صفحة 1
الكتاب: دلالة الألفاظ على المعاني
المؤلف: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة)
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
* * * كوكب المعرفة * * *
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الموضوع: دلالة الألفاظ على المعاني
التوقيت: 21-11-2005 08:46 PM الكاتب: عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي
العنوان: http://ibadhiyah.net/maktabah/showthread.php?threadid=239
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
[الرد 1]
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 08:46 PM
: دلالة الألفاظ على المعاني
*
الفهرس
** المقدمة
** خطة البحث
** دلالة الألفاظ على المعاني
** الفصل الأول الحقيقة في القرآن الكريم
** أقسام الحقيقة
** ? أنواع الحقيقة بتعدد أفرادها
** خاتمة الفصل
** الفصل الثاني المجاز في القرآن الكريم
** نشأة البحث المجازي عند العرب
** الفرق بين الحقيقة والمجاز
** أقسام المجاز
** تنبيهات حول المجاز المرسل
** أقسام الاستعارة
** الفصل الثالث الخلاف في وجود المجاز في القرآن الكريم
** إنكار المجاز مطلقاً
** انكار المجاز في القرآن الكريم
** أدلة المجيزين
** الخاتمة
=
=
=""
=
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 2
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 09:59 : المقدمة (1/1)
صفحة 2
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبهدايته تُحل المشاكل المعضلات، وبرحمته تتنزل البركات، وبرأفته تتوالى العطايا والهبات، أحمده حمد من آمن بجلاله، واعترف بكماله وجماله، وأشكره على ما وهب من سيب جوده وعظيم نواله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيءٍ علما وأوسع كل حادث حكما، وأرسل الرسل تترى، وأنزل الكتب تتلى، وجعل القرآن الكريم معجزة خاتم النبيين، كتاباً معجزاً تبيانه، ساطعاً برهانه، محتوياً على الحقيقة والمجاز، اللذين هما في القرآن من جملة دلائل الإعجاز، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، جمعت رسالته ما تفرق في الرسالات، وخلدت معجزته دون سائر المعجزات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا هداة البشرية، ومحاة الأمية، وأساتذة العالم، وبناة التاريخ.
أما بعد: (1/2)
صفحة 3
فإنَّ الله عز وجل برأ الخلق لعبادته، ولم يتركهم سدى لأنه لم يخلقهم عبثاً (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريدُ منهم من رزقٍ وما أُريد أن يطعمون) (1) وقال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) (2)، وعبادة الله سبحانه لا تكون مع الجهل فإنَّ الجهل يطمس حقيقتها أمام عين العابد، ولذلك كان أشرف العبادة معرفة الخالق عز وجل حق المعرفة إذ إن في معرفة الله دوام الطاعة والعبادة له، وفي الجهل به نزول رتبة العبادة في نفس صاحبها إن لم يؤد ذلك إلى انقطاعها، وفي كتاب الله – سبحانه – المنزل على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم ما يعرِّف العباد بالله حق المعرفة، ويبين لهم كنه ما يعبدون، وحقيقة الذي يرغبون إليه ويرجعون، بخطاب ألفوه، ولغة يتفاهمون بها فيما بينهم فوصف الله نفسه في كتابه بألفاظ لها مدلولاتها المعلومة لدى العالمين ولن يصف الله أعلم بالله من الله، فالله – عز وجل – يقول: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (3) ويقول – سبحانه -: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (4)، ويقول تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمان الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوسُ السلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبّر سبحان اللهِ عما يشركون، هو اللهُ الخالقُ البارئ المصور له الأسماءُ الحسنى يسبحُ له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) (5)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي جاءت واصفة لله عز وجل بما يجب أن يُوصف به، وجاءت أيضاً الآيات القرآنية منزهة لله عز وجل عن كل مالا يجوز أن يوصف به، فالله سبحانه وتعالى يقول: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) (6)، ويقول عزّ من قائل: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (7)، وهذه الآية الكريمة نص عاصم من اعتقاد تشبيه الخالق (1/3)
صفحة 4
بالمخلوقين، أو أن يكون له ما يماثله في شيء من صفاته.
وكما جاءت في كتاب الله – عز وجل – تلك النصوص التي لا إيهام في المراد بها ولا خفاء وردت في القرآن الكريم نصوص يوهم ظاهرها المشابهة بالحوادث، مثل قوله تعالى: (كلُ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه) (8)، وقوله: (والسماءُ بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون) (9) وقوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ) (10) وقوله: (يدُ اللهِ فوق أيديهم) (11).
وقوله: (ولتصنع على عيني) (12) وقوله: (تجري بأعيننا) (13) وقوله: (وهو معكم أينما كنتم) (14) وقوله: (وجاء ربك) (15) وقوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) (16)، وقوله: (الرحمن على العرشِ استوى) (17). هذه الآيات الكريمة ومثلها أحاديث وردت في السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – كانت منشأ خلاف بين العلماء في المراد بها، على أنه لم يظهر هذا الخلاف في المراد بهذه الآيات في العهد النبوي مع تردد الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أمور دينهم ودنياهم، إنما نشأ الخلاف بعد ذلك، بعد أن اتسعت رقعة العالم الإسلامي وعاش أهله استقراراً ورفاهية في العيش كان عاملاً من عوامل النشاط الفكري والثقافي يظهر في مدارس العلم والتآليف، ودخلت في الديانة الإسلامية شعوب مختلفة تحمل أفكاراً متباينة كان لها أثرها غير الهيّن في توجيه العطاء الثقافي والإنتاج الفكري. (1/4)
صفحة 5
إن الذين عاصروا العهد النبوي من الصحابة كان لهم من الدراية بأساليب اللغة ومدلولات الألفاظ ما يجعلهم يقنعون بما يفهمونه من مثل هذه الآيات المتشابهة في القرآن الكريم عند سماعهم لها لأول مرة، والذين يقولون بأنها آيات تُجوَّز فيها يقولون بأن الصحابة – رضوان الله عليهم – كانوا يحملونها على معانيها المجازية، بينما خالفهم النافون للمجاز، ولكون المجاز مدار التأويل، وبه يُصرف اللفظ عن ظاهر معناه وجّه الذين تمسكوا بظواهر ألفاظ الآيات عنايتهم إلى نفي المجاز فمنهم من نفاه من اللغة أصلاً، وبطبيعة الحال فإن نفي المجاز في اللغة يتضمن نفيه من القرآن الكريم.
ومنهم من نفاه عن القرآن الكريم وتوقف في نفيه من اللغة، كابن تيمية ومن وافقه.
ومنهم من قضى بوجوده على الإطلاق – أي في اللغة وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو قول جمهور الأمة.
فالموضوع – إذن – له صلة كبيرة بالجانب العقدي، وهو من جملة أسباب الخلاف بين طوائف الأمة الإسلامية، ويكتسب أهميته الكبرى من هذه الناحية. (1/5)
صفحة 6
والذين كتبوا في هذا الموضوع من المتقدمين تكثر في كلام أغلبهم المناقشات الحامية إذا ما وصل بهم الحديث إلى الجوانب العقائدية في هذه المسألة مثل كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، بينما يناقش أغلب الكتّاب المتأخرين هذا الموضوع من زاويةٍ أدبية، فإن عماد البلاغة يقوم على المجاز، ولذلك يقول عبدالقاهر الجرجاني، "إنَّ من أنكر المجاز في اللغة فقد أسقط منها شطر الحُسن"، ومن الكتب الحديثة التي مشت على هذه الطريقة كتاب "الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم" للدكتور علي محمد حسن المدرس بكلية البنات بالقاهرة، وكتاب "المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم" للدكتور إبراهيم عبدالعظيم المطعني أستاذ قسم البلاغة والنقد في كلية اللغة العربية بالقاهرة – أيضاً -، ولا أعني بالزاوية الأدبية حصرَ الخلاف بين الأدباء، إنما أعني الآثار المترتبة على نفي المجاز المؤثرة تأثيراً بالغاً بالحطّ من رتبة الجانب الأدبي في اللغة دون نظر إلى كون القائل به من الأدباء أو المتكلمين أو الأصوليين أو غيرهم.
أما بالنسبة لطريقة البحث التي اتبعتها في هذا الموضوع فهي كالتالي: (1/6)
صفحة 7
1- الرجوع إلى كتب البلاغة المتقدمة والحديثة، فمن جملة الكتب القديمة كتابا الإمام عبدالقاهر الجرجاني "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة"، وكتاب "مفتاح العلوم" للسكاكي، و"الإيضاح" للقزويني، على أن أكثر أخذي كان من الكتب الحديثة للمتأخرين ككتابي الدكتور علي محمد حسن والدكتور إبراهيم عبدالعظيم المطعني السابق ذكرهما، و"البلاغة الواضحة" لعلي الجارم ومصطفى أمين، و"علم البيان" للدكتور بدوي طبانة، و"البلاغة العربية في ثوبها الجديد" للدكتور بكري شيخ أمين وآخرين. وقد رجعت في المباحث الأصولية إلى كتب الأصول للمتقدمين ككتاب "الإبهاج شرح المنهاج" لابن السبكي، و"الإحكام" لسيف الدين الآمدي، و"الإحكام" لابن حزم وغيرها، ورجعت – أيضاً – إلى بعض الكتب التي اختصت بعلوم القرآن ككتاب "البرهان في علوم القرآن" للزركشي، و"الإتقان" للإمام جلال الدين السيوطي.
2- لاختصاص هذا البحث بمناقشة مسألة وجود المجاز وعدمه في القرآن الكريم استشهدتُ – ما أمكنني – الاستشهاد بآيات الكتاب العزيز ولربما عضدتها بشيء من الأحاديث النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – مع تخريجها – ولابُدّ -.
3- استشهدتُ – أيضاً – بنخبة من الأبيات الشعرية والكلمات المأثورة عن أهل هذه اللغة يتضمن أغلبها صوراً مجازية من كتب الأدب واللغة العربية.
هذا.. وغنيّ عن القول أن هذا البحث ليس غرضه أن يُحصي مباحث الحقيقة والمجاز وقضاياهما، أو أن يستقصي أسباب الخلاف الواقع في باب المجاز ويتتبع آثاره ويرد على كل شبهة تُثار فيه فإنَّ هذا مما لا طاقة لي به فكيف أدعيه؟ على أني لم آت بجديد لقلة زادي، وما هو إلا كما يأخذ الطير بمنقاره من البحر فبماذا يرجع؟
--------------------------------------------------------------------------------
(1) الذاريات: 56، 57.
(2) المؤمنون: 115.
(3) البقرة: 21.
(4) البقرة: 163.
(5) الحشر: 22، 23.
(6) الإخلاص.
(7) الشورى: 11.
( (1/7)
صفحة 8
8) القصص: 88.
(9) الذاريات: 47.
(10) ص: 75.
(11) الفتح: 10.
(12) طه: 39.
(13) القمر: 14.
(14) الحديد: 4.
(15) الفجر: 22.
(16) البقرة: 210.
(17) طه: 5.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 3
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:01 : خطة البحث:
وقد جعلتُ بحثي هذا محتوياً على بحث تمهيدي وثلاثة فصول وخاتمة.
البحث التمهيدي:
بحثت فيه موضوع دلالة الألفاظ على المعاني مبيناً الصلة بينه وبين الحقيقة والمجاز.
الفصل الأول: تعرضت فيه لذكر الحقيقة وأقسامها وأنواعها وشيء من أحكامها. وعقبت بخاتمة للفصل.
الفصل الثاني: بحثت فيه موضوع المجاز تعريفه ونشأته والفرق بينه وبين الحقيقة ثم ذكرت أقسامه وختمته بتنبيهات ف نهايته وإثر بعض أقسامه – أيضاً -.
الفصل الثالث: - وهو بيتُ القصيد – ذكرتُ فيه الخلاف في وجود المجاز في اللغة مطلقاً – أولاً – ثم في القرآن الكريم وعرضت فيه لشيء من أقوال النافين فحاولت تفنيدها ثم أوردت أدلة المجيزين.
الخاتمة: وفيها ذكرت الآثار المترتبة على القول بنفي المجاز، وإشارة إلى كون المجاز صورة من صور التوسع اللغوي في اللغة العربية – خاصة -.
وقبل أن أختم هذه المقدمة أوجّه عناية المسلمين إلى الاهتمام بإزالة كل ما يعوق وحدتهم من حواجز وعراقيل، والعمل على إماتة البدع وإحياء السنن بالعودة إلى كتاب الله عز وجل وإلى السنة الثابتة عن رسوله – عليه أفضل الصلاة والسلام -، وانتهاج أفضل السبل الملائمة التي تفضي بالمسلمين إلى الوحدة العامة، والعمل لغاية واحدة، فإن الزمن قد استدار كهيئته يوم أن بعث الله رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام فبعث في البشرية حياةً جديدة، تقيم منهج الله عز وجل وتعبد الله على هدى وبصيرة. (1/8)
صفحة 9
إنَّ الناس هم الناس، والجنس البشري في العصر الحاضر هو الجنس البشري الذي بُعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومازالت المسئولية والأمانة التي علّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقاب الأمة بأداء رسالته وتبليغها إلى الناس كافة، مازالت هذه الأمانة في أعناق المسلمين جيلاً بعد جيل، فإلى متى؟ إلى متى؟ أيها المسلمون أنتم وراء الشقاق والنزاع والتكفير والتفسيق ساعون؟ إلى متى أنتم وراء المطامع تتساقطون؟ (وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكِّر به أن تُبسل نفسٌ بما كسبت ليس لها من دون اللهِ وليٌّ ولا شفيع) (1).
وإن في إثارة مثل هذا القول القائل بمنع المجاز وإبطاله إيقاداً لفتنة كانت نائمة، وصدعاً في جدار الوحدة المنشود بين أبناء هذه الأمة مما لا يعود على الأمة الإسلامية بخير أبداً ...
هذا وأشكر شيخي الدكتور عثمان الفكي الذي أمدّني بمعلومات قيمة تتصل بموضوع البحث، وأعتذر عن التقصير فيه لاستعجالي في الأيام الأخيرة بغية عدم التأخر في تقديمه.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل
* عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
مسقط في 5/ربيع الآخر 1414هـ
الموافق 21/9/1993م
--------------------------------------------------------------------------------
) الأنعام: 70.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 4
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:08 : دلالة الألفاظ على المعاني (1/9)
صفحة 10
إن الألفاظ التي ينطق بها الإنسان تتصل اتصلاً وثيقاً بعقله وتفكيره، وهي وسيلة من وسائل تعبيره عما يختلج في ضميره، وهي لصلتها بالعقل والعاطفة يتناولها أصحاب علم النفس، و لكنها قبل هذا وذاك عنصر من عناصر اللغة، ولهذا يعرض لها اللغويون في بحوثهم ويتناولونها من زاويتهم الخاصة، ودراسات هؤلاء وهؤلاء من أهل العلم تتشابك حدودها، وتتقارب في بعض نواحيها حين تعرض للألفاظ ودلالة الألفاظ.
وبحثنا في موضوع الحقيقة والمجاز صلة وثيقة بدلالة الألفاظ لأنهما داخلان في تقسيمات الألفاظ وصورة من صور التطور الدلالي اللفظ.
معنى اللفظ:
وما دمنا نتحدث عن الألفاظ فلنتبين معنى اللفظ أولاً: فهو في اللغة بمعنى الطرح والنبذ وحقيقته " ما حرك به اللسان مستعملاً كان أم مهملاً تقول: لفظ بالشئ يلفظ لفظاً: تكلم، وفي التنزيل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد 1. ولفظت بالكلام وتلفظت به أي تكلمت به، واللفظ واحد من الألفاظ، وهو في الأصل مصدر2، وحده ابن حزم بقوله: " هواء مندفع من الشفتين والأضراس والحنك والحلق والرئة على تأليف محدود"، قال: " وهذا أيضاً هو الكلام نفسه"3. وقال ابن هشام: (( المراد باللفظ: الصوت المشتمل على بعض الحروف، سواء دل على معنى كزيد أم لم يدل كديزـ مقلوب زيد وقد تبين أن كل قول لفظ ولا ينعكس))4. (1/10)
صفحة 11
وما دامت الألفاظ التي نتكلم بها هي لغة أجناس البشر فلنتبين معنى اللغة أيضا، جاء في ((اللسان)): " اللغة الّلسنُ وحدها: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي فعلة من لغوت أي تكلمت، أصلها لغوة ككرة وقلة وثبة، كلها لاماتها واوات، وقيل: أصلها لغي لغو، والهاء عوض، وجمعها لغي مثل: برة وبري، وفي الحكم: الجمع لغات ولغون"5، وقال ابن حزم: " اللغة ألفاظ يعبر بها عن المسميات وعن المعاني والمراد إفهامها، ولكل أمة لغتهم قال الله عز وجل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم 6 ولا خلاف في أنه تعالى أراد اللغات،7 والظاهر أنه لكل قوم وأمة لغتهم فاللغة لا تحد بالأصوات والألفاظ فحسب، فقد وجد المتتبعون لحياة الحشرات أنها تتفاهم بإطلاق مواد كيميائية لها تركيباتها المعبرة، وصدق الله القائل: وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم 8، على أن هناك فارقا كبيرا بين لغة الحشرات ولغة البشر فتلك غريزية وهذه إرادية، وإنما صح إطلاق لفظة "لغة" على وسيلة التفاهم بين الحشرات على سبيل التجوز.
إن النطق بالألفاظ وسيلة من وسائل التفاهم التي ميز الله سبحانه بها النوع الإنساني من بين سائر المخلوقات حتى إن المناطقه لم يجعلوا من فارق للإنسان يمتاز به عن الحيوان غير النطق فقالوا في تعريفه: الحيوان الناطق والله سبحانه يقول في كتابه: الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان 9. (1/11)
صفحة 12
وقد اختلف العلماء في بداية نشأة الكلام، وتداول الناس للألفاظ هل أوقفهم الله سبحانه وتعالى عليها؟ أم اصطلحوا عليها فيما بينهم؟ أم كانت اللغة توقيفية في بداية أمرها ثم انتهت إلى الإصلاح والمواضعة؟ وكيف اصطلحوا عليها؟.. كلها آراء ونظريات ما تزال موضع أخذ ورد بين العلماء، ويظهر أثر هذا التردد واضحا في موقف الإمام ابن جني في "الخصائص" فهو أحيانا يميل إلى رأي القائل بأن الإنسان إنما استلهم لغته من أصوات الكائنات المحيطة به، وأحيانا يميل على الرأي القائل بأنها توقيف من الله تعالى.
وفي "الإبهاج" للإمام ابن السبكي:((... فالواضع إن كان هو الله تعالى فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومن وافقه وهو المسمى بالتوقيف، وإن كان هو العبد فهو مذهب أبي هاشم وهو المسمى بالإصلاح والتواطؤ، وإن كان منهما فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله والباقي من العبد وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق، أو العكس وهو مذهب ضعيف لم يذكره في الكتاب لعله يريد المنهاج وأما جمهور المحققين كالقاضي فمن بعده فقد توقفوا في الكل)) 10
وقد أخذ برأي الأستاذ أبي إسحاق في هذه المسألة الإمام ابن حزم فبعد أن قرر توقف اللغة على تعليم الله في بدايتها أثبت أنها صارت إلى الاصطلاح والتواطؤ بعد ذلك، واستدل على أن أصل اللغة توقيف بقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة 11، وبعد عرضه لهذا القول عقب عليه بقوله:(( إلا أننا لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد إن كانت لغة واحدة وقفوا عليها بما علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها، ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم عليه السلام عليها أولا، إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة، وأقلها إشكالا، وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها)) 12. وأصح الأقوال في المراد بالأسماء في الآية الكريمة أنها أسماء الأجناس دون مفرداتها13. (1/12)
صفحة 13
والآراء المختلفة في مسألة نشأة الكلام لا تعدو كونها نظريات تبدأ بالفرض ثم تسوق له الأدلة والبراهين لعدم القطع في هذه المسألة ولذا أعرض الباحثون المحدثون عن مثل هذه النظريات واتجهوا في محاولتهم لمعرفة نشوء اللغة إلى الاستقراء والتتبع بإجراء التجارب، واستعراض الملاحظات، ثم تتكون لهم النتيجة أيّاما كانت هذه النتيجة، ويؤسسون نظريتهم عن ثلاثة أسس:
– دراسة مراحل نمو اللغة عند الأطفال.
– دراسة اللغة في الأمم البدائية.
– دراسة تاريخية للتطور اللغوي14.
وبحسب ما يؤديه اللفظ لذهن السامع أو يبرز من ذهن المتكلم خدمة للمعنى يكون توصيفه لدى أهل المنطق والأصول، فهم يجعلون اللفظ قرين المعنى إن دل عليه بتمامه سموا ذلك مطابقة، وإن دل على جزء منه سموا ذلك تضمنا، وإن دل لازم خارج عنه يستتبعه استتباع الرفيق سموا ذلك التزاما.
مثال المطابقة أن يدل لفظ (الكتاب) على ما فيه من أوراق وغلاف ونقوش لا يستثنى من ذلك شئ، ومثال التضمن أن يدل لفظ (الكتاب) على الورق وحده أو الغلاف وحده، فلو بعث الكتاب يفهم المشتري دخول الغلاف فيه، ولو أردت بعد ذلك أن يستثنى الغلاف لا حتج عليك بدلالة لفظ الكتاب على دخول الغلاف، ومثال الالتزام أن يدل لفظ (الدواة) على القلم، فلو طلب منك أحد أن تأتيه بدواة ولم ينص على القلم فجئته بالدواة وحدها لعاتبك على ذلك محتجا بأن طلب الدواة كاف في الدلالة على طلب القلم15.
وقد قسم أحد اللغويين المحدثين16. دلالة الألفاظ تقسيما يعود إلى اللفظ نفسه من حيث جرسه الموسيقي واشتقاقه، وطرق تداوله بين الناس وجعل دلالاته أربع دلالات:
أ دلالة صوتية: (1/13)
صفحة 14
ومثل لذلك بكلمتي (تنضخ) و ( تنضح) لما للأولى من قوة أداء للمعنى أكبر من الثانية في قولك مثلا: (( تنضح العين بالنفط في وسط الصحراء)) فإن السامع يتصور بعد سماعه كلمة (تنضح) عينا يفور منها النفط فورانا قويا بعكس ما لو استعملنا كلمة (تنضح) بالحاء المهملة للدلالة على ما ذكرنا، فإن دلالتها ستكون أقل على ذلك. ومن ذلك قوله تعالى:: فيهما عينان نضاختان17. ويحس الإنسان ذلك من نفسه حينما ينطق بحرف الخاء الذي من صفاته التفخيم كأنما يمثل لنفسه حالة خروج النفط أو السائل في اندفاعه السريع.
ب دلالة صرفية:
تستمد هذه الدلالة من بنية الصيغ كاختيار المتكلم صيغة (فعّال) لفظ يدل على التكثير والمبالغة منه قوله عز وجل (فعّال لما يريد) 18، وكصيغة (فعول) للدلالة على ذلك أيضا في قولك: أكول أو شروب أو نؤوم ومنه قول امرئ القيس: " نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل".
جـ دلالة نحوية:
مستمدة من تركيب ألفاظ الجملة الواحدة والتناسق الموجود فيم بينها، ذلك التناسق الذي يطلق على الكلام عند عدمه بأنه ضعيف التأليف فلو حدث واختل ذلك النظام والتناسق لأدى إلى تعسر الفهم للمنطوق به19، مثال ذلك رجوع الضمير على متأخر لفظا ورتبة كقول حسان رضي الله عنه
ولو أن مجدًَا أخلد الدهر واحدا = من الناس أبقى مجده الدهر مطعما.
فان الضمير في "مجده" راجع إلى "مطعما" وهو متأخر في اللفظ وفي الرتبة لأنه مفعول به، وقول الفرزدق في خال هشام:
=""
وما مثله في الناس إلا مملكا = أبو أمه حي أبوه يقاربه
د دلالة معجمية أو اجتماعية: (1/14)
صفحة 15
جميع تلك الدلالات السابقة من صوتية ونحوية وصرفية تكون مكتسبة لدى جميع الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم في المجتمع عن طريق التلقي والمشافهة وتصبح أنظمتها بمثابة العادات الكلامية يؤديها الواحد دون شعور بخصائصها أو على الأقل دون أن يشعر بها شعور عالم النحو والصرف، فالدلالة الاجتماعية للكلمات تظل تحتل بؤرة الشعور لأنها الهدف الأساسي في كل كلام، وليست العمليات العضوية التي نقوم بها في النطق بالأصوات إلا وسائل يرجو بها المتكلم أن يصل في طريقها إلى ما يهدف من فهم أو إفهام، فهذه الدلالة مترتبة على الدلالات السابقة وكنتيجة لها إذا ما استعملت، سواء أتفهمت معاني تلك الدلالات السابقة لدى المتخصصين أم لم تتفهم لدى العوام من الناس0أ.هـ20.
