صفحة 1
الكتاب: أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج
المؤلف: الشيخ سالم بن حمود السيابي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) أصدق المناهج
في تمييز الإباضية عن الخوارج
تأليف الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي رحمه الله تعالى
[*]مقدمة
[*]الأغراض التي تدعوا إلى التنفير منهم والإعراض عنهم
[*]من هم الإباضية ؟
[*]أين هم الإباضية ؟
[*]هل لهم مذهب خاص ؟
[*]من علماء الإباضية أيام ابن إباض ؟
[*]من هم الخوارج ؟
[*]ما هي أسس الحكم عند الإباضية ؟
[*]ما يقول الإباضية في صفات الله عز وجل ؟
[*]ما هي أعمالهم في الأمور العملية ؟
[*]هل للإباضية في خدمة الإسلام العامة نصيب ؟
[*]هل كتم مخالفو الإباضية شيئاً من مآثر الإباضية ؟
[*]الحكم في الخوارج في نظر الإباضية
[*]ما هو الإيمان عند الإباضية ؟
[*]ما شأن مذهب الإباضية بين المذاهب الأخرى ؟
[*]هل يجيز الإباضية الصلاة خلف أئمة غيرهم من المذاهب ؟
[*]هل هناك فرق بين الإباضية وغيرهم في المواريث ونحوها ؟
[*]هل الجهاد عند الإباضية وغيرهم على حد سواء ؟
[*]متى استقل الإباضيون بأمرهم في الإسلام ؟
[*]كيف سيرة الإباضية في الإسلام ؟
[*]على أي وضع تجري الأحكام عند الإباضية ؟
[*]من هم أشهر علماء الإباضية في المشرق ؟
[*]هل لأهل عمان تآليف مهمة غير التي اشرتم إليها ؟
[*]ماذا يقول أهل عمان في الخلفاء الأربعة ؟
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوجب على عباده إتباع أصدق المناهج ، والصلاة والسلام على الصادع بافتراق الأمة بعد نبيها إلى فرق لا تزال منتحية منهج من قبلها من الأمم الخوارج ، فمنها من لزم الحق في المداخل والمخارج ، ومنها من تعلق بأخطر المعارج وأخبث المناهج ، وعلى آله الموفين له بطاعته وأصحابه المخلصين له في عبادته وأتباعهم السالكين مسالك الحق الموفين له بواجباته . (1/1)
صفحة 2
أما بعد : فإني طالما قرأت عشرات في عشرات من الكتب المذهبية لمذاهب الإسلام وعلمائه الأعلام على اختلاف مذاهبهم ولم أجد منهم من يقول عن الإباضية إلا أنهم خوارج ، أو هم من الخوارج ، أو من أقرب الخوارج إلى الحق . ولم يزالوا يتداولون هذا التعبير في كتبهم فقهية كانت أو تاريخية ، ويميلون بهم حينا إلى الحق ، وآناً إلى القرب منه. وبعضهم يصب عليهم الويلات واللعنات لأنهم عنده قتلوا علياً بعد ما قتلوا عثمان . وأسهل شيء يرمونهم به أنهم خوارج مع أن الواقع يشهد أن الإباضية لا تجمعهم بالخوارج جامعة ، ولا يمتون إليهم بصلة ، فما هي الأحوال التي تجمعهم بالخوارج وهم براء منهم ؟! وما هي الأعمال التي تصدر منهم حتى تجعلهم في عداد الخوارج ؟!
وقد طال ما كتبنا عن الإباضية الرسائل الوافية وبينا قواعدهم المذهبية والأصول الإعتقادية ، وأحكامهم العملية ، بحيث لم نترك في ذلك ما يرتاب فيه أبن نهية ، راجين من الله أن تكون فيه الغنية إن شاء الله .
الأغراض التي تدعوا إلى التنفير منهم والإعراض عنهم (1/2)
صفحة 3
أهمها حدتهم على الظلمة والفساق من الأٌمراء الذين يحيدون عن جادة الحق ومنهج العدل ويناشدونهم السير على منهاج الخلفاء الراشدين الذين هم هداة الخلق ، والدعاة إلى الحق ، فإذا لم يجدوا منهم ذلك باينوهم وفارقوهم ، وناصبوهم الحرب إن قدروا حتى يتركوا ظلمهم وجورهم ، ويرجعوا إلى الحق عملاً بأوامر الله عز وجل في كتابه وعلى لسان نبيه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام . فتراهم يقاتلون حتى ملوكهم الذين هم على مذهبهم ، ومن أبناء جلدتهم ومن أهل وطنهم ، إذا تركوا الحق ، وركنوا إلى الباطل . فكيف بملوك غيرهم الذين هم أعمدة الظلم ورؤساء الفساد في الأرض ودعاة الباطل في الأمة ، الذين تدار كؤوس الخمر على موائدهم ، وتنتهك حُرُمات الله عز وجل بين أظهرهم جهاراً وتقوم القينات والمغنيات على رءوسهم بالعود والمزمار وآلات اللهو والطرب . ومنها أن الإباضية لا يتولون الظلمة من كانوا وأين كانوا ، فإذا رأوا منهم حقاً قبلوه ، وإذا رأوا باطلاً أعرضوا عنه وأنكروه . فلذلك لا تحبهم الملوك الجورة ولا تدنى مجالسهم ، ولا تجيب دعوتهم ، بل ولا تزال عاملة على إقصائهم وإضعافهم لأنها ترى أنهم أخطر على الملك ، وداء عضال على الزعامة الحائدة عن خطة الحق ، إذ كانوا عاملين بإقتضاء قوله عليه الصلاة والسلام : (( لا طاعة لمخلوق في معصية خالق )) فلهذا ترى الملوك على إختلاف منازعهم ، والأمراء على تباين مقاصدهم ينسبون إلى الإباضية ما يبغضهم في أعين الأمم ، ويقصيهم مناهج الحياة الصالحة في هذا العالم ، ومنها أن علماء الإباضية وقد عرفت شيئا عنهم ممن يصدع بالحق لله لا يراعون رغبة النفوس ، بل يراعون واجب الشريعة في البعيد والقريب ، والبغيض والحبيب ، ويتحرون عن مجاري رغبة أهل الدنيا وإن جلت مناصبهم ، فما عندهم شيء لغير الله أبداً ، فلذلك حسدهم مخالفوهم ، إذ لم ينالوا مكانهم في الدين ، وقد عرفوا بذلك ، وبذلك أضافوهم إلى الخوارج لعلمهم أن (1/3)
صفحة 4
الخوارج ممقوتون عند أهل الحق ، فجعلوهم منهم ، ونددوا بهم في كتبهم ورسائلهم ورسلهم ، ونشروا عنهم في العالم ما ليس منه في قبيل ولا دبير ، فنفروا الناس عنهم بذلك ، ونسبوا إليهم غير الذي هم عليه . فأين الإباضية من الخوارج ؟ أين الإباضية من أمم الإسلام كلها ؟ قوم لا يرضون بغير الحق أحسن الدهر إليهم أم أساء . أنكر الإباضية أشياء وقعت في الدين ، فاتخذ أهل الأهواء إنكارهم ذريعة إلى النداء بحدة الإباضية وشدتهم ، والحق لا يزال فيما أنكروا معهم لما اطلع الإباضية على ما نسب الصحابة إلى عثمان ، وقاموا به عليه وناشدوه الحق والسير به والإبعاد لأهل الباطل وزجرهم عنه ، وعرفوا الحق ، صوبوا المحق وأيدوا الحق وأعانوا على العدل بالمستطاع يداً ولساناً ، وبذلك نسبوا إليهم ما نسبوا بغير موجب .
---
من هم الإباضية ؟
الإباضية أمة من أمم الإسلام إمامهم عبد الله بن إباض التميمي المعروف زعيم ديني وإمام رضي ، شهر مقامه بين رجال الحق وزعماء الرشد . لم يزل داعياً إلى الله جاداً مجداً هماماً مرشداً ، ولياً من أولياء الله ، رضياً في دينه ، لا يهاب الجبابرة ، ولا يحابي الظلمة ، ولا يداهن في الدين ، ولا يميل إلى أهل الأهواء والبدع ، وهذه لهجة أهل الحق في الإسلام ، وسيرة الأتقياء الأعلام . فلما فشى خبره بهذا في الأمة الإسلامية ، وشاع نبأه في أقطار الإسلام وعوالمه ، أضيف إليه من كانوا كذلك من الأمة ونسبوهم إليه ، وهو كما ترى لم يكن إماماً له مذهب خاص ، ولا مسألة واحدة في الدين .
أين هم الإباضية ؟
الإباضية في عمان أعرق منهم في غيرها من بلاد الإسلام ، وفي بلاد العراق إذ كان ابن إباض عراقياً ، وفي أرض اليمن ، وبالأخص حضرموت إلى نهاية القرن السابع . وفي المغرب أشهر من نار على علم ، وأرسى من رضوى على الثرى . وفي زنجبار من أفريقيا ، وفي أمكنة متعددة من بلاد الله .
هل لهم مذهب خاص ؟ (1/4)
صفحة 5
ليس للإباضية مذهب خاص يتقيدون به تبعاً لعالم خاص من علماء الأمم كأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، والشافعي ، أو مالك ، أو الثوري ، أو غيرهم من علماء الإسلام . فلا توجد لابن إباض مسألة واحدة تؤثر عنه في الدين . ومن هنا يعلم مقام الإباضية في الإسلام ، فإن الإباضية رجال تقييد لا رجال تقليد ، وأهل اعتماد على الحق لا على الخلق ، فلا يتقيدون إلا بالله ورسوله فقط .
---
من علماء الإباضية أيام ابن إباض ؟
علماء الإباضية أيام ابن إباض أجلة العلماء . وفي مقدمتهم الإمام الأوحد جابر بن زيد الأزدي العماني أبو الشعثاء ، الذي أجمعت الأمة على ثقته وعدالته وأمانته رواية ودراية ، وقد عرفه كل أحد .
وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، وضمام بن السائب الندبي العماني ، وصاحب الصحيح الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني البصري ، وأمثالهم ممن لهم المقام الأعلى والمرام الأوفى ، والسبق في الإسلام على علماء المذاهب المعروفة .
