صفحة 1
بحث: قراءة في ديوان " مدوا الأيدي نتصالح " للشاعر الأمين أحمد
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) قراءة في ديوان"مدوا الأيدي نتصالح"
للشاعر: الأمين أحمد
بعد أن تمت عملية جمع التراث الشعري للأستاذ الأمين أحمد (1) –رحمه الله- وتحقيقه رغبتُ أن أنجز قراءة وصفية وتحليلية لشعر هذا المبدع، من خلال استعراض مواضيع الأشعار وملاحظات عن تأثره ومحاكاته لغيره، ثم تقديم لمسات فنية بارزة في شعره.
أولا: مواضيع أشعار الأمين:
يستطيع المتتبع لأشعار الأمين أحمد أن يجد في شعره صورة كاملة عن حياته وخلقه، ومنفذا لأنفاسه وأحاسيسه، وتعبيرا عن شعوره، ويمكن أن نرصد أيضا ملحمة تاريخية للجزائر، وسنسعى أن نقرأ بعضا من إنتاجه الشعري:
أول قصيدة متوفرة بين أيدينا كانت في حداثة سنة ولما يبلغ العشرين، بعنوان: "يَا رِجَالَ الْهُدَى خُذُوا بِيَدِ القَوِم" (2)، يرجع تاريخ نظمها إلى 26 جويلية 1988، والقصيدة وإن كانت دونت بلغة تقريرية مباشرة، وبأسلوب الخطبة المنبرية الحماسية، إلا أنها تنم عن وجود محاولات قبلها، كانت أقل تحكما في الوزن والقافية، جاء فيها:
أَفَتَدْرُونَ مَا المَصِيرُ إِذَا لَمْ ... نَسْتَفِقْ مِنْ سُبَاتِنَا وَهَوَانَا؟
إِنَّهُ الاِنْدِثَارُ وَالمَوْتُ هَوْنًا ... بَعْدَ عِزٍّ لَمْ يَعْتَلِيهِ سِوَانَا
شرع بعد ذلك يدون قصائد يغلب عليها التحدث عن نفسه، ووصف أحواله، مسايرة لرأي من يرى أن المرء إنما يُشعِّر بنفسه قبل أن يشعر بغيره، ويتغنى بعواطفه قبل أن يتغنى بعواطف سواه، وهذا يظهر في العناوين التالية: قُلْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَشْكُو ضِرْسًا تُؤْلِمُنِي .. ، ومُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ، وذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ.
وضرب بعد ذلك على أوتار القلوب فكتب أشعارا وطنية (3) يتغنى بها عن الجزائر، وجمال سحر طبيعتها، وشعبها المغامر، افتتانا ببلاده، وتقليدا للمعجب به مفدي زكرياء.
ثم راح يكتب بصراحة مستمدة من طبعه الصحراوي عن الأحوال المزرية التي مرت بها البلاد؛ من انتشار الإجرام، وتفشي القتل بغير عنوان، وأخذ يبين ضلال معتقد الإرهاب، وفساد منهجهم، مثلما ذكر في"فَصْلُ الخِطَابِ"، وفي قصيدة "ذِكْرَى وَعِبْرَةٌ":
__________
(1) ولد الشاعر بتاريخ 20 مارس ببني يزقن، ولاية غرداية، الجزائر، وتوفي يوم الاثنين 29 جوان 2009، وكان أستاذا للغة العربية، ترك مجموعة قصائد جمعناها في ديوان سميناه "مدوا الأيدي نتصالح"، تحقيق: خرازي مسعود، وابن ادريسو مصطفى، نشر عشيرة آل خالد: 2012.
(2) الأمين أحمد: ديوان مدوا الأيدي: 130.
(3) تشكل مضامين الشعر المتعلقة بالوطنية (ثورة، وبلدا، وسياسة، وشخصيات) حوالي نصف إنتاجه الشعري، بينما يتوزع النصف المتبقى في الأغراض الأخرى. (1/1)
صفحة 2
وتألم كثيرا لضحايا الغدر، وشهداء البراءة، ممن فتك بهم الأوغاد دون جرم ولا بيان، مثل ابن أخيه "عبد الباسط"، كما رثى أصدقاءه الشهداء الذين قاسموه كوابيس الرعب عند أدائهم للخدمة الوطنية، وخاطبهم قائلا (1):
نَمْ يَا شَهِيدُ وَذُقْ هَنَاءً إِنَّنَا ... نَرْعَى ذِمَامَكَ بِالوَفَا وَنُثَابِرُ
وَلَسَوْفَ نَثْأَرُ كُلُّنَا لَكَ عَنْوَةً ... حَتَّى يَذِلَّ المُجْرِمُ المُتَآمِرُ
وَنُعِيدَ لِلْوَطَنِ الْحَبِيبِ بَهَاءَهُ ... وَيَسُودَ عَدْلاً شَعْبُنَا المُتَآزِرُ
ثم تابع قضايا شعبه، والسياسات المنتهجة في تسيير وطنه، فأشاد بضرورة الصلح، وإطفاء الفتن، ودعا إلى التخلق بالوحدة والوئام في صفاء ويقين، فكتب منشدا (2):
مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَافَحْ
مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَالَحْ
لِجَزَائِرِنَا .. لِحَبِيبَتِنَا
ولم يقف عند المدح والإشادة، وإنما أخذ يصرخ في وجوه الساسة والمسؤولين يدعوهم إلى الرشاد في القول والفعل، ويؤنب الضمائر الحية على توانيها في تحقيق السعادة لشعوبها، فقال (3):
الاِنْهِزَامَاتُ اِسْتَمَرَّتْ ..
