صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث
المؤلف: علي يحيى معمر
مراجعة: بكير بن محمد الشيخ بالحاج
أسهم في التحقيق والإخراج: محمد بن أحمد جهلان
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1423ه/ 2003م
الطبعة: 3 (جديدة ومنقحة)
ردمك: 9961-908-96-1
الإيداع القانوني: 2003/90
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1165&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/9
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 ربيع الأول 1447ه/ 28 - شهر 08 - 2025م. العلامة
على يبي معمر
الأحادية الف والاسلامية
عند كتاب المقالات فى القديم والحديث
طبعة جديدة ومنقحة
مراجعة
نشر جمعة التراث
القرارة غرداية الجزائر (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
علي يحيى معمّر
الإباضية بين الفرق الإسلامية
عند كتاب المقالات في القديم والحديث
نشر جمعية التراث القراءة غرداية - الجزائر
طبع المطبعة العربية غرداية (1/3)
صفحة 4
أسهم في التحقيق والإخراج: محمد أحمد جهلان
متابعة الطباعة:
محمد موسى باباعمي
حقوق الطبع محفوظة نشر: جمعية التراث
ص. ب: 19 القرارة. غرداية. 47110
طبع: المطبعة العربية 11 نهج
طالبي
أحمد غرداية
الهاتف / فاكس: 36.53 88 (029)
المنطقة الصناعية: 34.87.34 (029)
Imprimerie. El-Arabia@caramail.com
الإيداع القانوني رقم
2003/ 90 -
ردمك 1 - 96 - 908 - 9961 IS.B.N
الطبعة الثالثة (مزيدة ومنقحة)
1423 هـ / 2003 م (1/4)
صفحة 5
[صفحة فارغة] (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
المحتويات
الصفحة
ج
1
3 .......
5 ........
10 .......
17
27
..
36 .......
53 ......
62
68
.
75 ..
..
77 ......
I
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الأول: مع القدماء
الموضوع مقدمة المحقق
ترجمة المؤلف يا أخي في الله.
.
قيل عن الإباضية.
مقدمة
الإباضية في قفص الاتهام القسم الأول: مع القدماء ...
الإباضية عند الأشعري ... تشنيعات الأشعري على الإباضية
مقالات الإباضية عند الأشعري.
البغدادي والإباضية
ابن حزم والإباضية.
أبو المظفر الأسفراييني والإباضية.
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية.
القسم الثاني: مع
.
II
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الثاني: مع المعاصرين
المعاصرين
الأستاذ علي مصطفى الغوابي.
-1 - (1/7)
صفحة 8
الصفحة
99 ......
117 .....
131
141.
..
152.
167 .....
187 .....
192 .....
209 ...
211 ......
251 .....
278 .......
311 ......
321 ...
323 ......
329
337 ......
346 ...
348 ...
..
الموضوع
مع الأستاذ أبي زهرة.
..
مع عبد القادر شيبة الحمد
مع الدكتور هويدي
مع الدكتور هويدي أيضا
د. هويدي في تبعية المستشرقين
عز الدين التنوخي ....
مع إبراهيم محمد عبد الباقي.
مع الأستاذين التنوخي وإبراهيم محمد عبد الباقي
III
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الثالث: المستشرقون
IV
القسم الثالث: المستشرقون ...
المستشرقون ..........
مع إميل فليكس جوتييه.
مع كارلو ألفونسو نلينو
...
اللقاء بين الإباضية وأهل السنّة.
فرق وآراء للإباضية
القسم الرابع: فرق وآراء للإباضية
- ب.
..
فرق الإباضية
.
النكار
النفاتية.
الخلفية.
الحسينية (1/8)
صفحة 9
الصفحة
350 ......
351
355.
355 ....
371 .....
380 .......
394
406
420 ...
441 ..
453 ... 454 .......
455 ......
462.
463 ....
473 ......
473
483 ....
483 .....
495 .....
496 ...
الموضوع
السكاكية.
الفرثية
آراء للإباضية
رأي الإباضية في الصحابة.
الحكم في نظر الإباضية. حكم الدار
التعامل بين المتخالفين.
المنزلة بين المنزلتين .......
مسائل فقهية اجتهادية
خلاصة آراء الإباضية
V
مفاهيم يجب أن تختفي يجب أن
القسم الخامس: مفاهيم يجب أن تختفي ..
مفاهيم يجب أن تختفي
أهل السنة وأهل البدعة
مفاهيم يجب أن تختفي
مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية. مفاهيم يجب أن تحتفي
الجدل في اللوازم وليس في أصول العقائد
مفاهيم يجب أن تختفي
في الإجماع ...
مفاهيم يجب أن تختفي الفرق بين الفتنة والخروج
- ت (1/9)
صفحة 10
الموضوع
مفاهيم يجب أن تختفي
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية.
مفاهيم يجب أن تختفي
مقارنة
VI
ملحوظات .. وتعليقات
القسم السادس: ملاحظات وتعليقات ...
الخوارج أيضا
وساطة المعتزلة.
تأثير المعتزلة ..
التقاء الخوارج والمعتزلة
رأي شخصي.
نبذة عن الخوارج. رأي عالم كبير مؤرّخ.
ردود وتعاليق.
إجابات وردود
كلمة الختام.
دعاء الختام
...
فهرس الآيات القرآنية.
..
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس المذاهب والفرق والأديان
ملحق تراجم أعلام الإباضية
المراجع
...
- ث -
الصفحة
518 ......
519 .......
530 ......
'531.
.....
539
541 ......
554 ..
561 ....
589 ......
592 ......
610 ... 623 ... 625 ........
630 ...
635 ...
636 ......
639.
645 .....
647 ....
652.
681 ...
... (1/10)
صفحة 11
-
محكمة المحقق
الحمد لله والصَّلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه وبعد، فمما لا خلاف فيه أن الأمة الإسلامية في هذه الآونة الأخيرة. ومنذ أمد ليس بالقصير - تعاني شتاتًا رهيبا وتمزقا يُنذر بفنائها؛ فهي تئن تحت وطأة الانهيار الذاتي والتاكل الداخلي، وأصبحت في حال لا تُحسد عليها، لأنها أضاعت أمانة الله ونسيت شريعة الله، وبدلت نعمة الله، فأبدلها الله بعد قوتها ضعفًا، وبعد عزتها ذلاً، وبعد أمنها خوفا .. وخسرت أهم مقومات وجودها وهيبتها إنَّها الوحدة والإخاء وإن هَذِهِ أمِّنكُمُ أُمَّةً واحدةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) (1) وإنما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (2). ألا إن وحدة المسلمين، ورص صفوفهم، ولم شتاتهم فرضٌ في ذمة كافة المسلمين، وواجب من أوكد الواجبات، ففي ذلك قوتهم وعزتهم وخير عون لهم على أداء رسالتهم التي خُلقوا لها.
وإن العلماء يتحملون النصيب الأوفر من هذه المسؤولية؛ فهم الأدلاء على طريق الله، وهم الأمناء المستحفظون على شريعة الله، وهم ربابنة سفينة النجاة يقودونها إلى بر الأمان، بدعوة الشعوب الإسلامية إلى توحدها ونبذ أسباب فُرقتها، ويعلمون أتباعهم أدب الاختلاف ويلقنونهم خُلق الإنصاف، فيُعطي كلّ منهم لأخيه المسلم ما يعطي لنفسه، ويحب له
1 - سورة الأنبياء. الآية: 92.
2 - سورة الحجرات الآية: 10.
- ج - (1/11)
صفحة 12
ما يحب لنفسه، ولا يحتكر الحق المطلق بل يجعل شعاره قول الله عزَّ وجلّ لقنه رسوله وحبيبه محمَّدًا وَإِنَّا أَوِ اياكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي
الذي
ضلال مبين)، ثم قول القائل "ما حق يحتمل الخطأ، وما معك
معي
خطأ يحتمل الصواب. بمثل هذا نستطيع أن نطوي صفحة الاختلاف والتنازع بين أجيال مُسلمة غابرة وتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (2).
هذا وتمن بذل جهدًا مشكورًا في دعوة المسلمين إلى طي صفحة الإختلاف بينهم ونشر صفحة الأخوة والائتلاف، المرحوم الشيخ الفقيه والمؤرّخ الأديب علي يحيى معمر صاحب كتاب «الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث»، الذي طبع أوَّل مرَّة بتاريخ جمادى الأولى 1396 هـ / ماي 1976 م، ونشرته مكتبة وهبة بالقاهرة. وطبع مرة ثانية بالمطبعة العربية غرداية، الجزائر) بتاريخ ربيع الثاني 1408 هـ/ ديسمبر 1987 م.
ونقدمه اليوم في طبعته الثالثة مساهمة منا بجهد المقل في إبلاغ آراء المؤلف إلى قلب كل مسلم منصف، حريص على وحدة أمته، ومتطلع إلى مستقبل مشرق للشعوب الإسلامية.
وقد دعانا إلى إعادة طبع الكتاب أهميته البالغة، وأترك لك أيُّها القارئ أن تكتشف هذا بنفسك من خلال قراءتك للكتاب، وكذا نفاذ نُسخ الكتاب في طبعتيه السابقتين، واشتداد الإلحاح في طلبه.
1 - سورة سبأ. الآية: 24.
2 - سورة البقرة الآية: 134.
- ح - (1/12)
صفحة 13
عملنا في هذه الطبعة:
- مراجعة النص وضبطه بالمقابلة بين نُسخ من الطبعتين السابقتين. - تخريج النصوص - التي نقلها المؤلّف - من مصادرها الأساسية.
- عزو الآيات القرآنية إلى سورها وذكر أرقامها.
- عزو الأحاديث النبوية إلى مصادرها من كتب السنة.
- وضع بعض التعاليق التي رأينا ضرورتها.
- وضع تراجم لأغلب الشخصيات الإباضية المذكورة في الكتاب، ولا
-
الغفلة ندعي عدم
عن بعضها، وربَّما تركنا ترجمة بعض الأسماء لأنها في
نظرنا لا ترقى إلى مستوى العلمية،
وهي نادرة.
- إنجاز الفهارس التي رأينا ضرورتها وهي فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث النبوية، فهرس الفرق والمذاهب والأيان.
الصعوبات التي اعترضتنا أثناء التحقيق:
- حاولنا الحصول على النسخة الأصلية ولكننا لم نظفر بها، ونرجح أنها ذهبت ضحية الظروف الصعبة التي عاناها المؤلّف. ونسأل بالله كل من يعرف معلومات عن النسخة الأصلية - أو جزء منها، أو يمتلك أو يعرف معلومات عن نسخة مطبوعة مصححة بيد المؤلف - أن ينفعنا بما كي نستعين بها مستقبلاً إن شاء الله. - أثناء تخريجنا للنصوص التي نقلها المؤلّف عانينا من صعوبة الحصول على المصادر؛ فمنها ما لم نعثر عليه بعد طول البحث ومنها ما وجدناه
بطبعة غير التي اعتمدها المؤلّف، وبتحقيق أشخاص آخرين غير الذين اقتبس المؤلف من مقدماتهم. ولنا أن نقول هذا وأكثر بالنسبة للرسائل المخطوطة، وأنت خبير بأخطاء النساخين، إلا من رحم وزاد من صعوبة تحقيق النصوص نقلُها المتكرر، ونعني به نقله من كتاب ما ما نقله صاحبه عن آخر، وهكذا.
الله
' - خ - (1/13)
صفحة 14
ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر الخالص لكلِّ من أعاننا بتوفير بعض المصادر والمراجع. كما نشكر المحسن الذي تفضل بتمويل النفقات الضرورية لإخراج الكتاب في هذه الطبعة، جزاه الله خير الجزاء وجعل الله عمله وعملنا صدقة جارية وعلما يُنتفع به ما وُجد على ظهر الأرض من يقرأ هذا الكتاب وأمثاله، وقد ورد في بعض الكتب لأن تُهدي كتابًا لقرية خيرٌ لك من أن تُطعمها سنة“. وغايتنا من عملنا هذا رضوان الله عزّ وجلّ بما نأمل أن يجد فيه القارئ الكريم المثل الأسنى للتسامح والتواد والتعاطف بين المسلمين وبني الإنسان قاطبة. وهدفنا أن تسهم في وحدة المسلمين ونبذ دعاوى التعصب الطائفي والمذهبي، وندعو الكتاب في مجال الفرق والمذاهب إلى أن ينسجوا على منوال مؤلف هذا الكتاب بالعودة إلى مصادر كل فرقة، لا إلى ما كتب عنها، وبمقارعة الدليل بالدليل، والترفع والتجافي عن الألفاظ الجارحة التي تضرُّ ولا تنفع والتخلي عن ادعاء الحقيقة المطلقة. وأملنا:
- أن تُجرى دراسات وبحوث جادة حول الكتاب والمؤلّف. - وأن يترجم الكتاب إلى لغات أجنبية لما لمسنا فيه من أهمية، لا سيما اللغة الإنجليزية. وأن يطبع مستقبلاً في صيغة كتاب جيب ليسهل اصطحابه ومطالعته في
1
كل مكان وزمان.
وأن يُخصص له موقع في الإنترنت" ليكون الكتاب في متناول الجميع، في أي بقعة من أرض الله.
-
الله عزَّ وجل أن يتقبل عملنا هذا وأخيرا نرجو من
المتواضع.
بقبول، حسن ويبارك فيه، وينفع به إخواننا المسلمين في المشارق والمغارب. ونرجو من القارئ الكريم أن ينظر فيه بعين الإنصاف والاعتدال، وأن
يتفضل علينا بما يلاحظه من نقص أو خطا، شكر الله له وأثابه، آمين. (1/14)
صفحة 15
مولده ونشأته:
ترجمة المؤلف
(1)
الشيخ العلامة علي يحيى معم)
ولد الشيخ علي بن يحيى معمر بقرية "تكويت“ من ضواحي مدينة نالوت الواقعة بالجبل الغربي جبل نفوسة“ من القطر الليبي سنة
66
""
تسعة عشر وتسعمائة وألف (1919) ميلادية، الموافقة لعام ثمانية وثلاثين وثلاثمائة وألف (1338) بالتاريخ الهجري. نشأ في أسرة متوسطة الحال، وفتح عينيه في بيئة متدينة محافظة على الأخلاق القويمة التي طبعته على السجايا الكريمة والسلوك القويم.
دراسته:
أ في ليبيا:
قضى علي يحيى الفترة الأولى من طفولته في قريته، وأدخله والده كتابها فحفظ فيه بعض سور القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ عبد الله بن مسعود الباروني الكباوي، كان ذلك في حدود
- i
1 - اعتمدنا في هذه الترجمة المختصرة على ما يلي: ترجمة للمؤلف، للدكتور محمد صالح ناصر بعنوان: «المؤرخ الأديب علي يحيى معمر»، وهي مرقونة في 16 صفحة.
ترجمة للمؤلّف، للأستاذ الباحث قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج في 10 صفحات. ج- ترجمة له ضمن مقدمة للدكتور محمد ناصر بوحجام لكتاب: «الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم للشيخ علي يحيى معمر. من ص: 16 إلى ص: 33.
_ j_ (1/15)
صفحة 16
سنة 1924 م. وفي سنة 1925 التحق بالمدرسة الرسمية الابتدائية التي فتحتها الحكومة الإيطالية الاستعمارية، وفيها تفتقت مواهبه عن مواهبه عن فطانة ونُبوغ تميز بهما عن زملائه، ممَّا لفت أنظار أساتذته إليه ولقي منهم عناية خاصة. واستمر التلميذ علي بين أحضان المدرسة أربع سنوات.
،،
وفي هذه الفترة استدعى أهل نالوت الشيخ الفقيه رمضان بن يحيى
""
طلبة من
الليني من جزيرة جربة" من القطر التونسي)، وقد كان قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش الجزائري (1). قدم الشيخ الليني نالوت فانضم الطالب علي إلى حلقته بالموازاة مع دراسته في المدرسة الرسمية خارج أوقاتها، وقد تلقى من شيخه ما تلقى من العلوم، غير أن الشيخ لم يقم في نالوت إلا حوالي سنتين عاد بعدهما إلى وطنه جزيرة جربة. ب في القطر التونسي
لعل الطالب علي وجد عند شيخه الليني ممَّا يُشبع فهمه العلمي ما لم يجده عند غيره، فما لبث إلا بضعة أشهر حتى التحق به وانضم إلى حلقته في بلدة ”آجيم" من جزيرة جربة، وكان ذلك خلال سنة 1927 م، دامت دراسته هناك على شيخه الليني سنة وبضعة أشهر.
بعدها سافر إلى العاصمة التونسية حيث جامع الزيتونة العامر، وحيث حلقات العلم المزدهرة، فدرس على أيدي علماء كبار مختلف العلوم والفنون التي كانت تزخر كما يومئذ رحاب الجامع الزيتوني. وإلى جانب ذلك كان يحضر حلقة الشيخ محمد بن صالح الثميني التي كان يُلقي فيها دروسًا في العقيدة والفقه وغيرهما على طلبة البعثة الميزابية بتونس.
J-
انظر ملحق التراجم
- (1/16)
صفحة 17
ج في القطر الجزائري:
في أثناء دراسته بتونس بلغته أصداء الحركة العلمية الإصلاحية بميزاب التي تزعمها الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1) والذي أسس معهدًا متطورًا
جعل منه خير ركيزة لاستثمار جهوده وتحقيق أهدافه الإصلاحية.
قال عنه الشيخ عدُّون شريفي (2) في مؤلّفه «معهد الحياة نشأته وتطوره»: تواردت عليه البعثات من ميزاب وأنحاء الجزائر، ومن جبل نفوسة ...
إلى أن بلغ عددهم بضعا وتسعين تلميذا إبان الحرب الكبرى [الثانية] ... فقد أحدث فيه الشيخ بيوض دروسًا اجتماعية ووطنية وسياسية ... ألهبت الطلبة الحماس الوطني، وكان لها أثر بليغ في ثقافتهم العامة، وتطورهم نفسيا، وتربيتهم اجتماعيا وسياسيا، وصيَّرتهم رجالاً أكفاء برزوا في ميادين الإصلاح العام، فأبلوا فيها البلاء الحسن» (3).
في
رحل الطالب علي يحيى إلى القرارة ووصلها في شهر أوت من سنة 1937 م وانتظم في سلك طلبة معهد الحياة، واتَّخذ دار البعثة مقراً له كسائر الوافدين إلى المعهد من خارج مدينة القرارة. وتلقى أغلب الدروس
1 ـ انظر ملحق التراجم.
-
ـ
2 هو شيخنا الجليل عدون بن بالحاج أو سعيد شريفي)، أمد الله في أنفاسه الطيبة، هو الذي يرجع إليه الفضل الكبير في تأسيس معهد الحياة بما بذله من جهود قبل تأسيسه وبعده، وبما تحمل من مسؤوليات ومهام من تدريس في المعهد وإدارة له منذ تأسيسه سنة 1925 م إلى يوم الناس هذا.
-
3 ـ سعيد شريفي (الشيخ عدون): «معهد الحياة، نشأته وتطوره» نشر جمعية التراث، القرارة. ط 1، 1409 هـ / 1989 م. ص: 59، 60.
- j-
2 (1/17)
صفحة 18
عن الشيخ بيوض، واستفاد منه خيرًا كثيرًا بفضل كفاءة الأستاذ وشغف الطالب ومواهبه الطيبة. كما تلقى دروسا عن أستاذه الشيخ عدون في
النحو من كتاب «شرح بن عقيل».
نشاطه وحياته الأدبية:
شارك في أنشطة معهد الحياة المتنوعة - غير الدراسية
-
من جمعيات
أدبية ومسرحية ورياضية وكشفيَّة وفرق الطرب الملتزم (أناشيده دينية،
ومدائح نبوية، وأخلاقية، وأناشيد في وصف الطبيعة).
وفي رحاب "جمعية الشباب الأدبية برز وظهر نبوغه في مجال المقالة الأدبية والخطب الحماسية، وقرض الشعر في مختلف الأغراض، وفي مجال المحاضرات والمناظرات وتأليف المسرحيات وإقامة الحفلات في الأعراس وفي المناسبات والأعياد الدينية.
ولا يزال المعهد يحتفظ بعدد كبير من هذه الأعمال ضمن "جريدة الشباب
،،
جهوده الإصلاحية:
1 - في مجال التعليم:
أ في معهد الحياة
قضى ثلاث سنوات متفرغا لطلب العلم وتحصيله من سنة 1937 إلى 1940 م، عندما أحدثت إدارة معهد الحياة تطويرًا في مناهجه ونظمه؛ إذ قسم طلبة المعهد إلى أربع طبقات، وبعد سنة أضيف إليها طبقة خامسة، كان الشيخ بيوض يتولى تدريس الطبقة إلى جانب الدروس العامة التي يحضرها كافة الطلبة مثل درس التفسير في جنبات المسجد الكبير، ووزع
-33 - (1/18)
صفحة 19
بقية الدروس على خمسة معلمين آخرين:
- الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون). - الشيخ عمر بن صالح آداود الغرداوي
- الشيخ علي يحيى معمر النفوسي (المترجم له).
- الشيخ بكير بن عمر بيوض.
- الشيخ سعيد بن عبد الله الشيخ دحمان.
وقد أُسند إلى الشيخ علي يحيى تدريس المواد الأدبية واللغوية.
""
ب في ليبيا:
ابتدأ مسيرته التعليميَّة التهذييَّة معلّما في المدرسة الابتدائية في بلدة نالوت"، كما درس بعد حين في مدرستها الثانوية، كما اشتغل بتعليم
التلاميذ - خارج إطار التعليم الرسمي - في بعض مساجد نالوت.
ثم امتد نشاطه إلى مدينة ”جادو“ حيث سعى إلى بناء مدرسة ابتدائية فيها بجهود أهاليها وأصبح مديرًا لها بعد تأسيسها، كما سعى في إنشاء للمعلمين في ”جادو“ وشغل منصب المدير فيه.
معهد
قضى فترة الستينيات من القرن الماضي يدير مدرسة جادو ومعهدها معا، وفي الوقت ذاته كان يُشرف على التفتيش فيهما وعلى مدارس نالوت. ثم عُيّن رئيسًا للتوجيه الفنّي في مدينة ”غريان" فكان يتنقل بين المؤسسات التعليمية في هذه المدن الثلاث: نالوت“ و”جادو“ و ”غريان“ عاملاً بمنتهى الجد والإخلاص للرفع من مستوى التعليم والتربية فيها. بعد ذلك عُيّن مفتشا عاما للتربية في المحافظات الغربية الليبية.
وأخيرًا استقر به المقام في العاصمة طرابلس ما بين 1968 م و 1980 م، في وظيف مرموق بأمانة التربية والتعليم، حيث شغل منصب نائب مدير
- ش - (1/19)
صفحة 20
التعليم بالوزارة، وكلف بمتابعة المناهج والكتب المدرسية المعتمدة، ثم اشتغل بمركز البحوث والوثائق التربوية؛ حيث اضطلع بوظيفه مبحلاً مكرما مع رفقة كرامٍ ممَّن يعرفون للعلم فضله، ويقدرون العلماء حق قدرهم. 2 في المجال الثقافي:
،،
حينما عاد إلى وطنه بعد مرحلة الاغتراب في سبيل تحصيل العلم، فكر في إحداث حر كة ثقافية على منوال ما شاهده في جامع الزيتونة، وعاشه ميدانيا في معهد الحياة وسائر مجالاته الثقافية؛ فقام بتجميع الشباب المثقف في بلدته نالوت مشكلين كتلة ريادية قيادية لرفع المستوى الثقافي والفكري والأخلاقي، لاسيما في أوساط الشباب والناشئة، بإلقاء الدروس في المساجد والمحافل، وعقد الحلقات التكوينية. وقد تجسد نشاطهم في أعمال ميدانية؛ منها إنشاء بعض المجلات مثل اليراع، وطبع بعض الكتب والرسائل.
وقد ساهم الشيخ بمقالات عدة دينية وأدبية واجتماعية في عدد من المجلات منها: - مجلة "المسلمون" التي كان يُصدرها المركز الإسلامي بجنيف. - مجلتا "الأزهر" و"الرسالة" اللتان كانتا تصدران بالقاهرة. مجلتا "الأسبوع السياسي" و"المعلم" اللتان كانتا تصدران بطرابلس الغرب. وقد امتازت كتاباته بالأسلوب الرصين والنقد البناء، يسعفه فيما يكتبه كفاية علمية ورصيد لغوي ممتاز وسعة اطلاع في مختلف المعارف.
مؤلفاته وإنتاجه العلمي:
خلف الشيخ علي آثاراً علميَّة متنوعة في مجالات عدة كالعقيدة والفقه والتاريخ والأدب نثره وشعره .... وألف كتبا وبحوثا ورسائل ومقالات، وله
ص - (1/20)
صفحة 21
تعاليق على بعض المصنفات، ومراسلات. فمن آثاره: - الإباضية في موكب التاريخ (في أربع حلقات).
2 - الإباضية بين الفرق الإسلامية (وهو الكتاب الذي نقدمه للقراء
الكرام في هذه الطبعة الجديدة).
3 - سمر أسرة مسلمة.
-4 - الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى.
5 - الفتاة الليبية ومشاكل الحياة.
6 - الميثاق الغليظ.
-
أحكام السفر في الإسلام.
8 - أحكام صلاة الجمعة.
-- بحث في حكم التدخين.
10 - بحث بعنوان: «الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة». 11 - مناقشة لمذكرة بعنوان: «في بيوت الله مع القرآن والدعاة».
12 - الإسلام والقيم الإنسانية.
13 - فلسطين بين المهاجرين والأنصار.
14 - رسالة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
15 - رسالة: الحقوق في الأموال.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ذكرتُه إنَّما هو على سبيل التمثيل، وأن منها
المطبوع والمخطوط ومنها المفقود.
- ض - (1/21)
صفحة 22
وفاته:
تعرض المرحوم لأزمات كثيرة وعلل ومضايقات وملاحقات متكررة، وظلم وإهانة في شخصه وعائلته، وعانى من الاعتقال والتعذيب فانهار جسده تحت وطأة هذه الأرزاء وأصيب بعلل عدة كداء الربو (ضيق لكنه التنفس) وضغط الدم وعسر الهضم، صبر الصبر الجميل، واستمر في كفاحه وعمله حتّى وافاه أجله وهو بمكتبه بوزارة التربية صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر صفر من عام 1400 هـ، الموافق لتاريخ 15 يناير سنة 1980 م. ودفن بمقبرة "سيدي مُنذر بطرابلس يوم الأربعاء 28 صفر / 16 يناير بعد صلاة العصر. وقد شيّع جثمانه الطاهر جمع كبير من رفاقه وإطارات سامية في الدولة اعترافًا بعلمه وجهاده الطويل. رحمه الله، وأكرم نزله، ومثواه، ووهبه رضاه، إنه سميع قريب مجيب، آمين.
،،
بكير بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة
b. (1/22)
صفحة 23
يمان البحر الحب
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
سورة النمل. الآية 19. (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
يا أخي في الله.!. .
أخي في الله! أرجو أن تقرأ هذه الفصول المعروضة بين يديك في هذا الكتاب محتسبا أجرك على الله، وأن تأخذ منها ما استبان لك أنه الحق بحفاوة، وأن تنبذ ما استبان لك أنَّه الباطل على طول يدك، وأن تزن كل ذلك بالميزان الدقيق الذي لا يخطى من قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِك). وأن تضع في اعتبارك أنني أرى أن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية تقف متساوية على صعيد واحد، فليس فيها - بصفتها الجماعية ـ فرقة أفضل من فرقة، ولا مذهب خير من مذهب، وأن في المنتمين إلى كل فرقة أو مذهب أتقياء بررة، وأشقياء فجرة، وسوادًا أعظم وهو وسط بين ذلك.
-
في شدته ولينه، وفي
وأن تعلم أن النقاش الذي جرى على قلمي قسوته ورفقه لا أريد به الدعوة إلى المذهبية ولا الدفاع عن مذهبية،
-
وإنما أريد به تحطيم المذهبية (2). وأنا على يقين ــ في نفسي ـ أن المذهبية ــ في الأمة الإسلامية لا تتحطّم بالقوة، ولا تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون؛ فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل، وإنَّما تتحطّم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به، وبالتعارف يشتركون
1 - سورة النساء الآية 59
-
2 ـ يريد بتحطيم المذهبية تحطيم التعصب المذهبي لا إلغاء المذاهب بالكلية، وهذا ما ينسجم مع ما يدعو إليه من المعرفة والتعارف والاعتراف. (المحقق)
-1 - (1/25)
صفحة 26
في السلوك والأداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضا ويُعطيه مثل الحقِّ الذي يُعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ)، وفي ظل الأخوة والسماح تغيب التحديات وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة، غير خائفة أن يُقال عنها تركت مذهبًا أو اعتنقت مذهبًا.
ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة
ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم - ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا
بمقدار ما قدَّم من عمل خالص الله.
-
-2 - (1/26)
صفحة 27
«و
قيل عن الإباضية
وكلُّ من يتّهم الإباضية بالزيغ والضلال، فهو ممن فرَّقوا دينهم، وكانوا شِيَعًا، ومن الظالمين الجهَّال، جمع الله ما فرَّقُوا ورتَقَ ما فتقوا، ومزَّق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط بالكافرين». «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل» طبعة سنة 1356 هـ عضو المجمع العلمي العربي عز الدين التنوخي
«وإذا كان الإباضيون أصحاب أمجاد في الماضي، فلا زالوا كذلك
في عصرنا الحاضر».
إسلام بلا مذاهب»: مصطفى الشكعة
ومن كل هذا يتبين اعتدائهم وإنصافهم لمخالفيهم».
كتاب «المذاهب الإسلامية»: محمد أبو زهرة
«قول عبد الله بن إباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنة ... ». «الكامل»: المبرد
ورجال الإباضية يُضرب بهم المثل في التقوى والصلاح والزهد». «تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية»: يحي هويدي
من
الدعايات
ه «إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية – أهل الاستقامة - الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولا ثم المذهبي ثانيا». أبو إسحاق اطفيش
يمكن أن تُعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل العقيدة»
«فتاوى الشيخ بيوض بيوض إبراهيم بن عمر
-3 - (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
مقدمة
اختار بعض من كتب في عقائد الفرق الإسلامية وآرائها ومذاهبها من الكتاب القدماء كلمة المقالات فأطلقها على ما ذهبت إليه كل فرقة في ذلك، وأحسب أن اختيارهم لاستعمال هذه الكلمة في هذا المجال كان موفقا جدا، فإن مواقفهم - رغم ما فيها ــ لا تزيد عن مقالات. وعندما يرجع الباحث اليوم إلى أشهر تلك المقالات التي توزع فيها المسلمون، وتشتتوا إلى فرق ق لا حصر لها، يُضرب بعضُها بالبعض، حسبما تقتضيه ظروف كلّ، عصر، يجد أن الجزء الأكبر منها لا يعدو مواضيع سياسية معينة، تتناول بعض قضايا الحكم، أو مشاكل التعامل بين المتخالفين في رأي أو وجهة نظر معينة.
والحقيقة أن بعض الأقلام كانت مولعة بتكثير أصحاب المقالات، فما تسمع بنقاش جرى بين اثنين حتى تساريح فتجعل لكل واحد منهما
فرقة وتجعله إمامًا أو رئيسا لتلك الفرقة.
والشواهد على ذلك في كتب المقالات كثيرة، وقد يجد القارئ في
هذا الكتاب صُورًا منها.
ولا شك أن أصابع السياسة وراء هذا كله، وسواء في ذلك السياسات الحاكمة أو السياسات المضادة لها، ولا شك أيضًا أن الأقلام التي تناولت ذلك سارت دون وعي ـ في أكثر الحالات ــــ في ركاب
-
سياسة مخططة فحققت لها كثيرا من المقاصد والأهداف.
-5 - (1/29)
صفحة 30
ويلاحظ الدارس لهذا الموضوع أن كثيرا من الأشخاص الذين
اعتبروا أئمة الفرق، ونُسبت إليهم أقوال في قضايا الساعة ليسوا ــ على أحسن التقديرات - إلا رجالاً من العوام أو أشباه العوام، يملكون السنة حادة، أو سيوفًا قاطعة، أو إرادات صلبة؛ فهم في نظر السياسة خطر على أمن الدولة، أي على كراسي الحكم، ومع ذلك فقد نُسبت إليهم مقالات في قضايا تشغل فكر الجماهير في ذلك الحين. فهل كانوا حقا يقولون بها؟ وهل كانوا حقا في المستوى العلمي الذي يتيح لهم أن يُصدروا أحكاما في مثل هذه المسائل الدقيقة؟ أم أن السياسة الماكرة هي التي استطاعت أن تقولهم أو تدُسَ عليهم ذلك، ثم توجه إليهم الأنظار ... أنظار النفرة والكراهية، فنجحت في إدانتهم وإبعاد الناس عنهم.
شادة
والباحث اليوم عندما يعود إلى التنقيب عن هذا الموضوع يرى عجبا فرق كاملة بأئمتها وأقوالها ومواقفها الحاسمة لا يُعثر لها على أثر أبدا، إلا ما يقصُّه عنها خصومها في كثير من المبالغات. عندما كنت أقرأ في كتب المقالات ما يتصل بالإباضية تصادفني عجائب في العقائد والآراء والأقوال تُنسب إليهم، إما بعبارات واضحة صريحة، أو بأساليب ملتوية، لكنَّها معبّرة. وتصادفني كذلك أسماء لأشخاص كثيرين يعتبرون أئمة لهم. وأنا على يقين كامل بأن ذلك غير موجود عند الإباضية. فإذا كانت هذه الحال مع فرقة ينتشر أتباعها في كثير من البلاد الإسلامية، ولا يخلو قطر من أقطارها من كتبهم، فكيف الحال مع من
انقرض فلم يبق له أتباع، ولم يترك كُتبًا مصنفة فيما يختص به، وإنما عاش –
إن صح
هذا - يطفح على ميدان الحياة، حتى طواه موج الزمن في ذكرى
التاريخ المجردة.
-
- 6 - (1/30)
صفحة 31
لقد أصاب الإباضيَّة من كُتّاب المقالات كثير من الأذى، قد
لا يكون مقصودا، ولكنه واقع، وقد أحدث بالفعل فجوة بينهم وبين إخوتهم في بقية المذاهب، كانت متسعة في الماضي وأصبحت تضيق، ونرجو أن تتمهد وتزول في هذا العصر الذي يجب أن يتلاقى المسلمون فيه على وحدة العقيدة ووحدة العمل ووحدة السلوك في مجابهة أعداء الإسلام، مع مراعاة صادقة لحريَّة الرأي والفكر، واحترام كامل لجميع أئمة المسلمين وعلمائهم السابقين دون تهجم أو انتقاص، ودون تقديس أو تعظيم).
وفي هذا الكتاب حاولت أن أرافق افق بعض الكتاب القدماء من والمعاصرين، لنتعاون على وضع هذه الفرقة من المسلمين (الإباضية) في مكانها الحقيقي من الأمة الإسلامية، واضعا في اعتباري أن الكتاب القدماء يسعُهم من العُذر ما لا الكتاب المعاصرين، وأن أخطاء يسع أولئك في كثير من الأحيان تنتج عن عدم وجود الوسائل، في حين أن جميع الوسائل متوفرة لدى الكتاب المعاصرين. أما المستشرقون فلهم دوافعهم الخاصة للكتابة عن الإسلام والمسلمين. ومناقشاتي في جميع الفصول الجميع هؤلاء قد تتأثر بهذه الاعتبارات فيتغير الأسلوب من
كاتب إلى كاتب.
يشتمل الكتاب على سنة أقسام غير المقدمات، كل قسم يحتوى
على عدد من الفصول:
1 ـ المقصود بهذه الكلمة اختبار أي إمام أو ولي معصوما أو كالمعصوم. (المؤلف)
-7 - (1/31)
صفحة 32
القسم الأول: مع القدماء.
القسم الثاني: مع المعاصرين.
القسم الثالث: مع المستشرقين.
القسم الرابع: آراء للإباضية.
القسم الخامس: مفاهيم يجب أن تختفي.
القسم السادس ملاحظات وتعاليق
أرجو أن أكون قد استطعتُ أن أضع بين يدي القارئ الذي يهمه أمر الأمة الإسلامية جمعاء صورة واضحة لمكان الإباضية فيها، وأن أصحح الأخطاء عنها توارثتها الأجيال، وتعاون على تضخمها التعصب من
بعض
جهة، والجمود والتقوقع من جهة أخرى.
ويهمني أن أذكر أنه يوجد خلاف بين الإباضية وغيرهم من المذاهب في عدد من المسائل، كما يوجد خلاف بين الحنفية وغيرهم، والشافعية وغيرهم والمالكية وغيرهم، وكما يوجد بين بقية المذاهب وبين علماء
كل واحد من الخلاف في مجموع صوره وموضوعاته إنَّما نتج عن أساسين:
هذه المذاهب فيما بينهم. ولكن يهمني أيضًا أن أذكر أن هذا
الأول: فهم الأئمة والعلماء للأدلة في نصوصها الثابتة من الكتاب والسنة. الثاني: حرص أولئك العلماء والأئمة على إصابة الحق في الفهم والاستدلال، والعمل بالمقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية. وليس في هذين الأساسين اللذين نتج عنهما الخلاف ما يدعو إلى الخصومة أو القطيعة. نضرع إلى المولى تبارك وتعالى أن يُلهم هذه الأمة رشدها ويوحد صفها وينصرها على المتربصين بها.
-8 -
25 مارس 1972 (1/32)
صفحة 33
I
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الأول: مع القدماء
الإباضية عند الأشعري
تشنيعات الأشعري على الإباضية
مقالات الإباضية عند الأشعري
البغدادي والإباضية
أبو المظفر الاسفرايني والإباضية
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
-9 -
3 (1/33)
صفحة 34
الإباضية في قفص الاتهام
إن وضع الإباضية بالنسبة إلى إخوانهم من المذاهب الأخرى وضع غريب، فبالرغم من أنهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين
منهم
يدعو إلى
بإخوتهم من المذاهب الأخرى، يتعاملون معهم في جميع شؤون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض، وتربط الكثير علاقات مودة وصداقة أوثق كثيرًا مما تربط أهل المذهب الواحد، ويتصرف أولئك الإباضيون في المجتمع تصرف المسلم الطبيعي، لا يخفى ولا يشذ شيء من سلوكهم الديني أو المدني، ولا ينقمُ عليهم إخوتهم - أولئك الذين يعيشون معهم في السراء والضراء - بدعة يعرفونها، أو انحرافا يرونه، أو خلافا سوء الظن. رغم كل هذا فإن تلك الكلمة التي أطلقتها عليهم شفةٌ مغرضة مجهولة، في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهم الأدوار في توجيه التهم لمن ينتقد انحرافها عن منهج العدول من أصحاب رسول الله. منذ ذلك التاريخ في العصر الأموي - فيما يبدو والإباضية يقفون في قفص الاتهام؛ يُقاسُون ألم الجفاء من اخوتهم لأنهم ـــ فيما تزعم تلك التهمة الظالمة - (خوارج). ومن المؤسف أن أكثر الكتاب أكانوا كتاب مقالات في العقائد، أو كتاب تاريخ يتتبعون مجاري
-
-
سواء
الأحداث السياسية ـ وقفوا بالنسبة إلى الإباضية موقف المدعي العام الذي يعتقد أن نجاح مرافعته يتوقف على إثبات التهمة، أو قاضي التحقيق الذي يهمه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه، ووضعته التحريات بين يديه.
- 10 - (1/34)
صفحة 35
فهم يضعون هذا المذهب واتباعه في قفص الاتهام أولاً، ويحكمون الأدلة،
عليهم بأنَّهم مخطون لأنهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن ولكن لإثبات هذه التهمة لا لمعرفة الحقيقة.
منهم
كلاما في
وعندما يتقدم الإباضية بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا إليها، ويُبينون سيرتهم وسلوكهم، يُعتبر ذلك موقف الدفاع لا يجوز على القاضي الذكي، فهو لا يسمعه ولا ينظر فيه، وإذا استمع إليه فلكي يلتقط جُملاً تُعزز التهمة، وقد يحرفها قليلاً حتى تكون صالحة كدليل للإثبات.
وقد يعرض الإباضية عقيدة أو رأيًا لهم بأدلته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضي، ولكنَّ القاضي يُصِرُّ مع ذلك أن القوم مخطئُون، وأن ما يقولونه إنَّما هو كلامٌ للدفاع، ثم يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إلا لأنهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج). وحتى عندما يقول الإباضية عن عقيدة أو رأي إنَّه عندهم كفر وخروج من الملة، فإن هذا القول لا يُقبل منهم، ويستمر إثباته لهم ومحاسبتهم عليه. وقد يبرؤُون من رجل ومن أعماله وأقواله ممن لا ينتمي إليهم، ولكن يُقال لهم أيضا بل هذا الرجلُ من أئمتكم، ولو أنكرتُم ذلك.
والمشكلة أن رافعي دعوى الاتهام لا يحاولون أبدا أن يبحثوا عن الحقيقة، ولا أن يرجعوا في تحقيقهم إلى مصادر الإباضية، وإنما يتناقلون التهمة بنصها من جيل إلى جيل، دون اعتبار لصراخ المتهم الموجود في القفص، أو اهتمام به أو سماع لدفاعه.
- 11 - (1/35)
صفحة 36
وفي عصرنا هذا اهتم عدد من كتاب المقالات، ومحققي الكتب
بشؤون الفرق الإسلامية، وعرض بعضهم فيما عرض للإباضية، وبين يديه كتب قيمة لهم، يستطيع أن يتَّخذها مراجع يستقي منها أقوالهم، ويستطيع
-
أن يعرف فيها أصول ديانتهم وفروعها ويصحح ــ متأكدا ـــ ما يجده من أخطاء عنهم في غيرها. وإلى جانبه علماء فضلاء منهم، في إمكانهم أن ييسروا له الوصول إلى الحقِّ؛ ولكنه في الواقع يزور عن ذلك، ولا يرجع الى تلك الكتب، ولا إلى أولئك العلماء، وإنما يعود بالتفتيش إلى كتب ليست لهم، وإنَّما كتبها غيرهم عنهم في ظروف مجهولة، وهي تسلم من الأخطاء عن حسن النيَّة، إن سلمت من سوء النية، بل هي
عرضة للأخطاء عدة
من جوانب منها:
1 - عدم توافر النزاهة الكاملة في الكاتب.
غالبًا لا
: سيطرة آراء معيَّنة على الكاتب تجعله غير مستعد لفهم غيرها، أو
حتى مجرد مناقشتها.
-3 كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرق بها بين الصواب والخطا.
4 - المصادر التي يستقي منها ويعتمد عليها – سواء أكانت كُتبا أم بشرا ـ قد تكون مُغرضة، وقد تكون مستغلة، وقد تكون جاهلة لحقيقة ما تُثبت.
5 ـ وسائل الاتصال التي تُساعد على البحث والوصول إلى الحقيقة كالاتصال الشخصي المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة.
-
-
6 ـ النفرة بين أتباع المذاهب المختلفة وسوء الظن، وشدة التعصب، وتمسك كلّ بما عنده والحكم مُسبقاً على الآخرين بالخطإ والضلال.
- 12 - (1/36)
صفحة 37
هذه العراقيل كلها أو بعضها تجعل الوصول إلى الحقيقة عسيرا، حتى الشك من
بالنسبة للتريه الحريص على الحق، فإن سوء الظنِّ يُلقي ظلالاً عليه لا تمكنه من الاطلاع.
7 - الإشاعات الكاذبة، والدعاياتُ المضللة التي تنطلق عن دوافع سياسية غالبا، فتصل إلى ناس موثوق بهم، فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم، فتتلقفُها الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقي،
والدوافع السياسية الماكرة إلى الإيحاء بها.
هذه بعض الجوانب التي كانت تُؤثر على الكتاب الأقدمين، وقد انتبه إليها بعضهم، وعرف مدى تأثيرها على المؤلفين، وما يتسبب عنها من
أباطيل تلتصق بطوائف من المسلمين
هم
منها أبرياء.
يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ما يلي:
ورأيتُ الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي لروايته فيما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يُضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به». [اهـ] (1). تري أن أبا الحسن الأشعري ـ وهو من أوائل من كتب في
فأنت
هذا الموضوع
-
-
-
قد انتقد عدة عيوب في أولئك الذين يتصدون للحديث
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين». تح/ محمد محيي الدين عبد الحميد. - طبع ونشر مكتبة النهظة المصرية القاهرة. ط 1. 1369 هـ/ 1950 م. ص: 33. 33. (المؤلف)
- 13 - (1/37)
صفحة 38
عن مخاليفهم؛ كالتقصير في التحقيق، واعتماد الكذب، والغلط، وعدم التقصي في البحث والزيادة في الأقوال لإلزام المخالفين الحجة. أما الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل»، فهو لم يذكر نقدا
بهذه التفاصيل وإنَّما أشار إليها من طرف خفي، فقد قال ما يلي: وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدتُه في كتبهم، ومن غير تعصب لهم، ولا كره عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله». [اهـ] (1)
وهذا الكلام يُشعر أن الشهرستاني رأى كما رأى الأشعري من قبله، عدم التحقيق فيما يُقال عن الفرق، ولذلك فقد شرط على نفسه أن يأخذ أقوال أصحاب الفرق من كتبهم، دون التعرض لنقدها أو تصحيحها.
فهل استطاع أبو الحسن الأشعري أن يتحقق أن ما أورده عن الفرق قد سلم من تلك العيوب التي ذكرها وعزم أن يتحرز منها، والتي انتقدها على غيره من المتحدثين والكتاب بقوة وجرأة تستدعيان أن تجاب؟ وهل استطاع الشهرستاني أن يوفّي بشرطه؟ وأن لا ينقل مقالات أهل الفرق إلا من كتبهم ومصادرهم؟ وأن يلتزم معها الحياد الكامل فلا يصوب ولا يخطئ ولا يُرجح؟
ذلك ما سوف نراه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى، ونحنُ نُرافق هؤلاء الأئمة العظام وغيرهم في رحلة علمية، نستمع فيها إليهم ونقرأ لهم، ونأخذ عنهم، ونسترشدهم في الوصول إلى الحق الذي هو غاية الجميع.
1 ـ الشهرستاني: «الملل والنحل». تح/ محمد سيد الكيلاني. طبعة مطبعة مصطفى بابي الحلبي. 1387 هـ / 1967 م. ج 1. ص: 60.
- 14 - (1/38)
صفحة 39
من
القسم الاول مع القدماء
إن الذين كتبوا عن العقائد الإسلاميَّة، واستعرضوا مقالات الفرق فيها القدماء عدد كبير وليس في وسع الدارس أن يتتبعهم جميعا، ولا أن يستحضر كل ما قالوه، ولكن في إمكانه أن يقوم بدراسة بعضهم، وأن يأخذهم كأمثلة أو نماذج يستدل بها على الأسلوب أو المنهج الذي سلكوه، أو سلكه أكثرهم. وبعد دراسة الموضوع الإباضية في عدد من تلك الكتب، واستعراض لمناهجها وأساليبها في البحث استقر رأيي على اختيار خمسة من المؤلفين لأقوم معهم بهذه الرحلة العلمية، التي آمل أن يجد كل قارئ يصحبنا فيها بعض المتعة إن لم يتحصل فيها على فائدة.
وقد فضلت أن أبدأ المسير مع هؤلاء الخمسة الذين اخترتهم كنماذج
حسب ترتيبهم الزمني على ما يأتي:
-1 - أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 330 هـ
2 عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429 هـ. -3 أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 هـ. -4 أبو المظفر شاهفور بن طاهر الأسفراييني المتوفى سنة 471 هـ. 5 - أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548 هـ.
- 15 - (1/39)
صفحة 40
المجال، وكل من جاء بعدهم إنما هو
إنني أعتقد أن هؤلاء الكتاب هُم من أشهر من كتب في هذه المواضيع، وكتبهم تُعتبر مصادر ومراجع لا يستغني عنها باحث في عالة عليهم، منهم يأخذ، أو على
مناهجهم يسير.
وأما الكتب فهاهي حسب ترتيبهم السابق:
1 مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين». الأشعري.
2 «الفرق بين الفرق». البغدادي.
-3 الفصل في الملل والأهواء والنحل». ابن حزم.
-4 - «التبصير في الدين». الأسفراييني.
«الملل والنحل». الشهرستاني.
هذا
- 16 - (1/40)
صفحة 41
الإباضية عند الأشعري
قد يعجب القارئ الكريم إذا قلتُ له: إن أبا الحسن الأشعري رغم أنه كتب عن الإباضية كثيرًا، فإنَّه لا يعرف عن الإباضية شيئًا. وإن
أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم. وليتضح للقارئ الكريم هذا القولُ فإنَّني أرجو منه أن يرافقني قليلاً، وأن يقرأ الفصول
المعقودة لدراسة أبي الحسن الأشعري مع الإباضية.
يقول أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين» صفحة
170 من الجزء الأول، ما يلي:
ومن الخوارج الإباضية:
فالفرقة الأولى منهم يُقال لهم الحفصية، كان إمامهم حفص بن أبي المقدام، زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنَّة أو نارٍ أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس، واستحلال الزنى وسائر ما حرم الله من فروج النساء، فهو كافر بريء من الشرك». [اهـ]
واستمر الأشعري يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثم قال:
والفرقة الثانية منهم يُسمَّون اليزيدية، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» [اهـ] (1) ثم ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها، ومنها قوله: «وزعم
1 ـ المصدر السابق، الصفحة نفسها.
- 17 - (1/41)
صفحة 42
أن الله سبحانه سيبعث رسولاً من العجم، ويتزّل عليه كتابا من يُكتب في السماء ويتزل عليه جملة واحدة». [اهـ] (1)
السماء
ويقول بعد أسطر: وتولى من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوءة من أهل
الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه، و لم يعملوا بشريعته، وزعم أنهم بذلك
مؤمنون». [اهـ] (2)
ثم يقول:
والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي، قالوا في
القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإباضية [اهـ] (3).
وبعد أن يذكر لهم جملة من التشنيعات يقول: «والفرقة الرابعة منهم، يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا الله، إذا فعل شيئًا أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده «به» [اهـ] (4).
هكذا بدأ أبو الحسن الأشعري حديثه عن الإباضية، فبمجرد ما ذكرهم بدأ في تقسيمهم إلى فرق، وجعل ينسب إلى كل فرقة جملة من الآراء والأقوال. والقارئ الكريم عندما يبدأ في قراءة ما كتبه الأشعري عن الإباضية أن الإباضية ينقسمون إلى أربع فرق كبرى، هي هذه الفرق التي
يفهم
1 ـ المصدر نفسه، ص: 171.
2 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
-
3 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
-
4
المصدر نفسه، ص: 172.
- 18 - (1/42)
صفحة 43
ذكرها، وأن بعض هذه الفرق قد انقسم أيضا إلى فرق أخرى فرعية. وذكر الأشعري أقوالاً أخرى وشنائع أخرى نسب بعضها إلى جميع الإباضية، ونسب بعضها إلى إحدى تلك الفرق.
والتي
وعند الرجوع إلى كُتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن الفت. قبله والتي الفت بعده، فإن القارئ لن يجد فيها شيئًا عن
هذه
من
الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها. وخذ ما شئت كتب السير والتراجم عند الإباضية، التي تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها
ومشايخها، فإنَّك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الذين ذكرهم الأشعري واعتبرهم أئمة لفرق كاملة من
الإباضية.
واقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية، فإنَّك لن تجد ذكرًا لهذه الفرق ولا لآرائها. وكل ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنّعين، فكان يتلقى مقالات الفرق عن ناس يثقُ بهم، ولكنَّهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق. سواء أكان نقله عنهم عن طريق الرواية، والسماع، أو عن طريق القراءة والاطلاع في كُتب مدوّنة، فهو لم يُشر إلى أي من ذلك على كل حال.
ويكفي
-
فيما أعتقد
-
لنفي أن يكون ما قاله أبو الحسن عن
الإباضية صحيحا جهلهم به، وعدم ذكرهم لأي شيء منه في مراجعهم
العامة والخاصة، المكتوبة والمتحدثة.
يقول أبو الحسن: «فالفرقة الأولى يُقال لهم الحفصية، كان إمامهم حفص بن أبي المقدام» [اه]، ومع كثرة ما قلبتُ في كُتب الإباضية
- 19 - (1/43)
صفحة 44
ومع العناية والبحث، فإنَّني لم أعثر على هذا الاسم الذي اعتبره أبو الحسن إماماً من أئمتهم، و لم أعثر كذلك على شيء من أخبار فرقته وآرائها، وقد نسب أبو الحسن إلى هذه الفرقة وإمامها أقوالاً يكفي بعضها لإخراجهم من الإسلام والحكم عليهم بالشرك والردة، إذا سبق أن كانوا مسلمين؛ منها: إنكار النبوة، وإنكار الجنَّة والنار، ومنها استحلال الزنى وغيره ممَّا حرمه الله، وأشياء أخرى من هذا النوع، وهي كافية ـــ إذا قال بما حقا ـــ للحكم بخروجه وخروج من تبعه فيها من الإسلام. فكيف يصح أن تُنسب هذه الفرقة إلى إحدى فرق المسلمين؟ وكيف يصح أن يُقال فيهم إنَّهم فرقة من الإباضية؟!.
قد تكون هذه الفرقة موجودة ولها علاقة ما بفرقة أخرى من فرق المسلمين، وقد يكون حفص هذا إمامًا في آية فرقة أخرى، أما أن يكون هو إن وجد ووجدوا - في الإباضية، وأن تكون آراؤه التي ساقها أبو الحسن آراء الإباضية، فهذا هو المستحيل بعينه.
وأتباعه
-
وبتصفح أي كتاب من كتب العقائد عند الإباضية سوف يتضح أن ما فيها يناقض مناقضة كاملة لهذه المزاعم التي ساقها أبو الحسن على لسان حفص، ونسبه ونسبها إلى الإباضية.
ويقول أبو الحسن الأشعري: والفرقة الثانية يُسمون اليزيدية، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» [اهـ]. وذكر فيما ذكر من آراء هذه الفرقة ما يلي: وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء ويتزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها، وزعم أن ملّة ذلك النبيء الصابئة، وليس هذه الصابئة التي
- 20 - (1/44)
صفحة 45
عليها الناس اليوم، وليس هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد، وتولى من شهد المحمد الله بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه و لم يعملوا بشريعته، وزعم أنهم بذلك مؤمنون.» (1) [اهـ].
والغريب في الأمر أن القارئ الكريم إذا رجع إلى مصادر الإباضية من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجري إلى هذا العصر، فإنَّه لن
""
يجد عند الإباضية هذا الإمام الذي سماه أبو الحسن الأشعري " يزيد بن
أنيسة،، ولا يجد عندهم ذكرًا لفرقته ولا لآرائه، بل إنَّهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنَّه مُشرك خارج عن الملة، ومن كان مشركا خارجًا عن ملة الإسلام لا يمكن أن يُحسب في فرق المسلمين.
ولستُ أدري كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد هذا اليزيد ـ إلى
—
الإباضية، وأن يحشر معهم فرقته هذا إن وُجد حقا ووُجدت له فرقة. وكيف ساغ له أن يحسبها في فرق الإسلام وينسبها إلى إحدى طوائفه، وهو نفسه يحكم عليها بالخروج من الإسلام حين يقول في الفقرة السابقة:
فترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها».
ويضيف أبو الحسن الفرقة الثالثة إلى الإباضية فيقول:
الفرقة الثالثة من الإباضيَّة أصحاب حارث الإباضي، قالوا في
القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإباضية، وزعموا
الاستطاعة قبل الفعل» (2) [اهـ].
أن
-
1
المصدر السابق، ص: 171.
2 المصدر نفسه، ص: 171.
-
- 21 - (1/45)
صفحة 46
وهذا الحارث أيضًا لم يحرث عند الإباضية ولم يزرع لا آراء ولا حبوبا، ولم يحصد الإباضية عنه أو عن فرقته شيئًا، إن كان حقا حرثَ في أي مكان.
ولو أن أبا الحسن حشر هذا الحارث مع المعتزلة لكان أقرب، ما دام يقول بقولهم في القدر، ومسألة القدر هي ام المسائل في النقاش الفلسفي الذي جرى بين المذاهب الإسلامية في وقت مبكر، وكانت المميز الواضح بين مذاهبهم. والمهم فى الموضوع أنه لا يوجد أب لهذا الحارث الذي لم يجد أبو الحسن له أبا فجاء به هكذا يسوقه حتى أدخله عند الإباضية وتركه؛ فلا يوجد عند الإباضية أي ذكر لهذا الحارث أو رأي أو فرقة أو نسب ولا حتى مرور ضيافة في مراجع الإباضية ممَّا استطعتُ الحصول عليه خالية منه ومن آرائه ومن فرقته، فإذا كانت حقيقته وحقيقة آرائه في الواقع كما عند الإباضية فإنَّه هي رجل لا وجود له ولا لفرقته. أما آراؤه فهي صورة في مخيلة مشنّع على الإباضية، ألقاها على أبي الحسن فوثق به، وأثبتها في کتابه دون نقد أو تمحيص.
ويستمر أبو الحسن في تعداد فرق الإباضية، فيقول:
والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي
الهذيل» [اهـ].
ثم يشرح هذه العبارة فيقول: معنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا الله إذا فعل شيئًا أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به».
- 22 - (1/46)
صفحة 47
ويبدو
أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إمامًا، فلم يذكر لها إمامًا، وإنما جاء يسوق أتباعها كما يُساق القطيع حتى أدخلهم في حظيرة الإباضية وتركهم. ولو أنه سمى هذه الفرقة بالهذلية - ما دامت تقول بقوله – لكان لذلك وجه، لأنه لم يذكر لهذه الفرقة قولاً غير القول السابق.
وعلى كل حال فهذه فرقة ليس لها إمام وليس لها اسم، وكلُّ ما في الأمر أنه نسب إليها قولاً يناقض مناقضة كاملة ما عند الإباضية في هذا الموضوع، فكيف تكون من الإباضية وهي تقول بما يُناقض رأي الإباضية مناقضة كاملة.
والباحث إذا تأمل ما جاء عن الإباضية في كتاب «مقالات
الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري ثم قارنه بما عند الإباضية، سواء أكان.
ذلك يتعلق بأسماء الأئمة والعلماء أو بأسماء الفرق، أو بالآراء والمذاهب
-
فإنه يخرج بنتيجة غريبة، وهي أن ما أتعب الإمام الكبير به نفسه، وكتب فيه صفحات طوالاً عن الإباضية عن الإباضية – فيما يظنُّ فيما يظن ـ لا علاقة له البتة بالإباضية، وأن أولئك الأئمة الذين زعمهم أئمة لفرق أئمَّةٌ لفرق منهم، ليسوا هم، ولا فرقهم من الإباضية في قليل ولا كثير، إذا صح هذا التعبير. أما مقالاتهم وآراؤهم فهي ليست أقرب إلى الإباضية منها إلى الشافعية أو المالكية أو غيرها من المذاهب الإسلامية.
ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كتب التاريخ وكتب العقائد التي ألفها الإباضية قبل أبي الحسن الأشعري وبعده، إذا شاء أن يتأكد ويعرف الحقيقة بنفسه. فقد ألف علماء الإباضية وأئمتهم الحقيقيون الكتب في التفسير والحديث والفقه بجميع فروعه، وفي التوحيد
كثيرًا من
:
- 23 - (1/47)
صفحة 48
وعلم الكلام، وفي أصول الفقه كتبا مختلفة، منها القيم الذي يُعتبر من أهم مصادر الثقافة الإسلامية التي تشع نورًا على مختلف العصور، ويُعتبر من الذخائر التي تزخر بها المكتبة الإسلامية العامة.
كما ألفوا في السير والتاريخ والتراجم، ولا سيما سير أئمة الإباضية وعلمائهم، ولكنه ليس في شيء من هذه المؤلفات شيء ما
ذكره الإمام الأشعري عن الإباضية في هذا الفصل من كتابه الكبير.
وفي عصر أبي الحسن الأشعري كان الإباضية وعلماؤهم منتشرين في جميع ما يسمى اليوم بالبلاد العربية كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة، ومصر؛ بل إنهم كانوا يكونون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط، ويُوجد لهم عدد من كبار العلماء
-
-
حينئذ
في كل الحواضر الإسلامية كمكة والمدينة والبصرة وعُمان
و حضر موت واليمن ومصر وبلدان الشمال الإفريقي.
أحدا من أئمة الإباضية كجابر بن
هذا فإن أبا الحسن لم يذكر ومع زيد، وجعفر بن السمكاك العبدي، وأبي سفيان، قنبر، وصحار العبدي، وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثاني من القرن الأول، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
و لم يذكر أحدا من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب، وأبي نوح صالح وعبد الله بن يحي الكندي والجلندى بن مسعود العماني، وأبي
الدهان،
الخطاب عبد الأعلى المعافري وهلال بن عطية الخراساني وأضرابهم، ولا
ذكر شيئًا من أقوالهم.
- 24 - (1/48)
صفحة 49
ولم يذكر أحدا من علماء النصف الثاني للقرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وعبد الرحمن بن رستم ومحمد بن يانس وأبي الحسن الأبدلاني وأضرابهم، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدا
من علمائهم في النصف الأول للقرن الثالث أمثال
أفلح بن عبد الوهاب وعبد الخالق الفراني، ومحكم الهواري، والمهنا بن جيفر، وموسى بن علي وأبي عيسى الخراساني)، وأضرابهم، ولا ذكر
شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدا
من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث، أمثال
محمد بن محبوب، ومحمد بن عابد والصَّلت بن مالك، وأبي اليقظان بن أفلح، وأبي منصور إلياس، وعمروس بن فتح، وهود بن محكم، ولم يذكر شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الأول من القرن الرابع، أمثال أبي خزر يغلا بن أيوب، وأبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي هارون موسى بن هارون (2)، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
وقد كان علماء هذه الطبقة والطبقة التي سبقتها معاصرين لأبي الحسن الأشعري، لأنه عاش ثلاثين سنة من القرن الرابع فهو معاصر لعلماء النصف الثاني للقرن الثالث وعلماء النصف الأول للقرن الرابع، ورغم
1 ـ انظر ملحق التراجم
-
2 - انظر ملحق التراجم.
- 25 - (1/49)
صفحة 50
ذلك فإن أبا الحسن لم يذكر أحدا من هؤلاء الأئمة، أو ممن كان معاصرًا لهم أو سبقهم من علماء وأئمة الإباضية المعروفين، ولم يذكر شيئًا من مقالاتهم. فهو إما أنه لا يعرفهم أو لا يعرف شيئًا من مقالاتهم، وإمَّا أَنَّه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقل ويعرف، مقالاتهم، ولكنه لا يجد فيها شيئًا النقد والتعليق، أو حتى مجرَّد العرض، فلم يتحدث عنهم وعن
،،
يستدعي مقالاتهم بخير ولا بشَر؛ فترك الإباضية الحقيقيين برجالهم ومقالاتهم، وأُلقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضية كل الجهل، وأقوالها تُناقض ما عند الإباضية كل المناقضة، فزعمت المصادر التي استقى منها أن هذه الفرق والمقالات هي للإباضية باعتبارهم إباضية، أو منهم؛ و الإباضيَّةً منها براء بعداء وليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه. فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطإ الشنيع، مع أنه من أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كُتّاب المقالات، ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتها ومذاهبها، ومن أوائل
من حذر من الوقوع فيها؟!!.
- 26 - (1/50)
صفحة 51
تشنيعات الأشعري على الإباضية
علمت أيها القارئ الكريم في الفصل السابق أن من ذكرهم أبو
-
الحسن الأشعري تحت عنوان الإباضية - بأئمتهم وفرقهم ومقالاتهم ليسوا في الإباضية من قليل ولا كثير. وتضيف لك في هذا الفصل أن التشنيعات التي نسبها إلى الإباضية لا علاقة لها بهم البتة ة، فإن كانت تلك الشنائع آراء لتلك الفرق التي ذكرها سابقا، وأن تلك الفرق كانت موجودة بالفعل، فإن تلك الفرق أبعد الناس عن الإباضية، وأن بعض
مقالاتها كاف عند الإباضية للحكم على أصحابها بالشرك.
وإن شئت المزيد من ذلك فاستمع إليه يُورد أقوالاً عن الإباضية
تُنسب إليهم قصد التشنيع عليهم:
يقول أبو الحسن:
«وقالوا من سرق خمسة دراهم فصاعدًا قُطع» (1) [اهـ]
وقال بعضُهم فيمن دخل في دين المسلمين وجبت عليه الشرائع والأحكام، وقف على ذلك أو لم يقف سمعه أو لم يسمعه». (2) [اهـ]
وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحج، ولا شيء من أسباب الطاعات، التي يتوصل بها إليها، وإنما عليهم
فعلها بعينها فقط.
1 - المصدر السابق، ص: 172
2 ـ المصدر نفسه، ص: 173.
- 27 - (1/51)
صفحة 52
وقالوا جميعًا إن الواجب أن يَستَتيبُوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله.
وقالوا من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل.
وقال بعضهم ليس من جحد الله وأنكَرَهُ مُشركا حتى يجعل
إلهاً غيره» (1). [اهـ]
معه
وقال بعضهم بتحليل الأشربة التي يُسكر كثيرها إذا لم تكن الخمر
بعينها» (2). [اهـ]
هذه أمثلة
من الأقوال التي نسبها أبو الحسن إلى الإباضية، وظاهر
أن القصد من نسبة هذه الأقوال إليهم إنَّما هو التشنيع عليهم وتكريههم
إلى بقية فرق المسلمين.
وتأمل قوله: (وقالوا جميعا إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في
تنزيل أو تأويل فإن تاب وإلا قتل».
والتناقض واضح بين الأقوال التي ينسبها أبو الحسن إلى الإباضية،
أو إلى بعض فرق الإباضية حسب زعمه. وقارن إن شئت الفقرة السابقة بما يقوله عن الإباضيَّة: ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار
1 - المصدر السابق، الصفحة نفسها.
-
2 المصدر نفسه، ص: 175.
-
- 28 - (1/52)
صفحة 53
(2) (1)
وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم ويقول بعد سطر: «وحرام قتلهم وسبيهم». [اهـ] التناقض هنا واضح وقصد التشنيع ممَّن نسب إليهم ذلك واضح. ولستُ أنَّهم أبا الحسن كما قلت غير مرَّة، ولكني أنَّهم المصادر التي استقى منها، والمراجع التي اعتمد عليها، سواء أكانت مصادر مكتوبة أو كانت مصادر متحدثة. ونحن نعتب على أبي الحسن - وهو الذي يُقرر في أول كتابه أن كثيرا ممن يكتب عن مقالات الفرق يتعرّض للكذب، وعدم التحري، وعدم االتقصي في البحث، والغلط في إيراد الأخبار - أن يقع فريسة سهلة رغم معرفته لذلك، وأن يقع فيما وقع فيه غيره ممن خفيت عليهم دسائس السياسة الماكرة، ومكايد العصبية الفاجرة، وأكاذيب الغلاة والمتنطعين، وهم موجودون في كل مذهب وفرقة بلا استثناء.
ومما يدخل في هذا الباب من تلفيق الأخبار والقصص – للتشنيع على الفرق المخالفة - ما أورده أبو الحسن في كتابه السابق، فقد قال في ص (175) ما يلي:
وكان رجل من الإباضية يُقال له إبراهيم، أفتى بأن بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل يقال له ميمون، وممن استحل ذلك،
1 - المصدر السابق. ص: 171.
2 - يزعم هنا أنهم يوجبون استتابة مخالفيهم فمن لم يقبل قتل. ثم يقول في نفس الكتاب: «إنهم يجوزون مناكحة مخالفيهم وموارثتهم وشهادتهم على أوليائهم، وحرموا دماءهم» فكيف تقبل شهادة من يجوز قتله؟ وكيف تربط أواصر مصاهرة مع من ترى وجوب قتله؟ إنه التناقض الذي لا يخفى، وهو كلام يُسقط نفسه. (المؤلف)
- 29 - (1/53)
صفحة 54
منهم
ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم. وكتبوا يستفتون العلماء في ذلك، فأفتوا بأن بيعهن، حلال، وهبتهنَّ حلال في دار التقيَّة، ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك، وأن يستتاب ميمون من قوله وأن يبرءوا من امرأة كانت [كانت] معهم، وقفت فماتت قبل ورود، الفتوى وأن يُستتاب إبراهيم من عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه - وهو مسلم يظهر إسلامه ـ وأن يُستتاب أهل الوقف من جحدهم البراءة عن ميمون ـ وهو كافر يظهر
—
-
كفره ـ فأما الذين وقفوا و لم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه فسُمُّوا الواقفة، وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإماء من المخالفين، وتاب ميمون». [اهـ]
ولم تنته القصَّة عند هذا الحد، وإنَّما استطرد الإمام ثم عاد بعد سبعة أسطر فقال:
فرقة
المسلمة
«ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الاختلاف في أمر المرأة؛ فافترقت فرقة من الواقفة وهم الضحاكية"، فأجازوا أن يُزوجوا المرأة عندهم من كفار قومهم في دار التقيَّة، كما يسعُ الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقيَّة، فأما في دار العلانية ــ وقد جاز حكمهم فيها ـــ فإنَّهم لا يستحلون ذلك فيها.
ومن الضحاكية فرقة وقفت فلم تبرأ ممن فعله، وقالوا: لا تعطي هذه المرأة المتزوجة من كفار قومنا شيئًا من حقوق المسلمين، ولا نُصلّي عليها إن ماتت، ونقف فيها، ومنهم من برئ منها.
- 30 - (1/54)
صفحة 55
واختلفوا في أصحاب الحدود فمنهم من برئ منهم، ومنهم من
تولاهم، ومنهم من وقف.
هم
عندنا
واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم؛ فمنهم من قال: كفار، إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط؛ فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلاما، ونقف فيمن لم نعرف إسلامه. وتولّى بعض هؤلاء بعضا، على اختلافهم، وقالوا: الولاية تجمعنا، فسُمُّوا أصحاب النساء، وسموا من خالفهم [من] الواقفة أصحاب المرأة“.
""
،،
وصارت "الواقفة فرقتين: فرقة تولوا الناكحة، وفرقة يُنسبون إلى عبد الجبار بن سليمان، وهم الذين يتبرءون من المرأة الناكحة من
كفار قومهم.
وهذا خبر عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته، ثم شك في بلوغها، فسأل أمها عن ذلك، حتى وقع الخلاف بين ثعلبة وعبد الكريم في الأطفال، فاختلفا بعد أن كانا متفقين.
،،
مسلمة
فأما عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته فسأل ثعلبة أن يُمهرها أربعة آلاف درهم فأرسل الخاطب إلى أمّ الجارية مع امرأة يُقال لها "أم سعيد يسأل: هل بلغت ابنتهم أم لا؟ وقال: إن كانت بَلَغَت وأقرَّت بالإسلام لم أبَالِ ما أَمهَرتُها، فلما بلغتها أم سعيد ذلك قالت: ابنتي بَلَغَت أم لم تبلغ، ولا تحتاج أن تُدعى إذا بَلَغَت، فرد مرة أخرى ذلك عليها، ودخل ثعلبة على تلك الحال فسمع تنازعهما، فنهاهما عنه. ثم دخل عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال، فأخبره ثعلبة الخبر، فزعم
-31 - . (1/55)
صفحة 56
عبد الكريم أنه يجب دعاؤُها إذا بَلَغَت، وتجب البراءة منها حتى تُدعى إلى الإسلام، فردَّ عليه ثعلبة ذلك، وقال: لا بل نثبت على ولايتها فإن لم
تدع لم تعرف الإسلام فبرئ بعضهم من بعض على ذلك». (1) [اهـ] هكذا انتهت هذه القصَّة التي أخذت جهدًا غير قليل من الإمام الكبير، وحيزا فسيحا من كتابه القيم، ووقتا لمينا من أوقات القارئ، وواضح أنه ليس لهذه القصة آية قيمة اللهم إلا إذا كانت للتسلية
والضحك، أو عند من يجمع مشاكل الناس اليومية للتهويل والتشنيع. يُضاف إلى ذلك أن جميع أبطال القصَّة ناس مجهولون لا يُعرف عنهم شيء. إن أي كاتب يستطيع أن يجد عشرات القصص من هذا النوع في الأحداث اليومية التي تجري بين الناس، فيختلفون ويتخاصمون، ويلعن بعضهم بعضا، ويدعو عليه بالثبور، وعظائم الأمور، وقد يتضاربون فتكون نهاية مشاكلهم عند المحاكم أو حتى في السجون. وأن كثيرًا مما نراه ونسمعه في كل المجتمعات قد تكون أحداثه أكثر عجبا وإثارة من هذه القصة التافهة التي تمنيت بحق - لو أن الإمام الكبير أبا الحسن أكرم
-
كتابه، ونزّه قلمه عن الخوض في هذه الترهات ورباً بنفسه عن الاندماج في هذه السفاسف المفتعلات والتي تنال من كرامة قائليها أكثر مما تنال من كرامة من تُنسب إليهم.
ولو أن أبا الحسن لم ينسب هذه القصة إلى الإباضية لما كان لي
بها شأن في الوقت الحاضر، أما وقد نسبها إلى الإباضية، فأراني.
-
1 ـ المصدر السابق. ص: 176، 177.
-
- 32 - (1/56)
صفحة 57
وأنا أكتب عنهم في هذا الموضوع - مضطرًا أن أوضح للقارئ الكريم فيها بعض النقط.
1 وردت في القصة أسماء عدد من الأشخاص هم: إبراهيم، ميمون، عبد الجبار سليمان، ثعلبة عبد الكريم بن عجرد أم سعيد. كما وردت
تلك
فيها أوصاف لعدة أشخاص هم العلماء، الإماء، امرأة ثعلبة، ... الخ. وهذه الشخصيات كلها مجهولة، سواء ما ذكر منها بالاسم أو بالوصف، ولا يُعرف عنها شيء. فما قيمة هذه المشاجرة – التي تقع بين أفراد مجهولين – في تحقيق علمي يُراد منه إثبات آراء في العقائد، وتصنيف فرق الأمَّة على أساس تلك الآراء؟ إن أبا الحسن لم يذكر شيئًا عن الأسماء المجردة، فهل يكفي هذا ليكونوا في الإباضية؟ ولماذا لم يُحسبوا المالكية أو المعتزلة أو الشيعة أو غيرهم من الفرق والمذاهب الأخرى؟ ثم إذا فُرض أنهم كانوا حقا من أتباع الإباضية أو غير الإباضية من المذاهب فهل يكفي هذا الموقف في الشجار والملاعنة لأن يكون كل فرد من المتشاجرين صاحب رأي ورئيس فرقة؟.
من
2 - إنَّك واجد في جميع الطوائف الإسلامية مشاجرات واختلافات من هذا النوع في كل عصر، بل ربما تجد أحد منها وأوسع مدى، فما الذي رفع
قيمة هذه المشاجرة؟ حتى اهتم بها الإمام أبو الحسن، وأثبتها في كتابه؟.
-
3
إن البحث عن أسماء مجردة هكذا كإبراهيم، وسليمان،
وميمون، في أحداث التاريخ بحث لا طائل تحته، ولا يُوصل منه إلى نتيجة، ومع ذلك فقد حاولت أن أتقصى كل أسماء إبراهيم، وسليمان،
-33 - (1/57)
صفحة 58
وميمون، وثعلبة وعبد الكريم لعلي أجد ما يربط بين أحد تلك الأسماء
وبعض أحداث القصة السابقة
-
فيما بين يدي من مصادر التاريخ
الإباضي وكتب مقالاتهم - فلم أتمكن من تحقيق هذه التروة الحمقاء التي أخذت مني جهدا غير قليل في البحث والتنقيب.
وحاولت أن أجد قصَّةً عند الإباضية تُشبه من قريب أو بعيد أحداث هذه القصة، ولو اختلفت فيها أسماء الأبطال، فلم أوفق في ذلك. وعلمتُ في كُتب المقالات أن بعض هذه الأسماء تُنسب إليهم فرق مستقلة تحت العنوان الكبير (الخوارج)، ويُطلق عليها أسماء منسوبة إليهم كالثعالبة والعجاردة، والميمونية.
ومن المؤسف أن الإباضية لا يعرفون شيئًا - لا تاريخيا، ولا دينيا عن قصة تُنسب إليهم كادت تشغل البوليس الدولي، مما يدل على أنَّهم في الواقع لم يحضروا ذلك التراع الواقع على بيع الإماء، ولا التراع الواقع في خطبة بنت ثعلبة، ولم يقفُوا في تلك السوق الحامية، ولا شهدوا ذلك العرس الذي نتج عنه سيل من الشتائم، وتبادل اللعنات.
فنسبة هذه القصة إلى الإباضية من أعجب العجب، ونسبة أبطالها إلى أئمة الإباضية أو علمائهم من أكاذيب التاريخ التي لم تتستّر حتى
بقليل من الحياء، وإن جازت حتى على كبار الأئمة أمثال أبي الحسن. ولا شك أن مخترع هذه القصة إنما أراد أن يُكثر من عدد الفرق الفرعية المنسوبة إلى الإباضية، حتى يُظهرهم بمظهر المتشددين الذين يتنازعون لأتفه الأسباب، فيتخالفون ويفترقون انسياقا وراء العواطف
ودوافع الغضب أكثر مما هو انسياق وراء دوافع العقيدة والدين.
- 34 - (1/58)
صفحة 59
وقد استطاع أن يخترع هذه القصة، وأن يولد من أحداثها عددًا من الفرق
أطلق عليها أسماء الضحاكيَّة، أصحاب النساء، أصحاب المرأة، الواقفة. ومفهوم بالبداهة أن شخصاً ما أراد التشنيع على الإباضية، فاخترع هذه القصة ونسجها على هذا المنوال، ثم وجد أبا الحسن الأشعري وهو يهتم بدراسة الفرق وأقوالها وآرائها فألقاها إليه، فأثبتها أبو الحسن دون تمحيص أو تحقيق وليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتى تبرأ ساحة الإمام العظيم من أية مسؤولية،
وتكون العهدة راجعة إلى أصحابها.
- 35 - (1/59)
صفحة 60
مقالات الإباضية عند الأشعري
يحسب
ان
لقد علم القارئ الكريم أن أبا الحسن الأشعري كان الإباضية يتكونون من الفرق السابقة التي ناقشناه فيها، والتي أثبتنا
للقارئ الكريم بأنه لا صلة بينها وبين الإباضية. وفي حديثه عن
-
ظنه
تلك
الفرق كان يعرض هذا الفصل سوف نحاول أن نكشف أن أبا الحسن في عرضه لتلك المقالات كان أيضا عُرضةً للانسياق مع قوم غلب عليهم حب التشنيع، فالتجؤوا إلى الغموض والإبهام، حينا، وإلى عبارات موهمة لمعان غير محدودة أو غير مقصودة حينا آخر، كما تساهلوا في إضافة أقوال أو تغييرها لإثبات ما يريدون.
حسب ــه - مقالات الإباضية. ونحن في
يقول أبو الحسن في كتابه مقالات» «الإسلاميين» وهو يتحدث عن الإباضية: «وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرام ما وراء ذلك، وحرامٌ قتلهم وسبيهم في السِّر، إلا
إلى الشرك فى دار التقية ودان به.
من
وزعموا أن الدار - يعنون دار مخالفيهم ـ دار توحيد إلا عسكر (1) ـــ
السلطان فإنه دار کفر، يعني عندهم.
1 - كذا، ولعلّ الصواب: «معسكر». (المحقق)
-
:
- 36 - (1/60)
صفحة 61
وحكي عنهم أنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وحرموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرَّموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم. فبرثت الخوارج منهم على ذلك، وقالوا: إن كل طاعة إيمان ودين، وإن مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا مؤمنين» (1) [اهـ].
ويقول في موضع آخر من الكتاب:
والإباضية يقولون إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإن كل كبيرة هي كفر نعمة لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلّدون فيها.
ووقف كثير من الإباضية في إيلام أطفال المشركين في الآخرة،
فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوزوا
أن يدخلهم الجنة تفضلا. ومنهم من قال: إن الله
على طريق الإيجاب، لا على طريق التجويز». (2) [اهـ]
ويقول في صفحة 186 من نفس الكتاب:
66
""
-
سبحانه ـ يؤلمهم
ومن مؤلّفي كتبهم ومتكلميهم عبد الله بن يزيد“، و”محمد بن
حرب، ويحيى بن كامل، وهؤلاء إباضية». [اهـ]
ويقول في صفحة 189 من نفس الكتاب ما يلي:
«إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون
1 - المصدر السابق، ص: 171 172. 2 ـ المصدر نفسه، ص: 175 176.
-37 - (1/61)
صفحة 62
إزالة أئمة الجور، ومنعهم من بالسيف أو بغير السيف.» [اهـ].
أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه
هذا أهم ما قاله أبو الحسن الأشعري عن الإباضية ومقالاتهم، بالإضافة إلى التشنيعات السابقة التي نقلتُ للقارئ الكريم أكثرها فيما مضى. ولعله من المهم أن أوضح للقارئ الكريم في هذا الفصل أن جميع الأسماء التي وردت في الفصل الذي كتبه أبو الحسن عن الإباضية لا علاقة لها بالإباضية، فيما عدا اسمين هما عبد الله بن إباض، وهو الإمام الذي يُنسب إليه المذهب، وعبد الله بن يزيد الفزاري، كان من الإباصيَّة وخالفهم في بعض المسائل، فانفصل عنهم وانتظم في فرقة النكار، وقد ذكر ابن النديم عددا من الكتب المنسوبة إليه؛ منها: كتاب التوحيد، كتاب الرَّد على المعتزلة، كتاب الرد على الرافضة، كتاب الاستطاعة. ولا أعلم أن شيئًا من هذه الكتب بقي في مكان، أمَّا أصحاب هذه الفرقة فلم يبق لهم وجود فيما أعلم.
أمَّا محمد بن حرب، ويحي بن كامل اللذان نص أبو الحسن أنهما من متكلمي الإباضية ومؤلّفيهم - كأنما كان يشك في السابقين وهو على
:
يقين في هؤلاء – فإنَّه لا يوجد لهما أي ذكر عند الإباضية فيما اطلعت عليه، ويؤسفني أن أرد على الإمام الكبير نصه هذا. وله أن يحشرهما في آية. فرقة أخرى، أما عند الإباضية فليس لهما مكان، إنَّه لا يوجد لهما أي أثر في المكتبة الإباضية الواسعة التي حرصت أن تحتفظ بتراثها منذ القرن الأول، فحفظت فتاوى ومراسلات الأئمة جابر وأبي عبيدة وغيرهم، وحتى
- 38 - (1/62)
صفحة 63
منها حفظت أسماءها وبعض ما جاء فيها كديوان جابر، وتفسير
عبد الرحمن بن رستم وتفسير أبي يعقوب الوارجلاني.
إن كتب الإباضية - التاريخية منها والشرعية – لم تذكر لنا شيئًا عن هذين الرجلين، ولا عن مقالاتهما أو مؤلفاتهما، كما لم تذكر ذلك عمَّن سبق أن نسبه أبو الحسن إلى الإباضية. وأنا حين أؤكد للقارئ الكريم هذا النفي فإنَّما أؤكده فيما وصلت إليه يدي من كتب الإباضية
المطولة منها والمختصرة، ولا أدعي استقصاءها فإن ذلك من المستحيل. وقد يقول قائل ربَّما ضاعت هذه الكتب في زحمة التاريخ، وهذا شيء مألوف، ولا شك أن ضياع الكتب شيء لا ينكر، ولكن الكتاب إذا أُلف وعرفه الناس فلا بدَّ أن يُنقل عنه، أو على الأقل أن يُذكر اسمه ويُذكر أخذت لفه، سواء منه آراء أو أقوال أو لم تُؤخذ، وهذا ما لم يحدث بالنسبة لهؤلاء، فلم تُذكر أسماؤهم ولا كُتبهم ولا بعض آرائهم، ما يجعلنا نجزم بأنهم لم يكونوا من الإباضية مطلقا، بل نجزم أنهم غير معروفين عند الإباضية، وحتى الذين ذكروهم في تعداد الفرق كالقطب (1) وعبد الكافي (2) فإنَّما اعتمدوا على غير مصادر الإباضية.
مؤلّفه
1. المراد به الشيخ المحمد بن يوسف اطفيش؛ لقبه الشيخ عبد بن يوسف اطفيش؛ لقبه الشيخ عبد الله بن حميد السالمي بـ قطب الأئمة، فتجد بعض المؤلفين بعد ذلك يشيرون إليه باختصار بوصف القطب". انظر ملحق التراجم. (المحقق)
2 ـ المراد به الشيخ أبو عمار عبد الكافي صاحب كتاب "الموجز". انظر ملحق
-
التراجم. (المحقق)
- 39 - (1/63)
صفحة 64
ولا شك أن الإباضية من أوَّل المذاهب التي اهتمت بالتأليف
وحرصت على الاحتفاظ بآثار الأئمة وتاريخهم وتراجمهم، وليس فيما اطلعت عليه أي ذكر لهؤلاء الناس، ومعنى ذلك أنهم من غير الإباضية، وتسبوا إليهم خطأ. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه أولاً في أن أبا الحسن لا يعرف الإباضية في الحقيقة، وأن ماكتبه عنهم إنما نُسب إليهم خطأ أو جهلاً أو قصدا للتشنيع.
أما المقالات التي نسبها إلى الإباضية في عمومها والتي نَقَلتُ لكَ بعضها في أوَّل هذا الفصل فهي مزيج ممَّا يُقره الإباضية ويقولون به، ومما يُنكرونه ويردُّونه وممَّا يحكمون على من يقول به بالردة والكفر. وواضح من هذا أن ما جاء موافقا لمقالاتهم وعقائدهم فإنما جاء عن طريق الصدفة، لا عن طريق الدراسة والمعرفة.
ويهمني في ختام هذا الفصل أن أؤكد من جديد للقارئ الكريم أنني أضع الإمام أبا الحسن فوق الشبهات، وإنَّما انجر إليه الخطأ عن طريق من وثَق فيه ونقل عنه، في عصر كثرت فيه النزاعات.
ونستخلص من مناقشاتنا لأبي الحسن في الفصول السابقة ما يلي: - إن جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن إما رؤساء لفرق من الإباضية أو من مؤلّفيهم ومتكلميهم لا وجود لهم عند الإباضية.
2 - الإباضية لا يعرفون شيئًا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم. - الإباضية لا يعرفون أية فرقة من تلك الفرق التي نسبها أبو الحسن إليهم ولا يقولون بأكثر أقوالها.
-40 - (1/64)
صفحة 65
4 - المقالات التي نسبها هكذا على العموم ـ إلى الإباضية أو
-
-
إلى جمهورهم هي خليط مما يذهب إليه الإباضية، وممَّا
يردُّونه، ومما يحكمون بالشرك على معتنقيه.
5 - بدأ الإباضيَّةُ بالفعل في تأليف الكتب منذ القرن الثاني الهجري، وتسلسلت الكتب، وتسلسل العلماء والأئمة، إلى اليوم، وليس
في هذه السلاسل شيء ما نسبه إليهم أبو الحسن.
6 - عاش أبو الحسن الأشعري في القرن الثالث الهجري، وعاش ثلاثين سنة في القرن الرابع، وقد كان للإباضية إمامات بالمشرق وإمامات بالمغرب، واشتهر لهم أئمة وعلماء ومفسرون ومحدثون ومتكلمون وفقهاء في أكثر العواصم الإسلامية حينئذ،
-
7
ولكنه لم يذكر أحدا منهم ولم يُشير إلى كتاب من كتبهم.
الفترة التي عاش فيها أبو الحسن كانت فترة ازدهار علمي للإباضيَّة في المشرق والمغرب، ورغم ذلك فإن أبا الحسن لم يُشر إلى أحد من معاصريه من علماء الإباضية.
ومعنى هذا كله أن الإباضية الذين كتب عنهم أبو الحسن لا وجود لهم في الواقع، وأن الإباضية الموجودين في الواقع، الذين كانوا يعيشون كما يعيش سائر الناس لا وجود لهم فيما كتبه عنهم أبو الحسن، أي أن أبا الحسن لم يكتب عن الإباضية الحقيقيين".
ومنذ ألف أبو الحسن الأشعري كتابه مقالات الإسلاميين»، أصبح مصدرًا يستقي منه الكتاب ومرجعا يعود إليه المؤلفون، فينقلون ما فيه من
- 41 -
5 (1/65)
صفحة 66
أخطاء وصواب، وحق وباطل، تارةً بالنص وتارة بالمعنى، وتارة يشيرون
لبه وأحيانًا يغفلون عن الإشارة.
ولقائل عصر أبي الحسن ومن قبله أيضا، وهذا صحيح، غير أنني أستطيع أن أزعم أن شهرة أبي الحسن ومركزه العلمي، ومواقفه في مجالات المحاججة والجدل جعلته يطغى على الآخرين جميعا، فأصبح أهم مرجع وأوثق حجة عند المؤلفين الذين جاؤوا من بعده. ولا يسعني وأنا أختتم هذا الفصل إلا أن أبدي ملاحظة ربما تُساعد على تبرير ما بلغ إلى الإمام الأشعري كما بلغه، وذلك أنه ربما كان من طلاب جابر أو طلاب أبي عبيدة من عُرف بتلقيه العلم عن أحدهما، واشتهر بذلك وظنه الناس إباضيا، بينما هو لم يكن من الإباضية، أو أنَّه قال ببعض تلك المقالات فأعرض عنه الإباضية ولم يحسبوه منهم
أن يقول إن هناك مؤلّفين آخرين كتبوا في الموضوع، في
و لم يذكروه في سيرهم، وتوهَّمه غيرهم أنه منهم رغم ما يقول به.
- 42 - (1/66)
صفحة 67
البغدادي والإباضية
بعد أبي الحسن الأشعري بنحو قرن تقريبا جاء مؤلف آخر اهتم
بالحديث عن الفرق والمقالات الإسلامية، هذا المؤلف هو:
عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي، وقد اشتهر بنسبته الأخيرة بين المؤلفين.
كتب البغدادي عن الإباضية كما كتب عن غيرهم من الفرق الإسلامية في كتابه «الفَرْقُ بين الفرق» الذي حققه الأستاذ محمد محيى الدين عبد الحميد، وعلق عليه ونشره (1).
إن القارئ بمجرد البدء في قراءة مقدّمة كتاب البغدادي «الفرق بين الفرق» يُحس كانه داخل في معمعة حامية الوطيس، وكأنه يرافق محاربًا
شديد المراس قد دجّج نفسه يجميع أنواع الأسلحة استعدادًا لدخول معركة ينبغي له أن يقضي فيها على عدد من
الخصوم.
أو كأنه يقف إلى جانب شخص وضعه الله سبحانه وتعالى في طريق الناس يوم الحساب، وأعطاه صلاحية التحكم في مصايرهم، فهو يقف مزهوا يعترض طريق المحشورين؛ وكلما مرت به طائفة رأيه فيهم حيث يريد! أو صاح أيها الطائفة أنتم من أهل السنة مغفور
-
وجههم حسب
1 ـ لم نعثر على النسخة التي اعتمدها المؤلف، وإنما اعتمدنا في المراجعة على النسخة التي حققها الأستاذ محمد زاهد بن الحسن الكوثري. ط 1، 1367 هـ/ 1948 م. مكتب نشر الثقافة الإسلامية. مصر. (المحقق)
- 43 - (1/67)
صفحة 68
لكم، اسلكوا هذا الطريق إلى الجنة. فإذا جاءت طائفة أخرى صاح بهم أنتم من أهل الأهواء اذهبوا مع هذا الطريق إلى الجحيم. وتبدو له طائفة مقبلة فيصيح بها بأعلى صوته: أنتم يا من تسيرون هنالك إنكم معتزلة، فأنتم فرقة ضالة، ادخلوا النار؛ أما أنتم أيتها الفرقة التعسة فقد قيل إنّكم خرجتم من الإسلام فادخلوا النار وبئس القرار.
وإذا شئت أن تتضح لك هذه الصورة فما عليك أيها القارئ الكريم إلا أن تقرأ كتاب «الفرق بين الفرق»، وإذا شئت أن أضع بين يديك نموذجا فلا بأس، وها أنا أنقل لك فقرات مما قاله في مقدمة كتابه السابق الذكر بأسلوبه القوي البليغ:
سألتُم أسعدكم الله مطلوبكم، شرح معنى الخبر المأثور عن النبيء في افتراق الأمة ثلاثا
وسبعين فرقة، منها واحدة، ناجية تصير إلى جنة عالية، وبواقيها عادية، تصير إلى الهاوية، والنار الحامية، وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية، التي لا تزَلُّ بها القدم، ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال، الذين يرون ظلام الظلم، نوراً، واعتقاد الحقِّ ثبورًا، وسيصلون سعيرا، ولا يجدون من دون الله نصيرا.
فرأيتُ إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين القويم، والصراط المستقيم، وتمييزها من الأهواء المنكوسة والآراء المعكوسة». (1)
[اهـ]
1 ـ البغدادي، «الفرق بين الفرق». ص: 08.
- 44 - (1/68)
صفحة 69
وفي الصفحة نفسها ذكر أن كتابه يشتمل على خمسة أبواب: الأول: في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة. الثاني: في بيان فرق الأمة على الجملة ومن ليس منها على الجملة.
الثالث: في بيان فضائح كل فرقة من فرق الأهواء الضالة.
الرابع: في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه. الخامس: في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها، وبيان محاسن دين الإسلام. [اهـ]
وهكذا استطاع المؤلّف في إيجاز أن يُقسم الناس ثلاثة أقسام: قسم خارج عن الأمة الإسلامية، فلا حديث له معه، وقسم هو أهل الأهواء؛ وفي هذا القسم ألف الكتاب ليكشف عن فضائحهم، أما القسم الثالث فهم الفرقة الناجية.
ويقول المؤلف في الفصل الأول من نفس الكتاب صفحة 14، بعد أن
ناقش معنى كلمة أمة الإسلام وعلى من تدل، مايلي:
وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة، أو الخوارج، أو الرافضة الإمامية، أو الزيدية، أو من بدع النجارية، أو الجهمية، أو الضراريَّة، أو المجسّمة، فهو من الأمَّة في بعض الأحكام، وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين، وفي ألا يُمنع حظه في الفيء والغنيمة إن غزا مع المسلمين، وفي ألا يُمنع من الصلاة في المساجد. وليس من الأمة في أحكام سواها، وذلك أن لا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه، ولا تحل ذبيحته، ولا
- 45 - (1/69)
صفحة 70
نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسنّي أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم». [اهـ]
الملة
ولا شك أن القارئ الكريم عندما يقرأ مقدمة الكتاب يتضح لديه أن المؤلف قد قرر أن يقسم الأمَّة إلى أقسام ثلاثة: قسم حكم بخروجهم من رغم انتسابهم إلى الإسلام، وقسم ما أوردهم إلا لذكر فضائحهم والتشنيع عليهم وتلمس أخطائهم، وإظهار ما به ضلوا في نظره. ثم حكم على القسمين بالضلال وقذف بكم جميعا في جهنم.
أما القسم الثالث فقد حكم عليهم بالسعادة مسبقا أيضا لأنهم في نظره من أهل السنّة على طريقة الشاعر الذي يقول:
ولو كنتُ بوَّابًا على باب جنّة لقلتُ لهمذان ادخلوا بسلام
هكذا على العموم دون مراجعة.
وليته حين تلمس أخطاء تلك الفرق التي عزلها عن السنة، وفتّش عن
فضائحهم رجع إلى مصادرهم ولم يأخذها من مصادر خصومهم ـ إن
-
صح هذا التعبير وهو ولا شك واجد ما يتشبث به إن كان لا يهمه إلا
أن يدفع بتلك الفرق البائسة إلى النار.
وقد كتب البغدادي عن الإباضية فيمن كتب في الفرق، ومن المؤسف أن هذا المؤلف أيضا لم يهتم مطلقا بأن يتصل بأئمة الإباضية الحقيقيين وعلمائهم ولا بأن يطلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم، وإنما رجع إلى ما كتبه وقاله عنهم غيرهم، ويبدو أنه اعتمد على أبي الحسن الأشعري كثيرًا، فنقل ما قاله عنهم تارة بنفس العبارة، وتارة بتصرف قليل. على أنه لم يذكر أنه نقل عنه أو اعتمد عليه.
- 46 - (1/70)
صفحة 71
يقول في كتابه الفرق بين الفرق» ص 61، ما يلي:
«أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبد
الله
بن إباض، وافترقت
-
فيما بينها فرقًا، يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة -
هذه الأمة - براء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين
ولا مشركين ولكنهم كفار، وأجازوا شهادتهم، وحرَّموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية، وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم، وزعموا أنهم في ذلك محاربون الله ولرسوله لا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنَّهم يردُّونهما على أصحابهما عند الغنيمة. ثم افترقت الإباضية فيما بينهم أربع فرق وهي: الحفصية، والحارثية، واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.» [اهـ]
بعد هذا قال إن اليزيدية غلاة وأنه سوف يعود إليهم فيذكر مقالاتهم عندما يتحدث عن الغلاة، وتحدَّث عن الحفصية والحارثية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها، فأورد عنهم ما أورده أبو الحسن، ثم قال في نفس الكتاب (ص: (63) وما بعدها، ما يلي:
وزعمت الإباضية كلها أن دور مخالفيهم من أهل مكة دار
توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي عندهم». [اهـ] ثم ذكر ثلاثة أقوال في النفاق (1) نسبها إليهم وبعد ذلك قال:
1 - راجع إن شئت هذا الموضوع في الفصل مع عبد القادر شيبة الحمد». (المؤلف)
- 47 - (1/71)
صفحة 72
منها
بعد الجملة التي حكيناها عنهم شذوذ من الأقوال انفردوا بها: أن فريقا منهم زعموا أن لا حجة الله تعالى على الخلائق في
التوحيد وغيره إلا بالخبر وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء.
ومنها أن قوما
منهم
قالوا كل من دخل في دين الإسلام وجبت عليه
الشرائع والأحكام سمعها أو عرفها أو لم يسمعها ولم يعرفها.
( ... ) ومنها: أن قوما منهم قالوا بجواز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه
رسولاً بلا دليل يدل على صدقه.
ومنها: أن قوما
منهم قالوا: من ورد عليه الخبر بأن الله تعالى قد حرم
الخمر أو أن القبلة قد حُوِّلت فعليه أن يعلم أن الذي أخبره به مؤمن أو كافر. وعليه أن يعلم ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر. ومنها: قولُ بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة، ولا الركوب والمسير للحج ولا شيء من الأسباب التي يتوصل بها إلى أداء الواجب، وإنما يجب عليهم فعل الطاعات الواجبة بأعيانها دون أسبابها الموصلة إليها.
ومنها قولهم جميعا بوجوب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل فإن تابوا وإلا قتلوا، سواء أكان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله.
وقالوا من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استُتيب، فإن تاب، وإلا قتل. وقالوا: إن العالم يفنى كله إذا أفنى الله أهل التكليف، ولا يجوز
إلا
ذلك لأنه إنما خلقه لهم.
- 48 - (1/72)
صفحة 73
وأجازت الإباضية وقوع حكمين مختلفين في شيء واحد من وجهين، كمن دخل زرعا بغير إذن مالكه فإنّ الله قد نهاه عن الخروج من إذا كان خروجه منه مُفسدا للزرع، وقد أمره به.
منه
وقالوا: لا يُتَّبع المدير في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحدا، ولا تقتل منهم امرأة ولا ذرية وأباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم وسبي نسائهم وذراريهم وقالوا إن هذا كما فعل أبو بكر بأهل الردة». (1) اهـ]
وبعد هذا يُعيد قصة بيع الإماء وسوقهنَّ الحامية التي نقلتها لك عن أبي الحسن الأشعري، ولعلّ القارئ الكريم يدرك بعد قراءة ما سبق أن البغدادي قد اعتمد كل الاعتماد على الأشعري، ورغم حرصه على التصرف القليل فإن عبارة الأشعري بحروفها كثيرًا ما تطل من هنا أو هناك. والذي يدعو إلى التأمل هو أن البغدادي قد اعتبر الإباضية من الخوارج، وأنهم لذلك فرقة ضالة ويجب أن يقال عنها فضائح ويلتمس لها شنائع، وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حينا بدعوى أنها مقالة الإباضية جميعا وحينا آخر بدعوى أنها قولُ بعضهم أو قومٍ منـ
منهم.
إن البغدادي كان يعيش في القرنين الرابع والخامس، وفي هذا العصر كان الإباضية قد عُرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية – لا
-
سيما علم الكلام - ودونت تواريخهم وسيرهم وعُرف علماؤهم وأئمتهم
1 ـــ البغدادي. الفرق بين الفرق». صفحة: 63، 64.
-49 - (1/73)
صفحة 74
في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول الله. كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميّز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها وآرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها. ومع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم البغدادي هُم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله، حاشرين إياهم في الإباضية، والإباضية لا يعرفون عنهم شيئًا ولم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم.
إن البغدادي قد سلك المسلك الذي سلكه من قبله الأشعري، وقد علمت في الفصول السابقة أن أغلب ما كتبه عن الإباضية ونسبه إليهم لا يَمُتُ إليهم بصلة، وأن البغدادي ـ وهو يسلك نفس المسلك
-
-
ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيئًا عن الإباضية، وأن كل ما كتبه عنهم سواء أكان حقا أو باطلاً فإنَّما هو تشنيعات وتلفيقات [نُقلت] (1) إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين، فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرؤون منها وممن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالاً في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العام ضدهم، وقد يفسرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرًا غير صحيح ولا مقصود عند الإباضية لزرع وهم في نفوس الآخرين.
ولا شك أن أصابع السياسة الماكرة وراء كل ذلك، وأن هؤلاء العلماء الذين يكتبون إنَّما تلقوا معلوماتهم عن مصادر مستغلة أو مستغفلة،
1 ـ زيدت هذه اللفظة حسب تقديرنا ليستقيم المعنى. (المحقق)
-
- 50 - (1/74)
صفحة 75
مع العلم أن لديهم الاستعداد الكافي لتلقي وتصديق كلّ ما يقال لهم ع
تلك الفرق التي حكموا عليها بالضلال مسبقا.
قد زعم
ومن نافلة القول أن نعيد هنا ما أشرنا إليه سابقا من أن البغدادي كما زعم غيره أن الإباضية من الخوارج، وأن هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسني أن يصلي عليها ولا أن يصلي وراءها، وأنه لا يجوز للسني حسب زعمه أن يتزوج منها، ولا أن يأكل من ذبائحها. وقد ردَّد هذا الكلام في مقدّمة الكتاب، وفي الفصول الختامية منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونَسَب بعض هذه الأحكام
إلى أئمة عظام. وأحسب أنه لا دعوة أشدُّ إيقادًا لنار الفتنة، وشقا لصفوف الأمة،
وتفريقا لوحدة الكلمة وتمزيقا لشمل المسلمين، من هذه الدعوة. وعلى كل حال فقد طوى التاريخ البغدادي فيما قد طوى كثيرًا من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغا ضخما في حياة المسلمين، وبقي كتابه يحمل آراء شاذة كما تحمل كثير من الكتب في كثير من المذاهب. وقد عرفت الأمة المسلمة - وخبرت وأيقنت – النتائج والآثار التي عن العصبية المذهبية والجنسية والاتباع الأعمى للخطط السياسية،
تسببت
ورأت رأي العين وذاقت في مرارة ما لحقها في جراء ذلك من أضرار.
وهي اليوم تحاول أن تجمع الكلمة، وترُدَّ الشارد وتسكت الداعي إلى الفتنة، ولكن من حين إلى آخر تقوم أقلام هنا أو هناك فتعود إلى ما طواه التاريخ من أخطاء لترسمه من جديد في بلاهة وسذاجة وغفلة.
-51 - (1/75)
صفحة 76
يسر الله للعاملين المخلصين سبيل الوفاق، وأعانهم على جمع كلمة
الأمة التي فرقتها المذاهب الدينية والمطامع السياسية في العهد الماضي، وتُفرقهم السياسة، ومناصب التحكم ومذاهب الاقتصاد، وفتنة الأسماء والألقاب والشعارات الكذابة في العصر الحاضر.
فيها
وفي ختام هذا الفصل يهمني أن أقول للقارئ الكريم إن بعض الأقوال التي نسبها إلى الإباضية تحمل تكذيبها في نفسها؛ وهي التي نسبها فيما زعم إلى فرقة من الفرق التي ألحقها بالإباضية، وكذلك الأقوال التي زعم أن بعضا من الإباضية أو قوما منهم كان يقول بها، فهذه الأقوال المنسوبة إلى بعض أولئك أو إلى قوم لا تحتاج إلى تكذيب لأنها هي نفسها لم تستطع أن تنهض فتقف، وإنَّما لاذت بجناح من الإباضية. وأما ما نسبه إليهم جميعا فسوف نعود إليه بالنقاش في آخر الكتاب إن شاء الله ما يتحصل لدينا من أقوال غيره فنؤكد ما يقول به الإباضية قد ما لا يقولون به حقيقةً، ونكشف عما أورد بطريقة موهمة
تعالى،
حقيقة،
ونؤكده
أو مبهمة، والله المستعان.
000
- 52 - (1/76)
صفحة 77
ابن حزم والإباضية
عاش ابن حزم الأندلسي في القرن الخامس الهجري، وقد عُني هو
الآخر بالمذاهب الإسلامية وكتب عنها.
ويؤسفني أن أقول إن العالم الكبير لم يوفق فيما كتب عن الإباضية، بل لقد تجنى عليهم في بعض الأحيان، وكلامه أحيانًا يهدم بعضه بعضا هدمًا، كما أن بعض دعاويه لا يمكن أن تُصدَّق مهما حاول الإنسان أن يجد لها مبررات، وإلى القارئ الكريم الأمثلة.
يقول في الجزء الرابع من كتابه «الفِصَلُ في المَلَلِ والأهواء
والنحل» (1) صفحة 144، مايلي:
هو
ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام أن فرقة من الإباضية رئيسهم رجلٌ يُدعى زيد كذا ولعل الصواب يزيد] بن أنيسة وهو غير المحدث المشهور كان يقول: إن في هذه الأمة شاهدين عليها؛ - أحدهما، والآخر لا يدري من هو ولا متى هو، ولا يدري لعله قد كان قبله، وأن من كان اليهود والنصارى يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله من إلى العرب لا إلينا، كما تقول العيسوية من اليهود، قال: فإنَّهم مؤمنون أولياء الله تعالى وإن ماتوا على هذا العقد، وعلى التزام شرائع اليهود والنصارى، وأن دين الإسلام سينسخ بنبيء من العجم يأتي بدين الصابئين، وبقرآن آخر ينزل عليه جملة واحدة.» [اه]
1 ـــ ابن حزم الظاهري الأندلسي. الفصل في الملل والأهواء والنحل»، تح/ عبد الرحمن خليفة. ط 1. 1347 هـ. مطبعة محمد علي صبيح. مصر.
- 53 - (1/77)
صفحة 78
ويُعقب العالم الكبير على هذا بقوله: «قال أبو محمد: إلا أن
جميع
الإباضية يكفرون من قال بشيء من ويستحلون دمه وماله.» [اهـ]
هذه المقالات، ويبرؤون منه
والعجيب في الأمر أن ابن حزم يقرر أن جميع الإباضية لا يقولون بشيء من آراء ابن أنيسة هذا، ويحكمون على من قال هذا بشيء من بالكفر، ويستحلون دمه وماله فكيف ساغ عنده إذن أن يسوق هذا الرجل وطائفته: أوَّلاً في فرق المسلمين وهم يُنكرون المعلوم من الدين بالضرورة، ثم لم اختار أن يجعلهم من الإباضية، وجميع الإباضية – كما يُقرر هو نفسه ـ يكفرون من يقول بذلك؟ هل بينهم وشيجة نسب،
-
أو علاقة مصاهرة، أم نزع عرق، أم رابطة صداقة بريئة مجردة؟
إنه لا شيء من ذلك طبعا، ولكن بعض المتعصبين المشنّعين الذين لا يزنون ما يقولون، أطلقوا هذه الأكذوبة، فنقلها ناقلون ومنهم العالم الكبير ابن حزم، ولكنه اضطر معها أن يقرر موقف الإباضية منها، فعقب بملاحظته الصائبة ربما استنادًا إلى معرفته الشخصية أو إلى ما ذهب إليه من
سبقه كالبغدادي الذي اعتبر هذه الفرقة خارجة عن الإسلام. والحقيقة أن أمثال هذا التخليط والتناقض سبق أن أوردنا له أمثلة كتاب المقالات السابقين. كان المفروض من ابن حزم ــ بما اشتهر
بعض
-
عن
به من الذكاء، ودقة الملاحظة، وسعة الاطلاع، ولذاعة النقد الذي يبلغ إلى حد القسوة أحيانا - ألا يتزلق فيما انزلق فيه غيره، وأن يُنظّف كتابه من هذه الترهات الفارغة التي تُكذِّب نفسها بنفسها، وليس لها من قيمة، اللهم إلا زيادة الصفحات في الكتاب الذي تُورد فيه.
- 54 - (1/78)
صفحة 79
وليت ابن حزم اكتفى بهذه الفقرة بعد أن كذبها، ولكنه استمر في الطريق:
قال ابن حزم في الصفحة 144 نفسها من الجزء الرابع من كتابه: وقالت طائفة من أصحاب الحارث الإباضي إن من زنى أو سرق أو قذف فإنَّه يُقام عليه الحد، ثم يُستتاب ممَّا، فعل، فإن تاب تُرك، وإن أبى التوبة قتل على الرِّدة». [اهـ]
وقد سبق أن ناقشنا هذا القول الذي نقله ابن حزم ولم يسنده، وأوضحنا بما فيه الكفاية أن الإباضية لا يعرفون هذا الحارث ولافرقته، وأن حكم الإباضية على الزاني والسارق والقاذف هو حكم الله وحكم رسوله عليهم؛ رجم للمحصن وجلد لغير المحصن، وقطع من الرسغ للسارق، وجَلد للقاذف، بشروط مفصلة في كتب الفقه. وقد وقعت حوادث أقام فيها أئمة الإباضية الحدود على من وجبت عليه أثناء إماماتهم في المشرق أو المغرب ذكرتها كتب التاريخ، والوقائع مفصلة في مناسباتها. ولم يذكر أحدٌ أن أئمة الإباضية تجاوزوا حدود الله في إقامة الحد فقتلوا من لا يلزمه القتل. والإباضية لا يحكمون على من لزمه الحد بالردة تاب أو لم يتب، وإسناد هذا القول إليهم كذب عليهم، وكلُّ ما عند الإباضية في الموضوع أنهم يبرؤُون من مرتكب الكبيرة سواءً أكانت من الكبائر التي تقام عليها الحدود أو كانت من الكبائر التي لا حدود عليها. والبراءة إنما يُوقعونها على مرتكب المعصية (الكبيرة) ما دام مُصرا عليها ولم يتب، فإذا تاب منها أسبغوا عليه ثوب الولاية. وأعتقد أن هذا الموقف هو الموقف الذي يتخذه كل مسلم حريص على إسلامه. وكيف يستطيع المسلم التقي الورع أن يُضفي محبته وولاءه على إنسان يُجاهر بالمعصية ويُصرُّ عليها؟.
- 55 - (1/79)
صفحة 80
بعد
والشخص الذي يُقام عليه الحد لا يخلو إما أن يقام عليه الحد اعترافه وإعلانه للتوبة (كماعز مثلاً)، فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب، ولايته، وإما أن يجب عليه الحدُّ ويُقام وهو مصر على معصيته ولا يُعلن التوبة مما ارتكب، وهذا لا خلاف بين اثنين من الإباضية في وجوب البراءة منه، فما كان لمؤمن صادق الإيمان أن يُضفي محبته وولاءه على إنسان يجاهر الله بالمعصية ويُصرُّ على ذلك. وأنا أظن أن الحد في حالة التوبة تطهير وفي حالة الإصرار عقوبة وفي كلتا الحالتين لا يتجاوز تقدير الشارع فيه، ولا فرق بين من أقيم عليه الحد من العصاة ومن لم يقم عليه، بل إن الكبائر كلها ما كان عليه حد وما لم يكن. عند الإباضية ــ
-
موجبة للبراءة، وليس أكثر من البراءة، ومعنى البراءة هي البغض والجفاء في بسبب ارتكاب المعصية وعدم الدُّعاء بالمغفرة والرحمة للعصاة، وليس
الله
أكثر
متناقلة
ذلك. من
ولو عنى الإمام ابن حزم نفسه قليلاً لعرف حقيقة أحكام الإباضية وسيرتهم ـــ ولا سيما وقد عاش في الأندلس - وقد كانت الدولة الرشيدة قائمة في الجزائر قبل ذلك بقليل، وسيرة أئمتها كانت حينئذ لا تزال بين الألسنة، وطرق إقامة الحدود وإجراء الأحكام في تلك الدولة كان مما يقصه الناس بعضهم على بعض ويتحدثون به، كما كان في إمكان الإمام ابن حزم أن يحصل في ذلك الحين على بعض الكتب الفقهية ويعرف منها رأي الإباضية الحقيقي في إقامة الحدود، ولكن الإمام ابن حزم انساق في التيار السابق، تيار السخط على ما حسبه فرقًا مخالفة بدافع في التشنيع على تلك الفرق.
شديد لا شعوري يُقويه السخط
ورغبة
ملحة
- 56 - (1/80)
صفحة 81
وقد أضاف إلى ما ذكره في كتابه من تلك الشنائع المختلفة شنائع أخرى زعم أنها من مشاهداته.
قال في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» صفحة 144، ما يلي: وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يُحرمون طعام أهل الكتاب، ويُحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش ويوجبون القضاء على من نام نهارًا في رمضان فاحتلم ويتيمَّمُون وهم على الآبار التي يشربون منها، إلا قليلاً منهم». [اهـ]
لا شك أنه يقول هذا الكلام إرادة للتشنيع على الإباضية، وسوف تناقش هذه المسائل في فصل مسائل فقهية اجتهادية». وفي باب التشنيع أيضا ما يقوله فيما بعد، فتأمله فيما يلي:
قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل» ص 145، ما يلي: «وإلى قول الثعالبة عبد الله
رجع بن إباض فبرئ منه أصحابه، فهم لا
يعرفونه اليوم، ولقد سألنا من هو مقدَّمُهم في علمهم ومذهبهم عرفه أحد منهم ... ». [اهـ]
كثير
عنه فما
وهذا القول من ابن حزم من أغرب الأقوال وإن كان قد تردد على الألسنة والأقلام من هم الثعالبة؟ وما هو قولهم الذي رجع
من
إليه عبد الله بن إباض ولماذا رجع؟ وهل رجع في قول واحد أو في عدد من الأقوال؟ وما هي تلك الأقوال التي رجع فيها ابن إباض إلى قول الثعالبة؟ أسئلة حائرة وليس لها جواب عند ابن حزم ولا عند غيره من أورد هذه الدعوى من أولئك الكتاب الذين يختطفون الإشاعات دون تثبت ثم
- 57 -
6 (1/81)
صفحة 82
يروجون لها، وهي من أقوى الأدلة على أنهم يكتبون عما لا يعرفون، أو على الأقل عما لم يتحققوا من صحته. كيف عرف ابن حزم أن ابن إباض رجع إلى قول الثعالبة؟ وأين وجد أن أصحابه برثوا منه؟ ومن هو
هذا
عن إمامه؟
المقدَّم الذي قام معه ابن حزم بالتحقيق فوجده لا يعرف شيئًا إنَّها سلسة من الدعاوى والادعاءات الواهية المتداعية يهدم بعضها بعضا، والمؤلّف فيها جميعا لا يشير إلى المصادر التي اعتمد عليها.
ابن حزم يزعم أنه سأل من هو مقدَّمهم في علمهم ومذهبهم فلم يعرفوا شيئًا عن ابن إباض. فكيف علم أنهم يبرؤون منه؟ وهل يُعقل أن يبرأ ناس من شخص لا يعرفونه ولا يعرفون عنه شيئًا؟!
هل اهتم العالم الكبير حقا بالتثبت أو ذهب يسأل عن الإباضية وإمامهم؟ أم هي صورة من نسج الخيال يقصد منها التشنيع دون معرفة شيء حقيقي؟ لو أراد ابن حزم التحقق لاستطاع الاتصال بعلماء الإباضية بالفعل، ولذكر أسماء أولئك العلماء أو المقدمين الذين يُعتبر قولهم حجة في الموضوع، أو أن يطلع على كتبهم ويستمد منها الحقائق التي تناقش ولا تنكر. وفي الصورة السابقة يبدو لي أن ابن حزم سمع عمن ينتسب إلى الإباضية في الأندلس وقد يكون من سمع عنه من العوام، وقد يكون صاحب سطوة أو ثروة اشتهر بسببها بين الناس، فذهب إليه ابن حزم يسأله عن إمامه ابن إباض، فلم يجد عنده شيئا. ولو سلكنا هذا المسلك اليوم - على انتشار الثقافة - - مع ثمانين في المائة من أتباع المذاهب لكانت النتيجة واحدة شبيهة بما توصل إليه ابن حزم. فلو أنك أخذت تُردّد السؤال: من محمد بن إدريس؟ على من يصادفك من أتباع الشافعي،
- 58 - (1/82)
صفحة 83
بل حتى على بعض المعلمين من التجار وأصحاب المزارع الكبيرة وغيرهم، لما وجدت عند الكثير منهم ما تريد من المعارف، ولا يزيد الكثير منهم على أن يُردّد ذلك السؤال في لهجة فيها استغراب، وأحسنهم حالاً من يضيف إلى ذلك فيقول لك: هو إمامنا العظيم أو هو الإمام العظيم، أو إمام المذهب الشافعي، أو ما يشبه هذا ممَّا لا غناء فيه. فهل نستطيع أن نبني على ذلك حكما ونقول لقد سألنا عن الشافعي أتباعه أو بعض المقدمين من أتباعه فلم يعرفوا عنه شيئًا. لم يزعم أحدٌ الإباضية أن الله عبد
من
بن إباض رجع إلى قول الثعالبة، ولا يوجد أحد من الإباضية يبرأ منه فهم مجمعون على ولايته ويعتبرونه من أئمة المسلمين ومن كبار التابعين، ويحفظون سيرته وقد دونوها في كتبهم ويعرفون الكثير من أقواله في القضايا الشرعية، وهم مع
ذلك لا يرفعونه إلى درجة التقديس، كما لا يرفعون إلى مكانة التقديس أي شخص غير معصوم. ويرون أن في أقواله كما في أقوال غيره من الأئمة ـ مأخوذا ومتروكا، وصوابا وخطاً، ولا يُترهون عن هذه المرتبة
-
-
أي إمام، سواء أكان من أئمتهم أو أئمة غيرهم، ويحتكمون في كل شيء إلى الدليل، حتى اشتهرت بينهم هذه العبارة «يُعرف الرجالُ بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال». فدعوى أن ابن إباض رجع إلى قول الثعالبة وأن الإباضية يبرؤون منه هي الأخرى دعوى تحاول أن تلحق بركب التشنيعات التي تُنسب إلى الإباضية وأئمتهم.
والغريب حقا من كتاب المقالات أنهم ينسبون إلى الإباضية من ليس منهم، ويعتبرونهم أئمَّةً ورؤساء فرق لهم، ويُحولون أئمتهم الحقيقيين
- 59 - (1/83)
صفحة 84
فيلحقونهم بطوائف أو فرق أخرى. ولعله مما يرفّه على القارئ أن نختم
هذا الفصل بما يلي: قال ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» ص 146، مايلي: ومن حماقاتهم قولُ بكر بن أُخت عبد الواحد بن زيد؛ فإنَّه كان يقول: كل ذنب صغير أو كبير، ولو كان أخذ حبة من خردل بغير حق، أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح فهي شرك بالله». [اهـ].
وهذه كما يرى القارئ الكريم ليست من حماقات الإباضية وإنَّما هي من حماقات العالم الكبير ابن حزم الأندلسي، وللعلماء الكبار حماقاتهم. من هو هذا البكر الذي لا يُعرف أبوه ولا أمه، ولا حتى عصبة أبيه، وإنَّما يُنسب إلى أخواله، ثم يكون هذا البكر المجهول النسب إماما، له أقوال يُعتد بها وتُذكر في الكتب. ثم إن العالم الكبير أبا محمد ابن حزم
-
وهو يصنف المسلمين على فرق – يعثر على هذا الرجل فلا يجد له
-
مكانا، ثم يأتي به يسوقه حتى يجد فراغا بين صفوف الإباضية فيُلقيه هناك
ثم ينسبه إليهم، ثم يُلقي عليهم تبعة حماقاته.
الواقع أنه لا أسخف في التشنيع على الناس من هذا المستوى، إنّ الإباضية لا يعرفون هذا الشخص المجهول، ولا يعرفون أقواله، ولا يسودون بها بياض صحفهم، ويُنزهون كتبهم عن مثل هذه الأضاليل، والدعاوى الفارغة، والمقالات الشاذة، وهم أحرص على أوقاتهم وأوقات قرائهم أن تضيع في مثل هذه الحماقات التي تَعاون على نسج خيوطها التعصب، والانغلاق، والدعاية الفاجرة، والخيال السقيم، وعدم الأمانة في
- 60 - (1/84)
صفحة 85
النقل والشهادة، ثُمَّ توجيه السياسة الماكرة بأساليبها المختلفة، فوقع ضحية لذلك جماعة من أفذاذ العلماء أمثال ابن حزم أفذاذ العلماء أمثال ابن حزم الذي نتحدث عنه، وبعض من سبقه أو سوف نشير إليه، وجازت عليهم تلك الأخطاء كلها رغم ادعائهم الحذر والحيطة.
الحقائق بسبب
ونحن في الواقع قد نلتمس للأقدمين عُذرًا إذا قصروا في الوصول إلى ما أشرنا إليه من العوائق، أما المعاصرون الذين يعنون أنفسهم بالكتابة عن غيرهم فليس لهم أي عذر في التقصير، لسهولة المواصلات، ويُسر المراجع وزوال الضغوط المادية والمعنوية من طرق الباحثين، ومشاهداتهم عيانا للأضرار التي لحقت الأمة المسلمة بسبب التشتت والفُرقة، وإدراكهم أن التشتت والفرقة إنَّما نتجا عن تشدد أصحاب المذاهب والفرق في استمساكهم بآراء أئمتهم، ونقمتهم ومحاربتهم لكلِّ من يخالفهم، مما يولّد رد الفعل الأشدَّ عصبيَّة والأكثر انغلاقا. الله أن يُلهم الأمَّة المسلمة رشدها، ويجمع صفها، ويعيدها إلى المحجة البيضاء؛ تحافظ على كتاب الله وسنة رسوله وتقتدي باصحابه في هديهم، وتعتبر بقية الأئمة والعلماء إنما هم جنود خدموا الشريعة الإسلامية حسب اجتهاداتهم وفهمهم يصدر منهم الصواب والخطأ، ليس حقنا أن نزنَ أعمالهم أيُّها، أرجحُ، ولا أن نفاضل بينهم، وإنما علينا أن نأخذ من أقوالهم ما أيده الدليل من كتاب أو سُنَّة باعتبار قوة الدليل لا باعتبار صدوره من إمام معين وليس لنا أن نجرح غيره ممن لم نأخذ بقوله، لأننا لا نأخذ بأقوال الناس وإنَّما نأخذ بأحكام الله، ولسنا على أحد من مضى بمسيطرين.
من
عسي
- 61 - (1/85)
صفحة 86
من
أبو المظفر الأسفراييني والإباضية
علماء القرن الخامس الذين كتبوا عن فرق الأمة الإسلامية أبو
المظفر الأسفراييني. وقد كتب عن الإباضية فيمن كتب عنه من الفرق. والقارئ الكريم حين يقرأ كتاب أبي المظفر يجده صورة أخرى باهتة للبغدادي، فهو يدخل الموضوع كما يدخلُ محارب متحمس إلى ساحة معركة حربية حاسمة، يتقابل فيها خصمان عنيدان، وهو يُعدُّ قبل ذلك كل ما يستطيع من أسلحة أو كلّ ما أوتي من قوة لينتصر الفريق الذي يريده، ويحطم خصمه تحطيما لا يقوم من بعده.
بهذه الروح يبدأ أبو المظفر كتابه «التبصير» (1). وفي المقدمة قسم الأمة الإسلامية إلى قسمين حكم بالهدى والاستقامة ثم الجنة لقسم، وحكم بالزيغ والضلال ثُمَّ النار للقسم الآخر. وهي صو صورة تكاد تكون طبق الأصل ممَّا عند أستاذه البغدادي، وليس يهمنا في هذا الفصل بطبيعة الحال - إلا حديثه عن الإباضية.
قال في كتابه «التبصير»، طبعة 1955 م، ص: 56، ما يلي:
الفرقة السادسة:
آ
الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن إباض، ثم هم فيما بينهم فرق، وكلهم يقولون إن مخالفيهم من فرق هذه الأمة كفار لا مشركون ولا
1 - عنوان الكتاب كاملاً هو «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق
ـ
الهالكين». (المحقق)
- 62 - (1/86)
صفحة 87
مؤمنون، ويُجوزون شهادتهم، ويحرمون دماءهم في السر ويستبيحونها في العلانية، ويُجوزون مناكحتهم ويُثبتون التوارث بينهم، ويُحرمون بعض ويحللون بعضها؛ يُحللون ما كان غنائمهم، من جملة الأسلاب والسلاح، ويحرمون ما كان من ذهب أو فضة ويردُّونها إلى أربابها». [اهـ].
بعد هذه المقدمة الصغيرة التي سبقه إليها البغدادي وأبو الحسن، انتقل إلى ذكر الفرق السابقة التي ذكرها من قبله أبو الحسن والبغدادي، والعبارة في الغالب عبارة البغدادي مع تصرُّه سرُّف بسيط واضح التصنع. وبعد أن ذكر تلك الفرق ومقالات كلِّ منها بما فيها من شناعات وأباطيل كما عرضناها من قبل، عرض إلى قصَّة الجارية التي نقلناها بتفاصيلها عن أبي الحسن، وقد اختصرها الأسفراييني و لم يهتم بها اهتمام الأشعري والبغدادي. والأسفراييني فيما كتبه عن الإباضيَّة في هذا الكتاب لم يبذل هو الآخر أي مجهود المعرفة أي شيء حقيقي عن الإباضية، وإنَّما انساق مع تيار من سبقه ممن كتب نهم من غيرهم، فاعتبرهم فرقةً من فرق الخوارج، كما فعل الأشعري والبغدادي وابن حزم من قبله، ثم نسب إليهم تلك المقالات التي رأيتها عند الأشعري، وجعل من أئمتهم أولئك الأشخاص الذين نسبهم إليهم من سبق دون تحقيق أو تمحيص أو تعليق، وكل ما امتاز به عن سابقيه أنَّه تتملكه ـ أثناء كتابته من حين إلى آخر ثورة غضب عارمة، فيصب على تلك الفرق وأصحابها سيلاً من الشتائم واللعنات.
-
وقد أحسن محقق الكتاب الشيخ محمد زاهد الكوثري بملاحظتين عن مؤلف الكتاب، فقال في مقدمته للكتاب ص 13، مايلي:
«والمصنف
رحمه الله استوفى في هذا الكتاب
-
في غير إملال ولا
- 63 - (1/87)
صفحة 88
إخلال
-
بيان عقائد أصحاب الملل والنحل ببعض عُنف في بعض
المواقف» [اهـ].
ويقول بعد أسطر: وقد غمز الرازي في الأجوبة النجارية أبا منصور البغدادي بالتعصب والقسوة، وأبا الفتح الشهرستاني الساري وراءه بذلك أيضا، ولكن الثاني ألطف لهجة بكثير». [اهـ]
ويقول بعد أسطر:
وقصارى ما يُؤخذ به علماء هذا الشأن عدم التثبت في عزو الأقوال كما سبق» [اهـ].
شدة التعصب،
والقارئ الكريم حين يقرأ هذه الفقرة الأخيرة من كلام الشيخ الكوثري يُدرك أن الشيخ قد رأى أن أقوالاً تُنسب إلى غير أصحابها، وأن ناسا يقولون ما لم يقولوا، كما أنه اقتنع بملاحظة الرازي على بعضهم وعبارة شيخنا الكوثري الناعمة التي تشير إلى الملاحظات السابقة تحمل معنى الاعتذار عن هذا التصرف من علماء هذا الشأن وكأنه لا يرى في ذلك كبير بأس، بل إنه حاول أن يُبرّر موقفهم العنيف ضد الفرق المخالفة. ويبدو لي أن هذه النقطة بالذات - نقطة عدم التثبت في عزو الأقوال ـ نقطة مهمة؛ فإن عدم التثبت في نسبة الأقوال إلى أصحابها، وعدم من معرفة ذلك معرفة صحيحة يؤدّي إلى نسبتها إلى قوم هم براء منها، وقد يؤدي ذلك إلى الحكم على ناس بالفسق أو الكفر أو البدعة أو الضلال، وهم أبرياء من ذلك وأصح عقيدة ممن يرميهم بذلك.
التحقق
وفي الصفحات السابقة أوضحت للقارئ الكريم أمثلة كثيرة في عدم التثبت والتحري فيما نسبه بعض إلى الإباضية، وأن بعض ما نسبوه إليهم ه من مقالاتهم يحكم الإباضيَّة على القائلين به بأنه مرتد كافر.
على
انه
- 64 - (1/88)
صفحة 89
أبو المظفر كما أشرت في السابق كان متأثرا بالبغدادي تأثرًا كبيرًا، ويظهر هذا واضحًا جليًّا في أسلوب الكتابة، وفي المنهج الذي سلكه، وفي الحنق الشديد على أصحاب الفرق والمقالات التي تناولها، وفي العنف الذي طبع أحاديثه به، وفي عدم التحرُّز من الحكم عليها بأحكام المشركين إلى درجة التبجح بذلك، ثم المغالاة في مدح الفرق الموافقة إلى درجة الاعتزاز والافتخار بالملوك الظالمين وما شادوه من أبنية وأزهقوه من أرواح. يقول الأسفراييني في كتابه «التبصير» (ص: 176 - ر (ص: 176) ـ وهو يعدد
مآثر أهل السنة ـ ما يلي:
ـــ
-
«وأما أنواع الاجتهادات الفعلية التي مدارها على أهل السنة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنة، إما في أيام بني أمية وإما في أيام بني العباس، مثل مسجد دمشق المبني في أيَّام الوليد بن عبد الملك، وكان سُنّيًا قَتَلَ في أيامه ما شاء الله من الخوارج والروافض». [اهـ]
ويقول بعد أسطر:
«و
وكان بعض المصريين يتغلبون ويسعون في عمارة شيء منه ولكن
لا موقع لما كانوا يفعلونه مع سوء اعتقادهم». [اهـ].
و بقطع النظر عن دين الوليد بن عبد الملك الذي يقول عنه أكثر المؤرخين أنه كان جبارًا عنيدًا كما جاء في «مروج الذهب» للمسعودي،
ص 166 من الجزء الثالث ما يلي:
«وكان الوليد جبارًا عنيدًا ظلومًا غشومًا.» [اهـ].
-65 - (1/89)
صفحة 90
فإن الوليد توفي سنة 96 والمذاهب التي يُطلق عليها لفظ أهل السنة
لم توجد بعد فإن أبا حنيفة كان حينئذ غلاما، ومالك كان ابن سنة واحدة، أما الشافعي وأحمد فلم يُولدا بعد، فلو فرض أن الوليد قدَّم من أعمال الخير ما يعتز به المسلمون أو يذكرونه في مقام الاحتجاج فإن انه ذلك يكون سابقا لنشأة المذاهب والفرق ولا حق فيه لهم، ودعوى كان سُنّيا دعوى لا تقوم على أساس ولو صح هذا لكان الاعتزاز بعمر بن عبد العزيز أولى وأحقُّ. وإذا افتخر أهل السنة بما قام به الملوك والأمراء ونسبوه إلى أنفسهم فهل يُعتبر من أعمال أهل السنة المنجنيقات التي وُجهت إلى الكعبة والأعمال الوحشية التي قام بها قادة الدولة الأموية في المدينة المنورة مثلاً؟ لا شك أن القارئ الكريم يلحظ هنا أصابع السياسة الماكرة وهي تُوجه أقلام العلماء في دهاء لما تريده فتزين أعمال الدولة الأموية وتعتبرها من أمجاد أهل السنة، بينما تنثني إلى ما يُشابه تلك الأعمال لما قام به العبيديون فأسقطوه من الحساب بدعوى فساد نياتهم.
هذا بعض ما تفعله السياسة الماكرة في توجيه الأقلام.
أما تعبير
من
المؤلّف عن الوليد: «وكان سُنْيا قَتَلَ في أيامه ما شاء الله الخوارج والروافض»، فيُوهم أنَّه إِنَّما اعتبر الوليد سنيا لأنه أمعن في قتل الروافض والخوارج، ولا شك أن الإمعان في قتل المسلمين لمخالفتهم في قول أو رأي يُناقض السنة، ولا يكون دليلاً على التمسك بها ما لم يكن إقامة لحد من حدود الله، وقد قال الرسول: «
أمرتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلَّا الله محمَّدٌ رَسُول الله فإذا
-66 - (1/90)
صفحة 91
قَالُوها فقد عَصَمُوا مي دمَاءَهُم وأموَالَهُم إلا بحقها»)، وإذا جاز له أن
من
يعتبر الوليد بن عبد الملك سُنّيا وأعجبه أنه قتل في أيامه ما شاء الله المسلمين الآخرين، أفلا يعتبر الحجاج أيضا سُنّيا، ويعجبه أيضا العدد الهائل الذي قتله الحجاج؟ قال المسعودي في «مروج الذهب» ص 175 من الجزء
الثالث ما يلي: وأحصى من قتله سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفا، ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد». [اهـ]
رواه الترمذي في سننه عن جابر بلفظ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». (كتاب تفسير القرآن. رقم الحديث: 3264. وهو في صحيح البخاري بلفظ قريب عن ابن عمر: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويُقِيمُوا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصمُوا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله». كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) رقم الحديث: 25
- 67 -
-
1 (1/91)
صفحة 92
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
اشتهر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في النصف الأول من القرن السادس الهجري، وقد ذاع صيته بين كتاب المقالات في العقائد. ويُعتبر كتابه «الملل والنحل» من أهم المراجع في هذه المواضيع، وكثير من كتاب اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقق ثابت لا يُناقش. ويهمنا أن نرافق هذا المؤلف الكبير بعض الوقت لنستجلي موقفه، ونرى هل استطاع أن يتجنب الأخطاء التي وقع فيها من سبقوه؟
يقول أبو الفتح في كتابه الملل والنحل (1) الجز الأول من الطبعة
الأولى مكتبة الحسين التجارية، ص 04، ما يلي:
ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما
في مسألة ممَّا عُد صاحب مقالة». [اهـ].
ويقول في الصفحة 06:
وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من
فاسده، وأعين حقه من باطله». [اهـ].
فهل وفى أبو الفتح بما خططه لوضع كتابه، وشرطه على نفسه من
استقاء الآراء والعقائد من مصادر أصحابها؟
1 ـ الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: «الملل والنحل». صححه وعلق عليه
-
الأستاذ الشيخ
أحمد فهمي محمد. ط 1. نشر مكتبة الحسين التجارية. القاهرة.
1368 هـ/ 1948 م.
- 68 - (1/92)
صفحة 93
يُؤسفني أن أقول إنَّه لم يفعل ذلك، وإنَّه سلك نفس المسلك الذي مرَّ
به سابقوه، فهو يبحث عن أسماء الرجال وينسب إليهم الأقوال ليبلغ بعدد
الفرق إلى اثنتين وسبعين فرقة يدفعها جميعا محسنها ومسيئها
-
-
إلى
النار، ويستخلص منها الثالثة والسبعين فيقودها إلى الجنة، وقد اعتمد في كله على من سبقه من أصحاب الكتب التي ناقشنا بعضها، وإن كان
ذلك
قد خالفهم في جزئيات يسيرة ربَّما عرضنا لبعضها في نهاية هذا الفصل. وعد أبو الفتح أنه سيذكر الفرق بتجرد، وأنه لا يصحح ولا ينتقد، ولا يصوب ولا يخطئ، ولا يميز بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل؛ ولكنه ناقض نفسه من الخطوة الأولى. ومن مقدمة الكتاب جرد سيفه وجعل يُنظم صفوف الفرق ويصففها في طوابير طويلة، تمتد جذورها في أعماق التاريخ من عصره إلى عهد إبليس، متخذة في كل عصر مظهرا من موقف إبليس إلى موقف المشركين المنافقين إلى موقف الفرق الضالة، ويحاول أن يربط العلائق الوثيقة بين هذه الفرق الضالة وأسلافها في نظره من المنافقين أو المشركين أو الشياطين، وهو يُرجع جميع الفرق
مناسبًا
الضالة في نظره إلى أصول أربعة، يقول في (ص: 10) من كتابه ما يلي: «فاللعين الأوَّل لمَّا أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزمه أن يجري عليه حُكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق، والأوَّلُ غلو والثاني تقصير، فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمشبهة والغلاة من الروافض، حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية، والمجسمة حيث قصروا وصفه تعالى بصفات المخلوقين،
- 69 - (1/93)
صفحة 94
فالمعتزلة مشبهة الأفعال، والمشبهة حلولية الصفات وكل واحد منهم
أعور بأي عينيه شاء، فإن
منا، قال إنَّما يحسن منه ما يحسن من
ويقبح منه ما يقبح منا، فقد شبه الخالق بالخلق. ومن قال يُوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى عزَّ اسمه فقد اعتزل عن الحق. وسنْخُ القدرية طلب العلة في كلِّ شيء وذاك من سنخ اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولاً والحكمة في التكليف ثانيًا والفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثا، وعنه نشأ مذهب الخوارج، إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلا الله)، ولا يُحكم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إلا لك، أأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ، وبالجملة "كلا طرفي قصدِ الأمورِ ذميم؛ فالمعتزلة غلوا في التوحيد
-
-
بزعمهم
حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات والمشبهة قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام، والروافض غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول، والخوارج قصروا حيث نَفَوا تحكيم الرجال. وأنت ترى أن هذه الشبهات كلّها ناشئة من شبهات اللعين الأول، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخر مظهرها». [اهـ]
وهكذا ترى من أول الأمر أنه حاول أن يربط بين إبليس وأصول الفرق بتلك الخيوط الضعيفة التي توهّم صلاحيتها للربط، فهو قد حكم عليها مسبقا بالضلال والزيغ واتباع الهوى، وإنما يوردها ليحدد بها
-
1 ـ هذه الكلمة مقتبسة من القرآن الكريم في قوله تعالى: وإنِ الْحُكْمُ إِلا الله له في سورة الأنعام، الآية 57، وفي سورة يوسف، الآيتان 40 و 67. كل ما فعله من قال هذه الكلمة أنه أتى بـ"ما" النافية بدلا من ”إن النافية. (المؤلف)
- 70 - (1/94)
صفحة 95
الإحصائية، ويلتمس لها المبررات التي تجعلها ضمن الموكب الضخم
الذي يدفعه كُتاب المقالات إلى الهاوية.
