صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: إضاءات حضارية من تراث الإباضية
المؤلف: مهنا بن راشد بن حمد السعدي
تقديم الكتاب: إبراهيم بكير بحاز
الناشر: مكتبة الغبيراء
مكان النشر: بهلا - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1426ه/ 2005م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2005/332
الكلمات الدالة: تاريخ الدولة الرستمية، علماء الإباضية، تاريخ المذهب الإباضي، حركات التأليف عند الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=361&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/440
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ذو الحجة 1446ه/ 18 - شهر 06 - 2025م. إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء الأول
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
مكتبة الغبيراء
الطبعة الأولى
1426 ه/ 2005 م (1/1)
صفحة 2
إضاءات حضارية
من
تراث الإباضية
الجزء الأولء
مهنا بن راشد بن حمد السعدي (1/2)
صفحة 3
إضاءات حضاريه من
تأليف: مهنا بن راش
الطبعة الأولى: 426
جميع الحقوق محفوظة
مكتبة الغبيراء سلطنة عمان - بملا
ص. ب: 155
الرمز البريدي: 612
رقم الإيداع: 2005/ 332 م (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
إضاءات حضارية
فهرست
الإهداء
1 - شكر وتقدير. 2 - تقديم الكتاب.
3 - المقدمة
- الرموز المستخدمة في الكتاب
- الإمام أبو حاتم المروزي المزفوف إلى الموت. العلامة مهدي النفوسي إمام المناظرين. العلامة محكم بن هُود الهوارِي قاضي) تَنْهَرْت). العلامة هود بن مُحَكم الهوارِي مفسر القرآن العزيز. 9 - العلامة عَمْرُوسُ بن فَتح النفُوسِي (قصة إمام).
10 - الشيخ سالم بن يعقوب مؤرخ في سطور.
11 - المحدث بكر بن حماد شاعر (تَنْهَرْت) 13 - الدولة الرسمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ.
13 - حركة التأليف عند العُمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى. 14 - (الوهبية) و (الوهابية (النشأة والنسبة.
15 - الخوارج وزَيْفُ التاريخ.
16 - الخاتمة
17 - المصادر والمراجع. (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
إضاءات حضارية
الإهداء
إلى جاء باحث عن الحقيقة المغيبة تحت ركام التاريخ .. أهدي هذا الكتاب. (1/7)
صفحة 8
إضاءات حضارية:
شكر وتقدير
ما كان لهذا الكتاب أن يخرج إلى النور هذه الحلة البهية وهذا الثوب القشيب لولا فضل الله تعالى، ثم تلك الأيادي الخفية التي قدمت لي النصح والإرشاد، والمعلومة المفيدة، والكلمة الطيبة، والتشجيع والمؤازرة، فإلى كل من ساهم في هذا الكتاب وقدم يد المساعدة ولو بالكلمة الطيبة القدم بخالص الشكر والامتنان، وأخص بالشكر الجزيل د/ إبراهيم بكير بجاز والشيخ خميس بن راشد العدوي والأستاذ خالد بن مبارك الوهيبي، الذين لم يبخلوا علي بوقتهم الثمين، فخصصوا لي من وقتهم جزءا المراجعة كتابي هذا، فوضعوا النقاط على الحروف، فجزاهم الله عن جهدهم خير الجزاء وجعل عملهم المبارك في ميزان حسناتهم .... (1/8)
صفحة 9
إضاءات حضارية
تقديم الكتاب
الدكتور: إبراهيم بكير بحاز
أستاذ محاضر جامعة قسنطينة / الجزائر حاليا.
مدير وحدة الدراسات العُمانية جامعة آل البيت / الأردن سابقا
عضو هيئة التدريس قسم التاريخ جامعة آل البيت / الأردن سابقا
عضو هيئة التدريس كلية الرستاق / الرستاق. سلطنة عُمان سابقا.
مفيدة جدا هي مباحث هذا الكتاب الذي يقدمه لنا الباحث الشاب الواعد مهنا بن راشد السعدي، خريج معهد العلوم الشرعية بروي مسقط سلطنة عُمان. لقد أتقن استيعاب تقنيات البحث العلمي الأكاديمي عموما، و البحث التاريخي بوجه خاص، فمن خلال قراءتي للكتاب وجدت الباحث مهنا، يستقصي الحقائق، يضبط التواريخ والأسماء، يقدم الحجج المقنعة يرتبها ترتيبا منهجيا مقبولا. ففي هذا الكاتب، يتناول الباحث مواضيع متعددة متفرقة إباضية وغير إباضية وإن غلبت عليها المواضيع الإباضية وهي مجموعة بحوث منشورة في الصحف أو في الإنترنت وبعضها غير منشور، رأى الباحث جمعها ونشرها في كتاب وقد وفق في ذلك. ومن أهم تلك البحوث: الإمام عمروس بن فتح النفوسي " وقصة لقائه بالإمام أبي غانم بشر بن غانم الخرساني، فهل تم اللقاء فعلا؟ ومتى كان ذلك؟ وما هي الاحتمالات التي تستبعد أن يكون الإمامان التقيا فعلا؟. من المواضيع كذلك، بحث " الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ " وأراد به التعريف بهذه الدولة المستقلة الإسلامية الأولى بالجزائر في المغرب العربي، يجلي بعض الجوانب من تاريخها الحافل بالإنجازات الحضارية، يقدمها لإخوانه العمانيين وغيرهم في المشرق العربي بخاصة. (1/9)
صفحة 10
إضاءات حضارية
موضوع آخر جميل وهو " حركة التأليف عند العمانيين في القرون الثلاثة الهجرية الأولى "، كتبه الباحث ليطلع به قراءه ما للعمانيين من مساهمة حضارية في التأليف في تلك القرون الأولى من حضارة الإسلام.
وتصدى الباحث في موضوع دقيق وخطير قديم وجديد، لمن أراد الخلط بين " الوهبية والوهابية "، فقدم بحثا جميلا رائعا استقصى فيه جذور مصطلح الوهبية عند الإباضية وتاريخ إطلاقه ونسبته، ثم عرج يرد على من يريد أن يجعل الإباضية الوهبية وهي ذاتها إباضية اليوم؛ يريد أن يصرفها إلى الوهابية السلفية من حيث يدري أو لا يدري وفي كلتا الحالتين تعامى عن الحقيقة الناصعة وأرجف وحاول أن يجعل البريء مجرما والمجرم برينا، و المتسامح اللين شديدا متنطعا فكان الباحث مهنا نعم المحقق والمدقق في تفاصيل المصطلحين وهبيه ووهابية: مصطلحين اتفقا وضعا أو كادا، واختلفا صفعًا وحقيقة وانتماءا وسلوكا. إن الإباضية يقرر الباحث، لم يخالفوا في عصر من العصور ما سطروه في كتبهم من أقوال وأحكام، ورغم أن هذه الفرقة ينسبها غيرهم إلى فرق الخوارج، من حيث لا يعرفون إلا كونها في المعارضة منذ البداية، فإن الباحث كتب مقالا يتحدث فيه عن " الخوارج وزيف التاريخ " يأتي بمعاني الخروج من مظانها ويناقشها ثم يتساءل: لم خُصصت هذه الطائفة بالتسمية وقد خرج غيرهم كثير على الحكام قبل التحكيم عصر الصحابة الكرام وبعد التحكيم عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم. فهذا باحث عُماني واعد هو أول العُمانيين المعاصرين اهتماما بالتاريخ الإباضي في بلاد
المغرب، وهو يسلك أغواره بقدم ثابتة نتمنى له كل التوفيق وندعو له بالسؤدد والنجاح. أهنئ الباحث على هذا المجهود الموفق، وهذه البحوث النيرة التي تنم عن عقل نير هو في بداية الطريق ينتظره الكثير، ونحن نأمل منه الكثير، ونرجو منه المزيد وهو لذلك أهل. كما أتمنى أن يجد القراء الأفاضل في هذه المقالات ما يفيدهم، وأن يكتشف فيها المخطئ خطأه، والمتنابزون بالألقاب إنمهم، فيعودوا إلى الصواب من العلم تائبين، لعل الله يجمع أمة الإسلام بعد تمزق وتشتت، ويغير ما بالمسلمين من هوان، وما ذلك على الله بعزيز، وهذا عين ما هدف إليه الباحث عند كتابته لهذه المباحث، وعند نشره لها بين دفتي هذا الكتاب، والله من وراء القصد. (1/10)
صفحة 11
إضاءات حضارية
11
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل في سير الأولين عبرة وعظة وسلوى للمتأخرين (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةً لِّأُوْلِي الألْبَابِ) (1)، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، واستغفره من جميع الذنوب والخطايا وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أخي القارئ الكريم إن علم التاريخ لهو من الأهمية بمكان، والعناية بتدوين التاريخ والسير والحوادث مطلب سام لا يغفل عنه أصحاب الفهم والأذهان، كيف لا؟! فبتدوين الأحداث لمحفظ للأجيال القادمة ما يعرفهم بواقعنا وما وقع من أحداث في عصرنا، فيأخذون المفيد من تجاربنا ويعرضون عن الطالح من أفعالنا، كما أننا باطلاعنا على تاريخ من سبقنا نستفيد من تجارهم ونتعرف على أوضاعهم وبيئاتهم وحياتهم، ونطلع على المجازاتهم ولا نكرر أخطاءهم، وتبدأ من حيث وصلوا، ونبني على ما بنوا .... ولقد أدركت الأمم والحضارات القديمة أهمية التاريخ وحفظ المعلومات عن حضاراتهم وأنماط معيشتهم ليتعرف عليهم من يأتي بعدهم، فنجد تلك الحضارات القديمة تسجل أنماط معيشتها والأحداث التي مرت بها على جدران الكهوف والقبور والحجارة، ولولا قيام تلك الحضارات برسم تلك النقوشات على الحجارة والقبور لما تعرفنا عليها وعلى نمط حياتها وما مرت به من حروب وغيرها، والأسباب التي أدت إلى انقراضها وزوالها. ولقد أدركت الحضارة الغربية المتقدمة في عصرنا هذا أهمية علم التاريخ، فاهتمت به ايما اهتمام، فأنشأت الجامعات والكليات ومراكز البحث المتخصصة في دراسة التاريخ، وأغدقت على الباحثين ليتفرغوا للدراسة والكتابة، واعتنت بجمع المخطوطات والآثار المتعلقة بمختلف الأمم
(1) سورة يوسف، آية: 111. (1/11)
صفحة 12
إضاءات حضارية
12
والحضارات، وعكفت على دراستها والاستفادة من تجاربها حتى وصلت الحضارة الغربية إلى ما وصلت إليه اليوم.
ولم تكتف بذلك بل تعدت نطاق الكرة الأرضية إلى الفضاء الخارجي، فحاولت وتحاول الاتصال بالفضاء الخارجي للتعرف عليه ومحاولة اكتشاف إمكانية وجود حياة به غير الحياة على كوكب الأرض، ومحاولة تعريف الكائنات الحية الفضائية - إن وجدت - على كوكب الأرض وسكانه؛ فمن ضمن تلك المحاولات إرسال مركبة (فويجيرا) إلى الفضاء في عام 1395 هـ / 1976 م، ثم تلتها المركبة الفضائية (فويجير) في عام 1397 هـ / 1977 م، وكل منهما كانت تحمل معلومات عن المجموعة الشمسية وعن كوكبنا الأرض ومعلومات كبيرة عن سكان الأرض،
فضلا عن إرسال الإشارات المحملة بمختلف المعلومات إلى الفضاء من على سطح الأرض (1). هذا وإن حضارتنا الإسلامية اكتشفت مدى أهمية علم التاريخ قبل الحضارة الغربية الحالية بقرون عديدة، فتسابق المؤرخون المسلمون لتقييد مختلف الأحداث التي وقعت في عصرهم وقبلهم لتعريف من يأتي بعدهم بها، ولربط الماضي بالحاضر، ولأخذ العبرة والعظة من الأمم السابقة، فالفوا المطولات والمختصرات في التاريخ والسير. ولقد تبه علماء المسلمين إلى أهمية علم التاريخ وضرورة العناية به، وأهم المواصفات التي يجب أن تتوفر في المؤرخ، والأخطاء التي يقع فيها بعض من يحاول العناية بالتاريخ والكتابة فيه، فنجد ابن خلدون يقول: " أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل
(1) الاتصال بالعالم الخارجي، انظر هذا الرابط:
http://www.thethspace.m.com/phone.htm (1/12)
صفحة 13
إضاءات حضارية
13
للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق
وجدير بأن يعد في علومها وخليق. (1).
تلاحظ
من
خلال النص السابق أن ابن خلدون قسم التاريخ إلى ظاهر وباطن، ولعمري إنه أصاب كبد الحقيقة، فالظاهر هو الذي يتساوى في فهمه العالم والجاهل، إلا أن الغوص في أعماق التاريخ لا يتأتى إلا للباحث الدارس المتمرس وليس للهاوي، فالتاريخ ليس مجرد قصص نسرد، بل حقيقة التاريخ تكمن في استنباط الحقائق من خلال الأحداث ومن خلال الربط بين مختلف النصوص ومن خلال استنطاق الحروف، فالمؤرخ الحقيقي يرى في الحادثة ما لا يراه القاري العادي، فربما من خلال حادثة واحدة يسطر لك الصفحات الطوال من الحقائق والاستباطات، وهنا تكمن اللذة في علم التاريخ والتي لا يمكن أن يصل إليها القارى العادي الذي لا يمتلك آلة سبر أعماق النصوص.
ثم لمجد ابن خلدون يقول: " وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها. وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال، ولم يراعوها، ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل. لمجد ابن خلدون وضع لنا هنا أهم قاعدة ينبغي أن يضعها نصب عينيه كل من أراد التصدي لعلم التاريخ، ألا وهي التحقيق وترك التقليد، وإعمال العقل في النص، وعدم تلقيه على علاقه وهناته، وكذلك - وهذه نقطة مهمة - عدم إخراجه من إطاره الزمني.
(T).
فكثير من النصوص خاصة التاريخية بها الغث والسمين ممزوجان معا، فيجب على الباحث اللبيب تجريد الغث من السمين، والتمييز بينهما، إذ النصوص التاريخية لم تسلم من أيدي العابثين
(')
عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) ، 1/2 . اين خلدون، مصدر سابق، 1/ 2 (1/13)
صفحة 14
إضاءات حضارية:
14
والوضاعين - كما ذكر ابن خلدون - وكما هو الواقع، وأنا لها أن تسلم إذا كان كلام خير البرية لم يسلم من الوضع والكذب فما بالنا بكلام غيره ورواياته؟!
نعم هذه هي الحقيقة المرة والمؤلمة، فالتاريخ بصفة عامة لم يسلم من التزوير والتحريف والكذب، والتاريخ الإسلامي كذلك ابتلي بهؤلاء المتطفلين والوضاعين، الذين جنوا على تاريخنا الإسلامي، يقول لميس العدوي: " ونتحدث هنا عن خطورة اتجاه المتطفلين على التاريخ وهم موجودون - للأسف الشديد - مع عمق التاريخ نفسه، ولي الأمة الإسلامية وجد التزييف
(1)
(1) =
التاريخي لرؤيتها الحضارية منذ قديم الزمان؛ منذ أن اختلفت الأمة فيما بينها، وأخذ كلّ يضع الأقوال في صالحه والروايات التي تؤيد مذهبه وتنتصر له وهناك أسباب عديدة تدفع هؤلاء إلى تحريف التاريخ وتزويره، فمن ضمن تلك الأسباب الصراعات السياسية، والانتصار للمذاهب والآراء، والعصبية القومية، والأطماع المادية وغيرها، فعلى المتصدي لعلم التاريخ والقارئ للنصوص التاريخية أن لا تفوته هذه الأسباب عند تناوله للنصوص والروايات التاريخية بالتحليل. ومن الضروري أن أنبه إلى أهم ضابطين ينبغي الحرص على تفعيلهما عند التعامل مع الرواية التاريخية ومن خلالهما يمكن الحكم بقبول الرواية التاريخية من عدمه، وهذان الضابطان هما: أ قبول العقل لها.
ب مطابقتها للواقع (3).
ولن أطيل المقام بتفصيل الحديث عن هذين الضابطين فقد أجاد في عرضهما وشرحمها خميس العدوي في كتابه (رؤية تاريخية)، فأحث القارئ الكريم على العودة إلى هذا الكتاب القيم للاستفادة منه، إذ إن مؤلفه خصص مبحثا كاملا للحديث عن الرواية التاريخية فجاء بما
لا مزيد عليه (4).
(1)
ص 16
+
خميس بن راشد العدوي، رؤية تاريخية، الأجيال للتسويق، روي، سلطنة عمان، 1: 1423 هـ / 2003 م، (1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) 1/20 - العدوي، مصدر سابق،
) العدوي، مصدر سابق، ص 22. العدوي
، مصدر سابق، ص 7 - 40. (1/14)
صفحة 15
إضاءات حضارية
15
وإن مما يؤسف له أن مذهبا إسلاميا عريقا ناله ما ناله من افتراء وتهجم وتطفل العديد من الكتاب - من المتقدمين أو المتأخرين - سواء في التاريخ أو غيره، الذين لم يحترموا القارئ الكريم وعقله، فقدموا له مادة ملؤها التزوير والتشويه والتحريف حول هذا المذهب ونشأته وتاريخه وعقيدته ومبادئه التي قام عليها ورجاله!
(1) -
وهذا المذهب أخي القارئ الكريم هو المذهب الإباضي، هذا المذهب الإسلامي العريق الذي نشأ منذ القرن الهجري الأول، وارتبط أئمته ومؤسسوه بكبار الصحابة، فمؤسس المذهب الإباضي الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت: 93 هـ / 711 م) أخذ العلم عن كبار الصحابة كابن عباس وابن عمر وعائشة أم المؤمنين وغيرهم كثير، حتى أنه يقول: " أدركت سبعين من أهل بدر فحويت ما عندهم إلا البحر ويقصد بالبحر ابن عباس، وقال فيه ابن عباس: " اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه إلا أننا نفاجأ بعد ذلك ببعض الكتاب يحاول بتر الصلة والعلاقة بين الإمام جابر والإباضية، ونفاجأ ببعض الكتاب لا يقر بوجود أئمة أجلاء من أئمة الإباضية كالإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند وغيرهم، بالرغم من أن شهر قم قد طبقت الآفاق؟!
(2).
ونفاجأ بآخرين يخلطون بين الإباضية والخوارج ويزجون بالإباضية في صفوف الخوارج، بالرغم من أن الإباضية ومن القرن الهجري الأول بينوا موقفهم صراحة من الخوارج كالأزارقة والنجدات والصفرية، وتبرأوا منهم، ووضعوا المصنفات في ذلك؟! ونجد آخرين ينسبون إلى الإباضية معتقدات وأقوالا لم يقل بها أحد من الإباضية، وينسبون إليهم فرقا وطوائف لا تمت إلى الإباضية بأي صلة، وهذا من العجب بمكان؟! وللأسف الشديد أن كتاب المقالات كالأشعري والبغدادي والشهرستاني وابن حزم وغيرهم كان لهم دور كبير في تشويه حقيقة الإباضية والعديد من المدارس الإسلامية الأخرى، عن طريق
(1) البرادي، الجواهر المنتقاة (مخ)، ص 151 - سامي صقر أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 2000 م، ص 78. (1) أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، تح: إبراهيم طلاي جهة النشر غير مسجلة،
ص 205 (1/15)
صفحة 16
إضاءات حضارية
16
المعلومات المغلوطة التي سطروها في كتبهم، وتلقفها من جاء بعدهم وأصبحت تعد من أمهات المراجع الإسلامية المهمة فيما يتعلق بالفرق، يقول الدكتور عمر صالح با: " والحق أن كتاب المقالات جنوا على التاريخ، وجنوا على العلم، وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. جنوا على التاريخ لأنهم زوروه وكتبوا وقائعه على نحو سقيم، واعتدوا على قوم أبرياء - قلميا - وزيفوا مبادئهم وقالوا بألسنتهم ما لم يقله هؤلاء. وجنوا على العلم، لأن كتبهم - مع عدم صحة ما ورد فيها وانتفاء الثقة عنها - أصبحت مراجع يرجع إليها من يريد الإطلاع على آراء الفرق الإسلامية والتزود بمادة علمية منها، والحال أنها خالية عن أية مادة علمية. وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم لمحاولة تفريقها، أو الإمعان في تمزيقها وبالتالي إضعافها. ولم يحاولوا فقط (1): تضييق الهوة الناشئة عن نتائج اجتهادات مجتهديها لمسائل فرعية غير جوهرية في الدين، وهي إلى السياسة اقرب منها إلى الدين.
(3) -
ويقول الشيخ أحمد بن سعود السيابي: " وما ذلك التخبط الذي نجده عند كتاب الفرق والمقالات إلا راجع إلى عدم جمع المادة العلمية الصادقة. حيث إنهم لم تكن لديهم المعلومات الكافية عن الفرق أو الطوائف الدينية التي كتبوا عنها، ولا نبالغ أو لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المعلومات حول ذلك عندهم معدومة لا وجود لها. فإذا هم يتخبطون تخبط العشواء، ويخلطون الأمور كحاطب ليل. (3).
(3)
ثم جاء العديد من الباحثين المعاصرين، فحاولوا الكتابة عن المذهب الإباضي مدعين التزامهم بالمنهج العلمي في البحث وأغلبهم أبعد ما يكون عن العلمية، إذ إنهم اكتفوا بلوك ما سطره كتاب المقالات في كتبهم، دون الرجوع إلى المصادر الإباضية للتأكد من صحة تلك المعلومات ومطابقتها لواقع الإباضية، ومن عاد منهم إلى بعض المصادر الإباضية، عاد ليحاكم المعلومات الواردة في المصادر الإباضية بما ورد عند كتاب المقالات، فجعل الحكم كتاب المقالات، ما وافقه كان
اعلم.
(1) هكذا جاءت في النص، وأظنه خطأ مطبعي إذ الأنسب للمعنى أن يقال: " ولم يحاولوا قط تضييق الهوة ... " والله (1) عمر محمد صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م، ص 48. علي بن محمد الحجري، الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين واصحاب المقالات، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م، ص 11. (1/16)
صفحة 17
إضاءات حضارية
17
الصواب، وما خالفه رمى به عرض الحائط، فقدم ما يقوله كتاب المقالات على ما يقوله الإباضية
عن أنفسهم؟! و بعض الكتاب المعاصرين عاد إلى المصادر الإباضية باحثا فيها منقبا بين أسطرها عن بعض الفلتات والهنات التي ربما يستطيع من خلالها الإيغال أكثر واكثر في تشويه حقيقة هذا المذهب في نظر القارى موهما إياه أنه يستقي معلوماته من صميم المصادر الإباضية، بالرغم أنه ربما يكون اعتمد على بعض الأقوال المهجورة الضعيفة لدى الإباضية، أو بتر بعض النصوص وحور وحرف
19 (1)
ليصل إلى مبتغاه ولئن اعتذرنا للمتقدمين بعدم توفر وسائل الاتصال والطباعة كما هي في عصرنا هذا، فبماذا نعتذر لباحثي هذا العصر ومؤلفات الفرق الإسلامية تزخر بها أرفف المكتبات وتغص بها مواقع الشبكة العالمية (الإنترنت)؟!
يقول الشيخ أحمد السيابي: بيد أنه من العجيب حقا - مع كل هذا - ان تكون تلك الكتب مصادر علمية أساسية معتمدة يرجع إليها كل من يريد القول أو الخوض عن الفرق أو المذاهب الإسلامية. حتى أننا لنجد كتابا وباحثين معاصرين تكاد تكون كتاباتهم ومقالاتهم - بل كذلك - اجترارا لما في تلك الكتب ذات التعصب المذهبي البغيض، والافتراء الواضح، ونحن في هذا العصر الذي توفرت فيه وسائل المواصلات وتوفرت فيه وسائل الاتصالات، وأصبح العالم قرية صغيرة - (2)؛ ويقول الشيخ ناصر السابعي: " ولئن حاولنا الاعتذار عن الأقدمين ببعد الشقة
هي
(2)
(1) يمكن للقارئ الكريم أن يعود إلى بعض المؤلفات - سواء المتقدمة أو المعاصرة - للتأكد من صحة ما ذكرت أعلاه، وليرى مدى التشويه الذي لحق بالمذهب الإباضي والإباضية على يد هؤلاء الكتاب إما عن قصد أو غير قصد، فمن المتقدمين على سبيل المثال لا الحصر: (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري، و (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي، و (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم الظاهري، و (التبصير) لأبي المظفر الاسفراييني، و (الملل والنحل) لأبي فتح الشهرستاني: هذا بالنسبة للمتقدمين، وأما المعاصرون فهم كثر نأخذ منهم على سبيل المثال:) تاريخ الفرق الإسلامية (للأستاذ علي مصطفى الغوابي، و (المذاهب الإسلامية (للأستاذ محمد احمد أبي زهرة، و تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية) للدكتور يحيى هويدي، والخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام) للدكتور ناصر عبد الكريم العقل، و (الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم (الدكتور ناصر بن عبد الله السعوي، و (نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر بن زيد لها وعلاقتها بالخوارج) للدكتور محمد عبد الفتاح عليان، و (الإباضية عقيدة ومذهبا) للدكتور صابر طعيمة، و (أدوار التاريخ الحضرمي) لمحمد بن أحمد الشاطري، و (تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي) لأحمد بن محمد الشامي، والاتجاهات المذهبية في اليمن) للدكتور محمد عيسى الحريري، و (تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي) للدكتور عبد الرحمن عثمان حجازي، و تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية) للدكتور محمد بن سعد الشويعر. (1) الحجري، الإباضية ومنهجية البحث، ص 12.
4 (1/17)
صفحة 18
إضاءات الحضارية
18
وطول العهد وعدم الاطلاع على مؤلفات هذا المذهب ومصنفات علمائه، فإن العذر يتضاءل في هذا الوقت الراهن الذي تعلو فيه شعارات الوحدة والموضوعية والمنهجية، والتي ما إن تعرض على المحك حتى يتهاوى عدد منها على تراب الأرض. (1) وإن أصدق وصف يمكن أن نصف به هؤلاء الكتاب هي تلكم العبارات الذهبية التي سطرتها أنامل الشيخ علي يحيى معمر واصفا هؤلاء الكتاب الدخيلين المتطفلين على العلم وأهله فيقول
واصفا تعاملهم مع المذهب الإباضي: " فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتهام أولا ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة، ولكن لإثبات هذه التهمة لا لمعرفة الحقيقة. وعندما يتقدم الإباضية بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا إليها، ويبينون سيرقم وسلوكهم، يعتبر كل ذلك منهم كلاما في موقف الدفاع، لا يجوز على القاضي الذكي، فهو لا يسمعه، ولا ينظر فيه، وإذا استمع إليه فلكي يلتقط منه جملا تعزز التهمة، وقد يحرفها قليلا حتى تكون صالحة كدليل للإثبات. وقد يعرض الإباضية عقيدة أو رأيا لهم بأدلته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضي، ولكن القاضي يصر مع ذلك أن القوم مخطئون وأن ما يقولونه إنما هو كلام للدفاع؛ ثم يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إلا لأنهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج)، وحتى عندما يقول الإباضية عن عقيدة أو رأي أنه عندهم كفر وخروج من الملة، فإن هذا القول لا يقبل منهم، ويستمر إلباته لهم ومحاسبتهم عليه؛ وقد يبرأون من رجل ومن أعماله وأقواله ممن لا ينتمي إليهم، ولكن يقال لهم أيضا: بل هذا الرجل من أئمتكم، ولو أنكرتم ذلك. وأنا لست هنا في صدد مناقشة ما سطره أولئك الكتاب في كتبهم من افتراءات والتهامات تجاه الإباضية، إذ إن ذلك يحتاج إلى بحوث مستقلة، وقد كفاني مؤونة ذلك عدد من أهل العلم والفضل جزاهم الله عن جهدهم خير الجزاء (3).
(T) -
(1) الحجري، الإباضية ومنهجية البحث، ص 16. (1) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م، ص 14 - 15
نذكر على سبيل المثال لا الحصر: كتاب (الرد على العقبي) لقطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م)، وكتاب (المسلك المحمود في معرفة للردود) للشيخ سعيد بن علي الجربي التعاريتي الثالث (ت: 1355 هـ / 1936 م)، وكتاب (الفرق بين الإباضية والخوارج (للشيخ إبراهيم اطفيش
= (1/18)
صفحة 19
إضاءات حضارية
19
هذا وإني لا أنكر وجود عدد من الباحثين ممن ألف حول الإباضية فأجاد التأليف، وأنصف وتجرد من الأهواء والتقليد، والتزم بالمنهج العلمي الأكاديمي الرصين، فأضحت مؤلفاتهم منهلا عذبا يقصده الوراد، فاحث كل من أراد التعرف على الإباضية الرجوع أولا إلى المصادر الإباضية إذ إنها المصدر الأول للتعرف على المدرسة الإباضية، وثانيا الرجوع والاستفادة من مؤلفات هؤلاء الأساتذة الكرام جزاهم الله عن جهدهم خير الجزاء (1). أخي القارى الكريم قد تتساءل عن أسباب تطرقي للحديث عن التاريخ وأهمية تدوين التاريخ، وأهمية الترجمة للرجال والأعلام، ومدى التشويه الذي لحق بالإباضية من كتاب المقالات
و من بعض الباحثين المعاصرين؟
الحقيقة أنني عندما رأيت أهمية التاريخ وتدوينه، وأهمية تعريف الآخرين بما لدينا من تراث علمي وفكري، ومدى التشويه الذي لحق بالإباضية من قبل البعض، دفعني ذلك إلى توجيه جهدي للكتابة عن المدرسة الإباضية خاصة الجانب التاريخي منها، والعناية بالترجمة الأعلام هذه المدرسة الإسلامية العريقة، وذلك محاولة مني للإسهام في التعريف هذا المدرسة الإسلامية ورجالها، وإماطة اللثام عنها، وإزالة الشبه والافتراءات التي حيكت ضدها، علني أسهم من خلال كتاباتي المتواضعة في ردم الهوة بين المدارس الإسلامية المختلفة، وتقريب وجهات النظر، والنداء بما نادى به الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله في مصنفاته عندما كان يكتب عن الإباضية محاولا تعريف إخوانه
(ت: 1385 هـ / 1965 م)، وكتاب (الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث) للشيخ علي يحيى معمر (ت: 1400 هـ / 1980 م)، وكتاب (دراسات عن الإباضية) للدكتور عمرو خليفة النامي، وكتابا (الحق الدامغ) و (وسقط القناع) لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، وكتابا (الطوفان الجارف) و (السيف الحاد) للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، وكتاب (الخوارج والحقيقة الغائبة) للشيخ ناصر بن سليمان السابعي، وكتاب (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وكتاب المقالات (لعلي بن محمد الحجري، وكتاب (هذه مبادئنا (لمجموعة من الباحثين، وكتاب (أضواء إسلامية على المعالم الإباضية) لبكير بن سعيد اعوشت و غيرها.
(1) تذكر على سبيل المثال لا الحصر: كتاب) اخبار الأئمة الرستمين (لابن الصغير عاش في القرن الهجري الثالث وكان معاصرا للدولة الرستمية، ومن البحوث المعاصرة: كتاب (الإباضية في المشرق العربي) لمهدي هاشم طالب. وكتاب (نشأة الحركة الإباضية) للدكتور عوض خليفات، وكتاب (عمان: الديمقراطية الإسلامية، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث) للدكتور حسين عبيد غباش، وكتاب (تاريخ موجز للفكر العربي) للدكتور حسين مؤنس، وكتاب (الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين) للدكتور نايف عيد جابر السهيل، وكتاب) الإمام جابر بن زيد الأزدي) للدكتور سامي صقر أبو داود، وكتاب (دراسة في الفكر الإباضي) لعمر بن الحاج محمد صالح با، وكتاب (الفكر والمجتمع في حضرموت (لكرامة مبارك بالمؤمن، وكتاب (مشروع رؤية) لسالم عوض وغيرها. (1/19)
صفحة 20
إضاءات حضارية
في المدارس الأخرى هم وردم الفجوة وتقريب وجهات النظر، فكان يردد هذه القاعدة الذهبية التي حري بكل كاتب أن يضعها نصب عينيه: * المعرفة والتعارف والاعتراف "، فنجده يقول: * وأنا على يقين - في نفسي - أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة، ولا تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في رد الفعل؛ وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون، ولماذا يتمسكون به، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف
يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضا ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو
اجتهد فأخطا) ..
+
(1).
(2)
فكانت تجربتي الأولى مع كتاب) الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية) (2)، وقد كانت تجربة ناجحة بفضل الله تعالى، وقد أثنى على الكتاب عدد من أهل العلم والأساتذة الجامعيين والأخوة الكرام جزاهم الله خيرا.
والحقيقة أن تجربتي الأولى مع كتاب) الشيخ عمروس ومنهجه (وهبتني حصيلة لا بأس بها حول تاريخ وأعلام الإباضية بالمغرب، فرأيت ضرورة الكتابة حول بعض جوانب التاريخ الإباضي بالمغرب، والترجمة لأعلام الإباضية هناك، فبدأت بنشر عدد من المقالات حول عدد من أعلام الإباضية بالمغرب، وكذلك كتبت بعض المقالات المتعلقة بالوجود الإباضي بالمغرب كمقال: (الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ). وقد نشرت هذه المقالات في جريدة الوطن بسلطنة عمان بين سنتي (1423 هـ / 1425 هـ - 2003 م / 2005 م)، ولي عدد من مواقع الشبكة العالمية (الإنترنت) كموقع الشبكة العمانية (www.omania.net) ، وموقع شبكة أهل الحق والاستقامة (www.ibadhiyah.net) ، وموقع الأمل المشرق (www.alami.net) . وبعد أن تجمع لدي عدد لا بأس به من البحوث والمقالات رأيت أهمية جمعها في كتاب واحد
ليسهل على القراء الكرام الاطلاع عليها، فكان هذا الكتاب في جزئه الأول.
(1) معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 5/ 1. (1) لقد تم نشر هذا الكتاب في سنة 1424 هـ / 2004 م من قبل مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، والكتاب متوفر في مختلف مكتبات سلطنة عمان. (1/20)
صفحة 21
إضاءات حضارية
21
وقد احترت كثيرا في العنوان المناسب لهذه البحوث والمقالات، إلى أن أرسل إلي أخ عزيز رسالة عبر الهاتف بلا تنسيق سابق تضمنت عبارة) إضاءات حضارية من تراث الإباضية)، فقدح في ذهني أن هذه العبارة هي مبتغاي وهي ما كنت أبحث عنه؛ وذلك أن التراث الذي خلفه الإباضية تراث ضخم، سواء من ناحية مؤلفاتهم العلمية أو تطبيقاتهم العملية، أو تاريخهم ودولهم التي قامت، أو سيرهم وفعالهم، والتي جسدوا من خلالها عهد الراشدين الزاهر، جاعلين من الشورى أساسهم الذي بنو عليه دولهم، ولعمري ما أحوجنا اليوم في حاضرنا إلى العودة إلى التراث الإباضي المضيء واستقرائه من جديد، وإبرازه إلى النور، وتعريف العالم به، وتطبيقه في واقع حياتنا اليومية.
وإني أعترف اني لم ولن أو في التراث والتاريخ الإباضيين حقهما من خلال هذا الكتاب أو كتب مثله، ولكن هي إضاءات عسى أن أوفق من خلالها إلى تعريف القارئ الكريم على بعض جوانب تراث الإباضية وتاريخها المغيبين تحت ركام الزمن وتناسي الأيام.
وستلاحظ أخي القارئ الكريم أن أغلب محتويات هذا الجزء الأول تناولت الحديث فيه عن تاريخ وأعلام الإباضية بشمال إفريقيا، باستثناء ثلاث مقالات، الأولى عن (حركة التأليف عند العمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، والثانية تناولت فيها بالدراسة الفرق بين الوهبية والوهابية، تحت عنوان (الوَهْبِيَّة والوَهّابية: النشأة والنسبة)، والثالثة تحت عنوان (الخوارج وزيف التاريخ)؛ والحقيقة أن السبب في كون أغلب محتويات هذا الكتاب عُنيت بالحديث عن تاريخ وسيرة بعض أئمة الإباضية وعلمائها بشمال إفريقيا، كوني بدأت الكتابة أول ما بدأت عن إباضية شمال إفريقيا، وذلك لتوفر المعلومات الجيدة لدي حول التاريخ الإباضي في تلك المناطق نتيجة كتابي الأول كما ذكرت سلفا.
وبعون الله وتوفيقه سأخصص الأجزاء القادمة من هذا الكتاب للحديث عن تاريخ الإباضية وتراثها بالمشرق والترجمة لأبرز أعلام إباضية المشرق؛ وقد بدأت في ذلك بالفعل، إذ إني في هذه الفترة عاكف على كتابة بحث عن الوجود الإباضي باليمن، وقد قطعت فيه شوطا لا بأس به، وكذلك فإنني أقوم بالترجمة لبعض أعلام الإباضية بالمشرق ... (1/21)
صفحة 22
إضاءات حضارية
22
وبخصوص محتويات هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فإنه تضمن إحدى عشرة مقالة، سبع مقالات منها مترجمة لعدد من الأعلام، سنة منهم إباضية، والسابع غير إباضي إلا أنه عاش في الدولة الرستمية في القرن الهجري الثالث، ونسب إلى عاصمتها (تيهرت) (1)، وعُدَّ من فحول شعرائها، فلهذا عنيت بالترجمة له، وأعني به الشاعر المحدث بكر بن حماد التيهرتي. وأما بقية الأعلام المترجم لهم فهم: الإمام أبو حاتم يعقوب بن حبيب التجيبي المُلْزُوزي، والشيخ العلامة مهدي التفوسي الويلوي، والشيخ القاضي محكم بن هود الهواري قاضي (تيهرت)، والشيخ العلامة المفسر هود بن مُحَكم الهوارِي، والشيخ العلامة عمروس بن فتح
المساكني النُّفُوسِي، والشيخ العلامة المؤرخ سالم بن محمد بن يعقوب الجربي. وأود التنبيه إلى أن جميع هؤلاء الأعلام عاشوا في القرنين الثاني والثالث الهجريين، باستثناء الشيخ سالم بن يعقوب فإنه معاصر تولي في سنة 1411 هـ / 1991 م، وقد قمت بكتابة مقال حوله فرايت أن أضمنه هذا الكتاب.
وبالإضافة إلى الأعلام المترجم لهم، فإن هذا الكتاب يضم بين دفتيه أربع مقالات أخرى وهي كالتالي: (الدولة الرسمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ)، و (حركة التأليف عند العُمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، و (الوَهْيَّة والوهابية: النشأة والنسبة)، و (الخوارج وزيف التاريخ). ولتعلم أخي القارئ الكريم، أن هذا الكتاب الذي بين يديك لا يعدو كونه جهد مقل، ولن يعدم السهو والخطأ، فالله تعالى أبي إلا أن تكون العصمة لكتابه وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فإن وجدت شيئا من ذلك فلا تبخل على العبد الفقير إلى مولاه بالنصح والإرشاد. هذا فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وفي الختام أسال الله تعالى أن أجد لواب عملي هذا {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ
(1) وقع الخلاف في الضبط الصحيح لـ (تيهرت)، فقيل: تاجرت، وقيل: تيهرت، وقيل: تيهرت، واللفظ الأخير هو الذي رجحه قطب الأئمة في رسالته (الرد على العقبي)، وقد اعتمدته في كتابي هذا) لمزيد تفصيل انظر: بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 2: 1414 هـ / 1993 م، ص 86 الهامش - مهنا بن راشد بن حمد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، 1: 1424 هـ / 2004 م، ص 91 - 92 الهامش). (1/22)
صفحة 23
إضاءات حضارية
23
وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (1)، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا ان الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2).
(1) سورة الشعراء، أية: 8988 (1) سورة يونس، من الآية: 10.
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
ولاية السويق - سلطنة عمان
20 من رمضان 1426 هـ / 24 من أكتوبر 2005 م
abujaifar@hotmail.com abujaifar@gawab.com (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
إضاءات حضارية
الرموز المستخدمة في الكتاب:
ت: تولي.
تح: تحقيق.
حي: حي.
25
ط (في المان): الطبقة (حسب تصنيف الدرجيني للعلماء في كتابه طبقات المشائخ بالمغرب)، مثلا: ط 2 - الطبقة الثانية (50 - 100 هـ)، طه - الطبقة الخامسة (200 - 250 هـ) وهكذا. ط (في الهامش): الطبعة، مثلا: ط 1 – الطبعة الأولى.
-- القرن الأول الهجري.
ق: القرن، مثلا: ق: 1 هـ - مخ: مخطوط. (1/25)
صفحة 26
[صفحة فارغة] (1/26)
صفحة 27
(1)
الْإِمَامُ أَبُو حَاتِمِ الْمَلْزُوزِي
المزفوف إلى الموت زفاف العروس (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
إضاءات الحضارية
29
المقدمة:
الإِمَامُ أَبُو حَاتِمِ المَلْزُوزي المزفوف إلى الموت زفاف العروس)
(1)
الحمد لله رب العالمين .. الذي من سنته في الكون أن يقيض بين الفينة والفينة أئمة عدولا يعز لهم صرح الإسلام والدين، وينشر على أيديهم العدل والأمن ويقضى على الظلم والجور، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من اقتفى أثره من الأئمة وسائر المسلمين، وبعد. فإن المتأمل في التاريخ الإسلامي يجده تاريخا حافلا بالإنجازات العظام التي تمت على أيدي الكثير من الأئمة والعلماء، والتي هي في أمس الحاجة للإبراز إلى النور ليتأسى بها أبناء هذا الجيل الذي أصبح جله فاقدا لهويته للأسف الشديد. وإن المذهب الإباضي حوى تاريخه الكثير من الأئمة العظماء، الذين سطروا في سني حياتهم أروع الإنجازات، والتي تستحق أن تنقش بماء التبر على صفحات اللجين، فمنهم من تمكن من إقامة الدول الإسلامية السائرة على نهج الخلافة الراشدة كالدول الإباضية التي قامت في عمان بدءا من الإمام الجلندى بن مسعود الكندي، وكدولة الإمام طالب الحق عبد ا الله بن يحيى الكندي في اليمن، وكدولة الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح في المغرب، وكالدولة الرستمية التي قامت على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم في المغرب.
ومنهم من ترك العديد من المؤلفات في مختلف فنون العلم، والتي وصل بعضها إلى أكثر من تسعين مجلدا، ولقد ضاع الكثير من التراث الإباضي بسبب الفتن والصراعات والله المستعان.
(1) نشر هذا البحث سابقا في:
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
شبكة أهل الحق والاستقامة) www.ibadhiyab.net) . موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) .
جريدة الوطن، سلطنة عمان، الجمعة 24 من ربيع الأول 1425 هـ / 14 من يونيو 2004 م، العدد (7605)، السنة
34، وانظره على هذه الوصلة كذلك:
:
000/ 00 may/16.5/dailyhtml/deen.html
http://www.alwatan.com/graphics/200 (1/29)
صفحة 30
إضاء انت الحضارية
ومنهم من كون طلاب العلم يرشفون من معين علمه العذب الزلال، فخرج على يديه أعلام عظام أعز الله بهم دينه.
ولا يزال إباضية هذا العصر سائرون على نهج سلفهم في التمسك بكتاب الله تعالى والعمل
بسنة نبيه والدفاع عن حياض الدين والحمد لله رب العالمين على هذه النعمة. وإن مما يؤسف له أن تجد الكثير من المسلمين من غير المذهب الإباضي يجهلون أمر هذا المذهب، ويجهلون التضحيات الجسام التي قدمها أتباعه محافظة على الدين الإسلامي، بل وتجد بعضهم ينعتون أتباع هذا المذهب بنعوت هم منها أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، فمن ذلك وصفهم بأنهم خوارج معتمدين في ذلك على ما سطره كتاب المقالات كالبغدادي والشهرستاني وابن حزم وغيرهم، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إلى المصادر الإباضية وإلى علماء الإباضية لمعرفة صحة ما ينسب إليهم من عدمه، بل ونسبوا إلى الإباضية الكثير من العقائد المنحرفة التي لا تمت بصلة إلى العقيدة الإباضية المستقاة من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وقد تكفل علماء الإباضية بالرد على تلك الشبه في الكثير من المؤلفات وبينوا حقيقة المذهب الإباضي وأتباعه، فيمكن الرجوع إليها (1).
بل وإن مما يؤسف له كذلك أن تجد الكثير من أتباع المذهب الإباضي يجهلون تاريخ مذهبهم ونشأته، ويجهلون أئمتهم وسيرهم، وهذا البحث هو محاولة مني تنصب في هذا الصدد، فأحاول من خلاله تسليط الضوء على إمام من أئمة الإباضية في المغرب، بويع بالإمامة في سنة 145 هـ / 762 م، فحاول إقامة دولة إسلامية سائرة على نهج الخلافة الراشدة، فسطر في جهاده للظلم والجور أروع الإنجازات، هذا الإمام هو الإمام الجليل أبو حاتم يعقوب بن حبيب التجيبي المَلْزُوزِي رحمه الله تعالى.
فاسال الله تعالى أن أكون بهذا العمل قدمت ولو نزرا يسيرا من تاريخ الإباضية، سائلا المولى القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا) أن الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
(1) أشرت إلى بعضها في مقدمة الكتاب. (1) سورة يونس، من الآية: 10.
(T) (1/30)
صفحة 31
إضاءات حضارية
31
1 - انتشار المذهب الإباضي في المغرب: قبل أن تتناول التعريف بالإمام أبي حاتم وسيرته، أرى من الضروري أولا أن أعرج باختصار على الأحداث التي سبقت بيعته بالإمامة، وذلك حتى تربط الأحداث بعضها ببعض. بعد أن انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة الإباضية وعلى رأسهم سلمة بن سعد الحضرمي) حي: 135 هـ / 752 م) (1) الذي قدم من المشرق تحديدا البصرة، بعد أن أخذ العلم على يد إمام الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رحمه الله (ت: 145 هـ / 762 م).
(2)
انطلق بأمر من شيخه أبي عبيدة إلى المغرب لنشر المذهب الإباضي في تلكم الأراضي البعيدة عن عيون بني أمية، وبالفعل استطاع سلمة أن يوجد أتباعا للمذهب الإباضي في المغرب وتحديدا المغرب الأدن (3)، وخاصة جبل نفوسة، ونتيجة لجهوده ارتحل بعض من اعتنق المذهب من أهل جبل نفوسة إلى البصرة ليأخذوا أصول الدعوة وتعاليمها عن الإمام أبي عبيدة، وكان أشهر هؤلاء أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجناونِي (حي بعد: 160 هـ /
776 م) (4).
عاد ابن مخطير من البصرة ليتعاون مع سلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي، بعد وفاة سلمة بن سعد أو عودته إلى المشرق، أصبح ابن مغطير هو الداعية الأول للإباضية في المغرب. وكانت له جهود كبيرة في إقناع قومه بجبل نفوسة باتباع المذهب الإباضي حق أن جبل نفوسة
L
(1) تناولت الحديث بالتفصيل عن دور الداعية مسلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي في بحث لي تحت عنوان (ائمة المغرب الأوائل (انظره في موقع الأمل المشرق (www.alami.net) قسم التاريخ. (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 11/ 1 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ / 1997 م، ص 147 بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم اعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م، ص 189، رقم الترجمة: 418 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عنان، الأردن، 1978 م، ص 133.
) المغرب الأدنى يشمل اليوم شرق الجزائر ودولة تونس ودولة ليبيا، أما المغرب الأوسط فهو وسط الجزائر إلى حدود المملكة المغربية، وهذه الأخيرة هي المغرب الأقصى في الكتابات التاريخية الإسلامية، وذلك بحسب بعدها أو قربها من المشرق الإسلامي، فهو أدنى أو أوسط أو أقصى (لقاء مع د/ إبراهيم بكير بحاز، الرستاق، مسلطنة عمان،
13 من ربيع الأول 1426 هـ / 24 من إبريل 2005 م).
(1) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة (2)، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1993 م، ص 27 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 136. (1/31)
صفحة 32
إضاءات حضارية:
32
أصبح المعقل الرئيسي لإباضية المغرب في تلك الحقبة أي خلال الثلث الأول من القرن الهجري الثاني، وانتشر المذهب الإباضي بين قبائل هُوَّارَة وزَئاتة وسَدْرَاتة ولَوَائة (1). بعد ذلك رأى دعاة الإباضية ضرورة إرسال المزيد من البعثات العلمية إلى البصرة، فتم اختيار أربعة شباب من مناطق مختلفة ممن أمل فيهم دعاة الإباضية بالمغرب أن يكون لهم شأن كبير في المستقبل، والذين سيعرفون بعد ذلك بحملة العلم إلى المغرب؛ وهؤلاء النفر هم: أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي (حي: 211 هـ / 826 م) من عُدَامَس جنوب طرابلس: وعبد الرحمن بن رستم (ت: 171 هـ / 787 م (فارسي الأصل من القيروان، وعاصم السدراتي (ت: 141 هـ / 758 م) من قبيلة سَدْرَاتة في جبال الأوراس بشمال الجزائر، وأبو داود القبلي التفزَاوِي (حي: 140 هـ / 757 م) من نَفْزَاوَة بتونس (2). قضى حملة العلم إلى المغرب خمس سنوات يدرسون العلم على يد الإمام أبي عبيدة في سردابه بالبصرة، وهناك التقوا بأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني (ت: 144 هـ / 761 م)، والذي سيكون له شأن كبير في المستقبل؛ وبعد أن رأى الإمام أبو عبيدة جاهزيتهم للعودة إلى المغرب قال لهم: " توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم، قولوا على أنفسكم رجلا منكم، فإن أبي فاقتلوه "، وأشار إلى أبي الخطاب المعافري (3).
فعادوا إلى بلادهم، وبدأوا نشر ما تعلموه في البصرة، والإعداد لإقامة دولتهم الجديدة، وفي سنة 140 هـ / 757 م سنحت الظروف المبايعة أبي الخطاب بالإمامة وإعلان دولتهم الإباضية الجديدة، فقاموا بمبايعته إماما على الإباضية بالمغرب
(4)
(1) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 136. (2) مقرين بن محمد البغطوري، كتاب سير اهل نفوسة (مخ)، صه - يحيى بن أبي زكرياء (ابو زكرياء)، کتاب سير الأئمة واخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1402 هـ / 1982 م، ص 54 - الدرجيني، طبقات المشائخ: 19/ 1 عوض خليفات، مصدر سابق، ص 137 بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، ج 2، ص 55، رقم الترجمة: 107، ص 139، رقم الترجمة: 303، ص 239، رقم الترجمة: 528، ص 246، رقم الترجمة:
011
(2) الدرجيني، مصدر سابق، 21/ 1 بحاز وآخرون، مصدر سابق، 242/ 2، رقم الترجمة: 534. (1) نواب بن سلام، كتاب فيه بده الإسلام وشرائع الدين، ت: شفارتز وسالم بن يعقوب، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن، المانيا، طبع بمطابع دار صادر، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م، ص 117 - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 57 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، = (1/32)
صفحة 33
إضاءات حضارية
33
استطاع الإمام أبو الخطاب والإباضية السيطرة على طرابلس والقيروان، وسار الإمام أبو الخطاب فيهم بالعدل وأعاد الحقوق إلى أصحابها، والحقيقة أن الحديث عن عهد الإمام أبي الخطاب يطول ويحتاج إلى بحث مستقل، وهدفي من التعريج على بيعة الإمام أبي الخطاب هو التمهيد لعهد الإمام أبي حاتم كما ذكرت. على العموم لم يسكت العباسيون على هذه الهزيمة النكراء التي منوا بها على يد الإباضية، فأرسلوا جيوشهم تترا وفي كل مرة تمنى هزيمة ساحقة على يد الإباضية، فأرسلوا جيشا قوامه أربعين ألفا بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي (ت: 149 هـ / 766 م)، ومني كذلك بالهزيمة، فلجأ إلى الحيلة وتظاهر بالانسحاب، فظن الإباضية السحاب جيش العباسيين، وكان الموسم حصاد فعادوا إلى حقولهم، وحذرهم الإمام أبو الخطاب من ذلك وأعلمهم أن العرب - وهو العربي اليمني القحطاني - أهل مكيدة ومكر (1)، ولكن دون جدوى، وبالفعل عندما رأى ابن الأشعث تفرق جيش الإمام أبي الخطاب، عاد مسرعا واستطاع القضاء على من بقي مع الإمام أبي الخطاب فقتلهم جميعا، واستشهد الإمام أبو الخطاب رحمه الله، وكان ذلك في سنة 144 هـ / 761 م في معركة (تَاوَرْغا): وتذكر بعض المصادر أن الهزام الإمام أبي الخطاب كان يعود إلى تصدع قبلي أصاب جيشه، فاستغله ابن الأشعث لصالحه، والله الأمر من قبل ومن بعد (2).
موسم
القيروان
-
وقد حاول عبد الرحمن بن رستم - الذي عينه الإمام أبو الخطاب واليا على اللحاق بالإمام أبي الخطاب لنجدته، إلا أن أخبار استشهاد الأمام أبي الخطاب وأصحابه وصلته وهو لا يزال في الطريق، فلما عاد إلى القيروان وجد أنها ثارت عليه، فعند ذلك
= 1: 1413 هـ / 1992 م، ص 229 - علي بن محمد الشيباني ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج)، ت: د/ عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، طا: 1417 هـ / 1997 م، ص 327 - ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 2: 1983 م، ص 70 72 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 26/ 1 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 148 - محمد ناصر، منهج الدعوة،
ص 150.
(1) في الحقيقة ليس الأمر في أن العرب أهل مكيدة ومكر وإنما هي الحرب، والحرب خدعة، ولعل أبا الخطاب خاطب البربر بما ينبههم ويستنفرهم. (1) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 121 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 69 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 229/ 4 - ابن الأثير، مصدر سابق، 328/ 4 ابن عذاري، مصدر سابق، 71/ 1 - 72 - الدرجيني، مصدر سابق، 32/ 1 - عرض خليفات، مصدر سابق، ص 153 - محمد ناصر، مصدر سابق، ص 151. (1/33)
صفحة 34
إضاءات حضارية:
34
اضطر للتوجه إلى أرض المغرب متخفيا بصحبة ابنه عبد الوهاب) ت: 208 هـ / 823 م) وعبد له، فتحصن في جبل يدعى (سُوفَجّج)، فلحقه شيوخ الإباضية، فسمع بهم ابن الأشعث فلحق بهم وحاصر الجبل، وظل محاصرا للجبل حتى وقع الجدري في جنده ولم يستطع أن يُخرج عبد الرحمن وأصحابه من الجبل، فكر راجعا إلى القيروان، فأراح الله عبد الرحمن ومن معه
من شره (1).
بعد استشهاد الإمام أبي الخطاب قام ابن الأشعث بمتابعة البربر بما فيهم الإباضية، فقتل منهم الكثير، وانتهج معهم منهج الإذلال والتحقير، وأرسل أحد أتباعه ويدعى الجزيري لملاحقة البربر فكان هذا الجزيري ظالما فاسدا كابن الأشعث، فكان يشترط على البربر أن تقوم جواريهم الحرائر بقلي لحيته ورأسه، فلم يرض الإباضية خاصة والبربر عامة هذا الإذلال المتعمد والانتهاك
(2)
لحرماتهم، ولم تندمل جراح استشهاد إمامهم أبي الخطاب وأصحابه في معركة) تَاوَرْغا (بعد، حتى بايعوا إماما جديدا عليهم هو أبا حاتم يعقوب المَلْزُوزِي في طرابلس في سنة
145 هـ / 762 م.
فمن هو الإمام أبو حاتم الملزوزي؟
- نسب الإمام أبي حاتم:
نقلا عن
هو أبو حاتم يعقوب بن حبيب بن مدين بن يطوفت التجيبي المَلْزُوزِي الهَوارِي الكندي، وقد وقع الخلاف بين المصادر في اسم أبيه، فذكر كل من أبي زكرياء والدرجيني وابن عذارى الرقيق أنه (لبيب) ووافقهم على ذلك الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، وذكر أصحاب المعجم أنه (لبيد)، وذكر ابن سلام والشماخي وابن خلدون وابن الأثير والزركلي أنه (حبيب)، ووافقهم على ذلك الشيخ سليمان باشا الباروني والشيخ سالم بن يعقوب و د/ محمد ناصر ود عوض خليفات ود/ إبراهيم بتجاز وإسماعيل العربي محقق كتاب
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 70 - الترجيني، طبقات المشائخ، 35/ 1 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 155 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 153. (1) ابن سلام، بده الإسلام، ص 127 - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة
عمان، 1407 هـ / 1987 م، ص 121 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ح 2، ق 1، ص 61. (1/34)
صفحة 35
إضاءات حضارية
35
سير
الأئمة (1)، وبما أن ابن سلام هو الأقرب إلى عهد الإمام أبي حاتم، وبعد كتابه أقدم مصدر
إباضي يتناول التاريخ الإباضي فالظاهر أن (حبيب) هو الأصح.
والحقيقة أن بعض الباحثين المعاصرين ذكر أن أبا حاتم ينتسب إلى قبيلة كندة بالولاء، فممن ذهب إلى ذلك الشيخ علي يحيى معمر (2)، وأصحاب معجم أعلام الإباضية (3)، وإسماعيل العربي محقق سير الأئمة (4)، ود/ إبراهيم بجاز (5)، وأما الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فإنه ذهب إلى
أنه عربي من قبيلة كندة (6)، إلا أنه لم يركز على كونه مولى من عدمه، فالظاهر أنه تجاوز ذلك ولم يطرقه بالبحث والتحقيق.
وقد راجعت أهم مصادر الإباضية المتقدمة في التاريخ، فوجدت أن الشماخي أشار إلى كونه مولى كندة (2)، وأما ابن سلام وأبو زكرياء والدرجيني والبرادي (8)، فلم أجد أحدا منهم أشار إلى كون الإمام أبي حاتم مولى لبني كندة او كندي أصلا، بل ولم يذكر أحد منهم ولو بإشارة
بسيطة كونه عربيا!
(1)
4
ابن سلام، بده الإسلام، ص 128 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 73 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 36/ 1. الشماخي، السير، 121/ 1 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 230/ 10183/3 - ابن الأثير، الكامل، 168/ 5 - ابن عذاري، البيان المغرب، 78/ 1 خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 75: 1986 م، ص 197 - عبد الله بن يحيى الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1412 هـ / 1992 م، ص 16 - سليمان الباروني أبو الربيع، مختصر تاريخ الإباضية. جهة النشر غير مسجلة، ص 34 سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني، تونس، 1986 م، ص 62. محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 152 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 175 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 69 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035 معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ج 1، ق 1، ص 11.) بحاز وآخرون، مصدر سابق، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 73 الهامش.
(3)
(1) بجاز، مصدر سابق، ص 69 - قمت بمحادثة د/ بحاز هاتفيا وناقشته حول العديد من القضايا ومن ضمنها هذه القضية فوجدته يذهب إلى أن أبا حاتم مولى لبني كندة كما وضح في كتابه الدولة الرستمية، وأشار إلى أنه يميل إلى كون الولاء ولاء النسب وليس ولاء العبودية (مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ بحاز إبراهيم بكير، الأحد 1 من محرم 1425 هـ / 22 من فبراير 2004 م). عمر بن جميع أبو حفص، مقدمة التوحيد وشروحها، شرح: أحمد بن سعود الشماخي وداود بن إبراهيم الثلاثي، تعليق: إبراهيم اطفيش أبو إسحاق، طبعة مسقط، سلطنة عمان، ص 72 الهامش. (1) الشماخي، السير، 121/ 1. (8) ابن سلام، مصدر سابق، ص 128. أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 73 - الدرجيني، مصدر سابق، 7/ 1، 31، 37، 38 400، 74 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه (مخ)، ص 173. (1/35)
صفحة 36
إضاءات حضارية
36
بل وجدت أن البرادي والدرجيني يعتبرانه هُوَارِيًّا، ومن المعلوم أن قبيلة هوارة قبيلة بربرية مغربية (1)، ولكن الشيخ محمد دبوز اعترض على من نسب الإمام أبا حاتم إلى هوارة وذهب إلى أنه من مَلْزُوزَة، وذكر ان مَلْزُوزَة قبيلة بربرية بترية من فروع مغيلة، وذكر أن مواطن هذه القبيلة في المغرب الأوسط، وأن أبا حاتم أو أجداده انتقلوا إلى طرابلس فول في هوارة فصار
ينسب إليها (2).
