحجاز مَشاربٌ **** رحابُ النواحي .. واضحات المسالكِ
ومرورا بكعب بن معدان، والعلماء الشعراء من أمثال: الخليل بن أحمد، وابن دريد، وسعيد بن راشد بن محمد بن بشير الغشري الخروصي الأزدي (2)، وأبو محمد ناصر بن محمد بن سليمان الخروصي الأزدي السمائلي الحاجري ـ صاحب اليد الطولى في النظم والنثر ـ كما يقول صاحب كتاب " الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين (3) " ـ وصولا إلى شعراء عمان في العصر الحديث، وعلى رأسهم الشاعر الكبير الشيخ عبد الله بن علي الخليلي ـ أمام هذه المراحل من تاريخ الإبداع الشعري في (عمان) كان على علماء عمان الحديثة، ونقادها وشعرائها، أن يقوموا بمجهودات كبيرة في دراسة ذلك التراث وتقديمه للدارسين والمهتمين بالأدب في عالمنا العربي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب تاريخ عمان ـ المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة " ص 19 ـ تأليف: سرحان بن سعيد الأركوي العماني ـ تحقيق عبد المجيد حسيب القيسي ـ نشر وزارة التراث القومي والثقافة
(2) وقد ذكر مؤلف كتاب " الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين " لهذا العالم الشاعر نماذج جميلة من شعره، وأشار إلى أن له مقامة نثرية على سؤال مقامات الحريري، ... انظر هذا الكتاب ـ ص 182 ـ وما بعدها ـ تأليف حميد بن محمد بن رزيق ـ تحقيق. عبد المنعم عامر. د محمد مرسي عبد الله
(3) المرجع السابق ـ ص 196 ـ ص 210 (1/2)
صفحة 3
الحديث ... ومن ثَمَّ كان هذا الاهتمام البالغ من وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان .. بإحياء التراث العماني في مجالي العلم والثقافة، ونشر المخطوطات العلمية والأدبية، ومعالي وزير وزارة التراث القومي والثقافة يرى أن اهتمام الوزارة بذلك التراث، إنما هو بدافع من الروح القومية والشمم العربي، وفي ذلك يقول (1):
"وإذا كان آباؤنا قد عنوا بتسجيل تاريخ عمان، فإننا قد حذونا حذوهم، وترسمنا خطاهم، حيث نولي تاريخ أجدادنا وأهلينا الأقدمين، مزيدا من الروح القومية، والشمم العربي ".
ولعل من أبرز الإنجازات الثقافية التي قامت بها وزارة التراث القومي، في مجال الشعر والدراسات الأدبية، قيامها بنشر دواوين كثير من أعلام الشعر العماني، وقام بتحقيق هذه الدواوين وشرحها والتقديم لها، علماء أجلاء، وشعراء ونقاد بارزون، ومن حق هؤلاء العلماء والشعراء أن نشيد بالجهد الذي بذلوه، في تقديم هذه الدواوين إلى الدارس والقارئ العربيين في كل مكان، وعلى سبيل المثال ـ لا الحصر ـ يسعدني أن أشير إلى الجهد الطيب الذي بذلته الوزارة في تحقيق وشرح ديوان (النبهاني) (2) وديوان (السيد هلال بن بدر البوسعيدي) (3) وديوان (أبي مسلم البهلاني) (4) ... هذا الشاعر الذي كان أمير شعراء عصره، والذي أجده في قصيدته (أفيقوا بني القرآن) كأنما بعث من جديد، في أيامنا هذه .. ! حين نراه يصور في تلك القصيدة، مأساة التمزق العربي الإسلامي، إذ يقول: ـ
وليت بني الإسلام قرت صفاتهم **** فما زعزعتها للغرور الزعازعُ
وليتهم لم ينحروا بسلاحهم **** نحورهم .. إذ جاش فيهم التقاطعُ .. !
لقد مكن الأعداءَ منا انخداعنا **** وقد لاح آل في المهامِهِ لامعُ .. !
وسورة بعضٍ فوق بعض وحملة **** لزيدٍ على عمرو .. وما تم رادعُ .. !
ــــــــــــــــ
(1) من تقديم معالي / فيصل بن علي بن فيصل / وزير التراث القومي والثقافة ـ لكتاب " الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ".
(2) تحقيق وشرح الشاعر سليمان بن خلف الخروصي.
(3) تحقيق وشرح الناقد / محمد الصليبي.
(4) أشرف على تحقيق القسم الأول منه مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1980. (1/3)
صفحة 4
وما ترك المختار ألف ديانة **** ولا جاء في القرآن هذا التنازعُ .. !
فيا ليت أهل الدين لم يتفرقوا **** وليت نظام الدين للكل جامعُ (1) .. !
ولا نريد هنا أن نسترسل في بيان الجهود التي بذلتها الوزارة والهيئات الثقافية في نشر التراث العلمي والثقافي وتحقيقه، فليس هذا مجاله، وإنما أردت فقط بهذه الإشارات الموجزة، أن أؤكد على أهمية هذا التراث، والجهود المبذولة لدراسته وتحقيقه ونشره، ولا يسعني هنا أيضا، إلا أن أشيد بالدراسات التي قدمها بعض النقاد العمانيين والمصريين في مجال دراسة الشعر العماني ـ قديمه وحديثه .. !
وفي هذا المجال، يسعدني أن أتقدم بكتابي هذا، الذي يستهدف دراسة بعض قضايا الشعر العماني وتياراته، وقد كان لمكتبة جامعة السلطان قابوس، أثرها المشكور في إمدادي بكثير من مراجع هذا الكتاب، بالإضافة إلى اتصالاتي المباشرة، وحواري مع بعض الإخوة من شعراء عمان ونقادها.
ويقوم هذا الكتاب على خمسة مباحث تتناول القضايا الآتية:
1) تيار الغزل التراثي بين النبهاني والبارودي.
2) الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث.
3) الغربة والحب في شعر هلال العامري.
4) تيار الغزل في شعر سعيد الصقلاوي ـ بين التراث والمعاصرة ـ
5) الشاعر عاصم السعيدي بين المعارضات التراثية والرؤية الرومانتيكية.
وأرجو أن تقدم هذه الدراسات: إضافة جديدة، وإثراء مفيدا، في مجال الدراسات الأدبية المتعلقة بالشعر العماني .. !
والله الموفق ..
دكتور / سعد دعبيس
الإسكندرية في 1991 م / 7/ 11
ــــــــــــــــــــ
(1) ديوان أبي مسلم البهلاني ـ ص 262 (طبعة وزارة التراث القومي سلطنة عمان) (1/4)
صفحة 5
[صفحة بيضاء] (1/5)
صفحة 6
المبحث الأول
" تيار الغزل التراثي بين النبهاني ـ والبارودي "
لعل أهم عامل وجهني إلى اختيار هذه الدراسة المقارنة لتيار الغزل التراثي بين هذين الشاعرين: (النبهاني) "1" في سلطنة عمان، و (البارودي) "2" في مصر: إحساسي بحاجة مجتمعاتنا العربية المعاصرة إلى إعادة النظر من جديد في أهمية القصيدة الغزلية، في تهذيب وجدان الفرد، والتسامي بمشاعره وانفعالاته، وبناء مجتمع قائم على الحب والصفاء، لا على الحقد والكراهية، فنحن جميعا أبناء عالم محاصر بصحراء الصمت والرعب، في عصر التجارب النووية، عصر يعيش أبناؤه أعصابا قلقة، وقلوبا شاحبة مغتربة، وأصابع تصنع الموت والكراهية للأطفال، بدلا من الأزهار والألحان، وتزرع القنابل والأكفان في الحقول، بدلا من الحب والسلام ... ! عالم لم يعد يغني للمحبة والصفاء، بقدر ما يغني للكراهية والحقد، والرعب والدمار ... ! وما أشد حاجة هذا العالم الآن لمن يقدم له في هجير حربه الباردة، وتفجيرات أحقاده النووية، باقة حب، وهمسة لقاء ... !
في هذه المعاني ... يكمن الدافع الأول الذي وجهني لاختيار موضوعي هذا، وهناك عاملان آخران، كان لهما تأثيرهما أيضا:
أما الأول فهو: إحساسي بأن قصيدة الغزل العربية المعاصرة، لم تعد تحظى باهتمام الشعراء المعاصرين، وإن ظفرت باهتمام بعضهم، فكثيرا ما تتحول لدى هذا البعض إلى مشجب يعلق عليه آراءه، أو شعاراته المذهبية، وقد وجدت في بعض ندوات الشعر التي أحضرها، اتجاها غريبا يدل على عقم الذوق الأدبي، وفساده لدى بعض ناشئة الشعراء، إذ يتوهم هذا البعض أن التقدمية والواقعية تحتمان على الشاعر أن ينأى بشعره عن الحب والغزل، وأن يلتزم فقط بقضايا الكفاح السياسي والاجتماعي، ولذلك كان بعض الشعراء يقدم أحيانا ما يشبه الاعتذار حين يهم بإلقاء قصيدة غزلية، كأنما هو يقدم على ذنب يحتاج إلى تبرير واستغفار "3"، ووجدت ـ كملا سبق أن أوضحت في
ــــــــــــ
1 ـ سليمان بن سليمان النبهاني
2 ـ محمود سامي البارودي ـ وسجيئ التعريف بهذا الشاعر والشاعر السابق في حديثي عن " الملامح المشتركة بين شخصيتهما (انظر ص 4 ـ وما بعدها ـ)
3 ـ انظر: الغزل في الشعر العربي الحديث ـ للدكتور / سعد دعبيس، مقدمة الكتاب، ص "أ" (1/6)
صفحة 7
دراسة لي عن الشعر العربي الحديث "1" ـ أن هؤلاء الشعراء يجهلون القيمة الأخلاقية البناءة للقصيدة الغزلية التي تنطلق بالإنسان من حصار مشكلاته التي تقيده بأغلال التفاهات اليومية، إلى عالم الجمال والصفاء ... من عالم المادة إلى ... عالم الروح ... ! من عالم التناهي إلى عالم اللاتناهي .. إن هؤلاء الشعراء يجهلون ما يمكن أن تسهم به هذه القصيدة في دعم العوامل الإيجابية في حياة الفرد والمجتمع، ولعلهم يجهلون أن ماضينا الحبيب يحفل بتراث رائع في دراسات الحب، وقصائد الغزل، وأن تجربة الحب عند "عنترة " و " أبي فراس " وأمثالهما، قد ارتبطت بالفروسية النبيلة، والمجد والعزة، والتمرد على الذل والمهانة، والكفاح في سبيل الحرية .. ، ولعل الشاعر (عبد الرحمن شكري) كان يعني هؤلاء عندما قال:
" ولقد رأيت بعض القراء لا يفهم منزلة الغزل في الشعر، إن مزية الغزل سببها أن حب الجمال حب الحياة، وكلما كان نصيب المرء من حب الجمال أوفر، كان نصيبه من حب الحياة أعظم، وحب الحياة والجمال، من العوامل الاجتماعية القوية التي ترجي الأمم إلى التفوق والاستعلاء " "3".
أما العامل الثاني: ـ في اعتقادي ـ فهو أن قصيدة الغزل العربية يمكنها لو قدمت تقديما حسنا ـ أن تجتذب أرضا جديدة للشعر العربي، وجموعا من الشباب الضائعين في متاهة الإثارة المشبوهة، وأغاني العاطفة الهابطة الرخيصة المبتذلة ... !
ولعل أبلغ دليل على أهمية قصيدة الغزل في تراثنا العربي، هو: اهتمام عدد من علماء الفقه الإسلامي بتقديم دراسات عنها، ويتضح ذلك حين نعرف أن (ابن داود) أحد أئمة المذهب الظاهري، قد خصص في كتابه " الزهرة " خمسين بابا في الغزل، وعن ابن داود، أخذ (محمد بن حزم الأندلسي) هذه النزعة الوجدانية، فألف كتابه " طوق الحمامة " ويصفه الدكتور / زكي مبارك قائلا: " وهو كتاب تحدث عن " فن الحب " قبل أن يلتفت إليه
ــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق، ص (ب)
2 ـ مقدمة ديوان " زهر الربيع " (الجزء الرابع من ديوان عبد الرحمن شكري) ص. 290 (1/7)
صفحة 8
الأوروبيون ـ كما أخبرنا المسيو ماسينيون" "1". ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى دراسات تراثية أخرى، مثل " مصارع العشاق " لابن السراج و " روضة المحبين ونزهة المشتاقين " لابن قيم الجوزية، و " كتاب القيان " للجاحظ، وغير ذلك من الدراسات التراثية التي تناولت هذه القضية.
ولقد لفت نظري حين قرأت ديوان الشعر العماني (سليمان بن سليمان النبهاني) أنه في شعره الغزلي، المقترن في كثير من الأحيان بالفخر والحماسة، يلتقي مع الشاعر المصري (محمد سامي البارودي) إلى حد كبير وسأحاول في هذه الدراسة، أن أتناول:
أولا: الملامح المشتركة بين شخصية (النبهاني) وشخصية (البارودي):
فعلى الرغم من الفاصل الزمني بينهما، والذي يبلغ حوالي خمسة قرون، حيث ولد " النبهاني " في منتصف القرن التاسع الهجري. "2" ... بينما ولد (البارودي عام 1838 م) "3" .. على الرغم من هذا الفاصل الزمني الملحوظ، فإننا نجد التشابه بينهما كبيرا إلى حد يسمح بالدراسة المقارنة:
(1) أما الملمح الأول: فهو اعتزاز كل منهما بعراقة النسب، وسطوة الملك، وقوة الجاه والنفوذ، فالنبهاني ينتمي إلى قبيلة " بني نبهان " الأزدية، التي كان لها الملك والسيادة فترة طويلة في (عمان)، ويصفه المؤرخ (نور الدين السالمي) قائلا:
" وبقى سليمان بن سليمان أياما ملكا بالقهر والجبرية، متغلبا على من تحته بالسلطة والقهر " "4".
وفي سيرته وشاعريته، يقول الشاعر المؤرخ، فضيلة الشيخ الأديب، محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي:
ــــــــــــــــ
1 ـ العشاق الثلاثة ـ ص 6 ـ وما بعدها، ويقصد بقوله: " المسيو ماسينيون " المستشرق الفرنسي
(ماسينيون).
2 ـ انظر المقدمة التي قدم بها الشاعر (سليمان خلف الخروصي) لديوان النبهاني.
3 ـ انظر: " الأدب العربي المعاصر " للدكتور / شوقي ضيف، ص 83.
4 ـ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ص 378. (1/8)
صفحة 9
وسليمان من ملوك بني نبهان **** ذو الافتخار والنخواتِ
اسمه واحد واسم أبيه **** وبلفظ المظفر الجدِّياتي "1"
جاء في شعره بكل غريب **** من معان بديعة ولغات "2"
وما أكثر ما افتخر هذا الملك الشاعر بعراقة نسبه، وعزة انتمائه، وسيادته وسطوته، ومن ذلك قوله:
أنا الملك الذي ساد البرايا **** وبيتُ الفخرِ والحَسبِ اللُّبابِ "3"
وقوله:
فَهُودٌ نبي الله جدي وابنه **** أبو الخير قحطانٌ أمانُ مروّعِ
فهل مركز حاز الفخار كمركزي **** وهل منبع ضم الفخار كمنبعي
وهل في الورى قوم كقومي إذا انتموا **** بأشرفَ بيتٍ في يَمانٍ ومَرفعِ
لنا حومة العز الذي طأطأت له **** رؤوسُ رؤوسِ الناس في كل مجمعِ
لنا تنتمي التيجان قد علمت به **** معدٌّ ومرهوبُ الجناب الممنعِ "4"
وهذا الاعتزاز البالغ بكرم الأرومة، وعراقة النسب، واضح أيضا في شعر (البارودي) فقد كان أجداده، يرقون بنسبه إلى حكام مصر المماليك، وكان الشاعر شديد الاعتداد بهذا النسب في شعره، وفي كل أعماله، فكان له أثر قوي في جميع أدوار حياته "5"، ومن ثم فهو يفتخر كثيرا بآبائه وأجداده قائلا:
رجال ٌ أولو بأس شديدٍ ونجدةٍ **** فقولهم قولٌ، وفعلهم فعلُ
إذا غضبوا ردوا إلى الأفق شمسه **** وسال بدفاع القنا الحزنُ والسهلُ "6"
ــــــــــ
1 ـ قوله: " واسم أبيه " لسلامة الوزن هنا، حول الشاعر همزة الوصل في " اسم " إلى همزة قطع، وقوله: " ياتي " فيه تسهيل للهمزة، والأصل: " يأتي ".
2 ـ " شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان " ج 2، ص 128، 179
3 ـ ديوان النبهاني ـ من قصيدة مطلعها: " يمينا بالصوارم والحراب وبالخيل المسومة العراب " ـ ص 10 من ديوانه.
4 ـ من قصيدة مطلعها:
أبى الجسم إلا أن يُزَالَ لداِئهِ **** على العِزّ مالي والأذى يالنبع
ص 48، من ديوانه
5 ـ ديوان البارودي ج 1، ص 65 ـ المقدمة ـ (طبعة دار الكتب المصرية).
6 ـ انظر رأي الدكتور / محمد حسنين هيكل في القصيدة التي منها هذان البيتان، وذلك في حديثه عن فخر البارودي في المقدمة التي قدم بها لديوان ذلك، ص 19 و ص 20 (1/9)
صفحة 10
(2) الملمح الثاني: اشتراكهما في خوض المعارك الحربية، وقيادة الجيوش، فالنبهاني ـ وهو أحد سلاطين بني نبهان، يفخر في كثير من قصائده، بحسن بلائه في الحرب، وشجاعته الفائقة، وفتكه بأعدائه، وقيادته للجيش في المعارك الحربية التي خاضها ضد أعدائه، وبخاصة ضد شقيقه (حسام) وفي ذلك يقول "1": ـ
فمن مبلغ عني حساما ألوكة **** تبلغ معطاها لأهدى المذاهبِ
أبا ناصر لا تجهل الحرب إنها **** لتقطيع أسباب الإخا والمناسبِ
ألم تَنْهَكَ الحربُ التي سلفت لنا **** بحبل الحديد يا كريم المناسبِ
ألم أترك القِرْنَ الكَميَّ مُعَفّراً **** بخدّيه مأمورا غُبار السّلاهبِ "2"
ولعل أهمية شعره في هذا المجال: أنها تقدم لدارس التاريخ العماني في هذه الفترة، مصدرا من المصادر التي تضيء له، طريق البحث في هذه الفترة التي كثر فيها الاقتتال الداخلي، ومن ثم فإننا نعثر على حماسيته على دليل يرشدنا إلى بعض المعارك التي دارت في هذه المرحلة ... أيام حكم بني نبهان،
هاهو ذا يذكر لنا بعض المعارك التي أبلى فيها بلاء حسنا:
وبالعقر قد صالقت عامرَ صلقة **** تذاكرها الراوون في الندواتِ "3"
وسل عن ضرابي يوم أزكى حاسرا **** بسيفي وقد فرَّتْ جميعُ حماتي
وبالميقع المعروف طاعنت عامرا **** لدى الطعن حتى غار متن قناتي "4"
..........................
ظللت أذود القوم بالرمح مُستحٍ **** من الله أن أمضي عن الخفراتِ "5"
ـــــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة مطلعها:
ألا فأحبائي اليوم قود النحائب **** فنهرق دمعا بين هاتي الملاعب
ص 28 من ديوانه
2 ـ أي: تركت قرني الكمي معفرا بغبار الخيل السلاهب الطوال ـ انظر شرح محقق الديوان لهذا البيت ـ هامش ـ ص 28
3 ـ صالقت من الصلق، يقال: صلق القوم صلقة: أوقع بهم وقعة شديدة
4 ـ الميقع: موضع معروف بعمان، غار: تلف، أي: تلف متن قناتي بكثرة الطعان ـ انظر شرح محقق الديوان: هامش، ص 52
5 ـ مستح: الصواب أن يقول: مستحيا (بالنصب على الحال) وقد نبه إلى الخطأ أيضا محقق الديوان. (1/10)
صفحة 11
وكم وقعةٍ مشهورة قد شهدتُها **** يقصر فيها المرء عن فعلاتي
فلا جيش للأعداء إلا هزمته **** ولا قطر إلا جبت بالغزواتِ "1"
وعلى هذا المنوال من الفخر، نجد (البارودي) يحذو حذو (النبهاني) وينهج نهجه في الفخر ببطولاته ومعاركه، بعد أن يتخرج من المدرسة الحربية عام 1884 م، وترسم له شخصيته العسكرية، وخياله الشاعر، صورة الحلم الذي كان يتمناه دائما، صورة ملك متوج على عرش مصر، كواحد من آبائه المماليك، فالنشأة الحربية إذا اجتمعت إلى الشعر والأدب، تثير في النفس روح الخيال، والتطلع إلى أقصى مراتب المجد والعلا، ومن هنا جاءت آمال البارودي، بعيدة الأفق، لا تقف عند حد، حتى بلغت التطلع إلى العرش "2".
وطموحه العسكري يبدو واضحا صارخا، حين تراوده أحلام الملوك، حتى وهو بين يدي الحبيبة في ليلة من ليالي الوصل واللقاء:
وليلةٍ بضياء الكأس لامعةٍ **** أدركتُ باللهو فيها كل مقترحِ
أحييتُها بعدما نام الخليُّ بها **** بغادةٍ لو رأتها الشمسُ لم تلُحِ
فلو تأملتَني والكأس دائرةٌ **** لخِلْتَنِي ملكا يختال من مرحِ "3"
(3) الملمح الثالث: من الملامح التي تشكل شخصيتهما ـ كما تبدو في أشعارهما: ـ
اشتراكهما في الحرص على الملذات، ومباهج الحياة، ومجالس الطرب بما فيها من لهو شراب، وربما بدا هذا الملمح غريبا ومثيرا للإحساس بالتناقض، إذ كيف تلتقي البطولات الحربية، وخوض المعارك الحربية، والشجاعة والاستبسال في القتال ... !
كيف يلتقي كل أولئك بالسهرات الصاخبة، والجري وراء الملذات، والطرب والغناء .. ؟
ــــــــــــــ
1 ـ هذه الأبيات من قصيدة مطلعها: أيا من لطرف واكف العبرات ... إلخ البيت ـ ص 46 من ديوانه
2 ـ مصر المجاهدة في العصر الحديث ـ الحلقة الرابعة ـ ص 76 ـ عبد الرحمن الرافعي.
3 ـ ديوان البارودي ـ ج 1 ـ ص 123 (1/11)
صفحة 12
وليس عجيبا توزع حياة هذه الشخصيات الحربية المقاتلة، التي تعيش دائما في ظل أخطار الحرب، وتوقع الموت في كل لحظة ... ليس عجيبا توزع هذه الشخصيات بين موجات المجد والبطولة، ودواعي المتعة والهوى، وفي مثل هذه الحالة العجيبة يقول " العقاد " في كتابه: (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي): " وتلك حال ' خليقة ' بأصحاب الطبيعة الحيوية التي تنقاد لدفعة الجسم، وصورة اللحم والدم في ثورة الغضب والنخوة، أو حال ' خليقة ' بالجندي المفطور على الجندية، والشجاع المفعم بالنوازع الفنية، ومن أهمها: الأخذ بالقريب الحاضر، والبعد عن الإطالة والتعمق والاستقصاء، فليس من اللازم اللازب لصاحبها أن يتغلغل في التفكير إلى الدقائق والخفايا، وأن يتوسع في الخيال والفلسفة ... ، وإنما اللازم اللازب له، أن يكون عند دعوة الإقدام والفخار والقوة، وعند دعوة المرح والغرام والفتوة ... ! " "1"
ولعل خير ما يصور هذه الحالة، التي تمثل حالة نفسية، هي أقرب إلى ازدواج الشخصية في شعر كل منهما، قول النبهاني:
أروح وأغدو بين دن ومسمع **** وبهكنة معشوقة الحركات "2"
إذا ما جلسنا في البساتين غدوة **** على فرش مرفوعة عطرات
فكم جنة في الأرض دان قطوفها **** بها غرفات أيما غرفات
قضينا بها أيامنا بمدامة **** لدى قاصرات الطرف بين سقاة
وحور كأمثال الدُمّاء بَراغزٍ **** يُطرِّبنَنَا بالناي والنغمات "3"
ولكنه في القصيدة نفسها بعد أن قدم لنا صورة لمجلس اللهو والطرب، والخمر والغناء، يقدم لنا الجانب الآخر من شخصيته المولعة بالملذات، حيث نجد الفارس المقاتل مسعر الحرب، وبطل المعارك:
وإني وإن كنت الشروب لمسعر الحروب **** وذو فضل وذو نخوات "4"
ـــــــــــــ
1 ـ شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ـ ص 133، ص 134
2 ـ المسمع: المغنى، والبهكنة: السمينة الناعمة (هذه الأبيات من قصيدة مطلعها: أيا من لطرف واكف العبرات **** وقلب كئيب دائم الحسرات ـ ص 46 من ديوانه).
3 ـ " كأمثال الدماء " صوابه كأمثال الدمى، جمع دمية، وقد نبه محقق الديوان وشارحه إلى ذلك الخطأ، و " براغز " جمع برغز ـ وهو ولد المهاة.
4 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها، ص 48 (1/12)
صفحة 13
وهو لا يحب من يحصي عليه عثراته وزلاته، بل يحب من يغضي عينيه عن هذه العثرات:
أحب من الندمان كل مُطرِّبٍ **** وكل غضيض الطرف عن عثراتي "1"
وهو هنا يقترب من البارودي الذي لا يطيق الحلم والحلماء، والوقار وأهله في مجالس اللهو والشراب، وذلك إذ يقول:
ودعني من ذكر الوقار فإنني **** على سَرفٍ من بغضة الحلماءِ "2"
وقد عاش البارودي أيضا كما عاش النبهاني، حياة مترفة عندما ابتسم له الحظ، فجعله في معية " إسماعيل " فأقام في حلوان، وأرخى لشبابه العنان، فعرف الشراب ومجالسه، والغواني وفتنتهن، والطرب والموسيقا والغناء، وقال في هذه الأغراض جميعا، فما تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها "3"، ومن ثم فإننا نجد في شعره، قصائد يتغنى فيها بسعادته في ظل هذه الحياة ... حياة اللهو والملذات، وليالي الطرب الطرب والغناء، ومن ذلك قوله:
ألا رب يوم كان تاريخ صبوة **** مضى ... غير إثر في مخيلة أو ذكر
عصيت بها سلطان حلمي وقادني **** إلى اللهو شيطان الخلاعة والسكر "4"
وحتى ... وهو في أيام الشيخوخة ... والعجز ... لم يتخل عن حبه لهذه الملذات .. إنه في قصيدة من قصائده التي يتحسر فيها عن ذكريات الشباب، يصرخ صرخة الحزن والتياع، إذ يقول "5":
وكيف تلذ بعد الشيب نفسي **** وفي اللذات إن سنحت عذابي
أصد عن النعيم صدود عجز **** وأظهر سلوة والقلب صابي
ثم يتبع هذه الصرخة بصرخة أخرى ... متحسرا على الشباب:
فيا لك من زمان عشت فيه **** نديم الراح والهيف الكعاب
تحول ظله عني وأذكى **** بقلبي لوعة مثل الشهاب "6"
ــــــــــــــ
1 ـ القصيدة نفسها ـ ص 48 من ديوانه
2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 70
3 ـ ديوان البارودي ـ مقدمة الدكتور هيكل، ص 18
4 ـ المرجع السابق ج 2، ص 7
5 ـ المرجع السابق ج 2، ص 26
6 ـ المرجع السابق، ص 53 (1/13)
صفحة 14
(4) أما الملمح الرابع والأخير الذي تلتقي في هذه الشخصيتان فهو: سطحية فهمهما للتدين، فالنبهاني في إحدى قصائده ـ مثلا ـ يفتخر بأنه حامي الدين، وأن حياة الدين والعلم والتقوى رهن بحياته ـ على حد قوله:
تُناطُ حياة الدين والعلم والتقوى **** وعِزُّ عُمانٍ كلها بحياتي "1"
ويفتخر أيضا بأن مجالسه مجالس علم وتقوى، تتحدث عن فضل النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه والتابعين أهل البركات ... هذا جميل ... ولكنه عقب ذلك مباشرة، يصور أثر الراح في نفوسهم وما تثيره من مرح وبهجة ..
هذا ما نراه حين نقرأ هذه الأبيات له يصف ندمانه ومجالسهم "2":
تَحدَّثُوا عن فضل النبي وصحبه **** وعن تابعيهم معشر البركاتِ
ويحكون عن قيس وزيد ودغفل **** أحاديث صدق تذهب الكرباتِ "3"
وقد بعث الراح العتيق سرورهم **** فأنفسهم مرتاحة بهِجاتِ
ولعل من الملامح التي تدل على ميله ـ نادرا ـ إلى الظرف والدعابة، أنه في إحدى قصائده، يتوجه إلى المولى سبحانه وتعالى بالدعاء، مبتهلا ضارعا، ليفرج كربته، فيظن المرء أنه أمام محنة شديدة، تجعل الأرض على سعتها تضيق به، وإذا بنا بعد ذلك نكتشف أن ابتهاله إلى الله ... لا من أجل ما نظن ... وإنما ليبلغه ما يرتجي في الهوى، وذلك حين يقول "4":
سألت ذات العرش الذي لم يُحْرِج **** فارِجَ كل كربة لم تُفرجِ "5"
أن يبلغني في الهوى ما أرتجي **** من لثْمِ خَدِّ (رايةَ) المضَرّجِ "6"
ورشْفِ ظلم ثغرها المفَلَّجِ ... إلخ
ـــــــــــــ
1 ـ ديوان النبهاني، ص 53 من قصيدة مطلعها:
أيا من لطرف واكف العبرات **** وقلب كئيب دائم الحسرات
2 ـ
3 ـ قيس: قيس بن الملوح و (زيد) لعله ـ كما قال محقق الديوان: الإمام جابر بين زيد، و (دغفل) يعني: دغفل النسابة، وهو ابن حنظلة الشيباني، (انظر: هامش ص 48 من الديوان).
4 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة مطلعها:
" راية ... يا ذات الخِبا والهودجِ **** وربة الطوقِ وذات الدَّملجِ "
ص 58 من الديوان.
5 ـ لم يحرج: لم يوقع في الحرج.
6 ـ المضرج: أي خدها الوردي، كأنما خضت بالدم (1/14)
صفحة 15
ترى ... هل توحي هذه الصور، بموقف ازدواجي تعاني فيه شخصيته، ما يشبه تمزقا بين موجبات المجد والعلا من جهة، ودواعي اللهو والمتعة من جهة أخرى؟ تمزقا بين السيف والوردة، والواقع والحلم ... !
أم تراها توحي بروح فكاهية ساخرة تكمن وراء جهامته الظاهرة ... روح الشاعر الإنسان المطلة من وراء لظى الحرب المحاصرة بصلصلة السيوف، وغبار المعارك؟.
وإذا رجعنا مرة أخرى إلى شبيهه (البارودي) سنجد سطحية التدين بما توحيه أيضا من ازدواجية الموقف الحياتي، وروح الدعابة الساخرة، فلا مانع عند البارودي أيضا من أن يذهب للصلاة عند سماع الأذان، ثم يخرج بعد ذلك مباشرة متوجها إلى مجلس شراب ولهو، فما دام قد أدى واجب الدين ـ كما يتصور ـ فلا جناح عليه إذا ذهب عقب أدائه الصلاة إلى مراتع المتعة والملذات ... إلى متاهات اللهو والقصف ... بين الجزيرة والنهر، وذلك إذ يقول "1":
ونادى المنادي للصلاة بسحرة **** فأحيا الورى من بعد طي إلى نشر
فبادر لميقات الصلاة ومل بنا **** إلى القصف ما بين الجزيرة والنهر
إذا ما قضينا واجب الدين حقه **** فليس علينا في الخلاعة من وزر
إلا رب يوم كان تاريخ صبوة **** مضى غير إثر في المخيلة أو ذكر
عصيت به سلطان حلمي وقادني **** إلى اللهو سلطان الخلاعة والسكر ... !
ولنستمع إليه مرة أخرى يقول في حديثه عن مجلس شراب "2":
فهاتِ وخُذْ واشرب ودر واسق **** وارتجع إلى الدور من بَدْءِ على الندماءِ
ودعني من ذكر الوقارِ فإنني **** على سَرَفٍ من بغضةِ الحلماءِ
فما العيشُ إلا ساعةٌ سوف تنقضي **** وذا الدهر فينا مولعٌ برِماءِ
وبقي علينا بعد ذلك أن نشير إلى أن هذا الموقف الانشطاري، أو الازدواجي من الدين، موقف ـ كما قلت ـ يدل على سطحية أو سذاجة في فهم حقيقة الدين، ذلك لأن الإسلام ليس مجرد شعائر وعبادات، وصلاة
ــــــــــ
1 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 7
2 ـ المرجع السابق ج 1 ـ ص 26 ـ من قصيدة مطلعها
أَلاَ عاطِنِيها بِنْتَ كَرْمٍ تَزَوَّجَتْ **** عَلَى نَغَماتِ الْعُودِ بِابْنِ سَمَاءِ (1/15)
صفحة 16
وصيام، ولكنه أيضا موقف حياتي ينطلق فيه المسلم في حياته اليومية، في آلامه وأحزانه، ومُتعه وملذاته، وصلاته وصيامه، من موقف موحد لا ازدواجية فيه ولا انشطار، يهتدي فيه بشريعة الإسلام .. وهدي القرآن .. فليس هناك في الإسلام انفصالية بين المسجد والحياة ... وقد توجد هذه الانفصالية في شرائع أخرى ... لكنها قطعا غير موجودة في الإسلام .. !
(ظواهر فنية مشتركة في غزلهما)
يرى بعض النقاد ـ أو كثير منهم ـ أن غزل (النبهاني) كله، غزل حسي، يصور الجانب الحسي المثير في جسم المرأة، كما يصور العلاقة بين المحبوبين تصويرا ماديا مفرقا في ماديته، ويبدو الشاعر فيه أشبه (بدون جوان) يجري وراء أكثر من امرأة، ومن ثم تتعدد في مثل هذا اللون من الغزل، أسماء المحبوبات، ولا يقتصر الشاعر على امرأة واحدة، كما نرى في الغزل العذري ـ ويرى هذا الفريق من النقاد أن ذلك يرجع إلى تأثيرات تراثية قوية في شعر النبهاني، ولعل هذه التأثيرات تبدو في أقوى صورها في غزليات أمير شعراء العصر الجاهلي (امرئ القيس)، وقد أشار إلى هذه الظاهرة شارح ومحقق ديوان (النبهاني)، وهو الشاعر الأستاذ سليمان بن خلف الخروصي، حيث يرى أنه أكثر مقلد لامرئ القيس، وأن أثر الاقتباس اللفظي والمعنوي واضح في شعره، مما يدل على أنه ملتزم بشعر امرئ القيس، متأثر به حافظ لشعره "1".
كما أشار إلى هذه الظاهرة الفنية نقاد وعلماء آخرون ـ وعلى سبيل المثال نشير أيضا إلى ما كتبه أحدهم، وهو الدكتور علي عبد الخالق في كتابه (الشعر العماني) حيث يرى أن شعر ذلك الشعر يمثل اتجاه النزعة التقليدية في الغزل والمجون ووصف مجالس الشراب، وأن شعره يدل على غرامه بطريقة (امرئ القيس) "2".
ومن السهل أن نجد أمثلة لهذه الظاهرة في شعر النبهاني الذي عارض به امرأ القيس كما عارض شعراء آخرين من مختلف العصور، هذه الظاهرة
ــــــــــ
1 ـ انظر المقدمة التي قدم بها الأستاذ سليمان خلف الخروصي لديوان النبهاني
2 ـ الشعر العماني ـ مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية (1/16)
صفحة 17
نفسها (أعني ظاهرة الغزل الحسي في شعر النبهاني) تتكرر مرة أخرى في شعر (البارودي) ففي جانب من غزلياته يبدو هذا الطابع الحسي المادي، القائم على التصوير المثير لمفاتن المرأة الحسية، وتعدد المحبوبات، ولعل اكثاره من ذكر مغامراته التعددية في هذه الغزليات الحسية، كان دافعا لمقدم ديوانه، وهو الدكتور محمد حسين هيكل، لاتهامه بانعدام الصدق الفني في غزله، وأنه ما هو إلا مقلد للأقدمين في هذا المجال "1"
ولكنني في هذه الدراسة، لا أريد أن أتناول هذا التيار الحسي في غزل الشاعرين، وإنما أريد أن أشير إلى تيار آخر في غزلهما، ألا وهو التيار العذري الذي لم ينل اهتماما من النقاد الذين تناولوهما، وقد رأيت ما كتب عنهما، يصنف قصائدهما الغزلية في إطار الغزل الحسي فقط، ولا يشير إلى تيار آخر ماثل في غزلهما، ألا وهو: تيار الغزل العذري، وإن كان هذا الأخير أقل ظهورا من التيار الأول، ولكنه موجود في عدد من القصائد الرائعة في شعرهما، وسأقصر حديثي عن ذلك التيار ـ وليس من الصعب أن نجد أمثلة لهذا التيار في شعر (النبهاني) و (البارودي) ففي شعرهما أمثلة عديدة تؤكد وجود تيار الغزل العذري بظواهره النفسية والفنية المتميزة:
فالنبهاني يصرح بحبه العذري حين يقول في قصيدة من قصائده "2":
دعاني الهوى العذري بالقسم موهنا **** لبرق تنشت من عمان سحائبهُ "3"
فأرَّقني والخالي البال هاجعٌ **** فبتُّ له حتى الصباح أراقبهُ "4"
ومرة أخرى نراه يصرح بأن هواه هوى عذري، وذلك إذ يقول في قصيدة أخرى "5"
رُفِعتْ على العشاق رايتيَ التي **** كنفت بعذري الهوى المتجردِ
أعطيتُ مِقوديَ الغرام ولم أكن **** أُعطي الغرامَ قُبيلَ رايةَ مقودي
قد يطفئ الماء السعيرَ ومهجتي **** أبدا بفيض مدامعي لم تبردِ .. !
