صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: اجتماع - ثقافة - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية مدخل إلى دراسة الآخر المحلي
المؤلف: فتحي بوعجيلة
الناشر: مكتبة علاء الدين
مكان النشر: صفاقس - تونس
تاريخ النشر: 2016م
الطبعة: 1
ردمك: 978-9938-03-042-6
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5782&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/775
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 رمضان 1446ه/ 21 - شهر 03 - 2025م. فتحي بوعجيلة
الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
مدخل إلى دراسة الآخر المحلي
مكتبة علاء الدين
صفاقس-تونس 2016 (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
فتحي بوعجيلة
الإباضيّة التونسيّون وأثَرُهم في الثقافة الوطنيّة
مدخل إلى دراسة الآخر المحلّي
مكتبة علاء الدين
صفاقس - 2016
3 (1/3)
صفحة 4
العنوان: الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
المؤلف: فتحي بوعجيلة
الطبعة: الأولى 2016
الطباعة: مطبعة قوبعة صفاقس
الناشر: مكتبة علاء الدين صفاقس تونس
الهاتف: 74.400.119 (00216)
البريد الالكتروني: librairiealaeddine @yahoo.fr
الغلاف: الفنّان رؤوف الكراي
ر. د. م. ك.: 6 - 042 - 03 - 9938 - 978
4 (1/4)
صفحة 5
الرموز
م.: المصدر، وهو الكتاب المعتمد في كل فصل
: المرجع السابق م. س.
: صفحة
ص. ن.
: الصفحة نفسها
ها: هامش
تر: ترجمة
: توفي
3
: سنة
ق: قرن
: الهجري
م: الميلادي
ح: حديث
ط.: طبعة
ج
مج: مجلد
د. ت.: دون تاريخ
(ص)
: صلى الله عليه وسلم ونبقي في الأغلب على العبارة كما هي إذا وردت
في النصوص المنقولة
: اختصار من عندنا، لكنه من الأصل المنقول في كثير من نصوص الجادوي
5 (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
مقدمة
هل يكفي ما أقره منظرو الهوية الدينية التونسية؟
وماهو المركز وماهو الهامش في تراثنا الديني الحضاري التونسي؟
وهل يجوز ترتيب مُنتَجات الفكر التونسي حسب الانتماء المذهبي؟
وهل استطاع العامل الوطني تحطيم صنميّة الفِرقيّة البائسة؟ ...
بعض أسئلة تفرض بحوثا في زوايا فكرية نُقدّر أنها لا تزال في حاجة إلى مزيد إضاءة، باعتبارها رهانًا في الإحاطة بتمام القاعدة الثقافية الوطنية الكفيلة بإسناد التنوع الخلاق ولفظ النشاز المستهجن.
ولئن تعدّدت تعريفات "الثقافة"، فإنّ المشترك في مفاهيمها، هي أنها خلاصة المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقدرات، والمهارات، التي يفعل وينفعل بها الفرد في مجتمعه ولها أنماط، وكيفيات روحية، وفكرية، ومادّيّة، تُميّز الأجيال بعضها عن بعض بما يأخذه كل جيل من سابقه، ويضيف إليه من حاضره سلسلة من الزيادات والتنويعات والتراكمات التي لا تبدعها إلا المجتمعات البشرية.
إنها عادات الجماعة وأفكارها واتجاهاتها تُستمد من التاريخ، وتنتقل تراثا اجتماعيًا إلى الأجيال المتعاقبة.
1 انظر:
المعجم الفلسفي، ص 58.
الموسوعة العربية الميسرة، ص 1096. عمران: مداخل إلى الثقافة، صص 5 - 28
7 (1/7)
صفحة 8
ولكل وطن ثقافته التي تكونت فيه وتكوّن بها، تمتزج فيها الأحداث على خطها الممتد من غابر الأزمنة إلى ما لا يُدرك من الآتي الخفي، وتحتدم الأفكار والمواقف والآراء اتفاقا وافتراقًا، تشابها وتغايرًا، انسجاما وصراعًا. وتتشكل بني المجتمع بأثر تلك الثقافة التي تضهر المجرّد في المعيش اليومي، والديني في المعتاد الدنيوي.
والثقافة الوطنية التونسية كغيرها من الثقافات لها من المكونات والأطوار
،
والروافد ما يفرض على الباحث أن لا يستلّ منها الشتات والمنبت، ويسكت عمّا ينظم ذلك المستخرج في سلك منظوم لا ينفصل بعضه عن بعض، بل الأجدر به أن يؤلف من المتناثر بين صفحات التاريخ والموروث سنَدًا ثقافيا متصلاً، تبرز به المفارق والملاقي والأقارب والأباعد، مندغمة متعاضدة.
والحق أنّ الكلام عن الإباضية التونسيّة مكوّنًا من مكونات ثقافتنا الوطنية شبه معدوم، إذا استثنينا بعض المحاولات التي اكتفت بتوصيف مجتمعها المحلّي، وتأريخ، الحوادث، وترصيف التراجم، وتقديم شهادات الإنصاف والإعجاب والتكفير عن التعصب القديم بشيء من السماحة، ثم تجاوز ذلك إلى استبعاد الخلاف المذهبي وتعويضه بالمعاملة المواطنية. وهذه هي أقصى ما
يُطمح إليه، لتحقيق السلم الاجتماعية والانصراف إلى العمل البناء المشترك. أما البحث في تراث الإباضية البعيد والقريب في الرصيد التونسي، وتفكيكه، وتحليله، وربطه بسائر المكوّنات الأخرى، وتناوله على أنّه مُنتَج ثقافي تونسي، لا تنويعة مذهبية تُصنّف ضمن تراث الأقليات"، فنراها من أهم ما يعبر به التونسي عن اعتزازه بوطنه الجامع، وأثمن ما يؤكد به على أنه لا يحمل في داخله رواسب الميز والحذر، وأسطح برهان على أنه لا يجحد فضل سابقيه أجمعين في الإسهام المعرفي والفكري والنضالي.
بل نرى البحث في هذه المسألة واجبًا علميًّا متأكدًا، قبل أن يكون قيمة عاطفية أو روحيّة، يقتضيها "التسامح" أو "رد الاعتبار" أوما شابه ذلك من التسميات التي تقتضي المزيّة، وتتبطنها مشاعر التعالي وأوهام الكمال التي رسخت في اللاشعور قرونا طوالاً.
إن الإسهام الإباضي، من جربة القديمة والجديدة، ومن غابر عصور الجريد، لهو من الأهمية بمنزلة عالية. وليس من المسؤولية العلمية أن يُفرد إفراد البعير
8 (1/8)
صفحة 9
دون تسلّط عليه الأقلام والأفهام لتعيد ترتيبه وتنضيده، وتضبط
المعبد، قراءته والاستخراج منه.
فالمسار الفكري والعقدي والمجتمعي التونسي كل لا يتجزأ، ووحدة لا تقبل الانفصام. ولم تفلح محاولات الاستبعاد والتغييب التي سلطت على هذا العنصر الثقافي، في استئصاله وإطفاء سراجه وما ذلك إلا بيّنة على أن ثقافة الشعوب لا تعيش بالأقوياء الذين يرتبونها كما يشاؤون، وإنما بالأحياء الذين يبنونها وهم
مبعدون.
هكذا نرى مشهد الثقافة الممتزجة بآثار الفكر المغاير، وهي التي تأبى
الإقصاء.
وسعيًا إلى إنتاج عمل علمي نقدي، يبتغي تحقيق إضافة نوعية في هذا المضمار، كان بحثنا هذا، الذي يستهدف ما يلي:
/ النظر في أثر الحقبة الإباضية التونسيّة المتأخرة في الثقافة الوطنية، وهي الفترة المواكبة للاستعمار الفرنسي إلى ما بعد دولة الاستقلال، دون فصلها عن الحلقات السابقة لها، والفاعلة فيها.
بالذات لبعدها بنسبة فائقة عن العقلية المذهبية والفرقية
،
واخترناها هي التي كانت صائلة في قرون سابقة، ولامتزاجها ببنية ثقافية وسلوكية مغايرة. ولهذا التحوّل في الفكر والمنهج أهمية قصوى، كما أن اختبار مداه مما ينبغي أن يكون هدفًا حينما نتحدّث عن "ثقافة وطنيّة" بالمفهوم الجديد والمتداول. قراءة الأحداث، والأفكار وتوثيق الصلات بينها وبين تاريخها وحاضرها، وتنزيلها في سياقها وواقعها، والمرور منها إلى التحيين والتزمين المناسبين.
الوقوف عند الرصيد الإباضي الجربي، وتبين تاريخه وقيمته ومواده وأعلامه ومعالمه، ومحاولة الغوص فيما يحتويه من القيم الفكرية والمنزع المذهبي والمشترك الوطني، ومعاينة حدود السلفية المحافظة ومدى الفكر المستنير المتحرّر المواكب لعصره.
وقد اخترنا ثلاثة مؤلفات إباضية، ستكون محاور الفصول الثلاثة، وهي
التوالي:
على
9 (1/9)
صفحة 10
1 تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية لسالم بن يعقوب، باعتباره عنوانًا بارزا في تصانيف التاريخ المحلي التونسي بقراءة ومادة إباضيتين.
فكيف هو تاريخ جربة من وجهة نظر إباضييها؟
،
بل ما تاريخ إباضية جربة بالرواية الإباضية نفسها؟،
وماهي نسبة الموضوعية أوالذاتية في هذا التأريخ؟ وما هي مصادره؟ وما هو المؤتلف والمختلف بينه وبين تأريخ المخالفين؟
ثم ما هو تراث إباضية جربة العلمي؟ وما وزنه؟ وما موقعه في فكر الآخر؟ وما صلة جربة بمناطق الجريد ونفوسة الليبية، ووادي ميزاب الجزائرية؟.2. المسلك المحمود في معرفة الردود لسعيد ابن تعاريت
تبرز أهمية هذا الكتاب من نواح متعدّدة، منها:
مؤلّفه الذي عاضد تكوّنه الإباضي المتين وتشبثه المستميت بعقيدته، بالتفتح على الآخر، وبالاطلاع على تراثه، وبالإيمان العميق بضرورة الانعتاق من ربقة المذهبية المقيتة وبالحماسة في مناصرة الكفاح التحرّري الوطني، والاندراج في المشروع الإصلاحي المشرقي والمحلّي
،
موضوع الكتاب الذي جعل منه أحد المؤلفات القليلة جدًّا في مكتبة الردود
التونسية ذات النزعة المذهبية العقدية.
فهو الأثر المعبر أكثر والملخص الأقدر لهوية الفكر الديني التونسي. وهو الأنموذج الأبرز في الدفاع عن هذه الهوية المتنوعة
/ رسالته الثقافية البليغة في ضرورة تحطيم صنمية المذاهب والفرق، وتنسيب الآراء الكلامية والقواعد الفقهية وترسيخ رحابة التفكير وسعة
الاعتقاد.
فماهو المنهج الذي اعتمده سعيد ابن تعاريت في الرد على المخالفين؟،
وما هي مواطن القوة والضعف فيما كتب؟،
وفيم تجلت نظرته إلى الذات وإلى الآخر؟
10 (1/10)
صفحة 11
وما هو المنوال الفكري والثقافي والسلوكي الذي يدعو المجتمع التونسي وسائر المجتمعات الإسلامية إلى اعتماده؟
وما أثر الروافد الإصلاحيّة في تفكير المؤلّف وتأليفه؟.
وقد قدمنا كتاب تاريخ الجزيرة" على "المسلك المحمود" باعتبار موضوع الأول الذي عرفنا إلى معطيات عن الإباضية التونسيين لا بد من الانطلاق منها وبها، وإلا كان الأولى أن يُراعى الترتيب الزمني.
الاستعمار،
3 الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة لسليمان الجادوي إن الكتاب ومؤلّفه لهما الصورة المثلى على الإطلاق في تلاشي الفوارق العقدية في المسألة الوطنية ذات الأبعاد المتعدّدة والأطوار المختلفة والرؤى المتباينة. ومادة هذا الكتاب هي صميم الثقافة التونسية التي انصهرت فيها رواسب قديمة، وولدت من رحم التراث الإسلامي، وامتزجت بهموم وتشربت هواجس التحرّر والحداثة. إنّه الكتاب الذي يلخص عهدًا تونسيًّا مضى وظل ذا أثر بليغ في حاضرنا. وهو الكتاب الذي ألّف ذاكرة لا تزال مكوّناتها فاعلة في النخب وعامة الشعب، بل لاتزال مخاضاتها وسجالاتها وصراعاتها وتجاذباتها تضطرم نارها في العقائد والعوائد.
ولا يمكن لقارئ "الفوائد الجمة" أن يسأل: هل الشيخ الصحفي سليمان الجادوي إباضي؟، لأنه يؤكد لك في كل سطر أنّه، تونسي، وكفى. عدا في بعض الصفحات، وهي مُهمة في التعريف بهويته، وهي التي تعطي لعملنا معنى.
ولكن السؤال الأهم: لمَ لا يُذْكَر الجادوي كثيرًا في أعلام الفكر الإصلاحي والتحرري التونسي؟!
ولعلّ محاولتنا هذه إسهام في تجلية صفحات من هذه المسيرة.
فماهي الصحافة في نظر الجادوي؟
وما هي مقومات الصحافة الجادوية التونسية؟
11 (1/11)
صفحة 12
وما نصيب العقيدة الوطنية فيها؟
ثم كيف ينظر إلى واقع التونسيين؟ وكيف عالج قضاياهم؟
وما فكره الإصلاحي؟،
وما منهجه؟،
وما الأثر المحلي والمشرقي في تفكيره وتأليفه؟ ..
إننا نسعى بمحاولتنا هذه إلى أن نقرأ المعطى بطريقة تنأى عن التمجيد
والإطراء، بقدر ما تلتزم موضوعيّة المقاربة، وصرامة الاستنطاق والاستنتاج. وقد كان عملنا في اعتماد المراجع والإحالة إليها والاقتطاف منها مسنودًا بمقارنة النصوص، وتقريب بعضها من بعض، وكشف المغطى، والاهتمام بالمغفل، والاستدراك على بعض الآراء والاستنتاجات والروايات، وإحكام
الصلات بين المتفرّقات، وإعادة تركيب التفاصيل والجزئيات.
واجتهدنا في أن يكون بيننا وبين ما نأخذ منه وعنه، مسافة نقدية تليق بالبحث الذي نعتقد أنه لن يكون كاملاً، ولكنّه يفتح على مجال جدير بأن
يُكتب فيه.
12 (1/12)
صفحة 13
الفصل الأوّل
جربة تاريخ التدين
تاريخ الثروة
13 (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
تمهيد: في وطنيّة التأريخ
إن بحث الفرد في تاريخ بلاده بمعيار التمحيص والتفكيك والقراءة المبدعة، يُعد من الصفحات ذات القيمة في سجل الدراسات العلمية.
،
كما أن اهتمامه به معنى حي من معاني الوطنية والمروءة والمسؤولية. فهو علامة على وعيه جذوره التاريخية والثقافية وإدراكه دوره في الإحاطة بماضي أصوله، وأهليته في ردّ الأخطاء أوالوهم أوادعاء غير الحقيقة، وفي التصدّي للمغالطات والتحريفات التي يمكن أن تصدر شفوية أو مكتوبة، مقصودة أو غير مقصودة
وإذا كان شعراء تونس وأدباؤها قد أفاضوا وأجادوا في التعبير عن هيامهم
ببلادهم بمدنها وقراها، فقال الشابي (ت 1353 هـ/1934): أنا يا تونس الجميلة في لج الهوى قد سبحْتُ أَي سباحة
شِرْعَتي حُبُّكِ العميقُ وإِنِّي قد تذوقتُ مُرهُ وقَرَاحَهُ،
والحداد (ت 1354 هـ / 1935):
أتونس عندي في هواك تولع وأنتِ مُنى نفسي عَلَيْكِ تَقَطَّعُ نسيتُ بك الدنيا وعيشي وراحتي أُريدُ لكِ الحُسْنى وخصمُكِ يمنعُ،
وأُرسلت الأناشيد والتحيات الوطنية تشدو:
سلام أيها الوطن المفدى بأنفسنا وأنفس ما لدينا
فأرضُكَ أَمْنًا مِنها
نشأنا
بها أجساد آباء كـ
وفي خيراتها متنعمينا
3
وفيها مُسْتَقَرُّ الآخرينا ... "،
1 أغاني الحياة، ص 25.
2 ديوان الحداد. ص 33.
3 ابن عاشور الحركة الأدبية والفكرية في تونس، ص 320
15 (1/15)
صفحة 16
وأنشد اللغماني:
أقبلتُ يازاراتُ ظمآن
إلى عين تسح وجدول منساب
لي من مناهلِكِ السخية رشفة هي في فمي الصادي ألذ شراب .. '، فإن المؤرخين التونسيين بدورهم قد عبروا، إلى جانب النقل والرواية والترجيح والاستنتاج عن تعظيمهم تونس وتمجيدهم إياها.
ومن هؤلاء حسن حسني عبد الوهاب (ت 1388 هـ/1968)، الذي يؤكد على أنّ الإنسان مجبول بفطرته الغريزية على حب بلاده والشغف بأخبارها لا سيما إذا كان لوطنه مكانة في التاريخ ومجد مشاهَد بين الأمم 2. ويُثبت أن التونسيين من المدائن والجهات الحضرية اعتنوا بجمع أخبار مدنهم، ووصف معالمها المحلية وتتبع تاريخ إنشائها، والتعريف بالمشاهير من مواليدها. ومن أسبق العواصم التونسية إلى هذا الغرض مدينة القيروان التي يصفها بـ"أم القرى الإفريقية"، و"قاعدة المغرب الإسلامي"، والتي جمع أخبارها وأحداثها وتراجم رجالها، مؤلفون كثر. ومع عبد الوهاب، بقيت مدائن كثيرة من القطر التونسي مجهولة الأخبار، مغمورة بالنسيان وما نجده عنها إنما هو فقرات مبعثرة في غضون المؤلفات المحلية وغير المحلية وقد دعا الباحثين إلى جمع المخطوطات التونسية وتنسيقها، تنشيطا ل "الغيرة الوطنية" وإثباتًا لمجد البلاد.
،
ذلك كله، حسب
وهذا ما قام به زمرة من الباحثين كما سنعرض في بيبليوغرافيا مثبتة في آخر هذا الفصل.
وقد درّج عبد الوهاب كتابه "شهيرات التونسيات" بـ: " تبارك الذي كرم تونس بين البلاد وغمرها بالمحاسن الواضحة الأشهاد، وفضلها على الأمصار بموقع مختار رقّ بها هواؤُها وعذب ماؤها وصفا أديمها، وزكا شميمها. فنجومُها زاهية، زاهرة وأشعة شمسها نيّرة باهرة فجرُها شفيق، وأصيلها
2
1 اللغماني: ديوان قلب على شفة، صص 210 - 211 ح. ح. عبد الوهاب خلاصة تاريخ تونس ص 10. 3 تقديم کتاب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة "، صص 9 - 11.
16 (1/16)
صفحة 17
عقيق، رزقها موفور وعيشها ميسور ونزيلها بأنواع الخيرات مغمور. فسبحان من خَص هذا القُطر المحبوب على صغره بكرم التربة، ومحاسن الإربة وميّزه بالخير العميم، والنيل الجسيم. وجلّ مَن أَثْمَرَ أفنائه، وهدل دوحه وأغصانه بأبناء ببغاء رجالاً ونساء، زينوا موطنهم بخصال حميدة، وفعال سديدة، وحكم رشيدة، خلدت ذكراهم، وعطرت شذاهم على مدى العصور، وتوالي الدهور
1''
إفريقية
ويصفها بكثير من الإعجاب، في خلاصة تاريخ تونس" بقوله: "إذا سرّح الإنسان بصره في الخريطة يرى بين الأقاليم المحيطة بالبحر المتوسط بلادا صغيرة، تقسم ذلك البحر إلى نصفين وتشق حافاته ما بين الشرق والغرب على السوية فتبارك الله أحسن الخالقين. وتلك البلاد الصغيرة هي قديمًا أو القطر التونسي اليوم. فهذه المنزلة الطبيعية جعلت تونس من أوّل الدنيا مسالك الذاهبين ومورد الوافدين، ونصبتها مطمعا لآمال الفاتحين. لهذا السبب كان لتاريخ تونس أهمّيّة عظمى يتجلّى في أبهى منظر للبحث عن أخبارها والتنقيب عن ثارها ".
،
أما محمد النيفر (ت 1330 هـ/ 1912) مؤلف: "عنوان الأريب عما نشأ بالمملكة التونسية من عالم وأديب"، فيثبت أنّ "إفريقية كان لها في العلم والأدب حظ موفور في مختلف العصور مما لوأريد تفصيله والكلام فيه لاقتضى تأليفا، مطوّلاً، كما يتجلى أن غمط ذي الحق حقه أن يطوي ذكر إفريقية من يؤلف في تاريخ الأدب العربي، مع أنها منبع غزير له، ومادة واسعة. كما يرى أن أهل البلاد المشرقية ليست لهم عناية بأبناء أهل المغرب"، وهوما استنكره محمد الطاهر النيفر (ت 1402 هـ / 1982) الذي اعتبر الحديث عن تاريخ عظماء تونس من أهم الأغراض التي ينبغي أن تحظى بالعناية، ويرى من أولى الواجبات الوطنية والثقافية، مهمة التعريف بحياة الأعلام التونسيين في العصور السالفة والجديرة بكل إشادة وتمجيد، مع نشر الطريف من آثارهم والصحيح من أخبارهم ويبيّن أن الشرقيين لا ينظرون
1 عبدالوهاب شهيرات التونسيات صص 87. 2 عبدالوهاب، خلاصة تاريخ تونس ص 9.
17 (1/17)
صفحة 18
إلى تونس بعين الإجلال والإكبار، فهي في نظرهم "موسومة بالفقر في رجالها،
مع
أهلها بالفقر في معارفهم وإنتاجهم، واستخفوا بتونس حتى تجاهلوا وموسوم موقعها الجغرافي فحسبها بعضهم قرية من قرى مراكش. ثم سرت هذه العدوى إلى التونسيين أنفسهم، فظنّوا أن ليس لهم من عظماء الرجال من يطاولون به البلاد العربية أويستحق التمجيد والإكبار وقطعوا الصلة ماضيهم، وتناسوا من أنجبته تربة بلادهم فحوّلوا وجوههم نحوتمجيد عظماء الشرق بإقامة الذكريات الشيقة الطريفة مع أن البلاد التونسية كانت تنجب في جل عصورها الماضية أفذاذا مجيدين فيما تخصصوا فيه من علم وأدب". ولذلك دعا التونسيين إلى التعريف بعظماء بلادهم، خدمةً للسلف، وتتعريفا للناشئة بالرجال الذين أنجبتهم تربتها، حتى يشعروا أنهم ينتمون إلى أرض معطاء في العلم والأدب، وينسجوا على منوالهم ويسري في نفوسهم الاعتزاز بالوطن وبساكنيه، ويكفوا عن تمجيد عظماء الشرق، ويحوّلوا وجهتهم نحو عظماء البلاد التونسية.
ولئن سخط بعضُهم على تونس وسكانها، إن صح ما رُوي عن أبي الحسن الشاذلي (ت 656 هـ/1258 م) وابن خلدون (ت 808 هـ/1406 م)، لما لاقياه من التضييق والشنان من قبل منافسيهما، فإنّ البعض الآخر قد بالغ، كصنيع كثير من الرواة، بنشر أحاديث واهية موضوعة في فضل تونس. ومن هؤلاء أبو العرب (ت 333 هـ/945 م) في "طبقات علماء إفريقية". وقد تصدى لنقدها الشيخ محمد الشاذلي النيفر (ت 1417 هـ/1997).
1 علي العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن من خلال المجلات الدينية التونسية
(1955 - 1904) صص 352 - 354
2 محمد الشاذلي النيفر: أحاديث فضل إفريقيا. المجلة الزيتونية مج 6 صص 469467
صص 569 - 571 صص 614 - 616.
وقد أورد ابن سلام الإباضي (ت. بعد 273 هـ / 887 م) في كتابه: "بدء الإسلام وشرائع الدين" أحاديث في فضائل البربر. راجعه: صص 121 - 125. وكذلك الوارجلاني (ت 570 هـ/1174 م): كتاب السيرة وأخبار الأيمة صص 44 -
56، حيث عرض فضائل البربر والفرس.
18 (1/18)
صفحة 19
وعلى كل، ساهمت جمهرة من التونسيين في تجلية صفحات من سير رموزهم الحضارية وأدوارهم الفكرية، وكنوزهم التراثية، وبحثوا في الشمال والجنوب، في الوسط والساحل في المدن والأرياف، عن تاريخ مواطنهم، وجهاتهم وقبائلهم وعائلاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعلمائهم، ومعالمهم، متطلبين الحقيقة لا الأسطورة، ومندفعين بالموضوعية لا الذاتية.
كلّ ذلك لتتألّف ذاكرة تاريخيّة ثريّة تليق بعراقة تونس وشعبها، وتعبّر حق التعبير عن رصيدها المعارفي الوسيع.
ويتنزّل كتاب "تاريخ جزيرة جربة" للإباضي الجربي سالم بن يعقوب في
خانة هذا العمل الثقافي الوطني. فإلى المؤلف وتأليفه.
هو ذاكرة إباضية جربة، الشيخ سالم بن يعقوب (1321 - 1408 هـ/ 1988 - 1903)، بدأ حياته في جربة وبنزرت بالتجارة، وبقي أُميًّا إلى
1 سنعرض في آخر الفصل الأوّل من الكتاب إثراء لهذا التمهيد، بيبليوغرافيا تونسية مختصرة في تاريخ تونس القديم والحديث والمعاصر. طافت في أرجاء التراث الديني المالكي والإباضي، ورصدت المخزون العلمي المتداول والمعزول، وجلت الخصوصيات التاريخية، الفنية، الإبداعية، الجمالية، وراجعت الأحداث البعيدة والقريبة، ودخلت عالم السياسة، وباحت بالأسرار، ومرّجت الحقائق والأكاذيب.
الأخطاء من
التي أرادت هي أن تصوّبها،
ذلك لم تكن هذه المصنفات سالمة ومع والثغرات التي ابتغت سدها، والتقصير الذي رامت تداركه. 2 تابع قراءة في المشترك بين سير الأعلام الثلاثة المدروسين في هذا الكتاب: بن يعقوب – ابن تعاريت - الجادوي في تمهيد الفصل الثالث
وراجع في ترجمة بن يعقوب:
رواية بن يعقوب نفسه: تاريخ جزيرة جربة صص 205 - 209. الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية صص 85 - 86. التعريف بالمؤلف، ضمن كتاب: تاريخ جزيرة جربة صص 9 - 12 البوجديدي: الشيخ سالم بن يعقوب، حياة رجل وتجربة جيل.
مجلة الحياة عدد 16 س 1433 هـ / 2012 صص 170 - 182 صص 170 - 18 / عدد 17 س 1434 هـ / 2013 صص 273249
19 (1/19)
صفحة 20
التاسعة عشرة من عُمُره، واستطاع أن يتدارك ذلك بسرعة، فأقبل بتلهف على دروس شيخه عمر بن مرزوق (ت 1381 هـ / 1961) الذي وصفه بقوة الذكاء والحفظ والفصاحة وعليه تلقى مبادئ العلوم.
يقول بن يعقوب: "كنا نقيم بمدرسة جامع الباسي خمسة أيام، نأتي إليها يوم السبت صباحا إلى يوم الإربعاء بعد العصر، ثم يعود كل واحد منا إلى منزله. أما المدرس الشيخ عمر ابن مرزوق، فإنه يأتينا كل صباح ويرجع بعد العصر كل إلا ليلة الأربعاء، فإننا نحيي جميعًا تلك الليلة، والشيخ معنا، في تلاخيص يوم، الدروس التي قدمت إلينا خلال الأيام الخمسة الماضية، فيأمرنا الشيخ أن يعرض كل واحد منا ما تيسر له من أناشيد وأبيات شعرية مما يحفظ، أو بعض جمل تدلّ على حكمة أو مسائل تاريخية كل ذلك تدريبا للتلامذة وتنشيطا لهم. فكانت تلك الليلة من أنشط الليالي عندنا وكنا ننتظرها بفارغ الصبر ".
ثم تحوّل إلى العاصمة ليدخل جامع الزيتونة، وابتدأ دراسته فيه س 1347 هـ / 1929 في المرحلة الثالثة بصفة طالب حرّ حيث لم يكن مسجلاً في دفاتر الجامع، ومكث فيه خمس سنوات حيث أتم المرحلة السابعة وإلى جانب ذلك كان يتلقى دروسا خاصة على شيخ الإباضية بتونس العلامة محمد بن صالح الثميني (ت 1391 هـ/ 1970)
ثم انتقل إلى الأزهر وبقي فيه خمس سنوات 1351 1355 هـ/1934 - 1938، يتنقل بين حلقه، وبين حلق الإباضي الجزائري أبي إسحاق إبراهيم أطفيش (ت 1385 هـ/1965) الذي نفاه الاستعمار الفرنسي إلى تونس، ثم منها إلى مصر. وفي القاهرة أصدر مجلة المنهاج س 1344 هـ/ 1925 لمناهضة الاستعمار الفرنسي.
1 الجعبيري: تاريخ جزيرة جربة ص 9 أما محمد قوجة الإباضي الجربي فيضبط تاريخ وفاته بـ 27 جانفي 1991 رسائل الحيلاتي (تحقيق) ص 3 ها 1. 2 تاريخ جزيرة جربة ص 208 دبوز نهضة الجزائر الحديثة ج 2 ص 38/ جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية ص 109.
20 (1/20)
صفحة 21
وقد نسخ سالم بن يعقوب من وكالة البحار والتي تسمى أيضا وكالة الجاموس بسوق طولون القاهري، والمكتبة الوطنية بالقاهرة، كما وافرًا من المخطوطات التي أثرت مكتبته أيما إثراء.
ثم عاد إلى جربة ليشتغل بالفلاحة وليقدّم الدروس والمواعظ بعدد من جوامع الجزيرة.
يقول عنه الجعبيري، وهو أحد تلاميذه: " .. كان محققاً في التاريخ، وبخاصة في سير الإباضية فاتخذه الباحثون قبلة يستشيرونه ويستفيدون من معلوماته .. فهوبلا منازع مرجع الإباضية في المغرب والمشرق في هذه المادة، التاريخية متشابكة الأطراف، ولا غرابة إذا قلنا إنه أستاذ الجيل بحق في هذا الخضم ... يعتبر آخر عضو من أعضاء حلقة العزابة بجربة ... "2
من أعماله المطبوعة:
- ردّ على مقال نشر بمجلة الحياة الثقافية التونسية عدد 38 س 1985 بالاشتراك مع قاسم قوجة)
تحقيق مشترك بينه وبين المستشرق الألماني قيرنر شقارتس لكتاب "بدء الإسلام وشرائع الدين" لابن سلام الإباضي النفوسي (ت. بعد 273 هـ/887 م).
1 ستكون لنا وقفتان مع هذه الوكالة، حينما نتحدث عن التجارة الجربية، ثم نظام العزابة. 2 تاريخ الجزيرة ص 10.
3 راجع هذا الكتاب ط. بيروت 1406 هـ/1986.
ويُظن أنه كتب بعد 260 هـ/ 874 م بقليل. وعُدّ أقدم مؤلف إباضي لتأريخ المغرب، وتتمثل قيمته في أنه يُعتبر من المحاولات الأولى لغير العرب، أو بالأحرى لسكان البلد الأصليين، لوصف أسس الحياة الدينية وللتعريف بتاريخ الإسلام في إطار هذا الدين الجديد وعبر اللغة العربية. كما أنه من الشواهد على استيعاب البربر للحضارة العربية
الإسلامية.
ومؤلفه ابن سلام بن عمر هو أوّل مؤرخ معروف في المغرب، وأقدم مؤرخي الإباضية، والمؤرخين الإفريقيين على الإطلاق. سكن فترة من الزمن (نحو 240 هـ/855 م) في توزر التونسية.
راجع: مقدمة التحقيق صص 5 - 41
ليفيتسكي (تاديوس): المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية صص 149 - 151.
21 (1/21)
صفحة 22
1
ويذكر الجعبيري أن هذا التحقيق طبع طبعة غير قانونية بعنوان مُحرّف: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ومع ذلك اعتمد هذه الطبعة الإباضيان: الجزائري إبراهيم، بولرواح، والجربي محمد قوجة. - تاريخ جزيرة جربة وهو الكتاب الذي سيكون مركز بحثنا هاهنا، وسنطلق عليه حينما نحيل إليه في هذا الفصل الأول: "المصدر" م.
وأعده للنشر في جزئيه د. فرحات الجعبيري، وأضاف إلى العنوان " ومدارسها العلمية "3
ولم يصدر الجزء الثالث من الكتاب في موضوع الحياة السياسية وما انتاب جربة من الأعداء الصليبيين. وقد وعد به المؤلف سالم بن يعقوب في مقدمة الطبعة الأولى المؤرخة في 1405 هـ/1985، وأشار أستاذنا فرحات الجعبيري، في مقدمة الطبعة الثانية إلى عدم توفر مادة الموضوع فيما وصل إليه من مذكرات المؤلف بعد وفاته رحمه الله
ومن
الأعمال المخطوطة:
- دروس عن تاريخ جربة، ألقيت س 1384 هـ/1964.
- تقييدات عن نشأة الإباضية.
- تقييدات عن تراجم بعض علماء الإباضية.
- تقييدات عن المدارس العلمية بجربة
ومن اللافت والغريب أن الشمّاخي (ت 928 هـ /1522 م) لم يذكر لابن سلام مؤلفات
مع أنه أثنى على علمه وحكمته.
راجع: كتاب السير ج 2 صص 391 - 392.
1 الجعبيري: تاريخ الجزيرة ص 10.
راجع بولرواح موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية ج 1، ص 21. . محمد قوجة: مجلة الحياة الثقافية، عدد 240 أفريل 2013 صص 11 - 25 3 2 سراس للنشر تونس 1427 هـ / 2006 (407 صفحات).
4 هذه العناوين من عمل الجعبيري. وقد اعتمد قوجة في تحقيق رسائل الحيلاتي مصدرًا مخطوطا لبن يعقوب، سمّاه: كراسات في أخبار الإباضية وعقيدتهم. الرسائل ص 153.
22 (1/22)
صفحة 23
وكما هو بين، فإنّ الشيخ سالم بن يعقوب أفنى حياته في جمع المادة التاريخية حول جربة والإباضية وهو مجهود يدلّ على تعلّق الرجل بموطنه
،
وعقيدته، وعلى قيمة إسهامه في كتابة تاريخ منطقة كان لها من الثراء الأخباري والفكري ما يُعادل وزنها الاقتصادي وشهرتها السياحية.
23 (1/23)
صفحة 24
(1) مصادر تاريخ جزيرة جربة
اعتبر الشيخ سالم بن يعقوب كتابه بحثًا درس فيه بعض جوانب تاريخ الجزيرة، وجمعه في مكابدة ومشقة من أوراق متفرقة ورسائل مبعثرة، في خزائن الكتب القديمة بجربة وتونس والقاهرة أثناء بحثه الموسع عن التراث الإباضي، لما درس بجامع الزيتونة والجامع الأزهر.
كما ذكر أن مصادره كانت قليلة جدًّا، وتمثلت في:
أ- آثار مكتوبة لثلاثة علماء جربيين
/ رسائل سليمان بن أحمد الحيلاتي (ت 1099 هـ/1688) الذي وصفه بسعة الاطلاع وغزارة المادة وقوة العزيمة، اعتنى اعتناء جديا بأخبار الجزيرة وعلمائها وأمرائها وما وقع فيها من حروب، فدوّنها في عدة رسائل، وهي مادة تاريخية دسمة لتاريخ الجزيرة لا يمكن لدارسي هذا التاريخ أن يستغنوا
عنها ..
الفصول
ويصفها محمد قوجة الإباضي الجربي الذي حققها، بأنها مجموعة من يمسح كل واحد منها حقبة من تاريخ جزيرة جربة، بداية من ق 6 هـ / 12 م إلى نهاية ق 11 هـ/17، وبالتحديد بداية من س 529 هـ/1134 - 1135 م تاريخ أول احتلال نورماني لجزيرة جربة إلى س 1099 هـ/1688 - 1689 تاريخ وفاة المؤلف نفسه. وتُعرَض أهم الأحداث التي جرت خلال هذه الفترة في أسلوب يبدوبسيطا، لأن المؤلف يكتفي في أغلب الأحيان بذكر الحدث وتاريخ وقوعه، وقلما يتوسع في التعريف بالمعلومة التاريخية أويرتبها في نسق تسلسلي واضح. إلا أن هذه الخاصية حسب قوجة، لا تقلل من قيمة هذه الرسائل باعتبارها تمثل وثيقة تاريخية ذات أهمية بالغة في تاريخ جزيرة جربة لما تتضمنه من إشارات ومعلومات تفيد الباحث على مستويات عديدة تخص التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي للجزيرة
وتسدّ العديد من الثغرات في تاريخ جربة.
1 المصدر، ص 342.
24 (1/24)
صفحة 25
ويرى المحقق أن هذه الرسائل وإن كانت تفتقر إلى ما يتوفر في الكتب
عادة من تماسك وتواصل ومن متانة لغة ودقة معان ووحدة تأليف، فإنها تكتسي أهمية على مستوى المعلومات التاريخية التي تتضمنها والمرحلة التاريخية التي تغطيها، فهي تساهم في سد ثغرة من تاريخ جزيرة جربة لا تتوفر حولها الوثائق بما يشفي الغليل تخص أساسا بداية الفترة العثمانية الطرابلسية ثم التونسية وما صاحبها من صراعات داخلية كان لها الأثر البعيد في تحديد التركيبة الاجتماعية في الجزيرة بداية من ق 10 هـ/116. ولكننا نقول: إذا كان سالم بن يعقوب واضحا في تصنيف رسائل الحيلاتي إلى: رسالة في تاريخ جربة، أرّخ فيها للأحداث سواء كانت تلك الأحداث
-
سياسية أو طبيعية أو اجتماعية.
رسالة قيد فيها مشاهد المشايخ وأماكن أضرحتهم، ومناقبهم، وابتدأ
بأبي مسور.
-
رسالة في نسبة الدين من زمنه إلى النبي (ص)، تبين تسلسل العلماء
عالم عن عالم إلى النبي (ص).
-
رسالة في شيوخ العزابة في الجزيرة.
رسالة ترجم فيها للعلماء تراجم مختصرة.
رسالة ذكر فيها مساجد جربة ومؤسسيها وزمن كل واحد منهم.
فإنّ قوجة، رغم عمله القيم والثمين في تصويب التواريخ الواردة في الرسائل، وإثرائها بالترجمات والتوضيحات، وإرفاقها بالجداول الملخصة، فإنه قد شوّش، نسبيًّا، حسب رأينا إخراج هذه الرسائل، إلى حدّ خلطها بمادة إخبارية ليست منها وإيراد تاريخ وفاة المؤلف وما بعد وفاته على أنها من رسائله؟؟.
1 رسائل الحيلاتي، التقديم. 2 المصدر، ص 342.
3 راجع مثلا: صص 61 - 62/ 113.
25 (1/25)
صفحة 26
وقد عُنون الكتاب المطبوع بـ"علماء جربة بخط بارز وأكبر، وهوغير مناسب، ثم كتب تحته "المسمّى رسائل ... "، ثم تحته: "في ذكر علماء جربة وأماكن أضرحتهم والحوادث التي وقعت في أيامهم ومجالسهم العلمية رحمهم الله تعالى"، ثم عرض في التقديم أبرز القضايا التي تثيرها الرسائل فذكر خاصة:
-
-
-
-
الصراع الجربي ضد الاحتلال النصراني الصقلي والإسباني
الصراع التقليدي بين الوهبية والنكار
- موقع الجزيرة في الصراع العثماني الأوروبي
-
التركيبة الاجتماعية للجزيرة
الحركة الثقافية في الجزيرة
الحياة الاقتصادية
- الحياة السياسية
-
-
الحياة الدينية والنظام الاجتماعي
- العادات والتقاليد
1
التراجم
فأن تكون الأحداث بتلك المرتبة، والأهمية والتراجم بهذه، فإن الأهم في
،
الرسائل، إذن، ليس العلماء، وإنما هو تاريخ الجزيرة.
ثم لا نجد تبويبا مقنعا من المحقق للرسائل، يُرتبها حسب موضوعها أو حسب تواريخها أو يوضح الفصل بينها أو يحدد بدايات النصوص بتوحيد خطوط العناوين أوبزيادة البسملة كلما اقتضى الأمر، أوشيء من هذا. فقارئ الرسائل لا يلحظ تنضيدًا مُحكمًا للورقات ولا تنظيما متماسكا للمادة، ولا منهجية متقنة في العرض.
ولعلنا نزعم أنها بقيت مبعثرة متناثرة وإن تم تجميعها وطبعها.
26 (1/26)
صفحة 27
هذا إلى جانب فهرسة محتويات الكتاب التي لا تُعين على تبين مفاصل الرسائل وحيّز الأقوال والعناوين التي هي من المؤلف، والأخرى التي هي من
المحقق، إلخ ...
/ رسالة علي بن بيان (ت 1105 هـ/1697 م) تلميذ سليمان الحيلاتي، في تاريخ جربة.
/ رسالة سعيد بن علي ابن تعاريت (ت 1289 هـ/1872) في تراجم علماء الجزيرة وأمرائها، ويرجع تاريخها إلى س 1273 هـ/31856
ب معلومات من مشائخ جربة
وهذه طريقة قديمة في نقل الأخبار والحوادث، حيث يكون السماع والمشافهة مصدرًا للمعلومة والترجيح ويقدم أحيانًا حتى على المدون. ومن ذلك نجد الحيلاتي مثلا يقول:
- "ومما سمعناه في عصرنا""،
"سألتُ رجلاً من المهبوليين الهالكين .. فقال لهم مشافهة .. "
ج معلومات نظرية عن متخصصين في الجيولوجيا معلومات من غوّاصي الإسفنج بحومة آجيم، فيما يخص بعض
العجائب والآثار
1 رسائل الحيلاتي صص 159 - 160
2 يورد بن يعقوب تاريخين لوفاة ابن بيان: 1120 هـ (المصدر ص (20) 1105 هـ (المصدر ص 246). ويكتفي قوجة بأن ابن بيان توفي في بداية ق 12 هـ / 18. وينقل ذلك عن تاريخ
ابن تعاريت الرسائل ص 96/ 90
3 الجعبيري: المسلك المحمود (تحقيق): ص 338.
4 الرسائل ص 51.
5 الرسائل ص 69.
6 المصدر صص 20 - 21
27 (1/27)
صفحة 28
،
وقد كان بن يعقوب واعيًا بأن المعلومات الشفوية يُفسدها التساهل وقلة الضبط، ويختلط فيها أكثر الصدق والكذب والحق والوهم، فأشار إلى عدم جزمه بما ينقله عن الغواصين على النشاف وأوكل التحقيق إلى من يهمهم الأمر، بما أوتوا من الوسائل العلمية الحديثة.
ولم ينبه على ذلك فيما يخص النقل عن المشائخ.
ولئن اكتفى المؤلف بذكر هذه المصادر فقط، في المقدمة، ما يضاف مع إليها من كتب المؤرخين الذين، آخذهم، وسنذكرهم قريبا، فإنّه اعتمد مراجع أخرى ظهرت مع متن الكتاب، ومنها:
/ سير الوسياني (63 هـ/12 م)، الذي اشتهر مؤرّخا وراويا، ويُذكر أنه كان يحفظ عن ظهر قلب السير والآثار الإباضية التي نُقلت عنه فيما بعد في مجموعات الأخبار التاريخية اللاحقة. ويُعتبر كتابه هذا أحد المصادر الرئيسية لجميع المؤلفات الإباضية التاريخية والسيرية التي تم تأليفها في القرون التالية.
ويُرجح ليفيتسكي أن مصنف "السير" لمْ يُكتب من قبل الوسياني، بل قام بتدوينها أحد تلاميذه الذين كانوا يتابعون دروسه عن السيرة
/ السيرة وأخبار الأيمة للوارجلاني (ت 600 هـ/1203 م)، وهو أحد أقدم المصادر في تاريخ إباضيي المغرب، ويزوندنا بمعطيات ذات قيمة عن دخول العقيدة الإباضية إلى شمال إفريقيا، وتطوّرها فيه، وعن تاريخ الرستميين وسقوطهم، وعن مقاومة الإباضيين للفاطميين، كما يزوّدنا بسير عدد من أعلام
1
2
م. ص 31.
م. ص 84.
و راجع محمد قوجة لمحة عن جغرافية المجتمع الإباضي المغاربي الوسيط من خلال مخطوط كتاب السير لأبي الربيع سليمان الوسياني. مجلة الحياة الثقافية التونسية عدد 240 أفريل 1434/ 2013 هـ صص 11 - 25.
3 ليفيتسكي: المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية صص 104 - 106. 4 المصدر ص 73
28 (1/28)
صفحة 29
الإباضية المشهورين من مواليد الجنوب الجزائري والتونسي في القرنين 4 هـ / 10 م و 5 هـ / 11 م 1
طبقات الدرجيني (ت 670 هـ/1272 م)، الذي يحظى بمكانة محترمة في الأدب الإباضي، ويتألف من قسمين بارزين: الأول إعادة نقل لـ"سيرة" الوارجلاني، والثاني برز فيه جهد الدرجيني، حيث جمع سير اثنتي عشرة طبقة لحكماء وعلماء إباضيين مشهورين الأربع الأخيرة منها لإباضيي وارجلان وريغ، وسوف، والجريد، وجربة 3.
،
/ سير الشماخي (ت 928 هـ / 1522)، وهو عمل ضخم في سير أعلام الإباضية البارزين منذ تأسيس الفرقة حتى نهاية ق 9 هـ/15 م. وعُرف في أوروبا منذ ق 19 وهو يتضمن إلى جانب المعلومات السيرية، آثارا وحكايات وروايات تاريخية طويلة تتعلق بأصول الإباضية وحركاتها في شمال إفريقيا. وتوجد فيه، كما في مصنفات الوارجلاني والدرجيني، تفاصيل كثيرة عن حياة البربر الاجتماعية وعاداتهم ..
5
/ الإباضية في شمال إفريقيا للإباضي الجزائري أبي اليقظان إبراهيم (ت 1305 هـ / 1973)، الذي يحدّد سبب تأليفه الكتاب بقوله: "لما كثر تساؤل الكتاب والأدباء عن نشأة الإباضية وتاريخهم حفزني ذلك كله لتحرير الكتاب، إنارة للسبيل لأولئك النشء الذين يجهلون أو يتجاهلون من هم الإباضية في شمال إفريقيا ".
2 3
1 ليفيتسكي: م. س. صص 134 - 138.
م. ص 53.
3 ليفيتسكي: م. س. صص 52 - 57
صالح باجية: الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى صص 206 - 212. عوض خليفات أهمية طبقات الدرجيني في دراسة التاريخ الإسلامي.
على الموقع: www.majma.org.jo
4 م. ص 77.
5 ليفيتسكي: م. س. صص 43 - 49.
6
م. ص 94.
7 أحمد محمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته ص 41.
29
1 (1/29)
صفحة 30
/ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان لعبد الله السالمي (ت 1333 هـ/1914) ' / الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث وتاريخ الإباضية بتونس، ضمن: الإباضية في موكب التاريخ
والكتابان للإباضي الليبي على معمّر (ت 1400 هـ /1980) 2. وقد تميز الكتاب الأول بهدفه الطريف، وهوما أعلن عنه معمّر في المقدمة عند قوله: " .. أرى أن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية تقف متساوية على صعيد واحد فليس فيها بصفتها الجماعية فرقة أفضل من فرقة، ولا مذهب خير من مذهب وأنّ في المنتمين إلى كلّ فرقة أو مذهب أتقياء بررة، وأشقياء فجَرة، وسوادًا أعظم وهو وسط بين ذلك ... والنقاش الذي جرى على قلمي في شدّته ولينه، وفي قسوته ورفقه، لا أريد به الدعوة إلى المذهبية، ولا الدفاع عن مذهبيّة، وإنما أريد به تحطيم المذهبية .. "
/ طبقات ابن سعد (ت 230 هـ/843 م)
/ "نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار" لمحمود مقديش
(ت 1228 هـ/1813)
دائرة المعارف الإسلامية 6
/ المغرب العربي لسعد زغلول عبد الحميد
تونس العربية لإحسان حقي
1
2
م. ص 116.
م. ص 78 / ص 87/ص 91.
3 معمّر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 1.
م. ص 63.
م.
المؤرخين.
ص 48 صص 5150 ص 201، سنرجع إليه عند كلامنا عن موقف بن يعقوب من
م. ص 51.
م. ص 54. م. ص 54.
30
4
5
6
7
8 (1/30)
صفحة 31
قادة فتح المغرب العربي لمحمود شيت الخطاب (ت 1419 هـ/1998) ' / فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم (ت 257 هـ/871 م) ماضي شمال إفريقيا لغوتييه (ت 1359 هـ/ 1940)
/ دائرة المعارف للبستاني (ت 1301 هـ/1883)
/ مقال عباس محمود العقادت 1383 هـ/1964) بجريدة الأخبار / البربر لعثمان الكعاك (ت 1396 هـ / 1976)
/ تاريخ المغرب الكبير للجزائري محمد علي دبوز (ت 1402 هـ/1981) / المغرب الإسلامي. للجزائري موسى لقبال (ت 1430 هـ/2009).
/ المصلحة الوطنية للجيولوجيا تونس
9
:
31
م. ص 61.
م. ص 62.
م. ص 41 /ص 345.
م. ص 42.
م. ص 52.
م. ص 52.
م. ص 53.
م.
ص 53.
م. ص 25.
1
2
3
4
5
6
7
8
9 (1/31)
صفحة 32
(2) أطوار الجزيرة
لقد بدأ سالم بن يعقوب بالحديث عن جيولوجية جربة، ليبين أنها كانت أرضًا متصلة بالمرتفع الأرضي اليابس الممتد من إيطاليا إلى شمال إفريقيا، ولم تصبح جزيرة إلا في الطور الجيولوجي الرابع حيث تكونت
السواحل التونسية الليبية
ثم تحدث عن:
،
/ جغرافيتها واتساع رقعتها وأشباه الجزر المتصلة بها والجزر المنفصلة عنها،
آثارها، ومنها الأبراج، وهي الحصون العسكرية التي جعلت للدفاع عن الجزيرة،
/ حظها من الحضارات القديمة ليستدلّ على أنه عظيم، وأن موقع الجزيرة كان له الأثر الكبير في لفت أنظار الدول البحرية إليها، فهي صالحة لتكون مركزا تجاريا يموّن القبائل الأمازيغية واللوبيين. كما كان لأهل جربة نصيب موفور في التعرف على مدنيات الأمم المتعاقبة عليها / حضاراتها منذ قرون ما قبل الميلاد
/ مناخها المعتدل الذي بعث النشاط والحيوية في أهلها،
/ سكانها المعروفين بانسجامهم وتضامنهم، والذين استطاعوا أن يحتفظوا بوحدتهم وأن يعززوها كلما داهمتهم الأحداث والغارات الخارجيّة. فقد كان تاريخ هذه المجموعة البشرية نموذجا فريد المثال بحفاظها على خصائصها ومميزاتها وتقاليدها وأصالتها مع مرور الزمن وتعاقب الحوادث عليها".
وقد انتهى إلى أن السكان الأصليين كانوا أمازيغ، وقد عرض بعض قبائلهم في الجزيرة، وهُم، والعرب حسب رأيه من أصل واحد، وأنهم جميعا ساميون وقد اختلطوا بعناصر أخرى سامية وغيرها بسبب الجوار وحسن المعاملة، وهذا ما يفسر اختلاف سكانهم وصفاتهم، وأنّ كلمة "بربر" اختلقها أعداؤهم لما لم يفهموا لغتهم فرموهم بالوحشية والهمجية، وأن اللغة الأمازيغية فيها بعض من خصوصيات العربية.
32 (1/32)
صفحة 33
وهو رأي لا يزال محل دراسات ونقاشات.
ولقد أحسن الشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي (ت 1398 هـ/1978)، حينما اهتم بحاضر سكان تونس والمغرب العربي وتجاوز الجذور التاريخية التي يمكن أن تكون وقود فتنة مستعرة، فقال: "هذا الجمع الإنساني تجمع مرة واحدة تحت اسم: شعب واحد ينتسب إلى الأمة العربية بإفريقية، فالبربري والفينيقي والروماني، كل هؤلاء العناصر المتعددة التي حافظت على عنصريتها أحقابًا متتابعة وأجيالاً متوالية استحالت إلى شعب واحد، بمفعول عملية موفقة حصلت من الامتزاج بالعرب الأول، الذين دخلوا هذه الأصقاع واستوطنوها، واختلطوا بأهلها اختلاطا لم يسبق له نظير في تاريخ هذا القطر، ولا حدث ما يماثله بعدما أصبح الجميع يمثل شعبا واحدا يتصل برابطة القرابة النسبيّة إلى تلك الأمة النبيلة العظمى هي الأمة العربية. وزاد في متانة تلك الرابطة الدين واللغةُ والعوائدُ والثقافة حتى أصبحت وحدة غير قابلة للتجزئة أو التفريق ..
2"
،
وقد أشار الكاتب الأديب التونسي محمد المرزوقي (ت 1402 هـ/1981) إلى أن اللغة البربرية أواخر الخمسينيات من ق 20، توجد في بني ديس، وصدغيان ووالغ، وقلالة، وآجيم وسدويكش، ويضيف متحدثًا عن الوضع
1 راجع
68
ألفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي إلى اليوم صص 38
العرباوي: البربر عرب قدامى (ط مصلحة وبها إضافات). محمد الكوخي: الأمازيغية المعيارية بين اختلاق لغة جديدة وصناعة الوهم الإيديولوجي. مجلة تبين عدد 7 مج 2 شتاء 2014 صص 27 - 46 عزمي زكريا أبو العزّ الأمازيغية وإشكالية الهوية مجلة هرمس القاهرية مج 2 2013 صص 249 - 269 مقال: الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية. على الموقع: www.ahewar.org بتاريخ 2009/ 5/18.:
محمد جميل بن منصور: الأمازيغ في الشمال الإفريقي محاولة للفهم. على الموقع:
www.aljazeera.net
سالم لبيض: كتاب: الأقلية البربرية في تونس.
2 راجع افتتاحية المجلة الزيتونية مج 6 صص 551 - 552.
33 (1/33)
صفحة 34
2
وقتها: "وقد تناقصت هذه النسب اليوم، وبقي استعمال الشلحة كلغة عائلية في تخاطبهم، أما اللسان الرسمي فباللغة العربية، على أن المتمذهبين بالمذهب المالكي وهم نصف سكان أويزيدون فليس فيهم من يحسن البربرية إلا نحو بالمائة فقط. وعلمتُ من الأوساط المثقفة بجربة أن اللغة البربرية الأصيلة في الجزيرة تتلاشى وتضمحل يوما بعد يوم، تبعا لتلاشي المذاهب الدينية وازدهار العمران وكثرة انتقال السكان خارج الجزيرة للتجارة والتعليم، حتى أن الجيل الجديد قد تناسى تماما هذه اللغة كما تناسى النعرات المذهبية، ولا يبعد أن تختفي هذه اللغة تماما من جربة مع ظهور الجيل القادم". وتفيد بعض المعطيات أن الجزيرة لم تعرب بصورة تامة إلا خلال القرن العشرين بعد أن شهدت موجات متتالية من هجرة الأعراب الوافدين من المجال القاري القريب خلال القرون الأخيرة. فقد وجدت الدولة الحسينية في هؤلاء الأعراب خير سند لبسط سلطتها على الجزيرة ومواجهة أطماع أتراك طرابلس ولذلك شجّعتهم على الاستقرار بها ويضاف إلى ذلك أنه ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين تنامت موجة هجرة من داخل الجزيرة إلى وسط البلاد التونسية وشمالها حيث احتكر الجربيون تجارة التفصيل سرعان ما أعقبتها هجرة معاكسة من الأعراب الوافدين من الجنوب الشرقي الذين كانوا في بداية الأمر يقضون أشهرا من السنة بالجزيرة للقيام ببعض الأعمال الفلاحية الموسمية ثم ما لبثوا أن استقروا بها بصورة نهائية. أما اليهود فقد أفرد لهم المؤلف عنصرًا أخيرًا في حديثه عن سكان جربة، في إيجاز لافت، ومرور سريع 2، على عادة الإخباريين المحليين بجربة في العصر الحديث، الذين اكتفوا بإشارات وأخبار قليلة تخص اليهود، مما يدل على أن هذه الأقلية لم يكن لها الوزن السياسي الكافي، مما جعل الإباضية لا تأخذ أخبارها بعين الاعتبار، ولا تدرجها كطرف الأخبار "المركز".
•
1 المرزوقي: التمهيد لـ "مؤنس الأحبة في أخبار جربة"، صص 38 - 39. 2 م. ص 60 / وراجع للإثراء: سامي برنر: اليهود العرب عالم تم محوه المغرب العربي
الموقع الإلكتروني:
www.samberner.com :
3 المريمي: إباضية جزيرة جربة في العصر الحديث، ص 292.
34 (1/34)
صفحة 35
وبيّن أنهم دخلوا الجزيرة على ثلاث دفعات:
/ الأولى، في العهد الروماني لما اضطهدوا، فلجأت طائفة منهم إلى الجزيرة بعد غارة بختنصر البابلي على بيت المقدس س 587 ق. م.، فبنوا الحارة الصغيرة وبيعة الغريبة
/
الثانية في عهد الاضطهاد المسيحي الكاتوليكي الإسباني في
ق 7 هـ / 13 م، فبنوا الحارة الكبيرة
الثالثة في العهد التركي العثماني.
،
ومن المعلوم أن حارتي اليهود توجدان داخل المنطقة الوهبية التي بقي أصحابها يمثلون أغلبية سكانية بجربة ويمسكون بهياكل النفوذ المحلي على
امتداد العهد العثماني وحتى قبله بكثير 2
ويُستخلَص وضع يهود جربة بما يلي:
/ تعتبر الإباضية الوهبية اليهود أهل ذمّة وذلك موافق للرؤية الشرعية
،
والنظام السياسي آنذاك، ولذلك فرضت على يهود جربة الجزية.
/ يُمنع على الإباضي أن يتزوج يهودية.
ومن المعلوم أن الرّأي الإباضي المشهور هوجواز نكاح الكتابيات اللاتي اندمجن مع المسلمين وعاهدنهم على التّعايش وكان أهلهن تحت الذمة، ودفعوا الجزية ولم يحاربوا المسلمين، وهوما يخالف الرأي المجمع عليه بين المذاهب السنّيّة، الذين يُجوّزون ذلك ولولمْ يُعْط أهل الكتاب الجزية، ولو حاربوا، لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية ونزل القرآن وهم محاربون ولم يشترطها. وقد قال بالجواز المطلق بعض فقهاء الإباضية.
1 راجع الأسطورة المتعلقة بها المريمي م. س. صص 216 - 220 / مقال: جزيرة جربة التونسية أسطورة الغريبة اليهودي مقال منشور على موقع: www.alrai.com
بتاريخ 2014/ 08/11.
2 المريمي: م. س. ص 216.
3 المريمي: م. س. صص 168 - 170.
4 راجع مثلا
:
35 (1/35)
صفحة 36
وقد مال المعاصرون من الإباضية ومن السنّة أيضًا إلى ضرورة التشدّد في الزواج بالغربيات، نصرانيات ويهوديات حتى قال معمر: "على أن الموضوع اليوم في عصرنا الحاضر، وقد تكالب أهل الكتاب كلهم على محاربة المسلمين بجميع وسائل الحرب، يجب أن يرجع فيه المسلمون إلى رأي المانعين، وقد رجح هذا الرأي بالفعل كثير من العلماء المعاصرين من مختلف المذاهب ومن المستقلين .. "، وقال الزحيلي: "والواقع أنّ في الزواج بالكتابيات وبالأولى
الحربيات مضار اجتماعية ووطنية ودينية ...
/ اعتماد مراعاة السلّم التفاضلي: الإباضية ثم اليهود، دينيًّا، واجتماعيا وإداريا وسياسيا، وأمنيا، وجبائيا.
،
واليهود الجرابة لا يزالون يزورون يوميًّا كنائسهم بالجزيرة، للصلاة ولمناقشة المشاغل الداخلية والخاصة بجماعتهم، وكذلك لممارسة طقوسهم في مختلف أعيادهم الدينية المتعددة.
الحسنة
وما من شك أن عبارة "اليهود" التوانسة اليوم، أبلغ ترجمان عن الوضعية التي آلت إليها هذه الأقليّة في الجزيرة وكذلك في العاصمة، وفي مناطق أخرى من الجمهورية التونسيّة. فهُم من الشعب التونسي، ولا يختلفون عن أغلبية مواطنيهم إلا بالدِّين وشعائره. بل لا يحق اليوم أن نواصل استعمال: "تعايش"، أو "تسامح" بين التونسيين مسلمين ويهود، أو "جالية"، لأن مثل هذه العبارات تحمل في طياتها مفهوم التصنيف الديني والعرقي المنتهي بمفهوم "المواطنة".
أطفيش (إباضي جزائري): تيسير التفسير ج 2 ص 38 39 / ج 3 صص 194/ 474 - 476. ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2 صص 45 - 46.
ابن عاشور التحرير والتنوير ج 6، صص 123 - 125.
1 معمر: م. س. صص 422 - 426 / الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته ج 9 صص 6653 - 6654. / بوعجيلة: المذهبي والتاريخي والنقدي صص 467 - 469.
2 المريمي م. س. صص 292 - 294
راجع مقال: جربة التونسيّة مسلمون يعملون في معبد يهودي حيث التعايش الغريب. نشره موقع: www.alarabiya.net، بقلم المصوّر أحمد عبدالله بتاريخ 2004/ 10/26.
36 (1/36)
صفحة 37
وقد أشاد أحمد عبد السلام (ت 1428 هـ / 2007)، في استغراب، بأن أقرب المؤرخين التونسيين إلى المواقف العصرية المتفتحة هو ابن أبي الضياف (ت 1291 هـ/1874)، مع أنه أكثرهم تأثراً بالتكوين الديني. إذ أنه ذكر في مواضع مختلفة من "الإتحاف" أنّ اليهود من "أبناء البلاد"، واقترح في إحدى جلسات "المجلس الأكبر" الذي أُنشئ بمقتضى عهد الأمان أن يكونوا ممثلين في ذلك المجلس. وتأكيدًا على الإسهام الثقافي لليهود في تونس في القرنين 19 و 20، نقرأ
في كتاب "الجريدة أو الصحافة عند المسلمين"، ما يلي:
/ "وتونس فريدة في بابها بين البلدان الإسلامية، إذ تصدر فيها صحيفتان يهوديتان، عربيّتان تُطبعان بالأحرف العبرية، إحداهما: البستان، والأخرى المحير، وكلتاهما بلغة هي خليط من الفصحى والعامية" ا 73 صحيفة يهودية عربية باللغة العبرية، ولكنها كانت تكتب بحروف عبرية، وكان أقدمها المباشر التي ظهرت سنة 1884–1885. وقد ازدهرت هذه الصحافة اليهودية حتى الحرب العالمية الأولى
2"
ولئن أومأ المريمي إلى أن يهود جربة يتشابهون تماما مع إباضيتها، في أنهم بقوا منذ عدة قرون وإلى اليوم منغلقين على أنفسهم، تحت سيطرة الأحبار وفقهاء الدين، فإنه لم يبحث في المشترك بينهم، عدا الدين الفارق، مما كان دافعا إلى هذا السلوك. ولعلنا نشير، هاهنا، إلى أن نظرة الآخر، وهوالمخالف في الدين مع الأوّل، والمخالف في المذهب مع الفريق الثاني هي التي دفعت الاثنين إلى الانطواء والتحفظ وتجنب الجدل الدافع إلى الوصم والتنابز.
1
كما رصد سالم بن يعقوب في تاريخه:
عبد السلام: المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م صص 544 - 545. 2 كتاب من سلسلة كتب دائرة المعارف الإسلامية، بالعربية صص 28 - 29 / ص 107 3 المريمي: م. س. صص 216215 م. س.
الفريق
4 راجع: باجيّة: انغلاق الإباضية، ضمن كتاب: الإباضية بالجريد صص 48 - 49
37 (1/37)
صفحة 38
/ اعتناء الجربيين الفريد في جهات الجمهورية بالفلاحة، وأشجارها
المثمرة
هاما.
/ أهمية الصيد البحري في اقتصاد جربة،
/ عراقة صناعة الفخّار في الجزيرة مبيّنًا أن إنتاجها كان عنصرا تجاريًا
واللافت أن كتب الرحلات لم تذكرها والأغرب أن بن يعقوب، لم يشر إلى سكوت الرحالين والمؤرّخين عن صناعة الفخار الجربية، وهي قديمة، عرفها أهل الجزيرة في عهد الحضارة الإيجيّة (3000 - 1600 ق م). / إنتاج الصوف الذي تصدر منتوجات الجربيين المتنوعة إلى مختلف الجهات كطرابلس ومصر والجزائر وإسطنبول
وإذا كان بن يعقوب قد لفت الانتباه بتقسيم جربة إلى "حوم"، ناقلا بذلك المألوف من الاصطلاح والتصنيف، حيث كانت "الحومة" بالجزيرة هي الوحدة الترابية القاعدية للتنظيم المجالي خلال الفترة الوسيطة، وجعل المسجد المكوّن المركزي والقاعدي في الحومة الجربية، وهو الحق، فإنّ
Jerba, une ile mediterraneene dans l'histoire pp 40 - 46. 1
2
جمع حومة، دارجة ذات أصل عربي، ويُقصد بها الحي السكني، وقد استعملها الحيلاتي في رسائله، فذكر حومتي والغ وصدغيان ص 58 / حومة السوق ص 60 / حومة أفصيل ص 64 / حومة تفجان ص 78 / حومة جعبيرة ص 79 / حومة مدراجن حومة صدغيان، حومة البوليمانيين، حومة الزنكرييين حومة الأرباح صص 8584 حومة بني باوس ص 87.
ويؤكد المنصف بربوعلي أن أقدم مصدر إباضي متوفّر وردت فيه تسمية "حومة" بالجزيرة هو رسائل الحيلاتي.
وهوما جعله يرجح فرضية ظهور الحوم بالجزيرة خلال الفترة الوسيطة. راجع الحومة بجزيرة جربة خلال العهد الوسيط مفهومها، تاريخ ظهورها ومكوناتها. مجلة الحياة الثقافية التونسية عدد 240 أفريل 1434/ 2013 هـ ص 92. 3 بربو م. س، ص 95.
38 (1/38)
صفحة 39
الدارسين من غير المجال الديني ذكروا المكوّنات الأخرى للحومة خارج
المنزل. حيث توجد إلى جانب الغابات والأجنّة المنشآت الاقتصادية ومن هذه المنشآت:
-
-
معاصر الزيت التي عرف وجودها، تواصلاً، وهي لا تزال بقاياها ماثلة إلى الآن، وهي متناثرة في أغلب الحوم، ويعود ذلك إلى أهمية إنتاج الزيتون. مشاغل النسيج والفخار ذات الأهمية الفائقة في حياة الجربيين القدامى، وفي العلاقات التجارية للجزيرة مع الخارج. وهي تعتمد منتوج الصوف المحلي. / التجارة التي أصبح بها سكان الجزيرة "أمة تجارية فاقت بتقدم تجارتها أمم القارة الإفريقية".
وننوه إلى أن المؤلف امتهن التجارة في مراهقته، كما أشرنا سابقًا، وذكر ذلك هو نفسه في الكتاب، وكذلك سعيد الجادوي الذي مارسها إلى وفاته، وسنرجع إليه في الفصل الثالث.
وتثبت الدراسات أن جزيرة جربة كان لها عبر الحركة التجارية منذ أقدم العصور، انفتاح عميق على البحر المتوسط بضفتيه الشرقية والغربية. وقد
عند أهل الجزيرة, يقصد بـ"المنزل" ضيعة فلاحيّة مرويّة شاسعة، مغروسة نخيلاً وزيتونا وأشجارا مثمرة ومزروعة بقولاً وخضرًا. يتوسطها مسكن أو أكثر وتتوفر فيها مقومات العيش الضرورية. وتحيط بهذه الضيعة "طابيه" هي عبارة عن حاجز ترابي مدكوك يعلوه التين الشوكي أو الصبار أو الاثنان معا.
الاقتصاد الجربي، صفحة على الموقع www.djerbamuseum.tn 2 ذكر الحيلاتي "غلة الأجنّة" ص 25/ غابة القشعيين ص 58 / غابة أبردا ص 61 / غابة
تمرجان ص 76
3 بربو م. س. صص 95 - 97 / وراجع حسين الطبجي تقسيم المجال ونظام المنازل في جربة قديما، نمط في التهيئة العمرانية فريد .. مجلة الحياة الثقافية م. س. صص 113 - 120.
م. س.
4 ذكر الحيلاتي مثلا: معصرة بقرب منزل الغنجايين المجاور لمسجد لاكين ص 58.
5 6
6
7
بربو: م. س. 96.
stablo: les djerbiens pp 65 - 121.51 - 50 s.p
م. ص 208.
39 (1/39)
صفحة 40
مثلت الجزيرة مركزا تجاريا هاما استقطب الأدفاق المادية والبشرية براا وبحرا، ليرتبط بمنظومة اقتصادية تصل شبكة القوافل الصحراوية بالدورات. الاقتصادية الكبرى للبحر المتوسط، على أن الجزيرة مثلت ميناء متقدما للبوابات الصحراوية ولئن تأسس الدور التجاري منذ بداياته على تجارة العبور داخل إفريقية باتجاه حوضي المتوسط القائمة على الذهب والعبيد، فإنه سيتدعم بالمنتوجات المحلية الفلاحية والحرفية، وخاصة منذ ق 5 هـ/ 11 م، على إثر تراجع التجارة الصحراوية ثم إن هذا الدور التجاري سيصبح أكثر ارتباطا بالضفة الشمالية للمتوسط نتيجة الهيمنة البحرية الأوروبية وخاصة منذ ق 7 هـ/13 م إلى ق 9 هـ / 15 م.
يقول بن يعقوب في ترجمة المحشي السدويكشي: "كانت لأهل جربة بمصر أسواق تجارية رائجة وقد عمروا عدة نواح من مدينة القاهرة وما يتصل بها من ضواحيها مثل بولاق والفحامين وسوق السلاح بقرب القلعة والحي الطولوني، وأكثر تجارهم بهذا الحي الأخير، فقد ملكوا الأسواق المحيطة بالجامع الطولوني، وملؤوا جميع الدكاكين بالبضائع من الأكسية الصوفية التي تصنع بجزيرة جربة ... رحل الشيخ محمد بن أبي ستة إلى مصر في سفينة شراعية جربية وكانت السفن لا تنفك رائحة غادية بين جربة والإسكندرية محمّلة بالركاب والبضائع الصوفية من سائر أنواعها من منتوج جربة نزل الشيخ ومحمد ورفاقه الإسكندرية فوجدوا بها كثيرا من تجار جربة .. 2، وعن أسرة ابن: ويران ولعائلة ابن ويران بآجيم عدة علماء فطاحل بجربة ومصر في أوائل القرن الحادي عشر اشتغلوا بالعلم والتعليم
2"
2
1 راجع في مجلة الحياة الثقافية: م. س. مقال سامي بن طاهر: جربة والتجارة المتوسطية في العهد البوني موقع غيزن مثالاً صص 29 - 37 / مقال بشير بن غازي: تطوّر الدور التجاري لجزيرة جربة خلال العصر الوسيط صص 82 - 90. وراجع عن التجارة الإباضية الصحراوية: Al-Alaoui: Le Maghrib et le commerce transsaharien. أحال إليه قوجة تاريخ الإباضية الديني والسياسي. م. صص 365 - 366.
40 (1/40)
صفحة 41
1
بطولون، ومنهم من جمع بين التعليم والتجارة فكان لبعضهم أملاك وأوقاف
بمصر ..
1"
ولا يمكن أن نمرّ على هذا الموضوع دون أن نقف عند وكالة الجاموس القاهرية التي أقام فيها بن يعقوب خمس سنوات وجمع منها كما وافرا من المخطوطات.
فقد سبق تأسيس هذه الوكالة وصول عدد من التجار الجربيين إلى مصر مصطحبين أُسرهم، بغرض الإقامة وتعاطي مهنة التجارة. وكان أول هؤلاء الوافدين عبدالعزيز بن منصور البحار الذي جاء من أجيم جربة في النصف الأول من ق 11 هـ/17، واستثمر رأس ماله في تجارة الغلال، ثم فكر مع أفراد الجالية الجربية في اتخاذ مقر يجتمعون فيه، وتطوّع بأن يُوقف محلا لذلك الغرض، وأسس الوكالة بمحيط سوق طولون، ولذلك سُمّيت في الأول باسمه، وكذلك سماها بن يعقوب، ووصفها بأنها كانت مختصة بسكن الطلبة الإباضيين وكانت حافلة بالعلماء الأجلاء وعشرات الطلبة من بني ميزاب وجزيرة جربة وجبل نفوسة، ثمّ سمّيت بوكالة الجاموس" لأنها أضحت بقية ق 11 هـ 17 مكانًا لتخزين جلود الجواميس وبيعها، كما ينقل ذلك بن يعقوب. والوكالة متكوّنة من مدرسة ومكتبة ومأوى، ومحلات تجارية تساهم في التوسعة الماديّة على العائلات الجربية المهاجرة.
ثمّ من الجهة نفسها جاء في ق 12 هـ / 18 الواقف الثاني أحمد بن سعيد الجملي الذي استقر بسوق طولون وتاجر في مادة البنّ، وفي عهده تغيّر اسم الوكالة فأصبح "وكالة السادة الغوابية وشهدت أحسن فتراتها حيث ارتفع ريع أوقافها وانتظمت الدراسة بحلقاتها.
م. ص 317.
2 م. ص 142/ص 397.
23
3
مصلح: الوقف الجربي في مصر، صص 50 - 55.
41 (1/41)
صفحة 42
ويُرجع بعضهم سبب تجمّع المغاربة في حي طولون وسوقه في قاهرة المعز، إلى أن جامع ابن طولون (ت 884/ 0270 م كان نقطة جذب للحجيج المغاربة منذ عهد طويل وأصبح للسوق والحي طابع مغربي واضح.
،
وتجدر الإشارة في ختام موضوع التجارة الجربيّة إلى أن جهات أخرى إباضية عرفت التجارة الصحراوية. فقد ذكر المؤرخون أن مدينة وارجلان الجزائرية كان أهلها مترفين ومن كبار التجار. كما وُجدت مدن تجارية أخرى في صحراء شمال إفريقيا كان أغلب سكانها إباضية ومنها: غدامس، زويلة، ودان، سجلماسة .... ولم يكن التجار الإباضية يكتفون بالكسب، وإنما كانوا في الوقت نفسه يوظفون عملهم في سبيل الدعوة إلى الإسلام ونشر تعاليمه في ربوع
القارة السوداء التي دخل الإسلام مدنها بفضل مرور المسالك التجارية منها. وتنوعت كما ذكرنا التجارة الجربية في القاهرة، فإلى جانب تجارة الغلال التي اشتهرت بها عائلة البحار ثم عائلة المزراني المستقر بوكالة العزلوني بالفحامين وتجارة الجلود وتجارة البنّ التي اشتهرت بها عائلة الجملي، وعائلة بن أيوب، وعائلة القنوشي، اشتهرت كذلك تجارة الأقمشة، وممن امتهنها من الجرابة: أسر الليني، وبن شعبان، والمغربي. كما اشتهرت تجارة الأراضي الزراعية، وتجارة العقارات، وحتى تجارة نسخ المخطوطات.
الجربي
ولقد انتهي المريمي إلى أن متون الإخباريين يُستفاد منها أن عبارة "ظاهرة " كادت تدلّ على الجربي في علاقته بالتجارة. ورجع إلى مجموعة من وثائق الأرشيف الوطني ليجيب عن إشكالية مهمة طرحها، وهي: هل توجد علاقة متميزة بين التفكير الديني المذهبي لأهل جربة وأنشطتهم التجارية خلال العهد العثماني؟ ". وكان أشار قبل ذلك إلى أن أهل جربة قد استندوا خلال العصر الحديث تحت السلطنة العثمانية على النشاطات الاقتصادية
1
ص 116. مصلح: م. س.
2 قوجة مجلة الحياة الثقافية م. س. ص 21.
م. س.
3:مصلح م. س. صص 110 - 126. 4 المريمي: م. س. صص 235 - 248.
42 (1/42)
صفحة 43
التي كانوا يتعاطونها للحفاظ على نفوذهم وتدعيمه. كما رسخوا تفكيرهم المذهبي الإباضي لبناء حياة جماعوية ترفد أنشطتهم الاقتصادية وتحافظ على مكانتهم في الجزيرة 1
أما القيمة السياحيّة لجربة فلم نجد لها ذكرا في الكتاب، فابن "جزيرة الأحلام"، لا يشير إلى أهمية جهته سياحيا، ولا يشير إلى التغير الذي طرأ عليها بتمركز هذا القطاع الحيوي بها وانتعاشه.
فنظرا لموقعها بالحوض الشرقي للمتوسط وخاصة لكونها تبعد فقط ثلاث ساعات بالطائرة عن جل البلدان الأوروبية، أصبحت جزيرة جربة قبلة عدد كبير من السياح الباحثين عن التفرد والهدوء وجمال الطبيعة. حيث نجد على مجموع 125 كلم من السواحل أكثر من 20 كلم من الشواطئ الرملية وذلك بالمنطقة الشمال شرقية أي بالجهة المقابلة لأقدم مداخلها عبر آجيم. وحتى بدايات السنوات الخمسين كانت هذه الشواطئ تقصد في فترات قصيرة من السنة، وخلال بعض الطقوس كزيارة الأولياء الصالحين المتواجدين على السواحل ولم يكن لسكان الجزيرة نشاط بحري ترفيهي.
ولكن منذ التجربة الرائدة التي خاضتها السلسلة الفندقية "كلوب ماد" بدا النشاط السياحي يبرز بجربة شيئا فشيئا. فقد ركز مؤسس النادي بجربة س 1374 هـ / 1954 قرية سياحية صغيرة من الاكواخ الصيفية على ضفاف البحر معتبرًا جربة "تاييتي الصغرى".
وبعد هذه التجربة تتالت البناءات السياحية وتراصت على سواحل الجزيرة. وكان أوّلها نزل "الجزيرة" المؤسس س 1381 هـ/1961 على بعد عشر كلم شرق حومة السوق وبجانبه نجد نزل "قصر أوليس" المؤسس س 1384 هـ / 1964 من قبل القطاع العام.
ومن باب التشجيع والدفع للاستثمار في ميدان السياحة فتحت الدولة التونسية المجال للقطاع الخاص لتصبح ليوم المنطقة السياحية بجربة تمتد على أكثر من 20 كلم بين آغير بالجنوب وحومة السوق بالشمال. الطاقة
1 المريمي: م. س، ص 203 وما بعدها.
43 (1/43)
صفحة 44
الاستيعابية الفندقية للجزيرة تطورت من 8300 سرير س 1395 هـ/1975 إلى 39000 سرير س 1423 هـ /.2002 وتمثل حومة السوق بمطارها ونزلها في الوقت نفسه المركز القديم والحديث للجزيرة وهي تحوي أغلب الخدمات وخاصة الإدارية على مستوى الولاية.
وفي المقابل تتميز ميدون بوظائف قطاعية متصلة بالتنمية السياحية. وبقيت آجيم محافظة على دورها كمكان عبور تقليدي من داخل البلاد ما تزال إلى اليوم تعتمد على الأنشطة التقليدية المرتبطة
إلى الجزيرة وهي بالصيد البحري.
ولكن، منذ س 1427 هـ / 2006 ومع فتح مركز الترفيه والتنشيط الخاص "الملقى"، بدأت تعيش فترة اقتصادية جديدة تتوجه إلى سياحة مختلفة تجد ركائزها في مشروع بعث المنطقة السياحية بأجيم.
مع
وبهذا يتبين كيف تغيرت ملامح الجزيرة كثيرا منذ 1380 هـ/ 1960 تمركز المنطقة السياحية وتوسيع المطار والتجمعات السكنية وتعريض الطرقات.
1 راجع: جربة والسياحة على الموقع: www.djerbamuseum.tn نشرية جزيرة جربة جرجيس. على الموقع: www.tourisme.gov.tn
44 (1/44)
صفحة 45
3 تراث الإباضية ونصيب المالكية: هل الحل في تبادل الإقصاء؟
لقد كان المحور المركز في الكتاب هو الحديث عن الحضارة الروحية والفكرية في جزيرة جربة.
فكان الابتداء بالفتح الإسلامي س 47 هـ/668 م، وأكد المؤلّف على الأفكار
التالية:
/ الفتح الإسلامي هو فتح مبادئ ومثل عليا.
/ الحرب كانت في الإسلام آخر الحلول.
/ تعاليم الإسلام تنص على ثلاثة مبادئ الإسلام - الجزية- الحرب / جنود الفتح الإسلامي كانوا دعاة بالدرجة الأولى محاربين بالدرجة الثانية
/ سكان جربة أبدوا موافقة تلقائية على الإسلام = مسالمة / لاعنف / أهل جربة كانوا يتطلعون إلى الفتح الإسلامي، والتخلص من استعباد الرومان وظلم البيزنطيين المتمثل في خنق الحريات والتعسف الضريبي وتمييز
العائلة الحاكمة
/ دعوة الإسلام قام بها الفاتحون في جربة على وجه الإقناع والبيان، ولم يکن همهم الغنائم والسبي.
ويذكر الثعالبي (ت 1363 هـ /1944) أن معاوية بن حديج (ت 52 هـ/672 م) لما استولى على مدينة بنزرت، وهي من أهم الثغور الإفريقية، أراد أن يتقبض على جزيرة جربة لصيانة سواحل البلاد من مراكب الروم ودفع غاراتهم عليها. فكتب إلى رويفع بن ثابت الأنصاري عامله على طرابلس أن يخرج بالأسطول لغزوجربة وإجلاء من بها من الروم فهاجمها وافتكها عنوة من
1 راجع أبو زهرة نظرية الحرب في الإسلام غمق نظرية الحرب في الإسلام وأثرها في القانون الدولي العام / عبد الفتاح: المصحف والسيف.
45 (1/45)
صفحة 46
أيديهم وسهل على المسلمين أن يراقبوا حركات أعدائهم في البحر مراقبة
صارمة.
/ الإسلام دخل الجزيرة ولم يخرج منها، فلم يحدث من أهلها ارتداد كما حصل في جهات كثيرة من إفريقية قبل إنشاء مدينة القيروان أول حصن في الإسلام س 50 هـ/670 م جربة كانت، إثر اعتناق أهلها للإسلام مستقلة استقلالاً داخليا
لاستقرار الدين الجديد فيها من أوّل فتحها.
/ بقيت الجزيرة منعزلة عن ولاة الحكم الأموي ولم تخضع لها، ولم تشارك في الثورات عليها وحافظت على الحياد والسلام إلى أواخر 33 هـ/9 م. وقد اغتنم بن يعقوب إشارته إلى مطاعن ابن خلدون (ت 808 هـ / 1406 م) في سكان جربة ووصفه إياهم ب"الوحشية والهمجية والمروق عن الدين"، ليجلي العقيدة الإباضية، ويدافع عنها وعن تاريخها.
ونلخص ما عرضه فيما يلي:
/ تعريف الإباضية وفرزهم من فرق الخوارج المتطرفة يتوقف على النتائج الصحيحة التي نتجت عن الحروب والخلافات الواقعة من عهد عثمان ت 35 هـ/656 م) إلى خاتمة حرب صفين (37 هـ/658 م).
/ طغيان الدولة الأموية وجبروتها وتيار الشيعة ودسائسها قد فعلا أفعالاً شنيعة مروّعة لا يقرّها دين ولا يعترف بها قانون إنساني منصف.
/ هؤلاء حملوا رذائلهم ونقائصهم على قوم سموهم بعد ذلك عن جهل أو تعصب "خوارج" رغم أن ظاهرة "الخروج" قد وقعت من قبلهم زمن إمامة علي بن أبي طالب (ت 40 هـ/661 م)
/ الإباضية يبرؤون من هذه التسمية "خوارج"، إذ لا جامع يجمعهم بفرق الأزارقة والنجدية والصفرية والعجاردة إلا مسألة إتكار التحكيم الذي تم بين علي ومعاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ/680 م) س 38 هـ/659 م.
1 الثعالبي تاريخ شمال إفريقيا ص 42.
46 (1/46)
صفحة 47
/ المخالفون خلطوا بين الإباضية والخوارج، وزيّفوا الحقيقة، ونسبوا إلى
الإباضية كثيرا من المساوئ.
/ الإباضية لا يستبيحون مالاً ولا قطرة من دم موحد.
-
/ المذهب الإباضي له امتيازات عن غيره من المذاهب الإسلامية: أول من أنكر الحكم بغير ما أنزل الله ووقف في وجه الظلم والظالمين. أول من دون الحديث، فكان ديوان جابر بن زيد (ت 93 هـ/711 م)، ولم يعد الآن موجودًا، إذ يبدوأنه أتلف مع بقي المخطوطات من قبل المغول هجومهم على بغداد.
عند
وكانت رواية الحديث بهذا خالية من الوضع والإسرائليات. ولا يعتمد الإباضية الأحاديث الموضوعة التي اعتمدها غيرُهُم، وبنوا عليها كثيرًا من
-
الأحكام الخاطئة في الأصول والفروع فكثرت اختلافاتهم وتفرقوا وتعادوا. - رفع الإسلام في الآفاق شرقا وغربا وانتشر المذهب في جزيرة العرب وما جاورها كالعراق واليمن ومصر وشمال إفريقيا قبل أن تتكون المذاهب الأخرى، وقبل ظهور المعتزلة.
/ أقام الإباضية دولا مستقلة في اليمن وحضرموت وعُمان، وتعاقبت على الحكم زمنا طويلا إلى العصر الحاضر.
/ انتشرت مبادئ الإباضية العادلة منذ ق 1 هـ/7 م، وهي مستمدة من القرآن والسنّة الصحيحة، ولا تزال راسخة في سكان جربة، وجبل نفوسة، ووادي ميزاب ووارجلان، وغيرها.
1 أطلق الإباضية في جربة لفظتي "مخالف" و"موحد" على المالكية وعلى الأتراك الحنفية لخلافهم معهم في المذهب، ولأنهم لم يكونوا في نظرهم مشركين. وقد وصف بن يعقوب تميز أحد علمائهم قائلا "انتهى إلى الدرجة القصوى وساد فيها على الموافقين والمخالفين" (المصدر ص 360)، وأورد قصيدة للباروني ينعت فيها المالكية بأنهم من "غير الجنس" (المصدر ص 112) المريمي: م. س. ص 298.
47 (1/47)
صفحة 48
/ لم يتبع أيمة الإباضية أهل البدع والإرجاء، بل طهروا عقيدتهم من الزيغ، وعملهم من أدران المعصية، واحتفظوا بصفاء المنبع.
/ من قواعد المذهب الإباضي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب الولاية والبراءة ن وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأنه لا أمل للعاصي الذي يموت دون توبة في رحمة الله
/ التاريخ الإباضي لم يحض بالعناية الكاملة رغم أهميته
/ ضرورة دراسة سير أيمة الإباضية وتاريخهم لتتوضح الصورة عن التاريخ الإباضي".
ولعل بعضًا من هذه الأحكام في حاجة إلى مراجعة.
وقد بين بن يعقوب أن علماء الجزيرة قاموا بعد الفتح بتعليم الناس دينهم الجديد واجتهدوا في نشر العلم فأنشؤوا المدارس في المدن والقرى وجلبوا لها المدرسين، وأقبل سكان جربة على الإسلام يتعلمون مبادئه وتشريعاته، فانتشر في ربوعها، ونشط العلماء، وكتبوا في تفسير القرآن، وشرح الحديث بلغتهم الأمازيغية، وظلت هذه لغة التأليف إلى أن انتشرت اللغة العربية فيما بعد حينما أنشأ مشائخ جربة مدارس تعليم العربية، وتحفيظ القرآن الكريم، ومن بين مؤلفاتهم في الفترات الأولى:
3
/ ترجمة مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني (ق 2 هـ/8 م) في الفقه / مقدمة التوحيد التي ألفت في أواخر ق 2 هـ / 8 م باللغة الأمازيغية، ثم عربها الجربي عمرو بن جميع (ت 720 هـ / 1320 م) 4 في أواخر ق 7 هـ/13 م
1 م. صص 18 - 20.
لعلنا قمنا بشيء منها في كتابنا المذهبي والتاريخي والنقدي. راجع خاصة صص 496479. م. صص 67 - 68.
4 راجع ترجمته الجعبيري: شخصيات إباضية صص 198 - 211 وقد ذكر أن عقيدة التوحيد ترجمت س 1905 إلى الفرنسية / أطفيش: شرح عقيدة
التوحيد.
وراجع كوبرلي: مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها صص 64 - 69: الوسط الاجتماعي والثقافي لـ"عقيدة التوحيد".
48 (1/48)
صفحة 49
/ عقيدة أهل جبل نفوسة، وكاتبها هو أبوزكرياء الجنّاوني (ق 5 هـ/11 م) / مؤلفات أبي سهل الفارسي (ق 3 هـ / 9 م) مترجم الإمام الرستمي عبد الوهاب (ت 211 هـ/827 م)
إن غزارة فقهاء الإباضية الجربيين، وعلمائهم كانت من كتاب "تاريخ
6
جزيرة جربة، فبرزت بحق الثروة العلمية الجديرة بالدراسة والتناول. فالذين ذكرهم، وترجم لهم بن يعقوب من المصنفين والمدرسين، يفوقون الثلاثمائة (300) بكثير. أما الآثار فلا تقل عن مائة وعشرين، بين التآليف والحواشي في النثر والشعر وعلوم الشريعة واللغة والمنطق، وغيرها 3. وتجدر الإشارة هاهنا إلى المكتبة البارونية بمنطقة الحشان من جزيرة جربة، التي تُعَدّ شاهدًا على الحركة العلمية الإباضية الجربية. ويتناول بن يعقوب تاريخ الدول الإباضية في المنطقة، فيثبت أن جربة تمتعت حينما أصبحت تحت حكم طرابلس ونفوسة وتيهرت، بما كانت تتمتع به في عهود الاستقلال، لأنها لم تُحرم المزايا التي يكفلها النظام الإسلامي حين يُقام لأمة مسلمة، إذ تُصان الدماء والأموال والأعراض، وتُتاح
فرص الحياة الكريمة الحرّة السعيدة.
ويذكر أن سقوط الدولة الرستمية الإباضية بتيهرت س 296 هـ /908 م كان بداية الفتن والثورات واضمحلال الأمن على النفس والمال والعرض. فالتجأ كثير من المغلوبين إلى جزيرة جربة المناعتها بالبحر يقول: "فمن دخلها كان آمنا. فقد
1 راجع عن لغة الجربيين: 141 - stablo: les djerbiens p 123 2 : راجع: كوبرلي: م. س. صص 69 - 99
،
3 انظر للإثراء والاطلاع على الحركة العلمية لإباضية الجريد: باجية: الإباضية بالجريد صص 53 - 74 / صص 152 - 184 4 سنورد في آخر هذا الفصل بيبليوغرافيا (2) نستعرض فيها عددا من آثار علمية دونها
إباضيون تونسيون.
وراجع للإثراء الجعبيري: ملامح عن الحركة العلمية عند الإباضية بجربة من الفتح الإسلامي سنة 47 هـ إلى أواخر القرن 12 هـ.
49
م. صص 69 - 75.
5 (1/49)
صفحة 50
الطاغية التي
1"
كانت جربة مأوى للمستضعفين في خارجها، من قبل القبائل القوية، والهيئات ألفت استغلال الضعفاء، تدفعها العصبية القبلية، والمذهبية الحقودة، ويقودها الطمع وهوس السياسة عند الانقلاب السياسي، بتغلب العبيديين على شمال إفريقيا وتمكنهم من الحكم بمعاونة قبيلتي صنهاجة وبعض من كتامة بسبب بغضهم للأغالبة لكثرة ظلمهم وجورهم على الناس" ويورد أن تاريخ وجود الفرق الإباضية بجزيرة جربة يرجع إلى أوّل ق 2 هـ/8 م، وقد حقق اعتناق أكثر سكان شمال إفريقيا "مبادئ الإباضية التي جاء بها سلمة بن سعد بعد س 95 هـ/713 م لخلوها من التكلف المصطنع، والاستبداد بالحكم، بل تجعل الأمر شورى بين الناس، فاستقامت أحوالهم، واعتزوا بالإسلام.
ولعل هذا التحقيق من بن يعقوب لا دليل له عليه، ولم نره قدّمه إن كان، إذ لم يُثبت المؤرخون أن غالبية سكان المنطقة كانت إباضية ثم تحولت وما نجده هو فقط أن أغلب أهل جربة اعتنقوا المذهب الإباضي.
ومن الجدير بالتذكير أن المصادر التاريخية سكتت عما وقع في جربة طيلة ق 1 هـ/ 7 م، والثلث الأوّل من ق 2 هـ/8 م، فيصعب أن نقرر تبعيتها لطرابلس أو القيروان. وإذا اعتمدنا تغلب الإباضية على طرابلس في ق 2 هـ/8 م (127 149 هـ/ 745 - 767 م)، واستيلاءهم على القيروان س 141 هـ/759 م يمكن أن نتصور كيف تسربت الإباضية إلى جربة. ويبدو أن سلمة بن سعد دعا إلى مذهب الإباضية طيلة الطريق، إذ كان لدعوته أثر في طرابلس خاصة قبل حملة العلم الخمسة الذين أقاموا دولة بطرابلس س 140 هـ/758 م، ثمّ أسس أحدهم، وهو عبد الرحمان بن رستم (ت 171 هـ/787 م) دولة تيهرت، واستمرت ما بين 160 - 296 هـ/776 - 908 م.
مجيء
1
م. ص 76.
2 وهو ما ينقله زهير تغلات الفكر السياسي الإباضي ص 166 ها 2. 3 الجعبيري: نظام العزابة، صص 2018. ويذهب سعد غراب (ت 1415 هـ / 1995 إلى أن تأسيس دولة تيهرت جعل الخريطة الجغرافية للغرب الإسلامي يطغى عليها في أواسط ق 2 هـ المذهب الخارجي. وهوما دفع
50 (1/50)
صفحة 51
إن الإباضية فرقة إسلامية، يصنّفها فئة كثيرة من المؤرخين والباحثين،
في القديم وإلى الآن ضمن الخوارج، ولكن ليسوا من غلاتها".
بيد أن الإباضيين يعتبرون هذا التصنيف خاطئًا، ولو وقع تمييزهم بالاعتدال، لما بين الإباضية والخوارج من الاختلاف في الأفكار والمبادئ والمقاصد، كما بين بن يعقوب
وتُنسب هذه الفرقة إلى إمامها السياسي عبد الله بن إباض (ت. قبل 86 هـ/ 705 م)، وإن كان المؤسس هو الإمام الروحي جابر بن زيد (ت 93 هـ/712 م)، وقد كانت التسميات المفضّلة لدى أصحاب هذا المذهب:
/ أهل الاستقامة،
/ أهل الدعوة،
ا جماعة المسلمين
/ أهل الاستقامة والحق.
ولم يقبلوا تسميتهم بـ"الإباضية" أو "الأباضية" إلا لما أصر مخالفوهم على إطلاق هذه النسبة عليهم، ولم يجدوا هم فيها ضيرًا
الكثير من الدارسين إلى البحث في أسباب شغف البربر بالمذهب الخارجي ورأوا في ذذلك إشباعا لنزعة الخروج المتأصلة في البربر وأبرزوا خاصية التمرد، وهي من أهم خصائص الشخصية البربرية واعتبروا أن التمذهب بالمذهب الخارجي من مقومات الإسلام المغربي، وأن المغرب الإسلامي سيتحد في إطار المذهب الخارجي. العامل الديني
والهوية التونسيّة ص 112. 1 راجع على سبيل المثال:
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة مج 1 صص 58 - 63 المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية صص 110 - 117 قوجة: تاريخ الأباضية الديني والسياسي صص 9 - 13 ... 2 كوبرلي م. س. صص 12 - 33 / معمّر الإباضية بين الفرق الإسلامية صص 610 - 622: 3 الزركلي: معجم الأعلام ج 4 صص 61 - 62 / الجعبيري: شخصيات إباضية صص 189. 4 الزركلي م. س. ج 2 ص 104 / بولرواح: موسوعة آثار جابر بن زيد الفقهية - الترجمة - 5 خليفات التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان ص 5.
: م. س.
51 (1/51)
صفحة 52
وكغيرهم من الفرق الإسلامية، يعتمد الإباضية مبادئ اعتقادية وأصولية
وفقهية يلتقون فيها ويختلفون مع غيرهم من سائر المتمذهبين.
وأهم أصولهم ومعتقداتهم:
/ صفات الله عين ذاته، وليست زائدة عليها
هي
/ تأويل ما يُفهم منه تشبيه الذات الإلاهية، وكذلك تأويل متعلقات اليوم الآخر، من قبيل الميزان الصراط، ...
/ القرآن مخلوق
/ خلود مرتكب الكبيرة في النار، إذا لم يتُب قبل موته، وأصر على
المعصية
/ البراءة من الكافر والمشرك والمصرّ على المعصية
بين الإيمان والشرك منزلة النفاق، وهي "كفر النعمة"
/ لا شفاعة لأهل الكبائر
/ رؤية الله مستحيلة
/ وجوب انعقاد الإمامة الكبرى بالبيعة
جواز الخروج على السلطان الجائر مالم تحدث فتنة أعظم ...
وكتابهم في الحديث النبوي هو: الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب (ت 170 هـ / 786 م).
وتورد الدراسات التاريخيّة أن السلطة المركزية بتونس، وكذلك الإخباريون الموالون لها، كانوا يتعاملون مع أهل جربة إلى حدّ ق 12 هـ/ 18 على أنهم إباضية خوارج، فيرجعون من الناحية الإدارية إلى شيخهم الأصلي ومقدّم جماعتهم ومنذ ق 13 هـ / 19 أصبح التعامل معهم على
1 الزركلي: م. س. ج 3 ص 14 / الجعبيري: م. س. صص 58 - 73.
2 المريمي: م. س. صص 248 - 251
52 (1/52)
صفحة 53
أساس انتمائهم إلى جربة فأصبح لسكان الجزيرة، على اختلاف مبادئهم المذهبية، وضع الرعية خاصة صدور منشور أحمد باي ت 1272 هـ/1855) س 1258 هـ / 1843، فتبدّلت النظرة إليهم من دينية إلى سياسية. وكان آل بن عياد توخوا سياسة تقوم على تجاوز الاختلافات المذهبية بين سكان جربة، وأعطوا لعامل الانتماء إلى الجزيرة الأولوية السياسية في إدارة شؤون القيادة التي كانوا على رأسها بجربة، خصوصا منذ عهد حمودة باشا (ت 1229 هـ / 1814، حينما وفد أهل جربة عليه بعد استرجاعه للجزيرة س 1209 هـ/1794، وطلبوا منه اعتبارهم "جرابة" لا إباضية خوارج.
وتعاملت سلطة الباب العالي من ناحيتها مع أهل جربة بطريقتين، فأما المقيمون بجربة فقد عاملتهم، إلى تاريخ انتصاب الحماية الفرنسية في تونس على أنهم خوارج، واستمرت على امتداد تلك الفترة توظف عليهم ما يُوظف على غير المسلمين حتى وإن دخلوا الإسلام فيما بعد. وأما غير المقيمين فعاملتهم بمقتضى القانون السلطاني وهو أن كل من يسكن بلادا يكون تحت حكم، نظامها ويطلب منه الامتثال لما تطلبه الحكومة المحلية منه. وبذلك اعتبر الجربيون رعايا عثمانيين لا فرق بينهم وبين غيرهم من الرعايا المقيمين
خارج بلدانهم.
"
ومن جهتهم، لم يُخف الجربيون انتماءهم إلى المذهب الإباضي أثناء تعاملهم مع السلطة المركزية في تونس أو السلطة الإدارية خارج البلاد التونسية إلى حد ق 12 هـ/18 م. وبداية من عهد حمودة باشا وعلى امتداد ق 13 هـ/19 م، لم يعد الجربيون يتعاملون مع السلطة المركزية بتونس على أساس الانتماء إلى المذهب الإباضي بل توخوا خطاب "التقيّة" أو "الكتمان ""، فأصبحوا يخاطبون البايات
1 التقية هي إخفاء الإيمان في مسلك الكتمان وتخالف فيها الإباضية مذهب الصفرية والأزارقة والنجدات، فهم يدعون إلى الخروج على الحكام الجورة. والكتمان، هو المحافظة على الدين بحيث لوأظهر لعطل، وهو عند الإباضية رابع مسالك الدين الأربعة: الظهور - الدفاع - الشراء الكتمان. وهو وضع المسلم مغلوبا،
53 (1/53)
صفحة 54
الحسينيين ك "جرابة " لا إباضية، في حين لم يتخلّوا عن تعاملهم فيما بينهم. على قاعدة الانتماء إلى المذهب الإباضي، وواصل أعيان جربة اشتراط الانتماء إلى المذهب على مستوى سوق العمالة التي كانت بأيديهم، كما واصل الإخباريون من الجربيين خلال ق 13 هـ/ 19 م اتخاذ الخبر المتعلق بالإباضية مركزا لأخبارهم شأنهم في ذلك شأن من سبقهم من أمثالهم في القرون الماضية. ثم إنهم لم يتخلوا عن مميزاتهم في إقامة شعائرهم الدينية، ولم تكن روابط القرابة الدموية وروابط القرابة الأخرى مثل الجوار في ق 13 هـ/19 بالنسبة إليهم سوى روافد هامة مدعمة للانتماء المذهبي مثلما كان الأمر في
القرون السابقة.
ومع دولة الاستقلال، ترسّخ مفهوم "المواطنة" في التعامل مع إباضية جربة، وفي تعامل هؤلاء مع أبناء بلدهم تونس ممن يخالفونهم في مسائل عقدية وفقهية يكاد لا يلتفت إليها في غمرة الحياة اليومية، والمشاغل الوطنية، والقضايا المصيرية وفي خضم تبادل المصالح الاجتماعية والاقتصادية والمنافع العلمية والثقافية.
،
فالجربيون الإباضيون مواطنون تونسيون أصيلون، لا وافدون، وتاريخهم مكون من مكونات البلاد التونسية مثله كمثل تاريخ الحنفية، والمالكية، والأشعرية، عبر القرون في البلاد منح التراث التونسي العريق غناء وتنوعًا
بارزين.
وقد انبنت الدولة التونسية الحديثة بسواعد التونسيين ومواهبهم وعطاءاتهم الفكرية إباضية ومالكية، أشعرية وأحناف ماتريدية، بل لا يُسأل عن نسبة الكفاءات التونسيّة المذهبية ولا تُدْرَى تلك عند رصد الامتياز
ويجيز فيه الإباضية طاعة الحكام الموحدين، وحتى المشركين، مع الاحتفاظ بالإيمان في القلب تقيّة حتى يمكنهم الظهور وإقامة دولة مستقلة. ويهتم الإباضية في مرحلة الكتمان بالإصلاح الداخلي للمجتمع والمحافظة على الدين ويبتعدون عن المجال السياسي. ويعوّض فيه "نظام العزابة" الإمامة الكبرى، فيكون هذا النظام فيه بمثابة مجلس
الشورى في فترة الظهور والعزّة، غير أن السلطة التنفيذية تختلف بين الفترتين. أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص 113 / كوبرلي: م. س. صص 458 - 461 / الجعبيري: نظام العزابة ص 23 / جهلان: التفكير السياسي عند الإباضية ص 247.
54 (1/54)
صفحة 55
أو الإخفاق وحتى في المجال الديني أضحى لتجاور جوامع الإباضية مع جوامع المالكية في العاصمة أو الجزيرة وإمامة أحد أتباع المذهبين للآخر في ولا ازدراء، بعد رمزي في أنّ تصنيف مواطنين تونسيين إباضية
غير حرج
ليس إلا حفاظا على مميّز حضاري، وعلى ناحية مغايرة في التراث الديني التونسي، واعتبارا لمقوم ثقافي إيجابي، يكتنز روافد وتراكمات وأطروحات مغايرة وليس هذا التصنيف أبدا، تمجيدا، أووصما، أوميزًا، يُغذّي النزعة
المذهبية المتعصبة، أو يتناول مسألة "الأقليات" بخلفيات وأهداف غير سوية. ونرجع إلى كتاب "تاريخ الجزيرة"، فلكأنّ سالم بن يعقوب يعتبر "النكار" فرقة إباضية لما أرّخ لوجودهم إلى جنب أصحابه "الوهبية" بجربة، تحت عنوان "فرق الإباضية بجربة" في حين يذهب يحيى معمر الإباضي الليبي إلى أن "النكار" فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها، وليست من فرق الإباضية ولا جزءًا منها.
فقد ذكر سالم بن يعقوب أنهم جاؤوا إلى الجزيرة لما وقع ما سماه بـ"تبلبل في الآراء" أيام حكم عبد الوهاب الرستمي، ويورد أنهم فرقتان:
/ الخلفية، وهم أتباع خلف بن السمح المعافري (ت. بعد 221 هـ/826 م) 3
1 م. ص 76. وكذلك فعل الجعبيري وزاد على بن يعقوب أنّ فرق الإباضية بجربة ثلاث:
/ الخلفية / النكار الوهبية،
فلم يُدمج الخلفية تحت النكار كما صنّف بن يعقوب. نظام العزابة صص 157–158،
والعمل نفسه قام به ليفيتسكي. راجع:
ليفيتسكس: المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية. ص 201 تغلات الفكر السياسي الإباضي صص 215 - 291، تناول فيها تاريخ الافتراقات الستة، وفترات التعايش والتناحر في تاريخ الإباضية
2 معمّر الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 352. وقد فصل هو الآخر بين النكار والخلفية
صص 352 - 353
3 ويظهر أن بن يعقوب وافق المؤرخين الذين تعجب منهم معمّر وقال: " والعجب من المؤرخين وكتاب المقالات أن يتأثروا بالجانب السياسي هذا التأثر الكبير، فيعتبروا هؤلاء المقاتلين (يعني الخلفية فرقة، ويعتبروا خلفا إمامًا لفرقة ولوأن كل إنسان سخط على حكم ما فثار
55 (1/55)
صفحة 56
/
مستاوة، وهي قبيلة بربرية بالجنوب الشرقي، أتباع عبدالله بن يزيد
الفزاري (ق 2 هـ/8 م).
6
وقد نقل أن نشأتهم تعود إلى عهد ابن أبي كريمة (ت 150 هـ/767 م) 3 حينما أخذوا بقول أهل القدر، لكنهم أظهروا التوبة فردَّهُم المسلمون إلى المجالس، ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع، وتمادوا عليه، فنفاهم المسلمون من أماكنهم وطردوهم من مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين، وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة." .. أما نكار المغرب فهم الذين أنكروا إمامة عبد الوهاب، حيث استندوا بقيادة يزيد بن فندين اليفرني على مبدأين:
/ لا تصح إمامة المفضول مع وجود الأفضل.
/ تصح الإمامة بشروط إذا شرطها الناس عند البيعة، وتسقط لمخالفة تلك
الشروط.
ولم يغص بن يعقوب في التشنيع على النكار، كما فعل معمر، وإنما اكتفى بالإشارة إلى أن بعضهم أراد أن يشتهر بما ينافي هذا الاسم فسموا أنفسهم "محبوبين"، واشتهروا بذلك إلى الآن، وسمّيت الجهة التي يسكنونها: حومة المحبوبين. ولكن رغم ذلك بقي لفظ "نكار" أو "نكارة" يلاحقهم منذ العهد الحفصي إلى الآن.
عليه وقاد مجموعة من الناس للقتال يُعتبر رئيسا لفرقة وتعتبر مجموعته فرقة، لضاقت كتب التاريخ عن تسمية الفرق ... ". معمّر: م. س. صص 346 - 347 ". م. س.
1 عزيزة بن تنفوس: أضواء على إدارة جربة، ضمن دراسات حول جزيرة جربة، ص 154. 2 راجع حول هذه الشخصية مقال ويلفريد مادلونغ أستاذ سابق الدراسات الإسلامية
بجامعة أكسفورد) على موقع www.thehistoryofarabia.blogspot.com
3 راجع الجعبيري شخصيات إباضية صص 19 - 30
4
6
م. ص 78.
:راجع: معمر: م. س. صص 326 - 336.
م.
ص 77. ومن هذه القرية بميدون تنحدر عائلة المناضل والديبلوماسي محمد بدرة
(ت 1393 هـ / 1973). المريمي: م. س. ص 291.
56 (1/56)
صفحة 57
وتطلق "الوهبية" في جربة على الذين يقطنون جهتها الغربية والشمالية. وينقل الجعبيري عن سالم بن يعقوب نصا يوضح الخط الذي يُغلق على منطقة الوهبية ويفصلها عن النكار، فيقول: "يمر" الحد الفاصل بينهما من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي من الجزيرة فهويبتدئ شمالاً بين مسجد الهوارى ومدراجن بحومة مزراية، وينتهي بالنسبة لحومة صدغيان إلى جنوب جامع بوليمان. ثم يأخذ الحدّ إلى الغرب من مدرسة صدغيان مغربا يمر على حدود مساكن حومة والغ اليوم، ثم يأخذ طريقه على مسجد قوجيل بحومة بني ديس بني ديغت ثم يغرب إلى جنوب الحارة الصغيرة. ثم يأخذ إلى القبلة غربي حومة الماي، ثم ينعطف شرقا إلى غربي جامع الشهود، ويشق حومة سدويكش إلى أن ينتهي إلى شمال ورسيغن إلى أن يصل إلى شمال جامع سيدي ياتي، وحومة ربانة داخلة في قسم الوهبية لأن الشيخ عيسى الرباني تلميذ أبي مسور. وأما أراضي مليتة فإنها كانت غير مسكونة ... ".
ولئن لم يتفق على تحديد أصل هذه التسمية "وهبية" التي تعتبر إحدى انقسامات الإباضية ذاتها وأهم مدارسها، فإنّ البعض يفصل بأنهم أتباع عبد الوهاب الرستمي الذين ناصروه في تولي الحكم ويرى أن كل من بقي من الإباضية في شمال إفريقيا هم وهبيّة رغم أنهم كانوا إلى منتصف ق 4 هـ/10 م أقلية يسخر منهم "النّكار"، ولكنّ حكمة أبي مسورت. منتصف ق 10/ 04 م)
عزّزت جانب "الوهبية" وكثرت أتباعهم، وقضت على بقايا "الخلفية" 3. يقول بن يعقوب: "لما دخل أبو مسور جزيرة جربة في أواخر القرن الثالث وجد أهلها، وهبيتهم ونكارهم يجتمعون في مجلس واحد تحت رئاسة خاله خلف بن أحمد الزواغي السلاوي. وكانت الخلفية الفرقة القوية، كثيرة العدد والعدّة بينما كانت الوهبية آنذاك ضعيفة مغلوبة على أمرها، فترأسها أبومسور، وأخذ يدافع عنها ويصلح مجتمعها ويبث فيها علمه، ويجمع شتاتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى كثر عددها وصارت لها الكلمة
،
هي
1 نظام العزابة ص 162
2 ليفيتسكي: م. س. 201 / المريمي: م. س. صص 290 - 291.
3 الجعبيري: م. س. صص 153 - 161.
57 (1/57)
صفحة 58
النافذة، ففتح فيها المدارس ونبغ الكثير من العلماء، ونشروا العلم في الجهات الغربية ... استطاع أبو مسور بورعه وعظمة شخصيته أن يُوحد أهل جربة، فلم يبق على مذهب خلف بن السمح إلا النزر القليل".
ومن الواضح أنّ بن يعقوب، كسلفه من إباضية جربة، يعتبر الوهبية مذهب الحق، والنكار مذهب الضلال والتطرّف، وهو ينقل عن الشماخي أن "أكثر وهبية جربة اهتدت على يد أبي مسور وكانت قبلُ على مذهب
الخلفية من الإباضية "2
أما الحيلاتي فقد عرَض وقائع التنازع بين الوهبية ومستاوة، ونوردها فيما يلي: - 609 هـ/1213 م: حادثة المسجد الجديد فكانت الدائرة على مستاوة ولا نجد توضيحا حولها.