وفيما يتعلق بوعده ألا يكتب عن أيَّة فرقة إلا بناء على ما يجده في كتب علماء تلك الفرقة، فيؤسفني أن أقول إن الإمام الشهرستاني قد بوعده و لم يُوف به، ولم يعمل بالشرط الذي شرطه على نفسه، كتب
أخل هذا على الأقل بالنسبة إلى الإباضية ولستُ أدري موقفه من الفرق الأخرى، وإن كنتُ أحسب أنَّه لا يختلف.
والحقيقة أن هذا الموقف من نسبة الآراء والعقائد إلى مصادر أصحابها موقف خطير؛ فالكاتب حين يعد قراءه بأنَّه يعتمد في نسبة الأقوال على مصادر أصحابها، يضع الثقة به في الميزان، فإن وفى كان أهلاً للثقة والتصديق في كلّ شيءٍ، وإن أخل بوعده كان موضعا للشك، يجري البحث من ورائه لتحقيق ما يقول:
قال أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل» الجزء الأول
212 ما يلي:
«الإباضية أصحاب عبد
محمد، فوجه إليه عبد الملك
الله
-
الله
بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن
بن محمد بن عطية فقاتله عطية فقاتله بتبالة (1)، وقيل إن عبد
بن يحيى الإباضي كان رفيقاً له في جميع أحواله وأقواله، وقال إن مخالفينا
1 - تبالة (بالفتح) بلدة مشهورة من أرض تمامة في طريق اليمن كان فتحها في سنة عشر للهجرة. راجع: ياقوت الحموي. معجم البلدان. دار صادر، بيروت، لبنان. 1397 هـ/ 1977 م. ج: 2. ص: 09. (المحقق)
-71 - (1/95)
صفحة 96
من أهل القبلة كفارٌ غيرُ مشركين ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السرِّ غيلة، إلا بعد نصب القتال، وإقامة الحجة. وقالوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دارُ توحيد إلا معسكر السلطان فإنَّه دار، بغي، وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وقالوا في مرتكبي الكبائر إنَّهم موحدون لا مؤمنون». [اهـ]
ثم ذكر عدة مقالات؛ قال إن الكعبي حكاها عنهم، ويهمني أن يعرف
القارئ الكريم الملاحظات الآتية عن مرافقتنا لأبي الفتح الشهرستاني: 1 - ذكر أن عبد الله بن إباض خرج أيام مروان بن محمد وقتل بتبالة، وهذا خطأ تسرب إلى أبي الفتح وإلى جملة ممَّن كتب عن الموضوع، لأن عبد الله بن إباض لم يعش إلى زمن مروان وإنَّما توفي في أواخر أيام عبد الملك، ولعلّ الذين ذكروا هذا القول اشتبه عليهم بأحد الرجلين المختار بن عوف، أو بلج بن عقبة، من أصحاب عبد الله بن يحي طالب الحق، وهم جميعا من الإباضية.
2 - والمقالات التي نسبها إلى الإباضية هي بعض ما نسبه إليهم من سابقا، وسوف نعرض لها في بعض فصول هذا الكتاب،
تحدثنا عنهم
ونوضح فيها ما كان منها موافقا لمقالات الإباضية، وما كان مخالفا لها،
وما صيغ بغموض وإبهام يحتاج إلى شيء من الإيضاح والبيان.
3 - ذكر جملة من المقالات المنسوبة إلى الإباضية، نص على أن الكعبي حكاها عنهم؛ وهذا موقف سليم من أبي الفتح حين تخلص من عهدة تلك الأقوال ونسبها إلى من حكاها بما فيها من صدق أو غيره.
- 72 - (1/96)
صفحة 97
4
-
حسب الحفصية والحارثية واليزيدية فرقا مستقلة ولم
يدخلها في الإباضية، وهذا موقف فيه تمحيص وتحقيق خالف فيه السابقين ممن كتبوا في الموضوع.
5 - لم يذكر قصة ثعلبة ولا قصة بيع الأمة وما بني على ذلك، فسلم
كتابه من تلك النزعات الفارغة، والأباطيل الجوفاء.
ويتضح من هذا أن أبا الفتح وإن سلك طريق الآخرين في تقسيم الفرق والحكم عليها إلا أنه كان أكثر دقة واجتهادا وتحريا من سابقيه، وخالفهم في عدد من المواقف تُقدَّر له، ولا نأخذ عليه شيئًا غير ما ذكرناه سابقا في تورطه كما تورّط غيره في حكمه على مجموعة من الفرق بالضلال مسبقا، مع شرطه على نفسه أنه سيقف من الجميع موقفا سلبيا لا يُصوّب ولا يُخطئ، ثم وعده
بالرجوع إلى مصادر الفرق في نسبة الأقوال، وعدم وفائه بذلك. وبالنسبة إلى الإباضية بدلاً من أن برجع إلى علمائهم أو كتبهم التجأ إلى الكعبي وغيره ممن لم يذكره، فوقع في أخطاء كان حريًّا الا يقع فيها. أما خطوه في تاريخ عبد الله بن إباض فهذا خطأ قد لا يسلم من مثله الكثير من الكتاب. وعلى كل حال فأبو الفتح عندما كتب عن الإباضية لم يأخذ مقالاتهم من مصادرهم، وإنما أخذها من مصادر غيرهم، ولكن ذكره لتلك المقالات كان يتسم بدقة الملاحظة والمعرفة لآراء الفرق، ولذلك فقد نسب ما قيل له عن الإباضية إلى رواته وجعل بعض من كان يُحسب على الإباضية فرقًا مستقلة، وأغفل قصَّة النزاع على الأمة والطفلة، وهذا وحده يعتبر منه نقدا وردا على كُتاب المقالات السابقين، وهي خطوة
وليس منهم
- 73 -
تستحق الثناء والتقدير.
7 (1/97)
صفحة 98
[صفحة فارغة] (1/98)
صفحة 99
II
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الثاني: مع المعاصرين
مع الأستاذ علي مصطفى الغوابي
مع أبي زهرة
مع عبد القادر شيبة الحمد
مع الدكتور هويدي
مع الدكتور هويدي أيضاً
د. هويدي في تبعية المستشرقين
مع عز الدين التنوخي
مع الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي
مع الأستاذين التنوخي وإبراهيم عبد الباقي (1/99)
صفحة 100
[صفحة فارغة] (1/100)
صفحة 101
تحدثت
القسم الثاني مع المعاصرين
عن الفرق الإسلامية في هذا العصر
سواء
الكتب التي أكانت تعنى بالفرق جميعها أو ببعضها - كثيرة، ومناهجها في البحث مختلفة، والإحاطة بها غير ممكنة والأساليب التي تناولتها بما تختلف من كاتب إلى كاتب؛ منهم التقليدي الذي يرجع إلى المصادر القديمة، فيأخذ عنها بالنص أو بالمعنى، لا يخرج عن دائرة تلك المصادر المحدودة التي عرضها ووثق بها، وهو في ذلك لا يستخدم فكرًا، ولا يُعمل رأيًا. ومنهم من يميل عن المصادر العربية إلى المصادر الأجنبية، يصطنع أسلوبهم ويتخذ منهجًا في بحثه شبيها بمناهجهم، ويقتبس منهم الآراء والنظريات، ويبني على مقتضاها الأحكام ومنهم من يبذل الجهد ويطلع على مختلف المصادر، ولا يبني حكمه على فرقة إلا بعد الرجوع إلى مصادرها هي
نفسها، ومقارنتها بما قيل عنها.
وبعد دراسة الموضوع الإباضية في عدد من كتابات المعاصرين، واستعراض لمناهجهم وأساليبهم، استقرَّ رأبي على أن آخذ نماذج منهم تمثل
الاتجاهات السابقة:
وكان اختياري لمن يمثل الاتجاهات السابقة كما يلي:
1 - الأستاذ علي مصطفى الغوابي
2 - الأستاذ محمد أحمد أبو زهرة
- 75 - (1/101)
صفحة 102
3 - الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد
4 - الدكتور يحى هويدي
5 - الأستاذ عز الدين التنوخي
6 - الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي
أما كتبهم التي كانت مرجعا للدراسة في هذه الفصول فهي حسب
الترتيب السابق:
1 - تاريخ الفرق الإسلامية»، الأستاذ الغوابي.
2 - «المذاهب الإسلامية»، الأستاذ أبو زهرة.
3 - تاريخ المذاهب الفقهية»، الأستاذ أبو زهرة.
4 - «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة»، الأستاذ شيبة الحمد. 5 - تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية»، الدكتور هويدي. 6 - «مقدمات على مجموعة من الكتب الأستاذ عز الدين التنوخي. 7 - «الدين والعلم الحديث»، الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي. أرجو أن يجد القارئ الكريم متعة في مرافقة هؤلاء الكتاب العظام.
- 76 - (1/102)
صفحة 103
مع الأستاذ علي مصطفى الغوابي
هذا مؤلف معاصر كتب عن الفرق الإسلامية، وهو في كتابته عن
هذه الفرق كان يبذل جهدا مشكورا ليظهر بمظهر الاعتدال وعدم التعصب، واستعمل في كتابته أسلوباً غاية في الرقة واللطف.
وكان يحاول أن يجمع فرق المسلمين جميعا على صعيد المحبة
—
-
مزاياها
والاحترام والتعاون، وأن يذكر لكلّ منها على الأقل. الظاهرة في سلوكها العام، وفي خدمتها للإسلام، ولكنه مع كل ذلك لم يسلم من عدد من الانزلاقات سببها له اعتماده المطلق وثقته الكاملة في جانب واحد من كُتب المقالات فقد اعتمد في جميع، ما كتبه عن الإباضية - وهم في نظره وفي مصادره فرقةً من فرق
الخوارج ـ على المصادر الآتية:
—
«المقالات»، للأشعري.
والفرق بين الفرق»، للبغدادي.
و «الملل والنحل»، للشهرستاني.
وكتاب «التبصير» للإسفراييني.
وهذه الكتب الأربعة قد سبق أن تحدثنا عنها وعرفنا موقفها من الإباضية، كما أشار أحيانًا قليلة إلى الرازي (1)، واعتمد في معرفة موطن
-
1
لعله
عنى بذلك كتاب: اعتقاد فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي. نشر مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة مصر. طبعة 1398 هـ/ 1978 م.
-77 - (1/103)
صفحة 104
الإباضية في العصر الحاضر على المستشرق جولد تسيهر، ومعروف بالبداهة أنه ما دامت هذه مصادره فإنَّه لن يخرج في تكوين رأيه عن نطاقها، اللهم إلا باللهجة والأسلوب، ومع كل هذا فقد كانت له وقفات جديرة بالتقدير، لأنها تدل على نزعة حرة في التفكير فعمل بوعي، وأنه لا ينساق التيار دون أن يرى ما في طريقه من تعرجات وأخاديد.
من المهم
قلتُ: إنه يعتبر الإباضية فرقة من الخوارج ولذلك فإنَّه فيما أرى أن أصحبه قليلا حينما يعرض لهم حتى أستطيع أن أحدد
—
جوانب النقاش على أسس واضحة.
يسوق ثلاثة تعاريف لمعنى كلمة الخوارج فيقول:
-1 - إنَّهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن علي بن أبي طالب».
>>
ويعزو هذا التعريف إلى أبي الحسن الأشعري.
2 - يرجح في هامش الصفحة أن التسمية مأخوذة من قوله تعالى: {وَمَن يُخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ
(1)
وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ)، وعلى هذا تكون التسمية لقب مدح لا ذم، من مخالفيهم، وأن حياتهم التي صبغت بالتفاني في القتال
لا وتكون منهم تحقيقاً لمبادئهم تُساعدنا على هذا الاستنتاج».
-3 «إن كل من خرج عن الإمام الحقِّ الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة
1 ـ سورة النساء. الآية: 100.
- 78 - (1/104)
صفحة 105
الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين أو على الأئمة في كل زمان، وعلى هذا التعريف يكون تسميتهم بالخوارج من مخالفيهم لا منهم، وأن الخوارج مستمرون في كل وقت ما دام يوجد من يخرج على
رؤساء الحكومات». وينسب هذا التعريف إلى الشهرستاني.
ورغم أنه يُربِّح التعريف الثاني إلا أنه يقول: «ولكن هناك فرقا
بين الخوارج هذا الاصطلاح أي الاصطلاح الذي نُسب إلى
الشهرستاني
—
-
والخوارج الذين نؤرّخ لهم. وهو بعد أن يذكر هذا
يحاول أن يلخص حركتهم في مجرى التاريخ، ولكن هوة عميقة تعترض طريقه فلا يستطيع أن يتخطاها – كما فعل المؤرخون وأصحاب
-
المقالات من قبله دون وقفة رائعة من التفكير والتأمل، ثم يستعرض
—
آراء الخوارج في الجملة كما تصورها مصادره ثم ينتقل إلى
-
استعراض فرقهم الأصلية فرقة فرقة حتى يصل إلى الإباضية، متبعا في ذلك نفس المنهج الذي سارت عليه تلك المصادر، ولكنه فوجئ مفاجأةً
أخرى - لم يهتم لها السابقون ـ تركته يقف في حيرة وتأمل.
إليهما
-
-
ولكي نوضح للقارئ الكريم هذين الموقفين يجدر بنا أن نعود بشيء من من التفصيل كان الأستاذ الغوابي يلخص حركة الخوارج في مجرى التاريخ حسب مصادره السابقة، وتتبعها حتى ذكر أن أهل النهروان قتلوا جميعًا و لم ينج منهم إلا تسعة أشخاص من إربعة آلاف، وتذكر تلك المصادر أن الأربعة الآف لم يستطيعوا أن يقتلوا من محاربيهم إلا تسعة أشخاص كأنما كان أولئك الناس مقيدين لا يحملون سلاحًا، وأن أولئك التسعة الذين نجوا من تلك المجزرة الرهيبة تفرقوا في
- 79 - (1/105)
صفحة 106
البلاد، ولا شك أن من كان على مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يقوم بحركة في مدى قريب، ولكنه فوجئ وهو يستعرض أحداث التاريخ
بأن
العصر الأموي ابتداء من معاوية ـ وبعد أن قتل المحكمة كلهم على
-
ضفة النهر كان مشحونا بحركة دائبة للخروج، فلم يظهر له كيف يربط الصلة بين المحكمة الذين قُضي عليهم حسبما تذكر المصادر وبين
عن
حركة الخوارج فيما بعد، ويتساءل عن هذه العلاقة فيما بينهما في حيرة ولكنه لا يحظى بجواب، لأن المؤرّخين السابقين لم يقدِّموا أي شيء ذلك، بل إنهم لم يهتمُّوا أو لم يُحدُّوا به، ولذلك فهو يستسلم في ارتياب وحيرة، ثم يتَّخذ موقفا ظنَّ أَنه يقدِّم بعض الحل إذا لم يقدم الحل كله، فاعتبر المحكمة سلفا للخوارج ولو أنَّه لم يستطع أن يوضح هذه الرابطة السلفية أو يقدم لها تفسيرًا، اللهم إلا إذا كان يراها ـــ فيما بينه وبين نفسه وراثة فكرية أو نسبية غير مباشرة.
-
ذلك أن المحكمة إنَّما كان الخلاف بينهم وبين أمير المؤمنين علي، وقد انتهوا في سنة 37 من الهجرة. أما الخوارج فقد وَضَحَ موقفهم بمبادئهم الخاصة ضد الأمويين في سنة 64 للهجرة بقيادة الأزارقة والنجدات كما يرى الأستاذ الغوابي، وإذن فهنالك انفصام تاريخي عملي بين حركة المحكمة وحركة الخوارج، وهناك انفصام فكري بينهما أيضا، وإن لم يشر إليه الأستاذ الغوابي صراحةً ولكنَّك تُحسّه وأنت تقرأ، وذلك أن الميدان الذي يشتغل فيه الخوارج غير الميدان الذي اشتغل فيه المحكمة.
وحين كان يستعرض مبادئ الخوارج وأفكارهم عامة
وجد
أن
- 80 - (1/106)
صفحة 107
المصادر التي يعتمد عليها ترميهم بالشذوذ والتشدد وضحالة الفهم والعقل، فلما استعرض فرقهم فرقة فرقة واستعرض الإباضية – كفرقة من الخوارج حسب المصادر التي يعتمدها ـ لم يجد فيها تلك الصورة الشرسة البغيضة التي تُرسم عن الخوارج سواء أكان القصد من الرسم إعطاء صورة عنهم أو إعطاء صورة لهم، فوقف وقفته الثانية من التأمل
والتفكير، والمؤرخون - كالعادة - لا يقدمون له الحل وهو لا يستطيع ـ
-
أن يتهم المصادر التي يعتمد عليها، فهي من الكثرة والتعدد بحيث لا يسهل أنهامها. وخطر له الحل، فهو قد افترض أن للخوارج سلفا وخلفا، فما فما يمنع أن يكون الخلفُ قد غيّروا موقفهم عن سلفهم فتساهلوا بدل التشدد الذي كان عند سلفهم، ولما كانت آراء الإباضية لا
تحمل شيئًا من طابع الخوارج الذي تصفه المصادر، ومواقفهم لا تتفق مع
مواقف أولئك المتشددين فما
يمنع أن يكون الإباضية هم
الخوارج ولكنَّهم تساهلوا وعدلوا عن موقفهم المتزمت.
خلف
ولا شك أن هذه الفكرة كانت في مبدإ الأمر خاطرة خطرت في ذهن الأستاذ الغوابي وهو يقلب وجوه الرأي للخروج من الهوة التي تركها المؤرخون وكتاب المقالات دون أي اهتمام، وانتقلت الخاطرة فصارت فرضا ثم صارت حقيقةً حلّت المشكلة في ذهن الأستاذ وبنى عليها بحثه فيما بقي، ولكن هذه الخاطرة أو الفرضية كالفرضية الأولى تبقيان متأرجحتين كالخشبة التي تُوضع للعبور فوق هوة عميقة ما تطؤها قدم حتى تمتز ويحس المارُّ بالحقيقة المختفية تحته. وأحب هنا أن أذكر للقارئ الكريم أن الكتاب الذين تناولوا الخوارج في أبحاثهم ثلاثة أقسام:
- 81 - (1/107)
صفحة 108
القسم الأول هم أولئك الكتاب المتشددون الناقمون الذين
يخرجونهم من الإسلام أو يكادون وهم يرمون عليهم كل أوزار التاريخ الإسلامي، يقول مؤرّخ معاصر (1): «ومنذ أن خرجوا على سيدنا علي انفتح باب الفتنة فلم يُسد بعد، ولن يُسَدَّ ما دام لهم أنصار على وجه الأرض».
- القسم الثاني هم أولئك الذين ينقلون ما يجدونه في المصادر دون دراسة أو تفهم أو تحليل وآراؤهم تكون حسب الصدفة فإذا وقعوا على مصادر تميل إلى الخوارج أو تعطف عليهم كان لهم رأي وإذا وقعوا على مصادر مناوئة لهم كان لهم رأي آخر مغاير.
القسم الثالث
هم
أولئك الذين يقفون منهم موقف الاعتدال
يحسبونهم من جملة المسلمين ويتحدثون عنهم بلطف وسماحة وقد يلتمسون لهم الأعذار، وربما أيدوهم في بعض آرائهم ومبادئهم. وفي هذا القسم الأستاذ علي مصطفى الغوابي قد حاول أن يعتذر للخوارج أن اعتذر لهم بها كتاب سابقون وفي إمكاني أن ألخصها
بأعذار سبق
لك في عدد من
النقاط مستخلصة
من فصله «الحكم عليهم» كما يأتي:
-1 - كان إدراكهم للتعاليم الدينية إدراكا سطحيًّا.
2 - كان يصاحب إدراكهم إخلاص لما عرفوه من الدين حسب فهمهم. 3 - إخلاصهم لعقائدهم جعلهم يُنكرون على كلِّ من يخالف أمرًا من أمور الدين حسب فهمهم وإدراكهم.
1 ـ انظر كتاب: «الفتح العربي في ليبيا». الطبعة الأولى. ص: 104. (المؤلف)
-
- 82 - (1/108)
صفحة 109
-4 هذا الإنكار جعلهم يحكمون على مخالفيهم بالشرك أو بالكفر.
5 - عدم الدقة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج.
وهكذا ترى أن الاعتذار عنهم
1
حتَّى ممن يعطف عليهم
ويتسامح معهم - هو الآخر اتمام بصورة أخرى قد تكون أتعس وأشد. والمشكلة الحقيقية في كتاب المقالات أن الواحد منهم حين
ينتصب للكتابة يعطي لنفسه حقين ثابتين ينطلق خلالهما (1): من الحقُّ الأول أن الفرقة التي ينتسب إليها هي إليها هي التي تمثل الإسلام حقيقة، فهي غير خاضعة لا للتقويم ولا للنقد ولا للمقارنة، وحكمها على غيرها هو حكم الإسلام نفسه، وآراؤها وعقائدها الميزان الذي توزن به عقائد وآراء الآخرين.
هي
الحقُّ الثاني يرى أنه ما دام ينتسب إلى فرقة محقة تمثل الإسلام فمن صلاحياته أن يحكم على الفرق الأخرى، وأن يُقرر بعدها أو
قُربها من الإسلام بمدى الخلاف الذي بين تلك الفرق وفرقته. وهو لا يجد أي حرج في أن يُصدر أحكاما عامة أو خاصة على
الآخرين بهذا الاعتبار وعلى هذا الأساس.
ولذلك فإن الأستاذ الغوابي - رغم اعتداله ومحبته لوحدة
المسلمين
-
قد حدد لنفسه موقفًا ثابتا في فرقة محقة لا تخضع
للتقويم، ومن موقفه العالي ذلك يرى الفرق الأخرى وهي ترتكب
1 - وهي الأرضية التي ينطلق منها كتاب المقالات عموما. (المؤلف)
- 83 - (1/109)
صفحة 110
-
أخطاءها، ولما كان من طبعه اللين والتسامح فقد راح يعتذر عنها. تأليفا - وثانيا، بأنها فرق ساذجة بسيطة ليس لها ملكة الفهم ولا
التعمق والتفكير، ومن كانت هذه حالته فينبغي ألا يؤاخذ وأنما يستانس ويُستجلب ويرفق به.
أو هذا على الأقل بالنسبة لما رآه عن الخوارج وقد أطلتُ النقاش في موضوع الخوارج لأنه يعتبر الإباضية فرقة منهم، وأغلب ما يُقال عن الخوارج يشمل الإباضية.
بعد هذا يسرني أن أنقل إليك بعض ما قاله في الإباضية خاصة.
فقد جاء في كتابه القيّم تاريخ الفرق الإسلامية» في فصل
الخوارج ما يلي:
و أما الإباضيَّةُ وهُم إحدى الفرق الأصيلة (1) عند الأشعري ويُنسبون لرئيسهم عبد الله بن إباض فإن فروعهم هي:
1 - الحفصية، وإمامُهم حفص بن أبي المقدام.
2 - اليزيدية، أصحاب يزيد بن أنيسة.
3 - الحارثية، أصحاب حارث الإباضي.
4 - ومنهم من يُسَمَّون أصحاب طاعة لا يُراد بها وجه الله،
1 - يقصد أنها فرقة أصيلة من فرق الخوارج لأن أبا الحسن الأشعري يرى أن الخوارج ينقسمون أولاً إلى فرق أصيلة، وأن كل واحدة من الفرق الأصلية تنقسم إلى عدد
من الفرق يعتبرها الأشعري فرقًا فرعية للخوارج. (المؤلف)
- 84 - (1/110)
صفحة 111
ومنهم الواقفية،
الواقفية الضحاكية "واقفية أخرى". ومن
وسبب تسمية الأولى والثانية بالواقفية أن كلتيهما وقفت بين فريقين اختلفا على حكم فلم ينضماً إلى أحد الفريقين المختلفين، وقالوا نقف فسُمُّوا واقفة لهذا». [اهـ]
وقد سبق أن اطلع القارئ الكريم على هذه الفرق المزعومة عند الكتاب الأقدمين كأبي الحسن ومن ذكر بعده بتفصيل أكثر. وعلم هناك أنَّه لا أساس لنسبة هذه الفرق الفرعية إلى الإباضية، وأن ما يُنسب إليها من المقالات لا يقول به الإباضية، ومنه ما يحكمون على قائله بالكفر.
وقال الأستاذ الغوابي في نفس المصدر ما يلي:
«أما الإباضية فقد تساهلوا في كثير من الأحكام التي كان يتشدد فيها سلفهم، فقالوا إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين (1) وأن مناكحتهم جائزة، ووراثتهم حلال، وأن أموالهم إذا غنمت من الحرب حلال، إذا كانت مما يعين على الحرب كالسلاح، وما عدا هذا في الأموال فهو حرام، ويحرم قتلهم غيلة وفي السرّ، وأنَّما يجوز القتلُ إذا أقاموا على خصومهم وأعلنوهم بالقتال، وقالوا إن جميع ما افترضه الله سبحانه على خلقه إيمان، فعندهم الإيمان تدخل فيه الأعمال، والأعمال جزء منه، ويظهر أن هذا الرأي هو الغالب على فرق الخوارج، فتلك الطائفة
الحجة،
1 ـ انساق الغوابي مع التيار فاستعمل هذا التعبير الملتوي وله ما اختار. (المؤلف)
- 85 - (1/111)
صفحة 112
تقدس الأعمال وترفع من شأنها، ونعم هذا الرأي، وليت المسلمين يتمسكون به، إلا أنه إذا ارتكب مؤمنٌ كبيرة من الكبائر فهو كافر كفر نعمة لا كُفر شرك، ولكن مع قولهم بهذا فإنَّهم يقولون
بتخليده في النار.
وقالوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد لا دار كفر، وهذا أيضا من نواحي تساهلهم؛ حيث أن سلفهم كانوا يقولون إن دار مخالفيهم دارُ، شرك، وممَّا خالفوا فيه سلفهم وكانوا أكثر منهم فيه أنَّهم أجازوا شهادة مخالفيهم، وأما أطفال المشركين فبعضهم يلازمهم على غير طريق الانتقام، وجوز أن يدخلهم الله الجنة، وبعضهم يقول إن إسلامهم واجب لا جائز (1).
تساهلا
ومن هنا نرى أن متأخري الخوارج كانوا أكثر تساهلا مخالفيهم أكثر من متقدميهم، وأن هذا متقدميهم، وأن هذا التساهل بدأ يزداد شيئًا فشيئًا، ولا ندري هل سبب هذا التسامح هو أنَّهم ضعفوا لكثرة حروبهم، فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئًا فشيئًا حتى لا تقوم بينهم الحرب، أم أنهم لما اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية، وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير، كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم م من سلفهم، ولا مانع من أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معا؛ فالحروب قد أضعفت من حماسهم، وأن مداركهم. قد اتسعت عن مدارك سلفهم، وأصبحت نظرتهم فاحصة وعميقة في نواحي الدين أكثر من سلفهم». [اهـ]
1 - في العبارة غموض .. ! (المحقق)
- 86 - (1/112)
صفحة 113
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي:
ولكن يظهر أن الدقة عدم في الأحكام كانت عند أوائل
الخوارج ـ كما قلتُ وأما متأخروهم فإنهم قد دققوا في
-
-
الأحكام، وقرقوا بين عمل وعمل، ولم يشتطوا في أحكامهم، كما اشتط سلفهم وكما لاحظنا فيما تقدم صارت أحكامهم على مخالفيهم فيها تسامح وفيها تساهل، ليس كل مخالف لهم كافرًا أو مشركا، وليس أطفال المشركين مخلّدين في النار، وليس حكمهم حكم أبائهم، ويلاحظ أنه لما ضعفت قوتهم الحربية اتجهت نفوسهم نحو الإنتاج العلمي، حتى أصبحت لهم مؤلفات فقهية وكلاميَّة ولغوية وأدبية، ويلاحظ أن فرقهم لم يُبددهم أعداؤُهم تماما، بل بقي منهم إلى عهدنا هذا جماعات يسكنون في إفريقيا الشمالية من خوارج الإباضية، وهؤلاء يُقيمون في إقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب، ويوجد كذلك فريق آخر بزنزبار بافريقيا الشرقية». [اهـ]
هذا ما قاله الأستاذ الغوابي عن الإباضية خاصة، وواضح أنه
من
استقى جميع معلوماته عن الخوارج عامة وعن الإباضية خاصة مصادر غيرهم، فهو لم يذكر أي كتاب من كتب الإباضية كما
لم يذكر أي كتاب للخوارج إن بقيت لهم كتب.
بعد هذا أود أن أقف الأستاذ الغوابي وقفات قصيرة لمناقشة
بعض النقاط الواردة في بحثه.
مع
- 87 - (1/113)
صفحة 114
النقطة الأولى: «مخالفوهم»:
من المؤسف أن الذين كتبوا عن الإباضية - وهم يحسبونهم ــــ من الخوارج - كانت تُسيّر أقلامهم عقدة مستحكمة لم يكد يتخلص منها واحد منهم. ذلك أن يدا في يومٍ ما كانت قد رسمت ببراعة الخط الذي يسير عليه من يكتب عن الخوارج، وأن يكون هذا الخط لا يخرج في طبيعة سيره عن معاملتهم لمخالفيهم، وسار كتاب الخط المرسوم لا تكاد كتاباتهم عن الخوارج تخرج عن
المقالات في معاملاتهم لمخالفيهم ومحاسبتهم عليها الحساب العسير، لم يسمح أولئك الكتاب لأنفسهم أن يبحثوا ويناقشوا الجانب الثاني من معاملة مخالفيهم مخالفيهم لهم، ولم يخطر لهم أن يفرضوا حتَّى
الموضوع، وهو
مجرد فرض أن هذا السلوك ربما كان رد فعل أو من باب الدفاع.
نفس
الخط
وقد خضع الأستاذ الغوابي لهذا التوجيه وسار مع فذكر في هذه الفقرات القليلة كلمة مخالفيهم نحو عشر مرات صراحةً فوق دلالة الضمير عليها، ولكثرة ما تردَّدت عليَّ في كتب المقالات ولأنَّها المتجة الأساسي للكتاب ومركزا لبحوثهم
سميتها عقدة الكتاب عن الخوارج.
النقطة الثانية: الانسياق مع التيار:
أنساق الأستاذ الغوابي مع تيار كتاب المقالات فذهب يعدد فروع المسألة الواحدة، كما كانوا يفعلون هم للتهويل والإكثار، ولو تأمل قليلاً لوجد أنه قد ذكر للإباضية في الفقرات السابقة
- 88 - (1/114)
صفحة 115
إحدى عشرة مقالة منها ثماني مقالات تتعلق بمخالفيهم: «هم غير مشركين، مناكحتهم، جائزة، وراثتهم حلال، غنيمة أموالهم غير جائزة ما عدا السلاح)، لا يجوز قتلهم غيلة أو في السر، لا يجوز قتال خصومهم إلا بعد الإعلان وإقامة الحجة، دارهم دار إسلام، شهادتهم جائزة على موافقيهم». وهذه المقالات كلها مسائل فرعية لموضوع واحد وهي فروع تُبنى على أصل واحد هو الإسلام، ومادام الإباضية يرون أن جميع من نطق بكلمة التوحيد هو مسلم سواء وافقهم أو خالفهم، وأنَّه بنُطقه بكلمة الشهادة قد اكتسب جميع الحقوق التي عند غيره من المسلمين أو التي يمنحها الإسلام للمسلمين، فلا داعي لأن نبدأ في تعداد تلك الفروع فرعًا فرعًا، لأنها من حقوق المسلمين جميعا، ولا تسقط عنهم إلا بأسباب حددتها الشريعة كما يسقط حق الباغي وقاطع الطريق في عصمة دمه ولا يباح ماله ولا سبي عياله. بل إن تلك الحقوق والحرم مصونة لكلِّ مسلم لا تسقط أبدا مهما ارتكب، ولا تضيع منه إلا بالخروج من الإسلام. والشيء الوحيد الذي يُفقد الإنسان حق صيانته مع أنه مسلم إذا وجدت أسبابه هو دمه وذلك كالباغي والزاني.
1 ـ الإباضية لا يبيحون شيئًا من أموال المسلمين حتى السلاح، خلافا لما ينسبه إليها كتاب المقالات. راجع الصفحة 114 من هذا الكتاب فقد صرح المؤلف الغوابي بهذا
الكلام. (المؤلف)
- 89 - (1/115)
صفحة 116
النقطة الثالثة: تساهل الخلف
يقول الأستاذ الغوابي: إن خلف الإباضية تساهلوا عن سلفهم، وقد أعاد هذه الفكرة عدة مرات ولستُ أدري على أي مستند بنى حكمه هذا، فهو فيما يبدو لا يعرف أي كتاب من كتب الإباضية،
ومع
مسألة
لأنه لم يذكر منها شيئًا في مراجعه ومع ذلك فأنا أقول له إن تغير الاجتهادات في غير القطعيات من محاسن هذه الشريعة ولم يخل منها مذهب من المذاهب الإسلامية، وقد يتغير رأي عالم واحد في قضيَّة واحدة فيكون له فيها رأي أو آراء و لم يكن ذلك دليلاً على أن صاحب الرأي الأول، أو أن العالم في رأيه الأول، كان سطحيًا أو ضيق التفكير. هذا فأنا أؤكد للأستاذ الغوابي أن المسائل التي أوردها لم يتغير فيها رأي خلف الإباضية عن سلفهم فيما عدا مسألة واحدة هي أطفال المشركين، فقد كانت عند السلف خلافيَّة وربَّح الخلف أنَّهم من أهل الجنة خدما للمسلمين طبقا للأحاديث الواردة في الموضوع. أما المسائل الثماني التي ذكرناها سابقا فهي فروغ لأصل واحد كما قلنا، ورأي سلف الإباضية فيها هو هذا الرأي الذي سجلناه، وتكاد تجمع كتب التاريخ أن أوَّل من حكم بالشرك على مخالفيه من المسلمين فعاملهم معاملة المشركين وأسقط عنهم تلك الحقوق السابقة هو نافع بن الأزرق، وتكاد تجمع كُتب التاريخ أن الله عبد بن إباض كان من أوائل من ردَّ على نافع رأيه هذا، إذا لم يكن أولهم على الإطلاق، وقد سجلت منذ ذلك التاريخ حوالي سنة 64 هـ مواقف حاسمة لعبد الله بن إباض وجابر بن زيد
- 90 - (1/116)
صفحة 117
في مقارعة الخوارج في موضوع الحكم بالشرك على المخالفين، والقعدة، وفي موضوع الحكم بالشرك على مرتكب الكبيرة. بل لقد كان الإباضية أشد المسلمين على الخوارج في هذا الموضوع بالذات، حتى أنهم كانوا يطردون من يرى رأيهم من حضور مجالسهم واجتماعاتهم، ويمنعونهم الحديث بآرائهم تلك خوفا على ضعفاء الناس وعوامهم.
من
وأود الآن أن يعرف الأستاذ الغوابي ومن يرى رأيه أن سلف
الإباضية
-
بعد الصحابة الذين هم
سلف لجميع فرق
الأمة
ومنهم
الله الإباضية - هم هؤلاء: جابر بن زيد، وعبد بن إباض، وجعفر بن
-
السماك العبدي، وصُحار بن العباس العبدي، (1) ثم من أخذ عنهم. وليس فوق هؤلاء سلف غير الصحابة كما قلتُ آنفًا، أما التابعون من طبقة جابر كالحسن والسعيدين وعطاء وغيرهم ممن هو في درجتهم، فهم أيضًا سلفٌ لجميع الأمَّة، والإباضية يضعونهم في مكانهم بعد أصحاب رسول الله يأخذون عنهم جميعا.
وهذا يتضح أنه لا معنى لما يراه من أن خلف الإباضية تساهلوا عن سلفهم في المواضيع التي عرضها، أما في غيرها من المواضيع الاجتهادية في الفقة العملي فهم فيه كبقية الأمَّة قد يذهب أحد مجتهديهم من الخلف إلى التيسير
في
مسألة كان السلف يرى فيها التشديد. ويحضرني في ذلك مثلان قريبان. الأول: في قضاء رمضان فإن المعمول به عند الإباضية أنه يجب التتابع في القضاء كما يجب في الأداء. وذهب الأستاذ بكلي عبد
1 - انظر تراجمهم في ملحق التراجم. (المحقق)
- 91 - (1/117)
صفحة 118
الرحمن (1) من علماء الإباضية المعاصرين إلى عدم وجوب التتابع تيسيرًا
الثاني: يرى
على الناس واستنادًا إلى ما ذهب إليه بعض الأئمة من غير الإباضية. علماء السلف من الإباضية أن طعام أهل الكتاب يحل إذا كانوا تحت الذمة، أما إذا لم يكونوا كذلك فلا يحل طعامهم ولا نكاح نسائهم. وكأنما يرون أن هذا مرتبط بالجزية والجزية تدل على وجود رقابة إسلامية عليهم فإن انعدمت الجزية انعدمت الرقابة، وإذا انعدمت الرقابة انعدم هذا الإكرام أو الشرف الذي يُعطى للكتابي دون غيره.
وقد زار أستاذنا إبراهيم بيوض أحد أئمة الإباضية ومجتهديهم في العصر الحاضر أوروبا، ورأى العنت الذي يتكبَّده طلبة العلم بصفة خاصة في موضوع الأكل فذهب إلى تحليل ذبائح أهل الكتاب مطلقا، سواء أكانوا تحت الذمة أو لم يكونوا كذلك تيسيرًا على الناس واعتمادا على العموم في الآية الكريمة واستنادًا إلى ما ذهب إليه بعض أئمة المسلمين في
مختلف العصور.
والمشكلة التي تركت الأستاذ الغوابي يضطرب هذا الاضطراب ويفترض خلفا متساهلاً وسلفا متشددا في قضايا انتقلت عبر القرون بالفاظها وحروفها، هو ربطه للإباضية في عجلة الخوارج اعتمادا على كتاب المقالات من غير الإباضية، ودون الرجوع إليهم في كتبهم.
1 - انظر ترجمته في ملحق التراجم (المحقق)
-
- 92 - (1/118)
صفحة 119
- النقطة الرابعة: بحث عن الأسباب:
احتار الأستاذ علي الغوابي في أسباب تساهل الإباضية عن سلفهم
وتسامح المتأخرين عن المتقدمين، وبعد الحيرة والتساؤل يستنتج كان للأسباب الآتية:
أن ذلك
1 - ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يُريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئًا
فشيئًا حتى لا تقوم بينهم الحروب.
-2 - اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم.
3 - سلفهم كانوا من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير. لا شك أن هذه الأسباب التي ذكرها الغوابي إن هي إلا افتراضات قدمت الحلول لمشاكل هي الأخرى افترضت افتراضا، ولا يعنينا في شيء ما إذا كان يوافق الأستاذ الغوابي في هذه الإفتراضات أحدا من المستشرقين أو من الكتاب الآخرين. ولقد كان بودنا لو أن الأستاذ الغوابي بنى استنتاجاته
وفروضه بعد أن يكون اطلع ودرس تاريخهم الذي كتبوه عن أنفسهم. أشار الأستاذ الغوابي إلى ضعفهم بسبب كثرة حروبهم، وربَّما يُفَاجَاً
القارئ الكريم بعكس الصورة إذا وُضعت بين يديه الحقائق الآتية:
إن كتب تاريخ الإباضية - وهي أعلم بهم وبحروبهم ـ لم تذكر
-
-
لهم حربًا في الجزيرة العربية غير حرب واحدة هي الحركة التي قام بها عبد بن يحي الكندي المشهور بطالب الحق (1) طيلة عهد الدولة
الله
-
1 ـ انظر ترجمته في ملحق التراجم. (المحقق) -
- 93 - (1/119)
صفحة 120
الأموية، رغم أن الإباضية كانوا منتشرين في جميع أنحاء البلاد العربية،
بن
وكان مركز تكونهم وتجمعهم هو البصرة، ورغم أن إمامهم عبد الله إباض كان شخصية مليئة بالنشاط والحركة، وكان شديد العنف في نقده
ذلك
لملوك الدولة الأموية، وسُجِّلت له مناظرات مع عبد الملك بن مروان، كما كان شديد العنف في نقده للخوارج، وسُجلت له أيضا مواقف ورسائل، إلا أنه لم يشترك في عملية حربية لا ضد هؤلاء ولا ضدَّ هؤلاء، بل لما طلب إليه عدد من الناقمين على الحكم الأموي أن يبايعوه رفض في شدَّة ثم أشار إلى عُمران المساجد بالذكر والصلاة، وقال هذا أن في لهجة احتجاج: أعلى هؤلاء يجوز الخروج؟». ويتضح من تلك الفترة التي كانت مليئة بالدماء أمسك الإباضية أنفسهم فلم يلوثُوها، اللهم إلا إذا كان من أفراد متطرفين ينتمون إلى الإباضية بالاسم لا بالمبدا.
وقد قام باسم الإباضية عدد من الدول في أربعة مواضع من البلاد الإسلامية هي:
-1 دولةٌ في عُمان، استقلت عن الدولة العباسية في عهد أبي العباس 1 - السفاح سنة 132 هـ، ولا تزال إلى اليوم. ولم تبدأ أحدا بحرب، ولم تحاول أن تتوسع، ولكنَّها هُو جمت عدة مرات فردت الاعتداء وحاولت الرد، كما قامت فيها صراعات داخلية بين الإمامة والملكية، ثم كان لها شرفُ دفاع الاستعمار الغربي نحو أربعة قرون، فقد اتجه الاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى الشرق، وكانت دولة عُمان من أهم الدول التي وقفت لصده ومحاربته منذ ذلك الحين إلى اليوم. وقد كانت
-94 - (1/120)
صفحة 121
زنجبار شبه إمارة تابعة لعُمان ثم استقلت بنفسها وبقيت كذلك حتى أزالها
تعاون الإلحاد والعنصرية الإفريقية ضد العروبة والإسلام.
-2 دولة قامت في ليبيا سنة 140 هـ ولم تعمر طويلاً فقد انتهت بعد
نحو ثلاث سنوات.
-3 دولة قامت في الجزائر سنة 160 هـ وقد بقيت إلى حوالي 296 هـ، ثم قضت عليها الدولة العبيدية. ومنذ ذلك الحين لم يرفع الإباضية السلاح في المغرب الإسلامي ضدَّ المسلمين، ولم تمتد أيديهم لإراقة الدماء، اللهم إلا تلك المواقف النبيلة الشريفة التي وقفها أهل جزيرة جربة ضد الغزو الإسباني عدة قرون، وكانت لهم في ذلك مواقف بطولية يعتز بها الإسلام والمسلمون، أو مواقفهم مع كل مواطن تونسي ضد فرنسا في حروب الاستعمار، وما عدا المواقف الحاسمة من جميع إباضية المغرب الإسلامي في ليبيا وتونس والجزائر، ضمن جميع المواطنين في هذه البلاد
لصد الاستعمار الغربي عند هجومه وفي حروب التحرر عند إخراجه.
4 دولة قامت في الأندلس ولا سيما في جزيرتي ميورقه ومينُورقة، وليس لدينا من أخبارهما الكثير، وقد انتهت يوم انتهت الأندلس وأطفأ التعصب الغربي شعلة الإسلام في تلك الديار.
ومن
هذه الصورة الموجزة يتضح أن الإباضية كانوا بعداء جدا عن
من
الموقف الذي تصورهم فيها الأستاذ الغوابي من كثرة الحروب. أما حيث تقربهم إلى غيرهم من المسلمين فلا شك أن هذا واقع ولكن ليس على الأساس الذي ظنه الأستاذ الغوابي، ولكن على الأساس الذي أشار
-95 - (1/121)
صفحة 122
إليه رسول الله ل «إنكم لن تسَعُوا الناس بأموالكم، فسَعُوهم بحسن
أخلاقكم» (1) أو كما قال.
اما
من حيث اتساع المدارك ومعرفة خلف الإباضية ما ليس يعرفه سلفهم، فهم في هذا كبقية المسلمين، ولا شك أن العلوم في تقدم والفكر في اتساع وهذا في جوانب علوم الحياة، أما من حيث علوم الشريعة، فرما يكون العكس هو الصحيح؛ وهذا ليس بالنسبة للإباضية فقط، وإنما بالنسبة لجميع المسلمين، ذلك أن السلف - لقُربهم من عهد النبوة ــ أعلمُ بمصادر التشريع من كتاب وسُنَّة، وأقرب إلى فهمها فهما أصح، وما يُقال في السنة يقال في الإجماع، ذلك أن الإجماع بمعناه المعروف عند الأصوليين لم يقع بعد عهد السلف، فهو وإن اعتبر من مصادر التشريع إلا أنَّه لم يقع بعد ذلك العهد، أما الإجماع الذي سبق عهد السلف، وأعني به الإجماع الذي وقع زمن الخلافة الرشيدة وهو إجماع الصحابة فهم أعرف به، لأنهم هم الذين نقلوه إلى الخلف. بقيت مصادر التشريع الأخرى كالقياس والاستدلال ممَّا هو محال للاجتهاد واستنباط الأحكام في الحوادث والنوازل، فلا شك أن ثروة المتأخرين منه أكثر من ثروة المتقدمين، وكلما امتدت الحياة بالإنسان أضيف إلى هذا الباب كثير الأحكام. ويتضح من هذا أن خَلَف الإباضية لم يكونوا أوسع مدارك
-
من.
1 - رواه ابن عباس .. «الجامع الصحيح» مسند الربيع بن حبيب. رقم الحديث: 464. ورواه السيوطي في «الجامع الصغير» عن البزار وغيره عن أبي هريرة، بلفظ: «إنكم لا تَسَعُون الناس بأموالِكُم، ولكن ليسَعَهُم منكم بسط الوجه وحُسنُ الخلق». ج
1. ص: 101.
- 96 - (1/122)
صفحة 123
[كذا] من سلفهم، وكذلك بقيَّة مذاهب الأمة وهذا من حيث استيعاب مصادر التشريع الأساسية التي هي الكتاب والسنة والإجماع.
أما الفقرة الثالثة من الأسباب التي افترضها في سلف الإباضية، وهي اعتبارهم من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير. فهي صورة قد ترددت كثيرًا على أقلام المستشرقين عندما يكتبون عن الفتوح الإسلامية بأيدي العرب؛ فهم يصورون حركة الفتوح بأنها هجمات مجموعات بشرية من بدو الصحراء ضاقت بهم الحياة، وحملهم شظف العيش على المغامرة بغزو العالم المتحضر المكاسب مادية، وأن هذه المجموعات البشرية البدوية من السذاجة وسطحية التفكير بحيث استطاعت قيادة ذكية" أن توجههم حسب مطامحها فتستفيد منهم وتحصل بسببهم على انتصارات رائعة.
هذه النغمة أو هذه الصورة التي يرسمها المستشرقون
نفوسهم
-
-
لهوى في
للمسلمين الفاتحين هي نفس النغمة التي رددتها بعض
المصادر في وصف الخوارج عموما، وهي نفس الصورة التي أضفاها الكاتب المحترم على الإباضية.
وقد يحق لنا أن نتساءل كيف أستطاع الأستاذ الغوابي أن يحكم بأن أُفق خلف الإباضية أكثر أنفساحًا من أفق سلفهم، وهو لم يذكر أنه قرأ شيئًا من آراء السَّلَف أو آراء الخلف في مصادرهم، وإنَّما أخذ ما أخذ عنهم من مصادر غيرهم، ثم من أين عرف أنهم بدو وفيهم سذاجة وسطحية تفكير وهو لم يتح له أن يقرأ لهم، ولم يُتح له أيضًا أن يعرف تاريخهم اللهم ما عدا الصورة الصغيرة المشوهة التي يعرضها غيرهم لتنفير الناس منهم.
- 97 - (1/123)
صفحة 124
غير
إن أحكام الأستاذ الغوابي على الإباضية كانت مبنية على أسس - سليمة، وأعتقد أنه لو عرف تاريخهم من مصادر صادقة، واطلع على مقالاتهم كما قالوها وكما نُسبت إليهم لتغير كثير من أحكامه، ومع هذا كله فأنا أعتذر الأستاذ الغوابي بما يشبه اعتذاره عن الإباضية، فهو ولا شكٍّ مُخلص في دعوته محب الجمع كلمة المسلمين جميعا، مقدر لهم في كل فرقهم، معتز بهم وبأخطائهم، وإنما وقع في عدد من الانزلاقات بسبب جهله بحقيقة تاريخهم، وجهله بحقيقة مقالاتهم، وجهله بالفروق الحقيقية بين المذاهب التي تحدث عنها ونسبها جميعا إلى الخوارج.
عن
لم يبق لي في ختام هذا الفصل إلا أن أذكر أن خلف الإباضية كسلفهم يحاولون بكل ما أوتوا من جهد أن يتقربوا من بقية المسلمين، وكلمة المسلمين تجمع كلّ من أقرَّ بالجمل الثلاث مهما كان مذهبه. وإذا سعى إليهم أحد منهم ذراعًا سَعَوا إليه باعًا. وهم يتعاملون مع جميع المسلمين على مدى التاريخ كما يتعاملون مع أنفسهم، ويَدَعُون كامل الحقِّ لغيرهم من المسلمين أن يُكيفوا عقائدهم وعباداتهم على ما صح عندهم من طُرقهم التي وثقوا بها واعتمدوها، وليس يطلب الإباضبة من غيرهم غير هذا الحق، وهو أن يُتركوا في عقائدهم وعباداتهم على ما صح عندهم ووثقوا به واعتمدوه.
- 98 - (1/124)
صفحة 125
مع أبي زهرة (1)
يقول الأستاذ محمد أحمد أبو زهرة في كتابه «تاريخ المذاهب
الإسلامية» (2) الجزء الأول صفحة 91، ما يلي:
«الإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالاً، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطط والغُلو، ولذلك بَقُوا. ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويُقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية (3) و بعض آخر في بلاد زنجبار"
ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم، وذلك في الميراث بولاء العتاقة، فإن القانون المصري أخره عن كل الورثة حتى عن الرَّد على أحد الزوجين مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله
عقب العصبة النسبية، ويسبق الردَّ على أصحاب الفروض الأقارب.
1 ـ عند كتابة هذا الفصل كان الأستاذ أبو زهرة حيا يملأ الدنيا علما وعملاً، وشاء الله أن يختاره إلى جواره قبل أن يُطبع هذا الكتاب ويطلع على ما قلناه عنه. (المؤلف) 2 - محمد أحمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية». دار الفكر العربي. (د. م. ن).
(د. ت. ط). ج 1. (في السياسة والعقائد). (المحقق)
3 ـ ليست الصحراء الغربية كما يسميها البعض اليوم، ولكن الشيخ يقصد بمن أشار إليه الإباضية المقيمين إلى اليوم في منطقة وادي ميزاب ولاية غرداية) من القطر
الجزائري. (المحقق)
66
4 ـ زنجبار تشكل جزءاً مما يعرف اليوم بـ”تانزانيا“. (المحقق)
- 99 - (1/125)
صفحة 126
وجملة آراء الإباضية
ا- إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين، ويسمهونهم كفارا. ويقولون عنهم إنَّهم كفَّارُ نعمة لا كفار في الاعتقاد، وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا في جنب الله تعالى.
ب
مخالفيهم حرام، ودارهم دارُ توحيد وإسلام، إلا معسكر
السلطان، ولكنَّهم لا يعلنون ذلك، فهم يُسرون في أنفسهم أن دار
المخالفين ودماءهم حرام.
لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا الخيل والسلاح وكل ج-
ما فيه من قوة في الحروب، ويردون الذهب والفضة.
-- تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم.
ومن
هذا كله يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم». [اهـ]
ويقول الأستاذ أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية» الجزء
الثاني في تاريخ المذاهب الفقهية)، صفحة 53، ما يلي:
فرق لها مذاهب فقهية:
هذه الفرق السياسية منها ما ليس له مذهب فقهي قائم بذاته، ومنهم من ليس له مذهب فقهي، ويتبع مذهب طائفة أخرى قريبة منه في الاعتقاد. وإن الفرق التي لها مذاهب فقهية معتبرة ثلاثة هي:
الإثنا عشرية فلها مذهب فقهي مقرر، وله منطق فكري وديني، وينسبون مذهبهم إلى الإمام جعفر الصادق لله، وسيكون له بعض البيان
- 100 - (1/126)
صفحة 127
عندما نتكلم عن الإمام الصادق.
من
والثانية - فرقة الزيدية ولها مذهب فقهي يقرب في منطقه مذهب أهل السنة والجماعة، وإمامها هو الإمام الجليل زيد بن علي زين
العابدين رضي الله عنهما. والثالثة - الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض، ولهم فقه مدون، وللإباضية جهود في تحرير مذهبهم». [اهـ]
الأستاذ أبو زهرة من كبار علماء هذا العصر، الذين تتجه إليهم
الحجة،
الأنظار في المسائل الإسلامية وتُسمع منهم الكلمة، وتلتمس عندهم ورغم أنه أبدى كثيرًا من الاعتدال واستعمل الرقة واللطف، وسجل له آراء جديدة سليمة في موضوع الفرق وعن الإباضية بالذات، إلا أنه لم يسلم من التأثر بالأقوال السابقة التي ينقصها التحقيق والتدقيق في التعبير، وجلاء المعاني لكشف الحقائق كشفا لا يحتمل الإيهام أو الإبهام.
ومع أننا كنا ننتظر من أبي زهرة خاصة - لمكانته العلمية الرفيعة -
-
-
أن تكون كتاباته في جميع المواضيع الإسلامية متجردة، غير متأثرة بأي موثر عدا الدراسة العلمية الموضوعية المبنية على الاطلاع الشخصي لاستخلاص الحقائق من مصادرها الثابتة والتي تتحرى مصلحة الأمة والتقريب بين وجهات النظر المختلفة في مذاهبها وطوائفها. إلا أن
المسلمة
-
قد
الأستاذ أبا زهرة - على مكانته السامقة في المعارف الإسلامية انساق فيما يبدو كما انساق غيره في تيار تاريخي حارف، قد كونته فيما مضى عوامل تحكمت فيها السياسة والعصبية والفتنة الناتجة عنهما، أكثر
- 101 - (1/127)
صفحة 128
ممَّا تحكم فيها العقل والعلم والدين، وكانت الشفاه والأقلام التي تعمل بتوجيه وإيحاء أكثر سيطرة وعلنية من الأقلام والشفاه المستقلة. كما انساق أيضًا مع بعض الكتاب المعاصرين ممن يتناولون بحث هذه المواضيع ويناقشونها كما يتناولون ويناقشون القضايا السياسية العالمية في هيئة الأمم المتحدة، أو كما يدرسها ويخطط لها المستشرقون؛ فإن المستشرقين وهم يدرسون القضايا الإسلامية لا ينظرون إليها إلا خلال مناظيرهم الخاصة التي يعرفون بها الحياة عندهم، والحياة عندهم تتحرك بالحزبية. فلما وجهوا تلك المناظير إلى قضايا الأمة الإسلامية، خيل إليهم أن أسلوب الحياة واحد وتراءى لهم أن يُطلقوا على بعض الفرق الإسلامية كلمة أحزاب دينية" فأطلقوا هذه التسمية على فرق الشيعة وفرق الخوارج، وفي مقابل هذا رأى أولئك المستشرقون أن يُطلقوا على غير الأحزاب الدينية حسب نظرهم كلمة "المذاهب الإسلامية" أو الجماعات الإسلامية، وبهذا ينقسم العالم الإسلامي إلى معسكرين كبيرين؛ أحدهما الأحزاب الدينية والثاني الجماعات الإسلامية. وقد راقت هذه التسمية لبعض الكتاب المعاصرين فاستعملوها، كما راقت لأستاذنا الكبير أبي زهرة فاستساغها واستعملها في كتبه. وكان منتظرا منه أن ينظر بدقة في مثل هذه التسميات وما وراءها، والدوافع إليها، فيستعمل الصحيح الأصيل الذي لا يحمل أي غرض تبشيري أو استعماري، ويَدَعَ الدَّخيل الهزيل الذي تكمن وراءه مقاصد، أو هو مستوحى من بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين.
تبع الشيخ أبو زهرة من تأثر بهم، فجعل الإباضية فرقة من الخوارج
- 102 - (1/128)
صفحة 129
أي فرقةً من الأحزاب الدينية، ولا شك أن الذين قسموا الأمة الإسلامية إلى أحزاب ومذاهب كانوا يقصدون أن يضعوا في أذهان أصحاب المذاهب أن أصحاب الأحزاب الدينية لا شأن لهم بالفقه، وأنهم حتى لو بذلوا فيه جهودًا مشكورة، فهي جهود مهدورة لا تستحق النظر.
من
ورغم أن الأستاذ أبا زهرة يعترف أن الإباضية يتسمون بالاعتدال وينصفون مخالفيهم، وأن لهم فقها جيدًا مُدوَّنا، وأن لعلمائهم جهودًا في تحرير مذهبهم، فإن هذا كله لم يشفع للإباضية عند أبي زهرة أن يُخرجهم نطاق الخوارج، أو حتى من هذه التسمية الجديدة «الأحزاب الدينية»، ورغم أن مثل هذه الصفات أو أقل منها للزيدية والجعفرية من الشيعة [كذا] فاعترف بهم الأستاذ أبو زهرة وكتب عن فقههم ومذاهبهم، إلا أن موقفه من الإباضية كان - فيما يظهر لي – موقف
الرجل الذي يعرف الحق في قضية من القضايا فيدور حوله، ويصفه من بعيد، ولا يجسر أن يُعلنه صراحةً، لأن رواسب معينة تحول دون ذلك.
قد يُعذر الأستاذ أبو زهرة عندما يكتب عن فرق منقرضة لم تُخلّف وراءها كتباً، فيلتجئ إلى ما كتبه عنها غيرهم، ويستند إلى ما قالوه عنهم، ولكن ما عذر الكاتب المحقق عندما يكتب عن الإباضية في هذا العصر معتمدا على مصادر قد ألفت في عصور بلغت فيها التوجيهات السياسية والتعصب المذهبي أسوأ ما يبلغه التوجيه في التشنيع على المخالفين؟
الأستاذ أبو زهرة يعيش في القاهرة، وفي القاهرة يعيش
معه عدد
كبير من علماء الإباضية الموثوق بعلمهم، وفيهم أصدقاء للشيخ أبي زهرة، وفي القاهرة ”دار الكتب وفي دار الكتب مجموعة قيمة من
- 103 - (1/129)
صفحة 130
كتب الإباضية، ما بين مطبوع ومخطوط ومُصوَّر؛ منها في العقائد، ومنها في الفقه، ومنها في الأصول، ومنها في التاريخ، ومنها في الشغب الحاصل بين فرق الأمة والاحتجاج والرَّد. ولا شك أن الأستاذ أبا زهرة اطلع على بعضها، ومن ذلك الاطلاع عرف أن للاباضية فقها جيدا مُدوَّنا، وحكم بأنَّهم معتدلون منصفون لمخالفيهم.
بعد أن
وكنا نتوقع منه عندما يريد أن يذكر جملة من مقالاتهم أن يسلك أحد منهجين: إما أن يُعبر عن مقالاتهم بلغته وأسلوبه هو، وأن يقررها بعباراته يستوعبها من مصادرهم، وإما أن ينقل نفس عباراتهم، ويُثبت نفس النصوص التي استعملوها، وهذا المنهج أدق وأدعى إلى الاطمئنان بالنسبة للقارئ العادي الذي لا يعرف مقالاتهم.
فلماذا لم يعتمد الأستاذ أبو زهرة على كتب الإباضية؟ أو إذا
كانت المصادر التي بين يديه من كتبهم غير كافية أفلا يكون من واجبه -
وهو يقف موقف المحقق أن يعمل على الحصول على ما يكفيه منها،
ولو ناله من أجل ذلك بعض التّعب المادي أو البدني؟.
لقد
-
رجع الأستاذ أبو زهرة إلى مصادر قديمة لم يتوفر لها التحقيق، ولم يتيسر لها الوضوح، ولم تتَّصف بالنزاهة إزاء جميع من تكتب عنهم؛ فنَقل كلام تلك المصادر دون تصرف في بعض الأحيان، أو بتصرف قليل، كأنما يريد هو الآخر أن يلجأ إلى لأن التحقيق العلمي، والتعبير الواضح قد يكشف أن الحق
الغموض، بجانب فرقةٍ يُراد وضعها في إطارٍ مُعيَّن مهما كانت الظروف.
- 104 - (1/130)
صفحة 131
يقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلته عنه سابقا:
يرى الإباضية أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمهونهم كفاراً، ويقولون عنهم إنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد». [ه]
لقد بقيت هذه العبارة بحروفها أو بتصرف قليل تنتقل بين كتاب المقالات عن الإباضية عشرة قرون كاملة، ولستُ أعرف على التحقيق
أول من قالها، ولكنك تعثر عليها عند أوائل من كتب في هذا الموضوع، كالأشعري والملطي وغيرهما. وقد كانت تأتي على أقلام الكتاب السابقين وألسنة المتحدثين منهم من أصحاب هذا الفن، إما عن حسن نية وجهل بحقيقة مقالات الإباضية، وإما بقصد التشنيع عليهم وزرع كراهيتهم في قلوب بقيَّة المسلمين. ولاشك أن أي مسلم إذا قيل له إنّ الإباضية يعتبرونك غير مسلم ويرونك كافرا يتملكه الغضب ويثور على الإباضية ويعتبرهم فرقةً ضالة ظالمة تستحق اللعنة، ولن ينتظر منك أن تشرح لها الفرق بين معاني الكفر، ولقد وصل أولئك الذين يسعون إلى هذه النتيجة إليها بالفعل وربما إلى أكثر مما أرادوا أو توقعوا في بعض الأحيان.
وغريب جدا أن يسير أبو زهرة في هذا الطريق، فيجري قلمه السلس
البليغ بتلك التعابير الملتوية التي لم يُقصد بها الحق في يوم من الأيام. إنَّه كان حقا عليه أن يقف وقفة تأمل وتحقيق كما وقف زميله الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي حين عرض للموضوع، فقال في كتابه القيم الدين والعلم الحديث» وهو يتحدث عن الإباضية، صفحة 269، مايلي:
- 105 - (1/131)
صفحة 132
رابعا لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد
الإسلامي كإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، وكأن يُنكر إنسان صفة من صفات الله تعالى، أو نبيا من الأنبياء، أو حرفًا من القرآن الكريم». [اهـ]
قارن أيها القارئ الكريم بين مقالي الأستاذين الكبيرين وهما يعيشان في بلد واحد وعصر، واحد وبيئة واحدة، إلا أن أحدهما جرى على ما وجده في مصادر تُناوئ الإباضية وتلجأ إلى الغموض في التعبير عن مقالاتهم حتى تُوهِمَ الناس بضلالهم وتُغريهم بعداوتهم، فاعتمد على تلك المصادر ونقل عنها، وترك ما عرفه بنفسه وابتعد عن المصادر التي تُصوّر مقالاتهم بصدق وتُعتبر حجة عليهم لأنها لهم.
أما الثاني فقد كان يكتب كتابة رجل يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين، وتقريب وجهة النظر بينهم، وتوضيح آرائهم المبنية على حجج وبراهين لا يمكن للباحث أن يتجاهلها أو يستهين بها، ويحاول ــــ ما وسعه الجهد أن يترع الغشاوة التي وضعتها القرون المتعاقبة على أعين الأمة الإسلامية بقصد وبدون قصد. وهو لم يكتب عن الإباضية حتى قرأ مجموعةً من كتبهم، ومنها استخلص آراءهم التي
-
عنها، والتي سوف نتعرض لها في فصل مقبل إن شاء الله تعالى.
على
أن هذا الموضوع الذي عبر عنه الأستاذ إبراهيم عبد الباقي بجملة قصيرة واضحة لا يُكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد» رأى الأستاذ أبو زهرة أن يرتبط بالتعقيد اللفظي الذي تناقلته كتب المقالات ولم يتمكن أن يتحرر منه فقال: «إن مخالفيهم ليسوا مشركين ولا
- 106 - (1/132)
صفحة 133
مؤمنين ويُسمونهم كُفَّارًا»، فترك القارئ العادي في حيرة وارتباك لا يعرف
منزلة نفسه عند الإباضية ولا مترلتهم عنده.
على
أن ذلك الموضوع الذي جارى فيه الأستاذ أبو زهرة الكتاب
الأقدمين في حديثهم عن مقالات الإباضية بشيء من الغموض والإبهام والإيهام، أهم جانب فيه كلمة الكفر، والإباضية حين يطلقونها على من يستحقها لا يفرقون بين موافقيهم ومخالفيهم، لأنها في الحقيقة إنَّما تدل بوضعها على معان لغوية محددة نقلها الشارع أحيانًا فاستعملها للدلالة على حقائق شرعية باعتبارات محددة فلا أساس لحشر الإباضية ومخالفيهم في الموضوع.
والواقع أن كلمات الكفر والإيمان والنفاق، والعصيان، والشرك، والكبيرة والإسلام من المباحث اللغوية والمصطلحات الشرعية أو الحقائق الشرعية التي تناولتها أقلام أكثر علماء الإسلام، واختلفت أنظارهم فيها حينا واتفقت حينا آخر، وطال فيها الجدال حتى بلغ حد المراء في بعض الأوقات، وللإباضية في هذه المواضيع مفاهيم كما لغيرهم، والذي
،،
ساعدهم أن يطلقوا كلمة كافر على اكل الرشوة من الإباضية ومن غيرهم هو قول الرسول: «الرشوة في الحكم كفر» (1)، وعلى من أتى كاهنا أو عرَّافًا فصدقه، قوله: «من أتى كاهنا أو عرَّافًا فصدقه فيما قال
1 - رواه الربيع بن حبيب عن ابن عباس «الجامع الصحيح». رقم الحديث 759. وورد في سنن النسائي عن مسروق بلفظ قريب: «القاضي إذا أكل الهدية فقد أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به «الكفر. باب الأشربة. رقم الحديث: 5571.
- 107 - (1/133)
صفحة 134
فقد كفر بما أنزل على محمد» (1)، وعلى من تهاون بصلاة قوله: «من ترك الصلاة كفر (2)، وعلى من وجب عليه الحج فلم يؤده قوله تبارك وتعالى: وَاللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (3)، وعلى من يتعامل بالربا قوله تعالى: يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْنِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلِّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)، إلى
(4)
كثير من هذه النصوص التي وردت بهذا المعنى والتي إذا أمكن تأويل بعضها بالشرك أو الردّة فإن بعضها الآخر لا يمكن تأويله إلا على كفر النعمة الذي هو بمعنى العصيان أو الفسوق، أو ما يُطلق عليه أصحاب الحديث: كفر دون كفر.
إن الرسول وصف المرتشي، ومصدق الكاهن والعراف
-
«ألا لا
والمرابي والمتهاون في أداء الفريضة، والمسلمين المتقاتلين ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (5) بالكفر، فما ذنب
1 - روى الإمام أحمد حديثا بلفظ قريب عن أبي هريرة والحسن: «من أتى كاهنا أو عرَّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد و». مسند الإمام أحمد. كتاب باقي مسند المكثرين. رقم 9171.
-
2 - رواه الترمذي في سننه بألفاظ مختلفة. وفي بعضها جاء بلفظ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» كتاب الإيمان. رقم الحديث: 2554. وروى
ابن ماجه والإمام أحمد الحديث بهذا اللفظ أيضًا.
3 - سورة آل عمران الآية: 97
4 - سورة البقرة الآية: 276
5 - رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن سيرين وعن أبي بكرة. كتاب مسند البصريين.
رقم الحديث: 19551.
- 108 - (1/134)
صفحة 135
الإباضية إذا استعملوا هذه الكلمة في وصف العصاة الذين يرتكبون تلك الموبقات أو ما يُشبهها، وهم على يقين أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين وصف
المرتشي والمرابي ومن بعدَهُما بالكفر لم يحكم عليهم بالشرك أو الردة والخروج من الملة، فاستعملى الإباضية كلمة الكفر في المواضيع التي استعملها رسول الله فيما يُشبهها، ولم يريدوا بها في ذلك الحكم بالشرك أو الردة والخروج من المسلة. ولو حُكم بالشرك والخروج من الملة على كل من ارتشى وكلّ من رابي وكلّ من صدق كاهنا أو عرَّافًا وكلِّ من تهاون في صلاة أو حج فريضة وكلّ من ارتكب معصية من المعاصي التي وصف رسول الله مرتكبها بالكفر لما بقي من المسلمين إلا العدد اليسير. ولو سرنا مع هذا المنطق لحكمنا على جميع المسلمين بالشرك أو الردة لقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقد بدأ ضرب الرقاب بعده بقليل ولم يتوقف حتى اليوم، بل رقاب المسلمين لتطير بأيدي المسلمين في كل يوم حتى هذا العصر، ولا يبدو أنها ستتوقف، فهل نحكم على هؤلاء كلهم بأنّهم مشركون مُرتدون؟ وهل نحكم على أولئك البسطاء السذج الذين يصدقون كل شيء حتى العراف بأنَّهم مشركون مرتدون؟
إن الإباضية في استعمالهم كلمة الكفر على العصاة، لا يُفرقون بين مخالفيهم وموافقيهم، فليس من حق الأستاذ أبي زهرة أن ينساق مع الأقدمين فيقول: «إن مخالفيهم ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا» بهذا التعبير الملتوي الغامض الذي يثير الحفائظ، ويجلب السخط، ويُوهم أن الإباضية يحكمون على غيرهم من جميع المسلمين بالشرك، لأن الكلمة التي
- 109 - (1/135)
صفحة 136
يبقى صداها يرن في ذهن المسلم بعد أن يقال له إن الإباضية يقولون عنك إنَّك لست مُشركًا ولست مؤمنًا ولكنَّك كافر .. أنه حكم عليه بالخروج من
الإسلام وهذا ما لا يتقبله مهما تورط في ارتكاب الموبقات.
لقد حرص الأستاذ أبو زهرة أن يأتي بهذه العبارة الملتوية من المصادر التي استقى منها، والتي كانت تكتب تحت إيحاءات وإيعازات، وأن يقرر أن
-
الإباضية يسمون مخالفيهم كفارا، وليته ـ إذ فعل ــ شَرَحَ المعنى الذي تدل عليه كلمة الكفر عند الإباضية، إذا لخفف في وقعها وحدتها قليلاً، وهو يعلم معناها عندهم ولا ريب، ولكنه لم يفعل، وإنما علق عليها ببعض كلمات لا تزيدها إلا غموضًا عند من لا يعرف الاصطلاحات الشرعية ومدلولاتها الخاصة، فليت أستاذنا أبا زهرة حاول إسكات هذه النعرة، وسدَّ هذه الثغرة، وأطفأ هذه الجمرة، ودعا إلى التسامح والانفتاح بين طوائف المسلمين جميعا.
هذا
ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه سابقا: «فهم يسرون في أنفسهم أن دار المخالفين ودماءهم حرام»، هكذا بالحرف الواحد. وليت شعري إذا كانوا يُسرون ذلك في أنفسهم فكيف اطلع عليه الأستاذ أبو زهرة؟ ثم أية نفس هذه التي يحتفظون فيها بهذا السر العظيم؟ هل هي نفس فردية أم نفس جماعية؟ ثم من هذا الذي أخرج هذا السر وباح به؟ الذي أفشى سرَّ الإباضية؟ إنهم لو عرفوه لقطعوا لسانه!! ما كنا نتوقع من قلم مثل قلم أستاذنا الكبير أن يخط هذا الكلام الذي لا يصدقه عقل يحترم نفسه، ولكن ما الحيلة والأستاذ يريد أن يعيش في تلافيف عصر يلعب بالكلام ويحارب بالإيهام ويناقش بالإبهام. ولو رجع إلى كتب
من
- 110 - (1/136)
صفحة 137
الإباضية وهي ليست منه بعيدة لعرف منها أن الإباضية يلتزمون قوله: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا
مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (1). إن الإباضية ـ عملاً بتشريع
الذي بلغه الرسول
-
-
-
الله
يعلنون ولا يُسرون في كتبهم ودروسهم
ومجالسهم أصداء خطبة النبيء الا الله في حجة الوداع لا تزال ترن في جنبات صدرِ كلِّ مسلم «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (2)، لقد أعلن النبيء هذا الحكم يوم الحج الأكبر فلماذا يُسره الإباضية في أنفسهم، والإباضية في تاريخهم الطويل لم يخالفوه؟ وليس إسراره من مصلحتهم ولا من مصلحة أحد من المسلمين.
أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام بكلمة التوحيد، وأن
ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه في أول صدر هذا الفصل: ولهم فقةٌ مُدوَّن، وللإباضية جهودٌ في تحرير مذهبهم»، ويقول في موضع
آخر من کتابه مما نقلناه عنه: «ولهم فقة جيد وفيهم علماء ممتازون». أطلق الأستاذ أبو زهرة هذه الأحكام على الإباضية وفقههم ثم انصرف
1 ـ رواه الترمذي في سننه عن جابر بلفظ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». كتاب تفسير القرآن. رقم الحديث: 3264. وهو في صحيح البخاري بلفظ قريب: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ... ». كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. 2 - رواه الإمام أحمد في مسنده عن الحارث بن عمرو بهذا اللفظ مع زيادة «كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا». مُسند المكيين. رقم الحديث: 15405.
- 111 - (1/137)
صفحة 138
عنهم
كأنما كان يفرُّ من ملاحقة لعنة تاريخية، ولم يقف إلا حينما بدأ يكتب عن المذاهب الفقهية، فكتب عن الحنفية ستّا وأربعين صفحة، وكتب عن المالكية خمسين صفحة، وكتب عن الشافعية سنا وخمسين صفحة، وكتب عن الحنابلة ثمانين صفحة، وكتب عن الظاهرية سبعا وستين صفحة، وكتب عن مذهب ابن تيمية سبعًا وخمسين صفحة، وكتب عن الزيدية ستّا وخمسين صفحة، وكتب عن الجعفرية أربعين صفحة، ولكنَّه لم يكتب عن الإباضية شيئًا، فما الذي أطلق قلمه هناك وقيده هنا؟
لقد اعتبر الزيدية والجعفرية أحزابا دينية كما قال ذلك عن ذلك فقد ألحقهما بالمذاهب الفقهية ولم يُعط هذه
الإباضية، ومع الدرجة للإباضية، لماذا كان الاعتراف بذينك الحزبين ولم يكن بهذا
الحزب؟ رغم أنه حينما كان يُعدد الأحزاب الدينية جعل هذه الفرق
الثلاث تشترك في صفة الحزبية الدينية، أما المقومات التي أهلتها
نظر أستاذنا ـ لأن تدخل ضمن المذاهب أنَّها لها فقها مُدوّنًا.
-
في
لماذا يقف شيخنا أبو زهرة من الإباضية هذا الموقف؟ أكل ذلك لأن أقلاما يحترمها ذكرت أن الإباضية فرقة من الخوارج؟ وماذا يَضُرُّ أبا زهرة لو بحث بنفسه عن معنى الخارجية في عقائدهم وسلوكهم ليتحقق من الحكم عليهم، ولعله لو فعل لوجد معنى الخارجية بالعقيدة والسلوك أوضح وأظهر في كثير ممن يرمي الإباضية بذلك، مصداقا للمثل العربي القديم رمتني بدائها وانسلت»، ولَما وجد في عقائد الإباضية وسلوكهم أي أثر للخارجية.
- 112 - (1/138)
صفحة 139
يبدو أن الأستاذ أبا زهرة لا يريد أن يخالف المصادر التي استقى منها، والتي قد اكتسبت بقدمها جلالاً وقداسة، ولا يريد أن يعترف بالواقع الذي عليه الإباضية، لأن ذلك يهدم كثيرا من الأحكام التي أطلقت عليهم،
ولا يريد أن يعتمد على كتبهم ومصادرهم لأن حكاية «يسرون في
أنفسهم» تتردَّد بين عينيه و تثير الشكوك في نفسه.
وهكذا فضل أن يعتمد على مصادر غيرهم ممن سبقه بقرون، وأن
ينقل ذلك مهما كان موقعه من الصدق والحق، وأن يتغاضى عنهم رغم على الأقل في الجانب الفقهي - بأنهم في مستوى غيرهم من المذاهب الأخرى التي كتب عنها وأطال الكتابة.
اعترافه
هي
-
وبعد كل هذا ألا يحس أستاذنا أبو زهرة بأن اعتباره الإباضية فرقة من الخوارج أمر يدعو إلى التساؤل، حين يحمل آراءهم في تلك الفقرات التي سبق أن ذكرناها والتي هي ليست خاصة بالإباضية وإنما آراء جميع الأمة الإسلامية فهي ليست قضايا مجموعة من الناس باعتبارها خاصة بهم لا يقول بها غيرهم. وإذا تجاوزنا الفقرة الأولى التي نقلها الأستاذ بحروفها والتي وضعها واضعوها بقصد الإبهام والإيهام فإنَّه ر أن الإباضية يُحرمون دماء مخالفيهم ويعتبرون دارهم دار إسلام، ولا يستحلون من غنائم المسلمين أثناء الحرب معهم إلا السلاح، ويجوزون شهادة مخالفيهم والتزوج منهم والتوارث معهم، وهل غيرهم من المذاهب يرون غير هذا الرأي ويقولون بغير هذا القول؟ إذا استثنينا بعض الشواذ من جميع المذاهب الذين تتغلب عليهم العصبية ويوجههم الغلو، كما ذكرنا أمثلة من ذلك في بعض الفصول السابقة. ويبدو لي لو
يقرر
- 113 - (1/139)
صفحة 140
أن الأستاذ أبا زهرة أراد أن يتبع أسلوبًا واضحا يتخلص من رواسب الماضي ويتحرر من أصابع السياسة التي صنعت كثيرًا من ذلك الماضي، لسهل عليه من بادئ الأمر أن يشرح كلمة الكفر بالمعنى الشرعي لها، والذي حرص الإباضية على استعماله فقال إن الإباضية يستعملون كلمة الكفر بمعنى كفر النعمة أو المعصية أو الفسوق فإذا أطلقلوا كلمة كفر على أهل التوحيد فالمقصود كفر النعمة أو العصيان كما يعبر بعض المذاهب، وإذا اتضح هذا المعنى لكلمة الكفر لم يحتج للأسلوب الملتوي الذي يستعمله الأقدمون، كما أنه لا حاجة به إلى كلمة المخالفين التي دستها السياسة الماكرة في هذه المباحث وحرَصَ عليها كتاب المقالات. دون اهتمام بمصدرها ومدلولها. والعصيان قد يكون بسبب المقارفة وقد يكون بسبب الإهمال وقد يكون بسبب الخطا في التأويل.
والإباضية قد يُطلقون كما قلنا آنفًا كلمة الكفر على العاصي من
من
هؤلاء وهم يقصدون معنى العصيان ويتعاملون معه سواء أكان الإباضية أو من غيرهم على الأسس التي ذكرها أستاذنا أبو زهرة. فهذا العاصي بالمقارفة أو بالإهمال أو بالخطا في التأويل يُسميه الإباضية مسلما ويسمونه موحدا ولكنهم لا يسمونه مشركًا، ويرون أنْ دمَهُ حرام فلا يُسفك إلا بما تحل به دماء المسلمين، ويرون أن ماله حرام إلا بالطرق التي تحل بها أموال المسلمين ويرون أن داره دار للمسلمين وإذا حاربهم لم يستحلوا شيئًا من أمواله حتى السلاح، خلافا لما ذكره أستاذنا أبو زهرة، ويتعاملون معه كما يتعاملون مع بقية المسلمين في الشهادة والنكاح والميراث وغيرها.
- 114 - (1/140)
صفحة 141
ولسنا نشك أن الأستاذ أبا زهرة يعرف من حقيقة الإباضية ما يعرفه الإباضية أنفسهم عن آرائهم ومقالاتهم، ولو تحرر من رواسب الماضي لما ذكرهم في الخوارج ولا في الأحزاب الدينية.
والآن أستطيع أن ألخص ما عتبنا فيه علي شيخنا الكبير في النقاط الآتية:
-1 - اعتماده على مصادر الآخرين عند الكتابة عن الإباضية ومقالاتهم وكان في إمكانه أن يعتمد على كتب الإباضية أنفسهم.
2
-
-
3
استعماله
لنفس التعابير الملتوية الموهمة التي كانت تستعملها
كتب المقالات المتميزة منذ قرون.
تغافله عن دسائس السياسة بحيث أصبح التركيز على
معسكرين، فكانت كلمة "مخالفيهم" هي محور
الحديث.
4 - انسياقه وراء آراء المستشرقين أو من أخذ عنهم في تقسيمهم
الأمة إلى قسمين كبيرين مذاهب فقهية، وأحزاب دينية. 5 - إهماله للكتابة عن المذهب الإباضي وفقهه وقد كتب عن كلِّ مِنَ المذاهب الفقهية وما يسميه بالأحزاب الدينية.
6 - إرضاء لأصحاب المقالات السابقين ومن يترسم خطاهم أخرج الأستاذ أبو زهرة الإباضية في فرق الخوارج، ولما لم يجد شيئًا يربطهم بالخوارج أو يجعل لهم مواقف منفردة شاذة تميزهم،
ذكر عنهم تلك الفقرة الأولى التي اعتقد أنها تميزهم، كما ذكر لهم عددا من الأقوال هي ليست خاصة بهم بل على قدر مشترك
بين جميع الأمة الإسلامية غير الخوارج ـ فيما يقال عنهم ــ أو
بعض الشواذ حتى من أهل السنة.
--
-
- 115 - (1/141)
صفحة 142
عن
7 - كنا نطمع من أستاذنا الكبير أن يكون موقفه في هذه القضايا الهامة أوضح وأصرح، وأن يكون أكثر تحرراً، وأن تكون مساعيه أكثر جدية ونشاطًا وجهدًا في التقريب بين طوائف المسلمين، وإزالة الجفاء الذي اصطنعته السياسة والتعصب قديما، والاستعمار والجهل والتعصب أيضا حديثا.
ويسرني في ختام هذا الفصل أن أعتذر إلى أستاذنا الكبير أبي زهرة أية عبارة قد يستشعرُ منها سوء أدب معه؛ فأنا على جميع الأحوال أكن له من الاحترام والتقدير ما يستحقه، هو وأمثاله من فضلاء علمائنا الأجلاء الذين خدموا الإسلام في هذا العصر خدمة لا تنساها الأجيال. وإذا عتبت عليه في النقاط السابقة فإنَّما هو موقف المتعلم الجسور الصريح مع العالم الغزير المادة، الواسع الاطلاع، المنفسح الصدر،
الحليم الذي يحتمل شعب المتعلمين بصبرٍ وحُب.
- 116 - (1/142)
صفحة 143
مع عبد القادر شيبة الحمد
في سنة 1387 هـ تشرفتُ بزيارة مدينة رسول الله، وكان من
-
بعد السلام على رسول الله، والصلاة في الحرم
،
أهم ما يشغل بالي النبوي الشريف، ثم الوقوف في منازل الوحي، ومواطن العبادة، والذكرى من مقامات رسول الله، ومقامات أصحابه رضوان الله عليهم ـــ هو زيارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والتعرف بعلمائها الأجلاء. وسنحت لي الفرصة في يومٍ فزرتها، وتشرفت بمعرفة كثير من مشايخها العظام، وأساتذتها الفضلاء، ولم يتح لي اللقاء بفضيلة رئيسها لأنه حينئذ كان يُنجز بعض المهام كما قيل لي.
تجولت في رحاب الجامعة العامرة، ودخلتُ بعض فصولها، واستمعتُ إلى بعض المحاضرات في بعض الفصول، وعندما أردت الانصراف أهدت إلي إدارة الجامعة مشكورة مجموعة من النشرات والمناهج والكتب مما تضعه الجامعة أو تتولى الإشراف عليه ونشره وخرجت منشرح الصدر مثلوج الفؤاد، فهذه جامعة إسلامية، تقوم في دار هجرة النبيء، توالي إرسال أشعة النور والهداية إلى حوالي سبعين بلدا فقد قيل لي إن
-
بالجامعة طلابا من حوالي سبعين بلدا ـ وهذا فضل من الله عظيم.
-
فلو نجحت الجامعة في إحكام رباط المودة والأخوة بين أبنائها لقام دعاة مسلمون في كلِّ جنبات العالم يعقدون، أواصر
بعد زمن وجيز الأخوة بين الطوائف المتنافرة، ويربطون علائق المحبة بين شعوب تدين
- 117 - (1/143)
صفحة 144
بالإسلام، ولكن فرقت بينها السياسات والقوميات والعصبيات والأهواء، وعساهم يعودون بها إلى وحدة متماسكة كالوحدة التي أنشأها سيدنا رسول الله الله، وتلاميذه الأذكياء الأصفياء النجباء البررة. ورجعت إلى البيت أقلب الهدايا الثمينة التى أخذتُها من الجامعة العامرة فإذا من بينها کتاب اسمه «الأديات والفرق والمذاهب المعاصرة»، والكتاب مقرر على طلاب الشهادة العالية بكليتي الشريعة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. .
أمَّا المؤلّف فهو الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد، الأستاذ بالجامعة، وقد لقيته بالجامعة لقاءً عابرًا، كما استمعت إليه وهو يُلقى دروس الوعظ والإرشاد في مسجد الرسول الله بين المغرب والعشاء، وقد أُعد له هناك كرسي مرتفع، ومكبر صوت مسماع.
والأستاذ شيبة الحمد رجل يعيش في عصر الصواريخ والأقمار، وقد أُتيح له أن يُقيم في مدينة الرسول، ملتقى المسلمين من كل بلد، ومن كل فرقة، ومن كل مذهب، وضعت له الدولة كرسيا في الحرم النبوي الشريف، ليلقي منه رسالة الإسلام، ويعرف الناس بدينهم، ويدعو أبناء هذه الأمة إلى لم الشمل، وجمع الكلمة. وهذه الظروف المساعدة التي تحيط بالأستاذ شيبة الحمد لم تتيسر لأولئك الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية في العصور السابقة.
لقد كان من اليسير على الأستاذ شيبة الحمد أن يتصل بعلماء الفرق وهم يتوافدون على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج وفي غيره،
- 118 - (1/144)
صفحة 145
فيعرف منهم آراءهم وعقائدهم فيما يُريد أن يكتب عنه، وفيما يريد أن يقدمه في محاضراته لطلابه، وكذلك يستطيع أن يعرف منهم أئمتهم وكتبهم ليتَّخذها مراجع لأبحاثه، حتى تكون أدنى إلى الحقيقة، وأقرب الى الصحة، وأدعى لإرضاء أصحابها.
-
ولكن الأستاذ شيبة الحمد ـ الذي التجأ إلى السعودية فآوته وأكرمته.
-
وفتحت له دور العلم والتحقيق، وسلّمت إليه جيلاً من شباب الأمة الإسلامية ليزودهم بالعلم ويسلّحهم بالإيمان ويربط بينهم بالمحبة والأخوة لم يفعل شيئًا من ذلك، فلم يكبد نفسه عناء البحث عن المصادر الحقيقية للفرق، و لم يتنازل إلى الاستفادة من العلماء، وإِنَّما عمد إلى كُتب ألفت قبل عدة قرون فلخص ما فيها بما فيها كحاطب ليل، وصاغها بأسلوب ينبئ عن الاستعجال، تبدو فيه كثير من عبارات البغدادي التي اقتسرت من أماكنها اختيرت لما تحمله من عنف وقسوة، ثُم جمع كل ذلك بين دفتين، به إلى الجامعة الإسلامية كأنما جاء يجر اسدا من أذنيه، ثم طفق يُلقي ذلك الخليط على طلبة الجامعة.
كانما
وجاء
لقد حدثني بعض طلاب الإباضية في الجامعة، أن أستاذهم حين يتحدث عن الإباضية لم يكن يهتم بهم ولا بقولة الحق في مذهبهم، ولم يكن يستمع إلى أحد إذا أراد مزيدا من المناقشة. وعندما أخبروه في بعض ما ينسبه إلى الإباضيَّة أنّه ليس من مقالاتهم، وأظهروا له استعدادهم لتزويده بالمراجع التي يستطيع بها التحقق من الموضوع، رفض الرجوع إلى كتبهم، وإذا حاول أحدهم أن يتجه إليه بسؤال أسكته بتلك النطرة
- 119 - (1/145)
صفحة 146
المتعالية التي يحسنُها بعض الأساتذة المتعجرفين، وقد ينبزه بتوبيخة جارحة يضحك لها بعض الطلاب، ويتألم لها آخرون.
وهكذا يستمر الأستاذ شيبة الحمد يحاضر لأبناء المسلمين من سبعين بلدا فلسفة تنسب إلى فرق إسلاميَّة لا وجود لتلك الفلسفة عند تلك الفرق، ويتخذ لها أئمَّةً وعلماء لاتعرفهم ولا تعرف عنهم شيئًا، بل قد تتبرأ من تلك المقالات ومن يقول بها.
هي
وأعجب ما في الموضوع أنّ الأستاذ شيبة الحمد وهو يسيح بين كتب ألفت قبل عدة قرون ويتحدَّث عن فرق ومذاهب قد انقرضت وأصحابها ونخر السوس عظامها، ومع ذلك فهو يسميها «المعاصرة»، ومن تلك المذاهب أو الفرق ما لا يعرف شيئًا عنه البتة غير الاسم الذي أورده كتاب المقالات الناقمون عليها وما نسبوه إليها من شنائع، فكيف صارت تلك المذاهب والفرق التي انقطعت حركتها في مجرى التاريخ، وركم عليها الزمن عددًا من القرون، كيف صارت فرقا معاصرة؟. والمؤلم في الموضوع كلّه أن الكتاب مُقرَّر في أكبر جامعة إسلامية في الوقت الحاضر، وهو يُدرّس في المدينة المنورة، وفي جامعة ترعاها دولة هي الدولة التي أناط الله بها في هذا العصر خدمة الحرمين الشريفين ورعاية مقدسات الإسلام، ثم استقبال حجاج المسلمين من جميع أصقاع الأرض بمختلف طوائفهم ومذاهبهم في كل سنة، ودعوتهم إلى التفاهم والتعاون والتناصر، وإلى الاتحاد والعمل المتواصل للقيام بأعباء الرسالة التي أنزلها الله تبارك وتعالى لسعادة البشرية.
- 120 - (1/146)
صفحة 147
فكيف تسمح إدارة الجامعة العامرة في مدينة الرسول أن تدرس أباطيل عن فرقة من فرق المسلمين على طلاب سبعين بلدا من مختلف بقاع العالم؟ وفي أولئك الطلاب من ينتمي إلى تلك الفرقة، فإذا طلبوا تصحيح الخطإ عن مقالاتِ فرقتهم - وهم أعرفُ بها - لم يسمع منهم بل لم يُسمح لهم، وربَّما اتخذت ضدَّهم عقوبات صارمة منها الحرمان من الدراسة .. بمساعي الأستاذ شيبة الحمد الذي يريد أن تكون كلمته نافذة، وحُكمُه على أصحاب المذاهب لا راد له ولا معقب عليه.
وذلك
الفرق
كله
عن
إذا كان التقليد الأعمى أو حُبُّ الراحة، أو عدم العناية بالبحث والتنقيب، أو حتى سوء النية هي الأسباب التي حملت شيبة الحمد على تلك المواقف فكيف ساغ للجامعة العامرة أن تغفل عن مراقبة ما يجري فيها في أهم ركن من أركان، رسالتها، وهي القوَّامة على كلمة الحق، المسؤولة عن العمل الجمع كلمة الأمة، المطالبة بالتحقيق والتثبت والصدق في جميع ما تقدمه لأبناء الأمة في مجال العلوم الشرعية، وإذا غفلت الجامعة عن تتبع ما يقدَّم للطلبة ومعرفته معرفة تفصيلية، فكيف ساغ للدولة من ورائها أن تسمح لأفراد بتخطيط مناهج وتنفيذها دون أن يُخطط لها تخطيط دقيق من أجهزة مسؤولة مكلفة بالمراقبة تقدر خطوات العمل وتوحي بها، حتى يتسنى توجيه أبناء المسلمين في أهم مادة - مادة الشريعة ــ توجيها سليمًا
مبنيا على الصدق قائما بالحق.
-
إنني ما كنتُ لأعرض للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد لو لم يحمل كتابه اسم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهذا النقد الأخوي لا
- 121 - (1/147)
صفحة 148
نرسله إليه فقد ثبت ممَّا قصَّه علينا طُلابه، ومن بعض المواقف مع غيرهم أنه يملك من الجرأة ما يحول بينه وبين الرجوع إلى الحق، وإنما نوجه كلمة العتب الأخوي أو الالتماس الأخوي إلى إدارة الجامعة العامرة، ورئيسها الوقور وأساتذتها العظام.
كُنَّا نأمل أن تعمل الجامعة الإسلامية على التحقيق فيما يقال عن فرق المسلمين، وأن تأخذ آراءهم ومقالاتهم من كتبهم وعلمائهم، وبذلك يمكن للجامعة أن تعلن كلمة الحقِّ، وتجمع الشمل، وتوحد الصف، وتكون في مركز القيادة الروحية لهذه الأمة بجميع مذاهبها لأنها مهدت اللقاء بينهم
على نور العلم، وجعلت كل واحد منهم يعرف ما عند الآخر في يقين. وإذا عسر على المؤلفين الأقدمين أن يعرفوا مقالات المذاهب والفرق من مصدرها فأخذوها من حيث ما اتفق فتسرب إليهم الخطأ والأباطيل، فقد تيسرت الوسائل اليوم - والحمد لله - للمؤلفين والعلماء للاتصال والاطلاع، ولاسيما لعلماء ومؤلّفي الدولة السعودية، فهي تملك من الإمكانات البشرية والمادية والروحية ما يُمكنها من الاتصال بأصحاب المذاهب الإسلامية المعاصرة حقا، ومعرفة عقائدها في مصادرها - سواء أكانت كتبا أو رجالاً وأخذها منها.
جميع
-
وفي إمكانها أن تعقد مؤتمرا سنويًا لعلماء جميع المذاهب الإسلامية سواء أكان ذلك في أيام الحج أو في غيره تطرح فيه القضايا الهامة وتوضح الآراء والعقائد بحُجَجها وبراهينها، وتزوَّد الجامعة بالمراجع المعتمدة لكلِّ مذهب، وإيضاح الأقوال المعمول بها، على أن يكون هذا المؤتمر مؤتمر
- 122 - (1/148)
صفحة 149
عرض وإيضاح لا مؤتمر جدال يريد فيه كل أصحاب مذهب أن يُبرهنوا على صحة مذهبهم وبطلان غيره؛ فإن فتح هذا الباب لا يأتي بنتيجة وقد يأتي بنتيجة عكسية.
-
بل إننا نطمع في الجامعة في أكثر من ذلك، وذلك بأن تكون لجانا للتأليف يشترك فيها علماء الأمة من مختلف مذاهبهم، ويُصدرون كتبا حسب المناهج المقررة في الجامعة لتدرس فيها مشتملة على المقالات الحقيقية للفرق والمذاهب المعاصرة فعلاً - وبذلك تقضي على النظرات الضيقة، وتُوقف زحف العصبية المقيتة، وتحول دون التأثير الفردي في توجيه طلاب المسلمين.
الله
إن الجامعة الإسلاميَّة في المدينة المنورة، يجب ألا تصطبغ مذهب معين، فهي للمسلمين جميعا، تُقدم لهم الثقافة الإسلامية من منابعها الصافية، كتاب وسنة رسوله، فإذا انتقلت بعد ذلك إلى كلام البشر سواء ما كان منه منسوبا إلى مذهب أو ما كان منسوبًا إلى فرد فإنَّه يجب أن يُعرض بوضوح ومن مصادر ثابتة التأكيد على أنه قول لغير معصوم، بل إنَّني أعتقد أنَّه مما يدخل تحت مسؤوليات الجامعة وأعمالها إذابة المذهبية)، وألا يكون فيها شيء غير مصادر التشريع من كتاب أو سنة أو إجماع. ثم بعد
1 - لا شك أنه لم يقصد بذلك إلغاء المذاهب، وإنما يقصد إلى نبذ العصبية؛ وهذا ما تستشعره من روح المؤلف في كامل كتابه. (المحقق)
- 123 - (1/149)
صفحة 150
ذلك آراء الأفراد خاضعة للنقاش وللحكم عليها بالخطا أو الصواب، وعمل هو أن تقدم للطلاب تلك الآراء كما يقدمها أصحابها، بأدلتها
الجامعة
وبراهينها، مع عدم محاولة فرض رأي معين أو مذهب معين.
ولو فعلت هذا لكسبت قلوب الملايين من المسلمين بفرقهم المختلفة، ولسقط كثير من الأباطيل التي يتنابز بها أصحاب المذاهب، ولوجد كل فرد من المسلمين عذرًا قائما لأخيه فيما يذهب إليه ويقول به، ولظهرت لها تفاهة ما يكتبه وما يقوله بعض من يسرت لهم مكانا للكتابة ومكانا للقول. وبعد هذه الكلمة التي أرجو أن تكون دعوة مخلصة لرعاية المناهج في المعاهد الإسلامية، وألا تفهم بأنها نقد خاص لإدارة الجامعة الإسلامية أو الدولة السعودية، أو نيل من كفاءة أساتذتها ومشايخها، فإن في الجامعة العامرة من الأعلام من يشرفني الجلوس بين يديه كتلميذ صغير، بل لقد فعلتُ وحضرت بالفعل حلقات دروس الوعظ للمشايخ العظام: الشنقيطي، والإفريقي، والجزائري، والكتاني، وحتى
شيبة الحمد.
ويهمني أن يُرافقني القارئ الكريم بعض الوقت مع الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في جولة قصيرة بين صفحات كتاب الأديان والفرق والمذاهب
- 124 - (1/150)
صفحة 151
المعاصرة» (1)، يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد صفحة 138 مايلي: «وكان من رأي عبد الله بن إباض أن مخالفيهم من أهل القبلة ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار. ومع ذلك لم يحرم مناكحتهم ومواريثهم وشهاداتهم ولو على أوليائهم، بدعوى أن معهم دعوة المسلمين تجمعهم، كما لم يُيح دماءهم في السِّر، وإن استباحها في العلانية، ورأى عبد بن إباض كذلك أن أموال مخالفيهم لا تحل. عند الغنيمة إذا كانت ذهبا أو فضة، أما الخيل والسلاح وما يكون من آلة القتال فإنَّه حلال». [اهـ] ثم ذكر قصة خروج عبد الله بن إباض في عهد مروان بن محمد وقتله في تبالة. وقد بينا فيما سبق أن هذا غير صحيح). ثم نقل ما قاله ابن حزم
الله
وبعض
كتاب المقالات من أن الله عبد بن إباض رجع إلى الثعالبة، وأن
الإباضية في الأندلس لا يعرفونه وقد ناقشنا هذه الخرافة أيضا، وبينا بطلانها فيما سبق). ثم ذكر أن الإباضية ينقسمون إلى سبع فرق: وهي اليزيدية، والحفصية، والحارثية. وهي نفس الفرق التي تعرضنا لها أثناء مناقشتنا لأبي الحسن الأشعري وبينا هناك أنّ هذه الفرق إمَّا أَنَّه لا وجود لها، وإما أنها لا علاقة لها بالإباضية. ثم ذكر الإبراهيمية والميمونية والواقفة والبيهسية وهذه الفرق الأخيرة استخلصها شيبة الحمد من خرافة
-
1 ـ عبد القادر شيبة الحمد: «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة». مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (د. ت. ط). (المحقق)
- 125 - (1/151)
صفحة 152
الأمة
و بنت ثعلبة، تلك القصَّة التافهة التي نقلناها عن أبي الحسن الأشعري وبينا هناك عدم صدقها عموماً، أو عند الإباضيه فحسب، وأوضحنا هناك أن تلك الفرق ليست من الإباضية. ولعله من المضحك أن يقرأ الإنسان لشيبة الحمد صفحة 141 ما يلي:
«الإبراهيمة هم أتباع رجل من الإباضية يقال له إبراهيم، وليس لهؤلاء مذهب تفردوا به؛ وإنَّما صاروا فرقةً من فرق الإباضية بسبب أن إبراهيم هذا دعا جماعة من الإباضية إلى داره» [اه]. ثم يذكر قصة بيع القصة التي تكررت في عدد من د من كتب المقالات.
أمة إبراهيم وهي نفس ا
«خلاصة مذهب الإباضية:
1 - يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإنَّه دار بغي عندهم.
2 - وقد اختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال:
فقالت طائفةٌ
منهم هو براءة من الشرك والإيمان جميعا، لقول الله
(1).
تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ).
وقالت طائفةٌ
منهم:
إن النفاق قاصر على من سماهم الله عزَّ وجلّ
به عند نزول القرآن فلا نُزيل اسمَ النفاق من موضعه، ولا نُسمّي به غير
1 - سورة النساء. الآية: 143.
- 126 - (1/152)
صفحة 153
من سمى الله عز وجل.
وقالت طائفة منهم: المنافقون أهل توحيد ولكن أصحاب كبائر لا
يدخلون في الشرك وإن سميناهم كفارا.
3
- ومن مذهبهم أن من زنى أو سرق أُقيم عليه الحد ثم استيب،
فإن تاب وإلا قتل.
4 - لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال.
5 - أباحوا قتل المشبهة واتِّباع مُدبرهم وسبي نسائهم وذراريهم، بناء على أنهم مرتدون، وأن أبا بكر رضي الله عنه فعل هذا بالمرتدين.» (1). هكذا استطاع شيبة الحمد أن يلخص المذهب الإباضي في سطور،
وأن يحصره في خمس نقاط، كما فعل من قبله الأستاذ أبو زهرة وغيره.
إن للإباضية كما لغيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى ـ في
-
ـ
أصول الشريعة وفروعها عشرات من الكتب تشتمل على مئات من الأجزاء؛ فكيف استطاع الأستاذ شيبة الحمد ومن سار على نهجه أن يُلخص تلك المجلدات الضخمة في خمس نقاط في نصف صحيفة متوسطة؟.
ثم هل يعني أن أصحاب هذا المذهب الإسلامي لم يهتموا بشيء من أمور الإسلام غير دار المخالفين ومعنى النفاق وحياة النساء والأطفال، ومصير
1 ـ عبد القادر شيبة الحمد. «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة». ص: 144.
- 127 - (1/153)
صفحة 154
المحدودين في الزنى والسرقة ومعاملة المشبهة، وإن بقية أحكام الإسلام من دين وشريعة لا هم لهم بها، ولا بحث لهم فيها، ولا رأي ولا عقيدة؟ أم يرى أن الإباضية إنما يختلفون عن غيرهم من المسلمين في هذه النقط فقط ويتفقون فيما بقي؟ وهل أتفق المسلمون فيما بقي؟ أم أن الأستاذ شيبة الحمد يرى أن الإسلام هو هذه النقط فقط، وأن غيره لا أثر له في عقيدة المسلمين وسلوكهم.
إن القارئ الكريم مهما فكر في هذا الملخص فإنَّه لا يستطيع أن يخرج منه بنتيجة، وعوض الله خيرًا على أولئك الطلاب الذين ظنُّوا أنهم يتلقون العلم، وهم إنَّما تُحشى أذهانهم بفراغ.
لو رجع الأستاذ عبد القادر إلى كُتب الإباضية لوجد لهم بحوثا ممتعة في أصول الشريعة وفروعها، وجميع أنواع ثقافاتها، وهم يتلاقون في بحوثهم المذاهب الإسلامية الأخرى هنا وهناك ولا ينفردون برأي في مسألة اجتهادية إلا نادراً، وقد لا يكون هناك شيء انفردوا به، وعندما ينفردون برأي في مسألة اجتهادية فذلك بناءً على دليل ترجح لديهم، كما يقع في جميع المذاهب الإسلامية الأخرى.
وهذه الحركة حركة اختلاف المذاهب
-
هي
خاصية
من
خصائص الحيوية في الإسلام، ودليل انفساحه للعقول والأفهام، وأس
صلاحيته لكل زمان ومكان.
فقد تختلف أنظار المجتهدين في مسألة فيذهب كل إلى رأي يعتمد فيه على
- 128 - (1/154)
صفحة 155
دليل صح عنده، وقد يعمل الناس بقول في جهة أو في زمان ثم يترجح غيره عليه
فيعمل به الناس، ويموت القول الأول أو يبقى في بطون الكتب فقط. وهذه حالة توجد جد عند جميع المذاهب بل قد تقع للعالم الواحد كما اشتهر للشافعي قديم وجديد، وكذلك غيره. فإذا كانت هذه طبيعة الآراء في المذاهب فكيف أمكن
للأستاذ عبد القادر أن يلخص مذهب الإباضية في خمس نقاط فقط؟
على أنه حتى في هذه النقاط الخمس ـ التي ما هي في الواقع إلا مخلفات للحركات السياسية، وآثار التراع على الحكم، والتي كانت تتخذها السلطة الحاكمة وسيلة لإثارة الرأي العام ضدَّ منتقدي حكمها والساخطين عليها لسوء سيرتها، ولإبعادهم عن مجال التأثير في الجماهير ـ لم يُوفِّق ولم يعرف رأي الإباضية الحق، لأنه لم يرجع إليهم، وإنما رجع إلى خصومهم ومن من خصومهم، إذا جاز استعمال هذا التعبير. وقد أخطأ في النقاط
أخذ
-
جميعها؛ في بعضها نَسب إلى الإباضية غير ما يقولون، وبعضها استعمل فيها عبارات التعميم والإيهام. ولذلك رأيتُ أن أوضحها نقطة نقطة، إما في فصول خاصة وإما في فصل معقود لمسائل اجتهادية فرعية.
وبرجوع القارئ الكريم إلى مناقشتنا للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في النقاط السابقة يتضح له أن الأستاذ عبد القادر لم يوفق حتى في أنه يلخص فيها مذهب الإباضية؛ فنسب في
هذه النقاط التي زعم بعضها إليهم ما لا يقولون به، فأعطى صورة غير صحيحة عن هذا المذهب. ولا شك أن مثل هذا التشويه قد لحق ببقية المذاهب الأخرى
التي تحدث عنها في كتابه.
- 129 - (1/155)
صفحة 156
وهذا الجهل بالمذاهب الإسلامية، ومقالاتها الحقيقية، والخلط بين ما يذهب إليه كل واحد منها ونسبته إلى الآخر، والتشويه الذي ينتج عن
عنه
ذلك ـ سواء سواء أكان مقصوداً أو غير مقصود ــ هو ما يجب أن يرباً حملة الشريعة الإسلامية، والأساتذة الذين يُناط بهم تدريس مواد
الإسلام، وتكوين أجيال تحمل مشاعل النور والهداية.
أما المؤسسات والمعاهد التي جعلت لتدريس مواد الإسلام فينبغي لها في هذا العصر أن ترتفع عن المذهبية الضيقة، وأن تنشرح صدرًا للبحث العلمي الواسع بنزاهة وتحرُّد، وأن ترتفع عن اعتبار الدول والأوطان مراكز مذهبية معينة لا تخرج عن إطارها، وعن حسبان أن للدول القائمة مذهبا معينا لا تخرج عن حدوده.
إن المؤسسات والمعاهد التي تتولى تدريس الشريعة الإسلامية بأصولها وفروعها يجب أن تُغيّر مناهجها وكتبها على نمط يسمح لكل المذاهب الإسلامية أن تتاح لها فرصةً عرض عقائدها وآرائها بوضوح وصحة من مصادرها الثابتة، لا من المصادر البعيدة عنها والتي قد تُشوِّهها وتُثبت لها نقيض ما تعتقده وتراه بل يجب أن تعرض آراء المذاهب جميعا باعتبارها آراء أفراد منسوبة إلى من قال بها مقومة بما استندت إليه من قال بها، مقومة بما استندت إليه من حجة أو دليل معتبر في الشرع، وينبغي ألا يقوم بعرض آراء أو عقائد أي مذهب إلا علماء مستنيرون منه يعرفونه حق المعرفة ويميزون بين المعمول به والمتروك في أقواله ويضعونه في درجته من الصحة أو الشذوذ.
- 130 - (1/156)
صفحة 157
مع الدكتور هويدي
هذا مؤلّف معاصر، آخر أصدر كتابا سماه «تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية» (1)، وخصص الجزء الأول منه للشمال
الإفريقي، وقد قسَّم هذا الجزء إلى قسمين:
القسم الأول: تحدَّث فيه عمن سماهم الخوارج والشيعة.
القسم الثاني: تحدَّث فيه عما سماه الإسلام السني.
ومع
أن الدكتور هويدي يعيش في العصر الذي يدعو كل ما فيه إلى
وجوب العمل على توحيد صفوف المسلمين وعلى الرفق بهم، واستعمال الكلمات المؤنسة اللطيفة في الحديث عنهم، مهما كانوا وأينما كانوا، وعلى التقريب بين وجهات أنظارهم المختلفة وعلى منابذة الجمود والعصبية. ورغم أن دراسته للدكتوراه كانت في باريس، ورغم أنه دكتور في الفلسفة التي يفترض في صاحبها أن يكون واسع الأفق، منفسح النظرة، متفهماً لجميع الآراء والنظريات؛ رغم كل ذلك فإنَّك لمجرد ما تقرأ هذا الكتاب تُحس بأن تيارًا قويًّا يجرف قلم الدكتور في طريق
جزءا
من
معين كأنما يسوقه فيه بدون وعي!
1 - يحيى هويدي. تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية». نشر مكتبة النهضة
المصرية. 1965 م
- 131 - (1/157)
صفحة 158
2
جاء في كتابه ص 54 مايلي:
فلسفة الإباضية: يلخص الأشعري في «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» النقاط التي التقى حولها جمهور الإباضية، وبوسعنا أن نجمعها على الوجه التالي». [اهـ]
ثم يخلط خلطا عجيبا بين ما نسبه أبو الحسن الأشعري إلى الخوارج عامة أو إلى بعض فرقهم كالحفصيَّة خاصة، وإلى ما نسبه إلى الإباضية، ويستخرج من ذلك الخليط العجيب النقاط التي يزعم أن الأشعري اعتبرها
مُلخصاً لمقالات الإباضية.
والسؤال هنا: ما الذي يحمل الدكتور على الرجوع إلى ما كتبه الأشعري قبل عشرة قرون وهو يتحدث عن الإباضية في هذا القرن؟ أما كان أولى به وأقرب إلى الحق والصدق أن يأخذ مقالاتهم من نفس كتبهم ـ وعنده منها
-
النزر القليل - ويستطيع الحصول على غيرها لو أراد بجهد يسير؟
عندما كتب عن المالكية رجع إلى كُتب المالكية، فلماذا لم يقف نفس الموقف مع الإباضية ويرجع إلى كتبهم؟ وإنما تركهم ورجع إلى
غيرهم يلتمس ما قيل عنهم قبل عشرة قرون.
يقول الدكتور هويدي في كتابه السابق ص 44 ما يلي:
1 - سوف ننقل نص الفقرة ونعرضها للمناقشة في أواخر هذا الفصل. (المؤلف) سنعود إلى مناقشة هذه الفقرة في فصل آت. (المؤلف)
-
- 132 - (1/158)
صفحة 159
وكان الوهبيَّةُ يُطلقون على أنفسهم اسم المسلمين" لأنهم وحدهم هم الذين يستحقون هذا الاسم في نظر أنفُسهم، ولأنهم القائمون وحدهم، أما المالكيُّون والحنفيون الذين انتشروا بإفريقيا فقد
بالسنة
66
أطلق عليهم الوهبيَّة اسم الموحدين، أي أنهم في نظرهم ليسوا مشركين، ولكنَّهم ليسوا بمسلمين أيضا، وكانوا يعتقدون ان دعوة هؤلاء
-
الموحدين إلى الدين الحق، ـ وهو عندهم مبادئ الخوارج ـــ فرض كفاية على كل وهبي، وأن عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أول الأمر، فإن أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال ما من الأحوال على عكس المشركين، ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية ... إلخ) فإنَّه تقع عليهم الجزية». [اهـ]. وبعد هذا الكلام
مباشرةً وضع بين قوسين (الشماخي: كتاب السير).
ولا شك أن القارئ - حين يجد بعد ذلك الكلام اسم الشماخي (1) واسم كتابه السير - يعتقد أن الكلام السابق منقول عن الشماخي، إذا لم يكن بالنص والحرف فبالمعنى، ولا دلالة له غير ذلك.
والواقع أن كتاب السير كتاب تراجم وتاريخ لا يتحدث لا يتحدث عن هذا مطلقا، وليس فيه ما يُشير إلى هذا الكلام لا من قريب ولا من
الموضوع
بعيد، ولستُ أدري كيف تورط الدكتور فألقى نفسه في هذه المشكلة التي
تجعله
ينسب
كلاما إلى شخص لم يقله، وإلى كتاب لم يُوجد فيه؟ هل
كان
1 ـــ أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، أبو العباس. انظر ترجمته في ملحق التراجم. (المحقق)
- 133 - (1/159)
صفحة 160
يعتقد أن الكتاب من الندرة بحيث لا يعرفه الناس ولا يقرؤونه؟ وأنه إذا
كان كذلك فلا بأس أن ينسب إليه ما ليس فيه؟
قد تكفي سَقطة واحدة كالسقطة السابقة للتدليل على المنهج الذي عليه المؤلف، ولكننا سوف نعرض على القارئ الكريم نماذج أخرى
أكثر وضوحًا عن ذلك المنهج.
يقول الدكتور هويدي في نفس الكتاب صفحة 49 ما يلي:
ومن فرق الإباضيَّة كذلك فرقةُ النفوسيَّة أو التمزينية أصحابُ أبي يونس وسيم النفوسي التمزيني (1) (1) الذي ثار مع أصحابه في ولاية أبي بكر بن الأفلح (2) بسبب مساقي الناس، وترك أتباع الحاكم حُفر هذه المساقي من غير تسوية مما أثار الناس الشماخي: كتاب السير ص: 194)» [اهـ]. هكذا قال.
وإذا رجعت أيها القارئ الكريم إلى كتاب السير للشماخي (صفحة 195) فإنك سوف تجد كلامًا يُناقض تماماً ما أورده الدكتور عن الإباضية وعن أبي يونس، ونسبه إلى الشماخي. وليته حين نسب هذا الكلام إلى الإباضية لم يتورّط فيذكر المؤلف والكتاب والصفحة، وليته إذ ذكر
1 ـــ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
-
2 ـ هو الإمام أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، انظر ترجمته في
-
ملحق التراجم. (المحقق)
- 134 - (1/160)
صفحة 161
المؤلف لم يذكر الكتاب والصفحة وليته إذ ذكر المؤلف والكتاب لم يذكر
الصفحة حتى يمكن - دفاعًا عنه ـ أن يستمسك الإنسان ولو بخيط رقيق
-
-
واه، ولكن ما الحيلة والدكتور يريد أن يظهر بمظهر من يتبع الأسلوب العلمي، فوقع في هذه المشكلة؟
والآن أيها القارئ الكريم إذا رجعت إلى كتاب السير للشماخي
(ص 195 فإنَّك سوف تجد فيه ما يلي بالحرف الواحد:
«ومنهم
(1)
أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني، قال أبو زكرياء: إن
الإمام استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم ـ وما والآها، فأحسن السيرة.
-
وسبب خروجه من جبل نفوسة إلى قنطرارة أن خدمه إذا احتطين من مساقي أرباع الناس تركن الحفر من غير تسوية، فيمسكن الماء عند مجيء المطر، فخشي التبعات فولي قنطرارة، فأحسن السيرة وعدل في القضية، وأحسن إلى الرعيَّة، وربَّما طلع على أشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادي: لا فرار من الصدقة والفار من الصدقة يؤذى، ويكرر ذلك. وتمادى على ولايته وعدله إلى أن مات مرضيا حميدا». [اهـ] ولا شك أن القارئ الكريم يرى الفرق الكبير بين ما قاله الشماخي في السير، وبين ما نسبه إليه الدكتور هويدي. ولكي تتم الصورة ويتضح موقف الدكتور هويدي أنقُلُ للقارئ الكريم ما يتعلق بالموضوع في كتاب السير.
1 ـ أي ومن علمائهم، علماء الإباضية. (المؤلف)
- 135 -
11 (1/161)
صفحة 162
يقول الشماخي في كتابه السير، (ص: 214) ما يلي:
وقال أبو زكرياء أرسل أبو يونس وسيم بن سعيد ابنه سعدا إلى.
بن نصر فتعلما عند الإمام فلما بلغا
من
تيهرت ليتعلم العلم ومعه نفات العلوم ما أراد الله، أرادا الرجوع إلى بلدهما، وذلك وقت موت أبي يونس
عامل الإمام على قنطرارة - وتقدَّمت أخباره ـ فاختار الإمام أفلح سعدا
-
لأحكام الناس وقدَّمه في موضع أبيه». [اهـ]
هذا نص ما قاله الشماخي عن أبي يونس وسيم وعن ابنه سعد، وعند المقارنة يظهر لك مناقضة ما قاله الدكتور هويدي لما جاء في سير الشماخي؛ فبينما يصفه الشماخي بالتقى والورع وفراره من الشبهات، واختيار الإمام له ـ من أجل هذه الصفات – فولاه عاملاً له. ويقرر الشماخي أن أبا يونس بقي عاملاً للإمام حتى تُوفّي، وأنه كان مرضيا عنه من الناس ومن الإمام، ويقرر أيضا أنه أرسل ولده إلى تاهرت ليدرس العلم على الإمام، وأنه فعلاً درس عليه حتى بلغ مراده ورجع إلى بلده فاختاره الإمام أيضا عاملاً في مكان أبيه.
هذه الصورة التي وضعها الشماخي، قد جاء الدكتور هويدي بصورة مناقضة لها تماما، ونَسَبها إلى الشماخي والدكتور هويدي يزعم أن أبا الحكام، فثار على الإمام وثار معه الناس حتى كوَّنوا فرقةً
وسيم
انتقد
خدم
تسمى النفوسية والتمزينيَّة، وهو كلامٌ لا أساس له مطلقا، لا في الواقع ولا في كتاب السير ولا في غيره من كتب التاريخ الإباضي، وربَّما نقل الدكتور هذه الفكرة عن بعض المستشرقين، وأن أولئك المستشرقين لم
- 136 - (1/162)
صفحة 163
يفهموا كلام الشماخي ففسروه بهذه الصورة ونقلها عنهم الدكتور دون الرجوع إلى الأصل، وإلا فلا تفسير لهذا التناقض بأي اعتبار، ولا سيما أن
عبارة الشماخي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تفكير ولا تفسير. ومما وقع فيه الدكتور هويدي أيضا من نسبة كلام إلى ناس لم يقولوه أو تحريف ما قالوه بحيث يؤدي معنى غير المعنى الذي قصده المؤلف
الأصلي
-
-
ما نسبه إلى أبي الحسن الأشعري؛ فقد جاء في كتاب
الدكتور هويدي ما يلي (ص: 54)
«يلخص الأشعري في "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين
،،
طبعة ريتر الطبعة الثانية (1963) النقاط التي التقى حولها جمهور
-
—
الإباضية وبوسعنا أن نجمعها على الوجه التالي:
تأولوا في عثمان نحو ما تأوَّلت الشيعة في أبي بكر وعمر، وزعموا أن عليا هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن الكريم (716) {قُل اَندْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَتُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ايتنَا قُل إِنْ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِمُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ (1). وأن أصحابه الذين يدعونه إلى الهدى أهل النهروان. وزعموا أن عليا هو الذي أنزل الله سبحانه فيه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ
1 ـ سورة الأنعام. الآية: 71.
- 137 - (1/163)
صفحة 164
(1)
قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا)، وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله
(2)
فيه {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله». [اه]
وإذا رجع القارئ الكريم لم يجد هذا الكلام فيما كتبه الإمام الأشعري عن الإباضية، وإنما يجد هذه الفقرات ضمن شنائع أخرى أشد منها وأخزى نَسبها الإمام أبو الحسن إلى الحفصية ـــ أتباع حفص بن أبي المقدام، وعلّق عليها الإمام أبو الحسن هناك بقوله: «إلا أن جُلٌ الإباضية يبرؤون منه وممَّن تبعه.» [اهـ]
أي يبرؤون من حفص وأتباعه لشناعة مقالاته، ولكنَّ الدكتور هويدي الذي نسب إلى الشماخي ما نسب لا يُعجزه أن ينسب إلى أبي الحسن الأشعري ما يُريد أن ينسب.
وفي الحين الذي يذكر أبو الحسن أقوال الحفصية ثم ينص على أن الإباضية يبرؤون من ذلك، أي يبرؤون من الأقوال وممن قال بها، يأتي الدكتور هويدي فيأخذ مما نسب إلى الحفصية فقرة ــ لعلها أشنع ما نسب الى الحفصية ـ فيجعلها مما يلتقي حوله الإباضية، وينسب ذلك كله إلى أبي الحسن الأشعري، مفسرا قول أبي الحسن: «إلا أن جُلْ الإباضية يبرؤُون منه بقوله هو: النقاط التي يلتقي حولها جمهورُ
—
1 - سورة البقرة الآية: 204
2 - سورة البقرة الآية 207
- 138 - (1/164)
صفحة 165
الإباضية، يعنى أن أبا الحسن يقول إن الإباضية يبرؤون ممن يقول
""
،،
هذا، فيُترجمه الدكتور هويدي إلى جمهور الإباضية يلتقى حول هذا. ويعطي لكلمة "يبرؤون التي وردت على لسان أبي الحسن كلمة يلتقون" التي وردت على قلمه والدكتور يفعل هذا مع هذه الكتب وهي مطبوعة ومتداولة بين أيدي المثقفين، ولا يشعر بحرج ـــ فيما يبدو ــــ في موقفه لأنه يقصد هذا.
-
والذي يتتبع ما كتبه الدكتور هويدي عن الإباضية ـــ رغم ذكره لبعض كتبهم - يُحس أن الدكتور يجهل كثيرًا من الأشياء التي تناولها
بالحديث عنها، سواء ما كان منها مقالات وآراء في الشريعة الإسلامية، أو ما كان منها أحداثًا وتاريخا وبلدانا. وإلى القارئ الكريم أمثلة أخطائه في الأحداث والتاريخ والبلدان.
يقول في كتابه ص 58 مايلي:
من
«حيث إن الوارجلاني أحد فقهاء وفلاسفة الإباضية الرستميين في جبل نفوسة» [اه]. وأبو يعقوب كما هو معروف ليس رستميا وإنَّما هو سدراتي، وليس من جبل نفوسة وإنما هو من سدراتة، وسكن وارجلان فنُسب إليها وقيل له أبو يعقوب الوارجلاني.
والرستميون سكنوا تاهرت وقد انقرضوا قبل ثلاثة قرون من وجود أبي يعقوب في وارجلان، ووارجلان تقع في الجنوب الشرقي للجزائر بينما تقع تاهرت في الشمال الغربي للجزائر. أما جبل نفوسة فيقع في ليبيا، والأماكن الثلاثة متباعدة عن بعضها ولا علاقة في النسب بين أبي
- 139 - (1/165)
صفحة 166
يعقوب والرستميين، ولكن الدكتور - حسبما يبدو ـ لا يفرق بين هذه
الأشياء، ولا يهمه أن يُفرّق.
يقول في كتابه ص 49 ما يلي:
«أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني الذي ثار مع أصحابه في ولاية أبي بكر بن الأفلح». [اهـ]
وأبو يونس لم يستر على إمامه أبدا، وبقي عاملاً له حتى توفي ــ كما أوضحنا ذلك من قبل - وهو لم يُدرك إمامة أبي بكر لأنه توفي في إمامة أفلح، وقد تولى ابنه سعد الولاية من بعده على قنطرارة للأمام أفلح. وكل ما كتبه الدكتور هويدي في هذه الفقرة خطأ، وأشد النقد إنما ينصب عليه بسبب نسبته هذا الكلام إلى الشماخي بتحديد الكتاب والصفحة، بينما يحمل الكتاب والصفحة ما يُناقض هذا الكلام مناقضة كاملة.
هذه شواهد ممَّا كتبه الدكتور هويدي عن الإباضية وهي ــ مع
-
شناعتها أقل من بعض ما لم نتعرض له ـ وقد كتب عن بني ميزاب كلاما
-
تتقزز منه النفوس يبدو أنه نقله عن بعض المستشرقين الحاقدين على بني ميزاب، بترجمة حرفية ركيكة يظهر فيها والخطا في نُطق الأسماء.
-
سخافة التعبير بوضوح
-
وزعم الدكتور هويدي أنه تناول بالتحليل بعض مصادر الفلسفة الإباضية، ولكنَّه - فيما يبدو - نقل تلك الدراسات عن بعض المستشرقين بما فيها من خطإ وجهل بمعاني بعض المصطلحات، كما تحدث عن الحركة العلمية والتاريخية بكثير من التخبط والجهل.
- 140 - (1/166)
صفحة 167
مع الدكتور هويدي أيضاً
مهمة الشرح والايضاح مهمة عسيرة، وهي تقتضي ممن يضع
نفسه في موقف الشارح أن يكون ذا استعداد للقيام بهذه المهمة العسيرة.
ومن أهم الوسائل لذلك ـ فوق الملكة الفطرية أن يمتلك القدرة
-
-
على الفهم الصحيح، وأن يقوى على إيصال الصورة الحقيقية للموضوع إلى الآخرين في وضوح، وأن يكون فاهما فهما صحيحًا لا يخطئ لما يريد شرحه، وأن يكون أمينًا في نقل المعاني، وأن يكون واضح التعبير غير جاهل بالمصطلحات، وأن يكون عارفًا باللغة واشتقاقاتها معرفة دقيقة، فإن اختلت فيه هذه الوسائل فإن شروحه لا تكون إلا صورًا من الغموض، وعجائب
من
الخلط والتشويه.
والدكتور هويدي يُصرُّ ـ وهو يكتب عن الإباضية ـ أن يُقدِّم
معه
شروحًا وتعاليل كثيرة يكتنفها الخطأ من كل جانب. وسوف أُناقش في هذا الفصل مثالين مختصرين؛ الأوَّل في المعنى اللغوي لكلمة مفردة، والثاني لفقرة تتضمن بعض الاصطلاحات.
أ- المثال الأول:
جاء في كتابه تاريخ الفلسفة الإسلامية» نقلاً عن الشماخي صفحة 37 ما يلي:
فا تعدوا ليوم معلوم يجتمعون فيه وقد شرح كلمة (اتَّعدوا) بقوله: (أي أَعَدُّوا العُدَّة ووضعها بين قوسين. وأحسب أن عبارة الشماخي
- 141 - (1/167)
صفحة 168
واضحة لا لبس فيها ولا تحتاج إلى شرح، ولكنها لا تعني ما ذهب إليه الدكتور إلا على باب من الالتواء والتأويل، لأن كلمة (اتَّعَدُوا) تعني أَنَّهم اتفقوا على موعد يتلاقون فيه، أو وَعَدَ بعضُهم بعضا باللقاء، أو حدَّدوا لأنفسهم زمانًا أو مكانا يجتمعون فيه أو ما يؤدي هذا المعنى؛ ففسر كلمة (اتَّعَدوا) بقوله أعَدُّوا العُدَّة، أي استعدُّوا والفرق بين معاني العدوا واستعدوا وأعَدُّوا واضح في استعمالات اللغة العربية، لأن (اتَّعَدُوا) مشتقة من وَعَدَ وهي مادة أخرى غير مادة عَدَّ، وأَعَدَّ، واستعد.
ولكن الدكتور ـ وهو يتعاطى الشرح والتفسير ـ لم يُحمل نفسه
-
عناء
عناء التذوق؛ تذوق معاني الكلمات في استعمالاتها الصحيحة المختلفة، ولا عناء الرجوع إلى قواميس اللغة للتأكد من سلامة فهمه، ولا حتى التأمل في سياق العبارة وما تؤديه. وأعتقد أن الاستهانة بالدقة في معاني المفردات واستعمالاتها من رجل يشتغل بالأبحاث الفلسفية لا يُناسب ما تفرضه الفلسفة من التدقيق في معرفة الحقائق.
ب - المثال الثاني:
يقول الدكتور هويدي في كتابه السابق ص 44 ما يلي:
يقال الإباضية الخوارج (الوهبية (1) أو (الوهابية) وكان الوهبية
انشقت
1 ـ هذه التسمية خاصة بالإباضية، تُطلق عليهم دون غيرهم من الفرق التي عنهم. وسبب تسميهم بهذا الاسم أنّ فرقًا أن فرقًا انشقت انشقت عن الإباضية وانحرفت عن
- 142 - (1/168)
صفحة 169
يُطلقون على أنفسهم اسم (المسلمين) لأنهم وحدهم هم الذين يستحقون هذا الاسم في نظر أنفسهم، ولأنهم القائمون بالسنة وحدهم، أما المالكيون والحنفيون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبية اسم (الموحدين) أي أنهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنَّهم ليسوا بمسلمين أيضا، وكانوا أن دعوة هؤلاء الموحدين إلى الدين الحق ـ وهو عندهم مبادئ
يعتقدون
الخوارج
-
-
فرض كفاية على كلِّ وهبي، وأن عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أول الأمر، فإن أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال، على عكس المشركين (ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية) فإنَّه تقع عليهم الجزية».
حرص الدكتور هويدي حرصاً شديدًا على أن يذكر كلمة الخوارج قبل أو بعد كلمة الإباضية كأن إحداهما تفسير للأخرى، مما اقتضاه أن يكرر كلمة (الخوارج) – دون أية حاجة إليها في الصفحات القليلة
-
-
التي كتبها نيفا وثلاثين مرَّة، مما يبعث السأم والاشمئزاز في نفس القارئ من هذا التشبث اللفظي الذي يُسيطر على حواس الكاتب كأنما يخشى أن
- أصولها وعقائدها واحتفظت باسم الإباضية رغم أنها صار لها أسماء جديدة. فأطلق الإباضية الأصلاء على أنفسهم كلمة الوهبية تمييزا لهم عن غيرهم من الفرق التي مالت إلى الخوارج أو إلى المعتزلة كالنكار والحسينية وغيرهم، وستجد من التفصيل والإيضاح عن هذا الموضوع في الفصل الخاص بالحديث عن
مزيداً
فرق الإباضية. (المؤلف)
- 143 - (1/169)
صفحة 170
ينفلت منه الإباضية دون أن يلتصق بهم الخوارج. وفي مقابل هذا حرص حرصا شديدًا أيضا كلّما ذكر المذهب المالكي أن يُلحقه بكلمة السني في إصرار وتشبث عجيبين، كأَنَّما هناك مذاهب مالكية كثيرة يتحدث هو عن واحد منها فقط، أو كأنما يخشى أن ينفلت منه المذهب المالكي دون أن تلتصق به كلمة السنّي. ولا يدل هذا التشبث اللفظي الساذج - إن دَلّ على شيءٍ ـ إلا على أن الكاتب في قرارة نفسه لا يصدق هذا ولا يؤمن به، وإنما يقوله ويحرص على قوله خوفًا من وهم يطارده في أعماق نفسه، أو كالمتحدث الذي لا يثق فيما يقوله، أو يعلم أن الناس لا يصدقونه فيؤكد كل جملة من حديثه بيمين دون أن يُطلب منه يمين.
يقول الدكتور هويدي: «وكان الوهبية يطلقون على أنفسهم اسم المسلمين». ثم يذهب يشرح كلامه هذا
—
-
الواضح بتفسير
معقد،
فيزعم أن الوهبية يقصرون اسم المسلمين عليهم ولا يطلقونه على غيرهم لأنَّهم وحدهم الذين يستحقونه، ولأنهم القائمون بالسنَّة.
وأريد أن أقول للدكتور هويدي بعبارة واضحة مختصرة: إن الإباضية يطلقون كلمة المسلمين على جميع أهل القبلة، وهم داخلون فيها، وقد يطلقونها ويريدون بها الإباضية بقرينة تدل على ذلك، إمَّا لفظية وإما بدلالة السياق، وهي ترادف كلمة الموحدين في أغلب الاستعمالات. ولهذا فكلام الدكتور هويدي غير صحيح، وهناك بحوث شرعية مطولة بين علماء الأمة في معاني كلمات مؤمن، وموحد، ومسلم، ومُشرك، وكافر، ومنافق وفاسق وعاص، والعلاقات بين بعضها والبعض
- 144 - (1/170)
صفحة 171
الآخر، والخصوص والعموم فيها. ولكلِّ المذاهب الإسلامية في هذا
الموضوع مواقف محددة، وللإباضية فيها موقفهم المحدد.
أمَّا أَنَّهم يحسبون أنفسهم عاملين بالإسلام قائمين بالسنة فهذا صحيح، وكلُّ مذهب من المذاهب الإسلامية يعطي لنفسه هذا الحق، ولذلك نجد كل أهل مذهب يحرصون على أن يسموا أنفسهم: أهل السنة، أهل الحق، أهل الاستقامة.
وربما كان مُهما أن يفهم الدكتور أن جميع أصحاب المذاهب الإسلامية قد يطلقون كلمة المسلمين ويريدون بها مذاهبهم الخاصة بقرينة تدل على ذلك، ولو تأمل في كتب المذهب المالكي السني) لوجدها مئات المرات قد أطلقت كلمة المسلمين على أتباع الإمام مالك فقط، ولا حرج
في ذلك، فهي وغيرها لا تريد تحجير الواسع كما أراد أن يفسر الدكتور. بقي في هذه النقطة أن يعلم الدكتور أن الإباضية إذا أرادوا أن يتحدثوا عن الإباضية خاصة فإن لهم أسماء خاصة كالإباضية، والوهبية، وأهل الدعوة، وأهل الاستقامة، وكثيرًا ما يرد في كتب الفقه: «قال أصحابنا» أو هذا قول أصحابنا»، على أن كلمتي الأصحاب وأهل الاستقامة تستعملها مذاهب أخرى للدلالة على نفسها، أما الإباضية“ و”الوهبية“ و”أهل الدعوة فهو خاص ـ عند الإباضية - بالإباضية.
-
-
بعد هذا التفسير الملتوي الذي لا لزوم إليه من الدكتور هويدي يترلقُ
قلمه إلى عبارة توحي جهة والمالكية والحنفية من جهة أخرى، فقد قال: «أما المالكيون والحنفيون
بأن الكاتب يريد إشعال فتنة، بين الإباضية من
- 145 - (1/171)
صفحة 172
الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبية اسم الموحدين، أي أنهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنهم ليسوا بمسلمين أيضا» [اهـ]. لست أدري هل كان الدكتور هويدي يحس بما تدل عليه هذه
فتنة
العبارة، وأَنَّها لا تصدرُ في هذا العصر إلا عن إنسان يريد أن يثير ويزرع البغضاء بين الناس، وأنه اختار المذهبين المالكي
ويفرق
كلمة،
والحنفي ليجعل منهما مقدح النار؛ وإلا فلماذا خصصهما دون بقية الفرق والمذاهب؟ ولماذا رجع إلى تلك العبارة الغامضة الموهمة التي قيلت قبل عشرة قرون مضت؟
إن كلمة الموحدين من الناحية الشرعية يُطلقها الإباضية على كلّ من أقر بالجملة، وليست خاصة بالمالكية والحنفية، بل تُطلق عليهما وعلى الإباضية أنفسهم، وعلى غيرهم من الفرق والمذاهب التي آمنت بالله ورسوله.
إن الإباضية يُطلقون على المالكية وغيرهم اسم المسلمين، ويعاملونهم
ويعاملون غيرهم ـــ من أتى بالجملة ـــ معاملة المسلمين، لا ينقصونهم
-
-
شيئًا أبدا ما عدا الاستغفار وطلب الرحمة من الله، فهذه حقوق شخصيَّة. والإباضية يرون أن الولاية والبراءة الشخصيتين واجبتان، فعلى كل مسلم أن يتولى ويُحب ويستغفر ويسترحم للمسلم الذي يراه موفيا ويعمل صالحا، وعليه أن يبغض ويبرأ إلى الله من كلِّ عاص إذا عرفه بشخصه، فإذا لم يعرفه توقف فيه حتى يعرفه.