ـــــــــ
1 ـ انظر هذه المقدمة ص 18، ص 19 من ديوان البارودي
2 ـ ديوان النبهاني ـ ص 35
3 ـ هذا البيت هو مطلع قصيدة
4 ـ القسم: جزيرة بالخليج العربي كانت تسمى قديما كلوان، تنشت: يريد: تنشأت، أي: نشأت، فسهل الهمزة، فصارت: تنشئت (أنظرها هامش ص 35)
5 ـ من قصيدة (1/17)
صفحة 18
ومرة ثالثة يصرح بهذا الهوى العذري، في قوله متحدثا عن " راية " التي استأثر اسمها بكثير من قصائده الغزلية:
وبُحْتُ بسري في الغرام وعادني **** هوى عُذْرَوِيٌّ فاضحٌ يهتك السِّتْرا "1"
ومن الخطأ الكبير محاولة إطلاق أحكام تعميمية في مجال النقد الأدبي، ومحاولة تصنيف شاعر في اتجاه واحد يحاصر فنه، فالفنون لا تعرف الخط المستقيم دائما، والشاعر أو الفنان ... كلاهما كالطبيعة .. كالنهر يلتوي بين الأدغال .. ! وينثني هنا وهناك .. تارة ... ، ويستقيم تارة أخرى .. ! والنبهاني دليل صدق على ما نقول .. فمن الخطأ أن نقول: إن (النبهاني) أغرق فنه الشعري في الماديات الحسية لغزليات امرئ القيس ... كلا بل إن له قصائد رائعة في الغزل العذري، وهي قصائد تفيض بالحزن والألم، والدموع والبكاء، والذل والخضوع، والطلليات الباكية، والعفة والبراءة .. ! وهذه السمات هي أهم خصائص الغزل العذري الذي يدور حول المعاني الآتية: ـ
(أ) التمتع بالألم وتعذيب النفس، وفي ذلك يقول الدكتور صادق جلال العظم في دراسة له عن الغزل العذري "2": " ولا تخلو ظاهرة الحب العذري من خصائص (السادوماسوكية) من حيث أنه يميل ميلا شديدا إلى تعذيب النفس والغير (أي الحبيب) بدون مبرر واضح أو غاية محددة، وإنما لمجرد الاستمتاع والتلذذ بالألم والعذاب، باعتبارهما جزء ا لا يتجزأ من عنف التجربة الغرامية العذرية، وشدة انفعالاتها ".
(ب) الحديث عن الموت والجنون: فالعاشق العذري يتوق إلى الموت، ويحن إليه باعتباره الحائل المطلق بينه وبين المعشوقة، ولرغبته في الألم والشقاء اللذين يرافقان في كثير من الأحيان أعمال التضحية والعطاء "3".
ــــــــــ
1 ـ من قصيدة مطلعها:
" لراية وجه يكسف الشمس والبدرا **** ولدنُ قوام يخجلُ الصَّعدةَ السمرا "
ص 120 من ديوانه.
2 ـ في الحب والحب العذري ص 104
3 ـ راجع: في الحب والحب العذري ص 104 (1/18)
صفحة 19
(ج) التدفق العاطفي الحزين الذي يمنح ألفاظ العذريين رقة وعذوبة، ويحوله إلى ما يشبه الضراعة والمناجاة.
(د) التوحيد ـ فمدرسة الغزل العذري، لا تؤمن بالتعدد الذي نجده عند مدرسة عمر بن أبي ربيعة، ولهذا اشتهر قيس بليلى، وعروة بعفراء، وجميل ببثينة، وكثير بعزة "1".
(هـ) العفة والبعد عن الابتذال الحسي في تصوير تجربة الحب، والدكتور زكي مبارك يرى أن فخر العذريين بالعفة، إنما هو علامة قوة عارمة، تمثل السيطرة على أهواء النفس "2".
فإلى أي مدى تنعكس هذه الخصائص في غزل (النبهاني)؟
نستطيع أن نقول: إن الشواهد والأمثلة الدالة على وجود هذه الخصائص في شعره كثيرة، منها قوله متحدثا عن عذابه وأحزانه في حب " راية " "3"
فما عاشقا من لا يريق دموعه **** إذا زار من بعد ديار الحبائب
وما الحب إلا نظرة إن تمكنت **** من العقل أمسى في مهاوي المعاطب
وقوله أيضا "4":
أيا من لطرف واكف العبرات **** وقلب كئيب دائم الحسرات
وإن لاح برق أو ترنم طائر **** تصعدن من فرط الأسى زفرات "5"
صبابة حزن تعتريني ولوعة **** إذا عادني عيد إلى صبواتي "6"
فلله عينا مستثيب شئونها **** ما فيهما يسفحن منهمرات
ــــــــــــ
1 ـ شاعر الغزل ـ ص 37 ـ للعقاد
2 ـ العشاق الثلاثة ـ للدكتور زكي مبارك ـ ص 24 ـ وانظر: الغزل في الشعر العربي الحديث ـ دكتور سعد دعبيس ـ ص 22 وما بعدها
3 ـ ص 26 من ديوان النبهاني ـ من قصيدة مطلعها
" ألا فأحبائي اليوم قود النحائب **** فنهرق دمعا بين هاتي الملاعب
4 ـ ص46 من الديوان ـ والبيت الأول مطلع القصيدة
5 ـ تصعدن: الضمير يعود إلى الحسرات في البيت الأول
6 ـ عادني عيد: عاده الشوق والحنين، والعيد ما يعود الإنسان من شوق أو هم (انظر هامش ص 46) (1/19)
صفحة 20
ولنتأمل ... هذا المتجبر الفاتك بأعدائه، وهو يذِلّ ويتوسل، ويخضع ويرق أمام سطوة الجمال، حين يصور خضوعه ل " رَايَة "، وتوسله لها باكيا "1":
والله لو حلّ الغرامُ بجلمد **** لتصدعت فلقا قلوب الجلمدِ
رفعت على العشاق رايتيَ التي **** كُنفت بعذرِيّ الهوى المتجردِ
أعطيتُ مقوديَ الغرامَ ولم أكن **** أُعطي الغرامَ قُبيلَ رايةَ مقودِي
من لي برايةَ أن ترقَّ لعاشق **** حلف الصبابة ساهراً لم يرقُدِ
وَلعلَّ رَاية أن تَذكَّر ما مضى **** فَتجودَ لي بتَعطُّفٍ وتودُّدِ
ما ضرَّ رَاية لوْ رنتْ ليَ لحظةً **** ممَّا أكابدُ من غرامِ مُكمدِ
يا رَايَ هل لكِ في وصال متّيمٍ **** دَنف إذا رقَد الورَى لم يرقدِ
فهوَاكَ سَفَّة فِيه كلُّ مُسَفَّهٍ **** رَأياً وفنَّد فيه كلُّ مُفنّدِ
وما أكثر هذه البكائيات المتوسلة في غزله العذري ... ولكن العجيب أيضا أن نلمح هنا الظاهرة الازدواجية التي لمحناها قبل ذلك في مواطن أخرى، تتكرر مرة أخرى في غزله العذري، حين نراه يحرص في معظم العذريات على اقتران بكائياته وتوسلاته، بالفخر الشامخ بسطوته وجبروته، فهو يقدم لنا ـ مثلا ـ عقب الأبيات السابقة، فخرا بقوته ونفوذه، وعراقة نسبه، وروعة أمجاده، حين يقول "2":
فتصفّحي الأملاكَ هل من مالكِ **** غيري تفرَّد بالعُلى والسُّودَدِ
أنا سيدُ الأملاك بعدَ مُظفّرِ **** جدّي وبعد أبي الهُمامِ الأمجدِ
ألأفْخرُ ابن الأفخرينَ من الورى **** والسيدُ ابنُ السَيد ابن السيدِ
عِزاً يُقلقلُ كلَّ رَاسٍ راسبٍ **** ويذلُ كلَّ قَريع قَوم أصيدِ "3"
منْ معشرٍ سَنتْ لهُم آباؤُهمْ **** فعل الجميلِ وتركَ ما لمْ يُحمَدِ "4"
ـــــــــــــــ
1 ـ ص 87 من الديوان، من قصيدة مطلعها: يا دار رَايةَ في صوىً والأجرَدِ ... إلخ البيت
2 ـ المرجع السابق ص 87، 88 وقد سبق ذكر مطلع القصيدة التي اخترنا منها هذه الأبيات
3 ـ قريع القوم: سيدهم
4 ـ وانظر هذا المزج بين الظاهرة العذرية، وظاهرة الفخر، في قصائد أخرى له ص 22، 28، 38، 41 من ديوانه (1/20)
صفحة 21
وهكذا نرى قصيدة الغزل العذري عنده، تتخذ لنا منهجا يعتمد على اقتران الغزل بالفخر، وهو منهج تراثي نراه واضحا في الغزليات العذرية عند (عنترة) في العصر الجاهلي، وعند (أبي فراس) في العصر العباسي، حيث نلمح بكائيات الشاعر المتيم، وأحزانه الفياضة، وتوسله وخضوعه، نجد كل أولئك، مقترنا بالفخر بالبطولات والمعارك، والأمجاد والقوة، إنه غزل الفروسية النبيلة، وفي تحليل هذه الفروسية، يقول الدكتور محمد غنيمي هلال "1":
" وفي أدب الفروسية هذا، نجد البأس والجلد والمثابرة، والحمية، متجاورة مع الدماثة والرقة والخضوع والذلة لسلطان العاطفة، والجانبان لا يتناقضان في نفس الفارس، ولكن يتكاملان، وهذا هو الأعم الأغلب في روح الفروسية في الآداب العالمية ".
وكأن الشاعر الفارس حين يقترن الفخر بالغزل، يقدم بين يدي المرأة، وثائق أخلاقية تدل على جدارته بحبها، وبراهين من الواقع والقيم والمبادئ، تزيد من قيمته المعنوية أمام من يتمنى توثيق علاقته الروحية بها.
ومرة أخرى نعود إلى شبيه (النبهاني) ورفيقه في هذه الدراسة، وهو (البارودي) فماذا نجد عنده من الغزل العذري؟
لقد عاش (البارودي) في شبابه حياة مترفة عندما ابتسم له الحظ، فجعله في معية " الخديوي إسماعيل " فأقام في (حلوان) وأرخى لشبابه العنان، فعرف الشراب ومجالسه، والغواني وفتنتهن، والطرب والموسيقى والغناء، وقال في هذه الأغراض جميعا، فما تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها "2"
ومن هنا .. يمكن أن ندرك سر غزله الحسي المتعدد، الذي تكثر مغامراته بين روضة المقياس، وحلوان، والجيزة، وشبرا، مما يجعله أحيانا يبدو في صورة (دون جوان) عصر البعث، وقد ساعد على إغراقه في الحب الحسي بالإضافة إلى حياته المترفة، سطحية فهمه للتدين ـ كما أوضحنا سابقا ـ.
ــــــــــــ
1 ـ المدخل إلى النقد الأدبي الحديث، ص 23
2 ـ ديوان البارودي ج 1 ـ تقديم الدكتور محمد حسين هيكل للديوان 18 (1/21)
صفحة 22
وأغلب الظن أن ثقافته التراثية العميقة، وهي تقترب كثيرا من الثقافة التراثية العميقة عند (النبهاني)، قد لونت غزله الحسي بظلال من القديم، فجاءت لوحاته الغزلية تضم فتيات من المقياس وحلوان وشبرا، يتخطرن في ثياب ليلى وعفراء ولبنى وبثينة، ويتجملن بحلي الماضي، وتنأى خصورهن عن أردافهن ... إلخ تلك الصورة الجمالية التي برزت فيها الفتاة العربية في التراث العربي "1".
وهذا المفهوم الحسي للغزل يبدو كثيرا في غزل (البارودي) وهو مفهوم ـ كما سبق أن أشرنا ـ يقوم على التعددية لا الواحدية، ويسمح للشاعر أن ينتقل في غزلياته بين امرأة وأخرى، ومن ثم رأينا بعض النقاد يشكك في صدق عاطفة (البارودي) في الغزل، ويرى أنه مجرد تقليد للقدامى، ففي كثير من قصائده أيام الشباب، نرى تداول هذه الصورة: " خمر وغزل وفخر "، ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في تقديمه لديوان البارودي، متحدثا عن ذلك "2":
" ولا ريب في أنه كان يحس ما يقوله في هذه الأغراض جميعا، لكن الذي لا ريب فيه أن الحب لم يفتن يوما لبه، وأن الخمر لم تذهب يوما بعقله، فأما الفخر فكان يعبر عن أمانيه الخفية، وآماله المكظومة .. ! "
ولعل الشاعر نفسه، قد قدم لهؤلاء النقاد دليلا على صدق رأيهم، حين صور في شعر شبابه، تعدد مجلس لهوه، وسهراته الصاخبة، وأشار في غزلياته إلى غرامه بأكثر من فتاة، والتعدد في هذا المجال حليف الحسية المادية العابرة، بينما الوحدانية قرينة العاطفة الصادقة ... إن الفيلسوف الشاعر (ابن حزم) يقرر أن كل من يزعم أنه يحب اثنين، ويعشق شخصين متغايرين، فقد اختلطت عليه المحبة بالشهوة، والشهوة لا تسمى حبا على التحقيق، بل على المجاز فقط "3".
ــــــــــ
1 ـ انظر: الغزل في الشعر العربي الحديث، ص 102، 103
2 ـ ديوان البارودي ـ المقدمة ـ ص 19 ومابعدها
3 ـ راجع كتاب " ابن حزم الأندلسي " ص 242 للدكتور / زكريا إبراهيم (1/22)
صفحة 23
ولعنا نجد ردا على ابن حزم يبرر ظاهرة التعدد، حين نقرأ ما يقوله (موليير) في المشهد الثاني من الفصل الاول، من مسرحية (دون جوان) ... يقول (موليير) "1":
" إن الدون جوان لا يؤمن استمرار حبه لواحدة، لأن ذلك سيقتل فيه منذ الشباب، نزعة التطلع إلى أنواع عديدة من الجمال، والوفاء للمحبوبة مقبرة للنفس، وافتتان (الدون جوان) بحبيبة ما، لا يلغي حقه في الافتتان بأخريات وأخريات، لأن تقيده بأول حب، معناه: رفض العالم، وعدم النظر إلى أي إنسان آخر في الدنيا، معناه أن يدفن نفسه إلى الأبد في حب واحد، يقتل فيه منذ الشباب كل ميل في الاستجابة لأنواع الجمال المختلفة التي يراها، والثبات على حب واحد لا يناسب إلا البسطاء والحمقى، لأن من حق كل امرأة جميلة أن تفتننا .. ".
على أن هذا المفهوم الحسي المتعدد لم يسيطر دائما على غزل (البارودي) ففي بعض قصائده الغزلية، نراه يعبر عن حبه تعبيرا روحيا أقرب للعذرية، والبارودي نفسه يربط هذه التجربة العاطفية بالأخلاق النبيلة العفيفة، حين يقول "2":
والعشقُ مكرمةٌ إذ عف الفتى **** عما يهيم به الغويُّ الأصورُ "3"
يقوى به قلب الجبانِ ويرعوِي **** طمع الحريصِ .. ويخضع المتكبرُ
ويجدر بنا هنا أن نشير إلى رأي ناقد معاصر، يعارض رأي بعض النقاد الذين يرون انعدام الصدق في غزل (البارودي)، وهذا الناقد هو الدكتور علي الحديدي، الذي يعارض دعوى سطحية هذه العاطفة عند (البارودي)، وينفي أنه كان مقلدا في غزله، ويرى أنه كان في أكثر حبه وغزله عفيفا، ولذلك فهو يعارض رأي الدكتور هيكل السابق، الذي ينفي الحب الصادق عن البارودي، وقد برهن الدكتور علي الحديدي على بطلان ذلك الرأي، بأن
ــــــــــ
1 ـ مسرحية " دون جوان " بتصرف ـ نقلا عن كتاب " في الحب العذري " ص 46، للدكتور / صادق جلال العظم.
2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 20
3 ـ الأصور: صفة من الصور (بوزن الفرح) وهو الميل، والمراد بالأصور: المنحرف عن الهدى والرشاد. (1/23)
صفحة 24
حياة البارودي كانت مليئة بدواعي الغرام في قصور الخديوي إسماعيل، كما أن الشاعر نفسه، صرح في مقدمة ديوانه بأنه أحب "1".
ومن قصائده التي يبدو فيها غزله العذري: قصيدة مطلعها:
أبى الشوق إلا أن يحن ضمير **** وكل مشوق بالحنين جدير "2"
وكما في قصيدته التي مطلعها:
صلة الخيال على البعاد لقاء **** لو كان يملك عيني الإغفاء "3"
إن البارودي في هذه القصيدة يعارض قصيدة (المتنبي) التي مطلعها:
أَمِنَ ازديارَكِ في الدجى الرقباءُ **** إذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ "4"
والمتنبي في هذه القصيدة يمدح الكاتب (أبا علي الأوراجي) ولكن (البارودي) يبدأ قصيدته بالنسيب، بعيدا عن فخر المتنبي ومدحه، ويستمر في هذا النسيب إلى آخر بيت، ويتدفق في غزله العذري الحزين، في رقة وانسياب بعيدين عن تكلف المتنبي وتعقيده المعنى، فبينما يقول (المتنبي) معبرا عن عذابه في الحب:
أسفي على أسفي الذي دلهتِني **** عن علمهِ فبه عليَّ خفاءُ
وَشَكِيّتي فَقْدُ السّقامِ لأنّهُ **** قَدْ كانَ لمّا كانَ لي أعضاءُ
بينما يقول المتنبي ذلك، نجد البارودي بعاطفيته المتدفقة، يعبر عن المعنى نفسه، فيقول:
أغْرَيْتِ لَحْظِكِ بالفؤادِ فشَفَّهُ **** ومن العيون على النفوس بلاءُ
هِيَ نَظْرَةٌ فامْنُنْ عَلَيَّ بِأُخْتِها **** فالْخَمْرُ مِنْ أَلَمِ الْخُمارِ شِفَاءُ
أَنا مِنْكَ مَطْوِيُّ الفُؤَادِ علَى جَوى **** لَوْلاَ الدُّمُوعُ ذَكَتْ بهِ الحَوْبَاءُ
لا أَنْتَ تَرْحَمُنِي ولا نارُ الهَوَى **** تَخْبُو وَلاَ للنَّفْسِ عَنْكَ عَزاءُ
فانْظُرْ إِليَّ تَجِدْ خَيالَةَ صُورَةٍ **** لم يَبْقَ فيها للحياةِ دمَاءُ
ــــــــــ
1 ـ راجع: محمود سامي البارودي ـ ص 66 ـ 70 ـ للدكتور / علي الحديدي
2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 18
3 ـ المرجع السابق ج 1، ص 11
4 ـ ديوان أبي الطيب المتنبي، ص 114، طبعة لجنة التأليف والترجمة، والنشر بالقاهرة سنة 1944 م (1/24)
صفحة 25
رقت لي الورقاءُ في عذباتها **** وبكت عليَّ بدمعها الأنداءُ
وتحدثت رسل النسيم بلوعتي **** فبكل غصن نحوها إصغاءُ "1"
وواضح أن البارودي، وإن تأثر في قوله:
فانظر إليَّ تجد خيالة صورة ... إلخ البيت
ببيتي المتنبي السابقين، إلا أنه أتى بالمعنى في إطار عاطفي رقيق مؤثر، يختلف كثيرا عن ذلك الإطار الذهني المتكلف الذي صب فيه المتنبي معناه، وإنه لتكلف واضح ألاَّ يعلم المتنبي لشدة غرامه، بالحزن الذي يعانيه لفراق المحبوب، فهو يأسف على الأسف الذي ذُهِلَ عنه، وهو يشكو فقد المرض، الذي كان يحدث بسبب الحب، لأن الغرام أفقده كل أعضاء جسمه، فلم يعد فيه ما يمرض ويعتل، والمبالغة هنا فاقعة .. وغير مستساغة .. !
كما نرى (البارودي) يفتخر في تجربته العذرية بعفته وحيائه، وذلك في قصيدته التي مطلعها:
غادِ النَّدَى بِالْجِيزَةِ الفَيْحَاءِ **** واحْدُ الصَّبُوحَ بِنَغْمَةِ الوَرْقَاءِ "2"
وكذلك يمتزج غزله العذري الحزين ـ عندما كان في المنفى بوطنيته الصادقة، فيفيض باللوعة والحنين، والشوق إلى الديار، ولعل هذا يوضح ازدواج الحالة النفسية في قصائده الغزلية الوطنية في " سرنديب "، ففي الأبيات التالية يتحدث عن حبيبته، وهي في أتم زينتها لعاشق سعيد، فيقول "3":
مرَّتْ علينا تهادى في صواحبها **** كالبدر في هالة حفّتْ به الشُّهُبُ
تَهْتَزُّ مِنْ فَرْعِها الْفَيْنَانِ في سرَقٍ **** كَسَمْهَرِيٍّ لهُ مِنْ سَوْسَنٍ عَذَبُ "4"
كَأَنَّ غُرَّتَهَا مِنْ تَحْتِ طُرَّتِها **** فَجْرٌ بِجَانِحَةِ الظَّلْمَاءِ مُنْتَقِبُ "5"
ــــــــــ
1 ـ ديوان البارودي ج 1، ص 11
2 ـ المرجع السابق، ص 18
3 ـ المرجع السابق ج 1، ص 64
4 ـ الفرع: الشعر التام
5 ـ جانحة: اسم فاعل، من جنح الليل إذا مال بذهابه (1/25)
صفحة 26
وفي القصيدة نفسها يقول:
ومن عجائب ما لقيتُ من زمني **** أنّي مُنِيتُ بخطبٍ أمرهُ عجبُ
لم أقترف زلة تقضي عليَّ بما **** أصبحتُ فيهِ ... فماذا الويل والحربُ
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني **** ذنب أدان به ظلما وأغتربُ
وفي هذه التجربة العذرية يفيض شعره بالآلام والأحزان، والعذاب والبكاء، كقوله "1":
كيف أروي غليل قلبي ولم يبق **** لعيني من بعد هجرك ماءُ
فترفق بمهجة شفّها الوجد ****وعين أخنى عليها البكاء ُ
ولكنه كالنبهاني، يقرن كثيرا من هذا الغزل بالفخر والحماسة، فهو في إحدى قصائده ـ مثلا ـ يتحدث عن غرامه المعذب، ثم ينتقل إلى الفخر بقومه الذين يدفعون عنه مصارع هواه، فيقول:
رجالٌ أولو بأسٍ شديدٍ ونجدة ٍ **** فَقَوْلُهُمُ قَوْلٌ، وَفِعْلُهُمُ فِعْلُ
إِذَا غَضِبُوا رَدُّوا إِلَى الأُفْقِ شَمْسَهُ **** وَسالَ بدفاعِ القنا الحزنُ والسهلُ "2"
إلا أنه لا ينسى كصاحبه (النبهاني) الفخر، في لحظات الحب، ويتخذ الغزل ـ أحيانا ـ مقدمة يمهد بها للفخر "3" وما أكثر ما نجد الغزل في مقدمة قصائد الفخر عند البارودي، كقصيدته التي يستهلها بقوله:
لك روحي فاصنع بها ما تشاء **** فهي مني لناظريك فداء "4"
وقصيدته التي مطلعها:
سلوا عن فؤادي قبل شد الركائب **** فقد ضاع مني بين تلك الملاعب "5"
وقصيدته التي مطلعها:
هنيئا لرَيَّا ما تضمُّ الجوانحُ **** وإن طوحت بي في هواها الطوائح "6"
ـــــــــ
1 ـ ديوان البارودي ج 1، ص 28
2 ـ المرجع السابق، ص 19، 20
3 ـ المرجع السابق ج 1، ص 18
4 ـ المرجع السابق ج 1، ص 18
5 ـ المرجع السابق ص 58
6 ـ المرجع نفسه ص 106 (1/26)
صفحة 27
إننا في هذه الدراسة أمام شاعرين رائدين، قام كل منهما بدور متميز في الحفاظ على نقاء اللغة الشعرية في عصره، فالعصر الذي عاش فيه (النبهاني) كان عصر انحطاط فني، وضعف تعبيري، إنه العصر الذي سيطر فيه تيار الشعر التقليدي بمبالغاته، وإغراقه في المحسنات البديعية ـ على النحو الذي نلقاه في شعر (الكيزاوي) و (الستالي) "1"، وظاهرة بروز شاعر يستوعب المعجم اللغوي في عصر نقاء اللغة من الشوائب، وأعني به: معجم العصر الجاهلي، وما راق وعذب من معجم العصرين الأموي والعباسي، ظاهرة استيعاب شاعر لمئات المفردات من غريب اللغة، وحسن استخدامها في بنائه الشعري، بحيث نلمح روعة المعنى مع قوة المبنى، وانسجام هذه الغرائب اللفظية، مع النسيج الفكري والتعبيري، وعدم ظهورها في النص الشعري كنتوء بارز، يوقف انسياب التذوق الفني ... هذا في حد ذاته إبداع فني لا يقدر عليه إلا شاعر موهوب متمكن من فنه .. ! فليست المشكلة مجرد إتيانك بغريب اللغة، ولكن المشكلة كيف تجعل هذا الغريب اللغوي جزء ا من حياتك الشاعرة، وجزء ا من استخدامك الأدبي اليومي، وجزء ا من وقائعك ومعاركك، وجزء ا من نفسك ... ثم كيف ينبثق من أعماق روحك في إيقاع موسيقي عذب، وصياغة فنية محكمة .. !
وهكذا كان (البارودي) أيضا .. (البارودي) ضابط الجيش الذي لم يدرس علوم اللغة والنحو وفنون الأدب في أي معهد علمي ... ، ولكنه هام بالشعر وتيم به أولا ... وكان من جراء ذلك أن ساقه ذلك التتيم إلى حفظ الكثير من القصائد واستيعابها، ومعنى ذلك ـ كما يقول الدكتور شوقي ضيف ـ " أنه لم يستن سنة معاصريه من تعلم النحو والعروض والبديع، حتى يحسن نظم الشعر، وإنما استن سنة جديدة صحح بها موقف الشعر والشعراء، فردهم إلى الطريقة القديمة، أو بعبارة أدق، ارتد هو إلى تلك الطريقة، ونقصد طريقة الرواية التي كان يتلقن بها الشاعر الجاهلي والأموي أصول حرفته.
وكان هذا حدثا خطيرا في تاريخ شعرنا الذي تدهور إلى أساليب غثة مكسوة بخرق البديع البالية، وتكرر في صور من الهذيان على كل لسان،
ـــــــــ
1 ـ انظر. الشعر العماني ـ ص 26 ـ ص 30 ـ دكتور علي عبد الخالق. (1/27)
صفحة 28
فأراد البارودي من طريقة هذه الأساليب، واتصل مباشرة بينابيع الشعر العربي القديمة في العصر العباسي، وما قبله من عصور، ولم يلبث أن أساغها وتمثلها تمثلا دقيقا، فقد أشربتها روحه، وأصبحت جزء ا لا يتجزأ من شعره وفنه .. !.
وواضح من ذلك أن مذهبه الفني لم يكن يقوم على نبذ القديم كله، وإنما كان يقوم على نبذ صورة خاصة، هي صورة الشعر الغث الذي ينتجه عصره والعصور القريبة منه، أما الشعر العباسي وما سبقه، فينبغي للشاعر ألا ينبذه، بل عليه أن يسير في دروبه، ويصب على صيغه وقوالبه، وكان هذا الاتجاه يعد ثورة في عصره، لأنه خروج عن مألوف معاصريه، وعود بهم إلى أساليب لا يعرفونها ولا يألفونها، وكانت قد فسدت أذواقهم فأصبحت لا تقدرها قدرها، ولا تشعر بما فيها من متاع وجمال "1".
وإذا كان (الفرزدق) بشعره في العصر الأموي قد حفظ ثلث اللغة، وإذا كان شعراء الأراجيز في العصر الأموي أيضا، وعلى رأسهم (رؤبة بن العجاج) قد حفظوا في أراجيزهم كثيرا من المتون اللغوية الغريبة التي كانت مهددة بالضياع، وقاموا بدور ملحوظ في مجال الشعر التعليمي ... إذا كان للفرزدق وشعراء الأراجيز في العصر الأموي هذا الأثر الكبير، فقد كان للنبهاني في عمان والبارودي ـ في مصر ـ الفضل الكبير والعظيم أيضا في حفظ هذه الثروة اللغوية من غريب اللغة، وانقاذ التعبير الشعري ـ أو ـ اللغة الشعرية في عصريهما من مهاوي الابتذال والركاكة، والبعد عن منابع اللغة النقية الصافية في أزهى عصورهما ... وتقديم نموذج قوي محكم للبناء التعبيري الأدبي، واللغة الشاعرة في عصور كانت اللغة العربية فيها مهددة بالابتذال والانحطاط، والعجمة والركاكة، وكادت نماذج الشعر العربي التي عرفناها في عصور القوة والازدهار أن تختفي، وأن تؤذن شمسها بالمغيب .. !
ــــــــــــ
1 ـ الأدب العربي المعاصر في مصر ـ ص 87، 88 ـ للدكتور شوقي ضيف (1/28)
صفحة 29
المبحث الثاني
الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث
مقدمة:
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الشعر الذي يقدم رؤية وطنية ـ بمفهومها العميق الذي يشمل الأرض والإنسان والقيم والمبادئ ـ هذا الشعر يمثل ـ في نظري ـ واحة من أجمل واحات الاخضرار في عالم الشاعر العربي، ونبع نقاء وصفاء من أعذب الينابيع التي فاض بها نهر الشعر العربي قديما وحديثا ... ! إنها الواحة التي ترفرف حولها قيم الإنسان ومبادئه، وذكريات الماضي، وكفاح الحاضر، وأمل المستقبل، والنبع الذي يرده في هجير الحياة، فينهل منه كؤوس الحب والحنان، ويجد في ظله الظليل بردا وسلاما، وروحا وريحانا .. !
ولا عجب إذا وجدنا في تراثنا العربي، عشرات القصائد التي تفيض بالحنين إلى الأوطان، وعديدا من الكتب التي تقدم لنا مختارات من ذلك الشعر، أو دراسات أدبية عنه بل .. ولا عجب إذا وجدنا كتبا في مجالات أخرى غير مجال الأدب: تهتم أيضا بتقديم نماذج من ذلك الشعر، كمعجم البلدان لياقوت الحموي وهو ـ كما نعلم ـ مصدر من مصادر الجغرافيا العربية القديمة، ومع ذلك نراه يقدم لنا نماذج من الشعر، الذي قيل في الحنين إلى وطن من الأوطان، أو تفضيله على وطن آخر، مما يمكن أن تفسر على ضوئه، كيف نمت البذور الأولى للنزعات الوطنية الإقليمية في العصر العباسي.
إضاءة تاريخية حول تطور مفهوم الرؤية الوطنية في التراث العربي:
ولعل من الإنصاف للدراسة الموضوعية المتأنية، أن أحاول إلقاء بعض الأضواء على مفهوم كلمة (الوطن) في التراث العربي، لكي نتبين معالم هذا المصطلح والتيارات التي سار فيها، والتطورات التي ألمت به في الماضي، ولا مفر ـ إذن ـ من توضيح مفهوم الوطن في التراث العربي ممثلا في مجالين: ـ
أ ـ المعاجم اللغوية.
ب ـ الشعر العربي القديم.
وسأبدأ بتناوله في: ـ (1/29)
صفحة 30
(أ) المعاجم اللغوية: ـ
حين نتأمل مفهوم مصطلح " الوطن " في المعاجم اللغوية القديمة، كمعجم " جمهرة اللغة ـ لابن دريد "1 ـ نرى أن هذه المعاجم تعرف الوطن بأنه مربض الإبل والغنم، ومنه تطور إلى مفهوم قريب من ذلك المفهوم، ألا هو: اتخاذ الإنسان مكانا معينا ينزل به، أو يعيش فيه، يقول الفيروزابادي ـ في معجم " القاموس المحيط ": " الوطن محركة ويسكن: منزل الإقامة، ومربط البقر والغنم، ووطن به يَطِنُ وأَوْطَنَ: أقام، وأوطنه ووطّنَهُ، واستوطنه: اتخذه وطنا، ومواطنُ مكة، مواقفها، ومن الحرب: مشاهِدُها "2" ".
ويرى " ابن سِيدَهْ " في معجم المخصص أن الوطن " حيث أَقَمْتَ من بلدٍ أو دار "3" ".
(ب) الرؤية الوطنية في الشعر العربي القديم: ـ
استنادا إلى نصوص الشعر الجاهلي التي تتعلق بمفهوم " الوطن "، يمكن أن نلمح مفهومين للوطن:
1 ـ مفهوم تؤمن به الغالبية، ألا وهو: الأرض التي تنزل بها القبيلة، فحيثما توجد القبيلة يوجد الوطن، وحيثما ينأى الشاعر عنها يكون الإحساس بالغربة والألم، والشوق والحنين، وهكذا فَنِيَ العربيُّ الأول في قبيلة أكثر مما فني في موطنه، فلقد عرف الموطن الأول لا قرار عليه بجماعة قومهِ وعرفته طبيعة الأرض، كما عرفه خلف السماء، أن البقاء على أديم لا يجود هلاك وفناء، فلم يمسك الأرض إلا إذا أمسكته هي بما تخرج، ولم يبق عليها إلا إذا بقيت هي له خصبا وأمنا، إلا أنه مع هذا كله كان لا ينساها إذا تحول عنها: ويبقى يذكر مراتعه بين ظلالها " "4".
ـــــــــــــ
1 ـ جمهرة اللغة لابن دريد 3/ 119
2 ـ القاموس المحيط ـ ج 4 ـ ص 276 مادة (وطن)
3 ـ المخصص لابن سيده 4/ 119 ـ وانظر " الحنين إلى الوطن في الأدب العربي ـ حتى نهاية العصر الأموي ـ لمحمد إبراهيم خور ـ ص 9
4 ـ الوطن في الأدب العربي ـ ص 19 (1/30)
صفحة 31
2 ـ ومفهوم تؤمن به طائفة لم تنسجم مع تقاليد المجتمع السائدة حينذاك، وهي: طائفة الصعاليك من خلعاء وأغربة، وقد آمنت هذه الطائفة بمفهوم آخر للوطن، يقوم على عصبية المذهب والاتجاه، لا عصبية النسب، وقد اتخذ شعراء الصعاليك من الصحراء الموحشة مستقرا لهم، وعانوا التشرد في أرجائها الشاسعة، ووديانها المخيفة، وافتخروا باهتدائهم فيها دون دليل، أو قيامهم بمهمة الدليل لجماعة من رفاقهم، يفتخر " تأبط شرا " في حديثه إلى امرأة خطبها فامتنعت عليه، بأنه لطول تشرده في أعماق الصحراء، قد ألفته وحش الصحراء، واطمأنت إليه، حتى لتُوشِكُ أن تصافحهُ، لو أن وحشا تصافح إنسا:
يبيتُ بمغنى الوحش حتى ألِفنَهُ **** وَيُصبِحُ لا يَحمي لَها الدَهرَ مَرتَعا
رَأَينَ فَتىً لا صَيدُ وَحشٍ يُهِمُّهُ **** فَلَو صافَحَت إِنساً لَصافَحنَهُ مَعا "1"
وقبل أن نغادر مفهوم الوطن في العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي، يجدر بنا أن نشير إلى تفسير بعض النقاد القدامى والمحدثين المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية، على أنها تعبير عن الحنين إلى الأوطان، هذا ما يراه (الآمدِيُّ) في موازنته بين أبي تمام البحتري "2" و (ابن رشيق) في العمدة في صناعة الشعر ونقده "3"، والدكتور شوقي ضيف في كتابه (دراسات في الشعر العربي المعاصر) "4".
