صفحة 1
الكتاب: مقامات عبد الله بن علي الخليلي لأحمد درويش
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مقامات الخليلى
قرإة في مخطوطة عمانية معاصرة
أحمد درويش
ربما يثير عنوان هذا البحث جوانب من قضايا الوسائل والقوالب الثقافية في عمان وربما في أجزاء كثيرة من العالم العربي ، وعلاقة هذه الوسائل والقوالب المعاصرة أو التراث ، ومدى صلابة الخط الفقري الممتد بين الشرائح التعبيرية المتعاقبة والتي قد تبدو للوهلة الأولى متغايرة
وأول هذه القضايا ، فكرة لم المخطوطة المعاصرة،1 والتي قد تبدو الآن زائرا غريبا على عصر المطبوعات الذي عرفه الحرف العربي منذ نحو قرنين من الزمان . وضاعفت من قدراته العقود الأخيرة بإمكانياتها الفنية الهائلة ، التي جعلت آلاف النسخ من سفر ضخم يمكن أن تكون بين، أيدي قرائها في ساعات ، لترسم بذلك صورة للمخطوطة التي تعد في أناة وعلى مهل وتصنع على عيني مؤلفها أو ناسخها في أسابيع أو شهور ، ولا تكاد ترى النسخة التالية منها النور ، إلا من خلال مهلة قد تنتج خلالها فرس أصيلة مهرا جديدا .
غير أن هذا التقابل في وسائل البث الثقافي بين المخطوطة والمطبوعة لا ينبغي أن يجعلنا نتصور أن ملف المخطوطة قد تم نفض الأيدي منه ، فمن خلال هذه الوسيلة القديمة تم الإمساك بعصارة الحضارة ورحيقها وتم الحفاظ على خلاصة الجهد البشري لحضارة مثل حضارتنا خلال ما يزيد على اثني عشر قرنا ، وتم أيضا التأمل في ميراث هذه الحضارة من (1/1)
صفحة 2
خلال عيون معاصرة ومناهج حديثة ، سواء من خلال علمائنا أو علماء آخرين اهتموا بحضارتنا ، وكان جهدهم وحصادهم مبهرا في كثير من الأحايين ، ويسود الاعتقاد أن جانبا كبيرا من مخطوطاتنا لحم يلق يعد العناية الضرورية من أهل الخبرة والاختصاص ، إما لأن أيديهم لم تصل إليه في مظانه قي المكتبات العامة ، أو لأنه حبس في مكتبات خاصة أو أقبية أسرية بحسبانه جزءأ من ميراث خاص ، مع أن الثقافة في كل الأمم هي ميراث عام ، والأمة العربية والإسلامية في مقدمة الأمم التي حفلت بهذا المبدأ أ قي تاريخها الطويل ، ويؤكد وجود هذه المخطوطة العمانية المعاصرة بين أيدينا اليوم أن هذه الوسيلة الثقافية في البث ما تزال حية . وأنه لا ينبغي أن يظن أن ملف عصرها قد طوى وأن الحديث محوله قد انتهى . (1/2)
صفحة 3
وإذا كانت هذه القضية التمهيدية الأولى قد اتصلت بالوسيلة الثقافية وهي "المخطوطة" فهناك قضية تمهيدية ثانية تتصل بالقالب الثقافي للمخطوطة التي بين أيدينا وهو قالب "المقامة" وهو قالب قي يبدو كذلك زائرا غريبا على عصر الرواية والقصة القصيرة والفيلم السينمائي والمسلسل التليفزيوني ، فضلا عن الأجناس القصصية العريقة كالمسرحية ، أو الأجناس القصصية الصامتة مثل البانثوميم وغيرها من الأجناس التي تعتمد على الحركة المقروءة بالعين لا على الصوت الموجه للأذن والواقع أن المقامة ، شأنها شأن المخطوطة ، تمثل مظهرا ثقافيا يضرب بجذوره بعيدا في تربة الفن القصصي العربي ، وإذا كانت قد تولدت عنه كثير من الأشكال القصصية الأخرى التي استجابت إلى تطور وسائل التقديم المرئية أو المسموعة أو المقروءة ، والى سرعة الإيقاع في الحياة وما ترتب عليه من وجود ألوان من التخفيف في قيود الوحدات