صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: أضواء إسلامية على المعالم الإباضية بيانها، حقائقها، تاريخها
المؤلف: بكير بن سعيد أعوشت
الناشر: المطبعة العربية
مكان النشر: غرداية
تاريخ النشر: 1999م
الطبعة: د.ط
ردمك: 9961-908-58-9
الإيداع القانوني: 99/1056
الكلمات الدالة: نشأة الحركة الإباضية، تاريخ الإباضية، الإباضية والخوارج
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=409&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/745
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 01 شعبان 1446ه/ 31 - شهر 01 - 2025م. أضواء إسلامية على المعالم الإباضية
بيانها * حقائقها * تاريخها
تأليف
بكير بن سعيد أعوشت (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة
المطبعة العربية "، نهج طالبي احمد – غردايه
الإيداع القانوني رقم: 99/ 1056
ردمك 9 - 58 - 908 - 9961 I.S.B.N (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
كلمات مضيئة في ذاكرة الإسلام
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء
بينهم الله والفتح
(29:
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين
أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله له: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» رواه أبو داود والترمذي تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا) الخليفة العادل عمر بن
عبد العزيز رحمه الله.
(نحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخا إسلاميا مشوها شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله في التاريخ فكرة ومنهاج ص:57 إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالحجة وإنما تتحطم
المذهبية بالمعرفة والتعارف والإعتراف) الأستاذ علي يحي معمر رحمه الله.
-3 - (1/3)
صفحة 4
مقدمة:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما، لينذر به بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا، حسنا والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد بن عبد الله لالالالالالاله الذي أرسله للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى طريق الإسلام والسلام. أما
بعد: فإننا نضع اليوم بين يدي القارئ المسلم الكريم هذا الكتاب الموجز الذي سيحرر وعينا وثقافتنا الموروثة من الحدود الضيقة التي فرضها الواقع الإجتماعي الذي نعيشه اجتماعيا، تاريخيا، سياسيا. وأملنا الكبير أن نلتزم عمليا بالقيم الخلقية القرآنية، لنتحرر من النظرة الأحادية الضيقة التي تجعلنا نعيش تحت ثقافة التغريب وازدواجية المعرفة، بحيث نعيش بذهنيات القرون الماضية ومؤثراتها التاريخية وأحكامها المسبقة، وهذا هو المجتمع المتخلف في سلوكه العام، بالرغم يوظف التكنولوجية في حياته اليومية ويحتك بالمناهج العلمية
من
أنه
وشروطها في الثانويات والجامعات ووسائل الإعلام المختلفة، هذه الحقيقة الراهنة أدت إلى تمزيق أمتنا الإسلامية - لأننا لم نلتزم بأدب الإختلاف واحترام الرأي الآخر.
إن الإختلاف ظاهرة طبيعية إنسانية أوجدها الله في الناس، جنسا، ولغة وفكرا واجتهادا لنتأمل قول الحق تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم به «مود: 118، 119»
- 4 - (1/4)
صفحة 5
يقول الإمام حسن حسن البنا رحمه الله ما يلي: والخلاف
الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله، والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم
والتعصب.
(1)
لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين) ومن هنا نريد أن نسلط الأضواء على تاريخينا الإسلامي لا سيما
الكبير
أن
المدرسة الإباضية التي تعتبر رافدا من روافد الحضارة الإسلامية ورجائي نعي دورنا الحضاري الإيجابي وأن نبتعد عن الصراعات الدينية والسياسية التي جعلت العالم الإسلامي يعيش في أسفل السافلين إذ أن الوقائع اليومية تؤكد لنا هذه المأساة المرة، من المحيط إلى الحدود الصينية. أمست دماء المسلمين أرخص من دماء البعوض، لأن وحدتنا أمام اليهود والنصارى والمجوس مبنية على بيت العنكبوت بسبب الشقاق والإبتعاد عن الأخلاق القرآنية يقول الحق تعالى: وإن
حتى
أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون «العنكبوت: 41) إن وحدة المسلمين فريضة وواجب ديني، أما الصراع فهو فتنة وتحطيم لوجودها ومصيرنا. يقول الله عز وجل: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم به «الأنفال:46).
وهكذا فإن أخوة الإسلام تفرض التعاون والتناصر بين المسلمين
(1) مجموعة الرسائل للإمام حسن البنا ص 16 مؤسسة الرسالة بيروت. راجع بكير بن سعيد أعوشت. إسلام اليوم بن الأصالة والتحريف المدرسة البنائية ص 147
- 5 - (1/5)
صفحة 6
كافة لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
قال رسول الله لا الله: «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما قال: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن ظلمه فذلك نصره» رواه البخاري» هذه هي إخاء العقيدة الصحيحة الخالصة لوجه الله وحده لا
إخاء المصالح الدنيوية والمذهبية والمادية والسياسية.
إن هذا هو المنهاج الواضح الذي قرره القرآن الكريم وأرشدنا إليه الرسول الكريم وعلى أية حال: فعلينا أن نعيش في الحاضر وبناء المستقبل بدلا أن من ننغمس في الماضي، ومآسيه المريرة التي تزيد
شططا بين المسلمين. لنجعل أيها المسلمون غدنا أفضل من أمسنا وشعارنا في هذا كله قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (الحشر: 118
-6 - (1/6)
صفحة 7
أ) - تمهيد:
الفصل الأول
الإباضية في ضوء التاريخ الإسلامي
إلتحق الرسول لا بالرفيق الأعلى يوم الإثنين 13 ربيع
الاول
سنة 11 هـ وهو في الثالثة والستين من عمره. حزن المسلمون حزنا عميقا، لقد ترك وراءه خلافة الراشدين
قوية نهجت منهجه ولكن عثمان بن عفان رحمه الله، لازمه سوء
الحظ،
وكان مقتله يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35 هـ. إن هذه الحديثة الأليمة تعتبر بداية الفتن والإنقسامات في الإسلام إلى يومنا هذا. فقد بدأ الإبتعاد عن الحكم الجمهوري الشوري الديمقراطي إلى الحكم الملكي الوراثي الذي اعتمد على الوسائل المشروعة وغير المشروعة لبقائه في السلطة منذ ظهور الدولة الأموية التي أسسها معاوية بن أبي سفيان سنة 41
يقول الإمام الكبير أبو الأعلى المودودي رحمه الله: (إن هؤلاء الحكام كانوا يراعون سلطتهم وبقاءها واستمرارها ويقدمون حياتها والحفاظ عليها فوق كل شيء فلم يتورعوا في سبيل ذلك عن انتهاك أي حد من الحدود وهتك أي حرمة من الحرمات ولو كانت أكبرها وأحصنها قامت حكومة مروان (1) وأولاده وفيها وصل تحرر السياسة
(1) يقصد بذلك مروان بن الحكم وأولاده الذين تولوا السلطة من 64 هـ إلى مقتل مروان بن
محمد 132 هـ في الدولة الأموية.
-7 - (1/7)
صفحة 8
من الدين وانفلاتها منه بل ذبح احكام الدين على أعتاب السياسة إلى المنتهى) (1). تشاء الأقدار الإلهية أن ينقسم المسلمون إلى أحزاب بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فهذه الأحزاب يمكن ان نصنفها إلى ما يلي: أ ـ حزب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ب - حزب معاوية بن أبي سفيان.
حزب المحكمة الذي رفض التحكيم في موقعة صفين سنة 37 هـ بين علي ومعاوية فلما أحس معاوية بالهزيمة طلب من عمرو بن العاص أن يخرجه من هذا المأزق، ففكر في رفع المصاحف على أسنة الرماح كحيلة وجعل القرآن الكريم حاكما بينهما وتحت هذه المكيدة المدبرة انقسم جيش علي إلى قسمين. هناك من أيد فكرة التحكيم، وهناك
من رفضها.
الله
وانتهى الأمر بخروج بعض من أنصار علي من القتال احتجاجا على وقف الحرب وفسخ خلافته الشرعية ويعرف هؤلاء باسم الخوارج في التاريخ الإسلامي. والعجيب في الأمر أن علي بن أبي طالب كرم وجهه، قد ادرك أن رفع المصاحف خدعة وفريق آخر على رأسه علي بن أبي طالب رأى في رفع المصاحف خدعة من قبل الشامين، واحتدم الجدل والنقاش في الجانب العراقي واضطر علي في النهاية تحت ضغط الأكثرية من جيشه إلى قبول التحكيم) (2).
(1) أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك - ص 121 دار الشهاب باتنة 1988. (2) الطبري، ج 5، ص 48 - نشأة الحركة الإباضية لـ د. عوض محمد خليفات الأردني ص 52.
-8 - (1/8)
صفحة 9
ب)
-
نشأة الحركة الإباضية: (1) عبد الله بن وهب الراسبي:
إن نشأة الحركة الإباضية، تعود في أصولها الأولى إلى العامل السياسي، وذلك بمبايعة الصحابي الجليل عبد الله بن وهب الراسبي الذي بايعه بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا التحكيم على علي الله وجهه في معركة صفين سنة 37 هـ وفيهم مبشرون بالجنة منهم حرقوص بن زهير السعدي المبشر بالجنة، وحمزة بن الأزدي، وزيد بن حسن الطائي، وشريح بن أوفى العبدي وهو ممن بايع تحت الشجرة وأبو بلال مرداس بن حدير.
کرم
النبيء
سنان
وقد رفع هؤلاء الآية القرآنية: وإن الحكم إلا لله، يقص الحق وهو خير الفاصلين الأنعام: 57 لذا سموا بالمحكمة أو الشراة لقول الله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله (التوبة: 111
ولقد سموا كذلك بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء قرب الكوفة، حيث اجتمعت المحكمة في بيت عبد الله بن وهب الراسبي، بتلك القرية، وتمت مبايعته إمام المسلمين.
إن هذه الشخصية لها مشاركة فعالة في فتوح العراق بقيادة سعد بن أبي وقاص. لقد قال المبرد عنه: (وكان عبد الله بن وهب
ذا رأي وفهم ولسان وشجاعة) (1).
وقد قتل هذا الصحابي رحمه الله في معركة النهروان،
(1) المبرد الكامل ج 2 ص 122.
-9 - (1/9)
صفحة 10
وجهه.
في 9 صفر 38 هـ. بقيادة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله هنا فإن الذين كانوا من أنصار علي في صفين متوادين، خرجوا
ومن
عليه وسموا باسم الخوارج عند المؤرخين وعلماء الكلام، فلا بد أن نعالج هذه التسمية الإصطلاحية في الفصل القادم، تاريخيا، سياسيا، دينيا إن
شاء الله.
إن الشيء الوحيد الذي يجمع الإباضية والخوارج هو رفضهم المشترك للتحكيم، ثم الإلتزام بالكفاءة الأهلية والشرعية في اختيار إمام المسلمين، لأن المسلمين كافة سواسية في الحقوق والواجبات ولا فضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: 13 الله
-
بعد معركة النهروان انقسمت المحكمة إلى قسمين أساسيين فهما: أ) المتطرفون: الذين كفروا من خالفهم من أهل المسلمين، فعرفوا
بالخوارج فيما بعد وهم:
الأصفر.
1 الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق الحنفي - 2 النجدات وهم: أتباع نجدة بن عامر. - 3 الصفرية وهم: أتباع زياد بن ب المعتدلون: وهم أتباع عبد الله بن إباض الذين اتخذوا مدينة البصرة مقرا لهم، واختاروا طريق السلم ومنهج الدعوة والإرشاد لإبراز آرائهم، وقد تزعم هذه الحركة في أول أمرها أبو بلال مرداس بن حدير ويعتبر من أكبر الشراة، إلا أن الجيش الأموي قوامه أربعة آلاف عسكري تحت قيادة عباد بن الأخضر الذي هاجم هذه الحركة فقتل أبا بلال مرداس وكل أنصاره وذلك سنة 61 هـ بالأهواز.
-
-10 - (1/10)
صفحة 11
علة التسمية: كان الإباضية يسمون أنفسهم في عهدهم الأول، بجماعة المسلمين. وبأهل الدعوة والجماعة وأهل الحق والإستقامة واسم الإباضية جاء نسبة إلى عبد الله بن إباض أطلقه عليهم خصومهم لتمييزهم عن غيرهم.
فما الإباضيون إلا علما لخلفاء الحق منا فاعلما
إن المخالفين قد سمونا بذاك غير أننا رضينا
وأصله أن فتى إباض كان محاميا لنا وماض)
(1)
(2) لمحة عن مؤسسي المذهب الإباضي:
أ - الإمام جابر بن زيد:
إن المؤرخ الناقد إذا درس المصادر التاريخية الإسلامية القديمة والحديثة بروح نقدية موضوعية، يدرك أن المؤسس الأول للمذهب الإباضي هو العلامة الفقيه أبو الشعثاء، جابر بن زيد الأزدي العماني الذي ولد بين 18 ر 22 للهجرة في مدينة الفرق العمانية. أما وفاته فكانت بالبصرة سنة 93 هـ. لقد جاء في طبقات الدرجيني ما يلي: جابر بن زيد الأزدي رحم الله بحر العلوم العجاج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه.) (2). قال ابن عباس رحمه الله: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه
- فلقد أخذ العلم رحمه الله عن الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وكان تلاميذ جابر بن زيد كثيرين جدا من بينهم ضمام بن
(1) العقود الفضية - سالم بن حمد الحارثي ص 122
(2) فقه الإمام جابر بن زيد - تحقيق يحي محمد بكوش راجع الطبقات الكبرى لابن سعد المجلد السابع ص 179.
- 11 - (1/11)
صفحة 12
السائب والربيع بن حبيب ومسلم بن أبي كريمة وعبد الله بن إباض. الخ
ب الإمام عبد الله بن إباض:
هو عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة وهي قبيلة عربية عراقية أصيلة انحدرت من الجزيرة العربية. ولد في زمن معاوية بن أبي سفيان (40 - 60 هـ). أما وفاته فقد كانت في أواخر أيام عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هـ.
ومن أهم آثاره الرسالة التي بعثها (1) إلى عبد الملك بن مروان
والتي بين فيها معالم الإباضية وموقفهم إزاء الفتن والخوارج. الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة:
يعتبر أبو عبيدة الركن الثالث في المدرسة الإباضية تاريخيا، تمكن أن ينظم الحركة الإباضية بعد أستاذه جابر بن زيد بكل ذكاء ومهارة، معتمدا في ذلك على التربية القرآنية. فأنشأ مدرسة سرية في البصرة لتخريج دعاة البناء والحق والدعوة، لقد تخرج على يده حملة العلم: سلمة وهؤلاء هم بن سعد الربيع بن حبيب عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، اسماعيل بن درار الغدامسي، أبو داوود القبلي، أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعارفي والجلندى بن مسعود، لقد توفي
رحمه سنة 150 هـ في ولاية أبي جعفر المنصور العباسي.
استطاعت هذه المدرسة أن تعطي ثمارها الطيبة في عمان وحضرموت والحجاز والمغرب العربي الكبير وذلك بظهور دول إسلامية في تلك البقاع كدولة الجلندي بن مسعود بعمان سنة 132 والدولة الرستمية الجزائرية (160 هـ - 296 هـ)
(1) أنظر الجواهر المنتقاة للبرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم.
د. حسين عبيد غانم غباش ترجمة د. أنوطوان حمصي عُمان الديمقراطية الإسلامية ص 61 ط 1 دار الجديد بيروت.
-12 - (1/12)
صفحة 13
(25
-
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون إبراهيم: 24 وأول ما يسترعي الإنتباه أن كثيرا من الناس في أمر الفرقة الإباضية، يعتقدون أنها تقوم على العرق، وهذا هو الخطأ المحض ذاته. فالإباضية تقوم على العقيدة الإسلامية، قرآنا وسنة وعدم الفصل بين القول والعمل، فلا علاقة لها بالجنس والعرق والعنصر إطلاقا ... هذه هي الحقيقة الصحيحة إذ نجد أن الكثير من العرب والبربر والفرس والسودانيين، قد اعتنقوا المذهب الإباضي منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا في عمان وزنجبار وبعض الدول الإفريقية الشرقية الساحلية وليبيا وتونس والجزائر أما في وادي ميزاب فإن المذهب الإباضي دخل إليه في القرن الخامس الهجري بفضل العلامة أبي عبد الله محمد ابن بكر الفرسطائي المتوفى سنة 440 هـ.
قد
يقول الشيخ أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله: (إن أبا عبد
الله كان يخرج للحلقة في أوان الربيع إلى وادي مصعب
-
ميزاب
-
لمارب منها أنه كان يطلب بذلك راحة خاطره وخواطر التلاميذ،
واستصلاحها، فإنه علم ما في بلاد ريغ من رداءة الهواء، وقلة طيب الماء، وأيضا فإن بني مصعب كانوا واصلية (1) ـ معتزلة ـ فعمت عليهم (1) کتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج 1 ص 183. المعتزلة: من أشهر الفرق الإسلامية وهي تعتمد على العقل بالدرجة في فهم الشريعة ومؤسس الفرقة هو واصل بن عطاء المتوفى سنة 130 هـ أهم تعاليمها -1 - التوحيد 2 - العدل 3 الوعد والوعيد -4 - المنزلة بين المنزلتين -5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- 13 - (1/13)
صفحة 14
بركته، فرجعوا إلى دين الحق والطريقة المرضية - أي إلى طريقة الإباضية - يقول أبو زكرياء يحي بن أبي بكر المتوفى سنة 471 هـ في هذا المسار التاريخي مايلي: (وكان الشيخ يشتي في أريغ ويربع في البراري عند بني مصعب وغيرهم وكانوا إذ ذاك واصلية أي معتزلة، فرد بعض إلى الوهبية أي الإباضية) (1).
بنائه
وعلى ضوء هذا المنحى التاريخي يجدر بنا أن نشير إلى أن التاريخ الإسلامي قد أدخل عليه التحريف والتشويه، لخدمة الطبقة الحاكمة وأبعادها السياسية والمذهبية والمادية. إذن فنحن مطالبون لإعادة بروح نقدية موضوعية علمية. يقول شهيد الإسلام: (ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخا إسلاميا مشوها، يجب إذن أن تعاد كتابة التاريخ الإسلامي على أسس جديدة وبمنهج آخر، يجب أن ينظر إلى الحياة الإسلامية من زاوية جديدة وتحت أضواء جديدة لكل تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها، وتنكشف
بكل عناصرها ومقوماتها) (2).
جـ) الإباضية في مرآة المؤرخين:
وفي ظل هذه الحقيقة التاريخية نجد أن تاريخ المدرسة الإباضية قد حرف وهمش وألبس لباس الحركة الخارجية والأهواء والمروق من الدين لإرضاء السلطة الحاكمة واستمرارها بل ذبحت أحكام الدين على أعتاب السياسة إلى المنتهى كما يرى ذلك الإمام أبو الأعلى المودودي: (بل ذبح أحكام الدين على أعتاب السياسة إلى المنتهى
(1) كتاب سير الأئمة وأخبارهم صفحة 175 تحقيق اسماعيل العربي (2) سيد قطب في التاريخ فكرة ومنهاج ص 57/ 44 ط. 10 دار الشروق بيروت 1993.
- 14 - (1/14)
صفحة 15
مع أن عبد الملك
بن مروان كان فقيها كبيرا) (الخلافة والملك ص:121)
يقول ابن خلدون: (ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقضيه فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الإنتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة بالناقلين) (1).
يقول الدكتور الأردني عوض محمد خليفات: (وإذا قارن المرء بين ما ورد من معلومات في هذه الكتب وبين ما ورد في المصادر الإباضية سواء كانت تاريخية أو كتب فقه وعقائد يلاحظ أن هؤلاء المؤلفين قد نسبوا إلى الإباضية آراء ومعتقدات غريبة لا يقر بها أتباع
هذه الفرقة).
ويمكن القول: أن هذه الكتب قد أصابت الإباضية بكثير من الأذى والتشنيع قد لا يكون مقصودا في بعض الأحيان ولكنه موجود وقد أدت هذه الكتابات إلى ازدياد الفجوة بين الإباضية وأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. ولا يصح الإعتماد عليها لتكوين فكرة صحيحة
عن
نشأة الحركة وتطورها وعن فهم آرائها ومبادئها) (2).
يقول الأستاذ الفلسطيني جودت عبد الكريم يوسف عن الدولة الرستمية ما يلي: يبدو أن الخضوع للإنتماء المذهبي كان مسيطرا على مؤلفات هؤلاء وغيرهم من غير الإباضية يلاحظ أنهم يجتمعون
(1) المقدمة: ص
67
(2) نشأة الحركة الإباضية ص 12 - 13
- 15 - (1/15)
صفحة 16
حول موقف واحد من الدولة الرستمية قائم على تجاهلها إلا من بعض العبارات القليلة) (1).
يقول المؤرخ التونسي محمد محفوظ حول أعلام الإباضية: (كان) لهم فضل في إثراء المكتبة العربية الإسلامية، وقد عجبت من إهمال المؤرخين التونسيين - من غير الإباضية - ترجمتهم والتنويه بهم ولا داعي لها غير التعصب المذهبي) (2).
والأدهى من كل هذا هو تحريف وانتحال الأحاديث النبوية لخدمة الأهداف السياسية تأمل أيها المسلم الصالح ما يقوله الدكتور المصري محمود اسماعيل: تبارى مؤرخو الفرق في إبراز حق رؤسائهم وتسفيه دعاوي أعدائهم متى كانت الأحاديث النبوية تحرف وتنتحل.
ولما كانت الثورة الإجتماعية في المغرب تتخذ مسوحا خارجيا، فقد أجمعت كافة المصادر التاريخية غير الخاريجية على إدانتها فمؤرخو السنة تقاعسوا عن التأريخ لها عن قصد واعتبروها ـ تطاولا ـ على أولي الأمر وفتنة في الجماعة الإسلامية) (3).
وعلاوة على هذا التحليل آنفا فإننا يمكننا أن نقول: إن جوهر المشكل المطروف يكمن في الذاتية الإنسانية التي يحملها صاحبها وتعتبر جزءا من إدراكاته. وأحكامه المسبقة في طبيعة العلوم الإنسانية التي طرحت ولا تزال تطرح لا سيما التاريخ البشري
وعلينا أن نقوم بإبرازها.