وحين جاء الإسلام، دعوة عالمية، مبشرا بدعوة الحرية والإخاء والمساواة للناس كل الناس، اتسع مفهوم الوطن، فأصبح وطنا عقائديا، يشمل كل أرض يذكر فيها اسم الله، وكل أرض ترتفع فيها المآذن داعية إلى عبادة الله ... !
ــــــــــــ
1 ـ الأغاني 18/ 217 وقد ورد البيت الأول من هذين البيتين في كتاب (محاضرات الأدباء) للراغب الأصبهاني، هكذا: أبيت بمعنى الوحش حتى ألفته ـ وتصبح لا يحمى لها الدهر مرتعا (محاضرات الأدباء ص 618 باب: من ألفته السباع والمفارز).
2 ـ 1/ 409 ـ الطبعة الثالثة
3 ـ 1/ 198
4 ـ ص 166 (1/31)
صفحة 32
وعلى الرغم من أن الإسلام قد نادى بهذا الوطن العقائدي، بذلك المفهوم العالمي، ونتيجة لهذا المفهوم، توزع المسلمون في أقطار الأرض، قاصِيها ودانِيها، مبشرين بدين الله، وانتشرت جيوشهم فاتحة لأنحاء مختلفة من الأرض، وأقامت فيها، فإنهم لم ينسوا أوطانهم التي ولدوا فيها، وعاشوا فيها أحلى أيام طفولتهم وشبابهم، وفي القرآن الكريم نجد آيات كثيرة تدافع عن حق الإنسان في الإقامة بوطنه، وتهاجم هؤلاء الكفار الظالمين الذين يخرجون الناس من ديارهم بغير حق، يقول الله سبحانه وتعالى " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله " ... الآية "1" ".
والقرآن الكريم في هذه الآية وفي آيات أخرى يجعل الإخراج ـ أو النفي من الوطن ـ مبررا للقتال، يقول الله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " "2".
وهكذا أراد القرآن الكريم الوطن للمسلمين، دار أمن، وحرية وكرامة، لا دار إيذاء وتشريد واضطهاد، ومن هنا فقد حث القرآن الكريم على الاغتراب والهجرة، إذا فقد المسلم أمنه وكرامته في وطنه، وفي هجرة المسلمين إلى الحبشة ثم إلى مكة، نموذج لاغتراب الأحرار المؤمنين حين يغادرون أوطانهم ـ لا هربا ولا فرارا ـ وإنما حشدا للقوى، واستعدادا ليوم تحرر فيه الأوطان من ظلام الشرك والأوثان، والرسول عليه الصلاة والسلام، حين هاجر من مكة، أحس بلوعة الحنين إلى الوطن، وقال مناجيا وطنه الأول (مكة): " ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك "3" ".
ـــــــــ
1 ـ سورة الحج ـ 40
2 ـ سورة الممتحنة ـ 8، 9
3 ـ حديث رواه الترمذي عن ابن عباس (1/32)
صفحة 33
ولعل من المفيد قبل انتقالنا إلى الحديث عن مفهوم الرؤيا الوطنية في العصر العباسي، أن نشير إلى ورود كلمة " الوطن " في قصائد الشعر الجاهلي والإسلامي، ومن ذلك قول " عنترة ":
أَحْرَقَتْنِي نارُ الجوى والبِعادِ **** بَعد فَقْدِ الأَوْطانِ والأَولادِ
شابَ رأسي فصارَ أبيض لوناً **** بعد ما كان حالكاً بالسوادِ "1"
وقال طَرَفَة:
على موطن يخشى الفتى عندَهُ الرَّدَى **** متى تعترك فيهِ الفرائصُ تُرْعَدِ "2"
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قد هاج قلبَكَ بعد السّلوةِ الوطنُ **** والشوقُ يُحْدِثُهُ للنازحِ الشّجَنُ "3"
وقال جميل بن معمر:
أنا جميلٌ والحجازُ وطني **** فيه هوى نفسي وفيه شجني " 4 "
وفي العصر العباسي تحدث في المجتمع الإسلامي تطورات عديدة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والأدب، ويقوى التيار الحضاري والروابط الثقافية، وينمو الحوار المتبادل بين الطوائف المختلفة في المدن الجديدة، كالبصرة وبغداد وغيرهما، فتنشأ مجتمعات حضارية جديدة، تربطها تيارات " ثقافية " عديدة، وحوار فكري خلاق، وصراع مذهبي وسياسي، وتشد هذه الروابط الحضارية الجديدة، أبناء المدن إلى طيب عيشها واعتدال مناخها، ومباهج متعها، ويتصاعد إحساس الفرد بالوطن، وبالأرض التي نشأ عليها، وتنمو المشاعر الوطنية، وبعد أن كان الشاعر الجاهلي يكثر من الحنين إلى الأطلال، والشاعر الإسلامي يضيف إلى ذلك، حنينا إلى وطن ممثل في الجزيرة العربية، نرى الشاعر العباسي يقدم لنا تطورا جديدا في هذا المفهوم، فيصبح الوطن هو البقعة الجديدة التي يعيش فيها الإنسان، وترتبط حياته بها، ولهذا اختفى شعر الحنين إلى الجزيرة العربية، وحل محله حنين إلى
ـــــــــ
1 ـ ديوان عنترة ـ ص 134
2 ـ ديوان طرفة: 43
3 ـ ديوان عمر بن ربيعة: 435
4 ـ ديوان جميل ـ ص 206 ـ وانظر: الحنين إلى الوطن في الأدب العربي حتى نهاية العصر الأموي ص 11 وما بعدها (1/33)
صفحة 34
البصرة والكوفة أوخراسان "1"، وحنين كذلك إلى قصور المدن، وأجوائها السعيدة الباسمة ... " "2".
ولعل أهم مصادر التراث العربي التي اهتمت بدراسة الرؤية الوطنية في الشعر العربي القديم:
(1) كتاب البلدان ـ للجاحظ ـ وهذا الكتاب ـ كما يرى الدكتور / ث الحاجري ـ أول كتاب وضع فيه هذا الفن في العربية، وبه يعتبر الجاحظ رائدا في هذا المجال "3" وموضوع هذا الكتاب: الاغتراب والحنين إلى الأوطان.
(2) رسالة في الحنين إلى الأوطان ـ للجاحظ ـ أيضا ـ وهو مختارات أدبية تتعلق بموضوع الحنين إلى الأوطان "4".
(3) معجم البلدان ـ لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله:
ويمكن أن نلتمس في هذا الكتاب بذور النزعات الإقليمية التي أخذت تنمو في ظل حكام بني أمية، ثم استفحل أمرها بعد ذلك في العصر العباسي، ويكفي أن نقرأ هذا الفصل بعنوان " في جمل من أخبار البلدان " "5" حيث نجد المفاضلة بين البلدان في محاورة بين الحجاج بن يوسف الثقافي وأحد جلسائه "6"، ونجدها كذلك في محاورة بين معاوية وابن الكواء.
(4) محاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء ـ للراغب الأصبهاني: ويقدم لنا في هذا الكتاب في الجزء الثالث منه، فصلا بعنوان: " ومما جاء في الأمكنة والأبنية " يتحدث فيه عن فضل مكة والمدينة ومصر والكوفة
ـــــــــ
1) انظر حنين (محمد بن وهب) ـ مثلا ـ إلى البصرة ـ في الأغاني ج 17 ص 141 وانظر حديث الدكتور / زكي مبارك في كتابه (الموزانة بين الشعراء) ص 85 ـ 87 عن روعة الحنين إلى الوطن في شعر عوف بن محلم، والقصيدة في (صفات ابن المعتز) ص 187، وانظر: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري ص 197 ـ 199 ـ للدكتور / محمد مصطفى هدارة ـ دار المعارف بالقاهرة 1962 م.
2) انظر: تاريخ الأدب العربي ـ ج 3 ـ العصر العباسي الأول ص 183 ـ د. شوقي ضيف.
3) الجاحظ ـ حياته وآثاره للدكتور طه الحاجري ص 390
4) رسائل الجاحظ ـ تحقيق عبد السلام هارون ص 280 ـ ص 412
5) انظر معجم البلدان ج 1 ـ ص 52 (طبعة مكتبة خياط ـ بيروت)
6) المرجع السابق ـ الصفحة نفسها (1/34)
صفحة 35
والبصرة وغيرها وعن مصادر البلاد ومنافعها، وتفضيل بلد على بلد، والبكاء على الديار وفراقها، والأطلال وما قيل فيها من شعر "1"، كما تعقد فصلا بعنوان: " ومما جاء في التغرب " "2" يتحدث فيه عن الغربة والسفر، ومن ذم الغربة ومن مدحها من الشعراء والأدباء.
ثم يعقد بعد ذلك فصلا بعنوان " ومما جاء في الحنين إلى الأوطان "
ومن موضوعاته:
أ ـ رضى الناس بمسقط رأسهم
ب ـ فضل محبة الوطن
ج ـ الحث على صيانة مسقط الرأس
د ـ حب مسقط الرأس وصعوبة مفارقته
هـ ـ المستشفى بتراب أرضه وريحها
و ـ الحنين إلى البادية والتبرم بالحاضرة "3"
5) المنازل والديار ـ لأسامة بن منقذ ـ
ولعل هذا الكتاب أعظم كتب التراث التي اهتمت بموضوع الغربة والحنين إلى الأوطان، لأن المؤلف وقف كتابه كله على دراسة هذا الموضوع، ولم يخلطه بموضوعات أخرى ـ كما فعل الراغب الأصبهاني ـ مثلا ـ في محاضرات الأدباء أو " ياقوت " في " معجم البلدان " وغيرهما. وقد أوضح لنا المؤلف سبب تأليفه هذا الكتاب في موضوع الغربة والحنين إلى الأوطان. وهو: معاناته لتجربة الغربة عندما غزا الصليبيون بلاده. ولذلك يقول في مقدمة الكتاب: " وإلى الله عز وجل أشكو ما لقيت من زماني، وانفرادي في أهلي وإخواني، واغترابي عن بلادي وأوطاني " "4".
ويتكون هذا الكتاب من ثلاثة عشر فصلا، تدور كلها حول موضوع الغربة والحنين إلى الأوطان .. !
ـــــــــ
1 ـ انظر هذا الكتاب من ص 594 من الجزء الثالث ص 607
2 ـ المرجع السابق ص 611
3 ـ انظر هذه الموضوعات من ص 620 ـ 622 من المرجع نفسه
4 ـ انظر: مقدمة الكتاب التي قدم بها المحقق لفصوله ص 40 (1/35)
صفحة 36
مفهوم الرؤية الوطنية في العصر الحديث: ـ
وفي العصر الحديث يتشعب مفهوم الوطن والوطنية في العالم العربي والإسلامي، وتتعدد تياراته واتجاهاته، ولعل أقوى هذه التيارات:
تيار الوطن الإسلامي الكبير، أو تيار الجامعة الإسلامية ـ كما يطلق عليه مؤرخو العصر الحديث ـ ونتيجة لقوة العقيدة الإسلامية، وتحديها للعواصف والمحن، وحب العالم العربي للإسلام والمسلمين، وحرصه على الوطن الإسلامي الكبير، ظل تيار الجامعة الإسلامية في ظل الخلافة العثمانية هو التيار السائد دون منافس يذكر لدى مفكري العالم العربي وأدبائه: كتابا وشعراء طوال القرن التاسع عشر، وسبب ذلك ـ على ما يظهر ـ ما كان للخلافة ودعاتها ـ من تأثير في نفوس المسلمين، فكان سلطان تركيا الممثل الأكبر لعظمة الشرق والإسلام "1".
وفي ظل سيادة تيار الخلافة العثمانية، كانت هناك محاولات ضعيفة لخلق مفهوم آخر للوطن، مفهوم يستند إلى " قومية علمانية " "2" أو قومية عربية، أو قومية إقليمية تعتز بانتمائها إلى إقليم واحد من أقاليم العالم العربي.
فقد حاول (محمد علي) ـ مثلا خلق قومية (علمانية) ذات مفهوم علماني، أي قومية مجردة من النوازع الدينية، كما حاول (إبراهيم باشا) إنشاء مملكة عربية مستقلة عن الخلافة العثمانية، ويبدو أن هذه المحاولة، كانت حلما يجول بخاطره حينما صرح للبارون (بو الكونت) بقوله: " ما أنا بتركي، بل أنا ابن مصر، إن شمسها قد غيرت دمي، فجعلتني عربيا قحا " "3" ..
وكما حاول إبراهيم باشا ذلك، فقد حاولت بعض الجمعيات السياسية العربية، الاستقلال عن الخلافة العثمانية، وإنشاء قومية عربية تنمو في ظل وطن عربي "4".
ـــــــــ
1 ـ انظر: الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ـ لأنيس المقدسي ـ (الطبعة الثانية ـ بيروت سنة 1960) ص 15 وما بعدها
2 ـ كلمة (علماني ـ بفتح العين) نسبة إلى (العلم) بمعنى: العالم، وهو ما ليس دينيا ولا كهنوتيا
3 ـ انظر. الثورة العرابية ـ للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ص 22 وما بعدها
4 ـ الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ص 73 (1/36)
صفحة 37
ولكن هذه المحاولات القائمة على مناهضة فكرة الجامعة الإسلامية، أو التصدي للدولة العثمانية والدعوة إلى كيان عربي مستقل، كانت مجرد همسات واهية طوال القرن التاسع عشر، ولم تستطع الثبات أمام تيار " الجامعة الإسلامية " الذي ارتبط بالعقيدة الإسلامية لدى غالبية الشعوب العربية التابعة للخلافة العثمانية، وهكذا لم تنجح محاولة محمد علي في خلق قومية علمانية لهذا السبب "1"، ومن يراجع ن?ثات الأدباء والشعراء والزعماء العرب في هذه المرحلة التاريخية، كأبي النصر علي، والشيخ علي الليثي، و
محمود صفوت الساعاتي، وشوقي وأبي مسلم البهلاني العماني، وهلال بن بدر البوسعيدي، وعبد الله النديم، والسيد توفيق البكري، والشيخ رشيد رضا ـ صاحب جريدة المنار ـ وناصيف اليازجي، ويوسف الأسير، والباروني، والشيخ علي يوسف، وأحمد فارس الشدياق، يضاف إلى ذلك بعض القيادات السياسية التي كان لها أثرها البارز في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وعلى رأسها الزعيم المسلم جمال الدين الأفغاني، من يراجع شعر هؤلاء الشعراء، وخطب أولئك المفكرين والزعماء، فسيجد سيطرة تيار الجامعة الإسلامية على مفهوم الوطن في شعرهم ونثرهم .. !
وهكذا فشلت الدعوة حينذاك إلى القومية العلمانية، كما فشلت الدعوة إلى الأقليات العنصرية، كإحياء الفرعونية في مصر، والفنيقية في لبنان، والبابلية في العراق ... إلخ
فشلت هذه الدعوات في القرن التاسع عشر، في الوقت الذي أحرزت فيه حركة الجامعة الإسلامية تأييدا كبيرا، وبخاصة في عهد السلطان عبد الحميد حين اشتدت مؤامرات المطامع الأوروبية ضد الإسلام والمسلمين، وأصبحت الخلافة العثمانية مهددة في كل يوم باقتطاع جزء منها على يد الاستعمار الأوروبي، الذي لم يخل من أحقاد مسيحية، مما دعا السلطان عبد الحميد إلى رفع ذلك الشعار الإسلامي الرائع (يا مسلمي العالم .. اتحدوا) وإذاعته ونشره في جميع أنحاء الوطن الإسلامي .. ! "2"
ــــــــــــ
1 ـ انظر: الثورة العرابية ـ للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، ص 24 وما بعدها
2 ـ انظر التيار التراثي في الشعر العربي الحديث ـ للدكتور / سعد دعيبس ص 90 وما بعدها، وانظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج 1، ص 2، 3 للدكتور / محمد حسين (1/37)
صفحة 38
ولعل من المفيد أن نشير إلى مفهوم آخر للوطنية شاع لدى بعض شعراء المهجر الأمريكي في العصر الحديث، يرى أصحابه " أن الوطنية الصحيحة لا تقف بينك بين محبة أوطان الآخرين، وأن الإنسان الأمثل ـ كما عرفه قسطنطين زريق ـ هو الذي يشمل عالم الكون بأسره ـ والبشر بكاملهم ... حتى يصبح ابن العالم "1" " والرجل الأمثل لدى أصحاب ذلك الاتجاه هو الذي يشمل العالم كله، وباستطاعته أن يشمل الجزء الذي يعيش فيه، دون تعصب لطائفة أو جنس أو لون، كما يرى (أحمد أمين) أنه لا بد من قيام الوطن الإنساني الأكبر، لأن العلم قد كسر الحدود بين الأمم، وألغى المسافات بين أجزاء العالم ... فوسائل النقل هي وسائل العالم، والراديو صوت العالم، وخيرات العالم للعالم "2"، ويقول (جبران) بهذا الصدد: " إن الأرض كلها وطني، وجميع البشر مواطني "3" "، كما يرى (ميخائيل نعيمة) أن الوطنية الإنسانية يجب أن تتحقق الآن، وأن القومية العمياء يجب أن تتنحى جانبا من الطريق، أو أن تسير مبصرة مؤمنة مع قافلة الإنسانية المؤمنة المبصرة إلى هدفها البعيد، ألا وهو توحيد قوى الإنسان، وتحريره من حدود القيود لراحة كل قوم، ولمجد الإنسان أينما كان، ومن أي جنس كان "4".
الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث: ـ
بعد هذا العرض الموجز للتيارات الوطنية في الشعر العربي قديما وحديثا ..
ترى .. أين يقف تيار الشعر الوطني العماني من هذه التيارات؟ أستطيع أن أقول ـ على ضوء ما قرأته من ذلك الشعر: إن الرؤية الوطنية في ذلك الشعر لا تنفصل بحال من الأحوال عن الرؤية الإسلامية، إنما يمتزجان ويتعانقان، ويرتبطان برباط وثيق، فالوطن كما تصوره الشعراء العمانيون المحدثون لا يعني حدودا إقليمية ضيقة، وإنما ينفتح على آفاق العالم الإسلامي كله، وعلى قضاياه وأحداثه، ومبادئه وقيمه، وماضيه وحاضره ومستقبله، بحيث تصبح (عمان) والإسلام أشبه بوجهين لعملة واحدة ...
ـــــــــــــــ
1 ـ انظر الوعي القومي ـ قسطنطين زريق ـ (بيروت ـ مطبعة الاتحاد ـ 1940 ـ ص 221)
2 ـ انظر فيض الخاطر ج 3 ص 134، 135
3 ـ " دمعة وابتسامة " ص 87
4 ـ ميخائيل نعيمة، الأوثان، ص 48 ـ وانظر: القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه ـ لثريا ملحس ـ ص 312 وما بعدها ـ (1/38)
صفحة 39
إن عمان الحديثة في نهضتها الحاضرة، ليست إلا عمان الإسلام والتراث، والحضارة .. هي عمان: القيم والفكر .. إشراقة الماضي وأضواء الحاضر، هي الأصالة والمعاصرة ... أعماق التاريخ المضيئة، ومآذنه البيض، وأمجاده المتألقة .. عمان ذات الثلاثين ألف مخطوط، وما أروع قول وزير الإعلام العماني الذي نقلته عنه (جريدة عمان) في ملحقها الثقافي، حيث تقول: " في تصريح مشهور لوزير الإعلام العماني ذات يوم، قال: " إننا نهدف إلى تغيير نظرة العالم إلينا، إنهم أصبحوا ينظرون إلينا، وكأننا برميل نفط متحرك، ولكننا يجب أن نبدل هذه النظرة الخاطئة، لهذا ترانا نقيم المعارض، والأسابيع الثقافية والحضارية العمانية في أغلب أرجاء العالم، لأنها أشياء محببة للشعوب "، ثم يقول كاتب المقال بعد ذلك " وثمة تقدير مبدئي يقول: إن بين يدي دار المخطوطات العمانية حوالي أربعة آلاف مخطوط، بينما هناك ما لا يقل عن ثلاثين ألف مخطوط عند مختلف الأسر، والرقم قابل للزيادة " "1".
ومنذ أشرق الإسلام بنوره على العالم كله، اخضوضرت سماء عمان بواحات الضياء المحمدية، وكان من أهلها الميامين جنود الإسلام، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومصادر التاريخ قديمه وحديثه تفيض بالمواقف البطولية، والأمجاد العلمية لأهل عمان في ظل الإسلام، فالأزد وهم الأجداد القدامى للعمانيين، كانوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنصاره، ويذكر مؤلف كتاب: " الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين " "2" وهو حميد بن محمد بن رزيق. كثيرا من أعلام الصحابة الذين ينتسبون إلى الأزد منهم: " أُبَيٌّ بن كعب بن قيس " الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام " أقرأُ أمّتِي أُبَيٌّ " .. ومنهم: أنس بن قتادة الأنصاري، وكان من أفاضل الصحابة، وأعلمهم، وأفهمهم، ومنهم: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم "3" ... إلخ (انظر نماذج كثيرة منهم في هذا الكتاب) "4".
ـــــــــــ
1 ـ جريدة عمان ـ الملحق الثقافي ـ الخميس 18 من ديسمبر 1986 م
2 ـ قام بتحقيق هذا الكتاب: عبد المنعم عامر ـ والدكتور / محمد مرسي عبد الله ـ 1977 م
3 ـ ص 78 وما بعدها من كتاب " الفتح المبين في سيرة البوسعيديين "
4 ـ ص 78 ـ إلى ص 115 (1/39)
صفحة 40
ثم يتحدث المؤلف عن أشهر علماء الأزد، قائلا: فمن علمائهم الجماهير، وثقاتهم النحارير، الشيخ الإمام العلامة: أبو الشعثاء، عَلَمُ العلم والحِلم.
جابر بن زيد الأزْدي العُماني ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه، أخذ الحديث النبوي عن ابن عباس وثقات الأنصار والمهاجرين وعائشة بنت أبي بكر، أم المؤمنين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها " سيأتيك من بعدي رجل من أهل عمان واسمه جابر بن زيد، يسألك فأجيبيه عن كل ما يسألك عنه، ولو سألك عما بيني وبين سائر نسائي، لا تكتميه شيئا علمت به عني ". ومن حديث عائشة لجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أكثر وراد حوضي يوم القيامة أهل عمان " "1".
ثم يفيض المؤلف بعد ذلك في الحديث عن أمجاد عمان العلمية قديما، ومشاهير علمائها، ذاكرا منهم العالم الفقيه أحمد بن عمر بن أبي جابر الأزكي، أحمد بن عبد الله بن إبراهيم الكندي صاحب كتاب (بيان الشرع)
، ومنهم أيضا صاحب كتاب (العين) الخليل بن أحمد "2" (وانظر المزيد من هؤلاء العلماء الكبار في هذا الكتاب) "3".
ولا يمكننا ونحن نتحدث عن التراث العماني القديم أن نغفل الأمجاد البطولية التي حققها بطل عمان الكبير (مالك بن فهم) طارد الفرس من عمان، فهو الذي قاد جموع الأزد إلى عمان، وقام بإجلاء الفرس عنها "4"، كما يجدر بنا في هذا المجال الإشادة بأبطال عمان الذين تصدوا لمظالم الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي، وهزموا جيوشه التي أرسلها لإخضاع العمانيين، ومن أشهر هذه الهزائم: هزيمة قائد الحجاج المسمى: " القاسم بن شَعْوَة المُزَنِّي " "5".
لقد كان الإسلام ـ وما يزال ـ هو العامل الأول في وحدة الشعب
ــــــــــ
1 ـ المرجع السابق نفسه ـ المكان نفسه
2 ـ انظر ص 144 وما بعدها من المرجع نفسه
3 ـ من ص 144 ـ إلى ص 212
4 ـ انظر كتاب (تاريخ عمان المقتبس من كتاب: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة) ص 19 وما بعدها ـ تأليف: سرحان بن سعيد الأزكوي العماني ـ تحقيق عبد الحميد حسيب القيسي ـ نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
5 ـ ص 40 من المرجع السابق (1/40)
صفحة 41
العماني ـ وانسجامه فكريا وروحيا ـ على الرغم من تعدد قبائله، وتعدد بيئاته الجغرافية، وفي ذلك يقول الأستاذ صادق حسن عبدواني ـ في حديثه عن نشأة الدولة العمانية وازدهارها ـ: " ومن العوامل التي ساعدت على الوحدة والتكاتف، انتماء المجتمع العماني ككل إلى الإسلام، وانتماء غالبيتهم إلى المذهب الإباضي، بل إن ولاء الشعب العماني لهذا المذهب، خصوصا في القرون الأولى من الإسلام، ساعد كثيرا نتيجة فلسفة هذا المبدأ، على اختيار زعامات دينية استطاعت أن تحقق السلطة المركزية في البلاد التي انضوت تحت لوائها كل القبائل العمانية "1".
الرؤية الوطنية والإسلام في الشعر العماني الحديث: ـ
على ضوء هذه المسيرة الإسلامية لعمان، عبر عصور التاريخ الإسلامي، انطلق شعراء عمان المحدثون، ينهلون من منابع التاريخ الإسلامي بصفحاته المشرقة، ويقبسون من أضواء الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها، ويشيدون بالبطولات الإسلامية، ويتغنون بأمجاد عمان " الإسلامية "، ويعتزون بعقيدتها الإسلامية، ويصورون طبيعتها الجميلة، وشعبها الوفي، وقادة كفاحها البطولي قديما وحديثا ... !
ولعل أهم الدعائم التي قامت عليها الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث هي: ـ
(أ) التزام عمان ب المنهج الإسلامي:
وقد التزم شعراء عمان في مختلف عصور التاريخ الإسلامي بهذا النهج الإسلامي، وصدر شعرهم من منطلقات تمثل رؤية إسلامية للكون والوجود والحياة والمجتمع، ومن ثم فقد سلم شعرهم من سلبيات مسيرة الإبداع الشعري العربي قديما وحديثا، وفي ذلك يقول الشاعر سليمان بن خلف الخروصي ـ في تقديمه لديوان النبهاني ـ عن الشعراء العمانيين ـ " فقلما نجد فيهم شاعرا يقول هزلا أو مجونا أو هجاء، بل نجد الشعر العماني ـ قديما وحديثا ـ أغلبه إن لم نقل كله ـ وهو يتركز في الآتي: ـ
ـــــــــــ
1 ـ ص 10 من كتاب (ندوة الدراسات العمانية) المجلد الثاني ـ نشر وزارة التراث القومي والثقافة ـ (1/41)
صفحة 42
(1) نشر عقائد الدين.
(2) في التحريض على الجهاد ووصف المعارك والترغيب في سبيل الشهادة رفعا لإعلاء كلمة الله وإعزاز الإسلام.
(3) في السلوك والتصرف.
(4) في الوعظ والزهد.
(5) في الحكم والأمثال.
(6) في الفخر والحماسة "1" ... إلخ
ولا عجب إذا وجدنا أحد المؤرخين المحدثين يرى أن الصحوة العمانية المعاصرة، هي امتداد رائع للعصر الذهبي للحضارة الإسلامية "2".
ولعل الدعوة إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية، والعودة إلى منارات الحضارة الإسلامية الأصيلة، كانت من أبرز الأغراض التي اهتم بها الشاعر الكبير عبد الله الخليلي في ديوانه " وحي العبقرية " ومن قصائده في هذا المجال: قصيدة عنوانها (عمان في أحسن السلوك) التي يصور فيها الشاعر حزنه وألمه، لابتعاد المسلمين عن منهج الله، وتعطيلهم حدود الشرع، وفي ذلك يقول:
سيدي عطلت حدود قضاها الله فينا واستولت الأهواء
سيدي .. عطلت شرائع كانت لك فينا بنورها يستضاء!
قضمتها الدنيا بأنيابها العصل .. ودارت منها بها الأرحاء "3"
ويقول أيضا في هذه القصيدة:
يا لقومي وكل أتباع خير الخلق: قومي .. أين التقى والإباء ..
أنا أدعوكم إلى في أحسن القول من كل حول براء
فأجيبوا يا قومنا داعي الله ... إذا كان فيكم إصغاء
ما ألوت الإسلام نصحا ولا أهليه حبا، فهل لنهجي اقتفاء
وتعلو نبرة الحزن حين يناجي شعبه الحبيب، مذكرا إياهم بدور عمان عند ظهور الإسلام:
ــــــــــ
1 ـ انظر: ديوان النبهاني ـ المقدمة ـ ص 1 وما بعدها
2 ـ انظر: حصاد ندوة الدراسات العمانية ج 2 ـ ص 246 وم بعدها
3 ـ ديوان الخليلي (وحي العبقرية) ص 100 وما بعدها (1/42)
صفحة 43
لهف نفسي ولو تلهفت عمري ما شفاني تلهف وبكاء
يا عمان اسلكي سبيلك ما اسطعت فللدين بعد فيك بقاء
رشحتك الأنوار من قاب قوسين فطاب الترشيح والإعتناء
وقرتك الأنواء من خالص الذكر فزانت بذكرك الأنباء
ثم يتحدث عن دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأهل عمان قائلا:
رحم الله .. قال: " أهل الغبيرا .. آمنوا بي .. ولم يروني وفاءوا
ما عصوا إذا أتى فتى .. العاص .. مبعوثا إليهم. ويا لنعم الوفاء
سلكوا في الهدى سبيل أبي بكر وحفص .. وهو السبيل السواء "1"
كما نراه في (مقصورته) التي يعارض فيها مقصورة الشاعر العماني القديم (ابن دريد) يستحث همم المسلمين لبعث أمجاد الإسلام من جديد:
يا للرجال .. أين ما خَلَّفَهُ **** آباوُكُم من شَرفٍ لا يُعْتَلَى
يا للرجال .. أين ما كان لكم **** أكان مقصورا على أمْسٍ مضى "2"
وما أكثر ما يصادفنا في الشعر العماني الحديث: الاعتزاز بالدور الإسلامي الذي قام به شعب عمان عبر عصور التاريخ، يقول الشاعر سالم الكلباني، مخاطبا عمان:
أما كنتِ من قبل التواريخ مصدرا **** لكل نبيلٍ يسعد السهل والنجدا
هل البحرُ ناسٍ أن ملككِ داسه **** وذلله حتى غدا حُرُّهُ عبدا
تمشيتِ في أقصى محيطاته على **** أساطيل حق دكتِ البغْيَ فانهدّا
فأرسيتِ في شرق الورى وجنوبه **** قواعد للإسلام ساميةَ المبدا
وجاهدتِ في الرحمن حق جهادهِ **** وهذا هو الأوفى لدى الله والأجدى
وأصبحت في فخرين: فخرٍ ورثتهِ **** قديما، وفخر محدث نلتهِ كدّا "3"
ويرى ذلك الشاعر أيضا، أن الأمة الإسلامية المعاصرة لن يعلو شأنها ولن تتقدم، إلا إذا سارت على نهج الإسلام ومبادئه من جديد:
ومن يكُ نهجُ المصطفى السّمْحِ نهجهُ **** يجدْ وِرْدَهُ عَذْبا ومضجعهُ وَهْدَا "4"
ــــــــــ
1 ـ القصيدة السابقة ـ المرجع السابق ص 103، ص 104
2 ـ المرجع نفسه ـ ص 133 من قصيدة (المقصورة)
3 ـ من قصيدة بعنوان (عمان المشرق الماضي المجيد) ص 142 من الندوة الأولى لشعراء دول الخليج العربية ـ نشر وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ـ
4 ـ القصيدة السابقة نفسها (1/43)
صفحة 44
كما نرى الشاعر الشيخ بدر بن سالم العبري، يؤكد ذلك الاتجاه نفسه في قصيدة له بعنوان (لك الخير قابوس)، ويشيد بالدور الذي قامت عمان في خدمة الإسلام فيقول:
لقد خصَّكِ المختار بالدعوةِ التي **** بها حُزْتِ فضل السّبقِ في كل مَهْيَعِ
فلا زِلْتِ عرش المجدِ والنورِ والهدى **** كأفضلِ عرشٍ في الزمان وأوْسَعِ
عليه استوى أهلُ الكمالاتِ رِفْعَةً **** فما عرشُ كِسْرَى قبل ذاك وتُبَّعِ
على فلكُ الأَزْدِ الكرامِ وعيصِهِمْ **** تجلى شموسُ الحقِّ في خير مطْلَعِ
ملوكٌ وما التاج المرصع فخرهم **** ولكن بتاجِ العدلِ في كل مجمعِ ..
سَمَوا في سماء الفضل والمجد والعلا **** هُداةً إلى هدي النبي المُشَرَّعِ
تتابع منهم سيد بعد سيد **** وسلطانهم في عزة وتمنعِ
إلى أن أتى قابوس واسطُ عِقْدِهِم **** ودُرَّةُ تاجٍ بالمعالي مرصّعِ "1" .. !
إن الشاعر الكبير عبد الله بن علي الخليلي، من أبرز شعراء العالم العربي، الذين رفعوا راية الخلاص، برؤيته الوطنية الإسلامية، نلمح ذلك في قصائد عديدة من ديوانه، وأضيف إلى النماذج التي اخترتها في هذا الصدد، قصيدته " إلى رجال الاستقامة " فهو فيها يدعو أبناء وطنه في عمان، وأبناء العالم الإسلامي كله إلى العودة من جديد إلى منابع النور، ومشارق الحق بعد أن ضلت بهم السبل، وساروا خبط عشواء، ودميت أقدامهم على شتى الدروب، وفي ذلك يقول:
عجبتُ لمختارٍ عن الحق منهجا **** ومُتخِذٍّ غيرَ الهِدايَةِ متْجَرَا
كقومِ ابن عِمران الألى ضل سعيُهُم **** فأصبح دكًّا طورهم .. واهِيَ الذَّرا
هَلُمَّ لنصرِ الله يا خير أمةٍ **** بفضلِهِمُ القرآنُ أعْرَبَ مُخبرا
هلم لجمع الشمل يا خير عصبةٍ **** بهم أوجد اللهُ الكمال مُصورا
هلم لإعزاز الديانة إنها **** بصولتكم طالت وأكْبَرَها الورى
ديانةُ توحيدٍ وحب ورحمةٍ **** يُقِرُّ له بالفضل من ضلَّ مُنْكِرا "2"
ـــــــــــ
1 ـ إشراقات من الشعر العماني ـ العدد السابع عشر ص 20
2 ـ ديوان الخليلي (وحي العبقرية) ص 109، 110، 111 (1/44)
صفحة 45
(ب) أمجاد عمان قديما وحديثا: ـ
وشعراء عمان المحدثون، حين يفتخرون بأمجاد عمان وبإبداعاتها، وإنجازاتها في مجال العلم والحضارة، وبطولاتها الحربية، فهم لا يفخرون فخرا جاهليا، كذلك الفخر الذي نجده في معلقة عمرو بن كلثوم، أو فخرا عنصريا يقوم على الاعتداد بالجنس وحده، أو فخرا إقليميا بعيدا عن عالمية الإسلام وشموليته، وأخوة الإيمان التي تشمل الوطن الإسلامي الكبير، وأعني بالفخر الإقليمي، ذلك اللون من شعر الفخر الإقليمي الذي نجده في أشعار " معجم البلدان " لياقوت الحموي ـ قديما ـ والذي نجده ـ مع اختلاف بسيط ـ في عصرنا هذا، لدى بعض شعراء الوطنية المحدثين في بعض البلاد العربية، وهو ذلك اللون من الفخر الذي يحاول أن يبعث من جديد التعصب لشعارات ورموز إقليمية، يقف بها في وجه الداعين إلى الأخوة الإسلامية، والوحدة الإسلامية، وليس ببعيد عنا أصداء تلك الصيحات التي كانت منذ عهد قريب تنادي بالفنيقية، أو البابلية أو الفرعونية كمنطلقات وحيدة للفكر والثقافة الوطنية، في بعض البلاد العربية .. !
