صفحة 1
الكتاب: دراسة في أحاديث ابن دريد
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) دراسة في أحاديث ابن دريد
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدّمة
إنّ أشهر ما نقل من النّصوص النّثرية، ممّا ينسب إلى أدب ابن دريد (223 – 321هـ) أحاديثه، التي اختار فيها طريقة جديدة في تقديمها. وقد وجّهها للنّاشئة بخاصّة، ثمّ لعامّة النّاس؛ ليعرّفهم بأصول اللّغة والأدب العربيين، ويطلعهم عل بعض النّوادر وتاريخ العرب وآثارهم ... يرجّح الدّكتور أحمد درويش أنّ كثيرًا منها لم يصلنا، ضاع منها ما ضاع، وقد يكون بعضها لم يدوّن أصلاً. (1)
هذه الأحاديث، رغم ما قدّم فيها أو حولها من دراسات جادة في حاجة إلى دراسات معمّقة متأنّية، وإلى قراءات متنوّعة متعدّدة؛ لما أثارته من جدل ونقاش كبيرين عميقين، ولما أفرزته من آراء متباينة، ونظرات مختلفة، وتقويم متنوّع النّتائج، ومتباين أحيانًا، ولما بقي فيها غامضًا، يحتاج إلى فكّ ألغازه. ولما يستوقف الباحث فيها من انطباعات وملاحظات وإشكالات، بما يبعث المتعة والنّكهة في مزيد الغوص في أعماقها، وسبر أغوارها ...
هده الأحاديث وصلت إلينا مدوّنة في كتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، التّلميذ المباشر والوفيّ لابن دريد. وقد عدّه الدّارسون المصدر الأوّل والوحيد لها، مع ورود بعضها في كتب أخرى، لكن بنسبة قليلة. يقول أحمد درويش: " ... لكنّ المصدر الرّئيسي في هذا اللّون من المؤلّفات دون شكّ، يتمثّل في كتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، التّلميذ المباشر لابن دريد. والذي حمل معه كثيرًا من علم ابن دريد مدوّنًا في الصّدر أو القراطيس، وأملى على شهود مجلسه أيّام الخميس في مسجد قرطبة كثيرًا من الرّوايات والأخبار المنسوبة لابن دريد، مشفوعة بوفاء التّلميذ واحترامه للأستاذ ... وقد مثّلت الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد نحو ثلث كتاب الأمالي، وتردّد اسم ابن دريد في معظم صفحات الكتاب تردّدًا يذكر بشيوع اسم سلفه الخليل بن أحمد على صفحات الكتاب لسيبويه. " (2)
__________
(1) - ينظر أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، نشر الهيئة العامة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، (ب. ت)، ص: 97.
(2) - المرجع السّابق، ص: 129 (1/2)
صفحة 3
نظرًا لصعوبة تناول أحاديث ابن دريد؛ اعتمادًا على الطّريقة التي انتقلت بها إلى جمهور قرّاء الأدب والدّارسين، وهي أمالي عليّ القالي لها في مجالس خاصّة كانت تجمعه بمريديه. وتوزيعها بطريقة تجزيئية في كتابه، قام الدّكتور أحمد درويش بإعادة ترتيبها وتقديمها للقرّاء. يقول أحمد درويش: " ولأهمية وكثرة تنوّع الأحاديث التي رواها القالي عن ابن دريد، سنقصر همّنا على إعادة تقديمها هنا؛ وَفْقًا للمنهج الذي أشرنا إليه، لكي تضاف إلى ما حقّق بالفعل من الأحاديث المنسوبة مباشرة لابن دريد، مشكّلة بذلك حلقة في سلسلة، ينبغي أن يستمرّ العمل في تطويرها حتّى تتشكّل لدينا صورة ميسورة للقارئ المعاصر حول هذا التّراث الفنّي الهامّ. " (1)
يشير ويؤكّد النّصّ على حقيقتين اثنتين:
الأولى: أنّ الطّريقة التي قدّم بها أبو عليّ القالي أحاديث ابن دريد في حاجة إلى إعادة نظر أو ترتيب، إذ هي متعبة للقارئ المعاصر على الأقلّ في الوقوف على النّصّ الحقيقي المنسوب إلى ابن دريد، وهو ما سمّاه الباحث تجسيد النّصّ الغائب لهذه الأحاديث. فهذا يبعث على عدم الاطمئنان الكامل لنسبة النّص لابن دريد في عمومه، أو نسبة صياغته له في شكله. في كلتا الحالتين يجب العمل على صون الأحاديث ممّا قد تتعرّض له من الشّكّ في نسبتها إلى صاحبها.
الثّانية: الاعتراف أنّ ما قام به صاحب المبادرة، ما هو إلاّ بداية العمل في تطويره لحلّ كثير من الإشكالات التي ما تزال عالقة لدراسة هذه الأحاديث دراسة علمية موضوعية منهجية. لذا وجّه دعوته للدّارسين لمواصلة العمل وتكاثف الجهود وتنسيقها لتحقيق الهدف.
يضيف الباحث: " لكي نوضّح المنهج الذي نودّ أن نقيم على أساس منه " تجسيد النّصّ الغائب" لأحاديث ابن دريد، التي رواها القالي، ينبغي أن نتبيّن أوّلا المنهج الذي اتّبعه القالي في إيراد هذه الأحاديث. وهذا المنهج قد تلخّصه كلمة " الأمالي" التي اختارها القالي عنوانًا لما أورده من مختارات، حفظها عن العلماء السّابقين عليه ... " (2)
__________
(1) - المرجع نفسه. أشار إلى هذا المنهج في الصّفحات السّابقة.
(2) - المرجع نفسه (1/3)
صفحة 4
ما أشار إليه الدّكتور أحمد درويش مهمّ جدًّا. فاعتماد أبي عليّ القالي على الإملاء، وعل اختيار ما يملي من محفوظه عن العلماء السّابقين، يبعث على التريّث في قبول كلّ ما رواه منسوبًا إلى ابن دريد، ثمّ التّركيز والبحث لتمحيص ما هو لابن دريد، وما هو لغيره؛ لأنّ الطّريقة التي اتّبعها القالي، ليست دقيقة في إيراد الأحاديث. فقد تُوَرِّطُ القارئ في تحديد ما له وما ليس له، فينسب كلّ الأحاديث لابن دريد. من هنا نقول: إنّ ما قام به أحمد درويش له أهميّته، إنّه يساعد ويبعث على مواصلة دراسة هذه الأحاديث بعمق وموضوعية، ويدعو إلى إعادة النّظر في بعض الأحكام التي صدرت عنها، قد يعين على الوصول إلى نتائج أكثر دقّة وواقعية، تتناسب مع حقيقة هذه الأحاديث.
نعرض في يأتي الملاحظات التي قدّمها أحمد درويش حول طريقة إيراد أبي عليّ القالي لأحاديث ابن دريد، وبناء عليها اقْتَرَحَ منهجًا آخر في تناولها.
1 - " وهذه الأمالي اتّخذت شكل محاضرات شفهية، تعرف طريقها إلى الوجود عن طريق آذان النّاس، ممّن يحضرون مجلس أبي عليّ في مسجد قرطبة، قبل أن تعرفه لاحقًا عن طريق "عيون" القرّاء في الأمكنة والأزمنة الأخرى، ومن ثمّ فإنّها اتّبعت منهج "المجلس"، الذي يعتمد عل الإمتاع، من خلال تنوّع الموضوعات وتشعّبها، لا من خلال وحدتها وتعمّقها. ثمّ إنّها أرضت من خلال ذلك ذوق العصر، الذي كان يأنس إلى هذا النّوع من المعارف المتنوّعة، لا على مستوى السّماع فقط، ولكن على مستوى القراءة كذلك في كتب "الأخبار"، التي لا شكّ أنّ ابن دريد كان له تأثير بارز في تشجيع تلاميذه على التّأليف فيها." (1)
إنّ المجلس الذي يكتنفه طلب المعرفة الممزوجة بالمتعة، يدفع من يتصدّره ويملؤه بما يقدّمه فيها للملتزمين بمجلسه، إلى توفير هذا الجوّ حتّى يضمن له الاستمرارية، بعدم انقطاع مريديه عنه. هذا ما قد يسير به في طريق الإضافات والزّيادات، حين لا تتوفّر في الآثار المُملاة المتعة والنّشوة. وهو ما ينتج عنه إيراد ما ليس من آثار ابن دريد. فإذا أضيف إليه شرط آخر وهو السّير على ذوق العصر، الذي يطلب التّنوّع في المعارف في المجلس، الذي هو أيضًا من مقتضيات مستوى السّماع. فإنّ الأمر يبعث على التّريّث في قبول كلّ ما أورده القالي من هذه الأحاديث. وهو ما يدعو إلى مزيد التّمحيص والتّدقيق.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 129، 130. قدّم أحمد درويش مثالا على ذلك بما عزم عليه تلميذه المسعودي، كما ذكر ذلك في كنابه مروج الذّهب، ينظر المرجع السّابق، ص: 130. (1/4)
صفحة 5
2 – أشار الباحث إلى أنّ أبا عليّ القالي لم يسلك في إملاء هذه الأحاديث مسلكًا واضحًا منتظمًا، يعتمد التّأليف المنظّم، ولا التّرتيب الذي يستند إلى تصنيف منظّم رتيب. وإنّما تأتي الأخبار على حسب ما سنح من فوائدها، وهذه الفوائد تتحدّد بحسب ذوق كلّ مؤلِّف ورأيه أو تقديره:" ويبدو أنّ الفائدة كانت موضع تركيز أبي عليّ القالي. وكادت أن تكون في بعض الأحاديث الخيط الخفيّ الذي يجمع بين خبرين، أو مجموعة أخبارٍ متلاحقة. ونقول كادت؛ لأنّه في كثير من الأحيان أيضًا ينعدم هذا الخيط، فلا يُرَى رابط بين الأخبار المتلاحقة، سوى رابط الفائدة والمتعة اللّغوية والأدبية بعامّة." (1)
3 – " في مقابل هذا الخيط الخفيّ، لم يهتمّ القالي بخيوط أخرى، كان يمكن أن تجمع بين الأحاديث المتناثرة، وتوجِد بينها لونًا من المتعة، ربّما يقدّم مذاقًا مختلفًا، ومنها الرّوابط الموضوعية. فهناك مجموعات من الأحاديث تدور حول "الأعراب والبادية"، وتعكس عالمهم في عيون أهل الحضر من زوايا متعدّدة، تمتدّ من البلاهة والغفلة، إلى الأناة والحكمة. وهناك أحاديث أخرى تدور حول عالم " النّساء والعشق"، وتعكس بدورها صورة عن المرأة فتاة وزوجة وأمًّا وعاشقة ومعشوقة، خاضعة للتّقاليد ومتحايلة عليها، وذات دور هامّ في المجتمع وإدارة شؤونه ... إنّ هذه الملامح الفنّية التي تمثّل القيمة الفنّية الني ربّما تكون " الأولى" في الأحاديث، لم يهتمّ بها القالي." (2)
ذكر الباحث مجموعة من الأحاديث، يجمعها موضوع واحد، كان يمكن للقالي أن يوفّر للقارئ عناء قراءتها في صفحات مختلفة، ويهيّئ له جوّ التّركيز أكثر، لو سلك منهجًا أكثر دقّة في إيرادها، واعتنى بالرّوابط الموضوعية، فجمعها في مجموعات.
لا أظنّ أنّ الأمر يتعلّق بالاهتمام من عدمه، بقدر ما يرجع إلى ما هو سائد في العصر، الذي عاش فيه أبو عليّ القالي. فإنّ ما يتحكّم في الإنسان منهجيًا هي السَّنَنُ التي تحكم عصره، والطّريقة التي نشأ عليها، وربّما التي تلقّاها من موجّهيه، فلا يستطيع منها انفلاتًا، أو لا يقوى عنها فكاكًا. فإنّ ما انتهجه القالي هو المنهج الذي كان سائدًا، وهو المسلك الذي ارتضاه أبناء عصره، وقد عكسه في إملاء هذه الأحاديث.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 130، 131.
(2) - المرجع السّابق، ص: 131. (1/5)
صفحة 6
4 – يضيف أحمد درويش في انتقاده لمسلك القالي في إملاء أحاديث ابن دريد: " ... ولم يقف الأمر به عند عدم الاهتمام بتجاوز الأحاديث المتّصلة بموضوع واحد، بل حتّى الأحاديث المتّصلة بشخصٍ واحدٍ، وإنّما كان يحدث أحيانًا أن نَجد القصّة الواحدة المتّصلة الأجزاء تروى في موضوعين متباعدين، دون الإشارة إلى جزئها الآخر. ومن أمثال ذلك أنّ القالي يورد حديثًا في الجزء الثّاني عن البختري بن أبي صفرة، وكيف أنّ امرأة أحد الأمراء راودته عن نفسها فأبى، فكادت له عند المهلّب بن أبي صفرة، فغضب عليه. ويورد بعدها بنحو مائتي صفحة جانبًا آخر من الحديث، يتّصل بغضب المهلّب بن أبي صفرة على البختري، وعدم إسناد أعمال له واعتذار البختري وقبول المهلّب للاعتذار. ولا شكّ أنّ الخبرين ربّما شكّلا في الأصل رواية واحدة عند ابن دريد، خاصّة وأنّ سند الرّواية فيهما واحد ... " (1)
هذا التّصرّف، أو هذه الطّريقة التي سلكها أبو عليّ القالي في إيراد الأحاديث وإملائها يبعثان على إعادة النّظر فيما أورده من أحاديث وتمحيصها؛ حتّى لا يساء إليها؛ بما يقدّم فيها من أحكام، قد تكون بعيدة عن الحقيقة. هذه مهمّة البحث العلمي، ومسؤولية الدّارسين الباحثين عن الحقيقة. كما يسعى إلى ذلك الدّكتور أحمد درويش في هذه المحاولة الجادّة.
رغم وجاهة ما نبّه إليه الدّكتور أحمد درويش، إلاّ أنّنا لا نصل بالحكم على القالي بعدم الاهتمام، فإنّ منهجه كان خاضعًا أو مستجيبًا لما كان سائدًا في عصره، ويمكن أن نقول: إنّ عليّ القالي كان وفيًّا لعصره ولمريديه ممّن يواظب على حضور مجالسه الأدبية. وما سجله أحمد درويش من عيوب على طريقته، والتي غيّبت النّصّ الحقيقي في أحاديث ابن دريد عن القارئ المعاصر، يندرج في سياق الطّموح إلى تيسير فهم التّراث، وتعبيد الطّريق للقارئ المعاصر، كي يصل إليه، وإلى فهمه، ومن ثمّ التّناغم معه والتّعامل معه بطريقة صحيحة مثمرة منتجة. وهو الدّاعي إلى تطوير العمل في هذا السّياق: " حتّى تتشكّل لدينا صورة ميسورة للقارئ المعاصر حول هذا التّراث الفنّي الهامّ. " (2)
لكلّ ذلك رأى الدّكتور أحمد درويش أن يقوم بمحاولة تذليل الصّعوبات للظّفر بالنّصّ الغائب، الذي اختفى وسط ركام ما جمعه القالي في كتابه الأمالي: " ومن هنا فقد رأينا أن نحاول اتّخاذ المنهج
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 131، 132.
(2) - المرجع السّابق، ص: 129. (1/6)
صفحة 7
المقابل، بمعنى أن تكون نقطة البدء من موضوع الحديث، لا من لغته، وأن يصنّف تبعًا لذلك، وأن تجمع الأحاديث المتشابهة موضوعًا في إطار واحد، على النّحو الذي أشرنا إليه." (1)
مع كلّ الملاحظات التي قدّمها أحمد درويش عن عمل أبي عليّ القالي، والنّقد الذي سلّطه على أماليه، التي تصل في بعض الأحيان إلى الانتقاد، يقرّ أنّ للقالي الفضل في تقديم صورة عن عالم هذه الأحاديث. يقوا الدّكتور: " إنّ الباحث يمكن أن يعتمد على كتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، وهو مكتظّ بالرّواية عن ابن دريد، لتتكوّن لديه صورة معقولة عن عالم أحاديث ابن دريد، ودوافعها وأبطالها ولغتها والهدف منها. وهي صورة وإن لم تكن كاملة فإنّها يمكن أن تكون معبّرة، يشير الجزء الوافي المطروح بين أيدينا إلى الكلّ الغائب." (2)
يكون اعتمادنا في دراستنا على تصنيف الدّكتور أحمد درويش، مع الإحالة إلى الأمالي لتوثيق النّصوص. والتّعليق على ما نراه في حاجة إلى تعليق. وقد أكثرنا من إيراد النّصوص، وعدّدنا فيها لنقدّم صورة عن هذه الأحاديث من خلال وجهة نظرنا فيها. هذه النّظرة الخاصّة جعلتنا نستغني عن الدّراسة الفنّية لها، واستبدلنا بها الخصائص العامّة؛ لأنّنا لم نتبيّن حدود ما هو من صياغة ابن دريد، وما هو من محفوظه، حتّى ندرس الخصائص الفنّية لإبداعه, ولهذا السّبب ركّزنا على جانب المضمون والموضوع.