- 146 - (1/172)
صفحة 173
وخلاصة مناقشة هذه النقطة أن الإباضية يُطلقون كلمة المسلمين
على جميع
المسلمين دون تفريق، وقد يطلقون كلمة المسلمين ويقصدون بها جزءا منهم بدلالة قرينة أو سياق وهذا هو الأسلوب الموجود في أحاديث جميع الفرق والطوائف، وعندما يتحدث أي متحدث عن النصر والهزيمة بين جيوش المسلمين وأعدائهم فقد ترد أمثال هذه العبارات؛ فعندما يُقال انتصر المسلمون في إسبانيا أو الهزموا في موقعة كذا فهم يعنون بذلك المسلمين الذين هم في الواجهة ولا شك أن المسلمين الذين هم بعداء عن أرض القتال ليسوا منتصرين أو منهزمين في الوقائع السابقة، وعندما يكون القتال بين فرق من المسلمين أو دول من المسلمين فيقول أحد الفريقين انتصر المسلمون أو انهزموا أو فعلوا كذا فهو بالتأكيد يريد بكلمة المسلمين الجناح الذي هو فيه أو ينتمي إليه، أو قد استعمل كلمة المسلمين للدلالة على هذا القسم الخاص، ولكن التعبير مع هذه الدلالة لا يعني إخراج القسم الآخر من الإسلام أو الحكم عليه بالكفر. أظن أن هذا يكفي لإيضاح هذه
النقطة التي حاول الدكتور هويدي أن يستعملها في غير حقيقتها. بعد هذا كله يتورط الدكتور هويدي تورطًا مخجلاً حين يقول: و كانوا يعتقدون أن دعوة هؤلاء الموحدين إلى الدين الحق ـ وهو عندهم مبادئ الخوارج - فرضُ كفاية على كل وهبي، وأن عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أول الأمر، فإن أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال على عكس المشركين ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون
N
واليهود والزرادشتية ... الخ) فإنَّه تقع عليهم الجزية». [اهـ]
- 147 - (1/173)
صفحة 174
الواقع أن هذا الكلام غير مستقيم ولا سليم، وصاحبه فيما يبدو لا
يفرق بين فرض العين وفرض الكفاية؛ فبينما يقول إن دعوة الموحدين إلى مبادئ الخوارج فرضُ كفاية عند الإباضية يناقض قوله هذا؛ فيزعم أن ذلك يجب على كل فرد وأنه على كل فرد أن يدعوهم بالحسنى فإن لم يستجيبوا قاتلهم وهذا كلامٌ يُناقض بعضه بعضا؛ وهو يزعم هنا أن الدين الحقَّ عند الإباضية هو مبادئ الخوارج، ولكنَّه في آخر الفصل بعد أن يقسم الإباضية إلى مجموعة من الفرق يقول: «وجميع هذه الفرق الإباضية تبرأ من فرق الخوارج»، فإذا كانت تبرأ منهم فكيف تعتبر الدين الحق؟ وبوضوح واختصار نستطيع أن نقول إن هذا
مبادئهم
هي
-
الكلام لا أساس له عند الإباضية، ولم يوجب الإباضية أبدا ـ لا من باب فرض الكفاية ولا من باب فرض العين ـ على كل وهي أن يدعو أصحاب المذاهب الأخرى إلى، مذهبه ولا أن يُقاتلهم، وأقصى ما يطالب به الفرد الإباضي في هذا الموضوع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب المعروف في هذا الباب. ولعل الدكتور الفيلسوف مرَّت به عبارةٌ في بعض كتب الكلام تقول ن على الإمام أن يدعو مخالفيه إلى ترك ما به ضنُّوا، وإلا أعذر إليهم وقاتلهم ومثل هذه العبارة ترد عند الحديث عن الدولة ومن يخرج عنها بصفة عامة، والوجوب هنا على الإمام والمدعو ليس هو المالكية أو الحنفية أو غيرهم وإنما هو الطائفة الخارجة على الإمام العادل مهما كان مذهبها، لأنها طائفة باغية، فيطلب إليهم الإمام أن يتركوا ما به ضلوا ـ أي برروا
-
- 148 - (1/174)
صفحة 175
به بغيهم عن الإمام - وأن يرجعوا إلى الأمَّة، فإن امتنعوا قاتلهم. وشتّان
-
بين موضوع وموضوع وما أحسب أنه يستقيم في تفكير أو عقل أن يُلزم كل فرد من مذهب بدعوة غيره إلى مذهبه فإن امتنع قاتله، وعلى كل حال فهذا شيء لم يكن عند الإباضية.
أما عبارته الأخيرة في هذه الفقرة وهي قوله: «ولكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال على عكس المشركين (ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية، فلا معنى لها ولا داعي إليها ولا علاقة لها بالموضوع. ويُخيَّل إلي أنها كانت كذلك في كتب المستشرق الذي ينحت منه الدكتور، فلم يفهمها ولم يجد لها موضعا، فوضعها بين قوسين وجردها حتى وقعت في هذا المكان صدفة، ومن غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان.
لعله ممَّا يُفيد القارئ الكريم أن أعود
معه
فأُلخص له أخطاء
الدكتور في شروحه السابقة التي لا تستند إلى حقيقة فيما يلي:
1 - «اتَّعَدَ القومُ»، وَعَد بعضُهم بعضا، حدَّدُوا موعدًا للقاء، اتفقوا على اللقاء في زمان أو مكان أو فيهما. وليس معناها: أعَدُّوا العُدَّة.
-
2
كلمة الخوارج حتى على رأي من يعتبر الإباضية فرقة من الخوارج
لا ترتبط بالإباضية ارتباطًا لفظيا مستمراً.
- 149 - (1/175)
صفحة 176
-
أُمَّة
3 ـ الإباضية في الاستعمالات العامة يطلقون لفظ المسلمين على الإجابة)، وهذا الأكثر في استعمالهم، وقد يقصدون به الإباضية
فقط بدلالة قرينة لفظية أو من السياق.
4 - كلمة الموحدين يُطلقها الإباضية على جميع من نطق بكلمة التوحيد في المسلمين، وليست خاصة بالمالكية والحنفية كما تشعر عبارة الدكتور.
--
5
-
شرحه لكلمة الموحدين بأنها تعني أنَّهم ليسوا مشركين وليسوا مسلمين غير صحيح، والموحدون هم المسلمون، وكل المسلمين في الأزمنة والأمكنة هم موحدون.
لا يُوجب الإباضية على أي إباضي أن يدعو غيره إلى الإباضية، ولا يُجيزون له مطلقا أن يقتل أحدًا من المسلمين سواء أاستجابوا له أم لم يستجيبوا، وسواء أدعاهُم أم لم يدعُهم، لأن الدعوة أمر شخصي من حقه أن يستعمله هو فقط ولا يُوجبه عليه أحد، ولو دعا أحدا فلم يستجب له فقتله لوجب قتله قصاصاً.
7 - الإباضية لا يرون أن الدين الحق هو مبادئ الخوارج، بل يرون أن مبادئ الخوارج ضلال وباطل، وأن الدعوة إليها دعوة الباطل سواء
أكانت دعوة بالحسنى أم بالشدة.
1 ـ من المعلوم أن محمدا لله لقد أرسل إلى كافة الناس من عصره إلى قيام الساعة،
فهؤلاء جميعا
هم
بالنسبة إليه أمة الدعوة، أما من أجابه ودخل في دين الإسلام
فيسمون أمة الإجابة. (المحقق)
- 150 - (1/176)
صفحة 177
8 - الإباضيَّةُ يُفرِّقون بين أحكام المشركين وأهل الكتاب والصابئين؛ فلكل واحد من هؤلاء حكم خاص به لا يتعداه إلى غيره، والتسوية بينهم في حكم الجزية خطأ من الدكتور، فإن المشركين ليسوا من أهل الجزية، ولا تقبل منهم.
-
9 - ذكر عددًا من الفرق قال إنَّها من فرق الإباضية، ثم قال: «وجميع هذه الفرق تتبرأ من فرق الخوارج الأخرى: الأزارقة والبيهسية والنجدات والصفرية ... الخ، لكنَّ اسم الوهبية يجمعها ويُطلق عليها كلها». وصحيح أن الإباضية الوهبية يبرؤون من جميع فرق الخوارج، لكن ليس صحيحا أن كلمة الوهبية تُطلق على جميع فرق الإباضية. وقد رأينا أن تُخصص فصلاً لمناقشة موضوع فرق الإباضية، أو الانشقاق عند الإباضية، وفي إمكان القارئ أن يراجع هذا الموضوع هناك.
أحسب أن هذه النماذج البسيطة التي عرضناها في هذا الفصل عن تخبط الدكتور كافية للدلالة على قيمة الكتاب في عرضه لفلسفة الإباضية.
- 151 - (1/177)
صفحة 178
هويدي في تبعية المستشرقين
للمستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام - سواء أكانت كتابتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلامية جمعاء كأمة، أو عن مذهب من مذاهبها
كمذهب أو فرقة أساليبهم ودوافعهم ومراميهم الظاهرة والخفية،
-
ومهما كان المستشرقون مخلصين للبحث العلمي في هذه المواضيع فإنَّهم في الحقيقة أشدُّ إخلاصا للدوافع والمرامي الحقيقيَّة التي حملتهم على الكتابة عن الإسلام أو عن المسلمين، أو عنهما معا.
والواقع أنهم نجحوا إلى مدى بعيد في تحقيق أهدافهم البعيدة التي يرمون إليها بكتاباتهم، ومحاضراتهم، وندواتهم وأسمارهم. ولعل من أبسط أهدافهم أن يتركوا لهم ظلالاً في بلاد الإسلام خاصة، وفي الشرق عامة. وقد استطاعوا فعلاً أن يكونوا في البلاد الإسلامية ومن أهلها مستغربين الأقلام وأصحاب الفكر ينظرون إلى الشرق من نفس الزاوية التي ينظر منها
من
المستشرقون مع فارق بسيط هو أن المستشرقين الغربيين إنَّما يخدمون
بما يقدمونه عن الشرق مصلحة الغرب، أي مصلحة بلادهم،
-
-
حملة
-
اما
المستغربون الشرقيون فهم إنَّما يخدمون - بما يقدمونه عن الشرق والغرب مصلحة الغرب أيضا، أي مصلحة الموجهين لهم، المؤثرين عليهم؛ أي أن المستشرقين الغربيين استطاعوا أن يتركوا لهم في الشرق ظلالاً تتحرك لتحركهم، ومفكرين وفلاسفة يفكرون بأسلوبهم ويتكلمون بمنطقهم، ويُقدسون حُجَّتهم ولو كانت تافهةً مضحكة، ويعتزون بآرائهم ولو كانت
- 152 - (1/178)
صفحة 179
نسيجا من الأباطيل أو الأضاليل، ويلهثون وراء ما يشيرون إليه، ولو كانت
الإشارة من طرف البنان ومن
ولعل
من
مكان بعيد.
أغرب ما يصادفك في هذا الباب أن تقرأ لبعض المستغربين
المشهورين كلاما ينقله مُتَرجَما عن كاتب غربي فتعرف أن النص إنَّما هو لكاتب مسلم استشهد به الغربي إما نقلاً أو اقتباسا فترجمه إلى لغته الأجنبية، فجاء الكاتب المسلم أو المستغرب المسلم فترجَمَ النَّص من جديد إلى اللغة العربية لأنه لا يعرف أن النص عربي، وعندما تقرؤُه تُحس بالألم يعتصر فؤادك، وذلك لأن الترجمة الأولى من العربية إلى الأجنبية أطفأت نصف الروح من النص، وترجمته الثانية من
الأجنبية إلى العربية أطفأت النصف الثاني، فلم تبق منه إلا عبارة ميتة.
إن الكاتب المسلم المستغرب المعتز بتبعيته للمستشرقين لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه يعتمد على ما يكتبه المستشرقون في القضايا الإسلامية اعتمادا كليا وهو يترفع - بزعمه ـــ أن يرجع إلى المصادر الإسلامية، فهو يجهل تلك النصوص وأصحابها ومواضعها، بل وحتى مقدار استفادة المستشرقين بها. وإما أنه يعرف ذلك ويطلع عليه، ولكنه يرى أن استناده على فيلسوف غربي أرفع لقدره وأعظم لعلمه، وأفيد لكتاباته. وللأسماء الأعجمية الغربية رنين خاص في آذان هؤلاء، كما جُعِل لأسماء حكماء الهند وفلاسفة الإغريق رنين خاص في بعض فترات التاريخ.
والدكتور هويدي ممَّن يعتمد على المستشرقين في تحليل الفلسفة الإسلامية، ويعتز بما ينقله عنهم، ويضع آراءهم في درجة البراهين، ويفضّل إيرادها والاستشهاد بها في تثبيت النظريات وتقرير الأحكام.
- 153 - (1/179)
صفحة 180
يقول الدكتور هويدي في كتابه تاريخ فلسفة الإسلام في القارة
الإفريقية»، صفحة 270 ما يلي:
يشبه دوزييه فى كتابه تاريخ المسلمين في إسبانيا) قيام حركة الخوارج في المغرب ونجاحها بقيام الحركة الكلفانية (1) في اسكتلندا ونجاحها، وذلك لما تنطوي عليه كل من الحركتين من انتصار للمبادئ الديموقراطية في الدين، ولما أدت إليه كل من الحركتين من تثبيت لدعائم الديانة التي قامت كلّ منهما في رحابها الديانة الإسلامية والديانة المسيحية.
—
وعلى العكس من ذلك ذهب جوتييه ـ في كتابه العصور المظلمة للمغرب ـ إلى أن في القول بأن حركة الخوارج ديموقراطية مبالغة كبيرة،
-
""
وذلك لأنه قد يستهوينا القول بأن الأصل في دعوة الخوارج أنها كانت غضبة تحركها ديموقراطية ديماغوجية، لكن هذا لن يكون إلا نظرة روح أوروبية مبالغا فيها إلى هذه الحركة، ومنهجًا غير صائب للتعبير عنها، حقا أننا نلتقي على رأس هذه الحركة في المدن الكبيرة برجال من
القاعدة
1 - الكالفانية أو الكالفينية نسبة إلى كالفن (Calvin (1509 - 1564): مصلح فرنسي، نشر في فرنسا وسويسرا مذهبا بروتستانتيا حمل اسمه "الكالفينية"، وأنشأ في جنيف حكومة ثيوقراطية له كتاب الأسس المسيحية وهو كتاب جعل منه أكبر لاهوتي عرفه الإصلاح المسيحي. انظر: «المنجد» (المطبعة الكاثوليكية). وانظر: «الموسوعة الفلسفية»، وضع لجنة من العلماء، إشراف م. روزنتال، ب. يودين. تر / سمير كرم. دار الطليعة. بيروت. ص: 385. (المحقق)
- 154 - (1/180)
صفحة 181
الشعبية، مثل ميسرة، أول خليفة خارجي، الذي كان مجرد سَقاء بسيط في مدينة طنجة فيما يرويه ابن الأثير ... ولكن هذه الحركة التي كانت ملحمة عسكرية كبرى استعانت من غير شك بقبائل الزناتية التي طبعت على الحرب، وكان أفرادها رعاة سلّموا مقاليد أمورهم إلى قيادة أرستقراطية)، فرجل مثل "أبو قرة" كان دون أدنى شك أميراً». هنا ينتهي كلام المستشرقين.
-
ويعلق الدكتور على ذلك بقوله: «لكننا نخالف جوتييه الرأي ونذهب إلى أن حركة الخوارج ديموقراطية في أساسها، لأن العبرة بالمبادئ التي أتت بها، أيا كانت الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها رجالها، وليس هناك ما يمنع من اعتناق أمير أرستقراطي مثل "أبي قرَّة" المبادئ الشعبية الديموقراطية التي نادت بها الخوارج، غير أنه إنصافا للحقيقة - علينا أن نقرر أن الخوارج وإن كانت المبادئ التي قدموها لنا ذات صبغة ديموقراطية، إلا أنهم كانوا متمسكين بعروبتهم إلى الحد الذي جعلهم يحتقرون الموالي وينفرون منهم. وقد روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة المنسوب الى الإمام علي بن أبي طالب أن رجلاً من الموالي خطب امرأةٌ خارجية، فقال لها الخوارج فضحتنا. وليس من
شكٍّ
الأرستقراطية: حكم الأشراف وسيطرتهم حكومة أرستقراطية خاصة بطبقة الأشراف. انظر: «المنجد في اللغة العربية المعاصرة»، نشر دار المشرق، بيروت، لبنان. ط:1، 2000 م. (المحقق)
- 155 - (1/181)
صفحة 182
أن هذه العصبية لا تتفق مع المبادئ الديموقراطية التي لا تعرف تعصبا
ضد أي جنس». [اهـ]
لعلنا
-
من مناقشة هذا النموذج نستطيع أن تعطي صورة للقارئ الكريم توضح له أسلوب المستشرقين ومن يسير في مخططهم ـ في معالجة قضايا الشرق؛ إذ لا شك أن المستشرقين يناقشون القضايا الإسلامية بموازين خاصة، ويحاولون أن يُخضعوها لمقاييس معينة عندهم يجب ـــ في رأيهم ــ أن تنطبق عليها كل الانطباق، وربَّما يتضح لنا أيضا أن الدكتور هويدي يسلك نفس المسلك، وفي إمكانك أن تتأمله في الفقرات
السابقة
-
-
-
وهو يعالج الحركات الإسلامية قبل عشرة قرون، ويقيسها بالمقاييس الغربية اليوم معتمدا في ذلك على ما كتبه المستشرقون، سالكًا
نفس السبيل التي سلكوها في التحليل والتعليل وإثبات البراهين.
وتأمل تحليل الفقرات السابقة فيما يلي: المستشرق دوزييه يرى أن حركة الخوارج تُشبه حركات الكلفانيَّة لما تنطوي عليه من المبادئ الديموقراطية. والمستشرق جوتييه يرى أن وصف حركة الخوارج بأنها ديموقراطية مبالغة كبيرة، ويحتج لرأيه هذا بأن أبا قرَّة اليفرني“ بويع إماما للخوارج، وقد كان أرستقراطيا قبل ذلك.
والدكتور هويدي يقرر أن الخوارج ديموقراطيون، ويرد على المستشرق جوتييه بأنه ليس هناك ما يمنع من اعتناق أمير أرستقراطي مثل «أبي قرَّة" المبادئ الشعبية للديموقراطية، ولكنَّه مع ذلك يعود فينفي عن حركة الخوارج مبادئ الديموقراطية إنصافا للحقيقة كما يقول؛ وذلك
- 156 - (1/182)
صفحة 183
لأن الخوارج متمسكون بعروبتهم، والدليل على هذا التمسك أن رجلاً من الموالي خطب امرأةً خارجيَّة فقالوا لها فضحتنا، والعصبية القومية لا مع مبادئ الديموقراطية، ومُنطلق الفرضيَّة والتحليل في الفقرات السابقة أن المستشرق دوزييه يزعم أن سبب نجاح سبب نجاح حركة الخوارج هو كونها تمثل مبادئ ديموقراطية.
تتفق
ولكن المستشرق جوتييه لا يعجبه هذا الرأي فيرده محتجا بأن فردا أرستقراطيا قد انضم إليهم، وأن حركتهم كانت في الشرق ولا ينبغي لنا أن ننظر إليها بمنظار غربي، فهم إذا ليسوا ديموقراطيين حين سمحوا لأرستقراطي أن يكون من بينهم ولحركتهم أن تنبت في الشرق.
ويأتي بعد ذلك الدكتور هويدي فيرد أولاً رأي جوتييه بأن الأرستقراطي قد يكون تخلى عن أرستقراطيته واعتنق المبادئ الديموقراطية، ولكنه يعود فيُنكر على الخوارج أن يكونوا ديموقراطيين لسبب أخر هو تمسكهم بعروبتهم، ويستدل على تمسكهم بعروبتهم أن أحد الموالي خطب امرأةٌ منهم فقالوا لها فضحتنا.
هكذا ترى أيها القارئ الكريم أن بحثا فلسفيا عميقا يتناول قضيَّة هامة هي قضية الديموقراطية، في حركة تاريخية هامة تمتد ما بين الصين والمحيط الأطلسي، يناقشها ثلاثة فلاسفة مستشرقان وعربي، نفيا وإثباتا، بناء على رأيهم في فرد واحد، أو بناء على قصة وردت في كتاب أدب ـــ يعلم الله مقدار صحتها ـــ ولو صحت لما كان لها أي أثر في الموضوع.
- 157 - (1/183)
صفحة 184
إن المستشرق جوتييه يستكثر أن تقوم في الشرق حركة ديموقراطية، ولذلك ينبري للرد على المستشرق دوزييه حين زعم أن حركة الخوارج إنما
انتصرت لأنها تنطوي على حركة ديموقراطية في الدين، ويرى أن دوزييه
أخطأ
التقدير لأنه نظر إلى تلك الحركة القائمة في الشرق بمنظار أوروبي مبالغ فيه؛ انه لو قامت تلك الحركة في أوروبا لأمكن أن تُعتبر حركة ديموقراطية، يعني
أما وهي في الشرق فليس ذلك ممكنا؛ لأن الديموقراطية أكبر من تفكير الشرق في رأي جوتيية. ولكي يُبرهن على أن تلك الحركة ليست ديموقراطية فتّش بين زعماء الخوارج فوجد أن الحركة الخارجية أسلمت قيادها في طرف من أطراف الأرض إلى رجل أرستقراطي يرجّح أنه كان أميرا، فكان هذا سببًا كافيا لكي يحكم بأن حركة الخوارج ليست ديموقراطية.
فالحركة التي تكونت في الجزيرة العربية امتدت شرقا إلى الصين،
وغربا إلى المحيط، وعاشت عددًا الأجيال أو عددًا من من القرون، كلُّها تنهدم في رأي هذا المستشرق بحادثة بسيطة، أن قبائل زناتة ـ وهي وهي
-
-
قاعدة شعبية أسلمت قيادها إلى أبي قرَّة» الذي يظنُّ أنَّه أرستقراطي، وبوصول هذا الرجل إلى مركز القيادة في طرف من أطراف الأرض على مجموعة ضئيلة من الناس فسدت الديموقراطية في حركة الخوارج على اتساع مداها، مع أن حالة هذا الرجل الذي وُصف بأنَّه أرستقراطي لم يعرف ما إذا كان حقا أميرًا، ولم يعرف ما إذا كان حقا أرستقراطيا، ولم يعرف ما إذا كان حين تولى قيادة الخوارج في طرف
من الدنيا
-
-
باقيا على أرستقراطيته، أم أنَّه التزم بالمبادئ الجديدة التي
- 158 - (1/184)
صفحة 185
اعتنقها، والتي اختير للإمارة من أجلها. ثم إنَّه لم يكن أميرًا على الخوارج كلهم، ولا على فرقة كاملة منهم في جميع أوطانها، وإنما كان عبارةً عن رجل تولى قيادة مجموعة من الناس ثائرة على الدولة في معارك حربية محدودة، حالفه النجاح في بعضها والفشل في الأخرى.
بعد هذا يأتي الدكتور هويدي مستعملاً نفس المنطق والأسلوب، سائراً في نفس المنهج كأنما يترسم خُطاً مرسومة، فيرد على المستشرق جوتيية باحتمال أن يكون أبو قرَّة قد تنازل عن أروستقراطيته والتزم بمبادى الديموقراطية. ولم يهتم الدكتور بهذا البناء الضخم الذي يقوم أو ينهار بسبب رجل واحد، ولم يهتم أيضا بتلك الطعنة المسمومة التي تزعم أن مثل هذه الحركة يحتمل أن تقوم عليها ديموقراطية لو أنها كانت في أروبا، أما وهي في الشرق فلا. وبعد أن ينتقد الدكتور رأي جوتيية ويرد عليه كما رأيت ويصف حركة الخوارج بأنها تنطوي على الديموقراطية، يعود فينفي أن يكون الخوارج أصحاب ديموقراطية بسبب آخر غير سبب جوتيية، وذلك عثر أثناء مطالعاته على قصة في «شرح نهج البلاغة» تزعم أن رجلاً من الموالي خطب امرأة خارجيَّة، فقال لها أهلها لقد فضحتنا ...
انه
ودون أي شرح لهذه القصَّة، ودون أي تأكيد لصحتها أو كذبها، ودون أي تعليق على أحداثها يجعلها دليلاً على أن الخوارج متمسكون بعروبتهم، والعروبة قوميَّة والقومية ضدُّ الديموقراطية. وهكذا تكون هذه
القصة
من
الفتاة وخاطبها سببًا في إبعاد الديموقراطية عن حركة الخوارج.
أنا لم أتشرف بدراسة الفلسفة، ولكنني كنت أعتقد أن الآراء الفلسفية
- 159 - (1/185)
صفحة 186
لا يمكن أن تُبنى إلا على حقائق ثابتة - أو على الأقل مؤكدة، فأي شأن لهذه القصة التي رُويت في كتاب قيل إن أصله موضوع حتى يجعل منها الدكتور هويدي برهانا على حكم فلسفي.
الخوارج في ذلك الحين كانوا منتشرين في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهم يتكونون من جميع الجنسيات المختلفة التي يتكون منها المسلمون في مختلف أوطانهم، ولهم عدد غير قليل من القيادات، منها قيادات متصلة، ومنها قيادات منفصلة، ولهم عدد غير قليل في العادات والممارسات، ولم نعرف هذا المولى الذي تجاسر فخطب فتاةً خارجية، هل هو عربي الجنسية أم له جنسية أخرى، و لم نعرف أيضا لماذا غضب أهلُها؟ الآن الفتى مولى؟ أم لأنه غير عربي؟ فكيف أمكن أن نسلب عن جميع الخوارج نتائج حركة شاملة بسبب كلمة صدرت عن أفراد أسرة إذا صحت الحكاية؟ أليس من الأيسر أن نُخرج تلك المرأة وأسرتها من نظام الديموقراطية، أو من طابور الخوارج، من أن تلغي حكمًا أعطيناه لحركة شملت العالم الإسلامي، بسبب
بدلاً
كلمة صدرت عن فرد أو أفراد ليسوا هذه المرة حتى في مراكز قيادية؟ لستُ في هذه المناقشة أحاول أن أثبت أن حركة الخوارج كانت حركة ديموقراطية أو لم تكن، فهذا موضوع لا يهمي وليس هذا مكانه. وإنما أردتُ أن أضع بين يدي القارئ الكريم أمثلة
المستشرقين ومن يسير في ركابهم لبعض القضايا الإسلامية.
من
مناقشات
فهذا هو منطق المستشرقين في معالجة القضايا الإسلامية، وهذا هو
- 160 - (1/186)
صفحة 187
منطق من يسيرون في ركابهم ويتأثرون بخطاهم؛ البحث عن التوافه والجزئيات والشواذ ثم تضخيمها وإبرازها وتسليط الأضواء عليها حتى
تأخذ المكان الأوضح في المناقشات العامة، وحتى يقضى بها على الحقائق الثابتة الأصيلة، حين تُبنى أحكام عامة على شواذ الوقائع كأنها هي أصول الحركة أو أصول الحياة.
وقد رأيت في تطبيق نظرية الديموقراطية الدينية على حركة الخوارج كيف نُوقشت بطريقة تكاد تكون هزليَّة؛ فأثبتها مستشرق لأنَّها تُشبه حركة أخرى قامت في أوروبا، ونفاها مستشرق آخر لأنه لا يجوز أن يُنظر إلى الشرق بالمنظار الذي يُنظر به إلى أوروبا، ولأن رجلاً ـ يشك أنَّه كان أميرًا - وصل إلى مركز القيادة، وينفيها متفلسف عربي لأن أهل فتاة عربية ساءهم أن يتقدَّم إلى خطبتها أحد الموالي.
ومن المؤسف أن الدكتور هويدي قد تأثر بالمستشرقين إلى حد أنه اصطنع أسلوبهم في الحديث والعرض، وفي تضخيم التوافه والشواذ، وفي إغفال الحقائق الواضحة البارزة ومحاولة إخفائها وإذابتها. وقد تأثر بهم حتى في اللهجة التي يستعملونها فهم ـ بطبيعة الحال بطبيعة الحال ـ غُرباء عن الإسلام
-
-
والمسلمين، ولذلك فعندما يكتبون عنه أو عنهم تلمح في أساليبهم رُوح الغُربة، ثم روح التعالي، ثم روح المقاضاة والحكم.
وعندما تقرأ للدكتور هويدي تُحس بنفس الشعور وبنفس الخطوات كانك تقرأ لأحد المستشرقين؛ إنَّك تستشعر الغربة فعلاً، فتُحس بأن من كتب ذلك هو غريب عن الموضوع، وليت انك تحس بهذا الإحساس
- 161 - (1/187)
صفحة 188
وأنت تقرأ له عن الفرق التي سخط عليها فقط، لكن الواقع المؤلم أنك تجد هذا في جميع أجزاء الكتاب، حتى وهو يكتب عن «الإسلام السنّي» الذي يُريد أن يظهر بمظهر المتمسك به المدافع
ومن المؤلم أن يقع الدكتور في هذه الحبالة؛ حبالة تقسيم الإسلام إلى إسلام سُنّي، وإسلام شيعي، وإسلام خارجي، وربما توسع متوسعون فيما بعد فقالوا: إسلام حنفي، وإسلام مالكي، وإسلام ظاهري، وغير الأسماء أو الأنواع ما دام كل نوع منها يصلح لأن يكون وسيلةً سهلة للحصول على شهادة دكتوراه أو ما يُوصل إليها.
ذلك
من
ونحن نعرف بوضوح أهداف المستشرقين الذين ابتكروا هذه التسميات وهذه التقسيمات ولا يزالون يبتكرون، حرصاً منهم على إظهار الإسلام بأنه فكرة بشرية متأثرة، وأن المذاهب الإسلامية لا تخرج عن كونها إما محافظةً
على تلك الفكرة بجمود، وإما بتعديلات حسب منازع زعماء تلك الفرق. لقد وقع الدكتور في هذه الحبالة فاستساغ التسميات والتقاسيم فتشبت بها في حرص وجعل يرددها في اعتزاز، حتى إنَّه في فصل واحد من كتابه رددها أكثر من عشر مرات بنفس الصيغة التي يستعملها المستشرقون الغربيون، وبنفس الأسلوب الذي يوحي بنظرة التعالي والمقاضاة والحكم. وإلى القارئ الكريم نماذج من ذلك:
يقول الدكتور هويدي في كتابه تاريخ فلسفة الإسلام في القارة
الإفريقية»، صفحات 141 - 152 ما يلي:
- 162 - (1/188)
صفحة 189
1
لأن الشيعة هي
يقال الإسلام السنّي في مقابل الإسلام الشيعي، الفرقة الإسلامية التي تُقابل بالتضاد أهل السنة والجماعة».
2 – «سنتناول تاريخ الإسلام السنّي وسنقصد به كل التطور الذي شهده الفكر الفلسفي الإسلامي»
3 - «يحسن أن نبدأ بأن نقدم للقارئ مراحل انتشار الإسلام السني في
الشمال الإفريقي».
1
4 - نستطيع أن نتخذ من تاريخ خروج عقبة بن نافع إلى المغرب عام 46 وتأسيسه مدينة القيروان نقطة بدء تاريخ الإسلام السنّي في
-
الشمال الإفريقي».
5 - «وقدوم هؤلاء الفقهاء إلى المغرب وانتشارهم في ربوعه يفقهون الناس في أمور دينهم يُعدُّ مرحلة هامة من مراحل انتشار الإسلام السني في الشمال الإفريقي».
6 - وبهذا نستطيع أن نعُدَّ ولاية عبد الرحمن بن حبيب الفهري مرحلة
-
7
8
من مراحل استقرار الإسلام السنّي في شمال إفريقيا».
«يعد حكم الأغالبة مرحلة هامة من مراحل استقرار الإسلام السني
في شمال إفريقا».
«يعد قيام دولة الأغالبة مرحلة هامة من مراحل استقرار الإسلام
السنّي في الشمال الإفريقي». (1/189)
صفحة 190
و - «أمَّا تطور علم الكلام، والتراعُ الذي شهده التفكير الإسلامي بعد
هذا بين الفرق والمدارس المختلفة،
مع ما امتزج بهذا كله
من
فلسفة
وجدل متأثر في هذا بعلوم الأوائل (علوم اليونان والتيارات الفلسفية اليونانية) فهو وإن كان قد بعد قليلاً أو كثيرًا عما يمكن أن نسميه بالفلسفة القرآنية، إلا أن من الممكن أن نعُدَّه هذا تطورا للرأي، وامتمدادًا للإسلام السنّي، وتنشيطاً له، ومظهرا من مظاهر صحة هذا الإسلام السني». [اهـ]
ألا ترى معي
أيها القارئ الكريم أنك لا تستطيع أن تفهم من الفقرة الأخيرة مما نقلناه هنا، إلا أن علم الكلام والتراع بين الفرق والمدارس المختلفة ممتزجا بعلوم اليونان وفلسفتهم قد بعد عن فلسفة القرآن؟ وهو مع ذلك مظهر من مظاهر صحة الإسلام السنّي. قد أكون أسأتُ تلخيص الفقرة السابقة، ولكنها على أي حال لا تُعطي إلا هذا المعنى أو قريبا منه.
أما الفقرة الرابعة مما نقلناه لك فتقرر الإسلام أن السني بدأ في سنة 46، بعد خروج عُقبة، فبماذا جاء الفاتحون السابقون قبل عقبة؟ وفيم ذهبت الدماء؟ وماذا كانت تصنع الجيوش في هذه البلاد؟ وما هو
الإسلام الذي جاء به عمرو بن العاص ومن بعده حتى مجيء عقبة؟ إنَّك عندما تقرأ الفقرات السابقة بعباراتها الكاملة في مواضعها من الكتاب تُحس أن الذي يكتب ذلك الكلام هو شخص غريب عن الإسلام، يتعالى عنه ويناقشه كما يناقش أية فكرة بشرية، ولقد بقي بما يسميه (الإسلام السني) في عشر صفحات من کتابه دون أن تبدو له
يلعب
- 164 - (1/190)
صفحة 191
شخصيَّة إسلامية مرتبطة بالموضوع، ورغم أنه أظهر تعصبا واضحا للمذهب المالكي، حتى يكاد يكون الكتاب كله محاولة للدعوة إليه عن
طريق الفلسفة، ولكنَّك تُحس بنوع من الجفوة الخفية بين الرجل والإسلام، وبنوع من الانفصام حتى بينه وبين هذا المذهب الذي يمجده، ويكاد يدعو إليه علنا. ومظاهر التقرب إلى الإسلام عموما وإلى المذهب المالكي خصوصا لم تفلح في إخفاء تلك الجفوة أو ذلك البعد، وبدت معهما في صورة متكلّفة مصطنعة، لكنَّ القلم يكتب عن غير عقيدة صاحبه. وفي استطاعتك أن تتأمل العبارة الأخيرة في الفقرة الأخيرة مما نقلناه لك سابقا ومظهرا من مظاهر هذا الإسلام السني» وهي عبارة جافية غليظة كانما في الإسلام هذا وذاك وذلك.
إن أي مستشرق معاد للإسلام لا يأمل في أكثر من أن ينجح في أن يُدخل إلى أذهان المسلمين أمثال هذه المفاهيم أو أمثال هذه الأساليب! وإنَّه لكسب لأعداء الإسلام أن يتحدَّث المسلم عن الإسلام بشيء من الجفوة والتعالي مساويًا له بآراء البشر، وأن يعتبر المذاهب الإسلامية قد ابتعدت عن القرآن الكريم، وتأثرت وتطورت مما عرفته من علوم (الأوائل)، ويعني ذلك أن القرآن الكريم غير صالح، وأن الديانة الإسلامية بمذاهبها المختلفة قد تخلت عنه منذ زمان وأخذت بغيره من علوم (الأوائل: اليونان والرومان). وإذا كانت هذه هي الصورة التي يُعطيها
الدكتور عن المذاهب التي يؤيدها بل ويتعصب لها، فما يُرجى منه أن
يقول عن المذاهب التي يحاول هدمها؟
- 165 - (1/191)
صفحة 192
إن المستشرقين كانوا يفعلون ذلك عن سوء نية، أما الدكتور فقد يكون فعل ما فعل عن حسن نية وسلامة طوية.
لست أدري كيف وجد الدكتور هويدي القدرة في نفسه على أن
يُقسم الإسلام إلى أقسام يُهاجم بعضها وينصر البعض الآخر. الإسلام دين متكامل شامل لا ينقسم تبعا للأهواء والآراء والمفاهيم، ولا تبعا للأشخاص والفرق والمذاهب، ولكنَّ آراء الناس وأعمالهم هي التي
تنقسم بالنظر إلى مطابقتها للإسلام واستنادها عليه واستمدادها منه. وما أحسب أن إنسانًا يتقي الله تُواتيه القدرة على أن يقول: إسلام سُنّي وإسلام شيعي، أو إسلام سنّي وإسلام بدعي، أو إسلام شافعي وإسلام مالكي، ولا
الله
حتى إسلام محمدي نسبة إلى سيدنا محمد وهو الذي جاء به عن تبارك وتعالى، وإذا صحت هذه العبارة الأخيرة ـ مع ثقلها وغُربتها ـ فإن ـــ
غيرها لا يصح بكل تأكيد.
ـــ
من
ولكن ما الحيلة وأخونا هويدي دكتور في الفلسفة من باريس؟ فلا بد أن ينظر إلى الإسلام بالمنظار الذي ينظر به إليه فلاسفة المستشرقين. وبعد هذا كله فإن كتاب الدكتور هويدي صورة مشوهة أُخذت كتاب «الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي» للمستشرق الفرد بل)، ولو أتيح لذلك الكتاب أن يسترجع ما أخذ منه لما بقي للدكتور هويدي إلا أوراق بيض، ويتخللها قليل من السواد بين غلافين أخضرين يحملان عنوان الكتاب ... لقبًا علميًا ضخما لمؤلّف ...
- 166 - (1/192)
صفحة 193
عز الدين التنوخي
الأستاذ عز الدين التنوخي، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق،
معروف بجهوده الصادقة في خدمة الثقافة الإسلاميه واللغة العربية، وقد
اهتم
-
فيما اهتم به - بتراث الإباضية في المجالين الشرعي والأدبي،
-
وقد تحدث عنهم بشيء من الإسهاب والتفصيل. ويسرني أن أضع بين يدي القارئ الكريم مقتطفات مما كتب عنهم.
قال في مقدمته عن ديوان أبي بكر بن أحمد بن سعيد الستالي الذي
قام بطبعه الأديبان سُليمان وأحمد ابنا شيخنا الفاضل محمد
بن عبد الله
السالمي (1)، بالمطبعة العمومية بدمشق سنة 1383 هـ، 1964 م، الصفحة
01، ما يلي:
ويكفي في الدلالة على مبلغ جهالتنا بعمان وأهلها، أن السواد الأعظم من العرب والمسلمين يظنُّونهم من غُلاة الخوارج كالأزارقة والنجدات والصفرية، حتى إن ابن خلدون نفسه يقول ما نصه: والخوارج بها كثيرة، وكانت لهم حروب مع بني بويه مع أن إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولاً، ثم عن التعصب المذهبي ثانيًا، لما ظهر غلاة
- 167 -
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
-
13 (1/193)
صفحة 194
المذاهب؛ فقد خلطوا بين الإباضية والأزارقة والصفرية والنجدية فالإباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا إنكار الحكومة بين على ومعاوية، وأمَّا استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد والحكم بكفرهم كفر شرك فقد انفرد به الأزارقة والنجدية والصفرية، وبه استباحوا حمى المسلمين، ولما كان مخالفوهم لا يتورعون ولا يكلفون أنفُسهم مؤونة البحث عن الحق ليقفوا عنده، خلطوا بين الإباضية الذين لا يستبيحون قطرة دم موحد بالتوحيد الذي معه، وبين الذين استحلوا الدماء بالمعصية حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم، أن الفرق كبير جدا بين المستحل والمحرِّم فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا مع
(1)
الصَّلالُ). . ومن جهل علمائنا بعُمان وأهلها وعلومهم وآدابهم أنهم لم يطلعوا على كتبهم الدينية، ولا على الفقه الإباضي المبني على الكتاب والسنة، ولا على مسند الإمام الربيع بن حبيب، وسنده ثلاثي عن أبي عبيدة التميمي عن جابر بن زيد عن الصحابة، وقد أخذ جابر وأبو عبيدة عن الصحابة. وجابر بن زيد من رجال البخاري ومسلم أخذ سبعين من الصحابة البدريين، وكان من
تلامذة
حبر
عن
الأمة عبد
الله
بن
عباس، وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبد الله السالمي في ثلاثة مجلدات، طُبع اثنان منها في مصر، والثالث بدمشق .. » [اه].
1 - سورة يونس الآية 32
- 168 - (1/194)
صفحة 195
وبعد حديث عن أسرة السالمي المجيدة، وخدمتها للعلم والأدب، وقيامها على نشر الثروة الثقافية في عُمان، قال الأستاذ التنوخي في نفس الصفحة: «فمن الجهل بعمان وأهلها أنه ليس في كتب تراجمنا كيتيمة الدهر للثعالبي ذكر لشعراء عُمان، بعد أن ذكر الثعالبي شعراء أكثر الأقطار العربية وغيرها؛ ذلك أنهم بجهالة المؤرخين بعُمان، وأهلها، أو لتعصُّبهم السياسي والمذهبي، أهملوا الكلام على مذهبهم وثقافتهم، وانتباه العرب في أيامنا هذه لعروبتهم ولتاريخهم السياسي والعلمي ولسعيهم لجمع شملهم وإعلان وحدتهم القومية، كل ذلك مما يوجب البحث عن هذا الشعب العربي الصريح بنسبه، والمجيد بحسبه، ومضرب المثل بفصاحته وشجاعته العربية، وجهاده وكفاحه للمستعمرين». [اهـ]
وجاء في مقدمته على ديوان النبهاني، صفحة 26 ما يلي:
«وقد نُشرت في دمشق أخيرًا بعض هذه الكتب، كالجزء الثالث من شرح مسند الربيع بن حبيب؛ وهو أقدمُ كُتب الحديث وأصحها، وشارحه العلامة نور الدين السالمي، وقد خرَّجتُ أحاديث المسند وجلها في الصحيحين وسائر الكتب السنّة من كتب السنة، مما يدل على أن مذهب إباضية عُمان والمغرب من أقرب المذاهب إلى السنة، كما ذكر ذلك الإمام فى كامله وابن حزم وغيره من المحققين» (1). [اهـ]
1
-
«ديوان السلطان سليمان بن سليمان النبهاني». صححه وشرحه وعلق عليه عزا الدين التنوخي. المطبعة العمومية، دمشق سوريا 1384 هـ/1965 م. ص: 26.
- 169 - (1/195)
صفحة 196
(1) مايلي:
وقال في مقدمته لكتاب «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل «لقد حذا أئمَّةُ عُمان حذو ملوك الإسلام من العرب والعجم في استفتاء
علماء بلادهم في النوازل الطارئة، والمشاكل المتعلقة بالدين؛ فكانوا يُجيبون على الأسئلة التي يسألهم عنها عُمَّالهم من الحكام بخط أيديهم، مما يدلُّ على صدق إيمانهم وإخلاصهم في الأحكام واعتمادهم على الكتاب والسنة، وكانوا يحثون عمالهم على مراقبة الله فيما يُصدرونه من أحكام مراعين في ذلك مصالح الرعية - فإن دين الله يدور مع المصلحة ــــ ومعتصمين بالكتاب
-
والسنة وآثار الصحابة والسلف الصالح وأقوال الأئمة المجتهدين. كذلك كان المتداعون من الرعيَّة المختلفون بعمان يستفتون الأئمة والفقهاء والمتبحرين في نوازلهم ويثبتون بفتاواهم ما يدَّعون، فكان يجتمع.
لدى الفقيه أو المفتي والقاضي مع مرور الزمن كثير من الأجوبة على أسئلة الناس؛ فتارة كانوا يجمعون تلك الفتاوى المهمة والأقضية في كتاب خاص، وتارة كان يجمعها بعض أولاد المفتين أو تلاميذهم كما فعل الأمير الفاضل البار السيد صالح بن عيسى بن صالح الحارثي جزاه الله خيرا في نشر فتاوى جده الإمام المحتسب الشهيد صالح بن علي الحارثي (2) المجموعة في كتاب "عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح».
1 - «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل» للأمير عيسى بن صالح بن علي بن ناصر صححه وأشرف على طبعه عز الدين التنوخي. المطبعة العمومية، دمشق.
الحارثي.
1291 هـ/ 1956 م
2 انظر ملحق التراجم. (المحقق)
ـ
- 170 - (1/196)
صفحة 197
وبعد هذا تحدث عن عدد ممَّن سلك هذا المسلك من ملوك المغرب
وغيرهم ممَّن جمع فتاوى المفتين من مختلف المذاهب في كتاب اعتبر مرجعا في تلك النوازل والقضايا. ثم قال: «هذا والمطَّلِعُ على الفتاوى العُمانية يجد مُصنّفها يعتمد بادئ الأمر على كتاب الله ثم على السنة، وينظر في أشباه وقائعه التي أفتى فيها المجتهدون من السلف الصالح، وإذا ما وجد فتوى لأحد إئمة السنَّة كالإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك والأوزاعي تُشبه فتواه استشهد بها تأييدا لفتواه، واستئناسا بأقوال المجتهدين من قبله، ولولا خشية الإسهاب المملّ لأتيت بأمثلة ذلك.
من
الله
ومَن علم (1) أن علماء الإباضيَّة يرجعون في الحديث إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، الذي يروي أحاديثه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة وأكثر أحاديثة فى الصحيحين وأمهات كتب الحديث. وقد كان الإمام جابر يُعد من أكبر تلاميذ حبر الأمة عبد بن عباس، وأخذ أجلة الصحابة، ومنهم سبعون بدريًا، وقد سأل أحد البصريين ابن عباس عن شيءٍ فقال له: "تسألونني وفيكم جابر بن زيد؟ “. وفي حديث سفيان عن ابن دينار عن عطاء أن ابن عباس قال: "لو أن أهل البصرة نزلوا
عن
عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا عن كتاب الله عزَّ وجلّ.
1 ـ كذا، ولعلّ في العبارة تصحيف، فالمعنى لا يستقيم لغياب جواب الشرط، ولعله أراد:
-
ومع العلم أن ... »، فتأمل. (المحقق)
- 171 - (1/197)
صفحة 198
وجاء في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي عن ابن أبي خَيْثَمَة قال: سمعتُ يحيى بن معين يقول: "أبو الشعثاء جابر بن زيد روى عن قتادة أنه بصري ثقة، وقد أجمعوا على إمامة يحيى بن معين
66
وتوثيقه وحفظه. وهو الذي يقول عنه. وهو الذي يقول عنه أحمد بن حنبل: "السماع من يحيى بن معين شفاء لما في الصدور، خلقه الله ليظهر كذب الكذابين، وكل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث، وقد أخذ عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وخلائق لا يُحصون والذي يُظهر كذب الكذابين يُظهر صدق الصادقين كأبي الشعثاء جابر بن زيد إمام الإباضيين. وممَّا قلته في مقدمة الجزء الثالث في شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي: "ومن أعلم أهل السنة بالإباضية، وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد في كتاب الكامل»؛ فقد قال ما نصه: قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة“. وقال ابن حزم: و أسوأ الخوارج حالاً الغُلاة وأقربهم إلى قول الحقِّ الإباضية. ويقول نورالدين السالمي، ـــ شارح المسند في مقدمة كتابه «تحفة الأعيان» ـ وهو من علماء عُمان الأئمة: "ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من فارقنا ... الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن
-
إمامنا، والسنَّةُ طريقنا، وبيت الله الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا (1).
-
1 ـ انظر: السالمي عبد الله بن حميد، نورالدين: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان». تح/ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. ط 2. 1350 هـ. مطبعة الشباب. القاهرة. ج 1. ص: 69. (المحقق)
- 172 - (1/198)
صفحة 199
لا جرم أن كل من يقول هذا القول ويعترف هذا الاعتراف فهو من المسلمين الناجين، وكل من يتّهم الإباضي بالزيغ والضلال فهو من فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، ومن الظالمين الجهَّال، جمع الله ما فرَّقوا، ورتق ما فتَقُوا، ومزّق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط بالكافرين». (1) [اهـ]
وقال الأستاذ التنوخي في مقدمته على شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ما يلي (2): «ومن يُمن الطالع على الحديث أن
الأسف أنا لا ندري ومن
شيئًا
عن
يكون الربيعان الربيع بن صبيح والربيع بن حبيب في طليعة ركب الجامعين للحديث والمصنفين فيه. مصير مسند ابن صبيح، وعسى أن يهتم بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات. ومن لطف البارئ أن أبقى لنا مُسند سميه الربيع بن حبيب، ثم من نعمته علي أن وفقني لإعادة نشره مع شرح علامة عُمان الله حميد السالمي، ولما يطلع على المسند وشرحه من مصر والشام والعراق إلا قليل.
عبد
بن
علماء
1 ـ عز الدين التنوخي مقدمة كتاب: «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل». للأمير عيسى بن صالح بن علي بن ناصر الحارثي. المطبعة العمومية دمشق، 1291 هـ/ 1956 م. الصفحات: أ - ح. (المحقق)
-
2 ـــ عز الدين التنوخي. مقدمة الجزء الثالث من شرح السالمي للجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي. المطبعة العمومية، دمشق، 1383
هـ / 1963 م. (المحقق)
- 173 - (1/199)
صفحة 200
الثلاثيات وقد ذكر أئمة الحديث أن رُتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن من المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنه أصح الأسانيد الثلاثية، كسند الزهري عن سالم بن عبد
الله بن عمر عن أبيه، علقمة وسند إبراهيم النخعي عن عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري، لأن هذه الأسانيد قصيرة السند، وقريبة الاتصال بالينبوع المحمدي، واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط، وكمال الصدق والصيانة والأمانة وذهب الإمام أبو منصور التميمي إلى أن أجل الرواة عن الإمام مالك بن أنس هو الشافعي، فأجل على ذلك ـ ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن
الرواة
-
-
مالك، ويسمى هذا السند سلسلة الذهب.
ويشبه هذه السلاسل الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب: وثلاثياته أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم، لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا انقطاع وإعضال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها، ولم يسقط في أسانيدها الثلاثية أحد. و (المعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي، كقول مالك: قال رسول الله، وقول الشافعي قال ابن عمر. وقد يُوردُ على قولنا هذا إن في مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلاً، ويُجاب على هذا القول: إن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم بَلَغَني أو بلغنا، أو سمعت عن فلان، أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم
- 174 - (1/200)
صفحة 201
رحمهم
الله أجل وأتقى من أن يُوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عنعنة هذا المسند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة أخذ جابر، وجابر أخذ الصحابة مباشرة، عن حتى قيل إن أبا عبيدة أدرك من
أدركه جابر من الصحابة.
عن
ومن مزايا هذه الثلاثيات أو السلاسل الذهبية، سهولة حفظها، وحافظ المسند الثلاثي الرجال، إذا روى حديثا من أحاديثه صدره بسنده الثلاثي الذي لا يختلف في جميع أبوابه، وحفظ الأحاديث الثلاثية أيسر على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه يسهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالها لقلتهم، والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق والأمانة أكثر مما يعرفه عن رجال سلسلة عديدة الحلقات قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب لصدقه وديانته، مما يُضعف الحديث ويجعله غير مقبول.
ولمزايا هذه الثلاثيات اهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات نذكر منها: ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة أخيرا بدمشق سنة 1380 هـ، وشرحها في جزأين الإمام محمد السفاريني، وعدد ثلاثياته
خمسة وستون ومائة حديث.
وثلاثيات البخاري وهي في صحيحه إثنان وعشرون حديثًا غالبها عن مكي بن إبراهيم مِمَّن حَدَّثَ عن التابعين وهم في الطبقة الأولى من
شيوخه، مثل محمد بن عبد الله الأنصاري وأبي عاصم النبيل، وأبي نعيم،
وخلاد بن يحى، وعلي بن عباس.
- 175 - (1/201)
صفحة 202
وثلاثيات الدارمي وهي خمسة عشر حديثا وقعت في مسنده بسنده.
وثلاثيات الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمود الناجي وغيرهم. وتضيف اليوم إليها: ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سندًا، ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم: أبو عبيدة التميمي، وجابر بن زيد الأزدي، والبحر عبد الله بن عباس شيخ جابر، وغيره من الصحابة وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة، وهذا السند لا يختلف في جميع أبواب المسند كما يختلف في سائر كتب الثلاثيات.
-
هذا حكم المتصل من أخبار هذا المسند. والمنقطع ـ بإرسال أو بلاغ
-
في حكم الصحيح لثبوت وصله من طرق أخرى. وأما المرسل فقد جاء في التدريب عن ابن جرير قال: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين. قال ابن عبد البر: "كانه يعني ان الشافعي أوَّلُ من رده". وقال السخاوي في فتح المغيث: "قال أبو داود في رسالته: أما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم في ذلك وتابعه أحمد وغيره“. وقلّ
من
المشتغلين بالحديث في ديارنا الشاميَّة وفي مصر والعراق وغيرها من
له
معرفة برجال هذا المسند الثلاثة. وكذلك يحسن بنا أن نُعرفهم ولو بإيجاز؛
فأول رجال المسند هو:
- 176 - (1/202)
صفحة 203
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية أبي جعفر المنصور، وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي. وقد روى جابر أيضا عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وروايته هذه
عنهم موجود بعضها في هذا المسند الصحيح، وهي رواية تابعي عن صحابي. شيوخه: أخذ أبو عبيدة العلم عمَّن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر
بن عبد الله وجابر بن زيد، وعن صحار العبدي، وجعفر السماك، وغيرهم. تلاميذه: وحمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير: منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب هذا المسند، ومنهم حملة العلم إلى المغرب)، وهم: أبو الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن، رستم وعاصم السدراتي، وإسماعيل ابن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي)، وكان الإمام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة. وبأمره نصب الإمام عبد الله بن يحي الكندي في أرض اليمن، وجمعت إمارته اليمن والحجاز. وأقام حَمَلةُ العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الوداع سأله اسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيًا يا ابن درار؟ قال: أرأيت إن ابتليتُ بذلك؟
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 177 - (1/203)
صفحة 204
وأما جابر بن زيد الجوفي الأزدي أبو الشعثاء (ت:93 هـ)، أصلُ
المذهب الإباضي في عُمان والمغرب، وصاحب عبد الله بن عباس، فقد كان أشهر من صحبه وقرأ عليه. وذكر أبو طالب مكي في كتاب «قوتُ القلوب» أن ابن عباس قال: "اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعَهُم علمه، وقال إياس بن معاوية: "رأيت البصرة وما فيها
،،
مفت غير جابر بن زيد، ( ... ) وعن الحصين بن حيان قال: "لما مات جابر بن زيد فبلغ موته أنس بن مالك، فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، ( ... ) ولما مات جابر بن زيد ودُفن قال قتادة: أدنوني من قبره، فأدنوه فقال: اليوم مات عالم العرب، وعن ابن عباس قال: جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه قال: ”عجبا لأهل العراق كيف
""
(1) 66
يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعَهُم علمه “
شيوخه وتلاميذه الذين حمل عنهم العلم أو حملوه عنه: أولهم بن عباس، فقد أكثر من الحمل عنه، وعبد الله
الله
بن عمر.
وأخصهم به عبد وممَّن أخذ عنه قتادة، وعمرو بن دينار وأيوب [كذا]، وخلق.
وإذا تأمل الإنسان روايات هذا المسند وجَدَه يروي عن كثير من الصحابة، وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر بلغ سبعين رجلا فما ظنك بمن لقيهم جابر بن زيد من سائر الصحابة؟ وأشهر أصحابه الراوين
1 ـ انظر عبارات أبي طالب مكّي عند الشماخي: «السير». ص: 70، 71. (المحقق)
ـ
،
- 178 - (1/204)
صفحة 205
عنه: أبو عبيدة، ومنهم ضمام بن السائب وأبو نوح، وحيَّان الأعرج، وكلُّهم من الفقهاء المجتهدين، وناهيك قوله: "أدركت سبعين رجلاً من
أهل بدر فحويتُ ما بين أظهرهم إلا البحر“، (ابن عباس).
شرح المسند: أمَّا شارح هذا المسند فمن الحقِّ أن تلم من ترجمته بما يصور حقيقته ويبين منزلته بين العلماء المحققين، فهو الشيخ نورالدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم بن عُبيد خلفان بن بن خميس السالمي الضّي (1286 هـ، 1332 هـ) انتهت إليه رئاسة العلم بعمان، وظهر ذلك في تأليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والإجادة في تأليف كتبها ورسائلها.
صفاته: كان رحمه الله ضريرًا قوي الذاكرة والذكاء، شديد اليقظة على تطورات قومه بعمان، فقد عمل كثيرًا على إعادة الإمامة إلى القطر العُماني الذي قلما عرف الملكية قديما إلا في ظروف شاذة، كما وقع على عهد بني نبهان في عصر ابن بطوطة.
""
ولم يكن يكتم ميوله وآراءه في الإمامة عن السلطان "فيصل بن تركي سلطان عُمان، ولكنه لم يجد منه انقياداً إلى إعلان الإمامة بدسائس الإنجليز الذين يتحينون الفرص للانقضاض على أقطار الخليج العربي.
ومطامعهم في جزيرة العرب ونفطها ومعادنها لا تحتاج إلى تعريف.
وما زال هذا العالم العامل يعمل على بث الدعاية للإمامة لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يخشى في إعلان الإمامة سطوة غاشم، حتى بدت للعلماء
- 179 - (1/205)
صفحة 206
المساعي البريطانية لحمل سلطان مسقط على الاعتراف بالحماية البريطانية، فأسلس العلماء القياد للنور السالمي شارح هذا المسند، وأعلنوا الإمامة بمبايعة الإمام التقي العلامة "سالم بن راشد الخروصي، (1)، وبذلك نهض المترجم له ببلاده وأقصى عنها خطر الاستعمار، وما في عُمان اليوم من علماء إلا وهم تلاميذه، ولا فيهم من روح قومية مُقاومة للمستعمرين إلا منه، فهو مُضرِمُ نارها وملهب أوارها، وإن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك
المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين، فهو في قصر عمره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي بدمشق رحمهما
ومن تلك الكتب:
الله
1 - تحفة الأعيان في تاريخ عُمان: جزءان، طبع أولهما بمصر. الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة: طبع بهامش «شرح طلعة الشمس» في أصول الفقه.
-
-
ائمة شرح المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي: من القرن الثاني في ثلاثة أجزاء، طُبع الأول والثاني منها بمطبعة الأزهار
البارونية، والثالث بالمطبعة العمومية بدمشق في هذه السنة.
4 - سواطع البرهان رسالة في تطورات العصر في اللباس، جواب لسؤال
بعض أهل زنجبار.
1 - انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 180 - (1/206)
صفحة 207
5 - مدارج الكمال: أرجوزة في الفروع الفقهية تنيف عن ألفي بيت، وهي
،،
نظم مختصر الخصال للأمام أبي إسحاق الحضرمي، مطبوعة.
6 - معارج الآمال: شرح لهذه الأرجوزة، وهي تُنبى عن عن غزارة علمه ورسوخه في علم الشريعة، قيل إنه يبلغ ستة عشر جزءاً.
7 - غاية المراد: أحد متون أصول الكلام.
8 - مشارق أنوار العقول: شرح أرجوزته في أصول الدين، شرحها شرحًا وافيًا عُدَّ بها من أحسن كتب الأصول تحقيقاً وتحريراً وتنسيقا، طبع بمصر.
و - أنوار العقول: أرجوزة في أصول الدين تزيد على 300 بيت. 10 - بهجة الأنوار: شرح أنوار العقول، طبع بهامش طلعة الشمس. 11 - شمس الأصول في أصول الفقه من أجل متون هذا الفن وأكثرها نفعاً. شرح طلعة الشمس في أصول الفقه جدير بأن يُعد من أنفسن
-
12
كتب الأصول.
13 – جوهر النظام أرجوزة في الأديان والأحكام الشرعية والحكم، وهي بضعة عشر ألف بيت.
-14 - بلوغ الأمل: أرجوزة في أحكام الجمل الثلاث في الإعراب، نفيسة جدا. 15 – الفتاوى العُمانية: في سبعة أجزاء منها كتاب «حل المشكلات». رسالة تلقين الصبيان لمدارس عُمان وقد طبعت بدمشق بالمطبعة
-
16
العموميَّة، وهي رسالة مفيدة للصبيان والرجال معا.
17 - المنهل الصافي في العروض والقوافي: أرجوزة تزيد على 300 بيت.
- 181 - (1/207)
صفحة 208
وإذا اطلع المنصف على هذا الشرح، وجد الشارح واسع الاطلاع، وأَلفَى شرحه واضحاً مبينا، وتعابيره صحيحة فصيحة، أسلوبها المساواة، فلا مسهبة مملة، ولا مفرطة الإيجاز مُخلّة. وأما أبحاثه فيها فإنها تدلُّ على
هي
اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرًا ما ينقل عن العلماء المخالفين كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث؛ كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والطبراني والبيهقي و غيرهم من أهل السنة والجماعة، مما يدل على أن الإباضية. في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة.
والناظر في شرح النور السالمي عالم عُمان، يمتلى طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال المذاهب غير السنّية من يستشهد برجال الحديث
والفقه من أهل السنة إلا استشهاد نقد ورد.
وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح ولا سيما ما رواه الشيخان - إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السُّنَّة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في صحيحين، وجابر بن زيد من روى عنهم البخاري وغيره، لكيلا يقع وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنَّهم من الخوارج الغلا كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم.
فيما
ومن أعلم أهل السنة بالإباضية وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد في كتابه «الكامل» فقد قال ما نصه: "قول عبد الله بن إباض هو
- 182 - (1/208)
صفحة 209
أقرب الأقاويل إلى السنة. وقال ابن حزم: "أسوأ الخوارج حالاً الغلاة
وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضيَّة (1).
وابن إباض هو عبد الله بن إباض المري التميمي الذي عاصر معاوية (2)، وعده الشماخي في السير من التابعين، وكان من أتباع الإمام جابر بن زيد مؤسس المذهب الإباضي، ولو نُسب المذهب إلى جابر بن زيد تلميذ ابن عباس، لكان في رأيي أصح علما، وأصدق نسبًا.
وإليك ما يقوله الشارح المعتدل المنصف في مقدمة كتابه «تحفة الأعيان»: "وندعو إلى كتاب الله، ومعرفة الحقِّ وموالاة أهله، فمن عرف منهم الحق وأقر به توليناه وحرمنا، دمه، ومن أنكر حق الله منهم، واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين، وعاندهم فارقناه وقاتلناه حتى يفيء إلى أمر الله، أو يهلك على ضلالته من غير أن تنزلهم منازل عبدة الأوثان، فلا نَستَحلَّ سباياهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، ولا قطع الميراث منهم (كغلاة الخوارج ولا نرى الفتك بقومنا، ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالاً، لأن الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحدٌ المسلمين ممَّن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة؟، ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا، ما داموا
من
1 - المبرد محمد بن يزيد أبو العباس: «الكامل في اللغة والأدب». نشر مكتبة المعارف. بيروت. (د. ت. ن). ج:2، ص: 214. (المحقق)
2 كذا ولعله أراد عبد الملك بن مروان الذي كان يراسله، فليتأمل. (المحقق)
-
- 183 - (1/209)
صفحة 210
يستقبلون قبلتنا، ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله، خلافًا للخوارج) الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه بريء من الزنا من قومهم، وهم بذلك مُضلون». [اهـ].
فالإباضية اليوم في عُمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين، والمتمسكين بالكتاب والسنة. وقال النور السالمي أيضا: "ليس من رأينا – بحمد الله ـ الغُلُوُّ في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من فارقنا ... الله ربنا، ومحمَّدٌ نبينا، والقرآنُ إمامنا، والسنَّةُ طريقتنا، وبيت الله الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا.
—
ولذلك يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد مثل هذا الاعتراف فيكون من المتألين الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي الله بقوله: «ويلٌ للمتألّين مِن أُمَّتِي» (1)، أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنَّة، وفلانٌ في النَّار.
ويُفهم من شرح هذا المسند أنّ الشارح من المتمسكين بالحديث الصحيح، وأرباب العقل الراجح، والمعظمين لرسول الله وأقواله، والمهتدين بسنته وأفعاله فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء، ويختار على أقوال أهل المذهب ما صح من حديث الرسول فليس هو ممن يرى العمل على الفقه لا على الحديث. قال شارح «الصراط
1 ـ لم نعثر على هذا الحديث. (المحقق)
-
- 184 - (1/210)
صفحة 211
المستقيم»: إذا وجد تابع المجتهد حديثاً صحيحا مخالفًا لمذهبه، هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك؛ قالوا: لأن
المتبوع والمقتدى به هو النبي ومن سواه فهو تابع له فبعد أن علم وصح قوله فالمتابعة لغيره غير معقولة.
قلت ولذلك لا يجوز التعصب للمذاهب تعصبا يُستهتر به بحديث الرسول فإن ذلك من الفسق، والبعد عن الدين، والخروج على سيرة الصحابة والتابعين.
ومن هؤلاء المتعصبين الجامدين - كما يقول بعض الأئمة ـ من إذا ـ
-
مر عليهم حديث يوافق قول من قلدوه انبسطوا، وإذا مرَّ عليهم حديث يخالف قوله، أو يوافق مذهب غيره رُبَّما انقبضوا، ولم يسمعوا قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
هذا وما كان أهلُ عُمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما اطلعت عليه مبني على السنَّة، وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه والمذهب، عملاً بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه فقد جاء في «الحجة البالغة» أن ابن عمر رضي الله عنه قال لجابر بن زيد: "إنك
1 - سورة النساء الآية 65
- 185 - (1/211)
صفحة 212
من فقهاء البصرة، فلا تُفت إلا بقرآن ناطق، أو سُنَّة ماضية، فإنَّك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت.
ولذلك نعتقد ونقول: إن المعقول، ومن القلب المقبول)، ألا نهتدي إلا
(2)
بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» [اه].
1 - كذا ولعله أراد: «و من القول المقبول ... » (المحقق).
-
2 سورة النساء الآية: 59
-
- 186 - (1/212)
صفحة 213
مع إبراهيم محمد عبد الباقي
من قرأ كتاب الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي «الدين و العلم الحديث» يبدو له واضحا أن الأستاذ إبراهيم كاتب نزية حريص على وحدة الأمة المسلمة، يُحارب بقوَّة كل ما يحرِّك الفتن ويسبب الفرقة، كما يحارب بقوة وبصيرة تلك البدع المنكرة التي انحرفت بسلوك المسلمين، وضللت عقائد البسطاء منهم وربَّما أزاغتهم عن معنى التوحيد الخالص.
وقد تحدث عن الإباضية في كتابه القيم، ويسرني أن أضع بين يدي القارئ الكريم ما قاله الأستاذ إبراهيم عبد الباقي ص 252 من كتابه «الدين
والعلم الحديث:
طرف من عقائد الخوارج
لقد شاع في المسلمين أن جميع الخوارج غير مسلمين، ولكن الناقد البصير لا يصح أن يجرد البعض من الإسلام، لأنهم ــ في خروجهم ـ على مذهب لهم فيه تأويل، ومنهم عُبَّاد وزُهَّاد مَلَوُوا بُطُون الكتب بورعهم
-
وتقواهم، هذا ولما كان الوقت شحيحا يضنُّ عليَّ بالبحث عنهم والتنقيب
اتصلت بمن له خبرة بهم، وهو زعيم طائفة منهم تسمى الإباضية.
هذا الزعيم يسمى
أبا إسحاق إبراهيم اطفيش (1)، موظف بدار الكتب
المصرية فكفاني مؤونة البحث، وكتب الكلمة الآتية». [اهـ]
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 187 - (1/213)
صفحة 214
بعد هذه المقدمة البسيطة نقل الأستاذ إبراهيم الفصل الذي كتبه له الإمام أبو إسحاق اطفيش عن الخوارج، وسوف نجده ضمن فصول هذا
الكتاب تحت عنوان «نبذة عن الخوارج».
-
وبعد هذا الفصل قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقي ما يلي: «يريد الأستاذ ـ أي أبو إسحاق بالمذاهب المتعفنة أن كل طائفة متشبثة بمذهبها ولو كان الحق مع مذهب غيرها، وهذه آفة القديم والحديث؛ إذ إن الحق أحقُّ أن يُتَّبع، والمنصفُ يسير مع الحق حيث سارت ركائبه، وكان عمر رضي الله عنه ينظر في الحكم فإن كان في كتاب الله قضى به، وإن لم يكن في كتاب الله نظر في السنة، فإن لم يجده في السنة جمع رجال الدين، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.
أما الآن فقد خالف الناس، واتَّبعوا المذاهب، وإن كان ذلك مخالفا للسنة. هذا وقد أخبرني الأستاذ أبو إسحاق بأن مذهب الإباضية أكثر انتشارا في جنوب الجزائر في وادي ميزاب)، وفي تونس في جزيرة جربة، وفي ليبيا في جبل نفوسة)، وفي زنجبار وعمان) باليمن، حيث يوجد نظام الإمامة المطابقة في بيعتها لبيعة الخلفاء الراشدين» (1). [اهـ]
1 ـــ آخر بيعة في هذا النمط بإجماع الأمة، كانت سنة 1338 هـ للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخليلي، وقد سار بالإمامة على منهج العدول في أمة محمد. ولما توفّي اجتمع أهل الحل والعقد سنة 1945 م على بيعة الإمام غالب بن علي، ولكن مكايد الاستعمار الإنجليزي أدخلت أصابعها إلى عُمان فقوضت أركان الإمامة، وأخرجت الإمام من عُمان. (المؤلف)
- 188 - (1/214)
صفحة 215
بعد هذا التعليق البسيط ينقل الأستاذ إبراهيم عبد الباقي مقتطفات من مقال للأستاذ مصطفى الشكعة، سوف ننقله لك ضمن فصول هذا الكتاب.
وبعد أن انتهى! قد تصفحت من كتبهم ما يأتي:
الأستاذ إبراهيم من الاستشهاد بمقال أبي إسحاق والشكعة قال:
أولاً: «جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام» للإمام نورالدين أبي حميد بن سلوم السالمي العماني رحمه الله، وله
الله محمد عبد
بن
تعليق عليه، ولد سنة 1286 هـ وتوفي سنة 1332 هـ.
ثانيا: «شامل الأصل والفرع» لمحمد بن يوسف اطفيش.
ناصر بن سليمان
ثالثا: جامع أركان الإسلام» للشيخ العلامة سيف بن طبع أوَّل مرَّة بمطبعة الآداب سنة 1331 هـ.
الخروصي
(1)
رابعا: مشارق أنوار العقول» طبعه السيد حمود بن محمد بن سعد سلطان
زنجبار بمطبعة المحروسة، سنة 1314 هـ.
خامسا: «الوضع» مختصر في الأصول والفقه؛ تأليف الإمام أبي زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوني (2) رحمه الله تعالى نشره وعلق عليه الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، طبع بمطبعة الفجالة الجديدة.
1 - انظر ملحق التراجم.
2 انظر ملحق التراجم.
- 189 - (1/215)
صفحة 216
وقد استنتجت من هذه الكتب ما يأتي:
أولاً: التنزيه المطلق الله تعالى، ويوجبون تأويل المتشابه بما يليق بجلال الله تعالى كاليد؛ تُؤوّل بالقوة وتارة بالنعمة، فمذهبهم مذهب
الخلف في المحكم والمتشابه.
ثانيا: لا يرون رؤية الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من كمال الله تعالى، لأن الرؤية تستدعي مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلون بالآية الشريفة لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
(1)
اللطيف الخبير).
وما جاء في السنة لا يعارض القران الكريم، لأنه خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يُفيد إلا الظن، والظنُّ لا يصح دليلاً على صحة العقائد. ويفسرون الحجب في الآية {كَلاً إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (2)
بأنه غير الرؤية.
ثالثًا: يرون أن صفات الله تعالى ذاتية ليست بمعان قائمة بذاته. رابعا لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامي، كإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، كأن يُنكر إنسان صفةً من صفات الله تعالى، أو نبيا من الأنبياء، أو حرفًا من القرآن الكريم.
1 - سورة الأنعام الآية: 103. 2 سورة المطففين. الآية: 15.
- 190 - (1/216)
صفحة 217
خامسا: يرون أن القراءات السبع متواترة.
سادسا: يعرفون المذهب الاجتهادي بقولهم: المذهب هو ما استبان لكل فرقة عن الأخرى في الفروع التي لا تأثيم فيها، فحرية الرأي وحرّية
المذهب مكفولة، وأن الخلافة لا تكون إلا من أهل الحل والعقد.
سابعا: إن مرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركا، وإن أهل الجنة خالدون فيها، وأهل النار خالدون كذلك، فهم يخالفوننا في عقيدتنا، وهو العاصي من المؤمنين يدخل النار حتى يطهر من معصيته، لأن المعاصي
أن
رجس، والجنّة طاهرة فلا يدخلها إلا الطاهرون.
ثامنا: يخالفوننا في بعض فروع الفقه مثل رفع اليدين عند التكبيرات
في الصلاة، ومثل وجوب سجدة التلاوة حين سماع الآية، وغير ذلك من
المسائل التي لم تكن موضع إجماع.
- 191 - (1/217)
صفحة 218
مع الأستاذين التنوخي وإبراهيم عبد الباقي
لقد عرضتُ عليك أيها القارئ الكريم ما كتبه كل من الأستاذين
الفاضلين: عز الدين التنوخي وإبراهيم محمد عبد الباقي عن الإباضية، ونقلته لك بنصه، وذكرتُ لك أيضا أن المنهج الذي سارا عليه هو المنهج السليم الذي يجب أن يسلكه من يريد أن يكتب عن أي فرقة؛ وذلك بأن يتصف بالتراهة والتجرد، وأن يتحلى بالصدق والأمانة، وأن يعتمد ــــ في تقرير آراء وعقائد أي طائفة ونسبتها إليها - على كتبها ومراجعها وعلمائها، لا على ما يكتبه عنها
-
غيرها. لأن ذلك الغير في أغلب الأحوال يقف منها موقف الخصوم.
ومن هذه الأسس يستطيع الكاتب أن يعرض الحقيقة؛ حقيقة ما يعتقده أصحاب الفرق ويقولونه ويدينون به، دون تحريف أو تدليس أو غموض أو إيهام مقصود.
وقد سلك الأستاذان التنوخي وإبراهيم هذا المسلك السليم وهما يكتبان عن الإباضية؛ فرجعا إلى مصادر الإباضية، وبذلك جاءت كتاباتهما
سليمة الأقدمين منهم والمحدثين. كما جاءت كتابتهما سليمةً أيضا من الفراغ والخواء الذي تُحسه وأنت تقرأ لبعض الكتاب المقلدين الذين يعتمدون على ما يجدونه، دون فهم أو تمحيص أو بحث عن الدوافع والبواعث، اكتفاء بإسناد ما يقولونه إلى مصادر تاريخيَّة أضفى عليها القدَمُ ثوب القداسة، ليتخلصوا من مسؤولية إعلان كلمة الحق.
من السفاسف والأباطيل التي تجدها عند كثير من كتاب المقالات
- 192 - (1/218)
صفحة 219
وبالرجوع إلى ما كتبه الأستاذان الفاضلان ونسباه إلى الإباضية،
ممَّا سبق عرضه على القارئ الكريم، يبدو
أنه لا
يوجد شيء عندهما
يحتاج إلى مزيد من النقاش والبحث غير نقطة واحدة جانبية؛ تلك النقطة انسياقهما وراء التيار التاريخي الجارف الذي يُصر على اعتبار
هي
الإباضية فرقةً من فرق الخوارج. ونحن لا نلومهما ـ في موقفهما هذا
-
-
ولا نعتب عليهما، فقد استطاع التدليس التاريخي أن يصبغ هذه الدعوى الكاذبة بثوب الحقيقة حتى انطلت على بعض الإباضية أنفسهم
في القديم وفي الحديث.
بل لقد حدثني بعض الشباب ـــ عن تخصص في التاريخ ـــ بأنه يفتخر
-
-
بذلك ويعتز، لأنه يفهم أحداث ذلك العصر ويفسرها بروح هذا العصر، فكان يعتبر الخوارج طلائع ثوريَّة، يملون الدور الثوري على الظلم والفساد والرشوة، وهو بهذا الفهم يعتز بأن يكون خارجيًا أو ينتمي إلى فرقة خارجية؛ بمعنى انه ينتمي إلى فكرة ثورية تحمل في مسيرتها التاريخية نضالاً ضد فساد الحكم لا يهدأ ولا يستقر.
وهذه الصورة الثورية التي يُعجب بها هذا الشاب وزملاؤه وأضرابه من الشباب الذي أثارت نقمتهم الأوضاع الفاسدة في أنظمة حكم فاسد جثم على صدر الأمة بكلكله الثقيل، ثم محاولة التخلص منه. هذه الصورة ليست فكرةً مقصورة على الخوارج أو على الإباضية أو على فرقة معينة من فرق المسلمين؛ إن الثورة على الظلم والفساد والرشوة وما يتبع ذلك من البلايا والمحن إنما هو المنهج الذي
- 193 - (1/219)
صفحة 220
جاء به الإسلام، ودعا إليه المسلمين ودعا المسلمون إليه، وقاموا به في مختلف أدوار التاريخ، ولم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، ولم تكُفَّ الأيدي الثائرة في أي فترة من فترات الحكم المنحرف، ولم يمض حاكم ظالم دون أن تناله صفعات مؤلمات من الثائرين في الأمة المسلمة من جميع الفرق والمذاهب حتى أتباع الأئمة الذين ينهون عن استعمال العنف ويُحذرون من الفتنة ويفضّلون استبداد الحاكم على شقّ عصا الطاعة وإحداث الخلاف والتسبب في إراقة الدماء، ويتغاضون عن الدماء التي تُريقها أيدي الحكام الظلمة، ولكنهم لا يسكتون عن الدماء التي تُريقها النقمة ضد أولئك الحكام.
تستطيع أن تبدأ ملاحظة ذلك من أول العهود التي بدأ فيها الحكام ينحرفون عن نظام الخلافة الرشيدة إلى ملكيَّة مستبدة، أو كما سماه الرسول ملكًا عضوضا»، ولو أن أولئك الملوك لم يُسموا أنفسهم ملوكًا، وحافظوا على مظهر التسمية فكانوا حراصا ـ على مجرى التاريخ
اشد
-
أن يدعوهم الناس بأمراء المؤمنين، أو أئمة المسلمين. والإباضيَّةُ ـ مثل غيرهم من المسلمين في هذا المجال
-
-
كانوا من
من ينتقد تصرُّف المنحرفين، ويطالب ولاة الأمور أن يتقيَّدوا بأحكام
الإسلام، وأن يقتدوا بالخلفاء الراشدين الذين أرضوا الله تبارك وتعالى
وأرضوا الأمة فرضيت عنهم.
ويتضح لأولئك الإخوة الشباب من هذا انتقاد الإباضية للتحكم الظالم، ومحاولتهم للإطاحة به في بعض الأحايين، وعملهم على إيجاد دولة
- 194 - (1/220)
صفحة 221
تطبق أحكام الإسلام وتتقيد بها، وتشدُّدُهم في مجابهة العدوان ومعارضته
بقوة وعنف! ...
كل هذا لا يلحقهم بالخوارج، ولا يجمعهم معهم في صعيد واحد، ولا يجعلهم فرقةً منهم.
وفي المسلمين - بمختلف طرائقهم ومذاهبهم وآرائهم، ولا سيما في
-
-
عهد الدولة الأموية حينما كان انتقال الحكم من خلافة رشيدة إلى ملك عضوض، قد سبب فجوة عميقة، أو هوَّةً خشي المسلمون أن يتردوا فيها ثم يعسر عليهم الخروج منها أمثلة حية واضحة لكثير من التابعين وتابعي التابعين، بل ومن بقيَّة الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا من أقوى الثائرين على الفساد الذي بدأ بانحراف الحكم عن الخلافة الرشيدة إلى مُلك عضوض يتقاتل عليه أصحاب الدنيا. وقد استشهد في هذا السبيل من أفذاذ الرجال، ذلك لم يسموا أنفسم خوارج، ولم يعتزوا بذلك الاسم، ولم يشرفهم أحدٌ من أتباعهم والمعجبين بهم بهذا الاسم، أو يطلق عليهم هذا اللقب.
عدد
ويكفي أن أذكر الأمثلة لأولئك الثائرين على الانحراف والفساد، شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول الله، الله وعبد بن الزبير نجل ذات النطاقين، وسعيد بن جبير، وزيد بن علي بن الحسين ... وكل واحد من هؤلاء يمثل ثورة عارمة من الأمَّة المسلمة على الحكم الظالم والخروج عليه ومدافعته حتى الاستشهاد وإذا شاء القارئ الكريم أن يُضيف إلى هذه القائمة أسماء الثوار الشهداء الذين سالت دماؤهم على
- 195 - (1/221)
صفحة 222
سيوف الحكم المستبد، والذين نجحوا في ثوراتهم أو فشلوا، فإنَّه يستطيع أن يملأ المجلدات الضخمة بما يجري من ذلك عبر التاريخ. ويأخذُ
-
الإباضية - أو بعضُ الإباضية - حيّزَهُم الضيق أو الواسع في تلك المجلدات، ولا يمكن أن يخلو منهم مجلد.
ومن البديهي أن أولئك الثوار ابتداء من سيد الشهداء الإمام الحسين ومن سار على نهجهم في مختلف العصور، لم يحملهم التطرف والسخط على فساد الحكم إلى مخالفة أحكام الإسلام، فيستحلون من الناس ما حرمه الإسلام، وعصمته كلمة التوحيد من دماء وأموال وأعراض.
هذه النقطة بالذات وهي التطرف في السخط
-
حتى
تستحل به
-
هي
الدماء البريئة، والأموال المعصومة، والأعراض المصونة بحكم الله الفارق الوحيد بين الثورية والخارجية، إذا سمحنا لأنفسنا فاستعملنا كلمة
الثورية - بمدلولها المعاصر - على أحداث التاريخ في تلك العصور.
-
فإن عبد الله بن الزبير مثلاً كان قد ثار على الحكم الأموي المنحرف، وكان الحكم قائما عندما ثار ابن الزبير فخرج عن الطاعة كما تعبر ألسنة الأنظمة الحاكمة في كل عصر وكلّ عهد، ولكنه مع خروجه على حكم الدولة القائمة لم يُعتبر خارجيَّا، ولم يُسم نفسه بهذا الاسم، ولم يسمه أتباعه بذلك، ولم يتجرأ أحد من خصومه أن يصفه بذلك في ذلك الحين، فلماذا لم يكن ذلك يا ترى؟
ذلك أن إطلاق لفظة الخوارج إنما كانت تعني من يخرج على نظام قائم فلا يكتفي بمحاربة النظام القائم - سواء أكان عادلاً أو جائرًا -
- 196 - (1/222)
صفحة 223
وإنما يضيف إلى ذلك أن يستحل دماء وأموال وحرمات من يخالفه، ويحكم
عليهم بأحكام المشركين، ويطبقها عليهم ما تمكن من ذلك.
و لم تكن هذه الآراء ولا هذه السيرة لعبد الله بن الزبير مثلاً، ولذلك فنحن
من
قد نستطيع أن نعده في موكب الثائرين، ولكننا لا نستطيع أبدا أن نعده الخوارج، لأنه – ببساطة ـ لم يكن يدين بدين الخوارج، فلم يكن يحكم على
غيره من
-
-
منهم
المسلمين بالشرك، ولم يكن يستحل منهم لا الأموال، ولا سبي النساء والأطفال، ولادماء من لم يعترض سبيله ويرفع في وجهه السلاح، وإنما كان يرى أن المسلمين جميعًا إخوة له، فهو يقتصر في ثورته على محاربة الحكم الظالم، والجيش الباطش، ومن يسعى إلى تثبيت أركان الظلم. ونفس الموقف نستطيع أن نُعطيه لبقيَّة الثائرين في أدوار التاريخ الإسلامي الطويل، وفي عهود الفساد والظلم، فلم يتلقب أحدٌ بذلك، ولم يلقبهم به أحدٌ من الناس لهذا الفارق الوحيد فحسب. ويدخل في هذا الجانب حتى أولئك الذين خرجوا على الحكم وثاروا عليه ولم يكن قصدهم الحقيقي هو إزاحة الظلم ولكن الوصول إلى الحكم ما لم يدينوا بذلك المبدأ الذي يضع المسلمين في صفوف المشركين ويُييح منهم ما حفظه الله لهم بكلمة الشهادة. إن الثورة على الظلم والظالمين ومحاربة الفساد في أنظمة الحكم أهم واجبات المسلم، وقد كان ذلك هو المبدأ الذي سار عليه أئمة المسلمين مع اختلاف في الطرق والمناهج؛ فمنهم من يكتفي بالثورة اللسانية، ومنهم من يمد يده إلى السيف من أول حركة، ومنهم من يجمع بين الاثنين، ومنهم من يتخذ موقفا غير مباشر في مكافحة الظالمين، وذلك بنقد الظلم
- 197 - (1/223)
صفحة 224
والفساد عامة دون التعرض لمن يتّصف بذلك. وقد يستفحل الاستبداد فيقيد الأيدي، ويكمم الأفواه، وتبقى الثورة حبيسة في الصدور، حتى
تنفجر في يوم من الأيام، فتطيح بالظلم والظالمين ولو طال بهم الأمد. والخوارج حين ثاروا على ما اعتقدوه ظُلما، ورأوه انحرافا بالحكم عن المنهج الإسلامي الشوري، إلى منهج دكتاتوري مستبد، لم يقصروا الثورة على أجهزة الحكم الفاسد فقط ولو في نظرهم ـ وإنما تجاوزوا
-
-
ذلك إلى أن حكموا على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين، واستباحوا منهم ما أباحه الله من الكفار؛ وبذلك انتقلوا من وصف الثورية إلى وصف الخارجية الذي يعني الخروج من الدين، أي من مجموعة كانت تطالب بحقِّ تُؤيِّدُهم فيه كل الأمَّة ـ ولو بقلوبها، حتى أولئك
-
-
الذين لم يشتركوا فى أية ثورة قط لا باليد ولا باللسان إلى فرقة قد
نفصلت عن
الأمَّة المسلمة انفصالاً دينياً كاملاً، بحيث حكمت على الأمة
المسلمة بأحكام المشركين (1) لأنَّها في نظرها قد كفرت: إما بكونها مع
ظالمين، وإما برضائها وبقائها تحت حكمهم.
كتبت عنهم،
1 ـ يجب أن أذكر هنا أني لم أتمكن من الحصول على أي مصدر من مصادر الخوارج حتى أعرف حقيقة ما عندهم من كتبهم، وأن ما أسندته إليهم في هذا الفصل وفي ره من الفصول وفي كُتبي السابقة إنَّما أخذته من مصادر غيرهم التي وهي في أغلبها تقف منهم يوقف الخصوم، بما فيها كتب الإباضية، فإن كان ما فنحن مسؤولون عن دراستنا وآرائنا وإن كان ما نُسب إليهم
سيره
نُسب إليهم
با طلا من القول فالعهدة على الرواة من كتاب التاريخ والمقالات وإني أستغفر الله
وأتوب إليه. (المؤلف)
- 198 - (1/224)
صفحة 225
وقد كان رد الفعل لهذا الموقف من الأمَّة المسلمة أن حكمت الأمة
على هذه الثورة المنحرفة المتطرفة بنفس الحكم، وبادلتها نفس الموقف، وأطلقت عليها لفظ الخارجية والخوارج، وهي تقصد بذلك خروج من من يدين بذلك من الدين بسبب الحكم على المسلمين بالشرك، ومعاملتهم معاملة المشركين، وهكذا بعدت بينهم المسافة واتسعت الشقة؛ فالخوارج يرون أن الحكام الظالمين ومن أعانهم على حكمهم ومن سكت عنه أو رَضِيَ به وبقي تحت سلطانهم، كل هؤلاء قد كفروا تَحِلُّ دماؤُهم وأموالهم وسبي نسائهم
وأطفالهم، والآخرون يرون أن الخوارج كفروا لأنهم كفروا المسلمين. بعد هذا الحديث أريد أن أوجه إلى القارئ الكريم السؤال الآتي:
متى أو لم يُعتبر الفرد أو الطائفة من الخوارج؟
أحسب أن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تُحدد الموقف بالنسبة
للإباضية، وتضعهم في مكانهم الطبيعي في المذاهب الإسلامية.
لقد أوضحنا فيما سبق ان الثورة على أي حكم والخروج عليه لا يكفي سببًا لأن يضع صاحبه أو أصحابه في قائمة الخوارج، ثم يسلط عليه الحكم الذي سلطه التاريخ على الخوارج، والأحكام التي سلطها الخوارج على غيرهم؛ فقد خرج أهل الأمصار على عثمان ـ وهو خليفة راشد -
-
ولم يسمهم أحدٌ حينئذ خوارج. وخرج طلحة والزبير وعائشة على علي - وهو خليفة راشد - ولم يسمهم أحدٌ خوارج. وخرج معاوية على أمير المؤمنين علي ـ وهو خليفة راشد ولم يصفه أحد بالخارجية. وثار
-
-
-
الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وزيد بن علي ويحي بن
- 199 -
15 (1/225)
صفحة 226
أحد
زيد على الدولة الأموية، ولم يسمّهم أحدٌ خوارج. بل إن زعماء الدولة العباسية أنفسهم كانوا قد خرجوا على الدولة الأموية ولم يسمهم خوارج، بل ونقض الأمين بيعة المأمون وخرج عليه المأمون، ولم يُطلق اسم
الخوارج على أي منهما ...
ومعنى
-
سواء
هذا أن الخروج على نظام الحكم القائم والثورة عليه ـ أكان الحكم عادلاً ونظيفا كما كان في عهد الخلفاء الراشدين، أم كان عضوضًا كما كان في عهد الدولة الأموية وما بعدها، وما كان يقوم
ملكا
به
عُمَّالها أمثال الحجاج وزياد وعبيد الله بن زياد وأضرابهم ـ فإنَّه لا
ـ
-
يكفي لأن يُعتبر الثائرون عليه خوارج لمجرد ثورتهم على الحكم وخروجهم عنه؛ إن الخروج عن الحكم الظالم والثورة عليه، ومحاولة الإطاحة بأجهزته الفاسدة من أوكد الواجبات على الأمَّة المسلمة إذا لم تخش شرًا أكبر، ومن قام بذلك الواجب لا يُمكن أن يُعتبر خارجيًا، ولا يجوز أن يُوصف بالخارجية، إلا إذا تطرف فتعدى ذلك إلى الحكم على المسلمين بأحكام المشركين، فاستباح منهم الدماء والأموال واستحل سبي النساء والأطفال، وتلك هي معاني الخارجية في أي ثورة أو حركة مسلحة.
وواضح أنها خارجة عن الإسلام لا عن حكم قائم لدولة قد تكون باغيةً تتحكم في رقاب أمَّة مسلمة كريمة وصفها الله تبارك وتعالى بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتذلها وقد تنفذ فيها عمليا فظائع من السلوك لم تخطر على بال الخوارج حتى وهُم في أشد حالات الحنق والغيظ. وإذا كان هذا واضحاً وصحيحًا وواقعا، فما هي العلاقة أو الرابطة بين الإباضية والخوارج؟!
- 200 - (1/226)
صفحة 227
إن الإباضية من أحرص المؤمنين على التقيد بما ثبت في النصوص الشرعية من أحكام المسلمين وهم يعتقدون أن كل من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فلا يستحلون دماء أحد من أهل القبلة إلا بالحق الذي بينته وحدَّدته الشريعة الإسلاميَّة كالردة وقتل النفس وما في معناها من الحدود. ولا يستحلون مال أحد إلا بالطرق التي رسمتها الشريعة الإسلامية للتعامل بين الناس: فريضة في كتاب الله، هبة عن تراض، بيع عن تراض، وما في معناها. أما قتل الأبرياء وسبي الأطفال والنساء فقد وقفت دونها كلمة التوحيد، وصانها عن هذه المذلة والهوان، ولا يستحلون هذا البغاة والمعتدين مهما بالغوا في مسلكهم الظالم.
من
حتى
فالاعتبارات التي سُمِّي الخوارج - من أجلها ـــ خوارج لا وجود لها عند الإباضيَّة مطلقا، بل إنّهم أبعد الناس عنها عقيدة وقولاً وعملاً، وجميع كتاب المقالات - رغم إصرارهم على أن الإباضية من الخوارج يشهدون بذلك ويسجلونه في كتبهم.
عليها
لو كانت الخارجيَّة نَسَبًا أو صهراً أو حتى صداقة لزعم زاعم أن للإباضية بهذا النسب وشيجة أو قرابة ولزعم أن لهم فيها عما أو خالاً أو صديقا، ولكن القضيَّة ليست كذلك؛ القضيَّةُ قضيَّة عقائد معينة محددة سلوك تنتج عنه آثار، فمن أين جاءت الخارجية إلى الإباضية؟ ولماذا يُصر مؤرخو الفرق الإسلامية وكتاب المقالات الدينية على هذا الموقف؟.
ينبني
- 201 - (1/227)
صفحة 228
يقول الأستاذ مصطفى الشكعة: «إنَّهم رُمُوا بهذا اللقب لأنَّهم رفضوا القُرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين» [اه]). والحقيقة أَنَّه لا شيء البتة عند كتاب المقالات والمؤرخين يُمكن أن يكون سببًا لإطلاق كلمة الخوارج على الإباضية إلا أحد أمرين هما: نفي القرشية، واعتبار التحكيم خطاً.
فهم يلتقون مع الخوارج في هذا الرأي لا غير، وهذا ـــ فيما يبدو ـــ هو كل ما يتعلق به القوم، غير أن السياسة الماكرة في العهد الأموي ـ وفيما حاولت أن تضرب كل من ينتقدها بما يناسب ظروفه، ولما
بعد أيضا
-
-
كان الإباضية لا يعترفون بالقُرشيّة أساسًا أو مؤهلاً وحيدًا للإمامة فقد أضفَتْ عليهم لقب الخارجية. ثم جاء أعوانها فاخترعوا للإباضيه عقائد وشنائع بثوها عنها فانتشرت بين الناس، وقامت حائلاً دون أن يفهم بعضهم البعض، واختفى في زحمة النقاش السبب الرئيسي للموضوع، وطفت تلك العقائد والشنائع وراجت فتناولتها الأقلام بالإثبات والترسيخ. ولقد أوضحنا من قبلُ أيضا أن القول بأن التحكيم خطأ لا يُخرج قائله من الإسلام، ولا يفصله عن الأمَّة المسلمة، ولا يكفي لأن نسلط عليه حكما رهيبا يجعله مكروها من المسلمين، ثم يستمر هذا الحكم طول
مصطفى الشكعة إسلام» بلا مذاهب». نشر دار القلم. القاهرة. 1961. ص:
105. (المحقق)
- 202 -
1 (1/228)
صفحة 229
التاريخ ويمتد مع امتداد الزمن. وأوضحنا أيضا أنه إن كان إنكار التحكيم واعتباره خدعة سياسية يُراد بها تفريق جيش أمير المؤمنين علي، هو الخارجية أو هو السبب في إطلاق لفظة الخوارج، فأحسب أن أمير المؤمنين وخيار أصحابه أمثال عمار والأشتر وعبد الله بن عباس يكونون رؤساء للخوارج! ذلك أن كُتب التاريخ التي كتبت عن موضوع التحكيم تكاد
تكون مجمعة على أن أمير المؤمنين كان أول ـ أو من أوائل
-
-
من
تفطنوا للمكيدة، ولم يقبل التحكيم إلا مُضطرًا، وأنَّه أنكر بشدة، وأبان
لجيشه
-
الذي عمل فيه الطابور الخامس عمله ـ عواقب تلك المكيدة،
-
وأنه لم يقبل التحكيم إلا مضطرًا، عندما وجد جيشه معرضا للتفرقة والتمزق وربما للتناحر وكان على رأي الإمام علي وعلى رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغي قبولها أكثر أئمة المسلمين، منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري ومالك بن أنس، حسبما أورده المبرد في كامله وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1). بل أستطيع أن أزعم أننا اليوم وفي هذا العصر ـ وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرنًا عندما نقرأ أخبارها نشعر بالأسف والحسرة، لأن تلك الخدعة
ونصف
-
-
الجريئة قد انطلت على أكثرية جيش علي، حتى اضطر للاستجابة لها رغم
-
1 ـ انظر قصة التحكيم والمكيدة التي ترتبت عنها عند ابن أبي الحديد: «شرح نهج البلاغة». تح/ الشيخ حسن تميم. منشورات دار مكتبة الحياة. بيروت، لبنان. 1979
م. ج: 1. ص: 419 وما يليها. (المحقق)
-203 - (1/229)
صفحة 230
أن القصد من
معرفته القصد منها وتقديره لنتائجها، وعلمه علم اليقين تلك العملية لم يكن مراعاة للمصلحة العامة، ولا نظرا لخير الأمة، ولا تحكيمًا للكتاب في شيء جهل فيه حكم الكتاب (1).
فهل يُعتبر من يُحس هذا الإحساس - اليوم ويرى هذا الرأي ـ
من الخوارج؟
-
هذا
لا شك أن الإباضية يرون أن التحكيم خدعة وخطأ لا ينبغي قبوله، ومع الإباضية في هذا الفهم وهذا الاعتقاد أئمة المسلمين في مختلف المذاهب. فإذا كان الخوارج هم الآخرون يرون هذا الرأي فهل أن الإباضية ومن يرى رأيهم في قضية التحكيم أو في قضية الخلافة أصبحوا خوارج لأنهم التقوا معهم في فكرة.
يعني
أحسب أن هذه النقطة هي النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الإباضية
مع الخوارج، ويلتقي فيها مع الخوارج كثير من الأمة.
أما في موضوع الخلافة فاصبحت الأمة كلها فيما يبدو ترى رأي الخوارج قولاً وعملاً .. !
وينفصل الإباضية عن الخوارج - في غير النقطة السابقة ـ انفضالاً
-
-
كاملاً لا لقاء معه، معه، ويقفون معهم أعنف المواقف في الحرب والسلم؛ فهم
راجع كتاب «إسلام بلا مذاهب» لمصطفى الشكعة، وكتاب «الدين والعلم الحديث» لإبراهيم محمد عبد الباقي. ص: 206. طبع المكتبة التجارية الكبرى. (المؤلف)
-204 - (1/230)
صفحة 231
عندما يكونون معهم في السلم يُعلنون البراءة منهم، ويطردونهم من مجالسهم، وينكرون عليهم في عنف وشدَّة، ويمنعونهم أن يتحدثوا إلى الناس عن آرائهم المتطرفة. ولقد يكون إنكار الإباضية على الخوارج أعنف وأقسى من إنكار غيرهم عليهم، بقطع النظر عن المواقف العسكرية التي كانت تقفها دول كانت تحافظ على عُروشها لا على معتقداتها، وعلى سلطتها وهيبتها لا على دينها.
ومع كل هذا فقد استطاعت الدعاية السياسية في العهد الأموي أن تضفي لقب الخارجيَّة على الإباضية، وجاء المؤرخون الموجهون فنشروا ذلك في كتبهم وفي أحاديثهم وفي المجالس الخاصة والعامة، ثم جاء من بعدهم كتاب المقالات فأخذوا ما وجدوا دون تحقيق أو ترو أو نقد. وقد وجد الكذابون والمشعون والمستغلون ميدانا فسيحا للافتراء .. والزيادة، فنشروا الأباطيل يتناقلها الناس كأنها وقائع، وأخذها كتاب المقالات كمادة علميَّة حشوا بما كتبهم فأصبحت في مرتبة الحقائق
الثابتة التي لا يتوجه إليها نقد ولا يرتفع بصددها نقاش.
ولاشك أن الذين كتبوا عن الإباضية واعتبروهم من الخوارج كان
مستنده لكل واحد منهم
ومنهجه ودوافعه وربما كانوا باتجاهاتهم
ودوافعهم ومستنداتهم لا يخرجون عن الأنواع الثلاثة الآتية:
أ - النوع الأول: اعتقدوا حقا أن الإباضية فرقة من الخوارج
وتشبعوا باعتقادهم أنها فرقة ضالة مبتدعة، بل وحتى أسوأ
أمكن، واشتد. من أجل هذا
-
-
من ذلك لو
حقدهم عليها وبغضهم لها، وهم
-205 - (1/231)
صفحة 232
مستعدون لتقبل كلّ ما يُقال عنها من تشنيع وحتى الزيادة عليه برضا
واطمئنان دون الشك في صحة ذلك أو محاولة للبحث عن الحقيقة.
ب - النوع الثاني: استندوا على مصادر موجودة واعتمدوا عليها دون نقد أو محاولة لمعرفة حقيقة الإباضية من وراء ذلك، وهم يرون أنهم فعلوا
ما ينبغي لهم ما دام الواحد منهم يستطيع أن يدل على مصدر استند عليه. ج - النوع الثالث: درسوا شيئًا عن الإباضية، واطلعوا على كتبهم وعرفوا منها البون البعيد بين الإباضية والخوارج، وعلموا أن كثيرًا مما يُقال في كتب المقالات لا أساس له ولكنهم مع ذلك استسلموا للتيار التاريخي في إطلاق كلمة الخوارج على الإباضية باعتباره اسما مميزا فقط، لا يدل على ما تحمله كلمة الخارجية من المروق، وما تشتمل عليه وتوحي به من الخروج عن الدين والأمة، فهم يطلقون لفظ الخوارج على الإباضية كما يُطلق أي لقب مكروه على شخص دون اعتقاد بأن ذلك الشخص يحمل شيئًا من مدلوله ومعانيه.
ويبدو لي أن الأستاذين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمد عبد الباقي، ومن سار على نهجهما من هذا القسم فهما - مع تقريرهما بعد الإباضية بُعْدَ
-
عن الخوارج البعد الكامل وتوضيحهما للفارق الظاهر في ذلك يتحرجا أن يذكرا أن الإباضية فرقة من الخوارج. بل لقد تجرأ الأستاذ
إبراهيم محمد عبد الباقي فوصف صديقه أبا إسحاق اطفيش (رحمه الله) بأنه منهم، ولستُ أدري ما هو الإحساس الذي ثار في نفس الإمام
طائفة زعيم الكبير حين قرأ ذلك، ولا كيف كان لقاؤه معه بعد ذلك، ولكنَّ أبا إسحاق
- 206 - (1/232)
صفحة 233
على كل حال لم يتعرض لموقفه الشخصي في إطلاق الخارجية عليه، وإنما استجاب للكاتب الكبير، وعرض موضوع الخوارج عرضا مسهبا وضعه تحت تصرف الأستاذ إبراهيم فنشره مشكورا بنصه في كتابه القيم.
والحقيقة أن الإباضية في جميع العصور.
-
مع أنَّهم يبرؤون من
الخوارج ومن معنى الخارجية التي شرحناها سابقا ــ تعودت آذانهم أن
-
أصدقائه
تسمع من يصفهم بها في القديم والحديث. حتى تمسك بها المتطرفون منهم على سبيل التحدي، وكان الكثير منهم لا يجد إحساسًا أو طعمًا معينا، وإنما ألفوها كما يألف أي إنسان تتفق مجموعة من وأصحابه على أن يلقبوه بلقب مكروه ويُصرون على مناداته به، فيغضب ويثور في أول الأمر، ثم يلين ويتغاضى ثم قد يستسلم ويستجيب ويعترف به على طول المدى، وقد علقت بالأفراد والأسر والقبائل ألقاب من هذا النوع حاربوها في بادئ الأمر، ثم استسلموا لها، ثم اعترفوا بها فأصبحت أعلاما لهم.
على هذا المستوى سكت بعض الإباضية عمَّن سماهم خوارج في العصور السابقة ويسكتُ لها اليوم آخرون، وربَّما وُجد من اعتز بها في القديم والحديث من باب المناكفة والتحدّي، وربَّما وُجد من شد وتطرف مراغمة وكيدًا فانتسب إلى الخوارج وقال ببعض شعاراتهم.
-
ويبقى بعد كل ذلك الإباضية – دون اعتبار للأفراد والشواذ مذهبا إسلاميا بقواعده وأصوله المبنية على الأسس
والمتطرفين
-
-207 - (1/233)
صفحة 234
الشرعية المعتبرة من كتاب وسنة وإجماع وقياس صحيح، يحمل علوم الشريعة عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين،
وتأويل الجاهلين، وشبة المبتدعين.
-208 -
4. (1/234)
صفحة 235
III
الإباضية في قفص الاتهام
القسم الثالث: المستشرقون
مع إميل فليكس جوتييه.
مع كارلو الفونسو نيلينو.
اللقاء بين الإباضية وأهل السنة. (1/235)
صفحة 236
[صفحة فارغة] (1/236)
صفحة 237
القسم الثالث
المستشرقون
اهتم المستشرقون بالقضايا الإسلامية عامة، وقدموا فيها دراسات واسعة، وبحوثا مختلفة، منها القيم، ومنها الأقل قيمة.
وقد حاولت أن أراجع موضوع الإباضية في بعض كتاباتهم فلم أستطع أن أفصل موضوع الإباضية في بحوثهم عن بقية المواضيع الإسلامية، وفرضت علي أساليبهم - في مناقشة قضايا المشرق عموما، وقضايا الإسلام خصوصاً ـ أن أغير الذي منهجي كنت وضعته لمناقشة هذه البحوث. وقد رأيت أن أقدم مباحث هذا القسم من الكتاب كما يلي:
-
1
-
2
-
3
-
المستشرقون أعرضُ في هذا الفصل نماذج من كتاباتهم، مع تحليل
موجز لبعض الفقرات منها.
إميل جوتييه: أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل للمستشرقين المتعصبين الذين يكتبون عن الشرق، والنظرة الاستعمارية المتعالية لا تفارق أحاسيسهم، ومنطق السيادة التي يريدون أن يفرضوها على العالم لا تختفي من أذهانهم.
کارلو نيلينو: أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل للمستشرقين الذين يلتزمون الأسلوب العلمي، دون أن يؤثر عليهم
- 209 - (1/237)
صفحة 238
-
ظاهرا - إحساس آخر، أو دافع غير دافع خدمة الثقافة
-
الإنسانية حسبما يبدو للقارئ.
4 - مقارنة موجزة للقاء بين الإباضية وأهل السنة في النقاط التي جعلها نياي و مواضع لمقاء بين الإباضية والمعتزلة.
الواقع حقيقية وصحيحة عن جهود المستشرقين سواء منها الجهود النبيلة
أن هذه الفصول الصغيرة القصيرة لا تكفي لإعطاء صورة
-
+
النظيفة، أو الجهود الماكرة الدساسة - وعسى الله تبارك وتعالى أن ييسر
—
لي العودة إلى موضوع القضايا الإسلامية بين أيدي المستشرقين» فأتناولها بعمق أكثر، وفهم أصح، واطلاع أوسع، ودراسة أكثر استيعابا، وأسلوب
أكثر نعومة وتهذيبًا.
- 210 - (1/238)
صفحة 239
المستشرقون
قلتُ في بعض الفصول من هذا الكتاب إن للمستشرقين عندما
يكتبون عن الإسلام ـ سواء أكانت كتاباتهم عنه كدين، أم عن
الحقيقة
-
-
الأمة
الإسلامية جمعاء كأمة، أو عن فرقة من فرقهم كفرقة أو مذهب أساليبهم ودوافعهم، ومراميهم الظاهرة والخفية، ومهما كانوا مخلصين للبحث العلمي، ولخدمة الثقافة الإنسانية في هذه المواضيع، فإنَّهم ــ في أشد إخلاصا للدوافع الحقيقيَّة التي دفعتهم إلى الكتابة عن الإسلام والمسلمين وهم لا ينسون مطلقا أن أقلامهم يجب أن تتم ما عجزت عنه سيوف الصليبيين، وأنهم يمثلون الترفع الحضاري الذي يعتقدونه للإغريق والرومان؛ أي لشعوب الغرب على شعوب الشرق، التي في يوم من الأيام - الحضارتهم وعسكريَّتهم، ويرون أن ذلك التفوق والتحكم يجب أن يستمر بأيديهم وأيدي أبنائهم وأيدي أحفادهم، وأن كل واحد يمثل في عصره موقف القيادة لسيطرة الغرب على الشرق، وإن لم يحمل الشارات العسكرية.
خضعت
-
-
على أن هؤلاء المستشرقين عندما يتناولون هذه المواضيع يختلفون بعض الاختلاف في طريقة تناولها فمنهم من تدفعه الحماسة فينكشف بسرعة وتبدو مقاصده من ثنايا كتاباته، واضحة، حتّى إن مواقف بعضهم لا تختلف عن الضباط العسكريين الذين يتوجهون إلى الاحتلال بقوة السلاح.
- 211 - (1/239)
صفحة 240
وفيهم من يملك من الدهاء ما يستطيع الدهاء ما يستطيع معه أن يدس إلى قارئيه ما يُريد
من الأفكار دون أن يُثير منهم حاسة الانتباه وغريزة رد الفعل، وهم في أغلب الأحوال ينطلقون من نقط متشابهة، ويتتبعون وسائل متقاربة، ومن ذلك مثلاً يعمدون إلى وسيلة ظاهرُها علمي بحت، وباطنها وسيلة من وسائل التخدير وكسب الاستيثاق، تؤثر على القارئ البسيط من النظرة الأولى فتملأ نفسه بالإعجاب أولاً، والتصديق ثانيا، والثقة ثالثا،
وعندما
يصل القارئ معهم إلى هذه المرحلة فإنَّهم يكونون قد كسبوه نهائيا. ومن الأساليب البسيطة في هذا المجال، أنهم عندما يريدون أن يتناولوا موضوعًا بالبحث يقومون بإعداد قوائم طويلة من المراجع والمصادر باللغات المختلفة ــ – ولا سيما اللغة العربية – يُثبتونها في صدر كل بحث أو عند نهايته. مع أنهم.
-
-
تلك عند مناقشة الموضوع - قد لا يحتاجون إلى الكثير
من
المراجع، ولا يعودون إليها، ولكن ذكر أسمائها بتلك الوفرة يُوحي باستفراغ الجهد ودقة التحقيق والتمحيص، ثم بالثقة. ثم هم يتصيَّدون منها شواذ الأخبار والأحداث فيركزون عليها ويُؤيدون بها مقاصدهم الخفية.
ونست بهذه الملاحظة البسيطة أغمز سعة اطلاعهم فأنا على يقين كامل بأنهم قد توفّر لهم من الدراسة بسبب مجهوداتهم الشخصية،
-
-
ومساعدات حكوماتهم ومؤسساتهم المادية والمعنوية ـ ما يُتيح لهم من سَعَة الاطلاع، وغزارة المادة، ووفرة الجهد في الدراسة والبحث، أو مواصلة العمل والاستمرار فيه ما لا يُتاح لغيرهم أبدا فهم بذلك من أكثر الناس
- 212 - (1/240)
صفحة 241
اطلاعا على المواضيع التي يهتمون بها ويبحثونها، ولكنهم مع ذلك يقصدون
بذكر المصادر - مع الحصول على إعجاب القارئ وثقته ـ إلى تخديره
-
-
بتلك الوسيلة التي توحي إليه مُسبقا بعظمة المجهود المبذول من أجل الوصول إلى الحقيقة فيكون طبعا بين أيديهم.
وأنا وإن كنتُ سلكت مسلك التعميم في الحديث عن المستشرقين لا أدعي أن رأيي هذا ينطبق على كل فرد منهم، فهذه لا شك - دعوى لا تصح، ولا يمكن لي أن أزعمها ضرورة أنني لم أعرف كل المستشرقين، ولم أقرأ كل ما كتبه من عرفتُ منهم، ولكنَّ الصورة التي انطبعت أمامي مما قرأتُه من كتاباتهم كانت على هذا النحو الذي وصفته. وليطمئنَّ القارئ إلى أنَّني لا أرمي القول جُزافًا فإِنَّني سوف أضع بين يديه صُورًا توضح تلك الجوانب من كتاباتهم، فإلى القارى الكريم تلك الصور تحت عناوين مستوحاة من بحوثهم وكتاباتهم.
1 - الروح الاستعمارية المتمكنة:
إذا أخذت مثلاً كتاب «ماضي شمال إفريقيا»، تأليف الأستاذ "إميل فليكس جوتييه، ترجمة الأستاذ هاشم الحسيني، نشر الفرجاني، فإنَّك بمجرد ما تبدأ قراءة مقدمة الكتاب تحس كانك تقرأ تقريرا لأحد خبراء الاستعمار الفرنسي عن المغرب؛ فهو من جانب يحاول أن يدس إلى أبناء المغرب ما يُقنعهم بفقر المغرب واحتياجه وعدم تماسكه، وهو من جانب آخر يثير حماس الاستعمار حين يُشيد بفضل ما قام به الرومان في القديم
-213 -
16 (1/241)
صفحة 242
والفرنسيون في الحديث من جهود مثمرة لأزهاره، و هو بذلك يريد أن
يؤكد
كد على نقطتين مختلفتين:
الأولى إشعار أبناء المغرب أن بلادهم فقيرة ومحتاجة وغير متماسكة، ولا يمكن أن تقوم إلا على يد استعمارية خارجية تسندها، والدليل على ذلك أنها لم تزدهر إلا على يد الاستعمار الروماني في القديم، والاستعمار الفرنسي في الحديث.
الثانية: إن استعمار الغرب للشرق حق من حقوقه يجب أن يحرص عليه، وقد كان المغرب يزود الرومان بكثير من الغلال، ويجب أن يستمر هذا الوضع أبدا بأن تكون بلاد الشرق مصدرًا للغلال ومُتنفسا اقتصاديًا للغرب.
يقول الأستاذ جوتييه في كتابه السابق ابتداء من ص 09 مايلي: «كل شيء يتبدل على حين غرة؛ اللغة والدين والمفاهيم السياسية والاجتماعية، إنه تاريخ شديد التقطع إلى أجزاء منفصلة بعضها عن بعض. ففي أوروبا تطور متكامل خط متصل، أمَّا المغرب فسلسلة
من
التبدلات المفاجئة». [اهـ]
حسب
ويقول بعد أسطر: ومن الثابت أن رقعة المغرب القابلة للسكن والحراثة لها إمكانيات ضئيلةٌ، إنَّها شريط بمحاذاة المتوسط والمحيط طوله 3000 كيلومتر، وعرضه 150 كلم وبسبب طبيعته هذه لم يتخذ شكلاً مستمراً». [اهـ]
- 214 - (1/242)
صفحة 243
ويقول بعد أسطر: «أما في المغرب فالوحدة سهلة التحقيق، لكنها سهلة الزوال أيضا، ودولة المغرب كالعطور تنبت في الليل وتذبل في الصباح». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: فجميع مناطق المياه الراكدة في هذه البلاد عبارة عن شطوط جرداء لمَّاعة زاخرة بالملح». [اهـ] ويقول بعد أسطر: وحيثما سرت في الطرق والمنعطفات تشاهد مواقع الملح». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: حتى في الأرض القابلة للزراعة في الجزائر لا تجد
الرطوبة الكافية للخصوبة، فتربة المغرب كلسية بفعل التبخر». [اهـ] ويقول بعد أسطر: كانت روما زمن الأباطرة تؤمن لشعبها القوت عن طريق فرض الضرائب، وكانت إفريقيا تدفع في الواقع ما يُطعم 350.000 نسمة، من هذه الجهة يمكن اعتبارها إهداء لروما، ولا ينفي ذلك وجود أساليب جديدة لتحسين الري، ولا سيما وأن هناك نوعا من الزراعة خاصة ببلاد الملح، لكنها طرق شاقة، والمغرب ليس أرضا شديدة الخصوبة، ولا هو البلد الصالح لتربية الماشية، فليس الثيران المغربية أضخم جثة من حمير أوروبا. وتربية الماشية تحتاج لتأمين السبل اللازمة للحصول على قوتها
في سنوات الجفاف المرير.
كذلك ليس المغرب بلاد صناعة فودياته ليست مخازن احتياطية للمياه، والأرض تفتقر للفحم الحجري، والليثيث، ومنجم الفحم الوحيد
- 215 - (1/243)
صفحة 244
منجم جرادة
كيناسنا (1) وليس مهما جدا، أمَّا المستغل حاليا هو منجم كذا] فيبدو أكثر أهميَّة، لكنَّه لم يُستغل بعد، والنفط لم يتفجر حتَّى الآن، ولم يعثر الجيولوجيون في تربة المغرب على الفحم المتحول. من أشجار الغابات، وإنما عثروا على الملح والجبس، وكأن لعنة بلاد الملح قد حلت به منذ أقدم العصور». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: ولا نعني بهذا أن الشمال الإفريقي يشكو الفقر
المدقع، فقد عرفت الجزائر حقبة من الازدهار الكبير». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: «كان ذلك في العصر الفرنسي». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: «وأمَّا الجزائر الرومانية فكانت ـ كما يقول علماء الآثار ـ مدينة بازدهارها لزراعة الزيتون، وقد عُثر على آثار في
—
إيطاليا تثبت قدوم الزيت من شمال إفريقيا». [اهـ]
«ويردد الناس عبارةٌ أطلقها أحد المؤرّخين المسلمين حول ازدهار إفريقيا في عهد الرومان: "كل البلاد من طرابلس حتى طنجة كانت إطارا واحدًا وسلسلة متواصلة من القرى، وتدلُّ العبارة على أن السفر بين طرابلس وطنجة يجري في الظل». [اهـ]
ويقول: «فنحن نعلم أن الفواكه من زيتون وتين وعنب كانت سببًا من أسباب ازدهار إيطاليا الوسطى وبلاد البحر الأبيض المتوسط، إذ تلزمها
1 ـ لعله منجم ”قنادسة في الجنوب الغربي الجزائري بمحاذاة الصحراء الغربية. (المحقق)
- 216 - (1/244)
صفحة 245
أسواق خارجيَّة منفتحة، لذلك فالازدهار يمكن اصطناعه إلى حد ما لأنَّه منوط بظروف سياسية معقدة». [اهـ]
ويقول: «فالصناعة تحتاج إلى زبائن في الخارج، ومن حُسن حطّ الشمال الإفريقي توفر الفوسفات فيه، بحيث أصبح مركزا لتصدير هذا المعدن إلى أرجاء المعمورة، وفيه أيضا الحديد بكميات كبيرة، وكذلك التوتياء والرصاص. ولم يجر التنقيب عن هذه المعادن منذ الإمبراطورية الرومانية وحتّى الاحتلال الفرنسي، ولم يكن بالإمكان تصنيع المعادن في البلاد نفسها، لهذا كنا نرى في الموانئ الجزائرية أنواع المعادن تُصدر إلى جانب البضائع الأخرى، فيُوضع الرصاص، والتوتياء في أكياس، أما الحديد والفوسفات فتجمع أكواما تنتظر السفر إلى الخارج». [اهـ]
متد
ويقول: «وإذا كانت فرنسا بلدا متكاملاً يكفي ذاته على قول "فيدال
دي لابلاش، فالمغرب على العكس من ذلك». [اهـ] ويقول: «والواقع أن هذا الشريط الذي يبلغ طوله 3000 كيلومتر من الشرق إلى الغرب ضمن خطوط عرض وطول متشابهة، فحيث ما نذهب نجد السماء نفسها، والتربة عينها، فما من بلد أقل تنوعًا وتجانسا، وجفاف المناخ لا يسمح بتحقيق الازدهار محليا.
ففي بلاد واسعة كالمغرب تتمتّع بإمكانيات طبيعية كبيرة من حيث
المعادن والصوف والزيت والنبيذ لا تسهل الاستفادة من الثروة، إذ
-217 - (1/245)
صفحة 246
يحتاج الأمر إلى التنظيم، وتوظيف الرساميل (1)، وتوسيع الإنتاج، وتأمين التصدير، فالمغرب بحكم مُناخه لا يكفي نفسه اقتصاديا ويحتاج للتعاون مع الغير». [اهـ]
نقلتُ للقارئ الكريم أكثر ما في مقدمة الكتاب حتى تكون لديه الصورة التي أردتُ عرضها واضحةً، وأستطيع أن ألخصها له كما يلي: 1 - المستشرق "جوتييه" في مقدمته لهذا الكتاب صور المغرب الذي يمتد مسافة 3000 كيلومتر بأنه منطقة فقيرة جرداء تلاحقها لعنة الملح لا يمكن أن يكفي نفسه اقتصاديًا، وذكر في بعض الأحيان أن المغرب خال من الثروة فتربته كلسية ومياهه ملحة والمعادن به مفقودة، وما وُجد به لم يُستغل، والنفط لم ينفجر فيه، وهو غير صالح لتربية الماشية، وثوره ليس أضخم من الحمار الأوربي، وهو ليس بلادا صناعية ووديانه ليست مخازن
احتياطية للماء.
ومع
هذه الصورة القاتمة التي تُوضع للمغرب تندس فكرة استعمارية توحي بأن هذا المغرب قد ازدهر قديماً حتّى استطاع أن يمون الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، وذلك عندما كان تحت رعاية الرومان، وأنه ازدهر حديثًا وهو تحت الاستعمار الفرنسي، وفي الإمكان أن يستمر مزدهرا إذا وجد التنظيم، وتوظيف الرساميل، وتوسيع الإنتاج، وتأمين التصدير. ويشير جوتييه بعبارة واضحة إلى أن أهل المغرب لا يستطيعون
1 - يبدو أن المراد بالعبارة رؤوس الأموال، رأس المال جمعه على رساميل!. (المحقق)
-218 - (1/246)
صفحة 247
أن يقوموا بذلك وإنما يحتاجون إلى معاونة الغير فيقول: «فالمغرب بحكم
مناخه لا يكفي نفسه اقتصاديا ويحتاج للتعاون مع الغير».
هذا أن ومعنى
على أبناء المغرب - إذا أرادوا الازدهار المغربهم ـ أن
ـــ
-
ذلك
يعتمدوا في ذلك على الاستعمار الفرنسي الذي أشار إليه جوتييه بكلمة «مع الغير»، والذي يرشّحه لأن يقوم في الوقت الحاضر بدور الرومان في العصور الخالية. ومن الغريب أنه ساغ في منطق جوتييه وهو يرسم للمغرب تلك الصورة البائسة أن يذكر في نفس المقدمة أن الزيت المغربي كان يصل إلى إيطاليا، وأن الرومان كانوا يؤمنون منه قوت 350.000 نسمة، فالمغرب فقير، ولا يكفي نفسه اقتصاديًّا، ويتكالب عليه الاستعمار الغربي من العهد الروماني إلى العهد الفرنسي محبَّةٌ في سواد عيونه، وتضحية من أجل الله والإنسانية! إنه منطق الاستعمار على أقلام جنود الاستعمار ولو حملوا شعار الدراسة والعلم.
ومع
ولعلّ ممَّا يبعث على الضحك هذه العبارة التي جاء بها جوتييه تعزية لنفسه وتخفيفا للحسرة التي يُحس بها لو استغنى المغرب عن خدمات فرنسا؛ قال:
«وإذا كانت فرنسا بلدا متكاملاً يكفي ذاته على حد قول فيدال دي
لا بلاش فالمغرب على العكس من ذلك». [اهـ]
يكاد القارئ يُحس بدموع الكاتب تتساقط من عينيه حسرة وأسفا وهو يتصور هذا الموقف الذي يستقل فيه المغرب عن فرنسا، ولم يجد
- 219 - (1/247)
صفحة 248
موقفا يقفه غير موقف وكيل ليتيم غني بلغ رشده ويستعد لتسلم أمواله،
فيقف وهو يتظاهر بما ليس فيه قائلا لليتيم البالغ: يا ناكر الجميل قد نسيت كل ما قدمتُ لك من خدمات، ولكن لا بأس فأنا لا يقتلني الجوع، ولكنك أنت سوف تضيع ثروتك وتصبح بعد رعايتي وعنايتي مشردًا مُعدمًا، ثُمَّ ينهمر بالدموع.
2 - زعزعة الثقة بالمصادر الإسلامية قد لا يدعوني الموقف في هذه النقطة إلى التعليق، وإنما يكفي أن أعرض على القارئ الكريم مقتطفات مما يقوله بعض المستشرقين في هذا الصدد فيتضح ما يبيتون. وإلى
القارئ الكريم نماذج من ذلك، من کتاب «ماضي شمال إفريقيا»:
«وإن نحن شئنا قصر مصادرنا على المراجع العربية لا بد وأن نجد صعوبة في فهم الأمور، ذلك لأن الدراسات الشرقية تتسم ببعض الانغلاق على الرأي العام». ص: 47.
في طبيعة العقل القديم عدم تمييزه بين الأسطورة والواقع وقد اصطدم الغربيون كثيرًا بهذه الحقيقة، حيث كانوا يتكبدون الكثير من المشاق للحصول على أمر مهم سمعوا عنه، وسرعان ما يفاجؤون بأنه مجرد أسطورة». ص: 69.
فالعربي شأن البربري لم يكن يُعنى بالتاريخ، ولم يستيقظ الفضول العلمي في الإسلام إلا في مرحلة متأخرة مع العباسيين، وتسرب
الأفكار الداخلة». ص: 44.
- 220 - (1/248)
صفحة 249
«لكن الصعوبة ليست هنا، إنما الصعوبة في التسرب إلى عقول المؤرخين الذين يختلفون عن مؤرّخي، الغرب، ويصعب علينا فهمهم».
ص: 48.
وليس لدينا ـ نحن الأروبيين – أي حس ديني، أما الشرقيون
-
-
فليس لديهم أي حس بالتاريخ، ولعلّ الحس الديني والتاريخي يتعارضان».
ص: 55.
ولا ننسي أن كاتبنا الكبير قد اكتشف هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودي والبكري، وليس فقط لدى الأسماء الصغيرة». ص: 70.
ويظن هؤلاء المؤرّخون العرب بأنهم قد أدوا واجبهم كاملاً إذا ذكروا أسماء الملوك وسني حكمهم». ص: 71.
ان
كاتب لامع جدا هو ابن خلدون، وآخرون مجهولون تقريبا على غرار مؤلف روض القرطاس، غير أن لهم جميعا ذهنية شرقية؛ بمعنى مفاهيمهم لا يقبلها الغربيون بدون تأويل». ص: 87.
«عاش ابن خلدون في القرن الرابع عشر، فلا بد من تأثره بالمؤرخين القدماء، وأسطورة أفرقوس تناقلتها الأجيال بين مؤرخ وآخر حسب
المفهوم العربي التقليدي للتاريخ». ص: 98.
إن عدم إحساس المؤرّخين العرب بالتاريخ أمر مدهش». ص: 100.
- 221 - (1/249)
صفحة 250
«أوليس في الأرجح إذن أن يكون المؤرخون العرب قد فكروا بحمير التي امتلأت أذهانهم بها، وأغفلوا قرطاجة اليونانية التي لم يكتشفوا وجودها قط». ص: 100
«وقد ذكر المؤرخون العرب المعروفون بمبالغاتهم خبر ابنة البطريق».
ص: 175.
والواقع أنه لا يسهل علينا مع المؤرخين العرب أن تميز الحقيقة من
الخيال». ص: 175.
«وليس ذلك بسبب الغموض والإبهام اللذين اكتنفا كتابات المؤرخين العرب عن العلاقات العربية البربرية». ص: 178.
وقد تكون القصة منحولةٌ، لكن العثور على هذه الحيوية لدى مؤرّخ
عربي من الأمور السارة». ص: 187.
«ولا يذكر المؤرخون العرب
-
بجفافهم المعتاد
وعدم
اهتمامهم
بتحليل الأسباب عن ذلك ــ الشيء الكثير». ص: 189.
والغريب أن الكاهنة قد ألهبت خيال المؤرخين العرب الذين أعطوا
عنها فكرةً حيَّة بخلاف عادتهم في الكتابة». ص: 192.
خبرات بعض المؤرخين والفلاسفة والأطباء في العصر الإسلامي وخصوصا من كتب منهم باللغة العربية يزيدونها إيضاحا في هذا الباب. إلا أن أقوالهم يجب أن توخذ بحذر لأنها مفعمة بالأخطاء التاريخية،
- 222 - (1/250)
صفحة 251
والخلط بين المسائل». هذه الفقرة للمستشرق (1) "ماكس مير هو «التراث اليوناني».
وبالرجوع إلى هذه الفقرات التي نقلتها من أقرب المصادر التي وقعت عليها يدي، تجد أن الصورة التي يُراد أن تنطبع في ذهن القارئ عن المصادر
-.
التاريخية - الشرقية عامة والمصادر العربية خاصة ـــ هي ما يلي:
1 - الدراسات الشرقيَّة تتّسم بالانغلاق على الرأي العام.
2 - العقل الشرقي لا يُميز بين الأسطورة والواقع.
3 - العربي كالبربري لم يكن يعنى بالتاريخ، والفضول العلمي في الشرق الإسلامي إنَّما نتج عن تسرب الأفكار الداخلة.
4 - المؤرخون الشرقيون ليس لديهم حس بالتاريخ، وإنما يكتبون عن
إحساس ديني.
5 - يظن المؤرخون العرب أنهم أدوا واجبهم إذا كتبوا عن الملوك
6
-
-
وسني حكمهم.
جميع المؤرخين العرب بما فيهم ابن خلدون لهم ذهنية شرقية، ومفاهيم
لا يقبلها الغربيون بدون تأويل.
1 ـ انظر: «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»؛ دراسات لكبار المستشرقين. تر / عبد الرحمن بدوي نشر وكالة المطبوعات الكويت. ودار القلم، بيروت
لبنان. ص: 38. (المحقق)
- 223 - (1/251)
صفحة 252
7 - المؤرخون العرب ينقلون أساطير التاريخ مفهوم عربي تقليدي.
8 - عدم إحساس المؤرخين العرب بالتاريخ أمر مدهش.
9 - المؤرخون العرب معروفون بمبالغاتهم.
10 - لا يسهل تمييز الحقيقة مع المؤرخين العرب.
11 - كتابات المؤرّخين العرب تتميز بالغموض والإبهام.
12 - العثور على حيوية عند مؤرّخ عربي أمر سار لأنه أمر نادر.
13 - يتصف مؤرخو العرب بالجفاف وعدم الاهتمام بتحليل الأسباب.
14 - المؤرخون والفلاسفة والأطباء في العصر الإسلامي وإن أعطوا صورة واضحة، إلا أنه يجب أن توجد أقوالهم بحذر لأنها مفعمة بالأخطاء والخلط.
هذه كما يرى القارئ الكريم بعض الحقن التي يدسها المستشرقون في ثنايا أبحاثهم العلمية، وخدمتهم للثقافة الإنسانية، وقد اخترنا منها تلك الحقن الظاهرة الواضحة التي يُدركها كل قارئ، ويُحس بها كل من يمر عليها، ولا شك أن في أثناء كتاباتهم في الآراء والأفكار ما هو أخطر ممَّا ذكرناه وأكثر خفاء وأسرع تسربا إلى أذهان القراء لا سيما القراء العاديين والقراء الذين يُقبلون على كل جديد ويهشون له.
إن القارئ العادي والباحث المتعطش ـ وهو يبحث عن المعارف -
-
-
تمر به تلك الحقن هيِّنة لينة ناعمة في بادئ الأمر، ثُمَّ صريحة واضحة
- 224 - (1/252)
صفحة 253
لابسة ثوب الحقيقة العلمية. عندما يظن الكاتب المستشرق أنه قد استمال القارئ الشرقي إليه، وجذب انتباهه يضرب بعد ذلك ضربته ليحطم، إذا ما اعتقد أن قارئه قد مرَّ بالمراحل المطلوبة واستوعبها وهي: التشكك أوَّلاً، ثُمَّ النقد الموجه ثانيًا، ثُمَّ الازدراء والاحتقار والاهمال والتحول ثالثاً، ثُمَّ السير في المنهج الذي يريده المستشرق الخبير أخيرا. ويستطيع القارئ الكريم أن يتعرف على هذه الخطوات بسهولة عند المراجعة في أكثر كتب المستشرقين.
من الفقرات السابقة نستطيع أن نأخذ الأمثلة الآتية:
- i f
خطوة التشكك: وإن نحن شئنا قصر مصادرنا على المراجع
العربية لا بد وأن نجد صعوبة في فهم الأمور»، «من طبيعة العقل الشرقي القديم عدم التمييز بين الأسطورة والواقع».
-
مرحلة النقد الموجه: «ولا ننسى أن كاتبنا الكبير قد
اكتشف هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودي والبكري وليس فقط لدى الأسماء الصغيرة»، «ويظن هؤلاء المؤرخون العرب بأنهم قد أدوا واجبهم كاملاً إذا ذكروا أسماء الملوك وسني حكمهم».
ج – مرحلة الازدراء والاحتقار: «قد تكون القصة منحولة، لكن العثور على هذه الحيوية لدى مؤرّخ عربي من الأمور السارة»، «ولا يذكر المؤرخون العرب - بجفافهم المعتاد وعدم اهتمامهم بتحليل الأسباب عن
-
- 225 - (1/253)
صفحة 254
ذلك - الشيء الكثير»، والغريب أن الكاهنة قد ألهبت خيال المؤرخين العرب الذين أعطوا عنها فكرة حيَّة بخلاف عاداتهم في الكتابة».
د - السير في المنهج عندما تتم المراحل السابقة كما خطط لها، فإن القارئ الكريم يكون قد استوعب منهج المستشرق واتَّخذ أسلوبه في البحث ومعالجة قضايا الشرق، أعني أنه يُصبح مستشرقا آخر، أو بتعبير أصح مستغربا لأنه يعالج قضايا وطنه ومجتمعه ودينه وثقافته وحضارته بالمنظار الذي يراها به مستشرق جندته عوامل خاصة لذلك العمل، وبذلك يستطيع المستشرق أن يطوي خيمته ويأخذ عصاه ثُمَّ يرحل وهو مطمئن
إلى أن جهوده في خدمة الاستعمار، أي استعمار، لم تذهب عبا. هـ - التشكيك في الإسلام: لعلّ التشكيك في الإسلام، وتصويره
بأنه حركة بشرية كان الدافع إليها ما كان عليه العرب من الحرمان في الجزيرة القاحلة، وأنه لم يقدم شيئًا للإنسانية، وأن ما فيه من خير إنما هو مأخوذ من الحضارات السابقة، وأنه تبعا لما يتصف به أهله من بداوة وجفاء كان يُحارب العلم والفلسفة، كان من أهم الأسلحة التي يستعملها المستشرقون في محاربة الإسلام. ولعل المعاني السابقة وما شابهها كانت من أخطر الحقن التي يدسُها المستشرقون في كتاباتهم بأساليبهم المختلفة، تارةً في دقة وخفاء، وتارةً في علنية واستظهار يبلغ حد الوقاحة والتهجم، وهو في كل ذلك يتظاهر بالبراءة والطيبة وخدمة العلم
والإنسانية.
- 226 - (1/254)
صفحة 255
و إلى القارئ الكريم أمثلة ذلك: من
«أما المسلم الصالح فعليه أن يتجنب هذه العلوم أشد التجنب باعتبارها خطرًا على الدين. ومن ثم لذ للناس القولُ بأن النبيء إنما
""
،،
هذه العلوم حين سأل ربه أن يُعيذه من علم لا ينفع [اهـ]).
عنى
«بينما الإسلام الرسمي قد حارب الغنوص (2) نظريا فحسب، لكنه في
الواقع وعملياً سمح له بالتغلغل والنفوذ إلى معتقدات الجمهور» [اهـ] (3). «أما أولياء الله في الإسلام ففي مقابل الأرواح القدسية في الهيلينية، حتَّى إن محمدًا وهو نموذجهم الأعلى ينتهي بأن يصبح هو العقل الموجود منذ الأزل، وأن يكون الرحيم المخلص القدير» [اه]).
«وكان إلى جانبها تيار ديني
طائفة شعبي، عبارة عن
من السحر
1 ـــ جولد تسيهر: «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»؛ دراسات لكبار المستشرقين. ص: 126، 127.
2 ـ «الغنوص كلمة يونانية، معناها في الأصل المعرفة، ولكن معناها الاصطلاحي هو الترعة إلى إدراك كنه الأسرار الربانية بواسطة هذا النوع السامي من المعرفة الذي يناظر ما يسمى عند الصوفية المسلمين باسم الكشف“، أو هو الكشف نفسه». انظر حول المصطلح كارل هنريش بكر. "تراث الأوائل في الشرق والغرب. ص: 07، 08 (حاشية). (المحقق)
3 ـ بحث کارل هنريش بكر. ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية». بعنوان: "تراث الأوائل في الشرق والغرب. ص: 12. (المحقق)
4 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
-227 - (1/255)
صفحة 256
والنارنجيات الهيلينيَّة النظرية والعملية؛ فالسحر والتنجيم، وضرب الرمل، والرؤيا والأعداد، وفوائد الحب، والتمائم من كل نوع؛ هذه الأشياء أصبحت عربية إسلامية» [اهـ] (1).
واليوم نرى هذا النوع من السحر الإسلامي يسير
طليعة للإسلام
غازيا بلاد الزنوج الوثنية التي لا تؤمن بالإسلام الرسمي إلا بعد ذلك بزمن طويل غالبا» [اهـ] (2).
و الإسلام نفسه لم يكن شيئًا غير استمرار الهيلينية تصير آسيوية شيئا فشيئًا» [ه]).
إلا أنه لما كان قد نظر إلى الإسلام على أنه شيء جديد كل الجدة، وحسب من جهة أخرى أن الدين والحضارة شيء واحد، فقد نشأت أسطورة حضارة العرب، تلك الأسطورة التي ألقت غشاء على عيون المؤرخين فحالت بينهم وبين رؤية هذه الحقيقة الناصعة وهي أن الحضارة القديمة قد ظل حاملوها هم حامليها الأصليون، واستمرَّ مسرحها هو مسرحها، ذلك أن الإسلام كان هو الأحني الغريب الذي أراد أن يغزو العالم القديم المتأخر، لكنه خضع من بعد لما كان عليه هذا العالم القديم من تفوق وسمو» [ه]).
1 ـ المصدر السابق. ص: 13.
2 المصدر نفسه، الصفحة نفسها. 3 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها. 4 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
-228 - (1/256)
صفحة 257
«ثُمَّ إن القانون الروماني رُتِّب ونُظِّم قبل قيام النبيء بدعوته بزمن
قليل، وأثره من بعد في الشريعة الإسلامية واضح في كل مسألة، حتّى إنه ليكاد يكون لكلِّ مبدإ من مبادئها ما يناظره في القانون الروماني» [اه]).