اللغوية المتتالية ، مما لحم تكن المقامة تسمح بالتخفف منه غالبا ، وإذا كانت هذه الأشكال القصصية الأخرى قد غطت معظم المساحة الممنوحة للنثر القصصي حتى جرى الظن بأن كتابات المويلحي وحافظ إبراهيم ومعاصريهما مثلث لحن الوداع لهذا الجنس القصصي القديم ، إذا كان ذلك الانطباع قد تكون لدى دارسي النثر العربي ، فان وجود مخطوطة لمقامات الخليلي ، لم يكن يجف مدادها بعد ، تؤكد أن ذلك الجنس الأدبي ، لم يمت ، وأن الحوار حول بعض جوانبه يمكن أن يثار من جديد . (1/3)
صفحة 4
وفن المقامة في النثر العربي ، فن وسط بين القصصي المكثف ، والقصصي المطول ، ويمثل النمط الأول فنونا مثل الحكم والأمثال والتوقيعات ، وقد عرفت على فترات متعاقبة ، وانتمى بعضها إلى عصر الكتابة كالتوقيعات ، بينما انتمى البعض الآخر إلى عصور المشافهة كما هو الشأن في الحكم والأمثال ، ولكن التكثيف والإيجاز ، كان هو الطابع المميز لهذه الفنون القصصية ، تسهيلا لحفظ النثر الذي لا يمتلك خواص الشعر في التعلق بجدران الذاكرة في عصور المشافهة ، واحتراما لهيبة الحكام وأولي الأمور الذين كانت تصدر عنهم التوقيعات ، وهم لا يميلون في كل العصور إلى البسط والإيضاح ، وفي الطرف الآخر ، كان يوجد فن القصص المطول ، فمثلا في الحكايات والمواعظ والملاحم ، ويكاد يلفت النظر ترك هذا الفن لأدباء الشعب ، أو أدباء العامة ، فلم تهتم العربية بالقصص الطويل على يد أدباء معروفين ، كما كان الشأن مع "هوميروس " في الأدب اليوناني ، و "فيرجيل " في الأدب اللاتيني ، وإنما ظل مؤلفو هذه القصص الطويلة اما مجهولين كما هو الشأن في ملاحم عنترة وأبي زيد الهلالي ، وألف ليلة وليلة أو منتمين إلى طبقات الوعاظ والقصاصين ، وكانوا كذلك شبه مجهولين ، أو إلى طبقات الرحالة الجغرافيين ومؤلفي كتب العجائب والغرائب والمسالك والممالك ، ولم يجر الاهتمام بدراسة آثار أولئك جميعا في إطار تطور النص الأدبي . (1/4)
صفحة 5
المقامة إذن كانت الغالب الوسط ، بين كثافة المثل ، وترهل الحكاية ، ولم تكن معروفة منذ بداية الفن القصصي العربي ، وإنما عرفت في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وازدهرت في القرن الرابع ، ولم تعد قضية نشأة المقامات ، وارتباطها بابن دريد الأزدي ، أو ابن دريد العماني كما كان يسميه المؤرخ "المسعودي " ، لم تعد هذه القضية تحتاج إلى مزيد من المناقشة ، فهي مثارة بين دارسي الأدب منذ القرن الخامس الهجري ، وقد وردت الإشارة إليها في كتاب زهر الآداب للحصري القيرواني المتوفى عام 453 5 ، عندما قال عند حديثه عن بديع الزمان الهمذاني "ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا ، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره ، واستنتجها من معادن فكره ، وأبداها للأبصار والبصائر وأهداها للأفكار والضمائر . .. . عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا وتقطر حسنا" .. ، وقد أشرنا في دراسة مفصلة أخرى إلى العلاقة بين أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزمان .
أنظر كتابتا : "ابن دريد الأزدي " وتأثيره في الدرس والنص الأدبي ، الهيئة العامة للرياضة والأنشطة الشبابية - سلطنة عمان 1992 م ) .