---
من هم الخوارج ؟ (1/5)
صفحة 6
الخوارج في الأصل جمع خارجة ، وهي طوائف تخرج في الإسلام ضالة ومحقة . وفي عرف الفقهاء فرق من فرق الإسلام رأسهم نافع بن الأزرق ، ونجدة بن عامر ، وعبد الله الصفار . وأتباعهم خرجوا على أهل الحق في زمن التابعين وتابعيهم . وحكموا على مرتكب الكبيرة من الذنوب بالشرك ، وفرعوا عليه حلية ماله فيغنم ، ودمه فيسفك . ورأوا أن ذلك هو الحق . واشتدوا على الناس ، وثقلت وطأتهم على من تسلطوا عليه ، واشتدت شوكتهم ، وعظمت محنتهم على الأمة الإسلامية ابتلاً من الله لها بمثل هؤلاء . وتعلقوا بتأويلات خالفوا فيها غيرهم من سائر الأمم الإسلامية . ولم يصغوا على قول غيرهم من أهل الحق ، فاستعرضوا الناس بالسيف ، وقتلوا من لم يحل قتله ، ونهبوا الأموال ، واستعبدوا النساء والرجال لأنهم في نضرهم مشركون . فكان لهم خطب جسيم في الإسلام ، واستحلوا ما حرم الله بالمعصية متأولين قوله تعالى : (( وإن أطعتُموهُم إنكم لمُشركون ))( الأنعام:121) . وكان معنى الآية : وإن أطعتم المشركين في القول بتحليل الميتة فأنتم مشركون مثلهم . ولكن هؤلاء تأولوها على غير وجهها ، فكان معناها معهم : وإن أطعتموهم في أكل الميتة ، فأخطأوا بذلك في تأويل الآية وجه الحق . ولا يخفى أن استحلال ما حرم الله رد على الله عز وجل ، وهو شرك محض لا يرتاب فيه من له تمييز بين الحق والباطل . (1/6)
صفحة 7
ولما كان ما كان من تأويلهم هذا ، ومشوا به في الأمة مشية اشمأزت منها المسلمون ، أنكرها عليهم أهل الحق ، فزادوا في عنادهم ، وتمردهم في منهجهم . ولم يقتصروا بذلك بل تجاوزوه إلى الفعل ، فعلموا بمقتضى تأويلهم ، وعمموا تشريك مرتكبي . فحلت لهم دماء أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، ورأوا أنها تقربهم من الله زلفى ، فاستحلوا الأموال غنيمة سائغة فقتلوا من تمكنوا من قتله ممن لا يقول بقولهم هذا ، وسبوا من شاءوا بذلك ، والواضح ـنهم على الباطل الذي لا مرية فيه . ولذلك قال فيهم أئمة المسلمين كالربيع بن حبيب ، صاحب الصحيح ، وأبي عبيدة بن أبي كريمة ، وضمام بن السائب ، وأمثالهم ، نرى ما داموا على قولهم فخطأهم محمول عليه ، فإذا تجاوزوه إلى الفعل حكمنا بكفرهم . أي يصح تركهم وتأويلهم ما لم يفعلوا بمقتضاه ، فإذا فعلوا فلا يسع إلا تكفيرهم والقيام في وجوههم لرد ضلالتهم وبدعتهم ، وزجرهم وقتلهم حتى يرجعوا إلى الحق . فإن المسلمين كلهم لم يقولوا بذلك أبداً ، وبذلك طردهم المسلمون من مجالسهم وأقصوهم منهم معلنين منهم لبراءة مباعدين لهم . وبذلك أيضاً أعلنوا كفرهم لأن من أحل ما حرم الله ، أو حرم ما أحل الله ، فلا شك في كفره بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة .
ولما عظم خطب الخوارج ، وتكاتف فلهم ، أثار الله لهم القائد الكبير المهلب بن أبي صفرة سارف بن ظالم بن صبح بن كندة بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عامر ماء السماء الأزدي العماني المشهور ، فأضرم بينهم نيران الحرب والدهاء ، حتى دقهم دق العصف وأبادهم حتى عرفت البصرة به فقالوا : ( بصرة المهلب ) (1/7)
صفحة 8
وكان الخوارج من جملة منكري التحكيم وكان الإباضية أيضاً كذلك أدمجوهم في عداد الخوارج ليشوهوا بذلك سمعة الإباضية ظلما وعدواناً . وحسداً منهم للإباضية أرادوا أن يلطخوا بذلك طهارتهم من الأسواء حتى يرتفع لهم صوت في عالم الأمم الإسلامية ، ولم يقوم لهم بناء ديني مهما كان يقوم على منهاج الخلفاء الراشدين ن ويعرف بين الأمم بالعدالة المحضة فتؤيده رجال الحق رغم العراقيل .
وقد اعتد الإباضية على الصحيح الصريح من الأوامر الشرعية واتباع سنن الخليفتين الرضيين المرضيين أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
وعلى كل حال فإن الفئة الباغية هي التي قتلت عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وأن المبغي عليها هي الأخرى ، ولا بد من هذا إلا عند من غالط نفسه وتعصب للهوى .
ومما روجوا به بضاعة الطعن ما قالوه أن وقعة النهروان بين علي والإباضية ، وأنهم خرجوا عن الإمام العدل علي بن أبي طالب ، وشقوا عصا الإختلاف ، وطولوا به مسافة الإفتراق ، وأن الإمام العالم العظيم – وصي النبوة على الإسلام – قتلهم . والواقع أن أهل النهروان رأوا إمامهم ألقى عن كاهله عبء الإمامة حين حكم فيها الرجال ، وقد خرج من عهدتها وتنازل عنها تاركاً لها . فانحازوا لينظروا الأمر السديد لهم وللمسلمين . فبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي على ما بويع عليه الأئمة من قبله ، ورأوا أنهم الحجة في ذلك العهد وأن لهم الحق في ذلك ، فدخل أهل الأهواء على الإمام علي بن أبي طالب قائلين له بقصد الإغراء إن هؤلاء من جملة شغبهم ذهبوا بالإمامة عن القرشية أصلا ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : ( الأئمة من قريش ) . وأن فعل النهروان هذا دليل على عدم استقامتهم ، وأضافوا إلى ذلك ما أضافوا من قتل المرأة الحامل وزوجها ، وما هنالك من أفعال تقشعر منها الجلود ، والقصد من ذلك إذلال الحق وتأييد الباطل ، والذين يرون أن لا مقام لهم إلا معه . (1/8)
صفحة 9
وأهل الحق وأهل الباطل ضدان فكان بذلك ما كان والأمر لله .
فالإباضية لم يشاركوا في سفك قطرة دم من دماء المسلمين ، وقد علم أن تلك الفتن كلها لم يعرف للإباضية فيها ناقة ولا جمل . فإضافة الإباضية إلى الخوارج إضافة طعن وقدح ، ولا يخفى ذلك على من له أدنى فهم ، وللناس أهواء تحملهم على دس الدسائس وضم الكيد إلى جانب من يحاولون فيه ما تقتضيه الأغراض الإنسانية .
---
ما هي أسس الحكم عند الإباضية ؟
أسس الحكم عند الإباضية الكتاب والسنة والإجماع . وعلى هذه الثلاثة المعتمد ، فحلالها حلال ، وحرامها حرام لا هوادة في ذلك ولا اختيار لأحد بعد ما جاء في هذه الأصول الثلاثة ، ثم القياس ، ثم الاستدلال .
ومن القدح الكبير في الإباضية قولهم أن الإباضية لا يقولون بالإجماع ، وأنت خبير أن الإجماع أحد الأصول الثلاثة ، فكيف لا يقول به الإباضية ؟!
وهذا أمر قد تداوله مؤرخوهم وكاتبوهم ونشروه في صحائفهم ، وقد علم القصد منه والإباضية منه في معزل ، فهو افتراء عليهم والله على لسان كل ناطق .
---
ما يقول الإباضية في صفات الله عز وجل ؟
الإباضية يصفون الله عز وجل بالصفات التي لا بد منها ولا محال عنها . فتراهم يصفونه بمقتضى قوله عز وجل : ( ليس كمثله شيء )(الشورى:11) فقطعت هذه الجوهرة الباهرة كل ما لا يليق بالجلال الإلهي ولا يتفق مع الكمال الرباني ، ولا يرضى به الجمال المقدس الواجب الوجود . ومن يفهم هذه الآية حق الفهم اهتدى بها في ليالي الجهل المظلمة ، واسترشد بها في المواقف التي يحتار فيها المتخبطون في دياجير الأهواء . لا وصف يليق بجلال الله العظيم إلا هو داخل تحت حيطة هذه الآية ، ولا نعت يأباه الكمال الأعلى إلا تفته عنه . وكل الآيات التي تصف جلال الله عز وعلا تعتبر عن معنى هذه الآية الفذة . (1/9)
صفحة 10
وللإباضية حسب مقتضاها المنهج المتبع ، والمرتبع المقصود ، فهي العمود الذي احتمل عليه من أوصاف الله وأكملها وأوفاها ، حتى الرؤية التي يقول بها القائلون ، فإن الآية دالة على نفيها . فإن الرؤية لو ثبتت لجلال الله عز وجل لكان خارقاً ذلك عموم هذه الآية الزاهرة والحكمة الباهرة ، فإن المرئي لا بد وأن يكون كشيء من الأشياء التي نفاها الله تعالى عنه فهو يقول : (ليس كمثله شيء ) والمرئي لا بد له أن يكون مثل شيء قطعاً وفي شيء كذلك ومع شيء أيضاً . وكذلك الشفاعة لأهل المعاصي لا تصح بعدما صاروا أعداء لله فلا يكون فيهم مرضى ، فلأن الآخرة دار جزاء ولا دار عمل ، وقد ثبت عقلا أن الشفاعة للعاصي رضاء بعصيانه وإغضاءً عن بطلان وقبول لعدوانه .
وكذلك القول بخروج العصاة من النار بعد ما صاروا أعداء الله عز وجل فأوجب لهم النار وأدخلهم فيها ، وقد حكم بين العباد وقرر من أول الأمر أن عاصيه يصير إلى النار رغم أنفه بعد ما هدم حمى الله تعالى وعاث فساداً في أرضه . فلو أخرجه من النار كما يقولون مجازياً على قدر عصيانه كما يزعمون قياساً منهم للغائب بالشاهد ، لكان هذا خارقاً لقاعدة تلك الآية الكريمة ، والدرة اليتيمة المعبرة بمنطوقها ومفهومها على رد ذلك كله من أن النصوص النقلية مصرحة بعدم الخروج من النار . وكذلك السمع والبصر واليد والساق والجنب والحفظ وما أشبهها من الدفاع عن المؤمنين والمناصرة لهم وموالاتهم ومعاداة الكافرين ومباينتهم . ورفع الأعمال إليه وصعود الطيب إلى حضرته العليا ، والقرب والدنو منه ، والأخذ بحبله ، وما دل على اليمين ، وكلتا يديه بيمين ونحو ذلك من غيرته على أوليائه وحبه لأصفيائه وبغضه لأعدائه إلى غير ذلك من سائر الأحوال والاعتبارات ، فكل ما أوهم التشبيه فمردود إلى المحكم بنص الكتاب .