«وإذا ما بحثنا في حضارات البلدان التي فتحها العرب استطعنا أن نحكم بسهولة بأنّ كلّ شيءٍ بقي في الإسلام كما كان على عهده القديم، لم يضف إليه جديدا، سواء في ميادين السياسة أو فن الحرب أو الاقتصاد أو العلم أو الفنون أو الصناعات» [اهـ] (2).
أما نهضة الشرق التي نشهدها في الوقت الحاضر فمرتبطة لا بتراث الأوائل وإنما بأوروبا الحديثة» [اهـ]. كارل بكر، نفس المصدر السابق.
ومما جاء في كتاب الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي»،
تأليف الأستاذ ألفرد بل ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي ما يلي: «وهذه الثروة الزراعية في البلاد لم تكن انحدارًا ضئيلاً بالنسبة إلى بدو صحراء الجزيرة العربية» [اهـ] (3).
عرب الفتح الأوَّل كانوا جيوشا حقيقية مؤلفة من المحاربين العرب، صحيح أن غالبيتهم كانوا من البدو الفقراء في جزيرة العرب، وكانو:
1 ـ المصدر السابق. ص: 15.
-
2 - المصدر نفسه. ص: 14، 15.
3 ألفرد بل: «الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي». ص: 77.
- 229 -
17 (1/257)
صفحة 258
طامعين في النهب، لكن زعماءهم كانوا من أهل المدن» [اهـ]). و لم يكن القواد ولا المحاربون الجدد قد قدموا إلى هناك على نية عدم العودة إلى مواطنهم الأصلية التي تركوا فيها نساءهم وأولادهم، فبعد مُدَّة معينة كان الكثير منهم يعودون إلى ديارهم الأولى مثرين غالبا من الغنائم التي كانت من نصيبهم» [اهـ] (2).
«إن هجرة العرب من صحرائهم في القرن السابع الميلادي لم تكن حلقة من حلقات الهجرات الكبيرة للشعوب، تلك
حدثا جديدا، بل هي الهجرات التي تتجلى منذ فجر التاريخ» [اهـ] (3).
لقد جمع تحت سلطان واحد قوي هو سلطان النبيء محمَّد أَوَّلاً ثُمَّ سلطان الخلفاء من بعده، أولئك العرب المتعطشون إلى حياة مادية أقل شظفا من تلك التي تُهيِّئها لهم الصحراء» [اهـ]).
وجنود الفتوح الإسلامية أولئك العرب القادمون من قبائل بدويَّة رُحل في
الجزيرة العربية لم يكونوا شديدي الغيرة الدينية والتقوى الإسلامية» [اهـ] (5). «ولهذا ينبغي الا نرى في جيوش الفتوحات الإسلامية الأولى وفي
جحافل البدو المنطلقة من الجزيرة العربية بقيادة زعمائها ـ وأغلب هؤلاء
1 ـ المصدر السابق. ص: 213.
2 المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
-
3 ـ المصدر نفسه، ص: 78.
4 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
5 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
-
- 230 - (1/258)
صفحة 259
الزعماء من
-
المتعصبين المستضيئين بالإيمان والمستعدين للموت في سبيل نشر
سكان الحضر في المدينة ومكة ـ أقول ينبغي
ألا نرى فيهم
جيوشا من
الدين الجديد» [اهـ] (1).
بالغة
ولم تعد صورة جيوش صدر الإسلام، وهي تغدو مدفوعة بحماسة
-
-
لتخضع
و بإحدى اليدين السيف وباليد الأخرى القرآن الشعوب للدين الجديد، نقول إن هذه الصورة لم تعد مقبولة، وليست إلا من خيال الشعراء» [اهـ] (2).
«فخلال التاريخ يبدو لنا بمظهر قلة التقوى وبالعجز تقريبا عن
الارتفاع إلى عقيدة التوحيد» [اهـ] (3).
«إن البدو مولعون بالنهب والسلب، مولعون أيضا بإراقة الدماء
لكنهم لا يرضون بأن يُقتلوا، أي لا يستعذبون الموت» [اهـ] (4). ومن المؤكد قطعا أنه وجد بين قادة الحرب في الفتوح الإسلامية مؤمنون مخلصون، وجنود الله ورسوله صادقون مثل القائد الشهير عقبة بن نافع الفهري، مؤسس القيروان، وأصله من مكة، لكن يبدو عددهم في
ان
الغزوات الأولى لم يكن كبيرًا، وفي مقابل ذلك لم يكن الطمع في الثراء غريبا عن تفكير الكثير من الجنود المجاهدين. ويمكن أن نسوق أرقاما
1 ـ المصدر السابق. 79.
-
2 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
3 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
4 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
- 231 - (1/259)
صفحة 260
عن الثروات الطائلة التي ظفر بها غنائم في الحرب مسلمون أتقياء صادقون
66
وقد أورد أغناطيوس جولد تسهير أسماء عدة ابتغاء إثبات أن الزهد
منهم
الديني كان صفة نادرة عند الغزاة الأولين» [اهـ] (1).
ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال من بين الصحابة الذين بشرهم النبي بالجنة لتقواهم وإيمانهم؛ الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وكلاهما توفي عن عدة ملايين» [اهـ] (2).
وليس من شكٍّ في أنّ الثروات الضخمة التي جمعها المحاربون المجاهدون في غزواتهم الأولى في الشام ومصر والعراق قد حملت كثيرا من الأعراب على الاشتراك في الجهاد واعتناق الإسلام، ومن السهل أن نفهم
كيف كان الجهاد مغريًا للبدو الجياع الذين كانوا يعيشون عيشة حرمان وعدم استقرار» [اهـ] (3).
«تلك هي
الأسباب العميقة والصادقة التي دفعت بقبائل العرب إلى الانقضاض على العالم القديم الرومي أو الفارسي في منتصف القرن السابع
الميلادي، فالحاجة المادية والطمع ــ كما يقول جولد تسيهر
-
(العقيدة
والشريعة في الإسلام ترجمة فرنسية ص (113 أوجد هؤلاء الجنود والغزاة
الذين كانوا يقاتلون على طمع الدنيا» [اهـ]).
1 - المصدر السابق. ص: 80.
2 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
3 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
4 - المصدر نفسه. ص: 82.
- 232 - (1/260)
صفحة 261
وبالنسبة إلى البعض كان الجهاد مغنمًا على أي حال؛ فإن كُتب
له الحياة عاد مثقلاً بالغنائم، وإن كتب له الموت في الجهاد تخلص أوَّلاً
من حياة الحرمان والشظف القاسية في الصحراء العربية، وثانيًا إن كان من المؤمنين المخلصين كان الاستشهاد سبيله إلى حياة النعيم في الآخرة» [اهـ] (1).
ومهما يكن من شيء فإن الحماسة لنشر الدعوة والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله لم تكونا بالنسبة إلى الغالبية تلعبان غير دور ثانوي في الغزوات الأولى للإسلام» [اهـ] (2).
ومما جاء في كتاب ماضي شمال إفريقيا»، «إميل فيليكس جوتييه"، ترجمة هاشم الحسيني الفرجاني، مايلي:
«إنها الهوة الفاصلة بين نهاية الإمبراطورية الرومانية والعصور الحديثة، ففي هذه الفترة نرى المغرب يُغرِّد خارج سربه، و وكأنه فوق كرة أرضيَّة أخرى، أرض المسلمين» [اهـ] (3).
«ماذا حلّ بعلوم فارس التي أتلفها عمر بعد الفتح العربي، وكذلك بعلوم الكلدانيين والأشوريين والبابليين والأقباط الإغريق» (4).
1 - المصدر السابق. الصفحة نفسها.
2 المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
3 إميل فليكس جوتييه ماض شمال إفريقيا». ص: 75.
-
4 - المصدر نفسه. 77.
-233 - (1/261)
صفحة 262
وابن خلدون مؤمن بأن جمع الوثائق التي تعود إلى ما قبل الإسلام بعيدة عن مناله، وأنها أتلفت وضاعت إلى الأبد» [اه]).
فلا شيء في الشرق يُفهم بمعزل عن الدين، وقد وصف ابنُ خلدون انتشار الإسلام وانحساره وكأنه امبراطورية عسكرية» [اهـ] (2). وهكذا نرى أن أوصاف الدولة الشرقية تنطبق على ملاحظات ابن خلدون، فهي ملكية تستمد أسسها من الدين، وتقدم الثقافة بمرور الزمن» [اهـ] (3).
إن قرطاجنة القديمة قد ساهمت في إعداد البربر لاعتناق الديانة الإسلامية» [اهـ] (4).
«وفي زحمة الغزوات والانتصارات والهزائم والمجازر التي تميز بها الفتح العربي في المغرب، تتبادر إلى أذهاننا واقعة واضحة: جميع المعارك
كانت باتجاه طنجة وتيارت (تيهرت) وحول الأوراس» [اهـ] (5).
«وحين نرى أن المغرب المسلم يتفوق على جيرانه الأسبان والصقليين والمصريين، فلا يغرب عن بالنا أبدا أن جهودهم قد عبت منذ العهد
الروماني» [اهـ] (6).
1 ـ المصدر السابق. الصفحة نفسها.
2 المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
-
-3
المصدر نفسه، ص: 85.
4 ـ المصدر نفسه. ص: 101.
5 المصدر نفسه، ص: 104.
-
6 ـ المصدر نفسه، ص: 127.
- 234 - (1/262)
صفحة 263
ولكن ما الذي جعل المسيحية تنهار في الشمال الإفريقي، إن أعظم هديَّة قدَّمتها روما للمغرب إنَّما هي إدخال الجمل إليه، والجمل هو الذي أسهم في انهيار دولة الروم» [اهـ]).
«إذن كيف للبدو والرحل أن يحملوا ظاهرة حضارية إلى البلدان الأخرى؟ أولم يقل فيهم ابن خلدون الذي يُحبهم أنهم يهدِمُون بينا بكامله ليستخرجوا حجرا لموقدهم. كما يرى رينان“ من جهة أن الساميين يرفضون فكرة الدولة» [اهـ] (2).
وهنا يطرح سؤال: كيف ازدهرت بلاد الكلدانيين وصقلية وبلاد الأندلس
تحت الحكم العربي رغم بداوتهم؟ وكذلك كيف لهم ـ وهم الرحل ــ أن يأتوا
-
إلى بلاد المغرب بحيوان مفيد كالجمل، فلو فعلت روما ذلك لما بدا الأمر مستغربًا نظرا لطبيعة الاستقرار التي تُميّز شعبها» [اهـ] (3).
هذه مقتطفات يسيرة نقلتها عن بعض كتابات المستشرقين التي كانت
تحت يدي حين كتابة هذا الفصل؛ وبالرجوع إليها يتضح للقارئ الكريم المستشرقين كانوا حريصين جدا على أن يُشككوا في أن الإسلام دين سماوي، وهم يحاولون أن يؤكدوا للقارئ أنه امتداد للهيلينية المسيحية أو الغنوصية، وأنه استفاد من القانون المدني الروماني استفادة كاملة حتّى إنه
1 ـ المصدر السابق. الصفحة نفسها.
2 المصدر نفسه. ص: 141.
3 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
- 235 - (1/263)
صفحة 264
لا تخلو مسألة من مسائل الإسلام من آثار القانون الروماني، ثُمَّ هم يحاولون أن يصوروه في موقف من الحرب العنيفة مع العلم، وأنه قضى على آثار
علم الأوائل، وأحرق المكتبات ومنع أتباعه من التغلغل في العلوم العقلية. وفوق كلّ ذلك فقد حرصوا كل الحرص أن يصوروا الفاتحين المسلمين الأول، بأنهم إنما حملهم على الفتح ما هم فيه من فقر وحاجة وشظف عيش، وأن الفتوح عندهم هي وسائل غنيمة وإثراء اء فقط. وقد بالغ بعضُهم في تصوير هذا حتّى بلغ حد السخف والوقاحة.
،،
راجع إن شئت الفقرة التي اشترك فيها المستشرقان "تسيهر و "بل": «فالحاجة المادية والطمع أو جَدَا هؤلاء الجنود والغزاة الذين كانوا
يقاتلون على طمع الدنيا». [اهـ]
أما المستشرق جوتييه فقد بلغ به الحنق على العرب إلى حد أفقده صوابه، حتَّى إنه حاول أن يُنكر على العرب ـــ لأنهم بدو في نظره ـ شيئًا يرتبط بالبدو طبيعة وبداهة. وعُد إن شئت إلى إحدى
-
الفقرات السابقة لتقرأ فيها ما يلي:
«كيف لهم - وهم الرحل - أن يأتوا إلى المغرب بحيوان مفيد
-
كالجمل، لو فعلت روما ذلك لما بدا مستغربًا». [اهـ]
هذا كلام حوتييه؛ وهو يرى أن العرب ـ وهم بدو ــ ليس من حقهم أن يسوقوا الجمل لأنه حيوان مفيد، وكان يجب عليهم أن يتركوا ذلك لروما، ولعلّ شدَّة الحقد والتنكر والتشكيك تبدو واضحةً فيما يلي:
-236 - (1/264)
صفحة 265
«وهنا يُطرح سؤال: كيف ازدهرت بلاد الكلدانيين وصقلية وبلاد الأندلس تحت الحكم العربي رغم بداوتهم؟». [اهـ]
إن المستشرقين يريدون أن يزرعوا في ذهن القارئ الكريم أن الدين
عن
الإسلامي دين بشري من وضع العرب، وأن هؤلاء العرب عبارة مجموعات من البدو يسيطر عليها الجوع والحرمان في بلادهم فانطلقت غازية تبحث عن الدنيا، وأن الأمة الإسلامية على العموم والعربية على الخصوص لم تُقدِّم في الواقع للإنسانية شيئًا، وما قام تحت حكمها من مظاهر الحضارة كان مُعبَّاً من الحضارات السابقة. وحتى اعتناق البربر للإسلام لم يكن اقتناعا به ولا محبة فيه، وإنما كان نتيجة لروح قرطاجنة المتغلغلة فيهم: «إن قرطاجنة القديمة قد ساهمت في إعداد البربر للديانة الإسلامية» [اهـ]. هكذا يقول جوتييه.
إن وضوح السموم المدسوسة في ثنايا هذه الكتابات لا تحتاج إلى
الكشف والإظهار.
4 - وضع المرأة:
ربما كانت المرأة من أهم القوى التي استعملها الغرب في محاربة الشرق، فإن الصليبية بعد فشلها عن مواجهة الإسلام بقوة السلاح راجعت أساليبها، وتحققت أنها لن تنتصر انتصارًا حقيقيا كاملاً على المسلمين في معارك الحرب والقتال، فبدأت تغزوهم بوسائل أخرى في هدوء وأناة، ومن تلك الوسائل استغلال المرأة.
-237 - (1/265)
صفحة 266
كانت وسيلة الغرب في استغلال المرأة تتخذ اتجاهين:
الاتجاه الأول: هو تقديم المرأة الغربية لتتولى تحطيم الحصانة الخلقية والدينية من المجتمع الشرقي، والقضاء بوسائل المرأة الفردية على مقاومة الرجولة عند ذوي النفوذ والتأثير، سواء أكان ذلك في أفواج سيدات البلاطات والمجتمعات الراقية اللاء يقدمن تحت اسم التقدم الحضاري والمجتمع الراقي إلى ذوي النفوذ والسلطان والمال فتسلّطن عليهم، وأوهنَّ عزائمهم بشغلهم في محال عاطفي بعيد عن اليقظة والتفكير والحزم.
وكان ذلك في أفواج الفئات وطالبات الهوى اللواتي يشتغلن بجد في زرع الشهوة والابتذال بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فتشغلها بأنواع السكر والمخدرات والحشائش والفجور عن واقع الحياة. وقد نجحت امرأتهم، بما تحمل معها من مساعدات في هذا المجال نجاحا عجزت عنه الجيوش والأساطيل
الاتجاه الثاني: يتعلّق بالمرأة الشرقية نفسها، ومحاولة إخراجها من قيمها وأخلاقها والتزاماتها لتلتحق بالمرأة الغربية فتساعدها أو تتسلم منها. الدور فتقوم بها هي بدلاً من تلك الغربيَّة التي يتوقعون أن ردود الفعل قد تبعدها في يوم من الأيام وترحل عن المنطقة.
وقد نجحت فكرتُهم هذه أيضا بعض النجاح، وحاولت المرأة الشرقية
والمسلمة أن تقوم بنفس الدور الذي قامت به تلك المرأة الدخيلة فتزرع في
-238 -
• (1/266)
صفحة 267
حياة المجتمع الشهوة العارية التي تشغل عن الكفاح المستمر المطلوب من أمة ذات رسالة. والواقع أن المرأة الشرقية ولا سيما المسلمة لا تزال في مبدا الطريق، تتلمس خطاها مترددة في حذر وإشفاق، ولكن المؤسف أن جميع الأيدي تدفعها بكُلِّ قوة إلى النهاية المؤلمة.
والمستشرقون وهم يعرضون القضايا الإسلامية بأساليبهم الملتوية لا يغفلون موضوع المرأة بكثير من الوقاحة والتجني والدس، محاولين أن يُسيئوا إلى الشرق عموماً وإلى الإسلام خصوصا، عاملين بما في وسعهم من دهاء الاستعمار ومكره على جذب المرأة المسلمة إليهم وجعلها تعتقد أن الإسلام أساء إليها، ولم يُعطها حقها الإنساني كي تتمتع به كما تتمتع به المرأة الغربية، ليُمكن لهم أن يوجهوها ـ توجيها غير
-
مباشر ـ إلى الاستمرار في أداء وظيفة المرأة الغربية في الشرق. ولعلّ في بعض المقتطفات التي نعرضُها فيما يلي تتعرى أصابع
المستشرقين الدساسة، وتتضح نواياهم الكائدة.
،،
يقول المستشرق الفرد بل في كتابه الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي» ص: 51 مايلي:
ويمكن أن نفترض أن الزوجة الشرعية كانت كما لا تزال اليوم ملكا لزوجها، اشتراها من أهلها مقابل سعر يتفق عليه، والجارية المسرى بها يمكن أن تكون عن شراء مماثل، أو عن سبي في حملة حربية مثلاً، وحتى في الزواج بواحدة فإن مركز المرأة قلق» [اهـ].
- 239 - (1/267)
صفحة 268
وبعد أسطر يقول:
«وإذا كان هذا ـ أي الزوج - لا يسمح لزوجته بالزنا، فالسبب في
-
-
هذا أولاً هو أنه لا يريد أن يمتزج دم أجنبي بدم أبنائه، لأن قوام الأسرة هو رابطة الدم، وثانيًا لأنه لما كانت الزوجة ملكا له اقتناه، فإنه لا يسمح بأن يشركه في ملكه أحدٌ غيره» [اهـ].
«وهذا التصور للزواج يؤدي إلى نتيجتين رئيستين: الأولى هو أنه في عرف البربر ـ وكذلك في الشريعة الإسلامية ـ يعد زنا الزوجة
-
جريمة من جرائم القانون العام، يُعاقب مرتكبها بالموت. والنتيجة أن الزوج له وحده دون الزوجة حق تطليق امرأته حين يريد
الثانية هي
وكما يريد. والزوجة لا تستطيع حتّى طلب الطلاق مهما أساء الزوج معاملتها. والزوج الذي يطلّق زوجته يمكنه أيضا أن يُطالب باسترجاع ثمن الشراء من الأب، أو الزوج الجديد» [اهـ].
هذه الصورة التي عرضها هذا المستشرق هي إحدى الدسائس الاستعمارية المبنية على الكذب للكيد، والتي يُراد منها تضليل الشباب المسلم عن واقعهم وتنفيرهم من دينهم واستجلاب سخطهم على الشريعة التي أنزلها الله لسعادتهم وسعادة البشرية من ورائهم. لقد حاول المستشرق الماكر وهو يتحدث عن تاريخ البربر القديم، ثُمَّ يتسلل برفق إلى تاريخهم الإسلامي، ثُمَّ يتسلّل برفق أيضًا إلى الشريعة الإسلامية ـ أن يضرب هذه الأمة
-
-
المسلمة في المغرب، ويضرب الشريعة الإسلامية معها بأقوى ما عنده.
- 240 - (1/268)
صفحة 269
-
والملاحظة اليسيرة التي أريد أن أقولها للقارئ في هذا الصدد أن
للمستشرق أن يتحدَّث عن البربر وغير البربر قبل الإسلام بما شاء وشاء له الهوى، فإن الحديث عن جاهلية جميع الشعوب لا تعنينا، وليس لدينا عنها صور صحيحة، أما أن يأتي إلى الأمة المسلمة في الشرق والغرب ويتجنى عليها وعلى الإسلام فإن هذا الموقف يجب أن يكون له عليه حساب: تصويره لعمليَّة الزَّواج بأنها عملية بيع وشراء، وأن المرأة تسلّم فيه للزوج مقابل ثمن يُدفع للأب أو الزوج الأسبق من أرخص أنواع الكذب والافتراء على البربر في العهد الإسلامي وعن الإسلام، وصاحب هذا الافتراء سواء أكان هذا المستشرق أم كان غيره ليس له حياء يعصمه ولا كرامة يحرص عليها، وإلا لما أجاز لنفسه أن يكذب على الإسلام والمسلمين هذه الكذبة البلقاء والنتائج التي توصل إليها؛ فزعم أن في عُرف البربر وفي الشريعة الإسلامية أن زنا الزوجة جريمة يُعاقب عليها القانون بالموت، وهو تحريف للحكم الشرعي، لأن البربر يعملون بالإسلام، والإسلام يعتبر الزنا جريمة سواء أصدرت من زوج أو زوجة أو من غيرهما، وقد قرر لهذه الجريمة عقوبة تختلف في بعض الأحوال؛ فهي للمحصن ــ سواء أكان ذكراً أم أنثى - الموتُ بطريقة الرَّجم، وهي لغير المحصن الجلد. وأحكام الشريعة تتساوى عند البربر والعرب والفرنسيين إن كان فيهم مسلمون. والصورة التي يقدمها هذا المستشرق - بأن المرأة في الإسلام بضاعة تشترى بالثّمن، وأن الثمن الذي يدفعه الزوج يسترِدُّه إذا طلقها وما يتبعُ
- 241 - (1/269)
صفحة 270
هذه الصورة من خيالات وأوهام - يُراد بها إثارة المرأة المسلمة بالدرجة الأولى، ثُمَّ تشويه سماحة الإسلام، وهي ولا شك إحدى الدعايات الفاجرة التي حرص الاستعمار أن يضلل بها عقول الشباب الذين لم يدرسوا الإسلام، ولم يعرفوا حقيقة القواعد والأصول التي جعلها أسسا ودعائم لتكوين البيت والأسرة.
وأحسب أن هذه الصورة وحدها كافية لأن يعرف القارئ الكريم. جهود المستشرق الفرد بل في خدمة الثقافة الإسلامية! هذا الرجل الذي كان في خدمة إدارة الحماية الفرنسية منذ سنة 1914، والذي بقي يُوالي جهوده في المغرب متنقلاً بين عواصمه وقراه تكفل له الدولة جميع المساعدات ما يقارب ثلاثين سنة - من عام 1914 إلى عام 1942 ـ إنه
-
ولاشك واحدٌ من تلك الشخصيات التي كانت تعمل جهدها في تركيز الاستعمار وخدمة الغرب متسترة بخدمة العلم والثقافة. وهو ولاشك بهذه الإقامة الطويلة في مكان واحد قد اكتسب سمعة واسعة بين المستشرقين والمهتمين بمثل هذه القضايا، وربَّما يعتبر قوله حجَّةٌ وشهادته لا تُرَد. ويقول المستشرق إميل فليكس جوتيه" في كتابه «ماضي شمال
،
إفريقيا»، ترجمة هاشم الحسيني ما يلي:
فقد تخلى أي سبتيموس عن جميع حسان بلاده ليقترن بامرأة سورية» (1).
1 ــ جوتييه: «ماضي شمال إفريقيا». ص: 93.
- 242 - (1/270)
صفحة 271
ويقول: «واحتفظ سبتيمون بجوليا على الرّغم من فضائحها وتآمرها عليه، وهذا إن دل على شيء فعلى عُمق الصلة بين ذلك القرطاجني وتلك الفينيقية» [اهـ]).
ويقول: «ثُمَّ إن كركولا تزوج على غرار أبيه من امرأة سورية من عائلة جوليا أمه أراد بذلك أن يخلق لنفسه جوا عائليًا شرقيًا، حتى إن مؤامرات الحريم كانت كما في الشرق، أولم تدفع جوليا ابنها كركولا لقتل أخيه جيتا؟ صحيح أن هناك سابقة عند آغريين أم نيرون، ولكن مضى عليه مائة وأربعون عاما، ناهيك بأن قتل الأشقاء ومآسي الحريم في الممالك الشرقية من الحوادث العادية التي تُرافق تغير العهود» [اهـ] (2).
ويقول: «ابنة البطريق جرجير التي سموها آمنة، وقالوا إنها كانت من نصيب واحد من الأنصار فوضعها هذا على ظهر جمل، وسار بها وهو يردد: يا ابنة جرجير ستسيرين مشيا على الأقدام، ففي الحجاز تنتظرك سيدتك، حيث ستحملين الماء في القرب» [اه] (3).
ويقول: «تمثل بنوع خاص وضع امرأة أوروستوقراطية مرفهة وقعت في أيدي بدو رحل، لقد كان العرب من الذكاء بحيث أدركوا معنى
1 ـ المصدر السابق. الصفحة نفسها.
-2
المصدر نفسه. ص: 94.
3 ـ المصدر نفسه، ص: 175.
- 243 - (1/271)
صفحة 272
المأساة، ومن القسوة بحيث أبوا إلا أن يستمتعوا بها» [اه]).
ويقول: «وقضيَّة العائلة ووضعُ المرأة أمران مُهمَّان ولا ريب، وما من هوة أعمق من هذه الهوة بين الشرق والغرب» [اهـ] (2).
ويقول: «ولم يذكر "غيزل» سوى امرأتين لم تكونا في عداد الحريم» [اهـ] (3).
ويقول: «وخليق هنا بنا أن تشير لنقطة مهمة تتعلق بموضوع المرأة الشرقية الذي لم يتفهمه الغربيون؛ فصحيح أنها تعيش منعزلة، ولكنها تحافظ على وضعها كامرأة، وقد تكون رغم جهلها أكثر اندفاعا وعنفا وشدة من المرأة الأوروبية، وكلنا سمع بمكايد الحريم»).
هذا مستشرق آخر بدأ خدمته للاستعمار الغربي من جزيرة مدغشقر، ثُمَّ التحق بالجزائر، وقد بذل جهودًا مُضنية لخدمة الاستعمار تحت ثوب البحوث العلمية.
وفي أثناء كتاباته عن الشرق عموماً، وعن المسلمين خصوصا، يحاول أن يَدُس صورًا مشوَّهة، أصولها مستقاة من كتب القصص كألف ليلة وليلة وغيرها، بينما يُحاول أن يُشكك بما أُوتي من جهد في المصادر
1 ـ المصدر السابق. الصفحة نفسها.
2 المصدر نفسه، ص: 102. 3 - المصدر نفسه. الصفحة نفسها. 4 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
- 244 - (1/272)
صفحة 273
الحقيقية؛ فهو في موضوع المرأة – يركز على فكرة الحريم كما
—
-
يتصورها الغربيون: مجموعات كبيرة من النساء يُحبسن في قصر واحد ليستمتع بهنَّ رجل واحدٌ، فهُنَّ يعشن في عالمهنَّ الضيق في كيد ومؤامرات للحصول على قلب ذلك الرجل. وهو يُلح في إعادة هذه الصورة إلى الأذهان، بل إنه يستشهد بغيزل الذي لم يذكر سوى امرأتين اثنتين ليستا من الحريم. ولا شك أن تجمُّع النساء وصراعهنَّ وكيدهن وممارستهنَّ للبغاء والفجور السري والعلني في قصور الملوك وفي قصور الأمراء والأوروستقراطيين في فرنسا وفي غيرها من بلاد أوروبا، وصراع البغايا والمحظيات مع الزوجات الشرعيَّات، وتسلطهنَّ على الملوك ورجال الدولة وتسييرهنَّ في كثير من الأحيان دفة الحكم من وراء ستار، وتأثيرهنَّ على السياسة العامة داخلية وخارجية، ومظاهر الحب والخيانات، وتعارض رغبات الغانيات مع أحكام الكنيسة، وتدخل السلطة الحاكمة ضد الكنيسة لحمايتهنَّ وحماية عبثهنَّ صور واضحة في تاريخ أوروبا، لا يمثل ما في الشرق جميعه إلا جزءاً يسيرًا منها، لكن كل ذلك مستساغ وحسن مادام في أوروبا وهو يدلُّ على تقدم المرأة الغربية وثقافتها في منطق المستشرقين، أما المرأة الشرقية فمع جهلها قد يكون اندفاعها أعنف؛
هكذا يقول جوتييه. ولعله
من السهام المسمومة التي يُريد أن يوجهها إلى الفاتحين
المسلمين ـــ في هذا الموضوع - تلك الصورة التي رسمها للجندي المسلم الفاتح حين أسر ابنة جرجير، وهي كما يقول فتاة أوروستقراطية مرفهة
- 245 -
18 (1/273)
صفحة 274
فير كبها جملاً ليذهب بها من أفريقيا إلى جزيرة العرب، ولا يكفي هذا بل يتغنّى بمأساتها فيقول لها ستسيرين على الأقدام حتى تصلي إلى سيدتك التي تنتظرك لتحملي لها الماء في القرب».
ويُعلّق على هذه الصورة بقوله: «إنّ العرب من الذكاء بحيث يُدركون هذه المأساة، ومن القسوة بحيث يستمتعون بها». ولا شك أن ملايين النساء الشرقيات المرفهات اللاء لاقين أسوأ فنون التعذيب بأيدي الاستعمار الغربي الممتد منذ عهود الرومان إلى آخر عهود فرنسا في الجزائر لا يلفتن النظر، ولا تُعتبر قضاياهُنَّ مآسي، ولا معاملتهنَّ بتلك الوحشية قسوة.
،،
وليت شعري كيف استطاع المستشرق ”غيزل أن يبحث عن المرأة في المجتمع الشرقي كله فلم يجد إلا امرأتين ليستا من الحريم؟.
هذه أساليب المستشرقين وهم يكتبون عن قضايا الشرق عامة
وقضايا الإسلام خاصة، متسترين بالبحث العلمي.
ولا شك أن بعضهم قدَّم خدمةً قيمة في الميدان العلمي، ولكنَّ البعض الآخر حاول أن يدس في أبحاثه ما يظنُّه خدمة للأغراض الاستعمارية، أو ما توحي به العصبية، سواء أكانت عصبيته دينية أو كانت عصبيته للغرب على الشرق.
ولعل "إميل فيليكس جوتييه" يمثل الجانب المتهور في هذا الموضوع، وكتاباته لا تتّسم بأسلوب الباحث، وإنما تتسم بصيغة الرائد الذي
-246 - (1/274)
صفحة 275
يمهد للغزو أو يبرر الغزو الواقع من دولة واقعة على شعب يرى جوتييه أنه يجب أن يخضع للحكم ويصبر عليه ويقدم السمع والطاعة.
ولعل القارئ الكريم يريد أن أضع بين يديه مقتطفات أخرى من كتابات إميل جوتييه“؛ يقول:
«وهنا تلقي نظرة على ما نُسميه تاريخ المغرب في العهد الإسلامي لنجد أن الذاكرة لا تستطيع حصر الحوادث المتشعبة المتشابكة، والحروب العديدة التي لا تعرف أسبابها ونتائجها في تلك الفترة؛ فما إن تقوم مملكة حتّى تنهار وتنشأ على أنقاضها أخرى بدون سبب واضح أو نتيجة ملموسة، إنه تاريخ
خاو جاف، بل أقول صحراء قاحلة لا تعرف أولها من آخرها» [اه]). ويقول: «والواقع أن حياة البداوة هي التي ميزت التنظيم السياسي في
الشرق، والبداوة هي التي تُميّز الشرق عن الغرب» [اهـ] (2).
ويقول: ذلك أن إفريقية قرطاجنة والأندلس بلدان عريقان ثقافيا وهما الوحيدان في المجال الإسلامي بالمغرب على أن العنصر الذي لعب دوره هنا هي فترة ما قبل الإسلام وما هيأته لاعتناق الديانة الجديدة» [اهـ] (3). ويقول: «وأيسر ما يُثير انتباهنا في زحمة الصراع بين الشرق والغرب في
بلاد المغرب الهيار النفوذ اللاتيني والمسيحي في إفريقيا» [اه].
-
1
المصدر السابق. ص: 77.
2 المصدر نفسه، ص: 80.
-
3 ـ المصدر نفسه. ص: 104.
- 247 - (1/275)
صفحة 276
ويقول: «وقد شاءت الإمبراطورية الرومانية أن تخلق ثورة مثل هذه،
ونجم عنها عن غير قصد هزات اجتماعية وسياسية خطيرة» [اهـ]. ويقول: «لقد عرفت إفريقيا عهدها الذهبي زمن الرومان فازداد عدد وانتعشت اقتصاديًّا، وأضافت روما لمآثرها الأخرى إدخال الجمل
سكانها
إلى البلاد» [اهـ].
ويقول: «إن إفريقية هي مهد المقاومة المغربية، نظرا لتأثرها بالحضارة اليونانية والرومانية» [اهـ].
ويقول: وليس تصرُّف كهذا أمرًا مستغربًا في هذه البلاد، لكننا نستهجنه نحن الذين سرنا منذ ثلاثة آلاف سنة من مفهوم المدنية القديمة إلى مفهوم الوطن» [اهـ].
ويقول: «ذلك لأنها تحولت تدريجياً فأصبحت بلاد الشاوية. وتبدد ما بقي من ثروات زراعية وفلاحين رومان في القرن السابع، وسادت حياة التنقل بين السهل والجبل» [اه].
ولعلّ من الطريف أن أختم هذا الفصل بملاحظتين مبنيتين على
استنتاجات مضحكة للمستشرق الكبير.
الملاحظة الأولى:
يقول في نفس الكتاب، ص: 153 مايلي:
ولا بد لنا هنا من ذكر القرابة بين الزناتية واليهودية في الأصل، فالكاهنة أوَّلُ أميرة على الزناتيين كانت تحمل اسما يهوديا، فكاهنة
تذكر بكوهين» [اهـ].
- 248 - (1/276)
صفحة 277
أرأيت التعمق في البحث ودقة الاستنتاج، وسلامة المنطق؛ أوَّلُ أميرة على الزناتيين هي الكاهنة، ولفظ الكاهنة قريب من كوهين، وكوهين اسم يهودي، إذا فالعلاقة وطيدة بين زناتة واليهود. ونسي هذا المستشرق الكبير أن اسم هذه الأميرة «داهيا» لا كاهنة، وأن كلمة كاهنة كلمة عربية، أطلقها عليها العرب لأنها كانت تمارس أعمال الكهان، ولابد أن لمعنى هذه الكلمة لفظا بربريا كان يُطلق عليها، فلما جاء العرب ترجموه إلى هذه اللفظة واختفت اللفظة البربرية، أو أن العرب من مبدإ الأمر أطلقوا عليها لفظ الكاهنة حين لاحظوا أنها تقوم بأعمال الكهان ومهما كان الأمر وحتى لو أن اسمها كان كاهنة أو أن اليهود كانوا يسمون كوهين لما كان لتشابه هذه الأسماء معنى، ولا يصح أبدا أن نربط بينها علاقة لمجرد تشابه لفظتين، وإلا فالمسلمون اليوم يُسمون موسى وهارون وإسحاق وسليمان وداود فما رأي المستشرق الكبير في هذا؟ أحسب أنه ليس أبعد في السخف من هذا.
الملاحظة الثانية:
يقول في نفس الكتاب، ص: 153، ما
يلي:
«ومن المعروف أيضا أن ثورة يهودية قامت في عصر الإمبراطور تراجان" انطلقت من بَرقَة، وقد شدَّد "رينان كثيرا على هذه الثورة؛ قام هؤلاء - وعلى رأسهم شخص يدعى ”لوقوفا“ اعتبروه ملكا
- 249 - (1/277)
صفحة 278
عليهم
-
بعمليات ذبح واسعة النطاق لليونانيين والرومان، وأكلوا
لحمهم، وتلذذوا بتلطيخ أيديهم بدمائهم، منتزعين جلدهم عن أجسامهم ليجعلوا منه ثيابا يرتدونها. ويقدر عدد سكان برقة الذين قضوا على السكان قد ذُبحوا
الفا، أي أن جميع
هذا النحو بحوالي مائتي وعشرين تقريبا، وتحولت البلاد إلى صحراء قاحلة من جديد، ولا تدل وقائع كهذه
على مدى التعصب الديني لليهود وحسب، بل على أن هؤلاء كانوا
منظمين أحسن تنظيم».
إنني أترك هذه الفقرة لحكم القارئ دون تعليق.
- 250 - (1/278)
صفحة 279
مع إميل فليكس جوتييه
كتب بعض المستشرقين عن الإباضية كما كتبوا عن غيرهم من المسلمين. ولعلّ نقط الانطلاق التي يبدأ منها المستشرقون مسيرتهم ـــ حين يكتبون عن القضايا الإسلامية خاصة وقضايا الشرق عامة ـ هي
فهي
تختلف
-
نقط
واحدة، يستطيع الدارس أن يحددها ويرسمها في وضوح في كتاباتهم. أما الدوافع التي تدفع أحدهم إلى الكتابة عن بلد أو قضية أو فرقة، من شخص إلى شخص، ومن دولة إلى أخرى، وإن كانت غالبا ما تتلاقى في أصول ثابتة عنده لا تعدوها، وإنما تتسم كتابة كلّ واحد منهم بطابعه الخاص المميز حسب تكوينه الخلقي، وإدراكه لنوعية القارئ الذي يقصده بالذات، ويتَّجه إليه برغبته في إحداث التأثير عليه، وإقرار مفاهيم معيَّنة في ذهنيته، ثُمَّ مدى حماسته لدوافعه الحقيقية، ومدى من السيطرة على انفعالاته وإحساساته وتأثراته النفسية بالأحداث
تمكنه
والقضايا التي يعالجها.
ينظر المستشرقون إلى الإباضية ـ عندما يتحدثون عليهم -
-
ـ من
نفس الزاوية التي ينظر منها أكثر المؤرخين، فيعتبرونهم فرقةً من فرق الخوارج، وليس هذا فحسب، بل إنَّهم ينسبون إليهم جميعًا كل ما يصدر عن شواذ الخوارج، وعن مغامرين من طلاب الحكم أو المال ممن كانت لهم حركات عنف في جهة من الجهات.
- 251 - (1/279)
صفحة 280
بين يدي الآن ممجموعة من كتابات المستشرقين الذين تحدثوا عن الإباضية، وسوف آخذ منهم نموذجين للمناقشة.
الأول: "إميل فليكس جوتييه كنموذج للمستشرق المتطرف الذي لا يُخفي عصبيته للغرب، ولا محبته لاستعمار الشرق، ولا أسلوبه في الكيد.
،،
والثاني: "كارلو الفونسو نيلينو كنموذج للمستشرق الذي يسير وفق منهج علمي واضح.
وفي هذا الفصل نقف وقفات قصيرة مع المستشرق جوتييه في كتابه: «ماضي شمال إفريقيا». والحقيقة أن القارئ المنصف عندما يقرأ هذا الكتاب يُحس بالكيد الاستعماري في كل صفحة من الكتاب، وتتراقص أمام عينيه الدسائس في كل موضوع، وإلى القارئ الكريم بعض الصور الواضحة التي تتبدى له وهو ماض في القراءة:
1 - حرص شديد على إثارة النزعة القبلية بين البربر، والعمل على تذكيرهم بأنهم ينتمون إلى قبائل شتى مختلفة تنتمي كل واحدة منها إلى عرق، وأن بعض تلك القبائل كانت مؤهلة لأن تحكم وتسود، وأن قبائل أخرى لا تستحق ذلك الشرف، وأن صراعا عنيفا وقع بينها تغلبت فيه هذه على تلك بسبب ظروف خارجية هي مجيء الإسلام ومساعدته لبعض تلك القبائل على بعض، فضيع عليها فُرصا للمحد. وهذه الصورة واضحة تتراءى لك في كل موضوع.
- 252 - (1/280)
صفحة 281
-
2
محاولته إثارة العنصرية بين العرب والبربر، واعتباره المعارك
الحامية التي وقعت زمن الفتح الإسلامي ليست معارك بين الإيمان والكفر وإنما هي معارك بين عرق وعرق، أو هي بين غاز يُريد الاستعمار والاستثمار، ومدافع عن بلاده وخيرات أرضه، وكذلك ما وقع بعد ذلك من ثورات وحروب بسبب انحراف الحكم يردُّها كلها إلى صراع قبلي عرقي ليس أكثر.
3
- التهوين شأن البربر من الناحية الحضارية
من
عند مقابلتهم بالعرب، والتهوين من شأن العرب أيضًا من هذه الناحية عند مقابلتهم
بالرومان أو الإغريق أو حتى بالأمم الشرقية المجاورة لهم كالفرس.
4 - الرفع من قيمة الرومان وإرجاعُ ما في المغرب من مظاهر الحضارة والازدهار في القديم إليهم وحدهم، أما في الحديث فإلى فرنسا. 5 - الحرص على تصوير الخوارج عموما في شمال إفريقيا بأنهم بدو، ولا يمكن أن تقوم على أيديهم حضارة وإعطاء هذه الصورة نفسها عن البربر أيضا وعن العرب، وإرجاع التراث الحضاري الإسلامي إلى ما يسميه "الحس الحضاري العميق الجذور الباقي والمترسب عن الشعوب التي استعبدت المغرب قبل الفتح الإسلامي وأهمها الرومان.
،،
6 - الزعم بأن الحضارة التي قامت في العهود الإسلامية إنما قامت في نفس الأماكن التي قامت فيها الحضارة قبل الإسلام بالحس الحضاري السابق، حتّى إن المدن الهامة في المغرب الإسلامي إنما قامت على أنقاض المدن الهامة في العهد الروماني.
- 253 - (1/281)
صفحة 282
7 - تصوير حركة الخوارج بأنها هرطقة (1) تستمد جذورها من الدوناتية (2) المسيحية.
هذه بعض الصور التي تلمسها وأنت تقرأ ما كتبه "جوتييه" عن الإباضية. ولا شك أن صورًا أخرى كثيرة تبدو لك وأنت ماض في قراءة الكتاب.
أما فيما يتعلق بالإباضية فلعل القارئ يرافقني في الخطوات
القصيرة الآتية:
يتحدث المؤلّف عن الإباضية تارةً ضمن الإطار الخارجي (3)، وتارةً يخصهم بالحديث؛ يقول في كتابه: ماضي شمال إفريقيا»، ترجمة هاشم الحسيني، نشر الفرجاني، ص: 200 مايلي:
ولكي نفهم مذهب الخوارج ينبغي ألا نعزله عن غيره، بل يجب أن نقربه من الثورات الأخرى التي عرفها المغرب، حيث نجد وراء الهيجان
الديني
انتفاضة للمشاعر الطبقية والعرقية والخارجية أشبه شيء بهرطقة
1 - الهرطقة". عند النصارى ــ البدعة في الدين. (منجد). (المحقق)
-
2 الدوناتية": نسبة إلى "دونا وهو أسقف قرطاجة في القرن الرابع الميلادي، أحدث
،،
بدعة في المسيحية، وعرف مذهبه باسم الدوناتية (Donatisme). انظر:
«المنهل»، قاموس فرنسي عربي دار الآداب بيروت، ط 05، 1979 م. وانظر أيضا: «المنجد في اللغة العربية المعاصرة». (المحقق)
3 نسبة إلى الخوارج، لا إلى الخارج. (المحقق)
- 254 - (1/282)
صفحة 283
مسيحية هي الدوناتية"، وقد ولدت في عصر كان فيه كل شيء مطبوعا بالطابع الديني، وقد شدَّد ”ماسكوراي" على وجود شبه بين الدوناتية والخارجية» [اهـ].
ويُضيف المؤلف إلى هذا القول في ص: 202 ما يلي:
«فما سكوراي على حق إذن في ذكر الشبه بين الخوارج والدوناتية، لا بل إن الخارجية هي الدوناتية عينها منقولة عن الإطار
المسيحي إلى الإطار الإسلامي» [اهـ].
معنى
هذا غطّ أنماط التحليل والحكم من
عند جوتييه؛ أي لكي نفهم
الخارجية يجب أن نقربها إلى غيرها من الثورات الواقعة في المغرب،
وتلك الثورات إنما قامت في نظر جوتييه ـ على الهيجان الديني
-
-
والمشاعر الطبقية والعرقية وليس في هذا ما يمنع أن تكون الخارجية في الإسلام هي الدوناتييّة المعروفة في المسيحية، وانتقلت عبر العصور حتى واتتها ظروف الظهور فظهرت في هذا النمط؛ أي أنه حتى الانحرافات والتطرفات عند المسلمين عند المسلمين ينبغي أن تكون مستمدة من المسيحية، أو من الغرب، ذلك أن الشرق بما فيه – حسبما يُريد الاستشراق ــ ليس له قوة الحركة والانتفاض والحياة.
ويقول جوتييه في نفس الكتاب، ص: 207 مايلي:
وينقسم خوارج المغرب إلى فرقتين: الصفرية والإباضية؛ وتمثل
""
الصفرية التطرف والإباضية الاعتدال وهم أشبه بالبلاشفة
،،
- 255 - (1/283)
صفحة 284
والمناشفة، تُباعد بينهم كراهية عميقة الجذور، لقد هاجم صفرِيو نفزاوة
وورفجومة مدينة القيروان بوحشية لا نظير لها» [اهـ].
ثُمَّ يقول في صفحة: 209 مايلي:
وقد زحف أباضيو طرابلس من زناتة وهوارة لمحاربة بني ورفجومة، وانتزاع بقايا القيروان منهم، على أن تدخل هؤلاء لم يكن بدافع إنساني محض، إذ ليس من المستبعد أن يكونوا قد شعروا بالحسد من إخوانهم في المذهب، وأرادوا أن يظفروا لأنفسهم ببعض الفائدة» [اهـ].
هذا منطق المستشرق جوتييه في مناقشة الأحداث، وتحليل بواعثها وتعليل الدوافع إليها؛ يفترض أولاً أن الإباضية والصفرية إخوان في المذهب، يفترض ثانيا أنّ عداوةً عميقة الجذور – كالتي بين البلاشفة
والمناشفة
-
-
تقوم بينهم، ويذكر أن الصفرية قاموا باحتلال القيروان
وارتكبوا فيها كثيرًا من الفضائع ثُمَّ يذكر أن الإباضية سارعوا إلى طرد الصفرية من القيروان ويفترض ثالثًا أن عمل الإباضية هذا لا ينبعث من دافع إنساني، ويفترض رابعا أن هذا الدافع الذي دفع الإباضية إلى استخلاص القيروان من أيدي ورفجومة إنما هو الحسد لإخوانهم في المذهب، ثُمَّ الظفر لأنفسهم ببعض المكاسب.
قصور من الافتراضات يرفعُ بعضها على بعض دون أساس، أو على أساس من الوهم، وتصور وتصوير لعلاقات بشرية، ونوازع نفسية لا تنبني على علم ولا تستند على خبر، وإصدار أحكام على حركات قامت
- 256 - (1/284)
صفحة 285
قبل قرون تناقض كل المناقضة ما تذكرها عنها كتب التاريخ والسير
العربية. فما هي
الأسباب التي يستند إليها المستشرق جوتييه في افتراض
الفروض وإصدار الأحكام على الوقائع وعلى دخائل النفوس؟ إنه لا مطلقا شيء
غير دعوى عريضة، وقياسات على ما عند الغربيين. إنه يقول إن الإباضيَّة طرَدُوا الصفرية من القيروان حسدا وطمعا في
بعض الفائدة، والحسد دافع خفي فطن له هذا المستشرق الذكي بعد مضي هذه القرون الطويلة.
من
الفهم
إنه لو اقتصر على دعواه أنهم يطلبون لأنفسهم بعض المكاسب رغم أن كتب التاريخ تكاد تجمع أن الإباضية في استيلائهم على القيروان لم يأخذوا منها شيئًا البتة ما عدا خرجًا سرقه أحد المقاتلين فلما انكشف عُوقب عليه وعُزّر أمام أعين الجند جميعاً - لكان لدعواه حظ من النظر؛ لأن نظرة المستشرق جوتييه إلى حركات الشعوب لا تنبعث إلا الاستعماري، والفهم الاستعماري لا يتحرك إلا بعد تقدير الفوائد والمكاسب والمغانم. أما ما عبر عنه هو بالدوافع الإنسانية فقد قتلت في الحس الغربي في معاملته، والدوافع الإنسانية في الحس الغربي إنما قتلها حملة الأقلام والألسنة، قبل أن يقتلها حملة السلاح وطلاب المطامع. وما من حملة عسكرية وجهها الاستعمار الغربي إلى الشرق في التاريخ القديم أو الحديث تلك التي سبقت الديانات - إلا وقد مهدت لها السنة وأقلام سابقة، وبررتها
-
السنة وأقلامٌ مرافقة، وأثنت عليها وتحدتها السنة وأقلام لاحقة.
--
حتَّى
-
-257 - (1/285)
صفحة 286
وإنك لتقرأ اليوم للمستشرق جوتييه وأضرابه فتجدهم يبررون بل
يمجدون جميع الحملات الاستعمارية التي قام بها الإغريق والرومان، بل ويتحدثون عنها بشيء من الفخر والاعتزاز، ولا يبدو أنهم يُحسون بأن تلك الحملات الاستعمارية في تاريخ سحيق كان الباعث عليها والدوافع إليها إنما هو الحصول على الفوائد ولم يزعموا أن سببها كان الغيرة والحسد، ذلك أن للمستشرقين منطقين منطقا يعالجون به قضايا الغرب، ومنطقا يعالجون به قضايا الشرق، ولم يدخل في اعتبارهم أبدا أن الغرب والشرق يستويان في أي مظهر من مظاهر الحياة، وإن كانوا يسبقون على جميع مواقفهم دعوى فضفاضة بأنهم متجردون للعمل
تحت اسم البحث العلمي.
ويقول في ص: 224 مايلي:
وراء مملكة تاهرت شخصية مُشرقة مرموقة كما هي حال المملكة الإدريسية، والأسرة الفاطمية، إنه عبد الرحمن بن رستم، ويرجع
وهو
أصله إلى رستُم الشهير الذي قاد الجيش الفارسي في معركة القادسية، فارس من أحفاد كسرى (1)، ولا غرابة إن شاهدناه على رأس فئة الهراطقة في الوقت الذي ازداد فيه النفوذ الفارسي زمن العباسيين» [اهـ].
-
هكذا يعلل جوتيه نجاح الدولة الرستمية بتغلغل التأثير الفارسي في
1 ـ من الخطا أن نربط نَسَب عبد الرحمن بن رستم بقائد الفرس في معركة القادسية لمجرد تشابه الأسماء. (المؤلف).
- 258 - (1/286)
صفحة 287
الدولة العباسية، ولاشك أن التغلغل الفارسي ـ إن صح هذا التعبير
-
-
كان
لتأييد الدولة العباسية وتثبيت دعائمها، ولا شك أن الدولة الرستمية بزعامة عبد الرحمن ومن بعده كانت مناهضة للدولة العباسية، فكيف استطاع جوتييه أن يوفق بين هذا وذاك؟ فيجعَلَ سَبَبَ نجاح الدولة الرستمية إنَّما يرجع إلى وجود يد فارسية، واليد الفارسية كان لها النفوذ الواسع في الدولة العباسية، فكيف سمح النفوذ الفارسي المتغلغل في الدولة العباسية أن
تنشق عنه يدٌ فارسيَّة لتضرب هذه الدولة المبنية على النفوذ الفارسي؟ إنَّه تناقض واضح في المنطق وفي أحداث التاريخ، لأن وجود عبد الرحمن بن رستم في المغرب العربي لم تكن له أية علاقة بالقومية الفارسية، ولا بالفرس الذين تغلغلوا في الدولة العباسية، ولا بأمجاد الفرس التي انتهت بظهور الإسلام، والسبب في هذا واضح؛ فإن عبد الرحمن قد انقطعت صلته بالفرس تمام الانقطاع، وهناك حلقة من طفولته غير واضحة إلا أن كتب التاريخ تذكر أنه حج مع والده فتوفي والده بمكة، وتزوجت امه برجل من المغرب (القيروان) فرحلت معه ورحل معها طفلها عبد الرحمن، وهناك في القيروان تكون عبد الرحمن في مجتمع مسلم فقط، أهله من العرب والبربر، ولم يُعرف أن أحدًا من الفرس كان هناك، فلا مجال أبدا لمحاولة ربط هذه الحركة بحركات أخرى في الشرق تنبعث من دوافع قومية.
إن المستشرق جوتييه يضع نصب عينيه فرضا ثابتا لا يتحول عنه، هذا الفرض هو أن الإسلام - ممثلاً في مذاهبه كلها أو في بعضها ـــ لا
- 259 - (1/287)
صفحة 288
تقوم على يده حضارة، فإذا قامت حضارة في مكان ما فلا بُدَّ أن يكون هناك سبب خارج عن الإسلام والمسلمين، وبما أن الدولة الرستمية قد قامت على يدها حضارة لا يمكن أن يُكذِّبها التاريخ، فالمستشرق جوتييه يعترف بوجود تلك الحضارة ولكنه ينكر أن يقوم بها الإباضية، وإنما يعزوها لعاملين: الحس الحضاري الروماني، والقومية الفارسية التي تمثلت في عبد الرحمن بن رستم وكأنما يريد أن يقول إن بيئة المغرب الإسلامي لا يمكن أن تُنجب قيادات، فإذا قامت فيها حركة فلا بُدَّ أن تكون القيادة مندسة هو الحال مع الدولة الإدريسية والفاطمية والرستمية، ومادام الإباضية يمثلون في نظر "جوتييه" فرقة من الهراطقة مفتقرة إلى زعيم، فليكن هذا الزعيم فارسيا تغلغل في المغرب كما تغلغل في المشرق أخوته من الفرس، وأن كان معارضا للمخطط الفارسي في تأييده للدولة العباسية. وهذا التمحل والتأويل كله لتستقيم فرضيات جوتييه.
كما
ويقول جوتييه في صفحة: 227 ما يلي:
من جهة ما
(1)
«يقول ماسكوراي بحق ما من واحة بين قابس وفجويج وسجلماسة إلا وهي مدينة في تطورها للخوارج – صفريين كانوا أم
إباضيين ـ لقد كانوا سادة الصحراء». [اهـ]
ويقول في ص: 228 مايلي:
-
«إن تاهرت كانت مركزاً سياسياً هاما في الفترة التي رافقت
1 - لعله يقصد مدينة (فيفيف) المغربية القريبة من الحدود الجزائرية المغربية. (المحقق)
- 260 - (1/288)
صفحة 289
ظهور الجماليين الرحل القادمين من الشرق، والذين كان لهم شأن كبير في زعزعة أركان نوميديا». [اهـ]
ويقول بعد أسطر: «وهكذا تُعتبر "تاهرت" والمنطقة المحيطة بها مركزاً
للاصطياف يقصده سكان الصحراء مع قطعانهم هربا من الحر
الشديد» [اهـ].
ويقول في ص: 229 ما يلي:
وتدل الطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة أن تاهرت مملكة للبدو الأقحاح، وقد اختفى الإباضية كفرقة دينية في تاهرت اختفاء تاما في حين استمروا على شكل جماعات صغيرة في جبل نفوسة وميزاب أي في المناطق الصحراوية، وليس الأمرُ وليد صدفة لأن قوة الدولة الرستمية
كانت في الصحراء» [اه].
ويقول في ص: 229، ما يلي:
«على أن هذه القبائل الرستمية من البدو الرحل على كل
حال». [اهـ]
ويقول في ص: 230، ما يلي:
إن مملكة الرستميين لم تتجاوز حدود الأراضي الوعرة والصحراء». [اهـ]. يفترض المستشرق جوتييه أن الإباضية عبارة عن قبائل بدوية، ويركز على ذلك تركيزاً شديدًا، ويدعي أن طبيعة المنطقة التي يعيشون فيها
-261 -
19 (1/289)
صفحة 290
طبيعة صحراوية بدوية. ولما كانت تاهرت تمثل مظهراً حضاريا واضحا لا يمكن تجاهله، وأن هذا المظهر يردُّ دعوى المستشرق هذه، فقد مجابهة المشكلة حاول أن يهرب من بنوع من الدهاء؛ فزعم أن الإباضية بدو أقحاح، وأن تاهرت هي مملكة للبدو الأقحاح يعيشون فيها، ولكن أحدا لا يقتنع أن البدو الأقحاح يكونون مملكة، كما أن طبيعة تاهرت نفسها تستعصي على وصفها بالبداوة، وهي التي يقول فيها هذا
المستشرق نفسه في ص: 228
بها عن
ألف
حقيقة
تقع تاهرت على ارتفاع 1200 متر، ولا يقل ارتفاع المناطق المحيطة متر، وشتاء تاهرت يمتاز ببرودته وضبابيته ورطوبته وثلوجه، أي على عكس الصحراء تماما» [اهـ]. فلما وجد أن تاهرت تتعارض مع وصف البداوة ووجد أن الإباضية قد أقاموا في هذا المكان دولة بالفعل ظلت مزدهرة قرنا ونصف قرن على أقل تقدير ما يُبعد عنهم وصف البداوة، افترض فرضا خياليا وهو أن الإباضية - وهم بداة كانوا يقصدون تاهرت في الصيف هربا من حر الصحراء؛ أي أن تاهرت كانت مصيفا" للبدو الرحل، وكأنما كانت الدولة الرستمية قطعا من الأراجوز" تتفرق خلال السنة في مناطق عدة، فإذا جاء الصيف اجتمعت في تاهرت للقيام بدور الدولة بمحرك خفي يعبث بالأزرار من وراء ستار.
-
وكأنما هذه الافتراضات كلها لم تُقنع جوتييه نفسه، فكان يُلح
- 262 - (1/290)
صفحة 291
على مزيد من الافتراضات، ولكن افتراضه الأول الإباضية قبائل من البدو الرحل الأقحاح» افتراض لا يحتمل المناقشة ولا يقبل النقد عنده، ولذلك كان عليه أن يلتمسن الحلول لما ترتب عن هذا الافتراض من مشاكل، وجاءت
الحلول بعد مجموعة من الافتراضات ينبني بعضها على بعض.
الافتراض الأول: الإباضية لا يكونون إلا بدوا رُحلاً.
الافتراض الثاني: البدو الرحل لا يمكن أن يتغيَّروا فيُصبحوا بناة حضارة، وقيام حضارة في تاهرت حقيقة واقعة عندما كانت تحت سلطان الإباضية.
الافتراض الثالث: الإباضية لم يكونوا يُقيمون في تاهرت وإنما كانوا يتخذونها مصيفًا، فيُقبلون عليها في موسم الحر ويتخلون عنها
ويترحون بعيدا في بقية المواسم والفصول.
فكيف قامت تلك الحضارة في تاهرت تحت الإباضية؟
الجواب في ذلك عند جوتييه بسيط واضح معروف: إن الحضارة إنَّما قامت في تاهرت بالحس المدني الروحاني السابق كما أوضحت ذلك للقارئ الكريم من قبل، ولا يَدَ للإباضية ولا لسكان تاهرت ولا لدولتهم في ذلك. وليتضح لك هذا المعنى اقرأ للمستشرق جوتييه في کتابه ص: 227 ما يلي:
«وليس في تاهرت اليوم سوى آثار رومانية، ويفترض ”غيزل" أن الرومان أنشؤوا فيها مراكز عسكرية على الحدود، ثُمَّ منطقة سكنية
- 263 - (1/291)
صفحة 292
للمدنيين، ولم يجد في الآثار الباقية ما يؤيد فكرته، وكان لتاهرت أهمية
كبرى في عهد السيطرة البيزنطية» [اهـ].
99
ويقول بعد أسطر: «ومن الناحية الأثرية البحتة آثار الجدار (1) جنوبي تاهرت في مينا (2) العُليا، وهي عبارة عن أضرحة شبيهة بتلك نا الموجودة في مدغاس وبقبر المسيحية» (3) ولكنها تعود لوقت متأخر عنها، وقد عثر فيها على كتابة، إغريقيَّة، كما استخدم في بنائها أدوات تعود لعصر سابق لها كبقايا هندسة مسيحية وكتابات منقوشة. ويستنتج ”غيزل" أنها عاصرت العهد البيزنطي وينسبها إلى أهالي تاهرت». [اهـ]
ويقول جوتييه: «وتاهرت في العهد البيزنطي كانت في نفس المكان الذي تقع فيه اليوم وعاصمة الرستميين "تاهرت الجديدة، تبعد خمسة أميال غربي تاهرت القديمة. وإذا كان رستم قد أطلق على مدينته لقب الجديدة فهذا ما يؤكد أن المدينة القديمة ماثلة في الأذهان» [اهـ].
1 - هي آثار لأبنية تتضمن غرفًا قيل إنها أضرحة، بُنيت هذه الأبنية على رؤوس تلال منعزلة الواحد عن الآخر، تدعى باللغة العربية العامية: ”خدار“ بمعنى معالم الطريق. (المحقق)
""
2 - مينا: اسم للوادي الذي يعبر "تيهرت“ و ”غيليزان“ وغيرهما في الغرب الجزائري. (المحقق)
3 قبر المسيحية قريب من مدينة تيبازة معروف بالفرنسية باسم: (Le Tombau De La Chrétienne). (المحقق)
-264 - (1/292)
صفحة 293
وعندما يتتبع القارئ الكريم البحث كله في هذا الفصل يجد أن الصورة التي يرسمها جوتييه تبدو كما يأتي:
إن الإباضية باعتبارهم خوارج لا يكونون إلا بدوا، وطبيعة البدو لا تستقر في مواضع الحضارة، ولا تبني نظاماً، ولا يثبت لها حكم، وقد قامت بالفعل تحت حكم الإباضية حضارة دامت قرنا ونصف قرن، وثبت لهم هناك الحكم، فما هو السبب؟ السبب أن هذه الحضارة إنَّما بنتها يد فارسية تجري فيها دماء الحضارة، وفي موطن قامت فيه حضارات بيزنطية
ورومانية قبل الفتح الاسلامي، فالمكان منبت للحضارة واستقرار الحكم. أما علاقة الإباضية بالموضوع فهي لا تتعدى رحيلهم إليها فترةً من السنة واتخاذها مصيفا. أما البناء الحقيقي الذي قام عليه الحكم وتبحث عنه الحضارة فإنما قام على ركنين أساسيين: الحس الحضاري الفارسي الوافد من الشرق في صورة عبد الرحمن، والحس الحضاري الغربي المندس في قرية تاهرت منذ عشرات القرون عندما كان هناك الرومان. أما ما يُنسب إلى الإسلام أو إلى مذهب من مذاهبه مما يقوم به أتباعه فهو طفح ظاهري لا يتجاوز الأسماء.
بعد هذا أُحب أن أقول إن هناك عدة أشياء تقوم ضد افتراضات
جوتييه وتدحضها، ولعلها تتخلّص فيما يلي:
-
1
دون أن
عبد الرحمن بن رستم وإن كان فارسي الأصل إلا أنه خرج أو يعرف شيئًا عن حضارة الفرس، وعاش في القيروان
يعي
- 265 - (1/293)
صفحة 294
واكتسب مواهبه في بيئة بربرية، ثُمَّ عربية محضة، ثُمَّ هو فرد واحد،
فما عساه أن يُنجز من مقومات الحضارة؟ فإسناد الحضارة التي قامت في تاهرت إلى شخصية عبد الرحمن الفارسية ضرب من الخيال.
2 - اعتبار أن الحضارة التي قامت في تاهرت كان من أهم عواملها ذلك الحس الحضاري المتخلف في تُربتها منذ قرون من حضارة الرومان، وأن الحضارة لا تنبت إلا في أماكن خاصة بها، كما تنبت الأشجار في تُربة معينة، وأن هذه التربة المعينة لأبد أن تكون قد أعدتها في يوم من الأيام دولة تحمل مقومات الحضارة؛ وعلى هذا الأساس فقد نبتت الحضارة في تاهرت زمن الحكم الإباضي لأن تربتها صالحة لإنبات الحضارة،
بعدما أعدها الرومان لذلك في عصور سابقة. هذا المنطق ـ هو الآخر -
-
-
ضرب من الوهم والخيال، ولا شك أن الإنسان هو الذي يكون الحضارة، وأنه هو الذي يختار لها البيئة والمكان، ولذلك فإن المسلمين على اختلاف مذاهبهم قد كونوا حضارات مختلفة في أماكن مختلفة بمحض للمكان والبيئة كما كون غيرهم، فإذا صادف أن حضارات متعددة من أُمَمٍ متعدّدة قامت في مكان واحد، فليس ذلك لأن ذلك المكان ينبت الحضارة، وإنما لأن الإنسان الذي يعرف كيف يكون الحضارة قد وقع عليه اختياره.
اختيارهم
3 - اعتباره أن الإباضية بدو أقحاح فرضية لا يُساعده عليها التاريخ، ونظرة تتبعيَّة بسيطة إلى تاريخهم في المغرب الإسلامي
- 266 - (1/294)
صفحة 295
ومضطربهم فيه منذ وجودهم فيه إلى عهد المستشرق جوتييه تدل دلالة واضحةً أنهم ليسوا كما يزعُم، وأَنَّهم إلى التحضر أقرب في جميع مواطنهم؛ ويتضح ذلك في الصور الآتية:
-
الأولى: كانوا يعمرون جبل نفوسة" بمدنه وقراه في (ليبيا)، ولهم
،،
""
،،
فيه حياة حضرية مستقرة إلى الآن، وكانوا يعمرون جزيرة جربة ولهم فيها حياة حضرية مستقرة إلى الآن، وكانوا يعمرون "زوارة“ و”زواغة ولهم حياة حضرية مستقرة إلى الآن في زوارة، وكانوا يعمرون المدن والقرى في الجنوب التونسي سواء ما كان منها في الجبال أو الواحات ولهم فيها حياة حضرية مستقرة إلى عهد قريب، وكانوا يعمرون تقرت وبغابي (1) وما إليها، ولهم فيها حياة مستقرة سجَّلها التاريخ، وكانوا يعمرون وارجلان“ و سدراتة ولهم فيها حياة حضرية مستقرة، بل إن سدراتة تُعتبر من المدن الأثرية الجزائرية في العهد الإسلامي، أما وارجلان فقد كانت مركزاً حضارياً تجارياً بين الجزائر وإفريقيا السوداء، وكانت مركز القوافل ومقرها وممرها ولا تزال، وكانوا يعمرون "وادي ميزاب“ ولهم فيه حياة حضرية مستقرة ربما فاقت مدن الشمال ولا تزال.
،،
هذه أهم أماكن الإباضية في المغرب، ولا يمكن أن يُقال عن هؤلاء بحال من الأحوال – إنهم بدو. أما الذين سكنوا منهم المغرب الأقصى أو بعض بلاد الأندلس، فلا يستطيع أحد أن يصفهم بالبداوة.
-
-
1 ـ كذا والصواب: «باغاي» كما ترد في كتب التاريخ والسير. (المحقق)
- 267 - (1/295)
صفحة 296
-
الثانية: كانت هنالك بعض القبائل البدوية التي اعتنقت المذهب الإباضي واستمرت على حياتها فترةً من الزمن، ولكن الإباضية كانوا يُقاوِمُون البداوة مقاومة مستمرة، ويتخذون معها مواقف غاية في العنف، منها أنهم يمنعون تزويج الحضرية بالبادي، حتى إنهم شدَّدوا على أبي عثمان الدجي (1) حين زوج ابنته (منزو) (2) بمحض رغبتها واختيارها لأحد أقربائهم من البدو، ونَدَم أبو عثمان على عمله ذلك ندما
شديدا فيما بعد.
وكما قال أحد علمائهم حين وجد شخصا يعرفه يرعى غنما:
نعمت الغنم التي ترعاها لحية، وبئست اللحية التي ترعى الغنم. وعندما لا يتمكنون من إقناع حي أو قبيلة بترك البداوة كانوا يعملون على إدخال أنواع من وسائل التحضر إليهم، فكانوا يكونون لهم ما يُشبه ما يسمى اليوم بالمدارس المتنقلة لتعليم أبنائهم، ولمساجدهم ما يتبعها من
مرافق، وكانوا يتعهدونها بالزيارة ودروس الوعظ والإرشاد والتثقيف. الثالثة: حياة الإباضية على عمومها كانت تعتمد على ثلاثة أسس:
-
1 - التجارة: وقد اشتهر بها أهل جربة ووارجلان ووادي ميزاب، حتّى إن الاقتصاد في كل من الجزائر وتونس كان يعتمد اعتمادًا أساسيا على
66
1 - كذا والصواب: "الدجمي" أو الدكمي أبو عثمان المزاتي. راجع الدرجيني:
طبقات المشائخ». ج 2. ص: 308. وانظر ترجمته في ملحق التراجم. (المحقق)
2 انظر ترجمتها في ملحق التراجم. (المحقق)
-268 - (1/296)
صفحة 297
مواهب الإباضية في التجارة، ولا تخلو مدينة أو قرية في الجزائر وتونس في قرون طويلة - من الأيدي البارعة لتجار الإباضية.
-
2 - الصناعة: ولاسيما صناعة الصوف، وقد اشتهر بها جبل نفوسة وجبال دمر ووادي ميزاب، فكانت هذه الصناعة تكون ركنا هاما من
-
3
دخل الأسرة ومن اقتصاد البلاد حتَّى اشتهرت في الأسواق.
الزراعة وهي مصدر أساسي للثروة، وتقوم في جميع مواطن الإباضية، لاسيما الواحات.
ويبدو لي أن الأمَّة التي تبني حياتها على الاقتصاد الذي يتكون من تجارة وصناعة وزراعة لا يمكن أن تكون أمة بدوية، وأن البدو الأقحاح لا يمكن أن يحاربوا البداوة بِكُلِّ الأساليب حتَّى يبلغ بهم الأمر إلى منع الزواج من أهل البادية، ويكفي هذا لمناقشة هذه النقطة. ويقول المستشرق جوتييه في ص: 233 ما يلي:
«وقد فرض الإباضيون عقوبات صارمة على أهل الشر؛ فالزاني يُرجم، والسارق تُقطع يده» [اهـ].
وقد يكون جوتييه لا يجهل أن هذه العقوبة هي ما قرره الإسلام المذاهب الإسلامية ملزمة بهذا سواء أنفذته حكوماتها القائمة أم لم
وأن جميع تنفذه. وإنما حرص أن يذكر هذا عن الإباضية أولاً لأنه يريد أن يُوحي للقارئ أن الإسلام دين بشري يفرض قوانينه ناس من البشر، وثانيا ليوحي للقارئ الكريم أن الإباضية باعتبارهم من الخوارج المتشددين،
- 269 - (1/297)
صفحة 298
ومن البدو الجفاة الغلاظ ينتهجون القسوة في أحكامهم، ومن الأمثلة على
انتهاجهم
هذا المنهج هذا الحكم الصادر على الزناة والسرّاق.
ولعل مما يساعد القارئ الكريم على فهم منهج جوتييه في مناقشة
موضوع الإباضية وأسلوبه في ذلك أن أعرض عليه صورا أجراها
المستشرق في أسلوب مقارنات.
- الصورة الأولى:
يقول وهو يرسم هذه الصورة في ص: 230، ما يلي:
ويساعدنا أبو زكرياء على رسم صورة عن الإباضي شعره ذو
السيف
ظفائر، يحمل مهنَّدًا مستقيماً طويلاً له حدان قاطعان، يختلف عن واليطقان، كما يحمل خنجراً مربوطا بذراعه» [اهـ]. إنها كما ترى تبدو صورة كاريكاتورية هزلية مضحكة قد تُرسم لشخص أو لعدد من الأشخاص.
-
وبناء على هذه الصورة التي يرسمها بمساعدة أبي زكرياء ـــ على زعمه للإباضية، نستطيع أن نضع لها إطارًا عامًا كما يلي:
- شعر مظفور.
- سيف طويل مستقيم ماضي الحدين يختلف عن اليطقان. - خنجر مربوط بالذراع.
فإذا توفرت هذه الأشياء الثلاثة في رجل فهو إباضي، وإن تخلف
بعضها فليس كذلك، هذا في زعم جوتييه!.
-270 - (1/298)
صفحة 299
هذه الصورة الكاريكاتورية إنما تبعث على الضحك ممن يرسمها وينسبها للإباضية أو لغيرهم، فهذا الكلام من الخواء بمنزلة لا يرتفع إلى
مرتبة ما يُناقش ويلتمس فيه الخطأ والصواب.
- الصورة الثانية:
يقول جوتييه في ص: 230 من نفس الكتاب، ما يلي:
وأظن أن ما سكوراي على حقٍّ في مقارنته (1) مع ابن الطوارق حاليا، ويذكر لنا أن المرأة الإباضية مثقفة مما يزيد في وضوح الشبه، وذلك أن المرأة عند الطوارق تحتل في علمها وثقافتها مكانة تختلف عن مكانة المرأة في بلاد المغرب، لقد عُنى ماسكوراي بالطوارق عناية كبيرة، وليس مستبعدا على كل حال أن يكون هؤلاء البدو الخوارج قد تركوا بعض مميزاتهم لطوارق الهقار وهم من تبقى من قبيلة هوارة» [اهـ].
هكذا
تري أيها
القارئ الكريم أن المستشرق ماسكوراي ـ وقد
-
عنى بالطوارق يعقد بينهم وبين الإباضية مقارنة، ويزعم أنه توجد
-
بينهم وجوه شبه تتلخص في شعر مظفور، وسيف طويل مستقيم ذي حدين قاطعين، وخنجر مربوط بالذراع ويصحح المستشرق جوتييه تلك المقارنة بمرجح آخر وهو أن المرأة الإباضية مثقفة مما يزيد في وضوح الشبه بين الإباضية والطوارق، لأن المرأة الطارقية تحتل في علمها
1 - مقارنة الإباضي مع ابن الطوارق. (المؤلف)
- 271 - (1/299)
صفحة 300
وثقافتها مكانة فوق مكانة المرأة في المغرب؛ وبذلك فلا مانع من أن يكون الطوارق قد تسلّموا عن الإباضية هذه المميزات الواضحة عندهم اليوم. يا له من منطق سليم!!
لقد غفل كلِّ من المستشرقين الكبيرين عن دعوى هامة يدعيها كلاهما، وتتركز عليها أكثر أبحاثهما وأبحاث من يجري على نسقهما، وذلك أنهما يدعيان - ويؤكدان ذلك ـ أن الإباضية بدو أقحاح، وأن البداوة لا يمكن أن تكون مصدر علم وحضارة، فكيف تأتى للمرأة وكذلك للمرأة الطارقية التي تسلمت
-
بدوية قحة،
الإباضية ــ وهي منها مميزاتها، وسارت بأسلوبها في الحياة - أن تكون في ثقافتها وعلمها
-
فوق المرأة في بلاد المغرب؟ كيف استساغ عقل ماسكوراي وعقل جوتييه أن يزعم أن المرأة الطارقية - وهي تعيش في خيام متنقلة في المناطق الصحراوية تتبع مواقع الغيث، وتقضي أهم أوقات عمرها في رعاية الماشية - أكثر ثقافة وعلمًا من المرأة التي تعيش في تلمسان والرباط
—
والجزائر وقسنطينة ووهران؟!.
قد يُقبل كلام ماسكوراي على نوع من التأويل، لأنه وصف المرأة
-
الإباضية بالثقافة أو بأنها مثقفة؛ وهذا قد يكون صحيحا إلى بعيد ـــ من حيث الواقع لأن الإباضية لاسيما في الجزائر يسكنون في عدد محدود من المدن طيلة عدة قرون وهم بعداء جدا عن طبيعة حياة البدو الرحل، وإن كانوا يعيشون في واحات في مناطق صحراوية، ثُمَّ إن
- 272 - (1/300)
صفحة 301
لهم مؤسسة العزابة التي تم تنظيمها في أوائل القرن الرابع الهجري (1)
وهي تشرك معها المرأة في القيام بمهمة الثقافة والتعليم في ميادين الشريعة، كما أن لهم أساليب خاصة في واجبات المرأة المنزلية والصناعية، ولا شك أن معاني الحضارة ومظاهرها عند الإباضية من سكان الجزائر أقوى منها وأوضح مما في كثير من مدن الشطوط والسواحل. وفي مثل هذه المجتمعات المستقرَّة في مدن الواحات العريقة والمحافظة لا نجد غرابة إذا وُصفت فيها المرأة بالثقافة والثقافة في هذا المجال إنما تعني بالدرجة الأولى معرفة المرأة لأحكام الدين المتعلقة بها، ثُمَّ بالأسلوب المقبول في السلوك الاجتماعي في الوسط الذي تعيش فيه، وتكتسب المرأة كثيرا من ألوان الثقافة الاجتماعية والبيئية بالاقتباس والمحاكاة والتقليد وهذا لا شك متوفر في مجتمع مستقر محافظ.
فمسافة البعد بين المرأة الإباضية التي تعيش في هذا الوسط والمرأة الطارقية التي تعيش وراء المواشي متنقلة في الخيام باستمرار،
مسافة شاسعة لا تُجدي فيها المقارنة.
وماسكوراي قد يكون على حق حينما قال إن المرأة الإباضية مثقفة، أما جوتييه وقد وثَبَ وثبةٌ لا حدود لها حين تجاوز مرتبة الثقافة
-
1 ـ كذا والصواب أن نظام العزابة لم يظهر في أوائل القرن الرابع الهجري بل الخامس، فمؤسس هذا النظام وواضع قواعده أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي ولد سنة 345 هـ / 956 م، وتوفي سنة: 440 هـ / 1049 م. انظر ترجمته في ملحق التراجم. (المحقق)
-273 - (1/301)
صفحة 302
إلى مرتبة العلم، فزعم أن الطارقية تحتل بعلمها وثقافتها مرتبة فوق ما عند المرأة في بلاد المغرب.
وأحسب أنه من البداهة أن وصف المرأة الطارقية بأن لها مركزا علميا، وصف لا مدلول له أما وصفها بالثقافة فلو كان الوصف هكذا مجردًا لاحتمل النظر والبحث، أما دعوى أنها تحتل مركزا ثقافيا فوق
ما عند زميلتها المرأة في المغرب، فهي دعوى باطلة وحكم لا سند له. وبعد كل هذا فإنّ محاولة مقارنة الإباضية بالطوارق ووجود شبه مادي ومعنوي بينهم لغو من الكلام وباطل من القول، وذلك أمر بديهي لا يحتاج إلى أي بحث أو تفكر ضرورة أن الإباضية مذهب إسلامي له قواعد وأصول، وله عقائد وعبادات وشرائع في الإمكان أن يعتنقها بعض الطوارق أو كل الطوارق كما يمكن أن يعتنقها غيرهم من القبائل والأجناس البشرية.
إن الطارقية جنس أو قبيلة أو نسب، والإباضية فكرة أو مذهب أو دين فما الذي يجمع بينهما حتّى نقول بوجود شبه أو تقارب. هل تستطيع أن تقول إن هناك شبها بين الأوس والخزرج والمذهب المالكي مثلاً؟ وأن المالكية انحدروا من الأوس والخزرج؟ ثُمَّ ما علاقة اللباس والسلاح بالمذهب أو العقيدة؟ لا شك أن البيئات المختلفة تختلف في لباسها وأنواع السلاح المستعمل لديها، فما دخل المذهب في ذلك؟ نحن نعرف أن للمغاربة والجزائريين تقاليد خاصة في اللباس وأسلوبا خاصا
- 274 - (1/302)
صفحة 303
في استعمال السلاح، ونعرف أيضا أن لتونس أو لليبيا أو لمصر أو لغيرها تقاليد تخالف ما عليه في البلاد الأولى، ونعرف أيضا أن أصحاب
درج
المذاهب المختلفة في البيئة الواحدة يختلفون في المذهب ويتفقون في أسلوب الحياة ومظاهرها من لباس وعادات وتقاليد؛ ولباس الإباضي الذي يعيش في الجزائر غير لباس الإباضي الذي يعيش في تونس أو في ليبيا، فإذا كان للطوارق عادات خاصة في أنواع اللباس أو السلاح فإن من يعتنق المذهب الإباضي منهم يكون على لباسهم وقيافتهم، ولذلك فلو وقفت بين الطوارق أو في أي مكان لما أمكنك أن تُميّز بين المذاهب بمظهر اللباس، ولكنك تستطيع بسهولة أن تُميّز بينهم من حيث اللباس فتعرف أن هذا طارقي وهذا جزائري وهذا ليبي .. الخ.
إن هذه النقطة أخذت منا أكثر مما تستحق، وهي دليل واضح على أن المستشرقين يعمدون إلى توافه الأمور فيوجهون إليها عنايتهم، ويولونها جانبا من الاهتمام يشغل ذهن القارئ العادي ويصرفه عما هو أجدى
له وأحق بمعرفته.
- الصورة الثالثة:
-
يقول جوتييه ـــ وهو يرسم هذه الصورة ـ في كتابه ص: 333 مايلي:
وقد تحدث "ماسكوراي" عن الشبه بين الإباضية والوهابية التي ظهرت في القرن التاسع عشر في أواسط شبه الجزيرة، وكتب عنها بلغريف“ كتاباً موفقاً. ذاك أن الوضع الجغرافي متشابة، فهنا وهناك نجد بدوا بعيدين عن
- 275 - (1/303)
صفحة 304
البحر يعيشون على قحط الصحراء، فالبدوي الذي لا يسيطر على مدينة من اشد الناس فقرا، وهو ميال للعزلة والتقشف، وشديد الشغف
المدن هو
بالفضيلة، ذلك أنه يُحوِّل بوسه لتطرف ديني» [اه].
هذه صورة حرص المستشرقان ماسكوراي وجوتييه وغيرهما أن تكون صورة للإباضية عندما يكون الحديث عن الإباضية، وللخوارج عندما يكون الحديث عن الخوارج، وللأمة الإسلامية عامة عندما يتحدثون عن حركة للأمة الإسلامية، أو فيها. بل إن جوتيه يركز على هذا المعنى كثيرًا في معالجته لقضايا الحركات الإسلامية سواء ما كان من الإسلام عامة أو ما كان منها من مذهب خاص، فهو يريد أن يُصوّر المسلمين في جميع الأحوال وعلى كل الأوضاع بأن طبيعة البداوة متأصلة فيهم، وعندما يتحركون فهم إنَّما يتحركون بدافع الفقر والحاجة للحصول على ما يخففون به شظف العيش المؤلم والحياة القاسية التي يعانونها، فإذا لم يتمكنوا من ذلك حولوا مظهر الحرمان الذي يحيون فيه إلى شغف بالفضيلة، أو إلى تطرف ديني يندفعون باسمه للغزو والاحتلال. وتتلخص الصور الثلاث السابقة من المقارنات فيما يلي:
J
1 - افتراض وجود شبه يدلُّ على انحدار الطورق من الإباضية استنادًا على القيافة الموجودة الآن عند الطوارق، مع افتراض وجودها عند الإباضية في قرون سابقة.
ثقافة 2 - دعوى وجود نة وعلم عند المرأة الطارقية تتفوق بها على
المرأة في المغرب، ودعوى وجود ثقافة عند المرأة الإباضية مما يقرب الشبه بين الطوارق والإباضية.
-276 - (1/304)
صفحة 305
3 - التشابه بين الإباضية والوهابية لأن كلا منهما يعيش في منطقة صحراوية يسود فيها القحط ويغلب عليها الفقر، مما يحمل أهلها على التقشف الإجباري، أو الرغبة في الغزو باسم التقوى.
وأحسب أن هذه الفروض وهذه المقارنات من أسوا ما كتبه جوتييه في كتابه هذا، وإن كان في الكتاب كثير جدا مما أملاه التحامل وأوحت به الروح الاستعمارية المترفعة، لكنَّ هذه الفقرات تدلُّ
-
فوق كل ذلك ـــ على السطحية والغباء.
-277 -
20 (1/305)
صفحة 306
مع كارلو ألفونسو نيلينو
كتب المستشرق "كارلو ألفونسو نلينو" بحوثاً عن المعتزلة ناقش
فيها ما يلي:
1 - أصل تسميتهم معتزلة. 2 - اسم القدرية.
3 - الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية المقيمين في أفرقيا الشمالية. 4 - حول فكرة غريبة منسوبة إلى المحافظ
عن القرآن.
وقد ترجم الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه البحوث ونشرها ضمن بحوث أخرى للمستشرقين في كتاب سماه «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية» طبعة دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة (1).
من هذا الفصل أُحب أن أقف القارئ الكريم قليلاً عند الفقرة الثالثة، في هذه البحوث الصَّلَةُ بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية في أفريقيا الشمالية لمناقشة بعض آراء المستشرق الكبير في هذا الموضوع يقول نلينو في هذا الكتاب، ص: 204 ما يلي: «لاحظ "جولد تسيهر» في الموضوع المذكور آنفا (مجلة تاريخ الأديان) المجلد
-
رقم 52 سنة 1905، ص 232: إن رسالة العقيدة
1 ـ لم نعثر على هذه الطبعة التي اعتمدها المؤلف، وقد اعتمدنا الطبعة التي نشرتها وكالة
المطبوعات، الكويت، دار القلم، بيروت لبنان. (المحقق)
-278 - (1/306)
صفحة 307
الإباضية لعمرو بن جميع (1) التي نشرها "موتيلنسكي" تضعنا أمام أقوال ذات طابع معتزلى واضح ويورد شاهدا على ذلك المسائل الآتية:
1 - القرآن مخلوق.
-2 ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
-
3 - تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازيا (الميزان والصراط). 4 - كل تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش يجب تأويله تأويلاً مجازيا. ولكن الاتفاق بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية في شمال إفريقيا يذهب إلى حد أبعد مما ذهب إليه جولد تسيهر، فكلا المذهبين على اتفاق فيما بينهما وبين بعض، وعلى خلاف مع أهل السنة في المسائل
الآتية كذلك: (2)
5 - الله لا يغفرُ الكبائر لمرتكبيها إلا إذا تابوا قبل الموت. 6 - عذاب النار أبدي حتّى لمرتكب الذنب من المسلمين، وهو إذا أن يتوب لا تنفع له شفاعة الملائكة أو الرسل أو
مات دون
الأولياء» [اهـ] (3).
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
2 ـ النقاط التالية من كلام نلينو وليست من كلام جولد تسيهر؛ هذا ما تشير إليه الفقرة السابقة. وللتأكد راجع ما ورد في حدود الصفحة الثالثة من فصل: «خلاصة آراء
الإباضية». (المحقق)
3 ـ المصدر نفسه، ص: 204، 205.
-279 - (1/307)
صفحة 308
وبعد أن يورد أقوال بعض علماء الإباضية في الموضوع يقول: 7 - صفات الله ليست زائدة على ذات الله ولكنها عين ذاته» [اهـ] (1).
وبعد أن يذكر شرح الإباضية لهذا الأصل من أصول عقيدتهم يقول: و خليق بنا أن نلاحظ أيضا أن كتاب الشيخ عامر المذكور، والذي يقصد به مؤلفه أن يتكلم عن الأصول التسعة التي كان عليها الخلاف بين المسلمين، يستعرض هذه الأصول على النحو التالي: (1) التوحيد، (2) العدل، (3) القدر، إلخ» (2).
ويقول في ص 205، ما يلي:
ففي كتاب أصول الديانات للشيخ عامر بن علي الشماخي)
وهو عمدة كتب الإباضية في جبل نفوسة» [اه].
وبعد مناقشة ليست طويلة ولا عميقة يخلص إلى قوله:
«
فكأن الجزء الأكبر من مذهب الإباضية في شمال إفريقية إذا
معتزلي؛ فهل هم أخذوه - وهم في الشرق ـ من قبل أن ينزحوا إلى
-
1 - المصدر السابق، ص: 206.
2 ـ المصدر نفسه، ص: 206 207.
-
-
3 جاء في هامش البحث تعليقا على العبارة السابقة ما يلي: كنيته أبو ساكن، عاش
-
في القرن الثامن الهجري، راجع (السير) للشماخي ص 559 - 561، فإنه يقول عنه: «وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا، خصوصاً نفوسة». قلت قد أخطأ المؤلف والمعلق، فإن هذه العبارة قيلت عن كتاب «الإيضاح» لا عن كتاب «الديانات». (المؤلف)
- 280 - (1/308)
صفحة 309
من
بلاد المغرب؟ أم هم تقبَّلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة الشيعة وبمعتزلة إقليم طنجة القديم، مدفوعين بعاطفة رد الفعل ضدَّ أهل السنة؟ أم أن إباضية المغرب أضافوا من بعد في إفريقية عناصر معتزلية جديدة إلى ما كان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية الشرق؟ وأن مذهب الإباضية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي؟» (1) [اهـ].
مما يدعو إلى التأمل أن أغلب المستشرقين يتخذون أسلوبا متقاربا في مناقشة ما يعرض من المواضيع الإسلامية، فيفترضون فروضًا أو دعاوى يعتبرونها في مرتبة الحقائق المسلّمة التي لا تحتاج إلى الجدل، والأصول الثابتة
التي لا يثور حولها خلاف، ثُمَّ يُفرِّعون عن ذلك ما يخطر لهم من نقاش.
وفي هذه القضيَّة افترض المستشرق نلينو فروضا اعتبرها حقائق غير خاضعة للتراع، ثُمَّ ذهب يُرتِّب عليها أحكاما ويبني عليها صروحا؛ فهو قد افترض أن المسلمين ينقسمون إلى معسكرين كبيرين متقاتلين على الدوام هما السنَّة والمعتزلة، وأن جميع المذاهب الأخرى تعود في أصولها إلى أحد هذين القسمين، وهو أن كلا قد افترض من هذين القسمين قد اتخذ له أصولاً خاصة به يتميز بها، فإذا وجدت تلك الأصول عند مذهب آخر فيعني ذلك أنه أخذها من المذهب الأصلي. وهو في غمار هذا التأصيل يفترض أن إباضية المغرب أخذوا عقائدهم من المعتزلة، وهو
1 ـ المصدر السابق، ص: 208 209.
- 281 - (1/309)
صفحة 310
يعتبر هذا الفرض حقيقة مسلمة؛ ولذلك فقد ذهب يتحسس ويتلمس
ليعرف كيف حصل إباضيَّةُ شمال إفريقيا على عقائد المعتزلة.
إن الأساس الذي بنى عليه الأستاذ نلينو بحثه ـ وهو اعتباره أن
-
المسلمين قسمان كبيران هما السنة والمعتزلة، وأن كلاً من القسمين قد اتخذ لنفسه مبادئ معينة محددة يتناولها على أسلوب محدد معين، ويلتزم انشقت عن أحد
بها على نفس النمط والأسلوب، وأن المذاهب الأخرى قد انشقت عن هذين القسمين الكبيرين وأن في إمكان الباحث أن يُعيد أهل كل مذهب إلى قسمهم الذي انشقوا عنه أو انفصلوا منه أو أخذوا عنه ـــ أساس وهمي قام على فرضيَّة ذهنيَّة لا مكان لها في الواقع ولا حقيقة لها في الأحداث والتاريخ. رغم أن نلينو بذل مجهودًا ملحوظًا في إقرار تلك الفرضيات واعتبارها حقائق ثابتة مما دعاه أن يحاول الجمع بين الشيعة والإباضية وإرجاعهم جميعا إلى المعتزلة أحد القسمين الكبيرين بسبب خصومة الجميع لأهل السنة حسبما يزعم أو حسب فرض من فروضه الوهمية.
يذكر المستشرق جولد تسيهر وهو يتحدث عن كتاب «عقيدة الإباضيَّة» أن هذا الكتاب يحمل طابعا معتزليا، لأن الكتاب يذكر بعض أصول عقيدة الإباضية، وهي مشابهة لأصول عقائد المعتزلة، ويذكر الشواهد على ذلك. غير أن المستشرق نلينو لا يكتفي بهذه العلاقة البسيطة التي لاحظها تسيهر، وإنما يكتشف أن الأوجه التي يشابه فيها الإباضية المعتزلة هي أكثر ممَّا لاحظه، تسيهر وعليه فلا بُدَّ أن يكون
- 282 - (1/310)
صفحة 311
الإباضية في شمال إفريقيا قد أخذوا أصول مذهبهم عن المعتزلة؛ إنه أسلوب طريف في بحث العقائد، كأَنَّما هذه الأصول حضرت في جدول عمل، وعُقد من أجل مناقشتها عدة اجتماعات فاتَّخذ فيها المعتزلة قرارات تحدد آراءهم، وأتَّخذ أهل السنّة كذلك قرارات تحدد أيضا آراءهم الخاصة، ثُمَّ انفض المؤتمر العام عن ذلك، فمن تكلّم بعد ذلك في هذه المواضيع فلا أحد فرعي المؤتمر، أو أن يكون أخذ عنه، وبهذا يسهل
بد أن يكون من على الباحث أن يُرجع أي مذهب إسلامي إلى أصله كما أرجع نلينو تلاقى الشيعة والإباضية إلى المعتزلة.
لا شك أن الإشكالات التي تعلقت ببعض أصول العقائد والأسئلة التي أثيرت حولها، والمناقشات التي دارت فيها لم تكن وليدة يوم أو ناتجة عن جدول أعمال مدروس في اجتماع، أو بحث وضع له مجمع علمي منظم ليصدر فيه قرارات نهائية، إن شيئًا من هذا لم يكن أبدا، وإنما كانت تثور المشكلة في مكان فيتّخذ فيها من حضر من مكان فيتّخذ فيها من حضر من العلماء موقفا
-
-
معتمدا
على فهمه لكتاب الله عزّ وجلّ، وسنة رسوله عليه السلام، ومواقف
الصحابة رضوان الله عليهم، إن كانت لهم فيها مواقف. وقد يحدث أن
-
يخالفه في موقفه ذلك عالم آخر في نفس المكان، وقد يحدث الا يخالفه أحد، وتنتقل المشكلة لتثور المشكلة لتشُور في موضع آخر قد يكون قريبا أو بعيدا فتعرض على عالم آخر يدرسها هو الآخر ويُصدر فيها حكما موافقاً أو مخالفًا للأوَّل. وعلى هذا المستوى وهذا الأسلوب تكونت آراء الأمة في مسائل العقائد، بل وحتى في مسائل الفروع مِمَّا لم تحدده النصوص.
- 283 - (1/311)
صفحة 312
وأكثر هذه الأصول قد تحتمل وجهين أو أكثر من الآراء، وأي عالم يُصدر فيها رأيا معيَّنا قد يكون رأيه موافقا تمام الموافقة لرأي عالم آخر في جهة أخرى، ولكنه لم يسمع برأيه ولم يعرفه وإنما اعتمد في إصدار رأيه على نفس المصادر التي استمد منها الآخر رأيه، واتَّحد معه في الفهم والاستنباط، فهل من المحتم أن نقول إن أحد هذين العالمين قد أخذ عن الآخر مادام رأي كل منهما موافقا لرأي الآخر وفهمه لفهمه؟
من
هذه
من المسائل التي أثيرت في عهد مبكر جدا قضيَّةُ القدر، وقضيَّة جواز رؤية البارئ جل وعلا، وقضيَّة الكبيرة ومرتكبها، فكان لعلماء الأمة فيها مواقف حسب فهمهم لنصوص الشريعة حين وصول المشكلة إليهم؛ فكانت المشكلة من هذه تأخذ طورًا في الجدل والنقاش في أماكن مختلفة، حتى تتبلور إلى آراء محددة يقتنع بها الناس ويلتزمونها. فالمشكلة تبدأ فرديَّة يتناولها أصحاب الشأن بالبحث والدراسة والاستدلال، وقد تتفق الآراء وقد تختلف، ويدين بكُلِّ رأي جماعة من الناس لاقتناعهم بقوة الحجة وسطوع البرهان ووضوح الدليل فيما يعتقدون. ثُمَّ إن المذهبية أو (الحزبية الدينية) ـــ كما يفهمها المستشرقون تكن بهذا التميز والوضوح الذي نعرفه لها اليوم، لأن المذهبية في ذلك الوقت المبكر لم تتكون بعد، ويبدو لي أنك لو جئت في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني ووقفت عند باب مسجد تسأل كل خارج بعد الصلاة عن مذهبه لم تجد من يجيبك بقوله إنه سي أو
-
شيعي
- 284 - (1/312)
صفحة 313
أو معتزلي مثلاً، ولا من يقول لك إنه حنفي أو مالكي أو إباضي، لأن هذه المذهبية لم تتكون بعد. ولكنك لو سألته ما تقولُ في القدر فقد يُجيبك برأيه، سواء أكان بإثبات القدر أم نفيه، وقد ينظر إليك في اشمئزاز، وينصرف وهو يعتبرك من دعاة الفتنة، وقد يُحملقُ فيك بعينين فاحصتين ثُمَّ يمضي عنك لأنه لم يفهم ما تريد.
ومثل هذه الصورة تحدث لك لو أجريت التجربة فيما يتعلق بموضوع الرؤية، فلو وقفت على باب مسجد تسأل كل خارج هل رؤية البارئ جل وعلا ممكنة أو مستحيلة، فإنك تجد من يجيبك بأن رؤيته تعالى ممكنة في الدنيا والآخرة، وأن سيدنا محمدا لله رأى ربه، ومن يقول لك إنها مستحيلة في الدنيا جائزة في الآخرة، ومن يقول لك إنها مستحيلة في الدنيا والآخرة، وتجد فيهم من يُعرض عنك لأنه يعتبرك صاحب فتنة، أو لأنه لا يفهم ما تريد. وقل مثل ذلك في مسائل العقائد التي أثيرت حينئذ؛ ولو أردت أن ينتسب لك كلُّ واحد ممن سألتهم لم يُمكنه ذلك، لأن هذه التسميات المذهبية جاءت متأخرة حدثت بعد ذلك، ولكنك لو سألت أي واحد عن رأيه في الموضوع أو عمَّن أخذه لأجابك بأحد الجوابين: إذا كان من أهل العلم يذكر لك النصوص التي استند عليها في فهمه وحكمه، وإذا لم يكن في هذا المستوى ذكر لك عالما من علماء المسلمين المنتشرين في كلّ البلاد الإسلامية في ذلك الحين، أو أجابك بأنه لا يفهم هذا.
- 285 - (1/313)
صفحة 314
عطاء، وسعيد بن
المسيب،
إن الأصول التي يرجع إليها علماء المسلمين في جميع ما يعرض لهم من مشاكل بمختلف مذاهبهم متاحة لجميعهم بدرجة واحدة، وليس فيها ما يمنع أحدهم من دراستها والرجوع إليها، فهي بقدر ما كانت متاحة للحسن البصري كانت متاحة لواصل بن وجابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وعندما تجد فهم أحد هؤلاء لنص من النصوص موافقا لفهم الآخر فليس من الضروري أن يكون أحدهما أخذه من الثاني، لأن الأقرب إلى العقل والمنطق والواقع أن يكون أخذه من نفس النص. واتفاقهما في الفهم والاستنباط لا اعتماد يعني أحدهما على الآخر أو الأخذ عنه. كما أنه لا يوجد ما يمنع من أن يأخذ
أحدهما فهم الثاني أو رأيه إذا لم يكون هو لنفسه رأيا أو فهما مخالفًا. أحسب أن هذا واضح لا يحتاج إلى تدليل أو برهنة، ولا يتطرق إليه
احتمال النقاش.
ومما استند إليه "نلينو" - في حكمه بأن الإباضية في المغرب أخذوا قواعدهم عن المعتزلة - تشابه العرض لتلك القضايا، واتحاد الأدلة.
-
وفي هذا المنطق - كما أرى - شيء من الغرابة؛ وذلك أن عرض
-
-
طريقة المشكلة – أية مشكلة – ليست طابعا مذهبياً مميزاً لا ينبغي للمذهب أن يتخلى عنه، ولا يحق لغيره أن يتخذه، وإذا فُرض أن عالما من مذهب معيَّن وُفِّق إلى عرض مشكلة أو مشاكل بتنسيق أجود فليس مما يجعل الآخرين أتباعًا لهذا العالم إذا هم سلكوا نفس الأسلوب في
- 286 - (1/314)
صفحة 315
العرض، ولا يلزم أن يكونوا أخذوا منه رأيهم في المشكلة إذا اتحدوا معه
في منهج العرض أو منهج الاستدلال واستفادتهم.
ومن الجائز أن آراءهم في الموضوع قد سبقته بعشرات السنين، وأنهم عرضوها إما بهذه الطريقة ولكنها لم تشتهر عنهم، أو عرضوها بطريقة تختلف وأنهم استفادوا من غيرهم في العرض أو الاستدلال، واستفادتهم من جهد غيرهم في التنسيق دليل على التفتح وعدم التعصب، لأن الاستفادة من جهود الآخرين وتجاربهم هي مزيَّة البحث العلمي في كل ميدان. و ممَّا استند إليه نلينو أنهم احتجوا بنفس الحجج التي احتج بها المعتزلة، ويستنتج نلينو حكمه هذا ممَّا لاحظه في شرح التلاتي (1) على كتاب الديانات لعامر الشماخي؛ والشماخي من علماء القرن الثامن الهجري، أما التلاتي فمن علماء القرن العاشر.
،،
أود أن أناقش هذه النقطة بشيء من الإسهاب، حتّى يعرف القارئ الكريم مدى سلامة حكم نلينو" في هذه الملاحظة.
إِنْ إن أيَّ عالم من علماء المسلمين حين تثار أمامه أو تعرض مشكلة يتجه قبل أي شيء وقبل أي رأي إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وعلى ما يتضح له من ذلك يُقرر رأيه، ويُعلن عقيدته، محتجا ومستشهدًا بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة في الموضوع. والآيات والأحاديث
1 ـ أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي. انظر ترجمته في ملحق التراجم. (المحقق)
-287 - (1/315)
صفحة 316
الواردة في أي موضوع هي واحدةً، والاحتجاج بها من أطراف متعددة ليس
متشابها وإنما هو متحد ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
فهل من الضروري أن يكون المعتزلة هم أول من تنبه إلى قوله تعالى: ولا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} (الآية))، فقالوا باستحالة الرؤية، وأن كل من قال باستحالتها إنما أخذ هذا الاستدلال؟ وهل من الضروري أن عنهم يكون المعتزلة هم أوَّل من تنبه إلى الآيات التي وصفت القرآن الكريم بأنه مُحدّث ومنزّل ومجعول وما إلى ذلك حتَّى يُقال إن كل من قال بخلق القرآن إنما أخذ ذلك عن المعتزلة والدليل على أخذه عنهم هو تشابه وما دام المعتزلة قد احتجوا بآية أو حديث فإن كل من احتج بذلك
الأدلة؟ وما دام
يكون أخذ عن المعتزلة؟
لاشك أن في هذا من
الشَّطَط والغلو والتحكم وما فيه من تضييق
الواسع وتحجير العلم ما لا يتفق مع طبيعة علماء الإسلام في عصوره الأولى المتفتحة المشرقة المتحررة.
لقد أثيرت مشاكل أصول العقائد في أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة كما قلت سابقا، ولم تكن حينئذ الكتل المذهبية قد تكونت بعد وتميزت، وإنما كان أفراد العلماء يُصدرون آراءهم كل حسب فهمه واجتهاده، ومضت فترة من الزمن تبلورت فيها تلك الآراء واتخذت لها أشكالا مختلفة، أن عددًا واتضح منها العلماء تلتقي آراؤهم في أصل واحد أو أصول
من
1 ـ سورة الأنعام. الآية: 103.
- 288 - (1/316)
صفحة 317
معينة، ثُمَّ نشأت بعد ذلك الطبقات المتعلمة المتعصبة فكونت المذاهب ونسبتها إلى أفراد من المجتهدين ممن اشتهر فيما بعد. ثُمَّ عمل هؤلاء الأدلة والبراهين لتأييد المذاهب التي يعتنقونها، فأصبحت الأدلة _ ولا سيما الأدلة النظرية - حقا مُشاعًا للجميع، يجمع منها كل مذهبي ما
على جمع
-
يراه مؤيدا لمذهبه، وهذه الصورة تتضح عند المؤلفين المتأخرين من القرن الثالث فما بعد، ولا يستطيع الباحث أن يقول هذا برهان معتزلي أو إباضي أو أشعري أو ماتريدي.
ولو رجع نلينو في قضايا أصول علم الكلام لوجد التقارب بين الماتريدية والمعتزلة أكثر من التقارب بين المعتزلة والإباضية، بل ربما يجد التقارب بين الأشاعرة والإباضية أكثر من التقارب بين الأشاعرة والماتريدية، رغم أن كتاب المقالات وأكثر المؤرخين يحشرون الماتريدية في طابور أهل السنة ويحشرون الإباضية في طابور الخوارج، وهاهو المستشرق نلينو يحاول أن يحشر الإباضية والشيعة في طابور فرعي ينفصل عن طابور المعتزلة، ولو تأمل الأدلة والبراهين التي يستند إليها كل من هؤلاء لوجدها تتفق وتتشابه في الأصل الذي يتفقون عليه، ولربما كان أسلوب الماتريدية والمعتزلة في الاستدلال والمناظرة يجري على منهج واحد في أكثر القضايا الكلامية.
فدعوى الأستاذ نلينو أن إباضية شمال إفريقيا أخذوا أصول عقيدتهم من المعتزلة دعوى لا تستند إلى أساس سليم، لا لأن الفرق
-289 - (1/317)
صفحة 318
الإسلامية لم يتأثر بعضها ببعض، أو أن الإباضية لم يتأثروا بغيرهم من المذاهب الإسلامية أو يتأثر بهم غيرهم، فهذا زعم لا يخطر على البال، وإنما الذي أريد أن أنفيه في هذا الفصل هو زعم نلينو أن الإباضية أخذوا أصولاً معينة من المعتزلة، مع العلم أن هذه الأصول كانت مطروحة
—
للنقاش - إن صح هذا التعبير - قبل أن تكون المذهبية الملتزمة، وقد كان علماء الإباضية يناقشونها بنفس المستوى الذي يناقشها به علماء المذاهب الأخرى حين أثيرت. وحتى لو تحددت الأسبقية في قول من الأقوال ونسبت إلى عالم معين من مذهب معين، فلا ذلك أن يعني المذاهب التي جاءت بعد واتخذت لها نفس الآراء، أنها بالضرورة من أخذت عنه، لأنها في الغالب تكون أخذت من نفس المصدر الذي أخذ هو منه الكتاب والسنَّة، ونحن لا نزعم أن المعتزلة أخذوا من الإباضية لأن - واصلاً بن عطاء - إمامُ المعتزلة كان تلميذا في مجلس الحسن البصري، حين كان إمام الإباضية جابر بن زيد زميل الحسن وصديقه قد استقر على عقائد محددة في المشاكل التي أثيرت في تلك الفترة، واتخذ فيها موقفا نقله عنه طلابه، فلا شك أن جابرا سبق واصلاً، ولكننا مع ذلك لا ندعي أنه أخذ عنه. ولعل من الأمثلة التي توضح هذه النقطة موقف الإباضية والمعتزلة من مشكلة الرؤية مثلاً.
إن عقيدة الإباضية بأن إمكان رؤية البارئ جل وعلا مستحيل في الدنيا والآخرة كان واضحا شديد الوضوح في النصف الثاني من القرن الأول، وقد ناقشه بعض أئمة الإباضية وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض
- 290 - (1/318)
صفحة 319
أن
كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس، فهل يحق للباحث يزعم أن المعتزلة أخذوا رأيهم في موضوع الرؤية من الإباضية لأن هؤلاء سبقوهم إلى ذلك القول، ولأن المعتزلة يحتجون بنفس يحتج بها الإباضية .. ؟
الأدلة
لان
لا شك أن الباحث المنصف لا يستطيع أن يزعم هذا الزعم المصادر التي كانت موضوعة بين يدي جابر بن زيد، والحجج العقلية التي استنبطها وهو يدرس هذه المشكلة كانت مطروحة بين يدي غيره من علماء الأمة، فإذا انتهى هو إلى رأي معين، فليس من اللازم أن يكون كل من انتهى إلى ذلك الرأي آخذا
عنه.
بعد هذا أنتقل إلى مناقشة نقطة أخرى عرض لها الأستاذ نلينو و لم
يكن ـــ حسب نظري ــ موفقا فيها:
?
يصل نلينو بسرعة غير متوقعة إلى الحكم على أن الجانب الأكبر من المذهب الإباضي معتزلي، وهو لكي يُصدر هذا الحكم دون أن يتعرض لنقد لا يعرف مصدره؛ يفصل إباضية شمال إفريقيا عن إباضية الشرق، بدعوى أنه لا يملك مصادر عن إباضية الشرق تُتيح له الحكم عليهم بحق. وتبدو هذه الدعوى غريبة، فإن المستشرق الكبير لم يذكر من مصادر الإباضية المغاربة إلا كتاب عقيدة التوحيد» لعمرو بن جميع، وكتاب «الديانات لعامر الشماخي، بشرح التلاتي؛ وكل من الكتابين مختصر صغير جدا وضع للاستذكار في صفحات قليلة لا تبلغ جميعها عشرا.
- 291 - (1/319)
صفحة 320
-
من المؤلفات في
ثُمَّ إن كلا الكتابين ــ إن صح أن يهما كتابين العصور المتأخرة، أعني بعد القرن السابع؛ وهذا يعني أنها ألفت بعد التميز المذهبي وعندما أصبحت حجج العقائد الدينية لمختلف المذاهب والعلماء معروفة ومدروسة ومنقولة يستعين بما من توافقه للاحتجاج بها ويذكرها من تخالفه لنقضها والرد عليها.
وإذا كانت هذه كل مصادره فإنه لا يملك مصادر عن إباضية شمال إفريقيا أيضا، اللهم إلا ما قاله عنهم غيرهم، وهذا متوفر حتى بالنسبة لإباضية الشرق، لأن المصدرين اللذين اعتمد عليهما مختصران لا يعطيان صورة حقيقية للموضوع. وعلى كل فلا داعي أبدا للفصل بين إباضية المشرق وإباضية المغرب، ومع ذلك فقد وقع نلينو في خطأ له قيمته في هذا البحث؛ فقد كتب أبو العباس أحمد الشماخي (1) ترجمة للشيخ عامر الشماخي
-
-
وتحدث عن كتابه «الإيضاح» الذي يقع في أربعة أجزاء ضخمة ووصفه، وقال عنه إنه ـــ أي الإيضاح ـــ هو اعتماد إباضية المغرب، وهذا صحيح، وكتاب الإيضاح كتاب فقه خالص يبدأ بالطهارات ولا يتعرض المسائل علم الكلام، ولكن نلينو - فيما يبدو ـــ ظنَّ أن المقصود بهذه العبارة هو ذلك المختصر الذي يسمى بالديانات، فجعله معتمد إباضية المغرب لاسيما نفوسة، وهذا الوهم يعطي كتاب الديانات حقيقةً أضخم مما هو عليه، وقد سبق الشيخ عامر في موضوع العقائد وعلم الكلام عدد من أئمة
وو
1 - انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 292 - (1/320)
صفحة 321
العلماء كانت كتبهم مراجع له يستمد منها ويستند عليها، وذلك مثل عبد الخالق الفراني، وعمروس النفوسي، وتبغورين الملشوطي، وأبي عمار عبد الكافي، والمارغني (1)، وغيرُهم. وقد استفاد الشماخي ـ ولا ريب ــ منهم جميعا، ولخص عنهم مختصره «الديانات».
ثُمَّ إن المستشرق نلينو بعد أن عمل عملية الفصل بين إباضية المشرق
أنه
والمغرب، وزعم لا يعرف عن أولئك ما يعتمده للحكم عليهم، وأنه يملك ما يعتمده للحكم على تأثر هؤلاء بالمعتزلة، وقد أثار مجموعة من الأسئلة تحتوي على عدد من الفروض:
-
1 - هل هم أخذوه في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب؟ 2 - أم هم تقبلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة من الشيعة؟ 3 - أم أن مذهب إباضية المغرب أضافوا من بعد في إفريقيا عناصر معتزلية جديدة إلى ما كان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية المشرق؟
-
4 - أم أن مذهب الإباضية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخُطًا واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي؟.
أن
إن موقف نلينو في هذه القضيَّة غريب حقا، فهو يفترض الإباضية تأثروا بالمعتزلة وأخذوا عنهم، ويجعل هذه الفرضية حقيقةً
ثابتة مهما كان موقف الإباضية، وهو لا يعرف كيف يبرهن
1 ـــ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
أن
- 293 -
21 (1/321)
صفحة 322
الإباضية أخذوا من المعتزلة، ولكنه رغم ذلك يُصرُّ على هذه الفرضية ويعطي لها عددًا من الاحتمالات: أخذوها من الشرق ونزحوا بها ...
تقبلوها في شمال إفريقيا عن طريق الأدارسة ... أضافوا إليها في المغرب عناصر معتزلية ... سار الإباضية في المشرق والمغرب بخطا واحدة تحت تأثير معتزلي؟.
ومع هذا الإصرار على هذه الفرضيَّة يعترف أنه لا يعرف شيا عن مسلك الإباضية عموما في تقرير عقائدهم في تلك العصور الأولى التي كان يثور عليها الجدل وتتقرر في قلوب الناس، فهو يذكر أنه لا يعرف شيئًا عن مصادر إباضية المغرب، فلم تقع يداه إلا على ملخصات مختصرة ألفت في القرن السابع فما بعد.
كنتُ أحسب أن من يتعرض لموضوع شائك مثل هذا يُريد أن يُثبت أن إحدى الطائفتين كانت عالة على الأخرى، ينبغي له أن يدرس دراسة عميقة كل ما ما عند الطائفتين، وأن يُقارن المشاكل العقائدية بينهما مشكلةً مشكلة، ويتتبع تطورها في البيئتين حتَّى يعرف أنها وليدة بيئة معتزلية وانتقلت منها إلى الإباضية، أو هي وليدة بيئة إباضية وانتقلت منها إلى المعتزلة، أو أنها وليدة في كلتا البيئتين، نمت فيهما حتى استقرت على وضعها الأخير عند كليهما .. ولكن نيلنو لم يفعل شيئًا من هذا لأنه لا يعرف عن عقائد الإباضية شيئًا في خمسة قرون سابقة، حتّى عثر على مُلخص العقيدة ومُلخص الديانات.
- 294 - (1/322)
صفحة 323
-
إن السؤال الأوَّل من تلك الأسئلة يكاد يكون صورة هزلية مضحكة؛
فهو يصور الإباحية مجموعة من الناس - كمجموعات القبائل البدوية قوضوا خيامهم وحزموا حقائبهم وركبوا جمالهم وخيولهم ثُمَّ ارتحلوا من المشرق إلى المغرب، ولكن نيلنو لم يتأكد حين ارتحلوا هل كانت معهم بعض هذه الخصائص الموجودة عندهم اليوم، أم أنَّهم ارتحلوا متجردين ثُمَّ كونوا لأنفسهم هذه الخصائص الموجودة معهم فيما بعد. أعد قراءة الفقرة وتأملها إن شئت تتضح لك الصورة أكثر.
والسؤال بهذه الصورة وهذه الصيغة يعطينا انطباعا معينا عن تصور نيلنو. والسؤال الثاني يفترض أن الإباضية حينما ارتحلوا من الشرق إلى الغرب إنَّما جاؤوا بدون أصول، وإنما اقتبسوا لهم أصولاً من المعتزلة عن طريق الأدارسة من الشيعة، أو من معتزلة طنجة مباشرة، وإنما حملهم على اقتباس الأصول من هؤلاء ودفعهم إلى ذلك رد الفعل ضد أهل السنة، واشتراكهم مع الشيعة والمعتزلة في مقاومة أهل السنة.
يستدعي
الواقع أن هذا الكلام لا ينبغي الوقوف عنده طويلاً لأنه ليس فيه ما ذلك، وهو مبني على فروض وتقديرات وهمية ليس لها ما يبررها مطلقا، فلا معنى لأن نفترض أن الإباضية عندما نزحوا من الشرق إلى الغرب تركوا هناك عقائدهم، لأن الإباضية لم بترحوا من الشرق إلى الغرب كمجموعات بشرية متنقلة، ولكن الأصول التي يعتنقونها في العقائد قد انتشرت في المغرب الإسلامي عن طريق الأفراد، سواء أكانوا علماء
-295 - (1/323)
صفحة 324
جاؤوا من المشرق، أم وفودًا طلابية ذهبوا من المغرب إلى المشرق فتلقوا تلك الأصول فيما تلقوه من علوم ثُمَّ عادوا به، أو كان ذلك في صورة دعاة يدعون إلى تلك الأصول.
ولأن أصول العقائد ليست أمتعة ثقيلة يتخفف منها من يريد أن يرتحل، يتخذ بدلها عندما يستقر في مكانه الجديد. فحتى على فرضية وقوع هذه الصورة التي تخيَّلها نيلنو؛ وهو ارتحال الإباضية من المشرق إلى المغرب لا يمكن أن يُدخل في التصور أنهم ارتحلوا بدون عقائد فلمَّا وصلوا إلى المغرب جعلوا يستعيرون أو يقتبسون أو يسترقون. إن العقائد محلها القلوب، وهي لا تخرج عنها في حل ولا ترحال.
ولا معنى أن نفترض أن ردَّ الفعل حمل الإباضية على اقتباس أصول المعتزلة من الأدارسة الذين اقتبسوها هم الآخرون عن المعتزلة؛ وهذه من الافتراضات في الحقيقة موغلة في الخيال، فإن أدنى
السلسلة
عنده من
ابتداء
إلمام بتاريخ المغرب الإسلامي يعرف حقيقتين لا تقبلان النقاش: الحقيقة الأولى: أن الإباضية قد انتشروا في المغرب الإسلامي من ليبيا إلى الأجزاء الشرقية من المغرب الأقصى قبل الأدارسة بزمن طويل. وقبل أن يصل مؤسس دولة الأدارسة إلى المغرب سنة 172 هـ كان الإباضية قد قاموا بأربع محاولات لإقامة دول كانت ثلاث منها في ليبيا، وكانت المحاولة الرابعة هي قيام الدولة الرستمية التي انتصبت في تاهرت“ قبل اثني عشر عامًا من قيام دولة الأدارسة، وكانت قد
- 296 - (1/324)
صفحة 325
استقرت وكمل نظامها واستتب لها الأمن. ومعنى هذا أن الإباضية بعقائدهم وفقههم في التشريع والسياسة قد استقروا وثبتوا عليها وفرغوا من دراستها قبل مجيء الأدارسة من الشيعة إلى المغرب الإسلامي، فكيف يتسنى لهم أن يكونوا رابطةً لانتقال العقائد بين المعتزلة والإباضية؟ الحقيقة الثانية: أن التهجم والتباعد الذي كان بين الإباضية والشيعة أقوى وأوضح من التهجم أو التباعد الذي كان بين الإباضية وأهل السنة أو المعتزلة. والمؤرخون الذين تحدثوا عن الدولة الرستمية ـ وهي إباضية ذكروا بإسهاب أو اختصار كثيرا من المناقشات ومجالس المناظرات التي كانت تقع في ”تاهرت“ وهي عاصمة الإباضية في ذلك الحين كانت تجري بين الإباضية وبعض مذاهب أهل السنة، وبين الإباضية وبعض فرق المعتزلة، أو بين مذاهب أهل السنة وفرق
المعتزلة، أو حتّى بين بعض فرق أهل السنة كالأشاعرة والماتريدية. و لم تذكر مصادر التاريخ التي بين أيدينا أية مناظرة أو نقاش جرى بين الإباضية وأحد من الشيعة، وهذا يدل على الانقطاع الكامل بين المذهبين أو الفرقتين. فدعوى أن الإباضية أخذوا من الشيعة أو أن الشيعة أخذوا من الإباضية كلاما لا يجد لنفسه أي مستند يقوم عليه، أضف إلى هذا أنك لو أخذت أي كتاب من كتب الإباضية المطولة سواء أكانت في أصول العقائد أم كانت في الفقه فإنك تعثر فيها على كثير من آراء المعتزلة أو أهل السنة، سواء أكان ذلك في معرض الاستدلال
- 297 - (1/325)
صفحة 326
وعرض الآراء، أم في معرض النقد والرد، ولكنه يندر أن تجد في كتب الإباضية شيئًا عن آراء الشيعة. ويبدو من عن آراء الشيعة. ويبدو من هذا أنه لم يكن في المغرب أي احتكاك بين الإباضية والشيعة يسمح باقتباس أحدهما عن الآخر، فضلاً عن أن يكون وسيلة لاقتباس آراء الآخرين.
أما الجدل بين الإباضية والمعتزلة فقد كان عنيفا في الشرق والغرب، ولعلّ الجدل قد بدأ بين الإباضية والمعتزلة قبل أن يبدأ بين المعتزلة وأهل السنّة. وكُتب التاريخ والعقائد تذكر طرفا من تلك المناظرات، حينما تذكر مواضيعها وبعض ما جرى فيها، وأحيانًا تشير إليها إشارة أو تقتصر على ذكر أسماء المتناظرين من المذهبين، وهذا يدل أن المذهب قد استقرت نظرته على الأصول التي اقتنع بها عند التميز
الإباضي المذهبي في القرن الثاني الهجري، وليس به حاجة إلى التأثر والاقتباس. أما السؤال الثالث فهو أيضا يفترض أن تلك المجموعة البشرية التي نزحت من الشرق قد حملت معها بعض معتقداتها، ولكنها أيضا أضافت إليها من عقائد المعتزلة في المغرب، وقد ناقشنا هذه الافتراضات في الصور السابقة فلا داعي لأن نعود إليها.
أما عن السؤال الرابع فهو يفترض أن المذهب الإباضي في الشرق
وفي الغرب سار بخطاً متّحدة بتأثير معتزلي.
إن نلينو قد حكم أن إباضية المغرب أخذوا أصولهم العقدية عن المعتزلة، وقد استقرت في ذهنه هذه الفرضية فهو لا يريد أن يناقشها،
-298 - (1/326)
صفحة 327
وكأنما اعتبرها حقيقةً ثابتةٌ؛ فذهب يتلمس الطرق التي تسربت معها آراء
المعتزلة إلى الإباضية، فجعل يتخبط بين مجموعة من الفروض لا تقوم
على أي أساس.
ويقول الأستاذ نلينو ص: 207، ما يلي:
إلا أن هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الإباضية في شمال إفريقية عن مذهب المعتزلة، أولاهما بالضرورة هي تلك المتعلقة بالطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر: وإلا كان على الإباضية ـ وهم خوارج
-
أن ينكروا أصلهم إنكاراً تاماً إن شاؤوا أن يعتبروا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمناً كما فعل أهل السنة والجماعة، أو إن قالوا بالمذهب القائل بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين كما يقول المعتزلة» [اه].
وبعد أن يورد كلاماً لبعض علماء الإباضية في مناقشة الموضوع يقول: والمسألة الأخرى التي كانت موضوع الخلاف بينهما هي
مسألة القدر وحريَّة العبد في أفعاله؛ فالمعتزلة يقطعون بحرية العبد، بينما
يقول الإباضية في شمال إفريقية بالحريَّة المحدودة في صورة الكسب أو الاكتساب عند الأشاعرة» [اهـ] ص: 207.
إن الالتواء في منطق نلينو
-
،،
وهو يعالج هذا الموضوع - واضح
-
بين. فهو عندما لم يجد ما يتمحله مبررًا للبعد بين آراء الإباضية
والمعتزلة في قضيتي مرتكب الكبيرة، والقدر، التجأ إلى التحايل في
- 299 - (1/327)
صفحة 328
التبرير؛ فزعم أن الإباضية إنَّما خالفوا المعتزلة في موضوع مرتكب الكبيرة حفاظا على أصلهم باعتبارهم (خوارج)، ولابد أن نلينو يعرف معرفة تامة أن الإباضية يختلفون اختلافا كبيرًا عن الخوارج في هذه القضية - بل لعلها أشدُّ مواضيع الخلاف بينهم وأكثرها إثارة للخصومة
-
والعنف أحيانًا فبينما يحكم الخوارج على مرتكب الكبيرة بأنه
-
مشرك تنطبق عليه أحكام المشركين - وينفذون تلك الأحكام عليه ـــ لا يرى الإباضية في مرتكب الكبيرة إلا أنه أخ لهم في الإسلام، له جميع حقوق المسلمين وتنطبق عليه جميع أحكام المسلمين، إلا أنه بارتكابه الجفاء والمخاشنة في المعاملة ولا يستحق منهم
للمعصية يستحق
-
منهم
الاستغفار - مِمَّا
وما إلى ذلك مما لا يكون أهلاً له إلا الموفّي بدينه الحريص
على إسلامه ـ حتّى يتوب.
الكبيرة
-
ولكن نلينو يتغاضى عن هذا الفارق الهام ـ في موضوع ارتكاب
-
حكمه على
بين الإباضية والخوارج، ويبني أن الإباضية خالفوا المعتزلة في هذه المسألة حفاظًا على أصلهم؛ مع العلم أن هذا الأصل الذي يُشير إليه نلينو لا أصل له عند الإباضية، ولم يقوموا به في يوم من الأيام، ولا أحسب أحدا ممَّن ينتسب إليهم في القديم أو الحديث ذهب إليه. بل إن كُتب التاريخ وكتب العقائد تذكر أن عبد الله بن إباض حَكَم
على نافع وأصحابه بالكفر بعد الإسلام بسبب قول نافع في مرتكب الكبيرة إنه مشرك.
- 300 - (1/328)
صفحة 329
وقد كانت شدة خصومة الإباضية للخوارج في موضوع مرتكب
الكبيرة لا تضارعها عنفًا إلا خصومتهم للمعتزلة في موضوع القدر وخصومتهم للأمويين في خروجهم في أحكامهم عن أحكام الشريعة، وإذا كانت قضيَّة مرتكب الكبيرة هي أهم ما يميز الخوارج فإن الإباضية - فيها - يخالفون كل المخالفة ما عند الخوارج. وقد أورد
-
نلينو في كتاب الديانات لعامر الشماخي جملة مبتسرة ظهر أنها تفي بالغرض وتدلُّ على المقصود، ولكنَّ الجملة ناقصة لأنه نقل شطراً منها وترك الشطر الآخر، والتعبير السائد في جميع كتب العقائد بما فيها كتاب الديانات: «وندين بالمنزلة بين المترلتين وأن لا منزلة بين المنزلتين». وشرح هذه العبارة باختصار أن الإباضية يدينون بأن هناك متزلة بين الشرك والإيمان، هي متزلةُ النّفاق أو كُفر النعمة؛ فقد يكون الرجل ليس مشركا وليس مؤمنًا وإنما هو منافق أو كافر كفر نعمة. وهذا الصنف من الناس داخل المسلمين في جميع المعاملات والأحكام الدنيوية، كما كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين ومع مرتكبي الكبائر (كفار النعمة)، وهذا معنى قولهم ندين بالمنزلة بين المنزلتين.
أما العبارة الثانية: أن لا منزلة بين المتزلتين فيقصدون بذلك بأنه لا توجد منزلة بين الإيمان وبين النفاق أو كفر النعمة؛ فالرجل الذي يُقر بكلمة الشهادة إما أن يوفّي بها فيكون مؤمنا، وإما أن يخونها بالعمل أو الاعتقاد فيكون منافقا كافرًا كُفر نعمة)، وليس بينهما مرتبة أو درجة.
- 301 - (1/329)
صفحة 330
وملخص هذا عند الإباضية أن الناس قسمان: مسلمون ومشركون. المسلمون هم الذين أقرُّوا بكلمة التوحيد وهم قسمان: قسم وفى بما عاهد عليه الله قولاً وعملاً واعتقادًا، وقسم خان في بعض ذلك، فالأولون هم المؤمنون، والآخرون هم المنافقون، أو كفار النعمة، أو الفساق، أو العصاة، وهؤلاء جميعا تنطبق عليهم أحكام واحدة في الدنيا، ويتساوون في الحقوق والواجبات، اللهم إلا الاستغفار فإنَّه حق للموفين فقط.
أما المشركون فهم غير المسلمين سواء أعبدوا الأصنام، أم عبدوا الطبيعة، أم لم يعبدوا شيئاً، أم كانوا أهل كتاب فتمسكوا بدينهم الباطل ولم يؤمنوا بالإسلام، وهؤلاء كلهم تنطبق عليهم أحكام الشرك، اللهم إلا بعض المزايا أو الاستثناءات التي جعلها الله لأهل الكتاب.
أحسب أن هذا يكفي لإيضاح هذه النقطة، وربما تناولتها بمزيد من
التفصيل في فصل آخر معتمدا على النقول والنصوص.
أما القضية الثالثة التي أشار إليها نلينو - وهي قضية القدر ـــ فلم يجد فيما يبدو أي شيء يستند إليه، ولذلك فقد عرضها ثُمَّ تركها دون أن يقول عنها شيئا.
ولا شك أن سؤالاً يتردَّد في ذهن القارئ ـ وهو يقرأ ما عرضه نلينو يقول: مادام الإباضية قد أخذوا جميع أصولهم في التوحيد عن المعتزلة، ولم يخالفوهم إلا في حكم مُرتكب الكبيرة ـــ حفاظا على الأصل
-
-
أو في القدر فلماذا لم يأخذوا عنهم أيضا رأيهم في القدر؟، وهو سؤال
- 302 - (1/330)
صفحة 331
سيبقى بدون جواب لأن الشخص الوحيد الذي يُمكن أن يجد له جوابًا هو
المستشرق الكبير نلينو، ونلينو قد انتقل إلى عالم غير هذ العالم.
ويختم الأستاذ بحثه بما يلي:
«ليس لدينا في المصادر المطبوعة ما يسمح لنا بتعيين الزمن الذي أتخذ فيه
أن
الإباضية المغاربة أقوال المعتزلة المذكورة آنفا، وكل ما نعرفه في يقين هو القول بأن القرآن مخلوق قول قال به السلطان الرستمي (في تاهرت) أفلح بن عبد الوهاب، الذي حكم بين سنة 190 وسنة 240 هـ كما يُستنتج من صفحة 541 تعليق (1) من كتاب موتلينسكي، وأن مذهب الإباضية المغاربة ـد تكوَّن نهائيا في أوائل القرن السادس الهجري والثاني عشر الميلادي» (1) [اهـ] المستشرق نلينو يعترف أنه ليس لديه في المصادر المطبوعة ما يستطيع أن يعين به الزمن الذي اتَّخذ فيه الإباضية المغاربة أقوال المعتزلة، فما اعتمادًا عليها ـ أن يُقرر أن المصادر التي استطاع هي
الإباضية في المغرب قد أخذوا أصولهم من المعتزلة؟
إذا كانت المصادر غير متوفرة لديه فكيف استطاع أن يكون رأيه على هذا الوجه؟ ولم لا تكون الحقيقة على الوجه العكسي؟ (2) أي أن
1 ـ المصدر السابق. ص: 209 210.
-
2 يقول أستاذنا الفاضل الإمام: بيوض ابراهيم بن عمر في جواب له عن سؤال للسيد منير عبد القادر سلطان مايلي: وبناء على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإباضية أساتذة
الفرق الاسلامية في تأصيل قضايا العقيدة». (المؤلف)
- 303 - (1/331)
صفحة 332
المعتزلة هم الذين أخذوا أصول عقائدهم من الإباضية، إذا كان لا بدَّ من
افتراض
أخذ أحدهما عن الثاني؟.
والحقيقة
-
كما ذكرنا أكثر من مرة ـ أن الافتراض بأن أحد
المذهبين أخذ أصوله من الثاني لا أساس له ولا داعي إليه، واعتراف نلينو بعدم توفر المصادر لديه اعتراف سليم وصحيح؛ لديه اعتراف سليم وصحيح؛ لأن مصادر الإباضية التي ذكرها لا تُتيح له أن يحكم حكما سليما في الموضوع الهام الذي تحدَّث عنه، فهو لم يذكر إلا «عقيدة التوحيد» لابن جميع؛ وهي متن وضع للحفظ والاستظهار، وما يعالج منها قضايا التوحيد الصرفة لا يعدو صفحتين أو ثلاثا، وكتاب «الديانات» لأبي ساكن الشماخي هو الآخر متن وضع للحفظ والاستظهار، لا يتجاوز صفحتين أو ثلاثا، وقد وضع عليه التلات شرحا لغوياً موجزاً لا يتعرض للقضايا الكلامية إلا نادراً.
-
-
(1)
أبا كتاب المصعبي وهو شرح لقصيدة أبي نصر الملوشائي والقصيدة أيضا متن وضع للحفظ والاستظهار. فقد عُني العناية الكاملة بالجوانب اللغوية والبلاغية، ثُمَّ يذكر مجمل المعنى بإيجاز، وهكذا في أغلب الأحوال فإذا ناقش بعض المواضيع لم يتعرض لتاريخها ولا لحركة النقد والردّ والأخذ والعطاء التي رافقت تلك المواضيع عند تكوينها. وجميع هذه المؤلفات
1315 هـ.
1 ـ هو كتاب محمد بن يوسف بن محمد المصعبي شرح القصيدة الحائية المسماة "تحريظ الطلبة». لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائي. طبع كستليولا، مصر. ومتن القصيدة المشروحة لا يتجاوز خمس صفحات. (المحقق)
- 304 - (1/332)
صفحة 333
كانت بعد القرن السابع الهجري، وبعد التميز المذهبي والاستقرار العقدي لجميع الفرق الإسلامية؛ فهي لا تُعنى غالبًا بعرض الأدلة المتداولة التي تؤيد وجهة نظر معينة. ولا شك أن تلك الكتب لا يهمها أن تعرف أوَّل من احتج بدليل ما، لأن جميع الأدلة والبراهين في ذلك الحين أصبحت حقا مشاعاً بين علماء كل الفرق. وهذا الموقف - بطبيعة الحال ــــ لا يساعد على معرفة تكون الآراء والعقائد متى حدث، ولا على الأصول التي انبنت عليها، ولا من سبق إليها ومن اقتبس منه.
بقيت نقطة أخيرة ينبغي أن نمُرَّ بها قبل أن نختم هذا الفصل، هذه النقطة هي دعوى نلينو أن المذهب الإباضي تكون نهائيا في القرن السادس الهجري، فماذا يعني بالتكون النهائي؟ وما هي المصادر التي استند إليها في هذا الحكم؟ إذا كان يعني بالتكون النهائي الانتشار العددي، فإنّ الإباضية قبل هذا التاريخ بقرن أو قرنين كانوا أكثر انتشارا في المغرب الإسلامي وتوزعًا فيه، وأنهم في هذا العصر تقلّصوا إلى التجمع في بعض الواحات فقط. وإن يكن القصد هو التكون العلمي في مسائل الفروع والاجتهاد فإن هذا التكون لم يتم حتى الآن،
ولن يتم
ويتجدد
-
القرن السادس
يسير مع
-
قد
الحياة
أبدا لأي مذهب من مذاهب الإسلام، لانه الأحداث التي تتطلب من أولي الاجتهاد إعطاءها أحكامها
الشرعية حتّى تنتهي حياة الإنسان. أما إذا كان يقصد بذلك تكون
أصول العقائد
—
وهو المتبادر إلى الذهن – فالمستشرق نلينو ليس لديه
-
مصادر كافية ـ كما يقول - يمكن أن ينبني عليها حكمه؛ فكيف يحدد
-
-- 305 - (1/333)
صفحة 334
هذا بالقرن السادس، وهو لا يعرف متى اتَّخذ الإباضية هذه الأصول عقائد لهم؟ سواء أاستنبطوها من المصادر الإسلامية الأصيلة، أم اقتبسوها من غيرهم (المعتزلة أو الشيعة)، والحقيقة أن نلينو لو جد في البحث لوجد أن كثياً من كتب علم الكلام قد ألفت قبل هذا العهد بأزمنة طويلة قد تتجاوز القرنين، منها المختصر ومنها المطوّل، كما أن حلقات المناظرة والنقاش كانت لا تنفك تجري بين الإباضية والمعتزلة قبل هذا الأوان بمدة، وأنها بلغت من العنف في عهد الدولة الرستمية ما جعلها تستقدم علماء للجدل والمناظرة من ليبيا إلى الجزائر.
كان
من
ثُمَّ إنّ الإمام عبد الرحمن بن رستم أحد حملة العلم إلى المغرب طلبة أبي عُبيدة في البصرة، ولا شك أنه حضر كثيرًا من مجالس الجدل والخصومة بين الإباضية والمعتزلة، وبين الإباضية والخوارج، أما الأشاعرة فلم يظهروا بعد في ذلك الحين، بل إن أبا عبيدة هو الذي طرد من مجلسه من يقول بالقدر. وهكذا يتضح أن أصول عقائد الإباضية في المشرق والمغرب قد تم تأصيلها والاستدلال عليها في عهد جابر وزملائه، ثم في عهد أبي عبيدة وزمنه
الأئمة -
-
وعنهم نقلها
طلاب العلم إلى المشرق والمغرب، ربما قبل أن يتم تأصيلها عند المعتزلة، وبالتأكيد قبل الأشعرية، ولا شك أيضا أن من جاء بعد الأئمة الأوَّلين حجة أو
قد استفاد من بقية علماء الأمة وفرقها، وربما اقتبس منهم دليلاً أو أسلوباً فأضافه إلى ما عنده من حجج وأدلة.