(1) العلاقات الخارجية للدولة الرستمية ص
(2) محمد محفوظ: تراجم المؤلفين ج
13
1 ط 1 ص 8
(3) محمود اسماعيل قضايا في التاريخ الإسلامي ص 94
G
- 16 - (1/16)
صفحة 17
د العوائق الإشكالية في التاريخ: إن التاريخ يبحث في ماضي الإنسان وأخباره وسيره كحياة الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية والرستمية والحروب الصليبية والحديثة حرب الخليج ... الخ. وهناك من يرى أن الأحداث التاريخية لا يمكن أن تكون علمية دقيقة، لأنها تتميز بالطابع الشخصي الكيفي وليس بالطابع الحسي أو الكمي الرياضي كقولنا: 2 x 2 = 4، أدب، ب=ج أ=ج، أو الطابع المادي، الحديد يتمدد بالحرارة هذه الوقائع الرياضية والمادية تفرض نفسها على كل إنسان سليم الفكر، فإذا رفض نتائجها وقع في تناقض واضح. إذن فإن المشكل الأكثر تعقيدا هو الموضوعية في التاريخ وهي التجرد الكلي من الرغبات والميول الذاتية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية لتفسير أي ظاهرة في علم التاريخ أو علم الإجتماع أو علم
النفس. لقد جاء في المعجم الفلسفي ما يلي:
الموضوعية - L'objectivité الموضوعية وصف لما هو موضوعي وهي بوجه خاص مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه، فلا يشوهها بنظرة ضيقة أو بتحيز خاص (1).
وهكذا فإن المؤرخ يتأثر بالوسط الإجتماعي عقائديا سياسيا، إقتصاديا، إذن فلا يمكن تجاوز هذه العوائق بسهولة، لأن الأفراد ليس لهم حرية الإختيار في لغتهم التي يتحدثون بها أو المفاهيم السائدة في مجتمعهم نحو مجتمعات أخرى، بل إنهم يخضعون لها لأن هذه
(1) المعجم الفلسفي لـ د. جميل صليبا ج 2 ص 450
2
- 17 - (1/17)
صفحة 18
الظواهر تعتبر من صنع المجتمع وقهره دون أن نتجاهل التاريخ ومؤثراته
الثقافة
بطريقة شعورية واللاشعورية. لا سيما اللاشعور الجمعي المؤلف من الإجتماعية القديمة التي تنقل بالتقليد الإجتماعي من جيل إلى جيل بدون إعمال العقل. وهكذا فإن الفيلسوف السويسري يونغ (1875_1961) قد أشار إلى هذه الحقيقة. مثال على ذلك: نتعجب كل العجب بالعالم الهندوسي حينما يقدس البقرة ويعبدها ولا يأكل لحمها رغم عبقريته في الرياضيات والهندسة النووية، وصناعة الصواريخ. وهكذا فإن يونغ يقول: إننا نحكم على الناس من خلال ثقافة مجتمعنا وأحكامنا المسبقة الكاملة في اللاشعور الجمعي (1).
(والحكم المسبق هو الصورة النمطية المرتكزة في اللاشعور، وهي أشبه شيء بـ Cliché والذي هو بمثابة انعكاس الصورة الفتوغرافية داخل الإطار الخلفي للآلة بذلك نكون قد صنفنا الإنسان أو الجماعة أو الهيئة ضمن خانة خاصة، ثم أضفنا عليه كثيرا من الأحكام المسبقة بحيث يتعسر نفيها وإثبات عكسها).
ومن خلال هذا الحكم المسبق يتولد هذا الإقصاء والتهميش. (الإقصاء: هو الأهم على الإطلاق وأخطره لأنه متولد عن الذاتية المفرطة - الأنا العميق المبني على العجب والغرور، يمكن أن يصاحب الإقصاء احتقار أو تقزيم أوازدراء ... وهذه الصورة النمطية يمكن أن
تتمثل في الجنس، أو الجماعة القبلية، المذهب، أو الحزب) (2).
(1) د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي ج 2 ص 265. (2) الأستاذ: عبد الرحمن صالح بابكر - معالجة الأنماط التمييزية في المناهج والكتب المدرسية ص 10 دراسة نقدية لمادة التربية الإسلامية، بحيث ألقي هذا البحث في مؤتمر البحث التربوي في الوطن العربي بتاريخ 5/ 3 نوفمبر 1998 بعمان الأردن.
-
- 18 - (1/18)
صفحة 19
وأخيرا نقول: إن دراسة الحادثة التاريخية، هي حادثة إنسانية، إجتماعية تمس سلوك الفرد والأسرة والدولة وقد تمس كذلك العالم
برمته كالحرب العالمية الأولى والثانية وحرب الخليج العربي ... الخ. ومن خلال ما تقدم تجد أن العوامل الذاتية تتدخل بقوة عند تفسير الأحداث التاريخية والإجتماعية والنفسية. ومن هنا، فإن الموضوعية تنعدم أو تقل نسبيا في التفسير أو التعليل مقارنة بالعلوم الرياضية والعلوم الطبيعية لأن العلوم الإنسانية مصدرها الإنسان وأبعاده: الدينية والنفسية والإجتماعية والتاريخية وفي ضوء هذا، لا يمكن فهم التاريخ الإسلامي فهما علميا إلا من خلال المنهج النقدي للوصول إلى حقائقه الواضحة نسبيا. إن هذا الأمر يتطلب الإلتزام بالروح العلمية لا سيما كبح أهواء الذات وخدمة الحقيقة العلمية.
يقول الدكتور المصري محمود اسماعيل: (أعتقد أنه قد آن الأوان لإعادة دراسة التاريخ الإسلامي ومراجعة تقييمه وفق أصول علمية منهجية، واضعين في الإعتبار أنه لا تعارض البتة بين استخدام منجزات العلم الحديث وبين أصالة التراث، وأن تطبيق المنهج العلمي يثري هذا التاريخ ويكشف عن أصالته وعملية التحقيق هذه لا تتم بمعزل عن الإلمام الكامل بحياة المؤرخين القدامى والوقوف على اتجاهاتهم الفكرية وأوضاعهم الطبقية التي تشكل المنظور التاريخي لكل منهم والتي تترك بصماتها فيما يكتبون) (1).
إنطلاقا من هذا النص، وغيره فإن القارئ الكريم قد أدرك كل
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي محمود اسماعيل ص 8 - 9
-
- 19 - (1/19)
صفحة 20
الإدراك، أن عملية التحقيق في الأحداث التاريخية لا يمكن أن تكون منفصلة عن حياة المؤرخين وميولاتهم الدينية والسياسية وأوضاعهم الإجتماعية التي تجعلهم يتركون آثارا فكرية في مجتمعاتهم، وعلى ضوء هذا، يمكننا ان نعالج في الفصل القادم الإشكالية المطروحة التي طرحها كتاب المقالات قديما وحديثا - الإباضية والخوارج - إن هذه المسألة سوف نبرز أبعادها الدينية والسياسية والإجتماعية إن شاء الله.
-20 - (1/20)
صفحة 21
الفصل الثاني
الإباضية في منظور كتاب المقالات قديما وحديثا
1) - السياسة والسلطة: إن هذه المسألة تتطلب منا أن نلتزم بالمنهج التحليلي أكثر من المنهج التركيبي للوصول إلى الحقيقة التي تجعل الإنسان يطمئن إليها، وهذا المنهج يؤدي بنا إلى اكتشاف العناصر الجوهرية ومن ثم، فإنه يعرفنا بالعلة والأسباب الأساسية.
إن هذا التحليل يبعدنا من الشطط والخيال، ولا يفهم من قولي هذا، أنني أبعد المنهج التركيبي جملة، وهذا الأمر يؤدي بنا إلى الجزئيات الدقيقة وعدم ادراكها، في صيغتها الكلية. مما لا شك فيه أن أغلبية الكتاب المعاصرين وبعض العلماء يعتمدون على كتاب المقالات القدامى، عندما يريدون أن يكتبوا أو يتحدثوا عن الإباضية، فاعتقدوا ان الحقيقة لا تدرك إلا من خلال تلك المقالات القديمة، ومن هنا استمسكوا بها، فاعتبروها حجة لا تفند ولا ترد، ولو كانت تناقض الأخلاق القرآنية والوقائع التاريخية الواضحة التي التزمت بها
الحركة الإباضية لأجل بناء المجتمع الإسلامي العادل في منظورها. ولا ريب أن هؤلاء قد تجاهلوا أن المصالح السياسية والإقتصادية المتحكمة في الرأي العام وتوجهه قديما وحديثا، لنقرأ الاحداث اليومية في
العالم مشرقه، ومغربه جنوبه وشماله سوف ندرك هذه الحقيقة. إن الغاية تبرر أي وسيلة في المجال السياسي وإن كانت هذه لا أخلاقية يقول ميكيافيلي (1469 - 1527) في كتابه الأمير ما يلي:
-
- 21 - (1/21)
صفحة 22
(إن بعض الأشياء التي تبدو شبيهة بالفضيلة سوف تقودك إلى الدمار إذا اتبعتها، في حين أن غيرها التي تكون رذائل في الظاهر سوف ينتج أمانك ورخاؤك إذا اتبعتها) (7).
وابن خلدون نفسه لا يختلف كثيرا عن رؤية ميكيافيلي حيث يقول: (لم) كانت حقيقة الملك أنه الإجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه القهر والتغلب اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس فيطوقهم من أغراضه وشهواته) (2). إن هذه التصرفات اللا أخلاقية تتنافى مع الفضائل الإسلامية التي هي غاية في حد ذاتها. يقول الله عز وجل: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا «الإسراء: 34): فالفضيلة الأخلاقية لا تتجزأ ولو مع الكافرين عن ابن عمر بن الحمق قال: سمعت رسول الله يقول: أيما رجل أمن رجلا على دمه ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول کافران رواه بن حبان ونحن ملزمون بأن نبين هذه الحقيقة الأسياسية لأن الحادثة التاريخية مهما كانت فهي في جوهرها حادثة إنسانية اجتماعية، أي مرآة لطبيعة المجتمعات فكريا وماديا.
(1) جورج سباين تطور الفكر السياسي ج 3 ص 483
ميكيافيلي 1469 - 1527 مؤرخ وسياسي إيطالي. يرى أن الغاية تبرر كل الوسائل الأخلاقية
-
واللأخلاقية للوصول إلى الحكم للمحافظة عليه.
ص 243 (2) المقدمة: ج
- 22 - (1/22)
صفحة 23
2 - وقفة مع الإمام أبي الحسن على بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 330 هـ: يقول عن الإباضية: ومن الخوارج الإباضية، وجمهور الإباضية
يتولى المحكمة كلها، إلا من خرج ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار، وليسوا مشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرام ماوراء ذلك حرام قتلهم وسبيهم في السر إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به وزعموا أن الدار يعنون دار مخالفيهم دار توحيد، إلا عسكر السلطان فإنه دار كفر، يعني عندهم) (1). إن ما كتبه الإمام أبو الحسن الأشعري وغيره عن الإباضية يعتبر حكما غير عادل، وبعيدا عن أصولهم العقائدية والسلوكية والتاريخية. ولو عاد أبو الحسن الأشعري وغيره إلى الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب المتوفى في القرن الثاني الهجري لغير رأيهم. 924 عن جابر بن زيد عن النبيء عل الله قال: (إن لا إله إلا الله كلمة ألف الله بها قلوب المؤمنين فمن قالها وأتبعها بالعمل الصالح
-
فهو مؤمن ومن قالها وأتبعها بالفجور فهو منافق). 690 أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء قال: القليل من أموال الناس يورث النار).
-
-
776 قال الربيع بن حبيب سمعت جابر بن زيد عن ابن
عباس عن النبيء الا الله قال: (الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر وصلوا على كل بار وفاجر).
(1) مقالات الإسلاميين ج 1 ص 171 دار الطبع والنشر بيروت.
- 23 - (1/23)
صفحة 24
ثم إن هؤلاء لو تدبروا خطب أبي حمزة المختار الشاري المتوفي 130 هـ في عهد الدولة الأموية لأنصفوا الحركة الإباضية التي حاولت تغيير الأوضاع الإجتماعية الفاسدة فيها، معتمدة على القيم الأخلاقية القرآنية. يقول أبو حمزة المختار الشاري حينما دخل المدينة مع جنوده ما يلي: يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن أو کافرا من أهل الكتاب) (1).
أما بالنسبة لانتساب الإباضية إلى الخوارج فهذه المسألة سوف
نعالجها بعد إن شاء الله.
ومن الإستقراء التاريخي يتبين لنا أن أكثر كتاب المقالات الإسلاميين قد اتبعوا وقلدوا الإمام الأشعري في كل ما كتبه عن الإباضية فكيف يستقيم الظل والعود أعوج وعين الهوى لا تصدق. ويمكننا أن نشير إلى بعض هؤلاء.
1 الفرق بين الفرق للبغدادي ت. 429 هـ. 2 - الفصل في الملل والنحل لابن حزم ت. 456 هـ. 3 - الملل والنحل للشهرستاني ت. 548 هـ.
-4 المعيار المعرب والجامع المغرب للونشريسي ت. 914 هـ. أما الكتاب المعاصرون فأغلبهم قد استمسكوا بتلك المصادر القديمة دون نقدها، بالرغم من أنهم درسوا مناهج البحث العلمي وأصوله في الجامعات والمعاهد المختلفة في الشرق والغرب. واستنادا إلى هذا يجدر بنا أن نشير إلى بعض هؤلاء فقط. (1) أبو الفرج الأصفهاني: كتاب الأغاني ج 23 ص 132
- 24 - (1/24)
صفحة 25
- دراسات في الفرق والعقائد للدكتور عرفان عبد الحميد.
- الإباضية عقيدة ومذهبا للأستاذ صابر طعيمة.
-
-
الخوارج. ناصر عبد الكريم.
- آراء الخوارج الكلامية. تحقيق عمار طالبي، لا سيما التمهيد. فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام. لغالب بن علي عراجي. 3 ـ تهافت المغالطة اللغوية القائلة بأن الإباضية خوارج: إن اللغة تطلق على الكلام المنطوق والمكتوب ويحمل مجموعة من المعاني والأفكار وبدون تلك المعاني والأفكار فإنها تفقد جوهرها
(3
ودورها الإجتماعي والحضاري بين الأفراد والحضارات.
يعبر به كل قوم عن أغراضهم، تعريفات الجرجاني.
(1)
ما وقيل: وهي يقول الفيلسوف النمساوي فتغشتاين (1889 - 1951) إن اللغة لعبة كسائر اللعب التي يلعبها الناس في أوقات فراغهم إن هذا القول صحيح في مضمونه، لأن اللغة تحمل عدة مفاهيم ودلالات وقد تكون متباينة غامضة مبهمة متناقضة، كلفظ الجون الذي يقصد به البياض والسواد النور والظلام، ولا بد من قرينة لتحديد تلك الدلالة ومثال آخر دلالة العين يقصد بها حاسة البصر، النفس النقد الشمس، ينبوع الماء ... الخ.
وانطلاقا من
هذا التحليل اللغوي، نقول هل الحكم الذي تضمنته
تلك المقولة القائلة بأن الإباضية فرقة من فرق الخوارج أو الإباضية هم
(1) محمود فهمي زيدان في فلسفة اللغة ص 54.
- 25 - (1/25)
صفحة 26
أقرب إلى أهل السنة والجماعة (1)، كان حكمها وجوديا، تقريريا، أي خبريا عقليا أم كان حكما تقييميا نسبيا أي إنشائيا. وهكذا فإن علماء المنطق والبلاغة يميزون بين الأحكام التقريرية والأحكام التقييمية، وذلك أن الأحكام التقريرية إما أن تكون صادقة أو كاذبة قائمة وهي على البرهان العقلي أو التجريبي. 2+2=4 قضية صادقة، النحاس
،معدن قضية صادقة 722 قضية كاذبة ليس النحاس معدنا
قضية كاذبة.
أما بالمقابل فإن الأحكام التقييمية فهي تتميز بالحكم النسبي الذاتي، كقولنا الصحراء أجمل من البحر ... الديمقراطية الغربية تحقق
العدالة الإجتماعية وهي أفضل من الديمقراطية الإشتراكية ... الخ. لا نستطيع أن نقول لهذا القائل: إنك صادق أو كاذب في حكمك لأنه نسبي. ولا بأس أن نورد ما قاله علماء البلاغة والمنطق: الخبر ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق أو كاذب، فإن كان الكلام مطابقا للواقع كان قائله صادقا، وإن كان غير مطابق له كان
قائله كاذبا.
الإنشاء ما لا أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب (2).
يصح
وفي ضوء هذا يمكننا أن نقول: إن خصوم الإباضية القدماء
(1) يقول الإمام أبو العباس المبرد (210 العباس المبرد (210) - 286 هـ) وقول عبد الله بن إباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنة، الكامل
3
1040
ص ج
قال الأستاذ مصطفى الشكعة المصري: إن تسمية جمهور المسلمين بأهل السنة متأخرة يرجع
تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري: المطالعات الإسلامية في العقيدة والفكر ص 97 (2) أنظر البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ص 139.
-26 - (1/26)
صفحة 27
كالأمويين والعباسيين والفاطميين هم الذين ألصقوا دلالة الخارجية بالإباضية. أو أن هناك من يقول من القدماء والمعاصرين بأن الإباضية أقرب إلى أهل السنة والجماعة. ونحن ملزمون بأن نلتزم بمعيار القرآن والمنطق قبل إصدار أي حكم مسبق.
(450 هـ
-
وفي هذا المنحى يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله 505 هـ) نرى العقلاء يغلطون في أنظارهم فاعلم أن خيالاتهم وأوهامهم قد تحكم باعتقاداتهم يظنون أنها أحكام العقل فالغلط منسوب إليها. فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم أن يغلط بل يرى الأشياء على ما هي عليه) (1).
يتصور
لقد حللنا الدلالة اللغوية، فيجب الآن أن نحلل الدلالة السياسية.
(4) الدلالة السياسية: إن الإباضية والخوارج ينطلقون من فطرة الإنسان وهم يرون أن الناس سواسية أمام الله الذي خلقهم من نفس واحدة، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة (النساء:1. فلا تفاضل إلا بالتقوى والعمل الصالح يقول الله عز وجل: ويا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: 113
ومن
أقوال الرسول الكريم في خطبة حجة الوداع «أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم، واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى» وهكذا
(1) معيار العلم ص 24.
- 27 - (1/27)
صفحة 28
فإن الإباضية والخوارج يرون أن خلافة المسلمين تقوم على أساس التقوى والكفاءة الفعلية لا على أساس الوراثة أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الحدود الجغرافية في المجتمعات الإسلامية.
ولعل من المفيد أن نقتطف في هذا البحث التحليلي بعض النصوص لبعض أعلام، الذين لا ينتمون إلى المدرسة الإباضية، لإعطاء
الفكرة بعدها الحضاري الإسلامي الذي جسمته الحركة الإباضية في أصولها. يقول الدكتور محمود اسماعيل: (نقول: إن من المؤرخين من ذهب إلى أن ظهور الخوارج يعتبر عن رغبة القبائل العربية من غير قريش في إقصائها عن التشبث بالخلافة والإستثار بالحكم، فالخوارج هذه الزاوية حزب سياسي وحركتهم تمثل ثورة ديمقراطية فهم لذلك جهوريو الإسلام ودستوريو الإسلام) (1).
من
شيعة بني
ويقول الدكتور محمد جلال شرف: يؤكد حزب الخوارج فكرة الديمقراطية الإسلامية، إذ كانوا يرون أن الخلافة حق لكل مسلم مادام كفؤا لافرق في ذلك بين قرشي وغير قرشي وذلك على العكس من أمية من أهل الشام وكذلك شيعة علي بن أبي طالب ببلاد العراق وعلى هذا الأساس السياسي والديني اعتبر الخوارج من ألد أعداء الفريقين، حينما استحلوا دماءهم بحجة أنهم خارجون عن الدين) (2). ويقول في هذا الأمر أبو الأعلى المودودي في شأن سياسة الدولة الإسلامية (وهي دولة تقوم على أساس المبدأ فحسب لا على أساس عصبيات اللون أو الجنس أو اللغة أو الحدود الجغرافية وفي وسع أي
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي ص 36. (2) نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام د. محمد جلال شرف ص 75.
- 28 - (1/28)
صفحة 29
واحد من البشر كلهم في أي بقعة من الأرض قبول مبادئها وأساس في هذه الدولة الأفضلية الأخلاقية لا غير (1). هي
الأفضلية أما بالنسبة إلى رائد حركة الإخوان المسلمين العلامة سيد قطب رحمه الله فيقول: (والمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي تمثل فيه العقيدة رابطة التجمع الأساسية، والذي تعتبر فيه العقيدة هي الجنسية التي تجمع بين الأسود والأبيض، والأحمر والأصفر، والعربي والرومي والفارسي والحبشي وسائر أجناس الأرض في أمة واحدة، ربها الله، وعبوديتها له وحده، والأكرم فيها هو الأتقى) (2). وهكذا نقول: إن أساس الأفضلية بين البشر كافة هو العمل الصالح والتقوى وبدونهما، فإن البشرية تعيش بعيدة عن فطرتها الثابتة في كل إنسان يقول سيد قطب: وكانت استجابة الفطرة لنداء الإسلام أقوى من هذا الواقع الثقيل. استمعت الفطرة إلى الله سبحانه يقول للناس جميعا: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 113) (3). إنطلاقا من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والنصوص
اختيار
الإسلامية التي كتبها رواد الحركة الإسلامية، بحيث استشهدنا بها. نقول: إن الإباضية والخوارج يرون أن أساس الأفضلية في خليفة المسلمين يعود إلى التقوى والأهلية واختيار الحر لا أكثر.
(1) الخلافة والملك أبو الأعلى المودودي ص 34.
(2) معالم في الطريق ص 120.
(3) هذا الدين سيد قطب ص 58.
- 29 - (1/29)
صفحة 30
إلا أن هناك تباينا بينهم، بحيث أن الإباضية يقرون بأن الإمامة واجبة شرعا وعقلا لأن إزالتها هي إبطال إقامة الحدود وأحكام الله، أما النجدات من الخوارج فيرون بأن الناس لا يحتاجون إلى إمام وإنما عليهم أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم) (1).
ومن المستحسن هنا ان نعمق الفكرة أكثر وذلك بتحليل الدلالة
الجهادية في ظل القرآن الكريم والسنة الشريفة.
(5) - الدلالة الجهادية:
يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رحمه الله: (إن لفظ الخوارج الذي طنطن به الكاتبون ولوكه المنتقدون جمع خارجة أي طائفة يطلق على الطوائف الخارجة إلى الجهاد أو الخارجة عن الإمام الجائر فتكون مدحا ودينا، وعلى الخارجة عن الحق أمام الإمام المقسط ذما وضلالا. وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة منها ما ورد بالتواتر في وجوب الخروج عن الأئمة الظلمة لأن الإسلام دين الله الذي لا
(1) والملاحظ أن الإباضية يتفقون مع الخوارج وبعض الفرق الإعتزالية في هذا الركن، ويناقضون رأي الشيعة في ذلك لذا نجد بعض الدارسين الجامعيين وغيرهم يخلطون بين آراء الإباضية والخوارج ويدعون أن الإباضية خوارج وليس لهم رأي في الأصول الدينية والإجتماعية في قضية الخلافة فقط.