---
ما هي أعمالهم في الأمور العملية ؟ (1/10)
صفحة 11
أعمال الإباضية في الأمور العملية أعمال الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفارقوها قيد شعرة . وأعمال الإمامين الراشدين بعده أبي بكر وعمر ، فما كان لهما فتراه للإباضية ، وما مشيا عليه مشى عليه الإباضية أيضاً في كل لحظة وهكذا . ولا يرون القرشية في الإمامة شرطاً لأن ذلك يخالف المعقول . ولم يجعل الله النبوة في قوم خاصين فكيف يجعل الإمامة كذلك مع أن القرآن لا يدل على ذلك بل يدل على ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )( الحجرات:13) ، وأن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى وإن كان عبداً مجدع الأطراف . ولا ينال عهد الله الظالمين في أمثالهم . ولم يثبت الأنصار القرشية في الإمامة وهم من أعلم علماء الصحابة ، ولو أثبتوها لما طالبوا في الإمامة ولرد عليهم المهاجرون بها ، وإنما رغبة الإباضية العدل في الأمة وإقامة شعائر الله عز وجل على السنن الأولى . فلهذا تعاديهم الدنيا بأسرها على ذلك لأن أنصار الباطل غالب الأمم وأتباع الحق هم الأقلون في كل وقت حتى في زمن النبيين عليهم الصلاة والسلام .
ومن الجرائم التي يعدها الإباضية على مخالفيهم تسميتهم إياهم خوارج غمزاً لهم وطعناً في الدين . وحسبك على نزاهتهم دليل حبهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكف ألسنتهم عن عثمان وعلي لما ألما به من الفتن وتقلب الأحوال ، وقبولهم لعمر بن عبد العزيز الأموي وتركهم ما سواه من بني أمية ، وإعراضهم عن بني العباس معاً . فلولا نزاهة الإباضية لجروا مع هؤلاء كما جرى معهم غيرهم من الناس ونادوهم بأمير المؤمنين بدلاً من ندائهم بأمير الفاسقين . (1/11)
صفحة 12
ومن نزاهة الإباضية نقاشهم لعمر بن عبد العزيز المذكور في إبطال أعمال بني أمية ، وتشددهم عليه ، وكان ولده معهم ، ولما مات تولوا جهازه ودفنه والصلاة عليه إذ كان معهم وعلى طريقتهم ، وهو الذي يقول لأبيه المذكور حين اقترح عليه الوفد قيام الواجب على رد بدع بني أمية واحداثهم قال : علي أن أحي كل يوم سنة ، وأميت كل يوم بدعة . فقال له الوفد : الإمام العدل لا تسعه التقية ، ففارقوه ثم وعدهم أن ينادي في الناس غداً عند اجتماعهم للصلاة ، فقال له ابنه عبد الملك المذكور : ومن لك أن تعيش إلى الغد ....إلخ ؟!
وأكبر دليل على نزاهة الإباضية معاملتهم لأعدائهم في الحرب حين تكون لهم السلطة فلا تراهم ينأون عن أوامر الكتاب والسنة قيد شعرة . حتى في مثل تلك الأزمات فلا يغنمون أموال أهل القبلة ، ولا يجهزون على جريح ، ولا يتبعون مدبراً ،ولا يمثلون بقتيل مهما كان .
واقرأ التاريخ عنهم سواء كان عنهم أو عن غيرهم . أنظر في تاريخ المغرب وحروبه ، وفي تاريخ عمان وحضرموت واليمن ترى الحق ناصعاً والحمد لله .
وكما أن الإباضية يجيزون مناكحة مخالفينا من بقية مذاهب الإسلام وتجيز موارثتهم ، خلافاً للخوارج فإنهم لا يجيزون شيئاً من ذلك لأن مخالفيهم عندهم مشركون كسائر اليهود والنصارى .
فانظر الحقائق بعين العقل تدرك الفارق بين الحق والباطل وتعلم نهج الإباضية من بين سائر الأمم .
ولقد أساء مخالفونا معاملتنا ، والحال أنا نحسن معاملتهم كل الإحسان ولقد حاولوا إلصاق الاتهامات السيئة بالإباضية من كل ناحية غير مراقبين أوامر الله عز وجل في كتابه . فكم من أية تمنع مثل هذه الأحوال إجمالاً وتفصيلً !! وكم من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من ذلك زواجر ونصائح ومواعظ !! ولكن القول كما قيل : لمن تقرأ زبورك يا داود ؟ (1/12)
صفحة 13
ونحن حين نكتب مثل هذا أو نقول في المحاضرات غير مهتمين ولا مكترثين من مخالفينا ، ولكن المسلم يعوا إلى الله ، وإلى كتابه ، وإلى رسوله ، وإلى أصحابه ، وإلى أتباع الحق والنصح ، واجب مفروض لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم آسفين على هذه الأحوال تصدر في غير مصدرها .
---
هل للإباضية في خدمة الإسلام العامة نصيب ؟
نعم للإباضية في خدمة الإسلام العامة النصيب الأوفر ، والحظ الأكبر ولهم السبق فيه . فلهم في الوجه العلمية الرعيل الأول لإمامهم جابر بن زيد الأزدي العماني ، الذي قل أن يخلو منه ديوان من دواوين الفقه إلا واسمه جمال ذلك الديوان .
ولقد علم أن أول من دون علم الحديث هذا الإمام العلامة المجيد . ذكر ديوانه العظيم بسبق مطاق ، ثم مشى تلاميذه من بعده على نهجه كالربيع ين حبيب صاحب المسند ، وأبي عبيدة مسلم ، وضمام بن السائب ، وغيرهم من حملة العلم إلى بلاد الإسلام .
ومؤلفات الإباضية في القديم لا مثيل لها ، ولقد خدم الإباضية الإسلام من جميع نواحيه باليد واللسان والسنان . وحسب المطلع على التاريخ العام في الإسلام ، فمتى جاءنا الشافعي فقال : أنا هلموا !! ومتى ظهر مالك بن أنس ونادى بأنه إمام دار الهجرة !! وإمامها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ومتى استجيب لأحمد بن حنبل وقد أضاء أفق الإسلام بنور الحق قبله !! وأين أبو حنيفة أيام كبكبة العلم في الصدر الأول ؟!
كما أن الإباضية رفعوا أعلام الإسلام في الآفاق شرقاً وغرباً . كذلك أقاموا دولاً ومعاهد عدل بأئمة فضلاء وملوك نبلاء يعرفهم التاريخ في أعظم بلاد الإسلام .
---
هل كتم مخالفو الإباضية شيئاً من مآثر الإباضية ؟
لا ريب أن مخالفي الإباضية استحكم في قلوبهم داء كتمان فضائل الإباضية . (1/13)
صفحة 14
فكتموا كل شيء من فضائل الإباضية فإذا ذكروا مشاهير الإسلام وأفاضله وجاء الذكر على من له علاقة بالإباضية ذكروه بما لم يذكروا به علماء اليهود والنصارى ، وإذا لم يكن بد من الذكر خلطوا بين الإباضية والخوارج ، ومزجوا الحق بالباطل ، وزيفوا الصحيح ، وجلبوا إلى الإباضية كل سيئ ، وأقل شيء ينسبون الإباضية إليه بأنهم غلاة مارقون والله على لسان كل قائل . والله عز وجل يقول : (( واعتصموا بحبل الله جميعاً .... ))الآية .
وهل في رجال الحق كأبي بلال المرداس بن حدير ، وطالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي في اليمن ، وعبد الله بن إباض التميمي الكريم الذي توفي إلى رحمة الله تعالى في أواخر أيام عبد الملك بن مروان .
---
الحكم في الخوارج في نظر الإباضية
اعلم أن الخوارج في حكم الإباضية مشركون . ذلك أن الذنب معهم قسمان صغير وكبير : فالصغير معفو باجتناب الكبير ، والكبير أيضاً قسمان : كبائر شرك ، وكبائر نفاق . فكبائر الشرك هي كل ما أخل بالاعتقاد كاستحلال ما حرم الله أو العكس ، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة ، أو إنكار حكم من أحكام الله عز وجل كإنكار الرجم وقد ثبت بإجماع الأمة في أمثالها . وكبائر النفاق وهي كبائر الكفر بنعم الله عز وجل وهي عديدة .
وأهل الحديث يطلقون عليها كفراً دون كفر ولا يعرف معنى ذلك إلا بتكلف التأويل ن وتارة يقولون : كفر لا تراد حقيقته .
ويقول آخرون إنه ورد للزجر والمبالغة والتنفير منه ، وهكذا لأنهم لم يقدروا على رد الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة بالإجماع ، ولم يفهموا من الكفر إلا الشرك . (1/14)
صفحة 15
وعليه فالخوارج معروفون بهذا المذهب مشركون وشركهم ظاهر مما تراه أيها المسلم . وقد تأول الخوارج قوله تعالى : (( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )) أي إن أطعتموهم في أكل الميتة هكذا تأولوا الآية وهو تأويل فاسد الاعتبار ، ظاهر الفساد ، لا غيم على فساده ن وبه ضلوا . وكان الصحيح معنى الآية إن أطعتموهم في استحلال الميتة ، وهذا شرك قطعاً .
---
ما هو الإيمان عند الإباضية ؟
الإيمان عند الإباضية قول وعمل واعتقاد . بالقول تعصم الدماء والأموال . وبالعمل يصح الإيمان العملي ز وبالاعتقاد يتحقق الإيمان الصادق وهو الذي يقول فيه الإباضية بأنه يزيد ولا ينقص بل إذا انهدم بعضه إنهدم كله للأدلة الصحيحة الصريحة التي لا يرتاب فيها أحد . أما الإيمان العملي هو الذي يزيد وينقص كما معلوم . فالإباضية موافقون على زيادته ونقصانه ، وقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر عروة الإيمان ، وابتناء الإسلام على قواعده الخمس صحيح عند الإباضية .
والولاية والبراءة بالمعنى المعروف لم يثبتا إلا عند الإباضية وهما محور الإيمان وبهما تقوم دعائمه . واعتقاد تصديق النبيين والمرسلين عند الإباضية فيما بقي وما نسخ . وثبوت الحشر والنشر والجزاء على ذلك صحيح أيضاً لا مرية فيه وليس لأحد أن يقول فيه برأيه ، والإيمان بالله وبأعماله وأوامره وصفاته كذلك . زمن أخل بشيء من صفات الله عز وجل الواجبة له ، والجائزة عليه ، والمستحيلة في حقه ، هالك لا ينفعه علمه مهما كان . وحديث من قال ك لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق – على فرض صحته – وإن زنى وإن سرق ثم تاب ، فالزنى والسرقة لا يمنعان من دخول الجنة للتائب ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وهو الصحيح على الأصول الصحيحة ، وكذلك عند من يقول معناه . (1/15)
صفحة 16
وإن زنى وإن سرق قبل الإسلام أو قبل البلوغ وتوجه التكليف ، فإن فضل الله على عبده المسلم عظيم . وعبر عن الزنى و السرقة ، لكون هذين الحالين عظيمين في الإسلام . فالأول قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه أرض غيره ) . ومفهومه من فعل ذلك سلب الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهو عظيم . وفي السرقة هتك حرمة المسلم ، وهضم النفوس ونهب الأموال ، وبث الروعة في القلوب وكل ذلك عظيم . فالأمران يقضيان على الحال والمال ولا ثالث لهما .