هذه الأحاديث تثير مجموعة من الأسئلة المنهجية، التي قد لا نجد لها إجابات دقيقة، ولكنّنا نحاول مع المجدّين في دراسة هذه الأحاديث أن نصل إلى شاطئ الأمان في تقديم الحقيقة فيها، بالحصول على إجابات دقيقة في العاجل أو الآجل من الدّراسة والبحث.
الجزائر يوم الجمعة: 14 من ربيع الثّاني 1430هـ
10 من أفريل ... 2009م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 132.
(2) - المرجع السّابق، ص: 102. (1/7)
صفحة 8
أسئلة حول أحاديث ابن دريد
هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات عن حقيقة أحاديث ابن دريد وقيمتها، بعد البحث والدّراسة والتّدقيق فيها:
1 – ما هو مدلول كلمة أحاديث في النّوع الأدبي الذي ينسب إلى ابن دريد؟ هل هو الذي أطلق هذه التّسمية؟ من أين استقاها؟ هل أطلقها الدّارسون؛ حين لاحظوا أنّ أبا عليّ القالي كان يصدر ما رواه عن شيخه ابن دريد بقوله: " حدّثنا "؟ ألا يكون هو الذي أطلق هذه التّسمية على ما كان يرويه عنه؟
2 – ما هي الدّوافع لرواية هذه الأحاديث أو إملائها؟ وما هي الأهداف التي كان يرمي الوصول إليها بهذا الأسلوب في الكتابة المبتكرة؟ هناك مصادر تذكر أنّ سبب إيجاد هذه الأحاديث هو لتأديب إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، وتعليمه العربية. يقول الدّكتور شوقي ضيف عن ابن دريد: " وكان من أهمّ ما ألّفه لإسماعيل كي يحسن العربية كتاب الأربعين حديثًا، قصّ فيه حكايات عربية قديمة، تقوم على الحبّ غالبًا، كما تقوم على التّاريخ." (1)
عند شوقي ضيف أحاديث اُلّف لها كتابٌ، وهي موجّهة إلى طالب علم يتأدّب عليها، ويتعلّم اللّغة العربية. وهي محصورة في مجالي الحبّ والتّاريخ. بينما يؤكّد جلّ الدّارسين أنّ المصدر المباشر لهذه الأحاديث هم أبو عليّ القالي (ت 356هـ)، وكان ابن دريد يحدّث تلاميذه، وعلى رأسهم أبو علي القالي. فأين الحقيقة في طبيعة هذه الأحاديث. هل يمكن أن نوافق مصطفى صادق الرّافعي في شكّه في وجود أحاديث لابن دريد؛ لتضارب الأخبار وتباينها في طبيعة هذه الأحاديث؟ (2)
3 – لماذا هي أربعون بالذات؟ هل هي فعلا بهذا التّحديد عددًا؟ لقد تحفّظ بعض الدّارسين على هذا العدد، منهم الدّكتور أحمد درويش، الذي ناقش هذا التّحديد، وعرض، وأظهر شكّه فيه، بل وصل هذا الشّكّ في بعض فقرات عرضه إلى حدّ رفض هذا العدد. قال: " ذكر عن هذه الأحاديث أنّها
__________
(1) - الدّكتور شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ج4، العصر العبّاسي الثّاني، ط2، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1975م، ص:
465.
(2) - ينظر مجلّة المقتطف، مجلّد: 76، مايو 1930م، ً: 589. (1/8)
صفحة 9
أربعون حديثًا، لكن هذا التّحديد لا ينبغي أن يخدعنا، ولا أن يفهم منه الرّقم على حقيقته ... " (1) إنّ الدّارس ليقف حائرًا في تحديد عدد أحاديث ابن دريد. ورَدِّ عدد أربعين (2). وأحمد درويش وصل بها إلى مائة وواحد وتسعين حديثًا، عندما قام بإعادة تصنيف هذه الأحاديث وفق منهج جديد اقترحه وتبنّاه (3). والدّكتور محمد صالح ناصر يقول: هي سبعمائة حديث: " ... وإنّ العائد إلى كتاب الأمالي ليدهش لهذه الأخبار التي تجاوزت السّبعمائة حديث، يرجع فيها القالي كلّها إلى شيخه ابن دريد." (4)
4 – هل هذه الأحاديث هي من مرويات ابن دريد ومحفوظاته؟ يقول الدّكتور عمر فرّوخ: " وابن دريد هذا كان راوية وعالمًا ولغويًّا، وقد عُنِيَ برواية أحاديث عن الأعراب، وأهل الحضر." (5) هل يفهم من هذا أنّ ابن دريد نقل أو أملى أحاديثه، كما رواها عن الأعراب وأهل الحضر وتلقّاها، وكما حفظها؟ إذا كان كذلك، فلماذا تنسب إليه؟ وتعدّ من نثره الفنّي؟
5 – هل هي من صياغته؟ فأين الحدود الفاصلة بين ما هو متصرَّفٌ فيه، وما هو من مُمْلًى حرفيًا؟ إنّ هذا يثير إشكالاً آخر: ما هي حدود الخيال فيها والواقع؟ لأنّ الصّياغة الفنّية تقتضي شيئًا من الخيال لبناء الأسلوب، وطبع النّصّ بالصّبغة الفنّية. فعلى أساسه ندرس هذه النّصوص؟ وكيف تكون أحكامنا القيمية على هذه الأحاديث؟ كيف نميّز أسلوبه وشخصيته في هذا الخضمّ؟
6 – هل ما كان يمليه أبو عليّ القالي في مجلسه في قرطبة، ممّا كان يسنده إلى ابن دريد، هو ما كان يحفظه عن أستاذه حرفيًا؟ أم كان يتصرّف فيه، ويقدّمه بأسلوبه الخاصّ؟ بخاصّة إنّه كان يشفع ويضيف إلى أماليه ما كان يحفظه عن غير ابن دريد؟ مع ملاحظة تجزئته لبعض الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 98. ينظر الصّفحات التي بعدها.
(2) - شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ج4، العصر العباسي الثّاني، ص: 425.
(3) - ينظر كنابه: ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّر س والنّصّ الأدبي، ص: 125 – 256.
(4) - الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد حياة من أجل الأدب، نشر الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، (ب. ت)، ص:60
(5) - الدّكتور عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1401هـ/ 1981م، ص: 413. (1/9)
صفحة 10
وروايتها في مجالس مختلفة؟ فكيف نعرف ما هو خالص لابن دريد، وما فيه تدخّل وتصرّف من التّلميذ أبي عليّ القالي؟
7– ماذا يعني تجزئة أبي عليّ القالي لأحاديث ابن دريد؟ بماذا تفسّر أو تؤول؟ وبماذا يوحي هذا؟ وماذا يثير؟ بمعنى آخر: لماذا أثبتها التّلميذ الوفيّ بتلك الطّريقة في كتابه الأمالي؟
8 - أتكمن قيمة أحاديث ابن دريد في مضمونها أم في فنيتها؟ في محتواها أم في شكلها؟
9 – ما قيمة المنهج الذي عرض به أحمد درويش هذه الأحاديث؟ وكيف أوصلها إلى واحد وتسعين ومائة حديثٍ؟ هل ما قام به صحيح؟ ما أثر هذا على الدّراسة السّليمة لها؟ فماذا يقول الدّارسون فيما قام به كما صرّح بذلك: " أمّا إضافة عنوان لكلّ حديثٍ، فهي واحدة من الضّرورات التي تمليها ثقافة "العين"، حين تنزع إلى نقطة محدّدة تشدّها، وتتفرّع عنها بقية الأجزاء، فتحيط بالمجمل الذي من شأنه أن يشوّقها إلى المفصّل. ونعتقد أنّ ظهور الأحاديث في هذا المعرض، من شأنه أن يجسّد " النّصّ الغائب"، وأن يقرّبه ربّما من الصّورة التي تصوّرها ابن دريد نفسه، أو حتّى من الصّورة الغائبة، التي ليس بين أيدينا منها إلاّ روايات وتعليقات الآخرين." (1)
هل من حقّ الدّارس أن يتصرّف في نصوص الآخرين بهذه الكيفية؟ هل لما قام به الباحث دورٌ في خدمة هذه الأحاديث، وتقديم عون ملموس للقارئ المعاصر؟ هل يؤثّر هذا العمل أو هذا المنهج (سلبًا أو إيجابًا) على الدّارس الذي يعتمد عليه في دراسته؟
10 – أهمّ نقطة أثارت الجدل، وما تزال تثيره في هذه الأحاديث، هي علاقتها بمقامات بديع الزّمان الهمذاني، الذي ينسب إليه ابتكار أسلوب المقامة في الأدب العربي؟ أثارها الحصري (ت453هـ). فقد ذكر أنَّ بديع الزّمان الهمذاني عارض في مقاماته الأربعمائة ابن دريد في أحاديثه الأربعين. هذا ما يدعو الدّارسين إلى أن يهبّوا لتناول هذه النّقطة بالدّراسة والبحث لإثبات ما قاله الحصري أو نفيه، أو التّعديل في الحكم الذي أصدره. (2)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 133.
(2) - ينظر محمد بن قاسم ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، 1991م، ص: 22 – 24. (1/10)
صفحة 11
طه حسين عرض الموضوع على شكل سؤال على زكيّ مبارك، الذي تلقّف خبر الحصري (1) أمّا كارل بروكلمان فيشكّ أن يكون بديع الزّمان قد تأثّر بابن دريد (2). ومصطفى صادق الرّافعي لا يطمئنّ أصلاً أن يكون لابن دريد أحاديث، لذا يرى أنّه يجب البدءُ من التّأكّد من هذه النّقطة، قبل التّحدّث والبحث عن تأثّر بديع الزّمان بِهذه الأحاديث، ثمّ معارضتها. (3)
زكيّ مبارك لم يحسم الأمر؛ لأنّه بعد أن تلقّف رأي الحصري، ووثق به وأذاعه، عاد بعد ملاحظة طه حسين، وأعاد التّأمّل فيه، ثمّ النّظر في المقامات والأحاديث من جديد، فحاول في كتابه " النّثر الفنّي " أن يوجد الفروق بين أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزّمان (4)، كما علّق على كلام الحصري: " مؤدّى هذا الكلام أنّ بديع الزّمان ليس مبتكر فنّ المقامات، وأنّه حاكى ابن دريد في أحاديثه. وقد استغللتُ هذا النّصّ في كتابي الذي وضعته بالفرنسية عن النّثر الفنّي في القرن الرّابع، وقد دهش " مسيو مارسيه" لهذه الفكرة، وعجب كيف اتّفق النّاس إلى اليوم على أنّ البديع هو منشئ فنّ المقامات، ولكنّي من جانب آخر أذكر أنّي لم أَرَ مثلَ هذا الكلام في غير (زهر الآداب)، ولا أزال أتلمّس له مصدرًا آخر، ولم أعثر على شيءٍ إلى اليوم، ويزيد في الدّهشة أنّ صاحب (زهر الآداب) يرى المسألة على أنّها مقبولة معروفة، لم تُمسّ بنقض ولا تكذيب، وقد نقلها عنه " ياقوت" في معحمه." (5)
__________
(1) - زكيّ مبارك، النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 200.
(2) - كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج2، نقله إلى العربية الدّكتور عبد الحليم النّجّار، ط3، دار المعارف بمصر، 1974م، ...
ص: 134، 135.
(3) - إكرام فاعور، مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، تحقيق نادية فاعور، دار اقرأ، بيروت، 1403هـ/ 1983م، ص: 122.
(4) - النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 230، 232. يضيف أحمد درويش فرقًا آخر بين الأحاديث والمقامات: " ... ذلك أنّه يمكن وصف إطار الأحاديث بأنّه إيهام بالصّدق، على حين إنّ إطار المقامات يوصف بأنّه تصريح بالخيال ... " ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 105. ينظر أيضًا ص 106 – 107. وَ 112 - 114.
(5) - أبو إسحاق الحصري القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب، ج1، شرح وضبط زكي مبارك، تحقيق محمد محي الدّين عبد الحميد، ط3، مطابع السّعادة بمصر، 1372هـ/ 1953م، ص: 274 (الهامش). ينظر أيضًا مجلّة المقتطف، مجلّد 76، سنة 1930، ص: 588. (1/11)
صفحة 12
عمر فرّوخ ينفي أن تكون أحاديث ابن دريد هي أصل مقامات بديع الزّمان الهمذاني، لكنّه يعترف بوجود شبه قويّ بينهما، ويقرّ بوجود فروق بينهما: " ... وابن دريد هذا كان راوية وعالمًا ولغويًّا، وقد عُنِي برواية أحاديث عن الأعراب وأهل الحضر، ولا ريب في أنّ بين أحاديث ابن دريد وبين المقامات شبَهًا قويًّا، من حيث القصص والسّجع، ولكنّ هناك فروقًا كبيرة في الصّناعة وفي العقدة وفي وجود بطل للمقامات هو المكدي وفي بناء المقامة على الكُدية، وعلى الهزء من عقول الجماعات مع إظهار المقدرة في فنون العلم والأدب، إلى ما هنالك من خصائص فنّ المقامات." (1)
غير أنّه لا ينفي تأثّر بديع الزّمان بان دريد، ولا يثبته: " على أنّ هذا لا يعني أنّ بديع الزّمان لم يطّلع على أحاديث ابن دريد، أو على ما روى عن العرب من قصص وأحاديث وأسمار، ولكنّ الفرق في تلك الأحاديث وبين المقامات من حيث الغاية والأسلوب كبير جدًّا." (2)
رأي الدّكتور عمر فرّوخ غير واضح، فهو ينفي أيّ شبه للمقامات بالأحاديث فنّيًا. فما ذكره من فروق بين الأثرين يخصّ الجانب الفنّي، وهو ما يميّز المقامة عن غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. هذه المميّزات مفقودة في أحاديث ابن دريد، وهو ما يشكّك في وجود علاقة بينها وبين مقامات بديع الزّمان. أو على الأقلّ يظلّ ذلك غير مقنع بوجود هذه العلاقة. أمّا كون وجود القصص والسّجع في الأحاديث، فهذا قد يكون قاسمًا مشتركًا في كثير من الفنون الأدبية، لا يكفي مبرّرًا أو دليلاً على وجود شبه قويّ بينها وبين مقامات بديع الزّمان. من هنا يبدو لنا رأي عمر فرّوخ غير واضح. ويمكن لنا أن نقرّر أنّه ينفي بطريقة غير مباشرة تأثّر بديع الزّمان بابن دريد. بل هو يثبت لبديع الزّمان اختراع هدا الفنّ في الكتابة الأدبية الفنّية؟
أمّا الدّكتوة إكرام فاعور فلا ترى أحاديث ابن دريد مصدرًا لمقامات بديع الزّمان الهمذاني، لكنّها – بدورها – لا تنفي تأثّر بديع الزّمان بابن دريد. وقد قامت بعقد مقارنة بين الأثرين، فوقفت على
__________
(1) - عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، ج2، ط4،، ص: 413.
(2) - المرجع نفسه .. عن حقيقة المقامة، وعن الأجزاء التي تتكوّن منها، ينظر الدّكتور محمد غنيمي هلال، النّقد الأدبي الحديث، دار ...
نهضة مصر للطّبع للنّشر، الفّجالة، القاهرة، 1973م، ص: 529. وعمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 412. (1/12)
صفحة 13
أوجه الشّبه بينهما (1) من دون أن تثبت أنّ بديع الزّمان قد تأثّر بابن دريد في كلّ مقاماته. تستدلّ على ذلك بقولها: " إنّنا لم نجد بين الكتّاب الذين عاصروا الهمذاني من أخذ عليه هذا المأخذ، ولا سيّما خصمه اللّدود الخوارزمي، فقد كان معجبًا بالمقامات غاية الإعجاب، يظهر استحسانًا بها، بالرّغم من أنّه كان يتربّص به، ويتحيّن الفرص للحطّ منه، ومن مكانته الأدبية ... " وتضيف الدّكتورة قائلة: " لا شكّ أنّ بديع الزّمان قد قلّد ابن دريد في بعض أحاديثه، سواء من ناحية الموضوع، أم من ناحية الأسلوب ... ونستطيع أن نقول: إنّ ابن دريد هو ملهم فنّ المقامات للهمذاني، وقد عرف بها بديع الزّمان، وكلّ من كتب مقامات من بعده، كان مقلّدًا له، واعتبره منشئ هذا الفنّ في اللّغة العربية." (2)
تبدو الدّكتورة أيضًا غير واضحة في موقفها من تأثّر بديع الزّمان الهمذاني في مقاماته بابن دريد في أحاديثه من عدمه. فهي لم تحسم الموضوع، فقد صعب عليها اتّخاذ موقف محدّد، لست أدري ما هو السّبب. فهي تقول: إنّ بديع الزّمان قد قلّد ابن دريد في بعض أحاديثه في الموضوع والأسلوب. أنا لا أرى شبهًا بين الأثرين في الأسلوب بالنّظر إلى طبيعة المقامة. ومن حيث الموضوع، فإنّ الموضوعات هي مجال لكلّ من يكتب في الحياة العربية، وبأيّ أسلوب وطريقة. إذن إنّ هذا ليس دليلاً على تأثّر الهمذاني بابن دريد. من جهة أخرى تقول الدّكتورة: إنّ الهمذاني منشئ فنّ المقامات، وملهمه في هذا هو ابن دريد. لكنّها لم توضّح كيفية الإلهام هذا، ولا الجوانب التي استلهم فيها الهمذاني أحاديث ابن دريد. لذا يبقى موقفها غير واضح، بل غير صريح. قد تكون لها قناعة أخرى لم تَبُح بها.