ثم إن الإباضية قد اتفقوا مع الأشعرية في قضية القدر، واتفقوا مع المعتزلة في قضية خلق القرآن الكريم واتفقوا أيضا مع الشيعة في أصل التوحيد والإيمان، والخلود. ولو سلمنا بفكرة الباحثين الذين يقرون أن الإباضية خوارج لأنهم يتفقون معهم في ركن الإمامة، الجاز لنا أن نستنتج أن الإباضية يمثلون كل المدارس الكلامية عن طريق الإستنتاج التمثيلي، لأنهم يتفقون مع بعض الفرق في بعض الأصول كما رأينا، غير ان هذا الإستدلال فاسد. والقاعدة المنطقية تقول: إذا صدق البعض لا يصدق الكل بالضرورة كقولنا: بعض الأفارقة علماء لا نقول كل الأفارقة علماء.
- 30 - (1/30)
صفحة 31
يدان إلا به فلا يقام بالظلم والعصيان لله تعالى وقد أمر بالكون مع الصادقين في قوله سبحانه: ويا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (التوبة: 1119) (1).
اعتمادا على هذا النص، تدرك أيها القارئ الكريم، أن لفظ
الخوارج، له عدة معان الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج عن الإمام الظالم.
أما نحن فقد قلنا في التحليلات السابقة: إن مصطلح الخوارج قد أطلق أول مرة على أنصار علي الذين انشقوا عنه، بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين سنة 37 هـ، ويطلق على هؤلاء كذلك إسم المحكمة والحروريين وأهل النهروان والشراة.
ويطلق هذا المصطلح كذلك على الخروج في سبيل الله جهادا ودعوة وأمرا بالمعروف والنهي عن المنكر أمام الظلم والإستبداد بالسلطة السياسية أو الدينية أو الإجتماعية. يقول الله عز وجل: وإن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي)) (الممتحنة: 1) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له
عدة (التوبة: 146. كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (آل عمران: 110).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيء عل الله قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن
(1) النقد الجليل للعتب الجميل ص 29/ 30.
-31 - (1/31)
صفحة 32
ومن خلال هذه الأدلة الشرعية الواضحة الساطعة قرآنا وسنة، ندرك أن دلالة الخروج يقصد بها الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق أمام سلطان ظالم، إلا أن كتاب المقالات القديمة ومؤرخي السلطة الأموية والعباسية والفاطمية جعلوا لتلك الدلالة الخروج عن
الدين والسنة والجماعة بالنسبة إلى الفرقة الإباضية.
ابن أدية
واستنادا إلى دلالة الجهاد في سبيل الله نلاحظ أن الإمام أبا بلال مرداس بن حدير زعيم الشراة يقول لأنصاره: (وبلغنا عن مرداس رحمه الله، أنه لما أراد الخروج كان ينتخب أعلام المسلمين وثقاتهم يشترط عليهم لله وللدين ولأهل الدين الخروج في سبيل الله: إنك تخرج جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا تريد شيئا من أعراض الدنيا ولا لك في الدنيا حاجة ولا لك إليها رجعة أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها الراغب في الآخرة الجاهد في طلبها الخارج إلى القتل لا غيره. فاعلم أنك مقتول وأنك لا رجعة إلى الدنيا وأنك ماض أمامك لا شيء إلا الحق حتى تلقى الله) (1).
وهكذا فإن هذا النص يظهر فيه الجهاد الخالص لله عز وجل حيث يصدق في هؤلاء قول الله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد البقرة: 207».
(6) - الدلالة التاريخية:
يقول الحق تعالى: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (البقرة:251).
236
(1) الزير والجزاءات تحقيق د. سياة الساعيل كاشف ص الدعوة عند الإباضية لـ د. محمد صالح ناصر ص 45.
منهج
-32 - (1/32)
صفحة 33
ومعنى
هذا أن الله قد دفع شر الأشرار وفسادهم بجهاد الأخيار ولولا ذلك لفسدت الأرض وخربت ولكن الله عز وجل ذو فضل
على الناس.
وهكذ نلاحظ أن التاريخ الإنساني منذ القديم إلى يومنا هذا، شاهد على عدة ثورات ضد السلطات الحاكمة، فقد تكون هذه الثورات على حق وقد تكون تلك الثورات على باطل مدفوعة بعوامل ذاتية، مصلحية نفعية عرقية ... وانطلاقا من الأحداث التاريخية، نجد
صلى
عدة ثورات ظهرت في التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول الكريم علي الله يوم الإثنين 13 ربيع الأول سنة 11 هـ. إلى وفاة خلافة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في رمضان 40 هـ، وبعده بحيث أفرز المجتمع الإسلامي في مشرقه ومغربه عدة ثورات وانتفاضات إلى يومنا هذا. واستنادا إلى هذه الرؤية التاريخية كيف نسمي تلك الثورات، هل هي جهادية خارجة في سبيل الله أم هي مارقة من الدين والسنة والجماعة ويمكننا أن نشير إلى تلك الثورات. أ ـ حركة المرتدين الذين ظهروا في خلافة أبي بكر الصديق رضي عنه هذه الحركة أنكرت الركن الثالث في الإسلام وهو الزكاة الذين
لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (فصلت: 67
الله
الثورة الثانية التي قتل فيها عثمان رضي الله عنه من قبل الثوار
سنة 35 هـ
ج - الثورة الثالثة التي قام بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام
وعائشة رضي
الله
عنهم
ضد علي كرم الله
وجهه وسميت تلك
الأحداث بوقعة الجمل.
-33 -
3 (1/33)
صفحة 34
د ـ الثورة الرابعة التي قام بها معاوية بن أبي سفيان على علي كرم الله
وجهه سنة 37 هـ وهذه الحرب تعرف بواقعة صفين.
يجب
الثورة الخامسة التي قام بها أنصار علي ورأوا أن إمامته شرعية، لا أن يتنازل عنها، ولا بد من محاربة الخارجين عليه بحيث أدركوا خدعة التحكيم وأبعادها، لقد وقعت معركة شديدة في النهروان سنة 38 هـ بين علي والذين خرجوا عليه بزعامة الصحابي الجليل عبد الله ابن وهب الراسبي الذي شارك في فتوح العراق بقيادة سعد بن أبي وقاص ... وقد أنكر التحكيم مع جماعته فبايعته المحكمة إمام المسلمين،
فقد قتل رحمه الله في تلك المعركة سنة 9 صفر 38 هـ. ويعرف أن الذين كانوا مع علي كرم الله وجهه في صفين
متحابين مخلصين معه خرجوا عليه وعرفوا بذلك خوارج، بسبب أزمة التحكيم، ولا بد للباحث الناقد في التاريخ الإسلامي، أن يطرح السؤال الموضوعي، كيف نسمي أصحاب الثورات التي رأيناها سابقا والثورات الأخرى التي ظهرت في الدولة الأموية كثورة التوابين في عهد عبد الملك بن مروان (60 هـ - 86 هـ) والثورات العلوية الكثيرة في الدولة الأموية والعباسية وغيرها إلى يومنا هذا ... لماذا يصر المؤرخون أغلبهم على إطلاق لفظ الخوارج على انصار علي، الذين رفضوا التحكيم الذي تكمن فيه الخدعة والمناورة، وأدركوا بعدها السياسي لتقسيم جيش الخلافة الشرعية إلى جماعتين متنافرتين فكرا
وعملا لنتأمل ما قاله معاوية لعمرو بن العاص.
رفع أهل الشام المصاحف:
- 34 - (1/34)
صفحة 35
قال: وذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الألم، ونادى
علي أصحابه، فأصبحوا على راياتهم مصافهم. فلما رآهم معاوية وقد برزوا للقتال، قال لعمرو بن العاص يا عمرو ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا خرجت منه؟ قال: بلى، قال: أفلا تخرج مما ترى؟ قال: والله لأدعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم، ويزاد جمعك إليك اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا وإن منعوكه اختلفوا، قال معاوية: وما ذاك؟ قال عمرو: تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها، فو الله لئن قبله لتفرقن عنه جماعته، ولئن رده ليكفرنه أصحابه، فدعا معاوية بالمصحف، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند، فنشره بين الصفين، ثم نادى الله الله في دمائنا ودمائكم الباقية، بيننا وبينكم كتاب الله، فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي، فقالوا: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب الله، فاقبل منه .. رفع صاحب معاوية المصحف وهو يقول: بيننا وبينكم هذا المصحف (1).) خلال هذا النص الواضح، ندرك أن الخدعة السياسية وأبعادها جاءت لتقسيم جيش علي كرم الله وجهه من خلال رفع المصاحف الكريمة، إلا أن الأحداث التاريخية أخبرتنا أن أصحابه قد عن حقه الشرعي، إمام المسلمين ولا بد من الوقوف أمام الظلم والإنحراف، إلا أنه كما قيل: أرغم
ومن
نصروه ونصحوه ألا يتنازل قط
لأنه
على قبول التحكيم. لقد جاء في كتاب الإمامة والسياسة ما يلي: (وذكروا أن معاوية
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 101 تحقيق د. طه محمد
الزيني.
- 35 - (1/35)
صفحة 36
قال لعمرو: إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك.) (1).
ومهما كان الأمر، فإن الإختلاف الحاصل بين علي وأنصاره السابقين يعتبر اختلافا سياسيا لا اختلاف دين وعقيدة لأن هؤلاء
الله.
يوجد فيهم مجموعة من الصحابة الصالحين والتابعين رحمهم لقد جاء في المصدر السابق أنه كتب كتابا إلى الخوارج فجاء فيه
ما يلي: (إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الذي كنا عليه والسلام) (2).
ما
يقول الدكتور محمد صالح ناصر في هذا المنظور السياسي يلي: إن المصادر كلها حتى تلك التي تشيعت للإمام علي تؤكد على تعاطف الإمام علي مع الخوارج وندمه على قتالهم قائلا: (إنهم إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم) (3). وما استباح لهم مالا ولا حكم بكفرهم، فقد ذكر ابن تيمية أنه تندم كثيرا وبكى طويلا وقد أجملت ذلك الموقف الكلمة التي أوثرت وأكدتها المصادر الشيعية نفسها وهي: لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه (وسماهم خيار الأمة، وقد غضب حين قال له رجل: هؤلاء لا يحسنون صنعا قال: ويحك هؤلاء أهل التوراة
والإنجيل) (4).
عنه
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 116.
(2) المصدر السابق ص 122.
(3) يراجع نهج البلاغة ط 2 دار الكتاب المصري القاهرة ص 398 والنقد الجليل ص 19 ـ 20. (4) منهج الدعوة عند الإباضية د. محمد صالح ناصر ص 52.
- 36 - (1/36)
صفحة 37
والجدير بالذكر أن الثورة التي قام بها معاوية بن سفيان وجماعته
ضد علي كرم الله وجهه لم تصنف، ظالمة، باغية خارجة على السلطة الشرعية لعلي. فإن أغلب المؤرخين قد جهلوا أو تجاهلوا حديث الرسول الذي جاء في حق الشهيد عمار بن ياسر رحمه الله إذ قال فيه الرسول
ع: «أبشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية رواه مسلم والبخاري والترمذي. لنتأمل ما جاء في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 110 فالتقى عليه رجلان فقتلاه، وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه، كل يقول أنا قتلته فقال لهما عمرو بن العاص: والله إن تتنازعان إلا في النار، سمعت رسول الله لعل الله يقول: «تقتل عمار الفئة الباغية» فقال معاوية قبحك الله من شيخ!! فما تزال تتزلق (1) في قولك أو نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به ثم التفت إلى أهل الشام فقال: إنما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم (عثمان وانطلاقا من حديث الرسول الكريم لعمار بن ياسر (2) (تقتلك الفئة الباغية» رواه البخاري والترمذي.
وما جاء في هذه الواقعة التاريخية ندرك أن التسمية لم تطلق على فئة معاوية ولكنها أطلقت على الذين جاهدوا في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم دفاعا عن شرعية الخلافة الإسلامية.
ونستطيع القول بوضوح: إن التسميات المستخدمة لم تكن عفوية بل تعتبر عنصرا جوهريا من السياسة الأموية، والسياسة جزء من الدين والدين جزء من السياسة إن هذه الحقيقة نلمسها في الماضي والحاضر يقول ابن خلدون: إن الماضي أشبه بالآن من الماء بالماء).
(1) تزلق
=
تزين
(2) عمار بن ياسر: من السابقين إلى الإسلام وقد عذب بمكة شهد بدرا وأحد وبيعة الرضوان
- 37 - (1/37)
صفحة 38
وفي ظل هذه الحقائق التاريخية دلالة كافية على الدور الكبير الذي قامت به السلطة الأموية ضد الحركة الإباضية المتناقصة معها
وشهرت عليها سلاح الدين والخروج عن الجماعة والسنة.
لكن النظرة الموضوعية إلى تاريخ الدولة الأموية والعباسية وغيرهما تبين لنا أن الأحداث التاريخية هي مرآة دائما، لما جرى في تلك
الدول، قديما وحاضرا.
ومن
هنا رأينا أن نقدم نصوصا كتبها الإمام أبو الأعلى المودودي (1) حيث أخذ الأحداث وحقائقها من مصادرها التاريخية القديمة ... ومن خلالها تكتمل الصورة أمامنا واضحة كل الوضوح.
(1) أبو الأعلى المودودي من رواد البعث الإسلامي، ولد في 25 سبتمبر 1903 في مدينة أورناك آباد بالهند توفي رحمه الله في 23 ديسمبر 1978 في لاهور بباكستان. من أهم مؤلفاته: الخلافة والمنك - ترجمان القرآن - نحن والحضارة الغربية. أنظر إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف لبكير بن سعيد أعوشت ص 141.
- 38 - (1/38)
صفحة 39
الفصل الثالث
الدولة الأموية والحركة الإباضية: لقد اعتمدنا على المصادر غير الإباضية، لنزيل كل حكم ذاتي مسبق، وبهذا نقدم ملامح عامة عن الدولة الأموية والعباسية، بحيث لا يمكن أن نفهم الخلفية التاريخية التي انطلق منها أصحاب كتاب المقالات
:
. القدماء الذين شوهوا معالم الفرقة الإباضية إلا من خلال تلك الخلفية. لمحة تاريخية عن الدولة الأموية إن الدولة الأموية قد أسسها معاوية بن أبي سفيان سنة 41 هـ حينما تمكن من القضاء على منافسيه علي كرم الله وجهه فقد سقطت هذه الدولة بموت مروان بن محمد الذي قتله الجنود العباسييون شهر ذي الحجة 132 هـ تميزت هذه الدولة بالعظمة، وذلك بنشر الإسلام من الأندلس إلى حدود الصين وينتهي هذا الدور العظيم بوفاة هشام بن عبد الملك سنة 125 هـ هذه الدولة لا يمكن إنكار فضلها في نشر الإسلام وتوحيد العالم الإسلامي، إلا أن ملوكها مارسوا الإستبداد في حكمهم وابتعدوا عن حاكمية الله تعالى ومن هنا حاربوا بدون هوادة الحركة الإباضية ما عدا الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي تميز عهده بالعدالة الإسلامية والأمن والإستقرار وحرية الرأي. 1 زوال الحكم الشوري: يقول أبو الأعلى المودودي رحمه: ولم تكن خلافة سيدنا معاوية الله عنه من نوع الخلافة الراشدة الذي يعين فيه المسلمون خليفتهم فلا يصل إلى الحكم إلا برضاهم ومشورتهم لأن معاوية كان أن خليفة بأي حال من الأحوال ولذلك قاتل إلى أن اعتلى يصبح الخلافة كما أن خلافته لم تكن عن رضا من المسلمين ولم يختره
-
رضي
يريد
- 39 - (1/39)
صفحة 40
الناس اختيارا حرا، إنما تأمر عليهم بقوته وسيفه) (1). ولقد كان سيدنا معاوية نفسه يعرف موقفه هذا خير معرفة فقال
في خطبة له بالمدينة في بداية عهده.
(أما بعد فإني والله ما وليت أمركم حين وليته وأعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها وإني لعالم بما في أنفسكم من ذلك ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة ... وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله
فأرضوا عنى ببعضه) (2).
-
2 زوال حرية الرأي:
يقول الإمام أبو الأعلى المودودي: فانضباط المجتمع الإسلامي ودولته وسيره في الوجهة السليمة كان مرهونا بيقظة ضمائر الناس وتحرر ألسنتهم وهو ما إن توفر لهم منعوا كبار قومهم من الإنزلاق إلى
الخطأ والإنحراف وجهروا بالحق دون خوف أو تردد.
لقد
جيء بمتهم إلى معاوية فأمر بقتله وقال الجلادون له ـ قبل قتله -: (أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم قال حجر وأصحابه (لسنا فاعلي ذلك) وقال حجر (لا) أقول ما يسخط الرب فقتل هو وسبعة من رفاقه ورد معاوية أحدهم وهو عبد الرحمن بن حسان إلى زياد وكتب له أقتله
(1) ما أشبه الحاضر بالماضي والماضي بالحاضر إقرأ كتاب طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد لعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله ستجد أن التاريخ يعيد نفسه جملة وتفصيلا، في العالم
الإسلامي.
(2) البداية والنهاية لابن كثير ج
8
ص
132
الخلافة والملك ص 100.
- 40 - (1/40)
صفحة 41
شر قتلة فدفنه حيا) (1).
ولما ذهب عبد الملك بن مروان إلى المدينة عام 75 هـ ارتقى منبر الرسول عليه الصلاة والسلام وأعلن: إني لن أداوي أمراض هذه الأمة بغير السيف ... والله لا يأمرني أحد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه) (2). وذات مرة أطال الوليد بن عبد الملك خطبة الجمعة حتى اصفرت الشمس فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك فأجابه الوليد (صدقت ومن قال مثل مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم من مقامك) فقتله حرسه (3) (4)
بعد كل هذا، نرى كيف كان الجيش الأموي يتعامل مع
المعارضة لنتأمل هذه الحادثة التاريخية. يقول أبو الأعلى المودودي: كان حرب الحرة التي وقعت في نهاية عام 73 هـ آخر أيام يزيد ومجمل أحداثها أن أهل المدينة قرروا أن يزيدا فاسق فاجر ظالم ثم ثاروا عليه وطردوا عامله من المدينة وأمروا عليهم عبد الله بن حنظلة فلما بلغ يزيد جعل مسلم بن عقبة على رأس اثني عشر ألف لمهاجمة المدينة. وقعت الواقعة وفتحت المدينة ثم ترك العسكر حسب أوامر يزيد ـ ليفعلوا فيها ما يشاءون وعلى
-
(1) الخلافة والملك ص 105.
(2) ابن الأثير ج
4
ص 104/ 41.
(3) ابن عبد ربه العقد الفريد ج 1 ص 62.
الخلافة والملك ص 107.
(4) تأمل أيها القارئ الكريم الكتاب الذي أرسله عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان الذي قال فيه: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه علي الله لتحلوا حلاله وتحرموا حرامه ولترضوا
بحكمه وتنيبوا إلى ربكم وتراجعوا كتاب الله.)
- 41 - (1/41)
صفحة 42
مدى الأيام الثلاثة نهبت كل ضاحية في المدينة فأعمل العسكر سيوفهم في رقاب أهلها وأبادوا من فيها حتى هلك بأيديهم. إن هذا الجيش البربري استباح بيوت المدينة وهتك أعراض نسائها بلا خجل أو تردد يقول ابن كثير: حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج) (1).
-
3 ظهور العصبيات القومية وتحويل الأجناس غير العربية إلى عبيد:. إن الدولة الأموية، قد ميزت بين الأجناس على أساس العرق وأبعدت القيم الأخلاقية لا سيما فضيلة التقوى، الأخوة الإسلامية الخالصة، العدالة، المساواة، المحبة، يقول العلامة أبو الأعلى المودودي الله: فلقد اصطبغت حكومة بني أمية منذ بداية أمرها باللون
رحمه
العربي
الخالص وتشددت له
حتى
التساوي في الحقوق - بين المسلمين العرب والمسلمين من غير العرب - يضيع ويتلاشى ففي ظل دولتهم فرضت الجزية على المسلمين الجدد مخالفين في ذلك أحكام الإسلام مخالفة صريحة كما سبق وأن ذكرنا فكان ذلك عقبة كبرى في سبيل انتشار الإسلام ليس كذلك فحسب بل تولد في العجم إحساس بأن الفتوحات الإسلامية قد جعلتهم عبيدا أرقاء للعرب وها هم حتى بعد قبولهم الإسلام لم يتساووا بهم. ثم ازداد هذا السوء فيما بعد إذ بدأ الحكام يضعون في اعتبارهم جنس من كانوا يعينونهم ولاة أو قضاة في الدولة أو حتى أئمة للصلاة وهل هم من العرب أم:
(1) انظر تفاصيل هذه الواقعة في الطبري
4
ص 379/ 372. ج
الخلافة والملك ص
119
- 42 - (1/42)
صفحة 43
من العجم؟ فترى أن الحجاج بن يوسف أصدر أمرا في الكوفة ألا يؤم الناس في الصلاة كان من العجم (1). من
لمسلم عجمي
ويروي أبو الفرج الأصفهاني أن رجلا من بني سليم زوج ابنته فذهب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة وشكاه عند الوالي ففرق على الفور بين الزوجين وجلد العجمي وحلق رأسه ولحيته وحاجبيه وأهانه إهانة بالغة (2). ومما زاد الطين بلة إذكاء روح العصبية بين العرب أنفسهم حيث ظهرت صراعات جاهلية بين القبائل اليمنية والمضرية كل عنصر يريد أن يستحوذ على مناصب الدولة، وكانت الأسرة الحاكمة وراء هذه اللعبة النارية التي أحرقت استقرارها ونتيجة لذلك الأوضاع الفاسدة فإن الحركة الإسلامية التي تزعمها أبو حمزة الشاري في الدولة
الأموية، جاءت كرد فعل لتلك الأوضاع، لنتأمل ما قاله (3).
يقول أبو الأعلى المودودي رحمه الله: (ولم يسلك بنو أمية هذا التفريق بين العرب والعجم فحسب بل لعبوا نفس اللعبة بين قبائل
(1) العقد الفريد ج 2 ص 233.
(2) الأغاني ج
14
ص
150
الخلافة والملك ص 110.