وَالاِنْكِسَارَاتُ اِسْتَبَدَّتْ ..
أَتُرَاهُ حَظٌّ عَاثِرٌ؟!
أَتُرَاهُ جُرْحٌ لَمْ يَزَلْ فِي نُكْسِهِ لَمْ يَنْدَمِلْ؟!
لاَ ذَاكَ، لاَ هَذَا وَلَكِنْ
ذَا مَصِيرٌ سَوْفَ يَحْكُمُ ذُلَّنَا أَبَدَ الأَبَدْ ..
مَا لَمْ نُرِدْ أَنْ نَعْتَرِفْ
أَنَّ الْخَطِيئَةَ نَحْنُ
وَالإِحْبَاطَ نَحْنُ
وَكُلَّ أَسْبَابِ الْهَزَائِمِ نَحْنُ فِي هَذَا الْوَطَنْ
ثم بدأ يتساءل عن المخرج من التيه؟ ومن سيرفع الراية بيديه؟ وفي أسئلته تتجلى لنا عبرات متدفقة، وعواطف صابرة راجية، فقال مثلا (4):
مَنْ ذَا سَيُخْرِجُنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ مَنْ؟ ... مَنْ ذَا يُخَلِّصُنَا وَتَنْفَعُ خَارِقَاتُهْ
__________
(1) المصدر السابق: 84.
(2) المصدر السابق: 95.
(3) المصدر السابق: 104.
(4) المصدر السابق: 108 (1/2)
صفحة 3
كان الأمل معقوداً ببعض الساسة، لولا الغدر والخيانة، ولولا الانقسام والخصام، وقتل (بُوضْيَاف)، وهو ما بثه في قصيدة "ذَنْبُهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الجَزَائِر". وعلى نفس الإيقاع اللفظي، سلك أحمد في رثاء آية الجزائر "مفدي"، ووظف كلمات جريئة، وتعابير قوية. ثم خفت حدة التعابير حينما رثى الشاعر صالح خرفي، أو حينما بكى شيخه صالح بزملال فانطلق لسانه بأخلص العبارات، وأبسط التراكيب.
ولقد بالغ الشاعر في تصوير حال المعلم، والإنذار بواقعه وآلامه، فكانت كلماته تنبض حرارة، وتلتهب حسرة، يدعو فيها المعلم إلى الدفاع عن حقه، واسترجاع كرامته، فقال في "إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا" (1):
قُمْ وَانْتَزِعْ حَقَّ الْحَيَاةِ بِأَخْذَةٍ مُتَحَكِّمَهْ
وَانْصُرْ جِهَادَكَ كَيْ تَنَالَ بِهِ حُقُوقَكَ مُكْرَمَا
إِنْ لَمْ تَقُمْ دَاسَتْكَ أَقْدَامُ الْخُطُوبِ المُظْلِمَهْ
إِنْ لَمْ تَقُمْ سَتَمُوتُ هَوْنًا قَبْلَ مَوْتِكَ مُرْغَمَا ..
وتسهيلا لمهمة المعلم، فإنه دعا أولياء النشء إلى تحمل عبء الأمانة، والنصح لأولادهم، في قصيدة "إِلَى الآبَاءِ .. " وإشادة باصطفاء الله تعالى لمعلم البشرية، المرسل رحمة للعالمين، والملهم بالوحي، والمحفوف بالعصمة، فإنه نظم قصيدتين؛ الأولى منهما "الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - "خصها لبشرى ميلاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومآثره الطيبة، وكريم خصاله، وحسن خلقه. أما الثانية "نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - " فكانت دفاعا عن الحبيب المصطفى صلوات الله عليه، وتبيانا لواقع المسلمين، وهوانهم على الناس، حتى تجرأ الحاقدون، ونكل المفسدون، وأظهروا خبث باطنهم في حق المبعوث رحمة للعالمين.