فتلاحظ أن الشيخ دبوز يرجح كون أبي حاتم بربري الأصل، ولم يشر نهائيا إلى كونه مولى لكندة، ولكن قد ينتقد الشيخ دبوز كونه يتبع منهج المتقدمين في عدم الإحالة إلى المصادر التي يستقون منها معلوماتهم، فنجده لا يذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كثير من القضايا التي طرقها في كتابه الموسوعي الضخم) تاريخ المغرب الكبير)، إذ إنه بذلك الفتقر إلى المنهج العلمي الأكاديمي، وحري بمثل الشيخ دبوز وهو من المعاصرين أن يستفيد مما توصل إليه من مناهج للبحث العلمي، مع أننا لا ننتقص من قدر الشيخ محمد دبوز وكتابه وأسبقيته، إلا أن الأمانة العلمية تقتضي ذلك، فهو بذلك حرم من يأتي بعده من الباحثين من إمكانية العودة للمصادر والمراجع التي اعتمد عليها، إن كانت هناك مصادر ومراجع اعتمد عليها. والظاهر صحة ما ذهب إليه الشيخ دبوز من كون أبي حاتم بربريا، إذ إن ابن خلدون ذكر أن قبيلة المروزي قبيلة بربرية بترية تقطن المغرب الأوسط، وأنها بطن من بطون بني فاتن بن تمصيت بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر؛ بل إن ابن خلدون صرح يكون الإمام أبي حاتم
(4)
بربريا ملزوزيا حيث قال: " وأبو حاتم يعقوب بن حبيب بن مدين بن يطوفت من ملزوزة - (4) إلا أنه يظهر لي عدم صحة ما ذهب إليه الشيخ دبوز من كون قبيلة الملْزُوزِي فرع من فروع مغيلة؛ إذ أن ملزوزة ومغيلة وغيرهما هي بطون من بني فاتن قال ابن خلدون: " ... بني فاتن من ضريسة إحدى بطون البرابرة البتر. وهم بطون مطفرة ولماية وصدينة وكومية ومديونة ومغيلة
(1) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 294/ 1. (1) محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، دار إحياء الكتب العربية، 1: 1383 هـ / 1963 م، ص 58.
3
ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 181/ 3 (1) ابن خلدون، مصدر سابق، 184/ 3 (1/36)
صفحة 37
إضاءات حضارية
37
ومطمامة وملزوزة ومكناسة ودونة وكلهم من ولد فاتن بن تحصيت بن ضريس بن زحيك بن
مادغيس الأبتر.
(1).
وكذلك الذي يظهر أنه ليس هوارِيًّا، حيث إن هوارة ليست من بطون البربر البتر، بل هي
من بطون البربر البرانس من ولد هوار بن أوريغ بن برنس كما ذهب ابن خلدون (2). وأما قبيلة التجيبي فهي قبيلة عربية قحطانية من كندة، و (تُجيب) هو اسم امهم التي ينسبون إليها، وقيل أبوهم، ومحلها بمصر، قال النسابة القلقشندي: * بنو تجيب – بضم التاء وكسر الجيم وسكون الياء المثناة تحت ثم ياء موحدة - بطن من كندة وهم بنو أشرس بن شيب بن السكون بن كندة، وكندة ... كان له من الولد أشرس وعدي، وتجيب هي أمهما عرف بنوها بما وهي تجيب بنت بولان بن سليم بن رها بن مدحج، كذا قال أبو عبيد: وجعل في العبر تجيب هم عبارة عن بني عدي وبني سعد ابني أشرس بن شبيب بن السكون، قال القضاعي: فهو كان من ولد عدي وبني سعد قيل له تجيب، وقال الجوهري: هم بنو تجيب بن كندة فجعل تجيب أبا لهم لا أما وقد ذكر القضاعي لهم. خطة بمصر
(1).
والظاهر أن من ذهب إلى اعتبار الإمام أبي حاتم مولى كندة اعتمد في ذلك على بعض المصادر غير الإباضية كابن الأثير وابن خلدون والزركلي، فابن الأثير يذكر أن اسم أبي حاتم هو يعقوب بن حبيب مولى كندة (4)، ونجد ابن خلدون يوافقه على ذلك فيذكر أن اسمه أبو حاتم يعقوب بن حبيب الأباضي مولى كندة ()، والزركلي يقتبس عن ابن خلدون فيؤكد
ما ذهب إليه (1).
('1')
ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 181/ 3 (2) ابن خلدون، مصدر سابق، 181/ 3، 189.
) انظر: أحمد بن علي القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، موقع نداء الإيمان (www.aleman.com ، 1409 عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، لب اللباب في تحرير الأنساب، موقع
نداء الإيمان (www.al-eman.com)، ص.
وانظر: عبد الكريم بن محمد السمعاني، الأنساب، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طا: 1408 هـ /
1988
19 م، ص 448. (1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 168/ 5.
()
ابن خلدون، مصدر سابق، 230/ 1.
(1) الزركلي، الأعلام، 197/ 8. (1/37)
صفحة 38
إضاءات حضارية
38
ولم يذكر ابن الأثير وابن خلدون والزركلي مستندهم فيما ذهبوا إليه من كونه مولى لكندة 12 فلعلهم اعتمدوا على ما ذكره بعض النسابة من كون قبيلة هوارة من عرب اليمن من ولد المسور بن السكاسك بن أشرس بن كندة، إلا أن ابن خلدون نفسه يرد ذلك، ويذكر أن هوارة من بطون البرانس من البربر (1)، وابن خلدون كذلك عد أبا حاتم بربريا من مَلْزُوزَة كما مر علينا، فلماذا يذكر في موضع آخر من كتابه أنه مولى كندة؟! ولكن لعلهم حاولوا الجمع بين نسبته إلى قبيلة المروزي البربرية ونسبته إلى قبيلة التجيبي الكندية العربية، فاعتبروه بربريا تعرض للسبي هو أو أحد آبائه من قبل قبيلة التجيبي الكندية
فاصبح مولى لكندة، وهذا ما أميل إليه للجمع بين الأقوال المتضاربة، وهو احتمال وارد. إذا مما سبق فإن أبا حاتم بربري الأصل ينتمي إلى قبيلة مَلْزُوزة البربرية، ثم تعرض هو أو أحد آبائه للسي من قبل قبيلة التجبي الكندية فنسب إليها بالولاء، ثم أعتق وعاد إلى المغرب موطن آبانه، إذ إنه لو ظل مسترقا لما بايعه الإباضية بالإمامة، حيث إن من شروط الإمام في المذهب الإباضي الحرية قال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله متحدثا عن هذا المنصب: " ... وهو منصب لا يختار له إلا من كان ذا أهلية تامة، وذلك بأن يكون رجلا مسلما ورعا سليم الحواس والعقل ليست به عاهة وأن يكون حرا بالغا، متمتعا بمؤهلات القيادة ... الخ. (2)، فلا يمكن أن يقوم الإباضية بمبايعة أبي حاتم وهو لا يزال رقيقا لم يعتق.
(1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 186/ 3.
(2) احمد بن حمد الخليلي، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي، مكتبة الجيل الواعد،
مسقط، سلطنة عمان، 1424 هـ / 2003 م، ص 167. (1/38)
صفحة 39
إضاءات حضارية
39
4 - طلبه للعلم ودوره في دولة الإمام أبي الخطاب: تذكر المصادر أنه أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب وغيرهم، فلعله تتلمذ على يد
(1)
سلمة بن سعد وابن مغيطر، ويعد أبو حاتم في درجة الإمام أبي الخطاب مكانة وعلما (2). والحقيقة أن المصادر لا تذكر شيئا عن دور أبي حاتم في عهد الإمام أبي الخطاب، ولكن يظهر أنه كان من ضمن جيش أبي الخطاب ومن رفقاء دربه الكفاحي ضد ظلم بني العباس وجورهم، وذلك أن أبا زكرياء وصفه أنه من بقية أصحاب أبي الخطاب (3)، بل ويظهر أنه كان له شأن كبير في عهد الإمام أبي الخطاب وإلا لما بايعه الإباضية خلفا لأبي الخطاب، فلعله شارك في المعارك التي خاضها الإمام أبو الخطاب، وربما كلفه الإمام أبو الخطاب بولاية شيء من المناطق كما كلف عبد الرحمن بن رستم بولاية القيروان غير أن المصادر لم تذكر ذلك.
ه - مبايعته بالإمامة: اختلفت المصادر في سنة بيعته، فقيل سنة 145 هـ / 762 م (4)، وقيل سنة 154 هـ / 770 م (4)، وذكر كل من ابن الأثير والزركلي أن أبا حاتم بويع في سنة 151 هـ / 768 م (1)، وقد رجح الشيخ سليمان داود ما ذكره ابن الأثير وظل يعمل في السر ليجمع حوله أكبر قدر من الأنصار ولينظم صفوف الإباضية من جديد، ثم أعلن الثورة في سنة 150 هـ / 767 م، واستشهد في سنة 155 هـ / 771 م كما سياتي؛
(7)
(1) بحاز واخرون، معجم أعلام الإباضية، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) بحار وأخرون، مصدر سابق، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035.) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 73.
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تح: محمد صالح ناصر وبحاز إبراهيم بكير، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م، ص 22 - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 73 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 152 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 158 - فرحات الجمبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، المطابع، روي، سلطنة عمان، طا: 1412 هـ / 1991 م، ص 22 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 69 - بحار، مصدر سابق، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 128 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 39/ 1 - الشماخي، السير، 121/ 1 - الباروني، رسالة سلم العامة، ص 16 - أبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 34 دبوز، تاريخ المغرب الكبير،
العالمية واخرون
08/ 3
(1) ابن الأثير الكامل، 166/ 5، 198 - الزركلي، الأعلام، 197/ 8
(2) سليمان داود بن يوسف، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، مطبعة أبو داود، ص 58 (1/39)
صفحة 40
إضاءات حضارية
40
وهذا ما رجحه عدد من الباحثين المعاصرين، كالدكتور محمد ناصر والدكتور الجعبيري والدكتور عوض خليفات والدكتور إبراهيم بجاز وأصحاب المعجم؛ ولعل السبب في ذهاب بعض المصادر إلى كونه بويع في 154 هـ هو بروزه على الساحة ومنازلته للعباسين في هذه الفترة. وقد ذهبت أغلب المصادر إلى عد بيعته بيعة دفاع (1)، وقد اعترض الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش على ذلك، وذهب إلى كونها بيعة ظهور، واعتبر كلام من ذهب إلى كونها بيعة دفاع كلام فقهاء ليس لهم في التاريخ على حد تعبيره، واحتج بكون الإمام أبي حاتم جهز الجيوش ووطد الإمامة وقاتل أهل البغي في كل صوب طالبا لا مطلوبا حتى بلغت جنوده ثلاثمائة وخمسين ألفا مشاة، وخمسة وثمانين ألفا من الخيالة، وكانت وقائعه لمحوا من ثلاثمائة وخمس وسبعين،، وأن له فضلا عظيما في تمكين الإسلام الحق في البربر، وقال: إن إمام الدفاع ليس له من الأمر بعد أن تضع الحرب أوزارها (2).
ولكن إذا عدنا إلى تعريف مصطلح إمامة الدفاع في المصادر الإباضية، فتجدهم يعرفونه بأنه: " من الفروض الواجبة إذا عدم الظهور وهو اجتماع الناس على إمام يقدمونه عند مقاتلتهم العدو الذي دهمهم، فإذا زال القتال زالت إمامته وتجب عليه جميع الأحكام التي تقع حال كونه إماما، وتجب عليهم طاعته، وعرفها قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش بقوله: والدفاع للعدو إذا جاءهم أو جاء أموالهم لمن يريدون دفع الظلم عنه بإمام يُنصب له، وإذا زال العدو زالت الإمامة فتجدد له أو لغيره لحادث؛ وقيل: يجوز نصبه على استمرار وإبقاؤه إذا نُصب
(3).
بلا قيد استمرار وبلا نفي استمرار، فلا يزول بزوال الحرب بل يبقى لما يحدث منها. (4). وعرفها سماحة الشيخ العلامة أحمد. بن حمد الخليلي حفظه الله بقوله: " ... الدفاع: وهو أن يجتمع
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 22 أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 73 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 36/ 1 ابن جميع.، مقدمة التوحيد، ص 70 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 152 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية.، ص 158 - الجعيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 22 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 69 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) ابن جموع، مصدر سابق، ص 72 هامش رقم 10.
ابن جميع، مصدر سابق، ص 70.
(1) محمد بن يوسف اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، تح: مصطفى بن الناصر وينتن، جمعية التراث، القرارة،
الجزائر، ط 1: 1422 هـ / 2001 م، ص 195.
4 (1/40)
صفحة 41
إضاءات حضارية
(3).
41
المسلمون عندما يفاجئهم عدوهم بالانقضاض عليهم على مبايعة أحد منهم ليقودهم دفاعا عن دينهم وعن حرماتهم، إلى أن تنجلي الغمة وينكشف العدو، وتنتهي بذلك بيعته. إذاً لو تأملنا وضع الإباضية عندما بايعوا الإمام أبا حاتم نجده تنطبق عليه التعاريف السابقة، فالإباضية كانوا في عهد الإمام أبي الخطاب في فترة ظهور، ثم انقض عليهم عدوهم ابن الأشعث وقتل إمامهم وشردهم وتعقبهم، مما اضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم وحرمتهم فبايعوا إماما عليهم ليقودهم في مرحلة الدفاع ضد من هاجمهم، طبيعته بيعة دفاع، ثم من شروط الظهور أن تكون للإباضية دولة آمنة يطبقون فيها شرع الله تعالى، وهذه الدولة لم تكن موجودة في عهد الإمام أبي حاتم، فتعريف الظهور عند الإباضية هو الظهور كالنبي في المدينة وفي مكة بعد إسلام عمر، وكابي بكر وعمر يصليان الجمعة ويجلدان ويرجمان ويقطعان ويغزوان ويقيمان الثغور ويجمعان الزكوات والغنائم (2).
ولكن في المقابل نجد أن الإمام أبا حاتم تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان وعين بعض الولاة، فقد ورد أنه عين عبد العزيز المعافري (ت: 154 هـ / 771 م) واليا على، بل وكان يجمع الزكاة ويرسلها إلى عبد الرحمن بن رستم (4)، وهذه الأعمال لا
القيروان
(3)
يقوم بها إلا إمام الظهور.
إذا فلعل الإباضية بايعوا أبا حاتم بيعة دفاع في البداية لرد الأعداء وتوحيد الصفوف، وعندما تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان، ونعم الإباضية بقليل من الأمن انتهت مرحلة الدفاع، وانتقل الإباضية إلى مرحلة الظهور، وأقروا إمامهم أبا حاتم على إمامته ولم ينقضوها، فانتقل من إمام دفاع إلى إمام ظهور، وهذا احتمال كبير.
(1) الخليلي، شرح منظومة غاية المراد، ص 105.
(1)
ابن جميع مقدمة التوحيد، ص 69 - الطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 195 - الخليلي، مصدر سابق، ص 103.) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 231/ 4 - ابن عذارى، البيان المغرب، 77/ 1 - ابن الأثير، الكامل، 170/ 5 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 164 - بحاز واخرون، معجم اعلام الإباضية، 254/ 2، رقم
الترجمة: 553
(1) ابو زکرياه، سير الأئمة، ص 73 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 31/ 1 - عوض خليفات، مصدر سابق، ص 157. (1/41)
صفحة 42
إضاءات حضارية
42
- إعلان الثورة ضد الظلم:
بعد أن بويع أبو حاتم بالإمامة في سنة 145 هـ / 762 م، ظل يعمل بسرية وآثر عدم التسرع في إعلان ثورته ضد الولاة الظلمة من بني العباس، حتى يستطيع أن يجمع أكبر قدر ممكن من القوات والأنصار حوله، فظل في حالة تأهب وترقب لفرصة مواتية للثورة ضد الولاة من بني العباس، واستطاع في هذه الفترة أن يكون جيشا عظيما لم يجتمع لأحد من الإباضية مثله بأفريقية، قدره بعض المؤرخين بثلاثمائة والحمسين ألفا، الخيل منها لخمسة وثلاثون ألفا، وقيل خمسة وثمانون ألفا (1).
وأما ابن الأشعث الذي قضى على دولة الإمام أبي الخطاب فقد عاد إلى المشرق بسبب ثورة جنده عليه (2)، وعين أبو جعفر المنصور (ت: 158 هـ / 774 م) عددا من الولاة على إفريقية، إلى أن جاءت سنة 151 هـ / 768 م - وكان الوالي للعباسيين على إفريقية في ذلك الوقت عمر بن حفص (ت: 153 هـ / 770 م (الملقب بـ (هزار مرد) وهي كلمة فارسة تعني رجل عن ألف رجل (3) - وجد الإباضية بقيادة إمامهم أبي حاتم الفرصة موالية لإعلان الثورة عندما خرج عمر بن حفص من القيروان إلى مدينة طبنة لبناء سور حولها، واستخلف على القيروان أبا حازم حبيب بن.، المهلّي (ت: 151 هـ / 768 م)، وثارت عليه جموع البربر من إباضية وصفرية وغيرها، فخرج إليهم واستطاعوا هزيمته وقتله)
(6)
فاجتمع الإباضية في طرابلس مع إمامهم أبي حاتم متظاهرين أنهم إنما اجتمعوا في أمر امرأة أساء إليها زوجها، فبعث إليهم الجنيد بن بشار الأسدي) حي: 153 هـ / 770 م) - الوالي العباسي على طرابلس - خمسمائة فارس فقال لهم قائد الفرسان: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين، فقالوا: أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين، وهم لا يقصدون أبا جعفر المنصور وإنما يقصدون الإمام أبا
(1) ابن عذارى، البيان المغرب، 77/ 1 - ابن جميع، مقدمة التوحيد، ص 72 - بحاز وآخرون،، معجم أعلام الإباضية، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 229/ 4 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 328/ 4 ابن عذاري، البيان المغرب، 1 73 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 156.) ابن خلدون، مصدر سابق: 230/ 4 ابن الأثير، مصدر سابق، 118/ 10 ابن عذاري، مصدر سابق، 77/ 1 عوض خليفات، مصدر سابق، ص 159 - بحار، الدولة الرستمية، ص 69 - بحاز واخرون، مصدر سابق، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035. (1) ابن خلدون، مصدر سابق، 230/ 4 - ابن الأثير، مصدر سابق، 118/ 5 - ابن عذاري، مصدر سابق، 75/ 1. (1/42)
صفحة 43
إضاءات حضارية
43
حاتم، وقيل يقصدون عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث إنهم فضلوا التقية حتى لا يظهروا أمرهم سريعا؛ فعاد الفرسان إلى الجنيد بن بشار فأخبروه بأمرهم فلم يقتنع، فأخرج هذه المرة حملة كبيرة تحت قيادته، فأمرهم أن يجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، فقالوا: عليك لعنة الله وعلى أبي جعفر، فوقع بين الطرفين قتال شديد كان النصر فيه حليف الإمام أبي حاتم،
وهرب الوالي العباسي وفلول جيشه إلى طرابلس ولاحقهم أبو حاتم، فهربوا من طرابلس إلى قابس فحاصرهم أبو حاتم فيها، وكانت هذه الأحداث في سنة 153 هـ / 770 م (1). وتذكر المصادر أن بعض العوام الذين ليس له حظ من العلم والفقه في الدين من جيش الإمام أبي حاتم قام بسلب قتلى العباسيين وجرحاهم، وعندما علم الإمام أبو حاتم بذلك غضب غضبا شديدا وقال: " إن لم تردوا اسلاب هؤلاء القتلى فقد خرجت وبرنت من ولايتكم "، فردوا
أسلاهم وأعلنوا التوبة (2).
- دخول القيروان:
أقام الإمام أبو حاتم في طرابلس يحكم بالعدل ويطبق الشرع، ثم نادى بالخروج إلى إفريقيا الحصار عمر بن حفص في طبقة (3)؛ وقد ذكرنا أن عمر بن حفص خرج إلى طبنة لتحصينها، وطبنة هذه تقع في إقليم الزاب في جنوب غرب القيروان بولاية الأوراس تقريبا (4)، وكذلك تقع على الطريق الرئيسي المؤدي إلى لِلمُسَان معقل الصفرية بزعامة أبي قرة اليَفْرَنِي (حي: 154 هـ / 770 م)، فاعتبر الإباضية والصفرية هذا العمل عدوانيا وتمديدا لكيانهم، فاتفقوا
(1) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 128 - 129 - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 73 - -- الدرجيني، طبقات المشائخ، 37/ 1 - الشماخي، السير: 121/ 1 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 230/ 1 ابن الأثير، الكامل في التاريخ. 168/ 5 - ابن عذاري، البيان المغرب: 751 عرض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 159. (1) ابن سلام، مصدر سابق، ص 129 - ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 4 - الدرجيني، مصدر سابق، 37/ 1 الشماخي، مصدر سابق، 121/ 1 عوض خليفات، مصدر سابق، ص 159.
(4)
) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 75 - الدرجيني، مصدر سابق، 38/ 1.
هي.
مدينة بريكة اليوم في ولاية باتنة بشرق الجزائر جنوب القطاع القسنطيني) لقاء مع د/ إبراهيم بكير بحاز، الرستاق، سلطنة عمان، 13 من ربيع الأول 1426 هـ / 24 من إبريل 2005 م). (1/43)
صفحة 44
إضاءات حضارية
44
على محاصرة طبنة والقضاء على العباسيين، فراسل عبد الرحمن بن رستم الإمام أبا حاتم في طرابلس والإباضية في تونس للخروج لمحاصرة طبنة (1).
وتجمع لدى الإمام أبي حاتم جيش عظيم مكون من الإباضية والصفرية، فتذكر المصادر أن التي عشر عسكرا أحاط بطبنة، أربعين ألفا بقيادة أبي قرة الصفري، وخمسة عشر ألفا بقيادة عبد الرحمن بن رستم، وستة آلاف بقيادة عاصم السِّدْرَاتي الإباضي (ت: 154 هـ / 770 م)، وعشرة آلاف بقيادة المسور الزناتي الإباضي) حي: 154 هـ / 770 م)، وغيرهم كثير، وأما الإمام أبو حاتم فيقود من الجحافل ما لا يعرف عدده، وقد مر علينا أنه اجتمع لديه من الجيوش ما لم يجتمع لأحد غيره فقدر بثلاثمائة والحمسين ألفا.
فلما رأى عمر بن حفص هذه الأعداد الهائلة التي حاصرته عزم على الخروج لمقاتلتهم فمنعه أصحابه وقالوا له: إن أصبت تلف العرب؛ عند ذلك لجأ إلى الحيلة لتفريق هذه الجيوش العظيمة، فأرسل إلى أبي قرة قائد الصفرية ستين ألفا من الدراهم ليرجع عنه، إلا أن ذلك لم يجد وقعا في نفس أبي قرة وقال: " بعد أن سلّم إلي بالخلافة - يعني عند الصفرية – أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟! " فلم يجبهم إلى طلبهم؛ عند ذلك أرسل ابن حفص بأربعة آلاف درهم وبعض الثياب إلى أخي أبي قرة على أن يعمل في صرف الصفرية عن أخيه، فاستجاب لطلبهم ووقعت الخيانة، فارتحل من ليلته فتبعه جيش الصفرية، مما جعل أبا قرة يضطر للانسحاب
مرغما ويتبعهم.
(2)
كان لهذه الخيانة من قبل الصفرية تأثير معنوي ونفسي كبير على الإباضية مما دفعهم إلى رفع الحصار، فانسحب عبد الرحمن بن رستم إلى منطقة تمودا، ورجع الإمام أبو حاتم وإباضية طرابلس وتونس إلى القيروان محاولين دخولها قبل عودة ابن حفص عند ذلك أرسل ابن حفص جيشا
(4)
(1) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 160.
ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 20/ 4 - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 119/ 5 - ابن عذاري، البيان المغرب،
75/ 1 - 76 - عوض خليفات، مصدر سابق، ص 160.
) عوض خليفات، مصدر سابق، ص 161. (1/44)
صفحة 45
إضاءات حضارية
المقاتلة عبد الرحمن في تمودا، وبالفعل هاجمه وقتل من الإباضية ثلاثة آلاف فانهزم عبد الرحمن
إلى تيهرت (1).
وعندما علم ابن حفص بتوجه الإمام أبي حاتم إلى القيروان قرر الرجوع إليها، واستخلف على طبنة ومنطقة الزاب المهنا بن المخارق الطائي) حي: 154 هـ / 770 م)؛ فلما علم أبو قرة بمسير ابن حفص إلى القيروان قرر مهاجمة طبنة، ولعل تلك محاولة منه لرد اعتباره أمام الإباضية وبقية البربر الذين خالهم الصفرية، ولكن محاولته لم تجد نفعا حيث إن المهنا الطائي تصدى له وقاتله وهزمه، فانسحب أبو قرة إلى تلمسان (2).
وصل الإمام أبو حاتم إلى القيروان قبل ابن حفص وحاصرها لمدة ثمانية أشهر، فضاق جند العباسيين جهدا من الحصار ونفذ عليهم الطعام فوصل هم الأمر إلى أكل دواهم وكلاهم، ولحق كثير من أهل القيروان بالإمام أبي حاتم، عند ذلك جاء الخبر بوصول ابن حفص بالقرب من القيروان فول مكان يسمى الهريش، وكان في سبعمالة فارس، فزحف إليه الإمام أبو حاتم وترك القيروان، فسار ابن حفص إلى كونس، فتبعه الإمام أبو حاتم، فعاد ابن حفص مجدا إلى القيروان ودخلها بعد أن تزود بما يحتاجه من طعام ودواب، فحاصره الإمام أبو حاتم، فطال الحصار حتى نفذ الطعام على ابن حفص ومن معه وأكلوا دواهم، وفي كل يوم تكون بينهم مناوشات، فلما ينس ابن حفص من النجاة قرر أن يلقي نفسه إلى الموت، فوصل الخبر بأن المنصور أرسل يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب (ت: 170 هـ / 786 م) في ستين ألف مقاتل لنجدة ابن حفص، وأشار أصحاب ابن حفص عليه بعدم الخروج لمقاتلة الإمام أبي حاتم حتى يصل يزيد، فلم يستمع لهم وخرج وقاتل حتى قتل في سنة 154 هـ / 770 م (3). تولى أمر بقايا العباسيين في القيروان بعد مقتل ابن حفص حميد بن صخر (حي: 154 هـ / 770 م) وهو أخو ابن حفص لأمه، فصالح الإمام أبا حاتم على أن حميدا ومن معه لا يخلعون
(1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون 0 231/ 10 ابن الأثير الكامل في التاريخ: 199/ 0 - ابن عذارى، البيان المغرب، 76/ 1 - عوض خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 161. (2) ابن خلدون، مصدر سابق، 231/ 4 ابن الأثير، مصدر سابق، 199/ 5 عوض خليفات، مصدر سابق،
11100
(2) ابن خلدون، مصدر سابق، 231/ 4 ابن الأثير، مصدر سابق، 199/ 5 - 170 - ابن عذاري، مصدر سابق، 76/ 1 - عوض خليفات، مصدر سابق، ص 162 - 163.
4 (1/45)
صفحة 46
إضاءات حضارية
46
المنصور ولا ينازعهم أبو حاتم في سوادهم وسلاحهم، فذكرت بعض المصادر أن الإمام أبا حاتم وافق على ذلك (1)، إلا أن بعض المصادر تشير إلى رفضه لتلك الشروط وأنه قاتلهم حق دخل
القيروان (2).
- استشهاد عاصم السدراتي:
تذكر المصادر الإباضية أن عاصم السَّدْرَانِي - أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب - استشهد في حصار القيروان، حيث إنه أصيب بمرض فوصف له القاء، وعندما علم العباسيون المحصورون داخل القيروان بذلك، أرسلوا شخصا يتظاهر ببيع القتاء وسَموا واحدة منها وأمروه أن يبيعهم المسمومة، وبالفعل اشترى أصحاب عاصم القدّاءة المسمومة وعندما أكل منها عاصم استشهد رحمه الله، فناداهم المحصورون: أين عاصم السَّدْرَانِي اليس قد قتلناه؟ فعلم الإمام أبو حاتم أنهم هم من قتله، فقرر أن يكيد بهم كما كادوا بعاصم، فأمر أصحابه بالتظاهر بالانسحاب والهزيمة، فأصبح معسكر أبي حاتم خاليا، فظن العباسيون أنهم الهزموا، فتبعوهم إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى (الرقادة)، فتفاجأوا بجيش الإمام أبي حاتم قد كمن هناك وثار في وجههم، وقتلوهم ولاحقوا فلوهم المنهزمة إلى القيروان (3).
ولعل هذا حدث في إحدى المعارك حيث إن المعارك تحدث بشكل يومي بين الطرفين في فترة الحصار؛ والحقيقة أن بعض المصادر ذهبت إلى كون عاصم السِّدْرَانِي استشهد في عهد الإمام أبي الخطاب، وتذكر نفس القصة إلا أن المحاصر قبيلة وَرْفَجُومَة بالقيروان (4)، ولكن الظاهر أن الأصح أنه استشهد في عهد الإمام أبي حاتم، حيث إن المصادر غير الإباضية تشير إلى وجود دور له في قتال أبي حاتم للعباسيين، وأنه خرج بستة آلاف مقاتل وانضم تحت لواء الإمام أبي حاتم كما مر علينا، كذلك فإن أقدم مصدر إباضي وهو (بدء الإسلام) لابن سلام يشير إلى استشهاده في
(1)
ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 231/ 4 ابن الأثير الكامل في التاريخ: 170/ 5 عوض خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 162 - 163. (1) ابن عذارى البيان المغرب، 79/ 1 - 77 - دبوز، تاريخ المغرب، 19/ 3.
ابن سلام، بدء الإسلام، ص 129 - الشماخي، السير، 121/ 1 - 122، 129 (1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 62 - 63 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 28/ 1 29 - بحار وأخرون، معجم اعلام
الإباضية، 239/ 2، رقم الترجمة: 528. (1/46)
صفحة 47
إضاءات حضارية
47
عهد الإمام أبي حاتم، وأورد هذه القصة عند حصار الإمام أبي حاتم للقيروان، وابن سلام قريب من عهد الإمام أبي حاتم حيث إنه كان حيا في سنة 273 هـ / 886 م (1).
(2)
بل إن جده وعمه ممن شارك مع الإمام أبي الخطاب في حروبه، وكذلك فإنه يروي الأحداث مشافهة عمن حضر ذلك الحصار وقد أشار إلى ذلك بنفسه (3)، وهذا ما دفع الشماخي إلى ترجيح ما ذكره ابن سلام على ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني حول فترة استشهاد عاصم السَّدْرَانِي (1).
9 - العباسيون يرسلون يزيد بن حاتم:
(*)
عندما اقترب يزيد بن حاتم من إفريقية، خرج إليه عدد من جند العباسيين الموجودين بإفريقية وانضموا إليه، والظاهر أن هذا السبب الذي دفع الإمام أبا حاتم إلى أن يأمر أصحابه بأن يجردوا الجند العباسي الموجود بالقيروان من سلاحهم خلافا للصلح المبرم بينهم سابقا، وفي هذا رد على من الهم الإمام أبا حاتم بأنه خان العهد والمواثيق كما ذهب ابن الأثير وعوض خليفات، ورد آخر أن الإمام أبا حاتم لم يوافق على ذلك الصلح نهائيا بل قاتل حتى فتح القيروان كما ذكر ابن عذارى وقد مر الحديث عن ذلك. وتذكر المصادر الإباضية أن قبيلة بربرية من هوارة يقال لها مليلة انضمت إلى جيش يزيد ضد الإمام أبي حاتم، فسأل الإمام أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر، فقالوا له قليلة، فقال: " اللهم ذل قليلة "، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فلم يزالوا في مذلة من الجند والظلمة لا ينقطع عنهم دون البربر أبدا (1).
على العموم رأى الإمام أبو حاتم أن مواجهة جيش يزيد الكبير القادم من المشرق بالقيروان ستكون خطيرة وفي غير صالحه، خاصة وأنه توجد بعض الفلول العباسية بمدينة طبنة، فقرر
(1)
4
اين سلام، بدء الإسلام، ص 40 بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 350/ 2، رقم الترجمة: 760
(2) ابن سلام، مصدر سابق، ص 37، 118.) ابن سلام، مصدر سابق، ص 130 (1) الشماخي، السير، 122/ 1، 126.
(*)
اين
الأثير، الكامل في التاريخ: 170/ 5 - عوض خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 164. (1) ابن سلام، مصدر سابق، ص 131 ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 79. (1/47)
صفحة 48
إضاء انت حضارية
EA
الاعتصام بجبل نفوسة في أوساط الإباضية حيث تقطن قبائل نُفُوسَة وهوارة الإباضية، فيضمن الإمام أبو حاتم سندا قويا له من الخلف، هكذا خطط الإمام أبو حاتم، ولكن حكمة الله تعالى
اقتضت غير ذلك كما سنرى.
"
تمكن الإمام أبو حاتم من هزيمة مقدمة جيش يزيد التي كانت تحت قيادة سالم بن سوادة التميمي (حي: 155 هـ / 771 م)، ولعل هذه هي موقعة (مَعْمَدَاس) التي تذكرها المصادر الإباضية، وهذا ما مال إليه محمد دبوز (1)، فأبو زكرياء يقول عن هذه الوقعة: " وبلغنا أن أبا حاتم سمع بطوالع أقبلت من المشرق فخرج من مدينة طرابلس، فتلقاهم بموضع يقال له (مَعْمَدَاس)، وهو على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس، فلما وصلهم أبو حاتم لاقوه، فاقتلوا قتالا شديدا، فهزم الله له العدو، ومنحهم أكتافهم، فقتل منهم ستة عشر ألفا. (2). ويروى أن رجلا من غير الإباضية سأل رجلا من الإباضية: ما تفسير تَاوَرْغا؟، وكان يقصد من هذا السؤال الاستهزاء بالإباضية ومقتل إمامهم أبي الخطاب في معركة (تاورغا)، ولكن الإباضي كان قطنا فأجابه بقوله: تفسيرها: مَعْمَدَاس فيه أربعة أكداس في كل كلس
أربعة آلاف (3).
والحقيقة أن الشماخي اعترض على ما ذكره أبو زكرياء من أن موقعة (مَعْمَدَاس) وقعت في عهد الإمام أبي حاتم، وذهب إلى أنها وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب أو أن تكون وقعت موقعة أخرى في (مَعْمَدَاس (في عهد أبي حاتم، وأشار إلى أن ابن سلام والرقيق أشارا إلى كون موقعة (مَعْمَدَاس) وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب وبالفعل فإن ابن سلام أشار إلى ذلك ()، ولكن لعل أكثر من موقعة وقعت في (مَعْمَدَاس (إحداها في عهد الإمام أبي الخطاب والأخرى في
عهد الإمام أبي حاتم، والله أعلم.
(4)
(1) دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 74/ 3. (1) ابو زكرياء، مدير الأئمة، ص 77 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 38/ 1 - 39.
ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 78 - الدرجيني، مصدر سابق، 39/ 1 - الشماخي، السير، 123/ 1.
(1) الشماخي، مصدر سابق، 123/ 1.
() ابن سلام، بدء الإسلام، ص 118. (1/48)
صفحة 49
إضاءات الحضارية
49
10 - موقعة - جنى واستشهاد الإمام أبي حاتم:
بعد أن الهزمت طلائع جيش يزيد على يد الإمام أبي حاتم، قام بمهاجمة الإمام أبي حاتم في جبل لفوسة، وجرت بين الطرفين معركة قاسية في ربيع الأول من. سنة 155 هـ / 771 م في مكان يسمى (جنى) (1)، وليس في (مَعْمَدَاس) كما ذكر أصحاب المعجم (2).
فقتل في تلك المعركة الرهيبة خلق كثير من كلا الطرفين، ولكن كانت النتيجة في نهاية المطاف لصالح يزيد، واستشهد الإمام أبو حاتم مع جل أصحابه، وتذكر المصادر أن عدد القتلى من أصحاب الإمام أبي حاتم ثلاثين ألفا (3).
ويروى أن الإمام أبا حاتم رحمه الله عندما رأى مقتل أصحابه وأن الهزيمة لا محالة واقعة قال لمن بقي من أصحابه: " زفوني إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس وقفوا لي قليلا "، فقاتل حتى استشهد (4).
وتذكر بعض المصادر الإباضية أن الموضع الذي استشهد فيه الإمام أبو حاتم وأصحابه ثرى فيه الأنوار، إذ يروي أبو زكرياء أن الموضع الذي كانت فيه معركتهم يضى من كل ليلة خميس، ويبصر ضياؤه من بعيد، بل وينقل عن أشخاص عاصرهم أنهم رأوه، وهو نور ساطع وضياء
عظيم
(0)
ويعلق الشماخي على ما ذكره أبو زكرياء فيقول: " وقد اشتهر عندنا من غير أن أراه أن النور ينزل على قبره [يعني قبر الإمام أبي حاتم] وقيل لم يزل يول حتى دفن إلى جنبه أعرابي فكف والله أعلم. (1).
(3).
+
في الحقيقة لم أكن أريد ذكر أمثال هذه القصص البعيدة عن العقل والواقع، إلا أن الأمانة العلمية اقتضت مني ذكرها، وكذلك ذكرتها لنقدها والتحذير من الانجرار وراءها؛ وإنه مما
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 79 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 29/ 1 (1) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 475/ 2، رقم الترجمة: 1035.
(1) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 231/ 4 ابن الأثير الكامل في التاريخ، 170/ 5 171 - ابن عذاري، البيان المغرب، 78/ 1 عوض خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 164 - 165.
(1) الدرجيني، مصدر سابق، 40/ 1. (2) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 79 - 80. (1) الشماخي، السير، 124/ 1. (1/49)
صفحة 50
إضاءات حضارية
يؤسف له أن كتب التراث الإسلامي تزخر بالكثير من أمثال هذه القصص، فحري بنا ألا نلتفت إليها ونضيع الجهد العلمي والعقلي والمادي عليها، وإن ذكرناها فمن باب نقدها وتحرير العقل المسلم من سيطرة هذه الخرافات ليكون عقلا منتجا واقعيا آخذا بالأسباب، لا يعيش في الوهم والجري وراء القدرات الخارقة الخارجة عن الطبيعة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (1). والملاحظ أن أغلب المدارس الإسلامية يحلو لها أن تحيط أئمتها وأعلامها بصفات تضفي عليهم نوعا من الخصوصية والتميز، وربما للعوام والبسطاء دور - بحسن نية ومحبة لأئمتهم وعلمائهم - في نسج أمثال هذه القصص التي تخرج عن نطاق العقل والواقع إلى الأساطير والخرافات، ثم يقيدها المؤرخون في مصنفاتهم من باب التقييد للتاريخ والحوادث بغض النظر عن صحتها من عدمه، يقول لميس العدوي: عندما نأتي إلى خبر معين، فنجده غير صحيح أو الواقع والعقل لا يقبلاته، ليس معناه الطعن في المؤرخ الذي ينقله .. قطعا؛ لا. لا يحاسب المؤرخ على الرواية والروايتين، وإنما هو ينقل تاريخا عريضا فيه الصحيح والسقيم، فعدم صحة الخبر لا يطعن في المؤرخ، وقد ينقل المؤرخ الأخبار بغض النظر عن صحتها وبطلانها ... فالمؤرخ قد يجمع. التاريخية عن حقبة زمنية معينة بدون أن يبدي رأيه فيها بالتحليل أو المقارنة، ولكن أن يكون هدفه جمع المادة فقط وحفظها وليس إلزام تلك الحقبة بها، فافهم ذلك فإنه دقيق يخفى على
(T).
المادة
الكثيرين. ومن ضمن القصص حول الإمام أبي حاتم ومن معه من الشهداء ما يذكره الشماخي فيقول: " وبتلك الجهة مقبرة يقال إنها للذين ماتوا عنده يوجد بأطرافها تراب أحمر يقال إنه دمهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب، وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة صفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها منون من الأعوام وهي
(1) سورة الروم، أية: 30.
(1) الحدوي، رؤية تاريخية، ص 37 - 38. (1/50)
صفحة 51
إضاءات حضارية
51
باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة
(1)
الدم ... " وأشار إلى كونهم صالحين أي الرجال الثلاثة) ولو تأملنا ما ذكره أبو زكرياء والشماخي نلاحظ أنهما ينقلان عن غيرهما ولم يقفا على الأنوار بنفسيهما، وإنما سمعا من بعض الأشخاص، والظاهر أن من يروي لهما هذه الروايات والقصص من عوام الناس وليس من العلماء الثقات، وحق إن كان من العلماء فلعله متأثر في اللاوعي بما راج في تلك العصور المتقدمة من أمثال هذه القصص في التراث الشعبي. وأما القصة الثانية التي أوردها الشماخي، فمن المعلوم أن الدم لا تتشربه الأرض كما تتشرب الماء، حيث إن كثافة الدم أكبر من كثافة الماء (2)، فيظل على سطحها ولو إلى مئات السنين، فلعل دم الشهداء من أصحاب أبي حاتم ظل على سطح الأرض واختلط مع التراب، وكذلك بالنسبة لدم الرجال الثلاثة، فهو أمر غير مستغرب، وأما قضية الاستشفاء بالتراب الممتزج بدمهم
فربما الجانب النفسي له دور في إحساس المرضى بالصحة والله أعلم (3).
(1) الشماخي، السير، 124/ 1 (1) كثافة الدم 1060 كجم / م 3 عند 37 م ا وكثافة الماء 1000 كجم / م عند 4 م ا انظر: خواص السوائل الساكنة، موقع سوزان مبارك الاستكشافي للعلوم، على هذا الرابط:
http://www.smsec.com/encyc/phys/.htm
4
) إن مما يؤسف له انتشار أمثال هذه الخرافات والأساطير في أوساط المسلمين، وامتلاء كتب السير بها، وعدها من التراث الإسلامي، وعدها من الكرامات التي يهبها الله لمن لصطفى من عباده، ولا زالت هذه الخرافات منتشرة في لوساط المسلمين إلى عصرنا هذا عصر التكنولوجيا والذرة واختراق الفضاء، وصل الغرب إلى ما وصلوا إليه لأنهم اكتشفوا سر القوة والتقدم وهو (الأخذ بالأسباب)، ونحن الأمة التي خاطبها الله تعالى وأمرها باتخاذ الأسباب واعِدُوا لَهُمْ ما استطعم من قوَّةٍ وَمِن رباط الخَيْل تُرْهِبُونَ بهِ عدو الله وعَدُوَّكُمْ وَآخَرينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَطْمُونَهُمُ الله يَطْمُهُمْ) (لأنفال: من الآية 60)، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرض يتقون من فضل الله) (المزمل: من الآية 20)، لا زلنا نعيش في عالم الأساطير والخرافات، بسبب ضعفنا وخورنا وهزيمتنا الميدانية أمام أعدائنا، مما ولد هزيمة نفسية كبيرة، نجم عنها ما نشاهده من اللجوء إلى تصديق هذه الخرافات والعيش في عالم الأوهام وعدم الرغبة في الخروج منه حتى لا نصدم بواقعنا الإسلامي المرير، وهؤلاء الذين وهبهم الله أمثال هذه الخوارق - كما يزعمون - لماذا لا يسخرونها في تحرير فلسطين وبقية بلدان الإسلام من نير الاحتلال؟! لماذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعد الجيوش الجرارة ويضع الخطط لخوض المعارك؟ لماذا الصحابة الكرام قادوا الجيوش الجرارة لفتح فارس والروم، ولم يجلسوا في بيوتهم على الفراش الوثير يحركون الأنهار والصخور والجبال لتقوم بمهمة الفتح بدلا عنهم؟! بل انطلق الواحد منهم ممتطيا فرسه متشحا صلاحه حاملا روحه على كفه تواقة نفسه للفوز بالشهادة، فهل هؤلاء الذين يزعمون هذه القدرات أكثر صلاحا وإيمان من أبي بكر وعمر وحمزة عم رسول الله؟!
ثم إن هذه القصص تتعارض مع العقل والواقع والسنن الكونية، فضلا عن تعارضها مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فالله تعالى في كتابه الكريم أخبرنا أن للكون مننا ثابتة دائمة لا تتغير أو تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإلا أدى ذلك إلى اختلال موازين الكون قال تعالى: منة الله في الذين خلوا من قبل وكن سيد امئةِ الله تبديلا) (الأحزاب: 62)، وقوله تعالى: منة الله التي قد خلت من قبل ولن شوذ اسئلة الله تبديلا) (الفتح: 23). (1/51)
صفحة 52
إضاءات حضارية
52
ويقول تعالى: (لا الثننن ينبغي لها أن تترك القمر ولا الليل منابق النهار وكلُّ في ذلك يمتبَحُونَ) (يس: 40). وقال تعالى: (ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وسكر التنس والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجل منتى وأن الله بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (لقمان: (29)، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن هذه الأجرام السماوية لا تخسف لموت أو مولد أحد، فعندما مات ولده إبراهيم وخسفت الشمس ظن الصحابة أنها خسفت بسبب موت إبراهيم، فأعادهم الرسول إلى جادة الصواب فقال: " إن الشمس والقمر ايتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروه وتضرعوا وتصدقوا " رواه الإمام الربيع حديث رقم (194) ورقم (195)، والبخاري حديث رقم (1043)، ومسلم حديث رقم (10). ولسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله - محاضرة قيمة تحت عنوان (الأخذ بالأسباب ودوره في نهضة الأمة (القاها بجامعة السلطان قابوس ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها بالجامعة، فيقول متحدثا عن الصحوة الإسلامية وما أصيبت به من التأثر والانجراف وراء أمثال هذه الخرافات والأوهام التي تتعارض مع منن الله في الكون: " ... ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشيء من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام، أسارى للخيالات المختلفة، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، مع أن الله سبحانه خلق الخلق، وجعل لخلقه سننا لا تتبدل حتى يرث الله الأرض وما عليها، وما يقع من الخوارق التي قد تكون رأي العين خارجة عن هذه السنن؛ فإنما ذلك يرجع إلى أمر الله سبحانه عندما يريد أن يتعطل شيء من المدن في قضية معينة، مع أن هذه الحالة لا يمكن أن يقاس عليها، وهي حالات في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى: لأن السنن تسير حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى مما رسمه لهذا الكون من نواميس معينة لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكن غبش التصور هو الذي يحول بين البصائر والرؤية الصحيحة لحقائق الأشياء، وذلك مما يجعل هذه النفوس أسيرة الأوهام فتبتعد كل البعد عن هذه الحقائق ". تلاحظ هنا أن سماحته وضح أن الأمور الخارقة للعادة التي خص الله تعالى بها أنبيائه من معجزات، وكذلك ما ذكر في القرآن من بعض القصص كقصة أصحاب الكهف والرجل الذي أماته الله مائة عام، فإن تلك حالات حدثت في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى بعد انقطاع الوحي واكتمال الدين، فضلا عن ورودها بنصوص قطعية، أي
الكتاب الكريم.
ووجه إلى مساحته سؤال حول بعض الكرامات التي تنسب إلى بعض الأئمة والعلماء وتتعارض مع السنن الكونية. ونص السؤال: هناك الكثير من القصص التي تنسب إلى الأئمة والعلماء - رضي الله تعالى عنهم - مخالفة لأرسخ السنن الكونية، ويدعي الكثيرون أنها من الكرامات التي يؤيدون بها، ما رأيكم في ذلك؟، ومن ذلك مثلا ما يروى عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي - رحمه الله - أنه أخذ فلج الغنتق في نزوى وأجراء في مكة، وما يروى عن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي - رحمه الله - كان يفهم منطق الطير؟!
وهذا نص جواب سماحة الشيخ حفظه الله تعالى: هذه القصص راجت في وقت من الأوقات كثيرا، وكل أمر لا يقبله العقل لا يمكن أن يسلم له، وأبعد من ذلك ما ذكر أخيرا ولم يذكر أولا من أن أبا عبيدة - رضي الله تعالى عنه - دعا الله، فانفرجت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وأبصر العرش، فهذا الكلام لا يصح ولا يقبل لأنه مخالف للسنن الكونية. انظر: الإمام الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1415 هـ / 1994 م، كتاب الصلاة ووجوبها، باب (31)، حديث رقم (194) ورقم (195)، ص 52 53 - احمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م، 666/ 3، كتاب الكسوف (16)، باب (1)، حديث رقم (1043) - يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 0 2: 1424 هـ / 2003 م، 184/ 6 - 18، كتاب الكسوف (10)، باب (3)، حديث رقم (10) - أحمد بن حمد الخليلي، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بجامعة السلطان قابوس، القيت في يوم الإثنين 23 من رجب 1423 هـ / 20 من سبتمبر 2002 م، والمحاضرة منشورة ضمن كتاب (إعادة صياغة الأمة) لسماحة الشيخ الخليلي، الحلقة الأولى، طا، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، مسلطنة عمان،
ص 14 - 15، ص 132 - 133 - ومنشورة كذلك بموقع الأمل المشرق (www.alami.net) . (1/52)
صفحة 53
إضاء انت حضارية
53
إذا وباستشهاد الإمام أبي حاتم - رحمه الله - طويت صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإباضي، سطر فيها الإباضية تحت لواء إمامهم أبي حاتم أروع الإنجازات وأعظم التضحيات رغبة في نيل الحرية من تسلط وظلم الدولة العباسية، ورغبة في تطبيق شرع الله تعالى وأحكامه، ورغبة في إعادة الحقوق إلى أصحابها، ولكن قدر الله ألا يتمكن الإباضية تحت لواء الإمام أبي حاتم من إقامة دولتهم المنشودة، ففر من نجى من معركة (جنى (ومن ملاحقة العباسيين لهم إلى المغرب الأوسط، إلى تيهرت، فأقاموا دولتهم المنشودة، والتخبوا إماما لهم هو عبد الرحمن بن رستم؛ والذي بالفعل استطاع أن يحقق حلم الحرية، فأقام الدولة الرستمية العظيمة في سنة 160 هـ / 776 م. فاحس الإباضية في كنفها بطعم العدل والأمان والحرية، ليس هذا فحسب بل وقصدها الكثير من المسلمين من غير الإباضية، والذين أصبحت لهم فيها مدنهم ومساجدهم التي يعرفون بها، بل وسكنها اليهود والنصارى، راضين بحكم الأئمة الرستميين، ففتحت صفحة جديدة في التاريخ الإباضي الناصع المشرق (1).
هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في إبراز سيرة هذا الإمام الجليل، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطات فمن نفسي والشيطان، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى أصحابه وأتباعه وحزبه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا (ان الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2).
(1) أنظر مقال (الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ) المقال رقم (8) من هذا الكتاب.
(1) سورة يونس، من الآية: 10. (1/53)
صفحة 54
[صفحة فارغة] (1/54)
صفحة 55
(2)
العَلَامَةُ مَهْدِي النَّفُوسِي إِمَامُ الْمُنَاظِرِين (1/55)
صفحة 56
[صفحة فارغة] (1/56)
صفحة 57
إضاءات حضارية
العَلامَةُ مَهْدِي النَّفُوسِي إِمَامُ الْمُنَاظِرِينَ)
Ov
ما فتى جبل نفوسة ذلكم الجبل الشامخ الأشم الواقع في ليبيا، يخرج للأمة الإسلامية الرجال الأشاوس الذين سطروا على مر التاريخ وتتابع الحقب أروع الانجازات، التي تستحق أن تنقش بماء التبر على صفحات اللجين، وإن أردنا أن نستعرض هؤلاء الأئمة العظام الذين خرجوا من هذا الجبل لما وسعتنا المجلدات، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله؛ وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على علم من اعلام جبل نَفُوسَة يعد من أئمة المناظرة وعلماء الكلام، ليس هذا فحسب بل وفارسا مقداما لا يشق له غبار في ميادين القتال ... فمن هو هذا الإمام؟
إنه إمام المناظرين الشيخ العلامة مهدي النفوسِي الويقوي (2)، لم تذكر المصادر نسبه كاملا، عاش في القرن الهجري الثاني (3)، ويظهر من نسبه أنه من أهل قرية (ويقو) الواقعة بجبل نفوسة، وتحديدا بجبل شَرُوس الواقع بجبل نُفُوسَة (4). وقد أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب، الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، والإمام عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السِّدْرَانِي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبي
داود القبلي، الذين تتلمذوا على يد الإمام الكبير أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة (3). ولقد برع الشيخ مهدي في المناظرة، فكان له الفضل في تفنيد شبه المعتزلة، وذلك أن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن - الإمام الثاني من أئمة الدولة الرستمية (حكم من 171 هـ /
نشر هذا البحث سابقا في: جريدة الوطن، سلطنة عمان، الجمعة 8 من ربيع الثاني 1425 هـ / 28 من مايو 2004 م، العدد (7619)، السنة
rt
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
شبكة أهل الحق والاستقامة (www.ibadhiyah.net) . موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) . (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 58/ 1: 313/ 2 - الشماخي، السير، 148/ 1 - سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، دار بوسلامة، شارع فرنسا، تونس، ط 1: 1981 م، 119/ 2 - 122، 138 139، 145 بحاز واخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2، رقم الترجمة: 918.
) الدرجيني، مصدر سابق، 313/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 148/ 1 بحاز وآخرون، مصدر سابق، 127/ 2، رقم الترجمة: 918. (1) بحاز وآخرون، مصدر سابق، 310/ 1 (*) الدرجيني، مصدر سابق، 19/ 1 - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 427/ 2، رقم الترجمة: 918. (1/57)
صفحة 58
إضاء أنت الحضارية
58
787 م - 208 هـ / 823 م) - ثارت في عهده المعتزلة وقامت ببعض القلاقل والفان، وقد كان فيهم - أي المعتزلة - شاب شجاع مقاتل أعى الفرسان أمره، وهو ابن أمير المعتزلة، وفيهم كذلك مناظر متكلم، حتى الإمام عبد الوهاب - مع جلالة علمه – لم يتمكن من تفنيد شبهه | عندما رأى الإمام عبد الوهاب ذلك أرسل إلى أهل نفوسة يطلب منهم إمداده بجيش عرمرم يكون فيه رجل مناظر عالم بفنون الرد على المخالفين، ورجل عالم بفنون التفاسير، ورجل فارس شجاع مبارز، فلما وصلت رسل الإمام إلى نفوسة، تشاوروا فيمن يرسلونه للإمام، واتفق رأيهم جميعا على أن يبعثوا له بأربعة نفر: أحدهم مهدي الويفوي ليتولى أمر مناظرة عالم المعتزلة، وأيوب بن العباس (حي: 204 هـ / 819 م) لمبارزة فارس المعتزلة، ومحمد بن يانس الدركلي النَّفُوسِي عالم التفسير (طه: 200 - 250 هـ / 815 - (864 م)، وأما الرابع فقيل أن اسمه محمد أبو محمد (ق: 3 هـ / 9 م)، وقيل أبو الحسن الأبْدَلانِي (ق: 3 هـ / 9 م) (1).
ولما وصل الوفد إلى العاصمة الرستمية تيهرت، أعلمهم الإمام بالمناظرة التي دارت بينه وبين العالم المعتزلي، وعرضها عليهم، فجعل يذكر سؤال كل واحد منهما وجواب الآخر، فكان الشيخ مهدي كلما وجد من كلام المعتزلي حيدة قال: يا أمير المؤمنين زاغ في الحجة،، وزاغ في المحجة؛ حق أطلع الإمام على جميع ما لبس فيه المعتزلي، ومواضع حيداته، فوثق الإمام بأن مهديا سيظفر بالمعتزلي (2).
+
ويذكر أن مهديا لما صار بتيهرت جعل يغيب عن أصحابه أياما لا يدرون له مستقرا، فلما كان ذات ليلة قدم عليهم، فقالوا له: قد استبطأناك فقيم كان مغيبك؟ فقال لهم: ابني قد رددت إلى مذهب الحق سبعين عالما من أهل الخلاف (3).
ولما حان موعد اللقاء بين الإباضية والمعتزلة، واصطفت الصفوف سأل المعتزلة الإباضية المناظرة، فخرج مهدي للمناظرة ومعه جماعة من أصحابه، وخرج عالم المعتزلة من الجانب الآخر، وقد كان المعتزلي قبل ذلك أرسل إلى الشيخ مهدي في خفية إن أنا ناظرتك فظفرت بي سترت
(1) ابو زكرياء،، سير الأئمة، ص 101 - 102 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 5857/ 1. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 106 - الدرجيني، مصدر سابق، 60/ 1.) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 106 - الدرجيني، مصدر سابق، 60/ 1. (1/58)
صفحة 59
إضاءات حضارية
59
علي، وإن ظفرت بك سترت عليك، فليس منا أحد يدري لمن يكون الظفر؛ فأرسل مهدي إلى
أصحابه أن علامة ظفري بالمعتزلي أن أنزع القلنسوة عن رأسي، واضعها تحت ركبتي ... (1). ثم تناظرا وجرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولون، فلم يظفر أحد بصاحبه، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها أحد غير الإمام عبد الوهاب، ثم دخلا في وجوه لم يفقهها أحد حتى الإمام، فظفر الشيخ مهدي بالمعتزلي والقى القلنسوة تحت ركبته، فكبر أصحاب مهدي، فلما رأى المعتزلي ذلك قال غدرت يا مهدي، فافترقا وقد نصر الله مهديا (2). و تبارز بعد ذلك فارس المعتزلة مع أيوب بن العباس، فتظاهر أيوب بعدم الحذاقة في ركوب الفرس، فضحك منه عامة الفريقين، فقال زعيم المعتزلة أبو الفتى المعتزلي: " هيهات، الآن جاء من يقتل ابني، أفلا ترون فرسه حين ركبه كيف أدلى واسترسل؟ ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق الممارس وبالفعل صدق زعيم المعتزلة، فكان الظفر لأيوب وقتل الفارس المعتزلي، ثم التحم الجيشان، فكان النصر للإمام عبد الوهاب رحمه الله تعالى (4). ويذكر عن الشيخ مهدي أنه كان يقول: حمدت الله على ثلاث، واحدة أنني إذا قدم إلي الطعام ما أبالي أي طعام كان، فإني أقضي منه حاجتي، والثانية إذا أخذت غفوة من النوم اجتزيت
(3).
بها، والثالثة لست أتخوف مخالفا على نفسي أن يغلبني في حجة إلا إن ركنت في دين الله (5). وقد كان رحمه الله يمتلك أرضا زراعية يعمل فيها بنفسه وزوجته، وكان زاهدا في متاع الدنيا طالبا للآخرة، فيروى أن له ابن خالة اسمه فرج طالبا للآخرة من غير إعراض عن الدنيا، فاختصما يوما بتيهرت عند الإمام عبد الوهاب، فقال مهدي: يا أمير المؤمنين إن ابن خالتي قد شغلته دنياه حتى كاد يضر بآخرته، فقال فرج: إن هذا قد شغله رفض دنياه حتى كاد يضر بآخرته، فأعرض عنهما الإمام ودعا لهما بالخير؛ فلما توجه الإمام إلى جبل نفوسة أصابه مطر بين منازل نفوسة، فقصد دار مهدي فوجدها دار عابد زاهد ليست له رغبة في الدنيا، فلم يجد بها ما يتقي عن ا نفسه القطر، فرغب إليه فرج وسأله انتقال الإمام ومن معه إلى داره، وأعلمه أن ذلك
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 108 - 109 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 91/ 1 - 12. (1) ابو زکرياه، مصدر سابق، ص 108 - 109 - الدرجيني، مصدر سابق، 91/ 1 - 12. (7) ابو زکرياه، مصدر سابق، ص 109 - الدرجيني، مصدر سابق، 12/ 1. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 108 - 109 - الدرجيني، مصدر سابق، 91/ 1 - 12. (9) ابو زکرياه،، مصدر سابق، ص 101 - 107. (1/59)
صفحة 60
إضاءات حضارية
أرفق بالإمام لما هو فيه من اليسار، فأجاب سؤاله، فخرجوا إلى دار فرج ومهدي معهم فوجدوها دار ذي نعمة وبسطة، وسعة رزق، فأخرج فرج لكل واحد منهم ثيابا جديدة لم يصبها المطر، وفرش فرشا وثيرة، وأحضر أطعمة حفيلة، وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الإمام، فقال الإمام عبد الوهاب للشيخ مهدي: الآن خصمك فرج فيما اختصمتها، وبان أن حجته قامت
على حجتك
(1)
وقد أثنى عليه الدرجيني فقال: " ... هو المقوم في علم الجدال، الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال، وهو المحتج على إمكان الممكن واستحالة المحال، وعلى الفرق بين الحرام والحلال ... الرادع لقيام أهل البدع والضلال
+
(T).