(3) لما دخل أبو حمزة الشاري الإباضي المدينة المنورة بين أن هدفه من ثورته هو الرجوع إلى المنهج القرآني الذي ابتعدت عنه الدولة الأموية لأنها ميزت بين المسلمين. قال مالك بن أنس رحمه الله: خطبنا أبو حمزة خطبة شكك فيها المستبصر وردت المرتاب، قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه علي الليل وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغيرها ما عظمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعته، فالطاعة لله ولا طاعة لمخلية في معصية الخالق. ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والقسم بالسوية، والعدل في الرعية.
ابن عبد ربه العقد الفريد
4
ص 145. ج
- 43 - (1/43)
صفحة 44
العرب أنفسهم فأحييوا في عهدهم كافة المعارك والضغائن النزاعات القبلية القديمة التي كانت بين العدنانيين والقحطانيين وبين العرب اليمانية والعرب المضرية وبين أزد وتميم وكلب وقيس وهؤلاء بأولئك وكان الولاة العرب يميلون إلى أبناء قبائلهم في أمصارهم ويتعصبون
لهم.
وقد كتب ابن كثير في البداية والنهاية نقلا عن ابن عساكر أنه في الوقت الذي كانت جيوش بني عباس تزحف فيه إلى دمشق كانت نيران العصبيات بين اليمانية والمضرية تستمر في قلب العاصمة الأموية، فكنت ترى في كل مسجد محرابين وكان في المسجد الجامع منبران يرتقيهما إمامان كل منهما يناصر شيعته لأن كلا الفريقين لم يكن على استعداد للصلاة خلف إمام ليس من رهطه (1).)
واعتمادا على هذه الوقائع التاريخية، فإن الثورة التي قادها طالب الحق زعيم الحركة الإباضية الذي ثار على فساد السلطة الأموية سنة 129 هـ بحضرموت تمهيدا لقيام الثورة في العالم الإسلامي كله بحيث أن هدفها الأول هو تطبيق شريعة الله. لقد جاء في كتاب الأغاني: (إن عبد الله الكندي أحد بن يحي
عمرو بن معاوية كان من حضرموت وكان مجتهدا عابدا. فرأى باليمن جورا ظاهرا وعسفا شديدا وسيرة في الناس قبيحة، قال لأصحابه ما يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا الصبر عليه، وكتب إلى عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي يقال له كودين مولى بني
(1) انظر البداية 10 ص
45
انظر الخلافة والملك ص 110.
- 44 - (1/44)
صفحة 45
تميم، وكان ينزل في الأزد، وإلى غيره من الإباضية في البصرة، يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم متى شاء لنصرة دينه ويختص بالشهادة منهم من يشاء (1).)
وأيا كان الأمر، فإن ما بينه الإمام أبو الأعلى المودودي حول السياسة الأموية في المشرق العربي فإنها لا تختلف عن السياسة السائدة في شمال إفريقيا بل تحول البربر إلى وقود الحرب وابتزازهم ثم المتاجرة والمساومة ببناتهم وإرسالهن إلى قصور ملوك الأمويين وهذا بطبيعة
سلمة
سعد
الحال يتناقض مع روح الإسلام وشرف الإنسان وعزته. ولنتأمل معا ما قاله أحد دعاة الإباضية في شمال إفريقيا وهو أسعد الحضرمي وددت أن يظهر هذا بن علي بن بن الأمر يعني المذهب الإباضي يوما واحدا من غدوة إلى الليل فما أبالي ضربة عنقي) (2).
يقول الدكتور المصري محمود إسماعيل: ويلخص الطبري
سياسة بني أمية في التمايز العنصري في الحوار الذي جرى بين وفد من البربر وبين حاجب الخليفة هشام بن عبد الماك في دمشق حين ذهب الوفد يشكو جور عماله لخص الطبري الشكوى فيما يلي: .... قالوا أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا أصاب
(1) الأغاني أبو الفرج الأصفهاني
ج
23
ص
111
أنظر حركة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينه ن بكير بن سعيد أعوشت.
(2) أبو زكرياء: كتاب السيرة وأخبار الأئمة
ص 42
- 45 - (1/45)
صفحة 46
نفلهم (1) دوننا وقال هم أحق به فقلنا هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا، إن كان لنا، فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نره. وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال تقدموا وأخر جنده، فقلنا تقدموا فإنه إزدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه فوقيناهم بأنفسنا وكفيناكم .. ثم إنهم ساومونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا هذا ليس في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون) (2).
ثم يقول د. محمود اسماعيل ما يلي: (أكثر من ذلك كان البربر يتقدمون الصفوف فيفنى منهم من يفنى لتلقيهم الضربات الأولى، وبعد المعارك كان العرب وحدهم يستأثرون بالمغانم والفيء من دون البربر، وبعبارة أخرى اتخذ العرب من البربر وقودا للحروب التي خاضوها في جزر صقيلية وسردينية وبلاد السوس الأقصى في أعوام 101 هـ 109 هـ 117 هـ والتي لم يكن لها من هدف سوى السلب والنهب وحسبنا موقف موسى بن نصير من قائده طارق بن زياد وجيشه من البربر، فبعد الفتوحات الموفقة التي أحرزها طارق في بلاد الأندلس حظي
بجزاء سنمار) (3).
(1) النقل: الغنيمة.
(2) تاريخ الأمم والملوك ص
ج
264
ابن خلدون العبر
ج
6
ص
119
قضايا في التاريخ محمود اسماعيل ص 135.
(3) الرقيق القيرواني تاريخ إفريقيا والمغرب ص 102.
محمود اسماعيل قضايا في التاريخ الإسلامي ص 132.
جزاء سنمار: سنمار رجل من الروم بنى للملك النعمان بن امرء القيس قصره المعروف
بالخورنق في الكونة. فلما فرغ
يضرب للمحسن يكافاً بالإساءة.
-
- 46 -
الا
مثله لغيره فسقط ميتا. يسي (1/46)
صفحة 47
وهكذا نستطيع القول: إن هذه الإنحرافات الخطيرة عن تعاليم القرآن الكريم أفرزت فسادا خلقيا في جسم الدولة الأمية، ويظهر هذا
جليا في الأدب الأموي كدلالة أخرى لما قلناه.
-
4 مظاهر أدب الإنحلال الأموي
:
يقول الإمام سيد قطب رحمه الله: (عندما أراد الأمويون أن
يأمنوا أهل الحجاز، أن يستبدوا دونهم بالملك، وأن ينحوهم عن الحياة العامة، غمروا سادتهم وأشرافهم بالمال والإقطاعيات والهبات، وجلبوا إليهم المغنيين والجواري، وزينوا لهم حياة الدعة والترف، وأطلقوا عليهم الشعراء المجان يدغدغون غرائزهم في القصور بأناشيد الشهوة، وفي الوقت ذاته انطلق الشعراء يمدحون الملوك الطغاة ويسبحون بحمدهم، ويصوغون حولهم الهالات) (1). وفي هذا المسار الأدبي الإنحلالي، يقول الخليفة الوليد بن يزيد
ابن عبد الملك الأموي في مدح الخمر والغلمان:
امدح الكأس
أعملها ومن
إنما الكأس ربيع باكر
ويقول كذلك:
إنني
واهج قوما قتلونا بالعطش
فإذا لم نذقها لم نعش (2)
س والعض للخذوذ الملاح
أشتهي السماع وشرب الكأ والنديم الكريم والخادم الفا ره يسعى عليّ بالأقداح (3). إن هذه الآفات الإجتماعية كانت إرهاصات لظهور ثورات إسلامية
(1) سيد قطب دراسات إسلامية ص 147.
(2) ابن عبد ربه أبو عمر أحمد: العقد الفريد ج 4 ص 459.
(3) أبو الفرج الأصفهاني ج 7 ص 23.
-47 - (1/47)
صفحة 48
خالصة ضد ملوك الدولة الأموية الذين عدلوا عن مبادئ الدستور
القرآني لا سيما الحركة الإباضية في العالم الإسلامي. أما بالنسبة إلى سياسة الدولة العباسية فالجوهر بقي كما هو إنها خارجة عن الحاكمية الدستورية القرآنية (1).
يقول العلامة أبو الاعلى المودودي رحمه الله: (إن سياسة بني العباس مثلها مثل سياسة بني أمية خارجة عن أطر الدين حرة من حدوده وأن العباسيين مثل سالفيهم لا يتورعون من الإعتداء على حدود الله والدوس على شريعته في سبيل أغراضهم السياسية فالثورة التي حدثت على يديهم لم تغير سوى الحكام أنفسهم أما طراز الحكومة فلا. فهم لم يصلحوا أي أمر أفسده الأموييون، بل ثبتوا نفس تلك التغريات التي كانت حدثت في نظام الدولة الإسلامية بعد انقلاب الخلافة الراشدة ملكا عضوضا.
فلقد بقي الطراز الملكي الذي اختاره بنو أمية هو هو ولم يكن بين الإثنين فرق سوى أن أمية اختاروا طراز قيصر القسطنطينية أما بني بنو عباس فاختاروا طراز کسري فارس
وتعطل نظام الشورى ونجمت عنه نفس النتائج التي أشرنا إليها
من قبل (2)
(1) لا نريد أن
نضرب
أمثلة
على حساب الموضوع فالمصادر التاريخية مليئة بذلك انظر ابن
الأثير والطبري وابن خلدون.
(2) الخلافة والملك ص 129.
ملاحظة: راجع كتاب نشأة الحركة الإباضية لـ د. عوض محمد خليفات الأردني: الصراع
بين الإباضية والخلافة العباسية ص 182/ 152.
- 48 - (1/48)
صفحة 49
المتناقضة
ولهذا يمكن القول دون غموض أو إلتواء أن أصحاب كتاب المقالات القدماء كانوا ينظرون إلى الإباضية من زاوية السلطة الأموية والعباسية باعتبارهم خوارج عن ملة السنة والجماعة بسبب مواقفهم تلك السلطة القائمة على الملك العضوض الإستبدادي وهكذا فإن هؤلاء الكتاب كان هدفهم الأول والأخير إرضاء السلطة الحاكمة، وخدمة أهدافها عوضا عن مناصرتهم الحق ولعل أصدق، شاهد، وأوضح دليل ما يقوله ابن خلدون: (ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فتفيض الأخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها (1).)
بحب
-
5 السقوط في هاوية التطرف:
هي
لقد رأينا حتى الآن أن المصالح السياسية ودوافعها المختلفة التي شوهت الآراء الإباضية التي بقيت في اللاشعور الجمعي، كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول.
والأدهى في الأمر أن هناك من يعتقد بأن ما كتب في كتب الفقه وعلم الكلام والفتاوي والتاريخ من طرف خصوم الإباضية يعتبر هو الحق بدون جدال. وإن جاء هذا الأمر يتناقض مع القرآن الكريم والسنة النبوية، والمنطق والوقائع التاريخية التي رأيناها سابقا من مصادر غير إباضية. إن هؤلاء قد قدموا أحكاما مسبقة مجردة من مبرراتها وأدلتها
(1) المقدمة: ابن خلدون ص
66
- 49 - (1/49)
صفحة 50
العقلية الشرعية باعتبار أن الإباضية فرقة خارجة عن السنة والجماعة
كما يبدو لهم.
الأدلة
إلا أن المعيار الوحيد الذي اعتمدنا عليه في تحليلاتنا هو القرآنية والسنة الشريفة والتحليل المنطقي هذه العناصر تعتبر الوسيلة الوحيدة لاجتناب الوقوع في التناقضات.
السنة
إن الذين يكفرون الإباضية باعتبارهم خارجين عن والجماعة، سواء من قبل القدماء أو المعاصرين قد ارتكبوا جناية في حق
أنفسهم والأخوة الإسلامية والتاريخ والمصير المشترك. إن الرسول الكريم قد شدد النكير على كل مسلم يتهم أخاه بالكفر يقول الرسول الكريم: من قال لأخيه يا كافر فقال له: أنت كافر، فقد باء أحدهما بالكفر والبادي أظلم رواه الربيع وأحمد والبخاري. هذا هو التطرف بعينه بسبب الغرور بالنفس والإزدراء بالغير ثم إقصاؤه أن الحق كله بجانبه. يقول الشيخ يوسف القرضاوي: ويبلغ هذا التطرف غايته، حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة
بدعوى
ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجة التكفير.) (1).
وهذا بطبيعة الحال يتناقض كليا مع القرآن الكريم والسنة الشريفة العطرة. يقول الحق تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (النساء:93) يقول الرسول الكريم: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من
(1) الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ص 53.
لُجَّةٌ = هي معظم البح
- 50 - (1/50)
صفحة 51
زوال الدنيا» رواه النسائي.
تعتمد
و لعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن الفرق الإسلامية كلها
عقائدها في فرقة تدعي أنها على حق وصواب، أما غيرها فهو على خطأ وبالتالي تطلق على نفسها أهل السنة والجماعة وهذا الحكم يعتبر حكما تقييميا يختلف بين الأفراد والجماعات كما رأينا ذلك في الفصل الثاني. وفي ضوء هذا، نقدم رؤية الأستاذ المرحوم علي يحي
وفي آرائها الفقهية، على القرآن الكريم والسنة. وكل
هذه المسألة.
-
6 من هم أهل السنة والجماعة؟
في
هم
يقول الشيخ علي يحي معمر رحمه الله: (إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة هم من أهل السنة أي فرقة كانوا ولأي مذهب اتبعوا أهل السنة من الأتقياء الصالحون من أي مذهب كانوا والمبتدعة وأهل الأهواء هم الفسقة الفجرة ولو لبسوا جبة جابر وطليسان مالك وعمامة أحمد واتخذوا لمظهرهم سمت زيد وجعفر لقد آن لتلك المفاهيم التي أملاها التطرف في التعصبات أن تختفي تختفي) (1). إن سيد قطب رحمه الله يقول: إن الإسلام ينفي كل نعرة جنسية أو عنصرية وأن هناك ميزانا واحدا لتقدير الأفضلية وهو تقوى
الله وطاعته والعمل الصالح في عباده) (2).
400
(1) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ص (2) سيد قطب: نحو مجتمع مسلم ص 92 ط 7 دار الشروق بيروت.
-51 - (1/51)
صفحة 52
إن نجاح المسلمين اليوم يكمن في هذه العقيدة الخالصة النقية القائمة على تقوى الله لا غيرها.
وهناك من يتجرأ على كتاب الله وسنة رسوله الكريم في قوله فكل من يدعو إلى كتاب بلا سنة فهو ضال، وكل من يدعو إلى كتاب وسنة بلا فهم لسلفنا الأبرار فهو ضال) ويعتبر هذا الإستنتاج
(1)
الأعوج الضال افتراء وجرأة على القرآن الكريم والسنة الشريفة يقول الحق تعالى: وإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين «الإسراء: 9) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم لله (النساء: 69) يقول الشيخ يوسف القرضاوي: (والمتعصب أشبه بامرئ يعيش وحده في بيت من المرايا، فلا يرى فيها غير شخصه أينما ذهب، يمنة أو يسرة وحده في بيت مع العلم المقطوع به: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله اتباع زيد أو عمرو من الناس بأعيانهما وإن بلغا في العلم والفضل ما بلغا) (2). خلال هذه النصوص الواضحة تدرك أيها القارئ الكريم أن المذهب الإباضي قد حرف من بعض الأقلام الإسلامية والمستشرقين. وعلينا أن نميز بين الحق والباطل ولا نلبس الحق بالباطل ليكون تاريخنا مبنيا على أسس واضحة فالتاريخ الإسلامي هو ثقافة وذاكرة
ومن
لكل المسلمين مهما تعددت مذاهبهم الفقهية والإجتهادية. وانطلاقا مما بنا، يجدر بنا أن نبين الحدود الفاصلة بين
الإباضية والخوارج في الفصل القادم إن شاء الله.
(1) هذه رؤية الأستاذ عبد الرحيم الطحان السعودي راجع كتاب وسقط القناع لسماحة
الشيخ
أحمد الخليلي ص 78.
(2) الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم ص
199
-52 - (1/52)
صفحة 53
الفصل الرابع
الحدود الفاصلة بين الإباضية والخوارج:
لقد رأينا سابقا أن الحركة الإباضية تعود في نشأتها الأولى إلى جماعة المحكمة التي رفضت التحكيم إذ بايعت عبد الله بن وهب الراسبي في شهر شوال سنة 37 هـ. ثم إن هذه المحكمة انقسمت إلى قسمين بعد معركة النهروان سنة 38 هـ. أ ـ المتطرفون الذين اختاروا الحرب وكفروا من خالفهم في آرائهم، وقالوا من لم يكن معنا فهو ضدنا، فعرفوا بالخوارج: الأزارقة، الصفرية، النجدات. المعتدلون: الذين اختاروا المنهج الدعوي والتربوي والحوار المثمر بدلا من التطرف والعنف ورفع السلاح وطريق الدم والإنتقام. وتزعم هذه الفرقة أبو بلال مرداس بن حدير بالبصرة ولاقت دعوته سندا كبيرا بحيث جعلت عبيد الله بن زياد والي العراق الأموي يقول: الكلام هؤلاء أبو بلال وأتباعه أسرع إلى القلوب من النار إلى وانضم إلى هذه الفرقة المعتدلة جابر بن زيد الأزدي الذي أصبح هو المؤسس الحقيقي للمذهب الإباضي أما عبد الله بن إباض
يراع
فيعتبر أحد العلماء والمجادل والمناظر باسم أنصار جابر بن زيد. أما علة التسمية هذه الفرقة بالإباضية، فتعود إلى أن مخالفيهم، هم الذين أطلقوا عليهم تلك التسمية، بسبب المواقف السياسية الجريئة التي أظهرها عبد عبد الله بن إباض. ومن هنا يجدر بنا أن نبين الفروق
الفاصلة والمميزة بين الإباضية والخوارج.
(1) د. محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية ص 87.
- 53 - (1/53)
صفحة 54
(1) الإباضية ليسوا فرقة من فرق الخوارج عقائديا دينيا، سياسيا، تاريخيا، على حسب الوقائع التاريخية والدلالات الدينية والسياسية التي رأيناها سابقا.
-
-
(2) إن الرسالة التي بعثها عبد الله بن إباض زعيم الإباضية، إلى عبد الملك بن مروان الأموي (65) هـ - 86 هـ) بينت لنا أن الإباضية تبرأوا من زعيم الخوارج نافع بن الأزرق بن قيس الحروري وأفكاره جملة وتفصيلا، لقد جاء في هذه الرسالة ما يلي: (إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم) (1). (3 إن الإباضية يرون أن المسلم إذا أقر بوحدانية الله عز وجل وبرسالة الرسول الكريم على الله، لكنه ضيع الفروض الدينية كعدم الصلاة أو ارتكب الكبائر: كالزنا، شرب الخمر، القتل ... الخ ففي هذه الحالة يطلق عليه الموحد، وليس بمؤمن ولا بمشرك شرك كفر، وبالتالي يعتبر كافرا كفر نعمة لا كفر شرك ... اعتمادا على دلالات القرآن الكريم والسنة الشريفة. كقوله تعالى: والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين «آل عمران:97) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (المائدة: 44) يقول الرسول الكريم: «العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة، فمن تركها
فقد كفر» رواه الترمذي وقال حديث صحيح.
(1) الجواهر المنتقاة: البرادي ص 165.
د. حسين عبيد غانم غباش الترجمة د.
أنطوان حمصي،
عُمان الديمقراطية الإسلامية، ص 63.
-54 - (1/54)
صفحة 55
وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله الله يقول: «إن
بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم.
إن الكفر عند الإباضية ينقسم إلى قسمين: أ) كفر نعمة ونفاق فيتمثل في المسلم العاصي الذي ضيع فرائضه الدينية
أن
كعدم الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو ارتكب الكبائر دون الشرك. ب كفر شرك أو جحود فيتمثل في الإنسان الكافر بالله عز وجل وبرسوله الكريم محمد علا ففي هذه الحالة يعد خارجا عن ملة الإسلام وهكذا فإن الإباضية ينظرون إلى عصاة المسلمين من مذهبهم أو غير مذهبهم نظرة إسلامية واضحة فهؤلاء تجرى عليهم أحكام المسلمين. وبالتالي يحرم تستحل دماؤهم وأموالهم ونساؤهم وأولادهم وأعراضهم. فلذا يصلى معهم، وعلى أمواتهم ويحج معهم وتنكح نساؤهم ويتوارث معهم وتؤكل ذبائحهم الخ (1). يقول الإمام محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله: التوحيد) عاصم لدم الموحد وماله، وسبيه ومن أحل مال الموحد أو سبيه أشرك) الذهب الخالص ص 28 ط 1).
فهذه العقيدة جعلت حدا فاصلا بين الإباضية ... وفرق الخوارج حينما حكمت على عصاة المسلمين بالشرك فاستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ اعتمد هؤلاء على هذه الآية الكريمة: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون الأنعام: 121)
(4) المواقف الفعلية الصارمة التي وقفها الإباضية ضد الخوارج من
(1) راجع: ابن جميع أبو حفص عمرو مقدمة التوحيد وشروطها.
أبو عمار عبد الكافي - الموجز.
- 55 - (1/55)
صفحة 56
:
بينها مايلي أ ـ قتال الإمام الجلندى بن مسعود (131 هـ 133 هـ) في عمان ضد شيبان الخارجي وهو من الصفرية، حينما قدم في جيشه إلى عمان هاربا من أبي العباس السفاح العباسي ودارت معركة بين الجيشين الإباضي والصفري، وأسفرت المعركة، عن مقتل شيبان وجنوده وذلك سنة 134 هـ (1).
اعتناق القائد هلال بن عطية المبادئ الإباضية، الذي كان على مذهب الصفرية وزعمائهم فأمسى القائد الأول في جيش الإمام
الجلندى بن مسعود.
كان الإمام أبو الخطاب المعارفي الذي عقدت عليه الإمامة في بلاد المغرب بطرابلس سنة 140 هـ له دور كبير في محاربة الصفرية بقيادة أبي القاسم بن واسول بالقيروان، حيث طرد الصفرية منها بعد معارك طاحنة.
يقول عبد العزيز فيلالي: (ومن خلال ما تقدم يظهر أن التعاون بين الخوارج الإباضية والصفرية أصبح مستحيلا للخلاف الجوهري الواضح بين مبادئ الفرقتين مال الإباضية إلى الإعتدال والتسامح مع ملاحظة لابد منها: فالخلاف بين الإباضية والمدارس الكلامية الأخرى حول تسمية عصاة المسلمين وأهل الكبائر والفسق ينحصر في الدلالة اللغوية فقط. أما دلالة المعنى فواحدة عند
الفرق الإسلامية.