وقد ابتعد تيار الشعر الوطني العماني الحديث، من هذه المتاهات، لأنه كان يستضيء بنور الإسلام ومبادئه، وعالميته وشموليته، فشعراء عمان حين يفخرون بأمجاد آبائهم، فهم يفخرون بالدور الإسلامي والجهادي لهؤلاء الآباء ... يفخرون بهم كرموز نقية لمبادئ الإسلام، وتجسيد رائع لقيمه ومبادئه، وهم حين يفخرون فهم لا يفخرون من فراغ، فكتابات المؤرخين العرب، والمؤرخين الأوروبيين، قد أرخت لمعاركهم وبطولاتهم عبر التاريخ، في كفاحهم ضد الغزو الفارسي منذ أيام مالك بن فهم، وضد الغزو البرتغالي، وحملهم راية الإسلام في مناطق أخرى خارج عمان، كما أرخت هذه المصادر التاريخية لأمجاد عمان البحرية، وارتباط حياة الإنسان العماني بالبحر منذ أقدم العصور، ولإنجازات العلماء العمانيين في مختلف فروع المعرفة، ولنتأمل ما يقوله مؤرخ أوروبي في بطولة العمانيين التي أبدوها في معاركهم ضد البرتغاليين المستعمرين، يقول ذلك المؤرخ وهو مؤلف كتاب " عمان منذ 1856 ـ مسيرا ومصيرا ": (1/45)
صفحة 46
" وفي سنة 1650 م أجلت القوات العمانية المسلحة المحتلين البرتغاليين عن الأراضي العمانية، وعن مدينة " مسقط " بالذات، مسجلة بذلك بداية النفوذ العماني في الخليج الذي امتد زهاء قرنين، لقد كانت عملية إجلاء البرتغاليين من مسقط إحدى العمليات البطولية التي صاحبة نمو القوة العمانية الذاتية، وهي قوة استطاعت أن تحقق بالمقاييس الإقليمية، مركزا تجاريا وملاحيا وسياسيا عظيما " "1".
ثم يقول، متحدثا عن نهضة عمان في عهد اليعاربة، وتطويرهم أسلحة البحرية العمانية: " وهكذا أصبح اليعاربة من القوة بحيث إنهم لم يكتفوا، بعد احتلالهم لمدينة مسقط في بداية الخمسينات من القرن السابع عشر بطرد البرتغاليين من البلاد، وما إن توحدت عمان لأول مرة منذ مئات السنين، وتحررت الطبقات التجارية والملاحية من قيود السلطة البرتغالية، حتى أخذوا في العمل على توسيع نفوذهم السياسي والاقتصادي إلى ما وراء البحار، ولم تنته الحرب بين العمانيين والبرتغاليين، فقد امتدت بالأحرى إلى بقية الأجزاء الغربية من المحيط الهندي، ومما ساعد العمانيين على نجاحهم في هذا الصراع هو تسلحهم بنوع جديد من السفن الحربية والمدفعية، فقد تخلوا عن السفن التقليدية، وبدأوا باستخدام سفن كبيرة الحجم على الطراز الأوروبي، وما إن حل القرن الثامن عشر حتى كانت جميع الأساطيل البحرية تضم سفنا من الطراز الغربي، بني معظمها في الهند، وكانت مزودة بمدفعية حديثة "2" ".
ويقول ذلك المؤلف أيضا: " وفي مستهل القرن السادس عشر، لعب الملاحون والتجار العمانيون دورا هاما في الحياة التجارية للشرق، وكان أبناء عمان من أوائل الذين أبحروا إلى الصين، وأسهموا بدور ملحوظ في إنشاء سلسلة من المدن البحرية على امتداد شواطىء إفريقيا، على غرار المدن التي تم إنشاؤها على شواطىء الخليج ... وعلى امتداد العصور، كان نمو الحضارة الملاحية، وتطور المصالح التجارية يسيران جنبا إلى جنب "3" (وانظر
ــــــــــــ
1 ـ عمان منذ 1856 ـ مسيرا مصيرا ـ ترجمة محمد أمين عبد الله ص 5
2 ـ المرجع السابق ص 50، 51
3 ـ المرجع نفسه ص 49 (1/46)
صفحة 47
أيضا: ما كتبه المؤرخ العماني سرحان بن سعيد الأزكوي في كتابه (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة) ص 19 وما بعدها، حول: مالك بن فهم / بطل عمان وطارد الفرس من عمان، والذي قاد جموع الأزد إلى عمان "1"، وانظر أيضا: ما كتبه المؤلف الأوروبي (روبرت جيران لاندن) حول بطولة الإمام أحمد بن سعيد / في تحرير عمان من سيطرة الفرس المحتلين "2"، وانظر: ما كتبه الأستاذ صادق حسن عبدواني عن الملاح العماني ابن ماجد، الذي أرشد (فاسكو دي جاما) إلى الطريق إلى الهند عام 1498 م "3".
وهذا الخط الإسلامي في الفخر الوطني العماني، يبدو وبصورة واضحة في كثير من شعر الشعراء العمانيين المحدثين، سواء في ذلك فخرهم بآبائهم، أو بأمجاد هؤلاء الآباء قديما وحديثا في مجالات العلم والحضارة والبطولات الحربية، فالخليلي ـ مثلا ـ يرى في إحدى قصائده أن الإنسان العماني المسلم المعاصر، هو ابن المسلمين الذين سادوا الدنيا:
أيا بن الأَلَى سادوا من الكونِ أهْلَهُ **** وشادوا بهِ من فخرهم خير بُنْيانِ
وأَعْلَوْا بهِ لله خيرَ شريعةٍ **** حنيفية بيضاء في خير أديانِ .. !
على ملكوت الله .. أما وُجُوهُهم **** فَبِيضٌ، وأما وجه صارمهم قَانٍ "4"
ويقول في مقصورته أيضا، داعيا الأبناء إلى أن ينهجوا نهج آبائهم الأبطال:
يا ليتني أبي سلاما زاكيا **** منا على تلك الخُطا ومن خَطَا
آباؤنا .. ومن لنا بمِثْلِهِم **** وفي الجوهرينِ: العلمِ والحِلْمِ سَوَا
هلُمَّ نحذو حذوهم فمن حذا **** حذو أبيهِ في الهدى فما غَوَى "5"
ويفتخر بعمان فيقول:
عمان التي ما أَنْبَتَتْ غير ماجِدٍ **** جليلٍ نَعْتُهُ للجلالِ جُدودُ
وغير سخيٍّ كم يَبيتُ على الطوى **** ليطعم ليلا أيقظتهُ وفودُ
ـــــــــــ
1 ـ كشف الغمة ص 19 وما بعدها
2 ـ ص 53 من المرجع نفسه
3 ـ انظر: دراسة لهذا المؤرخ في كتاب " حصاد ندوة الدراسات العمانية " ـ المجلد الثاني ـ ص 14
4 ـ ديوان الخليلي (وحي العبقرية) ص 120 من قصيدة (وادي الخيال).
5 ـ ص 127 وما بعدها من المرجع السابق (1/47)
صفحة 48
أولئك أسلافي بها، وعشيرتي **** بُناةُ المعالي والزمانُ بليدُ
إذا حملوا فالكونُ دِرْعٌ وصارمٌ **** وإن حكموا فالعدلُ هو عمودُ "1"
ولعل غرام بعض الشعراء العمانيين المحدثين، بتصوير البطولات الحربية قديما وحديثا، هو الذي دفعهم إلى ارتيادِ مغامرة الإبداعِ الملْحَمِيِّ، وقد حاول بعض رواد الشعر العربي الحديث كتابة ألوان من الملاحم، وعلى رأس هؤلاء الشعراء: الشاعر الإسلامي أحمد محرم الذي نظم الإلياذة الإسلامية ـ أو ـ (إلياذة مجد الإسلام) كما حاول غيره نظم المطولات البطولية التي تحاول الاقتراب من الطابع القصصي الملحمي، وإن كانت تفتقد بعض الخصائص الفنية للملحمة، وأهمها: قيام ملحمتي هوميروس: الإلياذة والأوديسا ـ على الأساطير التي تمثل طفولة الإنسانية في عصور موغلة في التاريخ، ومن هذه المحاولات قصيدة (العُمرية) لحافظ إبراهيم، وتقع في نحو مائة وتسعين بيتا، وعلى غرارها: علوية الشيخ عبد المطلب، وبكرية عبد الحليم المصري، وخالدية عمر أبو ريشة وغيرها ... ، ولشوقي أيضا إسهام كبير في ذلك المجال، وإن كان بعض النقاد المحدثين، يرون أن عصر الملاحم الشعرية قد انتهى مع بداية سيطرة الاتجاه العلمي العقلاني في العصر الحديث، وللدكتور محمد غنيمي هلال رأي يؤيد ذلك الاتجاه، ويمكن الرجوع إلى ما كتبه في ذلك الصدد في دراسته عن النقد الأدبي الحديث والأدبي المقارن.
وتبرز الملحمة التاريخية للشيخ عبد الله الخليلي من بين هذه المحاولات التي لها أهميتها في تاريخ الشعر العربي الحديث، وهو في هذه الملحمة يصور نماذج من أبطال عمان عبر التاريخ ومن هؤلاء الأبطال: الصلت بن مالك الخروصي، الذي تصدى للنصارى عندما اعتدوا على (سُقُطْرَى) وفي ذلك يقول:
ففَتَى مالكِ صِلْتٍ من حمى **** راية الحق وغال المعتدينْ .. !
إذْ عَدَتْ جُرْدُ النصارى غِرَّةً **** فاستباحتْ من سُقُطْرَى ما يشِينْ .. "2"
ــــــــــــــ
1 ـ من قصيدته (إلى البيت الحرام) ص 128
2 ـ من الملحمة التاريخية (ص 147 وما بعدها) من المرجع السابق (1/48)
صفحة 49
ويتناول أيضا في هذه الملحمة التاريخية، أمجاد اليعاربة وفتوحاتهم في الشرق، وهزيمة الصليبيين على أيديهم:
يا مُلوكًا فتحوا الهندَ إلى **** مَطلعِ الصينِ وظلوا مُوغِلِينْ "1"
ويتناول أيضا: الأمجاد البحرية لأسطول عمان "2"، وأمجاد البوسعيديين مبتدئا بمؤسس الدولة الأول، ألا وهوالبطل أحمد بن سعيد، مصورا غزوه لبلاد الفرس:
فافخري بابن سعيدٍ بعدهم **** أحمدِ القومِ إمامِ المسلمينْ
من حمى المُلْكَ عن الأعْدَا ومَنْ **** عَزَّ في الأمرِ فَبَزَّ القاهرينْ
ويجعل مسك الختام لهذه الملحمة التاريخية، تصوير أمجاد جلالة السلطان قابوس المعظم، فيقول، مصورا نهضة عمان على يديه: ـ
يحْرِزُ النصرَ وراء النصرِ في **** وثْبَةِ الليثِ وعفوِ القادرينْ
فبناها دولةً يافعةً **** نفخ العصرُ بها روح الجنينْ
يكتبُ التاريخُ من أمجادها **** أسطرا في جبهةِ الحمدِ تَزينْ "3"
ومن الملاحم الوطنية العمانية التي لها أهميتها أيضا في الشعر العربي الحديث: الملحمة التاريخية التي ألفها الشاعر العماني السيد هلال بن بدر البوسعيدي، وعنوانها (النّزوية) وقد قدم لها بهذه العبارة (القصيدة عبارة عن ملحمة شعرية في حوالي مائتين وسبعة أبيات، يروي فيها الشاعر تاريخ عمان منذ أقدم العصور وحتى العصر الذي عاش فيه، حيث انتقل إلى جوار ربه 1385)، ومطلع هذه القصيدة:
حيِّ نزوى تحية الخلصاء **** واهْدِ قومي مودتي وإخائي " 4"
وهو في هذه الملحمة، يلتقي مع الشيخ عبد الله الخليلي في كثير من الأحداث التاريخية والمواقف البطولية، التي وردت في ملحمة الخليلي، وإن اختلفا بعد ذلك في أدوات التشكيل الفني، فهو كزميله، يتناول أمجاد اليعاربة، وكفاحهم الذي توج بطرد البرتغاليين الغزاة، وذلك إذ يقول:
ـــــــــــــ
1 ـ ص 56 (من الملحمة السابقة)
2 ـ ديوان الخليلي ص 156
3 ـ من الملحمة التاريخية نفسها ص 161 من ديوان الخليلي.
4 ـ ديوان السيد هلال بن بدر البوسعيدي ـ تحقيق محمد علي الصليبي ـ ص 263 وما بعدها ـ (1/49)
صفحة 50
طردوا البرتغالَ واستأصلوهم **** من عُمانٍ بقوةٍ ومَضَاءِ ... !
وبَنَوْا جاهِدِينَ أسطولَ حربٍ **** شَقَّ في سيرهِ أديمَ الماءِ
ومضى يقطعُ البحارَ إلى أنْ **** بلغَ العزمُ منهُ رأس الرجاءِ
شَيَّدُوا في عمانَ أطوادَ مجدٍ **** أثَرًا خالدًا بغَيْرِ مِرَاءِ "1"
كما يصور كفاح الشعب العماني لطرد الفُرس من عمان، مصورا بطولة الإمام أحمد بن سعيد الذي قاد الكفاح ضد المحتلين المفسدين:
وقف الشيخُ أحمدُ بن سعيدٍ **** وِقْفَةَ الليْثِ مُفعمًا بالإباءِ
لم تزدهُ الحروبُ إلا وقارا **** فهو كالطّودِ في عيون الرّائي "2"
ثم يصور جرائم الغزاة من الفرس فيقول:
عاثَتِ الفُرْسُ في عمانَ فسادًا **** يا لِقَوْمِي من شر هذا البلاءِ
سار فُرْسَانُهُم عُراةً على الخيلِ **** كُساةً بالخِزْيِ والفَحْشاءِ
يقطعون البلاد شرقا وغربا **** هَمُّهُم، كل فِعْلَةٍ شنعاءِ
وهم بين قاتِلٍ وقَتِيلٍ **** وجريحٍ مُضرَّجٍ بالدّماء
وما أكثر ما يتغنى شعراء عمان المحدثون ببطولة الجندي العماني، يقول الشاعر بدر بن سالم بن حمود السيابي ـ في قصيدة (الجندي المناضل):
شمِّرِ السَّاعِدَ واحْمِ البَلَدَا **** وابن فوق الشمس حصنا للهُدى
شمر الساعد واضرب كل من **** سولت نفسٌ لَهُ بالإِعْتِدَا
يا جنود الله سيروا قُدُمًا **** بِكُمُ الحقُّ غَدَا مُسْتَنْجِدَا .. !
يا جنود النصر .. نصرًا دائما **** فَعُمَانُ اليوم تعْلُو الفرقدا
بكم قد حُقِّقتْ آمالنا **** وبكم قد دكت صروحا للعِدا "4"
ويضيق المجال عن ذكر المزيد من القصائد والمقطعات التي تصور بطولة الجندي العماني، ويمكن لمن يريد المزيد منها، الرجوع إلى دواوين الشعراء العمانيين، وللشاعر سالم الكلباني اهتمام بذلك اللون، وكذلك نجد هذا
ــــــــــــــــ
1 ـ ص 263 من المرجع السابق ـ
2 ـ المرجع نفسه ـ الملحمة النزوية ص 164
3 ـ المرجع نفسه ـ المكان نفسه
4 ـ جريدة عمان ـ عدد الثلاثاء 16 من ديسمبر 1986 م (1/50)
صفحة 51
الاهتمامَ واضِحا لدى الشاعر محمود الخصيبي في ديوانه (أوراق من شجرة المجد) ومن ذلك قصائده: (الله أكبر) "1" و (عاشت عمان) "2" و (تحية إلى الجندي العماني) "3" و (نشيد الجندي العماني) "4".
(جـ) قضايا الأمة العربية والعالم الإسلامي في العصر الحديث:
ولعلنا من حقنا في بداية حديثنا عن أصداء هذه القضية في الشعر العماني الحديث، أن نثير هذا التساؤل .. ترى .. ما المغزى الكامن وراء اشتراك غالبية الشعراء العرب المحدثين في تناول القضايا العربية المصيرية، على الرغم من اختلافهم في المنابع الثقافية، والاتجاهات السياسية والفلسفية؟؟
لعل المغزى وراء هذه الظاهرة الأدبية، أن الوحدة العربية كامنة في ضمير هذه الأمة العربية، قد تطغى عليها أحداث معينة فتطمسها، ثم إذا بعواصف الأحداث مرة أخرى، تكشف عن معدنها الأصيل، وتزيح عنها الأتربة، فتعود قوية هادرة تتحدى الحواجز والسدود، وتعصف بالمسافات والأبعاد ..
ولعل هذه الحقيقة تدعونا إلى تأمل دور الشعر العربي الحديث، في دعم مسيرة الوحدة العربية، وإلى وجوب دراسة التيارات الأدبية باتجاهاتها الفكرية والفنية المشتركة بين أقطار الوطن العربي، وأرى أن مناهج الأدب الحديث في جامعاتنا، ينبغي أن تهتم بمثل هذه الدراسات الأدبية العربية المشتركة، التي لا تقتصر على قطر عربي واحد، بل تتناول التيارات المشتركة بين أبناء الوطن العربي كله "5" .. !
ولعل أخطر قضايا العروبة المصيرية التي اهتم بها الشاعر العماني الحديث، كما اهتم بها شعراء العالم العربي القضايا الآتية:
ـ أ ـ قضية فلسطين:
ومن أبرز الشعراء العمانيين الذين تناولوا مأساة فلسطين المحتلة، وجرح
ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ ديوان " أوراق من شجرة المجد " ص 103
2 ـ المرجع السابق ص 119
3 ـ المرجع السابق ص 123
4 ـ المرجع السابق ص 128
5 ـ انظر تقديمي لكتابي (التيار التراثي في الشعر العربي الحديث) ص 6 (1/51)
صفحة 52
وتنتهي هذه (الكوميديا) المأساوية في هذه القصيدة .. بهذه الصورة الرهيبة .. لقد أصبح حل القضية الفلسطينية يتوقف على الخطب العصماء: ـ
وتربَّعُوا عرش الخطابةِ كُلُّهُمْ **** كل المحافلِ صارت تحفَظُ الخُطَبَا
وتعنُفُ صورهُ الساخرةُ من هذه الكوميديا الساخرة .. فتقطر دما ودموعا .. في قصيدته: (جرح الكرامة) حين يرى أن جرح الكرامة في فلسطين اللاجئة .. لن يعالج بالكلام والخطب، وسيظل وصمة عار حتى يعود الشعب الفلسطيني إلى وطنه:
ويضجُّ في الليلِ الأنينْ
صوتُ البراءةِ والشقاءْ
صوتُ الضحايا المتعبينْ
والجرح يحفر من جديدْ
جرحٌ تأصَّلَ من سنينْ
جرحٌ تخَدَّرَ بالكلامْ
قَوْلاً بوعدِ الواعدينْ
جرحُ الكرامةِ لم يَزَلْ
وصْمًا على هَامِ الجَبِينْ
جرح يضجُّ ويستغيثْ
برُوحِ قومٍ جامدِينْ
ونَزيفُهُ .. لا لن يجِفْ
إلاَّ بعَوْدِ .. الغائِبِينْ ..
وبالدماءِ يسطر التاريخْ
اسمَ اللاجئينْ "1"
ويلتقي معه (مع الشاعر هلال العامري) في الاتكاء الفني على التعبير بالصور والبناء الدرامي، الشاعر المهندس / سعيد الصقلاوي، وقد رسم ذلك الشاعر لوحة فنية لمذابح (صابرا وشاتيلا)، وإن كان تقيده بالقافية
ـــــــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ص 59، 60 (1/52)
صفحة 53
الموحدة، قد حد من انطلاق هذه اللوحة، نتيجة لبعض القوافي المتكلفة حيث يقول "1":
وبِلُبْنانَ اشتعلت أحزانٌ، قد فتَّ الصخر الناشِفْ
طفلٌ يبكي بين الأنقاضِ يفتش عن صدرٍ رائِفْ
عن أمٍّ تحضنهُ .. عن أخت تصحبهُ .. تحت الأرز الواقفْ
عن كِسرةِ خبزٍ .. يأكلها .. عن قطرة ماء من بَردَى تطفئ ظمأَ لاهِفْ .. !
عن أرْوقةٍ قد رصعها أحلاما بالألوانِ وعن بيتٍ سالِفْ .. !
وعجوزٌ في شاتيلا .. صاحتْ واعرضاهُ، فلا أحدٌ لبى الهاتفْ
" شارونٌ " يلعب شِطرنجًا بجماجمِ أطفالٍ عُزَّلٍ، والعالمُ .. تمثالٌ واقِفْ .. !
يتلذذُ " بيجِنُ " في قدسِ الأقداسِ بخمر دمائنا غولا مسعورا صالِفْ .. !
أقسمنا آلاف المرات .. وما أحدٌ منّا صدقا حالفْ
قُبْحًا .. صِرْنا في خارطة الأمجادِ، وصرنا عارا في الزمن العاصفْ .. !
(جـ) بطولة الشعب المسلم في أفغانستان: ـ
ومما يؤسف له، أن كثيرا من شعرائنا المعاصرين في العالم العربي، لم يولوا قضية الجهاد الإسلامي الرائع في أفغانستان، ماهي جديرة به من اهتمام .. بينما هذه القضية التي أعادت إلى الأذهان بطولات المسلمين في صدر الإسلام، يمكن أن يجد فيها الشعراء العرب وحيا لملاحم شعرية رائعة، لو كان الحس الإسلامي لديهم في مستوى هذه البطولات الملحمية، ولعل قصيدة الشاعر سعيد الصقلاوي (أنين) من أبرز القصائد التي صورت بطولات المجاهدين المسلمين أفغانستان، وفيها يقول: ـ
ـــــــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة " أنين " ص 112 وما بعدها ـ (1/53)
صفحة 54
القدس النازف في قلب الأمة العربية: الشاعر سالم الكلباني، وشعره في هذه المأساة يتسم بالتدفق العاطفي، ويعتمد أحيانا على البناء بالصور، لا على اللهجة الخطابية التقريرية المباشرة، ولنتأمل هذه السمات الفنية في تصويره مأساة القدس:
سُلِبت قدسنا ونحن نراها **** بعيونٍ من الدموعِ مِلاَءِ
سُلِبَتْ حينما تشعب فينا **** منهجُ الإختلافِ والشّحْناءِ
فَصَحَوْنا من بعد نَوْمٍ عميقٍ **** في نعيمِ اللذَائِذِ البلهاءِ "1"!
وإنها لمأساة كبرى أن يضيع العرب المعاصرون، قدس الإسلام!!! قدس عمر بن الخطاب:
نحن من وطّدَ العُرُوبةَ في القُدْسِ **** وأعلى لها عظيم البناءِ
نحن فُتّاحُها قديما .. وأحرى **** أن نُعِيدَ افتتاحها للبقاءِ
فأبو حفصٍ العظيمُ وعَمْرُو **** لم يزالا في لحْمِنا والدماءِ "2" .. !
وإنها لسذاجة عجيبة أن يظن المتقاعد منا عن نصرة فلسطين، أن الذئب الصهيوني سيقتصر على التهام القدس فقط وفلسطين فقط، وينسون أنه يؤمن بهذا الشعار " من الفرات إلى النيل ":
حسبوا أن خصمهم حين ينهي **** القدس ينهي تكرر الإيذاء
ما دَوَوْا أنه يرى الناس طُرًّا **** كقطيع الأنعامِ في الصحراء .. !
دَأْبُهُ الظلمُ والتوسعُ دوما **** حيثما حلَّ، حلَّ زحفُ الوباء "3"
ويعتبر الشاعر السيد هلال بن بدر البوسعيدي من أبرز الشعراء الذين أرقتهم مأساة فلسطين، ولذلك نراه في كثير من قصائده يُهيبُ بأبناء العروبة أن يهبوا يدا واحدة لغوث أبناء فلسطين، بكل ما تجود به أنفسهم، وتحريرها من الأعداء لتعود إليها أصالتها " "4" إنه يسخر ـ كما سخر أبو تمام
ــــــــــــــــ
1 ـ الندوة لشعراء دول الخليج العربية ـ ص 120 وما بعدها من قصيدة (دعوة إلى توحيد الجهود وجمع الشمل) ويلاحظ أن الشاعر حول همزة الوصل في كلمة " الاختلاف " في البيت الثاني ـ إلى همزة قطع ـ
2 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها ـ
3 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها ـ
4 ـ ديوان السيد هلال بن بدر البوسعيدي ـ المقدمة بقلم المحقق محمد الصليبي ص 4 (1/54)
صفحة 55
من قبل ـ من أسلحة الخُطَبِ والكلمات ـ بل .. وتأتي قصيدة من أعظم قصائده في هذا المجال في إطار المعارضة الفنية لأبي تمام، وأعني بهذه القصيدة، قصيدة بعنوان (طالبِ الحَقّ) يقول فيها:
أكثَرْتَ في القولِ بل أكثرتَ في الخُطَبِ **** أَقلِلْ ـ فديتُكَ ـ واعمل يا أخا العربِ
جَرّدْتَ سَيْفًا .. ولكن لا مَضَاءَ لَهُ **** كأنما السيفُ منسوبٌ إلى الخشبِ
بني العروبة .. هل طاب المقام لكم **** وفي فلسطين أشلاءٌ على لهبِ
مَنْ للفتاةِ إذا ما هِيضَ جانِبُهَا **** ومن لشيخٍ قَعِيدٍ عندها وصبي
يستصرخون بكم .. هل منقِذٌ لهم **** من الفظائِعِ والتنكيلِ والوَصَبِ
سمعتُ جعجعةً منكم فهلْ طحنتْ **** تلك الرَّحَى أم غدتْ في كفٍّ مضطرب "1"
والشاعر في هذه القصيدة يعارض أبا تمام، في قصيدته التي مطلعها:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ **** في حَدِّهِ الحَدُّ بين الجَدِّ واللعِبِ
(ب) مأساة بيروت: ـ
وبيروت العربية المناضلة .. بيروت (صابرا وشاتيلا) بيروت الجميلة الساحرة التي تحولت تحت ضغوط المؤامرات الاستعمارية إلى ساحات للموت والدمار ... ! بيروت هذه، كان لها أثر بارز في الشعراء العمانيين المحدثين، ولعل من أبرزهم: الشاعر هلال العامري، الذي صور مأساتها في أكثر من قصيدة غضبة في شعره، ومن هذه القصائد: قصيدة (الفقيدة) التي اعتمد الشاعر فيها على تمكنه من فن الصورة الساخرة اللاذعة أو فن (الكاريكاتير).
ذبحوكِ يا بيروتُ
واجتمعوا ليشربوا
نخَبًا ... !
دَمُ الأطفالِ
صارَ نبِيذًا
يُسْكِرُ العربا "2"
ـــــــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ص 105
2 ـ القصيدة السابقة نفسها ص ـ 56 (1/55)
صفحة 56
المدُّ الشيطانيُّ الأحمرُ يزحفُ كالسيل الجارفْ .. !
والإنسانُ العربيُّ المسلمُ يهربُ كالقِطِّ الخائفْ .. !
وعُرُوبَتُنا وكرامتُنا تتمرغُ في وحْلٍ جائِفْ
عرباتُ البغيِ تُمَزِّقُنا نُتَفًا لا تبقي تالِدَ أو طارِفْ
في أفغانستان ... نتطاير أشلاء ودما راعِفْ
في أرِتِيرْيَا أُمٌّ ثَكْلى .. عينٌ حيْرَى .. قلبٌ راجِفْ
في الصومالِ الحُرِّ اهْتَرَأَتْ أرضٌ وهوى صَرْحٌ صرحٌ نايِفْ "1"
ومرة أخرى ... نرى حرص هذا الشاعر على القافية الموحدة، يضطره إلى شيء من التكلف، يقلل من فنية الصورة، ويوقف انسياب البناء التعبيري، ويجعل القارئ دائما، يستيقظ من سحر الصورة في نهاية كل بيت، على كلمات صارخة، تقول له قف هنا .. أنا القافية (جائف ـ راعف ـ نايف)
(د) الدعوة إلى وحدة الصف العربي والإسلامي: ـ
إن هذه المآسي التي تحاصر المسلمين في أفغانستان وفلسطين وبيروت، هي مجرد مثال، أما المأساة الكبرى التي تفرعت عنها كل هذه المآسي، فهي المأساة التي نشأت في غياب وحدة الصف العربي والإسلامي، حين تناسى المسلمون، نداء القرآن الذي قامت عليه دولتهم الأولى .. نداء " إنما المؤمنون إخوة " ونداء " واعتصموا بحبل الله جميعا "، وراحوا يستوردون ألوانا من الشعارات و (الأيديولوجيات) التي أشعلت بينهم نيران العداوة والبغضاء، ومن نماذج الشعر العمانية الجميلة التي تصور ما آل إليه الصف العربي الإسلامي من وَهَنٍ وضَعْفٍ نتيجة لهذه الصراعات: قصيدة للشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي، تقول فيها، مصورة الاقتتال فيها بين شعبين مسلمين: ـ
هِشامٌ يُقَطِّعُ لحمَ عَلِيٍّ **** وجعفرُ يمضغُ لحم علاءْ
وشُطْآنُ أرضي سقتها المنايا **** ألوف الضحايا مِنَ الأبرياءْ .. !
ـــــــــــــــ
القصيدة السابقة نفسها ص 111 (1/56)
صفحة 57
تلتها المدائنُ تصرخُ صرعى **** فوا أعظميةُ ... وا كربلاءْ .. !
فهل بعد هذا نريدُ شرابا **** وهل بعد هذا يكون الإخاءْ .. ؟
كستْنِي الهمومُ بقلبٍ ذبيحٍ **** يعاني انفطارا بدون فِدَاءْ
ذُهِلْتُ .. هربتُ شمالا وشرقا **** حططتُ بأرضٍ كحَالِي سواءْ
أسِفْتُ على غابةِ الأرْزِ تَذْوي **** نزلتُ " الجنوبَ " رأيتُ النساءْ
يُوَلْوِلْنَ حينًا .. يُزَغْرِدْنَ حينا **** لزفِّ شهيدٍ بعُرْسِ السماءْ
شهيدِ المعالي ورمز النِّضالِ **** شهيدِ المروءة والكبرياءْ "1"
ويبتهل الشاعر محمود الخصيبي، إلى الله ضارعا يدعوه أن يوحد صفوف الأمة الإسلامية: ـ
يا ربِّ .. إني قد سألتك ضارعا **** وأنا أرى الإسلامَ في وضع مهينْ
جَمِّعْ قلوب المسلمين جميعِهِم **** كي يسحقوا كُلّ الطغاة الظالمينْ
فالقدسُ يرزَحُ تحت وطْءِ الغاصبينْ **** والمسجد الأقصى يُدَنِّسُهُ اللعينْ
والفُرْقَةُ الكُبرى تعِيثُ غُبارَها **** فَتُقِيمُ سَدًّا بين كل المخلصينْ "2"
إن خلاص العالم الإسلامي لن يكون إلا بصحوة إسلامية، يحمل رايتها بطل مسلم معاصر من طراز صلاح الدين، هكذا ينادي الشاعر سعيد الصقلاوي:
من يحملُ سيف صلاح الدين، ويحمل قلب الفاروق العارفْ
من يحملُ عزم علِيٍّ أو حزم الصدِّيقِ المقدامِ الناصفْ
من يملك وثبة طارقٍ، أو سَعْدٍ، من يُطلقُ رشَّاشًا قاصفْ
هل يمكن خالد أن يأتي، أو عَمْرًا يرمي صاروخا ناسفْ
هل يمكن .. تشرقُ .. أقمارٌ في ليل محبتنا، أ تُرى .. يهْمى غيثٌ واكِفْ
ـــــــــــــ
1 ـ من قصيدة بعنوان (رمضان يعود غريبا) نشرت بالملحق الثقافي (جريدة عمان ـ الخميس 29 من مايو 1986 م)
2 ـ من قصيدة بعنوان (أهلا بقدومك يا رمضان) نشرت بجريدة عمان (الخميس 8 مايو مايو 1986 م) (1/57)
صفحة 58
يا مأساة الإسلام الكبرى ... يا وجعَ العُمْرِ النازفْ
عن سَرْدِ جِراحِكِ قد عَجَزَتُ كُتُبٌ واحتارَ بها الواصفْ
وأخيرا فما قدَّمْتُهُ من نماذج الشعر العماني الحديث في هذه الدراسة، لا يمثل إلا محاولة لدراسة تيار الشعر الوطني العماني الحديث، وديوان الشعر العماني الحديث حافل بعدد كبير من الشعراء المبدعين الذين تغنوا بالرؤية الوطنية الإسلامية في أشعارهم .. !
ولعلني أعود مرة أخرى، لتقديم نماذج أخرى لشعراء آخرين، قدموا في أشعارهم تصورهم للرؤية الوطنية المعاصرة، وبخاصة بعض الشعراء المعاصرين الذين يمثلون تيار (الحداثة) في سلطنة عمان.
وأختتم هذه الدراسة بهذين البيتين اللذين يُوجِزَانِ مفهوم الرؤيا الوطنية في الشعر العماني الحديث، يقول الشاعر سليمان بن خلف الخروصي:
يا نهضةً قامتْ على أُسُسِ العُلاَ **** ولها بأعلى الفرقدين مقامُ
قامتْ وقابوسُ المليكُ يقودُها **** وسلاحُهُ الإيمانُ والإسلامُ "2"
وبهذين البيتين أيضا للشاعر سالم بن علي الكلباني، الذي يتغنى بالانتماء الإسلامي:
أنا حُرٌّ عربيٌّ مسلِمٌ **** والوفا دوما شِعارُ المسلمِ
إن أكنْ أمشي على هذا الثرى **** فطموحي فوق هَامِ الأنجمِ "3"
"والله الموفق"
ـــــــــــــ
1 ـ ديوان (أنت لي قدر) من قصيدة " أنين " ص 112 وما بعدها
2 ـ من قصيدة بعنوان (النهضة الحديثة) ص 200 من " الندوة الأولى لشعراء دول الخليج العربية "
3 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة بعنوان (أنا حر عربي مسلم) ص 161 (1/58)
صفحة 59
المبحث الثالث
عن
الغربة والحب
في شعر هلال العامري
لعل القضية الرئيسية التي تدور حولها قصائد الشاعر: هلال العامري، هي قضية الغربة المرتبطة بسباحاته الروحية في آفاق الجمال، التي يلتقي فيها جمال الطبيعة بجمال البشر .. !
وإذا كانت مشكلة الغربة إحدى ملامح الأدب العربي المعاصر، فقد كانت أيضا ملمحا بارزا في تراثنا العربي القديم، فابن رشيق في كتابه (العمدة) حين يتحدث عن ظاهرة الأطلال في الشعر الجاهلي، يقول:
" فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع البين، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحُمول، والتشوق بحنين الإبل " "1".
كما يرى (الآمدي) في " موازنته " أن النسيب في مقدمة القصيدة الجاهلية بما فيه من بكاء على الأطلال، وحديث عن الحبيبة الراحلة، إنما هو تعبير عن الحنين إلى الوطن "2"، وحسبنا هنا أن نشير إلى بعض مصادر التراث العربي، التي تناولت تجربة الغربة ومنها: " المنازل والديار " لأسامة بن منقذ، و " محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء " لأبي القاسم حسين بن محمد الراغب الأصبهاني، و " معجم البلدان " لياقوت الحموي، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري، ثم كتب الصوفية التي تناولت تجربة الاغتراب الصوفي، وذلك مثل " الرسالة القشيرية " وغيرها "3".
ولعل أهم مشكلة معاصرة يتناولها كتاب المسرح المعاصر، هي مشكلة العالم المحاصر بالموت والغربة، فهم يرون أنهم يعيشون في جزر محاطة بالموت والعزلة، وكل الجسور التي تصلهم بالناس قد فجرَّتْ، ومن ثُمَّ فهم يعيشون معزولين عن الناس في عالم جحيمي، يعانون من الوحدة والألم والسأم، وقد كتب (يونيسكو) كثيرا من المسرحيات، مثل: " المغنية الصلعاء " و " الدرس " و " الكراسي " و " المستأجر الجديد " و " قاتل بلا أجر " وكلها تتحدث عن الموت والغربة، وكلها تقف في منتصف الطريق
ــــــــــــ
1 ـ العمدة: صناعة الشعر ونقده ـ ج 1، ص 98
2 ـ انظر: الموازنة بين أبي تمام والبحتري ـ للآمدي ـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ الطبعة الثالثة، ج 1، ص 409
3 ـ انظر: تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي، ص 156، للدكتور / سعد دعيبس (1/59)
صفحة 60
حيث أن كل الطرق مسدودة، ولا أمل في الحصون على أي معنى للحياة، وفي هذه المسرحيات نجد الشخصية تتصرف بحيث تجري على لسانها الألفاظ هامدة تتساقط كالأجرام، فتخفق في تحقيق جوهرها المدني، كما تخفق لغتها فيما وضعت لأجله من التجارب، وتبادل المشاعر والأفكار، وهذا الإخفاق يقودنا إلى عالم الرعب ... رعب الصمت المعنوي للفراغ الفسيح .. !
فالصوت كالصمت، لأنه يقود أخيرا .. إلى يأس وصمت "1" .. !