وقد استشهد الشيخ مهدي - رحمه الله - في حصار الإمام عبد الوهاب المدينة طرابلس سنة 196 هـ / 11 م، وذلك أنه خرج من المعسكر إلى شاطئ البحر فرآه أهل المدينة فسبحوا إليه وقتلوه وقطعوا رأسه وعلقوه على سور المدينة والله المستعان (3).
وينبغي التنبيه على وجود شخصية إباضية أخرى تحمل نفس اسم الشيخ مهدي وكذلك من قرية ويقو، وكان كذلك من أهل العلم والمناظرة، إلا أنه متأخر عن الشيخ مهدي الأول بقرن، حيث إنه ظهر في القرن الثالث الهجري وكان معاصرا للشيخ عمروس بن فتح النَّفُوسِي (ت: 283 هـ / 896 م) وقرينا له، وقصتهما أي الشيخ عمروس ومهدي الثاني في مناظرة نفاث بن نصر مشهورة (4) ومهدي الثاني هذا له كتاب باللسان البربري يرد فيه على أباطيل نفاث.
ويعتبر هذا الكتاب أقدم كتاب إياضي بالبربرية ألف نثرا (5).
"
(9)
4
ا مترين بن محمد البفطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 75 - 76 - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 112 - 113. الدرجيني، طبقات المشائخ، 64/ 1 - 65 - الشماخي، السير، 149/ 1، 150. (1) الدرجيني، مصدر سابق، 313/ 2 - 311) البفطوري، مصدر سابق، ص 76 - أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 116 - الشماخي، مصدر سابق، 150/ 1. (1) ورد في بعض المصادر أن جماعة اجتمعت في " تتين از درشل " لطلب العلم، وفيهم أبو نصر التمصمصي، وكان هو المفتي، وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل العويصة ما لا يفهمون، فأقبل مهدي وعمروس، فكت نفاث، فقال أبو نصر: " الآن جاء السلوفان اللذان يحرزان الحي من الذنب، وأما جروة أبي نصر فتتبح على الظلم
وتنهزم " (انظر: الدرجيني، مصدر سابق، 314/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 19/ 1، 19/ 2 - 20). (1) الدرجيني، مصدر سابق، 314/ 2 بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2، رقم الترجمة: 918. (1/60)
صفحة 61
إضاء انت حضارية
71
والحقيقة أن أغلب المصادر خلطت بينهما فلم تفرق بين الشخصين، عدا مصدر واحد أشار إلى وجود الفرق وهو كتاب السير للشماخي، فالشماخي يذهب إلى أن مهديا الويقوي صاحب الشيخ عمروس والمناظر لنفّاث هو غير مهدي الويلوي صاحب الإمام عبد الوهاب ومنجد تيهرت، فقال بعد أن ذكر قصة مناظرة عَمْروس ومهدي لنفّاث: " ... والصواب أن هذا غير مهدي المعاصر للإمام [يقصد الإمام عبد الوهاب] لأنهما متأخران أعني مهديا
وعمروسا
(1).
ومستند الشماخي في التفريق بينهما أن مهديا صاحب الإمام عبد الوهاب مات سنة 196 هـ / 811 م، ومهدي صاحب عَمْروس عاش في القرن الثالث الهجري (2). إلا أن هناك من تعقب الشماخي فيما ذهب إليه، وهو الباحث محمد حسن - محقق کتاب السير. فقد ذهب إلى أنهما الشخص نفسه، وأن الشماخي أخطأ فيما ذهب إليه بسبب اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة، وهذا نص كلامه: * ذكر الشماخي شخصين تحت هذا الاسم: مهدي المتكلم الويغوي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب توفي سنة 196 هـ، والثاني عاش في القرن الثالث، ولا شك أن هذا الخطأ مصدره اعتماد الشماخي على مراجع مختلفة ومتباينة، فقد ذكر اعتمادا على كتاب سير مشايخ نفوسة للبغطوري ان مهديا المتكلم توفي سنة 196 هـ، بينما يورد الدرجيني (طبقات، ج 2، ص 313) نفس العلم ضمن رجال الطبقة الخامسة (200 هـ / 250 هـ). مما يفسر هذه التفرقة الخاطئة للشماخي بين شخصين يحملان نفس الاسم، لاسيما أن الرواية التي ذكرها مباشرة بعد هذه الفقرة جاءت في الدرجيني (طبقات، ج 2، ص 314) خاصة بمهدي الويغوي، صاحب الإمام عبد الوهاب. والحقيقة أن ما ذكره الباحث محمد حسن من أن الشماخي وقع في خطا فيما ذهب إليه مرده اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة، الظاهر - من وجهة نظري - أنه يحتاج إلى إعادة نظر، وذلك أننا إذا تأملنا كلام الشماخي بدقة نجد أنه بين سبب ترجيحه كون مهدي الأول صاحب
(1) الشماخي، السير، طبعة وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، 149/ 1، 19/ 2. (1) الشماخي، مصدر سابق، 19/ 2.
+
•
(3).
(9) الشماخي، السير، تح: محمد حسن، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، شركة أوربيس للطباعة، تونس، 1995، ص 285، هامش المحقق. (1/61)
صفحة 62
إضاءات حضارية
62
الإمام عبد الوهاب مختلف عن مهدي الثاني صاحب عَمْروس، فقد ذكر أن مهديا الثاني وعمروسا متأخران عن الإمام عبد الوهاب (1)، هذا دليله الأول: ودليله الثاني كون مهدي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب مات في سنة 196 هـ / 811 م، وأن مهديا الثاني كان في القرن الثالث (2)، إذا لابد من وجود مهدي آخر غير الأول صحب عمروسا وكانت له مناظرات مع نفاث، والظاهر أن ما ذهب إليه الشماخي هو الصحيح، وذلك أن مهديا الأول صاحب الإمام عبد الوهاب استشهد في سنة 196 هـ / 811 م أثناء حصار الإمام عبد الوهاب المدينة طرابلس (3).
الهجري
ونفاث ظهر في القرن الثالث الهجري في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب، وليس في عهد الإمام عبد الوهاب، فقد كان نفاث من طلاب الإمام أفلح (4)، والإمام أفلح حكم من سنة 208 هـ / 823 م إلى 258 هـ / 871 م (6)، وقد عَدّه الترجيني في الطبقة الخامسة (200 - 250 هـ)، وهي نفس الطبقة التي ذكر فيها الدرجيني مهديا وعَمْروسا المناظرين لنفّاث، إلا أنه لم يفرق بين مهدي الأول ومهدي الثاني (6). كذلك فإن الشيخ عمروس ولد في أواخر القرن الثاني فيما يقارب سنة 190 هـ / 805 م، وبالتالي سيكون عمره عند وفاة مهدي الأول ست سنوات تقريبا، ومن هو في مثل هذه السن لا يستطيع الخوض في غمار المناظرات، أما إذا أتينا إلى القرن الثالث فإن الشيخ عمروسا سيكون قد بلغ من السن ما يؤهله للمناظرة، والخوض في علم الكلام. إذا فالذي يظهر أن مهديا الويقوي المناظر لنفاث مع الشيخ عمروس هو غير مهدي الويقوي صاحب الإمام عبد الوهاب، فلعله مجرد تشابه في الأسماء أدى إلى هذا الخلط بينهما في المصادر، والحقيقة أن جميع المصادر والمراجع التي وقعت بين يدي لم تفرق بينهما وعدتهما شخصية واحدة،
(1) الشماخي، السير، طبعة وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، 149/ 1.
(1) الشماخي، مصدر سابق، 19/ 2) الشماخي، مصدر سابق، 150/ 1، 19/ 2 - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 76 - الباروني، الأزهار،
+
145/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2، رقم الترجمة: 918 (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 78/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 1971، 181 - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 61/ 2، رقم الترجمة: 338/ 20116، رقم الترجمة: 731. (1) بحار وآخرون، مصدر سابق، 10/ 2، رقم الترجمة 116 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120، 122.
(1) الدرجيني، مصدر سابق، 291/ 2، 314. (1/62)
صفحة 63
إضاءات حضارية
63
عدا الشماخي صاحب السير فقد تنبه لهذا الخلط وفرق بينهما، والظاهر أن ما ذهب إليه هو
الصحيح، والله أعلم. (1/63)
صفحة 64
[صفحة فارغة] (1/64)
صفحة 65
(3)
العَلَامَةُ مُحَكَّم بن هُود الهُوَّارِي قَاضِي (تيهرت:) (1/65)
صفحة 66
[صفحة فارغة] (1/66)
صفحة 67
إضاءات حضارية
الشَّيْخُ العَلَامَةُ مُحَكَّم بن هُود الهُوَّارِي قَاضِي (تَنْهَرْت ()
67
اعتنت الدولة الرستمية (160 هـ / 776 م - 296 هـ / 908 م) بالقضاء، وجعلته من
().
الطبقة
"
أولى اهتماماتها بعد الإمامة (2)، وذلك لنشر العدل والأمن وتطبيق شرع الله تعالى: يقول د/ إبراهيم بجاز: " ويأتي القضاء في المرتبة الأولى بعد الإمامة مباشرة، ويمثل 1 القضاة الأولى في ترتيب الموظفين الرئيسيين من عُمّال الإمام وأعوانه. وقد كانت سلطة القضاء منفصلة عن سلطة الإمام وسلطة ولاة الأقاليم، فلا يتدخلون في القُضاة، يقول د/ بجاز حول ذلك: " وكانت سلطته منفصلة عن السلطة المركزية، فلا دخل للإمام ولا للوالي في شؤون القاضي، مع أنهما هما اللذان يعينانه في منصبه. إن هذه العناية الكبيرة التي أولاها أئمة الدولة الرستمية بالقضاء أبرزت لنا قضاة قل لهم نظير، السموا بالعدل والحكم بشرع الله تعالى، أصحاب خبرة علمية ومقدرة وكفاءة، الأمر الذي دعا كتاب السير والطبقات إلى تسجيل مآثرهم وحفظ أخبارهم وأسمائهم (4).
مهام
(4)
وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على قاض بزغ نجمه في سماء الدولة الرستمية، الصف بالعلم و العدل وقوة الشخصية فلا تأخذه في الصدع بالحق لومة لائم، يطبق شرع الله على الغني والفقير والكبير والصغير
إله الشيخ القاضي محكم بن هُود المُوَارِي قاضي) تَنْهَرْت) العاصمة الرستمية، وقد وقع الخلاف في ضبط اسمه، فيذكر الأستاذ شريفي أنه سأل بعض مشايخه، فوجدهم يروونه باسكان الحاء وتخفيف الكاف المكسورة أو المفتوحة) مُحْكم أو مُحْكم)، على اختلاف بينهم)
(1) نشر هذا البحث سابقا في:
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
موقع الشبكة العمانية سبلة الدين (www.omania.net) .
4
(1)
(1) لمزيد اطلاع حول القضاء في الدولة الرستمية وأشهر قضاتها انظر: بحاز إبراهيم بكير، القضاء في المغرب العربي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية، دار الياقوت، غنان، الأردن، ط 1: 2001 م، ص 199 - 190، ص 190، ص 495
(7) بحاز، مصدر سابق، ص 199 - 170.
(1) بحاز، مصدر سابق، ص 189 (9) بحاز، مصدر سابق، ص 186. (1/67)
صفحة 68
إضاءات حضارية
ولقد قام الأستاذ شريفي بعملية استقراء في مختلف المصادر اللغوية وغيرها بحثا عن الضبط الصحيح لهذا الاسم، فتوصل إلى أن الكاف في) محكم (وردت في أغلب المصادر بالتشديد المفتوح أو المكسور، لا بالتخفيف، ثم رجع تشديد الكاف المفتوحة معتمدا على ما ذكره أبو عبيد البكري في كتابه (فصل المقال (وهو يشرح كلمة محكّم اليمامة حيث قال: " وفي كتاب النسب للكلبي: قيل له محكم لأنهم جعلوه حكما وحكموه بينهم. إذا فالراجح أنه محكم بتشديد الكاف المفتوحة، وهذا ما رجحه كذلك أصحاب المعجم بالاعتماد على ما ذهب إليه الأستاذ شريفي، وكذلك د/ الجعيري حيث ضبط الاسم بتشديد الكاف المفتوحة، وكذا الباحث سلطان الشيباني)
(1)
(3).
وقبيلة (الهواري) التي ينتسب إليها الشيخ محكّم من قبائل البرانس البربرية، وقد سكنت بطونها عدة مواطن في إفريقيا والمغرب، حيث جاورت هُوَّارَة قبيلة نفوسة بجبل نفوسة جنوب طرابلس الغرب، وسكنت بطون منها بلاد الجريد جنوب الحدود الجزائرية التونسية الآن، وسكنت بطون منها جبل أوراس ونواحيه شرق الجزائر، وهو الموطن الذي ينتمي إليه الشيخ محكم رحمه الله (3).
ولقد تغنى الرحالة والجغرافيون بوصف جبل أوراس موطن شيخنا، ونكتفي هنا بما قاله البكري (ق: 5 هـ) واصفا الطريق من مدينة فاس إلى القيروان حيث قال: " ومن أدنة إلى مدينة طبنة مرحلتان ... ثم تمشي ثلاث مراحل في مساكن العرب وهوارة ومكناسة وكبينة وورقلة، يطل عليها وعلى ما والاها جبل أوراس، وهو مسيرة سبعة أيام، وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوارة ومكناسة ... وفي هذا الجبل كان مستقر الكاهنة إلى مدينة باغاية، وهي حصن صخر قديم حوله ربض [ما حول المدينة من النواحي] كبير من ثلاث نواح، وليس فيما
(1)
هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، تح: بالحاج بن سعيد شريفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1990 م، ص 10. (1) الهواري، مصدر سابق، 11/ 1. (1) فرحات الجسيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1987 م، ص 144 - بحار وأخرون، معجم أعلام الإباضية، 355/ 2، رقم الترجمة: 772 - سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، مخطوط بخط المؤلف، ص 1، وقد تم نشر هذه الحلقات
جريدة (الوطن (العُمانية بين عامي 1419 هـ / 1420 هـ. الهواري المطار سابق و الله عالم (1/68)
صفحة 69
إضاءات حضارية
(2)
79
يلي الناحية الغربية ربض، إنما يتصل بها بساتين ونهر، وفي أرياضها فنادقها وحماماتها وأسواقها، وجامعها داخل الحصن، وهي في بساط من الأرض عريض، كثير المياه، وجبل أوراس مطل عليه ... " إلى أن قال: " وأهلها كلهم اليوم على رأي الإباضية. (1). عاش الشيخ محكم في القرن الثالث الهجري، وكان لا يزال حيا بين (208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م) (2)، وذلك أن الإمام أفلح بن عبد الوهاب (ت: 258 هـ / 871 م) عينه قاضيا - كما سيأتي - على العاصمة تيهرت في عهده (حكم: 208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م). فيما يتعلق بنشأة الشيخ محكّم وطلبه للعلم لمجد المصادر صامتة ولا تسعف بما يفيد حول ذلك، ولكن لعله أخذ العلم على يد علماء موطنه أوراس، وكذلك يحتمل أن يكون هاجر في شبابه إلى تبهرت العاصمة الرستمية لأخذ العلم عن أئمتها وعلمائها، فلعله أخذ العلم عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن) حكم 171 هـ / 787 م - 208 هـ / 823 م). ولقد كان الشيخ مُحَكّم عالما جليلا، وقاضيا فحلا، وصفه الشماخي بقوله: .. وكان في الطبقة العليا علما وتقى. (3)، وقال فيه الشيخ علي يحيى معمر: هو شخصية من الشخصيات اللامعة التي تتهرب من الظهور وتتباعد عن الأضواء، ولكن الناس يلاحقونها ويسلطون عليها أنوارهم الكاشفة. . وقد كان مُحكم منذ صغره ذكيا قويم الخلق، فتعلم العلم ونبغ فيه، وأنشأته أسرته المؤمنة على دين وتقوى، فشب لا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، عازفا عن الدنيا مترفعا عن ملاذها وشهواتها، مجافيا لعبيدها " إلى أن قال: " وقد عرفه الناس كما هو بعلمه ويخلقه وبدينه وبشدته في الحق وتعلقه بالله فاحترموه لهذا الخلق وأحبوه من أجلها. (4). بعد أن نبغ الشيخ محكم في العلم وبلغت شهرته الآفاق، عينه الإمام أفلح قاضيا على تبهرت بعد وفاة قاضيها، الذي كان في منصب القضاء منذ عهد الإمام عبد الوهاب كما يظهر من كلام ابن الصغير حيث يقول: " وأول ما امتحنه الشراة [يقصد امتحان الشراة للإمام أفلح لما تولى
(1) البكري، المغرب، ص 145 نقلا عن: الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 9/ 1. (1) بحار وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 355/ 2، رقم الترجمة: 772.) الشماخي، السير، 167/ 1
(1) مصر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، ج 4، ص 138. (1/69)
صفحة 70
إضاءات حضارية
الإمامة] أن قاضيا من قضاة أبيه مات في أيامه فاجتمعت إليه وسألوه أن يولي
القضاء من يستحق ذلك ....
(1).
والظاهر أن ابن الصغير لا يعرف اسم القاضي المتوفى والذي استلم منصبه الشيخ مُحَكّم، فنجده لما تحدث عن تعيين محكم قال: إن القوم قالوا له: " إن فلان ابن فلان القاضي تولي وقد أجمع رأي المسلمين ورأي الإمام عليك.
(T).
إذا بعد وفاة قاضي تَنْهَرْت أقبل أهل العلم إلى الإمام أفلح يطلبون منه تعيين قاض خلفا للقاضي الأول، فقال لهم الإمام: " أجمعوا جمعكم، وقدموا خيركم، ثم اعلموني به أجبره لكم وأعضده على ما يكون فيه الصلاح لكم.
13.
ولعلنا نقف وقفة مع هذه الفقرة السابقة لنستلهم منها العدل والشورى السائدين في الدولة الرستمية، وأن أئمتها لم يكونوا يستأثرون بالقرارات لوحدهم والخدمة أغراضهم الشخصية، بل تلاحظ أن لهم مجلسا استشاريا يتكون من كبار العلماء يوكل إليهم الإمام اتخاذ القرارات المناسبة لصالح الدولة والشعب، وليس هذا فحسب بل ويوجههم إلى اختيار من تتوفر فيه الصفات المطلوبة، ثم بعد ذلك - كما سيأتي - نلاحظ أن الإمام يناقشهم في القرار الذي أجمعوا عليه إذا رأى فيه ما لم يروه، إلا أنه لا يجبرهم على تغييره، بل يقرهم على إجماعهم تطبيقا للمبدأ الإسلامي العظيم ألا وهو الشورى.
وبعد مداولات بين مستشاري الإمام وقع اختيارهم على الشيخ مُحَكم الهواري فأخبروا الإمام أفلح بقرارهم، فقال لهم الإمام: " ويحكم دعوتم إلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره، ولا لذي الشرف شرفه، وإن كان ليس أحد منكم يحب أن يظلم ولا يُظلم، ولكن تحبون أن يُجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص الأغراضكم ولا امتهان لأنفسكم "، فقالوا: " فإنا لا نرضى لقضائنا أحدا غيره. (4).
الصغير، أخبار الأئمة الرستمييين، ص 57.
(1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 58.
) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 57
(1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 5857 - الشماخي، السير، 167/ 1. (1/70)
صفحة 71
إضاءات حضارية
71
وهنا نلاحظ أن الإمام أفلح نبههم إلى جوانب في شخصية الشيخ محكم قد يكونون غفلوا عنها، وهي كونه بالرغم من علمه وفضله وصلاحه إلا أنه رجل نشأ في بادية فتعود على حياة الجفاف ولم يتعود على حياة المدينة والحضارة، والتي تحتاج إلى أساليب خاصة في التعامل مختلفة عن البادية، ولا يُفهم من كلام الإمام أنه يرمز إليهم ليختاروا رجلا متهاونا يداهنهم، حيث نجده يقول كما جاء في النص أعلاه: " ... وإن كان ليس أحد منكم يحب أن يظلم ولا يُظْلَم ... . . أي انكم من الورع والصلاح بحيث تقبلون بالحق وتسعون إليه، * ولكن تحبون أن يُجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لأغراضكم ولا امتهان لأنفسكم "، أي لا يتعامل معكم بشدة وغلظة كما يتعامل مع أهل البادية؛ يقول الشيخ علي معمر: " حين اختار الناس مُحكما لمنصب القضاء ورفعوا رأيهم هذا إلى الإمام ناقشهم الإمام في اختيارهم هذا وأخبرهم أن في الدولة كثيرا من الرجال لا يقلون علما ودينا وذكاء وتحريا عن مُحكم، وهم يعيشون في وسط الدولة، ويعرفون كيف يتصرفون مع الناس في لطف ولباقة، وأن مُحكما في طبعه الصريح الجاف، ومواقفه الصامدة، وقوته في الحق، ومعيشته في حياة البادية قد لا يلائم طبائعهم المتحضرة، وأذواقهم المرهفة الحساسة، وسلوكهم الذي تقيده آداب المدينة وأعرافها .. بعد أن أصروا على مُحَكّم ولم يأخذوا بنصيحة الإمام أفلح، أقرهم الإمام أفلح على اختيارهم، فأرسلوا رسالتين إليه، الأولى من الإمام والثانية من العلماء، جاء فيهما: " أما بعد فقد نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك وهم منتظرون لقدومك ولا يسعك التخلف فيما الله وبين عن اللحوق لهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك ورأيهم على ما فيه صلاح
بينك
المسلمين
(1).
(1).
ونلاحظ في مضمون الرسالة أنهم لم يذكروا له السبب في دعوته، وذلك أنهم يعلمون إن أخبروه يازماعهم توليته منصب القضاء لتخلف ولما استجاب لورعه وزهده في هذا المنصب (3). فلما وصل رسل تَنْهَرْت إلى الشيخ مُحَكّم وقرا مضمون ما يحملون من رسائل، ابتدر إلى دابة له وركبها وأخذ كساه وعصاه ميمما شطر تيهرت، فلما وصلها قصد المسجد الجامع ونزل به،
(1) معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، ج 1، ص 139.
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 58 - الشماخي، السير، 167/ 1 - 168.
() معمر، مصدر سابق، ج 3، ج 4، ص 139. (1/71)
صفحة 72
إضاءات حضارية
72
فأحاط به علماء تبهرت، وقالوا له: " إن فلان ابن فلان القاضي توفي وقد أجمع رأي المسلمين ورأي الإمام عليك، واعلم أنك مهما تخلفت عمّا دعوناك إليه كنت المسؤول عن كل دم يراق بغير حله، وكل فرج يوطا بغير وجهه، فاتق الله ولا تخالف الإمام والمسلمين عما دعوك إليه، فإنك إن خالفتنا أجبرناك وإن أطعتنا شكرناك. (1). تلاحظ هنا أن علماء تيهرت حاولوا إلزام الشيخ مُحَكّم بعدة إلزامات حتى لا يجد له مخرجا من قبول تولي القضاء، فمن ذلك إجماع السلمين والإمام عليه، فإن رفض كان المسؤول عن الدماء التي ستسفك بالحرام وعن الفروج التي مستوطاً بالحرام، بمعنى أنه يتحمل مسؤولية الجرائم التي ستقع لأن مرتكبيها لم يجدوا القاضي العادل الذي يهابونه، ثم يخبرونه أنه إن رفض فإنهم سيجبرونه على ذلك شاء أم أبي، فماذا كان رد الشيخ محكم عليهم؟ قال لهم: " إن الحق مر، أمر من شرب الدواء ولا يُشرب الدواء إلا كرها، وأنتم مرفهون أبناء نعم، وغيري أحب إليكم مني وقد نصحتكم فاقبلوا نصيحتي "، فحدث بينهم نقاش طويل وأخذ ورد، ثم قال لهم: " فإذا أبيتم إلا هذا فارجعوا إلى إمامكم فاعلموه بما أعلمتم به وشاوروه في أموركم "، فقالوا: " قد فعلنا "، فقال: " على بركة الله. العمري ما أعظمه من ورع وخوف من الله تعالى، وما أعظمه من زهد في المناصب اتصف به الشيخ محكم رحمه الله 14، فإن بعض أصحاب النفوس المادية التواقة إلى تسنم أكبر المناصب والمراكز قد تطير فرحا إن عرض عليها منصب كمنصب القضاء، وأين؟ إنه في العاصمة، وبعض النفوس قد تسعى بكل قوة للحصول على بعض المناصب مضحية حتى بدينها وآخرتها إن كان في ذلك المنصب ما يضر آخرتها؛ ولكننا وجدنا الشيخ مُحَكّم ضرب بكل ذلك عرض الحائط، ورفض المنصب على الفور، وحاول أن يقدم ما يستطيع من الأعذار لكي لا يحصل على منصب القضاء، وعندما وافق، وافق مرغما مجبرا، حيث إنه ذكر بالآخرة، وبغضب الله عليه إن هو ترك منصب القضاء إذ إنه لا يوجد من العلماء من هو أجدر منه بذلك المنصب، وعلّق ذنب الجرائم التي سترتكب في تيهرت برقبته إن هو تخلى ورفض القضاء، فوافق ليس حبا في المنصب
(1)
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 58. (1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 59 - الشماخي، السير، 198/ 1.
(T) = (1/72)
صفحة 73
إضاءات حضارية
73
بل خوفا من الله تعالى أن يؤاخذه إن هو ترك هذا المنصب لمن هو غير جدير به، وقد تضيع
الأحكام وحقوق الناس (1). بعد أن قبل منصب القضاء، أنزلوه في دار القضاء واشتروا له خادما وأجروا عليه من بيت
المال قوته، فسار فيهم السيرة التي أملوها منه ورجوها عنده (2). ونذكر هنا حادثة تدل على عدله وعلى شدته في الحق، وكذلك على تحقق توقعات الإمام أفلح من أن أهل تيهرت لن يتحملوا منهجه الشديد في تطبيق الحق مع أنهم لا يرغبون في الظلم لا محالة، فيذكر ابن الصغير أن أبا العباس أخا الإمام أفلح تنازع في أرض مع صهر الإمام أفلح،
فرقعا أمرهما إلى الإمام أفلح، فقال لهما الإمام: " كلاكما يعز علي ولكن ارتفعا إلى مُحَكم "، فاغتنم أبو العباس كلام أفلح وبادر إلى الشيخ مُحَكّم بدار القضاء فسبق خصمه، فلم يجد معه أحدا فاجلسه مُحَكّم بجنبه وأقبل عليه يحدثه، وفي تلك الأثناء أقبل خصمه فجلس بباب الدار، ولم ينتبه إليه الشيخ محكّم، فلما رأى أبو العباس خصمه بباب الدار نادى على جارية الشيخ محكم يستسقيها الماء ليرى خصمه دلالته على القاضي، فقال الخصم في نفسه: " إلى من أحاكم؟ خصمي جالس إلى جنب القاضي ويستسقي الماء من داره، وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي "، فحانت من الشيخ مُحَكّم التفاتة فرأى الرجل جالسا بالباب، فقال: " ما بالك يا هذا وما قصدك؟ "، فقال: " جنت خصما لأبي العباس فوجدته جالسا إلى جنبك فجلست موضعي هذا "، فغضب الشيخ مُحَكّم على أبي العباس فقال: " يا أبا العباس تاتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه وتستسقي الماء من داري على يد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس واقعده مقعد خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه واقعده الي، ومر الجارية فلتسقه ماء "، ففعل الغلام ما أمره به، فخرج أبو العباس مغضبا حتى دخل على أخيه أفلح فلما رآه، قال له: " مالك وما عراك؟ "، قال: " نزل بي من هذا الهوارِي الشرس الجالي ما لم يول بأحد "،
(1) إن هذه الصفات السامية التي اتصف بها الشيخ محكم ليست غريبة على الإباضية وما يتصفون به من خوف وورع وصلاح، من ذلك مثلا قصة أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي عينه الإمام عبد الوهاب واليا على جبل نفوسة، فتردد في قبول المنصب وقال: " أنا ضعيف أنا ضعيف فلست أقدر على القيام بأمور المسلمين "، فاصر الإمام عليه، فاستشار عجوزا معروفة بالعلم والأدب ... الخ القصة: وهناك نماذج أخرى كثيرة على تواضع وزهد علماء الإباضية (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 123 - 125 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 70/ 1 - 71). (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 59 - الشماخي، السير، 198/ 1. (1/73)
صفحة 74
إضاء انت حضارية
74
لقص عليه القصة، فقال له الإمام أفلح: " يا أبا العباس قد كنت أعلمتك هذا من قبل، والصواب ما فعل والحق أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هذا لكان مداهنا "، فوصل خبر ما فعل الشيخ محكم إلى علماء تيهرت فسروا بذلك واعجبوا به (1). والظاهر أن الشيخ محكم استمر في منصب القضاء طوال عهد الإمام أفلح، حيث لا تذكر المصادر قاضيا غيره، وأما عهد الإمام أبي بكر) حكم 258 هـ / 871 م - 261 هـ / 874 م (الذي خلف الإمام أفلح فيرى د/ إبراهيم بجاز أن أبا اليقظان بن أفلح أخا الإمام أبي بكر
(2)
تولى مهام القضاء وربما يكون قاضي المظالم (2)، والذي يظهر أنه كان يوجد قضاة في تيهرت في عهد أبي بكر إلا أن المصادر لا تذكر أسماءهم، فنجد ابن الصغير يشير إلى وجود القضاة في سياق حديثه حيث يقول: " وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه، فمن تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك نظرا شافيا وأجرى الحق على من رضي وسخط وعظم قدره أو صغر.
(3).
(4) -
فالذي يظهر أن أبا بكر كلف أخاه بشؤون الحكم في تيهرت فكان حاكما أكثر منه قاضيا، ويظهر ذلك من كلام ابن الصغير حيث يقول: " ... وكان أبو بكر يحب اللذات ويميل إلى الشهوات فصرف النظر في المدينة وأحوازها إلى أخيه أبي اليقظان وبعد أن استلم الإمامة أبو اليقظان) حكم 261 هـ / 874 م - 281 هـ / 894 م) عين أبا عبد الله محمد بن عبد الله قاضيا على تبهرت، ثم عين شعيب بن مدمان بعد استقالة أبي عبد الله
من القضاء
(0)
وفيما يتعلق بوفاة الشيخ مُحَكّم فإن المصادر لا تذكر شيئا يفيد بهذا الخصوص، إلا أننا تلاحظ أن المصادر لا تذكره في الأحداث التاريخية بعد وفاة الإمام أفلح (ت: 258 هـ / 871 م) فهل توفي في نفس الفترة؟ أم هل اعتزل القضاء وعاد إلى أوراس بعد وفاة الإمام أفلح؟ الله أعلم.
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61.59 - الشماخي، السير، ص 168.
(1) بحاز، القضاء في المغرب، ص 490. (3) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 73. (1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 72
(2) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 88، 90 - بحاز، مصدر سابق، ص 490. (1/74)
صفحة 75
(4)
العلامة هود بن محكم الهواري
مُفَسِّر القُرآن العزيز (1/75)
صفحة 76
[صفحة فارغة] (1/76)
صفحة 77
إضاءات حضارية
(1)
الشَّيْخُ العَلامَةُ الْمُفَسِّرُ هُودُ بنُ مُحَكَّم الهُوَّارِي)
VV
هو الشيخ العلامة المفسر هُود بن مُحَكّم بن هُود الهواري (2)، وقد اكتفت جميع المصادر التي وقفت عليها بذكر اسمه واسم أبيه وقبيلته، إلا ما وجدته من ذكر اسم جده (هود) في مقدمة تفسير كتاب الله العزيز من قبل محققه الباحث الأستاذ بالحاج شريفي، حيث ذكر أنه نقل ذلك عن الشيخ علي يحيى معمر في رسالة خاصة كتب بها إليه الشيخ علي يحيى معمر من دون أن يذكر المصدر الذي اعتمد عليه، وذكر أن العهد بالشيخ علي معمر استقاءه معلوماته من مصادر موثوق بها، وهو كذلك، وأضاف أنه هذا يكون الشيخ مُحَكّم الهواري سمى ابنه هودا باسم أبيه، وهذا ما لجده كثيرا في الأنساب (3)
وينتسب الشيخ هود إلى قبيلة (المَوارِي) وهي من قبائل البرانس البربرية (4)، وأما موطن الشيخ هود فهو جبل) أوراس) شرق الجزائر (5). هذا ولم تحدد المصادر العام الذي ولد فيه الشيخ هود، ولكن يقدر أنه ولد في العقد الأول أو الثاني من القرن الثالث الهجري) 200 هـ / 815 م - 220 هـ / 835 م) (.
(1) نشر هذا البحث سابقا في:
جريدة الوطن، سلطنة عمان، الجمعة 15 من ربيع الثاني 1425 هـ / 1 من يونيو 2004 م، العدد (7626)، السنة
24، على هذه الوصلة:
http://www.alwatan.com/graphics/t/jun/./dailyhtml/deen.html
موقع الأمل المشرق (www.alaml.net) .
شبكة أهل الحق والاستقامة) www.ibadhiyab.net) .
موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) . (1) الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 8/ 1 - البرادي، الجواهر المنتقاة (مخ): ص 219 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 345/ 2، 398 - 99 - الشماخي، السير: 59/ 2 - بجاز وأخرون، معجم أعلام الإباضية، 443/ 2، رقم الترجمة: 961 الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، ص 1.
() الهواري، مصدر سابق، 8/ 1 الهامش. (1) المزيد تفصيل عن قبيلة الهواري انظر مقال (قاضي تيهرت) المقال رقم (3) من هذا الكتاب. (1) المزيد تفصيل عن جبل اور اس انظر مقال (قاضي تيهرت) المقال رقم (3) من هذا الكتاب. (1) الهواري، مصدر سابق، 13/ 1 بحاز وآخرون، مصدر سابق، 443/ 2، رقم الترجمة: 961 - سليمان داود بن يوسف، مساهمة علماء الإباضية في علم التفسير والحديث والفقه والبيان، مطبعة أبو داود 0 1992 م، ص 25 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2001 م، ص 122 - الشيباني، مصدر سابق، الحلقة (13)، ص 1. (1/77)
صفحة 78
إضاءات حضارية:
VA
ووالد مفسرنا هو الشيخ محكّم بن هود الهوارِي، كان عالما جليلا، وقاضيا فحلا، عينه الإمام أفلح قاضيا على تبهرت عاصمة الدولة الرستمية، وقد تناولنا الحديث عنه بالتفصيل في المقال رقم (3) من هذا الكتاب. وقد خلط بعض الباحثين بين الشيخ هود ووالده، فنجد الشيخ الجعبيري يذكر أن هودا هو قاضي الإمام عبد الوهاب (1)، والصحيح أن مُحَكَما هو القاضي، وكذلك هو ليس قاضيا للإمام عبد الوهاب كما يذكر الشيخ الجعبيري بل لابنه الإمام أفلح، ونجد الشيخ سليمان بن يوسف ووقع أصحاب المعجم في هذا التناقض
يذكر كذلك أنه كان قاضيا للإمام عبد الوهاب.
(T)
"
فنجدهم في ترجمة الشيخ هود يذكرون أن الشيخ محكما كان قاضيا للإمام عبد الوهاب، وفي ترجمتهم للشيخ محكم يذكرون أنه كان قاضيا للإمام أفلح (3).
في أحضان هذا العالم الجليل والقاضي الفحل تربى مفسرنا، فرضع لبانة العلم منذ نعومة أظافره، فالظاهر أنه أخذ العلم أول ما أخذ على يد والده الشيخ محكم، يقول الشيخ علي يحيى معمر: * ولد محكم ولد سماه هودا، رباه على الإسلام، وأنشاه على تقوى الله ودربه على المعارف الإسلامية منذ صغره، فاستمر في الدراسة حتى أصبح علما من الأعلام.، وهذا
(4)
ما مال إليه الباحث شريفي حيث قال:. والذي يبدو لنا أنه يكون قد أخذ العلم أولا في مراتع طفولته ومرابع صباه عن والده، بعد حفظه لكتاب الله ا وكذلك نجد أصحاب المعجم يذهبون إلى ذلك (1).
+
والظاهر أنه استمر فترة ليست بالقصيرة في بلده - كما يرى الباحث بالحاج شريفي - يتفقه في مجالس العلم وحلقات الدروس التي كانت تعقد بالمساجد في القرى الجبلية أو في البوادي تحت الخيام)، وهذا ما مال إليه الباحث سلطان الشيباني كذلك (4).
(1) الجعيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 144 - فرحات الجمييري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للآثار والفنون، المكتبة التاريخية، تونس، 1975 م، ص 273.
(2) سليمان داود، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، ص 158. بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 355/ 2، رقم الترجمة: 772، 443/ 2، رقم الترجمة: 961. معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الثالث: الحلقة (4)، ص 143.
(4)
(1) الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 13/ 1. بحاز وآخرون، مصدر سابق، 355/ 2، رقم الترجمة: 772، 443/ 2، رقم الترجمة: 961.) الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، ص 1. (1/78)
صفحة 79
إضاء اي حضارية
79
وقد ذهب الباحث شريفي إلى عدم استبعاد كون الشيخ هود هاجر إلى القيروان وتيهرت لطلب العلم، فوجود هذين المركزين جدير بأن يشد انتباه طالب العلم الناشئ الطموح، وأن يستحث همته فيولي وجهه شطريهما لينهل منهما ما يشبع نهمه العلمي، ويروي ظماه للمعرفة (1)، إذا فلعل الشيخ هودا تتلمذ على يد الإمام أفلح وعلماء تيهرت في أثناء وجود ابيه
في منصب القضاء.
هذا وقد ذهب الباحث سلطان الشيباني كذلك إلى عدم استبعاد كون الشيخ هود في أواخر حياته قد رحل إلى الأندلس، وقرأ على مشايخها وتتلمذ عليهم، وقد استند في ذلك إلى ما ذكره قطب الأئمة في رده على العقبي حيث قال: " وإن لم تعرف الإباضية فقد عرفهم الأندلسيون إذ قرأ فيهم الشيخ هود الهواري، وقال له شيخه: لا يقبل الله دينا يخالف ما أنت عليه "، وقد تفرد الإمام القطب بهذه المعلومة ولم يشر إلى مصدرها، كما يذكر الشيباني (2). إذا وبعد هذه الرحلة الطويلة التي قضاها الشيخ هود في طلب العلم عاد إلى موطنه أوراس محملا بالعلم، فلمع اسمه بين العلماء، وأصبح محط الأنظار، وكعبة يقصدها طلاب العلم خاصة ليقتبسوا جذوة من علومه، والناس عامة ليتلقوا منه التوجيهات الرشيدة والرأي السديد والحل المرضي لمشاكلهم، فيقضي كل من قصده ماربه وينال بغيته)
(3)
ولقد بلغ الشيخ هود من المعولة والرفعة شأوا بعيدا، فها هو الشيخ الشماخي يصفه قائلا: " ومنهم هود بن محكم الهواري وهو عالم متفنن غائص، وهو صاحب التفسير
(4)
المعروف، وهو كتاب جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب، بل على طريقة المتقدمين ومما يدل على المنزلة الرفيعة التي حظي بها الشيخ هود تلك القصة التي يرويها الشيخ أبو زكرياء في سيره حيث قال: " وذكر الشيخ ميمون بن حمودي أن هود بن محكم الهواري جاءه رجل من العزابة يستعين به على مايفك كتبا له مرهونة عند رجل من النكار في خمسة دنانير، فدعا
(4) الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 14/ 1
(1) الهواري.
، مصدر سابق، 14/ 1
(1) الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، ص 1.
الهواري، مصدر سابق، 19/ 1.
(1) الشماخي، السير: 59/ 2 (1/79)
صفحة 80
إضاء أنت الحضارية
هود بن محكم رجلا فقال له: سر مع هذا الرجل إلى مواطن مزائة، فجاءهم وأخبرهم القصة، وتسارعوا فيما يصنعون له، ويجمعون له من الأموال، فبسطوا بساطا، فطفق الرجال والنساء يرمون فيه الدنانير والدراهم وما أمكن كل واحد منهم، فجمع من ذلك مالا كثيرا، فلموا أطراف البساط فرفعوه، فاتوا به هود بن محكم، فعمد الرجل صاحب الكتب إلى الخمسة دنانير فأخذها وترك الباقي، فقال لهود: أنت أولى به ياشيخ، فإن المؤونة عليك كبيرة ممن يقصدونك ويعترونك. ا، ومجد الدرجيني يذكر نفس هذه القصة (2).
(1).
ونستنتج من خلال هذه القصة عدة أمور، منها فضل عالمنا ومعولته بين قومه، ومركزه بين افراد قبيلته (هوارة)، وعظيم مولته في قبيلة (مَزاتَة (المجاورة، ونستنتج كذلك أنه أصبح مقصدا لكل مكروب ومهموم ليفك كربته ويزيل همه، ونستنتج أيضا أنه يؤمه الكثير من الناس والزوار وطلاب العلم، وذلك من قول الرجل للشيخ هود: " فإن المؤونة عليك كبيرة ممن يقصدونك ويعترونك "، فلا يستبعد أن يكون قد أسس مدرسة عظيمة يؤمها طلاب العلم بل ويقيمون عنده يعتمدون عليه في ماكلهم ومسكنهم، وقد كان هذا الشائع في المغرب في تلك القرون والله أعلم.
هذا وقد يتبادر إلى ذهن القارى سؤال حول هذه القصة، وهو كيف يمكن أن تعلل استخدام ميمون بن حمودي لمصطلح (العزابة (12، حيث إنه من المعلوم أن مصطلح (العزابة) و العزابي) (3) ظهر بعد قرن من عهد الشيخ هود، أي في القرن الرابع الهجري، في عهد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر (ت: 440 هـ / 1048 م) المؤسس لنظام (العزابة) (4).
('1')
يحيى بن أبي بكر أبو زكرياء، كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تح: عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1405 هـ / 1985 م، ص 360. (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 399398/ 2) الغزابة (جمع) غزاب) بفتح العين، مأخوذ من عزب عن أهله الفرذ عنهم، ستوا بذلك لانقطاعهم إلى الله بالاشتغال بأمر دينهم وطلب العلم والزهد في الدنيا وزخرفها، وليس المقصود بالمصطلح عدم الزواج كما ذهب المستشرق روبانيكسي في تفسيره لهذا المصطلح، إذ إن (الغزابة) يتزوجون ويكونون الأسر الناجحة كما هو معلوم من سيرتهم وواقعهم. انظر: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 274 - بحاز إبراهيم بكير، محاضرة نظام العزابة وأثره في المجتمع الميزابي، شريط سمعي، ألقاها في سلطنة عمان ولاية السويق، الأربعاء 4 من محرم 1425 هـ / 25 من
فبراير 2004 م، وقد نشرت هذه المحاضرة في الشبكة العمانية سبلة الدين) على هذا الرابط:
http://www.omania.net/avb/showthread.php?t=\rrr.&page=
(1) الدرجيني، مصدر سابق، 117/ 12 - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 368/ 2، رقم الترجمة: 803. (1/80)
صفحة 81
إضاءات حضارية
(1)
A 1
حول هذا الجانب يرى د/ إبراهيم بجاز أن مصطلح (العَزابة (ظهر بعد عهد أبي بكر محمد بن عبد الله، إذ إن هذا النظام في عهد مؤس رسه كان يعرف بنظام (الحلقة)، ثم تطور إلى نظام (القرابة)، ويرى أن ورود هذا المصطلح في بعض المصادر المتقدمة – كما هو الحال مع هذه القصة عند أبي زكرياء - ربما يعود إلى تصرف من قبل المؤلفين أو من قبل النساخ؛ وهناك من يرى أن مصطلح (العَزابة (كان متداولا في الوسط الإباضي قبل تقعيد أبي عبد الله لقواعده، وكان يستخدم للتفريق بين الإباضية والنكار، وعلى هذا الرأي الباحث سلطان الشيباني (2)، إلا ان در بجاز يستبعد ذلك ويرى أن الأمر يحتاج إلى مزيد بحث.
(4)
+
وفيما يخص نسبة في الدين وشيوخه الذين جلس إليهم وأخذ عنهم، فإن المصادر لا تسعف بما يفيد أو بذكر اسم أحد منهم إذا استثنينا أباه محكما، وكذلك الأمر بالنسبة لتلاميذه الذين تلقوا عنه العلم أو تربوا على يديه، ولقد حاول الباحث شريفي جاهدا أن يجد إشارة إلى بعض شيوخه في ثنايا تفسيره فلم يعثر على أي واحد منهم وكذلك نجد المصادر صامتة فيما يتعلق بتاريخ وفاته، ويقدر الباحث شريفي أنها كانت في العقد الثامن أو التاسع من القرن الثالث الهجري، أي حوالي سنة 280 هـ / 893 م، حيث إن كل من ذكره من المؤرخين وكتاب السير يؤكد أنه من علماء الطبقة السادسة (250 هـ /
864 م - 300 هـ / 912 م)، فهل أدرك نهاية الدولة الرستمية سنة 296 هـ / 908 م؟ يقول الأستاذ شريفي: " أنا أستبعد ذلك، ولكن لا استطيع أن أجزم بشيء في. (4)، وعلى العموم إن لم يكن أدرك سقوط الدولة الرستمية فإنه عاش في
الموضوع
أواخرها والله أعلم.
هذا وقد ترك لنا الشيخ هود - رحمه الله - تفسيرا جليلا كاملا للقرآن الكريم، حفظته يد القدر من الضياع والاندثار عنونه بـ (تفسير كتاب الله العزيز)، ولقد قام الأستاذ الباحث
(1) مناقشة علمية عبر الهاتف مع د/ بحاز إبراهيم بكير، السبت 25 من ربيع الأول 1425 هـ / 15 من مايو 2004 م. (1) مناقشة علمية عبر الهاتف مع الأستاذ سلطان بن مبارك الشيباني، ربيع الأول 1425 هـ / مايو 2004 م. الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 17/ 1 - الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، ص 2.
(1) الهواري، مصدر سابق، 17/ 1 - 18 - الشيباني، مصدر سابق، الحلقة (13)، ص 2. (1/81)
صفحة 82
82
إضاءات حضارية
بالحاج بن سعيد شريفي بتحقيق هذا السفر الثمين، فظل يعمل فيه لما يقارب من عشرين سنة، وقد طبع في أربعة مجلدات بدار الغرب الإسلامي.
ولقد ظل هذا التفسير أكثر من أحد عشر قرنا منسيا مغمورا إلى أن ظهرت مخطوطاته المتفرقة
(1)
في بعض الخزائن الخاصة، موجودة في مدن وادي ميزاب بالجزائر، وجزيرة جربة بتونس ونجد أن المصادر الإباضية المتقدمة أشارت إلى هذا التفسير قبل أن يتم اكتشافه، فقد أشار إليه أبو زكرياء (ق: 5 هـ) في سيره حيث قال: " وذكر أن رجلين اختصما على تفسير هود بن محكم الهواري حتى بلغ تشاجرهما قبيلتيهما، وحتى كادت الثورة تقوم بينهم، وتصاف الفريقان، وكاد الشر يقع بينهم، فلما رأى ذلك أبو محمد جمال، نزع المصحف (التفسير) من بينهم، فقسمه لصفين، فوافق قرطاسا بين النصفين لم يكتب، وأعطى لكل نصفا، وزال الشر واصطلحوا. (2).
وكذلك نجد الدرجيني (ق: 7 هـ) أشار إليه، فذكر هذه القصة وزاد بتفصيل أكثر وزاد عليها أن الشيخ أبا محمد جمال قال لهما: من شاء منكما الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي قاله (3).
وذكره البرادي (ق: 9 هـ (في جواهره حيث قال: " ومن تأليف أصحابنا أهل المغرب التفسير الذي لهود بن محكم الهواري في سفرين كبيرين. (4) ولم يذكر هل رآه أم لم يره، والراجح أنه رآه لأنه عادة يشير إلى الكتب التي لم يرها كفوله مثلا: " وكتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يختلف في الكلام مجلدان الأول والثاني، لم أقف على الأول "، وكقوله مثلا: " ويذكرون كتاب أبي عمران موسى بن أبي زكريا ولم أقف عليه. وكذلك ذكره الشماخي (ق: 10 هـ) في سيره، وقد ذكر القصتين اللتين ذكرهما أبو زكرياء والترجيني، والظاهر أن الشماخي وقف على التفسير واطلع على محتواه حيث قال كما مر علينا سابقا: " ومنهم هود بن محكم الهواري ... وهو عالم متفنن غائص، وهو صاحب التفسير
(1) الهواري:
، تصير كتاب الله العزيز 5/ 10.
(*).
) ابو زكرياء، كتاب السيرة واخبار الأئمة، تح: عبد الرحمن أيوب، ص 359.
الدرجيني.
طبقات المشائخ، 345/ 2 - 346.
(1) البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 219. (1) البرادي، مصدر سابق، ص 220. (1/82)
صفحة 83
إضاءات حضارية
83
المعروف، وهو كتاب جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب، بل على طريقة المتقدمين. (1)
هذا وإن أقدم نسخه المخطوطة تعود إلى القرن 11 هـ؛ وللشيخ محمد بن عمر بن أبي سنة المحشي (ق: 11 هـ) حاشية على تفسير الشيخ هود لم يتمها، ورجع إليه الشيخ إبراهيم بن يخمان في تفاسيره (ق: 13 هـ)، وكذلك قطب الأئمة محمد اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م) في (تيسير التفسير) ولي) هيميان الزاد) وفي (شرح النيل)، وكذلك الشيخ صالح لعلي (ق: 14 هـ) في تفسيره (القول الوجيز) (2)، وذكره الإمام العالمي (ت: 1332 هـ / 1914 م) في (اللمعة المرضية) (3)، وذكره الشيخ أبو إسحاق اطفيش في تقديمه لكتاب (الوضع) للشيخ الجناؤلي (4)، وذكره د/ محمد حسين الذهبي (ت: 1397 هـ /
W
(*)
1977 م) في كتابه (التفسير والمفسرون)، وذكره الشيخ سليمان بن يوسف (ت: 1412 هـ / 1992 م (في كتابيه (حلقات من تاريخ المغرب) و (مساهمة علماء الإباضية) (6)، وأشار إليه د/ عمرو النامي في كتابه (دراسات عن الإباضية) ()، وذكره صالح باجيه في كتابه (الإباضية بالجريد) (8)، وذكره د بجاز في كتابه (الدولة الرستمية) ()، وذكره الباحث الأستاذ علي أكبر ضيائي في كتابه (معجم مصادر الإباضية) (10). ا، وغيرهم من
الباحثين المعاصرين.
(1) الشماخي، السير، 59/ 2
(1) الشرياني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، ص 3.
عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2:
1983 م، ص 19.
(1)
ا يحيى بن أبي الخير الجناوني، كتاب الوضع، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، طلا، ص 10 - 11 مقدمة
الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش.
(1) الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (12)، ص 2.
) سليمان بن يوسف، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، ص 158 - سليمان بن يوسف، مساهمة علماء الإباضية، ص 25
النامي، دراسات عن الإباضية، ص 122.
) صالح باجيه، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، دار بوسلامة، تونس، ط 1: 1396 هـ / 1976 م، (1) بحاز، الدولة الرستمية، جمعية التراث، ص 301.
ص 55
(10) علي أكبر ضياني، معجم مصادر الإباضية، مؤسسة الهدى، طهران، ايران، ط 2: 1424 هـ، ص 201. (1/83)
صفحة 84
إضاءات حضارية
??
ولقد حاول عدد من أهل العلم التصدي لطباعة هذا السفر الثمين بعد اكتشافه، والظاهر أن محاولاتهم لم يكتب لها النجاح إلى أن يسر الله تعالى خروجه إلى النور على يد الأستاذ بالحاج شريفي وطبع طبعته الأولى في سنة 1410 هـ / 1990 م بدار الغرب الإسلامي كما ذكرنا في أربعة مجلدات ضخام.
(3)
، فظلت إحدى
وممن حاول طباعته الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش في منفاه بمصر مخطوطاته معه لسنوات عديدة، ولما تعذر تحقيقها وطباعتها رجع بها الشيخ ناصر المرموري إلى مدينة (القرارة) بميزاب سنة 1384 هـ / 1965 م (2). وكذلك حاول الشيخ سليمان بن يوسف طباعته، إلا أنه كذلك لم يوفق؛ والذي يظهر أن الشيخ سليمان بن يوسف هو من اكتشف مخطوطات تفسير هود بن محكم، أو ممن اكتشف بعض مخطوطاته، حيث يقول: " ... والحمد لله أنني وجدت نسخة من هذا التفسير [يعني تفسير هود بن مُحكم] في خزانة جدي الشيخ أحمد بن أيوب كتب في آخرها " جلت في البلاد كثيرا بحثا عن التفسير فوجدت نسخة ببلد أريغ ممرشة فتعبت في نسخها ولا تزال تحتاج إلى تصحيح أرجو ممن تمكن أن يزيد؛ أن يزيد في تصحيحها وله الأجر " فعزمت أنا على تقديم هذا التفسير الجليل للطباعة فوجدت جزءا في خزانة قطب الأئمة الشيخ اطفيش، وجزاين في خزانة الشيخ بلحاج بالقرارة، وجزءا بتونس، نسأل الله أن يوفقنا لطبعه ونشره. (3). وهذا ليس بغريب على الشيخ سليمان بن يوسف وهو الذي كلفه رئيس جمهورية الجزائر هواري بومدين (4) بمهمة التنقيب عن المخطوطات الجزائرية بالخارج، فخلص في بحثه الذي عرضه
(3)
(1) نفاه الاستعمار الفرنسي الغاشم للجزائر، فكان ذلك النفي خيرا له ولقضية الجزائر والمغرب، إذ كان له دور كبير في تعريف العالم بما يحدث في الجزائر من انتهاك وقهر من قبل الاستعمار على شعوب تلك المنطقة، وقد توفي رحمه الله في منفاه بمصر في سنة 1385 هـ / 1965 م، بسبب اشتداد مرض (البروستاتا (عليه (انظر: محمد ناصر، الشيخ إبراهيم الطفيش في جهاده الإسلامي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م، ص
(T 1 T.-19
ص 25.
(1) الشيباني، مصدر سابق، الحلقة (12)، ص 2.) سليمان بن يوسف، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، ص 158 سليمان بن يوسف، مساهمة علماء الإباضية، (1) اسمه الحقيقي بوخروبة محمد إبراهيم، واشتهر باسم هواري بومدين، ولد في سنة 1351 هـ / 1932 م بقرية بني عدي على بعد 15 كلم من مدينة قالمة بالجزائر من عائلة ريفية فقيرة، في عام 1385 هـ / 1965 م قاد انقلابا على الرئيس الجزائري أحمد بن بلة فأودعه السجن وتولى الرئاسة، وكان قبل ذلك يشغل منصب وزير الدفاع، توفي = (1/84)
صفحة 85
إضاءات حضارية
85
على الرئاسة آنذاك إلى ثروات عظيمة من المخطوطات الجزائرية بتعيين محتواها ومؤلفيها والمكتبات الأوروبية التي توجد فيها (1)، والحقيقة أن الأستاذ شريفي لم يشر إلى الشخص أو الأشخاص الذين كانت لهم اليد البيضاء في اكتشاف مخطوطات هذا السفر الجليل. وقد وهم البعض وظن أن تفسير هود بن مُحَكم ناقص، ولمن وهم د/ محمد حسين الذهبي حيث جاء بمعلومات ناقصة جدا وأحكام مجانبة للحق والصواب في كتابه (التفسير والمفسرون) حول تفسير هود بن مُحَكم (2)؛ والعجيب أن الشيخ فرحات الجعبيري كذلك ظن أن الشيخ هودا توفي قبل أن يتم تفسير القرآن كاملا، وأنه وصل إلى الآية (238) من سورة البقرة (3)، والصحيح أن تفسير الشيخ هود بن مُحَكم كامل غير ناقص، وإنما الناقص هو الحاشية التي وضعها الشيخ أبو سنة على تفسير الشيخ هود ولم يتمها كما ذكر الأستاذ شريفي فوقع الخلط والوهم عند بعض الباحثين وأخيرا وقبل الختام ينبغي التنبيه أن تفسير الشيخ هود بن مُحَكم إنما هو عبارة عن اختصار لتفسير آخر سبقه بقرن من الزمان، وهو تفسير يحيى بن سلام البصري (ت: 200 هـ / 815 م)، وقام الشيخ هود بالزيادة عليه وإبراز آراء الإباضية في بعض القضايا؛ وتذكر المصادر ان ابن سلام هاجر إلى القيروان وأخذ الناس عنه تفسيره ومنهم ابنه محمد وتلميذه أبو داود العطار، فيذكر الأستاذ شريفي أنه ربما يكون الشيخ هود هاجر إلى القيروان وأخذ تفسير ابن سلام مباشرة عن محمد بن يحيى بن سلام، أو ربما يكون أخذه عن أبي داود العطار) وتكمن القيمة العلمية لتفسير الشيخ هود بن مُحَكّم - كما يرى الأستاذ شريفي – أن الشيخ
(t)
(0)
هودا تعقب ابن سلام في القضايا التي تتعارض مع العقيدة الصحيحة، فبين الصواب ولم يأخذ تفسير ابن سلام على علاته وهناته، وكذلك فإن تفسير الشيخ هود يعد بحق أول مختصر لتفسير
إثر مرض مفاجئ في سنة 1399 هـ / 1978 م. انظر: هواري بومدين أكبر مساند لجبهة البوليساريو في السبعينيات، موقع قناة الجزيرة على هذا الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CECACID-E-ACT-ADA-EBYFEABBFDCA.htm
(1) بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 201/ 2، رقم الترجمة: 446.
(1) الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 21/ 1.
) الجعبيري:، نظام العزابة، ص 273 (1) الهواري، مصدر سابق، 21/ 1. (4) الهواري، مصدر سابق، 33/ 1. (1/85)
صفحة 86
إضاء أن حضارية
?
ابن سلام، وقد حاول ابن أبي زمنين (ت: 399 هـ / 1008 م) اختصار تفسير ابن سلام فالف مختصرا عنونه بـ (مختصر تفسير ابن سلام)، إلا أن الشيخ هودا متقدم عليه وأقرب إلى عهد ابن سلام، أضف إلى ذلك أن تفسير الشيخ هود أكبر حجما وأغزر مادة وأكثر فائدة من تفسير ابن أبي زمنين، وكذلك فإن الشيخ هودا ساهم في حفظ الصورة الكاملة أو القريبة من الكمال لتفسير ابن سلام، حيث إن مخطوطات تفسير هذا الأخير لا تزال ناقصة (1). ومما يلاحظ على تفسير الشيخ هود أنه يروي في بعض الحالات أسباب النزول، ويعتمد على الأحاديث النبوية، وكثيرا ما يشير إلى مصادره کروايات ابن عباس ومولاه عكرمة وابن الكلبي ومجاهد وغيرهم، ولم يتبع هود في تفسيره طريقة النقل فقط، بل كثيرا ما كان يسوق الرواية
فينفيها نفيا قاطعا، واهتم خاصة باستخراج معاني الآيات وما تضمنته من حكم وأحكام (2). ولقد كنت أود تسليط الضوء أكثر على هذا التفسير الجليل إلا أن الأستاذ بالحاج شريفي محقق تفسير الشيخ هود، والباحث سلطان الشيباني في سلسلته الرائعة (الإنتاج الإباضي في علم التفسير) والتي نشرت تباعا في جريدة الوطن بسلطنة عمان، أتيا بما لا مزيد عليه،
وكما يقال: لا عطر بعد عروس.
(1) الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، 34/ 1، 38. (1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 301. (1/86)
صفحة 87
(0)
العَلَامَةُ عَمْرُوسُ بن فَتْحِ النَّفُوسِي
قِصَّةُ إِمَامٍ (1/87)
صفحة 88
[صفحة فارغة] (1/88)
صفحة 89
إضاءات حضارية
العَلامَةُ عَمْرُوسُ بن فَتْحِ النَّفُوسِي (قِصَّةُ إِمَامٍ)
19
إمام جليل من أئمة الدين، وعَلَم عظيم من أعلام الإسلام، نشأ وترعرع في مكان بعيد ناء: رضع العلم منذ نعومة أظفاره فيز أقراله حتى أصبح أعلم أهل زمانه بشهادة علماء عصره، بلغت شهرته الآفاق، وترك العديد من المؤلفات، كان فارسا في ميدان العلم لا يشق له غبار وكذا كان يجندل الأبطال في ميدان الجهاد، جاهد في سبيل ربه حتى نال ما يتمناه كل مؤمن حق الإيمان، كان مناظرا بارعا نافح عن عقيدة الإسلام، وكان قاضيا عادلا حكم بشرع الله، كان مؤمنا بالله حق الإيمان واثقا به حق الثقة لا يخاف في جنب الله لومة لائم ...