ولغات جميع الأمم عرضة للتغير والتأثر بمؤثرات متعددة أقوى تلك المؤثرات ضعف تعلق أصحاب اللغة الواحدة بلغتهم، الناشئ إما عن وقوعهم تحت قبضة أمم غالبة تفرض لغتها عليهم، أو اختلاطهم بأجناس الأمم الأخرى، أو تقليد لغيرهم يدفعهم إلى ذلك الرغبة كما دفعتهم الرهبة.
ولا أظن أن لغة تضيق عن استيعاب ما تفرزه الحياة من مكتشفات وتطورات فلا تجد لها مصطلحا يتعارف عليه الناطقون بها، فهذه العبرية وهي لغة قديمة العهد تدرس الآن كلغة عصرية لليهود لتكون لغة دولتهم الموعودة في عصر الاكتشافات والتطورات المذهلة.
وما ينعق به سفهاء الأحلام من القول بضعف اللغة العربية عن مسايرة اللغات العصرية، واستيعابها لكل ما يستجد في الحياة الحاضرة دليل واضح على جهلهم بها، وقولهم ناشئ عن ضعف الوازع الديني في قلوبهم إن لم يكن إتباعا لأعداء الإسلام الذين يريدون محو اللغة العربية لارتباطها الوثيق بالدين الإسلامي. (1/15)
صفحة 16
واللغة العربية واسعة لا تضيق عن ابتداع اسم لمخترع لم يوجد من قبل، أو مادة لم يعهد وجودها فيما سبق من عهد، وكصورة من صور توسع اللغة العربية نجد الألفاظ فيها تنقسم خمسة أقسام: مختص، ومشترك، ومنقول، ومرتجل، وحقيقة، ومجاز كلها دالة على ما للغة من ثروة في الألفاظ التي تؤدي المعاني واسعة، وبعبارات مختلفة21.
ومن بين هذه الأقسام التي تنقسم إليها الألفاظ ما يدور حوله حديثنا في هذا البحث، وما لأجله مهدنا بهذا التمهيد، ألا وهو قسم الحقيقة والمجاز، إذ كلاهما ظاهرة من ظواهر التطور الدلالي في اللغة بمعنى عام وفي اللغة العربية بمعنى خاص، وستظهر لنا عبر فقرات هذا
البحث بإذن الله تعالى صورة التوسع اللغوي التي يمثلها كل من الحقيقة والمجاز، فما هي الحقيقة؟ وما هو المجاز؟ وأية مكانة يحتلانها بين أساليب اللغة ووسائل التعبير فيها؟...
--------------------------------------------------------------------------------
(1) ق: 18.
(2) لسان العرب ج7 ص/ 461 دار الصادر – بيروت.
(3) الأحكام / ابن حزم الظاهري – ج1، م1 ص46 –منشورات دار الآفاق – بيروت، وانظر: التعريفات للجرجاني ص247/ط: دار الكتاب العربي –بيروت.
(4 ) شرح قطر الندى لابن هشام بتحقيق محمد محيى الدين ص2.
(5 ) لسان العرب ج 15 ص 251،252 مادة لغا ط دار صادر بيروت.
(6 ) إبراهيم /4.
(7) الأحكام ج1 م1 ص46، وانظر كتاب تعريفات للجرجاني ص247ط(1) دار الكتاب العربي.
(8 ) الأحكام ج1 م1 ص 46، وانظر كتاب التعريفات للجرجاني ص 247 ط(1) دار الكتاب العربي.
(9 ) الرحمن: 1،2،3،4.
(10 ) الخصائص لابن جني تحقيق محمد على النجار ج1 ص46،47 ط دار الكتاب العربي.
(11 ) البقرة / 31.
(12 ) الأحكام / ج1 ص31 ط دار الآفاق الجديدة بيروت.
(13 ) راجع / جواهر التفسير ج3 ص 51 ط جريدة عمان(1988م)، كتاب الايمان لابن تيمية ص85 ط دار الكتب العلمية بيروت.
( (1/16)
صفحة 17
14 ) دلالة الألفاظ ت: د.إبراهيم أنيس ص 43 ط(5) مكتبة الأنجلو المصرية.
(15 ) انظر كتاب الأحكام لسيف الدين الآمدي 1 ص 16،17 (الطبعة الأولى) دار الكتب العلمية بيروت: كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر ص37، 38 (الطبعة الثانية) دار التعارف بيروت.
(16 ) دلالة الألفاظ ت: د.إبراهيم أنيس ص 44.
(17 ) الرحمن / 66.
(18 ) البروج /16.
(19 ) يعبر بعض اللغويين المحدثين عن هذه الدلالة بمصطلح له رونق وبريق المصطلحات الجديدة بالدلالة الوظيفية، وانظر ما كتبه في ذلك تمام حسان في بعض كتاباته.
(20 ) مأخوذ من كتاب / دلالة الألفاظ ت:د.إبراهيم أنيس ص44 وما بعدها (بتصرف).
(21 ) انظر / الفصحى لغة القرآن ت.أنور الجندي ص12 ط دار الكتاب اللبناني بيروت إعجاز القرآن ت.مصطفى صادق الرافعي ص/90/91 ط دار الكتاب العربي بيروت.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 5
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:15 : الفصل الأول الحقيقة في القرآن الكريم
تعريف الحقيقة لغة:
قال ابن فارس في" فقه اللغة": " الحقيقة من قولنا: حق الشئ إذا وجب، واشتقاقه من الشئ المحقق وهو المحكم، يقال: ثوب محقق النسيج أي محكمه: فالحقيقة الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم فيه ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه وهذا أكثر الكلام، وأكثر آي القرآن وشعر العرب على هذا"1
وفي اللسان:" حق الأمر يَحِقّ ويَحُقّ حقاً وحقوقاً: صار حقاً وثبت والحقيقة في اللغة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك"2
وفي القاموس: " والأمر يَحُقّ ويَحِقّ حقّةً بالفتح وجب ووقع بلا شك ثم قال _ والحقيقة ضد المجاز". وقال بعد ذلك بكلام:" والمحقَّق من الكلام الرصين، ومن الثياب المحكم النسيج"3. (1/17)
صفحة 18
وقد اعتبر الغزالي في كتابه " المستصفى" لفظ الحقيقة مشتركاً بين ذات الشئ وحدّه وبين حقيقة الكلام،4 وذهب العلوي في " طراز " إلى أن لفظ الحقيقة نفسه مجاز، لأنها مقولة في الأصل على الشئ الثابت غير المنفي المعدوم، ثم إنها نقلت إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فقد أفادت غير ما وضعت له في الأصل.5
: - تعريف الحقيقة اصصلاحاً :
عرفها أبو الحسين البصري المعتزلي بقوله: " ما أفاد معنى مصطلحاً عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب".6
فقوله: " ما أفاد معنى" عام في المعاني العقلية والوضعية، وقوله "ومصطلحا عليه" يخرج عنه المعاني العقلية كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادرا وعالما إلى غيرها من المعاني العقلية، وقوله:"في الوضع الذي وقع فيه التخاطب" يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية والعرفية والشرعية والاصطلاحية7.
وقد ارتضى هذا التعريف العلوي في "الطراز" وصدر به كلامه في تعريف الحقيقة، وناقش تعريفات كل من أبي عبدالله البصري، والشيخ عبد القاهر الجرجاني، والشيخ أبي الفتح بن جني، وتعريف ذكره ابن الأثير في كتابه "المثل السائر"8.
وتعريف أبي الحسن أولى من قولنا في حد الحقيقة بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له، وما أشبه هذا من التعريفات الأخرى التي يتصور السامع عند سماعها بأن هناك وضعا قد تم في زمن معين، وفي عصر خاص من عصور التاريخ، واصطلح الناس على جعل عدة من الألفاظ موضوعة لحقائق معروفة حتى إذا ما استعملت في غير ما وضعت له عد ذلك مجازا.
إن إرجاع أمر معرفة كون هذا اللفظ حقيقة إلى مثل هذا الوضع الذي أشرنا إليه أمر متعذر إذا ما نظرنا إلى تطور الألفاظ على مدى الأزمان، ويتعذر بقاء اللغة الأولى والمصطلحات المتقدمة على ما هي عليه دون أن يطرأ عليها نسيان الوضع الأول واشتهار الاستعمال الأخير بحيث يصبح الاستعمال الأخير للفظ هو الحقيقة، ولا يدرك معنى الأول بسبب عدم استعماله. (1/18)
صفحة 19
ولأجل هذا الذي ذكرت آثر بعض الكتاب المحدثين إرجاع أمر معرفة حقيقة اللفظ من مجازه إلى الأثر الذي يحدثه اللفظ في نفس الفرد عند سماعه له بما يتركه في النفس من غلابة أو دهشة،9 وللمجاز أمور أخرى يُعرف بها ولو جهلنا تاريخ الوضع سنتعرض لها لاحقاً _ بإذن الله تعالى_.
- أمثلة للحقيقة في كتاب الله تعالى:
أكثر آيات القرآن الكريم والألفاظ التي جاءت فيه حقائق كما صرّح بذلك ابن فارس في " فقه اللغة"، و الزركشي في " البرهان " 10 كالأرض والسماء والماء والتراب والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، كما قال تعالى } الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم اللّيل والنهار{ 11، وقال سبحانه:} والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً12{. ومن الآيات التي يتجوز فيها الآيات الناطقة بوجود الله تعالى وتوحيده وتنزيهه، والتي تنفي عنه النقائص في أسمائه وصفاته كقوله عز وجل: وإلهكم إله واحد13، وقوله: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، وقوله: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد15. (1/19)
صفحة 20
والألفاظ الدالة على جوارح المخلوقين حقائق، فان نسبت إلى الله عز وجل كان ذلك على المجاز، لقرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقة فيها عقلاً ونقلاً، كما في مثل قوله عز وجل: " إنَّ الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم، آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ، وقد أكد إرادة المعنى الحقيقي هنا ذكر ما تستعمل فيه كل جارحة، أما في مثل قوله تعالى: يد الله فوق أيديهم 17 فتؤول بمعنى القدرة نفياً لمشابهة الخلق، وتصديقاً بقوله ليس كمثله شئ وهو لسميع البصير 18 وهذا هو الموقف الحق في تأويل ما جاء على هذا السبيل من الآيات الكريمة.19
قيل: ومن الحقائق الآيات التي لم تنسخ، وهي كالآيات المحكمات، والآيات التي لا تقديم ولا تأخير فيها كقوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون 20.
-------------------------------------------------------------------------------
) الصاحبي لابن فارس ص321 – 322 تحقيق السيد أحمد صفر – مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه / القاهرة.
(2) اللسان ج1 ص52 مادة حقق.
(3) القاموس المحيط ج3 ص229 فصل الحاء باب القاف ط: الجيل.
(4) المستصفى ج1 ص341 ط: دار الفكر.
(5) الطراز ج1 ص46 ط: دار الكتب العلمية.
(6) المعتمد ج1 ص11 ط: دار الكتب العلمية.
(7) الطرزج ج1 ص47 (بتصرف).
(8) المصدر السابق ص48 وما بعدها.
(9) دلالة الألفاظ ص130 وما بعدها، وسأتعرض لهذا الموضوع فيما يأتي من البحث إن شاء الله عزوجل،
(10) أنظر: الصاحبي لابن فارس ص321-322 والبرهان ج2 ص255 ط: دار المعرفة- بيروت.
(11) ابراهيم /33،32.
(12) فاطر/11.
(13) البقرة /163
(14) الحشر/ 22.
(15) سورة الإخلاص.
(16) الأعراف/ 194، 195.
(17) الفتح/10.
(18) الشورى/ 11.
( (1/20)
صفحة 21
19) أنظر/ تأويل مشكل القرآن لاقتيبة ط:دار الكتب العلمية، الاشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز لابن عبدالسلام ص104 وما بعدها ط: دار المعرفة – دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابي الفرج الجوزي تح حسن السقاف ط: دار الأمام النووي.
(20) البقرة/4، وانظر: البرهان للزركشي ج2 ص254 –ص255 ط: دار المعرفة – بيروت.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 6
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:38 : أقسام الحقيقة:
الباحثون في الألفاظ ودلالاتها يقسمون الحقيقة أقساماً ثلاثة هي: الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية، والحقيقة الشرعية، وهذا التقسيم لم يختص به البيانيون أو علماء البلاغة وحدهم بل نجده في كتب أهل المنطق والأصول و علماء الكلام، وانقسام الحقيقة إلى هذه الأقسام حسنة من حسنات اللغة، تدعو إليها وفرة الألفاظ، ولها من قابلية النقل ما تستحسنه الطباع، ولا تمجه الأسماع، والوقوع أكبر برهان ودليل على ثبوت جميع هذه الأقسام
أ الحقيقة اللغوية: (1/21)
صفحة 22
أما الحقيقة اللغوية فهي ما وضعها واضع اللغة، ودلت على معان مصطلح عليها في تلك المواضعة1، وعرفها بعضهم بأنها هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، وهذا نحو قولنا: السماء والأرض، والإنسان والفرس، والكثيب، والجبل، والبرق، والرعد، والمطر، وفي القرآن الكريم:) هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال(2، فهذه الألفاظ وما شاكلها تستعمل في معناها الأصلي ويسبق إلى الذهن معناها الذي تدل عليه دون الحاجة إلى تقييدها بقرينة تبين المراد منها، وأمثلتها كثيرة تزخر بها كتب اللغة التي نقلتها مفردة تدل على معانيها الأصلية وهي لا يقضي بكونها حقيقة لغوية فيما دلت عليه إلا إذا كانت مستعملة في موضعها الأصلي، فلا بد من سبق وضعها أولا، ومن هنا قال العلماء: إن الوضع الأول للكلمة ليس مجازا ولا حقيقة، وإنما يكون وصفها بذلك بعد الوضع الأول للكلمة ليس مجازا ولا حقيقة، وإنما يكون وصفها بذلك بعد الاستعمال3، وبعد الاستعمال فرق بين ما كان استعماله من الألفاظ للحقيقة وبين ما كان استعماله منها للمجاز، فقد نقلت إلينا كتب اللغة عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز
ب الحقيقة العرفية:
أن ينقل الاسم من معناه اللغوي إلى معنى آخر يتعارف عليه الناس فان كثر عدد المتعارفين سمي الاسم المنقول: حقيقة عرفية عامة، وإن قلوا سمي: حقيقة عرفية خاصة، فهي قسمان: عامة وخاصة بحسب قلة المتعارفين وكثرتهم4.
والحقيقة العرفية العامة لها صورتان
"الأولى": أن يشتهر استعمال المجاز بحيث يكون استعمال الحقيقة مستنكرا، مثال ذلك (1/22)
صفحة 23
حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه5، كقوله تعالى:) حرمت عليكم أمهاتكم و ) حرمت عليكم الميتة(7، أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم، وحرم عليكم أكل الميتة، وكقولنا: حُرِّمت الخمر، فالتحريم مضاف إلى الخمر وهو في الحقيقة مضاف إلى الشرب، ومثل إذا قال القائل: آجرتك الدار والثوب والقدوم والمنشار والقوس –ولم يذكر منفعة – فإنه يتبادر إلى الإفهام من إجارة الدار السكنى، ومن إجارة الثوب اللبس، ومن إجارة القدوم النجارة به، ومن إجارة المنشار النشر، ومن إجارة القوس الرمي8، وقد صار هذا المجاز أعرف من الحقيقة، وأسبق إلى الفهم. ومثل ذلك أيضا:
– تسميتهم الشئ باسم ما يشبهه، وهذا نحو تسميتهم حكاية كلام المتكلم بأنه كلامه، كما يقال لمن أنشد قصيدة لامرئ القيس بأنه كلام امرئ القيس، لأن كلامه بالحقيقة هو ما نطق به، وأما حكايته فكلام غيره9، وقد وجدت أبا الحسين البصري يجعل مثل هذا حقيقة مشتركة بين المعنى العرفي10. ومن هذه الصورة أيضا.
– تسميتهم الشئ باسم ماله تعلق به، كاسم "الغائط" فانه في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض، ونقل بالعرف إلى الخارج المستقذر من الإنسان، وهم إنما سموه بذلك لنفرة الطباع عن التصريح باسمه الخاص به، فيكنون عنه باسم ما انتقل عنه11، وذهب شيخنا القطب رحمه الله في الذهب إلى أن لفظة الغائط مجاز مرسل، وتسميته بهذا الاسم تسمية محله، فعلاقته الحالية أو المحلية، أو هما معا، فان الغائط حقيقة المكان المنخفض12. (1/23)
صفحة 24
" الثانية": أما الصورة الثانية من الحقيقة العرفية العامة فهي كأن يكون الاسم قد وضع في اللغة لمعنى عام ثم يخصص بالعرف ببعض ما كان يفيده معناه اللغوي، وبعبارة أخرى: قصر الإسم على بعض مسمياته وتخصيصه به، وذلك كلفظ "الدابة" مثلا فإنها في أصل الوضع موضوعة لكل ما يدب على الأرض، فلربما أطلقت على الإنسان بحسب المعنى اللغوي، وفي القرآن الكريم: ) إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون(13، ) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها(14، وقد غلب على هذا اللفظ استعمال العامة له في ذوات الأربع فهم يقصرونه عليها، ولا يتبادر منه عند الإطلاق إلا ذلك، ومثل لهذه الصورة في "الطراز" بلفظتي: "الجن" و "القارورة" فإن الأول موضوع لكل ما استتر ومن ذلك تسمية "الجنة" جنة لاستتارها بما التف من الأشجار حولها واختص هذا اللفظ ببعض من يستتر عن العيون، وأما اللفظ الثاني وهو القارورة فإنه موضوع في الأصل لمقر المائعات، ثم اختصت ببعض الآنية دون غيرها مما يستقر فيه15.
والحقيقة العرفية الخاصة:
هي ما تعارف عليها أهل عرف خاص، وتسمى "اصطلاحية" أيضا، وذلك كمصطلحات العلوم عند أصحابها، كلفظ "الفعل" عند النحاة مثلا اسم لنحو "ضرب، وأخبر" وهو عرف خاص بهم لأنه في أصل الوضع اسم للحدث مطلقا، ومثله الحال والتمييز والظرف والاشتغال وغير ذلك، ومثل ذلك أيضا لفظة "الحب" فإنها تطلق في اصطلاح بعض النواحي على الأرز خاصة، فإن أرادوا به غيره قيدوه بالإضافة فهي حقيقة في عرفهم لكنها خاصة بهم16.
ويتحدث أبو الحسين البصري عن كيفية انتقال الاسم بالعرف فيذكر أنه يتعذر تواطؤ أهل اللغة على نقل اسم عرفا، ولكن لا يمتنع أن ينقل الاسم طائفة من الطوائف ويستفيض فيها ثم يتعدى إلى غيرها فيشيع في الكل على طول الزمان، ثم ينشأ القرن الثاني فلا يعرفون من إطلاق ذلك الاسم إلا ذلك المعنى الذي نقل إليه17. (1/24)
صفحة 25
وقد حاول ابن تيمية في كتابه "الإيمان" الرد على من أثبت الحقيقة العرفية، ونقض ما بنوا على أساسها، وهدم ما تبنوا من وجودها ووقوعها، وقد مشى مع الذين أثبتوا الحقيقة اللغوية وكأنه يريد أن يرجع الحقيقتين العرفية والشرعية إلى حقيقة واحدة هي اللغوية إذ شابه عنده نقلها المجاز، ولبعضه الشديد للمجاز حاول نفي كل ما شابهه ولو من جهة واحدة، فقد قال بعد أن سرد الحقيقتين اللغوية والعرفية ومثل لكل منهما:((.... والمقصود أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد منها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال، ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة: (في اللغة التي بها التخاطب)، ثم هم يعملون ويقولون إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفي أشهر فيه، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع، فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح)) أ.هـ18.
وكلامه هذا لا يدل على ما أراده، ولا يتم به ما ابتغى من إبطال حد الحقيقة، فحدها المذكور صادق على أنواعها الثلاثة جميعها، ولم تخرج الحقيقة العرفية من هذا التعريف، فالألفاظ التي دلت على معنى عرفي يعتبر وضعها كالوضع الذي تم للحقيقة اللغوية إذا وما استعملها قوم للمعنى الذي يتعارفون بها عليه فيما بينهم، وقد نفى ابن تيمية أن يتقدم وضع أول للحقيقة العرفية وهذا لا يسلم له، كيف وقد أورد هو نفسه حقائق عرفية وضعت لمعنى أولي في اللغة ثم نقلت إلى معناها العرفي كالدابة والمزادة والضعينة والرواية19. (1/25)
صفحة 26
والظاهر أن اللفظ في حالة كونه حقيقة لغوية يكون بذلك قد وضع وضعا أوليا فإذا تعورف به على معنى آخر بينه وبين معناه الأول مناسبة وعلاقة كان قد وضع بذلك وضعا ثانيا فإذا كان هذا الوضع الثاني من قبل الله تعالى سمي لأجل شرف الواضع ورفعته شرعيا تمييزا له عن وضع العباد الذي يطلق عليه حقيقة عرفية، ولا يخرج اللفظ عن وصف الحقيقة سواء في الوضع الأول أو الثاني ولا يسمى استعماله في غير ما وضع له حقيقة بل ذلك هو عين المجاز، والفرق بينهما أن اللفظ وهو حقيقة دائم الرسوخ في معناه الحقيقي لا ينفك عنه غالبا دال عليه بداهة فإذا استعمل في غير معناه الحقيقي كان كأنما خرج عن إطار وضعه لحاجة طارئة، ومناسبة لازمة، وقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ثم لا ينفك أن يعود بعدها إلى أصل وضعه الطبيعي ولهذا موضع بسط ليس هذا محله.
جـ الحقيقة الشرعية
وهي اللفظة التي يستفاد من جهة الشرع وضعها لمعنى غير ما كانت تدل عليه في أصل وضعها اللغوي، وقد وضعت بوضع الشارع لا بوضع أهل الشرع.
– وذلك كلفظة "الصلاة" فإنها في اللغة بمعنى الدعاء، قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا=يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
واستشفعت من سراة الحي ذا شرف=فقد عصاها أبوها والذي شفعا
مهلا بني فإن المرء يبعثه=هم إذا خالط الحيزوم والضلعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى=نوما فإن لجنب المرء مضطجعا20
وقال أيضا:
وصهباء طاف يهوديُّها=وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها=وصلى على دنها وارتسم21
وقال أيضا:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها = وإن ذبحت صلى عليها وزمزما22
– وكذلك لفظة "الصوم" الذي هو بمعنى الصيام المخصوص المعروف في الشرع أصله في اللغة بمعنى الإمساك، قال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة = تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما23
وقال جرير:
ظللنا بمستن الحرور كأننا = لدى فرس مستقبل الريح صائم24 (1/26)
صفحة 27
– ومثل ذلك "الحج" فإنه في اللغة بمعنى القصد، قال المخبّل السعدي:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة = يحجون سب الزبرقان المز عفرا25
قال ابن السكيت: يكثرون الاختلاف إليه26، والحج في الشرع اسم للمناسك المعروفة.
ونقل ابن السبكي عن صفي الدين الهندي أن أقسام الحقيقة الشرعية الممكنة أربعة:
الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، مثاله كلفظ "الرحمن" لله، فان هذا اللفظ كان معلوما لهم، وكذا صانع العالم كان معلوما لهم بدليل قوله تعالى:) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله(27، لكن لم يضعوه لله تعالى ولذلك قالوا 28: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة حين نزل قوله تعالى: ) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن(29.
الثاني: أن يكون اللفظ والمعنى غير معلومين لأهل اللغة وذلك كأوائل السور عند من يجعلها اسما للسورة أو القرآن فإنها ما كانت معلومة على هذا الترتيب لا للقرآن ولا السور.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم، وذلك كلفظ الصلاة والصوم وأمثالها، فإن هذه الألفاظ كانت معلومة ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة، ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم.
الرابع: عكس الثالث، وهو أن يكون اللفظ غير معلوم لهم والمعنى معلوما وذلك كلفظ "الأب" فإنه قيل: إن هذه الكلمة لم تعرفها العرب ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: ) وفاكهة وأبا( 30 هذه الفاكهة فما الأبّ؟، ومعناه كان معلوما لهم بدليل أن له اسما آخر عندهم نحو العشب.. أ.هـ31
وجعل ابن السبكي القسمين الأول والثاني من المنقولة الشرعية، وجعلها أخص من الحقيقة الشرعية32.
ومن جملة الحقائق الشرعية "الإيمان" فإنه في اللغة بمعنى التصديق قال تعالى:) وما أنت بمؤمن لنا ( 33 أي: بمصدق، ونقل في الشرع إلى معنى اعتقاد صدق ما جاء به الرسول والإقرار بالعمل والنطق باللسان كل ذلك يسمى إيمانا وهو مرادف للإسلام. (1/27)
صفحة 28
ومن جملة الحقائق الشرعية "الكفر" فإنه في اللغة بمعنى الستر والإخفاء، قال لبيد:
يعلو طريقة متنها متواترا = في ليلة كفر النجوم غمامها
وخص هذا الفظ عرفا بإخفاء النعمة وجحدها وإنكار المنعم بها، وقد غلب اسم الكفر على إنكار الخالق تعالى أو إنكار صفة من صفاته أو فعل من أفعاله.