وإلى جانب هذه المواضيع السابقة والتي تمثلت فيها معاني النبل والكرم، وتجسدت فيها الأفكار الحكيمة والعالية، فإنه لم ينس أن يتحفنا بمرآته الصافية، ويداعب العواطف العفيفة، بأسلوب مشوق وحساس، فقال وأجاد، وعبر وأطرب حينما استولى حب "زهرة" على قلبه، فقال عنها (2):
يَا زُهْرَتِي، يَا حُلْوَتِي ... أَنْتِ الْمُنَى يَا زُهْرَتِي
أَنْتِ الْحَيَاةُ وَنُورُهَا ... أَنْتِ الْحُبُورُ وَجَنَّتِي
كما أودع شعره فلسفته حول النظم الأصيل، ورأيه حول الشعر الحر (سماه بالشعر اللقيط)، وأبرز رسالة الشاعر في الحياة، بأن تكون مواضيعه نابعة من أعماق فؤاده، وتكون أوصافه إطارا لأحاسيسه،
__________
(1) المصدر السابق: 176.
(2) المصدر السابق: 201. (1/3)
صفحة 4
وخلفية للمشاهد التي يرغب في رسمها، فكتب قصيدة "ضَمِيرُ الشِّعْرِ". وفي هذا المنحى عبر عن يده بخيال بديع، وتشبيه بليغ في قصيدة "يَدِي لُغْزُ الْحَيَاةِ .. ".
وفي المواقف الخاصة لأحمد، وعند معاناته المريرة في الحياة، نجد روحه ماثلة بوضوح، وقريحته الشعرية تنبض صدقا وثورانا، ويظهر هذا في: "رِسَالَةٌ .. " التي قال فيها (1):
وَتَلَذَّذُوا لَمَّا رَأَوهُ (مُمَرْمَدًا) ... يَغْدُو، يَرُوحُ، يَهِيمُ كَالوَلْهَان
ثانيا: قراءة في شعر الأمين:
1 - تأثره بمفدي:
أهم ما يميز العمل الشعري عند الأمين أنه حذا حذو الشاعر مفدي زكرياء في صياغة القصائد الوطنية، فاتبع سيره ووزنه، ونظم الأناشيد مثله، كـ "نشيد الجيش الوطني الشعبي"، و"نشيد الشرطة" (2)، كما وقَّع بعض قصائده باسم مستعار "مفدي الصغير" (3)، وهذا ما أورث الأمين رفعة وشرفا في بداية حياته، ثم حاول الاستقلال بشخصيته لما بلغ أوج عطائه، وتمام بنيانه في عصر الكهولة. وهذه بعض الأدلة التي تؤكد وجهة نظرنا:
أ) تتجلى صورة محاكاة الأمين لمفدي من خلال التشابه الملحوظ بين قصيدة "بِلاَدِي الْجَزَائِرُ" للأمين، والمقطع الأول من إلياذة مفدي، ويظهر ذلك فيما يأتي:
- تشابه مطلع القصيدتين:
ورد في مطلع القصيدة الأولى (4):
جَزَائِرُ .. يَا حُرُوفًا مِنْ جَلاَلِ ... تُسَطَّرُ فَوْقَ مُعْجِزَةِ الرِّجَال
وجاء في مطلع الثانية (5):
جزائر يا مطلع المعجزات ... ويا حجة الله في الكائنات
- تشابه التكرارات وبعض الصيغ:
في قصيدة "بلادي الجزائر" للأمين تكرار لنفس اللفظة "أحبك" في خمس أبيات متتالية، وتصوير للجزائر بتعبير لا يليق إلا بجلال الله تعالى، من قول الشاعر: يُسَبِّحُ بِاسْمِ حَمْدِكِ وَالْجَلاَلِ.
وفي المقطع الأول من الإلياذة خمس تكرارات للنداء في مطلع الأبيات (يا بسمة، ويا لوحة، ويا قصة، ويا صفحة، ويا للبطولات)، واستعارة ألفاظ متعلقة بالله لوصف الجزائر، من قول مفدي:
ويا بسمة الرب في أرضه ... ويا وجهه الضاحك القسمات
__________
(1) المصدر السابق: 194.
(2) تمنى الشاعر كثيرا أن يُرسَّم النشيدان، ولازلنا نأمل ونسعى في ذلك.
(3) يذكر منتدى المربين اليسجنيين أن الأستاذ: بلقاسم عبد الله هو من أصر على تسمية الأمين بمفدي الصغير؛ انظر: منتدى المربين اليسجنيين ترجمة، مختصرة عن الشاعر أحمد الأمين، مصففة.
(4) ديوان مدوا الأيدي: 23.