لكن الذي يمكن أن يثار حول التساؤل من جديد هو مدى تأثير نمط الأدب القصصي عند عرب جنوب الجزيرة ، وابن دريد وأحد منهم ، على نشأة وامتداد فن المقامة في الأدب العربي ، ومقاومة هذا الفن لعوامل الفناء ، حتى إن واحدا مثل الشيخ عبدالله الخليلي يواصل الكتابة على هذا النمط حتى العصر الحديث ، قد لا يكون من المصادفة أن يكون أول كتاب المقامات من عمان وأن يكون آخرهم من عمان كذلك ، وأن يمتد هذا الفن بين ابن دريد والشيخ عبدالله الخليلي ، ليشهد مقامات للغشري وابن رزيق والحارثي وغبرهم من الكتاب الذين فقدت مقاماتهم أو ما تزال حبيسة المخطوطات . (1/5)
صفحة 6
ان ذلك التساؤل نفسه يمكن أن يمتد إلى طبيعة الحوار الممتد والتأثير والتأثر المتبادل بين النتاج الأدبي في شمال الجزيرة العربية وجنوبها منذ أقدم العصور ، وهو نتاج كان يحمل مذاقا متميزا لكل طرف دون شك ، وان كانت كثير من الملامح الخاصة ، قد ذابت في مليح اللغة الأدبية المشتركة ، التي جرت كثير من التساؤلات حول مدى تطبيقها الصارم في العصر الجاهلي ، وليست قضايا الانتحال وإثارتها منذ عصر ابن قتيبة وابن سلام إلى عصر طه حسين إلا جانبا من جوانب هذه القضية المتعددة الأطراف .
إن كثيرا من النقاش حول حوار أدب الجنوب والشمال في القديم دار حول الشعر ، ولكن النثر القصصي لم يحظ بقدر كاف من النقاش ، مع أف كثيرا من روايات النثر القصصي القديم قبل المقامة يرد إسنادها إلى شخصيات من الجنوب ، فيجرى الحديث عن ملك حمير أو عن قيل من أقيال اليمن أو عن مرثد الخير بن نيكف بن معد يكرب ، أو ذي جدن ، وهيثم بن مثرب بن ذي رعين ، أو ذي فائش الملك الحميري ، وغيرهم من أسماء أبطال الجنوب التي تعمر بها الروايات القصصية النثرية على وجه خاص . (1/6)
صفحة 7
إن تتبع هذه الروايات وتصنيفها التاريخي والفني ، يحتل مكانة وسطى بين كثافة الحكمة والمثل ، وترهل الحكاية الشعبية ، وإذا كان عمر هذه المقامة أو نمطها في الأحاديث تمتد جذوره المروية إلى أدب الجنوب من ناحية ، وتمتد بداياته الفنية إلى واحد مثل ابن دريد من ناحية ثانية ، ويواصل امتداداته لدى كاتب معاصر من مثل الشيخ عبدالله الخليلي من ناحية ، دون انقطاع تقريبا على مر العصور في منطقة مثل عمان ، فلم لا يكون ذلك النمط القصصي واحدا من الخصائص الفنية القديمة للأدب العربي النثري في الجنوب ، ذابت في الخصائص المشتركة التي أرستها لغة القرآن الكريم ، وطبعت بها الأدب العربي بطابع مشترك ، وان ظلت الملامح الخاصة في إطار هذا الطابع المشترك ، تظهر بين الحين والحين ؟ تقودنا هذه القضايا التمهيدية إلى مخطوطة المقامات ، التي كتبها بخطه الشيخ عبدالله بن علي الخليلي ، شيخ شعراء عمان المعاصرين والذي ولد في أوائل العقد الثالث من هذا القرن العشرين ، واشتهر بعطائه الشعري الغزير ، في دواوينه المتتالية "وحي العبقرية" و "وحي النهى" و "على ركاب الجمهور" ، إلى جانب قصائده المتفرقة الكثيرة ، ولكنه إلى جانب ذ لك يمتلك حصادا نثريا لم ينشر معظمه ، يتمثل في رواية ومجموعة القصص القصيرة ، وهذه المقامات التي نحن بصدد الوقوف أمامها .