ومن جملة الحقائق الشرعية أيضا لفظ " النفاق" مأخوذ في اللغة من نافق اليربوع نفاقا إذا دخل في نافقائه، ولبيته ذلك بابان ظاهر وخفيّ، فإذا أراد أحد اصطياده وترصد له في بابه الظاهر خرج من بابه الخفيّ وفات المصطاد، ويسمى الظاهر قاصعاء والخفيّ نافقاء، وقد نقل لفظ النفاق من هذا المعنى إلى معنى الدخول إلى الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، وهو بهذا المعنى إسم جاء به القرآن ولم تكن العرب تعرفه في جاهليتها قال سبحانه: ) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم(34.
"وقد أثبت المعتزلة أيضا مع الشرعية حقائق دينية فقالوا: إن ما استعمله الشارع في معان غير لغوية ينقسم إلى قسمين:
الأول: الأسماء التي أجريت على الأفعال وهي الصلاة، والصوم، والزكاة، ونحو ذلك.
الثاني: الأسماء التي أجريت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق ونحو ذلك، فجعلوا القسم الأول حقيقة شرعية والقسم الثاني حقيقة دينية، وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي. (1/28)
صفحة 29
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المتأخرين ورجحه الرازي إنها مجازات لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشرع وثمرة الخلاف أنها إذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة هل تحمل على المعاني الشرعية أو على اللغوية؟ فالجمهور قالوا بالأول، والباقلاني ومن معه قالوا بالثاني، قالوا: أما في كلام المتشرعة فيحمل على الشرعي اتفاقا، لأنها قد صارت حقائق عرفية بينهم، وإنما النزاع في كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة فتكون حقائق شرعية أو بغلبتها في لسان أهل الشرع فقط ولم يضعها الشارع بل استعملها مجازات لغوية لقرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية.." أ.هـ. 35
" والذي نقل عن القاضي الباقلاني والقشيري أنهما انكرا وقوع الحقيقة الشرعية مع أنهما لم يمنعا إمكانها، وقد توقف الآمدي في وقوعها لتعارض الأدلة، وسبب إنكار من أنكر وقوعها فقط إنما هو إنكار النقل للفظ عن معناه الأصلي إلى معنى آخر لأنه يقبح عندهم ذلك ولا مصلحة فيه، والحق أن النقل إذا كان لغرض فلا قبح فيه كالغائط لما نقل إلى الشئ المعروف وكان أصله للمكان المنخفض والغرض من نقله هو استسماج النطق باسم ذلك الشئ فعدلوا إلى ما هو أحسن منه لفظا مع ما بينهما من المناسبة لكون ذلك المكان المنخفض ظرفا لذلك الحدث، وكالدابة لما نقلت لذوات الأربع خاصة لكثرة الدبيب فيها دون غيرها من الحيوانات، والفائدة في نحو هذا غير مجهولة وكذا الشرع قد شرع أشياء حسن أن يضع لها أسماء إما مرتجلة وإما منقولة كالصلاة للعبادات المخصوصة والوقوع دليل الصحة. (1/29)
صفحة 30
وقد احتج المنكرون لإمكانها بأنه لو سلب عن معناه وعوّض غيره انقلبت الحقائق، وأجيب بأنه إنما يلزم ذلك لو استحال خلو الإسم عن المعنى، والمعلوم أن تسمية المسميات تابعة للاختيار بدليل انتفاء الإسم عن المعنى قبل المواضعة فإنا نعلم ضرورة أنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير الإسم الذي يسمى به، وأنه يجوز أن يسمى السواد بياضا ونحو ذلك.
واحتج المنكرون لوقوعها بأن معانيها الأصلية باقية لم تنقل عنها والزيادات شروط ألا ترى أن الصلاة اسم للدعاء، والدعاء في الصلاة الشرعية باق، وكذلك الصوم في الأصل للإمساك وفي الشرع هو إمساك عن المفطرات فلم ينتقل كل واحد من الصلاة والصوم عن معناه الأصلي لكن زادت فيه بعض الشروط في الشرع.
والجواب على هذا أنه لما كانت هذه الألفاظ لم تطلق في الشرع على معناها اللغوي بل زاد فيها الشارع قيودا أو شروطا علمنا أنه نقلها من معناها الأصلي إلى هذا المعنى الذكور، وأيضا فإن المصلي لم يقصد بصلاته الدعاء وإنما يقصد أداء المشروع وهو مصل إجماعا، فعلمنا أن الصلاة شرعا غير الصلاة لغة وكذا نظائرها فنثبت الحقيقة الشرعية" 36 أ.هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
(1 ) الطراز ج1 ص 51.
(2 ) الرعد / 12.
(3 ) الطراز ج1 ص8، وانظر: علم البيان ت.د.بدوي طبانه ص130 ط: دار الثقافة بيروت.
(4 ) المصدر السابق (علم البيان) ص 131.
(5 ) صرح بعض العلماء بأن حذف المضاف ليس من المجاز، أفاد ذلك د.المطعني في كتابه: المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج1 ص427 ط: مطبعة حسان القاهرة.
(6 ) النساء / 23.
(7 ) المائدة / 3.
(8) الاشارات إلى الايجازت. العز بن عبدالسلام ص3 ط: دار المعرفة – بيروت.
(9) الطراز ج1 ص52.
(10) المعتمد ج1 ص22.
(11) الأحكام ت: سيف الدين الآمدي ج1 ص27 ط: دار الكتب العلمية، وانظر كذلك: الإبهاج للسبكي ج1 ص275 ط: مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة.
( (1/30)
صفحة 31
12) الذهب الخالص ص102 ط: المطابع العالمية سلطنة عمان، وانظر / الإشارة إلى الإيجاز ص60.
(13) الأنفال / 55.
(14) هود / 6.
(15) الطراز ج1 ص53.
(16) شرح طلعة الشمس للسالمي ج 1 ص195 ط: وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
(17) المعتمد ج 1 ص22.
(18) الإيمان لابن تيمية ص 88: دار الكتب العلمية بيروت.
(19) الإيمان ص87.
(20) ديوان الأعشى الكبير ص 104 – 105 ط: دار الكتب العلمية بيروت.
(21) المصدر السابق ص168.
(22) المصدر السابق ص164.
(23) لسان العرب ج12 ص 351، ولم أجده في ديوان النابغة: ط: دار الكتب العلمية.
(24) ديوان جرير ص454 ط: دار بيروت للطباعة والنشر.
(25) لسان العرب ج2 ص226 مادة (حجج).
(26) المصدر السابق ص226.
(27) الزمر/ 38.
(28) الحق أن إنكار العرب للرحمن ناشئ عن تعنتهم في الكفر، وإصرارهم على التكذيب، وإلا فقد كانوا غير جاهلين به، كيف وقد ورد في أشعارهم كما ذكره ابن جرير، ومنه قول أحد الجاهليين الجهلاء.
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها = ألا فضب الرحمن ربي يمينها
وقول سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم = وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
وانظر/ جواهر التفسير ج1 ص208.
(29) الإسراء / 110.
(30) عبس /31.
(31) الإبهاج ج ص275.
(32) المصدر السابق.
(33) يوسف /17.
(34) التحريم /9.
(35) إرشاد الفحول للشوكاني ص21: 22 ط: دار المعرفة بيروت.
(36) شرح طلعة الشمس ج1 ص196.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 7
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:50 : أنواع الحقيقة بتعدد أفرادها: (1/31)
صفحة 32
إن الإسم الواحد قد يكون حقيقة في أشياء كثيرة مختلفة ليس بعضها أولى به وضعاً من بعض، ويسمى مثل هذا بالمشترك، وأظهر مثال له لفظ " العين"، فقد نقل السيوطي عن ابن خالويه أنها تنقسم ثلاثين قسماً منها الباصرة والذهب والشمس وعين الماء وأشياء أخرى يطول استقصاؤها عرض لذكرها السيوطي في موضعين من كتابه " المزهر"1.
وترى عن الخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها ويختلف معناها:
=""
يا ويح قلبي من دواعي الهوى = إذ رحل الجيران قبل الغروب
أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا = ودمع عينىَّ كفيض الغروب
كانوا وفيهم طفلة حرة = تفتر عن مثل أقاحي الغروب
فالغروب في البيت الأول لوقت الغروب، وفي الثاني للدلاء جمع دلو، وفي الثالث للوهاد المنخفضة.2
" والأكثر من أحوال اللفظ أن يكون حقيقة لشيء واحد فقط، وذلك الواحد إما أن يكون متشخصاً وهو العلم العيني كـ" زيد" مثلاً ويسمى عند المناطقة الجزؤ الحقيقي، وإما أن يكون غير متشخص فهو إما أن تكون أفراده الذهنية والخارجية متساوية فيه لا أحد يفضل صاحبه كـ " زيد" و" عمرو" و " خالد" بالنسبة إلى الإنسان، والفرس والطائر والسابح بالنسبة إلى الحيوان، ويسمى متواطئاً أي متفق الأفراد، وإما أن يكون حصل بعض أفراده أولى من بعض كالبياض بالنسبة إلى العاج والثلج، وأقدم كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن فيسمى مشككاً، وإنما سمّى بذلك لكونه يشكك الناظر هل متواطئ لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك لما بينهما من الاختلاف، وقد يكون للشيء الواحد اسمان فصاعداً كالآدمي والبشر والإنسان لأولاد آدم، وكالكتاب والقرآن للكلام المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وكالبر والقمح للطعام المخصوص ويسمى هذا النوع مترادفاً.."3
وإليكم هذا الشكل للتوضيح:-
الحقيقة = حقيقة لأشياء ( مشترك)
اسمان فصاعداً ( مترادف)
حقيقة لشيء = متشخص العلم العيني – الجزء الحقيقي
غير متشخص متواطئ ، مشكك
- من أحكام الحقيقة: (1/32)
صفحة 33
إن الألفاظ على كثرتها لا تخرج عن الأسمية، والفعلية، والحرفية، أما الأسماء فقد وجد النقل فيها، وقد قدّمنا انقسامها إلى مترادفة ومتواطئة، ومشتركة، ومشككة، وزاد بعضهم المتباينة أي الألفاظ المختلفة الموضوعة لمعان مختلفة، ويعبر عنها بتكثر اللفظ والمعنى، وهي في الشرع كالصوم والصلاة، وأما بالنسبة للفعل والحرف فقد ذهب الإمام البيضاوي وتابعه صاحب الطراز إلى أنه لا وجه لكون الحرف شرعياً بدليل الاستقراء وأنه دال على معنى في غيره، أما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء ووجد بطريق التبعية لأن الفعل صيغة تدل على صدور المصدر من الفاعل، فالمصدر إن كان شرعياً كالصلاة كان الفعل أيضاً كذلك كصلى، وإن كان لغوياً كان مثله، قال ابن السبكي شارح المنهاج: " وكلام المصنف نصرح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية والحق مساواته للفعل، فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزم لنقلها أيضاً، فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز" 4 أ.هـ وفي كلامه رد أيضاً على ما ذهب إليه العلوي في الطراز من عدم اعتبار الحرف شرعياً كما سبق ذكره.5 (1/33)
صفحة 34
والفعل ينقسم إلى ماض ومضارع وأمر، والأسماء المتصلة بالأفعال ثمانية: المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، أما الفعل المضارع فلم يستعمل في الشرع في شيء أصلاً إلا لفظ " أشهد" في الشهادة فإنها تعينت ولم يقم غيرها في مقامها، وكذلك في اللعان سواء قلنا: إنه يمين أو شهادة أ و فيه شائِبتان، ويجوز في اليمين أقسم بالله وأشهد ولا يتعين ولا مدخل له في الإنشاءات، وأما الفعل الماضي فيعمل في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان فمن الإنشاءات التي يعمل فيها العقود كلها والطلاق، وأما فعل الأمر فهو مسألة الإيجاب والاستحباب في العقود والطلاق وفي الوكالة لو أتى بصيغة أمر نحو بع واشتر إذ أن فعل الأمر يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح.
وأما اسما الفاعل ففي الطلاق في قوله: أنت طالق، ويعمل به في الضمان، وأما اسم المفعول فيستعمل في الطلاق والعتق والوكالة، وأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله: أنت الطلاق، وهل هو صريح أو كناية فيه خلاف"6 أ.هـ.
ومن جملة أحكام الحقيقة " أنه لا يصح نفي المعنى الذي وضعت له بخلاف المجاز فلا يقال في " الأب"، ليس أباً بينما يمكن أن يقال في " الجد" ليس أباً أما قوله تعالى ما هذا بشر 7 فليس المراد منه نفي الحقيقة وإنما المراد منه المبالغة في تشريف يوسف وتعظيمه والكلام في نفي الحقيقة رأساً على سبيل التجور.
ومنها أن الحقيقة ترجح على المجاز إذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة هي الراجحة فيه لأنها لا تحتاج إلى قرينة خارجية تهدى إلى المراد منها، وإنما يفهم المراد منها بنفس إطلاقها والمجاز يحتاج إلى قرينة. (1/34)
صفحة 35
ومنها أن الحقيقة المشتركة يرجح عليها المجاز لوضوحه وكثرة دورانه في ألسن العرب مثال ذلك لفظ " النكاح" فإنه يحتمل أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وأنه مشترك بينهما فالمجاز أقرب، لأن الاشتراك يخل بالفهم عند خفاء القرينة بخلاف المجاز لأن القرينة الهادية إلى المراد منه لا تفارقه ولأن أغلب من المشترك بالاستقراء فاللائق إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ولأن المشترك قد يؤدي إلى مستبعد الأضداد تعاكسهما في الأحكام لأنّ العلة التي رجح بها المجاز عليها – وهي إخلال المشترك بالتفاهم – معدومة حينئذ" أ.هـ 8
--------------------------------------------------------------------------------
(1) المزهر ج1 ص372 – 454 ط:دار الجيل -بيروت
(2) المصدر السابق ص376
(3) شرح طلعة الشمس ج1 ص 197
(4) الإبهاج /ج1 ص288
(5) الطراز ج1 ص60
(6) الابهاج /ج1 ص288 - 289
(7) يوسف /31
(8) شرح طلعة الشمس ج1 ص198
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 8
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:52 : خاتمة الفصل:
وعند نهاية هذا الحديث ينتهي بنا المطاف في الكلام على الحقيقة وأقسامها والكلام عليها باب الدخول إلى فناء المجاز الذي يصح أن يطلق عليه لفظ الفناء وأن يطلق على الحقيقة لفظ الباب لسعة المجاز وشموله وشهرته ولربما انقلب فصار حقيقة، على أن كلا اللفظتين – الحقيقة والمجاز- استعمالان يعتورهما التبدل والتجديد كلما مرَّ دهر وتغير ناس>
ولهذا نرى كثيراً من الألفاظ التي كان يتبادلها الشعراء ويتجوزون بها صارت مهجورة مهملة يرغب أغلب الشعراء المحدثين عن تكرار التجوز بها في شعرهم، وصاروا يلتمسون ألفاظاً جديدة تحدث للسامع من الغرابة والاستجادة ما كانت تحدثه الألفاظ المبتذلة. (1/35)
صفحة 36
إن من أقسام الحقيقة باب العرف وهو باب واسع إلى ساحة الحقيقة عن طريقة ألفاظ كثيرة، ويتعارف الناس بمختلف فئاتهم وتخصصاتهم على ألفاظ يعينهم التعارف عليها على تيسير التفاهم بينهم، وسهولة ما يريدون الوصول إليه معرفة وعلماً، تخدمهم في ذلك سعة اللغة التي يتحدثون بها، وتقبلها للتجديد والتغير، هانحن نستعمل فيما بيننا لفظة: البارد" في اللغة تعني ضدّ " الحار"، ونلاحظ المناسبة بين المعنى اللغوي الذي نقلنا منه اللفظ وبين المعنى العرفي، وقس على ذلك ما شئت..
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 9
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 10:57 : الفصل الثاني المجاز في القرآن الكريم
تعريف المجاز لغة
قال ابن فارس: " وأما المجاز فمأخوذ من جاز يجوز إذا استنَّ ماضياً تقول: جاز بنا فلان، وجاز علينا فارس، هذا هم الأصل ثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي ينفذ ولا يرد ولا يمنع، وتقول: عندنا دراهم وَضحُ وازنة أخرى تجوز جواز الوازنة أي: إن هذه إن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها لقربها منها، فهذا تأويل قولنا: " مجاز" أي: إن الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يعترض عليه".1
وفي لسان العرب: " المجاز والمجازة: الموضع، قال الأصمعي: جزت الموضع سرت فيه، وأجزته خلّفته وقطعته، وأجزته أنفذته، ثم قال: و تجوّز في كلامه أي تكلم بالمجاز، والمجاز، وقولهم: جعل فلان ذلك الأمر مجازاً إلى حاجته أي طريقاً ومسلكاً".2
وقال في القاموس: " جاز الموضع جوزاً، وجؤوزاً، وجوازاً، ومجازاً، وجاز به، جاوزه جوازاً: سار فيه، وخلّفه وأجاز غيره وجاوزه، ثمّ قال: وفي كلامه: تكلّم بالمجاز، والمجاز: الطريق إذا قطع من أحد جانبيه إلى الآخر، وخلاف الحقيقة".3
" ووزن المجاز مفعل، لأن أصله مجوز فقلبت واوه ألفاً بعد نقل حركتها إلى الجيم، والمفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر".4 (1/36)
صفحة 37
فالذي يظهر مما نقلناه أن لفظ " المجاز" مصطلح تعارف عليه العلماء كما تعارفوا على مصطلحات العلوم الأخرى، والمناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي فحقيقته الانتقال من مكان إلى مكان وجعل ذلك لنقل الألفاظ من محلّ إلى محل كقولنا حال رؤيتنا زيدا وهو يرمي رأينا أسدا يرمي: فإن " زيدا" إنسان والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية أي عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة على أن العرب كانوا يتجوزون في كلامهم دون أن يتعارفوا بينهم على تسمية تجوزهم ذاك بالمجاز كما لم يتعارفوا على المصطلحات التي عليها العلماء بعد باستقراء كلام العرب.
تعريف المجاز اصطلاحا:
لأرسطو طاليس الفيلسوف اليوناني المعروف كلام في تعريف المجاز قال فيه: " هو نقل اسم يدل على شئ إلى شئ آخر، والنقل يتم إما من جنس إلى نوع، أو من نوع إلى جنس أو من نوع إلى نوع، أو بحسب التمثيل"5 وكلامه في تعريف المجاز وإن كان غير دقيق فإن فيه كثيرا من الصواب، لأن المجاز متوقف على النقل الذي لحظه أرسطو.
ويعرّف عبد القاهر الجرجاني المجاز تعريفا يلائم تعريفه للحقيقة بقوله: " كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في موضع الواضع لملاحظة بين الثاني والأول"6.
وعرفه السكاكي بقوله:" المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى النوع حقيقتها مع قرينة مانعة من إرادة معناه في ذلك النوع"7.
وقال العلوي في تعريفه: " ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب لعلاقة بين المعنى الأول والثاني"8 ولم يذكر القرينة في تعريفه.
واختار شيخنا السالمي عليه رحمة الله تعالى تعريف المجاز بقوله:" هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي"9 وتعريفه أتم.
(( (1/37)
صفحة 38
إن إطلاق لفظة "الأسد" مثلا على الرجل الشجاع من قولنا: رأيت أسدا على فرس، فالأسد في الرجل مجاز، والعلاقة بينهما المشابهة في الشجاعة، وقولنا "على فرس" قرينة صارفة للفظ الأسد عن معناه الحقيقي لأن معناه الحقيقي لأن الأسد هو الحيوان المخصوص لا يرى عادة على فرس)) 10.
(( فإن قال قائل: إن ما جعلتموه حدا للمجاز يوجب عليكم أن تكون اللفظة الشرعية كالصلاة والزكاة وما أشبهها مجازا، لأن لفظ الصلاة والزكاة أفادا معنى غير مصطلح عليه وغير ما وضعا له، فيلزم أن يكونا مجازين، وقد قررتم أنها حقائق شرعية؟
فالجواب: أن في قولنا:( في غير ما وضع له) ما يدرأ هذا الاعتراض، لأن لفظ الصلاة والزكاة وإن أفادا غير ما وضعا له فإنما ذلك باعتبار وضع اللغة لا باعتبار وضع الشارع فإنهما في وضع الشارع أفادا ما وضعا له فلهذا كانا بالحقائق الشرعية أخلق وأولى)) 11.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) الصاحبي لابن فارس ص322
(2) لسان العرب ج5 مادة (جوز) ص326
(3) القاموس ج2 ص176 فصل الجيم باب الزاي
(4) الإبهاج /ج1 ص273
(5) نقله الدكتور المطعنى في كتابه المجاز فب اللغة وفي القرآن ج2 ص1051،والدكتور بدوي طبانة في كتابه (علم البيان) ص121.
(6) أسرار البلاغة ص304 ط: دار المعرفة بيروت.
(7) أسرار البلاغة ص359 ط: دار الكتب العلمية بيروت.
(8) الطراز ج1 ص65.
(9) شرح الطلعة ج1 ص199.
(10) المصدر السابق ج1 ص 199-200.
(11) الطراز ج1 ص65.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 10
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 11:00 : نشأة البحث المجازي عند العرب: (1/38)
صفحة 39
يحلو لكثير من الباحثين أن يعزوا أسس الحضارة الإسلامية إلى المحاكاة والتقليد وفي المجاز بالذات يقولون: إن العرب قلدوا فيه حضارة اليونان وحاكوها، فكتابات أرسطو في المجاز هي التي أوحت إلى الرواد العرب بفكرة المجاز1.
وقد فند هذه الفرية عبد العظيم المطعني بقوله)):.... والواقع أن هذا القول لا سند له، ولم يقم عليه دليل، فإن المجاز عرف عند العرب قبل أن تترجم كتب أرسطو التي يزعمون أن العرب استقوا فكرة المجاز منها فأبو زيد القرشي يعد أول من ورد مصطلح المجاز عنده أكثر من مرة مضافا إلى المعاني (مجاز المعاني)، والذي يرجح لدى الباحث أنه كان يقصد التصوير المجازي الذي استقر مفهومه فيما بعد، وفي استشهاده على ما أسماه مجاز المعاني أورد نصوصا مأثورة وحللها تحليلا مجازيا عد بعده في صور المجاز المختلف المجاز الأنواع: مجاز عقلي، ومرسل، واستعاري، والراجح أن أبا زيد توفي عام (170هـ)، ومن قبله أومأ أبو عمرو بن العلاء إلى الاستعارة وسماها باسمها وأبو عمرو توفي عام (184هـ)، وكذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفي عام (175هـ) نقل عنه سيبويه بعضا من النصوص المصروفة صرفا مجازيا، أما سيبويه نفسه فإنه أكثر من شيخه حوما حول حمى المجاز2، وأبو عبيدة معمر بن المثنى وضع كتابا سماه " مجاز القرآن" وقد طبقه على آيات كثيرة ناهجا فيها نهجا مجازيا كذلك3، وأبو عبيدة توفي عام (210هـ)، والجاحظ ممن أكثروا القول في المجاز والاستعارة، ووفاة الجاحظ كانت عام (255هـ)، ثم تلاه ابن قتيبة وله مع المجاز جولات، وابن قتيبة توفي عام (276هـ). (1/39)
صفحة 40
أما كتب أرسطو فإن حنين بن إسحق مترجم كتاب "الخطابة" توفي عام (284هـ)، ولم يعرف أنه ترجم كتاب " الخطابة" قبل أن يضع ابن المعتز كتابه "البديع" عام (274هـ)، وأيا كان الأمر فإن كتاب أرسطو "الخطابة" يستحيل أن يكون له تأثير في معرفة العرب بالمجاز لظهوره عندهم يقينا قبل ترجمة كتاب أرسطو فالتأثير وإن كان محتملا في ابن المعتز فغير محتمل فيمن سبقه، ومن يقرأ كتاب "البديع" لابن المعتز، وكتاب "الخطابة" لأرسطو لا يجد دليلا قويا على تأثر ابن المعتز بارسطو، وقد جازف الدكتور طه حسين حين كاد يجزم بتأثير أرسطو في ابن المعتز، مع أنه اعترف بأنه لم يقرأ ولم يطلع على كتاب "البديع" وإنما سمع عنه وصفا ممن وصفه له، أما كتاب "فن الشعر" لأرسطو فقد تأخرت ترجمته إلى القرن الرابع فهو يقينا لا أثر في معرفة العرب بالمجاز أول ما عرفوه)) أ. هـ 4.
--------------------------------------------------------------------------------
) أنظر: نقد النثر تمهيد في البيان ص1 – 31 ط: دار الكتب العلمية بيروت.
(2) أنظر ص85 من هذا البحث.
(3) لم يعن أبو عبيدة بكلمة المجاز المصطلح المتعارف عليه وإنما أراد بها معنى أوسع من ذلك، ومع هذا فلم يخل كتابه من حمل بعض الآيات على المجاز المعروف وهو المطلوب.
