صفحة 1
الكتاب: أخبار الأئمة الرستميين
المؤلف: ابن الصغير (القرن الثالث الهجري)
تحقيق وتعليق: محمّد ناصرْ و إبراهيم بحّاز
الناشر: [د. ن]
طبع: المطبوعات الجميلة.
البلد: الجزائر
سنة الطبع: 1986
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] تراثنا
أخبار الأئمة الرستميين
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
ابن الصغير
القرن الثالث الهجري
تحقيق وتعليق
دكتور محمّد ناصرْ
الأستاذ إبراهيم بحّاز (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
أخبار الأئمة الرستميين
ابن الصغير
القرن الثالث الهجري
تحقيق وتعليق
دكتور محمّد ناصرْ
الأستاذ إبراهيم بحّاز (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
من أهم البواعث التي حفزتنا على تحقيق هذا المؤلَّف القيم ونشره، ما رأيناه من فراغ في المكتبة العربية الاسلامية في مجال تاريخ المغرب الاسلامي عامة، وتاريخ الدولة الرستمية خاصة. وقد ساعد على احداث هذا الفراغ الهائل عدة عوامل، قد يكون من أهمها عدم اهتمام الدارسين والباحثين بهذا النوع من الدراسات التي تعتمد البحث والتقصي، وميل أغلب الناشرين الى هذا الانتاج الخفيف الذي يقبل عليه القارئ المعاصر غالبا مثل القصص والروايات والشعر وما إليها.
والحق قد يكون مما ساعد على الوصول الى هذا التراث المتعلق بالدولة الرستمية، انصراف المؤرخين القدامى أنفسهم عنها، وزهدهم في الكتابة في تاريخها، لا لشيء إلا لكون مؤسسيها يتمذهبون بالمذهب الإباضي الذي يصر أغلب اولئك المؤرخون على اعتباره مذهبا من مذاهب الخوارج.
وقد لفت نظرنا كما لفت نظر العديد من الباحثين المعاصرين النزهاء هذا التجني في حق أول دولة مستقلة في المغرب الاسلامي، استطاعت أن تطبق بحق الدمقراطية والعدالة بين أهلها رغم اختلاف المذاهب والديانات، ويمكن ان نذكر من بين اولئك المؤرخين ابن عبد الحكم (ت257ه) صاحب كتاب فتوح مصر والمغرب والاندلس، والبلاذري (ت 279ه) صاحب الكتاب المشهور فتوح البلدان، فعلى الرغم من معاصرتهما للدولة (1/5)
صفحة 6
الرستمية فانهما لم يذكرا من اخبارها النزر القليل.
والأعجب من هذا ان ينزلق الى هذا التجني مؤرخ مغربي شهد له بالموضوعية، وسعة العلم وهو ابن خلدون، (1) ان هذا الانحياز المؤسف جعل باحثا معاصرا يقرر بأن إهمال التاريخ للدولة الرستمية من شأن المؤرخين في المشرق الاسلامي ايضا، (2) ونجد من بين الباحثين المعاصرين الاكاديميين من ضرب صفحا عن الدولة الرستمية، فلم يرد لها ذكر في مؤلفه وكأنها لم تخلق قط بينما يذكر دويلات أقل أهمية ويدعى التاريخ "للثقافة والادب في المشرق والمغرب" واذا التمسنا عذرا للمؤرخين القدامى الذين كانوا يعيشون ظروفا اجتماعية وسياسية ونفسية صعبة بحكم قربهم من هذه الصراعات الفكرية والمذهبية، فأي عذر نلتمسه لدكتور جامعي يدعي الاستقلال الفكري، والنزاهة الموضوعية، وينشر كتابه بعد الاستقلال الجزائر بثلاثين سنة (3)؟!
على أن الذين يتحملون المسؤولية الكبرى في هذا الإهمال هم المعنيون بهذا التراث قبل غيرهم من الإباضية، لأنهم لم يبذلوا أي جهد في إزالة التراب عن هذا التراث الذي ما يزال أغلبه في رفوف الخزائن الخاصة، وقد عبثت السنون والارضة بالكثير منه، وسوف يأتي يوم يدرك فيه أصحاب هذه الخزائن أنهم اساؤوا في حق المعرفة الانسانية كما اساؤوا في حق تاريخهم وحضارتهم.
__________
(1) / أنظر، المدني أحمد تو فيق، مدخل لدراسة الدولة الرستمية، واسهامها في التطور الفكري والحضاري الملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي، صفر 1397ه/فبراير 1977 م. ق
(2) / أنظر تفاصيل اكثر في جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، م. و. ك. الجزائر، 1984، المقدمة.
(3) / أنظر عبد الله شريط، تاريخ الثقافة والأدب في المشرق والمغرب م. و. ك. ط3، الجزائر 1983م. (1/6)
صفحة 7
ونحن، اذا ذكرنا هذا هنا فإننا نذكره بألم شديد، خاصة إذا علمنا أن كتاب مثل كتاب ابن الصغير في تاريخ الأئمة الرستميين أول دولة إسلامية مستقلة في الجزائر، نفتقد اليوم مخطوطه في المكتبات الخاصة الاباضية وفي المكتبات العامة الجزائرية وغيرها، وقد كان موجوداً ... ) A de C. Motylinski في إحدى خزائن وادي ميزاب في بداية هذا القرن، حيث اطلع عليه الأستاذ المستشرق (موتيلانسكي وذكر أنه، في علمه، لا توجد لذلك الكتاب أية نسخة خطية أخرى في مكان آخر، فهل استولى عليها المستشرقون قبله، كما استولوا على كثير من تراثنا، فافتقدتها خزائن ميزاب بطريقة إن دلت على شيء فإنما تدل على تهاون أصحابها وذكاء وحيلة المستولى عليها، وبعد هذا الاهمال الذي أدى الى اختفاء المخطوط وضياعه، استمررنا في الإهمال والغفلة، ولولا أن الكتاب طبع من ضمن أعمال مؤتمر المستشرقين الرابع عشر الذي انعقد في الجزائر سنة 1905م (1) لكان مصير الكتاب، ولاشك، الضياع والاختفاء، فتلك إذن من جهة أخرى حسنة من حسنات الاستشراق الذي بالقدر الذي سطا به على تراثنا وحمله إلى بلاده وراء البحار، بالقدر نفسه احتفظ على ذلك التراث وعمل على نشره، وتصنيف مخطوطاته في مكتباته التي فتحها لجميع الدارسين، من هنا يجب أن نلوم أنفسنا قبل أي أحد آخر على إهمالنا وغفوتنا.
وظل الباحثون يرجعون إلى يومنا هذا إلى ذلك النص المطبوع ضمن أعمال المؤتمر المذكور، أصبح الحصول عليه عسيراً جداًّ، وفي سنة 1975ــ1976م طبع نفس النص العربي في مجلة العلوم الإنسانية لكلية
__________
(1) / Actes du 14e Congrès international des orientalistes a’ Alger 1905 3eme partie imp. Orientale paris 1908 _Texte arabe aves la traduction de motylinski et préface, (1/7)
صفحة 8
الآداب بتونس وهي المجلة المعروفة بكراسات تونس (1)، وذكر في سطور مدير المجلة الأستاذ طالبي محمد، بأن إعادة طبع الكتاب تماما مثلما فعله موتيلانسكي هو بعيد من أن يأخذ مكانه اللائق به، وقال بأنه ليس في الإمكان إلا إعادته كما هو، باستثناء تصحيح بعض الأخطاء الظاهرة البينة. وتفاءل أن تكون إعادة طبعه لهذا الكتاب سبباً وحافزاً لطبعة أجود. ثم ختم قائلاً " ولكن كيف الحصول على المخطوط! " (2).
وفي سنة1976م أي في نفس السنة، أستل َّما كتب في تلك المجلة عن ابن الصغير: النص العربي وتقديم موتيلا نسكي وكلمة مدير المجلة فأعيد طبع ذلك دون زيادة أو نقصان (ربما بالأوفست) لأن الصفحات هنا تتناسب مع الصفحات هناك والذي تغير هو ترقيم
الصفحات فقط، وقامت بهذا الطبع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس منشورات جامعة تونس ضمن سلسلة "معرفة المغرب". (3) XI وتحت رقم
وذكر على غلاف هذا الكتاب أن كراسات تونس رأت ضرورة إعادة طبع بعض النصوص التي نشرت في المجلة والتي أصبحت صعبة المنال بالنسبة للباحثين في تاريخ إفريقيا الشمالية.
هذا ما قامت به تونس، وذاك ما قامت به فرنسا، أما الجزائر التي يعتبر الكتاب كتاباً لتاريخها المباشر ومؤلفه جزائري تيهرتي سكن تيهرت في عهد الرستميين وكتب مشاهداته أو ما قيل له عن قرب فإنها لم تعمل
__________
(1) / Les cahiers de Tunisie, Revue des sciences Humains faculté des lettres de Tunisie. Tome XXIII N0 91 - 92 3e et 4e trimestre 1975, pp. 315 - 368
(2) / Ibid p. 313
(3) / Faculté des lettres et sciences humaines de Tunis, Connaissance du Maghreb XI Publications de l’Université de Tunis 1976. (1/8)
صفحة 9
شيئا من هذا القبيل، ومن هنا كان إهمالها لتراثها، ومن هنا كان تسرب تراثها شرقاً وغربا، فسبقت في هذا المجال، فهلا من نهوض ويقظة؟
إننا نقدم ابن الصغير في حلة جديدة معتمدين على النسخ المطبوعة المذكورة وعلى نسخة مخطوطة بحوزتنا للشيخ أبي اليقظان ابراهيم، قام باستنساخها بنفسه من مطبوعة أعمال مؤتمر المستشرقين الآنفة الذكر.
ولقد عملنا قصارى جهدنا في تحقيق النص من جميع جوانبه، فلم نترك حسب اعتقادنا، أي مبهم يحتاج إلى فك، أو أية كلمة غامضة تحتاج إلى تفسير أو أي خطأ لغوي يحتاج إلى تصحيح، فرجّحنا ما وجدنا سياق الكلام يحتمه من ذكر النص الأصلي أو الكلمة الأصلية كما وردت في الأصل، مخافة أن يكون اجتهادنا خاطئا، ولقد ترجمنا للأعلام الواردة في النص بالقدر الذي وجدناه في المصادر الإباضية أو غيرها من المصادر المعتمدة، وبينا بعض الأماكن الواردة في النص مهملين الأماكن المعلومة، أما بعض المواضع التي لم نجدها في المصادر الجغرافية فقد ذكرنا ذلك. وأثبتنا الروايات التي تتفق أو تختلف مع الروايات في المصادر الإباضية، وما سكتنا عنه من ذلك فهو ينفرد به ابن الصغير، وسوف يجد القارئ والباحث توضيحات أخري في محلها من الهوامش أو المتن.
وقد رأينا اعادة نشر الخلاصة الفرنسية التي كتبها موتيلا نسكي حين نشره هذه الرسالة كاملة لأول مرة سنة (1905) في المجلة الإفريقية فعلنا ذلك حتى يستفيد الذين لا يحسنون اللغة العربية بالقدر الذي يمكنهم من فهم أمثال هذه البحوث و لعل ذلك خير، كما قمنا بتعريبه تعميما للفائدة و مساعدة لأولئك الذين لا يحسنون الفرنسية، و نود الإشارة هنا إلى أننا قد لا نوافق موتيلانسكي في كثير من الآراء التي ذهب إليها في (1/9)
صفحة 10
خلاصة تلك، وقد اكتفينا بإبداء رأينا في التعليق على الهوامش رسالة ابن الصغير.
كما قمنا بوضع عناوين صغيرة للرسالة الى جانب النص الاصلي اجتهدنا في أن تكون دالة على محتوياتها تسهيلاً للقارئ العادي والباحث المتخصص، واعتمدنا عليها في وضع فهرس موضوعات الكتاب وهو لم يكن موضوعا من قبل في النسخة الأصلية.
وإننا إذ نقوم بهذا العمل، نرجو أن نكون موفقين فيه أوّلاً، وأن يلبي طلبات الباحثين في التاريخ الإسلامي ثانياً، إننا نقدم هذا الكتاب إلى كل القراء والباحثين عامة وفي الجزائر خاصة لأنه كما ذكرنا سابقاً، لم يسبق أن طبع في الجزائر أو بيع في مكتباتها رغم أنه طبع عدة مرّات، والله من وراء القصد.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
الجزائر في يوم 04 رجب 1405ه/26 مارس 1985م.
محمد ناصر
ابراهيم بحاّز (1/10)
صفحة 11
ترجمة ابن الصغير والتعريف بكتابه
ابن الصغير هو مؤرخ الدولة الرستمية، كما تسميه الدكتورة وداد لقاضي (1) لانعرف عنه شيئا كثيراً، إلا ما ذكره هو بنفسه في كتابه. عاصر ابن الصغير أواخر أيام الرستميين، وذكر أنه رأى الإمام أبا اليقظان بن أفلح (261_281 ه) الذي يقول عنه "وقد لحقت بعض أيامه وإمارته وحضرت مجلسه" (2) فابن الصغير إذن من سكان تيهرت الرستمية ومن رعايا الرستميين، ولا نعرف بالضبط هل هو من مواليد تيهرت أم أنه هاجر إليها من مدينة أخرى أو من بلد آخر، ولعل ّ هذا الاحتمال الثاني أرجح، يرجحه قوله "ولقد لحقت أنا بعض أيامه "،فالظاهر من هذا الكلام أنه جاء غريباً إلى تيهرت في أواخر أيام أبي اليقظان واستوطنها، واستقرّ فيها كما استقرّ غيره قبله وفي هذا يقول ابن الصغير "ليس أحد ينزل من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم ....... حتى لا ترى داراً إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي .......... " (3)، فهو هنا ينسب المدينة للإباضية أو للرستميين " ينزل بهم" ولا يعتبر نفسه واحداً من أهلها، ويبدو لنا أنه إما
__________
(1) / وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة الأصالة، عدد45، مطبعة البعث قسنطينة، الجزائر 1387ه/1977م.
(2) / ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين ص34.
(3) / نفسه ص6. (1/11)
صفحة 12
أن يكون كوفياً أو بصرياً أو قروياًّ، يتضح لنا هذا من قوله أيضاً مناظرة جرت بينه وبين أحد الإباضية، فقال له هذا الإباضي" من أين زعمتَ وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين و العراق .... " (1)، فابن الصغير على يبدوا لم يكن من مواليد تيهرت وإنما استوطن تيهرت ابتداءً من أواخر دولة أبي اليقظان بن أفلح الذي توفى سنة 281ه حسبما ذكره ابن الصغير نفسه (2)
أما إذا تساءلنا عن مذهب مترجمنا، فالذي نراه إما أن يكون مالكياًّ أو شافعياًّ، ولعل الاحتمال الثاني أقرب إلى الصواب، فالنص الذي ذكرناه قبل قليل عن مناظرة مؤرخنا مع أحد وجوه الإباضية الذي قال له "من أين زعمتَ وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين و العراق .... " إن هذا النص يشير إلى كون ابن الصغير حجازي المذهب أي مالكياً أو عراقي المذهب، فالعراق في هذه الفترة يعج بالفرق والمذاهب ولكننا نحتمل أن يكون القصد به هنا المذهب الشيعي.
إن ابن الصغير كثيراً ما أشار إلى ميوله العلوية ولعل ّأبرز ذلك إيراده لحديث "من كنت مولاه فعلي مولاه " فهذا الحديث الذي استشهد به ابن الصغير على خصومه اعتقاداً بصحته في ذلك الوقت بذات، دليل على علوته، لأن هذا الحديث ظل مدار مناقشة المحدِّثين إلى يومنا هذا تقريباً بين معترف بصحته ورافض لذلك (3) فالشيعة العلويون بطبيعة الحال مؤمنون بصحة الحديث لأنه يخدم معتقداتهم وبالتالي فابن الصغير لم
__________
(1) / نفسه ص45.
(2) / نفسه ص38.
(3) / الألباني محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها و فوائدها ج4، ط2، المكتبة الإسلامية عمان 1404ه/1983م، ص330 وما بعدها. (1/12)
صفحة 13
يستشهد بهذا الحديث إلا لكونه علوياًّ شيعياًّ، معتدلاً في نظرنا، هذا بالإضافة إلى ذكره بأن خطيب الجمعة في تيهرت كانت خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (1).
إننا نرجّح هذا وهذه الأدلّة ونحن نشعر يقينا أن المسألة ما زالت بحاجة إلى أقلام و بحوث، فلعل اجتهادنا يكون حافزا لغيرنا للتدقيق في الأمر أكثر.
ونختم إجمالاً بالقول أنّ ابن الصغير لم يكن من مواليد تيهرت، وإنما قصدها في أواخر أيام أبي اليقظان، فاستوطنها كما استوطنها الغرباء الذين تحدث عنهم، لذلك كان الشطر الأول من كتابه إخباراً وروايات استقاها ممن يثق بهم من الإباضية والشطر الثاني منه مشاهدته الخاصة. وبالنسبة لمذهبه فهو شيعي معتدل غالبا.
أما إذا جئنا إلى كتابه، فإننا نفاجأ بداية بتعدد عناوينه، مثل "أخبار الأئمة الرستميين "، "تاريخ ابن الصغير "،"سيرة ابن الصغير"، وقد استعملت هذه التعابير كلها في الكتابات الحديثة، إلا أن أول نشر له من قبل الأستاذ موتيلانسكي يحمل هذه العبارة "ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير" (2)، فلعل الكتاب الذي بين أيدينا اليوم ناقص، وهو ما يمكن فهمه من شبه عنوانه أو افتتاحيته المذكورة، فذكر بعض الأخبار المنقولة من ابن الصغير لا تعني إلا انتقاء أخبار دون أخرى، وإلى هذا تشير الدكتورة وداد القاضي فتقول بأن كتاب ابن الصغير وصلنا ناقصاً إذ يسكت فجأة في إمامة أبي حاتم يوسف دون أن يشير إلى
__________
(1) / ابن الصغير ص47،32.
(2) / Actes du 14e congres internationl opcit,p. 9 (1/13)
صفحة 14
نهاية الرستميين، وتعلل هذا بقولها إن ابن الصغير لما تحدث عن فرص يعقوب بن أفلح الأشقر قال "لم يكن بالمغرب مثله قبله ولا بعده به يضرب المثل إلى اليوم " (9). وتقول الدكتورة علماً بأن الإمام يعقوب تولى الإمامة مباشرة قبل أبي حاتم فقوله "إلى اليوم" تعني بعد مدة ليست بالقصيرة .... (10).
ويعتبر كتاب ابن الصغير المرجع الأول، وربما الوحيد لتاريخ الأسرة الرستمية، ويتهم الشيخ محمد مبارك الميلي لغته بالعامية (11)، فهي إن كانت في بعض الألفاظ كذلك، فالكتاب ككل لا يمكن وصف أسلوبه بالعامية في نظري، الدكتور محمود إسماعيل إن "أسلوبه
ومنهجه كما يتضح في تاريخه للدولة الرستمية ينم عن طول باع في ميدان التاريخ " (12).
ويبدو أنّ ابن الصغير ألّف كتابه حوالي سنة 290ه حسبما يرى ذلك مترجم الكتاب وناشره الأستاذ موتيلا نسكي (13)، ويؤكد كل من الأستاذ ليفسكي (14) ووداد القاضي (15)، إذ تنتهي أحداث الكتاب في حكم أبي حاتم
__________________
(9) ابن الصغير ص 43.
(10) وداد القاضي: ابن الصغير مجلة الأصالة عدد45، ص40، من المعلوم أن الإباضية لا يعترفون بإمامة يعقوب بن أفلح، وكذا إمامة اليقظان بن اليقظان وكلاهما قفز إلى الإمامة دون مساندة من الإباضية فهم يتوقفون عند الإمام أبي حاتم "قتل سنة 294ه"فلعل هذا هو السبب في إهمال الأحداث الأخيرة للدولة الرستمية وذلك بعدم استنساخ الإباضية لها، خاصة وأن المخطوط الذي وجده موتيلانسكي إنما وجده ميزاب ومن هنا كانت العبارة "ذكر بعض الأخبار".
(11) الميلي محمد مبارك: تاريخ الجزائر القديم والحديث، ج2، الجزائر 1350ه/ص69.
(12) محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، بيروت، 1976، ص.9.
Actes du 14é Congrès, op cit p .4 ... (13)
Lewicki T. :l’Etat nord – africain de Tahert et ses relations avec le soudan occidental cahiers. ... (14)
(15) وداد القاضي: مجلة الأصالة عدد45، م40. (1/14)
صفحة 15
الذي امتد إلى سنة 294ه، ولم يشر إطلاقاً إلى اليقظان بن أبي اليقظان، هذا إذا اعتبرنا الكتاب الذي بين أيدينا كاملاً لم يسقط منه آخره.
أما إذا تحدثنا عن محتويات الكتاب فالحقيقة أن ابن الصغير جمع أخبار الأئمة الواحد تلو الآخر بالترتيب، وأطنب في الحديث عن بعض الفتن، كفتنة ابن عرفة أو المنافسة التي جرت بين الإمامين أبي حاتم وعمّه يعقوب على السلطة (16)، حتى ليخيل للقارئ أن ابن الصغير إنما ألف تأليفه لذكر الفتن والثورات التي مرت بها تيهرت، ابتداء من الإمام الثاني عبد الوهاب إلى الإمام أبي حاتم يوسف. واعتمد ابن الصغير في كتابة تاريخه على مصدرين: الرواية الشفوية وهي تسيطر على الجزء الأكبر من كتابه، والمشاهدة التي لا تبدأ قبل فترة أبي اليقظان الذي عاصر ابن الصغير أيامه الأخيرة، وفي الرواية الشفوية يذكر ابن الصغير أحد رواته وهو أحمد بن بشير (17) الذي يبدو ابن أحد المقرّبين من الإمام أبي اليقظان، مما يضفي أهمية على أخباره ومما يجعل مصادره قريبة من الأحداث التي يؤرخ لها.
إن الأمانة العلمية التي التزم بها ابن الصغير لم تمنعه، كما تقول وداد القاضي من ممارسة حسه النقدي للروايات بصفته مؤرخا. وهذا ما يمكن ملاحظته في الروايات التي رواها، وتدور حول موضوع خطير في ذاته، خطير في نتائجه وجدته، إذ يشعر ابن الصغير بالتحرّج الشديد "وقد ظهر منه ذلك مرتين: الأولى عندما جاء في الرواية أن أفلح بن عبد
--------------------
(16) ابن الصغير: ص 31 وما بعدها، 53 وما بعدها.
(17) ابن الصغير: ص48، و أنظر قبلها ص 45. (1/15)
صفحة 16
الوهاب عمد إلى سياسة فرق تسد ..... والمرة الثانية في قصة تأليب وجوه الرستميين لأبي بكر بن أفلح ضد ابن عرفة .... فالرواية هنا ذهبت إلى أن أبا اليقظان بالذات هو الذي قام بتحريض أبي بكر علي بن عرفة وباقتراح منه .... " (18).
ويكاد يخلو كتاب ابن الصغير من ذكر التواريخ، أو ذكر أخبار الدولة الرستمية خارج تيهرت، وكأنه خصّصه لتاريخ تيهرت لا غير. وإذا أردنا ختاماً تقيم المؤلف على ضوء كتابه، وقيمته التاريخية، فإنه لا يسعنا إلا إعادة تكرار ما قالته الدكتورة وداد القاضي من أن "القراءة الدقيقة لتاريخ ابن الصغير تدل على أن ابن الصغير لم يكن مجرد رواية للتاريخ وإنما كان مؤرخا حقاًّ " (19). لهذه الأسباب كلها وللأهمية المذكورة للكاتب والكتاب نقوم اليوم بتقديمها رغم عدم عثورنا على المخطوط. ونشير الى أننا أمام اختلاف وتعدد عناوين الكتاب رأينا ترجيح هذا العنوان:
* أخبار الأئمة الرستميين *
لأنه الأقرب إلى نص الكتاب، وهو الأقرب إلى شبه العنوان الذي ظهر به أولاًّ.
__________________
(18) وداد القاضي: الأصالة عدد45، ص44
(19) نفس المرجع ص49 وأنظر كذلك الدكتور محمود إسماعيل: الخوارج، حيث يقول إن ابن الصغير ن مؤرخ دقيقا نابها ص 9. (1/16)
صفحة 17
تاريخ *ابن الصغير*
عن أئمة تاهرت الرستميين
تأليف: موتيلانسكي
ترجمة د/ محمد ناصر
في دراسة منشورة سنة 1885 تحت مدرسة الآداب بالجزائر، قدمت معلومات موجزة عن أئمة تاهرت الرستميين منسوبة إلى مؤرخ يدعى " ابن الصغير".
وسأقدم هنا ترجمة للنص الكامل لهذا المخطوط الذي لا يوجد منه -حسب علمي- سوى نسخة وحيدة بوادي ميزاب، وكان المفروض أن تصحب (الترجمة) معلومات وافية عن الاصول العقائدية والتاريخية للإباضية .... عن بداية وتطور المذهب في المغرب (الإسلامي) .... معلومات عن الاحداث التي سبقت أو ساعدت على تأسيس تاهرت، ولكن هذا العمل كما يبدو في إطاره المحدود الضيق ان هو سوى مساهمة متواضعة في تاريخ الخوارج بإفريقيا وهو يحتاج الى دراسات أعمق مما دفعنا الى الإلحاح على بعض التساؤلات التي عولج بعضها بطريقة مجزأة، ولأهميتها فإني سأحيل (القارئ) الى سير أبي زكرياء المترجمة و الموثقة من طرف الفقيد (ماسكاري) (1).
وليسمح لي أن أذكر من بين المراجع، الدراسات المتواضعة التي قمت بها
__________________
(1) يشير هنا إلى كتاب "سير الأئمة وأخبارهم " المعروف بتاريخ ابي زكرياء وقد نشر مؤخرا بتحقيق إسماعيل العربي عن المكتبة الوطنية بالجزائر وكان قد ترجم
Emile masquery la chronique d’ Abou Zakaria Alger 1878 . " ماسكاري"، أنظر (1/17)
صفحة 18
عن اباضية الشمال الإفريقي وهي: القرارة منذ تأسيسها (2)، جبل نفوسة (3)، العقيدة الاباضية (4) وقد نشرت هذه الدراسة الاخيرة بالمجلد الذي صدر عن مدرسة الآداب بمناسبة انعقاد هذا المؤتمر الذي يجمعنا (5).
إنّ تاريخ ابن الصغير يعد من أقدم الوثائق المتعلقة بتاريخ اباضية المغرب ولا يمكن إدراجها ضمن تاريخ هاته السير المؤلفة من طرف المؤرخين الإباضيين، مثل سيرابي زكرياء، وطبقات الدرجيني، وجوهر البرادي، والسير للشماخي، وغيرها من الدراسات الثانوية التي تكون في مجموعها الأسس الحقيقية لتاريخ اباضية ميزاب، وإخوانهم بجربة، وجبل نفوسة، ذلك لأن عمل ابن الصغير هو عمل مؤرخ أجنبي عن المذهب يسكن تاهرت الرستمية تحت حكم آخر حاكمها، إن عمل ابن الصغير هو عمل مسلم لا ينتمي إلى المذهب الإباضي عاش تحت حكم الدولة الرستمية في آخر أيامها، دفعة حب الاطلاع الى جمع معلوماته عن عبد الرحمان بن رستم وخلفائه من أفواه إباضية تاهرت انفسهم.
إن تاريخ ابن الصغير يتوقف عند حكم أبي حاتم يوسف الذي خلف أباه أبا اليقظان سنة (281ه) وقد خلع أبو حاتم من الحكم وخلفه يعقوب بن أفلح ثم عاد الى الحكم مرة ثانية، وابن الصغير لا يخبرنا عن الحوادث العنيفة المأساوية التي سبقت بسنة أو بسنتين تدمير تاهرت من طرف الداعية أبي عبد الله (الشيعي) سنة (296ه) مما يدل على أن ابن الصغير كتب تاريخه سنة (290ه).
--------------
Guerrara .depuis sa fondation(2) يشير الى كتابه:
Le Djebel Nefousa(3) أنظر مؤلفه:
L’ aquida des Ibadhites, receui de memoires et de textes pudlie’ en l’ honneur du xlv conge’ internationa(4) أنظر:
des oirentalistes,Alger1905 . Paris, 1908
(5) يعني به المؤتمر العالمي للمستشرقين المنعقد بالجزائر في سنة1905م. (1/18)
صفحة 19
وإذا نظرنا إلى قيمة هذا العمل من حيث هو تاريخ عام للإباضية فإنه لا يكتسب هذه القيمة التي يكتسبها تاريخ أبي زكرياء، بل هو أشبه ما يكون بحكاية موجزة عن أمراء الرستميين كما هو وصف لمدينة تاهرت الاباضية، ووصف لحياتها ونزاعاتها الداخلية والخارجية هذه النزاعات التي أدت الى سلسلة حروب طويلة بين الإخوة، ومع ذلك فإن هذه السيرة تبقى ذات أهمية لمن يريد معرفة بعض الحوادث والأخبار الفي مرّ عليها المؤرخون الإباضيون مرور الكرام أو أنهم أغفلوها محافظة على دور الزعامة الدينية تنزيهاً وحرصا على عدم الاضرار بسمعة المذهب (6).
أسست تاهرت سنة 144ه من طرف عبد الرحمن بن رستم في الظروف التي يعرفها الجميع، وسرعان ما ازدهرت وكثر سكانها المتكونون أساسا من جماعة قادمة من نفوسة تابعة إمامها (عبد الرحمن) ومن بعض المهجرين من إفريقيا، غير أن الإباضية المتجمعين في المدينة الجديدة لم يسندوا الإمامة الى عبد الرحمن إلا حولي سنة 160ه أو 162ه حسب أبي زكرياء.
فورنيل ( Fournel) يظن أنه من المنطقي اعتبار حكم عبد الرحمن يبدأ من السنة نفسها التي أسست فيه تاهرت (البربر. ص: 90.91) (7) (،انه على العكس تماما اذ من الطبيعي اعتبار بداية إمامته سنة 160ه، والواقع أنه ينبغي ألا ننسى أن أبا حاتم الملزوزي- الذي يعتبره المؤرخون السنيون مجرد زعيم لثورة البربر- قد عينه الإباضية (امام للدفاع) سنة 145ه واستطاع بذلك أن يتزعمهم ويجمع حوله كل قوى الخوارج حتى
__________________
(6) يبدو موتيلانسكي هنا مبالغا لأن ما ورد في تاريخ ابن الصغير عن الفتن الداخلية لا يختلف عما ذكره أبي زكرياء مثلا.
(7) لم نهتد إلى هذا المصدر المشار إليه هنا. (1/19)
صفحة 20
سنة 155ه السنة التي قتل فيها أبو حاتم بمكان يدعى (جنبي) وذلك من طرف جنود يزيد بن حاتم.
هذه الكارثة التي أدت -حسب النويري- إلى إفناء ثلاثين ألفاً من البربر وهي ضربة موجعة للخوارج إذا كانت السبب، غالباً في حركة الهجرة من نفوسة و من هوارة ومن القبائل الأخرى نحو المغرب الأوسط فرار من سلطة يزيد بن حاتم، وهكذا تجمّع الإباضية حول عبد الرحمن بن رستم، وذبلك تزايدت جماعاتهم وارتفع سكان مدينة تاهرت مما سمح بسكان المدينة والبادية الإباضيين بمنح اسم (الامام) لزعيمهم عبد الرحمن بن رستم، وهكذا تأسست في قلب المغرب مملكة بربرية يحكمها أمراء إباضيون من أصل فارسي، ويتتابعون في الحكم حتى سنة (296ه).