والإيمان في قلوب أهله أثبت من الجبال الرواسي على قرارها . ( فلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) إلخ . أي لا يبقى إيمان مع الزنى ، فإنه إذا أقدم على الزنى خلع رقبة الإيمان من عنقه فيزني وهو خارج حيطة الإيمان الصحيح ، إذ صار منتهكاً لحُرم الله عز وجل ، مرتكباً للخلاف مع ربه الذي يقول له لا تفعل . فهو لا يقف على حدود طاعة الله تعالى ، ومن كان كذلك فلا فرق بينه وبين الحيوان ، كما لا فرق بينه وبين الكفار ، الذين لا يعرفون حق الإله القادر القهار كما صح في الحديث السابق قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما من مفتاح إلا وله أسنان ) فغن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ، وأسنان المفتاح واجباته تعالى العلمية من نحو الصلاة والزكاة والصوم والحج وساير خصال الإسلام المتعلقة بفحوى لا إله إلا الله . فإن الله أوجب خصلا عديدة في الإسلام لا تغني عنها لا إله إلا الله وحدها ، ولولا ذلك لانهدت دعائم الإسلام من أساسها وانتقض بناؤه المكين من أصله . (1/16)
صفحة 17
وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( يخرج من النار من كان في قله مثقال ذرة من إيمان ) . فمعناه واضح عند من يفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم . فإن الإيمان لا يوزن بالمثاقيل ولا غيرها لأن الإيمان عرض لا يتصور وزنه خصوصاً الإيمان الإعتقادي ، فإنه معان تقع في القلب . ومعنى يخرج من النار ، أي لا يدخلها أبداً ، والمعنى يخرج من حكم دخولها ، لا أنه يدخلها ثم يخرج منها كما هو المتبادر فمن شك فليقرأ قوله عز وجل : (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة )) وقوله : (( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره )) .
فالمراد بذلك عن أحقر الأشياء في الاعتبار ، لأنه ليس للذرة مثقال ، فافهم!
قوله عليه الصلاة والسلام : ( من مات من أمتك لا يشرك بالله ....) الحديث . وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ثنتان موجبتان : من مات يشرك بالله دخل النار ، ومن مات لا يشرك دخل الجنة ) غير بعيد المعنى فإن الشرك بالله لا ينفع معه عمل ما ، وإن من خلى منه فقد خلى من أعظم الذنوب كلها . فإذا مات غير مقترف لإثم دخل الجنة ، لا لأنه يعني أنه من مات لا يشرك بالله فقط مع باقي المعاصي ، فإن المعاصي تدخل أهلها النار إذا لم يتوبوا منها قطعاً .
وداخل النار لا ينفعه الإيمان القولي مع رفضه لخصال الإيمان ، وهي الأعمال كما في حديث ( الإيمان سبعون شعبة ..) الحديث . وحديث : ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) معناه واضح هو أن من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه معناه : إذا كان ذلك القول عن إخلاص فلا يقترف معه مأثماً بأن يوفق للعمل الصالح ، أو أنه قال ذلك فهلك قبل توجه الأعمال إليه ثم مات ، أو أنه قال ذلك مخلصاً فإذا أذنب من حيث لا يدري ثم بان له تداركه بالتنصل والتباعد عنه . (1/17)
صفحة 18
وحديث الصراط المستقيم . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( تركنا محمد في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ، وثم رجال يدعون من مر بهم ، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار . ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة . ثم قرأ ابن مسعود : (( وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )) الآية . والمعنى واضح لمن له عقل ، أو ألقى السمع وهو شهيد .
والمراد بالجواد الطرق المتعددة المتشعبة بأهلها إلى مختلف المقاصد فمن أخذ في تلك الطرق ذهبت به إلى النواحي النائية عن الحق ، والصراط المستقيم بين واضح يسلكه من وفقه إلى الخير فلا يضل عنه قيد شعرة .
وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجال الذين يدعون إلى تلك الجواد من أطاعهم ليضلوهم بها سلوكهم ، فمن أطاعهم تاه في فيافي تلك الجواد الموحشة النائية : جواد اليهود والنصارى وأتباعهم ، جواد أهل المعاصي من مطلق الأمم على اختلاف أحوالهم ، جواد أهل المذاهب المتعددة ، جواد الضلال من القدرية والمرجئة ونحوهم ، جواد الظلمة والفساق من هذه الأمة ومن سائر الأمم . (1/18)
صفحة 19
والإيمان هو عزيمة القلب بوجود الله عز وعلا وجوداً لم يسبق بشيء ، وببقائه إلى غير غاية ، وبإيجاده الأشياء لا لحاجة إليها ، ولا علة ولا معول ، وبأنه المعبود بحق دون ما سواه ، وبأنه المستحق للعبادة دون غيره ، وأنه غير محتاج إليها ولا لشيء من مخلوقاته ، وأنه مجاز كل أحد بعمله ، وأن أعماله لا عيب فيها ولا نقد ولا نظر ، ,انه لا يسأل عما يعمل ، وأن الخلق هم المسؤولون من قبله لكونه الآمر الحقيقي والناهي عما يشاء ، وأن إرادته ومشيئته ليستا كإرادة غيره ومشيئته . وأنه أوجد عالم الحياة وسيفنيه ويوجد عالماً آخر يبقيه ، ولا غرض له في ذلك مهما كان ، ولا عبث في إيجاد ما أوجد ، أو إفناء ما أفنى ، بل يجب إعتقاد أن ذلك كله لحكمة منه تعالى علمها من علمها وجهلها من جهلها من عباده . وأنه الفعال لما يريد ن وأن لا قبح في مصنوعاته ، ولا شين في مخلوقاته ، ولا فساد في أعماله . غير مستعين بخلقه ولا محتاج إليهم في شيء ما من مخترعاته . قوي أمد من خلقه بما شاء من قوته ، فالقوى كلها منه وكلها إليه ترجع راغمة . وهو الباسط لما شاء من سعة لأي جنس من خلقه ، وهو القابض لها رغم أنفها ، وهو العالم بكل شيء علماً أزلياً باقياً أبدياً لا يتطرق عليه جهل ، ولا يلم به خلل ما ، وخلاصة القول أن ذاته العلية كافية لانكشاف المعلومات لها ، والمبصرات ونحوها وكافية لرجوع الكائنات كلها إليها رجوعا ًصحيحاً رغم الإرادات المنافية . فالذات العلية هي قطب دائرة الكون بأسره ، منها يتبلج وعنها ينفرج وإليها .... ، وبها تعزز ، فلا شيء من هذا الكون إلا ما قضى وقدر ، ولا يمكن إلا ذلك ، وليس للطبيعة من هي وأين يقع زمن أي شيء كانت ، والطوارئ تتلاعب بها . (1/19)
صفحة 20
وكيف يكون سلطان يوجد ويعدم ن ويفعل ويمنع ؟ لهذا فإن الشرك أخفى من دبيب النمل على الصخر الصم في الليل المظلم . نعوذ بالله من الوقوع في شباكه ونسأله تعالى الهداية لبلاياه وآفاته . فإن من حاد عما دررنا ضل في دينه وهلك بضلاله رغم أنفه .
وعنه صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) فتراه اشترط مع الإيمان القولي الإستقامة وهي اسم جامع عظيم أمور الدين وأعظمها . ولا ريب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم بإجماع الأمة ، وهذا الحديث هو معنى قوله عز وحل : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .... ) أي نطقوا بذلك ، ثم استقاموا في أمور الدين التي نثرها لهم رسول صلى الله عليه وسلم نثار الجوهرة ، وعرفهم إياها إجمالاً وتفصيلاً ، وأمرهم بها ، وأيدهم على الإستقامة ن ووعدهم عليها بالخير العميم الذي تسعد به عاقتهم ، وتنصلح به آخرتهم .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) الحديث . وفي آخره ( الحياة شعبة من شعب الإيمان ) وفي الحديث ( .... فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) .
فالحديث جامع للإيمان الإعتقادي والإيمان العملي ، وبيان أعلاه وأدناه . ومن أعلن الإيمان وتظاهر بأعماله حرم ماله ودمه ، ومُنح أحكام الإسلام في الظاهر ، ولو أضمر النفاق فلنا ما ظهر ولله ما ظهر وما بطن .
---
ما شأن مذهب الإباضية بين المذاهب الأخرى ؟
مذهب الإباضية بالنسبة إلى المذاهب الإسلامية الأخرى خيرها . أقول هذا فيه وما سوف أقول فوق ما قلت – لا لأنه مذهبي فأتعصب له تعصباً مذهبياً كما يقولون – ولكن أقول ذلك للحق ، والحق يقال . ولذلك أدلة ، من ذلك نزاهته عن كل ما يخل بالاعتقاد ، أو ينقص من الأعمال ، أو يتساهل في الأقوال ، كما أنه لا يوافق أهوية الضلال . (1/20)
صفحة 21
من نزاهته في الصفات تأويله الألفاظ التي تدل بظاهرها على المعاني المخلوقية كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعين والحفظ والوجه واليد ونحوها ، فلا يقبل الإباضية معاني هذه العبارات بحسب ظاهرها ، بل يؤولونها بمعان تليق بالكمال الأعلى جل وعز . ومن ذلك أقوالهم في التوحيد الإلهي الذي عرفه الصحابة رضوان الله عليهم . فكل ما أخل بشيء من ذلك لم تره في مذهب الإباضية حتى بألفاظ السؤال عن المعاني الوضعية . ترى الإباضية يمنعون عن السؤال بها عن الله وعن صفاته . فلا يسأل عنه معهم بكيف هو ؟ لأن هذا السؤال دال بأصل وضعه على نقض ،إذ الكيفية في حق الله عز وجل مستحيلة فلا يقال كيف هو ؟ إذ لا كيفية له عز وعلا ، لا يسأل عنه ، أو عن شيء من أفعاله بلِم ؟ ( بكسر اللام ) لأنه سؤال عن علة ، ولا علة له تعالى . ولا بمن أين ؟ ( بكسر الميم ) ، ولا بهل ؟ ( بفتح الهاء ) ولا بمن ؟ ( بفتح الميم ) ، ولا بأي ؟ ( وحدها ) ولا بمَتَى ؟ ( بفتح الميم والتاء ) ، وأمثالها .