(4) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم د. عبد العظيم ج2 ص1054-1074 (بتصرف
-
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 11
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 11:08 : الفرق بين الحقيقة والمجاز
ذكر الآمدي1 أن المجاز يعرف بأمور منها:
أولا: النقل عن أهل اللغة، ويعني بذلك أن ينص أئمة اللغة مثلا على أن لفظ الأسد مجاز في الرجل الشجاع، أو أن الخمر مجاز في العصير أو أن العين مجاز في الجاسوس... إلى غير ذلك. (1/40)
صفحة 41
ثانيا : إن لم يكن نقل يعرف بصحة نفيه في نفس الأمر، ويعرف كون اللفظ حقيقة بعدم ذلك، ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته: إنه ليس بحمار ولا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر لما كان حقيقة فيه.
ثالثا: أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة مع عدم العلم بكونه مجازا بخلاف غير من المدلولات فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز. (1/41)
صفحة 42
رابعا: ألا يكون اللفظ مطردا في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة إذ هو مطرد في كل طويل، ويريد بقوله: مانع شرعي، أن الشرع قد يمنع إطلاق الألفاظ على الله تعالى مع أن معناها موجود في حقه سبحانه كلفظ السخي مثلا فهو حقيقة في الكريم، وهذا المدلول في حقه سبحانه تعالى ولكن لا يقال له سخي فلا يعترض بمثل هذا فيقال: وهذا المدلول في حق الله تعالى ولكن لا يقال له سخي فلا يعترض بمثل هذا فيقال: إن من الحقائق ما لا يطرد إطلاقه لأنه منع من الاطراد مانع شرعي، وهذه القضية لا تنعكس أي: لا يقال: إن الاطراد حتى يلزم ما قيل، بل الدعوى أم عدم الاطراد دليل المجاز، لإيضاح هذه الدعوى نقول: إن من حق الحقيقة الاطراد أي وضع لفظ لشئ من الأشياء فحق ذلك اللفظ أن يطرد في جميع ذلك الشئ كالإنسان فإنه حقيقة في بني آدم وهو مطرد في جميع أفرادهم بمعنى أنه يصح اطلاقه على كل فرد من أفراد هذا الجنس وأما المجاز فلا يصح إطراده في كل ما وجدت فيه تلك الصفة التي تجوز باللفظ لأجلها، وقد اعترض شيخنا السالمي رحمه الله على اعتبار عدم الإطراد علامة للمجاز وعلل بأن عدم الاطراد في المجاز مبني على اشتراط نقل أفراد المجازات واعتبار شخص العلاقة لا نوعها، قال:"والصحيح ما قدمت لك من اعتبار نوع العلاقة فقط فلا يكون عدم الاطراد على هذا علامة للمجاز، وقد جريت بذكره في النظم مجرى جمهور الأصوليين والصواب عدم ذكره، والله أعلم"2.
خامساً: أن المجاز يلتزم تقييده للفرق بينه وبين الحقيقة مثل: جناح الذل أي: لين الجانب، ونار الحرب أي: شدتها، بعكس الحقيقة فإن الحقيقة لا يلتزم تقييدها وإن كانت مشتركة، والفرق بين المجاز والحقيقة المشتركة هو التزام التقييد بالقرينة في المجاز وعدم التزامه في الحقيقة المشتركة، ذكر هذا الفرق شيخنا السالمي – رحمه الله -.3 (1/42)
صفحة 43
سادساً: ذكر شارح المنهاج متابعة للإمام البيضاوي ونصّ عليه العلوي في الطراز: أنّ من علامات المجاز الإطلاق على المستحيل، أي إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به عقلاً وشرعاً، أما من جهة العقل فمفهوم، وأما من جهة الشرع فكقوله تعالى: } يد الله فوق أيديهم4 أي: قدرته، خشية تشبيه الله تعالى بخلقه إذا ما أثبتنا المعنى الحقيقي لليد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وكقوله سبحانه: ولتصنع على عيني 5 وقوله: } تجري بأعيننا{ 6، والذي ألجأ إلى القول في هذه الآيات بالمجاز تنزيه الخالق عز وجل عن مشابهة الحوادث فالله عز وجل يقول: ليس كمثله شئ وهو السميع العليم.7
سابعاً: ذكر أحد الباحثين8 أنّ " للأثر الذي يتركه اللفظ في نفس السامع من الغرابة أو الدهشة عاملاً مهماً في الحكم على الحقيقة أو المجاز، وذلك لأنّ الحقيقة لا تعدو أن تكون استعمالاً شائعاً مألوفاً للفظٍ من الألفاظ وليس المجاز إلا انحرافاً عن ذلك المألوف الشائع، وشرطه أن يثير في ذهن السامع دهشة أو غربة أو طرافة، وحدود تلك الغرابة أو الطرافة تختلف باختلاف تجارب المرء مع الألفاظ وباختلاف وسطه الاجتماعي أو الثقافي.... فنحن مثلاً حين نقرأ ما يروى عن المعظم عيسى بن الملك العادل حين قال في صفة مشروب يعالج به داء الذنوب: " شربِّ مركّب نافع، لذيذ الذكر، فيغربلان بغربال التفكر السهري، ويدافان بماء العين النظري، ثم يصفّي المجموع بلباب العلم التجردي، ثم يعجن بعسل المحبة الإلهية" فالمرء عدة حين يقرأ مثل هذه القطعة لا يكاد يتمالك نفسه من الإبتسام لأنّ ما يثيره استعمال ألفاظها قد جاوز الحدود المألوفة ومع ذلك فقد يقف الصوفي من مثل هذه القطعة موقفاً مبايناً فيتبين فيها نواحي من الجمال، وتحل من نفسه محل الرضا والإعجاب. (1/43)
صفحة 44
إنّ الغرابة أو الدهشة أو الطرافة قد تلازم المجاز في الاستعمال زمنا ما بعده قد يفقدها، ويصبح من الألفة والذيوع بحيث تنسى مجازيته ويصير من الحقيقة، وهناك نوع آخر من المجاز يتميز بالطرافة، ويصادف من جمهور الناس الإعجاب، وينظر إليه على أنه نوع من الابتكار والاختراع ذلك هو ما تتفتق عنه قرائح الأدباء والشعراء والصفوة من أصحاب البلاغة واللسن، حين يعمدون إلى الألفاظ فينحرفون بها عن عمد إلى مجال آخر، وتلك هي الصفة التي يتنافس فيها أصحاب الشعر والأدباء9 ))أ.هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) الإحكام ج1 ص29.
) انظر: شرح طلعة الشمس ج1 ص209، وفي كلامه على اعتبار نوع العلاقة ص302.
(3) المصدر السابق ص209
(4) الفتح/10
(5) طه/39
(6) القمر/14
(7) الشورى/ 11.
(8) د.ابراهيم أنيس
(9) دلالة الألفاظ ص129-130-131 بشئ من التصرف.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 12
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 21-11-2005 11:59 : أقسام المجاز
" يقسم علماء البلاغة المجاز إلى قسمين":
أ المجاز العقلي:
ويكون في الإسناد ونسبة الشئ إلى غير ما هو له، ويسمى المجاز الحكمي، والإسناد المجازي، والمجاز الإسنادي، ولا يكون إلا في التركيب.
ب المجاز اللغوي:
ويكون في نقل الألفاظ من حقائقها اللغوية إلى معان أخرى بينها صلة ومناسبة، وهذا المجاز يكون في المفرد كما يكون في التركيب المستعمل في غير ما وضع له، وهذا النوع اللغوي قسمان:
– مجاز تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المشابهة ويسمى (الاستعارة) أو المجاز الإستعاري.
– مجاز لا تكون العلاقة فيه المشابهة ويسمى (المجاز المرسل)، وسمي مرسلا لأنه لم يفيد بعلاقة المشابهة كما في القسم الأول (المجاز الإستعاري)..." أ.هـ1 .
وها نحن نتعرض لجميع هذه الأقسام (1/44)
صفحة 45
أ المجاز العقلي:
لقد ذكروا في تعريف المجاز العقلي بأنه: "إسناد الفعل أو ما معناه إلى غير ما هو له علاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي2" وهذا التعريف يقودنا إلى التفريق بين الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي العقلي، فالإسناد الحقيقي كأن نقول: جاء زيد، أو بكر كاتب، فإسناد الكتابة إلى بكر إسناد حقيقي لأن كرا ذاته هو الذي اتصف بالكتابة، وكذلك إذا قال الرجل المؤمن: أنبت الله الزرع، فإن إسناد الفعل (أنبت) إلى الله إسناد حقيقي، وهو في عقله المؤمن يدرك متيقنا أنه الذي ينبت الزرع وليس سواه ويدعى هذا حقيقة عقلية أما إذا قال المؤمن: أنبت الربيع الزرع، فإن إسناده للفعل (أنبت) على الربيع إسناد مجازي، لأنه يؤمن أن الذي ينبت الزرع هو الله وليس الربيع، وما الربيع إلا الزمن الذي يكون فيه الإنبات)) 3 ويدعي هذا مجاز عقلي.
ومعنى قولهم في تعريف هذا النوع من المجاز: "إسناد الفعل أو ما في معناه" أي المشتقات التي تعمل عمل الفعل كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وإسم التفضيل، وقد ذكر في التعريف أن هذا الإسناد المجازي للفعل أو ما في معناه لغير فاعله الحقيقي يكون لعلاقة، وهذه العلاقة أنواع، فمنها:
العلاقة السببية: (1/45)
صفحة 46
فيما بني للفاعل وأسند للسبب مجازا، مثل: بني الأمير المدينة والقلعة والقصر، فإن الأمير لم يبن بنفسه ولم يزاول عملية البناء، وفي القرآن: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم) 4 فإن هذا الفعل يقوم به أتباعه ولكنه لما كان الآمر به نسب إليه، وكذلك قوله تعالى:) وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا(5 ) فأما الذين أمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون(6 فقد نسبت الزيادة التي هي فعل الله تعالى إلى الآيات في الآية الأولى وإلى السورة في الآية الثانية، ومنه قول النبي : " شيبتني هود وأخواتها" 7، وقد جعل الإمام عز الدين ابن عبد السلام هذا النوع خمسة أقسام أورد منها الإمام ابن القيم في كتابه " الفوائد المشوّق" إلى علوم القرآن وعلم البيان" فالمجاز العقلي ينقسم من حيث علاقته السببية عندهم إلى:
1- نسبة الفعل إلى سببه، مثل قوله عز وجل: ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون 8{ الماهد على الحقيقة هو الله عز وجل فنسب إليهم المهد لتسببهم إليه بالعمل الصالح.
2 نسبة الفعل إلى سبب سببه، كقوله تعالى: ( قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفاً في النار)9 نسبوا صلى النار إلى سبب سببه لأن الكبراء أمرهم أمر رؤسائهم إياهم بالكفر.
3 نسبة الفعل إلى سبب سببه، كقوله تعالى: ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني )10 نسبة الفتنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه إذا أمر بالخروج كان ذلك سببا في خروجه، وكان خروجه سببا لرؤيته بنات الأصغر، وكان رؤيته إياهن سببا لافتتانه بهن، ولم يورد الإمام ابن القيم هذا في كتابه.
4 نسبة الفعل إلى الآمر به، كقوله تعالى: ( ونادى فرعون في قومه )11 أي: وأمر من ينادي في قومه، وكذلك قوله: ( يذبح أبناءهم )12 أي: أمر بتذبيحهم. (1/46)
صفحة 47
5 نسبة الفعل إلى الآذن فيه، ومنه قوله تعالى: ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا )13 فالآخذ على الحقيقة هو الوليّ، والمرأة الاذنة فيه، وهو أخذ مجازي ونسبته إليهن مجازي أيضا كما ذكرنا، وقد اختلف في الميثاق فقيل: إنه العقد، وقيل إنه قول الوليّ: زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". أ.هـ7.
العلاقة الزمانية:
فيما بني للفاعل وأسند للزمان لمشابهته الفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل لكل منهما، مثل: نهاره صائم، وليله قائم، لأن النهار لا يصوم، والليل لا يقوم، وإنما يصام في النهار، ويقام الليل، والصائم والقائم هو الإنسان، وكذلك قوله تعالى: ) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا( 14 نسب فيه الفعل إلى الظرف "يوما" لوقوعه فيه، ومنه قوله تعالى:) والضحى، والليل إذا سجى( 15. ومعنى "سجى: سكن، والليل لا يسكن وإنما تسكن حركات الناس فيه فأجرى سبحانه وتعالى صفة السكون عليه لما كان السكون واقعا فيه16، وشبيهة بهذه الآية قوله عز من قائل في صفة الليل: ) والصبح إذا تنفس ( 17، ومن ذلك أيضا قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً = ويأتيك بالأخبار من لم تزود18
- العلاقة المكانية:
فيما بُني للفاعل وأُسند للمكان لمشابهته الفاعل الحقيقي في ملابسه الفعل لكل منهما، مثال ذلك قول الله تعالى: وجعلنا الأنهار تجري من تحتها 19 فقد أسند الجري إلى الأنهار وهي أمكنة للمياه، وليست هي الجارية بل الجاري ماؤها، وكذلك قوله تعالى: } فيها عين جارية20،
ونحو بيت ساكن، وحديقة غناء.21
- العلاقة المصدرية:
فيما بُني المصدر وأُسند المصدر مجازاً " نحو قول أبي فراس:
="" سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم = وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد أي الاجتهاد وهو ليس بفاعل له بل فاعله الجاد فأصله: جدّ الجاد جداً، أي: اجتهدا اجتهداً، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد وأسند الفعل إلى الجد"22، ومن ذلك قول أبي تمام". (1/47)
صفحة 48
="" تكاد عطاياه يجن جنونها = إذا لم يعوّذها برقية طالب
فقد أسند الفعل " يجن" إلى الجنون وهو مصدر "يجن" بدلاً من إسناده إلى الرجل الذي يكون منه الجنون"23
- العلاقة الفاعلية:
فيما بُني للمفعول وأسند للفاعل الحقيقي مثل: سيل مفعم، لأن السيل هو الذي يُفعِم أي: يملأ، وأصله: أفعم السيل الوادي أي: ملأه،24 قال الله عز وجل: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا 25، فالحجاب في أصله ساتر وليس مستورا، ولهذا فقد أسند الوصف المبني للمفعول إلى الفاعل، ومثل ذلك قوله تعالى: إنه كان وعده مأتيّاً 26 أي: آتيا.
- العلاقة المفعولية:
فيما بُني للفاعل وأُسند إلى المفعول به الحقيقي كقوله تعالى: عيشة مرضية 27 إذ هي مرضية، فالإسناد مجازي، وأصله: رضي المؤمن عيشته فأقيمت " عيشته" مقام المؤمن في تعلّق الفعل وهو الرضا بكلٍ فأسندت " راضية " للضمير " المستتر الذي هو للعيشة، " وكذلك قولك: ثوب لابس، فالأصل: لبس الرجل ثوباً، ثم أسند الفعل إلى المفعول في التقدير من غير أن يبنى له فصار: ليس ثوب وهو معنى كونه مجازاً ثم سبك من الفعل اسم فاعل وقيل: ثوب لابس".28
قال ابن فارس: " تقول: سر كاتم أي مكتوم، وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: لا عاصم اليوم من أمر الله 29 أي: لا معصوم، و من ماء دافق 30 أي: مدفوق، و عيشة راضية 31 أي: مرضية بها، و جعلنا حرماً أمنا 32 أي: مأموناً فيه، ويقول الشاعر:
="" إنّ البغيض لمن يمل حدثيه = فانقع فؤادك من حديث الوامقِ
أي: الموموق" أ.هـ.33
ومن هجاء الحُطيئة للزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها = واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي: المطعوم المكسو.
- أقسام المجاز العقلي:
" المراد أقسامه باعتبار طرفيه – وهما المسند والمسند إليه – فهي أربعة أقسام لا غير.
أ- لأنهما إما حقيقتان، كقولنا: " أنت الربيع البقل" وعليه قوله: فنام ليلي وتجلّى همّي (1/48)
صفحة 49
وقوله: وشيّب أيام الفراق مفارقي.
وقوله: ونمت وما ليل المطي بنائمِ
ب- وإما مجازان، كقولنا: " أحيا الأرض شباب الزمان"، وكقولنا: " أحيا الأرض الربيع" أ.هـ34.
" ولا بد من قرينة إما لفظية كما في قول أبي النجم:
="" ميز عنه قنزعنا عن قنزع = جذب الليالي أبطئى أو أسرعي
ثم قال عقيبه:
أفناه قيل الله الشمس اطلعي= حتى إذا واراك أفق فارجعى
وقد تكون القرينة غير لفظية كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور أو قيامه به عقلاً كقولك " محبتك جاءت بي إليك"، أو عادة كقولك: " هزم الأمير الجند " و " كسا الخليفة الكعبة" و " بنى الوزير القصر" وكصدر الكلام من الموحدّ في مثل قوله:
="" أشاب الصغير وأفنى الكبير = كر الغداة ومر العشى" أ.هـ35.
من أحكام المجاز العقلي
1ــ لا يختص المجاز العقلي بالخبر بل يجري في الإنشاء كقوله تعالى: ) وقال فرعون يا هامان ابن صرحا(36، وقوله: ) فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا( 37، وقوله:) فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى(38.
2 قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: ((.... إعلم أنه ليس بواجب في هذا المجاز أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في ( ربحت تجارتهم) 39، ربحوا في تجارتهم، فإن ذلك لا يتأتى في كل شئ، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل – في قولك: " أقدمني بلدك حق لي على إنسان" – فاعلاً سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قول أبي نواس:
="" يزيدك وجهه حسناً = إذا مازدته نظرا
وقول ابن البواب: وصيرني هواك وبي *** لحيني يضرب المثلُ (1/49)
صفحة 50
أن تزعم أنَّ لـ(يزيد) فاعلاً قد نقل عنه الفعل فجعل لـ( وجهه)، ولا لـ( صيرني) فاعلاً غير الهوى، فالاعتبار إذاً بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل وجوداً في الكلام على حقيقة، معنى أنَّ ( القدوم) في المثال المتقدم موجود على الحقيقة، وكذلك ( الزيادة) و ( الصيرورة) موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجوداً على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه بل لا محالة في الحكم" أ.هـ.40
وقد خالف الخطيب البغدادي الإمام عبد القاهر في رأيه هذا فقال"... اعلم أنَّ الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة... وذلك قد يكون ظاهراً كما في قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم 41: فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفياً لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل..." ثم أورد أمثلة على لذلك من بينها الأمثلة التي ذكرها الإمام عبد القاهر، وذكر أن التقدير في قولك: " أقدمني بلدك حق لي على فلان": أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان، وقال في تقدير بيت أب نواس: أي يزيدك الله حسناً في وجهه – لما أودعه من دقائق الجمال – متى تأملته، وفي بين البواب: أي: وصيني الله لهواك وحالي هذه، أي: أهلكني الله ابتلاءً بسبب هواك" أ.هـ.42 (1/50)
صفحة 51
وقال الشيخ مخلوف المنياوي عقب نقله لرأي الإمام عبد القاهر الجرجاني: " رده الإمام فخر الرازي بأنَّ الفعل لا بد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل فهو إن كان ما أسند إليه الفعل فلا مجاز وإلا فيمكن تقديره. قاله السعد، قال الصبّان: المناسب: " وإلا فلا بد من تقديره" ليكون مناسباً للدعوى، أ.هـ أقول فيه: إنَّ إمكان التقدير في المسند إسناداً مجازياً مستلزمات لثبوت الفاعل الحقيقي إذ لا يمكن عند انتفائه كما هو ظاهر، والثبوت المذكور هو المطلوب، بل هذا المناسب يفيد أنّ كل فعل أسند إسناداً مجازياً يجب تقدير فاعله الحقيقي وليس كذلك ألا ترى أن الغالب في " سرتني رؤيتك" عدم التقدير.. تأمل منصفاً" أ.هـ.43
3- أنكر السكاكي هذا النوع من المجاز، ولعل منشأ اضطرابه فيه سوء فهمه للإسناد الذي جاء في الحديث: " إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يُلِم"44 وقال:" الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه" أ.هـ 45 وجعل نسبة الإنبات إلى الربيع قرينة للاستعارة، وقد رد هذا بأنه يستلزم أن لا تصح الإضافة في نحو: فما ربحت تجارتهم 46 لبطلان إضافة الشئ إلى نفسه، وألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله" يا هامان ابن لي صرحا 47 لأن المراد به حينئذ العملة أنفسهم، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو: أنبت الربيع البقل على السمع لأن أسماء الله توقيفية، وكل هذه اللوازم منتفية فتنتفي ملزوماتها..48
4- تحدث الإمام عبد القاهر الجرجاني عن بلاغة المجاز العقلي في كتابه " أسرار البلاغة" وذلك في فهم أدبي سليم، وذوق عربي مطبوع،49 ويحسن البناء هنا أن نذكر ذلك العرض الموجز للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي لجملة ما ذكره عبد القاهر في المجاز العقلي وهو:-
أ - إثبات وجود المجاز العقلي وبيان أسرار الفرق بينه وبين المجاز في الكلمة. (1/51)
صفحة 52
ب - بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي.
ت - بيان حد هذين النوعين في المجاز ( المجاز الحكمي والمجاز في الفرد).
ث - بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي، والفرق بينه وبين الأحاديث الكاذبة.
ج - الكلام على بلاغة المجاز العقلي ودرجاته في البلاغة من العامية والخاصية وأن تقدير الحقيقة في الإسناد المجازي قد لا يتأتى في الأسلوب، وتوضيح سردقة الأساليب الخاصة في المجاز العقلي، وتأويل نظرية علماء النحو التي يذهبون فيها إلى أن المجاز الحكمي على تقدير مضاف، والدفاع عن بلاغة المجاز الحكمي التي يهتضمها مثل هذا التقدير والتأويل البعيد.
ويلاحظ أن عبد القاهر ليس هو أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي بل تقدمه كثير من العلماء العربية كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس فليس صحيحاً ما ذكره الدكتور طه حسين من أن المجاز العقلي هو من ابتداع عبد القاهر وحده، وبلاغة المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق بيانها باختصار وفي خفيه المبرد والآمدي" أ.هـ.50
ب- المجاز اللغوي:
يقسمه البلاغيون إلى المجاز مرسل واستعارة، والأول منهما لا يكون إلا مفرداً، أما الثاني فيكون مفرداً ويكون مركباً.
1- المجاز المرسل:
قد ذكرت فيما سبق أن المجاز اللغوي ينقسم إلى قسمين بحسب العلاقة القائمة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي: إما إلى استعارة إن كانت العلاقة المشابهة وإما إلة مجاز مرسل إن كانت العلاقة غيرها، والعلاقة هي الصلة القائمة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وعلاقة المجاز المرسل التي هي غير المشابهة متعددة ولهذا قد نعت هذا النوع بالمرسل لكثرة علاقاته وتعددها حيث إنه لم يقيد بعلاقة خاصة منها، ولقد سرد شارح المنهاج الإمام ابن السبكي ستاً وثلاثين علاقة،51 وأكثر العلماء البلاغيين يقتصرون على الثماني والتسع منها، وقد تعرض الإمام ابن القيم لذكرها في كتابه البلاغي القيم فسرد منها أربعاً وعشرين.52 (1/52)
صفحة 53
قالوا في تعريفه: " كلمة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي"،53 وعلاقاته كثيرة منها:
- السببية:
بأن يطلق لفظ السبب ويراد المسبب نحو قولهم: " رعينا الغيث" أي النبات الذي سببه الغيث فسمى النبات غيثاً لأن الغيث سبب النبات. ومنه تسمية القدرة يداً في قوله تعالى: يد الله فوق أيديهم 54 أي: قدرته فإن اليد سبب القدرة وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع وغير ذلك من الأفعال التي تنبئي عن وجود القدرة ومكانها، ومنه إطلاق الإيمان على ما نشأ عنه من الطاعة كقوله تعال: وما كان الله ليضيع إيمانكم 55أي: صلاتكم، وعلى هذا – أيضاً – قوله عز وجل: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم 56 سُمِيَ جزاء الاعتداء اعتداءً لأنه مسبب عن الاعتداء، وكذا قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها 57 تُجوّز بلفظ السيئة عن الاقتصاص لأنه مسبب عنها، وقيل: إن عبر مما ساء – أي أحزن – لم يكن مجازاً، لأن الاقتصاص محزن في الحقيقة كالجناية.58 وهاتان الآيتان جاء لفظ المجاز فيهما مضاهياً للفظ الحقيقة وهو ما يسمى بالمشاكلة وهي التعبير عن الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.59
- المسبّبية: (1/53)
صفحة 54
فيما إذا ذُكر لفظ المسبَّب وأريد السبب، مثل قوله تعالى: وينزل لكم من السماء رزقا 60 إذا المراد المطر الذي ينشأ عنه النبات فيكون منه طعامنا ورزقنا فالرزق مسبب عن المطر، وكذلك قوله تعالى: إنما يأكلون في بطونهم نارا 61، وقولهم: فلان أكل الدم، أي: الدية التي هي مسببة عن الدم، ومن ذلك – أيضاً – قول الله تعالى: والرجز فاهجر 62 تجوز بالرجز وهو العذاب الشديد عن عبادة الأصنام لأن العذاب مسبب عنها، ومن ذلك أيضا قوله سبحانه: ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة( 63 لأن القوة على قتال الأعداء مسببة عن الأسلحة وناشئة عن امتلاكها، فأطلق اسم القوة على السلاح من إطلاق المسبب على السبب، ولم يمنع العلاّمة ابن القيم أن تحمل الآية على المجاز بالحذف ويكون التقدير: وأعدوا لهم ما استطعتم من أسباب القوة أو من أدوات القوة64.