المؤرخون يذهبون الى أن إمامة عبد الرحمن دامت ست أو ثماني سنوات، ولكن المؤرخ ابن الصغير يخبرنا ببساطة و بحسن النية، ويالأسف بأنه نسي عدد سنوات حكم عبد الرحمن، وبشهادة الجميع فإن عبد الرحمن كان مثالاً للبساطة والزهد والنزاهة، ويخلفه ابنه عبد الوهاب الذي حكم مدة طويلة دامت أربعين سنة وكان السنوات الأولى لحكمه هادئة سعيدة، ولكن سرعان ما كثرت النزاعات، والصراعات المتسترة بنظريات دينية حول الامامة وأحقيتها ــــ وهي التي طالما حللّها أبو زكرياء- كما راح عنصر البدو يطمحون ــــ كما كانوا يفعلون ذلك في النجود والصحراء ــــ إلى القيام بدور بارز في تسيير شؤون المدينة والتأثير مباشرة في الإمامة، وهنا نرى أول انشقاق داخل المدينة ويتولد عنه ظهور فرقة (النكار) وهكذا سال الدم من هنا وهناك، مما أدى إلى قتل ميمون بن عبد الوهاب من طرف المنشقين، وحسب رواية أبي زكرياء فإن الإمام نفسه لم يفلت من ضرباتهم إلا بفضل حزمه، ويقظته، إن المدينة البربرية حيث كان الاتحاد (1/20)
صفحة 21
والوفاق سائدا أصبحت لها صفوفها وقد أخذ التفرق والتحزب يعمل حتما على انهيار المملكة.
وخلف أبو سعيد أفلح أباه عبد الوهاب، وكان حكمه أطول حكم عرفته الدولة الرستمية إذ دام خمسين أو ستين سنة، كان متصفا بالحزم والشجاعة، وقد تهيأ للزعامة بفضل الحروب التي لعب فيها دوراً ملحوظاً، وقد تخول للتسيير قبل وفاة أبيه واستطاع أن يحكم بكل جدارة واستطاعت تاهرت أن تشهد في عهده تحولا هاما، وبفضل حنكته السياسية استطاع أن يجمع حوله القبائل ويحصل على هيبتها مع المحافظة على السلم والاستقرار بين الإباضية وغيرهم من سكان المدينة أما أبو بكر ابن أفلح فلم يصل الى الحكم، بعد وفاة أبيه إلا بفضل غياب أخيه ابي اليقظان الذي سجنه العباسيون حين ذهابه لأداء فريضة الحجّ (8)، وكان أبو بكر فارسا وسيما يحب الآداب واللهو، ولا يملك صرامة أسلافه مما جعل صهره محمد بن عرفة يسيره كما يشاء.
وبعد عودة أبي اليقظان من المشرق أخذ يتهيأ في سرية تامة للوصول الى الحكم متظاهرا بالاحترام التام لأخيه، وكان يعمل جاهدا لاكتساب الشعبية، واستطاع بذلك أن يجمع حوله جماعة نفوسة ذات الأهمية فهي معروفة بمساندتها الدائمة للأسرة المالكية الرستمية، وأغرى أبو اليقظان أخاه ليتخلص من محمد بن عرفة الذي بدأ يقلقه، ولكن اغتيال هذه الشخصية التي كان لها تأثير معتبر في المدينة أدى إلى حرب أهلية طويلة.
وهكذا اضطر ابو بكر الى مغادرة المدينة حيث أصبحت الفوضى ضاربة أطنابها لعدة سنوات.
__________________
(8) سجنه الواثق مع أخيه المتوكل ببغداد ثم أطلق سراحه هذا الأخير لعد توليته للحكم (1/21)
صفحة 22
أما ابو اليقظان فقد أوى قبيلة (لوته) مع نصرائه الذين استطاع أن يكسبهم الى جانبه وهنا نصب إماما، ووجد نفسه ملزما بالعودة الى المدينة والاستعانة بقوات نفوسة وطرابلس، وبمساعدتهم استطاع أن ينتصر على آخر المقاومين، ويأخذ السلطة نهائيا.
إن كتاب السير أغفلوا الحديث عن نهاية أبي بكر كيف كانت، وابن الصغير يقرر أن مدة حكم أبي اليقظان دامت أربعين سنة، ويحدد سنة موته بعام (281ه).
ويخلف أبا اليقظان ابنه حاتم يوسف الذي جاءت به الى الحكم إحدى الفرق بالمدينة دون موافقة القبائل الأخرى وهو ما جعل مدة حكمه –التي يقول المؤرخون أنها دامت إحدى عشر سنة – مليئة بالحروب الأهلية الدامية.
إن موقعة (مانوا) (9) (283ه) كانت الضربة القاضية للخوارج في المغرب الشرقي وهزت سلطة بني رستم في جميع الأنحاء.
إن أسرة بني رستم أصبحت متعددة منقسمة على نفسها بسبب الإحن والحروب وهو ما ساعد ولا شك، على إضعاف سلطة الحكام الرستميين وأصبحت القبائل تملك سلطة مصير الحكام الذين أصبحت تعنيهم كما تشاء وتهوى، وبهذه الصفة رأينا طرد أبي حاتم من المدينة والتجاءه إلى قبيلة هوارة المتحالفين معه لحرب عمه يعقوب بن أفلح الذي عين إماما خلفا له، استطاع عزله بدوره وبمساعدة القبائل دائما استطاع استرجاع الحكم.
وهنا يتوقف تاريخ ابن الصغير، ونستطيع عن طريق أبي زكرياء أن
__________________
(9) أنظر تفاصيل هذه الواقعة بتاريخ أبي زكرياء. ت. اسماعيل العربي الجزائر 1979. ص 103. (1/22)
صفحة 23
نعرف أن يعقوب بن أفلح استطاع الفرار من تاهرت ابان سقوطها في شوال من سنة (296ه) ويلجأ إلى المدينة ورجلان مع ولده أبو سليمان.
أما بنسبة لأبي حاتم الذي يذكره أبو زكرياء في الصفحات (217 - 218) (10) فإن حكمه انتهى بعد قتله من طرف أخيه اليقظان أو من طرف أبناء هذا الأخير ونعلم أن اليقظان –الذي لم يستطع الحفاظ على الحكم الا مدة قليلة – قتله الداعي أبو عبد الله الشيعي مع عدد كبير من عائلة بني رستم.
وهكذا تزول تاهرت الإباضية بعد (152سنة) من الوجود وتخمد دولة بني رستم التي طبقت الإمامة مدة (134 أو 136سنة).
إن تسلسل الأحداث التاريخية لهذه الأسرة ما يزال غير ثابت، ولا يمكن الاطمئنان الى التواريخ التي يقدمها ابن الصغير أو آخرون عن مدد حكم الأمراء الرستميين إن هذه المدد ثلاثون .... أربعون ..... أو خمسون سنة إن هي إلا أرقام عشرية تقريبية، والواقع أن المرء يستطيع بعد جمع هذه الأرقام التي تؤرخ مدة حكم الرستميين ــــ دون عدّ مدة أبي بكر ويعقوب ــــ أن يدرك أنّ مجموعها يتجاوز المدة التي عاشتها الدولة الرستمية نفسها، وفي هذا الشأن يمكن الرجوع إلى الجدول التاريخي الذي أعده
(رينيه باسية Rene Basse ) بعد مقدمة بحثه القيم مزارات جبل نفوسة (11).
__________________
(10) لم يوضح موتلانسكي هنا النسخة التي اعتمدها، وهي ولا شك مخطوطة لكن يمكن الرجوع إلى تحقيق إسماعيل العربي لكتاب سير الأئمة لأبي زكرياء ص99.
Basset R. les sanctuaires du djebel neffoussa, paris, 1889 (11) يشير هنا إلى كتاب (1/23)
صفحة 24
[صفحة بيضاء] (1/24)
صفحة 25
ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين
منقول من ابن الصغير.
ولاية عبد الرحمان بن رستم
أخبرني غير واحد من الإباضية عن من تقدم من آبائهم قالو لما نزلت الاباضية (1) مدينة تاهرت (2) وأرادوا عمارتها اجتمع رؤساؤهم فقالو قد علمتم أنه لا يقيم أمرنا إلا إمام (3)
__________________
(1) الإباضية فرقة من الفرق الإسلامية، يرجع بروزها إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ونسبت إلى عبد الله بن إباضي التميمي الذي كان في الحقيقة لا يصدر في أمره إلا عن الإمام جابر بن زيد الأزدي التابعي، إذ يعتبر هذا الأخير عند الإباضية أس المذهب وإمامه. واشتهرت الإباضية ضمن فرق الخوارج، فهي وإن كان ظهورها مرتبط بتلك الحركة، إلا أنها انشقت عنها لما ظهر غلو بعض المتطرفين من الخوارج، فبرزت فرقة مستقلة منفصلة عن الخوارج منذ بداية النصف الثاني من القرن الأول الهجري. أنظر الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2 ص205، الشماخيى: سير، ص77، عوض خلفيات: نشأة الحركة الإباضية، ص44 وما بعدها، مهدي هاشم طالب: الحركة الاباضية في المشرق، (رسالة ماجستير غير مطبوعة) بغداد، 1977. بحّاز ابراهيم: الدولة الرستمية (رسالة ماجستير نوقشت في بغداد سنة 1983م)، ص73 - 80.
(2) من المعلوم أن الإباضية نزلوا موضع تاهرت، وهم الذين بنوا المدينة فيما بعد، وليس كما يمكن أن يفهم من نص ابن الصغير الذي جعل تاهرت مدينة مبنية نزلها الإباضية. ولا بد من الاشارة إلى أن لفظ تيهرت أضبط من تاهرت، كما أن تيهرت أو تاهرت مدينتان قديمة وحديثة، وتقع تيهرت (العاصمة الرستمية) على بعد 9كيلو مترات من تيهرت اليوم، وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي منها بحوالي 430كلم وتفصلها مسافة 240كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي منها. أنظر البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية و المغرب، ص67 - 68،أبو الفداء: تقويم البلدان، ص138 أبو زكرياء: سير، ص53،أطفيش: الرد على العقبي، ص70 وأنظر خاصة بحاّز ابراهيم: الدولة الرستمية، الفصل الثاني م الباب الأول ص81 وما بعدها.
(3) تنقسم الإمامة عند الإباضية إلى أربعة أقسام تعرف بمسالك الدين وهي إمامة الظهور والدفاع والشراء والكتمان. أنظر شروح هذه الأنواع من الإمامة في مقدمة التوحيد لأبي حفص عمر بن جميع، ص69 - 72،عوض خلفيات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، ص109 - 113،بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص79 - 80. والجدير بالذكر أن نص ابن الصغير يشير إلى إمامة الظهور. (1/25)
صفحة 26
نرجع اليه في أحكامنا وينصف مظلومنا من ظالمنا ويقيم لنا صلاتنا ونؤدي إليه زكاتنا ويقسم فينا، فقلبوا أمرهم فيما بينهم فوجدوا كل قبيل منهم فيه راس أو راسان أو أكثر يدبر أمر القبيل ويستحق أمر الإمامة فقال بعهم لبعض أنتم رؤساء ولا نأمن أن يتقدم واحد على صاحبه فتفسد نيته ولعل المقدم أن يرفع أهل بيته وعشيرته على غيرهم فتفسد النيات ويكثر الاختلاف ويقل الائتلاف ولكن هذا عبد الرحمان بن رستم (4) لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه وقد كان الإمام أبو الخطاب (5) رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا فقلدوه أموركم فان عدل فذلك الذي أردتم وإن سار فيكم بغير عدل عزلتموه ولم تكن له قبيلة تمنعه ولا عشيرة تدفع عنه. فأجمعوا رايهم على ذلك ثم نهضوا إليه .............. مبايعته إمام،
------------------
(4) عبد الرحمن بن رستم (160ه-171ه) مؤسس الدولة الرستمية، تكاد المصادر جميعا تتفق على أن عبد الرحمن فارسي الأصل حتى الذين عاصروا الرستميين مثل اليعقوبي تجعلهم من الفرس إلا أن ابن الصغير لا يشير صراحة إلى هذا النسب وإنما يذكر أنّ عبد الرحمن لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة تحميه. أما المسعودي فيرى أن الرستميين من الأشبان الذين أختلف في نسبهم فمنهم من يقول أنهم من ملوك فارس الأولى، ومنهم من يذهب إلى أنهم من ملوك الأندلس اللذارقة (جمع لذريق) والمسعودي من هذا الرأي الأخير، حول نسب عبد الرحمن بن رستم أنظر بحاّز ابراهيم: الدولة الرستمية، الفصل الثاني من الباب الأول (عبد الرحمن بن رستم حياته ونسبه) ص92وما بعدها. وارجع إلى اليعقوبي: البلدان، ص104، المسعودي: مروج الذهب، ج1،ص186، 357 - 358
(5) أبوا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، أحد حملة العلم من الإباضية إلى المغرب أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الكتمان في البصرة بعد جابر بن زيد الأزدي. التقى أبو الخطاب اليمني ببعثة المغرب في مدرسة البصرة وتتكون تلك البعثة من عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وأبي داود القبلي النفزاوي وإسماعيل بن درار الغدامسي. مكث الجميع في البصرة عند أبي عبيدة مدة خمس سنوات (135ه-140ه) فتكونت بذلك، ما يعرف عند إباضية المغرب، بحملة العلم الخمسة. ولما همت البعثة بالرحيل والعودة إلى المغرب لنشر المذهب الإباضي اقترح عليها شيخها أبو عبيدة إن آنسوا من أنفسهم قوة أو أرادوا إعلان إمامة إباضية، أن يعقدوها لأبي الخطاب وكان كما اقترح إذا بويع أبو الخطاب بالإمامة سنة 140ه واستطاع أن يدخل القيروان سنة 141ه، فعين عبد الرحمن بن رستم والياً عليها أو قاضيا وناظراً بتعبير ابن الصغير. أنظر: أبو زكرياء: سير، ص37، الدرجين: طبقات، ج1،ص 19 - 23 - 29. محمد إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص64 - 65، بحاّز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص65. (1/26)
صفحة 27
بأجمعهم وقالوا يا عبد الرحمن رضيك الإمام في ابتدائنا (6) ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا فقد علمت أنه لا يصلح امرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا ونحكم عنده فيما ينوب من اسبابنا. فقال لهم إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا لي ولتطيعوني فيما وافق الحق وطابقه قبلت ذلك منكم فعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم وقدموه على أنفسهم والقوا إليه بأيديهم. فسار بهم بسيرة جميلة حميدة أولهم وآخرهم ولم ينقموا عليه في أحكامه حكما ولا في سيره سيرة، (7) وسارت بذلك الركبان إلى كل البلدان، وكانت له قصص حاكوها لا يمكن ذكرها إلا على وجه، وإن أتم الصدق فيها ولا أحرفها على معانيها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروؤات ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل
__________________
(6) يشير هنا إلى تعيين أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري عبد الرحمن بن رستم والياً على القيروان سنة 141ه.
(7) تكاد رواية ابن الصغير توافق الرواية الإباضية فيما يخص تولية عبد الرحمن بن رستم أنظر: أبو زكرياء: سير، ص53 - 54، الدرجيني: طبقات ج1 ص41. (1/27)
صفحة 28
بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم، ولا حسن سيرهم، لما نعلمه من براءتهم ممن والاه رسوا الله صلى الله عليه وسلم وقال (من كنت مولاه فعلي مولاه) (8).
أخبرني غير واحد من وجوه الإباضية سلفهم، لما ولي عبد الرحمن بن رستم ما ولي من أمور الناس شمر ميزره ............... عدل عبد الرحمن واحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم، فطار ذلك في أطراف الأرض مشارقها ومغاربها حتى اتصل ذلك من إخوانهم من أهل البصرة (9) وغيرها من البلدان، فلما علموا ذلك من أمره جمعوا أموالاً عظيمة وبعثوا بها مع نفر من ثقاتهم، .................. معونة إباضية المشرق لعبد الرحمن وقال بعضهم لبعض: قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا، وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي سكنها فإن كان على ما نقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته فادفعوها إليه، وإن كان على غير ذلك فانظروا إلى أفعاله وما يتولاه من الاحكام بين رعيته ثم آتونا بذلك كله، فمضى القوم حتى اتوا
__________________
(8) حديث {من كنت مولاه فعلي مولاي، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه} حديث صحيح أخرجه الترمذي، المجلد الرابع صفحة 327، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ويذكر ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة هذا الحديث تحت رقم 1750.وبعد ذكره عدة طرق للحديث قال {وللحديث طرق أخرى كثيرة، جمع طائفة كبيرة منها الهيثمي في المجمع، وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها مما يقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحو الحديث يقيناً، وإلا فهي كثيرة جداً ... قال الحافظ ابن حجر منها صحاح ومنها حسان} الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ط2، م4، المكتبة الإسلامية عمان، الدار السلفية الكويت 1404ه/1983م. ص330 - 343.
(9) يقصد هنا إباضية البصرة، إذ من المعلوم أن البصرة هي مهد الإباضية ومنها انطلق المذهب الإباضي نحو مختلف الآفاق. (1/28)
صفحة 29
المدينة ونزلوا المصلى الذي به اليوم قبر (10) مسالة، فأناخوا جمالهم ووضعوا أحمالهم وتقدموا مع القادمين معهم حتى دخلوا من الباب المعروف بباب الصفا (11). يسألون كل من لقوه من الناس عن دار الإمام عبد الرحمن، حتى وقفوا عليها وأصابوا عند بابها غلاما يعجن طينا ورجلا على سطح يصلح شقاقا فيه، والغلام يناوله ما يصلح به فسلموا على الغلام فرد السلام ثم قالوا هذه دار الإمام؟ فقال نعم، فقالوا له استأذن لنا منه وأعلمه أنا رسل إخوانه إليه من البصرة، فرفع الغلام رأسه إلى سيده وقد علم أنه سمع كلامهم، فقال قل للقوم يصبروا قليلا، ثم أقبل على ما كان عليه من إصلاح عمله حتى انقضى والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أم لا، حتى نزل عن سطحه إلى داره فغسل ما كان بيده من أثر الطين ثم توضأ وضوء الصلاة فأذن للقوم فدخلوا عليه فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه ورمحه وفرس مربوط في ناحية من داره، فسملوا عليه وأعلموه أنهم رسل إخوانه إليه، فأمر غلامه بإحضار طعامه فأتاه بمائدة عليها قرص سخنت وسمن وشيء من الملح، فأمر بتلك القرص فهشمت وأمر بالسمن فلثت به، ثم قال على (اسم الله) أدنوا وكلوا ثم أكل معهم
--------------
(10) في نسخة الشيخ أبي اليقظان وردت (بئر مسالة) ولعل ذلك من تصحيحاته.
(11) من المعروف أن لتيهرت أربعة أبواب فبالإضافة إلى باب الصفا الذي ذكره ابن الصغير هناك باب الأندلس وباب المنازل وباب المطاحن، أنظر البكري: المغرب ص66، الباروني: الأزهار الرياضية، ج2، 27. (1/29)
صفحة 30
بأكلهم، فلما انقضى طعامهم قال: ما مرادكم وما جاء بكم؟ فقالوا نحب أن تأذن لنا حتى نخلوا فيما بيننا ثم نكلمك بعد ذلك فقال افعلوا فجلسوا نجيا فقال بعضهم لبعض يكفينا من السؤال عنه ما رأينا منه من إصلاحه لداره بنفسه، ومطعمه وملبسه، وحلية بيته، فما نرى إلا أن ندفع إليه المال ولا نشاور أحدا فيه وكان الذي معهم من المال ثلاث أحمال. فأجمع رأيهم على حمل المال إليه، ورجعوا إليه ثم أقبلوا عليه، فقالوا، أعزك الله، معنا ثلاثة أحمال من المال بعث بها إليك إخوانك لتنفق بها على زمانك وتصلح به شأنك، فقال هذه الصلاة قد حضر وقتها ونحن نخرج الى المسجد الجامع فنصلي بالناس ونعلمهم بما جئتم به، فقالوا الأمر إليك فخرج وخرجوا حتى اتوا المسجد الجامع فصلى بالناس فلما انصرف من صلاته نادى مناد ألا يتخلف من كل قبيلة وجوههم ففعل الناس ذلك، فلما انفض الناس وبقي من يفوض إليه الأمر من وجوههم، قال للرسل أعلموا إخوانكم لما جئتم له؟ فأعلموهم بمثل ما أعلموه، ثم عطف على الناس فقال ما ترون، فقالوا إن هذا رزق ساقه الله إلينا من طوع إخواننا بلا سؤال منا فنرى أن ترسل إلى هذا المال وتحضره بين يديك فتجعل منه ثلثا في الكراع (12) وثلثا في السلاح وثلثا في فقراء الناس وضعفائهم فقال للرسل قد سمعتم ما يقول إخوانكم فما تقولون؟ قالوا نقول
__________________
(12) الكراع اسم يجمع الخيل والسلاح وربما المقصود به في نص ابن الصغير الخيل فقط. أنظر ابن منظور: لسان، م3، ص245. (1/30)
صفحة 31
سمعا وطاعة، فأحضروا المال فقال عبد الرحمن أريد أن تقيم حتى يصرف المال في وجوهه ثم تنصرفون إلى إخوانكم فتعلمونهم ذلك ثم جزّأوا المال اثلاثا امتثال ما عقدوا عليه وذلك بمحضر من الرسل ثم قال للرسل انصرفوا على بركة الله إذا شئتم (13) ................ رخاء وأمن الدولة الرستمية وأنه لما وصل من المال، واشتروا للقوم الكراع والسلاح وقوي الضعيف وانتعش الفقير حسنت أحوالهم وخافهم جميع من اتصل به خبرهم وأمنوا ممن كان يغزوهم من عدوهم ورأوا أنهم قادرون على غيرهم ومن كانوا يخافون أن يغزوهم، ثم شرعوا في العمارة والبناء وإحياء الاموات (14) وغرس البساتين وإجراء الأنهر (15) واتخاذ الرحاء (16) والمستغلات (17) وغير ذلك، واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الاقطار، فقال (18): ليس أحد ينزل بهم من الغرباء الا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم (19) لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة
__________________
(13) لا تختلف رواية ابن الصغير عن رواية المصادر الإباضية إلا في بعض الإضافات. أنظر أبو زكرياء: سير، ص54. الشماخي: سير، ص140.
(14) إحياء الأراضي الميّتة.
(15) النهر جمع أنهار ونُهُرٌ ونهور لذلك يكون {الأنهر} خطأ ابن منظور لسان، م3، ص728.
(16) الرِّحي تجمع على أرح وأرحاء ورحيّ ورِحي وأرحية والأخيرة نادرة لذلك يكون استعمال {الرحاء} خطأ. ابن منظور: لسان، ج1، ص1144.
(17) المستغلات وردت في الأصل المستقلات وهي لا معنى لها. أما المستَغلّات فهي من أ صل كلمة غلة ومعناها الدخل من كراء دار وأجر غلام وفائدة أرض، واستغلال المستغلات: أخذ غلتها. وأغلت الضيعة: أعطت الغلّة. ابن منظور: لسان، ج2، ص1010.
(18) فاعل الفعل {قال} ضمير مستتر تقديره من أخبر ابن الصغير من وجوه الإباضية وكثيراً ما يستعمل ابن الصغير هذه الطريقة فيذكر الفعل {قال} أو {قالوا} ويهمل الفاعل.
(19) وردت في الأصل أظهارهم وهي خطأ لأن جمع {ظهر} أظهر وظهور وظهران. ابن منظور: لسان، ج2، ص655. (1/31)
صفحة 32
إمامه وعدله في رعيته و أمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى داراً الا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، ............. الازدهار التجاري والعمراني وهذا مسجد الكوفيين واستعملت السبل إلى بلد السودان (20) وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة، فأقاموا على ذلك سنتين أو أقل من ذلك أو أكثر، والعمارة زائدة والناس والتجارة من كل الأقطار، فلما كانت السنة الثالثة اجتمعت الإباضية بالمشرق وتراسلوا فيما بينهم، وقدم القوم وجمعهم البصرة فقال بعضهم لبعض، إذا اتصلت بهم الأخبار من كل الأقطار مع ما جاءتهم به رسلهم مما عاينوه وشاهدوه، امامكم بالمغرب خلف من أبي بلال مرداس بن ادية (21) ومن أبي حمزة الشاري (22)، فلا تدخروا عنه مالا ولا تحسبوا عنه
__________________
(20) السودان كلمة أطلقها الجغرافيون العرب المسلمون وهم أول من أطلقها على الشعوب السوداء التي تسكن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والراجح أن الكلمة مستوحاة من لون بشرة تلك الأقوام. وينقسم السودان إلى ثلاثة مناطق هي: السودان الشرقي والسدان الأوسط والسودان الغربي، ولعل ابن الصغير يشير إلى السودان الأوسط والغربي. أنظر الكتب الجغرافية القديمة مثل بلدان اليعقوبي أو مسالك وممالك الإصطخري وابن خرداذبة وغيرهم، وراجع دائرة المعارف الإسلامية مادة السودان م12 ص347،334،327. بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية،206 وما بعدها.
(21) أبو بلال مرداس بن أدية التّميمي، من الشراة الإباضية الذين ثاروا ضد ولاة بني أمية في المشرق. أنظر ترجمته في: المبرد أبو العباس محمد بن يزيد: الكامل في اللغة (باب الخوارج)، ص52، 82.الدرجيني: طبقات، ج2، ص214 ــ 226. عوض خليفات: نشأة، الحركة الإباضية، ص65 وما بعدها.
(22) أبو حمزة الشاري هو المختار بن عوف الأزدي، قام بثروة عارمة في الحجاز في أيام الخليفة الأموي مروان بن محمد (127ـــ132ه). أنظر ترجمته في ابن الأثير: الكامل، ج4، ص 316، 314، 307، 297. الدرجيني: طبقات، ج2، ص258 ــــ272، عوض خلفيات: نشأة، ص117 وما بعدها , (1/32)
صفحة 33
عطاء وابعثوا إليه بجميع ما بأيديكم ليتقوى به على دينه ودنياه، فإنكم تنالون بذلك شرفا عاجلا وغناء آجلا، فأجمع ............. المعونة الثانية ورفض عبد الرحمن قبولها رايهم على أن يوجهوا إليه بعشرة أحمال من المال وأرسلوا إلى رسلهم الأولين وأعلموهم بما جمعوه من المال، وإن ذلك كله في سر وخفاء من العمال والأجناد لئلا يطلعوا عليهم فيهلكوهم، وسألوهم كتمان ذلك فأجابتهم الرسل إلى ما دعوهم إليه من حمل الأحمال وتوجيههم بها إلى عبد الرحمن، فلم تزل بذلك حتى أتت البلد ونزلت بالموضع الذي نزلت به أولا، ثم توجهت نحو عبد الرحمن فوجدوا الأمور قد تبدلت وأحوال المدينة والأشياء قد حالت وذلك انهم نظروا إلى القصور قد بنيت وإلى بساتين قد غرست و إلى أرحاء قد نصبت و إلى خيول قد ركبت وإلى حفدة قد اتخذت السور (23) والعبيد والخدام قد كثرت فلما رأوا ذلك تحولت نياتهم إلى أن قصدوا قصر صاحبهم فلقوه على ما عرفوا من التواضع فلم يعلموه بما أتوا به ولا ما حركهم إليه حتى لقوا رجالا ممن يثقون بهم في دينهم (24) ويسند إليهم في أمورهم فسألوهم عن أحوال عبد الرحمن هل تغيرت وعن أحكامه هل تبدلت، فقالوا بل هو على ما عاينتموه عليه، ما تغير ولا تبدل، ثم أعلموهم بما جاءوا به من المال وعدد الأحمال فقالوا لهم ادفعوها إليه فإنه لا يصرفها إلا في وجهها
----------------
(23) لعل المقصود بالسور هنا هو الأبنية إذ السور هو كل منزلة من البناء، أنظر لسان العرب، م2، ص 237 مادة سور.
(24) وردت في الأصل أديانهم وهي ضعيفة. (1/33)
صفحة 34
ومواضعها وما نحسبه يقبلها منكم، فأخذوا بقولهم ثم أتوا عبد الرحمن فسلّموا عليه وأعلموه بما قدموا به وبحال من خلفوه من إخوانه فسر بذلك، وسألهم هل هم مستضعفون أم هم مستظهرين (25)، وهل في سائرهم فقراء أو أصحاب فاقة، أم لا. فأعلموه أنهم مستترون غير ظاهرين، وانهم مستضعفون غير قادرين، وأن بجماعتهم مثل ما بجماعة الناس من الغناء والفقر، ثم وعدهم أن يحضروا المسجد الجامع بعد صلاة الظهر ليعلموا إخوانهم بما قدموا به، ففعلوا ذلك، فلما أنصرف الناس من صلاتهم، نادى منادي عبد الرحمن أن يتخلف وجوه الناس وينصرف سائرهم، ففعلوا ذلك، وكان عبد الرحمن قد أمر الرسل بإحضار المال إلى المسجد ليقف عليه ويرى عدده، ففعلوا ذلك، فلما انصرف عوام الناس، وتخلف وجوههم، أمر بالأحمال فأحضرت، ثم قال للرسل تكلّموا فتكلمت الرسل إلى الناس بمثل ما كلمت عبد الرحمن، فقالوا عبد الرحمن للناس ما ترون؟ قالوا الامر إليك، فقال إذا أردتم الأمر إليَ فإني أرى أن ترد هذه الأموال إلى أهلها فيدفعونها لمن يستحقها من فقرائهم وضعفائهم، فإنا إنما كنا قبلنا ما قبلنا منهم في أول بدء أمرهم للحاجة التي كانت بها إليه والفاقة التي لزمت عوام إخواننا، فالآن إننا مستغنون عن أموال غيرهم، فشق كلام
__________________
(25) يقصد بهذه العبارة أ إباضية المشرق في إمامة الكتمان أم في إمامة الظهور ارجع لمعرفة هذه الأنواع من الإمامة إلى: أبو حفص بن جميع: مقدمة التوحيد ص69ـــ72، عوص خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية، ص109ـــ113. (1/34)
صفحة 35
عبد الرحمن على الرسل وعلى جماعة من الناس فعاودوه على ذلك مرة بعد اخرى بالأيمان الغليظة فكرّرها (26) على نفسه إلا أقبل منها دينارا ولا درهما ولا أدخل في يده شيئا من ذلك، فلما استيأس الرسل والناس من ذلك، أمر برد الأموال إلى أهلها، وانصرف الرسل بالأموال حتى وصلتها، فعظم بذلك عند القوم حظ عبد الرحمن وزاده في قدره، ورأوا أنه طالبا دنيا لرغب في الأموال، فعند ذلك رغب القوم في إمامته ورأوا أنها فرض عليهم (27)، ............. النظام الإداري و الاقتصادي ثم لم تزل الرسل تختلف وتطلع الاخبار عن الأحوال. والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة وقضا ته مختارة وبيوت أمواله ممتلأة، وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم في هلال كل ..... (28) من أهل الشاة والبعير، يقبضون ما يجب على أهل الصدقات لا يظلمون ولا يظلمون، فإذا حضر جميع ذلك صرف الطعام إلى الفقراء ويبعث الشاة والبعير، فإذا صارت أموال دفع منها إلى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم، ثم نظر في باقي سائر المال فإذا عرف مبلغه أمر بإحصاء من في البلد وفيما حول البلد ثن أمر بإحصاء الفقراء والمساكين، فإذا علم عددهم أمر
__________________
(26) وردت في الأصل فكرها ولعل الصواب ما أثبتناه في المتن.