فإذا كان السؤال عن الله عز وعلا بهذه الألفاظ ممتنعاً في اعتبار الإباضية ، فما ظنك بألفاظ ظاهرها دال على التجسيم والتحديد والنقص . ولذلك قالوا أيضاً بعدم الرؤية وعدم جوازها لأنها دالة على نقص في الذات العلية ، وقادحة في الكمال الرباني العظيم . (1/21)
صفحة 22
وقد قام المذهب الإباضية على أعمدة الحق ودعائم الاصطفاء المحض ، ولم يرض ما رضي به غيره من المذاهب التي تقول للسفاح أمير المؤمنين ، وعبد الملك بن مروان ، وهارون الرشيد ، وأضرابهم . فيقولون رضي الله عنهم ، وعن معاوية ، وعمرو بن العاص ، ومن هو مثلهم ، إذ تلاعبوا بأوامر ربهم ، وهجموا على قواعد الإسلام بمعول البغي والهوى ، وركبوا متون الشهوات السيئة ، وقاتلوا بعضهم بعضا على الدنيا ، ولم يراعوا حق الله فيما يأتون ويذرون ، بل يراعون مقاماتهم وحظوظهم العاجلة ورئاستهم في الدنيا . وقد سجل التاريخ عنهم من الخلاعات والمجون ما لا يرضى به أوغاد الناس وغوغاؤهم ، ومن ارتكاب الكبائر أنواعاً من سفك دم بباطل ونحوه .
---
هل يجيز الإباضية الصلاة خلف أئمة غيرهم من المذاهب ؟
أما بالنظر إلى المعتقدات الفاسدة التي يعتقدها بعض أهل المذاهب في الدين ، فلا لأن من فسد أصله لا يصح فرعه ، وأما بالنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام : ( صلوا خلف كل بار وفاجر وصلوا على كل بار وفاجر ) ز فلا مانع من الصلاة خل من لا يفعل ما يفسدها . وان كانت تشير إلى ما يفعله قومنا في الصلاة من نحو التأمين بعد قراءة الفاتحة ، ونحو رفع الأيدي عند التكبير ، ووضع إحداهما على الأخرى في حال القيام في الصلاة ونحو ذلك فهذا من المختلف فيه عند أهل المذهب الحق . منهم من يراه مفسداً للصلاة لأنه زيادة عمل فيها لم يكن منها ولم يفعل لصلاحها ، وعليه لا صلاة لفاعل ذلك . (1/22)
صفحة 23
ومنهم من يراه ناقض لها ، لأنه ورد عن الشارع عليه الصلاة والسلام ، وعليه فلا بأس بالصلاة خلف من يفعل ذلك لا سيما أن الخلاف بين أهل العلم ثابت في هل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام أم لا ، نظراً لقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) الحديث . ونرى الصلاة خلف أئمة قومنا أولى من فعلها فرادى . والمسلم أخو المسلم ، ومن ضل بالتأويل هو في نفسه مجتهد وإن كان ليس كل مجتهد مصيباً بل غالب أحوال الاجتهاد على هذا . وإن كان لا اجتهاد في الأمور الدينية ، لكن الخطأ ينشأ من المفهوم فيتعلق به الناظر فيه يثبت في نفسه ما ينافيه غيره ، وهذا في كل المجمل سواء كان قرآناً أو سنة أو نحو ذلك .
---
هل هناك فرق بين الإباضية وغيرهم في المواريث ونحوها ؟
لا فرق بين الإباضية وغيرهم في المواريث المنصوص عليها في الكتاب العزيز والسنة الغراء فيما نعلمه إلا ما قيل فيه مما لم يبلغ حد الشهرة كخلافهم في الجد مع الأخوة ، وكخلافهم في ميراث ذوي الأرحام ، وميراث المولى للمعتق ( بفتح التاء المثناة من فوق ) أما ما عدا ذلك فالمسلمون فيه سواء(1) ز وخلاف الشيعة لا يعتد به إذ لم يوافقهم عليه أحد من أهل مذاهب الإسلام .
وكذلك لا فرق أيضاً في الزكاة إلا فروقاً لا تقدح في الدين . إذ منشأها اختلاف في المفهوم لا غيرها .
وكذلك أعمال الحج إلا ما كان من بعض الناس الذين لا يثبتون الزيارة أصلاً ، وليست قادحة في الدين لأنها سنة عند المسلمين ثبتت بالدليل الصحيح لمن أنكرها .
وكذلك الشفاعة بالمخلوق الذي له عند الله مقام لا مانع منها ن وهل محمد عليه الصلاة والسلام إلا مخلوق كانت له عند الله منزلة دل عليها :
( فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ) الآية ، ( يا أبانا استغفر لنا ) استغفر لهم ، فالغافر الحقيقي هو الله عز وجل وعلا ، والمالك للأمر وحده لا شريك له . (1/23)
صفحة 24
وكذلك زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثبتت كما قلنا ، وهي ليست خصوصية له عليه الصلاة والسلام لا على الوجوب . وكذلك زيارة غيرهم من إخوانهم المؤمنين من كانوا وأين كانوا .
_____________________________
(1) يشير الأستاذ أبو زهرة العالم المصري السني إلى أن القوانين المصرية اقتبست في المواريث بعض آراء الإباضية فيقول : " وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم ، وذلك في الميراث بولاء العتاقة ، فإن القانون المصري أخره عن كل الورثة حتى عن الرد على أحد الزوجين ، مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عق العصبة النسبية ، ويسبق الرد على أصحاب الفروض الأقارب . انظر : محمد أجمد أبو زهرة / المذاهب الإسلامية ص 127 .
---
هل الجهاد عند الإباضية وغيرهم على حد سواء ؟
أما الجهاد لأهل الشرك فلا خلاف فيه بين ملل الإسلام لأن الناس إما مسلم وإما كافر لا ثالث لهما . وإن كان الكفر في نفسه فيه بين بالملل الإسلامية ما فيه . فإن الحق لا مرية فيه أن الإباضية يجيزون الخروج على أئمة الجور وقتال الفساق كما شرع الله ذلك .
وأما غيرهم من الفرق الإسلامية فلا يرون ذلك لأن من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ( وإن وإن ) . (1/24)
صفحة 25
فلا ريب أن أهل الجنة لا يجوز قتلهم ولا قتالهم لأن المسلم أخو المسلم لا يخذله ( ولا ولا ولا ) . وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، وبهذا انتهت القضية معهم ، وتبعثر أساس الدين وانتقض بناؤه وانهدت أركانه . فإن الفاسق مسلم ، والباغي كذلك ، والسارق ، والزاني ، وشارب الخمر ، كلهم من أهل الإسلام ز وقد شرع الله فيهم وفي أمثالهم أحكاماً لا تزال قائمة العين باقية الأثر ، تتلى في كتاب الله عز وجل ، وما زال المسلمون عاملين بها في من بعد أو قرب . والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عن الزهراء البتول وصانها ، ولا زال قتال الباغي في الإسلام من الفروض الواجبة على أولي الأمر ، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .
وما زال الحكم في قطاع الطرق والمفسدين في الأرض باقياً بقاء دليله القرآني ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ) الآية .
ولا بد للإسلام من قائم بأمره ، منفذ لأحكامه ، محارب لأعدائه ، مؤيد لأوامره ، قائم بحقوقه ن مستقيم في دينه ، مرتضي في أعماله ، ولي في الدين ، رحيم بالمؤمنين ، تقي ، أمين ، يوالي في الله ، ويعادي فيه ، لا تأخذه في الله لومة لائم . إن أمكن هذا فهو عين المراد ، وإلا فحسب الإمكان ، فإن ترك الناس أوامر الله هلكوا .
---
متى استقل الإباضيون بأمرهم في الإسلام ؟
الإباضيون مستقلون بأمرهم من أول الإسلام إلى آخر أيامهم . وذلك أن الإباضية هم أهل الحق من أول الأمر قبل ابن إباض وبعده ، لأن الإمام ابن إباض ما كان إلا رجلاً واحداً من المسلمين ، لم يكن صاحب مذهب خاص به دون غيره من المسلمين فيكون متبوعاً عليه ومقلداً فيه فيظهر بظهوره ، فيكون قبل ظهوره في حكم المعدوم إلى أن وجد في وقته . فالإباضية تسمية اصطلاحية في عرف الأمم المتمذهبة في الإسلام . (1/25)
صفحة 26
وقد انفصل الإباضية في أول القرن الثاني من الهجرة فبايعوا أبا الخطاب المعافري إماماً لهم بالمغرب ، وبايعوا أحمد بن سليمان إماماً لهم باليمن ، وبايعوا الجلندى بن مسعود إماماً لهم بعمان في سنة واحدة وهي سنة ثلاثين ومائة ، أو سنة اثنين وثلاثين ومائة ، أو سنة ثلاث وثلاثين ومائة وهو الصحيح ، فكانت هي سنة الإمامة في هذه الأقاليم الإسلامية الثلاثة .
وأقاموا لهم دولا لها شأنها ، وحكومات لها مقامها ، وإن طاردتهم عليها الملوك من بقية الأمم الأخرى . فهذا أول العهد الذي انحازت فيه الإباضية بدولها وملوكها عن بقية الأمم الإسلامية حين ركنوا على الهوى وعطلوا نهج العدل ، وأقاموا على متن البغي ، وصار الأمر ملكاً عضوضاً كما أخبر عنه صلى لله عليه وسلم .
---
كيف سيرة الإباضية في الإسلام ؟
سيرة الإباضية سيرة الخلفاء الراشدين في الإسلام . ولا دليل أدل على ذلك من كون الإمامة هي المرجع العام في المسلمين ، ولا فرق معها بين صغير وكبير ، وغني وفقير ، ورئيس ومرءوس كما كان ذلك الحال عهد الخلفاء الراشدين . وهذا أصدق شاهد في الإسلام يدل بطبعه وبوضعه على صدق الإباضية في الحق حيث لم يروا للملك العضوض حقاً ( ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) . (1/26)
صفحة 27
وليست القرشية عند الإباضية شرطاً في الزعامة العامة نظراً لقوله تعالى : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، لا كما يزعمون . فإن أنشودة الحق ذلك : لا نسب ولا حسب مع الباطل ، ولا ينفع مع الجور النسب ، ولا يضر مع الحق عدمه . ولو أن الصحابة بايعوا هاشمياً من أول الأمر وثانيه وثالثه لقالت الأمة بعد ذلك : لا إمام إلا هاشمي قطعاً . وأنت خبير أن الحق لم يجعله الله هاشمياً ولا قرشياً ، وإنما جعله ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها . ولم يول رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمم قرشياً قط ، وهذه الولايات والإمارات فرع عن الإمامة العظمى التي هي الإمامة . فما جاز فيها جاز فرعها ، وما امتنع فيها تفرع عنها قطعاً . ولا يوجد الانتخاب للصالح في الأمة بعد نبيها وبعد الخليفتين الراشدين إلا في الإباضية .
---
على أي وضع تجري الأحكام عند الإباضية ؟
الأحكام عند الإباضية تجري على قانون الكتاب والسنة والإجماع ، ثم القياس والاستدلال والاستحسان(1) والاستصحاب(2) .