الكلّية:
فيما إذا ذكر اسم الكل وأريد الجزء نحو قوله تعالى:) فمن شهد منكم الشهر فليصمه( 65، وقد ذكر الزركشي في "البرهان" أنّ إمام الحرمين (ت478هـ) استشكل هذه الآية من جهة أن الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط، والشرط أن يشهد الشهر وهو اسم لثلاثين يوما، قال الزركشي (( وحاصل جوابه: أنه أوقع الشهر وأراد جزءا منه، وإرادة الكل باسم الجزء مجاز شهير)) 66 أ.هـ، ومنه قوله تعالى:) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم( 67 ومعلوم أنه لم ير جملتهم وإنما دائر وجوههم وما يبدأ منهم، وكذلك قوله عز وجل:) ادخلوا مصر( 68 ومعلوم أنهم لم يستوعبوها، وفي المباحث الأصولية كإطلاق اللفظ العام مع إرادة الخصوص69.
الجزئية: (1/54)
صفحة 55
وهي تسمية الشئ باسم جزئه كالتعبير بالقيام عن الصلاة في قوله تعالى:) قم الليل إلا قليلا( 70 أي: صل، وقوله:) لا تقم فيه أبدا ( 71 أي لا تصل فيه أبدا، وقوله:) فتحرير رقبة مؤمنة( 72 وحقيقته: فتحرير عبد مؤمن، وعلى هذا يؤول قوله تعالى:) كل شئ هالك إلا وحهه( 73 فالمراد: ذاته، وكذلك قوله سبحانه:) ويبقى وجه ربك( 74 أي: ذاته ومن هذا الضرب التعبير باليدين عن الجملة كقوله تعالى:) ذلك بما قدمت يداك( 75، والتعبير بالعضد عن الجملة كقوله تعالى:) سنشد عضدك بأخيك( 76.
الماضوية:
ويسميها بعض علماء البلاغة اعتبار ما كان، أي: تسمية الشئ باسم ما كان عليه نحو قوله سبحانه:) وءاتوا اليتامى أموالهم( 77 المراد الذين كانوا يتامى فإنهم لا يسمون يتامى بعد البلوغ الذي تدفع إليه أموالهم وكذلك قوله تعالى:) إنه من يأت ربه مجرما( 78 سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الإجرام، ومنه قوله:) فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن( 79 معناه: الذين كانوا أزواجهن، لأنها نزلت في معقل بن يسار وأخته لما حلف أنه لا يزوجها من زوجها عبدالله بن رواحة رضي الله عنه وكذلك قوله تعالى:) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا( 80 فإن الزوجية تنقضي بالموت، ومن ذلك إطلاق العبد على الحر في قوله (( من أعتق شقصا من عبد قوم عليه الباقي)) 81 فتسميته عبدا من بعد العتق مجاز، والعلاقة فيه تسمية الشئ باسم ما كان عليه لأنه كان قبل العتق عبدا، وأطلق بعضهم على هذه العلاقة لفظة " الكون ".
المستقبلية: (1/55)
صفحة 56
وتسمى أيضا اعتبار ما يكون عكس السابقة أي: إطلاق الشئ على ما يئول إليه، كقوله تعالى:) إني أراني أعصر خمرا( 82 أي: عنبا يئول إلى الخمر، ومن ذلك قوله عز وجل:) ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا( 83، وقوله: ) كتب عليكم القصاص في القتلى( 84 أي: فيمن يقتل من القتلى، ومنه إطلاق الميت على الحي في قوله تعالى:) إنك ميت وإنهم ميتون( 85 فأطلق اسم الميت عليه وعليهم وهم جميعا أحياء في ذلك الإطلاق تجوزا، والعلاقة فيه تسميتهم بما سيئولون إليه، ومن هنا أطلق كثير من البلغاء في مصنفاتهم لفظ "الأول" على هذه العلاقة.
المحلية:
فيما إذا ذكر المحل وأريد الحال فيه كقوله تعالى:) فليدع ناديه( 86 أراد المجتمعين في النادي، وكذلك قوله تعالى:) وفرش مرفوعة( 87 أي: نساؤه بدليل قوله:) إنا أنشأناهن إنشاءً( 88، وقد سأل أحد الأعراب صاحبه فقال: ألك بيت؟ أراد: ألك زوجة؟ ومن ذلك: شربت كوزا: أي: ماء في كوز، ومنه أيضا قوله تعالى:) وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها( 89 أي: أهل القرية الحالّين بها وأهل العير90.
الحالية:
وهي إطلاق اسم الحال على المحل كقوله تعالى:) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون( 91 أي: في الجنة، لأنها مستقر رحمة الله للمؤمنين وموضع خلودهم.
الآلية:
فيما ذكر اسم الآلة وأريد به الأثر الذي ينتج عنها، كقوله تعالى:) واجعل لي لسان صدق في الآخرين( 92 أي: ذكرا حسنا حيث أطلق اللسان وعبر به عن الذكر لأن اللسان آلة الذكر، ومنه قوله تعالى:) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه( 93 أي: بلغة قومه، وكذلك قوله سبحانه:) فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون( 94 أي: على مرأى منهم، والأعين آلة الرؤية.
... وجميع هذه العلاقات إذا وجدت بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي فإنما هي وجه المناسبة في نقل الإسم من الحقيقة إلى المجاز، وليس من ضرورة وجودها بين معنيين أن نحكم على المعنى الثاني بأنه مجاز. (1/56)
صفحة 57
--------------------------------------------------------------------------------
(1) علم البيان / د.بدوي طبانة ص 139.
(2) التعريف مستفاد من كتاب البلاغة العربية في ثوبها الجديد ج2 ص 18-82 تأليف د.بكري شيخ أمين ط: دار العلم للملايين. وأنظر / تلخيص المفتاح للقزويين الخطيب من كتاب مجموع مهمات المتون ص 621 ط: شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
(3) البلاغة العربية في ثوبها الجديد / ج ص81 – 82.
(4) القصص / 4.
(5) الأنفال / 2.
(6) التوبة / 144.
(7) في مجمع الزوائد: ( رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) من رواية عقبة بن عامر ج7 ص40 ط: مؤسسة المعارف.
(8) الروم /44
(9) ص /61
(10) التوبة /61
(11) الزخرف /51
(12) القصص /4
(13) النساء /21
(14) المزمل / 17.
(15) الضحى / 1-2.
(16) عم البيان ص 144.
(17) الكشاف ج4 ص224 ط: مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
(18) معلقة طرفة بن العبد ص796 من كتاب ( مجموع مهمات المتون) ط: شركة مصطفى البابي الحلبي.
(719) الأنعام/ 6
(20) الغاشية /12
(21) علوم البلاغة تأليف/ أحمد مصطفى المرغي ص71 ط:دار القلم –بيروت وانظر / حلية اللب المصون ص45 توزيع مكتبة اليمن الكبرى.
(22) المصدر السابق، وأنظر / حلية اللب المصون ص45
(23) البلاغة الواضحة ص117، 118 نشر ماكميلان وشركاه بلندن
(24) حلية اللب المصون للدمنهوري مع حاشية الشيخ مخلوف المنياوي ص45
(25) الاسراء /45 – وانظر / أضواء البيان للشنقيطي ج2 ص596
(26) مريم /61
(27) الحاقة /22 – وانظر/ أضواء البيان للشنقيطي ج2 ص596
(28) حلية اللب المصون -45
(29) هود /43
(30) الطارق / 6
(31) الحاقة /21
(32) العنكبوت /67
(33) الصاحبي لابن فارس ص366
(34) الإيضاح للخطيب القزويني ص32 ط: دار الكتب العلمية.
(35) المصدر السابق ص34
(36) غافر / 36.
(37) القصص / 38.
(38) طه / 117.
(39) البقرة /16
(40) دلائل الإعجاز ص229 ط: دار المعرفة – بيروت.
( (1/57)
صفحة 58
41) البقرة / 16
(42) الإيضاح ص35 -36 وانظر / مفتاح العلوم للسكاكي ص398 ط: دار الكتب العلمية.
(43) حاشية الشيخ مخلوف على حليه اللب المصون ص47
(44) أخرجه البخاري في / الجهاد: باب فضل النفقة في سبيل الله 8/87 – ومسلم في الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/727 – وأحمد ج3 ص7، 21، 91، كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.
(45) مفتاح العلوم للسكاكي ص400 – 401
(46) البقرة /16
(47) غافر/ 36
(48) الإيضاح للقزويني بشرح د, محمد عبد المنعم خفاجي ج1 ص102 ط: مكتبة الكليات الأزهرية – وانظر علوم البلاغة للمراغي ص247
(49) أسرار البلاغة ج2 ص255 فما بعدها ط: مكتبة القاهرة
(50) المصدر السابق ص251
(51) الإبهاج /ج1 ص309
(52) الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ص16
(53) انظر/ الايضاح للقزويني ص274 – 277 ط: دار الكتب العلمية / وحلية اللب المصون ص136 – 137 / والبلاغة الواضحة ص110
(54) الفتح /10
(55) البقرة /143
(56) البقرة / 194
(57) الشورى /40
(58) الإيضاح القزويني ص280 ط: دار الكتب العلمية
(59) شرح الطلعة الشمس ج1 ص209
(60) غافر/ 13
(61) النساء /10
(62) المدثر /5
(63) الأنفال / 60
64) الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ص27
65) البقرة / 185
66) البرهان ج2 ص 263
67) المنافقون / 4
68) يوسف / 99
69) المحصول للرازي ج1 ص163 ط:دار الكتب العلمية ولم يرتض الإمام ابن السبكي هذا، قال: لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء أ.هـ الابهاج ج1 ص202
70) المزمل /2
71) التوبة /108
72) النساء / 92
73) القصص /88
74) الرحمن /27
75) الحج /10
76) القصص /35
77) النساء /2
78) طه / 74
79) البقرة / 232 وأنظر سبب النزول في ( زاد المسير ) لابن الجوزي ج1 ص268 ط: المكتب الاسلامي
80) البقرة /234 (1/58)
صفحة 59
81) أورده الشيخ السالمي رحمه الله في شرح " الطلعة ج1 ص200 ولم أجده بلفظه في ( مجمع الزوائد للهيثمي) ج4 كتاب الرقيق وبمعناه عند أحمد عن سعيد بن المسيب قال: حفظنا عن ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أعتق شقيصا في مملوك ضمن بقيته، وفيه الحجاج بن أرطأه وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم (( من أعتق شقيصا له من رقيق فإن عليه أن يعتق بقيته..)) الحديث رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن إسحاق المروزي وهو ضعيف، وعن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أعتق شقيصا من مملوك فهو ضامن يقيته)) وفي رواية: فعليه جواز عتقه أن كان له مال)) رواه الطبراني واسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة)) أ.هـ ص251 – 252.
82) يوسف /36
83) نوح /27
84) البقرة / 178
85) الزمر / 30
86) العلق /17
87) الواقعة / 34
88) الواقعة / 35
89) يوسف /82
90) من العلماء من يجعل هذه الآية من مجاز الحذف، ومنهم من أطلق على العلاقة فيها ( علاقة النقصان)، وانظر ص 74 من هذا البحث.
91) آل عمران / 107
92) الشعراء / 84
93) إبراهيم / 4
94) الأنبياء / 61
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 13
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 12:10 : تنبيهات حول المجاز المرسل: (1/59)
صفحة 60
أ أدخل بعضهم الجمل الخبرية التي لم يقصد بها الإخبار ضمن المجاز المرسل، وأطلق عليها اسم " المجاز المرسل المركب " ويقصد به كل تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، فإن كانت العلاقة المشابهة كان التركيب استعارة تمثيلية وسيأتي الحديث عليها، وذلك مثل قوله تعالى: على لسان امرأت عمران: ) رب إني وضعتها أنثى( 1 فهي لم يقصد الإخبار بذلك، ولكنها عبرت بعبارتها تلك عن حزنها وتحسرها إذ لم تلد ذكرا حتى تنذره محررا للسدانة2.
وكما في قول ابن الرومي:
بان شبابي فعز مطلبه = وانبت بيني نسبة
فهو لا يريد الإخبار بذلك بل يشير إلى ما استحوذ عليه من الهم والحزن بسبب مفارقته لشبابه، وكذلك قول الآخر:
=""
هواي مع الركب اليمانين مصعد = جنيت وجثماني بمكة موثق3
ب قد يخرج الأمر والخبر والنهي عن المعاني الحقيقة إلى معان مجازية، وصحح بعضهم أن خروج الاستفهام عن معناه الحقيقي مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد4.
2 الاستعارة:
إن معنى الاستعارة في علم المجاز وفنه لا يختلف عن حقيقتها المعروفة، فهي مأخوذة من استعارة أحدنا رداء غيره، ولا يحصل ذلك إلا من شخصين بينهما معرفة ورابطة، وهذا الحكم جار في الاستعارة المجازية، فإنك لا تستعير أحد اللفظين للآخر إلا بواسطة التعارف المعنوي كما أن أحد الشخصين لا يستعير من الآخر إلا بواسطة المعرفة بينهما5.
ولعلماء البلاغة عدة تعاريف في حدها، أورد صاحب الطراز خمسة من تلك التعريفات، فأبطل الأربعة الأولى وارتضى تعريفها بقوله: تصييرك الشئ وليس به، وجعلك الشئ للشئ وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورةً ولا حكما ومثالها: لقيت أسداً – وتريد به رجلاً شجاعاً – وفلان بيده زمام الأمر.6 (1/60)
صفحة 61
ولما كان قوام أمر التشبيه طرفان هما المشبه والمشبه به فالاستعارة في حذف أحدهما، ولهذا عرف بعضهم الاستعارة بأنها تشبيه حذف أحد طرفيه وعلاقتها المشابهة دائماً، ويسمى المشبه به مستعاراً منه، والمشبه مستعاراً له، واللفظ مستعار.
--------------------------------------------------------------------------------
) آل عمران / 36
2) الكشاف ج 1 ص 425
3) حاشية اللب المصون ص 148
4) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج1 ص 412
5) الطراز ج1 ص198
6) المصدر السابق ص202
7) الفاتحة /6
8) الإيضاح / 285 -286
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 14
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 12:17 : أقسام الاستعارة:
تقسم الاستعارة باعتبار ذاتها إلى حقيقية وخيالية، وباعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية، وباعتبار طرفيها إلى تصريحية ومكنية، وباعتبار لازمها إلى مجردة وموشحة ومطلقة، وباعتبار حكمها إلى حسنة وقبيحة، وباعتبار كيفية استعمالها إلى استعارة محسوس لمحسوس، أو معقول لمعقول، أو محسوس لمعقول، أو معقول لمحسوس.
- الاستعارة باعتبار ذاتها (1/61)
صفحة 62
قد تقيد – كما يقول القزويني -: " بالتحقيقية، لتحقق معناها حساً أو عقلاً أي: التي تتناول أمراً معلوماً يمكن أن ينص عليه ويشار إليه إشارة حسية أو عقلية، فيقال: إن اللفظ نقل من مسماه الأصلي فجعل اسماً له على سبيل الإعارة للمبالغة في التشبيه، أما الحسي فكقولك: " رأيت أسداً" وأنت تريد رجلاً شجاعاً، وأما العقلي فكقولك " أبديت نوراً" وأنت تريد " حجة" فإن الحجة مما يدرك بالعقل ومن غير وساطع حس، إذ المفهوم من الألفاظ هو الذي ينور القلب ويكشف عن الحق لا الألفاظ أنفسها، وعليه قوله عز وجل: اهدنا الصراط المستقيم 1 أي: الدين الحق،2 ولم يبن لي كبير فرق بين الاستعارة المكنية والتخيلية من كلامه، واللازم المذكور في بيت أبي ذؤيب ترشيح، وفرق صاحب الطراز بينهما " بأن ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه لا على قرب ولا على بعد كقوله:
أثمرت أغصان راحته = لجناة الحسن عنابا
فهو محقق لا يفهم منه معنى التشبيه بحال، ولو ذهبت التشبيه أخرجته عن حقيقة البلاغة، وسلبت عنه ثوب جمالها، وما كان يفهم منه معنى التشبيه الذي لا يدرك في الوجود ويكون متصوراً في الخيال فهذه هي الاستعارة الخيالية كقوله تعالى بل يداه مبسوطتان 3، وجميع آيات التشبيه كلها من باب الاستعارة الخيالية.4
- الاستعارة باعتبار لفظها: (1/62)
صفحة 63
تنقسم الاستعارة باعتبار لفظها إلى قسمين: أصلية وتبعية، فالاستعارة الأصلية: هي ما كان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه إسما جامدا غير مشتق، مثل قوله تعالى: ) ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس( 5، وقوله:) وإنه في أم الكتاب( 6، وقوله: ) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون( 7 وكلمة " يهيمون " استعارة تبعية لأنها مشتقة من الهيمان، إذ التبعية: ما كان اللفظ المستعار فيها أو اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسما مشتقا أو فعلا، مثل قوله تعالى: ) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح( 8 فقد شبه انتهاء الغضب بالسكوت بجامع السكون في كل منهما ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو السكوت للمشبه وهو انتهاء الغضب ثم اشتق من السكوت بمعنى انتهاء الغضب سكت بمعنى انتهى.
- الاستعارة باعتبار طرفيها:
إن كان المحذوف من طرفي التشبيه ( المشبه) والمصرح به هو لفظ ( المشبه به ) كانت الاستعارة ( استعارة تصريحية ) مثالها قول الله تعالى: ) كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور( 9 فقد شبه الضلال في الآية بالظلمات بجامع عدم الاهتداء في كل ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو الظلمات للمشبه وهو الضلال على سبيل الاستعارة التصريحية، وكذلك شبه الاهتداء والإيمان بالنور بجامع وضوح المعالم والدلائل في كل ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو النور للمشبه وهو الهدى على سبيل الاستعارة التصريحية والقرينة حالية في الاستعارتين والعلاقة المشابهة، أما إن كان المحذوف في الاستعارة هو لفظ (المشبه به) وقد رمز إليه بشئ من لوازمه كانت الاستعارة (استعارة مكنية) ومنها قوله عز وجل على لسان زكريا عليه السلام: (( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا)) 10 حيث شبه الرأس بالوقود ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو (اشتعل) على سبيل الاستعارة المكنية والقرينة إثبات الاشتعال للرأس. (1/63)
صفحة 64
- الاستعارة باعتبار لازمها:
يقسمها البلاغيون بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
أ إستعارة مرشحة: وهي ما ذكر مع الاستعارة ملائم للمشبه به مثل قوله تعالى: ) اشتروا الضلالة بالهدى( 11 ثم قال على إثره: ) فما ربحت تجارتهم ( 12 فلما استعار لفظ الشراء عقبه بذكر لازمه وحكمه وهو الربح ترشيحا.
ب إستعارة مجردة: وهي فيما إذا ذكر مع الاستعارة ملائم للمشبه وفسرها الامام ابن القيم بقوله: (( أن تنظر إلى المستعار من غير نظر إلى غيره كقوله تعالى: ) فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ( 13 وكقول زهير:
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذّفٍ
لو نظر إلى المستعار منه لقال: فكساهم لباس الجوع، ولقال زهير: لدر أسدٍ وافي المخالب أو وافي البراثن)) 14.
جـ استعارة مطلقة: وهي قسمان:
الأول: ما خلت من ملائمات المشبه والمشبه به كقوله: إنا لما طغى الماء الماء حملناكم في الجارية 15.
الثاني: ما ذكر معها ما يلائم المشبه والمشبه به معاً كقول كثير:
% =""
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر= ظواهر جلدي وهو للجسم جارحُ
فقد استعار السهم للطرف بجامع التأثر من كل، والريش من ملائمات المشبه به، والكحل من ملائمات المشبه.
- الاستعارة باعتبار حكمها:
تنقسم الاستعارة باعتبار حكمها إلى حسنة وقبيحة وقد سبق إلى هذا التقسيم قدامة في: نقد الشعر" وتابعه عبدالقاهر في تقسيمه لها إلى مفيدة وغير مفيدة، وجميع استعارات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف حسنة مفيدة كقوله عز وجل: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا16، وقوله: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة 17 حيث جعل إزالة الليل عن مكانه محواً له، ومن الاستعارات القبيحة
قول أبي تمام:
ما زال يهذي بالمكارم والعلا = حتى ظننا أنه محموم
وقول أبي نواس:
بُحّ صوت المال مما = منك يشكو ويصيح
وقوله – أيضاً: ما لرجل المال أضحت = تشتكي منها الكلالا (1/64)
صفحة 65
وقول الآخر: أيا من رمى قلبي بسهم فأولجا
- الاستعارة باعتبار الاستعمال:
تجرى الاستعارة في استعمالها على أربعة أوجه:
- استعارة محسوس لمحسوس: كقوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) 18)، فالمستعر له خروج النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، والجامع شدة الاتصال والالتصاق في كلٍ.
- استعارة معقول لمعقول، كقوله سبحانه: من بعثنا من مرقدنا ( 19) استعار الرقاد للموت، وهما أمران معقولان، والجامع عدم ظهور الأفعال، وقوله عز وجل: ولما سكت عن موسى الغضب 20 والسكوت والزوال أمران معقولان.
- استعارة محسوس لمعقول: كقوله جل شأنه: فاصدع بما تؤمر 21 فإن المستعار منه صدع الزجاجة – أي كسرها – وهو حسي، والمستعار له تبليغ الرسالة والجامع لهما التأثير.
- استعارة معقول لمحسوس كقوله جل شأنه: أنا لما طغى الماء 22 فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط.
- الاستعارة التمثيلية:
يقسم البلاغيون الاستعارة من حيث الإفراد والتركيب إلى قسمين:
- استعارة مفردة: وهي ما كان المستعار فيها لفظاً مفرداً كما هو الشأن في الاستعارات السابقة.
- استعارة مركبة: وهي ما كان المستعار فيها تركيباً، ويطلقون على هذا القسم: " استعارة تمثيلية"، ويريدون بها: كل تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، أو هي مجاز مركب علاقته المشابهة مثل قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليه السقف من فوقهم 23 فقد شبه الله عز وجل حال أولئك الماكرين بحال قوم بنوا بنياناً شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم، واستعير التركيب الدال على حال المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية، وكذا قوله عز وجل: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة 24 على رأي بعض البلاغين.25 (1/65)
صفحة 66
" ومتى اشتهرت الاستعارة التمثيلية وكثر استعمالها صارت مثلاً، والأمثال لا تغير فلا يلتفت فيه إلى مضاربها إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً بل يشبه المثل بمورده فينقل لفظه كما هو بلا تصرف، فنقول لرجال ضيعوا الفرصة على أنفسهم ثم جاءوا يطلبونها: " الصيفَ ضيعتِ اللبن" بتاء مكسورة لأنه في الأصل خطاب لامرأة"26
تنبيهات حول الاستعارة
أ لا بد في الاستعارة من وجود ملائمة بين المستعار والمستعار له فإنها مطلوبة وبها يعرف حسن الاستعارة من قبحها، ولهذا عيب على المتنبي قوله:
شرف ينطح النجوم بقرينه
ب كثير من قدماء البلاغيين لا يفرقون بين التشبيه المضمر الأداة وبين الاستعارة فيجعلونه ضمنها، ولكنّ التشبيه البليغ لا يعدو أن يكون مقربا لحقيقة إلى حقيقة أخرى تتفوق في صفة من الصفات لأجلها كان تقريب الشقة بين الحقيقتين، بينما أسلوب الاستعارة من مثل "رأيت أسدًا " فيه تخييل في الادعاء والمبالغة أقوى من التخييل في مثل: " زيد أسد " وفيه جعل الحقيقة حقيقة أخرى27.
جـ يتعمق بعض البلاغين في تفصيل الاستعارة التبعية فيدخل مع المشتقات الفعل والحرف والضمائر وأسماء الإشارة والاسم الموصول، والمراد بالاستعارة في الأفعال والصفات المشتقة منها مصادرها، وفي الحرف متعلقات معانيها28.