(27) أنظر رواية المساعدات والأحمال من المشرق في المصادر الإباضية، وتكاد تتفق مع ما ذكره ابن الصغير: أبو زكرياء: سير، ص54، الدرجيني: طبقات، ج1،45ـ46، الشماخي: سير، ص140ـــ141.
(28) هكذا وردت في الأصل، ويبدو أن كلمت سقطت لم ينقلها موتيلانسكي أو لعلها وردت كذلك في المخطوط الذي نقل منه. (1/35)
صفحة 36
بإحصاء ما في الأهراء (29) من الطعام. ثم أمر بجميع ما بقي مال الصدقة فاشترى منه أكسية صوفا وجبابا صوفا وفراء وزيتا ثم دفع في كل بيت بقدر ذلك، ويؤثر بأكثر ذلك أهل الفاقة من مذهبه (30)، ثم إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين وما أشبه ذلك، فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم، ثم إن فَضُلَ فَضْلٌ، صرفه في مصالح المسلمين، فلم تزل أموره كذلك وعلى ذلك والكلمة واحدة .............. وفاة عبد الرحمن والدعوة مجتمعة ولا خارج يخرج عليه، إلى أن اخترمته المنية، وأنقضت أيام مدته، وقد كنت وقفت على عدد امارته كم كانت، ولكن نسيتها مع مرور الأيام (31)، وكان قد نشأ له في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب، وكان محمود الأفعال، وكان قادرا للقيام بعده فلما انقضت أيامه صيرت الإباضية الامر إليه بعده.
__________________
(29) الأهراء جمع هُري وهو بيت كبير ضخم يجمع فيه طعام السلطان، أنظر ابن منظور: لسان، م3، ص801.
(30) إذا كان ابن الصغير يشير إلى أن عبد الرحمان كان يؤثر بأكثر أموال الزكاة أهل الفاقة من مذهبه، فلا شك أن ذلك راجع إلى أن أغلب السكان من الإباضية، وبالتالي يكون أغلب دافعي الزكاة من الإباضية وزكاتهم تعود إلى أهل مذهبهم كما أن زكاة غير الإباضية ترد إلى فقراء غير الإباضية. أما أن يمنعوها كلها فهذا مالم تشر إليه المصادر بل تثبّت العكس تماما. وعن حق غير الإباضية في الزكاة في الدولة الإباضية أنظر الدليل والبرهان لأهل العقول لأبي يعقوب يوسف الورجلاني، ج3، ص 53ـــ54. الجيطالي اسماعيل: قواعد الإسلام، ج1، ص104.
(31) تولى عبد الرحمن بن رستم الإمامة مدة إحدى عشر سنة أي من سنة 160ه حتى سنة 171ه، أنظر الباروني: الأزهار، ج2، ص163،159،101،99،بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص118ــــ119وأنظر رأيا آخر في جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص62. (1/36)
صفحة 37
ولاية عبد الوهاب (32) وما كان من أمره
أخبرني بعض الإباضية أن عبد الرحمن بن رستم لما مات، قامت الإباضية فعقدت الإمامة لابنه عبد الوهاب، فكان ملكا ضخما وسلطانا قاهرا، وعلى يديه افترقت الإباضية، وافترق كبراؤهم، وتسمى قوم منهم بالنكار (33) وتسمى منهم قوم بالوهبية (34)، وهذا الاسم لست أعرفه، وقد سمعت أنهم سموا بهذا الاسم لا تباعهم عبد الوهاب، والذي أعرف من أسمائهم على ما حدثني به أهل المعرفة أن فرقة منهم يسمون باليزيدية يريدون من اتبع عبد الله بن
__________________
(32) عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171ـــ208ه) ثاني الأئمة الرستميين أنظر ترجمته في المصادر الإباضية: أبو زكرياء سير، ص56 وما بعدها، الدرجيني: طبقات ج1 ص47 وما بعدها، الشماخي: سير، ص144وما بعدها.
(33) النكار: هم أتباع يزيد ين فندين أبو قدامة النكاري، وسموا بالنكار لأنهم أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن وثاروا ضده. ولقد تطورت هذه الفرقة التي انسلخت عن الإباضية الأم. والجدير بالذكر أن ابن الصغير يفسر سبب تسمية النكار بهذا الاسم (أنظر الصفحة التالية) تفسيراً مخلفاً لما ذكره لمؤرخون الإباضية، فربما هي حادثتان اختلطتا على ابن الصغير ولكن من المؤكد أن الرواية الإباضية هي الأصح والأرجح. أنظر أبو زكرياء: سير، ص58ــــ65، الدرجيني: طبقات، ج1، ص48ـــ56. الشماخي: سير، ص 146ـــ154. عوض: النظم، ص116.
(34) الوهبية هي الإباضية الأم الحاكمة في الدولة الرستمية. وهي نسبة إلى الإمام عبد الوهاب. وظهرت التسمية إثر فتنة النكار السالفة الذكر. أنظر خاصة خلفيات: النظم الاجتماعية والتربوية، ص117، وهناك من ينسب الوهبية إلى عبد الله بن وهب الراسبي. أنظر جواهر البرادي. (1/37)
صفحة 38
يزيد (35). وبالعمرية يريدون من اتبع عيسى بن عمر وبعده أحمد بن الحسين (36)، ورأيت من يسمى بالوهبية يميلون إلى هذين المذهبين (37) ويسمون أيضا بالعسكرية، وهم أهل العسكر (38)، وجل من كان عندنا في البلد نفوسة يتسمون بهذا الاسم، وكان عبد الوهاب هذا قد اجتمع .................. الازدهار والرخاء أيام حكمه.
---------------------
(35) اليزيدية وهم أتباع عبد الله بن يزيد، ولعل ما قاله الدكتور عوض خليفات من أن النكار سموا باليزيدية نسبة ليزيد بن فندين له جانب من الصحة ومن هنا فمن المحتمل أن يكون اليزيدية هم النكار لا غير ولعل هذه التسمية أطلقوها على أنفسهم رافضين كلمة النكار التي هي تسمية مخالفيهم لهم. ونشير هنا إلى أن الشهرستاني ذكر اليزيدية وقال بأنهم أتباع يزيد بن أنيسه وأن هذا كان يتبرأ من جميع فرق الخوارج ويتولى الإباضية وذكر لليزيدية عدة اعتقادات باطلة، فندها ابن حزم وقال بأن جميع الإباضية يكفرون من قال بشيء من تلك المقالات ويتبرؤون منه، إلا أن ابن حزم يجعل اليزيدية نسبة إلى يزيد بن أبي أنيسه. أنظر ابن حزم: الفصل في الملل، ج4، ص188ـــ189 الشهرستاني، الملل و النحل، ج1، ص183، عوض خليفات: النظم: ص116.
(36) العمرية وهم أتباع عيسى بن عمر وأحمد بن الحسين، لا نجد لهم ذكرا في كتب الملل و النحل. وقد أشار إليهم أبو زكرياء في سيره ونقل عنه الدرجيني وقال بأن العمرية أو العمرانية لا تجمعهم بالإباضية الكلمة من أول الأمر وأنهم يزعمون أنهم إباضية ويسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود (ض) وهم تبع عيسى بن عمير. أبو زكرياء: سير، ص58، الدرجيني: طبقات ج1، ص47ــــ48.
(37) إذا كانت اليزيدية كما قلنا سابقا نسبة إلى يزيد بن فندين النكاري، والعمرية تنسب نفسها إلى الإباضية وهي ليست منها، فلا يعقل أن يكون الوهبية، وهم الإباضية الأصل في الشمال إفريقيا، يميلون إلى هذين المذهبين كما يقول ابن الصغير. والذي نراه أن معلومات ابن الصغير فيما يخص المذاهب والفرق التي انشقت عن الإباضية، معلومات مرتبكة لا دقة فيها، وقد أشرنا إلى هذا في مسألة النكار (أنظر هامش 33ص 37) ويتضح هذا الارتباك أيضا في قوله وهذا الاسم لست أعرفه .... والذي أعرف من أسمائهم على ما حدثني به من أهل المعرفة ... . وقد مرّ هذا النص.
(38) العسكرية وهم أهل العسكر كما يقول ابن الصغير ويضيف بأن جل من كان في تيهت من النفوسيين يتسمون بهذا الاسم. فلا شك إذن أن تكون هذه التسمية وظيفية وليست مذهبية كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، خاصة وأن ابن الصغير جاء بها في معرض حديثه عن الافتراق في الإباضية والمذاهب المنشقة، فالعسكرية إذن هم حماة الرستميين والإباضية ولا أدل على ذلك من قول الإمام عبد الوهاب إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته فنفوسة إذن كانت جند وعسكر الإمامة الرستمية. (1/38)
صفحة 39
له من أمر الإباضية وغيرهم ما لم يجتمع للإباضية قبله، ودان له ما لم يدن لغيره، واجتمع له من الجيوش والحفدة ما لم يجتمع لأحد قبله، ولقد حكى لي جماعة من الناس أنه قد بلغت سمعته إلى أن حاصر مدينة طرابلس وملأ المغرب بأسره إلى مدينة يقال لها تلمسان، فلم يزل كذلك وعلى ذلك وأمور الناس مجتمعة وكلمتهم واحدة لا خارج عليها ولا طاعن، إلى أن حدثت الفرقة ولم يكن لأبيه عبد الرحمن كتاب معروف من تأليفه، وكان لعبد الوهاب كتاب معروف بمسائل نفوسة الجبل (39)، لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه، وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن، إلى أن لحق الفصل فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه.
__________________
(39) يذكر الأستاذ علي دبوز هذا الكتاب باسم نوازل نفوسة ويقول بأنه لا يزال موجودا في مدن ميزاب وجبل نفوسة وجربة. وقد رأينا كتابا بهذا العنوان في مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة، تصفحناه كله وهو يحتاج إلى تحقيق نسبته إلى عبد الوهاب. وقد قام الشيخ أطفيش محمد بترتيبه. أنظر دبوز: المغرب الكبير، ج3، 272ـــ273. والبرادي: الجواهر، ص 219. (1/39)
صفحة 40
[صفحة بيضاء] (1/40)
صفحة 41
بيان السبب الذي كان له وجه الافتراق
أخبرني غير واحد من الإباضية وغيرهم، أن قبائل مزاته وسدراته وغيرهم، كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها في أشهر الربيع إلى مدينة تاهرت وأحوازها لما حولها من الشلاء (40) وغيره، وأنه لما أراد الله تبارك وتعالى من أمر شتاتهم ما أراد انتجعوا إليه في سنة الفرقة اكمل انتجاع ما انتجعوا (41) قط ولو مرة، وكانوا إذا انتجعوا إليه دخل وجوههم ورؤساؤهم المدينة، فيبرون ويكرمون ثم يخرجون إلى شياههم وبعيرهم فيقيمون بها إلى ظعنهم، وإنه لما كان الوقت الذي أراد الله ونزلوا المدينة خلا بهم وجوه إخوانهم، فخلت مزاته ببيضات المزاتة ومقاديمهم وخلا كل قبيلة من سكان المدينة بمن انتجع إليهم من رؤسائهم، فقالوا لهم إن الأمور قد تغيرت والأحوال قد تبدلت، قاضينا جائر، وصاحب بيت مالنا خائن، وصاحب شرطتنا فاسق، وإمامنا لا يغير من ذلك شيئا، وقد جاء الله بكم فدخلوا إلى هذا الإمام واسألوه عن قاضيه وصاحب بيت مالنا وصاحب شرطتنا، و أن يولي علينا خيارنا، فأجابوهم
__________________
(40) الشلا: بقية المال، ولعل الصواب الكلأ والخطأ من الناقل.
(41) وردت في الأصل هكذا أكمل انتجاع انتجعوه قط والتحريف واضح. (1/41)
صفحة 42
إلى ما يسألون من ذلك، فغدوا (42) على عبد الوهاب (أَوْفى كانوا) (43) فلما دخلوا عليه تكلم مكلمهم بحمد الله وأثنى عليه، فقالوا له إن رعيتك قد ضجت من قاضيك وصاحب بيت مالك والقائم بشرطتك فاعزلهم عنهم، وولى عليهم خيارهم (44)، فقال عبد الوهاب: جزاكم الله من وفد خيرا فَقَدْ تمَّ من الاسلام ما يفتقده من كان مثلكم، الامر إليكم قدموا من رأيتم وأخروا من رأيتم، فدعوا له وأثنوا عليه، فقالوا خيرا ثم انصرفوا، فلما انصرفوا دخل على عبد الوهاب وجوه رجاله وقواده وأهل بطانته، فقالوا: ما بال إخواننا أتوك اليوم بأجمعهم فأخليت لهم مجلسك وحجبت من سواهم؟ فذكر لهم ما قالوا له وما أشاروا عليه، فقالوا له: وما أجبتهم به؟ فذكر لهم جوابه، فقالوا: أسأت إلى نفسك وإلينا وإلى جميع إخوانك ورجالك، فقال: وكيف ذلك وما سألوا شططا وما قالوا إلا خيرا؟ فقال: ليس نظرهم عند ما قلت ولا معناهم عند ما رأيت ولكن سألوك ان تعزل قاضيك وصاحب بيت مالك والقائم بشرطتك، فاذا فعلت ذلك شكروك وحمدوك، ثم أتوك بعد ذلك فقالوا لك ان المسلمين قد نقموا عليك أشياء أو على ولديك، فإن أجبتهم إلى ذلك شكروك وحمدوك وإن أبيت لهم من ذلك خلعوك ونبذوك، ثم لا تأمن، ولو أجبتهم
---------------
(42) وردت في الأصل قعدوا.
(43) هكذا وردت، وهي شبه جملة زائدة لا معنى لها إلا أن تعني الكثرة إذا ما أضفنا إليها ما وتصبح أوْفى ما كانوا ورغم ذلك تبقى غامضة ركيكة.
(44) وردت في الأصل وولى عنهم وهي لا تؤدي المعنى المقصود. (1/42)
صفحة 43
إلى كل ما سألوك أن يأتوك فيقولوا لك إن المسلمين في ابتداء أمرك لم يجتمعوا عليك فانخلع واردد اليهم امرهم، فإن اجتمعوا عليك جملة فزت بحظك وكان ذلك زيادة لك في شرفك، قال: فما الذي أفعل الآن فقد تم من جوابي لهم ما تقدم، وقبيح لمثلي أن يرجع فيما قال، فقالوا: لا عليك نحن نذكرك ان شاء الله، فقال اذكروا على بركة الله، فقال القوم: يأتونك بالغداة و يستخبرونك قلت لهم الامر على ماكنت معكم عليه إلا إن لنا ولكم إخوانا لا غنى لنا ولكم عنهم، يحضرون خلع من خلعتم، وعزل من عزلتم، وتقديم من قدمتم فإذا قالوا لك ما في هذا من بأس فابعث إلينا فنحن نكفيك الجواب، فحمد لهم عبد الوهاب قولهم وشكر لهم فعلهم، ثم قال: انصرفوا على بركة الله، فلما كان الغد، غدا القوم على عبد الوهاب فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، استخبروه على ما عقدوا معه، فقال لهم: الأمر إليكم غير أنه بقي من إخواننا من لا غنى بنا وبكم عنه في عزل من تعزلون وتقدمة من تقدمون، ويقبح بنا وبكم أن يستأثر بهذا الأمر دونهم لأن في ذلك فسادا لنياتهم وتغيرا لقلوبهم، فقالوا: صدقت وبررت أحضرهم فإنهم سيجمعون على ما عقدناه، فأرسل إليهم فلما دخلوا و أخذوا مجالسهم، أقبل عبد الوهاب على القوم فقال: أخبروا إخوانكم بما جئتم به وما سألتموه، فأخبروهم بما كان من رأيهم ورأي إمامهم، فقالوا جزاكم الله عن الاسلام وعن المسلمين خيرا ولكن بقي شيء أنتم تعلمون أنه لا (1/43)
صفحة 44
يجب عزل قاض ولا صاحب بيت مال إلا بجرحة تظهر عليه، ولا يجب عزل قضاة ببغي البغاة وسعي السعاة فأفحم القوم ولم يكن عندهم جواب، الا أن قالوا ما هكذا كان عقدنا مع الامام بالأمس، ما هذا إلا رأي حدث أو أمر أبرم، ........... فتنة النكار. ثم خرجوا حتى أتوا الكدية (45) المعروفة بكدية النكار وخرج إليهم من هو مثل حالهم وحلفوا ألا يدخلوا العرب (46) أو يعزل ما سألوا عزله ويحاكم عبد الوهاب ومن معه، فسموا من ذلك اليوم النكار، وسمي الموضع بكدية النكار (47)، ولما علم عبد الوهاب بمقامهم وحاجتهم وأنهم غير مقلعين عما ذكروه أو يحاكمونه. جمع وجوه رجاله ورؤساء مقالته فاستشارهم فأجمع رأيهم على أن يبرزوا إليهم بعد الاعذار ولإنذار إليهم، فأعذروا إليهم فلم يجيبوهم إلى شيء مما عرضوه عليهم، و خوفوهم سوء العاقبة، فلما رأى ذلك عبد الوهاب ومن معه برز إليهم، فما كان إلا كلمح بالبصر إلا وجميعهم صرعوا، الا من شد وولى، ولم يتبعوا مواليا ولا أجهزوا لهم على جريح، ثم انصرف عبد الوهاب نافلا بمن معه وولت القبائل الداعية إلى مواضعها، واستملك الامر لعبد الوهاب وبقيت حزازات النفوس في قلوب عشائر من قتل، ثم اشتد أمر عبد الوهاب وقوي عليه وانتقل من حال الإمامة إلى حال الملك.
__________________
(45) الكدية هي المكان المرتفع عن الأرض وهي أيضا صلابة تكون في الأرض، ولعل المقصود بها هنا المكان المرتفع في مدينة تاهرت. أنظر ابن منظور: لسان، ج3 ص232.
(46) هكذا وردت في الأصل ولعلها محرفة من العرض أي الناحية أو لعلها الحرب وتكون وحلفوا إلا يدخلوا الحرب أو يعزل ما سألوا عزله
(47) لا نجد هذه الرواية في مصادر الإباضية. ولقد ذكرنا أن تسميه النكار تختلف عند الإباضية عما ذكره ابن الصغير. والرواية الإباضية في رأينا أرجح، أنظر أبو زكرياء: سير، ص58 وما بعدها، الدرجيني: طبقات، ج1،ص48 وما بعدها. الشماخي: سير ص146 وما بعدها. (1/44)
صفحة 45
الافتراق الثاني
أخبرني بعض الإباضية ان جمع الناس من هوارة وغيرها من القبائل، كانوا بازاء مدينة تاهرت، وكانوا لهوارة رؤساء مقدمون يقال لهم الاوس ويعرفون بعد ببني مسالة، قد ذكر لي بعض الإباضية انه كانت ابنة جميلة لبعض رؤساء البربر اما لواته أو غيرهم، فخطب مقدم الاوس على نفسه أو على ابنه فأجابوه إلى ذلك، وان بعض من كان يناوئ ببني اوس من هوارة، سعى الى عبد الوهاب فقال له إن فلانا قد خطب على نفسه أو على ابنه ابنة فلان، وقد علمت مكانه من قومه ومقامه عند الخاص والعام من الناس، إني لا آمن أن يزوجه ابنته، فإذا زوجه اياها وقعت المصاهرة، وإذا وقعت المصاهرة صارت نسبة وإذا انضمت قبيلة إلى قبيلة ناوأك في البلد، ولكن اخطب إلى هذا الرجل ابنته أما على نفسك أو ابنك أو على من سوف يؤثرك عليه لسلطانك، فأرسل عبد الوهاب إلى الرجل فأحضره فأجلسه، وخطب إليه ابنته فزوجه اياه، فاتصل ذلك بالأوس فقال عمل علي في جارية خطبتها ورضي لي بتزويجها فانتزعها مني بسلطانه، لا سألت بأرض هو بها*، وغضبت عشيرته لغضبه، فارتحل نحو المغرب حتى نزل
__________________
*هكذا وردت وهي ركيكة. (1/45)
صفحة 46
بوادي هوارة وبينه وبين المدينة نحو عشرة أميال أو أكثر، فعمروا لنهر من أعلاه إلى موضع اذاك قبائل من جمعهم اسم هوارة، واحسب أنه كان تقدم لهم عشائر من عشائرهم بهذا الموضع وتألف إليهم من نحا نحوهم وهوى هواهم، ثم لم تزل السعاة تمشي بين الفريقين حتى أوقدوا نار الحرب، فحدثتني بعض الشراة عمن تقدم من أبائه أن أول غارت خرجت لهوارة أصابت ولد للبغال* بدشرات (48) بنهر يقال له نهر ابي سعيد الله فقتلوه، فلم يجزوا له راسا ولا نزعوا له ثوبا ولا أخذوا له فرسا ولا سرجا ولا لجاما، قال، وثارت الصيحة إلى المدينة فابتدر الناس فأصابوا الغلام قتيلا، وأصابوا فرسه واقفا عليه بسرجه ولجامه ووجدوا ثيابه بحالها، فاغتموا لذلك إذ لم يأخذوا له سلبا، ثم قال بعضهم لبعض افتقدوه فافتقدوه فأصابوا خاتما قد زال من يده فكبر القوم وقالوا قد استحلوا الأموال وحل قتالهم، ثم جلوا قتيلهم وصلوا عليه وواروهم ثم أخذوا في التهيؤ للحرب والخروج إلى عدوهم، ........... خروج عبد الوهاب لقتال بني أوس فاجتمع إلى عبدالوهاب أمم كثيرة وخلق عظيم، واتصل خبر عبد الوهاب بهوارة ومن ألفها من الإباضية انه عد في عسكره ألف فرس أبلق، قالوا وخرج عبد الوهاب رضي الله عنه بعساكره من المدينة في جموع لا يعلم عددها إلا الله، قال واتصل خبر خروج عبد الوهاب ببني أوس فجمعت جموعها وعبت كتائبها على نهر
__________________
(48) دشرات: لا يذكر ابن منظور هذه الكلمة وكذلك ابن دريد في جمهرة اللغة والزبيدي في تاج العروس ولعلها تعني ضيعة باللغة العامية في المغري
* لم نفهم معنى ولداً للبغال والمرجع يقصد به آدمياًّ. (1/46)
صفحة 47
يقال له نهر اسلان (49)، قالوا وكان عبد الوهاب اصابته ريح فمر براحلته فرحلت وجعل عليها محملا وجعل عديله رجل من نفوسة وقائد راحلته رجل من نفوسة، قال وكان القائد ربما عجل، ويقول الحمال رويدا مرددا (50) فيقال له ويحك انما قيل رويدا، فيقول هو ذاك فلم يزل يسير حتى تراءت العسكران قال فعبأ عبد الوهاب عسكره، ورتب قواده وعبأ بنوا أوس هوارة على مراتبها وغيرها ممن أطاعهم، قال ثم جالت الخيل فكان قتال شديد له غبار سد ما بين الخافقين قال و عبد الوهاب ينظر يمينا وشمالا او قلبا فإذا ........... شجاعة أفلح صرف نظره ذات اليمين رأى فارسا فيقول من الفارس هذا قد أجفل (51) الناس؟ فيقال له ابنك أفلح، قال وإذا صرف بصره ذات اليسار رأى مثل ذلك فيقول من الفارس؟ فيقال له ابنك أفلح، قالوا وإذا صرف بصره في القلب رأى مثل ذلك فيقول من الفارس؟ فيقال له ابنك افلح، قال لقد استحق أفلح الإمامة، فكان أول يوم عقدت له الإمامة، قال فلم يزل الناس يقتتلون لا يولي بعضهم لبعض الدبر الى أن سال الوادي ذلك اليوم دما فيما قيل. فلما رأى عبد الوهاب الفريقين، كان ينادي بأعلى صوته يا دينار زم الخطام وتقدم قدما، فكلم تقدم دينار قدما فزع النفوسي زميل عبد الوهاب، فخف جانبه
(49) نهر اسلان ربما هو النهر الذي يذكره البكري في شرق مدينة إسلن التي تبعد عن تاهرت غربا بأربع مراحل. أنظر المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص90،89،79.
(50) في الأصل رويداً مردد .... وهو تحريف ظاهر.
(51) وردت في الأصل ... جغل ... (1/47)
صفحة 48
من المحمل، ومال جانب عبد الوهاب، فقال ما بال المحمل؟ فيقال له فزع زميلك، فيقول ثقلوه بحجر، فيجعل مع النفوسي في المحمل حجراً، ثم ينادي عبد الوهاب يا دينار زم الخطام ثم تقدم قدما وهو في ذلك كله قاصد بكتيبته نحو عدوه وجانب النفوسي في ذلك يخف وجانب عبد الوهاب يثقل، وهو يأمر كلما خف ان جعل حجر في جانب النفوسي، فلم يزل كذلك وعلى ذلك حتى فض جميع القوم بكتيبته وأعطوا الادبار، وقتل في ذلك اليوم خلق كثير وامم من الأمم، وكان القتل في هوارة أفظع وأشنع، وقيل رحلوا بجبل ينجان. وقيل بعد ذلك، والله أعلم (52)، ورشح أفلح للإمارة وانقطع إليه المنقطعون، ودارت إليه الحوائج والعطايا (53) من تحت يديه فلم يزل كذلك وعلى ذلك حتى اخترمت عبد الوهاب منيته، فلما مات عبد الوهاب (54) صارت الخلافة لأفلح.
__________________
(52) لا نجد ذكرا لهذه الرواية في المصادر الإباضية، في حين أن هذه ذكرت القتال الذي كان بينها و الواصلية من المعتزلة ولم يذكره ابن الصغير.
(53) وردت في الأصل ... والعطا ...
(54) لا يتفق المؤرخون على سنة واحدة لموت عبد الوهاب. ويبدوا أن ابن عذاري مخطأً في تقديره إذ يجعلها سنة 188ه. وكذلك الباروني الذي يرى أنها سنة 190ه بينما يبدو الصحيح هو ما قاله جورج مارسيه وزامبارو، إذ جهلها سنة 208 ه أنظر ابن عذاري: البيان ج2، ص 197، الباروني: الأزهار، ج2 ص 163، زامبارو: معجم الأنساب والأسرات، ج1،ص100ــ101، جورج مارسيه: دائرة المعارف الإسلامية (مادة بنو رستم) ج10، ص93، 245ـــ224 (1/48)
صفحة 49
ولاية أفلح بن عبد الوهاب (55)
فلما ولي أفلح أخذ بالعزم والحزم، ونشأ له من البنين مالم يكن لغيره ممن قبله وطار له الصيت واتته نفوسة الجبل يسألونه أن يقدم عليهم من رآه، ولم يكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه ولا في صدقاته، ولا في أعشاره، وكان أول من امتحنته الشراة إن قاضيا من قضاة أبيه مات في أيامه فاجتمعت اليه وسألوه ان يولي القضاء من يستحق ذلك، فقال لهم أجمعوا جمعكم وقدموا خيركم، ثم أعلموني به أجبره لكم واعضده على ما يكون فيه صلاح لكم فقلبوا أمرهم فلم يرتضوا أحد منهم، .......... محكم الهواري وتولية القضاء وعدله فيه وأجمعوا رأيهم على محكم الهواري الساكن بجبل اوراس، فأتو إلى أفلح بن عبد الوهاب فقالوا قد تدافعنا هذا فيما بيننا فلم نرتض أحدا منا وقد ارتضينا جميعا بمحكم الهواري الساكن بجبل اوراس لخاصتنا وعامتنا وديننا ودنيانا، فقال أفلح ويحكم دعوتم إلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في البادية ولا يعرف لذى القدر قدره ولا لذى الشرف شرفه،
__________________
(55) أفلح بن عبد الوهاب (208ــ258هـ) ثالث الأئمة الرستميين. أنظر ترجمته في المصادر الإباضية أبو زكرياء: سير، (1/49)
صفحة 50
وإن كان ليس أحد منكم يحب أن يظلم ولا يظلم ولكن تحبون أن يجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لأغراضكم ولا امتهان أنفسكم قالوا فلا نرضى لقضائنا أحد غيره، فقال الذي حدثني أخبرني ان أشد الناس بولاية محكم على أفلح أخوه أبو العباس، فقال أفلح أما اذا أبيتم غيره، بعد نصيحتي فيكم، فابعثوا رسلكم اليه على بركة الله، فخرجت الرسل بكتاب من أفلح وكتاب من الشراة في داخل كل كتاب منهما بعد اثبات بسم الله العظيم" أما بعد فقد نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك وهم منتظرون لقدومك ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين الله عن اللحق بهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك ورأيهم على ما فيه صلاح المسلمين "، فلما ورد كتاب القوم على محكم ورسلهم، أتى إلى دابة له وركبها وأخذ كساه وعصاه ثم توجه نحو القوم حتى أتى البلد وقصد المسجد الجامع ونزله، فابتدر إليه أصحابه فأحاطوا به، وقالوا إن فلان بن فلان القاضي قد توفى وقد أجمع رأي المسلمين ورأي الامام عليك، وعلم أنك مهما تخلفت عما دعوناك إليه كنت المسؤول عن كل دم يراق بغير حاله، وكل فرج يوطأ بغير وجهه، فاتق الله ولا تخالف الامام والمسلمين عما دعوك إليه، فإنك إن خالفتنا أجبرناك وإن أطعتنا شكرناك، فقال لهم إن الحق مر، أمر من شرب الدواء ولا يشرب الدواء إلا كرها، وأنتم مرفهون ابناء نعم، وغيري أحب إليكم مني وقد نصحتكم فاقبلوا نصيحتي، وذكروا كلاما يطول ثم قال فإذا أبيت إلا هذا فارجعوا إلى (1/50)
صفحة 51
امامكم فاعلموه بما أعلمتم به وشاوروه في أموركم، فقالوا قد فعلنا فقال على بركة الله، فأنزلوه بدار المعروفة بدار القضاء فاشتروا له خادما صفراء (56) وأجروا عليه من بيت المال قوته وسار فيهم السيرة املوها منه ورجوها عنده (57)، فبينما هو (1) على ذلك من أمره، إذ تنازع أبوا العباس أخوه أفلح المشير له والمرغب فيه وصهر الإمام بن أفلح في أرض، فارتفعا (58) إلى أفلح أبو العباس أخوه والآخر صهره فقال لهما أفلح كالاكما يعز علي ولكن ارتفعا إلى محكم، وكان أبو العباس يحب ذلك لتقديمه للحكم وإيثاره إياه وكان الآخر يكره ذلك ويحب أن لوكان أمرهما عند أفلح، فاغتنم أبو العباس كلام أفلح وبادر إلى بغلة له شهباء هملاجه (59) فركبها وكان صاحبه على رمكة (60) بطيئة المشي فأتى أبو العباس محكا فوجده خاليا في سقيفة داره ولم ير مع أبي العباس أحدا، فأجلسه محكم إلى جانبه وأقبل عليه يحدثه، وخصمه تخلف على دابته فبينما هما كذلك إذ أقبل خصمه حتى نزل على باب دار محكم فلما رأى أبو العباس
__________________
(56) لاندري ما المقصود بالخادم الصفراء مع العلم أنها وردت في الأصل هكذا: خادماً صفرا، ولعل الراد به الخادم الشديد السواد لأن العرب يستعملون الصفرة أيضا للسواد. أنظر ابن منظور: لسان ج2، ص 448.