-
- 616 هـ/1220 م: واقعة الماي، وهي منطقة فاصلة بين المجموعتين، ولا نعرف السبب ولا النتيجة.
-
620 هـ/1224 م: وقعة كراء وهو أغرم مسعود، والدائرة أيضًا على واقعة جرت قرب قصر مسعود قرب القنطرة.
مستاوة، وهي 642 هـ/1245 م: واقعة بطال وفيه القيمة أو القسيمة الأولى، وهي عملية تبادل الرهائن للحد من النزاعات.
- 668 هـ/1270 م: واقعة شير خنفوس، وقتل أولاد أبي
أحمد بن
نوح.
1
2
م. صص 80 - 85.
م. صص 80 - 81
3 الرسائل ص 45.
4 الرسائل ص 44. 5 الرسائل ص 45.
6 الرسائل ص 44.
7 الرسائل مر 45. 8 الرسائل ص 45 هامش 120
58 (1/58)
صفحة 59
ولم نعرف قضيّة الواقعة، حيث يكتفي قوجة بالتعقيب: "لعله يقصد شط الخنفوس الواقع على الساحل الشمالي للجزيرة غربي حومة السوق، وهوالذي جامع سيدي سالم آذروم. أمّا شير فأصلها هنشير، موقع أثري،
أمامه يوجد
وأحمد بن نوح لم نعثر على ترجمته وهو المقتول من طرف أولاد أبي الذين ينتمون إلى مستاوة".
عيسي
906 هـ / 1501: واقعة عام السبخة لوقوعها في السبخة الكائنة بين سوق مستاوة المعروف بالسوق القبلي وحصن القشتيل، ولا نجد تفاصيل عنها. 966 هـ / 1559: الفتنة بين سدويكش (قبيلة) بربرية قديمة استقرت في جربة ومستاوة والأتراك وعرب الحزم في مرسى سدويكش، فكانت الدائرة على سدويكش وتمادت الفتن والقتل بين الفريقين سبعة أشهر.
-
ويفيدنا المريمي أن الوثائق التاريخية التي رجع إليها لا تميز بين الإباضية الوهبية والإباضية المستاوة. وقد اعتمد الجهاز الإداري من خلال دفاتر العشر على تقسيم جربة إلى "قسم شرقي" و"قسم غربي"، وهوما يذكرنا بتقسيم الدفاتر الجبائية الراجعة إلى ق 12/ 18 هـ بتقسيم الجزيرة إلى "أخماس وهبية" و"أخماس مستاوة، دون أن تكون مطابقة له تماما.
ولم يقم المريمي بتصنيف العائلات الإباضية من الفريقين، لأنها كانت في العديد من الحالات تحمل الاسم نفسه وتسكن الجهتين، إذ كان يربط بينها في الأصل روابط دموية، ولم يفرّق بينها إلا الانتماء المذهبي، ولا ننسى أثر حادثة تبادل الرهائن التي ذكرها الحيلاتي آنفاً.
وتدل الفروق القليلة، الطفيفة، والتي لا تعدو بعض الفروع والهوامش البعيدة عن الأصول والأسس بين الإباضية الوهبية والإباضية المستاوة، كما
1 الرسائل ص 48.
2 الرسائل ص 51.
3 الرسائل ص 5.
وراجع للإثراء باجية علاقات النكار بالموهبيّة بمنطقة الجريد، ضمن كتاب:
الإباضية بالجريد صص 86 - 89 4 المريمي: م. س. صص 225 - 226
59 (1/59)
صفحة 60
يثبت الجربيون، أن الصراع بينهما كان سياسيا في الأساس. فلقد سعت الوهبية أن تظهر بمظهر الأجدر لتولي القيادة السياسية والاجتماعية خلال العصر الحديث على حساب مستاوة الضعيفة. وقد كان ذلك، من خلال تفاوت القدرات الاقتصادية والدفوعات الجبائية لكلّ من الجماعتين، وأخذت مستاوة المنطقة الشرقية والجنوبية الشرقية الأقل ملاءمة طبيعيا وبشرياً، وسكنت الوهبية المنطقة الغربية والشمالية الغربية من الجزيرة، وبرّرت تفوقها المادي والسياسي بالانتساب الفكري للمذهب الإباضي الوهبي، فخصوا أنفسهم بقمة الهرم على مستوى سلم القيم الاجتماعي، وخصوا أهل مستاوة بمكانة دنيا بالنسبة إليهم، لكنها تفوق مكانة الفئات الأخرى المكوّنة جميع للمجتمع في جربة خلال العهد التركي.
لقد كان القسم الأكبر من تاريخ جزيرة جربة " عرض المدارس العلمية الإباضية، من خلال سرد تراجم الشيوخ الإباضيين الذين لم يُبارحوا مساجد الجزيرة، هذه المساجد التي وإن وصفها بن يعقوب ماديا، وذكر تواريخ تأسيسها، فإنّه لم يقف عند عددها اللافت حتى وُصفت جربة بـ"جزيرة المساجد"، كما لم يقف عند أهميتها التاريخية سياسيا، واجتماعيا، وقيمتها
الفنّيّة والمعمارية التي لاحظها المرابط، ومنها:
طرافة التخطيط، حيث يتميز بالانفتاح
راجع ردّ بن يعقوب وقاسم قوجة على مقال محمد حسن: إباضية جربة وعلاقتهم بالفاطميين والزيرتين مجلة الحياة الثقافية عدد 38 س 1985/ 1405 ص 249.
ص 347. 2 معمر: م. س. راجع بن تنفوس م. س. صص 148 - 164 / المريمي: م. س. صص 291 - 292. 4 نعتبر هذا القسم يبدأ في ص 80 حيث العنوان: الإباضية ومدرستها العلمية الأولى. وهو الأنسب حسب رأينا، لوحدة الموضوع.
أما الجعبيري فقد جعل هذا العنوان تابعا للقسم الأول الذي عنونه ب"جغرافية الجزيرة و تاريخها الإباضية ومدرستها العلمية، ويبدأ القسم الثاني عنده في ص 157 تحت عنوان "حوم الجزيرة ومدارسها"، معتمدا في ذلك حد نهاية الجزء الأول وبداية الثاني من كتاب بن يعقوب
60 (1/60)
صفحة 61
،
/ تنوّع الأساليب الإنشائية، ففيها المساجد المنقورة المعبرة عن التواصل بين التقاليد البربرية القديمة والعمارة في الحقبات الإسلامية. وفيها المساجد الناتئة المتنوّعة المواقع والوظائف كمساجد الشواطئ الصغيرة، والتي هي بمثابة أبراج المراقبة ونقاط الإنذار المبكر، وكالمدارس العلمية المتميزة بتعدد حلقاتها من غرف طلبة وغرف تدريس ومنافع اجتماعية
/ التفرّد الزخرفي وأصالة القيم الجمالية
كما لاحظ كثرة العناصر المعمارية المرتبطة بالمسجد الإباضي، من العناصر المرتبطة بالشعائر إلى المرتبطة بالأمن، إلى تخزين الماء، إلى العناصر الإنتاجية والربحية كمعاصر الزيت ودكاكين النسيج ...
-
إلى جانب ظاهرة تجاور المساجد والمدافن التي تُصنّف إلى ثلاثة: أضرحة فردية لشخصيات دينية أو جهادية يحمل المعلم في الغالب اسمها. رياض محدودة كتلك التي نجدها عند الجامع الكبير بالحشان والتي تضم رفات أبرز شيوخ الوهبية من البيت اليهراسني وغيرهم. مقابر عامة قريبة من المساجد بمعدّل مقبرة عند كل مسجد مركزي في
-
-
الحومة.
وقد أشار الجعبيري بإيجاز إلى أنّ مساجد الوهبيّة تختلف عن مساجد النّكار، بأن الأولى تكون صومعتها في الزاوية الشمالية الشرقية داخل المسجد، ومدارج الأذان في الزاوية الشمالية الشرقية خارج المسجد. أما الثانية فتكون صومعتها في الزاوية الشمالية الغربية داخل المسجد، ومدارج الأذان في الزاوية الجنوبية الشرقية خارج المسجد. وهي معلومة لا تخلو من طرافة.
م. س.
1 المرابط: القيمة الفنية والتاريخية لمساجد جربة. ضمن دراسات حول جزيرة جربة. صص 74 77 وراجع كتابه جوامع ومساجد جزيرة جربة في العصرين الحفصي والمرادي 2 المرابط: م. س. صص 10436/ 189 /:بربو م. س. 95 - 96 / وراجع الحيلاتي: في مشاهد أضرحة العلماء وأمكنتها بجربة الرسائل صص 73 - 85.
3 نظام العزابة ص 11
61 (1/61)
صفحة 62
لقد قدم بن يعقوب في مستهل القسم الثاني بسطة عن التعليم الديني الإباضي الذي تواصل إلى عصره هوا، ولا يختلف عن نظيره المعاصر في جامع الزيتونة وجامع الأزهر، مثلا، إلا بأنه:
- أهلي غير نظامي، إذ لا يُسند إلى المتعلم شهادة مكتوبة تخوّل له الوظيف. الخصوصية العقدية لعدد من كتب التدريس، وأهمها:
2
/ عقيدة التوحيد لعمروبن جميع.
/ ديوان العزابة في الفقه، ويُسمّى بتسميات أخرى منها: "ديوان الأشياخ"، "ديوان الغار" .. ألفه، كما يذكر بن يعقوب، سبعة علماء من جربة ونفوسة، ولكنه لم يُترجم إلا لستة منهم.
العدل والإنصاف للوار جلاني (ت 600 هـ/1203 م) في أصول الفقه حائية ونونية أبي نصر الملوشائي النفوسيت. في النصف الأول من ق 7 هـ / 13 م) في أصول الدين والفقه
/ التحف في أصول الدين لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الدمّري (ت 471 هـ / 1078)، وهو أوّل كتاب في أصول الدين ألف في مدرسة أبي مسور الجربية
1
3
/ المنظومة الجادوية وشرحها
م. صص 111 - 120
2 راجع، إلى جانب ما ذكرنا سابقا: الصادق بن مرزوق: عمرو بن جميع عصره وحياته وكتابه. ضمن: أعلام من الجزيرة صص 40 - 50 م. صص 107 - 110، ولإباضية الجزائر ديوان أيضًا، والاثنان ألفا في الفترة نفسها ق 5 هـ / 11 م، ومادتهما هي الفقه، ويذكرون أن مؤلفي ديوان وادي أريغ الجزائري ثمانية. ولذلك يقع الخلط بينهما. راجع: سعيد بن يوسف الباروني: ديوان غار أمجماج بجربة والعلماء السبعة الذين ألفوه. مجلة الحياة الثقافية تونس العدد 240 السنة 38 أفريل 1434/ 2013 هـ صص 102 - 112: الجعبيري: جماعة غار مجماج. نظام العزابة
صص 167 - 171.
4 راجع الجعبيري: تقديم كتاب التحف. ضمن دراسات حول تاريخ الجزيرة م. س.
صص 89 - 119
62 (1/62)
صفحة 63
/
الوضع للجناوني النفوسي (53 هـ/ 11 م)، وهو ملخص في أصول الدين والشرعيات كما ينعته مصنّفها.
2"
لقد بدأ بن يعقوب بمدرسة الجامع الكبير أو جامع أبي مسور، وقد وصفها بأنها "مدرسة علمية عظيمة دام نشاطها قرابة 11 قرنًا، وتخرج منها العديد من علماء الإباضيّة بجربة ونفوسة وميزاب "، متحسرًا على ضمور دورها العلمي في عصره، فهي اليوم تشكولربها كما تشكوكثير من المعاهد الإسلامية في أطراف العالم الإسلامي". ويعتبر الإباضية الجربيون جامع أبي مسور منارة أشعت على مستويات مختلفة ومتفاوتة داخلية وخارجيّة، منها ما يتصل بمصير الجزيرة، ومنها ما يرتبط ببقية ربوع المغرب الإسلامي. وهوما بوّأ جربة مكانة لا تقل قيمة في العصر الوسيط عن عدد من عواصم إفريقية والمغرب الإسلامي. وكانت تمثل بالنسبة للجنوب التونسي ولجبل نفوسة وللجريد ما كانت تمثله مدينة القيروان بالنسبة لإفريقية من حيث الإشعاع الثقافي والفكري.
وتُعتبر المدارس العلميّة ثمرة نظام العزابة" الذي استمر قائما بالجزيرة إلى أواخر ق 12 هـ/18.
فما هو تاريخ هذا النظام؟، وما أهميته؟
يورد الإباضية أن أبا زكرياء فصيل بن أبي مسور (ت. النصف الأول ق 5 هـ/11 م) نظر في وضع إباضية بلاد المغرب ورأى أن عهد "الظهور"، قد ولى، وقد تكررت الهجمات على الإباضية، ففكر آنذاك في تكوين نظام يتماشى
2
3
4
:
1:راجعه نشر وتعليق إبراهيم أطفيش ص 17.
م. ص 121.
م. ص 156.
محمد قوجة: الأبعاد الحضارية لجامع أبي مسور في جزيرة جربة ضمن: دراسات حول
جربة ص 78.
5 م. صص 92 - 110 / الجعبيري: نظام العزابة صص 29 - 57.
6 نذكر أنّ "الظهور" عند الإباضية، ليس كما عند الشيعة، وإنما هو أحد مسالك الدين، حيث تكون فيه حكومة الإباضيين مستقلة
ونافذة.
63 (1/63)
صفحة 64
و"الكتمان" لحفظ كيان الجماعة، ولم شملهم وتسيير شؤونهم بأنفسهم، دون أن يتعرضوا لشر السلطان الذي أصبح يخشى ثوراتهم، ويحاول تشريدهم.
وبعد انقراض الدولة الرستمية س 296 هـ / 908 م، جسد فكرة أبي زكرياء تلميذه أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي الفرسطائي (ت 440 هـ/1049 م)، وأسس نظاما يحفظ الدين، ويجمع حوله الهيئات الإباضية بجبل نفوسة وجزيرة جربة ووادي أريغ ووارجلان ويُسمّى هذا النظام ب"نظام العزابة"، نسبة إلى العزوب عن الدنيا والانقطاع إلى أمور الدين والآخرة.
ويكون أعضاؤه، جماعة من أهل الورع والتقوى والصلاح، ينتخبون لتكوين المجلس الديني الذي يتولى:
/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واليد.
/ الإعلان ببراءة من أخل بواجب أوارتكب منكرا.
السهر على تنظيم الحياة المدرسية والعلميّة، وتنشيط الثقافة الديني.
تطبيق معالم الدين الإسلامي في المجتمع.
/ التفاني في خدمة أتباع المذهب، اجتماعيا واقتصاديًّا.
تقوية الرابطة الدينية والمذهبية.
/ تسوية النزاعات والنوازل
/ توفير الأمن في المدينة.
ويورد
بن يعقوب خلال ترجمته للعلامة يعيش الزواغي (ت 751 هـ/ 1350 م) أنه أُسندت إليه رئاسة مجلس العزابة للفصل في القضايا العدلية واختيار المدرّسين وحلّ المشاكل كما بلغت شهرته العلمية مبلغا جعل حاكم قابس وجربة الحفصي، يبعث له رسائل يستفتيه فيها في بعض
1:راجع البرادي الجواهر المنتقاة صص 226 - 235. راجع عن أقسام الولاية والبراءة: الجنّاوني: كتاب الوضع صص 32 - 34.
64 (1/64)
صفحة 65
1
المسائل. وإلى جانب اشتغاله بالتعليم وترؤسه لمجلس العزابة، تصدى لأهم
النوازل الحادثة في عصره، ومنها:
استيلاء النصارى على جربة س 689 هـ/1289 م.
/ حملة اللحياني على جربة س 706 هـ/1307 م.
تولية أحمد بن مكي على جربة س 738 هـ / 1337 م.
وسُلطة العزابة روحيّة بالأساس، ولذلك كان حيّز هذا النظام هو المسجد، ثم يسع التأثير الديني والأخلاقي والاجتماعي سائر نواحي الحياة اليومية
المحلية.
وفي هذا السياق، كانت لنظام العزابة داخل الجزيرة صلة تعاون مع نظام العشائر، من أجل صلاح المجتمع واستقراره كما كان له، خارجها، دور بارز في رعاية الجربيين العاملين والمتعلمين، من خلال "دار الجماعة" التي تُؤويهم وتعلّمهم وتراقب سلوكهم، وقد استمر وجودها في تونس، والكاف، وماطر، وجربة، إلى منتصف القرن العشرين تقريبًا.
كما يُذكر من أبرز مدارس الإباضيين خارج الجزيرة، جامع الهنتاتي بتونس العاصمة، الذي تأسس منذ ما يقارب القرنين، بعد انتهاء نظام العزابة بجربة، وسمّاه بن يعقوب "جامع الهنتاتي المعمور"، وكان من الشيوخ المدرّسين فيه، عمر العوّام الآجيمي (ت 1335 هـ/1916)
أما خارج تونس فقد برزت وكالة الجاموس المصرية، ومن المهم تكميل كلامنا عنها بإبراز دورها الثقافي.
م. صص 232 - 233.
2 وهو ما يحيلنا إلى: "جامع الزيتونة المعمور".
3
م. ص 210.
65 (1/65)
صفحة 66
فقد كانت هذه المؤسسة حلقة الوصل بين الإباضية والأزهر، ووفد عليها، للدراسة أو التدريس بها عدد كبير من أعلام إباضية جربة، نذكر منهم إلى جانب سالم بن يعقوب:
/ أحمد بن محمد بن أبي ستة (ت 1061 هـ/ 1651)، درس بها قبل أن يعود إلى الجزيرة
/ المحشي السدويكشي (ت 1088 هـ /1677 م) صاحب المؤلفات الوفيرة، وكان من شيوخ الوكالة البارزين، ومن مدرسي الأزهر.
/ أبوزيد بن أحمد بن أبي ستة (ت 1100 هـ/1688).
/
مسعود بن سليمان بن حديد عالم دين وشاعر.
/ عمر بن يوسف الشماخي.
/ عمرو بن رمضان الثلاثي (ت 1187 هـ / 1779)، وتوفي بها، وكان تطوّع لإلقاء دروس بالأزهر، اشتهر بنبوغه في التأليف.
/ يوسف بن محمد المصعبي (ت 1188 هـ / 1774) الملقب بالمحشي الثاني.
/ عبدالرحمان بن أحمد الحيلاتي (ت. ق 10 هـ/16).
/ علي بن سالم بن بيان (ت 1120 هـ/1708)
كما كانت الوكالة مركزا إباضيًا هاما في توفير التأليف وإنتاجها.
وقد اهتم الجعبيري بصلة العزابة بالدول التي حكمت جربة أوحاربتها، فقدم قراءة علمية اعتمادا على عدد من المصادر التاريخية، وتورد فيما يلي أهم النتائج التي انتهى إليها:
/ دافع علماء جربة عن جزيرتهم ضدّ حملة المعز بن باديس س 431 هـ / 1039 م، وكان منهم شهداء أما أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور اتهم بالتواطؤ وخذلان أصحابه.
1:راجع مصلح: الوقف الجربي في مصر م. س. صص 127 - 155.
2 مصلح: م. س. صص 156 - 161.
66 (1/66)
صفحة 67
وانتصروا في العهد الحفصي على حملة النصارى الخامسة س 835 هـ / 1432 م، والسادسة س 916 هـ/1511.
/ لم يتمكن العزابة من صدّ حملة النرمان بقيادة روجار الثاني س 529 هـ / 1135 م لقلة إمكانياتهم الحربية لكن ثاروا على عامله بجربة وطردوه س 548 هـ/1154 م.
،
/ استشهاد الشيخ محمد السمومني س 699 هـ/1301 م في حملة النصارى الرابعة س 688 هـ/1290 م.
/ استشهاد شيخ العزابة داود الثلاتي على يد درغوث باشا س 967 هـ/1560.
لقد برهنت حلقة العزابة على شدة إيمان الإباضية بضرورة وجود السلطة الحاكمة التي تسوس الناس وترعاهم روحيًّا وماديا، وتنظم حياتهم، وبدونها تكون الفوضى، بل إن غيابها أكبر تهديد لوجود الجماعة.
ولكن من اللافت في تنظيم العزابة، أنه وإن كانت له أدوار حيوية مختلفة تمس جوانب الحياة كلها كما بيّنا، فإنّ البارز من ذلك هو المنزع الديني الدعوي، وكتُبُ الإباضية نفسها تعرض المهام الروحية المسجدية بتفصيل وإسهاب في المركز، وتجمع، باقتضاب، وتعميم المهام الأخرى في الهامش.
،
وهو ما دفع بعض الدارسين إلى اعتبار هذا النظام المصغر لـ"الإمامة"، ذا
طابع "تيوقراطي".
1 راجع مثلا ابن تعاريت المسلك المحمود في معرفة الردود صص 438 - 452 / الجعبيري: نظام العزابة صص 61 - 150 / المريمى إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث صص 23 - 72.
2 المنصف قوجة تاريخ الإباضية الديني والسياسي صص 152–153/ و"تيوقراطية" أو "ثيوقراطية" هي مذهب يقوم على تعليل السلطة السياسية لدى الجماعة على أساس الاعتقاد الديني فالنظام التيوقراطي هو النظام الذي يستند إلى فكرة دينية. موسوعة ج 1 صص 928 - 929.
السياسة
67 (1/67)
صفحة 68
ولا يعطينا سالم بن يعقوب فى كتابه شيئًا ذا بال عن التنظيم الهيكلي والتنفيذي لنظام العزابة فى جربة، كما أن الجعبيري اكتفى منه في دراسته بالمجلس الأعلى وبرئيسه وبأهم أعضائه، دون النظر في الهيئات الفرعية، وسائر التفاصيل، لتعذر وجود النصوص المهتمة بالجزئيات. وهوما استدركه زهير تغلات مثريا دراسته ببحوث استشراقية.
أما المريمي فقد زاد على ذلك معلومات أرشيفية ومخزنية متفرقة، وخلص، خلافا للجعبيري، إلى أن المؤسسات الدينية السياسية العليا لنظام العزابة المتمثلة في هيئة "المشيخة" والمؤسسات التابعة لها في مستوى الأقاليم وحوم جربة، قد انتهى أمرها كمؤسسة نفوذ إداري وسياسي داخل المجموعات السكانية الإباضية المحلية بداية من س 1161 هـ/31748.
سعي
ومن الأسباب وراء ذلك السلطة المركزية في تونس منذ س 1159 هـ / 1746 إلى القضاء على الهياكل السياسية الدينية العليا في جربة باستعمال عقوبات رادعة ضدّ الذين يشغلونها، فأمكن سجن بعضهم، واختفى بعضهم، وفرّ البعض الآخر إلى زوارة بليبيا. كما فرضت السلطة على عزابة الوهبية ونفوسة خطية كبيرة وحملت الهياكل الدينية العليا لنظام العزابة المسؤولية، وسعت إلى إحداث قطيعة بينها وبين قواعدها الإباضية في الجزيرة، واستغل الفراغ السياسي الذي أحدثته السياسة الردعية ضد هيئات نظام العزابة الدينية العليا للدفع بالهياكل المخزنية لكسب القوة والسلطة، فحصلت الزاوية الجمنية المالكية ومؤسساتها الإدارية والسياسية على مكانة كانت على حساب الهياكل الدينية والسياسية الإباضية المحلية، وضربًا لهياكل الأعيان المحليين الذين كانوا يمثلون جانبا من نظام العزابة.
ويُذكر، هاهنا تخلي بعض المسجديين الإباضية في بادية جربة عن عقيدتهم، وتقلّد بعضهم للمذهب المالكي، وانحيازهم إلى نمط النفوذ المجتمعي
1:تغلات الفكر السياسي الإباضي صص 215 - 193. 2 يرى الجعبيري أن نشاط العزابة بدأ في الاضمحلال أوفي فقدان وظيفته العلمية منذ وفاة الشيخ امحمد المصعبي س 1207 هـ / 1793. نظام العزابة صص 231230
3 المريمي: م. س. صص 24 - 134.
68 (1/68)
صفحة 69
المخزني القائم على هذا المذهب عوّض النمط المحلي القائم على المذهب الإباضي". كما تحوّل كما تحوّل جامع "غربة" من الإباضية إلى حوزة المالكية، وهو المسمّى اليوم بجامع الغرباء شرقي حومة السوق.
سكتت
ولا يمكن لمن يقرأ "تاريخ جزيرة جربة"، إلا أن يلحظ خطة بن يعقوب في تغييب تاريخ، المالكية، وهو بلا شك جزء من تاريخ الجزيرة. وكان من المقبول أن يتعمد نسيان "المخالفين" لوكان عنوان الكتاب: "تاريخ الإباضية في جربة"، أما والعنوان أشمل، فإنّ هذا الطمس لا يعني إلا تعصباً أفرز تحريفا. ولعل مسلك بن يعقوب في هذا التأريخ، نسج على منوال الشماخي والحيلاتي وغيرهما في السكوت عن حضور المالكية بالجهة، حتى تسحب منهم صفة التجدّر والشرعية السياسية والإدارية في الجزيرة. فلم تحافظ كتب تراجم الإباضية والمؤلفات التاريخيّة لأصحاب المذهب على أي أثر لعلماء المالكية بجربة. وما من ريب في أن هذا التجاهل كان معاملة بالمثل، إذ تراجم المالكية هي الأخرى عن علماء الإباضية في القطر التونسي. يقول المريمي: "يصرّح إباضية جربة اليوم بانتسابهم إلى جربة على أساس انتمائهم إلى المذهب الإباضي المتجذر في الجزيرة أكثر من غيره من المذاهب الموجودة معه على الساحة هناك، وليس على أساس انتمائهم إلى عنصر البربر، لأن الإباضية تدعو وتطالب بالمساواة بين مختلف العناصر الحضرية التي اعتنقت الإسلام فيما ينكرون انتساب المالكية والحنفية إلى جربة لعدم تجدر هذين المذهبين في الجزيرة على قدر تجذر الإباضية فيها. ويثبت الواقع التاريخي للعصر الحديث أن الجزيرة كانت تمثل قطبا جاذبا بالنسبة إلى العائلات الإباضية والمالكية والحنفية على السواء، ووفدت تلك العائلات من مناطق مختلفة من الشمال الإفريقي وغيره ويرجع أصل بعضها إلى مناطق إباضية مثل قرى جبل نفوسة أووادي ميزاب وبعضها الآخر إلى مناطق سنيّة، وكان انتسابها إلى مناطقها الأصلية حقيقيًّا أحيانًا ومزعوما أحيانًا
2
1 المريمي: م. س. صص 35 - 38. م. ص 112 / نظام العزابة ص 333. 3 المريمي م. س. صص 321 - 349/ 322.
69 (1/69)
صفحة 70
أخرى. كما كانت جربة أيضًا قطب طرد بالنسبة إلى العائلات الإباضية والمالكية والحنفية، فخرجت منها بعض العائلات بعد أن أقامت فيها واندمجت في مجموعاتها المحليّة فاستقرّت في مراكز عديدة من الإيالة التونسية والامبراطورية العثمانية".
ولقد كان أبوراس الجربي (ت بعد 1222 هـ/1808) استثناء، حينما ترجم للشيخ إبراهيم بن عبدالله الجمني 11341038 هـ/1628/–1721) ضمن أخبار مشائخ جربة، ووصفه بأنه "الشيخ الولي الصالح الورع الزاهد الجامع بين العلم والولاية .. نال من جميع العلوم معقول ومنقول .. ". كما ذكر المدرسة الجمنية ضمن "خطط" الجزيرة أي معالمها".
وقد اقتفى الباروني الإباضي أثر أبو راس، فذكر أن مدرسة الجمني المالكي تُعد إحدى المدارس العلمية الشهيرة بالجزيرة، وأثنى على دور شيخها في نشر الفكر السنّي، وإسهام عائلته في الحركة العلمية والوطنية بالجهة.
خلفه
أما أصحاب المذهب الإباضي فقد اعتبروا إبراهيم الجمني منافسا لهم، بل عدوا، فحاولوا في حياته أن ينالوا من ابن أخيه الشيخ عمر الجمني فسجنه إبراهيم الشريف باي تونس بإيعاز منهم وفرض آل بن جلود على غرامات باهضة، وضايقوا البعض منهم ولا يزال إباضية جربة إلى اليوم يعتبرون قبته الخضراء رمزًا للسلطة، ولا يعتبرونه منهم، ولعل ذلك بسبب تأكدهم من أنه جاء ليقضي على المذهب الإباضي ويمحو أثره، ويوحد الجزيرة
1 المريمي م. س. ص 302. 2
هذا إذا اعتبرنا محمد أبوراس جربيًّا إباضيا، وسنرجع إلى الجدل حول هذه الشخصية
في عنصر موقف بن يعقوب من المؤرخين.
3 أبو راس: مؤنس الأحبة صص 95 - 96
4
وراجع محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين ج 2 صص 56 - 58.
م. س. صص 98 - 99.
الباروني: جربة في موكب التاريخ. نسخة إلكترونية صص 173 - 175. وراجع: الهادي الجمني: مدرسة سيدي إبراهيم الجمني. 6 المريمي: م. س. ص 338.
70 (1/70)
صفحة 71
تحت مذهب مالك (ت 795/ 179 م)، وهوما تؤكده كتابات المؤرخين المخالفين، إذ يقول ح ... عبد الوهاب، مثلاً: "وقد باشر فعلاً مدة إقامته بتلك الجزيرة مقاومة مذهب الإباضية النكار، إذ كان سائر سكان جربة على النحلة الخارجية، وقلد على يديه نحو النصف من أهالي الجزيرة المذهب المالكي". ويمكن أن نلخص فيما يلي أثر المالكية في الجزيرة، علميًّا واجتماعيا، منذ مجيء الجمني:
2
/ الارتقاء بجربة إلى مستوى المراكز العلمية المالكية التونسية. / تأسيس المدرسة المرادية مركز الفقه المالكي بالجنوب التونسي. تطوير النظام التعليمي المعتمد من مجرّد الأذكار والأوراد إلى تدريس
الكتب المالكية.
/ تحول جامع الغرباء المالكي بعد أن كان إباضيا، إلى مؤسسة متعددة الأدوار الروحيّة والتعبدية والتعليمية والتشريعية.
بها
/ تقديم شهائد علمية للمتفوقين من الطلبة تمكنهم من اقتحام الوظائف الإدارية والسياسية التي توفرها سلطة المراديين ثم الحسينيين ويسمح النظام المخزني
/ وفرة علماء الدين المحليين والوافدين المتخرجين في المدرسة المالكية. إدخال عنصر التصوّف في التفكير والسلوك وتعاضد المدرسة بالزاوية
/ اتساع العمارة المالكية داخل الجزء الشرقي من الجزيرة
/ تجذر المجموعة السنية المالكية في الجهة
/ تعزّز النفوذ والوزن الاقتصادي
/ تأثير المالكية في الفكر الإباضي وفي نمط نفوذ معتنقيه في المعالم الدينية
1 عبدالوهاب: كتاب العمر في المصنّفات والمؤلفين التونسيين ج 1 ص 835. وراجع: المريمي: م. س. علاقة المخزن بعلماء المالكية صص 324 - 327.
2 المريمي: م. س. صص 326 - 360.
71 (1/71)
صفحة 72
إن وجود المالكية إلى اليوم بجربة، وتعدد مساجدهم وصمودها، وإسهامهم في الحركة الدينية والثقافية والاقتصادية، ولو بحجم أقل، شاهد على عراقة العنصر المالكي في الجزيرة نسبيًّا، إذ تتفق الرواية الإباضية والرواية المالكية على أن دخول التفكير المذهبي المالكي إلى جربة كان مع منتصف ق 10 هـ 16 من خلال اعتماد الأتراك على حلفاء من المالكية لتولي وظائف مخزنية دينية، ولتخفيف تدخلهم في الجزيرة.
ويُذكر المرزوقي أن قضاة المالكية دخلوا الجزيرة قبل انتشار المذهب المالكي بها، ومن هؤلاء في أوائل ق 9 هـ / 15 م ابن ناجي القيرواني (ت 839 هـ/ 1435 م). كما يُورد أن المذهب المالكي دخل جزيرة جربة في بداية ق 12 هـ/18، وانتشر بها انتشارًا عظيمًا حتى أن نصف السكان أو أكثر في أواخر خمسينيات (20) من أتباعه وعلى الأخص في جهات: ميدون، آركو، حومة السوق بني معقل الماي. مع أن جربة كانت قبل دخول المالكية معقلاً للمذهب الإباضي، ودخلها المذهب الحنفي مع الأتراك واختفى أوكاد مع اختفائهم.
وقد أطلق الإباضية الوهبية على التونسيين المالكية والأتراك الأحناف القليلين عبارة "الغرباء"، ولذلك سُمّي جامع السوق الكبير الذي انتقل إلى المالكية بـ"جامع الغرباء"، وبقيت بعض العائلات إلى اليوم تحمل لقب "غريب".
هذا إلى جانب تسمية هؤلاء كما ذكرنا سابقاً ب"المخالفين" و"الموحدين".
1 راجع الجداول البيانية والنسب الموزّعة بين الوهبية والمالكية على امتداد كتاب ستابلو:
les djerbiens
2 المريمي: م. س. صص 319 - 320.
م. س.
3 مؤنس الأحبة ص 126
4
م. س.
ص 153
ويظهر أنّ هذا الرأي هو الأرجح، والواقع يؤيده. ولا وجاهة لما ورد في بعض المراجع أن غالبية سكان جربة إباضيّون. الموسوعة العربية الميسرة ص 1180.
72 (1/72)
صفحة 73
وقد انبنى على هذا التفكير السلوك الاجتماعي الإباضي مع "الآخر"، فلم تكن هناك، إلى أواخر العهد التركي علاقات زواج ومصاهرة بين المجموعتين، كما لم يكن هناك اختلاط في مدارس واحدة.
ويرى المريمي أن الإباضية الوهبية كانت تعتبر الأصناف التي تضمنها المركز: من "أهل جربة"، فاشتمل هذا المركز على بناء هرمي تحتل الإباضية الوهبية فيه القمّة، وفقا لما كان لها من وزن اقتصادي وسياسي يُبرره الانتماء لنفس المنظومة الفكرية المذهبية. ثم يأتي بعدها الإباضية المستاوة، وخصصت مكانة تناسب وزنها بالنسبة إلى بقية الفئات الأخرى لـ"أهل جربة"، وأخيرًا اليهود لأنهم من أهل الذمة فيما يحتل العبيد قاعدة الهرم. أما محيط هذا الهرم وعلى هامشه فتوجد الفئات التي مُنعت من الانتساب إلى "أهل جربة"، والتي بقيت مهمشة عدديًّا ومذهبيا لأنها حليفة للجهاز المخزني وتكونت من المالكية والأتراك الحنفية
1
كما اصطلح الإباضيون على تسمية المالكية بـ"العرب"، مقابل تسمية
أنفسهم بـ"أهل الجزيرة".
ومن رسائل الحيلاتي:
200
/ "وقعت الفتنة بين سدويكش ومستاوة والأتراك وعرب الحزم. . . / "حرث أهل جربة في الدخلة القِبْلية. وقد قلّ مَن لم يخرج إليها وصار زرعًا خصيبًا لم يُعهد مثله. فأتته محلّة من تونس نزلت عليه وحمته من
3"
العرب حتى حصدوه ... / "وتمادى الشيخ سعيد بن موسى على غصب كل ما يوجد بالسوق، ويعطيه العرب ورغمة ويمنع أهل جربة منه، وسبب فعله هذا سعيد المذكور، جمع عرب ورغمّة ووريمة وأدخلهم الجزيرة فأسكنهم بها وجعل يكرمهم ليستعين بهم على أخيه الشيخ عبدالرحمان ... ثم أراد أن يستزيد من الجموع
1 المريمي: م. س. صص 296 - 301. 2 الرسائل ص 5.
3 الرسائل ص 23.
الله
73 (1/73)
صفحة 74
فذهب إلى عرب الأعراض وأرفات الجريد، وجبل مطماطة من بلد الزارات، وقابس والمطوية وما يقربهم من الكفرة والآفات .. " 1
"ومما أدركناه في تولية الشيخ سعيد بن موسى البجلودي أنه يؤثر محبّة للعرب على أهل الجزيرة، وأطلق يديهم على أرزاقهم سرًّا وجهرا أو قهرا. فمن شكى له من أهل الجزيرة من تعدّي العرب فلا يُقيم له وزنًا، ومَن شكى من العرب من أهل الجزيرة فإنه يؤذيه ويحسبه جريمة بعد تأديبه ... وبعد ذلك بأيام تحركت الأرياح بإذن الله عند الشيخ عبدالرحمان وقدم إلى الجزيرة وتولاها، وشدّد على أولئك العرب، وأطردهم من الجزيرة بحيث لم يبق منهم إلا من لا يُعْباً به ... " 2.
2"
كما نجد المصعبي يتحدّث عن بلاء أهل جربة: "فخلت من بعضهم المنازل والديار، فصارت مسكنا للعرب وأهل البوادي والجبال. فاعتبروا يا أولي الأبصار".
وليس هذا، في رأينا إلا تاريخاً أما حاضر الجزيرة فقد انتظم، قسرًا أو اختيارا، وفق عقلية جديدة تجاوزت بنسبة عالية، الخلفيات المذهبية، وقد ساعدت على التخلص منها بنية الدولة المستقلة الحديثة، ذات القيم المواطنية المتفتحة، ومنظومة القوانين والإجراءات الإدارية والترتيبية التي قضت تدريجيا على رواسب التفرقة والميز والطبقية. ولم يبق من هذا التصنيف المذهبي والعقدي في الجزيرة، إلا الاهتمام بالأعلام والأفكار، والتقاليد، والوثائق والمخطوطات، إذ هي جزء من الذاكرة التونسية إلى جانب التشبث بالانتماء ومظاهره الشعائرية، باعتباره حفاظاً على الهوية، واعتدادًا بالشخصية، وصونًا لتراث متنوع، وصرا على رمزيّة ترفد مقومات الوحدة الوطنية.
ومن المهم أن نشير هاهنا إلى "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ (ت 1408 هـ/1988) الصفاقسي المالكي، الذي عرف فيه بثلة من أعلام إباضية جربة والجريد إلى جانب مواطنيهم المخالفين، وهو تأكيد على أنّ راية
1 الرسائل صص 66 - 67. 2 الرسائل صص 71 - 72.
3 الرسائل ص 102.
74 (1/74)
صفحة 75
البلاد تجمع الكل، وتخفق عاليًا بعطاءات أبناء الوطن وإبداعاتهم جميعًا، قديما وحديثا. ومن هؤلاء المترجم لهم، نذكر:
-
محمد بن زكريا الباروني الجربي (10 هـ/16)، وأورد له ثلاث
مؤلفات.
-
- أبو القاسم البرادي (ت 810 هـ / 1408 م)، وذكر له ثمانية مؤلفات. - سعيد ابن تعاريت الجدّ (ت 1289 هـ / 1872) صاحب تاريخ الجزيرة.
-
-
سعيد ابن تعاريت الثالث موضوع الفصل الثاني من بحثنا هذا - أبو النجاة يونس بن سعيد ابن تعاريت (ق 10 هـ/16)
5
1 نقل محفوظ تراجم الإباضية عن: / السير للشماخي
طبقات المشايخ للدرجيني، وتصدير بكلي له.
/ الجواهر المنتقاة للبرادي
/ مؤنس الأحبة لمحمد بوراس
دائرة المعارف الإسلامية
الإباضية في موكب التاريخ والإباضية في تونس ليحيى معمّر
/ الإباضية في الجريد لصالح باجية
1
بروکلمان
معجم الأعلام للزركلي
/ بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين
معجم المؤلفين كحالة
/ نظام العزابة للجعبيري
/ حديث الصادق بن مرزوق الإباضي إليه شفويا ومكتوبا خمسة مقالات للصادق بن مرزوق في جريدة الصباح التونسية مقال الحبيب الجنحاني في حوليات الجامعة التونسية مقال محمد بورقعة في مجلة الثريا القصة التونسية نشأتها وروّادها لمحمد صالح الجابري
2 ج 1 ص 74.
3 ج 1 صص 80 - 82 4 ج 1 صص 175 - 176
5 ج 1 ص 176.
6
ج 1 صص 176 - 177.
75 (1/75)
صفحة 76
داود بن إبراهيم التلاتي (ت 967 هـ / 1559)، وذكر له ثلاثة مؤلفات، اثنان منها متعلقان بسنيين، هما: شرح إيساغوجي للشافعي أثير الدين الأبهري (ت 630 هـ / 1264 م) ومتن الأجرمية للمغربي المعروف بابن آجروم (ت 723 هـ/1323 م).
-
-
عمر التلاتلي الجربي (ق 12 هـ/18)، وذكر له مؤلفين.
سليمان بن علي التجاري النفطي (471 هـ / 1078 م) وذكر له كتابا في
علم الكلام.
-
سليمان الجادوي، الشخصية الثالثة التي سندرسها.
عمر بن جميع (83 هـ/14 م) صاحب "عقيدة التوحيد "
5"
إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750 هـ / 1350 م)، سرد له أحد عشر كتابا في العقيدة والفقه والفرائض والحساب والشعر.
- أحمد بن سعيد الدرجيني (ت حوالي 670 هـ/1272 م)، وذكر له ثلاثة
مصنفات.
أثرًا.
-
ابن أبي ستة المحشي (ت 1088 هـ / 1678)، وأورد له خمسة عشر
عبد الله بن سعيد السدويكشي (حي س 1068 هـ/1659)، وذكر له
خمسة مؤلفات.
زكرياء بن أفلح الصدغياني (9 هـ/15 م)، وذكر له مؤلفين".
1 ج 1 صص 177 - 180.
2 ج 1 ص 182.
3 ج 1 صص 183 - 184.
4 ج 2 صص 7 - 9 5 ج 2 صص 62 - 64.
6 ج 2 صص 72 - 74.
7
ج 2 صص 296 - 299.
8 ج 3 صص 8 - 11. 9 ج 3 صص 25 - 26.
10 ج 3 ص 231.
76 (1/76)
صفحة 77
عبد الله بن سعيد الصدغياني (73 هـ/13 م)، وذكر له رسالة في الردّ
على المخالفين.
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي القابسي (ت 471 هـ/1078)، وذكر له تأليفين.
- محمد بن يوسف المصعبي (ت 1207 هـ/1783)، وذكر له تأليفا واحدا. - يوسف بن محمد المصعبي (ت 1188 هـ / 1775)، وأثبت أن له ما لا يقل عن عشرين مؤلفا، وذكر منها خمسة، أحدها حاشية على تفسير الجلالين السنيين. سليمان بن عبدالسلام الوسياني (63 هـ/12 م)، وذكر أنّ له ثلاثة
-
مؤلفات.
ولئن اكتفى ح. ح. عبدالوهاب بسرد أسماء فقهاء الإباضية في "كتاب العُمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين"، فإنّ مُراجعي الكتاب ومكمليه قد استدركا ذلك، وأضافا تراجم نَقَلاها عن عدد من الكتب الإباضية وغيرها.
والأعلام المترجم لهم على التوالي:
هود بن محكم الهواري (ق 2 - 3 هـ/8 - 9 م)
/ سليمان المزاتي
/
موسى بن زكرياء المزاتي الدمّريت. و 5 هـ/11 م)
/ عبدالله الصدغياني
/ إسماعيل الجيطالي
2
1 ج 3 ص 232. ج 4 ص 317.
3 ج 4 ص 335.
4
ج 4 صص 336 - 337.
5 ج 5 ص 141.
وراجع مقدمة الكتاب التي أكد فيها محمد محفوظ على قيمة التراث الإباضي في جربة ..
صص 6 - 7.
6 اعتُبر تونسيا، والجزائريون يعتبرونه من علمائهم. راجع: شريفي محقق تفسير هود بن
محكم ج 1 صص 13 - 24
77 (1/77)
صفحة 78
/ عمرو بن جميع / أبو سليمان داود الثلاتي / السدويكشي
/ ابن أبي ستة المحشي
/ البدر التلاتي
/ يوسف المصعبي
/ امحمد بن يوسف المصعبي.
1 عبد الوهاب: كتاب العمر مراجعة وإكمال:.م. ع. المطوي / بشير البكوش ج 1 صص 955 - 981.
78 (1/78)
صفحة 79
4 الموقف من المؤرخين: ما وجاهة التأريخ والتأريخ المضاد؟
ذكر بن يعقوب أن كتابه يهدف إلى:
/ إثراء المعلومات القليلة عن تاريخ جزيرة جربة من عهد نشأتها إلى زمانه. رصد اختلاط الحقائق التاريخية بدسائس المؤرخين.
,
/ إبطال أكاذيب بعض المؤرّخين الذين كتبوا تاريخ الأمم بأقلام مأجورة، ونسبوا إلى أهل جربة البهتان.
ولم يُورد بالتفصيل مقالات هؤلاء المؤرخين، بل اكتفى، غالبا، بالطعن فيهم والردّ الموجز بل المقتضب والمبهم عنهم.
أ- الإدريسي
،
هو الشريف الإدريسي (493 - 559 هـ/ 1100 - 1166 م) المؤرخ والجغرافي والنباتي والشاعر والأديب وُلِد في سبتة ونشأ وتعلم بقرطبة، كان جده إدريس من ملوك الحموديين في الأندلس، وخرج سائحًا في شمال إفريقيا وآسيا الصغرى، واستدعاه روجار الثاني (ت 1154 م) ملك صقلية، فأقام عنده، وألف له كتابه الجغرافي "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" 2.
ونورد بدءًا
مقاله عن جربة لنعاين أثر الولاء والعداء في الوصف
والانتقاء، ونرصد نسبة الموضوعية والذاتية.
"هي جزيرة عامرة بقبائل من البربر، والسمرة تغلب على ألوان أهلها، والشر والنفاق موجود في جبلتهم، وكلامهم بالبربرية خاصهم وعامهم، وهم أهل فتنة وخروج عن الطاعة، وافتتحها الملك المعظم رجار بأسطول بعثه إليها وذلك في آخر تسع وعشرين وخمس مائة ثم استقر من بقي فيها إلى ثمان وأربعين وخمس مائة، ثم نافقوا وخرجوا عن طاعة الملك المعظم رجار فغزاهم في هذه السنة بالأسطول فاستفتحها ثانية، ورفع جميع سبيها إلى المدينة .... ويتصل بهذه الجزيرة إلى جهة الشرق جزيرة زيزوا ... ، وهذه الجزيرة عامرة
1 م. ص 17.
2 كحالة: معجم المؤلفين ج 3 صص 653 - 654.
79 (1/79)
صفحة 80
القصور
بأهلها وهم قوم نكار خواج في الإسلام، مذهبهم الوهبية وكذلك جميع والحصون التي تلي هاتين الجزيرتين يتمذهبون بمثل ذلك، وذلك أنهم لا يماسح ثوب أحدهم ثوب رجل غريب ولا يمسه بيده، ولا يؤاكله، ولا يأكل له في آنية إلا أن تكون آنية محفوظة لا يقربها أحد سواه، ورجالهم ونساؤهم يتطهرون في كل عند الصباح، ويتوضؤون ثم يتيممون لكل صلاة، وإن يوم استقى عابر سبيل شيئًا من مياه آبارهم و عاينوه، طردوه واستخرجوا ذلك الماء عن البئر، وثياب الجنب لا يقربها الطاهر، وثياب الطاهر لا يقربها الجنب، وهم مع ذلك كله ضيافون يطعمون الطعام ويندبون إلى طعامهم، ويسالمون الناس في أموالهم، وفيهم عدالة بينة لمن نزل بهم".
وبناءً على مكانة الإدريسي عند ملك صقلية وأنه كتب له "نزهة المشتاق "بطلب منه، فإن بن يعقوب رأى المعلومات التي وردت عن أهل جربة: تزلفا وتقربا، لا واقعا. ولكن بن يعقوب لم يفصل المآخذ، لأنّ توصيف الإدريسي كان فيه مدح وثناء أيضًا، كما هوبين من النص.
ثم إننا لم نعثر في تاريخ جربة" على ما ذكره الإدريسي من فتح الملك روجار جربة مرتين غير إشارات عابرة غامضة وردت في سياقات مختلفة. ويمكن أن نتبيّن القراءة الإباضية لاتصال الجزيرة بالنصارى، من خلال رسائل الحيلاتي.
فقد أرّخ للتدخلات الأجنبية، وذكر أن بين جربة والنصارى "عداوات قديمة"، ولذلك كان أهل جربة أكثر المسلمين خوفا من ورود المسيحيين. وقد دعا عليهم مرارا بـ"دمرهم الله"، وبلا جمع الله لهم شملا ولا نصر لهم جندًا"، ناعتًا إياهم بـ"الكفرة" و"أعداء الله"، معتبرًا أن "كثيرهم" "قليل"،
1 الإدريسي: نزهة المشتاق صص 305 - 306
وانظر:
virginie PREVOST: ANTIGAN, un TOPONYME IBADITE CHEZ AL-IDRISI
(نسخة إلكترونية).
80 (1/80)
صفحة 81
ومؤكدًا على أن انهزامهم وانهزام الأعداء من غيرهم أمام أهل جربة كان دائما بـ"بركة مذهب الإباضية الذي ظهرت بركته في كل موضع "، وبـ"بركة العلماء الراقدين في الجزيرة"، وبـ الريح التي سلطها الله عليهم في غير أوانها"، وبأنّ الله "قذف في قلوبهم الرعب"، ودليلا على "إجابة الدعوة". أنه سيعتبر دخولهم، مرة، مددا من الله.
مع
ونورد فيما يلي الأحداث وتواريخها كما يعرضها الحيلاتي، وبعباراته، وبالتعقيبات التي استدرك بها المحقق عليه، مما يعني وجود نصيب من الوهم في الرسائل:
-
الأولى.
521 هـ/1128 م: أخذت جزيرة جربة بالنصارى، يعني حملة النورمان
ويصوّب قوجة هذه المعلومة فيبين أن أوّل احتلال نصراني للجزيرة كان س 529 هـ/1135 م على يد روجار النرماني الصقلي، واستمر هذا إلى 549 هـ/1153 م، ثم تواصلت إلى 967 هـ/11560.
-
551 هـ/1157 م: اتَّخذ عام السواني، ويقصد حملة النورمان الثانية، ويُخطئ قوجة هذا التأريخ، ويذكر بأن المعروف هو عودة النرمان إلى جزيرة جربة لاحتلالها من جديد س 548 هـ/ 1153 م، وقد ثار الجربيون ضد هذا الاحتلال وتمكنوا من تخليص الجزيرة في السنة نفسها.
- 583 هـ / 1188 م: أخذت جربة كلها وهي واقعة تاربلا جنوب شرقي الجزيرة حيث بني حصن القشتيل، ويعطي قوجة تاريخا آخر هو
*1266/ 663
-
س 628 هـ/1232 م مقتل أبي زيد بن أبي نوح السمومني أسيرًا مبعوثا إلى النصارى، ويستدرك المحقق: أوس 638 هـ/ 1241 م 2.
1 الرسائل ص 29 / ص 43.
2 الرسائل ص 43.
3
م. س. ص 44. م. س. ص 105.
81 (1/81)
صفحة 82
- 633 هـ/1236 م: حوصر النصارى في القشتيل، وأُخرجوا من جربة س 639 هـ/1242 م، ويعقب قوجة بأن التاريخ الذي يقصده الحيلاتي هو 699 هـ/1301 م، ففيه وقعت المواجهة الأولى بين الجربيين والإسبان، لأن القشتيل بني س 688 هـ/1289 م.
- هجوم
ملك فرنسا لويس التاسع (ت 1269 م) على تونس أيام المستنصر الحفصي، ولا يحدّد المؤلف التاريخ، بل يضبط ذلك المحقق: س 668 هـ/1269 م. 691 هـ/1293 م: أخذت النصارى حصن القشتيل، ولا نجد هذا الحدث مدرجا في الجدول الذي رسمه المحقق للأحداث، ويكتفي بالتعليق في الهامش أن الحيلاتي يتحدث هنا عن الحملة التي قادها الأميرال الصقلي روجاردي لوريا ضد جزيرة جربة س 688 هـ / 1289 م، والتي احتل خلالها الجزيرة، ودامت مدة الاحتلال إلى س 738 هـ/ 1337 م، حيث تمكن الجربيون من طرد المحتلين وعاضدهم في ذلك الحفصيون
-
691 هـ/1293 م: خروج النصارى، بسبب نزولهم على المهدية.
- 699 هـ/1300 م: موت الشيخ سليمان بن صالح السمومني بتربلا، ويشير إليه قوجة بأنه كان شيخ الحكم في الجزيرة أيام الاحتلال، ويذكر أن المكان الذي مات فيه سليمان يدلّ على أنه كان يشارك في المعارك التي كانت تندلع بين الجربيين والنصارى والتي كانت تدور رحاها في منطقة تاربلا
حول القشتيل مكان إقامة القيادة الصقلية.
1
2
3
4
5
6
7
8
ص 45. م. س.
م. س.
ص 105.
م. س.
ص 45.
ص 49. م. س.
ص 106. م. س.
م. س. ص 49.
ص 106. م. س.
ص 49. م. س.
9 الرسائل صص 49 - 50.
82 (1/82)
صفحة 83
916 هـ / 1510 م: ورود سفن النصارى للجزيرة، ويقصد حلول حملة بيدرودي نافار، وغرق سفنهم الإسبانية".
-
بتاريخ
966 هـ / 1559: نزول عمارة النصارى على جربة، ويحددها المحقق الحملة الإسبانية التي قادها دوق مدينة سليم.
1560/ 967
وهي
ويصف الحيلاتي هذه الحملة بأن "الله جعلها رحمة وفكاكا للمسلمين مما هم فيه". فقد عاث درغوث باشا (ت 972 هـ/1565) فسادًا، وقتل على يديه "الشيخ الأجل الفاضل العالم العامل داود بن إبراهيم الثلاتي مكرا وغدرا حيث أمر بالطلوع إلى الباشا المذكور لينظر في مصالح الرعية، ويتكلم عما وقع فيها من الفواحش ليرتدع عن ذلك. فأخذه طورغود دون جميع الفقهاء الذين طلعوا معه. قيل والذي مكر به موسى بن عمر البجلودي".
ويُثبت الحيلاتي أن الشيخ مسعود السمومني (ت 967 هـ/1560) والجربيين قاتلوا النصارى عند دخولهم قتالاً عظيمًا يُسمّى آذروم بشاطئ بحر بوملال، وقتلوا منهم ما لا يُحصى عددًا، ثم صالحهم السمومني، وأدخلهم القشتيل. ثم نزل الأسطول العثماني على جربة فحاصروا النصارى نحو شهرين، ثمّ
أخذوهم.
ويورد قوجة أن ما ذكره الحيلاتي هاهنا هو عين ما روي في المصادر المسيحيّة، التي تثبت أن عرض السمومني الصلح والتفاوض مع الإسبان لم تكن إلا حيلة. أما الرواية الأخرى فتقول إن الإفرنج صالحوا السمومني على
1
2
3
م. س. ص 32 - 39.
م. س. ص 7 / ص 107
م. س. صص 6 - 7 وداود بن إبراهيم التلاتي هورئيس نظام العزابة حينما قتل
س 967 هـ/1560.
راجع سيرته وجرأته: المصدر صص 163 - 169. أما
موسى بن عمر البجلودي (ت 1000 هـ / (1592) أول حكام عائلة بن جلود في جربة نصبه در غوث باشا وفرضه على الجربيين. رسائل الحيلاتي ص 7 ها 12. 4 الرسائل صص 97 ويذكر قوجة أن مسعود السمومني لم يستمد شرعيته إلا من سلطة درغوث باشا وهوما يفسر سكوته عن مقتل الشيخ داود التلاتلي، إذ فرضه درغوث ورفضه الجربيون. الرسائل ص 3 / ص 107.
83 (1/83)
صفحة 84
أن يسلم لهم برج القشتيل ولا يلتفتوا إلى غيره فقد عرض الشيخ على الدوق عدم التقدم نحو البرج مقابل السلم لكنّ النصراني تمسك بمخططه، وتسلم البرج من السمومني الذي سعى إلى الاحتماء بالنصارى، وتخلى عن راية درغوث الخضراء، وأعلن ولاءه للراية الإسبانية، وتعهد لها بالطاعة والخضوع، وبدفع ضريبة سنويّة. ولم يسكت درغوث باشا عن الاحتلال الإسباني للبرج. فبعد ثمانية أيام ينهزم النصارى أعظم هزيمة عرفوها في المنطقة ضد قوات درغوث التي ضمت ستين سفينة بحرية في كل واحدة منها مائة انكشاري. ثمّ تمّ قتل السمومني في طرابلس التي فرّ إليها في السنة
نفسها.
وقد أشار قوجة قبل هذا إلى أن نص الحيلاتي يعطينا صورة مختلفة عن وضع مسعود السمومني، إذ يجعله متحالفا مع الجربيين ضد درغوث ويستنتج من هذا التناقض حدة الصراعات التي كانت الجزيرة عرضة لها مع دخول الأتراك إليها، وتقلب مواقف هذا الشيخ ن هذا التقلب
خاصة
الذي تؤكده الوثائق الأجنبية من تواطؤ هذا الشيخ مع الإسبان.
978 هـ/1571: دخول النصارى القشتيل مكثوا فيه تسعة أشهر، وأخرجهم منه درغوث باشا بعمارة من السلطان العثماني ومعاونة أهل جربة بعد محاصرة القشتيل ثلاثة أشهر واحتلوه عنوة، وقتلوا من وجدوا فيه من النصارى، وبنوا بجثثهم ورؤوسهم برجا قرب البرج الشمالي، المعروف ببرج الروس قرب القشتيل. وشيخ جربة إذاك مسعود بن صالح السمومني وهوآخر أمراء السمومنيين على جربة. كما يذكر الحيلاتي أن السمومني لم يُحسن فيما بعد السيرة في أهل جربة فجار عليهم وظلمهم فسجنوه في سجن القشتيل بعد عزلهم إياه وكتبوا إلى أمير تونس أحمد الحفصي أن يمدهم بقوة فلم يلتفت
إليهم لعجزه.
1 الرسائل ص 8.
2
م. س. ص 5. م. س.
3 الرسائل صص 51 - 52
84 (1/84)
صفحة 85
والحفصي هذا هو آخر ملوك الحفصيين خلع أباه وسمل عينيه لتواطؤه مع الإسبان.
ولا يخفى الخلط هاهنا، إذا ما عُدنا إلى المعطيات السابقة.
ولذلك اعتبر قوجة هذا التاريخ غير صحيح، لأن الحملة الإسبانية التي يتحدث عنها الحيلاتي هنا وقعت س 967 هـ / 1560 سنة بناء القشتيل المقصود، وهو البرج الكبير المعروف اليوم ببرج الغازي مصطفى، والكائن بحومة السوق. أما برج الروس الذي بُني بعظام وجماجم الجنود الإسبان الذين هُزموا وقتلوا خلال المعركة الحاسمة التي اندلعت في جربة بين الامبراطورية العثمانية والمملكة الإسبانية وحليفاتها للسيطرة والهيمنة على جنوب المتوسط، وهو البرج الذي كان قائمًا شمال برج الغازي مصطفى، فقد شيد س 967 هـ/1560 وهدم س 1264 هـ/1848 بأمر من الباي'.
ولم يُفوّت المبشر الألماني إيفالد (ت 1875) المناسبة ليبدي موقفه من بناء "برج الجماجم" أو "برج الروس" ومن بناته الجربيين حينما حلّ بجزيرتهم، ويقدم، في حنق ومرارة شديدين قراءته المسيحيّة للحدث التاريخي الحاف، فيقول: "ولا يفوت المرء عند احتكاكه بالجرابة أنهم يمتازون بسلوك مهذب إلى أقصى حد وبآداب لائقة ولطيفة. كما أنهم لا يعاملون المسيحيين معاملة الكراهية والازدراء، حتى أننا وسط أعداء الإنجيل الألداء، لولا وجود نصب تذكاري مروّع تقشعر له الأبدان يشهد بما يكمن هنا من كره للنصارى وهو يحتل موقعا على شاطئ البحر ويتمثل في هرم من جماجم النصارى ومن عظامهم. فقد حدث أن التجأ أثناء آخر المعارك التي دارت رحاها في هذه الجزيرة بين الإسبان والمسلمين ثمانمائة من المحاربين الصناديد
أننا نكاد ننسى
إلى حصن أقيم قرب البحر وقاوموا العدوببسالة. وقام المسلمون بمحاولات عديدة لاحتلال الحصن فباءت كلها بالفشل وتكبدوا خسائر جسيمة وسقط ثلاثة من قادتهم دون أن يُصاب إسباني واحد بجراح. وتمادى الحال إلى أن حصل ما يخشاه المحاصرون عامة أعني نفاد المؤونة. وترقبت جماعة النصارى يوما بعد يوم وصول نجدة وإمدادات ولكن بدون جدوى إلى أن أرغم
1 الرسائل ص 51.
85 (1/85)
صفحة 86
الجوع الحامية على الاستسلام بعد أن حصلوا على وعد بإخلاء سبيلهم. لكن ما إن استولى المسلمون على الحصن حتى انقضوا على الثمانمائة إسباني المجرّدين من السلاح وفتكوا بهم عن آخرهم وأقاموا بجماجمهم وبعظامهم على شاطئ البحر نصباً تذكاريا جديرًا بهؤلاء البرابرة الهمج. وهاهولا يزال منتصبا منذ ذلك العهد ومن حين إلى آخر يُطلى بالجير. وتقع بجوار هذا الهرم قبور المسلمين الذين سقطوا على أيدي هؤلاء الصناديد. وباعتبار كثافة القبور فإن عدد الضحايا المسلمين لم يكن بالقليل. وتتميز قبور القادة الثلاثة بقباب تعلوها. وقد انتابني وأنا أقف على هذا المعلم اللاإنساني نصب الخيانة والغذر شعور غريب وبدا لي وكأنّ العظام الرمادية تتحرك وكأن الأذرع تمتدّ نحوي، وكأن الجماجم الخاوية تشير إليّ وكل فم يسعى أن يقول لي: رح أيها المسافر، اعبر البحر ورح إلى بلاد المسيح وبلغ أننا لا نلبث منذ قرون طوال نحمل ثقل هذا العار ومازالت عظامنا بدون ضريح يُؤويها لعل صدى ندائك يببلغ أذن أمير تقي فيعمل على ترحيل بقايانا إلى أرض الوطن"
1 "
وبعد هذه الرحلة في س 1251 هـ / 1835 بثلاث عشرة سنة، يأمر المشير أحمد باي الأوّل س 1264 هـ 1848 بدفن عظام القتلى بطلب من بعض السفراء الأجانب وبنى مكانه نصب تذكاري عليه رخامة نقش عليها تاريخ الواقعة وتاريخ دفن الجماجم
ونقول لئن كان عمل الجربيين هذا لا يوافق أدب الحرب في الإسلام وإنما كان انعكاسا لشدّة بأسهم تجاه الغاصبين فإنّ توصيف هذا المبشر امتلأ تحريفا وانتقاء وتزويراً لملابسات الهزيمة الإسبانية المخزية. كما أن كره الجربيين لم يكن للنصارى كما افترى، لأنّ دينهم يدعوهم إلى احترام أهل الكتاب، وإنما هو كره للهمجيين والمعتدين منهم.
1 رحلة المبسّر إيفالد من تونس إلى طرابلس في سنة 1835. تعريب وتقديم تعليق منير
الفندري صص 93 - 94.
2 المرزوقي: مؤنس الأحبة ص 105 ها 1.
86 (1/86)
صفحة 87
1034 هـ/1625: يحيى بن علي الأجيمي يأخذ سفينة من النصارى في
بحر جرجيس مكثت هناك ترصد المسلمين فيها اثنان وعشرون نصرانيا. وقد اكتفى محمد أبوراس عند عرضه للحوادث الإفرنجية الواقعة في الجزيرة بأربعة تواريخ:
- 529 هـ/ 1135 م: هجوم روجار ملك صقلية.
-
- 835 هـ / 1431 م: هجوم الإفرنج، والمقصود الأسطول الإسباني بقيادة ألفونس الخامس (ت 1458)، حيث منّي بهزيمة نكراء وبنى الجربيون بعظام
جيشه البرج.
-
916 هـ /1510: هجوم الإفرنج على الجزيرة على الساحل القبلي
وهزيمتهم.
لهم
- 997 هـ / 1588: نزولهم على الساحل الجوفي ومصالحة السمومني على تسليمه برج القشتيل لهم. أما يوسف بن امحمد الباروني (ت 1418 هـ / 1997) الإباضي الجربي، فقد زاد اعتمادًا على الكتب التاريخية الإباضية وغير الإباضية، ما يلي: 555 - 529 هـ/1135 - 1160 م: بقاء جربة تحت حكم النورمان.
-
- 960 - 529 هـ/1135 - 1552: استمرار القرصنة المسيحية والتصدي لها.
- 548 هـ/ 1135 م: إعلان سكان جربة مقاومة ملك صقلية.
-
- 549 هـ/1154 م: احتلال النصارى للجزيرة من جديد.
1 الرسائل ص 25.
وراجع: العروسي المطوي: الحروب الصليبية في المشرق والمغرب.
2 أبو راس: مؤنس الأحبة ص 101.
3
4
5
م. س. صص 104 - 105.
م. س. صص 105 - 108.
م. س. ص 114.
87 (1/87)
صفحة 88
-
بمفردها.
-
688555 هـ/1160 - 1289 م: مصارعة جربة للأساطيل المسيحية
688 هـ / 1289 م: احتلال ملك صقلية لجربة من جديد. 710 - 688 هـ/1289 - 1310 م: جربة تحت حوزة البابا.
738 - 688 هـ/1289 - 1337 م: مقاومة الاستعمار الصليبي. 714711 هـ/13141311 م: جربة تحت حكم ملك صقلية فردريك
الثالث (حكم بين 1295 - 1327 م).
- 1207 - 898 هـ/1492 - 1792 م: استمرار العدو الإسباني.
-
942 هـ / 1535: تحصن الإسبان بجربة والمهدية والمنستير وطرابلس ويختم البسطة التاريخية بالقول: ولا نشك أن جربة قد نالها ما نال عاصمة تونس من ظلم الأسبان وجورهم وطغيانهم وبقيت جربة وتونس تحت سيطرة الأسبان يتجرع السكان مرارة الظلم ويستغيثون بإخوانهم المسلمين حتى جاء نصر الله وهب الأسطول التركي وخلص البلاد من الاستعمار الأسباني وقضى على الحكومة الحفصية س 981 هـ/1573".
وكما يؤرّخ التيجاني لعلاقة جربة بالنصارى، وسنورد ذلك فيما يأتي،. يوصف ابن خلدون السنّي التدخلات المسيحيّة في الجزيرة إلى عهده، فيقول: "كان من أعظم الحوادث تكالب العدو في أيام هذا السلطان (يقصد الدعي بن عمارة على الجزر البحرية فاستولت أساطيلهم على جزيرة جربة في رجب من سنة ثلاث وثمانين وستمائة ورئاستها يومئذ من محمد بن سمومن شيخ الوهبية، ويخلف بن أمغار شيخ النكارة، وهما فرقتا الخوارج وزحف إليها المراكيا صاحب صقلية نائبا عن الفدريك بن الريداكون ملك بشلونة في أساطيله البحرية وكانوا فيما قيل سبعين أسطولاً .. وضايقهم مرارا ثم تغلبوا عليها فانتهبوا أموالها وحملوا أهلها أسرًا وسبيًا فقيل إنهم بلغوا ثمانية آلاف بعد
•
1 راجع: الباروني: جربة في موكب التاريخ م. س. صص 34 - 48، ونقلنا المادة بتلخيص واحتفاظ بعبارات المؤلف وتبويبه.
88 (1/88)
صفحة 89
2
أن رموا بالرضع في الجبوب فكانت هذه الواقعة من أشجى الوقائع للمسلمين. ثم بنوا بساحلها حصنًا واعتمروه وشحنوه حامية وسلاحا وفرض عليهم المغرم مائة ألف دينار كل سنة وأقاموا على ذلك وهلك المراكيا إلى رأس المائة وبقيت الجزيرة في ملك النصارى إلى أن عادوا إلى مالقة في أواخر الأربعين والسبعمائة كما نذكر، ثم يضيف في موضع آخر: " ... ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وعشرين وخمسمائة عند تغلبهم على سواحل إفريقية. ثم ثار أهلها عليهم وأخرجوهم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ثم تغلبوا عليها ثانية وسبوا أهلها واستعملوا على الرعية وأهل الفلح. ثم عادت للمسلمين، ولم تزل مترددة بين المسلمين والنصارى إلى أن غلب عليها الموحدون أيام عبدالمؤمن واستقام أمرها إلى أن استبد بنوأبي حفص بإفريقية ثم افترق أمرهم بعد حين واستبد المولى أبوزكرياء ابن سلطان أبي إسحاق بالناحية الغربية وشغل صاحب الحضرة كما قدمناه فتغلب على أهل هذه الجزيرة أهل صقلية سنة ثمان وثمانين وستمائة وبنوبها حصن القشتيل مربع الشكل في كل ركن منه وبين كل ركنين برج ويدور به حفير وسوران وأهم المسلمين شأنها ". ولعلّ سالم بن يعقوب قد أرجأ الحديث عن الغزوات الأوروبية لجربة، كما أشرنا، آنفا واكتفى هاهنا عند حديثه عن قنطرة النصر، أحد الآثار الرومانية في الجزيرة بالقول: " وقد قطع وسطها عند الوادي العميق الذي يتوسطها عدة مرات، وكان آخر قطع أثناء الحروب الصليبية التي وقعت على جربة مخافة دخول الأعداء منها ...
3 "
برج،
كما ألمع إلى "حملة الصليبيين س 916 هـ/ 1511، تلك الحملة التي صالت في كامل سواحل شمال إفريقيا من وهران إلى طرابلس، وانكسرت شوكتها أمام هذه الفئة القليلة من المؤمنين الذين اعتصموا بالله رغم قلة العدد والعدّة". ويزيد ذلك شيئًا من التفصيل في معرض ترجمته الشيخ يونس ابن تعاريت (ت 917 هـ/1512)، فيقول: "فبعد أن احتل القراصنة الأسبان بجاية ثم
1 تاريخ ابن خلدون، ج 6 ص 447. م. س. ج 6 ص 544.
89
م. ص 43.
3 (1/89)
صفحة 90
المرسى الكبير ثم وهران ثم طرابلس توقع أهل جربة أن يتجه هؤلاء الغزاة إلى جزيرتهم، فاجتمعوا عند الشيخ يونس ابن تعاريت، رئيس العزابة، بحضور الشيخ أبي زكرياء السمومني حاكم جربة، وأخذ الشيخ يونس يدعو الناس إلى الاعتصام بالله وتهوين أمر المشركين والاستخفاف بقوتهم وعمل الشيخ أبو زكرياء على تسليح الناس وإعدادهم لمحاربة العدو. وتحقق ما توقعوه، فقد جاء الأسطول الإسبانى متكوّنا من عشرين ألف جندي ومائة وعشرين سفينة وهاجم الجزيرة بكامل ما لديه من قوة وكبرياء ونشوة بالانتصارات السابقة. فقابله أهلها الأبطال بعددهم القليل وإيمانهم القوي فكتب الله لهم النصر وخذل المعتدين وردّ كيدهم في نحورهم. لم تكن معركة عادية بين قراصنة إسبانيا وسكان جربة بل كانت معركة بين الكفر والإيمان". وذكر فرار أمير جربة موسى بن جلود إلى مدنين س 1113 هـ/1702" هاربا من الظلمة 2
وأورد أن الجهة الشمالية من حومة فاتو غير مسكونة في القرون الوسطى، لأن السواحل كانت غير مأمونة، الإقامة، خشية هجوم الصليبيين. لكن عندما دخل العثمانيون تونس في أواخر 105 هـ / 16 م، س 981 هـ/1573، وطردوا جميع الصليبيين من السواحل، رجعت الطمأنينة إلى نفوس السكان وسكنوا هذه الجهة الشمالية ......
وتحدث عن شبه جزيرة تاربله التي كانت طريقاً لجيوش السلطان أبي فارس عزوز الحفصي عند قدومهم إلى جربة في واقعة صليبية، وعن سيدي فربول، وهو مسلم مجاهد أرسله مقدمو أهل الجزيرة في واقعة صليبية إلى نفوسة طرابلس ليطلب الإعانة على محاربة الأعداء.
1
حر 220. م.
2 م. ص 272
3
4
م. صحر 213 - 214
ومن حوية فاتو تنحدر عائلة الأديب والباحث اللامع محمد فريد غازي (ت 1382 هـ / 1962).
5
6
م. صر 34
م حر 35.
90 (1/90)
صفحة 91
ونقل قطعًا من أخبار الحيلاتي عن سيرة درغوث باشا التركي حين هجم على جربة.
ونقل خبر التيجاني عن قلع الجربيين لأكثر أشجار التفاح، بسبب أن النصارى يأخذون منه الكميات الكبيرة غصبًا ليتحفوا بها ملوكهم وكبراءهم. وأشار إلى عهد الاضطهاد المسيحي الكاتوليكي الإسباني في ق 7 هـ/13 م
الذي وفد خلاله اليهود في دفعة ثانية إلى الجزيرة وبنوا الحارة الكبيرة. وأشاد بدور الشيخ عبد الرحمان الحيلاتي (103 هـ/16) في التصدّي لما يحدث من مشكلات في الجزيرة بعد مقتل داود التلاتي، واصفا هذه الفترة بأنها قاسية لتوالي هجومات الإسبان والأتراك على جربة".
ووصف
برج قشتيل الوادي بجربة فقال: "وقد ابتناه الإسباني روجي دي لوريا سنة 1210 حين تغلب على الجزيرة وهو حصن عظيم مربع الشكل متين البناء به بيوت صغيرة كان يقيم فيها الحراس"، وقد وصفه التيجاني ودعا عليه بـ"دمّره الله" مرتين، إذ هو الذي تحصن به الإفرنج لما حلّ جيش الركاب العلي المخدومي الليمومي س 706 هـ / 1307 م ومعهم صاحب الرحلة.
"
1
2
3
4
5
م. ص 106 / ص 135 / صص 166 - 168 م. ص 48 / رحلة التيجاني ص 127.
م. ص 60
م. ص 170
م.
ص 38/ ويوضح قوجة أن حصن القشتيل الموجود جنوب شرقي الجزيرة بناه لوريا بعد أن أصدرت الكنيسة والبابا بونيفاس السابع أمرًا يقضي بالحاق جزيرتي جربة وقرقنة بممتلكات مملكة صقلية، وتسمى شبه الجزيرة التي بني فيها القشتيل "بين الوديان". وكان يُسمى "قشتيل الوادي" للتمييز بينه وبين برج حومة السوق الذي كان يحمل اسم "القشتيل". لكن قوجة يُثبت أن القانون صدر في 11 أوت 1295 م وكان بناء القشتيل سنة 1289 م/668 هـ؟؟ وهذا لا يستقيم رسائل الحيلاتي ص 15 ها 37. 6 رحلة التيجاني ص 131
91 (1/91)
صفحة 92
ب التيجاني
بمثل ما فسر به شهادة الإدريسي في أهل جربة، أومأ بن يعقوب إلى رحلة
التونسي أبي
محمد عبد
الله
بن محمد
التيجاني كان حيًّا
س 718 هـ/ 1308 م) في أوائل ق 8 هـ/14 م، فقد كتب رحلته لما صاحب
مخدومه أبا
يحيى زكرياء بن اللحياني الحفصي (ت 749 هـ/ 1339 م)، ومن
المعلوم أنّ إباضية جربة ذاقوا من الدولة الحفصية الأمرين.
ولا يكون بن يعقوب مجانبًا الصواب كله حينما يربط بين موقف الساسة
وقلم الكتاب الموالين، فمن المستبعد جدا أن ينطق الأديب الرحالة المقرب بما يرى فيه الحاكم غضاضة من سياسته.
حقا أن أن يقول
ومن الغريب حقا
ح. ح. عبدالوهاب، في التقديم: "يزور التيجاني الساحل التونسي الزاخر بالعمران قديمًا وحديثًا ويمرّ بصفاقس، ثم ينزل إلى الجنوب ناحية قابس وجزيرة جربة فيعرفها أحسن تعريف، متعرضًا للعقائد والعادات المحلّية الشاذة .. "، ثمّ يضيف: " ويحق لنا أن نشيد هنا بتوجهات فخامة رئيس جمهوريتنا الساعي لإعلاء كلمتنا وتحقيق نهضتنا المجاهد الأكبر السيد الحبيب بورقيبة إذ إليه يرجع الفضل في الإشاة بإعادة طبع رحلة التيجاني وغيرها من الذخائر التونسيّة، وقد أذن كاتب دولته للتربية القومية بالمبادرة لإعادة طبعها وبعثها من مرقدها وإزالة غبار النسيان عن سفرها لينتفع بها أهل الأبحاث وهواة الرحلات كل هذا دون الإيماء أو التنصيص، هنا أو في الهوامش، على ضرورة استيعاب خلفيات الأخبار والشهادات والأوصاف المذهبية والسياسية
2"
2
1 محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين ج 1 صص 155 158.
عبدالوهاب: تقديم رحلة التيجاني صص 18 - 26. ح. ح. عبدالوهاب: م. س. صص 34 - 37.
وقد استحسنًا التنبيه الذي ورد في أوّل كتاب "رحلة المبشر إيفالد" م. س.: "ولئن كانت الأمانة العلمية تقتضي إثبات الوثيقة على علاتها فقد رأينا أن لا ننشر ما لا فائدة. توثيقية في نشره ... " ص 7.
:
92 (1/92)
صفحة 93
2
حتى يُحيط
والعرقية، وتنزيلها في سياقها التاريخي والثقافي وظروفها الحافة، التونسي وغير التونسي بالمكان وسكانه وتاريخه وحاضره أكمل إحاطة. ولئن أقر مؤلف نزهة الأنظار، ضمنيًّا، ما قيل في سكان جربة القدامى، فإنّه قد أحسن حينما حذف من نقوله ما فيه قدح لأهل الجزيرة، وقال: وحكي في نزهة المشتاق ورحلة التيجاني عن أوائل هذه الجزيرة أمورًا لا تليق يتنزهون اليوم عن أكثرها فقد استصلحوا والحمد لله عن تلك الرذائل وربنا يوفقنا وإياهم وعامة المسلمين لما فيه سعادة الدنيا والدين ..
،
20
ونرى من المفيد أن نورد نص التيجاني على طوله رغم ما سنقوم به من الاختصار. وفيه مزيج من التاريخ والجغرافيا، والسياسة، والعقيدة، والحديث، والشعر والسرد والوصف: " ... نزلنا بساحة المجاز المعروف بمجاز الجرف، وبقيت منه جزيرة جربة ظاهرة بين أيدينا، وعرض هذا المجاز من الجرف إلى ساحل الجزيرة أربعة أميال، فباتت المحلة على الجرف تلك الليلة ولما أصبحنا من الغد .. شرع الناس في الجواز إلى جزيرة جربة، وقد أُعدّت لهم السفن لذلك فاجتزنا نحن أولاً، وأقمنا بساحلها من داخلها بموضع منها يسمّى بساحل آجيم بمد الألف وتشديد الجيم ننتظر أن يستوفي الناس أشغالهم، وأن يجيزوا خيلهم وأثقالهم إلى أن استوفي ذلك، وتوافي جميعهم هنالك، وزرتُ بهذا الموضع الذي أقمنا به مسجدا هناك مباركا يذكرون أن الإمام المهدي رحمه الله سكن به أول جوازه إلى المشرق، فإنه كان دخل في رحلته إلى هذه الجزيرة وجزيرة جربة من أعظم الجزائر خطرًا، وأشهرها في سالف الزمن عمارة وذكرًا وطولها من المغرب إلى المشرق ستون ميلا كذا ذكر الشريف في كتابه المؤلف للجار. وأما عرضها فمختلف، فعرض الرأس الغربي منها عشرون ميلاً وهو الطرف الواسع، ومن هذا الموضع إلى جزيرة قرقنة في البحر ستون ميلاً وعرض الرأس الشرقي منها خمسة عشر ميلا وهو أضيق مكان بها وهي أرض كريمة المزارع، عذبة المشارع، وأكثر شجرها النخيل والزيتون والعنب، والتين وبها أصناف كثيرة من سائر
•
1 مقديش: نزهة الأنظار وعجائب الأخبار. ج 1 ص 148 ها 283.
م. س. ج 1 ص 142.
93 (1/93)
صفحة 94
الفواكه، إلا أن هذه أكثر ثمرها وعليها مدار، غلاتها، وغيرها من كرائم
هي
الأرضين لا يقاربها على الجملة في ثمارها، أويساويها، وتفاحها لا يوجد في جميع بقاع الأرض له نظير لما يوجد بها منه صفاء وجفافًا وطيب مذاق وعطارة استنشاق ورائحته توجد من المسافة المديدة والأميال العديدة، وكان من شجره بهذه الجزيرة قبل هذا كثير ثمّ قلّ الآن بسبب أن النصارى يتحفون به ملوكهم وكبارهم دون تعويض لأربابه عنه فرأى أهل الجزيرة أن غيره من الشجر أعود بالفائدة عليهم فقطعوا أكثره.
واختصت هذه الجزيرة أيضًا دون غيرها من البلاد بحسن الأصواف المحمودة الأوصاف التي ليس بإفريقية لما يُنسج من أثوابها نظير، وذلك معلوم من أمرها شهير. وأكثر مساكن أهلها أخصاص من النخيل، يجعل كل واحد منهم في أرضه وأحدًا أو اثنين أو أكثر من ذلك، ثم يسكنه بعياله، وليس بها بناء قائم إلا دور قليلة وهُم ينقسمون إلى فرقتين: فرقة تُعرف بالوهبية، ورئاستهم في بني سمومن، وأرض هذه الفرقة من الجزيرة الجهة الغربية فما والاها من جهة الشمال، وفرقة تُعرف بالنكارة، ورئاستهم في بني عزّون، وأرضهم الجهة الشرقية فما والاها من جهة الجنوب. وكانت مدينة جربة فاصلة بين أرضيهم، وكلا الطائفتين خوارج غلاة في مذهبهم، مكفّرون العصاة على ما هو معروف من مذهب الخوارج لا كمذهب المعتزلة في امتناعهم من إطلاق اسم الكفر على من واقع كبيرة ولم يتُب منها، فإن المعتزلة لا تسميه كافرًا ولا مؤمنا وتسمّيه فاسقا على حكمهم بتخليده في جهنم، وكأن المعتزلة بزعمهم توسطوا في هذا بين مذهب الخوارج ومذهب أهل السنّة. والمتصلّحون منهم لا يماسحون بثيابهم ثياب أحد ممن ليس على مذهبهم، ولا يؤاكلونه في آنية، وإن استسقى عابر سبيل ماء من بعض أبييارهم استخرجوا ماء البئر كله فماحوه، وثياب الجنب فماحوه، وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر، وثياب طاهر لا يقربها جنب وقد شاهدت منهم من كان على ظهر إذا أجنب غسل ثوبه الذي أجنب فيه يرفعه بعصا أو بمحجن، ثم يلقيه في البحر، فيخضخضه بعصاه ساعة، ثم بعد ذلك يتناوله بيده، ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالاً أونساء أجنبوا أو لم يجنبوا، ويتوضؤون ثم يتيممون، وقد شاهدتُ هذا منهم كثيرًا، ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الأكتاف إلى غير ذلك من آرائهم الواهية، والأفعال التي حكينا
94 (1/94)
صفحة 95
عنهم منها ما شاهدناه وهوما قصصنا ومنها ما حكاه عنهم الشريف في كتابه المؤلف للجار. وأوّل من افتتح هذه الجزيرة في أوّل الإسلام رويفع بن ثابت بن سكن بن عدي بن حارثة الأنصاري من بني مالك بن النجار، وهومن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وممن سكن مصر منهم، وكان معاوية أمره على طرابلس، وذلك سنة ست وأربعين فغزا منها إفريقية سنة سبع وأربعين، ووصل إلى جربة فافتتحها ثم رجع من عامه فمات في برقة وقبره بها، ويقال بل مات بالشام، ولما افتتحها جمع السبي والمغنم وقام في الناس ... وكان الثائر النكاري قام على المعزّ بن باديس سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ووصل إلى جربة وافتتحها وقتل من أراد من أهلها وسبى ذراريهم وأسر ابن کلدين مقدمهم ثم قتله وصلبه فجهّز إليه المعزّ أسطوله وقتل أصحابه قتلة شنيعة، واستقرت جربة تحت طاعته وتوفّي المعزّ فثار أهلها وأظهروا العناد والفساد وأنشأوا مراكب يقطعون بها السبل في البحر على سائر السواحل. قال أبو الصلت في كتابه الذي ذيل به على كتاب الرقيق: "لما ولي أبو الحسن علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ وذلك في آخر سنة تسع وخمسمائة واستتب له أمره واستوثق ملكه أمر بإعداد الأساطيل لغزو جزيرة جربة، وحركه في ذلك ما ترادف عليه من قطع أهلها في البحر وإخافتهم المسافرين فيه فتم ذلك، وقدم على الأسطول قائد الجيش إبراهيم بن عبدالله وأصحابه من أهل الدولة للمشورة فلانًا، وفلانًا فساروا إليها وذلك في سنة عشر وخمسمائة فحاصروها وأخذوا بمخنقها إلى أن أقرّ أهلها بالطاعة للسلطان وانقادوا لأمره ونزلوا على حكمه وضمن أشياخهم ومقدموهم قطع جميع الفساد الواصل إلى ساحل إفريقية من قطاعهم وأشرارهم وأن لا يتعدوا بمتاجرهم المهدية وأعلم السلطان بذلك، فكفّ عنهم ورجع الأسطول وصلح البحر وارتفع الفساد وأمن المسافرون. قال: وكان أمر جربة واستصلاح أهلها قد استعصى على من تقدّم من آبائه وأجداده على اتساع ملكهم وكثرة جيوشهم ووفور أموالهم، ثم تغلب النصارى عليها في سنة تسع وعشرين وخمسمائة فقتلوا من قتلوا وبقي الباقون تحت طاعتهم فلما كان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ثار أهلها على النصارى وقتلوا منهم جماعة كثيرة فغزاهم النصارى من عامهم وتغلبوا على الجزيرة ثانية فنقلوا أكثر أهلها سبايا إلى بلادهم ولم يُبقوا منها إلا من لابال له، ثمّ تملكها المسلمون بعد ذلك، ولم تزل من أوّل الفتح الإسلامي على هذه الصفة بين تملك المسلمين وتغلب النصارى إلى زماننا هذا وكان تغلبهم عليها
،
95 (1/95)
صفحة 96
في هذه المدة الأخيرة سنة ثمان وثمانين وستمائة بسبب اشتغال ملك الحضرة إذ ذاك رحمه الله ببعض الثائرين عليه فأقمنا كما تقدّم بذلك الموضع من الجزيرة إلى أن عبر جميع عبر جميع الناس إلينا وحصل سائرهم لدينا. ثم انتقلنا عنه يوم الجمعة الثالث والعشرين لجمادى الأخرى عصرًا مقربين لمرحلتنا من الغد إلى حصنها المسمّى بالقشتيل دمّره الله فبتنا تلك الليلة إلى جانب مدينة جربة القديمة حيث كانت قصبة الجزيرة، وهي الآن خلاء لا أنيس فيه، من أصحابنا فجست خلالها وجلت حلالها فرأيتُ بقايا ومشيت مع مدينة صغيرة الصنع مربعة الوضع، ويحدق بها سور مرتفع هوباق إلى الآن، وبداخلها جامع حسن البناء، وقد تخرّب الآن، فليس الباقي إلا آثاره، ورأيت على جهة منه نقشاً لم تصل يد الفناء إليه فوجدته في غاية الاحتفال وحسن الصنعة، ولم يصل أحد منهم بهذا الجامع كراهية لإقامة رسم الإسلام بتلك الجزيرة، لا خوفا من النصارى كما يزعمون وأما الجمعة فتركها أصل في أصولهم لأنهم يشترطون في إقامتها وجود الإمام العدل. وفي آخر المدينة بقايا أطلال القصبة حيث كانت سكنى حافظ البلد، وقد استولى الخراب على جميعها وفي موضعها الآن شجرة عظيمة من السدر المعروف في هذه البلاد بالسدر المصري قد ملأت ذلك المكان، وهذا السدر مخالف لسدر بلادنا هذه، وهو أكبر ثمرًا وأعطر رائحة، وأما الطعم ففيه غثاثة، ورأيت منه بتوزر وما والاها من البلاد شجرًا كثيرًا، وإنما نُسب لمصر لكثرته بها. وكان إلى جانب هذه القصبة حمام صغير هو الآن باق لم يتسلط الخراب على شيئ منه فبتنا إلى جانب هذه المدينة تلك الليلة ثم أصبحنا من الغد مرتحلين فلم نزل نمشي بين نخيل باسقة وثمار متناسقة إلى أن وصلنا موضع القشتيل دمره الله، فرأينا حصنا يهول الناظر إتقانا وحصنًا وهو مربع الشكل، وفي كل ركن منه برج فاثنان منها مستديران واثنان مثمنان وبين كل برجين من هذه في وسط الحائط برج صغير مربع ويدور به فصيل قصير ويدور بجميع ذلك حفر متسع فنزلنا على مقدار ميل منه. ووصل إلينا إذذاك شيخ النكارة وقد كان هو ونظيره من الوهبية فرّا من الجزيرة أول إقبالنا عليها خوفا على أنفسهما، فلما حللنا بها كتب إلينا كتاباً يطلبان الأمان فأسعفا به فوصل النكاري وتأخر وصول الوهبي، فوصل بعده بأيام، ولما اجتمعا تكفّلا باستخلاص ما وضع من الأداء على قومهما وانفصلا ليشتغلا بقبض ذلك من يومهما. واستمرت المحاولة في قتال الحصن المذكور شهرين، كاملين فوجدنا قومًا قد أطالوا للحصار
،
(
96 (1/96)
صفحة 97
استعدادهم واستفرغوا في التحرّز جهدهم واجتهادهم، وكانت كثرة الجيش الذي معنا من أعظم الأسباب في الإقلاع عنه لانقطاع الأقوات بتلك الجزيرة وتعذر الميرة إلا في الشيء اليسير الذي لا تحصل به كفاية، فعلمنا أن أخذه يصعب بتلك المحاولة، وإنما يُؤخذ بالحصار والمطاولة، ورأينا أن ننفصل عنه لما كنا بنينا عليه من تهدين البلاد الجريدية وقبض مجابيها، فإذا تم ذلك وعاد الجيش إلى الحضرة عينت له جريدة خيل يبني في أمرها على الاختصار فتوطّن على السكنى هنالك للحصار فكان ذلك. وكان الانتقال من جربة يوم الخميس السادس والعشرين لشعبان فكانت مدة اللإقامة بها من يوم الدخول إليها إلى يوم الخروج منها خمسة وستين يوما ... ولما انتقلنا من جربة لم نخرج من المجاز الذي دخلنا منه، بل خرجنا من مجازها المعروف بساحل البر المتصل مقدار ثمانية أميال في البحر أكثرها قصير تقطعه الخيل مشيا وفيه مواضع عميقة لا يمكن السابحات قطعها إلا سبحا فهو مجاز خبيث لا يجوزه إلا عارف به متكرر عليه فاجتزنا نحن أولا في السفن وشرع الناس في الجواز، فأجازت السفن قومًا وأجازت الخيل آخرين مشيا وعوْمًا إلى أن استوفى الجواز جميع الناس وأقمنا بظاهر المجاز خمسة أيام .. "1
ونجد في رحلة التيجاني شذرات متناثرة تدعم ما ذكره هاهنا عن سكان
جربة، ومن ذلك:
/ الزارات: " .. وهي قرية ذات نخل كثير ... ومن هذه القرية كان الابتداء بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج المستحلين لدماء المسلمين ودمائهم وهذا المذهب هو الغالب على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصا أهل الساحل منهم، فهم بهذا المذهب المذموم يتقربون ببيع من يمر بهم من المسلمين للروم فتجد الناس لأجل ذلك يتحامون الانفراد في قراهم ويتجنبون إيواءهم وقراهم وهم من بقايا الشرذمة الضالة التي قام أبويزيد مخلد بن كيداد في إفريقية، فإنه لما أظفر الله به أرواح البلاد والعباد منه تفرقت أتباعه في الأقطار فسكنت هذه الشرذمة هذه البقاع، وسكنت
1 رحلة التيجاني، صص 126 - 134.
97 (1/97)
صفحة 98
طائفة أخرى بجبال بجاية وقسنطينة وما والاها إلى بونة، ومالت طائفة أخرى إلى بلاد الجريد فاستوطنت نفطة ونفزاوة وما والاها من البلاد". / أهل غمراسن: وليس لأهل غمراسن ولا لأكثر ساكني هذا الجبل في الحقيقة من الإسلام إلا الاسم فقط، ولا تجد منهم من يعرف للصلاة اسما فضلا عن أن يقيموا لها رسمًا، وكذلك جميع الشرائع. وإن كنت قد رأيت في أعلى قلعتهم موضعا سموه مسجدا وليس يصلى فيه إلا رجل غريب من أهل زوارة سكن عندهم وهم ينتحلون مذهب النكارة من الخوارج البربر ولا
2"
يغسلون موتاهم ولا يصلون عليهم ولا يورثون البنت شيئًا من مال أبيها ...
/ زوارة الصغرى: " .. وأهلها قوم من الخوارج غلاة في مذهبهم، موصوفون بتصميم في دينهم وأمانة فيما يودع عندهم، مكفرين بمواقعة الذنوب، ورأيت منهم أقوامًا قد نحلت من العبادة أبدانهم، واصفرت ألوانهم، بانين في ذلك على هذا الأمل الفاسد من تكفير العصاة على ما تقدّم بيانه عند ذكر جربة. وأظهر أهل وطن المرابطين شيخ يُعرف بعبدالرحيم الزواري وجميعهم يعظمه ويقدمه رئاسة وسنا وصلاحًا بزعمهم، اجتمعت به فرأيت شيخًا مجتهدا في العبادة حسن السمت إلا أنه باعتقاده الفاسد قد ضيع أعماله وخسر حاله وماله وتوسّمتُ في أحد من وصل معه الطلب فتكلمتُ معه فوجدته قد شارك في طرف من العلم وانجر الكلام معه من التحدّث في أصل المعتقد إلى التحدّث في مسألة المسح على الخفين في الطهارة فشنّع بها على مثبتيها كثيرًا وفاقًا لمذهب الخوارج، فذكرتُ له بعض الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله (ص) فردّها بالجملة، وقال: هذه أخبار آحاد لا يجب العمل بشيء منها، قال: وقد نص لنا سيدنا أبوزيد مخلد بن كيداد على طرح ما كان من الأحاديث يناقض أصلاً من أصولنا، فلعنتُ النص ومن نصه، وأبعدت عني لفلتات لم يصن لسانه عنها شخصه،
،
1 رحلة التيجاني، صص 125 - 126
2
م. س. صص 172 - 173
98 (1/98)
صفحة 99
1
وقد وافقت الخوارج على إنكار المسح على الخفين أضدادهم من الشيعة مستندين في إنكاره ....
10
،
ومن المعلوم حسب المقدّمة أن جربة كانت الهدف الأول في إعلان خطة السفر، حيث يقول صاحب الرحلة: "لما علم في تدبير الرعية من حسن غنائه، وما اجتمعت عليه قلوب الجمهور واستتم من محبته وثنائه، لوبين لهم انطلاقه لأبدى كل منهم به اعتلاقه فصدّوه عن حجه، وردّوه عمّا يمم من نهجه فرأى أن كتم الحج أصلح وأنه الآكد في طريق السياسة والأرجح، فجعل أمر جربة سببًا إلى نيل ذلك المرام، ورجا مع ذلك أن يكون على يده استرجاعها إلى الإسلام، فأعلن بذكر التوجه إليها، وأشاع أنها المقصودة بالحركة، وأنه إذا انفصل عنها بعد أن يقضي وطره منها، يتوجه بالمحلة إلى البلاد الجريديّة ... هذا بيان ما بطن من هذه القضية وما ظهر، وشرح ما استتر منها وما اشتهر ولم يعلم بأمر الحج فيها إلا ناس قليلون غير أن العامة ربما كان حصل لهم به شعور فكانوا يشيعونه ولا يتحققونه. وتعينت للتوجه إلى جربة حصتان برّيّة وبحرية وتقدّم إقلاع البحرية وارتحالنا بناء على يكون اجتماعنا بجزيرة جربة ... "2
وقد ردّ سالم بن يعقوب على ما ذهب إليه التيجاني، من أن أكثر مساكن جربة الأخصاص، بإشارة عابرة إلى أنّ ذلك من المزاعم، وهي ليست من الحقيقة في شيء، إذ أن التيجاني تابع لجيش يتحرك معه حيث تحرّك، ولا يدري من رسومها إلا ما رأى من أخصاص في طريقه من آجيم إلى حصن القشتيل ومكث هناك لمحاصرة النصارى ولما لم يفعلوا شيئًا رجع مع جيشه من حيث أتوا فلم يتجوّل فيها حتى يرى معالمهاة.
ونجد في الدراسات التاريخية أن صنفًا ممن يطلق عليهم الإباضيون "برانيّة" وهُم "الأعشاش" يسكنون الخيام فأصلهم من البدو الرحل الذين قدموا الجزيرة من ضواحي زوارة الليبية وما جاورها من الجنوب التونسي،
م. س. صص 186 - 187.
2 م. س. ص 44. 3 المصدر ص 18.
99 (1/99)
صفحة 100
ولا يملكون الأرض التي تمكنهم من الاستقرار ويتعاطون رعي الأغنام وبعض
الأعمال الفلاحية.
كما نجد أن "الأعشاش" يمثلون صنفًا من أصناف "الغرباء" أو "البرانية" وهم من التونسيين المعتنقين للمذهب المالكي، ويعرفون أنفسهم بأنهم ضعاف حال وفقراء، وجاؤوا من مناطق داخلية، ودخلوا جربة كغيرها من مدن الساحل، بحثا عن العمل الفلاحي. وقد توزّعوا من الناحية الجغرافية بين أخماس مستاوة في الجهة الشرقية وأخماس الوهبية في الجهة الغربية من الجزيرة. وقد فرضت عليهم أداءات جبائية.
وينبغي أن لا نغفل عن أنّ بن يعقوب يستدل في موضعين على شهرة تفاح جربة وجودة أصوافها بما ورد في رحلة التيجاني، مما يدل على النزعة الانتقائية.
ولم نجد إشارة من سالم بن يعقوب، مثلاً، إلى أبي عبيد البكري (ت 487 هـ/1094 م) المؤرخ والجغرافي الأندلسي، الذي وصف جربة، في موضعين من كتابه، فقال في الأوّل: " .. فيها بساتين كثيرة وزيتون كثير
30
وأهلها مفسدون في البر والبحر وهم خوارج وبينها وبين البر الكبير مجاز .. "3، وقال في الثاني: "وهي جزيرة معمورة يسكنها قوم من البربر خوارج، وهي كثيرة الذهب، وبينها وبين البر الكبير، مجاز، وهي آخر القصير إلى الشرق، وأهلها غدارون شرار لا تومن ناحيتهم ...
وأقر ذلك ياقوت الحموي (ت 626 هـ / 1229 م الموصوف بأنه "مؤرخ ثقة ومن أيمة الجغرافيين".
1 بن تنفوس م. س. صص 155 - 156 / المريمي: م. س. صص 151 - 154.
2 المصدر ص 48 / ص 50.
3 البكري أبو عبيد المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب جزء من كتاب: المسالك
والممالك ص 19.
4 البكري: م. س. ص 85.
راجع معجم البلدان مج 2 ص 118 / الزركلي: الأعلام ج 8 ص 131.
100 (1/100)
صفحة 101
كما لم يرد ذكر العبدري المغربي (ت. نحو 725 هـ/1325 م) صاحب الرحلة
التي ورد فيها عن الجزيرة: هي جزيرة صغيرة منقطعة في البحر فيها زيتون ورمان، وتفاحها مشهور يجلب منها إلى البلاد وأهلها أصحاب مذاهب رديئة وأهواء مضلة مثل زوارة وزواغة دمرهم الله جميعا. وقد صارت جربة اليوم في حكم النصارى أعطاهم إياها أهلها لشنئان وقع بينهم والعصمة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله".
إن المستخلص من المادة الإخبارية في هذه النماذج من كتب الرحلات، أنّ أصحابها يطلقون من الأوصاف ما ينقلونه عن سابقيهم، وما يصل إليه سمعهم، وما يتلاءم ونظرتهم المسبقة. ولا نتصوّر أنّ ما ورد عن سكان جربة، مثلاً، كان بعد مخالطتهم والتعرّف إلى طباعهم وأمزجتهم وسلوكهم، إذ المدة التي يقضيها الرحالة بينهم لا تفي بذلك، بل إن البعض مرّ على الجزيرة دون إقامة.
2"
ولا نناصر صالح باجيّة في أن التيجاني لم يتجاوز الواقع، ووصف ما شاهد في رحلته"، ونوافقه في: "أو سمع لا نغفل عن أنّ الخلاف المذهبي والعقدي، إلى جانب العلاقة بالساسة،
والمصالح، والحسابات، كل ذلك مما يفعل فعله بالشيطنة والتشويه. ويحسن بنا، إضافة إلى ما قلناه أن نورد نمطًا آخر في النصوص التي كتبت عن جربة، وهي من أدب رحلات غير المسلمين، وهي جديرة بأن تكون محل دراسة مستقلة، لأنّ لها من الخصوصيات ما يمكن أن يكون مغايرا تمام المغايرة لما ورد عند الرحالين المسلمين.
ونأخذ مقطعا مما كتبه المبشر الألماني إيفالد، آنف الذكر، إذ يقول: "وأهل هذه الجزيرة اللطيفة من المسلمين كما هو الشأن بالنسبة إلى كامل ساحل شمالي إفريقيا. وينقسم هؤلاء عادة إلى حنفيّة ومالكية. إلا أنه اعترضنتني
1 العبدري البلنسي (محمد): الرحلة المغربية ص 152. 2 باجيّة الإباضية بالجريد م. س. صص 75 - 77.
101 (1/101)
صفحة 102
بهم
في هذا المكان طائفة ثالثة غريبة الأطوار يقال لها: الوهابية، ينتمي إليها ما يزيد عن أربعة أخماس أهل الجزيرة ويعملون بتعاليمها. ولهم لغة خاصة تختلف عن العربية كل الاختلاف، لكن لها صلة باللهجات الدارجة في داخل إفرقيا وفي جبال الأطلس. ولهم مساجد خاصة بهم ومعلمون وهم يتزوجون فيما بينهم فقط ... وينتمي هذا المذهب أيضا عرب كثيرون من سكان الجبال الداخلية، مما يجعلنا نرجّح أن وهّابيّي جربة أصيلوهذه المنطقة. ونراهم يواجهون من قبل بقية المسلمين بشديد الكراهية ويلاقون منهم الاضطهاد هناك حيث يقل عددهم. وفي حين أن سائر المسلمين يكتفون عند أداء الصلاة بخلع النعال. فقد نجد الوهبيبيين يخلعون السراويل أيضا ويصلون بدونها. وكل المسلمين يرفعون عند الصلاة الأيدي إلى فوق ويهتفون مرتين: الله أكبر، أما الوهابيون فإنهم يرخون الأيادي ويعيدون عبارة: الله أكبر أربع مرات. وهم يرفضون كل مفسري القرآن ويتقيدون بحرفه فقط ويعتبرون أنفسهم سنيّين أي أصحاب العقيدة الصحيحة ... إن أهالي جربة ليسوا بميسوري الحال فحسب بل هم أثرياء "3 ج ابن خلدون
2
رجع بن يعقوب إلى ابن خلدون واعتبره عالة على الإدريسي والتيجاني، إذ جعل في رأيه، ما كتباه من طعن في سكان جربة أصلا وقاعدة 4
،
وهذا الحكم غير مستساغ من وجهة نظرنا إذ أن مكانة ابن خلدون في علم التاريخ تسوّغ له أن لا يكون بهذه المرتبة في التعامل مع مصنفات سابقيه. وقد ناقش صاحب تاريخ الجزيرة" ابن خلدون في ثلاث مسائل:
:
/:الأولى اعتباره جربة اسمًا لفرع من قبيلة لماية، فأشار بن يعقوب إلى أن ابن خلدون لا دليل له على ذلك، وهو بعيد لأن اسم جربة معروف قبل
1 هكذا يثبتها معرب النص منير الفندري، مع أنّه يكتب في الهامش: الوهبية هي فرقة من فرق الإباضية ... ص 87.
2 هذا الحذف في الموضعين من عمل المعرّب الفندري، فلعله راه غير مناسب ولا يليق. 3 رحلة المبشر إيفالد م. س. صص 86 - 87.
102
م. ص 17.
4 (1/102)
صفحة 103
1
الإسلام، ووجود مدينة أثرية بها تدعى "كربة" بغيزن دليل على ذلك، إذ
بها تسمت
/ الثانية أن ابن خلدون لم تكن له نظرة واضحة عن الأمازيغ، وكان مترددا في الحديث عنهم، ويورد من تاريخه مقطعين رآهما شاهدا على ذلك.
/ الثالثة مطاعن ابن خلدون في سكان جربة، ووصفهم بالوحشية والهمجية والمروق عن الدين. وقد رأى أنها تحتاج إلى تعاليق موسّعة، واغتنم حيّزًا في المقدمة دافع فيه عن عقيدته وتاريخها وقد أوردناه سابقا. ومما قاله ابن خلدون عن جربة وعن البربر وديانتهم: / "هذه الجزيرة من جزر هذا البحر الذي هو قريب من قابس إلى الشرق عنها قليلا طولها من المغرب إلى المشرق ستون ميلا، وعرضها من ناحية الغرب عشرون ميلا، ومن ناحية الشرق خمسة عشر ميلا. وبين فرضتيها في ناحية الغرب ستون ميلا. وشجرها التين والنخل والزيتون والعنب، واختصت بالنسيج وعمل الصوف للباسهم فيتخذون الأكسية المعلمة للاشتمال، وغير المعلمة للباس، ويجلب منها إلى الأقطار فينتقيه الناس للباسهم. وأهلها من البربر من كتامة وفيهم إلى الآن سدويكش وصدغيان من بطونهم. وفيهم أيضًا من نغزة وهوارة وسائر شعوب البربر. وكانوا قديما على رأي الخوارج، وبقي بها إلى الآن فريقان منهم الوهبية وهم بالناحية الغربية، ورياستهم لبني سمومن، والنكار وهم بالناحية الشرقية. وجربة فاصلة بينهما. والظهور والرياسة على الكلّ لبني النجار من الأنصار من جند مصر، ولاه معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فغزا إفريقية وفتح جربة سنة سبع وأربعين بعدها، وشهد الفتح حسين بن عبدالله الصنعاني ورجع إلى برقة فمات بها. ولم تزل في ملكة المسلمين إلى أن دخل دين الخوارج إلى البربر فأخذوا به. ولما كان شأن أبي زيد سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة فأخذوا
م. ص 21 / صص 58 - 59.
jerba, une ile mediterraneene dans l'histoire pp 27 - 28 :!;)
2 المصدر صص 55 - 56.
يضاف إلى ما أوردناه آنفًا، وإلى ما سيرد في الفصل الثاني.
103 (1/103)
صفحة 104
وأما
بدعوته بعد أن دخلها عنوة، وقتل مقدمها يومئذ ابن كلوس وصلبه. ثم استردها المنصور بن إسماعيل وقتل أصحاب أبي زيد، ولما غلبت العرب صنهاجة على الضواحي وصارت لهم أخذ أهل جربة في إنشاء الأساطيل وغزوا الساحل. ثم غزاهم علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس سنة تسع وخمسمائة بأساطيله إلى أن انقادوا وضمنوا قطع الفساد وصلح الحال .. "" / "ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا (أي بطون لماية برأي الإباضية، ودانوا به، وانتحلوه وانتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة وهوارة .. فكانوا جميعا على دين الخارجية وعلى رأي الإباضية منهم ... قبائل لماية فانقرضوا وهلكوا بهلاك مصرهم الذي اختطوه وحازوه وملكوه سنة الله في عباده وبقيت فرق منهم أوزاعًا في القبائل ومنهم جربة الذين سُمّيت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس وهُم بها لهذا العهد. وقد كان النصرانية من أهل صقلية ملكوها على من بها من المسلمين وهي قبائل لماية وكتامة مثل جربة وسدويكش ووضعوا عليهم الجزية وشيدوا على سواحل البحر بها معقلا لإمارتهم سموه القشتيل وطال تمرّس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية بتونس حتى كان افتتاحها أعوام ثمان وثلاثين ومائة من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبي بكر وعلى يد مخلوف بن الكماد من صنائعه واستقرت بها الدعوة الإسلامية إلى هذا العهد إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون بدين الخارجية، ويتدارسون مذاهبهم وبينهم مجلدات تشتمل على تأليف لأيمتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها والله خلقكم وما تعملون / " ... ما كان من خوارج البربر بإفريقية، فإن دعوة الخارجية فشت فيهم من لدن مسيرة الظفري سنة ثلاث وعشرين ومائة، ثم فشت دعوة الإباضية والصفرية منهم في هوارة، ولماية ونفزاوة ومغيلة، وبني يفرن من زناتة حسبما يُذكر في أخبار البربر ... ثمّ ثار بإفريقية منهم على دولة
2"
1 تاريخ ابن خلدون صص 1769 - 1770.
ويذكر الاستبداد وسوء الامتثال والامتناع عن المجبي صص 1776 - 1777.
2 التاريخ صص 1614 - 1615.
104 (1/104)
صفحة 105
العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد وكانت له معهم حروب وأخبار ... ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم وافترقت جماعتهم وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها في أول الأمر. ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه، وفي مغراوة من شعوب زناتة يُسمون "الوهبية " نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة. وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باق من تلك النحلة يدين بها أولئك البربر .. "
1''
/ وذكر أبو محمد بن أبي زيد أن البربر ارتدوا اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة ولم يستقر إسلامهم حتى أجاز طارق وموسى بن نصير إلى الأندلس فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه، ورسخت فيهم كلمة الإسلام وتناسوا الردّة، ثمّ نبضت فيهم عروق الخارجية، فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقليها من منبعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية، كما ذكرنا في أخبار الخوارج، وفشت هذه البدعة، وأعقدها رؤوس النفاق من العرب وجراثيم الفتنة من البربر ذريعة
في الانتزاء عن الأمر ... "2.
أبو راس:
نجد أنفسنا
مع أبي راس صاحب كتاب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة"
إزاء أربعة نصوص:
| نص بن يعقوب
-
اسم مؤلّف "مؤنس الأحبة" هو: أحمد أبو راس.
ويُثبت ح. ح. عبدالوهاب أنه محمد.
1 التاريخ صص 692 - 693.
2 التاريخ ص 1608.
3 المصدر ص 17.
4 مؤنس الأحبة (تقديم) ص 11.
105 (1/105)
صفحة 106
ومن الغريب أن بن يعقوب لما ترجم للحيلاتي قال: " .. قال فيه محمد أبو راس في كتابه مؤنس الأحبة ..... ""، فيثبت حينئذ أنه محمد لا أحمد.
-
1''
2 -
هو قيرواني، وليس بجربي.
ويقرر عبد الوهاب بلا بحث ولا إشارة إلى خلاف إلى أنه أحد أبناء الجزيرة.
-
كان موظفا بجربة زمن حمودة باشا.
ألف الكتاب س 1223 هـ/ 1809، والدليل ذكر حميدة بن عياد ت 1232 هـ/1817) المتولي على جربة س 1223 هـ/1809،
ولم تلفت انتباه سالم بن يعقوب التواريخ التي ذكرها أبو راس في نصه مثل: 1244 هـ / 1276 هـ، ولم يُعلق عليها ليقنعنا بثبوت سنة التأليف. أما المرزوقي فيُثبت أن تأليف الكتاب كان س 1211 هـ/1797، وأعاد المؤلف فيه النظر، وأضاف إليه، زيادات وانتهى منه س 1222 هـ/1808،
وبعد سنة ونصف ألحق المؤلف اسم الوالي بن عيادة.
1
كما يُفيد المرزوقي أن التواريخ بعد 1223 هـ وقعت فيها أخطاء من الناسخ، ولا يمكن أن تتجاوز على أقصى التقدير تاريخ وفاة حمودة باشا (1229 هـ /1814)، لأن المؤلف نفسه ينبه في كثير من الأماكن إلى أن التأليف والانتهاء منه كان في عهد هذا الباي الحسيني.