بلاغة المجاز: (1/66)
صفحة 67
المجاز فن في القول له عذوبة وسلاسة وجمال، لا تدانيه الحقيقة لطفاً وخفة "بل هو أكثر منها بلاغة في الوصف"، وأوجز لفظا في العبارة، فإن قولك: رأيت أسدًا يرمي، أبلغ وصفا من قولك: رأيت رجلا يرمي، وأوجز لفظا من قولك: رأيت رجلا بالغا في الشجاعة مبلغ الأسد، وكذلك فالمجاز يتوصل إلى المحسنات البديعية من نحو السجع والمطابقة والمجانسة، أما السجع فنحو أن تقول: لقيت أسدًا شاكي السلاح فتعاطينا الرماح، وأما المطابقة وهي الجمع بين شيئين متضادين نحو (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) 29، وأما المجانسة وهي تشابه الكلمتين لفظا واختلافهما معنى فكقول الشاعر:
إلى حتفي سعى قدمي = أرى قدمي أراق دمي
وأيضا بالمجاز يحصل التلطف في الكلام بخلاف الحقيقة وذلك نجو: استعارة بحر من المسك موجه الذهب لفحم فيه جمر موقد، فيفيد لذة تخيلية وزيادة شوق إلى إدراك معناه، فيوجب سرعة التفهم بخلاف قولك: فحم عليه جمر، ومثل ذلك إطلاق الجزء مع إرادة الكل في المجاز المرسل إذا ما قلت: " فلان فم" تريد أنه شره يلتقم كل شئ، وبالمجاز أيضا يتيسر إختراع المعاني اللطيفة من تعظيم وتحقير وترغيب وتنفير، فالتعظيم كاستعارة (أبي سعيد) لرجل عالم فإنه يدل على كثرة علمه فيحصل تعظيمه بذلك، والتحقير كاستعارة (الهمج) وهو صغار الذباب للجهال من الناس، والترغيب كاستعارة (ماء الحياة) لشئ من المشروبات، والتنفير كاستعارة (السمّ) لشئ من المطعومات، وقد يكون لفظ الحقيقة وحشيًا تمجه الاسماع كالخنفقيق فيعدل عنه إلى المجاز لعذوبته فيعبر عنه بلفظ الداهية، وقد يكون التلفظ بالحقيقة مستسمجًا يكرهه السامع فيعدل عنها إلى المجاز لنزاهته وذلك نحو قوله تعالى:) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن( 30 فإن في قوله:) ما لم تمسوهن( نزاهة لم تكن في قول القائل: ما لم تولجوا الذكر في الفرج31.
تنبيهات هامة: (1/67)
صفحة 68
أ صرح بعض العلماء بأن حذف المضاف ليس من المجاز، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، والكلمة المحذوفة ليست كذلك، فالمثال الذي يذكرون بأنه من مجاز المحذوف وهو سؤال أهل القرية يندرج تحت المجاز العقلي، وكذا باقي المحذوفات قد يترتب عليها مجاز ولكنه مجاز مندرج تحت نوع من أنواع المجاز المعروفة لا مجاز قائم بنفسه، وكذلك لا مجاز بالزيادة في القرآن الكريم، والزيادات القرآنية التي ذكروها ومنها كاف "كمثل" أن لو حظت زيادتها في الألفاظ فهي ليست بزائدة في المعنى عند التحقيق32.
ب يتجوز بالحروف بعضها عن بعض وأقرب قوله تعالى: ) ولأصلبنكم في جذوع النخل( 33 فإن الصلب مستعمل في موضوعه الأصلي وكذلك جذوع النخل، ولم يقع المجاز إلا في حرف ( في ) فإنها للظرفية في الأصل وجاءت هنا بمعنى (على) فقد خرجت عن الظرفية، وتستعمل (على) حقيقة في الاستعلاء كقوله تعالى:) وعليها وعلى الفلك تحملون( 34، ومجازية في مثل قوله عز وجل:) ولهم على ذنب( 35، وقوله:) تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض( 36، وقال الإمام السالمي رحمة الله عليه ـ:(( تنقسم الحروف المعنوية إلى مجاز وإلى حقيقة كانقسام سائر الكلم العربية... مثال ذلك أن الواو حقيقة في مطلق الجمع مجاز في الحال، والفاء حقيقة في التعقيب مجاز في التراخي وفي مطلق الجمع، وثم حقيقة في التراخي مجاز في التعقيب وفي مطلق الجمع أيضا... وهكذا)) 37.
جـ قال الإمام الغزالي: (( واعلم أن كل مجاز فله حقيقة وليس من ضرورة كل حقيقة يكون لها مجاز بل ضربان من الأسماء لا يدخلها المجاز:
الأول: أسماء الأعلام نحو: زيد وعمرو لأنها أسام وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات.
الثاني:الأسماء التي منها ولا أبعد كالمعلوم والمجهول والمدلول والمذكور إذ شئ إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازا عن شئ)) 38.
------------------------------------------------------------------------------- (1/68)
صفحة 69
1) المائدة /64
2) الطراز ج1 ص 258
5 ) آل عمران / 112
6 ) الزخرف / 4
7 ) الشعراء / 225
8 ) الأعراف / 154
9 ) إبراهيم / 1
10 ) مريم / 4
11 ) البقرة / 16
12 ) البقرة / 16
13 ) النحل / 112
14 )الفوائد المشوق / 79
15) الحاقة /11
16) طه/131
17) الاسراء /12
18) يس / 37
19) يس /52
20) الأعراف / 154
21) الحجر/94
22) الحاقة /11
23) النحل /26
24) الاسراء /24
25) أسرار البلاغة لعبد القاهر بتحقيق د. عبد المنعم خفاجي ج2 ص129
26) علم البيان ص191
27 ) أسرار البلاغة بتحقيق د. عبد المنعم خفاجي ج2 ص125- 126
28 ) مفتاح العلوم ص180
29 ) التوبة / 82
30 ) البقرة / 236
31 ) شرح طلعة الشمس ج1 ص 216-217-218
32 ) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج1 ص 427
33 ) طه / 71
34 ) غافر / 80
35 ) الشعراء /14
36 ) البقرة / 253
37 ) شرح طلعة الشمس ج1 ص218
38 ) المستصفى ج1 ص 345
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 15
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 07:37 : الفصل الثالث الخلاف في وجود المجاز في القرآن الكريم
تمهيد:
ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: " ومن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى"1. (1/69)
صفحة 70
وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام – وما سبق من فصول هذا البحث كافٍ في تقرير أمر وجوده لمن قال به، وقد قال به علماء كُثر لي مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف،.
وكان الفصل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبدالقاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما،2 والذين أنكروا المجاز قلة لا تكاد تذكر بجانب تلك الكثرة الكاثرة من المجيزين، وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة، وأكثر منكري المجاز أنكروه في القرآن دون اللغة، وثلاثة أنكروه مطلقاً وهم أبواسحق الاسفرائيني وابن تيمية وابن القيم الجوزية، وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في حر كلامهم ولهذا قلت: إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد.3
وفي هذا الفصل – سأعرض بإذن الله تعالى- شيئاً من أقوال المنكرين للمجاز من أطلق الإنكار منهم ومن قيده، وأعقب ذلك بأقوال المجيزين ومن الله العون والتوفيق ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت).4
--------------------------------------------------------------------------------
1) أسرار البلاغة ص339.
2) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج2 ص1082
3) المرجع السابق ج2 ص1082
4) سورة هود / 88.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 16
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي (1/70)
صفحة 71
التاريخ: 22-11-2005 07:50 : إنكار المجاز مطلقاً:
ينسب إنكار المجاز في اللغة بوجه عام إلى الأستاذ أبي اسحق الاسفرائيني1 وأبي علي الفارسي،2 وفي نسبة هذا القول إلى أبي علي الفارسي نظر لأنه لم ينقل إلينا مأثوراً من كلامه، بل أن له نصوصاً يعترف فيها بالمجاز صراحة، وقد جزم باعترافه بالمجاز الأمام ابن القيم في " الصواعق"3، وشكك في نسبة هذا القول إليه الجلال السيوطي فقال معقباً عليها: " قلت: هذا لا يصح أيضاً، فإن ابن جني تلميذ الفارسي وهو أعلم الناس بمذهبه لم يحك عنه ذلك، بل حكى عنه ما يدل على إثباته".4
وأما الأستاذ الاسفرائيني فقد نقل عنه السيوطي في "المزهر" نصاً أوضح فيه ما حمله على الإنكار، وحججه التي عرضها لقوله: أنه لم يحفظ عن العرب أنهم وضعوا الحقائق أولاً في معانيها ثم نقلوها إلى معان مجازية إذ لا تقديم ولا تأخير في الوضع، ثم أن العلاقة بين الأسماء والمسميات اتفاقية على عقلية والدلالات العقلية مطردة وليست الاتفاقية كذلك ودلل عليه باختلاف تسمية الشئ من أمةٍ إلى أخرى من الأمم، وقال: " العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد فجعل هذا حقيقة وهذا مجاز ضرب من التحكم" وكلامه هذا في إتحاد الوضع أخذه عنه ابن تيمية – فيما بعد – وتذرع به في نفيه المجاز، وسيأتي هذا قريباً إن شاء الله تعالى – (1/71)
صفحة 72
وقد تلخص رد السيوطي على الأستاذ في التسليم لأبي اسحق بتقديم الحقيقة على المجاز، ولكن التاريخ غير معلوم عندنا، والجهل بالتاريخ لا يدل على عدم التقديم والتأخير، وكلام الأمام السيوطي يوافقه الرأي القائل بأن مرحلة المعاني الكلية تلت مرحلة المعاني المفردة، وأن المعاني العقلية تلت مرحلة المعاني المادية، وأن المعاني المجازية تلت المعاني الحقيقة، ثم رد الأمام السيوطي قول الأستاذ بأن العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعاً واحداً، فقال: " العرب ما وضعت الأسد أسماً لعين الرجل الشجاع بل اسم العين فيه هو الإنسان، وإطلاق لفظ " الأسد" عليه إنما يكون مع القرينة الصارفة، فإذاً ثبت أنَّ الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساماً معقولاً إلى هذين النوعين: فسمينا أحدهما حقيقة، والأخر مجازاً فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة، وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني، ولهذا لا يفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة، ولا يفهم منه الإنسان إلا بقرينة ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولاً واحداً" أ.هـ.5 (1/72)
صفحة 73
ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي: ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: " وقال الأستاذ أبو إسحق: الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى، وله عنده وجه التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره.6
------------------------------------------------------------------------------
1) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الاسفرائيني عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين توفي بنيسانور عام 418هـ انظر الأعلام للزر كلي ج1 ص61 الطبعة الرابعة 1979م – دار العلم للملايين – بيروت.
2) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي شيخ ابن جني، نحوي مشهور له كتاب الايضاح في النحو توفي سنة 377هـ انظر ترجمته في معجم الأدباء للحموي ج7 ص232 وما بعدها طبع دار احياء التراث العربي – بيروت.
3) ذكر ذلك. د.المطعني ج2 ص1117.
4) المزهر ج1 ص366
5) المزهر ج1 ص365 – 366.
6) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج2 ص1111 وما بعدها.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 17
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 07:57 : إنكار المجاز في القرآن الكريم: (1/73)
صفحة 74
أول من ينسب إليه هذا القول داود الظاهري وابنه محمد من الظاهرية، ثم إلى أبي الحسن الجزري، وأبي عبدالله بن حامد، وأبي الفضل التميمي من الحنابلة، وإلى محمد بن خويز منداد من المالكية، ومنذر بن سعيد البلوطي ويعزى كذلك إلى أبي علي الفارسي، ومن الشافعية أبو العباس الطبري المعروف بابن القاص، ومن المعتزلة أبو مسلم الأصبهاني، ويعزى هذا القول كذلك للرافضة كما نسب للظاهرية.
أما الظاهرية فيكفي ما قاله في حقهم إمام الحرمين: ( والمحققون من علماء الشريعة لا يقيمون لأهل الظاهر وزناً)1 وقال فيهم الأمام الشوكاني لما ذكر قولهم: ( وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جموداً يأباه الإنصاف وينكره الفهم، ويجحده العقل).2
ويذكر الأصوليون أنَّ داود الظاهري احتج على مذهبه بوجهين:
- أحدهما: أن المجاز لا يدل بمجرده لعدم وضعه له، فلو ورد في القرآن لأدّى إلى الإلباس وهو لا يقع من اله تعالى. وقد أجيب: بأنه لا إلباس مع القرينة.
- ثانيهما: لو سلمنا أنَّ في القرآن مجازاً – والقرآن كلام لله – لقيل لله متجوّز وهذا الوصف لا يطلق على الله باتفاق علماء الأمة. وأجيب: بأن أسماء الله تعالى توقيفية عنه لابد في إطلاقها من ورود الإذن السمعي ولأنه يوهم أنه يتهاون بفعل قبيح أو صغير كما في الشاهد إذا قلنا: فلان يتجوز في الأمور وما أوهم الخطأ امتنع اطلاقه على الله حقيقة أم مجازاً.4 (1/74)
صفحة 75
ويضيف بعض الأصوليين لأدلة الظاهرية على نفي المجاز في القرآن أنهم قالوا: المجاز كذب لأنه يصح نفيه، فيصح في " واشتعل الرأس شيبا " ما اشتعل وإذا كان كذبا فلا يقع في القرآن والحديث، وقد تناقل كلمتهم هذه من لهج ينفي المجاز من المتأخرين كابن تيمية وابن القيم وتابعهما على ذلك مصطفى عيد الصياصنة من الوهابية5، وقد بينت معنى أن المجاز يصح نفيه فيما سبق6، وذلك أن لفظ الحقيقة غير مراد في الأصل فلا يحصل التناقض في كلام من عقب بالنفي على ما أثبته أول الأمر إذ التغاير حاصل بين الأمرين، فهو في أول كلامه إنما أثبت المعنى المجازي ولم ينف في تعقيبه بالنفي في آخر الكلام إلا المعنى الحقيقي كقول القائل في إنسان لبلادته: إنه حمار، وليس بحمار، فلا يوسم هذا القائل بالتناقض والتخليط في كلامه بعكس أن لو قال فيمن يتحدث عنه إنه إنسان وليس بإنسان أو أنه رجل وليس برجل. وفي هذا الصدد يقول ابن قتيبة:(( وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز فإنهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل: وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان أكثر كلامنا فاسدًا)) 7.
مع الإمام ابن حزم: (1/75)
صفحة 76
والإمام ابن حزم مع أنه من الظاهرية ومتعصب لمذهبه إلا أنه لم يسلك مسلكهم بل وقف موقفا وسطا بين الإجازة والمنع، وقد أصل لرأيه أصلا، ففرق به بين الآيات التي يقول إنها كلها من قبيل المجاز، ويقول الأقلون، إنها كلها حقائق لا مجاز فيها فقال هو بالمجاز في بعضها ونفاه عن بعضها الآخر، فقال: كل كلمة نقلها الله تعالى عن موضوعها في اللغة إلى معنى آخر تعبدنا به قولا وعملا كالصلاة والزكاة.. فليس بمجاز بل هو اسم حقيقي، وما نقله من معناه اللغوي إلى معنى تعبدنا الله به دون أن يسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز كالأمر بأن نذل للأبوين في قوله:) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة( 8، ولم يلزمنا أن ننطق ولا بد فيما بيننا بأن للذل جناحا. أ.هـ 9.
وقد اعترف في كلامه بأن الله سبحانه (نقل) الكلمة عن موضوعها في اللغة ولا معنى للمجاز إلا هذا، ولا تفرقة بين النوعين اللذين ذكرهما ما دام النقل في كل منها، وغاية ما يقال، هو ما اصطلح عليه علماء البلاغة أن من أن الكلمات في النوع الأول صارت حقائق شرعية وإن لم تخرج عن كونها مجازات في اللغة. وقد ذكر ابن حزم أنه لا يعرف نقل الألفاظ إلا بدليل من نص أو إجماع أو ضرورة حسن فما لم يوجد دليل على ذلك من هذه الأصول الثلاثة فلا تقل. ولكنه جوّز في قوله تعالى:) إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها( 10 أن يحمل عرض الأمانة، وإباية السماوات والأرض، وإشفاقهن من حملها على الحقيقة وأن الله وضع فيها التمييز وقد نسى ابن حزم بأنه قال كما قال غيره في رد قول من قال بخرق العادة في نسبة الإرادة للجدار بأنا لا نقول: إن الله تعالى خرق العادة إلا بنص 11ــ فكيف؟! كيف قال به غيره في هذه الآية واعتبره أيضا في قوله سبحانه: ) يوم نقول لجهنم هل امتلأت ونقول هل من مزيد( 12 مع أن اشتراطه النص في خرق العادة كلام سديد13. (1/76)
صفحة 77
وقد عرض ابن حزم لابن خويز منداد من المالكية، والذي ذكرنا ما ذهب إليه من نفي المجاز، ورواه ابن حزم بآبدة من أوابده، إذ وصفه التمييز وبالجهل، وقال: إنه رجل من المالكيين يقول: إن للحجارة عقلا، أخذا من قوله تعالى:) وإن منها لما يهبط من خشية الله( 14 قال ابن حزم: ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، ويجعل ابن حزم هذا وأمثاله ممن قال الله فيهم:) إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا( 15، 16، وإن من أبرز من رفع صوته بإنكار المجاز، الإمام ابن تيمية....
مع الإمام ابن تيمية
وحين يذكر الإمام ابن تيمية17 بين منكري المجاز مطلقا وفي القرآن الكريم فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة، بسبب حماسته التي أبداها، والثورة التي ثارها في تقرير الإنكار، والذين أنكروا المجاز من بعده، عزفوا على أوتاره، وداروا في مدار فلكه، وأول ما يواجهنا من كلام هذا الإمام رده على الآمدي أبي الحسن على بن أبي على الملقب سيف الدين في كتابه " الفتاوى" وقد ناقشه في الأمور التي جعلها الآمدي علامات للمجاز يعرف بها وتعرضت لذكرها في الفصل السابق18. (1/77)
صفحة 78
وقد ذكر الآمدي أن أكثر الأصوليين على إثبات المجاز، فاعترض عليه ابن تيمية في تحديده مراده بالأصولي، وخلص إلى أن أكثر الأصوليين من الصحابة والتابعين لم يقسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز، وإنما الذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كانوا من المعتزلة، وقد عرضت لهذه الشبهة التي أوردها ابن تيمية هنا في بداية الفصل الثاني عند الحديث عن نشأة المجاز19، وأحب أن أذكر هنا أن مراد الآمدي بالأصوليين (علماء الأصول) أولئك الذين بنوا أحكامهم واستنباطهم من الشريعة على قواعد دونوها، فإن علم البلاغة العربية والمجاز بصفة أخص كان كباقي العلوم الإسلامية وفنونها لم تكن مدونة ولا مقعدة قواعده، وهذا العلم شبيه بعلم أصول الفقه حينما لم تكن مدونة ولا مقعدة قواعده، وهذا العلم شبيه بعلم أصول الفقه حينما لم تكن تعرف مصطلحاته في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالشكل المعهود لدينا الآن، ولكن كانت أذهان الناس تتصور القواعد الكلية وتتفهم معاني الأمر والنهي وفحوى خطاب الله سبحانه وتعالى لصفاء أذهانهم، وجودة قرائحهم، وتأصل اللسان العربي فيهم، ولكنه لما بعد العهد من عصر النبوة والصحابة رضوان الله تعالى عليهم اختلطت على أهل القرون التي بعدهم مرامي الكتاب العزيز، وصارت دلالات بعض الآيات وألفاظ القرآن الكريم مشتبهة لدى الكثيرين لا سيما من الشعوب الإسلامية التي دخلت الإسلام إثر الفتوحات الإسلامية المتوالية مما ألجأ إلى وضع ميزان يوزن به توجيه مفاهيم آيات الكتاب العزيز بحسب الضوابط المعتبرة، حتى لا يقصر الذهن عن معرفتها على الوجه الصحيح، فلم يكن وضع هذه القواعد ابتداعا وإنما هو تأصيل لما كان عليه فهم السلف منذ عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. (1/78)
صفحة 79
وكذلك.. فإن مصطلحات البلاغيين في العلم الذي دونوه من حقيقة ومجاز وكناية واستعارة شبيهة بمصطلحات علم النحو من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول وظرف واستثناء... الخ، كلها إنما جاءت بما كان العرب يستعملونه في كلامهم لو لا أنهم لم يضعوا للألفاظ التي يتلفظون بها هذه المسميات التي تميز بين لفظ وآخر، لأنهم كانوا يميزون بينها بسليقتهم، وما أظرف قول ذلك الأعرابي معرضا بالنحاة وفي كلامه تأكيد لما نقول:
ولست بنحوي يلوك لسانه = ولكن سليقى أقول فأعرب
وعندما اختلط الجنس العربي بغيره من أجناس الأمم أدى ذلك إلى ضعف اللسان العربي مما دفع إلى تلمس القواعد والأسس التي يحفظون بها لغتهم العربية، فحييت اللغة العربية بعدما خيف عليها الهلاك، على أن العلوم الإسلامية جميعها ترجع إلى أصل واحد، وتنبع من منبع واحد ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكلها تخدم القرآن الكريم، وغاية جميعها إنما هي إظهار وجوه إعجاز القرآن الكريم، وسبل تيسير فهمه لجميع فئات الناس، والأخذ بأحكامه في جميع مجالات الحياة، وهذا نابع من الإحساس بربانية مصدره وأنه من عند الله سبحانه العالم بما يصلح لعباده وما لا يصلح لهم، وصدق رسول الله فيما يروى عنه واصفا القرآن: ((.... ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد)) 20. (1/79)
صفحة 80
وقد ادعى ابن تيمية، ومن بعده خليفته ابن القيم الجوزية أن كلمة المجاز لم تعرف بمعناها الاصطلاحي المعروف عند علماء البلاغة إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة، ففي كتاب "الإيمان" قال ابن تيمية:(( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم))، وقال في موضع آخر:(( وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب " الرد على الجهمية " في قوله: "إنا ونحن" ونحو ذلك في القرآن هذا من مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من قال: إن في القرآن مجازا كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب وغيرهم)) 21. (1/80)
صفحة 81
ودعواه بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ذكرنا سالفا أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه مثلا وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه:( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى:) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها ( 22 إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله ( بل مكر الليل والنهار) 23 وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهار24 والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين25 وجميع هؤلاء كانوا يعيشون في القرن الثاني الهجري، بل قال أحد الكتاب أنه وقف من شعر أبي تماما على ما يثبت أن هذا التقسيم كان معروفا في أوائل القرن الثالث الهجري، فهو يقول في وصف الخمر:
لقد تركتني كأسا وحقيقتي = مجاز وصبح من يقيني كالظن26
ثم إن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر خلاف الظاهر قد عرف من القرن الأول، وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة، ومن ذلك ما نقله العلامة ابن كثير عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما أولا " المرض " بالشك من قوله تعالى: ) في قلوبهم مرض ( 27، وقال قتادة في قوله تعالى:) يوم يكشف عن ساق ( 28، عن شدة29. ومثل هذا عند كثير. (1/81)
صفحة 82
وقد ذكر ابن تيمية في كلامه الذي نقلته عنه أنه لم يتكلم أحد من الأئمة المشهورين بالمجاز، وسمّى من ادّعى من الأئمة أنه يتكلم بالمجاز وذكر من جملتهم الإمام الشافعي، والحق أنه أثر عن الإمام الشافعي ما يدل على معرفته بالمجاز في أشهر كتبه التي قعد فيها قواعد الفقه (الرسالة) فإنه عندما مثل للصور التي يجئ عليها خطاب الله سبحانه على لسان العرب ذكر منها " ظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره" 30 ونقل صاحب كشف الأسرار في مسألة "المجاز خلف عن الحقيقة" عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: إن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم بل هو الحكم أصل31. فماذا بقي بعد هذا للإمام ابن تيمية في صدق مدّعاه؟!
لقد ذكر ابن تيمية أنه لم ينقل عن أحد من الأئمة القول بالمجاز سوى الإمام أحمد ابن حنبل لقوله في صيغة "إنّا، ونحن": هذا من مجاز اللغة، وفسّر قول الإمام، (من مجاز اللغة) أي: مما يجوز في اللغة32، وتأويل ابن تيمية هذا لمقولة الإمام أحمد ليس بنافع له في تأييد وجهة نظره لأن وجهة نظره لأن من حق مجوز المجاز عند الإمام أحمد أن يقول: إن المجاز اللغوي هنا معناه الجواز على سبيل المجاز، ثم إن الحكم على هذه الصيغة المذكورة بأنها من المجاز من المسلمات لأن الواحد المتكلم بصيغة الجمع إنما هو منزل نفسه منزلة الجماعة فاستعار الصيغة الموضوعة لهم وأجراها على نفسه مجازا. وتخريج مثل هذه الصيغة على المجاز أحوط حينما يجريها الله سبحانه على نفسه نفيا للتعدد المتوهم في مثل قوله تعالى:) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون( 33 وقوله:) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( 34 وغيرها كثير. (1/82)
صفحة 83
وتذكر عن الإمام أحمد روايتان بالقول بالمجاز وعدمه، وقد عضّد الإمام ابن تيمية وخلفه ابن القيم الرواية بنفي المجاز، ويروى عن حنبل بن أخي الإمام أخمد أنه سمعه يقول:(( احتجوا على يوم المناظرة فقالوا: تجئ يوم القيامة سورة البقرة، وتجئ سورة تبارك، قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب قال الله جل ذكره: ) وجاء ربك والملك صفا صفا ( 35 وإنما تأتي قدرته36، والعجب من ابن القيم يدعي مثل هذا في هذه الرواية ولا يتردد في قبول رواية أخرى من طريق حنبل هذا موافقة لمذهبه فقد ذكر في " الصواعق ": قال حنبل: قيل لأبي عبدالله كنية الإمام أحمد ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: إسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا، أفلا يكون قبول ابن القيم لرواية دون أخرى مع اتجاد راويهما تعصبا عن الموضوعية؟ 37.