(5) المقطع الأول من إلياذة الجزائر، انظر: مفدي زكرياء: إلياذة الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987. (1/4)
صفحة 5
ب) من اقتباسات الأمين من شعر مفدي، نذكر المثال التالي من قصيدته ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ (1):
فَكَمْ كُنْتُ أَعْدُو في خِرَافي حِيَالهَا ... وَأَجْنِي بِهَا آمَالَ حُبٍّ طِوَالاَ
ى
وللصيغة شبه في قصيدة مفدي بعنوان: "فلا عزَّ حتَّى تستقلَّ الجزائر"، يقول فيها (2):
ونمرحُ والأغنام ترعى حيالنا ... تداعبُها أطفالُ قريتنا فجرا
ج) ولَهَ الأمين بمفدي، وتعلَّق به إلى درجة توحي بتقديسه واستلابه كلية مع سحر بيانه، حتى عَدَّ شعره في مصاف الوحي، وما هو بالوحي، إن هو إلا قول البشر، فيقول الأمين في: "مُفْدِي .. آيَةٌ أَنْتَ لِلْجَزَائِر" (3):
فِي صَبَاحٍ وَفِي مَسَاءٍ كِتَابٌ ... أَنْتَ تُتْلَى عَلَى الدَّوَامِ وَتُقْرَا
ويقول كذلك:
وَأَنَا مَؤْمِنٌ بِشِعْرِكَ وَحْيًا ... إِي -وَرَبِّي- وَحْيًا .. وَمَا قُلْتُ كُفْرَا
ومع ذلك سيبقى البحث مطروحا للدارسين، لكشف أغوار أثر شعر مفدي على الأمين ..
2 - روح الثقافة الإسلامية:
سيلمس القارئ لشعر الأمين بجلاء أثر الثقافة الشرعية على شعره، والتي طعمته بملامح الجمال والأصالة في تشبيهاته وخيالاته، إذ نجد استخدام الصور الشعرية المستمدة من كلام رب العزة، والمستوحاة من حديث خير الرسل، والمستدل عليها بأحداث من التاريخ الإسلامي، وتوظيفه للمصطلحات العقدية، وهو ما يبين استفادته من التعليم القرآني بالمدرسة الجابرية لبني يزقن، وتوسعه في مطالعة الفكر الإسلامي، واحتكاكه بأساتذة مختصين في الشرعيات، وتفاعله مع وسطه المحافظ، وهذه بعض النماذج:
1) القرآن:
- ذكر في "فَصْلُ الخِطَابِ": وَالشَّعْبُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ أَمْرَهُ هَلاَّ اكْتَفَيْتْ (4)
وقال في "لَقَد انْتَهَيْت .. ": الشَّعْبُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ أَمْرَهُ دُونَ الْجَدَلْ (5)
وهو اقتباس من قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ} (سورة الأنعام: 124).
- يقول في "ذَنْبُهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الجَزَائِر" (6):
قَتْلُ (بُوضْيَافَ) كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ... إِذْ أَمَدَّ الْحَيَاةَ فِي كُلِّ ثَائِرْ
وتوظيف خِطئا عوض خطأ، دليل على اعتبار الأمين أن هذا القتل كان عمدا وليس خطأ، وهو
__________
(1) ديوان مدوا الأيدي: 190.
(2) مفدي زكرياء: اللهب المقدس: 317.
(3) ديوان مدوا الأيدي: 49.
(4) المصدر السابق: 72.
(5) المصدر السابق: 73.
(6) المصدر السابق: 59. (1/5)
صفحة 6
توظيف ذكي، اقتباسا مما ورد في نهي الله تعالى عن قتل الأولاد من إملاق، حيث يقول جل وعلا: {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} (السورة الإسراء: 31).
- وفي قصيدة "نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - " (1):
نَعْرِفُ الدِّينَ صُورَةً دُونَ فِعْلٍ ... شَأْنُنَا كَالحِمَارِ يَحْمِلُ سِفْرَا
شبه واقع المسلمين المنحل، وغير المتبع لهدي الله، بشأن بني إسرائيل الذين أُعطُوا التوراة ولم يعملوا بمقتضاها، ومَثلهما كمَثل دابة تحمل كتبا ولا تعي قيمة حملها، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراَم} (سورة الجمعة: 05).
- جاء في "مُدُّوا الأَيْدِي": لِنُغَيِّرْ مَا بِالنَّفْسِ لِكَيْ نَتَغَيَّرْ (2)
وهو اقتباس من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (سورة الإسراء: 11).
2) الحديث:
ومن المصادر التي اعتمد عليها الشاعر، أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمثلا عند مدحه لسيرة الأولين، وفخره بإرث سلفه الصالح، استقى صورة من حديث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليؤكد على أهمية السير على خطى الذين حملوا الدين ناصعا، وأخذوا العلم بالسند العالي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، فقال في "مُلْتَقَى الْمَوَدَّةِ .. " (3):
تَسَلْسَلَ مُسْنَدًا (4) نَسَبًا صَحِيحًا ... تَسَلْسَلَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ قَدِيم
فَمِنْ عَلَمٍ إِلَى عَلَمٍ تِبَاعًا ... تَأَلَّقَ ذِكْرُهُمْ مِثْلَ النُّجُوم
بَأَيِّهِمُ اِقْتَدَيْنَا اِهتَدَيْنَا ... بِمَا قَدْ وَرَّثُوهُ مِنَ العُلُوم
فقوله: بَأَيِّهِمُ اِقْتَدَيْنَا اِهتَدَيْنَا، إشارة لما جاء في حديث «إنما أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (5).