وتتكون هذه المخطوطة من ست مقامات ، تغطي ثلاثا وتسعين صفحة من القطع الكبير ، وتشير أربع من المقامات في عناوينها إلى أسماء مدن عمانية ، وهي المقامة النزوية ، والمقامة الجعلانية والمقامة السمائلية ، والمقامة السمدية ، على حين تشير اثنتان أخريان إلى موضوعين يطرحان للمعالجة وهما المقامة التساؤلية والمقامة اللغوية . (1/7)
صفحة 8
وتصطنع المقامات هنا الهيكل الفني المعهود في فن المقامة العربية القائم على وجود الراوي الموحد والبطل الموحد ، اللذين تلتقي من خلال وحدة الشخصية لديهما ، الموضوعات المتفرقة التي تحفل بها مجموعة من المقامات لمؤلف واحد ، وقد كان بديع الزمان الهمذاني هو أول من اهتدى إلى شخصية الراوي الواحد ممثلا في عيسى بن هشام ، والبطل الواحد ممثلا في أبي الفتح السكندري وتبعه الجريري الذي جعل راويه الحارث بن همام وبطله أبا زيد السروجي ، وسار على هذه الطريقة كتاب المقامة من العمانيين فاختار سعيد بن راشد الغشري لمقاماته ، شخصية اليافث بن تمام راويا ، وشخصية أبي عبيد الفلوجي الذي يقترب اسمه من أبي زيد السروجي بطلا ، واختار ابن رزيق لمقاماته ، راويا ، شخصية الوارث بن بسام الذي يروي مغامراته عن أبي جواب الضريك واختار البرواني لمقاماته هلال بن أياس راويا .
وعلى هذا النمط جاء اختيار عبدالله الخليلي لراوية "أبو الصلت الشاري بن قحطان " ، ولبطله "فراهيد بن هود" ، ولكن اختيار الأسماء هنا لكل من الراوي والبطل ربما يحمل دلالة خاصة تستحق الوقوف قليلا أمامها ، فكنية الراوفي "أبو الصلت " تذكر باسم الصلت وهو اسم أثير في التراث العماني ، حمله أعلام من أمثال الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي الإمام الذي ازدهرت عمان في عهده في القرن الثالث الميلادي والفقيه الصلت بن خميس الخروصي المكنى بأبي المؤثر من فقهاء القرن الثالث . (1/8)
صفحة 9
أما اسم الراوي "الشاري " فهو إشارة واضحة إلى الأئمة الشراة ولا شك أن اسم "قحطان " الذي يتوج الاسم هو إشارة الانتماء العرقي لعرب الجنوب ، فنحن إذن أمام راو يحتفظ من خلال اسمه بهذه الملامح الخاصة للبطل الجنوبي ، وهي تذكر بما كان قد صنعه ابن دريد في مقصورته الشهيرة حين رسم ملامح لبطل مقصورته تقودنا عند التأمل في النهاية إلى التعرف على ملامح بطل جنوبي ، يفاخر بأبطال قحطانيين قبله ركبوا الصعاب وحققوا الأمجاد حين يقول:
0@إن "امرأ القيس " جرى إلى مدى
فاعتاقه حمامه دون المدى
وخامرت نفس ،"أبي الجبر" الجوى
حتى حواه الحتف فيمن قد حوى
و"ابن الأشبح " القيل ساق نفسه
إلى الردى حذار إشمات العدى
وأضرم "الوضاح " من دون التي
أملها سيف الحمام المفتضى
وقد سما "عمرو" إلى أوتاره
فاحتط منها كل عالي المستمى
وهؤلاء جميعا ، أبطال جنوبيون قحطانيون ، يفاخر ابن دريد قديما بأنهم نماذج يحتذى بها ، وينحت عبدالله الخليلي حديثا اسم راويه لا أبو الصلت الشاري بن قحطان لما من معجمهم . ولا يقل اسم البطل الذي اختاره الخليلي لمقاماته دلالة في هذا الاتجاه ، فاسمه " فراهيد بن هود " يذكر بفرعين من فروع المعرفة والهداية برز فيهما عرب الجنوب فمع أن الاسم الأول يذكر بفراهيد بن مالك بن فهم أحد أبناء الملك الأزدي المشهور ، وأحد قواد جيوش المنتصرين على الفرس ، فانه يذكر كذلك بالفراهيدي ، وهو لقب ينصرف عند الإطلاق إلى الخليل بن أحمد شيخ علماء العربية، على حين يذكر الاسم الثاني بجانب من ميراث النبوة يعتز به عزب الجنوب ، وكأن اجتماع الاسمين معا في شخصية البطل مع حفظ التسلسل التاريخي بينهما ، يشير إلى التقاء العلم والنبوة ، أو العقل والنقل ، في شخصية البطل التي تؤكد فكرة الخبرة والحكمة اليمانية القديمة . (1/9)