(57) لا نجد ذكرا لهذه الرواية في المصادر الإباضية اللهم إلا ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الصغير وهو شيء قليل جداًّ.
(58) وردت في الأصل " فرفعها " ولعلها تحريف
(59) هملاجة: كلمة فارسية معربة وتعني حسن سير الدابة في سرعة وبختره ويقال دابة هملاج، ابن منظور: لسان، ج3، ص831.
(60) رمكة: هي الأنثى في البرادين التي تتخذ للنسل. ابن منظور: لسان، م1، ص1227 (1/51)
صفحة 52
خصمه قد نزل نادى باسم جارية محكم فاستسقاها ماء ليرى خصمه دلالته على القاضي ليودعه بذلك، فلما صار القدح إلى الجارية قال الخصم في نفسه إلى من أحاكم؟ خصمي جالس إلى جانب القاضي ويستقي الماء من داره وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي، قال ثم خانت منه التفاتة فإذا بالرجل جالس، فقال ما بالك يا هذا وما قصدك؟ فقال له جئت خصما لأبي العباس فوجدته جالس إلى جانبك فجلست موضعي هذا، قال فغضب محكم على أبي العباس فقال يا أبا العباس تأتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه وتستقي الماء من داري على يد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس واقعده مقعد خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه واقعده إلي، ومر الجارية فلتسقه ماء، ففعل الغلام ما أمر به، فخرج أبو العباس مغضبا حتى دخل على أخيه أفلح فلما رآه، قال له مالك وما عراك؟ قال نزل بي من هذا الهواري الشرس (61) الجافي مالم ينزل بأحد، فقال وما ذلك؟ فدل عليه القصة من أولها إلى آخرها، فلما فرغ من كلامه، قال له يا ابا العباس قد كنت أعلمتك بهذا من قبل، والصواب ما فعل والحق أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هذا لكان مداهنا، فاتصل ذلك من كلامه بوجوه الإباضية فأعجبهم وسروا به (62)، ............... عدل أفلح وازدهار دولته وكان
--------------
(61) وردت في الأصل هكذا " الشر الجافي " وهي تحريف.
(62) وردت في الأصل هكذا " وأسرّوا به " وهي خطأ ظاهر كذلك لا نجد مثل هذه القصة في المصادر الإباضية ومن هنا قيمة كتاب ابن الصغير. (1/52)
صفحة 53
أفلح قد عمر في إمارته مالم يعمر أحد ممن كان قبله، فأقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين وشمخ في ملكه وابتنى القصور واتخذ بابا من حديد وبنى الجفان واطعم فيها أيام الجفان (63) وقد تقدم ذكرها قبل هذا، وعمرت معه الدنيا وكثرت الأموال والمستغلات وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا الأنهر (64)، فأبتنى ابان وحمويه القصرين المعروفين لهما بأملاق، وابتنى عبد الواحد قصره الذي يعرف به اليوم وغيره، مما يطول ذكره، ولقد حدثني بعض من أثق به أن ابان وحمويه خرجا يوما إلى قصورهما متنزهين ومعهما جماعة إخوانهما، فذكر بعضهم أنه قال، لما أشرفنا على القصرين سبق بنا بعض عبيدهما فاعلموا سكان القصرين بقدومها قال فتشوف من كان بالقصرين إليهما فو الله ما رأيت شرافة من القصرين إلا عليها ثوب أحمر وأصفر على الجدار كالبدور، وانتشرت القبائل وعمرت العمائر
----------------------
(63) لغل الصواب: أيام الجفاف " مع أننا لا نستبعد كلمة أيام الجفان لأن الجفاف في الغالب يكون التعبير عنه بسنين الجفاف وليس الأيام، كما أن قول ابن الصغير " بني الجفان " بدل صنع الجفان يعبر عن نظام الإطعام في أيام معلومات والدليل على ذلك قوله (ابن الصغير) " وقد تقدم ذكرها قبل هذا " أي تقدم ذكر أيام الجفان، هذا مع العلم أنه لم يتقدم أي ذكر لأيام الجفان أو الجفاف وربما توهم ابن الصغير واعتقد أنه قد ذكرها، وبذلك فقدنا معلومات مفيدة عن أيام الجفان. والجدير بالذكر أن ابن الصغير أشار إشارة عابرة إلى " أوان الطعام " لما تكلم عن جبأة الضرائب وعمال الزكاة الذين يخرجون في أوان الطعام. ارجع إلى الصفحة 35.
(64) سبق أن ذكرنا أن كلمة أنهر خطأ والصحيح أن يقال أنهار ونُهر ونهور. ابن منظور: لسان، ج1، ص 1144. (1/53)
صفحة 54
وكثرت الأموال بأيديهم، وكانت العجم قد ابتنت القصور ونفوسة قد ابتنت العدوة والجند القادمون من إفريقيا قد بنت المدينة العامرة اليوم، وأمنت الساحات وكثرت الأموال حتى أطغت (65) أهل الحواجر (66) والبوادي، لقد حدثني غير واحد أنه كان للعجم مقدم يقال له ابن وردة قد ابتنى سوقا يعرف به فكان صاحب شرطة أفلح إذا تخلل بالمدينة لافتقادها لم يجسر (67) إن دخل سوق ابن وردة ولا يتخلله هيبة، قال وكان الرجل من وجوه العجم الذين بقيت اليوم بقية تسمى من مجانة (68) وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق الاحتساب على الفساق، وكانت الأجناد بطانة السلطان وأولاده وحشمه، وكان لأفلح أولاد قد بلغوا من السن والتجارب والممارسة ما يستحق به كل واحد منهم الامامة، إلا أن الناس يترشحون من جمعهم إلا اثنين أحدهما يكنى بأبي بكر والآخر بأبي اليقظان، وبهاتين من الكثير يعرفان. وكانت القبائل المنتشرة حول مدينة تاهرت لما اكتسبت الأموال واتخذت العبيد والخيول قد نالها من الكبر ما نال أهل المدينة حتى خاف أفلح أن تجتمع الأيدي عليه
__________________
(65) وردت في الأصل " أطفت " وهي تصحيف.
(66) أهل الحواجر ربما هم أهل الحجر وهم سكان البادية في مواضع الأحجار والرمال كما يقول ابن منظور في لسان العرب، م1 / ص571 أو لعلها أهل الحواضر.
(67) وردت في الأصل" لم يحبس " وهي لا تنسجم مع سياق الكلام.
(68) مجانة: لم نفهم وضغها في سياق الجملة لأنها مرتبكة ولعلها المقصود بها مدينة مجانة في المغرب الأدنى أنظر البكري: المغرب، ص63،145، الحموي ياقوت: معجم البلدان ج5،ص 56. (1/54)
صفحة 55
فتزيل ملكه، فما رأى ذلك أرش (69) ما بين كل قبيلة ومجاورها فارش بين لواته وزيناته وما بين لواته ومطماطة وما بين الجند والعجم حتى تنافرت النفوس ووقعت الحروب، وصارت كل قبيلة ملاطفة لأفلح خوفا من أن يعين صاحبتها عليها، فيما قالوا، والله أعلم فيمن رأى ذلك (70). استلقى على ظهره آمنا ومد يديه ورجليه مطمئنا، وعلم أنه قد كفى أمرهم وبقيت تلك الضغائن في الصدور إلى أن اخترمته المنية (71)، وكان ابنه أبو اليقظان ............... سفر أبي اليقظان إلى المشرق وحبسه وما كان من أمره هناك حسن الحال عند الجميع منسوبا إلى الورع فسأل أباه ورغب إليه في أن يأذن له في الحج فيخرج مع قافلة الناس حتى ورد مكة، فلما طاف وسعى كشفته رسل بني العباس، إذ قدموا معه من عندهم وقيل لهم أن ابن مقدم الشراة قد قدم من المغرب من عند أبيه يرتاد البلاد ويرسل رسله في كل الآفاق إلى من كان على رأيهم ومذهبهم ليأخذوا إلى أنفسهم
-------------------
(69) أرّش حمل بعضهم على بعض أي حرّش.
(70) يشير هنا ابن الصغير إلى أمر خطير وهو إتهام الإمام أفلح بسياسة فرق تسد، وواضح من كلماته الأخيرة أنه يستعبد مثل هذه السياسة عن الإمام أفلح ولا يريد أن يتحمل المسؤولية لذلك يقول " .... فيما قالوا، والله أعلم فيمن رأى ذلك " وأنظر وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة أصالة، عدد 45 ص44.
(71) سبق وأن ذكر ابن الصغير في صفحة 53 أن الإمام أفلح شمخ في ملكه خمسين عاماً وبالتالي تكةن وفاته سنة 258هـ أي بعد 50 سنة من وفاة أبيه عبد الوهاب أما أب زكرياء و الوسياني وغيرهما فيذكران أن إمامة أفلح كانت ستين سنة في حين أن الدرجيني يجعلها تسعة وأربعون سنة. أنظر: أبو زكرياء: سير، ص96، الوسياني: مخطوط. ورقة 39، الدرجيني: طبقات، ج2، ص 320، أما في الجزء الأول من نفس كتاب الدرجيني فيكرر ما قاله قبله كا من أبي زكرياء والوسياني أنظر صفحة 83 من طبقات الدرجيني. وأنظر رأيا آخر: جودة عبد الكريم: العلاقات الخارجية، ص66. (1/55)
صفحة 56
إلى أن يأتيه والده من المغرب، فحمل أبو اليقظان من مكة وحمل معه رجل من نفوسة كان يخدم له حتى ورد بهما مدينة السلام، والعامل إذ ذاك المتوكل (72) أو غيره ممن كان في عصره، فأمر بحبسه. قال الذي حدثني، عن أبي اليقظان أنه قال وافق حبسي حبس أخ الخليفة (73)،كان قد نقم عليهم ما نقم (74) قال فأمر بنا جميعا فحبسنا في موضع واحد، قال وكان يجري علي في كل يوم مائة وعشرين درهما كما يجري على أخيه، قال فما زالت جارية علي إلى أن خرجت، قال فلما خرجت وأذن لي بالانصراف، قيل لي أنظر إلى من توصي بجاريتك (75) يقبضها لئلا يذهب رسمك من عندنا ويعفو ذكرك من دفترنا، قال وكان السبب الذي أذن الله بإطلاقي أن أخ الخليفة كان مؤالف لي في الحبس، شديد المحبة لي، فلا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا إلا أحضرني، قال وكنت له كذلك، قال فبينما نحن كذلك (76) وعلى ذلك إذ سمعنا الدنيا قد انقلبت وحركت
__________________
(72) المتوكل هو الخليفة العباسي العاشر تولى الخلافة بعد أخيه الواثق سنة 232 هـ وقتل سنة 247هـ من قبل جنود الأتراك، أنظر السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص373. فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل، ج3، ص51 وما بعدها. ويستبعد أن يكون المتوكل هو الخليفة العامل إذ ذاك لأن المصادر تذكر أن المتوكل هو الذي سجن في عهد أخيه الواثق.
(73) ربما يكون قد سجن مع الخليفة المتوكل الذي كان قد حبس في عهد أخيه الواثق (277هـ ـ232هـ) أو سجن مع الخليفة المعتمد (256هـ ـ279هـ) في عهد الخليفة المهتدي (255هـ ـ256هـ) ابن عم المعتمد. أنظر السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص 392. الطبري: تاريخ، ج9، ص 155 ابن الأثير: الكامل، ج5، ص 278.
(74) وردت في الأصل هكذا " فالنقم " والصواب ما صححناه.
(75) جارية وهي الجاري من الوظائف. والمقصود بها هنا الدراهم التي كان قد أجراها عليه الخلفاء العباسيون.
(76) وردت في الأصل هكذا "وعلم ذلك " وهو تحريف واضح. (1/56)
صفحة 57
حولنا، وإذا بالخليفة قد قتل، وقدم صاحبي الذي في الحبس معي مكانه، قال فما شعرنا أن دخلت له الصقالبة (77) والأجناد علينا فاختطف من بين أيدينا، ولم يسم من حدثنا من كان الخليفة المقتول ولا من كان الخليفة القائم، قال فلما استقل الملك بصاحبي وقعدت قواعده أمر بي فأخرجت وصيرني إلى الوزير فأمر بحفظي وكرامتي والنظر في أمري إلى أن اجتمع معه، مبرورا مكرما، قال فبينما أنا ذات يوم عنده انصرف من قصر الخليفة فوقف في صحن داري على فرس وخرجت له ووقفت معه، فبينما نحن كذلك إذ أقبل عشرة أناس فنزلوا عن دوابهم وبدروا نحوه يقبلون يده ورجله، فقال لهم أتدرون في ماذا أرسلت فيه إليكم؟ فقال له أصلح الله الوزير ليس لنا في ذلك علم، فقال إذا كان الغداة فأحضروني عشرة آلاف فارس، فقالوا نعم أصلح الله الوزير، قال فعجبت من قوله ومن قولهم، وقلت يهزأ بهم أو يهزؤون به، أو أراد لأن يظهر لي شيئا أتحدث به في المغرب لا أصل له، قال فنظر إلي وإلى انكساري، فشعر بي، فقال لي مالك يا مغربي أراك تعاظمك ما سمعت؟ فقلت أصلح الله الوزير كيف لا يتعاظمن، والله أصلحك لو كان ما سألتم دارهم في أكمامهم لما استطاعوا إحضارها إليك بالغداة، وكيف عشرة آلاف
----------------
(77) الصقالبة ويقصد بهم الأتراك الذين كانوا في هذه الفترة قد سيطروا سيطرة تامة تقريبا على الخلفاء العباسيين يولون من يشاؤون ويعزلون أويقتلون من يشاؤون، أنظر فاروق عمر فوزي: الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية، ط2، بيروت 1979. (1/57)
صفحة 58
فارس! فقال لي يا مغربي ترى هؤلاء العشرة قلت نعم قال تحت كل واحد منهم عشرة، كم هذا معك؟ قلت مائة، قال وتحت يد كل من المائة عشرة كم هذا معك؟ قلت ألف، قال وتحت كل واحد من الألف عشرة كم هذا معك؟ قلت عشرة آلاف، قال فإنما تخرج هذه العشرة فيدعوا كل واحد منهم من تحت يده فيأمر بإحضار عشرة، ثم يخرج كل واحد منهم من المأمورين فيأمر من تحت يده فيجتمع ذلك كله في أقل من لحظة عين، ولولا سحت هذه الأرزاق يا مغربي وأخذها لما صببنا هذه الأموال إلا في دجلة و الفرات، فأعجبي قوله، وقلت يمكن ما قال، فبينما أنا كذلك عنده إذ أمر الخليفة بإحضاري، قال فلما مثلت بين يديه، أمرني بالجلوس فجلست، قال، فذكر ما كنا عليه بما يرى مني اجتهادا في الصلاة وغيرها، فقال لي إني أحب أن أوليك من المشرق أي بلد ارادتها، فقلت الخيار لي في المشرق دون المغرب أو في المشرق والمغرب؟ فقال لي، الخيار إليك في المشرق والمغرب إلا أني أوثر لك المشرق لكثرة خيره، وأرغب لك عن المغرب لكثرة شره، فقلت له قد رددت الخيار إلي وإذا رددت الخيار إلي فأنا أختار ما شئت، قال ذلك إليك، فقلت اجمع بيني وبين عيني والدي، فقال ما تريد بالمغرب من خير ولكن إذا أردت ذلك فالأمر إليك، ثم عطف علي فقال لي جاريتك في الحبس أنظر إلى من توصي بها لئلا يعفو اسمك من عندنا، فقلت إلى فلان بن فلان الخياط، ر جل بقرب الحبس. قال (1/58)
صفحة 59
وكنت أقبلت على النفوسي المرفوع معي وقلت له أقم لقبض كل يوم مائة وعشرين درهما فذلك خير لك من المغرب، فأبى، فقلت له فإذا أبيت فالي من ترى ان انصرف فقال لي فلا ن بن فلان الخياط فإني كنت أجلس عنده و أستريح فيه وأشاوره على أمرك، فلما ذكرت اسم الخياط للخليفة قال لي بم أستحق ذلك منك؟ قال، فأعلمته بما قال النفوسي، قال فأمر به فأجريت عليه، قال، وكان النفوسي بعد ذلك بتاهرت إذا كربه أمر أو نزل به ضيق، فيقول لأبي اليقظان لم أقبل منك، ولو قبلت لكان العشرون والمائة درهم أعود علي مما أنا فيه، قال ثم أمر الخليفة الوزير بالنظر في أمري وأمر جهازي، وأمر لي بسرداق (78) فضرب لي، ثم أمر لي بصدقة وكسوة، وكتب لي كتابا إلى عماله بالأمصار بالحفظ والرعاية والبر والإكرام، فقمت حتى قضيت حوائجي، ثم خرجت (79). وأما أفلح بن عبد الوهاب لما فقد ولده أبا اليقظان وفاة أفلح وعلم أنه رفع إلى بغداد اشتد حزنه عليه وطال غمه به فلم يزل مهموما محزينا إلى أن وافته منيته وابنه محبوس ببغداد، واجتمعت الإباضية فلم يصبوا في أولاد أفلح إذ فقدوا أبا اليقظان ارجح عندهم من ولده أبي بكر.
__________________
(78) سراق وفي مكان آخر يذكر سراق والكلمة سرداق لا تذكرها المعاجم العربية. أما سرداق والجمع سرادقات فهو ما أحاط بالبناء، أنظر ابن منظور، لسان، م2، ص130.
(79) هذه الرواية اللطيفة عن سجن أبي اليقظان ببغداد وإكرام الخلفاء العباسيين له لا نجد لها في المصادر الإباضية إلا إشارة عابرة، وهي تؤكد حبس العباسيين لأبي اليقظان وإطلاق سراحه بعد أن أحسنوا إليه. أنظر أبو زكرياء: سير ص 96، الدرجيني: طبقات، ج1، ص 83. وارجع إلى المقال الذي كتبه الأستاذ عبد الوهاب بن منصور: جريدة البصائر، عدد178ــ179 وعنوانه: السفارات المالكية والعلائق بين المشرق والمغرب. الجزائر، 1371هـ/1952م، ص6. (1/59)
صفحة 60
[صفحة بيضاء] (1/60)
صفحة 61
ولاية أبي بكر بن أفلح (80) ومقتل ابن عرفة (81)
أخبرني جماعة من الإباضية وغيرهم عن ولاية أبي بكر ومقتل ابن عرفة وقدوم أبي اليقظان من العراق، قالوا: فلما مات أفلح بن عبد الوهاب قدّم الناس أبا بكر ابنه، وأخبرني غير واحد من الإباضية، قال، كان عبد العزيز بن الأوز (82) ينادي بأعلى صوته " الله سائلكم معاشر نفوسة إذا مات واحدكم جعلتم مكانه آخر ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى "، فلا يلتفتون إلى كلامه ولا يشتغلون بمقالته، فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله من آبائه، ولكن كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل
__________________
(80) أبو بكر بن أفلح (258ـ261هـ) رابع الأئمة الرستميين أهملته المصادر الإباضية وتوقفت عند ذكر إمامته، والسبب في ذلك فتنة ابن عرفة التي سوف يذكرها ابن الصغير مفصلة، ولقد قيل إن الإمام أبا بكر هو الذي قتل ابن عرفة كما قيل أنه لم يكن حازماً وليس فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله. ولقد ترك الشماخي بياضا في كتابه لما وصل إلى عهد أبي بكر. أنظر السير، ص 220، جودت عبد الكريم: العلاقات، ص 66.
(81) ابن عرفة محمد من المقدَّمين في بلاط الرستميين في عهد الإمامين أفلح وأبي بكر، صهر إلى الإمام أبي بكر وصهره الإمام، لذلك بلغ من النفود مبلغا عظيماً في عهده.
(82) عبد العزيز بن الأوز من علماء الإباضية الذين لهم فقه بارع ورحلة نحو المشرق، ويبدو أنه صريح لا يعرف المجاملة، وسوف يذكره ابن الصغير مرة ثانية ويروي عنه قصة تدل على قوة ملاحظته، ويبدو أن سفاهة لسانه وخفة عقله، كما يصفه بذلك ابن الصغير، هما السبب في إعراض الإباضية عنه وإهمال ذكره في طبقات وسير علمائهم. (1/61)
صفحة 62
المروءة ويشايعهم على مروءتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين (83)، وكان بالبلد رجل يعرف بمحمد بن عرفة ............ محمد بن عرفة وما كان من أمره. وكان وسيما جميلا جوادا سمحا، وكان قد وفد على ملك السودان (84) بهدية من قبل أفلح بن عبد الوهاب فعجب ملك السودان ما رآه من هيبته وجماله وفروسيته إذا ركب الخيل فهز يديه وقال له كلمة بالسودانية ليست تعبر بالعربية لأن لا مخرج للامساك إنما هو فيما بين القاف والكاف والجيم (85) إلا أن معناها " أنت حسن الوجه حسن الهيبة والأفعال " وكان لابن عرفة هذا، أخت أو بنت أجمل منه فخطب إليه أبو بكر بن أفلح ودخل بها، قالوا وكان محمد بن عرفة هذا قد تزوج بأخت أبي بكر، قالوا فكانت الامارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمحمد بن عرفة، وكان محمد بن عرفة إذا ركب من داره يريد أبا بكر مشي بين يديه ومن خلفه ومن يمينه ومن يساره أمم من الأمم، وشرقت (86) بذلك الرستمية وغارت به وشرق بذلك كل من
--------------------
(83) لا حظ جيداً هذه الصفات التي يتحلَّى بها أبو بكر، لتُقاَرِنَها فيما بعد بسير أحداث فتنة ابن عرفة.
(84) لا نعرف بالتدقيق المملكة السودانية التي كانت تربطها بالدولة الرستمية علاقات تجارية متواصلة، إلا أن المؤرخون يذكرون في القرن الثاني والثالث الهجريين عدة ممالك في السودان الغربي والأوسط وأهمها جميعا مملكة غانة ومملكة كوكو. أنظر المسعودي: مروج الذهب، ج 2، ص222ـ 223، اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص193ـ194. بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 219ـ223.
(85) لماذا اهتم ابن الصغير بمخرج الكلمة السودانية التي ليست تعبَّر بالعربية، فهل يفهم من هنا أن ابن الصغير يعلم اللغة السودانية أو أن هذه متداولة في تيهرت على الأقل بين العبيد ومملوكيهم من الأغنياء والتجار مع السودان. أنظر بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 243هامش 5.
(86) شرق: الشجا والغُصَّة، ابن منظور: لسان م 2، ص305. (1/62)
صفحة 63
طاف بأبي بكر، إلا أن الكلمة مجتمعة والدعوة واحدة والناس مقيمون على أحوالهم، إلا أن الضغائن بين القبائل وأهل الحواضر في الصدور على ما كانت في أيام أبيه، وبين القبائل حروب تهيج ثم تسكن، والبلد زائدة في العمارة، إلا أن هوارة قد جنبت ورجعت إلى مواضعها من الوادي، إلا أنه قد وقع بينها ما وقع بين الناس من العداوة حتى تميزت وتباينت وصارت بنو أوس مع من ولاهم، وزهقت مع رؤسائهم، ................. عودة أبي اليقظان من المشرق وسيرته وعدله فكان الناس على أمامهم عليه إلى أن قدم أبو اليقظان من العراق فوجد أخاه أبا بكر أميراً والعجم على أحوالهم والنفوسة على مراتبهم وسائر الناس على ما هم عليه، فلم يغير شيئا ولم ينكره ولا ادعى إمارة ولا نازع فيها أخاه، بل يظهر القيام له و الحسبة بين يديه، وكان أو بكر يحب اللذات ويميل إلى الشهوات فصرف النظر في المدينة وأحوازها إلى أخيه أبي اليقظان مع ما أظهر له من الكفاية مع أدب المشرق و الأخذ بالحزم فيما رآه من ولاية بني العباس وسيرهم، وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه، فمن تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك نظراً شافيا وأجرى الحق على من رضي وسخط عظم قدره أو صغر، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فحمد له الشراة (87) ذلك وحمد له أخوه
--------------------
(87) الشراة وهم علماء الإباضية الذين يقومون برقابة سير أحوال الإمام ولا إمامة بصفة عامة، ويتدخَّلون لإحقاق الحق و إثبات العدل كلما اقتضت الضرورة لذلك، وهو نظام خاص بالدولة الرستمية. والكلمة مقتبسة من قوله تعالى ومن الناس يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله سورة البقرة الآية 207 وأنظر آية أرى في سورة التوبة آية رقم 111. والجدير بالذكر أن من بين الأنواع الأربعة للإمامة عند الإباضية إمامة الشراء، أنظر ابن جميع: مقدمة التوحيد، ص69 وما بعدها، عوض خليفات: النظم، ص112ـ113، بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 79ـ80. (1/63)
صفحة 64
فعله فإذا كان آخر أتى باب أخيه أبي بكر فإن وجده جالس دخل عليه وأعلمه بما حدث في يومه من خير وحكم، وإن لقيه مشتغلا قال لمن علم أنه يصل إلى حرمته اقرأ على الأمير السلام وقل له أصبحت اليوم مدينتك هادئة وأمست هادئة، وإذا كان في الليل ركب وطاف في المدينة حتى أقصاها ويحكم في الأمر الضروري و يأمرهم إذا حدث حادث أن يوافوا دراه فإذا حكم جميعا ذلك انصرف إلى داره فإذا كان بالغداة غدا إلى باب أخيه فإن وجده جالسا أعلمه بما كان في المدينة من حدث إن كان حدث أو هدوء إن كان هدوء، فلم يزل كذلك حتى جلب قلوب الناس واستراءت (88) إليه ومالت نحوه، وفي كل ذلك محمد بن عرفة ........... دالة محمد بن عرفة عل أبي بكر في دوي وصيت عال لا ينظر أبا اليقظان في حزبه ولا في طائفته ولا في الناحية التي هو بها ولا ينظر بهيمة له ولا إجلال أو حذر منه، وكان محمد بن عرفة إذا أتى باب أبي بكر لم يحجب (89) كان ابو بكر في مجلسه أو في حرمته، وكان أبو اليقظان وجميع إخوان أبي بكر وأعمامه لا يدخلون على أبي بكر إلا بالاستئذان إذا كان في مجلسه وإلا انصرفوا (90)، وكان محمد بن عرفة على غير ذلك وكانوا لا
__________________
(88) هكذا وردت في الأصل ولعل الصواب " واشرأبَّت ".
(89) وردت في الأصل " يحج " و الصواب ما أثبتناه في المتن.
(90) في الحقيقة لا غرابة في هذا، فابن عرفة إذا كان يدخل على أبي بكر في مجلسه أو في حرمته دون أن يحجب فلأنه أخ زوجة الإمام أبي بكر وبالتالي فهي من ذوات محارمه، أما إذا كان أبو اليقظان وغيره يحجبون عندما يكون الإمام في حرمته فلأنه لا يجوز لهم شرعاً مقابلة زوجة أبي بكر أخت ابن عرفة، فزوجة الأخ ليست من ذوات المحارم. من هنا فلا نفهم أن ابن عرفة محظي ومقدم عند الإمام أبي بكر على حساب أخيه أبي اليقظان وأعمامه، كما يريد ابن الصغير. (1/64)
صفحة 65
يصلون إلى السعي فيه لمكان أخته أو بنته عنده، وكان أبو بكر بها كلفها ولها محبا، فلم يزالوا يترقبون الفلتات ........... تحريض أبي بكر على التخلص من ابن عرفة وأثر ذلك. وينتظرون الغفلات إلى أن جمعهم يوما إلى نفسه لأمر أراد شوارهم فيه، فلما ظفروا بالخلوة منه قالوا انك ذاهب ونحن ذاهبون، قال وكيف ذلك؟ قالوا له ما نحسب أنك تعلم مجيء ابن عرفة إذا جاء فيمن يجيء ولا انصرافه إذا انصرف فيمن ينصرف ولا اجتماع الناس عند بابك إذا جاء ولا خلوه إذا انصرف، قالوا المنفرد بهذا الكلام أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوته وأعمامه فالله أعلم أيّ ذلك كان (91) فلما سمع أبو بكر شق صدره وأراد أن يعلم ذلك ففتح طاقا في أعلى قصره يقابل الناحية التي يأتي منها محمد بن عرفة فلما كان بالغداة جلس في الطاق فبينما هو كذلك إذ تحرك محمد بن عرفة من قصره فبادر الناس إليه من كل جانب وذلك كله بعين أبي بكر وأقبل وبين يديه أمم و خلفه أمم وعن يمينه أمم وعن شماله أمم، حتى أتى الباب، فنزل أبو بكر من طاقه إلى مجلسه وقد هاله ما رأى، ثم دخل محمد فخلا معه مليا ثم انصرف فصعد أبو بكر إلى الطاق فإذا بالأمم
__________________
(91) يتهم ابن الصغير الإمام أبا اليقظان بتأليب أخيه على ابن عرفة، ولما كانت هذه التهمة خطيرة خاصة وأنه أدرك أبا اليقظان وحضرَ مجلسه وقال عنه بأنه كان زاهداً ورعاً ناسكاً سكيناً، لذلك نجد ابن الصغير يتحرج من هذه التهمة وكأنه يستبعدها عن أبي اليقظان في قوله " فالله أعلم أيُّ ذلك كان ". أنظر وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة الأصالة، عدد 45، ص 44. (1/65)
صفحة 66
التي أقبلت قد انصرفت، وبقي بابه خاليا، فتحقق عنده ما قال القائل، ثم أرسل لمن ذكر له من أمر محمد بن عرفة ما ذكره، فقال له قد رأيت ما وصفت فما الرأي؟ فقال إن هممت به وأظهرت ذلك امتنع منك وغلب عليك وأفسد عليك ملكك لأن مطيعته أكثر من مطيعتك، ولكن ألطف في أمره، قال وكيف ألطف في أمره ذلك؟ قال وجه اللطف في ذلك أن تخرج كما تخرج ابدأ متنزها معه ومع غيره وتظهر له أنك تريد الخلوة معه والراحة، وتأمره أن لا يحضر أحدا معه من عبيده ولا من حشمه وتفعل أنت مثل ذلك إلا عبدا من عبيدك ممن تثق إليه في دينك ودنياك ويكون مع ذلك كافيا متحملا لما حملته، فإذا حكمت ذلك ووعدته على الخروج قد علمته أن خروجكما بالليل وانصرافكما فيه لئلا تخلط بكم العوام، فإذا أتيت متنزهك أقم فيه نهارك كما تقيم، فإذا غابت الشمس وقمتما لصلاة المغرب أمرت غلامك فيه ما تريد، فقال له أبو بكر اكتم علي هذا ولا تظهره ودعني أدبر أمري وأتأمل في الرأي وهل تطوع نفسي بذلك أم لا، فإني لا أحسب نفسي تطوع في ذلك ولا سيما أخته تحتي وأختي تحته، " حتى أنا شككت في البنت أو الأخت " (92) ومتى ما فعلت ذلك تنقصت حالي ومنت كقاطع كفٍ بكفٍ لما خرني (93) فقال له الأمر إليك
-----------------
(92) هذه الجملة اعتراضية يخبر فيها ابن الصغير عدم يقينه من أن عرفة تزوج أخت أبي بكر أو بنته. كما إحتار هل تزوج أبو بكر بنت ابن عرفة أم أخته.