فالإباضية تسمي هؤلاء بالموحدين. أما الأشعرية فتسميهم بالفاسقين العصاة، فهذه الدلالة نفسها يطلقها الشيعة والزيدية على عصاة المسلمين.
راجع: كتاب الموجز في علم الكلام لأبي عمار عبد الكافي.
(1) الحركة الإباضية في المشرق العربي لمهدي طالب هاشم العراقي ص 185.
- 56 -
- (1/56)
صفحة 57
-
المخالفين، وقالوا بأنهم كفار بالنعم والأحكام، وليسوا كفار ملة أو
بعبارة أخرى أبرياء من الشرك ولا تحل دماؤهم) (1).
(5) إن الإباضية في ميدان القتال حينما واجهوا أعداءهم إلتزموا بأدب الجهاد الإسلامي يقول أبو عبيدة لطلابه: إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم
(2)
إن المصادر غير الإباضية تؤكد لنا هذه الحقائق التاريخية.
إن الإباضية بقيادة طالب الحق أطاحوا بالنظام الأموي بحضرموت سنة 129 هـ وألقي القبض على الوالي الأموي إبراهيم بن جبلة الكندي الذي سجن يوما واحدا فقط، فأطلق سراحه حرا بعد ذلك (3). وحينما دخل الجيش الإسلامي بقيادة أبي حمزة الشاري الإباضي مكة سنة 129 هـ تفاوض مع الوالي الأموي بالحجاز وهو عبد الواحد ابن سليمان بن عبد الملك على أساس عدم مهاجمة الحجيج، ثم يترك سبيله سليما حرا بعد موسم الحج. وبالفعل التزم الجيش الإباضي بذلك. وقال أبو حمزة الشاري (معاذ الله أن ننقض العهد، والله لا أفعل، ولو قطعت رقبتي هذه) (4).
وفي هذا المنحى التاريخي يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه
الله في كتابه جوهر النظام. ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا (1) المظاهر الكبرى في عصر الولاة ببلاد المغرب والأندلس عبد العزيز فيلالي ص 80. (2) أبو الفرج الأصفهاني: كتاب الأغاني ج 23 ص 112.
(3) تاريخ خليفة الخياط ص
384
(4) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 118.
-57 - (1/57)
صفحة 58
-
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة فحكموا بحكم المشركين جهلا على بغاة المسلمين - (6 إن الإباضية سلكوا العمل الدعوي والتعليمي والثقافي خدمة للإسلام علما وعملا فكانوا من الأوائل الذين دونوا علم الحديث والفقه، ولا أدل على ذلك من المؤسس الحقيقي للفقه الإسلامي الأصيل جابر بن زيد رحمه الله (21 هـ - 93 هـ) حيث أخذ العلم عن الله الصحابة والتابعين رضي لا سيما ابن عم الرسول الله عبد الله بن عباس وقال عنه: إسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه وقال ياقوت: إن أبا الشعثاء جابر بن زيد أحد
عنهم
أئمة السنة وتعتبر مدرسته أسبق المدارس الفقية الأخرى) (1).
يقال: إن عبد الملك بن مروان وبنيه استولوا على ديوانه وحرموا
دراسته ونشره على الناس وقد نهج العباسيون نفس الفكرة. ولا بد أن نشير هنا إلى تلميذه الكبير الربيع بن حبيب بن أحاديث هـ - 170 هـ) قد اعتنى بجمع
عمرو الأزدي العماني (70
هـ
الرسول الكريم في كتاب الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبي
ويعتبر معتمد الإباضية في العقائد والفقه والآداب (2).
ومن
هذا المنطلق التاريخي، يحسن بنا أن نقول: إن المدرسة الإباضية تملك موسوعة فقهية كبيرة معتمدة على آراء علمائها، دون أن (1) لقد جاء في مقدمة أصول التفسير ص 61 للإمام ابن تيمية مايلي: (وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وأبي الشعثاء ـ أي جابر بن زيد وسعيد بن جبير وأمثالهم) (2) أبو القاسم عمرو بن مسعود الليبي الربيع بن حبيب محدثا وفقيها.
- 58 - (1/58)
صفحة 59
تتجاهل أقوال بقية المذاهب الأخرى لا سيما في مواطن الإختلاف
والإتفاق كشرح كتاب النيل وشفاء العليل للعلامة امحمد بن يوسف هنا بنا أن نبين بعضا منها.
اطفيش رحمه الله.
-
ومن
يحسن
1 المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني.
2 قاموس الشريعة للعلامة جميل بن خميس السعدي يشتمل على 92 مجلدا. 3 بيان الشرع للعلامة محمد بن ابراهيم الكندي يشمل على 72 مجلدا. 4 مؤلفات العلامة محمد بن يوسف أطفيش تزيد على 300 كتاب بين مخطوط ومطبوع أهمها تيسير التفسير، شرح كتاب النيل، والذهب الخالص.
-
5 مؤلفات الشيخ نور الدين السالمي تزيد على 30 كتابا أهمها مشارق أنوار العقول وجوهر النظام.
والجدير بالملاحظة أن هذه الموسوعة الإسلامية جاءت متحررة من قيود السلطة الحاكمة، ووصايتها، ولم يخدم أعلام الفكر الإباضي دولة معينة، وإنما كتبوا للإسلام الأصيل، مخلصين جهودهم لله عز وجل. يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي: ما من مذهب من المذاهب الإسلامية الخالدة المعمول به اليوم إلا وقد استمد خلوده واستمراره من سلطة تدعمه وتسانده ما عدا المذهب الإباضي استمد خلوده من متانة أصوله (1). أما بالنسبة للخوارج فلا نجد لهم مؤلفات فكرية أو فقهية أو تنظيمات اجتماعية اللهم إلا أدب الخروج والثورة الداعي إلى رفع
(1) بكير بن سعيد أعوشت: الإباضية في مرآة علماء الإسلام ص 64.
- 59 - (1/59)
صفحة 60
السيوف وتصعيد لهيب الثورة لتتحقق رؤيتهم في المجتمع الذي سعوا
-
لإظهاره بكل وسائل التمرد والثورة وتكفير الغير.
يقول أحد شعرائهم: إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت له شفتاك الفم والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار مخافة وانت ولي والمهلب كافر (1) - (7) إن الإباضية التزموا في تاريخهم الطويل مع مخالفيهم مبدأ الإعتدال والتسامح والموعظة الحسنة الأخوة الإسلامية والجدال الهادف. وروح يقول الدكتور محمد صالح ناصر: إن الإباضية لم يستخدموا وسائل العنف كما استخدمها خصومهم، ضدهم، وإنما عرف عنهم المسالمة، والمهادنة، والمجادلة بالتي هي أحسن حتى في أشد المواقع تعرضا للخطر والموت. وهم من أجل هذه الخصيصة أطلق عليهم الأزارقة (القعدة) تعبيرا لهم لقعودهم عن الخروج (2).
تلك هي دعوتهم ومنهجهم الفعلي ماضيا وحاضراً حيث اعتمدوا على فقه الدعوة لا على فقه التطرف والدماء. ولعل من المفيد أن نذكر أنهم ارتضوا بسيرة عمر بن عبد العزيز الأموي وبينوا منهجهم الدعوي القائم على أصالة ثوابته القرآن، السنة، سيرة
(3)
رحمه الله
الخلفاء الراشدين والسعي في تحكيم شريعة الله وألا يرتكب شيء يتعارض مع أحكامه فلا بد من الإلتزام قولا وعملا يقول الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش رحمه الله: لهذا ارتضوا
(1) الدكتور عبد الرزاق حسين شعر الخوارج ص 112. (2) منهج الدعوة عند الإباضية ص 231.
(3) د. عوض محمد خليفات نشأة الحركة الإباضية
ص
105
- 60 -
- (1/60)
صفحة 61
من
سيرة عمر بن عبد العزيز حين أرسلوا إليه وفدا من البصرة يتألف ستة علماء جهابذة: جعفر بن السماك العبدي، أبو الحر علي بن الحصين العنبري والحباب بن كاتب والحباب بن كليب، وأبو سفيان قنبر البصري وسالم بن ذكوان وحيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز قالوا كعادتهم في الغمز: أرسل إليهم الخوارج وفدا. ولم يذكروا ما جري بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث وقبوله منهم كل ما أرادوه منه لنشر العدل، وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأموييون سُنَّةٌ. فإن الوفد قال له: إن المسلمين يلعنون عليا على المنابر، فلا بد من الشروع في تغيير المنكر، فأبدل اللعن بقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 190. لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت من الإباضية، من نشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة) (1).
•
- (8) إن الإباضية اعتمدوا على حركة الدعوة الإسلامية الخالصة لله لنشر الإسلام لبناء مجتمع مسلم مستقر ومتحضر عماده: الإيمان بالله ورسوله، العمل الصالح، الأخلاق القرآنية سلوكا، العمل على وحدة
الأمة الإسلامية، والمحافظة على كيانها حاضرا ومستقبلا.
وتجدر الإشارة هنا إلى الكتب القديمة والدراسات الجامعية المعاصرة الجادة بينت أن الإباضية قد ساهموا مساهمة فعالة في نشر
(1) الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش: الفرق بين الإباضية والخوارج ص 12.
-61 - (1/61)
صفحة 62
الإسلام في إفريقيا الشرقية والغربية وكذلك في الهند والصين
وأندونيسا وما جاورها.
يقول الدكتور نايف عبد جابر السهيل: إن لإباضية الخليج العربي أثرا عظيما في نشر الإسلام في سواحل الهند وفي الصين وفي اندونيسيا وكان لهم نفس الأثر في نشر الإسلام في جزيرة سيلان والتي تعرف الآن باسم سريلانكا) (1).
إن دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا يعود أساسا إلى تجار الإباضية مادام العمل الصالح في الإسلام يعتبر عبادة، وهكذا فإن تجار الإباضية في الشرق والغرب لم يكونوا تجارا فقط، بل كانوا ينظرون إلى الحياة نظرة روحية ومادية لا انفصال بينهما.
وغني عن البيان أن هؤلاء التجار يحملون مفاهيم إسلامية أصيلة حول الخالق عز وجل والوجود الإنساني وسلوكه، ومجتمعه، ومصيره، وحريته، وعلاقته بالآخرين، والحياة والموت والبعث والحساب ... الخ. يقول الدكتور أحمد إلياس حسين السوداني ما يلي: (إن الإباضية هم أول من قام بتركيز الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا قبل وصول الأعداد الكبيرة من فقهاء المذاهب الأخرى، ومن المعروف أن المذهب المالكي الذي ساد في غرب إفريقيا قد ارتبطت سيادته بحركة المرابطين في الصحراء الغربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ويبدو أن انتشاره الواسع كان على حساب المذهب الإباضي الذي ساد في المنطقة منذ القرن الثامن الميلادي، وقد ظلت بقايا الإباضية حية في أمبراطورية
(1) نايف عبد جابر السهيل الإباضية في الخليج العربي ص 179.
- 62 - (1/62)
صفحة 63
مالي حتى القرن الرابع عشر الميلادي حيث لاحظ ذلك ابن بطوطة) (1). ومن خلال هذين النصين نستنتج أن الإباضية كانوا من رواد
حر
الدعوة الإسلامية المعتدلة التي جمعت بين الدين والدنيا لا إفراط ولا تفريط وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (البقرة: 143). وهكذا فإننا قد سلطنا بعض الأضواء الكاشفة على كة الدعوة الإسلامية التي قام بها الإباضية في إطارها التاريخي الإسلامي العام. ولاشك أيها المسلم الكريم الآن تدرك كل الإدراك أن المذهب الإباضي كان بعيدا كل البعد عن مظاهر العنف والتطرف ورفع السيوف وسفك دماء المسلمين الأبرياء قديما وحديثا كما قام بذلك الخوارج في العالم الإسلامي مشرقه ومغربه.
ونحن أحوج ما نكون بالتأسي بسلفنا الصالح والتشبه بهم معتمدين على قول الله عز وجل فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر «الغاشية: 21 - 28 أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125 وننزل من القرآن ما
كل
هو شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء:82) ولكن السؤال الذي يطرحه باحث ومتأمل لماذا أصبح المذهب الإباضي ليس له أتباع في تلك المناطق
التي ذكرناها ولعل الإجابة نجدها فيما يلي: (وقد يتساءل المرء عن انحسار المذهب الإباضي في هذه المناطق، وأحسب أن هذا يعود أساسا إلى أن الإباضية كانوا متسامحين مع أهل تلك المناطق، فقد كانوا يهدفون إلى نشر الإسلام متجاوزين العصبيات المذهبية حيث حرصوا
(1)
د.
أحمد إلياس حنسنين دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي ص 16.
-
- 63 - (1/63)
صفحة 64
على نشر الإسلام أولا، ولم يفكروا في أي شيء آخر بعد ذلك) (1). رؤية الأستاذ الكريم محمد ناصر إلا أن هناك عنصرا
هذه
الإبتعاد عن
هي رؤية
جوهريا في نظرنا يكمن أساسا في أن الإباضية من اخلاقهم الفعلية الفتنة المذهبية وسفك الدماء مادام المسلمون يرجعون إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة فلا فرق بين هذا المذهب وذاك وكلهم أمة واحدة وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم
من
فاتقون به المؤمنون: 52).
(9) الإباضية ومقاومتهم للإستعمار القديم والحديث.
إن الوقائع التاريخية تؤكد لنا أن الإباضية قد حاربوا الإستعمار الذي يعتبر مظهرا من مظاهر اليهودية والنصرانية اعتمادا على قول الله عز وجل ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ك (البقرة: 120) وهكذا فإن الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الذي بويع بالإمامة سنة 1024 هـ بعمان قد طهر الخليج العربي وشواطئ الهند ثم شواطئ افريقيا الشرقية من الصليب البرتغاليين، بعد حروب دون أن ننسى الدور الإيجابي الفعال الذي قام به إباضية ليبيا
معهم
(2)
طاحنة
وجزيرة جربة في محاربتهم الصليب الإيطالي والإسباني منذ 1510
إلى نهاية الحرب العالمية الثانية وبعدها.
م
وكذلك دور الإباضيين الجزائريين في الدفاع عن العاصمة
(1) د. محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية ص 254. (2) راجع أ - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للعلامة نورالدين السالمي. ب ـ مختصر تاريخ الإباضية للشيخ أبي ربيع الباروني ص 63/ 62.
-
- 64 -
- (1/64)
صفحة 65
الجزائرية لما نزل الأسبان فيها 1518 م (1).
أضف إلى ذلك جهادهم الكبير في الثورات الجزائرية الكثيرة والمتكررة. يقول الطبيب الألماني سيمون بفايفر في كتابه لمحة تاريخية عن
الجزائر تعريب أبو العيد دودو ص 80 ما يلي: (وصل مع أمين الميزابيين في الجزائر العاصمة حوالي أربعة آلاف وبذلك أصبح الجيش الجزائري بإضافة حرس الآغا أفندي وسكان الجزائر الذين وصلوا إلى
معسكر دفعات كبيرة يضم خمسين ألف رجل على الأقل). والجدير بالذكر أن الإباضيين الجزائريين قد رفضوا قانون التجنيد
م إذ بعثوا
الإجباري الفرنسي على الجزائريين الصادر في 3 فيفري 1912 باحتجاجات إلى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس، فقاموا بمظاهرات شعبية بغرداية في نوفمبر 1925 م مما أدى الأمر إلى الإعتقالات والمطاردة (2). إن هؤلاء بحكم تربيتهم الدينية أدركوا أن هذا القانون يتعارض مع العقيدة الإسلامية الصحيحة وبالتالي فإن أبناءهم المجندين سيرسلون إلى ميدان القتال لقمع الثورات الإسلامية في الجزائر والعالم الإسلامي كله. إن هذا القانون العسكري، سيؤدي حتما بالجنود إلى سفك دماء
إخوانهم المسلمين أو قتلهم ويعتبر هذا الكبائر الكبرى. من يقول الرسول الكريم لعل الله: «لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» رواه البخاري ومسلم. ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (النساء: 93) فهل المؤرخون المعاصرون ذكروا
(1) يوسف بن بكير الحاج سعيد تاريخ بني ميزاب ص 63/ 64.
(2) المصدر السابق ص 164.
5;
- 65 - (1/65)
صفحة 66
ذلك
هذه الحقيقة أم مروا عليها مر الكرام بدون إعطائها بعدها العقائدي الإيماني، أم أن هذا السلوك تكمن فيه عقيدة الخوارج كما يري أصحاب المقالات القديمة وبعض الأقلام الإسلامية التقليدية الحديثة التي النقد وأخلاقيات القرآن الكريم والأخوة الإسلامية الصادقة روح البعيدة عن التعصب المذهبي الذي لا يخدم عظمة ووحدة أمتنا الإسلامية ومصيرنا المشترك.
فقدت
أما بالنسبة إلى الثورة التحريرية سياسيا وعسكريا (1954
-
(1962 فيقول السيد ابن يوسف بن خدة عضو لجنة التنسيق
والتنفيذ لجبهة التحرير الوطني، والرئيس السابق للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية: كان التجار الميزابيون من أخلص المساعدين الذين عملت معهم، كانت محلاتهم مراكز للبريد ومستودعات للوثائق والمناشر والأسلحة والذخائر ومراكز للطباعة السرية وملتقيات للمناضلين المطاردين من طرف الشرطة الإستعمارية فهم صورة ناصعة للمناضل الجزائري الوفي) (1).
وأخيرا نقول: للمؤرخ الناقد، عليك بتحليل هذا الكفاح الإسلامي في سبيل وحدة أمتنا الإسلامية حتى يتميز الخبيث من الطيب قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} (المائدة: 100).
(1) حمو عيسى اللنوري: دور الميزانين في تاريخ الجزائر باريس 1984. يوسف بن بكير الحاج سعيد المصدر السابق ص 219. أضف إلى ذلك أن الإباضيين الجزائريين في تاريخهم الطويل لم ينضموا إلى الجيش الفرنسي المرتزق أي ما يطلق عليه (القومية) لضرب الثورة من قبل أعدائها.
- 66 - (1/66)
صفحة 67
تلك
أن
- (10) الخوارج في نظر الإباضية: يقول الدكتور المصري محمد حسان كسبة ما يلي: (الإباضية ذهبوا إلى أن الخروج إنما يتحقق فيمن خرج عن الدين والخروج من الدين إنما يكون بإنكار أصل ثابت من أصوله أو بالعمل بما يتنافى مع الأصول المقطوع بها، لأن العمل بذلك هو الردة والإنكار إنما يجب يكون لما عليه سلوك المسلم الذي حدده القرآن ومن هنا فإنهم يتصورون مفهوم الفرقة التي ينطبق عليها مفهوم الخارجية الوارد في حديث ومروق من الدين إنما هي فرقة الازارقة ومن كان على شاكلتها لما يقومون به، ويعتقدون من سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم نسائهم واطفالهم مستحلين لذلك كله) (1).
وسبي
اعتمادا على هذا النص، يحسن بنا أن نبين بعض المواقف التي
الضعفاء
أبرزها عدة علماء الإباضية وأئمتهم. يقول العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسيوني العُماني المتوفى في نصف القرن الخامس الهجري ما يلي: (وممن أقره الله من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا دليل على بطلان قولهم: إن كل دار يحكم فيها بغير ما أنزل الله، لا يقبل فيها من أحد حسنة. من الخوارج وأما تسميتهم إياهم بالشرك والكفر من
فهذا خطأ
غير ذنب، والإرتداد فذلك خطأ عظيم) (2).
وأما العلامة أبو يعقوب يوسف ابراهيم الوارجلاني (570/ 500 هـ)
(1) محمد حسان كسبة: الإباضية وعقيدتهم ص 88. (2) جامع أبي الحسن البسيوني ج 1 ص 263.
- 67 - (1/67)
صفحة 68
فيقول: (وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (الأنعام: 121) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها) (1).
وأما قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش (1332/ 1236 هـ) أحل
فيقول رحمه الله: التوحيد عاصم لدم الموحد وماله وسبيه، ومن مال الموحد أو سلبه أشرك) (2).
ويقول العلامة الشيخ السالمي (1332/ 1286 هـ): (ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا، لأن الله لم يأمر به في كتابه ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أن فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من قومهم وهم بذلك مضلون) (3).
من يعلمون أنه
بريء من الزنا
وأما الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش (1965/ 1888 م) فيقول رحمه الله: (وأرى أن الخلاف بين الأمة في الإصطلاحات ليس إلا، سوى الأزارقة والصفرية فعندهم الكبائر كلها شرك. لذلك استحلوا الدماء والأموال والسبي لأبناء المسلمين ونسائهم وخربوا البلدان
بوقائعهم التاريخية المهولة) (4).
إذن فهذه هي الأدلة الواضحة التي كتبها علماء الإباضية قديما وحديثا وهي تعبر عن تعبر عن أصالة الإسلام. أما ما كتبه أصحاب المقالات القديمة
(1) الدليل والبرهان ج 1 ص 15.
(2) الذهب الخالص: ص 28 الموحد هو المسلم العاصي.
(3) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان
ج
(4) النقد الجليلي للعتب الجميل ص 13.
1
ص
-68 -
67 (1/68)
صفحة 69
والحديثة التي ألصقت بالإباضية فتعتبر زورا وباطلا، جاءت لتحقيق مغنم دنيوي أو مطية لتأييد حكم ظالم وتبرير سلطته المنحرفة باسم الدين الإسلامي، إن هؤلاء ينطبق عليهم قول الله عز وجل: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} (البقرة: 142 فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلام (المائدة: 44) يقول الرسول الكريم من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» رواه
أحمد والطبراني.
ولولا أدب الإختلاف في الإسلام وعفوه، لأوردت أحكاما ظالمة، باغية، متناقضة مع الإسلام قيلت في حق إخوانهم الإباضية كتبها أغلب أصحاب المقالات الإسلاميين وبعض رجال الفتوى القدماء والمعاصرين باسم الدين الإسلامي وهو بريء من الغلو والفتنة والتطرف، إن هؤلاء قد حرفوا المذهب الإباضي لأهداف دنيئة سياسية، ألبست لباس الدين لتطهير وجودهم وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (إبراهيم: 12 وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (الأنعام: 18). ويوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور:24)
(11 بعض الأقلام المنصفة تقول عن الإباضية:
بالرغم من كل هذا، فإن هناك بعض الأقلام غير إباضية، قد أدركت هذا الخطأ الجسيم الذي وقع فيه أصحاب المقالات القديمة وبعض الأقلام الحديثة تحت تأثير السلطة السياسية البعيدة عن الحاكمية لله تعالى وحده
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} (المائدة: 45).