3) المصطلحات العقدية:
وظف الشاعر في أكثر من بيت شعري بعض الألفاظ العقدية الموحية، ليؤكد معرفته بالمصطلحات المتداولة في الفكر العقدي الإسلامي والمسيحي، وتبدو لنا تصويراته مناسبة، وإشاراته معبرة عما يجول في خاطره، ونختار ما يأتي:
__________
(1) المصدر السابق: 142.
(2) المصدر السابق: 100.
(3) المصدر السابق: 166.
(4) يقصد مسند الربيع بن حبيب، المسمى الجامع الصحيح، انظر: الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1985.
(5)) رواه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى عن ابن عباس، باب التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام، رقم 709. (1/6)
صفحة 7
- الإصرار:
ويعني التمادي على الذنب والإقامة عليه، وعدم التوبة منه، واللفظ وارد في القرآن من قوله تعالى: {وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة آل عمران: 135)، وبهذا المعنى ضمن الشاعر بيته إشارة إلى ضرورة توبة المغرَّر بهم، وإقلاع الإرهاب عن ضلاله وغيه، فقال في "مُدُّوا الأَيْدِي" (1):
فَلِمَ الإِصْرَارُ عَلَى خَطَإٍ أَحْمَقْ؟
خَطَإٍ قَدْ أَهْلَكَ بِالرَّأْيِ الأَخْفَقْ؟
خَطَإٍ قَدْ دَكَّ الأَزْمَةَ لِلأَعْمَقْ؟
- الصراط:
وتعني في إحدى معانيها أنها طريق الله للنجاة، ودينه الذي افترضه على عباده، من باب قوله تعالى: {اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (سورة الفاتحة: 05)، فقال مخاطبا الجزائريين بضرورة الالتفاف للوئام، واستعادة الوعي واتباع الرشاد، فقال (2):
وَإِلاَمَ نَحْنُ نَحِيدُ عَنْ ... نَهْجِ الصِّرَاطِ المُؤْتَمَنْ؟
وَنُصِرُّ فِي وَأْدِ السُّنَنْ ... وَنَظَلُّ نَرْزَحُ فِي العَفَنْ
ّ
- المعراج:
يقصد بها رحلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء العليا، وعروجه إلى سدرة المنتهى حسب ما ثبت في أحاديث كثيرة (3)، والشاعر وظف المعراج ليصور الارتقاء الذي سيحصل عليه الصابر والمحتسب أجره عند الله؛ من الذين فقدوا ذويهم في عدوانية الإرهاب على الجزائريين، فقال في القصيدة "إِنَّ الوِئَامَ هُوَ الرُّشْدُ" (4):
وَالصَّبْرُ مِعْرَاجُ القِيَمْ ... تَسْمُو بِهِ كُلُّ الأُمَمْ
- الخلاص:
استعار الشاعر الأمين ألفاظا جديدة مستعارة من القاموس المسيحي، مثل الخلاص، الذي يقصدون به خلاص الإنسان من خطاياه بعد أن فدى المسيح بنفسه على الصليب، وفي هذا التوظيف مواساة لطيفة لأم الشهيد، وتعبيرٌ عن نجاة الشهيد يوم القيامة بغير حساب، يقول الشاعر في "شَهِيدُ الوَطَنِ" (5).
فَمَهْمَا مَنَحْتِ فَتَاكِ مِنَ الْحُبِّ فَيْضًا غَزِيرَ المَطَرْ
وَمَهْمَا بَذَلْتِ لَهُ مِنْ حَنَانٍ وَعَطْفٍ سَخِيِّ الدُّرَرْ
فَلَنْ تَمْنَحِيهِ الْخَلاَصَ وَلاَ جَنَّةَ الْخُلْدِ فِي المُسْتَقَرْ
__________
(1) ديوان مدوا الأيدي: 95.
(2) المصدر السابق: 101.
(3) منها حديث مالك بن صعصعة في البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، حديث رقم 2968.
(4) ووظف أيضا هذا المصطلح في قصيدة "إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا"، من قوله: إِنْ كُنْتَهُ أَصْبَحْتَ مِعْرَاجًا لِغَيْرِكَ سُلَّمَا.