فمن هو هذا الإمام الفارس؟ وأين نشأ؟ وكيف كانت سيرته؟ إله الشيخ العالم العلامة إمام عصره وأعلم أهل زمانه عَمْرُوسُ بن فَتح المُسَاكَنِي النَّفُوسِي، ويكنى بأبي حفص، ولقب بالمساكني لأنه من أهل قرية (مُسَاكَن (الواقعة بجبل نفوسة (3)، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة) نفوسة (البربرية، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس
اليها في ليبيا (6).
(2)
ذكر بعض الباحثين أن الشيخ عمروس ولد في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق، وفيما يتعلق بسنة مولده
(1) نشر هذا البحث سابقا في: موقع الأمل المشرق (www.alaml.net) . موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) .
(*)
وكذلك في مقال مختصر حول الشيخ عمروس تحت عنوان: (الشيخ المجاهد عمروس بن فتح)، نشر في جريدة الوطن العمانية، الجمعة 4 من محرم 1424 هـ / 7 من مارس 2003 م، العدد (7173)، السنة 33. (1) مقرين بن محمد البغطوري، كتاب سير أهل نفوسة، (مخ)، ص 92 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاة (مخ)، ص 219 - عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، تح: أحمد حمو كروم، وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1420 هـ / 1999 م، ص 11 - جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء ازان، تح: عمرو خليفة النامي، مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر، ص 20 – الدرجيني، طبقات المشائخ، 320/ 2 - الشماخي، السير، 1921 بحاز واخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2، رقم الترجمة: 690) البنطوري، مصدر سابق، ص 92.
(1)
(")
عروس، مصدر سابق، ص 12 - محمد بن عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 134/ 6. اعمروس، مصدر سابق، ص 11 - إسماعيل بن موسى الجيطالي، كتاب قواعد الإسلام، ج 1، ت: بكلي عبد الرحمن بن عمر، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م، ص 113 وانظر كذلك: قواعد الإسلام، تح: بشير بن موسى الحاج موسى، ج 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1: 1418 هـ / 1998 م = (1/89)
صفحة 90
إضاءات حضارية
فالحقيقة أن بها إشكال كبير لا يسع المقام لبسطها هنا، وقد ناقشتها باستفاضة في كتابي (الشيخ
(1)
عمروس ومنهجه)، وقد خلصت إلى احتمال مولده في سنة 190 هـ / 805 م تقريبا) نشأ الشيخ عمروس في قرية (قُطْرُس (من جبل نفوسة (2)، ويحتمل أنه نشأ يتيما، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة، كتبت وصيتها وأشهدت عليها، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها؛ فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد ولكن في المقابل قد يكون والده حيا في تلك الفترة، حيث إنه يصح أن يُستخلف الطفل لإنفاذ الوصية مع وجود أبيه أو خليفته، جاء في شرح النيل: " ولا ينفذها [أي الوصية] أبو الطفل أو خليفته إن استخلف. ولكن الظاهر أن أبا الشيخ عمروس توفي قبل أن يصل الشيخ عمروس إلى سن الإدراك، وذلك أن الشيخ عمروس لما بلغ مبلغ الرجال - ولنقل ثمانية عشر سنة - أراد أن ينفذ وصية أمه، ويؤدي عنها الحج، فلم يجد أحدا يعلم بصلاحها ويشهد بذلك، إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها، فادى الحج عنها بشهادة تلك المرأة (*).
(4).
فلو لم يكن والد الشيخ عمروس قد توفي والشيخ عمروس لا يزال طفلا لم يدرك، نسأل أباه عن أمه وصفاتها وصلاحها من عدمه، ولأخبره أبوه عنها.
، ص 371 - 372 - السالمي، اللمعة المرضية، ص 12 - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 321/ 2، رقم الترجمة: 690. (1) مهنا السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه، ص 185 191. عروس، الدينونة الصافية، ص 13 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ح 2، ق 1، ص 137. البرطاني، قواعد الإسلام، تح: بكلي عبد الرحمن، 13/ 2 هامش المحقق - يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، كتاب النكاح، تعليق: علي يحيى معمر، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ص 29 الهامش - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690.) الدرجيني، طبقات المشائخ، 324/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1 عمروس، مصدر سابق، ص 11. (1) محمد بن يوسف الطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 12، مكتبة الإرشاد، جدة، المملكة العربية السعودية، 3: 1405 هـ / 1985 م، ص 707. (1) الدرجيني، مصدر سابق، 325/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 199/ 1. الظاهر أن هذه القصة بها شيء من المبالغة وعدم الواقعية، إذ أن أسرة الشيخ عمروس كانت تقيم بجبل نفوسة الخاص بالسكان، فليس من المعقول الا يبقى لحد من معاصري والدته يعلم بصلاحها من عدمه إلا امرأة واحدة! (1/90)
صفحة 91
إضاءات حضارية
91
والظاهر أن الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته (قُطْرُس) التي نشأ وترعرع فيها، فلعله التحق بشيء من الكتاتيب الموجودة في قريته، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم الآداب، وبعض قواعد النحو والأحكام الفقهية المبدئية، وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر – ولو من بعيد - إلى ذلك حين قال: " نشأ في (قُطْرُس) [يقصد الشيخ عمروس] وفيها درس، وبلغ هذه
(1)
المرتبة السامقة من العلم. وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك، وهذه المشكلة نفسها عانى منها الباحث أحمد كروم فقال: " هذا ما كتبته المصادر عن تعلمه بصفة إجمالية دون التعرض لأي تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقاله في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى ... . (2).
(")
وأما مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية، فقد ذكرت بعض المصادر أنه هاجر إلى المغرب لطلب العلم، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم، وقد ذكر الباحث احمد كروم أن المقصود بالمغرب هو) تَنْهَرْت (العاصمة الرستمية، معللا استنتاجه هذا بأن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو (تَنْهَرْت)، إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حينا من الدهر، حتى غدت تعرف بـ) بغداد المغرب)، كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة (4).
(*)
ولكن في المقابل فإن الشيخ فرحات الجمعبيري ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو (بلاد التجويد) حالها، ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو (تيهرت)، حيث إن ليهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه، وذلك لوجود
الأئمة وكبار العلماء فيها
(1) معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ح 2، ق 1، ص 137.
عمروس، الدينونة الصافية، ص 14 مقدمة المحقق.
(9) البنطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الباروني، الأزهار، 254/ 2 - الجميري، البعد الحضاري، ص 109 الهامش - عمروس، مصدر سابق، ص 13 مقدمة المحقق.
()
، مصدر سابق، ص 13 الهامش، مقدمة المحقق.
عروس
(1) البحيري.
، مصدر سابق، ص 109 الهامش. (1/91)
صفحة 92
إضاءات حضارية
-
92
فالظاهر أنه أخذ العلم في تيهرت على يد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن والإمام أفلح بن عبد الوهاب وعلى يد بعض علماء تبهرت كمزور بن عمران الهواري) حي بين: 171 هـ / 787 م - 208 هـ / 823 م) وزير الإمام عبد الوهاب، ومُحَكم الهواري قاضي الإمام أفلح، وأبي الربيع سليمان الهواري) 75: 300 هـ / 912 م - 350 هـ / 961 م)، الذي يعد من كبار علماء تبهرت، وأبي عبيدة الأعرج التيهرتي) حي: 261 هـ / 874 م 281 هـ / 894 م)، الذي كان عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... وغيرهم من العلماء (1). أما أهم العلوم التي من الممكن أن يكون درسها في أثناء وجوده في تيهرت، علم التفسير فقد يكون تلقاه على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح والعلامة مُحَكّم الهواري؛ وعلم الحديث لعله أخذه عن الإمام أفلح الذي كان مهتما بعلم الحديث، وأبي عبيدة الأعرج الذي أخذ عنه ابن الصغير (حي: 261 هـ / 874 م - 281 هـ / 894 م (كتاب (إصلاح الغلط في غريب الحديث) لابن قتيبة (2): واللغة والفقه والعقيدة وعلم الكلام عن الإمام عبد الوهاب والإمام افلح؛ وقد يكون أخذها كذلك عن العلماء الذين ذكرتهم قبل قليل، أو عن غيرهم والله أعلم (3).
وإذا كان درس العشرين سنة في بلاد (الجريد () (4) كما ذهب الشيخ الجعبيري، فإنه من المحتمل أن يكون درس في مدينة (فَتَطْرَارَة)، إذ إن قنطرارة في عصر الشيخ عمروس كانت تعد مركزا علميا وحضاريا للإباضية، وهي مركز الدولة الرستمية ببلاد (الجريد)، وكانت بها جالية كبيرة من أهل نفوسة، وكان طلاب العلم يقصدون مسجد (قنطْرَارَة) لأخذ العلم ().
1
+
(1) مهنا السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه، ص 219 (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 96. ا دراسة الشيخ عمروس على الإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح، والعلماء الذين ذكرت، يظل مجرد احتمال قابل للصواب والخطأ، فالمصادر لا تساعد في ذلك كما ذكرت، فأرجو التنبه لهذا. (1) أود التنبيه أنني في كتابي) الشيخ عمروس ومنهجه (وقعت في خطأ غير مقصود عندما تناولت بالحديث دراسته + (المغرب) والمقصود بها؟ فذكرت أن الباحث كروم فصر) المغرب) أنها) تبهرت)، وأما الجعبيري فإنه ذهب إلى ان المقصود بها بلاد (الجريد)، ثم عندما أردت للحديث عن احتمال دراسته ببلاد (الجريد) ذكرت بدلا من ذلك سهوا (وارجلان)، وذكرت اسماء بعض العلماء المعاصرين للشيخ عمروس بـ (وارجلان)، والذين يحتمل أن يكون أخذ العلم عنهم، وكان الأصل أن أتحدث عن بلاد (الجريد) وعلمانها المعاصرين للشيخ عمروس، فارجو التنبه لذلك (انظر: مهنا السعدي الشيخ عمروس ومنهجه، ص 220). (4) باجيه، الإباضية بالجريد، ص 12040.
4 (1/92)
صفحة 93
إضاءات حضارية
93
فربما يكون الشيخ عمروس أخذ العلم عن علماء) قَنطَرَارَة)، ومن أشهر علمائها المعاصرين للشيخ عمروس، والي (قنطَرَارَة) في عهد الإمامين عبد الوهاب (حكم: 717 هـ / 787 م - 208 هـ / 823 م)، وأفلح بن عبد الوهاب) حكم: 208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م)، أبو يونس وسيم بن يونس النفوسِي الطَّمْرِينِي (حي بين: 208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م)، الذي كان عالما فقيها، ذا حنكة وذكاء (1)، فربما يكون الشيخ عمروس أخذ العلم عنه ولكن الظاهر أن احتمال دراسة الشيخ عمروس بـ (تَنْهَرْت) أكبر منها يبلاد (الجريد)، وذلك أن الشيخ أبا يونس وسيم أرسل ولده سعدا (ت بعد: 283 هـ / 896 م) إلى) تيهرت (ليدرس على يد الإمامين عبد الوهاب وأفلح (2)؛ فليس من المنطق أن يهاجر ولده متحملا الغربة ومشاق السفر لطلب العلم، بينما والده وعلماء (قنطَرَارة) يحيطون به ويقصدهم طلاب العلم من ن نفوسة وغيرها؟!
إذا بعد عشرين سنة - من الغربة والترحال طلبا للعلم - أنهى الشيخ عمروس دراسته لي (تيهرت) أو بلاد (الجريد)، فعاد إلى جبل نفوسة عالما متضلعا في مختلف فنون العلم، ليصبح أعلم أهل زمانه كما وصفه أهل العلم (3).
ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة، ولا يستبعد أن يكون من أوائل طلاب العلم الذين التحقوا بحلق العلم التي كان يقيمها الإمام عبد الوهاب في جبل نفوسة حين زاره (4)؛ وروي عنه كذلك أنه كان يتردد برفقة مهدي الويلوي
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 138 - 139 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 77/ 11 78 - الشماخي، السير، 118/ 1 - 199، 184 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 170/ 2 171، رقم الترجمة: 374، 446/ 2، رقم
الترجمة: 967
(1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 139 - الدرجيني، مصدر سابق، 77/ 11 78 - الشماخي، مصدر سابق، 181/ 1 - باز وآخرون، مصدر سابق، 170/ 2 171، رقم الترجمة: 374.
(7) الدرجيني، مصدر سابق، 321/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 192/ 1. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 116 - الدرجيني، مصدر سابق، 91/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 140/ 1. بحار وآخرون، مصدر سابق، 283/ 2، رقم الترجمة: 609. (1/93)
صفحة 94
إضاءات حضارية
94
(ق: 3 هـ)، على موضع يسمى (تنين أزدرشل (يجتمع فيه جماعة لطلب العلم، والمفتي فيهم أبو نصر المَصْمَمِي (ق: 3 هـ) (1). ومن مشايخ الشيخ عمروس الذين ثبت تلقيه العلم عنهم، والتقازه بهم عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخراساني (ت: 220 هـ / 835 م)، صاحب المدونة المشهورة، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القُرَشِي (ت: 260 هـ / 873 م).
فالعلامة أبو غانم الخراساني التقى به الشيخ عمروس عند خروج الأول من المشرق إلى المغرب للقاء الإمام عبد الوهاب، حاملا معه مدونته المشهورة ليهديها للإمام عبد الوهاب، فمر في طريقه على الشيخ عمروس بجبل نفوسة، وترك عنده نسخة من المدونة، وذهب بالأخرى إلى تيهرت، فقام الشيخ عمروس بمساعدة أخته العالمة بنسخ المدونة، فكان له الفضل في المحافظة على هذا السفر الثمين، حيث إن النسخة الثانية احترقت مع ما احترق من المخطوطات العظيمة عندما قام الفاطميون بحرق مكتبة المعصومة عند هجومهم على تبهرت (2).
وأما الشيخ العلامة محمد بن محبوب فإن الشيخ عمروس التقى به عند ذهابه إلى المشرق لأداء مناسك الحج، فسأله عن الكثير من المسائل، حتى قال ابن محبوب: " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال "، والقصة في ذلك مشهورة (3).
والظاهر أن الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس ونشر العلم ويستشف ذلك من بعض النصوص مع غموضها وعدم تصريحها بذلك وليس هنا مقام عرضها (4). وقد اشتغل الشيخ عمروس بالتأليف، فذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إليه، فمن مؤلفاته: كتاب (العمروسي)، وكتاب (أصول الدينونة الصافية)، وكتاب (الحكم والمعارف)، وكتاب (أعلام الملة)، وكتاب (عمروس بن فتح)، وكتابان
(1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 314/ 2 - الشماخي، السير، 199/ 1، 19/ 2 - 20. (1) الدرجيني، مصدر سابق، 323/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 194/ 1 - 195 - الباروني، الأزهار، 253/ 2 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 138 - 139. (9) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الترجيني، مصدر سابق، 321/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 193/ 1 - 191 - الباروني، مصدر سابق، 253/ 2 - مصر، مصدر سابق، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140.
(1) انظر: مهنا السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه، ص 224 231. (1/94)
صفحة 95
اضاء اية حضارية
95
في الأصول والفقه، وكتاب في (الرد على الناكثة واحمد بن الحسين)، وقد أراد الشيخ عمروس أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه: التاويل والسنة والرأي، مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه (1). هذه هي المؤلفات التي تركها الشيخ عمروس، حسب ما ذكرته المصادر، وقد ذهب د النامي إلى الجزم بأنه لم يبق من تراث الشيخ عَمْروس غير رسالتين، هما (أصول الدينونة الصافية)، و (الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين) (2).
وذهب الشيخ فرحات الجعبيري إلى الجزم بوجود (أصول الدينونة الصافية) فقط، وأنه وجد مخطوطته في دار التلاميذ بمدينة العطف بوادي ميزاب، وذكر أن كتاب (أصول الدينونة الصافية) هو القسم الأول من كتاب في الفقه حسب المخطوطة التي وجدها في دار التلاميد (3)، وهذا ما أشار إليه د/ النامي فذكر أن (أصول الدينونة الصافية (قسم من مخطوطة متعددة المحتويات (1) والحقيقة أن الباحث أحمد كروم لم يشر إلى ما ذكره الجعبيري والنامي عند تحقيقه للدينونة ()، ولكن أصحاب معجم أعلام الإباضية ذكروا وجود كتاب (الرد على الناكثة واحمد بن الحسين)، وأنه لا يزال مخطوطا (6).
هذا وللشيخ عمروس فتاوى في مختلف المسائل مبثوثة في بطون الكتب والمؤلفات كالطبقات وغيره، وقد كان - رحمه الله - متمكنا من علم الكلام ومناظرا فحلا تصدى لقمع أصحاب
(1) أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 150 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 8/ 1، 320/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1، 196 - البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 - البفطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش - الباروني، الأزهار، 252/ 2 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، قاء ص 139 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 46، 221 - عمرو خليفة النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقية، (مخ)، مقال منشور في المجلد (15) الحد (1) من مجلة (الدراسات السامية)، 1970 م، ترجمة سلطان بن مبارك الشيباني، ص 20، 21 - الجعيري، البعد الحضاري للمقيدة الإباضية، ص 109 - دليل المؤلفين اللبيين، ص 300 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 المقدمة. النامي، الرد على جميع المخالفين، ص (ي) محققة مرقونة، المقدمة نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 22 المقدمة.
) الجمبيري، البعد الحضاري، ص 109 - الجمبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 34. (1) النامي، وصف مخطوطات إباضية (مخ)، ص 20.
(4)
عروس، مصدر سابق، ص 7 - 08 ص 5643.
) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2، رقم الترجمة: 690. (1/95)
صفحة 96
إضاءات حضارية:
97
العقائد الفاسدة فأفحم حججهم ببراهينه الساطعة، وقد ذكرت المصادر له مناظرات مختلفة كمناظرته لنفات وغيره (1).
(2)
محمد
وقد تولى القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح (ت: 281 هـ / 894 م)، والإمام أبو حاتم يوسف بن: بن أفلح (ت: 294 هـ / 906 م)، حيث كلفه والي جبل نفوسة أبو منصور إلياس بن منصور النفوسي (حي: 161 هـ / 777 م - 281 هـ / 894 م بتولي منصب القضاء ومما يؤثر عنه أنه قال لأبي منصور: " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، والدال على عورات المسلمين. (3). هذا وفي سنة 283 هـ / 896 م تعرضت الدولة الرستمية لهجوم من قبل إبراهيم بن الأغلب ر ت: 289 هـ / 901 م) (4) الذي كان متوجها إلى تبهرت للقضاء عليها، وعندما علم أهل نفوسة بذلك البروا للدفاع عن دولتهم وحوزتهما، فوقعت معركة عنيفة بين الطرفين في مكان
(1)
) انظر: مهنا السعدي، الشيخ عروس ومنهجه، ص 244 - 251. عروس، الدينونة الصافية، ص 16 المقدمة - البنطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 94 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 84/ 1 - الشماخي، المير، 192/ 1 - الباروني، الأزهار، 202/ 2 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ح 2، ق 1، ص 140 - الجعيري، البعد الحضاري، ص 109. بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2، رقم الترجمة 690: بحاز، القضاء في المغرب، ص 176،
111
) البنطوري، مصدر سابق، ص 48 - الدرجيني، مصدر سابق، 321/ 2 الشماخي، مصدر سابق، 193/ 1. معمر، مصدر سابق، ج 1، ح 2، ق 1، ص 141 (1) لقد كان ابن الأغلب - كما يصفه ابن خلدون وكما هو واضح من سيرته وتاريخه الدامي - جائرا ظلوما صفاكا للدماء، وقد عجل الله عليه بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة إذ أنه أصابه اختلال عقلي فأسرف في قتل أقاربه وخدمه، فقتل من خدمه ونسائه وبناته ما لا يحصى، وقتل ابنه أبا الأغلب الظن ظنه به، وافتقد ذات يوم منديلا لشرابه فقتل بسببه ثلاثمائة خادم، ومات شريدا طريدا، ولعمري هذه هي نهاية كل ظالم مفسد قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأَعَذِّبَهُمْ عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصبرين) (سورة ال عمران، آية: 56). انظر: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) 98/20 . (1/96)
صفحة 97
إضاءات حضارية
97
يسمى (قالو) (1)، وقد شارك الشيخ عمروس في هذه المعركة وقد بلغ من الكبر عتيا، حيث إن
الأغلب
4
عمره كان في حدود الثالثة والتسعين، على فرض أنه ولد في سنة 190 هـ / 805 م (2). كان الشيخ عمروس في آخر المعركة يحمي الجيش، ويذود عنه، وكان على فرس سابق، فلم يقدر عليه الأغالبة، وأعياهم أمره (3)، وعندما عجز عنه فرسان الأغالبة، لجأوا إلى الحيلة لنصبوا حيالا في طريقه، فعثر بها فرسه، فأخذوه أسيرا، ومضوا به إلى إبراهيم بن! مسرورين جذلين بما حققوه من أسر الشيخ عمروس (4). وعندما وصلوا به إلى ابن الأغلب، أراد أن يشمت بالمجاهد المؤمن، فقال له: " سلني العفو فاعفو عنك "، فاجاب الشيخ عَمْروس - رحمه الله - إجابة المؤمن بالله حق الإيمان، الواثق به وبوعده حق الثقة: " إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا، ولكن أسألك في سراويلي هذه، لا تكشفوني منه. (5). فحاول أن يفتنه في دينه وعقيدته، فقال له: " إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك "، عند ذلك انتفض الشيخ عمروس انتفاضة الأسد الهصور في أسره، فقال - بملء فيه -: " تلك كلمة لا أقولها حتى الحق بالله. (1).
-
) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 154 الهامش - الدرجيني، طبقات المشائخ، 87/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان، (www.al-eman.com) ، 8/2 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش الباروني، الأزهار، 280/ 2 - مصر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ح 2، ق 1، ص 133. بجاز، الدولة الرستمية، ص 129 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 19 المقدمة.
ذلك سيكون
) من الصعوبة استساغة مشاركة الشيخ عمروس في معركة (مانو) وهو في هذه السن المتقدمة جدا، ولكن كما قلت عند تعرضي لمولد الشيخ عمروس أن في سنة ولادته إشكالية كبيرة وأقوال مختلفة وقرائن متضاربة، وقد ناقشت هذه القضية في كتابي (الشيخ عمروس ومنهجه) باستفاضة فالرجاء الرجوع إليه، وبنيت وجهة نظري على النقاء الشيخ عمروس بأبي غانم الخرساني المتوجه إلى تيهرت لزيارة الإمام عبد الوهاب (ت: 208 هـ) حسبما ذكرت بعض المصادر الإباضية المتقدمة، ولكن قد يكون أبو غانم الخرساني زار تبهرت بعد وفاة الإمام عبد الوهاب أي في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب، فلعل مصادرنا أخطات بذكر الإمام عبد الوهاب بدلا من الإمام أفلح، فإذا صح الشيخ عمروس أصغر سنا عند مشاركته في معركة (مانو)، ولكن يظل هذا مجرد احتمال يفتقر إلى الأدلة!) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 157 - الدرجيني، مصدر سابق، 89/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 229/ 1 - الباروني، مصدر سابق، 282/ 2 - معمر، مصدر سابق، ج 1، ح 2، ق 1، ص 142. (1) ابو زکرياه، مصدر سابق، ص 157 - الدرجيني، مصدر سابق، 89/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 229/ 1 - الباروني، مصدر سابق، 282/ 2 - 283 - معمر، مصدر سابق، ج 1، ح 2، ق 1، ص 142. (1) ابو زکرياه، مصدر سابق، ص 157 - الدرجيني، مصدر سابق، 89/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 229/ 1 الباروني، مصدر سابق، 283/ 2 معمر، مصدر سابق، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142.) مصر، مصدر سابق، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 143. (1/97)
صفحة 98
98
إضاءات حضارية:
عندما رأى ابن الأغلب هذه القوة من الشيخ عمروس، وهذا اليقين بالله تعالى، بدأ يسلك معه مسلك العنف والقمع فأمر بقرضه بمقاريض من حديد، فبدأوا يقرضون يديه فلما بلغوا عضديه، بعد أن ظلوا طويلا يقطعون يديه، و دماؤه تسيل، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها (1)، نعم فاضت روح البطل، فاضت روح المجاهد، فاضت روح العالم الورع، لتفوز بوعد مولاها: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وروي أن عدد القتلى من الإباضية كان اثني عشر ألفا، أربعة آلاف نفوسة.، وثمانية من البربر وغيرهم، وعدد الأسرى ثمانين عالما، وكان عدد الشهداء من العلماء أربعمائة عالم فقيه، حتى أنه لم يبق بعدهم عالم يفتي في النوازل بجبل نفوسة غير عالمين، هما أبو القاسم سدرات بن الحسن البغوري (ت: 313 هـ / 925 م)، وأبو محمد عبد الله بن الخير الولزَرِيفِي (3)، قال الشماخي: " فكانت في الإسلام فلة لم تترقع إلى يومنا هذا. (4)، فالله المستعان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكانت أخته المجاهدة من ضمن من شارك في هذه المعركة، مع مجموعة من المجاهدات الإباضيات، إلا أن الأغالبة أخذوهن أسيرات، وكانوا لا يتورعون عن الاعتداء على النساء فخافت أخت الشيخ عمروس أن يتعرضن للاعتداء من قبلهم، فاقتت لهن أن تستخلف كل واحدة منهن عن نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء، محافظة على عرضهن وشرفهن
آلاف ممن كان معهم من
(0)
(1) ابو زکرياه، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 89/ 1 - الشماخي، السير، 229/ 1 - الباروني، الأزهار، 283/ 2 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ج 2، ق 1، ص 142. (1) سورة آل عمران، آية: 199، 170.
) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 157 - الدرجيني، مصدر سابق، 89/ 1 - الشماخي، مصدر سابق، 228/ 1
229
(1) الشماخي، مصدر سابق، 229/ 1. (1) اين اولئك الذين ينعتون الإباضية بالخوارج، ويتهمونهم باستباحة دماء المسلمين، وغنم أموالهم وسبي ذراريهم، من جرائم الأغالبة، فهل كان الأغالبة من الإباضية؟!، ومن هو الذي يستحق أن ينسب إليه تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم، وغنم أموالهم، وسبي ذراريهم؟، فلماذا هذا التعامي عن الحقيقة؟!، ولماذا هذا الكيل بمكيالين؟!، ولماذا يتهم الإباضية بما هم برينون منه، وتاريخهم النظيف شاهد عليهم، ويتعامي عن المتهم الحقيقي؟! مع أن جرائم ابن الأغلب مذكورة في كتب أهل السنة، ولا يستطيعون إنكارها، فأين الإنصاف؟! (1/98)
صفحة 99
إضاء انت حضارية
99
من الانتهاك (1)، فلله دركن ما أورعكن وأطهر كن، وحري بنات الإسلام في هذا الزمان وكل زمان أن يتأسين بكن، في صلاحكن وتقواكن وجهادكن في سبيل الله، والحقيقة أن المصادر لم تذكر مصيرهن بعد ذلك، هل كتبت لمهن النجاة، أم تعرضن للتعذيب والقتل مثلهن مثل الرجال.
(2)
وهكذا طويت صفحة هذا الإمام الجليل، بعد أن سطرها بعظائم الإنجازات، فقضى سنوات عمره الطويلة، بين طلب العلم وحلقه، وبين الأوراق قراءة وتأليفا وتصحيحا، وفي مجالس المناظرة حوارا ونقاشا وتفنيدا، وعلى أرض المعارك رافعا راية الإسلام ذابا عن حياض العقيدة، حتى كلل جهده بالظفر بما يطمع به كل مؤمن، وهو الفوز بالشهادة،، فكانت خاتمة له رحمه الله تعالى، وأسكنه أعالي فراديس الجنان مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (3).
حسن
) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 107 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الباروني، الأزهار 283/ 20 - معمر، الإباضية
في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142.
(1) المزيد اطلاع حول حياة وسيرة هذا الإمام الجليل انظر كتابي: الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال
كتاب أصول الدينونة الصافية. سورة النساء، من الآية: 69. (1/99)
صفحة 100
[صفحة فارغة] (1/100)
صفحة 101
(6)
الشَّيْخُ سَالِمُ بْنُ يَعْقُوب
مؤرخ فِي سُطُور (1/101)
صفحة 102
[صفحة فارغة] (1/102)
صفحة 103
الشَّيْخُ سَالِمُ بن يَعْقُوب مؤرخُ فِي سُطُور)
(1)
(1)
هو الشيخ العلامة المؤرخ سالم بن محمد بن يعقوب من جزيرة جربة بتونس (ر بن يعقوب (قبيلته، وهي قبيلة معروفه بجربة (3)، ولد بحومة غيزن بحربة في سنة 1321 هـ /
1903 م (4).
بدأ حياته بممارسة التجارة في مدينة بنزرت الليبية، وبقي أميا إلى سن التاسعة عشرة (4)، وكان يرغب في طلب العلم ويشتاق لذلك، فتدارك أمر نفسه بسرعة فالتحق بدروس الشيخ عمر بن مرزوق - من كبار المصلحين بجربة آنذاك - يجامع (الباسي) بحومة والغ بجربة في سنة 1341 هـ / 1923 م، وأخذ مبادئ العلوم على يديه، ثم رحل إلى تونس ميمما شطر جامع الزيتونة العريق، وأقام في مدرسة الإباضية بالهنتاتي بسوق اللفة، فكان يتنقل بين حلق العلم بجامع الزيتونة منتقيا ما يطيب له منها، وذلك أنه لم يكن مسجلا في دفاتر الجامع، وكان الشيخ محمد الزغوني والشيخ الماجري من أبرز أساتذته بجامع الزيتونة، وقد كان كذلك يتلقى دروسا خاصة على شيخ الإباضية بتونس العلامة محمد بن صالح الثميني، الذي كان مشرفا على الإباضية الجزائرية بتونس، ويمتلك مكتبة الاستقامة القريبة من جامع الزيتونة، وقد كانت دروس الشيخ
) نشر هذا المقال سابقا في: جريدة الوطن العمانية، الاثنين 17 من شعبان 1424 هـ / 13 من أكتوبر 2003 الحد (7393)، السنة 33، على
هذه الوصلة:
http://www.alwatan.com/graphics/ .. /oct/,/dailyhtml/deen.html
موقع الأمل المشرق (www.alami.net) .
شبكة أهل الحق والاستقامة) www.ibadhiyah.net) . موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) .) الجعيري، البعد الحضاري، ص 85 هامش رقم (149) - سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي، علماء جربة، ت: محمد قوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1998 م، III هامش رقم (1) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 117/ 2 - 118 رقم الترجمة: 366 - اتصال هاتفي مع الشيخ أحمد مهنى مصلح مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان، الثلاثاء 4 من شعبان 1424 هـ / 30 من سبتمبر 2003 م، الأربعاء 5 من شعبان 1424 هـ / 1 من أكتوبر 2003 م.) اتصال هاتفي مع الشيخ أحمد مهني مصلح.
(1) الجعيري، مصدر سابق، ص 85 هامش رقم (149) - بحار وآخرون، مصدر سابق، 117/ 2 - 198، رقم
الترجمة: 366. (1) الجعيري.، مصدر سابق، ص 85 هامش رقم (149) - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 197/ 2 - 198، رقم الترجمة: 366. (1/103)
صفحة 104
إضاءات حضارية
104
الثميني ليلية محورها كتاب (جامع أركان الإسلام (للشيخ العلامة سيف بن ناصر الخروصي
(2)
ت: 1341 هـ / 1923 م)) (1)، وكتاب (شرح النيل) لقطب الأئمة محمد اطفيش ظل في تونس لمدة خمس سنوات (1347 هـ / 1929 م - 1352 هـ / 1934 م)، ثم انتقل إلى جامع عريق آخر بالمشرق العربي وهو جامع الأزهر بمصر، ناهجا فيه نفس نهجه في جامع الزيتونة، وبقي في أحضانه لمدة خمس سنوات (1352 هـ / 1934 م - 1357 هـ /
(3)
1939 م) (3).
وقد أشار إلى أمر دراسته بالزيتونة والأزهر بنفسه في مقدمة كتابه (تاريخ جزيرة جربة) حيث قال: " وإني في هذا البحث أدرس بعض جوانب هذا التاريخ بجزيرة جربة، هذا التاريخ الذي جمعته من أوراق متفرقة ورسائل مبعثرة في خزائن الكتب القديمة بجربة وتونس والقاهرة أثناء بحثي الموسع عن التراث الإباضي أيام دراستي بجامع الزيتونة (1929 - 1934 م) وبالجامع الأزهر (1934 - 1939 م) 0 (4).
وقد ذهب أصحاب معجم اعلام الإباضية إلى أنه ظل في الزيتونة لمدة ثلاث سنوات (1347 هـ / 1929 م - 1351 هـ / 1933 م)، وظل في الأزهر لمدة خمس سنوات (1351 هـ / 1933 م - 1356 هـ / 1938 م) ()، وذهب الشيخ فرحات الجعيري إلى أنه ظل في تونس لمدة خمس سنوات (1346 هـ / 1927 م - 1351 هـ / 1933 م) وفي مصر أيضا لمدة خمس سنوات (1351 هـ / 1934 م - 1357 هـ / 1938 م) (1)، والحقيقة أن هذه التواريخ التي ذكرها كل من أصحاب المعجم والشيخ الجعبيري
(1) انظر ترجمة الشيخ سيف بن ناصر الخروصي العماني في: الإرشاد في شرح مهمات الاعتقاد، سيف بن ناصر بن
سليمان الخروصي، ج 1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط، سلطنة عمان، ا: 1420 هـ / 1999 م، ص 9 - 10، ترجمة المؤلف. (1) الجعيري، البعد الحضاري، ص 85 هامش رقم (149) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 167/ 2 - 198، رقم الترجمة: 366. الجميري، مصدر سابق، ص 85 هامش رقم (149) - بجاز وآخرون، مصدر سابق، 167/ 2 - 168، رقم
الترجمة: 366. (1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، القاهرة، مصر، 1986 م، ص 12.
(1) بحار وآخرون، مصدر سابق، 118/ 2، رقم الترجمة: 366.
(1) الجعيري، مصدر سابق، ص 85 هامش رقم (149). (1/104)
صفحة 105
إضاءات حضارية
1.0
غير دقيقة وفيها تناقض، والذي يظهر أن الأصح ما ذكره الشيخ سالم بن يعقوب بنفسه عن مدة
مكوله في الزيتونة والأزهر كما مر في النص الذي نقلناه عنه، والمرء أدرى من غيره بتاريخه. وقد كان في فترة دراسته بالأزهر ينهل من معين علماء الأزهر، وكذلك كان يتردد على الشيخ العلامة أبي إسحاق إبراهيم اطفيش طلبا للعلم، حيث إن الثاني كان موجودا بمصر بسبب لفيه من الجزائر من قبل الاستعمار الفرنسي (1). وقد كان الشيخ سالم يسكن وكالة الجاموس بطولون من مصر، ويقضي معظم وقته في الاستنساخ، فنسخ من مخطوطات مكتبة الإباضية بوكالة الجاموس نصيبا وافرا، كما نسخ عدة نصوص من المكتبة الوطنية بالقاهرة، فجمع بعد ذلك مكتبة ثرية بمقر سكناه بحومة غيرن بجربة قل لها مثيل، وصفها الشيخ الجعبيري بقوله: " وزائر مكتبته بغيزن يتبين أنها جامعة من كل شيء بطرف خاصة في كل ما له صلة بالإباضية من قريب أو بعيد، وقد أشار الشيخ سالم بن
(T)
(").
يعقوب إلى اشتغاله بالنسخ وجمع التراث بنفسه في النص الذي ذكرناه عنه أعلاه. وعندما عاد إلى وطنه جربة اشتغل في الفلاحة، وعكف على التدريس والوعظ والإرشاد بعدة مساجد منها: جامع الشيخ بحومة السوق، وجامع الملاق بوالغ، وجامع بني داود بصدغيان، وجامع ثلاكين بغيزن، وقد كان أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر حتى أنه هدد عدة مرات بالقتل من أصحاب المنكر (4).
وكان كذلك محققا في التاريخ، وبخاصة في سير الإباضية، فاتخذه الباحثون قبلة ينهلون من علمه ويستفيدون منه، ومن أبرز تلاميذه: الشيخ /د فرحات الجعيري، وقاسم قوجة، والصادق بن مرزوق، ويوسف الباروني (4).
(1) الجعيري، البعد الحضاري، ص 86 هامش رقم (149) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 118/ 2، رقم الترجمة: 366. (1) الجعيري، مصدر سابق، ص 86 هامش رقم (149) - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 198/ 2، رقم الترجمة: الجسيري، مصدر سابق، ص 86 هامش رقم (149). (1) الجسيري، مصدر سابق، ص 86 هامش رقم (149) - بحاز واخرون، مصدر سابق، 198/ 2، رقم الترجمة: (1) الجسيري، مصدر سابق، ص 86 هامش رقم (149) - باز وآخرون، مصدر سابق، 198/ 2، رقم الترجمة:
216 (1/105)
صفحة 106
1.7
إضاءات حضارية
ويعد الشيخ سالم آخر عضو من أعضاء حلقة العزابة بجربة (1)، فهو " بقية السلف الصالح.
(2)
كما وصفه تلميذه الشيخ فرحات الجعبيري)، ويذكر الشيخ الجعبيري أنه أخذ عن الشيخ سالم كل ما يتعلق بالإباضية، ووصفه بقوله: " ... وما رأيت من أهل العصر من هو أكثر منه إلماما بخفايا تاريخ الإباضية. (3).
وللشيخ سالم - رحمه الله - العديد من الأعمال والمؤلفات منها: (تاريخ جزيرة جربة) يقع في ثلاثة أجزاء، وقد نشر الجزء الأول، والثاني تحت الطبع، والثالث لا يزال مخطوطا؛ ومن أعماله تحقيقه لكتاب (بدء الإسلام وشرائع الدين (لابن سلام، وقد اشترك معه في ذلك المستشرق الألماني شفارتز، وقد تم نشره من قبل دار صادر بيروت، وقامت دار اقرأ ببيروت بنشر الكتاب في طبعة غير شرعية تحت عنوان محرف وهو: (الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية)، ومن أعماله) دروس عن تاريخ جربة) القيت في سنة 1384 هـ / 1964 م ولا يزال مخطوطا؛ ومن أعماله كذلك (تقييدات عن نشأة الإباضية)، و (تقيدات عن تراجم بعض علماء الإباضية)، و (تقييدات عن المدارس العلمية بجربة)، وهذه الأعمال الثلاثة لا تزال مخطوطة؛ وله أعمال أخرى (4).
وقد ذكر أصحاب المعجم أنه توفي في سنة 1408 هـ / 1988 م (6)، وذكر محمد قوجة - محقق كتاب (علماء جربة) للشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي - أنه توفي في ليلة الأحد 1411/ 7/12 هـ الموافق 27 من يناير (1991 م (1)، والظاهر أن ما ذكره الباحث محمد قوجه هو الأرجح حيث إنه من جزيرة جربة، وجاء بالتاريخ مفصلا باليوم والشهر والعامين الهجري والميلادي، وكذلك والده مقرب جدا من الشيخ سالم كما حدثنا شيخنا أحمد مصلح (2)، وقد كان عمره عند وفاته 88 عاما تقريبا والله أعلم.
+
(1) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 198/ 2، رقم الترجمة: 366.
(1) الجعيري.
البعد الحضاري، ص 86 هامش رقم (149).
) الجسيري، مصدر سابق، ص 86 هامش رقم (19). (1) بحاز واخرون، مصدر سابق، 198/ 23، رقم الترجمة: 366. (1) بحار وآخرون، مصدر سابق، 198/ 2، رقم الترجمة: 366. (1) الحيلاتي.، علماء جربة: III هامش رقم (1).
(2) اتصال هاتفي مع الشيخ أحمد مهني مصلح. (1/106)
صفحة 107
(7)
المحدِّث بكر بن حماد
شاعر تيهرت (1/107)
صفحة 108
[صفحة فارغة] (1/108)
صفحة 109
المُحَدِّث بكر بن حَمَّادٍ شَاعِرُ تَيْهَرْت)
من ضمن البحوث التي تضمنها هذا الكتاب بحث تحدثت فيه عن الدولة الرستمية (160 هـ / 776 م - 296 هـ / 908 م (تحت عنوان: (الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ) (2)، وقد تناولت فيه لمحة موجزة عن العديد من جوانب هذه الدولة العظيمة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الحضارية أو الثقافية أو الاجتماعية. لقد الجبت هذه الدولة العديد من الأعلام الذين نبغوا في مختلف الجوانب، ومن هذه الجوانب الساحة الشعرية والأدبية، ولعل من أبرز شعراء هذه الدولة إمامها الثالث أفلح بن عبد الوهاب (حكم: 208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م)، فقد كان شاعرا فحلا أبدع في نظم القريض، فمما قاله في الحث على العلم قصيدة رائية تقع في أربعة وأربعين بيتا (، يقول في
مطلعها
(4)
العلم أبقى لأهل العلم آثارا يريك أشخاصهم روحا وأبكارا حي وإن مات ذو علم وذو ورع ما مات عبد قضى من ذاك أوطارا
ويقول (5):
اشدد إلى العلم رحلا فوق راحلة وصل إلى العلم في الآفاق أسفارا
(1) نشر هذا البحث سابقا في:
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
شبكة أهل الحق والاستقامة (www.ibadhiyah.net) . موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) . (1) انظر المقال رقم (8) من هذا الكتاب.
قام أحد الشعراء العمانيين بتشطيرها، وهو الرحالة الأديب الشيخ علي بن أحمد العماني عاش في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، وتوفي في السودان في رحلة من رحلاتها وقد أورد ابن النظر القصيدة بدون تشطير في كتابه الدعائم، ويذكر الكماك أن القصيدة هي من ديوان الأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات (انظر: ابن النظر، الدعائم ص 132 - 136 نقلا عن بحاز، الدولة الرستمية، ص 270 الهامش - الباروني، الأزهار: 189/ 2 - الكمالك، موجز التاريخ العام، ص 215 نقلا عن: بحاز، مصدر سابق، ص 270 الهامش).
(1) الباروني، مصدر سابق، 190/ 2 - بحاز، مصدر سابق، ص 360. (1) الباروني، مصدر سابق، 191/ 2 - بحاز، مصدر سابق، ص 360. (1/109)
صفحة 110
إضاءات حضارية
110
وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على شاعر من فحول شعراء الدولة الرستمية، ترك الكثير من غرر القصائد التي أبدع في سبك أبياتها متناولا فيها مختلف أغراض الشعر، ليس هذا فحسب بل كان عالما بالحديث وتمييز الرجال كما سيأتي، فمن هو شاعرنا؟
أول ما تعرفت على شاعرنا تعرفت عليه من خلال أبيات جميلة له يصف فيها شدة البرد وكثرة الغيوم والثلج في تيهرت يقول فيها (1):
ما أخشن البرد وريعانه وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من القيم إذا ما بدت كافا تنشر من تخت (2)
النحن في بحر بلا لجة تجري بنا الريح على السمت (3) نفرح بالشمس إذا ما بدت كفرحة الذمي بالسبت
و شاعرنا هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سمك (وقيل ابن سهر) بن إسماعيل الزناتي التيهرلي، ولد بتيهرت سنة 200 هـ / 815 م، وبها توفي سنة 296 هـ / 908 م، له رحلة إلى الشرق بدأها سنة 217 هـ / 832 م، سمع فيها الفقهاء، وجابه العلماء.
كان عالما بالحديث وتمييز الرجال ثقة مأمونا ثبتا صدوقا إماما حافظا، سمع بالقيروان قبل رحلته إلى المشرق من القاضي عبد السلام بن سعيد التتوخي الملقب بسحنون (ت: 5240/ 854 م) قاضي افريقية، وفي البصرة لقي مسدد بن مسرهد الأسدي المحدث بالبصرة، وعمرو بن مرزوق، وجماعة من العلماء، وكتب عن مسدد مسنده ورواه عنه بتهرت.
(6)
ومما يحكى عن بكر بن حماد في الحديث ما رواه القرطبي في تفسيره، واقتبسه منه المقري في (نفح الطيب)، يقول القرطبي: " وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مُسَدّد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس،
(")
الدرجيني.
طبقات المشائخ، 43/ 1 ياقوت الحموي، معجم البلدان، موقع الوراق) www.alwaraq.com). ص 397 - الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار البعث، الجزائر، ط 2: 1423 هـ / 2002 م، ص 33 - 34 وانظرها كذلك في نفس الكتاب، طبعة دار بو سلامة، تونس، 28/ 2.) التخت: وعاه تصان فيه الثياب، فارسي، وقد تكلمت به العرب (انظر: ابن منظور، لسان العرب، تخت).) المنت: الطريق، يقال: الزم هذا المنت: والسنت: المنير على الطريق بالظن، وقيل: هو السير بالخنس والظن على غير طريق (انظر: ابن منظور، مصدر سابق، سمت). (1) انظر: المتري، نفح الطيب، 18/ 2 - 19، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 309. (1/110)
صفحة 111
إضاءات حضارية
+
(1).
111
+
(T).
فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مُسَدّد، فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قدم عليه قوم من مُضَرَ من مُجْتَابِي النِّمَار (، فقال: إنما هو مُجْتابي الثمار؛ فقلت إنما هو مُجْنابي النمار؛ هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق، فقال لي: بدخولك العراق لعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا. ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ – لشيخ كان في المسجد - فإنه له بمثل هذا علما، فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مُجْتَابِي النَّمَارِ، كما قلت. وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة، جيوهم أمامهم. والنمار جمع ثمرة. فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: رغم ألفي للحق، رغم ألفي للحق وانصرف. وهذه القصة تدل على مدى تواضع بكر بن حماد، وإذعانه للحق إذا ما تبين له، يقول المقري معلقا على هذه القصة: " هذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين رحمهما الله تعالى. وقد أورد ابن عبد البر (ت: 463 هـ / 1070 م) الكثير من الأحاديث برواية بكر بن ذلك مثلا قوله: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا بكر بن حماد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن مالك قال: حدثني إسحاق بن عبد الله قال: حدثتني امرأتي حميدة قالت: حدثتني كبشة ابنة كعب بن مالك قالت: رأيت أبا قتادة توضا ثم أصغى إناءه للهرة، قالت: فنظر إلى فقال: أتعجبين؟ سمعت رسول الله لا يقول: " انها ليست بنجس من الطوافات عليكم والطوافين؛ وقوله: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا بكر بن حماد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى القطان عن عبيد الله: بن عمر قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك
حماد
، من
أنها
(3).
(1)
محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طه: 1417 هـ / 1996 م، ص 197. (1) المقري، نفح الطيب، 48/ 2، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 309. (7) يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، التمهيد، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م، 319/ 1. (1/111)
صفحة 112
إضاءات حضارية
112
وتفرقا على ذلك، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه. (1). ولقد ذكره العلامة المحقق أبو يعقوب الوَارِجلاني (ت: 570 هـ / 1174 م) في سلسلة حديث ساقه في كتابه (الدليل والبرهان)، حيث قال: " وروى عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا: أخبرنا قاسم بن أصغر قال: أخبرنا بكر بن حماد قال: أخبرني بشر بن حجر قال: أخبرنا جرير بن عبد الله الواسطي، عن عطاء يعني ابن السائب عن أبي البحتري عن علي قال: (إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه، فيعمل يعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة .. فإن كنتم ولابد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء - (2).
وكان بالإضافة إلى علمه بالحديث عالما بتمييز الرجال، يعتمد على أقواله فحول هذا العلم، فمن ذلك مثلا ما ذكره عنه ابن حجر في ترجمته لبهلول بن عمر الفَرْدَمي .. قال بكر بن حماد أكره أن أفصح بالرواية عنه لزهادة الناس فيه. (3).
:
ومثال آخر ما نقله عنه العجلي صاحب كتاب (معرفة الثقات (في توثيقه محمد بن معاوية الأطرابلسي: " ... وقال بكر بن حماد التاهرتي وكان من أئمة أصحاب الحديث رأيت محمد بن
(1) ابن عبد البر، التمهيد، 282/ 2. (1) هذا الأثر أصله حديث نبوي رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب (6)، حديث رقم
(3208)، من طريق عبد الله بن مسعود قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - قال: «إن أحدكم
يُجمع خلقة في بطن أمه أربعين يوما ... ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا نراع، فيسبق عليه كتابة يعمل بعمل أهل النار. ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة»، وبهذا اللفظ في كتاب أحاديث الأنبياء، باب (1)، حديث رقم (3332)، وكتاب القدر، باب (1)، حديث رقم (6594)، وكتاب التوحيد، باب (27): حديث رقم (7454)، ورواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب (1)، حديث رقم (1)، من طريق عبد الله بن مسعود بنفس اللفظ، وحديث رقم (2651) من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عملة بعمل أهل النار. وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عملة بعمل أهل الحنة» (انظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط: 1421 هـ / 2000 م، 373/ 6 4470 - 118، 1083/ 11، 540/ 13 - يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2: 1424 هـ / 2003 م 156/ 160 - 158، 163).) أحمد بن علي بن حجر، لسان الميزان، ج 2، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان،، الأردن،
1419 هـ / 1999 م، ص 17. (1/112)
صفحة 113
إضاءات حضارية
113
(3) ?
معاوية ثقة ثبتا وكان صاحب آداب ومعرفة بلغة العرب متقدما في ذلك.، ونلاحظ كيف أن
العجلي وصف بكرا بأنه من أئمة أصحاب الحديث.
بن
وقد أخذ الحديث عنه عدد من العلماء منهم: القاسم بن أصبغ الذي كتب مسند مُسَدّد: مسرهد عن بكر، ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعَافِرِي الأندلسي، ومنهم ابنه عبد الرحمن بن بكر بن حماد، وقاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي.
ويذكر الشيخ سليمان باشا الباروني أن مذهب ابن حماد مشكوك فيه إما أن يكون إباضيا أو صفريا (3)، إلا أن الراجح أنه غير إباضي، واستبعد كوله صفريا، إذ لم يذكر أحد غير الباروني هذا الاحتمال، إذ إن من عادة علماء الجرح والتعديل عند ترجمتهم لراو معين الإشارة إلى مذهبه خاصة إذا كان إباضيا أو صفريا أو شيعيا، ولم ألاحظ هذا في ترجمة بكر بن حماد، والذي يظهر لي أنه ينتمي إلى أحد المذاهب السنية، فلعله كان مالكيا حيث إنه من إفريقية، والمذهب المالكي ظهر في الفريقية في فترة متقدمة جدا، وكانت دولة الأغالبة (184 - 296 هـ / 800 - 909 م) هي الحاضنة له مع المذهب الحنفي، ثم ذاع صيت المذهب المالكي بافريقية مع ظهور القاضي سحنون، الذي تولى القضاء بالقيروان في سنة 234 هـ / 848 م في عهد محمد بن الأغلب (حكم: 226 - 242 هـ / 840 - 856 م) (3)، وسحنون يعد إمام المالكية بالمغرب بلا منازع وكل من جاء بعده تلميذ له وعنه تلقى علمه (4)، وبكر ممن سمع عن سحنون قبل رحلته إلى المشرق كما ذكرت سابقا، فلعله تبعه في مذهبه.
(1) احمد بن عبد الله العجلي الكوفي، معرفة الثقات، تح: عبد العليم البستوي، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م، ص 254. (1) الباروني، الأزهار، 90/ 2 (9) إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، ج 3، مركز التراث الحاسب الآلي، عمان، الأردن، الإصدار الثاني: 1421 هـ / 2000 م، ص 322 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان
98/ 20 (www.al-eman.com (
(4) ابن كثير، مصدر سابق، 323/ 3. (1/113)
صفحة 114
إضاءات حضارية:
114
أضف إلى ذلك أن ابن عبد البر يورد في كتابه (التمهيد (الكثير من الأحاديث من رواية بكر بن حماد، وابن عبد البر مالكي المذهب من قرطبة (1)، فلعل سبب اهتمامه يجمع الأحاديث من رواية بكر كون الأخير مالكي المذهب. والحقيقة أن أبا يعقوب الوارجلاني لم يتعرض لمذهب بكر بن حماد حينما ذكره في سلسلة حديث ساقه في كتابه (الدليل والبرهان (كما مر آنها. وقد نبغ بكر بن حماد في الشعر أيما نبوغ ونظم قصائد جيدة في اغراض مختلفة كالوصف والمديح والهجاء والرثاء والاعتذار والزهد والوعظ.
وشعر ابن حماد مبعثر بين صفحات الكتب وثنايا المخطوطات، وقد بذل الأستاذ محمد شاوش جهده في جمع ما استطاع من شعره من مختلف المصادر التي تمكن من الحصول عليها، فعثر بعد البحث الطويل المستمر حسبما يذكر على نحو المائة وعشر (110) أبيات من شعره لا غير، هذا ولم يقطع الأمل في اكتشاف غيرها في المستقبل، ويذكر أحد سكان ولاية تيهرت في عصرنا هذا أن إمام جامع تيهرت المتولى قبل سنوات عثر في تركيا على ديوان شعر لبكر بن حماد. ولعل جودة شعر ابن حماد تعود إلى ترحاله المستمر، حيث رحل إلى المشرق كما ذكرنا وهو شاب فالتقى هناك بفطاحل شعراء القرن الثالث الهجري مثل دعبل الخزاعي، وأبي تمام الطائي، وعلي بن الجهم، فكان لهذه الرحلة التأثير الأكبر على فكره واستعرابه، كما أن دراسته في القيروان أتاحت له فرصة للاختلاط بأناس كانوا عريقين في عروبتهم.
ويصنف الأستاذ بونار ابن حماد في الشعراء المطبوعين، وهم قلة، فيقول: " إن هذه الشخصية هي أنبغ شخصية في الشعر الغنائي بالمغرب العربي عامة، ولا نجد نظيرها في عمق تفكيرها وأصالتها البيانية وامتلاكها لموهبة شعرية محترمة إلا في الأندلس. ويحق لمؤرخ الأدب في هذا العصر أن يصرح بأن ظهور بكر بن حماد في القرن الثالث ... هو أكبر مفخرة للأدب
العربي المغربي
(2).
(1) محمد بن طاهر بن القيسراني، تذكرة الحفاظ، ج 3، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن،
1419 هـ / 1999 م، ص 1130 (1) انظر ما سبق: بحاز، الدولة الرستمية، ص 308 - 309، 361 393 بتصرف. (1/114)
صفحة 115
إضاءات حضارية
115
وأما الباروني فإنه يصفه بقوله: " ... العلامة الأديب صاحب النظم العجيب والإنشاء الغريب المشهور في الشرق والغرب بين أرباب العلم والأدب ... بكر بن حماد بن سهل بن أبي
اسماعيل الزناتي
(1).
ونذكر هنا بعض الأبيات لشاعرنا فمن ذلك ما قاله معتذرا من الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (حكم الدولة الرستمية: 281 هـ / 894 م - 294 هـ / 906 م) عن خطى
ارتکيه (2):
ومؤنسة لي بالعراق تركتها وغصن شبابي في الغصون نضير فقالت كما قال النواسي قبلها عزيز علينا أن نراك تسير فقلت جفاني يوسف بن محمد فطال على الليل وهو قصير أبا حاتم ما كان ما كان بغضة ولكن أنت بعد الأمور أمور فاكرهني قوم خشيت عقابهم قداريتهم والدائرات تدور
وأكرم عفو يؤثر الناس أمره إذا ما عفا الإنسان وهو قدير وقد اشتهر ابن حماد بشعر الزهد والتصوف حتى شبه بأبي العتاهية اعتقادا منهم أنه تأثر به أثناء رحلته إلى المشرق، فمن شعره في الزهد (3):
قف بالقبور فناد الهامدين بما من أعظم بليت فيها وأجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم من الوصال وصاروا تحت أطواد راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا فلن يروحوا ولن يغدو لهم غادي والله والله لو ردوا ولو نطقوا إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد ويقول في نفس القصيدة: أين البقاء وهذا الموت يطلبنا هيهات هيهات يا بکر بن حماد بينا (4) ترى المرء في لهو وفي لعب حتى تراه على نعش وأعواد
(1) الباروني، الأزهار، 90/ 2.
(1) البرادي، الجواهر (مخ)، ص 206 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 363 - 364.) الباروني، مصدر سابق، 95/ 2 - بحاز، مصدر سابق، ص 364. (0) بينا: أي بين، فأشبع الفتحة فحدثت بعدها ألف، ومن ذلك ما أنشده سيبويه: - (1/115)
صفحة 116
إضاءات حضارية
إلى أن قال:
في كل يوم نرى نعشا نشيعه فرائح فارق الأحباب أو غادي
الموت يهدم ما تبنيه من فرح فما انتظارك يا بكر بن حماد؟
116/
وكان كثير العلاقة بالملوك والأمراء، يمدحهم ويهجوهم حتى كان ينال منهم ما يرجوه، وقد هجا الخليفة العباسي المعتصم، بالرغم من أنه وصله بصلات جزيلة، كما وصله الأمراء الأغالية والأدارسة (1)، فمما قاله مادحا أبا العيش عيسى بن إدريس العلوي (2):
سائل زواغة عن طعان سيوفه ورماحه في العارض المتهلهل
و ديار نفزة كيف داس حريمها والخيل تمرغ في الوشيج الذبل غشى مغيلة بالسيوف مذلة وسقى جراوة من نقيع الحنظل وقال أبيانا إلى المعتصم يحرضه فيها على دعبل (3): ايهجو أمير المؤمنين ورهطه ويمشي) على الأرض العريضة دعبل أما والذي أرسى ثبيرا مكانه لقد كادت الدنيا لذاك تزلزل ولكن أمير المؤمنين بفضله يهم فيعفو أو يقول فيفعل
فعاتبه حبيب فيه وقال له: قتلته والله يا أبا بكر)؛ فقال: وعاتبني فيه حبيب وقال لي لسانك محذور وسمك يقتل واني وإن صرفت في الشعر منطقي لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
فبينا نحن تركبه، أتانا معلق وقضة، وزناد راع
انظر: ابن منظور، لسان العرب، بين). (1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 365. (1) الباروني، الأزهار، 90/ 2) الباروني، مصدر سابق، 91/ 2
) في الأصل (ويشي) ولعله خطأ مطبعي، وربما الأصح (ويمشي)، فيتضح بذلك معنى البيت. (1) لا ادري لماذا قال: أبا بكر، بالرغم أن اسمه بكر بن حماد، فهل هو خطأ مطبعي أو بسبب النساخ، أم أنه يوجد خلاف في اسمه؟ الله أعلم. (1/116)
صفحة 117
117:
إضاءات حضارية هذا ولما عاد إلى المشرق قصد القيروان فوشي به إلى صاحبها، فهرب وكان معه ابنه عبد الرحمن، فاعترضهم في الطريق بعض اللصوص واعتدوا عليهما فجرحوه وقتلوا ابنه، فتأثر كثيرا لفقد ابنه، وجاشت قريحته بروائع القصائد في رثاء ابنه معبرا فيها عما يعتلج في صدره من اللوعة والحسرة لفقدان ولده، فمن ذلك قصيدة طويلة قال في مطلعها (1): بكيت على الأحبة إذ تولسوا ولو أني هلكت بكوا عليا فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا وفقدك قد كوى الأكباد كيا كفا حزنا بأني منك خلو وأنك ميت وبقيت حيا
ولم أك آيا فينست لما رميت التراب فوقك من يديا وقد اختلف في سنة وفاته فذهب إبراهيم طلاي - محقق طبقات المشائخ – إلى أنه توفي في
(T)
-
سنة 292 هـ / 904 م، ولم يذكر المصادر التي اعتمد عليها)، والدكتور بخاز يذكر أنه تولي في 296 هـ / 908 م (3)، ولعله الأصح، حيث إن الشيخ الباروني ذكر أن وفاته كانت سنة 296 هـ / 908 م بقلعة ابن حمة بجولي مدينة تيهرت، وهو ابن سنة وتسعين سنة، ناقلا
ذلك عن المراكشي)
(6)
(1) أنظر بقيتها في: الباروني، الأزهار، 92/ 2. (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 43/ 1 الهامش.) بحار، الدولة الرستمية، ص 308. (1) الباروني، مصدر سابق، 97/ 2. (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
(A)
الدولة الرستمية
دَوْلَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ تَجَاهَلَهَا التَّارِيخ (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
إضاءات حضارية
121
الدَّوْلَةُ الرَّسْتُمِيَّةُ دَوْلَةٌ إِسْلَامِيَّةِ تَجَاهَلَهَا التَّارِيخ)
تمد مدت
لقد سمعنا عن الكثير من الدول الإسلامية التي نشأت وسقطت على مر التاريخ الإسلامي، كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية بالمشرق، والدولة المدارية والإدريسية والفاطمية بالمغرب: وغيرها من الدول الإسلامية الأخرى التي فصل التاريخ في ذكرها.