صفحة 10
إن هذا الإطار اللغوي لشخصية كل من الراوي والبطل تؤكده الملامح النفسية والجسدية التي يرسمها المؤلف لهما ، وتجعلهما يختلفان اختلافا جذريا عن نموذج أبطال " الشطار" والمغامرين آو أبطال " الكدية " وطلب النوال ، الذين دأبت المقامة العربية عل رسمهم منذ شخصية أبي الفتح السكندري عند بديع الزمان ، إن البطل عند الخليلي يحمل ملامح بمتزج فيها الشعور الديني العميق بالتذوق الجمالي والأدبي العميق ، بل إن كثيرا من المقامات هنا ، تطور حوارا هدفه إثبات آن لا تعارض بين هذين اللونين من المشاعر ، ويقدم الخليلي في مفتتح المقامة الزوية صورة لملامح البطل حين يقول على لسان الراوي أبو الصلت الشاري بن قحطان : (1/10)
صفحة 11
" فلما وقفت منه على السارية الكبيرة لأصلي ركعتين تحية المسجد قبل الظهيرة ، لم أكد أنفتل من صلاتي وأكمل تحياتي ، حتى رأيت شيخا عليه سمة الوقار ، وسمت الصالحين ، يعلوه الخشوع والانكسار لله رب العالمين ، وكأنما أمسك بيده اليمنى ناصية الجنة فتهلل وجهه نورا يغشى الناس والجنة ، وكأنما دفنت يده اليسرى والعياذ بالله في بؤرة النار ، فبكى وأبكى من حوله خوفا من دار البوار ، وهو يهيب بالناس إليه ، ويجمعهم لديه في لسان زلق ، وصوت صهر لصق " والناس إليه كالسيل الجارف ، والحلقة تجمع الجاهل والعارف " . ولعل هذا النص يقدم إلى جانب رسم ملامح البطل ، فكرة عن لغة المقامة وهي لغة كانت دائما ذات طبيعة خاصة ، تختلف عن لغة الشعر من ناحية وعن لغة الأجناس النثرية الأخرى كالرسالة والمقالة والرواية من ناحية أخرى ، وبقدر ما كانت لغة المقامة ، التي تميل إلى الغرابة ، سببا لشهرتها وتوجيهها إلى أهداف تعليمية في عصور كثيرة ، بقدر ما كانت سببا في جفاف العناصر القصصية في المقامة وضمورها عصرا بعد عصر حتى أوشكت على الاختفاء ، والواقع أن لغة المقامة عند الخليلي كانت تعمد أحيانا إلى استعراض المهارات اللغوية ، وحشد الكلمات الغريبة ، وخاصة في تلك المقامات التي تكون اللغة نفسها هدفا لها ، كما حدث في المقامة الثالثة ، التي تحمل عنوان لما المقامة اللغوية مما حيث احتشدت الكلمات الغريبة المتتالية لدرجة اضطر معها المؤلف لأن يضع للصفحة الأولى من المقامة وحدها خمسة وأت بعين هامشا لتفسير الكلمات الغريبة وتبدأ هذه المقامة على النحو التالي . (1/11)
صفحة 12
"حدثني أبو الصلت الشاري بن قحطان ، قال خرجت من سمائل إلى جرنان ، وكنت في كوكبة من الفرسان ، وكانت السكة نائبة ، والشكة واهية ، والريض خالية ، حتى لنكاد نزرد الردعة ، منحدرة لا يحس بها اللثغة ، حتى أشرفنا على واد بهور ، وكان الجن كنهور ، فما إن حططنا به الرحال ، أو كدنا ننيخ الجمال حتى نزلت علينا سماؤه " وزلفت بنا صفواؤه ، فرأفنا القلص حثا فزأزأت بنا كالظيلم وطثا" . ونحن في مقطع كهذا ، نجد أنفسنا مع لغة تاريخية ، ليسر القص هدفها ولا القارئ العصري طرفها الآخر الذي يوجه إليه الخطاب ، وإنما تتحول اللغة نفسها بطياتها التاريخية وتراكماتها في بطون الكتب والمعاجم " إلى مجال للحركة يكاد في بعض الأحيان أن يشكل دائرة خاصة محكمة الأطراف .