وقد ذكر المريمي مرّةً أن المؤلف انتهى من كتابة "مؤنس الأحبة" س 1223 هـ / 1809، ومَرّةً س 1222 هـ / 71808.
1 المصدر ص 341.
:
راجع ابن أبي الضياف إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان
ج 7 صص 17 - 18، ترجم لثلاثة من عائلة بوراس، منهم محمد بن محمد.
3 مؤنس الأحبة ص 11.
4 مؤنس الأحبة ص 127. 5 مؤنس الأحبة ص 15 / ص 126
6
م. س. صص 27 - 28 م. س.
7 - المريمي: م. س. ص 286 / ص 305.
106 (1/106)
صفحة 107
ونستغرب كلّ الاستغراب الإيجاز المخلّ من قبل بن يعقوب في تحقيق نسبة الكتاب والبت في اسم مصنّفه، وجهته التي ينحدر منها.
ويوافق الإباضي الجربي الصادق مرزوق رأي الشيخ بن يعقوب، فيؤكد أن مؤلف كتاب "مؤنس الأحبة" لم يكن من الإباضيين أو الجربيين".
أما محمد قوجة فلعله لا يذهب إلى ما رآه بن يعقوب، حينما يقول: أغلب النصوص التي اعتمدت إلى حد الآن في تناول تاريخ جزيرة جربة هي من تأليف أجنبي عن الجزيرة باستثناء كتاب مؤنس الأحبة.
نص المرزوقي (ت 1402 هـ/1981):
2"
- صاحب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة" هو محمد أبو راس. هو من مواليد جربة وسكانها بدليل المعلومات الدقيقة في الكتاب، والمعرفة بالمصطلحات الخاصة والاسماء البربرية ...
- كان موجودًا في أوّل ق 13 هـ / 19، وولد على الأغلب في الربع الأخير
من ق 12 هـ/18
-
?
عاش إلى ما بعد 1222 هـ / 1808، وكان حيًّا س 1223 هـ/ 1809
هو مؤلف مجهول لم يتعرض إليه أصحاب التراجم
المعلومات عنه شفوية
- عائلة أبوراس جربية منبتها بجهة غيزن على الساحل الشرقي من الجزيرة ولها فروع منتشرة في حومة السوق وميدون، وأجيم، والهنشير وتونس وأحوازها إلخ .. - تم الاتصال بالعائلة فلم يكن عندهم أي علم عن صاحب الكتاب نسخة الكتاب في الخلدونية مليئة بالأخطاء التاريخية، وهي مازادت في الجدل حول اسم المؤلف ونسبة الكتاب إليه يقول المرزوقي: "داخلنا شك كبير
1:راجع تاريخ جربة مجموعة محاضرات في أحد ملتقيات جمعية صيانة جربة) ص 49. 2 تقديم رسائل الحيلاتي.
107 (1/107)
صفحة 108
في أن هذه النسخة قد بقيت كما كتبها المؤلف بل هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تغييرات كبيرة دخلت عليها استهتارا بأمانة النقل وجراءة على إضافة ما لم يُثبته المؤلف إلى الكتاب ويلوح هذا في خطبة النسخة حيث ذكر فيها اسم الكتاب مخالفا للاسم الموجود على الصفحة الأولى بل إن الاسم المذكور في الخطبة لا يمت بصلة للموضوع، فقد جاء في هذه النسخة: أما بعد فيقول من كثرت ذنوبه وفضحت عيوبه المقلّ القاصر محمد أبوراس أحمد الناصر كلاه الله ورعاه، أن أحق ما تطمح إليه النفوس ويكون لها الخلاص في يوم العبوس، علم الأخبار التي تصلح لمسامرة الجليس ويكون بها نعم الأنيس، سميته كتاب الإصابة فيمن غزا المغرب من الصحابة ... وهذا الافتتاح مخالف تمام المخالفة لافتتاح النسخة الثانية وإن تلف شيء من الورقة الأولى من النسخة الثانية كما سيأتي، إلا أننا ندرك هذا الخلاف من قول المؤلف في الثانية: فاستخرْتُ الله تعالى في جمع ما ذكروه وما نقلناه عن الثقات وشهدناه عيانًا والله الموفق للصواب وسميته: مؤنس الأحبة في أخبار جربة .. إلخ والذي يظهر لنا أن هذه الخطبة لم تكن موجودة في النسخة التي وقعت في يد المترجم المذكور فأضافها من عنده اعتمادا على غلط في اسم المؤلف نفسه حيث ظنّ أن المؤلف هو أحمد الناصر المغربي صاحب الرحلة الناصرية المعروفة الملقب: أبو راس، فاشتبه عليه هذا اللقب ودفعه هذا الاشتباه إلى نسبة الكتاب لغير صاحبه، وربما اطلع على اسم كتاب الإصابة فيمن غزا المغرب من الصحابة، منسوبًا للمؤلف المغربي. وإن كنا لا نعرف هذا الكتاب ولم يجد اسم الكتاب في نسخته فظنّ أن اسمه: كتاب الإصابة، بدون أن يعتبر الموضوع باسم الكتاب"، ثمّ يؤكد في موضع آخر: "وقد بينا في المقدمة عدم اطمئناننا إلى صحة ما أوردته نسخة الخلدونية من أنه محمد أبو راس أحمد الناصر وبينا أن اسم: أحمد الناصر، ربما ألحقه المترجم ظنا منه أن المؤلف هو أحمد الناصر الدرعي المغربي صاحب الرحلة".
صلة
وقد أحبط بن يعقوب مجهود المرزوقي في التحقيق والتأويل فقال: "وقد حاول محققه المرزوقي أن ينسب مؤلفه محمد أبو راس إلى جربة، إلا أن
1 راجع هاهنا: كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ج 2 صص 768 - 770.
2 مؤنس الأحبة صص 20 - 25
108 (1/108)
صفحة 109
أدلته على ذلك غير
فليس هو أحمد الناصر صاحب الرحلة، ولا
هو من العائلات الجربية الملقبة ببوراس، إذ أنّ محمد أبو راس هو صاحب: الإصابة فيمن دخل المغرب من الصحابة .. " ".
/ نص الزركلي (ت 1396 هـ/1976)
-
محمد بن أحمد بن ناصر الجربي (12391165 هـ/1752 - 1824) من حفدة قاسم بوراس الهذلي الجربي الناصري
-
هو مؤرخ نسبته إلى جزيرة جربة من بلاد تونس، تفقه ورحل إلى تونس والحجاز ومصر، ونظم قصيدة في فتح وهران س 1207 هـ/1793 على يد الباي محمد بن عثمان وشرحها في كتاب سمّاه: "عجائب الأسفار".
-
من مؤلفات محمد أبو راس:
مؤنس الأحبة في أخبار جربة،
الحلل السندسية في شأن وهران والجزيرة الأندلسية
زهرة في علم النسب والتاريخ
رحلتي ونحلتي
وينبه الزركلي على أن محمد بن أحمد أبوراس الجربي هوغير محمد بن أحمد بن الناصر المعسكري الملقب بأبي راس (1150 - 1238 هـ/1737 - 1824 المؤرخ والمحدث الجزائري، والذي ثبت أنه أخذ العلم عن علماء الزيتونة، ومنهم إبراهيم الرياحي (ت 1266 هـ / 1850)، ثم ارتحل إلى المشرق مرورا بجزيرة جربة.
ويُبعثر خليل مردم بك (ت 1379 هـ / 1959) صاحب كتاب "أعيان القرن الثالث عشر في الفكر والسياسة والاجتماع"، هذه المعطيات. فيبين أن المعسكري عاش بين (1165 - 1239 هـ / 1751 - 1823)، وهو فقيه، رحل إلى
1 المصدر ص 17. 2 معجم الأعلام ج 6 ص 18.
3 راجع كذلك: مصلح: الوقف الجربي، م. س. صص 17 - 18
109 (1/109)
صفحة 110
تونس والحجاز ومصر وله كتاب: وصف الجزيرة جربة" مطبوع في تونس، وله قصيدة في فتح وهران وشرحها في كتاب "عجائب الأسفار".
ونجد شيئًا من هذا في "تراجم المؤلفين التونسيين" حيث يُثبت محفوظ أن المؤلف الحقيقي لـ"مؤنس الأحبة" هو محمد أبوراس بن أحمد الراشدي الغريسي المعسكري صاحب مؤلفات عديدة، وقرأ بجامع الزيتونة، وأقام بتونس مدة طويلة، وزار كثيرًا من مدنها.
ولكن لم يُحدد فترة حياة هذا الرجل ولا بعضًا من عناوين كتبه، ليكون
ذلك عونًا للباحث على الاهتداء إلى الصواب.
/ نص أحمد عبد السلام (ت 1428 هـ/2007)
-
المؤلف هو محمد أبو راس.
من أضاف إلى اسمه الناصر - ابن أحمد الناصر - هو مخطئ.
ولد وقضى حياته في جربة.
شاهد عن كثب أحداث أواخر ق 11 هـ / 18 وبداية ق 12 هـ/ 19. هكذا
لا يُعلم تاريخ وفاته
الدارسون المحدثون يعتمدون كتابه مصدرًا من مصادر تآليفهم عن جربة.
/ نص المريمي
- كاتب "مؤنس الأحبة" هو محمد أبو راس،
-
،
ولم يضبط المريمي سنة ولادته ولا سنة وفاته، ولا نسبته العائلية.
أبو راس هو من مواليد جربة
1 نقلا عن مصلح: م. س. ص 21
2 محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين، ج 4 ص 314 3 أحمد عبد السلام المؤرخون التونسيون صص 321 - 323. 4 المريمي م. س. ص 286 / صص 305 - 306.
110 (1/110)
صفحة 111
وهي
-
-
عاش في جربة،
هو من مؤرخي 13/ 19 هـ، وكان شاهد عيان لأحداث أواخر
ق 18 م/12 هـ ومطلع ق 13/ 19 هـ، ولكنه بقي من المؤلفين المجهولين. عائلته من العائلات الإباضية التي تقطن في الجزء الغربي من جربة المنطقة الوهبية، وهي عائلة منبتها بجهة غيزن على الساحل الشمالي الشرقي، ولها اليوم فروع منتشرة في حومة السوق وميدون وأجيم والهنشير من جزيرة جربة، وكذلك في تونس وأحوازها وكذلك في الخارج. وقد نزحت هذه العائلة في الأصل من طرابلس إلى جربة.
الخاصة
ويضيف قائلا: "ونسيت عائلة أبوراس صاحب مؤنس الأحبة في أخبار جربة، أحد أفرادها، وهو نفس النسيان الذي ذهبت إليه مؤلفات الإباضية ألفت بعد وفاة محمد أبو راس بسير علماء الدين وتراجمهم والتي الجربي مثل رسالة سعيد بن تعاريت وغيرها. ويلاحظ نفس النسيان أيضا في مستوى آخر يتمثل في إنكار فقهاء الإباضية وعلمائهم اليوم نسبة محمد أبوراس الجربي إلى الإباضية وانتمائه إلى أهل جربة
1"
ويرجع المريمي "نسيان" الإباضية لمحمد أبوراس الجربي على مختلف المستويات، العائلية والاجتماعية والسياسية، إلى ما رأوه منه "ارتدادا"، وتخليا عن الولاء للنفوذ المحلي الإباضي الوهبي بإطلاقه صفة "المعظم" على حمودة باشا، وذكره المشايخ والمعالم الدينية المالكية على قدم المساواة مع الإباضية،
1 المريمي: م. س. ص 305.
2 يستعمل المريمي هذه اللفظة كثيرا تعبيرا عن الخروج من المذهب الإباضي، أو عن عدم الالتزام به، أو عن ترك الولاء المطلق له ولا نوافقه على اختيارها، لأن "الردّة" والارتداد" يعنيان الخروج من الدين والإباضية أنفسهم لا يُطلقونها على أصحابهم الذين خرجوا عنهم. ونحبذ عبارة "الهجران" التي أطلقها إباضية الجريد على من يميل منهم إلى المخالفين ويكثر من مطالعة تآليفهم راجع باجيّة: الإباضية بالجريد ص 49. كما نحبّذ عبارة "الانسلاخ" وهي التي استعملها محمد محفوظ، حينما تكلم عن عائلة التلاتلي المستقرين في الوطن القبلي، أو "التبديل" ..
3 مؤنس الأحبة ص 99/ ص 122 / ص 124، ويصفه ب"المؤيد المنصور" ص 80
111 (1/111)
صفحة 112
وتنويهه ببعض المعالم العسكرية التي كانت لا تمثل في نظر الإباضية الوهبية سوى سياسة الهيمنة التي كان يتوخاها الأتراك ومن سبقهم من النظم السياسية والإدارية الأخرى في عهد الحفصيين وغيرهم إلى جانب أنه ذكر معالم جربة القديمة المهملة، التي سعت الذاكرة الإباضية الوهبية إلى نسيانها لأنها تذكر بحالة الهيمنة التي كانوا يخضعون لها أيام السلطة المركزية الرومانية. وباعتبار محمد أبوراس الجربي رمزا من رموز السلطة المخزنية التي تسعى إلى احتواء هياكل النفوذ المحلي بجربة طبقت عليه الإباضية الوهبية مبدأ "براءة الأشخاص" لأنه: "أخلّ بالروابط المذهبية التي تجمع بين أفراد المجموعة الإباضية الوهبية، وكانت تعتبر أرقى الروابط فيما بينهم، فانعكس تصرفه على مختلف مستويات العلاقات التي تربطه بمجموعته فتنكر له الجميع عن طريق "النسيان" ولم تعد المجموعة الوهبية في أواخر القرن 18 ومطلع القرن 19 قادرة على توخي غير تلك الطريقة لمكافأته "". أننا لا نوافق تهويل المريمي في أن "مؤنس الأحبة " ذكر معالم وأعلامًا (هكذا بالجمع) غير إباضية، إذ الحق أن أبو راس لم يذكر سوى الجمني، ومدرسته، وبرج القنطرة وبرج جليج بإيجاز خاطف والكتاب كله
مقتضب.
،
وهكذا يظل الخلاف قائما حول هوية "مؤنس الأحبة في أخبار جربة"
ومؤلفه.
ومهما يكن من أمر فإنه عنوان بارز في مكتبة تاريخ جربة. فقد اعتبره عبدالوهاب على صغر حجمه من أهم المصادر للاضطلاع بأحوال جربة في شتى النواحي الجغرافية والتاريخية والسياسية والحربية، مع ذكر تراجم مختصرة لبعض النابغين من أبنائها في العلم والإدارة 3.
،
1 المريمي: م. س. صص 305 - 308.
2 راجع مؤنس الأحبة صص 95 - 96 / صص 98 - 99. 3 مؤنس الأحبة ص 11.
112 (1/112)
صفحة 113
وأثبت له المرزوقي أهمية لأنه يكشف الغطاء عن بعض ما نجهله عن جزيرة جربة التي كانت معقلاً من معاقل السلالة البربرية القديمة، ومركزا من مراكز المذهب الإباضي الهامة وقلعة من القلاع التي قاومت أطماع غزاة
الإفرنج زمنًا ليس بالقصير، ولأنه يساعد على كشف كثير من المعميات. ووصفه عبدالسلام بقوله: "لئن كان هذا الكتاب متواضع الحجم فهو مليء بالمفيد من المعلومات إذ يحتوي على إرشادات حول أسماء المواقع وتدقيقات تتعلق ببعض الأماكن وإشارات لبعض الأحداث، مما حدا بالدارسين
2''
المحدثين إلى اعتماده كمصدر من المصادر عند تأليفهم عن جزيرة جربة. لكن بن يعقوب قد عده كتاب "الأكاذيب التاريخية"، ولم يذكر ولو أكذوبة واحدة. وهوما يُعتبر في رأينا تقصيرًا لا يُغتفر، وتخليا عن الواجب العلمي والمسؤلية التاريخيّة، وزهدا في صيانة الأمانة المعلوماتية، إذ لن يصل القارئ الباحث إلى تبيّن الحقيقة بالاتهام المبهم، والتوصيف غير المسنود، وإنما بالتفكيك والتحليل والاستنتاج والمقارعة والتصحيح.
(
،
،
•
ولعلنا لا نجد في مادة الكتاب المتواضعة خلاف ما قرأناه في رسائل الحيلاتي مثلا، حيث أتت أقسام "مؤنس الأحبة " الخفيفة على:
التعريف بالجزيرة
/أخبار مشائخها
/معالمها الدينية والأثرية
الأحداث السياسية التي مرت عليها
1 مؤنس الأحبة صص 14 - 15. 2 عبد السلام: المؤرخون التونسيون ص 323. 3 المصدر ص 17.
113 (1/113)
صفحة 114
الأوبئة الواقعة بها، والتي وقف المؤلف على تواريخها، وقد وصف أحمد عبدالسلام هذا الموضوع بـ"الغريب"2
ويمكن أن تكون "الأكاذيب" هي تلك اللخبطة في بعض التواريخ، وهذا أمر لم يسلم منه حتى الحيلاتي كما أشرنا ثمّ إنّه من المحتمل أن يكون لناسخ الكتاب نصيب في ذلك.
وأما أن يكون المقصود من "الأكاذيب" ولاء الكاتب لحمودة باشا، وللهياكل المخزنية، وإنصافه للحضور المالكي، فحينئذ يكون موقف بن يعقوب مضغوطا بالحماسة المذهبية.
ويحسن أن نورد فيما يلي فقرات من الكتاب، نظن أنها أسباب في سخط بن يعقوب على بوراس: / "أما الأبراج فسبعة منها على ساحلها الجوت برجان: البرج الكبير المسمى بالحصار وهو شرقي المرسى، وبُرج جليج الجديد الذي أحدثه المؤيد المنصور حمودة باشا .. "
3"
/ "هو الشيخ الولي الصالح الورع الزاهد الجامع بين العلم والولاية إبراهيم بن عبدالله بن إبراهيم بن أبي بكر بن عمر نزيل قرية جمنة .. نال من جميع العلوم معقول ومنقول .. ونزل جربة وقصد جامع الغرباء واجتمعت عليه الطلبة واجتهد في تعليم العلم .. ومن كراماته أن كل من قرأ عليه نال منه ...
4"
1 - لم نطلع على المقدمة التي ذكر المرزوقي أنها تمثل نصف الكتاب، وسرد فيها المؤلف جدولا لتواريخ تولية ووفاة أوعزل جميع حكام الدول الإسلامية التي لها اتصال بإفريقية من الخلافة الراشدة إلى عهد الباي حمودة باشا. وقد حذفها المحقق إذ رأى أن هذه المقدمة لا قيمة لها من الناحية التاريخية باعتبار أن محتواها موجود في كتب عديدة متداولة ولا صلة لها بالكتاب الذي هو خاص بجربة، إلى جانب الأغلاط في ضبط التواريخ وكان الهدف منها تضخيم حجم الكتاب. مؤنس
الأحبة ص 16
2 - عبد السلام: المؤرخون التونسيون ص 323
3 - مؤنس الأحبة ص 80
4 - مؤنس الأحبة صص 95 - 96
114 (1/114)
صفحة 115
أحمد
واستولى الشيخ أحمد ابن موسى بن (جلود على الجزيرة وركب الشيخ موسي ابن) (صالح البحر ونزل صفاقس وكانت المحلة بالقيروان ومعها يونس بن علي باشا فقصده الشيخ موسى وأخبره بالواقع فجهز له عساكر زواوة وأمرهم بقتال الشيخ أحمد فقصدوا صفاقس وركبوا البحر فتلقاهم الشيخ بمن معه من العربان فلما نظرت العربان إلى كثرة العساكر رجعوا هاربين إلى الساحل القبلي طالبين الخروج من الجزيرة على طريق تاربلة فلحقوا بهم على الساحل وقتلوا كل من وجدوه على الساحل لم يسلم منهم إلا الذي خرج من الجزيرة وقطعوا رؤوسهم بنوابها برجا قرب برج رؤوس الإفرنج الذي على الساحل الجوفي قرب الحصار ولما استولى السيخ أحمد بن موسى بن جلود على الجزيرة الولاية الأخيرة سنة سبعين ومائة وألف خرب البرج ودفن
الرؤوس "
1''
" وأما ما كان من عساكر الحاج علي الجزيري لما استولى على الجزيرة وفرّ قارة محمد إلى طرابلس وبقي غالب عسكره في الجزيرة ودخلوا تحت طاعة الحاج علي أباح إلى عسكره السوق الكبير وحاليه ونهبوها ولم يرتقبوا زاوية الجمني ولا غيرها. فلما بلغ إلى المعظم حمودة باشا خبر ما فعل الحاج علي الجزيري من النهب عاتبه أشد العتاب وأماته الله شرموتة .. "
هـ – عبدالوهاب /المرزوقي
200
يظهر وهم بن يعقوب حينما نسب فقرة وردت في تمهيد محمد المرزوقي ل "مؤنس الأحبة"، إلى المؤرّخ عبدالوهاب الذي كتب التقديم لا التمهيد.
1 - مؤنس الأحبة صص 118 - 119 2 - مؤنس الأحبة ص 124
3 يصفه الفاضل ابن عاشور بأنه ناشى في خدمة التاريخ التونسي، على تتبع دراسات المستشرقين والأثريين الأوروبيين التي تطبع كتبا جامعة أوتنشر مقالات في المجلات العلمية، فنما فيه ذوق البحث التفصيلي، والتنقيب الأثري والعناية بتحقيق المصادر وإحيائها وكبرت نفسه اعتزازا بأمجاد التاريخ التونسي، وعظمت همته حرصا على التعريف بها ... الحركة الأدبية والفكرية صص 127 - 128
115 (1/115)
صفحة 116
وهذه الفقرة هي: والمعروف عن البربر الأولين أنهم ينحتون من الجبال بيوتا، وأنهم يميلون إلى بناء المدن والعمارات، ولذلك لم نجد أثرًا يُذكر في جربة لمدن بربرية ذات أهميّة وإنما الموجود قرى ومنازل صغيرة بنيت في العصور الحديثة حسب الظاهر، أما في العصور القديمة فقد كان أغلبهم يسكن أخصاصا مصنوعة من جريد النخل وأغصان الأشجار، ولم تتغير هذه المساكن إلى منازل من الحجر والمدر إلا في العصور القريبة حيث انتشر العمران" وقد بن يعقوب هذا الرأي زعما باطلاً يكذبه الواقع المشاهد من آثار مدن قديمة ذات عظمة وفخامة كمدينة القنطرة، ومدينة هنشير الغولة، ومدينة بورقو الأثرية وغيرها 2
عد
إنّ هذه الوقفة الوحيدة عند التمهيد الذي التبس بالتقديم، يمكن أن يُفهم منها أن بن يعقوب يتفق مع عبد الوهاب والمرزوقي فيما تبقى، وهذا مستبعد، ولكن ليس هناك ما يدل على خلافه.
ويحسن بنا أن نلخص أهم ما ورد في نصي المقدم والمحقق، مما نراه حقيقا بالمراجعة من قِبَل بن يعقوب، ولكنّه سكت عنه.
بها
التقديم
-
أهل جربة متمسكون بـ"النحلة الخارجية"
-
-
جربة كانت من أشهر معاقل الخارجية
نزحت فرق من القبائل البربرية في ق 4 هـ/10 م، واستقرت بها صاحب "مؤنس الأحبة هو محمد أبوراس، وهو أحد أبناء جربة
التمهيد
اسم الجزيرة "جربة" هواسم أوّل قبيلة من قبائل لماية البربرية نزلت
1 - مؤنس الأحبة صص 33 - 34
2 - المصدر ص 18
3 - مؤنس الأحبة صص 123
116 (1/116)
صفحة 117
--
-
انتشار المذهب المالكي أثر تأثيرًا كبيرًا في تراجع اللسان البربري
المتمذهبون بالمذهب المالكي يمثلون نصف السكان أويزيدون
فاتحوجربة وجدوا مقاومة من قبل الجربيين
معتنقوالإسلام في أوّل الفتح الإسلامي للجزيرة هم بعض السكان سرايا إسماعيل بن زياد النفوسي هي التي أدخلت معها المذهب الإباضي إلى جربة
-
-
المذهب الإباضي انتشر بفضل الحرية التي كان يتمتع بها المسلمون في القرون الأولى حين كانت السياسة لا تتعرّض غالبًا إلى المعتقدات إلا بقدر ما فيها من خطر على الأمن العام
جربة معقل من معاقل الخوارج وملجأ لدعوتهم عهودا طويلة نظرا لسكنى القبائل البربرية القوية العصبية بها من قبل الفتح الإسلامي الصفرية والأزارقة والإباضية وغيرهم من فرق الخوارج ألبسوا مذاهبهم
صبغة دينية تأييدا لمساعيهم السياسية
جميع
هذه الفرق تكفّر عليًّا وعثمان ومعاوية وأصحاب الجمل عائشة
ومن معها، وتوجب الخروج على الإمام الجائر 1
وبعد، إنّ كتاب "تاريخ الجزيرة ومدارسها العلمية" لسالم بن يعقوب، يكتسب من الأهمية، ما يجعله عنوانًا بارزا في المصنفات التي اعتنت بتاريخ تونس وأثرًا ذا طرافة في الذاكرة المحلية والوطنية.
ويصلح الإقرار بأن كتب التراجم التونسية القديمة قد قصرت عن المأمول حينما أغفلت السير الإباضية التي ملأت الجزيرة، ثم الجريد، علوما دينية، وتآليف ذات، بال و مدارس متعاقبة عبر العصور، تخرج فيها فقهاء، ومتكلمون، ودعاة ورواة ومؤرخون، وأدباء وشعراء لفتوا انتباه المسلمين وغير المسلمين، وكتب عنهم العرب والمستشرقون، ولا يزالون، وظلت
1 - مؤنس الأحبة صص 31 - 70
117 (1/117)
صفحة 118
إنتاجاتهم مادة خصبة يرجع إليها أصحابهم والمخالفون، وبقيت آثارهم ومعالمهم، بفرادتها وخصوصيتها، دالة عليهم.
ولا يكون مبالغة القولُ إنّ جربة التونسيّة تُعرَف بالإباضية، والإباضيين التونسيين بجربة يُعرفون، فهذه الجزيرة الجميلة هي موطنهم الأصيل، وهي ماضيهم وحاضرهم، وهي مصدرهم ومؤردُهم وهي رمز انتمائهم، طبقت، بهم شهرتها الآفاق، وتجاوزت الحدود لتصل البحر بالجبل والصحراء، وتشرق وتغرب عبر الرحلات العلمية والحملات الدعوية، والحركات السياسية، والأنشطة التجارية، في تفاعل دؤوب لا يعرف الركود، وفي تواصل الآخر ممتلئ مرونة وسماحة. إن تاريخ جربة من تاريخ تونس وإرث الجزيرة الإباضي صنوالإرث المالكي في رصيد بلادنا الديني أغنى مخزونها الحضاري بمبادئ عقدية، واجتهادات فقهية، ومقولات سياسية، وعادات ونظم اجتماعية، لم ينقطع أثرها الإيجابي في الأفكار، والسلوك، ونمط المجتمع.
مع
وليس حراك الجربيين الإباضيين العلمي الثقافي، المتعاضد مع الاقتصادي المعيشي، داخل الجزيرة وخارجها إلا دلالة على ميزة هذه الجماعة في علو الهمة، والثقة بالنفس والاعتزاز بالذات والتفوّق، والعمل والإنتاج والقدرة العجيبة على التكيف والصمود وتحدّي المعوقات، وتجاوز الأزمات التي لم تنته منذ سالف العصور.
فكتاب "تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة كان الذاكرة الإباضية لتاريخ تدين إباضية جربة وثروتهم العلمية وهوما قصدناه في عنوان الفصل. فالجزئيات والتفصيلات والروايات والإحالات والنصوص الشواهد، والترجيحات، والتصويبات، كلها تضافرت لتشكل عيّنة في توثيق الإباضية للمسار الإباضي الجربي، وحينئذ يكون التوثيق للتاريخ المحلي. ولكن دون أن يسلم من ردة الفعل تجاه كل من همش إباضية جربة، أووصمهم، أوضيّق
عليهم.
118 (1/118)
صفحة 119
بيبليوغرافيا (1) تونسية مختصرة
في تاريخ تونس وثقافتها ورجالها
المؤلّف
الكتاب
أبو العرب محمد بن تميم (ت 333 هـ/945 م)
طبقات علماء إفريقية (ط. دار
الكتاب اللبناني
طبقات علماء تونس (مطبوع مع
الكتاب السابق)
محمد بن الحارث الخشني
طبقات علماء إفريقية (مطبوع مع
السابقين)
(ت 371 هـ/981 م)
تاريخ إفريقية والمغرب. قطعة منه
الرقيق القيرواني
ق 2 هـ/8 م.
(p 11/_53)
تبدأ من أواسط ق 7/ 01 م إلى أواخر
تحقيق وتقديم: المنجي الكعبي
(ط 2 الدار 1426 هـ - 2005)
العربية
للكتاب
أبو محمد عبدالله التيجاني
رحلة التيجاني
(حي س 718 هـ/ 1308 م)
تقديم:
ح. ح.
عبدالوهاب
(ط. تونس 1426 هـ/2005)
1 - رتبنا المؤلفين حسب أسبقية الوفاة، أما الذين لا يزالون على قيد الحياة والآخرون الذين
نظن أنهم كذلك، فقد رتبناهم ألفبائيا حسب ألقابهم
2 - نذكر ما وصلنا إليه. ولم ندرج عناوين "الأعمال الكاملة " لأننا رأينا أنها ذات بعد أدبي، لا تاريخي يركز على ترجمة الشخصيّة التونسيّة. ثمّ ليست هذه البيبليوغرافيا إلا عينة.
وقد رتبنا المؤلفات الجماعية حسب تاريخ الصدور
119 (1/119)
صفحة 120
ابن أبي دينار (ق 11 هـ/17)
المونس في أخبار إفريقية وتونس
تحقيق: محمد شمام (ط. تونس
(1972/ 1392
سليمان الحيلاتي
(ت 1099 هـ / 1688)
رسائل في ذكر علماء جربة وأماكن
أضرحتهم والحوادث التي وقعت في أيامهم ومجالسهم العلمية
تحقيق: محمد قوجة (ط 1 بيروت
(1988/ 1408
الحلل السندسية في الأخبار
الوزير السراج
(ت 1149 هـ /1736)
التونسية
تحقيق: محمد الحبيب الهيلة ط.
تونس 1390 هـ / 1970
محمد أبوراس
مؤنس الأحبة في أخبار جربة
تحقيق وتمهيد وتعليق:
محمد
ت. بعد 1222 هـ/1808)
المرزوقي تقديم
نح. ح.
عبدالوهاب
(ط. تونس 1380 هـ/1960)
محمود مقديش (ت 1228 هـ / 1813) نزهة الأنظار في عجائب التاريخ
والأخبار
تحقيق: علي الزواري محمد
محفوظ (ط 1 بيروت 1408 هـ / 1988)
إبراهيم الرياحي (ت 1266 هـ / 1850) تعطير النواحي بترجمة العلامة
إبراهيم الرياحي (ط. الشركة التونسية
لفنون الرسم د. ت.)
120 (1/120)
صفحة 121
محمد بيرم الرابع (ت 1278 هـ/1861)
أحمد بن أبي الضياف (ت 1291 هـ/1874)
التراجم المهمة للخطباء والأيمة
تحقيق: محمد المختار النيفر
(ط 1 تونس 1424 هـ/2003)
الجواهر السنية في شعراء الديار
التونسية
تحقيق وتعليق: الهادي حمودة
الغزي
(ط. تونس 1393 هـ/1973)
إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك
تونس وعهد الأمان
تحقيق: رياض
المرزوقي
الباجي المسعودي (ت 1297 هـ/1892)
ط تونس 1409 هـ/1989)
الخلاصة النقية في أمراء إفريقية،
وبذيله: فرائد الرائد
(ط 1323 هـ/1905)
محمد السنوسي
مسامرات التعريف
الظريف
بحسن
(ت 1318 هـ /1900)
تحقيق وتعليق: محمد الشاذلي النيفر (ط 1 بيروت 1414 هـ / 1994)
محمد النيفر (ت 1330 هـ / 1912)
محمد
الحشايشي
(ت 1330 هـ / 1912)
121
عنوان الأريب عما نشأ في البلاد التونسية من عالم أديب (ط. بيروت
(1996/ 1416
العادات والتقاليد التونسية
تحقيق الجيلاني ابن الحاج
يحيي (ط. تونس 1417 هـ / 1996) (1/121)
صفحة 122
الطاهر الحداد (ت 1354 هـ/1935)
النقابية
العمال التونسيون وظهو الحركة
(ط 1 دار صامد 1417 هـ/1997)
الأغاني التونسية (ط. سحر للنشر
محمد الصادق الرزقي
تونس د. ت.
(ت 1358 هـ / 1939)
الأمثال التونسية وما
جري
مجراها
2 b
للنشر
سحر
محمد بن مخلوف
(ت 1360 هـ / 1941)
تونس 1431 هـ /2010)
شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (ط. القاهرة 1349 هـ/ 1930)
تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد
/ محمد إدريس
:
عبدالعزيز الثعالبي
(ت 1363 هـ / 1944)
تقديم ومراجعة الساحلي
:
حمادي
(ط 1 بيروت 1407 هـ / 1987)
تونس الشهيدة ط 2 بيروت
(1988/ 1408
محمد الخضر حسين
تونس وجامع الزيتونة
(ت 1377 هـ / 1958)
إعداد وضبط: علي الرضا
الحسيني
(ط. الدار
الحسينية
122
للكتاب 1421 هـ / 2000) (1/122)
صفحة 123
أحمد الدرعي
(ت 1385 هـ/1965)
حياة الطاهر الحداد
تحقيق
وتقديم: محمد
أنور
بوسنينة
(ط. تونس 1395 هـ/1975)
(ت 1386 هـ / 1966)
زين العابدين السنوسي
محمد
الخامس
بيرم
(مطبعة
العرب تونس 1372 هـ/1952)
الإمام
المازري
(ط.
تونس 1375 هـ/1955)
بساط العقيق في حضارة القيروان
وشاعرها
ابن رشيق
(ط.
تونس 1390 هـ/ 1970)
خلاصة تاريخ تونس
ح. ح. عبدالوهاب
تقديم وتحقيق: حمادي الساحلي
(ت 1388 هـ / 1968)
(ط. تونس 1422 هـ/2001)
شهيرات التونسيات (3) المنار
تونس د. ت.)
كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين
التونسيين
مراجعة
وإكمال: م.
ع.
المطوي/البشير البكوش
(ط. بيت
الحكمة
123
تونس 1410 هـ/ 1990)
مجمل تاريخ الأدب التونسي
(ط. تونس 1388 هـ/1968) (1/123)
صفحة 124
محمد الفاضل ابن عاشور
(ت 1390 هـ/1970)
ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية
(ط. تونس 1392 هـ / 1972)
الحركة الأدبية والفكرية في تونس
(ط. تونس 1392 ه/1972)
أركان النهضة الأدبية (ط. تونس
(1960/ 1380
أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ
المغرب العربي
مطبعة النجاح تونس د. ت.
الشيخ
عبدالعزيز
الثعالبي
أحمد بن ميلاد (ت 1390 هـ / 1970)
والحركة الوطنية
بالاشتراك مع مسعود إدريس)
(ط. بيت
الحكمة
تونس 1411 هـ / 1991)
تاريخ الطب العربي
التونسي
عثمان الكعاك
(ط. تونس 1401 هـ/1980)
(1976/ 1396)
المجتمع التونسي على عهد الأغالبة ودراسات أخرى
تقديم
: أبوزيان
السعدي
محمد الصادق بسيس
و آثاره
(ت 1399 هـ/1978)
124
(ط 1 تونس 1430 هـ/2009)
محمد بن عثمان السنوسي حياته
ط الدار التونسية للنشر (د. ت.
البدوفى حلهم وترحالهم (1/124)
صفحة 125
ط 2 ليبيا تونس 1404 هـ/1984)
الدغباجي
ط 3 تونس 1405 هـ/1985)
محمد المرزوقي
(ت 1402 هـ / 1981)
المهدية
وشاعرها
ط. تونس 1401 هـ / 1980)
تميم
ثورة المرازيق بالاشتراك مع علي المرزوقي) (ط 1 تونس 1400 هـ/1979)
دماء على الحدود (ط. الدار العربية للكتاب د. ت.
صراع مع الحماية (ط. تونس
(1973/ 1393
قابس
جنة
الدنيا
الصادق الزمرلي (ت 1403 هـ/1983)
(ط. القاهرة 1382 هـ / 1962)
أعلام تونسيون
وتقديم:
حمادي
(ط. بيروت 1406 هـ / 1986)
تعريب
الساحلي
سالم بن يعقوب (ت 1408 هـ / تاريخ جزيرة جربة ومدارسها
(1988
محمد محفوظ (ت 1408 هـ/1988)
125
العلمية
إعداد
: فرحات
الجعبيري
(ط. تونس 1427 هـ / 2006)
تراجم المؤلفين التونسيين
ط بيروت 1414 هـ / 1994)
أبو الحسن الشاذلي (ط. تونس
(1989/ 1409 (1/125)
صفحة 126
محمد بوذينة (ت 1423 هـ/2002)
صليحة
(ط. تونس 1417 هـ/1997)
مشاهير التونسيين (ط. تونس 1412
هـ / 1992)
فصول في التاريخ والحضارة
حمادي الساحلي
(ط. بيروت 1412 هـ / 1992)
(ت 1425 هـ / 2004)
تاريخ جبل المنار
(ط. تونس
(1985/ 1405
محمد أنور بوسنينة
(ت 1426 هـ / 2005)
عبدالرزاق كرباكة حياته وآثاره
ط. تونس 1420 هـ / 1999)
محمد
حياته
العربي الكبادي أضواء على
وتراثه
أحمد عبد السلام (ت 1428 هـ/2007)
(ط. 1 تونس 1427 هـ / 2006)
المؤرخون التونسيون في القرون
$19,18,17
تعريب: أحمد عبدالسلام/ عبد
الرزاق الحليوي (ط. بيت الحكمة تونس 1413 هـ/1993)
المدرسة الصادقية والصادقيون
126
(ط. بيت
تونس 1414 هـ / 1994)
الحكمة
الصحافي المناضل سليمان الجادوي ط. تونس 1427 هـ / 2006) (1/126)
صفحة 127
الجيلاني ابن الحاج يحيى
(ت 1431 هـ /2010)
محمد
أبو الحسن
علي
(ط. تونس (1394 هـ / 1974)
الحصري.
صفحات
من تاريخ تونس
(ط. بيروت 1405 هـ/1985)
معركة الزلاج بالاشتراك مع
محمد المرزوقي) (ط. تونس
(1961/ 1381
الحبيب ابن الخوجة شيخ الإسلام الإمام الأكبر
(ت 1432 هـ/2012)
ابن عاشور (محمد العزيز)
الطاهر ابن عاشور
(ط. قطر 1425 هـ/2004)
محمد
جامع الزيتونة: المعلم ورجاله
(ط. تونس 1411 هـ / 1991)
المهدية عبر التاريخ (ط. تونس
1400 هـ / 1979)
باجة
بين
الأمس
واليوم
أحمد الطيب الفقيه)
أيوب (عبدالرحمان)
باجية (صالح)
(ط. تونس 1385 هـ/1965)
مجاز الباب أو ممبرسة الرومانية
(ط. تونس 1397 هـ / 1977)
مدنين من قصور الجنوب
ط. صفاقس تونس 1398 هـ/1978)
الإباضية بالجريد في العصور
الإسلامية
الأولى
(ط. تونس
(1976/ 1396
بن جراد (بلقاسم)
قابس عبر التاريخ (ط. قابس
(2001/ 1422
127 (1/127)
صفحة 128
بن سالم (عمر)
قبادو حياته وآثاره وتفكيره
الإصلاحي
(ط. تونس 1395 هـ/1975)
شط الجريد والواحات (ط. تونس
بن وزدو (الهادي)
بيبي (الهاشمي)
(1999/ 1420
المحرس
(ط. تونس 1423 هـ/2002)
بورونية (الشاذلي) – بالاشتراك مع قرطاج البونية تاريخ حضارة
محمد الطاهر
التونسي (علي)
الجعبيري (فرحات)
جلاب (الهادي)
(ط. تونس 1420 هـ / 1999)
قرنبالية قرون بالية وهي
(ط. تونس 1425 هـ/2004)
باقية
ملامح عن الحركة العلمية عند الإباضية بجربة من الفتح الإسلامي سنة 47 هـ إلى أواخر ق 12 هـ
(ط. تونس د. ت.)
نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة (ط. تونس 1395 هـ/1975)
علي باش حامبه (ط. تونس
(2005/ 1426
الشمال الغربي التونسي فصول
الحمروني (أحمد)
ومراجع
(ط. تونس 1425 هـ / 2006)
إقليم
(ط. تونس 1430 هـ /2009)
القيروان
تستور وثائق ودراسات (ط 1 تونس
128 (1/128)
صفحة 129
(1999/ 1420
جهة جندوبة (ط. سحر للنشر
(2009/ 1430
وطن الكاف (ط 1428 هـ / 2007)
حمريت (علي)
أريانة
مع الزمان (ط. تونس
(2004/_1425
خالد (أحمد)
الهادي
الخليفي (عمان)
نويرة (ط 1 تونس 1427 هـ / 2006)
المنصف باي: الملك الشهيد
تعريب محمد الطاهر الزواوي
(ط. تونس 1427 ه/2006)
دب (علي) (بالاشتراك مع عبد
إبراهيم
الحصري
(ط.
الجبار الشريف)
تونس 1402 هـ / 1981)
الذوادي (رشيد)
ريدان (جلول)
الزريبي (الهادي)
زغندة (فتحي)
129
أعلام من بنزرت (ط. تونس
(1996/ 1417
جماعة تحت السور (ط. تونس
(1975/ 1395
ح. ح. عبدالوهاب
(ط. تونس 1431 هـ /2010)
الطاهر لسود: القيادة العامة
لجيش
تحرير
شمال
إفريقيا
(ط 1 تونس 1429 هـ/2008)
الطريقة السلامية في تونس
أشعارها وألحانها (ط. بيت الحكمة
تونس 1411 هـ / 1991) (1/129)
صفحة 130
الزقلي (حسن)
الزيادي (أحمد)
السعدي (أبوزيان)
سعيد (صافي)
السوفي (عمان)
قربة
الهوية
الثقافية
(ط. تونس 1423 هـ/2002)
الوديان عبر التاريخ أحمد
الزيادي (ط. تونس 1433 هـ/2012)
محمد الفاضل ابن عاشور رجل الفكر والعمل والإصلاح (ط 1 تونس
(2009/ 1430
بورقيبة سيرة شبه محرّمة
(ط. بيروت 1423 هـ/2002)
بني خداش وجيرانها
عبر
الحركات
الشابي (علي)
النضالية (ط 1 تونس
(2001/ 1422
رائد النضال عرفة الشابي: رائد
القومي في العهد الحفصي
(ط. الدار
العربية
للكتاب 1403 هـ / 1982)
الشابي (محمد المنصف)
صالح بن يوسف حياة كفاح ط 2 تونس 1428 هـ/2007)
شاکر (عبدالمجيد)
شيخة (جمعة)
130
الهادي شاكر جهاد واستشهاد ط تونس 1424 هـ/2003)
قرقنة وجربة من خلال كتب
الرحلات
(ط 1 تونس 1414 هـ / 1994)
البشير خريف حياته ورواياته
(ط. تونس 1408 هـ / 1988) (1/130)
صفحة 131
الجنرال حسين حياته وآثاره (ط.
الطويلي (أحمد)
تونس 1414 هـ/1994)
شهيرات
القيروان
(ط. دار سحنون 1434 هـ / 2013)
ضواحي
تونس
الشمالية
والجنوبية (ط. تونس 1428 هـ / 2008)
ضيف الله (محمد)
نوافذ على تاريخ نفزاوة (ط. تونس
(2008/ 1429
عزونة (جلول)
العشي (رضا)
الفهري (عبدالحميد)
منزل التميم عاصمة الدخلة (ط.
تونس 1404 هـ/1984)
أضواء على انتفاضة علي بن
غذاهم
(ط 1 تونس 1426 هـ / 2005)
لمحات من تاريخ هرقلة (ط 1
سوسة 1423 هـ/2002)
قرقنة
من
سرسينيا
إلى
القزاح (محمود)
كرو (أبوالقاسم)
حشاد (ط. تونس 1424 هـ/2003)
المدخل إلى تاريخ مدينة مساكن (ط 1 تونس 1430 هـ/2009)
أبو القاسم الشابي حياته وشعره
(ط 1) تونس 1430 هـ/2009)
شعراء قفصة في 11 قرنًا
(ط.
تونس 1425 هـ/2004)
الكعبي (المنجي)
القزاز القيرواني
(ط. تونس
131
(1968/ 1388 (1/131)
صفحة 132
لبيض (سالم)
تاريخ شبه جزيرة جرجيس من العصور القديمة إلى نهاية الاحتلال الفرنسي (ط. تونس 1422 هـ / 2001)
اللواتي (حمادي)
مراصي (محمد)
أبناء جربة في الحركة الوطنية
1961 - 1881
(ط. الشركة التونسية لفنون الرسم
د. ت.)
سعيد بوبكر
المريمي (محمد)
المستيري (سعيد)
المصباحي (حسونة)
المطوي (محمد الهادي
(ط. تونس 1417 هـ / 1996)
إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث (ط 1 تونس 1426 هـ / 2005) المنصف باي الحكم والمنفى
(ط 1 تونس 1411 هـ/ 1991)
ثلاث منارات تونسية:
-
خيرالدين التونسي محمد بيرم
الخامس- سالم بوحاجب
(ط 1 تونس 1429 هـ/2008)
الصادق مازيغ
(1998/ 1418
علي الغراب حياته وأدبه
(ط. تونس 1407 هـ / 1987)
(ط. تونس
محمد الحليوي (ط. الدار العربية
للكتاب 1404 هـ / 1984)
محمد العروسي المطوى عاشق
132 (1/132)
صفحة 133
الأرض والوطن والإنسان (ط. تونس
(1995/ 1416
فرحات حشاد المؤسس الشاهد القائد الشهيد تقديم: حسين العباسي (ط. تونس 1433 هـ/2012)
قمودة تاريخها وأعلامها (ط 1
تونس 1417 هـ/1997)
صفحات
في تاريخ سليانة
المكني (عبدالواحد)
الهاني (التهامي)
الهاني (عبدالقادر)
الحديث
ط. تونس 1411 هـ / 1991)
AHMED IBN ABI DHIAF
Son oeuvre et sa pensée.
Zaghouan Janvier 1996.
Ahmed Jdey
Bourguiba tel que je l'ai
Amor Chadli
connu
Ed.2011
Bourguiba. ed. Paris 1988
جربة من جزر البحر الأبيض المتوسط التاريخية (المعهد القومي
للآثار والفنون 1403 هـ / 1982)
Pour la sauveguarde de
l'architecture
et
l'environnement de djerba.
de
Sophi Bessis et Souhayr Belhassen
133
تأليف جماعي (1/133)
صفحة 134
134
ed. imp. Alasria Tunis
تاريخ
الأدب التونسي في العهدين
المرادي والحسيني
(ط. بيت
تونس 1413 هـ/1993)
ابن أبي زيد القيرواني
(مركز الدراسات
بالقيروان 1414 هـ/1994)
الحكمة
الإسلامية
الإمام محرز بن خلف رائد
التسامح ومقاومة التطرف
(وزارة
الشؤون
الدينية 1414 هـ / 1994)
أعلام من جزيرة جربة
جمعية
صيانة
جربة
1416 هـ / 1996)
دراسات حول جزيرة جربة
(جمعية
صيانة
جربة
(1996/ 1416
الشيخ
محمد النخلي وإسهامه في
(وزارة
حركة الإصلاح والتجديد
الشؤون الدينية 1417 هـ/1997)
تونس عبر التاريخ
(تونس 1428 هـ/2007)
موسوعة القيروان (وزارة الثقافة (1/134)
صفحة 135
(2009/ 1430
دور القيروان في تأصيل المذهب
المالكي ونشره (وزارة الشؤون الدينية
(2010/ 1431
الشيخ
محمد
الشاذلي النيفر
(ط. بيت
تونس (1432 هـ / 2011
الحكمة
135 (1/135)
صفحة 136
بيبليوغرافيا (2) إباضية تونسية مختصرة
مخطوطات من المكتبة البارونية بجربة
التأليف
المؤلّف الإباضي التونسي
ابن بيان (عمر)
فوائد في العقيدة
ابن يخلف (أبوالربيع سليمان)
التحف المخزونة في إجماع
الأصول الشرعية ومعانيها في
الأصول
شرح على متن إيساغوجي في
المنطق
الجوابات لبعض
الإخوان
أبوستة (أبو عبدالله)
المصعبيين
حاشية عل مختصر العدل
لأحمد الشماخي
حاشية على كتاب الوضع
للجناوني
-
1
تم جمع المكتبة البارونية من مكتبة الشيخ سعيد بن عيسى الباروني
(ت 1282 هـ / 1868) وأبنائه وأحفاده.
وقام بفهرستها سعيد بن يوسف الباروني بالتعاون مع دار الكتب الوطنية، وبيت الحكمة، وجمعية صيانة جربة بين سنتي 1409 - 1413 هـ/1989 - 1992
وتحتوي 1087 مخطوطا في مختلف العلوم الشرعية واللغوية:
(39) قرآن (4) تفسير (78) حديث (12) سيرة (105) فقه سنّي
(268) فقه إباضي (60) توحيد (42) فرائض (97) لغة (44) تاريخ (20) منطق (11) حساب
(20) فلك (24) طب (8) أصول
(48) تصوّف (77) أدب (8) فلسفة (12) حكم (5) علوم
(105) أغراض مختلفة
موقع المكتبة الإلكتروني http://elbarounia.com
136 (1/136)
صفحة 137
أبوستة (عمرو)
أبوستة (عمر بن يحيى)
أبوستة (محمد بن عمرو)
البرادي (أبو القاسم)
حواش على كتاب النكاح
للجناوني
رسالة في حكم الأحباس
المجموع والمعمول على ما عليه
السلف الأوّل
حواشي أبي ستة على كتاب
الوضع
حاشية على كتاب البيوع من الإيضاح لعامر الشماخي
حاشية على كتاب الشفعة
والهبة والوصية من الإيضاح
حاشية على كتاب الفرائض
للجيطالي
حواش على كتاب قواعد الإسلام للجيطالي
البحث الصادق والاستكشاف
عن حقائق أسرار معاني كتاب
العدل والإنصاف
الجواهر المنتقاة
في ذكر شيء من الحقائق
مجموعة مسائل عن المشائخ
الأزهار الرياضية على المنظومة
الثلاتي (البدر)
الرائية لأبي نصر الملشائى
التلاتي (داود)
شرح العقيدة
137 (1/137)
صفحة 138
التلاتي (عمروبن رمضان)
النونية
اللآلئ الميمونية على المنظومة
نزهة اللبيب في شرح الترتيب
للوار جلاني
نظم التحقيق في عقود التعليق
شرح على شرح الشماخي على متن عقيدة التوحيد
الجادوي (أبوالربيع سليمان)
الجادوي (أبوعفيف صالح)
الجادوي (علي بن عبدالله)
حاشية على كتاب السؤالات
الجادوية في نظم مهمات
القواعد الخمسة الإسلامية
الفوائد والمسائل لبعض الأفاضل
الجيطالي (إسماعيل)
الجواب على رسالة سالم بن
مسعود الحامي
شرح الأصول الدينية
عقيدة التوحيد
قواعد الإسلام
الحيلاتي (عبدالرحمان)
السدو يكشي (عبدالله بن سعيد)
الشماخي (أبوالربيع سليمان)
نسبة الدين
حاشية على إيضاح الصلاة
رسالة في صلاة الجمعة
قصيدة في الوعظ
المصعبي محمد بن أبي القاسم)
كتاب الفوائد
حاشية على تفسير الجلالين
المصعبي (أبويعقوب يوسف)
حاشية على المنظومة النونية
وشرحها الصغير للويراني
138 (1/138)
صفحة 139
الويراني (عمر)
مجموعة علماء
حاشية على رسالة تبغورين في
أصول الدين
باشا
رسالة إلى حاكم تونس علي
رسالة في الفقه
قصيدة الخافية الأفلاطونية
وشرحها
كتاب السؤالات مجلس جامع
وادي الزبيب جربة
مناسك الحج
ديوان العزابة
مجموعة أجوبة فقهية
رسائل فقهية
شرح كتاب الجهالات
139 (1/139)
صفحة 140
[صفحة فارغة] (1/140)
صفحة 141
الفصل الثاني
في الدفاع عن الهوية
141 (1/141)
صفحة 142
تمهيد: في أدب الردود
يُعتبر "أدب الردود" في الثقافة الإسلامية، ونعني المصنفات ذات المنزع الديني، من أجلى مظاهر الحراك الفكري المتعدّد المعاني والألوان، والذي كان يهدف في جهة منه إلى امتلاك زعامة الرأي الواحد وبسط نفوذه وسلطته، واحتكار الحقيقة المطلقة.
وفي الجهة الأخرى، كان يسعى إلى تقويض تلك السلطة العاتية، وتدويلها بدل ذلك بين "الزعماء" وبين "المهمشين" "المظلومين" "المضطهدين"، بقسمة سوية
ويمكن أن تُصنَّف هذه الردود إلى ثلاثة:
-
صنف أوّل: الردود العقدية المذهبية
أن
وأصحابها، ممن يُصنّفون بـ"أهل السنة والجماعة"، بحكم شعورهم مسؤولية أُلقيت عليهم في "حراسة الدين"، ثم العقيدة، ثُمَّ المذهب، ثُمّ العلم، إلخ ... ، يرون من المتحتم أن لا يسكتوا عما يخالف ما يرونه "الحق"، ولا يسمحوا لأهل البدع والضلالات" بنشر أفكارهم "الباطلة" وترويجها، والتلبيس على العامة.
فضلا
كما لا يسمح هؤلاء الرادّون المركزيون أن تُنتقد مبادئهم العقدية والمذهبية، أن تُزْدَرى وتهاجم فذلك مس، في رأيهم، بماهو "مقدس"، ولا يجوز أن يقفوا إزاء ذلك صامتين.
عن
أما أصحاب الردود من العقائد والمذاهب المهمّشة، فينطلقون من أنّ السكوت عن المطاعن فيهم سبيل إلى ابتلاعهم نهائيا، وهوحجة عليهم، وسند متين للتمادي في شيطنتهم وتفسيقهم وتضليلهم وتكفيرهم. كما أنه الطريق إلى عزلهم، والحول بينهم وبين عموم الناس.
1 - انظر بيبليوغرافيا (3) في أدب الردود في آخر هذا الفصل الثاني، وقد ضمت عناوين في
مختلف المسائل الثقافية، قديما وحديثا
142 (1/142)
صفحة 143
ولذلك يرون من الواجب أن يردّوا للدفاع عن الوجود، والمقاومة محاولات الاستئصال والتصفية ولكشف شبهات متهميهم وتضليلاتهم، كما يعتقدون، ثم للنفاذ إلى فکر صميم خصمهم المردود عليه، لوسمه في النهاية بما وسم به هو غيره من الابتداع ومخالفة الأصل.
وهكذا تكون الردود دائرية إلى غير نهاية وحينئذ تتبادل المواقع بين
،
"حراسة الدين الحق" وبين "الابتداع الضال عن الصراط المستقيم". وإذا كان، مثلاً، الإباضي أحمد الخليلي مفتي عُمان حاليا، قد كتب "الحق الدامغ" مدافعا عن عقيدته ورادا عن الهجومات والطعون، فإنّ علي الفقيهي السلفي الوهابي لم يسكت عن الردّ، وكتب "الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمّى: الحق الدامغ "، قائلاً: " ... بحمد الله بقيت الطائفة الناجية المنصورة على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عقيدة وعبادة، ومنهجًا فردّت على تلك الطوائف المنحرفة انحرافها، وبينت للأمة السبيل الصحيح والصراط المستقيم بما جاء في كتاب الله العزيز وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين ... واليوم نجد هذه الأفكار التي فرّقت كلمة الأمة تُبعَث من جديد ويحمل لواءها الخليلي ومن كان على شاكلته ".
-
صنف ثان: الردود على الفكر الديني المغاير
ونقصد هاهنا ما يكون في عصرنا بين "مشائخ الدين" وبين الكتاب والمفكرين والباحثين الحداثيين المسلمين، الذين يتناولون مسائل ذات علاقة بالشأن الديني ويرجعون إلى التراث الإسلامي ولكن بمقاربة تخالف المنهج النقلي التقليدي، وتنتهي إلى نتائج غير مألوفة، بل فيها من الجرأة والعقلانية والطرافة ما يرى فيه "علماء الدين" سوء فهم وزيغًا وتطاولا وكيْدًا يبتغي إفساد الدين والتشويش على العامة بنقل أفكار الفرق الضالة المبتدعة، والأعداء والمتربصين.
1 - الفقيهي: الردّ البالغ ص 11
143 (1/143)
صفحة 144
"
الأمثلة ومن على ذلك قول مؤلّف "نقض كتاب: في الشعر الجاهلي": فسقت طائفة عن أدب الإسلام ... تلهج هذه الطائفة باسم حرية الفكر، وهي لا تقصد إلا هذا الفنّ الذي أكبّت عليه صباحها ومساءها، وهو النيل من هداية الإسلام، والغض من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام ... ومؤلّف كتاب في الشعر الجاهلي، هو عينهم الناظرة، وسهمهم الذي يرمون به في مقاتل أمتهم الغافلة .. ". وهو نفسه مؤلف "نقض كتاب: الإسلام وأصول الحكم، ويقول فيه: " .. حاول أي علي عبد الرازق) أن يقطع الصلة بين الدين والسياسة، ويحارب آداب الإسلام القاعدة للإباحية الفاسقة في كل مرصد ... وأدرك أن الأمة مسلمة وأن الإسلام دين وشريعة وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين تقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسلامية، فبدا له أن يعالج المسألة بيد الكيد والمخاتلة ويأتيها باسم العلم والدين ... وأخرجها كتاباً يحمل سموماً لوتجرعها المسلمون لتبدلوا الكفر بالإيمان والشقاء بالسعادة والذلة بالعزة ..
2"
وينعت الشيوخ أصحاب هذه الآراء بأنهم:
/ "أفراخ المعتزلة"،
/ "أذناب المستشرقين"،
/ "كفار علمانيون" إلخ ... ،
ويدعون إلى الحذر منهم ومقاومتهم.
وهذه الردود من الصنفين، هي ما ننعته بـ"الردود الداخلية"، يعنى: إسلامية - إسلاميّة هذا إذا لم يخرج أحد الطرفين الآخر من الملة، طبعا)، وفيها يتكلّم كل طرف باسم "الإسلام"، و"الحق"، و"الهدى".
-
صنف ثالث: الردود الموجهة إلى غير المسلمين
1 - محمد الخضر حسين: نقض كتاب في الشعر الجاهلي. التمهيد 2 - حسين: نقض كتاب: الإسلام وأصول الحكم صص 244 - 245
144 (1/144)
صفحة 145
الذين يُعنون بدراسة الإسلام أوغيره من الأديان، أويعيدون قراءة المعطى أو ينشرون مواقف صادمة، أو يذيعون مقاطع غير متداولة من التاريخ
الديني،
الديني، إلخ ..
ويراهم شيوخ الدين قد اعتدوا وضلوا وأضلوا، فيتصدون لتكذيبهم وردّ
افتراءاتهم.
ويعتبرون ردودهم عليهم نوعًا من أنواع الجهاد في سبيل الله، يُستبدل فيها السيف بالقلم، والسنان باللسان. وانطلاقا من هذه "الحميّة" الدينية السجاليّة ينشغل الراد، أحيانًا، بتتبع كبائر الفرق والمذاهب والطوائف وصغائرها الاعتقادية والفقهية المدونة أو المتناقلة شفويا، وأحيانًا أخرى بتلقف كل كتاب أوفتوى أوحديث شفوي، لرصد دقائقه ومنطوقه ومفهومه وخلفيات، صاحبه، ليُماز "الخبيث من الطيب"، و"يُصحح"، ويُرَدّ على "العلم" بـ"العلم"، أوعلى الهجوم بالهجوم .. ولا يخلو حال المردود عليه في الأصناف الثلاثة من الردود، من أن يكون في
نظر الراد:
عدو الإسلام، متآمرا، حقودًا، متهجما ...
معتديا طاعنًا في الكتاب والسنة، .....
جاهلاً
ضالاً مضلاً
مبتدعا
فاسقا
صاحب هوى
رأس فتنة
متعصبا
| مكابرًا
145 (1/145)
صفحة 146
ويكون الراد:
،
الناطق الرسمي باسم الكتاب والسنة، والإسلام الصافي النقي
رمز العقل والحكمة
/ مالك الحقيقة
على الصواب التام
جنديا، مجاهدًا، منافحا،
المنقذ من الضلال
الهادي إلى الهدى والرشاد
الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
القاضي على الفتنة ومشعلها
الرادع ...
وحينئذ، يندفع المصنّفون في الردود بجملة من الدوافع، وأهمها:
الدفاع عن الإسلام بما هوذات إلاهية مقدّسة، ورسول كريم، وقرآن، وسنّة، ومعلوم من الدين بالضرورة، وأصول ثابتة .. وبما هو، وسائر الأديان السماوية الأخرى، عقيدة ووحي وشريعةٌ، تكون فوق كل الآراء والأفكار. وتكون المنافحة في هذا المضمار مهمّة مركزية ذات شرف عال، تستمد المدد
والنصر من الله على "الكافرين" "الملحدين" "المشككين" "الطاعنين". وتستحضر هاهنا الآثار التي تشحذ الهمم في هذا العمل الجهادي، ومنها: / "ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم"، دعاء الرسول (ص) لشاعره حسان بن ثابت (ت 54 هـ/674 م): "اللهم ايده القدس"، بروح
146 (1/146)
صفحة 147
قوله يخاطبه: "إنّ القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله روح ورسوله "، و "قُلْ و وروح القدس تؤيدك".
- الحجاج العقدي، والجدل المذهبي، وبهما يكون الانتصار لـ"الفرقة الناجية"، وما سواها في النار.
- إحقاق الحق، وإبطال الباطل. فالأمة الإسلامية، كما يذهب إلى ذلك ابن تيمية (ت 728 هـ/ 1328 م)، "لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل، ويرده. وهُم لما هداهُم الله به، يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيًا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ.
-
20
- نُصرة العلم الصحيح"، وتقديم بيانات "العلماء"، إن " للعلم سلطان على جميع الحقائق فإذا ثارت المناقشات وتولدت المباحثات، فليس للعلماء ملازمة السكوت وعليهم أن يمدوا طلب الحقائق بتحقيق ينعش ويقوت ... وإن الله خص هذه الأمة بصحة الإسناد وأغناها بمرعى السعداء مراعي القتاد، لذلك حق على علمائها إن عُرض من الآثار ما فيه مغمر أن يكشفوا عن حقيقته فإن الكشف عن الحقائق أحمر"، و"هذه الأمة المرحومة يتوالى. فضل الله عليها. فمايزال المنهج السوي شارعًا في أحيائها تلوح منه سطور التيقظ والتذكير والتنبيه والتحذير على أيدي علمائها الأمناء ... وفي خط الدفاع من العلماء عن حرم العلم الشرعي والذود عنه، ترى وتسمع ردودا فاضت على أسلات ألسنتهم وأسنة أقلامهم
،
- استدراك "الخطا"، ونشر "الصواب"
4"
3
- حماية الرأي العام وتنبيهه إلى المغالطات والتلبيسات والمكائد
وفي ذلك، يقول صاحب كتاب: "الحداد على امرأة الحداد، أو ردّ
الخطا والكفر والبدع، التي حواها كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع"
1 - راجع ديوان حسان بن ثابت تحقيق: عبد أ. مهنا
2: بكر أبوزيد: الردود ص 16
3 - الطاهر ابن عاشور تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة ص 151
-4 زيد: الردود ص 306
:
147 (1/147)
صفحة 148
" .. لقد كان يهون الخطب لوبقي الحدّاد مخفيًا لاعتقاده في نفسه، أوأنه اقتصر على بعض أصحابه وخاصته ... أما وأبى الحدّاد إلا أن يبرز للمجتمع،
مشهرًا لنقيصته، مُظهرًا ما في حقيبته، فإنه تجب المقاومة والبيان، حتى يرتدع ويعرف قيمة نفسه وينزلها منزلتها على أنه لوكان الأمر مقصورًا على التونسي الذي مرن نفسه على تحمّل المكاره واستقبال الشدائد بصدر رحب، لوجدنا بعض العذر في الإعراض عمّا قاله الحدّاد ... لكن اجتاز كتابه حدود بلادنا، وتلقفته أيد أُخَر، وسبرته عقول لها قيمتها في العلم والفلسفة الاجتماعية. فما ذا يقولون عنا إذا لم نتصدّ لدحض ما فيه، ولم نبين ما جاء فيه من الخطا للملا. لقد فضحنا الحدّاد بين الأمم الإسلامية بما جاء في كتابه من الخلط والخبط، وما أقامه من البراهين على الجهل العظيم الذي كاد أن يتخطاه إلى عموم الشعب لولا أن التونسي أعلن براءته منه ومن كتابه ... ولوعوّض عنوانه ب فضيحتنا في الشريعة والمجتمع لقلنا أصاب الحداد، وأمِنّا شر مطرقته الصليبية الشكل، كما أمنًا شر نار جهله المتوقدة وغلطاته المتكررة والمتعدّدة ... "".
وقد تكون الردود صريحة مستقلة، أومضمّنة غير مباشرة، مطولة
أو مختصرة ..
كما تتفاوت نصوص مدوّنة الردود الإسلامية، قوة أوضعفًا، وعُمقًا أوسطحية، وموضوعية أوذاتية، وأدَبا أو إسفافا. مرآة لدرجات علماء وهي
الدين في النباهة والمعرفة والحجاج والسماحة، أوفيما هو عكس ذلك تماما.
لقد كان للإباضية نصيب من رسائل الردود العقدية، ونذكر منها: / الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، لأبي عمار عبدالكافي (ت. قبل 570 هـ/1174 م) / ردّ الشماخي (ت 928 هـ/1522) على صولة الغدامسي، الذي خاطبه في المقدمة بقوله: " زخرفت الخطّ بالخطا وخفي عنك ما تحت الغطا ... وما الجاك إلى التأليف وأنت لا تحسن الترصيف ... "
1 - محمد صالح بن مراد: الحداد على امرأة الحداد صص 3 - 4
148 (1/148)
صفحة 149
ارد أبي مهدي (ت 971 هـ/1564) على البهلولي، الذي يقول له:" والذي يظهر من قولك، أنك لم تطلع على المذهب وأصول الاختلاف، فكتبنا لك هذا الكتاب ليتبين لك الخطأ من الصواب ....
"
ارد محمد الباروني على صحائف من مزونة الجزائرية (133 هـ/19) تدفع التهم التي وجهت إلى الميزابيين
ارد عيسى بن أبي القاسم الباروني على فقهاء غدامس س 1210 هـ/11795
ومن آثار في الردود أطفيش:
إزهاق الباطل بالعلم الهاطل
البرهان الجلي في الردّ على الجربي علي الرد على الصفرية والأزارقة
الرد على العقبي الطاعن في الدين
الرد على الإنقليزي
2
ولنأخذ عينة من مدوّنة الردود التونسيّة، كتاب "المسلك المحمود في معرفة الردود" للإباضي الجربي الشيخ سعيد ابن تعاريت. فهو المثال البارز من الردود المذهبية القريبة من عصرنا المدافعة عن الوجود والهوية، الكاشفة عن المسكوت عنه، المبرزة للمخفي. فمن هو ابن تعاريت؟ وما أهمية مصنفه في
المكتبة التونسية؟.
الكاتب
1 - انظر: تقديم كتاب: المسلك المحمود في معرفة الردود صص 77 - 91
2 - عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء اطفيش صص 114 - 115
المسلك المحمود صص 161 - 162
- راجع: بن يعقوب: تاريخ الجزيرة صص 390 - 391
محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج 1 صص 175 - 177
أعلام من جزيرة جربة صص 7366
المسلك المحمود صص 9 - 25
149 (1/149)
صفحة 150
هو سعيد بن علي بن سعيد ابن تعاريت الثالث، استقر أجداده بآجيم ثم انتقلوا إلى صدغيان من جزيرة جربة فوُلِد هو بحومة صدغيان
س 1286 هـ/1869، حيث تعلم مبادئ العربية وحفظ نصيبا من القرآن وتوفي س 1355 هـ/1936.
،
جده هو سعيد بن علي ابن تعاريت (ت 1289 هـ / 1872) ويُقال
: التعاريتي من شيوخ جربة البارزين وهو المؤرخ صاحب رسالة في تراجم علماء جربة يرجع تاريخها إلى س 1273 هـ / 1856
1
وقد التحق سعيد ابن تعاريت الحفيد بجامع الزيتونة س 1306 هـ/1888، وتخرّج منه بشهادة التطويع س 1312 هـ / 1894. ولئن استقر بعد هذه المرحلة بمسقط رأسه للتدريس والإشهاد، فإنه ظل يتردّد على العاصمة، ليرتاد مكتبة العبدلية، ومكتبة الخلدونية، وليتابع محاضرات الجمعية الخلدونية، حيث تعرّف على نخبة من أساطين الفكر والثقافة والسياسة، من أمثال ح. ح. عبد الوهاب الذي أهداه نسخة من كتابه "بساط
العقيق في حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق" وكتب عليها: "تذكار الوداد والمبادلة العلمية إلى الأستاذ المحترم بقية السلف الصالح سيدي سعيد بن تعاريت، ومحمد الخضر حسين (ت 1377 هـ / 1958) الذي أهداه نسخة من "2، كتابه "الحرية في الإسلام"، وعبد العزيز الثعالبي (ت 1366 هـ/1944)، وقد سارع بالانخراط في حزبه الحرّ الدستوري عامًا واحدًا بعد تأسيسه، وبهذا الانخراط يُعتبر ابن تعاريت عُضوا عاملا بالحزب.
وفي س 1314 هـ/ 1896 سافر سعيد ابن تعاريت إلى يفرن إحدى قرى جبل نفوسة بليبيا، حيث تتلمذ على الشيخ الإباضي عبد الله الباروني (ت 1332 هـ/1914) ليزداد تخصصا في كل ما يتعلق بالمذهب الإباضي عقيدة وفقها وتاريخا. وقد شرح لشيخه هذا قصيدة بعث بها إلى ابنه سليمان (ت 1359 هـ/ 1940 حينما حلّ بتونس سنة 1305 هـ / 1887 لطلب
العلم بجامع الزيتونة.
1 – المسلك المحمود ص 338
2 - المسلك المحمود ص 474
150 (1/150)
صفحة 151
ثم رحل س 1316 هـ/ 1898 إلى وادي ميزاب بالجزائر ليحضر دروس المرجع الإباضي امحمد بن يوسف أطفيش (ت 1332 هـ / 1914) الملقب ب "قطب الأيمة"، وهو جدير بهذه الصفة.
وقد مكث ابن تعاريت في وادي ميزاب في بني يسجن ثمانية أشهر أمضاها بين حضوره في دروس الإمام وتعليم بعض التلاميذ النحو. وفي س 1317 هـ/1899 رجع إلى جزيرة جربة ليباشر الدروس في جوامعها. ومما يُذكر في هذا السياق، أنه دُعِي ليكون مدرسا في جامع الكاتب في حومة محبوبين ذات التاريخ النكاري وهو الوهبي، فقدم فيه دروسا دامت ثلاث سنوات في التدريس، مما يدلّ على أن القطيعة بين الجماعتين انتهت بعد أن تبدلت المواقف والمعطيات طوال إقامته هناك، وقد دامت
بضعة أشهر.
،
وقد وصف سالم بن يعقوب ابن تعاريت بأنه: فطن، قوي الحجة مجادل، جريء، شجاع، مثال في الجد والاجتهاد والحزم، كثير المحاورة. لم يكن سعيد ابن تعاريت غزير التأليف، وليس له إلا
مخطوطتان لا نعرف شيئًا عن قيمتهما العلمية،
/الكتاب الذي سماه: المسلك المحمود في معرفة الردود
الكتاب
3
هو الذي سنشتغل عليه في هذا الفصل من العمل، وسنحيل عليه لاحقا بعبارة "المصدر".
وقد حكى بن يعقوب ظروف تأليف الكتاب بأن ابن تعاريت كان نشاطه كبيرا في مناظرات بعض علماء طرابلس، وغريان وكان يذهب إليهم وفي مساجدهم وعقر دارهم من غير مشاورة شيخه، ولا يرجع عنهم إلا مغلوبين.
1 - بن يعقوب: تاريخ الجزيرة ص 391 2 - بن يعقوب: تاريخ الجزيرة ص 390 - 3 - راجع: المسلك المحمود صص 12 - 15
151 (1/151)
صفحة 152
ابن
ومن ذلك ذهابه إلى زاوية السنوسية بالقلعة حيث كان عالم غرياني مغرور قد طالب شيخه عبدالله الباروني للجدال في المسائل الخلافية، متجاسرا في دعواه. ولما التقى به في الزاوية تجادلا وبعد ساعة انهزم الغرياني ورجع تعاريت إلى شيخه فلامه على ذلك فأجابه: "لواستأذنتك لما أذنت لي، فذهبت وحدي حتى لو انهزمت فإنما انهزم تلميذك لا أنت" 1.
"
لقد اعتمدنا في "المسلك المحمود الطبعة الأخيرة التي ظهرت منذ أقل من خمس سنوات أي س 1431 هـ /2010) بتحقيق د. فرحات الجعبيري وابن المؤلف أ. علي ابن تعاريت ولم تتوفّر لهما سوى النسخة المطبوعة في تونس س 1321 هـ / 1898 طباعة حجرية، والتي أشرف على إتمامها وتوزيعها
المؤلّف نفسه.
وكان من عمل المحققين في الكتاب وضع العناوين وأشباه العناوين بالخط الغليظ، من أجل التيسير على القارئ عند تصفح الكتاب، والنظر في فهرست مواضيعه، وخاصة عند تبينه التحوّل من موضوع إلى آخر بجلاء، إذ جاءت القضايا الكلامية المتناولة في الطبعة القديمة متداخلة فيما بينها، ومختلطة بالقضايا الحضارية المطروحة، مما يدل على أن الكتاب صُنّف بطريقة تقليدية لا تدلّ على تمرس مكين في التأليف.
(
كما تركز العمل على تنظيم الفقرات والتنقيط، والتعريف ببعض المصطلحات الإباضية، وترجمة عدد من الأعلام المذكورين، وضبط أربعة فهارس مع تعريف بالمؤلف ودراسة، يتصدران الكتاب 3.
أما
الشيخ سعيد ابن تعاريت فقد ألف " المسلك المحمود في معرفة
الردود" في نفوسة الليبية (المسماة) اليوم الجبل الغربي)، تصحيحا وردًا على
إحدى فتاوى محمد بن مصطفى مفتي طرابلس الليبية (ت 1315 هـ / 1897)
1 - بن يعقوب: تاريخ الجزيرة ص 390
بن يعقوب: تاريخ الجزيرة ص 390، وبهذا يتبين أن الرد طبع بعد وفاة المفتي
سنوات كما يأتي
3 المصدر صص 2 - 8
1 - لم يمنع ابن تعاريت مقام المفتي العلمي وشهرته وسمعته أن يردّ عليه.
بست
1
152 (1/152)
صفحة 153
الضالة،
اشتملت على نسبة الجبل أي إباضية نفوسة الليبية إلى الفرق وإضافة مقالات لهم ليسوا بقائلين بها ولا كتب مذهبهم عليها دالة". فيحدد ابن تعاريت دوافع كتابه ويقول: "التمس مني بعض الإخوان أصلح الله لي وله الشان، أن أتأمل فيما ذكره، واعتمد عليه وحرره، وأن أقيد في ذلك ما ظهر لي من ردّ وجواب وأن أبين فساد ما أسنده إليهم مما برئ منه الأصحاب، ليمتاز الخبيث من الطيب والصحيح من العليل، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (الشورى، 40/ 42) .. فلبيت دعوته وأجبت مسألته " 2.
وه
ونص الفتوى: "سُئِلْتُ عن أهالي جبل طرابلس الغرب الذين لا يتمذهبون بمذهب من المذاهب الأربعة، ما مذهبهم؟ ومن هو إمامهم؟ الجواب أنهم يتمذهبون بمذهب عبد الله بن إباض، وهُمْ، أباضية، وهم من جملة الخوارج. وقد قسّم في المواقف الخوارج إلى سبع فرق إحداها الأباضية. قال إنهم قالوا مخالفونا من أهل القبلة كفار غير مشركين تجوز مناكحتهم، وغنيمة أموالهم من سلاحهم وكراعهم حلال عند الحرب دون غيره، ودارهم دار إسلام إلا معسكر سلطانهم. وقالوا تُقبل شهادة مخالفيهم، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان والاستطاعة قبل الفعل، وفعل العبد مخلوق الله تعالى، ومرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا ملة، وتوقفوا في
والمفتي فهو كامل أو محمد كامل بن مصطفى بن محمود الطرابلسي الحنفي، فقيه من أهل طرابلس الغرب، دخل الأزهر، ودرس الفقه المالكي بجانب الفقه الحنفي والشافعي، وبعد سنوات عاد إلى طرابلس، وزار تونس س 1298 هـ/1881، وولي الإفتاء س 1311 هـ/ 1897 إلى أن تُوفي. كان يُلقب ب"سيبويه زمانه، وكان قوي الحجّة واسع الاطلاع حاد الذاكرة. وكان في الإفتاء مثال الأمانة والنزاهة وعليه من مهابة العلم ووقاره ما بعث الهيبة في نفوس عارفيه
?
حتى من اليهود والمسيحيين.
من كتبه: "الفتاوى الكاملية في الحوادث الطرابلسية" على الفقه الحنفي.
الزركلي: م. س. ج 5 ص 218 الزاوي: أعلام ليبيا صص 383 - 384
1 - المصدر ص 114
2 - المصدر صص 114 - 115
153 (1/153)
صفحة 154
تكفير أولاد الكفار وتعذيبهم، وتوقفوا في النفاق أهو شرك أم لا، وفي جواز بعثة رسول بلا دليل ومعجزة وتكليف أتباعه فيما يُوحى إليه، أي تردّدوا في أن ذلك جائز أم لا، وكفّروا عليًّا وأكثر أصحابه وافترقوا فرَقًا أربعًا أَنْظُرْهُم في المواقف. والله تعالى أعلم. " 1
وقد تتبعنا هذا المؤلف، فوجدناه ينبني على خطة ثلاثية:
•
تقديم صورة الإباضية من وجهة نظر إباضيّة، وما يستتبع ذلك من
التعريف والتصنيف والتنصيع والتصحيح.
• رضد الاختلاف غير الإباضي
الدعوة إلى السماحة المذهبية وكسب التحديات.
وهي المحاور الثلاثة التي تتركز عليها دراستنا.
1 - ابن مصطفى: الفتاوى الكاملية ص 3
وتورد إتماما للفائدة، ودفعا إلى المقارنة ردّ أطفيش شيخ ابن تعاريت، على هذه الفتوى،
ملخصا:
،
لا تحل مال الموحد لا بالكبيرة ولا بالصغيرة في حرب ولا غيرها، لا للغني ولا للفقير لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل
مذهبنا
دار مخالفينا دار إسلام غير دار سلطانهم فلا قائل به فإن لم تكن دار سلطانهم دار إسلام فكيف تكون دار غيرهم دار إسلام - مذهبنا: مرتكب الكبيرة موحداً غير مؤمن، وعليه البخاري والمحدثون، ذكره الشعراني نقبل شهادة مخالفينا إذا كانوا ورعين في ديانتهم
- نقول: مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وكافر بالجارحة، وفاسق ومنافق، بمعنى مخالفة
أفعاله لأقواله، لإقراره بكلمة الشهادة
نقول: أفعالنا خلق من الله وكسب منا
منا من توقف في أطفال المشركين ومنا من يقول إنهم في الجنة
نحن لا نتوقف في النفاق بل نجزم أنه غير شرك ونقطع بذلك
نحن لا نقول بجواز بعثة الرسل بلا حجة ولا معجزة
الاستطاعة عندنا هي مع الفعل لا قبله. راجع: معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية
صص 631 - 632
154 (1/154)
صفحة 155
1 صورة الذات
،
إذا كان الجدل حول الإباضية لا يزال قائماً إلى أيامنا هذه، وقد طوينا نصف العشرية الثانية من 21، والعالم العربي الإسلامي تتقاذفه الأزمات والنوائب والقلاقل وتتعاظم فيه المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنّه ليس من الغريب أن يكون عصر المؤلف ملتقى القرنين 20/ 19 م، امتدادًا لعهود المعارك العقدية والكلامية والمذهبية التي لم تزدها الأيام والأقلام إلا اشتعالاً، بالرغم من جهود الراسخين في العلم المقرّبين بين المذاهب، الذابين عن حمى وحدة المسلمين.
،
ولعل ابن تعاريت رأى من واجب الدفاع عن عقيدته ومسؤولية العالم الدين، أن يرفع صوته، وأن يعرض أطروحته حينما حتم الداعي، وتوفر المثير. دون أن يكون ذلك نابعا من اندفاع إلى عصبية أومساجلة بالغة، مع أنه واصل في المسار نفسه الذي سلكه مَن سُبَقه، حيث زكى مذهبه بلا حد، وضلل مخالفه بلا، تحفظ وجنّدَ لذلك بعض الآثار والنصوص، فهو يقول تعقيبا على أحدها:" وكفى بذلك دليلاً على صحة طريقتنا، وإصابة أيمتنا، واتباعهم كتاب الله وسنّة الرسول وآثار الصحابة العُدُول، وسلوكهم النهج القويم والصراط المستقيم، ولم يزالوا بحمد الله ذي العظمة والجلال يتوارثون دين الله طبقة بعد أخرى على هذا المنوال .. فالغالون هم الخوارج كالأزارقة، والصفرية .. ، وأما المبطلون فهُمُ المشبهة والمجسّمة ومَن حَدًا حذوهم، وأما الجاهلون فهُمُ المتأوّلون لكتاب الله المبين وسنّة نبيه الأمين تأويلاً غير مقبول عند ذوي البصيرة من الناس، ولا سند له من قاطع نص أوجلي قياس، وهؤلاء ضالون بتمامهم ونحن براء منهم.
ولم يرض ابن تعاريت بأن يُسمى كلّ من خرج على الإمام، ومنهم الإباضية، خارجيا، ويُورد في ذلك أمثلة كثيرة من خارجي أهل السنة والشيعة ومعتقدي الخروج، ولكنّهم لم يُصنفوا مع ذلك خوارج. على خلاف الإباضيين العمانيين، السالمي (ت 1332 هـ / 1914) الذي يُقرّ أنّ تسمية
1 - م. س. صص 146 - 147 1 - م. س. صص 199 - 212
155 (1/155)
صفحة 156
تسمية
الإباضية بـ"الخوارج" ترجع إلى كثرة جهادهم في سبيل الله، وهي محمودة، ويضيف: "ولما فارقتنا الأزارقة والصفرية أخذوا عنا اسم الخروج، وانقلب المدح ذما واختصصنا باسم أهل الاستقامة"، والخليلي، مفتي سلطنة عمان الحالي الذي يرى أن الإباضية خوارج إذا كان معناها الخروج عن الإمام عندما يجتهد المجتهدون، ويرون أن قضية ما منه تتنافى بحسب اجتهادهم مع أصول الشريعة التي ينبغي أن يُسار عليها، أوتتنافى مع السياسة الشرعية. أما إن كان المراد بالخروج هو الخروج على الأمة أوعنها أو القيام على الحاكم الشرعي بغير وجه شرعي فالإباضية حلين ليسوا خوارج لأنهم لا يوافقون على هذا 2.
، كما
وقد بدأ المؤلّف بترجمة إمام الإباضية الروحي جابر بن زيد، إذ هو، يصفه، "الإمام الأعظم"، و"المدوّن للمذهب"، ويورد أن أيمة كثرا وثقوه، ويُوجب الاعتراف بإمامته، وبصحة مذهب من كان على طريقته 3
ثم عقب بترجمة الرستمي عبد الوهاب (ت 208 هـ/832 م) الذي تُنسب إليه "الوهبية" الإباضيّة الباقية إلى اليوم والتي تمتاز عن بقية فرق الإباضية الكثيرة، بأنها تتبع ابن زيد وعبد الوهاب ... وقد أشرنا إلى الخلاف في نسبة هذه التسمية سابقا، ونضيف أن أطفيش شيخ ابن تعاريت، قد أثبت أن "دين الوهبية" نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي (ت 38 هـ/658 م) لا إلى عبدالوهاب، لأن الأوّل أنسب لتقدّمه، ولأنّ النسب إليه على القياس، وأما الثاني فقياس النسب إليه "وهابي". وبين هاهنا أن "الإباضية الوهبية" حقيقة عرفيّة لمن تسمّوا بها، ويخرج "النّكار" و"الفرثيّة" لأنهم لم يدينوا بما دان به
أولئك '
1
1 - جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية ص 95 2 - الخليلي: لقاءات في الفكر والدعوة صص 200 - 201 3 - المصدر صص 121 - 13 / صص 427 - 428
4 - المصدر صص 141 - 147
1 - أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 17 ص 452
156 (1/156)
صفحة 157
وكاد ابن تعاريت أن لا يذكر عبدالله بن إباض، ولعله إيماء إلى: / أن الإباضية لا يرتاحون كثيرًا إلى هذه التسمية التي أطلقها عليهم خصومُهُم، ولم تظهر في مؤلفاتهم إلا في نهاية ق 3 هـ/9 م 2، وحينئذ، فترجمة ابن إباض، المعتبر الإمام السياسي، ليست من الأهمية بمكان، بل تجاوزها أفضل، عند ابن تعاريت للدلالة على أنّ الرجل، برغم قيمته، ليس حقيقاً بأن يُنسب المذهب إليه.
أن الكاتب يبتغي أن يُبرز نزعة المذهب العلمية لا السياسية، وإذا لم يكن من هذه مفر، فلتكن مقترنة بالأولى، والدليل على ذلك ذكره لأبي عُبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 145 هـ / 762 م) المعتبر عند أصحابه جامعا بين الإمامة العلمية والإمامة السياسية 3.
ولا نغفل عن أن ابن إباض تلميذ ابن زيد في العلم، وله مناظرات مع نافع بن الأزرق (ت 65 هـ/ 685 م)، ومع القدرية والشيعة، ولكن يظهر أن شجاعته الحربية غطت على علمه
والإباضيون يرتقون بتسمية مذهبهم إلى جعله "دينا"، وذلك طبعا بمعناه اللغوي، ولكنّه لا يخلو من التزكية المتناهية 4
ثم يستدل سعيد ابن تعاريت على أنّ الإباضية ليسوا خوارج، بأن ابن حبيب روى عن ابن أبي كريمة عن ابن زيد حديث ذمّ الخوارج، فلوكان
-1 - تأمل الإيماءة الخاطفة ص 191 2 - خليفات: التنظيمات السياسية ص 5
3 - المسلك المحمود صص 136 - 138 الزركلي ج 7 صص 222 - 223 / الجعبيري: شخصيات
إباضية صص 19 - 30
4 - يقول أبوبكر النزواني: "وأما المسألة الأباضية فهي أنّ كل من مات على الدين الأباضي مقطوع بأنه من أهل الجنّة أم لا؟ فقولنا في هذه المسألة إنا لا نشك في ذلك ولا نرتاب فيه وأنّ هذا لازم القطع به وإن لم يقطع به فقد شك في الدين الإباضي .. ". الجوهر المقتصر
ص 116
ويقول أحد النساخ الجربيين عند إمضائه: "نسخه للشيخ المكرّم العالم الورع المتدين بدين عبدالله بن إباض والتابع شريعة عبد الله بن وهب الراسبي ...... بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة ص 320
157 (1/157)
صفحة 158
الإباضية خوارج لما اعترفوا بصحة هذا الحديث ونصه: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية ".
1
ويجدر بنا أن نلاحظ هاهنا أمرين:
• هذا الدليل يؤكد أن تصحيح الأحاديث وتضعيفها يمكن أن يكونا مرتهنين إلى العصبية المذهبية. فالمذهب حاكم على الحديث أوله لا العكس. ونقده، سنَدًا ومتنا، لا يكتفي بالضوابط الفنّية الموضوعة، بل يُراعي، بالأساس الولاء للمذهب أو مناهضته. ولذلك نجد أصحاب المذاهب يبذلون قصارى الجهد لتصحيح الأحاديث "المناصرة"، ولواشتهر وهنها، ويبذلون المجهود نفسه وأكثر لتضعيف الأحاديث "المعوّقة"، ولواشتهرت قوتها. وهذه إشكالية معضلة ..
،
ليس في الحديث ما يفصح عن أن المقصود هي جماعات الخوارج الغفيرة
، وإنما الأمر لا يتجاوز التأويل والتوجيه المشدودين إلى الخلفيات والمواقف. وفي هذا السياق تتنزّل الأحاديث المبهمة التي تُستعمل لتمجيد المذاهب العقدية والفقهيّة وأيمتها، أو لشيطنتهم وتكفيرهم وتضليل آرائهم وتبديعها. كما يستدل ابن تعاريت على أن الإباضية ليسوا خوارج، بأن "أهل الحق والاستقامة ردوا على الخوارج وخطؤوهم، وتبرأوا من أقوالهم، وأنبأوا عن فساد، مذهبهم وخالفوهم، فلم يُشركوا أحدًا من أهل القبلة بارتكاب الذنب، ولم يستحلوا دماء المسلمين، ولا غنيمة أموال المخالفين. ودار الشرك عندهم
هي
كُلُّ
دار أحكامها راجعة إلى أهل الشرك يتصرفون فيها تصرفًا مطلقا،
،
1 - المسلك المحمود صص 198 - 199،
وراجع:
مسند الربيع بن حبيب ح 36
موسوعة الحديث الشريف، البخاري ح 5058 ص 438
الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنّة والجماعة صص 17 - 21
158 (1/158)
صفحة 159
وليس فيها أمير مسلم ولومخالفًا، ولا يُوجبون الهجرة من هذه إلى دار الإسلام بعد فتح مكة.
،
كما أن الإباضية يوجبون الإمامة ولا يوجبون الخروج على سلاطين الجور، سواء كانوا من أهل مذهبهم أومن غيرهم، لأنه قد يترتب على الخروج من المفاسد أضعاف ما يحصل من الجور، إذ تتفرق كلمة المسلمين، وتنكسر شوكتهم، ويطمع العدوفيهم ..
غير أن ابن تعاريت لا يبحث في النشأة الأولى للإباضية، مما يمكن أن يساعد على تأييد من ذهب إلى أن هؤلاء خوارج خالفوا خيارات فرقتهم، كما خالفها غيرُهم 2.
ومن جهة أخرى ينفي المصنّف أن يُعدّ الإباضيون أقلية، وإلا عُد الحنابلة كذلك، بل يذهب إلى أن غير الإباضية هم القلة في زنجبار (تنزانيا) 3 وعُمان. ولعله فهم نعت أصحابه أنهم قليلون بأنه اتهام لهم بالشذوذ والضلال، ولذلك قال: "لوكان مجرّد الكثرة بقطع النظر عن الأدلة يدلّ على الإصابة للزم أن المشركين أولى بها من كل المسلمين لأنّ الدين الإسلامي هو الآن أقل من خُمس أديان البشر الأربعة الكبرى، مع أن الله مدح القليل ... وأيضًا لوكانت القلة تدلّ على الخطإ للزم أن تحكموا به على أحمد بن حنبل أيضا، بل الحكم به عليه حينئذ أجدر، وأخرى لأنّ مذهبنا أكثر نفوسا من مذهبه
قطعا.
1 - المصدر صص 187 - 243 2 - راجع:
بحث أبي إسحاق أطفيش ينقله معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية صص 610–622
3 - اقرأ عن زنجبار، مثلا:
،
الريس: صحافي ومدينتان، رحلة إلى سمرقند وزنجبار صص 155 - 359
الخوند: الموسوعة التاريخية الجغرافية ج 7 صص 54 - 71
1 - م. صص 267 - 268
159 (1/159)
صفحة 160
ويؤكد سعيد ابن تعاريت على أن المذهب الإباضي تأسس قبل الأربعة، وقبل الأشعرية، وإمامه قبل أيمتهم، وإمامه قبل أيمتهم وأنه الأقرب إلى زمان النبوة، وأنه
يستلحق ما قرب منه من هذه المذاهب لا العكس.
،
كما حشد جملة من الشهادات التي تُنصف الإباضية، فبدأها وختمها بالتونسيين، وذكر ما أثبته ابن خلدون من أن الإباضية أقرب الفرق إلى الأشعرية 2 ولم نجد هذا الموقف فيما راجعناه من تاريخ ابن خلدون، وإن أصبح في العهود المتأخرة متداولاً ويُعتبر نتيجةً أوسبباً في تقارب الإباضية والسنة. وتدعم هذا الموقف في دراسات الباحثين والكتاب المعاصرين، ومن هؤلاء محمد المرزوقي الذي يقول: "ومن الاطلاع على تعاليمهم وقواعد مذهبهم نلاحظ أنهم أقرب لأهل السنّة، وفي الإمكان أن يساكنوهم ويسالموهم، بل تكاد أكثر الخلافات بينهم وبين أهل السنّة ترجع إلى مجادلات كلامية تتحامى الأصول ...
3"
ويري سعد غرابت 1415 هـ / (1995) أن الحركة الخارجية في المجتمع المغربي سرعان ما أجبرتها الظروف على التلطيف من غلوائها، واقتربت من المذاهب السنية ببقائها ممثلة في فرعها الإباضي وهو أكثر المذاهب الخارجية
اعتدالاً، ثم في فرع الوهبية، وهو أكثر الفروع الإباضية تسامحا وتآلفا المذهب المالكي واضطرت الإباضية رغم ذلك للتقلص شيئًا فشيئًا والاستقرار خاصة في الأماكن النائية مثل جبال دمّر ونفوسة وصحراء الجزائر وجزيرة
جربة.
وفي هذا الرأي ما يناقش إذ أنّ "اعتدال" الإباضية لم ينشأ في المغرب باعتباره خيارًا ظرفيًّا، وإنما هو منزع برز منذ فترة التأسيس. كما أن المناطق الإباضية المذكورة، لاسيما جربة لا تعتبر "نائية"، بل كانت ولا تزال مناطق تحوّل واستقطاب، وذات أهمية اقتصادية.
1 - م. ص 430
2 - م. ص 430
3 - مؤنس الأحبة ص 50
4 غراب: العامل الديني والهوية التونسية م. س. ص 37
160 (1/160)
صفحة 161
أما عبدالعزيز المجدوب فقد اعتبر الإباضية من المذاهب "السنية"، ونزعم أنه غير مسبوق في هذا التصنيف، إذ يقول: "تطهرت أرض إفريقية بل كامل أرض المغرب من كلّ دخيل وزالت المذاهب بأنواعها، وامحقت البدع، ولم يبق فيها غير المذاهب السنية الصادقة، المالكي الصامد العتيد، والمذهب الإباضي المثالي خلقا وتدينا والمذهب الحنفي النظيف المنزه عن الفلسفات والضلالات وتعايش أتباع تلك المذاهب في جومن الإخاء والتعاون لم يكدر صفاءه مُكدّر "، وفي موضع آخر: " ظهر منها أيمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى بلغوا درجة الاجتهاد فسنّوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة، وشرعوا له فقها وأصولاً في العبادات والمعتقدات تحوّلت به من حزب سياسي، ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سنّي. وذلك لأن أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمّديّة في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته البررة في سلوكهم وأمور معاشهم، ... " 2.
إن كل ما وجدناه عند ابن خلدون الأشعري وأوردنا سابقا مرات منه،
3"
هوما يلي: تصنيف الإباضية في خانة سائر الفرق الخارجيّة كالصفرية والأزارقة .... الكلام عن الخوارج والبربر بحدّة، لافتة فهم أصحاب بدعة، " لبُعْدِهِم عن مقال أهل السنة والجماعة إعجابه بطريقة تصنيفهم الديني، حيث يقول: " وتطير إلينا هذا العهد من تلك البلاد يقصد جبال طرابلس (وماجاورها دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين، وتمهيد عقائده، وفروعه مباينة لمناحي السنة وطرقها بالكلية، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب وبناء الفروع على أصولهم
الفاسدة "1.
1 - المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية ص 218
2 - م. س. ص 110
3 - تاريخ ابن خلدون ص 693
1 - م. س. ص. ن.
161. (1/161)
صفحة 162
وهكذا نرى أنّ إباضيين اثنين هما ابن تعاريت وبن يعقوب، يتخذان من مؤرخ واحد موقفين متقابلين، حيث لا ننسي ما أنكره صاحب "تاريخ جزيرة جربة " على ابن خلدون من وصفه سكان جربة الإباضية بالوحشية
والهمجيّة والمروق عن الدين.
والأمر نفسه بالنسبة إلى مقديش.
،
ذلك،
فإذا كان بن يعقوب قد استطاب كلام الشيخ المالكي الأشعري محمود مقديش (1154 - 1742/ 01228 - 1813)، واستدل به وسكت عما سوي فإن سعيد ابن تعاريت لم يكتم عتبه عليه، لتسلطه على الوهبية إذ نسب إليهم في تاريخه أشياء، باطلة وأقوالاً سقيمة عاطلة ". مع أن مقديش قد التزم غاية الأدب والاحترام والتقدير تجاه معاصريه من أهل جربة. ومن المعلوم من سيرة مقديش الصفاقسي، أنه توجه في صغره إلى الزاوية الجمنية بجربة لطلب العلم لما أعوزته الإمكانيات المادية عن الإقامة في تونس العاصمة، إذ أنّ الزاوية تتكفّل بالإنفاق على الطلبة المقيمين بها من ريع أوقافها ومن تبرعات أهل البر والإحسان. وقد ترجم لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الجمني المؤسس، ولعمر وإبراهيم ابني أخيه محمد الجمني، مبديا توقيرا لهم، وذاكرا كرامات وبركات وأفضالاً جمة
أما كتابه المسمى: "نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار" والمعروف أيضا بـ"دائرة مقديش"، فتصنيف يختلط فيه التاريخ بالأسطورة والحكاية الشعبية والعقيدة والجدل المذهبي ...
ولئن اعتبره البعض أثرًا لا يستحق الاهتمام لأن مؤلفه نقل عن غيره دون اجتهاد من نفسه، فإن البعض الآخر يعتبره كتابا فريدًا غير مسبوق، إذ يضيف عن طريق التاريخ الجهوي أضواء جديدة على التاريخ التونسي. فاحتل مرتبة محترمة في كتب التاريخ، وصار يعتمد في كتابة التاريخ الحديث
1 - تاريخ جزيرة جربة ص 18 2 - م. ص 266
3 - نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار ج 2 صص 436 - 445
162 (1/162)
صفحة 163
المتعلق بالمدن والاقتصاد والاجتماع، وعلاقة المغرب بالمشرق خلال
ق 12 هـ / 18.
وأخذ مؤلّفه مكانة بين المؤرخين التونسيين، فترجم له ابن أبي الضياف في "إتحاف أهل الزمان، ومحمد مخلوف (ت 1360 هـ/1941) في "شجرة النور الزكية"، وكراتشكوفسكي (ت 1371 هـ / 1951) في "الأدب الجغرافي العربي، والزركلي في قاموس الأعلام، ومحفوظ في "تراجم المؤلفين التونسيين"، واهتم به آخرون 7. ومما يُذكر عن الكتاب أنه صُودِر من قِبَل الحكومة التونسية عند ظهوره لأوّل مرّة، ويُرجّح النقاد أن سبب ذلك هوما أبداه مقديش فيه من تقدير لعلي الأول (ت 1169 هـ / 1756) المنازع السلطة عمه علي (ت 1153 هـ / 1740) وعائلته حكام تونس.
باشا
حسين
بن
ومن اللافت أن المصادر التاريخية الاثنين والثلاثين التي ذكرها المؤلّف، واستعملها بطريقة أو بأخرى، وكان منها "نزهة المشتاق"، و"رحلة التيجاني"، و"كتاب العبر "، لم نجد فيها واحدًا إباضيا، رغم أنه تكلّم عن جربة والإباضية. والأمر نفسه بالنسبة إلى الكتب المذكورة في النص (يعني المتن
1 - عبد السلام: المؤرخون التونسيون صص 305 - 319. وهو يشير إلى أن مقديش لم يحتل إلا مكانة محدودة في مجموعة التراجم التونسية
2 - ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان ج 7 صص 85 - 86 - 3 - بن مخلوف: شجرة النور الزكية تر 1474 ج 1 ص 526 4 - الأدب الجغرافي العربي ج 1 ص 450 / ج 2 ص 768/ص 959 5 - الزركلي: الأعلام ج 7 ص 172
6 - تراجم المؤلفين التونسيين ج 4 صص 356 - 361
7 - راجع مقدمة عبد الوهاب لـ"مؤنس الأحبّة" ص 10 / مقدمة "نزهة الأنظار" ج 1 صص 5 -
25
8 - م. س. ص 6
1 - كما أحصاها محققا الكتاب، الزواري ومحفوظ، وسرَدًا عناوينها م. س. ج 1 صص 18 - 19
163 (1/163)
صفحة 164
وهامش التحقيق البالغة المائتين وخمسة وثلاثين .. ولم نجد في المصادر
والمراجع غير:
مؤنس الأحبة في أخبار جربة
نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة
/ مقال: برج غازي مصطفى بجربة لرشيد غريب
2
أما عن منهج "نزهة الأنظار" في عجائب التواريخ والأخبار، فقد ورد في مقدمة التحقيق: " .. وباستثناء الفقرات والأجزاء التي حررها المؤلف، فإن الكتاب يغلب عليه طابع النقل والتجميع .. ولابد أن نستثني في القسم التاريخي هذا المعلومات الخاصة به التي أفادنا بها عن المدن الإفريقية: تونس، والمهدية، والقيروان وسوسة والجم وجربة، وصفاقس خاصة، وكذلك عن الجزائر والإسكندرية وطرابلس وهذه المعلومات هامة ومفيدة، وإن كانت مختصرة في بعض الأحيان، وتعطينا فكرة واضحة عن بعض الأحوال خلال القرن الثامن عشر، وفيه محاولاته للمقارنة بين مصادره القديمة، ومعلوماته ومشاهداته، أعطى للتأثير الزمني حقه .. وبرأ أهل جربة من الأقوال المشينة التي وردت في "نزهة المشتاق" ... ولا بد أن نشير إلى خطر آخر تنبيها للقارئ فالمؤلف، كما أشرنا له ميوله الدينية والسياسية، والثانية امتداد للأولى، فهوسنّي راسخ العقيدة، فاختار ما يلائم هذا الاتجاه، وصنّف كتابه على أساسه، فهو يتحيّز للإسلام في معاؤركه ضدّ الكفّار، والنرمان فأسقط من نزهة المشتاق جلّ ما يتعلق باحتلال النرمان لبلاد الإسلام، ومالطة التي يُرفق ذكرها بدعائه عليها: دمرها الله، والصليبيين في الشرق، ويأخذ كذلك موقفاً مماثلاً تجاه الحركات المضادة للحكومات التي يراها شرعيّة، ومنها حركة أبي يزيد الخارجي، والحركة الشيعية الفاطمية، وحركة التترن وفي آخر المطاف يتشيّع للدولة العثمانية التي يرى فيها منقذ بلاده من أهل الكفر والضلال فيمجد رجالها وأعمالها، كما يتشيّع لعلي
1 - نزهة الأنظار ج 2 صص 579 - 585 ارج
2 - م. س. ج 2 صص 587 - 59
،
164 (1/164)
صفحة 165
باشا الأول ويشيد بالجزائر العثمانية في بعض أوقاتها، ويغض الطرف عن
تدخلاتها الحربية في تونس .. "
1"
ولعل الجامع بين ابن تعاريت ومقديش هو الإخلاص للدولة العلية، كما سنورد لاحقا.
ويحسن بنا أن نُورد بتصرّف أهم ما في "نزهة الأنظار وعجائب الأمصار" عن الجزيرة وأهلها والأحداث الواقعة بها، والمذهب الإباضي، مما لم يرد عند ابن تعاريت وبن يعقوب، إلا قليلاً:
،
جزيرة
/"ومن طرف الجرف إلى جزيرة جربة في البحر أربعة أميال، وهي عامرة بقبائل من البربر، وكلامهم بالبربرية أكثر، وكان طولها من المشرق إلى المغرب ستين ميلاً، وعرض الرأس الشرقي خمسة عشر ميلاً. ومن هذا الطرف إلى البر الكبير عشرون ميلاً، وهذا الرأس الضيّق يُسمّى رأس كرين، ويُسمّى الطرف الواسع أنتيجان، ويتصل بهذه الجزيرة في جهة الشرق جزيرة زيزووهي صغيرة نحومن ميل، ويقابلها قصر بني خطاب، والب أهلها وهبية. وقد فشا فيها مذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه ونزر قليل من مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من حين دخلت العساكر العثمانية، وحكي في نزهة المشتاق ورحلة التيجاني عن أوائل هذه الجزيرة أمورا لا تليق يتنزهون اليوم عن أكثرها، فقد استصلحوا والحمد لله عن تلك الرذائل وربنا يوفقنا وإياهم وعامة المسلمين لما فيه سعادة الدنيا والدين، ففيهم حسن عهد وكرم نفس وضيافة، ويسالمون الناس ما سالموهم في أموالهم ولا يخونون. ولهم صبر زائد على الاغتراب في الأوطان فكثرت بذلك أموالهم، فهم أيسر الناس، ولهم رفق زائد في معائشهم فيصبرون على الشدة أكثر من غيرهم ويُعمل بهذه الجزيرة من أصناف ثياب الصوف الساذج والممزوج بالحرير كل لآفاق الدنيا وأقطارها، وإليها تجلب قناطير الأموال، فتحمل طيالسهم وأكسيتهم وأحزمتهم وبرانسهم لجميع الأراضي، وبها من جميع أنواع الثمار ما لا يوجد في غيرها وتستمر ثمارها على حول السنة، وتبقى ثمارها في أشجارها إلى انتهاء نضجها لقوة الأمن بها وقلة الخيانة. وخيل
مفتخر
يعم
- نزهة الأنظار ج 1 صص 23 - 24
165 (1/165)
صفحة 166
أهلها البغال فهي بها أكثر من غيرها، وبها الحمر الفارهة التي لا توجد في غيرها وتحمل منها إلى غيرها من البلاد، وبها من الزيتون وزيته ما يعم الآفاق. وبالجملة فهي من غرر الجزر وربنا يحميها وسائر بلاد الإسلام من عدوالدين. ويعمل بها من أنواع الفخّار ساذجا ومطليا كل غريب يعم الآفاق، وخصوصا أوعية الزيت والماء وسيأتي لنا إن شاء الله تعالى التنبيه على ما وقع لها من عدوالدين وهي الآن والحمد لله في حماية الله ورسوله منذ دخلت العساكر العثمانية ربنا يمدهم بالنصر ويعينهم على أعداء الدين ويجعلهم نكاية عليهم إلى يوم الدين وأهل هذه الجزيرة يستنبتون جميع الحبوب والبقول حتى أن جميع الناس يحتاجون إليهم في البذر كلها وهم لا يحتاجون إليهم فيها، وأكثر زروعهم على السقي من الآبار وشربهم من المواجل /" وبلغنا أن الباشا رحمه الله تعالى أمر أهل جربة فاستخرجوا له صوفاً بين السواد والحمرة واشتغلوا له منه طيالسة "2
•
1"
/"وفي شهر جمادى الأولى من سنة ست وسبعمائة سافر شيخ الموحدين أبويحيى زكرياء بن أحمد اللحياني بالعساكر إلى جربة برسم خلاصها من أيدي النصارى فقاتل القشتيل شهرين ولما عجز عنه رحل إلى قابس ...
3",
/ وفي عام خمسة وثلاثين وثمانمائة في العشر الأول من ذي الحجة نزل طاغية النصارى ملك أرغون القطلاني على جزيرة جربة في أُمَم لا تُحصى، وكان أبوفارس نازلاً بعمرة بمحلته، فلما بلغه الخبر ارتحل حالا وجد السير، فلما وصل وجد النصارى قطعوا القنطرة فنزل السلطان بمحلته خارج الجزيرة مما يلي القنطرة، وكان قد بعث قبل العدو عسكرًا صحبة قائد من قواده لحفظ الجزيرة من العدو، فمنعوا العدو من نزول الجزيرة، فكان أبوفارس بمن معه خارج الجزيرة والعسكر السابق داخلها والعدوفي البحر على طرف القنطرة، وقد جعل بينه وبين المسلمين سُورًا من الخشب، وكان المولى أبوفارس يجلس يوم بطرف القنطرة مع أصحابه ويجلس بين يديه القائد نبيل بجيش معه
كل
1 - نزهة الأنظار ج 1 صص 141 - 143 2 - نزهة الأنظار ج 2 ص 189 3 - نزهة الأنظار ج 1 ص 561
166 (1/166)
صفحة 167
للقتال، فأُخبر العدو بذلك، وبأن أصحابه ينصرفون عنه لمأربهم في وقت
القائلة، فلما صار وقت القائلة ولم يبق إلا الخواص بعث النصراني سُفنا عدة فأحاطت بالقنطرة وأرادوا القبض على السلطان ومن معه، فركب السلطان وسلّمه الله من كيدهم، واستشهد بعض من كان معه، وأحاط العدو بالميدان وما فيه فأخذوه في رابع محرم من سنة ست وثلاثين، ثمان مائة. ثم إن بعض أهل جربة قصدوا إلى أبي فارس وأخبروه بأن الجزيرة طريقا غير القنطرة في البحر فبعث معهم عسكرًا فأدخلوه الجزيرة فلما رأى العدوالعسكر دخل الجزيرة من غير القنطرة أيقن بالخيبة وأقلع بأساطيله خائبا وكانت إقامة العدو عليها سبعة وعشرين يوما وأصلح السلطان القنطرة. ""
2"
/" وفي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة فتح القائد ابن الكماد قشتيل جربة واستخلصه من أيدي النصارى بعد أن حاصره أعظم محاصرة / ومن أجل أعيان المتأخرين الشيخ شيخ شيوخنا أبو إسحاق سيدي إبراهيم الجمني رحمه الله تعالى ... ثم انتقل لجزيرة جربة فقصد جامع الغرباء بها يعلم به الناس قيل إن إمام الجامع أخذه ما يأخذ الفقهاء من الغيرة فمنعه من الإقراء به فعزم على الانتقال فرآى في النوم قائلا يقول له: يا إبراهيم أعرض عن هذا، وقيل رأى قارئًا يقرأ: فأما الزبد فيذهب جفاء، ورأى الشيخ خليلاً فقال له: أنت ولدي ومنّي فاجتهد، فأقام ما شاء الله هو ومن يقرأ عليه في أخواص من جريد. فقدم وكيل المرحوم السلطان مراد بن حمودة باشا رحمه الله تعالى وكان من أهل قابس، فسأل عن الشيخ وكان يعرفه فدلّ عليه فوجده على تلك الحالة، فلمّا لتونس أمره السلطان رجع عنه لشغله بأحوال رعيته وهوكاف في مذهب أبي حنيفة الذي هو مذهب مراد باي، فقال له: ياسيدي إن أردت أجرًا خيرا من الحج فابن مدرسة للشيخ الجمني وحكى له أمر هو حكى له امره ونشر له ذكره فأمره بالتوجه لبناء المدرسة المرادية بجزيرة جربة .. فبنى لها دورًا وبيت صلاة، وكمل بناؤها سنة خمس وثمانين وألف وجعل له النظر في الحبس وفوض أمره إليه فمكث
سكنا
1 - نزهة الأنظار ج 1 صص 599 - 600 2 - نزهة الأنظار ج 1 ص 570
167 (1/167)
صفحة 168
الشيخ يعلم بها وقدم عليه الناس من كل فج عميق فبذل جهده في نشر مذهب إمام دار الهجرة ... وكانت له كرامات كثيرة .. وكانت مدة إقامته بالمدرسة خمسين سنة .. "
" .. وين أجل من أخذ على الشيخ سيدي إبراهيم بن عبد الله الجمني سيدي علي بن الشاهد المنيي .. واتفق أن الشيخ كان يوما في درسه فدخل إباضي يسأل ويقول: إنكم معشر الأشعرية لا تكفرون بالذنب وتقولون أن إبليس أبلسه الله من رحمته، وختم عليه الشقاوة والخلود في النار، ولم تقع منه إلا معصية واحدة هي عدم السجود لآدم، فكيف بمن وقع في محرّمات لا تحصى وفظائع لا تُستقصى؟ ....