(5) ديوان مدوا الأيدي: 88. (1/7)
صفحة 8
فَحُبُّ الإِلَهِ لَهُ فَوْقَ حُبِّكِ يَا أُمَّهُ قَدْ ظَهَرْ
4) أحداث التاريخ:
استغل الأمين أحداث التاريخ الإسلامي، والصراع المحتدم في وقعة صفين بين الصحابة الكرام، ليشبِّه صورة المسلمين الماضية، بحالهم في الحاضر؛ انقسام وشتات، إلغاء وإقصاء، وكل فرح بشيعته ورأيه، يقول في "إِصْرَارٌ عَلَى الْخَطَإِ .. " (1):
مَا لَمْ نُرِدْ أَنْ نَعْتَرِفْ
يَتَكَرَّرُ الْخَطَأُ الْمُقَدَّسُ مِنْ زَمَانِ (مُعَاوِيَهْ)
اللاَّحِقُونَ يُكَرِّرُونَ سِيَاسَةَ الإِلْغَاءِ وَالإِقْصَاءْ ..
كُلٌّ يُبَرِّرُ سَعْيَهْ ..
5) تراث الشعراء:
كثيرا ما يستعرض الأمين مقاطع من شعر غيره، يضمنه أبياته، وهو اقتباس يؤكد ثقافته الأدبية، ومرجعيته الشعرية، ويعين على تصوير الفكرة، وإجلائها بوضوح، إلا أننا لا نعدم احتمال التجاء الشاعر إلى بعض تلك الاقتباسات احتياجا إلى إيصال فكرته وأحاسيسه إلى مستمعيه، ونختار الأمثلة التالية:
- اقتباس من قصيدة حافظ إبراهيم في: "ذِكْرَى وَعِبْرَةٌ":
هَدْيَ الأُلىَ صَنَعُوا الْجَزَائِرَ أُمَّةً ... لِتَسُودَ (شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ) (2)
- اختار أكثر من تضمين في قصيدة "وَيْحَ المُعَلِّمِ .. " من إبراهيم طوقان:
إِذْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُبَجَّلاً؟ ... (مَنْ كَانَ لِلنَّشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلاَ) (3)
- وفي قصيدة "الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - "، آثر الشاعر أن يقتبس من هَمْزية البصيري:
فَعَلَيْكَ الإِلَهُ أَثْنَى وَصَلَّى ... (وَعَلَى الآلِ وَالصَّحَابَةِ طُرَّا) (4)
6) الحكم والأمثال:
ضمن الشاعر قصائده في بعض الأحيان حكما بليغة، وأقوالا تجري على الألسن مجرى المثل، فزاد ذلك في تصوير المعنى وتقريبه إلى الذهن، ومما جمعناه للأمين في هذا الصدد قوله في قصيدة "إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا (5):
لَنْ تُورِقَ الأَشْجَارُ مَادَامَتْ تُغَذَّى بِالظَّمَا
__________
(1) المصدر السابق: 104.
(2) انظر: محمد رشيد رضا: مجلة المنار، جمادى الأولى 1328هـ/، جوان 1910م، المجلد 13، ج5، ص 371.
(3) مقتبس من قصيدة لإبراهيم طوقان يرد فيها على شوقي، يقول فيها:
أقعد فديتك هل يكون مبجلاً ... مَنْ كَانَ لِلنَّشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلاَ
(4) انظر: مجموعة ناظمين: الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1973، ص93.
(5) ديوان مدوا الأيدي: 175. (1/8)
صفحة 9
لَنْ تُشْتَهَى ثُمُرٌ إِذَا كَانَتْ مُشَوَّشَةَ النَّمَا
وكذلك ما ورد في قصيدة "لَمْ يَعُدْ يُجْدِي النَّسِيجُ" (1):
دَوْلَةُ البَاطِلِ تَبْقَى مَا إِذَا لَمْ تَأْتِ بَغْيَا
دَوْلَةُ الْحَقِّ سَتَفْنَى إِنْ طَغَتْ جُورًا وَغِيَّا
7) الدعاء:
أكثر من إيراد صيغ الأدعية في نهاية بعض قصائده، بأسلوب المناجاة والابتهال، فكانت أبياته تلك قطعا من الأدعية المباشرة، نورد بعضها:
- كرر نفس الدعاء في قصيدتين في نفس الغرض؛ الأولى بعنوان "الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - "، والثانية "نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - "، والملفت للانتباه أن الأولى كانت في مقتبل عمره، والأخرى قبل وفاته بسنة رحمه الله، فقال (2):
يَا رَسُولَ الْهُدَى صَلاةٌ سَلاَمٌ ... بَزَكِيِّ الوِدَادِ تُوجَبُ أَمْرَا
صَلِّ يَا رَبِّ ثُمَّ سَلِّمْ وَبَارِكْ ... كُلَّ حِينٍ عَلَى المُحَمَّدِ دَهْرَا
- وبتضرع خاشع، وتوجه صادق إلى المولى عز وجل، نادى الشاعر ربه ليفرج محنة أهل بريان، ويطفئ نار الغل بين المتساكنين، فقال عن "بريان" (3):
هَيَا رَحْمَانُ جُدْ بِجَمِيلِ صُلْحٍ ... وَجُدْ بِحَيَاةِ أَمْنٍ مُسْتَقِرَّهْ
وقال:
فَمَنْ ذَا غَيْرَكَ اللَّهُمَّ نَدْعُو ... وَمَنْ ذَا يَا عَظِيمُ يَمُدُّ نَصْرَهْ
وَمَنْ ذَا يَسْتَطِيعُ سِوَاكَ رِزْقًا ... لِيَمْنَحَنَا وَلَوْ مِثْقَالَ ذَرَّهْ
- وألح في الدعاء في قصيدة "مُلْتَقَى الْمَوَدَّةِ" .. رجاء نيل مرضاته تعالى، والفوز بأجر المحتفى بهم، من حافظي القرآن الكريم، فجاءت أربع أبيات في التوسل بالله (4).