والمقامات الست التي بين أيدينا تتراوح لغتها بين هذين المستوين اللذين رأينا واحدا منهما في صدر المقامة النزوية ، ورأينا الآخر في صدر المقامة اللغوية ، كما يتم التراوح كذلك بين ملمحين فنيين آخرين هما السردية الخطابية ، والدرامية القصصية ، فعلى حين تجنح بعض المواقف إلى صب المضامين التي يراد إيصالها من خلال خطبة مباشرة ، أو حديث يكاد يتوجه إلى القارئ ، تعمد مواقف أخرى إلى التخفيف من حدة السرد بالتركيز على لمسات في وصف الموقف ، والاقتراب من الوسائل القصصية ، على حساب الوسائل الخطابية كما جاء في المقامة النزوية ، عندما تقطع المقامة خطبة مسترسلة للراوي ، لكي تقول :
"وهنا صعق الخطيب ، ولم يكد يتكلم ، فوقفت انظر إليه ، والى الدموع من عينيه وكأنها السحاب المنهمر ، أو السيل المنحدر ، فبقى كذلك هنيهة والناس من حوله ينتحبون ، حتى أفاق وقال ة " إنا لله وإنا إليه راجعون " ثم عاد إلى خطبته واستمر في إلقاء كلمته فقال : (1/12)
صفحة 13
وهذا اللون من المراوحة بين النزعة الخطابية : والنزعة القصصية يكسر من فكرة الهدف التعليمي المباشر قليلا ، ويجعل مفهوم الحدث القصصي درامي يجد سبيله إلى التجسد بين الحين والآخر . على أن هذا الحدث الدرامي في ذاته تتفاوت درجات التجسيد داخله بين تجسيد ذي طابع فردي يجعل الحدث عادة أقرب إلى المجال القصصي ، وتجسيد ذي طابع جماعي ينمو بالحدث منحى خطابيا وتلك واحدة من الملامح التي تردد حولها فن المقامة العربية منذ بداياته ، وظلت نقاط القوة الفنية بارزة في مقامات التجسيد الفردي ، التي تترك قارئها أو سامعها بعد الانتهاء منها وقد ترسب في ذهنه نموذج بشري أكثر مما ترسبت مجموعة من الأسس المعنوية على النحو الذي يحدث في مقامات التجسيد الجماعي ، ولم يكن النجاح الكبير لمقامات بعينها مثل المقامة المضيرية لبديع الزمان ، إلا من خلال التجسد الصارخ لشخصية الضيف المسكين الذي وقع ضحية مضيف ثرثار يصف له تفاصيل كل شيء في البيت والأثاث والخدم ، ويهمل تقديم الطعام والكف عن الكلام ، وعندما يهم بوصف المضيرية ، الطبق الذي يحلم به الضيف ، يولي الضيف الأدبار هاربا قبل أن يحطم الوصف رأسه ، وشخصية الأعرابي الساذج الغفل التي رسمتها المقامة البغدادية ، وتركته يقع فريسة لبغدادي متحضر ، قاده إلى مطعم للشواء على أنه بيته ، وتركه بعد الطعام فريسة لصاحب المطعم القاسي " شخصية أكسبت المقامة قيمتها من خلال التجسيد ذي الطابع الفردي ، وحققت من خلال ذلك ، ما لم تحققه مقامات بديع الزمان الأخرى ، ذات الطابع الجماعي في التجسيد . (1/13)
صفحة 14
والواقع أن مقامات الخليلي تتراوح بين هذين النمطين من التجسيد الفردي أو الجماعي ، فعندما يتم في أحد مواقف المقامة النزوية جسيد مواقف السبق الحضاري للحضارة الإسلامية ، وتجسيد بطولات الرجال الذين شادوا هذه الحضارة من خلال مواقف بطولية يتم اللجوء إلى رسم المشهد لجماعي الملحمي ، أكثر من اللجوء إلى رسم الموقف الفردي القصصي ، مثل قوله في أحد المواقف :
"عشقوا الموت في سبيل الله ، فألقت إليهم أزمتها الحياة ، ووالوا في الله كل من والاه ، وعادوا فيه كل من عاداه ، أقرب القريب إليهم ، من صدق إيمانه ، لو كان من قوم عدولهم ، وأبعد البعيد من ظهر لله عدوانه ، لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، إذا انتصروا لا يعجبون ، وإذا ملكوا لا يستعلون ، وإذا حكموا لا يجورون ، وإذا كان عليهم الحق لا يأنفون " .