بالشفاعة للمذنبين مع
2 "
"شيخنا الشيخ أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن محمد الجمني .. وفي أيامه عظم النفع وكثر الوارد على المدرسة .. ثم إن سيدي إبراهيم بن محمد امتحن بني جلود كبار الوهبية وذلك إنه رحمه الله كان لحظه الباشا فاستنقذ أكثر الناس من البدعة، وأدخلهم في السنة، جملة من الخطب في السنة. ورجع فلما فرغت أيامه رحمه الله طلب بنوجلود أن يكونوا قيادًا على البلاد فأُسعفوا بذلك لخفاء دسائسهم على الأمير، فلمّا تولّوا سَعَوْا فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدوا فيها، فسعوا بسيدي إبراهيم وأظهروا باطلاً في صورة حق وحلفوا بأيمانهم فانخدع الأمير لهم .... وإن ما فعله به بنوجلود إنما هو لبغضهم في السنة وأهلها .. "3
/ "وأما الشيخ أبو العباس سيدي أحمد ابن الشيخ الصالح سيدي علي بن عبد الصادق الطرابلسي فإنه رحمه الله كان رجلا فاضلا ... فسعى به الحسد، ففر لجزيرة جربة بنفسه، فنزل على الشيخ سيدي إبراهيم الجمني بن محمد فقبله وأكرم نزله، .. وامتحنه أبناء جلود كما امتحنوا سيدي إبراهيم إلا أنه لم
1 - نزهة الأنظار ج 2 صص 436 - 442 2 نزهة الأنظار ج 2 صص 446 - 447 3 - نزهة الأنظار ج 2 صص 442 - 445
168 (1/168)
صفحة 169
يقدر على الفرار بنفسه فأشخصوه مقيدًا فحصل لنا من الغم ما لا يعلمه إلا
الله "
1"
/ "وهم وهبيّة إباضية نكارة خوارج في دين الإسلام قاله في نزهة المشتاق .... وأهل جبل نفوسة كلهم إسلام ولكنهم خوارج نكار على مذهب ابن منبه اليماني كأهل وارقلان
جميع
2 n
" وفي آخر أيامه ابتلي بأبي يزيد مخلد بن كيداد النكاري، كان رجلاً من الإباضية يظهر الزهد والقيام غضبًا الله تعالى ولا يركب غير حمار ولا يلبس غير الصوف تصنعا وإظهارا للتنسك والصلاح مع تمسكه بأقبح البدع، وشاع أمره من بلاد إفريقية. ولما سمع القائم بتوجهه إلى باجة وجه خادمه بشرى الصقلبي ليبادره بدخول باجة فيضبطها ويعسكر بها، فما وصل أبويزيد إلا وقد وجد بشرى فاقتتلا فانهزم أبو يزيد هزيمة فاحشة، فلما رأى أبويزيد ما حل به نزل على فرسه وركب حماره الأشهب، وقال لمن بقي معه هذه ليست حال من يريد الهروب بل حال من يطلب الموت ثم خالف بشرى إلى أخبيته فجازها، فعلم بشرى بذلك، فأدركه رعب فولى منهزما وتبعه أصحاب أبي يزيد يأسرون ويقتلون، ووصل بشرى إلى تونس منهزما ... وكان يبيح دم أهل القبلة ويستحل الفروج ويفعل في الإسلام أشد مما يفعل في دار الحرب. قال التيجاني في رحلته: ومن قرية الزارات كان ابتداء سيرنا بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج المستحلين لدماء المسلمين ودمائهم .. ، قلت وقد طهر الله من هذا المذهب نفزاوة وكثيرا من البلاد، وربنا يحسن خلاص الباقين من أسر هذه البدعة وأشد الناس به تعلقا في هذه الأعصار جبل نفوسة ويسمونه اليوم فساطو لتعاصيه عن أحكام سلاطين تونس وطرابلس لبعده عنهما وشدة حصانته، وما ذكر من بيع المسلمين للكفار لم يبق وقطع الله آثار الكفر ولله الحمد، وكذلك استحلال الفروج ودماء المسلمين، وربنا يطهر المسلمين من هذه البدعة وشنائعها
1 - نزهة الأنظار ج 2 صص 445 - 446
2 - م. س. ج 1 صص 128 - 130 1 - م. س. ج 1 صص 347 - 352
1"
169 (1/169)
صفحة 170
/ "دخل علي خارجي (يعني إباضي حال قراءتي مختصر الشيخ خليل، وباحثني في مسألة الكلام، وقال: كيف تقولون بقدم كلام الله، والله يقول: ذِكرُ مُحْدَث، فأجبته بأن الحدوث في تنزيله ولا يلزم منه حدوثه في نفسه، فإن المعنى القائم بالذات الأقدس باق على ما هو عليه من القدم، والحادث هو التنزيل على أن النازل اللفظ الدال عليه، ونزول اللفظ الدال نزول المعنى من حيث الدلالة. فالحادث والنازل هو اللفظ ثمّ أكثر من تخليطاتهم (أي الإباضية)، وأجبته عمّا سأل فخرج وانصرف وبقيت كالمتفكر في هذا المذهب وفي حال أهله، وتعجبتُ من قوم يرغبون بأنفسهم عن المنهج القويم ويرضون لأنفسهم بشنائع البدع .. وتحققتُ أن مذهب السنة لا يعلمه إلا خواص خلق الله ورسخت مسائل السنة في قلبي رسوخًا أغنى عن
الدليل .. ""
محمد
/" ومن أغرب ما وقع أنه قدم أبناء جلود قيادًا على جربة، وسعوا في
قطع أعيان أهل السنّة أخرجوا هذا الشيخ (يقصد أبا مغارة ت 1199 هـ/1785 - صاحب كرامات من البلاد فأركبوه في سفينة وامروا بغخراجه لصفاقس كرها فسمع بذلك شيخنا ابو إسحاق سيدي إبراهيم بن الجمني فأرسل من ردّه من البحر، فنزل ودخل السوق، وهوينادي: أنا لا أخرج منها، بنوجلود هم الخارجون منها، فلم تمض أيام قليلة إلا وقد جاء أمر من الأمير بعزلهم فأخرجوا كرْهًا عليهم، ولم يرجعوا إليها بعد، وانقطع أثرهم بل وعقبهم، نعوذ بالله من التعرض لمساخط أولياء الله. ولما ظهرت بركاته للخاص والعام من المالكية والوهبية، اعتقده الفريقان، وبنى له بعض رؤساء الوهبية قبة.
2,
وقد اعتبر أحمد عبدالسلام أن الصفحات التي تحدّث فيها مقديش عن جربة تُعتبر أحسن مقدمة لدراسة انتشار المذهب المالكي في هذه
1 - م. س. ج 2 صص 464 - 465 2 - م. س. ج 2 صص 466 - 467
170 (1/170)
صفحة 171
الجزيرة، وانتصاره على المذهب الخارجي بتأييد من البايات المراديين والحسينيين.
ونعود إلى "المسلك المحمود في معرفة الردود فإلى جانب ما ذكرنا من الشهادات التونسية التي تنصف الإباضية، نقل ابن تعاريت، بالرواية والسماع، تصريحاً شفويا لشيخ الزيتونة إبراهيم الرياحي (ت 1266 ه/1850)، يُثبت فيه أن المذهب الإباضي خال من البدع، وأنه متصل الإسناد لا منقطع 2.
كما أورد اتفاق علماء تونس س 1120 هـ / 1698 على تجويز شهادة العزابة في العموم والخصوص، ولا سيما أهل الصلاح. غير
بن
محمد
أننا نقول إن مكابدة الإباضية من التمييز لم تنته بعد هذا التاريخ، فقد وقع س 1169 هـ / 1756 الطعنُ في شهادة جماعة من أهل جزيرة جربة من فقهاء طرابلس عند قاضيها في نازلة وقالوا: أهل جربة شهادتهم لا تجوز لأنهم غير مالكيين، فألف الشيخ يوسف المصعبي (ت 1188 هـ/1775) رسالة طويلة في الردّ عليهم، وبعث بها إلى أحمد باشا، قرمانلي، وتضمنت حقيقة جواز شهادتهم، وأنها لا يجوز ردّها لعدم التهم، ونصوصا من أقوال علماء سائر المذاهب، وتوضيحا لعقيدة الإباضية، ولزوم قبول شهادة أهل القبلة، وعدم تحقيرهم، اعتمادا على أقوال علماء المالكية.
كما كتب الشيخ نفسه رسالة إلى علي باشا (حكم بين 1153 سمع أن أحد التونسيين يشتم الإباضية، فبين له
(1756 - 1740/ 1169
لما
1
الحسنة:
عقيدتهم الصحيحة، وذكر أيمتهم الأولين، ووصف سيرتهم البايات أبدوا إجلالاً كبيرًا لمشايخ الإباضية، ومن ذلك ما يروونه من
1 - عبد السلام: المؤرخون التونسيون ص 317
2 - م. ص 430
3 - م. صص 433 - 434
4 - بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة ص 144 1 - بن يعقوب: م. س. صص 137 - 141
مع
أن
171 (1/171)
صفحة 172
حمودة باشا على الوفد الجربي الذي ترأسه الشيخ أبو عبدالله محمد المصعبي (ت 1207 هـ / 1783) ووفد على الباي لما بعث إلى علماء جربة طالبا منهم أن يُرسلوا جماعة من أهل العلم ليختبرهم بعد وشاية نشرها علماء تونس عنده يذمون بها الإباضية ويعتبرونهم خالين من العلم، وأنهم أهل بدعة، وليسوا من السنّة في شيء.
'.
ونقرأ من أوامر الأمير يونس بن علي باشا حكم بين 1156
: (1751 - 1743/ 1164
" جدّدنا هذا الأمر للمكرم الفقيه العلامة المدرّس بجامع بني ليمس بجزيرة جربة الشيخ عبدالله بن الشيخ سعيد بن يحيى بن أحمد الجادوي الأجيمي، وأوصينا باحترامه، وحفظ جنابه، وعدم الجسارة عليه، بحيث لا تهتك له حرمة، ولا يُهضم له جانب ولا يطرقه أحد بسوء "، وكتب بإذنه س 1157 هـ/1744: "إلى حضرة الشيخ العالم المكرّم عبدالله الجادوي أكرمه الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا ولا زائد، إلا أني ألتمس منكم أن تلازم لنا بالفاتحة وصالح الدعاء عقب كل صلاة وبعد كل عمل صالح "، وغير ذلك من نصوص التبجيل والتقدير من البايات لعدد من الأشياخ الجربيين 2.
ومثلما اهتم ابن تعاريت بموقف علماء تونس الإيجابي من الإباضية، وهو اهتمام ينم عن اعتزاز الرجل بتونسيّته، وأنه يتوجه بالكتاب إلى مواطنيه، بعد الردّ على مفتي طرابلس، فإنه حرص على نقل إقرار علماء مصر والحرمين بسلامة العقيدة الإباضية 3.
ومن الحقيق بالملاحظة رجوع ابن تعاريت على امتداد مادة الكتاب، إلى أعلام البلاد التونسية، قدامى ومحدثين.
فإلى جانب من ذكرنا، نجد:
1 - بن يعقوب: م. س. صص 148–149 2 - بن يعقوب:: م. س. صص 279 - 285 3 - م. صص 430 - 433
172 (1/172)
صفحة 173
سحنون (ت 240 هـ/854 م) '،
ابن الحداد (ت 302 هـ/915 م)،
ابن أبي زيد (ت 386 هـ/ 996 م)،
/ابن ناجي (ت 839 هـ/1435 م)، وكلهم من القيروان،
المهدوي (ت 595 هـ / 1199 م)
5
ابن عرفة الورغمي (ت 803 هـ /1400 م) '،
تلميذه الأبي الكافي (ت 827 هـ / 1424 م)،
1 - راجع م.
مثلاً: ص 220/ص 370.
وسير أهل السنّة والجماعة تذكر أن سحنون فرّق حلق "أهل البدع" من جامع القيروان. وشرد "أهل الأهواء" منه، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والإباضية والمعتزلة، وكانوا فيه جلقا يتناظرون به، ويظهرون زيغهم، وعزلهم أن يكونوا أيمة للناس أومعد بين لصبيانهم
أو مؤدبين. المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية صص 67–73 وراجع:
الطالبي: البيئة التي أنشأت سحنون، ضمن: دراسات في تاريخ إفريقية صص 91 - 164 سعدي أبوحبيب: سحنون مشكاة نور وعلم وحق
2 - م. ص 288 اشتهر سعيد بن الحداد بمناظراته الشيعة، وبرده على الشافعي، وكان مذهبه النظر والقياس والاجتهاد، ولا يتحلى بتقليد أحد من العلماء ويقول: "إنما أدخل الناس إلى التقليد نقص العقول ودناءة الهمم. وكان مبغوضاً من المالكية على عهد الأغالبة، إذ نُقل عنه
أنه كان يسمّي "المدوّنة ب"المدوّدة". محفوظ: تراجم المؤلفين ج 2 صص 105 - 108
3 - م. ص 247، وراجع: ابن أبي زيد القيرواني مجموعة دراسات نشرها مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان 1414 ه/1994)
4 - م. ص 376 وراجع، عن ابن ناجي:
الفاضل ابن عاشور: أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي صص 106100
5
محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج 5 صص 148 - م. ص 378 / تراجم المؤلفين التونسيين ج 4 ص 407 1 - م. ص 413 / ص 443 وراجع: سعد غراب: ابن عرفة والمنزع العقلي
173 (1/173)
صفحة 174
/ الكواش (ت 1218 هـ / 21804، الذي وصفه ابن أبي الضياف بأنه "نادرة الدهر في الحفظ وثقوب الفكر والفصاحة والأجوبة المسكتة، وثبات الجأش في
،
تغيير المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم "
1
3''
الطاهر ابن عاشور الجد (ت 1284 هـ / 1868)،
الباجي المسعودي التبرسقي (ت 1297 هـ/ 1880)،
خير الدين التونسي (ت 1308 هـ /1890).
كما نجد من إباضية جربة:
سعيد ابن تعاريت (ت 1289 هـ / 1872) جدّ المؤلف،
اعمي سعيد (ت 898 هـ/1492)،
أبا النجاة يونس بن سعيد التعاريتي الخيري (ق 10 هـ / 16 م)،
عمر أبا ستة (ق 11 هـ/17 م)،
قاسم بن يحيى الويراني (ت 1073 هـ/1662)،
1 - م. ص 145 / ص 422
والأبي من ألمع تلامذة ابن عرفة في العقل والنظر والاستنباط، وكان شيخه يُجلّه من هذه الناحية
تراجم المؤلفين التونسيين ج 1 صص 37 - 41
2 - م. ص 378
ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان ج 7 صص 44 - 46
-م. ص 355/ 415 /418
راجع في ترجمته: ابن أبي الضياف: م. س. ج 8 ص 165 / ومن كتبه: شفاء القلب الجريح
بشرح بردة المديح طبعته وزارة الثقافة س 1429 هـ/2008)
5 - م. ص 218
6 - م. ص 459
7 - م. ص 227
8 - م. ص 228
9 - م. صص 228 - 232
1 - م. ص 171 (1/174)
صفحة 175
عمر الثلاتي (ت 1187 هـ/1773)،
عبدالله بن سعيد السدويكشي (ت 1068 هـ/1658)،
المحشي (ت 1088 هـ / 1677)،
ومن إباضية الجريد:
الدرجيني (ت 670 هـ/1271 م)،
البرادي الدمّري (ت. بعد 810 هـ/1407 م).
1
1 - م.
ص 396 /ص 421
2 - م. ص 151 / ص 223 / ص 252
-3
نم. ص 335
4 - م. ص 335
5 - م. صص 173 - 175
6 - ص 133 / ص 257/ ص 332
175 (1/175)
صفحة 176
2 - رصد الاختلاف عند الآخر: هل من سبيل الى نقد الذات؟ ربما يُعتبر لفت انتباه المخالف إلى ما يتضمنه مذهبه مما أنكره على غيره، من أقوى مستندات المحاج لتبكيت الخصم. ونجد هذا عند الإباضية حينما تردّ على أتباع المذاهب الأربعة، الذين يصمونها بمخالفة "الجمهور" أو "الإجماع". أشأن الصحابة
ومالكا
تعقيبا على ما دعا إليه الوارجلاني (ت 600 هـ/1203 م) من وجوب الإعراض عما شجر بين الصحابة، والجزم بدل ذلك بعدالتهم لأصلها فيهم، يورد ابن تعاريت أن الحسن البصري (ت 110 هـ/728 م)، وأبا حنيفة (ت 150 هـ / 767 م)، (ت 179 هـ / 795 م)، والشافعي (ت 204 هـ /820 م)، وأبا الحسن الأشعري (ت 324 هـ/936 م)، وابن تيمية (ت 728 هـ / 1328 م)، كانوا يشتمون الصحابة منهم من قاله تصريحا، ومنهم من أشار إليه تلويحاً.
ولعلّ هذا الرأي لابن تعاريت من الخطورة بمكان، ولم يُقدّم عليه أدلة قوية صريحة غير هذه:
متمكنا
كان الحسن البصري يُنكر الحكومة على علي، وكان إذا جلس في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثا، ولعن قتلته ثلاثا، ثم يذكر عليا فيقول: لم يزَلْ علي أمير المؤمنين مظفّرًا مؤيدا بالنعم حتى حكم، ثمّ يقول: ولِمَ تُحكم والحق معك ألا تمضي قدما لا أب لك. / رُوي عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية (ت 60 هـ/680 م): قتاله عليًّا، وأخذه الخلافة بالسيف من غير مشاورة، وفي الناس بقايا الصحابة وذو والفضيلة، وقتله حجر بن عدي (ت 51 هـ/671 م)، واستلحاقه زياد بن أُمية (ت 53 هـ/673 م)، ومبايعته ابنه يزيد معاوية (ت 64 هـ/683 م) وكان سكيرًا خميرًا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير.
1 - م. ص 177
176 (1/176)
صفحة 177
/ كان أبو حنيفة لا يقبل قول ثلاثة من الصحابة: أنس بن مالك (ت 93 هـ / 712 م) خادم رسول الله (ص) وابن جندب (ت 60 هـ/ 679 م)، وأبي هريرة (ت 57 هـ/676 م).
كان
مالك يذكر عليا وعثمان وطلحة (ت 36 هـ/656 م) والزبير (ت 36 هـ / 656 م) فيقول: "والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر". / الشافعي: أربعة من الصحابة لا تُقبل لهم شهادة: معاوية، وعمرو بن العاص (ت 682/ 063 م)، والمغيرة (ت 50 هـ/670 م)، وزياد.
حكم أبو الحسن الأشعري بتضليل معاوية وعمرو بن العاص ...
كان ابن تيمية يُشنّع على الخلفاء
الراشدين.
1
لقد أجهد ابن تعاريت نفسه هنا لاستلال هذه النقول، ليومي أن اختلاف الإباضية في الموقف من الصهرين عثمان وعلي وتطوره الإيجابي من التشدّد والبراءة إلى السماحة والولاء ليس شذوذا في العقائد الإسلامية، بل له أشباه
ونظائر.
ولذلك قال الخليلي فاتحاً صفحة الصُّلح المشروط: " مستعدون، أي الإباضية، أن يطوُوا صحائف تلك الفتن التي حدثت في عهد صحابة رسول الله (ص) ولا ينبسوا فيها ببنت شفة، ولا يخطوا فيها حرفا واحدا، ولكن لا بد من احترام أهل النهروان أيضًا وعدم النيل منهم، فيجب على المسلمين جميعًا أن يتساعدوا .. حتى تعود للمسلمين، وحدتهم، ولا يثيروا ما يشتت شمل الأمة من القول في أحداث وقعت قبل أربعة عشر قرنًا هُم في ألف غِنّى عن إثارتها في هذا العصر الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى ما يجمع ويؤلف بين القلوب وتلك دماء طهر الله منها أسنّتنا ونرجوونحرص أن نظهر
منها ألسنتنا".
الشمل
1 - م. صص 177 - 186
1 - الخليلي: لقاءات في الفكر والدعوة ص 130
177 (1/177)
صفحة 178
وقد نصص صاحب "المسلك المحمود على موقف التهدئة وإخماد أوار الفتنة بالقول: "اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنهم عُدُول أتقياء، بررة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام لصحبة نبيّه عليه الصلاة والسلام، جعلنا الله في رياض هُداهُم راتعين، وأماتنا على منهاجهم موفقين لا مبدلين ولا مغيرين ... وتمسك عما وقع بينهم لأنهم كلهم مجتهدون رضي الله عنهم". كما يستنكر اتهام الإباضية بتكفير علي مستدلا على بطلان ذلك بمقاطع من كتبهم تثني عليه وتروي عنه ?.
ولكن السؤال: كيف نفهم ما ورد في "تيسير" التفسير" لأطفيش، تعقيبا على تفسير: " ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" المائدة، 44/ 5): " وفي الآية تكفيرُ مَن أجاز تحكيم الحكمين فيما جاء فيه حكم الله تكفيرًا غير شرك. "3، ألا يكون علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة كفّارًا بهذا المعنى؟! .. وكيف نفهم قول أطفيش: " وحب الصحابة كالمطبوع في القلوب، والله أعلم بما يُصيبني إذا تذكرت قوله (ص) للملائكة: أصحابي أصحابي، إذا جروا بعضاً من الصحابة، وقولهم ما تدري ما أحدثوا بعدك؟ وقوله (ص): فسحقا سحقا، والله ما ندري من المراد في الحديث
:
1''
: 148. p-1
- م. ص 148 / معمّر: م. س. صص 355 - 370 م. س.
2 - م. صص 148 - 172
3 - أطفيش: تيسير التفسير ج 4 ص 45.
4 - وقد سكت ابن سلام الإباضي (ت. بعد 273 هـ /887 م) عن عثمان وعلي في معرض فضائل الصحابة، واعتبر أن الإسلام هو دين الله ورسوله وأبي بكر وعمر فقط انظر بده الإسلام وشرائع الدين صص 7369
وكذلك فعل البرادي: الجواهر المنتقاة صص 166 - 174 ولكن لا نغفل أن الإباضية يذكرون أنهم وإن أنكروا على علي التحكيم فإنهم لا يسبونه، وأبو عبيدة مسلم هو الذي طلب من عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ /720 م) إيقاف لعن علي على المنابر، وأيمة الدولة الرستمية استعملوا خطب علي الجواهر المنتقاة ص 220 ها 1
1 - أطفيش: م. س. ج 14 ص 454
1
178 (1/178)
صفحة 179
ثمّ لا نغفل عما أورده ابن بطوطة (ت 779 هـ / 1377) عن سكان جبل نزوة أونزوى، إذ يقول: "هُم إباضيّة المذهب، ويصلون الجمعة ظهرًا أربعًا. فإذا فرغوا منه قرأ الإمام آيات من القرآن، ونثر كلاما شبه الخطبة، يُرضي فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعلي. وهُم إذا أرادوا ذكر علي رضي الله عنه كنوا عنه، فقالوا: ذكر عن الرجل أوقال الرجل، ويُرضون عن
الحملة
الشقي اللعين ابن ملجم ويقولون فيه: العبد الصالح قامع الفتنة". ومن الجدير بالذكر أن إباضية جربة قد عانوا من موقفهم القديم في معاداة بعض الصحابة، فقد نقل ابن تعاريت من رسائل الحيلاتي ما يلي: "هيج بعض طلاب الغنائم والأموال بعض الأعراب على جربة وأعمالها، أن أهل جربة بما أنهم إباضية، يُخالفون المسلمين في أمور تحلّ بها دماؤهم. وأموالهم، ثمّ كوّن منهم حملةً هجم بها على الجزيرة الغافلة، ولكن فشلت، وانتصر أهل الجزيرة على المهاجمين، وأخذوا منهم جمعا من الأسرى، وكان في أولئك الأسرى بعض المتفيقهين، فسألهم مشايخ جربة عمّا حملهم على الاعتداء عليهم ومهاجمتهم وهُمْ إخوة لهم في الدين، ولم يسبق لأهل جربة أن اعتدوا على أولئك الأعراب أو أساؤوا، فأجاب المتفيقه قائلاً: "إنّ من دعانا إلى محاربتكم واستحلال دمائكم وأموالكم ذكر لنا أنكم تخالفون المسلمين، ثُمّ عدّد لهم المسائل التي ذكرها لهم صاحبهم، فذكر منها بعض مسائل علم الكلام المعروفة كالرؤية والصفات وخلق القرآن، ثم قال: ومنها أنكم تكرهون بعض الصحابة".
1 - تُصدر مؤسسة عُمان للصحافة والنشر والإعلان منذ 1414 هـ / 1994 مجلة فصلية ثقافية اسمها: "نزوى" انظر موقع: www.nizwa.com
وفي معجم البلدان: " نزوة جبل بعمان وليس بالساحل عنده عدة قرى كبار يُسمّى مجموعها بهذا الاسم. فيه قوم من العرب كالمعتكفين عليها وهُم خوارج إباضية .. " مج 5 ص 281 2 رحلة ابن بطوطة ص 279
وراجع رواية في البراءة من علي وولاية ابن ملجم: البرادي: الجواهر المنتقاة صص 163
165
1 - معمر: م. س. صص 364 - 365
179 (1/179)
صفحة 180
كما أن سعيد الجادوي (ق 12 هـ (18) قد وجّه رسالة إلى سلطان مراكش الذي أصدر قرارا يمنع بمقتضاه تجار جربة من تعاطي التجارة في البلدان التي يحكمها، بعد بلوغه طعنهم في الشيخين، فيقول الجادوي: "أتى إلى سيادتك نمام، ونسب إلينا ما لا ينسب إلى مُسلم، ... من بغض الشيخين أبي بكر وعمر وغيرهما ... فوالله العظيم ونبيه الكريم ما هذه إلا فرية عظيمة. وأما نحن فنقول فيهما سيّدًا أهل الجنة لما ثبت عن النبي (ص) أنه قال: أبوبكر وعمر سيّدًا كهول أهل الجنة .... هذه أحاديث تدلّ على أفضلية الشيخين. وإنما أوردناها لنعلم من قال فينا خلاف معتقدنا فيهما".
جما
ومن المؤكد أن سعيد ابن تعاريت لا ينفي أن شيخه أطفيش قد أظهر أدبا الصهرين في "تيسير التفسير" بدل فيه ما أبداه من سخط عليهما
2
وشتم لهما في تفسيره "هميان الزاد إلى دار المعاد" حيث قال فيه، عند تفسير: "وعد الله الذين آمَنوا مِنكُم وعملوا الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كما استخلَفَ الذينَ مِن قبلهم .. " (النور، 55/ 24): " قال المخالفون عن الضحاك: إن الذين آمنوا هم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وإن استخلافهم: إمامتهم العظمى وسيأتي ما يدلّ على بطلان دخول عثمان وعلي في ذلك ... وفي أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم كانت الفتوح العظيمة وتمكين الدين لأهله لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان وعلي فإنّهما وإن كانت خلافتهما برضى الصّحابة لكن ما مَاتَا إلا وقد بَدّلاً وغيّرا فسُحقًا ... كما في أحاديث عنه (ص) أنّهُما مفتونان ... أقول والله أعلم بغيبه ـ إنّ أوّل مَن كفر بتلك النعمة وجحد حقها عثمان بن عفان ... جعله المسلمون على أنفسهم وأموالهم فخانَهُم في كلّ ذلك. "2
30
ومما ورد في "هميان الزاد": "ولم يصح عندنا معشر الإباضية رواية أنه لما نزلت قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ... (الشورى، 23/ 42) قيل من قرابتك الذي تجب علينا مودَتُهُم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما ... "1
1 - الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ص 77
2 - أطفيش: هميان الزاد: ج 10 ص ص 1 - م. س. ج 12 ص 227.
283 - 282
180 (1/180)
صفحة 181
ويمكن القول إنّ هذا التحوّل في موقف أطفيش من الخليفتين الثالث والرابع هوذاته الذي ميّز الموقف الإباضي من عصر الكتمان، وتعدد الهجومات عليهم، 1. وقد عاش هذا الشيخ وفي نفسه شيء من العتبى على بعض الصحابة ومنهم عليّ، ومعاوية مُبيِّنًا أنّ قتال علي الخوارج، والإباضية منهم، 2 خطأً ندم عليه فيما بعد، ورُوي أنه تاب منه ولم يعتن الناس بتوبته
لأنه لم يُشْهرها ولَمْ تُتَيَقَّن عنه. 3
ونقرأ لأبي القاسم البرادي مايلي:
/ "فلما رأى المسلمون جور عثمان وعتوه عن الحق واستئثاره بالفيء، وضربه الأخيار من أصحاب رسول الله (ص)، وأخذه الأموال، ومنعه أصحاب محمد الأعطية، وتعطيله الحدود، واستخلاله الحرام، واستذلاله الناس، وما عمّهم به من البلاء وما ركبهم من الظلم، فساروا إليه من كلّ أُفق ليستتيبوه أوليعزلوه أويقتلوه ....
:
4"
"ومن كتاب العدل والإنصاف اختلف الناس في عثمان بن عفان على أربعة أقوال، أحدها قول عبدالله بن مسعود وأبي ذرّ وعمار بن ياسر رحمهم الله قالوا: إن الخليفة عثمان بن عفان بعد عمر بن الخطاب، فأحدث أحداثا، خالف فيها سبيل صاحبيه، وإنهم طلبوه أن يعدل أو يعتزل فأبى وبغى وظلم واستعتبوه ست سنين فلم يعتبهم، وإن دمه حلال لهم لبغيه وظلمه لقول الله عز وجل: فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .. فسموه جائرًا جبّارًا وكافرًا وفاسقاً وظالما، كفر النعمة لقول الله عز وجل: وعَدَ الله الذين آمنوا مِنكُم وعمِلُوا الصالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كما استَخْلَفَ الذين مِن قَبْلِهم ولَيُمَكنَنَّ لهم دينَهُم الذي ارتضى لهمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بعد خوْفِهِم أمنًا يعْبُدُونَني لا يُشْرِكون بي شيئًا وَمَن كَفَر بعد ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسقون وحكم عليه ابن مسعود بالكفر في قوله: وددت أنا وعثمان برمل
اراجع: كوبرلي: م. س. صص 14 - 15/الجعبيري: م. س. صص 71 - 73 2 ولاء أطفيش للخوارج كان أبرز في تفسيره "هيمان الزاد" انظر مثلا ج 10 ص 180.
13
ص
424
3 ـ تيسير التفسيرج 4 - البرادي: الجواهر المنتقاة ص 95
181 (1/181)
صفحة 182
عثمان
عالج يُحثي علي وأحثي عليه حتى يموت الأعجل. قالوا إذا يغلِبُك. قال: لا يعين الله الكافر على مؤمن وقول عمار بن ياسر للذي استغفر لعثمان فحثاه بالتراب، فقال: أتستغفر له يا كافر وإن جميع من قام بطلب دم فهومثله ضال فاسق كافر أهل للعداوة بدليل قولهم: يا عدو الله، وهم أهل براءة، وسموا جميع الناس ممن انتصر لعثمان فهو مثله عند جميع من ذكرنا حلت دماؤهم وقتلهم ببغيهم ... فالأولون المحققون وهم طائفة عمّار بن ياسر
وابن مسعود ...
10
/ "كتاب عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان: .... وكان عثمان أوّل من منع مساجد الله أن يُقص فيها كتاب الله، ومما نقمنا عليه وفارقناه .. كان خيار هذه الأمة قد طردهم ونفاهم .. ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على الناس فكان يلعب بالسحر ويصلي بالناس سكران فاسق في دين الله، وإنما أمره من أجل قرابته. ومما نقمنا عليه جعل المال دولة بين الأغنياء .. وكان من عمل عثمان أنه يحكم بغير ما أنزل الله وقد خالف سبيل الله وسبيل صاحبيه ... فهذا. وأمثاله من خبر عثمان هو الذي فارقه عليه المؤمنون وفارقناه وطعنوا عليه فيه وطعنا نحن اليوم فيه. وذكرت كونه مع رسول الله (ص) فقد كان علي بن أبي طالب أقرب قرابة إلى رسول الله وأعظم خلة وأقدم هجرة وأسبق إسلاماً وأنت تشهد له بذلك وأنا بعد ذلك. فكيف كانت قرابته وخلته هل كانت نجاة إذا ترك الحق أم هلاكا؟ واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله وحكموا بغير ما أنزل الله ... ". فلا يمكن، بعد كل هذا، أن يُقنع ابن تعاريت، ثمّ معمر الإباضي الليبي بأن نسبة الإباضية إلى سب بعض الصحابة فرية أو إشاعة.
ب حقيقة المذاهب المشهورة
لقد فهم سعيد ابن تعاريت أنّ مفتي طرابلس ولئن لم يعد الإباضية من "الفرق الضالة المنصوص على ضلالتهم كالقدرية والمرجئة "2، فإنه أخرجهم
1 - الجواهر المنتقاة صص 107 - 109 م. س.
2 - الجواهر المنتقاة صص 177 - 181
1 - معمّر: ص 364: م. س.
182 (1/182)
صفحة 183
من دائرة الشريعة المحمدية، لأنهم لم يكونوا من المذاهب الأربعة المشهورة، وإن كان مذهبهم، كما ينعته ابن تعاريت "موافقًا للحق ومؤيدا ببراهين الصدق "2.
وردا على هذا التعصب، سعى ابن تعاريت إلى تجميع تقول أيمة هذه المذاهب وأتباعهم، ليثبت مايلي:
ذلك
حضر الشريعة في أربعة مذاهب لا دليل عليه، وهو مجرد عناد
المذاهب أكثر من ذلك، وأتباع الأربعة يصوّبون كثيرا منها. شروط الاجتهاد تتوفر في غير أيمة الأربعة، ولم يبين أتباع هؤلاء خلاف
لا يُعرف الحق بالرجال بل الرجال يعرفون بالحق
ليس من الواجب الديني اتباع الأربعة دون سواها
أيمة الأربعة نهوا عن تقليدهم فخالفهم مقلدوهم، فقلدوهم رغم وقوفهم أحيانًا على ضعف أقوالهم ومخالفتها ظواهر القرآن والسنة، فيتحيلون
بالتأويل البعيد الباطل، و
ه الأولى أن يُقلد الصحابة
ولا يمكن أن يكون أيمة هذه المذاهب قد أحاطوا بالشريعة، لأن الإجماع حاصل على أن البشر ليس في طاقتهم ذلك إجمالاً وتفصيلاً
ه بناء عليه، لا يجوز لهؤلاء الإنكار على مجتهد مخالف، أو تخطئته. يجب على كل مقلد أن لا يعترض على قول مجتهد خفف أوشدّد، ما لم يخرج عن قواعد الدين
يجب أن يأخذ المقلّد العلم من حيث أخذ المقلد، لا أن يقلّده
1 - م. ص 269
2 - م. ص 269
183 (1/183)
صفحة 184
ه اختلاف العلماء رحمةٌ من الله على هذه الأمة، فكل يتبع ما صح دليله عنده وكلٌّ على هدى، وكلُّ يريد الله، والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة،
وطرق إلى الخيرات
أيمة المذاهب بشر يخطئون ويصيبون فكل ما وافق الكتاب والسنة يُؤخذ به، وما خالفهما يُترك
• كثير من أساطين العلماء خالفوا أهل مذهبهم
وقد أبطل صاحب "المسلك المحمود في معرفة الردود" القول بأن الاجتهاد مقصور على الأيمة الأربعة ومحصور فيهم ويستدلّ في ذلك بمعاصره الليبي المهدي السنوسي (ت 1320 هـ / 1902، الذي عدّه من علماء العصر، وذكر أنه السنوسي (ت 1320 هـ/1902)، دون مذهبا مغايرا للمذاهب الأربعة، واتبعه بعض من أهالي ولاية طرابلس الغرب، وكثير من أهالي القسم الشرقي من الصحراء الكبرى، ورجعوا إلى مذهبه بعد أن كانوا على مذهب الإمام مالك 2.
كما أبطل حديثا يعتمده المالكية لتزكية مؤسس مذهبهم، وهو: "يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالِمًا أعلم من عالم المدينة" 3، فاعتبره من انتحال أتباع مالك بن أنس، بدليل أن في سنده بلفظ آخر القرشي أبا البختري وهب بن وهب القرشي (ت 200 هـ / 815 م) المتهم بوضع أحاديث، ونعته ابن حنبل (ت 241 هـ/ 855 م) بأنه أكذب الناس.
وعلى احتمال صحته، كما يرى ابن تعاريت ليس فيه دليل على أنه مالك، بل الأولى أن يكون ابن عباس (ت 68 هـ/687 م) أو ابن عمر
(ت 73 هـ/693 م).
1. -م. صص 269 - 279 2 - م. ص 428
3 - بوعجيلة: قضايا الحديث النبوي في فكر محمد الطاهر ابن عاشور صص 33 - 34، وهو
عنده صحيح بلا ريب
1 - م. صص 295 - 296/ وراجع عن وهب: الزركلي: م. س. ج 8 ص 126
184 (1/184)
صفحة 185
ويقيم
الحجة
على أتباع المذاهب الأربعة بما ذهب إليه أحدهم، وهو القاضي عياض (ت 544 هـ/1149 م) المالكي، بأن كل واحد من أيمة هذه المذاهب ناقص ركن في كمال العلم الديني وهوما يعوق عن بلوغ درجة الاجتهاد العالية.
كما لم يُفوّت المصنّف إيراد ما رُوي في عداء مالك لأبي حنيفة، ونقل القاضي عياض على أبي حنيفة ومذهبه، وقدحه في مذهبي الشافعي
سخط
وابن حنبل 2.
وقد عاتب المفتي على عد داوود الظاهري (ت 270 هـ/884 م) من الأيمة المتبوعين وتصويبه، والحال أنه وإن كان جبلاً" من جبال العلم"، لا يقول بالقياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد ويسأل فبماذا يكون اجتهاده وعلى ماذا فيما لا نص فيه يكون اعتماده؟ 3
من جهة أخرى، توسّع ابن تعاريت في الاستدلال على أن هذه المذاهب الأربعة لم تخالف في الأصول الاعتقادية غيرها، فقط، بل ختلفت هي نفسها فيما بينها في ذلك.
،
فقد استدل المؤلف بقولة الفقيه المالكي التونسي إسماعيل التميمي (ت 1248 هـ / 1832) في التعليق على حديث الفرق: "الذي عليه
1
1 - م.
صص 426 - 427
2 - م. صص 298 - 302 3 - م. ص 272 ص 426
-
1 - نصه في مسند الربيع بن حبيب: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدّعي تلك الواحدة " ح 41 باب: في الأمة أمة
محمد (ص) ص 17
وقد اعتبر أطفيش أن في هذه الرواية زيادة شادة وأورد روايات قريبة مما رواه الترمذي وابن
ماجه
تيسير التفسير ج 4 صص -530 - 531 / ج 7 صص 56 - 57 موسوعة الحديث الشريف، الترمذي ح 2640 ص 1918 / ابن ماجه أحاديث 39933991
ص 2717
وراجع:
185 (1/185)
صفحة 186
المحققون أن الحديث يعمّ ويتناول كل جماعة تميزت ببدعة سواء تعلقت بدعتها بأصول الدين أو بفروعه، إذ لا تختص البدعة بالعقائد، بل كما تكون فيها تكون في الفروع، لأن أصل الابتداع زيغ القلوب واتباعها للمتشابه، وقد تقدم أن المتشابه يجري في الأصول والفروع، فإذا كانت البدعة تكون في هذا وفي هذا وجب أن تدخل فرقها مطلقا في الحديث لعدم ما يدل على التقييد بل فيه ما يدل على الإطلاق، وإن الفرعية داخلة، ليُثبت أن المذاهب الأربعة فرق متعدّدة متباينة لا فرقة واحدة كما صرح كثير من علماء تلك المذاهب، ومن قال خلاف ذلك فهو مكابر متعسّف في نظره.
ونلخص ما نقله ابن تعاريت من التصنيفات الواردة في بعض كتب أتباع
المذاهب الأربعة:
غالب الحنفية ماتريدية
ه الغالب في الحنفية معتزلة
أبو حنيفة من المرجئة
البغدادي: الفرق بين الفرق صص 299 - 354
ابن قيم الجوزية: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
الإسفرايني: التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين علي معمر؟ الإباضية في موكب التاريخ صص 42 - 45
،
ومن الذين عدوا الأحاديث في هذا الموضوع منتحلة محمود إسماعيل الذي يقول: " ... نخلص من ذلك إلى الإلحاح على حقيقة استبعاد الكفر والإيمان في الحكم على هذه الفرق والانطلاق في فهمها من منطلقات دنيوية بحتة تأسيسا على أنها جميعا فرق موحدة وهو أمر يكفل إمكانية التوصل بعد الحوار إلى ثوابت عامة وقواسم مشتركة خصوصا فيما يتعلق بالأصول أما الخلاف حول الفروع فهو أمر مشروع يدخل في إطار التنوع والتعددية وهو في حد ذاته إثراء للفقه الإسلامي الذي أسهمت جل الفرق في تأسيسه وتطويره ".
انظر کتابه: التراث وقضايا العصر صص 239 - 253 حسن السقاف: تنبيه الحذاق إلى بطلان حديث الافتراق على الموقع: www.ghrib.net
والردّ عليه: دفع الاختلاق عن حديث الافتراق على الموقع: www.muslm.org 1 - المصدر صص 282 - 283
186 (1/186)
صفحة 187
جمهور المالكية أشعرية. الغالب في المالكية قدرية
غالب الشافعية أشاعرة
جمهور الحنبلية أثرية
الغالب في الحنبلية حشوية
الحنابلة أصحاب الظاهر
أحمد بن حنبل من الحشوية
ولا تصح الصلاة خلف شافعي يقول: إلاهي ما عرفناك حق معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى أويقول العمل من الإيمان، أويقول: الإيمان يزيد وينقص
و لا تصح الصلاة وراء المالكية والشافعية الذين يقولون: الإيمان مخلوق
الأشعري كافر ودمه مباح
الغزالي (ت 505 هـ/1111 م) كافر
الماوردي (ت 450 هـ / 1058 م) الفقيه الشافعي اعتبر من فضلاء المعتزلة
عداوة المالكية لابن تيمية الحنبلي
1
ويتتبع ابن تعاريت المسائل الأصولية المختلف فيها بين المذاهب الأربعة، في دقة لافتة وإسهاب واف، وتُجملها في الجدول التالي:
1 - م. صص 282 - 297 2 - راجع م. صص 304 - 424
187 (1/187)
صفحة 188
المسألة
المذهب
الآراء
الأشعرية والشافعية
واجب شرعاً
وجوب الإيمان الشافعية العراقية والحنفية واجب عقلا
أي الماتريدية لأن جمهور
الحنفية ماتريدية
الأشاعرة وبعض الحنفية
نوع الإيمان جمهور الحنفية
الأشاعرة
مخلوق
غير مخلوق
لا توصف بالقبح
ولو فعل الله القبيح لا يوصف به
الله لا يفعل القبيح
ولو فعل لكان قبيحًا،
أفعال الله
الحنفية
فلا
يجوز
عقلا
تعذيب المطيع وإثابة
العاصي
زيادة الإيمان الأشاعرة والشافعي
ونقصانه
الحنفية والجويني
الإيمان
يزيد
وينقص
الإيمان لا يزيد ولا
(1085/ 0478)
ينقص
جمهور الحنفية ومالك
إيمان المقلد
والشافعي
يصح إيمان المقلّد
وابن حنبل
بعض الأشاعرة
يصح إيمان من قلّد
188 (1/188)
صفحة 189
القرآن والسنة القطعية
الأشعري
العبرة في الإيمان
بالخاتمة
الخاتمة
الحنفية
العبرة في الإيمان
بالحال لا الخاتمة
الشافعي
يعود
العمل
الارتداد
ومن تبعه من الأشاعرة
بالتوبة بعد الإحباط
بالارتداد
الحنفية
لا يعود
توبة الموحد
الأشاعرة
لا تقبل كإيمان
الآيس
الفاسق الآيس
الحنفية
تقبل
يمتنع
تخلف
خُلْف الوعيد
الوعيد
کامتناع
الحنفية
تخلّف الوعد
العقاب عدل أوعد
يعفو عنه،
الأشاعرة
به العاصي، وله أن
لأن
الخلف في الوعيد لا
يُعد نقصا
تصلح للضدين
الحنفية
القدرة
لكل واحد من
الضدين
قدرة
الأشاعرة
على حدة
189
إثباتها لله حقاً
لكنها معلومة بأصلها، (1/189)
صفحة 190
الحنفية
المتشابهات
الأشاعرة ومالك
معان ظاهرة
(الوجه، اليد .. )
ابن حنبل
صفات الأفعال
الحنفية
مجهولة بوصفها
هي مجازات عن
تأويل بعضها فقط
صفات قديمة
الخالقية،
الرازقية، الإحياء،
الأشاعرة
حادثة
التكوين، .....
الأشعري ومن وافقه
صفتان
متعلقتان
صفتا السمع والبصر
الحنفية
بكل موجود
تتعلق صفة السمع بما يصح أن يكون مسموعا، وصفة البصر بما يصح أن يكون
مُبْصَرًا،
وتتعلقان
بالموجودات
الحنفية والأشعري
ليس زائدا على
الوجود
ذات الله
زائدة
مشائخ الأشاعرة
الحنفية
والباقلاني (ت 402 هـ/1013 هو الوجود المستمر
والجويني والفخر الرازي (ت 606 هـ/1210 م)
م)
البقاء
190 (1/190)
صفحة 191
الأشعري ومن تابعه
هو صفة وجودية
زائدة على الوجود
الأشعري
هو صفة قائمة بذاته
واحدة
بذاته تعالى
وابن
کلاب (ت 245 هـ/860 م)
وهوزائد على الذات
الأشعري
يجوز سماع الكلام
وبعض المتأخرين
النفسي القديم ن
وهوما سمعه موسى
كلام الله
بعض الأشاعرة
القائم بذات الله
اللفظ والمعنى وليس
بمترتب الأجزاء حتى
يلزم الحدوث
بعض الأشاعرة
المسموع
من
أصوات
القرآن
والنغمات هو
کلامه
تعالى
الجمهور
الله لم يزل متكلما
إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم
به بصوت يُسمع
ونوع الكلام قديم
وإن لم يكن الصوت
المعين قديما
الماتريدي (ت 333 هـ / 944 م) كلام الله يتضمن
معنى قائمًا بذاته هوما
خلقه في غيره
191 (1/191)
صفحة 192
طائفة من أهل الحديث هو حروف وأصوات أزليّة مجتمعة في
والكلام
الأزل
الحنابلة ومنهم ابن تيمية هو حروف وأصوات
تقوم بذاته تعالى وأنه
قديم
الأكثرون
تكون
بخصوص
العين
رؤية الله
آخرون
بكل
جزء
من
أجزاء البدن
الكيفية
آخرون
بخصوص أجزاء
?
الوجه
الشعراني (ت 973 هـ/1565)
بالقلب
وأبو حنيفة وحماد بن أسامة
الكوفي (ت 201 هـ / 817)
الغزالي
نفى الرؤية المعتادة
الأشعري
مؤمنو
البشر
الرائي
والبيهقي (ت 458 هـ/1066 م
والملائكة
وابن قيم (751 هـ /1350 م)
ابن عبد السلام الشافعي لا تراه الملائكة
(ت 660 هـ/1262 م)
بعضهم
192
مؤمنو البشر فقط
مع الاختلاف في: (1/192)
صفحة 193
المرئي
مساواة
النساء
للرجال
•
النساء
الرجال دون
السيوطي (ت 911 هـ/1505) الجن يرونه في
الموقف مع
سائر
الخلق
الجمهور
كما
يصح
رؤية
ذاته
يصح
رؤية
صفاته لاقتضاء الوجود
صحة
رؤية
كل
موجود
بعضهم
الوقت
الأشعري والباقلاني
والإسفرايني (ت 406 هـ/
(1016
يجوز أن تدرك
ذات الله بحاسة الشم
والذوق واللمس
في جميع الأوقات للرجال والنساء
السيوطي
النساء لا يرينه إلا
في الأعياد خاصة،
باستثناء أزواج الأنبياء
وبناتهم
وسائر
الجمهور
المحل
الصديقات فيرينه في
غير الأعياد أيضًا
خصوصية لهن
تقع في الجنة ولا
والأشعري في أحد قوليه تقع في الدنيا ولولنبي
193 (1/193)
صفحة 194
الحالة
البعض
الأشعري في القول الثاني
وقعت في الدنيا للنبي (ص) خاصة
وقعت في الدنيا
للرسولين
موسي
ومحمد عليهما السلام
تجوز في المنام من
أكثر مثبتيها في الدنيا
غير كيفية وجهة
الباقون
لا تجوز في المنام
لقد
رجع ابن تعاريت في رصد هذه الاختلافات إلى ما يقارب مائة وثلاثة وتسعين إماماً وعالما من أهل السنّة والمعتزلة والشيعة والمتصوفة، فاستدل بكم غزير من مؤلفاتهم، وجمع مادة كلامية وأصولية هائلة تدلّ على سعة إلمامه واطلاعه وقدرته على الحجاج في نسخته القديمة '.
،
كل ذلك ليؤكد على ما يلي:
المذاهب الأربعة فرَقُ متباينة ولا يؤولون إلى فرقة واحدة
الاختلاف بين الأربعة في معظم المسائل الاعتقادية كالاختلاف فيها
بين سائر الأمة
الاختلاف فيها واقع بين علماء كل واحد من المذاهب الأربعة
1 - سنعرض في آخر هذا القسم بيبليوغرافيا (4)، نعرض فيها نصيبا من عناوين المخطوطات غير الإباضية في المكتبة البارونية وهي تؤكد اهتمام إباضية جربة
بمصنفات المخالفين
194 (1/194)
صفحة 195
أتباع المذاهب يسكتون عن الاختلاف الواقع فيما بينهم، ويستعظمونه
وينكرونه حينما يكون هو نفسه بينهم وبين مخالفيهم
قول الإباضية في كثير من المسائل الأصولية والفروعية لا يخرج عن قول
أحد أيمة هذه المذاهب.
عرض حجج الإباضية على عقيدتهم
تعصب المفتي ومن وافقه
ولقد ظهر لنا عرض ابن تعاريت للاختلافات بل المشاحنات بين أصحاب المذاهب الأربعة، مهما وذا فائدة منهجيّة فكرية تاريخية،، على خلاف ما ذهب إليه محققا كتاب "المسلك المحمود فسعيد ابن تعاريت كتب تأليفه ردا على فتوى تداخل فيها:
الاختصار المخل
و الخلط
التعميم والإجمال
انعدام التدقيق
الوسم
1''
وكل هذه النواقص من الخطورة بمكان حيث توجه هذه الإجابة إلى العوام، وكم في ذلك من التحريض على الإباضية، بقصد أو بغير قصد.
1 - م. صص 425 - 1437 / وراجع استعراضا آخر من الخليلي يقول في أوله: " وإذا قارنا بين موقف الإباضية من سائر المذاهب الإسلامية ومواقف تلك المذاهب بعضها من بعض، وجدنا من المرونة والتسامح من الإباضية في حق تلك المذاهب ما لا نجده من بعضها لبعض، وإن اجتمعت مجموعة منها تحت شعار واحد كالمذاهب التي تنتمي إلى أهل السنة والجماعة " لقاءات صص 142 - 161
1 - ورد في الهامش: "تردّدنا بين نشر هذه الصفحات وحذفها لكن الأمانة العلمية تقتضي إبقاء النص على ما هو عليه على مسؤولية المؤلف وهويكتب لعصره. كنا وددنا لوأن التعاريتي لم يكتف بإيراد المشاحنات بين أتباع المذاهب الأربعة وأضاف إليها ما بين أيمة هذه المذاهب من معاني المودة والإخاء". م. ص 280
195 (1/195)
صفحة 196
ومما يُذكر هاهنا أن إجابة المفتي انتشرت، وكان عليها رد فعل عنيف، وكتبت عليها كثير من الردود، ومنها إلى جانب رد ابن تعاريت، ردّ قطب الأيمة أطفيش، الذي عرضناه سابقا.
فكان من المنهجية العلمية في نظرنا أن يُفصل ابن تعاريت فيما ورد حتى تظهر جذور عقيدة أصحابه ومواردها الموغلة في أعماق تراث الأمة الإسلامية، وحتى يعلم مخالفهم من أهل المذاهب الأربعة أن مقالات الإباضية تكاد لا تخرج عن اختلافات أصوليّي "السنة" ومتكلميها وفقهائها. فلا ينظر إليها على أنها خلاف يُقابل "الإجماع "غير المتفق حول مفهومه وضوابطه، بل هي جزء من الخلاف الذي يكاد يمحو "الإجماع".
وحينئذ يكون ابن تعاريت قد دعا المخالف إلى أن يراجع مدونته الأصولية والفقهية حتى ينأى عن الإنكار والعداء وهو الصنيع نفسه الذي قام به الإباضي العُماني معاصرنا سعيد القنوبي .. وكذلك فعل الشماخي، من قبل، في رده على الغدامسي، حيث استعان بمصنفات الماتريدية والأشاعرة، لتبيين الاختلاف داخل المذاهب الأربعة والتنبيه إلى أن جلّ ماورد عند الإباضية
قال به بعض الأشاعرة أو بعض الماتريدية 2.
إن معضلة كثير من المتمذهبين خاصتهم وعامتهم تتلخص في: العلم المحدود بالاختلاف المذهل صلب مذاهبهم التي يتقلدونها
محدودية القراءة واضطرابها
المسارعة بالإنكار على المخالفين
شعبوية تصنيف مخالفيهم
الدغمائية الصماء
1 - راجع كتابه: السيف الحادّ في الردّ على من أخذ بحديث الآحاد، فهوعينة قيمة في
هذا الباب.
وقد ردّ عليه السلفي الوهابي عبد العزيز الراجحي بكتاب: قدوم كتائب الجهاد لغزوأهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.
-2
-م. صص 78 - 79
196 (1/196)
صفحة 197
الإعراض عن معرفة المخالف وفهمه
وقد كشف ابن تعاريت ذلك، حينما قال مخاطبا المفتي: " فهل عرفت ذلك بالاطلاع على كتبهم، أو بمباحثة وقعت لك مع علمائهم، أوبلغك من بعض الأوباش المتشدقين ... فإن قلت: إني لمْ آتِ بشيء من عندي، وإنما هو كلام صاحب المواقف نقلتُهُ، قلتُ: إن صاحب المواقف لم ينسب ذلك للوهبية المتبعين لهم أهل الجبل الذين جزمت فيهم بما ذكر، ولعله أراد فرقة أخرى من الإباضية إذ هُم كثيرون .. فلوتمهلت وسالت أحد طلبتنا، أو أخذت كتابا من كتبنا .. لعرفت عقيدتنا. وإذاك يصح الردّ علينا. أن صاحب المواقف حكى عن الإمام عبد الله بن إباض خلاف الواقع في أكثر المسائل التي نسبها إليه، كزعمه بأنه يقول: إن العالم يفنى بفناء أهل التكليف، وأن الاستطاعة قبل الفعل، ولعلّ سببه عدم التحري في النقل عنه، وهذا دأب كثير من العلماء".
أنه قد تحقق
أما العبرة التاريخية المستخلصة من عرض ابن تعاريت عينات من المشاحنات بين أصحاب المذاهب "السنّيّة"، فتكمن في التنبيه على أنّ الهجومات والهجومات المضادة وحملات السباب، بل الاعتداءات اللفظية والجسدية المتبادلة بين المتخالفين في العقيدة والفقه، والتي تتواصل إلى اليوم، لها نظائرها من قبل في التاريخ القديم ولكن، هل فعلت شيئا؟؟، فضلاً عن الاستدلالات والاستدلالات المضادة؟؟
كلاً، إنها لم تُحليل أيًّا من المتنازعين عن عقيدته ومذهبه، بل تمادى كل منهما على طريقته، معتقدًا فيها الصواب والهدى، وعلى قدر الأذى الذي لحقه، ازداد إصرارًا وتشبّئًا.
1 - هو عضد الدين عبدالرحمان بن أحمد الإيجي (ت 756 هـ/1355 م)، عالم بالأصول والعربية، شافعي ..... ، ومن كتبه: المواقف في علم الكلام"، "العقائد العضدية، "شرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه.". الزركلي: الأعلام ج 3 ص 295 1 - م. صص 263 - 265
197 (1/197)
صفحة 198
ولذلك فإطلاع أتباع المذاهب على هذه العينات من التعصب المذهبي، دافع لهم، إن كانوا يعقلون، إلى التفكير في الأسلوب الحضاري الراقي الذي يحفظ الذات والآخر من الأذى.
198 (1/198)
صفحة 199
3 حتميّة السماحة المذهبية ومواكبة العصر
بقدر ما تبين من خلال كتاب "المسلك "المحمود" ألم ابن تعاريت مما سُلط على الإباضية من الطعن والازدراء والعداوة، كانت لهجة الردّ على المفتي في غاية الأدب والاحترام، استندت إلى المنهج العلمي والأسلوب الحجاجي
الهادئ.
يقول المؤلف في هذا السياق: "قصدنا إظهار الحق المبين رغم أنوف المتعصبين، الذين دابهم الطعن في مذهبنا وإضمار العداوة لنا حتى أن بعضهم يُشافه البعض منا بذلك، ومنهم من ينسب إلينا في كتبه ما ليس هنالك. وما درى ذلك الطاعن أنه يطعن في شريعة نبينا الجليل .. ظنا منه أننا عاجزون عن المدافعة وتحرير المصنّفات، ومستعظمون لما أودع في هاتيك المؤلفات. بل إن لنا ألسنة حدادًا غمدها الأدب المحمدي، واجتماع كلمة أهل الإيمان .. وفحول أجلة في كل آن .. ".
وإذا كان ابن تعاريت قد تفهم مقصد المفتي من إجابته وأحسن به الظن، فإنه رأى السؤال والجواب بلا معنى ولا فائدة وكان الأولى الإعراض عنهما والاهتمام بما هو أولى. بل إنّ ضررهما أكبر من نفعهما، حيث يدعمان التعصب المذهبي، ويُسعران نار الكراهية والبغضاء بين متبعي المذاهب " إذ كلّ أحدٍ مجبول على حب دينه أو مذهبه، ويراه أحسن الأديان أو المذاهب .. ....
311
ومثلما يدافع ابن تعاريت تصريحاً، وتلميحاً، عن حرية التمذهب بأي مذهب، فإنه يؤكد على أن انقسام الأمة الإسلامية إلى طوائف غيرُ مستحسن، لأنه يؤدي إلى الاختلاف بين أرباب الدين الواحد فيما ليس من
1 - م. ص 115
1 - م. صص 302 - 303
2 - م. ص 114
-3
4
-م.
- م.
ص 465
ص 465
199 (1/199)
صفحة 200
أنه
المسائل العلمية التي تستوجب دقة النظر في أدلتها حتى يجب على المجتهد العمل بما أدّاه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تقليد غيره
'
وهاهنا نفهم أن حرية التمذهب وتعدد المذاهب واختلاف الأيمة، لا تتعارض مع وحدة الأمة ولا تُهدّد، كيانها حسب رأي ابن تعاريت. وهوراي قديم، ولم يتجاوزه المعاصرون، وأيده المدافعون عنه بجملة من
النصوص، حيث رأوا في الاختلاف رحمة، وفي التنوّع قوة وعمقا وحياة. فالطاهر ابن عاشور، مثلا يرى أن تفريق الآراء في التعليلات والتبيينات لا بأس به، وهومن النظر في الدين مثل الاختلاف في أدلة الصفات، وفي تحقيق معانيها مع الاتفاق على إثباتها وكذلك تفريق الفروع، كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء مع الاتفاق على صفة العمل وعلى مابه صحة الأعمال وفسادها كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب. فكل تفريق لا يُكفّر به بعض الفرق بعضا ولا يُفضي إلى تقاتل، وفتَن، فهوتفريق نظر واستدلال وتطلب الحقيقة بقدر الطاقة.
وتعبيرا عن هامش الحرّية المذهبية الوسيع، ونسبية الحقيقة في كلّ. المذاهب والعقائد الإسلامية، يقول ابن عاشور في جرأة المفكر العقلاني الرصين: " وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات، فالمسلم مخير في اعتقاد ما شاء منه، إلا أنه في مراتب الصواب والخطا. فالمسلم أن يكون
،
سلفيًّا، أو أشعرياً، أو ما تُريديًا، أوأن يكون معتزليًّا، أو خارجيا، أوزيديا أو إماميًا وقواعد العلوم وصحة المناظرة تُميّز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطا، أوالحق والباطل ولا تُكفّر أحدًا من أهل القبلة. فإذا كان من بعض النحل المحدثة ما يستلزم ويجر إلى إبطال معلوم من الدين بالضرورة، فترجع إلى المؤاخذة بلازم الرأي وتعرف عند الفقهاء بالتفكير باللازم وتلك حالة للنظر فيها مجال وتفصيلها يستطال "2.
1 - م. ص 453
1 - تفسير التحرير والتنوير ج 8 ص 194
2 - ابن عاشور: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص 172
200 (1/200)
صفحة 201
إنّ التمذهب الذي يُنذر بالخطر، كما يذهب إلى ذلك سعيد ابن تعاريت،
هو الذي يؤدي إلى "التنازع "، وهو مفهوم قرآني، وهو الذي ينشأ بالتعصب الشديد للرأي، واعتباره مطلق الحقيقة، والعمل على إلزام المخالف بالرجوع إليه، مع نفي الرأي الآخر، واعتباره مطلق الضلال، وإلزام صاحبه بالعدول عنه. وقد رافق هذا المنهج غير السوي في الاعتقاد، عبر التاريخ، العنف والدمار والهرج وإلى هذا أشار ابن تعاريت حينما قال: " متى تفرق أبناء الدين الواحد تعيس حالهم، وخاب مالهم، وتحكم عليهم شيطان الشقاق، وانحلت بينهم عرى الوفاق "" ويرى أن من أسباب ما آلت إليه
وضعية المسلمين من الانحطاط والذوبان:
"المناقشة المذهبية التي جعلها السنّج من فواكههم الطيبة المرضية،
في
وما دروا أن كافة المسلمين أشقاء في الروابط الجامعة الإسلامية .. مع أنه الحقيقة لا خلاف بينهم إلا في مسائل جزئية لا تؤثر في تعزيز رابطتهم
الدينية "2
والقتال 3
"الحمية المذهبية المفضية إلى وقوع الجدال والبغض والتنافر
ويلفت الانتباه إلى أنّ الدعوة إلى الوفاق بين المسلمين والنصارى، وهو ممكن يسير، أهم منها السعي إلى نبذ الخلاف بين سائر فرق المسلمين، وذلك لاشتراكهم في العمل بمقتضى قواعد الدين القويم واتفاقهم في الإيمان بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم".
1 - الأنفال) (46/ 8)، وقد رصده أطفيش في حياة الصحابة وفي عصره حيث لم يرجع الناس إلى العقيدة الإباضية، فتأمل قوله: " والنزاع الآن فشا في أهل التوحيد فملكهم أهل الشرك، ولورجعوا إلى مذهبنا في الأصول وغضوا عن مسائل الخلاف كأن لم تكن، وكانوا يدا واحدة لغلبوا على أهل الشرك ... وقد كان هذا الخلاف والزلل في زمان الصحابة .... تيسير التفسير ج 5 صص 339 - 340
-
-
2
ص 456 - م. ص 454
- م.
م. ص 456 4 - م. ص 456
201 (1/201)
صفحة 202
،
وتثمينا منه للجهود المبذولة في التقريب بين المذاهب ولم شتات الأمة الإسلامية، أثنى على الدولة العثمانية التي جمعت جل المماليك الإسلامية تحت سلطنتها وأحسنت معاملة رعاياها على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم، ونشرت "لواء الحرية في اتباع أي مذهب كان، وفي اقتفاء الشعائر الخصوصية لكل فريق من السكان، وأسست قانونًا متكفلا بحفظ شرف كل أمة، دافعا عنها سائر المعضلات المدلهمة، وحاثًا كافة الطوائف الإسلامية على التعاون والتعاضد بحيث يكون الجميع كالشخص الواحد عملا بقول الله تعالى: واعْتَصِمُوا بحبل الله جميعًا آل عمران، 103/ 3)، وبقوله (ص): المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وقوله: المسلمون تتكافأ دماؤُهُم ويقوم بذمّتِهم أدْناهُم وهُمْ يدُ على مَن سواهُم، وأسوة بما هوجار منذ أحقاب بالممالك المتمدنة من عدم الخوض في المذاهب والأديان، لما فيه الفوائد
1''
الجمة .. ""
ويفصح عن إعجابه بمنشور السلطان عبدالمجيد (ت 1278 هـ / 1861) س 1272 هـ/ 1855، الذي عرف بـ"التنظيمات الخيرية" 2، وورد فيه: "وإنّ كل امرئ له الحرية التامة في دينه ومذهبه فلا يمنع أحد من رعايا السلطنة عن عبادته ولا يُجبر على تبديل دينه أو مذهبه "3 كما يذكر القانون الأساسي الذي أصدره السلطان عبد الحميد الثاني (ت 1336 هـ / 1918) معاضدًا للمنشور 4.
ويُردفه بتعليق ورد في جريدة الرائد التونسي التي نشرت القانون: " وقد رأينا في جريدة الاتحاد التركية هذا الترتيب فإذا جميع مواده التي تركب -وهي مائة مادة وتسع عشرة مادة منها المادة الحادية عشرة، ونصها
منها،
1 - م. ص 493
1 - م. ص 455
2 - انظر: يلماز أزتونا: تاريخ الدولة العثمانية صص 7 - 91
-3
-
م. صص 459 - 460
4 - م. صص 462 - 464، وانظر:
أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية صص 92 - 199
کتاب محمد حرب: السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار
202 (1/202)
صفحة 203
: أن دين الدولة العثمانية هو الإسلام، ومع وقاية هذا الأساس تجري الحرية الأديان، بشرط التجنّب عن الخلل المؤدي لتحيير راحة الأمة
في جميع والآداب العمومية، وكذا الامتيازات المذهبية تجري كما كانت سابقا تحت إنما جرت على وجه يقتضي تأثيل الدولة العلية وحفظ
حماية الدولة
->
سياجها على الوجه الذي لا أظنّ أن عالما ينكره البتة إن كان بحث علم مغازي الأصول الشرعية وفروعها وتحنّك بمعرفة المصالح الحالية، ونظر إلى الأحوال الحاضرة، بل إنا قد رأينا القانون في هذا الوقت حافظا للديانة الإسلامية ولدولتها العلية خلد الله عزها لا سيما وفيه من تأليف قلوب الرعايا على تباين أجناسهم ومللهم ما لا يخفى على بصير. وهذا مما قد حث عليه الشرع القويم بما هو مبسوط في دواوين الشريعة "".
ولا يمكن أن نغفل عن أن العثمانيين بشكل عام، والحسينيين بشكل خاص، قد وظفوا على الإباضية ضرائب لم تكن تُفرض إلا على غير المسلمين (=أهل السنّة فقط، وتعاملوا مع الإباضيين تعاملاً غير متكافئ، سواء لما كانت الضرائب تُجبى في جربة عن طريق أعوان وعائلات هياكل النفوذ المحلي آل بن جلود) أوعن طريق أعوان المخزن المختصين في 18/ 12. واقترنت نوعية الضرائب المفروضة على إباضية جربة بحق الملكية السامية للأتراك على أرض الجزيرة فاعتُبرت أرضًا خراجية، واكتسى تعامل هؤلاء مع أولئك صبغة ثابتة تمثلت في اعتبار مجموعتي: الوهبية، ومستاوة مخالفين دينيًّا، ومعارضين سياسيًّا. فكانت نية السلطنة من وراء إباضية جربة هي إخضاعهم لسلطتها وبسط نفوذها عليهم.
سياستها
تعاملت كما أن سلطة الباب العالي مع أهل جربة بطريقتين: الأولى مع
المقيمين منهم في الجزيرة، وفق سياسة ثابتة امتدت إلى تاريخ انتصاب الحماية الفرنسية في تونس، وتمثلت في اعتبارهم خوارج. أما الثانية فمع الجرابة
1 - م. ص 464
1 - المريمي: إباضية جزيرة جربة م. س. صص 189–190
203 (1/203)
صفحة 204
"الشتات" خارج البلاد، حيث اعتبرتهم رعايا عثمانيين لا فرق بينهم وبين غيرهم من الرعايا المقيمين خارج بلدانهم ..
وكانت المناورة المذهبية إحدى وسائل السلطة التركية لإخضاع الإباضيين، يقول المريمي: "واصطدم الأتراك العثمانيون منذ القرن 16 بهياكل النفوذ المحلي للمجموعات الإباضية في جزيرة جربة من فاتخذوا من المذهب المالكي هناك أداة من أدوات تثبيط سلطتهم، وتشبث الإباضية في المقابل بمذهبهم المنتسبين إليه منذ العهد الحفصي، وقبله واتخذوا منه أداة من أدوات تدعيم النفوذ المحلي، فاختلف تعامل الأتراك مع الفئات الاجتماعية ذات المذاهب الدينية والمذهبية المتباينة الموجودة على الساحة في جربة خلال العصر الحديث "2
ومن المهم في سياق تبيان تعلّق صاحب "المسلك المحمود" بالخلافة العثمانية ورفضه التنازع تحت سلطانها قوله: " ومنهم طائفة الانكشارية:" فإنه لما اقترحت عليهم الدولة العلية أيدها الله الدخول في سلك النظام الجديد تعصبوا عليها وأخذوا ينادون في شوارع المدينة اليوم قتل العلماء وكبار رجال الدولة وكل من تسبب في وضع ذلك النظام، فكانوا ينهبون البيوت، ويطرحون فيها النار، ويقتلون من صادفوه حتى كان ما كان ومنهم محمد علي باشا والي مصر الذي كان في أول أمره ضابطا على جماعة من عساكر الدولة العلية فإنه شقّ عصا الطاعة عليها حتى أنه أرسل ولده إبراهيم باشا لافتكاك الشام من يدها ونشأت عن ذلك حروب شهيرة قتلت فيها نفوس كثيرة "، قال هذا في معرض الاستدلال على أنّ من أهل السنّة من ينطبق عليهم وصف "الخوارج" الذين خرجوا عن الأيمة بعد البيعة الإشارة إلى ما أورده، عند استدلاله على أن الخروج على السلطان كان من أهل السنة
أيضًا.
1 - المريمي: م. س. صص 249 - 250 2 - المريمي: م. س. صص 13 - 14
1 - المصدر صص 201 - 202
204 (1/204)
صفحة 205
وقد وافق المؤلّف شيخه أطفيش، وسائر الإباضية وجماهير واسعة من المخالفين، في الحض على الالتفاف حول السلاطين الأتراك، والدعاء لهم، لأنّ دولتهم نعمةٌ، إلاهية، وكفيلة بأن تحرّر أرض الإسلام من الاستعمار
والهوان 10.
ولا تظهر هذه الحماسة للعثمانيين لدى زعيم النضال الثعالبي، بل المتأكد هو عكس ذلك، إذ هو معجب أيما إعجاب بمحمد علي باشا (ت 1265 هـ/1849) معتبرا إياه رائد الإصلاح الديني والتمدن في مصر.
وكما
أكبر اين تعاريت نداء الأمير عبد
القادر
الجزائري (ت 1300 هـ / 1883 إلى الوحدة والاجتماع، أشاد بجهود رجال
الإصلاح
المصريين
مثل
عبده
(ت 1323 هـ / 1905) ورشيد رضا (ت 1354 هـ / 1935 وجماعتهم، الذين رغبوا في "جمع الكلمة والائتلاف، واستئصال جراثيم ما يؤدّي إلى النفرة والاختلاف، طبق ما جاءت به شريعتنا الأحمدية وما تستحسنه النفوس الزكيّة ""، هو المسلك نفسه الذي حذاه سليمان الجادوي كما سنرى.
ويضمّ صاحب المسلك المحمود " صوته إلى هؤلاء قائلاً: "ما أحوجنا معشر المسلمين قاطبة في هذه الأوقات التي تراكمت علينا فيها البلايا والكربات، إلى نفض غبار الحقد من قلوبنا والتضافر على ما يكون به إعلاء ديننا، والإقبال على ما فيه سراج الحضارة والعُمران، لأن تقدّم كل أمة إنما هو بالاتحاد والتعاون لا بالتعصب والنفرة بين السكان، حسبما يشير لذلك قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة، 2/ 5) تلك آية شافية في اختبار حوادث الزمان.
1 ـ تيسير التفسيرج 10 336 / ص 378. ص 2 - الثعالبي: روح التحرّر في القرآن صص 15 - 16
3 - م. صص 454 - 456
1
- م. صص 453 - 454
2 - م. ص 453
205 (1/205)
صفحة 206
لقد أكد الإباضية المعاصرون كثيرًا على ضرورة التسامح المذهبي حتى تصان الجامعة، وينصرف المسلمون إلى ما هو أهم.
فعلي معمر، يؤكد على أن العصبيات المذهبية وأصابع السياسة وبعد بعض المسلمين عن بعض وجهل أهل كل مذهب بما عليه الآخرون، كانت حواجز تحول دون تعرف المسلمين بعضهم ببعض. أما الآن، وقد اختلط المسلمون بعضهم ببعض، وعرف الكثير منهم الكثير عن الآخرين، فإنه ينبغي أن تختفي بعض المصطلحات أو بعض المفاهيم وتنشأ بدلا منها مفاهيم أو مصطلحات أخرى، تكون أقرب إلى توحيد جميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم. وآن للمؤسسات العلمية الإسلامية أن تغيّر مناهجها ودراساتها، لمن يهتم بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أن ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الإسلام.
،
،
كما يرى أن الأمة الإسلامية تتكوّن من جميع ما ينتسب إلى الشيعة أويُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الخوارج أويُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أويُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الإباضية أويُنسب إليها، ولا يخرج منها إلا من أخل بأصل من أصول الإسلام، فأنكر معلومًا منه بالضرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام والأخوة الإسلامية اليوم رابطة بين الشيعة وأهل السنّة والإباضية وعلى هؤلاء أن يتعاملوا على أساس اشتراكهم في أصول العقائد والسياسة والشريعة، وإن اختلفت بينهم التفاصيل، وما كان يُلزم به كلّ فريق غيره في الماضي لا يلزم أحدًا في الواقع ونفس الأمر. ولم يعد من المهم الالتفات إلى الماضي، بل الأهم أن يعمل علماء الأمة المسلمة المعاصرة، بناءً على النظرة المنصفة، وتسوية في الحقوق بين جميع المسلمين، ودفعاً للاحتكار الديني أو العلمي بين مجموعات محدودة، على إسقاط الأحكام المتعصبة الجائرة التي كانت تصدر على مجموعات من الناس أو بعض العلماء بأنهم: أصحاب أهواء، أو مبتدعة، أوفسقة، أويحكم عليهم بالكفر، وأن ينظروا إلى عمل الرجل مجرَّدًا من المذهب أو الفرقة أو الكتلة في عمله الفردي وسلوكه الشخصي، بقطع النظر عن الجهة التي ينتمي إليها. كما أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة، ولا تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة ردّ الفعل، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف. فبالمعرفة يفهم
206 (1/206)
صفحة 207
كل واحد ما يتمسك به الآخرون، ولماذا يتمسكون به، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه "".
،
،
أما الخليلي فيذهب إلى أن الموازنة بين الانتماء المذهبي وبين الدعوة إلى الوحدة الإسلامية تكون بالدعوة إلى إلى أن يكون الاختلاف بين المذاهب اختلاف تكامل لا اختلاف تنافر، وأن يكون بين الأمة وفاق وتراحم وتلاحم، ويرى أن كون هذه الأمة مستهدفة في عقيدتها، وفي سياستها، وفي أخلاقها وآدابها، وفي ثقافتها وقيمها وفي قوتها وحريتها، كل ذلك مما يدعوها إلى الاتحاد فيما بينها، وأن يعطف بعضها على بعض، وأن يكون الكلّ متحابين في الله، ساعين بإخلاص إلى الرابطة المقدسة التي تربط بينهم. ولقد كان سعيد ابن تعاريت واعيًا بأن العصر عصر القوة العسكرية والصناعية لتحقيق السيادة والتخلص من المهانة ولذلك رأى من الأنسب لوكان السؤال متعلقا باقتراح "الدولة العلية على أهالي ولايتنا في هذه الأيام، من تدريبهم على الحركات الحربية في حومات الزحام هل الواجب قبوله باستبشار واطمئنان أو عدم سماعه كيفما كان؟ "، ويجيب ابن تعاريت في حماسة المجاهدين الأحرار، منافحا عن الخلافة العثمانية رمز وحدة المسلمين آنذاك، ومناهضا المد الاستعماري الغاشم: " يتحتم عليهم الانخراط في سلك العساكر النظامية التي عليها المدار في سعادة الأمم وحياة الدول، فضلا عن التمرين على التأهب في المواقف العسكرية الذي هوأول واجب في الأقل، إذ هو أدنى درجات الاستعداد الذي أمر الله به في كتابه، وحث عليه قطب دائرة الكون (ص) وكافة أصحابه، كيف وفي ذلك صون لأعراضنا وبلادنا، وطاعة لسلطاننا وولي نعمتنا، إذ نفوس الكمّل والأحرار، تموت في الدفاع عن الوطن والدار، وبذلك نأمن على أوطاننا من الوقوع في قبضة من يذيقنا كأس الذلّ
1 - راجع: معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية صص 453 - 482 م. س.
2 - الخليلي: لقاءات في الفكر والدعوة ص 243 1 - م. س. ص 277
207 (1/207)
صفحة 208
والهوان، لا سيما أنها بعيدة عن عاصمة السلطنة، دام ملكها بدوام
الزمان، ... ولما فيه من القيام بواجب ديني ووطني .. "".
ومن اليسير الانتباه إلى أثر الفكر الإصلاحي المصري والتونسي في ثقافة ابن
تعاريت وكتاباته.
فهو يدعو إلى نشر التعليم والإقبال على العلوم العصرية، ويكتب عن العلوم الصحيحة أو الصلبة، كما يكتب عن جامع الزيتونة، والمدرسة الصادقية، والجمعية الخلدونية، ويُنكر بدَع الدروشة والأوهام والخرافات، ويُقوّم مفاهيم المعاني الدينية ' بما يشبه موقف معاصريه ورفقائه من المستنيرين 2.
1
نخلص في نهاية هذا الفصل الثاني إلى أنّ التونسي سعيد ابن تعاريت قد لحظته التاريخية، بما لابسها من القضايا والإكراهات، وبما فرضته أو فرض عليها من التحدّيات فهو مؤمن بأنّ حاضر الأمة لا يهمه اختلاف العقائد الإسلامية، وتباين جزئياتها، ولا تنوّع المذاهب ونظرياتها، بل يطلب وحدة المسلمين وطنيًّا وإقليميًّا، وكوْنيًّا من أجل إسلام عزيز مكين، يدفع عن أتباعه مخاطر الهيمنة والاستلاب ويحفظ لهم سيادتهم وأمنهم.
ولا يمكن أن يكون "المسلك المحمود في معرفة الردود" إلا صدى للمشروع الإصلاحي مشرقا ومغرباً، ذلك المشروع الذي ينظر إلى التراث مقوّم نهضة وامتياز، لا مغول تفتيت وتشتيت، والذي يضع في صدارة جدول مشاغله
هموم العصر ومعضلات الراهن، لا المعارك العقدية، والصراعات المذهبية. ولعلّ الإباضية كانوا أحرص الناس على الوفاق والتقارب والتكتل، تحت راية الإسلام بديلاً من التنابز والوصم والتمييز، لأنهم ذاقوا أكثر من غيرهم، مرارة التعصب المذهبي والتهميش والإقصاء.
1 - م. صص 466 - 467
2 - م. صص 15 - 18
1 - م: العزابة وأهل الطرق صص 438 - 452
2 - قارن ما أثبته في كلامه عن الطرق الصوفية وهوما أحلنا عليه في الهامش السابق، بما ورد، مثلا، في "روح التحرّر في القرآن " للثعالبي. صص 57 - 85
208 (1/208)
صفحة 209
وقد كان ابن تعاريت أنموذجا، من خلال الكتاب، في احترام المخالف، وحفظ أدب الأخوة الدينية، فلم يواصل في قسوة الردود التقليدية وفظاظتها.
ولا يمكن أن يخطر بالبال أن مؤلّف الكتاب قد ظاهر على تضليل المخالف بتصويب الإباضية، بل المؤكد وكما بيّنا كان مسعاه جادًا في صيانة حرّية التمذهب والاحترام بين المتمذهبين وأن يكونوا مؤمنين أولياء ضد كفار
مستعمرين
6
أعداء.
،
وربما يظهر للبعض أنّ موضوع الكتاب تقليدي، تجاوزه عصر المؤلّف، واندرج في سنة قديمة هي المفاخرة الفرقيّة، وهو رأي وجيه نسبيا. ولكننا نرى أنّ الأمر فيه أيضًا تأصيل للهوية التونسية الثرية.
فإذا أكد
،
شيوخ الزيتونة من معاصري ابن تعاريت و سابقيه وتاليه، على
أن الشخصية الدينية التونسية متكوّنة بالعقيدة الأشعرية ثم الماتريدية، وبالحنفية ثم المالكية أو العكس، وبالفكر الصوفي السنّي، فإنّه من واجب الإباضي أن يذكر، بل يهتف بأنّ الإباضية جزء من الهوية التونسية، أصلتها في انتمائها الإسلامي، وأثرت موروثها بنظريات وأصول وفروع لها من العراقة والوجاهة، ما لنظيراتها الأخرى المتكونة بها تلك الهوية.
فالإباضية ليست بدعة في الثقافة التونسية، وليس من حق أي كان أن ينظر إليها نظرة دونية، وحقيق بالتونسيين غير الإباضية أن يقطعوا مع العادات السيئة التي مارسها بعض الساسة والمتعصبون من فقهاء الدين تجاه "أهل الدعوة والاستقامة".
إنه الدفاع الرشيد عن هُويّة التنوّع والاختلاف، هوية التونسيين جميعا بلا تمييز هوية المالكية والإباضية، معا هوية القطر الواحد المتعدّد في تونس، والجزائر وليبيا، وعُمان، دون السقوط في جحيم الطائفية المقيتة، لأنها لا
تصنع الوحدة ضد الاستعمار.
209 (1/209)
صفحة 210
بيبليوغرافيا (3) مختصرة: في أدب الردود
المؤلف
1
الكتاب
2
الاستغاثة في الرد على البكري.
تحقيق: عبدالله
(ط 1 الرياض 1417 هـ/1997)
السهيلي
بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد
تحقيق: موسي
ابن تيمية تقي الدين) | (14226 هـ/2001)
•
الدويس
تقريب الصارم المسلول على شاتم الرسول.
إعداد: صلاح الصاوي
(1) دار الإعلام الدولى 1415 هـ / 1995)
تحقيق: أحمد الرد على الإخنائي
العنزي (ط 1 جدة 1420 هـ / 2000)
الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنّفه في آداب الطريق تحقيق: علي العمران (ط. دار
عالم الفوائد)
نصيحة أهل الإيمان في الردّ على منطق
اليونان.
1 - رتبنا الأسماء الفبائيا
تحقيق: عبد الصمد الكتبي (ط 1 بيروت
2 اخترنا العناوين الآتية لوضوح الفكرة والجهة المردود عليهما
210 (1/210)
صفحة 211
(2005/ 1426
نقض المنطق. تحقيق وتصحيح: محمد حمزة / سلمان الصنيع (ط. دمشق د. ت.)
نقض أساس التقديس (ردّ على: أساس التقديس للرازي) تحقيق: موسى الدويش (ط 1 المدينة المنورة 1425 هـ / 2004)
ابن الجوزي (عبدالرحمان) الرد على المتعصب العنيد المانع من ذمّ
ابن الحاج القفطي
شيث بن إبراهيم)
ابن حنبل (أحمد)
يزيد.
تحقيق: هيثم
(ط 1 بيروت 1426 هـ / 2005)
محمد
عند
حر الغلاصم في إفحام المخاصم جريان النظر في أحكام القدر (ردّ على
المعتزلة).
تحقيق: عبدالله
(ط 1 بيروت 1405 هـ/1985)
البارودي
الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على على غير
تأويله تحقيق صبري شاهين (1) الرياض
(2003/ 1424
ابن رشد (أبوالوليد (محمد) تهافت التهافت ردّ على كتاب
ابن سحمان (سلماس)
ابن الصديق (أحمد)
ابن عاشور (محمد الطاهر)
الغزالي: تهافت الفلاسفة تحقيق: العريبي (ط 1 بيروت 1413 هـ / 1993)
محمد
الأسنة الحداد في الرد على شبهات علوي حداد (ذكرنا كتابه (مطبعة العامرة الشرقية
(1907/ 1325
المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدى (ط. دمشق 1347 هـ / 1928)
نقد علمى لكتاب الإسلام وأصول الحكم (1/211)
صفحة 212
(ط. تونس د. ت.
ابن عبدالهادي (محمد) الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي (ط 1 القاهرة 1328 هـ/ 1910)
ابن عساكر الدمشقي
(أبو القاسم)
تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام
أبي الحسن الأشعري تقديم وتعليق: محمد
زاهد الكوثري (ط. القاهرة 1431 هـ /2010)
ابن عيسى الحنبلي (أحمد) الرد على شبهات المستعينين بغير الله (ط. الرياض 1409 هـ / 1989)
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية
ابن قتيبة (أبو محمد)
والمشبهة
ط 1 بيروت 1405 هـ/1985)
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. اختصار محمد الموصلى
ابن قيم الجوزية
الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
(سلسلة مطبوعات المجمع الفقهي بجدة
ط دار عالم الفوائد)
ابن مضاء (أبوالعباس) الرد على النحاة دراسة وتحقيق: محمد إبراهيم البنا (1) القاهرة 1399 هـ / 1979)
ابن ناصر الدين (محمد) الرد الوافر على من زعم أن مَن سمّى ابن تيمية "شيخ الإسلام" كافر
تحقيق: زهير
الشاويش (ط 1 بيروت
(1980/ 1400
بذل
المجهود
في
إفحام
اليهود. تقديم: محمد أحمد الشامي (ط. القاهرة
ابن يحيى
المغربي
د. ت.) (1/212)
صفحة 213
(السموأل)
غاية المقصود في الرد على النصارى
واليهود
تحقيق: سيد
عبدالله
(ط 1 القاهرة 1427 هـ / 2006)
آل ريس (عبدالعزيز)
تبديد كواشف العنيد في تكفيره لدولة
التوحيد ردّ على كتاب: الكواشف الجلية في
تكفير
الدولة
(ط 1 مصر 1428 هـ / 2007)
السعودية
ردود القرطبي على الشيعة (الدار الأثرية
د. ت.)
آل سلمان (مشهور)
الردود والتعقبات على ما وقع للإمام النووي في شرح صحيح مسلم من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات
(ط. الرياض 1415 ه/1995)
آل الشيخ (صالح) سلفي هذه مفاهيمنا ردّ على كتاب محمد بن علوي المالكي: مفاهيم يجب أن تصحح)
(ط. الرياض 1407 هـ/1987)
آل الشيخ (عبداللطيف) مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام (يعني ابن عبدالوهاب) تحقيق
آل معمر (حمد)
ومراجعة: إسماعيل عتيق (ط. الرياض (د. ت.
النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين
(ط 1 الرياض 1409 هـ / 1989)
أبوزيد (أبوبكر)
الردود. (ط 1 الرياض 1414 هـ / 1994)
أبوشادي (إبراهيم)
الرد العلمي على شبهات في العقيدة والتصوف (1/213)
صفحة 214
أبوشهبة (محمد)
(ط 1) الإسكندرية 1429 هـ/2008)
دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين
والكتاب المعاصرين وبيان الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردّها ردا علميًا صحيحا
(ط 1 بيروت 1411 هـ/ 1991)
الإسفرايني (أبو المظفر) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ط. القاهرة 1431 هـ /2010)
الأشعري (أبوالحسن) اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع. تصحيح وتقديم وتعليق: حموده غرابة
ط مصر 1375 هـ/1955)
الأعرابي (أبو محمد) فرحة الأديب في الرد على ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه تحقيق: محمد علي
سلطاني (ط. دمشق 1401 هـ / 1981)
الأفغاني (جمال الدين) الرد على الدهريين تعريب: محمد عبده (ط. القاهرة د. ت.)
الرد على جهالات البوطي في كتابه: فقه
السيرة ط. دمشق د. ت. الألباني (ناصر الدين)
نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق
(3) المكتب الإسلامي 1416 هـ / 1996)
الألوسي (محمود شكري) غاية الأماني في الرد على النبهاني
(ط. القاهرة د. ت.)
الأنصاري (يعقوب) الردّ على سير الأوزاعي، تصحيح وتعليق: أبوالوفاء الأفغاني (ط 1 مصر د. ت.)
بازمول (محمد)
الرد على كتب مشبوهة (ط 1 القاهرة
(2007/_1428
214 (1/214)
صفحة 215
بري (عمر بن إبراهيم) سيف الحق على من لا يرى الحق (رد على كتاب (الحدّاد (ط. تونس 1350 هـ / 1931)
البليهي (صالح)
عقيدة المسلمين في الرد على الملحدين
والمبتدعين (ط 2 الرياض 1404 هـ / 1984)
بن مراد محمد (صالح) الحداد على امرأة الحداد، أو ردّ الخطا
البوطي (محمد سعيد)
التويجري (حمود)
الجاحظ
والكفر والبدع، التي حواها كتاب امرأتنا في
الشريعة والمجتمع (ط. تونس 1350 هـ/ 1931)
دفاع عن الإسلام والتاريخ، ردّ على بعض ما جاء في كتاب: التاريخ العباسي لشاكر مصطفي ط. دمشق د. ت.
الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي
المنتظر (ط 1) الرياض 1404 هـ/1983)
المختار في الرد على النصارى. الشرقاوي
تحقيق: محمد
(ط 1 بيروت 1411 هـ / 1991)
جبل محمد حسن
الرد على جولد تسيهر في مطاعنه على القراءات القرآنية (26) القاهرة 1423 هـ/2002)
الحداد (علوي)
مصباح الأنام وجلاء الظلام في ردّ شُبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام. (ط.
قديمة)
نقض كتاب: الإسلام وأصول الحكم
(ط. القاهرة 1344 هـ / 1926) حسين (محمد الخض)
نقض كتاب: في الشعر الجاهلي (ط. القاهرة
د. ت.)
حمزة (محمد عبدالرزاق) ظلمات أبي ريّة أمام أضواء السنّة
المحمدية (ط. القاهرة 1378 هـ / 1958)
215 (1/215)
صفحة 216
الحويني (أبو إسحاق) سمط اللآلي في الرد على الشيخ محمد
الغزالي (ط 1 مصر 1410 هـ/1989)
الرد على الجهمية تحقيق: زهير الشاويش
الدارمي (أبوسعيد عثمان) / تخريج: ناصر الدين الألباني
دحلان (أحمد)
طه بيروت 1402 هـ/1982)
ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، تصحيح وتعليق: محمد
حامد الفقى (ط 1 بيروت 1358 هـ / 1939)
الدرر السنية في الرد على الوهابية
(ط 1 القاهرة 1432 هـ / 2011)
الدواني (جلال الدين) الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة
الفاجرة
تحقيق
ودراسة: عبدالله
منيب
(14206 هـ /2000)
دياب (محمود)
الصهيونية العالمية والرد على الفكر
الصهيوني المعاصر .. مصر 1396 هـ / 1976) ·*
الراجحي (عبدالعزين قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد
مسائل
(ط 1 الرياض 1419 هـ / 1998)
الاعتقاد.
السبكي (تقي الدين) السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل (ردّ
السحيباني (عبدالقيوم)
على نونية ابن قيم ومعه تكملة الردّ لمحمد زاهد الكوثري (ط. القاهرة 1424 هـ / 2003)
اللمع في الردّ على محسن البدع
(ط 1 الرياض 1416 هـ / 1996)
216 (1/216)
صفحة 217
السخاوي (شمس الدين) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ. تحقيق
وتعليق
(بالانقليزية): فرانز روز بثال
تعريب: صالح أحمد العلي (ط. بيروت
د. ت.)
السندي (عبدالقادر)
عربي).
الرد الأوفر على فقه الشيخ الأكبر (ابن
ويليه: إتمام البحث والرد على الإنسان
الكامل والقطب الغوث الفرد (ط 1 المدينة المنورة
السهسواني (محمد
بشير
السيد علي (حامد)
(1996/ 1416
صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان
(1975/ 1395 5 b)
الرد على كتاب جورج بوش: حياة محمد
(ط. القاهرة 1427 هـ/2006)
السيوطي (جلال الدين) الردّ على من أخُلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض مكتبة الثقافة
الشبل (علي)
الدينية القاهرة د. ت.
ابن الحنبلي وكتابه: الرسالة الواضحة في الردّ على الأشاعرة (ط. مجموعة التحف والنفائس الدولية
الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن 10/ 04 م (ط. تونس 1406 ه/1986)
الشرفي (عبدالمجيد)
الشطي (حسن)
النقول الشرعية في الرد على الوهابية
تحقيق: بسام
عمقية (ط. دمشق 1417 هـ / 1997)
الشعراوي (متولي)
ردا على الملاحدة والعلمانيين من خلال حوارات معه) (ط. القاهرة 1415 هـ/ 1995) (1/217)
صفحة 218
شنيوتي (منصور)
الأصول الذهبية في الرد على القاديانية
(ط 1 مكة 1428 هـ/2007)
صبح (عبدالمجيد)
الرد الجميل على المشككين في الإسلام
(2003/ 1424 2 b)
الطوفي (سلمان)
الصعقة الغضبية في الرد على منكري
العربية
تحقيق: محمد الفاضل - (ط 1 الرياض
(1997/ 1417
درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح
الطوفي (نجم الدين)
تحقيق: أيمن
عامري (سامي)
(ط 1 الرياض 1426 هـ / 2005)
جهالات
وأضاليل: نقض
شحادة
افتراءات
عبدالمجيد الشرفي على السنة النبوية
(ط. دار البصائر 1433 هـ / 2012)
كشف المتواري من تلبيسات الغماري وردّ
عبدالحميد (علي)
عدوانه
عبدالخالق (عبدالغني)
عبدالكافي (أبوعمان)
على
الجوزي 1410 هـ /1990)
السنة (ط 1 دار ابن
الرد على من ينكر حجية السنّة (ملحق بكتاب: دفاع عن السنة) (انظر: أبوشهبة)
الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الردّ على أهل الخلاف، حققه عمار الطالبي، ونشره تحت عنوان: آراء الخوارج
الكلامية
(ط. الجزائر 1398 هـ/ 1978)
العفاني (سيد)
رياض الجنة في الردّ على المدرسة العقلية ومنكري السنّة، ط 1) القاهرة 1426 هـ / 2006)
218 (1/218)
صفحة 219
العمراني (يحيى)
الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية
الأشرار
دراسة وتحقيق: سعود الخلف (ط. المدينة
المنورة (1419 هـ / 1998)
الغامدي (سعيد)
الرد على منكري صفتي الوجه واليد
(ط 1 جدة 1414 هـ / 1993)
الفريدان (أبو عبدالرحمان) الردّ الشافي على الجفري في زعمه أن إقامة
الفقيه (محمد)
الموالد سنة مؤكدة (ط 1) القاهرة 1426 هـ / 2005)
الكشف المبدي لتمويه السبكي تكملة الصارم المنكي دراسة وتحقيق: صالح المحسن أبوبكرشهال (ط 1 الرياض 1422 هـ/2002)
الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي بالحق الدامغ (2) المدينة
الفقيهي (علي)
المسمى
المنورة 1422 هـ/2001)
الفيروزبادي (محمد)
الرد على الرافضة. تحقيق: عبدالعزيز
المحمود (ط 1428 هـ/2007)
القاري (علي)
الرد على القائلين بوحدة الوجود.
تحقيق: علي رضا
(ط 1 دمشق 1415 هـ/ 1995)
القرافي (شهاب الدين) الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة في
القطامي (يعقوب)
الردّ على الملة الكافرة، تحقيق: بكر زكي
عوض (2) القاهرة 1407 هـ / 1987)
الكافي الممتع والمفيد والردّ المفحم الملجم السديد على من صادم اعتقاده الوحيين.
(ط 1 المدينة المنورة 1429 هـ/2008)
219 (1/219)
صفحة 220
القنوبي (سعيد)
كشك (عبد الحميد)
السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد (ط. عمان 1419 هـ/1998)
كلمتنا في الردّ على أولاد حارتنا
(ط. القاهرة د. ت.)
إحقاق الحق بإبطال الباطل ومغيث الخلق
ردود على عدد من الفقهاء والأصوليين)
(ط. القاهرة د. ت.)
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة
الكوثري (محمد زاهد) أبي حنيفة من الأكاذيب. ويليه: الترحيب
مايابي (محمد خضر)
بنقد التأنيب (ط. القاهرة 1410 هـ/ 1990)
صفعات البرهان على صفحات العدوان. (مجموعة ردود)، تصحيح ومراجعة محمد
الشاغول (ط القاهرة 1426 هـ / 2005
أبي
النكت الطريفة في التحدّث عن ردود ابن
شيبة
على
(ط. باكستان 1415 هـ / 1995)
أبي حنيفة
إبرام النقض لما قيل من أرجحية القبض.
دار البشائر الإسلامية د. ت.)
المحجوب (أبوحفص عمر) رسالة علماء تونس المحمية إلى الضال
الوهابي (2) بيروت 1428 هـ / 2007)
المرعشي (شهاب الدين) القول الفاصل في الردّ على مدعي التحريف (في (القرآن) تحقيق محمد فؤاد (ط 1 إيران
المصري الشافعي
(بهاء الدين)
(2003/ 1424
رسالة في الردّ على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أوّل لها، تحقيق وشرح: سعيد (1/220)
صفحة 221
المقدسي (محمد)
فودة (ط. القاهرة 1417 هـ/1997)
رسالة في الرد على
الرافضة.
تحقيق: عبدالوهاب خليل
(ط 1 الهند 1403 هـ / 1983)
الميورقي (عبدالله الترجمان) تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب
تحقيق: محمود علي حماية (22) القاهرة
د. ت.)
الملطي الشافعي
(أبوالحسن محمد)
التنبيه والرد (ط. القاهرة 1428 هـ / 2007)
على أهل أهل البدع
النجاد (أحمد)
الهرري (عبدالله)
الوادعي (مقبل)
الرد على من يقول: القرآن مخلوق (ط. الكويت 1400 هـ / 1979)
المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد
بن تيمية (ط 7 دمشق 1428 هـ / 2007)
ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر وبيان بعد محمد رشيد رضا عن السلفية.
ط 2 بيروت 1420 هـ / 1999)
صعقة الزلزال لنسف أباطيل الرفض
والاعتزال ط 2 صنعاء 1423 هـ/2002)
موسوعة بيان الإسلام، الرد على والشبهات
الافتراءات
تأليف جماعي
(ط 1 مصر 1433 هـ/2012)
الردّ الشافي على مفتريات القذافي
(ط. مكة 1402 هـ / 1982)
221 (1/221)
صفحة 222
بيبليوغرافيا (4) مختصرة من مؤلفات المخالفين
في المكتبة البارونية "
المؤلف
ابن أبي بكر المقدسيي (الحسن)
ابن أبي زيد القيرواني (عبدالله)
ابن حجر الهيثمي (أحمد) ابن سلام (طاهري)
ابن عبدالعظيم الحنفي (محمد)
ابن عثمان (أبو المعالي (حسن)
ابن غنيم الجوهري إسماعيل)
ابن قاسم المرادي بدر الدين حسن
الكتاب
غاية المرام في شرح بحر الكلام
في العقائد للنسفى
الرسالة
الإعلام بقواطع الإسلام
جواهر الفقه
القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد
شرح المواقف العضدية
ورقات في الفقه
الأجهوري (علي)
شرح ميّارة على ابن عاشر تعليق لطيف على منظومة
أصول الدين
الأمير (محمد بن محمد)
ضوء الشموع على
شرح
المجموع
حاشية على شرح جمع
الأنصاري (أبويحيى زكرياء)
الجوامع في أصول الفقه والدين
1 - راجع الفهرسة التي تمت تحت إشراف المكتبة الوطنية وبيت الحكمة وجمعية صيانة
جربة،
على الموقع: elbarounia.com
2 - انتقينا، باختصار، المؤلفات الأصولية والفقهية: فقط
222 (1/222)
صفحة 223
التفتزاني (مسعود)
الحضرمي (إبراهيم)
الحطاب المالكي (أبو عبدالله)
الحفناوي (محمد)
الحموي الحنفي أحمد بن محمد
الدمرداش شمس الدين
الدمني (مصطفى بن عبدالقادر)
الروضي (محمد بن عمر)
للمحلى
رسالة في ماهية وتعريف المنطق
كتاب عن تاريخ الخوارج
شرح کتاب الورقات للجويني الثمرة البهية في أسماء
الصحابة البدرية
القول البليغ في حكم التبليغ
القول الفريد في معرفة التوحيد
تنبيه الأنام عن منافيات
الإسلام
شرح منظومة القاضي عياض في شروط الإمامة
الرياحي (إبراهيم)
مولد سيد الأنام عليه الصلاة
والسلام
الزرقاني عبد الباقي
زروق (أحمد)
شرح على متن خليل
التنبيه على بعض غوامض
حزب أبي الحسن الشاذلي
رسالة تحفة المريد
الزمخشري (أبو القاسم)
تفسير الكشاف
زيتونة (أبوعبدالله)
السعود
السبكي (تاج الدين)
مطالع السعود على إرشاد أبي
معيد النعم ومبيد النقم
السيوطي (جلال الدين)
تنوير
الحلك في رؤية النبي
والملك
223 (1/223)
صفحة 224
الشعراني (عبدالوهاب)
الحاوي للفتاوى
اليواقيت والجواهر في بيان
عقائد الأكابر
الفيومي المالكي (أحمد بن أحمد) رسالة في بيان مسألة الخلق
الذي ابتلي به مذهب مالك
شرح رسالة بدر الرشيد في
القاري الحنفي (نورالدين علي)
الكلمات
الكفرية
بالإشارة
الإيمانية على ماذهب إليه الأيمة
تنقيح الفصول في اختصار
الحنفية
القرافي (شهاب الدين
المحصول
القزويني
الكشناوي الأشعري (محمد)
مختصر التلخيص
أندر المنظوم وخلاصة السر
المكتوم
المحلي (جلال الدين)
شرح الورقات للجويني
تحقيق: أحمد
بن
قاسم
العبادي
المغربي المالكي (خليل بن محمد ختم على آخر مقدمة أبي
المقدسي عز الدين
الليث الحنفي في الصلاة والإيمان
حل الرموز ومفاتيح الكنوز
المقدسي الحنبلي (مرعي بن يوسف) سلوك الطريقة في الجمع بين
كلام أهل الشريعة والحقيقة
المنجوري (أحمد بن علي)
224
شرح قواعد الزقاق المسماة
ب: المنهج المنتخب في قواعد المذهب المالكي) (1/224)
صفحة 225
[صفحة فارغة] (1/225)
صفحة 226
الفصل الثالث
الفكر التحرّري والمشروع الإصلاحي
226 (1/226)
صفحة 227
تمهيد: قراءة في المعطى الترجذاتي
لم تظهر حماسة الإباضية التونسيين للقضايا المصيرية التي رمت بثقلها في النصف الأول من ق 20، كما ظهرت عند الشيخ سليمان الجادوي. وفي هذه الشخصية الفذّة امحت الفوارق العقدية والمذهبية، وحلت محلها العبقرية الإبداعية، والروح الوطنية، التي تنظر إلى تونس وطنا واحدًا، وشعبًا واحدًا، وصفا واحدًا، يقاوم عدوا واحدًا وليس له إلا خيار واحد هو الانصهار في جبهة إنقاذ تصون الدِّين والبلاد. فمن هو الجادوي؟
إنه الإباضي سليمان بن قاسم الجادوي (13711293 هـ/1876–1951) ' نسبة إلى بلدة "جادو" بجبل نفوسة الليبية، وقد اشتهرت هذه البلدة في بدء الفتح العربي الإسلامي، وخاصة في عهد دولة بني رستم بتيهرت، بكثرة العلماء المجتمعين بها. حيث ينقل المؤرخون والرحالة أنها ضمت في عصر واحد حوالي أربعمائة عالم 2.
وترجم بن يعقوب لسليمان الجادوي ولثمانية علماء من عائلته، ونقل عن التعاريتي: دار الجادوي دار علم قديمًا وحديثا إلى وقت متأخر "، واعتبرهم إلى جانب عائلة الشمّاخي على امتداد خمسة قرون "أمة" تنهى عن المنكر، وتأمر بالمعروف نهلت من مدارس الجزيرة، ومن جامع الزيتونة، ومن المدرسة الإباضية بمصر، ومن الجامع الأزهر، ثم أتت جامع بني ليمس بآجيم تعمّر مدرسته وترسخ مبادئ العلم والعقيدة فيها، سبلوا أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم لخدمة الدين ونصرة المذهب، فعمروا مساجد الله، وبثوا بعلمهم وتقواهم أصول الدين الصحيح".
1 - تاريخ ولادته الميلادي الذي أثبتناه منقول عن بن يعقوب: تاريخ الجزيرة ص 285، أما الجيلاني بلحاج يحيى (ت 1431 هـ / 2010) فيرجح أنه ولد س 1871. راجع: الجيلاني
بلحاج يحيى: الصحفي المناضل سليمان الجادوي ص 14
2 - الجادوي: الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة ص 777
وفي معجم البلدان: " جادو: مدينة كبيرة في جبل نفوسة من ناحية إفريقية، لها أسواق
وبها يهود كثيرة " مج 2 ص 92
3 - بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة ص 289
227 (1/227)
صفحة 228
ولد سليمان الجادوي بحومة آجيم في جربة، وفي مدرسة جامع ليمس
تلقى مبادئ العلوم ثم التحق بجامع الزيتونة ليلازم الدروس فيه ثلاث سنوات. وهو المسار نفسه الذي سلكه سعيد ابن تعاريت من قبل، وبن يعقوب من بعد فيَحْسُن بنا هاهنا أن نقف لنستنطق صلة الإباضية المغاربة عموما، وبالأخص الجربيين بجامع الزيتونة الذي لا يُقر إلا مذهبي المالكية والأحناف. فالذي يظهر أوّلاً أن الإباضية لا يُمكن لهم أن ينكروا قيمة جامع الزيتونة العلمية، ودوره العريق والشهير في نشر الثقافة الدينية، وترسيخ مقومات الهوية الوطنية والعربية الإسلامية.
ولذلك سعى إباضية جربة إلى الاستزادة من العلوم الدينية بالتوجه إلى العاصمة، ورأوا أن تكوينهم لا يكمل إلا بالدخول إلى جامع الزيتونة الذي يصفونه ب: "الجامع المعمور" و"الجامع الأعظم"، ويدعون بعمرانه، ويصفون نخبة من شيوخه ب"الأساتذة الفحول"، كغيرهم من التونسيين والمغاربة. وقد عبر بن يعقوب عن هذا المعنى عندما تحدث عن مدرسة جامع الباسي التي تعلم فيها قائلا: "لفظت أنفاسها الأخيرة خاصة عندما عزم التلامذة الأولون مواصلة دراستهم بجامع الزيتونة. فانقطعت عن الدراسة في آخر 1346 هـ / 1928 وابتداتُ دراستي في جامع الزيتونة ". وكان الجربيون يتهيبون الدراسة بهذا الجامع، فلا يبعثون إليه إلا من تبين نبوغه. وكل هذا لا يعني البتة أن إباضية جربة يستنقصون مشائخهم، بل على العكس يتباهون بالمعيّتهم محليا ووطنيًّا.
ويحق لهم أن يتباهوا. فجزيرة جربة أنجبت جمهرة من العلماء المبرزين الذين لم ينالوا نصيبهم من التراجم والشهرة ولكن آثارهم ظلت غرة في جبين البلاد التونسية.
ومن الأمثلة على افتخار الجربيين بذلك، هاتان القصتان:
/ "قدم العالم أحمد السناري الحبشي إلى جربة طالبا مناظرة العلماء، وكان ممتازا في علم المنطق وغيره واجتمع مع القاضي والمفتي المالكيين فأفحمهما،
1 - بن يعقوب: م. س. ص 209
228 (1/228)
صفحة 229
ونعتا له الشيخ موسى بن علي الباروني (ت 1284 هـ/1867) وقد أتى زائرا، فابتدأت المناظرة في سائر الفنون من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. وقد ذهب الشيخ سعيد ليستريح. أما الشيخ موسى فتابع النقاش مع السناري حتى عجز هذا الأخير وسلم للشيخ موسى وقال: هذا هو الفقيه العالم. ثم ذهب السناري إلى تونس ودخل جامع الزيتونة وناقش علماءه، وباحثهم، وعرف مقدارهم فلم يُعجبه، فقال: لم أجد العلم إلا في جربة ".
يروي الشيخ يوسف بن محمد المصعبي: "اتفق لي اجتماع مع بعض فقهاء تونس بجامع الزيتونة فأوّل ما سألني عن دليل الوحدانية، فقلتُ له: أدلة كثيرة، منها طريقة الصفة وطريقة الممانعة. فلما سمع مني ذلك انتقل للسؤال عن غيرها، وأجبتُ عن جميع ما سأل. ثمّ قُلتُ له: أخبرني عن من قلدت من العلماء؟ فقال: مالك، فقلتُ له: فبماذا قلدته؟، فقال: في جميع الأحكام. فقلت له: إذا في إيمانك خلاف، فقال: بل في الفروع، قلت له: في جميعها أوفي بعضها؟ فقلت له: لا يصح ذلك لكون بعض الأحكام معلوما بالضرورة من أنفاس الشريعة كوجوب الصلاة والحج وتحريم الزنا ونحوذلك فارتبك وقمت عنه خالصًا من شره والحمد لله رب العالمين وذلك في ذي القعدة سنة 1153 وذلك في أيام علي باشا بن محمد".
کتاب
وفي ترجمته لسليمان المدني الذي درس هو نفسه بجامع الزيتونة بعدما تلقى المبادئ بجربة يقول بن يعقوب: " .. ترك مؤلفات هامة منها شرح ايساغوجي للسيخ أثير الدين الأبهري في المنطق وقد اشتهر بشرح سليمان الجربي وكان علماء جامع الزيتونة يستعملونه للتدريس حيث لم يجدوا
مثله "3
ولعل المطلع على تراث الإباضية العلمي في ميزاب وجربة يتأكد من أنّ لهم قدما راسخة في العلوم الدينية، ولهم ثروة ضخمة من المدونات والمصنفات
1 - بن يعقوب:: م. س. صص 154 - 155/صص 388 - 389
2 - بن يعقوب: م. س. صص 143 - 144
3 - بن يعقوب: م. س. ص 128
229 (1/229)
صفحة 230
تؤهل أصحابها بجدارة أن يكونوا أعلامًا بارزين في مختلف الجامعات الدينية مشرقاً ومغربا.
1
إن الإباضية أكدوا أن وفودهم على جامع الزيتونة، ثم الجامع الأزهر، ليس إلا توقيرًا للعلم وأهله ونهما في الطلب والمعرفة. ولذلك كان الطلبة الإباضية يتابعون من الدروس ما يروق لهم، ولا يحضرونها بصورة منتظمة وقانونية، وكانوا لا يجتازون الامتحانات إذ لم تكن لديهم رغبة في الوظيفة كما عند غيرهم فلم يحصل منهم على الشهائد العلمية إلا قلة قليلة لا تكاد تذكر.
إلى ذلك، تكتنز هذه العادة العلمية المحمودة رمزية التفتح والسماحة. فالإباضية لم يجدوا حرجًا في أن يجالسوا من يخالفهم جوانب في العقيدة، وهُم لا يصنّفون العلم إلى إباضي وغيره.