وهذه الدول لها إيجابياتها ولها سلبياتها، وقد قدمت للأمة الإسلامية محاسن، إلا أنها كذلك لم
تخل من المساوئ التي نجدها عند قراءة تاريخها، وهذه طبيعة البشر القصور عن الكمال. إلا أن هناك دولا إسلامية قامت ونشات واستمرت ردحا من الزمن إلى أن سقطت، وقدمت للأمة الإسلامية الشيء الكثير، وقد يكون ما قدمته يفوق ما قدمته الدول الأخرى المشهورة
والمعروفة عند الخاصة والعامة
ومن هذه الدول من سار على نهج الخلافة الراشدة، وتطبيق مبدأ الشورى، سواء في انتخاب الحاكم أو في حكم الرعية، إلا أنه وللأسف الشديد لا نعرف عن هذه الدول الشيء الكثير، وإذا وصلنا شيء فهو لزر قليل لا يفي للتعرف على جميع جوانب تلك الدول والظروف التي عايشتها
والخدمات الجليلة التي قدمتها للأمة الإسلامية، وكذلك لا يخلو من التشويه والتحريف. وتجاهل هذه الدول من قبل كتاب التاريخ يعود إلى عدة أسباب كالتعصبات المذهبية، والمصالح السياسية، والإغراءات المادية وما شابه ذلك من الأسباب التي ليس هذا محل ذكرها. هذه الدول التي يجهلها الكثير، دولة إسلامية عريقة نشأت في المغرب في سنة 160 هـ / 776 م، واستمرت إلى سنة 296 هـ / 909 م، أي أنها استمرت
ومن
لمدة 136 سنة (2).
(1) نشر هذا البحث سابقا في: جريدة الوطن العمانية، على هذه الوصلة:
http://www.alwatan.com/graphics/ .. /. 1 sep/1.1/heads/rt*.htm
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) . (1) الباروني، الأزهار الرياضية، 43/ 2، 293، 300 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 110. (1/121)
صفحة 122
إضاءات حضارية
122
وقد خدمت هذه الدولة الأمة في الكثير من الجوانب سواء في الجانب الثقالي والعلمي، أو في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، أو في الجانب المعماري، وحتى في الجانب السياسي، فضلا عن خدماتها الجليلة في نشر الإسلام في أعماق إفريقيا.
فما اسم هذه الدولة؟ ومن أنشأها؟ وكيف نشأت؟ وما الذي قدمته للأمة الإسلامية؟ هذا ما سنحاول أن نتعرف عليه من خلال هذا البحث.
إن هذه الدولة هي الدولة الرسمية التي نشأت في المغرب الأوسط - الجزائر حاليا – على
يد الإمام عبد الرحمن بن رستم ()
(1)
م.
فمن هو الإمام عبد الرحمن بن رستم؟
هو عبد الرحمن بن رستم بن احرام بن كسرى، ولد في العراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري على أكبر تقدير، ويرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس، فهم أجداده، إلا أن بعض المؤرخين يعيدون نسبه إلى اللذارقة ملوك الأندلس قبل الإسلام، والمهم في هذا أنه سليل بيت الملوك قبل الإسلام، سواء كانوا من الفرس أم من اللذارقة (2).
سافر أبوه به وأمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، إلا أن الأب وافاه أجله، وترك يتيما وأرملة، فتزوجت أمه برجل من أهل المغرب، فأخذها وابنها عبد الرحمن إلى القيروان (3). نشأ عبد الرحمن في القيروان، وصادف هناك نشر الدعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق ها، ونصحه أحد الدعاة بالسفر إلى المشرق لتلقي المزيد من العلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن ابي كريمة (ت: 145 هـ / 762 م)، إمام الإباضية في ذلك الوقت
(t)
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 81 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 1/ 1) محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 155. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 54 - الدرجيني، مصدر سابق، 19/ 1 - ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، تح: ج. س. كولان و!. ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط: 1983 م، ص 199 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان (www.al-eman.com) ، 183/3 ، 184 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 397 - محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 130 - الزركلي، الأعلام، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 469 - بحار وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 246/ 2، رقم الترجمة: 544.
أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 55 - الدرجيني، مصدر سابق، 20/ 1 - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 247/ 2، رقم الترجمة: 544. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 55 - الدرجيني، مصدر سابق، 20/ 1 - بحاز وآخرون، مصدر سابق، 247/ 2، رقم الترجمة: 544. (1/122)
صفحة 123
إضاءات حضارية
123
توجه إلى البصرة، وظل مع الإمام أبي عبيدة لمدة خمس سنوات يدرس في السرداب الذي
(1)
اعده هذا الإمام تحت الأرض خوفا من عيون الأمويين والعباسيين من بعدهم) عاد عبد الرحمن مع أصحابه حملة العلم إلى المغرب، وكان من ضمنهم أول إمام للإباضية بويع في المغرب، وهو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافِرِي اليمني (ت: 144 هـ / 761 م) (2)؛ وقد ذكرت بعض المصادر ظهور أئمة للإباضية قبل الإمام أبي الخطاب، كالإمام الحارث بن تليد الحضرمي (ت بين: 131 هـ / 748 م و 140 هـ / 757 م)، والإمام أبي الزاجر إسماعيل بن زياد النفوسي (ت: 140 هـ / 757 م) (3)، إلا أن بعض الباحثين يعتبر أن الإمام أبا الخطاب هو أول إمام للإباضية في المغرب، وذلك أنه استطاع أن يقيم دولة للإباضية في هذه الربوع (4) بعد أن وصل حملة العلم إلى المغرب، هيأوا الأجواء لإقامة دولتهم، فلما سنحت لهم الفرصة في سنة 140 هـ / 757 م بايعوا أبا الخطاب المعافري بالإمامة، بأمر من شيخهم أبي عبيدة (4). لما انقضت أربع سنوات على قيام دولة أبي الخطاب في الغرب، وجه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي (ت: 158 هـ / 774 م (جيشا بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي، فاستطاع هذا الأخير القضاء على دولة الإمام أبي الخطاب في معركة عنيفة سنة 144 هـ / 761 م، استشهد
فيها الإمام أبو الخطاب
(1)
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 55 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 20/ 1 عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية،
ص 108، ص 137 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 119، 149.
(9) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 56 - الدرجيني، مصدر سابق، 20/ 1. الشماخي، السير، 114/ 1 - معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ج 2، ق، ص 19، ص 47، ج 2، ج 2، ص 33، ج 2، ج 1، ص 32 - 33 - عوض خليفات، مصدر سابق، ص 139، 142 - بحار وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 56/ 2 رقم الترجمة: 108، 119/ 2 رقم الترجمة: 253.
(1) لقاء مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي في سنة 1423 هـ / 2002 م.
) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 117، 118 - ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 59.57 - الدرجيني، مصدر سابق، 29/ 1 - عرض خليفات، مصدر سابق، ص 148 - محمد ناصر، مصدر سابق، ص 150. (2) ابن سلام، مصدر سابق، ص 121 - ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 69 - الدرجيني، مصدر سابق، 34/ 1 - عرض خليفات، مصدر سابق، ص 152 - 153 - محمد ناصر، مصدر سابق، ص 152. (1/123)
صفحة 124
إضاءات حضارية
124
حاول عبد الرحمن نجدة الإمام أبي الخطاب، لكنه لم يتمكن من ذلك، فاضطر للفرار من ملاحقة ابن الأشعث له، فتوجه إلى المغرب الأوسط، حتى وصل إلى جبل يدعى (سوفجج) لتحصن به، حتى أيس منه ابن الأشعث (1). لما أحس عبد الرحمن من نفسه القوة والقدرة على بناء دولته الجديدة، خاصة بعد أن النف حوله الكثير من انصاره من البربر ومن أهل العلم والصلاح ممن يثق بهم، اتجه إلى مكان كثيف الأشجار والأحراش والسباع يسمى (تيهرت)، فشرع في بناء دولته الإسلامية الجديدة هناك ما بين 155 هـ / 771 م - 160 هـ / 776 م، والتي عرفت باسم (الدولة الرستمية) نسبة إلى والد عبد الرحمن، كما جرت العادة في تسمية الدول الإسلامية في العصور الوسطى بأسماء
(2)
آباء المؤسسين بذل عبد الرحمن - وهو لم يبايع بالإمامة بعد - جهده مع من معه من العلماء في بناء تيهرت لتكون على أجمل هيئة (3)، حتى أن بعض المصادر العلمية فصلت الحديث عن بناء المدينة بداية بالمسجد الجامع، ونهاية بالدور والقصور، والبيوت والأسوار الحصينة (4). فازدهرت تيهرت وبلغت شهرتها الآفاق، وشُدَّت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيش الرغيد الآمن، مما جعل الكتاب والرحالة يقصدونها ويشيدون بها ومن ذلك ما قاله المقدسي في وصفها:. ... هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، وتبعت حولها العيون، وجل بها الإقليم، وانتعش فيها الغريب، واستطالبها اللبيب، يفضلونها على دمشق وأخطارا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم
الرصف، عجيب الوصف ... . (5).
(1) ابو زكرياء، سير) الأئمة، ص 70 - المدرجيني، طبقات المشائخ، 30/ 1 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 166 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 153. (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 81 الدرجيني، مصدر سابق، 41/ 1 - عوض خليفات، مصدر سابق، ص 197. محمد ناصر، مصدر سابق، ص 153 - بحار وأخرون، معجم أعلام الإباضية، 247/ 2، رقم الترجمة: 544.) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 35 - 36.
(1) محمد ناصر، مصدر سابق، ص 154.
(1) محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ /
1987 م، ص 228. (1/124)
صفحة 125
إضاءات حضارية
(1).
125
ويقول ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية:. ... ثم شرعوا في العمارة والبناء وإحياء الأموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر (1)، واتخاذ الرحاء (2) والمستغلات وغير ذلك، والسعوا في البلد وتفسحوا فيه، وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار، قال: ليس أحد يول هم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله. وينقل لنا اليعقوبي وصفا دقيقا لتيهرت نقله عن أحد أحفاد أئمة الدولة الرستمية واسمه عبد الرحمن بن محمد فيقول: " حدثني أبو معبد عبد الرحمن بن محمد بن ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم التاهرتي قال: تاهرت مدينة كبيرة، آهلة بين جبال وأودية، ليس لها فضاء، بينها وبين البحر المالح مسيرة ثلاث رحلات، في مستوى من الأرض، وفي بعضها سباخ، رواد يقال له وادي شلف، وعليه قرى وعمارة، يفيض كما يفيض نيل مصر، يزرع عليه العصفر والكتان والسمسم، وغير ذلك من الحبوب؛ ويصير إلى جبل يقال له انقبق، ثم يخرج إلى بلد نفزة، ثم يصير إلى البحر المالح. وشرب أهل مدينة تاهرت من أنهار وعيون، يأتي بعضها من صحراء، وبعضها من جبل قبلي، يقال له جزول. لم يجدب زرع ذلك البلد قط، إلا أن يصيبه ريح أو برد. وهو جبل متصل بالسوس، يسميه أهل السوس درن، ويسمى بتاهرت جزول: ويسمى بالزاب أوراس.
(t)=
4
وما أن وصلت سنة 160 هـ / 776 م حق قام العلماء وأهل تيهرت بمبايعة عبد الرحمن إماما عليهم، وهو حري بهذا المنصب، فهو الذي استطاع أن يبني لهم هذه المدينة، وهو الذي خصه شيخه أبو عبيدة بقوله له: " أنت بما سمعت مني وما لم تسمع. (2).
(1) هكذا في الأصل، والأصح (الأنهار)، فالنهر يجمع على أنهار وتهر وتهور (انظر: ابن منظور، لسان العرب،
نهر، قرص مدمج) ..
(1) الرحي تجمع على ارح وازحاء ورجي ورحي وأرحية والأخيرة نادرة، لذلك يكون استعمال (الرحاء) خطا (انظر: ابن منظور، مصدر سابق، رحا، قرص مدمج).) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 35 - 36
(1) اليعقوبي، البلدان، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ...
(1) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 168 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 154 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 110 - بحاز واخرون، معجم أعلام الإباضية، 247/ 2، رقم الترجمة: 544. (1/125)
صفحة 126
إضاء ايت احضارية
126
وذكر ابن الصغير كلاما جميلا في وصف مبايعة الإمام عبد الرحمن قال: " ... لما نزلت الإباضية مدينة تاهرت وأرادوا عمارتها اجتمع رؤساؤهم فقالوا: قد علمتم أنه لا يقيم أمرنا إلا إمام ترجع إليه في أحكامنا وينصف مظلومنا من ظالمنا ويقيم صلاتنا ونؤدي إليه زكاتنا ويقسم فينا، فقلبوا أمرهم فيما بينهم فوجدوا كل قبيل منهم فيه رأس أو رأسان أو أكثر يدبر أمر القبيل ويستحق أمر الإمامة، فقال بعضهم لبعض: أنتم رؤساء ولا نأمن أن يتقدم واحد على صاحبه فتفسد نينه، ولعل المقدم أن يرفع أهل بيته وعشيرته على غيرهم، فتفسد النيات ويكثر الاختلاف ويقل الائتلاف، ولكن هذا عبد الرحمن بن رستم لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه، وقد كان الإمام أبو الخطاب رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا، فقلدوه أموركم، فإن عدل فذلك الذي أردتم، وإن سار فيكم بغير عدل عزلتموه ولم تكن له قبيلة تمنعه ولا عشيرة تدفع عنه؛ فاجمعوا رأيهم على ذلك ثم نفضوا إليه بأجمعهم وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام في ابتدائنا ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا،، ولحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا؛ فقال لهم: إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا الي ولتطيعوني فيما وافق الحق وطابقه قبلت ذلك منكم، فاعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك، وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم، وقدموه على أنفسهم والقوا إليه بأيديهم. وقد تولى الحكم في الدولة الرستمية عدد من الأئمة العدول، يتم اختيارهم من قبل العلماء والرعية، فكانت الدولة الرستمية سائرة على نهج الخلافة الراشدة، وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن الحكم في الدولة الرستمية ورالي بسبب كون جميع من حكم من سلالة الإمام عبد الرحمن، ولكن الأمر بخلاف ذلك، وقد تكفل بعض الباحثين بكشف اللبس في هذه القضية كالشيخ علي يحيى معمر، وذكر عدة أدلة تدل على أن نظام الحكم في الدولة الرستمية ليس وراثيا، وإنما كان يرتسم خطى الخلافة الراشدة بتطبيق مبدأ الشورى، وتكفل أهل الحل والعقد من العلماء باختيار
الإمام الجديد
(T)
(1)-
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 29. 31. معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، ج 1، ص 24030.
(") (1/126)
صفحة 127
إضاءات حضارية
ITV
ونجد الأستاذ عثمان الكعاك يوضح هذه الحقيقة فيقول: " ينتخب الإمام وجوه المدينة وزعماء المذهب وشيوخ الدين بحرية، من غير مبالاة، ولا تقاليد، ولا ولاء في قرابة أو أصدقاء او سلطان، يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنك والدهاء، والعدل والإنصاف يجربهما على نفسه قبل ذوي قرابته وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو عموم السكان، وإن هم رأوا فيه اعوجاجا
لرموه بالسيف لا بالرفق واللين، وأنزلوه من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار (1). وأما عن سبب اختيار أهل الحل والعقد الإمام من أبناء الإمام عبد الرحمن فذلك يعود إلى توفر الصفات والشروط المطلوبة في الإمام من صلاح وتقوى وعلم وحنكة سياسية وغيرها من الصفات، وقد رد د/ محمد صالح ناصر على من الهم الدولة الرستمية وأتباعها أنهم طبقوا نظام الوراثة والملك العضود فقال: •. وهذه مغالطة، لأن كتب التاريخ تشهد أن الرستميين كانوا يطبقون الشورى والانتخاب عند تولية كل إمام، وما ذنب الرستميين إن كانت الكفاءة والعراهة والتقوى ترشحهم كل مرة للفوز برضى الأمة التي ارتضتهم ويذهب بعض الباحثين إلى أن العنصر البربري كان نافرا من تولية بعضه البعض، لكن وجود الرستميين وهم من غير البربر أدعى إلى إذهاب هذه البرعة، أضف إلى ذلك أن الرستميين لا عصبة لهم فلا يمكن تصور استبداد يمكن أن يحصل منهم) ووجهة النظر هذه لها محلها من الاعتبار، فكلام ابن الصغير السابق في وصف مبايعة الإمام عبد الرحمن بن رستم يؤكد ذلك،
(T).
()
4
حيث فضل أهل تَيْهَرت مبايعة عبد الرحمن بن رستم لكونه منصفا بالصلاح والعلم والقيادة، وكذلك لكونه لا ينتمي إلى قبائل البربر: " ... فقال بعضهم لبعض: أنتم رؤساء ولا نأمن أن يقدم واحد على صاحبه فتفسد نيته ولعل المقدم أن يرفع أهل بيته وعشيرته على غيرهم فتفسد النبات ويكثر الاختلاف ولكن هذا عبد الرحمن بن رستم لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه ... فقلدوه أموركم فإن عدل فذلك الذي أردتم وإن سار فيكم بغير عدل عزلتموه ولم تكن له قبيلة تمنعه ولا عشيرة تدفع عنه.
(4).
(1) مصر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، ج 4، ص 32.
محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 215.
) لقاء مع خالد بن مبارك الوهيبي، مسقط، سلطنة عمان، 4 من شعبان 1426 هـ / 8 من سبتمبر 2005 م.
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 29. 31. (1/127)
صفحة 128
إضاءات حضارية
127
وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم " وعلمهم، و بازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون. عبادتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها مصاني الحقوق بعدل وإنصاف من غير تفريق بين مذهب ومذهب، قال ابن الصغير: * وانتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ... ليس أحد يول هم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله:، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان، وهذا مسجد القرويين ورحتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد
القروي
الكوفيين.
(1) -
وابن الصغير هذا نفسه كان شيعيا وقيل مالكيا، ومال د/ محمد صالح و د/ إبراهيم بجاز إلى أنه شيعي المذهب إلا أنهما لم يحسما في ذلك (3)، وذلك لتصريح ابن الصغير بميوله العلوية في عدة مواضع من كتابه من ذلك مثلا قوله: *. فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة، أفعالهم، ولا حسر تعلمه من براءقم (3) ممن والاه
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. (1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 13 - 14.
?
(1) إن تصميم الحكم على الإباضية بأنهم يبرأون من الإمام علي - كرم الله وجهه - بعد قراءة مجتزأة لتراث الإباضية. فهذا يمثل قولا واحدا من أقوالهم، فهناك أيضا من الإباضية من يرى توبة الإمام علي وندمه على قتله أهل النهروان. وقد أورد البرادي (حي: 810 هـ / 1407 م) في (الجواهر المنتقاة) وكذلك الشماخي (ت: 928 هـ / 1522 م) في سيره عدة نصوص يتضح فيها جليا ندم الإمام علي وحسرته لقتله أهل النهروان، من ذلك قول الإمام علي في أهل النهروان: " والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وام حاب صفين يوم صفين، وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن "، وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال: " حدثي قنبر مولى علي قال: لما قتل على أهل النهر توحدت أنا وإياه إلى النهر ليغتسل، فقال: فبينما نحن هناك إذ كب على يبكي طويلا، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك يا قنبر تدري من صرعنا ها هنا؟ خيار هذه الأمة وقراءها، فقلت: يا أمير المؤمنين أي والله فابك، فقال: ويحك يا قنبر جذعت أنفي وشفيت غيظي، فانكب يبكي طويلا "، قال البرادي مطلقا على هذه الرواية: " وأظهر الندامة على قتله اياهم، وعرف ذلك من حاله "، وكان أصحاب علي يعاتبونه على قتله لأهل النهروان ويبدون ندمهم وأصفهم على ذلك فيقولون له: " قتلت قوما ثم صرت تعذرهم وتمدحهم وتزين أمرهم ". وعن عتاب بن المخالد عن الشعبي قال: فلما قدم على الكوفة بعد قتل أهل النهر قال له ابنه الحسن: يا أبت هل قتلت القوم؟ قال: نعم، قال: لا يرى قتلهم الجنة، قال: ليت اني ادخلها ولو حبوا (قال) أي الشعبي): فبينما علي بالكوفة إذ افتقد تلك الأصوات التي كان يسمعها بالليل كانها دوي النحل، قال: أين أسد النهار ورهبان الليل؟ قالوا: قتلناهم يوم النهر، قال: هم قراؤنا ومجتهدونا "، وكان الإمام علي يأتي القتلى ويستغفر لهم ويقول: " ما صنعنا قتلنا خيارنا وفقها منا "، ويذكر ابن أبي الحديد (ت: 656 هـ / 1258 م) نصا عن الإمام على ينهى فيه عن قتال الخوارج فيقول: لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطاء كمن طلب الباطل فأدركه "، ويقول الشيخ محمد بن = (1/128)
صفحة 129
إضاءات حضارية
129
شامس البطاشي (ت: 1420 هـ / 1999 م): " ويبدو أن عليا تاب من قتلهم فإنه صح ندمه والقدم توبة ولا عبرة بما يرويه غيرنا "، ويقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: " أما بالنسبة للخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب. كرم الله تعالى وجهه - فإن الإباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث عهده، ولا ينالون من شخصه شيئا، وهم أكثر الناس تقديرا له واحتراما لصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منه .... وإذا جننا إلى ما كتبه الإباضية في ذلك نجد كتابتهم تتسم بالأدب والحشمة، وتعظيم مقام الإمام علي، واحترام قرابته من النبي حتى في مقام العتاب ... وهكذا كان كلامهم كله يشعر باحترام الإمام علي وتقديره، وإنما كانوا يعاتبونه على قبول التحكيم، ونحن نقول: إن قبوله للتحكيم كان ليس عن رضى منه كما ينم عن ذلك كلامه بنفسه، وهذه القضية تحتاج إلى دراسة ولست أريد أن أخوض فيها وأتحدث عنها طويلا وإنما بحسبي ما قلته، والذي أصرح به بأن جميع الإباضية مستعدون أن يطووا صحائف تلك الفتن التي حدثت في عهد اصحاب رسول الله، ولا يلبسوا فيها ببنت شفه، ولا يخطوا فيها حرفا واحدا، ولكن لا بد من احترام أهل النهروان أيضا وعدم النيل منهم، فيجب على المسلمين جميعا أن يتساعدوا على الكف عن الخوض في تلك الفتن حتى تعود للمسلمين وحدتهم، ولا يثيروا أشياء حدثت قبل أربعة عشر قرنا هم في ألف على عن إثارتها في هذا العصر الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى ما يجمع الشمل ويؤلف بين القلوب والله تعالى ولي التوفيق ". وحول البراءة من الإمام علي - كرم الله وجهه - فإنه ينبغي التأكيد على أن الدين لا يوزن بالأشخاص، وإنما هو ما وافق كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة الثابتة، والحق لا يقاس بحب فلان أو بغضه، فليس حب الإمام علي أو بغضه وليس موافقة الإمام علي أو مخالفته هو الميزان الذي يوزن به الحق!، وإنما الميزان هو الموافقة للقرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة حتى وإن خالف زيدا أو عمرا، ولو كان الميزان علي بن أبي طالب لما خرج عليه طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل، ومعاوية وعمرو يوم صفين، وكذلك لما اعترض عليه عمار بن ياسر وأهل النهروان ولم يوافقوه على التحكيم وفيهم كبار الصحابة وقراؤهم، وكذلك لما فارقه ابن عباس بعد مناظرته لأهل النهروان، ولم يشترك معه في قتالهم، ولو كان علي هو الميزان للحق لما وجدنا بعض كبار التابعين كالحسن البصري ينكر عليه قبوله التحكيم ويقول كما يذكر المبرد: " لم يزل أمير المؤمنين علي - رحمه الله - يتعرفه النصر، ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم والحق معك، الا تمضي قدما لا أبا لك وانت على الحق "، وكان مالك بن أنس يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول: " والله ما اقتلوا إلا على الثريد الأغفر ". وعموما بخصوص موقف الإباضية من الإمام علي كرم الله وجهه - فإن الفيصل فيه هر کلام سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي وقد مر ذكره. (انظر: هاشم بن غيلان، السير: سيرة هاشم بن غيلان إلى الإمام عبد الملك بن حميد (مخ)، ورقة -324 - خالد بن قحطان، السير والجوابات: سورة أبي قحطان، ج 1، تح: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2: 1410 هـ / 1989 م، ص 107 - القلهاني، الكشف والبيان، ورقة 106 نقلا عن: عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 61 - البرادي، الجواهر المنتقاة (مخ)، ص 138، 139، 11، 13، 144 - الشماخي، السير، 01/ 1، 02 - جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 7، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م، ص 309 310 - عبد الحميد بن هبة الله ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 5، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 2: 1385 هـ / 1965 م، ص 78 - خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني، 1421 هـ / 2000 م، عمّان، الأردن، ص 181، 182، 193 - احمد بن يحيى بن جابر البلاذري، انساب الأشراف، ج 2، دار الفكر، بيروت، لبنان، طا: 1417 هـ / 1996 م، ص 396 - المبرد، الكامل في اللغة والأدب: 114/ 2 - 115 - محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج 3، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني، 1421 هـ / 2000 م، عمان، الأردن، ص 25، 11، 70، 71 - أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، جه، تح: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2: 1417 هـ / 1997 م، ص 104 - ابن كثير، البداية والنهاية، 231/ 7، 232، 21، 252، 253، 25 - محمد بن شامس البطاشي، الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ما: 1414 هـ / 1994 م، ص 33 - أحمد بن حمد الخليلي، موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي، شريط سمعي، تسجيلات مشارق الأنوار، روي، سلطنة عمان - لقاء مجلة جبرين مع سماحة الشيخ الخليلي حول الصحوة الإسلامية، مجلة جبرين: مجلة نصف سنوية تصدرها اللجنة الثقافية بنادي طلبة عمان في الأردن، موقع مكتبة الندوة، صفحة سماحة الشيخ، لقاءات وحوارات، على هذا الرابط http://www.alnadwa.nevalkhalililjabreen.htm) - ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1420 هـ / 1999 م، 87
(11 (1/129)
صفحة 130
إضاءات حضارية
130
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (1) وقد كان يعيش في تيهرت العاصمة الرستمية في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح) حكم: 261 هـ / 874 م - 281 هـ /
(2)
"") (PARE
وليس هذا فحسب بل كان يعيش في الدولة الرستمية أصحاب الديانات الأخرى كاليهود والنصارى، وكانوا يعملون في مهن مهمة كالطب والتجارة والصناعة خاصة صناعة أصباغ
النسيج، وقد كانت للنصارى كنيسة واحدة على الأقل يمارسون فيها عبادتهم (3).
(1)
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 31. والرواية التي استدل بها ابن الصغير رواها الترمذي من طريق زيد بن أرقم بنفس اللفظ حديث رقم: 13722 ورواها ابن ماجة في سننه من طريق سعد بن أبي وقاص بنفس اللفظ حديث رقم: 121، ومن طريق البراء بن عازب بلفظ: «فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداء» حديث رقم: 1116 والحقيقة أن هذه الرواية طعن في صحتها عدد من أهل العلم، قال ابن حزم: " وأما «من كنت مولاه فعلي مولاه» فلا يصح من طريق الثقات أصلا "، وقال ابن تيمية: " وأما قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فليس هو في الصحاح، لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته، فنقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طغوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي "، وقال - أي ابن تيمية -: " وأما الزيادة وهي قوله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .. » إلخ، فلا ريب أنه كتب "، وقال الزيلمي: " وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف؟ كحديث: الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث: من كنت مولاه، فعلي مولاه، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا "، ومن أهل العلم من أوله بمعنى أن عليا يتولى من يتولاه الرسول ويحب من يحبه، قال القاري: " معناه: من كنت أتولاء فعلي يتولاه، من الولي ضد العدو، أي:: من كنت أحبه فعلي يحبه، وقيل معناه: من يتولاني فطي يتولاه "، وقال قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش في هذا الحديث: " ويجاب بأن الحديث غير ثابت، ودعوى تواتره مكابرة، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي وغيرهما من أئمة الحديث، ولم يُذكر في البخاري ومسلم وأضرابهما، وأيضا المولى بمعنى: الناصر، بدليل أخر الحديث: وايضا لم يُعرف في العربية " مفعل " بمعنى: " أفعل "، فلا يقابله أول الحديث المذكور فيه لفظ " أولى " فيحمل على أخره، وأيضا لو صح أن المولى بمعنى: الأولى، فلعل المعنى: أولى بأمر من الأمور، كقوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم) [آل عمران، من الآية: 68]، وقولك: " نحن أولى بسلطاننا، وأولى بأستاذنا " وليس المراد التصرف؛ وأيضا يصح الاستفسار في أي شيء هو أولى، والتقسيم: هو أولى إما في كذا وإما في كذا، كالنصرة أو تدبير المال أو التصرف "، فيظهر مما سبق ان هذه الرواية لم تجتمع عليها طوائف الأمة ومدارسها الإسلامية، فهي غير موجودة في كتب الرواية الإباضية، وقد تبين لنا من خلال كلام العلماء تنازع أهل الحديث بين محسن ومضعف لها، وقد انفردت المدرسة العلوية بتصحيحها وادعاء تواترها، فهي غير ملزمة للأمة، ولا يمكن الاحتجاج بها. (انظر: محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، ط 1: 1421 هـ / 2000 م، ص 978 - محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة، سنن اين ماجة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، طا: 1421 هـ / 2000 م، ص 30 310 - احمد بن عبد الحليم ابن تيمية، منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية، ج 7، تح: محمد ايمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، مصر، 1425 هـ / 2004 م، ص 173 - 174 عبد الله بن يوسف الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) ، 11 - محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج 10، تح: علي محمد معوض و عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط ا: 1419 هـ / 1998 م، ص 201 - 202 - محمد بن يوسف اطفيش قطب الأئمة، شرح عقيدة التوحيد، تح: مصطفى بن الناصر وينتن، جمعية التراث، غرداية، الجزائر، طا: 1422 هـ / 2001 م، ص 604 - 605). (2) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 14. (1/130)
صفحة 131
إضاءات حضارية
131
ولقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بالجانب الاقتصادي لدولتهم، فاهتموا بالزراعة وكانت تكثر فيها البساتين وزراعة الحبوب والعصفر والكتان والسمسم والتخيل والتين والزيتون ومختلف الفواكه، فكانت تدر عليهم أرباحا طائلة، وقد كانت تكثر فيها الأنهار، وأقام الرستميون خزانات وأحواض للماء كبيرة اكتشفها الأثريون، وكانت محكمة التصميم والهندسة، ليحافظوا
على الماء أيام الجفاف، بل إنهم أوصلوا الماء إلى البيوت عن طريق الأنابيب وشق القنوات (1). واهتموا كذلك بالرعي وتربية الماشية، لكثرة المراعي الخصبة في الدولة الرستمية، فكانوا يربون الغنم والبقر والجمال والخيول والبغال والحمير، حتى أن اليعقوبي وصف بعض مناطق الدولة الرستمية بأنها: " بلد زرع وضرع. (2). كانت تجارة الماشية رائجة، وتصدر إلى الدول المجاورة، وكانوا يستغلونها في إنتاج الصوف (3)، قال ابن حوقل يصف الماشية في تيهرت وأحوازها: " وهي أحد معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبراذين الفراهية، ويكثر عندهم العسل والسمن.) حتى أن بعضهم كان يمتلك مئات الآلاف من الماشية، التي كانت عمادا لبيت مال المسلمين، قال الإمام عبد الوهاب: " لولا أنا ومحمد بن جرني ويسبب بن زلفين الخرب بيت مال المسلمين: أنا بالذهب، ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زلفين بالأنعام. (5). وكذلك كان لهم اهتمام كبير بالصناعة، فكانت توجد في الدولة الرستمية العديد من الصناعات والحرف كالنجارة والحدادة والخياطة والدباغة والطحن ومعاصر الزيتون، وصناعة السفن والقوارب، وصناعة الزجاج والفخار والتحف والعطور، والخشب المنحوت والمخطوط
(1).
الابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 79 الدرجيني، طبقات المشائخ: 303/ 2 بحاز، الدولة الرستمية،
ص 198، 171، 373
(1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 106 - الدرجيني، مصدر سابق: 85/ 1، 293/ 2 - الشماخي، السير، 174/ 1، 181 - أبو القاسم بن حوقل النصيبي، كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1992 م، ص 71، 81، 89، 92 - المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 114، 189 - أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 103، 111 - الباروني، الأزهار، 19/ 2 الهامش - بحاز، مصدر سابق، ص 142 - 158.
(1) اليعقوبي، مصدر سابق، ص 112 بحاز، مصدر سابق، ص 158 - 163. (1) ابن حوقل، مصدر سابق، ص 86 (1) الشماخي، مصدر سابق، 177/ 1. (1/131)
صفحة 132
إضاءات حضارية
(T)
132
والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف، وصناعات الذهب والفضة، حتى أنها كانت تضرب منها الدراهم والدنانير، فكانت لها عملاتها الخاصة التي كشفت عنها الآثار (1). وقد اهتم الرستميون بالتجارة أيما اهتمام، فأنشأوا الأسواق في مختلف المدن، ففي تيهرت مثلا يذكر البكري (ت: 487 هـ / 1094 م) عن الورّاق (ت: 362 هـ / 972 م) أن ها أسواقا عامرة بمختلف البضائع)، وكانت هذه البضائع والمؤن تأتي من داخل الدولة نفسها أو من الدول الأخرى عن طريق العلاقات التجارية، حيث إنه كانت للدولة الرستمية علاقات تجارية مع الكثير من الدول كالأندلس ومصر وبلاد السودان وغيرها من الدول في المشرق والمغرب، فكانت القوافل التجارية تخرج من الدولة الرستمية محملة بشتى أنواع البضائع والمؤن إلى تلك الدول، وتعود كذلك محملة بالبضائع التي تنتج في تلك البلاد، وكانت تجارة الذهب وبيع الرقيق رائجة في ذلك الوقت، وللدولة الرستمية نشاط كبير فيها، ووصل النشاط التجاري في الدولة الرستمية إلى درجة التخصص في الأسواق، فكان بها سوق النحاس، وسوق الأسلحة، وسوق الصاغة، وسوق الأقمشة، وغيرها من الأسواق (3).
وقد قام الأئمة الرستميون بإنشاء بيوت للأموال في مدن الدولة الرستمية، وبيت مال مركزي في العاصمة تبهرت مع دار للزكاة، وكانت موارد بيوت المال تختلف عن موارد دار الزكاة، فدار الزكاة موردها هو أموال الزكاة فقط، وكانت تصرف لمستحقيها الشرعيين الذين حددهم الله تعالى في كتابه في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِي الرِّقَابِ وَالْقَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)).
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 31، 38 110، 79، 80، 85 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 2 303، 517 - الشماخي، السير، 177/ 1 - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص 102، 109 - الباروني باشا، الأزهار، 10، 19، 19 الهامش، 54، 55، 058 63 67 - أبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 2). بحار، الدولة الرستمية، ص 140، ص 164 174 ص 181.
(1) بحاز، مصدر سابق، ص 175 (7) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 36، 37، 83 - الدرجيني، مصدر سابق، 320/ 2 - الشماخي، مصدر سابق، 177/ 1، 190 - اليعقوبي، مصدر سابق، ص 115 عبيد الله بن عبد الله ابن خردائبة (أبو القاسم)، المسالك والممالك، تح: محمد مخزوم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 60 - 21، 81 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 283/ 3 - محمد صالح ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ص 12، 31 بحاز، مصدر سابق، ص 170 179، 188، 191.
231 227، 193
(1) سورة التوبة، أية رقم: 60. (1/132)
صفحة 133
إضاءات حضارية
133
وأما دور الأموال فكانت مصادرها الجزية وخراج الأراضي والضرائب والرسوم التي تؤخذ على القوافل التجارية والتجار والحرفيين، وكانت أموال هذه الدور تسخر في أجور الموظفين في الدولة، وفي بناء المساجد والطرقات والأسواق ومصالح المسلمين (1) أيضا فإننا نجد أن الرستميين اهتموا بالجانب العلمي والفكري اهتماما كبيرا، ولا أدل على ذلك أن من الشروط الأساسية في إمام الدولة حتى يتم انتخابه، أن يكون عالما بأمور الشريعة والسياسة والحكم (2).
فاهتمت الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية كالكتاب - أماكن للتعليم – وكذلك إقامة حلق العلم في المساجد سواء في التفسير أو الحديث أو الفقه أو اللغة وغيرها من العلوم، حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يساهمون في التعليم بأنفسهم ولا يانفون من ذلك أو يتكبرون، فنجد الإمام عبد الوهاب قضى سبع سنوات يعلم الناس أمور الصلاة في جبل نفوسة، والإمام أفلح الذي دارت عليه أربع حلق للعلم قبل أن يبلغ الحلم، والإمام أبو اليقظان الذي كان مجلسه يغص بالناس طائفة تصلي وطائفة يقرأون القرآن وطائفة يتدارسون فنون العلم (3). وكذلك اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم والآثار، ومن مكتباتها المشهورة مكتبة (المَعْصُومَة) بتيهرت، التي كانت تحوي آلافا من المجلدات والكتب وذخائر الآثار، أوصلها بعض الباحثين إلى ثلاثمائة ألف مجلد، فكانت تحوي بين رقوقها كتبا في علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وتوحيد، وكتبا في الطب والرياضيات
(4)
(0)
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 40 - الشماخي، السير، 116/ 1، 191 - بحاز، الدولة الرستمية، ص
0227 245
) يشترط الإباضية في الإمام أن يكون رجلا، معلما، ورعا، سليم الحواس والعقل، ليست به عاهة، وأن يكون حرا بالغا، متمتعا بمؤهلات القيادة من الإقدام وحسن السياسة والحنكة وسعة الصدر ورباطة الجأش وعلو الهمة، والخبرة بشؤون الدين والدنيا، وأن يكون عالما مجتهدا، أو أن يكون من حوله علماء يستمد منهم خبرته ويرجع إليهم في حل الشكلات (انظر: محمد اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 592 - أحمد الخليلي، شرح منظومة غاية المراد، ص ابن الصغير، مصدر سابق، ص 92 - 93، 117 ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 147 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 19/ 1، 83 - الشماخي، مصدر سابق، 10/ 1، 166، 189 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 405/ 3. بحار، مصدر سابق، ص 118، 281 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 11/ 2، رقم الترجمة: 116، 2 283، رقم الترجمة: 609 0 359/ 2، رقم الترجمة: 784.
(11
(1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 170 - الدرجيني، مصدر سابق، 94/ 1 95.) دبوز، مصدر سابق، 399/ 3. (1/133)
صفحة 134
إضاءات حضارية
134
والهندسة والفلك والتاريخ واللغة وغيرها من العلوم المختلفة (1)؛ ومن المكتبات الأخرى المشهورة (خزانة نفوسة) الجامعة لآلاف الكتب (2). وكذلك لم تخل منازل العلماء في الدولة الرستمية من وجود المكتبات الخاصة، إلا أن المصادر
لا تذكر الشيء الكثير عن هذه المكتبات، ولكن بالرغم من ذلك وردت إشارات في بعض المصادر يمكن أن نستنتج من خلالها كثرة المكتبات الخاصة في مختلف ولايات الدولة الرستمية، فمن ذلك ما ذكره الدرجيني عن أبي العباس أحمد بن محمد الفُرْسُطَانِي النَّفُوسِي (ت: 504 هـ / 1111 م) عندما كان يطلب العلم بجبل نفوسة، وجد بمكتبات أمستان - قرية واقعة بجيل نفوسة - فقط ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة (3)، فعكف عليها واختار أحسنها فائدة وقراها (4). ومن المكتبات التي حفظت لنا المصادر شيئا عنها، مكتبة توجد في قرية تمولست بجيل دمر - جبل الحاوية حاليا بجنوب تونس -، حيث ذكرت المصادر أن مجموعة من الطلبة من جربة قالوا: " أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب بتمولست ... فشيعنا أبو زكرياء يحيى ولحن خارجون من جربة إلى جبل دمر، فحتنا على العلم، وقوى عزائمنا على الذهاب إلى تمولشت، وأشعرنا بواجبنا، فقال: " إن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال، فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا. (5) وقد استنتج الشيخ دبوز إمكانية أن تكون تمولَست مكتبة تحوي على عدد من الكتب رغب الطلاب في قراءتها (1).
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 170 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 94/ 1 - 95. (1) الباروني، الأزهار، 209/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 289.) المشارقة أو أهل المشرق: مصطلح يستخدمه إباضية المغرب ويقصدون به إباضية المشرق كالبصرة والحجاز ومصر وعمان واليمن وخراسان، وفي المقابل فإن إباضية المشرق يطلقون على إباضية المغرب: المغاربة وأهل المغرب (انظر: ابن سلام، بدء الإسلام، ص 110، 135 - مجموعة علماء، السير (مخ): كتاب الإمام أبي عبيدة مسلم وحاجب الطاني إلى أهل المغرب في قضية الحارث وعبد الجبار، ورقة - مجموعة علماء، السير والجوابات: سيرة الشيخ محمد بن محبوب إلى أهل المغرب، ج 2، تع: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان: 1406 هـ / 1986 م، ص 233 - 268 - أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 81، 89، 19. 110، 125 - الدرجيني، مصدر سابق، 66،49/ 1، 29/ 2، البرادي، الجواهر المنتقاه (مخ)، ورقة 218، 219 - عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 2، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان،
1417 هـ / 1997 م، ص 261 - 262).
(1) الدرجيني، مصدر سابق: 445/ 2. (1) الدرجيني، مصدر سابق، 127/ 2 - الشماخي، السير، 82/ 2. (1) دبوز، تاريخ المغرب الكبير: 403/ 3. (1/134)
صفحة 135
إضاءات حضارية
135
وهذه النهضة العلمية لابد وأن يواكبها نهضة في مجال التأليف، فحازت الدولة الرستمية قصب السبق في ذلك، فقدم أئمتها وعلماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أو الدنيوية، وكان أئمة الدولة الرستمية في مقدمة الركب في ذلك، كالإمام عبد الرحمن الذي ألف كتابا في التفسير، وكتابا جمع فيه خطبه؛ والإمام عبد الوهاب الذي ترك لنا كتابا يعرف بـ (كتاب مسائل نَقُوسَة) (1)؛ وأما الإمام أفلح فقد ترك الكثير من المؤلفات منها
(2)
ما طبع والكثير لا يزال مخطوطا (2)، ويذكر البرادي أنه وقف على سفر كامل يضم أجوبة لأئمة الدولة الرستمية ومن ضمنهم الإمام أفلح (3)، وكان له عناية بالحديث وروايته (4)؛ وإذا جئنا إلى الإمام أبي اليقظان نجده كان من المكثرين في التأليف، فيذكر الدرجيني أنه ألف تأليفا مشتملا على أربعين جزءا في الاستطاعة، ومن مؤلفاته كذلك) رسالة في خلق القرآن) وغيرها من المؤلفات (1).
(0)
هذا بالنسبة لأئمة الدولة الرستمية، وأما علماؤها فحدث عنهم في مجال التأليف بلا حرج، ولا يتسع المقام هنا في هذا البحث المختصر لتسليط الضوء على مؤلفات علماء الدولة الرستمية، ولكن تخص من بينهم بالذكر – للتمثيل لا الحصر - الشيخ العلامة هود بن مُحَكم الهواري صاحب كتاب (تفسير كتاب الله العزيز) ()، والشيخ العلامة عمروس بن فتح النفوسي ترك المؤلفات النفيسة ككتاب (أصول الدينونة الصافية)، وكتاب في (الرد على الناكثة
من
العديد واحمد بن الحسين) وغيرها (8). كذلك فإن الدولة الرستمية لم تعمل جانب العلوم العقلية كعلم الكلام وغيره، فكانت تجري العلماء مختلف المذاهب الإسلامية والتيارات الفكرية المناظرات والمناقشات العلمية بحرية من
بين
(1) قلم الشيخ إبراهيم محمد طلاي بتحقيق الكتاب، وطبع بالمطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1991 م. (1) بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 11/ 2، رقم الترجمة: 116.
) البرادي.
الجواهر المنتقاه (مخ)، ورقة 219.
(1) الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، ج 2، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1415 هـ /
1994 م، ص 250 - 255
(1) الترجيني طبقات المشائخ، 319/ 2.
) بحاز، الدولة الرستمية، ص 298 - 329 بحاز واخرون، مصدر سابق، 61/ 2، رقم الترجمة: 116، 248/ 2، رقم الترجمة: 283/ 20544، رقم الترجمة: 359/ 20609، رقم الترجمة: 784.
انظر عنه المقال رقم (1) من هذا الكتاب.
(1) انظر عنه المقال رقم (5) من هذا الكتاب. (1/135)
صفحة 136
136
إضاءات حضارية
تامة وبلا تضييق، وذلك أن الدولة الرستمية عاش في كنفها الكثير من أتباع المذاهب الإسلامية، واليهود والنصارى كما ذكرنا (1)، ويحدثنا ابن الصغير عن ذلك فيقول: " من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم، قربوه وناظروه الطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك "، وابن الصغير نفسه كانت له مناظرات مع علماء الدولة الرستمية من الإباضية (2) كذلك نجد أن الدولة الرستمية كان لها اهتمام بالأدب العربي من شعر ونثر، فأما النثر فيظهر ذلك جليا من خطب أئمة الدولة الرستمية ومراسلاقهم، وأما الشعر فكان لهم نصيب فيه ولكن ليس كالنثر، ومن شعراء الدولة الرستمية الإمام أفلح بن عبد الوهاب، ومن قصائده العصماء تلكم القصيدة الفريدة في فضل العلم والتي تقع في أربعة وأربعين بيتا (3)، يقول في مطلعها (4): العلم أبقى لأهل العلم آثارا يريك أشخاصهم روحا وابكارا حي وإن مات ذو علم وذو ورع ما مات عبد قضى من ذاك أوطارا
ويقول (*):
اشدد إلى العلم رحلا فوق راحلة وصل إلى العلم في الآفاق أسفارا ومن شعراء الدولة الرستمية الفحول شاعر تبهرت بكر بن حماد الزكاتِي التَّنْهَرْنِي) ومن شعره (7):
قف بالقبور فناد الهامدين بما من أعظم بليت فيها وأجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم من الوصال وصاروا تحت أطواد راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا فلن يروحوا ولن يغدو لهم غادي والله والله لو ردوا ولو نطقوا إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد
بحاز، الدولة الرستمية، ص 329 - 342.
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 1180117.
1
قام
أحد الشعراء العمانيين بتشطيرها، وهو الرحالة الأديب الشيخ علي بن أحمد العماني عاش في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، وتوفي في السودان في رحلة من رحلاته (انظر: الباروني، الأزهار، 189/ 2). (1) الباروني، الأزهار، 190/ 2 - بحاز، مصدر سابق، ص 360. (5) الباروني، مصدر سابق، 191/ 2 - بحاز، مصدر سابق، ص 390. (1) انظر مقال رقم (7) في هذا الكتاب.
(1) الباروني، مصدر سابق، 73/ 2 باز، مصدر سابق، ص 364.
+ (1/136)
صفحة 137
إضاء انت حضارية
137
وكان لرعايا الدولة الرستمية عناية بجمع الشعر وحفظ، فيقطعون المفاوز إلى مواطن الشعراء من أجل سماع بيت شعر أعجبهم أو التأكد من صحة نسبته إلى قائله، فمن ذلك ما يروى عن الشاعر أبي نصر عبد العزيز بن عمر المعروف بابن نباتة (ت: 405 هـ) أنه جاءه رجل من أهل تيهرت ليتأكد من صحة نسبة بيت شعر له، فقال - أي ابن نباتة.: -: كنت يوما قائلاً في دهليزي، فدق علي الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل المشرق، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، فمضى، فلما كان أخر النهار دق على الباب، فقلت: من؟ قال رجل من أهل تاهرت من المغرب، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، وعجبت كيف وصل هذا البيت إلى المشرق والمغرب (1)
وقد كانت للدولة الرستمية علاقات ثقافية مع بلدان المغرب والأندلس، ومع بلاد السودان، وبلدان المشرق العربي، فكانت بينهم مراسلات ولقاءات (2).
(1) احمد بن محمد ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 383 - محمد بن احمد الذهبي، تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ،
ص 2936.
(1) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 115، 132 - 133 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 32، 37، 71، 9907 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 183، 8، 8، 89، 099 100، 115، 121، 125 - الدرجيني، طبقات المشائخ: 17، 19، 170، 29/ 22 - 29، 2، 2، 327، 478 - الشماخي، السير، 130/ 1، 131، 190، 12، 102، 100، 193 190، 221 222، 8/ 2 - البرادي، الجواهر المنتقاه (مع)، ورقة 218 - الباروني، الأزهار، 19070/ 2 - بماز، مصدر سابق، ص 282. 398 - محمد ناصر بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل نمونها (بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملح، منشورات جامعة ال البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان، ص 234 - يحيى صالح بوتردين، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان) من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، ص 252 - 253. (1/137)
صفحة 138
إضاءات حضارية
138
كذلك فإن تيهرت تميزت بجمالها المعماري، فكان بها القصور والبيوت والمساجد والأسواق والفنادق والحمامات يحيط بكل ذلك سور، وكانت تمر خلالها المياه حتى تصل إلى البيوت، وقد تفنن الرستميون في بناء عاصمتهم حتى وصفت بعراق المغرب، ويبلغ المغرب (1). وقد أطنب المؤرخون والرحالة في وصف جمالها وحسنها، وقد ذكرت شيئا مما ذكره المقدسي وابن الصغير، ولنستمع إلى ابن الصغير وهو يصف تيهرت في عهد الإمام أفلح فيقول: " ... وشمخ في ملكه، وابتنى القصور، واتخذ بابا من حديد، وبنى الجفان، وأطعم فيها أيام الجفاف ... وعمرت معه الدنيا، وكثرت الأموال والمستغلات، وأنته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان، حق ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة، وأجروا الأغر (3) ... . (3). ومن أشهر مدن الدولة الرستمية: مدينة (تَنْهَرْت (العاصمة، ومدينة (وهران)، ومدينة (شلف)، ومدينة (الغدير)، والمدينة) الخضراء)، وغيرها من المدن (4).
(2)
وكان للمرأة دور بارز في الدولة الرستمية، فهناك العديد من العالمات والمصلحات، كامثال أخت الإمام أفلح، وأخت الشيخ عمروس، اللتين تعدان. عالمات الدولة الرستمية، ولا أدل من على بروز المرأة في المجتمع الرستمي وانتشار العلم بينهن من كلام أحد أفراد الدولة الرستمية واصفا ذلك: * معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم مولة يبيت فيها القمر • (*)، هذا بالنسبة للإماء فما بالنا بالحرائر.
كذلك فإن أئمة الدولة الرستمية اهتموا بنشر الأمن والسلام في ربوعها، وكان لهم الولاة والقضاة الذين يعينون الإمام في تسيير دفة الحكم والمحافظة على حقوق الشعب، وكانت لهم الشرطة التي تحافظ على الأمن والنظام في مدن الدولة وأسواقها (1)
(1) الباروني، الأزهار، 8/ 2.
(1) هكذا في الأصل، وقد نبهت سابقا أن الأصح أن يقال: أنهار ونهر ونهور (انظر: ابن منظور، لسان العرب،
نهر).
) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61 - 62. (1) الباروني، مصدر سابق، 45/ 2 - 66.
(1) الشماخي، السير، 195/ 2
(1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 45، 12، 13 - الباروني، مصدر سابق، 194/ 2، 219. (1/138)
صفحة 139
إضاءات حضارية
139
وكان للدولة الرستمية مساهمة فعّالة في نشر الإسلام في إفريقيا السوداء عن طريق ممارسة
وذكره بنعم
(2)
؛ وقيام الشيخ
التجارة مع تلك المناطق التي لم تكن تعرف الإسلام قبل وصول تجار الدولة الرستمية حاملين معهم مشعل الهداية، فمن هؤلاء العلماء التجار الشيخ عبد الحميد القراني (ق: 3 هـ)، وصفه الأرجيني بأنه " عالم كبير من أهل الدعوة ((1)، ومنهم أبو يحيى بن أبي القاسم الفُرْسُطاني (ق: هـ)، الذي كان السبب في إسلام أحد ملوك بلاد السودان، حيث إنه قام بدعوته إلى الإسلام الله عليه، فأسلم الملك وحسن إسلامه، وأسلمت الرعية بعده عمروس بن فتح يإرسال عالم كبير (3) إلى بلاد السودان ليفقه أهلها في أمور دينهم) وقد كان أئمة الدولة الرستمية يرسلون الوقود إلى ملوك السودان لتعزيز العلاقات التجارية والثقافية بين الطرفين، فمن ذلك ما قام به الإمام أفلح بن عبد الوهاب من إرسال محمد بن عرفة إلى ملك السودان بهدية، فأعجب ملك السودان هيبة محمد بن عرفة وفروسيته وصباحة وجه، فقال له بلغته ما ترجمته: " أنت حسن الوجه حسن الهيبة والأفعال. (5)
(1)
ووصل مدى التأثير الثقافي للإباضية في بلاد السودان أن تأثرت الكثير من القرى السودانية بالمذهب الإباضي، فتشير بعض الكتب إلى وجود قرى عديدة تعتنق المذهب الإباضي في السودان في القرن الماضي (1)؛ وذكر د/ إبراهيم بحاز عدم استبعاد الوجود الإباضي في بلاد السودان معتمدا على ما ذكره ابن بطوطة من مشاهدته في نهاية القرن السابع الهجري الجماعة من الإباضية يسكنون في قرية (زَاغَرِى) في بلاد السودان، ويسمون (صفتفو)). وقد أثبت الباحث شاخت (Schacht (استمرار الوجود الإباضي في بلاد السودان، بناء على ما لاحظه في مساجد بعض مناطق بلاد السودان من وجود هندسات مشابهة تماما لما عند الإباضية في وادي ميزاب أو وارجلان، كالخراب المستطيل الشكل، والمئذنة ذات الشكل
(1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 327/ 2.
(1) الشماخي، السير، 8/ 2 - بحار وأخرون، معجم أعلام الإباضية، 451/ 2 رقم الترجمة: 983.) لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمه، واكتفت بوصفه بأنه عالم كبير. محمود إسماعيل، الخوارج، ص 223 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 388. (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71
(0
(1) المنيش، إزهاق الباطل، ص 67 - 68 نقلا عن: بحار، مصدر سابق، ص 389.
محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (ابن بطوطة)، رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار)، تح: طلال حرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 689 - بحاز، مصدر سابق، ص 389. (1/139)
صفحة 140
إضاءات حضارية
140
المستطيل المخروطي، وعدم وجود المنبر في بعض المساجد (1)؛ بل إن بعض الرحالة من شباب عمان أكد لي وجود قرى تتمذهب بالمذهب الإباضي إلى اليوم في مالي والسنغال، ومن تلك القرى قرية (بافلابي) في مالي (2).
ولقد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غربا (3). وبعد هذا العمر المديد وهذه الإنجازات الضخمة التي قدمتها الدولة الرستمية للأمة الإسلامية، هجم عليها أبو عبد الله الشيعي داعية الفاطميين في سنة 296 هـ / 909 م،، قدمرها وعاث فيها فسادا، وقتل أهلها، ولم يكتف بذلك، بل قام بإحراق مكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية، فقضى بذلك على تراث عظيم من تراث الأمة الإسلامية
فحسبنا الله ونعم الوكيل (4). ومما قيل في رثائها (5):
خليلي عوجا بالرسوم وسلما على طلل أقوى وأصبح أغبرا (1) الما على رسم بتيهرت دائر عفته الغوادي الرائحات فأقفرا (7)
كان لم تكن بتيهرت دارا لمعشر قدمرها المقدار فيمن تدمرا
(1) 1 - 1. Schacht J : Sur La Diffusion, opcit, p نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 389. 390. وانظر: محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 35 39.
(1) مكالمة هاتفية مع الشيخ عبد الله بن مبارك العبري، 13 من ربيع الأول 1426 هـ / 24 من إبريل 2005 م. بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 284/ 2، رقم الترجمة: 609.
3
(1)
أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 169 - 170 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 91/ 11 - 90 - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 598/ 6 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 184/ 3، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) - احمد بن علي المقريزي، اتعاظ الحتفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، موقع الوراق) www.alwaraq.com) .
ص 17.
(0) ابن عذارى المراكشي، البيان المقرب، 199/ 1. لم يذكر ابن عذارى صاحب الأبيات، وذكرها الباروني باشا ناقلا عن ابن عذارى، ولم يقف على قاتلها (انظر: الباروني، الأزهار، 300/ 2 - 301). (1) غوجا: أي اعطفا ومرا وأقيما، يقال: عاج بالمكان وعليه، عوجا وخرج وتعوج: عطف، وغبت بالمكان أعوج أي اقمت به ارقال: عاج بالمكان وعوج أي: أقام، وقيل: عاج به أي: عطف عليه ومال والم به ومن عليه (انظر: ابن منظور، لسان العرب، عوج).
اقوى: أي أكثر وخلى، يقال: قويت الدار قوا، وأقوت إقواء إذا أقفرت وخلت: والقي: الفقر من الأرض، أبدلوا الولو ياه طلبا للخفة، وكسروا القاف المجاورتها الياء، وأرض قواه وقواية، الأخيرة نادرة: قفرة لا أحد فيها (انظر: اين منظور، مصدر سابق، قوا). (1/140)
صفحة 141
إضاءات حضارية
وقال الشيخ سليمان باشا الباروني (ت: 1359 هـ / 1940 م) في رثائها (1): قفا نبك أطلالا تقلص ظلها و نندب آثار الذين بقوا ذكرا بني رستم من قام بالعدل ملكهم فامست هم تيهرت كالروضة الزهرا
هذه
تحف بها الأنهار والزهر باسم
أقاموا منار الدين دهرا وشيدوا
بروض بساتين هي الجنة الخضرا
معالمه و استسهلوا البر والبحرا
141
هي الدولة الرستمية الإسلامية، والتي للأسف الشديد تجاهلها الكثير من المؤرخين والكتاب القدماء أو المحدثين، وقد يذكرها البعض بقصد التجني عليها وتشويهها، والتعتيم على الإنجازات العظيمة التي حققتها خدمة للأمة الإسلامية، وكل هذا يعود إلى الأهواء السياسية، والتعصبات المذهبية المقيتة التي عادت على هذه الأمة بالشر والوبال، بالرغم من أن الدولة الرستمية أظلت بظلها الوارف مختلف المذاهب الإسلامية بل والديانات الأخرى، فكانت حقوقهم محفوظة وكرامتهم مصانة
ومن أمثال هؤلاء المؤرخين الذين ظلموا الدولة الرستمية، وكان حري بأمثالهم الإنصاف: ابن عبد الحكم (ت: 257 هـ / 888 م صاحب كتاب (فتوح مصر والمغرب والأندلس)، والبلاذري (ت: 279 هـ / 892 م (صاحب كتاب (فتوح البلدان)، وحق ابن خلدون الذي شهد له بالموضوعية لم يسلم من ذلك (2). فعسى أن تكون هذه الأجيال الإسلامية المباركة في هذا الوقت قد أدركت هذه الحقيقة المرة، وأدركت أن ما يعانيه المسلمون اليوم من ذل ومهانة وصغار على أيدي أعداء الأمة الإسلامية، يعود في المقام الأول إلى المسلمين أنفسهم، بسبب اشتغالهم بالتعصبات المذهبية والتشنيع على إخوانهم غير مذاهبهم، مما أدى إلى إيغار الصدور، وتفتت العلاقات بين المسلمين، ففتح الباب على مصراعيه أمام أعداء الأمة ليعيثوا في جسدها فسادا، بعد أن أنهكه أبناؤها بصراعاتهم العقيمة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل الأمر ببعض من ينسبون أنفسهم إلى الإسلام إذا
من
(1) القوادي: جمع غانية، والغانية: الصحابة التي تنثنا غنوة، وقيل: الغانية الصحابة تنشأ فتنظر غنوة، وقول: الثانية سحابة تنشأ صباح) (انظر: ابن منظور، لسان العرب، غدا). (1) انظر القصيدة كاملة في: الباروني، الأزهار: 305/ 2 - 206. (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 6 مقدمة المحققين. (1/141)
صفحة 142
إضاءات حضارية
142
أصيب أحد إخوانهم المسلمين من غير مذهبهم باعتداء سافر غاشم من قبل أعداء الإسلام، يفرحون لذلك ويسرون، والله المستعان، فهل من صحوة من هذا السبات، وهل من عودة إلى قوله تعالى: {إِنْ هَذِهِ أَمْتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (1).