من مظاهر المراوحة في مقامات الخليلي ، الانتقال بين مظاهر الحياة القديمة مظاهر الحياة الحديثة ، وإذا كنا قد رأينا في النص الذي اقتبسناه من مقدمة "المقامة اللغوية" كوكبة الفرسان وهي تصعد من سمائل إلى جرنان ، وأقصى ما تبلغ بها السرعة أن تكون كالظيلم وطثا، أي كذكر النعام في سرعة ضربه الأرض بحوافره ، فان مشهدا مقابلا للحياة المعاصرة تطالعنا به صدر "المقامة التساؤلية"، حيث السيارة الفارهة والأنثى الجميلة الحاسرة ، التي ترد مجالس الرجال ، وتطرح السؤال تلو السؤال ، وترد حكايتها أيضا على لسان نفسي الراوي وتلتقي بنفس البطل ، مفتتح المقامة التساؤلية : (1/14)
صفحة 15
"أخبرني أبو الصلت الشاري بن قحطان ، قال خرجت مرة لبعض الشأن ، وكنت على سيارة فخمة المظهر ، أنيقة المنظر ، متينة المخبر ، إن ركبتها قرت ، وان وطئتها فرت ، فكنت أجوب بها الطرقات ، لقضاء بعض الحاجات ، حتى انتهيت بطريقي ، أمام محل لصديقي ، فأوقفت هنالك رحلي لأذرع الطريق رجلي ، فبينما كنت -أحاول اجتياز الطريق العام .. .. إذا بيد تقبض على كتفي من الخلف ، ونفحة يهيمن على الروح ما بها من العرف فنظرت فإذا فلقه قمر ، ونشقت فإذا نسمة سحر ، فبقيت ساعة لا أفهم خطابا ، ووقفت حائرا لا أحير جوابا ، حتى زالت الدهشة ، وعادت الهشة ، فقلت ما الشأن ، وهل أنت من بني الإنسان ، أم من عباقرة الجان . .. فقالت دعك من الفلسفة ، وهلم بنا إلى رحاب المعرفة " .
إن هذا المدخل للمقامة التساؤلية مع ما فيه من تنوع مناخ الحياة الذي أشرنا إليه ، يقودنا إلى مقامة تختلف بدورها عن المناخ السائد في مقامات الخليلي ، وهو مقام المدن العمانية التي تدور حولها المقامات الست ، إن المقامة التساؤلية تشغل قضية المعرفة والمعرفة عند النساء خاصة ، وهي تقدم نموذج المرأة العالمة التي تتغلب على علماء الرجال بما تطرح من أسئلة فتثير حيرة وإعجابا بالقوة غير المتوقعة ، وغالبا ما يصحب ذلك جمال آسر أيضا ، وهذا النموذج عرفه التراث الأدبي العربي وان كان في خارج المقامة ، عرفه القصص الشعبي ، وحفظت لنا حكايات ألف ليلة وليلة قصة شهيرة من هذا النمط هي حكاية "تودد الجارية" التي صمدت في مجلس الرشيد لحوار طويل مع كوكبة من العلماء في مختلف التخصصات . (1/15)
صفحة 16
والخليلي يعيد إلينا هذه الصورة في مقامته التساؤلية ، في الحوار بين الحسناء والشيخ ، فهي حينا تسأله عن رأيه في أبيات من الشعر وحينا تسأله عن رأيه في شاعر تبدو لديه رقة القول ، وصرامة الفعل ، وكأنه بذلك يثير قضية رئيسية تشغل مقاماته ، وهي ما يمكن أن يسمى بأزمة الشاعر الفقيه ، الذي يعرف مواطن الجمال وبواعثه ، وطرائق التعبير عنه ، ويعرف كيف يذوب كلامه رقة في الغزل ، ولكنه يخشى أن يكون ذلك مما يؤخذ عليه عند عارفي مكانته الفقهية والدينية ، وفي هذا الإطار تسند أسئلة تحاول التفريق بين فتوى الشاعر وفتوى الفقيه ، وتسأل الحسناء الشيخ عن رأيه في قول الشاعر .