وقد أحصينا من تراجم بن يعقوب في "تاريخ جزيرة جربة":
أربعة عشر (14) جربيًّا توجهوا إلى جامع الزيتونة
خمسة (5) توجهوا إلى جامع الزيتونة، ومنه إلى الجامع الأزهر
خمسة وثلاثين (35) توجهوا من جربة إلى الجامع الأزهر
أما إباضية الجنوب الجزائري، فقد توطّدت صلتهم بجامع الزيتونة، وبالأجواء العلمية والثقافية التونسية، مع البعثة الميزابية الأولى س 1330 هـ / 1912، وهم لا يسهون عن ذكرها في كتبهم، وهي ليست بدعة في تاريخهم بل هي قديمة.
وبرز في هذا المنحى: أبوعمار عبد الكافي (حي قبل 570 هـ/1174 م) صاحب التأليف الكثيرة، وصالح بن عمر لعلي (ت 1347 هـ/1928) من تلامذة
1 - بن يعقوب: صص 302 - 303: م. س. 2 - يذكر الفاضل ابن عاشور أن جميع المتخرجين من جامع الزيتونة كانوا موظفين، وأن المتعلمين التونسيين بصفة عامة على اختلاف ثقافتهم قد انحصروا في طبقة الموظفين. الحركة الأدبية والفكرية في تونس ص 62
230 (1/230)
صفحة 231
أطفيش ومؤلّف مشهور، وعبد الرحمان بكلي (ت 1406 هـ/1986)، و محمد بن صالح الثميني (ت 1390 هـ / 1970، الذي جلس إليه سالم بن يعقوب حينما انتقل إلى تونس. ونقرأ في رسائل شاعر الثورة المزابي مفدي زكريا (ت 1397 هـ / 1977) الذي درس في الزيتونة والخلدونية، إلى مواطنه الإباضي أبي اليقظان إبراهيم (ت 1305 هـ /1973)، الذي زاول دراسته هو الآخر بالجامع الأعظم بين س 1335 هـ / 1917 وس 1339 هـ/ 1921، ما يدل على مكانة الثميني في العلم والكفاح، فيقول: "إن الفاجعة التي فوجئنا بها في وفاة أستاذنا الشيخ الثميني زلزلت كياننا، ولولا مكين من الإيمان والثقة بالله لضللنا الطريق. فالحمد لله فيما أعطى والشكر الله فيما استرد. وإننا إذ نقدّم لفضيلتكم أحر التعازي نسأل الله أن لا يريكم مكروها في عزيز، وأن يتغمد الفقيد الراحل بفيض رضوانه وسابغ رحماته. ولقد عزمنا على إقامة أربعينية لتأبينه بتونس نزولا عند رغبة الكثيرين من أقطاب الفكر. وقياما بالواجب نحوتاريخ هذا الرجل العظيم. فنرجو من فضيلتكم تزويدنا بمعلومات ووثائق عن مختلف جوانب نشاطاته الثقافية والسياسية والمهنية من تاريخ دراسته في حلقات قطب الأيمة إلى البعثات بتونس وملابساتها وإسهامه في الحركة السياسية إلى غير ذلك مما يمكن أن يُقال في شأنه ""
،
فالثميني الإباضي دخل جامع الزيتونة مع البعثة الميزابية س 1336 هـ / 1917، ودرس على ثلة من المشايخ اللامعين من أمثال محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1393 هـ / 1973) الذي كانت له به صلة وطيدة. وكان عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الحرّ الدستوري، وكان يجمع التبرعات للحزب من التجار التونسيين والجزائريين لدعم موارده. كما كان عضوا في العربي
الأدبي التونسي، إلى
محمد جانب
النادي الكبادي (ت 1381 هـ / 1961) وغيره. وله مقالات في مجلة "العرب" لزين العابدين السنوسي (ت 1386 هـ / 1966) تحت عنوان: حقائق عن وادي ميزاب. و هو صاحب مكتبة "الاستقامة"، التي كانت همزة الوصل بين تونس
1 - راجع: معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية صص 665 - 669 1 - فرصوص: أبواليقظان م. س. صص 145 - 146
231 (1/231)
صفحة 232
والجزائر وكان لها دور هام في الحياة السياسيّة. ويُذكر هاهنا أن الزعيم الحبيب بورقيبة (ت 1421 هـ / 2000 ظلّ يزورها بعد الاستقلال، ويقول: "إن هذه المكتبة كانت في أيام الحماية ملاذا لكل الأحرار"
ولقد امتزجت مهج الجزائريين إباضيين وسنّيّين، المنضوين تحت مظلة جامع الزيتونة والتحموا بالتونسيين ليعالجوا جميعا نازلة الاستعمار، ويوطدوا دعائم الهوية الثقافية الصلبة، ويذوّبوا الفوارق المذهبية. وتنقل السير الإباضية الحميد عبد أن الشيخ باديس (ت 1359 هـ /1940) الشديد التمسك بالفكر السنّي، والمعروف بتتلمذه على العلامة الطاهر ابن عاشور كان يزور البعثة الميزابية في مقرها بالعاصمة التونسية، فيستقبله الطلبة بحفاوة بالغة، وحفلات فنية متميزة.
ابن
نفسه ويكتب هو عن أبي اليقظان فيصفه بأنه ممن قرأوا العلم للعمل والتفكير، وأشربوا في زمن التعلّم حب الاطلاع والنهوض، ويقول: "أقام بتونس يكرع من مناهل جامع الزيتونة المعمور، ويقوم على تربية نشأة من إخواننا الميزابيين لتخدم المستقبل. ثمّ آب إلى الجزائر بمعارف صحيحة وخبرة واسعة ورغبة صادقة في خدمة الدين والوطن ... بحق يُعد ركنا من أركان نهضتنا الفكرية الإصلاحية وزعيم الناهضين من إخواننا الميزابيين" 2 ومما يلاحظ، في سير إباضية واد ميزاب وجربة الزيتونيين، الحرص على إيراد أسماء ثلة من الشيوخ التونسيين الذين تلقى عنهم المترجم لهم.
ففي ترجمة سعيد ابن تعاريت نجد من مشائخ الزيتونة:
مصطفي رضوان (ت 1322 هـ / 1904) وقد وصفه الفاضل ابن عاشور (ت 1390 هـ/1970) بـ "العلامة الرئيس الذي كان للنبوغ في المالية والسياسة والإدارة مثالاً، فدا، ولكفاءة العلماء والفقهاء والأساتذة حجة ناطقة ". وأخذ عنه كذلك سليمان الجادوي.
1 - موقع: التراث www.tourath.org 2 - فرصوص: م. س. ص 89
3 - المجلة الزيتونية مج 9 صص 28285
232 (1/232)
صفحة 233
/ أحمد بن مراد (ت 1359 هـ/ 1940) المفتي الحنفي
إسماعيل الصفايحي (ت 1337 هـ/1918) القاضي الحنفي المتوفى في اسطنبول، وهو من أبرز زعماء الحركة الوطنية في عهدها الأول.
وأخذ عنه كذلك الجادوي
صالح القايجي (ت 1329 هـ/ 1910) المدرّس الحنفي في الزيتونة والصادقية، ومدير مدرسة ترشيح المعلمين
محمد الصادق ابن القاضي (ت 1330 هـ/ 1911) المدرس الحنفي.
وأخذ عنه كذلك من الإباضية الجزائريين أبواليقظان إبراهيم
/ محمد بيرم (ت 1318 هـ /1900) المدرس والمفتي والقاضي شيخ الإسلام
الحنفي
وفي ترجمة الجادوي نجد:
عثمان بن المكي التوزري (ت 1350 هـ/ 1931) المدرس والقاضي المالكي،
من كتبه: المرآة في إظهار الضلالات ينتقد فيه الطرق الصوفية
محمد بن يوسف (ت 1358 هـ / 1939) شيخ الإسلام الحنفي.
وأخذ عنه كذلك أبواليقظان
/ أحمد بيرم (ت 1356 هـ/1937) شيخ الإسلام الحنفي محمد النجار (ت 1332 هـ / 1913) المفتي المالكي 8
1 - راجع ترجمته: قرين: العلماء التونسيون ص 336 2 - قرين: العلماء التونسيون ص 364
3 - قرين:
ص 367: م. س.
4 - قرين: م. س. ص 348
5 - قرين: م. س. ص 339
6 - المجلة الزيتونية مج 3 صص 408 - 41 7 - قرين: العلماء التونسيون صص 346 - 347 8 - قرين: م. س. صص 374 - 375
233 (1/233)
صفحة 234
وفي ترجمة أبي اليقظان إبراهيم، نجد:
محمد العزيز جعيطات 1390 هـ/ 1970 شيخ الإسلام المالكي ووزير
العدلية
محمد النخلي (ت 1342 هـ/1924)
/ محمد الطاهر ابن عاشور
/ محمد الصادق النيفر (ت 1334 هـ / 1938)، الذي ناله التوقيف عن التدريس بسبب نشاطه السياسي، وتعرض للسجن والاعتقال، وتراس الوفد
إلى الناصر باي (ت 1340 هـ / 1922) لطلب تزكيته تأسيس حزب وطني
بلحسن النجار (ت 1373 هـ / 1953) المدرس والمفتي المالكي 6
وفي ترجمة سالم بن يعقوب نجد:
محمد الزغواني (ت 1399 هـ / 1979)
ولا شك في أن ذكر الإباضية لأسماء هؤلاء الزيتونيين، هو تعبير منهم عن اعتزازهم بهم وتشرفهم بالتلقي عنهم وهو أمر طبيعي، لأنّ هذه الزمرة من العلماء جمعوا إلى جانب الألمعية والتبحر الروح النضالية الصادقة، وسعة الصدر والفكر، وسجيّة التفتح والتواضع.
فأن يختار الإباضية هؤلاء ويجلسوا إليهم، ويباهوا بهم، فهذا دليل على أن الاختلاف في العقيدة والمذهب يتضاءل أمام حب العلم والتعلم واحترام الآخر والاعتراف به والانشغال بالهاجس الوطني الإصلاحي.
1 - قرين: م. س. ص 353
2 - الشيخ محمد النخلي وإسهامه في حركة الإصلاح والتجديد وزارة الشؤون الدينية تونس 3 - ابن الخوجة: شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور
4 - المجلة الزيتونية مج 2 صص 23236
5 - العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن ص 165 6 - محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج 5 ص 15 7 - تراجم المؤلفين التونسيين ج 2 صص 423 - 44
234 (1/234)
صفحة 235
يقول الجادوي، معبرًا عن إعجابه بقضاة جامع الزيتونة من أمثال بوعتور (ت 1323 هـ / 1907 وجعيط: " .. أولئك هم نبغاء الجامع الأعظم الذين لم تعرف مناصب القضاء غيرهم قديما وحديثا، والذين تدرّجوا .. فبلغوا أسمى الدرجات، وازدانت بهم الوزارات وساروا بالحكومة ... سيرًا عرفه لهم
رجال الحماية، وباهي بهم فضلاء الشرق أبناء الأزهر المعمور". ومما يلفت انتباهنا الزي الزيتوني الذي اختار ارتداءه كل من سعيد ابن تعاريت وسليمان الجادوي خلافا لسالم بن يعقوب الذي يظهر أنه يميل إلى لبسة العزابة.
فالظاهر أنّ ابن تعاريت والجادوي قد انسجما مع البيئة الزيتونية أيما انسجام وقد أوردنا سابقا، ذكريات المودة والتقدير التي جمعت بين ابن تعاريت وبين الخضر حسين، وحسن حسني عبدالوهاب.
أما الجادوي فتستوقفنا قصيدته التي نشرتها له جريدة "الحاضرة"، بتاريخ 1905/ 12/05، وهو في ريعان الشباب وعنوانها "صدى عيد الفطر"، ومهدت لها الجريدة بما يلي: "وَرَدَتْ لنا القصيدة الآتية في رفع فروض الإخلاص للسدّة الملوكية، وتهنئة حضرة مولانا العلية بعيد الفطر ونعمة العافية. وهي من نظم الأنجب الأديب الفاضل سليمان الجادوي الجربي من أعيان طلبة جامع الزيتونة عمّره. الله فالتزمنا إدراجها خدمة للأدب ولركاب الجناب الملوكي العالي دام ممدوحاً بالقلم واللسان مدى الأيام والليالي"، وأولى أبياتها:
{
تبلَّحَ صبحُ الأمن واليُمْن واليُسر وغادرنا ليْلُ الكآبة والعُسْ وأقبل من قصر السعادة منبأ ونعم بالأركان في حيرة الفكـ إذا ما نمى أن المليك محمد هو الهادي باشا قد تعافى من الضر فمن خاشع الله يشكر نعمـ ومن قائم بالذكر للمئن الغُر ...
1 - الجادوي: الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة ص 193 2 - بلحاج يحيى: م. س. ص 14/ صص 137 - 138
235 (1/235)
صفحة 236
وقد ظهر هذا الانسجام أجلى فيما بعد حينما لمع صيت الجادوي في أوساط المثقفين والمناضلين على اختلاف أنسابهم ومشاربهم، وتوسعت علاقاته بهم، وازداد تعلقهم به وتقديرهم له، حينما بدأ إنتاجه الصحفي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وتنامت نشاطاته الفكرية والسياسية. وقد وصفه الشاذلي خزندارت 1373 هـ / 1954) بأحد الإخوان الأفذاذ، من ذوي الغيرة والشرف .. ومن المؤسسين معنا للحركة الملية من كبار رجال التجارة في سوق اللغة أيضا، ومن خريجي جامع الزيتونة الأقدمين، والمناضل عن ذماره، والمجاهدين الأبطال في كل ما يمس العقيدة وحرمة الدين السمح "".
وبالتوازي مع حضور دروس الزيتونة والأزهر يلازم الإباضية مدرستي الهنتاتي بالعاصمة التونسية والجاموس بالقاهرة لصيانة انتمائهم، ودعمه، ومراقبة سلوكهم، وتفكيرهم.
ولم نجد في ترجمة سليمان الجادوي ذكرًا لتلقيه التكوين الإباضي الموازي والأساسي، حينما استقر مع عائلته الثلاث سنوات في العاصمة، وهوما يدلّ على أنّ هذه السنّة الإباضية لم تُعتمد إلا فيما بعد، ووجدناها قائمة في عهد الشيخ سالم بن يعقوب.
ولم يتجه الجادوي، بعد أن أحرز شهادة التطويع كما يذكر بعضهم، إلى الأزهر، كعمل الشيخ سالم بن يعقوب، بل إلى يفرن بجبل نفوسة، كما فعل سعيد ابن تعاريت، ليتعمق في الفقه الإباضي.
1 - راجع: بلحاج يحيى: م. س. ص 159
2 - راجع:
بلحاج يحيى: م. س. صص 13 - 16
بن يعقوب: م. س. صص 285 - 289
حمادي الساحلي: الصحافة الهزلية في تونس صص 52 - 53 / محفوظ: تراجم المؤلفين
التونسيين ج 2 ص 7 3 - وجدنا الساحلي فقط، ينقل أن الجادوي تحصل على شهادة علمية م. س. ص 52
4 - راجع:
،
فاطمة المعلول: يفرن دراسة في جغرافية المدن محمود الكوردي: الحياة العلمية في جبل نفوسة
236 (1/236)
صفحة 237
وهذه عادة علمية أخرى هدفها الاستزادة من العلم، حيث يرحل الإباضي إلى هذه البلدة الليبية لينهل من منابع العقيدة الإباضية وتراثها. ومما هو معلوم أن وفود المشائخ وكذلك الطلبة كانت متبادلة على امتداد التاريخ بين جربة ومزاب ونفوسة، وكذلك عُمان.
وكلا الإباضيين ابن تعاريت والجادوي تتلمذ هناك على الشيخ عبدالله بن يحيى الباروني (13321236 هـ / 1820 - 1914) 2، الذي انتقل هو بدوره إلى جامع الزيتونة حوالي س 1251 هـ/ 1835 لينهل من معين شيوخه، ثم توجه إلى الأزهر س 1259 هـ / 1843 وكان من العلماء الذين تركوا الأثر الحسن في نشر العلم، وقد أشرف على مدارس قامت بمهمة التربية والتعليم لزمن طويل، منها مدرسة يفرن البارونية التي اضطلعت بدور هام في إثراء الحياة الثقافية في الجبل الغربي في ليبيا. وألف رسالة: "سلم العامة والمبتدئين إلى
وراجع عن مجال المناطق الإباضية وحركتها العلمية: محمد حسن: مقدمة تحقيق كتاب السير للشماخي ج 1 صص 25 - 81
ونقرأ عن نفوسة في "معجم البلدان" مايلي: "نفوسة .. جبال في المغرب بعد إفريقية عالية نحو ثلاثة أميال في أقل من ذلك وفيها منبران في مدينتين إحداهما سروس في وسط الجبل، وبها خبز الشعير ألذ من كل طعام، والأخرى يُقال لها جادومن ناحية نفزاوة. وجميع أهل هذه الجبال شُراة وهبيّة وإباضية متمرّدون عن طاعة السلاطين ... وافتتحها عمرو بن العاص وكانوا نصارى. ومن جبل نفوسة رجع عمروبن العاص بكتاب ورد عليه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه " مج 5 صص 296 - 297
وراجع من كرامات جبل نفوسة ضمن كتاب السير للشماخي ج 2 صص 771 - 772 وادخل موقع: www.tamatat.com
1 - راجع: الجعبيري: نظام العزابة صص 296287 2 – يقول محمد محفوظ: "أسرة الباروني أصلها من جبل نفوسة بليبيا ... هاجر فرع منها إلى جربة. ومن الملاحظ أن كثيرا من أسر جبل نفوسة هاجرت إلى جربة مثل الباروني والشمّاخي والجادوي. ومثل هذه الأسر موجودة إلى الآن في المكانين. ويمكن للملاحظ معرفة الأصل بتتبع القسمات البشرية، فالأنموذج الجربي يميل إلى القصر مثل أنموذج وادي ميزاب والجبالية يميلون إلى الطول وقوّة البنية. وبعض الأسر الجربية هاجرت إلى نفوسة " ج 1 ص 74 ونضيف نحن أنّ عددا من العائلات المزابية تحوّلت إلى جربة وتواصلت إلى عصرنا ومنها ألقاب: المزابي، المصعبي، زكري، ..
،
237 (1/237)
صفحة 238
أيمة الدين" في علماء الإباضية، ذكر فيه كثيرا من علمائهم وأصحاب الرأي
فيهم. وقد تخرّج على يديه أقطاب العلم والسياسة من بينهم ابنه الشيخ سليمان الباروني (1287 - 1359 هـ / 1870 - 1940) الزعيم السياسي والمجاهد، الذي تعلم في تونس والجزائر ومصر، وعاد إلى وطنه ليقاوم ضد سياسة الدولة العثمانية والاحتلال الإيطالي. ثمّ جعله سلطان مسقط مستشارا لحكومته من مؤلفاته:: "الأزهار الرياضيّة في أيمة وملوك الإباضية "، وحقق رسالة والده: "سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أيمة الدين" وطبعها س 1324 هـ/31906.
الله
وإذا كان الشيخ سعيد ابن تعاريت قد كتب شرحا لقصيدة شيخه عبد الباروني تضمّ مائة وعشرين بيتا ينصح فيها ابنه سليمان عند حلوله بتونس لطلب العلم بالجامع الأعظم س 1305 هـ / 1887، فإنّ للشيخ سليمان الجادوي قصيدتين بعثهما إلى المجاهد سليمان الباروني، الأولى قبل محاكمته في دولة حافظ باشا، والثانية يهنئه فيها بالبراءة من المحكمة التركية بطرابلس في محاكمة س 1316 هـ / 1899 والتي كان فيها عرضة للإعدام من أجل تهم سياسية ملفقة؟. ولعلّ هذه الأجواء النضالية التي عايشها ابن تعاريت والجادوي في تونس وليبيا، كانت من العوامل المساعدة على أن يكون لهما نصيب في الحراك السياسي، وكان الجادوي علما بارزا في هذا المضمار.
أن
1 - الزاوي: أعلام ليبيا ص 246 2 – يذكر الإباضي أبواليقظان إبراهيم أن شكيب أرسلان (ت 1366 هـ / 1946) صرّح سليمان الباروني جاهد باسم الإباضية خاصة وعلى رأس قومه الإباضية الليبيين. وهي فرية ومغالطة، لأن الباروني قالها صريحة: "أنا لم أحمل راية الجهاد باسم مذهب أو إقليم وإنما حملتها باسم الإسلام". وقد كتب أبو اليقظان كتاباً عن سليمان الباروني،
تصحيحا ودفاعًا. فرصوص: م. س. صص 40 - 41
3 - راجع: الزاوي: أعلام ليبيا صص 173 - 174 الزركلي: الأعلام ج 3 ص 129 / ج 4 ص 145
4 ابن تعاريت: المسلك المحمود في معرفة الردود ص 12 5 - بن يعقوب: تاريخ الجزيرة صص 28287
238 (1/238)
صفحة 239
ومما ورد عند بعض من ترجم للشيخ أنّه تحوّل إلى القاهرة لأغراض تجارية فلم ينجح، وعاد إلى تونس ليتابع دروس الخلدونية '.
لقد ظهرت إباضية الجادوي في جريدته "مرشد الأمة"، حينما وقف ثلاث مرات عند العلامة الإباضي الجزائري الذائع الصيت، امحمد بن يوسف أطفيش (1233 - 1332 هـ/ 1818–1914)، الملقب ب"قطب الأيمة"، وصاحب المؤلفات الغزيرة.
وقد تتلمذ عليه ولازمه أشهرا سعيد ابن تعاريت، كما ذكرنا. وفي هذه الوقفات الثلاث أوثق الصلة بين تونس والجزائر، وعُمان، وزنجبار، أشهر مواطن الإباضية في العالم الإسلامي.
وتورد هذه الوقفات باختصار فيما يلي:
ينشر الجادوي تحت عنوان: غرر المدائح الشعرية، قصيدة عُمانية في ستة وخمسين بيتًا، ويُمهّد لها بقوله: "سلم لنا بريد مسقط عاصمة عمان الفريدة الآتية، وهي من نظم الشاعر الكبير والعلامة الخطير مفتي الديار العُمانية الشيخ محمد بن شيخان السالمي مدح بها مجتهد العصر وحجة الدهر، مولانا وشيخنا الشيخ محمد بن يوسف طفيش المصعبي أطال الله بقاءه ونفع بعلومه الإسلام والمسلمين آمين وذلك إثر وصول شرحه لكتاب: النيل وشفاء العليل، وتفسيره الكبير: هميان الزاد إلى دار المعاد، للعاصمة المشار لها، فبادرنا بإدراجها خدمة للإمامين وللأدب الفحل
3 "
ستة
تحت عنوان: بدائع المدائح الشعريّة،، ينشر الجادوي قصيدة تضم وسبعين بيتًا، قدّم لها بالقول: "بعث إلينا عالم جزيرة العرب وشاعرها الفنّ حضرة الأستاذ شرف الدين صديقنا الشيخ عيسى بن القاضي صالح بن عامر الطيواني من مشاهير علماء مسقط بقصيدة مدح بها إمام المفسرين وخاتمة
1 - محمد حمدان: أعلام الإعلام في تونس ص 72 2 - راجع للتوسع في ترجمة هذا العالم الجزائري: بوعجيلة: المذهبي والتاريخي والنقدي في تيسير التفسير الإباضي صص 24 - 53
3 - الجادوي: الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة ط. تونس 1323 هـ/1925 صص 56 - 57
239 (1/239)
صفحة 240
4 "
الأعلام المجتهدين حكيم الأنام وشيخ الإسلام شيخنا الشيخ سيدي محمد بن يوسف المصعبي نفعنا الله تعالى بعلومه آمين. فبادرنا لإدراجها خدمة للأدب الغض ولذوي العلم والفضل / يكتب تحت عنوان: صدى فاجعة العلم والدين بالمشرق،: " ما كاد نبأ فاجعة العلم الكبرى ورزية الدين العظمى بوفاة حبر الأمة وانتقال قطب الأيمة فخر المفسرين وخاتمة الأعلام المجتهدين العارف بربه شيخنا سيدي محمد بن يوسف آل طفيش رضي الله عنه أن يبلغ الديار الزنجبارية حتى ساد الدهش بأرجائها بل وأغمر الأسى أصقاع مطلع الغزالة ومشرق الأهلة ضعف ما حصل بمغربها الكئيب، حزنًا على كسوف شمسه المشرقة التي كانت تضيء ما بين المحيطين علما لدنيا ضياء سراج الأفق الوهاج لعوالم الحس والشهود. ولم نلبث أن جاءنا البريد منها يحمل إلينا وصف ما داهم النوادي العلمية وصدع فزعه المعاهد الدينية هنا وهناك من فقد ذلك الإمام المجدد الذي كان ملجأ لشدّ الرحال وفيضا في فتح غوامض كلّ إشكال. وقد تسابقت قرائح أهل العلم إلى رثائه وذكر فضائله وتعداد كراماته، وتدوين حسناته للعلم والدين بغرر من المرائي، وفي بديع من القريض. فكان الذي نال أسمى المراتب في ذلك المضمار هو فضيلة عالم الشرق وحكيمه مولانا ابوالمعالي الشيخ سيدي ناصر بن سالم بن عدي الرواحي قاضي قضاة سلطنة الزنجبار العلية في مرثيته البالغة مائة وسبعين بيتًا وبوصولها إلينا أثبتناها هنا خدمة لمبرات ذلك الطود الراحل وإقرارا بفضل صايغ درّها وناظم عقدها الحكمي حتى كانت آية المواعظ والحكمة البالغة والقدوة التي يجب أن يسار على أسلوبها في ذلك السبيل الرهيب فالله تعالى أسأل أن يعوّض عن الإسلام من يأخذ بيده ويجدد ما عفى عنه فإننا في عصر أصبح الدين فيه كما بدا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنا لله وإنا إليه راجعون قال حكيم الشرق وإمام
القريض ... "
5''
4 - الجادوي: الفوائد الجمة ص 223 5 - الجادوي: الفوائد الجمة صص 331 - 332
240 (1/240)
صفحة 241
فلئن لم يُسافر الجادوي إلى وادي ميزاب للاغتراف من النبع الإباضي هناك، فإنّ فؤاده كان متعلقا بعلمائها ومجاهديها.
ولا نسهوعن أنّ منزع الجادوي الإباضي ظهر من خلال إشارات عابرة في
ثنايا مقالاته،
ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر:
نقله الأحاديث النبوية برواية الربيع بن حبيب
2
/ ذكر "كتاب النيل وشرح العليل" في الفقه للثميني الإباضي الجزائري (ت 1223 هـ/1808) وشرحه أطفيش
3
استدلاله بكتابي: "تيسير التفسير"، و"هميان الزاد إلى دار المعاد"
لا طفيش
عليها
الاستدلال بمنظومة أبي نصر النفوسي وشرح البدر التلاتي
الاستدلال بالفتاوى الجادوية
الجربي
أما استقرار الشيخ سليمان الجادوي الأخير فقد كان في تونس العاصمة، ليمتهن التجارة والظاهر هاهنا أنه اختارها عن اقتناع خاصة وأنه ينتقد
1 - وادي ميزاب أومزاب: منطقة صخرية مساحتها 80 ألف كم 2 بالجزائر، تتكون من مجموعة الواحات في الصحراء على بعد حوالي 1600 كم من الأغواط ن مركزها الرئيسي غرداية، ويسكنها البربر منذ 3 11/ 05 م. الموسوعة الميسرة ص 3319 وتذكر السير الإباضية أن علماء جربة هم الذين أحيوا الحركة العلمية بوادي مزاب في ق 10 هـ / 16 م
الجعبيري: ملامح عن الحركة العلمية ص 11
2 - تامل مثلا مقدمة الفوائد الجمة 3 - الفوائد الجمة ص 46
4 - الفوائد الجمة ص 462 /ص 567 5 - الفوائد الجمة ص 659 ص 675 6 - الفوائد الجمة صص 660659
241 (1/241)
صفحة 242
المسلمين لعدم اشتغالهم بالمهن الحرة وسرعان ما أصبح من مشاهير التجار الجربيين بسوق اللفة، وأصبح دكانه منتدى يقصده السياسيون والأدباء. وتذكر الوثائق أن سليمان الجادوي ترشّح لعضوية "الحجرة التجارية" من
جديد س 1351 هـ / 1932 نيابة عن مجموعة المهن الثانية التي ينافسه عليها أحمد بن مامي ابن الحاضرة، الذي قدّم طعنًا في الكيفية التي ضبطت بها قائمة الناخبين من المجموعة الثانية، وقدّم تحفظات حول السوابق العدلية والسياسية لمنافسه الجادوي الذي فاز عليه وبيّن أنه رجل سياسة، والسياسيون البارزون هم الذين أشرفوا على ترشيحه كما وجه أغلب أعضاء مجلس العشرة في جمعية الشواشين المهنيّة عريضة إلى المدير العام للداخلية يعترضون فيها على احتمال تزكية الجادوي لأسباب مهنية، ولأنه نزيل سجون، وسبق أن أفلس، ويساندون أحمد بن مامي الذي ينتمي إلى جمعيتهم وإلى فئة الأعيان.
2
•
وانتهت هذه المواجهة المدعومة بمناورات الإدارة العامة للفلاحة والتجارة والجهة الاستعمارية بإقصاء الجادوي، رغم قرار الداخلية باقتراح تزكية عضويته، لأن سوابقه العدلية والسياسية لم تعد مبررًا لإقصائه بعد تزكية عضويته في مجلس قيادة جربة ومجلس الجهة الخامسة.
وأحدث إقصاء الجادوي ردود فعل في الأسواق، وخاصة في صلب التجار الجرابة، واحتجت الصحافة على القرار الاعتباطي الذي يمثل طعنة خطيرة للحرية الانتخابية.
ثم كانت هذه الضجة عاملا إيجابيا في تطوير نظام "الحجرة"، وأصبح الانتخاب هو القاعدة، وتحصل الأعراف والتجار على نظام نيابي أكثر تحررية وقد كان موضوع استقرار الجربيين خارج الجزيرة ظاهرة سماها المريمي "الجرابة الشتات"، داخل الإيالة التونسية وخارجها، وقد ارتبطت أشدّ الارتباط بمهنتهم التاريخيّة: التجارة فقد بيّن المريمي أن "ظاهرة الجربي"
1 - الفوائد الجمة ص 125
2 - خميس العرفاوي: سليمان الجادوي وقضية "الحجرة التجارية"، نص أورده بلحاج يحيى: م. س. صص 156 - 158
242 (1/242)
صفحة 243
ارتبطت بهجرة الجربيين المزمنة، وكان من أسبابها العوامل الطبيعية، والردع البدني والمالي اللذين سُلطا على الجربيين.
وأثبت أن تونس العاصمة جذبت الجرابة على امتداد العصر الحديث. وقد سكنوها في عهد عثمان داي (1007 - 1018 هـ / 1599 - 1610) الذي أجلاهم عنها لما كانت جزيرتهم تحت حكم طرابلس وبنّى لهم يوسف داي (1018 1046 هـ/ 1610 - 1637) سوقا خاصا لتجارتهم. وكان الأمر كذلك خلال القرنين 18 و 19 ولم يستقر الجرابة في المناطق الجنوبية من البلاد، وكانوا
•
يترددون على صفاقس إلا أنه لم يستقر منهم فيها سوى تجار الفخار. وقدم المريمي، اعتمادًا على وثيقة ضريبة "الإعانة"، إحصائيات قديمة تعود إلى س 1273 هـ/ 1856، وهي فترة قريبة من تاريخ ولادة الجادوي)، تهم توزّع الجربيين في الإيالة التونسية، وملخصها:
ما
العدد الجملي للجرابة المقيمين في مختلف الجهات: 1916 نفرا، وهو يمثل 8,36 في المائة من العدد الجملي للجرابة البالغين سن الرشد والذي يساوي 22920 نفرا
يستوعب إقليم الساحل 279 نفرا من الجرابة البالغين سن الرشد، وهو ما يمثل 58,2 بالمائة من مجموع الجرابة الموزعين في أنحاء الإيالة عدد الجرابة في الوطن القبلي 108 نفرا بالغين سن الرشد، وهو ما يمثل 22,5 من مجموع الجرابة في نواحي الإيالة
بنسبة 6,2 بالمائة في راس الجبل وفي القيروان
بنسبة 4,5 بالمائة في الكاف
بنسبة 1,6 بالمائة في باجة.
1 - المريمي: م. س. صص 235 - 237 2 - المريمي: م. س. صص 235 - 248
243 (1/243)
صفحة 244
لقد امتاز الشيخ سليمان الجادوي بنشاطه السياسي، الذي ملأ فكره وعمره. وقد انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري عند تأسيسه س 1339 هـ /1920.
وسنرجع إلى صدى علاقته المتينة بهذا الحزب، غير أننا نود أن نقتطف فيما يلي مقطعا من مقال موسع سمّاه الجادوي: "الاحتفال العظيم بالإفراج عن الزعيم"، كان من الدلائل على تعلقه الصادق بالشيخ الثعالبي مؤسس الحزب ورمز الكفاح التحرّري.
يقول الجادوي: "من المعلوم وأن لسائر الأمم أعيادا ومواسم دينية ودنياوية سياسية، وأنّ لها أياما ملحقة بها شأنا واعتبارًا ... وعليه فلا غروإذا قلنا وأن من الأيام التي تؤخذ كعنوان على الاتحاد العام شعورًا ووطنية، وانتشار ذلك بكيفية مدهشة فيها على طبقات الأمة التونسية، هو يوم إطلاق الأستاذ الشيخ الثعالبي، معلنة فيه براءته من سجن سيق إليه إثر قيامه بمصلحة عامة وخدمة وطنية مساقا لهما بوجدان صادق و خلوص، ضمير، شأن كبار النفوس المسؤولين لشعوبهم وبلادهم بالسير بهم إلى الرقي والنهوض ... نعم خرج الأستاذ في ذلك اليوم الجدير بأن يكون من بعض الأيام التي أشرنا إليها آنفًا ... إن الاحتفال لم يكن قاصرًا على الإفراج وإطلاق الزعيم ذاتيا لنعوته العالية، وفصاحته السحبانية وصبره على الشدائد بل كان أيضًا للمسألة التونسية التي تزعم أمرها حتى التفت حوله القلوب وأجلته إجلالها للدستور ... وأهنّى الأمة في زعيمها مجدّدًا لها الحث على العمل ثمّ لها أن تثق بالمستقبل ما عملت في دائرة الهدووالصدق والإخلاص".
وقد احتل الثعالبي ذو الأصول الجزائرية في قلوب الإباضية التونسيين والجزائريين مكانة سامقة، فهو رمز الجهاد ضد الاستعمار والاستلاب
وعنوان الثقافة الدينية الصافية، ورسول الوحدة العربية والإسلامية. ونذكر أن الشيخ سعيد ابن تعاريت كان هو الآخر قد تعرف إلى الثعالبي،
وكان انخراطه في الحزب منذ س 1340 هـ/1921.
1 - الجادوي: الفوائد الجمة صص 511 - 514
244 (1/244)
صفحة 245
كما كان أبواليقظان إبراهيم أنموذجا من إباضية ميزاب الذين التفوا حول
الشيخ الزعيم، يقول الإباضي أحمد فرصوص متحدثا عن أبي اليقظان: "ومن مدارسه الأساسية السياسية، فضيلة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي وسميته مدرسة، لأنه فعلاً كان عبارة عن مؤسسة تربوية سياسية. وكان الشيخ أبواليقظان رحمه الله يحدثني الشيء الكثير عن الثعالبي. ومنذ أن تعرف عليه لم يقطع الصلة به، وكان يلازمه ملازمة الظل في الجلسات الطوال بحلق الواد، وكان يقصده مشيا على الأقدام من وسط العاصمة التونسية. وبحكم معاشرته له عين الشيخ أبو اليقظان عضوا إداريا في اللجنة الأدبية للحزب الدستوري التونسي بالإجماع، فقام بدوره أحسن قيام في صفوف المجاهدين لنصرة الإسلام والمسلمين خاصة في شمال إفريقيا. ونذكر أن الفضل الفضل يرجع إلى الشيخ الثعالبي في تكوين الشيخ أبي اليقظان تكوينا أهله إلى معرفة السياسة العامة، ومعرفة ما يجري بالمحافل الدولية آنذاك، حتى أن الشيخ أبا اليقظان وبإيحاء من الشيخ الثعالبي مخطوطًا يحمل عنوان: شذرات حكمية
أَلَّف
وسياسية "1
واقتحم سليمان الجادوي س 1324 هـ / 1906 ميدان الصحافة، فكان أحد أبرز أعلامها وصفه خزندار بأنه: "من كبار رجال الصحافة التونسية النوابغ"، وقال يرثيه:
هذا سليمان المثال لمن سعـ
سعي الموفّق كلُّنَا لَهُ يَشْهَدُ في السابقين العاملين لنهضة له موقف بين الكتائب يُحْمَدُ كمْ خطّ في الصحف الرسائل أنجما في كل نجمةٍ في سمائه مُرْشِدُ
مجموعةٌ من غرسه مِسْكِيّة في كل سطر للحقائق مرْصَدُ والفاضل ابن عاشور بأنه: "أحد السنّة البارزين الممتازين الذين سما فنّ المقال السياسي على مطايا أقلامهم .. وأنه فارس الدفاع في سبيل الفكرة الدستورية الذي لا يتراجع ولا يلين "".
1 - فرصوص: أبواليقظان م. س. ص 33 2 - بلحاج يحيى: م. س. صص 159 - 160
245 (1/245)
صفحة 246
وكتب عنه محمود بيرم التونسي (ت 1381 هـ / 1961) بأسلوبه الطريف: ... لوكان لجميع طوائف تونس ما للجرابة من النظر النافذ والعزيمة الماضية لما دخل إليها أي مستعمر. ليس من السهل أن نحصي في هذه السطور القليلة مزايا طائفة غلبت جميع أقليات الدنيا في الاحتفاظ بكيانها، والسبق إلى اقتناء مادة الحياة أي (الفلوس) .... فأي رجل هذا الذي يكون من صميم الجرابة ويحمل دمهم المركب من مزيج فينيقي، بربري، عربي، تركي، ثم ينحرف عن جادتهم ويحترف صناعة الصحافة والأدب، في مثل هذا الزمن وفي بلادنا؟ إنه الشيخ سليمان الجادوي صاحب جريدة: مرشد الأمة ... الشيخ الجادوي في أشد الحاجة إلى جريدة، وهي وإن لم تُرشد الأمة، فحسبه أن ترشده وحده، وإن لم تنفعها فيكفيه أن ينتفع بها وحده .. إذ هو مع اشتغاله بالصحافة يشتغل بالتجارة، وعلى الأخص في التاي والسكر والمنتوجات الثمينة الخفيفة التي تأتي من الشرق، وله عملاء في الجزائر ومراكش وكلّ ناحية في إفريقيا الشمالية يسلمهم بضائعه بطريقة تتعب في فهمها دواوين الجمارك وإدارة الباتيندة وبنفس الطرقة يستلم بضائعه. إذن فالجريدة تصلح في هذا الموقف، فتدافع عن الاقتصاديات التونسية، وتخيف الموظفين والمزاحمين وعلى كل حال فالتاجر الذي يملك جريدة خير من التاجر الأعزل. قل معي مرة أخرى: تحسبها خرقاء وهي صناع"،
ووصفته جريدة "النديم" بـ"الأستاذ"، فقالت: " .. إذا افتخرت الصحافة التونسية بالقادرين من رجالها كان الأستاذ في مقدمتهم غيرة قومية، وإحساساً شريفاً، وانحيازا إلى جانب الحق في المواقف كلّها
3",
وعده محمد صالح الجابري (ت 1430 هـ / 2009) من بين كتاب النقد السياسي، وسيف ديمقليس، مسلطا على رأس الاستعمار في مطلع القرن
العشرين.
1 - ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية في تونس صص 147 - 148
-
2
بيرم التونسي
صص 141 - 143
: الأبطال ... بالريشة والقلم سليمان الجادوي بلحاج يحيى: م. س.
3 - الجابري: القصة التونسية نشأتها وروادها ص 65
:
4 - الجابري: م. س. ص 50
246 (1/246)
صفحة 247
صدرت للصحفي المناضل سليمان الجادوي ثلاث جرائد:
المرشد، س 1324 هـ/ 1906، واستمرت بتقطع عامين، وهي جريدة أسبوعية نقدية ذات اتجاه إسلامي إصلاحي. كما تصنف بأنها جريدة علمية سياسية قضائية تجارية.
نقدية
/أبونواس س 1327 هـ/ 1909، واستمرت عامين، وهي أسبوعية هزلية
مرشد الأمة، وهي التي استمرت من س 1327 هـ/1909 إلى س 1370 هـ/1950، وجمع مختارات منها في مجلد عنوانه: " الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة " '، ظهر في طبعة أولى، ولعلها الوحيدة س 1343 هـ/1925، وتراوحت مقالاته بين سنتي 1324 هـ / 1906
1925/ 1343,
وقد وعد الجادوي بأن يفرد منتخبات من جريدة "أبونواس" والقسم
الفكاهي من "المرشد" و"مرشد الأمة" بجزء خاص 2. ولكن لم يتم ذلك. وعلى كل ندَعُ الجادوي يصف كتابه، ويذكر عمله فيه، وهدفه منه، فيقول: " كان سفرًا تاريخيًّا سياسيًّا أدبيًّا [كان سفرًا حافظا لدور من حياة فكرية لشعب أخذ في النهوض، بعد أن طال به الاستخذاء ثم استفزته آلام الرضوض، كتابا جمع شوارد الفصول للمراجعة وأثرا لمن قطع فترة حياته العامة في الإرشاد والمقارعة حاويًا لما دون فاتحته وخاتمته لنحو من مائة وتسعين مقالا عموميًّا. وذلك بعد الحذف والإيصال والتهذيب والإكمال، مما لا يخرج مجموعها عن إعطاء صفحة صقيلة من الحياة الفكرية في الأمة التونسية تربط ما بين طرفي سنة 1423 وسنة التاريخ. وهو دور لا يقل عن عشرين ربيعًا. ثمّ أُضيف له ما ذكرناه استطراداً في هاته المقدمة فلا يكون أقل من ثلثي قرن
1 - هذا العنوان شبيه ب"كنز الرغائب في منتخبات الجوائب" وهي الجريدة التي أصدرها أحمد فارس الشدياق (ت 1304 هـ / 1887) في أسطنبول س 1277 هـ / 1861. راجع
: حفناوي عمايرية: الصحافة وتجديد الثقافة صص 141 - 164
2 - الجادوي: الفوائد الجمة ص 780
247 (1/247)
صفحة 248
وزيادة، مما نرجوإن شاء الله تعالى أن لا يذهب فيه العمل لغير الإفادة والاستفادة ... ثم إتماما للفائدة التاريخية قد أضفنا إلى الكتاب رسوم بعض رجال الإصلاح في الشعب التونسي الواضعين أساس نهضته التمدينية، والمؤيدين لها طورًا إثر طور، من وزراء، وزعماء، وصحافيين، وكتاب، ومفكرين ن وهيئات شعبية، ووفود دستورية حتى يكون أثر المصلحين في الأمم خالدا،، ومصدر الإخلاص الوطني على توالي العصور ماثلا شاهدًا". وسنعتمد هذا الكتاب مصدرا أساسيا في كلّ ما سيرد في هذا المبحث
الثالث.
ولعل الله يهيئ لنا من أمرنا، مستطاعا فنرجع، بمشيئته، إلى المقالات التي لم تُودَع في هذا السفر لنعاينها ونستقرئها ونثري بها ما نصل إليه.
1 - الجادوي: الفوائد الجمة صص 11 - 12 / ص 775 وهو ما وضعناه بين معقفين
248 (1/248)
صفحة 249
1 - الصحافة في الصحافة
تُعرّف "الصحافة" بأنها صناعة إصدار الصحف، وذلك باستقاء الأنباء وكتابة المقالات والتحقيقات وغيرها، والتقاط الصور، والحصول على الإعلانات، ونشر هذا كله في الصحف والمجلات، وتولّي إدارتها وتوزيعها. وقد عرفت الصحافة الحديثة في ق 11/ 17 هـ. وفي العالم العربي، اقترن مولد الصحافة بحملة بونابرت س 1798، إذ أصدرت الحملة في القاهرة وفي السنة نفسها جريدتين باللغة الفرنسيّة، ثمّ أصدرت عددا كبيرا من المنشورات العربية والفرنسية التي كانت تقوم مقام الصحف، إلى أن أصدر محمد علي جريدة الوقائع المصرية س 1243 هـ/ 1828.
أما في تونس، فكانت أول صحيفة أول صحيفة هي جريدة "الرائد التونسي"
س 1277 هـ/1860 2.
-514/ 49–345/ 84 - 80/ 44 - 40 aw.p:
1 - راجع فيما نورده هاهنا: م. صص 40 - 44 صص 80 - 84 / صص 345 - 49 / صص 514 521 / صص 536 - 552 / صص 717 - 725
2 - الموسوعة العربية الميسرة صص 2078 - 2085
ويورد عمايرية أن أوّل جريدة ليست "الرائد" بل سبقتها جريدة أخرى بالإيطالية هي "القازيتادي تونيزيا" ظهرت منذ فيفري 1860، وصدر منها اثنا عشر عددا كان العدد الأخير بتاريخ 1860/ 08/01 أي بعد بداية بروز الرائد بالعربية. الصحافة وتجديد
الثقافة
م. س.
صص 212 - 213
وقد ضاءل الجادوي من قيمة هذه الجريدة، منتقدا صنفًا من شيوخ الزيتونة المساهمين في تدني مستواها فيقول: " .. على ضعف مادتها واختصاصها بالشؤون الرسمية قد احتيج إلى استقدام محرّر لها من الخارج، مع اكتظاظ هذا المحيط إذذاك بالعلماء لدرجة الترجيح .. ولم يكن من عُذر لأولئك النحارير سوى الترفع أو الابتعاد عن مواقف السياسة التي يرونها وعرة الولوج غير آمنة المروج. لكنهم وصموا بما يروى عن أحدهم من كونها بدعة داخلة عنده في قوله تعالى: ومِن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل
الله بغير علم .. ".
المصدر صص 5 - 6
وراجع عن تاريخ الرائد التونسي"، ومنهجها، وموادها، ومواقفها: محمد ابن الخوجة: متى كان ظهور الطباعة بالأحرف العربية في تونس. المجلة الزيتونية
مج 4 صص 143 - 150
عمايرية: الصحافة وتجديد الثقافة صص 209 - 321
249 (1/249)
صفحة 250
أ- المفهوم والمأمول
يقصر سليمان الجادوي "الصحافة" على أنها الأمر الذي يُبحث فيه عمّا يرفع النوع البشري إلى أوج الكمالات، وسعادة الحياة، ويحلّ عُقد المشكلات. ويعتبرها أنجع دواء لصداع التأخر، وجراثيم الانحطاط، وعلل الكسل، وكلوم الخمول، وأمراض التفرق.
كما يرى الجادوي "الصحافة" رائد العمران ومعجزة العرفان، وموقظة النومان، وقائد الإنسان إلى عيشة الرضوان وهي منبر الأمة، عليها توضع حاجياتها، وترفع شكاياتها، وتنير بالدليل طلباتها، وتقوم بالترجمة الحسنى بين الحاكم والمحكوم وهي التي تبصر الجمال، وتولم الأنذال. تبشر تارة بالخير العميم، وأخرى بالعذاب الأليم سلطانها فعّال، ونورها. مدلال، بها تنهض الأمم إلى شامخ القمم عزا ورفعة، ومجدًا، وهيبة، وبأسا، وشوكة. فمنها انفلق الصدق ونبع الحق، وانتفع الخلق. وهي العضد المتين، والهدى المستبين وهي هيكل يقام عليه أساس الإرشاد. لذلك طار صيتها، وعلا شأنها بين الأمم الحيّة حتى صارت هي القطب الوحيد الذي تدور عليه رحى سياسة الحكومات الأوروبية التي امتازت بمدنيتها ونظامها. وواصل الانقليز منذ احتلالهم لمصر، العمل في ترقية الشعب، وإعطاء الحرية للجرائد العربية بتصييرها في مصاف الصحف الانقليزية من جميع الوجوه "حتى غدوا مغبوطين بين من ساقتهم الأقدار للاستظلال براية بعض الدول، على أن من ينظر لرقيهم ويطالع جرائدهم يندهش من ذلك التقدم السريع، ويحكم بادئ بدء أن بلاد النيل اليوم جزء لا يتجزأ من أوروبا حرية ومدنية ونظاماً ...
ويرى من الأدلة على رقي الأمم، إلى جانب وجود الأحزاب السياسية، واحترام التفكير والاجتماع حرية النشر، ورواج الصحف. و"أيما قطر وصلتك أنباؤه وهو في وصف معتبر من حيث حرية النشر وما في معناه، تحكم بأن السعادة مخيّمة فى ربوعه وأن أهله في راحة من الحياة الاجتماعية، وعيش رضي سائرون إلى استكمال ما، نالوه ونوال ما استنقصوه. وبخلاف ذلك
1 - م. ص 42
250 (1/250)
صفحة 251
تجزم بتعاسة الشعوب التي تبلغك الأنباء عنها بأنها مغلولة العقل، فاقدة لحرية الكتابة والنشر مسلوبة الإرادة في الخطابة والفكر محجر عليها المجاهرة بالشكوى.
1"
?
ويعرض الجادوي مقومات الصحافة ومبادئها، وأهدافها، وقد سماها
ب "شروط إيجاد"، فيَذْكر
حرية الفكر
قوة العزم والصمود لمواجهة الاضطهاد
التزام المنزع الثقافي الإصلاحي لا المادي التجاري
/عدم التزلّف للحكومات
عدم خدمة الأغراض السافلة والغايات الساقطة
نبذ الاحتيال والتدجيل والتضليل
تجنّب الأنانية والميل إلى الحظوظ النفسانية
مقاومة المستبدين ومحاربة المعتدين
،
ويعتبر "الصحافة الحرّة المخلصة الرشيدة" الكفيلة بوقاية الأمة، هي وحفظ كيانها، وإعلاء شأنها، وهي لسان الجمهور الذي لا يجرؤ على تبكيته إلا الغرور. ويؤكد على أنّ "الضربة العظمى على رؤوس الظالمين، والطامة الكبرى لكبار المجرمين، والوبال الأعظم على أرواح استبداد المستبدين، هي الصحافة الصادقة الأمينة التي طبعت على ضمائرها القيود، و أخرست السنتها البنود ولوّث وجدانها النفاق، ودنّس أعمالها الرياء ". وينادي بملء فيه: " إنّ الصحافة منيرة كشافة، فلتحي ولتعش الصحافة ويُثبت الجادوي للصحف الدوريّة شأنًا، تُعرف به في عالم الفكر، وتُعدّ به من دلائل النهوض في الأمة والرقي في الشعوب، والسعادة في البلاد، سيما
م. ص 718 2 - م. ص 318 - 319
251 (1/251)
صفحة 252
إذا انتهجت طريق الاتحاد على المصلحة العامة وناصرت قضايا الحق، وحافظت على المبدا.
إن الجادوي يقرن الصحافة أولاً وأخيرا بالنضال ضد المستعمر الذي هو خطر على الهوية والمجتمع من كل وجوهه. فيكون الهدف من القلم أن يسدّد سهامه إلى مشروع الفرنسة في كلّ أبعاده ثم تتعدى مهمة الصحافة إلى القضاء على جرثومة "القابلية للاستعمار"، كما في تعبير مالك بن نبي (ت 1395 هـ/ 1973)، المتغذية من التخلف والانحطاط والسلبية والأنانية. ولمْ يُغادر الجادوي هذا الهاجس، فسخّر الجدّ فيها والهزل في جرائده الثلاث خادمين في الفضح والتعرية، والاستفزاز، والتحريض.
يقول في تصدير العدد الأوّل من جريدته الهزلية "أبونواس": " معاشر القراء، لوأن الجرائد الهزلية ما أُحدِثت إلا للتسلية والفكاهة وجلب دواعي الانشراح، لما أتحفناكم بهاته الجريدة. ولكنها لا تقتصر على هذه الفوائد الثانوية، بل إنها تُحيي النفوس الخامدة وتربي الأفكار الجامدة، وتقوي الإحساس، وتبت الشعور، وتزيد في الإرباك فمنزلتها ليست بالسافلة، إذ من أعظم عوامل التربية الاجتماعية، لأنها تشخص المحاسن في أجل صورها، وتمثل القبائح في أتعس، مناظرها وتهوّلها ... فالجرثومة قد تكون فتاكة، ولكن بخفائها عن الأعين واستصغارها لا تُؤْخذ الاحتياطات اتقاء من أضرارها ومتى ظهرت بالمرآة المكبرة فإنها تدخل الرعب في القلوب. هي منزلة الجرائد الهزلية في الهيئة الاجتماعية فلا عجب إذا قلنا إنها من أجل الوسائط للخدمة القومية، بل أقرب طريق للإصلاح، لأن الرمز خير من الهمز لمن كانوا يفقهون، وبالإشارات يفهمون، إذ أن العقلاء تكفيهم الإشارات وتعفيهم عن العبارات .. "2
1 - راجع بن نبي: شروط النهضة صص 156 - 160 2 - الساحلي: الصحافة الهزلية م. س. ص 54
252 (1/252)
صفحة 253
وقد اقتفى أبو اليقظان إبراهيم، الإباضي الجزائري، أثر الجادوي في اقتحام عالم الصحافة، وسمّى إحدى جرائده الثماني الصادرة بين 1344 هـ / 1926 و 1357 هـ / 1938: "الأمة".
،
وقال في افتتاحية جريدته الأولى "وادي ميزاب" .. وأبشع من ذلك وأنكى أن تبقى أمة كأمتنا الميزابية ولها مركزها في الوجود، ومقامها في الحياة، ومكانتها في التاريخ ومنزلتها في الاجتماع ودرجتها في تحريك التجارة في القطر الجزائري، وهي بكماء خرساء لا لسان لها يُعبر عن مقاصدها، في وقت أكثر الأمم اضطرارًا إلى رفع صوتها وإبلاغ رأيها إلى المراجع الإيجابية، وإلفات أنظار الأحرار إلى حالتها البائسة ولتلافي هذه الحالة الأسيفة عقدنا العزم بعون الله على إنشاء جريدة وطنية إسلامية باسم -وادي ميزاب .. "". وقد استهدف أبو اليقظان في جريدته:
هي
"
تأييد الحق والحرية والعدالة والمساواة بين كافة الأجناس المتساكنة
السعي في بث روح الاتحاد والتضامن بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم بتأييد الصلات المتعددة بينهم، ومعاضدة الصحافة
الأهلية الحرة
حسن الوساطة بين الأمة والحكومة بإزالة سوء التفاهم بينهما
إبلاغ رغائب الأمة إلى الحكومة
تشخيص دواء الأمة وآلامها
مقاومة الرذائل ونشر الفضيلة
حث الأمة على اكتساب العلوم والمعارف
/إحياء اللغة العربية
التربية الإسلامية الصحيحة
2
1 - فرصوص: م. س. ص 117 2 - فرصوص: م. س. صص 117 - 118
253 (1/253)
صفحة 254
ومن المهم التذكير بالإباضي الجزائري أبي إسحاق إبراهيم أطفيش ت 1385 هـ/1965)، الذي أصدر من مصر س 1344 هـ/1925 مجلة "المنهاج" المناهضة للاستعمار الفرنسي.
ويتبين بهذا ما للإباضية في كل من تونس والجزائر، من حس وطني ووزن ذي بال، أسهما بدور فاعل في إسناد الحراك النضالي، وشحذ همم الغيورين على الوطن والدين.
كما تناول الجادوي مواصفات الصحفي الحق، فبين أنه لا يجبن ولا يخاف ولا يتملق ولا يلهث وراء جمع المال ولا يتعامى عن تغيير المنكر. واعتبر من المنن الكبرى، نواله أي (الصحافي حسن الأحدوثة في القوم، وقبول، نصائحه وإجلال آرائه وأفكاره، واعتباره صادقًا يخدم الأمة والوطن،
لا لغاية، وبلا كلل ولا فتور".
كما نعت "كتاب الأمة" بأنهم "عيون لا تأخذها سنة ولا نوم "، وأقلامهم بأنها "حراب" تمزّق كلّ ستار يعمل وراءه المبطلون.
1''
ووصف، في تألّم، محرق، حال الصحفيين، بأنهم لا قيمة لهم بين التونسيين. فهم بين السجن والخطية والتوبيخ، وسماع مر الملام، وقاسي الكلام. واستنكر محاولات تلجيمه بلجام السكوت، ورشقه بسهام اللوم والتعنيف وسومه الصَّغار والاحتقار، و" تلك غاية الغباوة، ومجلبة الدمار، وآية الجهالة ومنتهى الاندثار.
"
ولمْ يُخْفِ إعجابه بصحافيي مصر، وتبرّمه بقصور زملائهم التونسيين عن بلوغ ما وصلوا إليه إذ يقول: " .. فهل من مُسعد لبلاد النيل غير الصحافيين؟ لا والله، فهل بلغنا ما بلغوه من إفراد الانتقاد على الأمراء والوزراء؟ كلا والله. هل نفعنا الركونُ للسكوت والسكون وقهقرهم تجاهرُهم وإعرابهم عن مكنونات ضمائرهم ومخدرات عقولهم دون مخافة الرقيب؟ حاشا والله، هل جريدة؛ حبيب الأمة؛ التي رماها الحسد بالتطرف والخروج عن موضوع
وراجع،
: فؤاد توفيق العاني: الصحافة اللإسلامية ودورها في الدعوة
مثلاً، 1 - م. صص 318 - 319
254 (1/254)
صفحة 255
الصحافة كتبت ما يكتبه فؤاد في جريدته؛ الصاعقة؛ من الانتقادات .. ضدّ
1"
أعاظم مصر؟ أبدًا والله .. ""
بالكفاح الصحفي
لقد شخص الجادوي واقع "صاحبة الجلالة" كما ينبغي. كيف لا وهو الذي كابد معاناة الصحفي والتنكيل بالصحافة المتقلبة بين اليأس والأمل، من خلال القوانين والأوامر، وأهمها:
أمر 1884/ 10/14 (1301 هـ): أوّل قانون للمطبوعات
أمر 13101893/ 03/06 هـ): تخويل الوزير الأكبر منع رواج الجرائد وتسليط العقوبات
الصحافة
أمر 13151897/ 01/02 هـ): فرض الضمان على عموم فكممت الأفواه، وخرست الألسن، وجفت المحابر، وانكسرت الأقلام،
وأظلم جوالبلاد التونسية
200
أمر 1322/ 1904 هـ: رفع الضمان
أمر 1910/ 07/15 (1328 هـ) إلزام أصحاب المطابع عرض المؤلفات والعدد الأوّل من كل جريدة جديدة على المحافظة قبل نشرها بأربع وعشرين ساعة أمر 13291911/ 11/08 هـ): غلق الجرائد الوطنية عدا جريدة "الزهرة" أمر 1920/ 02 (1338 هـ): إلغاء قرار الغلق. فصدرت صحف كثيرة جديدة كانت كلها متلاقية في المنهج تدعو إلى التكتل الاجتماعي والإقدام على المطالبة بالحقوق وإنشاء المشاريع، وتنوّه كلها لسانًا واحدًا بالشيخ الثعالبي، وتؤازره وتستمد التوجيه من لدنه. وانطلقت تُكوّن الارتباط بين الشعب، وبين المركز السياسي في باريس، وتشرح أصول البرنامج السياسي الذي يكون الارتباط عليه بأن حُكم البلاد ينبغي أن يكون شعبيًّا دستوريا نيابيًا، وأن أجهزتها القضائية والإدارية يجب إصلاحها، على أساس قومي
1 - م. صص 42 - 43
2 - م. ص 540
255 (1/255)
صفحة 256
عصري يوجه التصرف الحكومي نحو المصلحة الشعبية على مبد! ضبط المسؤوليات وتفريق السلط. وبلغ عدد الكتاب السياسيين في هذه المرحلة المائة، والمقالات السياسية التي تكتب كل شهر المائتين. وأصبح الشعور الوطني
عقيدة شعبية راسخة.
ويورد الجادوي، في هذا السياق نص احتجاج الحزب الحر الدستوري على تنقيح قانون المطبوعات الصادر في جانفي 1340/ 1922 هـ
وخلاصة مافيه:
من القضايا المسلّمة احتياج الأمم العصرية إلى الصحافة والطباعة احتياجا كليا لا يوازيه إلا احتياجها لحرية واسعة مكفولة بقوانين عادلة مصانة، حتى ينتشر التمدّن ويعم الإصلاح. ولا يمكن أن يُنكر فضل الطبع، والنشر، وحرية الكتابة في ترقية الأمم وتطوير العقول وتهذيب الأفكار. كما لا يمكن أن يُجْحَد فضل الصحافة في إزالة الجفاء والحزازات الناشئة بين عناصر السكان وتعويضها بالوفاق والوئام وإقناع التونسيين وحملهم على "الإقلاع عن القيام بحق الاختصاص بحقوق الوطنية وهي طبيعة لهم لم تؤيدهم فيها الشرائع والمعاهدات وجعلهم يعترفون من تلقاء أنفسهم بقواعد المساواة التامة الأقليات".
الصحافة العربيّة قدّمت للمملكة التونسيّة "خدمات فائقة بحكمة وتجرد إذ هي التي وهنت معوقات الوفاق، وجعلت أكثرية السكان ميالين لتطبيق مبدا المساواة بين الأجناس.
لكن الصحافة العربية لم تنضج إلا في تونس بفضل براعة "صحافيين قديرين" وسلامة مقاصدهم
الصحافة الفرنسيّة تحرّض على الانقسام، وتضلّل، وتثير الأحقاد الجنسية، وتقاوم مطالب الإصلاح
1 - ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية في تونس صص 136 - 146
256 (1/256)
صفحة 257
تنقيح قانون المطبوعات الصادر منذ س 1884 (1301 هـ)، هو مصادرة لحرية الأفكار والأقلام وهدم لكيان الصحافة الوطنية، وتعطيل النهضة
الصحافية
تبرير التنقيح بأنه مطاردة للحركة الشيوعية في البلاد، غير وجيه، لأن القيود خاصة بالصحافة الوطنية دون الأجنبية
الحكومة كلما وقعت في مأزق حرج يستوجب منها الابتعاد عن سياسة الغموض، لجأت إلى سلوك سياسة الإرهاب والضغط على أفكار التونسيين، والتضييق على الصحافة الوطنية
الحكومة تتلاعب بالتشريع وتتمادى في سلب الحريات
الحزب الحر الدستوري والشعب التونسي يحتجان على التنقيح، ويطالبان بإلغائه، وإلغاء كل الأوامر الاستثنائية المتعلقة بالصحافة المنافية للحرية التي تتمتع بها كافة الشعوب.
واعتبرت "مرشد الأمة" إلى جانب جرائد "الصواب"، و"النديم"، و "الوزير"، و"جحا"، و"الاتحاد"، و"لسان الشعب"، و"الفجر"، و"البدر"، في تقرير رفع إلى كاتب الدولة التونسية العام، وختم بإعلان احتجاجح الصحفيين، أن تصرفات الحكومة المتعسفة مع الصحافة الوطنية منذ 1884 إلى تاريخ صدور التنقيح، تحاول نقض الأسس القويمة التي قامت عليها الصحافة، وهدم المقصد الإصلاحي الذي شرع من أجله ذلك القانون. ورأت أن التنقيح زيادة عن منافاته للحرّية المرغوبة التي يستحقها شعب ناهض كالشعب التونسي، فهوجارح لعواطف التونسيين جميعا، ودليل على أن الحكومة التونسيّة مازالت متمسكة بقاعدة الاستمرار في سياسة الضغط والتقييد، وتحين الفرص لتكميم الأفواه وانتهاك الحريات 2.
لقد ابتدأت مكابدة سليمان الجادوي الصلف الاستعماري خمسة أشهر بعد
إصداره "المرشد"، حيث
1 - م. صص 536 - 543 2 - م. صص 549 - 552
حکمت
عليه محكمة الدريبة في
257 (1/257)
صفحة 258
مارس 13251907 هـ) بالسجن وغرامة مالية وتعطيل الجريدة. فكان من أوائل التونسيين الذي سجنوا من أجل حرية التعبير الصحفي. وقد تآزر معه آنذاك طلبة جامع الزيتونة، فجمعوا التبرعات حتى يسدد الغرامة ويعاود غصدار الجريدة
وقد برزت منذ الأيام الأولى لصدور "المرشد" نزعة الجادوي إلى النقد والمشاكسة. إذ لم يمض شهر واحد على ميلاد الجريدة حتى شنّ حملة ضدّ السلطة الفرنسية في تونس، وضدّ قاضي سليمان، وقاضي نابل، وضدّ شيوخ
جربة.
مدير
وعادت الجريدة في جويلية من السنة نفسها ولكن الجادوي حوكم مرة أخرى بعد خمسة أشهر بالسجن وبغرامة مالية، يسدّدها مع جريدة "الرشدية". ويعود هذا الحكم إلى تهجمه على الباي نفسه. ويخرج الجادوي في سبتمبر 1326/ 1908 هـ إلى قفصة، وصفاقس، وقابس، وجربة، يجمع الاشتراكات لفائدة جريدته على أن أربعة من شيوخ جربة اتهموه لدى الكاتب العام للحكومة باستعمال وسائل التهديد في جمع
<
الاشتراكات، وهذا ما أدى بعد ثلاثة أشهر إلى تعطل "المرشد" نهائيا. أما "مُرشد الأمة" فقد تعطلت كغيرها في المرّة الأولى إثر أحداث الجلاز. ثم استأنفت الصدور في فيفري 1343/ 1920 هـ.
ثم تعطلت في ديسمبر 1343/ 1925 هـ، بسبب شنّها حملة شعواء ضدّ تمثالا لكاردينال لافيجري الذي تم نصبه وسط العاصمة، كانت وقود حركت المظاهرات الشعبية العارمة
ثم عادت إلى الظهور س 1355/ 1936 هـ عندما وصلت الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا وتم وضع قانون تحرّري للصحافة في تونس.
ثم تعطلت في ديسمبر 1948 (1367 هـ).
واحتجبت نهائيا في ديسمبر 1370/ 1950 هـ.
258 (1/258)
صفحة 259
وقد اثير الجادوي من أوائل المساجين التونسيين من أجل أفكارهم ومن أجل حرية التعبير الصحفي
الاستعداد جحود
يتحدّث الجادوي عن رحلة المتاعب، فيقول: " ... رأى هذا العبد أن يقوم بواجب المشاركة في مجال القيام بالعمل العمومي ويشاطر من سبقه إليه قلما وتحريرا، تلبيةً منه لداعي الضمير، وعملاً بأثر صادق المدلول فيه: وإنّ لوطنك عليك حقا ... حيث إن الاشتغال بالخويصات للنعم، وإ، ترك الواجبات الوطنية العامة مجلبة للمصائب والنقم ... فدخله خلال سنة 1324 بعد رفع الضمان على الصحف الواقع سنة 1322 وذلك بتأسيسنا لصحيفة المرشد ... إلى أن لاقت حتفها ضحية الجهاد الوطني بقرار وزيري أواخر سنة 1326 يتخلل ذلك الأمد القصير تحمل مقاساة ومعاناة من خطايا وسجون وأتعاب ومحون، علاوة على اللوم والتأنيب الإداري المختلف الأساليب، الذي يندر إغفاله في كل أسبوع نظراً لحرج صدر الكتابة العامة عن تحمّل ثقل الصراحة في النقد والشدّة في البيان مستندة في إجراءاتها القاسية المنافية للعدالة والحرّية القانونية على حداثة الرأي العام الوطني بالنشريات الدورية ... كانت الإدارة وقتئذ حول ذلك الجهاد الخيالي تتخبط في الغضب حيث تنظر إلى القانون فلا تجد مبررا لمرادها فيه وترى التحرير فيضيق صدر الإرهاق منها فترسل وراءنا وتبدي لنا من التهديد الصريح تارة والمرمرم أخرى ... ذلك بعض ما يتعلق بالمرشد وأطواره. ثم جاء مرشد الأمة بعده المؤسس سنة 1327 والذي انتهجنا فيه منهج سلفه من حيث المبدأ الذي لم تؤثر عليه العواصف ولا أرهبته القواصف. مع زيادة الصراحة في القول التي أوجدتها الظروف وأيدها الشعور الشعبي ..
2 "
وكما يكتب الجادوي: "كلمة في محاكمتنا الثانية أمام الدريبة بدعوى إدارية "، و"إسفار بعد احتجاب"، و"مرشد الأمة أمام محكمة الدريبة للمرة
1 - حمدان: أعلام الإعلام في تونس صص 72 - 74
2 - م. صص 9 - 11 3 - م. صص 107 - 109 4 - م. صص 345 - 348
259 (1/259)
صفحة 260
الثالثة"، و"مرشد الأمة وإدارة الداخليّة، ليكون هو وجريدته أنموذجا في التضييق على الصحافة، فإنّه يكتب "القضية الوطنية أوكلمة في حرية النشر والتحرير"، ليناصر قضيّة جريدة "العصر الجديد" عطلت التي بقرار وزيري، وحوكم مديرها ومحرروها بدعوى أُقيمت عليهم من قبل الوزير. وكان يوم المحاكمة، كما يصفه الجادوي "يوما مشهودًا بمحكمة الدريبة حضرها نحو من أربعة آلاف نسمة".
ومما ورد في هذا المقال: " ... إنّ النتيجة التي تحصل من حرية الأقلام وتأييد الشعور العام مزدوجة النفع بين الأمم ومن يحكمها سواء بسواء. وبمثله عكسا يكون ضرر خنق الأقلام واضطهاد الأفهام، وإخفات الأصوات، وتحجير الاجتماعات وما في ذلك المعنى المخيف العاقبة والمنذر بسوء المثال ... على أننا اليوم مع حالة صحفنا التونسيّة والسيف الإداري المسلول على رقابها بالتعطيل والإلغاء بدون حكم وبلا سؤال، فإنه يُشاهد لها صدى حسن في الخارج قد جرّ لذوي النفوذ والحكم ذكرًا جميلاً، وثناء جزيلاً، حيث قرأنا في كثير من صحف الشرق المعتبرة إكبار الحرية القلمية بتونس وعدوها من حسن تبصر الحاكم الجمهوري وسعة مداركه السياسية. وذلك من مجرد قراءة التحرير فقط لأنهم عفا الله عنهم على غرّة مما لها في الزوايا وفي خبايا الأحكام الإدارية من المعاناة وفعلاً أصبح القطر التونسي بسبب صحفه مغبوط الحالة وخصوصا من جارتنا الجزائر والمغرب الأقصى اللذين هما على أسوا حالة أدبية فكرية لا تلائم دعوى الحرّية ونشرها والتمدين وبته، التي أعافيا الأفواه التلفظ بها إذا أريد تطبيقها على ما في صحيفة الوجود. ولأجل ما قررناه كان مقام الصحف الحرّة مكين في الشعب، ومعتبر الجانب في نظر الساسة المتبصرين الذين لهم مهارة خاصة في حُكم الأمم ومقدرة زائدة على امتلاك عواطف الأقوام المستأمنة، والتي استبانت وأن الأقلام التي هي سلاح المحكوم وإن وصلت في الحدّة ما وصلت فما هي إلا مداد على القراطيس .. ويرون أن التضييق عليها ومصادرتها ضعف في السياسة وضيق
1 - م. صص 514 - 520 2 - م. صص 651 - 654
260 (1/260)
صفحة 261
عقل في المنفذين وعمل مستهجن لا يجلب مبرة ولا يعود بفائدة على الطرفين أبد الآبدين ... على أنّ ترك البلاد خاوية إلا بمن يسبح بحمد الحكومة أو يقتصر على نشر الأقاصيص أو شرح المقاصد الحسنة والغايات الجميلة من الحاكم نحو المحكوم فهيهات أن يحصل للإدارة من ورائه ما تقصده كالذي يحصل لها وتناله من حرية الصحف ... ".
1.
وفي أسلوب هزلي مرّ يُعلّق الجادوي في جريدته "أبونواس"، على نص قرار تعطيل جريدة "النصر"، فيقول متهكما: "لعمري إن هذا القرار قد جاء آية في الحكمة، والسداد لإتيانه طبق القوانين والأوامر العلية كما رأيت، مشيرا للفصل الذي أوجبه بالسواء بلا زيادة ولا نقصان، خلافا لما نعهده سابقا من القرارات التي تعطلت بها الصحف كالزهرة، والمزعج، وسبيل الرشاد والمرشد، والرشدية، والصواب والمضحك، وأبوقشة، والإسلام، والمنصف، وجحا .. فإنها كانت بقرار يقتصر فيه على: عطلنا وحجرنا. وهوما يُبشِّر بأن نظام الدولة يزداد تحسينا على حسنه، وما الفضل في الحقيقة إلا لهذا العهد الأنور الميمون ... " 2.
لقد كانت جرائد الجادوي صوت الصحافة المقموعة المضطهدة، فأطنبت في تشخيص الأزمة، ورفع المطالب، وتفانت في لذع الطبقة السياسية، تصريحاً وتلميحا جدًّا وهزلاً، دون هوادة ولا مهادنة، إذ يعتبر الشيخ ذلك جهادًا في سبيل الله، وتقربا إليه، وخدمة للشعب والوطن.
يقول في افتتاحية "المرشد" وهي تدخل سنتها الثانية: "أنا لا تسوؤني خسارة المال ولا تحيّرني صعوبة الحال ولا توالي النوائب، ولا استرسال المصائب، ولا نزول الحوادث، ولا تكرار الكوارث، ولا رزايا الفتون، ولا ظلام السجون، ولا معاكسة الوقت، ولا مصادرة المقت ... التي لا منشا لها في الحقيقة غير تجاسرنا على غزاة المستضعفين أولئك الأبالس الماردين الناهبين السلابين الخطافين الخوّانين الخدّاعين المكارين المحتالين الغرورين الهمازين اللمازين الكاذبين الفاسقين الجارمين الآثمين الغاوين المعتدين القاصين الباغين
1 - م. صص 717 - 725 2 - بلحاج يحيى: م. س. ص 30
261 (1/261)
صفحة 262
الغاصبين الأليمين القسيسين الدجالين الضالين ومحاربة هؤلاء السفلة، عبادة ثوابها محقق ومأثرة ذكرها مستطير فتجب المعاضدة عليها والتكاتف تلقاء أنذارها المخطرة وهلاكها المحيط ولذلك كان ما كان بالأمس، وستكون كذلك في الغد. لأننا لا نحيد عما عاهدنا عليه الرأي العام ولوقيد شبر تلوّن الدهر أوصعب الأمر
فإنَّا لَقَوْمٌ لا نرى القتْلَ سُبَةً إذا ما رأتْهُ عامر وسلوك
ولكن في الصالح العام، والذب على بيضة الإسلام، لا لغرض النفس، واقتناص الفلس، ولا لأثرة بالشهرة قوّانَا اللهُ على الفتك بالأشقياء ما ارتفع الجهل وقوي العدل".
وبسبب هذا العدد من الجريدة يُحكم على الجادوي بالسجن والغرامة، فيعقب بعد شهرين في الجريدة نفسها: "أي ذنب اقترفه الفقير حتى يُساق إلى السجن قهرا ويغرم مائتين جبرًا؟ هل نبش رمسا؟ هل اغتصب فلسا؟ هل شن غارة؟ هل أثار فتنة؟ هل ظلم؟ هل جرم؟ هل جاهر بسوء؟. كل ذلك لم يقع، وإنما هوكتب أسطرًا قلائل على لسان أحد الرصفاء تهنئة بدخول الجريدة في السنة الثانية .. "2
20
،
ويعلن عقيدته الصحفية الناصعة في ثبات قل نظيره، فيقول: " قد تساق الصحف الحرّة إلى أمام القضاء، وإن لم تخرج عن دائرة القانون. وعلى الحالتين فلا يزيدها إلا تمسكا بالحق وثباتا على منهج الإخلاص والصدق، ولا يشينها ما لم تكن وقفتها هنالك في غرض، سافل، أعني غير عمومي في نفسه، بأن كان شخصيًّا بحثا أولحاجة في النفس الأمارة. أما وفي سبيل الأمة فشرف وفخر واعتبار في تاريخها "
وها هو الجادوي في غضبَة عاصفة، يقرّع مَن سمّاهم ب"الجامدين" و"المتقولين" و"الجاهلين"، وهم الذين سرتهم المحاكمة الأولى أمام الدريبة،
1 - م. صص 100 - 101
2 - م. ص 108 3 - م. ص 516
262 (1/262)
صفحة 263
التي كانت فاتحة عصر القضايا السياسية وكان الرأي العام حديث عهد بالنشريات الحرّة"، فيقول: " ... أجيبونا يا من اتخذ الخنوثة وسماها لياقة أدبية، ونجابة عُرفيّة لا يفقهها إلا أولو الأبصار ... يا هؤلاء المعترضين وإن كانت لا تجمل مجاراتكم ومناقشتكم لكونكم تمثلون الطبقة السفلى من الأمة في أبشع أزيائها والفئة الرديئة منها في أقبح أشكالها فإنا نقول لكم كلمة شديدة عملاً بقاعدة إن الكلب تقرعه العصا ... وهي أنكم خاملون جاهلون عاطلون مهذارون خطالون خلاطون ديدنكم الأخذ من الأعراض .... ...
1"
لقد كان سليمان الجادوي عميد الصحفيين الأحرار، بما بذله من نضال، وبما جسده من نكران الذات، وبما أظهره من ثبات ورباطة جأش. وقد لخص كل ذلك في هذا النداء: "أقول لأرباب الصحف الوطنية إنه لا يجب أن يوهّن عزائمكم سخط حلّ ببعضكم، أواضطهاد قد ضايقكم، لأنّ من يريد الإصلاح والنهوض بالشعب لا يليق به الجبن والخوف على راحته الوقتية. على أن رجال الأمة يشقون لشقائها ويسعدون لسعادتها. وليس السخط عليهم واضطهادهم إلا أمورًا عرضيّة تنتهي بحصولهم على ضالتهم المنشودة وبلوغهم إلى أمنيتهم عاجلاً أو آجلا والله بصير بما تعملون "2
وقد برزت الدعوة إلى وحدة الجرائد الناطقة بالعربية في تونس، إذا لا يمكن للشعب التونسي أن يتوحد إذا كانت صحافته متشرذمة.
ومما ورد في نص الإعداد لاجتماع مديري الصحف الوطنية لسن قانون داخلي للتضامن على المصلحة العامة: " ... إن الراشدين لا يكون لكلامهم موقع ماداموا هُم غير فاعلين لما به يشيرن على الغير. ورحم الله امرءا أطلق وثاق عبده من قيود الرقّ ثمّ قام يخطب باستحباب العتق، وبيان ما يترتب عليه من الثواب والأجر، ترغيبا للناس في تحرير الرقاب للقطع بتأثير مقاله على العقول، وتمكن وعظه من الرؤوس دون أن يُقال فيه: أيا من يداوي الناس وهو سقيم أو أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم أو لا تنة عن خلق وتأتي مثله ... أجل قد ارتكبنا إثمًا في زمان مضى غير مأسوف عليه. أما
1 - م. صص 65 - 66
2 - م. ص 44
263 (1/263)
صفحة 264
اليوم وقد أدركنا الحاجة لما نحن به أحرى. فقد اتخذنا التواصل صديقا،
والالتئام رفيقا، ابتداءً من الجلسة المنوي عقدها ... "".
1 - م. ص 81
264 (1/264)
صفحة 265
2 الصحافة الجادوية
ليس بمستطاع القارئ أن يصنّف مقالات الشيخ المناضل سليمان الجادوي
في يُسر. حيث تسري السياسة في كلّ نص وفي كلّ كلمة وفي كل سطر وفي كلّ
،
فقرة، فهمها من فهمها، وجهلها من جهلها. ويجري التلميح والتصريح سردا ووصفا، نقاشا، وحجاجاً نقدًا وانتقادا ترهيبا وترغيبا، تحريضاً وتثويرا، مجرى المداد على صفحة الجريدة. ولكن، لا مناص من أن نبوّب هذه المقالات رغم هذا التمازج العجيب، الذي يدلّ على أنّ الجادوي قد محض قلمه لكلمة الحق عند سلطان جائر.
أنشر النصوص
لا يخفى ما للتوثيق من أهمية بالغة في المحاجة. وهو في الصحافة ذو أهداف متعددة، منها:
تقريب نصوص الاتفاقيات والأوامر والقرارات والتقارير، والعرائض، والخطابات والمحاضرات والجوابات والمقالات، وغيرها من القراء انشرها استحسانًا ومساندة، أو استنكارا ..
إنارة الرأي العام، وتوجيهه إلى موقف ما 1
/ تحليلها ونقدها
عرضها على النقاش ..
وقد أطلعنا الجادوي على جملة من الوثائق، منها:
نص معاهدة باردو المنعقدة في 1881/ 05/11 (1298 هـ) التي تم بها انتصاب الحماية
2
اتفاق المرسى المؤرخ في 1883/ 06/08 (1300 هـ)، وتعليقا على فصله الأوّل الوارد فيه: " لما كان مراد حضرة الباي المعظم أن يسهل للحكومة
1 - انظر: الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم مركز دراسات الوحدة العربية 2 - م. صص 13 - 14
265 (1/265)
صفحة 266
الفرنساوية إتمام حمايتها تكفّل بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة المشار إليها فائدة في إجرائها"،
يقول الجادوي: "إن هذا الاتفاق وبالأحرى الفصل الأوّل منه هو الذي يستند له الاحتلال في كل إجراءاته الإصلاحية ... وهو على رغم ما فيه، فإن مدلول كلمة الإصلاحات هوقيد مُحكم لا يساعد أبدا على تسمية المسخ أو القلب إصلاحًا في أي لغة كانت اللهم إلا في لغة القوة والجبروت. فليجعل الشعب التونسي نصب عينيه هذين العقدين وليتمسك بهما حجة ما كانوا
عليه .. "
1 "
خطاب المقيم بالقسم التونسي في فتح الجمعية الشوريّة 2
محاضرة فيلسوف سويسري عن انتشار الإسلام
3
خطاب وفد المرسى في 02 شوّال 1338 هـ / 1920، وهو التاريخ الذي رجا الجادوي أن يُحفظ له الذكر الجميل في الأمة التونسية، مثل ما لكثير من الأمم أيام كانت مبدأ المشاريع الرحمة ببني الإنسان
/خطاب وفد الأربعين الذي واجه المقيم سان على إثر وصوله واستلامه لخطة السفارة بعد مواجهة وفد الأمة الثاني له بباريس.
وقد قدم له الجادوي بتشخيص الحالة التونسيّة، ورد فيه قوله: "نعم لا يُجْحَد أنه حصل للأمة التونسيّة إيقاظ وانتباه، وسرَى في عمومها الشعور بأنّ عاقبة العدول عن المطالبة بحفظ جانبها، وتأييد ما ترغب فيه من إيجاد كفالات تحول دون ذلك الحكم العمراني لا تحمد بحال. ومن أجل ذلك نهضت للسير في ذلك السبيل الموصل أسوة بأمم الأرض التي لها حق الحياة في الوجود وأوّل عمل قامت به على الوجه المحمود بعد أن قدمت كعربون على نيل ما تطلبه إخلاصها الفعلي الذي لا تطرق ساحته الشكوك، هووفدها
-1
-م. صص 15 - 16 2 - م. صص 218 - 222 3 - م. صص 340 - 345
4 - م. صص 352 - 356
266 (1/266)
صفحة 267
الدستوري للجناب العالي، ثمّ وفد باريس الأول، ثمّ الثاني، ثمّ وفد السفارة
بالأمس. ولم تزل على عزمها واثقة من المستقبل بالمرام شأن من يطلب حقوقا عادلة شرعية من أحرار جمهوريين
1''
جواب المقيم عن الخطاب
3
نص التقرير الذي قدمه وفد الأمة الثاني إلى أعضاء الندوة الفرنسوية 3 الفتوى القانونية في الدستور، التي حصل عليها الحزب الحر الدستوري التونسي، واعتبرها خطوة متقدمة، وقوبلت بالإعجاب والابتهاج
خطاب كاتب عام الحزب الحرّ التونسي على رأس الوفد الذي قابل المقيم الفرنسي أثناء وجوده بباريس في 1921/ 08/09 (1339 هـ) تذكيرا بالمسألة التونسية
جواب المقيم عن الخطاب
6
خطاب الكاتب العام الحزب الحر الدستوري التيجاني بن سالم، الذي ألقاه على الجماهير الغفيرة من التونسيين في ساحة جامع الهوا، بين فيه ما قام به الوفد الأول والثاني من الأعمال بباريس في أمر القضية التونسية 7 احتجاج الحزب الحر الدستوري على التنقيح الجديد في قانون
المطبوعات
إجابة أحد العلماء في انتشار الفكرة الشيوعية في البلاد
1 - م. صص 387 - 394
2 - م. صص 394 - 396
3 - م. صص 411 - 424
4 - م. صص 473 - 478 5 - م. صص 478 - 482 6 - م. صص 482 - 484 7 - م. صص 438 - 441 8 - م. صص 536 - 543 9 - م. صص 544 - 548
267 (1/267)
صفحة 268
/تقرير الصحافة العربية ضد التنقيح الجديد لقانون المطبوعات المرفوع إلى كاتب الدولة التونسية العام
النص الذي كتبه كاهية رئيس لجنة المستعمرات والحمايات والنائب بمجلس الأمة الفرنسي، الذي وصفه الجادوي بحبيب التونسيين"، يناصر فيه القضية التونسية
خطاب المقيم العام في افتتاح الجلسة الأولى للمجلس الكبير بتاريخ
31922/ 12/11
بمواكبة المستجدات
تعتبر مواكبة الأحداث المحلية والدولية جوهر العمل الصحفي. ولعلّ
تعطش التونسي إلى أخبار الجرائد في أوائل القرن الماضي، كان أشد. إذ ليس
،
هناك حينها أنترنيت ولا قنوات تلفزية فضائية، محليّة، ووطنيّة وعالمية تسابق الطوارئ، وتُلاحقها، وتستقرئها. ولم تكن الإذاعات بالوفرة، والبت المتواصل، وسهولة التقاطها، كما عليه اليوم.
وقد انتقى الجادوي في الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة"، جملة من الأحداث، ارتأى أنّ لها أهميّة وأثرًا في مجريات الحركة الوطنية.
ونذكر منها:
/ استقبال تونس لوزير الخارجية الفرنسي الجديد. واغتنم الجادوي المناسبة، ليوجه إليه رسالة في المطالب الشعبية الملحة 4
المظاهرة الوطنية ضدّ تجنيس اليهود. ويصفها الجادوي فيقول، مؤكدًا على رفعة تحضّر التونسيين: " .. لم يسع الأمة التونسية إلا أن لبت دعوة التعاضد والمؤاخاة، وحضر الاجتماع فوق العشرين ألف نسمة. منهم من امتلأ
م. صص 549 - 552
2 - م. صص 569 - 572 صص 606 - 612
3
م
4 - م. صص 44 - 48
268 (1/268)
صفحة 269
به البالماريوم، والباقي عمر شوارع فرنسا وباريس وقرطاجنة، وجول فري، حيث لم يسع المكان المعدّ للاجتماع، وغص الخلائق. والكل على غاية السكينة والاستبصار وعند تمكن الوقت المعين، رفع الستار على مرسح الخطابة، فتُليت الخطب الاحتجاجية على مسامع الحضور، وقد نُشرت
بالجرائد اليومية، ثمّ انفض المجتمع، ولم يحدث أدنى حادث ... " انتهاء المفاوضات الشورية بفرنسا التي أثارت استياء الوطنيين، وأخبر الشيخ بأن المفاوضين رجعوا بخيبة المسعى والسمعة الفاسدة، وسقوط الاعتبار، ولم يعينوا أمتهم على إنجاز مقاصدها 2
صدور الحكم على رئيس الحزب الوطني المصري فريد بك، بسجنه ستة أشهر، لكتابته مقدمة لكتاب "وطنيتي".
وقد استقى الجادوي الخبر من الجرائد المصرية، التي استنكرت تسييس القضاء المصري، ومثاله إلى التواطؤ مع الاستعمار الانقليزي
3
زيارة رئيس جمهورية فرنسا فليارت (1931) لتونس، بعد انتحابه. واستبق في مقال أوّل هذه الزيارة بشهر تقريباً، فكتب موصفا وضع البلاد ومقيما النتائج التي أسفرت عنها زيارة سلفه لوبييه (ت 1929)، ومجاملا، ولبقا في المطلب ورسم الانتظارات:" .. سيرى حضرة الزائر خطوتين خطتهما الجمهورية الفرنسوية بهذا الشعب نحو الحرية في هذه الفترة القصيرة التي مرت بين الزيارتين. نعم إنّ في حرية الصحافة ثلما قد أُحدث مؤخرا، وهو إطلاق الحرّيّة في الإلغاء دون أن يكون الموقف مسؤولاً. وفي الهيأة الشورية ثلم أكبر من أخيه وهو تنصيب نوّاب دون منتخبين وفي كل لغة يستلزم النائب منوبا عنه ومن ناب عن أحد دون استنابة فهو فضولي. ولكن حيث كانت الزيارة الأولى على عهدها ما ذكرنا وجاء بعدها ما أسلفنا، فإنا نتفاول بأن هذه الزيارة سينجم عنها سد لتلك الثلمات وخطوات إثر تلك الخطوات،
1 - م. صص 160 - 165
2 - م. صص 169 - 173 3 - م. صص 248 - 252
269 (1/269)
صفحة 270
حتى لا يمرّ مثل ما مرّ إلا وقد أوتينا كثيرًا من الحق وارتفعت حالتنا أكثر من ذي قبل. ومن علم أن الرئيس الحالي ليس بقصير الخطى عن سلفه، أن يكون اسمه مقرونا بجميل الذكرى وصحيفة زيارته لقطرنا منقوشة على صفحات القلوب يشاركنا في هذا التفاؤل ويقوى له فيه الرجاء، وعسى أن يكون المستقبل بالتحقيق كفيلا
ويجب
1"
وبعد شهر من الزيارة يكتب الجادوي: "كلمتنا على الرحلة الفليارية للمملكة التونسيّة"، ليصب جام غضبه على "الخطباء الحقوقيين" الذين أغرقوا الزائر في المغالطة وصناعة الشعر، وتزيين الخيال، والمدح الزائف، والتمويه والتضليل والنفاق
،
2
الناصر
إشاعة تنازل صاحب العرش الحسيني باي (ت 1340 هـ / 1922) عن الملك. ويصف الجادوي بأنّها ويصف الجادوي بأنها صدعت الخواطر، وأثارت الهلع، وبسببها كان الإضراب العام في العاصمة "تعلقا برضاء الأمير، وحبًّا في بقائه على عرش أسلافه المكين". وهرع الشعب بعشرات الآلاف إلى قصره بالمرسى، ليعبروا عن شدّة تعلقهم ببقاء" جلالة الملك على أريكة الملك والصولجان المهاب الذي آل إليه بوراثة عهد مقدّسة، وبيعة لها أصل في
الدين القويم"
3
ت-النقد والتحليل
من مبادئ الصحافة: "الخبر مُقدّس والتعليق حر". ولذلك يتبارى الصحافيون في قراءة الأخبار والأحداث والتصريحات والإجراءات والقوانين وتتبعها بالتفكيك والتحليل وقراءة ما بين السطور.
وعلى قدر براعتهم في هذا الحقل تكون شهرتهم، ويظهر تأثيرهم في الرأي العام وحتى في الساسة وأصحاب القرار
270
262 - 260.
1 - م.
2 - م. صص 262 - 266 3 - م. صص 558 - 562 (1/270)
صفحة 271
وقد اعتبر الفاضل ابن عاشور ما سُمّي بـ"السانحة"، الباب الثالث من أبواب النثر السياسي، لم يزل مفتوحا منذ أوّل عهد الصحافة التونسية، ويُعرّفه بقوله: " .. هوباب التعليق على الأخبار والحوادث بما يستخلص عبرها، ويستمد منها التوجيهات الملائمة لمبدإ الجريدة ومسلكها. وقد ازدهرت الكتابة في هذا الباب، وتفتقت، بسبب كثرة الأحداث واختلافها، ووضوح المناهج السياسية وتباينها، حتى اتخذه كثير من الكتاب طريقة ملتزمة في تحاريرهم الصحفية، فلا يبتدئون الكتابة إلا بالتعرض لحدث يجعلونه أساسا الموضوعهم، ثمّ يتدرجون في تحليله، والتعليق عليه، حتى ينتهوا إلى تحصيل الفكرة التي يريدون، وذلك ما يُعرف في الاصطلاح الصحفي باسم: السانحة وقد كان كثير منهم يعنون بهذا العنوان، وامتاز فيه إلى جانب بطليه القديمين: الصنادلي والجعايبي، الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، في جريدة التونسي، لولا أنه كان يطيل في تعاليقه حتى يخرج بها عن الحدّ المألوف للسانحة عند الصحفيين وإن كان يزينها بما عنده من جمال التعبير ووضوحه وحسن اختيار الألفاظ والمزج بين الوصف والتعليق،
حتى ينتهي إلى غرضه بانتهاء سرد أطوار الحادث الذي يعلق عليه ". ولأن "الفوائد الجمة جمة بهذه المادة المهمة، تتجاذبها العبارة والإشارة، والجد والهزل واللطف والعنف وهي سارية في ثنايا مبحثنا، نرى من التكرار إيراد أمثلة هاهنا.
ث-الردود
يمكن أن يكون التحليل والنقد الصحفيان ردًّا غير مباشر، على بعض الأفكار والتوجهات والفئات. ولذلك تكون الردود بهذا المعنى مندغمة في شتى المواد الصحفية.
وما نجده من الردود صريحاً، في "الفوائد الجمة" سبعة تقريبا، وهي على
التوالي
1 - ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية م. س. صص 122 - 123
271 (1/271)
صفحة 272
ارد على بعض "المارقين". ويذكر الجادوي أنّه قرأ في جريدة Le Temps الفرنسية فضلاً لـ"كاتب تونسي متستر اعتاد نشر آرائه أحيانًا فيها. وقد جاء فيه ما معناه: إن المسلمين التونسيين ينقسمون إلى فريقين، فريق متشيّع للكنيسة الإسلامية (متعصب) ومنه الصحافة العربية وهو بؤرة التقهقر والجمود. وفريق الأحرار، وهم القائمون بحرية الإصلاح العقلي، والمؤسسون للجمعيات النافعة والمشاريع المفيدة إلخ ... ". وبعد مقارنته بين الأمة الإسلامية وبين المسيحيّة، يستخلص الجادوي أنّ كاتب المقال ذووجهين، وجه يظهر به للمسلمين أنه من المتدينين المحافظين، ووجه يظهر به للأوروبيين أنه من الأحرار المفكرين. وهو بذلك أن يجمع بين النقيضين ويحتوي على قلوب الأمتين، ولكن بطريقة الخثل والجمود والاستغفال.
يريد
وينصحه بأن يعدل في كتاباته عن غمز المسلمين، ولمز الإسلام بالمطاعن التي يعرف فسادها حتى بسطاء المستشرقين فضلا عن المحققين من المسلمين. كما يوجهه إلى عدد من المواضيع التي يراها الشيخ جديرة بالدراسة والانتقاد
،
رد على محاضر فرنسي. حيث يُورد الشيخ أن مستشرقا فرنسيا خطب بنادي قدماء الصادقية بدعوة من مجلس إدارتها، فكان خطابه خَطبًا في البلاد، إذ نعى فيه اللغة العربية وحرج صدرها عن إيواء مدنية العصر وعلومه ومستحدثاته ومستجداته نادِيًا إلى الإعراض عنها، وموجبا صرف الهمم عن الاشتغال بها إلى تعليم اللغة الفرنسيّة لغة المدنية والعلم والإبداع". له ويعبر الجادوي عن استنكاره لتأييد النشء الجديد للخطيب "بإقرارهم على غباوته إذ كانوا هم معه في صعيد الجهل بها على السواء، وإن انفردوا بالجرم الجسيم وتوجه إليهم قائلا: "لتعلموا أيتها العصابة المفتونة الجاهلة. فوذِمّة العربية، لقد أربيتم في الذنب على قابيل معلّم القتل لبني الإنسان. فإنه قتل أخاه وأنتم تقتلون أمكم وهو قد سنّ قتل الأفراد وأنتم
1 - م. صص 122 - 125
"
272 (1/272)
صفحة 273
روح
كما
تسنّون قتل الشعوب. ليتكم علمتم قبل أن تكلمتم أن اللغة الشعوب أن الدين حياتهم. فكيف عمدتم إلى روح شعبكم تزهقونها واستمعتم عليها بمَن لا يهمه أمرها إن لم يرُقْ له مصرعها الرهيب"
1"
ارد على مقال لطبيب تونسي نشره بجريدة LE DEPECHE TUNISIEN و عارض فيه مطالبة التونسيين بدستور وانتهى معه الجادوي إلى أن الأخلاق الجديرة به محاربتها، وللأمة التونسيّة صحافة وطنية وعلماء وكتاب دريون لا وثوق لها في غيرهم ولا تعمل إلا بنصحهم، ولا تنقاد إلا لمناداتهم، والطبيب طبيب وله شأن يخصه
2"
ارد أوّل على حسن قلاتي (ت 1386 هـ / 1966 (الذي نشر مقالاً في جريدة "التونسي" " 3 تحت عنوان دار الباي"، وانتقد فيه انتداب المتخرجين من جامع الزيتونة في القضاء العدلي لجهلهم بفقه القضاء، ولخلوهم من شهائد
علمي
الحقوق والقانون المدنيين.
م. صص 125 - 130
2 - م. صص 425 - 430
3 - وقد أشار الفاضل ابن عاشور إلى ما سمّاه بلون الجدل بين الصحف على طريقة
"
:
المناقشة والمناقضة"، واعتبر مرشد الأمة" بكاتبها الشيخ محمد مناشوعينة بارزة، قائلاً:" وكثر هذا في المناقشات التي بين أنصار الاستقلال الثقافي، وبين أنصار الامتزاج بالثقافة الفرنسية، خصوصًا في مسألة المدارس القرآنية ومسألة إضراب الطلبة، فكان هدف مهاجمات الصحافة العربية غالبا في الأمرين بجريدة التونسي، وكان أبرز الصحف في التهجم عليها جريدة الزهرة وجريدة مرشد الأمة، وقد اصطبغ تحرير هذه المناقشات بما يناسبها من التهكم والتورّي والنبز ووصف الكتاب والصحف بصفات من شأنها أن تثير ذكر مواقف ينكرها الناس أو تصريحات تختلف مع المناهج الوطنية التي عليها الجمهور، وتتبع المقال الموضوع للمناقشة تفصيلاً بتتبع أفكاره والتعليق على فقره. وقد اشتهر في هذا الباب كاتب زيتوني بارع القلم، حرّر في صحف كثير أخصها مرشد الأمة، وولع بإبراز حدّة النقد والأخذ بالمخانق هو الشيخ محمد مناشو .. ". الحركة الأدبية والفكرية صص 121 - 122
273 (1/273)
صفحة 274
وإذا وصف الجادوي زملاءه الزيتونيين بـ"النبغاء"، و"سعة المدارك"، و"غزارة العلم"، و"بعد الغور في الأفكار"، فإنّه نعت قلاتي بـ"الجهل"، وبأنه "الحدث الدخيل" '
1
ارد ثان على قلاتي، حول مقاله الذي ندّد فيه بأعضاء الحزب الحرّ
الدستوري.
2"
من
وقد انتهز الجادوي الفرصة ليبين "أنانية" و"طمع" قلاتي الذي وصفه ب "الرجل الغريب ارد على "حزب الخذلان حركة الشقاق التي كونتها ثلة المخذولين"، ويقصد الجادوي المنشقين عن الحزب الحر الدستوري. وقد ركز الردّ على رسالة محمد نعمان الذي آخذ الثعالبي كتابه: "تونس الشهيدة، والحزب على شططه في المطالب 3. ارد على جريدة النهضة في التنديد بسير المحاكم الشرعية واستقباح نظامها وتثاقل حكامها.
ج-التاريخ
على
نزلت المادة التاريخيّة في الصحافة الجادويّة الثقافة التونسية في محيطها المغاربي والعربي والإسلامي. فكانت مُرشد الأمة" نافذة على صفحات من التاريخ الإقليمي والعالمي، القريب والبعيد، شخذًا للروح القومية، وتمتينا للآصرة الدينية، واستخلاصا لعبر الأيام.
كما التحمت هذه المادة بالحاضر الراهن لتجلي اللامتداد بين الماضي والحاضر، وتثبت أن الحضارة تُبنى بالتراكم عبر مختلف الأجيال.
الأمثلة ومن
على ذلك، المقالات التالية:
1 - م. صص 189 - 194
2 - م. صص 490 - 495
3 - م. صص 484 - 490 4 - م. صص 663 - 671
274 (1/274)
صفحة 275
1
الجزائر. ويقارن الجادوي فيه بين حال الجزائر وماضيها
الآثار الخالدة. ويقصد آثار الجزائر التي رصدها أثناء زيارته مدينة تبسة العتيقة، وذات الارتباط بمدينتي تالة وسبيطلة من حيث الآثار، والخط،
والموقع
2
،
البلاد المغربية، التي يصفها ب"البلاد المهمة"، و"الأقطار الشاسعة ذات الأمصار العامرة والبيداء الآهلة والأراضي الرابعة، والجوالصقيل"، و"البقاع العزيزة الموقع الجليلة "الشان". ويتحدّث عن أهلها فيقول: " .. لا يروعهم شيء، ولا يخيفهم غزو الصائلين، مطمئنين متواصلين، لا تنازع بينهم، ولا هم من المشاكسين ذلك عندما كانوا يوقنون بالوحدة الملية، ويخضعون للرابطة القومية، ويستميتون في حبّ الولاء وما كانت لتنفك عرى جامعتهم أويهوي جانبهم لدرجة الاحتضار والنزع لولا انكباب ملكهم على الملاذ وتفانيه في الترف الذاتي، وتعاليه في البذخ والتبذير ... الحرب الطرابلسية والعالم الإسلامي. ومما قاله الشيخ محمد مناشو في هذا المقال: " .. أرادت إيطاليا أن تسنّ لأوروبا قاعدة جديدة تسعى بمقتضاها لمقصدها إذا سدّت عليها أبواب الاحتلال. ومن العجب أنها تهتد إليها إلا إيطاليا فهي مختصرة في جملة وجيزة لا تكلف عناءً لأجلس". بتلك القاعدة مدّت إيطاليا يد الإثم لولاية طرابلس الغرب وسلت
3"
سيف البغي والعدوان على رؤوس العثمانيين .. "
40
مع بساطتها لم
وهي: قم
"أشلاء
مصر وتونس وهو تصوير لرواسب الحالة المصرية، حيث رفع القبط بمصر عقيرتهم على إخوانهم المسلمين المصريين وهتكوا حرمة الجوار ومزقوا رحم مصر المحمية وكانت هذه فرصة لدعوة التونسيين إلى مراعاة "الوطن" فقط، ونادى: "لنأتمر لحياة الوطن"
1 - م. صص 88 - 91 2 - م. صص 687 - 689
3 - م. صص 96 - 98 4 - م. صص 321 - 324
-5
د -م. صص 274 - 278
5"
275 (1/275)
صفحة 276
نبذة تاريخية عن اليمن بمناسبة الأحداث الجارية فيها. وقد تم البحث في نشأتها، وطبيعتها ومساحتها وأقسامها، وملوكها الأقدمين
أحمد
،
نبذة تاريخية أو معلومات سواح في الجنوب الإفريقي. هذا مقال بإمضاء مفتي مكي، الذي يذكر أنه طلب منه أن يكتب شيئًا عن انتشار الدين الإسلامي في المستعمرات الإفريقية الجنوبية، وبخاصة في رأس الرجاء الصالح. فبادر بالاستجابة نظرا إلى أن التونسيين وكل مسلمي الشمال الإفريقي "يسرهم أن يقفوا على أحوال إخوانهم مسلمي تلك الجهات".
وقد عرض صاحب المقال نبذة عن المنطقة وسكانها وأحوالهم.
2
الهند ينهض نهضة دينيّة. فالجادوي يؤكد على أن نهضة الهند إلى جانب كونها قومية سياسية عامة، قامت على حركة وطنية قومية عظيمة تبشر بتخليص خمس اليابسة من براثن الأسد البريطاني، فإنها كذلك "نهضة إسلامية دينية عظيمة تبسّر حقيقة بأن فخر اللإسلام سيعاد شروقه من الشرق كما طلع من قبل". ويستذكر الجادوي ما أخبر به الزعيم الهندي غاندي (ت 1948)، من أن الوطن سيمنحه تكرمة تخلد ذكره على توالي العصور جزاء جهاده في سبيل تحرير بلاده
كما ينقل خطاب "أمّ الهنود الكبيرة " (ت 1343 هـ/1925) والدة الزعيمين علي شوكت (ت 1938) ومحمد شوكت ت (1931، الذي ألقته في مؤتمر نسائي بجزيرة سيلان عند مرافقتها لابنها علي الذي كلف بالتجوّل في الهند لفائدة الخلافة وبت دعوة الاستقلال
1
م. صص 266 - 274 2 م. صص 135 - 142
3
م.
صص 735 - 741 / وقد أشار الطاهر الحداد إلى زعامة النساء في الهند، وقيادتهن للحركة المليّة، وما نفخّن من روحها في القدس ومصر وسوريا وتركيا، بظهورهن مظهر الشجاعة والتضحية المغذية لجهد الرجال ونشاطهم والمنعشة للروح الوطني عموما. امرأتنا في الشريعة والمجتمع صص 219218
276 (1/276)
صفحة 277
خالدين
من الطبيعي أن يكون للمادة الدينية نصيب موفور في صحافة الجادوي. فهوشيخ زيتوني، وقلمُه مُسخَّر في الدفاع عن الإسلام والمسلمين. والكفاح الوطني ضد المستعمر معنى عميق من معاني ذلك الدفاع المستميت.
والمطالع لـ"الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة" يخال لأول وهلة أنّ الكتاب ديني صرف، إذ الديباجة التقليدية التي اشتملت على الثناء على الله تعالى، والصلاة على رسوله الكريم والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وسرد الآيات والأحاديث والموعظة استغرقت ست صفحات كاملة.
،
وقد سماها الشيخ "فاتحة"، وهي بحق "خُطبة الكتاب" كما يصطلح عليه بعض المصنفين القدامى والجادوي نفسُه نشر نصًا سماه "خطبة السنة الثانية للجريدة "".
وقل أن تجد مقالاً للجادوي لا ينتهي بدعاء، أواقتباس من القرآن الحكيم
والحديث النبوي،
من مثل:
" والله سبحانه المسؤول أن يجعله من الأعمال الواضحة السبيل، إنه ولي
2"
الإعانة، وهو حسبنا ونعم الوكيل ".
/"وعلى الله المعوّل ومنه جل شأنه العون والتوفيق
3"
/ "فسبحان مُحوّل الأحوال ومقلب القلوب، له الملك والملكوت، وبيده
الخير وهو على كل شيء قدير"
4.
"إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون"
1 - م. صص 99 - 101
2 - م. ص 12
3 - م. ص 22 4 - م. ص 568
5 - م. ص 25
277 (1/277)
صفحة 278
/
ويد الله على الجماعة والسلام
1.
إن المادة الدينية في الصحافة الجادوية هي التي تجعلها في خانة "الصحافة الإسلامية"، كما يسمّيها البعض وهي وسيلة المحافظين المؤمنين
ل "مواجهة" من يُسمونهم ب"المارقين"، و"أعداء الدين"، و"المتفرنسين". ولذلك كتب الجادوي على الصفحة الأولى من "مرشد الأمة" بأنها جريدة تخدم الملة والوطن"، ووصف ابن عاشور روح كتابة الجادوي بأنها "روح إسلامية وطنية" 2، ونعت الساحلي (ت 1426 هـ / 2004) "المرشد" بأنها جريدة ذات اتجاه إسلامي إصلاحي"، مع العلم أنه نعت بهذا الوصف، كذلك، جريدة "ولد البلاد" للجربي البشير الفورتي (ت 1374 هـ/1954)، الذي نشر الجادوي صورته ونعته ب"الوطني الصادق".
ولا يفوتنا أن الإباضي أبا اليقظان صنّف جريدته الأولى ضمن الصحافة "الوطنية الإسلامية".
أننا
وسنفيض القول لاحقا في قضايا الإسلام والمسلمين عند الجادوي، غير نكتفي هنا بإيراد ثلاثة نماذج من المقالات الدينية:
/ "مسيحي يتكلم على بلاغة القرآن"
هو
نقل لما كتبه سليمان البستاني (ت 1343 هـ/1925) في أنّ فضل القرآن على الشعر العربي يكاد يضاهي فضله على لسان العرب، وأن لغة قريش ازدادت رسوخًا في أذهان الشعراء وشيوعا بين العرب، كلما دانت قبيلة منهم بالدين الإسلامي بعد سماع آي القرآن وأنه لما دونت اللغة وسائر علوم
،
1 - م. ص 284
ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية م. س. ص 148
3 الساحلي: الصحافة الهزلية م. س. ص 53
4 - م. س. ص 64
5 - م. ص 560
6 فرصوص: الشيخ أبواليقظان م. س. ص 117
278 (1/278)
صفحة 279
العربية وغير العربية كان القرآن وكذلك الحديث مرجعا للاستدلال على التعبير وإحكام التركيب وضبط المفردات.
وفي هذا الموقف شيء مما يستحق أن يُناقش، حسب رأينا.
/ "من هو أعظم رجل في العالم ولماذا؟
"
هما سؤالان توجهت بهما جريدة "الوطن" السورية، والتي يديرها مسيحي، وكان أوّل من أجابها كاتب من أحرار الطائفة المسيحية"، كما ينعته الجادوي، وينقل إجابته.
فأعظم رجل هو الرسول محمد (ص) لأنه:
مدنية،
أُمّي وضع في عشر سنين دينا، وفلسفة، وشريعة اجتماعية، وقوانين
غير شريعة الحرب،
أنشأ أمة ودولة،
جعل للمسلمين مؤتمرًا ينعقد في كل عام في مكة،
مهد الطريق النبوغ لأفراد الأمة،
كان الإسلام جمهورية حقيقية يختار المسلمون رئيسها الذي
هو الخليفة،
2
سهل اعتناق الإسلام لغير العرب، وجعل الحكمة ضالة المؤمن ويظهر الخلط جليًّا في هذا الكلام، ولم نر الجادوي قد صحح بعض التعابير، أوعقب بتوضيح بعضها، من قبيل "وضع دينًا"، و"جعل للمسلمين مؤتمرًا"، إلخ .. ، فعقيدة المسلمين ترى أنّ الدين وشرائعه سماوية. وربما كان الإعجاب بهذه الشهادة المسيحيّة صارفًا الشيخ عن هذه الجزئيات.
1 - م. صص 203 - 206 2 - م. صص 256 - 257
279 (1/279)
صفحة 280
/ "الآثار النبوية المقدسة"
هو تسجيل لزيارة السلطان العثماني "الدائرة الفاخرة التي تحتوي على الأمانات المقدّسة في سراي طوب قبو. وسرد الجادوي هذه الأمانات المتكونة
من البردة الشريفة، ومعها خمس وثلاثون قطعة أثرية مباركة '.
د الأدب
لا تحجب عنا أخطاء الجادوي اللغوية اللافتة، مما لا يمكن أن تكون أخطاء مطبعية، وما في تحريره من قلة الانسجام، واضطراب التسلسل المنطقي، وما يُغرق فيه من الاستطراد والبيانات اللغوية، ومسائل العلوم الآلية التي ينبوعنها ذوق التحرير الصحفي، وما يعتري جُمله أحيانًا من لحن وسقم في التراكيب 2، لا تحجب عنا كل هذه، أنّ لكتابات شيخ الصحفيين قيمة أدبية، وأن مانشره في صحفه الثلاث، كان إسهاما إبداعيًّا في الشعر والنثر، واللطائف.
1
الشعر
لم يكن الشعر في "الرائد التونسي" غير الشعر السياسي الدائر في فلك الفئة الحاكمة وشؤون البلاد في الدرجة الأولى. ثم انضاف إليه الشعر الإصلاحي الذي كان علمه الأوحد محمود قبادو (ت 1288 هـ/1871)، واشتهر بتجديده في المضامين السياسية والاجتماعية، حيث كان ينتقد انغلاق بعض الشيوخ، وفساد القضاء، ويشيد بالدستور، ويمدح التمدن، ويدعو إلى الأخذ بالعلوم والتقنيات الحديثة. وكان ذلك القاعدة التي تأسس عليها فكر خيرالدين التونسي (ت 1306 هـ / 1889).