(1) سورة الأنبياء، آية رقم: 92. (1/142)
صفحة 143
(4)
حَرَكَةُ التَّأْلِيفِ عِنْدَ العُمَانِيِّينَ
في
القُرُونِ الهِجْرِيَّةِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى (1/143)
صفحة 144
[صفحة فارغة] (1/144)
صفحة 145
إضاءات حضارية
145
(1)
حَرَكَةُ التَّأْلِيفِ عِنْدَ العُمَانِيِّينَ فِي القُرُونِ الهِجْرِيَّةِ الثَّلاثَةِ الأُولَى)
إن التاريخ العماني تاريخ ذو شجون، حوى الكثير من العبر والعظات، وبه الكثير من الأفراح والأتراح، والتراث العماني تراث واسع ومتنوع، يحتاج من الباحثين جهدا جبارا ومضنيا
لجمع شتاته وتسوية أوراقه.
ولقد ترك لنا أئمة عمان وعلماؤها الكثير من المؤلفات والبحوث التي تحتاج إلى الأيدي الفتية أبناء الأمة الإسلامية لإماطة اللثام عنها، ولنفض غبار الزمن وتناسي الأجيال عن تلك المؤلفات العظيمة التي تركها لنا الأجداد.
من
ولما يتميز به التراث العماني التنوع والاتساع في التأليف، فقد اهتم العمانيون بالكثير من فنون العلم، فطرقوا أبوابها وولجوا ميادينها وتسنموا ذراها، فأبدعوا في التأليف وأضافوا الجديد على ما تركه من سبقهم من العلماء. فإننا لو تأملنا الكثير من فنون العلم سنجد أن البراع العماني ساهم بشكل فعال في تلك الفنون، وبشكل متقن ومتمكن ينم عن قوة علمية وملكة عقلية، فتجد لهم المؤلفات في التفسير والحديث وعلوم القرآن والفقه وأصوله والتوحيد وعلوم اللغة والتاريخ والطب والفلك وعلوم البحار وغيرها من فنون العلم، فألفوا في هذه العلوم المختصرات والمطولات التي وصل بعضها إلى التسعين مجلدا كـ (قاموس الشريعة (للشيخ العلامة جميل بن خميس السعدي (ق: 13 هـ) (2)، بل وقاموا بنظم بعض العلوم خاصة في الشريعة واللغة، وأقرب مثال لذلك
(1) نشر هذا البحث سابقا في: مجلة الحياة، العدد الثامن، رمضان 1425 هـ / نوفمبر 2004 م، ص 223، نشر جمعية التراث، غرداية، الجزائر. جريدة الوطن، سلطنة عمان، الجمعة 26 من صفر 1425 هـ / 16 من إبريل 2004 م، العدد (7577)، السنة 34، وانظره كذلك على هذه الوصلة:
http://www.alwatan.com/graphics/2004/04 apr/16.4/dailyhtml/deen.html
موقع الأمل المشرق (www.alam.net) .
موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) .
(1) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، تح: عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1409 هـ / 1989 م، ص 5 مقدمة المحقق - ضياني، معجم مصادر الإباضية، ص 414 - محمد صالح ناصر، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، قرص مدمج، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، رقم الترجمة: 148 (1/145)
صفحة 146
إضاء انت حضارية
146
) جوهر النظام) للإمام عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332 هـ / 1914 م)، وتصل عدد أبياته إلى بضعة عشر ألف بيت (1)، و (سلاسل الذهب (للشيخ محمد بن شامس البطاشي (ت: 1420 هـ / 1999 م)، الذي نظم شرح كتاب النيل للإمام محمد اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م) في 124 ألف بيت، وانتهى من ذلك في سنة 1390 هـ / 1970 م (2). دعونا من الكلام العام ولنأت إلى الأمثلة الحية لنستشهد بها على ما ذكرنا قبل قليل، وساكتفي بذكر بعض النماذج للتمثيل لا الحصر، حيث إن المؤلفات العمانية في القرون الهجرية الثلاثة الأولى كثيرة ومتنوعة لا يستوعبها هذا البحث المختصر، فهي تحتاج إلى دراسة موسعة مستقلة، ولكن كما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك جله. لقد اهتم العمانيون بالتأليف منذ القرون الهجرية الأولى بل من القرن الهجري الأول، فالإمام المؤسس للمذهب الإباضي الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (ت: 93 هـ / 711 م) ترك لنا موسوعة علمية نفيسة تعرف بـ (ديوان الإمام جابر (في سبعة أحمال، وقد عده بعض الباحثين أول من جمع الحديث في ديوان، وعُد من أوائل المؤلفين في الإسلام، إلا أن هذا الديوان ضاع بسبب الفتن والحروب (3). ولكن بقيت بين أيدينا نصوص من تأليفه، فمن مؤلفاته التي حفظتها لنا يد القدر) كتاب النكاح)، إلا أنه لا يزال مخطوطا بالمكتبة البارونية بجزيرة جربة بتونس، ولعله
(1) انظر: عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان، ج 1، تح: الشيخ إبراهيم العبري والشيخ أبي إسحاق إبراهيم الطفيش، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، ط مقدمة أبي إسحاق إبراهيم! اطفيش. معجم مصادر الإباضية، ص 233 - محمد ناصر، معجم اعلام الإباضية (قسم المشرق)، رقم الترجمة:
ضياني
YA 1
(1) ضياني، معجم مصادر الإباضية، ص 322 - محمد ناصر، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، رقم الترجمة: 1235
محمد بن جعفر الإزكوي، الجامع لابن جعفر، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ص 48 - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 143 - 145 - محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ / 1984 م، ج 3 ص 349، 1414 هـ / 1993 م، ج 51 - 5 ص 432 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 81/ 1 82 - حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج 1، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1410 هـ / 1990 م، ص 781 - يحيى محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ / 1986 م، ص 75 - سامي صقر، الإمام جابر بن زيد وأثره، ص 125 - بحاز واخرون، معجم أعلام الإباضية،
109/ 2، رقم الترجمة: 230. (1/146)
صفحة 147
إضاءات حضارية
12 V
جزء من ديوانه المفقود، وقد فهرسه د/ النامي في أطروحته، وذكر عنه كذلك معلومات قيمة في
رسالته حول المخطوطات الإباضية المكتشفة حديثا (1).
+
ومن المؤلفات المنسوبة إليه) كتاب الصلاة)، إلا أنه ليس من تأليفه، بل رواه حبيب بن أبي حبيب الجرمي (ت: 162 هـ) عن عمرو بن هَرِم (ق: 1 هـ و 2 هـ) عن الإمام جابر (2)، وعمرو بن هرم هو أحد تلاميذ الإمام جابر (3)، والحقيقة أن (كتاب الصلاة) عليه بعض الملاحظات، وذلك لاحتوائه على بعض المرويات التي تخالف كل ما روي عن الإمام جابر من طرف طلابه الملازمين له كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (145 هـ / 762 م) وضمام بن السالب (حي: 100 هـ / 718 م) والربيع بن حبيب (تولي بين 175 هـ / 791 م -
+
(1)
180 هـ / 796 م) وغيرهم، فمن ذلك مثلا إثبات الكلام في مواضع معينة من الصلاة (4) وإذا عدنا إلى ما قاله علماء الرجال في كل من عمرو بن هَرم وحبيب بن أبي حبيب، نجد أن عمرو بن هَرِم وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو داود السجستاني وابن حبان (4)، وأما حبيب بن أبي حبيب فقد ضعفه عدد من علماء الرجال قال الذهبي: فيه لين ما، وغمزه احمد بن حنبل، وقدح فيه يحيى القطان، ونهى يحيى بن معين عن كتابة حديثه وسماعه) فلعل هذه الزوايات المخالفة للثابت عن الإمام جابر جاءت من طرف ابن أبي حبيب، فلعله خلط بين ما سمعه من عمرو بن هَرم وغيره، خاصة أن الأخير وثفه عدد من علماء الرجال كما مر، أو لعله خلط بين شيوخ عمرو بن هَرم، فنسب ما رواه عمرو بن هرم ن احد شيوخه إلى الإمام جابر، وهذا أظهر بدليل كلام المزي عند
النامي، وصف مخطوطات إباضية، 54 نفس المؤلف، دراسات عن الإباضية، ص 79. النامي، وصف مخطوطات إباضية، ص 5 - نفس المؤلف: دراسات عن الإباضية، ص 79. يوسف بن عبد الرحمن المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . ص 2541 - الذهبي، تاريخ الإسلام، موقع الوراق) www.alwaraq.com - أحمد بن علي ابن حجر، تهذيب التهذيب، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 1193
(1) لقاء
امع خالد بن مبارك الوهيبي، مسقط، سلطنة عمان، 22 من شعبان 1426 هـ / 26 من سبتمبر 2005 م. (1) المزي، مصدر سابق، موقع الوراق) www.alwaraq.com ، ص 241 الذهبي، مصدر سابق، موقع الوراق (www.alwaraq.com ، ص 833 ابن حجر، مصدر سابق، موقع الوراق (www.alwaraq.com) .
ص 1193.
4
(1) المزي، مصدر سابق، موقع الوراق) www.alwaraq.com 1 - الذهبي، مصدر سابق، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 1203. ابن حجر، مصدر سابق، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 235. (1/147)
صفحة 148
إضاءات حضارية:
YEA
ترجمته لابن أبي حبيب قال: " قال عبد الصمد: كل شيء من الفرائض والمناسك فهو عن عمرو
(1).
بن هرم ليس عن جابر بن زيد.، وهناك تعليل آخر وهو أن يكون عمرو بن هرم من صغار طلاب الإمام جابر، فلم يلازمه كثيرا، فلعله حفظ عنه بعض الروايات والأقوال التي لم يصل فيها الإمام جابر إلى الاستقرار والفصل، فلعله قال بها في مرحلة ما ثم تراجع عنها لوقوفه على ما يدمغ ذلك القول، والذي يؤكد ذلك قول الإمام جابر عندما أخبر بأن طلابه يكتبون آراءه: " إنا لله وإنا إليه لراجعون، يكتبون رأيا لعلي أرجع عنه غدا 0 (2). والذي يؤكد كون عمرو بن هَرم لم يلازم الإمام جابر كثيرا عدم وجود ذكر أو ترجمة له في مصادر الإباضية وكتب الطبقات لديهم، بعكس طلابه الآخرين كابي عبيدة والربيع وضمام وغيرهم، وإن كان هناك بعض الباحثين من اعتبر عمرو بن هَرم من أكثر الناس رواية عن الإمام جابر (3)، إلا أنه لم يذكر دليله على ذلك ا، وكيف يقال عن عمرو بن هرم أنه من أكثر الناس رواية عن الإمام جابر ولا نجد له ذكرا في مصادر الإباضية المتقدمة، أو إشارة إلى هذه الميزة التي تميز ها 12، بعكس ما نشاهده عند ذكر الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة مثلا والحقيقة أنني لم أتمكن من معرفة ما إذا كان عمرو بن هَرم ينتمي إلى المدرسة الإباضية أم لا؟ خاصة أنه أزدي بصري 1 (4)، وكما هو معلوم أن البصرة كانت معقل الإباضية في القرون الهجرية الأولى، وقبيلة الأزد الحاضنة لهم ()، إلا أن الأظهر أنه لا ينتمي إلى المدرسة الإباضية، ويوافقني على ذلك بعض الباحثين (1)، والذي يجعلني أميل إلى ذلك: أولا عدم الإشارة إليه في
(1) المزي، تهذيب الكمال، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 475 محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 1282 - يوسف بن إبراهيم الوار جلاني، الدليل والبرهان، ج 2، تح: سالم بن حمد الحارثي، وزارة الثراث والثقافة، سلطنة عمان، 1417 هـ /
(1)
1997 م، ص 77.
3
إبراهيم بن احمد الكندي
، جابر بن زيد كلمام من أئمة الحديث، ندوة من أعلامنا الأولى، المديرية العامة للنشاط الثقافي، مسقط، سلطنة عمان، 1409 هـ / 1988 م، ص 216. (1) المزي، مصدر سابق، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 2541 - الذهبي، تاريخ الإسلام، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 833 - ابن حجر، تهذيب التهذيب،
موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 113 (1) محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 248 - عرض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 97 - 98. (1) لقاء مع خالد بن مبارك الوهيبي، مسقط، سلطنة عمان، 22 من شعبان 1426 هـ / 26 من سبتمبر 2005 م. (1/148)
صفحة 149
إضاء أنت الحضارية
149
المصادر الإباضية، وثانيا أن كتب الرجال في معرض ترجمتها له لم تشر إلى كونه ينتمي إلى الإباضية
أو غيرها؟ وفي العادة تشير إلى مثل ذلك 1 (1).
وعموما فإن (كتاب الصلاة (لا يزال مخطوطا بالمكتبة البارونية، وقد ذكر د/ النامي عنه معلومات هامة في أطروحته، وفي رسالته حول المخطوطات الإباضية، وحققه تحقيقا أوليا (2). وللإمام جابر رسالة تحت عنوان (الرُّجُوف) (3)، أشار إليها محبوب بن الرحيل (ق: 2 هـ) في سيرته التي كتبها إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان (حي: 226 هـ)، واقتبس منها نصا جاء فيه: " وجاء في الخروج الأعظم، وأمر المنادي ينادي هلم إلى ربكم، وذكر أهل الجنة فقال: عبدوا ربهم أخدانه، ونسبهم بالكرامة، وقال تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكَ مُقْتَدِرٍ) (4). (5).
+
والنص السابق يشير إلى بعض أحداث يوم القيامة، فلا أدري هل رسالة (الرُّجُوف) خصصها الإمام جابر لمناقشة أحداث الآخرة، خاصة وأن عنوانها (الرُّجُوف)، وهو يأتي بمعنى
(1) علماء الجرح والتعديل في الغالب يشيرون إلى مذهب المترجم له خاصة إذا كان لا يوافقهم في الأيديولوجية المذهبية، كان يكون إباضيا أو شيعيا أو غيرها من المدارس الإسلامية، بل أحيانا يتخذون ذلك ذريعة للطعن فيه!!. فمثلا ابن معين يقول عن الإمام جابر بن زيد " كان جابر إياضيا " وفي ترجمة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة نجد ابن حبان يقول: " مسلم بن عقال، ومسلم بن عمار، ومسلم بن أبي كريمة، ومسلم بن هرمز، ومسلم مولى علي، رووا هؤلاء عن علي بن أبي طالب، إلا أني لست اعتمد عليهم، ولا يعجبني الاحتجاج بهم لما كانوا فيه من المذهب الردي "!، وفي ترجمة أبي نوح صالح الدهان قال ابن معين: " قدري وكان يُرمى بقول الخوارج "!. وقال ابن المديني: " ضعيف يرى رأي الإباضية "!، وفي ترجمة أبي الحر علي بن الحصين قال بن عيينة: " رأيت علي بن حصين وكان يرى رأي الخوارج "، وقال ابن حبان: " كان يذهب مذهب الشراة " (انظر: محمد بن إسماعيل البخاري، التاريخ الكبير، موقع الوراق) www.alwaraq.com ، ص 170 - محمد بن حبان، الثقات، موقع مكتبة يصوب الدين، (html.545/http://www.yasoob.com/books/htm 1/02/21) : 401/5 - أحمد بن علي ابن حجر، لسان الميزان، موقع الوراق) www.alwaraq.com ، ص 1018002 - ابن حجر، تهذيب
التهذيب، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 186، 623).
(1) النامي، وصف مخطوطات إباضية، ص 5 - نفس المؤلف، دراسات عن الإباضية، ص 79.) الرجوف من رجف، ويأتي على عدة معاني فمن معانيه: الاضطراب الشديد والزلزلة، يقال: رجف الشيء يرجف ربقا ورجوفا ورجفانا ورجيفا وارجف: خفق واضطرب اضطرابا شديدا، ورجفت الأرض إذا تزلزلت، وفي التنزيل العزيز: و يوم ترجف الزاحفة تتبعها الرايقة) (سورة النازعات، لية: -): قال الفراء: الزاحفة النفخة الأولى، والرابقة النفخة الثانية: ويأتي بمعنى الفتنة والخوض في الأخبار الكاذبة، يقال: ارجف القومُ إِذا خاضوا في الأخبار السينة وذكر الفتن، قال الله تعالى: (وَالمُرْجمُونَ في المدينة) (سورة الأحزاب، من الآية: 10)، وهم الذين يُولدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس (انظر: ابن منظور، لسان العرب، رجف). (1) سورة القمر، أية: 54 - 55. () مجموعة علماء، السير والجوابات: سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان،
310/ 1 (1/149)
صفحة 150
إضاءات حضارية:
10.
الزلزلة ويوم القيامة كما بينا في الهامش، ولكن لا يمكن التكهن بذلك خاصة وأن للرجوف معان أخرى كالفتنة مثلا، فربما ذكر ذلك النص عرضا في رسالته، فلا يمكن أن نتكهن بمحتوى الرسالة من خلال نص مجتزأ، وقد بحثت عن هذه الرسالة فلم أقف عليها، فلعلها مفقودة ولم يق منها إلا إشارات العلماء المتقدمين إليها في نصوصهم، ونقلهم بعض محتوياتها كما رأينا مع محبوب بن الرحيل.
و من آثاره كذلك مراسلات ومكاتبات وأجوبة لتلاميذه وأصحابه، منها ثماني عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن، وتوجد نسخة مخطوطة من هذه الرسائل بالمكتبة البارونية، ونسخة أخرى في مكتبة الشيخ صالح بن عمر بيني يسجن بوادي ميزاب بالجزائر، وقد قام
(2)
(1)
الشيخ فرحات الجعبيري بتحقيق هذه الرسائل تحقيقا أوليا (2). وكذلك من آثاره (فقه الإمام جابر بن زيد (جمع وتحقيق الأستاذ يحيى بكوش، وقد طبع مرتين؛ وأخيرا) من جوابات الإمام جابر بن زيد (ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي وقد طبع بسلطنة عُمان (3).
وقد أكد الأستاذ بكوش أن للإمام جابر رحمه الله رسائل متفرقة موجودة اليوم في خزائن الكتب، فمنها ما هو في دار الكتب المصرية، ومنها ما هو في وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، ومنها ما هو في بريطانيا، وفي المكتبة البارونية بجربة، ولعلها جزء أو بعض جزء
من ديوانه
(1)
والإمام المحدث الربيع بن حبيب الأزدي) تولي بين 175 هـ / 791 م - 180 هـ / () الذي تسلم إمامة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة
796 م)
(1) النامي، وصف مخطوطات إباضية، ص 3 - فرحات الجعيري، تحليل رسائل الإمام جابر بن زيد تمهيدا لتحقيقها. الملتقي العلمي الأول حول تراث سلطنة عمان، جامعة آل البيت، وحدة الدراسات العمانية، الأردن، 1423 هـ /
2002 م، ص 70.
(1) انظر: الجعيري، مصدر سابق، ص 70.
+
) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 181 - بكوش، فقه الإمام جابر، ص 75 - سامي صقر، الإمام جابر بن زيد وأثره، ص 17 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 109/ 22، رقم الترجمة: 230. (1) بكوش، مصدر سابق، ص 75. سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، طا: 1416 هـ/ 1995 م، ص 16، 19 صالح بن احمد البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 2000 م، ص 49 590.
() (1/150)
صفحة 151
إضاءات حضارية
مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت: 145 هـ / (762 م)، كذلك ترك لنا آثارا مهمة وقيمة فمما
تر که:
1 - مسند الإمام الربيع: وهو عمدة الإباضية في الحديث، ويحوي حوالي (743) حديثا، ويعتبر سنده من أصح الأسانيد وأعلاها، حيث إنه يروي فيه عن شيخه أبي عبيدة عن الإمام جابر
بن زيد عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يخرج عن هذا السند في القليل النادر. 2 - كتاب العقيدة: ويضم حوالي (140) أثرا، وهي تشكل الجزء الثالث من ترتيب أبي يعقوب الوَارِجلاني (ت: 570 هـ / 1174 م) المطبوع تحت اسم (الجامع الصحيح). - روايات الإمام أبي سفيان محبوب بن الرحيل (ت: في النصف الثاني من قى 2 هـ) عن الإمام الربيع، وهي تشكل بعض الجزء الرابع من (الجامع الصحيح). 4 - آثار الربيع: كتاب الله تلميذه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة (ت: أوائل ق 3 هـ)، جمع فيه روايات الإمام الربيع عن ضمام بن السائب (ق: 2 هـ) عن الإمام جابر. ه - آراؤه وأجوبته الفقهية: وهي مبثوثة في كتب تلامذته ومن بعدهم كابي غانم الخراساني (ت: 220 هـ / 835 م) صاحب المدونة (1). والإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل (ط 4: 150 - 200 هـ) (2)، ويذكر بعض الباحثين أن الغالب في وفاته أنها كانت في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني)، تذكر بعض المصادر
(2)
(4)
كالجواهر للبرادي) حي في: 810 هـ / 1407 م) أن له كتابا ولم يشر إلى اسم الكتاب أو محتواه (4)، وقد أشار إليه د/ النامي ولم يذكر له عنوانا، ولكنه اكتفى بذكر (كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل) وأشار أنه يحتوي على آراء الإباضية في الخوارج (). وذكر د/ مبارك الراشدي أن له كتابا في السير بروي عنه الدرجيني (ت: 670 هـ / 1271 م) والشماخي (ت: 928 هـ / 1521 م) سير الإباضية الأوائل، ولكن للأسف
(1) القنوبي الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص 49 - 50 - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 56. (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 278/ 2 ا محمد بن محمود الرحبي، محبوب بن الرحيل حياته وآثاره، نسخة مرقونة، معهد العلوم الشرعية، مسقط، سلطنة عمان، 2001 م، ص 48.
1
(1) البرادي، الجواهر (مخ)، ص 218 - السالمي، اللمعة المرضية، ص 19. (1) النامي، دراسات عن الإباضية، ص 50. (1/151)
صفحة 152
إضاءات حضارية
(T) =
152
الكتاب مفقود (1)؛ والظاهر أن الكتاب الذي أشار إليه د الراشدي هو نفسه الذي أشار إليه د النامي، حيث إننا نجد د/ النامي يقول - مشيرا إلى اعتماد كل من الدرجيني والشماخي على كتاب أبي سفيان للحصول على معلومات عن الإباضية الأوائل -: " ... فيما احتفظ الدرجيني في طبقاته " بمعلومات مفيدة عن علماء الإباضية الأوائل من كتاب أبي سفيان محبوب "، ثم علق في الهامش: " ذكرت المعلومات نفسها تقريبا عن أبي سفيان في سير الشماخي، غير أنه لسنا نعلم هل يستخدم الدرجيني فقط أم أنه استطاع الحصول على عمل أبي سفيان الأصلي وبالفعل فإننا نجد الدرجيني في كتابه (طبقات المشائخ (يذكر نصوصا نقلها عن أبي سفيان، فيكاد لا تخلوا صفحة من ذكره، والذي يظهر أنه ينقل تلك المعلومات من سيرة ابن محبوب التي كتبها في التابعين ومن بعدهم من أئمة الإباضية، وقد أشار الدرجيني إلى هذه السيرة ووصفها وصفا دقيقا ينم عن اطلاعه عليها حيث يقول: " ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي رحمه الله، أحد الأخبار الأنجار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار، وألف (1) مما يحصل عنده عنهم من
(3)
(*).
الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخبار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، نبه على مثالب من بدا منه إقصار، والمشعرين التدابر، والمولين الأدبار، واعتذر عمن قام عذره واستحق قبول الاعتذار ولمجد محقق الطبقات إبراهيم طلاي أشار إلى أن الدرجيني يقصد هنا سيرة أبي سفيان وأنه نقل عنها، فيقول: " يعني هذا سيرته التي كتبها في التابعين ومن بعدهم من أئمة الإباضية رحمهم الله، وقد اعتمدها صاحب الطبقات، ونقل عنه كثيرا وهو المعني بأبي سفيان. ولن نذهب بعيدا عن الإمام محبوب بن الرحيل، فإن ابنه الإمام أبا عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل (توفي سنة: 260 هـ / 873 م) (2) ترك ثروة علمية ضخمة، فمن مؤلفاته
(1) الراشدي، الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص 243. (1) النامي، دراسات عن الإباضية، ص 51.
(3) -
(1) انظر مثلا 206/ 2، 220، 270 وغيرها من طبقات المشائخ. (1) في الأصل: واللف مما يحصل عنده عنهم من الآثار ... الخ. والذي يظهر أنه خطأ مطبعي والأصح (والف)
فيتضح بذلك المعنى والله أعلم. (1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 278/ 2. 279. (1) الدرجيني، مصدر سابق، 278/ 2 الهامش.
4 (1/152)
صفحة 153
إضاءات حضارية
153
كتاب (الجامع (في الفقه يقع في سبعين جزءا، و (سيرته إلى أهل المغرب) وهي مختصرة، ولا يزال مخطوطا (1)، وله كذلك رسالة في السنة ومصطلح الحديث تحت عنوان (أبواب مختصرة من السنة (كذلك لا تزال مخطوطا، وقد أشار إليها د/ مصطفى باجو في بحثه (تطور علم الأصول في المصادر العمانية) (2).
ولا زلنا مع أسرة آل الرحيل، فممن نبغ من هذه الأسرة العلمية الشيخ العلامة بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل (تولي تقريبا: 273 هـ / 886 م) (3) فترك لنا كتبا ومؤلفات عديدة منها كتاب (البستان (في الأصول، وكتاب (الرضف (في التوحيد، وكتاب (أحكام القرآن والسنة)، وكتاب (الإمامة)، وكتاب (الخزانة) يقع في سبعين جزءا، وله كتب
(6)
أخرى عديدة والشيخ العلامة موسى بن أبي جابر الازكوي (تولي: 181 هـ / 797 م) (9)، ممن ألف في الفقه، فيذكر الشيخ البطاشي أنه يفهم من مؤلفات أصحابنا أن للشيخ موسى بن أبي جابر
مؤلفات في الفقه لكن لم تصل إلينا (2).
ومن
(V)
+
العلماء الذين ذكرت المصادر لهم مؤلفات الشيخ موسى بن علي الإزكوي (ت: 231 هـ / 854 م)، فمن مؤلفاته كتاب (الجامع (المسمى (جامع موسى بن علي)، والظاهر أنه مفقود كما ذكر الشيخ البطاشي (8).
(9)
سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج 1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، سلطنة عمان، مسقط، ط 2: 1419 هـ / 1998 م، ص 251. البرادي.، الجواهر (مخ)، ص 218 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 55/ 1 - 56 الهامش - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 50 - الجعبيري، البعد الحضاري، ص 107 الهامش الجعيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 30 - الراشدي، الإمام أبو عبيدة، ص 27 الهامش، ص 50 الهامش. (1) د/ بحاز إبراهيم بكير و د/ حسن الملخ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، بحث (تطور علم الأصول في المصادر العمانية)، د/ مصطفى بلجو، ص 122 الهامش، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ/ 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان.
) البطاشي، مصدر سابق، 255/ 1.
(1) السالمي، اللمعة المرضية، ص 19 - البطاشي، إتحاف الأعيان، 254/ 1.
(1) البطاشي، مصدر سابق، 223/ 1. (1) البطاشي، مصدر سابق، 223/ 1. البطاشي، مصدر سابق، 238/ 1 2100. (4) للبطاشي، مصدر سابق، 218/ 1. (1/153)
صفحة 154
إضاءات حضارية
102
ونجد الشيخ أبا الحواري محمد بن الحواري) حي: 272 هـ / 885 م) (1) ترك عددا من المؤلفات، فمن مؤلفاته كتاب (جامع أبي الحواري) وهو مطبوع من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان في خمسة أجزاء وله زيادات على) جامع ابن جعفر)، وسيرة إلى أهل؛ وفي التفسير ينسب له كتاب يحمل عنوانا طويلا هو (الدراية وكر الغناية ومنتهى
حضرموت
(3)
(2)
(4)
الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير الخمسمائة آية)، وهو مطبوع ومحقق (4)، إلا أن الصحيح أن هذا التفسير من تأليف مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي (ت: 150 هـ / 767 م)، ذكر ابن النديم (ت: 1438 هـ / 1046 م) له عددا من المؤلفات في التفسير من بينها (تفسير الخمس مائة آية) ()، ويرجح هذا الرأي سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، فيذكر أنه اطلع على النسخة المطبوعة من (تفسير الخمس مائة آية (لمقاتل بن سليمان، وقارن بينها وبين التفسير المنسوب لأبي الحواري، فاتضح أن لا فرق بينهما سوى أن هذه الأخيرة تحتوي على إضافات وتعليقات لأبي الحواري)، والذي يظهر أن الناخ هم من قام بنسبة هذا التفسير لأبي الحواري، ويذكر الباحث سلطان الشيباني أن تعليقات أبي الحواري فقهية لا علاقة لها بعلم
(7)
والشيخ الفضل بن الحواري الإزكوي (ت: 278 هـ / 891 م) (8)، من مؤلفاته كتاب (الجامع (المسمى بجامع الفضل بن الحواري، وقد طبعته وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان في
(9)
ثلاثة أجزاء (1)
(1) محمد ناصر وأخرون، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، قرص مدمج، رقم الترجمة: 1142. (1) محمد ناصر وآخرون، مصدر سابق، رقم الترجمة: 1142 - ضيافي، معجم مصادر الإباضية، ص 212 - سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير (مخ)، الحلقة 14.
(1) محمد ناصر وأخرون، مصدر سابق، رقم الترجمة: 1142 - الشيباني، مصدر سابق، الحلقة 14. (1) اعتنى بتحقيق هذا التفسير عدد من أهل العلم والباحثين وهم: الشيخ سالم بن حمد الحارثي، وقد نشرته دار اليقظة ببيروت سنة 1394 هـ / 1974 م ا وحققه محمد محمد زناني عبد الرحمن، وطبعته مطابع النهضة، مسقط، مسلطنة عمان، 1991 م في جزئين، وحققه وليد عوجان، ونشرته جامعة مؤتة، الكرك، الأردن، 1994 م (انظر: محمد ناصر وآخرون، مصدر سابق، رقم الترجمة: 1142 - ضياني، مصدر سابق، ص 265 - 266 - الشيباني، مصدر
سابق، الحلقة 14).
(4) محمد بن إسحاق ابن النديم، الفهرست، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 19.
(1) الشيباني، مصدر سابق، الحلقة 14. (3) الشيباني، مصدر سابق، الحلقة 14
(4) البطاشي، مصدر سابق، 258/ 1، 291. (1) البطاشي، مصدر سابق، 259/ 1. (1/154)
صفحة 155
إضاءات حضارية
100
والشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ت: 278 هـ / 891 م) (1)، من مؤلفاته كتاب (الأحداث والصفات)، وكتاب (البيان والبرهان (وله سير أخرى، وله قصيدة في
الولاية والبراءة (2).
718 م
-
ومع اهتمام أئمة عُمان الأوائل وعلمائها بالتفسير والحديث والفقه والعقيدة، فقد كان كذلك هم الباع الأطول في علوم اللغة والأدب، ومن أشهر علمائهم بل من أشهر علماء المسلمين في اللغة إمام اللغة والأدب الخليل بن أحمد الفراهيدي عاش في القرن الثاني الهجري (100 هـ / بين: 160 هـ / 776 م و 175 هـ / 791 م) (3)، وقد ترك لنا العديد من المؤلفات في اللغة والأدب منها: كتاب (العين)، وكتاب (النحو)، وكتاب (العروض)، و كتاب (الشواهد)، وكتاب (النقط والشكل)، وكتاب (النعم)، وكتاب (العوامل)، وكتاب (فائت العين)، وكتاب (الإيقاع)، وغيرها (4). والمبرد أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي (ت: 285 هـ /) (*)، كذلك من علماء اللغة العمانيين الأفذاذ في تلك الفترة وقد ألف الكثير من الكتب، فذكر أنه ألف أكثر من أربعين كتابا، منها: كتاب (الكامل)، وكتاب (الروضة)، وكتاب (المقتضب)، وكتاب (الرد على سيبويه)، وكتاب (معاني القرآن)، وكتاب (إعراب القرآن)، وغيرها من كتب اللغة والأدب (1).
(1) البطاشي، إتحاف الأعيان، 263/ 1 - محمد ناصر وأخرون، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، قرص مدمج، رقم الترجمة: 717. (1) السالمي، اللمعة المرضية، ص 27 - البطاشي، مصدر سابق، 299/ 1 - محمد ناصر وآخرون، مصدر سابق، رقم الترجمة: 717 9) ابن النديم، الفهرست، موقع الوراق) www.alwaraq.com (25 - ياقوت الحموي، معجم الأدباء، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 461 - ابن خلكان، وفيات الأعيان، موقع الوراق (www.alwaraq.com) ، ص 216 - البطاشي، مصدر سابق، 101/ 1. (1) ابن النديم، مصدر سابق، ص 25 - 26 - ياقوت الحموي، مصدر سابق، ص 461 - ابن خلکان، مصدر سابق، ص 215 - البطاشي، مصدر سابق، 90/ 1.
4
(1) محمد بن يزيد المبرد، الكامل في اللغة والأدب، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، طا: 1420 هـ / 1999 م، منه - أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ، ص 651 - ابن النديم، مصدر سابق، ص 36 - محمد بن احمد الذهبي، العبر في خبر من غبر، موقع الوراق (www.alwaraq.com) 100 - البطاشي، مصدر سابق، 107/ 1 - 112.) ابن النديم، مصدر سابق، ص 36 - البطاشي، مصدر سابق، 111/ 1 - 112. (1/155)
صفحة 156
إضاءات حضارية
156
ومنهم إمام اللغة أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العُماني (ت: 321 هـ / 933 م) (1)، ترك لنا ثروة ضخمة من المؤلفات أوصلها بعضهم إلى خمسة وعشرين كتابا منها: (الاشتقاق)، و (الملاحن)، و (الخيل الكبير)، و (الخيل الصغير)، و (الأمالي)، ور المقصور والممدود)، و (الأنواء)، وأشهرها على الإطلاق كتاب (الجمهرة في اللغة)، وغيرها من المؤلفات (2).
وأكتفي هذا القدر، فالحديث عن حركة التأليف عند العُمانيين حديث ذو شجون لا تستوعبه هذه العجالة، ويحتاج إلى دراسات وبحوث موسعة، وفيما ذكرت الكفاية للتمثيل على ما لم اذكر من مؤلفات أئمة عُمان وعلمائها، وقد استمرت حركة التأليف عند العمانيين إلى يومنا
هذا بلا انقطاع. وأخيرا أقول إنه مما يؤسف له ويندى له الجبين أن عددا لا بأس به من هذه المؤلفات الضخمة والمتنوعة لم تنل حظها وحقها من العناية سواء من ناحية المحافظة عليها من عوادي الزمن، أو من ناحية التحقيق والشرح، أو من ناحية الطباعة والنشر، وذلك يعود لأسباب كثيرة ليس هذا محل طرحها، فعسى الله تعالى أن يقيض لها من ينتشلها من تحت الركام ويلبسها الثوب القشيب
الجديرة به
الأعيان، 113/ 1، 180
(1) ابن النديم، الفهرست، ص 37 - ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ص 885 - البطاشي، إتحاف (1) ابن النديم، مصدر سابق، ص 37 - ياقوت الحموي، مصدر سابق، ص 887 - البطاشي،
مصدر سابق، 141/ 1. (1/156)
صفحة 157
(1+)
الوَهْبِيَّةُ والوَهَّابِيَّةُ: النَّشْأَةُ والنِّسْبَة (1/157)
صفحة 158
[صفحة فارغة] (1/158)
صفحة 159
إضاءات حضارية
(1) "
الوَهْبِيَّةُ والوَهَّابِيَّةُ: النَّشْأَةُ والنِّسْبَة)
(2)
159
لقد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض المؤلفات والمقالات يزعم فيها أصحابها أن مصطلح (الوهابية) هو نفسه مصطلح (الوَهْيَّة) (2)، ضاربين بحقيقة التاريخ عرض الحائط، إذ إن هناك فرقا كبيرا بين المصطلحين، فمصطلح (الوَهْيَّة (ينسب إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسي - كما سيأتي - الذي استشهد في معركة النهروان سنة 38 هـ / 658 م؛ بينما مصطلح (الوهابية (نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب التميمي (ت: 1206 هـ /
1791 م)،، الذي ظهر بتجد في القرن الثاني عشر الهجري، ويعده الوهابية إماما لهم. وتجد أصحاب هذه الكتب والمقالات يتذرعون بالإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن (ت: 208 هـ / 823 م (الإمام الثاني في الدولة الرستمية، زاعمين نسبة هذا المصطلح إليه، وبما أن الإمام عبد الوهاب أحد أئمة الإباضية، واسمه عبد الوهاب، فإنه يمكن لهؤلاء الصائدين في الماء العكر تمرير مصطلح (الوَهَّابِيَّة (على القارى البسيط، وإلصاقه بالإمام عبد الوهاب، مع إيراد بعض النصوص عن بعض العلماء المتقدمين لإضفاء نوع من المصداقية العلمية على مزاعمهم، وتحريف تلك النصوص - وما أكثر التحريف (3) - يإضافة حرف (الف) فقط إلى (الوهبية)
(1) نشر هذا البحث سابقا في: موقع الشبكة العمانية سبلة الدين، (www.omania.net) . (1) على سبيل المثال كتاب) تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية) للدكتور محمد بن سعد الشويعر، فحاول أن يثبت أن مصطلح (الوهابية) هو نفسه (الوهبية) وزعم أنه ينسب إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، واعتمد على بعض المصادر ككتاب (المعيار المغرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب) لأحمد بن يحيى الونشريسي، وكتاب (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي (للمستشرق الفرد بل وغيرها، وقد عدت إلى تلك المصادر فلم أجد فيها ذكرا لـ (الوهابية (بل جميعها كانت تذكر (الوهبية)، ولاحظت أن د/ الشويعر قام بتحريف النصوص ونسب إلى مؤلفي تلك الكتب كلاما لم يقولوه، محاولا بذلك إثبات زعمه والزام الإباضية الوهبية بالوهابية! انظر: كتاب) تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية) للدكتور محمد بن سعد الشويعر، موقع صيد الفوائد على هذا
الرابط:
http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1303
من ذلك مثلا تحريفهم لبعض النصوص في كتاب (الأنكار) للإمام النووي، وما قام به عمر الأشتر من تحريف في كتابه (العقيدة في الله) حيث حرف رواية في صحيح البخاري رقم (4741)، ورقم (7183)، لينتصر لمعتقده ونص الرواية: " يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا أدم، فيقول: ربنا لبيك وسعديك فينادي بصوت: إن الله يأمرك .... الخ "، ونجد الأشقر حرف الرواية إلى: " يقول الله تعالى: يا ادم، فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوته: إن الله يأمرك ... الخ "، فحرف فينادي بصوت إلى فينادي بصوته!، ليثبت عقيدته الفاسدة من أن الله يتكلم بصوت وحرف تعالى الله عما يقوله المبطلون علوا كبيرا) انظر: أحمد بن علي بن حجر العقلاني، فتح الباري شرح صحيح = (1/159)
صفحة 160
إضاءات حضارية:
17.
(1)
فتكون (الوَهاية)، وبهذا الشكل تكتمل خيوط المسرحية، ويمكن أن تمرر على القاري البسيط حسن النية بكل سهولة ويسر. والحقيقة أنني أشبه محاولات هؤلاء المحمومة للتفسخ من لقبهم المعروف لدى العامة قبل الخاصة كبيت العنكبوت (وَإِنْ أَوْهَنَ البيوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، أفلم يعلموا أنه يمكن تعقب تحريفاتهم بكل سهولة ويسر، وفضح خيانتهم للأمانة العلمية؟! وبعد أن رأيت هذا اللعب بالحقائق التاريخية والتحريف في النصوص، والتلبيس على القارى من قبل أصحاب تلك المؤلفات والمقالات، رأيت ضرورة بيان حقيقة مصطلح (الوهبية) و (الوهابية)، والفرق الكبير بينهما، وبيان الفترة التي نشأ فيها كل مصطلح من المصطلحين، وكذا إلى من يُنسبان.
وقبل أن أبدأ بعرض ما فتح الله تعالى به عليّ حول هذه القضية، أرغب أن أبين للقارى أنني هنا أسعى إلى إثبات ورود مصطلح (الوهبية (هذه الصيغة في مصادر المسلمين المتقدمة أو المتأخرة سواء كانت إباضية أو غير إباضية، بل وورود هذا المصطلح هذه الصيغة المذكورة في العديد من مؤلفات وبحوث المستشرقين الذين عنوا بالكتابة حول المسلمين عامة والإباضية في شمال إفريقيا خاصة، وكذلك فإنني هنا أتناول دراسة هذين المصطلحين والفرق بينهما من الجانب التاريخي فقط، فمثلا لا أتناول بالدراسة الفرق بين (الوَهْبِيَّة) و (الوَهَّابِيَّة (من الناحية العقدية والفقهية والفكرية والسلوكية، فذلك ليس هذا محله، ويحتاج إلى أبحاث مستقلة وموسعة!
وأما بخصوص نسبة المصطلح هل هو إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي أم إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم؟ فلا يضيرنا نحن الإباضية نسبته إلى الإمام الأول أم الثاني، فكلا الإمامين من أئمتنا الذين نفخر بالانتماء والانتساب إليهم؛ مع أن الواقع والتاريخ ونصوص العلماء تثبت نسبة هذا المصلح إلى الإمام عبد الله بن وهب كما سنرى؛ لكن أن يتم تحريف المصطلح من (الوَهْيَّة) إلى (الوَهَّابِيَّة (لأغراض بعيدة كل العبد عن الحقيقة التاريخية،
البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 30: 1421 هـ / 2000 م: 555/ 13564/8 - حسن بن علي السقاف، السلفية الوهابية أفكارها الأساسية وجذورها التاريخية، دار الإمام الرواس، بيروت، لبنان، طا: 1423 هـ / 2002 م، ص 112. 113). (1) سورة العنكبوت، من الآية: 41. (1/160)
صفحة 161
إضاءات حضارية
161
فهذا ما لا تقبل به، ولا يقبل به كل باحث عن الحق متجرد عن الهوى؛ وبعد هذه المقدمة المقتضبة ندخل في صميم موضوعنا ... إن مصطلح (الوَهْبِيَّة (ضارب بجرانه في عمق التاريخ الإباضي، وقد وقع الخلاف في نسبة هذا المصطلح، فقيل نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208 هـ / 823 م) الإمام الثاني للدولة الرستمية، وقيل نسبة إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسي، وعلى القول الثاني أغلب أئمة الإباضية وهو الصحيح كما سيأتي. والحقيقة أن هذا المصطلح لم يكن له استخدام عند الإباضية، بل كانوا يطلقون على أنفسهم
(1)
أهل الحق والاستقامة، وجماعة المسلمين، وأهل الدعوة، والإباضية؛ إلى أن انشقت فرقة من الإباضية بشمال إفريقيا تحت قيادة يزيد بن فندين في سنة 171 هـ / 787 م، بعد وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم، فأنكروا إمامة الإمام عبد الوهاب، ووقعت فتنة عظيمة، فأطلق الإباضية على أتباع ابن فندين لقب) النكار () (1)، وأطلقوا على أنفسهم لقب (الوهبية)، ليس نسبة إلى
ا كان الإباضية يطلقون على أنفسهم قبل أن يشتهروا بالإباضية عدة تسميات منها: (المسلمون) و (أمة المسلمين) و (جماعة المسلمين) و (أهل الدعوة) و (أهل الاستقامة) و (الشراة) (وليس معنى ذلك أنهم ينفون الإسلام عن مخالفيهم، ولكن عندما رأى أئمة الإباضية الأوائل كالإمام جابر وأبي عبيدة تحزب المسلمين إلى فرق وطوائف واتخاذهم لأسماء جعلوها حكرا عليهم كأهل السنة وغيرها، اتخذ الإباضية لهم أسماء تعكس ما يحملونه من عقيدة وفكر ناصحين فأطلقوا على أنفسهم (جماعة المسلمين) لمحافظتهم على الإسلام نقيا طاهرا من الدخن كما جاء به النبي، ولاستقامتهم على دين الله تعالى، وأما سبب شهرتهم بالإباضية فهو يعود إلى عبد الله بن إباض المري التميمي (حي بعد: 67 هـ / 686 م)، وقد سماهم بذلك بنو أمية، وذلك بسبب بروز الإمام عبد الله بن إباض ومنافحته عن المذهب ضد الخوارج الغلاة الذين أطلقوا على اتباعه لقب القحدة، وضد بني أمية المعادين لهذا المذهب ولكل داع إلى الحق والقضاء على الظلم، وأما الإمام المؤسس للمذهب الإباضي فهو الإمام أبو الشطاء جابر بن زيد الأزدي (18 هـ / 639 م - 13 هـ / 711 م)، وقد استطاع الإباضية إقامة عدة دول إسلامية في اليمن، وعمان، وشمال إفريقيا، وشرق إفريقيا، ولا يزال لهم وجود في عمان وشمال إفريقيا وشرقها، وقد دأب كثير من الكتاب إلى نسبة الإباضية إلى الخوارج، وعدم التفريق بينهما، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك فهناك فرق كبير بين الإباضية والخوارج، بل إن الإباضية بيراون من الخوارج، وقد ناقشت ذلك باستفاضة عند تعرضي لمصطلح الخوارج في كتابي (الشيخ عمروس ومنهجه، ص 94. 95)، وانظر كذلك مقال (الخوارج وزيف التاريخ) المقال رقم (11) من هذا الكتاب (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 13، 19، 3، 193، 179، 18 - 187، 187 - 192 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 24 - 11، 96 115 - عرض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 7 - 102 - مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، بيروت، لبنان، طا: 1407 هـ / 1987، ص 134 - 149 - صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 179 - مهنا بن راشد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1421 هـ / 2004 م، ص 44، 94 -
(10
(1) النكار أو النكات: هم جماعة خرجت على الإمام عبد الوهاب، وأنكروا إمامته ونكثوا اليمين التي قطعوها له، فلذلك سموا بالنكات وبالنكار، ويعرفون كذلك بالتجوية من كلمة نجوى أي الخديعة والسرية التي عرفت عنهم عند مناقشة مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب التي أنكروها، وباليزيدية نسبة إلى فتيههم عبد الله بن يزيد الفزاري، أو نسبة = (1/161)
صفحة 162
إضاءات حضارية
162
الإمام عبد الوهاب، بل إلى الإمام عبد الله بن وهب، تعبيرا عن محافظتهم على منهج الإباضية الأوائل وعدم انحرافهم عنه كما انحرف النكار (1).
إذا عدنا إلى بعض المصادر المتقدمة سواء الإباضية أو غير الإباضية تجدها تذكر مصطلح (الوهبية) بهذه الصيغة، ولا نجدها تشير بتاتا إلى (الوهابية)، وسنأخذ بعض الأمثلة على بعض المصادر غير الإباضية، فمثلا ابن الصغير (حي: 294 هـ / 906 م) مؤرخ الدولة الرستمية نلاحظه أورد هذا المصطلح في كتابه عندما قال: " ... وتسمى منهم [أي من الإباضية] قوم بالوهبية، وهذا الاسم لست أعرفه، وقد سمعت أنهم إنما سموا بهذا الاسم لاتباعهم
(2).
عبد الوهاب نلاحظ أن ابن الصغير يجهل أصل هذا المصطلح واعتمد على ما سمعه من بعض الأشخاص من أنه نسبة إلى الإمام عبد الوهاب، فيلاحظ وجود نوع من الشك وعدم الجزم في كلام ابن الصغير، إذ إن المصطلح في الحقيقة إنما هو نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، ولكن الذي يهمنا هنا هو تداول هذا المصطلح - أعني مصطلح (الوَهْنِيَّة) وليس (الوهابية) - في القرون الهجرية الأولى، فابن الصغير عاش في القرن الثالث الهجري.
والرقيق القيرواني (ت: 425 هـ / 1033 م) أورد ذكر هذا المصطلح في كتابه، ويرى أن سبب تسمية الإباضية بـ (الوَهْنِيَّة (نسبة إلى الإمام عبد الوهاب، الإمام الرستمي الثاني للدولة الرستمية (3).
إلى زعيمهم السياسي يزيد بن فندين الذي خرج على الإمام عبد الوهاب وأذكر إمامته، ويعرفون بالشعبية بسبب الشعب الذي أحدثوه، وبالمستاره نسبة إلى اسم قبيلة من قبائل البربر الرئيسة المؤيدة لهم، والنكار ابتدعوا أقوالا في الفقه والعقيدة بها الكثير من الغلو وتخالف المعمول به في المذهب الإباضي، فتبرأ منهم أئمة المذهب الإباضي، وتعود جذور النكار إلى عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، حيث أظهر بعض تلامذته أقوالا في العقيدة والفقه تخالف المعمول به في المذهب الإباضي، فتبرا منهم الإمام أبو عبيدة وطردهم من مجلسه، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن عبد العزيز، وأبو المعروف شعيب، وعبد الله بن يزيد الفزاري، وهؤلاء بعدهم الفكار من المتهم (انظر: معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 2014/ 2 علي يحيى معمر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، طا: 1421 هـ / 2000 م، ص 44 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 201 208. الجعبيري، البعد الحضاري للمقيدة الإباضية، ص 213 الهامش). معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 2014/ 2 - مصر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 42 - النامي: مصدر سابق، ص 201 - 208 - الجبيري، مصدر سابق، ص 213 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 314. (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 13 - 44.
(?
(7) إبراهيم بن القاسم بن الرقيق القيرواني، تاريخ إفريقيا والمغرب، تع: المنجي الكعبي، تونس، 1998 م، ص 17. (1/162)
صفحة 163
إضاءات حضارية
163
وأما ابن حوقل (ت: 367 هـ / 977 م (فإنه أشار إلى عدد من البلدان موضحا أن أهلها إما إباضية أو وَهْيَّة، والذي يظهر أنه ظن وجود فرق بين الإباضية والوهبية، والحقيقة أنه لا فرق بينهما، والذي يهمنا هنا هو ذكره المصطلح (الوهبية)، فيقول: " فأما أهل قسطيلية وقفصة
ونفطة والحامة وسماطة وبشرى وأهل جبل نفوسة فشُرَاةٌ (ما أباضية ... أو وهيئة) (3). وأما الإدريسي (ت: 560 هـ / 1164 م) فإنه في وصفه لمدينة وارجلان يذكر مصطلح (الوهبية (مشيرا إلى أن مذهب سكان وارجلان وهية إباضية، فيقول: " قبائل مياسرة وتجار أغنياء يتجولون في بلاد السودان إلى بلاد غانة وبلاد ونقارة فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم وهم وهبيَّة إباضية. وكذلك لمجد ياقوت الحموي (ت: 627 هـ / 1229 م) ذكر مصطلح (الوهبية) في عدة ذلك مثلا وصفه الجبل نفوسة حيث قال: " نفوسة ... : جبال في المغرب
مواضع من
(T).
(").
كتابه، من بعد إفريقية عالية ... وجميع أهل هذه الجبال شَرَاةٌ وهبيّة وإباضية. ا وعندما نقل نصا عن ابن حوقل حول مدينة قسطيلية، قال: " ... قال ابن حوقل: في بلاد الجريد من أرض الزاب الكبيرة قسطيلية.، قال: وهي مدينة كبيرة عليها صور حصين ... وأهلها ثراةً وَهْبية، والظاهر أن الحموي كذلك يظن وجود فرق بين الإباضية والوهبية حيث عطف الإباضية على الوهبية، وكما يقال: العطف يقتضي التغاير؛ ولكن – وكما قلنا – الوهبية هم الإباضية، إذ إن ياقوت الحموي وكذلك ابن حوقل كونهما من غير الإباضية ربما ظنا وجود فرق بين المصطلحين.
وإباضية
،
(9)
(1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 96، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 103. محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، موقع الوراق www.alwaraq.com) ، ص 92.
ياقوت الحموي، معجم البلدان باب النون والفاء، قرص مدمج، مكتبة الحديث الشريف، شركة العريس للكمبيوتر، بيروت، لبنان، 2002 م.
) ياقوت الحموي، مصدر سابق، باب القاف والسين، قرص مدمج. (1/163)
صفحة 164
إضاءات حضارية:
164
ويقول النويري (ت: 732 هـ / 1331 م) في معرض حديثه عن ولاية روح بن حاتم على القيروان: " ورغب في موادعة عبد الوهاب بن رستم الإباضي صاحب تيهرت، وهو الذي تنسب
إليه الوهبية (1).
ونجد ابن خلدون) ت: 808 هـ / 1405 م) يقول: " وكان يزيد قد أذل الخوارج ومهد البلاد فكانت ساكنة أيام روح ورغب في موادعة عبد الوهاب بن رستم وكان من
الوهبية فوادعه
+
(3).
(2)
ويقول أبو عبد الله الحميري (ت: 900 هـ / 1494 م) في حديثه عن جزيرتي جربة وزيزو: " وجميع أهل هاتين الجزيرتين وهبية.
(4).
وفي كتاب (المعيار المعرب (لأحمد بن يحيى الونشريسي (ت: 914 هـ / 1508 م) نجد فتوى لعلي بن محمد اللخمي (ت: 478 هـ / 1085 م) مفتي الأندلس وشمال إفريقيا، مسئل فيها عن الوهبية وكيف يعاملون، وقد أورد مصطلح (الوَهْيَّة (هذه الصيغة، وسأعرض نص الفتوى وهي تحت عنوان: (كيف يعامل معتقو المذهب الوهبي؟)، ونص الفتوى: " وسئل اللخمي عن قوم من الوهبية سكنوا بين أظهر أهل السنة زمانا وأظهروا الآن مذهبهم وبنوا مسجدا ويجتمعون فيه ويظهرون مذهبهم في بلد فيه مسجد مبني لأهل السنة زمانا، وأظهروا أنه مذهبهم وبنوا مسجدا يجتمعون فيه ويأتي الغرباء من كل جهة كالخمسين والستين، ويقيمون عندهم، ويعملون لهم بالضيافات، وينفردون بالأعياد بوضع قريب من أهل السنة. فهل لمن بسط الله يده في الأرض الإنكار عليهم، وضربهم وسجنهم حق يتوبوا من ذلك؟
فأجاب: إذا كان الأمر كما ذكرت فهذا باب عظيم يخشى منه أن تشتد شوكتهم، ويفسدوا
على الناس دينهم ويميل الجهلة إليهم، ومن لا يميز فواجب على من بسط الله يده في الأرض أن يستنهيهم. فإن لم يتوبوا سجنوا وضربوا. ويبالغ في ذلك، فإن لم ينتهوا فقد اختلف في قتلهم.
(1) أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، موقع الوراق) www.alwaraq.com) (1) الصحيح عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم.
ص 2937.
ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) 98/20 . (1) محمد بن عبد الله الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، موقع الوراق) www.alwaraq.com) ،
ص 159. (1/164)
صفحة 165
إضاءات حضارية
170
وعن ابن حبيب يترك من تاب منهم إلا أن تكون له جماعة في موضع، فلا يترك. وإن تاب حتى يتفرق جمعهم ويشتهر فساد اعتقادهم خشية التغرير بإضلالهم وهم أشد في كيد الدين من اليهود والنصارى للمعرفة بكفرهم ولا يلتبس أمرهم (2) .... الخ. (2).
وتوجد فتوى أخرى لعالم آخر يدعى السيوري قبل هذه الفتوى مباشرة، مثل فيها عن (الوهبية)، وبداية السؤال كالتالي: وسئل السيوري على الوهبية سكنوا بين أظهر أهل السنة وأظهروا بدعهم ... الخ. (3).
ولا بأس أن نذكر بعض النصوص لبعض المستشرقين لمزيد تأكيد على أن المؤرخين والباحثين كانوا يعرفون (الوهبية) والنطق الصحيح لهذا المصطلح، وينسبوله إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي، فمن المستشرقين مثلا الفرنسي) الفرد بل: Bel) (ت: 1364 هـ / 1945 م)،
(1) إنني أحترم المذهب المالكي وأتباعه كما أحترم المذاهب الإسلامية الأخرى، ولا أحمل المذهب المالكي وأتباعه من المنصفين والمعتدلين جريرة من انتسب إلى المذهب المالكي أو غيره من الغلاة، وأصدر أمثال هذه الفتاوى التي تستبيح دماء المسلمين الموحدين وتدعو إلى قتلهم وضربهم وسجنهم وتشريدهم في الأرض ليس لشيء إلا لأنهم خالفوهم في الفكر فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأين أمثال هذه الفتاوى من الدولة الرستمية وغيرها من الدول الإباضية التي قامت على مر التاريخ، وكيف أنها أوت جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية، وكان لكل اصحاب مذهب مساجدهم ومنازلهم الخاصة المعروفة بهم، فكانوا يمارسون عبادتهم بكل حرية، بل كان فيها اليهود والنصارى وكانت لهم كنائسهم الخاصة، وكان العلماء من مختلف المذاهب يتناظرون داخل الدولة الرستمية بكل حرية ويسر، وكتاب (تاريخ الأئمة الرستميين) لابن الصغير - الشيعي وقيل المالكي - خير شاهد على ذلك، فليعد إليه من أراد معرفة التاريخ التاسع والمشرف للإباضية، وابن الصغير نفسه كان يعيش في تزهرت عاصمة الدولة الرستمية، وقد شهد لأئمتها وعلمانها بالصلاح والعدل؛ وكذلك ابن أمثال هذه الفتاوى الإجرا الإمام عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق (ت: 130 هـ / 747 م) عندما فتح صنعاء وحررها من جور بني أمية فأعاد الأموال المكنسة في خزائن ولاة بني أمية إلى فقراء صنعاء ولم يأخذ منها هو أو أصحابه ولو درهما واحدا بالرغم من حاجتهم إليها؟ أم أين أمثال هذه الفتاوى مما قلم به الإمام ناصر بن مرشد اليعربي) حكم عمان: 1024 هـ / 1615 م - 1050 هـ / 1640 م) الذي أعاد إلى الشيعة بصحار من عمان أموالهم بعد أن فكها من أيدي البرتغاليين؟! (انظر: الشماخي، السير، 91/ 1 - 92 - السالمي، تحفة الأعيان، 4/ 2، 10، 17 - مهدي طالب هاشم، الحركة الأباضية في المشرق العربي، دار الاتحاد العربي للطباعة. كنيسة الأرمن، شارع الجليس، ط 1: 1401 هـ/ 1981 م، ص 116 - عرض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 121).
(1) أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، ج 11، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ص 198. (9) الونشريسي، مصدر سابق، 198/ 13. (1/165)
صفحة 166
إضاء أنت الحضارية
?
يقول: " وقد سموا أيضا الوهبيين نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي، زعيم الخوارج (1) في
معركتهم الأولى بالنهروان
(2).
وأما المستشرق البولندي (تاديوس ليفيتسكي: Tadeusz Lewicki) () (حي لي: 1405 هـ / 1985 م (فإنه ألف كتابا تحت عنوان: (المؤرخون وكتاب السير والرواة الإباضيون الوهبيون في أفريقيا الشمالية من القرن الثامن وحتى القرن السادس عشر الميلادي) (4)، ونجده في عدد من صفحات كتابه يذكر مصطلح (الوهية) (5). وقد ذكر المستشرق) ماوريوس كنار: Manard (أن) تاديوس ليفيتسكي) أشار في مقاله (التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية في أفريقيا الشمالية في القرون الوسطى) إلى أن (الوهبية) مشتق على الأرجح من اسم الإمام عبد الله بن وهب الراسي (1). من المصادر السابقة - وهي غير إباضية - نلاحظ أن مصطلح (الوهبية) كان متداولا لدى المؤرخين معروفا، وأما (الوهابية) فلم يكن له وجود في أوساط المسلمين قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب، حيث بدأ تداول مصطلح (الوَهّابية) على السنة أهل العلم وفي مصنفاتهم. وأما المصادر الإباضية سواء المغربية أو المشرقية فهي من باب أولى الا تجد فيها ذكرا المصطلح (الوَهَّابِيَّة)، بل نجدها زاخرة بمصطلح (الوَهْنِيَّة)، ولا يجد علماء الإباضية أي حرج أو تحفظ من ذكره، بل يفخرون بذلك، وصنفوا مؤلفات ورسائل ضمنوا عناوينها مصطلح
(1) الإباضية ينفون عن أنفسهم الانتساب إلى الخوارج، بل إنهم يتبرأون من الخوارج (الأزارقة، والنجدات، والصفرية)، ويردون عليهم في أقوالهم ومؤلفاتهم (انظر: مقال (الخوارج وزيف التاريخ)، المقال رقم (11) من
(1)
هذا الكتاب). الفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، تح: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 3: 1987 م، ص 145) المستشرق تاديوس لينيتسكي يعتبر من أهم الباحثين من المستشرقين الذين صرفوا همتهم وجهدهم العلمي فيما يزيد على نصف قرن لدراسة الإباضية في شمال إفريقيا، فاهتم بتاريخ الفرقة وبأدبياتها، وبعادات القبائل البربرية وتقاليدها وتتميز دراساته بالتوثيق والإحاطة، وقد أتيح له الاطلاع على عدد كبير من المخطوطات الإباضية في شمال إفريقيا ومكتبات بولندة، غذا بعضها في عداد المفقود (انظر: تأديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ترجمة: ماهر جزار وريما جزار - دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1: 2000 م، ص 8 - 9). (1) تاديوس ليفيتسكي، مصدر سابق، ص 21.