فأين تقف قضية الغربة لدى شاعرنا هلال العامري من هذه الاتجاهات الاغترابية؟
إن الإحساس الحاد بقسوة الغربة في شعره يقابلنا منذ أول لحظة يستقبلنا فيها، فالشاعر لا يهملنا ريثما نتجول قليلا .. في واحات شعره أو غاباته الكثيفة .. بل يفاجئنا عند المدخل الرئيسي لعالمه الرئيسي، بلافتة تقول لنا: إنكم ستعانون مع الشاعر رحلة اغتراب إنسان عربي عماني تتقاذفه أعاصير الغربة ... في زورق عربي ... وفي إطار رؤية عربية .. ومعروف أن الإنسان العماني قد ارتبط منذ أقدم العصور بالبحر والأعماق والموج والغربة والرحيل، وقد آن لنا أن نبدأ معه رحلة اغترابه .. فأي مفهوم يقدمه للغربة، وأي رؤية يقدمها لنا؟
إن الغربة في شعر هلال، ترتبط في كثير من قصائده بالحب، والغربة المرتبطة بالحب لها مصدران: أحدهما تراثي، والآخر حديث، أما التراثي ففي شعرنا العربي منه الكثير والكثير، نجده في الشعر العربي القديم، مثلا في شعر عنترة، والمرقش الأكبر، وعروة بن حزام، ولنكتف هنا بنموذج لعروة بن حزام يقول فيه:
أَلا يا غُرابَي دِمْنَةِ الدَّارِ خبرا **** أَبِالصَّرْمِ من عفراءَ تَنتحبانِ؟
فإن كان حقا ما تقولان فانهضا **** بِلَحْمي إلي وكريكما فكلاني
كُلانِيَ أَكْلاً لم ير الناسُ مثْلَهُ **** ولا تهضما جنبَيَّ وازْدَرِدَاني
ولا تُعْلمان الناسَ ما كان قصَّتِي **** ولا يأكُلَنَّ الطيرُ ما تذَرانِ " 2"
ــــــــــــــــــ
1 ـ المدخل إلى النقد الأدبي الحديث ـ للدكتور / محمد غنيمي هلال ص 758
2 ـ الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ج 1، ص 264 (1/60)
صفحة 61
وهكذا نجد (مجنون بن عمار) يعاني لونا من الغربة الروحية، والذهول الدائم والانفصال عن العالم، حيث كان ـ كان يروي صاحب الأغاني ـ يهيم شاردا تائها في الفيافي والبراري مع الوحش، لا يأكل إلا ما تنبت الحقول من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، حتى طال شعر رأسه وجسده، وألفته الظباء والوحوش، وأصبحت لا تنفر منه "1" .. !
أما المصدر الآخر لتيار الغربة المرتبطة بالحب، فهو التيار الرومانتيكي، ذلك لأن الرومانتيكيين حين يتحدثون عن حبهم يمتزجون بالطبيعة، ويتمنون الموت، ويعانقون الغربة، ويأنسون إلى العزلة، فحين نقرأ قصيدة (البحيرة ـ le lac ) للامرتين، نجد شاعرا، متوحدا مع الطبيعة، متعشقا للفناء والأبدية، مغتربا في زمانه ومكانه ... ! يقول (لامرتين): " وهكذا نظل مندفعين نحو شطآن جديدة نضرب في ليل الأبد إلى غير عودة، أفلا نستطيع أبدا فوق محيط السنين أن نرسي القلاع يوميا "2" .. !.
وهذا الاتجاه الذي تمتزج فيه الغربة بالطبيعة والحب والموت يبدو في قصائد أخرى له منها: " العزلة " و " الوادي " و " الشاعر يموت " "3".
ولكن مشكلة الغربة عند " هلال العامري " ـ على الرغم من أننا نجد فيها ظلالا حزينة يائسة متأثرة بالتيارين السابقين ـ فإننا نجد فيها أحيانا أخرى ظلالا جديدة، حيث نلمح في تجربته، تجربة الغربة، استمرارية الأمل في الخروج من دائرة الغربة التي تحاصر الشطآن والموانئ، على شراعٍ سِحْرِي، هو شراع الحب ـ وذلك على الرغم من استمرارية عوامل الإحباط والبَيْنِ والرحيل، ولعل من صور الحب التي أعجبتني في ديوانه، تلك الصورة التي يعمق فيها مضمون الحب ويتسع ليقترب من إشراقات الحب الصوفي .. أو الحب الكوني الشامل .. البعيد عن إثارات الغريزة، والجوانب الحسية، ومن قصائده التي تمثل ذلك الاتجاه قصيدة بعنوان: " تهاجر عيناك بأخيلتي " "4".
ـــــــــــــــــ
1 ـ الأغاني، ج 2، ص 40 وما بعدها
2) Michel berveiller , L’œuvre de L’amartine P 22 (Hachette) Paris 1952
3 ـ انظر " تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي ـ الفصل الثالث ـ مشكلة الموت ـ ص 254 وما بعدها للدكتور / سعد دعيبس
4 ـ من قصائد ديوانه الأول (هودج الغربة) ص 9 (1/61)
صفحة 62
ففي هذه القصيدة، نلمح شاعرا يعاني من مأساة التمزق بين: التوحد عبر اللقاء، والانشطار عبر أعاصير الغربة والرحيل، إنه يعانق في أعماقه حبا تُلغى فيه الثنائية بين الحبيب وحبيبته، ويتم فيه التوحد بينهما .. بل يتم فيه أيضا التوحد بينهما وبين الطبيعة .. ثم نرى هذا الحب ينتهي توحده والتحامه .. فجأة بالانشطار والتفتت، وهنا .. عنصر (التراجيديا) أو المأساة .. !
والشاعر يمهد لصور التوحد والالتحام بهذه الصورة في قوله (يا من تحيا ضمني) ثم يفرع من هذه الصورة الشاملة صورا جزئية أخرى للتوحد، حيث نرى الحبيبة تعيش في خياله، وتقاسمه التفكير، ويرى سهره وأحزانه ينعكس كل منهما في عينيها .. ، ويراها معه في ليالي الغربة تحمل أمتعته، وحين تسافر عيناها، فهما يسافران في عينيه، وهي تشد الرحال في متاهات الغربة لا تعبأ بالأعاصير والطوفان، ولنتأمل الأبيات التي تقدم لنا صور التوحد والالتحام:
يا من تحيا ضِمْنِي
وأعيشُ مُسافرْ
يا من تجتاحُ مُخَيِّلتِي
وتُقاسِمُنِي التَّفْكِيرْ
يا من بانَ بِمُقْلَتِهَا
سَهَرِي وصَدَى الأحزانْ
يا من تحمِلُ أَمْتِعَتِي
تحت الجوِّ الماطِرْ
قَدَرِي إن شِئْتِ
وما قدري إلا أنتِ
فكيف أُكَابِرْ
يرتعِشُ الليلُ بِعَيْنَيْكِ
يُؤَرِّقُنِي
ويزيدُ الغُرْبَةَ والأَشْجانْ
وأرى عَيْنَكِ
في عيْنَيَّ .. تُسَافِرْ .. ! (1/62)
صفحة 63
وتَشُدُّ رِحَالَ العشق
ولم تعبأْ بالريح
أو الطوفانْ ... ؟
ويعقب هذه الصور الموحية بالتوحد والاندماج .. تعقبها فجأة ـ دون أي فاصل زمني أو مكاني .. صور انشطار وتفتت، وهنا نلمح الطابع التراجيدي .. حيث ذروة المأساة .. حيث السعادة بالتوحد التي تعصف بها فجأة عواصف التفتت والانشطار، ولنتأمل هذا الجانب الانشطاري الذي أعقب الجانب التوحدي:
كيف تهاجرُ عَيْناكِ بأخيلتي
ويمرُّ شراعُ سفينتها
دون استئذانْ
كيف تراها .. تعبرُ
صمتَ الليلِ
وعمقَ البحرِ
وتتركني
وأنا الرُّبانْ ... !
وهكذا تنتهي رحلة الحب والغربة في هذه القصيدة، بأن يصبح الشاعر أو " الربان " في مواجهة الحزن والغربة والرحيل .. ! مواجهة انشطار سفينة الغربة بين أمواج الحزن .. وعواصف الغربة والرحيل .. حيث يصبح الرحيل ـ كما يقول الشاعر في إحدى قصائده ـ جزء ا من حياته .. ويصبح الرحيل أيضا .. كما يقول في القصيدة نفسها:
ورَحِيلِي هُوَ تَاريخُ بَقَائِي "1"
وفي القصيدة التالية لهذه القصيدة، في ديوان " هودج الغربة " تكتمل صورة التوحد التي بدأ رسمها في القصيدة السابقة، فإذا كان الشاعر في القصيدة السابقة، يرى عيني حبيبته هما اللتان تسافران في عينيه، فهو في القصيدة التالية لها، ألا وهي (جرح الأمس) "2" هو الذي يسافر في ليل
ـــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة (أهواك) ص 52 من هودج الغربة
2 ـ من قصائد ديوان هودج الغربة ص 11 (1/63)
صفحة 64
ظفائرها .. ولكن صورة الاندماج والتوحد تنتهي أيضا بالنهاية المأساوية، نهاية التفتت والانشطار:
في شَفَقَةْ
تسألني من أنت؟
أتراها تستنجد بالماضي
أم تستحلف بالآتي؟
أم تحرق ذاتي؟
إن الشاعر في غربته، حين يتحد بالحبيبة، اتحدا أقرب بالوجد الصوفي، اتحاد إنسان مستغرق في تأمل الجمال الكوني، كثيرا ما ترتبط مواجِدُهُ الروحية هذه بالتوحد أيضا .. مع الطبيعة .. ولنتأمل صورة لذلك في قصيدة (ملهمة الشعر) "1" حيث يقول:
يا مُلهمةَ الشعرِ
اشْتَقْتُ إليكِ كثيرا
اشتقتُ لأحضنَ
في عينيكِ الكون
وفي قصيدة أخرى يقول:
اسْتَحِمِّي إنْ شِئْتِ
في شواطئِ عَيْنَيَّ
ففيها الهدوءُ
فيها الأمانُ .. !
شواطئ عَيْنَيَّ
صِيغَتْ لأجْلِكْ
وأهداب عيني
تعرف مركب حُبِّكْ .. !
وتتكرر صورة التوحد مع الطبيعة مرة أخرى في قصيدة (ينام العشق بعينيك) "2" حيث ينام البحر بعيني الحبيبة، وحيث يصبح الموج بعينها
ــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ص 20
2 ـ ص 65 من ديوان (هودج الغربة) (1/64)
صفحة 65
روايات تحكي التاريخ:
فالموجُ. بعينيكِ. رواياتٌ
تحكي التاريخ وتحفظه .. !
وتَعُدُّ الأزمانْ
نام البحرُ بعينيك طويلا
وَتَلَا الليلُ
دواوين العشقِ
جاءت أمواج الحُبِّ
بزورقها
تبحثُ عن عَيْنَيْكِ
لِتُبْحِرَ فيها
تبحثُ عن أهدابِكِ
تَحْرُسُها
لينام العشقُ بعينيكِ
ولِتُلقى الأحزانُ
بِعُمْقِ البحْرِ .. !
وفي ديوانه الثاني (قطرة في زمن العطش) نجد تطورا في مضمون الغربة المرتبطة بالحب، فإذا كنا في كثير من قصائد الديوان الأول وبعض قصائد الديوان الثاني، نلمس في حديثه عن الغربة والحب، قلبا هامسا، حائرا ممزقا بين عواصف الغربة والرحيل، قلبا ضارعا يناجي أحبابه بأشواقه الروحية وعذاباته الوجدانية، فإننا في بعض قصائد هذا الديوان "1" نلمس لهجة استعلائية في مخاطبة المرأة .. يمكن أن نلمس فيها عمر ابن أبي ربيعة قديما، ونزار قباني حديثا، حيث يحلو لكل منهما أحيانا أن يصور الطرف الآخر في موقف الخاضع المتوسل، لا موقف المستعلي المعتز بكبرياء الجمال، وحيث يحلو لعمر ابن أبي ربيعة أحيانا أن يصور هذا النموذج بقوله:
قالتِ الصُّغْرَى وقد يَتمتها **** قد عرفناهُ .. وهل يخفى القَمَرْ؟
وقوله:
ـــــــــــــــ
1 ـ أقصد ديوانه الثاني (قطرة من زمن العطش) (1/65)
صفحة 66
ما وافق النفسَ من شيءٍ تُسُرُّ بِهِ **** وأَعْجَبَ العينَ إلاَّ فوقه عمرُ
شيء يقترب من هذه الأصداء ـ إلى حد ما ـ يمكن أن نجده في بعض قصائد الديوان الثاني، ومن ذلك قصيدة (ثوب الغرور) "1" التي يقول فيها:
دَعِي الوَهْمَ يا امرأةْ "2"
دعي كبرياء الغُرُورْ
فإلى متى يحيا خَيَالُكِ في القصورْ
وهذه اللهجة الاستعلائية تتكرر مرة أخرى في قصيدة (بقايا حبيب) "3" حتى تتوسل إحداهن باكية:
قالتْ ويخنقُ صوتها
أثرُ البُكاءْ
هَاعُدْتُ أسْتَجْدِي
رِضاكَ لكي أعودْ
وطمعَتْ في الغُفرانْ
من بعد الجحودْ
مسكينةٌ جاءتْ تُناشِدُني
الرجوعْ
لم تَدْرِ أن الوقتَ فَاتْ
لم تدر أَنَّ الحُبَّ ماتْ .. !
ثم يصرخ فيها الشاعر قائلا:
لُمِّي ردائِكِ واخرُجِي
ما عادً ينفعُ ما بَقِي
وإذا كانت أحزان الغربة المرتبطة بالطبيعة والحب، تسود كثيرا من قصائد الشاعر (هلال العامري) فإن جانبا لا بأس به من قصائده، يدور حول قضايا المجتمع، وقضايا العروبة والإسلام، وهو حين يتناول هذه القضايا
ـــــــــــــــ
1 ـ ص 7 من المرجع السابق
2 ـ في هذا البيت حول الشاعر همزة الوصل في كلمة " امرأة " إلى همزة قطع
3 ـ المرجع نفسه ص 22 (1/66)
صفحة 67
لا يتناولها بأسلوب خطابي صارخ، كما يفعل بعض الشعراء الخطابيين، وإنما يتناولها معتمدا على مقومات فن الشعر ـ كما ينبغي أن يكون ـ إنه يقدمها لنا في قالب فني يعتمد على البناء بالصور والرمز والأسطورة والبناء الدرامي، والإيقاع الهامس ... ، يمكن أن تجد هذه المقومات واضحة في قصيدته (لؤلؤة الغوص) "1" فهو يلجأ فيها إلى الرمز والصورة والبناء الدرامي، إذ يقيم لنا بناء فنيا مترابطا من الصور والرموز والأحداث التي تنمو شيئا فشيئا، إلى أن تنتهي إلى ذروة التعقيد ... إلى ذروة المأساة، حيث يصور لنا الشاعر مجتمعا ما .. في مكان ما .. يحيط به ظلام الليل الممتد كأمواج البحر، والصمت الرهيب الذي يهْذِي .. والخائفون من الناس يأوون إلى بيوتهم وقد حاصرتهم الأحزان، وأنين الليلُ، وكوابيس الأحلام .. !
وعند طلوع الفجر يبدو شراع في البحر ... والصمت يخيم على القبور، وجميع الناس منتظرون على الشاطئ .. وبأيديهم قبضةُ صبْرٍ، ينتظرون الأمل المرتقب القادم من أعماق البحر ... وعيونهم مشدودة إلى الشراع القادم، وكل منهم يختلج في أعماقه الدعاء والتضرع إلى الله بتحقيق الأمل على أيدي هؤلاء الغواصين القادمين من البحر، ولكنهم في النهاية مُحَاصَرُونَ بالإحباط واليأس ... فالغواصون يموتون بقاع البحر، والمنتظرون على الشاطئ ... ! يموتون أيضا موتا معنويا تحت وطأة الوَهْمِ والخُرافة .. وانتظار ما لا يأتي .. !
إن القصيدة غنية بالإيحاء ات .. ويمكن أن تقادم للمتذوق أكثر من رؤية، وأكثر من تفسير، وهذه سِمَةٌ من سمات الشعر الرائع، ورؤيتي أنا لهذه اللحظات النفسية الدرامية في هذه القصيدة، أنا ـ في تصوري ـ تومئ إلى قضية اجتماعية، ويمكن أن نضع لهذه اللحظات الدرامية هذا العنوان (الشعوب ولؤلؤة الوهم) نعم .. الشعوب حين تركن إلى السلبية في فترة من فترات تاريخها، وتعلق آمالها على وهم مجهول .. على خبطة حظ عشوائية قد تأتي .. وقد تأتي .. الشعوب حين تنسب مع عالم الواقع .. أو .. تهرب من مواجهته، وتؤثر البحث عن مدن مثالية حالمة .. (يوتوبيات فاضلة) وتستسلم لوهم مجهول .. وأحلام غامضة .. !
ـــــــــــــــــ
1 ـ ص 13 من ديوانه (هودج الغربة) (1/67)
صفحة 68
ويمكن أن توحي هذه القصيدة أيضا بالواقع الأليم الذي كان يعانيه الشعب العماني، قبل أن تشرق النهضة المباركة، ورموز القصيدة تساعد كثيرا على تأييد هذا الإيحاء، فرموزها أقرب إلى أن تكون رموزا عمانية .. إذ تقوم على الغربة والبحر والشراع والغوص في أعماق البحار، بحثا عن اللؤلؤ ... ثم ما يحيط بهذه الرموز من عوامل الإحباط والحزن والألم، التي كان يعانيها الشعب قبل النهضة المباركة ... !
والشاعر في هذه القصيدة حين اعتمد على البناء الدرامي، لم يعتمد على مجموعة أحداث متتابعة، إنما استغنى عن الأحداث بمجموعة من الصور النفسية المتتابعة، واستغنى عن تعميق الأحداث بتعميق الحالات النفسية لأبطال قصته إلى أن وصل بهم إلى ذروة المأساة، لكي يكشف لنا عن عالم مغمور ضائع، يستبد به الحزن والقلق والتوتر ... وانتظار شيء ما .. !
ولنتأمل هذه القصيدة التي تقدم لنا هذه القضية الاجتماعية:
الصمتُ القاتلُ يَهْذِي
ويَدُ التاريخِ تخُطُّ .. !
وظلامُ الليلِ
كأمواجِ البحرِ
والفزعة .. كل الفزعة تأْوِي
وصَدَى الأحزانِ
وصوتُ القهْرِ
الليلُ يَئِنُّ بوحدتهِ
والصبرُ تقطَّعْ
والحلم تناهى
عند طلوع الفجر .. !
وعند خيوط الشمس الأولى
بانَ شِراعٌ في اليَمِّ
وبانَ الصمتُ على الأجداثْ
وتناهى للسَّمْعِ
هديرُ البحر (1/68)
صفحة 69
الجمعُ على الشاطئ
منْتَظِرُونْ
وبِأَيْدي كل مِنْهُمْ
قبضَةُ صَبْرْ
قبضةُ آمال كُبْرى
تنتظرُ القادمَ
من أعماق البحر
وعيونُ الجمع قد اشتدتْ
نحو شراعٍ يتهاوى
وبداخِلِ كل منهم
ألف دعاء
آلاف ملايين الرغبات
حالَ وتحقيقَ الأدنى منها
سلطانُ الفقر
لكنَّ الجمعَ يموتون
يغوصون بأعماق البحر
ويظل الصمتُ القاتل
يهذي
ويدُ التاريخِ تخطّ .. !
ويعود الشاعر مرة أخرى، فيتناول هذه القضية الاجتماعية في قصيدة (قدوم المارد) "1" معتمدا أيضا على لحظات درامية، تقوم على مجموعة من الصور النفسية المتنامية المرتبطة، التي تصور برموزها وإيحاء اتها، قضية بعض الشعوب التي تنتظر وهي في حالة من الوجد الغامض، حلا للقضية الاجتماعية التي صورتها القصيدة السابقة، حين تنتظر بعض الشعوب، وهي في حالة من الوجد الغامض والسلبية الراكدة، المارد المجهول الذي ينشق عنه البحر فجأة، ليملأ الأرض بالخير والرخاء:
ـــــــــــــــــــــ
1 ـ ص 42 من ديوانه (قطرة في زمن العطش). (1/69)
صفحة 70
آلافُ المرضى تنتظرُ هذا الماردْ
كي يحضنُ في عينيه البحر
ويشفي المرضى
كي يقتل هذا الغُولْ
كي يهزم هذا الغولَ
المُتَوَحِّشَ في الأسواقْ ... !
وكما اهتم هذا الشاعر بمثل هذه القضايا الاجتماعية، فقد اهتم أيضا بالقضايا القومية، وكان لبيروت .. الجرح الدامي في قلب الأمة العربية، أكثر من قصيدة غاضبة في شعره، ومن هذه القصائد: قصيدة (الفقيدة) "1" التي اعتمد الشاعر فيها على تمكنه من فن الكاريكاتير، أو فن الصورة الساخرة اللاذعة ـ في مجال الشعر ـ ولنتأمل هذه الصورة المتطرفة في سخريتها الحادة، حيث يقول:
سَلَبُوا عَفَافَكِ
يا بيروتُ واحتفلُوا
وبين أردافكِ الخَضْرَا
أقامُوا الرقص والطربا .. !
وتنتهي هذه الكوميديا المأساوية، بأن أصبح حل القضية الفلسطينية يتوقف على الخطب العصماء:
وتربَّعُوا عرشَ الخَطابةِ كلهمْ
كلُّ المحافلِ صارتْ
تحفظُ الخُطَبا
وتعنف صوره الساخرة من الكوميديا المأساوية، فتقطر دما ودموعا .. في قصيدة (جرح الكرامة) "2" حين يرى أن جرح الكرامة في فلسطين اللاجئة .. لن يعالج بالكلام والخطب .. وسيظل وصمة عار حتى يعود الشعب الفلسطيني إلى وطنه، حيث يقول:
ـــــــــــــــــــ
1 ـ ص 55 من ديوانه (قطرة في زمن العطش)
2) ـ 59 من المرجع السابق (1/70)
صفحة 71
ويضجُّ في الليل الأنينْ
صوتُ البراءةِ والشقاءْ
والجرح يحفر من جديدْ
جرح تأصَّل من سنينْ
جرح تخدَّرَ بالكلامْ
قولا بوعد الواعدينْ
جرح الكرامةِ .. لم يَزَلْ
وَصْمًا على هَامِ الجبينْ .. !
وإذا كان هلال العامري، يبث تأملاته الفلسفية، ورؤيته للكون والحياة في كثير من قصائده التي ترتبط بالغربة والطبيعة، فإنه يفرد لتأملاته الفلسفية أحيانا قصائد مستقلة، ومن هذه القصائد ذات الطابع الفلسفي، قصيدة (غفوة تحت جدار الخريف) "1" يقول فيها:
تَمُرُّ الفصولُ ويأتي الخريفْ
لماذا الخريفْ؟
لأنِّ الإهَاناتِ تأتي
بِشَكْلِ الخريفْ
لأنَّ المسافاتِ تَنْأَى
بوقْتِ الخريفْ
لأنَّ النساء الجميلات تَعْنَسُ
وَقْتَ الخريفْ
لأنَّ الحروبَ الطَّواحِنَ
تبدأُ وقت الخريفْ
وتنمو السنابلُ
وقت الخريفْ
وتحملُ كل النساءِ
بأبطالنا في الخريفْ
ـــــــــــــــ
1 ـ ص 49 من ديوان (قطرة في زمن العطش). (1/71)
صفحة 72
تَعَرِّي الغصون
يكون الخريف
وكَبْو الفوارسِ
عِزَّ الخريفْ
وَشَمُّ العُطُورِ
بلَيْلِ الخريفْ
وحتى الهزيمة تأتي
بثوبِ الخريفْ
إن الشاعر في هذه القصيدة، يرى أن الخريف فصل الحكمة التي تمثل أعماق الحياة بكل أبعادها المتناقضة، وبكل أضدادها المتصارعة .. ففي الخريف تنمو السنابل الخضر، وفي الخريف أيضا تأتي الحروب الطاحنة، وتعنس النساء الجميلات، وتحمل كل النساء بأبطالنا .. في الخريف .. وقد نجح الشاعر في تصوير تناقضات الحياة وصراعاتها التي تضمن استمرارية الحياة، وبقاء الكون، معتمدا على مهرجان فني من الصور القائمة على صراع الأضداد، وهذا يذكرنا بمهرجان الصور المتضادة الذي كان (أبو تمام) بارعا ورائعا في إقامته في كثير من قصائده، وبخاصة في قصيدته عن فتح عمورية "1"، في تلك اللوحات المتضادة التي رسمها للحرائق التي أشعلها الجيش الإسلامي في عمورية، وفي تلك اللوحة التي رسم فيها شخصية (المعتصم)، وشخصية عدوه وعدو المسلمين (تيوفيلوس بن ميخائيل) "2"، وبهذه اللوحات الرائعة القائمة على صراع الأضداد، اعتبر أبو تمام أستاذا لهذا اللون من فن التصوير، لكل من جاء بعده من الشعراء .. !
ولكن رؤية الشاعر للحياة .. على الرغم من تنوع أبعادها وزواياها، فإنها محاطة دائما بإطار الغربة والبين والرحيل، والقلب الظامئ دائما إلى قطرة حب وصفاء في زمن محاصر بالجدب والعطش .. ! فلياليه دائما محاصرة بالغربة والرحيل .. وأوتار الليل تردد ألحان الغربة، والغربة تحاصر أحلام
ـــــــــــــــــ
1 ـ راجع القصيدة من ديوان أبي تمام ـ ج 1 ـ ص 45 (طبعة بيروت)
2 ـ انظر كتاب (أبو تمام وقضية التجديد في الشعر) للدكتور عبده بدوي ـ ص 197، ص 230 (1/72)
صفحة 73
البراءة والنقد، والواقع المر يقتل أحلام الطفولة وأحلام الغد، ورواية التاريخ ـ كما يقول الشاعر في إحدى قصائده: " رصاص " وموت وغربة " "1".
وإذا كنا قد أوضحنا أن الشاعر يصوغ رؤيته للحياة والوجود في قالب فني يعتمد على المقومات الفنية للقصيدة العربية المعاصرة من بناء درامي وصور نفسية ورموز، فإننا ينبغي أن نشير في هذه الدراسة إلى الظواهر الآتية:
(أ) ميل الشاعر إلى الوسطية المعتدلة، في موقفه من عروض الشعر العربي الخليلي، فهو يعتمد أحيانا على موسيقى الشعر الحر (التفعيلة) وأحيانا يقترب من قالب الموشحات، وأحيانا يعتمد على الموسيقى العمودية، وقد رأينا في حديثنا عن مضمون الغربة عند الشاعر، نماذج من شعر التفعيلة عنده، وأما اقترابه من قالب الموشحات، فيبدو في قصائد عديدة، منها قصيدة " إلى متى " "2"، وقصيدة (تواشيح الهجر) "3"، و (أمل ضائع) "4"، و (همسات عابرة) "5"، و (وحي الشباب) "6"، و (سمراء) "7"، و (من جديد) "8"، و (أمسُ عينيك توارى) "9".
ولنتأمل هذا الجزء من هذه القصيدة المقتربة من قالب الموشحات:
عندما تلهث عيناك اشتياقا
اذكريني
علميني كيف أقرا سرها
كيف أنسى في مساعيها
ظنوني
ــــــــــــ
1 ـ ص 39 من ديوان (قطرة في زمن العطش)
2 ـ ص 17 من هودج الغربة
3 ـ المرجع السابق ص 38
4 ـ ص 40 من المرجع السابق
5 ـ المرجع نفسه ص 45
6 ـ المرجع نفسه ص 30
7 ـ ص 32 من المرجع نفسه
8 ـ ص 12 من قطرة في زمن العطش
9 ـ المرجع السابق ص 69 (1/73)
صفحة 74
علميني عن شقوات صباها
حطمي أوهام عشاق هواها
حطميني
نظرة أخرى ستمحو ذكرياتي
وستغدو هي أنغام حياتي
عندها لا تتركيني "1" .. !
وعلى الرغم من اعتماد الشاعر على موسيقى الشعر الحر أحيانا، وعلى قالب الموشحات أحيانا أخرى، فإن الموسيقى العمودية التي تلتزم النسق التقليدي القديم في عدد تفعيلات البيت ـ كما وردت في قوانين الخليل بن أحمد ـ هذه الموسيقى العمودية تأخذ دورها في عدد لا بأس به من قصائد الشاعر، ومنها: هذه القصائد: " بلا عنوان ـ و " شاي الغروب " ـ و " الأطلال الخوالي " و " لغة العيون " و " وميض من روحي " و " حكاية الأمس "، وفي هذه الأخيرة يبدو نموذج من الشعر العمودي القائم على الهمس والإيحاء والبناء بالصور:
أُوَدِّعُ فيكِ نفسي
ثُمَّ أَشْكُو
وتَأْبَى النفسُ ترديدَ الوداعِ
إذا غابت شُمَيْسُكِ
عن سمائي
أحِسُّ بمهجتي
تشكو ضياعي
وإن غابتْ عُيونُكِ عن لِقَائِي
فكيف أرى الوجودَ ولا أراكِ
ويضيف الشاعر إلى هذا التنوع الموسيقى، تنوعا آخر يبدو في استخدامه للبحور المجزوءة والمشطورة، ومن هذه القصائد (وحي الضباب) "2" و
ــــــــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ص 69
2 ـ ص 30 من هودج الغربة (1/74)
صفحة 75
(سمراء) "1" و (همسات عابرة) "2" و (من جديد) "3" و (وميض من روحي) "4".
كما نراه يمزج أحيانا بين الإيقاع الموسيقي لبحر، وإيقاع بحر آخر، ومن ذلك قصيدته (أمل ضائع) "5"، التي نراه فيها يمزج بين بحر " المتدارك " وبحر " الرمل "، كما يمتزج بحران آخران، هما بحر الوافر وبحر الكامل في قصيدة أخرى هي (تواشيح الهجر) "6"، فمن الوافر فيها قوله:
سَلَوْتُ .. فَعُدْتُ مخمورَ الجِنانِ
وهل يصحو فتىً يسلو الغواني
وبِتُّ أُغالِبُ الأشواقَ حيناً
فكاد الصَّدُّ يخرسُ لي لساني .. !
ومن " الكامل " فيها قوله:
حَتَّامَ أسألُها الدُنُوَّ فتغدرُ
وأروض قلبي بالسلو .. فينفرُ
ويظل الشاعر ملتزما بهذا الوزن إلى آخر القصيدة.
ونرى مجزوء بحر (الرجز) يمتزج بمجزوء بحر الكامل في قصيدة أخرى هي (حلم العناق) "7".
ومن الأبيات التي جاءت على بحر (الكامل) قوله:
والشوقُ والأشجانُ
والسَّهَرُ الجزيلْ
وبقية أبيات القصيدة، ما عدا البيت السابق تسير وفق مجزوء بحر الرجز.
ـــــــــــــــــ
1 ـ ص 32 من المرجع نفسه
2 ـ 45 من المرجع نفسه
3 ـ ص 12 من قطرة في زمن العطش
4 ـ ص 17 من المرجع السابق
5 ـ ص 40 من هودج الغربة
6 ـ ص 63 من هودج الغربة
7 ـ ص 29 من ديوان (قطرة في زمن العطش) (1/75)
صفحة 76
(ب) وإذا كنا قد لاحظنا ميل موهبة الشاعر إلى استخدام الرموز والأساطير في تجسيد فكرة معينة، كما يتضح ذلك في قصيدته: (لؤلؤة الغوص) و (قدوم المارد) وغيرهما، فإن مما يكمل هذه الأدوات التشكيلية في شعره، موهبته في التعبير بالصورة، وقيام تشكيله الفني في القصيدة على البناء بالصور، وقد تحدثنا قبل ذلك عن نموذج من صوره التي نرى فيها التحاما بين الإنسان والكون، وتمزقا في الوقت نفسه بين الغربة والوطن، والوصل والفراق، والأمل واليأس، تحدثنا عن هذا النموذج من التصوير في تناولنا المفصل لقصيدته (تهاجر عيناك بأخيلتي) وقصيدته (جرح الأمس).
وهذا التوحد والاتحام بين الإنسان والكون، أو بين الإنسان والطبيعة في صوره، نلمحه أيضا في تصويره لسحر العيون، حيث نرى جمال هذه العيون، يتوحد مع جمال الطبيعة في مثل هذه الصورة:
عيناك .. يا مناي
حزينة .. كحزني
كليل باريس في الشتاء
كالقمر الحالم في المساء
كالطير الصاعد للسماء "1"
وهذا الالتحام بين جمال البشر وجمال الطبيعة في تصوير سحر العيون، في هذه الأبيات يذكرنا باللوحة الجميلة التي رسمها الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في مطلع قصيدته (أنشودة المطر):
عيناك .. غابتا نخيل .. ساعة السحر
أو .. شرفتان .. راح ينأى عنهما القمر!
ولعل أهم ما يميز الصورة الفنية في شعر (هلال العامري) أنها لا تدخل في إطار الصورة الجزئية القائمة على تشبيهات سريعة، أو استعارات لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، ولا يبدو فيها شيء من العمق الساحر البعيد الغور، وإنما تمتاز الصورة في شعره بأنها تمتد امتدادا جميلا من بداية القصيدة إلى نهايتها، هذا ما رأيناه في قصيدة (تهاجر عيناك بأخيلتي) و (جرح الأمس) وهذا
ـــــــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة (لوحة بريشة الشاعر) ص 44 من " قطرة في زمن العطش " (1/76)
صفحة 77
ما نراه أيضا في قصائد أخرى، منها قصيدة (نزيف قلب) "1" حيث نرى القصيدة كلها تقوم على صورة واحدة تمتزج فيها مشاعر النفس المعذبة القلقة التي تتصارع في أعماقها ذكريات ماض سعيد، وعواصف حاضر تعس شقي كئيب ... تمتزج فيها هذه المشاعر بالشمس الغاربة، في " مونولوج " داخلي حزين، يهمس فيه الشاعر لنفسه .. بما كان .. وما يكون .. يذكرنا بذلك " المونولوج " الداخلي الذي نجده في قصيدة (خليل مطران) " المساء " ولنتأمل ذلك في أبيات القصيدة:
قبل غروب الشمسْ
جلست أحدقُ
في الشفق الأحمرْ
وبذاكرتي أحزانُ الماضي
وخيالي يسبحُ
في اللاشيء
مَرَّ شريطُ الذكرى
يعصرُ ذاتي
يحرق ذاتي .. !
مال الأفقُ الأحمرْ
وتحركَ موقعه الأبدي
نحو اللاشيء
حينئذ عانق صدر الكون
سراب الماضي
وبدا يعزف لحنا
يخترق الروح
ويلهب وجداني
ويحرك صدري
آهات الماضي .. !
وبدا قُرصُ الشمس
ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ ص 9 من ديوان (قطرة في زمن العطش) (1/77)
صفحة 78
كنقطة دمْ
قد نزفت من قلب الماضي .. !
وبدا وهج النقطةِ
يعصر ذاتي
يمسح من ذاكرتي
آلام الماضي
أحزان الماضي
ويشد بداخلها
خيطا يربط نفسي
بشتاتِ الماضي .. !
قبل غروب الشمس
منذ سنين
كان لقاء الماضي
حفنة آمال
زينها لونُ الشفق الأحمر .. !
(ج) بقي أن نشير إلى ظاهرة تعبيرية لها أهميتها أيضا، وهي ارتباط الشاعر في بعض صوره وتعبيراته بالبيئة العمانية، ومن نماذج ذلك الارتباط: تصويره للبيئة العمانية المرتبطة بالخلجان، حين يتخيل زورق الحب تتقاذفه أمواج الخلجان، وذلك في قصيدته (رحيل) "1" كما نجد في قصيدته (ليل الغربة) "2" صورة من صور البيئة العمانية: صورة البادية والنخيل، حيث يقول:
ونحلمُ .. تشرقُ أيامُنا
ونهوى هوانا
ونرتع في البادية
تدثرنا الباسقات
ونطعم أجسادنا
ــــــــــــــــ
1 ـ ص 24 من ديوانه (هودج الغربة)
2 ـ ص 38 من ديوانه (قطرة في زمن العطش) (1/78)
صفحة 79
ونركب أجسادها
الخاوية .. !