ومما يدل على أن الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد هي القول بالمجاز ذلك الرد القوي من أحد علماء الحنابلة في القرن السادس الهجري على ثلاثة من علماء وأئمة المذهب الحنبلي اعتمدوا على الرواية النافية للمجاز عن إمام مذهبهم أحمد ابن حنبل فحملوا الصفات الواردة له سبحانه في القرآن والسنة على مقتضى الحس ووقعوا في التشبيه والتجسيم، وهؤلاء المعنيون هم: أبو عبدالله بن حامد المتوفي عام (403هـ)، والقاضي أبو يعلي الفرّاء المتوفي عام (458 هـ)، وابن الزاغوني المتوفي عام ( 527 هـ) وقد أنكر عليهم العلامة ابن الجوزي أشد الإنكار وكان من كلامه فيهم: ( يقولون: نحن أهل السنة، وكل منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوامّ، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم نقل وأتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: " كيف أقول ما لم يقل" فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه)38 أ.هـ.
، (1/83)
صفحة 84
ومن النصوص التي سردها ابن الجوزي في رده هذا الذي دافع به عن مذهب الأمام أحمد ما يدل دلالة قاطعة على قول الإمام أحمد بالمجاز واعتبار في تأويل آيات الكتاب العزيز فقد قال: " قلت: قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: يأتيهم 39 قال: المراد به قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى: أو يأتي أمر ربك 40، ومثل هذا في التوراة: وجاء ربك، قال: إنما هو قدرته41 أ.هـ.
والإمام ابن تيمية مع تشدده البالغ في نفي المجاز وحملته الشعواء على المثبتين له لجأ إلى المجاز فرارا من التشبيه والتجسيم، بل قال به في غير تأويل المتشابه من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فهو يقول مثلا في أصل لفظة "الصلاة": لفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء، وهي العبادة والمسألة))42، وذكر أن الخبر يستعمل في الدعاء لتضمنها معنى الدعاء في تأويل قوله تعالى على لسان يونس عليه السلام:) إني كنت من الظالمين( 43، وذهب إلى أن أكثر استفهامات القرآن جاءت على الإنكار44، وهذا قليل من كثير مما قاله في غير تأويل المتشابه، أما في تأويل الصفات فقد نفى الإمام ابن تيمية أن يراد بقرب الله ومعيته قرب من ذات من ذات بل فسر معية الله مع خلقه عموما بأنها معية علم لا معية ذات45. قال: (( ويكون حكم معينة في كل موطن بحسبه: فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالاعانة والنصر والتأييد)) 46 كما أوّل رؤية الله وسمعه بإثبات علمه عندما وقف على قوله سبحانه:) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم( 47 فقال في معناه: فإنه يراد من رؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك، وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر، فيثبت على الحسنات ويعاقب على السيئات48. (1/84)
صفحة 85
وقد تتبع الأعمال المجازية للإمام ابن تيمية الدكتور المطعني وحمله ما رآه من كثرة تأويلات الإمام المجازية على القول بأن للإمام في هذه المسألة مذهبين: القول بالمجاز والقول بنفي المجاز، ثم رجح بأن ما يعتقده الإمام هو القول بالمجاز، وهو إنما خالف ما يعتقد لأنه في ذلك مصلحة إرتآها وهي قطع طرق التأويل المفضي إلى الانحراف والزيغ في المعتقد، لأنه كان يواجه حربا ضروسا أمام الذين فتحوا باب التجوز على مصراعيه وروجوا أباطيلهم للناس على اختلافها من باطنيه وفلسفية وصوفية ثم خلص الدكتور المطعني بعد ذلك إلى القول: بأن المجاز ليس عقيدة حتى يلام منكره فيكفر أو يفسق، وإنما طريق من طرق البيان، ومن أنكر اسمه فلن ينكر دلالته وأثره، ثم إن الإمام ابن تيمية مجتهد مطلق وهو معذور فيما فعل، والمجتهد له أجران إن أصاب مع خلوص النية وأجران إن أخطأ49.
وهذا الكلام كان يمكن أن يقبل أن لو تحمل الآيات والأحاديث المتشابهة على ظواهرها، فإن في هذا مساساً مباشراً للعقيدة، يفضي.. والعياذ بالله تعالى.. إلى التشبيه والتجسيم للخالق – عز وجل – ووصفه بالجوارح والأعضاء،50 وإنكار المجاز هو مدار اعتماد أكثر أهل التشبيه والإلحاد، والغريب أنك تجد أحدهم يناقض نفسه فينكره تارة ويثبته أخرى بحسب ما يمليه عليه الهوى، ولعمري إنَّ إنكار المجاز رأساً أو إنكاره من كلام الله وكلام رسوله ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل، وتحدياً سافراً للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه إلى دليل:
وليس يصح في الأذهان شئ = إذا احتاج النهار إلى دليل
مع الإمام شمس الدين أبي عبدالله محمد ( بن الجوزية ): 691/751هـ: (1/85)
صفحة 86
إن من أشهر منكري المجاز بعد الإمام ابن تيمية تلميذه الوفي ابن القيم الجوزية، ولعل ابن القيم أصلب العلماء رأيا في إنكار المجاز، وأكثرهم نيلا من القائلين به وأعنف الذين كتبوا في إنكاره جدلا ونقاشا، وقد ألف في إنكاره للمجاز ومناقشة القائلين به كتابه المعروف (( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)) وقد اختصره محمد الموصلي، وعلى هذا الاختصار مع بعض الكتابات الأخرى اعتمدت في بحث موضوع المجاز عند ابن القيم.
ينبه شيخنا الخليلي حفظه الله تعالى على أول ما يمكن أن يلاحظه المتتبع للعثرات التي وقع فيها ابن القيم في إنكاره للمجاز، فإنه يقول في كتاب الصواعق المرسلة:(( الجزء الثاني في كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز )) لننظر في هذا التعبير.. تسميته المجاز طاغوتا مجاز، فقد وقع في المجاز في نفس هذه الترجمة التي أراد فيها أن ينكر المجاز، أو أراد بها إبطال المجاز، ثم عبر عن رد المجاز بالكسر وذلك أيضا مجاز، فقد وقع فيما فر منه51.
والملاحظ أن ابن القيم كثير التكرار، وهو مغرم بتكثير الأوجه في القول بإنكار المجاز ومناقشة القائلين بإثباته، ولو أنه عدل عن التكرار لصاغ هذه الأوجه في أقل من النصف، وقد أعرضت عن ذكر بعضها اختصارا، ولم أتعرض لما رأيت أن ما سبق كفيل برده، وتبين وجه التلبيس فيه ومن بعض ما ذكر من الوجوه الإثنين والخمسين أنه قال:
1ــ الوضع هو تخصيص اللفظ للمعنى، بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى ففهم المعنى من المجاز مع نفي الوضع جميع بين النقيضين، يتضمن أن اللفظ موضوع غير موضوع، فإن قلتم: لا تناقض، فإنا نفينا الوضع الأول وأثبتنا الوضع الثاني، قيل لكم: هذا دور ممتنع، فإن معرفة كونه مجازا متوقفة على معرفة الوضع الثاني، ومستفادة منه، فلو استفيدت معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور الممتنع، فمن أين علمتم أن هذا وضع ثان للفظ، وليس معكم إلا أن ادعيتم أنه مجاز؟ 52. (1/86)
صفحة 87
إن ابن القيم قد ساوى بين المجاز والحقيقة في جعل استعمال المجاز وضعا ثانيا للفظ وما دمنا نقول بأن أصل المجاز وهو الحقيقة ثابت فقد جمعنا بين النفي ونقيضه، لأن ابن القيم يعتبر استعمال اللفظ في غير ما وضع له معناه نفي للوضع الأول، ولكنا نقول بأن المجاز غير موضوع، وإنما هو مجرد استعمال اللفظ في معنى غير المعنى الذي وضعه العرب له، ومعرفة هذا المعنى لا تتوقف على كونه مجازا، بل متوقفة على معرفة الوضع الأول، وقد عرفنا من مواد اللغة ومن كثرة استعمال المادة في معنى معين.. حتى إن هذا المعنى يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ أن استعمال اللفظ في هذا المعنى الثاني ليس علي طريق الحقيقةـ ومعرفة كونه مجازا لا تتوقف على معرفة كونه موضوعا وضعا ثانيا كما يدعي ابن القيم ولزم منه الدور فإن علماء اللغة نقلوا عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز، ولنا أن نمنع الدور بالتعرف على المجاز عن طريق أمارات أخرى ذكرى الآمدي بعضها منها مثلا أن معنى التجوز لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه53. (1/87)
صفحة 88
2 ويظهر من ابن القيم التناقض في كلامه ظهورا بينا يوقعه فيه تعصبه المقيت وحب الغلب، فإنه ذكر المثبتين للمجاز وحكى عنهم أنهم قالوا يعرف المجاز بصحة نفيه، ثم قال: وقد اعترفوا هم ببطلانه، فقالوا: هذا فرق يلزم منه الدور، وذلك أن صحة النفي وامتناعه يتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز، فلو عرفناهما بصحة النفي وامتناعه لزم الدور54. وكلامه هذا كلام عجيب ! فإننا لا نزال نقرأ أن من أمارات المجاز عند المثبتين له صحة نفيه ولم نعرف أنهم رجعوا عن قولهم هذا أبدا فكيف ساغ لابن القيم أن يزعم أن المثبتين للمجاز ذكروا هذا الدليل ثم أبطلوه؟ وما رتبه على صحة النفي من وقوع الدور أمر مردود إذ لا دور في صحة نفي المعنى الحقيقي للفظ؟ 55 ومع أن ابن القيم ذكر في هذا الوجه أن المثبتين للمجاز اعترفوا ببطلان العلامة التي جعلوها للمجاز وهي صحة النفي إلا أنه رتب على هذه الأمارة التي جعلوها للمجاز كلامه بعد حيث قال: (1/88)
صفحة 89
3 إن كثيرا من الحقائق يصح إطلاق النفي عليها باعتبار عدم فائدتها وليست مجازا كقوله عن الكهان (( ليسوا بشئ)) ومن هذا سلب الحياة والسمع والبصر والعقل عن الكفار، ومن هذا سلب الإيمان عمن لا أمانةله، وسلبه عن الزاني والسارق، وشارب الخمر والمنتهب، وسلب الصلاة عن الفذ خلف الصف، وسلب الصلاة عن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ومن لم يطمئن في صلاته عند كثير من هؤلاء فإن هذه الحقائق ثابتة عندهم، وقد أطلق عليها السلب56. والجواب: أنه قد ذكر في الوجه السابق تراجع القائلين بالمجاز عن قولهم: يعرف المجاز بصحة نفيه فكيف يرتب على ما أنكروه بأنفسهم كما يقول ردا آخر عليهم؟ ثم إن السلب الذي ذكره ليس كنفي الحقيقة بل هو تنزيل الفعل منزلة العدم فهو موجود، ولكن لا اعتبار له لعدم فائدته. وقد يكون النفي مسلطا على الكمال، كما في سلب الصلاة عمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فالصلاة موجودة، وقد سقط بها الفرض، ولكنها غير كاملة عند من لم يجعل قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة أما في المجاز فالمعنى الحقيقي منفي البتة. وقد هدم ابن القيم ركنا كل ما قاله في آخر فقرة من فقرات كلامه حينما قال: ( فإن هذه الحقائق ثابتة عندهم) فإذا كانت ثابتة فإذن لا يصح قولنا: يصح نفيها، وإذن فليست ألفاظها مجازات لأنها لم يصح نفيها كيف وحقائقها ثابتة؟ 57. (1/89)
صفحة 90
4 ويقول ابن القيم: إنكم فرقتم أيضا بينهما بأن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن، فالمتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة، وكان غير المتبادر مجازا فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع، فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة، وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر إلى الذهن منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي أوقعكم في الوهم، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لا تفيد فائدة وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا إسناديا يصح السكوت عليه، وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيد به. فيتبادر منه هذا التركيب ما لا يتبادر منه هذا التركيب الأخير58. (1/90)
صفحة 91
وكلامه هذا غير مسلّم فما زال المتكلمون بهذه اللغة يتلفظون بألفاظ عارية من القيود تدل على معان حقيقة، وتتبادر منها الحقيقة عند الإطلاق ومن منا ينكر أنه إذا سمع كلمة " الأرض" يتصور منها ذلك المركز السفلي المبسوط تحت قدميه وتلك حقيقتها التي وضعت لها ومن ينكر أنه إذا سمع كلمة " السماء" مطلقة هكذا من القرائن والقيود أنه يتصور منها هذه القبة الزرقاء المضروبة على العالم الأرض من أقصاه إلى أقصاه؟ هل ينكر أحدنا أنه إذا سمع كلمة " ماء" أنه يتصور ذلك السائل المشروب الذي جعل الله سبحانه وتعالى فيه حياة للأجسام؟، ثم إننا لو ألقينا نظرة على معاجم اللغة لوجدنا أنَّ كل الكلمات فيها استعملت استعمالاً مطلقاً، فعلماء وأئمة اللغة ما نقلوا لنا التراكيب وإنما نقلوا لنا المفردات، فهم يذكرون الكلمة الواحدة المطلقة ثم يتبعونها بمعناها، وقوله: إن إفادة المعنى من الفظ إنما يكون مع قرينة التركيب كلام غير صحيح و إلا لما فهمت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام المعنى الحقيقي لليد من قوله صلى الله عليه وسلم: ( أسرعكن لحوقا أطولكن يدا ) 59 حتى أن بعضهن جعلت تقيس يدها لفهمها ذاك ولا شك في أنهن كن عربيات فصيحات ولكن النبي كان يريد المعنى المجازي ويتبين ذلك عندما توفيت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها أول أزواجه لحاقا به، وكانت كثيرة الصدقة60 واليد في حديث النبي جاءت في ثنايا صحيح. (1/91)
صفحة 92
5 - وقال ابن تيمية أيضا ـ: إنكم فرّقتم بقولكم: إن المجاز يتوقف على القرينة، والحقيقة لا تتوقف على القرينة، ومرادكم أن إفادة الحقيقة لمعناها الإفرادي غير مشروط بالقرينة، وإفادة المجاز لمعناه الإفرادي مشروطة بالقرينة، فيقال لكم: اللفظ عند تجرده عن جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم بمنزلة الأصوات التي ينعق بها، فقولك: تراب، حجر، رجل، بمنزلة قولك: طق، غاق، ونحوها من الأصوات، فلا يفيد اللفظ ويصير كلاما إلا إذا اقترن به ما يبين المراد، ولا فرق بين ما يسمى حقيقة في ذلك وما يسمى مجازا، وهذا لا نزاع فيه بين منكري المجاز ومثبتيه61.
والجواب: أن النزاع فيه كل النزاع، وقد تجاهل الشيخ وأبعد، فإن العلم بالوضع كاف في معرفة معاني الكلمات، فإذا علم الإنسان بأن لفظ كذا وضع لمعنى كذا عرف معناه بمجرد سماعه دون احتياج لأية قرينة، أما المجاز فلا يفهم معناه إلا بقرينة وفارق كبير بين أن تقول: حجر يجمع على أحجار، وبين أن تقول: في قلب فلان حجر62، وإذا كانت الكلمات المطلقة من كل قيد هي كلمات مهملة ولا يفهم منها شئ كما يقول ابن القيم فإذن قد يتصور أحدنا إذا سمع كلمة مفردة من هذه الكلمات أن يتصور ضدها. فيتصور الباطل إذا سمع كلمة الحق، ويتصور فوق إذا سمع كلمة تحت، ويتصور تحت إذا سمع كلمة فوق، ويتصور نور إذا سمع كلمة ظلمة، ويتصور ظلمة إذا سمع كلمة نور، ويتصور جهل إذا سمع كلمة علم، ويتصور العلم إذا سمع كلمة الجهل، ويتصور الله تعالى عن ذلك إذا سمع كلمة الشيطان، ويتصور معنى الشيطان إذا سمع كلمة الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهذا لا لازم ما قاله ابن القيم، وهو محتذ في ذلك حذو شيخه ابن تيمية فإن كلام ابن تيمية في كتاب الإيمان لا يكاد يختلف عن كلام ابن القيم إلا بما ضربه ابن القيم من الأمثال في الصواعق63. (1/92)
صفحة 93
وابن القيم مضطرب في هذه المسألة أي نفي المجاز وإثباته فبينما نجده يشتد في إنكاره كما رأينا نجده يثبته إثباتا لا تحفظ فيه، فله مؤلف صحيح النسبة إليه يقر فيه بالمجاز، ويحاول الاستشهاد عليه بالكثير من آيات القرآن الكريم ومؤلفه هذا هو الكتاب المسمى (( كتاب المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان)).
وليطالع المنصف شرحه لكلام صاحب المنازل في كتابه ((مدارج السالكين)) فإنه سيجد فيه عبارات من يقر بالمجاز لا من ينكره، ومن كثرة استعماله للأساليب الاستعارية والمجازية الشئ الكثير الذي قد لا يوجد في مؤلف آخر، ومثل ذلك يقال في كتابه (( الصواعق )) أ. هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
1) طبقات الشافعية ج1 ص289 ط: الحلبي. القاهرة.
2) إرشاد الفحول ص23
3) الإبهاج ج1 ص297، والمجاز في اللغة وفي القرآن ج2 ص623 - 624
4) المعتمد ج1 ص25، وانظر شرح طلعة الشمس ج1 ص206
5) بطلان المجاز ض39 ط: دار المعراج الرياض 1411 هـ
6) أنظر ص 22 من هذا البحث
7) تأويل مشكل القرآن ص132 الطبعة الثالثة 1401 هـ المكتبة العلمية بيروت
8) سورة الإسراء آية (24).
9) الإحكام ج1 ص 28، 29 بتصرف بالحذف
10) سور الأحزاب آية (72)
11 ) الإحكام ج1 ص 31
12 ) سورة ق آية 30
13 ) من كتاب الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم تأليف/د.علي محمد حسن ص 7، 11، 22، مطبعة السعادة
14 ) سورة البقرة/ 74
15 ) الفرقان / 44
16 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 6 / المجاز في اللغة والقرآن ج2 ص 627
17 ) هو الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية العالم الفذ المتوفى سنة 728 هـ انظر الأعلام ج1 ص144
18 ) انظر ص47 من هذا البحث
19 ) أنظر ما سبق (1/93)
صفحة 94
20 ) أخرجه الدرامي في فضائل القرآن عن على بن أبي طالب كرم الله وجهه ج2 ص 526، 527 وليس فيه ( ولا يمله الأتقياء) وقد نقلتها من جواهر التفسير ج1 للشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى وفيه يقول: (( ومهما قيل في إسناد الحديث فإن البريق الذي يلمع من عباراته دليل على تألفه من مشكاة النبوة)) ص 4 ط: أولى 1404 هـ 1984م مكتبة الاستقامة بسلطنة عمان
21 ) كتاب الإيمان ص 79 وما بعدها طبعة أولى 1403 هـ دار الكتب العلمية بيروت.
22 ) سورة يوسف آية (82)
23 ) سورة سبأ آية (33)
24 ) كتاب سيبويه بتحقيق عبد السلام هارون ج1 ص 212 الطبعة الثالثة 1403 هـ 1983م م عالم الكتب
25 ) من كلام الجاحظ أنه قال: (( وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع)) ج1 ص 51 تحقيق عبد السلام هارون مكتبة الخانجي القاهرة، ومن ذلك أيضا تسمية ابن المعتز كتابة بالبديع ذكر فيه المجاز وغيره.
26 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 24
27 ) سورة البقرة آية (10) وانظر تفسير القرآن العظيم ج1 ص48 ط دار إحياء الكتب العربية
28 ) سورة القلم آية (42)
29 ) تأويل مشكل القرآن ص137 / الباز الأشهب لابن الجوزي ص 48 طبعة أولى 1407 هـ دار الجنان بيروت.
30 ) الرسالة ص52 بتحقيق الأستاذة أحمد محمد شاكر، طبعة دار الكتب العلمية بيروت
31 ) كشف الأسرار. فخر الإسلام البزدوي (2/77-80) نقله عنه د.المطعني ج2 ص679
32 ) الإيمان ص81.
33 ) الدخان/16
34 ) الحجر /6
35 ) الفجر / 22 (1/94)
صفحة 95
36 ) قال البيهقي في الأسماء والصفات:(( هذا إسناد صحيح لا غبار فيه، ثم قال: وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجئ الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجئ ذوات الأجسام ونزولها وإنما هو = عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفه من صفات ذاته لم يجز عليه المجئ والإتيان فأجابهم أبو عبدالله بأنه إنما يجئ ثواب قراءته التي يريد إظهارها يؤمئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئة وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبدالله لا يهتدي إليه إلا الحذاق من أهل العلم المنزهون عن التشبيه)) أ.هـ نقله عنه العلامة الكوثري في رسالة ترجم فيها للبيهقي. طبعت في آخر كتاب: فرقان القرآن للشيخ سلامة القضاعي ط/ دار إحياء التراث العربي بيروت.
37 ) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج2 ص 688-689
38) الباز الأشهب المنقص على مخالفي المذهب ص34، 35
39) من قوله تعالى ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) البقرة /210
40) سورة النحل /33
41) المصدر السابق ص61
42 ) نقله عنه د. المطعني في المجاز في اللغة والقرآن ج2 ص 821 من دقائق التفسير (1/33) ط: دار الأنصار القاهرة
43 ) الأنبياء / 87
44 ) مجموع الفتاوى (14/62-263) نقله عنه د.المطعني ج2 ص826
45 ) المجاز في اللغة وفي القرآن ج2 ص830
46 ) مجموع الفتاوى (5/497) نقله عنه د.المطعني ج2 ص835
47 ) الزخرف / 80
48 ) مجموع الفتاوى (5/232) نقله عنه د. المطعني ج2 ص834
49 ) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج2 ص888 وما بعدها. (1/95)
صفحة 96
50) رد على ابن تيمية أقواله في التجسيم وتشبيه الخالق عز وجل أئمة فضلاء منهم الأمام الحجة تقي الدين السبكي في كتابه ( السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) وقد طبع بمصر مع تكملة للعلامة المحقق الكوثري، وهو مع التكملة كاف لمن أراد أن يعرف الرجل وتلميذه ابن القيم كما ينبغي أن يعرفا، وقد رد عليه أيضاً: جلال الدين القزويني صاحب التلخيص، وقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبو عبدالله محمد الاخنائي بكتاب سماه " المقالة المرضية "، والفخر ابن المعلم القرشي بكتاب جليل سماه: " نجم المهتدي ورجم المعتدي"، وتقي الدين الحصني. بكتاب سماه " دفع الشبه" وللامام الذهبي نصيحة قيمة لابن تيمية بعث بها إليه نقلها بتمامها العلامة المحقق الزاهد الكوثري في كتابه: " التكملة على شرح شيخ الاسلام تقي الدين علي السبكي"، ولشهاب الدين ابن حجر الهيثمي كتاب " الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف المكرم" تعرض فيه لذكر ابن تيمية فقال: "... ومازال يتلاعب به الهوى حتى كان مجموعة بدع شنعاء، ودائرة جهالات وأباطيل شوهاء، منها ما سبق به ومنها ما لم يسبق إليه، فنجده في مسائل من علم التوحيد حشوياً كرامياً يقول في الله بالأجزاء والجهة والمكان والنزول والصعود الحسيين وحلول الحوادث بذاته تعالى، ومن ناحية أخرى تجد فيه حضيضة الخوارج يكفر أكابر الأمة ويخطيء أعاظم الأئمة...الخ" أ.هـ نقلته من كتاب فرقان القرآن للشيخ سلامة القضاعي ص3 – 128 ط/ دار أحياء التراث العربي – بيروت.
51 ) من شريط مسجل بصوت الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ــ.
52 ) مختصر الصواعق ص236 طبعة أولى 1405 هـ دار الكتب العلمية بيروت.
53 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص14،42 / المجاز في اللغة والقرآن ج2 ص918
54 ) مختصر الصواعق ص239
55 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 45،46.
56 ) مختصر الصواعق ص239،240
57 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص47 (1/96)
صفحة 97
58 ) مختصر الصواعق ص 240، 241
59 ) أخرجه مسلم بلفظ: ( أسرعكن لحاقا.. الخ) صحيح مسلم بشرح النووي ج15 /16 كتاب فضائل الصحابة باب الصحابة باب فضل أم المؤمنين زينب رضي الله عنها.. والحديث مروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قال النووي: ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقا سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع أنظر ج6 ص 8، 9 طبعة ثانية 1392 هـ 1972 م / دار إحياء التراث العربي بيروت.