- 306 - (1/334)
صفحة 335
ولعلّ مِمَّا يفيد القارئ أو يهمه أن ننقل له فقرات من رسالة أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم بن عمر) (1) _ مد الله في حياته ـــ التي أجاب بها عن أسئلة الأستاذ منير عبد القادر سلطان؛ فإلى القارئ الكريم منها مايلي (2):
و تعلمون أن أوَّل مسألة عقائدية افترق المسلمون بسببها (بعد الخلاف
هي
السياسي الذي بدأ في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان عفان) مسألة القدر التي عبرتُم عنها في كتابكُم «الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي»، والذي تولى كبرها واصل بن عطاء الغزال إمام الواصلية أو المعتزلة، ثُمَّ مسألة تحديد معنى الكفر والإيمان، والمتزلة بين المترلتين ولا مترلة بين المتزلتين والذي تولى كبرها هم الخوارج المستحلون لأموال البغاة وسي ذراريهم تبعا لدمائهم إذ حلت بالبغي. ثُمَّ مسألة خلقِ
من
المسلمين،
الفارسي
الذي تظاهر
القرآن أو قدمه التي أثارها أبو شاكر الديصاني بالإسلام ليفتن المسلمين ويفرِّق كلمتهم، فاغتر بها المغفلون من الدهماء وأثاروها فتنةً شعواء. فأما واصل بن عطاء فقد قال عنه الشهرستاني صاحب «الملل والنحل»: الواصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذ الحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار، وكان في أيام عبد الملك وهشام بن عبد الملك“. وولاية عبد الملك ـ كما يذكر المؤرخون
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
-
2 انظر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم». ترتيب وتقديم وتخريج بكير بن محمد الشيخ بالحاج نشر جمعية التراث. القرارة غرداية. ط 1. 1988. ج 1. ص: 22 فما بعدها. (المحقق)
- 307 - (1/335)
صفحة 336
-
كانت سنة خمس وستين، ووفاته سنة ست وثمانين وولاية هشام من 105 هـ إلى 125 هـ، فيكون اتصاله بالحسن البصري في النصف الأخير من
-
عمره. ويُروى ـ كما ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه الدليل والبرهان» - أن واصل بن عطاء لزم مجلس الحسن البصري عشرين سنة قبل أن يعتزله، ولا نعلم على وجه التحديد السنة التي اعتزل فيها واصل مجلس الحسن. ويُستفاد من مجموع الروايات والتواريخ أن ذلك كان في أواخر أيام الحسن وفي أواخر القرن الأول للهجرة، وعلى ذلك يكون إمام الإباضية متقدما (1) كثيرًا على إمام الواصلية المعتزلة، وتكون فلسفة الإباضية في الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي (القدر) قد تبلورت قبل أن يظهر واصل بن عطاء مذهبه» [اهـ].
-
1 ولد جابر بن زيد سنة 18 هـ وتوفي سنة 93 هـ، على ما رجحه الإمام بيوض، ولا أعرف متى ولد الحسن البصري، ولكنه توفي عام 110 هـ، وولد واصل بن عطاء سنة 80 هـ، وتوفي سنة 131 هـ. وبهذا تعلم أنه عندما توفي إمام الإباضية جابر بن زيد كان واصل بن عطاء مراهقا دون البلوغ، وأنه لا يزال في الخطوات الأولى من الدراسة، وإذا صح أنه لازم الحسن البصري مدة عشرين سنة فإنه يكون قد التحق بمدرسه وعده أقل من عشر سنوات، ضرورة أنه انفصل عنه قبل وفاته، ومهما يكن فإن جابرًا كان قد بلغ إلى حد الاستقرار في تلك المشاكل، وإن واصلاً لم يبدأ التفكير فيها بعد. أما ما ذكره الشهرستاني عن وجود واصل أيام عبد الملك فغير واضح لأن عبد الملك توفي سنة 86 هـ وعُمر واصل حينئذ يكون
ست سنوات، وغير معقول أن يكون واصل في تلك السن المبكرة قد اشتهر وعُرف في المجالات العلمية. (المؤلف)
-308 - (1/336)
صفحة 337
وبعد أن شرح فلسفة الإباضية في القدر يقول:
وعن هذه الفلسفة كان الإباضية ينافحون ويكافحون، ضدَّ الفرقتين (1) الضالتين اللتين أحدثنا بدعة الجبر وبدعة خلق الأفعال. فأنت ترى أن المذهبين، حادثان، وأن فلسفة الإباضية أقدم منها، وهي متمسكة بالأصل الذي سبق الإجماع عليه. وأما بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصي العملية كلها شركاً يحل بها الدم والمال وسبي الذريَّة فإنها مُحدثة كذلك. وكان جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أكبر تلامذته وعبد الله من بن إباض وغيرهم من أتباع جابر يناظرون الخوارج. وقد نقلنا ـ فيما نقلناه لك قبل ـ قول صاحب الـ» في
عبد
-
الله بن إباض: «وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم. وفي السير أيضا ص 76: قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: "أليس قد حرَّم الله دماء المسلمين بديانته؟ [ ... إلخ] فأنت ترى أن جابرا سبق
هذه الفرق وكان يناظرها، وسلك تلامذته طريقته هذه في المناظرة في حياته وبعد وفاته». [اهـ]
ثُمَّ عدد عرض الموضوع خلق القرآن؛ فشرح رأي الإباضية في الموضوع بإيجاز ووضوح ثُمَّ قال: «وبناءً على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل قضايا العقائد». انتهى المقصود منه.
-
1 ـــ يعني بقوله: «الفرقتين»؛ فرقة الجهمية وفرقة المعتزلة، اللتين كانتا على طرفي نقيض في المسألة، كما يُفهم من عبارة: بدعة الجبر وبدعة خلق الأفعال». (المحقق).
- 309 -
22 (1/337)
صفحة 338
ويسرني في ختام هذا الفصل أن أذكر بالثناء الجم هذا المجهود القيم الذي
بذله المستشرق الكبير نلينو في هذا البحث الذي كان يهدف منه
-
—
فيما يبدو
إلى كشف علمي محض، ولا يضير هذا المجهود القيم أننا نختلف معه في
بعض الكليات أو الجزئيات، أو وجهات النظر، وأن ما كان
هو
مقتنعًا
به
ويراه حجة لم نقتنع نحن به ونراه شُبهة تتضاءل عند المناقشة والبحث، فإن الإخلاص العلمي في البحث والتجرد له كفيل بأن يبعث على الشكر والتقدير. وهذا ما بدا لنا في أسلوب نلينو وهو يُعالج هذه القضية، فنحن
نشكره على المجهود القيم، ونختلف معه في افتراضاته ونتائجه.
- 310 - (1/338)
صفحة 339
اللقاء
بين
الإباضية وأهل السنة)
إن المسائل التي لخصها المستشرق نيلينو في نقاط ثُمَّ ذكرها سبع
وزعم
أن
كنماذج للخلاف والتباعد بين الإباضية وأهل السنة، الإباضية فيها قد تأثروا بالمعتزلة أو استمدوها منهم، هي في الواقع مسائل أخذت كثيرًا من الجهد والوقت بين علماء المسلمين كافة بمذاهبهم المختلفة، وقد جرى فيها النقاش الدقيق بين علماء المذهب الواحد كما جرى بين المذاهب المختلفة.
يسر
ومحاولة تصوير المذاهب الإسلامية كمعسكرات متناحرة محاولة لها المستشرقون كثيرًا ويعملون على تركيزها، وقد ساعدهم على ذلك بعض السطحيين من علماء المسلمين في القديم والحديث، وبمثل هذا صارت تلك المسائل بمثابة الشعارات التي يرفعها أصحاب المذاهب، وكان المتعلمون في المراحل الأولى من الطلب، وأشباه العلماء من محبي الظهور يجدون فيها وسائل طيِّبةً ومساعدة على الجدل والشغب والشهرة وحب
-
1 ـ قال الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه إسلام بلا مذاهب» طبعة دار النهضة العربية، ص: 349 ما يلي:
«على أن الشيء الجدير بالمعرفة والاعتبار أن هؤلاء الأئمة ممن ذكرنا لم يُعرفوا في زمانهم أو بعده بعدة قرون باسم أئمة أهل السنة، وإنما كانوا أئمة لعامة المسلمين، إلا من رأى غير رأيهم. ذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري، أي بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل ــ بحوالي أربعة قرون». (المؤلف)
- 311 - (1/339)
صفحة 340
-
الظهور، تماماً كما يجد العوام وأشباه العوام في بعض الخلافات الفقهية العملية - كرفع الأيدي عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، وقراءة البسملة في أوَّل الفاتحة - وسيلة لإظهار المعرفة وبيان شدَّة التمسك بالدين والمحافظة على السنة.
فإذا ارتفعنا عن هذه المستويات قليلاً إلى مستوى أهل العلم وأصحاب التحقيق وجدنا هذه المسائل تدور فيما بينهم على طرفين متطرفين، ووسط معتدل يلتقي عليه المذهبان، ولعل أولئك العلماء الذين يتكون منهم الطرف المعتدل هم المحققون حقيقة، وأن الطرفين المتطرفين قد أثرت عليهما مؤثرات ذهبت بهما إلى حيث انفتحت بسببهما بين صفوف الأمة ثغرة وَجَد فيها أصحاب المصالح الخاصة من المسلمين وغيرهم مدخلاً لشق العصا وتفريق الكلمة.
وبقطع النظر عما إذا كان الإباضية تأثروا في النقاط السابقة بالمعتزلة أو لم يتأثروا بهم، وهل هم يتفقون فيها يتفقون فيها معهم كل الاتفاق، أو يختلفون اختلافاً جزئياً أو كليا، فإني أحب أن أعرض في هذا الفصل على القارئ الكريم وجوه اللقاء بين الإباضية وأهل السنة في هذه المسائل نفسها. وسوف نعرضها في إيجاز شديد نقطة نقطة. كما ذكرها
نلينو ـ فيما يلي:
1 - القرآن مخلوق أو قديم:
-
بدأ الشغب حول هذه الكلمة حين أثارها أبو شاكر الديصاني
حسب ما يقول بعض أصحاب المقالات؛ فقال بعض الناس عنه
إنه
-312 - (1/340)
صفحة 341
مخلوق، وقال آخرون غير مخلوق أو قديم، واشتد الجدل بين الطرفين، فتطرف جانب حتَّى زعم أن المصاحف والحروف قديمة، وتطرف الجانب الآخر حتَّى نفى صفة الكلام عن الله تبارك وتعالى، وكان بين مجموعة الآراء آراء تقترب من هنا أو هناك. من
وقد انتهى المحققون من الإباضية وأهل السنة إلى معرفة ما ينبغي أن يُوصف بالقديم وما ينبغي أن يوصف بالحدوث؛ فأثبتوا الله تبارك وتعالى صفة الكلام وقالوا هي صفة ذات كالسمع والبصر والعلم. وعبر عنها بعضهم بالكلام النفسي، وما عدا ذلك فهو حادث. وظهر لهم أن الخلاف خلاف لفظي - إذا أهملنا جانبي التطرُّف. وزيادة على هذا اللقاء
بينهم
11
عن
على مستوى التحقيق فإن من علماء أهل السنة من يقول دون تحرُّج أو احتراز القرآن مخلوق؛ فقد ذكر الخطيب البغدادي من طرق متعددة أبي يو يوسف أن أبا حنيفة كان يقول: «القرآن مخلوق». أما أبو منصور الماتريدي فقد كان يقول إنه مُحدّث ولم يُحفظ عنه أنه قال مخلوق. وقد كان ابن النَّظر العُماني من أئمة الإباضية يقول: «إن القرآن غير مخلوق» وأنكر إنكارًا شديدًا على من يقول بخلق القرآن، وذهب أئمة الإباضيَّة أن هذه المسألة ليست من الأصول، وقال أبو
القطب من إسحاق اطفيش إن الخلاف فيها لفظي.
التي
وهذا القدر كاف للدلالة على اللقاء بين المذهبين في هذه المشكلة أخذت جهدًا غير قليل من علماء الأمة، واعتبار الخلاف فيها خلافا لفظيا حين حين تُجرَّدُ من أطراف التطرف والعصبية. ويكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع هي أن الله تبارك وتعالى سميع
-313 - (1/341)
صفحة 342
بصير متكلم، وأن القرآن الكريم كلام الله عزَّ وجل أنزله على رسوله.
2 - هل رؤية البارئ جل وعلا في الآخرة ممكنة؟:
أحسب أن ما وقع في مشكلة الرؤية هو نفسه ما وقع في مشكلة الكلام" ـ وإن كانت مشكلة الرؤية قد أثيرت قبل مشكلة الكلام ـــ
-
-
فقد كان فيها أيضا طرفان متطرفان ووسط معتدل هو مكان اللقاء بين المذهبين؛ وذلك أن طرف الإثبات يبالغ حتّى يصل به التطرُّف إلى حد التشبيه والتمثيل والتحديد، وطرف النفي يبالغ حتّى يصل به التطرف إلى حد نفي حصول كمال العلم، وبينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاء كاملاً أو لقاء متقاربا؛ وهذه الصورة تتمثل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة من أن الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى، وعبر عنها آخرون منهم بأن كمال العلم، واختلفت تعابير الكثير منهم
بحاسة سادسة هي
الرؤية تقع ولكنها تتلاقى في النهاية على نفي كامل للصورة التي يتخيلها الإنسان؛ صورة راء ومرئي وما تستلزمه من حدود وتشبيه، وتتفق في النهاية على الابتعاد عما يُشعر بأي تشبيه في أي مراتبه، وبالمحدودية في كلّ
أشكالها. ومنهم من
التجأ - لكي لا يصطدم بنصوص النفي والإثبات
-
-
إلى أن هذا
أحوال من
يوم
القيامة وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر
الذي جاءت به النصوص.
والمعتدلون من الإباضية لا يمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال
العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخيلة عند الناس، فإذا كانت
-314 - (1/342)
صفحة 343
هنالك حالة لا تدخل تحت هذه القيود ولا تؤدي إلى التحديد أو التشبيه، وإنما هي شيء يشبه ما يقوله بعضهم من حصول كمال العلم فلا مانع ذلك. يضاف إلى هذا اللقاء العام أن الإمام الغزالي يميل في أغلب كتبه من إلى نفي الرؤية مطلقا، ومنطلق الجميع في الواقع هو الفرار من التشبيه؛ فالمتطرفون من الإباضية يفرون من كلّ ما يوهم التشبيه ولو بتأويل بعيد فرارًا شديدا، ويكتفي المتطرفون من أهل السنة بنفي التشبيه بالنفي القولي وإن دلّت عليه ألفاظهم وأدَّت إليه تعابيرهم وأحسب أن اعتقاد التنزيه والفرار من التشبيه ثُمَّ التماس الحلول التي تلتقي عليها النظرتان في إيضاح
مدلول النصوص المتعارضة في الظاهر هو مقدار كاف للدلالة على المذهبين ملتقيان لقاء قريبا يمكن أن يُعتبر به كلاهما نابعاً من نفس الاتجاه الذي نبع منه الآخر.
3 - معنى الميزان والصراط:
هذه مسألة
من المسائل التي استنفدت جهدًا ووقتا، ووصل بها التحدّي إلى صُور تكاد تكون هزلية أو بهلوانية، يُصرُّ فيها بعض الناس أن يكون الميزان يوم القيامة ذا كفتين ولسان، ثُمَّ يحتار كيف يقع الوزن فيذهب في التصور شوطًا بعيدًا، ويُصرُّ بعضُهم أن يكون الصراط جسراً فوق جهنم، وأن يكون أرق من الشعرة وأحد من السيف، ثم يتسابق الناس عليه فمن وقع منهم كان مصيره إلى النار، وهم في سباقهم هذا
بحسب أعمالهم.
أحسب أن هذا التصور يجب أن يُزاح اليوم، وإذا كان العلم البشري منذ ذلك العهد إلى هذا العهد قد اكتشف أنواعًا من الموازين والمقاييس لم
- 315 - (1/343)
صفحة 344
يبلغ إليها خيال المتخيلين في ذلك العصر، وأنه يصور البحث عن مقاييس للذكاء والعقل وما إلى ذلك، فكيف للإنسان اليوم أن يصف موازين الله لأعمال الإنسان يوم القيامة؟ إن كلاً من الإباضية وأهل السنة مؤمنُون أن الله سبحانه وتعالى يوم الجزاء يفصل بين عباده، وأن قوله تعالى الفصل، ووزنه الحقُّ، وحُكمه العدل؛ ويكفي هذا لقاء بينهما .. 4 - تأويل ما يفهم التشبيه:
هذه النقطة أصبح أغلب أهل السنة من الأشعرية والماتريدية يقولون فيها بما يقول به الإباضية واللقاء بينهما فيها تام، وكلهم يرى أن كل كلمة وردت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة تُشعر بالتشبيه يجب أن تُؤوّل بما يؤدِّي المعنى ولا يدل على التشبيه.
5 - مرتكب الكبائر:
يقول الأستاذ علي مصطفي الغوابي في كتابه «تاريخ الفرق» ص: 89
ما يلي: «أ
- الخوارج تقول إن مرتكب الكبيرة مع فسقه وفجوره كافر.
ب - المرجئة تقول هو مع فسقه وفجوره مؤمن.
فاسق.
ج - الشيعة تقول هو مع فسقه وفجوره فام
د-
الحسن البصري يقول هو مع فسقه وفجوره مُنافق.» [اهـ].
هذا ما يقوله الأستاذ الغوابي ويبدو لي أنه لم يذكر أهل السنة لأنه يرى أنهم يدخلون في قسم المرجئة، ولم يذكر الإباضية لأنه
-316 - (1/344)
صفحة 345
يرى أنهم يدخلون في قسم الخوارج، ولكن الواقع ليس كذلك؛ فأهلُ السنة ليسوا مرجئة، والإباضية ليسوا خوارج، لأن أهل السنة لا يذهبون إلى ما ذهبت إليه المرجئة من قولهم لا تضرُّ مع الإيمان معصية»؛ بل إن الماتريدية منهم يرون كما يرى الإباضية أن «الوعيد لا يتخلف كما لا يتخلف الوعد»، ولأن الإباضية لا يرون رأي الخوارج وإنما يرون رأي الحسن البصري، فيعتبرون مرتكب الكبيرة منافقا وليس مشركا. وهنا يلتقي الإباضية وأهل السنة لقاء كاملاً بقطع النظر عن التسميات ـــ فيتّفقون جميعا أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب يدخل النار،
-
أما معاملته في الدنيا فهي لا تختلف عن غيره من المسلمين. فاللقاء
هذه النقطة بينهما كامل.
6 - عذاب النار أبدي:
في
هذه قضيَّة متفرعة عن القضيَّة السابقة، وقد جرى فيها جدل كثير وجنح الإمام الغزالي إلى جانب الخلود، وقال قطب الأئمة من الإباضية في رسالته إزالة الاعتراض»: «إن خلود الموحد وعدمه ليس من الأصول التي يكون بها تفسيق معتقد أحدهما». [اهـ]
ويكفي هذا لقاء بين المذهبين.
7 - صفات الله ليست زائدة على ذاته:
موضوع الصفات من أهم المواضيع التي جرى فيها النقاش الكثير والجدل المتواصل؛ فبينما يقول بعض الأشاعرة إن صفات الله تبارك وتعالى غير ذاته، يقول الماتريدية من أهل السنة إن الصفات ليست شيئا غير الذات، فهى
- 317 - (1/345)
صفحة 346
ليست صفات قائمة
بذاتها
ولا منفكة.
الذات، فليس لها كينونة مستقلة عن
عن
الذات، وهذا هو ما يقوله الإباضية في الصفات أيضا، وربما يلتقي الإباضية والماتريدية في هذه المسألة حتّى في التعبير واختيار الكلمة، وهناك من الأشاعرة من يقول بقول الإباضية في بعض الصفات؛ كالوجود والبقاء، ومنهم من يقول بذلك في جميع الصفات، ولعلّ الإمام الغزالي يميل إلى هذا الجانب. أحسب أن هذا المقدار يكفي في اللقاء بين أهل السنة والإباضية في موضوع الصفات.
8 - القدر:
يبدو
أنه لا خلاف بين الإباضية وأهل السنة في موضوع القدر،
وأن المستشرق نلينو مقتنع بذلك.
بعد هذا العرض الموجز أريد أن أقول إن المنتسبين إلى أهل السنة عدد كبير من الفرق الإسلامية، وهي تختلف اختلافا بينا في جميع هذه المشاكل، وفيها متطرفون إلى كلا الجانبين؛ فمنهم من يتطرف إلى التشبيه أو قريب منه، ومنهم من يتطرف إلى الجانب الثاني حتّى يكاد يكون صدى للمعتزلة، ولعل الظاهرية وبعض المتشددين من الحنابلة والقيميين (1) يمثلون الجانب الأول؛ الجانب المحافظ أو الجاحد ــ إن أبحنا لأنفسنا أن نستعمل هذا التعبير ـــ ولعل الماتريدية والإمام الغزالي يمثلون الجانب المتحرر.
والإباضية في جميع المسائل السابقة يلتقون مع بعض الأئمة أو الفرق من هؤلاء؛ فلو أردنا التفصيل لقلنا إنهم يلتقون مع الأغلبية المطلقة في تأويل المتشابه والقدر، ويلتقون مع الكثير في الصفات ومرتكب الكبائر، ويلتقون مع بعض الأئمة في صفة الكلام القرآن مخلوق أو غير مخلوق) والرؤية، والخلود.
1 - نسبة إلى ابن القيم فيما يبدو. (المحقق)
- 318 - (1/346)
صفحة 347
وأعني باللقاء أن أحد الفرقتين تقول بنفس ما تقول به الأخرى أحيانًا،
وتختلف عنها أحيانًا في الإجمال وتلتقي في التفصيل، وتختلف عنها أحيانا في المشهور، ويوجد في إحدى الطائفتين علماء يميلون إلى ما تقول به الطائفة الأخرى في كثير من الأوقات، ولن تجد عند التحقيق انقطاعاً كاملاً بينها أبدا في جميع المسائل، اللهم إلا إذا سلكت مسلك المتطرفين أحد من الفريقين، ولا شك أن هذه المقارنة يمكن أن تجري أيضًا مع أهل السنة والمعتزلة أو مع الإباضية والمعتزلة، وربما يكون فيها اللقاء مثل هذا أو قريبا هذا؛ فإن جميع هذه الفرق إنما تصدر عن منبع واحد هو كتاب الله وسنة رسوله، رغم ما يقوله القائلون في الخلاف، ورغم ما أدى إليه الاجتهاد بسبب اختلاف الفهم والاقتناع بمنطقية الدليل.
من
-319 - (1/347)
صفحة 348
[صفحة فارغة] (1/348)
صفحة 349
IV
فرق و امراء للإباضية
فرق الإباضية:
النكار
النفائيَّة.
الخلفية.
الحسينيّة.
السكاكية.
الفرثية.
آراء للإباضية:
رأى الإباضية في الصحابة.
الحكم في نظر الإباضية.
حكم الدار.
التعامل بين المتخالفين.
المنزلة بين المنزلتين.
مسائل فقهية اجتهادية.
خلاصة آراء الإباضية. (1/349)
صفحة 350
[صفحة فارغة] (1/350)
صفحة 351
IV
فرق وآراء للإباضية
عندما كنا نستعرض ما ينسبه كتاب المقالات إلى الإباضية في الفصول السابقة كانت تمرُّ بنا أسماء فرق تُنسب إلى الإباضية وهي ليست منهم، وكانت تمرُّ بنا أقوال لا يقول بها مسلم، وكانت تمر بنا أقوال يقول بما بعض المسلمين ولكنها ليست من أقوال الإباضية، وكانت تمر بنا مقالاتٌ مِمَّا يقول به بعض الإباضية ويعتقدونه في الأصول أو الفروع. وقد ناقشنا بعض تلك الفصول، وأوضحنا هناك الفرق التي ليست من
الإباضية ولا تربطها بها، علاقة كما أوضحنا هناك ما يتفق مع الإباضية وآرائهم وما لا يتفق.
عقائد
وقد رأيتُ في هذا القسم من الكتاب أن أذكر الفرق الحقيقية التي انفصلت عن الإباضية، والمقالات التي خالفت فيها، وأسماء أئمتها أو زعمائها، كما رأيت أن من المسائل التي عرض لها الكتاب مسائل تحتاج إلى شيء من الإسهاب في الشرح؛ فرأيتُ أن أعقد لها فصولاً خاصة بها، وفي هذا القسم سوف تجد تلك الفصول
كما يلي:
1 ـ فرق الإباضية.
-
2 آراء الإباضية في الصحابة.
- 321 - (1/351)
صفحة 352
-3 - آراء الإباضية في الحكم.
4 ـ آراء الإباضية في الدار.
-
5 ـ معاملة المخالفين في المذهب.
6 ـ المنزلة بين المنزلتين، وأن لا منزلة بين المنزلتين.
7 ـ مسائل فقهية اجتهادية.
8 - خلاصة آراء الإباضية.
-322 - (1/352)
صفحة 353
فرق الإباضية
لقد كتبت هذا العنوان وأنا متردّد، لأنه لا يؤدي المعنى الذي أقصده منه أداء كاملاً، ذلك أن الخلاف بين الناس في أمور الدين وفي أمور الدنيا شيء طبيعي، مادامت الأفهام والمدارك والعقول تختلف من شخص إلى شخص، ولكن من الطبيعي أيضا أنه ليس كل خلاف شقاقا، وأنه ليس كل مجموعة خالفت في شيء تعتبر منشقة، ثم إن من خالفت حتَّى انشقت واتَّخذت لنفسها خصائص و مميزات صارت فرقة مستقلة يجب أن تحمل اسمها الخاص بها.
وإذا كان علماء الأمة الإسلامية ـ في عمومها ــــ قد اختلفوا
--
اختلافات كثيرة نشأت عن بعضها المذاهب والفرق، فمن الطبيعي أيضا أن يختلف علماء الفرقة الواحدة، وأن يتعدد هذا الخلاف. ولستُ أذكر مذهباً واحداً قد اتَّفق علماؤُه وأئمته اتفاقا كاملاً في جميع المشاكل والقضايا، بل إن الذي أذكره أنه كانت تمر بي أثناء مطالعاتي المختلفة خلافات حادة بين عدد من العلماء في المذهب الواحد، يصل فيها النقاش إلى درجة العنف والقسوة، ولكنَّ أحدهما لا يجسر أن يقول إن الثاني خرج عن المذهب وإنه كوَّن فرقة، أو إنه رئيس أو إمام لفرقة.
والمذهب الإباضي ليس بدءًا من المذاهب الإسلامية، فقد كان الخلاف يقع بين العلماء فيتناقشون فيه، ويستطيع بعضهم أن يُقنع بعضاً، وقد يُصرُّ كلُّ واحد منهم على رأيه، وقد يخالف أحد العلماء ممن سبقه
في فتوى فينتج عن كل ذلك تعدد الأقوال في المسألة الواحدة.
- 323 -
23
223 (1/353)
صفحة 354
ومن العسير أن يحدد الباحث الخلاف الأوَّل عند الإباضية، أو المسألة الأولى التي اختلفوا فيها، ولكنه يستطيع أن يجزم أن الخلاف داخل المذهب قد كان يقع منذ تكوينه؛ فقد خُولف جابر بن زيد في مسائل جرى العمل فيها بغير، فتواه كما خُولف الإمام مالك في مسائل يجري العمل فيها بغير فتواه. ويستنتج من كتب الإباضية في التاريخ ومن كتب مقالاتهم أن أوَّل خلاف جدي وقع بين الإباضية كان في عهد الإمام أبي عبيدة.
كانت مسألة القدر في ذلك الحين هي مشغلة العقول والأفهام عند العلماء والمتكلمين، وكان الإباضية يقفون منها موقفا مناهضا للمعتزلة، وكان من زملاء أبي عبيدة: حمزة الكوفي، وعطية، وغيلان؛ فقالوا بالقدر، وحاول أبو عبيدة وأصحابه إقناعهم بأنهم أخطؤوا، وعليهم أن يتوبوا، فلم يقتنعوا، واستمسكوا بعقيدتهم، فلما يئس منهم الإمام أبو عبيدة منهم، وأمر أصحابه أن يتبرؤوا منهم، وأن يُبعدوهم عن مجالسهم خوفًا أن يؤثروا على العوام، وانقطعت الصلة بينهم وبين الإباضية منذ ذلك الحين، ولعلّهم انضموا إلى بعض فرق المعتزلة، ولم يعد يتحدث عنهم أحد من الإباضية كأفراد من الإباضية ولم يعتبروهم أئمة لفرقة مستقلة أو داخلة حلة تحت فرق أكبر.
تبرا
منهم
بعد هذا الخلاف مع الإمام أبي عبيدة، خالفه جماعة من طلابه هم:
بن عبد
سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن معروف، وعبد الله العزيز، وأبو المؤرّج عمرو بن محمد السدوسي؛ فناقشهم في مقالاتهم، واستطاع إقناعهم، ولمَّا تُوفّي الإمامُ أبو عبيدة خالفوا الربيع بن وقد كان زميلهم في الدراسة على أبي عبيدة، وحاول
-
-
-324 - (1/354)
صفحة 355
الربيع إقناعهم بأنَّهم أخطؤوا فيما ذهبوا إليه، كما أقنعهم أستاذهم أبو عبيدة فلم يتمكن، فأعلن الربيع - وهو إمام الإباضية في ذلك الحين ومرجعهم بعد أبي عبيدة - خلافهُم للجمهور، فعوملوا بنوع من
البرود والهجران.
وقد اختلفت مواقفهم، فأما شُعيب فقد انتقل إلى مصر وكون لنفسه هناك شُهرةً داوية بين الإباضية، وسيكون له فيما بعد أدوار سوف نتحدث عنها في مكانها. وأما سهل بن صالح فقد اختفى في زحمة التاريخ فلم أعرف عنه شيئًا فيما بعد. وأما ابن عبد العزيز وأبو المؤرج فقد استطاعا ـ رغم العلاقات التي يشوبها البرود والتوتر بينهما وبين أهل الدعوة ـ أن يحتفظا بمركز علمي مرموق، وأن يحتفظا بثقة الإباضية فيهما رغم خلافهما، ولعلنا نستطيع أن تعطي لهما صورة واضحة ونضعهما في إطارهما الصحيح حين ننقل للقارئ الكريم الكلمات الآتية قيلت عنهما في مناسبات متباعدة.
-
—
قال الإمام أفلح - وقد سئل عن أبي المؤرج وابن عبد العزيز:
-
وقعت منهم مسائل معروفة، فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل، وأما غيرُها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبيء واختلاف فقهائنا فلا يُدفع إسنادهم، وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين، وأما البراءة قال لم يكن عند المسلمين يعني ابن عبد العزيز ـ محمودا، وهو إلى
-
—
-325 - (1/355)
صفحة 356
البراءة أقرب» (1). انتهى جواب الإمام أفلح (2). وقال عنهما أبو العباس الشماخي في السير:
من
ه ينبغي أن نذكر من خالف الربيع في بعض المسائل، وإن كان خانمه لا يتلفت إليه، لأن لهم أقولاً في الفقه وأسانيد يأخذ بها
أصحابنا» [اهـ] (3).
وقال عنهما نور الدين السالمي في الجزء الأول من شرح المسند ما يلي:
وخالف الربيع رحمه الله تعالى في زمانه في بعض المسائل: سهل بن
صالح، وأبو المعروف شعيب
معروف، وعبد بن
الله
بن عبد العزيز، وأبو
المؤرّج، وحمزة الكوفي وعطية، وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر، وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة، وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضًا، لكنهم أظهروا التوبة فردَّهم المسلمون إلى المجالس، ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم، وطردوهم من مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين، وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها قول
1 ـ قال الدكتور الناجي: «هذه الكلمة لم يقلها الإمام أفلح في عبد الله بن عبد العزيز هذا، وإنما قالها في شخص آخر، على هذا فيقتصر رأي أفلح على الفقرة الأولى، وهي أقرب إلى الرضا». (المؤلف)
2 أورده الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد في كتابه «السير». طبع بإشراف محمد بن
يوسف الباروني النفوسي وشركائه، طبعة أولى. (د. ت. ن). ص: 119. (المحقق)
3 ـ المصدر نفسه. الصفحة نفسها.
-326 - (1/356)
صفحة 357
المسلمين، ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا» [اهـ] (1). وبالتأمل فيما نقلته لك تجد أن الأئمة الثلاثة يتكلمون عن عبد الله وأبي المؤرج بكثير من الرفق أو اللين، أو إن شئت فقل باحترام، ولم يصرح
أحدهم بالبراءة رغم أن الإمام أفلح - وكان شبه معاصر لهم ـــ قال عن
-
أن
ابن
ابن عبد العزيز: «لم يكن عند المسلمين محمودًا وإنه إلى البراءة أقرب»، ولكنه لم يصرح بالبراءة منه، وقد أجمع أفلح والشماخي والسالمي عبد العزيز وأبا المؤرّج (2) ثقتان يؤخذ عنهما في غير المسائل التي خالفا فيها.
وقد ذكر أبو العباس الشماخي أنهم خالفوا في ثلاث مسائل هي: 1 - قالوا: صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة لا تصح. 2 - قالوا: أهل القبلة المتأولون بما يوهم التشبيه مُشركون. 3 - قالوا: المرأة التي يُعبث بها خارج المحلين لا تكون بذلك كافرة. ولكنني أعتقد أن المسائل التي وقع فيها الخلاف ربما كانت أكثر من هذه المسائل الثلاث.
والنتيجة التي أردتُ أن أنتهي إليها من هذا النقاش أن ذلك الخلاف الذي وقع في عهد أبي عبيدة مسلم وكذلك الخلاف الذي وقع في عهد الربيع، لم ينبن عليه تكون فرقة منشقة عن الإباضية تابعة لها في
1 ـ السالمي عبد الله بن حميد: «شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب». مطبعة الأزهار البارونية. القاهرة 1326 هـ. ج 1. ص: 05. 2 ذكرهما أبو عمرو عثمان بن خليفة السُّوفي مع النكار وذكر لهم نحو عشرين مسألة خالفوا فيها، ربما كانت هي ما اجتمع لدى النار على مدى طويل، وأنا
لا أحسبهما من النكار، ولا أعدُّهما في الفرق المخالفة. (المؤلف)
-327 - (1/357)
صفحة 358
الأصول العامة فيقال فيها فرقة من الإباضية، ولا فرقة مستقلة داخلة في عموم فرق المسلمين، وإنما كلُّ ما في الأمر أن بعض أصحاب أبي عبيدة خالفوا في أصل هام من أصول الدين وهو القدر فأصبحوا غير إباضية والتحقوا بالفرق التي تقول بالقدر.
عن
-
ثُمَّ إن عددا آخر من تلاميذ أبي عبيدة خالفوا الجمهور في مسائل فأقصاهم الربيع بن حبيب - وهو عُمدة الإباضية بعد أبي عبيدة ــ عن مجالس أهل الدعوة، وعوملوا بنوع من الجفاء والقسوة، ولكنهم لم يخرجوا نطاق الإباضية - ما عدا شُعيبا، وسيأتي بيان السبب ــ وحسبت عليهم المسائل التي خالفوا فيها، وأخذ بقولهم وروايتهم في غير ذلك. وعن عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرّج روى أبو غانم بشر بن غانم الخرساني كتابه «المدونة»، وهي من الكتب المعتمدة عند الإباضية، وأبو غانم في الولاية بالاتفاق، بل إنهما من شيوخه الذين روى عنهم «المدونة» فقد رواها عن عدد كبير، ومن هذا يتضح أن الرجلين عالمان جليلان بلغا درجة الاجتهاد، وأنهما من الإباضية لم يخرجا عنها وإن خالفا بعض الأئمة في بعض المسائل فلا تزيد أن تكون أقوالهما أقوالاً للمذهب، وإذا شئنا أن نقسو عليهما نقول إنَّها أقوال شاذة أو ميتة أو متروكة أو غير معمول بها، ويوجد من هذا النمط عدد من العلماء ربما أشرنا إلى بعضهم وهم على كل حال أفراد داخل المذهب، وليسوا أئمةً لفرق ولا أتباعا لفرق.
وقد درج عدد من المؤرخين وكتاب المقالات ـ من غير الإباضية ــ أن ينسبوا إلى الإباضية عددا من الفرق لا علاقة لها بهم، كما اعتادوا كلهم على
-328 - (1/358)
صفحة 359
اعتبار الإباضية فرقة من الخوارج؛ وقد أوضحت في الفصول السابقة خطأ كل من النسبتين؛ نسبة الإباضية إلى الخوارج، ونسبة تلك الفرق إلى الإباضية.
الفرق
أما المؤرخون وكتاب المقالات من الإباضية فقد ذكروا عددا من
-
لي
غير الفرق السابقة
—
اعتبروها منشقة
عن الإباضية
وتناولوها هي وأئمتها بنوع من النقد العنيف الذي يبلغ في شدَّته حد
القسوة، وربَّما بلغ حد المبالغة أحيانًا.
وبين يدي الآن مجموعة من كتب الإباضية التي ناقشت موضوع الفرق التي انشقت عن الإباضية، وكلُّها تشير إلى أن الفرق التي انشقت عن الإباضية ست، وهي: النكارية، والنفاثية والخلفية والحسينية، والسكاكية، والفرثية، وكلُّ هذه الأسماء لم يذكرها كتاب المقالات الأقدمون الذين ناقشناهم فيما سبق كالأشعري ومن أخذ ممَّا يدلُّ أنهم كانوا حقا لا يعرفون الإباضية. ورغم أن مؤرّخي الإباضية وكتاب مقالاتهم يذكرون هذه الأسماء
عنه،
فأنا لا
كأسماء فرق من الإباضية وينسبون إليهم مقالات خاصة كم أوافقهم في كل ما قالوه، وأتردَّد في قبول بعض ما عرضوه، وسوف يتضح ذلك للقارئ أثناء الحديث عن هذه الفرق، ولعله قد آن الأوان لأن نستعرضها فرقةً فرقة، فإلى القارئ الكريم ما يتيسر لنا من ذلك:
1
النكار:
في سنة 171 هـ حدث حدث سياسي هام في المغرب الإسلامي في الدولة الرستمية، وذلك أن الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما أحس بدنُوِّ
- 329 - (1/359)
صفحة 360
الأجل ترك الأمر شورى بين سبعة من الناس من بينهم أبو قدامة يزيد بن فندين، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم). وبعد مشاورات وقع الاتفاق على بيعة عبد الوهاب، فكان ممن تقدم للبيعة أبو قدامة يزيد بن فندين، وقال حين هم بالبيعة: تبايع على ألا يقضي في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس، فأجابه عالم جليل من الحاضرين هو مسعود الأندلسي: لا نعرف شرطًا للبيعة إلا العمل بكتاب الله وسيرة السلف الصالحين. ولم يثر أي نقاش عن الموضوع، وتمت البيعة واستمرت الحياة، وكان أبو قدامة يعتقد في نفسه الكفاءة والقدرة على تولّي الأعمال، فانتظر فترة من الزمن لعله يُستشار في شيء أو يُكلف بعمل ما، فلم يحصل شيء من ذلك، فبدأ الشغب وزعم أن الإمامة باطلة لأنه لم ينفذ الشرط الذي شرطه، ووقع خلاف حاد بين الناس، فاقترح مقترحون أن تُرسل رسائل استفتاء في الموضوع إلى أئمة الإباضية في المشرق وعلى رأسهم الحافظ الربيع بن حبيب.
وكان أبو معروف شعيب بن معروف في مصر كما أشرنا إليه من قبل، فمرَّ به حملة الاستفتاء وأخبروه بخلاف ابن فندين وما عليه الوضع هناك، فطمع أن تتجه الأنظار إليه ويكون له المركز الأول في تاهرت“، وسافر على عجل واتَّصل أوَّل ما اتصل بالإمام كأنه يختبر الحال فعلم أنه لا مكان له هناك، وبعد حيرة وتردد انضم إلى ابن فندين، ثُمَّ أقنعه بسرعة التحرك لأنه يعلم أنّ الرسائل التي ستعود من الشرق سوف تكون مؤيدة للإمام وتُسبب في انفصال عدد غير قليل من أتباعهم عنهم.
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 330 - (1/360)
صفحة 361
وقام الرجلان بمحاولة عسكرية لقلب نظام الحكم ففشلت المحاولة، وذهب ابن فندين نفسه ضحيتها، وتفرق أغلب أتباعه. أما أبو المعروف فقد ارتحل إلى ليبيا لعله يستطيع أن يجمع أنصارا آخرين ويكون من هناك حركة مضادة. وكان الناس يُطلقون على ابن فندين وأتباعه في أيام نيجهم الأولى اسم «النكار» و «النكات» و «النجوية» و «الشعبية» ومهما يكن من الأمر فإن الحركة قد ضعفت سياسيا وعسكريا لا سيما في الجزائر، أما دينياً فلم يكن لها إلا مستندان هما:
أولاً: لا تصح إمامة المفضول مع وجود الفاضل.
ثانياً: تصح الإمامة بشروط إذا شرطها الناس عند البيعة، وتسقط لمخالفة تلك الشروط. وعلى هذين المستندين ارتكزوا في
دعواهم ببطلان صحة إمامة عبد الوهاب.
وبعد هذه الحركة توطدت أركان الإمامة واستقر الأمر للإمام عبد الوهاب بعد قليل من المناوشات الانتقامية تتمثل في اغتيالات فردية قام بها النكار.
أما أبو المعروف شعيب الذي استقر في ليبيا، فقد رأى أن يخرج بمجموعته من حيز الحركة السياسية المؤقتة إلى حركة دينية تعتمد أصولاً في الخلاف على جمهور الإباضية. وقد بدأ بناء مذهب النكار على المسائل التي اشترك في الخلاف بها مع ابن عبد العزيز وأبي المؤرج على الربيع بن حبيب، وأضاف إليها ملتقطات ممَّا كان يجري فيه الجدل بين طوائف المسلمين المختلفة مما يرفضه الإباضية. وهكذا أصبح النكار فرقة مستقلة
-331 - (1/361)
صفحة 362
لها مقالاتها في العقائد والأصول، ومع ذلك فقد بقيت تُطلق على نفسها اسم الإباضية، فوقعت مشاكل وشُبه فأضاف الإباضية الأصلاء إلى كلمة "الوهبية" تمييزا لهم عن النكار. وقد استطاع أبو معروف أن ينشر آراء فرقته في بعض أنحاء ليبيا والجنوب التونسي، ولكنه لم يستطع أن يتقدم بها إلى جبل نفوسة.
اسمهم
من
وبعد أقل من قرن رزقت هذه الحركة بدفعتين قويتين جدا؛ إحداهما الله الجانب الديني على يد عبد بن يزيد الفزاري)، أما الثانية فكانت على يد ذلك الزعيم الذي لا يعرف المستحيل، ولا يقف عند حد وهو أبو مخلد يزيد كيداد اليفرني (2)، الذي اشتهر بصاحب الحمار، والذي قام بن بحركته السياسية والعسكرية من أواخر القرن الثالث إلى نهاية الثلث الأول من القرن الرابع. وفي عهده تم لهذه الفرقة ما قالت به من مقالات سواء ما
- 1
الله عبد بن يزيد الفزاري، من علماء القرن الثالث الهجري، عاش في الكوفة، كان خرازا وشريكا لحكم ابن هشام، وكان يُلقي دروسه في محله ويُعَدُّ من المتكلمين. وهو الذي أظهر مقالات النكار وألف فيها كتباً متعددة. ذكر الدكتور النامي عثر على قطعة مخطوطة لأحدى مؤلفاته تحمل عنوان: «كتاب الردود». (المؤلف)
أنه
2 – أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني أمه أم ولد واسمها مُسيكة، وهي سودانية. نشأ فقيراً وعاش على إحسان الناس زمانًا وأظهر التدين أوَّلاً، ثُمَّ تذهب بمذهب النكار، ثار على محمد بن عبد الله المهدي في جهات طرابلس سنة 333 هـ، وأيده كثير من علماء المالكية في القيروان وحاربوا معه ودعوا إلى مناصرته، ثُمَّ تخلو عنه وانقلبوا ضده. وفي ثورته هذه احتل أغلب الجنوب التونسي ومنها قابس والقيروان، ثُمَّ حاصر المهدية عاصمة الدولة حينئذ، وكاد يستولي عليها ولكنه انهزم على أسوار المهدية، ثُمَّ سُلخ جلده ومُلئ تبنًا وعُلّق حتى انخرق وذرته الرياح. (المؤلف)
-332 - (1/362)
صفحة 363
استندت إليه من المسائل التي اختلف فيها الربيع وبعض أصحابه، أو ما أضافه إليها أبو المعروف شُعيب، أو جاءهم به عبد الله الفزاري.
أما أبو يزيد بن كيداد فقد كان يوجه نقده اللاذع إلى الدولة العبيدية، ويدعو إلى الخروج عنها، وقد التف حوله النكار، وخُدع به المالكيَّة أيضًا، فأيده كبار علمائهم ودَعوا الناس إلى مناصرته فقام بمغامراته المعروفة في التاريخ والتي أضاف فيها إلى مقالات النكار النظرية مقالات أخرى سلوكيَّة، بعضُها يُخالف الإباضية فقط وبعضها يخالف الإسلام في أصوله وجوهره.
أما الإباضية فقد كانوا يعرفونه منذ كان صغيرا، وقد برثُوا منه وهو لا يزال في حلقات الدروس تلميذا متعلما، ولكنه مشاغب مشاكس، ينحو إلى الخلاف ويرنو إلى الزعامة والتسلط فلما بدأ القيام بمغامراته لم يغتروا به كما اغتر به المالكية فلم ينضموا إليه، ولم ينصروه ووقفوا منه ومن خصومه موقف الحياد الكامل؛ ولذلك قال له أحد أتباعه: «لا تظن أن الوهبية خرجوا معك، فإنهم في مساجدهم، وإنما خرجنا معك نحن نشاركك في أكل هذه الميتة، فدع عندك ما تُحدث به نفسك، وإلا اقتتلنا قتال كلاب الحي. (وشرح أبو العباس هذه العبارة بقوله: يريد بالميتة الأموال التي كانوا
الدرجيني ينتهبونها» (1).
1 ـ الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد: «طبقات المشائخ بالمغرب». تح/ إبراهيم طلاي.
مطبعة البعث، قسنطينة. (د. ت. ن). ج 1. ص: 100.
-333 - (1/363)
صفحة 364
ولعل أعظم فترة لازدهار فرقة النكار كانت في هذه الفترة التي انتمى
فيها إليهم أبو يزيد بن كيداد فلما قتل أبو يزيد شرد العبيديون أتباعه في كل مكان، وانتقم منهم المالكية الذين اغتروا بهم وساعدوهم في أوَّل الأمر، ثُمَّ ندموا لما عرفوا حقيقة عقائدهم، ولم يسمح لهم الإباضية بالحياة في أراضيهم وبلدانهم خوفًا منهم على عقائد أبنائهم، وتتبعهم خصومهم من العبيديين والمالكية بالسيف ومن الإباضية بالمحاجة والإقناع وتعاونت هذه الوسائل كلها عليهم فانتهى أمرهم بعد زمن يسير. ولا يُوجد الآن أحد من الناس على مذهبهم فيما أعلم.
الخصائص
وملخص ما أريد أن أقوله أن هذه الفرقة التي سميت فرقة النكار، وقد كانت تُحسب ضمن فرق الإباضية قد أصبح لها من والميزات ما يجعلها تعتبر فرقةً مستقلة شأنها شأن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى، تربطها بالإباضية العلاقة العامة؛ علاقة الإسلام كما تربطها بسائر الفرق والمذاهب ولها عقائدها واجتهاداتها الخاصة.
وقد ذكر لها أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني نحوا من
مقالة عشرين
بين أصول وفروع، تختلف فيها جميعا عن الإباضية، منها أربع مقالات في مواضيع سياسية نتجت عن حركتهم وتكونها، وهي:
1 - الإمامة غير مفترضة.
2 - صلاة الجمعة غير جائزة وراء الأئمة الجورة.
3 – عطايا الملوك لا يحل أخذها.
4 - لا تجوز ولاية المفضول.
- 334 - (1/364)
صفحة 365
وقد كان أئمة الإباضية جميعًا ابتداء من جابر فما بعد يقولون إن
الإمامة فرضُ كفاية على الأمة المسلمة، وأن صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها ووُجدت شروطها، وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج وأضرابه، وكانوا يقولون إنه يحل أخذ العطاء من الملوك ما لم يؤد إلى حرام، وكان جابر يأخذ العطاء من عامل الحجاج، وكانوا يقولون إنه تجوز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، إذا وجدت في المفضول مزايا ترجّحه ليست للأفضل، وكان مع ذلك أهلاً لها.
ذكرتُ هذه النقط من خلافات النكار هنا على حدة، ليعرف القارئ الكريم أن أصل خلافهم إنما كان بدوافع سياسية، أما جملة
أقوالهم التي خالفوا فيها الإباضية ففي الإمكان تلخيصها
ذكرها أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني ــ كما يأتي:
1 - ألحدوا في الأسماء.
2 - قالوا إن ولاية الله وعداوته تتقلب بالأحوال.
3 - قالوا إن أسماء الله مخلوقة.
- قالوا إن الإمامة غير مفترضة.
5 - قالوا يجوز الانتقال من الولاية إلى الوقوف.
-
6 - قالوا حجة الله تقوم بالسماع وقد سمع الناس.
—
حسبما
7 - قالوا من لم تبلغه دعوة الإسلام ودعي إلى دين سماوي آخر لا
يجوز له أن يجيب.
-335 - (1/365)
صفحة 366
8 - قالوا صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمة الجور.
و - عطايا الملوك لا يحل أخذها.
10 - قالوا الله لم يأمر بالنوافل.
11 - قالوا يلزمنا العمل بالفرائض ولا يلزمنا العلم بما، ولا من معرفتها شيء.
12 - قالوا الحق في قول واحد مع واحد من المختلفين في النوازل التي يسع فيها الخلاف وقد ضاق على الناس خلاف الحق.
13 – قالوا الحرام المجهول حلال.
14 - قالوا يُدعى المشرك إلى الجملة وبراءة أحداث أهل الأهواء من
أهل القبلة.
15 - قالوا بالوقوف في الأطفال كلهم.
16 - قالوا يجوز شرب الخمر على التقية.
17 - قالوا لا تجوز إمامةً من ولي أمرَ المسلمين وفي المسلمين أفضلُ.
منه.
أخذ
18 - قالوا لا تقوم الحجة فيما يسع حتى يجتمع يسع حتَّى يجتمع المسلمون بأسرهم. 19 - قالوا لا كفر إلا فيما تُقطع عليه اليد وهو ربع دينار، ومن دونه ليس عليه شيء.
-
قالوا اللطمة والنظر بشهوة والقبلة ودخول الحمام بغير إزار
صغائر غير كبائر.
-336 - (1/366)
صفحة 367
2 - النفاثية:
يقول المؤرخون إن فرج بن نصر النفوسي المعروف بنفاث كان ذا فهم عجيب وذكاء غريب، واطلاع وإدراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها والتقط غرائب الفنون من معدنها مع زميله العلامة سعد بن أبي يونس النفوسي، وذلك عن الأئمة بتاهرت (1).
وكان نفات هذا من إحدى القرى الغربية من جبل نفوسة، ولعلها القرية المعروفة بنفاثة إلى الآن وهي في قمة جبل صعب المراقي، في سمت بلدة (تنزغت) من جهة الشرق الشمالي تلي بلدة (اجريجن) من جهة الشمال، وبينها وبين بلدة (تمزين) مسير خمس ساعات تقريبا إلى ناحية الغرب. وكان أبو يونس وسيم النفوسي والد سعد من تمزين، وقد ولاه الإمام عاملاً على (قنطرار) المعروفة عندنا الآن (بتيجي).
وما جاء في كتب التاريخ كلها يدل على أن نفانا وسعدا كانا زميلين في الدراسة وأنهما درسا على الأئمة، وأن نفائًا كان متفوقا في ذكائه ودراسته وتحصيله وأن سعدا كان متفوقا في دينه وخُلُقه واستقامته، غير أن ما ورد في رسائل الإمام أفلح يدلُّ أن نفاثا لم يدرس عندهم، فقد جاء في رسالته إليه قوله: «إذ لم موافقتك حتّى يجب لك على أصل ولاية» (2). وجاء في منشوره إلى عُمَّاله
أشاهدك ولم
أشاهد
1 - راجع «الأزهار الرياضية». تأليف الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني. مطبعة الأزهار البارونية، مصر. (د. ت. ن). ص: 195 فما بعد. (المؤلف)
2 المصدر نفسه، ص: 205. (المحقق)
-
-337 - (1/367)
صفحة 368
عن
نفات:
لم يبلغ العلماء فيقتبس منهم، ولم يصحب أهل الورع فتحجزه آثارهم عن الهجوم على ما لا علم له به، ولكنه نشأ وحيدا، وأقام متوحشا العلماء، فتقلب في جوانحه الشيطان بنفخاته فأورثه من الكبر» [اهـ] (1). كان نفاث معتدا بنفسه قويَّ الثقة في شخصيته، يعتقد أنه أهل لأن يتولى منصبا هاما في الدولة، ولعله كان يحلم بالولاية على الجبل أو قنطرار.
وذات يوم بلغ سعدا خبر وفاة والده فأخبر زميله نفائًا بذلك، ثُمَّ ذهب إلى الإمام يستأذنه في الرجوع إلى بلده بعد وفاة والده فأذن له الإمام، وأظهر نفاث أنه يعود مع سعد مواساة له ورعاية لحقوق الزمالة والجوار؛ وكانت نفسه تحدثه بأن أمر الولاية على قنطرار قد قرب بعد وفاة أبي يونس، ولاحظ أن الإمام سلّم لسعد رسالةً وأن سعدا لم يقل له عنها شيئًا، فتحين غفلة من سعد في الطريق واطلع على ما في الرسالة فوجد فيها أن الإمام قد ولى سعدًا على قنطرار مكان أبيه، فكانت له صدمة حزت في نفسه وملأت قلبه حقدًا على الإمام، وعندما وصلا إلى وطنهما. وكانا متجاورين، استقبلهما الناس بالترحاب وبدأ سعد في القيام بمهام أما نفاث فقد جعل يطعن على الإمام أفلح وينتقده في مجالسه الخاصة والعامة. وكان سعد لطيفا معه لم ينس له حق الزمالة فكان يلومه في رفق وينهاه في أدب، وكان هو الآخر يعامل سعدا بكثير من
منصبه
الأدب والاحترام، ولكنه كان لا يتوانى عن الطعن في الإمام.
-338 -
المصدر السابق. ص: 200. (المحقق)
1 (1/368)
صفحة 369
وبلغت تلك الطعون والانتقادات إلى الإمام عن غير طريق سعد فبعث الإمام يستقدمه ليناقشه فيما يزعم، فإن كان حقا فما أحرى الإمام باتباع الحق، وإن كان باطلاً فعلى نفاث أن يتوب منه أو تناله العقوبة، ولكن
ويبدو
نفانا خاف فلم يذهب إلى الإمام واستمر في سلوكه وكان يتردد على سعد ويساعده على بعض أعماله الخاصة فكان سعد يلومه على ملا من الناس قائلاً: متى تترك كفرك وضلالك يا نفاث؟ فيُجيبه: معاذ الله أن أكفر أو أضل يا شيخ وليس الشتم بعبادة يا شيخ! وكان سعد يرفق بنفاث من جهة، ويحب من جهة أخرى ألا يغتر الناس بقوله، ومن جهة ثالثة يريد أن يبلغ إلى الإمام عن غير الطرق الرسمية عدم موافقته لنفاث فيما يقوله. أن مطاعن نفاث أخذت تنتشر وتتَّسع وربما بصورة مبالغ فيها، حتَّى اهتم لها الولاة في جهات بعيدة، وأرسلوا إلى الإمام يخبرونه بها، فبعث الإمام منشوراً عاماً إلى جميع ولاته يحذرهم فيه من نفات وآرائه، ولكن نفاثا استمر، واستمرت الأخبار تصل إلى الإمام تباعا، ويبدو أن الولاة من جهات أخرى بعثوا مخبرين يتتبعون حر ركات وسكنات نفات ويخبرونهم بها أولاً بأول، وأن أولئك الولاة طلبوا من الإمام أن يهتم بالموضوع ويجعل له حدا، فبعث الإمام منشوراً آخر إلى جميع الولاة يأمرهم فيه بالبراءة من نفات و هجره، ومعاملته بالجفاء والعنف. ويبدوا أن هذا المنشور أثر تأثيرًا واضحًا على نفاث فأرسل رسالة إلى الإمام يحتج فيها، ويبدو أنها كانت بلهجة فيها عنفٌ وقسوة زادت من غضب الإمام عليه، فأجابه برسالة شديدة اللهجة قوية الحجة توحي بالتهديد، وأحس بشيء من الخطر فجمع ما لديه من مال ـ وكان غنيا ـ ثُمَّ سافر إلى
ـ
بعض
- 339 -
24 (1/369)
صفحة 370
متمكنا
في
الشرق وقصد بغداد وعاش في بغداد فترةً من الزمن اتصل فيها بجميع طبقات المجتمع ورأى كل الأوساط، ولمس عن قرب ما يجري في قصر الخلافة، وعرف عن تجربة سلوك أمير المؤمنين والحواشي المتزلفين من أهل السياسة وأهل العلم، ولم تعجبه الحياة في بغداد فقرر أن يعود إلى موطنه في جبل نفوسة، وعاد بالفعل فوجد الأمور مستقرة هادئة وأفلح الدولة، وسعدا ناجحا في إدارة الولاية فاستقر في بلده. واختلفت أقوال المؤرخين في سلوكه بعد رجوعه فقال بعضهم: إنَّه بقي يحمل نفس الآراء ولكنه آثر الصمت لأن السكوت أصلح له ومنهم من قال: إنه بعد له. رجوعه تاب ورجع عما خالف فيه وصلح حاله.
أما المسائل التي نُسبت إليه فهي كما يأتي:
1
-
إن الله هو الدهر، فلمَّا سُئل عن ذلك قال هكذا وجدته في
الدفتر، يعني
الكتاب المسمى بهذا الاسم.
2 - أنكر الخطبة في الجمعة، وقال إنها بدعة.
3 - أنكر على الإمام استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية
ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا.
4 - ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب. 5 - إن المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك، وعلى
من شهد مضرته تنجيته.
6 - إن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر.
7 - إن الإمام إذا لم يمنع رعيته من جور الجورة وظلمهم لا يحل
-
له أن يأخذ الحقوق التي جعل الله عليهم لضعفه عن الدفاع عنهم.
-340 - (1/370)
صفحة 371
8
من أعطى لعامل أفلح الزكاة فكمّن أعطاه لنوبار ملك
السودان.
و - أفلح غفل واتَّبع الصيد وضيّع أمور المسلمين. 10 - أفلح يزيد في خلقته وجهه، ذراع، ولحيته ذراع، وعمامته ذراع. وعند التأمل في المسائل السابقة يتضح أنها على ثلاثة أنواع وسوف تناقش كل نوع منها على حدة:
- النوع الأول: يتعلق بالتوحيد وهو قوله: «إن الله هو الدهر»، والواقع أن هذه النقطة يكتنفها الغموض من جميع جوانبها، فهي عبارة لا مدلول لها إلا إذا قصد به المعنى المجازي الذي ورد به الحديث الشريف في قوله: «لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله» (1)؟ بمعنى أن ما تنسبونه إلى التي لا تُعجبكم فتسُبُّونَه بسبها إِنَّما خلقها الله تبارك وتعالى، فأنتم عندما تسبون الدهر فكأنما تسبون خالقها وهو الله عزَّ وجل،
الدهر من
ولعله
الأحداث
روي الحديث وتحرَّج عن تأويله فلمَّا سُئل قال هكذا وجدته، على أن المقالة نُسبت إليه في غموض شبه متعمَّد، فقد نقلتها المصادر بعضها عن
بعض
بهذا الإبهام وهذا الجفاء، والروايات تقول إنه حين يُسأل عنها يُجيب
بأنه لا يدري وإنَّما هكذا وجدها في الدفتر، وهذا الكتاب المسمى بالدفتر مجهول، ومؤلّفه أيضا مجهول.
فهل في الإمكان أن تصدق أن شخصا في ذكاء نفاث وسعة اطلاعه وتعرضه لمناقشة خصوم أشداء أقوياء يعلن عن عقيدة تتعلق بأهم أصول
1 ـ رواه مسلم في صحيحه بلفظ: «فإن الله هو الدهر». كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها).
-
رقم 4169.
-341 - (1/371)
صفحة 372
التوحيد وهو لا يعرف معناها؟ ثم لا يقف عند هذا الحد وإنما يرفعها شعارا للخلاف والتحدي، فإذا نوقش فيها لم يجد ما يقول غير نسبتها إلى مصدرها، والمصدر مجهول الكتاب والمؤلف؟
كيف يقيم نفاث الحجة على خصومه بهذا؟، قد تقبل الدعوى لو أن الكتاب معروف، أو أن المؤلف معروف.
فأنت ترى أن أجزاء الصورة كلّها غير متماسكة لأن نفانا حسبما تصفه به كتب التاريخ ليس من النوع الذي يُعرض نفسه للجدل في مقام لا يملك فيه حجة، أو تكون الحجة عليه. ولذلك فأنا قبل أن أنسب إليه هذه المقالة هكذا على ما فيها من غموض وإبهام أضع بين عيني مجموعة من التحفظات والاحتمالات، وأعتقد أن إلغاء هذه المقالة من المقالات المنسوبة إليه أقرب من إثباتها عليه.
- النوع الثاني من المسائل التي خالف فيها وأخذت عليه فقهية فرعية: وهي التي تتعلق بميراث الأخ للأب، وبيع المضطر بالجوع، وشرط الفقد .. وأحسب أن الخلاف في هذا لا يصل إلى حد البراءة، وأقصى ما يبلغ إليه أنها أقوال شاذة أدَّى إليها اجتهاد من يحق له الاجتهاد، إن كان كما تصفه كتب التاريخ.
- النوع الثالث: - وهو أخطر الأنواع ـ خلاف سياسي يتعلق بإمامة ـــ ـ أفلح، أو في الواقع بشخص أفلح، والسبب فيه كما بيناه سابقا حقد شخصي نتيجة لخيبة الأمل التي أصابته، فقد كان يمنّي نفسه ويُعدُّها للولاية، فلما صُرفت عنه صب جام غضبه على الإمام، حتى بلغ حد الإسفاف عندما تجاوز
-342 - (1/372)
صفحة 373
نقد الأعمال إلى نقد خلقة الشخص نفسه كقوله: «إن وجهه ذراع، ولحيته
ذراع، وعمامته ذراع».
مضادة،
ويبدو لي من دراسة الأحداث أن نفائًا لم يكن رجل عمل وإنَّما كان رجل قول في نقده الشديد لسلوك أفلح وشخصه، فلم يكن يعمل لحركة ولا محاولة لقلب نظام الحكم أو لإبعاد أفلح عن الإمامة، إنَّه لم يكن يخطط لشيء من هذا وإنما كان شبه موتور امتلأ قلبه بالحقد فهو يخففه بالنقد اللاذع في المجالس الخاصة والعامة، وهو بذلك يخفّف
عن
نفسه ويظهر بمظهر الشجاعة أمام الناس حين ينتقد رئيس الدولة. وكان سعد يعرف حقيقة نفسه وحقيقة مشاعره، ولذلك لم يُكاتب (1) فيه الإمام ولم يتَّخذ معه موقف عنف، وإنما كان يلاطفه بل. ويستخدمه في حاجة نفسه التي يحسنها نفاث وكان نفاث يبذل له هذه
الخدمة، ويظهر لي لو أن الولاة البعداء – الذين لم يعرفوا نفاثا وإنما
-
-
تبلغهم عنه الأخبار - لو سلكوا مسلك سعد لتغير موقف الإمام مع نفاث ولتغير موقف نفاث أيضًا، ولما بلغ الحال إلى ما بلغ إليه، ولكن لما حرص أولئك الولاة على الكتابة إلى الإمام في شأنه، ودأبوا على تقصي أخباره بواسطة مخبرين سريين، وكان يصله ذلك تباعا، أرسل الإمام المناشير في شأنه ثُمَّ رسائل التهديد ويبدو أنه عزم على موقف من مواقف العنف وذلك لأنه كان يخشى من حركة نفاث كة نفاث حركة تشبه
1 - لا يُوجد في المصادر التي بين يدي ما يشير إلى أن سعد كتب إلى الإمام في موضوع نفاث، ولو كان في موقف نفاث شيء من الخطورة بأي معنى لاهتم له سعد قبل غيره ولكتب فيه إلى الإمام. (المؤلف)
-343 - (1/373)
صفحة 374
حركة ابن فندين، تقسم الأمَّة وتُورث الفُرقة، فأراد أن يجعل لذلك حدا بإيقاف نفاث عن الحركة قبل أن يبدأ العمل، وحذر منه العمال والرعيَّة، ثُمَّ أرسل إليه تهديدًا يملأ قلبه رعبًا ويمنعه من الاسترسال.
وهناك ملاحظة جانبية أريد أن أشير إليها؛ وذلك أن بقايا النكار لا يزالون موجودين متفرقين لا سيما في الجنوب التونسي في ذلك الحين، وكان يهمهم أن يحدث تصدع بين أئمة الدولة الرستمية وأي جانب آخر،
فلما علموا أن نفانا ناقم على أفلح سعوا بِكُلِّ جهدهم إلى توسيع الخلاف، ويسعدهم بطبيعة الحال لو أن الخلاف بلغ إلى درجة الانشقاق واستعمال السلاح، لعل ذلك يساعد على القضاء على الدولة الرستمية. ويفسر هذا قلقُ عامل الإمام على نفزاوة "يوسف بن ميَّال ومراسلته للإمام في هذا الشأن، واهتمامه بنفّاث حتّى بعث وراءه مُخبرًا سريا هو تحية بن عبدين، وبناءً على تحريات ابن عبدين هذا كان ابن ميال يُرسل أخبار نفاث إلى الإمام، مما يدل على أن هناك يدا خفية تروج الإشاعات وتوسعها وتوصلها، وإلا فلماذا يقلق عامل نفزاوة فيهتم للأمر هذا الاهتمام بينما عامل قنطرار الذي يعيش نفات تحت نظره ورعايته ومسؤوليته مطمئن لا يخاف لا على نفسه ولا على الدولة؟
والملخص من هذه الصورة التي وضعناها لنفاث وللأحداث المتصلة به: يتبين أن كتاب المقالات والمؤرخين أيضا بالغوا حين زعموا أن نفانًا إمامٌ
لفرقة، وبالغوا أيضا حين زعموا أن هناك فرقةً تسمى النفاثية، والواقع أنه ليس هناك فرقة بهذا الاسم، لا تحت العنوان العام (الاسلام) ولا تحت العنوان الخاص (الإباضية)، بحيث تُعتبر كتلة مستقلة بمبادئها وشعاراتها، وإنما
-344 - (1/374)
صفحة 375
كل ما في الأمر أن هناك رجلاً له موقفان؛ موقف فقهي اجتهد فيه في مسائل خالف فيها الجمهور، ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإباضية كثير وفي كل مذهب أيضا كثير، ويستطيع الباحث أن يضع كشوفا طويلة في كلِّ مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل، ولو جرينا على هذا
الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد. ويستطيع المتنطع الآن أن يُسمي الصالحية (1) والطفيشيَّة (2) والحمُّويَّة (3) والبيوضيَّة (4) وغيرها كثير، لأن لكل واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين، وهذا منطق غير مقبول؛ فهم مجتهدون داخل المذهب اجتهادا مطلقا، ويكفي هذا، وقد يكون الواحد منهم مجتهدا في المسألة نفسها فقط.
نفانا
الموقف الثاني موقف سياسي، وقد أوضحنا جوانبه وأسبابه، ولا شك أن جر على نفسه سخط الإباضية بموقفه هذا. ففي الوقت الذي يكاد يُجمع فيه الناس - الإباضية وغير الإباضية ــ على عظمة الإمام أفلح وعلو كعبه في العلم ـ حتى اعتبر من الأئمة ــ واشتهار عدالته ونزاهته، يأتي
-
-
ـ ـ
نفاث يصرخ منتقدا هذا الإمام العظيم، وحين لا يسمع له أحد كأنما يصيح في واد يخرج من البلد ثُمَّ يعود إليه وقد اقتنع بما رأى وسمع أنه كان على خطا.
2
1 - الصالحية" نسبة إلى الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي. انظر ملحق التراجم. (المحقق) الطفيشية" نسبة إلى القطب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش. انظر ملحق
""
التراجم. (المحقق)
3 الحموية" نسبة إلى الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى. انظر ملحق التراجم. (المحقق)
4 - البيوضية نسبة إلى الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر زعيم الحركة الإصلاحية بميزاب في القرن العشرين. انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 345 - (1/375)
صفحة 376
وعلى كل حال فهذا الموقف لا يزيد عن كل مواقف الساخطين على الأئمة وهم موجودون في كل زمان ومكان، ولعل مزيته أنه لم يبلغ به إلى
رفع السلاح.
والخلاصة
من هذا البحث كله أنه ليس هناك فرقة تسمى
-
النفاثية – رغم ما ذهب إليه المؤرخون وكتاب المقالات ونفاث عالم ذكي واسع الاطلاع، حاول أن يظهر أولاً بالمقدرة العلمية
فلم يستطع، ثُمَّ بالسياسية فتحطم.
3 - الخلفية:
جماعة
خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري، بويع جده. عبد الأعلى إماماً على ليبيا، فقام بأعباء الإمامة أحسن قيام حتَّى توفاه الله، وعُيِّن أبوه السمح واليا على جبل نفوسة للإمام عبد الوهاب، فقام بأعباء الولاية أحسن قيام حتى توفاه الله، فبادر من الناس وأسندوا إليه أمر الولاية دون انتظار إذن الإمام أو أمره، وقبل هو العمل وبدأ يتصرف تصرُّف الولاة. ولما بلغت الأحداث إلى تاهرت وفهم الإمام مجرى الأمور رأى أن لا يُقر هذه الخطوة، فبعث برسالة إلى خلف يلومه فيها على تسرعه، ويأمره باعتزال أمور الناس، وولى غيره على الجبل.
ذاق خلف حلاوة الأمر والنهي وأبهة السلطة، فلما بلغه أمر الإمام بالاعتزال رفض أن يستجيب له، بل رفض أن يعترف به، وأعلن أن الجبل حوزة مستقلة سيكون لها إمام مستقل، وأن تاهرت هي الأخرى حوزة
T'S
-346 - (1/376)
صفحة 377
مستقلة يكون لها إمامُها. وانضم إليه عدد كبير من الناس، وأصبحت له جيوش أكبر من جيوش الدولة في هذه الحوزة، وكانت بينهم مناوشات لم تلبث أن تحولت إلى معارك، ثُمَّ إلى حروب، وطالت الحروب في الجبل وكانت كفة خلف في الأوَّل أرجح، ثُمَّ صارتا متعادلتين، ثُمَّ بدأ جانب فصارت جيوشها تتقدم خطوة خطوة، وتحتل مواقعه موقعا
الدولة يرجح بعد موقع، حتّى انتهت المواقع وانتهى خلف أيضا.
والعجب من المؤرّخين وكتاب المقالات أن يتأثروا بالجانب السياسي هذا التأثر الكبير، فيعتبروا هؤلاء المقاتلين فرقة، ويعتبروا خلفا إماما لفرقة. ولو أنّ كلّ إنسان سخط على حكم ما فثار عليه وقاد مجموعة من الناس للقتال يُعتبر رئيسا لفرقة، وتعتبر مجموعته فرقة، لضاقت كُتب التاريخ عن تسمية الفرق، ولاستطعنا أن نعد مئات الفرق في الدولة الأموية، بالاضافة إلى من يسمى بالخوارج أو الشيعة، فيكون منها الصردية، والأشعثية أتباع سليمان بن صُرَد، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعت، وأمثالهما.
وملخص ما يقال في هذا البحث أن خلفا رجلٌ ثار على الحكم طمعا في الحكم، كما ثار آلاف الناس من أجل هذا الغرض. وليست الخلفية فرقة أصلا، فلا هي داخلة تحت العنوان العام، ولا تحت العنوان الخاص، ولا لها أي وجود. أما خلف فقد يكون زعيمًا سياسيا أو ثائراً أو خارجيًا أو ما شابه ذلك، ولكنَّه ليس إمامًا أو رئيسًا لفرقة من فرق الإباضية.
-347 - (1/377)
صفحة 378
4 - الحسينية:
أبو زياد أحمد بن الحسين الطرابلسي، عاش في القرن الثالث الهجري، وألف مجموعة من الكتب، حسبما يقول المؤرخون؛ لم أطلع على شيء منها. ونظراً لما يقوله عنه كتاب المقالات الإباضية فإن من فرقته تمتزج مع فرقة أخرى تسمى العمدية، ويبدو أن أصلهما كان واحدا، ولكنَّ أئمتهما اختلفوا فقال بعضُهم بمقالات تقترب من الإباضية، وقال آخرون بمقالات تقترب من المعتزلة، ولهم مقالات تبتعد عن جميع الأطراف. وقد ذكر لهم أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني عددًا من المقالات يمكن أن نلخصها فيما يلي:
1 - لا يشرك من أنكر سوى الله.
2 - حكموا بتشريك المتأوّلين المخطئين من أفراد الأمة. 3 - الحب والرضا والولاية والعداوة والبغض والسخط أفعال الله وليست
4
بصفات له.
يسع جهل معرفة محمد صلى الله عليه وسلم وليس على الناس إلا معرفة المعبر
عنه. هكذا (1)
5 - أباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك يتقي بها ويغرم
بعد ذلك.
6 - الحرام المجهول معاقب عليه.
1 لعل المراد بالعبارة أنه يسع الناس جهل اسم محمد والله وليس عليهم إلا معرفة ما يعبر.
-
والله أعلم. (المحقق)
عنه.
-348 - (1/378)
صفحة 379
7 - فرقوا بين الأسماء والأحكام فسموا اليهود منافقين، وسموا المتأولين، مُشركين وأجازوا السبي منهم، وأحلوا النكاح منهم،
وهم عندهم مشركون فيما زعموا.
8 - حجة الله تنال بالفكر في دين الله اضطرارًا.
9 - لا يجوز أن يبعث الله رسولاً إلا بعلامة يُعرف بها ويفرز عن غيره ولا يكون حجة إلا بها.
10
-
لم ينه الله المشركين والبالغين عن غير الشرك، ولم يأمرهم بغير التوحيد، فإذا وحدوا لزمتهم جميع الفرائض ونهوا عن جميع المعاصي. 11 - العقلاء يتفاضلون في التكليف والاستطاعة، ولا يتفاضلون في العقل. 12 - خوفُ الرسل خوفُ إجلال لا خوف عقاب.
13 - تجوز الولاية والبراءة بشريطة.
14 – أهل الجنة يخافون ويرجون، والموتى تأكلهم الأرض إلا عجب الذنب.
وبالتأمل فيما نُسب إليهم من مقالات يتبيَّن أن فيها ما يخرجهم عن الإسلام، ولذلك فلستُ أدري لماذا يحشُرها كتاب المقالات ضمن فرق الإباضية. إنما فيما يبدو لي – إذا لم تكن خارجة عن الإسلام، وإذا كان
ما يُنسب إليها صحيحا - فهي فرقة مستقلة داخلة تحت العنوان العام. وقد سبقني الشيخ أبو زكرياء الوارجلاني إلى شبيه من هذا القول حيث قال: «إن طائفة تنتحل اسم الإباضية يُقالُ لهم العمدية لم تجمعنا وإيَّاهم جامعة من قبل، وهم يزعمون أنهم إباضية، يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله، وهم أتباع عيسى بن عُمير» [اهـ].
-349 - (1/379)
صفحة 380
فليس كل من انتسب إلى الإباضية اعتبر إباضيا، وليس كل من
خالف من الإباضية في مسألة من مسائل الاجتهاد يعتبر خارجًا عن الإباضية، ورئيس فرقة مستقلة، ويكون له عنوان مستقل.
-5 - السكاكية (1):
عبد الله السكاك اللواتي، سكان قنطرار، كان أبوه رجلاً صالحاً من فأسلمه إلى المؤدب فقرأ وحفظ القرآن العظيم، ثُمَّ أخذ في طلب العلم فنال منه دقائق، واحترف الصياغة فكان صائغا ماهرا، ويبدو أنه جمع علما ومالاً فأغراه الشيطان وسولت له نفسه أن يعمل للظهور، فخالف المسلمين في مقالات قطَعُوا فيها عذره فحكموا عليه بالشرك، وتساهل بعضهم قليلاً فحكموا عليه بالنفاق.
وقد كان الإباضية يعاملون جميع الفرق من أهل القبلة معاملة المسلمين، ما عدا السكاكية فإذا مات واحدٌ منهم ربطوا في رجله حبلاً وجروه حيث يُدفن دون صلاة ولا كفن.
قال أبو يعقوب يوسف بن نفات «أدركت جماعة الشيوخ بقسطيلية يُصلُّون على جميع موتى أهل القبلة كلّهم، من المخالفين وغيرهم، إلا أصحاب السكاك، فإنهم من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط وجروه بها إلى موضع يوارونه فيه، وكان مشايخ السلف تتقارب أقوالهم في السكاك وأصحابه وتتفاوت فقائل بشركهم، وقائل بنفاقهم، وهذا المذهب قد فني أصحابه» (2) [اهـ].
1 - راجع الدرجيني: «طبقات المشائخ بالمغرب». ج 1، ص: 118. (المؤلف) 2 المصدر نفسه، ص: 119. (المحقق)
- 350 - (1/380)
صفحة 381
والغريب من كتاب المقالات وكتاب التاريخ من الإباضية وغيرهم
كيف يحسبون هذه الفرقة من الإباضية، وأخف الأحكام عندهم فيهم أنهم منافقون؛ والواقع أن إسقاط هذه الفرق من الحساب أولى، أعني من حساب الإباضية، وإثبات بعضها في فرق الأمة الإسلامية عامة، وعدم اعتبار بعضها فرقًا كما سيأتي إن شاء الله.
ومن المسائل التي تنسب لهذه الفرقة ما يأتي:
-
1 - أنكروا السنة والإجماع والقياس الرأي)، وزعموا أن الدين كله
مستخرج من القرآن.
2 - صلاة الجماعة بدعة.
3 - الأذان بدعة، فإذا سمعوه قالوا نهق الحمار.
4 - لا تجوز الصلاة إلا بما عُرف تفسيره من القرآن.
5 - طعامُ الدرس، نجس، لما يبولُ عليه من الدواب حين الدرس، والبقول والخضر نجسة إذا وضع في أرضها السماد.
6 - الفرثية:
أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح، رجل نشأ في بيت علم وتقوى وسيادة، فصار عالما واسع الاطلاع كثير الدراسة، يبدو مما يقوله المؤرخون عنه أن والده كان يُريد أن يقتصر في دراسته على المصادر الأساسية في الشريعة الإسلامية وهي الكتاب والسنة، وعلى مؤلفات أهل الدعوة، ولا يريد له أن يوسع دراسته في كتب المخالفين للإباضية
-351 - (1/381)
صفحة 382
بن الحسين ـ وأنت
-
ولكن أبا سليمان يبدو أنه من أولئك الذين يلتهمون الكتب ولا يشبعون، ولذلك فقد كان والده غير راض عنه من هذا الجانب، لا سيما وأنه رأى بين يديه في بعض الأيام كتبا لأحمد تعلم رأي الإباضية فيه، ولذلك فقد كان يحذر منه العلماء خوفًا من أن تختلط عليه أقوال أهل الدعوة بأقوال غيرهم، وبقي أبو سليمان طيلة حياة أبيه ضئيل الشخصيَّة، فلما توفي والده رجع الناس إليه واتصل بهم، وقد كانت له اجتهادات فرعية خالف فيها جمهور الإباضية، فنقموا عليه من أجل ذلك. وكان من أشدهم نقمة له وانتقادا عليه صديق والده أبو صالح جنون بن يمريان (1)، أما المسائل التي نسبت إليه ووقع عليه التشنيع من أجلها فهي كما يقول أبو عمرو عثمان:
1 - نجاسة الفرث وما طبخ فيه من طعام.
-
2 - تحريم أكل الجنين.
3 - تحريم دم العروق، ولو بعد غسل المذبح وكذلك دم الجوف.
4 - نجاسة عَرَق الجنب وعرق الحائض.
(2)
5 - لا تُعطى الزكاة إلا للقرابة أي قرابة المزكي 2.
وبالتأمل فيما عرضناه سابقا عن هذه الفرق يتضح ما يأتي:
1 - النكار فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها، فهي ليست فرقة من فرق الإباضية، أو جزء منها، وإنما هي فرقة من فرق المسلمين عامة.
1 ـ انظر ملحق التراجم (المحقق)
2 لعل الصواب لا تعطى الزكاة للقرابة أي قرابة المزكي. راجع «سير البدر الشماخي».
-
ص: 366. (المحقق)
-352 - (1/382)
صفحة 383
- 2
الحسينية والسكاكية هما أقرب إلى أن تكونا فرقتين خارجتين عن الإسلام، ولذلك فهما ليستا من الإباضية، ولا داخلتين في حسابهم، فعلى رأي من اعتبرهما خارجتين عن الإسلام هما ليستا من فرق المسلمين، وعلى رأي من حكم عليهما بالنفاق فهما داخلتان تحت العنوان العام (الإسلام)، وليس تحت عنوان الإباضية.
3
—
الفرثيَّة والنفاثية ليستا فرقتين مطلقا، والعالمان اللذان تُنسبان إلى اسمهما هما عالمان من علماء الإباضية، لهما آراء في مسائل اجتهادية فرعية مما يقع في مثله الخلاف كل يوم، فلا داعي لأن يُعتبرا إمامين لفرقتين، ولا داعي لأن يُعتبر من عمل بفتواهما فرقتين من فرق
الإباضية.
4 ـ الخلفية أتباع زعيم سياسي ثار على الدولة، واتبعه ناس في ثورته مما يقع مثله في كل زمان وكلّ مكان، ولم يتعرض لمسائل الدين، ولم تعرف عنه فيه مقالة ما عدا مطالبته باستقلال الناحية التي هو فيها عن تبعية الدولة، ولا شك أن اعتبار أتباعه فرقة من الإباضية واعتباره هو إماما لفرقة من الإباضية خطأ تاريخي، قد يُعتبر هو وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى نظام الدولة أو تقاتل وهذا ما وقع بالفعل حتّى أمره - أما أن تُعتبر فرقةً فليس هذا بصحيح، وإلا لاعتبر كل ــ
انتهى
-
الثائرين والخارجين عن الدول رؤساء فرق، واعتبر أتباعهم فرقا، وهذا ما لم يكن ولا يمكن أن يكون.
والخلاصة
من هذا كله أن النكار فرقة من فرق المسلمين، إمامها
الحقيقي أبو المعروف شعيب بن معروف، والحسينية والسكاكية فرقتان
-353 - (1/383)
صفحة 384
خرجتا عن الإسلام بإنكارهما للسنة والإجماع، وبإنكارهما لوجوب الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنة والنار، ووجوب معرفة سيدنا محمد.
وأن الخلفية ليست فرقة دينية، وإنما سياسي وليس إماما دينيا.
هي
فئة باغية يرأسها زعيم
أما النفائيَّة والفرثيَّة فليستا فرقتين دينيتين ولا فئتين باغيتين،
وإنما هما مجموعتان من الناس أخذتا بأقوال لأحد عالمين من علماء
الإباضية في مسائل من الفروع الفقهية.
-354 - (1/384)
صفحة 385
آراء للإباضية:
رأي الإباضية في الصحابة
لا شك أن القارئ العادي الكريم يستغرب هذا العنوان، ولكنَّ الدعاية التي سلطها المغرضون على الإباضية، والإشاعات التي يُطلقونها زاعمة أن الإباضية يكرهون الصحابة أو بعض الصحابة، ثُمَّ موقف بعض المتطرفين من الإباضية واستجابتهم للتحدي ورد الفعل - في مواقف إحراج - مما يسهل انفلات كلمات منهم أحيانا ... كل هذا يقتضينا أن نعرض هذا الموضوع على القارئ الكريم لنوضح
له رأي الإباضية الحقيقي فيه، بعيدا عن الإشاعات والتطرف. جاء في رسالة لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل (1) شيخ العزابة في حينه، يرد
فيها باسم عزابة بني مُصعب على أبي علي بن أبي الحسن البهلولي، ما يلي: «فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك قولك بلغنا عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة، فيا سبحان الله ... كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم والثناء عليهم كتابا وسنة يأبى الله عندنا ذلك والمسلمون، بل هم في الحالة التي ذكرهم والتراهة والطهارة والثناء والمحبة قال الله عزَّ وجلّ: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهُ} (2) الآية، {وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا (3) الآية، {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
—
2
سورة آل عمران الآية: 110.
3 سورة البقرة الآية: 143.
-
الله عليها
من
العدالة
-355 -
25 (1/385)
صفحة 386
وَالَّذِينَ مَعَهُ (1) إلى آخرها، ولَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ (2) الآية، إلى غير ذلك من الآيات، وهم بالحالة التي وصفهم بما رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إنّ الله قد اختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم أصهارا وأختانًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (3).
وقال أيضا: «لا تؤذُوني في أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء الأرض
•
ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (4) وقال أيضا: «اقتدوا باللذين من بعدي» (5)، وقال عليه الصلاة والسلام عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء
1 ـ سورة الفتح. الآية: 29.
2 سورة الفتح الآية: 18.
رضي
الله
3 ـ لم نجده بهذا اللفظ، وفي "المستدرك على الصحيحين: «عَنْ عُوَيْم بن سَاعِدَة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تُمَّ إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار بي أصحابًا فجعل
يُقبل
لي منهم وزراء وأَنْصَارًا وأصْهَارًا فَمَن سَبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا منه يوم القيامة صرف وَلا عدل». محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري: «المستدرك على الصحيحين». تح/ مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1. 1411 هـ/ 1990 م. ج 3، ص: 732. حديث رقم: 6656 4 - لم نجده بهذا اللفظ، وفي "صحيح البخاري: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بلغ مد أحدهم ولا نصيفه البخاري، «صحيح البخاري» ج 3. ص: 1343. حديث رقم: 3470.
5 ـ رواه الترمذي في سننه عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله: اقتَدُوا بِاللَّدَيْنِ مِن بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وعُمَر». الترمذي. «سنن الترمذي». ج: 05، ص:
906. رقم الحديث: 3662.
-356 - (1/386)
صفحة 387
الراشدين من بعدي» (1)، وقال أيضا: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (2)، وغير ذلك من المدح والثناء عليهم. اللهم زدنا حبهم، واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين ( ... ) بل لهم السهم الأوفر، وسلكوا الطريق الأقصد، ولزموا السبيل الأرشد، فهم أئمة السناء ونجوم الهدى وأعلام الدين ومنار الإسلام، وكلامهم حكمة، وسكوتُهم حُجَّة، ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ويلٌ للزائغ عن طريقهم الراغب عن سبيلهم» [اهـ].
عنهم
ويُضيف أبو مهدي إلى هذا الكلام ما يلي:
الله
«كان أبي رحمه ينهى من يذكر ما جرى بينهم، إلا من يذكر
خيرا، رضي
الله
عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة رضي
عنهم». انتهى كلام أبي مهدي في موضوع الصحابة.
ويقول أبو العباس الدرجيني في كتابه «الطبقات» ما يلي:
الله
«الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله، وأفضليتهم أشهر، وأسماؤهم ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنهم رضوان الله
-
1 ـ رواه الترمذي في سننه بلفظ قريب عن العرباض بن سارية: " ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ“. قال أبو مهدي هذا حديث حسن صحيح»، كتاب العلم، باب،16، ج 5، ص 44. حديث رقم: 2676. 2 - لم نجده في كتب الحديث المعتمدة، وهو عند ابن حزم في كتابه الإحكام: «عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُم قال أبو محمد أبو سفيان ضعيف ( ... ) وهذه رواية ساقطة من طريق وإسنادها ضعيف» علي بن أحمد بن حزم. «الإحكام». ط 1. دار الحديث، القاهرة، 1404 هـ. ج 6، ص: 244. (المحقق)
-357 - (1/387)
صفحة 388
عليهم
تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين، ومن آثارهم محفوظا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف، وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال رسول الله: «لا يشقى من رآني» (1) وقوله: «أفضلُ أمتى قرني ثُمَّ الذين يلُونَهم ثُمَّ الذين يلونهم» (2)، وأحاديث كثيرة في فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن الصحابة من لم يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد من امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل من أهل الخلاف، وهم عندنا في جملة الأكابر والأسلاف» (3). انتهى
المقصود منه.
الإنصاف
ويقول أبو الربيع سليمان الحيلاتي (4): «وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا، وهذه كيفية صلاتنا على النبيء: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبيء الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته أجمعين كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد"، فمن حسنت شيمته، وسلم من داء الحسد والبغض والغيبة إذا تأمل هذه العبارة وفهم معناها يجدها شاملة لكلِّ صاحب وآل وزوجة وذرية قريبة أو بعيدة، اتباعاً
1 ـ لم نجده بهذا اللفظ. وعند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لاَ تَمُسُ النَّارَ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي». الترمذي «سنن الترمذي»،
ج: 05، ص: 694. رقم الحديث: 3858.
2 - رواه البخاري، كتاب المناقب، رقم.3377 والحديث بلفظ: «خير أمتي قرني .... ». لم نجد هذه العبارة فيما بين أيدينا من نسخ كتاب الدرجيني «طبقات المشائخ
3
-
بالمغرب». (المحقق)
4 - انظر ملحق التراجم.
- 358 - (1/388)
صفحة 389
لقوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (1) والمودة الصلاة والترحم، ونحن ـ والحمد لله ـ وفينا بما أمرنا الله به،
والجمال المتشدقون عسى
-
الله أن يرحمنا ويكفينا شرهم، وشرَّ أنفُسنا،
وشر القوم الظالمين». انتهى المقصود منه.
ونظم أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي (2) قصيدة طويلة نقتطف منها الأبيات الخاصة بالموضوع منها:
سوى أن ما بين الصحابة قد جرى فإن التماس العُذر في ذاك أسلَمُ فذي فتن قد حار فيها ذوو النهى وأشكل وجه الحق فيها عليهم لذلك كل الناس فيها تورطوا. ولا فرقة من ذي الوقعية تسلم فكل يرى تصويب رأي جماعة ويقدح في الأخرى عنادا ويشتم تقولُ في الشيخين بالإفكِ عُصبة وحيدرة فيه أناس تكل تكلموا ويمضي في ذكر الأقوال إلى أن يقول:
فإن كنت ذا حزم ورمت سلامة بيوم به عند المهيمن تقدم فإيَّاك إياك التعصب خوف أن تُنقص إنسانا لدى الله يكرم ولا تقف أمرًا لست تعلم علمه ولا تتهور فالتوقف أسلم عند نهي الهاشمي وأمره ولا تك وتابا برأيك تحكم
وقف
1 - سورة الشورى الآية 23
2 كذا ولعل الصواب: «أبو عثمان عمرو بن عيسى التندميرتي». انظر ملحق التراجم. (المحقق)
- 359 - (1/389)
صفحة 390
ويمضي في توكيد هذا المعنى إلى أن يقول:
ترحم عليهم وارض فإنما حقوقهم محض الرضا والترحم فقد وردت فيهم آثار تعارضت ظواهرها، أمَّا الخفي فمُبهم وقد صدرت منهم أمور لعلها لها حكمة مجهولة ليس تُفهَمُ ويمضي في تأكيد هذا المعنى، محتجاً بقصة إخوة يوسف عليه السلام، وأن الله لم يؤاخذهم بإقدامهم على قتل أخيهم يوسف، وكذبهم على أبيهم عليهم وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام. ويقول:
فقد قال خير الخلق للكلِّ مادحا فأيهم اتعبتموه اهتديم
– -
كما قال - من إثم الوقوع محذرًا - وكفوا مقالاً إن إليهم وصلتُمُ وجاءت روايات بأن قتيلهم وقاتلهم في جنَّة يتنعم فما علة التخصيص والوصف شامل بجملتهم والواردات تُعمَّم».
انتهى المقصود منه.
وقال أبو يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي (1): «كنتُ في الحج فطفتُ بالبيت فلما أتممت أخذ رجل بيدي فأخرجني من الناس، فسألني عن علي، فقلتُ: «فارسُ المسلمين قاتل المشركين وابن عم رسول العالمين، وله
فضائل» [اهـ].
محمد
بن أبي القاسم المصعبي (2) في رسالة يردُّ بها على
وقال الشيخ
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
2 ـ سورة المجادلة. الآية: 22.
-360 - (1/390)
صفحة 391
بعض من تناول الإباضية في الجزائر بغير الحق، وقد عرض المصعبي عقيدة الإباضية وفي آخرها قال: «وندين الله تعالى باتباع كتابه واتباع الله سنة نبيه محمد، وما عليه الصحابة رضي عنهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. واعتقادنا الله في الصحابة رضي عنهم أنهم عُدُول وأنَّهم أولياء الله وحزبه، والا إِنْ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1). فهذا اعتقادنا وعليه اعتمادنا، فالله رَبُّنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضع» [اه].
الله
ثُمَّ يذكر الآيات التي نزلت فيهم عموما، ثُمَّ الآيات التي قيل إنها نزلت في بعضهم خصوصا، ثُمَّ الأحاديث التي وردت فيهم عموما، ثُمَّ الأحاديث التي وردت في بعضهم خصوصا، ثُمَّ يقول: «في أحاديث كثيرة في عمومهم وخصوصهم رضي عنهم، نسأل الله تعالى أن يُثبتنا على طريقتهم واتِّباع مسيرتهم، وأما ما وقع بينهم من الحرب فإن الله طهر منها أيدينا ونحن نُطهر منها السنتنا لقوله: «إذا ذكر أصحابي فكفوا» (2).
1 ـ انظر ملحق التراجم. (المحقق)
2 الحديث في مجمع الزوائد» بلفظ: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: إذا ذكر أصحابِي فَأَمْسِكُوا وَإِذَا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا. رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك. وثقه ابن حبان وغيره، وفيه خلاف. وبقية رجاله رجال الصحيح علي بن أبي بكر الهيثمي. «مجمع الزوائد». دار الريان للتراث دار الكتاب العربي. القاهرة، بيروت. .1407. ج: 07، ص: 202.
-361 - (1/391)
صفحة 392
وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رحمه الله في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي ما يشبه ما سبق، فقد جاء في رسالته الصغيرة «النقد الجليل للعتب الجميل» ما يلي:
«أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق» (1). ويقول في نفس الكتاب: الأصحاب يتحرون تطبيق حكمي الولاية والبراءة لا تشهيّا، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت مترلته، ما لم يكن من المعصومين، ولا معصوم إلا النبيُّ أو الرسول. أما الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزيَّة الصُّحبة والذب عن أفضل الخلق، وإراقة دمائهم في
سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، فيُختارُ الكفُّ عن تلك الحوادث المشؤومة» (2). ويقول بعد أسطر: «وأيضا لا غبار على من صرَّح بخطا المخطي منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو مُحسن» (3).
ويقول أيضا في نفس الكتاب: ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له (4) أو طعن، اللهم إلا من بعض الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط
ولا شعب» (5).
-
1 ـ اطفيش. أبو إسحاق إبراهيم: «النقد الجليل للعتب الجميل». (د. م. ن) رسالة مطبوعة سنة: 1342 هـ / 1924 م. ص: 24. (المحقق)
2 المصدر نفسه، ص: 25. (المحقق)
3 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها. (المحقق)
،،
الضمير له عائد على الإمام علي كرم الله وجهه بدليل ما سبق من كلام
(قريب في الرسالة) قبل العبارة أعلاه. (المحقق)
5 المصدر نفسه، ص: 28. (المحقق)
-362 - (1/392)
صفحة 393
وقال قطب الأئمة في أمير المؤمنين عُثمان بن عفان: «ولد قبل رسول الله بست سنين، ولُقب ذا النورين"، لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رُقيَّة، وأم كلثوم. قال له رسول الله: «لو أن لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد واحدة، حتّى لا تبقى منهُنَّ واحدة» (1). وقيل لأنه كريم في الجاهلية والإسلام». [اهـ]
وقال القطب في أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب: «وهو مَن شَهرَ، ولا يُحتاج إلى ذكر فضائله من نسب وزهد، وعقل وعلم وشجاعة وعدل». [اهـ] بعد هذا أيها القارئ الكريم أريد أن نعود معًا إلى أول الفصل لتناقش بعض الفقرات السابقة.
أبو مهدي كان شيخا للعزابة وقد نص في رسالته أنه بعثها بعد أن وافق عليها مجلس العزابة؛ فقد قال في الديباجة ما يلي: «فمن عزابة بني مصعب حفظهم الله تعالى ورعاهم الحاضر بلسانه، والغائب بحاله، إلى الشيخ المكرم
الوجيه المعظم أبي علي بن الشيخ أبي الحسن علي البهلولي، سلام عليك». [اهـ] ولا شك أن العزابة هي الهيئة الدينية التي تمثل الإباضية، ورأيها في. أية قضيَّة هو الرأي الرسمي أو الرأي المعتمد عند الإباضية، إذا فرض أن شذ بعض الناس فخالف في تلك القضية.
1 - من مرويات علي بن أبي طالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في حق عثمان بن عفان: «لو كَانَ لي أربعون بنتاً لزوجتُ عثمان واحدةٌ بَعْدَ واحدة حتى لا يبقى منهنَّ واحدة». انظر: أبي شجاع الديلمي الهمذاني: الفردوس بمأثور الخطاب». دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ط 1. 1986 م. ج: 01، ص: 205. (المحقق)
-363 - (1/393)
صفحة 394
والرسالة كما ترى رد على تهمته للإباضية بغض بعض الصحابة، ودفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وتبرئة للإباضية من تلك التهمة الشنيعة، وإيضاح لموقفهم، وبيان بأنهم يضعون كافة الصحابة في المقام الرفيع الذي اختاره الله تبارك وتعالى لهم.
وهذه الإشاعة عن الإباضية كانت قد انتشرت في كثير من الجهات، ولذلك فقد كان الناس ينبزون بها الإباضية فيُضطرون للرد عليهم والدفاع عن أنفسهم، وتكذيب من يتّهمهم بذلك، وقد كتبت في هذا الموضوع عشرات الرسائل والردود منها رسالة أبي مهدي ردا على البهلولي، ومنها رسائل للقطب ردًّا على محمد الطاهر والعقبي ومصطفى
بن كامل وغيرهم (1)، ومنها رسالة أبي الربيع الحيلاتي، وقد ذكر سعيد (2) السبب في كتابتها نلخصه فيما يلي:
التعاريتي
هيج بعض طلاب الغنائم والأموال بعض الأعراب على جربة
(3) (4) أن أهل جربة - بما أنهم من الإباضية
-
——
يُخالفون
وأعمالهم المسلمين في أمور تحل بها دماؤهم وأموالهم، ثُمَّ كوَّن منهم حملة هجم بها على
-
1 - انظر على سبيل المثال امحمد بن يوسف اطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية»، بحاشية للشيخ نورالدين عبد الله بن حميد السالمي. قام بتصحيحها قاسم بن سعيد الشماخي،
ومصطفى إسماعيل بن إسماعيل الفارضي. (د. د. ن)، (د. م. ن)، (د. ت. ن).
2 انظر ملحق التراجم. (المحقق)
-
3 لعل الصواب وأعمالها»؛ أي والجهات التابعة لحكمها. وقد شاعت مثل هذه
العبارة في كتب التاريخ القديمة. (المحقق)
4 ـ يبدو أن في العبارة نقصا ولعل تصويبها يكون كالتالي: وزعم أن أهل جربة ... ». (المحقق)
-364 - (1/394)
صفحة 395
الجزيرة الغافلة ولكن الحملة فشلت وانتصر أهل الجزيرة على المهاجمين، وأخذوا منهم جمعا من الأسرى، وكان في أولئك الأسرى بعض المتفيقهين، فسألهم مشايخ جربة عما حملهم على الاعتداء عليهم ومهاجمتهم وهم إخوة لهم في الدين و لم يسبق لأهل جربة أن اعتدوا على أولئك الأعراب أو أساؤوا فأجاب المتفيقه قائلاً: إن من دعانا إلى محاربتكم واستحلال دمائكم وأموالكم ذكر لنا أنكم تُخالفون المسلمين، ثُمَّ عدَّدَ لهم المسائل التي ذكرها لهم صاحبهم، فذكر منها بعض مسائل علم الكلام المعروفة كالرؤية والصفات وخلق القرآن، ثُمَّ قال: ومنها أنَّكم تكرهون بعض الصحابة». [اهـ]
وقد ردَّ أبو الربيع الحيلاتي على الرجل، وناقش مسائل علم الكلام بما هو معروف في كتب التوحيد، ثُمَّ أوضح رأي الإباضية في الصحابة
رضوان
?
عليهم في الصورة التي عرضناها عليك.
أما إذا رجعت إلى ما كتبه أبو العباس الدرجيني، فإنك ولا شكٍّ سوف ستجده حريصا كل الحرص على أن يُضفي على جميع الصحابة دون
تخصيص المخالفين الذين ينتقصون بعض الصحابة، وهو يرد على أولئك المخالفين الذين أجازوا لأنفسهم أن يضعوا أحدا ممن اختاره الله لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام في غير موضعه من الولاية والمحبة والرضا والقدوة الحسنة. وقد سلك أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي هذا المسلك، فكان حريصا على أن يُوضح أنه ينبغي للمسلم ـ إذا أراد لنفسه النجاة ـ أن يبتعد عن التدخل فيما لا يعنيه، وأن يترك الفتن التي وقعت
ما أضفاه عليهم مقامهم الرفيع في الإسلام، وهو مستاء من بعض
بينهم
-
-
الله، فهو العليم بالحكم فيها. أما واجب المسلم فهو الرضا والترحم
-365 - (1/395)
صفحة 396
عليهم جميعاً، وينبهنا إلى أن ما يظهر لنا أنه مخالف للشرع من أعمالهم
قد تكون فيه حكمة خفيَّة الله تعالى لا يعلمها إلا هو، وقد يكون الله غفر
لهم جميعًا حين اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.
ويستدل على هذا بقصة إخوة يوسف عليه وعلى آبائه السلام، فإن اتفاقهم على قتله وإلقائه في الحب للتخلص منه، وكذبهم على أبيه وما تبع ذلك ليس من الأعمال الهيئة في الحكم الظاهر، ولكنَّ الله تبارك وتعالى مع ذلك لم يؤاخذ إخوة يوسف وغفر لهم ما ارتكبوه.
وأَما كلمات القطب وأبي يحيى فقد وردت في أميري المؤمنين عُثمان وعلي، خاصة وأكثر الشعب واللغط الذي يُوجه إلى الإباضية في موضوع الصحابة إنَّما يدور حول الإمامين العظيمين والصهرين الكريمين، ولذلك المناقشة فإنه ممَّا يتمُّ به مناقشة هذا الموضوع الهام استعراض كثير من القيمة التي جرت على قلم الشيخ سعيد التعاريتي (1) في رده على الشيخ مصطفى بن كامل الطرابلسي، فقد ناقش التعاريتي فيه موضوع الصحابة ــــ ولا سيما موضوع الصهرين الكريمين مناقشة رائعة أرجو أن يجد فيها القارئ متعة ومقنعاً.
-
قال التعاريتي في كتابه المسلك المحمود (2) ابتداء من صفحة 18 ما يلي:
1 - انظر ملحق التراجم.
2 - سعيد بن علي التعاريي: «المسلك المحمود في معرفة الردود». طبع طبعة حجرية سنة
1331 هـ. (د. م. ن). (د. د. ن). (المحقق)
-366 - (1/396)
صفحة 397
والعجب كل العجب ممَّا نسبه ابن كامل مصطفى] إلينا تجاهلاً وظلما، وتسلطا وشتما حتَّى أطال سنان لسانه، وقال: كفروا عليا
الله
أنهم
بزوره وبهتانه، مع أن اعتقادنا في الصحابة رضي عنهم عُدُولٌ أتقياء، بَرَرَة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام، لصحبة نبيه
عليه الصلاة والسلام».
وبعد سطور يقول:
وكيف يجوز لمن كان يؤمن بالحي الذي لا ينام، أن يُكفر صهر نبيه عليه السلام الذي لم يسجد قط للأصنام» (1).
وبعد أن يذكر عددًا من الآيات الكريمة التي قيل إنها نزلت في الإمام أو في آل البيت، وكذلك الأحاديث الشريفة والآثار التي وردت في الصحابة يقول:
«إلى غير ذلك من الآيات البينات والأحاديث المرويات، والآثار المأثورات الدالة على فضله عمومًا وخصوصاً، وكيف لا وقد كان أفصح من تنفس وتلاً، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبيء المصطفى صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحدٌ أبو السبطين؟ مع أن كُتبنا. وهو ولله الحمد - طافحة بالرواية عنه، وبالثناء عليه» (2).
-
-
1 - المصدر السابق. ص: 19.
2 - المصدر نفسه. ص: 20.
-367 - (1/397)
صفحة 398
ثُمَّ استشهد بما كتبه البدر التلاتي في كتابه «نزهة الأديب وريحانة
اللبيب»، ثُمَّ استشهد بأبيات من ديوان التلاتي منها:
بنت الرسول وزوجها وابناها أهل لبيت قد فشا سنَاهَا
رضا الإله يطلب التلاتي هم جميعًا ولمن عناها (1)
ثُمَّ استشهد بأبيات للإمام الحضرمي منها:
بلى كان في أم القرى اليوم قائم أغر من الأشراف ماضي العزائم له عنصر صافي النجار ومنصب تعرق في فرعي علي وفاطم (2)
ثُمَّ استشهد بأبيات لأبي حفص عمرو بن عيسى التندميرتي (3) منها: وعلى الهادي صلاة نشرها عنبر، ما حب ساعٍ وَرَمَل ما وسلام يتوالى وعلى آله والصَّحِبِ ما الغيثُ هَطَلْ سيما الصدِّيقُ والفاروق والـ جامع القرآن والشهم البطل (4)
ثُمَّ بعد ذلك نقل فصلاً رائعا في الموضوع للشيخ أبي ستَّة، ننقل من
ما يلي:
منه
1 - المصدر السابق. ص: 22.
2 - كذا ولعله أراد أبو عثمان عمرو بن عيسى التندميرتي. انظر ملحق التراجم. (المحقق).
3 - المصدر نفسه، ص: 26، 27.
4 - المصدر نفسه. ص:
24:
-368 - (1/398)
صفحة 399
«فإذا تقرر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللنا
ونقلناه، علمت منه
أجمعين
-
عليهم
الله أن التعلق بما شجر بينهم ـ رضوان تكلف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مما يسعُ
جهله، وقد وجد في الإعراض عن ذلك سبيل منقول عن العُدُول، فلم
يبق في حقهم حينئذ إلا الجزم بالعدالة لأصلها فيهم ـ من كونهم كلهم
-
والإعراض
-
أئمَّةً عدولاً يُقتدى بهم كما تقل ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم عمَّا شجر بينهم» (1). أحسب أن هذا يكفي في توضيح رأي الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم، ولا سيما في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو كذلك كاف فيما أرى ـ للرد عمَّن يتّهم الإباضية ببغض الصحابة أو بعض الصحابة. وما أحسب مسلما يمتلى قلبه بالإيمان يمكن أن يجد بغض أي شخص من الصحابة طريقا إلى قلبه، ولا شك أن أدنى أولئك الجمع منزلة هو أجل وأعظم وأشرف من أعلانا متزلة، وأرفعنا مقاما، ولو لم يرتفع به إيمانه وعقيدته إلى محبة رسول الله الله ومحبة أصحابه وآله أجمعين، فلا أقل من أن يتأدب مع رسول الله ويستمع إليه في قوله: «إذا وصلتم أصحابي فكفوا» (2)، وقوله عليه السلام: «دعوا لي أصحابي» (3)، وإذا لج بأحد
1 - المصدر السابق. ص: 26، 27. 2 - لم نعثر على الحديث بهذا اللفظ. (المحقق) 3 - رواه الأمام أحمد عن حميد الطويل عن أنس. ونصه: «دَعُوا لِي أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أَوْ مِثْلَ الْجِبَالِ ذَهَبًا مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ». مسند الإمام
أحمد. كتاب باقي مسند المكثرين. رقم: 13310.
-369 - (1/399)
صفحة 400
سُئل عن
الله
العناد فلا أقل من أن يقتدي بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد بن عمر حين أمير المؤمنين عثمان وعلي، فتلا قوله تعالى: {تِلْكَ أمةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، أو يستمع إلى كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين سُئل عما شجر بين الصحابة فقال كلمته الرائعة: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا تُلوّث بها السنَتَنا».
وفي ختام هذا الفصل أحب أن أقول إن موضوع الصحابة رضوان الله عليهم أجل من أن يكون موضوعًا للمهاترات، وحديثًا للمشاغبات، ودعوة من دعوات العصبيات، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كلّ منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم، ويزرع الفتنة بين
صفوف المؤمنين بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان - من يحمل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأحدهم أيَّ معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صُحبتهم فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار، وأن يغسل دنس البغضاء بمحبتهم وولايتهم، فإنه لا أشد كفرانًا ومعصية من إنسان يتطرق إلى قلبه شيء من بغض من
ولا
أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنًا.
1 - سورة البقرة الآية 134، والآية: 141.
- 370 - (1/400)
صفحة 401
الحكم في نظر الإباضية
يقول أبو الحسن الأشعري في مقالاته ص: 189 ما يلي:
الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنَّهم يرون إزالة أئمة
الجور، ومنعهم من عليه، بالسيف أو أن يكونوا أئمَّةً بأي شيء *
بغيره» [اهـ].
كتب
عن الإباضية
وترددت هذه الكلمة على أقلام أكثر من معتمدا على غير مصادرهم، وكما تردَّدت هذه الكلمة في تصوير حرص الإباضية على إزالة سلطان الجور بأي شيء قدروا ترددت كلمة أخرى مناقضة كل المناقضة لهذه الفكرة وهي زعم بعض كتاب المقالات أن الإباضية لا يرون وجوب إقامة الخلافة، ولكن تردد هذا الزعم كان أقل انتشارًا وشيوعًا، ثُمَّ نُسب إلى فرقة نسبت إلى الإباضية.
عنهم
وللرد على الإشاعتين السابقتين أضع بين يدي القارئ الكريم ما يلي: قال قطب الأئمة الإمام امحمد بن يوسف اطفيش في غير موضع من
كتبه ما يلي: ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نَسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا». [اهـ] ويقول العلامة نور الدين السالمي في شرحه على مسند الإمام الحافظ
الربيع بن حبيب ما يلي:
-371 -
26 (1/401)
صفحة 402
والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال». ثُمَّ استمرَّ
في إيراد الحجج على وجوبها من مصادر الشريعة كما ذكر.
لعل القارئ الكريم يُدرك بعد هذا أن الإباضية يرون أنه لا بدَّ للأمة المسلمة من إقامة دولة، ونصب حاكم يتولى تصريف شؤونها، فإذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالما فإن الإباضية لا يرون وجوب
هم
فيه، ومعنى
الخروج عليه، لا سيما إذا خيف أن يُؤدِّي ذلك إلى فتنة وفساد، أو أن يترتب على الخروج عليه ضرر أكبر مما هذا أن كلا ممن يزعم أن الإباضية يُوجبون الخروج على الأئمة الجورة بأي شيءٍ قدروا عليه، ومن يزعم أن الإباضيَّة يُجيزون أن تبقى الأمة المسلمة بدون دولة؛ كلاً هذين الزَّعمين خطأ وجهل بالمذهب الإباضي وقواعده.
الإباضية يرون أن من واجب المسلمين أن يُقيموا دولة عادلة تسير على منهج الشرع الإسلامي، فتنفّذ أحكام الله، وتقيم الحدود، وتصون الحقوق، وتردَّ المظالم، وتحفظ الثغور، وتحمل دعوة الإسلام إلى بلاد الكفر، فإذا كانت الدولة القائمة جائرة، وكان في إمكان الأمة المسلمة تغييرها بدولة عادلة دون إحداث فتن أكبر تضرُّ بالمسلمين، فإنهم ينبغي لهم تغييرها. أما إذا كان ذلك لا يتسنّى إلا بفتن وأضرار، فإن البقاء مع
الدولة الجائرة ـــ ومناصرتها في حفظ الثغور ومحاربة أعداء الإسلام، وحفظ
-
الحقوق، والقيام بما هو من مصالح المسلمين وإعزاز كلمتهم أو كد
-
وأوجب، ولا ينبغي هدم حكم قائم إلا إذا تأكدت الاستطاعة للقيام بحكم
-372 - (1/402)
صفحة 403
خير منه دون حدوث ما يُخشى على المسلمين أن يُلحق بهم أضرارا تفوق ما هم عليه من أضرار.
ذكر أبو يعقوب الوارجلاني في الدليل أنه دعي عبد الله بن إباض إلى
اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة خروج على الدولة القائمة
حينئذ، فسبقهم إلى المنارة - مكان الاجتماع ـ وجلس ينتظر حضورهم
-
-
وهو يستمع إلى تحنين المؤذنين، ورنين المتعبدين، وصنوف الأذكار في أصحابه قال لهم: لستُ منكم في شيء؛ أعلى هؤلاء
الأسحار، فلما
حضر
يجوز الخروج والاستعراض؟ ثُمَّ ذهب وتركهم.
هذه الحادثة تُعطي صورة لرأي الإباضية في الخروج على الحاكم الظالم أو إمام الجور.
يرى الإباضيَّة عندما تكون الدولةُ القائمة جائرة أنه يجب على المسلمين أن يسمعوا لها ويُطيعُوا في غير معصية الله، وعليهم أن يحاربوا معها أعداء الإسلام وأن يدفعوا لها ما تتطلبه ظروف الحرب من أموال ودماء، وأن يساعدوها في حفظ الأمن وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والقيام بمشاريع المنافع العامة كالتعليم والصحة وغير ذلك، وعليهم أن يُمسكوا أيديهم عن المعاونة على الظلم أو أن يكونوا أداة للظلم؛ فإنه
-373 - (1/403)
صفحة 404
«لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوق في مَعْصِيَة الْخَالِقِ» (1). وعلى جميع الأحوال فإنه يجوز للمسلمين الخروج عليها أو الشراء ما دامت الدولة ظالمة. هذا هو
رأي الإباضيَّة في قضيَّة الحكم ونستطيع أن نلخصه في العبارات الآتية: يجب على الأمَّة المسلمة أن تُقيم دولة عادلة، فإذا كانت الدولة
القائمة جائرةً جاز البقاء تحت حكمهم، وتجب طاعتها في جميع يخالف أحكام الإسلام، على أنه ينبغي للمسلمين أن لا يستنيموا على الظلم، وإنما ينبغي لهم أن يحاولوا تغيير الحكم إذا كان ذلك لا يسبب في إحداث أضرار جسيمة بالأمة، هذا من حيث العمل، أما من حيث النقد أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا ما لا يجوز أن يتوقف أو يسكت عنه مسلم حريص على إسلامه.
ويقرب أن يكون رأي الإباضية في موضوع قيام الدولة الإسلامية أنه فرض كفاية؛ فإن انتصبت دولة باسم الإسلام في مكان أجزأ ذلك عن الباقين، فإذا كانت عادلة وجب عليهم الدخول تحت حكمها، ومساعدتها على مهامها وإن كانت جائرة كانوا بالخيار ما لم يؤد موقفهم إلى فتن تضرُّ بالمسلمين.
أما مسلك الإباضيَّة بالنسبة إلى الحكم في مجرى التاريخ فقد
كان ما يلي:
1 - رواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ قريب: عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي عن النبي الا الله قال: "لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ في مَعْصِيَة الله عَزَّ وَجَلٌ.» أحمد بن حنبل:
«مسند
أحمد». ج: 01، ص: 131. رقم: 1095.
-374 - (1/404)
صفحة 405
عندما الحرف الحكام عن منهج الخلافة الرشيدة إلى الملك
العضوض، وأصبحت الدولة مستبدة مستغلة جائرة، حاول المسلمون ومنهم الإباضية ردَّ هذا الانحراف، وإرجاع الحكم إلى منهجه القويم، إمَّا برجوع الملوك القائمين والحكام المساعدين لهم إلى التمسك بنظام الإسلام في الحكم، وإما بتغيير الدولة نفسها وقلب نظام الحكم، ولكن الأمة الإسلامية - ككل - لم تنجح في ذلك لأن نظام الحكم الملكي العضوض قد توطن واستقر.
-
واستمر الإباضيَّة كما استمرَّ غيرهم في نقد الوضع القائم، وإظهار انحرافه في المجتمعات الخاصة والعامة وحاولوا أن يقوموا بتجارب خاصة لإقامة حكم الله؛ فأقاموا بالفعل دُولاً اتسمت بالتزام السير في المنهج الإسلامي، ولكن تلك الدول لم تستقر بسبب السهام التي وجهتها إليها السياسة المضادة بمختلف الأساليب.
فقد كان هناك ناس عاشوا في عزّ الإمارة، وبذخها، واستمرؤوا طعمها، وألفوا جورها، واعتادوا تلك النظم القائمة، وأصبحوا لا يروقهم أن يعيشوا تحت حكم عادل يُمسك أيديهم، ويحزم بطونهم، ويساوي بينهم وبين غيرهم من الناس. ولعل أصدق شاهد على هذه الصورة ـــ لا بالنسبة لفرقة من فرق المسلمين ولكن بالنسبة للأمة الإسلامية جمعاء ــ هو موقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين جمع بني أمية وطلب منهم أن يتخلوا عما بأيديهم من الأموال التي وصلت إليهم عن طرق غير عادلة بسبب القرابة
- 375 - (1/405)
صفحة 406
التي تربطهم بملوك وأمراء بني أمية السابقين فامتنعوا عن التخلي عنها فقال لهم: «وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلوني بهم ما خرجتم منها أو تتركوه» (1).
فرجال السياسة في الدولة الجائرة لا يُرضيهم أن يقوم العدل في دولتهم، ولا حتى أن يقوم في دولة بجانبهم، لأن الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حُكمهم وأن يُطلق ألسنتهم بالنقد، وربما بالنقمة ثُمَّ بالثورة، ولذلك فهم يجندون كل ما عندهم من قوة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدي المتحركة في دولهم القائمة، وللقضاء على أي حكم نظيف يقوم إلى جانبهم بكل أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع وتعذيب وضرب بالسيف إن اقتضى الأمر ذلك في نظرهم.
رأى الإباضية أنه ما دام هذا النموذج من الدول موجودًا، وأنه ليس في الإمكان القضاء عليه والإتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسي الحكم، وأن يتركوها للمتنازعين عليها، المتحاربين بسببها، وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك فلم يقم منهم قائم يدعو لنفسه أو يعمل لغيره أو يساعد أحدا للوصول إلى الحكم منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد واتت فرص لبعضهم لو أراد
-
1
يبدو أن المراد بالعبارة: «ما خرجتم منها ما خرجتم من دار الإمارة إلا أن تتركوا اخرجتم المال. تأمل والله أعلم. (المحقق)
-376 - (1/406)
صفحة 407
أن يستغلها لنفسه، أو يساعد عليها غيره للوصول إلى الحكم، أو تكوين الدول أو الحصول على الولايات والإمارات ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وعندما اقترح مقترحون على بعض الزعماء أن يبايعوهم بالإمارة وأن ينطلقوا بالدعوة لهم ردَّ عليهم أولئك الزعماء بأنه لا جدوى من ذلك، وأن الأضرار التي تنجم عن تلك الحركات أكثر مِمَّا يُتوقع منها من فوائد، وأيد العلماء هذا الاتجاه فأعرضوا نهائيا عن فكرة الوصول إلى الحكم أو العمل على تغييره، ووقفوا هذا الموقف السلبي منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلى اليوم.
ولا شك أنه يجب عليَّ هنا أن أوضح للقارئ الكريم أن هذا الموقف كان لإباضية المغرب الإسلامي شمال إفريقيا)، أما الإباضية في عُمان فقد بقيت عندهم الدولة قائمة مستقلة عن دور الخلافة منذ انتهاء الخلافة الرشيدة إلى الاحتلال الإنجليزي في هذا العصر، ما عدا فترات قصيرة جدا سقط فيها الحكم في عُمان.
ولقد كان الحكم في عُمان يجري على منهج نظيف يُشبه الخلافة الرشيدة في فترات طويلة، وكان يجري أحيانًا على غرار الحكم الظالم والملك العضوض من الظلم والاستبداد؛ فعندما تُحس الأمة بقوتها تقوض أركان الحكم المستبد وتُعلن الخلافة ما شاء الله، وقد يقوم سلاطين الجور فينحرفون بالحكم.
-377 - (1/407)
صفحة 408
والآن وقد يسَّر الله للأمة الإسلامية طرد الاستعمار المادي من
أغلب أراضيها، فلعله سبحانه يُيسر لها أن تطهرها أيضًا من جميع
مخلفاته
وبقايا أرجاسه.
-
أما بقيَّة البلاد الإسلامية التي لا تزال ترزح تحت أعباء الاستعمار والاحتلال، سواء أكان ذلك من أبناء صهيون وأعوانهم في فلسطين، أم من عبدة البقر في الهند وباكستان، أو من حملة الصليب الحاقد وأتباع الوثنية الصالة في مختلف بقاع الأرض - من إفريقيا وأمريكا وغيرهما من بلدان العالم - فإنه لا أمل لقيام الحكم الإسلامي بها إلا إذا أدرك المسلمون جميعا واجبهم وعلموا أن فريضة الجهاد لا تؤديها الأمة المسلمة بأقلام تكتب على الصحف وأحاديث تتناثر في المجامع، وأكف تشتعل بالتصفيق، وحناجر تعلو بالهتاف وإذاعات مرئية تزخر بعرض الصور، وشعوب تتمنى وتحلم، ومشاعر وعواطف تحتاج وتتحمس ثُمَّ تسكن وتبرد .. ولكنَّ فريضة الجهاد دائما تؤديها الأمة تقف صفا
وهي
صفا
واحدا، تذوب فيه الفوارق والحزازات والقوميات والمصالح القطرية، وشهوات الحكم، لتندفع قوَّةً واحدةً هائلة هادرة، تدلُّ كل ما يعترض سبيلها لا يثنيها دم يتدفق، ولا مال ينتشر ولا عدد ينتقص، ولا خسائر تقدر، أو لا تقدر بحساب، وإنما تمضي وهي تؤدي رسالتها حتَّى تُحقق النصر أو الفناء بالفعل لا بالقول، وبالحقيقة لا بالأمل، وعلى الميدان لا على شاشة التلفزيون.
-378 - (1/408)
صفحة 409
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنتُم مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُم
قرح فقد مسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيامُ تُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمُ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمٍ الله الذينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ} (1).
وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء القَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإنهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (2).
1 - سورة آل عمران الآيات: 139 - 142. 2 - سورة النساء. الآية: 104.
-379 - (1/409)
صفحة 410
حكم الدار
يقول أبو الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين»، الجزء
الأول، طبعة مكتبة النهضة المصرية، ص 171، ما يلي:
وزعموا أن الدار ـــ يعنون دار مخالفيهم ـــ دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم». [اهـ]
-
ثُمَّ تردَّدَت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كتب في مقالات الفرق قديما وحديثا، تارة بنفس اللفظ وتارةً بتغيير بسيط، كما جاء في «الملل والنحل» للشهرستاني، في ص 134، ما يلي:
وقالوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي». [اهـ]
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن العبارة واحدة، غير أن الأشعري
استعمل كلمة الكفر، والشهرستاني استعمل كلمة البغي بدلاً عنها. وهكذا اشتهر هذا القول على هذا الإجمال مع كتاب المقالات ينقلونه واحدا عن واحد إلى عصرنا الحاضر، ربما دون فهم عند بعضهم. ويهمني أن أوضح للقارئ الكريم في بداية هذا الفصل أن كتاب المقالات يربطون بين كلمة المخالفين ومعسكر السلطان وبين الكفر والبغي كأَنهما شيئان متلازمان، بينما يرى الإباضية أنه ليس هناك ارتباط بين موضوع دار السلطان وما يتصف به من عدل أو بغي، وبين مذهبه أو مذهب من يكون تحت حكمه.
-380 - (1/410)
صفحة 411
وسوف أحاول في هذا الفصل أن أعرض صورة لحكم ما يُطلق عليه الفقهاء
66
لما ينبغي
أن
كلمة الدار عند الإباضية، ثُمَّ أعرض في فصل آخر صورة لما يجري عليه التعامل بين المختلفين في المذهب عندما يكون السلطان على مذهب أحدهما، أو يكون على مذهب غير مذاهب المحكومين جميعًا.
عندما يتحدث فقهاء الإباضية عن الدار يرون أنها ـ أولاً ـ تنقسم إلى قسمين: دار إسلام، ودار كفر؛ فدار الإسلام هي كل وطنٍ تسكنه أمة مسلمة، وتتولى الحكم فيه دولة مسلمة تنتسب إلى الإسلام
وتتسمى به مهما كان مذهب السكان أو مذهب الحاكم.
ودار الكفر هي كل وطن تسكنه أمة كافرة، وتتولى فيه الحكم دولة لا تدين بالإسلام سواء أكانت كتابية أم وثنية أم علمانية أم ملحدة،
كما هو
الحال في بعض الدول في الوقت الحاضر.
والصور التي تكون عليها دار الإسلام لا تخرج عما يلي:
-
1 - الوطن يسكنه مسلمون على أي مذهب إسلامي كانوا، والسلطان شرعي بلغ إلى منصة الحكم حسب الأسس التي وضعها الإسلام لذلك، ثُمَّ تقيد بالمنهاج الإسلامي في الحكم، وتوافرت فيه الشروط المطلوبة للحكومة العادلة، والكفاءات اللازمة لأمير المؤمنين أو خليفة المسلمين.
في هذه الصورة الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل، وطاعته واجبة، والخروج عنه فسوق، لأن هذه الحالة هي
الحالة الكاملة التي يجب أن تكون عليها الأمة المسلمة.
-381 - (1/411)
صفحة 412
2 - الوطن تسكنه أمة مُسلمةٌ على أي مذهب كانت، وصل فيها
السلطان إلى الحكم بطريق لم يستكمل الشروط المطلوبة لاختيار الحاكم، ولكنه بعد أن استلم الحكم التزم الإسلام، وحكم بالعدل، ونفذ أحكام الله، وجرى حسب قوانين الشريعة، وسار السيرة النظيفة المطلوبة في أمير المؤمنين النزيه.
في هذه الصورة أيضًا تعتبر الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومُعسكر
عنه
السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل، وطاعته واجبة والخروج فسوق، أما وصوله إلى الحكم فإن كان بتولية غيره له كما كان في الأنظمة الوراثية فلا تثريب عليه، وإن كان بمسا منه غير مشروعة فلا شك أنه آثم في ذلك، ولعل الله تبارك وتعالى يغفرها له بنيته الحسنة وبالتوبة منها إن لم تتعلق بما حقوق المخلوقين، فإن تعلقت بما حقوق
مع
بمساع
المخلوقين فالتوبة والتنصل من الحقوق النية الحسنة الأمة أسباب ونفع كافية للمغفرة إن شاء الله.
3 - الوطنُ تسكنه أمة مسلمة يصل فيه السلطان إلى الحكم بالأسلوب الإسلامي مع مراعاة كافة الشروط، ولكنه بعد أن يتربع على كرسي الحكم، ويأخُذ على الناس المواثيق والعهود، ينحرف عن سنن العدول، ولا يلتزم بأحكام الإسلام.
في هذه الصورة تكون الدار دارَ إسلام وتوحيد وعدل، أما معسكر السلطان فهو معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغي وظلم، وطاعة السلطان
-382 - (1/412)
صفحة 413
فيما يوافق أحكام الإسلام وجهاد العدو، وإقرار الأمن والنظام، وإيصال الحقوق إلى الناس واجبة، ولا تجوز طاعته في معصية، وينبغي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومطالبته باتِّباع أحكام الله، ويجوز الخروج عليه وتغيير حكمه لإقامة دين الله واختيار من يصلح لتولي أمور المسلمين إذا كان ذلك لا يُسبب فتنة تنتج عنها أضرار أكبر من الحالة التي هم عليها.
4 - الوطن تسكنه أمة مسلمة، يثب إلى الحكم فيه سلطان بطرق تختلف عن أنظمة الإسلام لاختيار الحاكم، ثُمَّ لا يتقيَّد بأحكام الإسلام، ولا يسير بسير العدول من أهله.
في هذه الصورة تُعتبر الدار دارَ إسلام ومعسكر السلطان معسكر وظُلم وعدوان. وطاعته فيما أمر الله به،
إسلام، إلا أنه معسكر
بغي
وجهاد العدو واجبة والنقمة عليه، والدعوة إلى الخروج عنه، والعمل على الإطاحة بحكمه جائزة بشرط ألا تُحدث فتنا تلحق بالأمة أضرارًا أكبر من المصالح المتوقعة والفوائد التي ينتظرونها من قيامهم عليه.
ويرى الإباضية في جميع صُور الحكم المنحرف ـــ أنه يجوز الشراء مهما كانت النتائج ـ وهو أن تخرج جماعة من الناس يتجاوزون أربعين رجلاً ينتقدون الفساد، ويبينون للناس ما عليه الدولة من الانحراف، وما عليه الحكام من البغى والظلم، ويدعونهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن عارضتهم السلطة بالقوة جاز لهم أن يردُّوا عليها بالقوة والعنف، ولكنهم على جميع الأحوال لا يجوز لهم أن يُخيفُوا الناس، ولا أن
- 383 - (1/413)
صفحة 414
يُروعوا الآمنين، ولا أن يعترضوا سبيل أحد أو يعتدوا على أحد، ولا أن يفرضُوا حتَّى ضيافتهم على أحد، فإن فعَلُوا شيئًا من ذلك انتقلوا من
حكم الشراء إلى حكم الحرابة، وذلك لأن مبدأ الشراء هو مقاومة الظلم في أجهزة الدولة المنحرفة، بالدعوة أو بالعنف إن اقتضى الأمر ذلك دون
التعرض للناس بسوء.
هذه هي الصورة المعروفة عن الدار وعن مُعسكر السلطان عند الإباضية، وهم عندما يُطلقون على معسكر السلطان أنه معسكر بغي، أو على السلاطين أنهم سلاطين جورٍ، لا يقصدون بذلك المخالفين لهم في المذهب فقط، وإنما يقصدون بذلك جميع الأجهزة الحاكمة التي انحرفت عن
دين الله فلم تعمل به، سواء أكانت من الإباضية أم من غيرهم. ومن أراد أن تبرز له هذه الحقيقة واضحة فعليه أن يرجع إلى كتب التاريخ؛ ومن أقربها «تحفة الأعيان» للإمام نور الدين السالمي، الذي أرخ لعُمان منذ الفتح الإسلامي إلى العصر الحاضر، وقد كان حريصا في جميع ما كتبه عن الدول التي تعاقبت على حكم عُمان ـ وكلها من الإباضية من أهل عُمان، ما عدا فترة قصيرة جدا في عهد الدولة الأموية زمن
-
-
الحجاج ـ على أن يذكر الإمامة العادلة، وكان يصف الباقي بسلاطين الجور، أو يطلق عليهم كلمة الجبابرة وعلى هذه الكلمة علق الإمام أبو
إسحاق اطفيش في أسفل الصفحة 87 من الجزء الأول، بما يلي:
المراد بالجبابرة أمراء الإقطاع ومُلوك الطوائف، وقد توالى على
-384 - (1/414)
صفحة 415
قطر عُمان انقلابات من إمامة إلى ملوكيَّة ومن ملوكية إلى إمامة، فمنذ انقطاع الخلافة الإسلامية تولّى حُكمَ عُمان أئمةٌ على طريقة الخلفاء الراشدين، فمتى ضعف أمر الإمامة برزت إلى الميدان الملكية أو أمراء الطوائف، وهكذا» (1). وقال في آخر التعليق: «وكلما ذكر المصنف الجبابرة فالمراد الولاة غير العُدُول» (2) [اهـ].
ولعل عبارة المؤلّف في هذا الموضوع أكثر وضوحا، فقد قال في «تحفة الأعيان» الجزء الأول، ص 87، ما يلي:
ذكرت السيّرُ أن الجبابرة استولت على عُمان بعد الجلندى
فأفسدوا فيها، وكانوا أهل ظلم وجور، فمن هؤلاء الجبابرة: محمد زائدة وراشد بن النظر الجلنديان» [اهـ]. وقال بعد أسطر:
بن
«وقد تقدم أنه من أقارب الجلندى» [اهـ] (3). أحسب أنه لا
داعي للمزيد في هذا الموضوع.
هذه
هي
الصورة المعروفة عن الدَّار وعن مُعسكر السلطان في الأمة
الإسلامية. والإباضية يتحدثون عنها كما يتحدث عنها غيرهم.
أما العدو الذي أشرتُ إلى أن الإباضية يُوجبون حربه حتى مع
1 - السالمي عبد الله بن حميد: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان». تح/ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. 2. 1350 هـ. مطبعة الشباب. القاهرة.
2 - المصدر نفسه. ص: 87.
3 - المصدر نفسه، ص: 88.
-385 - (1/415)
صفحة 416
السلطان الجائر، فإنما هو عدو الإسلام في الحروب التي تكون بين دولة
أن
مسلمة وأخرى كافرة، لأن ذلك جهاد في سبيل الله لا ينبغي لمسلم يتقاعس عنه. أما الحروب التي تقع بين دولتين أو طائفتين مسلمتين فإنما هي فتن القلعدُ فيها خيرٌ من القائم، والنائم فيها خير من القاعد، والقائم خير من الساعي ما لم تكن إحداهما باغية فيجب ردُّ عدوانها دفاعًا
عن الحرمة والمال.
ويرى الإباضية أن على المسلم حقا للوطن الذي يعيش فيه يُوجب عليه الدفاع عنه من أي مهاجم أو أي عدوان ما لم يكن هو في حكم المنحرف والمهاجم دولة عادلة تريد إقامة حكم الله وتطالب بالدخول تحت رعايتها والخضوع لنظامها؛ فإن عليه في هذه الحالة أن يستجيب وينضوي تحت لواء دولة ترفع منارة الإسلام وتحكم بشريعة الله، وليس له أن يتلكأ في ذلك ويتباطأ.
بقيت هنالك صورٌ لوضع شاذ وقعت في أزمنة مختلفة التمس لها الفقهاء أحكامًا وقرروها لها؛ من ذلك مثلاً: أن يكون الوطن إسلاميا وتتغلب عليه دولة مشركة تحكمه بالحديد والنار، كما وقع في ليبيا إبان الحكم الإيطالي، وفي تونس والمغرب والجزائر إبان الحكم الفرنسي، وفي مصر إبان الحكم الإنجليزي، في هذه الحالة تُعتبر الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر كفر.
هذا ملخص رأي الإباضية في الحكم، فهم حين يتحدثون عن معسكر السلطان ينظرون إلى نوعية الحكم، لا إلى مذهب السلطان، ما لم يكن السلطان
-386 - (1/416)
صفحة 417
مشركًا.
وعندما يكون السلطان إباضيا ويكون جائرا فإن الحكم عليه أن معسكره معسكر إسلام ولكنه مع ذلك هو مُعسكر بغي وظلم وعدوان، تماماً
كما يحكمون على غيره من سلاطين الجور من المذاهب الأخرى.
وقد غابت هذه الحقيقة عن أكثر من كتب عن رأي الإباضية في الموضوع دون الرجوع إلى مصادرهم، وأمسك بكلمة (مخالفيهم) كأنَّها لولب سحري يدور معها في كل مجال.
بعد كل هذا أحب أن أضع بين يدي القارئ صُورًا ممَّا قاله العلامة أبو يعقوب الوارجلاني عن هذا الموضوع، حتّى يتأكد القارئ من رأي الإباضية وموقفهم.
يقول أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه «الدليل والبرهان»، ص 45، من الجزء الثالث (1)، ما يلي:
«والذي ذكرناه في الملوك المتدينة لم نقتصر فيه على علي ومعاوية دون أخلافهم بعد بل الحكم فيهم واحدٌ؛ أهل ديانة لما ظهر على أيديهم من الجُمَعِ والجماعات، والأذكار والصلوات، والنسك والعبادات، وظهور الشرائع الإسلاميات، وعمارات الصبيان المحاضر لقراءة القرآن، وظهور الغزو والجهاد في جميع البلاد، والثغور البعاد، والدعاء إلى الله وإلى طاعته، وظهور عبادته» [اهـ].
1 - الوارجلاني، يوسف بن إبراهيم، أبو يعقوب: «الدليل والبرهان». المطبعة البارونية. مصر. 1306 هـ. ط 1. (المحقق)
-387 -
27 (1/417)
صفحة 418
ويقول أبو يعقوب في نفس الكتاب، ونفس الجزء ص 46، ما يلي:
«وليس في أن ظهر فجور هؤلاء الملوك في ذات أنفسهم، وظهرت المناكرُ على أيديهم ما يُخرجهم من ملة الإسلام، بل هم من أهل الملة وإن كانوا أهل سُوء. ومن مناقبهم أنهم أمنوا السبل والطريقات، وجلبوا الفيء والخراجات، ونصبوا القُضاة والحكومة» [اه].
وبعد أسطر يقول:
وصنيع جابر بن زيد رحمه الله حين تخلف الجمعة فقال: عن لك عليَّ ألا أعود (1)، ومن وراء ذلك أخذه العطايا من الحجاج
66
وشبهه، ومطالبتهم بها، وولاية الفتوى لهم والمساحات، وولاية شريح القضاء، وغيرهم من أهل العلم كثير» [اهـ].
ويقول في نفس الكتاب، ونفس الجزء، ونفس الصفحة ما يلي:
«وأما السلاطين الجورة فهم الذين تغلبوا على الناس؛ لا يُراعون شرعًا ولا يدعون إليه، ولا يعملون به وعطلوا الزكاة والصدقات، والعشور والخراجات، ولا يهتمون بالأقضية والحكومات، ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرَعُوا لأنفسهم طرقًا - في إقامة ملكهم. خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور، وحصنوها بالحرس والأعوان، ويُغيرون على البلدان، واستعملوا في جمع الأموال المغارم والقبالات، واتخذوا
-
1 - يعني: اللهم لك علي عهد ألا أعود إلى التخلف عن الجمعة. (المحقق)
-388 - (1/418)
صفحة 419
الأعوان والكفاة، وأظهروا شرب الخمور، ولباس الحرير، والمعازف والستور،
والجور في جميع الأمور» [اهـ].