(93) لعل لصواب " لما ضرَّني " بدلا من خرَّني. (1/66)
صفحة 67
وإنما علينا النصيحة، وقد علم أبو بكر بعد فوات الأمر أن الحسد والبغي أداهم إلى ما أداهم لا النصيحة، ثم لم يغلب نفسه وهي تغالبه حتى عزم على غدره ومحمد بن عرفة في ذلك كله أسلم الناس صدرا أكبرهم له حبا، فأرسل له كما يرسل قبل ذلك وقال له قد أردت الخروج بالغداة إلى جنان الأمير وأردت الخلوة فيه والقيام به إلى آخر النهار مع انصراف الحشم عني والعبيد وأحب أن تأتي بالغلس مفردا فنصطحب جميعا، فقال ذلك إلى الأمير، فلما كان قبيل الصبح ركب محمد بن عرفة من غير أن يعلم أحدا من حاشيته وعبيده حتى أتى بابه وعلم أبو بكر بمجيئه وخرج وقد عهد إلى غلامه في الليل ما عهد وأمره بما أمر فسارا جميعا حتى أتيا موضع منتزهها وهو موضع يعرف بجنان الأمير فأقاما يومهما ذلك، فلما كان وقت العشاء وسقطت الشمس قال له تعال نصلي المغرب فننصرف؟ فأسبغ كل واحد منهما وضوءه واستقبل القبلة فلما أحرم محمد بن عرفة أشار أبو بكر إلى غلامه أن امض إلى ما أمرتك فضربه بحربة كانت بيده بين كتفيه فخر ساقطا ميتا فلما علم ذلك أبو بكر قال لغلامه زمّله بثيابه وحمله على فرسه، ففعل الغلام ما أمر به وركب أبو بكر فرسه ومشى بين يدي الغلام والغلام خلفه حتى أتى جبلا قد تقسم نصفين له هواء عظيم يعرف ذلك الموضع بالشفة الحمراء، فقال له ألقه في المهواة فألقاه فيها وأمره أن يغيب فرسه ولا يظهره، (1/67)
صفحة 68
وانصرفا حتى دخل المدينة (94). وابطأ محمد بن عرفة عن زوجته وأهله وداره فبعثوا رسولا يتجسس لهم الأخبار ويتعرف إن كان وصل أبو بكر إلى داره أم لا، فرجع الرسول فأخبرهم بوصول أبي بكر إلى داره، ولم يصب لمحمد بن عرفة خبرا ولا أثرا، واتصل الخبر بجيرانه وإخوانه وأهل بطانته فباتوا متوحشين خائفين وجلين، فلما طلع الفجر وارتفع النهار ولم يصيبوا له خبرا ولا أثرا خرج الناس مقتفيين أثره ومفتقدين خبره حتى أتوا الموضع الذي كان فيه مصرعه فما أصابوا (95) إلا دما قد بات الموضع فعلموا ان الرجل أصيب، فلم يزالوا يتبعون أثر الدم حتى وقفوا على أثر المهواة فأمروا بحبال فأوتي بها فربطوا بها من أدلوهم حتى نزلوا الموضع وأصابوا الرجل على حاله بثيابه فربطوه بتلك الأحبال ورفعوه إلى أعلى الموضع، ثم طلع القوم فأتوا النهر الذي قتلوه فيه وبعثوا إلى داره وأتوا منها بفرس له وكسوة طاهرة وسيفه فغسلوه في النهر ونظفوه وطيبوه ثم كسوه ثيابه وقلدوه سيفه وحملوه على فرسه وجعلوا خلفه رجلا يحبسه، حتى أتوا به مدينة تاهرت فابتدر إليه العامة والخاصة والنساء والصبيان ولحق الناس من الجزع ما لم
__________________
(94) إن أبا بكر بن أفلح بصفات التي سبق و أن ذكرها ابن الصغير نفسه، بعيد أن ينفّذ مؤامرة خطيرة وخسيسة كهذه، لذلك فإن الراجح عندنا هو أن أبا بكر متّهم بهذا القتل الذي نفّذه غيره وحاول به ان يضرب وحدة الرستميين والإباضية ولقد حصل له ما أراد، وفي رأينا أن المناقشة والتحليل الذي قام به الشيخ علي يحي معمر لذه الحادثة والمؤامرة والتهمة والنتائج التي انتهى إليها منطقية معقولة. أنظر علي يحي معمر: الإباضية بالجزائر ج4، ص45 وما بعدها، بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية ص131 وما بعدها.
(95) وردت في الأصل " فأصابوا إلاَّ دماً ". (1/68)
صفحة 69
يلحقهم في قتيل قبله، وقام مناد ينادي بين يديه الا إن القتيل المظلوم يأمركم بطلب ثأره و دمه، فعجل الناس بجازه ودفنه ثم جلسوا حلقا حلقاً يذكرون أمرهم ................. فتنة محمود بن الوليد: إلى أن بعث رجل يعرف بمحمود بن الوليد رجالا من خاصته يتعرّفون أحوال الناس وما لهم عليه فرجعت رسله إليه فقالت قد حمي الوطيس وإنّما ينتظرون محرّكا، فصعد إلى أعلى موضع بالمدينة يعرف بالكنيسة فضرب الطبل فبادر الناس إليه وأمرهم بأخذ السلاح والزحف إلى أبي بكر وقربه (96)، واتصل ذلك بأبي بكر فابتدر إليه خاصته من السمحيين (97) والرستميين وغيرهم، وزحف الناس من أعلى المدينة من ناحية المشرق، وزحف قرب أبي بكر وشيعته وخاصته من المغرب، ولبس كل واحد من الفريقين الدروع والبيض والرايات حتى الناس جملة إلاّ يسير بموضع بمسجد أبي (98) .... فلم تزل الأيدي تتطاير والرجل كذلك والهامة تقلع وأمر على الفريقين الصبر، فلما رأت العجم ما نزل .............. فتنة العجم وما انجر على ذلك من قتال واضطراب
------------------
(96) قربه أي أقرباؤه فابن الصغير يريد هنا قرب النسب لا قرب المكان على أكبر تقدير.
(97) وردت في الأصل " المسيحيين " وهو خطأ فادح، والصحيح " السمحيين " مثلما قال بذلك الباروني في أزهاره. وهؤلاء هم أتباع السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وهم من الإباضية الوهبية الذي قبلوا إمامة عبد الوهاب ورفضوا قفز خلف بن السمح بن أبي الخطاب إلى ولاية نفوسة دون إذن من الإمام بتيهرت وهذا لما توفي عامل نفوسة من قِبَل الإمام عبد الوهاب بن السَّمحُ، أي والد خلف. وحاول خلف الاستقلال بجبل نفوسة عن الإمامة الرستمية فسمي الذين اتبعوه بالخلفيين والذين رفضوا رأيه ولم يقفوا إلى جانبه بالسمحيين. أنظر التفاصيل في الباروني: الأزهار، ج2، ص148 وما بعدها وصفحة 231 علما بأن الباروني اعتمد على مخطوط لكتاب ابن الصغير لديه. عوض خليفات: النظم، ص 103، بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص126 وما بعدها، و ص135.
(98) بياض في الأصل. (1/69)
صفحة 70
بين الفريقين من السباب والقتل قالوا قد امكننا في العرب والجند ومواليهم وأتباعهم ما نريد، فقوموا بنا مع اشتغالهم بأنفسهم حتى نثبت على طرف المدينة فنقتل مقاتلتهم ونخرب ديارهم ونميل على سائرهم فنهلكهم فيصفو لنا البلد والسلطان. وقد وقع بينهم وبين سلطان البلد من الفتق ما لا يرتق أبداً له (99)، ففعلوا ذلك وكانت الناحية التي هموا بها قد أخذت من أنفاسها وخافت مما قدره العجم عليها، فلما وافهم العجم من الناحية المعروفة بوقف الدواب بدر إليهم القوم فكان بينهم وبينه قتال شديد وأصحابهم مشتغلون بأنفسهم كذلك إلى أن سقط رجل من العجم فاحتزّوا رأسه، وسير به إلى الفريقين وهما يقتتلان فناداهم وبيده الرأس: يا معشر الجند تقتلون أنفسكم والعجم قد دخل عليكم ساحتكم يقتلون مقاتلكم ويستبيحون حريمكم، ثم ألقى الرأس فيما بينهم، فلما نظروا إلى الرأس، ألقوا السلاح من أيديهم وتعانقوا وقاموا بأجمعهم نحو العجم فقتلوا منهم خلقا كثيرا وقبضوا منهم نفراً يسيراً، واعتزل أبو اليقظان الفريقين وصار الى وعدة (100) نفوسة، والجند و العرب ترى أنها ليس غير ما ظهر وأنه يعين عليها في الباطن وبقى أبو بكر في داره لا يأمر ولا ينهى وقد تشاءم الناس به، وبقيت نفوسة معتزلة عن الفريقين واختلفت
__________________
(99) هذه كلمة زائدة.
(100) لعل الصواب عُدْوة بدل وعدة، وقد ذكر ابن الصغير عدوة نفوسة قبل هذا الموضع وسوف يعيد ذلك في الصفحة التالية، والعدوة المكان المتباعد .... ابن منظور: لسان، م2، ص 714. (1/70)
صفحة 71
الحرب بين العجم والعرب وكان قد قبض العرب مولى من موالي الأغلب (101) يقال له خلف الخادم وكانت له أموال عظيمة فأعان القوم بنفسه وماله (102)، ثم لم تزل الحرب قائمة إلى ذات يوم وقعت حربة في جوار درب النفوسيين وكانت العرب والجند إذا غلبت على العجم أخرجتها من بعض ديارها في حالها فقال لهم خلف الخادم: وما تصنعون شيئا، إذا غلبتم على شيء من ديارهم فأضرموه نارا، فلما كان اليوم الثاني وقع الحرب فيه بجوار درب النفوسيين وغلبت العرب والجند على ذلك الموضع وأزالت العجم عنها (103) واستولت على الدرب وكان أكثره للعجم وبعضه لنفوسة وأضرمت الدرب نارا، فغضبت نفوسة عند ذلك وقالت وقفنا عند حربهم وأحرقوا ديارنا واستباحوا حريمنا. فعند ذلك حميت نفوسة وصارت كلمتها وكلمة العجم واحدة، وجبذوا (104) إلى أنفسهم أبا اليقظان فلما اجتمع أمر العجم ونفوسة والرستمية وأبي اليقظان وصار الأمر إليه اشتد الحرب على العرب والجند وضيقت عليهم العجم ونفوسة وأبو اليقظان حتى ضموهم إلى أطراف مدينتهم
--------------------
(101) أي الأغالبة حكام إفريقية أو الدولة الأغلبية ومؤسسها هو إبراهيم بن الأغلب الذي استقل بولاية إفريقية (تونس حاليا تقريبا) عن الخلافة العباسية سنة 184هـ/800م وأقره الخليفة هارون الرشيد على ذلك.
(102) ألا يمكن أن نفهم من هنا أن للأغالبة يداً في هذه الفتنة التي عصفت بالدولة الرستمية؟
(103) الأصح " عنه " أي عن الموضع.
(104) جبذ جبذاً في العربية مثل جذب جذباً كلاهما صحيح ولهما نفس المعنى: ابن منظور: لسان، ج1، ص 394. (1/71)
صفحة 72
واستولوا على أكثرها، ثم كانت بينهم وقائع كلها للعجم ونفوسة على العرب، منها وقعة تعرف بقنطرة الدمتس ومنها وقعة تعرف بقنطرة سليس، وفزع في هاتين الوقعتين في وجوه العرب وصناديدهم، ثم كانت وقعة تعرف بيوم الرد المعوج، فيما ذكر، أن نفوسة فروا بعضها على بعض وقال بعضهم كيف يجوز لنا الفرار من الزحف قالوا فما وجه الرأي قالوا الرأي أن نضم لرجل (105) بعضنا إلى بعض بحبال ونثبت للحرب فكلما دارت إلى الناحية درنا معها بوجوهنا ولا نبرح من أمكنتنا حتى يقطع السيوف في هاماتنا فكان في ذلك اليوم قتال لم يتقدم قبله قتال مثله، فكلما دارت الحرب على ذلك الرد دار إليها ودار معها حتى افترق القتال وهو على حاله، ثم لم تزل الحرب قائمة وأمور العرب والجند تزيد وتقوى وأمور العجم ونفوسة تنقص وتضعف حتى أجلوهم (106) على الامصار وأضرموها بالنار، وصار للعجم ونفوسة والرستميين موضع واحد في العدوة المعروفة بعدوة نفوسة فبنواحصنهم فيه وشيدوه، وتبع من العرب والجند توابع من التجار منهم أبو محمد الصيرفي وابن الواسطي وغيرهما من وجوه التجار وهم ذوو أموال، فقالوا للعرب والجند لو بنيتم حصنا تأمنون فيه ليلكم وتتحصنون فيه إن دهمكم شيء من عدوكم، وهذه أموالنا في أيديكم، فشرعوا في بناء الحصن، ولم يكن بين حصنهم وحصن عدوهم
------------------
(105) هكذا وردت ولعل الصواب: " أرجل ".
(106) الصواب أن يقال "عن الأمصار ". (1/72)
صفحة 73
إلا قدر رمية رام بسهم، إلا أن بينهما نهر يعرف بالنهر الصغير، قالوا وربما كان البناؤون يبنون والنبل تصيبهم فيحفلون لهم ستارة حتى استدار حصنهم وركّبوا له أبوابه وعَلَتْه أبرجته والحرب لا تفتر ليلا ولا نهارا، وحميت فيما بينهم حمية الجاهلية وجرت بينهم الحرب سمعة ورياء.
أخبرني بعض المشائخ قال: صفت نفوسة والعجم من لف لفهم بين يدي حصنهم وعلى حصنهم، فبرز رجل من العجم يقال له ابن وردة (107) وبيده سيف ودرقة، وكان كل من مر إلا وقتله، فنادى هل من مبارز (108)؟ فهابه الناس إلى أن قال، وإن العجم والنفوسة والرستميين، لما نزل بهم ما نزل تفرقوا في أقاصي البلاد، فنزلت العجم بموضع يقال له تنابغيلت (109) وهي على المرحلتين من مدينة تاهرت، وأما الرستمية ومن لف لفها فلحقوا بأبي اليقظان بالموضع الذي يقال له اسكدال (110) وهو بقبلة تاهرت على مسيرة اليوم وأزيد قليلا في مجتمع الإباضية، وأما نفوسة فنزلت بقلعة مانعة يقال لها اليوم قلعة نفوسة. فنزل محمد بن مسالة (111) تاهرت، وخرج أبو بكر مع من خرج لا
__________________
(107) سبق وأن ذكر ابن الصغير رجلا بهذا الاسم من العجم، بل هو مقدم العجم، فكان له سوق يعرف به لا يجسر صاحب شرطة أفلح على دخوله هيبة.
(108) وردت في الأصل: هل من بارز والصحيح: هل من مبارز؟
(109) لا تذكر المصادر الجغرافية هذا الموضع الذي يبعد عن تاهرت بمرحلتين.
(110) إسكدال لا تذكر المصادر الجغرافية هذا الموضع الذي به مجتمع الإباضية.
(111) محمد بن مسالة من المشقين عن الإمامة بتاهرت، وقد ذكر ابن الصغير في الصفحات السابقة، لما تطرق إلى الافتراق الثاني في عهد عبد الوهاب، وسبب الانشقاق هو أن الإمام عبد الوهاب تزوج فتاة كان ابن مسالة قد خطبها من أهلها قبل الإمام، فغضب ابن مسالة لذلك وغضبت عشيرته فارتحل نحو المغرب حتى نزل بوادي هوارة وبينه وبين تاهرت نحو من عشرة أميال أو أكثر. ولما كانت هذه الفتنة، استغلها محمد بن مسالة فرجع إلى تاهرت ونزلها. وأنظر كذلك اليعقوبي: البلدان، ص106 ومل بعدها. (1/73)
صفحة 74
حياًّ ولا ميتا، فلم تزل أمور الناس هادئة حتى وقع شيء ............. خروج أبي بكر وانهزامه بين هوارة ولواته وكانت لواته إذ ذاك بالمدينة مع أهل المدينة فتسلطت عليها هوارة بسلطانهم وأعانتها أهل المدينة، فلمّا رأت لواته ذلك ظعنت عن المدينة وخلت عنها ونزلت بحصنها المعروف بحصن لواته، وأرسلت إلى أبي اليقظان فأنزلته في جوار منها على مسيرة أميال بموضع يقال له تسلونت (112)، ومن تسلونت مخرج عيون نهر مينة الجاري من قبلة تاهرت الذي نصبوا عليه أرحائهم، ............ إمامة أبي اليقظان وكان أبو
اليقظان معه بعض الأموال التي قدم بها من بغداد، والمدينة بها رجال هواهم وقلوبهم عند أبي اليقظان، فخرجت إليه فصارت الدعوة والإمامة كلها لأبي اليقظان، واتته الإباضية من كل الأقطار وبقي بالمدينة أمم ممن لا يوالون أبا اليقظان ولا يرون رأيه ويوالون محمد بن مسالة على عمليات لا علم لنا بها، فتجردت الحرب وعادت جذعة (113)، وحمل أبو اليقظان الناس على الخيل ودعي له بالإمارة والإمامة وألغى ذكر أبي بكر ومحمد بن مسالة، وأبو اليقظان يغزو المدينة وتجرد إليه أهل المدينة فتكون وقائع وقتل له ثم ينصرف فلم تزل الحروب كذلك وعلى ذلك سبع
-------------------
(112) هكذا وردت في الأصل، ولكنها في نسخة الشيخ أبي اليقظان " تاملونت " ولا ندري معتمده، ولا تذكر المصادر الجغرافية هذا الموضع.
(113) وردت في الأصل جزعة بالزاي. وأصلها جذعة، يقال جذع أي قطع. (1/74)
صفحة 75
سنيين حتى خلت وذهبت الأموال وعادت كما قال أمرؤ القيس (114) شمطاء (115) وإن أبا اليقظان لما رأى من طول الحرب ما رأى كتب إلى جبل نفوسة يستفزهم ... (116).
. (117) جددوا له البيعة وعقدوها له، وأنهم لما نزلت بأبي اليقظان اجتمع إلى أبي اليقظان جمع عظيم فرحل بجميع جموعه من نفوسة وغيرها، حتى نزل من المغرب من مدينة تاهرت فلما نزل منزله. قالت نفوسة لا نقاتل حتى نرسل إلى إخوانا وننذرهم فإن جاءوا ورجعوا إلى الطاعة كانت أيدينا وأيديهم واحدة وإن أبوا من ذلك نزلنا معهم على حكم الله، قال افعلوا، ففعلوا فأرسلوا رسلهم وخوفوا الناس من شر العواقب ووجدوهم قد ملوا الحرب فقالوا لرسلهم قد تقدمت فيما بيننا دماء وأموال لا منا ولا منهم ونخشى أن يأخذ الباقي من الغائر فإن كان عقدوا صلحا على ان لا يتبع أحد بدم ولا مال فسمعا وطاعة، فأعلمت نفوسة أبا اليقظان بما قالت رسلهم، فقال معاذ الله أن نأخذ أحد بما
__________________
(114) أمرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار. أشهر شعراء العرب في الجاهلية وهو من أصحاب المعلّقات. توفي حوالي سنة80 قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم. الزركلي: الأعلام، ج1، ص351.
(115) وردت في الأصل " شمطا " ويشير ابن الصغير هنا إلى هذه الأبيات لمرئ القيس:
الحرب أول ما تكون فتيَّة ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت وشبَّ ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزَّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشّمّ والتقبيل
(116) هكذا وردت في الأصل، ولا ندري أهو اجتراء من موتيلانسكي أم هو في المخطوط الذي نقل عنه. وربما الصحيح يستنفرهم.
(117) بياض في الأصل. (1/75)
صفحة 76
سلف ولا آخذ إلا بما يستقبل فأعطوهم على هذا ما أحب من العهود والمواثيق، قال ثم خرجت طائفة من عسكر أبي اليقظان حتى اجتمعت بطائفة من أهل المدينة فقعدوا ذلك فيما بينهم، فقالت نفوسة نحن إنما جئنا لإصلاح بيضتنا و تأليف أمرنا وقوام ديننا ولم نأت لطلب علوٍّ في الأرض ولا فساد، فرحل أبو اليقظان بعساكره حتى أتى الظاهر المشرف على المدينة المعروفة بقلعة نفوسة فضرب بها سرادقه الذي قدم به من بغداد، قالوا ولم ير سراق مضروب قبله وإنما كنت مضارب وقباب، ثم إن أهل المدينة عمدوا إلى داره التي هدموها وكانت مزبلة من المزابل وكدية من الكدي فكنسوها في يومهم ذلك فابتنوها في أسرع الأيام فلما فرغت نزلها أبو اليقظان ورفع مضاربه ونزل الناس المدينة. (1/76)
صفحة 77
دخول أبي اليقظان (118) تاهرت وسيرته به
قال لي جماعة ممن شافهني من الإباضية وكلمني، لَّما دخل أبو اليقظان المدينة ونزلها كان أول شيء نظر فيه من أمور الناس إن استصلح لهم قاضيا، بعد أن شاور جماعة منهم، فأشاروا به وكان اسم القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ، ثم ولي على بيت ماله رجلا من نفوسة، ثم قدم على منبره من ارتضاه هو بنفسه، ثم أمر قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قالوا، فإن رأوه قصابا ينفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا دابَّة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه. ولا يمنعون أحدا من الصلاة في مساجدهم، ولا يكشفون عن حاله ولو رأوه رافعا يديه، ما خلا المسجد الجامع إن رأوا فيه من رفع يديه منعوه وزجروه فإن عاد ضربوه، وكانت خطبهم على منابرهم
__________________
(118) أبو اليقظان محمد بن أفلح: (162ــ281هـ) هو الإمام الرستمي الخامس. أنظر ترجمته في المصادر الإباضية: أبو زكرياء: سير، ص 98. الدرجيني: طبقات، ج1، ص 83 ـــ84، بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 132 وما بعدها، جودت عبد الكريم: العلاقات، ص 66وما بعدها هامش رقم1. (1/77)
صفحة 78
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (119)، ما خلى خطبة التحكيم (120). فلم يزل قاضيهم محمد بن عبد الله يحسن السيرة فيهم ويأمر بأمر أبي اليقظان وينهى إلى نهيه لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى أن حدث حَدثٌ فأصبح بالغداة إلى أبي اليقظان فرمى إليه خاتمه وقمطره فقال ول على قضائك من تريد؟ فقال له مالك (121) وما اعتراك؟ ............... القاضي محمد بن عبد الله، وما كان من أمره فقال له ما نقمت عليك شيئا ولكن نقمت على بنيك، فقال م بال بني؟ قال خليتهم عالة على الناس، فغضب أبو اليقظان مما استقبله به ولم يرد عليه شيئا. وكان للقاضي حاسدون و مبغضون، فلما انصرف من عند الإمام قال لمن حوله إذا كان بالغداة أمضوا إلى محمد وسائلوه ما نقم علي، وعلى من نقم لنزجره لما كان منه. فقدموا إليه فأعلموه، فقال لهم دعوني من هذا والله لا وليت له قضاء أبداً فانصرفوا عنه وقد وافق ذلك سرورهم لحسدهم إياه وبغيهم عليه، وأتوا أبا اليقظان فقالوا أصلح الله الأمير، الرجل به حمق ولك في المسلمين من هو أنفع للمسلمين منه، فلم يزالوا به حتى صرفوه وولوا القضاء رجلا يقال له شعيب بن مدمان، فقلت يوما لسليمان مولى محمد بن عبد الله القاضي ما السبب الذي كره
---------------------
(119) هذ يتناقض تماماً مع ما ذهب إليه ابن الصغير في ص28 حيث ذهب إلى أن الإباضية أوالرستميين يتبرأون من الإمام علي بن أبي طالب (ض)، إذ و كان الأمر كذلك لما خطبوا بخطبه على المنبر أيام الجمع. ولعل البراءة من الإمام علي (ض) عند الإباضية قديماً يقتصر على البعض دون البعض الآخر أنظر ص 81 هامش 126.
(120) سيذكر ابن الصغير في آخر الكتاب خطبة التحكيم. وسميت كذلك لأنها تحتوي على عبارة " لا حكم إلا الله ".
(121) وردت في الأصل " ما بالك ". (1/78)
صفحة 79
منه محمد بن عبد الله القضاء حتى ألقى الخاتم والقمطر وشافه أبا اليقظان بما شافه به؟ فقال نعم، آجرك الله يا ابني، إنما نحن ذات ليلة جلوس بعد العشاء الأخيرة وكان كثيرا ما يؤثر بي لحوائجه على غيري، فبينما نحن كذلك إذ دق علينا الباب دقا عنيفا، فقال لي يا سليمان قم فإني خشيت أن يكون حادث من قبل السلطان، قال ففتحت الباب فإذا أنا بجارية منبهرة ومعها صقلبي معه سراج، قال فقلت ما بالك أيتها المرأة؟ فقالت القاضي أريد، فرجعت إليه وأعلمته، فقال أدخلها، فأدخلتها، فلما مثلت بين يديه، قال لها ما بالك أيتها المرأة وما جاء بك هذه الساعة؟ فقالت نعم دخلت علي خدام من قبل زكرياء ابن الأمير أخذوا ابنتي من بين يدي، فقلت لابني قم فاتبعهم، فقال أخاف إن أردت ذلك أن يقتلوني وإن لم يقتلوني خفت أن يدسوا علي عاملا من عمالهم أو لصا من لصوصهم فيقتلوني، قال فسقط القاضي كالمغشي عليه، ثم أفاق، فقال لي يا سليمان قم؟ ثم قام، فقال لي خذ سراجك ولا يشعر بك أحد وتقلد سيفا واعطني عصاي، ففعلت، ثم قال أخرجي أيتها المرأة فخرجنا، فقال إلى أين تظنين يقصد بابنتك؟ فقالت إلى دار الزكاة، قال فسار وسرت معه والجارية معنا حتى أتينا قرب الدار، فقال لي يا سليمان غيب السراج لئلا يشعر بنا أحد، قال فسترته، فقال لي دق الباب دقا لطيفا، فإذا فتح الباب فأظهر السراج، فلما رأى صاحب الدار وأهل الدار القاضي ارتاعوا ارتياعا (1/79)
صفحة 80
شديدا، وقالوا فما بال القاضي، أعزه الله، وما جاء به؟ فقال لي يا سليمان اصعد إلى أعلى الدار واحذر أن ينزل أحد من جوانب الدار، ففعلت، قال ثم أقبل يتخلل بيوت الدار بيتا بيتا وموضعا موضعا فلم ير شيئا، ثم صعد أعلى الدار والمرأة معه فلم يجد شيئا، قال، ثم عطف على صاحب الدار، فقال له هل رأيت زكرياء ابن الأمير أو كان معك اليوم؟ فقال نعم، كان اليوم عندي فلما كان الليل أتى بفرس فركبه، قال هل تعرف له موضعا؟ قال لا والله أصلح الله القاضي، فسقط في يده ثم لم يصبر (122) إلا أن وصَّلها إلى دارها، ثم انصرفنا إلى دارنا، فما نام تلك الليلة حتى طلع الفجر، فغدا بخاتمه وقمطره وألقاه إلى صاحبه، وكان أبو اليقظان عاش من السنيين مائة ونحوها (123) وكان عمره في إمارته نحو أربعين عاما (124)، وقد لحقت أنا بعض أيامه وإمارته وحضرت مجلسه، وقد جلس للناس خارج المسجد الجامع مما يلي الجدار الغربي، ورأيته يوما ثانيا في مصلى الجنائز وقد رميت له وسادة من أدم فجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس، وكان
__________________
(122) وردت في الأصل " يصب "
(123) يذكر أبو زكرياء والدرجيني أن أبا اليقظان عاش حتى كبرت سنّه ورقّ عظمه: أنظر: سير، ص98، طبقات، ج1، ص84.
(124) تتفق المصادر الإباضية مع ابن الصغير على أن الأمام أبا اليقظان مكث في إمارته أربعين عاما، ويبدو أن التاريخ الذي وضعه جودت عبد الكريم لإمامة أبي اليقظان صحيح وهو (241هـ ــ 281هـ) و أنظر رأيا آخر في بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية ص 132 وما بعدها، أبو زكرياء: سير، ص98 الدرجيني: طبقات، ج1، ص 83. جودت:: العلاقات الخارجية، ص 66 هامش 1 وما بعدها. (1/80)
صفحة 81
مربع القامة أبيض الرأس واللحية، ................. الحياة الفكرية في عهد أبي اليقظان وكان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه، وكان زاهدا ورعا ناسكا سكينا وكان إذا جلس في المسجد الجامع على وسادة من ادم مستقبلا الباب البحري، وله سارية تعرف به يجلس إليها، ولم يكن غيره يجلس إليها، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة يعرف بعيسى بن فرناس، وكان عندهم من الورع بمكان، ويلي عيسى رجل من هوارة يقال له ابن الصغير، شأنه في الفقه ولم يكن في ورع عيسى، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس، وكان أخص الناس به رجل من العرب يعرف بمحمود بن بكر (125)، وكان غاليا فيهم تذكر عنه البراءة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (126)، وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في ا مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفهم (127)، وكان رجل يقال له عبد الله بن اللمطي، أخبرني أحمد بن
__________________
(125) لا تذكر كتب سير و الطبقات الإباضية هؤلاء الفقهاء: عيسى بن فرناس وابن الصغير ومحمود ين بكر، اللهم إلا ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الصغير، أنظر سيره ص 222.
(126) ذكر ابن الصغير في بداية كتابه أن الإباضية يتبرّؤون من الإمام علي بن أبي طالب (ض) دون استثناء، وهنا يبدوا ابن الصغير لا يتهم الإباضية كلها بالبراءة من علي (ض) وإلا فلماذا ذكر محمود بن بكر وَحْدَه وقال عنه بأنه تذكر عنه البراءة من أمير المؤمنين علي. ونَسَبَهُ إلى الغلُوّ ففقال " وكان غاليا فيهم " وهذا يعني أن الإباضية الآخرين ليسوا من الغلاة.
(127) لم تصل إلينا هذه الكتب التي رد بها محمود بن بكر على مخالفي الإباضية، ولعلها ذهبت ضحية حرق مكتبة الرستميين في المعصومة من قبل أبي عبد الله الشيعي داعية العبديين لما دخل تيهرت غازيا سنة 296هـ. أنظر بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 310 وما بعدها، 312ــ316. (1/81)
صفحة 82
بشير (128) عنه، قال ل جتمعت المعتزلة (129) والإباضية بنهر مينة لموعد جعلوه فيما بينهم للمناظرة (130) وكان كثير من هوارة ممن حضر (131) يتسمى بعبد الله بكسر الدال وكذا اسم الرجل ولما اجتمع القوم وضمهم المكان نادى رجل من المعتزلة يا عبد الله بكسر الدال، فأجابه رجل من القوم، فقال لست أريدك، ثم نادى ثانيا فأجابه رجل ثان فقال لست أريدك قال عبد الله وقد علمت أنه إياي يريد فكرهت أن أجيبه خوفا من سؤاله، فقال عبد الله بن اللمطي أريد، فقلت لبيك فقال لي هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان لست فيه، فقلت لا، فقال هل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه فقلت إذا شئت، فقال خرجت منها يا ابن اللمطي، وكان
---------------------
(128) لعله ابن لأحد المقربين من الإمام أبي اليقظان الذي يدعى بشيراً أنظر الصفحة التالية 37 ومن هنا تأتي أهمية أخبار ابن الصغير.