(2) انظر مثلا: ص 21، 109، 112، 117، 118، 179 وغيرها. (1) ماوريوس كنار، اعمال تاديوس ليفيتسكي عن المغرب والإباضيين بصورة خاصة، ملحق بكتاب: تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون، ص 201. (1/166)
صفحة 167
إضاءات حضارية
167
(الوهبية)، من ذلك مثلا: كتاب) تلخيص عقائد الوهبية في نكنة توحيد خالق البرية) (1)
(2)
للشيخ إبراهيم بن بيخمان اليُسْجَنِي من علماء وادي ميزاب بالجزائر (ت: 1232 هـ / 1817 م)، وكتاب (العقيدة الوَهْبيَّة) (2) للشيخ أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني من علماء عُمَان) ت: 1339 هـ / 1920 م)، وكتاب (دفع شبه الباطل عن الإباضية الوهبية المحقة) (3) للشيخ أبي اليقظان إبراهيم من علماء وادي ميزاب بالجزائر (ت:
1393 هـ / 1973 م).
والذي يظهر ان تداول هذا المصطلح في المصادر الإباضية بدأ في القرن الثالث الهجري، وقد
ذكرنا كلام ابن الصغير حول انتشار هذا المصطلح في الدولة الرستمية، ونجد رواية لعالم من علماء الإباضية عاش في القرن الثالث الهجري، وهو عبد السلام اللواتي إذ يقول: " جاز علي ابن از جوج فقال: كنت بلمطة يوما فسب بعضهم الوهبية، وكان معهم مؤدب، فقال – أي المؤدب -: لا تلعن القوم، فإني كنت بمكة، فلما قضينا مناسكنا، أخذ الناس يعرضون أديانهم على الإمام الكبير، فقام رجل منهم يقال له لبيب بن زلغين، فعرض دينه، فرفع إليه الإمام راسه، فقال: هكذا صفة دين الله القوي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب
العالمين العلي الكبير
(1)
(1) الكتاب لا يزال مخطوطا في مكتبات وادي ميزاب بالجزائر (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 11/ 1، رقم الترجمة: 16).
(1) لقد قام الباحثان الفاضلان الأخوان صالح بن سعود النوبي وعبد الله بن سعيد القنوبي بتحقيق هذا الكتاب القيم، ونشرته مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، في طبعته الخامسة 1425 هـ / 2004 م، وقد طبع قبل ذلك عدة طبعات، فكانت أول طبعة طبعة حجرية بالمطبعة البارونية بمصر، ثم طبعته دار الدعوة بليبيا سنة 1390 هـ / 1970 م، ثم دار الفتح بلبنان سنة 1394 هـ / 1974 م، ثم طبعته وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان في سنة 1420 هـ / 1999 م بعد أن كانت صورته في سنة 1413 هـ / 1993 م، وفي سنة 1424 هـ / 2003 م طبعته مكتبة مسقط وراجعه الباحث سلطان الشيباني، ثم حققه الباحثان الفاضلان وطبع في طبعته الخامسة من قبل مكتبة مسقط (انظر: ناصر بن سالم البهلاني. العقيدة الوهبية، تح: صالح بن سعيد القنوبي وعبد الله بن سعيد القنوبي، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، طه: 1425 هـ / 2004 م، ص 2 ناصر بن سالم البهلاني، العقيدة الوهبية، مراجعة: سلطان الشيباني، مكتبة مسقط. مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1424 هـ / 2003 م، ص 2).) الكتاب لا يزال مخطوطا بمكتبة بابا عمي محمد بوادي ميزاب بالجزائر) انظر: بحاز وآخرون، مصدر سابق، (1) مؤلف مجهول كتاب المعلقات في اخبار وروايات أهل الدعوة، طبعة مرقونة، تح: سليمان بن إبراهيم بايزيز الورجلاني، معهد الحياة، القرارة، الجزائر، 1418 هـ / 1998 م، ص 102.
(318/ 1 (1/167)
صفحة 168
إضاء انت حضارية
168
ونجد أبا زكرياء (ت: 471 هـ / 1078 م) يذكر نصوصا استخدم بها مصطلح (الوهبية) ويريد به الإباضية، من ذلك مثلا: " وبلغنا أن أبا الربيع توجه يريد إفريقية، فوجدها متغيرة راجعة إلى مذهب النكار، فلم يزل بهم حتى ردهم إلى مذهب. (1)، ومن ذلك مثلا قول عامل أبي تمام المعز لدين الله الفاطمي (ت: 365 هـ / 975 م) بـ (الحامة) لأبي القاسم يزيد بن مخلد الوَسياني (ت: 358 هـ / 968 م): .... أنتم الوهبية تحتسبون إعادة الحج وتؤثرونه لكثرة فضله. (2).
الوهبية
(3)
وكذلك بالنسبة للمؤرخين الذين جاءوا بعد أبي زكرياء كالدرجيني (ت: 679 هـ / 1271 م) والبرادي (حي: 810 هـ / 1407 م) والشماخي (ت: 928 هـ / 1522 م) وغيرهم)، تجدهم يذكرون مصطلح (الوهبية)، ولا يذكرون (الوهابية)؛ بل إن البرادي تعقب ما ذكره ابن الصغير حول أصل هذا المصطلح من أنه نسبة إلى الإمام عبد الوهاب - وقد ذكرنا نص ابن الصغير سابقا - وبين أن أصل هذا المصطلح هو نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي، وليس إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأن النطق الصحيح له هو (الوهبية)، فلو كان نسبة إلى الإمام عبد الوهاب - كما يذكر ابن الصغير - لكان (الوهابية): فيقول: " ... وقفت في كتاب الذي ذكرته بجبل نفوسة بخط الشيخ إسماعيل الجيطالي [ت: 750 هـ / 1349 م] ... أن الوهبية سموا بذلك لاتباعهم عبد الله بن وهب الراسبي، وكذلك هو عندنا، فلو نسبت إلى عبد الوهاب لكانت الوهابية، فإن قيل فالألف في الوهاب زائدة والحروف الزوائد تسقط عند النسب من الاسم، قلنا ولو كان كذلك فأين التضعيف الذي في الهاء؟، فإذا الاسم من الوهبية بالتشديد وهذا فساد، وإنما هو الوهبية، قال الشاعر:
مالي أرى مذهب الوهبي منقرضا الإمام أفلح وابنه أبو اليقظان)
(4)
(1) ابو زكرياه، سير الأئمة، ص 195 (1) ابو زكرياء، مصدر سابق، ص 211
(1) انظر مثلا: الدرجيني، طبقات المشائخ، 111/ 1، 112، 121، 120 - الشماخي، السير، 246/ 1، 31/ 2،
(1) أبو القاسم البرادي، الجواهر (مخ)، ص 174. (1/168)
صفحة 169
إضاءات حضارية
169
ونلاحظ في نص الشيخ البرادي أن الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750 هـ / 1349 م) رجح كون هذا المصطلح نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي، وأورده - كما ينقل عنه البرادي - بصيغة (الوهبية). وإذا جئنا إلى المصادر الإباضية المشرقية لجدها كذلك تذكر مصطلح (الوهبية (هذه الصيغة وتنسبه إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي، فمثلا الشيخ القَلْهَانِي (ق: 6 هـ) يورد هذا المصطلح في كتابه (الكشف والبيان) في معرض ذكره للفرق والمذاهب الإسلامية فيقول: في ذكر الفرقة الأولى الوهبية وهم المنسوبون إلى عبد الله بن وهب الراسي الأزدي وهو أول إمام عقدوه بعد علي بن أبي طالب، وكذلك الإباضية إمامهم عبد الله بن إباض من تيم اللات رهط الأحنف بن قيس وهما فرقة واحدة الإباضية المشرقية يورد مصطلح (الوَهْيَّة (كذلك هذه الصيغة وهو كتاب (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة (للإزكوي (ق: 11 هـ) فيقول: " ... في اعتقاد الفرقة الوهبية الإباضية ... - (2). ويلاحظ أن بعض علماء الإباضية المشارقة يُنسبون إلى (الوفية) فمثلا سَلَمَة بن مُسْلِم القوتي العُمَانِي) عاش في نهاية ق: 4 هـ وبداية ق: 5 هـ) الجد في غلاف مخطوط كتابه (الإبانة) أنه: سلمة بن مُسلِم العوتي الصَّحَارِي العُمَانِي الوَهْبِي الإِبَاضِي المَحْبُوبِي) وتوجد رسالة كاملة لمؤلف مجهول (نهاية ق: 6 هـ / 12 م أو بداية ق: هـ / 13 م) (4)، تحت عنوان: (ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية) ()، جمع فيها مؤلفها
(1).
***
ومصدر آخر من مصادر
(1) محمد بن سعيد القلهاتي، الكشف والبيان، مخطوط، رقم: 777، الباب السادس والأربعون، مكتبة السيد محمد بن لحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط، سلطنة عمان. وانظر النسخة المطبوعة من كتاب الكشف والبيان بتحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1100 هـ / 1980 م، 423/ 2. (1) سرحان بن عمر بن سعيد السرحني الإزكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، مخطوط، رقم: 115، ورقة: 274، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية،
مسقط، سلطنة عمان.
) سلمة بن مسلم العوتبي، كتاب الإبانة في اللغة العربية، ج 1، تح: عبد الكريم خليفة وآخرون، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م، ص 13 - 15، 46. (1) تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون، ص 200. (1) انظر الرسالة في: الشماخي، السير: 225/ 2 - 234. (1/169)
صفحة 170
إضاءات حضارية:
170
اسماء عدد كبير من أئمة وعلماء الإباضية الذين ظهروا في المغرب وقسمهم حسب المناطق التي ظهروا بها، وقد ضمنها أسماء عدد من الأئمة الذين ظهروا قبل الإمام عبد الوهاب، فلو كان مصطلح (الوَهْيَّة (ينسب إلى الإمام عبد الوهاب لما ذكر أولئك الأئمة المتقدمين عليه؟!، مما
يدل على أن هذا المصطلح يعود في نسبته إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي؛ فمن ضمن الأئمة الذين ذكرهم على سبيل المثال: الإمام الحارث بن تليد الحضرمي وقاضيه عبد الجبار بن قيس المرادي (توفيا بين: 131 هـ / 748 م و 140 هـ / 757 م)، والإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (ت: 144 هـ / 761 م)، والإمام أبو حاتم يعقوب بن حبيب المَلْزُوزِي (ت: 155 هـ / 771 م)، وابن مغطير الجناؤني (حي بعد: 160 هـ / 776 م)، وأبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي) حي: 211 هـ / 826 م)، والإمام عبد الرحمن بن رستم (ت: 171 هـ / 787 م)، وعاصم السِّدْرَانِي (ت: 141 هـ / 758 م)، وأبو داود القبلي النفزاوي (حي: 140 هـ / 757 م)؛ فنلاحظ أن كل هؤلاء متقدمون على الإمام عبد، وبعضهم من حملة العلم إلى المغرب، وبعضهم ممن بويع بالإمامة وأقام أولى الدول الإباضية بالمغرب، فكيف ينسبون إلى من جاء بعدهم؟! وقد يتعلق البعض بما ذكره الإمام القطب محمد يوسف أطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م) في (شرح عقيدة التوحيد (حيث قال: " إذا قلنا الوهبية نسب إلى عبد الله بن وهب الراسي فلا إشكال في تسمية أصحابنا العمانيين والخراسانيين وغيرهم وهبية، وإذا قلنا نسب إلى الإمام عبد الوهاب في المغرب، فكيف يسمى أهل المشرق كاهل عمان
الوهاب
وخرسان وهبية؟
الجواب: أنهم يسمون وهبية لأنهم مقرون بأنه إمام عدل على الصواب، وأنه وإياهم شملهم
مذهب وديانة واحدة، وقد قال الربيع وهو في البصرة: عبد الرحمن بن رستم إمامنا. (1). قبل مناقشة ما ذكره الإمام القطب، ينبغي الإشارة إلى أن الإمام الذي ذكره الإمام الربيع هو الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن وليس الإمام عبد الرحمن، فمصادر التاريخ الإباضية تورد النص
(1)
محمد اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 197. (1/170)
صفحة 171
إضاءات حضارية:
(1).
171
، وهذا
بقولها: " وكان الربيع يقول في مجالسه: عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين. الذي يقتضيه كلام الإمام القطب إذ إنه يستدل بكلام الإمام الربيع للتدليل على المكانة الكبيرة
والرفيعة للإمام عبد الوهاب لدى ألمة الإباضية خاصة والإباضية عامة، فلهذا انتسبوا إليه. ناتي الآن إلى مناقشة ما ذكره الإمام القطب، نلاحظ أن الإمام القطب لم يرجح أحد القولين على الآخر، وإنما حاول أن يجد مسوغا لنسبة إباضية المشرق إلى (الوهبية) هذا على فرض أنه ينسب إلى الإمام عبد الوهاب، فإباضية المشرق يعترفون ويقرون بإمامة الإمام عبد الوهاب كما يعترف ويقرّ بها إباضية المغرب، ويعدون الإمام عبد الوهاب من كبار المتهم ومن فحول علمائهم، ومن الذين أسهموا في الترسيخ والحفاظ على الوجود الإباضي بشمال إفريقيا بل والنهوض به، فكان له دور كبير في تثبيت الوجود للدولة الرستمية الفنية التي تولى إمامتها بعد وفاة مؤسسها الإمام عبد الرحمن، فكانت له جهود مشهودة في تطوير الدولة الرستمية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وقد بلغت حدود الدولة الرستمية في عهده من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقصى المغرب الأوسط غربا، ولا ننسى أنه ترك بعض
المؤلفات العلمية ككتاب (مسائل نفوسة الجبل)، الذي وصفه البرادي بانه سفر ضخم (2). نعم تلك أسباب منطقية لنسبة الإباضية إلى الإمام عبد الوهاب، ولكن هل الإمام عبد
الوهاب تفرد بتلك الإنجازات دون غيره من أئمة الإباضية؟
بالطبع لا، فإننا نجد من أئمة الإباضية سواء المشارقة أو المغاربة من قدم ما قدمه الإمام عبد
الوهاب، وربما ما يفوق ما قدمه الإمام عبد الوهاب، فلماذا لم ينتسب الإباضية إليهم؟! فمثلا لماذا لم ينتسبوا إلى الإمام عبد الرحمن بن رستم وهو الذي تمكن من أن يصنع للإباضية دولة راسخة بعد طول جهاد وتضحيات من الإباضية، فحقق لهم الحلم المنشود 12؛ يقول جودت عبد الكريم: .. وإذا كان بعض المؤرخين قد أطنبوا في ذكر اخباره [يقصد الإمام عبد الرحمن] فهناك من ذكر تفا منها أو أهملها استصغارا لشأنه وشأن مملكته، مع أنه بالإمكان مقارنته بعبد الرحمن الداخل، وإدريس الأول، وعبد الله الشيعي، إذ تمتع كل منهم بشخصية
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 97 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 55/ 1 - الشماخي، السير، 134/ 1. (1) انظر: البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 - مهنا للسعدي، الشيخ عمروس ومنهجه، ص 39 - 17، 19 - 1172 وانظر كذلك كتاب: (الدولة الرستمية) للدكتور بحاز إبراهيم بكير. (1/171)
صفحة 172
إضاءات حضارية:
172
دينية وحربية وعلمية، واتبعوا استراتيجية واحدة، فولوا المغرب بمفردهم واستطاعوا أن يجمعوا الأنصار حولهم فيؤسسوا دولا مشرقية الرأس مغربية الجسم. (1)، ولكن نجد أن الإباضية لم ينسبوا أنفسهم إلى الإمام عبد الرحمن؟! والواقع يقتضي أن ينتسب أتباع حركة معينة أو فكر معين إلى مؤسس ومنظر تلك الحركة، أو على أقل تقدير من له بروز متميز فيها وإن لم يكن له ذلك التنظير للحركة التي أوجدها، ولكن يظل الرمز الأول لأتباعه، فنجد مثلا أن الإباضية ينتسبون إلى الإمام جابر بن زيد كونه المؤسس والمنظر للمذهب الإباضي، وهكذا بقية المذاهب الإسلامية ينتسبون إلى من يعدونه الإمام المنظر الله لتوجههم، وكذا أصحاب كل توجه بغض النظر عن ماهيته؛ وبما أن الإمام عبد الراسي كان من أوائل المنكرين للتحكيم، واختاره من أنكر التحكيم إماما لهم؛ وبعد المحكمة أو أهل النهروان هم النواة الأولى للإباضية (3)، فمن البديهي أن ينتسب الإباضية إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، فيطلقون على أنفسهم (الوهبية)، وهذا أقرب للمنطق والواقع، فمن الغرابة بمكان أن ينتسب الإباضية إلى الإمام عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثاني الهجري، ويتركون الإمام عبد الله بن وهب وهو من الصحابة الأجلاء، ويتركون الإمام جابر وهو من كبار التابعين ومن خاصة طلاب ابن عباس؟!
بن وهب
وأما ما ذكره الإمام الربيع حول كون الإمام عبد الوهاب " إمامنا وتقينا وإمام المسلمين "، فكذلك بقية أئمة الإباضية ينسحب عليهم هذا الوصف، فلماذا يتفرد به الإمام عبد الوهاب فقط دون غيره؟!؛ والذي يظهر أن ما دفع الإمام الربيع إلى وصف الإمام عبد الوهاب هذا الوصف هو تلكم الفتنة التي اجتاحت صفوف الإباضية بالمغرب من قبل ابن فندين وأتباعه المنكرين لإمامة عبد الوهاب، والتي وصل شررها إلى البصرة، فأراد الإمام الربيع - وهو مرجع الإباضية في ذلك الوقت - القضاء على هذه الفتنة واجتائها من جذورها قبل أن تستفحل، وقبل أن يتأثر عوام الإباضية بابن فندين ومن معه، فوصف الإمام عبد الوهاب بذلك - وهو حري بذلك الوصف - في مجالسه وأمام مشائخ وعوام الإباضية لتوحيد الصف ورتق الفتق، وكان يصرح بالبراءة من ابن
(1)
جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، شارع زيروت يوسف، الجزائر، 1984 م، ص 63. (1) السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 17 71 79 80، 185. (1/172)
صفحة 173
إضاءات حضارية
(3)
173
فندين ومن معه، وبالفعل نجح في ذلك، ولم يتعد التكار المغرب وظلوا في بعض المواطن بالمغرب إلى أن اندثروا ولم يعد لهم وجود، وبقي الإباضية إلى يومنا هذا.
وأخيرا فإن الإمام القطب في (شرح النيل (لجده يرجح أحمد القولين على الآخر، فذهب إلى أن (الوَهْبية (نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسي لا إلى عبد الوهاب، فقال: " ... الوهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسي لا إلى عبد الوهاب، لأن الأول أنسب لتقدمه، ولأن النسب إليه على القياس، وأما الثاني فقياس النسب إليه وهابي، ولعل المراد الأول، ولكن لفظ الإباضية الوهبية حقيقة عرفية لمن على ما نحن عليه فتخرج النكار والفرئية لأنهم لم
يدينوا بما دلا. (2)
الراسي
(3).
الله
وكما ذهب الإمام القطب إلى ترجيح نسبة مصطلح (الوَهْنِيَّة) إلى الإمام عبد الله بن وهب، فقد ذهب أغلب علماء الإباضية إلى ما ذهب إليه الإمام القطب، كالشيخ محمد بن سعيد القَلْهَاتِي في كتابه (الكشف والبيان)، وقد ذكرت نص القَلْهَانِي سابقا؛ والشيخ عبد ا الباروني (ت: 1332 هـ / 1914 م) حيث يقول: " ثم عقد المسلمون الإمامة لابنه عبد الوهاب وهو الذي ينسب إليه المذهب فيقال: وهبي، وقيل النسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي، وهو أقرب ونجد أصحاب المعجم يقولون: " تنسب الإباضية إلى عبد الله بن وهب الراسبي، ولذلك يقال: الإباضية الوهبية، وكل من خرج أو الشق عن الإباضية الأم اتخذ لنفسه اسما، أو أطلق عليه اسم، كالنكارية والخلفية والنفائية وغيرها ... وكلها انقرضت وبقيت الإباضية الوهبية، التي التزمت منهاج عبد الله بن إباض القعود والتروي. وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين من الإباضية كالدكتور محمد صالح ناصر، والدكتور إبراهيم بجاز إلى القول بنسبة مصطلح (الوَهْيَّة (إلى الإمام عبد الوهاب (4)، ولكن – مع احترامي الشديد لمكانة الباحثين الكريمين فهما ممن أخذت عنه العلم جزاهما الله خيرا - الأصح
(1).
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 97 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 55/ 1 - الشماخي، السير، 134/ 1. (1) الطفيش، شرح كتاب النيل، 452/ 17.
1
عبد الله الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين، ص 18.
(1) بجاز واخرون.، معجم أعلام الإباضية، 278/ 2، رقم الترجمة: 602.
() ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 43 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 330.
" (1/173)
صفحة 174
إضاءات الحضارية
174
نسبة هذا المصلح إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي للأدلة والقرائن العديدة التي ذكرتها سابقا، ولترجيح فحول أئمة الإباضية هذا القول، هذا فضلا عن أن الباحثين الكريمين لم يذكرا أدلتهما على هذا الترجيح، والحقيقة أن الباحثين تراجعا عن ذلك في معجم أعلام الإباضية سالف الذكر، ثم إنهما اعتمدا فيما قالاه على ابن الصغير فهو الذي ذكر أن (الوَهْيَّة) قد تكون نسبة إلى عبد الوهاب، خاصة وأنهما في صدد تحقيق كتاب ابن الصغير.
ولم أجد - حسب اطلاعي - أحدا. من علماء الإباضية أو من غير الإباضية ذكر مصطلح (الوهبية (بصيغة (الوهابية)، إلا محاولة ارتجالية - من وجهة نظري - للشيخ الدكتور عمرو خليفة النامي - مع احترامي الشديد لمكانته العلمية - تفرد بها معتمدا على اجتهاد شخصي مبني على أدلة لا يتعدى كونها مجرد ظن منه، فنجدها - كما سنرى – لا تصمد أمام النقاش والتحليل.
+
لقد ذهب د/ النامي إلى القول بنسبة هذا المصطلح إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، حيث يقول: " يجدر بنا أن نذكر هنا أن الاسم [يقصد (الوَهْيَّة) [استعمل بالدرجة الأولى من قبل البربر في شمالي إفريقيا، ومن الممكن أن الشكل الصحيح للاسم حوّر لتسهيله على النطق البربري، فأصبح الوهبية بدلا من الشكل الصحيح وهو الوهابية. والحقيقة الأخرى التي تدعم القول بأن اسم الوهبية مشتق من عبد الوهاب هو أن الاسم لم يظهر قبل معارضة النكار لإمامة عبد الوهاب، وهي المعارضة التي شقت الأمة الإباضية في شمالي إفريقيا إلى فريقين، أتباع يزيد بن فندين الذين سموا بالنكار، وأتباع عبد الوهاب الذين كان يجب أن يسموا بالوهابية، على اسمه، كما أشير من قبل، ولكن الاسم عدل فاصبح الوهبية. تلاحظ في النص السابق أن مستند د/ النامي في ما ذهب إليه أمرين، الأول: أن هذا الاسم استعمل بالدرجة الأولى من قبل البربر في شمالي إفريقيا، ومن الممكن أن الشكل الصحيح للاسم حور التسهيله على النطق البربري، فاصبح (الوهية) بدلا من الشكل الصحيح
وهو (الوهابية).
(3) =
(1) النامي، دراسات عن الإباضية، ص 196. (1/174)
صفحة 175
إضاءات حضارية
175
من الملاحظ أن هذا الدليل الأول للدكتور النامي بني على " ومن الممكن "، أي أنه مجرد
ظن واحتمال لا يوجد عليه دليل يؤكده؛ ثم اللسان البربري الذي استطاع أن ينطق بالكثير من المصطلحات كـ (الإباضية) و (النكار) و (النكاث) و (الفرثية)) وغيرها، عجز عن أن ينطق بـ (الوَهَّابِيَّة (فحرفها إلى (الوَهْبية (12، وهذا يجرنا إلى القول بأن البربر إذن لا ينطقون اسم إمامهم عبد الوهاب هكذا وإنما يقولون عبد الوهب وهذا بعيد جدا.
أضف إلى ذلك أن إباضية شمال إفريقيا لم يعدموا في قرن من القرون من وجود فحول العلماء المتضلعين في اللغة العربية وغيرها من علوم الشريعة، والذين تركوا العديد من المؤلفات في اللغة وغيرها، وأتقن البربر اللغة العربية بما لا يقل عن العرب أنفسهم، وحفظوا القرآن الكريم عن ظهر قلب، ويقرأون القرآن الكريم قراءة عذبة مجودة: هل هؤلاء الذين حفظوا كتاب الله في صدورهم وهو المعجز في بلاغته، وصنفوا المختصرات والمطولات باللغة العربية عجزوا عن النطق بـ (الوهابية) فحرفوها إلى (الوهية)؟!
ثم إننا نجد البربر - الذين اعتبرهم /د/ النامي وهو من البربر عاجزين عن النطق دا الصحيح - يقولون: " ... الوهبية سموا بذلك لاتباعهم عبد الله بن وهب الراسبي، وكذلك هو عندنا، فلو نسبت إلى عبد الوهاب لكانت الوهابية، فإن قيل فالألف في الوهاب زائدة والحروف الزوائد تسقط عند النسب من الاسم، قلنا ولو كان كذلك فأين التضعيف الذي في الهاء فإذا الاسم من الوهبية بالتشديد وهذا فساد، وإنما هو الوهبية "، والنص للبرادي وقد مر علينا؛ فتلاحظ هنا أن اعتراضات البرادي اللغوية لها وجاهتها وقوتها، فكيف استطاع هذا اللسان البربري أن يتعمق هذا التعمق في اللغة العربية وهو عاجز عن النطق بـ (الوهابية)؟! وأما مستنده الثاني هو: أن الاسم لم يظهر قبل معارضة النكار لإمامة عبد الوهاب، وهي المعارضة التي شقت الأمة الإباضية في شمالي إفريقيا إلى فريقين، أتباع يزيد بن فندين الذين سموا
(1) الغربية: هم اتباع أبي سليمان بن يعقوب بن أفلح، الذي كان من الإباضية وأظهر أموالا لم يقل بها أحد من الإباضية، فجفاه علماء عصره وعلى رأسهم والده، ومن ضمن المسائل التي نادوا بها: نجاسة فرث الحيوان المأكول اللحم وما طبخ فيه من طعام، ولهذا سموا الفرثية، تحريم دم العروق ولو بعد غسل المذبح، نجاسة عرق الجنب والحائض، ولم تتعد هذه الأقوال قائلها وبعض من اتبعه، وقد استمروا حتى القرن 6 هـ، ثم انظروا (انظر: معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 35/ 2 - 36 معمر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، -11 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 218). (1/175)
صفحة 176
إضاء اي حضارية
176/
بالتكار وأتباع عبد الوهاب الذين كان يجب أن يسموا بالوهابية، على اسمه – على حد تعبير د/ النامي - إلا أن الاسم عُدل فاصبح الوهبية.
علماء
بالفعل فإن مصطلح (الوَهْبِيَّة (لم يكن له وجود في التراث الإباضي حتى حدوث ذلك الانشقاق - وقد تطرقنا إلى الحديث عن هذا الجانب سابقا - ولكن ليس من الضرورة أن يكون المصطلح نسبة إلى الإمام عبد الوهاب، بل الأقرب إلى الواقع أنه نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب كتعبير من إباضية شمال إفريقيا على محافظتهم على نهج الإباضية الأوائل وعدم المحرافهم عنه كما المحرف الآخرون؛ وهذا ما يؤكده فحول أئمة الإباضية كالجيطالي والبرادي وقطب الأئمة كما مر علينا: ولو كان هذا المصطلح حكرا على إباضية شمال إفريقيا ما الداعي أن يصنف عدد. من. الإباضية بعض المؤلفات المعبرة عن العقيدة الإباضية ويضمنون عناوينها مصطلح (الوفية)؟! کكتاب (العقيدة الوهبية (لأبي مسلم البهلاني وهو مشرقي عماني، فهل أبو مسلم يعرض في كتابه عقيدة خاصة بـ (الوهبية (إباضية شمال إفريقيا تفردوا بها دون سائر الإباضية؟ بالطبع لا، وإنما هو يعرض في كتابه العقيدة التي يعتقدها ويؤمن بها الإباضية بغض النظر عن أوطانهم وأزمانهما، فلو لم يكن مصطلح (الوَهْيَّة (عام ينسحب على كل إباضي لما جعله أبو مسلم عنوانا لكتابه؟!
كذلك ماذا عن الرسالة التي ألفها أحد علماء الإباضية تحت عنوان: (ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية)، وقد أشرت إليها سابقا، وبينت هناك أنها تضمنت أسماء لعدد من أئمة الإباضية الذين ظهروا قبل الإمام عبد الوهاب، وبعضهم مشارقة من أصول يمنية وعلى رأسهم الإمام أبو الخطاب المغافِرِي 12، فلو لم يكن مصطلح (الوهبية (ينسحب على كل إباضي لما عد مؤلف تلك الرسالة الإمام أبا الخطاب وغيره من المشارقة وهية؟! هذا بخصوص مصطلح (الوَهْيَّة (الإباضية، فماذا عن مصطلح (الوهابية)، متى ظهر هذا المصطلح ومن المقصود به؟ ذكرت في بداية بحثي هذا أن مصطلح (الوَهَّابية (هو نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب التميمي، المولود في سنة 1115 هـ / 1703 م في بلدة العينة بنجد، والمتوفى في سنة (1/176)
صفحة 177
إضاء انت حضارية
177
1206 هـ / 1791 م، والذي بدأت دعوته في سنة 1157 هـ / 1744 م بعد وفاة والده،
وبعده الوهابية أو السلفية (1) - كما يحبون أن يطلق عليهم - إماما لهم (2). ساكتفي بعرض بعض النصوص من مؤلفات السلفية (الوهابية) أنفسهم، والتي اعترفوا فيها بان مصطلح (الوَهَّابِيَّة (ظهر مع ظهور محمد بن عبد الوهاب، وأن هذا المصطلح هو نسبة إلى إمامهم محمد بن عبد الوهاب؛ بل نجد بعضهم تقبل هذا المصطلح والانتساب إليه ولم يجد غضاضة في ذلك، إذ إن بعضهم يكره أن يطلق على حركتهم (الوَهَّابية) ويفضل السلفية أو التجدية!
(1) الحقيقة أن مذهب (السلف) هذا الذي يردده الوهابية في أقوالهم ومؤلفاتهم، وأنه يجب أن نفهم الكتاب والسنة بفهم السلف، لا وجود له في أرض الواقع!، فالسلف بدها من الصحابة إلى كبار التابعين ومن جاء بعدهم اختلفوا في الكثير من المسائل؟، فأي سلف هذا الذي ستفهم به الكتاب والسنة؟ ولكن ربما المقصود بالسلف ابن تيمية وابن القيم واتباع نحلتهم، وما دعوى) السلف) هذه إلا محاولة للتغرير بالبسطاء و عوام الناس ليتقبلوا انحرافاتهم، يقول السيد حسن السقاف: " يدعي الوهابيون بأنه يجب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف وهم بذلك يعتبرون فهم السلف من الأدلة الشرعية الواجب اتباعها وقولهم هذا يتضمن مغالطتين: الأولى: أن السلف غير متفقين في فهم المسائل فليس لهم مذهب موحد معروف حتى يصح أن يقال مذهب السلف أو فهم السلف أو يجب فهم الأمور بفهم السلف، وكتب الحديث والأثر ككتاب المصنف " للحافظ عبد الرزاق وابن أبي شيبة فيه نماذج متعددة عن اختلاف السلف وأهل القرون الثلاثة في المسائل الشرعية ... والمغالطة الثانية: أنه ليس في الكتاب والسنة دليل يفيد أنه يجب تعطيل عقولنا التي وهبنا الله سبحانه وتعالى إياها وفهم الكتاب والسنة بفهم غيرنا ما دام أن المرء وصل إلى درجة الفهم والاجتهاد!! "، ويقول أيضا: " إن الوهابيين السلفيين في هذا العصر يدعون بأن الذي يقولونه من أراء وأقوال هو مذهب السلف تمويها على العامة والبسطاء ليروجوا عليهم ما يريدون من أقوال وأراء مخطنة!! وقد ادعى هؤلاء وخاصة المجسمة والمشبهة منهم بأن للمسائل هو مذهب السلف وهو المرجع الشرعي الذي لا يجوز العدول عنه!! وهم في الواقع قد عدلوا عن الصراط المستقيم، والطريق السوي القويم، لأنهم تركوا الكتاب والسنة وفهم العرب لهما وراء هم ظهريا، مع اعتمادهم على سراب بقيعة لا وجود له في الواقع البتة بل هو خيال قائم في أذهانهم ويموهون به على البسطاء من غيرهم وهو قولهم: هذا مذهب السلف!! "، ثم قال: " فهذا الإمام أحمد يقول وقد سئل عن مسألة فأفتى فيها، فقيل له: هذا لا يقول به ابن المبارك. فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء "، ثم قال: " مع أن ابن المبارك ملف للإمام أحمد. وهذا الإمام أبو حنيفة قبل أحمد يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترنا، وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال ". ونجد السيد السقاف يذكر أنه مع ادعاء هؤلاء أن ما يقولونه هو مذهب السلف وأنه متفق ومجمع عليه بين الأمة، نجدهم هم أنفسهم قد اختلفوا في أصول الدين! وتباينوا في أمس التوحيد المبين!!! فكيف يدعون اتفاق السلف في المسائل التوحيدية؟! وهم مختلفون فيها. ثم بعد ذلك ذكر نماذج من اختلاف السلف في مسائل عقائدية مثل: خلق القرآن، والرؤية، والميزان، والتأويل والتفويض، ومن هو أفضل من الصحابة، والإرجاء، والقدر، وغيرها، فكيف يقال بعد ذلك بمذهب السلف والسلف مختلفون؟!؛ وقد ألف السيد السقاف كتابا تحت عنوان (البشارة والإتحاف بما بينهم من
ما يقولونه هو مذهب السلف! وادعى هؤلاء المشبهة والمجسمة أن فهمهم
الخلاف) بين فيه الخلاف الواقع بين الوهابية انفسهم! (انظر: السقاف، السلفية الوهابية، ص 87 - 17). (1) عثمان بن عبد الله النجدي، عنوان المجد في تاريخ نجد، ج 1، تح: عبد الرحمن بن عبد المطلب آل الشيخ، دار الملك عبد العزيز، الرياض، السعودية، 40: 1402 هـ / 1982 م، ص 33، 180 صلاح الدين المختار: تاريخ المملكة العربية السعودية في ما ضيها وحاضرها، ج 1، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، طا: 1376 هـ / 1957 م، ص 36، 56 - حسن بن فرحان المالكي، داعية وليس نبيا، دار الرازي، عمان، الأردن، طا: 1425 هـ / 2004 م، ص 9. (1/177)
صفحة 178
إضاءات حضارية
178
(2)
يقول د/ سليمان بن عبد الرحمن الحقيل: " الوهابية لقب لم يختاره (1) أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأنفسهم (2)، لكن أطلق عليهم من قبل خصومهم واللقب الصحيح لدعوة الشيخ هو الدعوة السلفية ويقول: " وعلى أي حال فإن عددا قليلا من العلماء التابعين لدعوة الشيخ محمد أو المتعاطفين معها، بدأوا في السنوات الأخيرة لا يتحاشون استعمال كلمة وهابية في كتاباتهم. ولابد أن هذا الموقف جاء نتيجة اعتقاد هؤلاء بأن ما كان يدعو إليه الشيخ وأنصاره بات واضحا بدرجة كبيرة، وأن ما تحمله هذه الكلمة من معاني في الزمن الماضي أصبح أضعف من ذي قبل في أذهان الكثيرين إذا فتلاحظ هنا أن د/ سليمان الحقيل اعترف أن هذا المصطلح ينسب إلى محمد بن عبد الوهاب، وأنه بدأ عدد من علماء الوهابية يعترفون بهذا المصطلح ويستخدمونه كرمز حركتهم، وأما التبرير الذي أورده د الحقيل من كونهم أصبحوا لا يتحاشون استخدام هذا المصطلح في السنوات الأخيرة يعود إلى اعتقادهم بأن ما كان يدعو إليه الشيخ وأنصاره بات واضحا بدرجة كبيرة ... الخ، فهذه وجهة نظر د/ الحقيل.
(4).
ونص آخر لأحد الوهابية وهو أحمد بن حجر آل طامي يعترف فيه هذا المصطلح بل ويفتخر به، فيقول: " ومن معاملة الله لهم - أي خصوم الدعوة - مقتضى مقصدهم هو أنهم قصدرا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقبا لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف. وهذا مسعود الندوي يقول: " إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام [يقصد بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب] تسميتها بالوهابية، ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه
(*).
(1) هكذا وردت في النص، وأظن الأصح " لم يختره " للجزم. (1) من من أتباع المذاهب الإسلامية اختاروا لأنفسهم لقبهم الذي يسمون به سواء خوارج، إباضية، حنفية، مالكية، شافعية، حنابلة، معتزلة ... ؟!
(3) سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته، مؤسسة المختار، الرياض، السعودية، 2: 1321 هـ / 2001 م، ص 81. (1) الحقيل، المصدر السابق، ص 81 82
(1) أحمد بن حجر آل طامي، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مكتبة السندس، الكويت، 1409 هـ، ص 120، نقلا عن:
الحقيل
، مصدر السابق، ص 82. (1/178)
صفحة 179
إضاءات حضارية
179
التسمية أن يثبتوا أنها دين خارج عن الإسلام ... ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء فلا أرى حرجا في هذه التسمية ((1): ويقول في موضع آخر: " ولم نجد حجة قاطعة تدلنا على أول من نادى بهذا الاسم ولكن الظاهر أن المخالفين الهموهم بهذه التسمية في حياة شيخ الإسلام نفسه. وهذا رأي مرغليوث، ومع أنه ليس حجة في هذا الباب إلا أن هناك قرائن أخرى تؤيد هذا، وقد ورد هذا اللفظ في قصيدة للملا عمران رضوان والغالب أنه أحد معاصري شيخ الإسلام فقد قال:
إن كان تابع أحمد متوهبا فأنا المقر بأنني وهابي
ومعاصر مصري آخر قد ذهب إلى هذا الرأي وأن الأعداء كانوا قد بدأوا في استعمال هذا اللقب في أيام الحروب الأولى (2).
سوي
إذا هذه اعترافات وإقرارات بهذا اللقب نضيفها إلى ما سبق؛ وهذا إقرار آخر لأحمد القطان
طائفة
(8)
يقول فيه: " وأيا كان الأمر فليس في التسمية ما يعيب الحركة الوهابية ... . (3). ونجد الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ يعترف ويقر هذا المصطلح فيقول: " كلمة الوهابية أصبحت في عصرنا الحاضر لا تمثل لنا مشكلة ما ... وعرف الناس أن الوهابية لا تعني من أهل السنة متمسكين بعقيدة السلف وأخيرا يقول د/ سليمان الحقيل: " مما سبق يتضح أن بعض المعاصرين لا يتحاشون من استخدام كلمة الوهابية بينما ما زال بعض الباحثين يتحاشون استخدام لقب الوهابية - (5). واختم هذا البحث بكلام قيم للأستاذ الباحث حسن بن فرحان المالكي تناول فيه تحليل مصطلح (الوَهَّابِيَّة (وأصوله، وتعقب من اعترض على هذا اللقب من الوهابية، وبين أن علماء الدعوة الوهابية استخدموا هذا المصطلح ولم يجدوا أي امتعاض من استخدامه، فيقول: " مع أن
(1) مسعود الندوي، محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، ط 2: 1411 هـ / 1990 م، ص 165. (1) الندوي، مصدر سابق، ص 197. احمد القطان وآخرون، إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مكتبة السندس، الكويت، 1409 هـ، ص 29، نقلا عن: الحقيل، حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص 83.
(1)
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، المختار من مجلة المنار، ج 2، 1412 هـ، ص 4 - 5، نقلا عن:
الحقيل، مصدر سابق، ص 83 84. (1) الحقول، مصدر سابق، ص 85. (1/179)
صفحة 180
إضاءات حضارية
180
كلمة (الوهابية (ليست صفة ذم ولا مدح، فليست ذما حتى لو اعترفت الوهابية أنها مذهب، فالمذهب الذي يعتمد على أدلة صحيحة لن يضره الاسم الجديد، ولا تسمية الناس له، وليس من شروط المذهب أن يكون في القرون الثلاثة الأولى، كما أن التيار أو المذهب الذي يبني فكره وعمله على أدلة ضعيفة؛ لن ينفعه التسمي بأحسن الأسماء ولو كان في القرن الأول، فالعبرة بصحة العلم وصفاء الإيمان وحسن العمل وليس بالتسمي ولا بالتمني. وعجبي ممن يكرر من المقلدين بأن لفظة (الوهابية (إنما أطلقها الخصوم، ويدندنون حول اللقب والتسمية مع أن اللفظة أو التسمية خارج الواع هذا أمر.
أما الأمر الثاني: فقد كان علماء الدعوة يجيزون استخدام) الوهابية) ويرددونها في كتبهم دون خوف من اتهام بمذهب، بل ربما ألفوا الكتب والرسائل في عقائد الوهابية ودعوتم
ولا ضير في ذلك.
ومن
علماء الدعوة الذين استخدموا مصطلح (الوهابية (سليمان بن سحمان، وقبله محمد بن عبد اللطيف (الدرر السنية 433/ 8) وغيرهما، وكذا المدافعون عنها كالشيخ حامد الفقي و محمد رشيد رضا وعبد الله القصيمي وسليمان الدخيل وأحمد بن حجر أبو طامي ومسعود الندوي وإبراهيم بن عبيد صاحب التذكرة وغيرهم، يستخدمونها، مع أن الشيخ حامد الفقي رحمه الله قد حاول أن يشكك في نيات كل من استخدم هذا المصطلح واقترح أن يطلق عليها (الدعوة المحمدية) لأنها تنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وليس إلى والده (عبد الوهاب) وقد قلده من المتأخرين الشيخ صالح الفوزان في إنكاره على أبي زهرة وغيره، ومطالبة الفقي والفوزان بأن نطلق على الوهابية (الدعوة المحمدية لا الوهابية (لأن الشيخ اسمه (محمد) هذا اقتراح منهما غريب عجيب، لسبب يسير وهو: أن أغلب المذاهب المشهورة لا تسمى بأسماء أصحابها، وإنما تسمى بأسماء آباء أو أجداد أصحاب المذاهب، فالمذهب الحنبلي مثلا نسبة الحنبل وحنبل هذا هو جد احمد بن حنبل (اسمه أحمد بن محمد بن حنبل)، والشيخ الفوزان أو الشيخ الفقي رحمه الله ومن تابعهما لا يعترضون على هذه تسمية (الحنابلة) بهذا الاسم، ولا يطلقون على المذهب الحنبلي (المذهب الأحمدي)!، وكذلك المذهب الشافعي نسبة لشافع (وشافع هذا جد الشافعي الرابع فالشافعي اسمه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع)، فلماذا لا يطلقون على (1/180)
صفحة 181
إضاءات حضارية
141
المذهب الشافعي (المذهب المحمدي (ا وكذلك الحنفية نسبة لأبي حنيفة، وحنيفة ليس اسم صاحب المذهب، وإنما اسمه النعمان بن ثابت، وكذلك الأشاعرة المنتسبين لأبي الحسن الأشعري، فالأشعر جد جاهلي قديم لقبيلة الأشاعرة كلهم الذين منهم أبو الحسن ... وكذلك (الإباضية) نسبة لعبد الله بن إباض، ... وهكذا لا تكاد تجد مذهبا يسمى باسم صاحبه إلا في النادر، كالمالكي نسبة لـ (مالك بن أنس (والزيدية لـ (زيد بن علي) والجعفرية لـ (جعفر الصادق)، فالذي يطلق الوهابية على مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس أبعد عن الصواب ممن يطلق الحنابلة على أتباع احمد بن محمد بن حنبل، فضلا عن غيره. ثم الشيخ صالح الفوزان مثلا يطلق على اتباع محمد بن سرور بن نايف زين العابدين كلمة (السرورية (فلماذا لا يسميها (المحمدية (أيضا: ونحن نسمع بين السلفية اليوم القابا
يتنابزون بها كالجاميين والمدخليين والبازيين والألبانيين والقطبيين والبنائيين ... الخ (1). إذا - أخي القارئ الكريم - لقد تبين لك أن مصطلح (الوهابية) ظهر بعد ظهور محمد بن عبد الوهاب، وهذا ما يعترف به الوهابية أنفسهم، فلم يكن له ذكر في التراث الإسلامي قبل القرن الثاني عشر الهجري، القرن الذي ظهر فيه محمد بن عبد الوهاب؛ وتبين لك أن عددا من علماء الوهابية يقرون هذا اللقب والانتماء إليه، ولا يجدون غضاضة من أن ينسبوا إليه؛ فكيف هذا كله: يردد البعض أن (الوهبية) هم (الوهابية)؟! في الختام أظن أن الصورة اتضحت جلية الآن، واتضح أن المصطلح الإباضي (وَهيَّة) إنما هو نسبة للإمام الأول للمحكمة وهو عبد الله بن وهب الراسبي، وليس في الإباضية مصطلح) وهابية (حتى بالنسبة للذين ينسبون (الوَهيَّة) إلى الإمام عبد الوهاب فلم يقولوا) وهابية) وإنما قالوا (وَهْبية).
بعد
واتضح أن مصطلح (الوَهْنِيَّة (ضارب بجذوره في عمق التاريخ والتراث الإباضي، وقد ذكر هذا المصطلح بهذه الصيغة في مختلف المصادر سواء الإباضية وغير الإباضية وحتى مؤلفات المستشرقين، ولم يذكر أي منها هذا المصطلح بصيغة (الوهابية)، وإنما هذا المصطلح الأخير
(1) المالكي، داعية وليس نبيا، ص 144 - 146: (1/181)
صفحة 182
إضاءات حضارية
182
) الوهابية (ظهر في القرن الثاني عشر الهجري، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب الذي يعده
الوهابية (السلفية) إماما لهم.
وأما مصطلح (الوَهْبية (فقد ظهر في القرن الثاني الهجري بسبب الانشقاق الذي اجتاح صفوف الإباضية في شمال إفريقيا في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بسبب فتنة الكار، فانتسب إباضية شمال إفريقيا الذين وقفوا في صف الإمام عبد الوهاب إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، معبرين بذلك عن التزامهم بخط الإباضية الأوائل وعدم المحرافهم عنه كما المحرف الآخرون، وبعد ذلك وفي القرن الثالث الهجري بدأت المصنفات الإباضية تورد ذكر هذا المصطلح في ثناياها، وأصبح هذا المصطلح شعارا لكل إباضي التزم خط سير الإباضية الأوائل أينما كان وفي أي زمان كان .... (1/182)
صفحة 183
(11)
الخوارج وزيف التاريخ (1/183)
صفحة 184
[صفحة فارغة] (1/184)
صفحة 185
إضاءات حضارية
الخَوَارِجُ وَزَيْفُ التَّارِيخ
185
لقد دأب كثير من كتاب المقالات إلى إلصاق مصطلح الخوارج بالإباضية، إما لأهواء في انفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية والعباسية، أو لتعصبات مذهبية، ومصطلح (الخوارج (مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه، قال الشيخ ناصر السابعي: " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله: «فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا والسنتنا وقلوبنا» مع سحبه هذا اللقب عن الأزارقة في قوله: «غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ... ». (1).
فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله، قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (2)، وقال تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (3)، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس ذما. وكذلك يأتي بمعنى الخروج السياسي على الحاكم، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته، وقد يكون الخروج بهدف إقامة الحق؛ وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا عن الإمام علي لما الحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه في قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(1) السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 148 - 149.
(1) سورة التوبة، أية رقم: 46 سورة النساء، أية رقم: 100
3 (1/185)
صفحة 186
إضاءات حضارية
186
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1)، ومعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضته الأمة إماما عليها، فكان حريا بالإمام علي مواصلة قتاله حتى يفيء إلى أمر الله ويرضخ للحق، إلا أن رضاء الإمام علي بالتحكيم في أمر الخلافة يعد انحرافا منه عن الجادة، وهذا ما لم يقبله أهل النهروان، فآثروا الخروج عن علي كرم الله وجهه (2) فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم، والأمثلة على ذلك كثيرة كخروجهم على الجورة من حكام بني أمية وبني العباس، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله.
الأمة،
والخروج على أئمة الجور لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك جمهور قال ابن حزم: " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا يأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين. الله وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي عن جميعهم کانس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار، وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم، ثم قال:. وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي
(1) سورة الحجرات: آية رقم: 9.
(1) السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 88،70. (1/186)
صفحة 187
إضاءات حضارية
187
وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا. (1).
إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين، ليس ذما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه، كذلك لم ينفردوا وحدهم هذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما
راينا من كلام ابن حزم.
وياتي مصطلح (الخوارج) بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين، وقد حاول البعض الصاق هذه التهمة بالخارجين عن الإمام علي من أهل النهروان (2)، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن أهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية، وقد يحاول بعض الكتاب للطيف الجو بالقول إن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة (3)،
وكان أهل السنة والجماعة (4) أصبحت هي المقياس والميزان الذي يقاس ويوزن به المسلمون! ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج، الأنهم خرجوا على الإمام علي؟ وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي؟!، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل 14 (9)، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين 18 (1) فلماذا لا ينعنون بما نعت به أهل النهروان 12 لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم؟!
(1) علي بن أحمد (ابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج، دار المعرفة، بيروت، لبنان،
1406 هـ / 19986 م، ص 171 172
محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تح: عبد العزيز محمد الوكيل، دار الفكر، بيروت، لبنان، ص 115 - محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عنان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م، 267/ 1، 351/ 7. المبرد، الكامل: 148/ 2 ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان (www.al-eman.com) . 76/2 - الشوكاني، مصدر سابق، 342/ 7. (1) يقول د/ سامي صقر أبو داود: " مصطلح أهل السنة يثير كثيرا من اللبس والتساؤلات وله ظروف نشأة كثيرة، لعبت فيه المصالح السياسية دورا ساهم في تعميق الشرخ بين المدارس الفكرية الإسلامية سواء في الجانب الفقهي أو العقدي، فأصبحت بعض المذاهب تحتكر هذا المصطلح وتعطي نفسها شرعية دينية أكثر من غيرها مما أدى إلى شيوع التبديع والتكفير ضد المذاهب المخالفة لها، لذلك فإنني أدعو الباحثين إعادة النظر فيه من جديد ومعرفة مدى المصداقية التي يحملها أو الشرعية التي تجعله لمذهب دون أخر " (انظر: سامي صقر، الإمام جابر بن زيد، ص 36 الهامش). (1) خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني: 1421 هـ / 2000 م، عنان، الأردن، ص 181 - ابن كثير، البداية والنهاية، 241/ 7 - البرادي، الجواهر المنتقاة (مخ)، ص 104. (1) خليفة بن خياط، مصدر سابق، 191/ 1 193 ابن کثير، مصدر سابق، 255/ 7 البرادي، مصدر سابق، (1/187)
صفحة 188
إضاءات حضارية
188
وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ ناصر السابعي في كتابه القيم (الخوارج والحقيقة الغائبة)، وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس، فمن أرادها يجدها في الكتاب المذكور
والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره المتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب الأهواء؛ وسنذكر بعد قليل بعض النصوص استخدم فيها أئمة الإباضية مصطلح الخوارج قاصدين بذلك الخروج السياسي، كنص الإمام عبد الله بن إباض ونص الإمام سالم بن ذكوان.
ولكن لما تطور الأمر وزعم الأزارقة والنجدات والصفرية استباحة دماء المسلمين وسمي ذراريهم وغنم أموالهم، تبرأ الإباضية منهم وردوا عليهم، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سي ذراريهم ولا غنم أموالهم، فالإمام المؤسس للمذهب الإباضي الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت: 93 هـ / 711 م) كان يناقش الخوارج وحكمهم على عامة المسلمين بالشرك واستباحة دمائهم مستنكرا ذلك عليهم ومستعظما تكفيرهم لبقية المسلمين، فيذكر ضمام بن السائب (ق: 2 هـ) أن جابر بن زيد كان يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: بلى، وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: بلى، فيقول: أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون: بلى، فيقول: وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: بلى، فيقول: فهل أحل ما عدا هذا بدين؟ فيسكتون ولا يجيبونه بشيء. ثم يقول أبو سفيان محبوب بن الرحيل (ق: 2 هـ (معلقا: وهؤلاء أصحاب نافع بن الأزرق ومن قال بقولهم في استحلال أموال المسلمين بدين (1). ونجد الإمام عبد الله بن إباض) ت: 86 هـ / 705 م) في كتابه إلى عبد الملك بن مروان تبرأ من الخوارج عندما المحرفوا فكفروا مخالفيهم واستباحوا دماء المسلمين وغنم أموالهم وسي
(1) الدرجيني، طبقات المشائخ، 208/ 22 - 209 - الشماخي، السير، 72/ 1. (1/188)
صفحة 189
إضاءات حضارية
189
(1).
ذراريهم، فيقول: " ... هذا خبر الخوارج (1) شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بالسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا. إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج، على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه، فتبرأ إلى الله منهم. وهذا سالم بن ذكوان الهلالي (حي بين: 99 هـ / 717 م - 101 هـ / 719 م) في سيرته يوضح الفرق الدقيق بين الخروج السياسي على الجور والظلم والانحراف عن الحق، وبين الخوارج الذين كفروا مخالفيهم فخالفوا المبادئ والقيم التي لأجلها خرج أهل النهروان عن الإمام علي، فيقول: " ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين (3) يحكمون الله وحده ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين، لا يقتلون ذرية قومهم، ولا يستحلون فروج نسائهم، ولا يستعرضونهم، ولا يخمسون أموالهم، ولا يقطعون الميراث منهم، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم ... ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه، فمكثوا ما شاء الله بسيرة من كان قبلهم من الخوارج (4) ثم إنهم جرمهم شنتان قوم أن أنزلوهم بمنازل عبدة الأوثان، فقطعوا الميراث منهم، وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم، فإن يكن ذلك هدى عمل به من يتولون، فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليتهم من عمل به واستحلوا سبا قومهم واستنكاح نسائهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم ... ثم كان من بعدهم أهل اليمامة لنجدة وأصحابه، فشهدوا على قومهم أنهم بمنزلة عبدة الأوثان، ثم استحلوا من نكاح نسالهم وأكل ذبائحهم ما حرم الله من نساء المشركين وذبائحهم .. وكان الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت: 145 هـ / 762 م) يعتبر جهاد الخوارج طاعة وذلك لاستحلالهم ما حرم الله من دماء المسلمين وأموالهم، وكان عدد من أئمة الإباضية يقاتلون الخوارج كجعفر بن السماك) حي بين: 99 هـ / 717 م - 101 هـ / 719 م)، والحنات بن كاتب) حي بين: 99 هـ / 717 م - 101 هـ / 719 م)، اللذين استشهدا في
(*).
(1) يقصد الخروج السياسي ضد الظلم والجور كخروج أهل النهروان وكخروج ابي بلال مرداس بن حديد. (1) كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان انظر: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 334 - 335. (9) يقصد الخروج السياسي ضد الظلم والجور.
(1) يقصد الخروج السياسي ضد الظلم والجور.
(1) سيرة سالم بن ذكوان أنظر:: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 365، 368 (1/189)
صفحة 190
إضاءات حضارية
(3)
قتالهم ضد الخوارج (1)؛ وكذلك ما قام به الإمام الجلندى بن مسعود (ت: 133 هـ / 750 م (أول إمام مبايع بعمان من مقاتلة شيبان الخارجي - من الصفرية – والقضاء عليه في معركة جلفار) رأس الخيمة () (2)؛ ومقاتلة الإمام أبي الخطاب المعافري (ت: 144 هـ / 761 م) للصفرية لما استنصره أهل القيروان، فقضى عليهم ويقول الإمام الربيع بن حبيب (تولي بين 175 هـ / 791 م - 180 هـ / 796 م) في الخوارج: " دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل فإن بقوا على قولهم فخطاهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم بحكم الله. (1).
+
(*).
***
وقال أبو حمزة المختار بن عوف الشاري (ت: 130 هـ / 747 م) في خطبته المشهورة الأهل المدينة مبينا فكر الإباضية وعقيدتهم التي جهلها الكثيرون ممن افترى عليهم: " يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جانرا. ومجد الشيخ عمروس بن فتح النفوسي (ت: 283 هـ / 896 م) يرد على الصفرية عندما كفروا أهل القبلة فيقول: " وقالت الصفرية بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد، واستحلوا سي ذراريهم، وغنيمة أموالهم جرأة على الله، دينا لم يشرعه الله ولم يسن بسيرته نبي الله عليه السلام؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له. (2)
هذا بالنسبة لأئمة الإباضية في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، فهل تغيرت معاملة الإباضية المخالفيهم وموقفهم منهم في القرون التي تلت؟ بالطبع لا، فهذا الإمام أبو الحسن علي بن محمد البسيوي العُماني (ق: 5 هـ (يقول منكرا على الخوارج تكفيرهم للمسلمين: " وسأل عما
(1) سالم بن حمد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، دار النشر غير مسجلة، ص 140 - 141 - الراشدي،
الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص 219. (1) السالمي، تحفة الأعيان، 92/ 1.
(7) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 60 - 64 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 26/ 1 - 29 - الشماخي، السير، 115/ 1. 118 - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 327/ 4 - 328. (4) إبراهيم اطفيش، الفرق بين الإباضية والخوارج، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، 1400 هـ / 1980 م،
(3) أبو فرج الأصفهاني، الأغاني، ج 23، دار الفكر، ط 1: 1407 هـ / 1986 م، ص 249.
عمروس، الدينونة الصافية، ص 69. (1/190)
صفحة 191
إضاءات حضارية
191
انتحل الخوارج من الهجرة واستحلوا من قتل أهل القبلة، من غير حدث، وسببهم وتسميتهم
بالشرك؟
قيل له: القائل بذلك من الخوارج ضال عن سواء السبيل، فأما الهجرة بالاتفاق من السلف أن النبي بعد فتح مكة، قال: لا هجرة بعد فتح مكة. وقال بعد اليوم، وقد كان بعد ذلك
يدخلون في دين الله أفواجا، ويرجعون إلى بلادهم ويسمون مسلمين، ولهم الولاية والمودة وعليهم النصر، وقد كان يقبل الإسلام ممن يأتيه، وممن خرج إليه فاسلم أو صالح أو أعطى الجزية من أهل الذمة، قبل منه وأقر في بلاده وعلى دينه، فذلك ما يبطل قولهم في الهجرة بعد الفتح، وقد كانت
الهجرة قبل الفتح. وقد عذر الله المستضعفين الذين قال الله تعالى: هو لا يَسْتَطِيعُونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (1)، وقد كان النبي يقبل ممن أراد الإسلام وقال: إنه مهاجر حيث ما كان، مثل خزاعة وغيرهم. وقد كان العباس بمكة ... وقد قبل الله ورسوله منه ذلك، وممن أقره الله من الضعفاء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، دليل على بطلان قولهم: إن كل دار يحكم فيها بغير ما أنزل الله لا يقبل فيها من أحد حسنة ... فهذا خطأ من الخوارج، وأما تسميتهم إياهم بالشرك والكفر من غير ذنب، والارتداد، فذلك خطأ عظيم؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف لذلك: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها حُرِّم علي دماؤهم
(2)
وأموالهم إلا بحقها».، فهذا ما يبطل قولهم في الهجرة، وفي تحليل أموال أهل القبلة.