ويتساوى فيها الرئيس والمرءوس ن والدني والشريف في المجالس والمنطق والقرشي والعجمي ، والقريب والبعيد ، والبغيض والحبيب . هذا فيما كان من الحقوق الإنسانية مطلقاً ، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر .
ولا يحكمون بيمين وشاهد ، ولا يقبلون في الشهادة غير العدل المرضي البر التقي الذي لا يرتابون في عدالته ، ولا يشكون في ثقته ، ولا يتحرجون من قبله في شيء ما ، تبعا للقرآن إذ قال : (( ممن ترضون من الشهداء )) بعد ما قال : (( ذوى عدل منكم )) .
______________________________
(
1) الاستحسان : ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس . ويرد الاستحسان كثيراً في كلام الفقهاء الحنفية وجعلوه دليلاً شرعياً يعرض دليلاً مثله ويرجح عليه . وخالفهم الإمام الشافعي وعدد من الأصوليين ، وعلماء الكلام وعدوا الاستحسان من الأدلة التي لا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام . (1/27)
صفحة 28
(2) الاستصحاب : يراد به في علم الأصول ثلاثة معان :
الأول : استصحاب حكم العقل بالبراءة الأصلية قبل الشرع ( كأن يكون العمل مباح قبل الشرع والعقل يؤيده ) .
الثاني : استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخه .
الثالث : استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان العقد الذي يوجبه فإن هذا حكم شرعي دل الشرع على ثبوته .
والاستصحاب ليس بحجة في الشرع إلا فيما دل دليل على ثبوته ودوامه .
---
من هم أشهر علماء الإباضية في المشرق ؟
اعلم أن مشاهير علماء الإباضية في المشرق لا يمكن حصرهم ، ولا يستطاع ذكرهم وبالأخص مشاهيرهم ، وبالأخص أيضاً في عمان فضلاً عن غيرها . ولكنا سنذكر أشهر مشاهيرهم ، وأظهر علمائهم الذين هم الحجة بين المسلمين وعليهم المعول في الدين . أولهم وهو أشهر مشاهيرهم أبو الشعثاء جابر بن زيد اليحمدي الأزدي من أهل ( فرق ) من عمان وشهرته عند الموافق والمخالف أشهر من نار على علم ، وقل أن يخلوا ديوان من دواوين العلم الشهيرة في الإسلام من اسمه ومن أقوال خاصة به . وناهيك بثناء ابن عباس رضي الله عنهما عليه بين رجال العلم .
ومن أشهر مشاهيرهم ضمام بن السائب رحمه الله الندبي العماني من شمس الأزد بعمان ، علامة جليل ، وفقيه نبيل ، أحد رواة الحديث عن الإمام أبي الشعثاء رحمهما الله تعالى .
ومنهم ، وهو من أشهرهم ، الإمام العالم الماهر التقي الرضي الراوية المتقن أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي ، أصله من ودام من الباطنة .
كان أحد الأئمة الأعلام الذين حفظ الله بهم قسماً مهماً من تراث الرسول عليه الصلاة والسلام . فهو صاحب المسند الصحيح الذي صار قذًى في أعين بعض أهل العلم من الناس . (1/28)
صفحة 29
ومن أشهر مشاهير علمائهم الإمام الضرير القدوة النحرير آية العلماء الأعلام ، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصري ، الراوية الشهير مصدر رواية الربيع بن حبيب رحمها الله . وناهيك به في علم الشريعة ورواية الحديث ، وله قوة الذاكرة التي هي من أكبر منن الله على عباده الذين اصطفى .
ومن أشعر مشاهيرهم أبو عبيدة الثاني عبد الله بن القاسم أو ابن أبو القاسم المعروف بأبي عبيدة الصغير ، من قرية بسيا من عمان .
ومن أشهر مشاهيرهم أبو الحر علي بن الحصين العنبري ، علامة نحرير ، محقق فاضل كامل ، سيد سند رحمه الله .
ومن أشهر مشاهيرهم الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري المعروف عند الخاص والعام بما لا يزيد عليه في الفنون كلها .
ولن ننسى أبا أيوب الحضرمي بين أقرانه الأجلاء .
(( ثم الطبقة الثانية ))
التي أبرزت من العلوم جواهرها العالية . زمن أشهر مشاهيرها الإمام العلامة المجيد محبوب بن الرحيل المعروف عند المشارقة بأبي سفيان رحمه الله ، القرشي الصحاري ، وابنه الإمام العلامة المللي الفهامة المرضي محمد بن محبوب المعروف عند المشارقة بأبي عبد الله . علامة تتضاءل عنجه أجلة العلماء ن لا أقدر على ذكر صفاته العلمية وإدراكاته الفقهية .
ومن أشهر مشاهيرهم منير بن النبر الجعلاني من بني ريام علامة منقطع النظير في أيامه ، المعروف مقامه ، الموقر في علمه ، الجليل بين إخوانه ، أحد حملة العلم من البصرة إلى عمان .
أما ابن دريد فمن أهل قدفع من شمال عمان ، من عنصر مالك بن فهم ، وهو إمام في الأدب ، شهير عند الكل .
ومن أشهر مشاهيرهم ، بشير بن المنذر النزواني ، الذمي هو من بني نافع أهل عقر نزوى المعروف ، أحد حملة العلم الأجلاء ، ويعرف بالشيخ الكبير . وهو جد بني زياد من بني سامة بن لؤي بن غالب . (1/29)
صفحة 30
ومن أشهر مشاهيرهم موسى بن أبي جابر الأزكوي الشيخ الكبير ، والعيلم الغزير ، الذي هو عمدة أهل عمان في أيامه ، ومرجع المسلمين وحجة أهل العلم والدين .
ولا أنسى العلماء الأجلاء الخراسنيين ، الثقات الفضلاء الإباضيين في خرسان ن كأبي يزيد الخوارزمي ن وهاشم بن عبد الله الخرساني المعروف ن ونصر بن سليمان وولده محمود بن نصر ، وأبو منصور الفقيه ، وأبو غانم بسير بن غانم ن المشهور في آثار المسلمين ومن أيامهم أشهر من نار على علم .
(( ثم الطبقة الثالثة ))
ومشاهير علمائها لا يحصيهم قلم الاختصار ، فكيف بمقامنا الذي لم يتصد إلا لذكر فرد من مائة على الأقل . ومنهم من مشاهيرهم الشيخ هاشم بن غيلان من أعل سيجا من أعمال سمائل ، وقبره بها معروف إلى الآن ، ويكنى أبا الوليد ، وأخوه عبد الملك ، وولده محمد بن هاشم وقبره عند قبر أبيه رحمهم الله ، وكانوا علماء أجلاء وفضلاء أعزاء . ومنهم أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي . والعلامة الأفخم الواعي ، عزان بن الصقر ، من عقر نزوى من غلافقه ، كان من أعلم أهل زمانه . والشيخ الفقيه أبو محمد الفضل بن الحواري ، وكان معاصر لعزان بن الصقر ، كان يضرب بهما المثل في العلم والفضل في عمان . وهما اللذان قيل فيهما في عمان كعينين في جبين ، إلى آخر ما قيل فيهما كما في القاموس في الجزء الثامن منه .
وقد قتل الفضل بن الحواري مع الإمام الحواري بن عبد الله بالقاع من صحار في وقعة عظيمة بين أهل عمان .
ومن مشاهيرهم الأجلاء الشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي ، وكان ضريراً ، وكان من أجل فقهاء عمان ، ومن طليعة نبغاء الفقهاء . وناهيك بولده أيضاً الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر ، قتل في وقعة الغشب . (1/30)
صفحة 31
ومنهم أعني المشاهير – إذا أطلقت لفظة – ومنهم ابو عبد الله نبهان بن عثمان جد بني معمر من أهل سمد نزوى ، وهو المعروف بالأعرج – إذ كان كذلك – عالم فقيه ثقة نزيه ، ربته نزوى الطيبة الخصبة بأهل العلم من فقهاء المسلمين . وكذلك أخوه النعمان .
ومنهم العلامة الفقيه أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع الشهير في عمان بجامع ابن جعفر وكان أصم . ومن أعاجيب الزمان بل من الآيات الاعتبارية في الأحوال ، أن أمر عمان ظل يديره في عهد المذكور أعمى وهو أبو المؤثر المذكور ، وأعرج وهو نبهان بن عثمان ، وأصم وهو محمد بن جعفر ، فالحمد لله الذي يرى الناس آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم الحق .
وكذلك أبو الحواري محمد بن الحواري القري المعروف بالأعمى ، وأبو الحسن محمد بن الحسن النزواني المحشي على جامع ابن جعفر . ومنهم أبو مالك غسان بن الخضر الصلاني الصحاري العالم الطائر الصيت في أيامه .
ومن العلماء الأجلاء في هذه الطبقة أبو مروان سليمان بن الحكم ، والمنذر بن الحكم ن وسعيد بن الحكم المعروف بأبي جعفر من أهل عقر نزوى .
(( الطبقة الرابعة ومشاهير علمائها في عمان خاصة ))
منهم أبو مروان سليمان بن حبيب ، وأبو قحطان خالد بن قحطان صاحب السيرة المشهورة .
والعلامة الأصولي الجليل أبو محمد عبدالله بن بركة السليمي من أهالي بهلى ، وكان مقامه بالضرح منها ، وهو الشهير بابن بركة عند الإطلاق ، شهر بجده المذكور ، وهو علامة جليل فقهاً وأصولاً وما يتعلق بها . كان من أجل العلماء المشهورين بعمان ، وهو صاحب الجامع المعروف بجامع ابن بركة المتداول عند أهل عمان .
ومنهم العالم العامل الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي من قرية بسيا من أعمال بهلى .
ومن مشاهيرهم الشيخ محمد بن خالد الأعمى ، من أهل قرية بدبد ، عالم فقيه نزيه فاضل وجيه ، يحج إليه قصاد العلم في أيامه . (1/31)
صفحة 32
ومنهم المقتدر بن الحكم ، وعبد المقتدر ، وصالح بن زياد بن مثوبة ، المعروف بجده مثوبة ، وكلهم علماء ميامين وفضلاء مشاهير . وغير بعيد منهم أبو الوضاح زياد بن الوضاح بن عقبة المعروف بابن عقبة في الأثر العماني ، ومنازل بن جيفر ، وهو من أهل نزوى .
وسعيد بن أبي بكر الأزكوي ، وولده الشيخ محمد بن سعيد ، لهم في العلم أقدام راسخة ، وأعلام مرفوعة ، وأقوال مسموعة ، وأحاديث مرفوعة .