(129) المعتزلة مذهب من مذاهب الدينية والفلسفية في الإسلام، وقيل إن سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم، إنما كان لكلمة أطلقها الحسن البصري على تلميذه واصل بن عطاء لما قال بالمنزلة بين المنزلتين، إذ رد عليه الحسن البصري قائلا " اعتزلنا واصل " وتتخلص معتقدات المعتزلة في (أ) المنزلة بين المنزلتين، (ب) نفي الصفات (جـ) القدرة (د) خلق القرءان. وغيرها كثير. وي1كر البكري أن مجمع الواصلية (وهم المعتزلة من أتباع واصل بن عطاء) كان قريبا من تيهرت، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الأعراب. أنظر الشهرستاني: الملل والنحل، ج1، ص60، عبد الستار عزالدين الراوي: ثورة العقل (فكر معتزلة بغداد)، ص 49 وما بعدها، البكري: المغرب، ص67.
(130) أنظر رواية المناظرات التي جرت بين الإباضية والمعتزلة في أبي زكرياء: سير، ص67، الدرجيني: طبقات، ج1، ص 57، الشماخي: سير، 154ــ222. وراجع بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، فصل المناظرات وعلم الكلام ص 357 وما بعدها.
(131) وردت في الأصل " حض " وهي تصحيف. (1/82)
صفحة 83
منهم رجل يعرف بأبي عبيدة الأعرج (132) كلهم مقرون له بالفضل معترفون له بالعلم مسلمون له في الورع، إذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام صدروا عن رأيه، وقد رأيت أنا هذا الرجل وجلست إليه فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان ولم يكن يجمعه وإياه سوى المسجد الجامع، فحدثني أحمد بن بشير قال ضرب أبو اليقظان سرداقه لحدث أراده وبرز بنفسه إلى سرداقه، قال وعلم الناس بخروجه فخرج إليه الفقهاء والقراء وضربوا ابنيتهم حول سرداقه خلا أبا عبيدة، قال فبينما الناس ذات يوم جلوس إذ أقبل أبو عبيدة راكبا على دابة، فقال الناس هذا أبو عبيدة قد أقبل متفقدا الأمير مسلما عليه، قال فأعلموا بقدومه أبا اليقظان فلما دخل عليه أدناه إلى نفسه فقال ما جاء بأبي عبيدة إلينا متفقدا أم مسلِّماً أم ماذا؟ فقال، أصلح الله الأمير، ما جئت مسلما ولا متفقدا غير أن جارة لي خرج ولدها البارحة في طلب معاش له ولها، فأخذه المحروق صاحب حرسك وحبسه فأتتني الغداة باكية شاكية تسألني أن أسألك في إطلاق ولدها، فأمر بأن يطلق كل من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة، ثم سلم وانصرف، فعجب الناس من صدقه وتركه التصنع وإظهاره
------------------
(132) أبو عبيدة الأعرج من علماء الإباضية بتيهرت إلا أن كتب السير والطبقات الإباضية لا تذكر عنه شيئاً، وكثيراً ما أهملت تلك الكتب تراجم علمائها في تيهرت ولعل ذلك راجع إلى اندثار وفقدان مثل تلك التراجم بسبب الفتن والحرق الذي ألحق بعاصمة الرستميين. ونشير إلى أن الشماخي قد ذكر أبا عبيدة الأعرج وبعض العلماء الآخرين نقلا عن ابن الصغير، سير الشماخي، ص 223. (1/83)
صفحة 84
على لسانه ما أسر في قلبه، وكان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة، وكان مع ديانته حسن الأدب والمروءة، وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب إصلاح الغلط الذي ألفه عبد الله بن مسلم بن قتيبة (133) على أبو عبيدة (134)، فلما افتتحت قراءته وقلت "لعل ناظرا في كتابنا هذا ينفر من عنوانه و يستفر من ترجمته ويربا بأبي عبيدة عن الزلة " فلم أهمزه ولم أمده، فقال لي يربأ بأبي عبيدة بهمزة الألف وضمه وإنما ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة، فلما قرأت من الكتاب مثل ورقة أو أزيد، أتاه قوم فقالوا يا أبا عبيدة شهادة يأجرك الله عليها، فأخذ نعله وعصاه ثم قام مع القوم، فلما كان اليوم الثاني أتيته فلما قرأت مثل ما قرأت بالأمس، أتاه قوم فقالوا يا أبا عبيدة شهادة يأجرك الله عليها، ففعل مثل ما فعل بالأمس، فقمت معه وقلت له، أصلحك الله، إن لي في الرهادنة دكانا أبيع فيه وأشتري وأتركه وآتي إليك فيأتيك الناس فتشتغل عني لا أنا في دكاني ولا أنا في مقابلة كتابي، فسكت، فلما كان بالغداة أتيته فما قرأت بعض جزئي (135)، أتاه أناس فسألوه كما سألوه قبل هذا فقال إنّ
__________________
(133) ابن قتيبة وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم الكوفي، بها مولده ويقال له الدينوري لأنه كان قاضي الدينور، وتوفي ابن قتيبة سنة 270 هـ. له كتاب إصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث. أنظر النديم: الفهرست، 58ـ59، 85ـ86، 96.
134) أبو عبيدة هو معمر بن المثني التميمي من تيم قريش لا تيم الرباب له كتاب غريب الحديث، توفي أبو عبيدة سنة 210 هـ وقيل 211هـ. أنظر النديم: الفهرست، ص 59، 85ـ86، 96.
(135) لعل الصواب: بعض جزئه. (1/84)
صفحة 85
هذا اليوم لهذا الفتى فإن آثركم على نفسه وأذن لي سرت معكم، فما رأيت ذلك، قلت له يا سيدي لا كُلُّ هَذاَ فسر إذا شئت أو أقم، وإنما ذكرت هذا لأدل على مرؤته وحسن أدبه، وكان المغرب كله مفتونا بهذا الرجل حتى إن من كان من الإباضية بسجلماسة (136) يبعثون إليه بزكاتهم يصرفها حيث شاء، وكانت نفوسة الجبل مفتونة بأبي اليقظان حتى أنه أقامته (137) في دينها وتحليلها وتحريمها مثل ما أقامت النصارى يعسى ابن مريم (137)، وكان أكثرهم لا يحج إلا باستئذانه، وكانت المرأة تبعث بابنها أو ابنتها يأخذ لها الإذن منه، وكان إذا ضرب سرداقه وأتته وفودهم لا ينامون الليل حول فسطاطه شأنهم التهليل والتكبير من أول الليل حتى إلى الفجر فإذا صلوا الفجر معهم خرجوا بأنفسهم إلى الأرض فناموا (139). ............. أبو اليقظان يُعيّن واليا على نفوسة وقصة عبد العزيز بن الأوز وإن أبا اليقظان لما استقام له ملكه أتته وفود نفوسة من الجبل المعروف بجبل نفوسة ليقدم عليهم أميرا من أنفسهم فأنزلهم في دار الضيافة، فقال اكتبوا لي
__________________
(136) سجلماسة: هي عاصمة الدولة بني مدرار الصفرية بُنِيَت سنة أربعين ومائة. أنظر البكري: المغرب، ص 148 وما بعدها. الحموي ياقوت: معجم البلدان ج3، ص 192.
(137) الصحيح أن يقال " حتى أنها أقامته " أي قبيلة نفوسة.
(138) لا نعرف بالضبط وجه الشبه بين الإمام أبي اليقظان ورعيته من أهل جبل نفوسة من جهة، وبين النبي عيسى بن مريم عليه السلام وأتباعه من النصارى من جهة ثانية فهذا التشبيه غامض نوعاً ما ولعل ابن الصغير يريد أن يعبر عن مدى طاعة نفوسة لإمامها أبي اليقظان لا غير.
(139) يذكر كل من أبي زكرياء والدرجيني والشماخي أن أهل جبل نفوسة يتخذون مجلس أو باب دار أبي اليقظان كالمسجد يسهرون حوله، طائفة يصلون وطائفة يقرأون القرءان، وطائف يتذاكرون في فنون العلم، أنظر سير، ص 98، طبقات، ج1، ص 82، سير الشماخي، ص222. (1/85)
صفحة 86
أسمائكم كلكم ورفعوها لي وأمر الكاتب أن يكتب السجل ويبقي بياضا لموضع المقدم فلما رفع المقدم أسمائهم إليه كتب بخط يده المقدم وطواه وطبعه ولم يعلم أحد من الناس من قدم، ثم جمع القوم وقال لهم هاكم السجل ولا تفتحوه إلا بجبل نفوسة إذا بلغتم منازلكم، فأخذ القوم السجل وقد اغتموا إذ لم يغلموا من المقدم عليهم، ثم دخلوا على حمود (140) بن بكر وكان من الخاصة بأبي اليقظان فسألوه فقال لهم ما انا بأعلم منكم بما فيه، ثم دخلوا على عيسى بن فرناس فأجابهم مثل ما أجاب حمود، ثم لم يزالوا يدخلون على واحد بعد واحد من الإباضية فيسألونهم فيخبرونهم بأن لا علم لهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن مروا بعبد العزيز بن الأوز، وكان له فقه بارع وله رحلَةٌ نحو المشرق، ولكنه سفيه اللسان خفيف العقل ينزهون مجالسهم عن حضوره ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم، فما شعر أن دخلوا عليه فقال ما بالكم وما جاء بكم؟ فقالوا فرحنا بشيء واغتممنا منه، قال وما ذلك؟ قالوا فرحنا بتقديم الإمام لنا واغتممنا إذ لم نعلم من قدم علينا، قال أو لم تعلموا من قدم عليكم؟ قالوا لا، قال قد قدم عليكم أفلح بن العباس (141)،
__________________
(140) ذكره ان الصغير في الصفحة السابقة باسم محمود بن بكر.
(141) أفلح بن العباس: هو الوالي على جبل نفوسة من قِبَل الإمام الرستمي بتاهرت، وكان قبله الوالي أبو منصور إلياس الذي تولى ولاية نفوسة للإمام أفلح ثم لأبي اليقظان بن أفلح ثم لحاتم بن أبي اليقظان، وفي عهد هذا الأخير توفي أبو منصور إلياس وتولى بعده الولاية أفلح بن العباس وهذا حسبما تشير إليه المصادر الإباضية، أنظر أبو زكرياء: سير، ص 99ــ104، الدرجيني: طبقات، ج1، ص84ــ87. الشماخي: سير، ص 262. (1/86)
صفحة 87
قالوا ومن أعلمك ذلك؟ قال أبو اليقظان، قال فخرجوا من عنده حمود بن بكر وعيسى بن فرناس فقالوا لهما مكانكما من الإمام مكانكما ومكاننا منكم مكاننا فكتمتما المقدم حتى أخبرنا به من هو دونكما، فقالا والله ما علمنا إلا كعلمكم، فمن أخبركم؟ قالوا عبد العزيز بن الأوز، قالوا ومن أخبر عبد العزيز؟ قالو أبو اليقظان قال فخرجا يجران أرديتهما حتى دخلا على أبي اليقظان، أنت أعلمت عبد العزيز أن المقدم في سجلك على نفوسة أفلح بن العباس؟ فقال لا، قالا فقد ذكر نفوسة (142) أنك أعلمته بذلك دوننا ودون غيرنا، قال أو قال ذلك المجنون؟ قالا نعم، فنادى يا بشير خذ معك أعوانا كفيا وجيء بعبد العزيز شر مجيء، ثم قال أدخلا على نفوسة واجلسا حتى يأتي المجنون، قالوا فما شعرنا أن جيء به، فقال فمن أعلمك يا مجنون أني قدمت على نفوسة أفلح بن العباس؟ فقا أنت أعلمتني، قال في اليقظة أم في النوم؟ قال لا ولكن في اليقظة، قال وكيف ذلك؟ قال رأيتك إذا يسمى رجل منهم انقبض ما بين عينيك، وإذا سمي لك أفلح بن العباس انبسط ما بين عينيك، فعلمت أنك إياه تريد، فقال خليا عن المجنون فقد كشف سرنا. ........... جانب من سياسة أبي اليقظان المالية فلم تزل لأيام أبي اليقظان هادئة، ولا ينقم عليه أحد شيئا مما ولي من أفعاله، ما خلا أولاده فإنهم ربما خرجوا عن الواجب من أفعالهم، ومما يذكر عنه من ورعه وتقشفه، أن رجلا يكنى بأبي سابق
__________________
(142) المقصود به " ذكر أهل نفوسة ". (1/87)
صفحة 88
وكان خادما لأبي اليقظان في جميع أسبابه وكان يتولى علف فرسه، قال لي أحمد بن بشير: قال لي أبو سابق، خرج أبو اليقظان يوما إلى منزله الذي كان اختصه (143) بتسلونت (144) يتفقد في سياعته (145) وعبيده وأبطأ في انصرافه إلى أن دخل الليل، قال
أبو سابق فحططت عن الفرس وربطته على مدرته، وخرجت لآتي له بعلفه من عند حريف (146) فألفيته قد أغلق الباب فملت إلى بيت المال ففتحته وأخذت مننه علف الفرس، وعلقت عليه، ثم رجعت إلى موضعي من القصر فإذا بأبي اليقظان قد افتقدني مرة بعد أخرى فلما رأيته صعد إليه خادم فأخبره بمجيء، فقال أصعده إلي، وكان يستريح إلي ويسألني عن أخبار الناس، فقال وما حبسك وما أبطأ بك؟ فأعلمته خبر الحريف غيبته ومجيئي لبيت المال وأخذي العلف منه وتعلفي إياه الفرس، فقال هاه يا أبا سابق والله لا قام محمد ولا أكل ولا شرب حتى تمضي وترد في بيت المال ما أخذته منه، قال فمضيت في ليلتي تلك حتى أتيت حريفي وأخرجته من داره وأخذت منه علف الفرس ثم مضيت وانزعت المخلة عن الفرس فكلت ما بقي واتممت ما أخرجت من بيت المال ورددته فيه
__________________
(143) ربما الصحيح اختطه.
(144) أنظر ص 74 هامش 112.
(145) سايعته، لا نجد هذه الكلمة في المعاجم العربية. ولعلها من أصل كلمة استسعى وسعى فيقال " سعى المكاتب في عتق رقبته سعاية " واستسعى العبدَ أي كلفه سيده من العمل ما يؤدي به عن نفسه إذا اعتق بعضه ليعتق به ما تبقى، والسعاية ما كُلِّف من ذلك. ابن منظور: لسان، م2، 152.
(146) أي صاحب حرفة، والمقصود هنا شخص تعوّد أن يشتري منه العلف. (1/88)
صفحة 89
وعلقت ما بقي على الفرس، ومضيت إليه فأصبته جالسا ينتظرني، فقال ما وراءك يا أبا سابق؟ فأعلمته بما صنعت، فقال لي أحسنت أما الآن فأجلس ........ وفاة أبي اليقظان ولما مات أبو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر دينارا، وكانت لأبي اليقظان في إمارته وقائع صارت تاريخا لمواليد الناس لشهرتها إلى أن قال ثم مات أبو اليقظان سنة احدى وثمانين ومائتين (147) وخلف من الولد الذكور عددا منهم يقظان الذي كني باسمه وكان ابنه يقظان هذا خرج إلى الحج في حياة أبيه، ويوسف وهو المكنى بأبي حاتم وأبو خالد وعبد الوهاب ووهب وغيرهم ممن له ذكر. وأنه لما مات أبو اليقظان قامت العوام وأهل الحرف (148) ومن لف لفهم (149)، فقدموا ابنه حاتم بلا مشورة أحد من الناس لا من القبائل ولا من غيرهم، وكان أبو حاتم هذا فتى شابا وكان يجمع الفتيان إلى نفسه فيطعم ويكسي، وكانت له أم تسمى غزالة وكانت مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه، فلما كان في بعض الأعياد وأبو اليقظان حي في قصره لم يحضر المصلى مع الناس حملته العوام على درقه (150) ونادت بطاعته، فلما اتصل الخبر بأبي اليقظان قال لأمه احذري يا غزالة فقد أصبح اليوم ابنك باغيا.
__________________
(147) هذا هو التاريخ الوحيد الذي ذكره ابن الصغير في كتابه.
Actes du 14’ congrès p(148) وردت في الأصل " أهل الحروف " والصحيح ما أثبتناه في المتن، وهو أيضا ما ترجمه موتيلانسكي أنظر.
(149) وردت في الأصل " ومن لف لهم ".
(150) درقة: الدَّرْقُ ضرب من التَرسة (جمع تِرس آلة السلاح المعروفة) الواحدة درقة تتخذ من الجلود أو هي الحَجَفَة وهي ترسٌ من جلود ليس فيها خشب ولا عقب، ابن منظور: لسان، م1، ص 971. (1/89)
صفحة 90
[صفحة بيضاء] (1/90)
صفحة 91
ولاية أبي حاتم وأيامه (151)
وهو يوسف بن محمد، وقال مات أبو اليقظان وابناه جميعا غائبان، يقظان بالموسم وأبو حاتم قد كان أخرجه أبوه في جيش مع وجوه زناتة ليجيروا (152) قوافل قد أقبلت من المشرق، وفيها أموال لا تحصى قد خافوا من قبائل زناتة، فبينما أبو حاتم في القوافل قد خرج إليها إذ وافته خاتم الرسل بموت أبيه وعقد الإمارة له، وذلك أن أباه لما مات اجتمعت العوام والفرسان دون القبائل فنادوا لا طاعة لأحد إلا لأبي حاتم وأبو (حاتم) على مسيرة يومين من المدينة أو أكثر، فلما وصل إلى باب المدينة ازدحم الناس بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره فبايعوا، فما وصل المسجد الجامع الا وقت الظهر، فأصعدوه المنبر وبايعوه وكبروا حوله وحملوه على الأيدي والأعناق، حتى وصلوه إلى داره، ثم أرسلوا إلى القبائل فبايعته، فلما كمل أمره وتمت بيعته
__________________
(151) أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان (281هـ ـ 294هـ) هو الإمام الرستمي السادس. أنظر مزيداً من المعلومات عنه في المصادر الإباضية. أبو زكرياء: سير، ص99 وما بعدها، الدرجيني: طبقات، ج1، ص84 وما بعدها الشماخي: سير ص 262، بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص143، جودت عبد الكريم: العلاقات ص68.
(152) وردت في الأصل " ليجوروا " وهو خطأ والصحيح يجيروا أي يراقبوا ويؤمّنوا وصول القافلة إلى تاهرت. (1/91)
صفحة 92
خلت به عشيرته وإخوته وأعمامه وبنو أعمامه ومواليه فأحبوا أن يجعلوا له حجابا وهيبة، وأبت العوام من ذلك وأرادت الدنو إليه في كل الأوقات على ما كانت تعرف قبل إمارته وكانت مشايخ البلد من غير الإباضية قد استولوا عليه، منهم رجل يعرف بأبي مسعود وكان كوفيا فقيها بمذاهب الكوفيين (153)، ومنهم شيخ يعرف بأبي دنون، وكان على مثل صاحبه من الفقه الكوفي، ومنهم يعرف بعلوان ابن علوان لم يكن من أهل الفقه ولكن كانت له رياسة في البلد ومحبة عند العوام، وكانوا (154) هؤلاء قد طمعوا أن يبيتوا خبر الإباضية ويطفوهم، ................ فتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد وكان لأبي حاتم رجلان من خاصته من أهل المدينة من أهل الحرب و النجدة، وكانا هما اللذان وليا العقد له، وكان يعلم منهما منهما أنهما جريئان، وذلك أنه انصرف يوما من عند أبيه وقد أخذ (155) في شيء عليه، فقالا له ما بالك؟ فقال نازعني أبي كذا وحل علي أخي بكذا، فقلا له لا عليك أثبت كما أنت وخل بيننا وبين هذا الخوخاء (156) نحن ندخل إليه فنقتله ويصير الأمر إليك، فهاله ما سمع منهما فاستنكر ذلك وكان يقال لأحدهما محمد بن رباح وللآخر محمد بن
------------------
(153) لعل أبرز مذاهب أهل الكوفة في هذه الفترة المذهب الحنفي حيث أن الكوفة هي موطن أبي حنيفة النعمان بن ثابت (80 ـ 150هـ) إمام المذهب الحنفي، وكذلك نجد الشيعة تستوطن هذه المدينة حيث مشهد الإمام علي (ض).
(154) الأصل أن يقال " وكان هؤلاء ".
(155) ربما الصحيح " وقد آخذه ".
(156) الخوخاء أو الخوخاة وكلاهما يجوز وهو الرجل الأحمق. ابن منظور: لسان، م1، ص 917. (1/92)
صفحة 93
حماد، فاتصل بأبي حاتم مع منافرته لمشايخ أهل المدينة إنهما قد قالا لمشايخ أهل المدينة مثل ما قال له فيه أبيه، فلم يشك أبو حاتم عند ما بلغه أنهما قد قالا ما قالا، فجمع جماعة من أهل بيته وجماعة من أهل المدينة، فقال لهم أخرجوا عني محمد بن رباح ومحمد بن حماد فأمر بهما فأخرجا. وكان لمحمد بن حماد على بعض أميال من المدينة منزل يقال له المثلث قد جمع الأشجار والأنهر (157) والمزارع والنخل والقصور فخرجا جميعا إلى ذلك المنزل في أنعم عيش وأرغده، ثم أبه (158) الشيطان لهما إلى أن جاء لهما وأقبل وأدبر فقال مثلكما ينفي وأنتما اللذان عقدتما الإمارة؟ فلم يزلا يرسلان رسولا بعد رسول إلى من في المدينة من إخوانهما ويقولا لهم أترْضون أن يكون مثلنا ينفى من البلد بلا جنايةكانت منا، فيجتمع اخوانهم ويقولون والله لقد صدقا، ثم اتفق من بالمدينة من اخوانهم على أن يرسلوا إليهما فيدخلوهما على رضي الراضي وسخط الساخط، فما شعر أبو حاتم إلا والتكبير عليهما في المدينة، ففزع لذلك و رتاع وعلم أنها ليست بدار قرار، فاجتمع إليه قومه وأهل بيته فقالوا له قد أعلمناك هذا أولاً، ولكن أقم بين ظهران القوم ونخرج نحن إلى حصننا الذي به مواشينا وعبيدنا وهو حصن يعرف بنماليت في طرف لواته، فإذا صرنا إليه
__________________
(157) الأصح الأنهار كما قلنا سابقاً.
(158) أبه، أبْها وأبهاً فطن وقيل أبه لشيء أبَهاً: نسيه ثم تفطّن له. ابن منظور: لسان، م1، ص10. (1/93)
صفحة 94
واجتمعنا به ورأينا به لواته وغيرها من القبائل ناصرنا أخرجناك إلينا، ففعلوا ذلك فلما رأت بقيت العجم الساكنين بمدينة تاهرت ما فعلت الرستمية خرجت إلى حصنها وفعلت نفوسة مثل ذلك. ثم أقام أبو حاتم بعد ذلك أياما، ثم خرج وخرج معه من وجوه أهل البلد من السمحيين (159) وغيرهم نحو مائة رجل، وكان الخارجون معه حماة البلد منهم رجل يعرف ببكر بن يبدى، ومن السمحيين (160) رجل يعرف ببكر بن الواحد، وكان هذان الرجلان فارسي المغرب، وبقيت العامة ومشايخ البلد في جمع عظيم وعلموا أن الحرب قد دهمتهم فأسرعوا في بنيان حصنهم، ثم إن أبا حاتم لما خرج اجتمعت لواته كلها إليه، فأعطى الأموال وحمل على الخيل، فاجتمعت قبائل الصحراء إليه، خلا الحصن المعروف بتالغمت (161) وأهل الصفرية (162) فإنهم مالوا إلى المدينة، ثم جمع أبو حاتم جموعه وزحف إلى المدينة من ثلاثة مواضع: من القبلة و المشرق والمغرب، فتولى بنفسه القبلة مع لواتة والرستمية وما شايعها، وتولى المشرق العجم وصنهاجة ومن
__________________
(159) (160) وردتا المسيحيين وهو خطأ كما أسلفنا والصحيح هو السّمحيين. وهل يمكن أو يجوز أن يسمّى رجل ببكر بن الواحد ويكون من المسيحيين، ولعل التحريف من موتيلانسكي لأنه لا يعرف السّمحيين.
(161) تالغمت لعلها هي القرية المعروفة اليوم بتيلغمت في صحراء الجزائر على الطريق الرابط بين مدينة الأغواط ومدينة غرداية وتبعد عن هذه الأخيرة بنحو 90كيلومتراً. وأنظر الباروني: الأزهار، ج2، ص 269ـ270.
(162) الصفرية: وهم أتباع عبد الله بن الصفار وإليه النسبة. قيل سُمُّوا بذلك لصفرة وجوههم من كثرة العبادة وهذا ضعيف. أنظر المبرّد: الكامل في اللغة (باب الخوارج) ص105. والصفرية كما هو معروف من مذاهب الخوارج. (1/94)
صفحة 95
شايعها، وتولى المغرب طوائل (163) من الناس مع نفوسة، وكان قتال شديد من الوجوه الثلاثة، وكانت الدائرة من الوجوه الثلاثة على أهل المدينة فقتل من ناحية القبلة رجل من أهل دمر، وقتل من ناحية المشرق رجل يعرف با ( .... ) (164) قتلته العجم، ولم يصب من ناحية المغرب أحد. وكانت مادة هذا المقتول رجل سيء الحال فلما قتل ولده، عدى على رجل يقال له جان من العجم من سكان المدينة فقتله غيلة من غير أن يشعر به الناس، فلما علموا (165) الناس بالأذاة (166) بادروا إليه ليقتلوه به فولى هاربا فلم يقدر عليه ولم يعرف له مكان، فاجتمع الناس فقالوا نحن انما قمنا لمحاربة هؤلاء القوم لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وإذا كان يقتل بين ظهراننا رجل بغير حق فامضوا بنا إلى أبي حاتم لندخله يقتل هذا وأشياعه ويحكم فيمن بقي كيف يشاء، وأرسلوا بذلك إلى أبي حاتم فقال لا أفعل إلا ان تدفعوا إلى مشايخكم ومن أثار هذه الفتنة منكم، فندم عند ذلك أهل المدينة وانكسروا عما كانوا عليه، وتجدد الحرب إلى أن قال: واجتمع وجوه أهل المدينة فقالوا إن القبائل رمتنا عن قوس واحد، والإباضية
__________________
(163) طوائل: ربما يقصد بها الكثرة من الناس ولكننا لا نجد هذا المعنى في قواميس العربية لأن الطائلة والطوائل تعني العداوة. أنظر ابن منظور: لسان، ج2، ص 360.
(164) بياض في الأصل.
(165) الأصح أن يقال " فلماَّ علمَ الناسُ ".
(166) الأذاة: الأذى يقال آذه يؤذيه أذًى وأذاة وأذية. ابن منظور: لسان، م1، ص 41. (1/95)
صفحة 96
كلبت علينا وهم لا يكفون عن حربنا ما لم يكن عندنا رئيس من الرستميين ينحل مذاهب الإباضية، وقد علمتم أن يعقوب بن أفلح مصارم لابن أخيه منذ زمان، وان أبا حاتم منذ ولي ترحل يعقوب ونزل بزواغة فلم يدخل للرستمية جمعا ولا أعان ابن أخيه برأي ولا غير ذلك، فأرسلوا إلى يعقوب بن أفلح (167).
-------------------
(167) لا تذكر المصادر الإباضية شيئاً عن منافسة يعقوب بن أفلح لابن أخيه أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان بن أفلح ولكنها تشير إشارة عابرة إلى أن أبا حاتم إطّردَت له الأمور ولم تضف أيَّ شيء آخر، أنظر: أبو زكرياء: سير، ص99. الدرجيني: طبقات، ج1، ص 84، الشماخي: سير ص262. (1/96)
صفحة 97
ولاية يعقوب بن أفلح (168)
ولما أجمع أهل المدينة على ولاية يعقوب بن أفلح وأرسلوا إليه وأدخلوه المدينة وعقدوا له الولاية انكسرت شوكة الإباضية ودخل عليه جماعة منهم، ورجعت إليه جماعة من لواته وبقيت الحرب متماسكة بين يعقوب بن أفلح وابن أخيه أبي حاتم إلا انها ضعفت وانكسرت نواكبها وجمهور الإباضية مع أبي حاتم، إلى ان زحف وانودين (169) بمن معه وزحف أبو حاتم ومن معه، فلما فعلا أمر يعقوب بن أفلح بأبواب المدينة فغلقت إلا بابا واحدا وقف عليه يعقوب بجمهور الناس ويميل بالحملة من معه إذا قرب العساكر منه، فلم يزل الناس متواقفين إلى أن حضر صلاة الظهر، فأذن المؤذنون في مصافهم ذلك وصلى الناس صلاتهم ووانودين ومن معه قائمون ينظرون إلى الناس فيسقط في
__________________
(168) الإباضية لا يعتبرُون يعقوب بن أفلح من أئمة الدولة الرستمية وكذلك اليقظان بن أبي اليقظان الذي ارتقى عرش الرستميين بعد مقتل الإمام أبي حاتم يوسف وإنما يعتبرون الدولة الرستمية وإمامتها انقطعت بموت الإمام أبي حاتم يوسف سنة 294هـ أنظر الدرجيني: طبقات، ج1، ص 94. الباروني: الأزهار، ج2، ص 272 وقد حكم يعقوب بن أفلح في تاهرت بعهد خروج الإمام أبي حاتم منها أربع سنوات أي (281 ــ 284هـ).وأنظر علي يحي معمر: الإباضية في الجزائر، ص 83.
(169) لأول مرة يذكر بن الصغير هذا الشخص، ولا يذكر عنه أي شيء آخر كما لا نجد له ذكراً في الكتب الإباضية ما عدا الباروني الذي يذكره نقلاً عن ابن الصغير ويسميه " وانودي "، الباروني: الأزهار، ج2، ص272. (1/97)
صفحة 98
أيديهم، وتحولت نياتهم على المحاربة وندموا على قدومهم، غير أن أبا حاتم ومن معه من العجم استداروا من جهة المشرق وحلوا مصاف رجاء أن يصيبوا غرة (170) ففتح من كان بناحية الباب الشرقي الباب وخرجوا إليه حملة واحدة فولوا منهزمين بين أيديهم، فلما رأى وانودين ما رأى انصرف بعساكره وضعفت الحرب بعد ذلك، وتطامع الناس في العافية، .............. نزاهة يعقوب بن أفلح وورعه: وكان يعقوب بن أفلح بعيد الهمّة نزيه النفس ما جس بيده دينارا ولا درهما، وكان إذا أتى وكيله بغلاته أمره أن يجعلها تحت بردعة له يجلس عليها وإذا أراد إخراج شيء منها دفعه بقضيب من يده، وكان إذا سافر ونزل بقوم لم يأكل لهم طعاما، وكانت له بقرات يأمر بحلبها بين يديه في إناء جديد فإذا امتلأ شربه أجمع ثم يقوم عليه ثلاثا لا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا، ولا يخرج لبراز، وكان وضوؤه طاهر (كذا) في الموضع الذي يكون فيه، شهد منه ذلك جماعة ممن صحب واستفاض ذلك عنه حتى صار كالعيان، وكانت له أخلاق في لباسه وركوبه، يخرج عن طبع البشر (171)، حجرة سراويله في جنبه، وركوبه فرسه من بين يديه، وكان له فرس أشقر لم يكن بالمغرب مثله قبله ولا بعده، به يضرب المثل إلى اليوم (172)، فلما طالت
--------------------
(170) وردت في الأصل " عزة ".
(171) وردت في الأصل " الشر ".