ثُمَّ ذكر أمثلة من سلاطين الجور في المغرب، والأندلس، وسجلماسة، وملوك الدولة العبيدية في المغرب، ومصر، ثُمَّ قال:
«وأما المرابطون فهم أهل ديانة؛ أوَّلُهم يحيى بن عمر، وأبو بكر بن عمر، ويوسف بن تاشفين وعلي بن يوسف، وآخرهم تاشفين بن علي، حتى كشح الله تعالى هؤلاء كلهم بالمهدي وجنوده أهل التوحيد، الموحدين برب العالمين، فكان آخر العهد بهم» [اهـ].
وقال العلامة أبو حفص عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد ما يلي: «فالسلطان العادل فالواجب علينا ولايته وولاية كاتبه ووزيره وخازنه وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين» [اهـ] (1).
ويقول:
وبراءة السلطان الجائر وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه، وأما من
كان تحت لوائه فلا [اهـ] (2).
وقال قطب الأئمة في «شرح النيل»، الجزء العاشر، طبعة
القاهرة، ص: 362، ما يلي:
1 - مقدمة التوحيد وشروحها». بتصحيح وتعليق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش.
ط: القاهرة. 1353 هـ. ص: 72.
2 – المصدر نفسه. ص: 76.
-389 - (1/419)
صفحة 420
-
يحكم على أهل الدار وهي في العرف الخاص موضع – أو بلد أو
حوزة - ظهر فيه أو في البلد أو فيها أي الحوزة حكم وسيرة إما من
ـــ
ذوي عدل أو جور، سواء أكان العدل من أصحابنا أو من غيرهم، وكذا
الجور ... » (1) [اهـ].
الله بن ب
بن بركة موضوع السلطان الجائر
وقد ناقش الإمام أبو محمد عبد مناقشة طويلة، وإليك أيها القارئ الكريم مقتطفات منها ما بين ص 201 إلى
204، من الجزء الأوَّل، من كتابه القيم «الجامع»، طبعة عيسى الباروني (2): أجمع أصحابنا على جواز الإقامة للمسلمين في بلد قد غلب عليها الجبابرة، وأن تعمر فيه الأموال، وتزرع فيه الزرائع، ويُغرس فيه الأشجار، علمه بأنهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج، من غير أن يستحقوا ذلك المال وأنهم يستعينون به على ظلمهم وبغيهم» (3) [اهـ]. ويقول بعد أسطر:
«تجوز للمسلمين الإقامة في أملاكهم في المواضع التي لم يأت في سكنها حظر من قبل الله عزَّ وجل، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال
1 - اطفيش امحمد بن يوسف: شرح النيل وشفاء العليل». المطبعة السلفية ومكتبتها. القاهرة. 1343 هـ. (المحقق)
2 - أبو محمد عبد الله
بن محمد بن بركة البهلوي العماني: «كتاب الجامع». تح/ عيسى
يحيى الباروني. (د. د. ن). 2. 1394 هـ / 1974 م. (المحقق)
3 - المصدر نفسه. ص: 201.
-390 - (1/420)
صفحة 421
ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أن الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالاً تؤدي إلى تقويتهم على ظلمهم إذا كانوا إنما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم وستر عيالهم وإصلاح أحوالهم وللمسلمين أيضاً. ولكن إذا كانوا يزرعون ويعمرون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة لهم، فهم عُصاةٌ الله في فعلهم» (1) [اهـ].
وبعد سطور يقول:
«فإن قال: أفيجوز للمسلم أن يُقيم معهم ويبايعهم؟ قيل له: نعم، ما لم يعلم أنه غصب أو حرام، أو أنهم يكرهونه على تصويب الباطل، ويلحقونه إلى إظهار شيء من الباطل. فإن قال: أفيجوز للمسلم الغزو معهم؟ قيل له: نعم، إن الله عزّ وجلّ أمر بذلك في كتابه أمرًا عاما لقوله: {قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} (2)، وقال جل ذكره: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، وقال تعالى: قَاتِلُوا الذينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ، وأيضا فإن القتال جائز بغير إمام،
والله أعلم (5) اهـ].
1 - المصدر السابق. ص: 202.
2 - سورة التوبة. الآية: 29.
3 - سورة التوبة. الآية 05.
4 - سورة التوبة. الآية: 123. 5 - المصدر نفسه، ص 204.
- 391 - (1/421)
صفحة 422
أحسب أن هذا المقدار يكفي لتوضيح رأي الإباضية في الدار، وفي
معسكر السلطان. ولم يبق إلا الحالة الأخيرة التي اعتبرناها حالة شاذة، وضربنا لها الأمثلة بالاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي لبعض البلاد الإسلامية، وقد تحدث أبو يعقوب الوارجلاني على هذه الصورة أيضا، وإلى القارئ الكريم مقتطفات ممَّا جاء في كتاب «الدليل والبرهان» الجزء الثالث، ص: 74 وما بعدها (1)، قال:
«إعلم أنه لا يجوز لمن يتخذ دار الشرك وطنًا» [اه].
ثُمَّ يحتج لهذا الحكم ويذكر أسلوب التعامل مع المشركين، ثُمَّ يقول: وإن افتتح المشركون بلاد المسلمين، فأهل البلاد جائز لهم الكونُ معهم وتحتهم، وتجري عليهم أحكامهم، ولا يجوز لأحد أن ينزلها وأن أحد يتخذها وطنا من سائر الناس، وإن خرج من المسلمين من بلاده من خوفهم فهو مثل من لم يسكنها قط؛ وإن كان المشركون أهل الكتاب كاليهود والنصارى فللمسلمين مخالطتهم ومبايعتهم ومؤاكلتهم، ويأكلون ذبائحهم وسمونهم وإقطهم وجُبنهم ما لم يظهروا على حرام، وكذلك طبيخهم وطعامهم وشرابهم ليس الخمور، وإن أتهموهم على النجاسة فليحرجوا ما قدروا، ولا يتزوجون إليهم ولا يتسرون ولا ينكحونهم، ويعاملونهم في أموالهم ولا يحذرون منها شيئًا، ولو كان أثمان الخنازير، أو
1 – أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: الدليل والبرهان». ج 3. ص: 74،
وما بعدها.
-392 - (1/422)
صفحة 423
من أثمان الربا، ولا يعاملونهم بالربا، ولا يأكلون خنازيرهم، ويدفعون عن بلدهم من أراد ظُلمهم إلا عساكر المسلمين فلا يدفعونهم، ويتقون من
المجوس جميع ما يُؤكل ممَّا يخافون عليه النجاسة، أو من السمون والأجبان والطبيخ وغير ذلك» [اهـ].
ويُطيل المؤلّف في السلوك الذي ينبغي أن يسلكه المسلمون عندما
يكونون في هذا الوضع الشاذ.
وبعد هذا أستطيع أن أعود فألخص الموضوع في الصور الآتية:
-
1 - الدار دارُ إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام، وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة تعمل بحكم الله. 2 - الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه معسكر يغي وظلم وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة، لكنها لا تلتزم المنهج الإسلامي في الحكم.
3 - الدار دار إسلام ومُعسكر السلطان معسكر كفر، وذلك عندما يكون الوطن مُسلما والأمَّة مسلمة والدولة الحاكمة دولة
مستعمرة مشركة كتابية أو غير كتابية.
4 - الدار دارُ كفرٍ ومُعسكر السلطان معسكر كفر، وذلك عندما يكون الوطن للمشركين تسكنه أمة مشركة، وتتولى حكمه
دولة مشركة.
-393 - (1/423)
صفحة 424
التعامل بين المتخالفين
على
تحدث الفقهاء عن الحكومات المذهبية، أي عن السلوك الوا دولة تلتزم إجراء الأحكام على مذهب من المذاهب الإسلامية، وكيف يكون موقفها بالنسبة لمواطنيها من بقيَّة المذاهب. وكذلك تحدثوا عن سلوك المواطنين إذا كانوا يتبعون مذهبا غير المذهب الرسمي للدولة، وأستطيع أن ألخص رأي الإباضية في هذا الموضوع فيما يلي:
1 - عندما تكون الدولة ملتزمة بأحكام المذهب الإباضي فإن مع مواطنيها من المذاهب الأخرى أن تُبيّن لهم نقط الخلاف، وأن تدعوهم إلى ما تعتقده حقا وصوابا، وسواء أاستجابوا لها أم لم
موقفها
هي
يستجيبوا، فإن موقفها معهم لا يتعدى هذه الحال. ويجب أن تعاملهم في الحقوق والواجبات كما تُعامل المواطنين الموافقين لها في المذهب، لا فرق ولا خلاف. أما من دعا إلى فتنة سواء
سواء أكان
من موافقيها أم من مخالفيها،
فإنها تُعذر إليهم فإن رجعوا فذلك المطلوب، وإن أصروا على موقفهم
استحلت قتالهم حتى يفيوا.
2 - عندما يكون الإباضية مواطنين في دولة ملتزمة بمذهب غير
مذهبهم،
فإن مخالفة لآراء مذهبهم وأحكامه، ما دامت موافقة لأحكام مذهب الدولة التي تُطبق على الجميع، وعليهم أن يتعاونوا معها في كلِّ شيء ما لم يكن معصية. فإذا أُمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
عليهم أن يخضعوا لقوانينها وأن يرضوا باحكامها ولو كانت
-394 - (1/424)
صفحة 425
وقد ناقش العلامة أبو يعقوب الوارجلاني هذه المواضيع بشيء من الإسهاب والتفصيل والتمثيل؛ ومما قاله في كتابه «الدليل والبرهان» الجزء الثالث، ص: 53، ما يلي:
«والذي ينبغي لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا وصاروا إخواننا ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعًا واحدا كما تقدَّم، كما قال أبو حمزة المختار بن عوف ـ وقد خطب أهل المدينة وقد خطب أهل المدينة ـ فقال: "أيها الناس
-
نحن من الناس والناس منا، إلا عابد وثن وملكا جبَّارًا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها، وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام، فإن أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا، إلا ما كان من الاستغفار فلا حق لهم فيه، ما داموا متمادين على ما به ضلوا، ووسعنا وإياهم العدل، ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين، والعدلُ في الأحكام والدفاع عنهم، وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا، ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه ويردُّه إلى سواء السبيل، وإن جاوز ذلك (1) سفكنا دمه واستحللنا
1 – يعني أنه إن تجاوز الامتناع عن أداء الحقوق إلى العمل بما يُخل بالنظام والأمن. (المؤلف)
-395 - (1/425)
صفحة 426
قتاله، وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببالدهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم وذلك ما لم يكن ردًّا على آية مُحكمة، أو سُنَّة قائمة، ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلّهم، إذا كانوا ممن تقود (1) لهم ديانتهم، ولم يمنعنا من ولايتهم إلا ما هم عليه، ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق ونردّها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم، وإن الهمناهم في شيء أعذرنا إليهم، وننبذ إليهم على سواء ولا نتركهم يُظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرًا في ديانتهم، ونمنعهم أن يُحدثوا في أيامنا ما لم يكن، إلا أن يكون أمراً لا مكروه تحته، فلنا الخيار. وإن حاربناهم في هذا كله وهزمناهم فإنَّا لا نتبع مدبرًا، ولا تُجهز على جريح، وأموالهم مردودة إلا ما كان لبيت المال فإنا نحوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائزا في مذهبهم، وما كان في أيديهم من مال بيت المال للمسلمين، فإنا نأخذه ولا نرده إليهم ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها». [اهـ]
عليهم،
ويقول بعد أسطر:
«وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه، ولا
نستعمل فيهم حكم المحاربين». [اهـ]
1 - كذا في «الدليل والبرهان». ج 3. ص: 54.
-396 - (1/426)
صفحة 427
ويقول بعد أسطر:
ونصلي على قتلاهم وندفنهم، ونُحري المواريث بيننا وبينَهُم على
وجوهها، والعدد (1) والأموال والحرمات على وجوهها» (2). [اهـ]
وقد ناقش أبو يعقوب أيضا - الصورة المعاكسة في «الدليل
-
والبرهان الجزء الثالث ص 61، فقال ما يلي:
سائر
«اعلم يا أخي أني أريد أن أذكر كيف حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين منهم، ومع السلاطين الجورة الضالين، ومع المشركين: اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية إنه لا يحل
الظلمة الخروج عليهم ولا قتالهم بل التسليم لهم على ظلمهم أولى. قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقول القولة الأولى قول أهل: الدعوة إنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا» (3). [اهـ]
1 - العِدَدُ جمع عدة وهي المدة التي تنتظرها المرأة بعد الطلاق أو وفاة زوجها ليحل لها التزوج من جديد. (المؤلف)
2 - المصدر السابق. ص: 55. 3 - المصدر نفسه. ص: 61، 62.
- 397 - (1/427)
صفحة 428
وبعد هذا يذكر القول الثاني بعدم جواز الخروج مطلقا مهما كان وضعُ الدولة القائمة وينسبه إلى السنية حسب تعبيره، ثُمَّ يذكر القول
الثالث وينسبه إلى الخوارج، وهو وجوب الخروج وحلية الاستعراض.
محمد محمد بن
وبعد أن يذكر هذه الأقوال يعود إليها بالتفصيل ويتناول القول بالجواز بالتأييد والترجيح، ويحتج له بأن الذين لم يقولوا به من حيث المبدأ عادوا إليه من حيث العمل، ويحتج لجوازه بعدة أحداث تاريخية يذكر منها: خروج التوابين على يزيد وخروج عبد الرحمن بن الأشعت على الحجاج، وخروج كبار التابعين أمثال الشعبي وسعيد بن جبير وأضرابهم، وخروج زيد بن علي بن الحسين على هشام، وخروج يحيى بن زيد بن علي.
وفي سياق الحديث ذكر مناظرة وقعت له مع أحد العلماء قال في ص: 63، من نفس الكتاب، ما يلي:
وقد جرى لي كلامٌ مع الفقيه يحيى بن أبي بكر بن الحسن بن الشيخ وسف بن نفاث (1) مناظرة في سجلماسة في مثل هذا، فقال لي: أوَّل من
يوس
سن الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس بن أديَّة (2). قلت له: إن له في ذلك أسوة حسنة، فقال: أوحسنة؟ فقلت: أوَسَيِّئة؟ فقال: ومن هو؟ قلتُ: طلحة والزبير. فقال لي: إن طلحة والزبير اجتهدا فأخطئا، فقلتُ له: ولعلّ
1 - انظر ملحق التراجم.
2 - انظر ملحق التراجم.
-398 - (1/428)
صفحة 429
هذا اجتهد فأصاب؟، فقال لي: أو أصاب؟ فقلتُ له: ولعله اجتهد فأخطأ؟
فقال: الله يغفر للجميع» [اهـ].
ويقول في نفس الصفحة ما يلي:
وإن لم تخرج عليهم، ورضينا بالكون معهم وتحتهم، فجائز لنا ذلك، ونعيش في كنفهم» [اهـ].
بعد هذا أريد منك أيها القارئ الكريم أن تعود إلى مبدإ الفقرة
الأخيرة لنناقش معا بعض ما جاء فيها.
إذا تأملت أوَّل الفقرة تجد أن أبا يعقوب يذكر ثلاثة أنواع من السلطة
قد تحكم المسلمين وهي:
1 - أهل الخلاف المتدينون.
2 - السلاطين الجورة الضالون.
3 - سائر المشركين.
وأنت ترى أيها القارئ الكريم أن أبا يعقوب لم يهتم بالقسم الأول، فلم يتحدث عنه ولم يتعرّض لموضوع الخروج عليه. وذلك لأنه يعلق جواز الخروج بالحكومة الظالمة لا بالحكومة المخالفة في المذهب، فلم يتعرض بأي شيء للقسم الأوَّل (أهل الخلاف المتدينين) أما القسم الثاني وهم السلاطين الجورة الضالون - من أي مذهب كانوا - من أهل الدعوة (الإباضية) أو. من غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، فيجوز الخروج عليهم ومناصبتهم العداء. ويجوز البقاء تحت حكمهم والرضا بالحياة في كنفهم.
-399 - (1/429)
صفحة 430
أما القسم الثالث وهم سائر المشركين، فقد كتب فصلاً مطولاً
عنهم وعمن يكونون تحت حكمهم من المسلمين.
وأحب أن أزيد هنا بعض إيضاح لموقف الإباضية عندما تكون الدولة ملتزمة بمذهب غير المذهب الإباضي، وتجري الأحكام وفق مذهبها، فلو رفعت قضيَّة مما يختلف فيها المذهبان وجرى الحكم فيها بمذهب الدولة فإن الحكم يكون نافذاً وصحيحًا، وتترتب عليه جميع الحقوق والواجبات، ولو كان مخالفًا لما عليه الإباضية. وقد ذكر أبو يعقوب لذلك أمثلة في كتابه الدليل والبرهان صفحة 73، منها ما يلي:
رجل كان تحت أحكام للمخالفين، فتزوج وغاب عن زوجته، فأعذر القاضي إليه، فلم يفعل، فطلق عليه القاضي زوجته وأوجب عليه من النفقة عليها ما أوجبه الله تعالى فامتنع أو لم يكن له مال فطلق عليه القاضي زوجته، ما حُكم هذه؟ أهيَ مُطلقة أم غير مطلقة؟ فإن كانت غير مطلقة، فهل له أن يلم بها؟ ولا ينظر إلى حكم هذا القاضي؟ وتقع المواريث والحقوق والنسب أم لا؟
اعلم أن هذه مُطلقة وإن لم يكن في مأخوذ المسلمين (1) هذا الجواب، فلا يحل له أن يلم بها، ولا أن يقربها، وقد سقطت جميع الحقوق التي بينهما، ولها أن تتزوج غيره، وتقعُ الحقوق بينها وبين زوجها الأخير وترته ويرتُها» [اهـ].
1 - أحيانًا يُطلق المصنّف كلمة المسلمين ويُريد بها الإباضية، أي من باب إطلاق العام على بعض محتوياته، ويفهم ذلك من السياق والقرائن. (المؤلف)
- 400 - (1/430)
صفحة 431
تترهنا
وذكر مثلاً آخر فقال في نفس الصفحة ما يلي:
وكلُّ حُكم حَكَمُوه بالشاهد واليمين فهو ماض لنا وعلينا إلا إن منه، ولنا معاملتهم في جميع ما حكموه بالشاهد واليمين لنا وعلينا،
وتجري فيه المواريث على وجُوهِهَا» [اه].
وبعد أسطر يقول في ص 74، ما يلي:
«وأما ما يتعلق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فليس إلى خلاف الإجماع سبيل كصوم الشيعة يصومون آخر يوم من شعبان ويفطرون آخِرَ يوم من رمضان، فهذا فاحش، وأهل الدعوة (1) يكرهون القُنوت في الصلاة» [اهـ].
وتحدث الإمام نور الدين السالمي عن آراء الإباضية في التعامل مع
غيرهم من أصحاب المذاهب، نستطيع أن نستخلص منه ما يلي (2):
-
1
ونرى حق الوالدين، وحقَّ ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق أبناء السبيل، وحقَّ الصاحب وحق الجار، وحق ما ملكت أيماننا أبرارا كانوا أو فجارًا.
-
2 - نؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها، من قومنا (3) أو غيرهم.
1 - كلمة (أهل الدعوة هي الاصطلاح الذي يُطلقه الإباضية على أنفسهم في الغالب. (المؤلف)
2 - راجع السالمي: «تحفة الأعيان». ج: 1، ابتداء من ص: 66. (المحقق)
3 - كلمة قومنا يريد بها الإباضيَّة أصحاب المذاهب الأربعة في الغالب وقد تُطلق على جميع مخالفيهم من المذاهب بدلالة السياق أو القرائن. (المؤلف)
- 401 - (1/431)
صفحة 432
3 - نوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم.
4 - تجير من استجارنا من قومنا وغيرهم.
5 - يَأْمَنُ عندنا منهم الكاف عن القتال، المعتزل بنفسه.
6 - ندعو إلى كتاب الله، ومعرفة الحق وموالاة أهله، ومفارقة الباطل ومعاداة أهله.
7 - من أنكر حقٌّ الله منهم واستحب العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعائدهم فارقناه وقاتلناه حتّى يفيئ إلى أمر الله أو يهلك
على ضلالته.
8 من أنكروا حق الله وفارقوا المسلمين وعاندوهم لا نستحل سبي نسائهم، ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة أموالهم، ولا قطع
الميراث منهم.
و – لا نرى الفتك بقومنا، ولا قتلهم غيلة في السر لأن الله لم يأمر به
10
في كتابه، ولم يفعله أحدٌ من المسلمين.
نري أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا
يستقبلون قبلتنا.
11 - لا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله.
12 - لا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة.
- 402 - (1/432)
صفحة 433
13 - لا نرى قتل الصغار من أهل القبلة ولا غيرهم.
14 - لا نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه حتَّى يُطلقها زوجها أو يتوفى عنها، ثم تعتد عدة الطلاق أو الوفاة.
15 - لا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا.
16 - لا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه من
دين
الله.
17 - نبرأ من المصرين على المعاصي من أهل دعوتنا وغيرهم حتى
يراجعوا التوبة ويتركوا الإصرار.
18 - نتولى من لم نُدرك من المسلمين - ولم نَرَه منهم ـ بشهادة المسلمين.
-
19 – نبرأ ممن لم نُدرك من أئمة الظلم وممن لم نره منهم، ومن أوليائهم، بشهادة المسلمين.
20 - ترضى من ملوك قومنا أن يتقوا الله، ولا يتبعوا أهواءهم، ولا يجحدوا سنَّة، ولا يُصرُّوا على ذنب بعد معرفة، وأن يضعوا الصدقة والفيء حيث أمرهم الله.
21 - نرضى من السبابة (1) وهم الشيعة أن يتقوا الله، ولا يُفارقوا من
1 - ورد في أسفل صفحة 68 من كتاب: «تحفة الأعيان» تعليق محقق الكتاب الشيخ أبي إسحاق اطفيش ما يلي: "سُمُّوا سبّابة لأنهم يسبون الصحابة الذين نقموا منهم؛ كأبي بكر وعمر وعائشة ومعاوية، وغيرهم، وكأنهم اتخذوا سبهم جزءاً من عقائدهم تصح به، وتفسد بدونه. ولا حول ولا قوة إلا بالله. (المحقق)
- 403 - (1/433)
صفحة 434
لم يحكم إلا الله في أمر قد حكم الله فيه، ولا يتولوا من ترك
حكم الله رغبةً عنه وحكم غير الله.
22 - ونرضى من الخوارج أن يتقوا الله ولا يغشموا في دينهم، ولا يرغبوا عن سبيل من هَدَى الله، قبلهم، ولا يتولوا قوما ويخالفوا
-
23
أعمالهم، وأن لا يفارقوا من سار بسيرة قوم يتولونهم.
ونرضى من المرجئة أن يتقوا الله ربِّهم، وأن يُؤمنوا للمؤمنين في ولاية من لم يُدركوا من المسلمين، والبراءة ممن لم يُدركوا من أئمة الظلم، فيتولون بشهادتهم، كشهادة من يشهدون اليوم عليهم بالضلالة، وأن لا يُسموا الحكام بغير ما أنزل الله من أسمائهم.
24 - ونرضى من أهل السنة أن يتقوا الله، وأن يُقروا بحكم القرآن، ويوقِنُوا بوعده، وأن يستحلوا من أهل البغي والعداء والظلم ما أحل الله من فراقهم وقتالهم حتى يتوبوا.
25 - ونرضى من البدعية أن يتَّقوا الله ربهم، وأن يعملوا بسنة رسول الله، ويتولوا على العمل بها، وإن ضعفوا عنها.
26 - ونرضى من سائر قومنا أن يتقوا الله ربهم، ولا يجعلوا حكمه تبعا لحكم قومهم وأن لا يتمسكوا بطاعة قوم يعصون الله، فإن الله لم يأذن لأحد أن يُعطي عهده من يعصي أمره». [اهـ]
- 404 - (1/434)
صفحة 435
ولعل القارئ الكريم - بعد ما عرضتُ عليه ـ يرى أن الإباضي
يعتبر جميع
وحده
-
المسلمين من
-
-
مختلف مذاهبهم إخوة له يتساوون معه في الحقوق
والواجبات، وهو يعترف لهم بجميع الحقوق التي أوجبها الله للمسلم ويفي لهم بها، ويطالبهم بجميع الواجبات التي أوجبها الله على المسلم ويدعوهم إلى القيام بها، ولا يتردَّد إلا في حق واحد وهو الاستغفار، فهذا الحق ـ يراه الإباضي حقا خاصا بالمؤمن الموفّي بدين الله، لا يُمكن أن يمنح للمتهاون الذي يرتكب المعصية، سواء أكانت معصية فعل، أم معصية ترك، أم معصية تأويل ما لم يتب منها، أما في غير هذا فالمسلمون في جميع مذاهبهم متساوون في الحقوق والواجبات، اللهم إلا بالنظر إلى من ارتكب ما يُخرجه من الإسلام جملةً بما أجمع المسلمون جميعا على اعتباره مُخرِجًا من الملة، كإنكار معلوم من الدين بالضرورة، وهم في هذا لا يفترقون عن بقية المذاهب الإسلامية جُملةً وتفصيلاً، ولم يبلغ بهم الحال ما بلغ الغلو والشطط ببعض المتفيقهة حين منعوا الصلاة وراء وعلى
مخالفيهم، والدفن في مقابرهم، والتناكح معهم، وقد رأيت أمثلة من ذلك
في صدر هذا الكتاب.
- 405 - (1/435)
صفحة 436
قال المستشرق نلينو:
المنزلة بين المنزلتين
إلا أن هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الإباضية في شمال
إفريقيا عن مذهب المعتزلة، أولهما بالضرورة هي تلك المتعلقة بالطريقة التي
أن
يعتبر بها مرتكب الكبائر: وإلا كان على الإباضية، وهم خوارج، يُنكروا أصلهم إنكاراً تاماً إن شاؤوا أن يعتبروا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمنا كما فعل أهل السنة والجماعة، أو إن قالوا بالمذهب القائل بأن
مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المترلتين كما
•
يقول المعتزلة. ولهذا فإن الشيخ عامر يقول في ص 120: ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر.» [اه].
محله
بدا لي أن كلام المستشرق غير واضح وأن استشهاده في غير بل ربما خطر لي أنه لم يفهم مذهب الإباضية في موضوع الكبيرة، أو المنزلة بين المتزلتين، وأن لا متزلة بين المترلتين؛ ولذلك أحببت أن أزيد
،،
الموضوع شيئًا من الإيضاح بما ورد في الموضوع من كلام الأئمة. يقول أبو محمد عبد الله بن سعيد السدويكشي (1) في حاشيته على متن الديانات لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي - وهو الكتاب الذي استشهد به المستشرق نلينو واعتمده، ملخصاً لعقائد الإباضية ـــ ما يلي:
1 - انظر ملحق التراجم.
- 406 - (1/436)
صفحة 437
«المنزلة بين المنزلتين:
يعني
ان
قوله ندين بأن متزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومترلة الشرك، المنافق ليس بمشرك ولا بمؤمن بل هو موحد، وخالف في ذلك الأشعرية، أن لا مُنافق إلا منافق العصر (1)، وهو عندهم مشرك لأنه يُظهر
زاعمين
الإيمان ويُخفي الشرك» [اه].
ويقول بعد أسطر:
«والذي عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الاعتقاد، فلا فرق بين منافق العصر وغيره من عُصاة الموحدين» [اهـ]. ومضى يحتج لهذا المذهب حتّى قال:
«وأن المتزلة بين المتزلتين إلخ، الحاصل أنا نقول بمنزلة النفاق بين منزلة الإيمان والشرك ونقول بأن لا متزلة بين الإيمان والكفر، والمخالف في الأصل الأول الأشاعرة، حيث أدخلوا المنافق في المشرك ولم يجعلوه واسطة بين المؤمن والمشرك، وتقدَّم الكلام عليه، والمُخالف في الأصل الثاني المعتزلة، حيث جعلوا الفسق متزلةٌ بين الإيمان والكفر، فقالوا إنه كالأبلق لا يسمى لما به من السواد أبيض، ولا يسمى لما به من البياض أسود» [اه].
واستمر يحتج لهذا المذهب حتى أورد القصة الآتية:
الله عنه:
وفي السؤالات قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن خليفة رضي التقيت مع التقيوسي بنفطة فجرت بيننا محاورة ومناظرة حتَّى قال: عجباً
1 – يقصد به عصر النبيء. (المؤلف)
- 407 - (1/437)
صفحة 438
منكم أبا عثمان؟ لم تُسمون صاحب الكبيرة كافرًا؟ لم لا تسمونه ضالاً فاسقا وتُسمونه كافرًا؟ - وكان فقيها نحويًّا ـ فقلت له: تُسمونه فاسقا؟
-
قال: نعم، فقلتُ له: كيف قال الله تعالى في سورة السجدة؟ قال: وكيف قال؟ فقلت: قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُومِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا، لا يستوون)، فَلَمَّا فَهِمَها ووعاها قال: «والله لقد ذكرتني شيا لقد نسيته، وعلم أن الكفر والفسق واحد» [ه].
بعد هذا أحب أن أضع بين يديك أيها القارئ الكريم بعض ما قاله إمام آخر من أئمة الإباضية في القرن الخامس الهجري هو: تبغُورين بن داود بن عيسى الملشوطي (2)، وكتابه من أهم المصادر في هذا الموضوع، قال: «الأصل الخامس، في المنزلة بين المتزلتين: وهو النفاق بين الشرك والإيمان، وقد اجتمعت الأمَّةُ على أن المنافقين كافرون، وأنهم في الدرك الاسفل من النار وأنهم مع النبي الله الله هوالمسلمين في البيوت والدور، يحجون معهم، ويجاهدون معهم كما قال الله عزَّ وجلّ: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، ثُمَّ بين الله منزلتهم في غير موضع من كتابه، فوضع الناس على ثلاث منازل؛ في قوله تعالى: ليُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهَ
1 - سورة السجدة. الآية: 18.
2 - انظر ملحق التراجم 3 - سورة التوبة. الآية: 101.
- 408 - (1/438)
صفحة 439
غَفُوراً رَحِيماً)، فوصف المنافقين بالذبذبة؛ فقال: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاَءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (2)؛ يريد لا إلى المسلمين في الاسم والثواب والوفاء، ولا إلى المشركين في الحكم والسيرة والجحود والإنكار. ونقض هذا الكتاب وهذا الاجماع كثير من الأئمة ممَّن زعم أنهم مشركون مظهرون التوحيد، كاتمون الشرك، إلا الإباضية وفرقة من الزيدية والحسينية. وقد بين الله المنافقين أنهم إنَّما أصابوا النفاق بخصال شتّى، وإنما كان أول النفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسماهم الله منافقين ـ اسم لم يُسم به أحدًا من مِلَلِ الشرك ـ وفيهم نزل: {فَمَا ـ
-
لَكُم فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} (3)، اسمٌ إسلامي رعي مأخوذ من النفق، وهو خروج الشيء من حيث لم يدخل كما يقال نَفَقَ اليربوع إذا خرج من غير بابه، ونَفَقَ هَلَكَ، ونَفَقت الدابة ونَفَقَ المالُ هَلَكَ.
وأوَّلُ ما سبق من الشيطان النفاق، حيث أبى السجود ثُمَّ دعا إلى
عبادته، فصار إبليس شيطانا مريدا مشركًا.
ومن المنافقين من أصاب النفاق بإيذاء النبي في الصدقات: فإن أعطوا مِنْهَا رَضَوا وإنْ لَّمْ يُعطوا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)
1 - سورة الأحزاب الآية: 73.
2 - سورة النساء. الآية: 134.
3 - سورة النساء. الآية: 88. 4 - سورة التوبة. الآية 58
- 409 - (1/439)
صفحة 440
يطمعونها منهم بتوحيدهم مع المؤمنين، ولو أنهم مشركون ما طمعوا
في الصدقات ولا يرونها.
عنه:
ومنهم من نافق بمنعه الصدقة؛ مثل ثعلبة وغيره، كما أخبر الله تعالى وَمِنْهُمْ مِّن عَاهَدَ اللَّهُ لَئِنْ آتَانَا من فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}، {فَأَعقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهُ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (2)» [اهـ].
وبعد مناقشة لمعنى يكذبون ويكذبون على اختلاف القراءات قال:
الصدقات
ومنهم: والذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوعِينَ مِنَ المُومِنِينَ فِي والذينَ لا يَجدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَحْرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ) (3)، ومنهم المخلفون عن رسول الله له في الجهاد، رغبوا
(4)
بأنفسهم عن نفسه {وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، وقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا (5)، وعيدًا لهم.
وقال: {لَا يَأْتُونَ الصَّلَواةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى، وَلَا يُنفِقُونَ إِلا وَهُمْ
کارهون (6)
1 - سورة التوبة. الآية: 85.
2 - سورة التوبة. الآية 89
3 - سورة التوبة. الآية 79
4 - سورة التوبة. الآية: 83.
5 - سورة التوبة. الآية: 83. 6 - سورة التوبة. الآية: 54.
- 410 - (1/440)
صفحة 441
(1)؛ يعني
وقال: {أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ)
الصدقة والجهاد في سبيل الله.
فبهذا وأمثاله سمَّاهم الله، منافقين وأخبر عن صلاتهم وقال:
(2)
ولاَ يَأْتُونَ الصَّلَواةِ إِلا وَهُمْ كُسَالَى ا)؛ والمشركون لا يُصَلُّون
كسالى ولا نشاطي» اهـ.
ومضى المؤلّف في سرد الأدلة حتّى قال:
(3)
ويَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا، {وَإِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) أي قالوا غرنا الله ورسوله، وكان يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ونحن لا يقدر أحدنا أن يخرج إلى حاجة الإنسان لشدَّة حَصْر الأحزاب لهم في المدينة.
ومنهم الذِينَ الخَذُوا مَسْجِدًا ضَرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) ضرارًا للمسلمين وحرسًا لليهود، وحميَّة كانت لهم في الجاهلية واتخاذ
الجاه عندهم.
هذا أخبر الله
عن المنافقين في كتابه وسنة رسوله وقال رسول الله
1 - سورة الأحزاب. الآية: 19.
2 - سورة التوبة. الآية: 54. 3 - سورة المنافقون. الآية: 07. 4 - سورة الأحزاب الآية: 12. 5 - سورة التوبة. الآية: 107.
- 411 - (1/441)
صفحة 442
«ثلاث مَن كُنَّ فيه فهو منافق: من إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان،
وإذا وعد أخلف» (1)، وأمثال هذا من الأحاديث عن النبي كثير في المنافق. فليس هو كما قال من قال: النّفاق إظهار التوحيد وكتمان الشرك، وجعلوا النفاق شركا لا يتم إلا بالتوحيد، و لم نعلم شيا يكون مثل هذا، شيء لا يتم إلا بضده وخلافه، ولا يتم أحدهما دون الآخر.
وفي أحكام الله ورسوله في المنافقين ما يُبين ويُثبت أنهم موحدون وليسوا بمشركين، وفيهم نزلت الحدود بالسياط وقطع يد السارق والرجم والقذف والقتال إن لم ينتهوا من إظهار نفاقهم، وما به ضلوا وزلوا» [اهـ].
«الأصل السادس:
لا منزلة بين المنزلتين:
وذلك أن معناها "لا متزلة بين المنزلتين: أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدَّان كالأضداد كلّها شبة الحركة والسكون والحياة والموت. وقد أجمعت الأمة في أصلهم على أن من ليس بمؤمن فهو كافر؛ لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ (2)، وقوله:
1 - رواه النسائي في سننه عن أبي وَائِلٍ، قال قال عبد الله: «ثَلاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ حَانَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ
تَزَلْ فِيهِ حَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَتْرُكَهَا». كتاب الإيمان وشرائعه، رقم: 4937. 2 - سورة التغابن الآية: 02.
- 412 - (1/442)
صفحة 443
و إما شاكرًا وَإِما كَفُورًا (1)، وقوله عن سليمان عليه السلام: ليَبْلُوَنِي أَأَشْكُرْ أَمْ أَكفُرُ}، وقال: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} (الآية).
(3)
وقال: {وَكَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُوْنَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقٌّ عَلَيْهِمُ الصَّلالَةُ) سعداء وأشقياء. وقال: {يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ
يعني
وُجُوهٌ، فَأَما الذيْنَ اَسْوَدَّت وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ، فَذُوقُوا الْعَذَابَ بمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وقال في موضع آخر: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةً ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)). ومثل هذا في القرآن كثير، وفي سنة رسول الله، وفي لغة العرب أن من ضيَّع شكر نعمة الله فقد كفر نعمته، وذلك موجود في أشعارهم، قال الشاعر:
(6)
(7)
نبئت عمدا غير شاكر نعمتي والكفر مخبئة لنفس المنعم "
1 - سورة الإنسان الآية: 03.
2 - سورة النمل الآية: 40.
3 - سورة هود. الآية 105
4 - سورة الأعراف الآيتان 29 30
5 - سورة آل عمران الآية: 107.
6 - سورة عبس. الآيات: 38 - 42.
7 - كذا ولعل الصواب: «نبات عبدا ..... ». (المحقق)
- 413 - (1/443)
صفحة 444
وفي خطبهم ومخاطباتهم، فنقضت ذلك المعتزلة ومن قال بقولهم، إنّ
أهل الكبائر ليسوا بمؤمنين ولا كافرين وإنَّهم فاسقون في النار مخلدون، ومثل هذا كثير من اختلاطهم وتناقض، مذهبهم، فثبتنا على الأصل المجتمع عليه نحن وإيَّاهم، على أن من ليس بمؤمن فهو كافر، وأن الكفر ضد الإيمان؛ كالحياة والموت، ولا يخرج من أحدهما إلا ودخل في الآخر. ولو جاز أن يخرج من الكفر ولم يدخل في الإيمان، لجاز أن يخرج من الثواب والجنَّة ولا يدخُل في النار، ولا يكون من أحدهما أحدهما وهو مكلف صحيحُ العقل فيكون لا شقيا ولا سعيدا، ولا موحدا ولا مشركًا، ولا صالحا ولا
طالحا، لأن هذه هي الأضداد التي لا ينفك عنها الناس» [اهـ].
هذه القضيَّة عند الإباضية واضحة شديدة الوضوح رغم الخلافات
الكثيرة فيها بين فرق الأمة؛ فالناس على ثلاثة أقسام:
1 - القسم الأوَّل: هم المؤمنون؛ وهم الأوفياء بإيمانهم الملتزمون بجميع ما جاء به الإسلام - عملاً وتركا، عملاً وتركا، وبهم يقوم المجتمع المسلم في الدنيا، وبهم
--
تناط الرسالة الإسلامية، وبهم وحدهم تُحفظ حرم الله وتُقام حدوده، ويوم
القيامة هم في دار النعيم جزاء لهم على إيمانهم وعملهم الصالح.
-
2
القسم الثاني: وهم المشركون الواضحون في شركهم، سواء
أكان ذلك بإنكارهم لوجود الله تبارك وتعالى، أم لإشراكهم غيره معه في العبادة، وبهؤلاء يقوم المجتمع المشرك في الدنيا، وإليه توجه الدعوة إلى الإسلام، والقتال لتأمينها، ويوم القيامة هُم في دار الخزي والعذاب الأليم
بعدم إيمانهم وسوء عملهم.
- 414 - (1/444)
صفحة 445
-
3
الفريق الثالث: هم قومٌ أعلنوا كلمة التوحيد وأقروا بالإسلام،
ولكنهم لم يلتزموا به سلوكًا وعبادة، فهم ليسوا مشركين لأنهم يُقرون بالتوحيد، وهم ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يلتزمون ما يقتضيه الإيمان، فهم مع المسلمين في أحكام الدنيا لإقرارهم بالتوحيد وهُم مع المشركين في أحكام الآخرة لعدم وفائهم بإيمانهم ولمخالفتهم ما يستلزمه التوحيد من عمل أو ترك. وقد أطلق الله تبارك وتعالى على هذا النوع من النَّاس تسمية جديدة
لم تكن معروفةً في الشرائع السابقة، وذلك حينما اختلف المسلمون في أولئك الذين أقروا بالإسلام وتخلّفوا عن الهجرة فاعتبرهم بعضهم مشركين لتخلفهم عن الهجرة، واعتبرهم آخرون مؤمنين لإقرارهم بالتوحيد، فأنزل الله قوله تبارك وتعالى: {فَمَالَكُم فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسُهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سبيلا (1)، إلى آخر الآيات الكريمة.
وقد رسم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة صُورًا واضحة للمنافقين تتجلّي للمسلمين في كل عصر. ومن الصفات التي جعلها القرآن الكريم ملازمة للنفاق ما يلي:
الله
التكاسل عن إتيان الصلاة، والإنفاق على كُره، الكذب على في اليمين، الطمع المزري، الحيرة والارتباك، شدَّة
ورسوله، الحنت
1 - سورة النساء. الآية: 88.
- 415 - (1/445)
صفحة 446
أداء
الجبن، احتمال المذلة، شهادة الزور، التخلف الجهاد وعن عن الواجبات باختلاق المعاذير السخرية من الضعفاء والفقراء، توقع انكشاف سلوكهم الحقيقي للناس، إيذاؤُهم بالكذب والإشاعة بين أفاضل الأمة، ابتغاء الفتنة، تظاهرهم بالاستقامة، فرحهم بالمغانم، جزَعُهم عند المغارم، إخلا فهم للوعد وخيانتهم للعهد، إلى غير ذلك.
والقرآن الكريم في أكثر مُناقشاته لهم إنَّما ينعى عليهم إخلالهم بالجوانب العملية، وكذلك السنة المطهرة، مما يدل دلالة واضحة أن يعني الإخلال العملي بما يقتضيه الإيمان ممَّن يُقر بالتوحيد.
النفاق
وبناء على هذا ومثله، فقد استعمل الإباضية كلمة النفاق للدلالة على المعاصي العملية، وأطلقوها على من ارتكبها في أي زمان. وكان هذا النوع من الناس يعيش في المجتمع المسلم في عهد الرسول، وفيما بعده من عهود، ولكن وجودهم ـ في الدنيا ــ داخل المجتمع المسلم لم
—
آيات الوعيد الشديدة التي تناولتهم في كل مناسبة، بل يبعد عنهم
جعلتهم في الدرك الأسفل من النار.
وقد أطلق الإباضية على هذا القسم الثالث اسم المنافقين، وكفار النعمة اعتمادا على الأدلة الكثيرة في هذا الموضوع من الكتاب والسنة، لكنَّ أكثر المذاهب الأخرى لم تقف هذا الموقف؛ فذهب بعضها إلى أن المنافقين مشركون، أما أصحاب المعاصي العملية ـ فعلاً وتركا ـ فهم مؤمنون. وذهبت مذاهب أخرى إلى أن أصحاب المعاصي العملية هم فُسَّاق وليسوا مؤمنين ولا مُشركين ولا مُنافقين، وذلك رغم أن القرآن الكريم يقول:
-
- 416 - (1/446)
صفحة 447
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَن الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ
(1)
الْفَاسِقُونَ).
فأنت ترى أيها القارئ أن القرآن الكريم وصف المنافقين بمعاص عملية هي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل عن الإنفاق والإعراض عن الله ثُمَّ أحد بإن وضمير الفصل {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. ثُمَّ قال تبارك وتعالى:
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل الله فَأَوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُون) (2).
(3)
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل الله فأولئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
(4)
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)).
المولى
وتأمل أيها القارئ الكريم في الآيات الثلاث السابقة، تجد أن تبارك وتعالى جعل الظلم - وهو معصية عملية ـ سببًا للحكم على
-
-
مرتكبه بأنه كافر وفاسق أو ظالم، وقد سبق لك أن عرفت في الآية السابقة أن الله تبارك وتعالى جعل المنافقين والفاسقين فريقا واحدا بصيغة التأكيد، ويتضح لك من هذا جميعًا أن النفاق والكفر - كفر النعمة
1 - سورة التوبة. الآية: 67.
2 - سورة المائدة. الآية: 44.
3 - سورة المائدة. الآية: 45. 4 - سورة المائدة. الآية: 47.
- 417 - (1/447)
صفحة 448
-
والفسوق والظلم تصلح لمعنى واحد، ويُعامل صاحبها في الدنيا معاملة
واحدة، وفي الآخرة يكون لها مصير واحد.
هذا أهم ما بدا لي ذكره في هذا الموضوع، وأرجو أن يكون واضحا بالمقدار الذي أردته وسعيتُ إليه.
على أنني أحب أن أختم هذا الفصل بكلمة قصيرة لقطب الأئمة الشيخ امحمد اطفيش؛ فقد جاء في كتابه القيم «شامل الأصل والفرع»، ص: 25، ما يلي (1):
مخالفة
والنفاق لغة الخروج من غير المدخل، وإخفاء غير ما أظهر، وشرعًا الفعل القول، أو السر العلانية، والمنافق عندي من أظهر التوحيد وأخفى الشرك، عليه أحملُ ما ورد في القرآن، ومن عمل كبيرة دون
الشرك. وقصره أصحابنا على الثاني وقومنا على الأول».
وعلق الإمام أبو إسحاق على هذا بقوله: «وردت أحاديث كثيرة في إطلاق النفاق على الكبائر العمليَّة، كما وَرَدَت في إطلاق الكفر عليها. ولهذا فقد أطلق أصحابنا النفاق عليها كما أطلقوا الكفر، فصار النفاق فيها مرادفًا لكفر النعمة. أما غير أصحابنا فقد تكلفوا تأويلات في تلك الأحاديث لحصر الكفر والنفاق في الشرك، روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن ابن عمرو أن رسول الله
قال:
1 - امحمد بن يوسف اطفيش: شامل الأصل والفرع». المطبعة السلفية، القاهرة، مصر. 1348 هـ.
- 418 - (1/448)
صفحة 449
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، كانت فيه خصلة منهنَّ ومن
كانت فيه خصلة
من النفاق حتَّى يَدَعَها: إذا حدث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا عاهَدَ غدر، وإذا خاصم فجر» (1).
1 - رواه البخاري بلفظ قريب عن عبد الله بن عمرو، ونصه: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ
29
منافقًا خالصًا، وَمَنْ كَانَتْ فيه
كانت فيه خَصْلَةٌ منهن
مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى
يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ، حَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
صحيح البخاري كتاب الإيمان رقم: 33
- 419 - (1/449)
صفحة 450
مسائل فقهية اجتهادية
تحت هذا العنوان سوف نستعرض بعض المسائل الفقهية الاجتهادية التي يجوز فيها الخلاف، ولا يُقطع فيها العذر، ومع ذلك فقد أوردها بعضُ كتاب المقالات السابقين في مقام التشنيع على الإباضية.
من ذلك ما ذكره أبو محمد علي بن حزم؛ فقد جاء في كتابه: «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، ص 144، ما يلي:
وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويُوجبون القضاء على من نام نهارًا في رمضان فاحتلم ويتيمَّمُون وهم على الآبار التي يشربون منها، إلا قليلا منهم» (1) [اهـ].
هذه أحكام فقهية في مسائل فرعيَّة كما يرى القارئ الكريم، ولا شك أن ابن حزم أورَدَها هنا تشنيعا على الإباضية، وقد أوردها
عن
بأسلوب يشوبه شيء من الغموض والإبهام؛ شأن أكثر من كتب الإباضية ساخطًا عليهم، حتى يجعل من المسألة التافهة مسألة ذات قيمة، وحتى يُوهم الناس أن هذه الفرقة مولعة بالمخالفة حتّى في أوضح الواضحات.
1 – ابن حزم. الفصل في الملل والأهواء والنحل». ج 4. ص: 144.
- 420 - (1/450)
صفحة 451
العالم الكبير يتحدث عما تختلف فيه الفرق بعضها عن بعض في مجال العقائد، وكان معقولاً ألا تُذكر ـ في مجال هذه المباحث ــــ الفروع
الفقهية التي هي المذهب الواحد. لكنَّ ابن حزم لم يلتزم بهذا المسلك المعقول، وليته ـ حين
مجال البحث والاجتهاد والخلاف بين الفقهاء حتّى من
-
-
عرض المسائل الفقهية الفرعية - عرضها بوضوح وتفصيل وصدق. ولعلّ القارئ الكريم يتوق إلى معرفة ما يقوله الإباضية في تلك المسائل، وهل كان ابن أمينا نزيها في نقلها ونسبتها؟ لكي يتضح ذلك سوف نستعرضُها واحدةً واحدةً، كما يلي:
1. طعام أهل الكتاب:
ذكر ابن حزم أنه شاهَدَ الإباضية عندهم في الأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب ذكر هذا الحكم هكذا مجردا في هذا الأسلوب المبهم، دون أن يعنى بأي تفصيل أو إيضاح. وموضوع طعام أهل الكتاب فيه مباحث طويلة بين علماء الأمة وفقهائها جميعا لا بين فقهاء الإباضية فحسب، وفي جميع البلدان الإسلامية لا في الأندلس فقط، وعندما يتحدث الفقهاء عن طعام أهل الكتاب فهم يقصدون الذبائح بالدرجة الأولى.
علماء الأمة جميعا
ومنهم
علماء الإباضية لا يختلفون في أن طعام أهل الكتاب حلال للمسلمين عندما يكون أهل الكتاب تحت الذمة، أي تحت الحكم الإسلامي، خاضعين لرقابته، ولا يختلف الإباضية عن غيرهم المسلمين في هذا الحكم للنص القرآني الكريم:
من
-421 - (1/451)
صفحة 452
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌ لكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا عَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَحْدَانِ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (1).
-
ولا يُوجد أحد من علماء الإباضية يُخالف النص، ويقول بتحريم طعام أهل الكتاب هكذا على الإطلاق كما ادعى ابن حزم، ولكن منهم من يشترط الحلية ذبائح أهل الكتاب أن يكونوا تحت الذمة، أي تحت إشراف حكم الدولة المسلمة ورقابتها. فإذا كانوا كذلك حل طعامهم ونكاح الحرائر من نسائهم أما إذا خرجوا عن الذمة، بأن لم يكن بينهم وبين المسلمين صلة ولا علاقة، أو كانوا محاربين الله ورسوله، أو كانوا مؤيدين لمن يُحارب الله ورسوله مساعدين له، فإنه لا يحلُّ طعامُهُم؛ أي ذبائحهم، ولا نكاح الحرائر من كما نسائهم، هو الحال في وقتنا الحاضر لمن لم يكن تحت الحكم الإسلامي، ومن علماء الإباضية من يعمل الآية فيُجيز ذلك بعموم على جميع الأحوال.
ولا شك أن المسألة مسألة فرعيَّة اجتهادية تحدث عنها علماء الإباضية وغير الإباضية بإسهاب وتطويل واختلفت فيها آراؤهم ولا
1 - سورة المائدة الآية: 05.
- 422 - (1/452)
صفحة 453
يوجد أحد أحد من علماء الإباضية لا في القديم ولا في الحديث يُحرم طعام أهل الكتاب إذا كانوا تحت الذمة، أو تحت رقابة الأمة المسلمة في أي عهد من العهود وممَّن يُفتي بتحريم ذبائح أهل الكتاب في الوقت الحاضر لأنهم ليسوا تحت الذمة: مفتي الجمهورية العربية الليبية، وقد أعلن ذلك بفتاوى رسمية عدة مرات، وممَّا قاله: "إن المسلم لا يمكن أن يرفض الميتة لأنها جاءته عن يد مسلم ثُمَّ يتقبلها من يد مشرك بدعوى أنه من أهل الكتاب [اهـ]، فذبائح أهل الكتاب عنده في هذه الحالة في حكم الميتة، وهذا المفتي مالكي المذهب متمسك بمذهبه إلى حد التعصب مع احترامه للمذاهب الأخرى وأئمتها.
إن ابن حزم يذكر أنه شاهد الإباضية يُحرمون طعام أهل الكتاب في الأندلس، فإن كان ذلك من بعض الأفراد على سبيل الكراهية والتقزز فذلك جائز، وإذا كان ذلك مع الذين لم يكونوا تحت الذمة أي لم يكونوا تحت حكم الدولة الإسلاميَّة في الأندلس فذلك جائز أيضا؛ أما أهل الكتاب وهم تحت الحكم الإسلامي في
إذا زعم
أن ذلك كان
الأندلس فقوله غير صحيح، إلا إذا كانت تلك المشاهدة منصبة على فرد أو أفراد من العوام الذين يلتزمون أحكاما لا أصول لها، ثُمَّ ينسبونها إلى أو مذهب، ثُمَّ هُم يُشدّدون في ذلك أحيانًا تشديدًا يُخالف يُسر الإسلام. وهذه النماذج موجودة في كلّ مذهب، وهم شواذ لا ينبني على رأيهم حكم، ولا يجري بهم حساب.
دين
- 423 - (1/453)
صفحة 454
وبرجوع بسيط إلى مصادر الفقه الإباضي ومراجعه وإلى تاريخهم، يتضح للقارئ ذلك النقاش الدقيق الطويل الذي أخذه موضوع طعام أهلِ الكتاب وموضوعُ نكاح نسائهم، والرأي الذي استقر عليه جمهورهم، ويتضح له موقفهم من حلية طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم مطلقا أو وهم تحت الذمة. وسيجد وقائع تاريخية كثيرة تشهد أن بعض علمائهم. أكل طعام أهل الكتاب وتزوج من نسائهم وهنَّ تحت الذمة، كما يجد وقائع أخرى تشهد أن بعض علمائهم تعامل مع أهل الكتاب بهذا الأسلوب، وهم معاهدون وليسوا ذميين.
على أن الموضوع اليوم، في عصرنا الحاضر وقد تكالب أهل
—
-
يجب أن
الكتاب كلهم على محاربة المسلمين بجميع وسائل الحرب يرجع فيه المسلمون إلى رأي المانعين؛ وقد رجح هذا الرأي بالفعل كثير من العلماء المعاصرين من مختلف المذاهب ومن المستقلين، ويتشدد الكثير منهم في الطعام الذي يُقدَّم في مطاعم أوروبا وأمريكا وغيرهما، إذا كان مشتملاً على اللحوم، ويُشدّدُ بعضُهم النكير على الطلبة الذين يدرسون هناك، ويُقيمون مُدَدًا طويلة تشديدًا يجعلهم يلتزمون بشراء اللحم من قصابين مسلمين، ولو كبدهم ذلك تعبا وعنا؛ مما جعل بعضهم يستغني عن اللحم ويقتصر على السمك والبيض ونحوه.
وعلماء الإباضية اليوم يقفون نفس الموقف من هذا الموضوع؛ يتفقون على حلّيَّة طعام أهل الكتاب عندما يكونون تحت الذمة،
-424 - (1/454)
صفحة 455
ومنهم من يحرم طعام أهل الكتاب المعادين، ويُشدّدُ في التحريم، ومنهم من يتساهل ويُجيز عملاً بالعموم في الآية الكريمة.
أما موضوع نكاح نساء أهل الكتاب أي الزواج من الكتابيات،
فالمؤلّف لم يُشر إلى مقالة الإباضية فيه، وهو مرتبط بموضوع الذبائح.
وبقطع النظر عن سلوك الإباضية وغيرهم في ذلك الحين، فإن عدم تحريم الزواج من أهل الكتاب في العصر الحاضر، يكون مشكلة اجتماعية وسياسية ودينية خطيرة. ولو أباح الإسلام الزواج منهنَّ مُطلقا فإن المصلحة في هذا العصر تقتضي الاستغناء عن ذلك المباح، والابتعاد عنه، وأنا أرى إذا كان لما أراه حساب - أن آراء المانعين منه أصوب، وتحريمه إلى روح الشريعة أقرب.
-
ولعلّ مِمَّا يُفيد القارئ الكريم أن أنقل له أقوال بعض الأئمة؛ جاء في
عقيدة التوحيد التي ترجمها عمرو بن جميع ما يلي:
فإن استكانوا لذلك ودفعوها (أي الجزية) حرمت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وحلّ للمسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم، وإن لم يستكينوا لذلك ولم يدفعوها، حلّت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، و حرم على المسلمين أكلُّ ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم» [اهـ].
قال قطب الأئمة في شرحه لهذه العبارة من العقيدة، ما يلي: «وما ذكره المصنّف هو مشهورُ المذهب، وفي المذهب قول آخر هو أنه تحل ذبائحهم ونكاحُ حرارترهم ولو لم يُعطوا الجزية، ولو حاربوا،
- 425 - (1/455)
صفحة 456
لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية، ونزل القرآن وهم محاربون ولم يشترطها. وهو قول قومنا وبعض أصحابنا وهو الصحيح» [اهـ].
أحسب أن هذا يكفي للرد على ما زعمه أبو محمد علي بن حزم في هذا الموضوع، وقد رأيت كيف أن قطب الأئمة وهو من آخري مجتهدي الإباضية يرجح الجواز مطلقا، ومن الأئمة المعاصرين الذين يذهبون إلى استحلال طعام أهل الكتاب دون قيود أو شروط أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم بن عمر؛ فقد كان يُفتي بأن طعام أهل الكتاب ومنها ذبائحهم كيفما كانت طريقة ذبحهم حلال للمسلمين، لأن الله أطلق الإباحة ولم يقيدها بأي شرط، ولم يكلف المسلمين بالبحث عنهم أو التفتيش عن طريقتهم في الذبح، وكل ما يجب على المسلمين حسب نظره
-
التأكد من أن أهل الذبائح أهلُ كتاب وليسوا مُشركين أو ملاحدة (1)
2 - قضيب التيس:
-
هو
ويقول ابن حزم ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش». . . لست أدري لماذا هذا الاهتمام الكبير من العالم الكبير، بهذه الألياف التي لا يعمد إلى أكلها أحد، ولا يستسيغها أحدٌ، سواء أكانت حلالاً أم حراماً. وقد صدق ابن حزم في هذه القضيَّة فإن الإباضية يُبعدونها لسببين: السبب الأول أنها أشياء قذرة تتقزز منها النفوس، وينفر منها الطبع
1 - انظر: فتاوى الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض». ج:2، ص: 593، وما بعدها. (المحقق)
- 426 - (1/456)
صفحة 457
عند كثير من
السليم، وليس فيها ما يُغري على الأكل، أو يُفيد الجسم. الثاني: أنها حاملة بول ولا تخلو والبول - منه، المذاهب منها الإباضية - نجس لأَنه قذر خبيث، وقد حرَّم الله تبارك وتعالى الخبائث. فامتناع الإباضية عن أكل تلك القضبان وتقديمها على موائدهم وفي ولائمهم يرجع إلى أنها حوامل للخبيث، وأنَّها مستقذرة على كلِّ حالٍ.
أنا موضوع الحكم بنجاسة بول ما يُؤكل لحمه فهو أيضا فقهى فرعي، اختلفت فيه أنظار المجتهدين، وتعددت أقوالهم وطال فيه النقاش
والبحث، واستقرت الإباضية على القول بالتحريم والنجاسة، وهم يقطعون فيه عذر من خالفهم لأنها مسألة فرعيَّة.
3. القضاء على المحتلم:
لا
ويقول ابن حزم ويوجبون القضاء على من نام نهارًا فاحتلم» [اهـ]. وليس الأمر هكذا بهذا الإجمال كما زعم ابن حزم، وإنما يُوجبون القضاء على من أصبح جُنبا مع شيء من التفريط، عملاً بالحديث الشريف الذي رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك في الموطا؛ فهم يرون أن الصائم الذي ينام في النهار فتصيبه الجنابة يجب عليه عند الاستيقاظ المبادرة إلى الاغتسال، ولا شيء عليه إذا لم يُهمل أو يتهاون، أما إذا أهمل الغسل أو تهاون فيه فيجب عليه القضاء لأنه ضيع، وكذلك من أصابته جنابة بالليل فنام على نيَّة أن يقوم قبل الفجر للتسحر أو التطهر فغلبه النوم فأصبح
- 427 - (1/457)
صفحة 458
جنبا، يرى بعض الفقهاء أنّ عليه القضاء لأنه أهمل دون أن يتعمد الإهمال أو التهاون (1)، ويدرؤُون عنه الكفارة. ويرى البعض الآخر من الفقهاء أنه
يجب عليه المبادرة إلى الاغتسال ولا شيء عليه إذا لم يتهاون أو يُهمل)
(2)
فإذا وجبت عليه الجنابة في ليل أو نهارٍ ثُمَّ تهاون فلم يغتسل فإنّ عليه القضاء، ويدرؤون عنه الكفارة في جميع الأحوال، وقد أوضح العلامة نور الدين السالمي هذا الموضوع في شرحه على المسند أن الحكم بالإفطار على من أصبح جنبا هو قول الإباضية، ثم قال: «رواه [أي الحديث] المصنف [أي الربيع بن حبيب] عن أبي عبيدة عن جملة من أصحاب رسول رسول الله، وعن عُروة بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي من التابعين، ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير أيضا، وحكاه ابن المنذر عن طاوس، وقال ابن
،،
بطال: "هو أحد قولي الشافعي وحكى ابن المنذر أيضا عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر: أنه يتم صومه ثُمَّ يقضيه. وروى عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما، ونقل بعض المتأخرين من قومنا عن الحسن بن صالح: إيجاب القضاء في الفرض» (3) [اه].
1 - أي أنه أهمل الغسل ليلاً طمعا في الاغتسال قبل الفجر، ولم يتعمد إهمال الغسل أو التهاون به حتى يطلع الفجر. (المحقق)
2 - المفهوم من العبارة: أنه يجب عليه المبادرة إلى الاغتسال فور استيقاظه، ولا يجوز له بعده الإهمال والتهاون وإلا لزمه القضاء. (المحقق)
3 - عبد الله بن حميد السالمي: «شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب». ج 2.
ص: 20، 21. (المحقق)
-428 - (1/458)
صفحة 459
هذا تحرير المقام وهو كاف في الموضوع، وابن حزم أصاب الحقيقة حين نسب هذا القول إلى الإباضية، ولو أنه جاء به في صيغة إجمالية مبهمة بين مجموعة من المسائل، منها ما لا يقول به الإباضية مطلقا، ومنها ما يقولون به ولكن ليس على الإطلاق الذي أورده ابن حزم.
4 - التيمم مع وجود الماء:
ويقول ابن حزم ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها» [اهـ]. ويُخجلني أن أقول للعلامة ابن حزم إن هذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة، فإن يكن سمعها من الغير فهي كذبة بلقاء جازت عليه، وإن زعم أنه عرف ذلك بنفسه كما صرح أنه شاهَدَ ذلك بنفسه - فهو وهم من العالم الكبير ولا أحسبه يتجنّى.
-
الله
هو
ان
والذي يحملنا أن نقف هذا الموقف الذي لا يخلو من العنف، أكاذيب كثيرة جرت على أقلام شهيرة ضد الإباضية، منها ما يناقض بعضها بعضا، ومنها ما يُكذِّبه الواقع وتبطله الحقائق المعروفة الثابتة، مِمَّا يدلُّ أن تلك الأكاذيب صدرت عن مخيلات تُتَصوَّر، لا عن تبصر أو حقائق تقع.
مشاهدات
: كتب الإياضية - وفي الطهارات خاصة. موجودة ومنتشرة في
عصر ابن حزم وقبل أن يوجد، وليس فيها يشتم منه أي نوع من
التساهل في قضية الطهارة والصلاة.
:
- 429 - (1/459)
صفحة 460
وقد عُرف الإباضية قديما وحديثا بتشددهم في مسائل الطهارة
وحرصهم عليها، حتّى أوجبوا - عمليا - الاستجمار قبل الاستنجاء،
-
وحتى إنهم لم يُجوزوا المسح على الخفين، واعتبروا الأحاديث الواردة في الموضوع منسوخة بآية الوضوء.
وما اشتهروا به في سلوكهم وسيرهم من التشدد في الطهارة يقف حائلاً دون تصديق هذه الدعوى، بل إن جميع من عاشرهم قديما وحديثا يشهد لهم بتشددهم في مسائل الطهارة عموما، وفي الوضوء والغسل خصوصا.
وابن حزم في قوله هذا يزعم أن الأكثرية منهم يتيمَّمُونَ وهم مُقيمون على الآبار التي يشربون منها. فكيف عرف هذه الأكثرية؟ وكيف أُتيح له أن يراهم على آبارهم يتيمَّمُون؟ فهل كان من عادتهم إذا أراد أحدهم الصلاة أن يذهب إلى البئر ثُمَّ يجمع التراب ويتيمم؟ إنه لو زعم أنه رأى فردا أو أفرادا أو حتّى جماعة منهم يفعلون ذلك لاحتمل كلامه التصديق؛ ويُحتمل حينئذ أن يكون ذلك المتيمم أو المتيممون على البئر متهاونين بأحكام الطهارة أو معذورين بعذر شرعي خفي على ابن أما أن يزعم أن هذا عمل الأكثرية فهذا باطل من القول، تردُّه
حزم.
طبيعة السلوك عند المسلمين عموما، وعند الإباضية خصوصاً.
الله،
على أن رؤية فرد أو أفراد يتهاونون بحد من حدود مذهب وفي أي عصر، أمرٌ محتمل الوقوع، ولكن ذلك لا يدلُّ على
من أي
أنه
عمل الأكثرية من أصحاب ذلك المذهب، كما أنه لا يدلُّ أبدا على
أن
-430 - (1/460)
صفحة 461
المجموعة
--
ما يفعله أولئك المتهاونون هو رأي أو قول في المذهب. فلو رأينا مجموعةً من الناس من أي مذهب كان - إباضيًا أو مالكيًا أو شافعيًا أو حنبليا أو غيرها – يُصلُّون بدون طهارة أو يشربون الخمرة ـــ مهما كان عدد تلك. لم يصح لنا أن نقول إن أكثرية المذهب الفلاني تفعل كذا، أو أن المذهب الفلاني يُبيح كذا استنادًا إلى تلك المشاهدة، وإنما يجب أن ننسب الفعل إلى من يقوم به فقط لأن ذكره في سياق الحديث عن آراء المذاهب ومقالاتها يوحي بأن قواعد المذهب هي التي تجيز ذلك العمل، وهذا خطأ واضح فاحش؛ إنَّك الآن قد تدخل إلى بعض البلدان الإسلامية في رمضان فتجد المقاهي والمطاعم مفتوحة دائبة الحركة، والناسُ يتردَّدون عليها يتناولون منها، فهل يحق لك إذا رأيت ذلك في بلد يغلب على أهله مذهب معيَّن أن تقول إن أكثريَّة أصحاب ذلك المذهب يأكلون في رمضان
استنادًا إلى ما رأيته؟
وفي العصر الذي كان يعيش فيه ابن حزم كان هناك في الأندلس مجالس للغناء والخمر يغشاها الناس بالعشرات والمئات، ولا سيما في مجالس الأمراء والحكام، فهل يصح لأحد ـ بناء على تلك المشاهدات ـــ أن
-
يقول: أكثر المسلمين في الأندلس يُغنون ويسكرون؟!.
وفي هذا العصر الذي استعلنت فيه المعصية، وأصبحت بعض الموبقات تُرتكب جهارًا، هل نستطيع أن ننسب تلك الموبقات إلى أكثرية مذاهب أولئك العُصاة المارقين؟ بل هل يحق لنا أن نعرضها
- 431 - (1/461)
صفحة 462
ونحن نذكر بعض ما تتميز به مذاهب عن مذاهب، أو تختص به
مذاهب دون مذاهب؟
وعلى كل حال وبكلِّ اعتبار، ومهما كانت التأويلات فإن الحكم الذي أطلقه ابن حزم في قضيَّة التيمُّمِ غير صحيح ولا وجود له عند الإباضية؛ لأن الإباضية يقولون إنه لا يجوز التيمم إلا في حالة العجز عن استعمال الماء، إمَّا لفقدانه وإمَّا للعجز عن استعماله، وفي ذلك تفصيلات وشروح معروضة في كتب الفقه.
5. الحدود:
ذكر الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد أن من مذهب الإباضية: من زنى أو سرق أُقيم عليه الحد ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلا قتل " اهـ].
ران
هذه فرية عن الإباضية أطلقتها شفة آثمة مغرضة ــ ولسنا نتهم بها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد، فإنَّها موجودة في مصادر قديمة ربَّما أخذ منها ـ وكل مسؤولية الأستاذ عبد القادر في هذا الموضوع وأشباهه، إنَّما هي في التقصير وعدم التثبت وعدم التزاهة عند الحديث عن الفرق.
وكان عليه أن يتثَبَّت ويتحقق قبل أن الكلام على عواهنه. لا
يرمي
أساس لهذا الرأي عند الإباضية فحد الزنا وحد السرقة ثبتا بالنص،
1 - شيبة الحمد: الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة». ص: 144. (المحقق)
-432 - (1/462)
صفحة 463
وكذلك بقيَّة الحدود، وما ثبت بالنَّص عند الإباضية فلا مجال فيه للرأي، ولا يتجاوزون فيه حُكم النَّص، بل إن الإباضية يرون أن أهم ما يميز الإمام العادل من الجائر هو إقامة الحدود كما ثبتت.
والحكم عندهم على الزاني المُحصن الرجم، ثبت ذلك بالسنة القولية والعملية، وعلى الزاني غير المُحصَن الجلد، ثبت ذلك بنص القرآن الكريم. وعلى السارق القطع، بشروط مبينة ومفصلة في كتب الفقه التي تُعالج هذه المواضيع، وكذلك بقيَّة الحدود. ولو أخذ عبد القادر شيبة الحمد أي كتاب منها لوجد الكلام فيها واضحا؛ يشرح الحدود وطرق إثباتها، وطُرُق تنفيذها. بل إنني أؤكد أن الأستاذ لو تناول كتب السير والتاريخ التي تتحدث عن الإمامات التي أقامها الإباضية في المشرق. أو المغرب لوجد فيها حالات أقامت فيها تلك الإمامات بعض الحدود في أحداث حصلت فلم تتجاوز فيها النصوص، ولم تقتل إلا من كان حده القتل. أما الاستتابة والتوبة وعدمها فيتعلّق بها عند الإباضية حكم آخر هو حكم الولاية أو البراءة، أي الحُبُّ في الله من أجل الطاعة، أو البغض في الله من أجل المعصية.
فكل من ارتكب جريمة يلزمه بها حدٌ فهو مُرتكب لكبيرة، وتحب البراءة منه لارتكابه تلك الكبيرة، فإن تاب وأعلن ذلك وندم على ما فعل، رجع إلى ما كان عليه من الولاية، وإن أصر على معصيته بقي
حكم البراءة.
كذلك في
-433 - (1/463)
صفحة 464
ولا شك أن القارئ الكريم يعرف أن البراءة لا تعني القتل، وإنما تعني كرَاهَة القلب، وإظهار السخط، وجفاء المعاملة من أجل ركوب المعصية.
منه
هذا ما يقوله الإباضية في هذا الموضوع ولعلماء الأمة من جميع المذاهب مناقشات طويلة في معاملة من أُقيم عليه الحد، وفي حكم عدالته، وهل هو كفء أو غير كفء، كما أن لهم مناقشات طويلة في الذي يتكرر الجُرم، وتتكرر إقامة الحد عليه عددًا من المرات، ورأي الإباضية في ذلك هو رأي الجمهور؛ في السرقة يتعدد القطع مع خلاف في العضو الذي يُقطع بعد اليد اليمنى من الرسغ في المرّة الأولى، وفي الخمر خلاف بعد المرة الرابعة هل ينتقل الحد من الجلد إلى القتل، أو إلى الإعفاء، أو يبقى السكران هو الجلد باستمرار، وتقرير هذا الحكم وحده كاف للرد على زعم الأستاذ عبد القادر ومن رجع إليه.
جميع
وعلى كل حال فلا شيء في الحدود عند الإباضية يُعدُّ غريبا يختص
بهم أو يختصون به، ومن أراد التفاصيل فليراجع المطولات.
ومع كل هذا أو بعد كل هذا، فهي مسائل فرعيَّة اجتهادية ــ في غير ما يتناوله النص - ممَّا تختلف فيه الأنظار. راجع إن شئت مزيدا من البيان
-
في الفصل الذي عقدناه (لابن حزم والإباضية).
6. قتل النساء والأطفال:
يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه السابق ما يلي: لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال» [اهـ]. ومفهوم هذه العبارة
-434 - (1/464)
صفحة 465
من
أنهم أباحوا قتل الرجال، وهذا ليس بصحيح؛ إن الإباضية كغيرهم من المسلمين لا يستبيحون الدماء البشرية مطلقا، إلا إذا كان ذلك بناءً على حكم الله تبارك وتعالى وعلى أمره لهم بذلك؛ إما لإقامة حدوده، أو لتأمين دعوة الناس إلى الإسلام وتعميم حكمه عليهم، وذلك في الجهاد في سبيل الله، أو في درء العدوان الواقع على المسلمين للقهر والتسلط، أو للسلب والنهب، أو كان ذلك قياما لإسقاط حكم ظالم غاشم فاسد، وإقامة حكم إسلامي عادل مكانه.
وفي جميع الأحوال يرى الإباضية أنه يجب أن تكون دماء العجزة البراء ـ سواء أكانوا شيوحًا أم مرضى أم نساء أم أطفالاً أم حتى معتزلين لحركة القتال مصونة، امتثالاً وعملاً بأمر رسول الله، واقتداء
-
بخلفائه الراشدين عند توجيههم لجيوش الفتح.
ولا شك أن الأستاذ عبد القادر يقصد بدماء النساء والأطفال، دماء نساء المسلمين وأطفالهم عندما تثور بينهم حروب أو فتن.
والإباضية في هذا الباب لا يُبيحُون إلا دماء المشتركين بالفعل
في العدوان، والقتل ولا يُجيزون قتل النساء ولا قتل الأطفال ولا قتل العجزة، ولا قتل المسالمين الذين لم يشتركوا في القتال، ويمنعون من تتبعهم عند انهزامهم، ومن الإجهاز على جرحاهم، ومن أخذ أي شيء من أموالهم، ويوصون بالحرص في معرفة من تولى القتل بنفسه حتّى ينفذوا فيه القتل فيكون من باب القصاص - من قَتَلَ قُتل ـ ولا يكون في غيرهم ممن اشترك ولم يباشر عملية القتل. ومعنى هذا أنه حتى عندما يشترك
- 435 -
30 (1/465)
صفحة 466
أحد الناس في قتالهم، ويكون مع عدوهم فهم يتجنبون قتله في ميدان المعركة إلا إذا ثبت أنه قتل بالفعل أحدا منهم، فإنه حينئذ يُقتل في المعركة على صورة القصاص. فإذا انتهت المعركة توقف السيف عند الإباضية، ولم يجز أن يُراق بعد التوقف أي دم.
ولقد يكون من المفيد للقارئ الكريم أن أنقل له في آخر مناقشة هذه النقطة ما يقوله الإمام أبو يعقوب الوارجلاني، فقد قال في «الدليل والبرهان»، الجزء الثالث، ص 59، ما يلي:
«الفتنة الأولى): وهي الفتنة بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال. وحركاتهم فيها حرام. والقاتل والمقتول في النَّار، وقد قال رسول الله الله: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» (2). [اهـ].
وبعد التدليل على هذا الرأي قال:
الفتنة التي تقع بيننا وبين المخالفين: اعلم أن الفتنة التي تقع بين أهل الدعوة والمخالفين هي على وجهين: إذا كان أصلها والظلم من أهل الدعوة بدءًا فهي مثل التي تكون بين أهل الدعوة بينهم البين، وإن كان
1 - قول الإمام أبي يعقوب الفتنة «الأولى» يعني به الوجه الأول من الفتن. ويعرف هذا بالرجوع إلى الكلام الذي مهد به للحديث عن الفتن بين أهل التوحيد أي المسلمين، وقانا الله شرها. (المحقق) 2 - رواه البخاري في صحيحه عن الأحنف بن قيس. كتاب الإيمان، رقم الحديث 30.
-436 - (1/466)
صفحة 467
أصلها والظلم من المخالفين فهذه دون الأولى، فإذا وقعت الضرورة فيسعُ المسلمين أن يذبوا ويدفعوا عن المظلومين، وأن يُظهروا البينونة بينهم وبين أهل الدعوة إذا ظهر منهم الفساد مثل ما يظهر من أهل الفتن، وينهوهم عن ذلك ما قدروا، ويُبينوا أن ليسوا بأصحابهم فيها. وإن رجعت من المخالفين ديانة دفعنا عن أهل دعوتنا ما قدرنا عليه، ولا نساعدهم على فساد الأموال بل ننهاهم عن ذلك» (1) [اهـ]. ويقول أبو يعقوب في نفس الكتاب، الجزء الثالث، 54، ما يلي:
ص
وإن حاربناهم في هذا كله وهزمناهم فإنا لا نتبع مديرا، ولا تجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم، إلا ما كان لبيت المال فإنَّا نحوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائزا في مذهبهم، وما كان في أيديهم من مال بيت مال المسلمين فإنَّا نأخذه ولا نرده إليهم، ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها» [اه]. أحسب أن هذا يكفي لإيضاح الموضوع.
7 - قتل المشبهة:
يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه السابق ما يلي:
«أباحوا قتل المشبهة، واتِّباع، مُدبرهم، وسبي نسائهم وذراريهم
بناء
على أنهم مُرتدون، وأن أبا بكر رضي الله عنه فعل هذا بالمرتدين» (2) [اهـ].
1 - الوارجلاني: «الدليل والبرهان». ج 3. ص: 61. (المحقق)
2 - شيبة الحمد: الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة» ص: 144. (المحقق)
-437 - (1/467)
صفحة 468
يبدو لي أن الالتواء في هذا التعبير مقصود من الذين صاغوه، وكان ينبغي أن يُقال إن الإباضية يرون وجوب قتل المرتدين.
أما الحكم على المشبهة بأنهم مرتدون يحل قتلهم هكذا على الإطلاق، فهو كلامٌ مُلتو يحتاج إلى إيضاح وتصحيح. ولإيضاحه وتصحيحه أقول ما يلي:
المشبهة عند الإباضية على ثلاثة أقسام:
1 - المجسمة: وهم الذين يزعمون أن الله تبارك وتعالى وتنه ـ
-
جسم كأجسامهم بطول وعرض ولون وجوارح محددة.
والإباضية يحكمون على هذا القسم بأنهم مشركون.
2 - أشباه المجسمة: وهم الذين يزعمون أن الله تبارك وتعالى جسم كالأجسام، بطول وعرض، إلا أنهم يَحتَرِزُون بكلمة «ونحن لا نعرف ذلك»، وهؤلاء أيضا يحكم عليهم الإباضية بالشرك.
3 - القسم الثالث: وهم أغلبية المسلمين غير الإباضية والزيدية والمعتزلة، الذين يعتقدون تنزيه البارئ جلّ وعلا عن مشابهة الخلق، ولكنَّهم يثبتون المعاني الحرفية لبعض الكلمات التي وردت في القرآن تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين والساق، والمجيء، والترول، والاستواء، والمسرة، والضحك، فيمسكون عن تأويلها بالمعنى المناسب، ويقولون: «كما أراد الله»؛ فهم يثبتون معانيها ويفرون من التشبيه بإعلان التنزيه.
- 438 - (1/468)
صفحة 469
ويقول الإباضيَّة عن هؤلاء بأنهم مشبَّهة لأنهم أخطؤوا في
التأويل، ولكنَّهم لا يحكمون عليهم بأنهم مشركون، بل هم جمهرة المسلمين، ويرون أن لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على بقية المسلمين، إذ إن عقيدتهم التنزيه كعقيدة الإباضية، وكل ما هنالك من فرق أن الإباضية أوَّلوا الكلمات الموهمة للتشبيه بما يؤدي المعنى ولا ينافي كمال الله؛ فقالوا عن العين إنها العلم والحفظ، وقالوا عن اليد إنَّها النعمة والقدرة، وقالوا عن الاستواء إنه الملك والقهر والغلبة، وهكذا في جميع ما ورد في القرآن الكريم أو السنة النبوية الثابتة مما يوهم التشبيه، وقد
رجع المتأخرون من الأشعرية إلى التأويل وتقبلوه وأصبحوا يقولون به. والذي أريد أن يكون واضحًا لدى القارئ الكريم، هو التفريق بين بنوعيهم، وبين المشبهة، فالمجسمة يعتبرهم الإباضية مشركين لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، بسبب تصورهم وتصويرهم لإلههم بصورة المخلوق المحدود.
المجسمة
أما المشبهة، وهم المخطئون في التأويل على رأي الإباضية، فأثبتوا الله تبارك وتعالى ما ورد في القرآن أو السنة ممَّا يُوهم التشبيه، مع اعتقاد التنزيه، واعتماد المخالفة بين الخالق والمخلوق، واعتبار الآية الكريمة لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٍ (1) محور عقيدة المسلمين، والإباضية لا
1 - سورة الشورى الآية: 11.
- 439 - (1/469)
صفحة 470
يحكمون على هؤلاء بالردة ولا بالشرك، بل هم إخوتهم في الإسلام، وإن اختلفوا معهم في بعض الأشياء، وقد يطلقون عليهم اسم المشبهة في مواطن الجدل والمناقشة، لا سيما عندما تتخذ مواقف الجدل بعض صور العنف
الكلامي، ولكنَّهم مع جميع الاعتبارات لا يعتبرونهم مرتدين ولا مُشركين ولا يحكمون عليهم بأحكام هؤلاء.
من
هذا يتضح لك أيها القارئ الكريم أن عبارة الأستاذ عبد القادر فيها شيء من الغموض والإبهام؛ فهو إن كان يُريد بالمشبهة من يُسميهم الإباضيَّةُ المُجسّمةَ فكلامه صحيح إلى حد ما، أما إذا كان يقصد بهم من يُطلق عليهم الإباضية اسم المشبهة البتة، وقد علمت ما عند الإباضية. ثُمَّ إِنْ صحيح الإباضية يعدُّون من أهم مسائل الخلاف بين الإباضية من جهة وبين الزيدية أو النكار من جهة ثانية، أن الزيدية وكذلك النكار يحكمون بشرك المشبهين بالتأويل، ويكفي هذا ردا على الأستاذ
فكلامه غير
عبد القادر شيبة الحمد.
-
-
- 440 – (1/470)
صفحة 471
خلاصة آراء الإباضية
في هذا الفصل أحب أن أعرض على القارئ الكريم نماذج من أساليب الكتاب المعاصرين والمستشرقين في عرض آراء الإباضية وبيان مقالاتهم، ليرى المقاييس التي يستعملونها في تقدير الخطا والصواب، والحق والباطل عقائد الأفراد والجماعات، وليتبين له مدى الجهد الذي بذله كل واحد
منهم في دراسة موضوع هام كهذا الموضوع.
يُجمل الأستاذ أبو زهرة آراء الإباضية فيما يلي:
1»
-
إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين، ويسمونهم كفَّارًا. ويقولون عنهم إنهم كفار نعمة، لا كفار في الاعتقاد، وذلك لأنهم لم يكفروا بالله ولكنهم قصروا في
جنب
الله تعالى.
2 - دماء مخالفيهم حرام، ودارُهُم دارُ توحيد وإسلام، إلا معسكر السلطان، ولكنَّهم لا يُعلنون هذا، فهُم يُسرون في أنفسهم أن
دار المخالفين ودماءهم حرام.
-3 - لا يحلُّ من غنائم المسلمين الذين يُحاربون إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه قوَّةٌ في الحروب، ويردون الذهب والفضة.
4 - تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم» [اهـ].
- 441 - (1/471)
صفحة 472
ويلخصها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد فيما يلي:
1 ـ يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إلا معسكر
-
--
السلطان، فإنه دار بغي عندهم.
منهم: هو
2 ـ اختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال؛ فقالت طائفةٌ براءة من الشرك والإيمان جميعا، لقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاَءِ وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ). وقالت طائفة منهم:
:
(1)
إن النفاق قاصر على من سماهم الله عزَّ وجلّ به عند نزول القرآن فلا تُزيلُ اسم النفاق من موضعه، ولا نُسمّي به غير من سمى الله عزَّ وجلّ. وقالت طائفةٌ
منهم: المنافقون أهل
توحيد، ولكنهم أصحاب كبائر لا يدخلون في الشرك وإن
سميناهم كفارا.
3 ومن مذهبهم أن من زنى أو سَرَق أُقيم عليه الحد ثُمَّ اسْتُتيب فإن
تاب وإلا قتل.
4 - لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال.
5 - أباحوا قتل المشبهة، واتِّباع، مدبرهم، وسبي نسائهم وذراريهم بناء على أنهم مرتدون، وأن أبا بكر رضي الله عنه فعل هذا
بالمرتدين» [اهـ].
1 - سورة النساء. الآية: 143.
- 442 - (1/472)
صفحة 473
ويلخصها الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي فيما
يلي:
1 ـ التنزيه المطلق الله تعالى، ويُوجبون تأويل المتشابه بما يليق
-
بجلال الله تعالى كاليد تؤول بالقوة وتارةً بالنعمة، فمذهبهم مذهب الخلف في المحكم والمتشابه.
-
کمال
2 لا يرون رؤية الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من الله تعالى، لأن الرؤية تستدعي مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلون بالآية الشريفة ولا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير (1)، وما جاء في السنة لا يُعارض القرآن الكريم لأنه خبر الأحاد، وخبر الآحاد لا يُفيد إلا الظَّنَّ، والظنُّ لا يصح دليلاً على العقائد. ويُفسرون الحجب في الآية الكريمة كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (2) بأنه غيرُ الرؤية.
3 يرون أن صفات الله تعالى ذاتية ليست بمعان قائمة بذاته.
-
4
لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامي،
كإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، كأن يُنكر إنسان صفة من صفات الله
تعالى، أو نبيا من الأنبياء، أو حرفًا من القرآن الكريم.
5 يرون أن القراءات السبع متواترة.
1 - سورة الأنعام. الآية: 103.
2 - سورة المطففين. الآية: 15.
- 443 - (1/473)
صفحة 474
6 - يعرفون المذهب الاجتهادي بقولهم: المذهب هو ما استبان لكل فرقة عن الأخرى في الفروع التي لا تأثيم فيها، فحرية الرأي وحريَّةُ المذهب مكفولة، وأن الخلافة لا تكون إلا من أهل الحل والعقد.
7 - إن مُرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركًا، وإن أهل الجنَّة خالدون
أن
فيها، وإن أهل النار خالدون كذلك، فهم يخالفوننا في عقيدتنا؛ وهو العاصي من المؤمنين يدخل النار حتى يطهر من معصيته، لأن المعاصي رجس، والجنة طاهرة فلا يدخلها إلا الطاهرون.
8 - يخالفوننا في بعض فروع الفقه: مثل رفع اليدين عند التكبيرات في الصلاة، ومثل وُجُوب سجدة التلاوة حين سماع الآية، وغير ذلك من
المسائل التي لم تكن موضع إجماع» [ه].
ويذكر المستشرق "جولد تسيهر منها ما يلي:
1 ـ القرآن مخلوق.
-
2 ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
-
3 تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازيا، (الميزان الصراط).
4 - كل تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش يجب تأويله
تأويلاً مجازيًا.» [اهـ]
ويُضيف إليها المستشرق نلينو ما يلي:
- 444 - (1/474)
صفحة 475
5 ـ الله لا يغفر الكبائر لمرتكبيها إلا إذا تابوا قبل الموت.
-
المسلمين،
6 ـ عذاب النار أبدي حتى لمرتكب الذنب من مات دون أن يتوبَ لا تنفع له شفاعة الملائكة والرُّسل والأولياء.
وهو إذا
7 صفات الله ليست بزائدة على ذات الله ولكنَّها عين ذاته. 8 - يقولُ الإباضيَّة في شمال إفريقيا بالحرية المحدودة في صورة الكسب أو الاكتساب عند الأشاعرة.» [اهـ].
إذا رجعنا إلى إجراء مقارنة بين ما استخلصه الكتاب الخمسة السابقون نجدهم يصدرون عن اتجاهين:
- الاتجاه الأوَّل: وهو الاعتماد والأخذ ــ بدون نقد أو تحقيق ـــ من مصادر قديمة ليست معبّرة تعبيرا ذاتيا عن الإباضية، ولا صادرة عمَّن
يعبر عنهم ــ أو بتعبير أدق ـ يصح له أن يعبر عنهم، وهذا الاتجاه عرضة ــــ للوقوع في الأخطاء ولو بدون قصد، ومع حُسن النية.
وقد اختار الأستاذان أبو زهرة وعبد القادر شيبة الحمد أن يصدرا عن هذا الاتجاه، فكان فيما كتباه بعض الخطأ، وبعض عدم الدقة في التعبير، وشيء من الإبهام والإيهام. ولا شك أنهما يريان أنهما غير مسؤولين عن ذلك ما دام مأخوذا من مصادر موجودة متداولة، تحظى بثقة الكثيرين، ولهما حُرمة وتقدير في أوساط البحث العلمي، ولكنني أرى أن أقل ما يمكن أن يُنسب إلى مسلكهما أنه تهرب من المسؤولية التي
445 (1/475)
صفحة 476
تضعها ثقة الأمة في أعناقهما، أو هو محاولة للتخلص من المسؤولية وإلقاء ثقلها على الغير، وهما يعالجان اليوم موضوعًا ترجو منهما جميع الأطراف أن يضعا له صورة صحيحة وسليمة ومتفقة مع الحقيقة والواقع، متجاوزين تلك الرواسب التي تركتها ظروف لم يبق لها اعتبار، فلم ينهضا بما ينبغي لهما، وألقيًا وزره على أقلام سكتت منذ ألف سنة.
الاتجاه الثاني: الرجوع إلى مصادر الإباضية أنفسهم لأخذ آرائهم التعبير الذاتي للإباضية عن آرائهم أو عن بعض آرائهم، أو هي صادرة عمَّن يصح له أن يعبر عنهم لأنه يعتقد
منها، وتلك المصادر
نفس اعتقادهم.
هي
وهذا الاتجاه كفيل بأن تكون الأحكام الصادرة منه صحيحة، أو أقرب إلى الصحة، ولا يمكن أن تتسرب إليه الأخطاء إلا من عدم الفهم، أو من اللجوء إلى بعض الأقوال المتطرفة التي هي تعبير عن رأي فرد، وليس تعبيراً عن رأي المذهب المقصود - والتطرف الفردي موجود عند أتباع كل مذهب ــ وهذا التسرب للأخطاء بعيد الاحتمال جدا.
وقد اختار الأستاذ إبراهيم عبد الباقي أن يصدر عن هذا الاتجاه كما اختار نفس المسلك كل من المستشرقين تسيهر ونلينو، وكان ما كتبوه
ثلاثتهم
-
(1)
عن بعض الأصول أو الآراء ونسبوه إلى الإباضية هو
1 - يقتصر حكمنا على ما ناقشناه في الفصول السابقة. (المؤلف)
- 446 - (1/476)
صفحة 477
حقا مما يقول به الإباضية، والتعبير عنها في الغالب هو تعبيرهم، وفيما عبر عنه هؤلاء الكتاب الثلاثة بأساليبهم الخاصة كان تعبيرهم فيها واضحا لا التواء فيه يؤدّي المعنى المقصود أو الصورة المعروضة.
وإذا رجعنا إلى تلك الملخصات ومقارنتها نجد اللقاء يكاد يكون كاملاً بين من يصدر عن الاتجاه الأول، وكذلك يكاد يكون اللقاء كاملاً بين من يصدر عن الاتجاه الثاني، وفي نفس الوقت نجد البعد شاسعا بين الفريقين الأول والثاني حتى كأن كل فريق منهما يكتب عن فرقة غير الفرقة التي يكتب عنها الآخر.
وبقليل من التأمل نجد أن الفريق الأول عالج مجموعة من مشاكل الحياة السياسية التي يهتم بما الحكام في تلك العهود عندما كثر عليهم النقد، وأن في تلك الآراء ما تنسبه السياسة الماكرة - قصدًا - إلى بعض الناس أو الطوائف
-
حتى تخفف من حدتهم، وتقلل من اتصال الناس بهم، والالتقاء معهم، والتفهم لدعواتهم وبنظرة بسيطة إلى ما ذكره الأستاذان أبو زهرة وشيبة الحمد نجد أن تلك المواضيع كلها تتعلق بالتعامل والسلوك، إما مع الدول القائمة أو مع طوائف الأمة. انظر إليها إن شئت من جديد فهي:
حكم المخالفين من المسلمين دماء المخالفين، دار المخالفين، معسكر السلطان، غنائم أموال المسلمين المخالفين، شهادة المخالفين، مناكحة المخالفين، التوارثُ مع المخالفين، على مَن يُطلق النفاق، الحكم على الزاني والسارق، قتل النساء والأطفال، قتل المشبهة.
- 447
- (1/477)
صفحة 478
إذا تأملت هذه المواضيع التي يراها أبو زهرة وشيبة الحمد ملخصا لرأي الإباضية تجدها جميعًا تتعلق بالتعامل مع دولة مخالفة أو طوائف مخالفة، آراء نسبتها مصادر موجّهة للإباضيَّة في عهود الاضطراب السياسي.
وهي
ريكفي هذا فيما أحسب للدلالة على أن من يكتب عن فرقة معتمدًا على مصادر غيرها يبعد عن الحقيقة ولا يسلم من التجني، أو هو في الحقيقة واقع في الخطأ من أول خطوة، وأن ما يجيء على لسانه أو قلمه من الصواب فيها فهو بمحض الصدفة.
وإذا رجعنا إلى ما كتبه الفريق الثاني؛ فبقليل من التأمل نجد أن ما عالجه هذا الفريق في صميم موضوع مسائل التوحيد وعلم الكلام، بعيدة كل البعد القضايا السياسية التي جرى وراءها كتاب المقالات الأقدمون عن فأخرجتهم عن صميم موضوعهم إلى موضوع جانبي تُريد السياسة أن تدعم به وجودَها وتحكمها، فساروا في مخططها ـــ بدون وعي غالبا ـــ إلى
آخر الشوط الذي تريده.
وبنظرة بسيطة إلى المواضيع التي سُقناها لهؤلاء الكتاب يتضح للقارئ الكريم الاتجاه الصحيح تماما. فأعد النظر إن شئت فيما يأتي:
التنزيه المطلق للبارئ جلّ وعلا، استحالة الرؤية في الآخرة، صفات الله ذاتية، لا يُكفّرون أحدا من أهل القبلة، القراءاتُ السبع متواترة، معنى المذهب الاجتهادي، مرتكب الكبيرة ليس مشركًا، القرآن مخلوق، تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى معنى الميزان والصراط)، تأويل المتشابه، لا تُغفر الكبائر بغير التوبة، القدر.
- 448 - (1/478)
صفحة 479
هذه القضايا التي لخصها الفريق الثاني من مقالات الإباضية،
وذكروا فيها وجهة نظرهم، وهي مستقاة وبتفصيل قليل أحيانًا أخرى.
من
كتبهم بإجمال أحيانًا
ولا شك أن القارئ يُدرك الآن الفرق بين الكتاب الموجهين ـ ولو
-
بدون علم – الذين يُساقون إلى بحث مشاكل مفتعلة، وإعطاء أحكام عن آراء معينة، فيها جوانب مقصودة، ثُمَّ نسبتها إلى جهات محددة خدمة لأغراض سياسية خاصة، وبين الكتاب الذين ينتهجون المنهج السليم في البحث العلمي لمعرفة الحقائق الثابتة.
-
بقي علي أن أشير - في نهاية هذا الفصل ـ إلى أن بعض الكتاب يدعون الإحاطة فيقولون مثلاً: "هذا مُلخص آراء الإباضية“. وهذه لعمري دعوى عريضة جدا، لا يستطيع كاتب أن يقوم بها في بحث ملخص من كتاب أو عدد من النقاط المحدودة؛ ذلك لأن من يزعم الإحاطة ينبغي له أن يكون قد استقصى جميع المشاكل التي أثيرت في مختلف العصور، ثم يعرف فيها موقف الفرقة التي يدعي إحاطته بمقالاتها واحدة واحدة - وهذا جهد ليس بالسهل ولا اليسير. ولذلك فمما
-
-
يُرَدُّ على أي كاتب من كتاب مقالات الفرق أن يزعم أنه يلخص آراء النقاط، أما إذا زعم أنه يعرضُ آراء الفرقة في
فرقة في عدد محدود من قضايا معيَّنة محدودة، فذلك مُستساغ ولا يُنظر فيه إلا من جانب التوفيق
في معرفة الحقيقة أو غلبه الخطأ عليه.
-
- 449 - (1/479)
صفحة 480
[صفحة فارغة] (1/480)
صفحة 481
V
مفاهيم عجب أن تختفي
مفاهيم يجب أن تختفي: أهل السنة وأهل البدعة. مفاهيم يجب أن تختفي مكانُ الإباضية بين المذاهب الإسلامية. مفاهيم يجب أن تختفي: الجدل في اللوازم وليس في أصول العقائد.
مفاهيم يجب أن تختفي: في الإجماع.
مفاهيم يجب أن تختفي: الفرق بين الفتنة والخروج.
مفاهيم يجب أن تختفي: تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية.
مفاهيم يجب أن تختفي: مقارنة.
31 (1/481)
صفحة 482
[صفحة فارغة] (1/482)
صفحة 483
V
مفاهيم عجب أن تختفي
أثناء مناقشتي لبعض المواضيع كانت تعن لي آراء خاصة يشق علي إهمالها، وأخشى أن يثقل على القارئ الكريم الاستطراد إليها، رغم أنني لم أتجنب الاستطراد في كثير من الأحيان حين أعتقد أنه يُساعد على إيضاح ما أعرِضُه من صُور؛ بل لا أتحاشي التكرار لنفس السبب. وقد رأيتُ أن أجمع أهم تلك الآراء تحت عنوان عام هو: «مفاهيم يجب أن تختفي»، ثم أعرضها في الفصول الآتية موضوعا موضوعا كما يلي: - أهل السنة وأهل البدعة.
- مكان الإباضية.
- الجدلُ في اللوازم وليس في أصول العقائد.
- في الإجماع.
- الفرق بين الفتنة والخروج ..
- تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية.
- مقارنة.
-453 - (1/483)
صفحة 484
مفاهيم يجب أن تختفي
-
سبة إلى أذهان الناس - بسبب ما يقوله كل أصحاب مذهب عن أنفسهم - بأنهم أصحاب الحقِّ، وأهل العدل، وأهل الصواب، وأهلُ السنَّة، وأهلُ الاستقامة، وبما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل الزيغ، وأهل الضلالة، وأهل البدعة، وأهل الأهواء، وبأنهم فعلاً أهل الحق، وبأنهم أهل الجنة، وبأن غيرهم فعلاً أهل الباطل، وأنهم في النار.
هذه المفاهيم المبنية على أنانية مذهبية يجب أن تختفي، وأن يقوم بدلها أنه مفهوم هو ليس هناك في الإسلام إلا أُمة واحدة؛ هي الأمة الإسلامية التي وعدها الله تبارك وتعالى بكل خير. وليس فيها مجموعات
أو طوائف أو فرق تُدفَع هكذا بوصفها الجماعي إلى الهاوية، وإنما فيها أفراد يشذون عن الأمة بانتهاك حرم الإسلام، ومن شد بالانتهاك المتعمَّد شد إلى النار. فالأوصاف الحميدة يجب أن تُطلق على الأمة الإسلامية جمعاء، والأوصاف الذميمة من الزيغ والضلال والابتداع واتباع الهوى، هي أوصاف لا تُطلق إلا على من يستحقها من الأفراد
بسبب الانتهاك، وإن شئت مزيدا من الإيضاح فاقرأ المقال الآتي:
-454 - (1/484)
صفحة 485
أهل السنة وأهل البدعة
اعتاد أتباع كلِّ مذهب أن يُطلقوا على أنفسهم أحب الأسماء، كأهلِ السنة، أهل الاستقامة أهل العدل أهل الحقِّ، وأن يُطلقوا على مخالفيهم أقبح الأسماء كأهل البدع أهل الأهواء أهل الضلال، أهل الزيغ، وكان الكثير منهم يفتحون أبواب الجنة على مصاريعها لأتباعهم، ويقفلونها بإحكام أمام أنظار الآخرين، ويبلغ بهم التطرُّف إلى أن يُقدِّموا فُسَّاق مذهبهم على صُلحاء غيرهم. ومن الأمثلة القريبة لذلك أن فقهاء الأشاعرة يقُولون بأن المسلم العاصي لا يخلد في النار وإن دخلها، ولكنَّ بعضهم يستثني المعتزلة من هذه القاعدة، فيرميهم جميعا في النار بصلحائهم وفُسَّاقهم، ثم يحكم عليهم بالخلود فيها، رغم أنهم مسلمون.
الفرقُ الإسلامية كلها - في دعواها ـ ترجع إلى أصلين ثابتين
-
هما: الكتاب والسنَّة، وكل فرقة تزعُم وتُصرُّ أنها هي التي تعمل بالكتاب وتحافظ على السنة، وأن غيرها ليس كذلك. وعلى هذا الأساس قام ناس فاحتكروا لأنفسهم اسم (أهل السنَّة) (1)، وناس (أهل الاستقامة)، وناس (أهل الحق) إلخ، فأطلقوا على غيرهم عند التعميم كلمة المبتدعة، أو أهل
1 - قال الأستاذ مصطفى الشكعة: «إن تسمية جمهور المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري، أي إلى ما بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون». (المؤلف)
- 455 - (1/485)
صفحة 486
على
الأهواء، أو غيرها من كلمات التضليل، ثم انقسمت كل طائفة منهم مذاهب، كما قسَّموا أهل البدع في نظرهم على مذاهب، ثم الصقوا بكلِّ طائفة أو فرقة أحكاما خاصة بها، أو تشترك فيها غيرها، فأصبح كل مع
-
مذهب من مذاهب المسلمين إذا نظرت إليه من زاوية أتباعه ـ هو
مذهب السنة ومذهب الحقِّ ومذهب الاستقامة، ومذهب العدل، ومذهب الصواب، وإذا نظرت إليه من زاوية مخالفيه فهو مذهب الأهواء، ومذهب البدعة، ومذهب الزيغ ومذهب الضلال. وينشأ الناشئ المسلم في أكناف أحدها فتعتاد أذُنه على سماع هذه الأوصاف والنعوت ويتلقاها ويتشربها في غير كلفة، حتّى تُصبح عقيدة غير خاضعة للنقاش أو المراجعة:
الأشاعرة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
الماتريدية يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
المعتزلة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
الإباضيَّةُ يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
الشيعة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
الخوارج يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
الظاهرية يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
فجميع فرق المسلمين يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها.
- 456 - (1/486)
صفحة 487
ونظرا لهذه الحقيقة فإن جميع المذاهب الإسلامية داخلة تحت اسم (أهل السنة)، فلا معنى لأن تقصر هذه التسمية على فرق محددة، أو تحتكرها لنفسها مذاهب خاصة.
إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هُم من أهل السنة، من أي فرقة كانُوا، ولأي مذهب اتَّبعوا. وقد كانت العصبيَّاتُ المذهبية وأصابع السياسة، وبعد بعض المسلمين عن بعض، وجهل أهل كلّ مذهب بما عليه الآخرون، حواجز تحول دون تعرف المسلمين بعضهم ببعض.
منهم
—
أما الآن - وقد اختلط المسلمون بعضهم ببعض وعرف الكثير الكثير عن الآخرين – فإنه ينبغي أن تختفي بعض المصطلحات أو بعض المفاهيم، وتنشاً بدلاً منها مفاهيم أو مصطلحات أخرى، تكون أقرب إلى توحيد جميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم. فلا أبدا معنى أن يأتي إنسان يسهل عليه تماما أن يستخف بأحكام الله فيرتكب ما نهاه
عنه، ويهمل ما أوجبه عليه، ثم يزعم ـــ في تبجح ظاهر ـــ أنه سني، أو
-
-
من أهل السنة؛ فإذا قابله إنسان آخر لا يتفق معه في المذهب رماه
بأنه مُبتدع رغم الصلاح والتقوى، والحقيقة عكس ما يقول. لقد آن الأوان لأن تُطلق كلمة أهل السنة على أهل الصلاح من كلِّ فرقة، وكلمة السنّي على كلّ فرد متمسك بالإسلام، محافظ عليه حسب الأصول التي يرتكز عليها المذهب الذي ينتمي إليه. وأن تطلق كلمة
-457 - (1/487)
صفحة 488
المبتدعة أو أهل الأهواء على كلِّ مجموعة من الناس غير ملتزمة بالإسلام سلوكًا، وكلمة المبتدع أو صاحب البدعة على كلّ متهاون بأحكام الإسلام حسب المذهب الذي ينتمي إليه.
لقد انقرض أتباع كثير من المذاهب الإسلامية كالظاهرية والمعتزلة والخوارج، ولم يبق فيما أعلم إلا الماتريدية وهم أتباع أبي حنيفة، والإباضية وهم أتباع جابر بن زيد والأشاعرة وهم أتباع مالك والشافعي، والأثرية وهم أتباع أحمد في القديم وابن تيمية في الحديث، وفرق من المشيعة تجمعها
كلمة الشيعة، وتفترق بأسماء خاصة كالزيدية والجعفرية وغيرها.
وأتباع هذه المذاهب كلها يؤكدون أنهم في دينهم يرجعون إلى أصلين هما الكتاب والسنة، فهم ـ جميعا ـ ـ بهذا الاعتبار من أهل السنة أو
-
سنيون؛ أعني أن الصلحاء من جميع هذه المذاهب سنيون، وأن الفساق من جميع هذه المذاهب مُبتدعة وأهل أهواء. فالحنفي والإباضي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري والزيدي ـ مثلاً ـ إذا تمسك بالإسلام
-
حسب مذهبه فهو سُنّي، وإذا تهاون به في واجباته عملاً أو تركا، قولاً أو عقيدة، فهو مبتدع.
أعني أن البدعة هي الانحراف عن الدين، والسنَّةُ به، على ما عَرَفَهُ أي مسلم بدراسته للإسلام.
الاستمساك
هي
ومن التحكم المخالف للمنطق والعقل وطبيعة الحياة أن نأتي إلى
رجل من الزيدية – مثلا – قد درس الإسلام على مذهبه، وحافظ عليه
-
-
-458 - (1/488)
صفحة 489
محافظة المؤمن التقي الذي يخشى الله بالغيب، فنقول له: أنت مبتدع ولا يمكن أن تكون من أهل السنّة إلا إذا درست مذهب ابن حنبل وعرفت الإسلام على طريقه وأعلنت أنك من اتباعه، ثم نأتي إلى رجل قد غَلَبَ عليه شُح نفسه واستعبدته أهواؤه فترك بعض ما فرض عليه الإسلام، وارتكب بعض ما نهاه عنه، فنقول له: أنت عنه، فنقول له: أنت من أهل السنة لأنك تتبع مذهب أحمد أو مذهب محمد.
أهل السنة هم وأهل الأهواء هم الفَسَقَة الفَجَرَة ولو لبسوا جُبَّة جابر، وطيلسان مالك، وعمامة أحمد، واتَّخذوا لمظهرهم سمت زيد وجعفر؛ لقد آن لتلك المفاهيم التي أملاها التطرف في التعصب ـــ أن تختفي.
الأتقياء الصالحون من أي مذهب كانوا، والمبتدعة
-
و آن للمؤسسات العلمية الإسلاميَّة أن تغير مناهجها ودراساتها، و آن لمن يهتم بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أن ينظر نظرةً أخرى يمليها واقع الحياة للأمة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الإسلام.
لقد عاش الأزهر الشريف عهدًا طويلاً محتكرا لأربعة مذاهب، وعاش معهد الزيتونة قرونًا عديدة محتكرا، لمذهبين وكذلك عاشت كثير من المعاهد والمؤسسات العلمية في مختلف البلاد الإسلامية محتكرة لمذهب أو مذاهب محددة، وكانت تلك المعاهد كلها تنسب إلى نفسها أنها حاملة الشريعة وحامية السنة، وترمي غيرها بالابتداع واتباع الهوى، والواقع أنها هي نفسها كانت المبتدعة على أقل تقدير في رميها لغيرها بالابتداع.
-459 - (1/489)
صفحة 490
ورغم تقدم العصر، واتساع أفق الفكر، وقيام جامعات وكليات بدل المعاهد، وامتزاج العالم اليوم لتير وسائل الاتصال ودخول الآراء الفلسفية الغربية – بل بعض النظريات الهدامة إلى المؤسسات العلمية
-
الإسلامية، إلا أن تلك المؤسسات قديمها وحديثها لا تزال تحتفظ بخاصية الاحتكار المذهبي، ولا تزال تخشى أن تذهب عنها نعرتُها المذهبية، فهي تحرص أن تقرر مذهبًا مُعيَّنا هو المذهب الذي يكون عليه حكام الدولة، فإن أتسع أفقها قليلاً عمدت إلى ما تسميه الدراسات المقارنة، فأوعزت إلى بعض الدكاترة بإجراء مقارنات سطحية تظهر للطلاب في الغالب مذهب الدولة وقوة براهينه وضعف غيره. ومع هذه القيود والملاحظات فإنّ المذاهب التي يُسمح لها أن تدخل رحاب المؤسسات العلمية ــ حتّى على سبيل المقارنة ـ هي مذاهب محدودة معدودة محظوظة.
-
صحة
ومن المؤسف أن بعض المؤسسات العلمية في بلاد عربية جنحت إلى العلمانية بالنسبة للديانات، بينما تبقى المؤسسات الأخرى محتكرة
لمذهبية متعصبة ممقوتة، ويضيعُ المسلمون بين جانبي الإفراط والتفريط. لقد كان المسلمون في صدر الإسلام وليس فيهم سنيون على الجملة ومبتدعة أو أهلُ أهواء على الجملة، وإنما كانوا على قسمين كبيرين: مؤمنون ومنافقون؛ فكل من وفى بما عاهد الله عليه والتزم شريعة الإسلام سلوكا وعقيدة وقولاً فهو داخل مع المؤمنين، وكل من انحرف عن الإسلام عقيدة وقولاً أو عملاً فهو داخل في المنافقين، ما دام يُقر بكلمة الشهادة و لم يرتد عن الإسلام.
- 460 - (1/490)
صفحة 491
وهكذا ينبغي للمسلمين اليوم؛ يجب أن تختفي المفاهيم السابقة التي تدخل مذاهب كاملة في الجنَّة، وتحرم منها أتباع مذاهب أخرى ... ينبغي أن يُطلق أهل السنة على جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم ما داموا يعترفون المصدر الثاني للتشريع، ولا تُطلق كلمة المبتدع وصاحب
بأن السنة هي الهوى إلا على الفاسِقِ الذي غَلَبَه هواه من أي مذهب كان.
وعلى المؤسسات العلمية اليوم أن تحمل هذا المبدأ لتعود بالمسلمين
إلى منهج الإسلام، لا كرامة إلا لتقي، ولا عدوان إلا على شقي، ولا متبوع إلا المعصوم، ولا قدوة إلا بالعمل الصالح.
والأفضلُ من ذلك أن تُلغى هذه التسميات كلها لا سنّية ولا مبتدعة ولا شيعة ولا خوارج ولا مالكية ولا إباضية، وإنما هم مسلمون يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح وكم يكون رائعا حين يقفُ المدرس والواعظ والمحاضر فلا يحتج إلا بقول الله أو قول رسوله، فإذا احتاج إلى كلام الناس استشهد بكلام عالم من العلماء مقتصرا على ذكر اسمه، وامتنع كل الامتناع أن يُجري على لسانه اسم المذهب أو الفرقة أو الطائفة. فانمحت من المجتمعات الإسلامية الألقاب المطلقة على مجموعات الفرق كالشيعة والسنة والخوارج والمعتزلة، واختفت منها أسماء الفرق فلم يبق ذكر للحنفية أو المالكية أو الإباضية أو الزيدية أو الظاهرية أو غيرها؛ وإنما كل ما يبقى أسماء علماء ضمن كشف طويل يشتمل على من خدم الشريعة الإسلامية منذ البعثة إلى قيام الساعة.
- 461 - (1/491)
صفحة 492
!
أما الأمة الإسلامية فهي تتكون من جميع من نطق بكلمة الشهادة، وإليها يتجه النداء القرآني الكريم "يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا وتكون مجتمعًا واحدا لا انشقاق فيه، فإذا شد فرد فارتكب معصيَّةً لاحقه المجتمع بالموعظة أو بالحكم الذي أنزله الله حتّى يتوبَ فيعود إلى مكانه، أو يهلك على إصراره فيتولى الله تبارك وتعالى حسابه.
مفاهيم يجب أن تختفي
-
سبق إلى أذهان كثير من الناس بسبب أخطاء المؤرخين وكتاب المقالات - أن الإباضية فرقة من الخوارج، وأنها ــ في عقائدها وآرائها - معتدلة بالقياس إلى الخوارج، ومتطرفة بالقياس إلى أهل السنة.
وهذا مفهوم خاطئ يجب أن يختفي؛ فالإباضية ليسوا من الخوارج، وإنما نشؤوا عندما غدا الخوارج لمجابهة الخوارج [كذا]، وليسوا متطرفين بالنسبة إلى أهل السنة لا في السياسة ولا في العقائد ولا في الفقه، وإنما
يتفقون مع كل مذهب في مواضع اعتداله.
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ المقال الآتي:
- 462 - (1/492)
صفحة 493
مكان الإباضية بين الفرق الإسلامية
المذاهب
نشأ المذهب الإباضي في فترة متقدمة بالنسبة إلى غيره من الإسلامية، هذا من حيث التاريخ، أما الطريقة التي نشأ بها فهي لا
تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقيَّة المذاهب؛ إمام من
-
من
-
أئمة المسلمين
يجتمع عليه عدد
وبالنسبة إلى الإباضية هو أحد كبار التابعين طلاب العلم، يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثم يتفرقون بعد التحصيل في البلاد، فيقف المتفوقون منهم موقف أستاذه، يتخذ نفس أسلوبه في السلوك والتدريس وينقلُ عنه لطلابه روايته ورأيه، ثم تنتقل مع الأجيال، وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار لآراء تكتسب مع مُضي الزمن شيئًا من الاحترام يبلغ درجة التقديس أحيانًا، وتزداد هذه الصورة وتكبر مع الأيام.
العملية
هذه الصورة هي الصورة التقريبية التي
وإن اختلفت أزمنة الأئمة؛ فمنهم من
كان
كان
نشأت عليها جميع
من الرعيل الأول من
المذاهب،
التابعين،
ومنهم من من تابعي التابعين، ومنهم من كان في الدرجة الثالثة، ومنهم
كان أبعد من
من ذلك بكثير كابن تيمية، وكمحمد بن عبد الوهاب.
عدد
من
وبالنسبة إلى الإباضية فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد الطلاب، والأذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره؛ كقتادة، وأيوب، وابن دينار، وحيَّان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص. ومنهم من يأخذ عنه
-463 - (1/493)
صفحة 494
أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه؛ كأبي عبيدة مُسلم،
وضمام، وأبي نوح الدمان، والربيع بن
حبيب، وعبد
الله
بن إباض. ومن
هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون
العامة
ومنهم
حكام
بن
من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها الدولة الأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف، كعبد الله إباض، ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام، كأبي عبيده، وأبي نوح صالح الدهان وقام بنفس الدور وتخصص فيه. ولما كانت هذه الحركة في عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت سيوفها مسلطة على جميع الأئمة والعلماء خوفا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها، أو يدعوا الناس إلى الخروج عنها، وكان جابر بن زيد في مجالسه كزملائه وغيرهم من كبار التابعين - غير راضين عن الوضع، وكثيرًا ما يتناولونه بالنقد، فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة، وتُضيِّق عليهم الخناق، وتُحاول بكلِّ وسيلة أن لا تسمح لنقدهم أن يترسب إلى الناس، وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج، وكانت تُهمة الخارجية تشبه ما يسمى اليوم
-
الحسن وسعيد
1 - كثيرٌ من المؤرخين وأصحب المقالات يحسبون أن عبد الله خرج في أيام مروان خطأ تاريخي؛ لأن محمد وأنه قتل في معركة تبالة، وهو
بن
الله
عبد بن إباض
الذي تُنسب إليه الإباضية توفي في أواخر أيام عبد الملك، وهو أكبر من جابر في السن وتابع له في المذهب والرأي، ونُسب المذهب إليه لأنه كان أكثر ظهوراً في الميدان السياسي عند الدولة الأموية، والتسمية منها. (المؤلف)
- 464 - (1/494)
صفحة 495
بالعمالة أو بالخيانة؛ عمليَّة ليس لها ضوابط، تُوجَّه بسهولة إلى كلّ من اد التخلص منه، أو الانتقام منه، أو إيقاف نشاطه، وتُستغل عند اللزوم. ولذلك فلم يسلم منها الإمام جابر بن زيد كما لم يسلم منها الإمام مالك بن أنس (1)، وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنهم تحت المراقبة، وأن تبرير أي موقف عنف يتخذ معهم من السلطات هو موجود في أذهان الناس ولا يحتاج إلا إلى تأكيد عملي من أجهزة الحكم.
1 - جاء في «الكامل» لابي العباس المبرد، الجزء الثاني، صفحة: 159، مايلي: يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج، وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف يراه، وكان صالح بن عبد الرحمان ـــ صاحب ديوان العراق يراه، وكان عدة من الفقهاء يُنسبون إليه منهم عكرمة مولى ابن عباس. وكان يقال ذلك في مالك بن أنس، ويروي الزبيريون أن ما لك بن أنس المدني كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول: "والله ما اقتتلوا إلا على الريد الأعفر. فأما أبو
سعيد الحسن البصري فإنه كان يُنكر الحكومة ولا يرى رأيهم». [اهـ] وجاء في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، الجزء الخامس، صفحة 76، ما يلي: ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء؛ عكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول: "والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر». [اهـ] ويقول في نفس المصدر بعد أسطر ما يلي:
وممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد وعمرو بن دينار، ومجاهد». [اهـ]
راجع إن شئت كتاب: «العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب: «الأغاني» لأبي الفرج، وغيرهما. (المؤلف)
-465 - (1/495)
صفحة 496
فإذا تركنا هذا الجانب خارجًا عن البحث واتجهنا إلى الجانب الفكري والسلوكي، فإننا سوف نجد المذهب الإباضي مذهبا إسلاميا نشأ كما نشأ غيره من المذاهب الإسلامية بأئمته وعلمائه؛ طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم، وقد بدأ جهوده العلمية في خدمة الثقافة بالاتجاه الذي اختاره قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى، ودونت له مؤلفات في الحديث والفقه قبل أن تبدأ بعض المذاهب التي وجدت لها مكانا فسيحا في الدراسة على المنهج الذي سارت عليه.
وفي النقاط الآتية أستطيع أن أضع جملة من الخطوط العريضة التي يمكن أن يحدد القارئ الكريم بعد دراستها والتحقق منها موضوع
الإباضية بين المذاهب الإسلامية.
(1)
أ - مصادر التشرح:
1 - يرى الإباضية أن المصدر الأساسي للدين الإسلامي في عقائده، وعباداته، ومعاملاته وأخلاقه، إنما هو القرآن الكريم، وأن من أنكر شيئًا: سورة، أو آيةً، أو حرفًا، فهو مُشرك أو مرتد.
منه:
2 - ويرى أن المصدر الثاني للدين الإسلامي إنما هو السنة الصحيحة، وهي على درجات المتواتر منها قطعي الدلالة يفيد العلم ويُوجب العمل،
1 - أضفنا هذا العنوان لدلالة ما بعده عليه؛ (ب- العقائد، ثم بعده (ج- الفقه)، ثم بعده (د- السلوك). (المحقق)
-466 - (1/496)
صفحة 497
ومنكره كالمنكر للقرآن والمشهور من السنَّة أو المستفيض هو أضعف من
x
المتواتر وأقوى من الآحادي، وهو يُوجب العمل، واختلفوا هل حُجَّتُه قطعية أم
ظنّية على قولين. والأحادي من السنّة ظَنِّيُّ الدلالة يُوجب العمل. والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه يُوجب العمل إذا كان لصحابي أو تابعي.
ويرون أنه
3 - ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع، إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين، والخروج منه فسق وحجيته قطعية، وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي، وأنه من الممكن أن يقع في كلِّ عصر، ويُنقل إلى الناس بالشروط المعتبرة.
-4 ويرون أن المصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة في كتب
الأصول.
5 - ويرون أن المصدر الخامس هو الاستدلال بأنواعه المختلفة،
ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتماما خاصا وربما يكون الإباضية –
بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة – في الدرجة الثانية بعد المالكية.
ب العقائد:
-
ويرى الإباضيَّة أنّ الإنسان لا يكون مسلما إلا إذا أقرَّ بالجمل الثلاث؛ فشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند الله، وما تدلُّ عليه هذه الجمل
الثلاث من التفصيلات
- 467 -
32 (1/497)
صفحة 498
1 - وأساس عقيدتهم في الخالق تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق؛ فلا
يشبه شيئًا من الخلق، ولا يشبهه شيء من الخلق، وما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة ممَّا يُوهم التشبيه فإنه يُؤول بما يفيد المعنى ولا يؤدي إلى التشبيه ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى بما يوهم
التشبيه، ويُثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه. 2 - القدر
من
يقولون إن الإيمان لا يتم حتَّى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشره أنه الله تبارك وتعالى، وأن أفعال الإنسان خلق من الله تعالى واكتساب من الإنسان، ويبتعدون عن رأي المجبرة، كما يبتعدون عن رأي من يقول بأن الإنسان يخلق أفعاله.
3 مرتكب الكبيرة:
يرون في مرتكب الكبيرة رأي الحسن البصري وجابر بن زيد وغيرهما؛ لا يحكمون عليه بالشرك كما يقال عن الخوارج، وإنما يقولون هو منافق ولا يُمكن لمرتكب الكبيرة في حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنة إذا لم يتب، ولعلّ أعنف الخصومات إنما قامت بين الإباضية والخوارج في هذا الموضوع منذ أثارها نافع بن الأزرق حسبما تقول مصادر التاريخ.
-468 - (1/498)
صفحة 499
جـ - الفقه
مكان الإباضية في هذا الباب ربما كان في الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفية من جهة أخرى، ورغم أن المذهب الإباضي نشأ في العراق إلا أنه لم يذهب مع الرازي إلى المذهب الذي بلغه الحنفية والمعتزلة، ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن يعرف القارئ الكريم أن الفقه الإباضي يعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر والمشهور أو المستفيض وعلى الأحادي وعلى مرسل الصحابة والتابعين، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث، ولو كان أحاديا أو مرسلاً للطبقة السابقة، ولا يردُّ الحديث الأحادي إلا إذا صادمه دليل قطعي، ويقولون بالقياس، والاستصحاب، والمصلحة المرسلة على التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه.
د السلوك:
د-
يتمسك الإباضيَّة بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها
الإسلام، ومن مظاهر ذلك:
-
-1 يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود
التي بينها الحديث الشريف.
-2 - يرون أن محبَّة المسلمين في الله من أجل طاعتهم، وبغض العصاة والكافرين في الله من أجل معصيتهم واجب على كل مسلم، وأن هذه المحبة
- 469 - (1/499)
صفحة 500
يجب أن تتوجه إلى جميع أولياء الله في جميع الأزمنة والأماكن على الإجمال، وأن يقصد إلى من ثبتت ولايتهم لله بالاسم أو بصفة ممن مضى، وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس، كما يجب أن يبرأ من الكافرين والعصاة في جميع الأزمنة والأمكنة هكذا على الإجمال، وأن يقصد ببراءته من عرف بالاسم أو بالصفة، وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس، أما من عرفهم في زمانه و لم يعرف أحوالهم من الطاعة والمعصية فيجب عليه أن يقف فيهم، لا يتولاهم ولا يرأ حتّى يعرفهم بيقين لأن الولاية والبراءة عند الإباضية لا تلزم إلا باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين، ولا تبطل إلا بيقين.
منهم
3 - يرون أن جميع المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات، ماعدا شيئًا واحدا وهو الدُّعاء بخير الجنة وما يتعلق به فإنه حق خاص للمتولى؛ أي للمسلم الموفّي بدينه الذي يستحق الولاية بسبب طاعته، أما الدعاء بخير الدنيا، وكذلك بما يحوّل الإنسان من أهل الدنيا إلى أهل الآخرة، كقولك لإنسان تعرف أنه منحرف عن الاستقامة: "رزقك الله توبةً نصوحا“، أو هداك الله" أو "رزقك الصحة والعافية" أو "رقاك في مراتب الوضيفة“، فإن هذا كله حق جائز لكلِّ أحد من المسلمين ثقاةٌ وعُصاة.
""
بقُوا
-4 - عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائرة غير متمسكة بأحكام الشريعة، يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها أو الخروج عنها، وإذا تحت حكمها فإنه تجب عليهم الطاعة في غير معصية الله، وإذا كانت تنفّذ
- 470 - (1/500)
صفحة 501
أحكامها على مقتضى مذهب مخالف لهم، فإن أحكامها نافذة عليهم بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ما دامت تلك الأحكام مطابقة لمذهب إسلامي. وأقرب مثال لذلك أن الإباضيَّة يُغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأم، فيرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من الجدة للأم، وأكثر المذاهب الأخرى ترى العكس، فإن كانت الدولة تحكُمُ وفق مذهب يُرج جانب الأم فإن على أتباع المذهب الإباضي الخاضعين لتلك الدولة أن يُنفذوا هذا الحكم بما يترتب عليه، ولا حرج عليهم.
وكذلك يرى الإباضية أن الجد يمنع الإخوة من الميراث، وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه، فإذا كانت الدولة تحكم على مذهب الرأي الأخير فإن على الإباضية أن يقبلوا بهذا الحكم، وأن ينفدوه ولا حرج عليهم.
أحسب أن هذه الخطوط العريضة كافية لمعرفة مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية، فهو على كل حال لم يتطرف في موضوع الأدلة الشرعية؛ فيعتبر كل أثر مهما ضعف حجة، ولم يتطرف إلى الجانب الآخر فيرد السنة بالقياس. وهو لم يتطرف في موضوع الإجماع؛ فيعتبر الاتفاق الضيق في حدود المذهب أو حدود المكان - كوطنٍ مُعيَّن أو الحرمين أو المدينة ـ حجة،
-
-
و لم يتطرف إلى الجانب الثاني فينفي حجية الإجماع أو إمكانه، أو إثباته، أو وقوعه. وسلّم بوقوعه بكلا قسميه القولي والسكوتي في عهد الصحابة، مع احتمال وقوعه في كل عصر إلى قيام الساعة. ورأى أن الإجماع المحدود في
- 471 - (1/501)
صفحة 502
نطاق مذهب أو بلد هو حجة ظنيَّة على المجمعين، وليس له الإجماع، وينبغي أن يحمل اسم الاتفاق لا اسم الإجماع.
وهو لم يتطرف في موضوع القياس؛ فيمنع اعتباره دليلاً شرعيا إذا استوفى شروطه، ولم يتطرف إلى الجانب الثاني فيرد به النص. وقبل الاستدلال بالاستصحاب والمصالح المرسلة.
ولم يتطرف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع في التشبيه، ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته
له رسوله.
ولم يتطرف في موضوع القدر؛ فيميل إلى جانب السلبية حتّى يقول إن الإنسان مجبرٌ على أعماله، وهو كالميت بين يدي الغاسل، أو يميل إلى جانب الإيجاب حتّى يزعم أن الإنسان يخلق أفعاله.
ولم يتطرف في موضوع مُرتكب الكبيرة؛ فيوافق من يحكم عليه بالشرك، ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنة للعصاة كانها فنادق يملكون هم مفاتحها على مبدإ «لا تضرُّ مع الإيمان معصية». الآن وقد عرف القارئ الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي، والاتجاهات التي يتّجهها، والسلوك الذي يسير به، يستطيع أن يُقرر له حيّزًا ضَيِّقًا بين المذاهب الإسلاميَّة، وأن يُبعد عن نفسه تلك الصورة القائمة البشعة الشرسة التي تَعَاوَن على وضعها ظروف من السياسة والتعصب وسوء الفهم.
مختلفة
-472 - (1/502)
صفحة 503
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق إلى أذهان الناس - بسبب ما أثاره وادَّعاه المتعصبون من كلِّ
-
مذهب ـ أن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف جذري لا يمكن اللقاء فيه، وهو مفهوم خاطئ، لأن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف سطحي لفظي يمكن اللقاء فيه بيسير من الجهد، لو ترك المتعصبون إثارة الخلاف وتجنب الإلزامات.
(1)
الجدل في اللوازم وليس في أصول العقائد
نستطيع أن نقول إن الخلاف بين جميع المذاهب الإسلامية لا يخرج
عن الدوائر الثلاث الكبرى الآتية:
1 - العقائد المتعلقة بالخالق سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
2 نظام الحكم وشروط رئيس الدولة.
3 - الأحكام المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولاً وفروعًا.
ولقد اتفق المسلمون عموما على أصول هذه الدوائر عموما، وإن اختلفوا في التفصيلات والتفريعات فنحن لو استطعنا أن نجري مقارنة بين
1 - استعملت كلمة اللوازم في هذا الفصل للدلالة على المحذورات التي ينسبها كل واحد من المتجادلين إلى الآخر من قولهم إذا قلت كذا يلزمك كذا، كقول الأشعري للمعتزلي في موضوع الصفات: إذا قلت إنها ذاتية يلزمك التعطيل، وقول المعتزلي للأشعري: إذا قلت إنها غيره يلزمك التعدد. (المؤلف)
-473 - (1/503)
صفحة 504
عدد المسلمين الذين يثيرون الجدل ويُحدثون الخلاف ويدعون إلى تتبع فرقة دون فرقة أو مذهب دون مذهب، ويحكمون على هذا أو ذلك بالضلال أو بالكفر ويأمرونهم باتِّباع مذهب أو الاستمساك به دون غيره؛ وبين عدد من يتبع تلك المذاهب في بساطة ويستمسك بها في تلعق مع عدم تعمق، ولا استطاعة لإقامة حُجَجِ وبراهين، لوجدنا أن نسبة ضئيلة جدا قد لا تصل إلى الواحد في الألف التي تفهم بعض تلك المشاكل، وهي التي تتزعم إثارة الخلاف والشغب، وتحاول أن تُكتل المسلمين إلى كُتل في مذاهب معينة،
مي
وأن هذه النسبة فقط ـ أو بعضها في الحقيقة هي التي تعرف مواضيع
-
الخلاف والجدل، أما باقي أتباع المذاهب - الذين يُساقون في مجموعات كبرى وراء اسم إمام من الأئمة فيتحمسون له في عصبية ويتمسكون بمذهبه حرص وتشدد – فهم في الغالب لا يعرفون ولا يفهمون شيئًا من تلك المشاكل المعقدة من علم الكلام أو أصول الفقه أو قواعد السياسة. وإنما يعرفون بعض المسائل الفقهيّة العملية في العبادات.
في
-
ولو أردنا أن نعرض نموذجًا لذلك في الجمهورية العربية الليبية بين أتباع المذهبين الإباضي والمالكي، لوجدنا أن مظهر الخلاف لا يزيد عند الأغلبية الغالبة السكان من عن قراءة البسملة في الفاتحة، أو رفع الأيدي عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، والإصباح بالجنابة في رمضان وما أشبهها، وأن جميع المصادمات والخصومات التي تقع بين العوام من
أتباع المذهبين لا تخرج عن مستوى هذه المسائل.
-474 - (1/504)
صفحة 505
فإذا انتقلت من مستوى العوام إلى مستوى المثقفين دينيًا أو المتفقهين،
ارتفع مستوى المسائل قليلاً، فوجدت النقاش ربما يدور على مستوى ميراث الإخوة مع الجد، وحق الحضانة، ونفقة الأقارب، وبعض مسائل التعامل، وأحكام الصلاة في السفر، ووجوب التتابع في قضاء رمضان، وما في هذا المستوى من الفقه العملي.
أما مسائل علم الكلام وقواعد التشريع وأسس بناء الحكم الإسلامي، هذه الدوائر التي كانت محور تكون المذاهب في الحقيقة
عنها شيئًا، أو يعرفون عنها أشياء سطحية تلقفوها بطريق التلقين.
-
فلا يعرفون
فالعوام وأشباه العوام جميعًا يؤمنون بأن الله تبارك وتعالى حي قديرٌ مريد سميع عليم بصير متكلم خالق مصوِّرٌ إلى آخر الصفات التي وصف بها نفسه، ولكنك لو سألتهم عن صفة ما، هل هي صفة ذاتية أو صفة فعل، أو قلت لهم هل صفاتُ الله تبارك وتعالى عينيَّة أم غيريَّة؟ ما فهموا منك ولأعرضوا عنك، وربَّما ظنُّوا أنك تستهزئ بهم. ومعنى هذا أن جمهرة المسلمين متفقون ـ واقعيا - في العقائد، وكذلك في الدائرتين الأخيرتين.
?
-
ويبقى النظر إلى خواصهم، وبقليل من التأمل يبدو لنا واضحا أنَّهم متفقون هم أيضا في أصول جميع تلك الدوائر، وإنما يختلفون عند التفاصيل بسبب ما يُلزمه كل واحد منهم للآخر ويُرتبه على نقاشه؛ أعني أن المذاهب الإسلامية جميعًا متَّفقةً في الأصول، وأن الخلاف وقع من بعضهم في اللوازم أو بسبب اللوازم فقط، وبيان ذلك فيما يلي:
- 475 - (1/505)
صفحة 506
-
إذا جئنا إلى مسائل علم الكلام ـ التي كانت هي أهم المحاور لتكون المذاهب وتمزيق شمل المجتمع، وتضليل وتفيسق جوانب كاملة من الأمة الإسلامية، والتي أضاع فيها علماء أجلاء أوقاتا ثمينة في إعداد البراهين وما تستلزمه نجد الأمة الإسلامية بمذاهبها المختلفة متفقة على أصول العقائد، وأن أولئك العلماء الأجلاء المتضاربين بالبراهين والإلزامات، هم الآخرون متفقون على جميع الأصول وإن ظنَّ الناس أنهم مختلفون. وإنما اختلافهم فيما يُلزمه بعضهم للآخرين أثناء النقاش، أو عند إعداد السؤال والجواب؛ حين يزعم أحدهم أن كلام الآخر يستلزم محذورًا ويترتب عليه باطل، ويجيب الثاني بنفس الأسلوب. وإلى القارئ الكريم أمثلة من ذلك: 1 - المسلمون جميعا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى متصف بجميع صفات الكمال، مُنَزَّه عن جميع صفات النقص لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه.
هذه عقيدة عامة يتفق عليها جميع المسلمين خواصهم وعوامهم؛ فإذا جاؤوا إلى التفاصيل بدأت المصاولات العنيفة والجدل الحاد وإلزام الخصم ما
يلزمه وما لا يلزمه حين يتحدثون عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله.
-2 - المسلمون جميعًا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى عادل في ملكه، لا يجور ولا يظلم الناس شيئًا؛ فإذا جاؤوا إلى التفاصيل، وناقشوا موضوع الثواب والعقاب والعمل والجزاء، بدأت المصاولات العنيفة والجدل الحاد، ومحاولة كل طرف أن يجعل براهين الطرف الثاني تستلزم محذورا.
- 476 - (1/506)
صفحة 507
الجنة
3 - المسلمون كلُّهم باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى أعدَّ
لمن
أطاعه وأعد النار لمن عصاه فإذا جاؤوا إلى التفاصيل اشتدَّ
الخلاف وادَّعى كل واحد أن كلام خصمه يستلزم محذورًا ويؤدي إلى باطل. وهكذا ينفتح باب الخلاف ويُترك الأصل المتفق عليه إلى فرعيات،
ومن الفرعيات إلى جزئيات للفرعيات، حتّى تطغى تلك الجزئيات على الأصل الهام للعقيدة. وأصبحت لا تجد من جلبة الجدال أو حتّى فيما يُنسب إلى المذاهب إلا تلك اللوازم التي ينسبها كل طرف إلى الطرف الآخر كقولهم: معطلة، مشبهة، وما إلى ذلك.
فإذا انتقلنا إلى الدائرة الثانية التي هي نظام الحكم وشروط رئاسة الدولة، نجد أن المسلمين جميعًا بمذاهبهم المختلفة أيضا متفقون على الأصول
فيها، فلو سألت أي عالم - من أي مذهب كان عن الشروط التي
-
-
يجب توفرها فيمن يتولى حكم المسلمين، لأجابك بشروط تتفق أو تتقارب مما يقوله لك أي عالم من مذهب آخر، فهو في حالات الكمال يجب أن يكون (1) عالماً مجتهداً ذكيا شجاعًا نزيها عادلاً حريصا على مصلحة المسلمين تقيًّا ورعًا إلى آخر الشروط المعروفة المحدّدة في كتب الفقه. هذه الصورة لمن يتولى الحكم على المسلمين - أو ما يقارب منها ـــ ما يتفق
1 – يقتصر بعضُهم على العدالة والشورى، ويضيف إليها بعضهم البيعة، ويضيف إليها بعضهم الطاعة، ويضيف إليها بعضهم القُرشية، ويكتفي بعضُهم بالوصية، لأن الوصي لابد أن تتم فيه جميع الشروط لأنه معصوم (المؤلف)
-477 - (1/507)
صفحة 508
عليه جميع
المسلمين من جميع المذاهب، تجدها عند الشيعة، وتجدها عند الخوارج، وتجدها عند المعتزلة، وتجدها عند الأشاعرة، وتجدها عند الإباضية، وتجدها عند الماتريدية، وتجدها عند الظاهرية، وغيرهم، إلا أفرادا شواذ من بعض المذاهب فارقوا مذاهبهم وهذا هو القدر المشترك
بين جميع المسلمين.