وابتدأت الصحافة الشرقية تطلق "الشعر العصري" على الشعر الاجتماعي والحكمي لا سيما الذي يقصد إلى التذكير بالمجد، والتوجيه إلى مسالك النهضة والتحرّر والتجدّد وبدأ الأدباء والمفكرون التونسيون ينسجون على ذلك المنوال، فبرز النخلي، والخضر حسين،
صح 726 - 728
محمد
م. ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية في تونس. م. س. ص 148
ومحمد
280 (1/280)
صفحة 281
باريس
الحشايشي (ت 1330 هـ / 1912) الذي أنشأ في معرض س 1318 هـ / 1900 قصيدة في التنويه بحضارة الغرب ومقارنتها بعظمة التاريخ الإسلامي ثمّ حضيض حاضر المسلمين، وسمّاها "العقد النضيد في التنظير بين الحضارة الإسلامية وتمدن العصر الجديد وتقع في قرابة مائة بيت، وصالح السويسي (ت 1360 هـ / 1941 الذي كان شعره ترجمان سخطه على المجتمع، وثورته في سبيل الإصلاح واعتزازه بالمجد الإسلامي'.
،
ولئن اشتهرت جريدة "أبونواس" بـ"الملزومات" و"الأزجال"، فإنّ "مرشد الأمة" قد اهتمت بالفصيح من الشعر العمودي.
ففي المدح، نشر الجادوي: قصيدتي
محمد بن شيخان
السالمي (ت 1346 هـ / 1927، وعيسى بن صالح الطائي (ت 1362 هـ/1943)
العُمانيين.
وفي الرثاء: قصيدة ناصر الرواحي (ت 1334 هـ / 1916) الزنجباري،
وفي الشعر الحماسي:
"يا أمتي" لفؤاد الخطيب (ت 1376 هـ/1957) الملقب بـ"شاعر ثورة
الحجاز،
و"صوت الحرّية" للشاعر التركي نامق كمال بك (ت 1305 هـ/ 1888)،
وفي الحكمة:
1 - عمايرية: م. س. صص 283 - 304
ابن عاشور: م. س. صص 94 - 96 2 - الساحلي: م. س. صص 55 - 57
226 - 223/ 59 - 57.-3
4 - م ص 322 - 33 / الأعلام ج 7 ص 348 5 - م. صص 324 - 325 / الأعلام ج 5 ص 160 6 - م. صص 246 - 248
281 (1/281)
صفحة 282
قصيد "الإنسانية" الذي امتد على عشر صفحات"، و"عبر الأيام" أو "خلع السلطان عبد الحميد" لحافظ إبراهيم (ت 1351 هـ / 1932) شاعر مصر القومي،
والذي نشر له كذلك التهاني الفائقة" بمناسبة عيد الدستور العثماني، و"هي الحقيقة" للزهاوي (ت) (1354 هـ / 1936 وهومن طلائع نهضة الأدب العربي المعاصر، وذو منزع فلسفي إسلامي، وكان معروفا بمناهضته
للاستبداد،
و"الدهر" لمعروف الرصافي (ت 1324 هـ / 1945) شاعر العراق، وصاحب أناشيد ثورة بغداد إبان الحرب العالمية الثانية، والذي نعته الجادوي ب"فرزدق العصر، ونشر له كذلك، شكوى إلى الدستور العثماني، ورثاء قصر شراغان مقرّ مجلس الأمة التركي بعد احتراقه، وإلى الأمة العربية".
والذي يُفهم من هذه المنتخبات المنشورة أنّ الجادوي ينشر من الشعر ما كان له مرجعية دينية مذهبيّة، وبُعد وعظي، ونزعة قومية إسلامية، وصبغة
نضالية حماسية.
ولذلك لم نجد نصوصًا شعريّة في الغزل والوصف، مثلاً، عدا بعض الشواهد اللغوية والبلاغية المتناثرة.
ولكن أين هو الشعر التونسي الوطني العروبي؟!
النثر
1 - م. صص 360 - 370
2 - م. صص 142 - 144 / الأعلام ج 6 ص 76
3 - م. صص 773 - 774 / الأعلام ج 2 صص 137 - 138 4 - م. صص 231230 الأعلام ج 7 صص 268 - 269 دمج
5 - م. صص 177 - 178
6
م.
صص 194 - 196
7 - م. صص 206 - 208
282 (1/282)
صفحة 283
سعي سليمان الجادوي إلى التنويع في صياغة أفكاره الوطنية النقدية الإصلاحية.
فإلى جانب الأسلوب المباشر، الذي هو أغلق من غيره بالعمل الصحفي، وهو الذي يعتمد التشخيص والتفكيك والتحليل، يعتمد الشيخ طريقة التخييل الفنّي، تفصيًا من إرهاق الإدارة الفرنسيّة، واستغناء عن التصريح المعنت.
ونجد من القطع الخيالية الجادوية:
القصة القصيرة
ومثالها في "مرشد الأمة": "فكاهة في مجلس القضاء"، وقد أمضى تحتها "المعري" 1
وفيما يلي مكوّناتها:
الأمر المبهمة
الشخصيات
الأحداث
بالحضور والغياب
المكانية
شاب
البلد الأصلي
وقاض من
خليع، التعارف بين الشاب
القاضي وبين جارته الفتاة
الحسناء
المنزل
قضاة المحاكم
فتاة حسناء وثرية
وقوع الخطيئة
وكر الفساد
حمل الفتاة
قاعة المحكمة
أم الفتاة الرؤوم
تشردها
أبوها الحنون
بلد المهجر
1 - م. صص 208 - 213
دخولها عالم الرذيلة (1/283)
صفحة 284
الزمانية
الخدم
مقاضاتها من قبل
أحد زبائنها، بتهمة سرقة
الماضي
البنت الجديدة
كيس نقوده
أشهر الحمل
العجوز صاحبة
وكر الخناء
حضورها
جلسة
الدهر
المحاكمة،
برئاسة
مدة الحبس
عن اللذة الحرام
أيام قلائل
سبع
سنوات | الفتاة
بعد ولادة البنت
الرجال الباحثون الشاب، عشيقها الأول
الرجل الذي قاضي | الشاب بفعلته
خصومها شهود يستحق المحاكمة، وأن
مکاشفتها
القاضي
معها،
وإعلامه بأنه هو نفسه مجرم
ما بين زمن
الزور
سرقته عرضها وشرفها،
الأحداث
الشرطي
أفظع من سرقتها كيس
وزمن السرد
نقود، وأنه هو السبب في
كل ما فعلته.
كما أعطت عبرا في
أن نفوس القضاة لا تقل
شر ومكرا
ومكرًا عن
عن نفوس
المحكومين، وأن
المظاهر
خداعة ...
صحوة ضمير القاضي
تزوجه بأم ابنته
هجرتهم إلى بلد آخر
ولم يكن الجادوي وحده الذي وظف القصة القصيرة في إبداء مواقفه السياسية من الاستعمار الفرنسي، وفي مقارعة المستعمرين، والتشهير بذيولهم، والمتواطئين معهم من الفاسدين، والتعاطف مع أبطال الحركة الوطنية، وشهداء النضال، بل كان واحدًا من مجموعة وطنيّة، سخّرت فنّ القص
284 (1/284)
صفحة 285
والرواية في الصحافة التونسيّة، لمنازلة الغزاة، ومن هؤلاء محمد الحبيب (ت 1401 هـ / 1980)، والصادق الرزقي (ت 1358 هـ/1939)، مؤسس جمعية الشهامة العربية لخدمة المسرح التونسي" س 1909/ 1327، ومهذب مسرحيات أبي خليل القباني (ت 1321 هـ/1903) اللبناني، وصاحب مجلة "العمران"، وجريدة "إفريقيا" التي استمرت أربعة أعوام، ثم عطلتها الإدارة الاستعماريّة الفرنسيّة بقرار من سفير فرنسا بتونس.
،
=
،
،
ولئن استبعد الجابري في تناقض كما سنرى أن تكون خواطر الجادوي ذات الطابع الروائي من أساليب الرواية فإنه أثبت فيها "بذور خياله القصصي"، الذي نشره ليدافع عن مواقفه وأكد أنّ له: " روحا قصصيّة "، و" أشياء قصصية "، انتثرت في عديد مقالاته. ولاحظ فيها أسلوبه الاستطرادي الجناسي. كما اعتبره ممثلاً جريئًا لجيل مطلع القرن، بأسلوبه الأدبي الموروث عن ثقافة تقليدية، وكعلامة من علامات الصدام الفكري، والمدافعة، والتمرّد. وكان أبطال قصصه من أبرز رجالات السلطة الاستعمارية يذكرهم بأسمائهم، وأحيانًا بوظائفهم "مما يجعل خياله واضحا، وموضوعاته أشبه ما تكون بتقارير سياسية 2.
وقد اختار له قطعتين:
دوكارنيار، التي نشرها الجادوي على مُرشد الأمة"، لكن يظهر أنه لم يخترها في "الفوائد الجمة ". ولذلك، بعد أن يُورد تنوية الجادوي الساخر: انتهى مدير الجريدة من تأليف رواية دوكرنيار العجيبة، وهي رواية خيالية تمثيلية فكاهية تاريخيّة. وقد أتى فيها على أدوار ذلك الرجل
"
،
،
الخطير، منذ وجوده على هذه البلاد، وضمنها أعماله وظاهره، وباطنه، تخليدا لحياة الرجل، وخدمةً للأجيال. وقد بعثنا بهذه النسخة إلى الجلالة الديكارنية"، يقول الجابري: " وإذ لم نتمكن رغم الملاحقة، من الاهتداء إلى نسخة هذه الرواية، فإنا لا نستبعد أن يكون هذا النبأ مجرد مزاح، ووسيلة من وسائل التهديد والتشهير بهذا الذي أورد الكاتب ذكره في لقطات
1 - الجابري: القصة التونسيّة نشأتها وروادها صص 50 - 55 2 - الجابري: القصة التونسية، نشأتها وروّادها م. س. صص 55 - 67
285 (1/285)
صفحة 286
أخرى متعددة ة نجدها في الكتاب الذي انتقى فيه مجموعة من خيار مقالات صحفه التي أصدرها .. فمن بين هذه المقالات ما يُشبه الحوار وضع له الجادوي عنوان: محادثة بين الوطني ودوكارنيار، ونشره في باب: في عالم الخيال، والمحادثة هذه ن نستبعد ان تكون هي الرواية نفسها التي أشار إليها النبأ السالف الذكر ن نظرا لقصرها، ولأنها لم تتناول موضوعات التاريخ والأدوار الخطيرة التي يشير إليها النبأ"
1
دلماس، الذي جعله الكاتب بطل رواية مطولة، نشر منها سبع متتاليات في جريدة "أبونواس".
حلقات
مشكلة
ورأى الجابري أن أهمية هذه الرواية لا تكمن في أسلوبها، وفي اعتبارها من أوليات القصة التونسيّة فحسب وإنما كذلك في معالجتها مشكلة هامة من المشاكل التي تأتي مع كل العصور، وتصحب كل تحوّل وتطوّر، وهي المؤسسات التعليمية، التي تُصدّر الثورات وتصنع الوعي، ومشكلة التلميذ والطالب، عندما يكشف التناقضات ويُفجرها.
كما عد الجابري "رواية "دلماس" النموذج التاريخي لميلاد "الرواية المقاومة"، و"القصة النضالية" التي عرف منها الأدب التونسي أنماطا أكثر نضجاً في فتراته الأخيرة. ويضيف: " .. هذه الرواية تصبح ذات مغزى عميق، حين ندرك أن كاتبها ينتمي في دراسته إلى المعاهد الزيتونية، ولكن حوادثها من المعهد الصادقي الذي كان من المعاقل الصلدة في مناهضة الاستعمار، وإنجاب القادة الثائرين. وهي أساسًا تعالج غضبة صادقيّة، يشنّها الطالب على مدير المدرسة، الماس أجرى الكاتب حوادثها من زاوية استبطانية، تقصى فيها ذلك الغور الآهل بالنوازع والأهواء حوادثها. فأبرز لنا تارة، دلماس غازيًا أمام نفس تزخر بالحقد والكراهية، ومرّة أخرى، نجده يلامس المشاكل على السطح، في تقريرية تصل حتى الإملال وإذا كان الكاتب لا يقصد، ولن نُقصده أن يزاوج بين أسلوبين: مباشر وخفي، فقد مس عمله الروائي عن عمد، شريانًا هاما من شرايين القصة الحديثة ألا وهو ما ندعوه بالحوار الذاتي أو المونولوج وما إليهما. أما الإشارات التي قصدت فضح نوايا
غير
1 - الجابري: م. س. صص 57 - 58
،
286 (1/286)
صفحة 287
المستعمر، فتبرز في اتجاهين أحدهما ديني ويركز الكاتب عليه، كأنما يريد أن يقول لنا بأن الاستعمار هو شكل من أشكال الغزو الصليبي، غايته خذل الإسلام والمسلمين .. والاتجاه الثاني هو الاتجاه الوطني، الذي نجد له أيضًا تلميحات كثيرة خلال الفصول السبعة بداية من الفصل الأول .. ولعلّ أروع هذه التعليمات هو ما كان أشدها إيلاما لنفس دلماس، عندما نراه في نهاية الفصل السابع، وهو يؤكد على هزيمته مخاطبا نفسه بقوله: وكيف لا أتوقى شرهم، وهُم الآن يشعرون ويتألمون ويذبون عن حقوقهم متى زعموا أنها
مهضومة ".
التمثيل المسرحي
وهو أن يوزع المضامين التي يبتغي إيصالها إلى القارئ، بين متحاورين الأمثلة أو أكثر. ومن على ذلك:
والمنصف.
- محادثة خيالية بين شخصيتي: الوطني، والدخيل المستنير
وكان بينهما حوار هادئ، فيه السؤال والجواب، والاستيضاح، والاستفسار .. ، وسلّم فيه أحدهما للآخر ببعض الأفكار
ويُمكن أن نلخص كل ذلك في الجدول التالي
أفكار الوطني المشترك من الأفكار أفكار الدخيل
تقاعس الحكومة
الاستعمارية عن نشر المعرفة
1 - الجابري: م. س. صص 60 - 62 2 - م. صص 59 - 63
قلة عدد المعلمين
نية الحماية نحو
التونسيين، ترقية
والمتعلمين من التونسيين
مداركهم، ورفع غشاوة الجهل
287 (1/287)
صفحة 288
التقليص من
انتشار الجهل
الحماية تعتمد
المدارس والمعاهد الذي والخرافة خاصة في سياسة التدرج في نشر
سبق وجودها انتصاب
الاحتلال
التونسيون
الأرياف
المعرفة
الحكومة تتغافل
محاصرة مدير
وتتثاقل عن تغيير مدير
العلوم لانتشار التعليم
العلوم، وهو تقصير
متشاحنون متخاذلون، في تونس لا يعني أنه الفرنسيون بالغوا مقصرون في الاعتماد قرار فرنسي، بل في غبن التونسيين على الذات، وهم جزء هودال على عنصرية والتنكيل بهم من مشكل التعليم، الرجل وعنجهيته
وليسوا الحل
من الحلول:
مساعدة باريس للتخلص من سياسة الميز
-مدير الأشغال
العامة
يمنع التونسيين
من الوظيف
مدير الزراعة يحتقر الفلاح التونسي
ويهمشه
على التونسيين أن
يتولوا بناء المدارس
والكليات من أموالهم، سياسة الحماية:
عسف وظلم
ولا ينتظروا إعانة
الحماية
المدرسة الخلدونية مثال حي عن الوعي الأهلي
المطلوب من التونسين عدم
الاستسلام
-في رجال فرنسا من سيأخذ بأيدي التونسيين
العزم على الذهاب
إلى باريس لتشخيص الحالة التونسية
288 (1/288)
صفحة 289
- محادثة بين شخصيتي: الوطن، والعنصري victor de carnières محادثة حادة، مُلئت سخرية وتهكما، وفضحت المخطط
،
(ت 1917)، وهي الاستعماري، وعبرت عمّا يشعر به التونسيون تجاه هذا المستعمر الفرنسي، الذي عُدَّ كبير، المعمرين ومن عتاة، الفرنسة وُلِد س 1849 بشمال فرنسا، واستقر بالبلاد التونسية لتحقيق أطماعه الاستيطانية، فاستوطن بمنطقة سليمان من ولاية نابل واشتغل بالفلاحة، وترأس حزب الفلاحين في تونس، وقد كانت الإقامة العامة تخشى لسانه وقلمه وتميل إلى تلبية طلباته الملحة، فأصبح هو وحزبه السيد المطاع في تونس، وكان فوق رؤساء المصالح وفوق المقيم العام نفسه ودخل السياسة بأساليب انتهازية مكنته من الهيمنة على الحجرة التجارية، ثمّ من الوصول إلى رئاسة اتحاد العمال الفرنسيين.
،
وتظهر كراهيته للأهالي من خلال أقواله ومنها: "الأهالي مصابون بالعجز لا يُرجى لهم شفاء من نقائصهم الموروثة"، "إذا اعترض سبيلك عربي وأفعى، فاقتل العربي قبل الأفعى"، "كل العرب لصوص ومخربون". وقد أسس وأدار بعض الصحف الاستعمارية من أبرزها: " La Tunisie Francaise " ، و " Le Colon Français. وقد عارض تأسيس "الجمعية الخلدونية" س 1314 هـ / 1896، واعتبرها مركزا من مراكز الدعاية لـ"الجامعة الإسلامية"، الهادفة إلى توحيد المسلمين تحت راية السلطان للوقوف في وجه التوسع الأوروبي، كما رأى أن دروس "الخلدونية" ومحاضراتها، ستفتح أبصار التونسيين على قيم فلسفة التنوير ومبادئها كالمساواة، والحرية، وحق
تقرير المصير، وتجعلهم يطالبون فرنسا بتطبيق هذه المبادئ في تونس. كما ندد بما جاء في برنامج "حركة الشباب التونسي" المعروض في افتتاحية " Le Tunisien" بتاريخ 1907/ 02/07 واعتبره بداية نهاية الحضور الفرنسي في تونس، وطالب بقمع الحركة وإجهاض كل مساعيها. فهي في نظره ليست إلا امتدادًا لـ"حركة الجامعة الإسلامية" التي أرساها السلطان عبدالحميد للدفاع عن المسلمين بوصفه خليفة الرسول على الأرض، ومحاربة التوسع الأوروبي في الامبراطورية العثمانية في الامبراطورية العثمانية، ثم
289 (1/289)
صفحة 290
تبناها الشباب التركي عند وصولهم إلى الحكم في اسطنبول
س 1326 هـ/1908.
وتوجز الأفكار والنعوت 2، فيما يلي:
أفكار الوطن
نُعوت
أفكار
Decarnieres Decarnieres
الاستعمار=
مذهب الفرنسيين
=
الانتهازية،
سلب المستضعف
الطمع،
حقوقه
الاستبداد،
نهب أمواله
/ الأنانية،
لا تسمع شكواه
الإثقال الضريبي،
لا تُقبل دعواه
نشر الجهل
أحمق
نكران الجميل
محقاد
جواره خطر إجلاؤه هو الحل
عدو الإنسانية - مطالب التونسيين:
مخمور
خطأ
تعبيره عن رأيه
/ تنفيذ الاجتماعات
مقررات
مشاركته
:
ضال
الشورى خطأ
نشر المعارف
النفس
تعليمه خطأ
التخفيف من المجبى
الخبيثة
ما أخذه
فيه
1 - العريبي: م. س. ص 20 / ابن الحاج يحيى: م. س. ص 36 / توفيق العيادي: حركة الشباب التونسي، ضمن كتاب تونس عبر التاريخ صص 65 - 70
2 - م. صص 110 - 115
290 (1/290)
صفحة 291
حرية الصحافة
كفاية
التسوية
بين المسلم
والأجنبي
تسوية الأجور
عدم المس بالأراضي الفلاحية
الرفق
في الأحكام
القضائية
فرنسا أفادت
أكثر مما استفادت
الطرق / السكك
التلغرافات
الإدارات
احترام الشعائر الدينية
المدن
رفع التعطيلات
عن
الأمن
المشاريع
وضع حدّ لسوء استعمال
النفوذ
الأولوية لليد العاملة
التونسية
دار للأيتام والفقراء
والمشردين
السلوك الحضاري
إنّ هذه المسرحة للأفكار، لئن كانت تنويعاً في أسلوب الكتابة، وإضفاء شيء من الطرافة، فإنها لا ترقى إلى العمل الفنّي الذي يميزه الترميز، والإيحاء، والتصوير والتشخيص العميق، ولا يسقط في المباشرتية والسطحية. (1/291)
صفحة 292
وقد استدل الجابري بفقرة من هذا الحوار على "النزعة الروائية" عند الجادوي، واعتبرها "النموذج الذي يعطي فرصة الحكم على الأسلوب الإنشائي للكاتب المتميّز برداءة الاستطراد والتكرار واستخدام العبارة المكمدة"
المكيدة ""
التخييل العجائبي
على طريقة ابن شهيد الأندلسي (ت 426 هـ/1034 م)،
والمعري (ت 449 هـ / 1057 م)
وقد اعتمد الجادوي هذا النوع في ثلاثة مقالات:
عنوان المقال
لغز طبقات الأرض
التفاصيل
الشخوص:
-
ملك شريف، وهو شاعر مفلق، وكاتب مغلق
-إبليس صغير اسمه: الفساد
إبليس صغير اسمه: أبوالخبائث.
تحت
الأمكنة:
- عاصمة الشياطين: الجحيم
- فندق "العذاب"
الأحداث:
مرور الملك الشريف في سفرة من سفراته على
مكان لا يعرف أنه: الجحيم
خروج الإبليسين من الجحيم
1 - الجابري: م. س. ص 58 2 - م. صص 66 - 68
292 (1/292)
صفحة 293
ترحيبهما بالملك لإيقاعه في حبالهما
وقوع الملك في مكيدة الإبليسين
يُسكنانه في فندق "العذاب"، الواقع في منتصف "البخت"، أمام مطلع "النكال"، في أحد شوارع "سفر" الكبرى
يذهب معهما طمعا في مقابلة أمرائهم، ووزرائهم،
وقضاتهم
العالم
تنكرهما له بعد مصاحبته إياهما
أصبح وحيدًا شريدًا
فكر في مهنة يتمعش منها مدة بقائه في ذلك
أنشأ صحيفة يتوخى فيها طرق الرشاد وينازل
بها الأضداد
استياء الأشخاص الذين انتقدهم في الصحيفة محاكمته عن طريق لجنة متكونة من: عضوية
الارتشاء، ومعونة الغبن، ورئاسة الخراب،
مالية.
رغم حججه وبراهينه فقد حكم عليه بغرامة
النص:
رسالة
المرسل إليه:
جريدة "المرشد"
المرسل:
مكاتب الجريدة الخصوصى من السماء الرابعة
293
، (1/293)
صفحة 294
الموضوع:
وصف أحوال ساكني الكواكب وما يجري بينهم من الحوادث الهامة ذات الشأن التي لونزل عشر معشارها بأبناء البسيطة لاختل نظام الكون
الأحداث التي عاشها المراسل في عالمه العلوي:
مغادرة مسقط رأسه لزيارة قارة الاستبداد وعاصمة الاضطهاد والاطلاع على سير حملة العناد وما يأتونه
من
السماء إلى | من البغي والفساد
الأرض
امتطاء قطار الأصيلان المتوجه من زُحل إلى
1 - م. صص 101 - 104
الكيوان
عند تجواله في البلاد، خرج عليه زنجي من أحد
القصور، يحمل بطاقتين،
مكتوب على الأولى: "لا ترتاع مما تبصر وإياك تغيير المنكر كي لا يطرقك الردى، ويذهب سعيك سدى وتكون كالساعي بظلفه لحثفه"،
ومكتوب على الثانية: ادخل لتحظى بالمثول بين يدي القصر، وتُسعف بما تشتهي من الميسر" / يدخل القصر الفخم والضخم
يظهر السلطان ليتنزّه، ثم ليحكم بين المتخاصمين
ا يتشكل مجلس الحكم من:
قسيس
عضوين اسم الأوّل: التعيس،
وكنية
294 (1/294)
صفحة 295
الثاني: النحيس
رئيس لقبه: إبليس
وقد وصفهم له بعض المعربدين بأنهم: الزعماء، والقادة العظماء
يصيح الامبراطور: "أنا الجبار، أنا القهار، ومن يُكرم الشقي، ويظلم البري، ويواصل الفجار، ويقطع
الأبرار
يكلف المكاتب الخصوصي بتسجيل تفاصيل
الجلسة التي كان من نوازلها:
احتاجت الدولة إلى توظيف شخصين فجاءها
ثلاثة، رفض منهم واحد، لفهاهته وقلة نباهته. لكن أحد الأشرار من المسؤولين السامين وعده إن أعطاه مالاً، بأن يمكنه من إحدى الخطتين. ففعل. ولم تمرّ ثلاثة أشهر حتى تحقق له ما أراده، وأخذ مكان أحد الناجحين
وكما هو بين، فالقصة تصوير لمحاكمة الجادوي من أجل أفكاره، ومعاقبته على التعبير.
وقد علق على هذا "اللغز" بقوله: "تعبيره أوبيانه هوقضية القاضيين، واجتهاد الإدارة وقتئذ، في إثبات الدعوى وإصدار الحكم. ثم اتضاح الحيف، والميل لها، ولتأييد دعواها من رئيس المحكمة الشيخ غفر الله له ... بما أبداه من الاهتزاز والارتعاش ضد المطلوب حتى أوقع سخط العموم عليه ...
1"
1 - م. ص 66
295 (1/295)
صفحة 296
،
أما الثانية فقد كانت نقدا لاستشراء ظاهرة الارتشاء، والفساد الإداري، واستعمال النفوذ في تحقيق مآرب مادية وانعدام كفاءة بعض الإداريين. يقول مكاتب الجريدة بالسماء الرابعة في آخر مراسلته: " .. أما السارق اللئيم، والجارم الأثيم مكوّن الفعلة وناشي الشنعة، فقد بقي في المنصب على ما له من المرتب، بدون ما لحقه عتاب أو تناوله مرّ الخطاب، لكونه ... فليفقه الأريب، وليتدبر اللبيب في فهم هذا الحكم العجيب، وما احتوى عليه الرمز من طرائف الغمز فإن التلويح أبهر من التصريح، والحقيقة يفضلها المجاز، والإشارة لها ينتهي الإعجاز"
التخييل البسيط
وجدنا ذلك في تصوير الهمجية، والنظام كائنين بشريين، عاشا في زمن غابر، ومَرًا بمراحل الحياة الثلاث: الطفولة والشباب، والكهولة، وتربيا
في عائلة، إلخ ..
،
وأريد منه إظهار فساد "غزاة القرن العشرين" باسم "الاستعمار" الذي ادعوا وجوب نشره حتى استباحوا حرق القرى، وقتل العُزّل. ثم الإيماء إلى الفرق بين "الاستعمار الأوروبي" و"الاستعمار الإسلامي
اللطائف الأدبية
نختار منها ثلاثة أمثلة:
/ اللغة العربية: كيانها محاسنها، فوائدها
3 "
2"
لا يمكن أن نعتبر هذا المقال بحثًا علميًّا، نقديًّا، لأنّه سلك مسلك المفاخرة، والمنافحة التي تضمنت مقصد الإتحاف والطرافة، والفسحة اللغوية
والبلاغية
وقد أثبت كاتب المقال ما يلي:
1 - م. ص 104
2 - م. صص 68 - 70 3 - م. صص 145 - 149
296 (1/296)
صفحة 297
اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يخبر بها عن أي
غرض كان، دون تكلف أو احتياج إلى إدخال لفظ أجنبي عنها، ولوكان المتكلم بها طبيعيًّا، أوفلسفيًّا أو معلما طبيًّا، بخلاف بقية اللغات الأخرى
،
تشتمل على نحو 5525000 مفردًا بخلاف بقية اللغات الأخرى
مترادفاتها كثيرة
وفرة تشبيهاتها وكناياتها ومجازاتها ومحسناتها البديعية
الخطبة العربيّة أشدّ تأثيرا من الخطبة الفرنسية
-اللغة من الأخلاق
/" لطائف أدبية.
1 "
تحت هذا العنوان، يشدّد الجادوي النكير على أحد الخطباء السياسيين المتملقين، الذين تنكبوا القاعدة البلاغية: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"،
فكانوا في خطاباتهم موضع الاستغراب، بل السخرية من العموم.
و بنقد لاذع مؤلم، يرى الشيخ أن الأمر لا يخرج عن أوجه أربعة: - جهل هؤلاء السياسيين بأساليب الخطابة المشترط فيها مراعاة المقام اتساع دائرة طمعهم فهجموا على الكلام من سائر جهاته، فانغمسوا في
الهذيان
-
السياسة تجوّز كلّ شيء
- زادوا قاعدة في البلاغة
ويُرجح الوجه الثاني ساخرًا، فيقول: " لأنه لولم يكن ذلك، ما أمكن لأحدهم أن يهجم بسائر قواه اللسانية على أوصاف الفضل، ونعوت الكمال، وإلباسها لممدوحه المعروف بين الناس علماً وعملاً، وكرما، وفضلاً. مع طول في الخطاب ممل، وسجع مخلّ، وأشعار وشعور وأخلاق زكيّة، ونعوت
1 م. صص 582 - 583
297 (1/297)
صفحة 298
عبقرية، وماض أزهر ومستقبل أبهر وصفاوة درة، وسكون في المجرة، ونصرة المظلومين والأخذ بيد المساكين المستضعفين وتعلق الرعية، وإجلال البرية إلخ .. لحدّ يعتقد السامع أن الممدوح لا يسعه إلا أخذ الخطيب المادح من ساعده وإلقائه في الجنة ... ".
وبعد أن يورد الشيخ أمثلة من التزلّف المقذع، يعقب بقوله: " يرى مرشد الأمة من واجبه إرشاد هؤلاء وإنذارهم بالاستكبار عن عبادة البشر أولا، ثم أن يرحموا الحقيقة، ويراعوا القاعدة وحسبهم الاقتصار على اللازم في اللازم، ويثقوا بأن الذي قدّره الله سيكون، ولا يكون غيره أبدًا"
/ "في الأوسمة والنياشين""
يعتبر الجادوي "الوسام" و"النيشان بمعنى واحد، واشتقاقه يرجع إلى رفع الشان. ويُورد أن أصل اختراعه يرجع إلى بعض الملوك، كوسام "اللجيون دونور" لبونابرت ت (1821 الذي خصه بالجيش تنشيطا للقواد على الفتح، ووسام "المجيدي العثماني" للسلطان عبد المجيد.
ويصف الجادوي "النيشان" بـ"الجماد المحبوب"، الذي وإن كان عنوانا لرضاء الحكومة على حامله وهو شرف لها تكرم به من ترضى عنه، وتقلده لمن يعمل في مرضاتها في السر والعلانية "، فإنه كذلك يُعطى "للتنشيط على فعل يُترقب أو مشروع فيه ".
وهو لدغ منه لسياسة الحكومة في شراء الذمم، ومراودة الطماعين. ولذلك ختم الجادوي لطيفته بإرسال سهامه النافذة، فيقول: " أما اليوم وقد لحظ عليه أعني الرأي العام برودة عندما شاهد أسماء فردين أوثلاثة في سلسلة من أصابهم الوابل الأخير من النياشين .. ولا يبلغك عن العقلاء إلا أحاديث: ألم تسمع أن فلانًا أخذ وساما والجواب: عجبا فماذا صنع ياترى حتى يستحق هذا الإنعام العظيم؟ فيقول الآخر: لأنه وطني غيور .. فربما ناله لتنشيطه على الوطنية والأسرار الخفية والأعمال الزكية، واللف
1 - م. صص 583 - 584 / وراجع للإثراء بالتوصيف التاريخي: محمد ابن الخوجة: متى كان ظهور النياشين التونسية. المجلة الزيتونية مج 2 صص 27 - 30/صص 80 - 85
298 (1/298)
صفحة 299
والنشر، وعلم طبقات الأرض، والميقات والجبر .. حتى أدرك أحد المنعمين عنهم ما قراه في العيون. فأخذ يتأوّل، ويتمحل الموجب والسبب، ويقول في نفسه: قد أظهر السرّ والشان هذا النيشان .. "
التعريفات
مما يسترعي الانتباه في مقالات الصحفي المناضل سليمان الجادوي، حرصه على التحديد المفهومي للمصطلحات التي يستعملها حقيقة أومجازا، ومحاولة ربط ذلك بصميم الموضوع وبالفكرة المقصود إبلاغها، والصورة المبتغى إبرازها أو نقدها، إلخ ..
،
وكل هذا يدلّ على تأثره بالثقافة العلمية الأصولية الزيتونية، وتميزه عن فئة من الصحفيين الذين لا يهتمون بتنزيل التسميات والاصطلاحات في سياقاتها، ولا يكترثون بما يمكن أن تثيره استعمالاتهم من لبس في الفهم. كما يدل على وعيه قيمة التأصيل والتحديد منهجيا، بما يمنح نصه قيمة علمية
وباستثناء مقال واحد ورَدَت تعريفات الجادوي في مستهل مقالاته، كما هو معهود في البحوث والدراسات.
وقد تتبعنا هذه التعريفات فوجدناها في المقالات، والعبارات، وبالمعاني التالية:
كلمة في الوزارة لغة واصطلاحًا
1
هذا هو المقال الوحيد الذي محضه الجادوي للتعريف بمصطلح "الوزارة".
وكانت مناسبة كتابته الخلاف الذي اشتدّ بين محمد الناصر باي وكبير
،
وزرائه حيث طلب إبعاده عنه إبعادا لا رجوع فيه، وظهر من الوزير التشدّد، إذ كانت الدوائر السفيرية تحاول إقناع الأمير والرجوع به إلى استكشاف موجبات التكدير في العلائق ورفعها فكان الفوز لتنفيذ إرادة الأم
1 - م. صص 566 - 568
299 (1/299)
صفحة 300
رغما عن كل الوسائل التي حفت بالقضية والترجيات التي شملت حتى
الرئيس ميلران عند زيارة الأمير له في سفارة المرسى
ويُستفاد من المقال:
"الوزارة" لغةً،
هي من المؤازرة التي هي الإعانة المطلقة، أومن الوزر
الثقل، أو من الوزر أي الملجأ، أومن الأزر أي القوة
هي في الاصطلاح السياسي، من أسمى الخطط الدولية وأعلاها مرتبةً، وأهمها اعتبارًا. وتتفرع بحسب النفوذ في الحكم إلى مراتب ودرجات. كما تنقسم من حيث مسؤولية العمل إلى هيئات، وإلى مجموعها ينصرف ما يُراد ويُقصد من مدلول لفظ "الحكومات". وللتمايز في هيئتها الحكومية، خُص كل وزير بإدارة تُضاف إليه. ويرأس الجمع رئيس يُلقب بألقاب تُزاد على لقب "الوزارة"، وتختلف في الدول بحسب الاصطلاحات فيها، ك"الصدر" مثلا في
بعض الممالك، أو "كبير الوزراء" أو "الوزير الأوّل" أو "الأكبر" في غيرها ....
وقد ظهرت مساندة الجادوي للباي في تعقيبه بالقول: " هذا وقد قص التاريخ أن لهذا اللقب عظم شأن حتى في القرون الغابرة، فلا يطلقونه إلا على من كان مُقرَّبا من الملك أو السلطان محبوبًا لديه مرجحا في ثقته عنده، لا يخشى على أسراره منه ... ولا يتوهّم خيانته في السر والعلانية ... وخصوصاً عند العرب الذين يقدّرون قيمة الوفاء والثبات على العهد وإعطاء الثقة والأمانة ... وأصبح من المستهجن في شرع الإنسانية بقاء صدر في صدارته، والأمة لا ترغب فيه، ووزير في وزارته وقد شكا سوء فعله ملكه ... الذي له عليه حق الولاء، ومُدان له بالصدق والإخلاص .. "
النأتمر لحياة الوطن
يقال: استوطن الأرض، إذا اتخذها سكنا له أو مستأنسا يستأنس به، أو مجتمعا يجتمع فيه مع غيره، أومشهد يوطن نفسه فيه على الثبات أمام ويلات تنازع البقاء. وإذا تأمل البصير في هاته المعاني اللغوية وجدها كلها ترمي إلى السبب الذي حدًا بالإنسان إلى وضع سلسلة الوطنية الذهبية المحببة
300 (1/300)
صفحة 301
عنقه، واختار لنفسه أن يكون أسيرها المخلص، وفضلها على حريته
المطلقة ..
1
النأتمر لتحقيق الآمال
"الآمال" جمع أمل، وهوما يرجوه الإنسان، ويتمنى الحصول عليه عفوا أو بعد عناء وتعب، على حسب الأميال والأهواء وما يقارنها من الحمق والتعقل والكسل والعمل. ولقد تباينت آراء العلماء في تنزيل الأمل المنزلة اللائقة به من حيث شدة تأثيره في الأعمال والاجتهاد ونتائجها حتى وصل بهم البحث جميعًا إلى أنه الباعث الأوّل لناموس مبدا حفظ النوع، وتنازع البقاء، ورأس مال كل حي يعزّ عليه مساس جوهر هذه الحياة، وهوما يعبر عنه بـ: النظر للاستقبال "2
فذلكة أو الوطنية هنا وهناك
حقيق ما قالوا من أن الألفاظ لا تدلّ على المعاني إلا من حيث الاصطلاح. ولذا رأيت كلا يضع، ويدوّن ما شاء، وشاء له الاتفاق، ولا لوم ولا عتاب. نعم، قرّر المنطقيون في دواوينهم في الدلالة وجوهًا أربعة، وجعل المتكلمون من المعتزلة الأسماء تابعة للأحكام، واصطلح البديعيون على جواز إطلاق الألفاظ على معان يُراد بها عكس المقصود ... كما تباينت اصطلاحات النحويين بتباين الخطوط وبعد المواقع، كنحاة النجف الأشرف، إذ قيست ببعض ما دونوه من القواعد على الكوفيين والبصريين ..
/الجنون فنون
"الجنون" له حقائق لغوية واصطلاحات عرفيّة، وإطلاقات خاصة، واستعمالات تقع بحسب الحقيقة والمجاز. ولذلك يُقال: جنّ فلان، وجنَّ
-1
- -م. ص 285
2 - م. ص 314
3 - م. ص 326
4 - استعمل هذا المثل السائر في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، عند الحديث عن انعكاسات الحكم الفردي في تاريخ فرنسا. أقوم المسالك ص 115
301 (1/301)
صفحة 302
عليه الليل وجنّ، وجان وجنين، ومجنون و به جنّة ومفتون، وتائه، ومجذوب، إلى غير ذلك مما يتحقق معه المثل السائر، وهو قولهم: "إنّ الجنون فنون والأصل في ذلك كله مس بالعقل، وقد يكون مطبقا وغير
مطبق.
تفريق السلط أو وزارة العدلية
"السلط"
سلطة، ومنها التسلّط والسلطان. وقد تعرف بأنها قوة جمع معنوية يكتسبها الفرد بعرض الوظيف فينال بها من أفراد متعددة، وإن شئت قلت من أمّة كاملة غرض الطاعة والانقياد وقد يُنعت ب"المطلق" ما إذا كان ملكا ولم يكن مسؤولاً عن أعماله لنظام مسنون، وبعكس ذلك "المقيد" بإرادة الشعب، وقانونه، فلا يوصف بذلك بل يُقال عنه إنه ملك دستوري ومملكة شورية
2
حول التغييرات الشورية
"السفسطة والمغالطة"، هما القياس الذي يفيد خلاف المطلوب، وأثبت المناطقة أنه من القضايا الفاسدة الإنتاج وأن الحكمة في وضعه هواجتناب نتيجة العلم، به وتصوّره ومعرفة وضعه الذي يرفع الستار عن مقاصد المناظر إذا حاول مغالطة صاحبه، فلا يقع في حبائل مباهته وترويجاته
غرائب الساسة أو عجائب السياسة
3
"السياسة" في العرف الحاضر، شرع متسع النطاق، لا ينضبط بقواعد مسلّمة يمكن الارتكاز عليها حتى تؤخذ عهدًا أوتعتمد ميثاقاً. وإن أقرب شبه له في وصفه بجرم يتلون بلون، ظرفه، فتراه في كل آونة على تعاقب وانتقال ... قلنا: في العُرْف الحاضر، اعتباره كالقيد إخراجا للسياسة الحقة التي هي وضع الأشياء في محلها كتحقيق الوعود والمجازات على الجميل فعلاً لا قولاً
1 - م. ص 381
2 - م. ص 450
3 - م. ص 528
302 (1/302)
صفحة 303
ومشاركة الشعب في أمره، وتحقيق الإخاء الإنساني، وإجراء العدالة
والمساواة، والعدول عن التمويه ومصادرة السفسطة ..
السياسة الاستعمارية
"الواجهة" في كلّ شبح هوما يُقابل منه، ويبدو للعيان، وفيه معنى خاص هو الحسن والاعتبار، وأن الأصل في إطلاق الواجهة على الهياكل الحسية، ولكنها أجريت في المعنويات على المجرى الوضعي استعمالاً حقيقيًّا أيضًا ..
ومن ذلك سُمّي "الوجه" وجها، واستعمل لفظ "الوجاهة" و"الوجيه"، وقيل للكلام كلام وجيه وللسياسة: سياسة وجيهة ... غير أن السياسة بإطلاق فقد قالوا عنها أن لا وجه لها ولا واجهة، وإن شئت قلت: لا باطن ولا قلب وأن يظهر للناظر منها مقابل فيظن أنه الوجه، فربما كان في الحقيقة هو القفاء، وهكذا العكس بالعكس ...
صدى المجلس الكبير
2
"الصدى" يُعرف بأنه أثر من تصادم الأجرام ببعضها، أوصوت يتكيف به الهواء، فيحصل منه دوي يتجدّد في أزمنة متصلة الأكوان والآونة، وذلك حسب التموجات الهوائية التي تحصل من شدة التصادم أوالقرع قوة وضعفا. وهو بهذا التعريف يكون حقيقة في الحسيات فقط، وأما في المعنويات فيكون مجازا غير مرسل على مذهب جار الله تعالى وعلاقته حصول الشبه بين الأثرين، وأقله حمل وصف الحسن والقبح عليهما معا، فيقال: صدى الحادثة مؤلم وصدى المجلس الكبير مضحك وصدى الخطاب حسن جدا ... وربما تجتمع فيه الحقيقة والمجاز وضعا لغويا سكاكيا، والقرينة ما يفهم من المقام كالصدى الذي نحن بصدد الكلام عليه ....
التشريع الإداري ومضاره في الشعب
3"
1 - م. صص 552 - 553
2 - م. صص 676 - 677
3 - م. ص 699
P-3
303 (1/303)
صفحة 304
1
"التشريع" يُراد منه ما سنّ من القوانين والتكاليف الوضعية، ويُطلق
اللفظ إطلاقا أعم من أن يكون المسنون شوروي الوضع، أوإداري التقنين. وهو خلاف ذلك من حيث الحقيقة، إذ أن الأصل في التكاليف، شرع الله، وتنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثمّ سنّة الشارع العظيم، وما اقتبس منها مفهوماً أواتحدت في المقتبس علة الحكم والسبب. وأما الأوضاع العقلية المجرّدة، وبالأحرى الفرديّة، فمجاز في تسميتها شرع، وفي إسنانها تشريعا، وفي احترامها شريعة '.
(
واجهة جديدة في الاستعمار بالمملكة التونسية
دلالة الألفاظ على المعاني إنما كانت بطريق الوضع أصالة واعتبارا. ثم توسع المصطلحون في ذلك، فاعتبروا صحة تلك الدلالة من حيث الاصطلاح أيضًا. لكنهم اشترطوا لتأييد ما اصطلحوا عليه شرطا يجعله في مأمن من السقوط عند الاستعمال وحول التفاهم والاستدلال، وهو قولهم: لا مشاحة في الاصطلاح .. بحيث إنه لولا ذلك القيد، لاختلت فهوم كثيرة، ولتشاكست دلالات جمة عند ظهور المقصد في المقال. وعلى ذلك جاء معنى ما يطلقون عليه اليوم لفظ "الاستعمار" .. 2
هل بقي عندهم في الكنانة سهم
"الكنانة"، وضعا لغويا، هي جعبة السهام التي تُتخذ للنزال، وتُستصحب للقنص، كما يحمل الهميان للزاد، والجراب للعون على المسير. وقد يتجوز في مدلول ذلك اللفظ إطلاقًا على المحتالين والامضللين عند استعمالهم لضروب من الحيل، وأنواع من الخدائع والمكر. وذلك إذا نفد ما عندهم منها، وحصل لهم الفشل، وساورتهم الخطية وسامرهم الوهن، وظهر عليهم ما يظهر على الواقف في ساحة الكرّ والفرّ، وقد نفذت عنه ما في "الكنانة" من السهام، فيُقال هنا استفهاما، كما يُقال هناك استعلاما: " هل بقي في الكنانة
سهم " ...
3
م. ص 742 2 - م. ص 749 3 - م. ص 756
304 (1/304)
صفحة 305
،
إن هذه التعريفات لئن أظهر فيها الجادوي نوعية تكوينه العلمي الذي امتزج بمنهج التأصيل فإنّها أسهمت بنسبة عالية في التضعيف من قيمة المقال، وتحويله إلى درس علمي، بسبب التطويل أحيانًا، والتعويم، والإلغاز، وتعسير الفهم أحيانًا أخرى. إلى جانب أن بعض التعريفات غير ذات علاقة قريبة بالموضوع المتناول
305 (1/305)
صفحة 306
3 - الاستعمار والمستعمرون لا يذهب في ظنّ مَن قرأ
ثناء سليمان الجادوي على فرنسا حينما يقول: "الأمة الفرنسوية الفخيمة"، و"فرنسا العظمى"، و"فرنسا عظيمة الشان"، ونعته إياها بأنها أعرق من انقلترا في باب السؤدد والفخار وأبرّ منها برعاياها "، وبأنها "لا تريد بنا إلا خيرًا ولا تودّ لنا ضررًا ولا ضيرا"، وأنها "تتفانى في إحراز الفخار وتستفرغ الوسع وتعمل أقصى الجهد لتصيير اسم فرنسا مبرأ في التاريخ من كل نقص مشين "،
ووصفه بعض الفرنسيين بـ"رجال باريس"، و"الرجال الأعلام"، وبأن منهم من يتهالك في صالحنا ويتعشق نهوضنا وبريء من ذنوبنا براءة الذئب من يوسف. بل تراه يبذل وسعه ويسرف جهده في انتشالنا من حضيض الظلم إلى حيث المساواة"،
أن رزح
وإطراءه رئيسا من رؤساء فرنسا بأنه أرفع رجل يسكن باريس جنّة الغرب بغير نزاع .. له من الإحساس القسط الأوفر لكونه موضع الثقة التامة من كافة طبقات أمته العظيمة. وإنّ من أعظم ما تقرّ به عيناه وتشرئب له نفسه أن يرى شعبا من شعوب بني الإنسان بعد تحت المظالم دهراً طويلاً قد تخلّص من تلك الأثقال وأفضى إلى مرج الحرّية يمرح شاكرا اليد الفرنساوية التي انتشلته من هوته وبوّاتُه مبوّأ الصدق والرفاهية والهناء"، وتنويهه بأنّ وزيرا فرنسيًا جديدًا في تونس هو أحد عظمائها .. رأيًا ثاقبًا وليا صائباً، شبّ على حبّ القسط والإنصاف ومتاركة الإيثار والاعتساف. وجعل طالعة تقريره إعطاء الحريّة للتونسيين وتخويلهم الحضور في المجلس الشوري والمناقشة على حقوقهم المهضومة وأدرك ما يقاسيه التونسيون من آلام الاستبداد وضروب الاستعباد فصدع بما يخلد له الذكر الجميل والثناء الجزيل .. "،
،
1 - م. صص 41 - 48 /صص 260 - 261
306 (1/306)
صفحة 307
ونعته كاهية رئيس لجنة المستعمرات والحمايات والنائب بمجلس الأمة ب "حبيب التونسيين ""،
لا يظن من قرأ هذا ونظائره في صحافة الجادوي، أن الشيخ رضي يوما بقضاء الاستعمار الفرنسي نازلا في ربوع الخضراء. فليس ذلك منه جبنا، أوتواطوا، أوانخداعا.
فالجادوي يدرك جيدًا أنّ "الاستعمار"، كلمة ومعنى، جاء بهما التمدن الحديث كسائر ما جاء به من كلّ المظاهر المزيفة، والأشكال الغرارة، التي تخدع بدءًا، ويُستسلم لشرها آخِرًا.
ف "الاستعمار" عنده هو الاستئثار، وسلب الضعيف بيد القوي، وحكم المغلوب بسياسة الخسف فلا تُرْعى له ذمّة ولا يُعْصَم له دم، والمستعمرون هم الحريصون على استعباد العباد والاستئثار بخيرات البلادة.
،
ولعله أظهر نصيبا من السلبية، حينما يتألم من أنّ "الدهر ساق" إلى حُكم فرنسا أقطارا شاسعة وراء البحار آهلة بشعوب هادية، وأمم ذات وحدة ومجد باذخ وتاريخ صقيل ""، كما "ساق الدهرُ" إلى المستعمرين "من استضعفوه في الأرض عن غير إرادة منه "5
،
إنّه على يقين بأن السياسة الاستعمارية ذات هيكل مزركش يحجُبُ باطنا ممتلئًا أكدارًا. وهو يسأل: هل وقع النظر في في محتويات الهيكل الذي يبدو الجمال الفتان على واجهته يعني الحرية والإخاء، والعدالة، والمساواة، والتمدين ونشر الثروة، وبث العلم، وإجراء سياسة التشريك في الحكم، وتحرير الرقيق والحماية والانتداب والوصاية والتحرير، والاستقلال، وغير ذلك مما يعسر عده ... ؟. والأمم المستعمرة لا تطلب إلا العيش على
1 - م. ص 569
2 - م. صص 173 - 174 م. ص 182
3
678. p
4 - م. ص 678 5 - م. ص 350
307 (1/307)
صفحة 308
الصفاء والمساواة واحترام العهود والوقوف عند البنود وتحقيق الوعود والمكافأة
الفعلية على القيام بالواجب وبغير المفروض.
ونقل عن أحد النواب الفرنسيين قوله:
"
سياستنا لا تهضم، إنها تحرّر،
سياستنا لا تنهك إنها تثمر
سياستنا لا تبتز إنها تقتسم
إذا بحثنا على السلع فإنها تأتي معها بالأمان، والخير، والتعليم، والعدالة، والصحة، زيادة على تضاعف الثروات الجديدة التي يستخرجها الممدن من الأرض البوار للمنفعة المشتركة بين الحامي والمحتمي ... هاته السياسة لا تقول للأهلي: إنّي السيد لأنني القوي، بل تقول له: إني حامي حماك ووصيّك .. وأخوك الأكبر. ولهذا فإنك مدين لي بالاحترام والتوقير المخوّل في نفس وطنك إلى الأكبر سنا والأرسخ عقلاً والأعظم علما، ولأني سائر بك نحومثال أرقى مما أنت عليه ولولا وجودي لاستحالت عليك معرفته بصفة أبدية ... والأحسن من ذلك كله فإن سياستنا تريد تشريك المحتمين بنا واستدعاءهم تدريجيا إلى إدارة الوطن ... "2.
ويستغرب الجادوي هذا الادعاء " لبقاء القوانين والأوامر حبرا على ورق، أي معطّل العمل بها القرون تلو القرون، بحيث إنه لم يُعلم وأنّ لها مدلولاً في بعض المستعمرات أو بلدان الحمايات التي مضى عليها قرن ونصف قرن وهي مشمولة لذلك النفوذ العادل!!! "
3"
وانتهى الجادوي إلى أنّ "التمدين" معناه عند "المعمرين" "هوأن لا تجعل لمغلوبك قيمة في حق، ويجب عليك إرهابه على الدوام، لدرجة يعتقد معها أن سيف غالبه فوق عنقه ما هم أن يقف مستقيما أويرفع رأسه ". أن المعمر
1 - م. ص. ن. 2 - م. صص 678 - 680
3 - م. ص 681
-م.
ص 604
308 (1/308)
صفحة 309
الفرنسي يسير سيرًا حثيثا في طرق إعنات الأهليين والتلاعب بحقوقهم وعدم المبالاة باحترام امتيازاتهم الحياتية التي حولتهم إياها الوطنية
المقدسة
وتوارث البلاد أب عن جد من نحواثني عشر قرنًا أوتزيد ". وفي أسلوب طريف لاذع، ينشر "المرشد" لائحة تشتمل على عشرين فضلاً قانونيا مقدسًا، أخذها الجادوي من دماغ دوكارنيار بفوتغراف الفراسة "، تصوّر أنها منهج المعمر الفرنسي الصليبي في الاستحواذ على تونس، وإذلال
أبنائها، وتوطين الغزاة.
وأهم ما ورد فيها:
الفصل الأول: جدّوا في وضم العرب بكلّ معرّة
/ الفصل الثاني: اغتصبوا أراضي هذه الإيالة / الفصل الثالث: لا يُلقن العربي المعارف العصرية
الفصل الرابع: استئصال التونسيين من الوظائف الإدارية والخدماتية
وإغراقها بالفرنسيين
الفصل الخامس: إثقال كاهل التونسيين بالضرائب
الفصل السادس: هدر دم الأهلي والأخذ بثأر الأجنبي عند النزاعات
/ الفصل السابع: الحذر من سماع le jeune tunisien
الفصل الثامن: الحرص على الغنى الطائل والثروة الواسعة / الفصل التاسع: الدعاء الصالح لإدارة الفلاحة التي لا شغل لها إلا شراء
الهناشير وتوزيعها على الفرنسيين
/ الفصل العاشر: إياكم من فهم سياسة التشريك
الفصل الحادي عشر: تكثير الجرائد الكنيسية لمقاومة الاشتراكيين
الفصل الثاني عشر: ما علينا إن
سعدنا وشقي غيرنا
1 - م. ص 71
309 (1/309)
صفحة 310
/ الفصل الثالث عشر: فتح اكتتاب لإقامة تمثال لمدير المعارف مسيومشويل رائد سياسة التجهيل
الفصل الرابع عشر: العمل بالفصل الحادي عشر تجاه تخفيف الدولة المجبى على الأهالي
/ الفصل الخامس عشر: إلحاق تونس بالمستعمرات
،
الفصل السادس عشر: سياستي سياسة مثلى فيها إسعاد النزلاء وإشقاء
الأهالي
الفصل السابع عشر: تركتُ لكم موارد الثروة بهذه المملكة بأيديكم الفصل الثامن عشر: مقيمنا المحبوب أطال الله أيامه أكثر من ذكر الكلمة الجميلة "الاستعمار"
الفصل التاسع عشر: المعمّرون الأبرار يجب عليهم نشر هذه اللائحة وحفظها وإفهامها للأتباع
/ الفصل العشرون: الجور مكلف بتنفيذ ذلك 1
وبأسلوب الطرافة والتخيّل نفسه، يُجري الجادوي محادثة بين الوطن ودكار نيار.
وقبل أن ينطلق المعمر الفرنسي في استعراض بنود مشروعه "الإصلاحي" المزعوم، يقول مخاطبًا الوطن: " أفلا تنظر إلى الطرق كيف سويت، وإلى السكك كيف بُنيت، وإلى التلغراف كيف نُصِبَتْ، وإلى الإدارات كيف شكلت، وإلى المدائن كيف بُلّطت، وإلى الضرائب كيف حبيت، وإلى النفوس كيف أصبحت في اطمئنان وأمان بعد أن كان هذا القطر خُلوا من جميع
ذلك"،
فيجيبه الوطن قائلاً:" بالحق، ذللتُم المسالك الوعرة ولكن لتساعد عرباتكم على السير والجولان والركض والطيران وصدق، أنشأتم القطارات
1 - م. صص 72 - 77
p-1
310 (1/310)
صفحة 311
ولكن لجرّ منقولاتكم بأبخس ثمن ولتعبية جنودكم في أقل زمن. وثابت، أقمتم بهمة الأسلاك البرقية ولكن للتخابر في شؤونكم والتشاور في أموركم على أيسر وجه. وواقع، نظمتم الدواوين وأبدعتم في تنسيقها ولكن لتقليدكم مناصبها واختصاصكم بمراتبها. وصحيح، هذبتم الشوارع ولكن لوقاية أحذيتكم من الطين ونجاتكم من الوحل المهين وحري توصلتم لاستخلاص الأداءات بأتم أنواع الحكمة ولكن لتصرفوها في مساكنكم وملابسكم ومشاربكم ومنازلكم ثم ما بقي على ما ترون فيه سداد ولا جحود في سيادة الراحة بأنحائي والسكينة بأرجائي حتى الحسب والنسب ولكن كيف يخاف من لا ذنب له سوى التغالي في الطاعة والمبالغة في الولاء" '.
وإنّه لمن اللافت حقًّا أن يطلق الجادوي مصطلح "الاستعمار" على ما سُمّي بـ"الفتح الإسلامي".
ففي دفاعه عن العرب والمسلمين وتشهيره بفظاعات المعمرين، يؤكد على أن العرب جاؤوا بآيات البراعة في الاستعمار"، وأن "منزلتهم في قلوب من استعمروهم مكينة "، وأنهم "انتهجوا في استعمارهم نهج الصراط السوي "، ويضيف: "انظر إلى وقت قيام العباسيين في وجه بني أمية وملكهم يومئذ ممتدّ إلى حدود فرنسا تر العرب وقتئذ قد امتشقوا السلاح في أوجه بعضهم وثارت اليمانية على المصرية وامتدت تلك الثورة إلى حيث انتهت رايات العرب. هنالك ترى الخلافة ملقاة بين الشامي والعراقي يتنازعها من يرى أن له فيها حقا والجيش الذي هو قوة الأمة وسياج سلطانها قد انفرد لبعضه وولى المستعمرات ظهره حتى بقيت بلاد الأندلس ثلاثة أعوام بلا حاكم وبلا نصير. ولكن مع ذلك ترى المستعمرات هادئة وأهلها مقبلون على الأشغال لا يبتغون عن أولئك بديلا ... ". 2
ولعلّ الجادوي قد أفرغ هاهنا مصطلح "الاستعمار" من كل معاني الهيمنة والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وهي المعاني المألوفة والمتعارف
1 - م. صص 110 - 115 2 - م. صص 182 - 185
311 (1/311)
صفحة 312
عليها في عصره، وازدادت رسوخًا في عصرنا واكتفى بالمعنى اللغوي والقرآني".
بل نجده يصحح مفهوم "الاستعمار"، ويعتبره أمرا إلاهيا، بقوله:" المقصود من استعمار الشعوب القوية للضعيفة إنما هو محو أسباب الضعف عنها، والأخذ بيدها إلى مرتقى الأقوياء. ذلك ما كلّف الله به مَن رفعَهُم على بعض عباده درجات ولوكان المقصود تسليط القوي على الضعيف ليمتص قوته، وينهش جسمه ويزهو بالاستعلاء عليه لكان الكواسر من الوحوش أحق بمنصب الحكم وأجدر بالاستعمار "
فهل هذا يعني أن الجادوي يُقرّ بشرعية الاستعمار الفرنسي إذا اكتفى
بتمدين تونس وترقيتها؟؟
يقول، تحت عنوان: "واجهة جديدة في الاستعمار بالمملكة التونسية: " جاء معنى ما يُطلقون عليه اليوم لفظ: الاستعمار، الذي يقابل بوجهين، ويكيل بمكيالين من حيث تطبيقه ومعناه فإنه بالنظر إلى وضعه وتصريف فعله فلا يُفهم منه غير تصيير الخراب عمارا، والقاحل ثمارا، ثم ارتفاع الغبن، وامتداد الأمن، ونشر ألوية العرفان وإسعاد بني الإنسان، وغير ذلك هو داخل في مفهوم العمران ولوازمه. وأما إذا أردنا فهمه بصورة جاء بها التمدن الحديث، وحملنا جمال صورته على باطنها المخيف، فلا نجد له مدلولاً غير تحميل المستضعفين في الأرض والمغلوبين على أمرهم أحمالاً ومعاناة وبيلة ولا نعكس معك مفهوم قولهم: الاستعمار إلى الاستئثار، واستعمر الأرض بمعنى استأثر بها وأجلى أهلها عنها إلى حيث لا زرع ولا
مما
ضرع ...
3,1
ثقيلة،
1 - أطفيش: تيسير التفسير ج 6 صص 427 - 428
2 - م. ص 184
3 - م. ص 749
312 (1/312)
صفحة 313
أ- التصفية
لقد دأبت "مرشد الأمة" على التشهير بجنايات المستعمر، وشراسته العدوانية.
فتحت عنوان "جناية سوق الإربعاء أو بعض جرائم المعمرين "، ينقل الجادوي من خطاب الرئيس الفرنسي ميلران (ت 1943) إلى جاليته حينما زار تونس: " .. إن أم الوطن لا تنساكم أبدا وهي في إعانتكم، لا رئيس الجمهورية فقط أووزير الفلاحة، بل الوطن أم الوطن، لأنكم تقومون بمشروع التمدين .. وراء البحار، وتُنمون بجهادكم ثروة الأرض، وتستخرجون كنوزها، وتغرسون محبة فرنسا في قلوب الأهالي الذين أتيتم لحمايتهم، وقد أخلصوا بتقديم الضحايا في سبيل نجدتنا ولتعليمهم وتربيتهم وتخليصهم من الهمجية والاستعباد وتشريكهم في منافع البلاد ... ".
ثمّ يُعقب على ذلك بسرد جناية المعمّر دومنيفال بإجهازه على عاملين من عملته التونسيين في وحشيّة وضراوة بسبب أكلهما لعنقود عنب بلا إذنه. وينبه الجادوي إلى أنّ مثل هذه الجرائم التي ترجعنا إلى القرون المظلمة وعصور التوحش، وهي حلقة من سلسلة اعتداءات طويلة، تدل على أنّ مقترفيها لا إنسانيّة لهم والذي شجّع أمثال دومنيفال على هذا الرحمة التي يجدونها في القانون عند تطبيق الحكام للفصول على الجريمة فلا يقع نظرهم إلا على قانون التأجيل لا غير.
هي
ويُذكر بجناية ماطر التي صادف فيها الجاني شفقة الحكام، فلم يُعاقب الجاني بغير خطية بخمسين فرنكا بعد أن قتل وطنيًّا عمدًا ولا ذنب له إلا الوقوف بالطريق ينتظر المارّة صباحًا وهو أعزل من كل سلاح.
،
ويسأل الجادوي في جرأة، مستنكرًا صمت الإدارة الفرنسية وسياسة المكيالين التي تعتمدها واحتقارها للنفس التونسية ومومنا في إشارة عابرة إلى سلبية أبناء وطنه فيقول: " .. ما بالهم أهملوا ذكر هذه الحادثة وشرحها في جرائدهم ولوبنوع إنكار واستهجان حتى من جهة الخطاب الرئيسي فقط، وسترا لماضيهم في تجسيم الصغاير والهفوات الطفيفة التي تصدر من الوطنيين وبمجرد الوهم أحيانًا؟ فإنهم لا كثر الله من أمثالهم في الجالية قد عوّدونا عند تلف دجاجة لمعمّر أن يملؤوا الفضاء صراحا وعويلاً، ويشيروا على
313 (1/313)
صفحة 314
الحكومة بتوجيه القوة العامة إلى محلّ الحادثة في أسرع وقت على أننا لوفرضنا أن وطنيًّا أجرى عمليّة دومنيفال في كلب ضار لأحد المعمرين لقيل في جانبها .. إنها مقدمة ثورة فيجب إرسال الجيوش وتلافي الخطر. ولكن من فضل الله تعالى أن كانت الحجة معنا على الدوام، فبارك الله في الشعب التونسي وفي هدوه ... إننا نعلق آمالاً على عدالة المحكمة الفرنسوية التي تولّت الأخذ بناصر الحق في هاته النازلة التي نؤمل أن تكون خاتمة المصائب من نوعها ونرجو أن لا يعتبر إسقاط المجني عليهم موجبا لترك سبيل المعتدي مقابل سبعة عشر ألف فرنك دفعها تفصيًا من عقاب القانون."
1"
وفعلا، أصدرت المحكمة الفرنسيّة في هذه القضية، حكما بسجن الجاني ثمانية أشهر مع تأجيل التنفيذ، وغرامة مالية قدرها 20 ألف فرنك، فيعلق الجادوي متهكما ومحروقا: " هكذا تحكم الضمائر الممتلئة عدلاً "
إن مثل هذه الجرائم والجنايات يؤكد على أن الاستعمار الفرنسي كان يسعى إلى إبادة الشعب التونسي وتصفيته بكل الطرق حتى يُستبدل بالعنصر
الأجنبي. وقد حشد الثعالبي الأرقام والإحصائيات ليستدل على استهانة فرنسا بصحة التونسيين وبحياتهم، لا سيما المعوزين منهم، وليصوّر وضعية المواطن الأهلي "المحزنة". وتكلّم عن محدودية ميزانية مستشفى عزيزة عثمانة المسمّى بالمستشفى الصادقي، وهو الوحيد بالعاصمة التونسية وتزيد عليه ميزانية المستشفى الفرنسي بقرابة الستة أضعاف، ويعقب على ذلك بقوله: " إننا ندرك أنه يُراد الشرّ لأراضينا وأن دخول الإدارات العمومية محجر علينا. ولكن لا ندرك ما هو الضرر الذي يمكن أن يلحق مصلحة التعمير أوالسيطرة الفرنسية من الحرص على صيانة وجودنا؟ فهل تكون الغاية النهائية للحماية
هي
القضاء علينا؟ " 2
،
1 - م. صص 603 - 606
2 - الثعالبي: تونس الشهيدة صص 223 - 235
314 (1/314)
صفحة 315
وأطلق الطاهر الحدّاد صيحة فزع لحماية تونس وشعبها العربي المسلم من نتائج تلك الخطة الاستعمارية الخطرة، وأبعادها العنصرية، وروافدها المساعدة على نجاحها وتحقق أهدافها من ارتفاع نسب الوفيات بسبب سوء التغذية، والتربية الصحية المتردية، وبسبب حوادث الشغل والأوبئة، والخصاصة، وبسبب الاستشهاد في سبيل الوطن والدين.
،
،
وتحت عنوان: "إلى الملتقى يا مستشفى" يبُت الجادوي لوعته، بعد أن استصدر كاتب الدولة العام أمرًا عليا في فصل المستشفى الصادقي عن جمعية الأوقاف بإعطائه ذاتية مستقلة تحت إدارة كبير أطبائه وتخصيص ميزانية له. وهوما يعني تغيير صبغته الخيرية، وحرمان الفقراء من خدماته الصحية. يقول الشيخ: " ... كل التغيّرات الحديثة قد جاءت لتكون قاضية على الآمال، وبرهانًا على قطع الرجاء، وأن الحالة لا تزداد إلا تعاسة، وقد تحققنا من الآن أنه لم يبق لنا صدر يحمل الضيم وقلب يصبر على الآلام .. نعم إننا لوحاسبنا أنفسنا على تفريطنا لما كنا الجانين، وإلا ما سبب تقاعسنا وتناعسنا وتنازلنا ونحن على شفا جرف الانقراض .. كم نسرد وكم تعدّد وكم مع أن مصائبنا التي حلت بنا أو على وشك الحلول لا يفيها حصر ولا
ننتقد
يكفيها تعداد ....
بالتجهيل
2,
تؤكد رسالة وجهتها "المرشد" إلى "جناب الوزير الخطير"، على أن تفشي داء الجهل بين الأمة مؤذن بذهابها ضحية التأخر، وغنيمة باردة للانحطاط، وشامة في جبين السقوط والانحلال، ومسكنا للفقر المتقع، ونُزلاً للفاقة والهوان. أما العلم فيه يعرف الإنسان ما له وما عليه، وتسمو المدارك، وتذلل صعوبات الاسترزاق، ونأمن من أهوال المخمصة والبؤس، وهو الوسيلة الوحيدة والضالة المنشودة لصد هجمات نوائب الدهر، وطوارق الحدثان المدهشة. بدونه لا تألف الطباع النظام، ولا تركن النفوس للمدنية ومجاراة الأمم الحيّة، ولا تذهب خزعبلات الدجالين أدراج الرياح. فهو الذي يصقل
1 - بوعجيلة: ثورة النخبة الإصلاحية التونسيّة ص 167 2 - م. ص 179
315 (1/315)
صفحة 316
الباطن من أدناس الكسل ويطهره من غوايات الانخذال. وهو الجند العديد، والعلاج الوحيد لأمراض الأرواح، ودواء الأشباح من علل الشقاوة والأتراح. ويقرن الجادوي، في براعة ترميزية فائقة، بين الجهل والهوان
والهمود، من جهة، وبين العلم والطموح والتحدّي، من جهة أخرى. فالجهل بأصل طبيعته ميّال للمسالمة، صبور على مؤثرات الكوارث، مقناع بما أفرغ عليه ربه من ميازيب الثراء ولوالحشيش والماء، مطواع لعوامل العزلة والانقطاع لحدّ الزهد، تأبى نفسه احتمال الضيم من غير بني جنسه، بل تكره حتى مرور ذكرها على لسانه ولوعن غير قصد، أما مواددته فعندها من أكبر الكبائر. أما العلم فمكلاف بالفتوحات مقراع لأبواب المشاغبات، جزاع من النكبات والحوادث الملمّات، حريص على اقتناء الأرض والسماوات وسيادة ما فيها من المخلوقات، مفتونا بالحفلات والاجتماعات، عشاق لاقتحام المشاق في سبيل الرغبات فلا تصدّه العقبات، ولا يهاب الورطات، ولا يبالي بالزلات حتى بين قومه وذويه وعشيرته التي تؤويه، فلا يقر له قرار إلا إذا أنشأ مشكلة أو أثار فتنة أو أحدث مقتلة تسير بذكرها الركبان، لا كما عليه الصنف الأوّل من الهدو المتوالي والسكينة المسترسلة 2. ويستنكر الجادوي وصف أحد البرلمانيين التونسيين بأنهم "أمة أُميّة"، ويحمل دولته الاستعمارية هذا العار على فرض التسليم بدعواه. ففي حين ارتقت الأمم إلى أسمى درجات الرقي، وأصبح فيها غير المتعلم من الشواذ، عاملت إدارة المعارف أبناء الوطن بتقتير التعليم وضيق نطاقه 3
،
يقول: "مضى على الحماية ما يناهز الربع قرن ولمْ يُرَ وطني مهندسا، أو حكيما، أو حقوقيًّا عليمًا أو مقتدرا على الركض في معارج الصناعات ... أما ما جرى من قفل المكاتب بالآفاق، وسدّ أبوابها بصخور الاستبداد بالحاضرة، فحدث عن مدير المعارف ولا حرج فإنه أبدى من أفانين حرمان التونسيين من التغذي بلبان العرفان ما لا يقدر عليه نيرون الجبّار، وتيمور الظلوم حتى
1 - م. ص 47 2 - م. صص 78 - 80
3 - م. ص 376
316 (1/316)
صفحة 317
أصبحت البلاد كأنها ليست بها فرنسا عظيمة الشان ولا خفقت في أرجائها مثلثة الألوان".
وفي سياق تعليقها على مطالب "وفد الأربعين" الذي واجه المقيم الفرنسي لأول مرة عند حلوله بتونس بعد مقابلته الوفد الثاني بباريس وعرض المسألة التونسية عليه، تؤكد "مرشد" "الأمة" أن إدارة المعارف المشرفة على سياسة التعليم لا يُطْمَع منها بالعرفان فلا حقوق، ولا هندسة، ولا نبوغ في الكيميائيات، ولا تضلّع في الطبيعيات ولا تعليم أوليا منتشرا بين العموم، حتى أن المدرسة الصادقية التي هي خاصة وتصلح أن تكون كلية بأوقافها الشاسعة وإيراداتها الواسعة قد جذبتها تلك السياسة الماكرة، فأصبح البون بعيدا بين مستوى تلامذتها حاضرًا وبين مستوى نظرائهم عند تأسيسها. إضافة إلى العراقيل الإدارية التي توضع في طريق فتح المدارس 2.
الأمة
ونُورد فيما يلي أهم ما يخص حالة التعليم المتردية، مما ورد في تقرير وفد
الثاني:
الإدارة الفرنسية تغلق أبواب التعليم في وجوه التونسيين
الحكومة تتذرّع في مواجهة مطلب إجبارية التعليم، ومطلب قبول صغار الأهالي الذين يقدّمهم أولياؤهم للتعلّم بانعدام المدارس الكافية لاستيعاب الراغبين في التعلم، وبعجزها المالي عن بناء مدارس جديدة
مماطلة الحكومة في إقامة معاهد التعليم الأهلي
تحويل أوقاف المدرسة الصادقية التي وضعت لإعانة التونسيين القادرين على مزاولة العلوم في المعاهد الثانوية أو العليا، إلى أشغال لا تهم إلا الجالية
الفرنسية
وقف الصادقية شرطه أن تكون مدرسة ثانويّة، ولكنها أصبحت مدرسة ابتدائية عُليا معدّة لتكوين أعوان مساعدين للإدارات العمومية
- 1
-م. صص 47 - 48
2 - م. صص 390 - 391
317 (1/317)
صفحة 318
1
إحصائية المتمدرسين التونسيين تفيد: 1000 نسمة/5 تلاميذ وقد عبر الجادوي عن إعجابه ببراءة صبيان أحد الأرياف التونسية وصراحتهم، حينما سألهم أحد رؤساء فرنسا عند زيارته تونس، عمّا تعلموه، فأجابوا: " لا شيء "، وبذلك ترجموا عن أنّ الأمة لم تزل في ظلمات الجهل، لم تفتح أبصارها لأنوار العلوم. أولئك هم الناطقون بلسان الصدق، لم يدنّس نفوسهم دجل ولا نفاق وهُم الذين لا يحسنون التمويه والتضليل، وغيرهم ممن يدعون لأنفسهم أحلاما يظنون أن الإطراء الكاذب شكرًا، ثم يظنّون أن المشكور يرى مثل رأيهم وبئس الرأي الأفين ".
2"
كما أبدى سخطه على المنظومة التعليمية الفاسدة حتى المدارس القرآنية، حيث يقول: " إن كلّ شريان من شرايين أمتنا قد وقفت حركته الدموية أو كادت وأعظم هذه الشرايين فسادًا هو شريان التعليم الفاسد، سواء بمدارس الحكومة أو بالمدارس القرآنية ذات الصبغة الفرنسويّة الذات الأهلية اسماء الأجنبية قلبا ورسما
3"
لقد سار الجادوي في ركاب الشيخ الزعيم، الذي أثبت، بعد تمجيد وضعية التعليم قبل الاحتلال الفرنسي بما جلب عليه كثيرا من الانتقاد والمؤاخذة، أن التعليم الوطني قد تعرض منذ س 1881 إلى أقسى ضروب الاستعباد، مبينا أن الحكومة، عوض أن تساعد على تطوير المؤسسات القائمة بالبلاد، عمدت إلى ضربها في الصميم وتجاهلت معاهد التعليم العربي، وعارضت كل محاولة للقيام بإصلاحات جدية صلب هذه المؤسسات التعليمية، وألغت الاعتمادات المالية المخصصة لها وكان دعمها محدودا ولم يكن إلا تحت الضغط الشعبي. وغرس التعليم الرسمي في نفوس الناشئة احتقار حضارة آبائهم وتاريخ وطنهم مع حشو ادمغتهم بعبارات فرنسية لا يفقهون معناها ولا مرماها إلا من خلال كلمات عربية ذات المعنى المستهجن.
1 - م. صص 417 - 419
2 - م. صص 263 - 264
3 - م. صص 277 - 278
4 - راجع كتابنا: ثورة النخبة م. س. صص 187–189
318 (1/318)
صفحة 319
،
وحذفت اللغات الأجنبية من برامج المعهد الصادقي، كما دعت الطلبة المتمتعين بمنح إلى الرجوع من فرنسا وتم غلق المدارس الابتدائية الفرنسية التي يؤمها أبناء التونسيين. وعملت فرنسا إلى جانب ذلك، على التقليل من المعاهد الثانوية، وعلى منع إنشاء الكليات ومعاهد التعليم العالي، وحرمان الطلبة التونسيين من المنح، وحرمانهم من الدخول إلى الإدارات الفنية ومن تعاطي مهنة المحاماة صدّا للطلبة عن التوجه إلى كليات الحقوق والمعهد
التقنية العليا وغير ذلك من الدلائل على السياسة التعليمية الاستعمارية '. من أجل ذلك رفع الجادوي صوته عاليًا، ليتحرك التونسيون، ويعوّلوا على الذات، ويزيلوا غشاوة الوهم تجاه نيّات فرنسا: " تُريد إحياء العلم، وغرس بذوره في نفوسنا، نفوس العُلا ومهد الحكمة ومبعث الشهامة الإنسانية،،، والرحمة الملكوتية. ولن نجد منفذا ننفذ منه إلى إحياء تلك الروح العربية الكريمة إلا إذا أخذنا بيد أبنائنا وبأسماعهم وبأبصارهم، نحوخذر عروس الحقائق العلمية، وتوجيه وجوههم شطر جمالها الرائع الفتان، علها أن تثير في نفوسهم ما كمن من الوجد نحو مراقي السعادة والمجد. نريد أن نخاطر في حومة وغى المزدحم العصري بنفوسنا ونغترف حقيقة المعارف، ونبتر أغلالها، ونفك عنها ما كبّلتها بها أيدي المغرضين من السلاسل الاستبدادية، والغلائل أو الأغلال الاستئثاريّة، ونبرزها للعالمين عروسا استغنت بكمال حريتها الطبيعية عن جمال الحجب والأطواق الجنسية، والأساور العصبية الجاهلية ... نسعي للعلم، ولا يضرنا أن نلقى في سبيله العناء، إلى أن نلفت أنظار أنصاره نحونا ومتى تم لنا ذلك فليبارك لنا العالم بالحصول على هاته الحرية الجديدة في خدر عزها وبيت مجدها وعند ذلك، فلتمت الجهالة، وليحي العلم، ولتطرد أنصار الجهالة من ساحة الإنس والإنسانية، ويسعد
أنصار العلم بالعلم ..
2"
،
1 - الثعالبي: تونس الشهيدة صص 57 - 83
2 - م. ص 317
319 (1/319)
صفحة 320
ج- التجويع
لقد أفاضت "مرشد الأمة" في عرض البراهين على توحش الاستعمار الزراعي في تونس. وقد استفدنا المعطيات التالية:
/ 1274 فلاحا فرنسيا يملكون 800 ألف هك من الأراضي الفلاحية:
-
-
-
-
-
131 ألف هك مزروع
538 ألف هك بور
الحكومة تملك 6175000 هك:
04 مليون هك: أراضي عروش
01 مليون و 95 ألف هك غابات وسباسب
01 مليون هك أملاك دولية
80 ألف هك: مساحة مناجم أقطعت للغير
/02 مليون تونسي يملكون 02 مليون هك لم يبق تحت تصرفهم إلا 95 ألف هك
ويفضح الجادوي المخطط الاستعماري في الاستحواذ على أراضي الأحباس، تحت غطاء إحيائها ليعم نفعها البشر المهدّد بأخطار الغلاء والفقر وشظف
العيش.
فينبه إلى أنّ هذا القرار الجائر يكسوه التضليل الصراح، لأن الأولى إحياء تلك المئات من آلاف الهكتارات من الأراضي الأميرية، وما على ملك الشركات الفرنسية، وأغلب أراضي المعمرين التي بقيت على حالها دون خدمة. كما أنّ هذا الإجراء العنصري قتل لمن يستحق الأرض، وهو تطبيق لشعار: "قم لأجلس مكانك، وافتقر أيها الضعيف ليثري القوي الغالب على
1 - م. صص 421 - 422
320 (1/320)
صفحة 321
أمرك "، ويؤول بالوطني إلى التلاشي والفقر والفناء، لأن من يفقد أرضه، تهن قواه عن التكسب، ويفقد الحزم والعزم، فيصبح قراره بين الراحلة والرحيل.
ولذلك، طالب مواطنيه بوجوب أن يواصلوا إقامتهم في أراضيهم، وصدّ الغارة الاستعمارية عنها. وطالب الحكومة بالعدول عمّا قررته، ومساعدة صغار الفلاحين، وإرغام إدارة الفلاحة على الإقلاع عن إغمار الوافدين بالأرض والمال، مما يصرفهم عن إحياء الأرض، ويشجعهم على تجارة الأراضي الشاسعة التي تحصلوا عليها بطرق مشبوهة وتعرض "مرشد الأمة" تحت عنوان: "هنشير إن شاء الله أوكيف يصير المرء مالكا"، قضية استيلاء أحد المعمرين على أراضي في ريف الكاف، لتبلغ أصوات المتضررين: "لقد وقعنا في العراء ولم يبق لدينا شيء ونطلب الإنصاف من هذا المعمر الخبيث الذي خرب بيوتنا"
وقد ورد في خطاب "وفد الأمة " أنّ إدارة الفلاحة استحوذت على أخصب الأراضي، من الأحباس العامة، والأملاك الدولية، وغيرما، وجعلته تحت طلب الفلاحين الأوروبيين، عن طريق الهبة لا البيع، وقيدت إدارة الأحباس عن كلّ إشهار فيما بقي لديها من كل ما ترغب فيه تلك الإدارة وتطلبه. وهو "إطلاق وتصرّف مؤذنان بحضر الثروة والنتائج في فريق قليل الأمة، وأن الاستمرار على ذلك ينبئ بصيرورة الشعب إلى
بالنسبة إلى مجموع
الفاقة والفقر".
لقد أقضت هذه السياسة المجحفة مضجع الوطنيين، فتجنّد جميعهم في
مناهضتها، والتشهير بها.
م. صص 349 - 352
2 - م. صص 684 - 686، ويعلق الجادوي تحت هذا المقال بقوله: " إثر هذا المقال وقع إبعاد صاحبه نفيا من الديار التونسية بقرار من السفير الجمهوري وذلك استنادا على أمر 1778 الامبراطوري ... وهومع إيجازه يعطيك مذاقا من عذوبة السياسة الاستعمارية في جزئية من جزئيات تصرفها العادل ...
3 - م. ص 390 / وراجع صص 752 - 756، حيث عرض الجادوي القوانين الاستعمارية الجائرة في تقسيم الأراضي الفلاحية وتوزيعها.
321 (1/321)
صفحة 322
ومن ذلك مقال المنصف المنستيري في جريدة "الإرادة" بتاريخ 30 محرم 1357 هـ/ 1938، تحت عنوان: "نريد برنامجاً شاملاً واضحاً لحل مشكلة إقرار الأهالي بالأرض"، وأكد فيه على أنّ "مشكلة الأراضي لا تزال على حالها وهُم يريدونها أن تبقى كذلك، وكلما مر مشروع على كهنة السياسة البيروقراطية أصابه المسخ في الصميم، ولم يعد هناك رجاء في فائدة تصدر منه". وعرض قضية أراضي France Africaine الكائنة بالنفيضة، وذات العلاقة بمشكلة عرش أولاد سعيد الذين أصبحوا "ضحية تضخّم الاستعمار في جهتهم بصورة أصبحوا معها لا يملكون شيئًا، وعجزوا حتى عن الاكتراء، وتأجير المراعي، لارتفاع الأثمان وقساوة الشروط التي تفرضها هذه الشركة على المتسوّغين، والتي تُقرأ في مطبوعاتها المعدة لعقود التسويغ. وأصبحوا أيضا بسبب الفاقة عرضة لخطر الجوع والعراء .. "2.
ولم يسلم موظفو الإدارة التونسيون من سياسة التجويع والتفقير القائمة على التمييز بين السكان المحليين وبين المعمرين.
ففي مقال "قضية المتوظفين التونسيين"، يُبين كاتبه الذي أمضاه بعبارة "متوظف"، أن التونسي المغلوب على أمره الكسير الجناح، المكلوم الفؤاد، يرى الجاليات الأجنبية تتزاحم على خيرات البلاد الطبيعية، وتنال المساعدات العظيمة لامتلاك نواصي ثروتها والتمتع بنتائجها، في حين يرى قومه قد طرحتهم يد الإهمال، ويجد وضعيّته الماديّة في الدرك الأسفل. ومن ذلك حالة المتوظف الأهلي.
وأهم الدلائل على تردّيها:
1 – الذي يعتبره ابن عاشور أحد الستة، وأوّلهم الجادوي كما ذكرنا، الذين تطور معهم النثر السياسي، ويصفه بأنه تناول شؤون السياسة بروح علمية، ومقالاته ممتازة بطول النفس، والإحاطة بالموضوع وحسن تحليله إلى عناصره الأولية والثانوية، وقوة الاعتماد في حججه على الوثائق، والوقائع المنصرمة مضبوطة بتواريخها ومراجعها، وصار الكاتب السياسي الراقي الذي اصطبغت مقالاته بصبغة الدراسات العميقة الدقيقة. الحركة الأدبية ص 150
ابن عاشور: الحركة الأدبية صص 420 - 422
322 (1/322)
صفحة 323
/ تعسّر حصول التونسي على الوظيف
-
حرمان الموظفين الأهليين من الوظائف السامية والخطط
المضي في الاستغناء عنهم
يفوق مرتب الموظف الأجنبي مرتب زميله التونسي ب 60?، لسببين:
التونسي لا يقوم بالخدمة العسكرية
عدم توفر الكفاءة الإدارية
ويبطل صاحب المقال هذين السببين منتهيا إلى أن الدافع وراء هذا القانون، هو فقط تطبيق مبدإ اللامساواة واللاعدالة.
أما الجادوي، فقد كتب: "إدارة العلوم والمعارف، أغرب ما يُسمع"، بمناسبة احتجاج جرائد الاستعمار ونوابه بالمجلس الشوري على قرار مدير المعارف بأن يتساوى جميع موظفي إدارته من تونسيّين وفرنسيين في الأج بناء على قاعدة الاتحاد في العمل. وقد نقل ما قالته جريدة La Tunisie Francaise ، التي وصفها بسافلة الصحف الارتجاعية"، وبين أن "مدير المعارف لم يبتكر شيئًا جديدًا، وإنما نفذ قرارًا كان معطلاً، ولا استقل بذلك التنفيذ حسب التحقيق"، وأنّ بصائر الاستعماريين مظلمة، وأن لهم "معاول يحفرون بها هوّة عميقة بين العنصرين المتساكنين اللذين يطلبان العيش بصفاء على السواء "، ويتساءل:
،
"إلى متى وهاته الأمة تساير في حقوقها طبق رغايب حزب الاستعمار الجائرة ومطالبه المبيدة؟ .. "،
"ما مصداق الحماية عند هؤلاء هل هي اضطهاد التونسيين وحرمانهم من منافع بلادهم وتخصيصهم لحمل الضرائب وتسخيرهم في خدمة الفلاحين بثمن زهيد، وأن لا يشارك الوطني بتساوفي الوظائف والوظيف؟ "،
1 - م. صص 430 - 434
323 (1/323)
صفحة 324
"كيف يتلفظون بتلك الأقوال، وهُم على يقين من أنها مغالطة، يُلبسون بها على أهل الحل والنفوذ بألفاظ يستعملونها لغرضهم السافل، كالدفاع عن النفوذ الفرنساوي، وعن مس أرجحيّته وتفوّقه والإخلال بناموس العدالة والإنصاف؟ ..
،
تجميد المنحة العائلية رغم ارتفاع الأسعار، وسقوط قيمة الفرنك. حيث قرر المجلس الأهلي أن لا وجه للموافقة على الزيادة في المنحة، والسبب: " لا نسبة بين متوظفي فرنسا وتونس، لا من حيث العمل، ولا من حيث العدد، ولا من حيث ارتفاع المعاش. وإنه لعار على الحكومة أن تطلب الزيادة بصورة فجئية لهم وهي تعلم أن مائة وثلاثين مليونا من الميزان يتقاضاها الموظفون، وأن عددهم قد ضاقت به رحاب دواوين المملكة التونسية الصغيرة إذ بلغ إلى عشرة آلاف وذلك بعد الثلث الاستعماري، وبعد العلم بأن كثيرا من العائلات الفرنسويّة مستخدمون برجالهم ونسائهم وبناتهم ... ". ويشير الجادوي إلى أنّ انتداب تونسيّين في الإدارات الحكومية، لم يصنهم عن آلام الاحتياج، وشظف العيش، لأن جراياتهم الطفيفة لا تسمن ولا تغني من جوع، بل ربما كانت مجلبة لفساد السجايا ووخامة المستقبل"، ودفعتهم إلى الاختلاس، والرشوة، والتحيل.
ويضيف، متعرضًا لأدق الجزئيات، ومشخّصاً الحالة الاجتماعية الحرجة بالطريقة التي سلكها فيما بعد الحداد في "امرأتنا في الشريعة والمجتمع": " فالعيان والعادة يمنعان قيام المائة فرنك أونحوها بعائلة ربما تربو على العشرة ولو بالاقتصار على سد الرمق الذي هو دون قوام البنية، مع ما تستدعيه الأسفار والتنقلات من بلد إلى آخر فلا لوم على من يحلف أنه مدين للمرابي حرفة، أو ينفق من ماله الخاص، أورقى فوق السماك الأعزل في باب النهب والارتشاء. على أننا ما سمعنا أنه وقع تشكيل لجنة تنظر في ترقية مرتباتهم مثل مواطنيهم أرباب المرتبات العالية بسبب رفع أسعار ماكلهم وملابسهم
1 - م. صص 376 - 380 2 - م. صص 711 - 713
324 (1/324)
صفحة 325
ومشاربهم، وما تستلزمه خلاعتهم وتفكههم وامتطاؤهم عجلة البسكليت وجلوسهم في القهاوي العالية مما تمنعه وحشية الأهالي ... وتحول دونهم همجيتهم التي تركوا عليها إلى حد الآن ... فإذا ما أردفنا ما تقدم بتزايد المعمرين يوما فيوما المؤذن بتوجيه العناية إليه، ومساعدته على مرغوباته، فكيف تكون حالة التونسيين ياترى؟ يكلّ اليراع أيضًا في تسطير ما يلحقهم يوما تتجدد على أعناقهم الطلبات الدولية، ويُؤمر المخزن باستخلاصها منهم على أي حالة كانت فتراهم بين بائع لدوابه،. . ومزجوج في أعماق السجون، سعيا وراء استنزافها منهم ولوبطريق العسف الأكرب، والمقت الأشهب، والعذاب الأليم، ولا من مجير ولا من رحيم. فترى العديم يومئذ، الأرض لا ثقله، والسماء لا تُظله ... أما ما يقاسونه عندما تتعلق بهم النوازل، وإن تنوعت من سوء القضاء المفضي لخراب هذا العالم، فإن القلم يفحم دون إبدائه، وما على من يروم الاستطلاع إلا أن يتأمل قليلا في أوراق النازلين في ظلمات السجون فيجد من الغرائب والعجائب ما لم يُوجد في بقية عواصم الدنيا .. ".
،
ولم يشمل الحيف الوظيفة العمومية، فقط، وإنما تعداه إلى الدفع الضريبي، الذي هو عمل ممنهج، يُبتَغَى منه تركيع التونسيين. فقد استنكر الجادوي هذه المظلمة قائلا: " .. أي قانون في شرائع العدلية يميز بين العناصر التي تعيش من ثمرات أرض واحدة وتحت سقف واحد مرفوع؟. ما للنزيل يُسْعَف بالإعانات والوطنيّ يُلتزم في حقه الإعنات؟. أكل هذا جزاء الخضوع والخنوع؟. إن كل جبار يلين بهذين الوصفين، إذ تخلق بهما عبيده. فأين عدالة الجمهوريين الأحرار أأعجب النزلاء ثروة الأهلي أورواج بضاعته، أويده العاملة، حتى لم يستثقلوا على كاهله هذه الضرائب، وهم بالأمس يرونهم زمرا يتسولون الأرغفة التي جادت بها عليهم الحكومة في العام الماضي؟ أفيريدون أن يؤدوا أثمانها مضاعفة أضعافا كثيرة، ما دام الدم
1 - م. صص 45 - 46 وفي المقابل راجع عن استحسان الفقر ومدحه: أطفيش: تيسير التفسير ج 11 صص 419 - 420 / محاسن الفقر المجلة الزيتونية مج 2 ص 198
325 (1/325)
صفحة 326
المتحصل منها يجري في العروق، والإيطالي وغيره يأتي هذه الأرض مفقود النعل، فيحمل خراجا لا يؤدي عليه خرجا؟ ... "
بخرج
وواكبت "مرشد الأمة" الضرائب الجديدة وسمتها "الأزمة الشديدة"، فكذبت ادعاء الحكومة العجز المالي وأكدت على أن الشعب التونسي لا يزال يكابد النوائب. فما كاد يتلقى بارتياح التفات الحكومة إلى حالة فقره وما آلت إليه مصانعه ومتاجره ومزارعه من إغلاق وإهمال، حتى كان محروما من خيرات بلاده وثمار وطنه، بينما يأتي الأجانب فارغواليد ولا يلبثون حتى يستغنوا من مكاسبه مستفيدين من التسهيلات المخولة لهم. ويوصف الجادوي الحالة المتردية المنجرة عن الإثقال الضريبي، فيقول: " .. توقف دولاب الصناعة وتعطلت وسائل التجارة وماتت الفلاحة، لأن الصناعة قضت عليها الجالية السيسيليّة والإيطالية، والتجارة تحتاج إلى رؤوس أموال، والفقر قد عمّ، والفلاحة قد استحوذ عليها المعمرون الذين ملكوا الأراضي الواسعة واشتروا الهناشر الشاسعة الأطراف، ولم يبقوا بأيدي الأهالي إلا الأراضي الجدبة. ولذلك فإن الموظفات الجديدة جاءت في وقت اشتدت أزمته على التونسيين، وبالتنقيص من الجزء اليسير الذي لم يُسلب منهم بعوامل التحاكك الحاضر قد أُوقعوا في الأخطار التي لا تطاق مصائبها. بهذا اشتد تذمّر الشعب من هذه الأزمة المحزنة، وقدّم شكايات مقبولة إلى من لهم النظر يدافع بها عن حقوقه الشرعية، وأوفد إلى الحاضرة مئات من كلّ الأعمال ليمثلوا للدولة شكوى الفكر العام ولم تتقاصر سكان الحاضرة عن التجمهر بالزوايا وتقديم العرائض وبالأخص للزيادة الفادحة في المعاليم البلدية التي وطأتها أكثر على أهل المدن .. إن الأهالي لا محيص من إفلاسهم لوتبقى معاملتهم جارية على هذا المنوال .. "2
وفي تحليله لأخطاء السياسة المالية المقصود من ورائها تفقير الشعب التونسي يستفظع الجادوي انعكاسات الجباية المشطة، مستفيدًا ذلك من قواعد علم العمران، فيقول: " إن ازدواج الضرر من الإرهاق دائر بين الحاكم
1
صص 167 - 168 - -م.
2 - م. صص 199 - 203
326 (1/326)
صفحة 327
والمحكوم، وربما كان الأوفر للأول وحتمي له، لأنّ الشعب هوقوام الدولة ومادتها ومورد خزائنها فإنهاكه بالعدوان عليه في ماله مُذْهِب لماله، ومُفقر له، ومُلجيه إلى تجاوز الحدود بالهجرة وإنّ الإكراه على أداء ما فوق الطاقة يفقد عاطفة السعي، ويحبذ القعود عن العمل، وذلك هو المرض الذي يلاقي العمران به حتفه أويخور شيئًا فشيئًا ثم ينزل به القضاء العام وإن طال الزمان ... "".
،
ويرصد سوء التصرف في ميزانية الدولة التي تأخذ منها إدارة الأشغال العامة القسط الأوفر، وتزيد بالاستحواذ على القروض التي يتحمل الشعب التونسي وقر فوائضها وفي المقابل تعيش القرى والأرياف التونسية، ومنها سليانة، بؤس التهميش، وألم العزلة والنسيان.
كما ينشر حقائق وإثباتات في الفساد المالي، وإهدار المال العام، وسوء
التصرف في ميزانية الدولة، والسياسة العنصرية في توزيع الاعتمادات. ومما ورد في تقرير "وفد الأمة الثاني": " .. ليس من المعقول أنه عند تقرير ميزانية ذات مليونين ندفع منها التسعة أعشار يكون لا حق لنا في التداخل ولا المعارضة والمراقبة. وليس من المعقول أيضًا أن تقرر الإدارة توظيف الضرائب وصرفها بمعزل عن مراقبة الدافعين، وأن تُعقد القروض وتُصرف بدون استشارتنا نحن الذين نتكبد في الحقيقة أعظم حمل منها. إن التاريخ السيء الذي تركه في الأذهان عقد القروض المتتابعة من عام 1901 إلى عام 1920، وكذلك أنواع التبذير التي تسببت عنها، والتي ردّد صداها نادي البرلمان لا تدع مجالاً للشك والارتياب في أمرها ....
هكذا، كشف الجادوي الخطة الاستعمارية العنصرية، وفضح برنامجها الاستئصالي، والذي يستهدف الثروة والوطن والدين 5.
1 - م. ص 627
2 - م. ص 391
3 - م. صص 456 - 459/ صص 646620 / صص 765 - 772 4 - م. ص 416
5 - راجع للإثراء، على سبيل المثال في هذه الفكرة: كتابي:
327 (1/327)
صفحة 328
-
الوطن والوطنيّون هل من الواجب وحدة المعالجة؟
•
لئن كانت الصحافة الجادوية كلها فكرة ومنهجا ومقصدًا، مسيرةً نضالية، قدست قيمة "الوطنية"، بكل معانيها وأبعادها، فإنّ "مرشد الأمة"، أطنبت في التأكيد على أنّ الوطن عزيز وأن حبه من دعائم الإيمان، وبه عمارة البلدان، وأنه آية كبرى على وجود روح في قلب مُحبّه، وأنّ الجماد ينطق ب "لا إلاه إلا الله محمد رسول الله حب الوطن آية من آيات الله"، وأن دعوة إبراهيم ومحمد عليهما السلام تُثبت حب الوطن. ومن معاني هذا الحب، انبعاث الإنسان نحوشؤونه المادية والأدبية وأشرف الأغراض، هو الاشتغال بما يهم الوطن العزيز والتفكير والتدبير ليتخلص من يد الذل والتقهقر والانحطاط، وإرسال الفكر في إحيائه، و"إذا سار العبد في في رقيه المادي والأدبي اكتسب المعالي وخلّد له التاريخ اسما حسنًا بين الأجيال، وتصير كلمته هي النجم الذي تهتدي عليه بواخر الرؤوس في ظلمات البرّ والبحر وفكرته تجلب الألباب، وتقود جيوش المفكرين. وليس له سوى حب الوطن" '.
أ- الأصالة التونسية
،
"الوطن" عند الجادوي، ما هو إلا بيت كبير يضم شتات "أمة" واحدة. والإنسان ببيته الخاص، ما هو إلا عضو من أعضاء تلك "الأمة" قضت التي عليه روابطه بها أن لا يسعد إلا إذا سعد مجموع أمته، كما أنه لا يشقى إلا إذا شقي ذلك المجموع والمشابهة شديدة بين الحياة البيتية والحياة الوطنية، والبيت ليس في الحقيقة إلا قطعة من جملة "جسد" الوطن "الشريف"
2"1
وإقامة لصرح هذا الوطن العزيز، يوجب الجادوي "على كل فرد من أفراد الهيئة الاجتماعية القيام بأعمال عمومية النفع، ووطنية القصد "، وذكر أنّ هدفه من دخول الحقل الصحفي، هو أن يقوم بواجب المشاركة في مجال
محمد الغزالي: الاستعمار أحقاد وأطماع عبدالرحمان الميداني: أجنحة المكر الثلاثة: التبشير الاستشراق-الاستعمار
1 - م. صص 253 - 256 / صص 284 - 285
2 - م. ص 286
328 (1/328)
صفحة 329
القيام بالعمل العمومي، ويُشاطر من سبقه إليه قلما وتحريرا. تلبية منه لداعي الضمير وعملاً بأثر صادق المدلول فيه وهو: وإنّ لوطنك عليك حقا ... حيث أن الاشتغال بالخويصات مع الاستعداد جحود للنعم، وأن ترك الواجبات الوطنية العامة مجلبة للمصائب والنقم .. "" أما "الشعب"، فقد أطلق عليه الجادوي: "الأمة" التونسية" 2، ومن أجلها كانت "مرشد الأمة"، ويصفها بأنها أمة مسلمة ذات آداب، وقومية عريقة وخاصة عرفت بحسن المكافأة على الجميل والغض عن المكروه، وتميزت من بين الأمم جمعاء بالرصانة والثبات والهدوء وعدم التزحزح عن مركزها الأسمى. لا يبتغي أفرادها بغير الإسلام دينا ويتبرأون سرا وجهرا من كل فوضى وما يؤدي إليها وينافي دوام العمران والنظام،
واصطلاح "أمة "مستغرب لدى البعض، لأوّل وهلة، إذ كيف لشيخ زيتوني عروبي إسلامي، أن يفتت "الأمة الإسلامية"، و"الأمة العربية"، بأمم
مشرقية ومغربية 4.
لكن الحقيقة خلاف ذلك، ففلسفة التحرّر الوطني قامت على فكرة: " نحن التونسيين أمة "، تأصيلاً للكيان، وتصديًا لمخطط الذوبان في الثقافة
الفرنسية الغازية.
1 - م. صص 8 - 9 2 - وفي المقابل استعمل مصطلح " الأمة الفرنسويّة"، وهو الاصطلاح الذي اعتمده خير الدين التونسي في "أقوم المسالك": الأمّة، الفرنساوية أمم ألمانيا، الأمة الانقليزية، الأمم
الإفرنجية .... إلخ ...
3 - م. ص 358 ص 495 / ص 527 / ص 762
4 – وقد استعمل، مثلا، محمد الجعايبي (ت 1357 هـ/ 1938) مؤسس مجلة "خير الدين"، "الإسلامية العمومية"، مصطلح: "الأمم الإسلامية"، هكذا بصيغة الجمع، مع أنه بنى منهجه السياسي في جريدته "الصواب" على "فكرة الجامعة الإسلامية " كما يقول الفاضل ابن عاشور الحركة الأدبية والفكرية ص 88.
وهذا جدير بالتأمل.
العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن ص 57
329 (1/329)
صفحة 330
ولذلك اشتهر كتيب على البلهوان (ت 1377 هـ / 1958): "نحن أمة ""، وكان أوّلَ الوطنيين المدافعين عن هذه العقيدة واعتبر "الدولة" مظهرًا من مظاهر "الأمة"، فالأنظمة تزول، غير أن الحكم السياسي السياسي ل"الأمة" يبقى
مستمرا دائما.
2
كما استعمل الزيتونيون والصادقيون هذا الاصطلاح، وكان تفسير ابن عاشور لكلمة "الأمة" القرآنيّة، وتعريفاته إياها معاضدة لاستعمال "الأمة التونسية".
1 – هوكتيب في 44 ص دوّن فيه البلهوان محاضرة كان ألقاها في نوادي الجمعيات الثقافية والحرب العالمية الثانية على وشك النهاية. وفيه ردّ على من أنكر وجود أمة تونسية وجحد شخصيتها وتاريخها.
محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج 1 ص 122
وراجع: عزالدين دياب: قراءة لكتاب علي البلهوان: "نحن أمة". على الموقع الإلكتروني
:
http://tayyar 3 wordpress.com
-
- 2
" الأمة"، "الأمة التونسية"، "القومية التونسية"، "القومية الوطنية"، "الذاتية القومية"، استعملها كثيرًا، على سبيل الذكر لا الحصر:
البايات
بعض الصحفيين في تسمية جرائدهم، إلى جانب الجادوي، مثل "الأمة" التي نشر فيها الحداد، و"حبيب الأمة" ..
الحزب الحر الدستوري في بياناته وتقاريره وبلاغاته
الثعالبي: الكلمة الحاسمة صص 69 - 73 ولا نكاد نعثر على هذه التسمية في "تونس الشهيدة"، وهو أمر لافت ولا ندري أحصل هذا الغياب أصلا، في نسخة الكتاب العربية المندثرة، أم أن نقله إلى الفرنسية، ثمّ إرجاعه إلى العربية، هما اللذان استعاضا عن عبارة "الأمة التونسية" ب "التونسيون"، "المجتمع التونسي" .. ؟؟، الجدل في نسبة الكتاب إلى الثعالبي.
الحداد: امرأتنا م. س.
ح. ح. عبدالوهاب: شهيرات التونسيات م. س. ابن عاشور: الحركة الأدبية / أركان النهضة الأدبية
مع مراعاة
3 - اختارها سالم بن يعقوب، حينما تكلم عن علماء جامع بني ليمس فقال: " .. وطوال خمسة قرون على الأقل برزت أمّة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف، نهلت من مدارس
330 (1/330)
صفحة 331
ف "الأمة"، عنده، اسم مشترك يُطلق على معان كثيرة، والمراد منها: الجماعة العظيمة التي يجمعها جامع له بال من نسب، أودين، أوزمان.
فيقال: أمة محمّد (ص) للمسلمين، لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوته، و"الأمة" بمعنى مأمومة، اشتقت من: الأم، وهو القصد، لأنّ الأمة تقصدها الفرق العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها مثل: الأمة العربية، لأنها ترجع إليها قبائل العرب، و"الأمة الإسلامية"، لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية.
و"الأمة" اسم للجماعة الذين أمرهم واحد وإنما تكون الجماعة "أمة" إذا اتفقوا في الوطن أوالدين، أواللغة، أوفي جميعها،
و"الأمة" الطائفة من الناس التي تؤم قصدًا واحدًا، من نسب، أووطن، أودين، أو مجموع ذلك، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف، كقولهم: أمة العرب، وأمة غسان، وأمة النصارى 2
وفي إجابته عن سؤال: ما الأمة؟، يرى محمد الطالبي أن هذا المتصور متشعب ينطوي على مفاهيم عديدة. فكل مجموعة بشرية أوغير بشرية تربط بين أفرادها روابط مشتركة هي: أمة. فهذه الروابط قد تكون لسانية، وقد تكون مصالح متنوعة، وقد تكون على الخصوص سياسية وقد تضم المجموعات السياسية أفرادا يلتقون على صعيد ويفترقون على آخر. وهكذا تبدولنا كل أمة هرما من بلّورات يزيد ويقل بينها الالتحام والتماسك. وقد
تدخل البلورة الواحدة في تراكيب مختلفة، وتنتمي إلى أجسام متعددة 3. ويساند علماء الاجتماع هذه التعريفات، حيث يذهبون إلى أنّ "الشعب" لا يمكن له أن "أمة" إلا إذا أظهر بصفة مستمرّة وحيّة، إرادة جماعية يصبح
الجزيرة، ومن جامع الزيتونة، ومن المدرسة الإباضية بمصر، ومن الجامع الأزهر ..... تاريخ جزيرة جربة ص 289
1 - وابن منظور يزيد ما قيل: أمة محمد (ص): كل من أُرسل إليه، ممن آمن به أوكفر.
لسان العرب ج 1 ص 158 2 - راجع: التحرير والتنوير ج 1 ص 721 / ج 2 ص 300 / ج 4 ص 37
3 - الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية .. ص 76
331 (1/331)
صفحة 332
للعيش عيشة مشتركة، وإذا عرف كيف يكون لنفسه الهياكل اللازمة لوجوده ك "أمة" قائمة الذات، وكذلك إذا أمكن له أن تكون له نوع من الثقافة، ونوع
من القدرة على أن يحكم نفسه بنفسه، ويدير شؤونه دون وصاية من أحد!
1
وفي هذا السياق، يرى فتحي التريكي أن الفكر السياسي الإسلامي تطور، بعد التلاقح الحضاري، فبدأت تتكوّن فعاليّة فكرية جديدة، لها مقومات فكر سياسي عقلاني، لا يكتفي بأنّ مفهوم "الأمة" مرتبط بالخيار الديني، وب "الهوية الإسلامية" التي هي القطب المحدّد للمجموعة والمكوّن لبنيتها وأنشطتها خضوعًا للشريعة بل تجاوز ذلك إلى إضافة معطيات اجتماعية دنيوية، إنسانية. ويُعدّ الفارابي (ت 339 هـ / 950 م)، من أبرز الفلاسفة الذين أعطوا بُعْدًا دنيويا لمفهوم "الأمة"، فهي: تكتل أناس في إقليم واحد حسب أنماط معيّنة يتحدّد أدناها في المنزل، وأقصاها في المعمورة، مرورا بالقرية والمدينة. فالذي يوحد الجماعة و"الأمة" ليس الدين فقط، وإنما كذلك الإقليم والتاريخ واللغة.
ويستنتج التريكي من كلّ هذا أن مفهوم "الأمّة" قد تخلص من النفوذ الديني، والمقدّس، وأنّ العلمنة السياسية لـ"الأمة" قد وجدت في حضارتنا قبل أن تأتينا من الغرب، وأن مفهوم "الأمة" تطوّر باتجاه العقلنة والدنيوية، ومكن الفرد من اكتساب شكل من الحرّية، بنصيب لا يستهان به، وأن هذا التحوّل في المفهوم، قد يشجع على تكوين مفهوم "المواطنة"، وبناء مؤسسة إنسانية متحررة من المجتمع
وبهذا، كان مفهوم "الأمة القطرية"، كما عند الجادوي ومعاصريه، في الأساس، مفهوما دفاعيًا ضدّ الإلغاء الاستعماري فلم تكن "الأمة التونسية" في هذا الإطار مفهوما مناقضاً للانتماء العربي الإسلامي، بقدر ما كانت مفهومًا
1 - عدنان منصر: من "الشخصية التونسيّة" إلى "الهوية التونسية" إلى "الأمة التونسية": محمد مزالي والبشير بن سلامة
على الموقع الإلكتروني: tunisiehistoire.blogspot.com 2 فتحي التريكي: مفهوم "الأمة" بين الديني والعلماني. صحيفة العرب 2014/ 07/08
ص 8
332 (1/332)
صفحة 333
ضروريًا، لإعادة استكشاف الهوية العربية السلامية المميّزة لـ"الأمة القطرية"، والتي تم تهميشها في ظلّ هيمنة الاستعمار غير أن الصراعات بين "القطرية" فيما بعد الاستقلال، وخاصة بين بعض الزعماء المغاربيين والرئيس عبد الناصر (ت 1390 هـ / 1970)، أدّت إلى التأثير على أصول مفهوم "الأمة القطرية، ليصبح إطارا مفهوميًّا للانعزال ليس عن الانتماء العربي الإسلامي في المطلق، ولكن عن القيادات القومية في المشرق العربي.
وقد تواصل استعمال هذا الاصطلاح إلى ما بعد الاستقلال، فورد في فاتحة نص إعلان الجمهورية:" نحن نوّاب الأمة التونسية، أعضاء المجلس
التأسيسي .. "، وسُمّي مجلس النواب من 1959 إلى 1981 بـ"مجلس الأمة". كما استعمل الزعيم بورقيبة هذا الاسم في خطاباته الأولى 2، عُدَّ "محرّر
أمة".
ولعل الذين عدوا تعبيرة "الأمة" التونسيّة" مشروعًا بورقيبيًّا، كانت له آثار سيئة في الشخصية التونسية، وتمّ به عزل التونسي حتى لا يؤثر ولا يتأثر، ودلّ على علمانيّته وعدائه للعروبة والإسلام، حسب رأيهم، لم يطلعوا على تاريخ هذه التعبيرة الوطنية في الصميم، والمميزة حقا، والدالة عن العبقرية التونسيّة، والصائنة الخصوصيات الوطنية. أو لعلهم أرادوا، وهو ما نراه صائبا أن بورقيبة سعى إلى جعل مفهوم "الأمة التونسية" ثمرة دولة الاستقلال، ورفده برؤية أعلام من المثقفة، ذات المنزع العروبي الإسلامي الحداثي المتفتح، والتي شاركت في
وتركت بصماتها
الحكم البورقيبي، مزالي (ت 1431 هـ /2010)، والبشير بن سلامة ..
الثقافية،
مثل
النخبة
محمد
1 - الطاهر الأسود: في العلاقة بين القوميين والإسلاميين عربيا ومغاربيا. على الموقع:
http://wwwarabphilosophers.com
2 - راجع مثلا: لطفي حجي: بورقيبة والإسلام صص 141 - 142 / صحر 257 - 262
333 (1/333)
صفحة 334
فهؤلاء كانوا يعتقدون أن من مسؤولية النخبة التونسية، بناء "الدولة
المفعّلة لمفهوم "الأمة" الذي يقترب
الأمة"، باعتبار أن دولة الاستقلال هي كثيرا من مفهوم "الدولة" الأمة" الذي عرفته أوروبا في ق 19.