يرى الدّكتور أحمد درويش أنّ الأحاديث التي قدّمها ابن دريد للنّثر الأدبي العربي، هي نواة لفن المقامة، التي توسّع فيها بديع الزّمان الهمذاني، ومن بعد الحريري (3) لكنّه لم يقدّم أدلّة على ذلك، بل إنّ ما كتبه في الموضوع، وبخاصّة ما سجّله من فروق جوهرية في المضمون والبناء الفنّي بين الأثرين، لا يتوافق مع رأيه هذا. (4) فيبقى رأيه هو أيضًا غير دقيق وواضح في هذه النّقطة. بل يبدو أحيانًا متردّدًا،
__________
(1) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 131 وما بعدها.
(2) - المرجع السّابق، ص: 142.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40.
(4) - ينظر المرجع السّابق، ص: 105 – 114. (1/13)
صفحة 14
حين يعمد إلى التّخمينِ والافتراض. فهو يقول مثلاً: " وهذه الأحاديث الثّلاثة ربّما تكون الأصل الذي بنى عليه بديع الزّمان الهمذاني شكل مقاماته في الكدية ونماذج بني ساسان المختلفة عنده ... " (1)
أمّا الدّكتور محمد صالح ناصر فيقول عن أحاديث ابن دريد: " ... كما أملى على تلميذه أغلب ما يسمّى بأحاديث العرب، التي تعدّ إرهاصًا لمقامات بديع الهمذاني ... " (2) وبعد أن يعرض آراء بعض الدّارسين في المسألة ينتهي إلى الخلاصة الآتية: " وخلاصة الرّأي الذي انتهى إليه هؤلاء جميعًا، هو أنّ ابن دريد هو السّابق إلى هذه الأحاديث، التي يمكن أن تكون الأرضية الحقيقية لفنّ المقامات، ولا مانع من أن يكون الهمذاني قد اعتمدها أساسًا، ثمّ أضافَ إليها عناصر فنّية أخرى مثل: الكدية، والحوار، والبطل، والفكاهة، والطّرافة، والتّهكّم، والهجاء، والعقدة القصصية، التي تكاد تخلو منها أحاديث ابن دريد." (3)
لم يحسم الدّكتور الأمر بما سجّله في هذا النّصّ، ولم يقرّر ما إذا كانت أحاديث ابن دريد تعدّ إرهاصات لمقامات الهمذاني. فقد وردت في النّصّ الكلمات والعبارات الآتية: (يمكن أن تكون، ولا مانع ... ثمّ أضاف إليها عناصر فنّية) هذه العناصر التي ذكرها الدّكتور هي الأساس في تركيبة فنّ المقامة، التي يعترف صراحة أنّها مفقودة في أحاديث ابن دريد، حتّى ولو أشار إلى ذلك بقوله: " التي تكاد تخلو منها أحاديث ابن دريد". إذن كيف يمكن أن تكون هذه الأحاديث - بهذه الفوارق التي بينها وبين المقامات - إرهاصًا لظهور فنّ المقامات، وأن يكون ابن دريد السّبّاق لوضع الأرضية الحقيقية لهذا الفنّ؟؟
خلاصة القول: إنّ الحكم الفصل في المسألة لَمَّا يظهر، ومن ثمّ َلَمَّا يسجّل. فما قدّمه القائلون والمتحمّسون للرّأي القائل: بأنّ أحاديث ابن دريد هي نواة فنّ المقامات، الذي ينسب ابتكاره إلى الهمذاني، ما قدّمه هؤلاء غير مقنع، وغير كافٍ لتبنّي رأيهم.
هذه مجموعة أسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابات واضحة مقنعة حقيقية، بعد البحث والدّراسة. هذه الأسئلة تدفعنا جميعًا إلى بذل مزيد من الجهد في الغوص والتّأمّل فيها، ودفع عجلة البحث للوصول إلى نتائج تقدّم إيضاحات عن هذا العمل الأدبي المتميّز.
__________
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 137، الهامش (3).
(2) - محمد بن الحسن بن دريد ... ،ص: 60.
(3) - المرجع السّابق، ص: 167. (1/14)
صفحة 15
مضمون أحاديث ابن دريد
نقول في البداية: إنّ مضمون أحاديث ابن دريد في حاجة إلى وقفات ونظرات ودراسات لتحديد حقيقة هذا المضمون: محتوى وهدفًا وقيمةً. ومعرفة إلى من وجّه ابن دريد هذه الأحاديث من النّاس، ولماذا وكيف ...
أحاديث ابن دريد ذات موضوعات متنوّعة مختلفة، تكشف عن المخزون الكبير من المعارف التي يملكها، ويبدو أنّه وجّهها لتعليم النّاشئة والمتعلّمين وعامّة النّاس ليعرّفهم بأصول لغتهم وأدبهم وتاريخهم، ولإطلاعهم على بعض النّوادر والطّرائف، التي وجّهها للتّثقّف والمحافظة على الأصالة والكرامة والمتعة. إِنّ الهدف الذي كان يرمي إلى تحقيقه ابن دريد تقول عنه الدّكتورة إكرام فاعور: " فأراد بذلك تهذيب النّفس، وتهذيب اللّسان؛ للإلمام باللّغة، وما تحتويه من مفردات غريبة، وتراكيب مجازية، من الواجب الاطّلاع عليها والإحاطة بها." (1)
أحاديثه دارت حول حياة الأعراب والبادية, ثمّ التّاريخ، بمواقف رجاله وبعض مشاهده، وعالم النّساء، بمختلف ميادينه، وعالم الحكمة والفصاحة واللّغة العربية، ثمّ عالم الكهانة ... يلخّص لنا الدّكتور زكيّ مبارك القول في موضوعات أحاديث ابن دريد: " إنّ ابن دريد اهتمّ بتصوير الشّمائل العربية، وكلف بنوع خاصّ بتقديم طائفة من أحلام النّساء في فهم الرّجال، وإعجاب البنات بأعمال الآباء، وما
__________
(1) - الدّكتورة إكرام فاعور، مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث اين دريد،، ص: 99. (1/15)
صفحة 16
يقع في الملاحاة بين الأزواج، والتّواصي بين الشّباب والكهول. كلّ ذلك بطريقة قويّة وأخّاذة، تجعل له مكانًا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس" (1)
نذكر بعض الموضوعات التي دارت فيها أو حولها هذه الأحاديث من دون استقصائها كلّها. حسبُنا أن نقدّم صورة عمّا كان يشغل بال ابن دريد. ومن هذا العرض يمكن لنا تقويمها في مضمونها.
أوّلا: أحاديث عن الأعراب
تناولت أحاديث ابن دريد جوانب شتّى من حياة الأعراب في البادية والحضر. وقد نوّع فيها ابن دريد بين ذكر الأعراب والكدية، والأعراب والحجّاب، والأعراب والنّوادر والطّرائف، التي تكشف عن جوانب كثيرة من شخصية الأعراب، فيها الحكمة والذّكاء والأناة، والرويّة والحلم والغضب، والبلاهة والغفلة، والشّمائل والفضائل ...
أ – أعرابيّ يسأل ويشكو حاله العسرة (2) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وقفَ علينا أعرابيّ ونحن بِرَمْلَةِ اللِّوَى فقال: رحِمَ الله امرَأً لَم تَمْجُجْ أُذُناهُ كلامي، وقدّمَ معاذَةً من سوءِ مقامي؛ فإنّ البلادَ مُجدبة، والحالَ مُسغِبة، والحياءَ زاجرٌ، يَمْنَعُ من كلامكم، والفقرَ عاذرٌ يدعو إلى إخبارِكُمْ، والدّعاءُ أحد الصّدقتين، فرحم الله امْرأً أمرَ بِمَيْرٍ، أو دعا بِخيرٍ، فقلتُ: ممّنْ أنت يرحمك الله؟ فقال: اللّهم غَفْرًا، سوءُ الاكتساب يَمنعُ من الانتساب."
ب – الأعرابي والكريم (3) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخل أعرابيّ على خالد بن عبد الله القسري، فقال: أصلح الله الأميرَ، شيخٌ كبيرٌ حَدَتْهُ إليكَ باريَةُ العظام، ومُؤَرِّثَةُ الأسقامِ، ومطوّلَةُ الأعوام، فذهبتْ أموالُه، وذُعْذِعَتْ آبالُه، وتَغيّرتْ أحوالُه، فإن رأى الأميرُ أن يَجْبُرَهُ بفضلِه، ويَنْعَشَهُ بِسَجْلِهِ، ويرُدّهُ إلى أَهلِه. فقال: كلُّ ذلك، فأمر له بعشرة آلاف درهم." (4)
يكشف الحديثان عن جانب بارز ومهمّ من شخصية الأعراب وهو التّعبير الدّقيق الفصيح، والتّحلّي بالحياء في عرض الحال، وطلب المعونة والإغاثة.
__________
(1) - الدّكتور زكيّ مبارك، النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 231، 232.
(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 138
(3) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 46.
(4) - ذُعْذِعَتْ: فُرِّقَتْ. السَّجْلُ: الدّلوُ التي فيها ماء. (1/16)
صفحة 17
ج – أعرابي يصف الجدب والمطر. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا من غَنِيّ يذكر مطرًا صابَ بلادهم في غِبِّ جدْبٍ، فقال: تَدارَكَ رَبُّكَ خلْقَهُ، وقدْ كَلِبَتْ الأمْحال، وتقاصرت الآمال، وعكفَ اليأْس، وكُظِمت الأنفاس، وأصبحَ الماشي مُصرِما، والمُتْرِب مُعْدِما، وَجُفِيَت الحلائل، وامْتُهِنت العقائل، فأنْشَأَ سَحابًا رُكاما، كَنَهْورًا سَجَّاما، بُروقه مُتألِّقة، ورُعودُه مُتَقعْقِعَة، فَسَحَّ ساجِيًا راكِدا، ثلاثًا غيرَ ذي فُواقٍ؛ ثُمَّ أمَرَ رَبُّك الشّمالَ فَطَحَرَتْ رُكامَه، وفَرّقت جَهامَه، فانقشعَ مَحمودا، وقدْ أَحْيَا وأغْنَى، وجادَ فَأَرْوَى، والحمد لله الذي لا تُكَتُّ نِعمُه، ولا تَنْفَدُ قِسَمُه، ولا يَخِيبُ سائِلُه، ولا يَنْزُرُ نائِلُه."
في هذا الحديث تظهر قوّة اللّغة، وحسنُ الصّياغة، ودقّة الوصف، وبراعة الاستقصاء، مع الإيجاز في التّعبير، واختيار النّقط البارزة في المشهد، التي تقدّم الصّورة الحقيقية للموصوف، إلى جانب الموسيقى المتولّدة من الجمل القصيرة المتتابعة، والنّبر النّابع من تكرار الأصوات المتشابهة، أو المتقاربة في المخارج والصّفات، والسّجع غير المتكلّف، الذي جاء منسجمًا مع المشاعر المتدفّقة والأحاسيس الصّادقة ...
إضافة إلى العاطفة الدّينية التي ارتسمت على هذه اللّوحة الفنّية في هذا الحديث المختصر البليغ. إذ كان ما حدث من الغوث بالمطر بعد المحل والجدب، هو من عند الله المنّان الكريم الرّحيم، فاستوجب الحمد على نعمه الني لا تُكتُّ ولا تنفد. وهو ما نبّه ودعا إليه الأعرابي.
بِهذا النّموذج يقدّم لنا ابن دريد صورة عن بلاغة الأعراب وفصاحتهم، وعلى قدرتهم على الوصف الجيّد، ويسجّل باعهم الكبير في قاموس اللّغة العربية.
عن ذكاء الأعراب وفطنتهم، حدّث ابن دريد عن حسن التّخلّص في المواقف الحرجة. قال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحي قال: ذَكر أعرابيّ رجلاً فقال: ما له لَمَجَ أمَّه، فرفعوهُ إلى السّلطان، فقال: إنّما قلتُ: مَلَجَ أُمّه. قال أبو بكر، قال أبو العبّاس: لَمَجَها: نَكحَها. ومَلَجَها: رَضَعها." (2)
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 173.كَلِبَتْ: اشتدّت. الماشي: صاحب الماشية. المُصرِمُ: المعدم: قليل المال. المُتربُ: الغنيّ الذي له من المال مثل التّراب كثرةً. الكنَهْوَر: قطع كالجبال. طَحَرتْ: أذهبت وأبعدتْ. الجهام: السّحاب الذي قد هراقَ ماءَه. تُكتُّ: تُحصَى. يَنْزُرُ: يَقِلُّ.
(2) - المصدر السّابق، ص: 137. (1/17)
صفحة 18
قد يكون من بين ما كان يهدف إليه ابن دريد من هذا الحديث تعليم اللّغة العربية، بخاصّة وقد عرف عنه الحرص على تلقين النّاشئة لغتهم فصيحةً، بعد ما تعرّضت للتّشويه والتّغيير في البيئة العربية، بعد دخول العناصر غير العربية إليها وتغلغلهم في أعماقها، ونقص الاهتمام بها وتعلّمها ...
إلى جانب البلاغة والفطنة والذّكاء، كانت هناك مظاهر الغفلة والتّخلّف والجهل، وقد برزت في بعض أوساط الأعراب منها حالات، حدّث عنها ابن دريد. الحديث الآتي يكشف عن ذلك، وهو يبيّن جهل الأعراب بالقرآن. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: اختصم أعرابيان إلى شيخ منهم، فقال أحدهما: أصلحك الله، ما يحسن صاحبي هذا آية من كتاب الله عزّ وجلّ، فقال الآخر: كَذَبَ والله، إنّي لقارئ كتاب الله، قال: فاقرأ، فقال:
عَلِقَ القَلْبُ ربابا ... بَعْدَ ما شابَتْ وَشابَا
فقال الشّيخ: لقد قرأتَها كما أنزلها الله، فقال صاحبه: والله أصلحك الله، ما تعلّمها إلاّ البارحةَ." (1)
د – نصائح ووصايا
1 - نصيحة أعرابي. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا (أي أبو بكر)، قال: أنبأنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا من بني مُرَّة يعظ ابنًا لهُ، وقد أفسدَ ماله في الشّرابِ، فقال: لا الدّهرُ يعِظُك، ولا الأيّامُ تُنذِرُك، والسّاعاتُ تُعَدُّ عليك، والأنفاسُ تُعدُّ منك، أَحَبُّ أمْرَيكَ إليكَ أَرَدُّهُما بالمضرَّةِ عليك."
" قالَ: وأخبرَنَا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سمعتُ أعرابيًا يقولُ لأخٍ له: اعْلَمْ أنّ النّاصِحَ لَكَ المُشْفِقَ عليك منْ طالعَ لكَ ما وراءَ العواقبِ برويّته ونظَره، ومثّل لك الأحوالَ المَخُوفةَ عليكَ، وخلَط الوَعْرَ بالسّهلِ من كلامه ومَشورتِه، لِيكونَ خوفُكَ كِفاءَ رجائِكَ، وشُكرُكَ إِزاءَ النِّعمَةِ عليك، وَأنّ الغاشَّ لكَ والحاطِبَ عليْك مَنْ مَدَّ لك في الاغترارِ، ووَطَّأَ لَكَ مِهادَ الظُّلْمِ، تَابِعًا لِمَرْضاتِكَ، مُنْقادًا لِهواك."
2 – وصيّة أعرابي. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا (أي أبو بكر) قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتُ أعرابيًا يوصي ابنه فقال: ابذُلِ المَوَدّةَ الصّادقةَ تستَفِدْ إخْوانًا، وتَتَّخِذْ أَعوانًا، فإنّ
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 308.
(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 194، 195. ورد الحديثان مع مجموعة من الأحاديث تحت عنوان " مطلب حكم ومواعظ من كلام الحكماء"
(3) - المصدر السّابق، ص: 197. مُستعرِزة: منقبضة شديدة. (1/18)
صفحة 19
العداوةَ موجودَةٌ عتيدة، والصّداقة مُسْتَعْرِزَة بعيدة، جنِّب كرامتَك اللّئام، فإنّهم إن أحسنتَ إليهِمْ لَمْ يشكُروا، وإنْ نَزَلَتْ شديدةٌ لَمْ يَصبروا."
3 – من حكم الأعراب (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: لا يوجد العجول مَحمودًا، ولا الغضوبُ مسرورًا، ولا المَلولُ ذا إخوانٍ، ولا الحرُّ حريصًا، ولا الشّرِهُ غنيًّا."
" وحدّثنا وقال: أخبرَنَا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: صُنْ عقلَكَ بالحِلْمِ. ومُروءَتَكَ بالعفاف، وَنَجْدَتَكَ بِمُجانَبَةِ الخُيلاء، وخَلّتَكَ بالإجمالِ في الطّلب."