بعد هذا الاتفاق على هذا الأصل يأتي الاختلاف عند التفاصيل، وذلك عندما جاءت الاتجاهات السياسية فأثارت عدة نقط جانبية تمسك بما بعض الناس ليستغلوها فاستغلتهم منها: قضية اشتراط آل البيت، أو فرع من فروع آل البيت، ومنها اشتراط القرشية، ومنها اشتراط العروبة، ومنها قضيَّة الفاضل والأفضل، والعالم والأعلم، ومنها جواز الخروج عليه إذا جار وعدم جوازه، ومنها كونه معصوما أو غير معصوم، ومنها إذا لم يكن عادلاً هل تجب طاعته أو لا تجب، ومنها طريقة اختياره وتنصيبه، ومنها الحكم في الواثب العادل، والمختار الجائر، إلى غير ذلك. وهذه الأبحاث كلها وليدة اتجاهات سياسيَّة أثرت على المسلمين، فكان
منهم
شيعة وعثمانية، ثم خوارج ومعتزلة، ثم إباضية وأشاعرة ... إلخ.
وتحت هذا الخلاف ومع شدَّة تعصب كلِّ لما يرى أو يريده، لم يستطع أي مذهب من هذه المذاهب أن يُحقق الشروط في الحاكم الذي يختاره في تطبيق عملي، مع أن كل مذهب من هذه المذاهب تمكن من الوصول إلى الحكم، وتكوين دولة على أساس مذهبي؛ فقد بايعت بعض
-478 - (1/508)
صفحة 509
فرق الخوارج كالأزارقة، والصفرية - أئمةٌ فاستبد ذلك منهم،
-
البعض حتّى حكموا عليه بالكفر وعزلوه وقتلوه. وبايع الشيعة أئمة فخرجوا عن الدين، حتَّى ادَّعى بعضُهُم الألوهية. وانضوى العثمانيون تحت الحكم الأموي، فجرَّدتهم الدولة الأموية سيوفا تضرب بها رقاب المسلمين، وتجاسر بعض أولئك الحكام حتّى ضربوا الكعبة الشريفة، وحتّى استباح بعضهم حُرمة المدينة المنورة. ووصل المعتزلة إلى الحكم في محمد ولاية مروان بن وبعض ملوك الدولة العباسية فكان الحاكم آلة يخالف المعتزلة. وسخط الإباضيَّة في عُمان عن بعض الأئمة الذين انتخبوهم فعزلُوهم. والمهم في الموضوع أن جميع الدول التي قامت
لتعذيب من
بعد الخلافة الرشيدة، والتي أوحت إلى مؤسسيها أو أتباعها بشروط زائدة
:
عن الشروط الأساسية المتفق عليها كانت سببًا للنكبة؛ ذلك أن كل شرط جديد يُولد ردَّ فعل، جديد، ويترتب على ذلك الجدل والنقاش، وتأتي بعده مرحلة إعداد البراهين واللوازم، ثم تَقَاذُفُ المحاذير؛ فكان الساسة يتصاولون على المناصب، وكان العلماء يتقاذفون التهم بمخالفة الدين، أما بقية الناس فيُزَجُون إما في جيوش لنصرة حاكم، أو إسقاط حاكم، وإما في مذاهب لاتباع إمام أو لعن إمام.
والآن قد ألغت الحياة بعض تلك الاعتبارات التي أدخلتها السياسة على الموضوع، واتضح للناس جميعًا أن الصراع الذي وقع بسبب اشتراط الوصية، أو الهاشمية، أو القرشيّة، أو العروبة، أو اعتبار الإمام معصوما، أو لا يجوز
- 479 - (1/509)
صفحة 510
إسقاطه ولو كان منحرفا، كل هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الأمة أثبت اليوم أنه صراع على تفصيلات لا تدخل في أصل الموضوع. وأثبتت التجربة أن أغلب أولئك الذين وصلوا إلى الحكم من أي جانب من الجوانب اعتمد على النظرة الجانبية في إثبات حكمه وامتداده، وتخلى عن الأصول التي تتفق عليها جميع الأمة، ولذلك فهو ينظر إلى الأمة المسلمة على أساس أنها تتكون من قسمين: أنصار له في حكمه، له؛ وخصوم وهو بهذا الاعتبار يفتح ميادين الحياة وحقوقها على مصاريعها لأنصاره ويُغلقها أو يضيقها ما أمكنه التضييق على خصومه.
فإذا انتقلنا هذه الدائرة إلى الدائرة الثالثة، من وهي دائرة الأحكام المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولاً وفروعًا، نجد أن المسلمين جميعا بمذاهبهم المختلفة متفقون على الأصول؛ فلو سألت أي عالم ـ من أي مذهب ــــ عن مصادر التشريع، لأجابك بسرعة هي: الكتاب والسنة. فإذا جئت إلى التفاصيل وجدتها تثير الجدل والصخب وتوجيه الاتهامات وإلصاق اللوازم.
أن والذي ينبغي ننتهي المذاهب الإسلامية على مستوى واحد في المعاملة، بعدما اتفقوا كما رأينا
إليه بعد هذا العرض المجمل أن نعتبر جميع
على الأصول، وأن تُبعد التحكم في إصدار الأحكام، فليس من حقك أن تحمل الآخرين على أن ينظروا إلى فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها، وإلا اعتبرتهم مبتدعة أو أصحاب أهواء، وليس من حقك أن تفرض فهمك على الناس ثم تتحكم في أفهامهم، فمن وافقك ضممته إليك ومن
خالفك
- 480 - (1/510)
صفحة 511
حكمت بفسقه أو كفره، إن الله تبارك وتعالى هو إله للجميع، والجميع
وامتثال
يتساوون في عبوديتهم له، ويتنافسون في التقرب إليه بمزيد الطاعة، الأوامر، والحرص على العمل الصالح، وليس درجات القُرب منه تعالى مبينةً
على المذاهب، وإنما
هي
مبينة على العمل الصالح من الأفراد – دون
ارتباطهم بالمذاهب ـــ وعلى صحة العقيدة.
ذلك
-
وقد رأينا أن المسلمين متَّفقون على أصول العقيدة، أما ما جاء بعد من خلاف في فهم النصوص من الكتاب والسنة، واستخراج الأحكام العمليَّة منها، فإن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد ذلك رحمة بهذه الأمة وتوسعة عليها، ولو شاء لحدَّد كل شيء في نصوص لا تحتمل التأويل أو الخلاف.
ولعل علماء الأمة المسلمة المعاصرة ــ بناء على النظرة المنصفة، وتسوية في الحقوق بين جميع المسلمين، ودفعا للاحتكار الديني أو العلمي بين مجموعات محدودة - يُسقطون من حسابهم تلك الأحكام المتعصبة الجائرة التي كانت تُصدر على مجموعات من الناس، أو بعض العلماء الأجلاء بأنهم أصحاب أهواء، أو مبتدعة، أو فسقة، أو يحكم عليهم بالكفر؛ وأن ينظروا إلى عمل الرجل محرَّدًا من المذهب أو الفرقة أو الكتلة في عمله الفردي وسلوكه الشخصي، بقطع النظر عن الجهة التي ينتمي إليها، فليس مهما أن يكون معتزلياً أو شيعيا أو سنيا أو إباضيا أو خارجيا، وإنما المهم أن يقوم بالعمل الصالح حسب الأسس التي يعمل
-481 - (1/511)
صفحة 512
بما في الفرقة التي ينتمي إليها، ويجب أن تُعتبر جميع الفرق التي تتكون منها
الأمة الإسلامية على مستوى واحد من الاعتبار.
والأمة الإسلامية تتكون من جميع من ينتسب إلى الشيعة أو يُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الخوارج أو يُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أو يُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى أهل السنة أو يُنسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الإباضية أو يُنسب إليها، ولا يخرج منها إلا من أخل بأصل من أصول الإسلام، فأنكر معلوما منه بالضرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام. ولعل الالتفات إلى الماضي في هذه الأحكام غير مهم، لاسيما إلى تلك المذاهب التي انقرض أتباعها كالظاهرية، والمعتزلة، والخوارج، ولكنه بالنسبة إلى المذاهب الإسلامية الموجودة أمر شديد الأهمية، فما داموا كلهم متفقين على الأصول، فلا ينبغي الالتفات إلى اختلافاتهم في التفاصيل، ويحقُّ عليهم أن يُلغوا فكرة اللوازم والاستلزام، وأن يعلم كلُّ ان من حقِّ الآخر أن يستعمل عقله وفهمه وذكاءه، وأن
فريق منهم يتبع ما أتضح له بناء على جهده واجتهاده.
والأخوة الإسلامية اليوم رابطة بين الشيعة وأهل السنة والإباضية، فينبغي أن يستمسكوا جميعًا بهذه الرابطة التي شرعها الله تبارك وتعالى. وأن يتعاملوا على هذا الأساس؛ أساس اشتراكهم في أصول العقائد والسياسة والشريعة، وإن اختلفت بينهم التفاصيل، ولا عبرة بالخلاف في التفاصيل ما داموا متفقين على الأصول، وما كان يُلزم به كل فريق غيره في الماضي لا يلزم أحدا في الواقع ونفس الأمر، وعند الله تبارك وتعالى يتلاقى الجميع.
-482 - (1/512)
صفحة 513
مفاهيم يجب أن تختفي
-
سبق إلى أذهان كثير من الناس بسبب ما يقوله المتعصبون من علماء المذاهب ـ أن كلمة الإجماع حين تُطلق يُقصد بها إجماع مذهب أو مذاهب معينة، فعندما يقول الشيعي: أجمع المسلمون فهو يقصد الشيعة، وعندما يقول السنّي أجمع المسلمون فهو يقصد أصحاب المذاهب الأربعة دون الظاهرية والإباضية، وكذلك غيرهم؛ وهو مفهوم خاطئ، ويجب أن يزول من أذهان الناس، ولا يكون الإجماع حجة إلا حين يتم من جميع مجتهدي جميع مذاهب الأمة الإسلامية. وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ المقال الآتي:
في الإجماع
مع احترامنا العظيم لجميع الأئمة والعلماء السابقين من جميع المذاهب، وتقديرنا الجم لجهودهم المتواصلة الصادقة في خدمة الشريعة الإسلامية، نرى أنه يجب أن تتغير بعض المفاهيم، أو بالأصح أن تتغير النظرة إلى بعض
المفاهيم في بعض المواضيع، ومنها بعض المفاهيم في موضوع الإجماع. لقد ثار نقاش كبيرٌ وجدل صاحب حول موضوع الإجماع، وتناوله البحث من جميع جوانبه، وقد استقر اليوم في أذهان الناس جميعا أن الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. وقبل أن أعرض الجوانب التي أريد مناقشتها أود أن أضع بين يديك ما يلي:
- 483 -
33 (1/513)
صفحة 514
يقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه «علم أصول الفقه»
ص: 46، ما يلي:
«هو أن يتفق ـ على الحكم الشرعي في الواقعة ـ جميع المجتهدين من
-
-
المسلمين في وقت فلو اتفق على الحكم الشرعي في الواقعة مجتهدو الحرمين فقط، أو مجتهدو العراق فقط، أو مجتهدو الحجاز، أو مجتهدو آل البيت، أو مجتهدو أهل السنة دون مجتهدي الشيعة لا ينعقد شرعًا بهذا الاتفاق الخاص إجماع، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بالاتفاق العام من جميع مجتهدي العالم الإسلامي في عهد الحادثة، ولا عبرة بغير المتجهدين» [اهـ].
ويقول الإمام السالمي في كتابه القيم «طلعة الشمس» الجزء الثاني، ص: 65، ما يلي: «الإجماع في عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين عبارة عن اتفاق علماء الأمة على حكم في عصر» [اه].
وبعد أسطر يقول:
فالإجماع حينئذ نوعان أحدهما إجماع قولي وهو ما فيه اتفاق أقوالهم
أو تواطؤ أفعالهم على شيء واحد، والنوع الثاني سكوتي وهو ما فيه قول سكوت الباقين عليه بعد انتشار ذلك فيهم و مع
بعضهم أو عمله القدرة على إنكاره ولكلِّ واحد من النوعين حكم يخالف حكم الآخر: أمنا حكم الإجماع القولي فهو أنه حُجَّة قطعية يفسُقُ من خالفها عند الجمهور» [اهـ].
-484 - (1/514)
صفحة 515
وبعد أسطر يقول: وخالف النظام والرافضة وبعض الخوارج فزعموا أنه ليس بحجة» [اهـ].
وبعد أسطر يقول: «وللجمهور على أن الإجماع القولي بعد كمال
شروطه حُجَّة قطعيَّةٌ أدلة من الكتاب والسنة والإجماع» [اه].
وفي الصفحة 72 يقول: «وأمَّا حُكم الإجماع السكوتي فهو حجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل، فمن خالف الإجماع السكوتي لا يحكم بفسقه على الصحيح، كما لا يُحكم بفسق من خالف الآحاد لأن التفسيق لا يكون إلا مع مخالفة الدليل القاطع» [اه].
خبر
وقال الإمام الشوكاني في كتابه القيم إرشاد الفحول» ص 63 ما يلي:
فهو
أمة محمد بعد وفاته في عصر من
اتفاق مجتهدي الأعصار على أمر من الأمور» [ا].
وبعد مناقشات طويلة للإجماع من جميع جوانبه أحب أن أنقل إليك المقتطفات الآتية منه: (1)
«هل يُعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع إذا كانت بدعته تقتضي تكفيره؟ فقيل: لا يُعتبر في الإجماع. قال الزركشي: بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه. قال
1 - أي من كتاب إرشاد الفحول». طبع مطبعة محمد علي صبيح وأولاده. ميدان الأزهر. مصر. 1349 هـ. ما بين الصفحات: 71 و 74. (المحقق)
-485 - (1/515)
صفحة 516
الصفي الهندي: ولو ثبت لكان لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره بسبب ذلك الاعتقاد لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره، وإثبات كفره بإجماعنا وحده، دور، وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب إليه كه فحينئذ يثبت كفره، لأن قوله معتبر في الإجماع لكونه من أهل الحل والعقد. قال الهندي: وهو الصحيح ( ... ) قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنة لا يعتبر في الإجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة، وهكذا رواه أشهب عن مالك. ( ... ) قال أبو بكر الصيرفي: ولا يخرج من الإجماع من كان من أهل العلم، وإن اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر ومن رأى الإرجاء وغير ذلك من اختلاف آراء أهل الكوفة والبصرة إذا كان من أهل الفقه. ( ... ) قال ابن القطان: الإجماع عندنا إجماع أهل العلم، فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه. قال أصحابنا في الخوارج لا مدخل لهم في الإجماع والاختلاف. ( ... ) وممن اختار أنه لا يعتد به (1) من الحنفية أبو بكر الرازي ومن الحنابلة القاضي يعلى. ( ... ) لا ينعقد عليه (أي مجتهد أهل الأهواء) الإجماع وينعقد على أنه لا يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أدى إليه اجتهاده، ولا لأحد أن يقلّده، كذا حكاه الأمدي وتابعه المتأخرون. ( ... ) قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق إنه لا يعتد بخلاف من أنكر
غيره؛ يعني
يجوز
أبو
1 - يقصد أن الرازي من الحنفية والقاضي من الحنابلة قد اختارا القول بعدم الاعتداد مجتهد أهل الأهواء. (المؤلف)
-486 - (1/516)
صفحة 517
القياس، ونسبه الأستاذ إلى الجمهور. ( ... ) قال النووي ( ... ): إن مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون. قال صاحب "المفهم": "جل الفقهاء والأصوليين أنه لا يعتد
جملة
بخلافهم، بل هم من العوام، وأن من اعتد اعتد بهم فإنما ذلك لأن
مذهبه أنه
يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع والحق خلافه. ( ... ) قال الجويني: المحققون لا يُقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا. ( ... ) قال مالك: "إذا أجمعوا (يعني أهل المدينة) لم يعتد بخلاف غيرهم. قالت الزيدية والإمامية: "هو أي إجماع العترة) حجة». [اهـ]
نقلتُ لك المناقشة السابقة عن الإمام الشوكاني وهي صورة مختصرة جدا للنقاش الطويل الذي يجري بين العلماء في كتب الأصول في موضوع الإجماع - لترى كيف تغير مفهوم الإجماع من تعريفه العام الشامل الرائع إلى مفاهيم ضيّقة متعددة الحدود، متضاربة المدلولات، تسوقها العصبيَّة المذهبيَّة، المختفية، ويصوغها التحكم الفردي أو المذهبي.
ولا شك أن الإمام الشوكاني نقل لنا ما نقل عن علماء طوائف معينة من الأمة الإسلامية، وأقوالهم تمثل نظرة هذا الجانب فقط، ولو أتيح لنا أن ننقل عن مؤلّف آخر من الجانب الثاني لوجدنا عنده ما يشبه ما أورده الشوكاني ولكن بطريقة عكسية.
ومع الاقتصار على هذا الجانب الذي عرضه الإمام الشوكاني فقط فإنك تجد الإجماع قد انتقل عن تلك الصورة الرائعة من التعميم
-487 - (1/517)
صفحة 518
والشمول للأمة الإسلامية جمعاء إلى فكرة تتنازعها المذهبية وتحاول أن تحتكرها، فلو أخذت في الاعتبار جميع الأقوال السابقة فأخرجت من الإجماع الحنابلة والظاهرية لأنهم لا يقولون بالقياس، وأخرجت المعتزلة والشيعة والخوارج، وأخرجت الفقهاء والأصوليين، فماذا يبقى من الأمة الإسلامية؟ وهل يبقى للإجماع معنى إذا أخذت بقول من يرى أن إجماع العشرة (1) يكفي، أو من يرى أن إجماع أهل الحرمين يكفي، أو من يقول إذا أجمع أهل المدينة فلا يُعتد بخلاف غيرهم.
إن الصورة الرائعة لمفهوم الإجماع من الأمة الإسلامية عامة لم تزل تضول وتضول حتَّى أصبحت في نطاق مدينة واحدة، بل حتَّى تلاشت؛ وذلك أن كلمة: "أهل الأهواء والبدع تهمة متبادلة يقولها
،،
أهل السنة في المعتزلة، ويقولها المعتزلة في أهل السنة، وهما يقولانها في الشيعة والشيعة تقولها فيهما، وهم يقولونها في الخوارج والخوارج يقولونها فيهم، وبهذا لا يُعتد بإجماعهم جميعًا لأن كل واحد منهم صاحب هوى وبدعة في نظر الآخرين.
من صلبه
1 - العشرة: (بكسر العين وسكون التاء)؛ عشرة الرجل: ولده وذريته وبنو أبيه عترة الرسول وهم أولاده فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأزواجه.
معجم لغة الفقهاء» تأليف أ. د/ محمد رواسي ود حامد صادق قنيبي. دار
النفائس. بيروت. بناءً على التعريف السابق ومن سياق كلام الأصوليين يُفهم
المراد بالعترة عترة النبيء له فهو عَلَمٌ بالغلبة. والله أعلم. (المحقق)
ان
-488 - (1/518)
صفحة 519
،،
إن كلمة أهل الأهواء والبدع - هذه التهمة الخطيرة التي كان يتقاذفها أنصار المذاهب والفرق كما تتقاذف الفرق الرياضية كرة المطاط، لا تلمسها رجلٌ حتى تتركها إلى رجل فرقة مضادة، ولا تطير في اتجاه
هدف حتّى ترتدَّ طائرة إلى الهدف المقابل - يجب أن تختفي من هذا الميدان
-
الفسيح الذي يصطف فيه المسلمون باختلاف مذاهبهم وفرقهم، لأنهم باختلاف فرقهم وشعاراتهم يكونون اتحادا واحدا عظيمًا يقفُ مُتراص الصفوف ليجابه التحديات.
إنه لا يحق لأي واحد سواء أكان يقف في الساحة منفردا أو
-
-
هي
كان يحمل شعار فرقة - أن يحكم على فرقة أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح، أو من الحرمان من الاشتراك في أي عمل تقوم به الأمة الإسلامية ككل. وهذه الفرق المتكاملة بشعاراتها المختلفة التي أعطت الصورة الكاملة للأمَّة المسلمة، لأنّ كلّ واحدة من تلك الفرق كانت تمثل جانبا معينا وتبني من زاوية خاصة، ولن يكتمل البناء إلا بوجودها جميعا واشتراكها في إقامته معا.
إن لكلِّ فرقة من الفرق الإسلامية في خدمة الإسلام جهدًا مشكوراً، سواء أكرهنا أم رضينا، وسواء أاعترفنا أم لم نعترف، وسواء أوَافَقَ أمزجتنا أم لم يوافق.
وليس من حق أصحاب أية فرقة أن يعتبروا أنفسهم هم ممثلي الإسلام؛ يحكمون على غيرهم من الفرق والطوائف بالتفسيق أو التبديع أو التكفير.
-489 - (1/519)
صفحة 520
-
بأقسى
لا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن يُنكر أن الخوارج. وأقصى ما يُوصفون به ويُنسبون إليه قد قدموا للأمة الإسلامية خدمة
جلى؛ لقد قاموا بكفاح مرير حين استنام المسلمون وسكتوا عن الانحراف بدولتهم من الخلافة إلى الملكية، فأقاموا الحجة على المسلمين بسيوفهم وألسنتهم، وأثبتوا بجدارة تستحق الإعجاب بون ما كان عليه الناس في الخلافة الرشيدة، وما هُم مُقدمون عليه عندما تسلّطت الدكتاتورية الملكية على
الحكم في الإسلام وأخرجته من نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض. ولا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن يُنكر أن الشيعة قدَّموا للأمة الإسلامية خدمة جلّى؛ فقد كافحوا بجهد جبار حتّى أثبتوا حق آل البيت في الحياة وفي الحكم، ولولا الشيعة لقضى جبروت بني أمية على بني هاشم، ولمحا الحقد الأسري المتغلغل في النفوس اسمهم من الوجود، أو شرد بهم حيث لا يكون لهم لقاء.
ولولا المعتزلة لكانت الفلسفةُ القديمة بما أوتيت من براعة الجدل .. وذكاء التمويه قد استطاعت أن تنحرف بعقيدة المسلمين عن الإسلام بل أن تخرج الكثير منهم من الإسلام.
ولولا الإباضية لما كانت هناك حلقة من الاعتدال والتوسط تمسك بكلِّ طرف من الأطراف المتطرفة بجانب واضح يربطها بالفرق الأخرى ويقلل مسافة البعد بينها، سواء أكان ذلك في العقائد أو في آراء الحكم والسياسة ...
- 490 - (1/520)
صفحة 521
ولولا أهل السنة الذين ناصروا الدولة الأموية لما قامت تلك
الحضارة الرائعة التي بناها العرب على أسس من الإسلام، والتي استطاعت أن تقف متباهية في شموخ أمام الحضارات العالمية في ذلك الحين، ثم أن تتقدَّم في عهد الدولة العباسيَّة في أناة وثبات فتستلم زمام الحضارة الإنسانية في العالم وتسير به الشوط الذي حفظه لها التاريخ وتُقدّره لها الأجيال المتعاقبة.
ولولا الظاهرية والحنابلة الذين استمسكوا بالنص واعتمدوا عليه واحتجوا دون اعتماد على العقل لما تمت خدمة النصوص الإسلامية سنة وآثار على هذا المستوى العلمي الدقيق الذي نفتخر ونعتز به، ونضعة كنموذج للتحقيق العلمي بين أنظار علماء الإنسان.
من
ولولا النزعة العقلية المتحررة من فقهاء العراق، واستنادهم إلى العقل والمنطق، واعتمادهم على ذلك في مناقشة الآثار والنصوص لبقي الفقه الإسلامي تحت أثقال من الركود والجمود.
هذا
هوا الإطار العام الذي تقف فيه الفرق الإسلامية بشعاراتها الخاصة كطوابير متخصصة يتكون منها جميعًا ذلك الكيان العظيم الذي يُسمَّى الأمة الإسلامية، وهذه الأمة بهذه الفرق المختلفة وشعاراتها الخاصة إذا أجمع علماؤها على حكم في أمر من الأمور كان ذلك إجماعا من الأمة الإسلامية، واعتبر هذا الإجماع هو المصدر الثالث من التشريع بعد الكتاب والسنة.
-491 - - 491 - (1/521)
صفحة 522
ولا يمكن أن يُعتبر إجماعًا ما تخلف فيه ولو عالم واحدٌ من فرقة واحدة من الفرق الموجودة حين صدور الحكم، فإذا انقرضت فر فرقة في عصر من العصور أو وُجدت فرقة طُلب الإجماع من علماء الفرق
الحاضرة فقط، واعتبر ما اتفقوا عليه.
بعد هذا العرض أعتقد أنه من المناسب أن ننظر إلى الإجماع من الزوايا الآتية:
-1 - الإجماعُ الذي نتحدث عنه ونناقشه هو الإجماع الذي يُشرَعُ كدليل خاص في أمر من الأمور لم يثبت فيه نص، أما عندما يكون على حكم ثبت بالنص فإن الإجماع حينئذ لا يكون عرضة لهذا النقاش لأنه اكتسب القطعية من دلالة النص.
2 الإجماع في الماضي:
أغلب أنواع الإجماع التي وقعت أو أدعيت في الماضي – بقطع النظر
-
عن الإجماع المصاحب للنص ـــ هي من نوع الإجماع السكوتي وهو حُجَّة
-
ظنّيّة سواء أوقعت في عهد الصحابة أم فيما بعدهم من عهود.
أما الإجماع القولي أو الصريح إذا سُلّم بوقوعه في عهد الصحابة لا سيما في فترة خلافتي أبي بكر وعمر، لعدم تفرق علماء الصحابة، فإن وقوعه فيما بعد عهد الصحابة يعسر التسليم به، ولذلك فإننا نقف بنوع من الاحتراس عندما نجد ادعاء الإجماع، سواء أكان
-492 - (1/522)
صفحة 523
بعبارة عامة كقولهم: تمَّ الإجماع على كذا، أو أجمع المسلمون على كذا، أو بعبارة خاصة كقولهم: أجمع من يُعتد بإجماعه، وهذا
?
-
هو
النوع من الإجماع - ما عدا إجماع الصحابة القولي إذا ثبت حجة ظنية في الأحكام الشرعية بالنسبة للأفراد، أما إذا جرى في الحكم على فرقة من المسلمين بالتفسيق أو التبديع فليس له قوة الحجة مطلقا. وهذا ما أشار إليه الصفي الهندي في قوله الذي نقلته عن الشوكاني في صدر هذا الفصل.
ذلك لأن إثبات إجماع المسلمين بعد عهد الصحابة ـــ وقد تفرقت بهم الآراء والمذاهب والسياسات، وتشتتوا ما بين فارس والأندلس مع تعسر المواصلات - أمر مستحيل، وحُكم فرقة أو عدد من الفرق على
-
فرقة أخرى لا يُعتبر إجماعا أبدا.
هامة
3 - الإجماع في الحاضر والمستقبل:
نظرا لسهولة وسائل الاتصال في العالم اليوم وتيسرها، فإننا نعتقد نظريا - أن الإجماع الصريح مُمكن، وأن العلم به ممكن أيضا، لا سيما
—
إذا تبنته الدول أو ساعدت عليه، مع العلم بأن هناك علماء لا يتم الإجماع بدونهم يعيشون في أقطار تحكمها دول غير إسلامية، فلو أثيرت مشكلة في قطر من الأقطار واحتاجت إلى حكم شرعي لأمكن الاتصال بجميع أهل العلم المسلمين في جميع أنحاء العالم، وعرض المشكلة عليهم، وأخذ الحكم منهم، ربما في شهور فقط، فلو وقعت حركة مثل هذه فإن
- 493 - (1/523)
صفحة 524
الحكم لا يعتبر بالإجماع أو لا يأخذ مرتبة الإجماع إلا إذا أجمع عليه علماء العصر على اختلاف مذاهبهم ثم استوفى بقية الشروط المعروفة عن الإجماع. وما قيل عن هذا العصر يُقال عن العصور المقبلة.
و ينبني على هذا أن الأنفاق الذي يتمُّ بين بعض البلدان فقط، أو بعض المذاهب فقط، ولو كانت أكثريَّة، ولو تخلف عالم واحد من مذهب واحد، لما كان ذلك الاتفاق إجماعا، فإذا كان في مسألة فقهيّة فهو حُجَّة ظنّيَّة، أما إذا كان حكمًا على فرقة فليس له اعتبار. فليس من حق فرقة أو عدد من الفرق أن تُصدر أحكامًا على غيرهم، ثم تعتبر ذلك إجماعا. كما أنه ليس من حق أي شخص أو فرقة أن تصدر حكما بإخراج أي مُجتهد من دائرة الاعتداد به في الإجماع.
إليه من
أن والذي ينبغي ننتهي هذا الفصل أنه يجب أن يختفي من أذهان المسلمين ذلك المفهوم الذي يتبادر إلى الكثير حين يسمعون كلمة الإجماع، أو أجمع المسلمون من ناس يُصدرون أحكاما من زواياهم الخاصة على غيرهم من المسلمين - فرقًا أو أفرادا ـ فيعتبرون ذلك،
-
-
حجة قطعية تُثبت تلك الأحكام التي ألبست ثوب الإجماع، وليست بإجماع. وكلُّ إجماع ادعي فيما مضى إذا لم يصدر من جميع مجتهدي المسلمين، بمختلف مذاهبهم وأوطانهم ولم يكن مصاحبا لنص فهو ليس بالإجماع الذي يُعتبر في الدرجة الثالثة الأدلة الشرعية، وليس الخروج
عنه فسقا ولا كفراً.
من
- 494 - (1/524)
صفحة 525
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق إلى أذهان الناس بسبب خطا المؤرخين في ربط الأحداث _ أن المحكمة الذين قتلَهُم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة النهروان، هم أصلُ الخوارج، وهو مفهوم خاطئ، فإن المحكمة قد قتلوا في النهر“ ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد، ثم ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا، حتّى ظهر الخوراج في أواخر ولاية ابن زياد سنة 64، بقيادة نافع بن الأزرق. فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب والمحكمة. أما الخروج فنوعان:
خروج سياسي؛ كخرُوج الحسين وابن الزبير وبلال والمختار
وسليمان بن جرد وغيرهم.
وخروج سياسي ديني؛ وهو الخروج الذي ابتدأه نافع بن الأزرق،
و سار عليه الخوارج من بعده.
وإن شئت مزيدا من الإيضاح فاقرأ الفصل الآتي:
-495 - (1/525)
صفحة 526
الفرق بين الفتنة والخروج
من معاني كلمة الفتنة: اختلافُ الناس في الآراء وما يقعُ بينهم بسبب ذلك من النزاع و القتال. وقد وقعت في صدر الإسلام مجموعة من الخلافات بين الصحابة أدت إلى نزاع وقتل وقتال فسُمِّيت فتنا، وفي
الإمكان أن نحصرها فيما يلي:
1 - فتنة الدار.
-2 - فتنه الجمل.
3 - فتنة صفين. 4 - فتنة النهروان.
من
فكانت أولى الفتن بين الصحابة هي فتنة الدار؛ وذلك أنه في السنوات الأخيرة من خلافة أمير المؤمنين عُثمان انتقد عليه بعض الناس أنواعا من السلوك والتصرف اعتقدوا أنه لا يجوز له، فلما أبلغوه انتقادهم اعتذر عن بعضه واستغفر وأجاب عن بعضه بأنه وهو الإمام - أن يفعله، وقع بينه وبين المعارضين خلاف في عدد من المسائل، واشتدَّ الخلاف حتَّى طلبوا أن يستقيل، فلم يقبل منهم ولم يستجب لهم، فوثبت عليه جماعة منهم فقتلوه، ودافع عنه .. جماعة من المسلمين، واعتزلت عنهم جماعة أخرى. وسُميت هذه الحركة "فتنة الدار، وكانت أول فتنة وقعت بين المسلمين.
—
- 496 - (1/526)
صفحة 527
بايع أكثر الناس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واعتزله آخرون، وقام عليه جماعة ممن بايعوه، وأدَّت الحركة كلها إلى حرب يوم الجمل، فقتل هنالك ثمانية عشر ألفا على رواية المسعودي في «مروج الذهب»، وسُميت
هذه الحركة بـ "فتنة الجمل، وكانت ثاني فتنة وقعت بين المسلمين. وعندما تمَّت البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعث يعزل
العمال السابقين ومن ضمنهم معاوية، فلم يستجب للعزل، وتعلل بدَم عُثمان، واعتبر نفسه وليَّه، وصرَّح أنه يتهم الإمام عليا بالاشتراك في قتله، أو على الأقل بالرضا به، وأنه يُطالبه بدمه. ووقعت من أجل ذلك حرب مريرة في مكان يسمى (صفين) قتل فيه مائة ألف وعشرة آلاف (على رواية المسعودي في «مروج الذهب»، وكانت هذه الفتنة الثالثة من الفتن التي وقعت بين المسلمين.
هي
وفي صفين عندما أحس معاوية بضعف جيشه عن المقاومة، وبأن الهزيمة لاحقة به لا محالة، ابتكر ”خدعة المصاحف، وطالب بالرجوع إلى حكم الله، وبتكوين نُخبة للتحكيم، وتحديد مُدَّة كهدنة ليتم فيها العمل، واختلف أصحاب على اختلافا شديدا، بين موافق على الطلب ومعارض له، اضطر الإمام إلى الموافقة نزولاً عند رأي الأغلبية، وإن كان رأيه هو خلاف ذلك، واختير الحكمان، وحُدّدت الهدنة، وانتهى الموعد وحضر الناس، فأعلن مندوب الإمام علي بأنه اتفق مع مندوب معاوية على عزلهما معا من منصبيهما، ثم يكون الخيار للأمة تولي من تشاء. وأنكر
- 497 - (1/527)
صفحة 528
مندوب معاوية ذلك الاتفاق، وأعلن أنه اتفق مع مندوب علي على عزل علي وتثبيت، معاوية، فاعتبر علي أن قضيَّة التحكيم في حكم الملغاة، لأن الحكمين لم يعملا بكتاب الله، ولأنهما لم يتفقا، ورجع إلى معارضي التحي ـ الذين كانوا قد اعتزلوا الجيش عندما وافق الإمام علي على التحكيم، ثم بايعوا لهم إمامًا عندما أعلنت نتيجة التحكيم ـ يطلب منهم
:
ـ
-
أن
الانضواء تحت لواء الجيش والاستمرار في محاربة أهل الشام، غير المعارضين وقد تجمعوا قُرب النهروان لم يوافقوا على العودة، وجرت بينهم
وبين رسل الإمام، وبينهم وبين الإمامِ نفسه مناظرات ومناقشات كثيرة، لم يتوصلوا بعدها إلى اتفاق فارتحل إليهم بجيشه ووقعت بينه وبينهم موقعة قتل فيها أربعة آلاف (حسب رواية المسعودي) سُمِّيت بـ”وقعة النهروان، وكانت هذه هي الفتنة الرابعة فيما أرى. وبالتأمل في أحداث هذه الفتن الأربع، يجد الباحث أن السبب فيها
وفي إحدى المسلمين، من
-
هر اختلاف في وجهتي النظر بين طائفتين الطائفتين أمير المؤمنين - في سلوك أمير المؤمنين نفسه في مسألة من المسائل
-
أو مشكلة من المشاكل أو عدد منها، يرى هو صحة موقفه، ويري ويح عن تباين الموقفين الانتهاء إلى القتال. ومع
الصحة، المعارضون عدم كل فريق من الطائفتين عدد من الصحابة، وفي جميع تلك الأحداث يُوجد
أيضا جمع من الصحابة وقفوا من الخلاف موقفا سلبيا، فلم يشتركوا مع
أحد ولم يؤيدوا أحدًا من الطرفين المختلفين.
- 498 - (1/528)
صفحة 529
ويبدو ـ رغم اختلاف نزعات ودوافع المؤرخين ـ أن العنف في
-
-
الفتنة الأولى كان من المعارضين فقط، وأن الإمام وقف أمامهم أعزل لم يجرد سلاحًا، ومنع من التعرُّض لهم بالقوة حتى في أحرج اللحظات. ولذلك قد انجلت عن مقتل الإمام فقط، أو بعض أضرار أخرى بسيطة.
وفي الفتنتين الثانية والثالثة بدأ العنف أيضا المعارضين، غير
من
أن
الإمام هنا لم يقف سلبيا وإنما أجاب على العنف بالعنف، ولذلك فقد
انجلت الفتنة الثانية عن ثمانية عشر ألف قتيل، وانجلت الفتنة الثالثة عن مائة ألف وعشرة آلاف قتيل.
أما الفتنة الرابعة فبعد المفاوضات والمناظرات كان العنف فيها من الإمام ـ كما يبدو – واستجاب المعارضون عن العنف بالعنف، وانجلت أربعة آلاف قتيل، حسب روايات المسعودي في «مروج
الفتنة
—
الذهب» في جميع ذلك، أعني أن هذه الفتن ذهب ضحيتها مائة واثنان
وثلاثون
الفا
من المسلمين المقاتلين حسب روايات المسعودي.
وصلب الموضوع في أحداث هذه الفتن جميعا أن الخلاف فيها كان ديانة، أي أن كل فريق كان يعتقد أن مسلكه هو الحق، ونستطيع أن نأخذ مثلاً للخلاف عن كل فتنة من هذه الفتن:
ففي الفتنة الأولى أنهم عثمان بأنه يحابي أهله بالمال والمنصب، فلما انتقد عليه ذلك وذُكر له أن عُمَر لم يكن يفعل ذلك، أجاب بأن
عمر منعهم
الله، وأنه هو أعطاهم الله، وأجيب
وأعرف بمصلحة الإسلام والمسلمين وهو المسؤول.
عنه
بأنه أمير المؤمنين،
- 499 -
34 (1/529)
صفحة 530
وفي الفتنة الثانية تمَّت البيعة لعلي فلم يُبادر إلى قتل قتلة عُثمان، فقال: القائلون لا نسمعُ لك ولا نطيع حتّى تقتل قتلة عثمان، وقال علي:
-
-
وهو أمير المؤمنين حينئذ ـ بل السمع والطاعة أولاً ثم إقامة الحدود، وكيف يتمكن الإمام من إقامة الحدود إذا كان في الأمة من لا
ولا يطيع.
يسمع
وفي الفتنة الثالثة انشغل علي عن قتل قتلة عثمان، أو لم ير قتلهم، فادَّعى معاوية أنه ولي دم عثمان، وهو يُطالب بالقصاص، فقال له الإمام علي بايع أولاً وادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم طالب بحقك في ولاية الدم وإيقاع القصاص، قال معاوية: بل القصاص أوَّلاً.
وفي الفتنة الرابعة رفعت المصاحف وطلبت الهدنة، فاختلف أصحاب
من
علي، فوافق تحت ضغط أصوات الأغلبية وقبل التحكيم، ففارقه عدد الجيش، ويقولُ من يُجيب بلسان علي، قبلنا الهدنة ونحن نعلم أنها خدعة خوفا على كلمة الجيش، واقتداء ببعض مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم المشابهة، ويقول الآخرون: إنك تعلم أنهم فئة باغية، وأنت تحاربها بأمر الله، ليس لك أن تتركها حتَّى تفيء إلى أمر الله أو يهلك أحد الفريقين. هذه أمثلة بسيطة لتلك القضايا الشائكة، ومنها يتضح لك أن جميع المواقف في الأحداث السابقة كانت مواقف ديانة من الأطراف المختلفة. وأن استمساك تلك الأطراف بمواقفها إنَّما يعني استمساكهم بما تدين وتتقرب به إلى الله، وليس استمساك عصبيَّة أو رغبة في الدنيا. ويبدو لي
- 500 - (1/530)
صفحة 531
أن الفتنة التي وقعت بين الصحابة تنتهي إلى هذا الحد، وأنه يجب على المسلمين أن يقفلوا عنها الباب، وأن لا يتورطوا بالتدخل فيها، بقطع النظر عن آرائهم وميولهم الشخصيَّة، وأنه لا علاقة لهذه الفتن بما جاء بعدها أو ترتب عنها فيما بعد ونُسب إليها.
أحداثا
الحقيقة أن هذه الفتن الأربع ينبغي أن تُوزن بميزان واحد باعتبارها بين الصحابة، لأن جميع أطرافها حضره بعض من الصحابة، والظروف فيها متشابهة والقائمون فيها من الجانبين طلاب حق سواء ا أخطؤوا فيه أم أصابوا.
والذي يُلجئنا إلى هذا الموقف - رغم أن في الموضوع دماء وأموالاً هو ثبوت الأحاديث في بعض الصحابة الذين وقفوا مواقف متعارضة في
هذه الأحداث، وشهروا فيها السيوف بعضهم على البعض.
وبانتهاء الفتنة الرابعة انتهت الفتن التي قامت في عهود الصحابة وبينهم، أو على الأقل قامت في عهود الخلافة الرشيدة.
وبالنظرة المنصفة النزيهة المتعمقة في أحداث التاريخ يتضح أن آثار هذه الفتنة كحركة عمليّة قد انتهت في زمنها؛ فقد قتل أهل النهروان، وتفرق باقيهم ممن لا حول له ولا قوة، ثم قتل الإمام علي بمؤامرة نسبت إلى الخوارج، كما جرت العادة أن تُنسب إليهم كل الأعمال الشاذة المنحرفة، فقد صنع منهم كتاب التاريخ والمقالات شخصيات كشخصيَّة جُحا وأشعب وأبي زيد الهلالي ـ يُلقون على
خرافية
-
- 501 - (1/531)
صفحة 532
دبرها،
أكتافهم مسؤوليَّة الدَّم في التاريخ الإسلامي عامة، والله أعلم من وإن كانت أصابع الاتهام تُشير إشارات واضحة إلى الأشعث بن قيس (1) ثم
سلم الإمام الحسن بن علي إلى معاوية بعد شهور قليلة، فلم يبق لهذه القضيَّة أي أثر وقد انتهى جانباها جانب أهل النهر وجانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
ويثب هنا إلى الذهن سؤال يتردَّد قائلا: ما علاقة هذه الفتن بالخوارج؟ ويبدو أن الجواب الصحيح سيقول إنه لا علاقة لها بهم، فهي بين الصحابة تُشبه الفتن السابقة، ليس لنا أن نحشر أنوفنا بأحداثها،
ونبين المخطئ فيها والمصيب، وإنما نتركها كما نترك سابقاتها الله. والواقع أن كثيرًا من المؤرخين يحرصون أشد الحرص على تسمية أهل النهر بالخوارج، ثم هم يتكلفون ما يثبتونه به تكلفا يصل حد السخف أحيانا، ويُجهدون أنفسهم في البحث للتدليل على أن أهل النهر هم
المقصودون
1 - كان أمير المؤمنين علي يخطب على المنبر فاعترضه الأشعث بكلمة فأجابه الإمام وهو ماض في خطبته بقوله: «وما يُدريك ما عليَّ مِمَّا لي؟ عليك لعنة الله، ولعنة اللاعنين، حائك بن حائك، منافق بن كافر، والله لقد أسترك الكفر مزة، والإسلام أخرى، فما فداك من واحدة منها مالك ولا حسبك، وإن امرأ سل على قومه السيف وساق إليهم الحتف لحري أن يمقته الأقرب ولا يأمنه الأبعد». شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، الجزء الأول ص 391. قال عنه ابن أبي الحديد: «وهو في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام كما كان عبد الله بن أبي سلول في أصحاب رسول الله: كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه». المصدر السابق، ص: 297. (المؤلف)
- 502 - (1/532)
صفحة 533
بحديث المروق المعروف - إن صح - وينسبون إلى الإمام علي ممَّا يُثبت هذه الدعوى أخبارًا غيبيَّة يُخبر قبل وقوع الأحداث بوقوعها. ثم هم يخلطون خلطا عجيبا بين معنى الخروج عن الدين ومعنى الخروج عن الدولة، وكلّما تطاول الزمن كبر هذا الحرص عند المؤرخين وكتاب المقالات.
استعملت
وأنا في كتابتي لهذا الفصل - وأنا بعيد عن المراجع في مكاني هذا ـ لا أحاول أن أناقش صحة هذا الحديث ولا مدى انطباقه على هذه الجماعة بالذات، كما أنه ليس بإمكاني الآن أن أحدد بالضبط متى كلمة الخوارج، وأوَّل من استعملها، وعلى من أطلقها في مصدر موثوق ذلك فأنا لا أجزم بشيء مما ورد في هذا الموضوع في حينه،
به، ومع
•
وأحسب أن جميع ما قيل عن الخوارج في تلك الظروف عرضة للنقد، وأن الشك فيه أقوى من اليقين.
يقول الإمام أبو إسحاق اطفيش (1): «الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابعي التابعين رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم، وسُمُّوا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك، فاستحلوا ما حرَّم الله من الدماء والأموال بالمعصية» (2) [اهـ].
1 - انظر نص الكلمة عند محمد
الله بن عبد السالمي «عُمان تاريخ يتكلم». المطبعة
العمومية. دمشق عام: 1383 هـ / 1963 م. ج 2، ص: 103 وما بعدها.
2 - المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
- 503 - (1/533)
صفحة 534
ويقول أيضا: «إنّ تسمية الخوارج لم تكن معهودةً في أول الأمر، وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة (كما قلنا)، و لم تُعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم والراضين به، ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية» (1) [اهـ].
حدثت أم نافع بنِ خليفة: أن الناس يومئذ على ثلاثة أصناف:
صنف جبابرة وأتباعهم، وصنف فاق يشربون النبيذ ويضيعون الصلاة ويعملون بالفواحش، وليس هناك يومئذ صفريَّة ولا أزارقة ولا شكاك،
•
وإنما الذين يسمون القراء يدينون بقتال الجبابرة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ الأدلاء عليهم، ويأخذهم فيقتلهم، فلما رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلهم على فرشهم» (2) [اهـ].
وقال الإمام نور الدين السالمي: «ثم لما كثر بذل نفوسهم في رضا ربهم، وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سُمُّوا خوارج) جمع خارجة؛ وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله» [اه].
وكل ما في هذا الموضوع أن المعارضين للتحكيم اعتزلوا جيش الإمام، فلما فشل الحكمان بايعوا واحدًا منهم إمامًا، ولكنَّ الإمام عليا بعد فشل
1 - المصدر السابق. ص: 106. (المحقق)
2 - الدرجيني: «طبقات المشائخ بالمغرب». ج:2، ص: 235. (المؤلف)
- 504 - (1/534)
صفحة 535
الحكمين بدأ يستعد لاستئناف القتال مع معاوية فاقتضت نظرته
السياسية
-
عملاً بنصيحة بعض مستشاريه أن ينتهي من أمر أولئك
-
فعلاً، كما انتهى من
قبل من
أصحاب
أخلاق من
المعتزلين أولاً، وقد انتهى منهم الجمل، ولم يكن هناك مجال للتنابز بهذه الألقاب، فلم يكن علي، ولا أخلاق من يسير بسيرته أن ينبزوا الناس بالألقاب، ولا أن يصف أولئك الناس بالخروج من الدين أو المروق منه، أو بغير ذلك من الألقاب والأسماء التي أصبح لها رنين فيما بعد، لا سيما وأن الإمام يقول: «كل مجتهد مصيب ا، وهو يعلم تمام العلم أن هؤلاء القوم لم يقفوا ذلك الموقف منه إلا اجتهادا منهم بأن موقفهم ذلك هو الحق.
(1)
والمصادر التي تصوّر الموقف أو حالة الإمام بعد فتنة النهروان متضاربة حسب اتجاهات أصحابها، ولكنَّها مُجمعة على أن سخط الإمام على أهل الشام كان أشد وأعنف من سخطه على أهل النهروان، وكلماته التي حفظت عنه ـ إن صحت نسبتها إليه - تدل دلالة واضحة على أسفه
وندمه على قتلهم.
إليه من كل هذا أن
بين
موقعة النهروان فتنة والذي أريد أن انتهي! الصحابة كالفتن التي سبقتها، وليس لها أثر فيما بعد، اللهم إلا النقاش الجدلي في موضوع الإمامة وواجبات الإمام وحقوقه، وواجبات الأمة وحقوقها، والحدود في ذلك، والاستدلال بموقف الإمام أو موقف الأمة
1 - انظر الوارجلاني: «الدليل والبرهان». ج: 3. ص: 38. (المؤلف)
- 505 - (1/535)
صفحة 536
عندما يختلفان وهل للإمام أن ينعزل عن أمور المسلمين دون حدث؟
وهل لهم أن يعزلوه كذلك؟ وإذا انعزل فهل من
حقه أن يعود؟ وهل تكون
بيعته الأولى في أعناق الناس حتى بعد التخلي والرجوع؟ وهل بيعةُ من طرف واحد أو من طرفين؟ وهل الطرفان متساويان؟
الإمامة
M?s
وماذا لو أن أحد الطرفين لم يلتزم بمضمون البيعة كما لو دعا الإمام إلى
جهاد العدو فلم يتقدَّم أحد، وتقدم عدد ضئيل لا غناء فيه؟ ...
فلا شك أن أبحاثا مستفيضة أثيرت حول هذه المواضيع بسبب قضية
التحكيم وفتنة النهروان ومواقف الإمام في تلك الظروف ومواقف أصحابه، سواء من بقي معه أو من انعزل
عنه.
وبعد فتنة النهروان، ثُمَّ اغتيال الإمام)، بايع الناسُ الإمام الحسن بن
1 - ظهر ابن ملجم ظهوراً مفاجاً عند اغتياله للإمام أما قبله فلم يكن معروفًا، وكذلك صاحباه وحتى بعد تنفيذهم للمؤامرة لم يُعرف على الحقيقة - من
-
وراءها؟ فألقى أكثر المؤرّخين مسؤولية الحادثة على اسم الخوارج (مشجب الأمويين) الذي تُعلّق عليه جميع الأحداث الشاذة والمكروهة والمجهولة، دون اهتمام بالتحقيق. ولكن أخبارًا ترد مقطّعة في كتب الأدب والتاريخ لا يلتفت إليها أحد قد تدلُّ على غير ما يقوله نقلةُ الأخبار الروتينيون المتأثرون. كل من اهتم بأحداث صفين والنهروان يعرف أن الأشعث بن قيس كان من المقربين إلى الإمام ومن أصحاب مشورته، وأن له أكبر الدخل في قبول التحكيم، وفي عدول الإمام عن حرب معاوية إلى أصحاب النهر، وفي تثبيطاتهم جيش الإمام بعد ذلك لمواصلة القتال مع معاوية، ويعرف أيضا أنه كان عميلاً لمعاوية، أو طابوراً خامسًا له في جيش الإمام. وتذكر كتب التاريخ والأدب أن الأشعث ـ بعد
-
-506 - (1/536)
صفحة 537
سينتهي
علي وكان الحسن يدرك تمام الإدراك أن أمر الحكم ــ بكل الوسائل ـ إلى معاوية، وقرّر هو في داخل نفسه أن يُوقف الصراع المرير بين الهاشمية والأموية، وأن يحقن دماء المسلمين، فلمَّا عُرضت عليه البيعة لم خوفًا من أن يتَّجه الناس إلى غيره فيسلك بهم مسلك التطرف، فتعود الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه من النتائج، ولهذه قبل البيعة. فلما هدأت العواصف واستقرت الأمور وسكن الناس، سلّم لمعاوية.
يمتنع
عنه
- أن رجحت كفة معاوية واستقامت له الأمور وضول مركز علي وتفرقت الجموع ـ قلب ظهر المحن للإمام في وقاحة وتبجح. قال أبو الفرج: «و للأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين أخبار يطول شرحها». قال ابن أبي الحديد: «دخل الحديد: «دخل الأشعث على علي فكلمه فأغلظ على له، فعرض له الأشعث أنه سيفتك به، فقال له علي أبالموت تخوفني وتهددني؟ والله ما أبالي أوقعت على الموت أم الموت وقع علي». وقال ابن أبي الحديد: «وجاء الأشعثُ إلى علي يستأذن عليه، فرده قنبر، فأدمى الأشعث أنفه، فخرج علي يقول:
مالي ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرّست لا قشعرت شعيراتك». قال أبو الفرج: «وقد كان ابن ملجم أتى الأشعث بن قيس في هذه الليلة فخلاً به في بعض نواحي المسجد، ومرَّ بهما حجر بن عدي، وسمع الأشعث وهو يقول لابن ملجم النجاء النجاء بحاجتك، فقد فضحك الصبح“، قال له حجر:
،،
قتلته يا أعور. وخرج مبادراً إلى علي، وقد سبقه ابن ملجم فضربه، فأقبل حجر والناس يقولون: قُتل أمير المؤمنين». راجع هذه الأخبار في الجزء السادس من «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، وهي في جملتها تشير بالاتهام إلى الأشعث، وفي غيرها من كتب الأدب والأخبار ما هو أوضح وأصرح، ولكن المؤرخين قد علقوا الموضوع على المشجب الأموي وانتهوا. (المؤلف)
- 507 - (1/537)
صفحة 538
ولا شك أن عددًا كبيرًا كان ساخطًا على معاوية، وأن عددًا آخر قد
سخط عليه هو نفسه في تسليمه واتهموه بالجبن والضعف والأنانية، ولكن القضيَّة سارت كما قدَّرها الحسن وكما أرادها معاوية.
ولما بدأ معاوية يُمهد لأخذ البيعة بولاية العهد لابنه يزيد، ازداد
عدد الساخطين، وأصبحت الأمة الإسلامية ما عدا أهل الشام -
-
تغلي كالبركان، ولم يُمسكها عن الانفجار العام الدموي إلا وجود معاوية في الحكم بمزاياه السياسية التي قل أن تُوجد عند حاكم. فلما تُوفّي معاوية وتولى يزيد انفجر البركان، وقامت في كل مكان مجموعة من الناس تسل الحسام، وتندفع إلى أغراضها بالعنف والقوة، وإن كانت دعاوى ودوافع كل مجموعة قد تختلف عن المجموعة الأخرى.
فبعضها قام بأحقية الخلافة، وبعضها بعدم أهلية الخلافة، وبعضها بالقرابة التي تفوق قرابة أهل البيت في زعمها، وبعضها للانتقام وأخذ الثأر، وبعضها مطالبة بالعدالة والرجوع إلى حُكم الشريعة ... إلى غير ذلك من المبررات والمزاعم والوسائل. وقد وقعت بسبب ذلك مشاغبات وحروب انتهى بعضها بعد خروج واحد، وقاوم بعضُها فترة أطول، فكانت الأنباء ترد إلى دار الإمارة بهذا الشكل:
خرجت خارجة بالكوفة، خرجت خارجة بالبصرة بالمدائن! بالطائف! باليمن ... إلخ. وكانت الأنباء تتوالى كل يوم بمزيد من الطوائف التي رفعت السلاح في وجه الحكم، وصمَّمت أن تحقق مطالبها بالعنف
- 508 - (1/538)
صفحة 539
والقوة. فكان الأمير في أول الأمر يبعث بفرقة من الجيش إلى خارجة ما ليقضي عليها أو يشتها، ولكنه عندما كثرت هذه المجموعات التي تخرج عن الحكم وترفع السلاح في وجه الدولة، صار على كلِّ وال في مصر من الأمصار أن يكون جيشا كثيفًا قويًّا مُزوَّدًا تحت قيادة ماهرة، ثم يرسل به للقضاء على خوارج ناحية من النواحي، فيقول لقائد الجيش هناك: انطلق إلى خوارج المدائن، أو خوارج الأهواز، أو خوارج اليمن، وهكذا ... فاستعملت كلمة الخوارج بمعنى الخروج السياسي عن الدولة الأموية کاصطلاح عسكري خاص، بمعنى الجماعات الخارجة عن الدولة، ولكن حدث أن تطرف بعض تلك الجماعات فقامت بعقائد حكمت بها بالشرك على الحكام الظلمة، وعلى من رضي بالبقاء معهم أو تحت حكمهم، فسخط الناس عليهم لهذه العقيدة وما انبنى عليها من السلوك، واعتبروهم خارجين بذلك عن الدين. فأصبحت كلمة الخوارج تدلُّ على معناها الكامل في جانبيها معا الديني والسياسي.
وجاء هنا دور القيادة البارعة للدولة الأموية وأنصارها فاستغلت هذا الموقف الشاذ من بعض الجماعات فاعتبرته موقفًا لكل ناقم عليها، غير راض بانحرافها، ثم استغلته استغلالاً آخر أبعد مدى، حين حاولت أن تطلق كلمة الخوارج على مُفكّري التحكيم، وأن يكون الناقمون على الدولة الأموية هم امتدادًا لمنكري التحكيم ويشملهم اسمُ الخوارج جميعا. ووضعت في هذا عشرات الأحاديث منها ما عُرف زيفه ومنها ما لم يعرف، كما وضعت عن
- 509 - (1/539)
صفحة 540
لسان الإمام فيه عشرات الأقاويل، منها ما هو ظاهرُ البطلان. وقد اشتهر في هذا الباب ناس منهم المهلب بن أبي صفرة، حتى إنه قيل: إن أثر أحاديثه المكذوبة على الخوارج كان أشد من أثر سيفه.
وقد استفادت السياسة الأموية بهذه الخطوات أنها جعلت الشيعة والمعتزلين والمعتدلين يتفقون معها في السخط على الخوارج، والحكم عليهم بالخروج من الأمة الإسلامية، دون معرفة بحقيقة الخوارج ومبدإ ظهورهم، لأنها أدخلت في روع الناس أن مبدأ ظهورهم هو انفصالهم عن علي بعد التحكيم.
وأعتقد أنه مرَّت فترة قصيرة في أواخر أيام معاوية وأيام يزيد كانت كلمة الخوارج لم تُستعمل بعد، أما منكرو التحكيم فكانت تطلق عليهم كلمة أخرى هي كلمة أخرى هي (المُحكّمة)، ولذلك لمَّا لَجَّ زياد في الاضطهاد والظلم، وصار يتتبع الناس ويقتلهم في منازلهم تحرك الناس لرد الفعل. وقد صورت أم نافع هذه الفترة بصورة مختصرة ولكنها واضحة، حين قالت: كان الناس حينئذ على ثلاثة أصناف: حكام جبابرة، ظلمة فساق اتبعوا شهواتهم وانحرفوا عن الدين، والقراء الذين يُحافظون على الدين في سلوكهم وينتقدون حُكم الظالمين. فلما كثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووُجه النقد الصريح إلى الأمراء خطر لزياد أن يتسمع
على الناس ويستخرجهم من بيوتهم فينتقم منهم، فخشي بعض الناس
أن
-510 - (1/540)
صفحة 541
يُقتلوا على فُرشهم فخرجوا ودعوا إلى الخروج، وليس هناك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك (1).
ولعلّ هذه الكلمة من أم نافع بن خليفة تشير إشارة واضحة إلى أن الخوارج، بمعنى كلمة الخوارج الكامل وبدلالته على جانبيه، إنما بدأ استعمالها عند هذه الحركة أو قبلها بقليل.
وقد نجحت القيادة الأموية في تكتل الجهود ضد الخارجين عليها، باعتبارهم خوارج عن الإمام علي، وعن الدين وعن خلافة المسلمين، فحاربتهم بسيفها، وبالإشاعة والحديث الموضوع، ويبغض مجي الإمام لهم، وانحاز إلى جانبها كثير من العلماء والفقهاء دون أن يعرفوا الحقيقة الكاملة لمن كانت تُطلق عليهم السياسة الأموية كلمة الخوارج، أو على الأقل لم يُفرقوا بين من تنطبق عليهم كلمة الخوارج بمعناها الكامل نتيجة لمبادئهم الشاذة الخاصة بهم، وبين من بهم، وبين من خرجوا أو دعوا إلى الخروج دون أن يحملوا شيئًا من مبادئ الخوارج، وإنما ثاروا على الانحراف والظلم ودعوا
السلطة الحاكمة إلى الالتزام بأحكام الإسلام؛ وبين الموقفين فرق كبير.
وإذا رجعت إلى مناقشة جميع دوافع الخروج في الدولة الأموية في مجموعاتها المختلفة، لم تجد مسألة أو عددًا من المسائل اختلفت فيها أنظار الاجتهاد بين جهاز الحكم والجهاز الشعبي - إن صح هذا التعبير ـــ كما
1 - انظر نص الكلمة في: «طبقات المشائخ بالمغرب» للدرجيني. ج: 2. ص: 235. (المؤلف)
-511 - (1/541)
صفحة 542
-
هو الحال في الفتن الأربع السابقة، وإنما تجد أن الطرف الشعبي الناقم - على اختلاف دواعيه ودعاويه ـ غير مسلّم بشرعية الحكم أساسا، يُضاف إلى عدم الشرعيَّة عدم الالتزام بأحكام الإسلام. أما الجانب الثاني فيعتبر أن الحكم وما يتبعه يجب أن يجرى على رغبة السلطة ووفق إرادتها، وهو حق اكتسبته بالقوة لم يمتن به عليها أحد ولن تفرط فيه مهما كانت الظروف. ولعل خير ما يصور النظرة الأموية إلى قضية الحكم هو الكلمة التي قالها مروان ردا على الوفود التي جاءت تنتظر أمير المؤمنين عثمان بعد أن خطبهم في المسجد خُطبة مهدئة، ووعدهم وعودا، واستغفر ربه حتَّى تأثروا وتأثر وبكوا وبكى، فلما رجع إلى البيت وجد هناك مروان وجماعة من بني أمية لم يُرضهم مسلك أمير المؤمنين مع الناقمين عليه، وبعد مناقشة عنيفة خرج مروان - إلى الجموع المحتشدة التي تنتظر عثمان ليفي لهم بما وعد ـ فقال لهم: مروان: «ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب شاهت الوجوه .. أتريدون أن تترعوا ملكنا: أيدينا، من اغربوا عنّا والله إن رُمتمونا لنُمرَّن عليكم ما حلا، ونفعلن بكم ما لا يسركم، ولا تحمَدُوا فينا عَبَّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنَّا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا» [اهـ].
-
ومروان في ذلك الحين لم يصل بعد إلى السلطة المباشرة، وإنما كان يعيش في ظلال الخلافة الرشيدة، ولكن هذا لم يمنعه من الإحساس بأن السلطة
-512 - (1/542)
صفحة 543
أمير
قد وصلت إلى الأيدي الأموية، ويجب أن تبقى بها، وهو لم يُدافع عن المؤمنين عثمان، بل إنه لم يعرض لهذا الجانب مطلقا، وإنما اعتبر الملك ملك بني أميَّة، وأنهم مستعدون من أجل ذلك للدفاع، وليسوا
هي
مغلوبين على ملكهم، وإنَّهم سينتقمون من كل من يعرض بالمعارضة. فالموقف بين الحكم الأموي والمعارضين له لم يكن موقفا اختلفت فيه أنظار الاجتهاد في مسائل محدودة بين طرفين متفقين على الأصول. وإنما هو موقف يلتجى فيه الجانب الأموي إلى السيادة الحاصلة في التغلب والقهر بالقوة، وإلى استعمال السلطة في كل المرافق، وحجته دائما ملكية اليد، وكثرة العدد، وصرامة العقاب. ولم يلتجئ أبدا إلى أي معنى من معاني الحقِّ، لأنه لو التجأ إلى ذلك لخسر القضيَّة جملة وتفصيلاً. ويلتجئ فيها الجانب المعارض إلى عدد من المواقف أشدها عدم الاعتراف بالحكم القائم، وأوسطها السكوتُ عن شرعيَّة الحكم، والمطالبة بالعدل والالتزام، وأهونُها الرَّدُ على أحداث معينة محددة أو الأخذ بالثأر لأشخاص معينين. وبالنظر إلى الاعتبارات السابقة جميعًا أحسب أن تاريخ الخوارج يبدأ بعد قيام الدولة الأموية، لأنه ليس كل من أطلقت عليهم كتب التاريخ اسم الخوارج هم خوارج حقيقةً، وإنما الخوارج حقيقة هم طوائف محدودة، لها مقالات شاذة كانت كمبادئ وشعارات لهم لا يشاركهم فيها غيرهم. أما الأحداث والحروب التي وقعت في عهد بعض الخلفاء الراشدين فهي فتن بين الصحابة، وقد انتهت بالفتنة التي وقعت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
-513 - (1/543)
صفحة 544
ومنكري التحكيم قرب النهروان. وقد سُمِّي هؤلاء بالمحكمة واشتهروا بهما، أما الألقاب الأخرى من الخوارج والمارقة وما إليها فقد جاءت فيما بعد بتوجيه سياسي لاستغلال ظروف معينة. بعد هذا أحب أن أذكر القارئ الكريم أن هناك من يرى مثل هذا الرأي من بعض الوجوه، فقد اطلعت على كتاب الأستاذ على مصطفى الغوابي تحت عنوان «تاريخ الفرق الإسلاميَّة ونشأة علم الكلام عند المسلمين»، كتب فيه باختصار عن الطوائف الأربع التي يتكوّن منها جميع المسلمين في نظره؛ وهي المعتزلة والشيعة والخوارج والمشبهة. وقد رأيت أن أنقل لك كلمةً صغيرةً عن الخوارج في كتابه القيم، مع تصرُّف قليل بحذف الأحداث التاريخية التي يذكرها أثناء الكلام. قال في صفحة 272، وما بعدها:
«أما سلفهم فهم الذين يسمّيهم المؤرّخون "المحكمة الأولى». وبعد كلام يقول: «فإنَّهم تجمعوا في اثني عشر ألفا»، وبعد كلام يقول: و لم يبق منهم إلا أربعة آلاف الله
مع عبد بن وهب، وحرقوص بن زهير
ولما نشب القتال بينهم وبين علي لم يبق منهم إلا تسعة رجال».
هم
سلف
ثم يقول بعد كلام وبعد هذا يتأتى لنا أن نقول إن هؤلاء الخوارج، إلا أنه بعد بيان الجهات التي رحل إليها هؤلاء الرجال التسعة لم يبين لنا أحدٌ من المؤرّخين كيف انتهى الحالُ بهؤلاء الرجال الذين توزعوا في تلك البلاد، وإنما ابتدؤوا تأريخهم لفرقهم الذين ذكروا في مقدمتهم الأزارقة ثم النجدات وهكذا من غير ربط الصلة بين تلك الفرق الجديدة
ورجالهم الذين توزعوا في البلاد». انتهى المقصود منه.
-514 - (1/544)
صفحة 545
ولا شك أنه يحق للأستاذ على الغوابي أن يُثير هذا التساؤل،
فالمسافة بين فتنة النهروان وظهور الخوارج بعيدة جدا، وأعني بكلمة الخوارج هنا الأزارقة ومن قال بقولهم وسار بسيرتهم، ذلك أن كلمة الخوارج بالحقيقة إنما وجدت معناها بظهور الأزارقة. وكتب التاريخ تذكر أن نافعا بن الأزرق كان من جملة الساخطين على الحكم الأموي، ولما لج ابن زياد في اضطهاد الناقمين عليه اجتمع عدد من الناس وبايعوا نافعا الأزرق في البصرة، ثم ذهب بهم إلى الأهواز فاستولى عليها بن وجي،خراجها، وكان هذا في سنة 64 هـ، وهناك في الأهواز خطا خطوته المتطرفة التي فرَّقت عليه كثيرًا من أنصاره وأبعد عنه كل المعتدلين الذين كانوا غير راضين عن الحكم الأموي. وقد ساق القصة عدد المؤرخين ووردت في بعض كتب الأدب بأسلوب أدق وأجمل.
من
قال أبو العباس المبرد في كتابه «الكامل» الجزء الثاني، ص 208، ما يلي: «جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال المشركين في النار وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأدللت بنفسك، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني: وَقَالَ نُوحُ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (1) فهذا أمر الكافرين
-515 -
1 - سورة نوح الآيتان: 26 27.
35 (1/545)
صفحة 546
وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنهم جميعًا في النار، ورأى قتلهم، وقال: الدار دار كفر إلا من أظهر إيمانه، ولا يحلُّ أكل ذبائحهم ولا تناكحهم ولا توارثهم، ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقَعَدُ بمنزلتهم والتقيَّةُ لا تحل». وعندما علم عبد الله بن إباض بهذا الموقف في ابن الأزرق برئ منه؛
قال الطبري في الجزء الرابع من تاريخه، ص 440، ما يلي:
«فقال: ـــ أي عبد الله بن إباض ـــ قائله الله أي رأي رأى وصدق
-
نافع بن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيًا وحكما فيما يشير به، ولكنه قد كذب وكذبنا فيما يقول، وإن القوم كفار بالنّعم والأحكام، وهم براء من الشرك، ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام» [اهـ].
عبد
وقد لخص أبو العباس المبرد ردَّ عبد الله بن إباض في كتابه «الكامل» ص 214، فقال:
«وقولُ عبد الله بن أباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنة ... ». ثم نقل قول الله بن إباض في رده على نافع فقال: «وأنا أقول: إن عدونا كعدو رسول الله الله، ولكني لا أحرم مناكحتهم وموارثتهم، لأن معهم التوحيد والإقرار بالكتاب والرسول عليه السلام، فأرى معهم دعوة المسلمين تجمعهم، وأراهم كفارا للنعم». [اهـ]
-516 - (1/546)
صفحة 547
وواضح من هذا أنه لا علاقة بين المحكمة والخوارج، فإن المحكمة قد انتهوا بموقعة، النهروان وإن حركات كثيرة مناوئة قامت على الدولة الأموية اتَّخذت أساليب مختلفة وأسبابا متعددة، ولكنها كلها لم تحمل معنى الخارجيَّة، حتّى جاء نافع بن الأزرق وخرج بحركته سنة 64 هـ وحكم على جميع مُخالفيه بالشرك، وحاول أن يطبق عليهم حكم مشركي العرب، فانطبقت عليه وعلى من أخذ برأيه كلمة الخارجية بمعنيّيها السياسي والديني. ثم توسعت فيه السياسة الأموية واستغلتها فأطلقتها على أكثر من ينتقدها، ثم وجدت من يربطها بالمحكمة، وما هي في الواقع إلا حركة أخرى من الحركات الناقمة على الحكم الأموي، وإن اعتبار الخوارج خلفا للمحكمة ومحاولة ربط الخارجية بالمحكمة بأي رباط هو عملية ملفقة، وقد استجاب الخوارج لتلك المحاولة لأنها تجعل لحركتهم أساسا في أحداث التاريخ، ومهما حاول المحاولون فإن هوةً زمنية تبقى فاغرة الفم بين موقعة النهروان وتحرُّك الخوارج لأول مرة بقيادة نافع بن الأزرق، ومهما نُسب إلى المحكمة ومن انتسب إليهم فيما بعد فإنه لم يجد أحد دليلاً واحدا صحيحا يصلح التعلق به ينسب فيه إلى المحكمة شيئًا من مبادئ الخوارج؛ من قولهم بتشريك المسلمين واستحلال أموالهم ومعاملتهم معاملة مشركي العرب. وكلمة الكفر التي تذكرها كُتب التاريخ كثيرا في النقاش الذي جرى بين الإمام أو من يرسله إلى أهل النهر، كانت دائما تتبع بكلمة التوبة، مما يدل أنها تُستعمل بمعنى كفر النعمة أو المعصية، ولم يقصد بها أحد معنى
- 517 - (1/547)
صفحة 548
الشرك. ولم يمر عليَّ فيما اطلعت عليه على كثرة ما نُسب إلى المحكمة من حق وباطل أنهم طالبوا أحدًا بتجديد الإسلام، وإنما يطالبون بالتوبة. ويُمكن أن ننتهي في نهاية الفصل إلى ما يلي:
-
الفتنة الرابعة كان الخلاف فيها بين الإمام علي والمحكمة، وقد انتهت بنتهائهم، والحركات التي قامت فيما بعد قامت ضد الحكم الأموي، والخروج فيها خروج سياسي مهما كانت الدعاوي
والدواعي.
ابتدأت حركة الخوارج حقيقةً بقيام ابن الأزرق سنة 64 للهجرة. - إذا أطلقت كلمة الخوارج فيجب أن تنصرف إلى هذه الحركة، أما إذا أُطلقت على غيرها فيجب أن تفهم بأنها خروج سياسي فقط.
مفاهيم يجب أن تختفي
-
ما أشاعه بعض بسبب
بدأ مفهوم جديد يُسيطر على أذهان المثقفين. المستشرقين وأتبعهم فيه كتاب مسلمون ــ وذلك بزعمهم أن الأمة الإسلامية تنقسم إلى أحزاب ومذاهب وهو مفهوم خاطئ، لأن السياسة في الإسلام تكون جزءاً من أحكام الشريعة، وليس هناك مذهب إسلامي ليس له آراؤه في العقائد والسياسة والفقه، أما منشأ الخلاف فقد بدأ بخروج طلحة والزبير ومعاوية على علي، ومن هؤلاء تكونت مذاهب جمهرة المسلمين، ومن أنصار علي تكونت مذاهب الشيعة، ولكلا المذهبين أصوله في السياسة والعقائد والفقه وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصل الآتي:
- 518 - (1/548)
صفحة 549
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية
عندما اضطربت الأمور في أواخر الخلافة الرشيدة، وعند صدر الدولة الأموية، وبرز الصراع على الحكم بروزاً واضحاً بين مختلف طوائف الناس، وظهرت الرغبات الماديَّة المُلحة طافحة على تصرف الأفراد والجماعات، انقسمت مواقف الناس إلى عدة تكتلات أو أصناف، هي. كما يلي: الأوَّل: التكتل الأوَّل يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذكي المرن الذي لاحظ أن الحكم - حين وصل إلى الأيدي الأموية ــ بدأ يتجه إلى ملكية وراثية مستبدة مسيطرة، فرأى أن يستمسك بالجانب الأقوى في الميدان، وجعل وسيلته للسيادة على جمهرة المسلمين هي ارتباطه بالسلطة القائمة فعلاً فارتبط أولاً بالدولة الأموية ثم بالدولة العباسية ثم بالدولة العثمانية، وفيما بين ذلك كان يرتبط ببعض الدول التي تقوم هنا أو هناك ثم تزول. ومن التكتل تكونت مذاهب الأشاعرة والظاهرية والحنابلة والمعتزلة.
هذا
الثاني: التكتل الثاني يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف العاطفي الذي كان يتأثر بالأحداث منذ وفاة الرسول الله، واختيار الناس أبا بكر دون علي للخلافة، حتّى مقتل الحسين؛ فرأى أن يجعل وسيلته للتحكم وللسيادة على جمهرة المسلمين هي جوانب عاطفية؛ فاستمكسك بأهل البيت وحاول أن يحصر فيهم حق السيادة والتحكم بطريق الوراثة أو دعوى الوصية المتسلسلة فيهم
(1)
دون غيرهم، ومن هذا التكتل تكونت مذاهب الشيعة بمختلف فرقها.
1 - يرى بعض المستشرقين وبعض كتاب المقالات في المسلمين المعاصرين أن الشيعة والخوارج حزبان لا شأن لهما بالدين، وأن أهل السنة مذهب فقهي لا شأن له
=
- 519 - (1/549)
صفحة 550
الثالث: التكتل الثالث يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذي
رفض فكرة الواقعية التي تبناها الصنف الأوَّل، ورفض فكرة الوصية الني تبناها الثاني، وجعل وسيلته للوصول إلى الحكم، وللسيادة على جمهرة المسلمين مثالية مطلقة في اختيار الحاكم، ثم قطع عُذر من خالف هذا هذا الصنف تكونت مذاهب الخوارج.
الرأي؛ ومن
التكتل الرابع: خلال الصراع العنيف بين هذه الأصناف الثلاثة في صدر الدولة الأموية نبت تكتل آخر، وقف موقفًا وسطا بين هذه الأصناف المتصارعة والتيارات المتعارضة، فلم يتَّخذ كامل موقف المرونة التي ترضى بالأمر الواقع وتستسلم له مهما كانت الظروف، ولم يتخذ كامل موقف الوصيَّة الوراثية الذي يحصر الحكم في أسرة واحدة على مدى التاريخ، ولم يتَّخذ كامل موقف المثالية الدكتاتورية التي تفرض نفسها على جميع الناس؛ فخالف الصنف الأوَّل حين أجاز الخروج على الحكم القائم إذا ترجح أن الخروج يُحقق للأمة مصلحة، ولا ينتج عنه ضررٌ محقق أكبر مما هم فيه، وأجاز على كلِّ الأحوال الدفاع والشراء لإقلاق الأنظمة القائمة وزعزعتها إذا كانت جائرة. وخالف الصنف الثاني فلم يقبل بالوصية ولم يعترف بنظام الوراثة وقصر الحكم على بيت واحد على مدى التاريخ. وخالف الصنف الثالث في أنه لم يُوجب الخروج على أئمة الجور في جميع الأحوال، ولم يفرض مبدأ على جميع الناس، ولم يقطع عذر من خالفه؛ ومن هذا الصنف تكونت مذاهب الإباضية.
بالسياسة. وهذا تكلف لا مُبرِّر له، وتفريق بين متماثلين، وتحكم في أحداث التاريخ؛ لأن لكل واحد من هؤلاء آراء في السياسة والعقائد والفقه. راجع ـ إن شئت ـ ما قلناه في نقاشنا للأستاذ أبي زهرة. (المؤلف).
- 520 - (1/550)
صفحة 551
ولقد كان لكل واحد من هذه الأصناف اتجاهات لها خطوط عريضة
انبنت عليها فيما بعد مذاهبهم في العقيدة والسياسة.
الحياة هو
ولا شك أنْ أوَّل هذه الأصناف تفكيرًا وتخطيطا وظهورًا على مسرح الصنف الأوَّل، ورغم أنه هو المحرك الأساسي لقضيَّة الخلاف، وأن من كان يُطلق عليهم كلمة العثمانية هم الذين انشقوا في الحقيقة عن مركز الخلافة، وأن العثمانية في الواقع ليست إلا حركة ظاهرية للسياسة الأموية العميقة التي استطاعت بالدهاء والمرونة أن تكسب الموقف، وأن تُبرز نفسها في صورة الأصل الثابت وتُبرز الشيعة و الخوارج في صورة الأحزاب المتطرفة المنشقة، واستطاعت أن تحتضن الألسنة والأقلام وأن تُسخّر كتاب المقالات والمؤرّخين فيما بعد، فأضافوا على مسلكها ثوب الشرعيَّة، ووجدوا لها مبررات برَّرُوا بها انشقاقها في مبدإ الأمر بما لم يخطر نفسها على بال وإنَّك لتقرأ لكتاب هذا العصر فتعجب كيف يتسنّى لبعضهم أن يصفُوا تلك الأحداث بهذا الشكل، ولعلك تريد مثلاً ذلك؛ فإليك هذه الصورة التي يضعها أستاذنا الفاضل الشيخ أبو زهرة في كتابه القيم «المذاهب الإسلامية»:
لها هي
من
إن الخلاف بين علي والأمويين انبعث عن فكرة هي: من لهم حق اختيار الخليفة؟ أهم أهل المدينة وحدَهُم والناس لهم تبع، أم حق الاختيار للمسلمين في كل البقاع؟ ونتج عن هذا الخلاف ظهور الخوارج والشيعة، ونجم عن ظهور الخوارج انبعاث حروب شديدة بينهم وبين علي، وبينهم وبين الأمويين. ونتج عن ظهور الشيعة حروب انتهت بقيام الدولة العباسيَّة». [اهـ]. نقلتُ العبارة بتصرف قليل.
-521 - (1/551)
صفحة 552
بالإضافة إلى التكتلات الأربعة التي أشرنا إليها فيما مضى، كان هناك
تحرك خامس انبعث مع التكتل الأوَّل ثم غلبت عليه الأحداث فلم يظهر إلا بعد انتهاء الخلافة الرشيدة. ولكن هذا التحرك لم ينبن عليه اتجاه مذهبي،
بن
ولذلك فقد انقطع منذ انتهى محركه الأول وأعني به ما قام به عبد الله الزبير، وقد اعتمد بن الزبير في حركته على مزايا شخصية فقط، يلخصها
في قوله في حوارٍ له مع عبد الله بن عباس: «أصبحتُ في قريش بمترلة الرأس، بل بمترلة العينين، فأنا ابن الزبير حواري رسول الله، وأمي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنه، وعمتي خديجة سيدة نساء العالمين، وجدتي صفية عمة رسول الله الله، وخالتي عائشة أم المؤمنين». فلم ينجح ابن الزبير رغم هذه المزايا لأنه لم يستمر مع التكتل الأوَّل ـ إذ عنه بعد فتنة الجمل - فلم يؤيده الحزب الأول. وكان قد حارب التكتل الثاني منذ بيعة علي بن أبي طالب، فلم يؤيده الحزب الثاني. و لم يوافق على مبادئ التكتل الثالث فلم يؤيده الحزب الثالث، أما التكتل الرابع فكان يرى فيه صورة أخرى للسياسة الأموية ينتج عنها ـ إن نجحت ـ
انفصل
—
—
ملك آخر عضوض، ولذلك فلم يؤيده الحزب الرابع، فكانت حركته تشبه أن تكون نبتة ضئيلة تحاول أن تنمو وتمتد في ميدان تتصارع فيه زوابع عاصفة؛ فلم تلبث أن اختفت بين تلك الزوابع العنيفة.
وقبل أن نمضي في هذا النقاش ينبغي أن نُشير إلى صورة جانبية أثناء الأحداث لا يمكن أن تسقط من الحساب، فعندما نقم ناقمون على أمير المؤمنين عثمان كان جمهور الناس في شبه ارتباك لا يعرفون ما هو التصرف الذي ينبغي لهم؛ فاندفع بعض الشباب إلى بيته لحمايته من المهاجمين، لكن أغلب المسلمين وقفوا في شبه حياد وذهول وارتباك، ورغم أن الانتقاد على
-522 - (1/552)
صفحة 553
أمير المؤمنين استمر نحو ست سنوات، ولكن أحدا لم يتخذ موقفا صارمًا، لا أهل الشام ولا أهل العراق ولا أهل مصر ولا حتى أهل الحرمين، حتّى وقعت الكارثة وقتل عثمان. هذا الجمهور الصامت المترقب هل هو مع عثمان؟ هل هو ضد عثمان؟ هل هو على الحياد الكامل، كأن المسألة لا تعنيه؟ إن التفسير الوحيد لهذا الموقف الجامد، أن الارتباك هو الذي يُقيد صاحبه عن الحركة؛ فلما تحرَّك العثمانية بعد هذا الدور وأرادوا أن يستغلوا هذه الفتنة ضد الخلافة التي قامت بعدها، لم يقف الجمهور مرتبكاً كما وقف في المرة الأولى؛ لقد انضم الفريق الأكبر إلى تأييد الخلافة
-
الجديدة، وانضم فريق آخر إلى الناقمين عليها، وأعلن فريق ثالث ويتكون من عدد قليل جدا أنه يقف على الحياد الكامل، وسار على
-
مبدئه وحافظ عليه في جميع الأحداث التي وقعت بعد، فبقي على الحياد.
(1)
هؤلاء الحياديون لم يكونوا تكتلا ولم ينصروا حزبا على حزب، بل
إن كل واحد منهم قد اتخذ لنفسه ذلك الموقف بناء على اقتناعه الشخصي فقط، ولم ينتج عن موقفهم هذا اتجاه مذهبي، ولذلك لم ندخلهم في الاعتبارات السابقة.
ولا شك أن تلك الاتجاهات السياسة قد نتجت عنها صراعات مذهبية فقهية وكلاميَّة كانت متأثرة إلى حد ما بتلك الظروف والحركات
1 – ذهب بعض المتفلسفة المستشرقين إلى أنهم أصل لمذهب المعتزلة المعروف، لأن بعض مصادر التاريخ قالت عنهم إنهم اعتزلوا الفتن فقدروا أن كلمة الاعتزال جاءت من هنا، واقتنع بهذا الرأي بعض علماء المسلمين، منهم الأستاذ علي الغوابي حتى بنى عليه بحثه لكأنه هو الحقيقة. (المؤلف)
-523 - (1/553)
صفحة 554
والاتجاهات؛ فكان أهل السنّة مثلا - وقد انضووا تحت جناح الدولة
-
الأقوى التي اتخذت لنفسها اسم الخلافة دون أن تلتزم بشروطها ـ مشغولين بقضيَّة شرعيَّة الدولة التي تفرض نفسها بالسيف وإعطائها حق
أولي الأمر، ووجوب خضوع الرعيَّة لهذا الحاكم، وعدم السماح له بالخروج، وقد نشأ عن فلسفة الحكم عند أهل السنة عدد ضخم من القضايا الفقهيّة والكلاميَّة، نوقش بعضها في محيطهم الداخلي، ونوقش البعض الآخر مع الفرق الأخرى من المسلمين.
وكانت الشيعة بمختلف فرقها مشغولة بالإمامة، وقد أخذ منها التفكير في موضوع الإمامة جانبا هاما
من الدراسة، فبعد أن اتفقت على الوصيَّة، احتارت من أي بني هاشم يكون الإمام؟ وكيف يتسلسل؟ وكيف تتم الوصيَّة؟ وما هو الحكم عندما تخلو البلاد الإسلامية في واقعها من خليفة هاشمي؟ وهل عدد الأئمة محصورٌ؟ وقد انبنت على هذه الجوانب كلّها أعداد ضخمة من القضايا الفقهية والكلامية فيما بين فرق الشيعة وحدها، ونوقش البعض الآخر بينها وبين المذاهب الأخرى. ولعل القارئ الكريم يلاحظ أن هناك تقاربا كبيرا بين أهل السنّة والشيعة، والخلاف بينهما يكاد يكون لفظيًّا؛ فبينما يرى الشيعة أن الإمام معصوم، وأن الخروج عليه فسق، وأن حكمه تشريع، يرى الأشعريَّةُ أن الإمام ليس معصوما ولكن خطأه لا يبيح الخروج عليه فطاعته واجبة، والخروج عليه فسق وإن كان جائرا. فهما يسيران في خطين متوازيين وإن اختلفا في التعبير.
وعلى كلا المذهبين فإن الشخص الذي يصل إلى كرسي الإمامة يضمن
لنفسه سلامة المكان من حيث النظرة المذهبية، لأن طاعته واجبة والخروج
عليه فسق والشعار المرفوع دائما: «اسمعوا وأطيعوا».
- 524 - (1/554)
صفحة 555
أما الخوارج بفرقهم المختلفة فقد وقفوا من موضوع الإمامة موقفًا
مغايرا تماما لموقفي الفرقتين السابقتين، حتَّى إن صورة الإمام عندهم لا تتعدى صورة أي عامل ضعيف - رغم الشروط والمواصفات والكفاءات الكثيرة التي يشترطونها فيه - يُرفع إلى مركز القيادة بكل سهولة، دون أن يكون له أي امتياز خاص أو مكسب، ولكنه بنفس السهولة، يمكن أن يُعزل أو يُقتل؛ ذلك أنهم يرون أن طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله، فإذا خالف وَجَبَ عليه أن يُسارع بالتوبة، فإن لم يفعل وجب أن يُعزل، فإن لم ينعزل وجب أن يُقتل، فإن لم يتيسر قتله وجبَ الخروج عليه، ولا يحل
البقاء تحت حكمه.
أتأكد
ولم أعرف للخوارج كحبا في الفقه أو الكلام حتى أستطيع أن من الصورة الصحيحة التي أضعُها لهم، وإنما أعتمد على ما تذكر
مصادر غيرهم عنهم.
أما الإباضية فقد وقفوا موقفًا متوسطا بين هذه التيارات الثلاثة؛ فرفضوا الفكرة التي يقول بها الشيعة، ورفضوا فكرة وجوب الطاعة على جميع الوجوه، وتحريم الخروج على جميع الوجوه كما يقول أهل السنة، ورفضوا فكرة دكتاتورية المثالية التي تُوجب الخروج على الأئمة الجورة، وتحرم البقاء معهم على جميع الوجوه، وإنما أوجبوا الطاعة عندما تكون الإمامة سائرة بمنهج الشريعة، وأجازوا البقاء والخروج حسبما تقتضيه أحوال الناس وظروف المجتمع - إذا كان الحكم جائرا، وقد عن رأيهم هذا عدد ضخم من القضايا الفقهية والكلامية، وربَّما كانت تفصيلاتهم في موضوع علاقة الأمة بالحكم أوفى وأوسع من
تولد
- 525 - (1/555)
صفحة 556
تفصيلات غيرهم مما حملهم أن يعتبروا أن مسالك الدين أربعة هي: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان.
وقد كتب للصنف الأوَّل من هذه المذاهب أن ينجح سياسيا وعدديًا بما
له من مرونة تساعد على اتخاذ المواقف تبعا لظروف السياسة؛ فكان هذا
الصنف على مدى التاريخ محتميًا - أو بعبارة أصح ـ مرتبطا بالسلطة،
-
-
ذلك
وكانت السلطة تحتضنه في كل المواقف الحرجة. ولا شك أن الفقيه (1) الذي يقوم فيقول عن سلطان ما: هذا أمير المؤمنين وولي أمر المسلمين! فإذا جاء متسلّط آخر فقتله وتسلم زمام الحكم منه ثم جلس في مکانه، قام الفقيه نفسه فوجه إلى الحاكم الجديد نفس العبارة: هذا أمير المؤمنين وولـ أمر المسلمين، وطاعته واجبة والخروج عنه فسق. إن هذا الفقيه الذي يجمع في إمرة المؤمنين وولاية المسلمين بين القاتل والمقتول هو أقدر على الاحتماء بالحكم واستغلاله، وهو أقرب إلى الحكام، لأنه أطوع في أيديهم وأفيد لهم. . وعلى مقدار المرونة والتمدد في قضيَّة الحكم استطاعت المذاهب أن وتنتشر تحت ظلال السلطة بل استطاعت أن تستغلها أحيانًا في
تتمدد
إذابة المذاهب الأخرى فيها، وأن تحتمي بها أحيانا أخرى.
1 - أقصد بذلك أولئك الفقهاء المتملّقين المتعصبين الذين يلتصقون بالحكام؛ يسيرون
في ركابهم ويبررون أعمالهم. وأنزه عن هذه الصورة جميع الأئمة المقتدى بهم لجميع المذاهب الذين خضعوا للحكم المتسلط مرغمين، ذلك كانت
ومع
ترتفع أصواتهم بالنقد أحيانًا بوضوح، وأحيانا همس. وندر منهم من لم يلحقه الأذى بسبب ذلك. فابن جُبير يُقتل، والحسن يُطارد حتى يختفي، وجابر
يُمنع من الحج، وأبو حنيفة يُضرب بالسياط، ومالك يُخلع عاتقه، وأحمد يجلد، وغيرهم، ومن لم ينله الأذى المادي ناله الأذى الأدبي.
-526 - (1/556)
صفحة 557
وبقطع النظر عن المد والجزر الذي يلحق أتباع المذاهب المختلفة
في
المواطن المختلفة، فإن الفقه المذهبي قد تأثر تأثرا واضحا بالاتجاهات أو
المبادئ السياسية التي يسير بها أو يدعو إليها، وفي الإمكان أن نذكر كمثل لذلك في المذهب الإباضي موضوع "الشراء والأحكام المتعلقة به؛ متى يجوز الشراء؟ ومن يجوز لهم الشراء؟ وما هو أقل عدد يُشترط للخروج إلى الشراء؟ وسلوكهم مع الناس: المحافظة على الأموال، عدم ترويع الآمنين، حكم انتهاك الحرم والبغي والتعدي، متى يجوز للشاري أن يتخلى عن الشراء؟ موطن الشراة أثناء قيامهم بعمل الشراء؟ صلاة الحضر وصلاة السفر بالنسبة إليهم؟ موقفهم من الدولة ومن أموال الدولة القائمة ..
من
إلخ).
الفقه
وهو باب عني بالمسائل الفقهية نستطيع أن نعتبرها جميعا المتأثر بالاتجاه السياسي، ولعلّ أكثر أبواب الفقه تأثرا بالاتجاهات أبواب الأموال عموما وأبواب الولاية على النفس وعلى
السياسية هي
المال عند جميع
المذاهب، بل إن المتعمق في دراسة الفقه الإباضي يلحظ هذا التأثر في آراء المشارقة من الإباضية وآراء المغاربة منهم، وذلك أن
-
-
دول
المشارقة - وهم أهل عُمان وزنجبار سابقا ـ كانت تقوم عندهم باستمرار عادلة أحيانًا وجائرة أخرى؛ فكانت الصلاحيات المعطاة للولاة
والقضاة فيها أوسع منها مما في المغرب.
والمغاربة من الإباضية وقد عاشوا غير خاضعين لدولة ـــ منذ أواخر
القرن الثالث الهجري - مطلقا، أو خاضعين لدولة لا تلتزم أحكام المذهب
1 - قول المؤلف: «سلوكهم مع الناس» إلى قوله: «البغي والتعدي» غير واضح
الدلالة في هذا السياق. (المحقق)
-527 - (1/557)
صفحة 558
الإباضي يضيقون صلاحيات الولاة والقضاة تضييقا شديدا، ويتوسعون في صلاحيات جماعة المسلمين وكبار العشيرة ونظام العزابة توسعا شديدا، وهذا ولا شك ناشي من تأثر الفقه بالسياسة.
-
والذي ينبغي أن ننتهي إليه في نهاية هذا الفصل ـ بقطع النظر عن
حركة ابن الزبير التي انتهت بانتهائه وعن موقف الحياديين الذين اعتزلوا جميع الحركات منذ بدأت الفتنة فلم يتركوا بعد ذلك أثرا ـــ هو ما يلي:
--
إلى عدد من
تتخذ
في أواخر الخلافة الرشيدة وأوائل الدولة الأموية انقسم المسلمون بسبب الفتن ثم تحول الخلافة إلى ملك عضوض التكتلات التى تميزت في مبدإ أمرها بترعة سياسية، ثم لم تلبث أن لها مواقف خاصة في شؤون العقيدة والفقه والحكم، وهي كما يأتي: 1 - التكتل الأموي؛ وهو الأكثر والأقوى، والمبدأ الأساسي الذي
ارتبط به في موضوع الحكم أن رئاسة الدولة تكون على نوعين: - الأول خلافة دينية: إذا استوفت الشروط وهي البيعة والشورى والعدالة والقرشية.
- والثاني خلافة دنيوية: إذا لم تستوف هذه الشروط، وفي كلتا الحالتين تجب الطاعة ولا يجوز الخروج وعلى هذا المبدإ السياسي تكونت بعض الأصول المذهبية في العقائد والفقه، ومن هذا التكتل انبثقت مذاهب الأشاعرة والماتريدية والأثرية والمعتزلة.
2 – التكتل الهاشمي وهو في الدرجة الثانية من حيث الكثرة والقوة. والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم أن رئاسة الدولة هي
-528 - (1/558)
صفحة 559
أهم شيء في الأمة الإسلامية، وما كان الله ليتركها للناس، ولذلك فإن الخلافة الإسلامية تنبني على وصيَّة يتركها السابق للأحق، وكان أَوَّلَ وصي هو الإمام علي ثم تسلسلت، وعلى هذا المبدأ تكونت أصولهم المذهبية في العقائد والفقه، ومنه انبثقت فرق الشيعة.
3
-
التكتل المثالي وقد ظهر بعنف واختفى في سرعة. والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم أن رئاسة الدولة تتم بالاختيار المطلق، وتسقط بالجور؛ وعندما تسقط بالجور فعلى الخليفة أن يعتزل أو يُقتل أو يُحارب، ولم يُكتب لهذا التكتل أن يبقى طويلاً، ولذلك لم يترك ما نستدل به على أصوله في العقائد والفقه، رغم أن كتب خصومه تُسند إليه مقالات في الأصول أو الفروع.
4 - التكتل الرابع وقد ظهر عند احتدام الخصام بين التكتلات الثلاثة. والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم هو أن رئاسة الدولة تتم بالبيعة والشورى والعدالة، وأن الخليفة الذي جاء عن هذا الطريق واستمر عليه تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه، فإذا انحرف جاز الخروج عليه. وإذا جاء عن غير هذه الطرق ولكنَّه سار بسيرة العدول فهو أيضا تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه، ومن هذا التكتل انبثقت مذاهب الإباضية، وبهذا يتحصل أن للأمة الإسلامية في الخلافة أربعة آراء هي: 1 من يُمسك رئاسة الدولة، سواء أكانت رئاسة دينية أم دنيوية تجب طاعته، والخروج عليه فسق.
-2 - لا يعتبر إماما للأمة الإسلامية إلا من جاء عن طريق الوصية، وهو حينئذ معصوم وطاعته واجبة والخروج عليه فسق.
- 529 - (1/559)
صفحة 560
جميع
-3 - لا يكون إمام المسلمين إلا من جاء بالاختيار الحر، وتجب طاعته إذا كان عادلاً، فإن جار وجب الخروج عليه وقتله إذا لم ينعزل.
-
4 - إمام المسلمين سواء جاء بطريق الشورى أم بغيره ـــ إذا كان عادلاً تجب طاعته والخروج عليه فسق، وإذا جار جاز البقاء
تحت حكمه ولا يطاع في معصية، وجاز الخروج عليه.
مفاهيم يجب أن تختفي
يسبق إلى أذهان الناس الثقةُ بمذاهب معينة، فيتم فيها الرضا على من ينتمي إلى تلك المذاهب دون نظر إلى مقاله أو سلوكه، ويسبق إلى أذهانهم السخط على مذاهب أخرى، فيسخطون على كل من فيه دون نظر إلى مقاله أو سلوكه، وهو مفهوم خاطى؛ فإنما يجب أن يُنظر إلى كل المذاهب بالثقة، أما الأفراد فيُنظر إليهم بحكم أعمالهم وأقوالهم، وعليها وحدها تنبني الأحكام، وقد جئتُ بمثالين لرجلين مختلفين في المذهب، متفقين في العقلية، أحدهما يتمتّع بسخط الناس جميعا، والآخر
(1)
يتمتع بمحبتهم واحترامهم، مع أن مبدأهما واحد.
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصل الآتي:
1 - هما نافع بن الأزرق زعيم الخوارج. والبغدادي صاحب كتاب: «الفرق بين الفرق». كما يقرؤه القارئ الكريم في الفصل الآتي“. (المحقق)
- 530 - (1/560)
صفحة 561
مقارنة
يسخط أكثر كتاب المقالات ومن ورائهم جمهور المسلمين على الخوارج، لأن الخوارج يُكفّرون مخالفيهم ويستحلون دماءهم وأموالهم، ويرى أكثر كتاب المقالات أن مخالفيهم هم أهل السنّة، وأهل السنة في نظر الجماهير
هم الفرقة المعتدلة المتسامحة، فما هو حكم أهل السنة على مخالفيهم؟ لكي تحدد هذا الموقف لا بدَّ أن نستعين بأحد كتاب المقالات، وقد
رأينا أن نستعين بكتاب الفَرقُ بين الفرق» لمؤلفه عبد القادر بن طاهر البغدادي، وفي إمكاننا أن نلخص منه ما نورده فيما يلي: يقول البغدادي: إن أهل السنة ثمانية أصناف: الصنف الأول منهم أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة. والصنف الثاني أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، وأدخل في هذه الدائرة أصحاب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وأصحاب أبي ثور وأصحاب أحمد بن حنبل وأهل الظاهر والصنف الثالث هم الذين أحاطوا علما بطرق الأخبار والسنن والصنف الرابع منهم قوم أحاطوا علمًا بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف. والصنف الخامس هم الذين أحاطوا علمًا بوجوه قراءات القرآن ووجوه التفسير. والصنف السادس منهم الزهّاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا. والصنف السابع منهم قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة. والصنف الثامن منهم عامة البلدان التي غلب فيها شعائر أهل السنة، دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة ... فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة، ومجموعهم أصحاب الدين
(1)
القويم والصراط المستقيم ... » [اهـ])
1 - البغدادي: «الفرق بين الفرق». ص: 189، 191 وما بعدها.
- 531 -
36 (1/561)
صفحة 562
أما مخالفو أهل السنّة من أهل القبلة في نظر البغدادي فهم قسمان: قسم حكم عليهم بأنهم مرتدون وأجرى عليهم جميع أحكام أهل الردة، وقد ذكر أصحاب هذه الفرق فرقةً فرقة. أما القسم الثاني من مخالفي أهل السنة السابقين من أهل القبلة فهم الذين يذكرهم تحت عنوان: أهل الأهواء والبدع، وقد عدد فرقهم أيضا فرقة فرقة، وذكر طائفة من أحكام
السنة عليهم؛ فقال في كتاب «الفرق بين الفرق»، ص 27 ما يلي: «وأمَّا أهل الأهواء من الجارودية والهشامية والنجارية والجهمية والإمامية الذين كَفَرُوا خيار الصحابة والمعتزلة عن الحق، والبكرية المنسوبة إلى بكر بن أخت عبد الواحد، والضرارية، والمشبهة كلها، والخوارج فإننا تكفرهم كما يُكفّرون أهل السنة، ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا، ولا الصلاة خلفهم، واختلف في التوارث؛ قال بعضهم نرتهم ولا يرثوننا، والصحيح أن أموالهم فيء، ولا توارث بينهم وبين السنّي» [ا]. واستشهد على هذه الأحكام بأقوال نسبها إلى بعض الأئمة فقال: «إن الحارث المحاسبي لم يأخذ من ميراث أبيه شيئًا لأن أباه كان قدريا» [اهـ]. وذكر أن الشافعي أشار إلى بطلان صلاة من صلى وراء محمد من يقول بخلق القرآن ونفي الرؤية، وروى عن بن الحسن أنه قال فيمن صلى خلف من يقول بخلق القرآن أنه يُعيد الصلاة، وذكر أن أبا يوسف سئل عن المعتزلة فقال الزنادقة. وذكر أن الشافعي أشار في کتاب «القياس» إلى عدم قبول شهادة المعتزلة وسائر أهل الأهواء. وذكر
هم
عن مالك أنه قال في المعتزلة: زنادقة يُستتابون بل يُقتلون.
بعد هذه الشهادات قال: «أما المعاملة معهم بالبيع والشراء فحكم ذلك
عند أهل السنّة كحكم عقود المعاوضة بين المسلمين الذين في أطراف الثغور
-532 - (1/562)
صفحة 563
منهم
وبين أهل الحرب، وإن كان قتلهم مباحًا، ولا يجوز أن يبيع مصحفًا ولا عبدًا مُسلما في الصحيح من مذهب الشافعي، واختلف أصحاب الشافعي في حكم القدريَّة المعتزلة فمنهم من قال حكمهم حكم المجوس، فعلى هذا القول يجوز أخذ الجزية منهم، ومنهم من قال حكمهم حكم المرتدين، وعلى هذا لا تؤخذ منهم جزية بل يُستتابون فإن تابوا وإلا وجب على المسلمين قتلهم» [اهـ].
ولو أردنا أن نلخص هذه الأحكام على أسلوب كتاب المقالات أو
على أسلوب البغدادي نفسه، لقلنا إن أهل السنة:
- يكفرون مخالفيهم.
-
-
- لا يجيزون الصلاة عليهم ولا الصلاة خلفهم.
قال بعضُهم إن السني يرث مخالفيه والمخالف لا يرث، وقال الآخرون بل لا توارث بين السنّي ومخالفيه، لأن أموال المخالفين فيء لأهل السنة.
- يجوز أن يتعامل السنّي مع مخالفيه كما يتعامل مع أهل الحرب في الثغور.
- قتل مخالفيهم مباح.
- لا يجوز للسني أن يبيع لهم مصحفاً أو عبدا مسلما.
- حكم المعتزلة حكم المجوس، قال بعضُهم يجوز أخذ الجزية منهم، وقال آخرون بل يُعاملون معاملة المرتدين؛ يُستتابون فإن تابوا وإلا
قتلوا، وآخرون قالوا بل هم زنادقة لا يستتابون بل يُقتلون.
-533 - (1/563)
صفحة 564
هذه هي
الصورة التي يأخذها القارئ من كتاب «الفرق بين الفرق»
عن معاملة أهل السنة لمخالفيهم من أهل القبلة، فإذا وضعت في مقابل هذا أشدَّ مخالفيهم تطرُّفا على ما يقوله كتاب المقالات؛ فجئت بأقوال نافع بن الأزرق المتطرفة التي كانت سبب الخلاف بينه وبين رفاقه، والتي وجهت
إليه نقمة الأمَّة المسلمة جمعاء، فما هو الفرق الذي تجده بينهما؟ نافع يقول بأن مخالفيه مشركون يُباح دمهم ومالهم، والبغدادي يتردَّد في الحكم على مخالفيه بين أن يعتبرهم في حكم المجوس أو حكم المرتدين أو حكم الزنادقة، ويحكم بأنْ دمَهُم خلال وأن مالَهُم فيء، أما التعامل معهم فهو كالتعامل مع المحاربين؛ يقع بينهم البيع والشراء، ولكن لا يجوز أن يُباع لهم مصحف أو عبد مسلم.
فهل كان نافع بن الأزرق في تطرُّفه وتشدده ــ حسب الصورة التي ترسم له - أكثر غُلوا من البغدادي؟ وقد كتب رأيه وأحكامه بقلمه، مع ذلك فإن العالم الإسلامي كله ساخط على الأزارقة بسبب ذلك التطرف، ولكن البغدادي يُعتبر إمامًا من الأئمة، وكتابه يوضع في قائمة المراجع الهامة في تاريخ العقائد. والدنيا حظوظ .. !
إذا أجاز البغدادي لنفسه بأن يقول بلسان أهل السنة إن المعتزلة في
(1)
حكم المجوس تُؤخذ منهم الجزية - في رأي المتسامحين ـ أو في حكم المرتدين يُستتابون قبل أن يُقتلوا - في رأي المعتدلين، أو هم في حكم
الزنادقة يُقتلون دون استتابة – في رأي المتشددين، مع أن العالم كله
-
1 - الكلمات: المتسامحين، والمعتدلين والمتشددين، أنا الذي وضعتها. (المؤلف).
-
- 534 - (1/564)
صفحة 565
مسلمين وغير مسلمين
-
يشهد بالدور العظيم الذي خدم به المعتزلة
الإسلام، وأنهم كانوا في فترة تاريخية عريضة هم حماة عقيدة الإسلام وحُرَّاسها الأمناء دون خلاف فما هو المكان الذي يحق أن يقف فيه عبد القادر بن طاهر البغدادي .. ؟
أحسب أن هناك مكانا فسيحا يصطف عليه طابور من الناس يقف فيه نافع بن الأزرق والبغدادي، وكلُّ من يقول بأشباه أقوالهما في أي جزء من زء من الأمة
الغلاة من
المسلمة، من أي مذهب أو فرقة كانوا. وأحسب أن هذا الطابور من المذاهب هو الذي يمثلها النشاز أو الشذوذ في الأمة الإسلامية الكريمة،
جميع
ويفترق عنها بشعاره الملوث بالسواد والحمرة، سواد ظلمة تكفير المسلمين،
وحمرة إباحة دمائهم.
ولا شك أن القارئ الكريم يُمكن أن يتّهم البغدادي أو غيره من الناس بالتطرُّف إذا ثبت من أقوالهم ما يدلُّ على ذلك، ولكنه لا يمكن أن يتهم أهل السنّة هكذا بأجمعهم بالتطرُّف، لأن أهل السنة في مجموعهم يمثلون حلقة الحلقات المتسامحة المعتدلة في الأمة الإسلامية. وكلُّ
من
مذهب، وكلُّ، فرقة، وكلُّ طائفة، لم تخل من متطرف أو شاذ، ولكنَّ التاريخ يطوي أولئك المتطرفين بتطرفهم وشذوذهم وعلوهم في الدين، وتبقى الأمة المسلمة العظيمة المتسامحة المترابطة بجميع الفرق التي كونتها وتكونها، تحمل رسالة الله، يوجهها في كلِّ عصر من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه.
-.535 - (1/565)
صفحة 566
[صفحة فارغة] (1/566)
صفحة 567
VI
ملحوظات .. وتعليقات
الخوارج أيضاً.
وساطة المعتزلة
تأثير المعتزلة.
د التقاء الخوارج والمعتزلة.
رأي شخصي.
نبذة عن الخوارج.
رأي عالم كبير مؤرّخ.
ردود وتعاليق.
إجابات وردود.
كلمة الختام.
دعاء الختام. (1/567)
صفحة 568
[صفحة فارغة] (1/568)
صفحة 569
VI
""
بني
،،
ملاحظات وتعاليق
معي
أُتيح للدكتور أحمد محمود صبحي المحاضر بكلية الآداب بجامعة غازي أن يطلع على الأصول الخطية لهذا الكتاب مع بعض زملائه، وقد سجل عدة ملاحظات أرسلها إلي مشكورا في قصاصات من الورق مع أحد الأصدقاء، ولما كانت تلك الأصول ليست في ذلك الحين فقد علقت عليها بما بدا لي وأرسلتها إليه. كما أنه ما رجعت إلى الأصول بعد سنتين تقريبا وجدتُ ملاحظات أخرى في قصاصات بين الصفحات لم أعرف هل هي للدكتور صبحي أيضا أم أنها لأحد زملائه الذين اطلعوا على تلك الفصول.
وعلى كل حال فقد استفدت كثيرًا من تلك الملاحظات القيمة والنصائح الثمينة؛ كالتزام الموضوعية والبعد عن الجوانب الشخصية وتجنب الاستطراد، كما أنني أعدت صياغة بعض الفقرات اقتناعا بما أبدته الملاحظات، وهناك بعض الملاحظات ظننت أنه لا أهمية لها فتركتها، وهناك ملاحظات اختلفت فيها وجهات النظر، أو كان عرضي لها غير كاف، فحاولت أن أُتمَّ هذا الجانب، وأن أبين وجهة نظري فيما اختلفت
فيه الأنظار، أو أن أعرض الصورة من جديد مبددًا ما حولها من الغيوم. هذا ثُمَّ إنبه في أثناء البحث والتنقيب كانت تقع بين يدي ردود وتعاليق تكشف عن جوانب هامة مكملة لهذا البحث، وقد رأيت أن الصورة العامة الكاملة التي أريد أن أضعها بين يدي القارئ الكريم للموضوع كله إنَّما تكتمل بوجود تلك الملاحظات والتعاليق والردود.
-539 - (1/569)
صفحة 570
ولذلك فقد نقلتُ - فيما يتعلق بملاحظات الدكتور صبحي – نصوص الملاحظات ثُمَّ النقاش الذي أجريته حولها، أما فيما يتعلق بتلك
التي عثرت عليها أثناء البحث والدراسة فقد نقلت بعضها كاملةً بنصوصها وأخذت من بعضها مقتطفات. وقد رأيت أن أبدأ بعرض الملاحظات لأنها أصبحت تُكوّن جزءًا من هذا القسم، ثُمَّ أنتقل بعدها
إلى بقية الملاحظات، ثُمَّ الختاميات، كما يلي:
- الخوارج أيضًا.
- وساطة المعتزلة.
- تأثير المعتزلة.
- النقاء الخوارج والمعتزلة.
- رأي شخصي.
- نبذة عن الخوارج بقلم أبي إسحاق اطفيش.
- رأي عالم كبير.
- ردود وتعاليق.
- إجابات وردود.
وبهذا أرجو أن أكون قد أوضحت جوانب كثيرة كان يكتنفها الغموض، وكشفت عن جوانب تكاد تكون مجهولة للكثير، وتحدثت بصراحة المسلم إلى أخيه المسلم، في شؤون كانت تتجنبها كثير من الأقلام، وتخشى الخوض فيها مراعاة للأحاسيس والعواطف، مجاملة للأفراد على حساب المبادئ، وللفرق على حساب المذاهب، وللمذاهب
-540 - (1/570)
صفحة 571
على حساب الأمة. وقد آن أن تتجمع الأحاسيس والعواطف والمبادئ كلها، وأن يتجمع الأفراد والفرق والمذاهب كلها في الاتجاه إلى الله
جميع
فقط، وطاعة الله فقط، واعتبار أن ذلك إنَّما يكون شيا واحدًا هو الأمة الإسلامية، وأن هذه الأمة مكلفة من الله تبارك وتعالى بتبليغ رسالة الإسلام إلى البشرية، وأنها مكلفة قبل التبليغ أن تعيشها سلوكا وتطبيقا، وأنها لا تستطيع أن تعيشها سلوكا وتطبيقا إلا إذا عادت كما كانت أمة واحدة.
الخوارج أيضاً ..
قال الأخ الدكتور أحمد صبحي في ملاحظاته
،،
عن هذا الكتاب:
«لفظ " الخوارج وفقا لمفهومه التاريخي حيث تحدد المصادر
-
التاريخية بداية ظهور الخوارج بانشقاق بعض أنصار علي عليه، عقب التحكيم ـ لا إطلاقا الخروج عن الدين، فاللفظ لا يحمل إطلاقا أي يعني معنى من معاني الإدانة بالكفر من الناحية التاريخية، ولكنه اكتسب هذا التصور تحت تأثير كتاب الفرق والمقالات تماما كما ترك هؤلاء انطباعًا لدى المسلمين أن الاعتزال يعني الانشقاق أريد أن أقول ليس هناك ما يمنع أن يعتز الخوارج بهذه التسمية كما كان يعتز المعتزلة بلقبهم بصرف النظر عن اعتبارك الإباضية فرقة منهم أم لا.
ليس مجرد رفض التحكيم، وإنما الانشقاق وما أعقبه حركهم لعلي،
وهذا هو الذي يحدد اعتبار الإباضية خوارج أم لا:
هل كانوا ممن حاربوه واعتبروه شاكا في إمامته حين قبل
-541 - (1/571)
صفحة 572
التحكيم أم مجرد الحكم بخطأ التحكيم؟ المسألة على أي حال سياسية
بحتة، لا تتعلق بأصل ديني» [ا].
أخي الدكتور لا زلتُ أخالفك الرأي في هذه الملاحظة، وذلك أن المصادر التاريخية التي تناولت الحديث عن تلك الفترة كانت متأثرة بكلا
-
الكلمة من
الجانبين، جانب العقيدة وجانب السياسة، سواء أكانت السياسة الموافقة أم السياسة المعارضة - فلا معنى لأن نفرق في هذا الموضوع بين المؤرخين وكتاب المقالات، ولعلّ المؤرخين في هذا الموضوع كانوا أسوأ من كتاب المقالات وأشدَّ عصبيَّة، وتحيزا، ولا سيما أن التمايز بين المؤرخين وأصحاب المقالات في ذلك الوقت المبكّر لم يكن واضحا، فكان المنتسب للعلم هو الذي ينقل الأخبار، كما ينقل الآراء والعقائد وإطلاق كلمة الخوارج على أصحاب على الذين لم يقبلوا التحكيم، وتفسيرات معنى الجانبين؛ من جانب من حاول أن يطبق عليها حديث المروق الذي اشتهر في تلك الفترة ويحكم عليها بالكفر، ومن جانب من حاول أن يجعلها خروجًا في سبيل الله، فيحكم على من خالفها بالكفر، كان أكثر ذلك صادرًا عن المؤرخين أصحاب المقالات أو عن أصحاب المقالات المؤرّخين. وبمراجعة طفيفة لتلك الأحداث في مراجع مختلفة الاتجاه، يتضح التناقض والتضاربُ والاختلاف في الأحداث وأسبابها، وأساليب عرضها وتصويرها، مما يدل على أن تلك الأخبار دخلها كثير من الزيف، بسبب عواطف الرواة أو نقلة الأخبار أو المؤرخين أصحاب العقائد المحددة، فألبسوها ألوانا معينة كانت الأساس الذي بنى عليه كتاب المقالات المتخصصون فيما بعد كتاباتهم.
-542 - (1/572)
صفحة 573
والواقع أن كلمة: الخوارج" أو "الخروج" أو "الخارجية" بمعناها السياسي كانت تُطلق بصفة ضيّقة قبل قضيَّة النهروان، وفي النقاش الواسع الذي كان يجري بين أفراد الأمة بمختلف طبقاتهم، تجد كلمة الخوارج أو الخروج تنفلت من لسان أحد الناس على الساخطين على الحكم القائم، فذكرت هذه الكلمة في الخلاف بين أمير المؤمنين عثمان وأهل الأمصار، وذكرت في الخلاف بين أمير المؤمنين على والخارجين عليه طلحة والزبير ومن معهما، ولكنها لم تحمل معناها الديني إلا بعد قضيَّة التحكيم في أكبر المصادر التاريخية التي نعتمدها اليوم ونستدل بها. وإن كنتُ في الواقع - وهذا تقصير - لم أتمكن من معرفة أوَّل نص جاءت فيه كلمة خوارج أن بمعناها الديني، غير محاولة تطبيق أحاديث المروق عليها واضحة حسبما تذكره كتب التاريخ ـ إن حقا وإن كذبا وذلك كبحث أمير المؤمنين
-
علي عن ذي الديَّة) الذي اعتبر علامة على المارقين بين القتلى، وعثور أصحابه عليه كما قيل، وعلى ترملة مولى بن عباس الذي أكل الفحل يده كما تقول بعض المصادر الأخرى فتوهموه ذا الديَّة.
وإذا صحت المناقشات التي ترويها كتب التاريخ عن أمير المؤمنين علي
مع بعض أصحابه ورُدُودُه عليهم، وندمه على قتل الخوارج ودفاعه عنهم، الكفر، فروا»، «ليس مَن طَلَب الحقَّ فأخطأه كمن طلب الباطل هم من فأصابه»، أين رهبان الليل وأسودُ «النهار»، «لا تقتلوا الخوارج بعدي» .. وغيرها مما يدلُّ أن التهمة بالخروج من الدين كانت توجه إليهم منذ ذلك الحين، وأن الإمام سكت عنها في مبدإ الأمر، ثُمَّ حاول أن يصحح خطأ
الناس فيهم، وأن خروجهم عليه لا يحمل معنى الخروج من الدين.
-543 - (1/573)
صفحة 574
والواقع أني أشك في كثير من الأقاويل والمناقشات والمناظرات
والأحداث الجانبية التي تُنسب إلى تلك الفترة، وأحسب أن الدعايات والعصبيات والسياسة أيضا قد كان لها دخل كبير في التلفيق، لا سيما في المناظرات التي قيل إنها جرت بين الإمام أو ابن عباس والخوارج. فإن الصنعة والتكلف فيما يبدو لي ـ تقرأ واضحةً في كثير من
-
الاحتجاجات والبراهين التي تظهرُ عليها صبغة عصر غير ذلك العصر، وأني حين أقول هذا الكلام في الوقت الحاضر لا أجد عليه دليلاً ماديا، ولذلك فهو لا يزيد عن مرتبة الشكوك التي تتردَّد في نفس الإنسان بمجرد الإحساس الشخصي.
ولا نزاع فيما أعتقد أن عددا من الأطراف كان يحاول تبغيض الخوارج إلى يقيَّة الأمة بتهمتهم بالخروج عن الدين، ولو تجرد موقفهم السياسي مع عليّ فقط كان ذلك من مصلحة الأمويين، ولكن السخط الذي انصب عليهم من الأمويين والأكاذيب التي كانت تُشاع عنهم، والحروب العنيفة التي وُجهت إليهم في انشقاقهم عن أمير المؤمنين علي، إنما كان يحدث في العهد الأموي، وذلك لكي ينفر الناس عنهم، ولا يتقوى جمعهم بخصوم الأمويين من الشيعة والمحايدين الساخطين على الحكم الأموي أو يتقوى أولئك الخصوم بهم.
ربما يحتاج هذا الكلام الأخير إلى مزيد من التأمل والتحقيق إذ ليس بين أيدينا الآن ما يثبته، ولكنَّ الذي أريد أن أُقرِّره هنا أن مراعاة الجانب
1 - راجع الفصل: الفرق بين الفتنة والخروج. (المؤلف)
- 544 - (1/574)
صفحة 575
الديني في كلمة الخوارج لوحظت منذ أطلقت هذه الكلمة، إذا صح ما ترويه كتب التاريخ عن أحاديث المروق، واهتمام الإمام بما وبعلاماتها، وإذا صحت أيضا تلك الأحاديث وما تدلُّ عليه، والأرجح أن أغلبها غير صحيح. أما الاعتزاز برأي أو مذهب فهو يتولد عن الاقتناع باتخاذ موقف معين في قضيَّة ما، والاقتناع بأن ذلك الموقف حقٌّ، ولا شك أن الإباضية كغيرهم يعتزون بمواقفهم وآرائهم التي يعتقدون أنها حق، ولكنهم لا يعتزون بما ينسبه إليهم غيرهم، ويريد أن يلصقه بهم مِمَّا لا
يعتقدونه ولا يقولونه.
إن اعتزاز الإنسان بالموقف الذي يتّخذه في أي قضيَّة لاعتقاده أنه حق هو سلوك طبيعي؛ ولكن أن نفرض على إنسان موقفا معينا، ثُمَّ نريد نه أن يعترف به، ثُمَّ نطلب منه أن يعتز به، فهذا ما لا يرضاه إنسان يتمتَّع بحرية وعقل وإرادة.
وهذا الموقف نفسه هو ما يريده المؤرخون وكتاب المقالات وحتى بعض المفكرين المعاصرين من حملة الشهادات العليا، إنهم يريدون أن يفرضوا على الإباضية بأنهم خوارج، وأن يعترف الإباضية بأنهم
خوارج، وأن ينسبوا لأنفسهم - باعتبارهم خوارج ـ عقائد وآراء لا
-
-
يقولون بها، بل يعتبرون القائلين بها كفّارًا، وليس هذا فحسب بل عليهم أن يعتزوا بذلك الموقف كأنَّما الإباضية فرقة مسرحية تنتظر أوامر المخرج. ولكي يهون الأمر على الإباضية فينسبون إلى أنفسهم الخارجية ثُمَّ يعتزون بها، يُقدِّم لهم المعتزلة قدوة حسنة؛ فهم رغم أنهم منشقون إلا أنهم معتزون باسم المعتزلة.
-545 - (1/575)
صفحة 576
إن الإباضيَّة لا يُريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج، ولا يحسبون أنفسهم كذلك، ولا يعتزون بالخارجية بسبب بسيط لأنهم لا يحكمون على غيرهم
من المسلمين بأحكام المشركين، ولا يُنفذون فيهم تلك الأحكام.
أما ما قلته يا أخي الدكتور في آخر الملاحظة من أنه «ليس مجرد رفض التحكيم وإنَّما الانشقاق وما أعقبه حربهم لعلي، وهذا هو
الذي يُحدِّد اعتبار الإباضية خوارج أم لا».
الحقيقة أني كلما حاولت أن أفهم ما ترمي إليه هذه العبارة لم يتضح لي، وبدا لي فيها التناقض أشدَّ ظهوراً، وإبعاد وصف الخارجية عمَّن
يحرص الدكتور على وصفهم به أكثر وضوحًا.
تقول يا أخي الدكتور إنه ليس مجرد رفض التحكيم هو السبب في إطلاق كلمة الخوارج على من أطلقت عليه، وإنما الانشقاق وما أعقبه
حربهم لعلي هو السبب.
يا أخي الدكتور لقد انشق عن علي وحاربه طلحة والزبير، فهل تطلق عليهما وعلى أصحابهما وأتباعهما لفظ الخوارج؟ على اعتبار أن الأسس
التي حددتها للخارجية ـ وهي الانشقاق و الحرب ـ موجودة، وقلت في
ـ
ـــ
عبارتك إن هذا يعني أن الانشقاق والحرب يُحدد هل الإباضية خوارج أم لا؟ فهل يحدد هذا طلحة والزبير خوارج أم لا؟
وقد انشق معاوية عن علي وحاربه حربا عنيفة بقيت آثارها إلى الأمة الإسلامية من الآثار
مدى بعيد، بل ربما لم يبق لأية
حرب في
السيئة ما بقي لحرب معاوية ومن بعده فهل يحدد هذا الانشقاق
وتلك الحرب وما أعقبته بأن معاوية من الخوارج أم ليس منهم
؟!
-546 - (1/576)
صفحة 577
إن الشرطين اللذين وضعتهما لتحديد معنى الخارجية متوافران في كلا
موقفي وقعة الجمل وحرب صفين.
اسمح لي يا أخي الدكتور أن أقول لك إن التيار الجارف في هذا الموضوع قد جعلك في موقف تحاول فيه تبرير الصورة التي رسخت في ذهنك منذ قراءات سابقة، ولم تحاول أن تُجدِّد النظر إلى تلك الصورة من زواياها في فهم وعمق. ونحن وإن ادعينا التحرر الفكري، إلا أن الرواسب التي تراكمت في ذهنية أحدنا على مدى طويل ــ ولمدى كثرة ما ترددت عليه كأنها حقيقة ترتفع عن الشك ولا تخضع للجدل ـــ تسيطر دون إرادة منا على أحكامنا، ولستُ أعفي نفسي من ذلك، إلا عند العزم والتصميم التخلص من تلك الرواسب. لقد حاولت في الفصل الذي ناقشت فيه هذا الموضوع من الكتاب أن أحدد الأسباب التي تجعلنا نعتبر فرقةً ما من الخوارج أو أنها بعيدة عنهم، وذكرت أن لفظ الخوارج لو كان يُقصد به المعنى السياسي الذي هو الثورة على دولة قائمة، فإن الفرق والطوائف والجماعات التي خرجت عن دول قائمة قد تستعصي عن الحصر، وأما إذا كان المقصود به مَن خَرَجَ عن خلافة رشيدة فقط، أو حتّى عن خلافة أمير المؤمنين أبي الحسن، فإن عددًا خرج عنه؛ فلماذا لا تطلق كلمة الخوارج عليهم جميعا
على
من
الجماعات قد
مادام قد ثبت في حقهم أمرٌ كفاء: الانشقاق والحرب.
وإذا كان يُقصد بلفظ الخوارج المعنى الديني وهو المعروف من الدين)،
1 – كذا ولعلّ في العبارة نقصا يمكن تقديره كالتالي: ... وهو إنكار أو الخروج عن المعروف من الدين ... ؟ والله أعلم. (المحقق)
-547 -
37 (1/577)
صفحة 578
فإنَّنا قبل أن نحكم به على أي طائفة أو أي فرد ينبغي لنا أن نتحرى عن
دينه، فإن وجدنا ما يُبرر إطلاق الحكم عليه أطلقناه، وإلا فليس من أن نصف الناس بما ليس عندهم، وأن تقولهم ما لم يقولوا.
حقنا
و أخيرا ليست الخارجية نسباً ولا صهراً، ولو وجدنا اليوم واحدا من سلالة نافع بن الأزرق أو شبيب وغزالة وليست لديه العقائد التي تُنسَبُ إلى الخوارج لما قلنا إنه خارجي، ولما حكمنا عليه بحكم الخوارج. إن محاربة المؤرخين وكتاب المقالات لهذا العدو الوهمي الذي يُطلق عليه لفظ الخوارج أكثر ضراوةً من أية حرب أخرى، أي إن الحرب التاريخية والمذهبية أعنف وأشد وأدوم من الحرب السياسية العسكرية، فلقد انتهت المعارك السياسية والعسكرية بانتهاء الدولة الأموية تقريبا أو بعدها بقليل، بل إن الذين قامت من أجلهم زوبعة الخوارج - وهم الإمامُ علي وأهل النهروان - قد انتهت قصتهم قبل انتهاء النصف الأول من خير القرون، ولكن هجوم المؤرخين وكتاب المقالات لا يزال مستمرا بل بأعنف ممَّا مضى في بعض الأحوال، ومن المؤسف أن هذا الهجوم الذي ينطلق بهذا العنف يستند إلى ما قيل ووقع أو لم يقع قبل ألف سنة، ومن السهل على أي قلم اليوم أن يُجرِّد حملة على الخوارج يُحملهم بِكُلِّ سهولة أوزار التاريخ الطويل.
-
أخي الدكتور، قد تعتبر هذا الكلام دفاعا عن الخوارج، ويسرني أن أقول لك إنني لا أريد الدفاع عنهم، ولكنني لا أحب أن أكتب عنهم متأثراً بكلام خصومهم - ومن أشدَّ خُصومهم وأعنفهم الإباضية ـ وأنا أقول ـ
-
هذا الكلام عن الإباضية لأن الإباضية لا يرون رأي الخوارج، ولا
-548 - (1/578)
صفحة 579
يدينون بدينهم، وهم أشدُّ بعدا عنهم ونقدًا لهم ممن يرميهم بهذا ممن يستحل أموال المسلمين ودماءهم بالعقيدة أو العمل، ولقد كان الحجاج بن يوسف يرمي الخوارج بأنهم مُفسدون يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، ولو جُمِعَ عدد من قَتَلَهُ الخوارج من جميع حركاتهم، لم يبلغ بعض من قتل وصلب وسَجَن وسَلَب الحجاج.
إن الخارجية – فيما أعتقد ـ مبادئ وشعارات محددة، مَن حَمَلها
-
كان خارجيا، ومن لم يحملها لم يكن منهم، ولذلك فلقد يكون الرجلُ
من
من حماة السنة
عتاة الخوارج وهو يستتر وراء مذهب آخر من المذاهب الإسلامية، قد يدعي أنه سُنّي، بل قد يدَّعي أنَّه والجماعة، ولكنه في واقع الأمر خارجي متطرف، وليتني أستطيع أن أحرف رأيا في فقيه ينتسب إلى أهل السنة ثُمَّ يُعلن في تبجح حكمه على آلاف من المسلمين الذين يُخالفونه في المذهب بأنَّهم مبتدعة تحل دماؤُهم وأموالهم، بل يزعم أنه يجب قتلهم وغنيمة أموالهم، عندما يقدم له ذلك المال يأكله مطمئنا لأنه ممَّا أفاء الله عليه، ثُمَّ هو لا يقف عند الاستحلال، بل هو يحرض السلطة الحاكمة على اتخاذ هذا الموقف، وكتب التاريخ تذكر مآسي مؤلمة قتل فيها آلاف من المسلمين بفتاوى فقهاء لا ينتسبون إلى الخوارج، ولكنهم كانوا يرون أن دماء مخالفيهم حلال .. أليس استحلالُ الدَّمِ و المال هو مبدأ الخوارج؟ الذي المسلمون عليهم، وحاربهم علي من أجله حسبما تقول بعض مصادر التاريخ، وتسوق للتدليل عليه قصة الصحابي الجليل عبد الله بن بن الأرث، وقد اختلطت بهذه القصة أحداث وأخبار هي بالخرافة أشبه،
نَقَمه
الخباب
-549 - (1/579)
صفحة 580
وإلى إسراف الخيال في ربط الأشياء المتباعدة أقرب، وذلك كقصة الثمرة والنصراني والخنزير و قصَّة واصل بن عطاء التي نسجت على منوالها،، والتي تُذكر للتشنيع أو للتفكه والضحك، ثُمَّ تُسلَك في نسق مع قصة عبد الله لإظهار الفظاعة واستجلاب النقمة.
إن تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم هو معنى الخارجية الذي حاربه الإمام ونقمه المسلمون، حينما صُوِّر لهم أن أهل النهروان سوف يستعرضون الناس ويقتلون الأبرياء ويأخذون الأموال، وجاؤوا له كدليل عملي واقعي والله أعلمُ من قَتَلَه. وهذا الشعار -
الله
بقصة عبد شعار التكفير و الاستحلال هو الذي رفعه بن الأزرق ومن سار
-
بسيرته، وحارب من أجله كما تقول عنه أجله كما تقول عنه كتب التاريخ إن صدقت.
والآن قد انقرض أولئك الذين كانوا يستحلون دماء مخالفيهم عقيدة، ويرفعون هذا المبدأ شعارًا علنيًّا، لهم، يعملون تحته في صدق وصراحة، وبقي الذين يستحلون دماء مخالفيهم بالعمل، وهم يحملون شعار صيانة دماء المسلمين بكلمة التوحيد، ولكنهم يُريقونها بأتفه الأسباب، وهؤلاء الخوارج موجودون ضمن جميع هذه الفرق، وكلُّ فقيه أو متفقه يستحل دماء مخالفيه من أية فرقة كانت من فرق المسلمين، ويُفتي بذلك، ويسهل لأصحاب السلطان إراقة دماء المسلمين، هو خارجي، ولو لبس جبَّة جابر، وطيلسان أبي حنيفة، وعمامة أحمد، ورداء ابن تيمية فإذا أضاف إلى ذلك تحريض دوي السلطان على التدخل في عقائد المسلمين، وحملهم على بعضها بالإكراه، فهو من أسوأ الخوارج اعترف بذلك أم لم يعترف.
- 550 - (1/580)
صفحة 581
وتلخيصا لهذه المناقشة ـ التي طالت أكثر مما ينبغي لها ـ أقول:
-
-
لقد حددت يا أخي الدكتور صبحي مبدأ الخارجية بركنين أساسيين هُمَا الانشقاق والحرب، وقصرت هذا على من فعل ذلك مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو كان هذا التحديد كافيًا لانتهى أمر الخوارج بوفاة الإمام، أو عَلَى أوسع تقدير بوفاة آخر من خرج عليه. وكتب التاريخ المتحيزة إلى الإمام تذكر أن أهل النهروان كانوا ستة آلاف رج رجع منهم ألفان إلى معسكر الإمام، وأن الباقي قتل ولم ينج منهم إلا تسعة أشخاص، ومعنى هذا أن أولئك الذين خرجوا عن الإمام علي قد انتهوا، فلا معنى لأن يُذكر اسم الخوارج بعدهم، ولكن حركة الخوارج كانت أشدَّ عنفًا في عهد الدولة الأموية، فهل كان عبد الملك والحجاج وابن زياد يطاردون الخوارج لأنهم انشقوا عن علي وحاربوه؟ ولو كان الأمر كذلك لأيَّدوهم ونصروهم لأن الأمويين أنفسهم منشقون عن علي ومحاربون له ولكن الأمويين مثل الحجاج وأضرابه كانوا يتتبعون المناوئين لحكمهم بكُلِّ شراسة، وكانوا يُطلقون لفظ الخوارج على كلِّ من يستسيغ الرأي العام إطلاقه عليه ـ مستغلين
-
حادثة النهروان لصالحهم - مُوهمين الرأي العام أن أولئك الخوارج يستحلون الدماء و الأموال، ويعيثون في الأرض فسادا، وبهذا ضمنوا سكوت أو تأييد كبار العلماء، وتقبلهم لأعمال العنف التي ارتكبها الحجاج وابن زياد ومن سار سيرتهما.
ولا شك أنه بالتأمل المجرَّد، وبدراسة أحداث التاريخ لتلك الفترة بوعي ودون انسياق وراء مخلفات ذهنية سابقة، وبلا عواطف أو رواسب،
- 551 - (1/581)
صفحة 582
يُعرف أن الخارجية ليست هي
الانشقاق عن على ولا محاربته، فقد انشق
عن علي طلحة والزبير وأتباعهما وحاربوه، وانشق عنه معاوية وحاربه
حربًا طويلة عنيفة، ولكنهم لم يُطلق عليهم لفظ الخوارج.
لقد أطلق لفظ الخوارج على أولئك الذين حاربهم علي لأنهم صوروا له في صورة المتطرف الذي يستحل الدماء والأموال، واستغلت حادثة مقتل عبد الله بن خباب لإثبات هذه الصورة الفظيعة عند الإمام، وعلى أولئك الذين حاربتهم الدولة الأموية بعد أن صورتهم في صورة. المتطرف الذي يحكم على المسلمين بحكم المشركين، ثُمَّ تجاوزوا القول إلى الفعل، فطبقوا هذه القاعدة، ولكن المنطلق دائما قصَّة الله عبد وما ألحق بها، ولعلهم بسبب ردود الفعل تطرّفوا، فحكموا على كل من
بن
خباب
خالفهم ولم يسر معهم بأنهم مشركون تنطبق عليهم أحكام المشركين، وبموقفهم هذا فقدوا عطف الأمَّة عليهم واعتبروهم منحرفين. واستغلالاً لهذه الظروف جميعا فقد توسعت الدولة الأموية في إطلاق لفظ الخوارج على المناوئين لها، والمعارضين لسياستها حتّى يستسيغ الناس وسائل القمع والإرهاب التي كانت تقوم بها ضدَّ كلّ معارضة، بناء على أن تلك المعارضة نابعة من فكر خارجي.
وبناء على كل ما سبق فإنَّنا نستطيع أن تحدد مبادئ الخوارج بما يلي:
-1 - تطبيقهم أحكام المشركين على من خالفهم.
-2 حكمهم على مرتكب الكبيرة بالشرك، وإجراء أحكام المشركين عليه.
-
3 حكمُهم على من قعَدَ عن مناصرتهم بأحكام المشركين.
- 552 - (1/582)
صفحة 583
-4 حكمهم على من رضي بالبقاء تحت حكم الدولة الظالمة بأحكام المشركين. هذه أهم مبادئ الخوارج والشعارات التي رفعوها، وبما استحلوا دماء المسلمين حين رفعوها شعارات الجهادهم، واستحل المسلمون بها دماءهم. أخي الدكتور صبحي، إنَّك تعلم أنَّني لم أحضر تلك الحركات والأحداث، وأن ما أقولُه في هذا الصدد إنَّما هو استنتاج من مصادر التاريخ المتعارضة؛ استخلصتها بعد دراسة وتجرد ووزن واضعا في ذهني أن ما يقوله المؤرخون - من أي اتجاه كانوا ـ في تلك الأحداث كان المؤثرات والاتجاهات، وأنه ليس شيء منها منزها
خاضعا لعديد من
عن
وسوء الفهم أحيانا. التحيز والخطأ
وعلى جميع الاعتبارات لماذا نحكم على فرقة من المسلمين الإباضية) اليوم موجودة في أي بلد من بلدان الإسلام بأنها من الخوارج
-
مع العلم أن هذه الفرق - وهي الآن تعيش في أواخر القرن الرابع عشر ــــ
ـــ
لم تحضر بيعة الإمام علي، ولا اشتركت في حروب الجمل“ و”صفين“، ولا شاهدت أحداث النهروان، فهي في الواقع لم تبايعه ولم تنفصل عنه، ولم تحاربه ولم يحاربها؛ لأن فاصلاً زمنيا طوله ألف وثلاثمائة سنة وزيادة يفصل بينهم. ثُمَّ هم في واقعهم لم يخرجوا عن نظام الحكم الذي يجري عليهم - رغم أن أكثر الأنظمة التي تحكمهم مُنحرفة - ولم يقم دعاة منهم لإسقاط الأنظمة الحاكمة ولم يحاربوا غيرهم من المسلمين، ولم يستحلوا دمهم ولا، مالهم ولم يحكموا على مخالفيهم بالكفر، وهم مع كلّ ذلك يعيشون مع غيرهم من المسلمين كما يعيش الأخ مع أخيه؛ يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويُوجبون ما أوجب الله، ويحرمون ما حرم الله.