وفي هذا الإطار كان بورقيبة حريصًا على إضفاء الصفة القطرية لـ"القومية التونسية"، بما يعني ذلك إعادة تشكيل ل"الهوية التونسية"، واستبعادا لهيمنة الانتماء العربي الإسلامي على مكوناتها. وقد سعت هذه النخبة أن تؤصل هذا المشروع نظريًا، وتقوم بتعبئة وطنية لجيل الاستقلال، والأجيال الجديدة من بعده، فكان النظام التربوي سائرا في ترسيخ مقومات "الأمة"، وغرس العقيدة الوطنية في نفوس الناشئة حتى يؤمنوا بأنهم ينتمون إلى وطن له خصائصه الحضارية.
وكان مزالي يرى أنّ مشروع "الوحدة القوميّة" يقتضي من التونسيين الإيمان بأنهم "أمة" قبل كل شيء، ومعرفة مقوّمات تلك، ثم العمل على تغذية هذه المقومات، وجعل الأجيال الصاعدة تتعرّف إليها، وتتغذى منها، وتعتز بها، ثم تعمل بدورها على إشاعتها وتنميتها، وتبليغ الأمانة إلى الأجيال التي تأتي بعدها.
كما يرى أنّ لـ "الأمّة التونسيّة" تاريخاً مجيدا، والشعب التونسي ظل صامدًا حيًّا، رغم تعاقب الغزاة، وشراسة الطامعين، ولم يدب في الغير، بل هضم ما استساغته روحه الحضاريّة، وأخذ وأعطى. فخصائص "الأمة التونسية" ترتكز على "القاعدة الروحيّة ذات المنبع الشرقي"، وعلى "جدلية مع حضارات وشعوب البحر المتوسط عبر القرون، في السلم والحرب".
العلاقة
كما أن تونس، حسب محمد مزالي، " ليست مجرد فرع من أصل، إنها وطن، متميّز له كيانه المعروف، وحيّزه الجغرافي المضبوط، ودينها الإسلام معتقدًا، وحضارة وتراثا وسلوكًا ونظام حياة ونظرة إلى الوجود، ولغتها
،
العربية، الركن الركين للشخصية الوطنية والعنصر المتين للذاتية القومية
(
1 "
1 - منصر: م. س.
مراد مهني: الثقافة السياسية وتطوّر المؤسسة البرلمانية على الموقع الإلكتروني: manifest.univ-ouargla.dz
334 (1/334)
صفحة 335
إن العقيدة التحررية الوطنية، ومن حامليها الشيخ سليمان الجادوي،
والتي استمرت مع رجالات دولة الاستقلال المؤمنين بالمشروع العروبي الإسلامي المتحرّك، يفهمون أنّ "الأمة التونسيّة" عربية إسلامية، منذ الفتح الإسلامي، تغلغلت فيها الروح الدينية، وصهرت شعبها، وطبعته بطابعها، حتى أصبح الدين الإسلامي من أخص خصائصها، وأمتن مقوماتها، ولا يمكن أن تتنكر له أوتزور عنه، دون أن تفقد ذاتها، أو تمسخ شخصيتها، كما يقول مزالي. ولا يعني التأكيد على وجود "الأمة" التونسيّة"، عند هؤلاء، وكما أسلفنا، الاستنقاص من أهمية انتسابها إلى الأمة العربية، فـ"الأمة الكبيرة لا تقوم إلا إذا نهضت الأمم العربية وإلا ستبقى أجزاءً مبعثرة، يوحدها الأمل ويفرّقها الواقع". لقد أهدى الجادوي كتاب "الفوائد الجمة" إلى هذه الأمة التونسية، قائلاً:" أختار تقديم كتابي هذا هدية إلى الشعب العزيز، ثم إلى متنوّريه، والمخلصين له. وذلك .. ليبقى متناولاً ما تفرّع الشعب، وتعاقب تجدّد
السنين .. ".
:
ولكان لسانه يُردّد هاهنا عبارة حشادت 1372 هـ / 1952): أُحبك يا
شعب ..
ب دعاة الوطنية وأدعياؤها
لا حاجة بنا إلى القول إنّ الحزب الحر الدستوري هو روح الصحفي المناضل سليمان الجادوي وهو قلبه، وفؤاده. وما عمله في الصحافة إلا نذر في خدمة هذا الحزب، ونصرة مبادئه. فهو رمز الوطنية الصادقة، وعنوان وحدة الأمة، وصوت التونسيين المضطهدين والقاضي العدل في قضاياهم
ونوازلهم.
1 - م. ص 12
335 (1/335)
صفحة 336
كيف لا والحزب نُعت بأنه "حزب سياسي، إصلاحي، اجتماعي،
ديني
1
ولذلك، كانت جرائد الجادوي، الثلاث إلى جانب جرائد كثيرة أخرى، معرضًا مفتوحاً، ومنبرًا دائمًا، لأنشطة الحزب، وقراراته، وبلاغاته، ومواقفه. كما كانت قناة يصل بها الحزب إلى الشعب، ليكشف "مغالطات" المناهضين و"تضليلاتهم"، ويُبرز "الحقيقة"، كما يراها، خاصة بعد الانشقاق الذي صدعه، والذي اعتبره أحمد توفيق المدني (ت 1403 هـ/1983) " نكبة من شرّ ما انتاب تونس في ذلك العهد من نكبات جسام
2",
الأمثلة ومن على ذلك، "بلاغ من الحزب الدستوري الحر إلى الكافة" 3، الذي يُمهد له الجادوي بقوله:" على إثر عود الوفد الثاني من الديار الباريسية حدثت جلبة من المناهضين للحزب الدستوري حاولوا بها تضليل الرأي العام في عقيدته حول أعمال الحزب ووفوده، بدعوى أن الوفد الثاني تراجع من نفسه في خصوص المطلبين الأولين حيث لاح له وأنّ الإصرار عليهما من موجبات الإحباط والخيبة في المسألة التونسية، ذاكرين أن هذا التراجع هو رجوع لآرائهم المعتدلة ومبادئهم المقبولة في الإصلاح. وهو أول عمل من أولئك الشاذين خرجوا به على مرسح المشاققة. فلم يسع الحزب بعدئذ إلا المبادرة بنشر هذا البلاغ إلى الكافة، مبيّنًا فيه عمله، داعيا إلى الحذر من الوقوع في فخاخ المغرضين".
،
أما البلاغ الذي يتكلم، أحيانًا عن الحزب باسمي: "الأمة" و"الأمة
التونسية"، فيُفيد:
-ماي 1337/ 1919 هـ: وفد الأعيان يلتقي كاهية المقيم، ويصرح رسميًّا بطلب الأمة التونسية دستوراً
1 - يوسف مناصرية: الصراع الإيديولوجي في الحركة الوطنية التونسية 1934–1937
ص 7
2 - العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن ص 25 3 - م. صص 505 - 508
336 (1/336)
صفحة 337
-18 جوان 1919: وفد الأمة يرفع ل"سموالجناب العالي" عريضة تتضمّن طلب مجلس نيابي لتونس ويجيبهم ب"حطاب مطمئن"
22 جوان 1919: الوفد الأوّل التونسي يتوجه إلى باريس ليرفع عريضة شعبية إلى رئيس مجلس الأمة، ووعدهم بإحالتها على لجنة الحماية وبلاد المستعمرات.
وقد شرح الوفد ما يريده من الدستور بـ:
أولاً
مجلس تفاوضي يتركب من أعضاء تونسيين
وفرنساويين يقع انتخابهم بالاقتراع العام يملك حق عرض المسائل على المفاوضة، وله أيضا سلطة واسعة على الميزانية
والقضائية
ثانيًا: حكومة مسؤولة لدى المجلس المذكور
ثالثًا: التفريق بصورة مطلقة بين السلط التشريعية والتنفيذية
رابعا: دخول التونسيين في كلّ المناصب الإدارية، بشرط الإحراز على الكفالات العلمية والأدبية التي تشترط على المترشحين الفرنسيين خامسا: المساواة في المرتبات بين المتوظفين الذين مع استوائهم
في الكفاءة يشغلون مناصب واحدة، دون أن يقع ميز لأوروبي على تونسي سادسا: تنظيم المجالس البلدية بالانتخاب العام في كل أنحاء
المملكة التونسية
سابعًا
: مشاركة التونسيين في شراء أراضي إدارة الفلاحة
وأملاك الدولة
ثامنا: حرية الصحافة والاجتماع
-ديسمبر 1338/ 1920 هـ: سفر الوفد الثاني إلى باريس، ليستأنف عرض
المطالب الثمانية، ويزيد عليها
تاسعًا
: التعليم الإجباري، ويزيدها شرحا وتوضيحا، ويبلغها
وزارة الخارجية، وأعضاء البرلمان الفرنسي، وسائر الدوائر، والمحافل
السياسية، والصحف الكبرى
337 (1/337)
صفحة 338
إرسال وفد مؤلف من أربعين عضوا من "أعيان المملكة" وبينهم سليمان الجادوي) لاستقبال المقيم الوافد على تونس وتكرار عرض المطالب التسعة عليه، ويجيب المقيم على سبعة، ويترك الإجابة المطلبين الأولين: المجلس التفاوضي، والحكومة المسؤولة.
وبعد التأكيد على "شذوذ" بعض الآراء، وشرح المطلبين، يختم البلاغ بالقول: " وبهذا البيان الواضح يظهر جليًّا أنّ الأمة التونسية لم تتراجع في طلباتها المتعلقة بالدستور، وأنها لم تزل متكاتفة على المطالبة به، وتراه قواما لحياتها السياسية والاجتماعية وأنها لا تريد بديلا عن مطالبها المقررة المؤيدة بقواعد الحق العام بين الأمم، وليس لحزبها الحرّ غاية يسعى إليها سوى التوصل لتحقيق تلك الرغايب بدون تراجع أووهن معتمدًا في ذلك على الله، وهو عماد المتوكلين".
،
لقد أفصح الجادوي، بما لا مزيد عليه، عن تعلقه المتين، وإعجابه المكين، بالشيخ الزعيم عبد العزيز الثعالبي، ذي " الآيات والفتوحات "، و"مصلح التعليميين""،، ويصفه، فيقول: " .. استمرّ الشعب في سيره يبحث عن الزعماء الحقيقيين، إلى أن تمخّض الزبد عن صرحه وانكشف القشر عن لبابه فظهر الشيخ الثعالبي وحزبه في الميدان فأعطيت القوس باريها والدار بانيها وبطل الغش وانقطع التضليل، وكان من الأمر ما كان كانت الأمة التونسية في حاجة كبيرة إلى زعيم فعّال غير قوال، فكان الشيخ بيت قصيدها، ومورد، ثقتها فاختارته من تلقاء نفسها وأوكلت لأمانته تحقيق أمنيتها، وإظهار بغيتها، فشمّر عن ساعد الجد، وأبدى همة نادرة، وقام بالوظيفة المقدّسة التي دُعِي إليها خير قيام انتدب الشيخ للسفر إلى باريس بعد أن أحرز على الثقة التامة من العامة والرضا من الخاصة، وكان يُعرَف عند الكافة أنه ليس من طلاب الشهرة ولا من مريدي الظهور، بل كان يمقت الرياء والشفوف، وكان في سائر أطواره يميل إلى الزهد والتواري خلف أفراد معلومين لأنه لا يريد شيئًا غير إعزاز الأمة التي وُجد فيها .. "2
1 - م. ص 327 2 - م. ص 492
338 (1/338)
صفحة 339
فهو يرى أن الزعيم استفرغ جهده في نشر "المبادئ الحرة"، و"الأفكار العمومية الواسعة"، ولم تكن القضيّة المرفوعة عليه باسم الدين ' إلا محاولة ل" إنثار عقده، وإثخان جهده ". كما لم يكن سجنه بتهمة "التآمر ضدّ أمن الدولة"، إلا عقابا على " قيامه بمصلحة عامة وخدمة وطنيّة، مُساقاً لهما بوجدان صادق، وخُلوص ضمير، شأن كبار النفوس المسؤولين لشعوبهم وبلادهم بالسير بهم إلى الرقي والنهوض". ولكن لم يخر، عزمه، ولا تفرّق جمعه. بل كان بعد ذلك كقطب لذوي الآراء السياسية، والنصائح العمومية بما خُص به من موهة التأثير، والمقدرة على الاستنهاض بتيسير "، وعد يوم إطلاق سراحه بعد إعلان براءته "يوما مشهودا"، و" عنوانًا على الاتحاد العام شعورًا، ووطنية ". ولم يكن الاحتفال الذي استغرق أيام الأسبوع وزانته الخطب والأناشيد الحماسية، والقصائد الفخرية 2 قاصرا على الإفراج عن الزعيم، وإطلاقه ذاتيا فقط
1 – كانت التهمة أنه يزدري بالكتاب والسنّة، ويُحقِّر من ثبتت له الكرامة من الأولياء الصالحين، ويشتمهم. وقامت الشهادة "العادلة" كما تنقل جريدة "الحاضرة" بتجاهره في مجالس متعددة بإبداء أفكار وتقرير أقوال من شأنها الاستخفاف بالدين. وتورد الجريدة أقوالا سمعها الشهود، ومن بينهم: العربي الكبادي (ت 1381 هـ/1961). وبلحسن النجار (ت 1372 هـ / 1952). العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن م. س.
299 - 298
وقد أشار الفاضل ابن عاشور إلى ذلك، بما يدل على سعة تفتحه وإعجابه بالثعالبي، وقساوة الجهل والتعصب والتحجر فيقول: " وبدأ الناس في استغرابهم شأن هذا الرجل، يلتقطون من كلامه سقطات في مسائل الخلاف بين الصحابة والأولياء، والكرامات، ويشيعونها على وجهها أو على غير وجهها حتى بلغت أسماع كبار الشيوخ الناقمين على التطوّر، فأثارتهم ثورة أدمجت الخلدونية والمنار والثعالبي، وتقدمت دعوة إلى النيابة العمومية، وجرت المرافعات والرعاعُ يترصدون للثعالبي في ذهابه إلى المحكمة ورجوعه يهاجمونه بالسب والأذى، ثم حكم عليه بالسجن، فكان أوّل مظهر لتميّز الحركة الفكرية الجديدة وإقامة الفوارق بينها وبين مناهج التفكير السابقة. وكان ذلك عاملا على تكوين عطف الكثيرين عليه، وتقوي الحركة الإصلاحية به وبنكبته". أركان النهضة الأدبية بتونس. صص 44 - 45
2 - راجع، على سبيل المثال: قصيدة الحدّاد مثلا في حفل تكريم الثعالبي إثر خروجه من السجن، وطالعها:
339 (1/339)
صفحة 340
لنعوته العالية، وفصاحته السحبانية، وصبره على الشدائد، بل كان أيضا للمسألة التونسية التي تزعم أمرها حتى التفت حوله القلوب، وأجلته إجلالها للدستور سيما وأن خروجه كان مرتديًا ثوب البراءة مما أضمر له، وأن في ضمن ذلك، التطهير، وإزالة لتلك المضمرات السيئة التي كانت تلصق بالأمة وبزعمائها من محبي الاستئثار، وتضاف إلى مسألتها الوطنية المقدسة:
و الثعالبي عند الجادوي هومن هو في علمه، وذكائه، وفراسته وإخلاصه "، وهو أحد " دعاة الأمة ورجال نهضتها "، و" طاهر الذمة نقي "2، مقدس".
ويرد صاحب "مرشد الأمة" عن جماعة "الحزب الإصلاحي" المنشقين، والذين قالوا إن كتاب "تونس الشهيدة": "هُوَةٌ ستُقبر فيها المسألة التونسية "، بأنه فخر لمنشئه ويُكسبه اعتبارًا، زائدا إن كان به حقائق وإن هو مبالغ فيه أوغير الصواب، فيبقى في زوايا الإهمال ولا يُعمل به ".
"
،
وقد اعتبر الجادوي تأسيس الثعالبي الحزب الحر الدستوري "أجمل عمل قام به في ذلك العهد، وألقت إليه الأمة التونسية مقاليد مسألتها الوطنية عن روية واستبصار، وكان مسلكه فيه وسياسته "مشتهرين معلومين، والأمة مجتمعة على تقديرهما، ومعرضة عن سخافات منازعيه ".
4"
1
ويلفت النظر إلى أنّ نُخَبًا من "الصادقين الصادقيين" كان لهم الفضل بتأييد الزعيم في أوّل الأمر، وهبطوا معه إلى العمل الشعبي". وكان منهم علي باش حانبه (ت 1336 هـ / 1918) صاحب جريدة " Le Tunisien"، من وهي "الصحف الوطنية الصادقة بالنظر إلى مديرها الفاضل "، ويصفه بقوله:"
،
الحق حق وإن ضلّت مسالكه لا بد أن يتجلّى بعدما انكتما
الديوان ص 48 1 - م. ص 7 / صص 511 - 514 2 - م. ص 491
3 - م. ص 488
700. p-4
- 5
ص 491 - م.
340 (1/340)
صفحة 341
الذي لا يغفل التاريخ تدوين عمله، ولا ينسى الشعب التونسي أياديه الغراء
ما توالت العصور، وتذكر نفيه الإداري من المملكة، هو ومن معه إثر اعتصاب الترنفاي الواقع س 1330 (1912) ضدّ جور الشركة ودوسها لحقوق الوطنيين، ذلك الإضراب الذي كان أوّليًّا في بابه، حتى اشتد وقعه على الإدارة لحد الجنون، حيث دام، شهرين تقريباً كانت عربات الشركة طالعة مع أسلاكها تنعى الفراغ من الإضراب ولولا تداخل الكتابة العامة باتخاذ طرق الإجبار مع متوظفيها والإرهاب لغيرهم، والتوسط بمن لا خلاق لهم، لرضخت الشركة لإعطاء ما هو واجب عليها من حقوق الوطنيين المهضومة .. "
نازلة
1"
والجدير بالذكر، هاهنا أن المقيم العامّ قرّر في 1912/ 03/13 (1330 هـ) إيقاف سبعة عناصر ونفي أربعة منهم وهم: علي باش حانبه، عبد العزيز الثعالبي، محمد النعمان، حسن القلاتي. كما وقع تعطيل جريدة Le Tunisien . ولكن المقاطعة تواصلت عدة أسابيع أخرى. وقد حاولت فرنسا تهدئة الأوضاع، فاتخذت جملة من الإجراءات لتحسين وضع الأهالي، وامتصاص غضبهم ومن بينها إلغاء المجبى، وتقديم جملة من الترضيات لصالح العملة التونسيين بشركة الترامواي كما أنها قررت بعد أشهر قليلة من ضرب قيادة الحركة، العفو عن عن القياديين المسجونين الثلاثة، والسماح للمنفيين الأربعة بالعودة من الخارج. فتم ذلك بالنسبة إلى الجميع، باستثناء علي باش حانبه الذي رفض العودة، وبقي يقيم في اسطنبول، يساند كل نشاط مناهض للهيمنة الفرنسية، ويساهم فيه عن بعد، رغم شدة الرقابة التي فرضتها الحماية وظروف الحرب، إلى أن توفي هناك. وقبل وفاته بقليل، وفي رسالة إلى أحد أصدقائه بتونس كتب باش حانبه من اسطنبول يقول: "قررت أن أقطع نهائيا كل صلة بتونس، إذ أن من الأشجار ما يمكن كسره، ولكن يستحيل إحناؤه فاعذروني إن أنا كنت به شبيها
،
2,1
1 - م. صص 7 - 8
2 - توفيق العيادي: حركة الشباب التونسي م. س. ص 81
341 (1/341)
صفحة 342
ولئن أجمل الجادوي علاقة باش حانبة بالثعالبي، فإنّ تفاصيلها جديرة بالاهتمام، إذ يبرز فيها التناغم بين ثقافتي الزيتونة والصادقية تمازجتا واتحدتا في الفكرة الوطنية والروح النضاليّة. فباش حانبة "من المناصرين للروح العصرية بتفتحه على الثقافة الغربية، مع بقاء جذوره موصولة بالحضارة الإسلامية "، وكان وكيل أحباس "جمعية قدماء الصادقية" المؤسسة س 1323 هـ / 1905، ولكنّه المسير الفعلي لها، والمشرف على معظم أنشطتها، وخاصة منها الثقافية كتنظيم المحاضرات فكانت هذه الجمعية مثلها مثل الجمعية الخلدونية، بمثابة "الجامعة الشعبية" الداعية إلى الأخذ بالأفكار العصرية والنفس التحديثي وازدادت فكرة "الجامعة الإسلامية" تمكنا في برنامجه، بعد تيقنه من فشل سياسة المشاركة التي نادى بها مع المستعمر وبدأ يعمل على نشر آرائه الوطنيّة في صفوف الطبقات الشعبية، بعد أن أحرز نجاحًا كبيرًا في تبليغ مشاغل التونسيين إلى الرأي العام الفرنسي الحرّ من خلال جريدة " Le Tunisien". وفي ذلك يقول: " فتجمعنا (يعني حركة الشباب التونسي من مصلحته التامة ألا يحيد بإرادة منه عن عامة الشعب بموقف صارم قد يؤدي إلى قطع الصلات مع القاعدة الشعبية وإرجاع رسالتنا
عقيمة" 3
2
وكانت جريدة " Le Tunisien لسان حال "حركة الشباب التونسي"، وقد صدر عددها الأوّل في 1907/ 02/07 (1325 هـ)، وهي صحيفة ناطقة
1 - وصفه به أندري جوليان. راجع: الزعيم الثعالبي وتجديد الفكر الديني صص 152 -
153
2 - حيث يقول مثلا في رسالة مفتوحة إلى G.Alapetite في أوّل عدد لجريدته Le Tunisien : " .. نحن نقول بأننا أصدقاء صرحاء ومخلصون لفرنسا فيجيبنا بعض الفرنسيين: إنكم تكونون حزبا وطنيًا جديدًا، فأنتم بالتالي مناهضون لفرنسا. إذا كان هذا هو مفهوم الوطنيين، فنحن لسنا كذلك ... ولكن إذا كان المقصود بالوطنيين أولئك الرجال الذين يطمحون إلى الترقية المعنوي والفمكرية لمواطنيهم. ويبحثون عن تحسين وضعيتهم المادية ويرفضون التعصب والظلم فنحن بلا شك وطنيون، نقول ذلك عاليا ونتشرف به ... ". توفيق العيادي: حركة الشباب التونسي م. س. صص 66 - 74 3 - حمودة السعفي: العلاقة بين علي باش جانبة وعبد العزيز الثعالبي، ضمن: الثعالبي وتجديد الفكر الديني م. س. صص 154 - 155 م. س.
342 (1/342)
صفحة 343
بالفرنسية تدافع عن مصالح التونسيين لدى الدولة الحامية. وقد تضمن العدد الأوّل افتتاحية بقلم علي باش حانبة بعنوان: "برنامجنا"، قدم فيها مطالب الحركة، ومنها: جعل التعليم إجباريًا ومجانيًا في الابتدائي، وضمان تغطية اجتماعية واسعة وبناء نظام قضائي عصري وعادل، وإرساء حياة سياسية تمكن التونسيين من ممارسة حقوقهم بواسطة تمثيل شعبي منتخب وهياكل دستورية قائمة":
يلي:
1
ويُمكن أن نوجز المحطات
التي التقى فيها الثعالبي وباش حانبه، فيما
الثعالبي وباش حانبه من زعماء "حركة الشباب التونسي" المتأسسة س 1325 هـ / 1907، وكان يجمعهما النادي الثقافي "المنتدى التونسي" المتأسس في بدايات ق 20
"
•
1 - توفيق العيادي: م. س. صص 70 - 71 وقد شهد منهج حركة الشباب" التونسي تعديلاً نحو الميولات الشعبية ذات المرجعية الدينية التقليدية، بعد أن لاقت بعض مطالبها ومواقفها في الأول، استنكارا شديدا. ومن ذلك، مثلاً، أن عددا من أعضاء الحركة، وعلى رأسهم علي باش حانبه، قد رفضوا مطلب خير الله بن مصطفى (ت 1385 هـ/1965)، الذي حلل مسألة تدهور الكتاتيب القرآنية، وطالب بإبقائها مع وجوب تعصيرها. وأوصى باش حانبه على أعمدة الصحافة بإلغاء الكتاتيب نهائيا، نظراً إلى اعتمادها على الحفظ والتلقين، ورفضها العلوم الحديثة. وطالب بتعويضها بالمدارس العصرية الفرنكو عربية، وهو ما رفضه الزيتونيون المحافظون خوفا من أن تصبح تلك المدارس دعاية للغرب، كما رفضه المهيمنون الفرنسيون الذين يخشون أن يؤدي نشر التعليم العصري إلى تغذية الشعور الوطني، وبقوا ينادون بالإكثار من المدارس المهنية الفلاحية لخدمة التوسع الاستعماري. واعتبر هؤلاء أيضا أن الكتاب أنسب باعتباره قليل التكلفة مما يسمح بتخصيص معظم ميزانية لصالح المعمرين، كما أن مضمونه لا يمثل خطرا حقيقيا على الاستعمار.
م. س. ص 73
2 نشرت " Le Tunisien " بتاريخ 1907/ 03/28 مقالاً بعنوان: " الشبان التونسيون يعرفون بأنفسهم"، ورد فيه: " .. يتصوّر بعض الناس أن الشبان التونسيين هم من أحفاد الأتراك الذين لا تربطهم علاقة عرق بالعناصر الأصلية، ويتصوّر آخرون أنهم ضباط بدون جنود أومجرد غاضبين، أو أشخاص موتورون بسبب نقدهم للسلطة. والواقع أن – الشبان التونسيين هم هؤلاء الشبان الذين تلقوا تعليما فرنسيا إما في ثانوية كارنو أوفي
343 (1/343)
صفحة 344
الثعالبي يتولى تحرير جريدة باش حانبه: "التونسي" بالعربية، بإعانة الصادق الزمرلي (ت 1403 هـ / 1983) الذي كان يقوم بتعريب مقالات علي باش حانبه، وعبد الجليل الزاوشت 1366 هـ / 1947)، والقلاتي، من النشرة الفرنسية وأصبحت أفكار الحركة التي يرأسها باش حانبه في متناول الحرفيين والتجار، وغيرهم من طبقة الشعب
الثعالبي يسهل على باش حانبه الاتصال بالزيتونيين في الجامع الأعظم، وتحريضهم على إضراب 1328 هـ/ 1910
الثعالبي يمثل علي باش حانبه باعتباره مدير "التونسي" في الاحتفال الذي نظمه طلبة جامع الزيتونة بساحة المعهد الصادقي، بمناسبة نجاحهم في تحقيق طلباتهم. تنظيم حملة واسعة لجمع التبرعات لصالح الهلال الأحمر العثماني، وإعانة بعض الضباط الأتراك والمتطوعين التونسيين على الالتحاق بجبهة القتال مناصرة للشعب الليبي في حربه ضد الإيطاليين
مشاركة التونسيين الليبين في حربهم تحت لواء "الجامعة الإسلامية"
بقيادة الرجلين
الثعالبي وباش حانبه يصدران س 1329 هـ / 1911، بمناسبة الحرب الطرابلسية، جريدة الاتحاد الإسلامي"، لدعوة المسلمين إلى التكتل، والوقوف
المعهد الصادقي أو في المعهد العلوي وهم اليوم موظفون قواد وخلفاء ومترجمون في مختلف الإدارات، أو محامون وتجار وفلاحون وهُم ليسوا عشرة، كما يحلو للبعض أن يقول، وإنما يكونون مجموعة تضم ما بين ألف وألف وخمسمائة شخص، ويزداد عددها
كل يوم بانضمام المتخرجين الجدد من المدارس إليها ... ". العيادي: م. س. 68 1 راجع التوصيف الدقيق لعملي الثعالبي والزمرلي في جريدة "التونسي". الحركة الأدبية والفكرية صص 120 - 121
وقد اعتبرت مقالات باش حانبه في تجنيس اليهود س 1327 هـ / 1909، وحسن القلاتي في إصلاح العدلية التونسية وعبد الجليل الزاوش في إصلاح النظام الجبائي والجمعية الشورية المنشورة تباعًا في جريدة "التونسي" س 1328 هـ / 1910 "مثلاً للدراسة السياسية العالية". م. س. ص 121
،
344 (1/344)
صفحة 345
في وجه الهيمنة الأوربية، وللردّ على مقالات جريدة " L'Unione"(الوحدة) المغرضة التي تصدرها الجالية الإيطالية بتونس، وللتنديد بعدم التزام حكومة الحماية بموقف الحياد الذي أعلنت عنه من قبل.
الزعيمان يعبئان الجماهير في معركة الجلاز (1329 هـ/ 1911)
انفيهما من جملة أربعة بسبب أحداث الترامواي
تلازم الرجلين في المنفى بفرنسا
الآنفة الذكر
الثعالبي يختار، بعد استشارة علي باش حانبه وظيفة متفقد المكتبات التابعة للأوقاف بإسطمبول (الآستانة)، ليتسنى له العمل من أجل الوحدة الإسلامية تطبيقا للبرنامج الذي أعده مع علي باش حانبه
باش حانبه يرسل الأموال من باريس إلى الثعالبي بإسطمبول، ويطلب منه البحث له عن مسكن
/ أوت 1330/ 1912 هـ: باش حانبه يلتحق بالثعالبي في إسطمبل الرجلان يسعيان إلى عقد مؤتمر إسلامي، تقرن فيه شكوى تونس بشكاوى سائر البلدان الإسلامية الأخرى، لإخراج القضية التونسية من
محيطها الضيق
الجنة "تحرير المغرب العربي " التي كوّنها علي باش حانبه في اسطمبول وعاضده الثعالبي، تثمر La Revue Du Maghreb" التي أنشأها محمد
باش حانبه (ت 1338 هـ / 1920) س 1334 هـ / 1916 بجينيف
/المراسلات بين باش حانبه والثعالبي الذي انتقل إلى القاهرة حسن القلاتي يسافر من إسطمبول إلى القاهرة مرسلاً من باش حانبه إلى الثعالبي حول القضية التونسية
-
1
1
العيادي: م. س. ص 76 / محمد لطفي الشايبي لطفي الشايبي: الحزب الحر الدستوري التونسي (1920 - 1934) ضمن: تونس عبر التاريخ م. س. ص 83 / السعفي: ضمن: الزعيم الثعالبي .. م. س. صص 151 - 163 م. س.
345 (1/345)
صفحة 346
لقد كرم سليمان الجادوي في "الفوائد الجمة عن طريق الصور الفردية والجماعية، نخبة ممن سمّاهم بـ" رجال الإصلاح في الشعب التونسي، الواضعين أساس نهضته التمدينيّة، والمؤيدين لها طورًا إثر طور، من وزراء، وزعماء، وصحافيين، وكتاب ومفكرين وهيئات شعبية، ووفود دستورية "، كل ذلك بغاية أن يكون أثر المصلحين في الأمم خالدًا، ومصدر الإخلاص الوطني على توالي العصور ماثلاً شاهدًا .. وهم في الحقيقة العناصر الوطنية
ذات التوجه الشرقي المحافظ والراديكالي.
،
ولا يعني هذا في نظرنا أنّ من يخالفهم الرأي والمذهب، ممن عمل من أجل تونس ليس من الوطنيين المصلحين فلا شك حينئذ أن انتقاء الجادوي للوجوه والأسماء، دال على ميله الشخصي، وربما تعصبه للفكر والمنهج اللذين
يميل إليهما.
وكانت الصور التي اختارها الجادوي في كتابه: صورة وفد المرسى، وهو كما كتب الجادوي: " وفد الأمة من سائر الطبقات، الذي واجه سمو الأمير المقدّس سيدي محمد الناصر باشا باي يوم 2 شوال سنة 1338 بقصر المرسى على الساعة السادسة مساء، من ذلك اليوم التاريخي العظيم الذي عرض فيه الوفد بالنيابة عن الأمة طلب إعلان الدستور
2
صورة وفد السفارة، وهو الوفد الذي قابل المقيم العام Lucien Saint إثر عودته من باريس، لاستيضاح الجديد فيما يخص القضية التونسية، وظهر في
الصورة من الوجوه البارزة والفاعلة، إلى جانب الشيخ سليمان الجادوي: - أحمد الصافي (ت 1354 هـ / 1935) الكاتب العام للحزب الحرّ الدستوري، وأحد أعضاء وفديه الأوّل، والثالث إلى باريس، ومدير مجلة الحزب "الفجر"، وبقي الحزب ممثلا في شخصه، بعدما غادر الثعالبي
1 - م. ص 12
-2
ة -م. ص 352 3 - م. ص 400
346 (1/346)
صفحة 347
البلاد التونسية نحو المشرق. وهومن أبناء العاصمة، وكان من خريجي الجامعات الفرنسية، ولكنّه عرف بمحافظته على الثقافة التقليدية، كما كان
أحد أعضاء "الحزب التونسي" الذي تأسس في مارس 1919 (1337 هـ) '. وقد نشر له الجادوي، كذلك، صورة خاصة، ونعته تحتها بأنه أحد "المخلصين في المسألة التونسيّة"
-
محمد
الجعايبي (ت 1357 هـ / 1938) خريج جامع الزيتونة
والخلدونية، ومن أبرز الصحفيين الوطنيين
أسس جريدة "الصواب"
س 1906/ 1322، التي اعتبرت "لسان النهضة الوطنية"، و"علم الكفاح السياسي"، وبدأت منذ صدورها تدافع عن حقوق الأهالي في تسيير شؤون بلادهم وتندّد بأساليب المعمرين في الاستحواذ على الأراضي التونسية الخصبة. وكانت الجريدة في منهجها الاجتماعي إصلاحية بنائية، تدعو إلى تأسيس الجمعيات الخيرية والشركات الاقتصادية وتعمل على ترويج دعوة الإصلاح الديني والاجتماعي، فحازت وصاحبها ثقة الشباب الزيتوني. ووصف الجعايبي بأنه أكبر" كتاب السياسة"، أوتي مقدرة بيانية فائقة في صوغ الجملة، وحبك المقال، ووضوح الفكرة، وتناسب المعاني، والتدرج المنطقي للانتهاء إلى المقصد الأصلي موضوع المقال. وكان في سياسته عنيفا على نظام الحكم، وتصرّف الإدارة قويّ الاعتداد بالحق القومي، عظيم السخط على سوء حال الوطن وأهله متشائماً من عواقب التصرفات الإدارية بانيا منهجه السياسي على فكرة الجامعة الإسلامية. وقد شارك الثعالبي في تحرير جريدة "الاتحاد الإسلامي".
،
وإضافة إلى هذا كان الجعايبي مسائدًا للحزب الحر الدستوري الجديد، وحضر مؤتمر قصر هلال س 1353 هـ / 1934، وشارك في حوادث 9 أفريل 1938
وتُوفي على إثرها 3.
1 - لطفي الشايبي: م. س. صص 86–91
-2
-م. ص 432
3 - العريبي: م. س. صص 57 - 58 / ابن عاشور: الحركة الأدبية صص 88 - 89
347 (1/347)
صفحة 348
الطيب بن عيسى (ت 1385 هـ/1965)، عضو اللجنة التنفيذية للحزب الحرّ، وهو كاتب وصحفي، وصاحب جريدتي "المشير"، و"الوزير" اللتين كانتا تساندان أطروحات الحزب وساهم بهما صاحبهما في تكوين رأي عام مؤيد لفكرة الدستور، وقد عطلت "الوزير" في مارس 1931.
كما كان الطيب بن عيسى في جماعة "الحزب الدستوري المستقل"، وهو حزب تونسي موال لفرنسا وأسسه فرحات بن عياد، بدعم من المقيم العام، بعد عودته من باريس وانسلاخه من الحزب الأم.
،وكان، كذلك، يكتب في أوّل مجلة تونسيّة خصصت صفحة للمرأة، وهي: شمس الإسلام"، فشارك في تلك الصفحة بمقالات يعرف فيها بشخصيات نسائية عربية وإسلامية.
وقد نشر له الجادوي صورة خاصة وكتب تحتها: "أحد رجال النهضة القلمية العاملين"
2"
- راجح إبراهيم (ت 1352 هـ /1933)، هو محام، من خريجي الزيتونة والخلدونية، ومن أشهر الأدباء والكتاب. وكان من أبرز محرري مجلة "الفجر" الناطقة بالبرنامج الإصلاحي للحزب الدستوري، وصدرت في ذي القعدة 1338 ه / أوت 1920، وكانت "مجلة علمية فكرية في ظاهرها، وأما باطنها فكان الوسيلة الشرعيّة الوحيدة يومئذ لجمع أموال الحزب، وتغطية مصاريفه الكثيرة "3
أحمد توفيق المدني (ت 1403 هـ/1983)، هو جزائري الأصل، وكان من أعضاء الحزب الحرّ الدستوري، وأُودع السجن رفقة زميله في الدراسة حسين الجزيري (ت 1394 هـ / 1974) إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، بتهمة "المس من أمن الدولة"، ولم يُفرّج عنهما إلا بعد انتهاء الحرب. وفي السجن "أتقن اللغة الفرنسيّة، وتعاطى لغات أوروبية كثيرة، وطالع كتب الفلسفة
1 - الشايبي: م. س. صص 88 - 91 /العريبي: م. س. ص 56 2 - م. ص 560
3 - العريبي: م. س. صص 62 - 63 / الساحلي: م. س. ص 95
348 (1/348)
صفحة 349
،
نوفمبر-
والاجتماع والسياسة، وخالط الصحف والمجلات الراقية، فكون لنفسه بنبوغه وعصاميته، علمًا واسعا وفكرة اجتماعية ناضجة وثقافة سياسية قليلة النظير. فلما خرج من السجن ارتمى بكليته في الحياة السياسية والفكرية .. ". وكان المدني عضوا في الوفد الدستوري الثالث ديسمبر 1924 (1342 هـ)، الذي بيّن أنّ مسؤولية الحكومة أمام المجلس التفاوضي تستثني المقيم العام والجنرال قائد جيش الاحتلال، والأميرال قائد البحرية، وهو دليل على قبولهم مبدإ الحماية، كما أكدوا على عدم التعاون مع الشيوعيين واختلافهم معهم
-
صالح فرحات (ت 1399 هـ / 1979)، من قياديي الحزب الحر الدستوري "البلدية"، الدارسين في الجامعات الفرنسية، والذين كانت ثقافتهم عربية إسلامية، وكانوا من حملة "إيديولوجيا دينية محافظة "، وكانوا "يحترزون من الطبقات الشعبية، ولا تُحبّذ العمل المباشر، والالتحام بالجماهير، بل تميل إلى النقاشات النظرية "، وكان عضوا في الوفد الثالث إلى باريس، ثمّ كان وزير العدليّة في حكومة محمد شنيق (ت 1976/ 1396)، التي أعلن تشكيلها المنصف باي (ت 1367 هـ/1948) في 1943/ 01/01، وكان من مؤتمري ليلة القدر في 1946/ 08/23 الذين أُلقي عليهم القبض من قبل السلطات الاستعمارية 2.
-
الشاذلي المورالي، من أعضاء اللجنة التنفيذية، وصاحب جريدة "المنير"، وانضم إلى "الحزب الدستوري المستقل" 3
صورة خاصة للشاذلي خزندار (ت 1374 هـ/1954) الملقب بـ"أمير الشعراء" في تونس، وكتب الجادوي تحت صورته: " أمير القريض السيد
1 - العريبي: م. س. ص 64 / ابن عاشور: الحركة الأدبية والفكرية ص 149 / الساحلي:
م. س. ص 90 / الشايبي: م. س. ص 92
2 - الشايبي: م. س. ص 90 /ص 115
3
م. س. صص 88 - 91
349 (1/349)
صفحة 350
الشاذلي خزندار عضو عامل في الهيئة التنفيذية للحزب الحر الدستوري، ومن الذين امتحنوا في سبيل المسألة التونسيّة
1 "
ومن المعلوم أن خزندار قد قرض "الفوائد الجمة في منتخبات مرشد
الأمة "2
صورة لمحيي الدين القليبي (ت 1374 هـ / 1954)، وعرف به الجادوي قائلا: " الكاتب الثاني للحزب الحر الدستوري والرئيس للهيئة التنفيذية، ومن حملة الأقلام الذي لا يلحق في مضمار، ولا يُشق له غبار، حازمًا مخلصًا "، واعتبره الفاضل ابن عاشور من الستة اللامعين في المقال السياسي، وقال:" اختص برئاسة تحرير جريدة الأمة، س 1339 هـ/ 1921، فكانت اللسان الشبيه بالرسمي للحزب الحر الدستوري وكانت مقالاته فيها توجيهات ذات أثر بعيد في حياة الحزب، وكانت خطته في الكتابة خطة الدعوة الإقناعيّة .... وجمله سهلة التركيب قوية الروح الحماسي، تغترف من لغة السياسة، وتعتمد التأسي بالأساليب الصحفية الرائجة
،
4"
ومن المفيد شهادة الهادي العبيدي (ت 1406 هـ/1985) ومحمد صالح المهيدي (ت 1389 هـ/1966) وعلي الجندوبي بأن القليبي من أشدّ خصوم الطاهر الحداد، وهو الذي أضرم نار الحملة الشرسة التي استهدفته، وحرّر جل المقالات التهجميّة غير الممضاة أو الممضاة بأسماء مستعارة، وأوعز إلى أحد عملة المطبعة الفنية حيث طبع "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، سرقة كراريس الكتاب قبل صدوره وتمكن بتلك الحيلة من الاطلاع عليه وتحرير مقالات عنيفة باغتت الحدّاد في شتى الصحف العربية عند ظهور الكتاب. وكان ذلك بدافع الحقد على الحدّاد لانسلاخه من الحزب الدستوري القديم و انتقاده طرق عمل قيادته 5
1
-م. ص 416 2 - م. ص 781
3 - م. ص 432
-4 الحركة الأدبية صص 150 - 151 / تراجم المؤلفين التونسيين ج 4 صص 118 - 122 5 - أحمد خالد: أضواء من البيئة التونسيّة على الطاهر الحداد ونضال جيل ص 313
350 (1/350)
صفحة 351
صورة للصحفي الجربي الشهير البشير الفورتي (ت 1374 هـ/1954)،
1
الذي نعته الجادوي ب"الوطني الصادق"، وهو صاحب جريدة "التقدم"، وثاني جريدة هزلية ولد البلاد"، بعد جريدة "أبونواس". وقد اشتهر الفورتي بحيويته، وتعدّد أنشطته في الميادين السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية
2
،
اصورة الحسين الجزيري (ت 1394 هـ / 1974 الذي وصفه الجادوي بأنه من "النوابغ الذين امتحنوا في سبيل الوطنية وجمعوا بين الإفادة في النثر والشعر"، وأحال على قصيدته "صوت من السجن 3.
ويُعتبر الجزيري من أبرز الصحافيين التونسيين في مجال الفكاهة والسخرية، ومدار شعره ونثره روح الكفاح السياسي والاجتماعي. تم فصله عن جامع الزيتونة، بسبب مساهمته في إضراب 1910 المطالب بإصلاح التعليم. وبعد خروجه من السجن، أصدر في مستهل س 1339/ 1921 هـ جريدة "النديم"، التي استمرت اثنين وعشرين عاماً دون انقطاع، وساندت الحزب الدستوري منذ إنشائه وأيدت زعماءه دون أي احتراز، وهاجمت خصومه ومنافسيه، وانتقدت "الحزب الإصلاحي" والجريدة الناطقة باسمه المسماة "البرهان" ثم "النهضة".
كان الجادوي حينئذ من جماعة الجزيري الذين شنّوا على الدستوريين الإصلاحيين، حربًا لا هوادة فيها.
وقد نال القلاتي نصيبا موفورًا من قذائف الشيخ وحممه، فذهب تاريخه النضالي على صفحات "مرشد الأمة" هباء منثوراً.
فحسن القلاتي الجزائري الأصل كان من ثلة الوطنيين الذين أسسوا الحزب التونسي، ومن زعماء حركة الشباب التونسي، وكان من أبرز
1 - م. ص 560
2 - الساحلي: م. س. صص 63 - 65
3 - م. ص 432 محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين ج 2 صص 29 - 34 4 - الساحلي: م. س. صص 89 - 97 / ابن عاشور: الحركة الأدبية ص 161
351 (1/351)
صفحة 352
المعاضدين للثعالبي وباش حانبه مُقرَّبًا منهما، وكان ضمن أعضاء الوفد الثالث إلى باريس ومن بين المكلّفين، إلى جانب باش حانبه، بالتوسط بين طلبة الزيتونة والإدارة الفرنسيّة، للتفاوض مع السلطة، لتلبية مطالبهم حتى
يتم إنهاء الإضراب، وفعلا قبلت سلطة الإشراف تقديم بعض التنازلات. لكنّ تنافرًا شخصيا بين الثعالبي والصافي من جهة، وقلاتي ومحمد نعمان من جهة أخرى، حدث بعد رجوع الوفد الدستوري الثاني من باريس، وسبب خلافا بين الدستوريين. وعاب القلاتي ومن معه على الثعالبي وجماعته العمل حسب إرادة القيادة دون استشارة القاعدة، واتهموهم بالاستحواذ على أموال الحزب، كما اتهموهم بالتطرّف وبإزعاج الفرنسيين، وهوما بينه قلاتي في مقال له بجريدة "تونس الاشتراكية" بتاريخ 1921/ 08/28 (1339 هـ)، وأعاد نشره في جريدة Le Corrier de Tunisie بتاريخ 1921/ 09/24، وعنونه ب "المسألة التونسية، وردّ عليه أحمد الصافي، فدحض التهم الموجهة ضده وضدّ صديقه الثعالبي وحزبه، وذكر القلاتي بأصله الجزائري، وكأنه يومئ إلى أنه يتدخل في القضية التونسية.
وكان القلاتي وجماعته يعتبرون "الإدماج" سبيلاً أسلم لانعتاق التونسيين، في حين تجنّب الدستوريون استعمال لفظ "الاندماج".
واستغل المقيم العام Lucien تباين رؤى القادة الدستوريين، مشجعا القلاتي وجماعته على الانشقاق. وهوما تم بالفعل فتأسس "الحزب الإصلاحي" في 1921/ 04/16، ثم أصدروا جريدة سموها في الأول "البرهان"، ثم تغيّر فأصبحت تعرف بجريدة "النهضة".
ويُفسّر محيي الدين القليبي الانشقاق الأول هذا في الحزب الدستوري بالأسباب الثقافية، إذ يقول: " فأعضاء الحزب المؤسسين من ذوي الثقافة الإسلامية، ومن خريجي جامع الزيتونة وعلى رأسهم عبدالعزيز الثعالبي، يريدون أن ينهضوا بالبلاد نهضة إسلامية، وأن يربطوا حركتهم بنهضة الشرق، ونضال الشرق مرير في وجه الاستعمار. أما أعضاؤه الجدد من الشباب الذين درسوا في فرنسا وتثقفوا بالثقافة الغربية، فهم يريدون أن ترتبط تونس بعجلة الغرب ".
352 (1/352)
صفحة 353
ولا يخلو هذا الكلام في نظرنا من الخلط والتجنّي، والاستنقاص من قيمة القلاتي خاصة في الحزب.
وعلى كل، لئن نُعت "الحزب الإصلاحي" من قبل البعض بأنه حزب "معتدل"، فإنّ البعض الآخر، وصفه بأنه حزب التملق والتواطؤ". ولم يجد هذا الحزب المنشق عنايةً من قبل الوطنيّين، واقتصر في مطالبه على بعض الإصلاحات الطفيفة، فتنوسي أمره إلى أن انهار من تلقاء نفسه '. ويُورد أحمد خالد أن الحزب الإصلاحي" سلك مسلك التعاون مع إدارة الحماية، وكان هدفه اقتسام النفوذ السياسي في البلاد بنسبة 60% للفرنسيين و 40% للإصلاحيين التونسيين، وقد تمتع هؤلاء بمقاعد في القسم الأهلي من المجلس الكبير وجهروا بمطالب إصلاحية سياسية في "النهضة" اليومية، والتي كان يديرها الشاذلي
جريدة
القسطلي (ت 1373 هـ / 1953) 2
المحتلين
أما القصاب فقد أشار إلى أن أصل الخصومة يكمن في الاختلاف حول طرق عمل الوطنيين، ذلك أن حسن قلاتي لا يرغب في التصادم مع الحماية، ولا بالخصوص مع الأوساط البرلمانية في باريس. ولهذا الغرض كان قد اقترح اتباع طريق الحذر، والاقتناع بإصلاحات تدريجية مع التعاون النزيه مع النظام القائم. ورأى أن تتابع الإصلاحات من شأنه أن يحسن ماديا الوضع الذي عليه التونسيون. ولم يكن الوحيد الذي يفكر هذا التفكير. وقد تألم من هجومات رفقائه القدامى الذين اتهموه بالميوعة بل حتى بالخيانة. فلم يتردد مع البعض من أصدقائه في تأسيس الحزب الإصلاحي". ثم ازداد النزاع بين الوطنيين حدة، ففي حين استمر الدستوريون في كيل الشتائم لقدماء رفقائهم الذين انضموا للحزب الإصلاحي شنّ قلاتي على الشيخ الثعالبي هجمة شرسة في جريدة Tunis Socialiste في 191/ 08/28، وفي الوقت نفسه
،
1 - راجع: الشايبي: م. س. صص 85 - 90 / العريبي: م. س. صص 25 - 26 / يوسف مناصرية: الحزب الدستوري التونسي 1919 - 1924 ص 174 /أحمد خالد: أضواء من
البيئة التونسية
م. س. صص 57 - 58
2 – أحمد خالد: م. س. ص 190
353 (1/353)
صفحة 354
أصدر نصيره محمد نعمان نشرية في عشر صفحات محررة بالعربية بعنوان "كلمة حق"، كما نشر يوم 1921/ 09/10 فصلا في جريدة Le Courrier للتهكم على الثعالبي. ويصف القصاب هذه الضجة
Tunisien
ب "الجعجعة"، و"الحزب الإصلاحي" ب "النادي"، لأن أنصاره كانوا قلة، والحملة ضده كانت منظمة بمهارة
لقد اعتبر الجادوي "الحزب الإصلاحي" "حزب الخذلان"، و"حركة الشقاق التي كوّنتها مطامع ثلة من المخذولين وقد أبرزتها الإدارة لإشغال الحزب الدستوري عن صالح عمله العام، ووصف جماعتها بأنهم "عبيد الإدارة" الذين يتحركون فوق "مرسح" الخذلان"، وهم "ممقوتون من طرف الأمّة، ولمْ يُسمَع لهم قول، ولن يُسْمَع، ولم تزل تجارتهم إلى اليوم في بوار ... ". كما يصفه بأنه "رهط" الفساد " الذي تفانى في نشر "مدعياته التي يحاول ترويجها وراء الحرص على اغتنام الفرص 3، وقد "امتحن بهم القطر وابتلي بهم ابتلاء سقيم بطبيب ذي غاية شخصية في استطالة المرض بالمصابين"، و"أشهروا حربًا على الأمة، وأثاروا الهرج والمشاققة المهلكة ويعدّ الشيخ "جريدة التونسي" "من الصحف الوطنية الصادقة بالنظر لمبد! مديرها الفاضل"، ولكن بالنظر إلى بعض محرّريها كمَن يُدعى قلاتي، فإنها تتيه أحيانًا إلى أن تصل لسواحل الذبذبة والضلال
5,1
هذا
وقد عرض بعضًا من مواقف قلاتي ونُعمان، وجماعتهما، باختصار مقتضب، وبتعبيره هو وصياغته، ليفسح المجال لردوده المسهبة غير ذات القيمة الحجاجية العالية والصاعقة بالأوصاف التي يطلقها.
ونذكر من أفكار الإصلاحيين، ومواقفهم المبثوثة فيما ينشرونها من مقالات، كما ينقلها الجادوي بلفظه:
1 - أحمد القصاب: تاريخ تونس المعاصر تعريب: حمادي الساحلي صص 514512
2 - م. ص 484 3 - م. ص 495
4 - م. صص 756 - 757 5 - م. ص 189
354 (1/354)
صفحة 355
إجرام بعض رؤساء الدعوى الدستورية (في نظر السياسة)، وجهلهم بغير العربية، ومصادمة الفكر العام الفرنسي بكتاب "تونس الشهيدة"
استغفال الأمة وانقيادها لهؤلاء الصبيان، وعدم تعويضها لهم بغيرهم، وطلب الحساب على صرف الأموال
الشطط في المطالب
عدم بيان الوفد الأوّل لأعماله الباريسية ودعوى تغيير الثاني لبرنامج
القضية
تحبيذ أحد الاقتراضات وقتها وتخطئة المعترضين عليه، والدفاع على سياسة المقيم الراحل آنذاك (12 محرم 1339 هـ/ 1921)
جهل الصحافة العربية وبعد أربابها عن خدمة الصالح العام '
،
ومن المقالات التي كتبها قلاتي، ما ورد في جريدة L'avenir Social، حيث عرض مطالب التونسيين، وحصرها في أربعة:
/نشر التعليم
إصلاح العدلية
تنظيم اليد العاملة التونسية
إحداث حجرتين للفلاحة والتجارة
ومقال نشره في جريدة Tunis Socialiste بعد انفصاله عن الحزب، بعنوان "المسألة التونسية"، فذكر أن كلمة "دستور" خدشت آذان الديمقراطيين الفرنسيين، وجعلت أعداء التونسيين يعتبرونها كلمة خطيرة تخفي بلطف الرغبة في طرد الفرنسيين من الإيالة .. 3
م. ص 487
2 - م. ص 493
3 - أحمد خالد:
: م. س. صص 56 - 57
355 (1/355)
صفحة 356
وقد وقف عنده الجادوي ذاكرًا أنه " ندّد فيه على الحزب الدستوري، وصوّب فيه سهام مطاعنه على صفوة مسيريه يحط من كرامتهم، ويزدري بهم بين الناس، بعد أن لفق لهم من التهم ما شاء، وألصق بهم من الصفات والنعوت ما أراد، وأظهر في كتابته براعة فائقة في الجدل وقلب الحقائق، ما كنا لنرتضيها له وإن رضيها لنفسه، لأنها تدلّ على وهن الحجة، وقلة الحنكة بالأمور على أن كلّ قارئ لهذا الفصل، لا أظنّه يشك أنه كتب تحت تأثير نوبة عصبية شديدة ألمت بدماغ الكاتب، فأخذ يهرف بما لا يعرف بصورة يلوح منها الغرض وسوء القصد حتى صار لا يفرق في قضاياه بين المقدمات والاستنتاجات فضلاً عن الصواب وأخطاء أسلوب الحكيم "
1"
ولئن لم يرتق الجادوي في ردوده إلى مستوى مرموق، حيث أُثقلت الجمل بالتعميم، والاستطراد والتطويل والإلغاز والتهكم، فإنّه لفت الانتباه بتضئيله من قيمة قلاتي ونعمان.
فهو يصف قلاتي بأن له نصيبا من الفراسة العلمية والذكاء، ولكنّه صرفهما في غير مصلحة التونسيين، وفي مقارعة خصومه الشخصيين. وتاجر بالقضية الوطنيّة، واستحوذ على عديد الامتيازات المالية والعقارية والوظيفية. وإذ يلح الجادوي في دعوة التونسيين إلى مقاطعة رهط" قلاتي، وعدائهم،
فإنه ينعته بأنه:
رجل غريب
/ دعي الدفاع الوطني في القضية التونسية
مجرد كاتب مقالات في جريدة Le Tunisien
مسير رغم أنفه من قبل باش حانبه في "حركة الشباب التونسي"
/ أناني، طماع
عاد بعد النفي للاشتغال بمهنة المحاماة لا لاستئناف الخطة الوطنية
1 - م. ص 490
356 (1/356)
صفحة 357
غالط الشعب واصطنع الانحياز التام للمسألة التونسية
ذو وجهين، منافق، مموه
صنيع المقيم العام فلاندان، ومأجور
لئيم قابل إكرام الأمة بالانتقام
مرض فتاك، ورأس فتنة
كذاب
طائش حسود حتى لم يجد ما يطلب ولا ما يقول
/حقير
سقيم الفكر
حدث الدخيل
جاهل
1
وشتان بين هذه الأوصاف وبين ما نعت به الزمرلي قلاتي، فقد وصفه بأنه "مفكر سياسي"، و"الرجل المتفوق"، و"المثقف الأصيل والرصين"، وأنه "ظل يعمل بدون كلل أو ملل من أجل تحرير وطنه الثاني تونس زهاء الستين
سنة 20
كما نال محمد، نعمان، قرين، قلاتي، حظه من الصواعق الجادوية. ونعمان، هو محام اشتراكي من زعماء حركة الشباب التونسي، ومن مؤسسي الحز التونسي، ثمّ من المنشقين عن الحزب الدستوري بالحزب الإصلاحي، وكان أحد أقطاب الحزب الاشتراكي الفرنسي" 3، قبل أن
1 - م. صص 190 - 194/ 488 - 495/ 757 - 765
2 - راجع: الزمرلي: أعلام تونسيون تقديم وتعريب: حمادي الساحلي صص 333 - 340 3 - وصف أحمد خالد هذا الحزب بأنه كان يجمع نخبة من المحامين والأساتذة والأطباء الفرنسيين المتبجحين بالاشتراكية في جريدتهم: تونس الاشتراكية، وكانوا في منأى عن
357 (1/357)
صفحة 358
ينضم إلى الحزب الدستوري الجديد ويتعهد بالدفاع عن بورقيبة في قضية المؤامرة ضد أمن الدولة الفرنسية، وهاجم فكرة "الكتاتيب العصرية" في جريدة Le Corrier Tunisien ، وكان من المنفيين في قضية الترامواي، وهو صاحب المجادلة المشهورة مع الحبيب بورقيبة في مسألة الحجاب س 1347 هـ/1929، فكان يدافع عن السفور، كصديقه قلاتي، وكان من المساندين للطاهر الحداد في محنته، وأسهم بعدة مقالات في مجلة " ليلى" تأسست في س 1355 هـ/11936
النسائية التي وقد استوقفت الجادوي مقالات نعمان التي شدّد فيها النكير على الصحف الوطنية واعتبرها تترجم عن آراء فردية وبذلك انعدمت فائدتها، وبقيت البلاد شاغرة من صحف تنفع، وأقلام تقوم بخدمة البلاد، وتقود
،
الرأي العام. كما استوقفه مقاله الذي عنونه بـ الحزب الحرّ والنظام"، وضمنه سؤاله: هل في الإمكان وجود حزب سياسي آخر؟ 2
فصب عليه الجادوي سيلاً من الشتائم، ومنها:
الا مبدأ له
ذوسلوك متلون
خامل يطلب الشهرة
مطرود من الحزب
ا وقع
ذو هذيان وبهتان وشقشقة
مريض وفاقد الرشد
الشعب، فلم تتعاطف معهم إلا ثلة من التونسيين المتزودين بالثقافة الفرنسية.
م. س. ص 190
1 - أحمد خالد: م. س. ص 5 / ص 43 / ص 53 / ص 190 / صص 260 - 271 / ص 374 م. س.
2 - م. ص 461
358 (1/358)
صفحة 359
ناكر للجميل
مموه
ولئن شهدنا هذا التركيز في "الفوائد الجمة" على حزب قلاتي ونعمان، فإن هناك انشقاقين آخرين في الحزب القديم، وهُما "الحزب المستقل" الذي تزعمه فرحات بن عياد س 1340 هـ / 1922، وكان سائرا في إطار الحماية، ولا يعارض انحرافاتها، وشارك في إصلاحاتها المتماشية مع روح الحماية. وكذلك جماعة "العمل التونسي" التي ترأسها الحبيب بورقيبة س 1353 هـ/1934، وأسس لها في مارس من السنة نفسها حزب "الديوان السياسي"، واعتبره أصحابه امتدادًا للحزب الدستوري"، في حين رآه بعض الدارسين مخالفا له في جميع برامجه، وبرنامجه هو برنامج الحزب الإصلاحي"، فحافظ بذلك الحماية، وصارع سلطتها في تونس المنحرفة عن نصوص المعاهدات الفرنسية التونسية، وطالب بالتعاون مع الفرنسيين، واتبع برنامجا سياسيا يهدف إلى استقلال تونس استقلالاً ذاتيا تكون بمقتضاه مرتبطة بفرنسا في إطار اتحاد متوسطي للمستعمرات تحت لواء فرنسا الكبرى، واعتمد على سياسة المراحل الموصلة إلى الاستقلال الذاتي والمحافظة على حقوق الفرنسيين المكتسبة في تونس، والاعتراف بالحماية كواقع تاريخي، ومشاركتها في
على روح
السلطة 2
وقد اعتُبرت "جمعية عموم العملة التونسيين" المتأسسة س 1342 هـ/1924 وجها نقابيًّا للحزب الحرّ، ولم تكن منشقة، واستقطبت عناصر عديدة من الحزب 3 ومنهم أحمد توفيق المدني، وعبد الرحمان اليعلاوي، والطاهر الحداد الذي يقول: "أعلن (أي الحزب بالشكوى من سوء النظام الحاضر، وطلب من الحكومة الفرنسية تغيير شكل حكومة البلاد التونسية طبق برنامج سطر فيه مطالبه التسعة المعروفة، وعرضها على رجال فرنسا بواسطة وفود تكررت مرات لإفهامهم حقيقة الحالة الموجودة بالبلاد التونسية، طبق
1 - م. صص 459 - 464 صص 484 - 489
2 - يوسف مناصرية: الصراع الإيديولوجي م. س. صص 8 - 9
3 - مناصرية: الصراع الإيديولوجي ص 8
359 (1/359)
صفحة 360
برنامج سطر فيها مطالبه التسعة المعروفة، وعرضها على رجال فرنسا، بواسطة وفود تكررت مرات الإفهامهم حقيقة الحالة الموجودة بالبلاد التونسيّة وأحقية المطالب التي قدّمت لهم حتى يعطوها عن رضى منهم. وليس قصدنا ن نتتبع هذه الحركة السياسية بالتفصيل، وإنما ذكرناها بهذا الإجمال من جهة أنها كانت أوّل دور انتقل إليه الشعب بعد سكونه ونومه الطويل. ففي هذه الأثناء بدأ الشعب يشعر أن الحركة السياسية وحدها لا تكفي لإفهام الحكومة ما يطلب الشعب منها، بل يلزم أن تنضاف إليها نهضة العلم والاقتصاد وتأسيس المؤسسات لذلك بصدق وعزيمة. وتلك هي القوة التي تفهمها الدول الوصيّة اليوم على الشعوب المستضعفة. ولقد أخذ هذا الاستعداد ينموكل يوم في البلاد، وصار حديثًا منتشرا بين الجماعات إلى سنة 1924، فجاء غرتها السيد محمد
علي .. "
1"
ولكن لا يمكن أن نسهوعن نقد الزعيم النقابي محمد على الحامي (ت 1346 هـ / 1928) الطريقة عمل اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري القديم، إذ يقول الحداد: " .. ولطالما كان أي الحامي يتأثر ويلوم كثيرا المفكرين ومَن وضعوا أنفسهم في مركز قيادة الأمة، كيف لا يجتمعون بالناس إذا كانوا في نادٍ خاص بأسلوب خاص على منبر خطابة، وهو قدر لا يكفي للتعارف الحقيقي بينهم وبين الأمة. بل ربما جعلها تشعر بتفوقهم عليها واستحقاقهم للحياة أكثر منها، فتنكسر نفسها أمامهم. وهذا ما يجعلها بعيدة عن إدراك معنى الحرّيّة الحقيقية التي يجتهدون هُم في شرح معناها."2.
20
وهذا ما اعتبره أحمد خالد سببًا في نقمة قادة الحزب على حركة محمد
،
علي وعلى رجالها ومن بينهم الطاهر الحداد. ويضيف خالد في موضع آخر: " ويبدو أن الدستوريين القدامى ساندوا الحركة العمالية التونسية في بدايتها خشية أن لا تفلت من أيديهم مقاليد الزعامة الوطنية بظهور نضال ثوري جماهيري أجدى من عملهم الحزبي المحتشم القائم على الدعوة لسياسة المشاركة، حسب تعبير محيي الدين القليبي عضو اللجنة التنفيذية للحزب
1 - الحداد: العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية صص 44 - 45
2 - الحداد: م. س. صص 165 - 166
360 (1/360)
صفحة 361
?
الحر الدستوري في مقال له: بعنوان شغب وتضليل ومكابرة عجيبة، نشره في جريدة -إفريقيا - كرد على هريورئيس الوزراء الفرنسي الذي صرّح أمام البرلمان بأن محمد علي دستوري ... تقربوا إليه وساندوه في البداية عندما أدركوا قوة حركته الشعبية، قبل أن يتسمم عليه الجوالسياسي في البلاد .. "". ولا تفوتنا، هاهنا، إشارة بعض الدارسين إلى أن قادة الحزب الدستوري في أغلبهم منحدرون من عائلات مترفهة من العاصمة التونسية، وهم ينتمون إلى نخبتي:
/ المحامين المتشبعين بثقافة قانونية فطبعوا الحزب بنزعة التمسك بالشكليات القانونية ومنح الثقة للطرق الدبلوماسية، والالتجاء إلى المرافعات المقنعة والمعززة بالملفات مفضلين ذلك على العمل الجماهيري والمظاهرات العنيفة
/ قدماء طلبة الجامع الأعظم الذين لم يسمح لهم تكوينهم بمواجهة مشاكل الساعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمقاربة جديدة كليا.
العقلية
وتجمع بين هذين الصنفين من المثقفين عقلية واحدة هي الأرستقراطية، فهم يتورّعون عن التوجه نحو الشعب والاختلاط به. وهم من ناحية ثانية محافظون إلى أقصى حد، فلا يتصورون قيام نظام اجتماعي مختلف عن النظام الذي عاشوا في كنفه
ج-الدستور
2
كان اهتمام الصحافة بالحياة الدستورية في تونس قبيل الثلث الأخير من ق 19 تقريبا. فقد كان نشر القوانين وأنظمة المجالس، هي السبب المباشر لإنشاء صحيفة الرائد التونسي"، إذ كان هدف السلطة السياسية، تبليغ نتائج أعمال المشرعين التونسيين الذين اضطلعوا بشرح وتفصيل المبادئ التي تضمنها ميثاق عهد الأمان س 1857 (1274 هـ).
1 - راجع: خالد: م. س. صص 194167
2 - القصاب: تاريخ تونس المعاصر م. س. صص 504 - 506
361 (1/361)
صفحة 362
وبصدور الدستور التونسي في -15 - 10 - 1277 هـ /16 - 04 - 1860 خصصت "الرائد" في عاميها الثاني والثالث أهم صفحاتها لنقل أخبار المجالس بعرض القضايا الجنائية والأحكام الصادرة في النوازل العارضة في محاكم تونس ومدن الإيالة وهوما يعكس رغبة السلطة في إنجاح معركة المجالس، كما يؤكد مدى نفوذ الفئة الإصلاحية مثل خير الدين والجنرال حسين وابن أبي الضياف داخل الدولة رغم سلبية السكان. وبحكم كون الرائد جريدة رسمية موجهة إلى نخبة المجتمع، لم تعكس كل مواقف الفئات الاجتماعية من
الدستور.
ولم يثن التراجع عن الالتزام بالدستور جريدة "الرائد" عن اتجاهها الفكري الإصلاحي الدستوري، فاستمرت في نهجها التنويري المستقى من الفكر الأوروبي، ولم يضعف إيمانها بالدستور، واكتفت لصفتها الرسمية، بمعارضة سياسة الباي ودعم الاتجاه الإصلاحي، بطرق غير مباشرة. كما طُرحت مسألة الدستور على صفحات الرائد التونسي" في عهد خير الدين بمناسبة صدور الدستور العثماني وتأسيس البرلمان على يد المصلح التركي مدحت باشارت 1301 ه/1884) '
أما جريدة أحمد فارس الشدياق (ت 1304 هـ / 1887) "الجوائب" المؤسسة اسطمبول س 1277 هـ/1861، فقد شدّدت النكير على الصادق بايت 1299 هـ / 1882) لنزعته الاستبدادية وإجهاضه التجربة الدستورية، انقياداً لشهواته السلطوية، ورضوخًا للضغط الفرنسي المسلّح.
ولم تفتر "الجوائب" عن الدعوة إلى الحياة الدستورية، ومنح الحريات، والفصل بين السلطات واستقلالية القضاء، والاحتكام إلى المجالس، والتشهير بأعمال القمع والتنكيل بالثوريين والمعارضين
2
لقد اعتبر الجادوي أن مقابلة وفد الأمة للأمير محمد الناصر باي (ت 1340 هـ/1922) لتبليغه عريضة طلب إعلان الدستور من قِبله، "يوما
1 - عمايرية: الصحافة وتجديد الثقافة 2 - عمايرية: م. س. صص 177 - 184
م. س. صص 305 - 321
362 (1/362)
صفحة 363
تاريخيًا عظيمًا"، ومن "الأيام التي يرجى أن يحفظ لها التاريخ ذكرا جميلاً
1
في الأمة التونسيّة".
وهو يرى أنّ الأمة لا يتسنّى لها التقدم المادي والأدبي ما لم تُعْطَ حرية القول والفعل، والاستحقاق والاجتماع والمساواة في الحقوق، والمشاركة في التشريع، بأن يكون لها نُوّاب بالانتخاب العام، يراقبون الحكومة.
"
،
،
و"الدستور"، في نظره، حق شرعي، مقدّس، مطلوب، تتوقف عليه سعادة الأمة التونسيّة، وسرعة تقدّمها، و"هوليس بالأمر الجديد، وإنما هو مسترجع فاقد كان لها من قبل، ثمّ قضت عليه الظروف بهذه النومة الطويلة، والسبات العميق، فرأت من حاجتها إليه أنه جاء الإبان بأن تقوم بطلب استرجاعه، وإسراج نوره على أنه ليس من الأشياء الكبيرة والأمور الخطيرة وهي تطلب هذا الحق من الجمهورية التي التزمت بتخليص الأمم الضعيفة من ربقة الاستبداد وتحريرها وإعطائها حق الحياة الوجودية". ويصف الشيخ الأمة التونسية بأنها "كمّية متصرف فيها" 3، ولذلك لا يرى في غير "النظام الديمقراطي" و"الحكم الدستوري" حياة تستوجب الاطمئنان، يُعطى بها الشعب حق المشاركة في شؤونه، تشريعا وإجراء، على قاعدة يُقررها العدل ويرتضيها الإنصاف وتزدان بها سياسة الأقوياء بين
المستضعفين.
،
ويُنبه إلى أن الحكومات ذوات السلطة المطلقة، والمصالح الشخصية الضيقة، لا يستقر لها، قرار بل يكون هيكلها هدفا للانقلاب والارتجاج، وبذلك يحلّ العناء بالأمم التي خُلقت حرّة، وتريد أن تعيش حرة، إذ الحرية في نظرها جزء من روحها. والقوانين وسيلتها في تقييد السلطة المطلقة،
وحماية حقوقها.
1 - م. صص 352 - 353 2 - م. صص 357 - 358
3 - م. ص 398
4
-م.
ص 401
5 - م. ص 356
363 (1/363)
صفحة 364
،
،
ويُورد أنّ العقل والشرع والتاريخ والعادة والعيان، أجمعت على أنّ سعادة الأمم منوطة ب"الدستور"، إذ فيه تنعكس أشعة الرقي، ومنه تنبعث شهب النظام، وبه تُدان المدنية، وله تنزوي ضياء التقدم، وتحنّ رفاهية
الحياة
ف "الدستور" حسب الجادوي، هو الحافظ للأمة التونسية من غوائل حزب الاستعمار الذي ما فتئ يسيئ إليها بلا رادع مسلحًا بسلطة قوية، يشعر معها أنّ طلبه لا يُرَدّ، وإذا اعتدى لا يُعاقب بل يلتمس له العُذر، ويُسخّر العملة بأجور زهيدة ويستخدم الأحرار المحتاجين، وإذا رغب في أرض يملكها بدعوى الاستثمار والاستعمار وقضية الأحباس العامة والخاصة، ووادي زرود شاهد على ما لهؤلاء من النفوذ المطلق والتصرف المبيد. فالاستعمار ومطامع أهله الشاسعة، إذا لم يُقيَّد بقوانين دستورية يكون ضرره على الأمم المحمية أو المستعمرة أكثر بأضعاف من نفعه". ويؤكد في إلحاح، على أنّ "الشعب لا يرى كفالة لكل المتساكنين غير الدستور
•
3"
ومن المعلوم أن الثعالبي كان يرى أنّ العلاج الوحيد للداء التونسي هومنح دستور للبلاد، وكانت خلاصة تقرير وفد الأمة الثاني إلى باريس، أن التونسيين بلغوا طورًا من أطوار نهضتهم توجب عليهم تمتعهم بنظام دستوري، يضمن لهم الحرّية الشخصيّة، والحرّية الفكرية، وحرية الاجتماع والقول، ويضمن مراقبة الميزانية، ويسمح لهم بالمشاركة بصفة فعلية، في تقرير الأتاوات الجديدة، ووضه الإصلاحات المزمع إجراؤها. وفوق هذه الإصلاحات، ولضمان تحقيقها يطلب التونسيون تفريق السلط، وتقرير مبدا مسؤولية الحكومة، والكلّ تحت مراقبة فرنسا.
وقد كانت فصول برنامج مطالب التونسيين كما يلي:
1 - م. ص 51
2 - م. صص 358 - 359
3 - م. ص 401
4 - القصاب:
: م. س.
ص 500
364 (1/364)
صفحة 365
2
مجلس تفاوضي متركب من تونسيّين وفرنسيين، يقع انتخابهم بالاقتراع
،
العام، ويكون متصرفا في مواضيع مباحثاته وذا نظر متسع في الميزانية
العمومية
حكومة مسؤولة لدى المجلس المذكور
التفريق بصورة مطلقة بين السلط التشريعية والتنفيذية والعدلية
تسلّم التونسيين لذرى كلّ المناصب الإدارية بشرط الإحراز على
الكفالات الفكرية والأدبية التي تشترط على المترشحين الفرنسيين المساواة في المرتبات بين المتوظفين الذين مع استوائهم في الكفاءة يشغلون مناصب واحدة بدون أن يقع ميز لأوروبي على أهلي
تنظيم المجالس البلدية بالانتخاب العام في كل أنحاء الإيالة التونسية التعليم الإجباري
مشاركة التونسيين في شراء أراضي إدارة الفلاحة وأملاك الدور:
2
حرية الصحافة والاجتماع .. وقد تصدّى الجادوي لكلّ من عارض مطالبة التونسيين بدستور، واحتفى بكل من ساند هذا المطلب المقدس.
ومن ذلك الفتوى القانونية التي أصدرها الحقوقي والبرلماني والسياسي الفرنسي برتيلميي، في 1921/ 07/11. وقد أحرزها الحزب الحر الدستوري التونسي، كما يقول الجادوي، إثر مجهودات هائلة بذلها في هذا الشأن"، واعتبرها "فصل الخطاب الحاسم لكل قيل وقال، في شأن مطالبة الشعب التونسي بالدستور، كما تُبطل دعوى القائلين بمنافاته للحماية، ويرتفع بها الإشكال " 3.
م. صص 411 - 424 الثعالبي: تونس الشهيدة صص 291 - 298 /القصاب: م. س.
صص 499 - 504
صص 425 - 430 م.
3 - م. ص 473
365 (1/365)
صفحة 366
وقد أجابت هذه الفتوى عن أربعة أسئلة
:
هل يمكن للشعب التونسي أن يخاطب أميره بواسطة عرائض؟
هل لدستور عام 1861 الكتابي وجود قانوني الآن؟
هل إرجاع هذا الدستور على القول بوجوده وتغييره مع الحماية مطابق
لهذا النظام؟ هل النظام الدستوري موافق للحماية؟
وينتهي مصدر الفتوى إلى أن لا مضادّة أصلية بين بعض السياسة الداخلية بالبلد المحتمي وبين نظام الحماية، ويجب أن تكون السياسة موافقة للحالة العامة التي للشعب المحمي حسب درجة تهذيبه، وانتشار العلوم والمعارف بينه كما أن ملاءمة بعض الحرّيات السياسية والإدارية لنظام الحماية لا شك فيها من جهة القانون وأما درجة هذه الحرية فهي مسألة سياسية يقع الوفاق فيها بين الدولة الحامية والدولة المحتمية".
كما نشر الجادوي فتوى قانونية ثانية حررها المحامي بدائرة عدلية باريس أدوار. ك كلوتيت في 1921/ 12/14، تؤيّد المسألة التونسية، وتقرر أن القانون لا يعارض قبول فرنسا بالمطالب والتنقيحات التشريعية، ومباشرة العمل بها في المملكة التونسية 2.
وتحت عنوان "لنأتمر" لتحقيق الآمال"، كتب الجادوي:
أولاً: نريد، ولا بدّ من تنفيذ إرادتنا العادلة، أن يكون لبلادنا دستور شوري انتخابي نسبي، أكثر انطباقًا على العدالة والإنصاف مما نحن عليه
الآن.
نريد الدستور العادل ولا نريده إلا لردّ حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة التي لا حياة له بدونها.
1 - م. صحر 473 - 478
2 - م. صص 562 - 565
p-2
366 (1/366)
صفحة 367
تريد الشورى ولا نريدها إلا لنسترجع حقوق الجمهور التي فتكت بها مخالب الجهالة والأغراض.
نريد الانتخاب، ولا نريده إلا لنرفع الإنسان إلى مؤاخاة أخيه الإنسان إيخاء يتمحض فيه شخص سياسة التشريك الحقيقية العادلة ....
فليحي الدستور الانتخابي النسبي لأنه ينفخ في البلاد روح
الحياة.
ثانيا: الدستور حياتنا والعلم قوة تلك الحياة ... ثالثا: السعي للعلم أمر جميل ولكن هذه الواسطة وحدها غير كافية ولا تضمن لنا النجاح. نحتاج مع إحياء العلم إلى إحياء الأمن ... فليعنا العلم على الدستور الشرعي الفطري، ولتفض سوابغ الأمن الحقيقي
النفساني، والسلام الخالص على قبور الصدور ليطمئن روع البلاد.
رابعا: الدستور والعلم والأمن لا يفيان بالمرغوب إذا لم يكن للأمة رقابة عليها. وإن وقاية الأمة الساهرة على حفظ كيانها المجاهدة في إعلان شأنها الصحافة الحرّة المخلصة الرشيدة ...
هي
وفي الاجتماع الخاص والجمعيات الحرّة حياتنا وسلامتنا من الأخطار المحدقة بنا، فليحي الاجتماع، ولتؤسس الجمعيات ... فلتنسخ أحكام الإدارة ولتفصل كل سلطة على حدتها، ولتوجدن لنا طريقا يحفظ به الدستور من تأثير الاستبداد بما يفتر له ثغره ...
إن الاستبداد القانوني خطر على الدستور ...
فلتصلحن المحاكم من خير طريق، ولتسعين لأن تكون بيد الصالح العام، ونجعله محورها، ونجعلها آلة في يد المستقلين أولي الضمائر الطاهرة، والسرائر الناصعة يحركها الحق ...
ولقد أكد الجادوي أن تكوين "الحكومة" في البشر "ضروري الوجود، وله سر جميل، وهو إيجاد العدل والقسطاس في الناس، من تأمين السبل، ورفع
1 - م. صص 314 - 320
367 (1/367)
صفحة 368
الاعتداء، وإنصاف الضعيف من القوي، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة الموجبة للعمران، وسعادة بني الإنسان".
أما "الشورى" فقد اعتبرها "آية العمران"، واستدل على ذلك بانتصارات اليابان "الديمقراطية" على روسيا "الاستبدادية"، وتجارب أمريكا التي "كفرت بتسليم أزمة الأمور لرجل واحد، حتى يقبض عليها بيد من حديد، على أنهم أرقى عباد الله آراء، ودراية بما يكفل راحة الحياة من طوارق النوائب و شدائد المصائب والرزايا ونكبات الكوارث المميتة "، وانقلترا التي "لا يستطيع حاكمها أن يدبر مؤامرة نفع أوضرّ دون موافقة البرلمان (مجلس العموم)، وإيطاليا والنمسا، وغيرها من الدول الأوروبية التي نسج حكامها على منوال من تقدمهم في الديمقراطية ضد الاستبداد والتقييد"
2
يقول الجادوي: "سل القرون المظلمة وقدماء المصريين والاشوريين والكلدانيين والأكاسرة والأثينيين واليونان والفينيقيين، والرومان، وممالك القرون المتأخرة الإسلامية المتقهقرة، بل والممالك الأوروبية حتى الآن، سواء كانت ممالك مستبدة، أولم يأخذ منها من الشورى والجمهورية إلا الاسم، يُنبئك جميع ما تقدّم أن الغالب الأغلب في تلك الدول أن تكون مستبدة لفرد منزل منها منزلة المالك المطلق من ملكه الخالص، وما بقي أغلبه قد نال من الشورى الاسم لا الرسم، إذ ماهو في الحقيقة إلا استبداد تعاظم وتعدى من فرد إلى أفراد وفوضى سائدة بقوتها على الحق"3
و "الشورى"، عنده من "الشرائط الأوّليّة والضروريات الأكيدة، بها يحفظ الكيان البشري، وعلى وجوبها أجمع علماء البسيطة".
،
وإلى جانب استدلاله بنصوص من القرآن والسنّة والشعر، في الحث على "الشورى" 5، "، بين الجادوي أن توق التونسي إليها مردّه أنها من كليات دينه
1 - م. ص 402 2 - م. صص 51 - 54
3 - م. ص 294
4 - م.
ص 52
5 - م. ص 292
368 (1/368)
صفحة 369
الحكيم، إضافة إلى أنه في كنف "دولة" لا ينبري لمصادرتها أحد فيما تفرّدت به من اختطاط سنن حدوث الديمقراطية ... زد أن العنصر المزاحم لهم في معترك الاسترزاق، ومنازل المساعفات الدولية له نوّاب لا هم لهم إلا السعي وراء صالحهم ......
وقد ضبط صاحب "مرشد الأمة" عشرة شروط، هي بمثابة أركان ل "الشورى"، لا ينخرم واحد منها إلا وتُمسَخ إلى استبداد متعدد الرؤوس كالتنين أوفوضى لا رائد لها غير السلب ولا فائدة فيها غير النهب". وهي ضرورية لقوام هيكل "الشورى" و"الهيأة الدستورية"، قواما يكفل حصول
الفائدة.
وهذه الأركان العشرة هي:
الاستقلال في العمل عن الحكومة وغيرها والحرية المضمونة فيه
نسيان الذات أمام المصالح العامة وعدم الخضوع للشخصيات
التجرد عن الأغراض والميول لطلب الحقيقة أين كانت ولأي كان الكفاءة العلمية من غير نظر للتموّل والاحساب والإقامة ببلد دون بلد
وحرية الانتخاب
مطلقا
الإقرار بمميزات الأغلبية التي يتكوّن منها هيكل جمهور مصالح الأمة
عدم التهاون بحقوق الأقليّة إرضاء للأغلبية ما دام الإصلاح في جانبها أن لا يكون المنتخبون من جماعة وإن كانوا يرون أنفسهم من الأمة فإنهم منفصلون عنها باعتبار الحيثيات
/أن لا تكون القلة والكثرة النيابيتين مخصصة من قبل الحكومة الإجرائية أن يكون عدد النائبين نسبيًّا في الأمة وفي الفرق التي تتكون منها تحصيلاً
الثقة العامة
1 - م. ص 52
369 (1/369)
صفحة 370
التحقيق الأغلبية والأقلية الانتخابيتين ينبغي أن لا يلتفت لاختلاف
الدين والجنس والسياسة والفتح والانتصار، وإنما ينظر لمصلحة البلاد والمتساكنين بها بحيث يكون فارق المصلحة العامة هو ركن الأقلية والأغلبية وركن أعمال الهيأة الدستورية. وهذا لا يتم إلا بتظليل سائر العناصر الخاضعة لأمر الحكومة بظل الأمن على الحرّيّة الشخصيّة والحرية العامة والعدالة
والمساواة".
تماما
ولئن اكتفى الشيخ باستعمال مصطلح "الشورى" القرآني، فإنّه لم يُعرض عن مصطلح "الديمقراطية"، وهوما يعني عدم انخراطه في جبهة المعارضين لهذا الاصطلاح، معتبرينه مفهومًا "كفريا" و"شيطانيا"
2 "
ومثلما انتقد الثعالبي تجربة "الشورى" في تونس إبان الاستعمار، على اعتبارها وسيلة لإثبات الهيمنة الاستعمارية وتدعيمها، والمغالطة الرأي العام الأوروبي بأكثر تأكيد وذلك بدفع الناس إلى الظن بأن ممثلين عن الشعب التونسي يشاركون في حكومة البلاد وبإقناعهم أن التونسيين موافقون على كامل سياسات المتبعة ببلادهم "، فإنّ الجادوي لم يدخر جهدًا في التشهير بخيبات "الشوريين" التونسيين وعثراتهم، وانتهازيتهم، وسلبيتهم،
وتبعيتهم.
- 1
-م. صص 292 - 297
2 - "الديمقراطية" كما هو معلوم حكم الأمة نفسها بنفسها، وهوما يقتضى أن يكون كل الشعب طرفا في عملية الانتخاب. ولكن المؤدودي (ت 1399 هـ / 1979)، مثلا، يعتبرها لا شيء وسماها "ديمقراطية شيطانية"، في حين اعتبر "السُّورى" هي "المنهج الإلاهي" وجوز تسميتها ب"الديمقراطية الإسلامية". وهويرى أن "الديمقراطية" في مفهومها الغربي ليست من الإسلام في شيء، فلا يصح إطلاقها على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيرا كلمة "الحكومة الإلاهية" أو "التيوقراطية" لكنها "التيوقراطية الإسلامية" لا الغربية.
المودودي: نظرية الإسلام السياسية صص 28 - 32
وراجع: ابن عاشور أصول النظام الاجتماعى فى الإسلام صص 213 - 215
موسوعة العقاد الإسلامية ضمن الأعمال الكاملة مج 4 صص 815685
3 - الثعالبي: تونس الشهيدة صص 26 - 30
370 (1/370)
صفحة 371
ومن عناوين المقالات في هذا الموضوع:
المجلس الشوري '
/ المجلس الشوري وتعميم
أداء المجبي
2
حول المجلس الشوري وخطاب السفيرة
فتح الجمعية الشورية وخطاب المقيم بالقسم التونسي
مقال مؤرخ في 18 رجب 1329 هـ غير معنون)
وقد أبدى الجادوي سخطه على المجلس الشوري التونسي، مقارنا إياه بنظيره المصري على علاته، إذ بيّن أن مجلس شورى القوانين بمصر وطني بحت، أعضاؤه نسبية منتخبة من قِبَل الأمة بقدر الإمكان، وفي إمكان الأحرار الوطنيين المخلصين لمصر أن يكونوا مستقلين في آرائهم عن الحكومة إذا لم يطمعوا في فتات موائد الاحتلال وأغلبهم محصّل على الكفاءة العلمية أوما يقاربها، والأغلبية فيه ممثلة تمثيلاً وإن كان ناقصًا إلا أنه قريب من جادة الاعتدال، والأقلية فيه محترمة من الأمّة والحكومة. وللمجلس النظر في ميزانية الدولة والرقابة على أعمال الحكومة وملاحظاته وإن كانت تعبث بها أهواء الاحتلال والخونة، فإنها قد تكون في كثير من المواطن أكبر شهادة للأجيال المصرية المقبلة على ما لنوابهم من الوطنيين من الشهامة والبسالة والإخلاص في الحرص على حفظ شرف المصري التالد أمام مكائد وهجمات
الاحتلال.
أما مجلس شورى التونسيين، فما هو إلا سلسلة ذهبية مموهة خرجت حلقاتها من بين مطارق السياسة، وصارت أو كادت تصير "القوى الشورية" التونسية سيفا باترًا لجزّ رقاب الشعب، وحجّةً عليه لا له. ولذلك كانت
1 - م. صص 104 - 106
2 - م. صص 166 - 173 3 - م. صص 213 - 218 4 - م. صص 218 - 222 5 - م. صص 297 - 303
371 (1/371)
صفحة 372
أعضاء هاته "الشورى" أقرب إلى الفوضى منها إلى النظام، وأبعد عن العدالة منها عن الغلو في الأنانية والمظاهر وهي "شورى" لم تطمئنّ لها الأمة قاطبة، ولن تطمئن، لأنّها لا تستطيع أن تنتخبها هي نفسها لتكون لها السلطة عليها عوض أن تكون لعبة أو بضاعة تباع وتشترى. وقد تغلبت فيها الأقلية على الأكثرية بسلطة السياسة العادلة حتى أكلت أكلاً لما وأبقتها أشباحا بلا أرواح. وأغلب أعضائها ممن لا يعرفون المدنية إلا بالجهل أوالتقليد الأعمى، ونسيان الذات والنسب والأمة. كما انعدمت فيهم الكفاءة العلمية، ولا هم لهم إلا تحقيق رغائبهم الشخصية
وقد اقتضى الأمر المؤرخ في 13 - 07 - 1922 (1340 هـ) إلغاء المجلس الشوري القديم، وتعويضه بمؤسسة جديدة سُمِّيت "المجلس الكبير"، أُقيم باعتباره هيأة منبثقة عن المجالس المحلية وهي: مجالس المشيخات، الأعمال ن ومجالس الجهات.
ومجالس
وقد كانت ردود الفعل تجاه إصلاحات 1922 مختلفة، فأعرب قلاتي و"الحزب الإصلاحي" عن سرورهم بتلك الإصلاحات، باعتبارها مرحلة إيجابية، وتعبير عن حسن نية سلط الحماية.
،
أما الحزب الدستوري فقد عارضها، وانتقدها واعتبر هذا المجلس غير ذي روح، ولا تُسند إليه السلطة أي جزء من الصلاحيات التشريعية
ذلك أن انتداب أعضاء مجالس الأعمال لا يكتسي أية صبغة ديمقراطية، حيث أن سكان الدوائر البلدية لا يساهمون في الاقتراعات، ومن ناحية أخرى فإن الانتخابات تدور في نطاق الأعيان الضيق، بالإضافة إلى أن السلطة التنفيذية المتمثلة في شيخ التراب هي التي تضبط قائمتهم. أما تشكيلة مجالس الجهات فانتخاباتها شكليّة والإدارة هي التي تعين النواب.
1 - م. صص 301 - 303
2 - القصاب: م. س. صص 519 - 521
372 (1/372)
صفحة 373
وقد سار الجادوي في هذا المسار نفسه فاعتبر المجلس الكبير" ضخمًا في لقبه، فارغاً في هيأته عقيما في فائدته، ولم يستحسنه إلا "المغفلون و"الطماعون" 1
وأولاه اهتماماً لافتًا، من خلال عدد من المقالات، نذكر منها:
/ افتتاح المجلس الكبير وخطاب العميد
2
حول المجلس الكبير وافتراقه وهل من نتيجة 3
حول اجتماع المجلس الكبير أيضًا
كيف يستهلكون الميزان
4
كيف يتصرفون في الميزان -إدارة الداخلية
كيف يبذرون الميزان الداخلية وإدارة الأشغال العامة
ماذا استفاد الشعب من المجلس الكبير؟
صدى المجلس الكبير بعد انتهاء جلساته 9
فكاهات فكرية المحاكم الشرعية والمجلس الكبير
11
ميزان الأوقاف والمجلس "الكبير"
10
1 - م. صص 614 - 615
2 - م. صص 606 - 612
3 - م. صص 612 - 619
4 - م. صص 620 - 625
5 - م.
8
632 - 626
6 - م. صص 633 - 639 7 - م. صص 640 - 646.4 - م. صص 692 - 698 9 - م. صص 699 - 707 م. صص 708 - 709
10
11 - م. صص 709 - 711
373 (1/373)
صفحة 374
جلسة المجلس الكبير فوق العادة صدى فتح مجالس الجهات أيضا
كما اعتنى الجادوي بالسلطة القضائية فنادى "لنأتمر لإصلاح القضاء"، منطلقا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية للتأكيد على ضرورة استقلالية القضاء، ونزاهته، وأهمية العدل في استتباب الأمان والاستقرار.
:
(
وقد عرض أسس القضاء الرشيد، ونلخصها في:
التقوى والنزاهة
العلم بشرف القضاء وناموس العدل ومركزهما، وتأثيرهما في الهيأة
الاجتماعية
/
العلم بأصول القانون ومبانيه علما يجعل فهم القاضي ومراد القانون
سواء أو متقاربين
،
العلم بالحقوق العامة والخاصة التي لابد منها لقوام المجتمع الإنساني العلم بميول الأمة النفسية والدينية والأدبية والمدنية والعادية
/ العلم بفلسفة الحوادث المدنية والجنح والجنايات
العلم بالمسؤولية القضائية العامة
/ العلم بالمسؤولية الشخصية
تأويل
العلم بمركز المسؤولية والشخص المسؤول عن القضاء المخالف للقانون
علم الممنوعيات بأنواعها
القدرة على تطبيق تلك العلوم تطبيقا يوافق روح العدالة، ويقاربه بدون
1 - م. صص 711 - 713 2 - م. صص 713 - 714 صص 303 - 313
3
-م.
374 (1/374)
صفحة 375
الذكاء والفراسة
الاجتهاد
الاكتفاء المادي
/الاستقلال القضائي
حمايته من كل ما يؤثر فيه
تحديد وظيفة الوكلاء مطلقا وتقدير ما تفرضه لهم العدالة من الحقوق
صيانة الترافع من استعمال الطرق الجدلية لتضليل القضاء
توزيع العمل حسب الاستعداد وتطبيق القانون على الحاجيات ويكشف الجادوي أن "القضاء الإسلامي" أصبح "آلة يتوصل بها الجياع إلى ابتزاز أموال الخصماء حتى صارت المحاكم الإسلامية أشدّ إقلاقا للأمن من عصابات اللصوص وقطاع الطريق تلعب بها الأغراض، ويضحي فيها الحق قربانًا للهوى والأغراض والمؤثرات السياسية ... والله يعلم أن الإسلام بريء من سياسة السلب والنهب والجدل والختل والمماطلة، فالتنفير فالتفسيق فالتكفير".
وقد طالب الجادوي بـ:
تدوين القوانين من قبل الأمة التونسية، عبر دستور تشريعي يلائم آداب
البلاد وأخلاقها وعوائدها وديانتها
إصلاح القضاء الشرعي
وضع قانون أساسي له
- مقاومة التحجر والانغلاق
اعتماد العربية لغة التقاضي الرسمية
حرية القاضي واستقلاله
الفصل بين القضاء والإدارة. وقد ذكر هاهنا أن تونس مُنْيَت دهرًا طويلا باختلاط السلط، واستفراد الإدارة بها، ولا تزال تئن من وقرها، و"قد أفقد
375 (1/375)
صفحة 376
الشعب كفالة الحقوق، وتحملت الأمة أتعاباً جسيمة من استئثار الإدارة بكل
النفوذ".
د-التجنيس
لقد برزت حمية الجادوي في إيمانه بـ"مواطنية" اليهود التونسيين، من خلال سخطه عليهم، بسبب مطلبهم التجنّس بالجنسية الفرنسية، والخروج عن سلطة الحكومة التونسيّة، والحماية الفرنسيّة وتحريضهم على الإلحاق.
إنه لا يراهم غير مواطنين تونسيين محظوظين وهم ليسوا في نظره غير
يهود إسرائيليين تونسيين ولئن تطوّروا مع الظروف، وتقلبوا مع الأزمان "، جرهم الوهم في الحرّيّة الشخصيّة، إلى "تفكير ساقط" و"رأي سافل"، ف تجاهروا بالعدوان، قبل أن يعرفوا منزلتهم وسياسة موطنهم، وتطاولوا حتى طلبوا المستحيل، وعلقوا آمالهم على ما لا طمع فيه ". فقد ادعوا أنهم مضطهدون، ونسوا أنهم قد استحوذوا على كل وسائل التكسب والرفاهية وأسباب السعادة الحيوية، واستقلوا بالحركات التجارية، والأعمال الصناعية الإثرائية".
"
6
لكنّهم ما كفتهم هذه النعم " وما رضوا بها وما اقتنعوا بالسعة في الرزق، وطيب العيش والرفاهية والإثراء العام بل طلبوا قوة سياسية فوق القوة المالية يتملصون بها من حكومة سموالباي ورجاله العادلين، ليمتازوا بين مواطنيهم في كل الجزئيات والكليات "2.
لقد أكد الجادوي على أنّ طائفة من اليهود التونسيين تجردت من الإحساس الوطني، وفقدت كلّ عاطفة كريمة فقامت تطلب الانسلاخ عن مواطنيهم المسلمين الذين طالبوا بحفظ جامعتهم ورفضوا انفصال اليهود عنهم
3
-م. صص 450 - 453 / وراجع: الثعالبي: تونس الشهيدة صص 85 - 112
صص 149 - 152 2 - م.
3 - م. صص 162 - 164
:
376 (1/376)
صفحة 377
ولئن مثلت مقاومة "التجنس الإسرائيلي" في تونس آلية من آليات الكفاح الوطني ضدّ الإدماج الاستعماري وهي ذات أبعاد سياسية نضالية، وخطوة نحوتعطيل مساعي فرنسا في تعزيز وجودها وقوتها، أكثر منها حُبًّا في اليهود، وإن كانوا تونسيين،
فإنّ الجادوي يؤكد على أنّ معارضة التونسيين المسلمين للقانون، ليس بغرض إبقاء الإسرائيليين تحت سيطرتهم، إذ الواقع خلاف ذلك، ولم يُجْعَل لهم قانون يبقيهم كذلك، بل المعارضة تهدف إلى إبقاء جميع التونسيين، يهودًا ومسلمين، تحت قانون واحد لأنهم جميعا نشأوا في أرض واحدة، وتكلموا بلسان واحد، وخضعوا لأمير واحد ينظر إليهم نظرة واحدة. ويضيف قائلاً:" أما من الوجهة السياسية فإن فرنسا وجدت يوم الاحتلال سموالباي ملكاً مستقلاً بالبلاد ... تتكون رعيته في شعب واحد، يدينون بدينين: الإسلام واليهودية فبسطت حمايتها عليه وعلى البلاد بداعي تأييد سلطته وحفظ مملكته من يد عادية ... فقيامها اليوم بطلب إخراج اليهود من سلطته هو حذف من سلطته التي تعهدت بتأييدها كما انه اعتراف بعجزها عن الإصلاح الذي وعدت به ... إنا لا نرضى بالتمايز بين فريقين متساووين في الجنسية لاختلاف الأديان، ونسجل على ذلك أشد
1"
تسجيل ... ""
2"
وقد رفع صوته في كلمة أعدها للمظاهرة الوطنية ضد تجنس اليهود، قائلا: "أهتف باسم هذا الجمع الموقر، أن تبقى جنسية التونسيين محفوظة إلى الأبد عن التنقيص والتغيير، وأن نكون محكومين، ولو اختلفنا في الدين، لفرد قانون، وأن تستمر فرنسا على حفظ العهود" كما لم يُفوّت فرصة تذكير اليهود التونسيين، بأنهم كانوا إبان الحرب العالمية الأولى "يحمدون تبعيتهم التونسية، ويصلون شكرا لله في كنائسهم ... ويدعون لمتبوعهم المعظم بطول البقاء "، ويؤكد على أن منحهم
1 - م. صص 155 - 160
2 - م. ص 165
377 (1/377)
صفحة 378
الجنسية الفرنسية، وقبولهم بها، وانسلاخهم عن تبعة كانوا بالأمس يقدسونها إنما هو اعتداء على التاج وصاحبه المعظم. كما ينبه فرنسا إلى أن تجنيس اليهود "لا يزيد في عائلتها اعتبارًا ولا يفيدها، وإنما ستفتح به مشاكل قومية، وتغتصب به حقوق متبوع مخلص لها، قد التزمت له بحماية بلاده وحقوق عرش أسلافه المتين
1''
خطة
أما الضجة الكبرى، فقد كانت مع صدور أمر 1923/ 12/20 (1341 ه)، الذي يسهل للتونسيين التجنّس بالجنسية الفرنسية، ويدخل ذلك في الاستعمار للقضاء نهائيا على مقومات الشخصية التونسية. فقاوم الزعماء الدستوريون هذا القانون ووظفوا صدوره لشن حملة صحفية ضد السلطات الاستعمارية، وبذلك يدخلون حركية جديدة في صفوف حزبهم.
"
ما
وكان منهم الطاهر الحدّاد الذي كتب في أحد مقالاته تحت عنوان: "التجنيس نكث للعهد" بتاريخ 1923/ 11/13: فتح باب التجنيس للتونسيين أقل ما يُقال فيه أن فرنسا تتمنى أن يصير التونسيون في يوم فرنسيين. وهل هذا وحده لا يكفي لإثبات رغبة الحكومة الفرنسية في القضاء على الجنسية التونسية والدولة التي تمثلها والتي اعترفت بها في المعاهدات وأعلنت احترامها فيها، بل والدفاع عنها ... لم تكن مسألة التجنيس فجأة في سير السياسة الفرنسية فهي تسير على مبدا ثابت هو الإلحاق التام ... إن الكلمة الجامعة التي نختم بها مقالنا هي أن سياسة الاحتلال المادية
،
والمجرّدة من استعمال العقل لئن كانت تسلب المادّة منّا، وتحاول فصلنا حتى عن خصائصنا الأدبية والتاريخية فإنها أيقظت بقدر ذلك عواطفنا و شعورنا القومي بقظة ستظهر الأيام قيمتها ولو بعد حين".
،
وقد وجه الجادوي على صفحات "مرشد الأمة" كلمة موجزة إلى الشعب التونسي: " أيها الشعب العزيز، حافظ على دينك، وقوميتك، وجنسيتك،.وتبعتك. وإياك أن تتجنّس ... ولو وعدوك بإنزال مائدة من السماء. فإنك إن
1
-م.
صص 675 - 676
2 - الشايبي: م. س. ص 92
3 - أحمد خالد: الطاهر الحداد فكر تنويري .. صص 93 - 101
378 (1/378)
صفحة 379
فعلت ذلك فستجني على دينك ومجدك، وعلى الأجيال القابلة من نسلك، وتتسبب في قلة الترحم عليك حيث أضعت لهم جنسيتهم وتبعيتهم، فكانوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "".
وهوما يحيلنا على إحدى قصائد الحداد، والتي منها: أفق أيها الشعبُ المُهَانُ فقَدْ أَتَوْا إليك بتجنيس لعلّكَ تُخْـ
دعُ
وأَبْدِ لَهُمْ بِالحِس أَنَّكَ ماجد وإن كنتَ في بؤس فجِئْسُكَ أَرْفَعُ ويعتبر الجادوي التجنيس "آفة" و"مرضًا اجتماعيا" أشدّ خطرًا وإبادة، ولذلك، "كان وقع إباحة التجنيس للأمة التونسية شديدا عليها هوله ومصابه، حيث تراءى أمامها كفتح باب للانقراض. فالداخل فيه لا يرجع، وأنه سيتم إفناؤه، وسيبتلع عن قصر أمد أوعن طول فيه".
،
4
ويبادر بإصدار فتوى مرشد الأمة في كفر المتجنس"، في ظل صمت من وصفهم بذوي التيجان الحمر والنعال الصفر، وأرباب العمائم، والجبب، والأجواخ، وأصحاب الوجوه المملوءة علما وعقلاً، والمتشبعة رفاهية وراحة "، والذين لا يحتاج الشعب إلى فتواهم لأنّ "النص" تحت كل ورقة، وفي كلّ كتاب "، وإن كان سكوتهم حجة لمجلس الشيوخ الفرنسي على أن مسألة التجنيس لا تمس الدين، وكان موضع استغراب صحيفة "الخلافة" الهندية، التي نشرت فتوى لأحد علماء الهند يُكفّر فيها المتجنس، وأخبرت عن احتجاج مسلمي الهند ضد هذه الخطوة الاستعمارية، وتعجبت من "إفراط شذوذ الحكومة الفرنسية بهذا القانون عن بقية الدول الاستعمارية، كدولة
1 - م. ص 717
2 - ديوان الحداد ص 35 3 - م. ص 672
4 - م. صص 655 - 660 / صص 674 - 675، وراجع الجدل حول الفتاوى في هذا الموضوع: ابن الخوجة: شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور ج 1 صص 454 - 458 محمود شمام: أعلام من الزيتونة طتونس 1417 ه/1996 ص 110 / صص 283261
379 (1/379)
صفحة 380
بريطانيا التي لها في الهند ثلاثة قرون، ولم تلتفت إلى محاولة إجراء عمل
1"
كهذا 1
فاستجابت
وقد استنجد الحزب الحر الدستوري س 1343 هـ / 1925 بعلماء المسلمين لإصدار فتوى تحرّم على المسلمين التونسيين التجنّس بالجنسية الفرنسيّة، الصحف الهندية، كما قرأنا، وأفتى رضا (ت 1354 هـ/1935 في مجلة المنار أن التجنس ردّة، ودعا جميع إلى تلبية نداء إخوانهم التونسيين.
رشيد المسلمين
ونشر الشيخ مختار بن محمود (ت 1393 هـ / 1973) فتواه بعد اثني عشر عاما س 1356 هـ / 1937 على صفحات المجلة الزيتونية، في أن التجنيس مصيبة وابتلاء، وأنّ المتجنس بجنسية أجنبية لا يصح اعتباره مسلما، ولا معاملته معاملة المسلمين، إلا إذا ترك تلك الجنسية ورجع إلى الإسلام قولاً وفعلا.
وقد رجع الجادوي في خاتمة "الفوائد الجمة" ليستفظع على التجنيس، قائلا: " .. قد فغَر فاه ليفرنس البلاد، وكشر عن أنيابه ليبتلع الذاتية والمجد والسداد، حيث جعلوه مناط التساوي، وموجب إجراء العدالة والتخاوي، قياسًا على ما كان جاريًا في الأعصر الصليبية من كون الدين فاصلا في الحقوق بين الأقيال الآدمية، وموذنًا بإلحاق المخالف في الرعاية والاعتبار بالأصناف الحيوانية، حتى وجب الجزم بأن العقل الإنساني لا يرتق بالعلم، وإنما الهداية الإلاهية هي النور المنير لظلمة قساوة شره الغريزية".
هذه، إذن، هي العقيدة التونسية في فكر سليمان الجادوي، تسري في مقالاته بالدم الذي تجري به وطنيّته في عروقه وتتقد بالنار التي تضطرم بها كراهيته لأعداء الوطن والمتاجرين به، والمتخلين عنه.
،
1 - م. صص 690 - 691
2 - يوسف مناصرية: الحزب الحر الدستوري ص 238 3 - المجلة الزيتونية مج 1 صص 488 - 490 / ص 542 - 553 1 4 - م. ص 775
380 (1/380)
صفحة 381
لا يكف قلمه إلا عند نفاذ الكلمات إلى صميم قضايا الوطن، وهواجس
الوطنيين، ولا ينتهى النص الذي يكتبه إلا مع استيفائه التشخيص والتفكيك والتحليل ميزانُه الذي يزن به المواقف والآراء والأشخاص، هو الولاء لتونس فقط، وَلي مَن قدّسها وحماها، وعدومن خادعها وتنازل عن قطعة منها. لا تجرفه أهواء التصنيفات الدينية والمذهبية إلى منحدر التشاتم أوالتفاخر، بقدر ما يرفعه إخلاصه للوطن الذي سماه "تونس الجميلة"، واشتهرت فيما بعد عبارة شابية.
أما
وكم هي مواطن التلاقي بين الجادوي والشابي، والحداد، والثعالبي، طبعًا: الفكر والنظر، والعمق، والتعبير، والجرأة .... انصهرت كلها لتبرم عهدا اشتهر بين السياسيين هذه الأيام ب تونس فوق كلّ اعتبار. المقاومة المتقدة بهذه الوطنية العالية فقد انبعثت في الجربيين، روح منذ أن رفضوا الغزو الإسباني المتتالي الحملات. فقد سجل التاريخ استشهاد أبي زيد بن أبي نوح السمومني في الأسر س 638 هـ/ 1241 م، ومحمد السمومني في معركة ضد المحتل الصقلي بقيادة روجر دي لوريا س 688 هـ/1290، وسليمان بن صالح السمومني عند محاصرة الجربيين لحصن القشتيل س 699 هـ / 1301 م، وغيرهم من عامة الناس الذين
•
لم تُسجل أسماؤهم. وأذهل يخلف بن أمغار قادة الغزاة الصليبيين، حتى قال أحدهم: " لم أرَ قط رجالاً أشد بأسًا. لم يكن فيهم واحد لم يجر وراء الموت. إنهم كانوا يندفعون كالعميان بيننا اندفاعة الخنزير الوحشي بين الصيادين.
كما كانت للجربيين بطولات إبان الاحتلال التركي. ثم قدموا التضحيات الجسام في سبيل دخر الاستعمار الفرنسي في جربة وخارجهما في مختلف مناطق الجمهورية. وكانوا يدعمون الثورة الجزائرية من تونس، وكذلك بالجالية الجربية في عدد من مدن الجزائر.
-م. ص 451
2 قوجة: تقديم كتاب: أبناء جزيرة جربة في الحركة الوطنية صص 10 - 11
381 (1/381)
صفحة 382
ويؤكد حمادي اللواتي أن أوّل من زرع بذور الحركة الوطنية بجربة
هو الشيخ سليمان الجادوي، الذي كان على اتصل من تونس العاصمة بعدد من أبناء آجيم جربة.
،
وقد اقتصرت الحركة الوطنية في جربة في بداياتها على قراءة الصحف، ومنها "مرشد" الأمة"، وتوزيعها ومناقشة مواضيعها من قبل العناصر التي كانت تنتمي إلى الحزب الحر الدستوري، وبدأت اللقاءات السرية في المساجد والزوايا، إلى أن تكونت بعض الخلايا التابعة للحزب، وتأسست أول شعبة دستورية بميدون س 1340 هـ / 1922. وكان من أوائل الدستوريين في جربة الشيخ سعيد ابن تعاريت الذي انخرط في الحزب كما ذكرنا سابقا س 1339 هـ / 1921.
1 - حمادي اللواتي: أبناء جزيرة جربة في الحركة الوطنية 1881–1961 صص 35 - 37
382 (1/382)
صفحة 383
5 - الإسلام والمسلمون': هل فهمنا الإسلام؟
يُحدد الجادوي "الإسلام الخالص" بما كان عليه الرسول (ص) وأصحابه والتابعون إلى نحومائتي سنة بعد الهجرة، و"الحق الصراح" عنده، أن الأمة الإسلامية مشرقاً ومغرباً، في عصره ليست على "الإسلام الخالص"
الذي جاء به النبي (ص)، وإنما هي "على شكل من الدين ظاهره الإسلام وحقيقته تقليد الملل الأخرى
3"
ويرى السكوت على هذا الانحراف وكتمانه "جبنا أدبيًّا"، لا فائدة منه
إلا إقرار الداء على سريانه، ولا يجرّ إلا زيادة البلاء واستعصاء الداء.
ويُعلن أنه قد آن الزمان الذي يجب على كلّ ذي غيرة إسلامية أن يعمل فيه جهده، لإرجاع الحياة إلى أمته التي تتنازعها الشبه والشكوك والبدع حتى أصبحت حيرى بين يدي الحوادث من جهة دينها ومعقولاتها وإحساساتها وعواطفها، وفي حاجة شديدة إلى عقول المتنورين من أبنائها
4 n
وهي سعي منه على طريقة صنف من شيوخ الدين المستنيرين، وأحيانًا
-
يكونون متشددين، إلى ممارسة "تجديد الدين" الذي يُحدّده ابن عاشور مثلا بإصلاح الناس في الدنيا إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه. فهوسعي إلى تحقيق كمال الدين كما
كان في عصر الرسول (ص)، ب:
العمل به وتحقيق مقاصده
نصره وإقامته
انتشاره وزيادته وتسهيل بته
1 - راجع بعد أفكار هذا العنصر للمقارنة، والإثراء كتاب دكمجيان: الأصولية في العالم
،
العربي. تعريب وتعليق: عبدالوارث سعيد
2 - م. ص 34
3 - م. ص 35 4 - م. ص 35
383 (1/383)
صفحة 384
حراسته وحفظه من تدخل الضلالات
دفع نائبة حلت بالإسلام إذا استمرت أفضت إلى طمس معالم الدين أوفساد الإيمان أو ذهاب سلطانه.