(172) نفس هذه المعلومات تقريباً عن الفَرَس الذي يملكه يعقوب بن أفلح والذي به هرب من قبضة العبيدين سنة 296هـ إلى مدينة ورجلان، نجدها في المصادر الإباضية: أبو زكرياء: سير، ص124، الدرجيني: طبقات، ج1، ص104. (1/98)
صفحة 99
الحرب بينه وبين ابن أخيه ورقت، وتطامع الناس العافية، نزل أبو يعقوب المزاتي (173) بجميع مزاته حول البلد وكان رأس القوم وملكهم، فمشت إليه القبائل وقالوا لو جعلت الهدنة بين هذين الفريقين إلى مدة معلومة يأمر الناس إليها فقد قطعت السبل وفرغ من أيدي الناس الحرث والنسل (174)، فسعى في ذلك واجتهد حتى اشتهى الفريقان، فقالوا ليعقوب قدم من يعقد لك الهدنة فقدم عبد الله اللمطي صاحب المسئلة (175) في أعلى الكنار، (كذا) وقدم أبو حاتم منكود وابن أبي عياض اللواتين (176). وبرز الناس من كلا الفريقين وسلموا الأمر لمتولي عقد الهدنة، فعقدوا أن يرفعوا أيدي أبي حاتم ويد يعقوب عن نظر أربعة أشهر، ويمشي الناس إلى الناس ويدخل بعضهم على بعض وتأمن الساحات، فتم العقد على ذلك و تطامع الناس العافية ووجدوا حلاوتها. وكان أبو حاتم إذا لقي أحد من وجوه أهل تاهرت وشبابهم استماله، فإن كان على القرب استمال به إلى نفسه، وإن كان على البعد زوده وأعطاه، فمالت قلوب الناس إليه. ومن (177) يشب في سفك الدماء وأكل الأموال فانه بقي متصلا بيعقوب. وأبو
__________________
(173) أبو يعقوب المزاتي من أراباب الثورة وكذلك قبيلتيه مزاته أنظر الباروني: الأزهار، ج2،ص 273. وقد قال الإمام عبد الوهاب " إنما قام هذا الدين بأموال مزاته وسيوف نفوسة.
(174) وردت في الأصل " النّهل " وهي تصحيف نسل.
(175) ذكره ابن الصغير في المناظرة التي جرت بين الإباضية والمعتزلة أنظر صفحة 82.
(176) لا تذكر المصادر الإباضية هذين الشخصين.
(177) وردت في الأصل " ممن " وهي لا تؤدي المعنى المطلوب والصحيح " ومن ". (1/99)
صفحة 100
يعقوب المزاتي دائما في إصلاح ما رأى فبينما الناس ذات يوم في عيد من أعيادهم، إذ أقبل رجل من أخريات (كذا) على المدينة، ولم يكن في البلد إذ ذاك أوسع منهما جاها ولا أكثر عشيرة ولا أسمع قلبا، يقال لأحدهما أحمد والآخر محمد يعرفان بابن دبوس (178)، وبين أيديهما قفولهم (179) يقولون من أراد العافية (180) فليصعد إلى الكنيسة، وكانت دار هاذين الرجلين تعرف بالكنيسة. فبادر الناس ولم يختلف عنهما أحد خلا يعقوب وشيعته وبعض مشايخ ممن يشب في عداوة أبي حاتم منهم شيخ يعرف بابن مسعود هو شيخ البلد ومقدمه. فلما رأى ابن مسعود اجتماع الناس واطباقهم على هذين الرجلين صعد لهما وقال لهما ويحكما، إلى أن قال: فلما دخل الليل ركب محمد وأحمد فرسيهما وعلم بذلك من علم من الناس فتبعوهما فخرجا قاصدين نحو أبي حاتم واتصل الخبر بيعقوب وشيعته فركبوا خيولهم وخرجوا نحو زواغة فبينما أبو حاتم في منزله وقصره بنهر مينة إذ دخل عليه محمد وأحمد وجماعة الناس فقالوا قم فاركب الساعة فخرج معهما وليس معه أحد من عشيرته ولا من رجاله فلم يصبح إلا على باب المدينة وبادر إليه الناس أجمع.
----------------
(178) لا تذكر المصادر الإباضية ابن دبوس. وكثيراً كما رأينا ما أهملت ذكر أجل علمائها ومصلحيها من أهل تيهرت وأنصب اهتمامها على عُلمَاء ومصلحي جبل نفوسة والمناطق القريبة منه فقط.
(179) قفولهم: لا تذكره المعاجم والقواميس العربية، ولعل المقصود بها " جماعاتهم " وهي من كلمة " قوافلهم ".
(180) وردت في الأصل " للعافية ". (1/100)
صفحة 101
دخول أبي حاتم تاهرت وسيرته بها
قال: ولما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع مشايخ البلد إباضيتها فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين فقالوا له إن أباك لما دخل كدخولك ولى محمد بن عبد الله أبي الشيخ وهو القاضي الذي قدمنا ذكره قبل هذا (181)، ولمحمد ولد يسمى عبد الله وما هو دون أبيه في الورع والعلم وأنت عالم بورعه ودينه كما نحن عالمون به فقال اشرتم وأحسنتم، و ولاه القضاء ثم قال من ترون أن نولي بيت المال فقالوا عبد الرحمان بن صواب النفوسي، فقال اصبتم وأحسنتم فقال من ترون أن نوليه الشرطة فقال قوم زكار وقد قتل ابنه بين يديك وله نصيحة، وقال قوم ابراهيم بن مسكين فإن له صلاته في الحق (182)، فوالاهما جميعا وكان البلد قد فسدت وفسد أهلها في تلك الحروب، واتخذوا المسكر اسواقا، والغلمان أخدانا، فلما ولي هذان الرجلان الشرطة قطعا ذلك في أسرع من طرفة العين، وحملا على الناس بالضرب والسجن والقيد، وكسّرت الخوابي بكل دار عظم قدرها أو صغر، وشردت الغلمان وأخدانهم إلى
__________________
(181) أنظر صفحة 77، هو قاضي الإمام أبي اليقظان، وأنظر الشماخي: سير، ص262.
(182) يذكر الشماخي هؤلاء الأشخاص نقلا عن ابن الصغير، أنظر سير، ص263. (1/101)
صفحة 102
رؤوس الجبال وبطون الأودية، وحمل الناس على الواضحة وأخاف (183) النطف وأمن البرى (184)، وشردت السراق وقطاع الطريق، وأمنت السبل ومشى الناس بعضهم إلى بعض. ولم ينقموا على أبي حاتم شيئا ثم نقموا بعد ذلك شيئا أخذه ناسا بالتهمة وضرب السوط على الظنة إلا أن البلد و قضاته وأصحاب بيت أمواله وأصحاب شرطته ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم ولا سعى بعضهم ببعض. ............... ملامح من الحياة الفكرية في عهده وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا إلا أن الفقهاء تناجت (185) المسائل فيما بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها (كذا) ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه الطف مناظرة وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك. قال لي يوماً، ونحن في أعلى مسجد بالرهادنة، رجل من وجوه الإباضية من هوارة يسمى سليمان ويكنى بأبي الربيع (186)، من أين زعمت وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين (187)
__________________
(183) وردت في الأصل "خاف".
(184) البري: أو البرية أو الورى شيء واحد والمقصود بها الخلق، أنظر ابن منظور: لبيان، ج1، ص 206.
(185) وردت في الأصل "تناحبت".
(186) أبو الرّبيع سليمان الهوّاري، تذكر المصادر الإباضية العديد من الأشخاص بهذا الاسم والكنية ولكنهم نفوسيون على أكبر. وأقربهم إلى فترة ابن الصغير سليمان بن زرقون وسليمان بن ما طوس أبو الربيع، وكلاهما من الطبقة السابعة (300ــ350 هـ) أنظر الدرجيني: طبقات، ج2، ص 349.
(187) لعله يقصد بالحجازيين أتباع الإمام مالك بن أنس (ض) أي المالكية. (1/102)
صفحة 103
والعراق (188) أن رجل إذا زوج ابنته البكر وهي صغيرة وأدركت أن لا خيار لها في نفسها وأنتم تقولون أن رجل إذا زوج أمته وعتقت أن لها الخيار ولا فرق بين الأمة وبين الصغيرة لأن الآمة لم يكن لها حكم في نفسها وإنما كان الحكم لسيدها فلما عتقت وصار الحكم إليها جعلتم لها الخيار والصغيرة لم يكن لها حكم في نفسها وإن الحكم لأبيها فلما أدركت صار الأمر إليها فلم منعتموها ما أجزتم للأمة والمعنى واحد؟ فحكيت ما ذكر لي لغير واحد منهم وما اعتللت به عليه فاعتلوه بعلله وغير علله وزادوا ونقصوا. وقد جمعت (189) ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به ومما يدخل لهم، أو ما ذكروه، فقلت له ولغيره ممن كلمني، إنَّا إنما أجزنا نكاح الصغار لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة بنت أبي بكر بنت سبع وبنى بها وهي بنت تسع فقال لي دعني من هذا فإني لا أجامعك عليها، ولكن كلّمني من القرءان أو من باب النظر، مع أني لو بنيت لك الخبر ما كان لك فيه حجة، لأنك تعلم أن الله أحل لرسوله من النساء ومن عددهن أكثر مما أحل لأمته، وأحل له الموهبة وغير ذلك، فإن كان عندك حجة غير هذه فاذكرها وإلا فلا تقم لك حجة؟ قلت له فإن أوجدتك صحة عقدها من القرءان أترجع؟ فقال لي من القرءان فقلت نعم فكرر علي
__________________
(188) لعله يقصد بالعراق أتباع الإمام أبي حنيفة النعمان (ض) أي الأحناف أو مذاهب الشيعة.
(189) وردت في الأصل "اجتمت" وترجمها موتيلانسكي إلى لخّصت. (1/103)
صفحة 104
ثلاثا وفي كل ذلك أقول نعم، فقال فاذكر لي ذلك فقلت له تبارك وتعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إلى واللائي لم يحضن " (190) فقال لي عجبا منك، أنا أسألك عن عقد النكاح وفسخه وأنت تخبرني عن عدد المويسات (191) وعدة اللائي لم يحضن؟ فقلت هيهات أبا الربيع غاب عنك المراد، قال وما غاب عني من ذلك؟ فقلت أخبرني عند هذه العدد الموصفات من طلاق وقعن أم من غيره؟ قال من طلاق، قلت فهل يقع طلاق من غير أن يكون عقد نكاح؟ قال لا، قلت في المويسات فمنهن (192) اللائي قد بلغن من السنين ما لا يحيض مثلهن؟ قال نعم، قلت واللائي لم يحضن من الصغر قال نعم قلت فأوجب الله عليهن عددا قال نعم، قلت أمن طلاق أم من غير طلاق؟ قال من طلاق، قلت فيكون طلاق من غير عقد نكاح؟ فسكت ولم يرد جوابا. فأعلمت غيره بما دار بيني وبينه فقال لي مضى (193) في المطالبة لك، فقلت فاذكر لي ما مضى (194) فيه؟ قال قول الله " واللائي لم يحضن " المراد التي لم يخلق فيهن الحيض وهن الكبائر لا الصغائر،
__________________
(188) لعله يقصد بالعراق أتباع الإمام أبي حنيفة النعمان (ض) أي الأحناف أو مذاهب الشيعة.
(189) وردت في الأصل "اجتمت" وترجمها موتيلانسكي إلى لخّصت.
(190) آية رقم 4من سورة الطلاق وتمام الآية واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأَوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْراً.
(191) المويسات: لم ترد في القواميس العربية.
(192) ربما الصحيح أن يقال " أَفَمِنْهُنَّ ... ؟ ".
(193) (194) وردت في الأصل "مضر" وهو تصحيف"مضى" على ما يبدو. وقد ذكر ابن منظور كلمة "مضر" ولكنها لا تؤدي المعنى المقصود في نص ابن الصغير، أنظر لسلن العرب، ج3، ص 496. (1/104)
صفحة 105
قلت هذا غلط في اللغة يلزمك فيها من الشناعة أكثر مما لزم صاحبك، قال وكيف ذلك قلت "لم " لا توضع للمستقبل ولو أراد ما قلت لكان موضع "لم"، "لا" فيقال لا تحيض (195) فلانة إذا نفوا عنها المحيض أي ليست ممن تحيض، وإذا قيل لم تحض فلانة معناه أنها لم تحض بعد وأنها ستحيض في المستقبل. وربما حرَّف خطباءهم اللفظ عن موضعه ليقيموا الأمر الذي يريدونه، حضرت لهم خطباء كثيرة أولهم ابن أبي دريس، والثاني أحمد التيه والثالث أبو العباس بن فتحون، والرابع عثمان بن الصفار، والخامس أحمد بن منصور (196)، فسمعت أحمد التيه يقرأ بعد فراغ إلى أن بلغ " تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى " (197) فحرف المعنى عن موضعه أراد أن يقيم أصله وجعله (198) بابا من الحلول على العرش (199). وكل
__________________
(195) في الأصل وردت هذه العبارة مرتبكة هكذا" قلت لم لا تضع إلا للمستقبل ولو أراد ما قلت لكان موضع لم لأن لابها فيقال لا تحيض فلانة " والتصحيح من مطبوعة تونس.
(196) يذكر الشماخي هؤلاء الخطباء نقلا عن ابن الصغير، أنظر سير الشماخي، ص 263.
(197) آية رقم 5 سورة طه.
(198) وردت في الأصل "وحفله ".
(199) إن ابن الصغير هنا أمام اتهام خطير للإباضية بتحريف اللفظ عن موضعه في القرءان الكريم، ويبدو لنا من المثال الذي قدّمه إلينا ابن الصغير وهو "الرحمن على العرش استوى" وقال بأن الخطيب الإباضي حرّف المعنى عن موضعه ليجعله باباً من الحلول على العرش، إنما قال ذلك من باب سوء الفهم، فلعل الأمر هنا مجرّد اختلاف في القراءات لا غير، أساء ابن الصغير فهم ذلك، فتلك التهمة التي أطلقها متحرّجاً (ربَّماَ) على الإباضية لا يمكن فهم معناها وحملها إلا على هذا الوجه وأنها مجرد في القراءات، إذ الإباضية، حسبما نعلم، لم تُتَهم بتحريف اللفظ أو الكلم عن مواضعه في يوم من الأيام، ولا أدلَّ على ذلك من الخطبة التي سيذكرها ابن الصغير نفسه والتي قال فيها الخطيب الإباضي " الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه .... الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، لا يشتمل عليه زمان، و لا يحيط به مكان، خلق الأماكن والأزمان .... تعلى أن تطلق في وصفه آراء المتكلفين .... "، أنظر بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية، ص 327 وأنظر ابن الصغير في الخطبة التي بآخر كتابه. (1/105)
صفحة 106
من رأيت من خطبائهم على منابرهم فليس يستمعون إلا خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، خلا خطبة التحكيم فإنهم كانوا إذا فرغوا من الخطبة الأولى قاموا إلى الثانية وحكّموا، وسوف أذكر خطبة التحكيم فيما يلي هذا الكلام. فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي الخطابة رجل منهم يقال له أحمد بن منصور، وسمعته يخطب بهذه الخطبة ثم يخطب بعدها بخطبة التحكيم، فلقيته وعانيته (200)، وقلت له إن خطبتك التي سمعت منك اليوم ليست من خطب أسلافك، فقال لي حملني عليها عثمان بن أحمد بن يحياج (201)، وكان مقدما عندهم ولا يكادون يخالفونه فيما استحسن لهم فخطبت بها لأنه استحسنها لي. ......... النص الكامل لخطبتي جمعة والخطبة هي هذه " الحمد الله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمدهم جميعا بحسن آلائه (202)، فوفق كل أمرء منهم في صبائه، على طلب ما يحتاج إليه من غدائه، وسخر له من يكلوه (203) إلى وقت استغنائه ثم احتج على من بلغ منهم بالآيات وحذر إليهم بأنبائه وأعذر إليهم بابلائه، (كذا) الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، لا يشتمل عليه زمان، ولا يحيط به مكان، خلق الأماكن والأزمان ثم استوى إلى السماء وهي
-----------------
(200) ربما الصحيح " عاتبته ".
(201) لا تذكر المصادر الإباضية عثمان بن أحمد بن يحياج رغم أنه من المقدّمين ومن الذين لا يُخَالَفون في رأيهم. وقد ذكرنا فيما سبق أسباب إهمال المصادر الإباضية لكثير من أعلامها التّهرتيين خاصة.
(202) وردت في الأصل "بلائه".
(203) كلأ، يكلأ: حفظ يحفظ: قال تعالى قُلْ من يكلؤكم بالليل والنهار أي يحفظكم أنظر: ابن منظور: لسان، ج3، ص 281. (1/106)
صفحة 107
دخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقدرها أحسن تقدير، واخترعها من غير نظير، لم يرفعها بأعمدة تدرك بالمعاينة، ولم يستعن عليها بأحد استكبار عن الشركة والمعاونة وزينها للناظرين، وجعل فيها رجوما للشياطين فتبارك الله أحسن الخالقين، تعالى ان تطلق في وصفه أراء المتكلفين أو أن تحكم في دينه أهواء المتقلدين، بل جعل القرءان إمام للمتقين وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحكما بين المتخالفين ودعا أولياءه المؤمنين إلى اتباع تنزيله، وأمرهم عند التنازع في تأويله بالرجوع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم، بذلك نطق حكم كتابه إذ قال جل ثناؤه " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، إلى قوله وأحسن تأويلا" (204) وتعهد (205) نبيه صلى الله عليه وسلم عند رجوع الأمة في تأويل ما أشكل عليها إليه بأن بين لهم معنى ما أنزل عليه فقال" ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لِتُبَيِّنَ لهم الذي اختلفوا فيه " (206) ولم يكل لهم تعالى إلى القول في دينه بآرائهم، ولا أذن لهم في مسامحة أهوائهم فتكون الأحكام مبتدعة، والآراء مخترعة، والأهواء متّبعة (207) بل أحصاها كل شيء عددا
__________________
(204) آية رقم 59 سورة النساء. وتمام الآية يَا أَيٌّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إلَى للهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأوِيلاً.
(205) وردت في الأصل " وتعبد ".
(206) آية رقم 64سورة وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونْ .
(207) وردت في الأصل "مبتدعة". (1/107)
صفحة 108
وضرب لكل شيء أمرا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حَيِيَ عن بينة. أحمده حمدا ً يبلغ رضاه ويحسن ألاه وأستعينه على ما استحفظنا من ودائعه وحفظنا ما استودعنا من شرائعه وأومن به إيمان من أخلص له عبادته واستشعر طاعته، وأتوكل عليه توكل من انقطع إليه ثقة به ورغبة فيما لديه وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له شهادة معترف له بالربوبية والتوحيد مقراً له بالعظمة (208) والتمجيد خائفا من انجاز ما قدم إليه من الوعيد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لنفسه وليا وارتضاه لخلقه نبيا فأوجده على حفظ ما ضمنه قويا وبأداء ما استودعه مليا وبالدعاء إل ربه حفيا ومتوفقا عن ورود المشكلات ومشمرا عند انجلاء (209) الشبهات لا يرعوى لمن عذله ولا يلوي على من خذله ولا يطيع غير من أرسله يصدع بالأمر و يطفي نار الكفر ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولم ينحرف عنه لرغم راغم أرسله على حين فترة من الرسل ودرس من السبل وتضامن من أهل الملل، والناس فريقان عالم متكبر وجاهل مستظهر فالعالم الذي سبق له الخذلان ينزعه الشيطان ويجمح به الطغيان فيستنكف عن الدخول في دين الإيمان، والجاهل مستنكع في غيه متحير في أمره منتظر ما يكون من غيره فلم يزالا يعكفان على الأزلام ويعتصمان بالأصنام والرسول عليه السلام يرعا رعى السوام ويدعوهم إلى دارا
-------------------
(208) وردت في الأصل "بالقطمة " والصحيح " بالعظمة".
(209) وردت في الأصل "نجلاء". (1/108)
صفحة 109
السلام فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعظهم بالآيات ويقرعهم بالمعجزات حتى استقام من أراد الله توفيقه من سائر أهل الديانات فبلّغ المحكمات واوضح المشكلات وزجر عن القول في الدين بالشهوات، فختم الله به النبيين وأكمل به الدين وواجب به الحجة على العالمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وإخوانه من المرسلين وأوليائه من المؤمنين " ثم جلس ثم قام وقال " الحمد الله نستعينه ونستغفره ونؤمن به ونستهديه ونستنصره ونبرا من الحول والقوة إليه ونعوذ بالله من شرورنا أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. الله ربا ومحمد نبينا والإسلام ديننا والكعبة قبلتنا و القرءان إمامنا، رضينا بحلاله حلالا وبحرامه حراما لا نبتغي عنه بدلا ولا عنه حولا ولا نشتري به ثمنا لا حكم إلا لله اتباع لكلام الله وسنة نبيه عليه السلام وخلافا لأهل البدع، لا حكم إلا لله خلعا ونبذا وفراقا لجميع أعداء الله، لا حكم إلا لله ولو كره الجبارون الحاكمون بغير ما أنزل الله وأشهد أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت ورحمت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد. اللهم صل على العصبتين المباركتين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، اللهم وارحم (1/109)
صفحة 110
الشراة في سبيلك أهل الفضل في الإسلام اللهم وصل على الخليفتين المباركتين بعد نبيك محمد أبي بكر وعمر (210) إمامي الهدى بما عملا به من كتابك وما أثراه من سنة نبيك اللهم وأصلح الأمير يوسف بن محمد (211)، أصلحه وأصلح على يديه ووفقه للخير .... (212) وأعنه عليه وافتح له من عندك أعوانا وأنصارا على طاعتك اللهم أعزز به الإسلام وأهله وأذلل به الكفر وأهله، أنصره نصرا عزيزا، وفتح له فتحا يسيرا وهب له من عندك سلطانا نصيرا، كفى بك وليا وكفى بك نصيرا. اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم ثم قرأ " قل هو الله أحد (213) ثم نزل.
__________________
(210) هنا نلاحظ توقف بعض الإباضية، على الأقل، عند الخليفتين الصهرين عثمان بن عفّان (ض) وعلي بن أبي طاب (ض) وهذا التوقّف لا يعني البراءة، ثم لا ننسى أن ابن الصغير في بداية حديثه عن الخطبة ذكر أنها ليست من خطب أسلاف أحمد بن منصور الخطيب وإنما حمله عليه عثمان بن أحمد بن يحياج ربما يكون من المتطرّفين.
(211) هو الإمام أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد، سادس الأئمة الرستميين.
(212) بياض في الأصل.
(213) هي سورة الإخلاص في القرءان الكريم ورقمها: 112. (1/110)
صفحة 111
قائمة المصادر والمراجع
والدوريات المعتمدة في التحقيق
– ابن الأثير عز الدين علي بن أبي الكرم (ت 630 ه): الكامل في التاريخ، تحقيق نخبة من العلماء، ط2، دار الكتاب العربي، ... بيروت،1387ه/ 1967م.
– ابن جميع أبو حفص عمر: مقدمة التوحيد، شرح أبي العباس الشماخي وأبي سليمان التلاتي، ط2،الجزائر، 1392ه/1973 م.
_ ابن حزم علي الظاهري: (ت 456ه) الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الكتاب اللبناني بيروت، بلا تاريخ الطبع.
_ ابن عذاري المراكشي أبو عبد الله محمد: (ت في نهاية القرن السابع الهجري) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ... ج. س. كولان وليفي بروفنصال، دار الثقافة، بيروت، 1948.
_ ابن منظور محمد بن مكرم: (ت 711ه): لسان العرب المحيط، إعداد يوسف الخياط وآخر دار لسان العرب، بيروت ... 1970م.
_ أبو زكرياء يحي بن أبي بكر (ت 471ه): كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق إسماعيل العربي، إصدارات المكتبة الوطنية، ... الجزائر، 1399ه/1979م.
_ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر: (ت732ه) تقويم البلدان، تصحيح رينودو وآخرين، دار الطباعة السلطانية، ... باريس 1840م. (1/111)
صفحة 112
_ أطفيش امحمد بن يوسف (قطب الأئمة) (ت1332ه/1913م): رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري، تصحيح ... قاسم بن سعيد الشماخي العامري وآخر، بلا مكان الطبع الحجري، 1328ه
_ الألباني محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ط2، المكتبة الإسلامية، عمان، الدار ... السلفية الكويت، 1404ه/1983م.
_ الباروني سليمان بن عبد الله: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، مطبعة الأزهار البارونية، مصر (بلا تاريخ الطبع)
_ بحاز ابراهيم بكير: الدولة الرستمية 160ه/296ه دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، أطروحة ماجستير في ... جامعة بغداد سنة 1983م وهي تحت الطبع.
_ البرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم (القرن الثامن الهجري): الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية،
قسنطينة،1302ه.
_ البكري أبو عبيد الله (ت 487ه): المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، جزء من كتاب المسالك والممالك، مطبعة الحكومة، ... الجزائر، 1857.
_ الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى: (ت279ه): سنن الترمذي بشرح الأحوذي، طبعة حجرية دار الكتاب العربي، بيروت ... لبنان، بلا تاريخ الطبع.
_ جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984. (1/112)
صفحة 113
_ الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى: (ت750ه) قواعد الإسلام، ط1، تحقيق بكلي عبد الرحمن، المطبعة العربية، غرداية، ... الجزائر، 1976م.
_ دائرة المعارف الإسلامية، انتشارات جهان ــ تهران، بوذر جمهري، مادة: (بنو رستم)، السودان.
_ دبوز محمد علي: تاريخ المغرب الكبير، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1383ه/ 1963م.
_ الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (ت حوالي 670ه): كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم طلاي، مطبعة البعث، ... قسنطينة، 1394ه/1974م.
_ ديوان أمريء القيس: تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ط3، دار المعارف مصر، ضمن سلسلة ذخائر العرب رقم 24، ... 1389ه/1969م.
_ الراوي عبد الستار عز الدين: ثورة العقل، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982م.
_ زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، ترجمة زكي محمد حسن وآخرون، مطبعة جامعة فؤاد الأول، ... القاهرة، 1370ه/1951م.
_ الزركلي خير الدين: الأعلام ط3 بالأوفست، بيروت 1389/ 1969.
_ السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911ه): تاريخ الخلفاء، دار الثقافة، بيروت، لبنان (بلا سنة الطبع). (1/113)
صفحة 114
_ الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد (ت 928ه): كتاب السير، طبع حجري قسنطينة، الجزائر 1301ه.
_ الشهرستاني أبو الفتح بن عبد الكريم: (ت548ه): الملل والنحل، دار الكتاب اللبناني بيروت، وهو بهامش كتاب الفصل في ... الملل لابن حزم، بلا تاريخ الطبع.
_ الطبري محمد بن جرجير: (ت310ه): تاريخ الرسل والملوك، وتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر، ... 1968م.
_عبد الوهاب بن منصور: السفارات الملكية والعلائق بين المشرق والمغرب، جريدة البصائر، الجزائر، عدد: 178/ 179،
1371ه/1952م.
_ عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، جامعة الأردن، عمان، 1978م.
_ عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، عمان، الأردن، 1982م.
_ فاروق عمر فوزي: الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية، ط2، بيروت 1979م.
_فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل، ج3، عمان، 1983م.
_ المبرد أبو العباس محمد بن يزيد (ت285ه): الكامل في اللغة (باب الخوارج) ط2 دار الحكمة دمشق، 1972م.
_ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيروت، 1976م. (1/114)
صفحة 115
_ المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن: (ت346ه) مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط4، دار الأندلس، بيروت
1401ه/1981م.
_ معمر علي يحي: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة 4، الإباضية في الجزائر، مطبعة الدعوة الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة،
1399ه/1979م.
_ مهدي هاشم طالب: الحركة الإباضية في المشرق العربي نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير في التاريخ، جامعة بغداد، 1977م.
_ الميلي محمد مبارك: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، 1359ه/1931م.
_ النديم أبو الفرج محمد بن أسحاق: (ت380ه) كتاب الفهرست، تحقيق رضا تجدد بلا مكان الطبع، 1391ه/1971.
_ الوارجلاني أبو يعقوب يوسف (ت570ه): الدليل لأهل العقول، المطبعة البارونية الحجرية، مصر، 1306ه.
_ وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة الأصالة، دار البعث، قسنطينة، عدد 45، 1397ه/1977م.
_ الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام: (ت6ه) كتاب السير، مخطوط بحوزة الشيخ بابانو ببني يسجن غرداية، الجزائر.
_ ياقوت الحموى: (ت 626ه) معجم البلدان، دار صادر، بيروت 1397ه/1977م. (1/115)
صفحة 116
_ اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب: (284ه): البلدان، ط3، النجف 1377ه/1957م.
_ اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب: (ت 284ه): تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت 1379ه/1960م.
المراجع الأجنبية
_ Actes du 14e congrès International des Orientalistes a’ Alger 1905. 3emepartie imp. ... Orientale Paris 1908 traduction de la Chronique d’Ibn seghir par A.de C. Motylinsky
_ Les Cahiers de Tunisie , Revue des sciences humaines ,faculté des lettres de Tunisie Tome XXlll N 91 - 92 3e et 4e trimestre 1975 réimpression de la Chronique d’lbn Seghir en Arabe .
_ Lewicki Tadeusz : l’Etat Nord-Africain de Tahert et ses relations avec le Soudan Occidental a’ la fin du vllle au lxe 5. Cahiers d’Etudes Africaines vol ll, (8) paris 1962.
_ provençal E. Levi : Histoire de l’Espagne Musulmane imp. Durand, Leiden, 1950.