ويرى عيني الحبيبة " قبيلة عشق "، وذلك في قصيدته (رحلة في تاريخ الحزن) "1"
عيناك قبيلة عشق
تدعو التاريخ
لحفلة رقص
حفلة آمال كبرى
وفي قصيدته (حفلة وداع) "2" تصادفنا تلك الكلمة العمانية، وهي كلمة " بؤبؤ " حيث يقول:
دَعِي بُؤْبُؤَ عيني
يستريحُ قَلِيلاً
لقد أَنْهَكَهُ الرَّكْضُ
وهو يَلْهَثُ خلف خصلاتِ
شعْركِ التي تَمتطي
عنان الريح
يضاف إلى ذلك: اتكاء معجمه الشعري على ألفاظ ترتبط بالبيئة العمانية والإنسان العماني منذ أقدم عصور التاريخ، ألا وهي:
ـ ألفاظ الغربة والبحر والأمواج والرحيل والسفر والهجرة والمهاجر، فلا تكاد قصيدة من قصائده تخلو من هذه الكلمات، ولنقدم لهذه الظاهرة التعبيرية بعض الأمثلة: ففي أول قصائد ديوانه (هودج الغربة) تلقانا قصيدة بعنوان (تهاجر عيناك بأخيلتي) "3" وفيها يقول:
يا من تحيا ضِمْنِي
وأعيش مُسافرْ
ـــــــــــــــ
1 ـ ص 57 من المرجع السابق
2 ـ ص 69 من (هودج الغربة)
3 ـ ص 9 من الديوان السابق (1/79)
صفحة 80
وفي بيت آخر في هذه القصيدة نفسها، يتخيل أن عيني الحبيبة تسافران في عينيه، ثم يتخيل أيضا أن عينيها تهاجران بأخيلته:
كيف تُهاجِرُ عيناكِ بأخيلتي
دون استئذان .. !
وفي القصيدة الثانية في هذا الديوان "1"، نجده يقول في أول بيت منها:
أسافِرُ في ليلِ ضفائِرِها
وتسألُنِي من أنت؟
وقصيدة بعنوان (إلى متى؟) "2" يقول:
إلى متى أَتِيهُ في البراري
إلى متى أضيعُ في الصحاري
وفي قصيدة (مرافئ الأمان) "3" يقول:
سافري إن شئتِ
في شواطئ عيني
هكذا تتكرر وتتوالى مصطلحات: السفر والهجرة والرحيل والاغتراب، في قصائد أخرى عديدة، منها هذه القصائد في ديوانه الأول (هودج الغربة) وهي:
(هوى أهدابي) و (رحيل) و (توشيح الهجر) و (خيوط الغربة) و (همسات عابرة) و (تجربة في الشعر) و (عنوان كتاب) و (أهواك) "4".
كما تكثر هذه المصطلحات في ديوانه الثاني (قطرة في زمن العطش) ومن أمثلة ذلك، هذه القصائد:
(حبيبتي ترفض أن أودعها) و (عودة) و (حلم العناق) و (أغنية الحب) و (عيون الأطفال) "5"
ــــــــــــــــ
1 ـ قصيدة (جرح الأمس)
2 ـ ص 17 من المرجع نفسه
3 ـ ص 26 من (هودج الغربة)
4 ـ انظر هذه القصائد في المرجع السابق، ص 24، 34، 38، 43، 45، 49، 51، 52
5 ـ انظر هذه القصائد في ديوانه (قطرة في زمن العطش) ص 25، 27، 29، 31، 36 (1/80)
صفحة 81
بل .. إن مصطلح (الغربة) يقترن في إحدى قصائده بالرصاص والموت، وذلك في قصيدته (ليل الغربة) "1"، وهكذا يستبد بمشاعره مصطلحا: الرحيل والسفر في قصيدته (أحلى الصور)
وهذه الظاهرة اللغوية تشير إلى المضمون الفكري يشغل الشاعر والرؤية التي ينظر من خلالها إلى الكون والوجود، والحياة والمجتمع .. !
ويجدر بنا في نهاية هذه الدراسة، أن نشير إلى بعض الأخطاء اللغوية والعروضية، وأعتقد أن بعضها، وبخاصة في مجال الأخطاء اللغوية راجع إلى أخطاء مطبعية، ومن هذه الأخطاء: قوله في قصيدة (إلى متى) "2":
(إلى متى يا عمري تَصُدِّي) وصواب ذلك (إلى متى يا عمري تَصُدِّين؟) لأن نون الأفعال الخمسة تثبت في حالة الرفع، ولا تحذف إلا إذا سبقت هذه الأفعال بناصب أو جازم، وهذا الخطأ يتكرر مرة أخرى في القصيدة نفسها في قوله:
إلى متى ستجهلي وتتركي
والصواب أن يقول: " إلى متى ستجهلين وتتركين "
ومن الأخطاء النحوية أيضا قوله (لم تدري أن الوقت فات) والصواب (لم تدر أن الوقت فات) "3" يحذف ياء المضارع المعتل الآخر، فحذف هذه الياء واجب هنا لأن الفعل مسبوق بأداة جزم، وهي " لم "
وقوله في قصيدة (يحلم أن يعيش) "4":
جاءت تبوحُ بلوعَةٍ
والعشق يكسو وجنتاها
فوجنتاها ـ هنا ـ مفعول به، والمثنى ينصب بالياء، فكان من الصواب أن يقول: " العشق يكسو وجنتيها " إلا إذا كان الشاعر يسير على قاعدة من
ــــــــــــــــــــ
1 ـ ص 38 من المرجع السابق
2 ـ ص 17 من ديوان " هودج الغربة "
3 ـ من قصيدة (بقايا حبيب) ص 22 من " قطرة في زمن العطش "
4 ـ ص 53 من المرجع السابق (1/81)
صفحة 82
يلزم المثنى الألف في كل أحواله على غرار ذلك الشاهد النحوي الذي يقول:
إن أباها وأبا أباها **** قد بلغا في المجد غايتاها
ومن الأخطاء التي يبدو فيها قلق عروضي: قوله في قصيدة (جرح الأمس) "1":
(أسافر في ليل ضفائرها)
والقصيدة من بحر (المتدارك ـ فاعلن ـ ثماني مرات) وقد جاء القلق بسبب كلمة (أسافر) وهذا القلق يبدو أيضا في قصيدة (موكب الحرمان) "2" فهي من بحر (المتقارب ـ فعولن ـ ثماني مرات) وقد جاء فيها بيت لا يسير على ذلك الوزن، وهو:
ترى .. ذهب الحب بلا عودة
تُرجى .. ولا أمل مثمر
وقد ظهر القلق العروضي في الشطر الأول من هذا البيت
ويلاحظ وقوع هذه الأخطاء في الديوان الأول، بينما نلاحظ ندرتها في الديوان الثاني.
ويبقى بعد ذلك: أن هذين الديوانيين يقدمان لنا شاعرا عمانيا عربيا متميزا بموقف خاص ورؤية متميزة للكون والوجود والحياة والمجتمع، شاعرا مرتبطا بالبحر والخلجان .. والغربة والرحيل .. وقضايا الوجود والمصير .. !
ـــــــــــــــــــــ
1 ـ ص 11 من (هودج الغربة)
2 ـ ص 16 من المرجع السابق (1/82)
صفحة 83
المبحث الرابع
تيار الغزل في شعر / سعيد الصقلاوي:
ـ بين التراث والمعاصرة ـ
يمثل الغزل في دراسات هذا الكتاب، التيار السائد في أربعة مباحث من خمسة أبحاث يضمها هذا الكتاب، ولعل ذلك يعكس صورة فكرية جديدة عن الأدب العماني، تغاير إلى حد كبير، ما كان يتخيله النقاد العرب في الأقطار العربية الأخرى، الذين لم تتح لهم ظروفهم الحياتية، أو الثقافية، دراسة الأدب العماني عن كثب، دراسة تعتمد على الاتصال المباشر بمصادر الأدب العماني، والاتصال المباشر أيضا بالشعراء العمانيين المحدثين.
وقد سبق وأن أشرت في دراسة من دراسات هذا الكتاب، إلى الأهمية النفسية والاجتماعية والثقافية لقصيدة الغزل المعاصرة، وذلك حين تعرضت بالدراسة لتيار الغزل الثراثي بين الشاعر العماني (النبهاني) والشاعر المصري (البارودي) "1"، وأوضحت أن من أهم العوامل التي وجهتني لاختيار هذه الدراسة: إحساسي بحاجة مجتمعنا العربية المعاصرة، إلى إعادة النظر من جديد في القصيدة الغزلية، في تهذيب وجدان الفرد، وتربية الذوق الجمالي، والتسامي بالمشاعر والغرائز، وبناء مجتمع قائم على الحب والصفاء، لا على الحقد والكراهية ... !
وقد يتوهم بعض ناشئة الشعراء من الشباب، أن التقدمية والواقعية تحتمان على الشاعر أن ينأى بشعره عن الحب والغزل، وأن يلتزم فقط بقضايا الكفاح السياسي والاجتماعي، ولذلك كان بعض الشعراء، يقدم أحيانا ما يشبه الاعتذار حين يهم بإلقاء قصيدة غزلية في بعض الندوات، والأمسيات الشعرية، وواضح من ذلك أن هؤلاء الشعراء يجهلون القيمة الأخلاقية البناءة للقصيدة الغزلية، ولعل الشاعر عبد الرحمن شكري، كان يعني هؤلاء عندما قال:
" ولق رأيت بعض القراء لا يفهم منزلة الغزل في الشعر، إن مزية الغزل، سببها أن حب الجمال حب الحياة، وكلما كان نصيب المرء من حب الجمال أوفر، كان نصيبه من حب الحياة أعظم، وحب الحياة والجمال من العوامل الاجتماعية القوية التي تزجي الأمم إلى التفوق والاستعلاء ". "2"
ــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر: الدراسة الأولى في هذا الكتاب: " تيار الغزل التراثي بين النبهاني والبارودي ".
2 ـ مقدمة ديوان " زهر الربيع " (الجزء الرابع من ديوان عبد الرحمن شكري) ص 290 (1/83)
صفحة 84
وقد لاحظت حين قرأت الديوان الأول للشاعر المهندس / سعيد الصقلاوي "1"، وهو ديوان (ترنيمة الأمل) "2"، ثم ديوانه الثاني (أنت قدري) "3"، أن هناك تيارين يشغلان اهتمام الشاعر فيهما، أما التيار الأول فهو تيار الغزل، وأما التيار الآخر فهو التيار الوطني، فالحب والوطن هما الشاغل الأكبر لذلك الشاعر، ولا أعتقد أن هناك انفصالا، أو تناقضا بينهما، فغالبية العشاق العذريين في الجاهلية والإسلام، قد اقترنت في حياتهم وشعرهم لوعة الحب النبيل بشجاعة السيوف المقاتلة، والمثال أمامنا ـ في الجاهلية ـ واضح في " عنترة " "4" والمرقشين: الأكبر "5" والأصغر "6"، ففي حياة هؤلاء الشعراء، وأشعارهم، تمتزج تجربة حب المعذب الحزين، بروح الفروسية المقاتلة الشجاعة، وفي ذلك يقول الدكتور محمد غنيمي هلال:
" وفي أدب الفروسية هذا، نجد اليأس والجلد والمثابرة والحمية، متجاورة مع الدماثة والرقة والخضوع، والذلة لسلطان العاطفة، والجانبان لا يتناقضان في نفس الفارس، ولكن يكتملان، وهذا هو الأعم الأغلب في روح الفروسية في الآداب العالمية "3" ... ! ".
وفي هذا المبحث من مباحث الكتاب، سأقصر دراستي على تيار الغزل في شعر الشاعر سعيد الصقلاوي، راجيا أن أتناول في وقت لاحق التيار الثاني السائد في شعره، وهو التيار الوطني:
ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ شاعر عماني معاصر، تخرج من كلية الهندسة بجامعة الأزهر، له دوره البارز في تطور الشعر العماني المعاصر، وله دور ملحوظ أيضا في دراسة أعلام الشعر العماني، وبخاصة ما يرتبط بشعراء التراث العماني ـ وستصدر قريبا له دراسة عن الشعر العماني، كما صدر له ديوانان هما موضوع الدراسة التي أقدمها في هذا المبحث.
2 ـ صدر عام 1975 م ـ منشورات وزارة الإعلام والثقافة ـ مسقط ـ سلطنة عمان.
3 ـ صدر عام 1985 م بمسقط
4 ـ انظر: ديوان عنترة (طبعة صادر بيروت 1966) ص 74، 89، 96، 101 والغزل في الشعر الجاهلي ـ للدكتور أحمد الحوفي ـ ص 199، ص 200 (الطبعة الثانية).
5 ـ انظر مأساة حبه مع صاحبته أسماء بنت عوف بن مالك بن ضيعة بن قيس بن ثعلبة ـ في " الشعر والشعراء " ـ لابن قتيبة ـ ج 2 ـ ص 232
6 ـ انظر: المرجع السابق ج 1 ص 214
7 ـ المدخل إلى النقد الأدبي الحديث ص 215 (1/84)
صفحة 85
إن المتأمل لقصائد الغزل في ديواني ذلك الشاعر، يجد أن مصادر شعره الغزلي، ترجع إلى مصدرين أساسيين:
أ ـ أما المصدر الأول فهو التراث، وللتراث العربي تأثيره الواضح في مفهوم الحب عنده في بعض قصائده، وتأثيره أيضا في معجمه الغزلي وصوره وموسيقاه، وقد قدم لنا بنفسه في بعض قصائده، بعد الإشارات الدالة على تأثره في مفهوم الحب بالتراث العربي، إذ يقول في إحدى قصائده، مصورا حزنه وتحسره على ضياع أحلام حبه العذري "1":
لما رأيتُ الحزن في عينيكِ ملتهبا .. !
ورأيتُ زهر الحسن في خديكِ مغتصبا ..
ورأيتُ أحلام الهوى العذري نهبا ..
نَزَّ الفؤادُ أسىً جرى في الدم واصطخبا .. !
ويمكن أن نقول: إن تجربة الحب في تيار الغزل العذري ـ كما يصورها ذلك الشاعر ـ تقترب في كثير من خصائصها الفكرية والفنية، من خصائص تجربة الحب في التيار الرومانتيكي، حيث نجد الحب المرتبط بالعذاب والألم، والدموع والبكاء، واليأس والموت، والتسامي بالعاطفة وإعلاءها، والنظرة الروحية للمرأة، والصبر والكتمان، والتضحية "2"، ولعل هذه الملامح العذرية الرومانسية تتضح حين نرى الشاعير في بواكير شعره الأولى في ديوانه الأول (ترنيمة الأمل) يقدم لنا مفهوم الحب عنده، فيقول "3":
أهواهُ .. رغم الهجر أهواه **** بين الحشا في القلبِ سُكْناهُ
الحبُ نهرٌ في دمي دِفْقٌ **** فهو الذي في القلبِ أجراهُ .. !
يا لائِمِي في حبه عبثا **** أتلومُ من بالحُبِّ محْيَاهُ .. !
ــــــــــــــــ
1 ـ ديوان (أنت لي قدر) من قصيدة بعنوان " لا تحزني " ص 73
2 ـ انظر في خصائص الغزل العذري: (الغزل في العصر الجاهلي) ـ ص 153 ـ 159، و (في الحب والحب العذري) للدكتور صادق جلال العظم ـ ص 104 وما بعدها، و (حديث الأربعاء) ج 1 ص 187 وما بعدها ـ للدكتور طه حسين ـ، و (تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي) من ص 70 ـ إلى ص 115 ـ دكتور سعيد دعبيس.
3 ـ ديوان (ترنيمة الأمل) ص 71 من قصيدة " صدى الذكريات " (1/85)
صفحة 86
والحب في نظره هو سر الحياة وجوهرها، وبدونه تصبح الحياة مقبرة كئيبة شوهاء:
إذا المرء لم يُسْقَ كأسَ الهوى **** فأولى لهُ أن يوارى الترابْ .. !
وأولى لهُ أن يعيشَ كئيبًا **** كسيرَ الفؤادِ، طريحَ الجناتِ "1" .. !
ويقدم لنا هذه الفكرة مرة أخرى في ديوانه الثاني، حيث يرى أن الحب ظاهرة من ظواهر الطبيعة حولنا، وهل يستطيع الإنسان أن يهرب من الظواهر الكونية، أو يرفضها .. إن الحب هو الهواء وهو النور، وهل يستطيع إنسان أن يعيش بدونهما؟ وفي ذلك يقول "2":
ثم قالوا: أهكذا مفتونٌ فيها "3"
قلتُ: من غيرِ هواءٍ كيف أحيا؟
إنَّ من لا يعرفُ الحب فدُنْياهُ
ظلامٌ .. وهو فيها ليس شبا .. !
الدعائم الفكرية والفنية التي يقوم عليها غزله: ـ
وآن لنا أن نحاول تبين معالم التجربة الغزلية عند ذلك الشاعر، موضحين الدعائم الفكرية والفنية التي يقوم عليها غزله ـ كما يعكسه شعره في هذين الديوانيين:
(أ) التدفق العاطفي:
يمثل التدفق العاطفي في التجربة العذرية، والتجربة الرومانسية، معلما بارزا من معالم هاتين التجربتين، فالوجْدُ والعذاب، والحزن والبكاء، والألم والمعاناة، سمات العشق النبيل في هاتين التجربتين .. ! إن دموع الشاعر العذري، تصبح بمثابة أصدقائه الوحيدين في هذه الرحلة الرهيبة، رحلة الحب
ــــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ص 29 من قصيدة " ظلال "
2 ـ ديوان (أنت لي قدر) من قصيدة " حبيبتي " ص 57
3 ـ يلاحظ أن الشاعر أتى بكلمة (مفتون) بدون تنوين ـ وكان من حقها أن تنون ـ ويدخل هذا في باب (الضرائر الشعرية) (1/86)
صفحة 87
اليائس، والعزلة الكئيبة، وهذا الملمح العذري، يعتبر أيضا من الملامح المميزة لتجربة الحب في الأدب الرومانتيكي، وقد عرف هذا الملمح في ذلك الأدب بما يسمى (مرض العصر) ويعنون به: تلك الحالة النفسية التي تتولد من عجز الفرد عن التوفيق بين القدرة والأمل اللذين يتعارضان، فيشقى الفرد بهذا التعارض، وإنه وإن يكن هذا التعارض حقيقة إنسانية عامة تصدق في كافة العصور، إلا أنه مما لا شك فيه، أنه قد كان أشد حدة، وكانت النفوس أعمق إحساسا به في أعقاب الثورة الفرنسية، وما تلاها من أحداث، عنها في أي عصر آخر، حتى لنرى الرومانسيين أنفسهم بأنه قد أصبح مرضا لعصرهم، استعذبته نفوسهم التي كانت ترى أن أجمل الأغاني، ما كان أعمقها يأسا، وأشدها بكاء وحزنا "1" ... !
وتمتاز الشخصية الرومانسية بالحزن الغالب على النفس في كل حال، دون وجود سبب ظاهر لهذا الحزن، ولهذا يعتصم الرومانسيون من الواقع بالانطواء على نفوسهم، ونُشدان مثَلٍ أعلى لهم هو: الجمال، والرومانتيكي غريب في عصره بشعوره وإحساسه، لأنه يحس بالتفرد والعبقرية، ولذا فالألم والدموع علاج لنفوسهم المرهفة بالتفرد، إنهم يحبون الحياة الغامضة، ويضيقون ذرعا بالأشياء الثابتة المستقرة، ومن هنا فهم مغتربون زمانيا ومكانيا "2" .. !
ويبدو أن تجارب الحب التي تركت بصماتها الواضحة في تاريخ الأدب، كانت تتسم بالشقاء والتعاسة والبؤس، إنها تلك التجارب التي لا تعرف النهايات السعيدة، بل تحالف المآسي وتقترن بالموت والدمار والخراب " أما الحب المتوج بالسعادة المستمرة، والاكتفاء الدائم، إن كان له ثمة وجود على الإطلاق ـ فإنه لم يلهم، إلا فيما ندر، أحدا من كبار الكتاب، أو عباقرة الشعراء والأدباء "3" ".
ـــــــــــــــ
1 ـ انظر: محاضرات في الأدب ومذاهبه ـ دكتور محمد مندور ص 45
2 ـ انظر: الرومانتيكية ـ دكتور محمد غنيمي هلال ـ ص 36 ـ ص 48
3 ـ في الحب والحب العذري ـ د. صادق جلال العظم ص 20 (1/87)
صفحة 88
" وابن حزم " يعبر عن هذه الظاهرة خير تعبير، فيقول: " والحب أعزك الله ... داء عياء وفيه الدواء منه على قدر المعاملة، ومقامٌ مُسْتَلَذٌّ، وعِلَّةٌ مُشْتَهاةٌ، لا يود سليمها البرء، ولا يتمنى عليلها الإفاقة، يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده "1"
ومن الملامح النفسية والوجدانية، ماثلة بوضوح في كثير من القصائد الغزلية للشاعر سعيد الصقلاوي، ونراها في ديوانه الأول (ترنيمة الأمل) أشد عنفا منها في ديوانه الثاني (أنت قدري) وربما كان ذلك راجعا إلى أن الديوان الأول يمثل في حياة الشاعر، مرحلة الشباب المبكر، بما يقترن بها من ثورة عاطفية مشبوبة، ومن ثم نجد في ذلك الديوان مجالا لكثير من الصور الحزينة الباكية، التي تسودها أحيانا قليلة بعض المبالغات العاطفية، ومن ذلك قوله "2":
لا تلمني .. يا صديقي .. خَلِّ لومي والعتابْ
كل شيء راح .. لم يبق سوى جرح العذابْ .. !
الهوى راح وولى .. واختفى خلف حجابْ
وشموسي في غروب .. وأتى بعدُ السحابْ
*******
وإذا الليل عجاج .. وإذا الصبح ضباب
وإذا الحب ظلام .. كل من فيه مصاب .. !
لا تلمني في بكائي يا صديقي .. لا تلمني
ونلاحظ أن الشاعر في ديوانه الثاني " أنت قدري " يقلل إلى حد ما، من هذه البكائيات الصارخة، ويعمد ـ مع تطوره الفني والفكري ـ إلى شيء من الاتزان العاطفي، فيميل إلى تصوير عاطفته عن طريق وسائل متطورة، كالتعبير بالصور، والمونولوج الداخلي، والحوار، والأحداث، والغوص في أعماق شخصياته، سواء كان سعيدا معها، أم شقيا، هاهو ذا يصور لنا صورة أقرب إلى العمق لشخصية امرأة تافهة، خدع فيها فترة، ثم كانت ثورته عليها، حين تكشّف زيفها:
ـــــــــــــــ
1 ـ طوق الحمامة في الألفة
2 ـ ديوان (ترنيمة الأمل) من قصيدة " لا تلمني " ص 37، 38 (1/88)
صفحة 89
خذيها .. واغربي عني .. !
رسائلك التي ما عدت أذكرها
وأفتحها
وأحفظ كل ما فيها
خذيها واغربي عني .. !
***
ألا يا وترا .. بلا لحن
ويا شيئا .. بلا معنى
ويا سحبا .. بلا مطر
ويا روضا .. بلا زهر
ويا أفقا .. بلا قمر
يزغرد في عيون الليل، يا وهنا
خذيها .. واغربي عني
***
أنا ما عدت ذاك الطفل .. أغرق في ابتسامتك
وتسحرني .. وتسبيني ظلال الوهم
في شتى رواياتك
أنا ما عدت ذاك الأهبل المخبول
أخضع تحت راياتك
وأقرأ فيك أيامي الجميلات
وأحلامي البسيمات
فأستاف المنى بدعا
وأنت المبدع في ذاتك
خذيها .. واغربي عني
***
هوانا .. لم يعد طفلا
ونهرا دافقا طهرا
ونورا يحمل البشرا (1/89)
صفحة 90
ربيعا كان مخضلاّ
فاضمحى .. آهٍ ما أضحى
صحاري .. دونما زرع
بها الأيام واقفة كتمثال من الجزع
دقائقها .. ثوانيها .. قد انتحرت
وكم فيها الهوى نُحِرَا .. !
***
خذيها .. واغربي عني
رسائلك التي كانت لروحي الخمر والسلوى
غدت جمرا بها تكوى .. !
فبئس الخمر والسلوى
خذيها .. واغربي عني .. !
هذا المزيج من التطور الفني القائم على التعبير بالصور، ورسم الشخصيات، مع شيء من التدفق العاطفي والعذرية، نجده مرة أخرى، في هذه المناجاة المتفائلة الباسمة "1":
يا أجمل ما في الكون لديّ .. !
يا أحلى بسمة حب في شفتيّ
يا شمس العمر .. ويا لحني الأبديّ
يا فرحة عيدٍ .. تهلل في عيني .. !
يا لؤلؤة القلب العاشق يا كنزي الذهبي
يا همس الحب .. ويا نور الأمل الفضي
يا روح الروح .. ويا حلمي الورديّ .. !
وهذه النبرة التفاؤلية المشرقة في تصوير تجربة الحب، تطل علينا أيضا مرة أخرى، حين يعود إلى مناجاة الحبيبة، في قصيدة أخرى "2":
ـــــــــــ
1 ـ ديوان (أنت قدري) من قصيدة " أنت " ص 85
2 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة " توقيع باللون الأحمر " ص 20 (1/90)
صفحة 91
ميناء فؤادي أنت وأحلامي
ومنى الروح الهيمى في أفق الأيام ..
في عينك ألمح أشرعة الأيام تغني جذلى
وعلى لباتك يسجد نور الحسن وينثر فُلاًّ
وأحس بصوتك همس النحل الدافق بالحب
يغشى بالبهجة عيني
يسبي بالفرحة قلبي
يا أحلى ما في الدنيا .. !
إنه في هذه القصيدة يصور لنا إيمانه بأن الحب هو سر الحياة، وأن كل الكوارث الطبيعية، والمآسي الكونية، من فياضانات وزلازل وبراكين، يمكن أن يكون علاجها الحب:
كوني حجرا صلدا
كوني لهبا .. كوني وقدا
كوني شيئا ذريا يطحن أحشائي .. !
ويقدّ فؤادي من لهفٍ قدّا
كوني طوفانا .. عاصفة .. حُبلى بالأمطار
إعصارا، زلزالا، لا يُبقي في رحم الدنيا من آثار
كوني ليلا .. كوني قمرا
كوني شوكا .. كوني زهرا
كوني ما شئتِ بهذا الكون الرحب الطامي
إلى أن أهواكِ .. !
أنا أهواك "1" .. !
ولكن التدفق العاطفي العنيف .. بأحزانه وآلامه، ودموعه وبكائه، وعذابه وضياعه، يتفجر هادرا صارخا في جانب آخر من قصائده، وبخاصة في ديوانه الأول (ترنيمة الأمل) حيث نجد هذه الصور الحزينة الباكية:
ــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها ـ ص 19 (1/91)
صفحة 92
إن دمعي من عيوني .. في انحدار كالمياهْ
لا تلمني في بكائي .. فأنا أبكي هواهْ "1"
***
أفَلَتْ عني نجومي والليالي الباسماتْ
فَذَوى سحر وجودي والطيوف الراقصاتْ
وعلى موجِ بحارٍ في المياه الهائجاتْ
لم أجد زورق حبي .. والليالي داجياتْ
فامْتَلاَ القلبُ جراحاً مُثْخَناتٍ دامياتْ
والآقي ذارفاتْ .. ودموعي شاكياتْ "2" .. !
***
جفت الأدمعُ من تلك العيون الدامعاتْ
لا تلمني في نحيبي .. ليس ما يمضي باتْ "3"
***
صِلِينِي .. صِلِينِي .. سنائي وعيني **** صِلِينِي ورقّي لقلبي الحزينْ
كفاكِ عقوقاً .. كفاني بُكاءً **** فرِفْقاً حياتي بدمعي السخِنْ
كرهتُ وجودي .. كرهت أناسي **** أنا من جِفِاكِ لحبي طَعِنْ
حياتي جحيمٌ .. وصبحي ظلامٌ **** وليلي طويلٌ .. وكُلِّي أنينْ .. ! "4"
بينما يقل ذلك الطابع المأساوي الصارخ ـ كما أوضحنا سابقا ـ في ديوانه الثاني (أنت قدري) ويحل محله تدريجيا، تطور فني، أقرب إلى التفاؤلية المشرقة، تطور يعتمد على عمق تصوير الشخصيات، والبناء التعبيري بالصورة والحوار والحدث، ولكننا لا نعدم هذا الطابع المأساوي في بعض قصائد الديوان الثاني حيث نجد ـ أحيانا ـ هذه الصورة:
يا قدري وحياتي
ـــــــــــــــ
1 ـ ديوان (ترنيمة الأمل) ـ من قصيدة " لا تلمني " ص 40
2 ـ القصيدة نفسها ـ ص 43، 44
3 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها ـ ص 47
4 ـ المرجع نفسه ـ من قصيدة " بقايا " ص 51 (1/92)
صفحة 93
إلى من غيرك مفقود الذات
كالتائه مشلول التفكير ومهزوم الوجدان
ومذبوح الإحساسات
أتقيأ أحزاني .. أتجرع من كأس الحسرات
لا أدري .. ما معنى الأشياء ولا معنى الأسماء
ولا كُنْهَ اللحظات
موجوع القلب ومكسور الراياتِ
مفجوع النفسْ ومسلوب القدراتِ
تتقاذف أشرعتي أمواجُ عذاباتي "1" .. ؟
وقد نراه أحيانا يتلذذ ـ كالعذريين والرومانسيين ـ بالعذاب والألم:
لما رأيتُ الحزن في عينيك ملتهبا "2"
ورأيت زهر الحسن في خديك مغتصبا
ورأيت أحلام الهوى العُذري عدت نهبا
نَزَّ الفؤادُ أسىً جرى في الدم واصطخبا
فوددتُ لو كنتُ الذي للنار منجذبا .. !
إن المذلّة في الهوى يستعذب التعبا؟
ولعله في البيتين الأخيرين، متأثر ببيتي (ابن حزم) اللذين أنشدهما في حالة فتى من معارفه، وحل في الحب، وتورط في حبائله:
وأستلذُّ بلائي فيك يا أملي **** ولست عنك مدى الأيام أنصرفُ
إن قيل لي تسلى عن مودته **** فما جوابي إلا اللام والألفُ .. !
(ب) التوحد مع الطبيعة:
وهكذا نجد هيام العذريين بالبكاء والحزن، واضحا في أشعارهم ـ قديما وحديثا ـ وهذا الهيام بالبكاء والحزن يجعلهم يأنسون إلى مظاهر الطبيعة
ــــــــــــــــ
1 ـ ديوان (أنت قدري) من قصيدة " أنت " ص 87
2 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة " لا تحزني " ص 73
3 ـ طوق الحمامة في الألفة والآلاف ـ لابن حزم الأندلسي ـ تحقيق الدكتور الطاهر أحمد مكي ـ ص 13 (1/93)
صفحة 94
الحزينة الشاحبة، ولذلك نجد أن صورة الحمامة الباكية من الصور المميزة للغزل العذري في الشعر العربي، في كل عصوره، يقول عنترة "1": ـ
وقد غنى على الأغصان طيرٌ **** بصوبِ حنينه يشفي الغليلاَ
بكى فأعرتهُ أجفانَ عيني **** وناحَ فَزَاد إعْوَالي عَوِيلاَ
فقلتُ لهُ جرحتَ صميمَ قلبِي **** وأبدى نوحُكَ الداء الدخيلاَ
وما أبقيتَ في جفني دموعا **** ولا جسما أعيش به نحيلاَ
ولا أبقى لي الهجران صبرا **** لكَيْ ألقى المنازلَ والطلولاَ
ويقول أيضا "2": ـ
وما شاق قلبي في الدجى غير طائر **** ينوح على غصن رطيبٍ من الرَّنْدِ
بهِ مثلُ ما بي يُخفي من الجوى **** كمثل الذي أُخْفِي ويُبْدي الذي أُبدي!
ويقول (يزيد بن الطثرية) "2":
وأسلمني الباكون إلى حمامة **** مطوقة قد صانَعَتْ ما أُصانِعُ
إذا نحنُ أنْفَدْنَا الدموعَ عشيةً **** فموعدنا قرنٌ من الشمس طالعُ .. !
و (عروة بن حزام) حين يصور لنا خفقان قلبه العاشق، واضطراب حالته النفسية، يستعيرا طائرا وديعا من عالم الطبيعة، ويعلقه على كبده، ليجسم لنا في صورة فنية، مأساة ذهوله واضطرابه "4":
وعينانِ ما أُوفيتُ نشزاً فتنظُرَا **** بمَأْقَيْهمَا إِلاَّ هما تَكفَانِ .. !
كأَنَّ قَطاةً عُلِّقَتْ بجَناحِها **** عَلى كَبدِي .. من شِدَّة الخَفَقَانِ .. !
ويلتقي في هذه الظاهرة الفنية أيضا، الرومانسيون في تصويرهم لتجربة الحب في أشعارهم، فالشاعر الرومانسي، يمزج عشقه للطبيعة، بعشقه
ـــــــــــــــــ
1 ـ ديوان عنترة ـ ص 185 وما بعدها (طبعة دار صادر ـ بيروت 1956)
2 ـ المرجع السابق ص 132
3 ـ كتاب " الزهرة " لأبي بكر محمد بن سليمان الأصفهاني ـ تحقيق الدكتور لويس نيكل البوهيمي ـ نشر المعهد الشرقي بجامعة شكاغو 1932 م ـ ص 243
4 ـ الشعر والشعراء ـ لابن قتيبة ـ ج 2 ص 626 ـ تحقيق وشرح أحمد شاكر ـ دار المعارف بالقاهرة 1966 م. (1/94)
صفحة 95
للموت والغربة والحبيبة، ولا يمكن فصل هذه الموضوعات بعضها عن بعض في الشعر الرومانسي، ذلك لأن الرومانتيكيين حين يتحدثون عن حبهم يمتزجون بالطبيعة، ويتمنون الموت، ويتلذذون بالعزلة والغربة، وحين نقرأ قصيدة " البحيرة " للامارتين ـ نجد شاعرا عاشقا، متوحدا مع الطبيعة، متعشقا للفناء والأبدية، مغتربا في زمانه ومكانه "1" .. !
وتبدو هذه الظاهرة الفنية (ظاهرة التوحد مع الطبيعة) في شعر (الصقلاوي) الغزلي دعامة من الدعائم الأساسية التي يقوم عليها بناؤه التشكيلي، ومفهومه للحب أيضا، ونستطيع أن نتبين ذلك في كثير من قصائده الغزلية، ومن ذلك قوله في إحدى قصائد ديوانه الأول "2":
كم على تِبْرِ رمالٍ .. كان يسقيني هواهْ
وعلى عزف نسيمٍ .. وترانيم المياهْ
كم رقصنا نحن والحب وأطياف الحياهْ
وقطفنا من زهور الخلد ما فاح شذاهْ
وأصخنا لغناء الطير في عذب غناهْ
وقوله في مناجاة البحر، وذكريات الماضي "3"
يا بحر كم في رملك الفضي **** لوحات حب قد رسمناه
كم كنت للعشاق أغنية **** في الحب أحلى ما سمعناه
ورويت لي أخبارهم نغما **** ذابت بصفو جماله آلاهُ
خطواته في الرمل جاثمة **** تبكي وصالا قد هجرناه .. !
هل عاد يزجي الهمسَ في نغم **** يا بحرُ .. أو ماتت حكاياه؟
أو لم تعد ذكراه راقصة **** في الشمس أو في النجم ذكراه؟
ومناجاة البحرـ في القصائد الغزلية ـ صورة من الصور التي نجدها كثيرا لدى شعراء مدرسة (أبولو) وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم ناجي، وهم
ــــــــــــــــ
1 ـ انظر: المدخل إلى النقد الأدبي الحديث ص 479 ـ دكتور محمد غنيمي هلال
2 ـ ديوان ترنيمة الأمل ـ من قصيدة " لا تلمني " ص 39
3 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة " صدى الذكريات " ص 72، 73 (1/95)
صفحة 96
يتخذون من البحر وطنا هروبيا، يلوذون به ـ أحيانا ـ من فساد المجتمع، وهؤلاء الشعراء يلوذون بكل الرموز والصور التي تبعدهم عن الانتماء للواقع، بكل ما يساعدهم على الهروب من الانتماء للأرض والمجتمع، وذلك فهم يرون ـ مثلا ـ في البحر القلق الثائر، واغترابهم فيه، وتشردهم الدائم بين أمواجه، مهربا ووطنا آخر ينجيهم من المنفى الرهيب الذي يعانونه في وطنهم المادي "1" .. !
وهكذا يصبح البحر وطنهم الحبيب، وملاذهم، ومهربهم من ظلم الناس، وغدرهم، على الرغم من عواصفه وأنوائه، وأمواجه وأهواله، ولذلك نجدهم يكثرون في اغترابهم الهارب إلى عوالم الطبيعة والحب والموت، من صور البحر الهائج، والزورق الحائر، والملاح الشارد، والمساء الحالم الحزين، وذلك لأن هذه الصور الحزينة الشاحبة، تنسجم مع نفسيتهم الحزينة الهاربة من عقم المجتمع وفساده، ولعل رمز " البحر " في شعر الدكتور إبراهيم ناجي، أوضح مثال لاتخاذ البحر وطنا ومهربا، وذلك راجع لإحساسه الكثيف بضياعه في المجتمع، وضياعه أيضا في عالم الحب "2" .. ! ومن هنا يكثر في شعره تلك الرموز: الزورق الغريق ـ الأمواج الثائرة ـ العواصف.