" وحدّثنا قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: أقبحُ أعمالِ المُقتدرين الانتقام، وما استُنْبِطَ الصّوابُ بِمثل المشاورة، ولا حُصِّنَت النّعمُ بمثل المواساة، ولا اكتُسبت البغضاءْ يِمثلِ الكِبْرِ."
إنّ هذه الوصايا التي ذكرناها هنا، مروية عن ابن دريد من بين النّصائح الكثيرة الني حدّث بها عن الأعراب. تبعث على القول: إنّ أبا بكر بن دريد كان حريصًا على توجيه النّاس إلى معرفة الخلال التي تبني شخصياتهم، وتقيم كيانهم على أحسن الأسس، وأصحّ القواعد. وقد حرص أن تكون منقولة ومنحوتة من تجارب الحكماء والحصفاء، ومتولّدة من خبرات رجال حلبوا أشطر الدّهر، وخاضوا غمار الحياة، وجابوا في دروبها فعركوها وعركتهم. كما أنّ بعضها صادر من آباء وأولياء حرصوا أن يوجّهوا أبناءهم الوجهة الحسنة، وأن يوصوهم وصايا، دَعَّهم إليه دافع الواجب الملزوم، والفرض المحتوم في القيام بمسؤولية التّربية والعناية والرّعاية، وأداء الأمانة المنوطة بأعناقهم. كما أنّ هذه الوصايا التي حدّث بها ابن دريد، نابعة من بيئة عذراء نظيفة، ومن ناس لم تفسد المدنية والحضارة طباعهم، إذ كانت صادرة من أعراب سكنوا البادية، فنقلوا ما أنتجته الفطرة من صالح الخلال وكريم الشّمائل. أخبر بِها ابن دريد من أراد له الخير والأمان والفوز في هذه الحياة.
هذا السّلوك من ابن دريد يتكرّر كثيرًا في نشاطه وتحرّكه وعمله، وهو الاستناد إلى الأعراب في التّوجيه والإرشاد والدّعوة. فهو معجب بهم كثيرًا. وفي الوقت نفسه يهدف ويعمل على الإبقاء على الوجه الأصيل للحياة العربية الإسلامية، التي بدا عليها التّأثّر بِبَصمات المتغيّرات، ولمسات الثّقافات
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 29، 30. (1/19)
صفحة 20
الأخرى، التي بدأت تغزو المجتمعات العربية الإسلامية في عهده، وظهرت لِتزحزح شيئًا فشيئًا سمات الثّقافة العربية والإسلامية ومظاهرهما.
دليلنا عل إعجاب ابن دريد بالأعراب، والرّكون إليهم في الإفادة من حياتهم وأقوالهم وأفعالهم ما جاء في الحديث التي حدّث به تلاميذُه وروّادُ مجالسه؛ نقلاً عنه (1). قال أبو علي القالي:" وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: ذكر أعرابيّ قومًا فقال: أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التّسويف الذي به قطع النّاس مسافة آجالهم، فذلّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفَعوه بالفَعال."
نختم هذا العرض في هذا الموضوع بالحديث الآتي: قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد الله عن عمّه عبد الملك بن قُرَيْب، قال: سَمِعتُ أعرابيًا، يدعو الله وهو يقول: هَربتُ إليكَ بنفسي يا ملجأَ الهاربين بأثقال الذّنوب، أحْملها على ظهري، لا أَجِدُ شافِعًا إليكَ إِلاّ معرفتي بأنّك أكرمُ من قَصَدَ إليه المضطرّون، وأمَّلَ فيما لديه الرّاغبون، يا من فَتَقَ العقول بِمعرفته، وأَطلقَ الألسنَ بِحَمده، وجعل ما امتنّ به من ذلك على خلقه كِفاءً لتأدية حقّه. لا تَجعل للهوى على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا." (2)
في الحقيقة إنّ اهتمام ابن دريد بالأعراب، والحرص على إيراد أخبارهم ونوادرهم في أحاديثه، يلفت النّظر، ويبعث على البحث عن دوافع ذلك عنده وتحليله، والتّأمّل فيه، وتقويم هذا التّوجّه أو الاتّجاه ... فعل هذا وهو يحدّث تلاميذه كما فعل مع تلميذه أبي عليّ القالي، وهو يملي عليه " ما يسمّى بأحاديث العرب ... التي تجاوزت السّبعمائة حديث " (3) أو كما صنع حين ألّف الأحاديث الأربعين لإسماعيل بن ميكال ليؤدّبه بها ويعلّمه أصول اللّغة العربية كما يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وكان (أي ابن دريد) من أهمّ ما ألّفه لإسماعيل لكي يحسن العربية كتاب الأربعين حديثًا، قصّ فيه حكايات عربية قديمة، تقوم على الحبّ، كما تقوم على التّاريخ." (4)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 21.
(2) -كتاب الأمالي، ج1، ص: 11.
(3) - ينظر الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل الأدب، ص: 56.
(4) - المرجع السّابق، ص: 56. إنّ الحقيقة غائبة عن حقيقة الدّوافع لإملاء هذه الأحاديث: بسبب كثرة الرّوايات وتضاربها أحيانًا. (1/20)
صفحة 21
يقول أحمد درويش: " وأبرز هذه الطّوائف طائفة "الأعراب"، وهي طائفة متعدّدة الوجوه، وتعكس معالجة ابن دريد لها في أحاديثه أصداء الأفكار التي كانت شائعة في الحضر عن عالم البدو، ومدى ما يتمتّعون به من صفات عفوية متضاربة في بعض الأحيان، وبعض خصائصهم تلك يمكن أن تكون مثارًا للتّفكّه، وبعضها الآخر يصبح مثارًا للتّعلّم والاقتداء بالصّفات التي لم يفسدها التّحضّر." (1)
قد يكون ذلك راجعًا إلى إعجابه بالأعراب: فصاحة وبيانًا، وشمائل وأخلاقًا، التّحدّث بها يعين على بناء شخصية الإنسان الحقيقية. وقد يعود هذا إلى ما لاحظه في المجتمع من تغيّر في القيم، وتخلّ عن الأصول، وامتزاج بالثّقافات غير العربية، التي أثّرت سلبًا على مقوّمات الشّخصية العربية ... فأراد بهذه الطريقة أن يرجع لهذه القيم مكانها في التّربية والتّكوين، فعمد إلى حياة الأعراب يمتاحها لتمنحه الأسباب التي تعينه على بناء شخصية النّشء على السّنن العربية الأصيلة، بخاصّة وهو العالم المعلّم الذي سخّر حياته للعمل في هذا الميدان. قد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية، في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم الكثيرة، ونقل أخبار الأعراب، ونبذ من فصاحتهم ... قد يكون لكلّ ذلك علاقة أو انعكاس لما ساد عصره من مزاحمة الثّقافة العربية من الثّقافات الأخرى الوافدة، التي تركّزت في الأوساط العربية، وغيّرت من معالمها. وقد وصل الحال إلى المواجهة بين الثّقافتين، بلغ حدّ المفاضلة بينهما: "شكّل في بعض المراحل نمطًا ثقافيًا، يتمّ من خلاله عادة المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداهما بالثّقافة العربية الإسلامية، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى." (2)
هذا التّوجّه هو الذي يعطي لهذا المضمون قيمة، ويمنحه الرّيادة في السّير في هذا الطّريق. طريق المحافظة على الأصالة، وبعث الثّقافة الأولى التي ينبغي أن تسود، مع التّفتّح على الثّقافة الأخرى، من دون أن تمسّ من الأولى.
ثانيًا: أحاديث من عالم النّساء
من موضوعات أحاديث ابن دريد عالم النّساء، في جوانب كثيرة منه. تناولتها بنتًا وأمًّا وزوجًا، وفتاة عاشقة ومعشوقة ... نقلت عنها الشّجاعة والمروءة، والقيام بشؤونها أحسن قيام، والتّمرّد والخروج
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 116.
(2) - المرجع السّابق، ص: 41. (1/21)
صفحة 22
عن الأعراف وغيرها من الجوانب والمجالات. يقول الدّكتور أحمد درويش: " وهناك أحاديث أخرى، تدور حول عالم (النّساء والعشق)، وتعكس بدورها صورة عن المرأة: فتاة وزوجة وأمًّا وعاشقة ومعشوقة، خاضعة للتّقاليد ومتحايلة عليها، وذات دور هامّ في المجتمع وإدارة شؤونه." (1)
نقدّم فيما يأتي بعض النّماذج والأمثلة عن هذا العالم.
1 – قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخلتُ على امرأة بأعلى الأرض في خباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموتُ، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّتهُ، ثمّ قالت: يابن أخي، فقلتُ: ما تشائين؟ قال: ما أحقَّ من أُلْبِسَ النّعمةَ وأُطيلتْ به النّظرةُ أن لا يدعَ التّوثّق من نفسه قبل حلِّ عقدته، والحلول بعقوتِه، والمَحالة بينه وبين نفسه. قال: وما يَقطر من عينيها قطرةٌ صبْرًا واحتسابًا، ثمّ نظرتْ إليه فقالت: والله ما كان مالُك لبطنك، ولا أمرُك لِعِرسك. ثمّ أنشأت تقول: رحيبُ الذّراعِ بالتي لا تَشينُه ... وإن كانت الفَحشاءُ ضاق بها ذرعَا" (2)
هذا الحديث يسجّل قوّة تحمّل المرأة الثّكلى وتجلّدها وصبرها على ما حلّ بها، من فقد ولدها، وانصرافها إلى تقديم كلام بليغ حكيم للوافد عليها، فيه النّصح والتّذكير الصّادران عن حنكة وتجربة ...
2 - ثكلى كريمة. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: نزلتُ على امرأة من بني عامر بن صعصعة، وقد مات ابٌن لها، وهي من القلق على مثل الرَّضْفَةِ، فقامت تعالجُ لي طعامًا، فقلتُ لها: يا هذه، إنّك لفي شُغُلٍ عن هذا، فقالت: والله لا تجوز بيتي إلاّ مَقريًّا، ولكن أنشدني أبياتًا أسلو بهنّ، فإنّي أراكَ لوذعيًا، فأنشدتُها أبيات نُويرة بن الحصين المازني، يرثي ابنه:
إنِّي أُرِي للشّامتين تجلّدي ... وإنِّيَ كالطّاوي الجناحِ على كسْرِ
يُرَى واقِعًا لَمْ يُدْرَ ما تَحْتَ ريشِه ... وإِنْ ناءَ لَمْ يَسْطِعْ نُهوضًا إلى وَكْرِ
__________
(1). - المرجع السّابق، ص: 131
(2) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 278.
(3) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 261، 262. (1/22)
صفحة 23
فلولاَ سرورُ الشّامتين بكبوتِي ... لَما رَقَأَتْ عينايَ من واكفٍ يَجْرِي
على من كفاني والعشيرةَ كلَّها ... نوائِبَ ريبِ الدّهرِ في عَثرة الدَّهر
ومن كانت الجاراتُ تأْمَنُ ليلَهُ ... إذا خِفْنَ من باتتْ غوائلُه تسري
بصير بِما فيه لَهُنّ حصانةٌ ... غَبِيٌّ عن المحجوبِ بالباب والسِّتْرِ
يكفُّ أذاهُ بعد ما بذْلِ عُرْفِه ... وَيَحْلُمُ حِلْمًا، لا يُذمُّ ولا يُزري
ويأخُذُ مِمّن رامَ بالهَصْرِ هَيْضَةً ... إذا ما أرادَ الأخذَ بالهصرِ والقسرِ
ولا يُنْظِرُ الأيسارَ إن نال يُسْرَهُ ... ولا ينثني عن فعل خيرٍ لدى العسرِ
ولا يتأرَّى للعواقب إن رأى ... له فرصةً يَشْفِي بِها وَحَرَ الصَّدر
ولكنّه ركّابُ كلِّ عظيمةٍ ... يضيقُ بِها صدرُ الحَسودِ على الأمرِ
ولستُ وإنْ خَبَّرتُ أن قَدْ سَلِيتُه ... بِناسٍ أبَا سوداءَ إلاّ على ذِكْرِ
شَمائلَ منه طيّبات يَعُدنني ... وأخلاق مَحْمود لدى الزّاد والقِدرِ (1/23)
صفحة 24
فتًى شَعْشَع يُروي السّنانَ بِكَفِّه ... وَيَجْمَعُ للمَولَى العطاءَ مع النَّصرِ
قال: فكأنّي والله زَبَرْتُ الأبيات في صدرها، فما زالت تنشدها وتصلح طعامي حتَّى قَرَتْني ورُحتُ من عندها، "
هذا الحديث يحمل دلالات كثيرة، يقف عليها المتأمّل فيه بقدر ما يتمكّن من قراءة ما ورد فيه قراءة متأنّية، وبقدر ما يسعفه ذكاؤه من الغوص فيه والاستنباط. نحن نقول باختصار: إنّ الحديث يكشف عن جانب الضّعف في الإنسان، وهو يتعرّض لمصيبة، وبخاصّة المرأة. ويبرز وجهًا آخر للمرأة، وهو جانب الضّعف، مقابل جانب القوّة الذي برز في الحديث السّابق. فيه أيضًا الجانب النّفسي الذي يبحث عنه المرء المكلوم ليسلو به، ويخفّف عن نفسه، وهو ما طلبته المرأة من اللّوذعي، الذي تفرّست فيه القيام بهذا الدّور، وقد أحسن الأصمعي الحاذق في اختيار الأبيات المناسبة للحالة التي عليها المرأة. في الحديث أيضًا إبراز لإحدى مكارم الأعراب، وهي إكرام الضيف، مهما تكن الحالة التي يكون عليها المرء، فحزن المرأة على فقيدها لم يصرفها عن قرى الضّيف النّازل عليها ... (1)
3 – أعرابية تثني على زوجها. (2) قال أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر – رحمه الله – قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وصفتْ أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمّها فقالت: يا أمَّهْ، من نشرَ ثوبَ الثّناءِ فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جُحودٌ لما وجب من الحقّ، ودخول في كفر النّعم، فقالت لها أُمُّها: أيْ بُنَيّة، أَطَبْتِ الثَّناء وقمت بالجزاء، ولم تضعي للذّمّ موضعًا، إنّي وجدتُ مَنْ عَقَلَ لم يعجل يذمٍّ ولا ثناءٍ إلاّ بعد اختبار، فقالت: يا أُمَّهْ، ما مدحتُ حتّى اختبرتُ، ولا وصفتُ حتّى عرفتُ."
يوصي هذا الحديث بأمور مهمّة في حياة النّاس، وفي علاقاتهم فيما بينهم. الأوّل: الوفاء لمن تربطنا به علاقة متينة، كعلاقة الزّواج، الميثاق الغليظ، كما سمّاه عزّ وجلّ في كتابه الكريم. الثّاني: والمدح والثّناء لا يكون إلاّ بعد النّظر في الأخلاق الحميدة. الثّالث: الحكم في كلّ الأمور لا يكون إلاّ عن بيّنة، وتقدير
__________
(1) - الرّضفة: الحجارة المحماة. الهيض: الكسر. يتأرَّى: ينتظر ويترقّب. وحر الصّدر: غيظه وفعله. شعشع: طويل. زبرت: كتبت.
(2) - المصدر السّابق، ص: 221. (1/24)
صفحة 25
سلوك شخص لا يكون إلا عن دراية، وهو يَحصل بعد اختبار دقيق ومعرفة جيّدة. فهذه دروس تؤخذ من هذا الحديث. وهي لا شكّ من مقاصد ابن دريد في إيراده.
4 - أعرابية تكره البالغة. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتْ أعرابيةٌ رجلاً ينشد:
وكأسٍ سُلافٍ يَحْلِفُ الدّيكُ أنّها ... لدى المزجِ من عينيهِ أصفى وأحسن
فقالت: بلغني أنّ الدّيك من صالح الطّير، وما كان ليحلفَ كاذبًا."
المرأة الأعرابية التي نشأت على الفطرة في البادية، ونَبَتَتْ على الخلق القويم، لم تتقبّل نفسها الكذب في المشاعر، حتّى ولو كانت المبالغة في القول هنا لبيان نهاية الانتشاء، من باب أصدق الشّعر أكذبه، (طبعًا في المبالغة في التّصوير) فكان ردّها بطريقة لطيفة جَميلة، حين ذكّرت القائل أنّ الدّيك حيوان صادق، لا يمكنه أن يحلف كاذبًا، فلماذا تنسب إليه ما ليس من طبعه؟ ولماذا توظّفه لتكذب على النّاس أيّها الرّجل؟ بيّن الحديث جانبًا من شخصية المرأة، المتمثّل في حصافة العقل، وفي جميل النّقد، الذي هو من نتاج العقل.
قريب من هذه الصّورة حديث حدّث به ابن دريد، وهو يريد أن يكشف عن براعة المرأة في الرّدّ، وفي الوقت نفسه يبيّن سلاطة لسانها، حين تهان أو تهمل. هذا ما فهمته من الحديث الآتي، الذي أثبته الدّكتور أحمد درويش في كتابه تحت عنوان: " متخم وزوجته جائعة". وأورده القالي تحت عنوان: " كتاب امرأة إلى زوجها وكان مع الحجّاج يحضر طعامه وهي في سوء حال" (2): قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو عثمان الأشنانداني قال: كان رجلٌ من أهل الشّام مع الحجّاج يحضر طعامه، فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:
أَيُهْدَى لِيَ القِرْطاسُ والخُبزُ حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطينُ
إذا غِبتَ لَمْ تذكرْ صديقًا، ولَمْ تُقِمْ ... فأنت على ما في يديك ضنينُ
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 136.