ملحوظة:
بعد الانتهاء من اعداد الكتاب للطبع وصلنا
من القاهرة كتاب أخبار الأئمة لابن الصغير
بتحقيق الدكتور حسن علي حسن لذلك لم
نعتمده في مصادرنا. (1/116)
صفحة 117
فهرس الأعلام
ـــ أ ـــ
أبان: 53
ابراهيم بن الأغلب: 71
ابراهيم بن مسكين: 101
ابراهيم (النبيء عليه السلام): 109
ابن أبي دريس:105
ابن ابي عياض اللواتي: 99
أحمد بن بشير: 15 ـــ 81 ـــ 83 ـــ88
أحمد بن الحسين: 38
أحمد بن دبوس: 100
أحمد بن منصور: 105 ــــ106 ــــ110
أحمد التيه: 105
إسماعيل بن درار الغدامسي: 26
إسماعيل العربي: 17
أطفيش امحمد بن يوسف (الشيخ): 39
الأغلب (بنو): 71
أفلح بن العباس: 86 ــــ 87
أفلح بن عبد الوهاب (الإمام): 15ـــ 21 ـــ 47 ــــ 55 ــــ 59 ــــ 61 ــــ 62 ــــ 73 ـــ 86
الألباني محمد ناصر الدين: 12 ــــ 28
الياس بن منصور: 86
أمرؤ القيس (الشاعر): 75
أمية (بنو): 45 ــــ 47 ــــ 63 (1/117)
صفحة 118
ـــ ب ـــ
ر مية (بنو): 45 ــــ 47 ــــ
الباروني سليمان (الشيخ): 69
باسية رينيه: 23
البرادي أبو القاسم: 18 ـــــ 37
بشير (أحد المقربين للإمام أبي اليقظان: 87
أبو بكر بن أفلح (الإمام): 16 ــــ 21 ــــ 23 ــــ 54 ــــ 59 ــــ 61 ـــ 70 ــــ 73 ــــ74
بكر بن الواحد:94
بكر بن يبيدى: 94
أبو بكر الصديق (ض): 110
البلاذري: 5
أبو بلال مرداس بن أدية: 32
بلحاج (الشيخ): 39
ـــ ج ـــ
جابر بن زيد الأزدي (إمام الإباضبة):25
جان (من العجم): 95
جودت عبد الكريم يوسف: 6 ــــ 80
ـــ ح ـــ
أبو حاتم الملزوزي: 19 ــــ 20
أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان (الإمام): 13 ــــ16 ــــ 18 ــــ 23 ــــ 86 ــــ 89 ــــ 91 ــــ 102 ــــ 110
ابن حزم محمد بن علي الظاهري: 38
الحسن البصري: 82
أبو حمزة الشاري: 32
حمود بن بكر: 86 ــــ 87
حمويه: 53
أبو حنيفة النعمان بن ثابت (الإمام ض): 92 ــــ 103
ـــ خ ـــ
أبو خالد بن أبي اليقظان بن أفلح: 89
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح: 26 ــــ 27 (1/118)
صفحة 119
ابن خلدون عبد الرحمان: 6
خلف بن السمح: 69
خلف الخادم: 71
ـــ د ـــ
أبو داود القبلي النغزاوي: 26
الدبوز محمد علي (الشيخ): 39
ابن دبوس: 100
الدرجييني أبو العباس أحمد: 18
أبو دنون: 92
ـــ ر ـــ
أبو الربيع سليمان: 102 ـــ104
ـــ ز ـــ
زكار: 101
زكرياء بن أبي اليقظان بن أفلح: 79 ــــ 80
أبو زكرياء الورجلاني: 17 ــــ 19 ــــ 20 ــــ 22 ــــ 23 ــــ 55
ـــ س ـــ
أبو سابق: 87 ــــ 89
أبو سعيد الله: 46
سليمان بن زرقون: 102
سليمان بن ماطوس: 102
سليمان بن يعقوب بن أفلح: 23
سليمان مولى محمد بن عبد الله: 78 ــــ 80
السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى: 69
ـــ ش ـــ
شعيب بن مدمان: 78 (1/119)
صفحة 120
الشماخي أبو العباس أحمد: 18 ــــ 61 ـــــ 105
الشهرستاني أبو الفتح محمد: 38
ـــ ص ـــ
ابن الصغير: 7 ــــ 9 ــــ 17 ـــ 20 ــــ 22 ـــــ 25 ــــ 26 ـــــ 38 ــــ 51 ـــــ 53 ـــــ 61 ـــــ 62 ـــــ 75 ـــــ 78 ــــ 80 ــــ 83 ـــــ 99 ــــ 102 ــــ 105 ــــ 110
ابن الصغير الهواري (غير صاحب الكتاب): 81
ـــ ط ـــ
طالبي محمد: 8
ـــ عـ ـــ
عائشة بنت أبي بكر الصديق (ض): 103
عاصم السدراتي: 26
أبو العباس بن عبد الوهاب: 50 ــــ 52
أبو العباس بن عبد الوهاب: 50 ــــ 52
أبو العباس بن فتحون: 105
بنو العباس (العباسيون): 21 ــــ 55 ـــ 63
ابن عبد الحكم:5
عبد الرحمان بن رستم (الإمام): 18 ــــ 20 ــــ 25 ـــــ 39
عبد الرحمان بن صواب النفوسي: 101
عبد العزيز بن الأوز: 61 ــــ62 ــــ 85 ــــ 87 ــــ
عبد الله بن إباض التميمي: 25
عبد الله شريط:6
أبو عبد الله الشيعي: 18 ــــ 28 ــــ 81
عبد الله بن الصغار: 94
عبد الله بن اللمطي: 81 ــــ 82 ــــ 99
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ: 101
عبد الله بن مسعود: 38
عبد الله بن وهب الراسبي: 37
عبد الله بن يزيد: 37 ــــ 38
عبد الواحد: 53 (1/120)
صفحة 121
عبد الوهاب بن أبي اليقظان:89
عبد الوهاب بن عبد الرحمن (الإمام): 15 ــــ 16 ــــ 20 ــــ 21 ــــ 36 ــــ 48 ــــ 55 ــــ 69 ــــ 73 ــــ 98 ــــ
عبد الوهاب بن منصور: 59
أبو عبيدة الأعرج: 83 ــــ 84
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: 26 ـــ 27
أبو عبيدة المعمر المثني: 84
العبيديون: 81 ــــ 98
عثمان بن أحمد بن يحياج: 106 ــــ 110
عثمان بن الصفار: 105
عثمان بن عفان (ض):110
ابن عرفة محمد: 15 ــــ 16 ــــ 21 ــــ 61 ــــ 68
علوان بن علوان:92
علي ب أبي طالب (ض): 12 ـــت13 ــــ 28 ــــ 78 ــــ 81 ــــ 92 ــــ 106 ــــ110
علي يحي معمر: 68
عمر بن الخطاب (ض): 110
عوض خليفات: 38
عيسى بن عمر:38
عيسى بن عمير: 38
عيسى بن فرناس: 81 ــــ 86 ـــــ 87
عيسى بن مريم (النبي عليه السلام): 85
ـــ غـ ـــ
غزالة (زوجة الإمام أبي اليقظان): 89
ـــ ف ـــ
فورنيل: (مستشرق): 19
ـــ ق ـــ
ابن قتيبة عبد الله بن مسلم: 84 (1/121)
صفحة 122
ـــ ل ـــ
ليفسكي (مستشرق): 14
ـــ م ـــ
ماسكراي (المستشرق): 17
مالك بن أنس (ض إمام المذهب المالكي): 102
المتوكل (الخليفة العباسي): 21 ــــ 56
محكم الهواري: 49 ـــــ 52
محمد بن بكر: 81 ـــــ 86
محمد بن حماد: 92 ــــ 93
محمد بن دبوس: 100
محمد بن رباح: 92 ــــ 93
محمد بن عبد الله (ض): 28 ــــ 103 ــــ 107 ــــ 110
محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ آبو عبد الله: 77 ــــ 79 ــــ 101
محمد بن مسالة: 73 ــــ 74
أبو محمد الصيرفي: 72
محمود بن الوليد: 69
محمود إسماعيل: 14
المختار بن عوف: (أنظر أبو حمزة الشاري):
مدرار (بنو): 85
المدني أحمد توفيق: 6
مروان بن محمد (الخليفة الأموي): 32
مسالة (بنو): 29 ـــــ 45
ابن مسعود: 100
أبو مسعود:92
المسعودي (المؤرخ): 26
المعتمد (الخليفة العباسي): 56
منكود اللواتي: 99
المهتدي (الخليفة العباسي): 56
موتيلانسكي (المستشرق): 7 ــــ 9 ــــ 13 ــــ 14 ــــ 17 ــــ 23 ــــ 35 ــــ 75 ــــ 94 ــــ 103 ــــ
الميلي محمد مبارك: 14
ميمون بن عبد الوهاب: 17 (1/122)
صفحة 123
ـــ ن ـــ
النويري (المؤرخ):20
ـــ هـ ـــ
هارون الرشيد: 71
الهيثمي: 28.
ـــ و ـــ
الواثق (الخليفة العباسي):21 ــــ 56
ابن الواسطي: 72
واصل بن عطاء:82
وانودين أو وانودى: 97 ــــ98
وداد القاضي: 11 ـــــ 16
ابن وردة: 54 ــــ 73
الوسياني أبو الربيع سليمان: 55
وهب بن أبي اليقظان: 89
ـــ ي ـــ
يزيد بن أبي أنيسة: 38
يزيد ين أبي حاتم: 20
يزيد بن فندين أبو قدامة: 37 ــــ 38
يعقوب بن أفلح (الإمام): 14 ــــ 15 ــــ 18 ــــ 22 ــــ 23 ــــ 96 ـــــ 100
أبو يعقوب المزاتي: 98 ـــــ 99
ابو يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلاني: 36
اليعقوبي (المؤرخ) 26.
اليقظان بن أبي اليقظان (الإمام): 14 ــــ 16 ــــ 23 ــــ 89 ـــــ 97.
أبو اليقظان ابراهيم: 9 ــــــ 29 ــــ 74
أبو اليقظان بن أفلح (الإمام): 11 ــــ 13 ــــ 15 ــــــ 18 ــــــ 21 ـــــ 22 ـــــ 54 ـــــ 56 ـــــــ 59 ـــــ 61 ـــــــ 63 ـــــــ 65 0 ـــــــ 91 (1/123)
صفحة 124
فهرس البلدان والأماكن
ـــ أ ـــ
اسكدال: 73
اسلن: 47
الأغواط: 94
إفريقية: 54 ــــ71
إفريقيا الشماليية: 8 ــــ 17 ــــ 19 ــــ 32 ــــ 38
الأندلس: 5 ـــــ 26 ـــــ 29
الأوراس: أنظر جبل الأوراس.
ـــ ب ـــ
البصرة: 11 ــــ 12 ـــــ 28 ــــ 29 ــــ 32
بغداد: 21 ــــــ 26 ــــ 56 ــــ 59 ــــ 76
ـــ ت ـــ
تالغمت: 94
تاملونت: 74
تاهرت: أنظر تيهرت
تسلونت: 74 ـــــ 88
تلمسان: 39
تنابغيلت: 73
تونس: 8 ــــ 71 ــــ 105
تيلغمت: 94
تيهرت: 8 ــــ 11 ــــ 21 ــــ 23 ـــــ 25 ــــ 29 ــــ 38 ــــ 41 ــــ 44 ــــ 47 ـــــ 54 ــــ 59 ــــ 68 ــــ69 ــــ 73 ــــ 77 ــــ 81 ــــ 83 ــــ 86 ــــ 91 ــــ 94 ــــ 97ــــ 99 ــــ 100 ـــــ 101 ـــــ 106 (1/124)
صفحة 125
ـــ ج ـــ
جبل أوراس: 49
جبل نفوسة: 18 ـــــ 23 ــــ 39 ــــ 69 ــــ 75 ـــــ 85 ــــ 86
جبل ينجان: 48
جربة (جزيرة): 18 ــــ39
الجزائر: 7 ــــ 8 ــــ 10 ــــ 17 ــــ 25 ــــ94
جنبي: 20
ـــ ح ـــ
الحجاز: 12
حصن لواتة: 74
حصن نماليت: 93
ـــ د ـــ
دجلة (نهر): 58
الدينور:
ـــ ر ـــ
الرهادنة:84 ــــ 102
ـــ س ـــ
سجلماسة: 85
السودان (الغربي والأوسط والشرقي): 32 ــــ 62
ـــ ش ـــ
الشفة الحمراء: 67
ـــ ص ـــ
الصحراء: 32 ــــ 94 (1/125)
صفحة 126
ـــ ط ـــ
طرابلس: 22 ــــ 39
ـــ ع ـــ
العراق: 12 ــــ 61 ــــ 63 ــــ 103
ـــ غ ـــ
غانة (مملكة): 62
غرداية: 94
ـــ ف ـــ
الفرات (نهر): 58
فرنسا: 8
ـــ ق ـــ
القرارة: 18 ــــ 39
قلعة نفوسة: 76
القيروان: 11 ــــ 12 ــــ 32
ـــ ك ـــ
الكدية: 44
الكنيسة (موضع بتيهرت): 69
الكوفة: 11 ــــ 12 ــــ 32 ــــ 84 ــــ 92
كوكو (مملكة): 62
ـــ م ـــ
مانو: 22 (1/126)
صفحة 127
مجانة: 54
مدينة السلام: أنظر بغداد
المشرق: 6 ــــ 21 ـــــ 28 ــــــ 32 ــــــ 59 ــــ 63 ـــــ 69 ــــ 86 ـــــ 91 ــــ 95
مصر: 5
مصلّى الجنائز: 80
المعصومة: 81
المغرب: 5 ــــ 8 ــــ 14 ـــ 17 ــــ 22 ــــ 26 ــــ 28 ـــ 32 ــــ 39 ــــ 41 ــــ 45 ــــ 46 ــــ 55 ــــ 59 ــــ 69 ــــ 74 ــــ 75 ــــ 85 ــــ 94 ــــ 95 ــــ 98
المغرب الأدنى: 54
المغرب الأوسط: 20
مكة: 55. 56
ميزاب (وادي): 7 ــــ 14 ــــ 17 ــــ 18 ــــ 39
مينة (نهر): 74 ــــ 82 ــــ 100
ـــ ن ـــ
نهر أبي سعيد: 46
نهر اسلان: 47
ـــ و ـــ
وادي ميزاب: أنظر ميزاب
وادي هوارة: 46 ــــ 74
وارجلان:23 ــــ 98
وهران: 25 (1/127)
صفحة 128
فهرس القبائل والمذاهب والأمم
ـــ أ ـــ
الإباضية: 5 ــــ 46 ــــ 51 ــــ 52 ــــ 59 ــــ 64 ـــــ 68 ــــ 69 ــــ 73 ــــ 77 ــــ 86 ــــ 92 ــــ 96 ـــــ 97 ـــــ 99 ـــــ 100 ــــ 102 ــــ 105 ـــــ 106 ــــ 110
الأتراك: 56 ـــــ 57
الأشبان: 26
ـــ ب ـــ
البربر: 19 ــــــ 20 ـــــ 45
ـــ ت ـــ
تيم الرباب: 84
تيم قريش: 84
ـــ ح ـــ
الحجازيون: 92 ــــ 103
الحنفية (لمذهب): 92 ــــ103
ـــ خ ـــ
الخلفية أو الخلفيون: 69
الخوارج: 5 ـــــ 17 ــــ 19 ــــ 20 ــــ 22 ــــ 25 ــــ 94
ـــ د ـــ
دمر: 95 (1/128)
صفحة 129
ـــ ر ـــ
الرباب (قبيلة عربية): 84
الرستمية (العائلة): 62 ــــ 71 ــــ 73 ــــ 94 ــــ 96
ـــ ز ـــ
زناتة: 55 ــــ 91
زواغة: 96 ــــ 100
ـــ س ـــ
سدراتة: 41
السمحيون: 69 ــــ 94
ـــ ش ـــ
الشراة: 46 ـــــ 50 ــــ 55 ــــ 63 ــــ 110
الشيعة: 12 ــــ 13 ــــ 92 ــــ 103
ـــ ص ـــ
الصفرية (مذهب): 85 ــــ 94
الصقالبة: 57
صنهاجة: 95
ـــ ع ـــ
العجم: 54 ــــ 55 ــــ 63 ــــ 69 ــــ 73 ــــ 94 ــــ 95
العرب: 70 ــــ 72 ــــ 75
العسكرية: 38
العمرانية:38
العمرية: 38
العلوية: 12 ــــ 13 (1/129)
صفحة 130
ـــ ف ـــ
الفرس: 20 ــــ 26
ـــ ق ـــ
قريش: 84
ـــ ل ـــ
لواتة (قبيلة) 22 ــــ 45 ــــ 55 ــــ 74 ــــ 93 ــــ 94 ــــ 97
ـــ م ـــ
المالكية (مذهب): 12 ــــ 102
مجانة: 54
مزاتة: 38 ــــ 41 ــــ 98
المسيحيون: 69 ــــ 85 ــــ 94
المعتزلة: 48 ـــ 82 ــــ 99
مطماطة: 55
ـــ ن ـــ
النصارى: أنظر المسيحيون
نفوسة (القبيلة): 19 ـــــ 22 ــــ 38 ــــ 39 ــــ 47 ــــ 49 ــــ 54 ــــ 56 ــــ 61 ــــ 63 ــــ 71 ــــ 77 ــــ 81 ــــ 85 ــــ 87 ــــ 94 ــــ 95 ــــ 98 ــــ 102
النكار: 20 ـــ 37 ــــ 38 ــــ 44
ـــ ه ـــ
هوارة (القبيلة): 20 ــــ 22 ــــ 45 ــــ 48 ــــ 52 ــــ 62 ــــ 74 ــــ 81 ــــ 82 ـــ 102
ـــ و ـــ
الواصِلِيَّة: 48 ــــ 82 (1/130)
صفحة 131
الوهبية: 37 ــــ 38 ــــ 69
ـــ ي ـــ
اليزيدية: 37 ــــ 38 (1/131)
صفحة 132
[صفحة بيضاء] (1/132)
صفحة 133
محتويات الكتاب
الصفحة
مقدمة التحقيق ............................................................................................. 5
ترجمة ابن الصغير والتعريف بكتابه ............................................................................ 11
تاريخ " ابن الصغير عن أئمة تاهرت الرستمين لموتلانسكي " (تعريب) ........................................... 17
كتاب ابن الصغير
ذكر بعض الأخبار عن الأئمة الرستمين
منقول من ابن الصغير
ولاية عبد الرحمن بن رستم ............................................................................... 25
مبايعته إماماً .............................................................................................. 26
عدل عبد الرحمن .......................................................................................... 28
معاونة إباضية المشرق لعبد الرحمن ........................................................................... 28
رخاء وأمن الدولة الرستمية ................................................................................. 31
الازدهار التجاري والعمراني ................................................................................ 32
المعونة الثانية ورفض عبد الرحمن قبولها ....................................................................... 33
النظام الإداري و الاقتصادي ............................................................................... 35
وفاة عبد الرحمن .......................................................................................... 36
ولاية عبد الوهاب وما كان من أمره ....................................................................... 37
الازدهار والرخاء أيام حكمه ............................................................................... 38
بيان السبب الذي كان له وجه الافتراق .................................................................... 41
فتنة النكار ............................................................................................... 44
الافتراق الثاني ............................................................................................ 45
خروج عبد الوهاب لقتال بني أوس ......................................................................... 46
شجاعة أفلح ............................................................................................ 47
ترشيح أفلح ............................................................................................. 48 (1/133)
صفحة 134
ولاية أفلح بن عبد الوهاب ............................................................................. 49
محكم الهوارى وتوليه القضاء وعدله فيه ..................................................................... 49
عدل أفلح وازدهار دولته ................................................................................. 52
سفر أبي اليقظان إلى المشرق وحبسه وما كان من أمره هناك .................................................. 55
وفاة أفلح ............................................................................................... 59
ولا أبي بكر بن أفلح ومقتل ابن عرفة .................................................................... 61
محمد بن عرفة وما كان من أمره .......................................................................... 62
عودة أبي اليقظان من المشرق وسيرته وعدله ............................................................... 63
دالة محمد بن عرفة على أبي بكر ......................................................................... 64
تحريض أبي بكر على التخلص من ابن عرفة وأثر ذلك ..................................................... 65
فتنة محمود بن الوليد .................................................................................... 69
فتنة العجم وما انجر على ذلك من قتال واضطراب ......................................................... 69
خروج أبي بكر وانهزامه .................................................................................. 74
إمامة أبي اليقظان ..................................................................................... 74
دخول أبي اليقظان تاهرت وسيرته بها .................................................................. 77
القاضي محمد بن عبد الله وما كان من أمره ............................................................... 78
الحياة الفكرية في عهد أبي اليقظان ....................................................................... 81
أبو اليقظان يعين والياً على نفوسة وقصة عبد العزيز بن الأوز ............................................... 85
جانب من سياسة أبي اليقظان المالية ..................................................................... 87
وفاة أبي اليقظان ....................................................................................... 89
ولاية أبي حاتم وأيامه ................................................................................. 91
فتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد ...................................................................... 92
ولاية يعقوب بن أفلح ................................................................................ 97
دخول أبي حاتم تاهرت وسيرته بها ................................................................... 101
ملامح من الحياة الفكرية في عهده .................................................................... 102
النص الكامل لخطبتي جمعة ........................................................................... 106
قائمة المصادر والمراجع والدوريات المعتمدة في التحقيق .................................................... 111
الفهارس العامة: الأعلام ــــ البلدان ـــ القبائل والمذاهب .................................................... 117
النص الفرنسي لمقدمة موتلانسكي على كتاب ابن الصغير (1/134)
صفحة 135
CHRONIQUE D’IBN SAGHIR
SUR LES IMAMS ROSTEMIDES DE TAHERT
PREFACE
A. De c. Motylinsky
Dans une étude publiée en 1885 sous les auspices de l’Ecole des lettres d’Alger , j’ ai signalé , en donnant un résumé , un document concernant les imams Rostémides de Tahert à un certain lbn saghir.
C’est le texte complet de ce manuscrit dont il n’existe, à ma connaissance, qu’une seule copie au Mzab, que je donne aujourd’hui . La traduction qui y est jointe aurait dû, pour former un tout complet et faciliter les recherches ultérieures, être accompagnée de notes étendues sur les origines et les croyances des Abâdhites , les débuts et le développement de la secte dans le Maghreb, ainsi que sur les évènements historiques qui ont précédé et amené la fondation de Tahert .
Le cadre restreint de ce travail, simple contribution à l’histoire encore à faire du kharidjisme africain, ne me permettait pas d’insister sur ces intéressantes questions qui du reste ont été déjà traitées partiellement.
Je ne puis mieux faire pour l’instant que de renvoyer à la Chronique d’Abou Zakaria, traduite et annotée par notre regretté Masqueray.
Je me permets aussi d’indiquer, comme références, mas modestes publications sur les Abâdhites d’Afrique, Guerara depuis sa fondation, le djebel Nefousa et en dernier lieu La ‘Aqida abâdhite qui vient de paraitre dans le volume que l’Ecole des Lettres a publié à l’occasion du congrès qui nous réunit.
La relation d’Ibn Saghir est jusqu’à présent le plus ancien-ment qui nous soit parvenu sur les Abâdhites du Maghrib. Elle ne doit pas être comprise dans la série des chroniques rédigées par les docteurs de la secte, chronique d’Abou Zakaria, Tabadât de Derdjini, Djaouàher d’El-Berràdi, kitàb es siar de chemmakhi et autres recueils secondaires analogues aux Acta Sanctorum , qui for-ment le fond de la bibliothèque historique des Abâdhites du Mzabet de leurs frères de Djerba et du Djebel Nefousa.
Elle est l’œuvre d’ un musulman étranger à la secte qui a habité la Tahert des Rostemides, sous les règnes des derniers princes de cette famille, et a eu la curiosité de recueillir de la bouche des Abà-dhites de cette ville les traditions transmises sur ‘Abd er rahmàn ben Rostem et ses successeurs .
La Chronique d’lbn saghir s’arrète au règne d’Abou Hâtim yousof qui succéda à son père Adou’l Yaqzhàn en 281 hég. Et fut détrôné et remplacé par Ya ‘qoub den Aflah’, puis rétabli. Elle ne fait pas mention des évènements violents et tragiques qui précédèrent, d’un an ou deux peut-être, la destruction de Tàhert par le dè’i Abou ‘abd Allah (296 hég.). Elle parait donc avoir été rédigée vers 290.
En tant qu’histoire générale des Abâdhites, elle n’a pas la valeur de la chronique d’Abou zakzryà. Elle est l’histoire plutôt anecdotique des princes rostèmides, la monographie de la Tahert abàdhite dans sa vie intime, avec ses compétitions d’influences intérieures et extérieures qui ont donné lieu à une longue série de luttes fraticides. Mais elle n’en est pas moins précieuse pour la connaissance de certains évènements sur lesquels les chroni-queurs abâdhites ont glissé trop rapidement ou qu’ils ont pontifes impeccables et de ne pas porter préjudice à l’honneur de la secte.
Fondée en 144 par ‘abd er Rahmàn ben Rostem dans les circonstances que tout le monde connait, Tàhert voit s’augmenter rapidement le premier noyau de peuplement formé par un groupe de nefousa venus à la suite de leur futur imâm et de quelques émigrés de l’Ifriqiya. Ce n’est cependant qu’en 160 ou 162, d’après Abou zakarzà, que les Abâdhites groupés dans la ville nouvelle, confèrent l’imamat à ‘Abd er Rahmàn.
Fournel estime qu’il est rationnel de faire partir le ègne de ce prince de l’année même de la fondation de la ville (Berbers, t.v, p. 90, 91). Ll est au contraire très naturel d’admettre pour le commencement de son imâmat la date de160. En effet, il ne faut pas oublier qu’Abou Hâtim El Melzouzi, que les historiens orthodoxes représentent comme un simple chef de l’insurrection berbère, avait été nommé par les Abâdhites imâm de défense ( إمام الدفاع) en 145 et qu’il exerça le commandement avec ce titre qui ralliait autour de lui toutes les forces des Kharedjites, jusqu’en 155, année ou’ il fut tué à Djenbi par les troupes de Yezid ben Hâtim.
Ce désastre dans lequel périrent, d’après En Nouairi, trente mille Berbères, porta un terrible coup au Kharedjisme. Ll amena probablement un mouvement d’e’migration des Nefousa, des Hoauàra et autres tribus vers le Maghrid central. Pour échapper à l’autoritè de Yezid ben Hâtim, les Abâdhites se rallièrent autour de ‘Abd er Rahmân ben Rostem et c’est alors seulement, quand la population de la ville se fut augmentée par l’apport ce nouveau peuplement, que les citadins et les nomades abâdhites donnèrent à leur chef ‘Abd er Rahmân le titre d’imâm.
C’est ainsi que nous voyons s’établir en plein Maghrib central un royaume berbère gouverné par des princes abâdhites d’origine persane qui se succèderont jusqu’en 296.
Les historiens donnent une durée de 6 ou 8 ans à l’imâmat d’ ‘Abd er Rahmân Notre chroniqueur nous déclare naïvement et malheureusement qu’il a oublié le chiffre des années de son règne.
Au témoignage de tous, 'Abd er Rahmân fut un modèle de simplicité, d’austérité et de désintéressement.
Son fils et successeur, ‘Abd el Ouahhàb, eut un long règne de quarante ans. Les premières années de son principat furent calmes et heureuses ; mais bientôt, sous le couvert de théories religieuses relatives à l’imâmat qu’a longument développées Abou Zakaryâ, les compétitions et les luttes d’influence se firent jour. L’élément nomade aspira bientôt, comme il l’a toujours fait dans les cités des hauts plateaux et du sahara, à jouer un rôle prépondérant dans les affaires de la ville et à exercer à son profit une action directe sur l’imâmat. C’ est alors que nous voyons se produire la première scission, qui donna naissance au grave schisme des Nokkâr. Le sang coule de part et d’autre. Meimoun, fils de ‘Abd el Ouahhâb est assassiné par les dissidents et, suivant Abou Zakaryâ, l’imâm lui-même n’échappe à leurs coups que grâce à sa perspicacité et à son ènergie. La cité berbère où régnaient l’union et la concorde a désormais ses çoffs, et les divisions amèneront fatalement la décadence du royaume.
Abou Sa’ id Aflah succède à son père ‘Abd el Ouahhàb. C’est le plus long règne de la dynastie des Benou Rostem, il eut une durèe de cinquante ou de soixante ans.
Energique et brave, préparé au commandement par les luttes dans lesquelles il a joué un rôle marquant, rompu au maniement des affaires avant la mort de son père, il gouverne avec autorité. La ville prend sous sa direction un développement extraordinaire. Par son habile politique, il réussit à rallier autour de lui les tribus et à se faire craindre d’elles, tout en maintenant la paix dans les groupes d’origines si diverses qui formaient la population de la ville.
Abou Bekr, fils d’Aflah, n’est porté au pouvoir à la mort de son père que grâce à l’absence de son frère Abou ‘lYaqzhàn, arrêté et retenu prisonnier par les ‘Abassides pendant qu’il faisait le ... pèlerinage de la Mekke. Le nouvel (1/135)
صفحة 136
imâm, beau cavalier, ami des lettres et des plaisirs n’a pas l’austérité de ses prédécesseurs. Ll se laisse dominer par son beau-frère Mohammed ben ‘Arfa.
Abou ‘l Yaqzhân, revenu de l’ Orient, prépare en secret son avènement au trône : tout en affectant le plus grand respect pour son frère, il travaille sans cesse à sa popularité et rallie bientôt autour de lui le groupe important de Nefousa qui sont toujours restés les soutiens de la dynastie Rostemide. Ll excite son frère à se débarrasser de Mohammed ben ‘Arfa qui lui porte ombrage. L’assassinat de ce personnage qui avait dans la ville une influence considérable amène une longueur guerre civile.
Abou Bekr est obligé de quitter la ville où l’anarchie la plus complète va régner pendant plusieurs années. De son côté Abou ’lYaqzhân s’est retiré chez les Loouâta aves les partisans qu’il a su gagner à sa cause. C’est là qu’il est proclamé imâm ; mais il se voit contraint pour pénétrer dans la ville de faire appel aux contingents des Nefousa de la Tripolitaine. Aves leur appui, il triomphe des dernières résistances et prend définitivement lev pouvoir. Les chroniqueurs ont négligé de nous renseigner sur la fin d’Abou Bekr. Lbn saghir assigne au règne d’Abou ’lYaqzhân une durée de quarante ans et donne comme date de sa mort l’année 281.
Son fils Abou Hâtim Yousof qui lui succéda n’avait été porté au pouvoir que par un des partis de la ville, sans l’assentiment des tribus. Son règne, auquel les chroniqueurs abâdhites assignent une durée de 11 ans, est profondément troublé par les luttes intestines qui ensanglantes la ville.
La bataille de Manou (283) porte le dernier coup au Kharedjisme dans le Maghrib oriental et la puissance des Benou Rostem est partout ébranlée. La famille des Rostèmides, devenue très nombreuse, est divisée par des rivalités et des haines qui contribuent encore à affaiblir l’autorité du prince. Les tribus seules sont désormais maitresses des destinées des souverains qu’elles proclament et déposent à volonté. C’est ainsi que nous voyons abou hâtim, chassé de la ville, se réfugier chez les hoouâra et faire avec eux la guerre à son oncle Ya’qoub ben Aflah qui a été désigné comme imâm à sa place ; il le détrône à son tour et, toujours avec l’appui des tribus, reprend le pouvoir .
C’est là que s’arrête la chronique d’lbn Saghir. On sait par Abou Zkaryâ qu’au moment de la prise de Tâhert (chaouâl 296 ) Ya’coub s’enfuit et se réfugia à Ouargla avec son fils Abou Soleomânè.
Quant à Abou Hâtim, il rèsulte clairement d’un passage de la même chronique (p. 217, 218) qu’il périt assassiné par son frère Yaqzhân ou par les fils de ce dernier. On sait que Yaqzhân qui ne dut garder que peu de temps le pouvoir fut mis à mort par le dà’i Abou ‘Abdallah avec un grand nombre des membres de la famille des Rostemides.
Ainsi finit la Tâhert abâdhite, après 152 ans d’existence et s’éteignit la dynastie des Benou rostem qui avaient exercè l’imâmat pendant 134 ou 136 ans.
La chronologie de l’histoire de cette famille est encore incertaine ; il n’ est guère possible de se fier aux chiffres donnée par lbn saghir ou autres pour la durée des différents régnas. Ces périodes de trente, quarante ou cinquante années qu’il indiquent ne paraissent être que des chiffres ronds fort approximatifs. Ll est en effet facile de se rendre compte qu’en additionnant la durée donnée pour les différents règnes, sans y comprendre celui d’ Abou Bekr ni celui de Ya’qoud, on arrive à un total qui dépasse la durée de la dynastie.
On consultera avec fruit sur ce sujet le tableau synchronique que M. René Basset a dressé à la suite de la préface de son excellente étude sur les sanctuaires du Djebel Nefousa.
ACHEVE D’IMPRIMER SUR LES PPESSES DE L. B.I
Les belles impressions المطبوعات الجميلة
2 em Trimestre 86
__________________
تصفيف وتركيب عـ. ب. تصفيف
3. شارع 8 ماي ـــ الجزائر (1/136)