أَغِثْنَا يَا مُغِيثُ مِنَ الرَّجِيمِ ... أَجِرْنَا يَا قَوِيُّ مِنَ الْجَحِيم
وَصَلِّ عَلَى الْحَبِيبِ (مُحَمَّدٍ) مَنْ ... دَعَا لِلحَقِّ بِالْخُلُقِ الكَرِيم
__________
(1) المصدر السابق: 113.
(2) المصدر السابق: 140.
(3) المصدر السابق: 92.
(4) المصدر السابق: 168. (1/9)
صفحة 10
ثالثا: قراءة في اللمسات الفنية:
حتى تكتمل لدينا القيمة الشعرية للأمين، نحاول أن نستعرض بعضا من اللمسات الفنية التي لاحظناها في شعره، وهي:
1 - اتسمت لغة الأمين بسهولتها وخلوها من الغريب، وبثراء لغوي معتبر يتجلى في التمكن النحوي والصرفي.
2 - يفضل الأمين الأسلوب الواضح؛ الممتع والمقنع، فلا يخرج عن المألوف في الاستعمال اللفظي أو التصوري أو التركيبي، ولا يميل في الغالب إلى الاستنجاد بالصيغ الموروثة الجاهزة (ليت شعري، لا أب لك)، ونكاد لا نعثر على ألفاظ عامية إلا في قصيدة واحدة، ليقربنا إلى حالته الواقعية، ويرسم لنا صورة حية عما يختلج في نفس خصمه، الذي يرغب أن يشاهد أحمد شقيا حزينا كئيبا، تتقاذفه الظروف يمينا وشمالا، فقال في "رِسَالَة" (1):
وَتَلَذَّذُوا لَمَّا رَأَوهُ (مُمَرْمَدًا) ... يَغْدُو، يَرُوحُ، يَهِيمُ كَالوَلْهَان
3 - يسعى في أكثر من موضع إلى تجسيد مشاعره النفسية وأحاسيسه في صور بديعة خيالية، يطرب لها السمع، ويخفق لها القلب، ويتضح ذلك في "ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ"، وفي "يَدِي لُغْزٌ الحَيَاةِ .. " أين رسم حياته في صورة شعرية فحكى أطوار حياته؛ من ميلاده واختيار حظه، وقدره في الحياة، وبراءة الطفولة، وطيش الفتوة والمراهقة، إلى أحلام الشباب وصوغ القوافي، وانتظار الموت والفناء، وما يخبئ الغيب، والمصير الأخروي. ثم رجع إلى الحياة مرة أخرى متنبئا إن كتب له العيش حتى المشيب -وكأني به يستبعد أن يرى تلك المرحلة- أن سيحيا حياة الشباب، ويستمتع بعمر الهوى أين تحلو الحياة.
4 - يميل الشاعر الأمين في أكثر من موضع إلى استعراض الجماليات الشكلية، والتلاعب بالآلة الموسيقية. وذلك في مثل المواطن التالية:
- نظم قوافي متقابلة بين الصدر والعجز، وغيرها بين مقطع لآخر، كدليل على تحكمه الشعري، ويبرز هذا في قصيدة "الشَّيْخُ صَالِحُ بَزَّمْلاَل فِي الْخَالِدِينَ" (2).
لَخْطبٌ عظِيمٌ وأَمْرٌ جَلَلْ ... لَقَدْ غَابَ نَجْمُ الْهُدَى وأَفَلْ
ثم يقول:
فَقَدْنَاكَ يَا حُجَّةَ الأَتْقِيَاءْ ... فَنَحْنُ .. إِذًا، بَعْدَكَ الأَشْقِيَاءْ
- نمق القوافي في "يدي لغز الحياة"، فكتب كل مقطوعة من بيتين، حيث حافظ في البيت الأول
__________
(1) المصدر السابق: 194.