(2) - المصدر نفسه. (1/25)
صفحة 26
فأنت ككَلْبِ السّوءِ جَوَّعَ أهله ... فَيُهْزَلُ أَهْلُ البيتِ وهو سَمينُ "
زيادة على ما في الأبيات من بيان ردّ المرأة الغاضب والمبكت، فيه ما يجب أن يكون عليه الإنسان السّويّ في علاقته بغيره.
نبقى مع سلاطة اللّسان والمشاتمة والخصام، ونورد حديثًا لابن دريد، أملاه أبو عليّ القالي (1) قال فيه: " وحدّثنا أبو بكرٍ رحمه الله تعالى قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتُ امرأةً من العرب تُخاصمُ زوجها، وهي تقول: والله إنّ شُرْبَكَ لاَشْتِفافُ، وإنَّ ضِجْعَتَكَ لاَنْجِعافُ، وإنّ شِمْلتكَ لاَلْتِفافُ، وإنّك لتَشْبَعُ ليلةَ تضاف، وتنامُ ليلَةَ تَخاف. فقال لها: والله إنّك لَكَرْوَاءُ السّاقين، قَعْواءُ الفَخِذينِ، مقَّاءُ الرُّفغَينِ، مُفاضَةُ الكَشْحينِ، ضيفُكِ جائع، وشرُّك شائع." (2)
5 – البنات الثّلاث والزّوج المطلوب. حديث ورد في كتاب الأمالي تحت عنوان: " مطلب تفسير ما جاء من الغريب في حديث البنات الثّلاث اللاَّئي وصفن ما يُحببن من الأزواج (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي قال: قالت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صِفْنَ ما تُحببنَ من الأزواج، فقالت الكبرى: أريدُ أَرْوَعَ بَسَّاما، أحذَّ مجذاما، سيِّد ناديه، وَثِمالَ عافيه، ومُحْسِبَ راجيه، فناؤُه رحبٌ، وقيادُه صعبٌ. وقالت الوسطى: أريده عالي السّناءِ، مُصمِّمَ المَضَاء، عظيم نارِ، مُتَمِّم أيسارِ، يفيدُ ويبيدُ، ويُبْدئُ ويُعيدُ، هو في الأهلِ صبِيّ، وفي الجيشِ كَمِيّ، تستعبدُه الحليلة، وتسوّده الفضيلة. وقالت الصّغرى: أريدُه بازلَ عام، كالمهنّد الصّمصام، قِرانُه حُبورُ، ولقاؤُه سرور، إن ضمّ قضقض، وإن دَسَرَ أغمض، وإنْ أخَلّ أَحْمض. قالت أمُّها: فُضَّ فوكِ، لقدْ فَرَرْتِ لِي شِرَّةَ الشَّباب جَذَعة." (4)
الحديث ينبّه إلى الخلال والشّمائل التي تطلبها المرأة الحرّة في الرّجل الكريم، الذي تقترن به، وتقضي معه مشوار حياتها. وهو توجيه سديد موجّه إلى النّساء والرّجال معًا، فليعتبر أولو الألباب.
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 104.
(2) - الانجعاف: الانصراع. الكرواء: الدّقيقة السّاقين. القعواء: المتباعدة ما بين الفخذين. المقّاء: الدّقيقة الفخذين. المفاضة: المسترخية
(3) - المصدر السّابق، ص: 16.
(4) - أروع: نجيب، كريم. أحذّ: سريع خفيف. مجذام: قطّاع للأمور. ثِمال: غِيّاث. . (1/26)
صفحة 27
الحرّة ترفض الإكراه على الزّواج. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: خطب دُريد بن الصِّمّة خنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد، فأراد أخوها معاوية أن يزوّجها منه، وكان أخوها صخر غائبًا في غزاة له، فأبَت وقالت: لا حاجة لي به، فأراد معاوية أن يكرهها فقالت:
تُباكِرنِي حَميدةُ كُلّ يومٍ ... بِما يُولي معاويةُ بن عمرو
فإلاّ أُعْطَ من نفسي نَصيبًا ... فقد أوْدَى الزّمانُ إذًا بِصخرٍ
أَتُكرِهُنِي هُبِلْتَ على دُرَيْد ... وَقد أَحْرَمْتَ سيِّد آل بدرِ
معاذ الله يرْضَعُنِي حَبَرْكَى ... قصيرُ الشَّبرِ، من جُشَم بنِ بَكرِ
يَرَى مَجْدًا ومكرُمةً أتاها ... إذا عشَّى الصّديقَ جريمَ تَمْرِ (2)
المرأة هنا حرّة، لا تقبل إكراهها على ما لا ترضاه ولا تحبّه. بخاصّة إذا كان الأمر يتعلّق برباط يرهن حياتها. فهي لا تتردّد في رفض كلّ أنواع التّسلّط والضّغط. هذا جانب يكشف عنه ابن دريد في عالم النّساء.
" ما وقع بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته من المخاصمة " (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وبين امرأته كلامٌ في ابن كان لها منه، وأراد أخذه منها، فسار إلى زيادٍ، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وِعاءَه، وَحجْري فِناءَه، وَثَديِي سِقاءَه، أَكْلَؤُهُ إذا نام، وأحْفظُهُ إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتَّى إذا استوفى فِصالُه، وكَمَلَتْ خِصالُه، واستْوكَعَتْ أوْصالُه، وأَمَّلْتُ نفعَه، ورجوتُ دفعَه، أرادَ
__________
(1) - كناب الأمالي، ج2، ص: 161.
(2) - الحَبَرْكَى: القصير الرّجلين الطّويل الظّهر. الشّبر: الخير والعطاء.
(3) - المصدر السّابق، ص: 12. (1/27)
صفحة 28
أن يأْخُذَه منِّي كَرْها، فآدِنِي أيُّها الأميرُ، فقد رامَ قَهْرِي، وأرادَ قَسْرِي. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني، حَملتُه قبلَ أن تَحْملَه، وَوَضَعْتُه قبلَ أن تَضَعَه، وأنا أقومُ عليه في أدبه، وَأَنْظُرُ في أَوَدِه، وأَمْنَحُه علمِي، وألْهِمُه حِلْمِي، حتّى يكمُلَ عقلُه، ويسْتَحْكِمَ فَتْلُه. فقالت المرأةُ: صدق أصلحك الله، حَملَه خِفًّا، وحَملتُه ثِقْلاً، وَوَضَعه شَهْوَةً، وَوَضَعْتُه كُرْهًا. فقال له زياد: اُرْدُدْ على المرأةِ ولدَها، فهي أحقُّ به منك، ودَعْنِي من سَجْعك." (1)
الحديث طريف في أسلوبه، وفي حواره ومناظرته، فيه سجّل ابن دريد براعة كلّ خصم في إيراد الحجج والأدلّة والبراهين، التي تعينه على كسب قضيته، وإفحام مناظره، كما سجّل فيه المشقّة والعمل الكبير اللّذين يصدران من الوالدين. وفيه انتصر الوالي الحكم للمرأة، وفي هذا إقرار ضمني بتحمّل المرأة العنت الكبير الذي تلاقيه في سبيل تربية الأولاد، لذا كان حقّها (أمًّا ووالدة) في البّرّ والإحسان مقدّمًا على حقّ الرّجل (أبًا ووالدًا)، كما أقرّه الشّرع الحنيف. ألا تكون هذه المناظرة فرصة لتبيان هذا الجانب، وتوضيح هذا الحقّ. مهما يكن التّأويل والفهم والإدراك لما جرى، وما حُدّثَ بِه، فهو وجه من وجوه عالم المرأة، الذي أرادَ ابن دريد الكشف عنه.
عاشقة ابن عمّها. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: كانت خُليبةُ الخُضْرية تَهوى ابن عمٍّ لها، فعلم بذلك قومها فحجبوها، فقالت:
هَجرتُكَ لَمَّا أن هَجَرْتُكَ، أَصْبَحتْ ... بِنا شُمَّتًا تلك العيونُ الكواشحُ
فلاَ يفْرحِ الواشون بالهَجْرِ رُبَّما ... أطال المُحِبُّ الهَجرَ والجَيْبُ ناضِحُ
وتغدو النّوَى بين المُحِبّين والهوَى ... مَع القلبِ، مَطويٌّ عليهِ الجَوانِحُ "
تناول الحديث نقطتين مهمّتين:
__________
(1) - اسَْتَوْكَعَتْ: اشتَدَّتْ. آدِنِي: قَوِّنِي وأعِنِّي وانْصُرنِي عليه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 83. (1/28)
صفحة 29
الأولى: كشف عن عالم العاشقين والمحبّين، الذين لا يؤثّر على قلوبهم ما يفعل بهم، من الإبعاد والتّفريق، وحرمانهم من التّلاقي. فإذا كان النّوى يبعد المحبّين. فإنّ القلب يبقى محتفظًا بالهوى بداخله، مطويًّا عليه الجوانح.
الثّانية: سجّل محافظة المجتمع العربي على الأصول والتّقاليد، التي لا تقبل المساس به وبحرمته، فالعلاقة التي تكون عن هوى وعشق مرفوضة من الأسرة الأصيلة.
في بيان النّقطتين أو تناولهما كشف عن جانب من عالم النّساء، يضاف إلى ما سبق ذكره والإشارة إليه، والتّمثيل له في أحاديث ابن دريد.
ثالثًا: عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد
إنّ شخصية ابن دريد القويّة، وخبرته بالحياة، وتقلّبه بين أحوال مختلفة فيها، ومعاشرته لأصناف متعدّدة من النّاس، ومُمارسته لمهنة التّعليم، بل وتحمّله مسؤولية إعداد النّشء وتوجيهه ... كلّ ذلك أثمر عنده حكمًا بالغة الأهمية، تعالج كثيرًا من شؤون الحياة بشمولية وعمق ودراية. هذا ما نجده في شعره منتشرًا أكثر.
في أحاديثه التي نعالجها بالدّراسة، نلمس هذا الاعتناء؛ برصد مجموعة من الحكم، حدّث بها تلاميذه، وبخاصة تلميذه الوفيّ أبا عليّ القالي، الذي أملاها بدوره على مرتادي مجالسه في مسجد قرطبة. حتّى ولو لم تكن هذه الحكم من بنات عقل ابن دريد، إذ لم يكن هو إلاّ ناقلاً، لكن كما يقال: إنّ اختيار المرء جزء من عقله. إنّه انتقاها وانتقرها ليعلّم بها النّشء الطّالع، والجيل الصّاعد. وهي عند التّأمّل لا تخرج عن حدود شخصيته المعروفة عند من تأمّل فيها ودرسها. نستطيع أن نجد لها نظائر في شعره الذي تميّز بالحكمة. نسرد في الآتي بعض الحكم الواردة في أحاديثه تمثيلاً لا استقصاء، ثمّ نسجّل بعض الملاحظات على ما حدّث به.
ـ من وصايا عمر بن الخطّاب. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي قال: حدّثنا رجلٌ من أهل الكوفة قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله، في غيبة غابَها: أمّا بعد، فإنّه مَنِ اتَّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه،
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 55. (1/29)
صفحة 30
فاجعل التّقوى جِلاءَ بصرك، وعِماد ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له."
إذا كان عمر بن الخطّاب قد ركّز على التّقوى، وهي الأساس في البناء والتّدبير والمسير، وهي وصية الله عزّ وجلّ للأوّلين والآخرين. فإنّ عليّ بن أبي طالب في الوصيّة الموالية، بيّن حقيقة الدّنيا، التي قد تقف أمام التّقوى، إذا لم يحسن المرء التّصرّف معها، وتصريفها في الخير.
ـ وصف عليّ للدّنيا. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: سأل رجل عليّ بن أبي طال رضوان الله عليه، قال: صِف لِيَ الدُّنيا، فقالَ: وما أصفُ لكَ من دارٍ، أَوّلُها عناء، وآخرها فناء، منْ صَحَّ فيها أَمِن، ومنْ سَقِمَ فيها ندِم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنَى فيها فُتِن، حَلالُها حِساب، وحرامها عذاب."
هذه حقيقة الدّنيا، فلا يطمأنُّ إليها ولا يركن. لذا وجب على المرء أن يعرف كيف يدّبر أمره فيها؛ حتّى لا تغرّه بما تزيّنه له من أفعالها، وبما تحيطه به من هالة العظمة والجاه، فيغترّ ويتكبّر ويتجبّر، وينسى غيره. في هذا السّياق يوجّه أبو جعفر الباقر وصيّة للخليفة عمر بن عبد العزيز، بعد أن طلبها منه، وهو الحريص أن لا تفتنه الدّنيا، وتغرّه وتغرّر به، بعد أن أصبح في جاه من الارتقاء إلى سدّة الحكم، وتبوُّئِه منصبًا أعلى في الدّولة.
- وصية الباقر لعمر بن عبد العزيز. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى أبو بشر العُكْلِيّ، قال: حدّثني أو حُدّثتُ عن أسد بن سعيد (الشّكّ من أبي بكر) قال: حدّثني أبي عن جدّي عن عُفَيْر، قال: دخل أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: يا أبا جعفر، أَوْصِنِي، قال: أُوصيكَ أنْ تَتَّخِذَ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرَهم أبًا. فارْحمْ ولدَك، وصِلْ أخاك، وبِرَّ أباك. وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّه."
الملوك والأمراء والرّؤساء المتواضعون، الذين يحبّون الخير لأنفسهم، ويرغبون أن يفيدوا من العلماء دائمًا، يبحثون عن الحكمة في كلّ مكان، وعند كلّ أحد، بخاصّة من معدنها، وهم الحكماء. كما صنع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فيماجاء في النّصّ السّابق. وما نثبته من الحديث الآتي مع قيصر الرّوم.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 120.
(2) - المصدر السّابق، ص: 308. (1/30)
صفحة 31
- حديث قسّ بن ساعدة مع قيصر. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكنُ بن سعيد عن العبّاس بن هشام عن أبيه، قال: كان قسّ بن ساعدة يفِدُ على قيصر ويزوره، فقال له قيصر يومًا: ما أفضلُ العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرّجل ماءَ وجهِه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قٌضِيً به الحقوق."
قدّم حكيم العرب قسّ بن ساعدة تعريفات دقيقة لما سئل عنه، فمن وقف عليها عرف كيف ينضبط في حياته. هذا شأن الحكماء المجرّبين، العارفين لدقائق الأشياء، الذين يزنون الأمور بميزان العقل، ومحكّ التّجربة. من هؤلاء لقمان الحكيم الذي نلتقي معه في الحديث الآتي:
- من حكم لقمان: (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي، قال: بلغني أنّ لقمان الحكيم كان يقول: ثلاثة لا يُعرفون إلاّ في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشّجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه."
- ومن حكم الأحنف بن قيس. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد، قال: حدّثنا هشام بن حسان الفردوسي عن الحسن، قال: قال الأحنف بن قيس: الكذوب لا حيلة له. والحسود لا راحة له. والبخيل لا مروءة له. والمَلول لا وفاء له، ولا يسود سيّئُ الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرّجل بَخيلاً أن يَكْتُمَ ذلك وَيتَجَمَّل."
يسند حكيم آخر ما قرّره الأحنف بن قيس، ويضيف تقريرات أخرى، تفتح قلوب النّاس على عواقب الأخلاق السّيّئة، وتنبّه العقول إلى حسن النّظر في هذه التّقريرات، وفقه ما توصل إليه.
- من وصايا حكيم. (4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمِعتُ رجلا يقول: الحسد ماحقُ الحسنات، والزّهوُ جالبٌ لِمقتِ الله ومقتِ الصّالحين، والعُجبُ صارفٌ عن الازدياد من العلم، داعٍ إلى التّخمُّطِ والجهلِ، والبخل أذمُّ الأخلاق، وأجلبها لسوء الأُحدوثة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 37.
(2) - المصدر السّابق، ص: 179.
(3) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 231، 232.
(4) - المصدر السّابق، ص: 197. (1/31)
صفحة 32
قال: وأخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمِعتُ رجلاً يوصي آخر، وأرادَ سفرًا، فقال: آثِرْ بِعملِكَ معادك، ولا تدعْ لشهوتك رشادك، وليكنْ عقلُكَ وزيرَك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمُك من الرّدى، أَلْجِمْ هواك عن الفواحش، وأطلقهُ في المكارم، فإنّك تَبَرُّ بذلك سَلَفَك، وتشيدَ شرفك."