بحيث أن هؤلاء الفضلاء تجردوا من الاحكام المسبقة، والتزموا
- 69 - (1/69)
صفحة 70
بالروح العلمية لا سيما الأخلاق الإسلامية والنقد الموضوعي، وهذا الامر يتطلب طاقة أخلاقية وقدرة على كبح الأهواء الذاتية، لأن أزمتنا
ليست أزمة معارف لكنها أزمة أخلاق وضمير إسلامي حقا.
ومن
هنا
يحسن
بناء أن
نشير إلى بعض هذه الأقلام:
- 1 يقول الدكتور السوري الصابوني في كتابه تاريخ التشريع: (بما أن الدولة الأموية تراقب جابرا وغيره سمتهم كما سمت أكثر معارضيها
-
بالخوارج، وذلك للتنكيل بهم، والتخلص منهم والقضاء عليهم). 2 يقول د. محمد عوض خليفات الأردني ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدال بين الباحثين والمفكرين. أ) إن الإباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل، وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص. والواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم. (ب) إن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية. جـ) إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي، من أكثر المسلمين اتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها، أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب. د إنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر (1).
(1) د. عوض محمد خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص
52
-
70 - (1/70)
صفحة 71
- 3 يقول الأستاذ العراقي مهدي طالب هاشم: ولم تستطع السلطات المتعاقبة في البصرة أن تضع يدها على هذه المنظمة السرية للدعوة الإباضية للدقة والتحفظ الذي أحاط بها الدعاة أنفسهم. وقد ظهر لنا أن هذه الفرقة كانت على خلاف عقائدي وسياسي مع فرق الخوارج المتطرفة كالأزارقه والنجدات، حيث امتازت هذه الفرقة بمواقفها المعتدلة فلم تكن تكفر المسلمين المخالفين لهم في المذهب واتضح لنا أن هذه الميزة هي إحدى مبررات بقائهم كمذهب إسلامي
فلم
يمثل استمرار العقائد المحكمة الأولى حتى تاريخنا المعاص (1). - 4 يقول د. نايف عبد جابر السهيل: (إن الإباضية في كل مؤلفاتهم تقريبا، كانوا أكثر هذه الفرق تعقلا في إبداء آرائهم فعلى الرغم من شدة هجومهم على الدولة الأموية، إلا أنهم كانوا شديدي التعقل في آرائهم في ولاة الأمر، وبخاصة مسألة خلافة عثمان رضي الله عنه يجرحوا هذه الخليفة كما جرحته فرق كثيرة، ولم يشككوا في خلافته كما فعلت أيضا فرق كثيرة. وهذه نقطة تحسب للإباضية وتزيد من رصيدهم باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية الأصيلة وأتاحت لهم تحقيق مآربهم في الخليج العربي على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة. وأخيرا يظهر موقف الإباضية الصريح من رفض غلاة الخوارج، حيث قال ابن إباض في جلاء: أما زعيم الخوارج بن الأزرق فنحن منه لغوله، وتشدده، وإفراطه في الأحكام، حين حكم في المسلمين
نتبرأ
(1) مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي - نشأتها وتطورها في نهاية القرن الثالث الهجري ص 314.
- 71 - (1/71)
صفحة 72
بالكفر وهذه الجملة تحدد التطور الفكري لفرقة الإباضية من جماعة الخوارج وأفكارها ولا سيما من حيث حكمها على المسلمين بالكفر، واستحلالهم دماء المسلمين وثم يعلن ابن إباض انضمامهم إلى الركب الإسلامي في نفوره من الغلو في فكر الخوارج. والإلتزام بالإعتدال في
الفكر الذي شهده التاريخ الحضاري للإسلام منذ نشأته) (1). وعلى أي حال فإن الدراسات المنهجية الحديثة القائمة على المصادر الإباضية وغيرها، بينت بكل وضوح أن الإباضية يختلفون عن الخوارج عقيدة وسلوكا وتاريخيا وهم يتميزون بالإعتدال، ثم عدم الفصل بين القول والفعل. وهم بعيدون كل البعد عن مظاهر التطرف وسفك الدماء والإنتقام. إن هذه النظرة الجديدة إلى الفكر الإباضي من غير أتباعه يعود فضلها الأكبر إلى علماء الإباضية الذين بينوا تهافت أصحاب المقالات القديمة ومن قلدهم بدون نقد علمي وإدراك واع، بحيث فقدوا الروح العلمية وشروطها لا سيما الموضوعية، يقول الحق تعالى ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور الشورى: 124. لقد صدق الشاعر الكبير المتنبي في هذه الحكمة الخالدة: ومن يك ذا فم مريض يجد مرا به الماء الزلالا إذن فقد رأينا بكل وضوح الحدود الفاصلة بين الإباضية والخوارج. وعلى ضوء هذه الحقائق التاريخية ينبغي الآن أن نشير إلى
(1)
د. نايف عبد الجبار السهيل، الإباضية في الخليج العربي ص 19. راجع: د. حسين عبيد غانم غباش عُمان الديمقراطية الإسلامية ص 64.
- 72 - (1/72)
صفحة 73
العقائد الإباضية بإيجاز جدا لتكتمل الصورة الواضحة أمام القارئ الكريم، وقبل أن نستعرض تلك العقائد فلا بد أن نشير إلى أن مصادر عند الإباضية تعتمد أساسا على ما يلي:
التشريع (1) القرآن الكريم (2) السنة المطهرة (3) الإجماع (4) القياس والإستدلال إضافة إلى الإستصحاب والإستحسان والمصالح المرسلة.
أما تلك الأصول العقائدية فهي كالتالي:
-
1 التوحيد والصفات الإلهية:
ويقصد بهذا، أن يشهد الإنسان البالغ أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق، ومن أنكر هذه الأصول عد مشركا والإباضية يرون أن صفات الله عز
وجل هي عين ذاته، وليست هذه الصفات زائدة ولا محدثة. (2) الإيمان:
-
يرى الإباضية أن الإيمان يرجع إلى أصول جوهرية لا فصل بينها وهي: الإعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل الصالح بالجوارح. ومن أتى بالقول وضيع العمل فهو فاسق وعاص وكافر كفر نعمة وليس بمشرك، وأحكامه هي أحكام الملة الإسلامية التي تنطبق عليه. (3) القدر وحرية الإنسان:
-
فالإباضية يرون أن القدرة من خلق الله عز وجل، وهي مرتبطة
بالفعل الذي اكتسبناه، وبالتالي فإن الإنسان حر في اختياره ليس مجبرا
على فعله ولا خالقا لفعله.
-
(4 العدل والوعد والوعيد:
إن الله عز وجل عادل كل العدل في وعده الجنة، ووعيده جهنم،
- 73 - (1/73)
صفحة 74
فالله صادق في وعده ووعيده، إن الخلود أبدي في الجنة والنار (1).
-
(5) الشفاعة:
إن شفاعة محمد الله لن تكون لمن مات وهو مصر على
علي
الكبائر، وإنما تكون للمسلمين عامة للتخفيف عنهم يوم الحساب، ثم
التعجيل بهم لدخول الجنة.
- (6) لا منزلة بين المنزلتين:
-
-
-
ويقصد بهذا أن الناس قسمان مؤمن وكافر وليس هناك قسم ثالث.
7) المنزلة بين المنزلتين:
ويقصد بهذا أن النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك فالمنافقون المسلمين في معاملاتهم الدنيوية ففي الآخرة فهم مع المشركين. 8 نفي رؤية الله عز وجل: إن الإباضية يجزمون بامتناع رؤية الله في الدنيا والآخرة حسيا،
(1) يقول الله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعدا له عذابا عظيما النساء: 193.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «ومن قتل نفسه يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبداء رواه البخاري ومسلم والنسائي.
بسم قسمه في
- 74 - (1/74)
صفحة 75
-
اعتمادا على الأدلة العقلية والدينية مع (6).
- (9) خلق القرآن الكريم: إن الإباضية يرون أن القرآن الكريم مخلوق محدث إلا ما قام
الدليل على قدم معناه فقط، كلفظ الجلالة والرحمن الرحيم. (10) الولاية والبراءة:
-
إن الإباضية يدينون بالولاية وهي الحب والإخلاص لكل مسلم مؤمن صالح ومناصرته في الله لا غير.
أما البراءة فهي هجرة من هاجر بالبغي والعدوان أو ارتكاب كبائر جهرا ولم يتب ومن هنا تنطبق على الكافرين جملة وعصاة
المسلمين الذين خرجوا عن جادة الإسلام ولم يتوبوا توبة خالصة.
يعني
(1) جاء في كتاب الجامع الصحيح الجزء الثالث ص 26 و 29 ما يلي: النظر في اللغة، قال الربيع: إن النظر هو الإنتظار لقول الله عز وجل وما ينظرون إلا صيحة واحدة تاخذهم وهم يخصمون يس: 49) ما ينظرون وليس النظر بالأبصار. وقال الله عز وجل وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق (ص: 15) وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة)) (الأنعام: 158) ونحوه من القرآن ومصداق ذلك في اللغة قول القائل إنما أنظر إلى كم الله، ثم إليك يعني ينتظر ما يأتيه من قبله. والرؤية فقد تكون بغير البصر قال الله عز وجل ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناكم (الفرقان: 45) وقوله أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة «يس: 177 وإنما يعني بهذا كله وأشباهه العلم واليقين ولا يريد رؤية الأبصار.
قال حدثنا أفلح بن محمد عن أبي معمر السعدي عن علي بن أبي طالب في قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة من القيامة: 22) قال تنضر وجوههم وهو الإشراق إلى ربها ناظرة) قال تنتظر متى يأذن لهم ربهم في دخول الجنة ولا يعني الرؤية بالأبصار لأن الأبصار لا تدركه كما قال: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخير الانعام: 103).
- 75 - (1/75)
صفحة 76
(11) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: واجبان في كل زمان ومكان على حسب
طاقة المسلم.
12) الإمامة:
-
إن الإباضية يرون أنه لا يجوز بحال الأحوال أن تبقى الأمة من الإسلامية بدون إمام أو سلطان مهما كانت الظروف السياسية
والإجتماعية، وإلا لن تقام الحدود الإسلامية هناك.
ومن هنا، لا يجوز الخروج على الإمام العادل، مطلقا سواء كان
إباضيا أو غير إباضي. أما إذا كان الإمام ظالما فجاز الخروج على سلطته ولكن ليس
بواجب لا سيما إذا كان الضرر أكثر من النفع.
لا شك أن القارئ الكريم قد أخذ فكرة واضحة عن المذهب الإباضي وأصوله، إلا أنه يجدر بنا أن نعالج إشكالية اخرى في آخر الأحاديث النبوية المتعلقة في موضوع: اختلاف الأمة
الفصل وهي والفرقة الناجية وحديث الخوارج والمروق.
-
-
ملاحظة: تابع للتعليق السابق (1) ص 75.
يتفق الإباضية على تحديد تسعة شروط للرؤية وهي
(1) سلامة الحاسة. - (2) كون الشيء جائز للرؤية مع حضوره الحاسة. - (3) مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة. - 4) عدم غاية الصغر. (5) عدم غاية اللطافة. - (6) عدم غاية البعد. (7) عدم غاية القرب. ـ 8) عدم الحجاب الحائل. - (9) أن يكون مضيئا بذاته أو بغيره. أن هذه الشروط لا تعقل إلا في جسم أو عرض والله تعالى ليس كذلك فهي أقوى دليل على استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة.
وبما
الشيخ فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية الجزء الأول ص 302)
-76 - (1/76)
صفحة 77
الفصل الخامس
وقفة مع الأحاديث النبوية في موضوع اختلاف الأمة والفرقة الناجية
والخوارج والمروق.
أ
مقدمة: لقد عرف العلماء الحديث بأنه: (ما أضيف إلى النبيء من قول أو فعل أو تقرير أو صفة) (1). والفرق بين السنة والحديث، أن الحديث عام يشمل أقوال الرسول الكريم وأفعاله أما السنة فخاصة بأعماله الفعلية في سيرته المطهرة.
فالسنة تعتبر أحد مصادر الشريعة الإسلامية وهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم ولا يمكن الفصل بينهما لأنها شارحة ومبينة للقرآن الكريم يقول الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (الحشر:7). وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (النجم: 3. 4. إن السنة أغلبها لم تدون في حياة الرسول الكريم مخافة أن يقع الخلط بينها وبين القرآن الكريم إلا أن الرسول الكريم أمر أصحابه بالعمل بما جاء به، حيث قال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها وبلغها (2). وهكذا فإن في عهد الخلفاء الراشدين استمرت الحالة على ما هي عليه بسبب اهتمامهم بجمع القرآن الكريم في كتاب واحد من مصادره المختلفة أضف إلى ذلك الفتوحات الإسلامية الجديدة والفتن التي ظهرت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه.
(1) عز الدين بليق: منهاج الصالحين ص 14.
د. محمد الزحيلي تعريف عام بالعلوم الشرعية ص 67. (2) أبو عمرو يوسف بن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص
124
- 77 - (1/77)
صفحة 78
وهكذا فإن التدوين الرسمي للسنة الشريفة بدأ في زمن عمر بن عبد العزيز (99 - 101) في الدولة الأموية.
أما مشكل الوضع في الحديث الشريف الذي تسرب إليه من قنوات مختلفة، فيعد أهم عقبة كأداء واجهت علماء الحديث والمعنى الإصطلاحي للوضع عند المحدثين: هو ما نسب إلى الرسول الله اختلاقا وكذبا مما لم يقله، أو يفعله، أو يقره، يقول ابن صلاح في مقدمته (الموضوع هو المختلق، وهو شر الاحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد إلا مقرونا ببيان وضعه) (1).
-
-
أما أسباب بواعث الوضع فهي تعود إلى العوامل الجوهرية التالية.
1 الزنادقة الخارجون عن الدين.
2 المتعصبون للأحزاب السياسية وأصحاب المذاهب الدينية المختلفة
والقوميات.
-
3 أصحاب الأهواء والوعاظ المرتزقة لخدمة أهل السلطة الحاكمة
وتزكيتها.
ومن هنا نلاحظ أن الوضع قد تسرب إلى الحياة كلها، فوضعت أحاديث في الأئمة ورؤساء الأحزاب والفرق والحروب والاجناس والعلاج والزهد والعبادات ... الخ. وهكذا فإن السنة المطهرة عرفت الوضع بسبب النزاعات والأهواء والمصالح السياسية لا سيما بعد ظهور الفتن منذ مقتل عثمان رضي الله عنه يقول الدكتور السوري مصطفى حسني السباعي فيما يلي: كانت سنة أربعين من الهجرة هي الحد
(1) مقدمة ابن صلاح في علوم الحديث ص 47 دار الكتب العلمية 1978 بيروت
-78 - (1/78)
صفحة 79
الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع. وبين التزيد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية، والإنقسامات الداخلية، بعد أن اتخذ الخلاف بين علي ومعاوية شكلا حربيا سالت به دماء، وأزهقت به أرواح وانقسم المسلمون إلى فرق متعددة) (1).
ب حديث اختلاف الأمة الإسلامية والفرقة الناجية: إن المقدمة التي طرحت في هذا الفصل تعتبر ضرورية لفهم العلاقة التكاملية بين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولا يمكن أن تفهم السنة إلا في ضوء القرآن الكريم يقول الأستاذ يوسف القرضاوي من الواجب لكي تفهم السنة فهما صحيحا بعيدا، عن التحريف والإنتحال وسوء التأويل أن تفهم في ضوء القرآن وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (الأنعام: 115). والسنة النبوية هي شارحة هذا الدستور فهي البيان النظري والتطبيق العملي، ومهمة الرسول أن يبين للناس ما نزل إليهم. ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبيناته الواضحة. وإذا ظن بعض الناس وجود ذلك، فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة
أو يكون فهمنا لها غير صحيح، أو يكون التعارض وهميا لا حقيقيا) (2). ومن خلال هذا النص يمكننا الآن أن نورد الحديث الشريف
المتعلق باختلاف الأمة الإسلامية والفرقة الناجية. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء لا الله
(1) مصطفى حسني السباعي السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 90. د. يوسف القرضاوي كيف نتعامل مع السنة النبوية - معالم وصوابط - ص 93
(2)
-79 - (1/79)
صفحة 80
قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار خلا واحدة ناجية وكلهن يدعي تلك الواحدة الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب. باب الأمة أمة محمد علا الله وقد رواه كذلك الترمذي في كتاب
الإيمان كما رواه أبو داود في سننه سننه في كتاب السنة وقد جاء هذا الحديث بهذا النص كذلك افترقت اليهود على إحدى أو إثنين وسبعين فرقة والنصارى كذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي
وهو عند ابن حبان والحاكم في صحيحيهما.
إن جوهر هذا الحديث لا يفهم إلا في ضوء القرآن الكريم، وما
كان للفرع أن يتناقض مع الأصل.
أما بالنسبة للفرقة الناجية فهي يمثلها كل مسلم طبق الإسلام في سلوكه العملي الصالح لقول الرسول الكريم علي الله حينما سئل وما تلك الفرقة؟ فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي سواء كان شافعيا، أو مالكيا، أو حنفيا، أو حنبليا أو إباضيا أو زيديا أو شيعيا أو وهابيا هذا هو الفهم الأصح والأسلم، مع القرآن والسنة.
لأن الجزاء: الثواب، أو العقاب في الإسلام يتحمله الإنسان بمفرده لا دخل فيه أبدا وإطلاقا للتبعية العائلية أو المذهبية أو الإجتماعية، أو القبلية، أو الطبقية.
هناك عدة أدلة من القرآن الكريم والسنة الشريفة يقول الحق
تعالى: ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا
(1) الورر الحمل = الحمل الثقيل، الذنب ج أوزار.
-80 - (1/80)
صفحة 81
تزر وازرة وزر أخرى (الإسراء: 15 (1) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى (النجم: 39 - 40) ويقول الرسول الكريم الاطاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمد والحاكم.
يقول الأستاذ سيد قطب: واستمعت إليه الفطرة يقول لقريش خاصة: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، ولا أغني عنكم من الله شيئا، ويا بني عبد المناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد
(1)
ما
المطلب ما أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا) الحديث متفق عليه. هي الحقيقة الواضحة التي لا تحتاج إلى التأويل بحيث أن
هذه
كل إنسان سوف يحاسب بما عمله في الدنيا وبالتالي يتحمل جزاء كل أفعاله الجنة أو جهنم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره والزلزلة: 7 - 22).
وهكذا باسم المذهبية ودون عمل صالح يكفر بعض المسلمين
أتباع المذاهب الأخرى باسم فرقته الناجية.
يقول الدكتور السنيغالي عمربا: (ومما يؤسف له حقا أن المسلمين من بقية المذاهب ظلوا إلى يومنا يحملون انطباعات غير أخوية ولا إيجابية، عما يعرف بالفرق مثل الإباضية، الزيدية، الجعفرية، نتيجة أوهام
الحافظ
(1) سيد قطب هذا الدين ص 59. (2) إن الأمانة العلمية الإسلامية تقول: إن ما كتبه العالم المصري الأزهري الشيخ عبد عن الإباضية في كتابه الإباضية مذهب وسلوك ص 246 تميز بالتزكية حيث. يقول: (فالإباضية هم الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبيء عل الله في كل أحاديثه) إن هذه التزكية تتناقض مع روح الإسلام فالإباضية كبقية المسلمين يوجد فيهم الأمين، الورع الشريف كما يوجد فيها الفاسق الكاذب الظالم و فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم: 432
6
- 81 - (1/81)
صفحة 82
مصدرها تخمينات وسوء الظن فوصفوها بالفرق الضالة الهدامة التي
على المسلمين محاربتها.
يمنع
فعجبي
لا
ينتهي من إنسان يضع نفسه المقيم لأعمال عباد الله
يكفر من يشاء ويتوب على من يشاء فإن الإيمان والكفر ملك يديه هذا، ويمنع ذاك وكأنما الجنة مزرعة خاصة له يفتح أبوابها لمن يشاء ويوصدها في وجه من يشاء) (1). أما بالنسبة إلى المفكر المعاصر الكبير في الدعوة والدراسات الإسلامية الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فيقول: ما صلة ذلك بحديث افترقت اليهود على إحدى أو اثنين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة،
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة رواه الترمذي وأبو داود. هذا الحديث ليس من الصحاح، وهو وارد في كتب السنن ... وأغلب ظني أن المقصود به الخلافات السياسية التي توهن قوى الأمة، وتهلكها أمام غيرها ... رجل يرى أنه يجب أن يكون هو رئيس الدولة، ولا يأبى بأن يحدث شغبا يقسم به الشعب قسمين، ويقاتل هذا بذاك ... هذا نوع من الخلافات الذي أعتبره كأنه كفر.
المشكلة أن بعض الناس بدأوا يطبقونه على بعض الخلافات
الفكرية والفقهية والسياسية ويسمون الفرقة الناجية الخ.
هذا كلام باطل ... فلو صح الحديث فالمقصود منه: الذين ساءت نيتهم وأرادوا تمزيق الأمة أما الذين حسنت نياتهم ويريدون الخير للأمة فلا دخل لهم بالحديث) (2).
(1)
د. عمر بن الحاج محمد صالح با دراسة في الفكر الإباضي ص 27.
(2) الشيخ محمد الغزالي كيف نتعامل مع القرآن ص 111.
- 82 - (1/82)
صفحة 83
وانطلاقا من هذا نقول: إن السلطات السياسية هي التي استغلت الخلافات الإجتهادية الإسلامية لإثبات وجودها في الحكم، فالجزاء ينصب على عمل الإنسان وحده فقط، فلن ينفعه يوم الحساب أي شيء وأي نسب ... لنتدبر قول الحق تعالى ولن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير «الممتحنة:3). والأدهى من كل هذا، أن هناك من يدعي أن مذهبه هو الحق كله، وأن أصحاب المذاهب الأخرى تعيش في ضلال، بل يجادلهم جدالا عنيفا عقيما متهما إياهم بالخروج عن الدين الإسلامي والجماعة (1). نحن نقول: إن كل مذهب له أدلته الواضحة من القرآن والسنة النبوية الطاهرة وسيرة الخلفاء الراشدين رضي الله ومهما كان الأمر فإن الإنسان المؤمن حق الإيمان يرفض الدخول في ذلك الجدال العقيم ما دامت نتائجه مرفوضة شرعا وعقلا وتاريخيا وإسلاميا.
عنهم.