60 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 50.
61 ) مختصر الصواعق ص242، 243.
62 ) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 55، 56
63 ) من فتاوى مسجلة في شريط سمعي بصوت المفتي العام للسلطنة
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 18
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 08:07 : أدلة المجيزين:
أدلة الذين أجازوا وقوع المجاز في القرآن الكريم مر أكثرها في ثنايا هذا البحث، وهنا إنما نجمل أقوالهم واستدلالهم على ما ذهبوا إليه، والحق أن صحة قولهم لا نحتاج لإثباتها إعمال الذهن أو استفراغ الجهد والوسع، فإن كل من تصفح أوراق المصحف الشريف وتدبر معاني الآيات التي سطرت على تلك الأوراق تستوقفه صور المجاز والاستعارة أينما قلب بصره وفكره، ليتأمل أحدنا قول الله تعالى: يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكلمة التقوى المتكررة في القرآن الكريم هل هي على حقيقتها؟ إنها في وضعها اللغوي موضوعة للتجنب والابتعاد يقال: اتقيت الشئ بمعنى تجنبته ومنه قول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه = فتناولته واتقتنا باليد (1/97)
صفحة 98
أي: تجنبتنا باليد بأن وضعت يدها على وجهها لئلا نراها، وهي مأخوذة من وقاه يقيه أي تجنبه، فهل من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى؟ وهل يحمل قول الله سبحانه وتعالى: واتقون يا أولي الألباب معنى: تجنبوني يا أولي الألباب؟ كلا والله، إنما المراد بذلك تجنب سخطه بفعل أوامره، وترك نواهيه، ومن المجاز في القرآن قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا 3 وإلا فأين الحبل الذي يعتصم به؟ فإن قيل: هو الدين، فالدين لم تعهد تسميته حبلا، ولننظر إلى قوله تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها 4 فهل هناك عروة بالمعنى الحقيقي يتمسك بها الإنسان تمسكا حقيقيا بحيث أن هذه العروة لا تنفصم كسائر العرى؟ أو أن المراد: التمسك بما فيه السلامة والنجاة كالذي يتمسك بالعروة الواثقة لا تنقطع بصاحبها؟ فهي استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم وعدم الانفصام ترشيح للاستعارة، ولننظر أيضا إلى قوله تعالى: أولائك كتب في قلوبهم الإيمان 5 ما معنى كتابة الإيمان في قلوبهم؟ هل معنى ذلك أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الإيمان؟ أو أن معنى ذلك أنه أثبت الإيمان في قلوبهم كما تثبت الكتابة في اللوح المكتوب فيه؟ ومثل هذا في كثير من الآيات القرآنية. (1/98)
صفحة 99
والقرآن فيه من المجاز الشئ الكثير، ثم إننا إذا ألقينا نظرة إلى الآيات المتشابهة التي يتعلق بظواهرها المشبهة رأينا ترك تأويلها يفضي إلى تناقض فظيع في آيات الذكر الحكيم، وكذلك الأحاديث النبوية فماذا عسى أن يقال مع عدم التأويل في قوله تعالى: كل شئ هالك إلا وجهه 6 أنتابع ابن حامد الحنبلي الذي يقول: أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات رأس7 فقد أثبت هذا وأصحابه أن لله يدين، ويثبتون له قدمين، ويثبتون له الجوارح التي في الإنسان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فهل هذه الجوارح ستفنى كلها ويبقى وجهه؟ ولربما تحذلق بعض هؤلاء فادعى أن الوجه هنا هو بمعنى الذات نعم ولكن يمتنع إطلاق أي إسم على إسم مجازا إلا إذا كان فيه أصل معنى ذلك الإسم، فلا يطلق الوجه على ذات إلا فيما فيه وجه حقيقي، ولا تطلق اليد على النعمة ولا على القدرة إلا في الشئ الذي فيه يد حقيقة، وهذه دعوى لم يقم عليها دليل، والواقع يردها، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 8 فأين يد القرآن؟ ويقول سبحانه: وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدى رحمته 9 فأين يدا هذه الرحمة. ويقول الشاعر:
وغداة ريح قد كشفت وقرة = قد أصبحت بيد الشمال زمامها
فهل لريح الشمال يد؟ وهل للغداة زمام؟ ونحو هذا كثير يطول التمثيل فيه. (1/99)
صفحة 100
وتتجلى ضرورة التأويل في قوله سبحانه: فأينما تولوا فثم وجه الله فإن المجسمين يحصرون الذات العلية في جهة العلو فوق العرش لقوله سبحانه الرحمن على العرش استوى 11، فالآية الأولى إن لم تؤول أفادت أن الإنسان أينما ذهب في هذه الأرض فإن أمامه وجه الله تعالى وفي هذا ما يقتضي أن وجه الله سبحانه متدل من عرشه إلى أرضه عام لكل جوانب الأرض ولا أظن أحدا ممن لا يتأول يقول بذلك مع أنه لازم دعواهم ولكنهم يرجعون إلى ما فروا منه من التأويل كما تأولوا قوله سبحانه: وهو معكم أينما كنتم 12 فيجعلون هذه ونحن إذا رجعنا إلى السنة الدراسية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وجدنا فيها ما يدلنا على التأويل، بل النبي هو الذي يعلمنا التأويل، وهو إمام السلف الصالح، فكيف يدّعي ابن تيمية وابن القيم ومن تابعهما أن عقيدة السلف عدم التأويل؟ (1/100)
صفحة 101
جاء في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فيما يحكيه عن الله عز وجل: يقول: إن الله سبحانه وتعالى يقول لعبده يوم القيامة: يا عبدي مرضت فلم تعذبني، فيقول له: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له سبحانه: مرض عبدي فلان فلم تعده، ولو عدته لوجدتني عنده ففي هذه الفقرة من الحديث ننظر في إسناد المرض إلى الله سبحانه: مرضت فلم تعدني هل هو إسناد حقيقي أو مجازي؟ جاء البيان في كلام الله تعالى الذي ينقله الرسول صلى الله عليه وسلم( مرض عبدي فلان ) فقد أسند المرض إلى الله لأجل أن الله عز وجل يلطف بعبده، وأن العبد الصالح يجهد مكانه، فلذلك أسند المرض الواقع على العبد إليه تبارك وتعالى ثم قال من بعده: ( ولو عدته لوجدتني عنده): فهل معنى ذلك أنه يجد ذات الله تعالى عند العبد؟ أو أنه يجد عناية الله ورأفته عند العبد؟ ولننظر في بقية الحديث؟ ( يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني، فيقول له: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه) فقد أسند الإستطعام أولا إلى نفسه ثم بين أن المستطعم هم عبده، ثم يقول له: ( استسقاك عبدي فلم تسقني، فيقول العبد: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، ولو سقيته لوجدت ذلك عندي) 13. (1/101)
صفحة 102
فهذا دليل على أن التأويل ثابت وأن الله عز وجل يرشد عباده إلى التأويل بهذا الكلام القدسي الذي يحكيه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري14 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) فالذين يمنعون المجاز يلزمهم أن يكون الله سبحانه سمع العابد الناسك وبصره ويده ورجله فيكون العابد بعد ارتقائه مراتب العبادات وتقربه إلى خالقه بأنواع التنفلات لا يعبد إلا سمعه وبصره ويده ورجله التي هي أجزاء من حقيقته وهل هذا إلا عين الحال، ورأس الشرك والضلال، ومن العجب أنك تجدهم يثبتون لله سبحانه تمشيا مع قاعدتهم من صفات النقص ما صرّح القرآن بنفيه عن الله كالنسيان الذي يصفون به الله سبحانه أخذا من قوله: نسوا الله فنسيهم 15 كأنهم لم يقرع مسامعهم قو الله العزيز الحكيم: وما كان ربك نسيا 16 وصدق الله سبحانه: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله 17. (1/102)
صفحة 103
هذا مع أن القول بالمجاز تواطأ عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا ومن خالفهم فقد حكم على نفسه بقلة معرفته بكلام العرب، ودرايته بأساليب اللغة ووجوه المخاطبات، وقد ألفت الكتب الكثيرة في القول بالمجاز والاستشهاد عليه بآيات الكتاب العزيز وأحاديث السنة النبوية المشرفة، ومن قديم ما كتب في موضوع المجاز كتاب " مجاز القرآن " لأبي عبيدة بن المثنى التميمي، وقد عالج في كتابه هذا كيفية فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في الكلام لو لا أنه لم يرد أنه لم يرد بالمجاز الذي عنون به كتابه المصطلح المعروف فقد توسع في معناه توسعا كبيرا، ولكنه كان يطبق بعض قواعده ويظهر صور المجاز في آيات الكتاب العزيز من ذلك قوله في مجاز قوله تعالى: وأسأل القرية التي كنا فيها 18 قال: أي أهلها والعرب تفعل ذلك، فتذكر المكان، والمراد من فيه كما قال حميد بن شور:
قصائد تستحلي الرواة نشيدها = ويلهو بها من لاعب الحيّ سامر
يعض عليها الشيخ إبهام كفه = وتخزي بها أحياؤكم والمقابر
أي: أهل المقابر والعرب تقول: أكلت قدرا طيبة، أي: أكلت ما فيها، ويقول في وله تعالى: اعملوا ما شئتم 19، وقوله: ومن شاء فليكفر 20 إن هذا ظاهره وباطنه الزجر وهو من سنن العرب تقول: (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) 21 ومن جملة الدراسات القرآنية المتقدمة التي عنيت بالمجاز ما كتبه ابن قتيبة22 في كتابه المسمى ( تأويل مشكل القرآن ): فما من آية فيها اشتباه، أو عبارة فيها خفاء إلا أورد لها من نظائرها وأمثالها في كلام العرب ما يجلو وجه الخفاء عنها، من ذلك ما نقله من قولهم في قول الله تعالى للسماء والأرض: ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين 23 لم يقل الله: ولم تقولا! وكيف يخاطب معدوما؟ وإنما هذا عبارة لكونّاهما فكانتا كما قال الشاعر حكاية عن ناقته:
تقول إذا درأت لها وضيني = أهذا دينه أبدا وديني
أكل الدهر حل وارتحال = أما يبقي على ولا يقيني (1/103)
صفحة 104
وهي لم تقل شيئا من هذا، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن يقول لقالت مثل الذي ذكر، وكقول الآخر:(( شكا إلي جمل طول السرى)) والجمل لم يشك، ولكنه خبر عن كثرة أسفاره وإتعابه وقضى على الجمل بأنه لو كان متكلما لا شتكى ما به، وكقول عنترة في فرسه:
فازورّ من وقع القنا بلبانه = وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم أ.هـ 24.
ويعمد ابن قتيبة في كثير من الأحيان إلى إعمال فكره، فيهديه البصر السليم والإدراك الصحيح للمعنى الكريم الذي لا يؤثر فيه طعن أو شبهة مشتبه فقول الله تعالى: إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا 25 ليس على تأويلهم، وإنما معناه أنه يجعل لهم قلوب العباد محبه، ترى المخلص المجتهد محببا إلى البر والفاجر مهيبا، مذكورا بالجميل. ونحوه قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام:( وألقيت عليك محبة مني) 26 لم يرد في هذا الموضع أني أحببتك وإن كان يحبه وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب وقربه من النفوس فكان ذلك سببا من فرعون حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان27.
وللشريف الرضى28 كتاب خاض فيما ورد في القرآن الكريم من المجاز، وقد سمَّي كتابه هذا " تلخيص البيان في مجازات القرآن " جمع فيه الآيات الكثيرة التي جاءت على طريق الاستعارة.29 (1/104)
صفحة 105
"... وقد شهد القرن الرابع الهجري تطوراً للمجاز على يد اثنين من النّقاد هما أبو الحسن عى بن عبدالعزيز الجرجاني المتوفي عام (366)هـ، وأبو بشر الآمدي المتوفي ( 371)هـ حيث وضع أولهما كتاب " الوساطة " والثاني كتاب " الموازنة "، وقد تناول المؤلفان مسائل المجاز في كتابيهما، ومزجاها بعمليات النقد فجمعا بين النظر والتطبيق، وتطور المجاز في هذا لقرن أيضاً على يد لغويين هما أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392) هـ وتلميذه ابن فارس (ت 395هـ). وعلى يد إعجازيين هما الرمّاني والقاضي الباقلاني، وعلى يد جامعين جمعا بين النقد والبلاغة هما قدامة بن جعفر في كتابيه " نقد النثر ونقد الشعر " تحدث فيهما عن المجاز والاستعارة، وأبو هلال العسكري في كتابه " الصناعتين " وازدهرت علوم البلاغة والمجاز في القرن الخامس على يد طائفة من العلماء منهم أبو منصور الثعالبي ( ت 429 هـ ) وابن رشيق القيراوني وابن سنان الخفاجي ( ت 466 هـ )، ثم أشرقت شمس البلاغة والبيان بظهور الإمام عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 هـ ) الذي يعتبر بحق سيبويه البلاغة وخليلها ـ، وتناول الراية بعده في القرن السادس الإمام جار الله الزمخشري ( ت 538 هـ ) فيفسر كتاب الله تفسيرا بلاغيا فريدا حسن أن يقال فيه:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد = وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته= فالجهل كالداء والكشاف كالشافي (1/105)
صفحة 106
ثم يأتي القرن السابع ومن أبرز أعلامه الذين كتبوا في المجاز أبو عبد الله محمد ابن عمر الرازي ( ت606 هـ ) وقد وقف أمام المجاز والاستعارات وقفات طويلة في كتابه " نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز " وتلاه أبو يعقوب السكاكي ( ت 626 هـ ) في كتابه " مفتاح العلوم " وإذا تجاوزنا عبد اللطيف البغدادي ( ت 629 هـ ) وابن الأثير ( ت 637 هـ ) والزملكاني ( ت 651 هـ ) والزنجاني ( ت 654 هـ ) وابن أبي الأصبع ( ت 654 هـ ) وعز الدين ابن أبي الحديد ( ت 655 هـ ) وحازم القرطاني ( ت 684 هـ ) وبدر الدين بن مالك ( ت 686 هـ ) وقطب الدين الشيرازي ( ت 710 هـ ) إذا تجاوزنا كل هؤلاء ولهم إسهامات في المجاز إلى الإمام عبد الرحمن الخطيب القزويني ( ت 739 هـ ) فإننا نصل إلى الكلمة الأخيرة في صياغة قوانين البلاغة، وما زاد من بعده على شرح ما كتب والحواشي والتقريرات))30.
--------------------------------------------------------------------------------
1 ) سورة الأحزاب آية ( 70 )
2 ) سورة البقرة آية (197)
3 ) سورة آل عمران آية (103)
4 ) سورة البقرة آية (256)
5 ) سورة المجادلة آية (22)
6 ) سورة القصص آية (88)
7 ) الباز الأشهب ص 42
8 ) سورة فصلت آية (42)
9 ) سورة الأعراف آية (57)
10 ) سورة البقرة آية (115)
11 ) سورة طه آية (5)
12 ) سورة الحديد آية (4)
13 ) أخرجه مسلم عن أبي هريرة في كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض ص 125 ج16، صحيح مسلم بشرح النووي ج15 16 ط: دار إحياء التراث العربي بيروت طبعة ثانية 1392 هـ 1973م.
14 ) أخرجه البخاري عن أبي هريرة كتاب الدعوات ما جاء في الرقائق باب في التواضع ج4 ص 129 نشر دار المعرفة بيروت 1978 م. وقد استفدته من شريط سمعي بصوت سماحة المفتي العام للسلطنة.
15 ) سورة التوبة آية (67)
16 ) سورة مريم آية (64) (1/106)
صفحة 107
17 ) سورة آل عمران آية (7). والكلام مستفاد من تعليق سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي على المشارق ص 206.
18 ) سورة يوسف آية ( 82)
19 ) سورة فصلت آية (40)
20 ) سورة الكهف آية (29)
21 ) نقله عنه د.بدوي في البيان العربي ص30
22 ) أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوي لغوي بغداد ثقة دين فاضل له كثير من الكتب في القرآن والحديث والتاريخ (ت 276) انظر / تاريخ بغداد ج10 ص 170 للخطيب البغدادي طبع المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
23 ) سورة فصلت آية (11)
24 ) تأويل مشكل القرآن ص 106،107
25 ) سورة مريم /96
26 ) سورة طه / 39
27 ) المصدر السابق ص79
28) أبو الحسن محمد بن الطاهر ينتهي نسبه إلى موسى كاظم عارف باللغة وعلوم القرآن الكريم والنحو وله مؤلفاته نافعه ( 388 – 406 هـ). أنظر / معجم الأدباء ج13 ص146 -157.
29) البيان العربي ت/ د.بدوي طبانه ص29 وما بعدها طبعه سابعة 1408 هـ ط دار المنارة جده ودار الرفاعي جده.
30 ) المجاز في اللغة وفي القرآن ج2 ص 1061 وما بعدها.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الرد 19
الكاتب: عبدالله بن علي بن سالم الرويشدي
التاريخ: 22-11-2005 08:12 : الخاتمة
نهاية المطاف في رحلة سريعة للذهن محمولا على رموش العين، يتنقل من كلمة إلى كلمة، ويتمشى من سطر إلى سطر، وكأنه يجتاز طرقا متواصلة ما انتهى من أحدها إلا وابتدأ السير في آخر، وما انتهى من تبينه لمعنى تركيب إلا واستأنف تفهمه لمعنى تركيب ثان، هكذا دواليك، وهنا الكلمة الأخيرة، والقطرة التي تملأ الكأس، والخاتمة التي لا بد من سطرها على القرطاس، وتطوى بعدها أوراق هذا الكرّاس. (1/107)
صفحة 108
الكلمة التي أقولها إن كل ما كتبته قليل من كثير، وغيض من فيض، فإن هذا الموضوع الذي تعالج فيه مشكلة الخلاف في وجود المجاز وعدم وجوده لا تكفي فيه البحوث المختصرة دون المطولة رغم أن قليل الحكمة خير من كثيرها في أحيان كثيرة، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضرّه كثيرها كما يقولون، ولكن للأسف الشديد ما زالت تظهر في بعض الأحيان نزعة التعصب للرأي القائل بنفي المجاز بين آونة وأخرى، عند أناس بحلو لهم العبث الميّت من الآراء الذي ربما تركه أصحابه وهجروه، فإنه ما راج سوق الجهل في عصرنا هذا قامت شرذمة بعيدة عن التحقيق، قليلة الصبر على الأبحاث العلمية، وتمحيص المواضيع التي هوش فيها المبتدعة، فنظروا في كتب ابن تيمية وأتباعه نظرة عجلى فاستحسنوها وطبعوها وأشاعوها، ودعوا إلى ما فيها من البدع وسموها السنة والسلفية، وألفت الكتب على منوالها ككتاب " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وكتاب " بطلان المجاز وأثره في إفساد العقيدة والتصور وتعطيل نصوص الكتاب والسنة " لعيد الصياصنه، وما زال بعضها تحت الطبع!، ونحن رأينا ما لهذا القول من آثار سيئة يجدر بنا أن نتجنبها حفاظا على سلامة المعتقد، وبناء البنيان الذي شيده علماء نبه الأمة واحدا إثر واحد، ومما نبه عليه أحد أبرز مشايخنا حفظه الله تعالى أن القول بإجراء كل شئ مما ورد في كلام الله تعالى. (1/108)
صفحة 109
وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم على حقيقته من غير أن يحمل على معناه المقصود به الذي تدل عليه القرينة يؤدي أخيرا إلى الطعن في الإسلام، عندما يكشف الإنسان بأن الدلائل العلمية تدل على خلاف ذلك، إذ هنالك حديث يعوّل عليه المجسمون الذين يقولون بأن الله ينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يصاب بالانفعالات إلى آخره يقولون: بأن الله تعالى ينزل نزولا حقيقيا إلى سماء الدنيا إذا بقى الثلث الأخير من الليل وينادي: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه1،فالذي يفهم من الإسلام ومن عقيدته وجوب اعتقاد أن الله ينزل نزولا حقيقيا إذا بقي الثلث الأخير من الليل عندما يبصر بعين الحقيقة ويرى أن الليل والنهار يتعاقبان في كل جزء من الأرض باستمرار، وأن أي جزء من الليل أو أي جزء من النهار لا تخلو الأرض منه بحال من الأحوال بسبب دورانها، عندما يدرس ذلك قد يؤدي به الحال إلى ردة فعل فيكفر بالإسلام والعياذ بالله والحق أن المراد بنزوله نزول أمره وليس ذاته تعالى الله عما يقول المجسمون علوا كبيرا، وليست ذاته محصورة في العرش ولا في أي مكان، فهو سبحانه كائن قبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان لا يدرك بعين، ولا يطلب بأين2.
هذا، وللمجاز مقام رفيع في رفع مستوى الإبداع الخطابي والإنشائي، اللذان يدخلان في الأسلوب الأدبي ذي الخيال الرائع، والتصوير الدقيق، الذي قلما يتأتى للبليغ دون استعمال المجاز في حديثه وكتاباته. (1/109)
صفحة 110
إننا عندما ننظر إلى الكلمات التي هي حقائق نجدها تتفرع وتتوسع وكأنما يطلب من ألفاظها استيفاء المعاني، ولكن المعاني لا تنتهي وتلد من لداتها ما يبقي الذكرى ها بعدها، فهي بالاشتقاق وبغيره تتوسع، وإلى لغوية وعرفية وشرعية تتنوع وما المجاز إلا توسع في الحقيقة، لأن الألفاظ الحقيقية تمضي لسننها المعروف فلا يبقى ثمة وجه لتقوية الحقيقة المرادة منها بالاتساع أو التوكيد أو التشبيه إننا إذا تدبرنا المأثور من ألفاظ اللغة وجدناه في الجملة لا يخلو من ثلاث: الارتجال أو الاشتقاق أو النقل على وجه من وجوه المجاز، وهذه الثلاث هي الطرق التي تقلبت عليها اللغة.
والوضع بالمجاز يعتبر اشتقاقا معنويا، ما لم يتهيأ للعرب أخذه من طرق الاشتقاق أخذوه بالنقل من طريق المجاز، وبذلك وسّعوا لغتهم من جهات:
(1) الإكثار من الألفاظ وتعدّد الوضع الواحد تفننا في التعبير، كما تسمى الخوذة بالبيضة، والمطر بالسماء، والنبات بالغيث ونحو ذلك.
(2) التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كتسمية البياض في العين بالكوكب، وغضروف الأذن بالمحارة، وكقولهم: ذؤابة الرحل، للجلدة المعلقة على آخره، وعنق الإبريق، وساق الشجرة، وإبط الوادي، ونحو ذلك.
(3) التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: نبض البرق إذا لمع خفيفا من نبضان العرق وسبح الفرس إذا مدّ يديه في الجري كما يفعل السابح في الماء، ورنّقت السفينة، إذا دارت في موضع واحد لا تمضي من ترنيق الطائر، وهو أن يخنق بجناحيه، ويرفرف ولا يطير.
(4) الرمز إلى حقائق المعاني، كقولهم: سافر ولا ظهر له: أي ولا دابة يركب ظهرها، وفلان يملك كذا رقبة، أي عبدا وقطع الأمير اللص أي: قطع يده، وبزلتُ الخمر أي: ثقبت دنّها، وهلمّ حرّا.
وهذه الجهات الأربع الأصلية تجمع أنواع المجاز، وكل ما يحصل على هذه الأنواع ثم هي معان تشبه أن تكون تاريخية في حركة النمو والاتساع من هذه اللغة3.
... (( (1/110)
صفحة 111
هذه هي رحلة المجاز من مبتدأها إلى منتهاها فيها قسيمه الحقيقة ووقفنا عند صوره المختلفة، وأومأنا مجرد إيماء إلى بعض مباحثه وقضاياه، وقد بقي منها الكثير، وهذه الثروة الهائلة التي تركها لنا الأسلاف في مباحث المجاز وقضاياه لم تكن وليدة ترف في الأسلوب، وإنما اتخذ منها علماء الأمة وسيلة كاشفة لما في النظم والتعبير من معان وأسرار، وعلم هذا شأنه فليس من المعقول ولا من المقبول إنكاره بجرة قلم أو عدّة أقلام!)) 4.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين....
------------------------------------------------------------------------------
) أخرجه مسلم في صحيحه من ثمان طرق عن أبي هريرة كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه برقم ( 758 ) المجلد الأول ص 521 وما بعدها الطبعة الثانية 1398 هـ 1978م دار الفكر بيروت.
2 ) من شريط سمعي بصوت المفتي العام للسلطنة.
3 ) تاريخ آداب العرب ج1 ص 180، 181 تأليف الأديب مصطفى الرافعي ط/دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الرابعة 1394 هـ 1974م.
4 ) الكلمة التي ختم بها د. عبد العظيم المطعني كتابه:(( المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم)).
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
تم حفظ هذا الموضوع من كوكب المعرفة لدى في 04.05.2006 10:48:38 (1/111)