لم يغفل ابن دريد وهو يحدّث عن الحكم، ويوجّه الأجيال الصّاعدة، ويعلّم بها خلق الله، أن يفيد من حكماء غير عرب، فراح يسرد مجموعة من الحكم من الفارسية واليونانية والهندية ... نذكر بعضها فيما يأتي:
- من حكم فارس. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: وجد في حكمة فارس: إنِّي وجدتُ الكرماء والعقلاءَ يبتغون إلى كلّ صِلةٍ معروفٍ سببًا، ورأيتُ المودّة بين الصّالحين سريعًا اتّصالُها، بطيئًا انقطاعها، ككوب الذّهب سريع الإعادة، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ. ورأيتُ المودّة بين الأشرار بطيئًا اتّصالُها، سريعًا انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ، فلا إعادة له. ورأيتُ الكريمَ يَحْفظُ الكريمَ على اللِّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم. ورأيتُ اللّئيمَ لا يحفظُ إلاّ رغبةً أو رهبَةً. "
- وصفة هندية. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال: قال بعض علماء الهند: صُحبة السّلطان، على ما فيها من العزّ والثّروة عظيمة الخِطار، وإنّما تُشبَّه بالجبل الوعر، فيه السّباع العادية، والثّمار الطّيّبة، فالارتقاء إليه شديد، والمُقامُ فيه أشدّ، وليس يتكافأُ خيرُ السّلطان وشرُّه؛ لأنّ خير السّلطان لا يعدو مزيدَ الحال، وشرّ السّلطان يُزيلُ الحال، ويُتلِفُ النَّفسَ التي لها طُلِبَ، المزيد، ولا خير في الشّيء الذي سلامته مالٌ وجاه، وفي نكبته الجائحةُ والتّلف."
- حكيم من العجم. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن خضر عن حمّاد بن إسحاق الموصلي، قال: سَمِعتُ أبِي يقول: قال رجل من العجم لملك كان في دهره: أوصيك بأربع خلالٍ، تُرضِي بهنّ ربّك، وتُصلحُ بهنّ رعيّتك. لا يغرنّك ارتقاء السّهل، إذا كان المنحدرُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 240.
(2) -كتاب الأمالي، ج2، ص: 121.
(3) -كتاب الأمالي، ج1، ص: 254 (1/32)
صفحة 33
وَعْرًا، ولا تَعدنَّ عِدةً ليس في يدكَ وفاؤُها، واعلم أنّ لله نَقِماتٍ فكن على حذرٍ، واعلم أنّ للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقب."
هذه الوصايا، التي جاءت على صورة حكم، قالها الحكماء, لا تختلف في مضمونها وفي عمقها ومغازيها عمّا حدّث به أبو بكر بن دريد من حكم العرب. ممّا يدلّ على أنّ الفطرة الإنسانية تدعو وتهدي إلى ما هو أقوم وأسدّ وأنفع وأصلح للبشر، فما على المرء إلاّ أن يستجيب لهذه الفطرة. كما أنّ ما قام به ابن دريد، من رواية دررٍ، ممّا قرأه أو سمعه عن الأمم غير العربية يدلُّ على تفتّحه على الثّقافات الأخرى، وهو أحد عوامل تكوّنه ونثقّفه، كما لاحظ وسجّل ذلك الدّارسون والباحثون.
في ختام الحديث عن عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد نقول:
1 - إنّ الحكم التي انتقاها وحدّث بها ورواها ابن دريد تعكس شخصيته المنطوية على القوّة وحبّ الخير، وتقديم يد المساعدة للنّشء بخاصّة؛ كي يبني شخصيته على أسس صحيحة متينة. كما أنّها تهدف إلى توجيه المجتمع إلى طرق الإصلاح والتّطهير وإزالة ما يعوق سيره وبناءه على قواعد سليمة.
2 – تنويعه في إيراد هذه الحكم، فقد شملت فئات مختلفة، وبيئات متعدّدة، ومستويات كثيرة، وثقافات مختلفة ... في هذا دلالات كثيرة، يقف عليها كلّ لبيب متأمّل فاحص ناقد.
3 – أحاديثه في هذا لم تتعدَّ نهاية العصر الأموي، ربّما يرجع ذلك إلى كونه غير مطمئنّ إلى ما بعد هذه الفترة؛ بسبب المتغيّرات الكثيرة التي حدثت في المجتمعات العربية والإسلامية، ربّما يكون هذا جعله لا يثق فيما وجد فيها، وهو يريد أن يوجّه ويعلّم ويكوّن الأجيال، ويصلح المجتمع.
رابعًا: أحاديث عن عالم التّاريخ
اهتمّ ابن دريد بالتّاريخ، يحدّث عن أبطاله، ويروي وقائعه وواقعاته، ويسجّل موقف صانعيه، ويحكي عن مشاهده, وينقل أقوال بانيه ... معتمدًا على روايات أساتذته ومشايخه. الهدف - دائمًا – هو التّعليم والتّوجيه ...
رسالته التّعليمية دفعت به إلى اللّجوء إلى أيّة وسيلة ممكنة لتحقيق غايته، والاستعانة بأيّ مصدر يأنس إليه، يخدم هدفه ومنهجه. فكان عالم التّاريخ من بين هذه العوالم الذي دخل إليه بعمق لأجل هذه الغاية. وركّز كثيرًا على الشّخصيات الفاعلة في التّاريخ، وسرد بعض مواقفها، وروى بعض المشاهد التي تبرز عناصر القوّة في هذه الشّخصيات، التي تتماشى مع رسالته هو. وقد روى كثيرًا وحدّث عن (1/33)
صفحة 34
شخصيات أموية، خلفاء كانوا أو ولاّة أو حكماء أو علماء. هذا المسلك في حاجة إلى وقفات للتّأمّل والتّفسير والتّأويل ... نذكر بعض هذه الأحاديث على سبيل التّمثيل.
- مطلب ما دار بين معاوية بن أبي سفيان وعرابة بن أوس من الحديث. (1) قال أبو عليّ القالي:" وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا الرّياشي عن العتبي عن رجل من الأنصار عن أهل المدينة، قال: معاوية لعَرَابة بن أوس بن حارثة الأنصاري: بأيّ شيءٍ سُدتَ قومَك يا عَرابة؟ قال: أُخبرك يا معاوية أنّي كنت لهم كما كان حاتم لقومه، قال: وكيف كان؟ فأًنشدتُه:
وأصبَحْتُ في أمرِ العشيرةِ كلِّها ... كذِي الحِلمِ يُرْضَى ما يقولُ ويُعرَفُ
وذاك لأنٍّي لا أُعادي سراتَهُمْ ... ولا عن أخي ضرّائِهِمْ أتنَكَّفُ
وإنِّي لأُعطِي سائلي، ولَرُبًّما ... أُكَلَّف ما لا أَستطيعُ فَأَكْلَفُ
وإنِّي لَمَذمومٌ إذا قيلَ حاتمٌ ... نَبَا نَبْوَةً، إنَّ الكريمَ يُعنَّفُ
ووالله إنِّي لأعفو عن سفيهِهِمْ، وأَحلُمُ عن جاهلِهم، وأسْعى في حوائجهم، وأُعطي سائلهم. فمن فعلَ فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل منّي، ومن قصَّر عن فعلي فأنا خير منه؛ فقال معاوية: لقد صدق الشّمّاخ حيث يقول فيك:
رأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرينِ
إذا ما رايَةٌ رُفعتْ لِمَجْدٍ ... تلقّاها عَرابَةُ باليمين "
- معاوية يسأل عن الأحنف بن قيس. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية رحمه الله لِعقالٍ: بِمَ سادكم الأحنفُ وهو خارجي؟
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 274.
(2) - كتاب الأمالي، ج2، ً: 227، 228 (1/34)
صفحة 35
فقال: إن شئتَ حدّثتُك عنه بِخصلة، وإنْ شئتَ باثْنتين، وإن شئتَ بثلاثٍ، وإنْ شئتَ حدّثتُك إلى اللّيلِ. قال: حدِّثْني عنه بثلاثِ خصالٍ، قال: لَمْ أَرَ أحدًا مِن خلقِ الله كان أغلبَ لنفسهِ من الأحنف، فقال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَم أَرَ أحدًا من خلقِ الله كانَ أكرمَ لِجليسٍ من الأحنفِ، قال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَمْ أَرَ أحدًا من خلق الله أحْظَى من الأحنف، قال: كان يفعل الرّجلُ الشّيءَ فتصيرَ حظوتُه للأحنف."
- خطبة عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب بن الزّبير. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا السَّكنُ بن سعيد عن محمد بن عبّاد عن ابن الكلبي عن أبيه، قال: لَمَّا قَتَلَ عبد الملك مُصعب بن الزّبير، دخل الكوفة، فَصعد المنبر، فَحمدَ وأثنى عليه وصلَّى على النّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ قال: أيُّها النّاس، إنّ الحربَ صعبةٌ مُرّة، وإنّ السِّلمَ أمْنٌ ومسرّة، وقد زَبنَتْنا الحرب وزبنَّاها، فَعَرَفْناها وأَلِفناها، فنحن بنوها وهي أمُّنا. أيُّها النَّاسُ، فاستقيموا على سبل الهُدَى، ودعُوا الأهواءَ المردية، وتجنَّبوا فراقَ جماعات المسلمين، ولا تكلِّفُونا أعمال المهاجرين الأوّلين، وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظُنُّكم تزدادون بعد الموعظة إلاّ شرًّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحُجّة عليكم إلاّ عقوبةً؛ فمن شاء منكم أن يعودَ بعدُ لِمثلِها فَلْيَعًدْ، فإنَّما مَثَلِي ومَثَلَكُمْ كما قال قيسُ بن رِفاعة:
مَنْ يَصْلَ نارِي بِلاَ ذَنْبٍ ولا تِرَةٍ ... يَصْلَ بِنارِ كريمٍ غيرِ غَدّارِ
أنا النَّذيرُ لكم، منّي مُجاهرةً ... كَيْ لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذار
فإن عصيتُم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تَلْقَوْنَ حِزْيًا ظاهر العار
لَتَرْجِعُنّ أحاديثًا مُلعّنَـ
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 11، 12. (1/35)
صفحة 36
ــةً ... لَهْوَ المُقيمِ، وَلَهْوَ المُدْلِجِ السّاري
من كان في نفسهِ حَوْجاءُ يَطلبُها ... عندي، فإنّي له رهْنٌ بإصحارِ
أُقيمُ عوجَتَهُ إن كان ذا عِوجٍ ... كَما يقوِّمُ قِدْحَ النّبعةِ الباري
وصاحبُ الوِتْرِ ليسَ الدّهرَ مُدْرِكَهُ ... عندي وإنّي لَدرَّاكٌ بأوتارِ "
- سؤال الوليد بن عبد الملك أباه. (1)
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد، قال: سأل الوليد بن عبد الملك أباه عن السّياسة، فقال: هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها، واقتياد قلوب العامّة بالإنصاف لَها، واحتمال هفوات الصّنائع، فإنّ شكرها أقرب الأيادي إليها."
-ـ الرّعية وعمر بن عبد العزيز. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ وَافِدًا وَفَدَ على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقال له: كيف تركت النّاسَ؟ قال: تركت غنيّهم موفورًا، وفقيرهم محبورًا، وظالمهم مقهورًا، ومظلومَهم منصورًا. فقال: الحمد لله، لَو لَم تَتِمَّ واحدةٌ من هذه الخصال إلاّ بعضوٍ من أعضائي لكانَ يسيرًا."
-ـ وصايا مهمّة. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّ محمد بن كعب القرطبي، قال لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 80.
(2) - المصدر السّابق، ص: 37.
(3) - المصدر السّابق، ص: 29. (1/36)
صفحة 37
تَتّخذنَّ وزيرًا إلاّ عالِمًا، ولا أمينًا إلاّ بالجميل معروفًا، وبالمعروف موصوفًا، فإنّهم شركاؤك في أمانتك، وأعوانك في أمورك، فإن صَلَحوا أَصْلَحُوا، وإن فَسَدُوا أفْسَدُوا."
وبهذا الإسناد قال: قال عبد الملك بن مروان رحمه الله: يا بني أُميّةَ، ابذُلُوا نداكمْ، وكُفّوا أذاكُمْ، واعفُوا إذا قَدَرْتُمْ، ولا تَبْخَلُوا إذا سُئِلتُمْ، فإنّ خير المال ما أفادَ حَمْدًا، أو نَفَى ذمًّا، ولا يقولنَّ أحدُكُمْ: اِبْدَأْ بِمن تعول، فإنّما النّاسَ عِيالُ الله، قد تَكفّلَ الله بأرزاقهم، فمن وسّع أخلفَ الله عليه، ومن ضيّق ضيّق الله عليه."
- وصايا زياد بن أبيه لمن يولّيه عملاً. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس، قال: كان زياد إذا ولَّى رجلاً عَملاً، قال له: خُذْ عهدك، وسِرْ إلى عَملك، واعلمْ أنّك مصروفٌ رأسَ سنتِك، وأنّك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنّا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلنا بك لِضَعفِكَ، وَسَلَّمَتْكَ من معرّتِنا أمانَتُك. وإن وجدناك قويًّا خائنًا، اسْتَهَنَّا بقوّتِك، وأحْسنَّا على خِيانتِك أدبَك، وأوْجعْنَا ظهرك، وثَقَّلنا غُرْمَك. وإن جَمعْتَ علينا الجُرمين جمَعْنَا عليك المضَرّتين. وإن وجدناك أمينًا قويًّا زِدْنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثّرنا مالك، وأوطَأْنا عَقِبَك."
هذه نماذج من الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد في موضوع التّاريخ، وهي أمثلة ركّز فيها على مواقف ووصايا صدرت من بعض الأعلام والرّجال، الذين شاركوا في صنع التّاريخ بأقدار متفاوتة. اجتهد الدّكتور أحمد درويش في جَمعها ووضعها في مجموعة واحدة، تحت عنوان: " أحاديث التّاريخ " (2) وقد وردت في كتاب الأمالي موزّعة بين المجالس التي أملاها فيها أبو عليّ القالي على من كان يحضرها. كما أنّ هناك أحاديث أخرى موجودة في الكتاب، وفي مصادر أخرى نقلت شذرات تاريخية، من الجاهلية إلى العهد الأموي، وضعها أحمد درويش في مجموعات أخرى، تحمل الرّوح نفسها، والرّسالة ذاتها، كما نفهم من إملاء ابن دريد لها. السّؤال الذي يتبادر إلى الذّهن هو ماذا يعني هذا المسلك؟ أو بماذا يوحي؟
يبدو أنّ هذا يعكس ما يسود نفس ابن دريد من النّزعة العربية، وتقديره للعنصر العربي، ودفاعه عنه كلّ اعتداء أو تنقيص أو إهانة. فالعهد الأموي عرف بالتّحيّز للعنصر العربي، وتقديمه له على كلّ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 80، 81.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 219 – 237. (1/37)
صفحة 38
العناصر الأخرى، بل وصل الأمر أحيانًا إلى تهميش غيرهم. من جهة أخرى ساء ابن دريد وأقلقته المتغيّرات التي حدثت في المجتمع العباسي، الذي عاش فيه، وأثّرت على الأصالة العربية: لغة وأدبًا وعادات وتقاليد وأعرافًا ... ممّا كان ينذر بأخطار كبيرة على الحياة العربية ... فرأى ابن دريد ضرورة العمل على إنقاذ الوضع, فاتّجه إلى وسيلة عملية، وعمد إلى ربط الأجيال بمواقف من يتمتّع بالأصالة العربية، التي تتحرّز من العناصر الأعجمية، التي قد تضرّ بالوجود العربي مسيرًا ومصيرًا. وعمل على تلقينهم وصاياهم وأقوالهم وآراءهم، حتّى يتخرّجوا عليها، ويفقهوها جيّدًا، ويسيروا على هديها. هذا ما فهمته مبدئيًا – على الأقلّ – من هذا المسلك من ابن دريد العربي الموجِّه، ومن منهج أحمد درويش الدّارس.
يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " والنّاظر في هذه الأحاديث يجدها متنوّعة الموضوعات، ولكنّها مستقاة كلّها من البيئة العربية، حضرية كانت أو بدوية، ولو أنّ أغلبها يتحدّث عن البيئة الصّحراوية. ولكنّ الجامع بينها هو الهدف الذي ترمي إليه جميعها، وهو بثّ الأخلاق الفاضلة والنّظرة السّليمة إلى الحياة، على أساس مراعاة جانب الله في كلّ عمل، والتّعامل بالحسنى بين النّاس ... " (1)
الموضوعات التي طرقها ابن دريد في أحاديثه كثيرة، اكتفينا بالإشارة إلى بعضها، لمعرفة أفكاره واتّجاهه. ولم نقصد إلى استقصائها في هذه الدّراسة المقتضبة. إنّما نقول: هي مهمّة؛ إذ تناولت جوانب متعدّدة من الحياة العربية، وقدّمت صورة جيّدة عن الثُقافة العربية والإسلامية. المهمّ في الموضوع أنّ ابن دريد ركّز على الجانب الأخلاقي والقيم والشّمائل، ومجال تكوين الإنسان وبناء شخصيته. ومن عرضه وإملاءاته قدّم رسائل كثيرة للموجّهين والمربّين، وللأجيال الصّاعدة، لتعرف كيف تسير في الحياة، وكيف توجّه حياتها، وبماذا تتمسّك، وعلى ماذا تعتمد ... هذا ما أعطى قيمة كبيرة لمضمون أحاديثه، وهو ما يتطلّب مزيدًا من الدّراسة لها لاكتشاف مضامين جديدة، والقيام بقراءات أخرى، وتقديم نقد لهذه الأحاديث ولما قُدِّم حولها من دراسات وقراءات ...