ثم إن هذا الإختلاف المذهبي تحول إلى تكفير خصومهم واستحلال أرواحهم وأموالهم وأعراضهم باسم الفتاوي الصادرة عن بعض علماء خصومهم لا شك أن هذا لهو الخروج الكلي عن القرآن الكريم والسنة الشريفة لنتأمل قول الله عز وجل وإنما المؤمنون إخوة (الحجرات: 10 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم
خالدا
(1) أنظر غالب بن علي عواجي فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها. الباب الثاني دراسة عن الخوارج ص 123/ 63.
- 83 - (1/83)
صفحة 84
فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (النساء:93). وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي
المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه. أخي المسلم أختي المسلمة، فلنتحرز من الجدال العقيم الذي هو الداء العضال الذي سلكه بعض علماء السلطة والزعامة و الفتنة لتمزيق وحدة أمتنا الإسلامية إلى شيع متناحرة كما تؤكده الوقائع التاريخية قديما وحاضرا في عالمنا الإسلامي مشرقه ومغربه، لقد صدق الله عز وجل في قوله الكريم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (الأنعام: 65).
رحمه الله: بلغني
أن الله إذا أراد بقوم
فقد قال الإمام الأوزاعي شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل (1). ومن الواجب الديني والأخلاقي والوطني، أن نرفع التحدي أيها المسلمون أمام المشاكل اليومية التي يعانيها المسلم: الجهل، المرض، الفقر، التبعية الغذائية والإقتصادية والتعليمية والعسكرية والإعلامية، بدلا من الصراع بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة وأن نلتزم بهذه القاعدة الذهبية التي قالها حسن البنا رحمه الله: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه لأن مؤامرة التنصير والتهويد والإلحاد لا تزال قائمة وتتلون بأساليب مختلفة ظاهريا وباطنيا تريد تمزيق أمتنا الإسلامية إلى فرق متناحرة في ساحة الوغى والإعلام المحلي والعالمي - الإنترنت - أيها المسلمون الشرفاء علينا جميعا أن نعتصم
(1) عرفان عبد المجيد: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية ص
123
-84 - (1/84)
صفحة 85
بقدسية هذه الآية الكريمة ومحمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفار رحماء بينهم (الفتح: 29).
وبعد
هذا يجدر بنا أن نبرز ونحلل في آخر هذا الفصل حديث الخوارج
وجعله في إطاره العام: دينيا، تاريخيا سياسيا ليفهم مضمون جوهره. جـ) أحاديث الخوارج والمروق:
لا يمكننا أن ندرك تلك الأحاديث إلا في ضوء القرآن الكريم ومن حق المسلم أن يتوقف في أي حديث يرى معارضته لمحكم القرآن إذا لم يجد له تأويلا مستساغا كما يرى ذلك فقهاء الإسلام) (1). إن الرسول الكريم قد أخبرنا بظاهرة الوضع مستقبلا في حديثه الشريف ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه الربيع بن
حبيب والترمذي ومسلم.
ومن أهم أسباب وضع الأحاديث الصراعات السياسية كما يرى
ذلك الدكتور مصطفى حسني السباعي في مقدمة هذا الفصل. ويقول في هذا الأمر كذلك الأستاذ عز الدين بليق: (إن الخلافات السياسية التي ذر قرنها (2) بين المسلمين في اواخر خلافة
عثمان وفي خلافة علي رضي الله عنهما كانت سببا مباشرا في وضع الحديث، وقد قدمنا قول من قال: إن أول من تجرأ على ذلك، هم غلاة الشيعة، فيكون العراق أول بيئة نشأ فيها الوضع، وقد أشار إلى هذا أئمة الحديث حيث كان الزهري يقول: يخرج الحديث من عندنا
(1)
د. يوسف القرضاوي كيف نتعامل مع السنة النبوية ص 96. (2) ذَرَّ قرنها = أي ما ينزغ من الشيء عند ظهوره وطلوعه أول مرة.
- 85 - (1/85)
صفحة 86
شبرا فيرجع إلينا ذراعا. وكان الإمام مالك العراق دار الضرب
يسمي
أي تضرب فيها الأحاديث وتخرج إلى الناس كما تضرب الدراهم الزائفة وتخرج للتعامل (1).
إن هذه اللمحة المختصرة التي أضفناها، تعد ضرورية لبلورة أحاديث الخوارج والمروق التي سنوردها إن شاء الله.
-
(1) رواية الربيع بن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت
رسول الله له يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئا ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق قال الربيع: النصل حديدة السهم والقدح السهم الذي فيه الحديدة وريش السهم الذي يوضع فيه الوتر ويروى أيضا وتنظر إلى القديدة فلا ترى شيئا والقديدة رأس السهم. الجامع الصحيح
مسند الربيع بن حبيب.
(2) رواية الإمام مالك:
روى الإمام مالك عن يحي بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله الله يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرأون
(1) عز الدين بليق: منهاج الصالحين ص 29.
-86 - (1/86)
صفحة 87
القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا
وتنظر في الريش فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق» (1).
ص
3 رواية البخاري:
نفس الحديث رواه البخاري برقم 4771 في كتاب فضائل القرآن 1928 بدون زيادة.
وقد بين الشيخ السالمي أن الحديث قد أورده الإمام البخاري بصيغة أخرى حيث يقول: سبب هذا الحديث أن أبا سعيد الخدري قال بينما نحن عند رسول الله الا الله وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله أعدل فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم مع صلاتهم، ثم ساق الحديث مع زيادة في آخره واختلاف في الألفاظ وذكر في آخره أن آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدر در (2)، و يخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فاشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه) (3).
صلاته
بعض
وقد أورد هذا الحديث كذلك النسائي والترمذي وأحمد بن حنبل وأبي داود بألفاظ متفاوتة وذكر سمات الخوارج التحليق والتسبيد أي
(1) الموطأ رقم 10 كتاب القرآن ما جاء في القرآن.
(1) البضعة: القطعة من اللحم. تدردر: تضطرب.
(3) من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الجزء الأول ص 56.
-87 - (1/87)
صفحة 88
استئصال الشعر وأن ذو الخويصرة هو حرقوص ويسمى نافعا ذو الثدية. إن هذا الحديث الذي أوردناه في حاجة إلى معالم الفهم والإدراك في ضوء القرآن الكريم لأن التفسير قد يختلف بين إنسان وإنسان آخر، يقول الشيخ يوسف القرضاوي ما يلي: (فبعض ما يعتبر ممتنعا عقلا لدى إنسان أو طائفة، قد يعده آخرون ممكنا، وهذا ما يجب التدقيق فيه.
فالتأويل بغير مسوغ مرفوض، والتأويل المتعسف مرفوض، كما أن حمل الكلام على الحقيقة، مع وجود المانع العقلي أو الشرعي أو العلمي أو الواقعي، مرفوض أيضا) (1).
واعتمادا على هذه الموانع الواضحة مع الصراعات السياسية تجعلنا
نستنتج ما يلي: - 1 لو كان حديث الخوارج حجة على أهل النهروان أنفسهم لما أوردوه في مسند الربيع بن حبيب رأي الجامع الصحيح بل أن هذا
-
الحديث يعتبر حجة لهم للرد على خصومهم.
المتن
2 نلاحظ أن أحاديث الخوارج لم تتفق في مجال المتن والسند بالنسبة إلى رواة الحديث بحيث نلاحظ أن هناك زيادة واضحة في هذا الأمر يعود إلى الصراعات السياسية، وكما أشار إلى ذلك و الدكتور الباحث مصطفى حسني في كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي قائلا: إن الفتن التي ظهرت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه أفرزت أحزابا سياسية متصارعة، متناقضة في رؤيتها إلى السلطة ومن
(1) كيف نتعامل مع السنة النبوية ص 159 - 160.
-88 - (1/88)
صفحة 89
هنا لجأت إلى وضع أحاديث لتعزيز موقفها إزاء الخصم. - 3 إن هذه الأحاديث لم تعين بالضبط أهل النهروان لكن أغلب
المفسرين قالوا تنطبق عليهم بذاتهم.
- 4 لماذا يصر المؤرخون إطلاق حديث الخوارج على أهل النهروان دون غيرهم وتجاهلوا تماما الذين خرجوا عن سلطة خلافة أبي بكر رحمه الله 11 هـ 13 هـ أي كة المرتدين وقال رحمه الله والله لأقاتلن
-
حر
من فرق بين الصلاة والزكاة وقد ينطبق على هؤلاء).
عنه
5 هناك عدة ثورات أخرى ظهرت في التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر كالثورة التي قتل فيها عثمان رضي الله عنه سنة 35 هـ من قبل الناقمين ثم الثورة التي قام بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام إذ بايعا عليا كرم الله وجهه ثم نقضا بيعته ولقد قامت تلك الفتنة سنة 36 هـ أضف إلى ذلك الثورة التي قام بها معاوية بن أبي سفيان على علي كرم الله وجهه سنة 37 هـ وهذه الحرب تعرف بواقعة صفين حيث قتل فيها عمار بن ياسر قال رسول الله الله «أبشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية رواه الترمذي تحت رقم 3888. دون أن نسقط ذكر الثورة التي قام بها أنصار علي الذين رأوا أن إمامته شرعية، فيجب ألا يتنازل عنها ولا بد من محاربة الخارجين عنها، لقد وقعت هذه المعركة النهروان سنة 38 هـ بزعامة الصحابي عبد بزعامة الصحابي عبد الله بن وهب الراسبي رحمه الله وجيش علي كرم الله وجهه. ويعرف هؤلاء عند المؤرخين بالخوارج إن هذه الثورات قد أسالت دماء المسلمين وأثارت فتن في الدول الإسلامية فإن أثرها السلبي لا يزال باقيا.
وفي هذا المنظور التاريخي، يحسن بنا أن نستشهد برأي الدكتور
- 89 - (1/89)
صفحة 90
ب
التونسي ونيس عامر مدير المعهد الأعلى للحضارة الإسلامية بتونس إذ يقول: (الخوارج كما عرفهم القدماء وحتى اليوم هم الجماعة الذين خرجوا عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند التحكيم. ومن المعروف لدى العام والخاص أن أول من خرج عن الإمام علي هو معاوية ابن أبي سفيان بقطع النظر عن الهدف الذي دفعه إلى الخروج، هل هو المطالبة حقا بدم عثمان أم هو الخوف من أن يعزله الإمام علي من ولاية الشام، أم الخلافة لنفسه؟ وقد آلت إليه بعد أن مل ما جرى بطرق مشروعة أو غير مشروعة، ومن المعروف أيضا أن ثاني من خرج عن الإمام علي هما طلحة والزبير بعد أن بايعاه ومعلوم أيضا أن آخر من خرج عن الإمام علي هو الفريق الذي نظر إلى التحكيم نظرة ارتياب وتبصر فلم يقبل التحكيم فكان مستميتا في الدفاع عن شرعية الإمام علي وصحة بيعته إلى أن قبل التحكيم فانسحب عنه بعد أن أكره عن التحكيم، فمن أحق يا ترى بهذا الوصف الذي أصبح مسبة ووصف ذم لآخر من انسحب عن الإمام علي؟ أليس أولى بهذا الوصف هو أول من خرج عن الإمام ووجه إليه الضربات والمكائد ولم يراع فيه ولا في ذريته إلا (1) ولاذمة. ثم إذا كان لهذا الوصف أن يمتد ويشمل غير الخارج الأول، أليس أولى به طلحة والزبير؟ لأنهما بايعا عليا ثم نكثا بيعته وخرجا عنه إلى مكة وجيشا وحاربا به عليا ونتج عن حربهما واقعة الجمل المشهورة التي عقر فيها جمل عائشة رضي الله عنها. إذا فلماذا نبعد هذا الوصف عن مستحقيه الأول بجدارة وأحقية ونلصقه بمن
(1) الإل
=
العهد. قال الله تعالى ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم
المعتدون التوبة: 10)
-90 - (1/90)
صفحة 91
استمات في حب علي ومناصرته إلى آخر رمق منه. أليس هذا من الظلم الصراح؟ وعليه فمن الواجب أن يتوقف الباحثون في هذه القضية وقفة تأمل وإنصاف حتى يخلعوا هذا الوصف على من هو أولى به وأحق لأنه أول من فتح باب الخروج وخرج منه فتبعه من تبعه والأثر يقول: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ثم لماذا نلتمس العذر لأول من خرج عن الإمام علي؟ ونغض البصر عن كل ما نتج على هذا الخروج من النكبات للمسلمين؟ ثم نلتمس العذر أيضا لثاني من خرج؟ ونغض الطرف عن كل ما نزل بالمسلمين من ويلات ونصب جام الغضب على آخر من خرج ونتفنن في لعنهم والتشنيع عليهم ونبحث عن كل وصف ذميم لنلصقه بهم ولا نلتمس لخروجهم أي عذر كما التمسنا لغيرهم بل تأول من أجلهم الآيات وتوضع في الأحاديث وحاشى رسول الله لعل الله يقولها في أناس حفظوا كتاب الله وتهجدوا به حتى نالت الأرض من جباههم وأيديهم وركبهم، وإذا مروا بآية في ذكر النار شهقوا خوفا منها، وإذا مروا بآية فيها ذكر الجنة بكوا شوقا إليها (1). 6 واعتمادا على الأدلة الشرعية الواضحة قرآنا وسنة ثم الأحداث - التاريخية نقول: إن تطبيق حديث الخوارج ينطبق على كل إنسان مسلم أو فئة أو حزب أو نظام أنكر صراحة جزءا من الدين كحركة الردة. (1) راجع تحقيق وتعليق لـ د. ونيس عامر: رسالة في بيان كل فرقة لأبي عمرو عثمان خليفة السوفي المارغني. ص 319 - 320.
ذمهم
بن
إن ما كتبه الباحث ونيس، عامر تميز بالطابع النقدي بحيث تحرر من عقدة المقالات القديمة، فأعطى الحادثة التاريخية موضوعيتها وهذا الأمر يتطلب شجاعة في الرأي لنتخلص من الاحكام المسبقة واللاشعور الجمعي لخدمة الأمانة العلمية بكل نزاهة وموضوعية.
- 91 - (1/91)
صفحة 92
يقول شهيد الإسلام حسن البنا رحمه الله: لا نكفر مسلما أقر
الذات
بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر (1)) - 7 أما عن ذكر أوصافهم في قول الرسول الكريم «يقرأون القرآن الكريم ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». إن الأخلاق الإسلامية والروح الموضوعية والصدق مع والحقائق التاريخية تفرض عليها أن لا نطلق هذه الأوصاف على أهل النهروان بحيث أن عددهم يزيد على أربعة آلاف (2) فيهم الصحابة الله رضي عنهم والتابعون بحيث أن هناك من شهد بدرا وهناك من بايع النبيء علي ا تحت الشجرة وفيهم مبشرون بالجنة ومنهم: حرقوص بن زهير السعدي (3) المبشر بالجنة الذي فتح الأهواز في خلافة عمر بن رحمه الله ثم حمزة بن سنان الأزدي، وشريح بن أوفى
الخطاب
العبدي، وهو ممن بايع النبيء عل الله تحت الشجرة وعبد الله بن سرح الأزدي السلمي وأبو بلال مرداس بن حدير ... الخ إن الأمانة التاريخية الإسلامية النزيهة تفرض علينا مرة أخرى أن نورد ما قاله الدكتور الباحث ونيس عامر في المصدر السابق ص 320 ما يلي: فكيف يقول الرسول في هؤلاء يأتي قوم يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم» إذ لو
(1) مجموعة الرسائل للإمام حسن البنا ص 16.
(2) التاريخ الإسلامي العام: لعلي ابراهيم حسن ص 258.
202
- 92 -
ص
2
(3) طبقات المشائخ بالمغرب ج (1/92)
صفحة 93
من
لم يتجاوز حناجرهم لما بكوا شوقا إلى الجنة عند تلاوتهم لآية فيها ذكر الجنة. ولما شهقوا عند ذكرهم لآية فيها ذكر النار. فهذان الوصفان من أوصاف الذين قرأوا القرآن وتدبروه حتى قضوا به الليالي الطوال فنحلت أجسامهم من كثرة العبادة والتدبر في القرآن؟ أم هما أوصاف الذين يقرأون القرآن ولا يخشع لهم قلب ولا تدمع لهم عين، ولا ترتعد لهم، فرائس، لماذا نظلم هؤلاء ونجر هذا الحديث ونلصقه بهم. والواقع أن هذا الحديث يحمل وصفا بعيدا كل البعد عما عرفوا به من البكاء والشهيق لأن البكاء والشهيق نتيجة التدبر لا عدمه. فرفقا أيها الباحثون بأنفسكم لأنكم ستحاسبون على كل ما تقولون دون روية. فهل من المعقول أن يقضي الإنسان ليله راكعا ساجدا حتى تؤثر الأرض في جبهته ويديه وركبتيه ويبكي عند ذكر الجنة ويشهق عند ذكر النار ثم نقول فيه: إنه قرأ القرآن ولم يجاوز حنجرته. ثم تؤلف كتب في الفرق ويخصص جانب كبير لتقسيم
8
-
هؤلاء والتفنن في ذمهم والتنفير منهم؟ ثم إن أهل النهروان يعتي ون جزاء من صلب جيش علي كرم الله وجهه، إذن فكيف يقبلهم ضمن جيشه إذا كانوا منافقين خارجين مارقين من الإسلام، على حسب تلك الصفات الواردة في الحديث وعددهم يزيد على أربعة آلاف ألا يوجد فيهم الزهاد والمؤمنون والأتقياء فقد وصفهم هو بذاته بما يلي: (وقد سئل علي عن أهل
ج
7 ص
178
(1) محمد بن علي بن محمد الشوكاني: نيل الأوطار إذن فإن الإختلاف الحاصل بين علي وأنصاره السابقين يعتبر اختلانا سياسيا لا اختلاف ديني، وكل له رؤيته الإجتهادية قد تكون صائبة أو خاطئة والله أعلم بنياتهم.
-93 - (1/93)
صفحة 94
النهروان هل كفروا؟ قال من الكفر فروا) (1).
وفي الأوسط للطبراني عن جندب بن عبد الله البجلي قال: (لما فارقت الخوارج عليا خرج في طلبهم، فانتهينا إلى عسكرهم فإذا له دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس يعني: الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة) (1).
ولقد وصفهم المبرد والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من
الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة) (2).
-
-
الأموي
و لا بد من الإشارة إلى أن المهلب ابن أبي صفرة (3) الوالي انتدب لقتال وملاحقة الخوارج سيفا وإعلاما بحيث كان يفتري أحاديث على الخوارج دون أن نهمل هذا الحديث الشريف الذي وظف في مجال الحروب لتحقيق مآرب مختلفة عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: لم أسمع عن النبيء علي الله يرخص في شيء من الكذب بما تقول، إلا في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. 10 لقد رأينا في الفصل السابق أن هناك حدودا فاصلة بين الإباضية والخوارج بحيث أن حديث المروق من الإسلام فهو بعيد كل البعد عن الإباضية قديما وحاضرا وفي هذا الأمر يقول الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش الجزائري: إن تطبيق الحديث وما على بابه على الأصحاب ظلم وخطأ في التأويل عندنا وهو في علماء السوء كما تقدم وفي كل
(1) المصدر السابق نيل الأوطار
ج
(2) المبرد الكامل ج 2 ص 122. (3) راجع: الزركلي الأعلام ج 8
7
ص
ص
167
260
- 94 - (1/94)
صفحة 95
من
خالف عمله كتاب الله وسنة نبيه وآله.
ويمكن أن يحمل الحديث على غلاة الخوارج والأزارقة والصفرية
((1)
القائلين بشرك أهل الكبائر فإنهم يجتهدون في التحرز والعبادة لئلا يقعوا في الشرك وتنطبق تمام الإنطباق على الذين يبالغون في تعظيم البشر غير الأنبياء والرسل إلى درجة مساواتهم بهم قبل غيرهم، وكذا على الذين اتخذوا الدين آلة لاقتناص النفوس وابتزاز الأموال وليست تلك الأحاديث خاصة بقوم دون غيرهم أما بالنسبة للشيخ علي يحي معمر فيقول رحمه الله: (إن أحاديث المروق إذا صحت لا يكون المقصود منها إلا أصحاب الثورة الأولى، أولئك الذين خرجوا على خلافة أبي بكر منكرين للشريعة، أو لأصل من أصولها فإن هؤلاء يستطيع الباحث أن يطلق عليهم كلمة الخوارج وهو يقصد بهذه الكلمة معنييها الساسي والديني وهو مطمئن لخروجهم عن خلافة مجمع عليها، وإنكارها للإسلام جملة بعدما آمنوا به أن يحاربهم خليفة رسول الله الأول حربا لا هوادة فيها، مصداقا لقوله عليه السلام: «لئن أدركتموهم اقتلوهم قتل ثمود إن صح الحديث. وقد قتلهم خليفة رسول الله الله قتل ثمود تحقيقا لخبره عليه السلام. وكما يستأنس بحديث المروق في الرواية التي تقول: سيخرج أو يمرق)، فإن استعمال السين يدل على قرب الخروج، ويظهر من سياق الحوادث أن هذه الأحاديث التي تتحدث عن الخروج، لم تكن معروفة عند حدوث الثورات الأولى، وإلا فكيف أمكن أن لا تدور على الألسنة وأن لا يوصف بها الخارجون عن
(1) النقد الجليل للعتب الجميل ص 22 - 23.
- 95 - (1/95)
صفحة 96
الخلافة في زمن أبي بكر وعثمان وعلي لا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟ لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد بها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامحة ذهب ضحيتها عدد قليل من المسلمين الأبطال. إنها وضعت بعد ذاك قصدا للشنيع على أهل النهروان. ولحمل علي كرم الله وجهه على قتالهم والقضاء عليهم ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق ولرأيهم، سند، ولا يمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على أصحابها) (1). 11 إن الأحداث الأليمة التي وقعت في تاريخنا الإسلامي تعكس المواقف السياسية الإجتهادية وكل فئة لها رؤيتها ونيتها وأدلتها القرآنية والسنية وتأويلها إن هؤلاء قد أفضوا إلى ربهم رحمهم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (آل عمران:74) وعلينا أن نلتزم خلقيا بالمقولة المشهورة التي قالها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز
-
الله.
رحمه الله: (تلك دماء طهر الله بها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا). 12 إلا أن هناك بعض علماء المقلدين والزعامة والغلو والفتنة، لا يزالون يتمسكون بأحاديث الخوارج والمروق والتأويل الخاطئ والبعيد كل البعد عن الأخلاق القرآنية والسنة بحيث يريدون تطبيقها على الإباضية ومن هنا نقول ما يلي (2): أ) الإباضية عقيدتهم دينية إسلامية خالصة بل تجمع عدة أجناس عربا وبربرا وزنوجا، وهي تتناقض في حكمها مع الأنظمة الملكية الإستبدادية
(1) الإباضية في موكب التاريخ علي يحي معمر ص 30.