حجبوها وكيف تحجب شمس شع في الخافضين منها ضياء وعن رأيه فيمن يقول إن الشاعر أشار إلى السفور ، وحث المرأة على ارتكاب المحجور ومن يقول : إنها الفصاحة والخيال ، والتغني بالحسن والجمال ، لا استهتار ولا فك عرى ، فماذا ترى . (1/16)
صفحة 17
والواقع أن كثرة هذه التساؤلات حول محور الشاعر الفقيه وارتباطها بأبيات وقصائد شعرية من نسج المؤلف تجعلنا نشم في هذه المقاطع روائح من السيرة الذاتية للمؤلف وهي روائح يزيدها المؤلف وضوحا وتأكيدا حين يروي مقاطع أخرى في المقامة التساؤلية ، يتحدث فيها بضمير المتكلم المفرد عن مواقف حقيقية مر بها أو شهدها في إطار الحوار حول عدم التعارض بين تجنيح الخيال في التعبير الغزلي في الشعر وعفة السلوك يقول : "وكثيرا ما يتخيل الشعراء أشياء فتجري على ألسنتهم بدون عناء فمن ذلك على سبيل المثال ، قول ابن النبيه في شبه هذا المجال : زارت ففككت عرى جيبها بالفم عن رمان كافور فهل ترى أنها زارته ، ورامها ورامته ، أم هي الفصاحة وجودة الوصف والتأنق في البناء والرصف ؟ سئل الإمام الخليلي رحمه الله وكنت قاعدا عنده أترسم خطاه ، قال السائل . ما ترى إمامنا الجواد ، في صاحب السيف النقاد ، أعني الإمام الحضرمي .. . إن هذا الإمام الشاعر والبطل المغامر ، يتغزل في الحسان .. . أتراه يعني أهل أم الحور وحاشاه عن التطرق الى المحجور ؟ فالتفت الإمام إلي متعرفا ما لدقي وقال لهم ؟ هذا هو الشاعر فاسألوه ، وما أتاكم منه فاقبلوه ، فقلت في الحال ، الأمام الحضرمي تغزل في الجمال ، ولان الأنثى للرجل مطمح الغريزة جعلها المتغزل لغزله ركيزة ، ولم يرد امرأة بعينها ، وإلا فقد حمل نفسه على شينها .. . . فاستحسن الإمام الجواب ، وهش له كل الأصحاب ". (1/17)
صفحة 18
إنها جوانب إذن من التجربة الشخصية للمؤلف الشاعر ، ترد حينا على لسان الراوي أبي الصلت الشاري بن قحطان ، وحينا بضمير المتكلم المفرد على لسان المؤلف ، وتشف عنها في الحالات الشواغل الرئيسية للشاعر الفقيه من ناحية وللشاعر المولع باللغة المعايش لها عقودا طويلة ،والذي لا يكاد يكف عن التقليب في إمكانياتها الجمالية ، وهو ما تشف عنه على نحو خاص ، المقامة اللغوية، التي تقترب في بعض الأحيان ، من الولع الشديد بفكرة المحسنات البديعية والإغراق فيها ، حتى انه ليجمع في إحدى القصائد التي ترويها المقامة .
إن مخطوطة مقامات الشيخ عبدالله بن علي الخليلي تثير كثيرا من القضايا الفنية المتصلة بالفن القصصي العربي منذ جذوره الأولى التي مضى عليها ما يزيد على ألف عام إلى واقعه المعاصر المليء بالإمكانيات والتنوعات ، التي يمكن أن تزداد من خلال البحث عن روافد تراثية تغني الجمال القصصي الذي أثبتت التجربة أنه زاد ضروري لعاشقي المتعة الأدبية في كل زمان ومكان ، وعلى اختلاف مستويات الثقافة والمعرفة . (1/18)