أن
وقد حدد الجادوي بوضوح تام أنّ هدفه من الإصلاح، والذي ينبغي يكون هدف كلّ المصلحين هو أن يكون المسلمون المعاصرون "مسلمين
سلفيين "2
أ- الحقيقة
لقد أكد
الجادوي أن الإسلام قد أتى لـ"العقول" بـ"شيء" من الدين،
(
واضح المباني، جلي المعاني ظاهر المرامي والمقاصد، قويم المناهج والمراشد. وتميز ببساطته وسماحته حيث جاء بـ"البساطة الفطرية" و"الطلاقة الإلاهية"، فأنست إليه الأرواح، وهذا ما أعانه على سرعة الانتشار. يقول الشيخ: " والإسلام قد كان في مبد أمره دينًا بسيطا، لم تدخل عليه بدعة ولمْ يَحْم حوله باطل أو خرافة فكانت العقول لا تفارقه بعد تنبيهها عليه. وقد كان هذا الأمر لا غيره سببا لانتشار الإسلام في القارات بسرعة غريبة كالبرق تُشبه خرق العادة كما صرح به ووافقنا عليه المستشرق هنري في كتابه: الإسلام ".
1 - الطاهر ابن عاشور: تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة صص 112 - 113
وراجع:
محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام
أبو الأعلى المودودي: موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه وواقع المسلمين وسبيل النهوض
- 2
بهم
: -م. ص 120 3 - م. ص 36 / صص 340 - 341
384 (1/384)
صفحة 385
ولذلك يدعو الجادوي إلى الأخذ بأصول الشريعة وفروعها، حتى تعود للمسلمين "زهرة شبابهم ويعودوا لما كان عليه سلف أمتهم، ويرجع إليهم مجدهم الأول".
ويورد صاحب مُرشد الأمة" جواب أحد قراء جريدة أوروبية، أطلقت استفتاء في "أعظم رجل في العالم". ومما كتب فيه، أن أعظم رجل على الإطلاق هو الرسول محمد (ص) " وضع في عشر سنين دينا، وفلسفة، وشريعة اجتماعيّة، وقوانين مدنيّة، وغيّر شريعة الحرب، وأنشأ أمة، ودولة طاولت الدهر "2
•
وفي سياق اعتماده على شهادات المستشرقين في تمجيد الإسلام وإنصافه، يورد الجادوي محاضرة أحد فلاسفة كلية جينيف، رآها "تهم وتنفع كل باحث عن الأديان بالنظر الدقيق".
ونلخص أفكارها فيما يلي:
انتشر الإسلام منذ بدايته انتشارًا لا مثيل له في ديانة أخرى، ولا يزال هذا الانتشار على ماهو عليه من القوة والسرعة وانتشاره الأول يرجع إلى تعاليم القرآن، والحديث والفتح العسكري، والتوحيد السياسي للعالم العربي اجتهد النبي في إخراج الوثنية من عقول مواطنيه، وخلصهم من دين خشن لا يلائم زمنهم وأدخلهم في حالة أدبية وتمدين أرقى من تمدينهم
الماضي
في المدينة المنوّرة، عاضدت الإرادة الإصلاحية النبوية، "عاطفة وطنية عربيّة"، وذلك بضمّ شمل بعض القبائل العربية تحت سلطة دينية وسياسية
متحدة
للإسلام "تمدن" عريق بلغ قديما ذروته في الشرق والغرب، ثم انحط
وهبط، ولكنه لم يتلاش
1 - ص 22
2 - م. صص 256 - 257
385 (1/385)
صفحة 386
الإسلام غير جامد، بل في حركة مستمرة، وعدد أنصاره في ازدياد مطّرد
انتشار الإسلام في القرن العشرين له أسباب دينية، وأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية
الإسلام ينتشر من نفسه أي بالمسلمين أنفسهم
الإسلام لا يزال ينتشر ويمتد حتى بإزاء الديانات ذوات التبشير والبعثات الدينية، وهو متقدم عنها
تكون
الإسلام في إفريقيا يمثل "حالة اجتماعية، اقتصادية راقية، حرية بأن للتقدم من أرقى الآلات" ...
آلة
كل هذا تأكيد على أن "الإسلام" مستعدّ" بذاته للانتشار" لقوة نوره، ووضوح حجته، ومعقولية تكاليفه الإلاهية، ويزيد الجادوي على ذلك، مجهود الهنود في قيامهم بواجب ديني أهمله العالم الإسلامي من جملة ما أهمل من الواجبات، وهو "التبشير" بالدين الإسلامي، ونشره بين الأمم الأجنبية عنه، إلى جانب جمعيتهم "جمعية الخلافة والجامعة الإسلامية" التي أسست نحوسبعين مدرسة كبرى لغرض إيواء أبناء الداخلين في الدين الإسلامي، وتربيتهم، وتعليمهم، وتحضين الأيتام والفقراء، وإيفاد الوفود التي تقوم ب"التبشير" بالدين الحنيف وتلقين تعاليمه في سائر أرجاء الهند وحتى أواسط إفريقيا.
ونكاد نجزم أن عبارة "التبشير" "بالإسلام" جادوية صرفة، إذ لم نجد فيما اطلعنا عليه في هذا الموضوع غير استعمال: "الدعوة الإسلامية".
ولا يمكن لصحفي مناضل كالجادوي أن يتجاوز مسألتين ذاتي علاقة متينة بالحديث أوالجدل في حقيقة الإسلام، ألا وهما: الفتوحات، والسياسة.
من أجل ذلك يختار في "الفوائد الجمة" مقالين:
م. صص 341 - 345 2 - م. صص 736 - 737
386 (1/386)
صفحة 387
الأول: من تحريره ووسمه بـ: كيف تستعمر الممالك، وتُساس الشعوب؟، وبين فيه أنّ الفاتحين المسلمين الملتزمين ب"الإسلام الصحيح"، علموا البشرية كيف يكون "الاستعمار الرشيد "، وذلك من خلال:
قمع النفس عن سلوك البغي، والظلم، والعدوان
تجنب التقتيل والتنكيل
حراسة السلطة بالعدل والإحسان
إقرار المساواة بينهم وبين مستعمريهم: "لكم ما لنا وعليكم ما علينا" إعطاء المثل في حسن السيرة ورفعة الأخلاق.
ولئن كان هذا رسالة سياسية إلى الاستعمار الفرنسي، فإنّه لم يُعْدَم طرافة تجلت في إطلاق "استعمار" على ما اشتهر عند المسلمين ب "الفتح الإسلامي"، كما أشرنا سابقا.
ولا نغفل هاهنا أنّ بعض الفرنسيين، بعد استيلاء الأوروبيين على معظم البلدان العربية أخذوا يقارنون بين "الفتح الإسلامي" و"الاستعمار"، وتوصلوا إلى زرع بذور الحيرة والشك في نفوس التونسيين، حينما اعتبروا أن الاستعمار الفرنسي ليس إلا طورًا من الأطوار التي مرت بها تونس عبر التاريخ. فإذا غزا العرب المسلمون هذا القطر بالسيف، واقتطعوا أراضيه الخصبة
لقوادهم وأجنادهم، فلِمَ لا ينسج الاستعماري الفرنسي على منوالهم؟. وقد كان الجادوي من الشيوخ الذين انبروا للرد على هذه الدعوى. ولكن إذا جوّز هو تسمية "الفتح" بـ"الاستعمار"، مع وجود الفارق، هل يُوافق على تسمية "الاستعمار" بـ"الفتح"، مع وجود الفارق أيضًا؟
الثاني: بقلم محمد الخضر حسين تحت عنوان: الشعور السياسي في
الإسلام '.
1 - م.
صص 173 - 177
2 - العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن م. س. صص 153 - 161
387 (1/387)
صفحة 388
وقد بين فيه كاتبه أنّ الشعور السياسي كان منبثا في نفوس الأمة الإسلامية قاطبة في عصرها الأول، بعد أن بثّ فيهم الإسلام "دينا قيما، وأدبا راقيًا، وسنّ لهم قواعد ليقيموا عليها أحكام مدنيتهم ويهتدوا بها في تدبير سياستهم ".
،
وقد أحيا ذلك الشعور تلقيهم للقرآن عن تدبر وإنعام في مراميه الاجتماعية والسياسية، وكان العلماء بمنزلة نوّاب الأمة" يرقبون سير الأمة الحاكمة. كما أحيا ذلك الشعور السياسي أنّ الله قيض لهم رؤساء ما كانوا ليعدوا أنفسهم سوى أنهم أفراد من الشعب، يقومون بتدبير جانب من مصالحه". وما كان سقوط أعتى الممالك تحت راية المسلمين إلا نتيجة الدهاء في السياسة إلى جانب البسالة والسيف.
وينتهي الخضر حسين إلى أن المسلمين "ذاقوا طعم سياسة أعدل من القسطاس المستقيم، وعرفوا أن الدولة التي لا تقوم على قواعد المساواة والشورى وحرّيّة التصريح بالرأي ليست هي الدولة التي أذنت لهم شريعتهم بأن يُلقوا إليها أمرهم عن طاعة وإخلاص". ويؤكد على أن "الإحساس الذي يربيه الإسلام في نفوس من يتقلدونه إنما بأشعته إلى مبادئ مقدّسة، وغايات شريفة، فإذا ربطوا قلوبهم باحترام أمير أووزير أوزعيم، وبسطوا
يرمي
أيديهم إلى مؤازرته، فلأنه يرعى مبادئهم ويولي وجهه شطر غاياتهم". ولا يخفى بمثل هذه الأفكار التي يحتفي بها الجادوي ويبتها، منهجه في توثيق الصلة بين الصورة المثلى للإسلام كما يراها لا تخالف حقيقة الأمر والواقع، وبين الراهن المتدهور الذي قضت به فرنسا على التونسيين.
بالواقع
من عناوين مقالات "الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة": "الإسلام والزمان"، وما أشبهه بما ورد في كلمة الطاهر الحداد عند حفل تكريمه
1 - م. صص 521 - 524 2 - م. صص 54 - 56
388 (1/388)
صفحة 389
بمناسبة صدور "امرأتنا في الشريعة والمجتمع حيث قال: " الإسلام معنا في تحرير المرأة، والزمانُ معنا أيضًا ...
فالرجلان وسائر الأحياء من المفكرين والمثقفين، مؤمنون بحركة الحياة، التي لا تقف عند حد، بل لا تعود القهقرى.
فالجادوي لا يغفل عن الراهن مرتميا في مثاليات الماضي، ولا يغمض
عينيه عن المآل السيئ سُكرا بالتاريخ التليد.
إنه يؤكد على أن مجتمع الإسلام الكبير تلاشي إلى شيع ضالة، وطوائف متمردة، وأمراء مستبدين وانقسم فرقًا، واختلف أفراده، وتباعدوا بعدًا يناسب فخفختهم الفارغة، فكلُّ يعمل على شاكلته، مقتديا بأبيه وجده، ومعتنقا لمذهبه ورهطه وحزبه، ولم يزالوا كذلك.
وحَلَّ في الأمة التحاسد محلّ التعاضد والانقسام محل الوئام، والفُرقة محلّ الاجتماع والتباغض والنفرة محل الإخاء والوحدة، ونام أهلها نوما ثقيلا، ورقدوا طويلا، جيلاً بعد جيل 2 وتقاسمتها الأمم الأوروبية، نظرا لاختلاف مناحي التربية وطرائق التعليم، ووسائل التهذيب.
•
وانحرف المسلمون عن صراطهم، فسرّى الجمود في كل طائفة من طوائف الأمة، وكان ذلك دافعًا وراء جعل بعضهم الدين رمز الانحطاط والجمود، ونفوا عن الشريعة الإسلامية انطباق أصولها على قواعد العُمران ودواعي الهيأة الاجتماعية".
ويصف رجعيتهم بالقول: "هُمُ اليوم يُمثلون الأمة في ثالث قرونها بما أحدثوه من المنازعات، وما ظهر فيهم من النزغات، غير أنهم استبدلوا مسائل القدر وخلق القرآن، وأشباهها بتعليم المرأة والحجاب، والشركات المالية،
،
1 - محمد المي: حفلة تكريم .. ص 63
ص 26 / صص 5654 2 - م.
-م. ص 121 4 - م. ص 36 5 - م. ص 20
389 (1/389)
صفحة 390
والمعاملات التجارية ونظائرها مما جاء التمدن العصري، واستبدلوا اسم: أهل الأهواء ب: أبناء النشأة العصرية. وكلٌّ يحصر الفرقة الناجية فيمن تأخذ برأيه، وتستهدي بهداه واجتهدوا جميعًا في الاجتهاد، فمنهم فاتح، ومنهم مغلق، وكل ينعى على سواه هذا الجمود وذاك الإلحاد. وكأنهم راق لهم ذلك العصر، وشاقهم ما وصف التاريخ فيه، فعمدوا إلى أقبح فصل فيه، ومثلوه فمثلها بأنفسهم في ذلك التمثيل. ولقد عنت الفرق بتوسيع خرق هذا الاختلاف، حتى يصعب على ذي اللب الحكيم رتقه، فسفهت أحلام بعضها في كثير من المسائل التي لا دخل لها فيما هم عنه يبحثون، وأصبح البون بينهم شاسعاً وقليل من هؤلاء تقاربوا وأدركوا أنهم في غنى عن كل ما شقاقًا ونفورًا، وسعوا في تأييد ما هُم عليه، وكان سعيهم مشكورا
يستوجب
1"
كما اشتغل التونسيون، وهُم جزء من المسلمين بالسفاسف، وثابروا على التقاول والتحاسد والتشاؤم، لا كفون عن حب الفخفخة والرئاسة، ولا يرعوون عن الارتشاء والاستبداد، ولا مذهب لهم سوى تعظيم المثرين وأرباب المناصب ولوكان من بسطاء المجوس ...
لقد حمل الجادوي علماء الدين كلّ المسؤوليّة فيما آلت إليه أمتهم، فهم قد انشغلوا بالأقاويل المعضلة، وفك رموز كلام بعضهم بعضًا، فكانوا أعجز الناس عن رد الشبهات ودحض الافتراءات، وإقامة الحجج، دفاعًا عن الإسلام، فأعرضت عنهم العامة، وأضحت في "حالة فوضى، لا ضابط لشهواتهم، ولا رادع لأهوائهم 3.
كما كان جمود ذوي القرائح الجامدة والرؤوس المقرطة العدوة لكلّ جديد على ما لا يتفق مع عقل ولا طبع، سببًا في أن يتجه "متنوّرو الأمة"
40
1 - م. صص 234 - 235
2 - م. صص 25 - 26
-2
P-3
3 - م. ص 34 - م. ص 327
390 (1/390)
صفحة 391
إلى "الإلحاد"، والتمادي فيه، وتراكمت على أذهانهم الشبهات "ففاضت أفئدتهم فلم يعرفوا لهم مركزا بين الشكوك والحيرة".
،
وقد أطنب في أنّ الإسلام محمول على عاتق العلماء، وهم أيمته، وهُداتُه، وورثة من جاء به لواستقاموا على الطريقة، وفي أن تقاعد الإسلام وانحطاطه محمولان على عاتق العلماء، أيضًا، لأنهم من الأمة بمنزلة الروح من الجسد، واحتياج المسلمين إلى علمائهم أكثر من احتياجهم إلى أمرائهم، لأنهم عصمة الدين ومناره يلتجئ إليهم كل طالب نجاة من شرقي الأرض وغربيها، ويخضع كل واحد لأقوالهم ويقتدي كل مسلم بأفعالهم لأنهم الوارثون لحكمة الرسل وعلمهم وهُم العالمون بأحوال تربية الأمة، وتهذيب أخلاقها، وإرشادها لما فيه سدادها، وتحويل النفوس من حالة النقص إلى حالة الكمال، وهُم منها بمنزلة "الأطباء".
لقد اعتبرهم الشيخ أعظم سبب في سير الإسلام إلى الوراء، وأضر ضار على الدين، بل لا تكاد توجد مضرّة في المسلمين أو عادة قبيحة، أوعقيدة فاسدة، إلا وهم الأصل فيها، وغارسوها بواسطة ما يلقونه إلى العوام من النصائح الكاذبة، والمواعظ المموّهة، والغش الملبس بالحق، واللهث وراء الدرهم والدينار، والأبهة الزائفة 4.
إنهم، في نظره، بسطاء أغبياء، استحوذ عليهم الجهل، ووجدوا من يعظمهم ويُكرم نزلهم، ويهديهم النفس والنفيس، فعظمت عندهم نفوسهم، وأخذوا يتعاطون الطرق ... رزئت بهم الأمّة، ولقبوا بـ"الشيوخ"، زاعمين
أنهم "أطباء"، وما هُم في الحقيقة إلا "مطببون"، خادعون، ملبسون. وفقدت الأمة المرشدين، الذين هم "الواسطة للخلق بين الحق والباطل، لا تأخذهم في تقدم سير بني جنسهم إلى الأمام لومة لائم. وهم النصحاء،
1
م.
ص 35
2 - م. ص 22 3 - م. ص 26 / ص 28 4 - م. ص 30
5 - م. ص 30
391 (1/391)
صفحة 392
المخلصون، ذوو الاستقامة والفضيلة، بعيد والهمة لا ينظرون إلى الدنايا والمقاصد السافلة، ولا يشترون بشرف هممهم التزلف والتحبب والتقرب إلى أصحاب المنصب والجاه ".
إزراء
وقد استشعر الجادوي مغبة هذه الجرأة منه على شيوخ الدين، فمازاد إلا بهم في شجاعة نادرة من أمثاله أصحاب العمائم، قائلاً: " ... لستُ بمرتاب في أن تكلّمي على هؤلاء بما يُعدّ شططا وعقوقا ومروقًا من الدين الإسلامي عند بعض الناس الذين ضرب الله على قلوبهم صفحا، فحال بينهم وبين نور الحقيقة ظلام الجهل وأبعدهم عن اتباع منهجها القويم معوج تقليدهم، أقوام لا يريدون بهم إلا شرا ولا يقصدون بهم إلا ضرا، وهُم في غفلة عن هذا كأنهم لا يشعرون ونُوّم دائمًا لا ينتبهون ولا يتعظون إن ذكرتهم فلا تنفع الذكرى ولا يتذكرون لأجل ما موّهت في عقولهم من أضاليل الملبسين، وخرافات المبطلين، ونزغات الشياطين، وامتزجت به دماؤهم من اتباع تلك الطريقة المعوجة والمثابرة عليها والجري على منهجها، والعكوف على مقصدها، فلا يبغون عنها حوّلاً، ولا يرتضون بغيرها بدلاً 2.
،
أما الاضطهاد المسلّط على المسلمين في بعض أصقاع العالم، ومنها جاوة، وروسيا والنمسا وزنجبار ودار السلام وجنوب الشطوط الإفريقية رعايا انقلترا فلم ير الجادوي له حلا غير نبذ الكسل ظهريا، واتخاذ الخمول سخريا، والعمل بما يرفع المسلمين من حضيض السقوط. ولا يتيسر ذلك إلا بتعليم العلوم النافعة، والتعلق بعرش الحزم والارتباط. ولم يعد ينفع البكاء، والعويل والمحاججة والبرهان 3.
ج-الرمز
لقد صوّر الجادوي خروج السلطان العثماني "الخليفة الأعظم" عبدالمجيد خان (ت 1363 هـ / 1944) هو وعائلته من القصر عند إلغاء الخلافة،
1 - م. ص 29 صص 22 - 23 2 - م.
3 - م. صص 55 - 56
4 - انظر: أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية ج 2 صص 201 - 269
تصويرا
392 (1/392)
صفحة 393
دراميا، دلّ علي حماسته في الولاء لـ"الدولة العلية"، وتنديده ب"مؤامرة أنقرة" التي خطط لها ورعاها وأيدها "الملحدون"، ودبرت وسط المجلس الملي، بمساعي كمال أتاتورك (ت 1357 هـ/1938)، وأعوانه، ومنهم لطيفة خانم التي وصفها بأنها "ملكة رفع الحجاب، وسلطانة السفور، التي استمالت بسفورها القوّاد ورؤساء الجيوش وامتلكت قلوب أرباب الصحف بخطابها الساحر". وقد هيأت هذه المكيدة حكومة "مرقت من دينها، وأخذت في تبديد أمجاد أسلافها، ومحوآثارها والقضاء على أخلاقها وعوائدها."". كيف لا وهو يرى أن "فخر الإسلام" سيُعاد شروقه من الهند لاهتمامهم بأمر الخلافة العظمى، وشدة انعطافهم على الجامعة الإسلامية 2، وتأييدهم لدولتها في كلّ موقف صعب إلى اليوم وإلى الأبد" 3
ولقد وضح أن الأسف على الخلافة هو أسف على "أقوى دولة مؤمنة إسلامية " في الحاضر، وهي الجديرة بأن تُؤمن على حفظ الخلافة المقدسة، كما حفظتها منذ قرون، وحفظت آثار من استضاء بشمس شريعته الوجود واهتدى بنور هدايته الثقلان"، وحُكامها لقبوا ب"الغزاة، وسيوف الإسلام
والفاتحين".
كما أنّه أسَفُ على أنّ الأمّة "سيلتقمها التطوّر الإلحادي" بدءًا بإبطال التعليم الديني، وهدم الأوقاف الدينية وقلبها ملكا للدولة، وإرغام العلماء على ترك شعارهم الديني، ومحو التاريخ الإسلامي وفتوحاته، والتاريخ العثماني من البرامج المدرسية، وإباحة الزي في اللباس مطلقا ولوالقبعة والزنار، ورفع الحجاب واختلاط النساء بالرجال وحسوالخمور بعد منعها، وجعل الطلاق بالمحكمة تملكه الزوجة والزوج معا والإعلان بأن الحكومة جمهورية
م. صص 728 - 729
2 - انظر، عن مشروع "الجامعة الإسلامية": شاتليه: الغارة على العالم الإسلامي صص 163 - 174
محمد حرب: السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار صص 163 - 227
،
3 - م. ص 736
393 (1/393)
صفحة 394
اللادينية، بعد أن كان دينها الإسلام وإجراء الميراث على غير ما فرضه
القرآن.
وفي الوقت نفسه يهدّئ من روع العالم الإسلامي، بأن "لا خوف على الأمة التركية من الإلحاد والتطوّر واستبدال ذلك الشمم الشرقي والفضيلة الإسلامية بأدران التفرنج والمروق، وفيها من القواد العِظام من يستند عليه في إيقاف هذا التيار الجارف مثل كاظم قاره بكير باشا، وفوزي، ورؤوف، وكثير من العلماء العاملين، ثمّ الأناضول أكثر بلاد الله إيمانًا
"
ولكن مع هذا الاطمئنان على مصير تركيا يرى الجادوي أنّ السكوت على هذه الخطة حرام وأنّ الغضب الله واجب وأنه من مراتب الإيمان"، ويعلن باسم "مرشد الأمة " ما يلي
دعوة المسلمين إلى ضرورة النظر في مثال الخليفة والخلافة والآثار النبوية المقدسة، والتفكير في حل عاجل إما بإرجاع السلطان إلى بلاده بطلب من أمته أو بأسباب أخرى يظهرها المستقبل القريب. وذلك في مؤتمر عام يُعقد
بالقاهرة.
/ اعتبار الخليفة عبد المجيد خان باقيًا على خلافته، ويُدعى له فوق المنابر، بوصفه خليفة أُخِذ أسيرًا يُترقب إرجاعه لعرشه، إلى أن يتم جمع المؤتمر بالقاهرة، أو جعل القاهرة مقرا للخلافة بآل محمد علي
طرد شريف الحجاز منه لأنه رجل صعلوك مرتزق، ولا يصلح أن يكون خليفة للإسلام والمسلمين، وإن بايعه الأردن وفلسطين، والعراق، واستبعاده من المناقشات حول مسألة الخلافة، وذلك نزولاً عند رغبة المغرب والجزائر وتونس وطرابلس الغرب ومصر والهند.
1 - م. صص 729 - 733 / وراجع مقال معروف الأرناؤوط: الإسلام جندي الله يا أسفاً على
آل عثمان م. صص 733 - 735
ويذكر المستشرق قرين أنه عندما وردت تقارير تفيد بأن البريطانيين يفكرون في تنصيب شريف مكة خليفة عربيا، اقترح بعض المسؤولين الفرنسيين بكل جدية تنصيب سلطان المغرب خليفة للمسلمين "الفرنسيين". وسارع ليوتي لدعم هذا المقترح، فكتب من المغرب
394 (1/394)
صفحة 395
وفعلاً لقد التأم بالقاهرة مؤتمر الخلافة س 1344 هـ/1926، وقد بين فيه الثعالبي أن مسألة الخلافة مسألة معقدة،
وهي تحتاج إلى دراسة عميقة من قبل المسلمين جميعًا، في إطار مشروع إصلاحي يقع ضبطه لمعالجة مستقبل الإسلام. ووضح أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين، وإنما هي مسألة اجتهادية وليس في القرآن نص عليها، ونظرًا إلى أن اللجنة العلمية قد اعتمدت في تعليلها للخلافة رؤية تقليدية واستندت إلى آراء فقهية دون اعتبار لتاريخيّتها، فإنّ الثعالبي قد انسحب من اللجنة الاجتماعية للمؤتمرا.
،
وشتان بين هذا الموقف وبين ما ينشره الجادوي على صفحات "مرشد
الأمة" من أنّ "الخلافة الإسلامية ميراث أبي بكر الصديق من رسول الله (ص)، وقد تعاقب عليها خلفاء كرام على نبيهم، وعلى قومهم، وعلى العصور التي أورقت بهم وأزهرت بعدلهم، وأينعت بفضلهم. فلا خوف عليها، ولا ضير بعد هذا اليوم، فإنّ لها ربًّا يحميها، ونبيئًا يسهر عليها، وكراما بررة يحرسون مشارفها، وأقيالاً يرعونها،
أليس هذا من "الجمود" الذي انتقده الجادوي
نفسه؟
ولم يكن الثعالبي من الآسفين على سقوط الخلافة العثمانية، فهو يعتبر الحضور العثماني في البلاد العربية "نكبة" أودت بالسيادة العربية، وعزلت
أن
العرب بصورة قاطعة عن المسرح الدولي وعن الإسهام في أحداثه. ويري تغلب الأتراك باسم "الإسلام" كان السبب المباشر في استسلام العرب الذين اعتقدوا أن هذا الخضوع هو تجسيم منهم للوحدة الإسلامية. وقد برهنت الأحداث أن هذا وهم لا غناء فيه، وحين استولى الغربيون على الأقطار
الأقصى في هذا الموضوع قائلاً: " إن مصلحتنا تقضي بأن ندع الإسلام يتجزأ، لذلك علينا أن نبدي ارتياحنا لشريف مكة بالمشرق. لكنه علينا كذلك أن لا نساعد على انتشار نفوذه إلى بلاد المغرب. وهذا يجرنا إلى إعادة ترتيب الإسلام المغربي، بجعله تحت السلطة الروحية لسلطان المغرب". العلماء التونسيون م. س. ص 275
1 - راجع، في المواقف من الخلافة وسقوطها مثلا كتابنا: ثورة النخبة الإصلاحية التونسية صص 271 - 281
2 - م. ص 735
395 (1/395)
صفحة 396
وجدوا النفوس ذليلة، والقلوب خاسئة، بما تسرّب فيها من خشوع وقابلية
للاستعمار، نتيجة للسيطرة العثمانية التي استمرت قرونًا "".
1 - ثورة النخبة م. س. ص 271
396 (1/396)
صفحة 397
6 - الإصلاح والإصلاحيون: ماذا خسر الجامدون؟
لم يضعُف الجادوي في التأكيد على أنّ ما عليه الإسلام والمسلمون صار "مثلة في أعين الأمم"، لكنّه لم يكن ساخطا السخط كله على الوضع فهو يتحدّث عن تطوّر الأمة التونسيّة" الذي لم تُمطره السماء ولا أنبتته الأرض، وإنما هوناشئ عن تقادح فكرة فردية تمشى تحت اشتعالها أفراد منها في طرق استوضحوها. ثم توسع ذلك النور والشعور إلى أن "شمل هيأة اجتماعية عامة تشعر بآلام غير فردية وتحس بعاطفة عمومية. عنذ ذلك صح الإخبار عن الشعب بأن الانتباه قد عمّه، وأنه توسط مسالك التطوّر والنهوض "".
ولا يجحد الشيخ أن حلقات التطوّر السياسي والرقي الشعبي تواصلت حلقاته في تونس نحو نصف قرن وسط محيط ناهض، فكانت المشاريع العلمية والأدبية، وكانت الروح السياسية القويمة، والتطوّر الجتماعي الذي وثبت إليه الأمة 3 ولذلك يرى من الجبن والتكاسل عدم تواصل المد الإصلاحي خاصة وهو يومئ إلى أن مؤشرات تنذر بالتراجع عن جملة من المكتسبات ولكن كيف يكون الإصلاح في نظر الجادوي؟
أ- النوع ينطلق الجادوي من أنّ الإصلاح في الأمم هو كالبذر لا ينبت في أرض إلا إذا كان مزاجه موافقا لمزاجها ويتغذى بعناصرها ويتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة، وذهب كد الباذر هدرًا، وهو حال من يحاول إدخال إصلاح جديد في
أمته
بدون أن ينظر في ذلك إلى قابليتها واستعدادها وما يلائم فطرتها. ولذلك يرى أنّ الإصلاح الذي يحاول أن يُجْعَل الحجر الأساس في النهضة الإسلامية، هو الإصلاح المبني على أصول الدين، وصرف الأذهان عما وقر
1
-م.
الفاتحة
2 - م. ص 8 3 - م. ص 443 4 - م. ص 776
5 - م. ص 118
397 (1/397)
صفحة 398
فيها، وتطهير النفوس مما علق بها ووقاية الفكر من الحيرة، والأخلاق من التزلزل، والعقل من الجمود، كي يكون ارتقاء المسلمين مبنيا على الشعور بالوحدة الملية وتوجيه وجهة القلوب إلى غرض واحد مشترك في البحث والتدقيق عمّا يلزم لحياتهم الاجتماعية، دون التوقف على الاستعانة ب"تلك النظارات المصطنعة التي اخترعها متأخر و المتكلمين والفقهاء والمتصوفة، أوالتي وضعها الملاحدة أخذا من القول بالجحود المطلق وإنكار النبوءات وتعاليم الخلاق العليم، إذ كلامهم معطل لناموس البقاء ومناقض للفطرة التي فطر الله عليها الوجود"".
6
الضامنة
لقد فصل الشيخ فيما سمّاه ب"التهذيب الملي"، وكانت بعض أفكاره في هذا الباب على غاية قصوى من الطرافة والفرادة، واعتبرها هي ل "قيام الجامعة الإسلامية، وإنهاض سائر المسلمين"، وكل من خالفها فهو إما أن يكون ضالاً عن سواء السبيل، وإما عدوا في ثياب صديق يريد أن يقضي على المسلمين بالضمور والانكماش، وهو يعمل على انتكاث فتلهم، وتفريق جمعهم"
فقد أراد أن يكون "التهذيب الملي" مبنيًّا على ما يلي، والعبارات
للجادوي:
الإقناع بأن الإسلام هو الحل وأن أحكامه وتعاليمه شاملة لأشتات المصالح بلا استثناء
التغالي في الاحتفاظ بكل أمر أوجبه الإسلام
جعل دستوره هو المرجع الأعلى لتدبير شؤون مستقبل المسلمين
أن يكون المسلمون "مسلمين سلفيين"
نبذ التقليد جانبا، والأخذ من كلّ مذهب ما يلائم المصالح، بشرط أن
يكون المأخذ مُخرَجًا من السنّة والكتاب
إخلاص الولاء لكل من يشترك
مع
المسلمين في إعادة مجدهم القديم
1 - م. ص 119
398 (1/398)
صفحة 399
جعل حداة يتغنون بمجد
الأسلاف
نبذ التنطع في الدين
التماس الأحكام الاجتهادية للضرورات
حفظ الميزات الخاصة بالمسلمين
هجر كل ما خالف تقاليدهم وشعائرهم الكريمة
تأسيس تقاليد خاصة بعيدة عن روح العداء والجفاء، مبرأة من كل
هوس، وجشع، وفحش،
التوسع في معنى الحياة توسعاً لا يجعل المسلمين راضين براهنهم
تفضيل الاستقلال على الحياة
التوسع في الحرّيّة الذاتية في كل فرع من فروع الحياة
السعي إلى ترقية شؤون المسلمين المادية والأدبية واللغوية والاجتماعية والصناعية والزراعية والتجارية والإدارية والاقتصادية والسياسية
الاشتغال بسائر المهن الحرة
عدم اتخاذ الوظائف في الحكومات وسائل للارتزاق، بل مساند للنابغين من ذوي الإثراء لخدمة الأمة وتفريج كرباتها
كراهية الحكم المطلق
مجافاة الظلم
احترام الشريعة والنظام
- تقديس الجمال والإتقان
الرجاء في الذات
التكافل
الثقة المتبادلة
إكمال النواقص بما وصل إليه علم الغير
399 (1/399)
صفحة 400
الاهتمام بتحصيل العلوم العملية
اعتماد الخطابة والأقلام والجمعيات في الدفاع والهجوم اتحاد الرجال القادرين على استخدام الظروف، وتحويلها لنفع
المسلمين.
إن الجادوي، السلفي المستنير، يؤكد، كغيره من أعلام الفكر السلفي الإصلاحي، على أن تدلي المسلمين إلى درك الانحطاط، لم يكن إلا بعد أن تسرب إلى نفوسهم ذلك الأثر الفاسد من احتكاكهم بالآخر، وحينما لم يضعوا ما نقلوه من الأخلاق والعادات في بودقة الإسلام، وحسبوا أن الإصلاح والتقدم لا يكونان إلا في احتضان "التربية الإفرنجيّة"، وفاتهم أن الشواهد المحسوسة في أغلب الممالك الإسلامية هي قائمة على فساد هذا الرأي ودحض أقوال
مخترعيه.
ويضيف: "سبقنا، إلى احتضان تلك التربية الغربيّة، المصريون، والأتراك، والهنود وأخذوا بأطراف المعارف ولكن: هل انتفعوا منها قبل أن يتراجعوا في نصف الطريق، ويقفوا حيارى تائهين لا يهتدون إلى الرجوع سبيلا بدون أن تُغني عنهم معارفهم فتيلا لولم يستأنفوا رجوعهم إلى الإسلام؟. فكيف بنا نحن لا نحتاط لأنفسنا ونقصر عنها هذا التعب ما دمنا في بداية الطريق. إن المعارف كالآلات لا يجوز لنا أن نغتر بظواهرها، وهي لا تستطيع تكليف نفسها ما لم توازن التربية المليّة بسائر مميزاتها وخواصها. ومَن يُحاول غير ذلك فهو إنما يحاول بأمته إلى الخطر وبذاته إلى التلف" إنه يؤمن عميق الإيمان أن المسلمين لا يمكن أن ينهضوا إلا إذا أتتهم
2"
الحركة من قبل دينهم
p-1
1 - م. صص 120 - 122 2 - م. ص 119
- 3
-م.
ص 39
3
400 (1/400)
صفحة 401
ب الأعلام والمعالم يثبت سليمان الجادوي أنّ المصلحين في الأمم، هم كأصحاب الشرائع السماوية، في القيام بإصلاح العائلة البشرية، ومقاومة الفساد الذي يتولد من الإهمال، وتقادم عهد الإنسان بالتكاليف.
كما يرى أنّ الأمة بين انبهارها بالآخر، وشعورها بضرورة التقدم، والأخذ بالصالح من كل جديد في حال مضطرب تحتاج فيه إلى "الهداة المرشدين، والناصحين غير المفتونين الضالين الملحدين، وإذا لم يتولها، والحالة هذه، "أفئدة قوية من خيرة أبنائها "، فقدت بواعثها للفلاح، واضطربت في سلوكها، وتاهت في متاهة الحيرة والذهول.
،
،
وإذا كان قد أثبت في بعض المواضع أنّ المفسدين كثير، وأن المصلحين ذوي الاقتدار قليل، إذ جلب الداء في وسع الجميع، ولكن الإنقاذ منه لا يعلمه إلا القليل، فإنه رأى، في مواضع أخرى، أن الأمة "أمام شعورها بالتأخر وتأثير مدنيّة أوروبا، قد رُزقت طائفة كبيرة من أبنائها تورها من هذه الوجهة، بالتذكير والموعظة الحسنة فهم دائبون على دفع اليأس عنها، ومكافحة نزولها إلى التقليد بكل سلاح". وقد وصف هؤلاء بأنهم "فارقوا الدهماء، فلم يخنعوا لتيار اليأس، ولم ينقادوا تحت صغار الاستسلام، وأيقنوا أن القنوط للإنسان أردى قرين وأنه للفكر الموت الزؤام، وأن الحركة دليل الحياة والموت علامة السكون استنترت بصائرهم بنور الأمل وإن كان ضئيلا، ونبض فيهم عرق الحياة وإن كان ضعيفا .. وبكثير من الألم، يذكر الجادوي أنّ السيف المسلط على رقاب المصلحين، كان دائمًا من يزعمون أنهم "علماء" و"أولو الأمر"، المرشدين ونصائح المصلحين دون صدى وذهب جهدهم سدى، وكان من
411
بهم
ذهبت صيحات
1 - م. ص 2
2 - م. ص 233 3 - م. ص 38 4 - م. ص 232
401 (1/401)
صفحة 402
الأولى أن يكون "أهل الدين" هؤلاء أحق من قام بدعوى الإصلاح لمكانهم من
الدين.
يقول، منافحا عن المشروع الإصلاحي، وممثلا النزعة السلفية التنويرية خير تمثيل، بما هي رؤية في جمع شتات التفكير الديني، ومسؤولية في الاعتراف بقيمة جميع مكوّناته العقدية والمذهبية: " ولئن سألتهم عما يقصدون من إشهار تلك الحرب العوان، ليقولن إنا حماة الدين، وإنه ليوجب علينا تغيير منكر رأيناه ما لهم لا يُغيّرون ما بين أيديهم من المنكرات؟ بل بالعكس تراهم قائمين عليها ويأمرون بها ... ولكن هذه المنكرات الصريحة لا تسوؤهم مثلما يسوؤهم من ينادي بأن الخلاف بين فرق المسلمين يمكن تسويته، وأنهم لوأحسنوا المناظرة لما اختلفوا، وأن تنديد بعض هذه المذاهب ببعض في غير محلة ولا ينبغي الإقرار عليه، وأن من قام بهاته الدعوة وقرع بها أسماعهم، وهي كما رأيت أقصى ما يتمنى المسلمون، لا يكون جزء من هؤلاء العلماء سوى رميه بالاعتزال بل المروق والزيغ والإلحاد. والاستدلال على ذلك لديهم هين، إذ لا يتجاوز حكاية منامة ... كما بلي جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، وكما بلي من قبلهما الغزالي بمن لا يصلح أن يكون شراكا لنعله فرموه بالزندقة والإلحاد والكفر والاعتزال، لاعتقادهم وأن الاعتزال منقصة. ويطلقون كل هاته الألفاظ على شخص واحد مع علمهم باختلاف معانيها ولكن حيث كان الباعث على قذفها الغيظ والعداء لا يرون حرجًا في جمعها في كنانة واحدة، إذ جعبة الغضب أوسع من جعبة الحق، ويجرئهم على ذلك مركزهم الذي يجعل كلامهم مقبولا ويأمنون به مناقشة الحساب "2.
وقد
جمال
الدين
الأفغاني (ت 1315 هـ/1897) ومحمد
عبده (ت 1323 هـ / 1905) من الرجال المصلحين الشجعان، الذين مسكوا،
2
1 - راجع قصيدة "حماة الدين". ديوان أغاني الحياة ص 165
-م. صص 244 - 245 / وراجع فصل: السياسة الإسلامية الفرنسية في تونس 1907 - 1915، ضمن: العلماء التونسيون م. س. صص 270 - 276
402 (1/402)
صفحة 403
حقيقة، بأزمة الشريعة وأخذوا بنواصيها وسعوا بساق الجد وراء ترقية
أبنائها.
وقد كابد الأفغاني"الفيلسوف الحكيم وصاحب النهضة الشرقية" وتلميذه عبده، ويلات التعصب والجمود وهما الرجلان اللذان عرف التاريخ حسن نياتهما نحو الإسلام والمسلمين، وإخلاصهما، وصدقهما ".
،
ومن المفيد هاهنا الإشارة إلى الموقف الطريف لعبد الرحمان بدوي (ت 1423 هـ/2002) من الأفغاني، حيث يعتبره سياسيا في المقام الأول، ومفكرا متحرّرًا من العقيدة الدينية، ولم يكن الإسلام عنده إلا وسيلة للنضال ضد المستعمرين الانقليز والروس والفرنسيين ولم يهدف أبدا إلى الإصلاح الديني بالمعنى المفهوم الدقيق لهذا التعبير والمسؤول عن تصويره الزائف بصورة "المصلح الديني" هو الشيخ محمد عبده وأصحاب مجلة المنار ومن شايعهم من "السطحيين" في مصر والشام ولا بدّ في نظره، من تحطيم هذه الأسطورة الموغلة في الزيف، ألا وهي أسطورة: "جمال الدين الأفغاني المصلح
2,
الديني الإسلامي" أما الوزير خير الدين التونسي، فصورته في "المرشد"، أنه "رجل الأمة التونسية" و"أبو النهضة التونسية"، الذي دب به "ناموس الإصلاح"، وولدت به "حركة التطوّر التمديني في تونس وبذل قصارى وسعه في إدخال النظام التمديني على كيان الدولة المتزعزع بالإطلاق، والمخرب بسوء التصرف الفردي، والمثقل بكوارث الإطلاق ومصايب الإرهاق، معلنًا قبول الإرشاد، وتبادل الآراء المعينة على النهوض، ومُفسحًا مجالاً لأخذها وإعطائها. ومعه أخذت فكرة الشعور بالواجب الاجتماعي الذي كان لا يعرف له معنى، ولا يُدرك له مبنى، فازدهرت المملكة في أيامه وأخذ التطور السياسي يظهر، والأمن ينتشر. ولكن خذلته الدسائس والجيل "المرهب بالإرهاق الفردي
1 - م. ص 23
وراجع مثلا، محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي
،
صص 61 - 172
2 - بدوي: موسوعة المستشرقين ص 320
403 (1/403)
صفحة 404
والمثقل بآثام حواشي حكمه الحالكة، والعلماء الذين كانوا يتسابقون على التقرب والتزلف واستفرغوا "كنانة القواميس اللغوية من ألفاظ المديح" وقلدوها، نفاقًا، رجال ذلك الدور الذين ما كتب عليهم التاريخ إلا الآثام". فبارح "المصلح العظيم خير الدين تونس، فهجعت فكرة التطور التمديني، ولكن ترك خير الدين في الملكة "تطوّرًا سياسيًّا ونظامًا دوليا"، سارت على بعضه السياسة التونسية رغم التطوّر الاحتلالي الذي يزعم أنه أتى بكل
شيء"، ومن ذلك:
جدير
تفريق السلط
إحياء الشورى بإجراء دستور عهد الأمان
تأسيس المجالس المعبر عنها بالجنايات
نظام الكلية الزيتونية والتعليم الديني
تأسيس التعليم العصري بالمدرسة الصادقية، التي تميزت بتفوّق تلاميذها إلى ماقبل عصر الجادوي، كما يُثبت هو، وينبه إلى أن حاضرها بالأسف، "حيث أنها مدرسة خاصة بأحباس عظيمة الدخل والمحصول، ولم تأتِ بالنتيجة المنتظرة التي تشاهد على نظائرها من المدارس الثانوية لفساد برنامج التعليم بها، وسلطة المدير لها، وتنفيذه لتراتيب
،
تخالف ما تطلبه الأمة ... "
قانون العدالة "المفقود النظير ضبطاً وإحكامًا
ترتيب المحاكم الشرعية والأحباس والتراتيب البلدية والإدارية
النظام الفلاحي
تأسيس صحيفة الرائد التونسي "، التي وإن اشمأز منها "النحارير"، وترفعوا عنها لابتعادهم عن مواقف السياسة التي يرونها وعرة الولوج غير
1 - م. ص 428
2 - راجع عن "الرائد": المسعودي: فوائد الرائد ذيل الخلاصة النقية / عمايرية:
م. س. صص 209 - 321
404 (1/404)
صفحة 405
آمنة المروج
ووصموها ب"البدعة الداخلة تحت قوله تعالى"ومن الناس من يشتري لهو الحديثِ لِيُضِلَّ عن سبيل الله بغير علم .. " (لقمان، 6/ 31)، فإنّ الجنرال حسين (ت 1304 هـ / 1887) ' أحد أعضاد خير الدين، قد كان سببا
قويا في ارتقائها، وخصوصا في الصفحات الاقتصادية، بما كان يمنحه من إكرامات ومكافآت من ماله الخاص لمن يُجيد في تحرير المقالات ..
2
وورث خير الدين محمد بيرم الخامس (ت 1307 هـ/1889) صاحب "صفوة الاعتبار"، ومحمد السنوسي (ت 1318 هـ /1900)، فكانوا من الوطنيين "الذين أشربوا حب الصالح العام وتعلقت بهم رغم الإرهاق الإداري، وإفلاله
لانتظامهم حينًا بعد حين".
ولعل اللافت هنا، أنّ الجادوي طوى ذكر الشيخين محمود قبادورمز انقداح الأفكار الإصلاحية، وسالم بوحاجب (ت 1342 هـ/1924)، قرين خير
الدين.
أما البشير صفر (ت 1335 هـ / 1917) "أبو النهضة التونسية الثاني"، فيصفه الجادوي ب"الشهم الفقيد" و"الوطني الشديد"، الذي رسخ "الفكرة العمومية" في مدارك تلامذته الكثيرين، عند انهيالهم على دروسه المتدفقة غيرة وطنية، وكان منهم صحافيون بواسل وكان يضيف إلى حياته التعليمية بالمدرسة الخلدونية عمله التحريري بجريدة "الحاضرة"، وخطبه العمومية التي يقيمها
2
1 - راجع: الطويلي: الجنرال حسين حياته وآثاره / عمايرية الصحافة وتجديد الثقافة
صص 53 - 99
-م. صص 2 - 6،
وراجع: المنصف الشنوفي: تقديم أقوم المسالك صص 10 - 64
قرين: العلماء التونسيون م. س. صحر 142 - 164
3 - راجع: ابن عاشور: أركان النهضة الأدبية بتونس صص 3311
P-4
4 - م. ص 6
5 - راجع مثلا كتابي:
عمر بن سالم: قبادو، حياته وآثاره وتفكيره الإصلاحي
حسونة المصباحي: ثلاث منارات تونسية: خير الدين بيرم الخامس سالم بوحاجب
عمايرية: م. س. صص 101 - 122
405 (1/405)
صفحة 406
على أساس "مقارعة الاستئثار القاسية، حتى ارتسمت في الأفكار شهامة الإصداع بالطلب والصراحة في النقد، وإنزال الوطنية مقامها من الاعتبار".
ومن المعلوم أيضا أن البشير صفر كانت تنظر إليه الحماية على أنّه " وكيل حركة الجامعة الإسلامية بتونس
2 "
وبكثير من الارتياح والطمأنينة، يُثبت الجادوي أنّ الأمة التونسية بعثت في عهدها الحاضر بعثا ثانيًا عقب ذلك السبات الطويل الذي كاد أن يأتي على ما في مفاصلها من عروق الحياة، فهب شبابها الناهض إلى مسابقة الأمة في مضمار الرقي بغيتُه الحياة، وما الحياة إلا مزاحمة وجهاد في معترك
الحياة 3.
ويعتبر أنّ جامع الزيتونة، وبعض القديم من المدارس القرآنية، وبعض الزوايا، والخلدونية، والصادقية في عهدها الأوّل، كانت لها "فضل"، و"وطنية"، و"بركات"، أسهمت في تقدّم الأمة التونسية، وحضارتها العلمية"، وازدهار الصحافة والنشر
فأما تأسيس الجمعية الخلدونية، فكان رمز النهضة، وثمرة السعي في حفظ الكيان الوطني، حيث بذلت من المساعي الباهرة بهمة أعضائها الكرام ما أيد بقاء هاتيك المدرسة العظيمة كعبة يحجها المتعلمون من أهيل هذا القطر، فيبوؤون وقد مُلِيَت أذهانهم علما دنيويا، وعرفانا حيويا لا يُستغنى عن اقتنائه بحال"، وكان من مآثر أبنائها تلكم الجرائد الوطنية التي أصبحت ولا هَمَّ لها إلا منابذة المحافظة على العتيق، ومتاركة الاقتناع بحجاب الجهل الصفيق، والاتكال على خوارق العادات"، و"مهما سمعت بفضيلة نُشرت، أو مأثرة ظهرت أو مشاريع كوّنت، وفحصت عن الموجد لها
1 - م. صص 6 - 7 / وراجع:
ابن عاشور: م. س. صص 34 - 38
محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج 3 صص 237 - 240
2 قرين:: م. س. ص 273
3 - م. ص 443
4 - م. ص 428
406 (1/406)
صفحة 407
والمتسبب فيها، فلا تلفي غير اليد الخلدونية البحتة أوهي ذات النصيب الأوفر في ذلك ".
مَن
من أجل ذلك ينادي الجادوي أنصار التمدن المسلمين إلى إمداد
حتى يصح
،
الخلدونية، ودعمها وإعانتها وإيجاد فروع لها في سائر مناطق البلاد، ليحفظ كيانها، ويتسع نطاقها. يقول في ذلك: " بيننا من ذوي الثراء والميسرة يسع رزقه التبرع بآلاف الفرنكات فما أجبنَهم رزقوا الهدى أن لوتفضّلوا بجزء من ذلك المال العريض على تلك الكلية الجليلة معهد العلم والتعليم، انتظامه في عقدها الجميل، ولا يُرمى بجهل ... إن ذلك المنهل الصافي مثله فينا كعريف نزل حيّه خلاءً مخوفا لا ماء به ولا مرعي، فتقطعت به سبل المذاهب، وخفيت عليه أدلة الوقاية من تهلكة الجوع والظما، فأخذ ذلك الرائد الماهر يدبر في تكوين مسلك ممر بالماء الغدق والفدفد الخصيب محفوفًا بالعمران، ليقود له قومه المحتضرين، فيعتقون من أسر المهلكات. إذا كانت هذه، مثابتها، فالتردد دون إنجادها عار وشنار على أن المال ما خُلِق إلا لأن يُباد في الصالحات".
وأما الجامع الأعظم فلئن أنبت قديماً كثيرًا من جلة العلماء، وكان الروض الزاهر، ومفخرة القطر التونسي، وكلّية تونس الإسلامية، ومحطّ رحال التونسيين، وكعبة آمالهم يأتون إليه من كل فج عميق لحطّ أثقال الجهل دونه، والاقتباس من نور الشريعة المحمدية والملة البيضاء الحنيفية التي مدت رواقها على دعائم ذلك البيت المعمور، فإنّه أضحى ب"سيئات التكاسل وقلة العناية به، مُشرفة زهوره على الذبول"
3"
1 - م. صص 2018 / وراجع عن الخلدونية واتحاد الزيتونيين والصادقيين في مساندتها:
قرين: م. س. صص 222 - 246
2 - م. ص 27 / ص 185
3 - م. ص 185
407 (1/407)
صفحة 408
ولذلك واكبت "مرشد الأمة تحرّكات الزيتونيين، وساندت مطالبهم. وكان للشيخ الزيتوني سليمان الجادوي رؤية إصلاحية نوجزها في النقاط
الآتية:
الإصلاح يجب أن يشمل البرامج والمدرسين والمتخرجين
ضرورة إيجاد هيأة تشرف على سير الدروس
لجنة مراقبة البرامج المدرسية
لجنة علمية تشرف على اختيار الكتب المعتمدة وتحيينها، وملاءمتها
للعصر والاحتياجات
الاستفادة من التجربة المصرية في إنتاج كتب بأساليب حديثة
مراجعة تراتيب الامتحانات
مراجعة وضعيّة الأساتذة وربطها بمستويات التعليم
انتخاب عضو عن الطلبة في لجنة النظارة العلمية
2
أ فليست هذه الفقرة المنشورة على صفحات "المرشد": "لم يبق لنا من العلم إلا القشور والمناقشة اللفظية الخالية من الفوائد، وحام حولنا وحول علومنا الصحيحة جند السوس، ولم يبق لنا من الدِّين إلا اسمه، إذ أننا نقول بما لا نفعل بمقتضى أوامره ونواهيه، فندعو الحياة ونحن أموات، ونطلب الفوز بالسعادة ونحن معتكفون على ارتكاب الشهوات، تعبيرةً حدادية (نسبة إلى الطاهر الحداد)؟!.
ونقرأ له كذلك، متبرّماً بتخلّف "شيوخ العلم": "ما وجدتُ منهم إلا من يقول: لا ينبغي تعلّم العلوم العصرية كالجغرافيا والهندسة والتاريخ والحكمة والحساب والطبيعة والطب وما شاكلها بل ذلك يُعَدّ مُروقًا من الدين. أما تعلم اللغات الأجنبية فالإلحاد بالدين ... ولكن متى يستقيم حال أمة وعلماؤها
صص 196 - 199 1 - م.
2 - م. صص 186 - 189
3 - م.
ص 25
،
408 (1/408)
صفحة 409
على هاته الشاكلة وإذا كان العلماء بمثل هاته البساطة العمياء فعلى أي حالة تكون الجهلاء والأغبياء .. "".
وليس هذا موقفه من كلّ شيوخ الزيتونة، طبعا. فهو إذ يهاجم قلاتي وحزبه، يؤكد على أن بعض أساتذة الجامع الأعظم يشرفون هذا المعلم، ولهم
رسوخ قدم في الفقه وأصوله، ومعرفة زائدة بفقه القضاء ومذاهب التشريع، وما بيدهم من شهادة الأستاذية أكبر مما لدى أولئك المحامين الأعاجم عن لغة البلاد وأخلاقه وشرعه وعوائده وأن للأمة وثوقا فيهم ولهم عن الحكومة
2"
هي
استقلال تام إن الجادوي قرين الطاهر ابن عاشور، والخضر حسين، والحداد 5، والشابي، إن لم يكن أسبقهم في المناداة بإنقاذ جامع الزيتونة، حتى يكون ابن عصره، وركن رقي، لا معول هدم وهاوية انحطاط
وبعد مضي أربع سنوات على طلب تأسيس الجامعة الزيتونية، تذكر "مُرشد الأمة" في عددها 71 س 1339 هـ / 1921 بفكرة إنشاء هذ الجامعة، التي يُؤمل أن تُعلي شأن لغة الشريعة الغراء، والآداب العربية، وتصوغ للأمة التونسيّة طائفة تمجد ذكرها، كما كان ممجدا في ماضي الأيام والعصور
الخالية".
ومن الغريب، حقا، أنّ بعض الزيتونيين خاف منها أن تحبط عملهم،
وينالهم بها نصيب غير منقوص من "العار"!!.
ومن المهام الموكولة إلى هذه الجامعة:
1 - م. صص 27 - 28
2 - م. ص 454
3 - راجع: أليس الصبح بقريب
4 - راجع: كتابه تونس وجامع الزيتونة
5 - راجع كتابه: التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة. 6 - راجع: ثورة النخبة م. س. صص 89 - 106
409 (1/409)
صفحة 410
- تخريج فئة متمرّنة صالحة من الزيتونيين لاعتلاء منابر الخطابة، والقيام بالإمامة في الجوامع، بعدما تأكدت الحاجة إلى ذلك، وتحتمت ضرورة تثقيف الأذهان، وتنوير العقول، وإرشاد جمهور المصلين. ولا يتيسر ذلك إلا لخطيب ملك ذلاقة اللسان وقوة الحجّة وتدرب على الخطابة، كتابة وإلقاء وتكوّنا علميًّا
إصدار مجلة تهتم بشؤون الدين والعلم
- إنشاء مكتبة تواكب أحدث المنشورات من الكتب والصحف والمجلات، محليا وعربيا نشر مآثر التونسيين إحياءً لذكر فطاحل الخضراء، وتنشيطا للمؤلفين
والمعربين والناشرين
تمتيع الطالب الزيتوني بمنحة جامعية.
ج- القيم
لسنا في حاجة إلى التأكيد على أنّ مشروع الجادوي الإصلاحي قد بان على صفحات جريدتيه "المرشد" و "مرشد الأمة"، على الأقل، واضح المعالم، جلي الدوافع والمقاصد وما اهتمامه بالكتابة في جملة من القيم والمبادئ الإصلاحيّة التهذيبيّة إلا دليل على ذلك، ناسجًا على منوال أعلام الإصلاح في الفكر والمنهج والأسلوب.
والاتحاد
عبر الشيخ عن هيامه بعبارة "القوة في الاتحاد"، فهي تمثيل للسعادة بجميع معانيها، ولأسنى منازل الفلاح، وفي ضدّ مغزاها الفقر، والمذلة والقهر والبلاء الأصفر، والموتُ الأحمر، بل عنوان الخيبة والشوم، والحيرة
والهموم.
200
1 - م. صص 443 - 445
2 - م. ص 17
410 (1/410)
صفحة 411
ويذكر أن الأمم التي أراد الله بها خيرًا طفقت تلتئم وتجتمع، وتغرس أشجار التحابب والوئام فارتقت على صهوات الفتح والاستواء على عرش الاستعمار ".
أما الشعب التونسي فقد أوجس خيفة مما حاق به من شر الكسل، والرضا بالفشل، والاستكانة للتقاطع الناشئ عن تفرّق الكلمة، فجعل يبعد من هوة التفرد وبؤرة الخراب، ويدنو من ساحة ما يوليه الراحة والترف والنخوة والشرف ويجلسه على أريكة الكمال عملا بمنطوق "القوة في الاتحاد"، وكانت أوّل خطوة خطاها في هذه السبيل المنجية هو تأسيس الجمعية
الخلدونية.
التمدن
من أجود "المقامات الجادوية"، نص: "التمدن" عند المقلدين أوحضرات المتفرنجين، اجتمع فيه السجع السلس، والتعبير المتين، والوصف الدقيق، والنقد العميق، والموقف الصريح وانتهى كاتبه إلى أن تمدن الأبهة الجوفاء، والفسق والفجور، والكفر واحتقار المؤمنين هو"تمدن" زائف فاسد.
أما التمدن الذي يؤمن به الشيخ، فهو الخضوع لأوامر الشرع، والوقوف لدى، نواهيه، وله أركان منها العلم أخرويا كان كالتوحيد والفقه والتجويد .. أودنيويا كالمعارف الحربيّة، والفنون الطبية، والكيمياوية،
،
،
لا
والهندسية والحسابية والتاريخية والجغرافية والفلكية، إلخ .. حتى يحتاج صاحبه لشيء من الأشياء ولا يبقى لسلطان الجهالة على العقول من
سبيل.
ومن معاني "التمدن" الحق في فكر الجادوي:
الحرّية بأن يكون الفكر واللسان طليقين دون خوف، فتخف وطأة
الجور، وتسود الشورى، ويموت الاستبداد.
1 - م. صص 17 - 18
2 م. صص 91 - 92
3 - م. ص 92
P-3
411 (1/411)
صفحة 412
المساواة، وهي الإخاء والألفة
"الأساس المتين الذي أُقيم عليه هيكل العمران"
الحزم والكدّ بتنشيط الفلاحة والصناعة والتجارة، وتنظيم الإدارة
الاقتصاد في المعيشة وتجنّب التبذيرا
وقد خص الجادوي قيمة "العلم"، أساس التمدن، بمقال منفردة، وكذلك "الصناعة"، فاعتبرها مادة العمران، وقوام الحياة، وروح الألفة والاتحاد والحاجة القصوى التي ربطت بني الإنسان بعضهم ببعض. وبناء على هذا
المعنى فهم: "الإنسان مدني بالطبع"، بمعنى: "الإنسان صانع بالطبع". فالصناعة عنده، من الضروريات التي لا يستغني عنها الإنسان بحال، ولا تتسنى له الحياة بدونها وهذه الخاصية تختلف درجات لزومها باختلاف الأمم وتفاوتهم في "الهمجيّة" و"المدنية" وما بين ذلك. فكلما ارتقى الإنسان في شؤونه ازدادت حاجته إلى الصناعة واستجدت له أنواع منها يخلقها
العمران.
(
،
وحينئذ فـ"الصنعة بنت العُمران، كما أنها مادته"، و"الصنائع المستجدة من نتائج العمران والعُمران ثمرة من ثمار المدنيّة".
ويربط الجادوي بين التصنيع والاستعمار ويرى من أهم الأسباب التي حملت الأمم الغربية على استعمار الشرق واستعباد شعوبه، ترويج المصنوعات، ويضرب مثلاً على ذلك بألمانيا، حتى أعلن امبراطورها أن "ألمانيا لا تضمن حياتها راقية سعيدة إلا بالاستعمار وفتح أسواق البلدان
لمتاجرها ".
1 - م. صص 92 - 93 2 - م. صص 77 - 80
3 - م. صص 48 - 50
412 (1/412)
صفحة 413
ويستخلص الشيخ من ذلك أنّ "قوة الممالك في هذا العصر، بتعزيز الأساطيل وإعداد الجيوش، قائمة على المصالح التجارية أكثر من قيامها على الرغبة في امتلاك البلاد لغرض الفتح البحت والاستعباد الصرف".
ولكن بقدر ما أكد الجادوي على أنّ أوروبا رمز "التمدن" ومثاله، فإنّه لم ينزع عنها صفة "الهمجية" بجريرة الاستعمار الوحشي، وبالفظاعات العنصرية التي اقترفها "غزاة القرن العشرين". وقد تجلى ذلك في مقالات عديدة، منها "الهمجية والنظام".
ويعيب على كثير ممن طالبوا بالإصلاح فتنتهم بالمدنية الغربية، غافلين عن أن تلك المدنية الفاتنة "مقابحَ تضاهي ما هو مخبوء في الإنسان تحت بشرة لطيف "2 وجسم
ناعمة
لقد عدَّ الجادوي مدنية أوروبا وعلومها وفلسفتها، من العوامل الأجنبية التي أحدثت في الأمة الإسلامية نزوعًا إلى الأخذ بها. فيؤكد على أن هذا النزوع كما يُنتج التقليد في النافع، يولد التقليد في الضار أيضا، ولذلك يرى من الواجب التعامل مع هذا الجديد الفاتن بحكمة ورشد ونور بصيرة، ويُحذر من الشطط في استقبال هذا العلم الأوروبي الفجئي" الذي قسم متقبليه في
الأمة ثلاثة فرق:
من اعتقد ما قرره العلم الأوروبي من أن زمن الدين قد فات، وما الحياة
إلا الحس
-مرجئة شاكة حائرة
من اهتدى لمعنى الدين، والإسلام فأصبح مسلمًا حقا على مذهب يباين ما عليه جمهور الناس، معتقدا أنهم على شكل ظاهره إسلام، وحقيقته دين
جامد مصطنع
-م. صص 68 - 70
2 - م. ص 233
413 (1/413)
صفحة 414
وهذه هي الدين
العقيدة الجادوية التي لا ترى للمسلمين طريقا للحياة بغير
الرقي
هل يحق لنا بعد أن نقرأ في " الفوائد الجمة
من يرقى بالبلاد وينهض بالأمة؟ 2
هل من سبيل إلى النهوض؟
3
"
:
هل إلى الرقي من سبيل؟ 4
الا
نستنتج أن الجادوي كان هاجسه رقي تونس ونهضتها، ومن ورائها العالم العربي الإسلامي؟ كلا، فهو القائل: "يجب علينا أن نبحث في الوسائل التي يحصل بها ذلك الرقي وتأتي منه النهضة "، وهوالذي يحمل هم أمته قائلاً: " لقد أصبحت الأمم، سوانا، تمرح في مرج الرقي، وتسحب مطارف العزّ، تتفيأ ظلال السعادة، وتتطلع إلى معارج الكمال، وأصبحنا وراء الجميع ليس لنا منهم إلا آثارهم ولا تصل إلينا إلا أخبارهم، والسواد الأعظم يسمع أقاصيصهم كما يسمع الأكمه عجائب ما يأتي البصير موقنا أن قد حيل بينه وبين الإتيان بمثله بحائل طبيعي غير داخل دفعه في كسب الإنسان ".
منا
لقد رأى أن أقوم المسالك إلى الرقي، هو: توحيد التعليم، لأنّ الأعمال العظيمة لا تصدر إلا عن وجدان نفسي تابع للتربية العامة والتلقين بالتعليم
1 - م. صصر 38 - 39
2 - م. صص 117 - 119 3 - م. صحن 231 - 235
4
م.
صص 242 - 246
5 - م. ص 118
6 - م. صص 231 - 232
414 (1/414)
صفحة 415
"، والتعليم هو الكفيل بالجمع بين المختلفين في أساليب التربية، وهو الواسطة في سلوك المسلمين سبيل الارتقاء الحق متحدين.
وبحث في مدى توفّر العوامل المساعدة على ذلك، وهل هناك عوائق أمامه.
وانتهى إلى أن السبب الذي يقف في وجه رقيّ المسلمين هوقوة أعداء ذلك الرقي، وهُم "علماء الدين" المتحجّرون إنه يراهم "أصحاب الفائدة من تقهقر الأمة، وهم الذين أوقفوا لسعيهم حدودا، ولأفكارهم جنودا "، ولا تلبث الحكومات أن تؤيدهم، وتُبرزهم للعامة حتى يكونوا مقام التقليد، لأنهم يؤدون لها أجل خدمة 3.
ومن المسالك المؤدية إلى الرقي: الاجتهاد والذكاء، إذ هما من المعاني الشريفة السامية"، ولم يتسرّب الضعف إلا بعد نبذ الاجتهاد الذي "يعلمنا كيف نذود عن أوطاننا وندافع عن حقوقنا ونسترجع مجدا فات
ولئن سجل الجادوي أنّ في تونس قسمًا كبيرًا من المسلمين الموسومين بالتفكر فيما يمكن معه تخليص وطنهم من ورطة الجهل المبيد"، فإنه أقر بأنهم مع كثرتهم وتزايد عددهم يوما فيوما لم يُوجدوا في البلاد رُقيًّا يُذكر. ويُرجع سبب ذلك إلى تدجيل بعض أولئك، وغشهم، وخداعهم، ومكرهم، ونفاقهم، وغدرهم وانتهازيتهم وسيطرة أنانيتهم عليهم، ولهثهم وراء الظهور والمحمدة، و"حب النفس شيء والعمل للصالح الأهلي شيء آخر". من أجل ذلك، أوجب على "من يدعي الإصلاح وبت دعوة الرقي" أن يخاطر بمستقبله، وأن لا يُكبر نزول العناء به، وأن لا يهش إلا لما فيه فائدة
1
ص 242 - م.
2 - م. ص 245
م. ص 243
4 - م. صص 257 - 259
415 (1/415)
صفحة 416
الجميع
اقتداء بمن سلف من رجال الإصلاح من أمثال الأفغاني. وبمثل هذا
تسمو الشعوب، ويكون لآراء قادتها الأثر الحسن في القلوب.
هكذا نتبين ما للجادوي من فكر إصلاحي متماسك، يتأسس على منابذة قصوى للرؤية الرجعية الجامدة ورموزها ويناصر مشروع أعلام التنوير ذي المرجعية السلفية المتحركة، ويمحض ذلك لخدمة القضايا الوطنية.
وبهذا، يكون من اليسير جدًّا، أن نعد الصحفي سليمان الجادوي، واحدًا من أبرز الزيتونيين الذين جاهروا بعدائهم المقيت لسدنة التفكير الديني الأعرج، ولأعوانهم من الاستعماريين والمتواطئين وهو بحق أحد المصلحين التونسيين الذين رفدوا هوية تونس العربية الإسلامية بروح الحياة والعصر، وأخلص بالفكر والقلم في تشكيل ثقافة وطنية ذات أضلاع ثلاثة: الحرية
والأصالة والتفتح.
1 - م. صص 115 - 117
416 (1/416)
صفحة 417
خاتمة
لا جدال، بعد كلّ ما قدمناه في أنّ الإباضيين الثلاثة كان لهم بالغ الأثر في الثقافة التونسية، وكُلّ بطريقته وبما انصرف إليه اهتمامه. وهو تنوع يؤكد ما في ثقافتنا من ثراء الفكر، وتعدّد المسالك، وتغاير الأساليب والمناهج. أما سالم بن يعقوب، فكان من زمرة المؤرخين الذين أبلى عُمُره في التنقيب والتجميع والتوثيق والنخل والتصويب بما أُتيح له من وسائل، وبما يراه وفاءً لعقيدته ومعتنقيها.
،
وهو، بلاريب اسم بارز في قائمة المؤرخين الإباضيين الجربيين، الذين يُعدّون من أبرز من كتب في التاريخ المحلّي، إن لم نقل أبرزهم على الإطلاق في تونس والذين عبروا عن شدة تعلقهم بموطنهم وتراثه، وأسدوا خدمة جليلة للثقافة الوطنية، حيث حفظوا ذاكرة الجزيرة، وصانوا ذكرها، وحموا ثروتها العلمية، وحرسوا وثائقها التي تُثبت حركتها الدؤوب، محليًّا، ووطنيا وعربيا.
،
،
وما يميز بن يعقوب، أنّه من الإباضيين المتأخرين المعاصرين، الذي نضجت لديهم الروايات والنقول كما ينبغي وتهذبت رؤيتهم العقدية إلى حد كبير. وكانت له مقاربة نقدية هي البديل لما تواتر في عديد المصنفات غير الإباضية.
وكل هذا لا يعني أنه سلم كليًّا مما علق بمصنفات الآخر من التعصب، والميز، فهو كذلك، سكت عن أثر المالكية في تاريخ جربة، وقد لفه لفا، وكان هذا الغائب الأبرز في كتابه.
وأما سعيد ابن تعاريت، فنراه صنو عمر المحجوب (ت 1222 هـ/1807) وإسماعيل التميمي (ت 1248 هـ / 1832) وإبراهيم الرياحي (ت 1266 هـ/1850) من المالكية، الذين دافعوا عن سندهم العقدي التونسي، حينما وجهوا ردودا على رسالة ابن عبدالوهاب (ت 1206 هـ/1792).
فبينما كان هؤلاء يذودون عن حياض الأشعرية، وعقائد التبرك، والتوسل، والزيارة، تصدّى ابن تعاريت المبدعي العقيدة الإباضية ومناوئيها.
417 (1/417)
صفحة 418
وما يجمع هؤلاء جميعًا، أنهم ابتغوا صيانة هويّة تفكيرهم الديني، الذي يُعدّ لبّ الثقافة الوطنيّة. وكما أنّ جربة جزء من البلاد، فإن تراثها الإباضي الممتد بعطاءاته وتنويعاته إلى حاضرنا المعيش هو لبنة في صرحها المنغرس في عمق التاريخ والمتعالي عن الضمور والنسيان.
ولقد كان سعيد ابن تعاريت رمز المذهبية الممتلئة بالقيم الفكرية الجديدة، والمتجهة نحو سعة الأفق المعرفي، والمدافعة عن نسبية الاعتقاد، وحتمية
المعرفة والتعارف والاعتراف، كما نادى إليها الإباضي الليبي علي معمّر. وإذا كان الثعالبي وأحمد بلخوجة (ت 1313 هـ / 1896) قد برزا في الدعوة إلى التسامح بين الديانتين الإسلامية والمسيحية وبينا أن الإسلام يوصي بحرية الفكر، واحترام جميع الآراء والعقائد، فإنّ ابن تعاريت صوت الأقلية المستنيرة، قد أثرى المدوّنة التونسيّة، إلى جانب آخرين كثيرين، بفقه السماحة المذهبية داخل المجتمع الإسلامي نفسه، وهي ما لم يتحل به حتى بعض شيوخ الدين إلى وقت قريب، بل إلى الآن. وختمنا بسليمان الجادوي، الذي كانت صحافته ذات أبعاد مركزية
ثلاثة:
التونسة، التي تتشرب فيها الهوية العربية الإسلامية خصوصيات البيئة الثقافية المحلية، وتكون فيها "القُطريّة" مقوّم قوة، يضمن أصالة الذات وإبداع المغايرة. المقاومة، بما هي ثورة على حضور ثورة على حضور الأجنبي الغازي، وفي الوقت نفسه
مشروع في ترشيد التعامل ثقافته
الاستلاب والذوبان.
مع
التي لابد منها، وفي تحصين الذات من
الإصلاح، في معناه السلفي المستنير وهو تجديد الدين، وملاءمته مع مقتضيات العصر، وتحيين فهمه بما يستوعب منتجات الحداثة.
التحرر في القرآن صص 98 - 99 / ورسالة أحمد بلخوجة في التسامح. عمران
- روح مداخل إلى الثقافة ص 83
418
1 (1/418)
صفحة 419
ولا حاجة بنا إلى التأكيد، بعد هذا وما أسلفنا التوسع فيه، على أنّ سليمان الجادوي الإباضي، علم بارز في تاريخ الصحافة الوطنية، وقلم جريء في المدونة الإصلاحية التونسيّة، وهو حري بمزيد البحث والنظر.
ولعل السكوت عن مثل هذه الإسهامات الإباضية، يرجع إلى عدة عوامل،
نرى منها:
-
عدم
التفات التونسيين إلى الفوارق العقدية بقدر اعتمادهم على عنصر المواطنة، وهذا إيجابي. فلم تلفت انتباههم عطاءات الإباضية الجربيين، لأنها تغلغلت في العمل الوطني الذي تأسس على الكفاح وتحقيق الذات وتحصيل الاستقلال والسيادة ثم انصرف إلى بناء الدولة الحديثة، وتركيز المؤسسات.
والإصلاح
-
وقد كان الإباضيون، في كل هذا، المساندين المخلصين لأعلام النضال، وإن لم يبرزوا بروزًا يجعل منهم منظرين لامعين، وزعماء، وقادة. ظهور التونسيين غير الإباضيين في الصورة، من الكتاب، والمؤرخين، وشيوخ الدين، والمجاهدين، والسياسيين. فكانوا بمثابة الشجرة التي غطت الغابة، والمعبرين عن الأفكار الجامعة التي لا تحمل نزعة مذهبية، في الغالب الأعم. فكان الانصهار التام في هوية وطنيّة إسلامية لا تقبل التجزي ء.
ولكن مع ذلك ترك بعض المؤرخين ثغرة في توثيق تاريخ تونس، حينما استبعدوا الإباضية وكانت بعض المقالات والعبارات الدينية غير سالمة من
،
التعصب وضيق الأفق.
- تواصل نزعة الانطواء والعزلة التي اختارها الإباضية من قرون، ووجدوا فيها الوضع المريح الذي يصونهم عن الجدال والصدام، ويضمن لوجودهم مزيد الاستقرار. فلم يقربوا تراثهم من الآخر المخالف، ولم يرفعوا أصواتهم بالتصويب والتصحيح، ولم يسعوا إلى اندماج أوسع في محيطهم، مع خصائصهم في التفكير والسلوك تؤهلهم لأن يكونوا في صميم الحراك المجتمعي، والأقدر على الأثر الإيجابي.
أن
419 (1/419)
صفحة 420
وقد سعينا في هذا العمل إلى تجلية جملة من مقومات هذا الدور الفاعل لإباضية تونس، بما يؤكد أنّ المذهبية المقيتة في طريقها إلى الزوال، على قدر أهل العزم من الوطنيين المتحضّرين.
420 (1/420)
صفحة 421
المصادر والمراجع
القرآن الكريم 1 - الكتب
أ بالعربية
ابن أبي بكر أبوزكرياء يحيى): كتاب السير وأخبار الأيمة تحقيق: عبد الرحمان أيوب، ط. تونس 1405 هـ/1985
ابن أبي الضياف (أحمد): إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان ط. تونس 1409 هـ/1989
ابن بطوطة (أبو عبد الله (محمد: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار تقديم وتحقيق: محمد عبدالمنعم العريان /مراجعة وفهرسة: مصطفى القصاص طا بيروت 1407 هـ / 1987
ابن تعاريت (سعيد): المسلك المحمود في معرفة الردود، تحقيق: فرحات الجعبيري / علي بن سعيد ابن تعاريت ط. تونس د. ت.
ابن ثابت الأنصاري (حسان): الديوان تحقيق: عبد أ. مهنا بيروت 1414 هـ / 1994
2
ابن الحاج يحيى (الجيلاني): الصحفي المناضل سليمان الجادوي
ط. تونس 1427 هـ / 2006
بن حبيب (الربيع): الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب. مكتبة الاستقامة مسقط عُمان د. ت.
ابن خلدون (عبدالرحمان): العبر وديوان المبتدإ والخبر .. (ط. مصححة) بيت الأفكار الدولية د. ت.
ابن الخوجة (محمد الحبيب): شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور. ط. قطر 1425 هـ/2004
421 (1/421)
صفحة 422
ابن سلام الإباضي: بدء الإسلام وشرائع الدين، تحقيق: فيرنر شقارتس / سالم بن يعقوب ط. بيروت 1406 هـ/1986
ابن عاشور (محمد الطاهر الجد): شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح ط. تونس 1429 هـ/2008
ابن عاشور (محمد الطاهر): التحرير والتنوير ط. تونس-ليبيا د. ت.، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ط. تونس د. ت.،
- أليس الصبح بقريب ط 2 تونس 1408 هـ / 1988، تحقيقات وأنظار
في القرآن والسنّة ط. تونس 1405 هـ/1985
ابن عاشور محمد) (الفاضل - الحركة الأدبية والفكرية في تونس ط. تونس 1392 هـ / 1972،
- أركان النهضة الأدبية في تونس ط. تونس 1380 هـ/1960 - أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، مطبعة النجاح
تونس د. ت.
ابن العربي (أبوبكر: أحكام القرآن 1 بيروت 1408 هـ / 1988: ابن قيم الجوزية: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية. مطبوعات المجمع الفقهي بجدة (د. ت.)
ابن مصطفي محمد کامل: الفتاوى الكاملية في الحوادث الطرابلسية
ط قديمة
ابن محكم الهواري (هود): تفسير كتاب الله العزيز تحقيق وتعليق بلحاج بن سعيد شريفي ط 1 الجزائر 1426 هـ/2005
ابن موسى (أحمد أبوبكر (النزواني: الجوهر المقتصر وشرح: سيدة إسماعيل كاشف، طالقاهرة 1403 هـ/1983
تحقيق
أبو حبيب (سعدي)
ط 1 دمشق 1401 هـ/1981
سحنون مشكاة نور وعلم
وحق
أبوراس (محمد): مؤنس الأحبّة في أخبار جربة " ط. تونس 1380 هـ/1960
422 (1/422)
صفحة 423
أبوزهرة (محمد): نظرية الحرب في الإسلام ط 2 القاهرة 1429 هـ/2008 الإدريسي (الشريف): نزهة المشتاق في اختراق الآفاق طالقاهرة 1422 هـ/2002
الإسفرايني (أبوالمظفر): التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، ط. القاهرة 1431 هـ /2010
إسماعيل (محمود): التراث وقضايا العصر ط 1 القاهرة 1426 هـ / 2005 أطفيش امحمد بن يوسف): تيسير التفسير، ط. غرداية، الجزائر
1423 هـ/2003، شرح عقيدة التوحيد. ط. عمان 1403 هـ/1983 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل ط 2 جدّة - بيروت 1392 هـ / 1972
-
- هيمان الزاد إلى دار المعاد ط. عمان 1402 هـ/1981
إقبال (محمد): تجديد التفكير الديني في الإسلام ط. تونس 1427 هـ/2006 أوزتونا (يلمان: تاريخ الدولة العثمانية. تعريب: عدنان سليمان | مراجعة
وتنقيح: محمود الأنصاري ط. تركيا 1409 - 1410 هـ/ 1988 - 1990
إيفالد
: رحلة المبسّر إيفالد من تونس إلى طرابلس في سنة 1835، تعريب وتقديم وتعليق: منير الفندري طبيت الحكمة تونس 1411 هـ/ 1991 باجية (صالح): الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، ط. تونس
1976/_1396
الباروني (يوسف): جربة في موكب التاريخ. (نسخة إلكترونية) البرادي (أبو القاسم): الجواهر المنتقاة. تصحيح وتقديم وتعليق: أحمد السيابي ط 1 لندن 1435 هـ/2014
البغدادي عبد القاهر الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم ط بيروت 1407 هـ / 1987
البكري (أبوعبيد): المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب. جزء من كتاب
: المسالك، والممالك مكتبة المثنى بغداد د. ت.
،
423 (1/423)
صفحة 424
بل (الفرد) (A.Bel) : الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي إلى اليوم تعريب: عبد الرحمان بدوي بيروت 1402 هـ / 1981
26
بن سالم (عصر): قبادو حياته وآثاره وتفكيره الإصلاحي، ط. تونس 1975/ 1395
بن مراد (محمد صالح
الحداد على الحداد امرأة
ط. تونس 1350 هـ/ 1931
بن نبي (مالك): شروط النهضة تعريب: عمر مسقاوي/عبدالصبور شاهين ط 4 دمشق 1407 هـ/1987
بن يعقوب (سالم): تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية ط 2 سراس للنشر تونس 1427 هـ/2006
البهي (محمد): الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي
القاهرة د. ت.
4 b
بوعجيلة (فتحي) - المذهبي والتاريخي والنقدي في تيسير التفسير الإباضي، ط. تونس 1435 هـ/2013
ط. تونس 1435 هـ/2014
-
ثورة النخبة الإصلاحية التونسية
- قضايا الحديث النبوي في فكر محمد الطاهر ابن
عاشور، ط. تونس 1436 هـ / 2014
بولرواح (إبراهيم)
:
موسوعة آثار جابر بن زيد الفقهية
طا مسقط 1427 هـ/2006
،
تغلات (زهير: الفكر السياسي الإباضي من خلال مؤلفات جابر ابن زيد، وسالم بن ذكوان الهلالي، والبرادي والشماخي ط 1 تونس 1435 هـ/2014 التيجاني (أبو محمد عبدالله: رحلة التيجاني تقديم ح. ح. عبد الوهاب، ط. الدار العربية للكتاب 1426 هـ/2005
الثعالبي (عبد العزين) تونس 1409 هـ / 1989،
-
الكلمة الحاسمة، ط. سوسة (1/424)
صفحة 425
تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة
الأغلبية، جمع وتحقيق: أحمد بن ميلاد محمد إدريس تقديم ومراجعة:
حمادي الساحلي ط 1 بيروت
1987/ 1407
- تونس الشهيدة تعريب: حمادي الساحلي مراجعة: محمد
العروسي المطوي، ط 2 بيروت 1408 هـ/1988
1405 هـ/1985
روح التحرّر في القرآن تعريب حمادي الساحلي، طابيروت
الجابري محمد (صالح): القصة التونسية نشأتها وروادها. ط 2 تونس
1982/ 1402
الجادوي (سليمان): الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة
1925/ 1323
ط. تونس
الجعبيري (فرحات): - البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ط 2 عُمان
2004/ 1425
- دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، ط 1 تونس
2010/ 1431
- شخصيات إباضية. ط 1 عُمان 1431 هـ / 2010
العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعُمان، ط. تونس
-
2005/ 1426
مذكورة)
—
1975/ 1395
ملامح عن الحركة العلمية عند الإباضية بجربة (ط. غير
نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ط. تونس
الجمني (الهادي) مدرسة سيدي إبراهيم الجمني ط.
تونس 1429 هـ/2008
جهلان (عدون): الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش ط. القرارة الجزائر د. ت. (1/425)
صفحة 426
جوليان (شارل أندري): تاريخ إفريقيا الشمالية، تعريب: محمد
مزالي البشير بن سلامة، ط. تونس 1399 هـ/1978
الجناوني (أبوزكرياء يحيى: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه،
نشر وتعليق: إبراهيم أطفيش ط 1 تونس 1406 هـ/1986
حجي (لطفي): بورقيبة والإسلام ط 1 تونس 1425 هـ/2004
الحداد (الطاهر)، - التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة، تحقيق وتقديم: محمد أنور بوسنينة ط. تونس 1402 هـ / 1981 1402 هـ/1981
- الديوان، تحقيق وتقديم محمد أنور بوسنينة طاتونس
1997/ 1417
- العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية، ط 1 دار صامد
1997/ 1417
- امرأتنا في الشريعة والمجتمع ط. تونس 1401 هـ/1980
حرب (محمد): السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين
الكبار ط 1 دمشق 1410 هـ/1990
حسين (أحمد إلياس)
طا عمان 1412 هـ/1992
:الأباضية في المغرب العربي،
حسين (محمد الخض): - تونس وجامع الزيتونة، إعداد وضبط علي الرضا الحسيني، ط. الدار الحسينية للكتاب 1421 هـ /2000
:
نقض:کتاب الإسلام وأصول الحكم،
ط. القاهرة 1344 هـ/ 1926
- نقض كتاب: في الشعر الجاهلي، ط. القاهرة د. ت.
حمدان (محمد): أعلام الإعلام في تونس (1860–1956) ط. مركز التوثيق
القومي تونس د. ت.
الحيلاتي (سليمان): رسائل الحيلاتي. تحقيق محمد قوجة ط 1 بيروت
1998/ 1418
426 (1/426)
صفحة 427
- خالد (أحمد):
- الطاهر الحداد: فكر تنويري ونضال تحريري ومعالم
على طريق الحداثة، (ط. غير مذكورة)
- أضواء من البيئة التونسيّة على الطاهر الحداد ونضال جيل،
ط تونس 1405 هـ/1985
خليفات عوض (محمد: التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في
مرحلة الكتمان، ط. مسقط د. ت.
الخليلي (أحمد): - الحق الدامغ، ط. عمان 1412 هـ/1992
- لقاءات في الفكر والدعوة. أعدّه ورتبه: فهد السعدي، وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية عُمان د. ت.
خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، ط 2 الدار
العربية للكتاب 1425 هـ/2004
دبوز (محمد علي)
ط 1 الجزائر 1385 هـ/1965
نهضة الجزائر الحديثة
- تاريخ المغرب الكبير ط 3 بيروت 1383 هـ / 1963
دکمجيان (ريتشارد هرين: الأصولية في العالم العربي. تعريب وتعليق:
عبدالوارث سعيد، ط 1 مصر 1409 هـ/1989
الراجحي (عبد العزيز: قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد
القائلين بعدم الأخذ بحديث
(ط 1 الرياض 1419 هـ/1998)
الآحاد في مسائل الاعتقاد.
الريس رياض نجيب صحافي، ومدينتان رحلة إلى سمرقند وزنجبار،
طا بيروت 1417 هـ/1997
الزاوي (الطاهر أحمد: أعلام ليبيا ط 3 ليبيا 1425 هـ/2004
الزحيلي (وهبة): الفقه الإسلامي وأدلته ط 4 دمشق 1417 هـ/1997 الزمرلي (الصادق): أعلام تونسيون تقديم وتعريب: حمادي الساحلي، ط 1 بيروت 1406 هـ/1986
427 (1/427)
صفحة 428
الساحلي
(حمادي)
الصحافة
الهزلية
تونس
طا بيروت 1416 هـ / 1996
الشابي (أبو القاسم): أغاني الحياة ط. تونس 1390 هـ/ 1970
شاتليه (أ. ل.) (A.LeChatelier : الغارة على العالم الإسلامي، تلخيص وتعريب: مساعد اليافي / محب الدين الخطيب ط 1 القاهرة 1350 هـ / 1930
الشماخي (أبو العباس أحمد: كتاب السير، دراسة وتحقيق: حسن طا بيروت 1430 هـ / 2009
شمام (محمود): أعلام من الزيتونة، ط. تونس 1417 هـ/1996
الصلابي (محمد
محمد
الصلابي محمد علي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة
والجماعة ط 1 القاهرة 1429 هـ/2008
طالبي (عمان): آراء الخوارج الكلامية الجزائر 1398 هـ/1978
الطالبي (محمد): دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط، ط. تونس 1402 هـ/1982
طعيمة (صابر): الإباضية عقيدة ومذهبًا ط دار الجيل بيروت
الطويلي (أحمد) ط. تونس 1414 هـ/1994
الجنرال
حسين، حياته
وآثاره
العاني فؤاد) (توفيق الصحافة الإسلامية ودورها في الدعوة ط 1 بيروت
1993/ 1414
العبدري (محمد): الرحلة المغربية، تقديم: سعيد بوفلاقة الجزائر
2007/ 1428
عبد السلام: المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م، تعريب:: أحمد عبد السلام عبدالرزاق الحليوي طبيت الحكمة تونس 1413 هـ/1993
عبد الفتاح (نبيل): المصحف والسيف. ط. القاهرة د. ت. عبد الوهاب (حسن حسني): - خلاصة تاريخ تونس وتحقيق حمادي الساحلي، ط. تونس 1422 هـ/2001
تقديم (1/428)
صفحة 429
: محمد
- شهيرات التونسيات ط 3 مكتبة المنار تونس د. ت.
- كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين، مراجعة وإكمال العروسي المطوي / البشير البكوش، طبيت الحكمة تونس
1410 هـ / 1990
العرباوي محمد المختار: البربر عرب قدامي 2 تونس 1421 هـ /2000 العريبي (علي):: الفكر الإسلامي في نصف قرن من خلال المجلات الدينية التونسية، (1904 - 1955).ط. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية تونس 1426 هـ/2005
العقاد (عباس): الأعمال الكاملة طا بيروت 1390 هـ / 1970 عمايرية (حفناوي): الصحافة وتجديد الثقافة ط. تونس 1414 هـ/1994 عمران (کمال): مداخل إلى الثقافة. ط 1 تونس 1429 هـ/2008 غراب (سعد): ابن عرفة والمنزع العقلي ط. تونس 1413 هـ/1393 العامل الديني والهوية التونسيّة ط 2 تونس 1410 هـ / 1990 الغزالي (محمد): الاستعمار أحقاد وأطماع، ط 4 1426 هـ /2005 الغزالي (محمد) غمق (ضومفتاح): نظرية الحرب في الإسلام وأثرها في القانون الدولي العام جمعية الدعوة الإسلامية العالمية 1426 هـ / 2005
فرصوص (أحمد محمد الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته ط 2 عمان
1413 هـ / 1992
الفقيهي (علي): الردّ القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ ط 2 المدينة المنورة 1422 هـ/2001
قرين (أرنولد): العلماء التونسيون 1873/ 1915 تعريب: حفناوي عمايرية / أسماء معلى، ط 1 مصر 1416 هـ/1995
القصاب (أحمد): تاريخ تونس المعاصر: تعريب حمادي الساحلي ط 1
تونس 1406 هـ/1986
429 (1/429)
صفحة 430
القنوبي (سعيد): السيف الحادّ في الردّ على من أخذ بحديث الآحاد ط. عمان 1419 هـ / 1998
قوجة (المنصف): تاريخ الأباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس الهجري اتونس 1435 هـ / 2014
كحالة (رضا): معجم المؤلفين ط 1 بيروت 1413 هـ / 1993
كراتشكوفسكي (أ. ي.) (U.Krachkovski.) : تاريخ الأدب الجغرافي
العربي، تعريب صلاح الدين هاشم / مراجعة: إيغور بليايف، جامعة الدول العربية 1377 هـ/1957
كوبرلي (بيير (Cuperty : مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها. بحث مقارن في العقيدة الإباضية في بلاد المغرب وعُمان تعريب: عمار الجلاصي / إعداد: موحمد ومادي، ط 1 عُمان 1431 هـ /2010
كوردي (محمود): الحياة العلميّة في جبل نفوسة. تاوالت الثقافية 1429 هـ/2008 نسخة إلكترونية)
لبيض (سالم): الأقلية البربرية في تونس. المركز العربي للدراسات
السياسية
والاجتماعية 1432 هـ / 2011
اللغماني (أحمد): قلب على شفة ط. تونس 1386 هـ / 1966 اللواتي (حمادي): أبناء جزيرة جربة في الحركة الوطنية 1881 - 1961، ط الشركة التونسية لفنون الرسم د. ت.
ليفيتسكي (تانيوس) (Tecni : المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية تعريب: ماهر جرار ريما جرار ط 1 بيروت 1421 هـ /2000 المجدوب عبد العزيز: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، ط 2 تونس 1405 هـ/1985
محفوظ (محمد): تراجم المؤلفين التونسيين ط 2 بيروت 1414 هـ/1994
430 (1/430)
صفحة 431
:
مخلوف (محمد) شجرة النور الزكية في طبقات المالكية تحقيق: عبد المجيد خيالي ط 1 بيروت 1424 هـ/2003
المرابط (رياض): جوامع ومساجد جزيرة جربة في العصرين الحفصي تونس 1416 هـ/1996
والمرادي،
المريمي (محمد)، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث ط. تونس
2005/ 1426
المسعودي (الباجي): الخلاصة النقية في أمراء إفريقية، ومعه: عقد الفرائد في فوائد الرائد، ط. تونس 1323 هـ/1905
المصباحي (حسونة: ثلاث منارات تونسية: خير الدين باشا التونسي –
محمد بيرم الخامس- سالم بوحاجب، ط 1 تونس 1429 هـ/2008 مصلح (أحمد): الوقف الجربي في مصر ط 1 الكويت 1433 هـ/2012 المطوي (محمد العروسي): الحروب الصليبية في المشرق والمغرب، ط بيروت 1401 هـ/1982
المعلول (فاطمة): يفرن دراسة في جغرافية المدن، ط. مؤسسة تاوالت الثقافية 1427 هـ / 2006 نسخة إلكترونية)
معمّر (علي)
ط 3 غرداية 1423 هـ/2003
- الإباضية بين الفرق الإسلامية
الإباضية في موكب التاريخ مراجعة: سليمان بابزبز.
ط 3 عُمان 1429 هـ/2008
مقديش (محمود): نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تحقيق: علي الزواري / محمد محفوظ ط 1 بيروت 1408 هـ/1988
مناصرية (يوسف): - الحزب الدستوري التونسي 1919–1934 ط.
بيروت 1408 هـ/1988
- الصراع الإيديولوجي في الحركة الوطنية التونسية 1934
1937، ط. سوسة تونس 1423 هـ/2002
431 (1/431)
صفحة 432
المودودي (أبو الأعلى):
-
موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه وواقع
المسلمين وسبيل النهوض ط لبنان 1386 هـ / 1967 بهم،
- نظرية الإسلام السياسية، ط دار الفكر 1387 هـ/1967
المي (محمد) حفلة تكريم "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" طاتونس
1999/ 1420
نصار (نصيف)
:
الأمة
مفهوم
بين الدين
والتاريخ
ط بيروت 1401 هـ/1980
الوسياني (أبو الربيع سليمان: سيّر الوسياني دراسة وتحقيق: عمر بوعصبانة، ط 1 مسقط 1430 هـ/ 2009
مجموعة مؤلفين: ابن أبي زيد القيرواني، ط. تونس 1414 هـ/1994 الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1 بيروت 1434 هـ/2013
الجريدة أو الصحافة عند المسلمين. سلسلة كتب دائرة المعارف الإسلامية (بالعربية)، ط 1 بيروت 1405 هـ / 1984
الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وتجديد الفكر الديني، تونس 1413 هـ / 1993
ط.
الشيخ محمد النخلي وإسهامه في حركة الإصلاح والتجديد
ط تونس 1417 هـ / 1997
- أعلام من جزيرة جربة ط. تونس د. ت.
- تاريخ جربة، ط. تونس 1406 هـ/1986 تونس عبر التاريخ، ط. تونس 1428 هـ/2007
-
جربة من جزر البحر الأبيض المتوسط التاريخية ط. تونس
1981/ 1402
- دراسات حول جزيرة جربة، ط. تونس 1416 هـ/1996
432 (1/432)
صفحة 433
ب-بالفرنسية
Al-Alaoui Abdelaziz : Le Maghrib et le commerce transsaharien contribution à l'histoire économique,sociale et politique du maroc médiéval. Bordeaux 1983
JERBA, une ile mediterraneene dans l'histoire
René Stablo : Les Djerbiens
Une communauté arabo-berbère dans une ile de l'afrique
française
2 - المعاجم والموسوعات
الأعلام (خير الدين الزركلي، ط 15 بيروت 1423 هـ/2002
لسان
العرب، (محمد بن مکرم ابن
طه بيروت 1426 هـ / 2005
منظور
البلدان، (ياقوت الحموي) ط. معجم
بيروت
1977/ 1397
المعجم الفلسفي. (مجمع اللغة العربية القاهرة)، ط 1983/ 1403
التاريخية والجغرافية،
الموسوعة
بيروت 1414 هـ / 1994
الخوند) (مسعود
ط
موسوعة الحديث الشريف، ط 4 إيطاليا 1429 هـ/2008
الموسوعة العربية الميسرة، ط 1 بيروت 1431 هـ /2010
موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت د. ت. موسوعة المستشرقين (عبد الرحمان بدوي، ط 3 بيروت 1413 هـ/1993 الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ط 4 الرياض
1999/ 1420
433 (1/433)
صفحة 434
3 - الصحف والمجلات
صحيفة العرب
مجلة الحياة غرداية الجزائر
مجلة الحياة الثقافية التونسية
،
مجلة تبين للدراسات الفكرية والثقافية يصدرها المركز العربي ودراسات السياسات. الدوحة
مجلة
للأبحاث
هرمس، وهي مجلة علمية محكمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، تصدرها جامعة القاهرة للغات والترجمة
المجلة الزيتونية، وهي مجلة علمية أدبية أخلاقية أصدرتها هيأة مدرسي جامع الزيتونة بين س 1355 هـ / 1936 وس 1375 هـ / 1955، المطبعة التونسية
سوق البلاط د. ت.
4 - المواقع الإلكترونية
www.ahewar.org
www.aljazeera.net
manifest.univ-ouargla.dz
tunisiehistoire.blogspot.com
www.alrai.com
http://wwwarabphilosophers.com
http //tayyar 3 wordpress.com
www.tourath.org
www.thehistoryofarabia.blogspot.com
www.samberner.com
www.majma.org.jo
434 (1/434)
صفحة 435
www.alarabiya.net
http://elbarounia.com
www.djerbamuseum.tn
www.tourisme.gov.tn
waqfeya.com
www.ghrib.net
www.muslm.org
www.tamatart.com
www.nizwa.com
435 (1/435)
صفحة 436
مقدمة ..
الفصل الأوّل: تاريخ جربة: تاريخ التدين ... تاريخ الثروة.
تمهيد: في وطنية التاريخ ..
1 - مصادر تاريخ جربة.
2 - أطوار الجزيرة ..
3 - تراث الإباضية ونصيب المالكية: هل الحلّ في تبادل الإقصاء؟ .......... 15
4 - الموقف من المؤرخين: ما وجاهة التأريخ والتأريخ المضاد ............... 79
بيبليوغرافيا (1).
بيبليوغرافيا (2)
الفصل الثاني: في الدفاع عن الهوية.
تمهيد: في أدب الردود
1 - صورة الذات ...
2 - رصد الاختلاف عند الآخر: هل من سبيل إلى نقد الذات؟ ............ 176
3 حتميّة السماحة المذهبية ومواكبة العصر ..
بيبليوغرافيا (3).
بيبليوغرافيا (4).
الفصل الثالث: الفكر التحرّريّ والمشروع الإصلاحي.
تمهيد: قراءة في المعطى الترجذاتي.
1 - الصحافة في الصحافة.
2 - الصحافة الجادوية. (1/436)
صفحة 437
3 - الاستعمار والمستعمرون ....
4 الوطنية والوطنيون: هل من الواجب وحدة المعالجة؟ .............. 328
5 - الإسلام والمسلمون: هل فهمنا الإسلام؟
6 - الإصلاح والإصلاحيون: ماذا خسر الجامدون؟
خاتمة.
المصادر والمراجع
الفهرس (1/437)
صفحة 438
السنة
السعر
4.000
1998
5.000
1998
10.000
2002
إصدارات مكتبة علاء الدين
عر
1
2
الكتاب
المؤلّف
في التطبيق النحوي والصرفي
عبد الحميد عبد الواحد
وصل التراث بالمعاصرة: قراءة نقدية في طرح الماركسيين العرب
سهيل الحبيب
الفكر الأدبي عند العرب في العصر الحديث: 1950/ 1900 البشير بن عمر
بحث في التجليات والأصول والقيمة
النظام القضائي في البلاد التونسية 1875 - 1921
الشيباني بنبلغيث
قراءات في القصص
محمد الخبو
حبة الرمان (قصص)
محمد بن حمد
الرحلة في الشعر الشعبي
العيدي بلغيث
مدائن الجنون (قصص)
محمد دمق
وآخرون منا ومنهم .. (كتابة قصصية)
سالم العيادي
المدرّج والكرسي: بحوث حول الطلبة التونسيين بين الخمسينات محمد ضيف الله
والسبعينات
25.000
2002
6.500
2003
4.500
2003
4.500
2003
4.000
2003
3.000
2003
6.500
2003
10.000
2003
4.700
2004
8.000
2004
7.000
2004
4.500
2004
4.500
2004
13.000
2004
6.500
2004
8.500
2005
10.000
2005
11 | أضواء على التاريخ العسكري في تونس من 1837 إلى 1917 الشيباني بنبلغيث
الخروبة (قصص) نقد العقل: منزلة العقل النظري والعقل العملي في فلسفة الغزالي نور الدين الساني فصول في تاريخ الأوقاف في تونس من منتصف القرن 19 إلى الشيباني بنبلغيث
محمد بن حمد
8.000
2005
10.000
2005
15.000
2005
1914
إيلات حوليات الموت والإغراب الموتور الكتاب الأول (رواية) فرج محمد الغضاب فاطمة الزياني
الوطن لا يطير (قصص)
الكلمة في التراث اللساني العربي
عبد الحميد عبد الواحد
أسطورة الخلق في كتاب السد من الترنيم الطقسي
إلى جلال الربعي
التخييل الفنّي
بحوث في السرد العربي
محمد نجيب العمامي
جمعية الأوقاف والاستعمار الفرنسي في تونس 1914
الشيباني بنبلغيث
1943
مقدمات في علم اجتماع الهوية
منير السعيداني
22 | فصول في تاريخ الحركة الوطنية في تونس المعاصرة
23
23
الهجرة الداخلية والتنمية في المجتمع التونسي: دراسة
عروسية التركي
البشير العربي
سوسيولوجية (1/438)
صفحة 439
9.000
2005
5.000
2005
24
24
النقد الروائي العربي الحديث واقعه وإشكالياته من خلال
محمد الناصر العجيمي
سالم دمدوم
بعض المداخل
المتهمون (رواية)
أوقاف عزيزة عثمانة: بين جمعية الأوقاف وعروش المثالبث في الشيباني بنبلغيث
عهد الاحتلال الفرنسي لتونس
8.000
2006
4.000
2006
الوضعية الحدودية في القطاع السياحي: دراسة سوسيولوجية
عادل الوشاني
السيرة خيال
المثقف
العربي الإسلامي بين ثقافة السلم وثقافة الحرب
البشير العربي
29 | أثر الأسطورة في لغة أدونيس الشعرية: بحث في الدلالة محمد الصالح البوعمراني | 2006
ابن خلدون في الكتابات المعاصرة: مدخل ببليوغرافي مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية
محمد العزيز نجاحي
محمد الخيو
فرج محمد الغضاب الرقيم حوليات الموت والإغراب الموتور: الكتاب الثاني
(رواية)
الكرمة الغربية (قصص)
8.000
2006
12.500
6.500
2006
6.500
2006
4.500
2006
محمد بن حمد
34 | علي النوري الصفاقسي: عصره، حياته، آثاره
يونس يعيش
35
1945
36
37
الزيتونيون دورهم في الحركة الوطنية التونسية من 1904 إلى
علي الزيدي
إسميران (رواية)
فاطمة الزياني
رحلة الجنرال رشيد إلى الجزائر سنة 1847 (تحقيق) مقدمات في نقد العقل مدخل إلى محاورات التوحيدي في
الشيباني بنبلغيث
جلال الربعي
38
الإمتاع والمقابسات
39
40
فلسفة الفعل
عبد العزيز العيادي
استحالات المثقف والثقافة والممارسة الثقافية
41
فن الرّحلة في الرّواية العربية من خلال "الأشجار واغتيال مرزوق لعبد الرحمان منيف
منير السعيداني بلقاسم مارس
داود في الثقافة العربية: الثوابت والتحولات الأوقاف في تونس من تأسيس الوزارة إلى الاستقلال
زهرة الثابت
الشيباني بنبلغيث
خبر النقيشة (رواية)
سالم دمدوم
46
96
القصة القصيرة عند زكريا تامر: الانتهاك المنظم الأجناس الأدبية من الضبط إلى العبور: مقالات وفصول
الأمين بن مبروك
الأمين بن مبروك
4.500
2006
15.000
2007
23.000
2007
4.500
2007
8.000
2007
8.000
2007
7.000
2007
12.500 2007
5.500
2007
7.000
2008
8.000
2008
6.500
2008
9.000
2008
5.000
2008
مترجمة (1/439)
صفحة 440
21.000
2008
10.000
2008
7.500
2008
9.000
2008
6.500
2009
15.000
2009
7.500
2009
10.000
2009
5.000
2009
11.500
2009
5.000
2009
عمر بن جمعة النويلي
الشيباني بنبلغيث
2009
7.500
2009
استجلاء البصائر واستصفاء السرائر
أبحاث في تاريخ تونس الحديث والمعاصر
47
قراءات أنتروبولوجية: دراسة في كتابات الدكتور محمد الجويلي جلال الربعي معنى الفاعلية ودلالاته المرجعية من خلال شرح الكافية فرح محمد الغضاب للاستر اباذي
في تشكيل الخطاب الإصلاحي العربي: تطبيقات على الفكر سهيل الحبيب
الإصلاحي التونسي
الشمال الغربي "ذاكرة جهة": جامعة جندوبة – المعهد 52 العالي للعلوم الإنسانية: ندوة قسم التاريخ 15 - 16 أفريل 2005) (تنسيق وتقديم)
إبراهيم محمد السعداوي
6.000
2009
بنية الحضور والغياب في شعر أدونيس: دراسة تأخذ بأسباب
محمد الناصر العجيمي
التحليل الفينومولوجي الفضاء العمومي ومطلب حقوق الإنسان: هابرماس نموذجا
عبد السلام حيدوري
أوراق الورد (قصص)
محمد بن حمد
دراسات نظرية وتطبيقية في علم الدلالة العرفاني
محمد الصالح البوعمراني
نبضات (شعر)
عمر بن جمعة النويلي
هداية الحيران في الجبر والاختيار
محمد الحبيب السلامي،
عبد الحميد النوري،
رشيد الحبيب
شعرية الالتباس في صخب البحيرة" لمحمد البساطي
سهيرة شبشوب معلى
5.000
2009
12.500
2009
16.000
2009
12.000
2010
22.000
2010
8.000
2010
7.500
2010
11.000
2010
أسطورة الجسد في "حدث أبو هريرة قال ... " لمحمود جلال الربعي
المسعدي (طبعة ثانية)
بورقيبة والأوقاف
الشيباني بنبلغيث
رسائل الجنرال رشيد إلى الدولة التونسية خلال مشاركتها
الشيباني بنبلغيث
في حرب القرم 1854 - 1856) (تحقيق) المشهد الآخر في كتابة الذات في "رامة والتنين"
محمد الناصر العجيمي
اجتياز الحدود في مساءلة مفهوم الخطاب السجالي
محمد الناصر العجيمي
بنية الصورة في شعر المتنبي: "دراسة إنشائية" قضايا التفاضل اللّغوي: العربية أنموذجا" (الجزء الأول)
المنجي القلفاط محمد عمر السماري
إنية الإنساني ومنزلة الآخر
الفكر الاستشراقي والإسلام
زهير المدنيني
التهامي الهاني
61
62
63
64
65
66
67
68 (1/440)
صفحة 441
5.500 20
2010
17.000
2011
6.000
2011
9.000
2011
20.000
2011
6.500
2011
7.500
2011
7.500
2011
12.000
2012
7.500
2012
7.500
2012
10.000
2012
5.000
2012
6.500
2012
12.500
2012
6.000
2012
7.500
2013
8.000
2013
7.500
2013
8.500
2013
12.500
2013
6.000
2014
69
9299
70
تخريج الحديث: الضوابط والمناهج
الهادي روشو
الحركة اليوسفية في تونس (1955 – 1956)
عروسية التركي
توظيف الأسطورة ودوره في تنامي الفعل المسرحي في خالد السويح، مصطفى
71
مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم
بوقطف
72
المدينة الكونية في فلسفة كانط (سياسة المعمورة)
زهير المدنيني
الشيخ بيرم الخامس: رسائل وتقارير في إصلاح الأوقاف الشيباني بنبلغيث
73
(تحقيق)
175
المطالعة: مقاربات ومحاولات
عز الدين الناجح
76
العوامل الحجاجية في اللغة العربية
عز الدين الناجح
في الثورة: 1 - بيان فلسفي لأجل نخب بديلة
د. سالم العيادي
2 - الثورة التّونسية بين الخصوصية والكونية
دراسات في المسرح
زهير المدنيني محمد الناصر العجيمي
قراءات في التراث: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي والمقابسات جلال الربعي
للتوحيدي أنموذجاً
نظر في نظر في القصص: مداخل إلى سرديات استدلالية
محمد الخبو
أقاصيص تجري في غير مجراها
محمد الخبو
82
23
فكرة تاريخ كوني من وجهة نظر كوسموسياسية
ايمانويل کانط
تعريب: زهير المدنيني
حكايات وحكايات (قصص)
84 | الثورة التّونسيّة ثورة الهامش على المركز
هيكل المنيف
رضا الزواري
ليفيناص "نصوص مختارة
ترجمة عمر بدري
الشيباني بنبلغيث
محمود خروف من رواد الصحافة التونسية
ومحمد الحبيب السلامي
القرآن ناسخ ومنسوخ: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي أنموذجا جلال الربعي
888
الآنسة فيفي (قصص)
قي دي موباسان،
ترجمة يونس يعيش
إيقاعات واستشكالات في فلسفة الإثبات
فتنة الأسطورة وسطوة السياسة: قراءة في شعر عبد الوهاب
عبد العزيز العيادي منجية التومي
البياتي
91
الإسهامات التربوية في الفكر الخلدوني: المقدمة نموذجا
خليل المنيف (1/441)
صفحة 442
5.500
2014
5.500
2014
40.000
2014
12.000
2014
جمعية مركز البحوث
والدراسات بدوز
صالح الصويعي المرزوقي
محمد الخبو
8.000
2014
10.000
2014
11.000
2015
25.000
2015
15.000
2015
جمال الصليعي: دراسات ومختارات
أثر من ذاكرة الحكاية (حكايات)
الخطاب القصصي في الرواية العربية المعاصرة
ثورة النّخبة الإصلاحيّة التّونسيّة: واقعها - أفكارها - فتحي بوعجيلة
راهنيتها
الثائر في حرب التحرير الوطني في القصة العربية
حرزلي عبد الحفيظ
96
الجزائرية (1962) - 1976)
97
كان يا ما كان في صفاقس
محمد الحبيب السلامي
98
الإسلام السياسي والحداثة؟ (سيد قطب وراشد الغنوشي / عبد المجيد الشرقي)
جلال الربعي
99
100
من قضايا تصنيف الأعمال اللغوية (مشروع قراءة)
محمد الشيباني
أبو تمام ... بقايا صُوّر (بحث في تعامل بعض ا
النقاد
101
مع أبي تمام) محمد الشيباني استعارة القوّة في أدب جبران خليل جبران (مقاربة | محمد الصالح البوعمراني
عرفانية)
102 سِيَاسَةُ الحقيقة في فلسفة الفارابي: الميتافيزيقا والموسيقا اساسات علمية للظاهرة السياحية: التاريخ والهوية والمناويل
سالم العيادي
عادل الوشاني
محمد الطالبي وقضايا تجديد الفكر الإسلامي
محمد النوي
معارك أدبية
التهامي الهاني
مداخل إلى قصصية المعنى
محمد الخبو
حوادث أفريل 1938 محاولة) في تحليل نظرة المناضل الوطني محمد العفاس
107
الدكتور محمود الماطري في أحداية الترويل 1938
مذكراته)
108
109
110
من القرآن إلى المصحف
جلال الربعي
ورقات من سيرة المناضل محمد بن الحاج عامر الخبو
محمد الخبو
الإباضية التونسيون والترحم في الثقافة الوطنية
فتحي بو عجيلة
23.000
2016
12.500
2016
5.000
2016
11.500
2016
8.500
2016
15.000
2016
10.000
2016
12.000
2016
3.500
2016
2016
2.500
2003
2.500
2005
2.500
2005
2.500
2005
المكتبة كتب الأطفال
1
ياسمينة الشجاعة
2 امي
3
الشمس تأتي بالصباح
نص: نافلة ذهب نص: يوسف الشريف نص: يوسف الشريف السماء بيت العصافير نص: يوسف الشريف
رسم رؤوف الكراي
رسم رؤوف الكراي
رسم رؤوف الكراي
رسم رؤوف الكراي (1/442)