(2) أنظر فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام لغالب بن علي عواجي ص
الإباضية عقيدة ومذهبا الأستاذ صابر طعيمة.
124
-
- 96 - (1/96)
صفحة 97
التي حرفت أصوها بدافع المصلحة السياسية بحيث استغلت أحاديث
الخوارج ضدهم.
ب) عدم تحرر هؤلاء العلماء وأنصارهم من الأفكار المسبقة ومن اللاشعور الجمعي والأحكام الساذجة في المسؤولية الأخلاقية والإسلامية والوضعية ومن هنا نقول: إن المسؤولية هي الوضع الذي يستلزم فيه للإنسان أن يتحمل النتائج المترتبة عما فعل أخلاقيا ودينيا واجتماعيا ووضعيا أي قانونيا.
ومن شروطها الجوهرية: المعرفة ومعنى هذا، يكون الإنسان بالغا، عاقلا يميز بين الخير والشر وهذه المعرفة تستلزم حرية الإرادة، أي اختيار الفعل بدون إكراه وضغط وينتج عن هذا الجزاء الذي يعتبر النتيجة المباشرة عن تحمل المسؤولية ذاتيا، وبالتالي سوف يحاسب هذا الإنسان أمام التشريع الإلهي، الوعد أو الوعيد أو التشريع الوضعي على حسب القوانين الوضعية، ومن هنا نتساءل هل التشريع الإلهي أو الوضعي يحمل مسؤولية الغير ومعنى هذا هل من الشرع أو من العقل أو من الأخلاق تحمل مسؤولية الأبناء والأحفاد ما فعله الأجداد والآباء عبر التاريخ على حسب رؤية هؤلاء العلماء، إن القاعدة المنطقية والإسلامية والعلمية تقول: إن الإنسان بريء ما لم تثبت وتؤكد إدانته، إذن فإن حكمهم يختلف ويتناقض كل التناقض مع المسؤولية الإسلامية والأخلاق القرآنية الكريمة والسنة الشريفة لأن تلك المسؤولية شخصية محضة ولا دخل فيها للغير لنتأمل هذه الآيات الكريمة بعقل واع متدبر ومن يكسب إثما، فإنما يكسبه على نفسه (النساء: 111) ولا تزر وازرة وزر أخرى (الإسراء: 15) ويا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا
7
- 97 - (1/97)
صفحة 98
يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاكم (لقمان: 33) {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى «النجم:39). يقول الدكتور المصري محمد عبد الله دارز ما يلي: وينتج من هذا كله بوضوح أن الثواب والعقاب لا يمكن أن يأتي فيهما أي تحويل، أو امتداد أو اشتراك أو التباس، حتى بين الآباء والأبناء، وإذا كانوا مسؤولين عن الطريقة التي استعملنا بها التركة، فلا أن نتحمل معهم وزر ما عملوا وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت
مطلقا يجب
ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} (البقرة: 134). وإن القرآن ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب لا على أنه مضاد للشريعة فحسب، بل هو كذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية وقال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} (يوسف (179) (1).
وفي ضوء هذا الدستور القرآني، نلاحظ بعض علماء السوء والفتنة والغلو يعيشون بخلفيات تاريخية خطيرة في الحاضر، معتمدين على أحاديث المروق بدعوى أن الإباضية فرقة من فرق الخوارج التي
شاركت في معركة النهروان سنة 38 هـ.
ومن
هنا أخذوا الأبرياء بالمذنبين في منطقهم السقيم
واستنتاجاتهم الفاسدة البعيدة عن العدالة الإسلامية والقيم القرآنية والأخوة الإسلامية الصادقة والمنطق السليم.
فهل حقا أن إباضية اليوم يتحملون في زعمهم الباطل نتائج معركة
151
(1) الدكتور محمد عبد الله دراز دستور الأخلاق في القرآن
ص 149
-98 - (1/98)
صفحة 99
الله عنهم
النهروان ولو سلمنا بهذا الفكر الجاهلي لكان أعمار الإباضية تزيد على 1370 سنة وهذه النتيجة الساذجة لم يقل ولن يقول بها أي إنسان عاقل في الماضي والحاضر، إلا أن حكمهم المسبق يحمل في مضمونه تلك النتيجة، وتجعلنا كذلك نستنتج أن هناك بعض الصحابة رضي أمازيغ يتكلمون اللغة الأمازيغية ما دام أن هناك فئة من الصحابة والتابعين الله رضي قد شاركوا في معركة النهروان بجنوب العراق، أو أن هؤلاء قد قطعوا مسافة 14000 كلم من شمال إفريقيا ذهابا وإيابا أو قطعوا 6000 كلم من عمق عُمَان ذهابا وإيابا إلى النهروان. إن هذه الأحكام فاسدة باطلة تتناقض مع مبادئ العقل السليم، والوقائع
عنهم
التاريخية القديمة ومنطق الأحداث التي وقعت كلها في جنوب العراق. ثم إن الإسلام لم ينشر في إفريقيا إلا في عهد معاوية بن أبي سفيان (40 هـ ـ 60 هـ) أما المذهب الإباضي فقد ظهرت بوادره بفضل الداعية الإباضي سلمة بن سعد حوالي سنة 135 هـ وأما في وادي ميزاب فإنه لم يعرف المذهب الإباضي إلا في القرن الخامس الهجري لأن الميزايين كانوا في القديم على مذهب الإعتزال ثم تحولوا إلى المذهب الإباضي بفضل العالم أبي عبد محمد بن بكر الفرسطائي المتوفى سنة 440 هـ. (1)
وفي ضوء هذا لا بد من الإشارة إلى أن عُمان قد عرفت دخول المذهب الإباضي بفضل طلاب الإمام جابر بن زيد رحمه الله سنة 132 هـ. بعد هذا التحليل الموجز: دينيا، عقليا تاريخيا نقول: إن الإباضية كانوا
1
ج ص
183
(1) - راجع الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب - الميزابيون المعتزلة لـ د. ابراهيم بحاز: مجلة الحياة العدد الأول 1998 ص 124.
-
- 99 - (1/99)
صفحة 100
بعيدين كل البعد عن الفتن الكبرى وبالتالي لا يمكننا أن نحمل وزر الآخرين في الدنيا والآخرة أمام التشريع الإلهي والوضعي لو نسلم بمنطق هؤلاء الباطل: فإن كل الحجازيين والعراقيين الجنوبيين والمصريين هم الذين أحدثوا الفتن الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا من حركة المرتدين إلى معركة النهروان التي وقعت سنة 38 هـ ثم اغتيال الخلفاء الراشدين رضي الله ابن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (1). هذه الحقائق نجدها في الكتب التاريخية القديمة والحديثة. إذن فلا بد من محاسبة أبنائهم إزاء
عنهم
: عمر
الرأي العام الإسلامي والعالمي ولكن هذا يتناقض مع التشريع الإلهي والوضعي إزاء المسؤولية الأخلاقية والقانونية والإجتماعية. يقول الحق تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (الإسراء: 13 - 14). أيها المسلم الصالح، كن حذرا كل الحذر وبعيدا كل البعد عن
الفتاوي الصادرة عن بعض علماء الفتنة والسوء والغلو باسم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتعصب المذهبي لنتأمل ما قاله الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه تاريخ الفقه الإسلامي ص 141 ما يلي: (ومن الغلو المذموم تعظيم أقوال الأئمة بحيث تقدم على
النصوص الواضحة الصريحة، وإيجابهم على كل مكلف بلغ سن الرشد أن يلتزم أحد المذاهب الفقهية وتحريمهم خروج المسلم على، مذهبه كما يحرمون عليه الأخذ المذاهب الأخرى، ويتعللون لذلك من بعلل سقيمة كقولهم: علماؤنا السابقون أعلم منا بالنصوص، وربما اطلعوا على شيء لم نطلع عليه وربما كان هذا منسوخا، أو لا يراد (1) أنظر ابن الأثير الكامل في التاريخ، ابن خلدون كتاب العبر، علي ابراهيم حسن التاريخ الإسلامي العام
- 100 - (1/100)
صفحة 101
ظاهره، ونحو ذلك. وقد ذم الله أهل الكتاب لأنهم يردون ما جاءهم من كلام الله وكلام رسله تقليدا لأحبارهم ورهبانهم، وعد الله سبحانه فعلتهم هذه عبادة منهم لهم، فقال سبحانه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} (التوبة: 031
وقد بين الرسول علال المراد باتخاذهم أربابا فقال: «أما إنهم لم يعبدوهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا (حرموه «رواه الترمذي وحسنه.).
فالله عز وجل لا يقبل منا إلا العمل الصالح الطيب مع النية الصالحة الطيبة ولا يمكن الفصل بين هذين العنصرين المتلازمين لنتأمل قول الرسول الكريم علل وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله الله فقال جنت تسأل عن البر؟ قلت نعم قال: «استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن رواه أحمد والدارمي. ومن هنا فإن الإسلام قد حارب مظاهر الظلم والتعدي سواء في الأعراض أو الأموال أو الدماء. لنتأمل قول الرسول الكريم علي الا القليل المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه، التقوى ههنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» رواه الترمذي. وقال حديث حسن يقول الإمام الكبير أبو حامد الغزالي رحمه الله: (إن استباحة دماء المسلمين المقربين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ سفك في دم مسلم واحد) (1).
(1) محمد بن علي الشوكاني نيل الأوطار ج 7 ص 178.
- 101 - (1/101)
صفحة 102
أيها المؤمن الكريم فليتق كل واحد منا ربه حق تقاته ولنؤمن إيمانا
صادقا جازما بالوعد الجنة والوعيد جهنم فبئس المصير يقول الرسول الكريم: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا متفق عليه. وفي ضوء تلك الأحداث التاريخية التي رأيناها سابقا تقول: إن المذاهب الإسلامية كلها تعتبر من الظواهر الإنسانية الطبيعية التي تمثل حضارتنا الإسلامية الهادفة إلى خدمة المجتمع الإسلامي وقضياه الدينية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية والسياسية من خلال القرآن الكريم والسنة وهذا هو هدفنا الأعلى والأعظم بدلا أن من نثير أحاديث الفتن والجدال العقيم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا
وقال إنني من المسلمين) (فصلت: 33)
- 102 - (1/102)
صفحة 103
الخاتمة
أعتقد أن القارئ الكريم، قد أخذ فكرة عامة واضحة مركزة، عن المدرسة الإباضية عقائدها وتاريخها وأسسها الفكرية.
لقد اعتمدنا كثيرا على المصادر غير الإباضية لتأخذ الفكرة شموليتها وموضوعيتها، ثم بينا أن المذهب الإباضي قد حرف لأسباب سياسية خالصة وإذا ذكر في التاريخ الإسلامي قديما وحديثا فإنه تلصق به وصمة الخوارج القائمة على سفك دماء المسلمين واستحلال أموالهم ونسائهم وأولادهم، وهو منها بريء، في القديم والحاضر. ثم أبرزنا الحدود الفاصلة بين الإباضية والخوارج، عقائديا وتاريخيا، معتمدين على الأدلة القرآنية والسنة الشريفة ثم الحقائق
التاريخية والإجتماعية والسياسية والنفسية.
ثم وقفنا مع الأحاديث النبوية في موضوع اختلاف الأمة والفرقة الناجية وأحاديث الخوارج والمروق من الدين، حيث أوضحنا أن هذه الأحاديث لا يمكن أن تدرك معالمها وفهمها إلا في ضوء القرآن الكريم، بعيدا عن مظاهر التحريف والإنتحال والوضع لأسباب مذهبية وسياسية ونفعية. ولا يمكن أن توجد سنة نبوية عطرة تعارض القرآن الكريم
ومقاصده التشريعية الدينية والتربوية والإجتماعية لتحقيق مجتمع إنساني عالمي يقوم على العدالة الحقة، بعيدا عن الإزدواجية بين الأقوال والأفعال والصراع العرقي والمذهبي.
إذن فالقرآن الكريم هو محور وجود أمتنا الإسلامية في ماضيها
وحاضرها ومستقبلها.
- 103 - (1/103)
صفحة 104
أما الإختلافات الفقهية بين المسلمين فهي قضايا اجتهادية ضمن
الرؤية الإسلامية هذه هي سنة الله في طبيعة البشر ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (مود: 118) وأن نلتزم بالقيم الأخلاقية القرآنية في حياتنا العادية والعلمية وقل رب زدني علما (مله: 1114 ونرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (يوسف: 76) وقل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (القصص: 85).
ونسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن نعتصم بدينه أمام أعداء أمتنا الإسلامية، حتى نكون أوفياء بعهده إنه سميع مجيب آمين. ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلان (الأحزاب: 23).
بابا السعد الشرقي غرداية: 15 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق لـ 1999/ 7/28 م
- 104 - (1/104)
صفحة 105
1 القرآن الكريم
أهم مصادر البحث
2 ابن خلدون: المقدمة كتاب العبر. المجلد السابع دار الكتاب اللبناني 1984. - 3 أبو إسحاق ابراهيم آل يوسف اطفيش: النقد الجليل للعتب الجميل 1924. - 4 أبو الأعلى المودودي: الخلافة والملك شركة شهاب باتنة الجزائر 1988. 5 ابن قتيبة: الإمامة والسياسة. دار المعرفة بيروت لبنان
6 بكير بن سعيد أعوشت:
-
دراسات إسلامية في الأصول الإباضية.
ب - إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف.
-
-
كة أهل الدعوة والإستقامة بين مكة والمدينة. حر
الإباضية في مرآة علماء الإسلام.
7 سيد قطب: هذا الدين معالم الطريق. دار الشروق بيروت. 8 علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ. القاهرة مطابع دار
1964
م.
الكتاب العربي و علي إبراهيم حسن التاريخ الإسلامي العام. مكتبة الأنجلو المصرية
-
1959
10 عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية. مطابع دار الشعب عمان 1978. - 11 غالب بن علي عواجي: فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام. مكتبة أضواء المنار المدينة المنورة. - 12 قاسم بن أحمد الشيخ بلحاج الظروف السياسية لنشأة الفرقة
- 105 - (1/105)
صفحة 106
الإباضية. نجم الأدب الإسلامي الجزائر المطبعة العربية غرداية 1998. ـ 13 محمد عبد الله دراز دستور الأخلاق في القرآن مؤسسة الرسالة بيروت. - 14 محمد الغزالي: كيف نتعامل مع القرآن دار الإنتفاضة الجزائر. 15 د. محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية ط 2 المطبعة
العربية غرداية.
-
16 د. محمود إسماعيل: قضايا في التاريخ الإسلامي ط 2 1981 دار الثقافة الدار البيضاء.
ـ 17 مصطفى حسني السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. القاهرة 1961.
ـ 18 د. نايف عبد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي. مكتبة الإستقامة مسقط ط 2.1998
-
19 الشيخ نور الدين السالمي: الجزء الأول من شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب. مكتبة الإستقامة مسقط. 20 مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق العربي. دار الإتحاد العربي المعاصر بغداد.
-
21 د. يوسف القرضاوي: كيف نتعامل مع السنة النبوة معالم وضوابط. 22 الشيخ أحمد الخليلي: وسقط القناع مكتب الضامري بسلطنة عمان. 23 الإمام حسن البنا: مجموعة الرسائل. مؤسسة الرسالة بيروت. 24 ابن عبد ربه أبو عمر: أحمد العقد الفريد. دار الكتاب العربي
بيروت 1983
م.
- 25 أبو الفرج الأصفهاني: كتاب الأغاني ط 5 دار الثقافة بيروت. 26 أبو العباس المبرد الكامل: مطبعة البابي الحلي مصر.
-
- 106 - (1/106)
صفحة 107
27 -
يحي محمد بكوش فقه الإمام جابر بن زيد. المطبعة العربية غرداية. - 28 يوسف بن بكير الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب. المطبعة العربية غرداية 1992. 29 المخطوطات. أحاديث الخوارج أحمد بن حمو كروم وحمو بن عمر بوكرموش.
وقل رب زدني علما (طه: 114)
بعض المصادر الإباضية
- 1 - ابن سلام الإباضي (3) - 9 م) كتاب تاريخي. - 2 - أبو عمار عبد الكافي (570 هـ - 1174 م) كتاب الموجز في الكلام وهو يقع في جزئين يعالج فيه المسائل الكلامية والفلسفية. ـ 3 ـ أبو غانم الخرساني (2 هـ - 8 م) المدونة الكبرى، تقع في جزئين، تطرح فيها المسائل الفقهية والكلامية.
4
-
-
أطفيش قطب الأئمة (1332 هـ - 1914 م): تيسير التفسير للقرآن الكريم، يحتوي على ستة أجزاء. هميان الزاد إلى دار المعاد، يقع في أربعة عشر مجلدا. - شرح كتاب النيل وشفاء العليل، وهو على 17 مجلدا.
- 5 - بيوض ابراهيم (1401 هـ - 1981 م): - في رحاب القرآن تفسير سورة الإسراء الكهف، النور.
- فتاوي الإمام الشيخ بيوض في جزئين.
-
6 -
الخليلي أحمد فقيه معاصر:
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، الحق الدامغ.
-
- 107 - (1/107)
صفحة 108
الجعبيري، مفكر معاصر:
-
7 -
- البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية كتاب يشتمل على جزئين. - 8 - الجيطالي اسماعيل (750 هـ - 1349 م):
- قواعد الإسلام، في جزئين.
- قناطر الخيرات في ثلاثة مجلدات وهو لا يختلف عن كتاب إحياء
العلوم للإمام أبي حامد الغزالي.
ـ 9 ـ حمو عيسى النوري، مؤرخ معاصر:
-
-
نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية.
- دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا.
بن سعيد (670 هـ
-
1271 م):
ـ 10 ـ الدرجيني أحمد طبقات المشائخ بالمغرب، الكتاب يقع في جزئين يهتم بدراسة
التاريخ الإباضي.
11 - الربيع بن حبيب حوالي (170 هـ - 786 م): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب يحتوي على أربعة أجزاء. 12 ـ الرستاقي (خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي) (11 هـ - 17 م):
- منهج الطالبين وبلاغ الراغبين هو يشتمل على 22 مجلدا في الفقه وعلم الكلام.
- 13 - السالمي عبد الله (1332 هـ - 1914 م): - شارق أنوار العقول، وهو كتاب يشتمل على مجلدين يعالج علم التوحيد. - جواهر النظام في علمي الأديان والأحكام (أرجوزة شعرية) في غاية السبك الأدبي وتقع في أربعة أجزاء، والكتاب يعالج الأحكام الإسلامية
- 108 - (1/108)
صفحة 109
والأخلاق الإسلامية.
- 14 ـ السعدي جميل بن خميس) (13 هـ - 19 م):
قاموس الشريعة، يشمل على 92 مجلدا وهذه الموسوعة يحق للعالم يعتز بها لأنها عالجت الفكر الإسلامي من جميع زواياه:
أن
الإسلامي الدينية، الأخلاقية الإجتماعية، السياسية.
15 -
معمر علي يحي (1401 هـ - 1980 م):
- الإباضية في موكب التاريخ، بليبيا، تونس والجزائر. - الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات.
16 -
الدكتور محمد صالح ناصر (معاصر)
- له عدة دراسات إسلامية وعربية تتجلى في عدة كتب من بينها: الشعر الجزائري الحديث، المقالة الصحفية الجزائرية، ومكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية الحلقة الأولى والثانية، منهج الدعوة عند الإباضية.
يحي
محمد بكوش (معاصر):
فقه الإمام جابر بن زيد، في جزئين، وهو فقه مقارن في أصله.
إصدارات المؤلف
(1) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية.
(2) القرآن ومذهب داروين.
(3) أضواء على الأخلاق الإسلامية المعاصرة.
(4) إسلام اليوم بين
الأصالة والتحريف.
(5) وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية.
كة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينة.
6) حر حركة
(7) نفحات من السير.
-109 - (1/109)
صفحة 110
(8 رجال خالدون في ذاكرة الإسلام.
(9) مسلمات صالحات في روضة الإيمان بمعية الأستاذ أحمد كروم. (10) الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا.
(11) الإسلام ومدرسة فرويد.
(12) دراسات تحليلية في موضوعات فلسفية
13) أبو يعقوب يوسف الوارجلاني والمدارس الكلامية.
(14) الإمام إبراهيم بن عمر بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر (15) قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش
(16 ميزاب يتكلم تاريخيا عقائديا إجتماعيا 17 جماعة الدعوة والتبليغ بين القبول والرفض (18) الوجيز في المنطق: مخطوط (19) أضواء إسلامية على المعالم الإباضية
- 110 - (1/110)
صفحة 111
الفهرس
أضواء إسلامية على المعالم الإباضية
كلمات مضيئة في ذاكرة الإسلام
مقدمة
أ) تمهيد
-
-
الفصل الأول
الإباضية في ضوء التاريخ الإسلامي
ب نشأة الحركة الإباضية
(1) عبد الله بن وهب الراسبي
(2) لمحة عن مؤسسي المذهب الإباضي
أ ـ الإمام جابر بن زيد
ب - الإمام عبد الله بن إباض الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
-
جـ) الإباضية في مرآة المؤرخين د العوائق الإشكالية في التاريخ
الفصل الثاني
الإباضية في منظور كتاب المقالات قديما وحديثا
- 1 السياسة والسلطة
- 2 وقفة مع الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ............. 23
3 تهافت المغالطة اللغوية القائلة بأن الإباضية خوارج
4 الدلالة السياسية
- 5 الدلالة الجهادية
– 111 – (1/111)
صفحة 112
- 6 الدلالة التاريخية
الفصل الثالث الدولة الأموية والحركة الإباضية
لمحة تاريخية عن الدولة الأموية
1 زوال الحكم الشوري
- 2 زوال حرية الرأي
- 3 ظهور العصبيات القومية وتحويل الأجناس غير العربية إلى عبيد ......
4 مظاهر أدب الإنحلال الأموي
5 السقوط في هاوية التطرف
- 6 من هم أهل السنة والجماعة؟
الفصل الرابع
الحدود الفاصلة بين الإباضية والخوارج
الفصل الخامس
وقفة مع الأحاديث النبوية في موضوع اختلاف الأمة والفرقة الناجية
والخوارج والمروق
أ - مقدمة
الخاتمة
حديث اختلاف الأمة الإسلامية
أحاديث الخوارج والمروق
أهم مصادر البحث
الفهرس
- 112 - (1/112)