(3).
(1) الآية كاملة: (إلا المستضعفين من الرجال والنماء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)، سورة النساء،
رقم الآية: 98 () رواه الإمام الربيع في مسنده، كتاب الجهاد، باب (17)، حديث رقم (464)، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني تماءهم وأموالهم إلا بحقها "، ورواه الإمام البخاري في صحيحه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب في كتاب الإيمان، باب (17)، حديث رقم (25)، ومن طريق أنس بن مالك بلفظ قريب في كتاب الصلاة، باب (28)، حديث رقم (392)، ومن طريق أبي هريرة بلفظ قريب في كتاب الجهاد والسير، باب (102)، حديث رقم (2946): ورواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق أبي. بلفظ قريب في كتاب الإيمان، باب (8)، حديث رقم (20)، ومن نفس الطريق بلفظ قريب في كتاب فضائل سحابة، باب (4)، حديث رقم (2405)، (انظر: الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، 122/ 2 - ابن حجر، فتح الباري، 12/ 11، 654، 138/ 6 - النووي، شرح صحيح مسلم، 178/ 1 - 179، 143/ 15 - 144). (7) علي بن محمد البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ / 1984 م، ص 262 - 263. (1/191)
صفحة 192
إضاءات حضارية:
192
والإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوَارِجلاني (ت: 570 هـ / 1175 م) من علماء الإباضية في القرن الهجري السادس يؤكد ما قاله أئمة الإباضية الأوائل حيث يقول: " وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله في: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (1)، فالبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أنوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها. (2): وقال: " وأما المارقة فإنهم زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب وكبير أشرك بالله العظيم، وتأولوا قول الله عز وجل: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله عز وجل أنه مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال، والسبي للعيال، فحسبهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق»، فليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أشبه شيء هذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة، قلبوها ظهرا لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام، لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين.
(3)
(4).
هذا بالنسبة لأئمة الإباضية المتقدمين، ونجد أن أئمة الإباضية المتأخرين ساروا على نفس النهج لم ينحرفوا عنه قيد أغلة، فتذكر على سبيل المثال الإمام العلامة سعيد بن. خلفان الخليلي (ت:
(1)
سورة الأنعام من الآية: 121.
(1) أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل والبرهان، 28/ 1.) رواه الإمام الربيع في مسنده، باب (5)، حديث رقم (36)، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في الفصل فلا ترى شيئا ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئا ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق " قال الربيع: النصل جديدة السهم والقدح السهم الذي فيه الحديدة وريش السهم الذي يوضع فيه الوتر ا ورواه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (6)، حديث رقم (3344)، وكتاب المناقب، باب (25)، حديث رقم (3610)، وكتاب المغازي، باب (12)، حديث رقم (4351)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب (47)، حديث رقم (1063)، ورقم (1064): ورواه أبو داود في سننه، كتاب السنة (39)، باب (26، 27) حديث رقم (4751)، ورقم (4752)، ورقم (4754) (انظر: الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، 15/ 1 - 16. ابن حجر، فتح الباري، 7660464463/ 6، 84/ 8 - النووي، شرح النووي، 141/ 7، 142 - ابو داود سليمان بن الأشعث الأزدي، كتاب السنن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، طا 1: 1421 هـ / 2000 م،
ص 798). (4) الوارجلاني، الدليل والبرهان، 43/ 1 - 44. (1/192)
صفحة 193
إضاءات حضارية
193
1287 هـ / 1870 م) حيث يقول: " إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك
من قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الهلاك والإهلاك.
(3).
ويقول قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م): " تجب معرفة تحريم سوق سلب الموحد وسبيه للتوحيد مع معرفة تحريم ضر في بدنه، أو تحريم قتله، أو تحريم ما يؤدي إلى موته، أو تحريم إهراق دمه على التوحيد والإسلام ... ومن أحل مال الموحد أو سلبه أو
سبيه أشرك.
(T).
ويقول الإمام العلامة عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332 هـ / 1914 م): " واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا، لأنه جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عز وجل: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (3)، ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن الصف بذلك آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية، فهو من الأسماء التي اختفى سبها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى أصحابنا [يقصد الإباضية] لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة. (4). وله كلام قيم في (تحفة الأعيان (حول نظرة الإباضية لمخالفيهم حري بنا تأمله، حيث يقول:. . ونؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها من قومنا أو غيرهم، وتوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم، ونجير من استجارنا من قومنا وغيرهم .... ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا، لأن الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة؟ ... ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا ... ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه بريء من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون ... ولا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة، ولا نرى قتل الصغير من
(1) سعيد بن خلفان الخليلي، تمهيد قواعد الإيمان: 244/ 1 نقلا عن: القنوبي، الصيف الحاد، ص 41. (1) محمد بن يوسف اطفيش، الذهب الخالص المنوه بالعلم الخالص، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1419 هـ / 1998 م، ص 46.) سورة التوبة، أية رقم: 46
(1)
عبد الله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، المطابع الذهبية، روي، سلطنة عمان، 1993 م،
ص 59 (1/193)
صفحة 194
إضاء انت حضارية
194
أهل قبلتنا ولا غيرهم ... ولا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا لهجرة النبي
وأصحابه من دار قومه
(1).
ونجده يقول في جوهر النظام (2):
وَمَالُ أَهْلِ البَغْيِ لَا يَحِلُّ وَإِنْ يَكُنْ قَوْمٌ لَهُ اسْتَحَلُوا خَوَارِجٌ غَلَتْ وَصَارَتْ مَارِقَهُ مِنْ دِينِهَا صُفْرِيَّةٌ أَزَارِقَة فَحَكَمُوا بِحُكْمِ الْمُشْرِكِينَا جَهْلاً عَلَى بُغَاةِ المُسْلِمِينَا فَعَرَضُوا للنَّاسِ بِالسَّيْفِ كَمَا قد اسْتَحَلُوا المَالَ مِنْهُمْ مَعْنَمًا وَأُمَّهُ المُخارِ فَارَقَتْهُمُ وَضَلَّتْهُمْ وَقَسْقَتْهُمُ وَوَرَدَتْ فِيهِمْ عَنِ الْمُخْتَارِ جُمْلَةُ أَخبَارٍ مَعَ الآثارِ وَفِيهِمُ الرُّوقُ يُعْرَفا وَمِنْهُمُ لا شَك براكا ويقول في كشف الحقيقة (3):
الخلاف
ولحْنُ لا تُطَالِبُ العِبَادَا فَوْقَ شَهَادَتَيْهِمُ اعْتِقَادًا فَمَنْ أَتَى بِالجُمْلَيْنِ قُلْنَا إِخْوَانَا وَبِالْحَقُوقِ قُمْنَا إِلَّا إِذَا مَا تَقَضُوا المَقَالاً وَاعْتَقَدُوا فِي دِينِهِمْ ضَلَالاً قُمْنَا لينُ الصَّوَابَ لَهُمُ وَتَحْسَبَنَّ ذَاكَ مِنْ حَقِّهِمُ
ونجد الشيخ أبا إسحاق ابراهيم اطفيش) ت: 1385 هـ / 1965 م) يقول: " وأرى أن بين الأمة في الاصطلاحات ليس إلا، سوى الأزارقة والصفرية فعندهم الكبائر كلها شرك. لذلك استحلوا الدماء والأموال والسي لأبناء المسلمين ونسائهم وخربوا البلدان بوقائعهم التاريخية المهولة؛ وقد ألف - رحمه الله - رسالة مختصرة قيمة تحت عنوان (الفرق بين
(")
(4).
(1) السالمي، تحفة الأعيان، 78/ 1 79. عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان، ج 3، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، ص 231 عبد الله بن حميد السالمي، منظومة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، نشرت ضمن كتاب مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، السيب، سلطنة عمان، ص 203 - 204. (1) بكير بن سعيد أعوشت، أضواء إسلامية على المعالم الإباضية، الدار العمانية للنشر والتوزيع، سلطنة عمان،
ص 68 (1/194)
صفحة 195
إضاء انت حضارية
195
الإباضية والخوارج) وهي منشورة ومتداولة (1)، وكذلك معروضة في بعض مواقع الشبكة العالمية (الإنترنت) (2). ومرجع الإباضية في هذا الوقت سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله، لمجده في العديد من المناسبات وفي مؤلفاته ومحاضراته يبرز نظرة الإباضية إلى إخوانهم أتباع المدارس الإسلامية الأخرى، ومنهجهم في التعامل معهم، والفرق بين الإباضية والخوارج، فمن ذلك مثلا قوله: " إن الخوارج طوائف عرفت بتشددها وغلوها في حين أن الإباضية طائفة معتدلة ليس فيها إسراف في التشدد وليس في أمرها غلو، والخوارج كما عرف عنهم أنهم يحكمون على أهل التوحيد بأنهم مشركون، وتترتب على ذلك استباحتهم لدمائهم وأموالهم وسي ذراريهم، بينما الإباضية أعف الناس عن ذلك، كما عرف من تاريخهم. وقال فضيلة الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي حفظه الله: " ظن كثير من الناس أن الإباضية أهل الحق والاستقامة فرقة من فرق الخوارج ... والحق أن الإباضية لا علاقة لهم بالخوارج، ومن تصفح كتبهم - أعني الإباضية - تبين له ذلك من أول نظرة، وذلك أن الإباضية قد حكموا بضلال الخوارج وفقوهم بل وحاربوهم، والنصوص على ذلك كثيرة جدا.
(4).
(1).
إذا هذه هي؟ أقوال أئمة الإباضية - على مر القرون - في إخوانهم من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، هم إخوانهم في الدين، لا يجوز استباحة دمائهم ولا سي ذراريهم ولا غنم أموالهم، حقوقهم مصانة، يعبدون رقم وفق المذهب الذي البعوه لا أحد يضيق عليهم أو يجبرهم على أن يتخلوا عن معتقداتهم، هذا في الجانب النظري، فماذا عن الجانب العملي، هل خالف الإباضية عمليا ما سطروه في بطون مؤلفاتهم؟ هل كفروا من سكن بين ظهرانيهم من غير الإباضية؟ هل
استباحوا دمه وغنموا ماله وسبوا ذريته؟
(1) نشرتها مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، 1400 هـ / 1980 م. (1) انظر مثلا موقع الأمل المشرق (www.alam.net) ، قسم التاريخ.
(9) عمر بن الحاج محمد صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2:
1413 هـ / 1992 م، ص 93.
(1) مسعود بن مبروك القنوبي، الصيف الحاد، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 3: 1418 هـ، ص 42. (1/195)
صفحة 196
إضاءات حضارية:
196
الجواب: لا أبدا، لم يخالف الإباضية عمليا في عصر من العصور ما سطروه في كتبهم من أقوال وأحكام؛ وسأنقل بعض النماذج للتمثيل وليس الحصر؛ يقول المقدسي - وهو غير إباضي - في وصف تيهرت عاصمة الدولة الرستمية:. ... هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها العين، وجل بها الإقليم، وانتعش فيه الغريب، واستطابها اللبيب، يفضلونها على دمشق وأخطأوا، وعلى قرطبة وما
(3) ?
أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف. ويقول ابن الصغير - ذكرتُ أنه شيعي وقيل مالكي - مؤرخ الدولة الرستمية وعاش في عاصمتها تيهرت:. ... ليس أحد يول هم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قبل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين وكانت تحدث مناظرات بين أتباع مختلف المذاهب بكل حرية يقول ابن الصغير عن ذلك: " من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم، قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك. (3).
هذا بالنسبة لإباضية المغرب، فماذا عن إباضية المشرق؟
(T) -
لو أردت ضرب الأمثلة لطال بنا المقام، ولكن سأكتفي بنموذجين وعليهما فقس؛ ما قام به الإمام عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق) ت: 130 هـ 747 م) عندما دخل صنعاء وحررها من جور بني أمية فأعاد الأموال المكدسة في خزائن ولاة بني أمية إلى فقراء صنعاء ولم يأخذ منها درهما واحدا بالرغم من حاجته هو وأصحابه إلى المال ليتقووا به (4)
(1) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1987 م، ص 228. (2) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. ابن الصغير، مصدر سابق، ص 117، 118.
(1) الشماخي، السير، 91/ 1 - 92 مهدي هاشم، الحركة الأباضية، ص 116 - عوض خليفات، نشأة الحركة
الإباضية، ص 121. (1/196)
صفحة 197
إضاءات حضارية
197
وما قام به الإمام ناصر بن مرشد اليعربي) حكم عُمان: 1024 هـ / 1615 م - 1050 هـ / 1640 م) الذي أعاد إلى الشيعة بصحار من عُمان أموالهم بعد أن فكها من
أيدي البرتغاليين (1).
+
ثم اسأل عن الإباضية اليوم في مدنهم ودولهم ببلاد المغرب والمشرق، كيف هي معاملتهم مساكنيهم في بلدانهم التي هم فيها الأغلبية؟ لتعرف أن ما ذكره ابن الصغير عن الأقليات في تيهرت في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، لا يزال قائما كما هو لم يغير، فهذا هو المذهب الإباضي وهذا هو منهجه وسلوكه في معاملة الآخرين. إذا أخي القارئ الكريم، هذه هي سيرة الإباضية وهذا هو فكرهم وهذه هي أقوالهم وأفعالهم شاهدة عليهم، ينظرون إلى مخالفيهم نظرة احترام وتقدير، لا يكفرونهم ولا يستبيحون دماءهم أو يغنمون أموالهم أو يسبون ذراريهم، بل وجدناهم يعيدون لهم أموالهم؛ هم إخوانهم في الدين، يعيشون في دول الإباضية بكل حرية حقوقهم مصانة، يعبدون رقم وفق المذهب الذي اختاروه واقتنعوا به، بل وتجد لهم مساجدهم الخاصة بهم في دول الإباضية، ويختلطون مع الإباضية ويتبادلون الحوار والنقاش العلمي بكل حرية وسلاسة، لا يخافون على حياتهم وأموالهم وأسرهم إن هم صرحوا بمعتقداتهم ومذاهبهم، ووجدنا الإباضية يتزوجون من مخالفيهم ويزوجونهم، فإن زرت بلدان الإباضية سواء في الماضي أم الحاضر تجد السكان مختلطين معا فلا تميز بين الإباضي وغير الإباضي، بل تجد الإباضي يصلي في مساجد السنة أو الشيعة والعكس صحيح، تجدهم في الأفراح يتبادلون التهاني وفي الأتراح التعازي، ويعد الإباضي يد العون إلى أخيه السني أو الشيعي والعكس صحيح، فهل بعد ذلك نقول إن الإباضية من الخوارج؟!
(1) السالمي، تحفة الأعيان، 10/ 2. (1/197)
صفحة 198
[صفحة فارغة] (1/198)
صفحة 199
إضاءات حضارية
199
الخاتمة
بعد هذا الترحال عبر القرون مقلبين أوراق الماضي، ناقضين الغبار عن تاريخ مدرسة إسلامية هي من أوائل المدارس الإسلامية نشأة وظهورا، ألا وهي المدرسة الإباضية، مستخرجين نفائس و درر سير وآثار أئمتها وعلمائها ودولها التي قامت، فقد آن الأوان أن تلجم عنان القلم، ونضع عصا الترحال
+
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ الكريم إنما هو مجرد إضاءات متفرقة من قرون عدة لتاريخ وسير الإباضية، إذ إن التاريخ والتراث الإباضي يحتاج إلى جيش من الباحثين لإخراجه إلى النور، ويحتاج إلى جهد وعمل دائبين مع توفير الإمكانيات اللازمة من أجهزة ودعم مادي لإخراج التراث الإباضي إلى القراء محققا تحقيقا رصينا بثوب قشيب ولكن وكما يقال: ما لا يدرك جله لا يترك كله، فقد حاولت في هذا الكتاب وما تضمنه من بحوث أن أعطي القارئ الكريم صورة للتراث والتاريخ الإباضي، ونماذج من دولهم التي قامت وأئمتهم الذين ظهروا، وأهم ما قدموه من خدمات للأمة الإسلامية، كذلك حاولت أن أسلط الضوء على التراث الإباضي من مؤلفات علمية، حيث كانت لهم بصمتهم الواضحة وأثرهم الواسع في دائرة التراث الإسلامي، وحاولت أيضا تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة حول الإباضية علقت في عقول البعض بسبب التشويه الذي لحق بالإباضية من قبل بعض كتاب المقالات القدماء، وتبعهم بعض الكتاب المعاصرين بعضهم عن غير قصد وعن جهل منهم، والبعض الآخر عن قصد لتحقيق مآرب معينة.
وأهم النتائج التي يمكن أن تخرج 4 ما من خلال هذا الكتاب هي:
سعد بن
انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة الإباضية وعلى رأسهم سلمة. الحضرمي (حي: 135 هـ / 752 م)، الذي قدم من المشرق تحديدا البصرة، بعد أن أخذ العلم والمذهب الإباضي على يد إمام الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي. كريمة التميمي (ت: 145 هـ / 762 م). (1/199)
صفحة 200
إضاءات حضارية
في سنة 140 هـ / 757 م بايع الإباضية بالمغرب الإمام أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بالإمامة، وأعلنوا ظهور دولتهم الإباضية الجديدة، وبعد سقوط دولة أبي الخطاب بايع الإباضية الإمام أبو حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي في سنة 145 هـ / 762 م بالإمامة، وأعلن ثورته في سنة 150 هـ / 767 م. كان الشيخ مهدي النفوسي الويقوي من علماء الإباضية الذين برعوا في المناظرة، فكان له الفضل في تفنيد شبه المعتزلة في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، الإمام الثاني من ألمة الدولة الرستمية) حكم من 171 هـ / 787 م - 208 هـ / 823 م).
اعتنت الدولة الرستمية (160 هـ / 776 م - 296 هـ / 908 م) بالقضاء، وجعلته من أولى اهتماماتها بعد الإمامة، فظهر بها عدد من القضاة المرموقين، منهم الشيخ محكم بن هود الهواري (حي:: 208 هـ / 823 م - 258 هـ / 871 م).
لقد اعتنى علماء الإباضية بتفسير القرآن الكريم منذ القرون الهجرية الأولى، فمن علمائهم الذين عنوا بهذا الجانب الشيخ العلامة المفسر هود بن مُحَكّم بن هُود الهوارِي (ت: 280 هـ / 893 م)، الذي ترك لنا تفسيرا كاملا للقرآن الكريم عنونه بـ (تفسير كتاب الله العزيز)، ولقد قام الأستاذ الباحث بالحاج بن سعيد شريفي بتحقيق هذا السفر الثمين، فظل يعمل فيه لما يقارب من عشرين سنة، وقد طبع في أربعة مجلدات بدار الغرب الإسلامي. الشيخ العلامة عمْرُوسُ بن فَتح المُسَاكَنِي النَّفُوسِي (ت: 283 هـ / 896 م) هو أحد أعلام الإباضية الذين نبهوا فتركوا سيرة عطرة وتراثا يخلد ذكراهم، فكان يعد أعلم أهل زمانه، من مؤلفاته: كتاب (العمروسي)، وكتاب (أصول الدينونة الصافية)، وكتاب (الحكم والمعارف)، وكتاب (أعلام الملة)، وكتاب) عَمْروس بن فتح)، وكتابان في الأصول والفقه، وكتاب في (الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين). الشيخ المؤرخ سالم بن محمد بن يعقوب (ت: 1408 هـ / 1988 م) يعد من أشهر المحققين المعاصرين في التاريخ، وبخاصة في سير الإباضية، فاتخذه الباحثون قبلة ينهلون من علمه ويستفيدون منه، ومن أبرز تلاميذه: الدكتور فرحات الجعبيري، وقاسم قوجة، والصادق بن مرزوق، ويوسف الباروني؛ ويعد الشيخ سالم آخر عضو من أعضاء حلقة العزابة بجربة، له (1/200)
صفحة 201
إضاءات حضارية
العديد من
الأعمال والمؤلفات منها: (تاريخ جزيرة جربة (يقع في ثلاثة أجزاء، ومن أعماله تحقيقه لكتاب (بدء الإسلام وشرائع الدين (لابن سلام، وقد اشترك معه في ذلك المستشرق الألماني شفارتز، وله) دروس عن تاريخ جربة (القيت في سنة 1384 هـ / 1964 م ولا يزال مخطوطا، ومن أعماله كذلك (تقييدات عن نشأة الإباضية)، و (تقيدات عن تراجم بعض علماء الإباضية)، و (تقييدات عن المدارس العلمية بجربة)، وهذه الأعمال الثلاثة لا تزال مخطوطة؛ وله أعمال أخرى. المحبت الدولة الرستمية العديد من الأعلام الذين نبغوا في مختلف الجوانب، ومن هذه الجوانب الساحة الشعرية والأدبية، ومن شعرائها المشهورين بكر بن حماد التبهرني (ت: 296 هـ / 908 م)، كان عالما بالحديث وتمييز الرجال ثقة مأمونا لبتا صدوقا إماما حافظا، وقد نبغ بكر بن حماد في الشعر أيما نبوغ ونظم قصائد جيدة في أغراض مختلفة كالوصف والمديح والهجاء والرثاء
والاعتذار والزهد والوعظ.
استطاع الإباضية تكوين عدد من الدول، ومن هذه الدول الدولة الرستمية في المغرب، التي نشأت في سنة 160 هـ / 776 م، واستمرت إلى سنة 296 هـ / 909 م، والمؤسس لها هو الإمام عبد الرحمن بن رستم، فازدهرت عاصمتها تيهرت وبلغت شهرتها الآفاق، وشدت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيش الرغيد الآمن، مما جعل الكتاب والرحالة يقصدونها ويشيدون بها، وقد تولى الحكم فيها عدد من الأئمة العدول، يتم اختيارهم من قبل العلماء والرعية، فكانت سائرة على نهج الخلافة الراشدة، وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم وعلمهم، وبازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون عبادتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها، مصانة حقوقهم، محفوظة حرياتهم، بل كان يعيش فيها أصحاب الديانات الأخرى كاليهود والنصارى، وقد اهتم أئمتها بالجانب الاقتصادي والعلمي والاجتماعي. لقد اعتنى أئمة عمان وعلماؤها بالتأليف منذ القرون الهجرية الأولى، فأبدعت عقولهم الكثير من المؤلفات، ومما يتميز به التراث العماني التنوع والاتساع في التأليف، فقد اهتم العمانيون (1/201)
صفحة 202
إضاءات الحضارية:
202
بالكثير من فنون العلم، فطرقوا أبوابها وولجوا ميادينها وتسنموا ذراها، فأبدعوا في التأليف وأضافوا الجديد على ما تركه من سبقهم من العلماء، فألفوا في الشريعة واللغة والأدب والطب والفلك وعلوم البحار وغيرها، ومما يتميز به اليراع العماني أنه يراع ناقد فاحص معلق، يأخذ المفيد ويترك السقيم بعد أن يعلق عليه ويتعقبه. يوجد فرق شاسع بين مصطلحي (الوَهْنِيَّة) و (الوَهَّابِيَّة)، فمصطلح (الوهبية) ينسب إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسي الذي استشهد في معركة النهروان سنة 38 هـ / 658 م؛ بينما مصطلح (الوَهَّابِيَّة (نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب التميمي (ت: 1206 هـ / 1791 م)، الذي ظهر بنجد في القرن الثاني عشر الهجري، ويعده الوهابية السلفية إماما لهم؛ وقد ورد مصطلح (الوَهْيَّة (هذه الصيغة في مصادر المسلمين المتقدمة والمتأخرة سواء كانت إباضية أو غير إباضية، بل وورد بهذه الصيغة في العديد من مؤلفات وبحوث المستشرقين الذين عنوا بالكتابة حول المسلمين عامة والإباضية خاصة في شمال إفريقيا؛ وقد وقع الخلاف في نسبة هذا المصطلح، فقيل نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208 هـ / 823 م (الإمام الثاني للدولة الرستمية، وقيل نسبة إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، وعلى القول الثاني أغلب أئمة الإباضية وهو الصحيح؛ والذي يظهر أن تداول مصطلح (الوهبية (بدأ في القرن الثالث الهجري (وأما مصطلح (الوَهَّابِيَّة) فهو متأخر جدا فلم يكن له وجود في أوساط المسلمين قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب، حيث بدأ تداول مصطلح (الوَهَّابِيَّة) على السنة أهل العلم وفي مصنفاتهم، والوهابية أو السلفية يعترفون بأن مصطلح (الوَهَّائِيَّة (ظهر مع ظهور محمد بن عبد الوهاب، وأن هذا المصطلح هو نسبة إلى إمامهم محمد بن
عبد الوهاب، بل تجد بعضهم تقبل هذا المصطلح والانتساب إليه ولم يجد غضاضة في ذلك. مصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله، ويأتي بمعنى الخروج السياسي على الحاكم، ويأتي بمعنى الخروج من الملة الإسلامية؛ والإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم، والأمثلة على ذلك كثيرة كخروجهم على الجورة من حكام بني أمية وبني العباس، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله، والخروج على أئمة الجور لم يتفرد به الإباضية (1/202)
صفحة 203
إضاءات حضارية
203
وحدهم بل وافقهم على ذلك جمهور الأمة؛ والرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره المتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسمي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب الأهواء، ولكن لما زعم الأزارقة والنجدات والصفرية استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم، تبرأ الإباضية منهم وردوا عليهم بل وقاتلوهم، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سبي ذراريهم ولا غنم أموالهم.
هذه هي أهم النتائج التي يمكن أن تخرج بها من خلال هذا الكتاب، الذي أرجو أن أكون من خلاله قدمت مساهمة جديدة تضاف إلى المكتبة الإسلامية، يجد فيها القارئ معلومة مفيدة يضيفها إلى رصيده، فإن أصبت في هذا العمل فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطات فمن نفسي والشيطان، فاستغفر الله تعالى وأتوب إليه رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخطانا) (1)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) سورة البقرة، من الآية: 286. (1/203)
صفحة 204
[صفحة فارغة] (1/204)
صفحة 205
إضاءات حضارية
(1) - المقدمة:
المصادر والمراجع
205
- أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، لح: إبراهيم طلاي. 2 - بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 2: 1414 هـ / 1993 م. 3 - خميس بن راشد العدوي، رؤية تاريخية، الأجيال للتسويق، روي، سلطنة عمان، ط 1: 1423 هـ /
2003 م.
- سامي صفر أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 2000 م. ه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) .
6 - علي بن محمد الحجري، الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م. علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 35: 1421 هـ / 2000 م. عمر محمد صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م. -9 - مهنا بن راشد بن حمد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1424 هـ / 2004 م.
10 - مقال الاتصال بالعالم الخارجي، انظر هذا الرابط:
http://www.theathspace. 20 m.com/phone.htm (1/205)
صفحة 206
إضاءات حضارية
(2) - الإمام أبو حاتم الملزُوزي المزفوف إلى الموت:
E
1 - احمد بن حمد الخليلي، إعادة صياغة الأمة، الحلقة الأولى، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط،
سلطنة عمان
2 - أحمد بن حمد الخليلي، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي، مكتبة الجيل
الواعد، مسقط، سلطنة عمان، 1424 هـ / 2003 م.
3 - أحمد بن حمد الخليلي، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحته بجامعة السلطان قابوس، القيت في يوم الاثنين 23 من رجب 1423 هـ / 30 من سبتمبر 2002 م: والمحاضرة منشورة بموقع الأمل المشرق (www.alaml.net) .
4 - أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، تح: إبراهيم طلاي. ه - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1407 هـ / 1987 م.
- أحمد بن علي القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، موقع نداء الإيمان
(www.al-eman.com)
- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 3، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 3: 1421 هـ / 2000 م.
- ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ت: محمد ناصر وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م. ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 2:
1983 م. 10 - بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 2: 1414 هـ / 1993 م.
11 - بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م.
12 - خميس بن راشد العدوي، رؤية تاريخية، 1: 1423 هـ / 2003 م، الأجيال للتسويق، روي، سلطنة
عمان.
13 خواص السوائل الساكنة، موقع سوزان مبارك الاستكشافي للعلوم، على هذا الرابط:
http://www.smsec.com/encyc/phys/r.htm (1/206)
صفحة 207
إضاءات حضارية
207
14 - خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط 7: 1989 م. 15 - الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1415 هـ /
1994 م.
16 سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني، تونس، 1986 م.
17 - سامي صفر أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، ط 1: 2000 م،
مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان.
-18 - سليمان الباروني أبو الربيع، مختصر تاريخ الإباضية، جهة النشر غير مسجلة. 19 - سليمان داود بن يوسف، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي، مطبعة ابو داود، 1993 م. 20 - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، لب اللباب في تحرير الأنساب، موقع نداء
الإيمان) www.al-eman.com) .
21 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) . ج، ج 4، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طا: 1413 هـ / 1992 م.
22 - عبد الكريم بن محمد السمعاني، الأنساب، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طا:
1408 هـ / 1988 م.
23 - عبد الله بن يحيى الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1412 هـ / 1992 م. 24 - علي بن محمد الحجري، الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م. 25 - علي بن محمد الشيباني ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 4، ت: د/ عمر عبد السلام تدمري، دار
الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م. 26 - علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 35: 1421 هـ / 2000 م. 27 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول: الحلقة (1)، (2)، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1993 م. 28 - عمر بن جميع أبو حفص، مقدمة التوحيد وشروحها، شرح: أحمد بن سعيد الشماخي وداود بن إبراهيم الثلاثي، تعليق: إبراهيم اطفيش أبو إسحاق، طبعة مسقط، سلطنة عمان. 29 - عمر محمد صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، ط 2: 1413 هـ / 1992 م، مكتبة الاستقامة، روي،
سلطنة عمان. (1/207)
صفحة 208
إضاءات حضارية
208
30 عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمّان، الأردن، 1978 م. 31 - فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ط 1: 1412 هـ / 1991 م.
32 - لقاء مع د/ إبراهيم بكير بجاز، الرستاق، سلطنة عمان، 13 من ربيع الأول 1426 هـ / 24 من إبريل
2005 م.
33 نواب بن سلام، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين، ت: شفارتز وسالم بن يعقوب، الناشر دار فرائز شتايز بفيسبادن، ألمانيا، طبع بمطابع دار صادر، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م. 34 - محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، قرص مدمج، مكتبة الحديث الشريف، شركة العريس للكمبيوتر، بيروت، لبنان، 2002 م. 35 - محمد بن يوسف اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ت: مصطفى بن الناصر وينان، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 1: 1422 هـ / 2001 م.
36 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
1997 م. 37 - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، دار إحياء الكتب العربية، ط 1: 1383 هـ / 1963 م. 38 مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ بجاز إبراهيم بكير، الأحد 1 من محرم 1425 هـ / 22 من فبراير 2004 م.
-39 - مقرين بن محمد البعطوري، كتاب سير أهل نفوسة، مخطوط. 40 - مهنا بن راشد بن حمد السعدي، أئمة المغرب الأوائل، أنظره في موقع الأمل المشرق (www.alaml.net) ، قسم التاريخ. 41 - يحيى بن أبي زكرياء (أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2: 1402 هـ / 1982 م. 42 - يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2:
1424 هـ / 2003 م. (1/208)
صفحة 209
إضاءات حضارية
(3) - العلامة مهدي النَّفوسي إمام المناظرين:
209
1 - أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، ج 2، ت: إبراهيم طلاي. 2 - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، تح: محمد حسن، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية،
تونس، شركة أوربيس للطباعة، تونس، 1995.
أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، لح: احمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1407 هـ / 1987 م.
بحاز إبراهيم بكير، القضاء في المغرب العربي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية، دار الياقوت، عمان،
الأردن، ط 1: 2001 م.
ه بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2:
1421 هـ / 2000 م.
6 - سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار يو سلام للطباعة والنشر، شارع فرنسا، تونس، ط 1: 1986.
مقرين بن محمد البغطوري، سير أهل نفوسة، مخطوط.
- يحيى بن أبي بكر (أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ت: إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي،
بيروت، لبنان، ط 2: 1402 هـ / 1982 م.
(4) - العلامة مُحَكَّم بن هُود الهُوَّارِي قاضي (تَنْهَرْت):
1 - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2: 1407 هـ / 1987 م. 2 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تح: د/ محمد ناصر، إبراهيم بجاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت،
لبنان، 1406 هـ / 1986 م. 3 - بحاز إبراهيم بكير، القضاء في المغرب العربي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية، دار الياقوت، عمان، الأردن، ط 1: 2001 م. بجاز إبراهيم بكير، وآخرون معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م. (1/209)
صفحة 210
إضاءات حضارية
210
ه سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، مخطوط بخط المؤلف، وقد تم نشر هذه الحلقات في جريدة (الوطن (العمانية بين عامي 1419 هـ / 1420 هـ. 6 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الثالث، الحلقة الرابعة، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1993 م. فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان،
1408 هـ / 1987 م.
- هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، تح: بالحاج بن سعيد شريفي، دار الغرب
الإسلامي،، بيروت، لبنان، ط 1: 1990 م.
(5) - العلامة هُود بن مُحَكَّم الهُوَّارِي مفسر القرآن العزيز:
- أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاة، مخطوط.
- احمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، تح: إبراهيم طلاي. أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 2، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2: 1412 هـ / 1992 م. 4 - بحاز إبراهيم بكير، محاضرة نظام العزابة وأثره في المجتمع الميزابي، شريط سمعي، ألقاها في سلطنة عمان، ولاية السويق، الأربعاء 4 من محرم 1425 هـ / 25 من فبراير 2004 م، وقد نشرت هذه المحاضرة في موقع الشبكة العمانية سبلة الدين) على هذا الرابط:
http://www.omania.net/avb/showthread.php?t=rrrr.&page=1
ه يجاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م.
6 - سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير، الحلقة (13)، مخطوط بخط المؤلف، وقد تم نشر هذه الحلقات في جريدة (الوطن (العمانية بين عامي 1419 هـ / 1420 هـ.
7 سليمان داود بن يوسف، مساهمة علماء الإباضية في علم التفسير والحديث والفقه والبيان، مطبعة أبو داود، 1992 م.
صالح باجيه، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، دار بوسلامة، تونس، ط 1: 1396 هـ /
1976 م. (1/210)
صفحة 211
إضاءات حضارية
211
- عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2:
1983 م.
10 - علي اكبر ضيائي، معجم مصادر الإباضية، مؤسسة الهدى، طهران، ايران، ط 2: 1424 هـ. 11 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الثالث: الحلقة (4)، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1993 م. 12 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2001 م. 13 فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للآثار والفنون، المكتبة
التاريخية، تونس، 1975 م.
14 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
1998 م. 15 - محمد ناصر، الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان: 2: 1413 هـ / 1992 م. 16 - مناقشة علمية عبر الهاتف مع الأستاذ سلطان بن مبارك الشيباني، ربيع الأول 1425 هـ / مايو 2004 م. 17 - مناقشة علمية عبر الهاتف مع د/ بحاز إبراهيم بكير، السبت 25 من ربيع الأول 1425 هـ / 15 من مايو
2004 م.
18 هواري بومدين أكبر مساند الجبهة البوليساريو في السبعينيات، موقع قناة الجزيرة على هذا الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CEC CD-Evo-LACT-DLA-EBYFEABBFDCA.htm
19 - هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، تح: بالحاج بن سعيد شريفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1990 م.
20 - يحيى بن أبي الخير الجناوني، كتاب الوضع، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 6. 21 - يحيى بن أبي بكر أبو زكرياء، كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تح: عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1405 هـ / 1985 م. (1/211)
صفحة 212
إضاءات حضارية
(6) - العلامة عَمْرُوسُ بن فَتْح النَّفُوسِي (قصة إمام):
- أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاة، مخطوط.
212
2 - أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، تح: إبراهيم طلاي. - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 2، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة
عمان، ط 2: 1412 هـ / 1992 م.
1 - إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، تح: بشير بن موسى الحاج موسى، ج 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، ط 1: 1418 هـ / 1998 م.
5 - إسماعيل بن موسى الجيطالي، كتاب قواعد الإسلام، ج 1، تح: بكلي عبد الرحمن بن عمر، مكتبة
الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م.
6 - بجاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م.
جناو بن في وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء قران، تح: عمرو خليفة النامي، مطابع دار البعث،
قسنطينة، الجزائر. سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار بو سلام للطباعة والنشر، شارع فرنسا، تونس، ط 1: 1986. 9 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، موقع نداء الإيمان (www.al-eman.com) . 6 ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1413 هـ /
1992 م. 10 - عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2:
1983 م.
11 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول: الحلقة (2)، مكتبة الظاهري، السيب، سلطنة عمان، ط 2: 1993 م. 12 - عمرو خليفة النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال الفريقية، مخطوط، مقال منشور في المجلد (15) العدد (1) من مجلة (الدراسات السامية)، 1970 م، ترجمة سلطان بن مبارك الشيباني، مخطوط
بخط المترجم. 13 - عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، تح: أحمد حمو كروم، وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م. (1/212)
صفحة 213
إضاءات حضارية
213
14 - فرحات الجمعيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان،
1408 هـ / 1987 م.
15 فرحات الجعبري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، طا: 1412 هـ / 1991 م.
16 - محمد بن يوسف اطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 12، مكتبة الارشاد، جدة، المملكة العربية
السعودية، ط 3: 1405 هـ / 1985 م.
17 - مقرين بن محمد البغطوري، كتاب سير أهل نفوسة، مخطوط.
18 مهنا بن راشد بن حمد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1424 هـ / 2004 م. 19 - يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، كتاب النكاح، تعليق: علي يحيى معمر، المطابع العالمية، روي،
سلطنة عمان
(7) - الشيخ سالم بن يعقوب مؤرخ في سطور:
احمد 1 - اتصال هاتفي مع الشيخ أ. مهني مصلح مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان، الثلاثاء 4 من شعبان 1424 هـ / 30 من سبتمبر 2003 م، الأربعاء 5 من شعبان 1424 هـ / 1 من أكتوبر 2003 م. 2 - بجاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 197/ 2 198، رقم الترجمة: 366، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م.
سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، القاهرة، مصر، 1989 م، ص 12. - سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي، علماء جربة، ت: محمد قوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،
1: 1998 م، III هامش رقم (1).
ه سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، الإرشاد في شرح مهمات الاعتقاد، ج 1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م. فرحات الجعيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1987 م، ص 85 هامش رقم (149). (1/213)
صفحة 214
إضاءات الحضارية
(8) - المحدث بكر بن حماد شاعر (تيهرت):
1 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاة، مخطوط.
214
- أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشالخ بالمغرب، ج 1، لح: إبراهيم طلاي. - أحمد بن عبد الله العجلي الكولي، معرفة الثقات، تح: عبد العليم البستوي، المكتبة الألفية للسنة النبوية،
مركز التراث،، عمان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م.
- احمد بن علي بن حجر، لسان الميزان، ج 2، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن،
1419 هـ / 1999 م.
ه - إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، ج 3، مركز التراث للحاسب الآلي، عمان، الأردن، الإصدار الثاني، 1421 هـ / 2000 م. 6 - بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية التراث، القرارة،
الجزائر، ط 2: 1414 هـ / 1993 م. 7 - سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار البعث، الجزائر، 30: 1423 هـ / 2002 م. - سليمان بن عبدالله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار بو سلام للطباعة والنشر، شارع فرنسا، تونس، ط 1: 1986. 9 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) . 10 - محمد بن طاهر بن القيسراني، تذكرة الحفاظ، ج 3، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م.
11 - محمد بن مکرم بن منظور، لسان العرب، قرص مدمج، مكتبة الحديث الشريف، شركة العريس للكمبيوتر، بيروت، لبنان، 2002 م.
12 - ياقوت الحموي،، معجم البلدان، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 13 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، تح: سالم بن حمد الحارثي، وزارة الثراث والثقافة، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م. (1/214)
صفحة 215
إضاءات حضارية
(9) - الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ:
1 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاة، مخطوط.
215
- أبو القاسم بن حوقل النصبي، كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1992 م. احمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، طا: 1408 هـ / 1988 م. - أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . ه - أحمد بن حمد الخليلي، موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي، شريط سمعي، تسجيلات مشارق الأنوار،
روي، سلطنة عمان
6 - أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، 2، لح: إبراهيم طلاي. احمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1 (1407 هـ / 1987 م)، ج 2 (1412 هـ /
1992 م)، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقالة، سلطنة عمان. - أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية، ج 7، لح: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، مصر، 1425 هـ / 2004 م. 9 - أحمد بن علي المقريزي، اتعاظ الحتفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، موقع الوراق (www.alwaraq.com) . 10 - أحمد بن محمد ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، موقع الوراق
(www.alwaraq.com)
11 - أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، ج 5، تح: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2: 1417 هـ / 1997 م. 12 - أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، انساب الأشراف، ج 2، دار الفكر، بيروت، لبنان، طا: 1417 هـ / 1996 م. 13 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تح: د/ محمد صالح ناصر و إبراهيم بجاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م، ص 36. 14 - ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، جا، تح: ج. م. کولان و 1. ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 3: 1983 م. 15 - بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية النسرات، القرارة، الجزائر، ط 2: 1414 هـ / 1993 م. (1/215)
صفحة 216
إضاءات حضارية
216
16 - بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2:
1421 هـ / 2000 م.
17 - خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني، 1421 هـ /
2000 م، عمان، الأردن.
18 - سليمان الباروني أبو الربيع، مختصر تاريخ الإباضية، جهة النشر غير مسجلة. 19 - سليمان بن عبدالله الباروني (باشا)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار أبو سلام للطباعة والنشر، شارع فرنسا، تونس، ط 1: 1986. 20 - عبد الحميد بن هبة الله ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، جه، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 2: 1385 هـ / 1965 م. 21 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 3، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) .
22 - عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 2، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م. 23 - عبد الله بن يوسف الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية، ج 1، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) . 24 - عبيد الله بن عبد الله ابن خرداذبة (أبو القاسم)، المسالك والممالك، تح: محمد مخزوم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م. 25 - علي بن محمد الشيباني (ابن الأثير (الكامل في التاريخ، ج 6، 7، تح: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م.
26 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، مكتبة الضامري، مسقط، سلطنة عمان، ط 2:
1993 م.
27 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، 1978 م. 28 - لقاء مجلة جبرين مع سماحة الشيخ الخليلي حول الصحوة الإسلامية، مجلة جبرين: مجلة نصف سنوية تصدرها اللجنة الثقافية بنادي طلبة عمان في الأردن، موقع مكتبة الندوة، صفحة سماحة الشيخ، لقاءات وحوارات، على هذا الرابط (http://www.alnadwa.net/alkhalililjabreen.htm) .
29 - لقاء مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي في سنة 1423 هـ / 2002 م.
30 - لقاء مع خالد بن مبارك الوهيبي، مسقط، سلطنة عمان، 4 من شعبان 1426 هـ / 8 من سبتمبر
2005 م. (1/216)
صفحة 217
إضاءات حضارية
217
31 نواب بن سلام، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين، ت: شفارتز وسالم بن يعقوب، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن، ألمانيا، طبع بمطابع دار صادر، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م. 32 - مجموعة علماء، السير (مخ): كتاب الإمام أبي عبيدة مسلم وحاجب الطاني إلى أهل المغرب في قضية
الحارث وعبد الجبار.
33 - مجموعة علماء، السير والجوابات: سيرة أبي قحطان خالد بن قحطان، ج 1، تح: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2: 1410 هـ / 1989 م. 34 - مجموعة علماء، السير والجوابات: سيرة الشيخ محمد بن محبوب إلى أهل المغرب، ج 2، لح: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406 هـ / 1986 م. 35 محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1987 م. 36 - محمد بن أحمد اللهي، تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام، موقع الوراق (www.alwaraq.com) . 37 - محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج 3، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني، 1421 هـ / 2000 م، عمان، الأردن.
38 - محمد بن شامس البطاشي، الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة، مكتبة الضامري، السبب، سلطنة عمان، ط 1: 1414 هـ / 1994 م. 39 - محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج 10، لح: علي محمد معوض و عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1419 هـ / 1998 م. 40 - محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي) ابن بطوطة)، رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار)، تح: طلال حرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. 41 - محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، 15: 1421 هـ / 2000 م. 42 - محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، قرص مدمج، مكتبة الحديث الشريف، شركة العريس للكمبيوتر، بيروت، لبنان، 2002 م.
43 - محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة، سنن ابن ماجة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، طا: 1421 هـ / 2000 م. 44 - محمد بن يزيد المبرد، الكامل في اللغة والأدب، ج 2، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط 1:
1420 هـ / 1999 م. (1/217)
صفحة 218
إضاءات حضارية
218
4 - محمد بن يوسف اطفيش قطب الأئمة، شرح عقيدة التوحيد، تح: مصطفى بن الناصر وينان، جمعية التراث، غرداية، الجزائر، ط 1: 1422 هـ / 2001 م.
46 - محمد صالح ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، مكتبة الضامري، السيب،
سلطنة عمان.
47 - محمد صالح ناصر، منهج
1997 م.
الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
48 - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، دار إحياء الكتب العربية، 1: 1383 هـ / 1963 م. 49 - محمد ناصر بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل نموذجا) بحث مقدم في ندوة * الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم مجاز و د/ حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان. 50 - مكالمة هاتفية مع الشيخ عبد الله بن مبارك العبري، 13 من ربيع الأول 1426 هـ / 24 من إبريل
2005 م.
51 - ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1420 هـ / 1999 م.
52 - هاشم بن غيلان، السير: سيرة هاشم بن غيلان إلى الإمام عبد الملك بن حميد، مخطوط. 53 - يحيى بن أبي بكر (أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ت: إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1402 هـ / 1982 م. 54 - يحيى صالح بوتردين، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان) من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش) بحث مقدم في ندوة * الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان. (1/218)
صفحة 219
إضاءات حضارية
219
(10) - حركة التأليف عند العُمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى:
1 - إبراهيم بن أحمد الكندي، جابر بن زيد كإمام من أئمة الحديث، ندوة من أعلامنا الأولى، المديرية العامة للنشاط الثقافي، مسقط، سلطنة عمان، 1409 هـ / 1988 م.
2 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه، مخطوط.
- أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، تح: إبراهيم طلاي. - أحمد بن علي ابن حجر، قذيب التهذيب، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . ه - أحمد بن علي ابن حجر، لسان الميزان، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 6 - أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، موقع الوراق (www.alwaraq.com) . احمد بن محمد ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، موقع الوراق
(www.alwaraq.com)
إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م. 9 - بحاز إبراهيم بكير وحسن الملخ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، بحث " تطور علم الأصول في المصادر العمانية "، د/ مصطفى باجو، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان. 10 - بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م. 11 - جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، تح: عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث والثقافة، شلطنة عمان، 1409 هـ / 1989 م. 12 - حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج 1، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1410 هـ / 1990 م.
13 - سامي صقر أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي وألره في الحياة الفكرية والسياسية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 2000 م.
14 - سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السبب، سلطنة
عمان، ط 1: 1416 هـ / 1995 م.
15 سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج الإباضي في علم التفسير (مخ)، الحلقة 14. (1/219)
صفحة 220
إضاءات حضارية
220
16 - سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج 1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، سلطنة عمان، مسقط، ط 2: 1419 هـ / 1998 م. 17 - صالح بن احمد البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، 1: 1420 هـ / 2000 م.
18 - عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2:
1983 م.
19 - عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان، ج 1، تح: الشيخ إبراهيم العبري والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان.
20 على أكبر ضيائي، معجم مصادر الإباضية، مؤسسة الهدى، طهران، ايران، ط 2: 1424 هـ. 21 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2001 م.
22 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، 1978 م. 23 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1987 م.
24 فرحات الجعيري، تحليل رسائل الإمام جابر بن زيد تمهيدا لتحقيقها، الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة عمان، جامعة آل البيت، وحدة الدراسات العمانية، الأردن، 1423 هـ / 2002 م.
25 - فرحات الجمعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، 1: 1412 هـ / 1991 م. 26 - لقاء مع خالد بن مبارك الوهيبي، مسقط، سلطنة عمان، 22 من شعبان 1426 هـ / 26 من سبتمبر
2005 م. 27 - مبارك بن عبد الله الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم وفقهه، مطابع الوفاء، المنصورة، مصر، ط 1: 1413 هـ / 1993 م.
28 - مجموعة علماء، السير والجوابات: سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان، ج 1، تح: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. 29 - محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ج 3، 1404 هـ / 1984 م، ج 51 52، 1414 هـ / 1993 م.
30 - محمد بن أحمد الذهبي، العبر في خبر من غير، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 31 - محمد بن إسحاق ابن النديم، الفهرست، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 32 - محمد بن إسماعيل البخاري، التاريخ الكبير، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . (1/220)
صفحة 221
إضاءات حضارية
221
33 - محمد بن أحمد الذهبي، تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام، موقع الوراق (www.alwaraq.com) .
34 - محمد بن جعفر الإزكوي، الجامع لابن جعفر، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.
35 - محمد بن حبان، الثقات، موقع مكتبة يعوب الدين،
(http://www.yasoob.com/books/htm/mr\/r/nortex.html)
36 - محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 37 - محمد بن محمود الرحمي، محبوب بن الرحيل حياته وآثاره، نسخة مرقونة، معهد العلوم الشرعية، مسقط، سلطنة عمان، 2001 م. 38 - محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، قرص مدمج، مكتبة الحديث الشريف، شركة العريس للكمبيوتر، بيروت، لبنان، 2002 م. 39 - محمد بن يزيد المبرد، الكامل في اللغة والأدب، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط 1: 1420 هـ /
1999 م.
40 - محمد صالح ناصر، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، قرص مدمج، جمعية التراث، القرارة، الجزائر.
41 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
1998 م.
42 - ياقوت الحموي، معجم الأدباء، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 43 - يحيى بن أبي بكر) أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2: 1402 هـ / 1982 م.
44 - يحيى محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ /
1986 م.
45 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، تح: سالم بن حمد الحارثي، وزارة الثراث والثقافة، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م.
46 - يوسف بن عبد الرحمن المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، موقع الوراق
(www.alwaraq.com) (1/221)
صفحة 222
إضاءات حضارية:
(11) - (الوَهْبِيَّة) و (الوَهَّابِيَّة (النشأة والنسبة:
222
1 - إبراهيم بن القاسم بن الرقيق القيرواني، تاريخ إفريقيا والمغرب، تح: المنجي الكعبي، تونس، 1968 م. - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه، مخطوط.
- أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشالخ بالمغرب، ج 1، تح: إبراهيم طلاي. - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة
عمان، ط 2: 1407 هـ / 1987 م.
ه - أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، موقع الوراق) www.alwaraq.com) . 6 - احمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 8، دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م.
أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء الفريقية والأندلس والمغرب، ج 11، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان. الفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ت: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 3: 1987 م.
9 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تح: د/ محمد ناصر، إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م. 10 - بحاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، جمعية التراث،
القرارة، الجزائر، 2: 1414 هـ / 1993 م.
11 - بحاز إبراهيم بكير وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م. 12 تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ترجمة: ماهر جرار وربما جرار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م. 13 - جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، شارع زيروت يوسف، الجزائر، 1984 م.
14 - حسن بن علي السقاف، السلفية الوهابية أفكارها الأساسية وجذورها التاريخية، دار الإمام الرواس، بيروت، لبنان، ط 1: 1423 هـ / 2002 م.
15 - حسن بن فرحان المالكي، داعية وليس نبيا، دار الرازي، عمّان، الأردن، ط 1: 1425 هـ /
2004 م. (1/222)
صفحة 223
إضاءات حضارية
223
16 - سرحان بن عمر بن سعيد السرحني الإزكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، مخطوط، رقم: 115، ورقة: 274، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية
والتاريخية، مسقط، سلطنة عمان.
17 - سلمة بن مسلم العوتي، كتاب الإبانة في اللغة العربية، ج 1، تح: عبد الكريم خليفة وآخرون، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م. 18 - سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته، مؤسسة المختار،
الرياض، السعودية، ط 2: 1321 هـ / 2001 م. 19 - صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1420 هـ / 2000 م.
20 - صلاح الدين المختار، تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها، ج 1، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ط 1: 1376 هـ / 1957 م 21 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، موقع نداء
الإيمان) www.al-eman.com) . 22 - عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 2، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م. 23 - عبد الله بن يحيى الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1412 هـ / 1992 م. 24 - عثمان بن عبد الله النجدي، عنوان المجد في تاريخ نجد، ج 1، تح: عبد الرحمن بن عبد المطلب آل الشيخ، دار الملك عبد العزيز، الرياض، السعودية، 4: 1402 هـ / 1982 م. 25 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 2، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 2:
1993 م.
26 - علي يحيى معمر، الإباضية ملعب إسلامي معتدل، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، طع: 1421 هـ / 2000 م.
27 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2001 م. 28 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، 1978 م. 29 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1987 م. 30 مؤلف مجهول، كتاب المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة، طبعة مرقونة، تح: سليمان بن إبراهيم بابزيز الورجلاني، معهد الحياة، القرارة، الجزائر، 1418 هـ / 1998 م (1/223)
صفحة 224
إضاءات حضارية
224
31 - ماوريوس كنار، أعمال تاديوس ليفيتسكي عن المغرب والإباضين بصورة خاصة، ملحق بكتاب: تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ترجمة: ماهر جرار وريما جرّار، دار الغرب الإسلامي،
بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م.
32 - محمد بن سعد الشويعر، تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية، موقع صيد الفوائد على هذا الرابط:
http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1303
السيد محمد
[5]
بن
33 - محمد بن سعيد الفلهاني، الكشف والبيان، مخطوط، رقم: 777، الباب السادس والأربعون، مكتبة أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط، سلطنة عمان. وانظر النسخة المطبوعة من كتاب الكشف والبيان بتحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1400 هـ / 1980 م، 423/ 2.
34 - محمد بن عبد الله الحميري، الروض المعطار في الأقطار، موقع الوراق (www.alwaraq.com) . 35 محمد بن محمد بن عبد الله الإدري نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، موقع الوراق (www.alwaraq.com) . 36 - محمد بن يوسف اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، تح: مصطفى بن الناصر وينان، جمعية التراث، غرداية، الجزائر، ط 1: 1422 هـ / 2001 م. 37 - محمد بن يوسف اطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 17، مكتبة الإرشاد، جدة، المملكة العربية السعودية، 35: 1405 هـ / 1985 م. 38 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
1997 م. 39 - مسعود الندوي، محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، ط 2: 1411 هـ / 1990 م.
40 - مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، بيروت، لبنان، ط 6: 1407 هـ / 1987 م. 41 - مهدي طالب هاشم، الحركة الإباضية في المشرق العربي، دار الاتحاد العربي للطباعة، كنيسة الأرمن، شارع الجليس، ط 1: 1401 هـ / 1981 م. 42 - مهنا بن راشد بن حمد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1424 هـ / 2004 م.
43 - ناصر بن سالم البهلاني، العقيدة الوهبية، تح: صالح بن سعيد الفنوبي وعبد الله بن سعيد القنوبي، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، طه: 1425 هـ / 2004 م (1/224)
صفحة 225
إضاءات حضارية
225
44 - ناصر بن سالم البهلاني، العقيدة الوهبية، مراجعة: سلطان الشيباني، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة
عمان، ط 1: 1424 هـ / 2003 م.
45 - ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1:
1420 هـ / 1999 م.
(12) - الخوارج وزيف التاريخ:
1 - إبراهيم اطفيش (أبو إسحاق)، الفرق بين الإباضية والخوارج، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان. وتم نشر هذا الكتاب كذلك في موقع الأمل المشرق (www.alaml.net) ، قسم التاريخ. 2 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه، مخطوط.
3 - أبو فرج الأصفهاني، الأغاني، ج 23، دار الفكر، ط 1: 1407 هـ / 1986 م. - أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ت: ابراهيم طلاي. ه - أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج 1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 6 - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 1، ج 1، ج 8، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م.
إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، ج 3، مركز التراث للحاسب الآلي، عمان، الأردن، الإصدار
الثاني، 1421 هـ / 2000 م.
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تح: د/ محمد ناصر، إبراهيم بجاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م. 9 - بكير بن سعيد أعوشت، أضواء إسلامية على المعالم الإباضية، الدار العمانية للنشر والتوزيع، سلطنة عمان. 10 - خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، مركز التراث، التاريخ، الإصدار الثاني، 1421 هـ / 2000 م، عمان، الأردن.
11 - الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، ج 1، ج 2، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1415 هـ / 1994 م.
12 سالم بن محمد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، جهة النشر غير مسجلة. 13 سامي صفر أبو داود، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، مكتبة الجيل الواعد،، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 2000 م.
14 - سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 3: 1418 هـ. (1/225)
صفحة 226
إضاءات حضارية
226
15 - سليمان بن الأشعث الأزدي أبو داود، كتاب السنن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، طا: 1421 هـ / 2000 م.
16 - عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، موقع نداء
الإيمان (www.al-eman.com) .
17 - عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 1، ج 2، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة
عمان، 1417 هـ / 1997 م. 18 - عبد الله بن حميد السالمي
عمان.
، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، ج 3، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة
19 - عبد الله بن حمد السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، الناشر: سعود بن حمد بن نور الدين السالمي، المطابع الذهبية، روي، سلطنة عمان، 1993 م.
20 - عبد الله بن حميد السالمي، منظومة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، نشرت ضمن كتاب مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، السيب، سلطنة عمان. 21 - علي بن أحمد الظاهري (ابن حزم)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م.
22 - علي بن محمد البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ / 1984 م 23 - علي بن محمد الشيباني (ابن الأثير (الكامل في التاريخ، ج 4، ت: د/ عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م. 24 - عمر بن الحاج محمد صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م.
25 - عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، تح: أحمد حمو كروم، وزارة التراث والثقافة،، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م.
مسقط
26 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، 1978 م. 27 - مبارك بن عبد الله الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم وفقهه، مطابع الوفاء، المنصورة، مصر، طا: 1413 هـ / 1993 م. 28 - محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1987 م. 29 - محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار، ج 1، ج 7، المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث، عمان، الأردن، 1419 هـ / 1999 م. (1/226)
صفحة 227
إضاءات حضارية
227
30 محمد بن يزيد المبرد، الكامل في اللغة والأدب، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط 1: 1420 هـ /
1999 م.
31 - محمد بن يوسف اطفيش، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، 2: 1419 هـ / 1998 م. 32 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ /
1997 م.
33 - محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تح: عبد العزيز محمد الوكيل، دار الفكر، بيروت، لبنان 34 - مهدي طالب هاشم، الحركة الأباضية في المشرق العربي، دار الاتحاد العربي للطباعة، كنيسة الأرمن،
شارع الجليس، ط 1: 1401 هـ / 1981 م. 35 - ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1:
1420 هـ / 1999 م.
36 - يحيى بن أبي بكر (أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة واخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،
2: 1402 هـ / 1982 م.
37 - يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 1، ج 7، ج 15، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان، ط 2: 1424 هـ / 2003 م.
38 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (أبو يعقوب)، الدليل والبرهان، ج 1، لح: سالم بن محمد الحارثي، وزارة
الثراث والثقافة، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م. (1/227)
صفحة 228
تم بحمد الله (1/228)
صفحة 229
كتب وبحوث وأعمال للمؤلف:
1 - أئمة الإباضية الأوائل بالمغرب.
-
-
-
-
الإمام القطب محمد بن يوسف اطفيش حياته وآثاره.
استغلال شهر رمضان.
الحسد الداء والدواء.
دليلك عبر المواقع الإباضية) دليل مرشد للوصول إلى الكتب
والبحوث والمقالات والمحاضرات في مختلف مواقع الإباضية بشبكة المعلومات
الإنترنت).
- 7
الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب اصول
الدينونة الصافية.
V
-
قراءة في سيرة الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل.
مدارس إباضية عبر التاريخ.
الوجود الإباضي باليمن.
-
- (1/229)