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد حياة من أجل الأدب، ص: 163. (1/38)
صفحة 39
الخصائص العامّة
أقرّ منذ البداية بصعوبة تحديد الخصائص العامّة لأحاديث ابن دريد، بما ينسب إليه شخصيًا؛ بسبب عدم الوقوف على ما هو منسوب إليه: إنشاء وصياغة، وما هو مرويّ حرفيًا ممّا حدّث به. لذا عدلت عن الحديث عن الخصائص الفنّية إلى الخصائص العامّة. ومن الإشارة إلى ابن دريد – هنا – إلى التّوجّه إلى الأحاديث مباشرة. من أهمّ الخصائص التي سجّلناها في هذه الدّراسة الآتي:
1 – ورود الأحاديث مسجوعة في أغلبها.
إنّ السّجع هي السّمة البارزة في هذه الأحاديث، بل إنّ بعضها ورد مسجوعًا في كلّ جمله. وهي خاصية يراها ابن دريد ومن عاصره ضرورية لفنّية النّصّ، ولتقدير مهارة الكاتب أو الأديب في الكتابة والتّحرير. في هذه الخاصية نلتقي مع بعض النّصوص التي توجّه إلى فئة خاصّة، نحسّ أنّها عالية المستوى في الأدبية، أو التّذوّق الفنّي للأدب.
قال أبو عليّ: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: وصف أعرابي نساء، قال: يلْتَثِمْنَ على السّبائك، ويتّشِحْنَ على النّيازِك، ويأْتَزِرْنَ على العوانِك، ويرْتَفِقْنَ على الأرائك، ويتهاديْنَ على الدّرانِك. ابتِسامُهُنّ وميض، عن وليعٍ كالإغريض، وهُنَّ إلى الصِّبا صور، وإلى الخنا نور. " (1)
__________
(1) - كناب الأمالي، ج1، ص: 42. السّبائك: الأسنان الشّديدة البياض. النّيازك: الرّماح القصيرة. العوانك: واحدها عانك:: رمل
منعقد يشقى به البعير. الدّرانك: الطّنافس. الإغريض والوليع: الطّلع. صور: موائل. نور: نوافر. (1/39)
صفحة 40
إلى جانب السّجع، نلحظ الجمل المتساوية في فقراتها، والفواصل التي جاءت على صيغة واحدة (المفاعل) (السّبائك، النّيازك، العوانك، الأرائك، الدّرانك) و (فُعْل) (صور، نور) كلّ ذلك أحدث إيقاعًا رتيبًا، أوجد موسيقى جميلة، تطرب الأذن، وتحرّك النّفس، وربّما تثير المشاعر، وتحرّك العواطف ...
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: مَرَّ مَنْسِرٌ من العرب على غلام يرعى غُنيمةً له، وبينه وبين أهله شِعْبٌ أو نَقْبٌ، فترك غنمه، وأسند في الحبل، فأتى قومه، فأنذرهم، فقالوا له: ما رأيت؟ قال: سبعة كالرّماح، على سبعة كالقداح، غائرة العيون، لواحِقِ البطونِ، مُلس المُتون، جريُها انبتار، وتقريبُها انكدار، وإرخاؤها استعار. وعهدي بهم قد لاذوا بالضِّلَع، وكأنّكم بغبارهم قد سطع. فلم يفرُغ من كلامه حتَّى رأوا الغَبَرَةَ فاستَعَدُّوا، وصادفوا القوم حاذرين فأدبروا عنهم." (1)
جاء السّجع هنا متنوّعًا، بتغيير حرف الفاصلة، بعد كلّ جملتين. فَهذا يحدث موسيقى، منبعثة من نبرات مختلفة، تطرب لها النّفس، بتنوّع أشكالها وألوانها. هذا لون آخر من الصّياغة المبنية على الشّكل والنّغمة المنبعثة من داخل التّراكيب.
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: خرج رجل من العرب في الشّهر الحرام طالبًا حاجة، فدخل في الحِلِّ، فطلب رجلاً يستجير به، فَدفَعَ إلى أُغَيْلِمَةٍ يلعبون، فقال لهم: من سيّد هذا الحِواء؟ فقال غلام منهم: أَبِيهْ، قال: ومن أبوك؟ قال: باعِثُ بنُ عُويْص العاملي، قال: صِفْ لي بيتَ أبيك من الحِواء، قال: بيت كأنّه حرّة سوداء، أو غمامة حمّاء، بفنائه ثلاثة أفراس، أمّا أحدُها: فمُفرِع الأكتاف، مُتماحِلُ الأكْناف، ماثلٌ كالطِّراف. وأمّا الآخرُ: فذيّالٌ جوّالٌ صهّال، أمينُ الأوصال، أشَمُّ القذال. وأمَّا الثّالث: فَمُغار مُدْمَج، مَحْبوكٌ مُحَمْلَج، كالقَهْقَر الأَدْعَج. فمضى الرّجل حتّى انتهى إلى الخِباء، فَعَقَدَ زمام ناقته ببعض أطنابه، وقال: يا باعث، جارٌ عَلِقَتْ علائقُه، واستحكمت وثائِقُه، فَخَرَجَ إليه باعث فأجاره." (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 44. قال أبو عليّ: المَنْسِر: جماعة الخيل. والمِنْسَر بكسر الميم: منقار الطّائر؛ لأنّه ينسر به، أي ينتف به.
(2) - المصدر السّابق، ص: 57. المُفرع: المشرف. القذال: معقد العذار. المُغار: الشّديد الفتل. (1/40)
صفحة 41
هذا مثال آخر تنوّعت وتعدّدت فيه أشكال الأسجاع، بين جمل متساوية الفقرات، وأخرى اعتمدت على تكرار الصّيغ في كلمات متساوقة، مع تنوّع في نهايات الفواصل ... مجموع كلّ ذلك أوجد موسيقى، مبعثها في الدّرجة الأولى السّجع غير المتكلّف.
هذا الأسلوب يبيّن تحكّم العرب الفصحاء في اللّغة، وقدرتهم على التّعبير والتّحبير، والتّنويع في الصّياغة ... فكان ابن دريد يعرض ذلك على النّاشئة؛ ليطلعها على هذه الأساليب البيانية الرّاقية، لتتعلّم، وتحذو حذوها، فتتخرّج على الكتابة الرّفيعة الأصيلة.
2 – ورود الغريب في الأحاديث
تكثر في أحاديث ابن دريد الكلمات الغريبة، بل الحوشية أحيانًا. كثير ما نعثر في كتاب الأمالي على عناوين لأحاديث هكذا: " تفسير ما جاء من الغريب في حديث ... أو شرح الغريب من ذلك ...
قد يكون اهتمامه بالتّعليم، وحرصه على التّوجيه عاملا كبيرًا في انتحائه هذا المنحى، " فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الكلمات الغريبة، ليلقّنها النّاشئة ... " (1)
أورد أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب تفسير ما جاء من الغريب في وصف الغلام للعنز التي كان ينشدها": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه عن أبي عمرو بن العلاء، قال: رأيتُ باليمن غلامًا من جَرْمٍ ينشُدُ عنزًا، فقلت: صفها يا غلام، قال: حسْراءُ مُقبلة، شعْراءُ مُدبرة، ما بين غُثْرَةِ الدُّهْسَةِ، وقُنُوءِ الدُّبسة، سَجحاء الخدّين، خطلاء الأذنين، فَشْقَاءُ الصُّورَيْن، كأنّ زَنْمَتَيْها تَتْوَا قُلَنْسيَة، يا لها أمَّ عِيالٍ، وثِمالَ مالٍ." (2)
بعض المفردات في الحديث غريبة، في حاجة إلى شرح، بل بعضها صعب النّطق. لا نشكّ أنّ ابن دريد قصد من الإتيان بهذا الحديث الذي اشتمل على هذه الكلمات الغريبة تعليمَ النّاشئة اللّغة العربية مروية عن الأعراب الأقحاح، الذين عاشوا بعيدين عن تأثير الحضر، بدليل إيراد الحديث منقولاً عن أبي عمرو بن العلاء، الذي كان من بين الرّجال الذين قصدوا البوادي والبيئات العربية الأصيلة لجمع اللّغة
__________
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، ص: 21.
(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 34. غُثرة: غُبرة كَدِرة. الدّهسة: لون كلون الدَّهاس، قال الأصمعي: والدَّهاس من الرّمل: كلّ ليّن لا يبلغ أن يكون رملاً، وليس بتراب ولا طين. القنوءُ: شدّة الحمرة. (1/41)
صفحة 42
العربية، قد يكون هذا الحديث من ضمن ما جمع في رحلاته تلك للغرض المذكور. وطلبُه الغلامَ أن يصف له العنز، كان ليسمع منه اللّغة الصّحيحة، فيدوّن هذا في مدوّنته.
أورد أيضًا أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب خطبة الأعرابي السّائل في المسجد الحرام وشرح غريب ذلك": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بَيْنَا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي، فقال: يا مسلمون، إنّ الحمد لله والصّلاة على نبيّه، إنّي امرؤٌ من أهل هذا الِملْطاط الشّرقي المُواصي أسيافَ تِهامة، عَكَفتْ عليَّ سنون مُحُشٌ، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وَهَشَمَت العُرَى، وَحَمَشَت النًّجْم، وأَعْجَتِ البَهْمَ، وهمَّت الشّحْمَ، والْتَحَبَتِ اللَّحْمَ، وأَحْجَنَتِ العَظْمَ، وغادَرَتِ التُّرابَ مَوْرًا، والماءَ غَوْرًا، والنّاسَ أوزاعًا، والنَّبَطَ قُعاعًا، والضَّهْلَ جُزاعًا، والمقامَ جعْجاعًا، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطرُقُنا العاوي، فَخَرجتُ لا أَتَلَفَّعُ بِوَصيدَة، ولا أتَقَوَّتُ هَبيدَة، فالبَخَصاتُ وَقِعَة، والرُّكباتُ زَلِعَة، والأطْرافُ قَفِعَة، والجِسمُ مُسْلَهمِّ، والنَّظَرُ مُدْلَهِمّ، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وَأضْحَى فَأَخْفَشُ، أُسْهِلُ ظالعًا، وأٌحْزِنُ راكِعًا، فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ؟ أو داعٍ بِخيرٍ؟ وقاكم الله سطوة القادر، وملكةَ الكاهر، وسوء الموارد، وفُضوح المصادر. قال: فأعطيته دينارًا، وكتبتُ كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه." (1)
لا يخفى على القارئ ما اشتمل عليه الحديث من المفردات الغريبة. كما لا يغيب عنه قصد ابن دريد إلى تلقين المتلقّين عنه اللّغةَ العربية، وإحياء الألفاظ، التي قد تنسى، بسبب عدم تناولها، أو شعور النّاس بصعوبة النّطق بها، أو لاستثقالها. هذا ما قد يفهم من العبارة التي خُتِمَ به الحديث " واستفسرته ما لم أعرفه."
نضيف تفسيرًا أو تعليلاً أخر لهدا الاتّجاه في أحاديث ابن دريد. فقد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم وقدرٍ من فصاحة الأعراب علاقة أو انعكاس لما ساد في عصره، من خلال المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداهما بالثّقافة العربية الإسلامية، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى. (2) اختيار ابن دريد إحياء الألفاظ الغريبة، مندرج في هذا العمل، وهو الوقوف أمام
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 113، 114.
(2) - ينظر ابن دريد الأزدي وتأثيره على الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 41 وما بعده. (1/42)
صفحة 43
غزو الألفاظ الأخرى غير العربية، التي تتراءى للأجيال المعاصرة سهلة وجذّابة، فتهجر شيئًا فشيئًا المفردات العربية.
3 – الإكثار من رواية الأحاديث التي تتضمّن أشعارًا
هذه ظاهرة لافتة للنّظر في أحاديث ابن دريد، تفسير ذلك عندي أنّ العرب أمّة شاعرة، وأمّة تتذوّق الشّعر، وتراه الدّم الذي تعيش به، ولهذا كان هذا الشّعر يسري في شريان حياتها، ويتمدّد في مسالك حركتها، وقد لا يجد المتحدّث وسيلة للإفصاح عن مشاعره أحسن من الشّعر، حتّى ولو حدّث نثرًا، أردف ذلك شعرًا, وابن دريد لا يخرج عن هذا السّنن، ولا يشذّ عن القاعدة، ولا يندّ عن الجوّ العام. زيادة على كونه شاعرًا. فهو يقول الشّعر، ويرويه. الأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة للتّمثيل له.
4 – النّزعة العقلية في الأحاديث
بعض الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد نلمح فيها النّزعة العقلية، التي تتّخذ التّأمّلات مسلكًا تحقِّقُ في الأشياء، أو تقرّر الحقائق، أو تدعو إلى النّظر والاعتبار ... وكثيرًا ما نلتقي مع هذا المنحى في الحكم والمواعظ. نذكر بعض النّماذج عن هذه الخاصية.
-ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبوحاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: إنّما المرءُ في الدّنيا غرضٌ تنتَضِلُ فيه المنايا، ونهبٌ للمصائب، ومع كلّ جرعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمَةً إلاّ بفراقِ أُخرَى، ولا يستقبل يومًا من عمره إلاّ بِهدْم آخر من أجَلِه. فنحنُ أعوانُ الحُتوف، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء، وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعَا من شيءٍ شرَفًا، إلاّ أَسْرَعَا الكرَّةَ في هدمِ ما بَنَيَا، وتفريق ما جَمعَا، فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير معطيه، وشرًّا من الشَّرِّ فاعِلُه." (1)
هذه التّقريرات التي سجّلها عليّ بن أبي طالب هي نتاج عقله، الذي أوصله إليها بعد تأمّله في الحياة الدّنيا، وملاحظاته لما يحدث للنّاس فيها، والعواقب التي آلوا إليها. فوجّه الإمام عقول النّاس للتّأمّل في مسير هذه الحياة، واتّخاذ مواقف تستجيب لما يُمليه العقل، وتحديد ما يقدّم لها من جهد وعمل بما يتناسب مع حجم ما تستحقّه، وما يتطلّبه المكوث فيها ... هذا التّوجيه الذي حدّده العقل يؤكّده ما جاء
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 54. (1/43)
صفحة 44
في نهاية الحديث نتيجة منطقية عقلية: " فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير مُعطيه، وشرًّا من الشّرّ فاعلُه".
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّه وُلِدً للحسن البصري غلامٌ، فهنّأه بعض أصحابه، فقال الحسن: نَحْمَدُ الله على هِبَتِه، ونستزيدُه من نعمته، ولا مرحبًا بِمن إن كنتُ غنِيًّا أذهلَني، وإن كنت فقيرًا أتْعبني، لا أرضَى له بِسعْيِي سَعْيًا، ولا بِكَدِّي كَدًّا، أُشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصلُ إليّ من هَمِّه حزنٌ، ولا من فرحه سرور." (1)
رغم أنّ ما ذهب إليه الحسن البصري وجهة نظر، هي في حاجة إلى مناقشة ونقد. إلاّ أنّ النّظرة هي أصلا نتاج عقلي، وإلاّ لَما حملت هذه السّمة. كما أنّها من جهة أخرى تدعو إلى التّأمّل فيما يقدّم: قولاً كان أو فعلاً بعين فاحصة ناقدة، وبِمنظار مكبّر، يصنعها العقل. كما أنّ ما أضفى على الحديث سِمة عقلية المقابلة التي أجراها الحسن البصري بين الأشياء والحالات وما ينتج عنها: (الغنى والفقر، الهمّ والفرح، الحزن والسّرور).
- قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه، فنظر إلى السّماء والنّجوم، ثمّ أَفْكَرَ طويلاً، ثمّ قال: أرْعُوني أسْماعَكم، وأصْغُوا إليّ قلوبَكُمْ، يبلغ الوعظُ منكم حيثُ أُريد، طَمَحَ الأهواء الأشَرّ، ورانَ على القُلوبِ الكدر، وطَخْطَخَ الجهلُ النّظر، إنّ فيما نرى لَمُعتبرًا، لِمن اعتبر؛ أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة، وشمسٌ تطلعُ وتغرب، ونجوم تسري فَتَعْزُب، وقمر تُطْلعُه النّحور، وَتَمْحقهُ أدبارُ الشّهور، وعاجزٌ مُثْرٍ، وَحُولٌ مُكْدٍ، وشابٌ مُخْتَضَر، ويَفَنٌ قد غبر، وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يُفرِّطون، ومطرٌ يرسلُ بِقدر، فيحيي البشر، ويورق الشّجر، ويطلع الثّمر، وينبتُ الزّهر، وماءٌ يتفجّر من الصّخر الأيَر، فَيَصْدَعُ المدر عن أفنان الخُضر، فيُحيي الأنام، ويشبع السّوام، ويُنمي الأنعام. إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المُدَبِّر المُقَدِّر، البارئ المُصوِّر، يأَيُّها العقولُ النّافرة، والقلوب النّاثرة، أنَّى تُؤْفكون، وعن أيّ سبيل
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 29. (1/44)
صفحة 45
تَعمهون؟ وفي أيّ حيرة تهيمون؟ وإلى أيّ غاية توفضون؟ لو كُشفت الأغطية عن القلوب، وتجلّت الغشاوة عن العيون، لَصَرَّح الشَّكُّ عن اليقين، وأفاق عن نشوة الجهالة، من استَولت عليه الضَّلالة. " (1)
الجانب العقلي واضح في الحديث. من آيات ذلك:
توجيه النّظر إلى التَّفكّر في مخلوقات الله، والتّأمّل في حركة الكون. عجّل صاحب الحديث، فقال: إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المدبّر المقدّر ... ثمّ الدّعوة إلى النّظر إلى مآل خلق الله، والاعتبار بذلك.