إن البحر في شعر ناجي ـ في كثير من الأحيان ـ هو وطنه الذي ينسيه غربته في دنيا البشر:
يا نسيم البحر ريانَ بطيب **** ما الذي تحمل من عطر الحبيبِ؟
صافحتني من نواحيك يدٌ **** تمسح الدمعةَ عن جفن الغريبِ .. !
وتلقَّاني رشاشٌ كالبكا ***** وهديرٌ مثلُ موصول النحيبِ "3" .. !
والبحر يرد له إنسانيته المحطمة في عالم الناس، وحين يندمج في أمواجه، يحس أنه في حضن أمه الطبيعة، فلا يرى في الموت نهاية، بل اندماجا في
ــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر: حوار مع قضايا الشعر المعاصر ـ ص 80 ـ دكتور سعد دعيبس
2 ـ انظر: مقدمة الدكتور أحمد هيكل لديوان ناجي ص 31، وانظر: الغزل في الشعر العربي الحديث ص 513 وما بعدها ـ دكتور سعد دعيبس، وانظر: شعراء مجددون ـ ص 9، 10 ـ مصطفى السحرتي
3 ـ ديوان ناجي ص 80 ـ مقطوعة بعنوان " يا نسيم البحر " (1/96)
صفحة 97
الكون الرحيب، فيهتف:
صدري وساد زاخر بالحنان **** تصوُّري أعجب ما في الزمانْ
موج على لُجَّته خافقان **** قَرَّا على أرجوجةٍ من أمانْ
كمركب في البحر يومَ اغتربْ **** ما أبعد المحنة بعد اقترابْ
هيهات يُنْجِي من شطوط العذابْ **** إلاّ عبابٌ دافقٌ في عبابْ "1 " .. !
وهو يهيب بحبيبته، أن تدرك زورقه الجريح الذي عصفت به الأنواء والأمواج:
أدركي زورقي فقد عبث اليَمُّ (م) **** به والعواصفُ الهوجاءُ
والعُبابُ العريضُ والأفق الموحش (م) **** واللانهاية الخرساءُ "2"
وحين نتأمل موقف الشاعر (سعيد الصقلاوي) من الطبيعة، نراه يطور في ديوانه الثاني (أنت قدري) موقفه من الطبيعة، فنراه يمزج في بعض قصائده، تجربة الحب بموقف شمولي من الكون والطبيعة، وهو موقف يندمج فيه الشاعر مع الطبيعة اندماج الجزء بالكل، وتصبح الطبيعة عالمه النفسي والتصويري، ومن ثم تصبح مظاهرها صورا ورموزا ومعجما نابضا بالحياة لقصائده الغزلية، ومن شعره الذي يمثل ذلك التطور في ديوانه الثاني: قصيدة بعنوان " توقيع باللون الأحمر "، يقول فيها "3":
أعلنتُ هواكِ على الأطيار .. على النسماتْ
على النغمات .. على الوترِ
ورسمتُكِ فوق جناح الريح .. على عبق الريحانِ
على ورق الشجرِ
وهذا الموقف الشمولي من الطبيعة والكون، والأقرب إلى التوهج الصوفي،
ـــــــــــــــــ
1 ـ ديوان (الطائر الجريح) لناجي ـ ص 160 ـ من قصيدة بعنوان " رباعيات "
2 ـ ديوان ناجي ـ ص 56 ـ من ملحمة (السراب "1" ـ السراب في الصحراء) وانظر: دراسة بعنوان (البحر في شعر إبراهيم ناجي ـ بقلم نصري عطا الله ـ مجلة الهلال ـ عدد خاص عن أدب البحر ـ أغسطس 1972 ـ وانظر في صور البحر ومناجاته في شعر مدرسة أبولو: حوار مع قضايا الشعر المعاصر ـ ص 80 ـ إلى ص 85
3 ـ ديوان أنت قدري ـ ص 20 (1/97)
صفحة 98
قد يتخذ في بعض قصائده شكل تساؤلات فلسفية، على النحو الذي يلقانا في قصيدته (لماذا نحب) حيث يقول "1":
لماذا نفتّش بين
الخمائل تحت الشجرْ
نُحَلّقُ فوق النجومِ
ونسبر ضوء القمرْ
ونسأل همسَ النسيمِ
ونسأل عطر الزهرْ
ونبحث في نغماتِ
الطيور ولحن الوترْ
وفي كل ركن من الغاب
في السهل .. في المنحدرْ
****
عن امرأةٍ قد عشقنا
الوصول إليها كثيرا
وددنا لو أنا غشينا
هواها. وبثَّ العبيرا
وطفنا عوالم حب
بها الطهر ينثر نورا
بها الود خمرٌ تساقاه
روح الوجود حبورا
بها النور والظل والفن
يرسم حبا كبيرا .. !
****
ــــــــــــــــ
1 ـ المرجع السابق ـ ص 26، 27 (1/98)
صفحة 99
ونمضي نفكر فيها
كثيرا بعمق وصدق
يشردنا الوهم تيها
لأرحب أرحب أفقِ
ونحلم أنا ملكنا
هواها بدينٍ وحق
فتصرخ كل الجوارح
فينا بمليون عشقِ
تفيض به الروحُ كالنهر
يدفق في كل عرق
وتحملنا لهفة الشوق
والأمنيات إليها
على مركب الحلم والوهم
يرخى الشراع عليها
****
ثم .. ماذا بعد رحلة البحث المعذب .. عن هذا الحب الكبير .. أو (اليوتوبيا) المثالية، في متاهات الكون .. ماذا بعد رحلة البحث المعذب عن هذا الفردوس المفقود .. هذا هو المصير:
فتنفر دون اكتراث
وتختال كبرا وتيها
وتتركنا نُهبة السُّهد
والموجعاتِ الطوالِ
يمزقنا الشكُّ .. تسحقنا
سافياتُ الليالي .. !
فلا هِيَ تشعرُ فينا
ــــــــــــــــــ
1 ـ القصيدة نفسها ـ ص 29 ـ والضمير في قوله " فتنفر " عائد على كلمة " امرأة " فو قوله: عن امرأة قد عشقنا الوصول إليها " (1/99)
صفحة 100
ولا هي فينا تبالي
لماذا نحب إذن
كيف نلمس نصل الصقال
وندخل حربا ضحايا
رحاها القلوب الغوالي
لماذا .. لماذا نحب .. !
****
) ج) امتزاج تجربة الحب بتجربة الغربة: ـ
في حديثي عن الغربة في شعر (هلال العامري) تناولت مصادر الغربة التي قد يكون لها تأثيرها في شعره، ومن هذه المصادر ـ كما أوضحت ـ مصادر تراثية تبدو في اغتراب العذريين ـ مثلا في شعر مجنون بني عامر ـ ومصادر أوروبية ـ كالغربة في التيار الرومانتيكي، والغربة في المسرح المعاصر ـ وأوضحت في هذا المجال أن أهم مشكلة يتناولها كتاب المسرح المعاصر، مشكلة العالم المحاصر بالموت والغربة، فهم يرون أنهم يعيشون في جزر محاطة بالموت والعزلة، وكل الجزر التي تصلهم بالناس قد فجرت، ومن ثم فهم يعيشون معزولين عن الناس في عالم جحيمي، يعانون من الوحدة والألم والسأم "1" .. !
يضاف إلى هذه المصادر، مصدر آخر، ربما كان أهم هذه المصادر، ألا وهو: حياة المجتمع العماني المرتبطة دائما بالبحر، فللبحر والموج والشراع والرحيل والغربة، تأثير كبير في ماضي الشخصية العمانية وحاضرها، ولعل هذا المصدر الأخير هو أهم هذه المصادر المؤثرة في ارتباط تجربة الحب في شعر (سعيد الصقلاوي) بالغربة ـ أحيانا ـ في بعض قصائده، ومما يعزز هذا الاحتمال أننا نلمح في هذه القصائد، طابع الاعتزاز بالتاريخ العماني، وتراث الآباء والأجداد، ومن شعره في ذلك المجال، قوله في قصيدة " ترنيمة الأمل " التي نرى فيها أيضا اتخاذ الحبيبة رمزا للوطن "2":
ــــــــــــــــ
1 ـ انظر: المبحث الثالث من مباحث هذا الكتاب: "عن الغربة والحب في شعر هلال العامري"
وانظر: المدخل إلى النقد الأدبي الحديث ـ ص 578
2 ـ ديوان ترنيمة الأمل ـ ص 115 وما بعدها (1/100)
صفحة 101
من حولي .. الليل ظلال سوداء
تتكدس في صدري الأشياء
تغلغل في أغوار الأعماق
الذكرى توقد أشواقي
نار عطشى
إحراق يلهب إحراقي
والريح تبعثر أوراقي
****
أواه .. يا تعب الغرباء .. !
****
وقوله في قصيدة " أنت لي قدر " "1":
في بحر شعرك الجميل .. أُبْحِرُ
وروضُ خدِّكِ النضير أزهرُ
وهمسُ عينك الحنون أسفرُ
مسافِرٌ أنا .. وأنت لي قمرْ
وأنت لي هوى .. وأنت لي قدرْ
وشاطئ الأمانِ .. بهجة العمرْ
****
أجُولُ .. كالبحّارِ في إِحْساسِكِ
أصيرُ في هواكِ مثل الناسكِ
واشتقتُ أن أكون لغزا في ظنونكِ
****
(د) الصور والبيئة العمانية: ـ
وفي شعر سعيد الصقلاوي، تبرز ظاهرة تصويرية وتعبيرية، تكسب بعض قصائده، طابعا فنيا مميزا، وأعني بذلك: اهتمامه باستيحاء صوره من
ــــــــــــــــــــ
1 ـ ديوان أنت لي قدر ـ ص 97، 98 (1/101)
صفحة 102
البيئة العمانية، بما تحفل به من مناظر طبيعية، وتقاليد، وأزياء، واختياره بعض المصطلحات العمانية المحلية، التي لا يعرفها إلا أهل عمان، ولذلك نراه يضع لها تفسيرا في هوامش الديوان، وقد لاحظت بروز هذه الظاهرة التصويرية والتعبيرية في ديوانه الثاني، بينما نادرا ما نجدها في ديوانه الأول، وظاهرة استيحاء الصور الشعبية، والتعبيرات المحلية، من الظواهر التي اعتبرها بعض نقاد الشعر الحر، وعلى رأس هؤلاء النقاد، الذين أبرزوا هذه الظاهرة في الشعر الحر، وأشادوا بها، الناقدان: محمود العالم والدكتور عبد العظيم أنيس ـ في كتابهما الذي عنوانه " في الثقافة المصرية " "1".
ولقد استشهد هذا الفريق من النقاد بنماذج من الشعر الحر، التي توضح ذلك الطابع، ومنها: قصيدة " الملك لك " لصلاح عبد الصبور "2"، حيث نجد فيها هذه التعبيرات الشعبية المستمدة من أساطير وتقاليد البيئة المصرية " وتهتف أمي .. باسم النبي " " المصطبة " " وبالغول في قصره المارد " و " حورية في جوار السرير " " وبالسندباد وبالعاصفة " "3".
كما يستشهد ذلك البعض بقصيدة أخرى لعبد الرحمن الشرقاوي ـ نجد فيها رفاق الصبا يسألونه عن القصور التي رآها في القاهرة، فيجيبهم قائلا: " فقلت اسمعوا يا عيال .. القصر دار بحجم البلد " .. وذلك طبعا بعد أن يسألوه قائلين: " فقالوا القصور؟ وما هذه؟ فإنا لنجهلها .. يا ولد .. ! " "4".
ومن قصائد الشاعر سعيد الصقلاوي التي يتضح فيها ذلك الطابع الشعبي: قصيدة (ترجيع) والتي أرى أن الشاعر يتخذ فيها الحبيبة ـ أو المعشوقة السمراء رمزا للوطن "5".
ــــــــــــ
1 ـ نشر دار الفكر الجديد ـ بيروت 1955 م
2 ـ ديوان (الناس في بلادي) ص 74
3 ـ انظر: " حوار مع الشعر الحر " ص 56 وما بعدها ـ دكتور سعد دعيبس
4 ـ المرجع السابق ـ المكان نفسه
5 ـ ديوان أنت لي قدر ص 67، 68 (1/102)
صفحة 103
وأبعث مع هبوب (الكوس) آهاتي وشجوني
إلى من هز أحشائي هواها .. شق كناني .. !
وشاغلني صغيرا كنت .. شب اليوم نيراني
وألمح في الدجى (سنبوكنا) .. مازال منتظرا "1"
ومازال الهوى في صدره للبحر مستعرا
ينادي النواخذا لكنه قد غاب واندثرا "2"
(وأنجره) العظيم بحمسه الداء الخبيث سرى "3"
غلى لبته المجداف يبكي عمره الخضرا ..
يداعبه أبي .. والدهر خلى كفه حجرا ..
يجوس بطرفه الأيام باطنها وما ظهرا
هنا جدي هنا عمي وخالي عاد منتصرا .. !
ولنتأمل هذه الصورة الشعبية الجميلة لمواكب استقبال العائدين من رحلات البحار:
زهور الحب .. في جذل خرجن إِلَيْهِمُو زُمَرَا
بأثوابٍ مشى التاريخ في خيطانها عبرا
ويحملن المباخر فاح فيها المجدُ وانتشرا
يرجعن الأناشيد التي قد ماثلت زهرا
على أنغام (ميدان) و (دندان) سمت صُورا "4"
ولنتأمل أيضا هاتين الصورتين الشعبيتين الأخريين، وفي الأولى يتخيل ما يقرب المونولوج الداخلي، الذي يصور أعماق حبيبة ثائرة على القيود الرجعية:
دعوا بخوري حرة **** تضوعُ بالتوددِ
في صدرهِ وزندهِ **** وشالهِ المُنجدِ
ــــــــــــــــــ
1 ـ السنبوك: نوع من أنواع السفن العمانية
2 ـ النوخذا: ربان السفينة
3 ـ الأنجرة: مرساة السفينة (انظر هامش ص 67، 68 من ديوان أنت لي قدر)
4 ـ القصيدة السابقة نفسها ص 28، 29 (1/103)
صفحة 104
أميرة تحتله .. تتيه في تفردِ .. !
وعطر ثوبي الحرير ذلك المُهندِ .. !
يشتاقه في ألف موعد ودون موعد
خواتمي تهفو له .. وبدلتي .. ومعضدي
إني أحبه .. وكيف لا أحب مسعدي "1"
وفي الصورة الأخرى يقدم لنا صورة شعبية أخرى لملابس الفتاة العمانية، وحليها، وأدوات زينتها، وعطرها:
وفي خيوط ثوبك المذهب الإشراقْ
ورنة الخلخال فوق حجلك البراقْ
وحمرة الياقوت في شفاهك الرقاقْ
والكحل في عيونك النورية الأحداقْ
والطيب في ثيابك الصورية المذاقْ "2"
يعربد الهوى بها .. وتصرخ الأشواقْ "3"
وعلى الرغم من روعة هذه الصور الشعبية، وتميزها الفني، الذي يكسب الشعر خصوصية تقربه من الوجدان الشعبي، وتجعله معبرا عن ضمير الأمة، وحافظا لتراثها وتاريخها .. على الرغم من ذلك، فهناك خطر ماثل في استخدام بعض المصطلحات المحلية غير المعروفة في الأقطار العربية الأخرى، مثل (الكوس) و (السنبوك) و (النوخذا) و (الأبخرة) فهذه المصطلحات قد يكون لها وقعها المؤثر وجدانيا وتصويريا لدى القارئ العماني، ولكنها قد لا تعطي الإيحاء نفسه، أو الانطباع نفسه، لدى القارئ العربي في الأقطار العربية الأخرى، وقد تعوق التدفق الوجداني، والانسياب الفكري للقصيدة، حيث يضطر القارئ العربي ـ غير العماني ـ أن يتوقف للنظر في الهامش والبحث عن معنى هذا المصطلح أو ذاك .. وأيا كان الأمر،
ـــــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة " صحوة القمر " ص 80 (والخواتم والبدلة والمعصد: مصوغات عمانية) انظر ـ هامش ص 80 ـ من ذلك الديوان
2 ـ كلمة " الصورية " نسبة إلى مدينة (صور) بسلطنة عمان
3 ـ من قصيدة " أنت لي قدر " ص 99 ـ من ديوان (أنت لي قدر) (1/104)
صفحة 105
فهذه الظاهرة ظاهرة تختلف فيها وجهات نظر النقاد المعاصرين، ونحتاج إلى مناقشة موضوعية، ومراجعة جادة من الشعراء والنقاد وعلماء اللغة "1" .. !
(هـ) موسيقاه: بين التراث والمعاصرة: ـ
والشاعر سعيد الصقلاوي يمتاز بطابع الاعتدال في نظرته إلى موسيقى الشعر، فهو كشاعر معاصر، لم يندفع مع الحماسة الهوجاء لشعر التفعيلة، تلك الحماسة التي وصلت بذلك الشعر إلى القوالب النثرية الجافة .. !، ولم يندفع أيضا مع التطرف التقليدي الذي يعادي شعر التفعيلة، بل وقف موقفا يميل إلى الوسطية التي تستفيد من كلا التيارين، ونستطيع أن نجد ذلك الموقف واضحا في ديوانه الأول، كما هو واضح في ديوانه الثاني، ولكنه في كلا التيارين يحافظ يحافظ على أن يكون للإيقاع الموسيقى، دوره الملموس المؤثر في أدواته التشكيلية، إنه يحافظ على موسيقى الخليل بن أحمد، ولكنه يحاول ـ أحيانا ـ تطوير بعض أوزانها، ولعل أوضح مثال لذلك التطوير المعتدل، نجده ماثلا في قصيدته " إهداء " التي جاءت على وزن (المتدارك): فأبياتها في المقطع الأول تسير رباعية التفاعيل، ما عدا البيتين الأول والأخير، فهما خماسيا التفاعيل:
لكِ وحدكِ .. أنت أغني ياحُبِّي = خمس تفعيلات
ولغيركِ. ما نظرتْ عيني = أربع تفعيلات
ولغيرك ما سمعتْ أذني = أربع تفعيلات
وبحبِّكِ .. يا شمس الكون = أربع تفعيلات
صورت الدنيا في معنى فني "2" .. ! = خمس تفعيلات
وبعد هذا المقطع تسير المقاطع التالية على نظام رباعي التفاعيل، كما في المقطع الآتي:
ـــــــــــــ
1 ـ انظر: " حوار مع الشعر الحر " ص 56 ـ ص 59 ـ دكتور سعد دعيبس
2 ـ ديوان (أنت قدري) ص 7 (1/105)
صفحة 106
ولأجلكِ قد صُغتُ الشِّعْرَا
وعشقتُ على الشفق التبرا
من طِيبِكِ طَيّبِ العطرا
وبِحُسْنِكِ قدَّستُ السِّحرا
سافرتُ بأحلامي .. دهرا
وزرعتك في قلبي .. زهرا
وحملتك في نفسي .. فكرا
وجعلتكِ .. دُستوري الحرا
ونقشتُكِ في صدري .. ذكرى
ولكنه بعد هذا المقطع ومقطعين آخرين، يأتي بمقطع خماسي التفاعيل، على النحو الآتي:
أقسمتُ بحقكِ .. لا أرضى بسواكِ
لا أعزفُ لحنا في عمري .. إلاَّكِ .. !
لا أرسمُ حرفا ما فيهِ ذكراكِ .. !
وعيوني لا يشرق فيها غير سناكِ
وعروقي لا يهدر فيها غير هواكِ
وهوائي لا يتنفسُ غير شذاكِ
عنواني في كل الدنيا .. عيناكِ .. !
يا حرز حياتي النوراني .. وملاكي .. !
أما المقطع الأخير من القصيدة، فيتكون من بيتين، على نظام ثلاثي التفاعيل، ولكن التفعيلة ـ الثالثة ـ لم تجئ على وزن تفعيلات (المتدارك) وإنما جاءت على وزن (فَعِلاتُنْ):
فأنا لكِ منكِ .. أُغَنِّي .. !
وأنا لكِ .. أُهدي فَنِّي .. !
وهكذا جمع الشاعر في قصيدة واحدة بين التشكيل الخماسي والرباعي والثلاثي، على نحو التجديد الموسيقي الذي يقترب من النمط الذي نادت به (1/106)
صفحة 107
(نازك الملائكة) في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " "1" حين نادت بأن يجمع الشعر الحر بين وافي البحر ومجزوئه ومشطوره، وطبقت ذلك على قصيدتها " إلى العام الجديد " التي جاءت على تفعيلة بحر " الكامل ":
يا عامُ .. لا تقربْ مساكننا فنحن هنا طيوفْ
من عالمِ الأشباحِ .. ينكرنا البشرْ .. !
ويفرُّ منا الليلُ والماضي .. ويجهلنا القدرْ .. !
ونعيشُ أشباحا تطوفْ
نحن الذين نسيرُ .. لا ذكرى لنا
لا حُلْمَ .. لا أشواقَ تُشْرِقُ .. لا مُنَى
آفاقُ أعيننا رمادْ
تلك البحيراتُ الرواكدُ في الوجوهِ الصامتهْ
ولنا الجِباهُ السّاكِنَهْ
نحن العُراةُ من الشعور .. ذوو الشفاهِ الباهتهْ
الهاربون من الزمان إلى العدمْ
الجاهلون أسى الندمْ "2"
وفي كثير من قصائد الشاعر (الصقلاوي) نجد تنوع القافية، وهو تنوع يقترب أحيانا من قالب التنوع في قالب تراثي معروف، ألا وهو: الموشحات، ومن أمثلة ذلك قصيدته التي عنوانها " والله أهواك " التي يقول فيها " 3":
أهواكِ .. أهواكِ **** والقلبُ يرعاكِ
في العينِ سُكناكِ **** في النفسِ مرْسَاكِ
في الدمِّ مَجْرَاكِ **** في الروح مَرْسَاكِ
أهواكِ .. أهواكِ
******
ـــــــــــــــــ
1 ـ انظر هذا الكتاب ص 122 ـ ص 125
2 ـ ديوان (قرارة الموجة) لنازك الملائكة ـ طبع دار العلم للملايين ـ بيروت
3 ـ ديوان (أنت قدري) ص 61 ـ وما بعدها (1/107)
صفحة 108
من سِحْرِكِ العذبِ **** يا حبَّة القلبِ
شَرَّدْتِ لي لُبِّي **** في غمرةِ الحُبِّ
منكِ الهوى يسبي **** يا حلو مرآكِ
ما عشتُ أهواكِ
******
أفديكِ بالعُمْرِ **** يا من لها أمري
منكِ الشذى يسري **** يا بسمة الزهْرِ
في السر والجهر **** أشتاقُ نجواكِ .. !
أحيا بذكراكِ .. !
***
هذا لون من التطوير المتزن للقصيدة العربية الذي يحافظ على التواصل الفني بين أجيال القصيدة العربية في عصورها السابقة واللآحقة، ويحافظ على أهم مقوم من مقومات القصيدة العربية وهو الموسيقى، وأي تطوير لا يرتبط بالجذور التاريخية للأمة في أي مجال من مجالات الفكر والثقافة، محكوم عليه بالفشل ... !
إن التطور هنا امتداد لتطور الموشحة الأندلسية، وامتداد لتطور مدرسة الديوان، ومدرسة أبولو، ومدرسة المهجر، ومدرسة الرواد الأوائل للشعر الحر .. أيضا .. وليس امتدادا لتيار القوالب النثرية .. وقصائد المثلثات والمربعات .. وقصائد الغموض البعثي الذي يغلف بمتاهاته وسراديبه إنتاج بعض شعراء هذه الأيام، والذي لا يمكن أن يخلق أي انسجام فكري، أو شعوري، بين أفراد المجتمع، ما داموا عاجزين عن معايشة هذا الشعر وتذوقه، لأن شاعر الألغاز المعاصر، الذي يعود بنا إلى ألغاز عصر المماليك وأحاجيه وتأريخه بالشعر .. هذا الشاعر لا يقدم لنا، المفاتيح الفنية التي تفضي بنا إلى سراديب التجربة الشعرية، ومنحنيات الرموز المعقدة، وتركنا وحدنا في عتمة الضباب المفتعل، نحاول إضاعة الوقت في حل ألغازه المماليكية .. ، وخوائه الفكري .. والفني أيضا .. ! (1/108)
صفحة 109
المبحث الخامس
(مع شعراء الشباب بجامعة السلطان قابوس)
عاصم السعيدي
بين
المعارضة التراثية
والرؤية الرومانسية
حين أتحدث عن البدايات الأولى لحركة الإبداع لدى طلاب جامعة السلطان قابوس، فقد يبدو الأمر سهلا، إذ أن الجامعة قد بدأت مسيرتها العلمية والثقافية منذ ثلاثة أعوام، ولكن الأمر يختلف حين يرتبط الحديث بمولد تيارات ثقافية وأدبية ضاربة بجذورها في ضمير الأمة وتاريخها وتراثها، ومؤثرة في حاضرها، ومبشرة بمستقبلها، فكثير من هؤلاء الشباب المبدعين، لم تولد مواهبهم مع بداية الجامعة، وإنما ولدت هذه المواهب معهم يوم ولدوا، وأعلنت عن نفسها بين الحين والحين في مراحل دراستهم الإعدادية والثانوية، وإذا كان للجامعة من فضل عليهم، فذلك الفضل يرجع إلى المناخ العلمي والثقافي في الجامعة، فالجامعة قبل أن تكون محاضرات ومقررات، هي أيضا ـ وفي المقام الأول ـ منهج للفكر، ورؤية جديدة للوجود والكون والحياة والمجتمع، وحوار دائم بين المناهج والأفكار، وتفاعل خلاق بين التيارات الفكرية والاتجاهات الثقافية، ومن ثم .. فلا عجب إذ تهيأ للمبدعين في مجالي: الشعر والقصة وغيرهما، مناخ يرحب بالمواهب الجديدة، ويصقلها، من خلال الاجتماعات التنظيمية للجماعات الثقافية، والندوات والأمسيات الشعرية والقصصية، وحفلات الأعياد القومية والمناسبات الدينية، وغيرها ..
لقد بدأت أولى الابداعات الأدبية، مع إشراقة الحياة الجامعية .. ولدت مع جماعة " الخليل بن أحمد " مشمولة بالرعاية الكريمة من عمادة شؤون الطلاب، وكان لها شرف الأبوة الروحية لها، وانضم إليها طلاب عديدون من مختلف الكليات، برزت مواهب كثير منهم في الأمسيات الشعرية والقصصية، وآن لها أن نقف من هذه المواهب موقف دراسة ونقد .. موقف مراجعة لمسيرة ذلك الإبداع الأدبي لدى طلاب الجامعة، وقد آثرت أن أبدأ هذه المجموعة من الدراسات بالطالب الشاعر: (عاصم السعيدي) الطالبة بكلية الهندسة:
إذا كانت مرحلة الطفولة، هي مرحلة الإرهاصات الأولى للإبداع الفني والأدبي، فقد كانت هذه المرحلة بالنسبة لعاصم السعيدي من أكبر العوامل (1/109)
صفحة 110
التي فجرت في أعماقه النبع الأول لأحزان الرومانتيكية ـ أو (الهروبية) ـ كما أوثر أن أسميها ـ بقلقها وانطوائها، واغترابها في الزمان والمكان، وهروبها من عالم الواقع الزائف ـ في نظرها ـ إلى عالم البراءة والحلم .. والنقاء والطهر .. عالم المدن الفاضلة المثالية .. !
فقد ولد ذلك الشاعر عام 1968، في بيئة غنية بمناظر الطبيعة الساحرة .. في قرية عمانية صغيرة، تسمى (قلعة بني سعيد) في قلب سلسلة من جبال الحجر الغربي، وهي قرية رائعة الجمال بها أفلاج ونخيل، تلتقي بها الجبال بالأفلاج، لتقدم للشاعر لوحة رائعة لبراءة الفطرة النقية، وصفاء الأرض حين يلتقي بصفاء السماء .. !
ولكن الطفل الحالم .. لا يسعد في طفولته بهذه البيئة الفياضة بحنان الأم وحنان الطبيعة .. بل يتجرع الغربة وآلام الضياع، حين يرحل مع أبيه، وهو في الخامسة من عمره إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ليلتحق بإحدى مدارسها، نظرا لصعوبة التعليم في عمان قبل النهضة المباركة "1".
وهكذا بدأت رحلة الغربة والضياع في حياة ذلك الشاعر منذ الخامسة من عمره ... حين نشأ بعيدا عن حنان الأم ومهد صباه الحبيب في قريته الصغيرة الحالمة .. وافتقد الكثير من الرعاية والحب .. بينما كان في أمس الحاجة إليهما.!
ـــــــــــــــــــــــــ
1 ـ من مذكرات مخطوطة للطالب الشاعر: عاصم السعيدي (1/110)
صفحة 111
ولقد وضعه والده في القسم الداخلي بإحدى المدارس في دولة الإمارات العربية المتحدة، لعدم وجود منزل للأسرة في البلد الذي كانا يقيمان به ..
ومن ثم كان يقضي العام كله بين فصول الدراسة، وكانت إقامته بالقسم الداخلي إقامة أقرب إلى العزلة الحزينة .. حيث لا تكتحل عيناه طوال العام برؤية أمه الحنون، أو رؤية أحد من أهله ..
وسنرى بعد ذلك أن أحزان اغترابه، وهو طفل بدولة الإمارات، كانت أهم الروافد التي أثرت في تجربة الغربة في شعره .. بالإضافة إلى طبيعته الانطوائية القلقة، وقراء ته العديدة من روائع الشعر الرومانتيكي ذي الطابع الهروبي، فقد تأثر تأثرا شديدا ـ كما يقول ـ وكما يتضح في إبداعه الشعري، بشعراء المهجر الأمريكي، وعلى الأخص: تلك القصائد التي تفيض بالقلق والحزن والتأمل، لجبران، وإيليا أبي ماضي، كما تأثر بشعراء رومانتيكيين آخرين كأبي القاسم الشابي والدكتور إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه .. وكلهم من أعلام الشعر الرومانتيكي العربي الحديث .. ولعل أهم شاعرين معاصرين أثرا فيه تأثيرا شديدا، هما: عمر أبو ريشة، ونزار قباني ـ الذي يسميه (شاعر القرن العشرين) ..
ولكن هذه المؤثرات الرومانسية لم تنفرد بشخصية ذلك الشاب، فقد أتيحت له في المرحلتين: الإعدادية والثانوية، بعض القراء ات التراثية التي كان لها أيضا تأثيرها في إبداعه الشعري، وهو يعترف في مذكراته، بأن أول ديوان شعر قد امتلكه، كان ديوان عنترة بن شداد، وقد قرأه مرات عديدة وهو في الصف الثاني الإعدادي، وحفظ معظم قصائده عن ظهر قلب، كما حفظ الكثير من أبيات المعلقات، وعشق شعر المتنبي ـ حسب تعبيره ـ عشقا شديدا، وحفظ المئات من حكمه الشعرية، ولا عجب إذن إذا وجدنا أن ظاهرة المعارضات التراثية من أبرز الظواهر الفنية في شعر (عاصم السعيدي). (1/111)
صفحة 112
نحن ـ إذن ـ أمام اتجاه شعري مميز، تلغى فيه الحدود بين المذاهب الأدبية، ويلتقي في نهره أكثر من رافد ومنبع، وأكثر من تيار واتجاه، و
يمكن أن نوجز هذا اللون من الشاعرية الذي يصادفنا أحيانا في الشعر العربي الحديث، والذي يصادفنا أيضا في شعر الطالب (عاصم السعيدي) بأنه مزيج متكامل من التراثية والرومانسية، حيث تلتقي المعارضات التراثية المتأثرة بروائع الثراث، بالرؤية الرومانسية الهروبية للكون والوجود والحياة .. ولنبدأ بظاهرة: ـ
(أ) المعارضات التراثية: ـ
من الطبيعي لشاعر يبدأ مسيرته الشعرية، أن يبحث في أعماق نفسه، وفي البيئة الثقافية من حوله، وعبر قراء اته المستمرة في الشعر قديمه وحديثه، عن النموذج الشعري المفضل لديه، أو لنقل: عن المثل الشعري الأعلى الذي يأسر لبه ووجدانه حين يقترب من عالمه، وما من شاعر في الماضي أوالحاضر إلا وكان له أب روحي هام بشعره، وتتلمذ عليه، أو ـ على الأقل ـ تأثر به في مرحلة ما من مراحل إبداعه .. ولا تصدقوا خرافة: (جيل .. بلا آباء) و (جيل بلا أساتذة) لا يصدق ذلك على الشعراء القدامى فقط، بل يصدق أيضا على شعراء الحداثة المعاصرين، وهاهو ذا الشاعر صلاح عبد الصبور ـ أحد رواد التجديد المعاصر ـ يعترف بذلك قائلا "1":
" وقد حاكيت الشعر أول ما حاولته محاكاة للنماذج التي أحببتها، وعندي قدر لا بأس به حاكيت فيه المتنبي، وقدر آخر حاكيت فيه أبا العلاء، ثم قدر آخر حاكيت فيه بعض الشعراء المعاصرين كإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل، ولكن رغم إعجابي بهؤلاء الشعراء الأربعة، توقفت فترة من الزمن، لأسأل نفسي: ما الشعر؟ وقد وجدت أن كلا منهم قد أجاب على جانب من سؤالي، وكان توقفي إثر قراءة بعض النماذج فقد قرأت
ـــــــــــــــــــ
1 ـ مجلة الآداب (البيروتية) عدد مارس 1966، ص 8 (1/112)
صفحة 113
(ريلكه) في ترجمة إنجليزية، وقادني الصديق بدر الديب، والصديق عبد الغفار مكاري إلى شعر (إليوت) وقصص (كافكا) ..
ومن الطريف أن معارضات (صلاح عبد الصبور) تتخذ لها مجالا آخر في عالم المعارضات، حيث نراه أحيانا ـ يعارض بعض قصائد لشعراء أوروبيين، ومن ذلك معارضته (لإليوت) بإحدى قصائد ديوانه (الناس في بلادي) وهي قصيدة " المُلك لك " التي يعارض فيها قصيدة (إليوت) التي عنوانها " الرجل الجوف The Hollo men " وإن كان ذلك اللون من المعارضات للشعر الأوروبي، لم يمنعه من معارضاته للجوانب الخصبة في التراث العربي ـ كما يتجلى في قصيدة " مذكرات الصوفي بشر الحافي " "1".
وحسبنا أن نشير في هذا المجال لإبراز الجوانب الخصبة في شعر المعارضات ـ مخالفين في ذلك الغالبية من النقاد والمعارضين الذين يهاجمون المعارضات ـ بدعوى كراهيتهم للتقليد ـ حسبنا أن نشير إلى مثل واحد نقدمه من شعر (أبي الحسن علي بن عبد المغني الحصري) ـ أحد شعراء القيروان ـ وصاحب قصيدة (يا ليل الصب .. متى غده .. ؟) لقد أرسل لي أحد الأصدقاء التونسيين، وهو أيضا أحد كتاب تونس البارزين، الأستاذ محمد الصادق عبد اللطيف، دراسة له عن هذه القصيدة، وقد أثبت فيها أن عدد الشعراء الذين عارضوا هذه القصيدة قديما وحديثا قد بلغ المائة، ومعظم هؤلاء المعارضين هم من أعلام الشعراء العرب، ممن طبقت أسماؤهم الآفاق، ويذكر صاحب الدراسة منهم: (ابن الأبار) صاحب " تكملة الصلة " ـ لابن بشكوال ـ وإسماعيل الزبيدي اليماني، شمس الرئيسي الحسيني الشهير بالحصري الدمشقي، ومصطفى خريف، وأبو القاسم الشابي، ومحمود بيرم التونسي، وأحمد شوقي، وإسماعيل صبرى باشا، ومحمود رمزي نظيم، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وفوزي المعلوف، وخير الدين الزركلي،
ـــــــــــــــــ
1 ـ انظر هذه القصيدة في ديوانه (أحلام الفارس القديم) ص 97 (1/113)
صفحة 114
والزهاوي .. إلخ " 1 "
وحين نتأمل ظاهرة المعارضات التراثية في شعر (عاصم السعيدي)، سنجد نموذجا جيدا للمعارضات التي تستلهم الأصل، وتتعمق أسرار جماله، ولكنها .. بعد ذلك تعيده إلى عالمها الخاص، وتذيبه في مكوناتها النفسية والوجدانية والثقافية، لتخرج منه بعد ذلك إبداعا فنيا ينم عن خصوصية متميزة، لها مذاقها الخاص، وهمومها الخاصة .. وعالمها المفرد (1/114)
صفحة 115
استطاع الشاعر أن يقدم هذه المأساة، من خلال مجموعة من اللوحات التصويرية المتتابعة في بساطة تعبيرية أخاذة، أقرب إلى براءة الطفولة ونقائها، معتمدا على بناء درامي، يقدم رؤية الشاعر للمأساة، من خلال بعض الأحداث المرسومة المتتابعة، ومعتمدا أيضا على مجموعة من الشخصيات، هي الشاعر والجد والأم، بالإضافة إلى شخصيات أخرى .. هي شخصيات أطفال القرية وشخصية المذيع ..