وكذلك الحواري بن محمد بن الأزهر ، ومالك بن غسان بن خليل الملقب الأخطل ، من أهل بهلى . والعلا بن أبي حذيفة ، والمقتدر بن جيفر ، وأحمد بن محمد بن خالد ، وأبو بكر أجمد بن محمد بن أبي بكر من أهل نزوى . ومحمد بن الحسن السري ، والحواري بن محمد بن جيفر من أهل سمد الشأن . أعلام أمجاد ، وفقهاء أجواد ، وسادة أطواد ، قاموا بأمر عمان في تلك الأزمات . وكذلك عمر بن جيفر من أهل سمد الشأن ، ومحمد بن عمر بن موسى بن علي ، ومحمد بن عبد الله بن جساس ، ومحمد بن هارون ، وأبو صالح ، منازل بن جيفر ، من رجال العلم المعدودين .
والقاسم بن شعيب ، وأبو علي موسى بن مخلد من سمد نزوى ، علام فقيه ، وهمام نزيه ن وكذلك أخوه بشير بن مخلد ، ومروان بن زياد ، ونصر بن خراش ، ومحمد بن نصر المعروف بالخرساني . ومحمد بن زائدة السمائلي ، وإسماعيل بن يعقوب ، ومسلم بن خالد السلوتي ن وعبد الواحد السري ، وشعوة بن الفضل من أهل إبراء ، وطالوت السمائلي .
(( الطبقة الخامسة من علماء عمان المشاهير))
سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري صاحب الضياء وكتاب الأنساب وهو من طاحية ، علامة مشهور وفقيه مذكور ، يخبر عنه ضياؤه المعروف ، وموضح الأنساب الموصوف ، وكلاهما شهير في فنه . وإمام أهل الاستقامة العبد الصالح المرضي أبو سعيد الكدمي ، وكان ناعبياً ن أغنت شهرته عن ذكره ن وكيف لا ؟ وهو صاحب الاستقامة والمعتبر . (1/32)
صفحة 33
والشيخ أحمد بن وصاف أحد شراح ابن النضر . وهادية بن إبراهيم عالم مشهور من أهل فنجا . وأبو مكنف من أهل إبراء . الشيخ فهم بن أحمد من أهل الرستاق . وعمر بن علي المعقدي من أهل وبد من الرستاق . وعلي بن عبد الرحمن السري ، ومحمد بن يوسف النخلي ، والشيخ أبو الحسن من أهالي عمق من صحار .
والشيخ محمد بن عيسى بن محمد بن عيسى بن جعفر من أهل السر ، والشيخ محمد بن عيسى الطيوي ، والشيخ الفقيه النزيه معلى بن منير بن النير ، والشيخ العالم محمد بن عمران الهميمي ، والشيخ غدانة بن يزيد من أجلة العلماء المعدودين ، والمشايخ الفضلاء الأمجاد محمد بن سليمان ، وأبو الحسن بن داود ، وعمر بن أبي القاسم من أهل ازكي . والشيخ العالم مكرم بن عبد الله ن والشيخ نصر بن سليمان ، من العلماء الأعيان .
والعالم العلامة أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي ، وعبد الله بن الحكم النزوي ، وجعفر بن المبشر ، وعيسى الخرساني ، وعمر بن محمد المنحي ، وجعفر بن زياد الأزكوي ، وعبد الرحمن بن جيفر الضنكي ، وأحمد بن محمد بن عمر المنحي ، وأحمد بن عمر بن محمد المعروف بالهنقري ، والشيخ مالك بن عبد الله بن عمر الغظفاني . (1/33)
صفحة 34
ومن العلماء الأجلاء المشاهير ، العلي ين عثمان ، وخالد بن سعوة ، ومسعدة بن تميم ، ومحمد بن نصر ، وعبد الله بن نصر ن وعبد الله بن محمد ، ورمشقي بن راشد ، ويعقوب بن اسحاق من أهالي لوى من الباطنة . وملها بن يحيى ، وهاشم بن يوسف ، وسالم بن ذكوان ، وعبد الله بن قيس ، وأبو هاشم حرز بن نافع الخرساني ن وأبو حفص عمر بن محمد بن حمد المنحي ، والشيخ يحيى بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عمر السمائلي ، ومحمد بن عثمان العقري من أهل نزوى ، والشيخ ابو القاسم سعيد بن قريش العقري النزوي . والشيخ زمام بن سعيد بن زمام البهلوي ، والشيخ أبو محمد نجدة بن الفضل النخلي أحد شيوخ الإمام ابن النضر . والشيخ محمد بن مختار النخلي ، والشيخ المسبح بن عبد الله وابنه محمد بن المسبح من أهالي هيل من أعمال سمائل ، والشيخ الفقيه الوجيه محمد بن روح بن عربي المكني بأبي عبد الله من أهل نزوى ، والشيخ هداد بن سعيد من أهل نزوى والشيخ القاضي العلامة نجاد بن موسى من أهل منح . وبقية مشائخ علم بطول ذكرهم وتعدادهم كأبي عبد الله بن محمد بن الحسين بن الوليد السمدي النزوي ، وأبي علي الحسن بن النضر الهجاري ، وأبي محمد بن إبراهيم بن عمر السمائلي ، وأبي علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان من عقر نزوى . وكذلك عثمان بن أبي عبد الله الأصم من عقر نزوى ، ومحمد بن عثمان أيضاً ، وعثمان بن موسى بن محمد بن عثمان العقري أيضاً . والشيخ أحمد بن محمد السمدي النزوي ، والقاضي الشيخ محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله الكندي صاحب بيان الشرع ، والشيخ أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي صاحب المصنف ، والشيخ الجليل أحمد بن صالح النزوي .
((الطبقة السادسة ))
من أجلة علماء عمان الشيخ مسعود بن رمضان النبهاني الرستاقي ، والشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي الذي دارت عليه مملكة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي . (1/34)
صفحة 35
والشيخ الجليل محمد بن جمعة بن عبد الله بن عبيدان العبيداني النزوي ، والشيخ الزاهد الوحيد درويش بن جمعة المحروقي ، وأصله من أدم . والشيخ صالح بن سعيد الزاملي النزوي العقري ، والشيخ عبد الله بن محمد بن غسان مؤلف ( خزانة الأخيار في بيع الخيار ) ، وهو من أهل نزوى ، والشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد ، وزير الإمام ناصر بن مرشد ومحل ثقته .
والشيخ عدي بن سليمان الذهلي العاقد للإمام سلطان بن سيف اليعربي . وكان زعيم العلماء يومئذ وولي رأيهم ، والشيخ خلف بن محمد بن خميس زميل الشيخ الذهلي والشيخ سليمان بن مداد رحمهم الله ، والشيخ بشير الصبحي ، علامة جليل ، فهامة نبيل ، والشيخ الجليل العليم النبيل جميل بن خميس السعدي .
(( الطبقة السابعة ))
الشيخ الرباني المعروف بأسراره الزاهرة ، وأعماله الباهرة ، ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي ، والشيخ العلامة الكامل سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي ، والشيخ الفاضل الماجد ماجد بن خميس العبري ، والشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي ، والشيخ العالم العامل أحد أقطاب الزعماء ، صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح ، والشيخ القدوة المرضي سعيد بن ناصر الكندي .
(( الطبقة الثامنة وهي طبقة عصرنا ))
وأول علامة ظهر في القرن الرابع عشر الإمام العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي قطب دائرة العلماء بعمان ، ثم العلامة الثاني الزميل للإمام نور الدين الشيخ عامر بن خميس المالكي ، ثم الشيخ العلامة محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي ، ثم الشيخ الزاهد الأوحد عبد الله بن محمد بن رزيق المعروف بأبي زيد الريامي الأزكوي .
ثم العلامة الرئيس الشيخ عيسى بن صالح بن علي ، ثم الشيخ أبي عبيد حمد بن عبيد بن مسلم السليمي ، من أهل سمائل . (1/35)
صفحة 36
ثم الشيخ العلامة الفقيه النزيه خلفان بن جميل السيابي السمائلي ، صاحب سلك الدرر ، ثم الشيخ ناصر بن راشد بن سليمان الخروصي أخ الإمام سالم بن راشد رحمهم الله .
والشيخ راشد بن عزيز بن بخيت الخصيبي السمائلي ، علامة جليل فهامة نبيل ، كان قوي الفهم غزير العلم ، يفهم من الغمز واللمز ، ويدرك الإشارة قبل العبارة ، كان جواداً لا يقاس به أحد في زمانه جوداً وكرماً وعلما . مسعنا من السن الأكابر عنه ما لا يسعه المقام في هاتين الخصلتين معاً ، أعني العلم والكرم وانهما لهيولي الشرف وعروتا المجد الطارف ، وله بين أقرانه مقام ترمقه العيون وتجله النفوس التي تقدر الفضل لأهله ، وعلى كل حال إن قدر العلم كبير عقلا ونقلا ، والكرم الحاتمي لهذا الشيخ لا ينكره أحد في عمان كلها ، لا في وادي سمائل وحده ، والرجال تعرف بالأفعال .
والشيخ عبد الله بن عامر العزري الضرير ، من أجلة علماء زمانه .
(( تنبيه ))
اعلم أن هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم قطرة من غيث بالنسبة إلى بقية علماء عمان ، فإنهم كثيرون لا يأتي عليهم قلم كاتب إلا بعد عناء طويل ، وإنما ذكرنا مشاهيرهم وإلا ففي كل طبقة من الطبقات المذكورة علماء غير هؤلاء كثيرون لهم مقامات في العلم عالية ، ولهم مؤلفات سامية تدهش الألباب ، ألا ترانا لم نذكر من العائلة الرحيلية إلا ثلاثة علماء وبقي الأكثر منهم كما قال صاحب القاموس ، منهم سفيان بن محمد بن محبوب ، ومحبر بن محمد بن محبوب ، و بشير بن محمد بن محبوب ، وعبد الله بن محمد بن محبوب وبه يكنى ، وكان محبر يطلق عليه اسم ( الثقة ) ، وسعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الذي جمه الله له الإمامة مع العلم والزهد في الدنيا مع الشهادة . (1/36)
صفحة 37
ولم نذكر من علماء آل مداد أحداً ، وهم عدد وافر ، وكذلك بقية العلماء ، فعلى هذا القياس فإن في بني النظر ، من العلماء الأجلاء الذين لهم القدح المعلى في العلم ، فهم عائلة علمية أثرت شجرتها فقهاء عمان ونبغاءها كالإمام أحمد بن سليمان صاحب ( الدعائم ) وقد شهر عند الكل . وكان جده عبد الله بن أحمد أعلم أهل زمانه بإجماع العلماء بعده ، وكان قاضي القضاة بدما ، وهو مؤلف كتاب ( الإبانة في الصكوك والكتابة ) أربعة مجلدات ، وكتاب ( الرقاع في أحكام الرضاع ) مجلدان من أجل ما صنف من الأثر عند أهل اعلم والنظر .