(2) المصدر السابق: 146. (1/10)
صفحة 11
وصدر البيت الثاني على نفس القافية، بينما ختم عجز البيت الثاني بقافية أخرى، وقام الشاعر بذلك مع الحفاظ على الجرس الموسيقي والخيال الشعري في القصيدة البديعة (1):
أَرَاكِ يَدِي غَيْرَ رُؤْيَا الْجَمِيعْ ... أَرَى فِيكِ شَيْئًا فَرِيدًا بَدِيعْ
يَرَوْنَكِ رَبَّةَ كُلِّ صَنِيعْ ... وَلَكِنْ أَرَى فِيكِ لُغْزَ الْحَيَاةْ
وفعل الأمر نفسَه مع قصيدة "مُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ" (2):
مِنْ حَنَايَا كُلِّ شَابْ ... يَسْجَنِيٍّ مِنْ مِزَابْ
خُلْقُهُ دِينُ الصَّوَابْ ... قَدْ بَنَيْنَا ذَا المَخَيَّمْ
- استرسل في قصيدة "الشَّخْصِيَّةُ" في الملاءمة بين كل لفظة وضدها بأسلوب سلس، ووزن خفيف، وإسهامات فلسفية محيرة أجراها على كامل القصيدة، كقوله (3):
مَنْ ذَا تَظُنُّكَ فِي الوَرَى؟ ... أَمَعَ الأَمَامِ أَمِ الوَرَا؟
أَمَعَ الْحَيَاةِ أَمِ الرَّدَى؟ ... أَمَعَ [الثُّرَيَّا أَمِ] الثَّرَى؟
- حمله الاهتمام بالجرس الموسيقي في بعض الأحيان إلى العناية بالبديع، واختيار الألفاظ والمعاني، من مثل استعماله للجناس الناقص في "مَرَّةً أُخْرَى الجَزَائِر" (4):
اخْتِلاَفٌ فِي الظَّوَاهِرْ ... وَائْتِلاَفٌ فِي الْجَوَاهِرْ
5 - انفردت قصيدة واحدة في الديوان بتعدد مواضيعها، أما البقية فكلها متقيدة بالوحدة الموضوعية، وهذه القصيدة هي "شاع خبرا شاح قبرا"، حيث استهلها بالتحسر من إقامة الذكرى لعظيم لم يكن يُعبأ به حيا، ثم أشاد بأعمال المرثي، وهجا خصومه من أهل الشعر النثري، ومدح مسقط رأسه الثري، واشتكى من غربة اللغة العربية على أهلها، وهيمنة الغرب على عقولهم، فضاعت العراق وفلسطين من بين أيديهم، وختمها بالاعتذار عن الإطالة.
6 - يتنوع إنتاجه بين الشعر العمودي وشعر التفعلة، فلا هو يرضى بشكل ثابت لقصائده، ولا هو مؤثر التحرر الدائم من الوزن والقافية، مما يدل على أصالته ومعاصرته، وتحكمه في تصوير عاطفته في أي شكل من أشكال الوزن الخليلي.
7 - خلاصة الشعر عنده رسالة مقدسة، وليست خيالات منسوجة في أبيات، فيقول عن الشعر في "مَوْقِفٌ شِعْرِيُّ .. " (5):
__________
(1) المصدر السابق: 213.
(2) المصدر السابق: 133.
(3) المصدر السابق: 227.
(4) المصدر السابق: 30.
(5) المصدر السابق: 222. (1/11)
صفحة 12
إِنَّهُ الشِّعْرُ مِزَاجٌ عَبْقَرِيٌ وَعَجَبْ
نَابِعٌ مِنْ عُمْقِ رُوحٍ بِالْمُعَانَاةِ انْسَكَبْ
ويؤكد أن ضمير الشعر هو أساس الشعر فيقول في "قَلْبُ شَاعِرٍ" (1):
يَا رَبِّ مَتِّعْنِي بِقَلْبٍ شَاعِرٍ ... إِيَّاكَ يَعْبُدُ بِالْجَمَالِ السَّاحِر
هذا ما تمكنا من رصده في هذه القراءة الأولية لديوان الأمين، آملين أن يفتح الله من يتفرغ لدراسته وتحليله بما يليق وهذا المنجز الشعري المتألق.
المراجع
1. ابن بطة العكبري: الإبانة الكبرى (قرص المكتبة الشاملة).
2. الأمين أحمد: ديوان مدوا الأيدي نتصالح، تحقيق: خرازي مسعود، وابن ادريسو مصطفى، نشر عشيرة آل خالد، 2012.
3. البخاري: صحيح البخاري، (قرص المكتبة الشاملة).
4. الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1985.
5. مجموعة ناظمين: الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1973.
6. محمد رشيد رضا: مجلة المنار، جمادى الأولى 1328هـ/، جوان 1910م، المجلد 13، ج5، (قرص مجلة المنار).
7. مفدي زكرياء: اللهب المقدس، بيروت، 1961.
8. مفدي زكرياء: إلياذة الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987.
9. منتدى المربين اليسجنيين: ترجمة مختصرة عن الشاعر أحمد الأمين، مصففة.
__________
(1) المصدر السابق: 212. (1/12)
صفحة 13
الهوامش (1/13)