ولنتأمل تتابع الأحداث حتى بلوغ ذروة التعقيد المأساوي في هذه القصيدة، في قوله:
حقا .. أيا وطنا تبكي مآذنه **** يوما ستعرفني .. يوما ستلقاني
أم أنه حلم .. لقياك يا وطني **** وسوف أبقى طريدا .. دون أوطان
مذ كنت طفلا .. وأحلامي تراودني **** أن ألتقي مع أحبابي وخلاني.!
وكم سمعت بأن القدس قد رجعت **** فرحت أنشد للأضواء ألحاني.!
وسرت .. أخبر أمي .. قدسنا رجعت **** يا أم .. فلتطفئي ناري وأحزاني.!
وسرت. أخبر جدي. كي أبشره **** لكي يقليني من صدره ألحاني.!
أخبرت جيراننا .. أخبرت قريتنا **** عادت فلسطين .. يا أهلي وجيراني ... !
قمنا مع الفجر .. أعدنا حقائبنا **** والشمس ترقص .. في شعري وألحاني!
***
لكن صوتا ... من المذياع .. أيقظنا **** ناموا .. فقدسكم في كف شيطان.!
ثم .. لنتأمل روعة تصوير شخصيات أطفال القرية، حين سمعوا صوت المذياع يذيع أنباء المأساة .. بأسلوب ساخر (ناموا فقدسكمو في كف شيطان):
الله .. كم ذبحوا أحلام فرحتنا **** فالدمع فاض .. كنهر بين وديان
الله .. يا وجه أمي .. كيف مزقه **** دمع الأسى .. فبكى في صمت إيمان.! (1/115)
صفحة 116
وهزني صمت جدي .. مثل مقبرة **** فيها شهيدٌ دفينٌ .. دون أكفانِ.!
وكيف مزقني أطفال قريتنا **** لما بكوا .. فلعنت الغاصب الجاني.!
وهذا الشاعر ـ بالرغم من أحزانه العميقة ـ يمتلك أسلوبا ساخرا لاذعا يستعين به على تعميق أبعاد المأساة:
مذ كنت طفلا .. وأحلامي تراودني **** أن ألتقي مع أحبابي وخلاني.!
قالوا .. وقالوا بأن القدس قد رجعتْ **** وألفوا قصصا من نسج بهتانِ.!
واليومَ .. أسألُ .. أين القدسُ .. شاعرَنا **** فأنتَ مثلي طريدٌ دون أوطان .. !
مذ كنت طفلا .. ووصلُ القدس تحلمه **** وكم خُدِعتْ بتصريحٍ وإعلانِ.!
قُلْ لِي .. إِلاَمَ ستبقى كل قوتنا **** يوما .. ستعرفني .. يوما ستلقاني .. !
***
من عهد جدي .. رجوعُ القدس نحلمه **** أنا .. وجدي .. وعند الموت أوصاني
قد قال لي .. ستلاقي القدسَ يا ولدي **** وعندها .. يا فتىً .. إياك تنساني
ومات جدي .. ولا يدري بما صنعتْ **** أيديهُمُ .. في أزاهيري وبستاني.!
قد مات جدي .. وأحلام الصبا دُفِنَتْ **** في القبر .. واختنقتْ أحلامُ إنسانِ.!
ودمع أمي همي، تبكي لفرقته **** تبكي لجدي .. وتبكي قدسنا الفاني.!
تقولُ .. أيهما يوما سندركهُ **** جد حزين .. مضى للعالم الثاني
أَمْ نُدْرِكَ القدسَ .. أرضُ الحُبِّ يا ولدي **** فمنظرُ القدس في الأغلال أبكاني.!
***
واللهِ .. يا أُمُّ .. لا أدري فَوَا أَسَفِي **** أبكي على القُدسِ .. أم أبكي لأشجاني!
أما المثال الآخر للمعارضات في شعر (عاصم السعيدي) فيبدو في قصيدته التي عنوانها (إلى فلسطين) ومطلعها:
على كاهِلِ الأيامِ يمضي بي الدهرُ **** وأقهرُ أحزاني .. فيقهرني القهرُ "1"
ـــــــــــــــــ
1 ـ إحدى قصائد الديوان التي لم تنشر بعد (1/116)
صفحة 117
وهو يعارض بها قصيدة للشاعر العباسي (أبو فراس الحمداني) وهي إحدى روائع أبي فراس، ومطلعها:
" أراك عصِيَّ الدمعَ شيمتُكَ الصَّبْرُ .. إلخ البيت "
وحين نتأمل قصيدة (عاصم السعيدي) سنرى أنها لم تلتق مع قصيدة أبي فراس إلا في الوزن والقافية، فكلاهما من بحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) ـ وعلى الرغم من تنوع الأوزان في قصيدة (عاصم) فإن معظم أبيات قصيدته جاء على وزن " الطويل ".
وإذا تجاوزنا هذا الاتفاق في الوزن والقافية، سنجد أن " عاصما " يشق لتياره الشعري، مجرى خاصا به، في الموضوع والفكر والبناء التصويري، فهو هنا يواصل مسيرته مع مأساة فلسطين التي بدأها في القصيدة السابقة: هيامٌ بحب فلسطين، وبكاء غاضب ساخط على محتليها وغاصبيها، ودعوة إلى الإنسان العربي المسلم لكي يتحول من ظاهرة صوتية إلى ظاهرة فعلية، حيث تصبح الكلمة لديه موقفا .. ! وبحيث تلغى تلك الثنائية بين الإنسان والكلمة، والإنسان والموقف .. ! بين الوردة .. والسيف .. والصلاة .. والمدفع .. !
في أسلوب تصويري يعتمد على المفارقة الشعرية، والسخرية اللاذعة يقدم (عاصم السعيدي) لوحته عن مأساة فلسطين، وهي مأساة يقوم الصراع فيها بين ازدواجيات متضادة .. بين الحب الشديد، والكراهية العنيفة، بين الشوق الشديد إلى الفعل الإيجابي .. ، والعجز الصامت السلبي، بين: الحق الأعزل، والباطل المددج بالسلاح، بين: الكلمات السرابية الوهمية، والكلمات المشرقة بنور الحق والقرآن .. !
ولنقدم نماذج من هذه الازدواجيات المتضادة: (1/117)
صفحة 118
(أ)
على كاهلِ الأيام .. يمضي بِيَ الدهرُ **** وأقهر أحزاني فيقهرني القهرُ
وأكتم آهاتي .. فيفضحني الكرَى **** وإن قلتُ: صبرًا مَلَّ من صبريَ الصَّبْرُ
وأُرْسِلُ أشعاري بوحيِ تأَمُّلِي **** وبعد سنين عادَ أدْراجَهُ الشِّعْرُ
(ب)
إِلاَمَ سنبقى .. كالدخان مشتتا **** تفرقنا النُّعمى ويجمعنا الذُّعْرُ
وقرآننا أمسى أغاريدَ مُنْشِدٍ **** نردده لفظا .. وأعماقنا صخْرُ .. !
وتبقى فلسطين الحبيبة ملعبا **** لغَدْرِ أُناسٍ .. كُلُّ شيمتهم غَدْرٌ
(ج)
عنيتُ بقولي .. يا شباب عروبتي **** بأنا أُناسٌ حطَّ من قدرنا القدرُ
وأنَّا أُناسٌ لا تكِرُّ خيولهم **** إذا كرَّتِ الفرسانُ وانتهك السّتْرُ
لنا أن نقول الشعر في كل مشهد **** فصولتنا شعرٌ وجولتُنا شعرُ
على مثلنا ماتتْ حضاراتُ أهلنا **** وأمجاد أهل العرب قد ضمها القبرُ.!
سُلِبْنا أراضينا .. وكل عزائنا **** كل لسانٍ .. ملَّ من ذكرهِ الذِّكْرُ.!
كلامٌ به تحيا القضايا يتيمةً **** وفي ظله ماتت عروستنا البِكْرُ.!
فليت قوافينا تسيرُ سفائنًا **** وليت بحور الشعر ثار بها بحرُ.!
لنعْبُرَ نحو القدسِ والكل شاهِدٌ **** وراياتنا القرآن والبيضُ والسُّمْرُ.!
والشاعر في هذه القصيدة يركز دعوته إلى اقتران الكلمة العربية بالفعل العربي، تركيزا قويا معتمدا على قالب تراثي، هو: قالب الحكمة التي تمتزج فيها الفكرة بالعاطفة في صورة قصيرة سريعة خاطفة، قوية الإيحاء، وهو في هذه الحكم متأثر ـ بحد ما ـ بأبي فراس الحمداني، كما يتضح في قوله: (1/118)
صفحة 119
فلا اخضرت الدنيا .. ولا هطل الحيا **** ولا طابت النُّعمى ولا غَرَّدَ الطيرُ
ولا الخيرُ مع أهل الخيانة نافعٌ **** وعند أهالي الخيرِ لا ينفعُ الشَرُّ
ولا الصبرُ تحت السَّيْفِ يُجدي لصابرٍ **** لَكَمُ صابرٍ في الذُلِّ حطَّمَهُ الصبرُ
ومن سار فوق الشوك جرَّحَ رِجْلَهُ **** ومن سَلَّ سيف الضُّرِ حطمهُ الضُّرُّ
ومن ينتصر بالغيرِ قلَّ عزاؤُهُ **** إذا كنت في ضعفٍ فلن يُقْدِمَ النَّصْرُ
وإن لم يكن للسيف من ينثني به **** يُقطِّعُ أعناقا خصائلها الغدرُ
فلا ترتجوا نصرا ولو كان جيشكم **** بِعَدِّ رمالِ البَيْدِ، مغنمكم صِفْرُ
وجدير بالذكر أن هذه القصيدة، على الرغم من انتمائها إلى عالم المعارضات التراثية فإنها تنتمي أيضا إلى عالم التجديد المعاصر، فيما يتصل بالموسيقى، حيث تعددت فيها الأوزان: وزن " الطويل " في مثل قوله:
على كاهلِ الأيام يمضي بي الدهرُ **** وأقهرُ أحزاني فيقهرني القهرُ.!
ووزن " الكامل " في مثل قوله:
أنا ما عشقت الغادةَ الوَسْنَى **** ولا من تاهَ في ألحاظها السُّكْرُ
ووزن " الوافر " في مثل قوله:
سأبقى أعشق الأقصى **** أقول الشعر في الأقصى .. ولا فَخْرُ
وعلى الرغم من أن معظم أبيات هذه القصيدة من بحر " الطويل " فإن ظاهرة المزج بين عدة بحور من الشعر في قصيدة واحدة، كانت من أبرز الظواهر التجديدية التي نادى بها دعاة التجديد في الشعر العربي الحديث، بدء ا بالأبيات الأربعة التي أوردها (أحمد فارس الشدياق) (1804 ـ 1888) (1/119)
صفحة 120
في كتابه (الساق على الساق) كجانب من محاولته كتاب الشعر في نظم غير مقفى من بحور مختلفة "1".
ومرورا بخليل مطران الذي حاول استخدام أشكال وبحور مختلفة، كما فعل عام 1905 في قصيدته " نفحة الزهر " إذ قسمها إلى خمسة أجزاء، واستخدم نوعين من المقطوعات، كما استخدم الوزن والقافية الموحدتين، منوعا بين "الرمل" ومجزوء "الكامل" "2".
ومعه أيضا: الدكتور أحمد زكي أبو شادي الذي كتب نموذج الشعر الحر بتأثير من الشعر الأمريكي، وهو قائم على مبدأ تجميع بحور مختلفة في قصيدة واحدة، وتغيير الوزن في القصيدة الواحدة تبعا لمتطلبات التجربة الشعرية "3".
ثم .. وانتهاء بحركة الشعر الحر التي سارت بخطى حثيثة في هذا المجال.
وإذا كان لي أن أضيف دفاعا عن ظاهرة المعارضات لدى الشاعر الشاب عاصم السعيدي، ولدى آبائه من التراثيين القدامى والحداثيين، بالإضافة إلى ما قلته سابقا، فإني أرى أن مقياس نجاح الشاعر في هذه الظاهرة الفنية، إنما يعود إلى أصالة الشاعر الذي يستلهم هذه الظاهرة، ومدى قدرته أن يبدع من خامة الأصل الذي يعارضه، أثرا جديدا له مذاقه الخاص، وكأنما خلقه خلقا جديدا، وجعل له تمثالا من نفسه وحياته، وأصبح مبتكرا في التجربة التي عارضها، كما يبتكر الممثل في انتحال أدواره وأبطاله، فهو فنان خالق في اتباعه، كما يكون المرء فنانا خالصا في ابتداعه، وفرق بين هذا اللون من المعارضة التي لا تلغي شخصية المعارض، وتقليد العاجز المتكلف الذي يظلع
ـــــــــــــــــ
1 ـ انظر كتاب (حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث) ص 21، ص 22
2 ـ المرجع السابق ص 73
3 ـ المرجع نفسه ـ انظر: هامش ص 22، وانظر ديوان: (الشفق الباكي) للدكتور / أحمد زكي أبو شادي ص 53 (1/120)
صفحة 121
في آثار القادرين بغير أداة المعارضة والمجاراة "1" .. !
(ب) الرؤية الرومانتيكية في شعر عاصم السعيدي:
أشرت ـ سابقا ـ (في الجزء الأول من دراستي عن عاصم السعيدي) إلى أن شاعرية ذلك الشاعر، تقوم على دعامتين أساسيتين، ألا وهما:
(1) المعارضة التراثية
(2) والرؤية الرومانسية "2" للكون والوجود
وآن لنا الآن ـ بعد أن تناولنا ظاهرة المعارضات التراثية في شعره ـ أن تناول الدعامة الثانية، وهي: الرؤية الرومانسية للوجود والكون والحياة والمجتمع ـ كما تبدو في شعره، وقد أشرت في تمهيدي لهذه الدراسة (في الجزء الأول منها) إلى العوامل التي أثرت في ذلك الشاعر إبان مرحلتي الطفولة والشباب .. حيث عاش طفولة حزينة، عانى فيها الغربة والحرمان من حنان الأم .. بعيدا عن مهد صباه الحبيب في قريته الجميلة الحالمة .. ! وحيث أكثر في مرحلتي الدراسة الإعدادية والثانوية من قراء اته في روائع الشعر الرومانتيكي العربي الحديث، وحفظ الكثير من روائعه .. ! وكان لا بد لهذه المؤثرات أن توجه شراع ذلك الشاعر الشاب إلى تيارات الرومانسية الحائرة المعذبة، الحزينة الباكية، المغتربة في مجتمعها، الباحثة عن (يوتوبيات) المدن الفاضلة، كما تبدو في الطبيعة الشاحبة، والغربة المنطوية، والتأملات السابحة في عالم ما وراء الحياة .. !
ويكاد (عاصم السعيدي) يجسد لنا في كثير من قصائده ملامح الشخصية الرومانتيكية التي تتسم بما يأتي:
ــــــــــــــــ
1 ـ انظر: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص 121 وما بعدها ـ لعباس العقاد، وانظر الغزل في الشعر العربي الحديث ـ دكتور سعيد دعيبس ـ ص 126 ومابعدها
2 ـ أعني ـ كما أشرت سابقا ـ الرؤية الهروبية للكون والوجود ـ راجع: رفضي لمصطلح الرومانتيكية في كتاب (حوار في قضايا الشعر المعاصر) نشر دار الفكر العربي بالقاهرة ص 53 ـ ص 99. (1/121)
صفحة 122
(أ) القلق الحائر، وعدم الرضا بالحياة .. !
(ب) الحزن الذي يغلب على النفس في كل حال، دون أن يجد له الإنسان سببا، ولهذا يعتصم الرومانتيكييون من الواقع بالانطواء على نفوسهم، ونشد أعلى مثل لهم هو الجمال.
(ج) والرومانتيكي غريب في عصره بشعوره وإحساسه، لأنه يحس بالتفرد والعبقرية .. ! ولذا فالألم والدموع علاج لنفسه المرهفة المتفردة، إنه يحب الحياة الغامضة، ويضيق ذرعا بالأشياء الثابتة المستقرة "1" .. !
ومن هنا فهو مغترب زمانيا ومكانيا، ويحار المرء في ذلك الاستسلام العجيب للأسى المبرح الماثل في الأدب الرومانتيكي .. إنهم يحسون بنوع من اللذة المروعة أشبه بتلك اللذة الدامية التي يجدها المجروح إذا أثار جرحه المندمل "2" .. ها هو ذا بطل رومانتيكي يصوره " شاتوبريان " يفتخر بآلامه، ويرى أن سعادته في شقائه ": ‘ La joie d’etre malheureux ‘
يقول ذلك البطل: " كنت أجد نوعا من اللذة الغامضة في حزني المروع المبرح، ويتراءى لي في حزني حركة غامضة مبهمة توحي بالسعادة، ذلك لأن الألم ليس إلا لذة ".
(د) والرومانتيكي يريد أن يترك الحياة عمدا لو لم تربطه بها صلة: " لقد كنت أريد أن أترك هذا العالم قبل إذن الواحد القهار، ولكن كنت أدرك أن هذا جريمة عظيمة ".
ومن العجيب أنني لم تعد لدي رغبة في الموت منذ أصبحت شقيا
ـــــــــــــــــــــ
1 ـ الرومانتيكية ـ للدكتور محمد غنيمي هلال ـ ص 36 ـ ص 48
2 ـ انظر كتاب (تيارات أدبية بين الشرق والغرب " للدكتور إبراهيم سلامة ـ ص 302 (1/122)
صفحة 123
بائسا، لقد غدت أحزاني الشغل الشاغل الذي يملأ لحظات حياتي "1".
وحين نتأمل كثيرا من قصائد (عاصم السعيدي) نجدها تصور شخصية أقرب إلى هذه الملامح الرومانسية السابقة، فعاصم ـ كما يبدو في هيئته القلقة المتسمة بغير قليل من الانطوائية والحيرة، والحزن الغامض، وكما يبدو في شعره، يجسد هذه الملامح تجسيدا قويا، ففي شعره أكثر من قصيدة تتراءى فيها أحزان الغربة والعزلة والرحيل والنفي الدائمين .. !
هذه الغربة الانطوائية القاسية تبدو ـ مثلا ـ في قصيدته (عودة إلى الموت)، والتي يقول فيها:
عُدْتُ وحدي .. صامتًا .. كالبحرِ .. أَخْفَاهُ المساءْ .. !
خاشِعًا .. كالكوكب الناسك .. في جوفِ السماءْ .. !
وعلى عينيَّ أمواجٌ من الدمعِ .. كأمواج الضياءْ .. !
فطوتني غرفتي .. كالقبر .. ضيقا وعناء .. !
وعلى نافذتي .. نامت حماماتٌ .. وماتت كبرياء .. !
فأنا الآن .. وحيدٌ .. وعلى عينيَّ شيءٌ من رثاءْ .. !
يتهاوى العالمُ الضاحِكُ بيْتًا من شقاء .. !
فيه أسلمتُ إلى الليل بقايا .. جثةٍ تأبى البقاء .. !
****
آهٍ .. يا طفلا يتيما .. نام من غير عشاءْ "3" .. !
وفي قصيدة (القصة التي ضاعت .. !) يواصل تصوير إحساسه بالغربة والرحيل فيقول:
ــــــــــــــــ
1 ـ Chateaubriand : Rene - P . 71 - Larousse 1966
2 ـ استخدم الشاعر في هذه القصيدة بمجزوء الرمل رباعيا، مرة، وخماسيا مرة أخرى، والقصيدة من مخطوطات ديوانه الذي لم ينشر بعد (1/123)
صفحة 124
وأسأل نفسي .. إلاَمَ الرحيل **** إِلاَمَ سأبقى طريداً مُسافرْ؟
هذه الغربة الدائمة .. وهذا النفي الأبدي .. هما محصلتان لذلك القلق الرومانسي الذي يعصف بالشاعر، ويجعله يصرخ في قصيدة أخرى، هي قصيدة (لحظة الوداع) حيث يقول:
مُرْهَقٌ قلبي .. كموجٍ حائِرٍ **** مُوغِلٌ في البحرِ .. ماضٍ للعدمْ.!
آهٍ .. لو أغمضُ عيني ساعةً **** فأنا من ألفِ عامٍ .. لم أنَمْ.!
كيف أغفو .. وغدي يحملني **** لديارٍ .. حزنها .. دون حدودْ.!
راحلٌ من غير زادٍ صامتٌ **** رغم إدراكي بأني .. لن أعودْ.!
هذه الأبيات تذكرنا بالشاعر الفرنسي ‘لامارتين ـ Lamartine ‘
هو يتوجع في منفى عزلته التي اختارها لنفسه، صارخا في إحدى قصائده، وهي قصيدة:
(العزلة L’isolement) " ترى لماذا أظل في أرض المنفى .. وليس بيني وبين هذا العالم أي رابطة أو صلة "1" .. ؟؟ ".
كما تذكرنا بأكثر من صرخة للدكتور إبراهيم ناجي وأبي القاسم الشابي وعلي محمود طه، في هذا المجال: أي: مجال الغربة والنفي الفكري والعاطفي، وقد تأثر (ناجي) ـ مثلا ـ تأثرا كبيرا بفكرة التشرد الأبدي عند (لامارتين) في قصيدته (البحيرة le lac ) حيث يقول:
وهكذا قضى الله أن نظل دائما مدفوعين من شاطئ إلى شاطئ محمولين في هذا الليل الأبدي .. دون عودة .. ".
ــــــــــــــــــــ
1 ـ Michel Berveiller : L'oeuvre de Lamartine
2 ـ jbid - P . 22 (1/124)
صفحة 125
ألا نستطيع أن نلقي المرساة ولو يوما واحدا في عباب الزمن؟
فلنسرع .. إذن للاستمتاع بالحب
في لحظاتنا السريعة الهاربة ...
فليس للإنسان مرفأ في خضم الزمن
أن تياره يسرع .. ونحن ماضون معه .. !
ويقول الدكتور إبراهيم ناجي، في قصيدته " الخريف " مستوحيا هذه الفكرة: ـ
يا فؤادي .. قاتلَ اللهُ الضجرْ **** وعذابي بين حلٍّ وسَفَرْ
ما ترى قنطرة من بعدها **** راحةً ترجى، وَبَالٌ يستقرْ "1"
وقد عرب قصيدة (البحيرة) للامارتين في صياغة شعرية جميلة مزدوجة القافية مطلعها:
مِنْ شاطئٍ لشواطئٍ جُدُدٍ **** يرمي بنا ليلٌ من الأبدِ .. !
ما مَرَّ منهُ فلم يَعُدِ **** هيهاتَ مَرْسَى يومِهِ لِغَدِ "2" .. !
وهذه الرؤية الرومانسية للكون في شعر " عاصم "، والتي نجد تأثيرها في إحساسه الدائم بالغربة والنفي في الكون، تجعله أيضا ينظر إلى الموت نظرة فيها تأثر شديد بنظرة الشعراء الرومانتيكيين، ولعل من العجيب أن كبار شعراء الرومانسية في العالم العربي اتجهوا إلى تصوير الموت كأنه فيض من العبقرية الغامضة، أو رمز إلى السر الخفي الرائع، ويتجلى هذا الشعور واضحا في وصف الرومانتكيين الأوروبيين لشخصياتهم في قصصهم ومسرحهم، حيث يتمنون الموت في أسعد لحظات حياتهم، يقول (إدجار ألان بو) " لا ريب
ـــــــــــــــ
1 ـ ديوان ناجي ص 93
2 ـ المرجع السابق ص 128 (1/125)
صفحة 126
أن موت امرأة جميلة، هو خير موضوع شعري في العالم " "1".
وهذا التغني بالموت الذي نلمحه لدى (عاصم السعيدي) يبدو في أكثر من قصيدة من قصائده، منها: قصيدة " العودة من القبر "، حيث يقول:
هأنا .. قد رجعت من وحشة القبر .. بروحي .. ولعنتي .. ودماري .. !
دفنتني يداكِ .. منذ شهور دفنتني .. ومزقت أشعاري .. !
صدقيني .. قد كان في القبر عندي نهر شوق .. وذكريات جميلة
كنتُ وحدي .. ولست وحدي .. فشوقي .. كان عندي يأسو جراحي العليلةْ
قتَلْتِني .. والموتُ أهونُ عندي **** أن أراها تعيشُ روحا وحيدةْ.!
وفي قصيدة " سهر مع الليل " يصرخ هذه الصرخة:
صَدِيقَتِي .. هأنا .. والليلُ معتكرٌ **** ولا صديقَ .. ولا نجمٌ .. ولا قمرُ
صَدِيقَتِي أَوَلاَ تبكيني .. أبداً **** فهأنا مع ظلام الليلِ أحتضرُ؟
وفي قصيدة " الرسالة الأخيرة إليها " يصرخ مرة أخرى ... ثائرا:
أنتِ وهمٌ .. إنتفاضة تتهاوى **** بين عينيَّ .. والأسى يعتريني!
فاتركيني .. لكي أموت وحيدا **** عَلَّ موتي .. يعيدُ ماءَ جبيني
كيف تبكين .. لا وربكِ أخشى **** إن همى الدمعُ أن يُميتَ شُمُوعِي
مثلما مات بين جنبي حب **** كان يبني أسواره من ضلوعي
قد تداعى .. وصار قبرا كئيبا **** فيهِ أودَعْتُ ذلتي وخضوعي
اتركيني .. فالقبر يصرخ .. كلا **** لقيودي .. لشقوتي .. لرجوعي
وحين يعود لمهد الذكريات .. ومكان التلاقي، يجد أن أحبابه قد رحلوا .. ولم يعد ثم إلا الوحشة الرهيبة، والصمت الكئيب، وتعاسة
ـــــــــــــــــــ
1 ـ انظر (الرومانطيقية ومعالمها في الشعر العربي الحديث) عيسى يوسف ـ ص 68
وانظر: (فن الشعر) ـ ص 58 ـ للدكتور / إحسان عباس (1/126)
صفحة 127
القبور، ها هو ذا يرسم لنا صورة للوقوف بأطلال مهد الذكريات أقرب إلى الصورة التي رسمها الدكتور إبراهيم ناجي حين قال:
والبِلى .. أبصرتهُ رأي العِيان **** ويداهُ تنسجانِ العنكبوتْ.!
صحتُ .. يا ويحكَ .. تبدو في مكان **** كل شيء فيه حيٌّ لا يموتْ.!
ويقول " عاصم السعيدي ":
جئتُ وحدي .. إلى مكان التلاقي **** يا إلهي .. يا ليتني .. ما أتيتُ.!
وتأملتُ في المكان مليًّا **** أين عيناكِ .. كي ترى ما رأيتُ
قد تهاوتْ أنقاضُهُ فهو قبر **** من سكوتٍ .. على ثراهُ ارتميتُ
وهو بيتان من قصيدة حُبٍّ **** ماتَ بيْتٌ .. وباتَ يبكيه بيتُ.!
يا ظلامًا .. وقفتُ فيهِ طويلاً **** .. ثم .. أشعلتُ شمعتي .. وبكيتُ.!
إن التدفق العاطفي الحزين الموغل في بحار الغربة والضياع والموت والعدم، والعلاقات العاطفية المحبطة المعذبة، والقلق العنيف، هذا التدفق الحزين يسود مضامين شعره وصوره ... ودائما ... نحن أمام العذاب والدموع والبكاء ... أمام الحزن الحائر القلق والرؤية الشاحبة للكون والوجود .. ومن ثم .. فلا عجب إذا وجدناه يرى أنه وجد في هذا الكون، للعذاب، وحمل الهموم الثقيلة، وفي ذلك يقول في قصيدته (لغز الوجود):
إنّما نحن للعذابِ خُلِقْنا **** وعلينا حمل الهمومِ الثقيلهْ.!
قد خُلِقْنا لكي نكون دموعًا **** وعذابا أضاع يوما سبيلَهْ
وفي ختام هذه المرحلة النقدية مع شاعرية الشاعر الشاب (عاصم السعيدي) ـ الطالب بكلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس ـ بما تبشر به من إبداعات خصبة سيكون لها ـ إن شاء الله ـ شأنها في المستقبل القريب: نحب في نهاية الجولة أن نشير إلى بعض الأخطاء اللغوية والنحوية التي وقع
ـــــــــــــــــــــ
1 ـ من قصيدة (العودة) ديوان ناجي ـ ص 39 (1/127)
صفحة 128
فيها ذلك الشاعر الموهوب، وهي لا تقلل من روعة الأداء الشعري المتميز، ومن هذه الأخطاء ـ مثلا ـ قوله:
" وقد نسرا في الفضاء محلق ".
والخلق في قوله (محلق) بالرفع، وكان من المفروض أن ينصب كلمة (محلق) .. فيقول: (محلقا) .. لأنها صفة لاسم منصوب، وهو "نسرا".
ومن أخطائه اللغوية: قوله " ترى .. أي ذنبت ذنبت "، والصحيح " أذنبت " ويمكن أن يقول " جنيت ".
ومن أبياته التي يبدو فيها قلق عروضي ـ وذلك نادر في شعره ـ قوله:
لي فؤاد قد علمته الليالي **** أن يودع أطلاله البالية
فالنصف الأول من البيت، وما قبله من أبيات من بحر " الخفيف" والنصف الثاني لا يستقيم مع ذلك الوزن
وأخيرا .. فإني أتوقع لذلك الشاعر الشاب (عاصم السعيدي) أن يصبح في السنوات القادمة واحدا من أبرز ممثلي الرومانسية الجديدة بين شعراء الشباب في العالم العربي الذي يفتقد كثيرا .. الآن هذا اللون من الشعر الوجداني القائم على اخضرار الرؤية المعاصرة، والتدفق العاطفي الحنون، وروعة الحلم الرومانسي في عصر (الرجال الجوف) و (الأرض الخراب) .. ! (1/128)
صفحة 129
(مصادر الكتاب ومراجعه)
(1) ابن حزم الأندلسي ـ دكتور زكريا إبراهيم ـ الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر بالقاهرة 1966
(2) أبو تمام وقضية التجديد في الشعر ـ دكتور عبده بدوي ـ مكتبة الشباب بالقاهرة 1975
(3) الأغاني ـ لأبي فراج الأصهباني (طبعة دار الكتب) وطبعة (ساسي)
(4) الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث ـ أنيس المقدسي (ط 2 ـ بيروت ـ 1960)
(5) اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري ـ دكتور / محمد مصطفى هدارة ـ دار المعارف بالقاهرة 1962
(6) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج 1 ـ د. محمد حسين ـ نشر مكتبة الآداب بالجماميز ـ القاهرة.
(7) إشراقات من الشعر العماني ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ مسقط ـ 1980.
(8) تاريخ الأدب العربي، ج 3 ـ العصر العباسي الأول ـ دكتور / شوقي ضيف ـ دار المعارف بالقاهرة.
(9) تاريخ عمان ـ المقتبس من كتاب (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة) تأليف: سرحان بن سعيد الأزكوي العماني ـ تحقيق عبد المجيد حسيب القيسي ـ نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان ـ
(10) التيار التراثي في الشعر العربي الحديث ـ دكتور / سعد دعيبس ـ دار الفكر العربي بالقاهرة 1983 ـ.
(11) تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي ـ دكتور / سعد دعيبس ـ دار الفكر العربي بالقاهرة 1980. (1/129)
صفحة 130
(12) الثورة العرابية ـ دكتور / أحمد عبد الرحيم مصطفى ـ المكتبة الثقافية ـ العدد الثلاثون ـ القاهرة، 1952.
(13) الجاحظ ـ حياته وآثاره ـ دكتور طه الحاجري ـ دار المعارف بمصر ـ مكتبة الدراسات الأدبية (28) ـ 1962 ـ
(14) جمهرة اللغة ـ لابن دريد ـ مكتبة المثنى ـ بغداد ـ
(15) حركة التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث ـ س. موريه ـ ترجمة دكتور سعد مصلوح ـ
(16) حصاد ندوة الدراسات العمانية ـ المجلد الثاني ـ نشر وزارة التراث والثقافة ـ مسقط ـ 1980
(17) حوار مع الشعر الحر ـ دكتور سعد دعبيس ـ مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية 1971
(18) حوار مع قضايا الشعر الحر ـ دكتور سعد دعبيس ـ دار الفكر العربي بالقاهرة 1985 ـ
(19) الحنين إلى الوطن في الأدب العربي حتى نهاية العصر الأموي ـ دكتور محمد إبراهيم حور ـ دار نهضة مصر للطباعة والنشر ـ القاهرة 1973.
(20) دراسات في الشعر العربي المعاصر ـ دكتور شوقي ضيف ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة 1953 ـ
(21) ديوان (أنت لي قدر) سعيد الصقلاوي ـ مسقط 1985 ـ
(22) ديوان (أوراق من شجرة المجد) محمود الخصيبي ـ مسقط 1987 ـ
(23) ديوان البارودي (محمود سامي باشا البارودي) ـ جزء ان ـ ضبط وشرح محمد الإمام المنصوري ـ مطبعة الجريدة بالقاهرة (بدون تاريخ)
(24) ديوان ترنيمة الأمل ـ سعيد الصقلاوي ـ منشورات وزارة الإعلام والثقافة بسلطنة عمان ـ الطبعة الأولى ـ مسقط 1975 ـ (1/130)
صفحة 131
(25) ديوان جميل ـ تحقيق الدكتور حسين نصار ـ ط 2 ـ مكتبة مصر ـ القاهرة 1967
(26) ديوان السيد هلال بن بدر البورسعيدي ـ تحقيق محمد علي الصليبي ـ نشر وزارة التراث القومي بسلطنة عمان ـ
(27) ديوان عاصم السعيدي ـ مخطوط لم يطبع بعد ـ سلطنة عمان ـ مسقط
(28) ديوان طرفة بن العبد ـ دار بيروت للطباعة والنشر 1961 ـ
(29) ديوان عبد الرحمن شكري (ثمانية أجزاء) دار المعارف بالإسكندرية 1960 (طبعة عبد العزيز مخيون).
(30) ديوان عمر بن أبي ربيعة ـ مكتبة صادر ـ بيروت 1956 ـ
(31) ديوان عنترة دار صادر ـ بيروت 1956 ـ
(32) ديوان (قطرة في زمن العطش) ـ هلال العامري ـ مسقط ـ بدون تاريخ
(33) ديوان (قرارة الموجة) ـ نازك الملائكة ـ دار العلم للملايين ـ بيروت
(34) ديوان النبهاني ـ (سليمان النبهاني) وزارة التراث القومي والثقافة ـ شرح الشيخ سليمان بن خلف الخروصي ـ
(35) ديوان الناس في بلادي ـ صلاح عبد الصبور ـ دار الآداب ـ بيروت ـ الطبعة الثانية سنة 1965 ـ
(36) ديوان (هودج الغربة) ـ هلال العامري ـ مسقط ـ
(37) ديوان (وحي العبقرية) الشيخ عبد الله بن علي الخليلي ـ وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان 1978 ـ
(38) الرومانتيكية ـ دكتور محمد غنيمي هلال ـ مكتبة نهضة مصر ـ القاهرة ـ بدون تاريخ ـ (1/131)
صفحة 132
(39) الرومانطيقية ومعالمها في الشعر العربي الحديث ـ عيسى بلاطة ـ دار الثقافة ـ بيروت 1960 ـ
(40) الشعر العماني ـ دكتور علي عبد الخالق، دار المعارف بالقاهرة ـ 1984 ـ
(41) شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ـ العقاد ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1937 ـ
(42) العشاق الثلاثة ـ دكتور زكي مبارك ـ دار المعارف بمصر سنة 1944
(43) عمان منذ 1856 م ـ مسيرا ومصيرا ـ تأليف (روبرت جيران لاندن) ترجمة محمد أمين عبد الله ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ مسقط ـ
(44) الغزل في الشعر العربي الحديث ـ دكتور سعيد دعيبس ـ دار النهضة العربية بمصر ـ 1979 ـ الطبعة الثانية ـ
(45) الغزل في العصر الجاهلي ـ دكتور أحمد الحوفي ـ الطبعة الثانية ـ مكتبة نهضة مصر ـ القاهرة 1961 ـ
(46) الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ـ حميد بن محمد بن رزيق ـ تحقيق عبد المنعم عامر والدكتور محمد مرسي عبد الله ـ
(47) في الحب والحب العذري ـ دكتور صادق جلال العظم ـ منشورات نزار قباني ـ بيروت سنة 1968 ـ
(48) القاموس المحيط ج 4 ـ الفيروزابادي ـ ط 4 ـ المكتبة التجارية بالقاهرة 1938 ـ
(49) قضايا الشعر المعاصر ـ نازك الملائكة ـ ط 3 ـ 1967 ـ
(50) القيم الروحية في الشعر العربي ـ قديمه وحديثه ـ ثريا ملحس دار الكتاب اللبناني ـ بيروت، 1950
(51) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ج 3 ـ أبو القاسم حسين (1/132)