وكان الخضر بن سليمان جد أبيه ، وكان معروفاً بالعالم الكبير ، لشهرته ، كان من أجلة العلماء الفطاحل الذين لهم بعمان المقام المرموق والحال الموثوق .
ولأحمد بن سليمان صاحب الدعائم ( سلك الجمان في سيرة أهل عمان ) مجلدان ، وله ( الوحيد في نقد التقليد ) وبيان أحواله وعلله وما جاء فيه ، مجلدان ، وله ( قرى البصر في جمع المختلف من الأثر ) أربعة مجلدات .
---
هل لأهل عمان تآليف مهمة غير التي اشرتم إليها ؟
نعم ! إن تآليف أهل عمان أجل من أن تحصى في مختلف الفنون الشرعية والأدبية والتاريخية والأصولية وغيرها ، فلهم مؤلفات قيمة لا نستطيع ذكرها مفصلة وسوف نشير إن شاء الله إلى المهم منها .
وأولها ديوان الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله ، كما قيل عنه ، حمل خمسة أبعرة ، وعلى أقل النقل حمل جمل واحد، وناهيك بحمل جمل من مثل جابر بن زيد رحمه الله ، إنه لمهم ورب الكعبة .
وكتب الإمام الربيع بن حبيب رضي الله عنه ، وهو المتداول الآن بين الناس ، وعليه معول مهام المذهب ، وعليه يعتمد الفقهاء ، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، وإن غاظ هذا الكلام بعض أعداء العلم . (1/37)
صفحة 38
وككتاب الإمام الثالث أحد رواة الربيع بن حبيب ، ضمام بن السائب الندبي العماني المشهور في علم الحديث ، رتبه الإمام العالم أبو صفرة عبد الملك بن صفر الأزدي العماني ، ثم كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة ، وكتاب محمد بن محبوب سبعون مجلداً ، وكتاب ( الخزانة ) للشيخ بشير بن محمد بن محبوب سبعون مجلدا ، وله أيضاً كتاب ( البستان في الأصول ) .
فلو لم يكن لأهل عمان من التآليف إلى هذه الكتب لكانت كفاية المذهب ، وبها الغنى لأهله ، وكيف لا ولكل واحد من علماء عمان مؤلفات كهذه ونحوها ؟
وإذا أردنا أن نحصي طبقة واحدة من طبقات العلماء الذين ذكرناهم ضاق المجال واتسع المرام ، فإن ( بيان الشرع ) ثلاثة وسبعون مجلدا ، وكتاب ( المصنف ) قريب منه واحد وأربعون مجلدا ، وكتاب ( الضياء ) للشيخ أبي إبراهيم سلمة بن مسلم الصحاري العوتبي صاحب كتاب الأنساب ، أربعة وعشرون مجلدا ، وهكذا إلى أن أفضت النوبة إلى الشيخ العالم جميل بن خميس السعدي ، فكان كتابه تسعين مجلدا ، فهل بعد هذه الكتب شيء يذكر ؟
وكذلك كتاب ( الكفاية ) للشيخ محمد بن موسى الكندي أحد وخمسون مجلدا ، وله أيضاَ ( جلاء البصر ) . وكذلك كتاب ( التاج ) لعثمان بن أبي عبد الله الأصم العقري النزوي واحد وخمسون مجلدا ، وله كتاب ( النور ) وكتاب ( البصيرة ) وكتاب ( الأنوار ) فهذه الكتب التي تزيد مجلداتها على عقود العشرات فما ظنك بما عداها ؟ إنه لشيء عظيم في مقامه يجدد ذكره الأسى على القارئ والسامع لأعمال تلك المشايخ الذين ذكرناهم في المقام الذي قبل هذا ، فلن نستطيع أن نذكر تلك المؤلفات أو نعلن كل مؤلف لصاحبه ، وحسبنا هذا ، ويكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد ، فقس بقية العلماء على هؤلاء في أعمالهم ومؤلفاتهم . (1/38)
صفحة 39
وإذا شئت التروي فعليك ( بقاموس الشريعة ) و ( منهج الطالبين ) وأمثالها ، وقد ذكر الإمام السالمي رحمه الله نبذة من كتب أهل عمان في ( لمعته ) ومن أراد الوقوف على ذلك فعليه بها ، فإنها عبية لمهام المؤلف ، وخزانة لها ، ولا ريب فإن أهل عمان أعلم فرق الإسلام بالحلال والحرام ، وأفقههم في الأحكام الشرعية خاصة ، ولهم في بقية الفنون مؤلفات في ترتيبها مما يدهش الأفكار ، فاني رأيت كتاباً يقرأ من اليمين إلى اليسار كتاباً خاصاً ، ويقرأ من الأعلى إلى الأسفل كتاباً خاصاً في موضوع ، ويقرأ أسطراً خاصة عليها أرقام حمر كتاباً خاصاً ، وإذا قرئ مجموعاً أي كله مستقلاً ، فهذا من أبدع ما رأينا ، غاب عني الآن أسمه واسم مؤلفه .
وكم مثل هذه الكتب الفخمة والمؤلفات الضخمة في عمان قضت عليها يد الإهمال والتعطيل ، واستهلكتها الأيام في طواياها ، ولو ظهرت لحيرت أساطين العلم ببلاد الإسلام ، ولكن فقر عمان لم يحرك منها ساكنا ، وكاد الفقر أن يكون كفراً والأمر لله من قبل ومن بعد وإليه الحول كله .
قال الإمام السالمي رحمه الله بعد ما ذكر تلك الكتب والمؤلفات العظيمة الشأن : ( وإن في ما تركت من الكتب المتأخرة لشيئاً يذهل العقول ويحير الأفكار من كتب التفسير ، والحديث ، والأصول ، والكلام ، والفقه ، والأدب ، وغير ذلك من الفنون الكثيرة ) قال : ( وإنما أذكر شيئاً من ذلك لأن الطاعن قد طعن في زعمه بكثرة التآليف عند المتأخرين منا دون المتقدمين حتى عد ذلك من أشراط الساعة حيث اطلع على ما لم يطلع عليه من قبل ، فلذا ذكرت له ما أمكن ذكره من الكتب القديمة دون غيرها ... إلخ ) فإذا أنت ألقيت نظرة إلى ما ذكرته أنا هنا خاصة أدهشك الحال . فكيف بما ذكره الإمام المذكور فإنه عظيم والحمد لله فكيف وإنما ذكره هو أيضاًُ قطرة من صيب وبلة من بحر ، والأمر لله وحده ) . (1/39)
صفحة 40
وقد ذكر كتب الإباضية في ( جواهر ) العلامة البرادي ، وخصوصاً كتب العمانيين في كتاب ( منهج الطالبين ) للشيخ العلامة الكبير القدوة الخطير خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي النزوى ، أي أصله من نزوى واستوطن الرستاق . وهو الذي قام بإمامة الإمام الأجل الأكرم إمام المسلمين ، ناصر بن مرشد بن سلطان بن أبي العرب اليعربي إمام في اليعاربة ، وأفضل إمام في عمان ، بل هو ثالث الإمامين المتفق على كمال فضلهما ، الجلندى بن مسعود أول إمام بعمان ، وسعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي القرشي .
وكان الإمام ناصر بن مرشد ربيباً للشيخ خميس بن سعيد هذا .
وكذلك جاء ذكر كتب الإباضية في كتاب ( قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة ) الذي هممت أنا باختصاره . وقد شرعت فيه فسميت المختصر المذكور ( ناموس الوسيعة في اختصار قاموس الشريعة ) ثم رأيت أن ذلك شيء يطول ، ولن يبلغ العمر منه مبلغاً ، إذ كان تسعين مجلداً ، وقد ذكرت نبذة مهمة من علماء وكتبهم .
ثم ذكر صاحب ( فواكه العلوم ) بعضاً منها ، ومن يستقرأ التآليف العمانية رأى فيها العجب على اختلاف الأوضاع وبأجمل الصنعة وفي كل الفنون .
---
ماذا يقول أهل عمان في الخلفاء الأربعة ؟
اعلم أن الخلفاء الأربعة عند أهل عمان كغيرهم من الإباضية يقولون إن أبا بكر وعمر إمامان رضيان مرضيان توليا أمر المسلمين بإجماع الأمة لم يعب أحد عليهما شيئاً إلا التقوى والإخلاص وحسن السيرة وصفاء السريرة ، قاما على ذلك في المسلمين وماتا عليه ، والكل عنهما راض رضي الله عنهما وأرضاهما ، وقد صدقا ظن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيهما ، وحققا أمنيته ، وفازا بتوفيق الله والحمد الله .
وأما عثمان فأخذ الإمامة وعليه عهد الله ورسوله من زعيم شورى المسلمين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . إذ أولاها إياه أن يسير فيها مسيرة صاحبيه أبي بكر وعمر وبايعوه على ذلك . (1/40)
صفحة 41
ثم عتبوا عليه أشياء وانتقدوا عليه أخرى . وأنكروا عليه أموراً حصروه عليها حتى قتلوه والكل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يخالطهم من الإباضية أحد فالمقتول عبد صحابي وقاتلوه كذلك وهم أعلم بما هنالك والإباضية خليون من دمه وماله ، وأظن لم يحضر قتله أحد منهم .
ولما قتلوه بايعوا علي بن أبي طالب على ما بايعوا عليه من قبله . وألزموه سيرة الخليفتين أبي بكر وعمر . ثم اختلفوا عليه ، فشاركوه سياسته ، وتلاعبوا بأمره حتى ذهب أدراج الرياح ، إلى أن جاء منهم من قتله وما أظن كذلك إباضياً شارك في قتله ، فهم القاتلون وهم المقتولون والحكم الله عز وجل بينهم يوم القيامة .
هذا خلاصة القول في هذا المقام الحرج . نسأل الله سلامة ديننا ودنيانا من أمور لم يكلفنا بها في حال من الأحوال (( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون )) .
ومن كلامنا نقتطف ما جاء في عثمان وعلي
هذه خلاصة : (( أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج )) والله المسئول والتوفيق لرضاه ، والعون على تقواه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
بقلم العبد لله محمد بن حسن بن محسن الرمضاني بيده بتاريخ اليوم الثامن عشر من جمادى الأولى عام 1398هـ .
-----------------------------------------------------
(1) القمقام ، والقمقام : بالفتح والضم السيد الكثير العطاء ، والجمع قماقم وقماقمة .
(2) ذو الفقار : لقب سيف الإمام علي بن أبي طالب .
(3) الدعقة : الحملة والصيحة .
(4) يشير هنا إلى سياسة ودهاء رجال مثل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص .
(5) الخدن : الحبيب والصاحب ، الجمع أخدان .
(6) كتبت في المخطوطة ( يتبغه ) .
(7) ما حله ومحالا وممحالة : كايده ، وماكره ، وعاداه ، ودافعه ، وجادله . (1/41)