تنبيه العقول والقلوب إلى التأمّل والنّظر والاحتياط، كما جاء في العبارات الآتية: (أنّى تؤفكون، وعن أيّ سبيل تعمهون ... إلى آخر النّصّ)
وردت فيه كلمات تحمل السّمة العقلية: (فنظر، أَفْكَرَ طويلاً، لَمُعتبر لمن اعتبر ... )
هذه بعض الإشارات التي تبيّن أنّ بعض أحاديث ابن دريد تحمل سمات عقلية، الغرض منها تدريب العقول على التّأمّل والنّظر، وتعليم النّاس بعض الحقائق بطريقة تبعث على الاقتناع.
5 – الإيجاز في بعض الأحاديث
يتّخذ هذا الإيجاز، أو يظهر في مظاهر متعدّدة:
قد يكون على شكل تقرير حقائق، فيتوخَّى التّعريف الدّقيق، كما جاء على لسان حِمْيري وهو يشخّص، ويقرّر معنى الدّاء، قال أبو عليّ القالي: "حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكن بن سعيد، قال: قيل لرجل من حمير: ما الدّاءُ العضال؟ قال: هَوًى مُحْرِض، وحَسد مُمْرِض، وقلبٌ طروب، ولسانٌ كذوب، وسؤال كديد، ومنعٌ جَحيد، ورُشدٌ مُطَّرَح، وغنًى مُمْتَنَح." (2)
وكقول معاوية بن أبي سفيان. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية: الفرصة خُلسَة، والحياءُ يَمْنَعُ الرٍّزْقَ، والهَيبَةُ مقرونٌ بها الخيبة، والكلمة من الحِكمة ضالّة المؤمن." (3)
كما يكون على شكل نصيحة موجزة، أو وصْفٍ مركّز لإحساسٍ داخلي، يروم إحداث وقع في القلب، والتّأثير في النّفس فيكون بليغًا؛ لأنّ في الإيجاز بلاغة، والبلاغة بلوغ النهاية في تبليغ المعنى والشّعور. وما يكون موجزًا يكون أكثر تقبُّلاً واستيعابًا من المتلقّي. كما حدّث ابن دريد في الحديث
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، 273.
(2) - المصدر السّابق، ص: 140.
(3) - المصدر السّابق، ص: 194. (1/45)
صفحة 46
الآتي: قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سعيد بن هارون الأشنانداني عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: عزَّى رجل من العرب رجلاً على أخيه، فقال: محبوب فائت، وغُنْمٌ عارض، إن ضيَّعته فات أيضًا، وبقِيتَ حسيرًا، أمّا أخوك فلا أخوك، فلا يذهب بك جزعك فتحطّ سودَدَك، وتقلّ ثقةُ عشيرتِك باضطلاعك بالأمور، وفي كثرةِ الأُسَى عزاءٌ عن المصائب.
وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمعتُ عمّي يقول: التّهنئةُ على آجلٍ أولَى من التّعزية على عاجل المصيبة. " (1)
أمّا في الحديث الآتي، فقال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: ذُكر رجلٌ عند أعرابي، فوقع فيه قومٌ، فقال: أما والله لآكَلُكُمْ المأدوم، وأعطاكم للمغروم وأكسبُكُم للمعدوم، وأعطفُكم على المحروم. " (2)
6 – أحاديث تكون على شكل ألغاز
إنّ ابن دريد يقصد دائمًا إلى التّعليم، فهو ينوّع في أساليب هذا التّعليم. فكان منها أسلوب الإِلغاز، الذي يختبر به ذكاء من يخاطبهم ويعلّمهم، ويمتحن محفوظهم من الأدب العربي، ومخزونهم من المعارف والمعلومات. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا الرَّيَّاشي عن العمري عن الهيثم، قال: قال لي صالح بن حسَّان: ما بيتٌ شطرُهُ أعرابيٌّ في شَملة، والشَّطرُ الآخرُ مُخنَّثٌ يتفكّه، قلتُ: لا أدري، قال: قد أجّلتُك حولاً، قلتُ: لو أجّلتني حولين لَم أعرف، قال: أنَّى لك، وقد كنتُ أَحسبُك أجود ذهنًا مِمّا أرى، قلتُ: ما هو؟ قال: أما سَمعتَ قول جميل:
" ألاَ أيُّها النُّوّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا "
أعرابيٌّ في شملةٍ، ثمَّ أدركه اللِّينُ وضَرْعُ الحُبِّ فقال:
" نُسائِلُكُمْ هلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ"
كأنّه والله من مُخنَّثي العقيق." (3)
الطّابع العام الذي يطبع أحاديث ابن دريد، يجمله أحمد درويش فيما يأتي: " ... فإنّنا سنجد الأحاديث في مجملها تنزع منزعًا تعليميًا لغويًا، بمعنى أنّها تسوق الحكمة أو النّادرة أو الطّرفة في قالب
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 99.
(2) - المصدر السّابق، ص: 14.
(3) - المصدر السّابق، ص: 298. (1/46)
صفحة 47
لغوي، يستدعي غالبًا من سامعه أن يسأل عن كثير من معاني ألفاظه، بعد أن يكون قد أحاط بالخيط العام أو الرّواية، وهنا يأتي دور العالم اللّغوي ابن دريد، فيظهر خبرته الواسعة في فهم الألفاظ وتصريفها والمعرفة بالأخبار وتأويلها. وهذا الهدف في ذاته جعل كثيرًا من الأخبار يصاغ في لغة تجنح إلى الغريب، وهو مستوى لغوي كان أهل القرن الخامس الهجري أنفسهم يعتبرونه غريبًا ... " (1)
الخاتمة
هذه بعض نتائج البحث:
- النّزعة العربية ظاهرة بارزة طاغية في أحاديث ابن دريد. فهو يكثر من الرّواية عن الأعراب، ويسرد كثيرًا من أخبارهم. فكثيرًا ما نلتقي في الأحاديث بعبارات: (رجل من العرب، لبعض العرب، من الأعراب، أعرابي) زيادة على التّركيز على حياة الأعراب، سواء كانوا في الحضر أم في البادية. وقد كان من أهداف ابن دريد الكبرى أو الأساسية إبراز مكانة العرب، وإظهار قوّة اللّغة العربية، والتّصدّي للهجوم والانتقاص اللّذين يتعرّض لهما العرب في مجتمعاتهم وفي فضاءاتهم، وسط المتغيّرات التي طبعت الحياة العبّاسية بخاصّة، التي نفشّت فيها نزعة الشّعوبية، التي تحتقر العنصر العربي وتستهين به، وتستخفّ بالعادات العربية وتقاليدها، وتسخر من طابعها البدوي، والصّحراوي ...
- هذه المتغيّرات التي أثّرت على الحياة بعامّة دفعت بابن دريد إلى ولوج ميدان التّربية، وتبنّي منهج التّعليم في أحاديثه. فكان كلّ ما نقله من أحاديث، وما ابتكره من أسلوب في نقل تلك الأخبار، وسرد
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره على الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 103. (1/47)
صفحة 48
الحكايات، وما أعمل فيه خياله بالوضع والابتكار كان الهدف منه التّعليم والتّربية. هذا ما أعطى لأحاديثه قيمة معنوية كبيرة.
- التّوجّه إلى التّعليم جعله يورد في كثير من أحاديثه مفردات غريبة، وتراكيب غير مألوفة، وتعبيرات مختلفة الوجوه ... يمليها على النّاشئة، ليلقّنها لهم، ثمّ يعقبها ببعض الشّروح والتّعليقات، أو يترك ذلك لتلاميذه، يتولّون المهمّة، كما كان يصنع ذلك مرّات عديدة تلميذه الوفيّ أبو عليّ القالي. " ما يدلّ على هدف التّعليم، وأنّه كان يرغب في أن يدرّب النّاشئة على إتقان اللّغة؛ بمعرفة أصولها وغريبها وخفاياها، أنّه في نهاية الحديث يقول: فما كان من الرّاوي إلاّ أن أعطاه دينارًا، وقد أعجب بكلام الأعرابي، فكتبه، بعد أن استفسر عن غوامضه (1) فأراد بطريقة ذكيّة وجذّابة أن يلقّن اللّغة للنّاشئة، فاخترع لها هذا الإطار." (2) يقول الدّكتور مصطفى الشّكعة: " فأحاديث ابن دريد تعليمية صرفة، والمقصود تلقين النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، عن طريق الأحاديث الحوشية، والجمل المليئة بالغريب والعجيب." (3) إنّه يرغب في تقديم درس لغوي مع نصِّ أدبي إلى النّاشئة -بخاصّة – ليحتذوه، فيتخرّجوا بواسطته على الكتابة الأدبية الصّحيحة.
-اهتمّت أحاديث ابن دريد بحياة الأعراب وأخلاقهم، وأبطال الجاهلية وأيّامهم ومآثرهم، ووصف ما يتميّزون به، وعنيت بتصوير الشّمائل العربية. الغاية من كلّ ذلك هو تلقين النّاشئة الأخلاق العربية الأصيلة. يذكر زكيّ مبارك أنّ ابن دريد يكون أعمق تفكيرًا، وأحصف رأيًا، وأصدق حديثًا، وأدقّ تصويرًا، وأكبر نَفَسًا؛ حين يتحدّث عن شجعان العرب وفرسانهم. فهو يتعقّب أعيان الجاهلية، فينطقهم بألوان من الحوار؛ لكي يفهم الأجيال والأخلاف وكلّ العرب بما يجب أن يعرفوه عن أسلافهم، من الأخلاق والشّيم، التي يجب أن يتحلّوا بها، ليكونوا في مستوى هؤلاء ... (4)
- تضمّنت الأحاديث وصايا مهمّة، تدلّ على أنّ ابن دريد عجم عود الدّنيا وحلب أشطر الدّهر، فخرج منها بمواعظ وعبر، قدّمها للنّاس، من خلال ما عرضه من أخبار وقصص عن الأعراب، الذين
__________
(1) - ينظر مثلا كتاب الأمالي، ج1، ص: 114.
(2) - محمد ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم، ص: 19، 20.
(3) - مقامات بديع الزّمان وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 87.
(4) - ينظر النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 232. (1/48)
صفحة 49
يقدّرهم، ويُعجب بهم كثيرًا، وكان له من خياله وفكره بعض الإضافات، أو التّصّرف في رفد الأسلوب ببعض اللّمسات الخاصّة.
- إيراد أبي عليّ القالي لأحاديث ابن دريد مصدّرة بِقوله: (حدّثنا)، وابن دريد بقوله: (حدّثنا، وأخبرنا، ومن روى عنهم أنبأنا ... ) عن مشائخه وعمّن هم ثقة من العلماء والرّواة ... وعن عبد الرّحمن بقوله: (سَمعتُ ... ) يعطي الخبر والحديث مصداقية وقوّة وثقة؛ لأنّه مسند وموثّق. يقول أحمد درويش: " استقى ابن دريد إذن جزءًا من معارفه من مصادر شيوخ الجيل الأوّل، وكانت رحلاته المتكرّرة إلى عمان واتّصاله بصفاء اللّغة هناك، قد أمدّه برافد هامٍّ، مكّنه من السّيطرة على المادة اللّغوية: دراية ورواية وتنسيقًا وفتْحًا لآفاق جديدة ...
لكنّه كذلك استقى جانبًا من قواه التي تفاعلت مع اللّغة وخباله، الذي استشرف لها آفاقًا جديدة، ربّما ساعدته على طرق باب جديد للقصص الأدبي ... " (1)
- ممّا سجّلناه في الصّفحات السّابقة، يبدو لنا أنّ قيمة أحاديث ابن دريد تظهر في مضمونها، أكثر من فنّيتها؛ بالنّظر إلى الدّوافع التي دفعت به إلى إملائها، وبالنّظر إلى الهدف الأساس الذي كان يرمي الوصول إليه، كما ذكرناه في البحث، وبالنّظر إلى كوننا لم تبيّين حدود ما هو من صياغته وما هو مرويّ حرفيًا ممّا حفظه من أخبار الأعراب وأحاديثهم. ألا يشير المنهج الذي اقترحه أحمد درويش لدراسة أحاديث ابن دريد، والذي أشار فيه إلى نقطة البدء فيها من موضوع الحديث، لا من لغته، ألا بشير ذلك إلى القيمة الموضوعية والمضمونية لهذه الأحاديث؟؟ (2)
في الختام نقول: إنّ أحاديث ابن دريد في حاجة إلى دراسة معمّقة، تتوخّى الاستقصاء والبحث عن الآثار أو الأحاديث التي قد تكون غائبة عن الباحثين. والتّأكّد من أنّ ما يتداول بين النّاس، وما سجّلته
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40. ينظر الرّأي نفسه كتاب محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل
الأدب، ص: 44.
(2) 1 - ينظر ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 132. (1/49)
صفحة 50
الكتب، وبخاصّة أبو عليّ القالي في كتابه الأمالي هي لابن دريد. ثمّ التّمييز بين ما هو من صياغته، وما هو من روايته ومحفوظه، بين ما هو من خياله وما هو من مواقع ما رواه.
عدم الحصول على الإجابة الدّقيقة عن هذه الأسئلة، منعنا من الدّراسة الفنّيًة، التي لم ندرجها في هذا البحث، واكتفينا بذكر الخصائص العامّة لها. كما تبقى الغاية الحقيقية المقصودة من هذه الأحاديث محلّ دراسة: هل هي تعليمية تربوية محضة؟ هل للتّسلية وتجزية الوقت؟ هل هي فرصة لابن دريد كي يبرز باعه الكبير في معرفة اللّغة العربية؟ وعرض قوّة حافظته؟ هل هي للتّباهي بغزارة معارفه، وكثرة اطّلاعه على التّاريخ؟ هل هي مناسبة للدّفاع عن العنصر العربي؟ والوقوف أمام الشّعوبية وكلّ من ينال من العرب؟ ومن ثمّ يمكّن له هذا من إشباع نزعته العربية؟ على العموم أحاديثه في حاجة إلى دراسة نفسية وتربوية واجتماعية وتعليمية. ثمّ فنيّة ... لكلّ ذلك آثرت أن يكون عنوان هذه المحاولة: " دراسة في أحاديث ابن دريد" وليس " دراسة لأحاديث ابن دريد ". أي فأنا أحوم حولها، ولا أقع فيها. (1/50)
صفحة 51
المصادر والمراجع
1 –بروكلمان، كارل
تاريخ الأدب العربي، ج2، نقله إلى العربية الدّكتور عبد الحليم النّجّار، ط3، دار المعارف بمصر، 1974م.
2 – درويش، أحمد (دكتور)
ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، نشر الهيئة العامة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، (ب. ت).
3 - الحصري القيرواني، أبو إسحاق
زهر الآداب وثمر الألباب، ج1، شرح وضبط زكي مبارك، تحقيق محمد محي الدّين عبد الحميد، ط3، مطابع السّعادة بمصر، 1372هـ/ 1953م.
4 – ضيف، شوقي (دكتور)، تاريخ الأدب العربي، ج4، العصر العبّاسي الثّاني، ط2، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1975م.
5 - فاعور إكرام
مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، تحقيق نادية فاعور، دار اقرأ، بيروت، 1403هـ/ 1983م
6 – فرّوخ، عمر (دكتور)
تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1401هـ/ 1981م.
7 – القالي، أبو علي إسماعيل بن القاسم
كتاب الأمالي، ج1، ج2، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1400ه/ 1980م.
8 – مبارك، زكيّ (دكتور)
النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، المكتبة التّجارية الكبرى، مصر، 1934م.
9 - ناصر بوحجام، محمد بن قاسم (دكتور)
ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، 1991م. (1/51)
صفحة 52
10 – ناصر، محمد بن صالح (دكتور)
محمد بن الحسن بن دريد حياة من أجل الأدب، نشر الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، (ب. ت).
11 – مجلّة المقتطف، مصر، مجلّد: 76، مايو 1930م. (1/52)
صفحة 53
محتويات الكتاب
المقدّمة
أسئلة حول أحاديث ابن دريد
مضمون أحاديث ابن دريد
أوّلا: أحاديث عن الأعراب
ثانيًا: أحاديث من عالم النّساء
ثالثًا: عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد
رابعًا: أحاديث عن عالم التّاريخ
الخصائص العامّة
الخاتمة
المصادر والمراجع
محتويات الكتاب (1/53)