-553 - (1/583)
صفحة 584
فلماذا تسيطر على أقلام المؤرخين وكتاب المقالات والفلاسفة والباحثين
-
جميعا - رغم وضوح الحقائق - تلك الكلمة التي أطلقتها شفة مجهولة قالت إن الإباضية من الخوارج، فلم تستطع العقول والأفهام في مدى أربعة عشر قرنا أن تتحرر من كلمة آثمة أطلقتها شفةٌ مُغرضة على فرقة مؤمنة.
لقد انتهت الخارجية بحقها وباطلها، وبمبادئها وأبطالها عند نهاية الدولة الأموية تقريبا، فلمذا يُؤتى بالشخص في هذا القرن فيُحمل أوزارا ارتكبت قبل أربعة عشر قرنًا إن صح أنها ارتكبت؟ ويقف موقف الجلاد في هذه القضيَّة ناس درسوا الشريعة الإسلامية حتَّى كانوا قدوةً، ودرسُوا التاريخ حتّى كانوا أساتذة ودرَسُوا الفلسفة حتَّى صاروا دكاترة، ودرسوا الحقوق حتَّى اعتز بهم القضاء والمحاماة، وكانت مجالسهم طافحة بالتحرر الفكري والصفاء الذهني والانفلات من قيود التقاليد والعصبيات والرواسب، حتّى إذا جاؤوا إلى هذه القضية تلجلجت ألسنتهم واضطربت أقلامهم، ثُمَّ طأطؤوا رؤوسهم للرواسب الذهنية التاريخية، فتحايلوا في التعبير عنها لكي لا يُصادموا الحق الذي فيها، ولم يستطيعوا أن يُجابهوا الباطل - الذي تحمله بالحق الذي
-
يعرفونه وتطمئن به قلوبهم فانساقوا مع التيار الخاطئ مكتوفي الأيدي والأذهان، مسيري الأفكار والأقلام، محدودي العقول والأفهام. وساطة المعتزلة
قال الأخ الدكتور صبحي في ملاحظاته عن هذا الكاتب:
من الجائز أن يكون المعتزلة هم الوساطة في التقاء بعض آراء الشيعة الأدارسة مع آراء الخوارج دون حاجة إلى تناظر علماء الفرقتين. من
- 554 - (1/584)
صفحة 585
المعروف كذلك في علم الكلام تأثر بعض الفرق بخصومهم؛ لديك على سبيل المثال تأثر بعض رجال الحديث والتفسير ـــ وهم أكثر علماء الأمة تمسكا بالدين وغيرة عليه بالإسرائيليات، ولا أعتقد أن بين الأدارسة
-
والإباضية من الخصومة ما أبعد مما
وكل ذلك يتم عن غير وعي.
هو
بين رجال الحديث واليهود،
أراك اعترفت بأن الإباضية من الخوارج، مع أنك كنت تستنكر ذلك تماما، وتعدهم كما لو كانوا مجرد مذهب فقهي كالمالكية والشافعية» [اهـ].
أخي الدكتور أما إن المذاهب الإسلامية قد يتأثر بعضها ببعض، ويقتبس منها الحجج والآراء والأساليب فهذا شيء قد يقع، وليس مجالاً للإنكار، وليس موضوعنا لمناقشته.
لقد استبعدت فكرة المستشرق نلينو حين زعم أن إباضية المغرب أخذوا أكثر عقائدهم عن المعتزلة، ثم اعتباره أن تلك العقائد كانت تنساب إلى الإباضية من المعتزلة عن طريق الشيعة الأدراسة، وهذه دعوى عجيبة وبعيدة.
أيها المنكح الثريا سهيلاً عمرك الله كيف يلتقيان فى شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
هي
أن المعتزلة هم
وأبعد من ذلك ما تلمح إليه في ملاحظتك هذه من الواسطة في التقريب بين عقائد الشيعة وعقائد الخوارج أو عقائد الإباضية على الحقيقة، فأنت تُصرُّ على اعتبار الإباضية خوارج ولو تطوعوا في جند المهلب بن أبي صفرة، ولا داعي أبدا لأن يقوم المعتزلة؟
- 555 - (1/585)
صفحة 586
الوساطة أو التقريب بين الإباضية والأدارسة وهم لا يشعرون؛ لأنّ الشيعة مهما تأثروا بالمعتزلة فإن لهم أصولهم قبل أن يؤثر عليهم المعتزلة وهم يحافظون عليها، وكذلك الإباضية مهما تأثروا بالمعتزلة فإن لهم قبل أن يتأثروا بغيرهم أصولاً يحافظون عليها، ولقد يكون التأثر ولكنه في الشكليات، وهذا التأثر والتأثير واقع في جميع المذاهب على السواء، أعني مذاهب السنة والشيعة والخوارج والإباضية، كلها مؤثرة ومتأثرة ولكن كل واحد منها قد حدَّد لنفسه مواقف معينة استنادا إلى دولة [كذا] معينة في مصادر التشريع الإسلامي، وملاحظتك هذه جاءت بعكس ما يقوله المستشرق نلينو الذي تحاول أن تؤكد ما ذهب إليه؛ لأن نلينو يزعم أن المعتزلة قد أثروا في عقائد الإباضية بواسطة الأدارسة الشيعة، وأنت
ترى أن الشيعة
هم
الذين أثروا على الإباضية (أو الخوارج كما تُصر أن
تقول) بواسطة المعتزلة والرأيان مختلفان كما ترى.
وقد آلمني حقا أن تناظر الخصومة بين الإباضية والشيعة ــ إن
كانت هناك خصومة ـ بالخصومة بين المسلمين واليهود؛ ففرق المسلمين
مهما احتد
-
بينهم النقاش واتَّسع الخلاف، لا يجاوزون أن يكونوا إخوة
حصل بينهم سوء تفاهم، وبعض فرق الشيعة كالزيدية لا تختلف عن الإباضية في شيء، وقد نسبه أكثر من مؤلّف من مؤلفي الإباضية في أصول العقائد وعلم الكلام أن الخلاف بين الإباضية والزيدية لا
يتجاوز ثلاث مسائل هي.
(1)
1 - ملخصة من كتاب «الموجز» لأبي عمار عبد الكافي، نسخة مخطوطة، ملك أيوب محمد الأيوبي. (المؤلف).
- 556 - (1/586)
صفحة 587
1 - قولهم في الإمامة إنّ عليَّا أولى من أبي بكر وعمر، ولكنهم لم يحكموا بتخطئتهما أو تخطئة الأمة بسبب تقدمهما، أو تقديم
الأمة لهما عليه في الخلافة.
2 - تجويزهم لتحكيم حكمين فيما حكم فيه الله تبارك وتعالى.
3 - قولهم بتشريك أهل التأويل ممن يؤدي تأويله إلى التشبيه، كمن يعتقد أن الله يُرى يوم القيامة.
والإباضية يرون في المسائل السابقة أن الأفضلية والأولوية بين الأئمة الأربعة (الخلفاء الراشدين كانت كما وقعت تاريخيا؛ أفضلهم وأولاهم أبو
بكر، ثُمَّ عمر، ثُمَّ عثمان، ثُمَّ علي. ويرون أن قبول التحكيم ـــ فيما حكم ويجب قتال الفئة الباغية إذا لم تستجب
فيه الله تبارك وتعالى خطأ،
-
للصلح أو ترجع إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون. ويرون أنه لا يجوز أن يُحكم على المخطئين في التأويل بالشرك بدعوى أنهم مشبهة، وقد
التقت الزيدية في هذا الموضوع مع الخوارج لا مع الإباضية.
ولا شك أن طوائف المسلمين تتقارب وتتباعد حسب التيارات السياسية ورجال الحكم، وحسب شدة تحريك دوافع العصبية المذهبية ومن يكون من ورائها من العلماء المنغلقين أو المتفتحين.
أما المثال الذي ضربته لإيضاح التأثر أو التأثير برجال الحديث والتفسير باليهود بسبب الإسرائيليات التي تسربت إلى بعض كتب الحديث والتفسير، فاسمح لي أن أقول لك: إنّني لا أوافقك عليه مطلقا، وأن هذا التشبيه إساءة إليهم؛ فرجالُ الحديث والتفسير عندما تسربت إليهم الإسرائيليات:
- 557 - (1/587)
صفحة 588
تتسرب إليهم من اليهود مباشرةً، ولم تنتج عن لقائهم واحتكاكهم بهم، فقد كانوا أبعد من أن يستمعوا إليهم، وأشد نفرةً من أن يُصدقوهم، وأكثر ورعًا من أن يأخذوا عنهم، وإنما تسربت الإسرائيليات على يد ناس أظهروا الإسلام واتصفوا بالورع والزهد والتقوى، ولزموا المساجد والدروس والوعظ، حتَّى وثق الناس بهم باعتبارهم مسلمين صادقين جمعوا إلى علمهم بالإسلام علمهم بالديانات السابقة، وكانوا يدسون مكايدهم تارة باعتبارهم علماء أخذوا من الكتب السابقة، وتارةً ينفثونها في خفاء بتحريف بسيط في المبنى أو المعنى، أو بإثارة شُبهات تفترق بسببها الأمة، ويستمسكون هم بالفكرة الضالة فيها ويرجحونها، ويتباكون على الإسلام ما الحقه به مخالفوهم في دعاويهم فجازت على بعض المفسرين والمحدثين باعتبارها عُلُومًا أو أخبارًا تلقوها من مسلمين موثوق بهم جمعوا إلى علم القرآن علم التوراة والإنجيل.
بسبب
وأحسب أن الزعم بأن علماء الحديث والتفسير على ورعهم
قد
تأثروا باليهود أو النصارى هكذا على الإطلاق ـ فيه إساءة إليهم،
-
ونيل من مقامهم، وتشكيك في علوم الحديث والتفسير.
أخي الدكتور إن موقفك الآخر في الملاحظة يُشبه أن يكون صيحةً
-
منطلقة دون وعي، أو فرحةً رجل الشرطة عندما يقبض على رجل متلبس بالجريمة أعيته مطاردته وتتبع خطواته، فلم يبق عليه وقد ألقى القبض على المجرم متلبسا، أي بعد أن اعترف علي معمر بأن الإباضية من الخوارج - إلا أن يأمر بإلقاء الإباضية في أضيق زنزانة، وبإلقاء علي معمر في أشدّها ظُلمة وأكثرها رطوبة جزاء له على مراوغته وتهربه.
-558 - (1/588)
صفحة 589
وجريمة الإباضية الكبرى أنهم لم يُريدوا أن يقفوا في الطابور الذي أراد أن يُصنفهم فيه كتاب المقالات المتحيزون، وبعض المؤرخين
الموجهين، ومن ينعق من ورائهم.
أما جريمة علي معمر في نظر الدكتور أحمد صبحي فهو التطاول؛ هي أن يرفع عينيه ويتطاول فيعتبر الإباضية «مجرد مذهب فقهي كالمالكية والشافعيَّة»، وتلك مرتبة يحرم عليهم أن ينظروا إليها، ويحرم على أحد أن يضعهم فيها.
أخي الدكتور من المؤسف أن بعض الرواسب الذهنية تتحكم في الإنسان وتسيطر عليه وتجعله لا يستمع إلى الحق الذي يجيئه من الخارج، ولكن إلى الرواسب النابعة من الداخل، ولا يخطر له أبدا أن يؤكد الرواسب المتخلفة في ذهنه مما تلقاه في مختلف مراحل عُمره؛ بدراسة جديدة متفهمة متعمقة تعتمد الاقتناع بالدليل لا بالإيحاء، لأن هذه الرواسب التي اقتنع بها بالإيحاء والتلقي والاستسلام لها زمنا طويلاً تسيطر عليه حتى حينما يُريد أن يتجرَّد، وتحول دونه ودون المراجعة أو التراجع، وتجعل منه إنسانًا يرى أن ما عنده هو الحق دون جدال أو مناقشة، وأن ما عند الآخرين يجب أن يُقاس على ما عنده هو ليأخذ درجته من التقويم،
ومن
أمثلة ذلك ما يلي: قال أبو العباس المبرد في «الكامل» عن الإباضية هم أقرب الفرق إلى السنة. وجاءت أيد فيما بعد أطلقت على نفسها أهل السنة، واعتبرت نفسها ميزانا للشريعة الإسلامية، ومرَّت بها عبارة أبي العباس المبرد، فنقلتها في مصادرها ـ متحكمة على الإباضية ـــ بعد تعديل بسيط،
-
- 559 - (1/589)
صفحة 590
وقالت عنهم: «هم أقربُ الفرق إلى أهل السنة»، بزيادة كلمة "أهل" على تعبير المبرد، وهكذا أصبح ما عندهم هو الحقُّ الذي لا مرية فيه، وما عند الآخرين يُقاس بهم؛ فيمقدار قُربه أو بعده عنهم يُعطى درجة التقويم، وغيرُ مهم لا يهم وقد أثبتوا لمذهبهم هذه الدرجة إن بقيت السنة مسكونا عنها، وأنها في الدرجة الثانية من مذاهبهم.
فرقةٌ.
أخي الدكتور: رغم صيحة الفرحة التي خرجت منك، ورغم حصولك على الاعتراف الخطي، رغم كلّ ذلك فأنا لا أعتبر الإباضية من الخوارج أبدا. ورغم أن من ينسبهم إلى الخوارج هو أقرب إلى الخوارج منهم، وأستنكر منه ذلك استنكارا تاما، وأتجاوز كل ذلك فأعدهم أصحاب مذهب كالمالكية والشافعية، وأدعي أيضا أن خدمتهم للشريعة الإسلامية أصولاً وفروعًا، عقائد وفقها، لا تقل بحال من الأحوال عما قدَّمته تلك المذاهب. وأضيف إلى كلّ هذا أن أغلب المذاهب الإسلامية إنما اعتمدت في انتشارها وحياتها على خدمتها للسياسة وسيرها في ركاب الدول، وأنها في كثير من الأوقات تقفُ مواقف المرونة والتخلّي عن الأساسيات مراعاة للحكام المتجبرين، وأن آلة الحكم الظالمة استغلتها استغلالاً فظيعا لإقرار الظلم أو مجانبة العدل، وأن الإباضية لم يعتمدوا على ذلك، ولم يستغلوا الحكم في مد النفوذ وإطالة البقاء، ولم يستغلوه في حمل أصحاب المذاهب الأخرى على ترك
مذاهبهم والانتساب إلى مذهب الدولة.
-560 - (1/590)
صفحة 591
فلم يكن الإباضيَّةُ في يوم من الأيام آلة للسياسة، وإذا تعاونوا
معها تعاونوا على حدود ما يُبيحُه الشرع أو يدعو إليه، ولذلك تخلت
عنهم
السياسة بل وحاربتهم.
تأثير المعتزلة
قال الدكتور أحمد صبحي في ملاحظاته على هذا الكتاب:
أن
تأثر كلِّ من الأدارسة (الشيعة الزيدية) والإباضية بالمعتزلة لا يعني هاتين الفرقتين قد انحدرتا من المعتزلة؛ يُقال أحيانًا في تبرير ذلك: إن خصومة كل من المعتزلة من ناحية والشيعة والخوارج من ناحية أخرى للأشاعرة (مذهب الخلف من أهل السنّة وسيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين، وعلى دار الخلافة منذ أواخر القرن الرابع قد قرب بين المذاهب الأخرى المتعارضة، فتأثر كل من الشيعة والخوارج بالمعتزلة وأصولهم. على أية حال هذا التبرير وحده لا يكفي لتفسير التشابه بين آراء كل من الشيعة وخصوصاً
الزيدية والإثني عشرية، والخوارج وبين أصول المعتزلة». [اهـ]
في هذه الملاحظة كثيرٌ من الجوانب تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتثبت، وبعضها لا يزيد عن افتراضات تجري في أذهان بعض الناس، ويُمكن أن نحصر هذه الجوانب في النقاط الآتية:
الأولى: افتراض وجود كتل كبرى متعادية تتبعها فروع.
- الثانية: اعتبار أن الأشاعرة ممثلون لمذهب الخلف من أهل السنة.
-561 - (1/591)
صفحة 592
- الثالثة: سيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة. الرابعة محاولة إيجاد تفسيرات للتشابه أو التقارب بين المذاهب الإسلامية، بينما المفروض أن يكون العكس؛ أي البحث عن
-
التفسيرات للتباعد بينها.
وسوف نتناول هذه النقاط بالبحث والمناقشة فيما يلي:
النقطة الأولى:
افتراض وجود كتلة متحدة ـ تُسمَّى «أهل السنّة» ـ تُعاديها كُتَل
-
-
أخرى هي المعتزلة والخوارج والشيعة، لم يقرب بينها إلا عداوتها مجتمعةً للكتلة الأولى، ولم يجمعها في ميدان الخصومة لها إلا اتفاقها وتعاونها، أمرٌ يحتاج إلى كثير من الجهد ليلبس لباسًا يستقيم مع الواقع؛ فالثابت تاريخيا ودينيا أن كلاً من هذه المذاهب والفرق التي تتكون منها، بما فيها فرق أهل السنة قد تتفق في آراء مع غيرها من الفرق الأخرى، رى، وقد تختلف، وهي تخاصم من يُخالفها في آرائها أو معتقداتها خصومةً عنيفة، تحاول فيها جاهدة أن تُثبت صواب ما هي عليه، وخطأ ما عليه غيرها، ولو كان ذلك الغير فرقة من الفرق التي تدخل معها في الإطار العام؛ فالخصومة بين فرق
أهل السنّة بعضها مع بعض لا تقل عنفاً الخصومة بين فرق الإباضية فيما بينها، أو الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة بعضها مع بعض لا تقل عنفاً عن خصومتها مع غيرها؛ أعني أن فرق الشيعة مثلاً في خصومتها لا تقل عنفاً عن خصومتها مع غيرها من الفرق أو المذاهب، وكذلك البقية.
-562 - (1/592)
صفحة 593
ولا شك أن الصراعات المذهبية - فقهية أو كلامية ـ كانت متأثرة
-
إلى حد ما بالظروف السياسية والخضوع لدولة واحدة. ومع ذلك فإن الخصومة بين صفوف من يُطلق عليهم لفظ أهل السنة لم تكن أخف ولا أقل مما بينهم وبين غيرهم، وقد استعملت من هذا المجال الضيق بين هذه الفرق نفسها جميع الأسلحة التي استعملت في الميدان الواسع بين المذاهب، من التفسيق والتكفير وإبطال الصلاة، وليس ذلك في الفروع فقط،
وإنما استعمل في الفروع وفي الأصول (أصول الفقه وأصول الدين). ولعلّ ممَّا يوضح هذه الصورة أن نستعرض بعض ما كان يجري بين فرق أهل السنة من خصومات تُثبت تماماً أنه لا أساس ولا صحة للصور التكتلية التي عرضتها بعض الأقلام، وإنما كان واقع المسلمين أن كل فرقة منهم تُحاول أن تدلل على صحة ما وبطلان ما عليه الآخرون.
هي
عليه
وقد اخترتُ ثلاثة كتب مختلفة لأنقل منها صُورًا عن الخلاف الذي كان يقع بين فرق أهل السنة، والمدى الذي يبلغه أحيانًا من العنف يصل
إلى حد القسوة.
الكتاب الأول: مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه»،
للأستاذ عبد الوهاب خلاف طبعة دار القلم 1392 هـ.
جاء في ص: 130، ما يلي:
ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر علم صحة
-563 -
38 (1/593)
صفحة 594
ما قلنا، حتَّى إن المالكيَّة استقلُّوا بالمغرب والحنفية بالمشرق، فلا يُقار (1) أحد المذهبين أحدًا من غيره في بلاده إلا على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفيٌّ قَتَلُوه، وجعلوا ماله فينا، كحكمهم في الكفار. وحتَّى بَلَغَنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد
1
الحنفية كان فيه مسجد واحدٌ للشافعية، وكان والي البلد يخرُجُ كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يَزَل كذلك حتّى أصبح يوما وقد سُدَّ باب المسجد بالطين واللبن، فأَعجَبَ الوالي ذلك.
ثُمَّ إن كلا من أتباع الأئمة يفضّل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم، حتى رأيتُ حنفيًّا صنف مناقب أبي حنيفة فافتخر فيها بأتباعه كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك، ونحوهم، ثُمَّ قال يعرض بباقي المذاهب:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية، وغيره كثير. وحتى إن المالكية يقولون: الشافعي غلامُ مالك والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل، وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع أحمد. والحنفية يقولون: إن الشافعي
-
يقار بمعنى: قرَّ مَعَهُ وسَكَنَ راجع «لسان العرب» لابن منظور. مادة
«قرر». (المحقق)
- 564 - (1/594)
صفحة 595
غلام أبي حنيفة، لأنه غلام محمد بن حسن، ومحمد غلام أبي حنيفة. قالوا لولا أن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف. وحتى إن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالي، وأنه ليس قرشيًّا، وأحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي، وأنه ليس قرشيا بل
من موالي قريش، ولا إماما في الحديث لأن البخاري ومسلما أدركاه يرويا عنه مع أنهما لم يُدركا إمامًا إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي في تصنيفهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميته. وحتى جعل كل فريق يروي السنة في تفضيل إمامه» [ا]. ثُمَّ ذكر المؤلف بعض الأحاديث التي يرويها أصحاب المذاهب في فضل أئمتهم، وردَّها. ومن أجود ما قيل في ردها بعبارة غاية في الإيجاز
والدقة، ما نقله المؤلف عن الشيرازي في نفس الكتاب ص 131، قال: واعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، ودال لا يصح» [ه]. وبعد مناقشة لتلك الأحاديث تبيين الخطأ في الاستدلال بها على تفضيل
بعض الأئمة، لأن منها ما لا يدلُّ ومنها ما هو موضوع لا يصح؛ قال: «فانظر بالله أمرا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم، وذمّ بعضهم، وما مبعثه إلا تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها، الساطع برهانها، فلو أنفقت كلمتهم بطريق لما كان شيءٌ مِمَّا ذكرنا» [اهـ].
الكتاب الثاني: «ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين»، للأستاذ عبد
الجليل، عيسى طبعة دار البيان، الكويت.
-565 - (1/595)
صفحة 596
وقد أورد فيه أمثلةً في الخلاف بين مذاهب أهل السنة غالبا، وقد يحسن أن نلخص ما نحتاج إليه كما يلي:
أ - ما يسوغ فيه الخلاف بشرط عدم التعصب للرأي، وذلك في فعل أو قول يقول فيه عالم إنه واجب، ويقول آخر هو سنة فقط، أو مندوب. أو في فعل أو قول يقول فيه عالم إنه حرام ويقول آخر إنه مكروه فقط، وكلا النوعين كثير جدا. وقد أورد للنوع الأول اثنى عشر مثالاً، وللنوع الثاني سبعة أمثلة.
ب – ما يسوغ فيه الخلاف، وذلك في فعل أو قول، سنة أو مستحب عند قوم يُثاب فاعله مكروه عند آخرين يُلام فاعله، وأورد له ثلاثة عشر مثالاً
ج - ما يُبطل العبادة عند قوم ولا يبطلها عند غيرهم؛ قال: رأينا أن نفرد فصلاً خالصاً ببعض الأشياء التي تبطل العبادة عند بعض العلماء، ولا تُبطلها عند غيرهم، وهي كثيرة جدا لا تتسع لحصرها هذه الرسالة، ولذلك سنكتفي بأمثلة كنموذج لأمثالها، وذكر منها اثنين وعشرين نموذجا.
د-
- أخطر أنواع الخلاف عمل يتردَّد الخلاف فيه بين أنه فرض لا تصح العبادة إلا به، أو حرام يُعاقب على فعله، أو مناف للعبادة تبطل به، وذكر لهذا النوع أربعة نماذج.
هـ - بعض الخلافات التي تستلفت النظر مجموعة في صعيد واحد، قال:
-566 - (1/596)
صفحة 597
«سترى في هذا الفصل اختلاف العلماء في أمور تُدرك بالأبصار، وتكرر أمام الأنظار، وتُسمع بالآذان آلاف المرات»، ثُمَّ ذكر لهذه الأنواع من الخلاف أربعة عشر نموذجًا.
وفي ص: 90، وما بعدها من الكتاب ذكر صُورًا في نتائج الخلاف وما تُؤدّي إليه في التراع والخصومات وإليك بعضها ملخصة فيما يلي: 1 - سُئِل شافعي عن طعام وقعت فيه قطرة نبيذ، فقال: يُرمى للكلب
أو حنفي. 2 - سُئِل حنفي هل يجوز للحنفي أن يتزوج شافعية فقال: لا، لأَنَّها يُشك في دينها.
3 - أفتى حنفي بأنه يجوز للحنفي أن يتزوج شافعيَّةً قياسًا على أهل
الكتاب، لأن الزواج من أهل الكتاب جائز بالاتفاق.
4 - سمع حنفي مأمومًا شافعيًا يقرأ الفاتحة فضربه على صدره حتّى أوقعه أرضا.
5 - قال مالكي إن من حلف على أن جميع ما في «مُوَطَّ» مالك من الأحاديث صحيح لا يحنث، أما من حلف أن ما في البخاري
-
أو مسلم من الأحاديث كله الأحاديث كله صحيح فإنه يحنث.
6 - رفع أحد المصلين سبابته يُشير بها عند التشهد وضربه مصلّ آخر يجنبه حتّى كسر يده، فلمَّا سُئل عن السبب قال لأنه فعل
محرَّمًا في الصلاة حسب ما قال الشيخ الكيداني.
-567 - (1/597)
صفحة 598
7 - قال أبو الحسن الكرخي: كل آية أو حديث تُخالف ما قرره
علماء مذهبنا فهي إما مؤولة أو منسوخة.
هذا طرف من أنواع الخلافات التي كانت تجري بين مذاهب أهل السنة في نفسها أو بينها وبين غيرها.
وقد توسع الشيخ سعيد بن تعاريت الجربي، فذكر في كتابه «المسلك المحمود في معرفة الردود صورًا كثيرةً في الخلاف بين المذاهب الأربعة، ونماذج في العنف الذي كان يحصل بين أتباع مذهب ومذهب آخر، وقد رأيتُ أن أعرض منه صوراً موجزة.
الكتاب الثالث: المسلك المحمود في معرفة الردود السعيد بن
تعاريت الجربي، طبعة 1321 هـ.
أولاً إليك أمثلة في العنف الذي كان يجري بين أصحاب المذاهب
الأربعة، ملخصا من الكتاب السابق، ابتداء من ص 95، فما بعد:
1 - قال أبو الفرج بن الخطيب الحنبلي: المنتسبون في زماننا (القرن الثامن الهجري) إلى أهل السنة والجماعة من أتباع الأئمة الأربعة ثلاث طوائف: أشعريَّة، وماتريديَّة وأثريَّة فجمهورُ المالكية وأكثر الشافعية أشعرية، وغالبُ الحنفية ماتريديَّة، وجمهور الحنبلية أثرية.
2 - قال الصلاح الصَّفَدي: غالب الشافعية أشاعرة، والغالب في الحنفية معتزلة، والغالب في المالكيَّة، قدريَّة، والغالب في الحنابلة حشوية.
انظر شرح لامية العجم.
- 568 - (1/598)
صفحة 599
3 - ذكر الصَّفَدي أن العلامة الماوردي الذي يحسبه الناس من أكابر
الشافعية من فضلاء المعتزلة.
أبو
4 - قال الصفدي أيضًا وأصحاب الرأي والتأويل الذين منهم حنيفة، وأصحاب الأشعري هم ضدُّ أصحاب الظاهر كالحنابلة وأتباع
داود بن علي.
مالك
مالکا
5 - ذكر مير غيَّاث: أن الإمام أحمد من الحشوية.
6 - ذكر السعد والراغب أن الإمام أبا حنيفة من المرجئة.
7 - قال ابن حبيب المالكي في شرح غريب كتاب «الجامع» في حديث
-
عن
وقد سئل عن الداء العضال قال: أخبرنا مطرف أنهم سألوا
-
الداء العضال فقال: هو أبو حنيفة وأصحابه؛ وذلك أنه ضلل الناس
بوجهين: الإرجاء، ونقض السنن بالرأي، فهو عندنا أشأم مولود في الإسلام، ضل به جلق كثير.
8 - قال ابن حبيب وقد كان من رأي الزائغ عن الحقِّ أبي حنيفة وأصحابه قتل المسلم بالكافر المعاهد. 9 - قال الغزالي: كل فرقة تكفّر مخالفها؛ فتنسبها إلى تكذيب الرسول عليه السلام: فالحنبلي يكفّر الأشعري، زاعما أنه كذب الرسول عليه السلام في إثبات الفوق الله تعالى، وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفره زاعمًا أنه مشبه كذب الرسول عليه السلام في أنه تعالى «ليس كمثله شيء». [كذا]
-569 - (1/599)
صفحة 600
دمه
10 - ذكر ابن الشحنة أن الحنابلة حكموا بكفر الأشعري وبإباحة أن ينبشوه، وكذا الحنفية خطووا وطمس قبره خوفاً عليه من
الأشعري.
11 - قال القاضي عياض بتكفير الإمام الغزالي؛ وذلك أنه ذكر قول الجاحظ ومامة، ثم قال: وقد نحا الغزالي قريبا من هذا المنحى في كتابه التفرقة، وقائل هذا كله كافر.
12 - قال الشيخ عليشن عن الفخر الرازي: ولقد استرقوه في بعض العقائد فخرج فيه إلى قريب من شنيع أهوائهم (أي الفلاسفة) ولذا حذر الشيوخ من النظر في كثير من تأليفه.
13 - كتب ابن الحداد كتابا في الرد على الشافعي وكان سيئ
الرأي في أبي حنيفة.
-
14
قال الشافعي: ما رأيت كأهل مصر أتَّخذوا الجهل علما، لأنهم سألوا مالكًا عن مسائل فقال لهم: ما أعلمها، فهم لا يقبلونها ممن يعلمها لأن مالكًا قال لا أعلمها.
15 - قال صاحب الفتاوى الخانيَّة: إذا قال شافعي المذهب إلهي ما عرفناك حقَّ معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، أو يقول العمل
من الإيمان، أو يقول الإيمان يزيد وينقص، فلا تُجز الصلاة خلفه.
16 - قال أبو اليسر: اقتداء الحنفي بالشافعي غير جائز.
-570 - (1/600)
صفحة 601
17 - ذكر صاحب المبسوط أن الصلاة خلف الشافعي غير جائزة إذا كان متعصبا في مذهبه.
18 - قال محمد بن الفضل: من قال الإيمان مخلوق لا تجوز الصلاة
خلفه. وأخرج الإمام البخاري من بخارى بسسب هذه المسألة.
19 - نقل الشيخ علي القارئ أنه لا يصح اقتداء الشافعي بالحنفي ولو حافظ على جميع الواجبات.
20 - عرض ابن الهمام بالمالكيَّة فاعتبرهم في قسم الجهل المركب حيث قال: وجهل من عارض مجتهده الكتاب كحل متروك التسمية عمدا، والقضاء بشاهد ويمين مع {وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكَر اسْمُ الله عليه) ()، فإن لم يكُونَا رَجُلَيْن فرجُلٌ وَامْرَأَتان (2)، والسنة المشهورة كالقضاء المشهور مع واليمين على من أنكر، والتحليل بلا
""
وطء مع حديث العُسيلة، فلا ينفذ القضاء في شيء منها.
21 - أحمد بن تيمية وقد وقع بينه وبين علماء المالكية والشافعية
-
خلافُ في أوائل القرن الثامن الهجري بسبب إشهاره لمذهبه ــ حتّى قبض عليه في ليلة عيد الفطر ووُضع في حُب ثم عُقد له مجلس تأديب حضره جماعة من القضاة والأمراء والعلماء، فادعى عليه القاضي بن
1 - سورة الأنعام. الآية: 121.
2 - سورة البقرة الآية: 282.
-571 - (1/601)
صفحة 602
عدلان دعوى شرعيَّة في شأن عقيدته عند قاض مالكي، فقيل له: أجب عما ادعي به عليك، فقال: عند من الدعوى علي؟ فقيل: عند القاضي المالكي فلان، فقال: هو عدوي وعدو مذهبي.
22 - قال القاضي عياض (1): وكان الظهور في دولة بني عبيد بإفريقيا لمذهب الكوفيين لموافقتهم إيَّاهم في مسألة التفضيل، فكان فيهم القضاء والرئاسة، وتشرف قوم منهم ميلاً لميسرتهم واصطيادا لدنياهم، وأخرجوا
أضغانهم عن المدنيين فجرت على المالكيَّة في تلك المدة محن. 23 - نقل عن أبي طالب مكي: أن مالكا كان أبعد الناس عن مذاهب المتكلمين وأشدهم بغضا للعراقيين.
24 - ذكر الشعراني أن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك أيذكر أبو
-
25
مذهبه
حنيفة عندكم؟ قلت نعم فقال ما ينبغي لبلادكم أن تسكن. شدد القاضي عياض النكير على أبي حنيفة وقدح في ومذهب الشافعي وأحمد وأطنب في ذلك غاية الاطناب، وذكر المؤلّف نماذ. نماذج كثيرة مما ينتقده القاضي عياض على المذاهب الثلاثة لا سيما الحنفية. ولعل القصة التالية تُمثل صورة مضحكة في الخصومات العنيفة مما كان بين أتباع المذاهب، فقد نقل التعاريتي عن كتاب ”الحيوان“ القصة التالية:
1 - وفي عهده انعكست القضية فجرت على مخالفيه المحن، وقتلوا في الشوارع حتى سالت بدمائهم، ومنعوا من الصلاة في المساجد وحرم عليهم التعلم والتعليم فيها. (المؤلف)
-572 - (1/602)
صفحة 603
أما السلطان محمود بن سُبُكْكين فكان حنفي المذهب،
وكان مولعا بعلم الحديث، وكان يسمع عند إمام الحرمين الحديث، ويسأل عن معناه فيجد أكثره موافقا لمذهب الشافعي، فجمع فقهاء المذهبين والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين، فوقع الاتفاق على أن يصلى بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي ثم على مذهب الإمام أبي حنيفة، والسلطان ينظر إلى ذلك ويختار الأحسن. فصلّى القفال المروزي بطهارة، سابغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسُّنَن والألفاظ والآداب على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها. ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة، فلبس جلد كلب مدبوغا، ولطَّخ بعضه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان ذلك في الصيف فاجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوره مُنكَسًا منعكسا ثم استقبل القبلة وأحرم للصلاة من غير نيَّة: وكبر بالفارسية وقرأ بها، ثم نقر كنقرات الديك، من غير فصل بينها ومن غير طمأنينة، وتشهد وضرط في آخرهما، وخرج من غير نية السلام، وقال أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة.
صميم
هذا وقد أورد التعاريتي صوراً كثيرةً في الخلاف في العقائد (أصول الدين بين أصحاب المذاهب الأربعة نستخلص منها الصور الآتية، وسوف نذكر ما يقوله الإباضية فيها، ومنها يتّضح للقارئ الكريم أن التقارب
بين الإباضية ـ في هذه المسألة أصول ـ وبين الأشعرية أشدُّ كث
-
وهي
-573 - (1/603)
صفحة 604
من التقارب بين الأشعريَّة، والماتريدية وأشدُّ كثيرًا أيضا من التقارب بين
(1)
الإباضية والمعتزلة؛ وإلى القارئ الكريم هذه الصور:
1
-
يقول الأشعري بأن الصفات الذاتية زائدة على الذات وخالفه في القدم والبقاء - الحنفية والباقلاني وإمام الحرمين والفخر، قائلين بإنها ليست زائدة على الذات والإباضية يقولون في جميع الصفات
--
الذاتية بما يقوله الحنفية والباقلاني وإمام الحرمين في القدم والبقاء.
2 - يقول الأشاعرة بجواز تخلف الوعيد، وخالفهم الحنفية فقالوا كما لا يجوز خلف الوعد كذلك لا يجوز خلف الوعيد، وبهذا القول يقول
الإباضية.
3 - يقول الأشاعرة والماتريديَّة أيضًا بأن عُصاة المسلمين لا يُخلدون في النار، وخالفهم الإمام الغزالي فقال به، والإباضية يقولون به.
4 - خالف القاضي بن العربي والرازي جمهور الأشاعرة فقالاً في الأفعال بالجبر، وذهب إمام الحرمين مذهب المعتزلة، والإباضية في هذا
يقولون بما يقول به الأشاعرة.
5 - يقول الأشعري إن لكلامه تعالى تعلقا أزليا، وخالفه عبد الله سعيد وطائفة من متقدِّمي الأشعريَّة فيها قائلين: ليس لكلامه تعالى تعلق
بن
1 - انظر المسلك المحمود في معرفة الردود ابتداء من ص: 140 وما بعدها. (المحقق)
- 574 - (1/604)
صفحة 605
أزلي،
ويرى الإباضية (1) أن الكلام من حيث هو حيث هو صفة كمال فهو
صفة ذات كالعلم والقدرة.
6 - يرى الأشاعرة أن الإيمان بالله تعالى واجب شرعا، واختلف الشافعية في ذلك على قولين، وذهب أبو منصور الماتريدي إلى أنه واجب
-
عقلاً ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
7 - يرى عامة الأشعريَّة أن الإيمان مخلوق، وذهب جمهور الحنفية إلى أنه غير مخلوق ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
-
1 - يقول الإمام بيوض إبراهيم بن عمر ما يلي: «إن مذهب الإباضية - وإمامهم جابر بن زيد - يرون أن صفة الكلام ذاتية كالحياة والعلم والسمع
-
والبصر وهي عينية لا غيرية، أي ليست صفة زائدة عن الذات، فهي
قدرية
بذلك قدم الذات، فالله تبارك وتعالى لم يزل حيًّا عليما قديرًا سميعا بصيرا
متكلما». وبعد شرح وتفصيل قال: وأنت خبير أن هذا في الكلام النفسي الذاتي،
إذ يجب وصف الله تبارك وتعالى بأنه متكلم، فكلامه ـــ بمعنى صفة التكلم فيه ـ قديم، ولا شك فيه، ولا يجوز القولُ بخلافه، وأما تكليمه ووضعه
-
للناس كلاما يقرأ ويُكتب تحويه الصحف وتحفظه الصدور، ويتصف بصفات أخرى لا يمكن أن يتصف بها الكلام النفسي الذاتي فأمر آخر، وشيء آخر لا يخفى الفرق بينه وبين الكلام الذي هو صفة من صفات الذات العلية». انتهى. راجع ص: 25 من فتاوى الشيخ بيوض».
وقال التعاريتي في «المسلك المحمود في معرفة الردود» ص 152 ما يلي: وعندنا معشر الإباضية الوهبية أن كلام الله تعالى له معنيان: الأول أنه صفة ذاتية، كالعلم والقدرة منافية للآفة مثل الخرس. الثاني: أنه صفة فعلية، بمعنى خلق الكلام حيث شاء، فمعنى كونه متكلما
على الأول ليس بأخرس وعلى الثاني خالقُ الكلام». انتهى المقصود منه.
-575 - (1/605)
صفحة 606
8 - يرى الأشعرية أن الحسَنَ ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبحه، ويذهب الحنفية إلى أن للعقل دخلاً في التحسين والتقبيح، أي
>
في الحكم بالحُسن أو القبح على بعض الأشياء، ويتفق الإباضية مع الأشعرية في هذه المقالة.
يرى الأشاعرة أن الإيمان يزيد وينقص، ويرى الحنفية وإمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص، ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
10 - يرى الحنفية أن القدرة تصلح للضدين، ويرى الأشعري ومن تابعه أن لكلِّ واحد من الضدين قدرة على حدة، ويتفق
الإباضية مع الأشعري في هذا أيضا.
هذه أمثلة قليلة جدا من الخلافات والخصومات الواقعة بين علماء لفظ أهل أهل السنة، خلافات في الأصول
وهي
المذاهب التي يُطلق عليها والفروع كما رأيت. وقد بلغت الخصومة بين بعضهم أحيانا إلى التكفير والتفسيق والحكم بالزيغ والجهل المركب والضلال والإضلال، مثل ما يقع
بين أصحاب كل مذهب ومخالفيهم من المذاهب الأخرى.
ومن حيث حجم الخلاف فلا أحسب أن ما بين أصحاب المذاهب الأربعة في أنفسها أقل مما بينها وبين غيرها، وأحسب أنه لو قام إنسان فقارن بين الإباضية والأن ريَّة مثلاً في الأصول لوجدهما أكثر تقاربا واتفاقا من الأشعرية والماتريدية. ولو قارن بين الماتريدية والمعتزلة لربما وجدهما أشدَّ تقارباً من المعتزلة والشيعة.
أما عن
شدة النقاش وعنف الصراع حتى يبلغ النقاش إلى إلقاء
الكلمة الجارحة والاتهام في العقيدة والدين حينا، والتكفير والتفسيق
-576 - (1/606)
صفحة 607
حينا آخر، فقد مرت بك له، أمثلة وعند المطالعة يظهر لك الكثير جدا، وإذا شئت أن تأخذ نماذج سريعة لهذا الموضوع فعليك بكتب القاضي عياض وابن حزم وابن تيمية وأضرابهم، فإن السنة هؤلاء الحادة قلما يسلم منها إمام أو عالم خالفهم في أصل أو فرع، وفي كل فرقة علماء وضعوا أنفسهم موضع الدفاع عن آراء وعقائد الفرقة؛ يبررون كل ما عندهم ويدفعون في صدور الآخرين بكل ما يملكون.
والقصد من هذا كله أن الخصومة العنيفة، والجدال القوي، والشدة في مناقشة المخالف أمور واضحة بين كبار العلماء والأئمة، فلم يكن هناك تكتل من مذاهب على مذهب ولم تكن هناك معسكرات دينية تتحالف على معسكر، وإنما كان كل أصحاب مذهب يعملون على الاحتجاج لصحة مذهبهم بما يُتاح لهم من وسائل، فإذا علموا أن مذهبا آخر يوافقهم في رأي أو عقيدة تقووا به واعتبروه مقتبسا منهم. وأغلب ما يحصل الشغب يحصل بين أصحاب المذاهب المتساكنة أو المتجاورة، ولذلك فقد يثور النقاش الشديد بين الحنفية والشافعية أو بين أحدهما والحنابلة، أو بين وإحدى فرق الشيعة، وأكثر ما تكون هذه الصور في الشرق الإسلامي كالعراق وإيران وربَّما سوريا. وقد كانت المعارك في الغرب الإسلامي في العهود العثمانية حامية الوطيس بين الحنفية والمالكية، أو بين المالكية والإباضية، وذلك بسبب ما يثور بين أتباعها المتساكنين أو المتجاورين.
أحدهما
ومن هذا يتضح أن اعتبار أهل السنة على مذهب واحد، يجري بين أتباعه جميعا الوفاق والانسجام دعوى باطلة هذا بالنظر إلى العهود ودعوى أن فرق أهل السنة كتلة واحدة تجتمع بقية المذاهب
السابقة.
-577 - (1/607)
صفحة 608
والفرق على خصومتهم دعوى أشدُّ إيغالاً في البطلان؛ فإن كل فرقة من الفرق الإسلامية سواء ما أشير إليه بأهل السنة أو غيرها كانت لها مصاولات ومحاولات مع من يحتك بها من الفرق الأخرى.
ولا شك أن الأشخاص الذين يتولون القيام بتلك المصاولات يختلفون من. ان إلى آخر ومن زمان إلى زمان فلقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما، في زمان، ما في مكان ما من كبار علماء الإسلام واسع الأفق، فسيح النظرة يعتبر المسلمين كلّهم بمختلف مذاهبهم أمة واحدة، فيحاول أن يجمع الكلمة، ويلُمَّ الصف، ويرفق بالمخالف حتّى يعيش الجمع بسلام، وقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما، في زمان ما، في مكان ما، من أولئك المتعصبين السطحيين، ضيّق الأفق، جامد النظرة، محدود المعرفة، فيكفِّرَ غيره وينابذ مخالفيه، وقد يستعدي السلطة فتساعده أو تخذله.
وقد
استخدمت السلطة أخذا برأي بعض هؤلاء في تغليب بعض
المذاهب على بعض، في حوادث مؤسفة، تركت ردود فعل مؤلمة بقيت
آثارها واضحة في المجتمع الإسلامي أزمنة طويلة.
وفي هذا العصر بدا التقارب واضحا بين أصحاب المذاهب الأربعة، وبدأت كلمة أهل السنة تحتل مكانها بدل المذاهب الأربعة أو الأشعرية أو غيرها. وبدأت تختفي تلك المصاولات التي ذكرنا أمثلة لها، وأصبح اتباع كل مذهب ينظرون إلى اتباع مذهب آخر نظرة عادية أخوية، لا تحمل آثار خصومة ولا دوافع صراع، بل أصبحوا مقتنعين أن غيرهم أيضا من أهل السنة. وفي نصف هذا القرن الأخير بدأت الألفة تسري بين جميع
المذاهب.
-578 - (1/608)
صفحة 609
وربَّما كانت هذه الخطوة الأولى للتقريب بين وُجُهات نظر الأمة الإسلامية، واعتبار أن آراء المجتهدين والأئمة هي آراء فرديَّةٌ تحتمل الخطأ والصواب، وأنه يجب أن يُنظر إليهم بأنهم علماء اجتهدوا فقالوا، وأن غيرهم اجتهد فقال.
والحقيقة أنه كانت كل فرقة تحاول أن تقف وحدها في الميدان، ثم اجتمعت أربع فرق تحت اسم أهل السنة، واختفت الأنانية التي كانت تتّسم بما كل فرقة، ثُمَّ بدأ الاعتناء بفقه أربع فرق أخرى، وأصبحت تنسجم تدريجيا مع الفرق الأربع الأولى، وربَّما يأتي يوم ليس ببعيد تندرج فيه الفرق الثمانية تحت لفظ أهل السنة، ويرشح غيرها حتّى تضمَّ هذه التسمية جميع فرق المسلمين، أو تختفي هذه التسمية ولا يبقى إلا الاسم الذي اختاره الله لهذه الأمة.
إن التشابه
بعد هذا كله أحب أن أقول للدكتور أحمد صبحي والتقارب بين آراء بعض الفرق وبعض، ليس مرجعه إلى عداوة أو إلى صداقة، وإن العداوة - بمعنى شدَّة النقاش والعنف فيه، والحماس في الجدل والدفع القوي موجودة بين جميع الأطراف عندما يقع
-
الاحتكاك وحتى بين علماء المذهب الواحد، أما العداوة بمعناها اللغوي فلا وجود لها بين فرق المسلمين ـ وإن جرت على الألسنة أحيانا ـ إلا
-
-
حين تستغلها السياسة وتجند لها الجامدين المنغلقين من أدعياء العلم والدين.
- النقطة الثانية:
اعتبار الأشاعرة ممثلين لمذهب الخلف من أهل السنة، أو جعلهم حملة
لهذا المذهب نفسه، دعوى تحتاج إلى نظر.
-579 -
39
39 (1/609)
صفحة 610
أخي الدكتور إنَّك قسَّمت المسلمين إلى معسكرين؛ يصف في أحدهما المعتزلة والشيعة والخوارج، ويصطف في الجانب المقابل الأشاعرة الذين اعتبرتهم مذهب الخلف من أهل السنة، دون أي تفصيل أو تعريف لأهل السنة. وأحسب أن هذا لا يستقيم؛ لأن فرقًا كثيرة تحسب نفسها من أهل السنة وقد يحسبها غيرها كذلك، ولكنَّها غير مستعدة أن تنضوي تحت لواء الأشعري. وإذا أردنا أن نضع صورة لأهل السنة على التعميم فإن في إمكاننا أن نعتبر الأشاعرة يقفون موقفًا وسطا، ولكن هناك جناحين لأهل السنّة لا ينطبق عليهما موقف الأشاعرة، هما:
-
الجناح الأول: هو المجموعات التي تعتبر نفسها من أهل السنة، ولا ينكر الأشاعرة عليهم ذلك، ومع ذلك فهي محافظة إلى حد التزمت بالنص الحرفي، فلا تقبل تأويل الآيات الموهمة للتشبيه؛ ويدخل تحت هذا الجناح كل من الظاهرية والحنابلة وأتباع ابن تيمية الذي يُعتبر إصلاحا أو تطويرا للمذهب الحنبلي، وقد أطلق بعض العلماء على أصحاب هذا الجناح
-
اسم الأثرية، وقد يقف تحت هذا الجناح بعض المالكية أو الشافعية. فالأثرية – إذا أبحنا لأنفسنا استعمال هذه الكلمة بصورة أعم لتدلّ على المحافظين في جميع المذاهب الذين لا يلتجئون إلى التأويل – يعتبرون أنفسهم من أهل السنّة، لكنَّهم ليسوا أشاعرة، بل هم يسخطون على الأشاعرة. الجناح الثاني: هو الجناح الذي تخطى حدود الأشاعرة وقارَبَ في منهجه منهج المعتزلة، وقال بكثير من أقوالهم هذا الجناح الذي يُعتبر غير ملتزم بآراء الأشعري، والذي يتزعمه أبو منصور الماتريدي، هو ما يُعرف في كتب علم الكلام الماتريدية“، وأكثر الحنفية على ذلك، وربما قال
-
-580 - (1/610)
صفحة 611
ببعض أقواله بعض العلماء من المذاهب الأخرى. والماتريدية يحسبون أنفسهم من أهل السنّة، بل من أوائل أهل السنّة، ولكنَّهم لا يعرفون أبدًا بأن الأشعرية يحملون آراءهم، إذا فالحنابلة - سلفهم وخلفهم - والحنفية - سلفهم وخلفهم - والظاهرية - سلفهم وخلفهم ـ ليسوا في الأشعريَّة أو هم على الأقل يرون أنهم ليسوا من الأشعرية.
السنة،
فكيف يصح أن نعتبر الأشاعرة بأنهم مذهب الخلف من أهل ومِن أهل السنّة الحنفية والحنابلة والظاهرية، وهم جميعا ليسوا أشعرية كما أوضحنا من قبل، لأن بعضهم أثرية وبعضهم ماتريدية. والأثريَّةُ لا يقولون بالتأويل كما تقول الأشاعرة، والماتريدية يميلون في أغلب الأحوال إلى آراء المعتزلة بل هم في الجملة إلى المعتزلة أقرب،
وإن لم يعترفوا بذلك.
- النقطة الثالثة:
سيادة مذهب الخلف من أهل السنة على جمهرة المسلمين وعلى دار
الخلافة منذ أواخر القرن الرابع.
أخي الدكتور إن تحديدك لأواخر القرن الرابع بداية لسيادة مذهب أهل السنة على المسلمين وعلى دار الخلافة، ومبدأ للصراع بينه وبين
المعسكرات الأخرى - مما يوحي أن الدافع على الصراع إنَّما كان من
-
ـ
-
أجل السيادة على الخلافة وعلى الجمهرة – لا يستقيم، بل إن تحديد هذا الزمن قد يدل على عكس ما تحتج له؛ وذلك أن الصراع بين المذاهب
منذ ذلك التاريخ تقريبا بدأ يفتر، وبدأت المعسكرات – إن صح هذا
-
-581 - (1/611)
صفحة 612
التعبير الذي استعملناه بكثرة في هذا الفصل - تعود إلى نوع من الهدوء والاستقرار والثبات؛ كلّ على ما هو عليه، وأصبحت مبادئ كلِّ مُعسكر واضحةً وثابتة هذا بالنظر العام وبالنظر إلى واقع المعسكرات فإن مبادئ
الخوارج وآراء المعتزلة قد تقررت بصورة لا تحتاج إلى المزيد.
ومبادئ الخوارج قد ذكرتها كتب غيرهم بإجمال وتفصيل، وربما بتحريف وتشويه، أما المعتزلة فقد قرروا عقائدهم وآراءهم في كتبهم
بأنفسهم وبوضوح، وعناية كذلك الشيعة وأهل السنة والإباضية.
هذا
من
من حيث النشاط والحركة، فإن حيث الآراء والعقائد، أما
أعظم الكتلتين أثرًا على الخصومة وأعنفهُما فيها موقفا ـ وهما الخوارج والمعتزلة حسب التسمية التي اعتادتها كتب التاريخ والمقالات كانتا قد انقرضتا أو هما على وشك الانقراض، وفي حالة لا تقوى على خصومة ولا تدعو إلى تكتل، والخوارج لم يبق منهم أحد إلى ذلك الحين، فقد اختفوا من الميدان السياسي والعسكري، ومنذ اختفائهم من هذين الميدانين اختفت آثارهم،
اللهمَّ إِلا ما حفظته كتب خصومهم في مقام التشنيع أو مقام النقد والرد. كذلك كان المعتزلة في أواخر القرن الرابع في حالة همود وانقراض؛
اختفت صولتهم في ميادين الحركة، ولم يبق منهم إلا الثروة العلمية التي سجلُوها بأيديهم، أو الأسلوب الجدلي الذي اقتبسه منهم غيرهم واستعمله في الردّ عليهم. أما الإباضية فقد قرَّروا الانصراف عن الخصومات بمختلف أنواعها، فاعتزلوا الحركة السياسية والعسكرية اعتزالاً كاملاً، ولم
يلجؤوا إلى الجدل والخصومة إلا في مواطن الدفاع والرد.
-582 - (1/612)
صفحة 613
فلا أساس مطلقا لدعوى التعاون المزعوم بين تلك الفرق الثلاث لمخاصمة أهل السنّة كما تظنُّ يا أخي الدكتور، وكما يحاول المستشرقون أن يُصوّروا.
دون
أما سيادة المذاهب على دار الخلافة في تلك الفترة، فإن الخلافة العباسية في ذلك الحين كانت اسما على غير مُسَمًّى، وكانت توزّع نصف العالم الإسلامي دويلات صغيرة، بعضُها يحمل شعارات الدولة العباسية أن يخضع لها، والبعض الآخر كان لا يعترف بها ولا بغيرها، أما النصف الثاني من العالم الإسلامي فقد كان خاضعا للدولة الفاطمية، الأخرى كانت عند ذلك الحين قد بدأت في الانحدار. ثُمَّ تَوزّع العالم الإسلامي دويلات لا تجسر إحداها أن تدعي الخلافة الإسلامية، حتَّى قامت الدولة العثمانية.
وهي
وإذا رجعنا إلى دول الخلافة الثلاث الكبرى التي حكمت العالم الإسلامي، نجد أن الدولة الأموية قد حكمت قبل أن تتكون المذاهب، ونجد الدولة العباسية كان الحكم فيها في أيام ازدهارها، و حلفاؤها معتزلة، ثُمَّ صاروا فيما بعد يتناوبون أشعرية ومعتزلة، أما الدولة العثمانية فقد كانت السيادة فيها للمذهب الحنفي طوال مدة حكمها. وبعد الدولة العثمانية أصبحت في كلّ قطر إسلامي دولة أو دويلة، يسُودُ عليها أو يوجهها مذهب ما؛ بعضها مالكي كالمغرب، وبعضُها حنبلي
لا
كالسعودية، وبعضُها إباضي كعُمان، وبعضُها شيعي كإيران، وبعضها زيدي كاليمن. على أن هذه السيادة سيادة أغلبية سكان وليست سيادة عمل بقانون؛ لأن أغلب هذه الدول إما أنها تعمل بقوانين وضعية أو
-583 - (1/613)
صفحة 614
قوانين شبه وضعيّة؛ أعني أنها ليس فيها من تلتزم أحكام الإسلام، لا
على المستوى الإسلامي ولا على المستوى المذهبي.
النقطة الرابعة:
منبثقة
محاولة إيجاد تفسير للتشابه و التقارب بين المذاهب.
يقتضي
يبدو لي أن موقف المستشرقين ومن سار على منوالهم، أو ربما سبقهم في البحث عن أسباب التشابه والتقارب بين عقائد المذاهب وآراء الفرق، فيه شيء من الغرابة، أو من عكس الطبيعة؛ ذلك أن جميع المذاهب الإسلامية من أصل واحد هو الإسلام بمصادره التشريعية المختلفة، وكان المنطقُ أن تكون هذه المذاهب واحدةً أو متّحدة، لأنه هو الأصل، فإذا حدث خلاف بين بعضها، بحث عن أسباب الخلاف، ولكن القضية عند بعض المفكرين وأغلب المستشرقين أخذت منحى آخر. والقارئ الكريم يرى في الملاحظة السابقة كيف أن صاحبها مُحتار فيما يبرر به وجود التشابه بين آراء الشيعة (لا سيما الزيدية و الإثنى عشرية) و الخوارج والمعتزلة. الحقيقة أن الذي يجب أن نبحث عن مبرراته إنَّما هو اختلاف الآراء والأصول بين مذهب، وآخر، وطائفة وأخرى، لا التشابه والتقارب؛ ذلك لأن مصدرها واحد وهي جميعًا تزعم أنها تعود إلى ذلك المصدر، فالاختلاف حادث يُبحث عن سببه والدوافع إليه، وليس من الحقيقة في أن نعكس المنطق، فنجعَل التباعُدَ والتباين بين المذاهب والفرق هو
شيء
الأصل، فإذا رأينا تشابها أو تقاربا بين بعضها بحثنا عن السبب والمبرر كما يقول صاحب الملاحظة.
-584 - (1/614)
صفحة 615
ولعلّ المستشرقين هم الذين ركزوا هذه النظرة، واعتبروا الخلاف
والخصومة بين المذاهب هما الأصل، فإذا وجدوا تشابها واتحادًا بحثوا عن الأسباب، أو افتعلوا له المبررات، وعلى كل حال فالأصل في المذاهب أنها تستقي من مصدر واحد وترجع إلى أصل واحد والطبيعة فيها أن تكون متشابهة متقاربة، فإذا تباعدت كان ذلك على غير الأصل، وبحث أسبابه ومبرراته؛ ولا يخرج غالبًا عن أصابع السياسة في القديم، وعن أصابع الاستعمار في الحديث وعن أصابع اليهودية والمسيحية في المدى الطويل، ثُمَّ عن الجهود المخلصة التي يبذلها الجنود المخلصون للاستعمار
عن
والمسيحية، وهم المستشرقون في العصور الحديثة.
وقبل أن أختم هذا الفصل الذي طال أكثر مما ينبغي له، أحب أن
أوضح ــ يا أخي الدكتور ــ النقطتين الآتيتين:
أولاً: صياغتُك للكلام في الملاحظة السابقة تشعر أنك تقرر أن تأثر كل من الأدارسة والإباضية بالمعتزلة حقيقة مؤكدة لا تحتاج إلى نقاش، وإنما موضوع النقاش هو هل الأدارسة والإباضية قد انحدروا عن المعتزلة؟ وعندما رجحت عدم انحدار هما منهم، ذهبت تعلل التأثر والتأثير بفرضيَّة أخرى هي أغرب من الأولى، وهذه الفرضية اعتبارك أن
هي
المعتزلة معسكر، وأن الشيعة والخوارج مُعسكر آخر، وأن أصحاب هذين المعسكرين قد تحالفوا على محاربة المعسكر الأقوى الذي يسود على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة. ويُلاحظ أنك في مبدإ الملاحظة جمعت بين الأدارسة والإباضية، لكنك فيما بعد شقت الشيعة وجميع الخوارج ليكونوا معا معسكرا يتحالف مع معسكر المعتزلة، حتّى يبدأ الترال
جميع
-585 - (1/615)
صفحة 616
بينهم وبين المعسكر الثالث - معسكر أهل السنة ـ وهذا الكلام قد يُفيد في إسكات مجموعة من الطلبة المشاغبين الأذكياء فيتخلص المحاضر من مضايقاتهم، ولكنه بعيد جدا عن واقع حياة المذاهب الإسلامية، ولا داعي إلى تحليله لتبرير أو تصحيح رأي مستشرق.
ثانيا: في موضوع التأثر والتأثير بين المذاهب، كنتُ أرجو لو أننا تركنا آراء المستشرقين جانبا، وأجرينا مقارنات حقيقية لمعرفة التقارب والتباعد بين الفرق بعضها والبعض لا باعتبارها معسكرات ضخمة تستعد وتكون الأحلاف للصراع، ولكن باعتبارها فرقًا ترجع جميعا إلى أصول تشريعية هي كلها متفقة عليها؛ فنرى مثلاً ما يتفق فيه الإباضية أو يختلفون مع كل فرقة: مع المعتزلة، ومع المالكية الحنابلة، ومع كل فرقة من فرق الخوارج وغيرها، وكذلك نفعل مع كلّ
ومع
الشافعية،
ومع
فرقة من الفرق المذكورة سابقا، بشرط أن يكون اعتماد المقارنة على
مراجع الفرق نفسها.
وأنا على يقين لو أن الدكتور أحمد
صبحي أجرى هذه المقارنة بهذا الأسلوب لتغيرت آراؤه في كثير من النظريات وعن كثير من الفرق، ولوجد مثلاً أن أهل السنة أو مذهب الخلف من أهل السنة ــ كما يحلو له أن يقول قد تأثر تأثرًا واضحا بالمعتزلة، أكثر بكثير مما تأثر بهم الإباضية، إذا
ساغ لنا أن نعتبر المعتزلة دائمًا هُم مصدر التأثير. وأقرب ما يقال في هذا الصدد إنْ إمَامَي أهل السنّة أو الخلف من أهل السنة وهما أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي قد غيّرا موقف أهل السنة تغييرا مفاجئا، فلا شك أن أبا الحسن درس في مدارس المعتزلة، وتثقف بثقافتهم، وأصطبغ فكره
-586 - (1/616)
صفحة 617
بعقليتهم، وفي شبه حالة مفاجئة اختفى عن الأنظار أياما، ثم ظهر فأعلن
-
- في شبه حركة مسرحية ـ أنه
السنة،
-
لم يعد منهم وتزعم فريق أهل السنة لكن
بالقوة التي تفقه بها المعتزلة، وهي استعمال الجدل واستخدام المنطق. ولم يستطع أبو الحسن في الواقع أن يتخلّص من كل الفكر الذي تكون لديه، وهو يلتهم الثقافة بعقليَّة المعتزلة، وأقلُّ ما يُقال في تأثره بأساتذته، ونقله لذلك التأثر إلى مذهبه الجديد، هو فكرة التأويل التي لم تكن مقبولة عندهم أبدا، وبها تطوّر مذهب أهل السنة إلى ما يسمَّى "مذهب الخلف من أهل، وهي الوثبة التي وثبها أبو الحسن الأشعري ببعض أهل السنة إلى المعتزلة، حتّى اتَّخذوا لهم اسما جديدا هو الأشعرية. أما أبو منصور الماتريدي فيكادُ تأثره بالمعتزلة يجعله صاحب فرقة من المعتزلة، وآراؤه في مسائل الاعتقاد أكثر قربا وأشدُّ ارتباطا بالمعتزلة. ولعل أصدق ما يُقال فيه من هذا الموضوع إنَّه حلقةٌ وسطى أو حلقة اتصال بين المعتزلة والأشاعرة. ويبدو لي من القراءات السريعة أن الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة في الأصول هو أكثر بكثير من الخلاف بين الإباضية و الأشاعرة.
والذي يجب أن يُقال في هذا الصدد
هو أن تبعد عن
الأمة
أنفُسنا
اعتبار و دور الخلافة، وأنه
مذاهب أهل السنة معسكرا يختص جمهور يُصارع معسكر المعتزلة الذي تحالف مع الشيعة والخوارج حتّى ترك طابعه فيها؛ إن هذه الصورة صورة خيالية لا ظل لها في الواقع، وقد أثبتنا وجود الصراع بين كل الفرق وهي تبحث عن الحق والصواب واليقين في عقائدها وآرائها وسلوكها، وأوردنا أمثلة للخلاف الشديد داخل كل معسكر من المعسكرات السابقة ـ إن جاز هذا التعبير ولا شك أن كلا من الفرق
—
-587 - (1/617)
صفحة 618
الإسلامية مؤثر و متأثر بغيره - ولا قيمة لاعتناق أية دولة ـــ غير ملتزمة
-
التي
بالإسلام وأحكامه – لأي مذهب بما فيها دول الخلافة الثلاث (1) أشرنا إليها فيما سبق. ولا يريد أيُّ مذهب احتضان السلطة له، أو فرضها له على الناس مرتبة - في الصحة أو القُرب من الصواب ـــ زائدة على غيره، وكلما تبنّت دولة من هذا النوع مذهبًا بادر فقهاؤه الجامدون إلى استغلال السلطة في الكيد لغيره من المذاهب ومحاربتها، فتنعكس القضية وتستغل السلطة أولئك الفقهاء فتقربهم إليها وتجعلهم السنة للدين في الدولة، ووسيلة لتخدير الجماهير، وأداة لإخضاع الناس وحملهم على السمع والطاعة، ومبررًا لاستحلال الإرهاب و القسوة والتنكيل.
ويبدو لي لو أن لجنة من علماء الأمة حاولت أن تضع موسوعة في علوم الشريعة على أساس المواد العلمية - أصولاً وفروعا ـ مادةً مادة، كالبسملة
C
-
عند قراءة الفاتحة، ورفع الأيدي عند التكبير في الصلاة، وكالحكم على مرتكب الكبيرة، وصدق الوعد وتخلف الوعيد، ثُمَّ عرضت أقوال العلماء في كل مادة منها باعتبارهم أفرادا من علماء الأمة، ولم تُراع المذاهب التي يُنسبون إليها، لالتقت جميع المذاهب على أغلب المقالات التي تُقال في كل مادة، ولوجد علماء من كل مذهب في كل مادة يقولون بما يقول به مخالفوهم أو يرجحون غير المعمول به في مذاهبهم، ولو تم ذلك لظهر التقاء كل المذاهب الإسلامية على أغلب ما اختلفوا فيه، وما من رأي في مذهب إلا ويُوجد من يقولُ به أو يرجحه من العلماء المستقلين في المذاهب الأخرى.
1 ـ وهي الأموية، والعباسية، والعثمانية، ويضاف لها الفاطمية. (المؤلف)
-588 - (1/618)
صفحة 619
التقاء الخوارج والمعتزلة
قال الدكتور صبحي في ملاحظاته على هذا الكتاب:
مع الاختلاف بين رأي الخوارج و المعتزلة بصدد فاعلي الكبيرة، فإن الفريقين يلتقيان في اعتباره مُخلدًا في النار، وكتاب الفرق يعتبرون أن المعتزلة هذه المرة هم الذين تأثروا بالخوارج. وقد شنّع هؤلاء الكتاب على المعتزلة في ذلك، وأطلقوا عليهم تسمية سخيفة (مخانيث الخوارج) هذا الرأي، وظاهر بصدد هذه المسألة بالذات – فاعل الكبيرة - أن رأي الخوارج كان أول الآراء ظهورا» [اه].
ب
أخي الدكتور إن الحكم بأن بعض الفرق أخذ من الفرق الأخرى حكم لا مبرر له ولا سند. ولا شك أن الفرق الإسلامية متأثرة بعضها ببعض، قد تأخذ وقد تقتبس وقد تقتبس ولكنه مع ذلك يصح لأي فرقة أن تكون أخذت من نفس المصدر الذي أخذ منه غيرها، ضرورة أن الشريعة الإسلامية متاحة للجميع بقدر متساو.
مصادر
أما موضوع فاعل الكبيرة فإنه يمكن أن يُنظر إليه من عدة زوايا. الزاوية الأولى: فاعلُ الكبيرة مُشرك، يُعامل في الدنيا معاملة المشركين، فيُستباح دمه وماله وسبي ذرّيته، وهو في الآخرة خالد في
-
النار. ومن هذه الزاوية يَنظُر الخوارج حسبما يُقال عنهم.
-
الزاوية الثانية: فاسقٌ يُعامل في الدنيا معاملة المسلمين، وفي الآخرة
من أصحاب النار خالد فيها إذا لم يتب. ومن هذه الزاوية ينظر المعتزلة.
-589 - (1/619)
صفحة 620
-
الزاوية الثالثة: فاعلُ الكبيرة منافق يُعامل في الدنيا معاملة
المسلمين، وفي الآخرة هو في النار خالد فيها إذا لم يتب. ومن هذه الزاوية ينظر الإباضية.
—
الزاوية الرابعة: فاعلُ الكبيرة مؤمن يُعامل في الدنيا معاملة المؤمنين، وفي الآخرة يدخل النار إذا لم يتب، فيبقى فيها فترةً مناسبة لمعصيته، ثُمَّ يخرج منها، وقد لا يدخل النار إذا تناولته المشيئة. ومن هذه الزاوية ينظر أهل السنة.
وبالتأمل في هذا يتضح أن اللقاء بين الإباضية والمعتزلة في هذا الموضوع تام، والخلاف بينهم لفظي في إطلاق الاسم، والتقارب بين الإباضية والمعتزلة من جانب وأهل السنة من الجانب الآخر واضح أيضا
شديد الوضوح، فالفرق الثلاث الإباضية والمعتزلة وأهل السنة -
-
يرون أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام هي:
1 - مؤمنون صادقون موفون وهُم في الجنَّة.
2 - مسلمون منافقون أو فساق أو عُصاة) يدخلون النار.
3 - مُشركون وهم في النار.
وقد اختلفت الفرق الثلاث في القسم الثاني من الناس وهم
-
أصحاب
الكبائر، فقال المعتزلة والإباضيَّة من دخل النار لا يخرج منها فهم فيها خالدون، وقال أهل السنّة يمكُثُون فيها فترات تتناسب وما ارتكبوه من
المعاصي ثُمَّ يخرجون.
فاللقاء
بين هذه الفرق كما ترى واضح في ثلاث خطوات وهي:
-590 - (1/620)
صفحة 621
أنهم جميعا يعتبرون أصحاب الكبائر في حُكم المسلمين، ويُعاملون في الدنيا كما يُعامل بقيَّةُ المسلمين، ويعتبرون جميعا أن توبة أهل الكبائر تكفّر عنهم ذنوبكم، ويدخلون بها الجنَّة، ويتفقون جميعا أن أهل الكبائر إذا ماتوا في غير توبة يدخلون النار، ثُمَّ اختلفوا في خُلُودهم كما رأيت.
أما الخوارج فهم يقسمون الناس إلى قسمين اثنين فقط:
1 - مؤمنون يدخلون الجنة وهم فيها خالدون.
-2 مشركون يدخلون النار وهم فيها خالدون. ويعتبرون أصحاب الكبائر من المشركين، فيعاملونهم في الدنيا معاملة المشركين. فالمسافة بينهم وبين المعتزلة كما ترى أبعد كثيرا من المسافة بين المعتزلة وأهل السنة.
أن
وإذا أردنا أن نستعمل أسلوب الدكتور في التعبير، فإننا نستطيع نقول: مع الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة بصدد فاعل الكبيرة، فإنّ الفريقين يلتقيان في اعتباره مُسلمًا فاسقًا يُعامل في الدنيا معاملة المسلمين، ويلتقون مع الإباضية لقاء كاملاً.
أما قولُ الدكتور إن آراء الخوارج في فاعل الكبيرة كانت أول الآراء ظهورًا، فأحسب أنها دعوى تحتاج إلى دليل، وأن الحصول على الدليل في أولية هذا الرأي أو ذاك في هذه المواضيع ليس بالأمر
الهين ولا باليسير.
-591 - (1/621)
صفحة 622
رأي شخصِيٌّ
هذه الملاحظة وضعها أحدهم الدكتور أحمد صبحي أو غيره في ورقة
بين صفحات الكتاب.
تقول الملاحظة:
«أعتقد أن هذا الفصل يحمل آراءك الشخصيَّة أكثر مما يحمل رأي الإباضية، وقد جاء رأيك مُبخسًا لآرائهم. أعتقد أن هناك نقطتين جديرتين بالاعتبار:
1 - إن الإباضية يرون الخروج على أئمة الجور، أما القول "متى قدروا على ذلك، أو إذا لم يخش الفتنة في ذلك، فذلك قول قد أخذ على الأشعرية، لأنه يعني مهادنة أئمة الجور الذين لا يمكن إزاحتهم إلا بسفك الدماء، وحوار عمر بن عبد العزيز مع أمراء عمر بن عبد العزيز مع أمراء بني مروان شاهد على ذلك. لماذا تظهر الإباضيَّةَ كأنهم يتبنون آراء الأشاعرة فيما هو موضعُ مر اخذة على الأشعرية، بما في ذلك أكابر علمائهم كالغزالي؟
2 - إن أهم ما يميز الخوارج بوجه عام، والإباضية بوجه خاص، عن سائر حركات الخروج: إنكار الذات إذ لم يكن لرئيس لهم مطمع في خلافة أو سلطة.
لماذا تجد حرجًا في إبراز ذلك كانك تودُّ أن تكسب رضا الأشاعرة؟، أو أن تقول إن آراء الخوارج السياسية لا سيما المعتدلين منهم تفوق في قيمتها أو ملاءمتها لعصرنا واتجاهاته آراء الأشاعرة؛ كانوا أوَّل من جعل الخلافة عامة،
-592 - (1/622)
صفحة 623
وليست مقصورة على قريش، وأوَّل من نادى بجمهورية الحكم، ومن الفرق مكافحةً لأمراء الجور. فلم نبخسهم حقهم؟» [اه].
اشد
تشتمل هذه الملاحظة على عدد من النقاط يمكن تلخيصها فيما يلي: 1 - الفصل الذي كتبت عنه الملاحظة يحمل آراء شخصية لمؤلف الكتاب، وهي حجة لآراء الإباضية.
2 - الإباضية يرون الخروج مهما كانت الظروف، لأنهم من الخوارج، أما مراعاة الظروف وموازنة النتائج فهو رأي
الأشاعرة، وهو مأخوذ عليهم.
3 - أهم ما يميز الخوارج بصفة عامة والإباضية بصفة خاصة
إنكار الذات.
منهم
هو
4 - آراء الخوارج السياسية، ولا سيما المعتدلين تفوق ـ في قيمتها وملاءمتها لعصرنا - آراء الأشاعرة، وهم أول من جعل الخلافة عامة وليست مقصورة على قريش، وأول من نادى
بجمهورية الحكم.
: - يتهم مؤلف الكتاب بأن آراءه التي يجد حرجاً حين يُظهرها كان يود أن يكسب رضا الأشاعرة، ويُبرز الإباضية لكأنهم يثبتون
آراء الأشاعرة.
ونعود الآن لمناقشة هذه النقاط واحدة واحدة:
عندما قرأتُ هذه الملاحظة تذكرتُ كلّ ما قلته في المقدمة؛ وذلك أن بعض الناس يعتنقون آراء معينة تنسب إلى تلك الفرق، ثُمَّ هم لا يتزحزحون
-593 - (1/623)
صفحة 624
عن
تلك الآراء أبدا، مهما صاح أصحاب الفرقة قائلين إن تلك الآراء ليست لهم. وصاحب الملاحظة قد استقرَّ في ذهنه أن الإباضية من الخوارج، فهو غير مستعد لأن يُزحزح هذه الفكرة عن خاطره مهما قيل. ثُمَّ هو قد وضع في ذهنه أن الخوارج يُوجبون الخروج، ولما كان الإباضية ـــ حسب ما استقر في ذهنه من الخوارج الذين يوجبون الخروج، فالإباضية أيضا يوجبون الخروج، وهو غير مستعد أن يتنازل عن هذه الآراء أو هذه الفرضيات مهما كانت الظروف. حتَّى لو جاء الإباضية من أولهم إلى آخرهم ووقفوا في طابور واحد وأقسموا له، لما سمع منهم.
ويوجد من
هذا النمودج كثيرون فهم عندما يجري بينك وبينهم
حوار لا يحملون أنفسهم مشقة سماع ما تقول ولا فهمه، وإنما يُريدون أن تسمع منهم، وأن تسلّم لهم ما يقولون، وإلا فأنت متعصب.
من
والمناقشات والدراسات حين تكون مع هذا الصنف الناس ثقيلة جدا، وغير ذات جدوى، والآمالُ التي يعلقها الباحث اليوم على ما يُقال
دينه
التحرر الفكري والمنهج العلمي والدراسة الواعية، إنَّما تُفيد مع من
لم يقرر مسلمات لا يتحوّل عنها. وقد تركت الرواسب السابقة في الطبقات المرتفعة من المثقفين أوهاما في ثياب حقائق، هم
أذهان
اشد
استمساكاً بها وحرصًا عليها من العوام على عقائدهم وتقاليدهم. ومع هذا فها أنا أعود إلى الموضوع لأُجري فيه مناقشة أخرى وإن كانت خيبة الأمل في تقدير الحجة، والعزوف عن سماعها وفهمها لا تزال
تقبض على نفسي:
-594 - (1/624)
صفحة 625
بالنسبة للنقطة الأولى التي يزعم فيها أن الفصل يحمل آراء
شخصيَّة في الخروج وليس آراء الإباضية، أؤكد له أن الآراء التي عرضها الفصل هي آراء الإباضية، فإن كنت لم أحسن التعبير أو أعوزني الإيضاح، أو غلبت على العجمة في العرض والتنسيق، فهذا جائز، وعلى كل حال فإلى القارئ الكريم ما يلي:
أستطيع أن أحدد الموضوع كما حدده أبو يعقوب في ثلاثة أقوال:
1 - وجوب الخروج على الأئمة الظلمة.
2 - جواز الخروج عليهم.
3 - منع الخروج عليهم.
والقولُ الأوَّل يُنسب إلى الخوارج، والقول الثاني هو قول الإباضية، والقول الثالث هو قولُ الأشاعرة، كما أوضح ذلك أبو يعقوب وغيره. وأنا في هذه المناقشة أحاول أن أعرض الموضوع من جانبين: جانب نظري،
وجانب عملي.
- الجانب النظري:
أوردت في الفصل السابق كلمة قُطب الأئمة الواردة في غير موضع من كتبه، وهي:
ونحنُ بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين. ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا» [اهـ]، فإذا كان كلامي أنا واضح، أو كان رأيا شخصيا لي، فماذا يرى الأخ صاحب الملاحظة في كلام قطب الأئمة وهو إمام الإباضية في عصره بإجماع الإباضية؟
غير
-595 -
40 (1/625)
صفحة 626
فهل هو رأي شخصي للقطب أيضا، أم أن صاحب الملاحظة يجهل
مذهبهم حسب تعبير القطب؟
على كل حال هذا كلام أكبر علماء الإباضية في القرن الرابع عشر، وهو واضح وصريح.
ويقول أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل: «اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية إنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظُلمهم أولى. قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول قول أهل الدعوة: إنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كُنَّا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع عن كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا» [اهـ] (1).
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي:
«وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك ونعيش في كنفهم» [اهـ] (2).
أبو يعقوب الوارجلاني من أئمة القرن السادس الهجري، وله شهرة واسعة تجاوزت المحيط الإسلامي إلى المحيط الغربي، فاهتم المستشرقون
1 - الوار جلاني: الدليل والبرهان». ج 2، ص: 61، 62. (المحقق)
2 - المصدر نفسه، ص: 63. (المحقق)
-596 - (1/626)
صفحة 627
بآثاره وكتبوا عنه، وهو عند الإباضية بمثابة ابن رشد عند المالكية، وعبارته فيما يظهر صريحة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو تعليق، فهل نعتبر
قوله رأيا شخصيا له لا للإباضية؟
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن عبد الله بن إباض دُعِيَ إلى
اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة خروج على الدولة القائمة
حينئذ، فسبقهم إلى المنارة.
-
-
مكان الاجتماع – وجلس ينتظر حضور
أصحابه وهو يستمع إلى أصوات المؤذنين والمرتلين والذاكرين، فلما حضروا قال لهم: «لستُ منكم في شيء؛ أعلى هؤلاء يجب الخروج والاستعراض؟»، ثُمَّ ذهب وتَرَكَهُم.
هذا الرجل هو الذي تُنسب إلى اسمه فرقة الإباضية، وهو من أئمة القرن الأول الهجري، وهو يقولُ بعدم وجوب الخروج كما رأيت، بل هو
يستعظم الخروج، فهل هذا رأي شخصي له أيضًا؟
ائمة لا
إن الذين قالوا هذا - من أئمة الإباضية في مختلف العصور كثيرون، وإنما قصدت أن أورد ثلاثة شواهد؛ أحدها عند مبدإ تكون الإباضية، والثاني في متوسط العصر، وآخرها في هذا العصر، من ترد أقوالها عند الإباضية، وإذا هم لم يُمثلوا الإباضية فإنه ليس هناك أحد يمثلهم؛ فالرأي الذي تقول عنه إنه رأي شخصي لي هو رأي الإباضية كما رأيت، وليس لي فيه إلا أني ذكرتُه من جديد. هذا
الجانب النظري.
أما من الجانب العملي فأرجو من القارئ الكريم أن يُرافقني فيما يلي:
من
-597 - (1/627)
صفحة 628
جور
الإمام الأعظم للإباضية كما يقولون - هم أنفسهم بالإجماع - هو أبو الشعثاء جابر بن زيد، ثُمَّ أصحابه وتلاميذه، أمثال أبي عبيدة وضمام وصحار وعبد الله بن إباض نفسه قد كانوا جميعًا تحت أئمة في الدولة الأموية أمثال الحجاج وزياد وابن زياد. وقد بقي الإباضية تحت حكمهم، بل لقد تولى بعضهم بعض الأعمال لهم. ثُمَّ تسلسل التاريخ، وجاء بعد أولئك غيرهم من الطرفين، واستمرت الحياة بالجميع كما كانت، فإذا كان رأي جابر بن زيد وأصحابه وجوب الخروج على الظُّلَمَة فما الذي أمسك سيوفهم من الحجاج؟ فهل يُوجد عند الإباضية من هو أعظم من جابر؟ وهل يُوجد من الحكام من هو أظلم من الحجاج؟ وإذا تتبعت تاريخ الإباضية في كلّ مكان وجدت موقفهم إلى الهدنة والمسالمة أقرب منه إلى الدعوة إلى الخروج على الحكم الظالم، وقد تهيأت لهم أسباب الخروج مع رُجحان جانب النجاح ولكنهم رفضوا الخروج وموقف أبي القاسم يزيد بن مخلد الحامي (1) المعروف عند الإباضية جميعا، وكذلك موقف الإمام يعقوب بن محمد كذا والصواب يعقوب بن أفلح، فقد دعاه الناس إلى أن يُبايعوه فرفض، فلو كان الخروج واجبًا لم يسعه الرفض وتحتم عليه القبول.
وإذا رجعت إلى أهل عُمان وتتبَّعت أحداث التاريخ عندهم، تجد أنه قد تمر عليهم فترات طويلة ويكون الحكم عليهم جائرا، وهم مع ذلك صابرون ينتظرون الفرصة التي تؤكد لهم نجاح الخروج، لأنهم لا
1 - انظر ملحق التراجم.
-598 - (1/628)
صفحة 629
يُريدون أن يتسببوا في فتنة تنقسم بسببها أمتهم، أو دماء تسفك بغير
نتيجة محققة. ويحدث أحيانًا أن يخرج منهم شراة.
هذا فيما أعتقد أمر واضح لا يحتاج إلى عرض. فإذا بقي مع هذا ناس يقولون: إن الإباضية يقولون بالخروج - أي يُوجبون الخروج ـــ وأن
-
النقاش المتقدّم كلّه رأي شخصي لفرد، فلأولئك الناس أن يعتقدوا أو يقولوا ما يشاؤون، ولكن عقيدتهم الخاطئة - وإصرارهم عليها - لا تُغير من الواقع شيا.
ولعلّي أستطيع أن ألخص الموضوع كما يلي:
إن الإباضية ـ في هذا الموضوع ــ قد اتخذوا موقفا وسطا بين من
-
يقال لهم الخوارج ومن يقال لهم أهل السنة، فهم لا يُوجبون الخروج ولا يمنعونه، وإنما يُجيزونه؛ فإذا كانت الظروف مواتية ونتائج النجاح منتظرة والمَضَارٌّ فيه قليلةً، فإن الجواز هنا يميل إلى جانب الوجوب. وإذا كانت الظروف غير مواتية والنتائج غير مؤكدة، والمضار المتوقعة كثيرة، فإن الجواز هنا يميل إلى جانب المنع، ومع كل هذا فإن الخروج لا يُمنع في
أي حال، والشراء مرغوب فيه على جميع الأحوال ما دام الحكم ظالماً. أحسب أن هذا يكفي لإقناع القارئ المنصف بأن ما قُلْتُه في الفصل السابق ليس رأياً شخصيا لي، وأنَّني لم أبخس رأي الإباضية بذلك العرض شيئًا، ومع ذلك فإنه يسرني أن أنقل لصاحب الملاحظة ما قاله التعاريتي في نفس الموضوع جوابًا لمن يزعم أن الإباضية يرون وجوب الخروج؛ فقد جاء في «المسلك المحمود في آخر ص: 33، وما بعدها ما يلي:
-599 - (1/629)
صفحة 630
«وقولُك إِنَّهم جملة من الخوارج باطل؛ إذ لسنا منهم. ولا نقول
بالخروج عن سلاطين الجور سواء أكانوا من أهل مذهبنا أم من غيرهم، كما هو مصرح به في العقيدة وغيرها، وهذه كتبنا فإنَّها طافحة بالرد عليهم وبالتبرئة من أقوالهم بنحو قولنا وقالت الخوارج، في مقابلة قولنا: معشر أهل الحق من ذلك ما ذكره الشيخ الإمام أبو عمار عبد الكافي في الموجز" بقوله: وقالت الخوارج بتشريك المخطئين من أهل التأويل، كمقالتهم في سائر أهل الكبائر، وقد أنبأنا عن فساد مذهبهم بالذي رسمناه
عليهم في صدر الكتاب» [اهـ].
وبعد أسطر قال: «وقال التاج الشماخي في كتاب «السير»: "كان جابر (بن زيد) يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم [كذا]. وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: نعم [كذا] ... إلخ. وقال أيضا: "ومنهم أي من أيمتنا) عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق، ( ... ) كان رحمه الله ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مُسلم عامل يزيد الملقب بمسرف، ( ... ) وكان يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم» [اهـ] (21). ويقول بعد أسطر: بل إن للقطب حفظه الله رسالة مفردةً في الرد عليهم وهي مطبوعة ومجموعة مع رسالتيه: "إزالة الاعتراض عن مُحقّي
1 - التعاريي: «المسلك المحمود». ص: 33، 34. (المحقق)
2 - هذه النصوص نقلها التعاريتي عن الشماخي (السير) بتصرف طفيف. انظر الشماخي
«السير». ص: 76، 77. (المحقق)
-600 - (1/630)
صفحة 631
آل إباض، والقنوان الدانية في مسألة الديوان العانية“، فراجعها إن شئت، فمن نسب إلينا الخروج فقد جهل مذهَبَنا؛ كيف وقد كان إمامنا جابر بن زيد رضي الله تعالى عنه من أصحاب ديوان المقابلة لدى الحجاج الظُّلُوم الغشوم الجبار العنيد، ولم يُنقل فيما علمت أنه أشار بالخروج
عليه يوما ما» [اهـ] (1).
ويقول بعد أسطر: «مع
أحد
أن العلامة الربيع بن حبيب الذي هو أئمتنا المحدثين روى بسنده عن الرسول الله كما في الترتيب: "عيشوا تحتهم حراثين فدادين حتّى تلقوني بسوء حال“. ويُوضح بطلان قولك هم من جملة الخوارج ما ذكرته بعد من أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا ملة، أن الخوارج يقولون بشركه، ويستحلون ماله ودمه كما ستأتي الإشارة إلى الردّ عليهم في كلام العلامة الحضرمي. فالمنع من القعود تحت الجورة مذهب الأزارقة والصفرية لا مذهبنا معشر الإباضية الوهبية، لأن الجور قد ظهر في الأمة بعد الخلفاء الراشدين، وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ينقادون لأوامرهم فيما لم يكن فيه معصية خالقهم، ولا يرون الخروج عليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: "من رأى من أميره وقوله: "عليك بالسمع والطاعة في عُسرك
شيئًا فليصبر
1 - التعاريني: «المسلك المحمود». ص: 35. (المحقق)
2 - رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس. ونص الحديث: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنَّه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية». كتاب الفتن، رقم الحديث 6531. ورواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، بلفظ قريب. كتاب الإمارة، رقم: 1849.
- 601 - (1/631)
صفحة 632
ويسرك (1) (1)، ولأنه قد يترتب على الخروج من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم المؤدِّي ذلك إلى تفرُّق كلمة المسلمين وانكسار شوكتهم وإطماع العدو فيهم» [اهـ] (2).
ليست
وبعد كلام طويل في الموضوع يقول في الإمامة ما يلي (ص:50): «ثم إن نصبه (أي الإمام واجب على العباد سمعا خلافا للخوارج في الأوَّل وللإمامية والإسماعيلية في الثاني، وللمعتزلة والزيدية في الثالث، وهي أصول العقائد خلافًا للشيعة، وتثبت بالنص والاختيار خلافًا من لأكثرهم أيضا، حيث قالوا: لا طريق لها إلا النص. ولا يجوز تعدد الأئمة في صقع متضايق الأقطار خلافًا للجارودية، أما في المتسع بحيث لا يُطيقها إمام واحد فيجوز. وللأمة عزله لموجب؛ كأن يقع منه ما يُخل بأمور المسلمين، فإن أدَّى عزله إلى الفتنة ارتكب أخف الضررين، وتجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، خلافا لقوم كالإمامية. هذا ما عليه
أصحابنا، وهو بعينه مذهب الأشاعرة» [اهـ] (3).
لعل صاحب الملاحظة بعد هذا يقتنع أن ما عرضته في هذا الموضوع ليس رأيا شخصيا لي، وأنَّني لم أكن أتملّق أحدًا ولا أسترضيه بما قلته. وهذا التعاريتي يصرح بوضوح أن ما ذهب إليه الإباضية في موضوع الخروج
1 - رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة كتاب الإمارة، رقم الحديث 3419. ورواه الإمام أحمد بنفس اللفظ والسند، مسند الإمام أحمد، كتاب باقي مسند
المكثرين، رقم الحديث 8596.
2 - التعاريتي: المسلك المحمود». ص: 36، 37. (المحقق)
3 – المصدر نفسه، ص: 50، 51. (المحقق)
-602 - (1/632)
صفحة 633
ومراعاة الظروف في عزل الإمام وتجنب الفتنة هو عينه مذهب الأشاعرة؛ فأنا لم أجعل الإباضية كأنما يتبنون آراء الأشاعرة وإنما هُم المتقون
مكابرة المكابرين.
- النقطة الثانية:
يقرر صاحب الملاحظة أن الإباضية من الخوارج والخوارج يرون الخروج، فالإباضية يرون الخروج عن الأئمة الجورة دون أي اعتبار،
أما القول بمراعاة الظروف فهو قول الأشاعرة وهو مأخوذ عليهم. ومناقشة هذه النقطة تتلخص في نقاط قلائل؛ ذلك لأننا أوضحنا في
الإجابة عن الفقرة السابقة بكلام صريح من أئمتهم أنهم لا يقولون بالخروج، وإنما يُجيزونه، وكونهم يلتقون مع الأشاعرة أو لا يلتقون لا يشكل بحثا جديدا أو مشكلة خطيرة، وكأنما يستعظم صاحب الملاحظة أن يقول الإباضيَّةُ بما يقولُ به الأشاعرة، وأنا لا أجد في ذلك أية غرابة ما دامت الفرقتان تأخُذان من مصدر واحد. وقد صرح التعاريتي كما رأيت باتحاد قولهما، والواقع أنني في هذه الدراسة لستُ في مجال المقارنة بين الإباضية وغيرها من الفرق، ولذلك فأنا لم أتعرض لما يراه الأشاعرة، وإنما ذكرتُ ما عند الإباضية. على أن الذي يُفهم من كلام أبي يعقوب الوارجلاني كما أشرتُ سابقاً أن في القضيَّة ثلاثة أقوال:
1 - قول بوجوب الخروج مطلقا؛ ويُنسب إلى الخوارج. -2 - وقول بجواز البقاء أو الخروج؛ وهو قول الإباضية.
-3 - وقول بمنع الخروج مطلقا
وهو قولُ السُّنية (حسب تعبير
الوارجلاني)، والأشعريَّة (حسب تعبير صاحب الملاحظة).
-603 - (1/633)
صفحة 634
ومن هذا يتضح أيضًا أن هناك فرقا واضحا بين الإباضية والأشعرية
في هذا الموضوع؛ لأن الأشعرية يمنعونه مطلقا، والإباضية يجوزونه. وقد انتقد الوارجلاني الأشعرية بأنهم يمنعون الخروج قولاً ويخالفون ذلك سلوكا، واستدل على هذه المخالفة بمجموعة من الحركات التي قامت في الدولة الأموية وغيرها، كابن الزبير، والتوابين، وعبد الرحمن بن مع جماعة من الفقهاء وزيد بن علي، وغيرهم.
الأشعث
أحسب أن هذا يكفي لهذه النقطة، وأما المناورة اللفظية التي سلكها حتّى يُدخل الإباضية في الخوارج ويرتب على ذلك هذه الأحكام المناقشة والردَّ لأنها نُوقشت في أكثر من مكان في هذا
فلا تستدعي الكتاب، وفي ذلك مقنع لمن يبحث عن الحقِّ.
- النقطة الثالثة:
يقول فيها صاحب الملاحظة إن أهم ما يميز الخوارج بوجه عام، والإباضية بوجه خاص عن سائر حركات الخروج هو إنكار الذات. ربما كانت هذه النقطة أهم نقطة سيقت من أجلها الملاحظة، وهي التأكيد على أن الإباضية من الخوارج، حتّى ولو في سياق المدح. وصاحب الملاحظة بكل أسف رمى جميع ما قيل في أوَّل الكتاب إلى الآن جانبا، وجاء هنا يثني على الخوارج عامة، وعلى الإباضية خاصة، كأنما أصبح اعتبار الإباضية من الخوارج أمرًا لا مفر منه.
والغريب أن الذين يتناولون هذا الموضوع من القوم – مهما
-
ارتفعت بهم وسائل الثقافة - يتشبثون بنوع من التقليد الجاف؛ هو
- 604 - (1/634)
صفحة 635
غض النظر عن معرفة الحقائق، وإذا عُرفت فتجاهلها وغض النظر عن التصريح بها أولى، فهم لا يحبون حتَّى أن يفهموا ما يُقال لهم في الموضوع، وسواء أقبلت ما حكموا به عليك أم لم تقبله، وسواء أقلت ما نسبوا إليك أم لم تقله، وسواء أاعتقدت ما زعموا أم لم تعتقده، فقد انتهى الأمر عندهم، وموقفك أنت غير مهم، وإنما المهم موقفهم. هم. وقد حكم صاحب النصيحة بأن الإباضية من الخوارج فهو لن يتزعزع، وليته إذ فعل درس الجزئيات، ولكنه لم يفعل؛ فقد أغمض عينيه عن كل ما قيل ويقال، ونظر إلى ما يُنسب إلى الخوارج فنسبه إلى الإباضيَّة، وإذا قال أحد الإباضية إن هذا ليس من مقالنا، قال له: هذا رأيك الشخصي. سبحان الله كيف يتم الوصول
إلى الحقائق مع
هذه الأحوال؟!
-
- النقطة الرابعة:
يبدو لي أن النقطة الرابعة في الملاحظات خارجة عن موضوعنا تماما، فنحن لا تعالج في ذلك الفصل شروط الخلافة وآراءنا فيها، وأحسب أنه خارج بها (1) هنا إلا لذكر الخوارج وأن الإباضية منهم.
وصحيح أن الإباضية لا يشترطون القرشية لصحة الخلافة، وإنما تكون القرشية مرجّحا إذا تساوت الكفاءات الأخرى. ولم يكن الإباضية أو الخوارج هم أوَّل من قال بهذا، وإنما سبقهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أوَّل خليفة في الإسلام؛ فقد قال بعض الأنصار
1 - لعلّ الصواب وأحسب أنه ما أدرجها هنا إلا ... ». (المحقق).
-605 - (1/635)
صفحة 636
للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير. ولو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غيرُ، قرشي، لما قالوا ذلك. وقال عمر: لو كان سالم مولى حذيفة حيًّا لبايعته؛ فلو كان غير القرشي لا يصح أن يتولى لما قال ذلك. وقال سيدنا أبو بكر: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش فلعل اختيار القرشي في ذلك بطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار. فليس الإباضية أو الخوارج هم الذين قالوا بهذا بل قال به أصحاب محمد. ونحن لسنا بصدد مقارنة بين الإباضية والأشاعرة، ولا في مقام المفاضلة بينهما، وإنما بصدد تحقيق ما يُنسب إلى الإباضية، وما يصح منه وما لا يصح، على أن هناك موقفين يقفُ فيهما أغلب الكتاب موقفًا جامدًا متأثرًا مقلدا.
الموقف الأوَّل: أن يُقولوا الإباضية جميع ما تقوله الخوارج لا شيء إلا لأنهم أقنعوا أنفسهم أن الإباضية خوارج، وما داموا كذلك فلا بد أن يقولوا بجميع أقوالهم.
والموقف الثاني: أنه لا يصح للإباضية أن يقولوا بما يقول به
الأشاعرة كأن القضيَّة صارت احتكارًا.
-
- النقطة الخامسة:
تشتمل هذه النقطة على مجموعة الاتهامات الموجهة إلى شخصي وهي:
1 - الرأي الذي عرضته عن الحكم في هذا الفصل هو رأيي الشخصي
وليس رأي الإباضية.
2 - وهذا الرأي مبخس لآرائهم.
-606 - (1/636)
صفحة 637
3 - أحاول أن أظهر الإباضية كأنهم يتبنون رأي الأشاعرة فيما هو
مأخوذ عليهم.
4 - أجد حرجًا في إبراز أن الإباضية كالخوارج جميعا يمتازون بإنكار الذات.
5 - بأنَّني أبخس حقَّ الخوارج عموماً والإباضية خصوصا لأنني قلتُ إن الإباضية لا يُوجبون الخروج وإنما يُجيزونه.
6 - أحاول أن أكتسب رضا الأشاعرة.
والذي أردُّ به على هذه التهم جميعًا شيء يسير، وذلك أن مبعث هذه الانتقادات كلها ينبني على فكرة متسلطة على ذهن صاحب الملاحظة، وتلك هي أن الإباضية يجب أن يكونوا من الخوارج، والخوارج يقولون بوجوب الخروج، فلا يصح أن يقول الإباضية غير هذا القول؛ لأن انفصالهم عنهم في هذه النقطة قد يكون واحدا من الاعتبارات التي تُبعد الإباضية عن الخوارج. وقد برهنت لصاحب الملاحظة على أن الإباضية ليسوا من الخوارج رغم جميع المزاعم التي تزعم ذلك، كما برهنت له أن الإباضية يقولون بجواز الخروج، وهم بذلك يختلفون عن الخوارج القائلين بالوجوب، وعن الأشاعرة القائلين بالمنع. وقد نقلت له نصوصا من كلام الأئمة في هذا، كما رسمت له خطوط سيرتهم التاريخية في هذا الموضوع، وفي هذا مقنع لمن يلتمس الحق، أما من يضع في ذهنه صورة معيَّنة ثُمَّ يصرُّ عليها فلا حيلة لنا من
معه
أما أنني أبخس الخوارج آراءهم في موضوع الخروج، فما أحسبني كذلك؛ وذلك لأنني لم أتعرض لمناقشة آراء الخوارج، وكلُّ ما أشرتُ
- 607 - (1/637)
صفحة 638
إليه أنهم يقولون بالوجوب كما يُريد صاحب الملاحظة، استنادا على ما قاله صاحب الدليل والبرهان»، فإن كان هذا بخسا لآرائهم فأنا أعتذر لهم ولصاحب الملاحظة. وأما الإباضية فأنا توليتُ عرض رأيهم في موضوع الخروج؛ وهو كما عرضته فإن كان هذا الرأي بخسا فعليهم أن يُعدلوه، على أنني أستطيع أن أزعم أن هذا الرأي هو الذي سارت عليه الأمة المسلمة بجميع أطرافها من الناحية العملية، وإليه رجع الأشاعرة في سلوكهم فحدث منهم خروج كثير على دول قائمة، وإليه رجع الخوارج سلوكا فرضوا بالحكم القائم - وإن كان جائرا ـــ وعاشوا تحته مددًا قد تطول وقد تقصر.
أما أنني أظهر الإباضيَّة كأنهم يتبنون آراء الأشاعرة، فإن كان هذا يحز في نفسك فأنا على كل حال أرنو إلى التقريب بين وجهات النظر عند جميع المسلمين. وعندما يبدو لي تقارب أي فرقتين في مسألة ما أسر لذلك وأغتبط، ذلك فأنا عندما أعرض آراء الإباضية أو عقائدهم فإنما أعرضها كما أعرفُها عندهم.
بقيت هنالك هذه اللمزة الصغيرة؛ وهي أنَّني أتحرَّجُ من إظهار رأي الإباضية لأكسب رضا الأشاعرة. فالواقع أنني لست ممن يعمل على أن تكون الفرقتان متضادتين (رضا هذه يُهيجُ سخط هذي)، وإنما أعتبر أن الرباط الذي يربط بينهما هو رباط الأخوة الإسلامي، فإذا اختلفت أنظارهما في جزئيَّة فإنَّها تتلاقى في الكليَّات، ويهمنا أن تتقارب أنظارهما في الجزئيات لو وجدت كل فرقة منهما أقلاما صادقةً ومخلصة تسعى في هذا الاتجاه، ولو تخلصت كل واحدة منهما من مواقف المتعصبين
المتعلقين الذين لا يرون إلا أنفُسَهم مهما كثر وقوِيَ الآخرون.
-608 - (1/638)
صفحة 639
وبعد هذا فإنَّني أقول للأخ صاحب الملاحظة: أنا أعرف بالإباضية وعلمائها المعاصرين، وهُم كذلك أعرفُ بشخصي الضعيف، وأنا لو حاولت أن أكسب رضا الناس فإن أول رضا أحاول كسبه ـــ بعد رضا هو رضاهُم، ثُمَّ هم فيما بعد ليسوا من الغفلة أو الضعف في
الله تعالى
الدرجة التي يقوم فيها شخص ينتسب إليهم فيحرف عقائدهم وآراءهم، وينسب إليهم ما ليس عندهم ثُمَّ هم يسكتون عن ذلك فلا يتكلمون؛ إن هذه حالة لا تجري في وهم ولا خيال، ومن ظنَّها جهل طبع الناس، وجهل بصفة خاصة طبع من يعتقد الحق ويعتر به.
إنني يا أخي لستُ أريد أن أكسب رضا أحد، ولكنني أحب أن ألغي تلك المسافات الطويلة التي خلقتها بين فرق الأمَّة أقلام مُسيَّرة، لتعود كل فرقة إلى موقفها القريب من أختها تمسك يدها وتتعاون معها على البر والتقوى، ولأصحح بعض تلك الأخطاء التي ارتكبتها الأقلام المدفوعة في غفلة من الزمن الأمة فقطعت بينها الوشائج، وأفسدت العلاقات، وحكمت
ضدَّ فِرق من فيما بينها أهواء الساسة والمتسلّطين ثُمَّ مكايد المبشرين والمستعمرين.
-609 - (1/639)
صفحة 640
نبذة عن الخوارج
تحت هذا العنوان كتب الإمام أبو إسحاق اطفيش بحثا قيما في الموضوع، استجابة لطلب الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي. وقد وعدنا القارئ الكريم أن ننقل له في هذا الكتاب هذا الفصل القيم، عساه يُلقي مزيدا من الضوء على بعض المواضيع التي ناقشناها في الفصول السابقة. يقول أبو إسحاق رحمه الله:
الخوارج طوائف من الناس من زمن التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار، ومن شايعهم. وسُمُّوا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق، وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك. فاستحلوا ما حرَّم الله من الدماء والأموال بالمعصية، متأولين قوله تعالى: {وَإِن أَطَعْتُمُوهُمْ إِنكُمْ لَمُشْرِكُون)، فزعموا أن معنى الآية وإن ا (1 أطعتموهم في أكل الميتة، فأخطأوا في تأويلهم، والحق أن معنى الآية: وإن
أطعمتموهُم في استحلال الميتة، والاستحلال لما حرَّم الله شرك.
وحين أخطؤوا في التأويل لم يقتصرُوا على مجرد القول، بل تجاوزوه إلى الفعل، فحكموا على مُرتكب المعصية بالشرك، واستحلوا دماء
المسلمين وأموالهم بالمعصية، فاستعرضُوا النساء والأطفال والشيوخ.
وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي صاحب المسند الصحيح‘ رحمه الله حين بلغ إليه أمرهم يقول:
1 - سورة الأنعام الآية: 121.
- 610 - (1/640)
صفحة 641
دعُوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بَقُوا على قولهم فخطوهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله. فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم، وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنُوا الحكم بكفرهم، لأن الكفر باستحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي. وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله، فعظمت محنتهم، فكانت بلاء عظيما. (1)
محنتهم
وقد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني القائد الأموي المشهور، وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت المزدوجة: محاربة المسلمين، وانتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتّى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة.
ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج ظُلمًا وعدوانًا، والسبب في ذلك عديد المناهج:
أولها: أن أصحابنا الإباضية يرون الملك العضوض لا تجب طاعته، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روي عن
1 - ورد في النص المطبوع من بحث أبي إسحاق، بعد هذه الفقرة عبارة للمبرد: كان العمانيون ممن ثبت في جهاد الخوارج عند المهلب لما فلت
،،
الخوارج جيوشه، .... فانظر «الكامل» للمبرد. (المحقق)
-611 -
41 (1/641)
صفحة 642
النبي: اقتَدُوا بِاللذين من بعدي أبي بَكْرٍ وَعُمَر» (1). ولما روي في عمار بن ياسر ل له: «استقتُلُكَ الفئة الباغية» (2)، واستشهد بهذا الحديث
به:
منكرو التحكيم، ولم ينكره الفريق الآخر، وثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلف في تأويله، إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير
صحيح
معناه غير
وإنما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى. ثانيها: ظهورُ أصحاب الأهواء في واقعة النهروان، إذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي وهو إمامهم، والحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط، ولكنَّهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تعد في أعناقهم، بل هم في حل منها حيث إن التحكيم في شيء ثابت الحكم، وإلا فَلِمَ التحكيم؟ فاعتبروا التحكيم تنازلاً من الإمام أبي الحسن عن البيعة، إذن مُنكرُو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إمامًا؛ فاختاروا رجلاً من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إمامًا، فرأى على بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي، فحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم، فتخرج الإمامة إلى غير قريش وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يُحاربوا
1 - رواه الترمذي في سننه عن ابن حراش عن حذيفة. كتاب المناقب، رقم: 3595. 2 - رواه مسلم في صحيحه بلفظ قريب عن أم سلمة أن رسول الله قال لعمار: «تَقْتُلُكَ الفئة الباغية». كتاب الفتن وأشراط الساعة. رقم: 5193.
- 612 - (1/642)
صفحة 643
عدوهم معاوية ومن معه، ولكن الأمر قد فات، فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فأصبح المسلمون في حل من أمرهم، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولو البصائر من منكري التحكيم؛ وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دُس على أصحاب علي من قبل معاوية، وليس إذا ما يزعمه محرفو التاريخ، ومتعفنة المذهبيَّة، أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على علي، لأنهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم، ولينتبه المتبصر من الزلة في هذا المقام، فإنّ الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه.
ثالثها: إن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوَّل الأمر، وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا، ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم أو الراضين به.
ولعلّ أوَّل ما ظهر هذا اللفظ، بعد ثبوت الأمر لمعاوية، والاستقرار فيه، حين زاره الأحنف بن قيس التميمي – وهو من أهل النهروان ـ فقال له معاوية: لماذا أحبك الناسُ وأنت من الخوارج؟ فقال له الأحنف: لو عاب الناس الماء ما شربته يعني الذين لم يرتضوا بيعته والدخول في أمره. (راجع «الأمالي» لأبي علي القالي.
أترى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان من حاربهم علي يوم النهروان، أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية؟ ولو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجيَّة لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن معه أولى بهذه التسمية؛ لأنه هو الذي سلّ السيف ضدَّ على ومن
- 613 - (1/643)
صفحة 644
معه
يوم صفين، ولأنه هو هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي، والحال قد بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقا يجب اتباعه والدخول فيه على كل واحد من المسلمين.
الرابعة: أن الإباضية لم يسلُّوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط، ولم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين، وحتى عند اشتداد الأزمة
الكبرى
-
زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه، فقد اشتدا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنَّة، حتّى خرج عليهما التوابون، وعلى رأسهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي – وهما إمامان وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير. والعجب كل العجب أن هذه المجموعة من العلماء الذين حملوا السلاح أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج، لم يُطلق عليهم أحد اسم الخوارج، بل أطلق عليهم اسم التوابين، وهم كلهم من حملة لواء العلم، وماتوا جميعا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن مطرف، فإن العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى ومع ذلك تمر على القراء بسلام.
ولكن الذي يمحص التاريخ بإنصاف وعلم، يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية - وهم من الخوارج براء - مَعْمَزا، وهو أنهم رأوا الإمامة لا تختص بقرشي، بل هي تصح لكلّ تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورئاستها، وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأُمَمه تابعًا لقبيلة واحدة، وسواء أأحسنت أم أساءت.
-614 - (1/644)
صفحة 645
والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا وحملوا
عليه الحديث: «الأئمة من قريش» (1)، ومن المكابرة ومجانبة الحقِّ أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش، ولم يرتضه الأنصار وهم أهلُ الفهم لما بعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه حين قالوا لأبي بكر: منا أمير ومنكم أمير، ولا أبو بكر حين ردَّ على الأنصار بقوله: "منا الأمراء ومنكم الوزراء، إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي“ يعني قريشًا، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية.
أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنَّه قرشي؟ كلا والله!.
خامسا: إن الإباضيَّة يبتغون العدل وينشدون العمل بالكتاب والسنة، والسير على منهاج الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وسواء أقام بالأمر قرشي أم حبشي، عربي أم أعجمي، كما ورد في أحاديث صحاح، لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز حين أرسلوا إليه وفدا من البصرة ستّة علماء جهابذة: جعفر بن السماك العبدي، وأبي الحر علي بن
يتألف من
1 - رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ونصه: «قال قال لي أنس بن مالك: أحدثك حديثا ما أحدثه كل أحد إن رسول الله قام على باب البيت ونحن فيه فقال: "الأئمةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ لَهُم عَلَيْكُم حَقًّا وَلَكُم عَلَيهِم مثل ذلك، مَا إِنِ اسْتُرحِمُوا فَرَحَمُوا، وإِنْ عَاهَدُوا وَفُّوا، وإِنْ حكمُوا عدلُوا، فمَن لَم يَفْعَلْ ذلك مِنهُم فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاسِ أجمعين». أحمد» ج: 03، ص: 129. رقم الحديث: 12329.
حقا
مسند
- 615 - (1/645)
صفحة 646
الحصين العنبري والحباب بن الكاتب والحباب بن كليب وأبي سفيان قنبر البصري، وسالم بن ذكوان (1)، وربَّما كانوا أكثر من هؤلاء. إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هم هؤلاء رحمهم الله جميعاً، حيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز؛ قالوا كعادتهم في الغمز: "أرسل إليه الخوارج وفدًا، و لم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من كل ما أرادوه منه في نشر العدل، وتطهير البلاد والمنابر من
منهم
الحديث،
وقبوله اللعن الذي اتخذه الأمويون سُنَّة. فإن الوفد قال له: إن المسلمين يلعنون عليا على المنابر فلا بد من الشروع في تغيير المنكر، فأبدل اللعن بقوله تعالى: وإن اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
(2)
لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت في الإباضية، من نشدان الحق والوقوف
الله
في وجه الظُّلمة بالمساجلة، كما فعل الإمام عبد بن إباض مع عبد بن مروان، وأبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن أبيه، و لم يسلوا السيف كما فعل الخوارج؛ بل سلكوا سبيل البيان، معرضين
الملك
السنان. عن أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان، أو
ولم يكن منهم ما كان من حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف وقطع العذر، بل تركوا الناس أحراراً في آرائهم وأعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلها، بل تركوا
1 - انظر ملحق التراجم
2 - سورة النحل. الآية: 90.
- 616 - (1/646)
صفحة 647
لأرباب المذاهب مذهبهم في حرية تامة، لأنهُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فالحق مقبول من أي كان والباطل مردود على صاحبه محمول عليه، فأهلُ القبلة عندهم كافة سواسية في الحقِّ والحرية في الإعراب عن آرائهم الفرعية، والحريَّةُ مكفولة لكلِّ الناس بعد الاعتراف الله بالوحدانية، والحريَّةُ هى الأصل في الإنسان حتَّى إن المكاتب عندهم حر من أوَّل يوم، وما كاتب به فدين عليه يؤدِّيه، ولم يقل بهذا غير الإباضية، لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم، فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا من شنائعهم وكبائرهم. ولم تكن لهم صلة بالإباضية حتَّى يُقال إنهم خوارج، وقد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به، والرجوع للحق فريضة وفضيلة.
سادسها: الإباضيَّةُ يُجيزون المناكحة بينهم وبين سائر الموحدين، والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم، لأنهم يرون سواهم مشركين
-
كما بينا وأوضحنا - وعلى هذا لا يُجوِّزون التوارث بينهم وبين من المناكحة والمصاهرة ـــ يمنع
يخالفهم بطبيعة الحال، لأن الشرك ـــ الذي منع
-
الموارثة، فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيبت أبصارهم بالعشي؟ ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا، ولم يعتبروا قوله سبحانه: {والذينَ يُوذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدْ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبينا (2)، وقوله تعالى: {وَلاً يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
1 - سورة البقرة الآية: 256 2 - سورة الأحزاب. الآية: 58. 3 - سورة المائدة الآية 08
-617 - (1/647)
صفحة 648
إن المسلم ليحارُ من أمر أولئك المتقولين على أهل الحق والاستقامة (الإباضية)، كيف استساغوا ذلك لأنفسهم؟ لا لشيء إلا للهوى والشهوة الخفية. نعوذ بالله من الهوى وإنكار الحق.
أولاً يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك؟ أم اعتقاد الخروج من النَّار هون كل شيء في سبيل الهوى؟!
سابعها: الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علما وعملاً منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين؛ فكانوا
أوَّلَ من دون الحديث، فإمامنا جابر بن زيد أوَّل من دون الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقرُ بعير، ثُمَّ تلاميذه من بعده وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب. والخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء، وإخافة السبل، وتعطيل الأحكام، ولم يُذكر عن أحد من الخوارج أنه ألف كتابا، والذين يذكرون المؤلفات للخوارج، إنَّما يذكرون مؤلفات الإباضية، وهم دون شك يريدون بهم التشنيع والتشغيب. أما الصفرية والأزارقة والنجدية، فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين ولو انفرد نجدة برواية حديث، ونافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها، وأريد أنهم جنحوا إلى الحرب لا إلى التأليف ورواية العلم، وكلُّ من ذكره قومنا من رجال العلم. ونسبوهم إلى الخوارج فليسوا إلا من الإباضية.
ولقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب، وعُرفوا بالصدق والأمانة والورع ما لم يبلغ شاوه غيرُهم، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة والبهتان، حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة. وما خلطوا بين الإباضية والخوارج إلا لطمس معالم
-618 - (1/648)
صفحة 649
الحق والصواب، حسدا من عند أنفسهم، وأنى لمن اتخذ التشغيب مطيَّة أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته. وإنك لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني،
والعظمة العلمية، ما جعلهم لا يذكرون لهم في موجب الذكر شيئًا. وإنني رأيت مؤلفات دونت في التاريخ والأدب والفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دُون من الضلع، فلا يتورع أنْ يتجاهل ذكرهم حتى كأنهم لم يكونوا، وذلك مبالغة وإمعانا في طمس الحق. ولا تجد من أصحابنا شيئًا من هذا الأسلوب البشع، والحمد لله العلي الكبير. ثامنها: إن قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخية واقتضت الحال أن يذكروا أصحابنا فشلوا في قول الصواب، فخلطوا بين الإباضية والخوارج فتارةً ينسبون الإباضية إلى الخوارج، وتارة ينسبون الخوارج إلى الإباضية؛ كما يفعل الكثير من المدونين في الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية والعكس مما أوجب التخليط أو التشويه فيذهب المؤلِّفُون الذين يعتمدون على النقل إلى ما أشبه بالتهريج، ولا عذر لهم عندي مطلقا، لأن الذي ينشد الحق هو يطلبه من ينبوعه، لا أن ينتحله حسب هواه.
الفجاءة
إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن حدير من الخوارج، وقطري بن من الإباضية، والأمر على عكس ذلك. وآخر يذكر أن الإمام طالب
الله
الله بن يحيى الكندي هو الإمام عبد الحق عبد
بن إباض، والحق خلاف
ذلك؛ إذ الإمام عبد الله بن إباض تُوفِّيَ آخر أيام عبد الملك بن مروان، وعبد
الله بن يحيى طالب الحقِّ ظهر أيام مروان الحمار سنة 130 هـ.
- 619 - (1/649)
صفحة 650
وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويها وتشغيبًا؛
وانظر إلى تاريخ الأندلس الذي يُوجد بين أيدينا اليوم، ولا نجد للإباضية ذكرًا، والحالُ أنّ الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغا عظيما من العلم والمال، حتى إن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها إباضية إلى القرن السادس، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى. وإنك لتقرأ طبقات بن سعد مثلاً فلا تجد ذكرًا لرجال الإباضية غير جابر بن زيد، فإنه ذكرَهُ رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق، وهكذا ...
والحق الذي لا ريب فيه، أن رجال كل قوم قومهم أولى بهم، والتاريخ أهله أولى وأعرَفُ به من سواهم، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ
(1)
يَهْدِي السَّبيل).
ولقد استوجبت بدعةُ الخوارج أحكامًا شرعيَّة؛ قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر حتّى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج، فالكبائر قسمان: كبائر الشرك؛ وهي كل كبيرة أخلت بالاعتقاد، كاستحلال ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، أو جحود حكم قطعي كالرجم إلى أمثالها.
66
وكبائر النفاق؛ وهي كبائر الكفر بنعمة الله، وهي ما يُطلق عليه عند أهل الحديث كفر دون الكفر، وهي كبائر الفسق عند قومنا، وذلك كارتكاب فاحشة الزنا، أو الإتيان في الأعجاز، أو أكل الحرام، أو شهادة الزور، أو عقوق الوالدين، أو ما أشبه ذلك من كبائر عملية،
1 - سورة الأحزاب الآية: 04.
- 620 - (1/650)
صفحة 651
وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحل. كل ذلك يسمى عند
أصحابنا بكبائر النفاق، وكبائر الكفر بالنعمة.
وإذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف بالقرينة إلى الحكم فيه، هل هو ممَّا يُخل بالعقيدة أم هو من الفعل أو الترك؟ فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أم كفر شرك؟
على أن أصحابنا لا يكفرون تشهيًّا، ولا يكفرون أهل القبلة ما دانوا بكلمة الإخلاص، والحق أنهم انفردوا بذلك ولو ادعاها أرباب المذاهب. وإذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية والخوارج بونا بعيدا، لا يجمع بينهما جامع إلا إنكار التحكيم، وهو الحق الذي لا مرية فيه والذي يؤيده كتاب الله وسنة رسول الله، وسيرة العُمرين، وإجماع المسلمين؛
(1)
فشدَّ يدَك على الحق. {وَمَن يَعْتَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
هذا القول غير صحيح،
وقد قال بعض أصحابنا، وبه قال قومنا: إن الخوارج يُنكرون الرجم. والذي عندي أن إلا إذا نظرنا إلى حكمهم بأن مرتكب الكبيرة مُشرك حلال الدم، فإن الزاني يُقتل عندهم ردَّةً لا حدا، وهذا متفرع عن حكمهم قطعا لا يحتاج إلى دعوى تكران الرحم. ولكن الأمر عندي ليس كما يتوهم، وإنما زعم من زعم من قومنا أن الخوارج يُنكرون الرجم فيه مغمز، لكنه يعود على الزاعمين بطامة؛ وذلك أن قومنا رووا أنَّه كان ممَّا يُتلى في كتاب الله: «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» فأكلته
1 - سورة آل عمران الآية: 101
-621 - (1/651)
صفحة 652
العنزة،
ة، وهذه
الطامة تلازمهم وإن فَرُّوا منها بزعم أنهُ مِمَّا نُسخ
لفظه وبقي حكمه.
ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرضُ لا من القرآن ولكن من الحديث،
فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحه عن الإمام جابر بن زيد: الاستنجاء والاختنان والوتر والرجم سُنَنٌ واجبة» (1).
فصان الله الأصحاب من الخطل، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه» [اه].
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش.
1 - رواه الربيع بن حبيب في مسنده باب الرجم والحدود. رقم الحديث: 604.
راجع «الجامع الصحيح». ج 2، ص: 48.
-622 - (1/652)
صفحة 653
رأي عالم كبير مؤرخ
تحت هذا العنوان نقل الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي مقتطفات من فصل كتبه الأستاذ مصطفي الشكعة عن الإباضية. وقد رأيتُ أن أضع هذه المقتطفات كما نقلها الأستاذ إبراهيم بين يدي القارئ الكريم، بما معها من تعاليق. قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقي في كتابه القيم الدين والعلم الحديث» ما يلي: «لقد راجعت كتاب «إسلام بلا مذاهب» للأستاذ: مصطفى
الشكعة، فوجدتُ فيه ما يأتي ص: 105:
"وأما الإباضية فهي أشهر فرق الخوارج على الإطلاق لأنهم لا يزالون حتى يومنا هذا يسكنون في عُمان وزنجبار وشمال إفريقية،
والإباضية هم أصحاب عبد الله بن إباض وكانت لهم صولةٌ في الجزيرة العربية، وعلى الأخص في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة، ولكنَّهم يغضبون كثيراً حين يسمعون أحدا ينسبهم إلى الخوارج ويبرؤون من تسميتهم بالخوارج، ويقولون نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشية، أي التزام كون الإمام من قريش.
وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقيا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وانشر مذهبهم بين البربر انتشار النار في الهشيم حتّى أصبح مذهبهم الرسمي. وقد حكم الإباضيون في شمال إفريقيا حكمًا متصلاً مستقلاً استمرَّ زهاء مائة وثلاثين سنة، حتّى أزالهم الفاطميون.
- 623 - (1/653)
صفحة 654
وإذا كان الإباضيون أصحاب أمجاد في الماضي فلا زالوا كذلك
في عصرنا الحاضر، فهم الذين يخوضون الحرب الباسلة في عُمان ضدَّ الإنجليز، لا يكل لهم، عزم، ولا يفت في عضدهم إرهاب. وجماعة منهم يسكنون تونس والجزائر، ولا شك أن أرض الجزائر تعتبر في يومنا هذا أرض الصراع والنار. لأنها أندلس العصر الحديث، وأن ما يُقترف فيها أعمال وحشية لا يقل ممَّا ارتكبه الإسبان ضد العرب المسلمين عندما طردوهم من إسبانيا، وعقيدة الإباضية تتفق مع أهل السنة في الكثير، وتختلف في القليل؛ فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية،
من
ولكنهم يقولون بالرأي بدلاً من الإجماع والقياس». [اهـ] (1)
وقد وجدتُ ما قاله الأستاذ اطفيش مطابقا لما قاله الأستاذ صاحب
المؤلف، وختم المؤلف حديثه بما يأتي:
ومهما كان الأمر فقد كان فيهم عزَّة ومنعة، ولعلّ خير وصف لهم
ما قاله أبو حمزة الخارجي في أصحابه» [اه].
1 - كلاً، إن الإباضية يقولون بالإجماع والقياس، وقد وَهَمَ الأستاذ الشكعة فيما ذكر، وليت شعري من أين أخذ هذا القول .. ؟ وإن شئت أخي القارئ راجع كتاب «طلعة الشمس» للشيخ السالمي (وهو من علماء الإباضية)، وكتاب «فصول الأصول» للشيخ خلفان بن جميل السيابي. وستجد عشرات بل مئات المسائل المؤسسة على القياس والإجماع خلال مطالعتك لكتب الفقه الإباضي. (المحقق)
-624 - (1/654)
صفحة 655
ردود وتعاليق
أثناء رجوعي إلى المصادر المختلفة كنت أتصفح بعض النقط التاريخية في كتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان» للإمام نور الدين السالمي؛ وهو من أهم الكتب التي أرخت لعُمان، وقد قام بطبع الكتاب القيم حفيدا المؤلف: الأديبان سليمان وأحمد أبناء السالمي، وقام بتصحيحه والتعليق عليه الإمام أبو إسحاق اطفيش.
وكانت تمرُّ عليَّ كثيرٌ من النقط أثناء المطالعة تمس من قريب أو بعيد بعض المواضيع التي ناقشناها في هذا الكتاب، فرأيت إتماماً للصورة التي أردتُ أن أضعها أمام القارئ أن أنقل إليه بعض المواضيع والتعاليق عليها.
،
1 - يقول السالمي ص 182) ما يلي: ولا نرى قتل الصغير من أهل
قبلتنا ولا غيرهم» ويعلق أبو إسحاق على هذا بما يلي: "لأن حكم الأطفال أنهم من أهل الجنَّة لقوله: " سألت الله في اللاهين فأعطانيهم خدمًا لأهلِ الجنَّة (2)،، وهذا رد لقول الخوارج: "إنّ الأطفال
1 - هذه الفقرة موجودة في ص 67. حسب الطبعة الثانية للكتاب. بمطبعة الشباب.
1350 هـ. (المحقق)
2 - لم نجد الحديث بهذا اللفظ في أي من كتب الحديث التي بين أيدينا، وفي مجمع
الزوائد (باب)) فى أولاد المشركين بلفظ: عن أنس بن مالك قال: قال
أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَأَلت ربي اللاهينَ مِن ذُرِّية البشر لا يُعَذِّبَهُم فأعطانيهم" رواه أبو يعلى من طرق ورجال». علي بن أبي بكر الهيثمي: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد دار الريان للتراث، القاهرة. ودار الكتاب العربي، بيروت. 1407. ج: 07، ص: 219.
-625 - (1/655)
صفحة 656
،،
تبع لآبائهم مستدلين على زعمهم بقوله تعالى في قوم نوح: {وَلاً يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا)، حملاً للآية على قاعدتهم».
2 - يقول السالمي في ص 114 (2)، ما يلي: «فوطئ وارث أثر السلف الصالح من المسلمين، وسار في عُمان بالحقِّ، وظهرت دعوة المسلمين بعمان وعز الإسلام، وحمد الكفر»، وعلّق أبو إسحاق على ذلك بقوله: «المراد كفر النعمة وهو الكفرُ العملي لا الكفرُ الذي هو الشرك، فتأمل ذلك فيما يأتي من قوله: «ولا يسمُّوا بالشرك أهل القبلة ... » إلخ، فليتنبه لهذه الدقيقة فإنها مزلة أقدام كثير، وهذا ردُّ لعقيدة الخوارج، ورد لما يدعيه قومنا زوراً على أصحابنا من أنهم يكفرون سواهم، ويُريدون بالتكفير الحكم بالشرك، وهذه فرية تهدمها هذه الحقيقة الناصعة».
3 - قال السالمي في ص 364 (3)، ما يلي: «قال (أي ابن بطوطة) ويرضون عن الشقي اللعين بن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة. قلت: أما رضاهم عن ابن ملجم فالله أعلم به» [اهـ]. وعلق أبن إسحاق على هذه الفرية بقوله: ابن بطوطة يفتري عن عمد في هذه الأحوال التي أوردها عن عُمان، ولعله يقصد بذلك تشويه السمعة لأهل عُمان لأنهم يخالفونه مذهبًا، إذ يزعم أن الإباضية يرضون عن ابن ملحم ويسمونه قامع الفتنة، ولو صح ما زعمه لوجدناه في كتب وهم لا يخشون أحدا إلا الله، ولو رأوا هذا الذي زعموه لما قال
أصحابنا،
1 - سورة نوح. الآية: 27.
2 - راجع ص 94 حسب الطبعة الثانية. 3 - وهي توافق ص: 314 من الطبعة الثانية.
-626 - (1/656)
صفحة 657
المؤلف لم نسمعها إلا من كلام ابن بطوطة هذا، بل يبين له وجهه كما
ارتأوه واعتقدوه».
4 - قال السالمي في ص 366، ما يلي: «قال ــ ابن بطوطة ــ ويُؤكَلُ على مائدته (1) لحم الحمار الإنسي، ويُباع بالسوق لأنهم قائلون بتحليله، ولكنَّهم يخفُون ذلك عن الوارد عليهم ولا يُظهرونه بمحضره. قلت ما سمعنا أن هذا وقع في شيء من الزمان بعُمان. وأهل المذهب أجل ذلك؛ فإنه من وإن كان يوجد قول في الأثر بتحليل ما عدا المحرم في
قوله تعالى: قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَي مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يطْعَمُهُ (2) الآية، فإن هذا القول لم يختص بذكره أهلُ المذهب بل هو موجود عندهم وعند غيرهم من المخالفين وأكثر الأقوال بتحريم لحوم الحُمُر الإنسيَّة وهو المعمول به، وفيه عندنا أثر صحيح عن رسول الله وأهل المذهب أورع من أن يستحلوا ما صح فيه عندهم نهي عن رسول الله، ثُمَّ هم يتقدرون من مثل هذا ولو كان حلالاً، فكيف يجعلونه على موائدهم ويُباع في أسواقهم؟!» وعلق أبو إسحاق بقوله: «اعطف هذه الأكذوبة على ما مضى لك من كلام هذا الرحالة لكي تتيقن ما نقوله في تعمده وأمثاله الاختلاق قصدا للتشويه وسوء السمعة، فتأمل الافتراء ينطق من عبارته إذ يقول: "قائلون بتحليله ولكنَّهم يُخفون ذلك عن الوارد إلخ، وليت شعري كيف يُخفونه وهم يقولون بتحليله
1 - الضمير عائد على حاكم عُمان يومئذ: أبي محمد بن نبهان. راجع ص: 316 من
المصدر السابق. (المحقق)
2 - سورة الأنعام. الآية: 145.
-627 -
42 (1/657)
صفحة 658
فيما يزعم، والقولُ بتحليل الحمر الأهلية هو عند بعض أصحاب المذاهب الأربعة، أما الإباضية فلم يكن عندهم هذا القول معمولاً به قط، ولا قال به أحد المحققين من فقهائنا، وإنما يحكونه على أنه قول لبعض علماء الامة، وهو قول لبعض فقهاء قومنا وأصحابنا يحكمون بكراهية التحريم على الحمر الأهلية، كما يحكمون بتحريم ذوات الناب من
السباع، وذوات المخلب من الطير، كما ثبت في الحديث الصحيح:
ووكل
ذي مَحْلَب مِنَ الطَّيرِ فَحَرَامٌ أكلُهُ)، وأما ما ذكره المصنف في الأثر المحلل لما عدا ما ذكرته الآية: {قُل لا أجدُ فِي مَا أُوحِيَ إِليه الآية، فهو قول مالك وأهل المدينة وإن قال به بعض أصحابنا فهو من متروك العلم عندنا، والله أعلم». [اهـ]
الحقيقة أن قول ابن بطوطة لا يحتاج إلى تكذيب لأنه يكذب نفسه، أو بعبارة قد تكون أوضح يحملُ شواهد كذبه معه، لا سيما في هذه القضيَّة؛ فهو من جهة يزعم أن أهل عُمان يقدِّمون لحم الحمير ويبيعونه في الأسواق، ومن جهة أخرى يزعم أنهم يُخفون ذلك على الوارد إليهم ولا يُظهرونه بمحضره؛ كيف يتأتى هذا؟ شيء يُباع في الأسواق ويُقدَّم على الموائد كيف يُمكن إخفاؤه عن الصادر والوارد؟ لا بدَّ أن تكون مهمة الحرس البلدي شاقة في ذلك الحين، فهو يجب أن يقف على
1 - لم نجد الحديث بهذا اللفظ، وقد روي بهذا المعنى: روى مسلم عن ميمون بن عن ابن عباس قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابِ مِنَ السَّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مخلب مِنَ الطَّيْرِ». صحيح مسلم. (كتاب الصيد والذبائح وما
مهران
يؤكل من الحيوان)، رقم: 3574.
-628 - (1/658)
صفحة 659
رؤوس
الأزقة والشوارع التي تؤدّي إلى الأسواق في انتباه حتى إذا ورد عليهم وارد أصدر أمره إلى الجزارين فأخفوا على الأجانب آذان الحمير وحوافرها ولكنهم غلبوا على أمرهم وكان ابن بطوطة أذكى منهم وأسرع، فعرف أمرها وأفشى سرَّها، ولعله انتبه إليها على المائدة الفاخرة في حفلة تكريم للرحالة العظيم.
وأعجب من كلام ابن بطوطة - الرحالة القديم ــ كلام الرحالة
-
الجديد المحقق الصحفي لمجلة العربي" الذي طوى المسافة المكانية بين الكويت وعُمان ليصوِّر المشاهد، وطوى المسافة الزمنية التي تفصل بين هذا العصر وعصر ابن بطوطة ليأخذ منه حقائق العلم، فاكتشف أن أهل عُمان يأكلون الحمير كما قال الرحالة الخطير، ونقله عنه المحقق الصحفي القدير. والحمد لله الذي جعل المحقق لم يُسافر إلى جنوب الجزيرة التي لم تدخلها أسباب الحضارة وإلا لاكتشف أن قوما يأكلون لحم الخترير، ويُسيغونه بأغلى أنواع العصير وهم لا يُخفون ذلك عن الوارد والصادر.
أحسب أن في هذا كفاية لعرض آراء الإباضية في هذه النقط؛
وبعضها سبقت مناقشتها فيما مضى، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
- 629 - (1/659)
صفحة 660
إجابات وردود
وقعت بين يدي مجموعة من الردود على الشيخ محمد كامل بن
مصطفى بن محمود الطرابلسي المفتي، فرجعتُ إلى كتابه القيم «الفتاوى الكاملية» فوجدت فيه ما يلي:
سئلت عن أهل طرابلس الغرب الذين لا يتمذهبون بمذهب من
المذاهب الأربعة، ما مذهبهم؟ ومن هو إمامهم؟ فالجواب:
إنَّهم يتمذهبون بمذهب الإمام عبد الله بن إباض، وهم من جملة الخوارج، وقد قُسم في «المواقف» (1) الخوارج إلى سبع فرق إحداها الإباضية. قال إنَّهم قالوا:
مخالفونا (من أهل القبلة) (2) كفار غير مشركين تجوز مناكحتهم، وغنيمة أموالهم من سلاحهم وكراعهم عند الحرب دون غيره، ودارهم دار إسلام إلا معسكر، سلطانهم وتُقبل شهادة مخالفيهم عليهم، ومرتكب الكبيرة موحدٌ غير مؤمن، بناءً على أن الأعمال داخلة الإيمان) (3)، والاستطاعة قبل الفعل، وفعلُ العبد مخلوق الله تعالى ( ... ) ومرتكب الكبيرة كافرٌ كُفر نعمة لا ملة وتوقفوا في (تكفير) أولاد
1 - كتاب «المواقف» في علم الكلام للشيخ عبد الرحمن بن أحمد الإيجي. (المحقق) 2 - لم ترد عبارة من أهل القبلة في كتاب المواقف. راجع ص: 425. ط: عالم الكتاب. بيروت. (د. ت. ن). (المحقق)
3 - العبارات التي وضعناها بين قوسين ليست في كتاب «المواقف»، أعني النسخة التي بين بين أيدينا. و يبدو أن الزيادة من فضيلة المفتي. (المحقق)
في
- 630 - (1/660)
صفحة 661
الكفار وتعذيبهم، و (توقفُوا) في النفاق أهو شرك؟ (أم لا)، و (في) جواز بعثة رسول بلا دليل ومُعجزة)، وتكليف أتباعه فيما يرمي إليه، أي ترددوا في أن ذلك جائز أم لا، وكفروا عليا وأكثر الصحابة،
وافترقوا فرقا أربعا انظُرهم في المواقف. والله تعالى أعلم» [اه]. انتشرت هذه الإجابة فيما يبدو، وكان لها رد فعل عنيف، وكتبت عليها كثير من الردود؛ منها رةٌ لقُطب الأئمة، ومنها رد مطول للشيخ سعيد التعاريت في كتاب سماه «المسلك المحمود في معرفة الردود». ولعلّ مِمَّا تتم به الصورة أن أورد للقارئ الكريم مقتطفات من الردين. رد قطب الأئمة
أما بعد، فإنه اتصلت كذا ولعله وصلت] من الكاتب محمد بن الحاج يوسف لليلة مضت من شعبان 1314 هـ ورقة فيها:
ثُمَّ ذكر الأقوال التي ذكرها كامل بن مصطفى نقلا وتتبعها. وإلى القارئ الكريم تلك الردود محردة عن الاحتجاج:
العضد،
عن
«ولا نُحِلُّ مال الموحد لا بالكبيرة ولا بالصغيرة، في حرب ولا غيرها، لا
للغني ولا للفقير».
ونحن لا نقولُ بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين، ومن نَسب إلينا
وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا».
«وَأَما ما ذ ما ذكر من القول بأن دار مخالفينا دار إسلام غير دار سلطانهم
فلا قائل به، فإن لم تكن دار سلطانهم دارَ إسلام، فكيف تكون دار
غيرهم دار إسلام.
- 631 - (1/661)
صفحة 662
و أما كون مرتكب الكبيرة موحدًا غير مؤمن فهو مذهبنا، وعليه
البخاري والمحدثون، ذكره الشعراني».
نقبل شهادة مخالفينا إذا كانوا ورعين في ديانتهم».
ونقول مرتكب الكبيرة كافرٌ كَفر نعمة، وكافر بالجارحة، وفاسق و منافق بمعنى مخالفة أفعاله لأقواله، لإقراره بكلمة الشهادة».
ونقولُ أفعالنا خلق من الله وكسب منا».
«منا من توقف في أطفال المشركين، ومنا من يقول إنَّهم في الجنة». «نحن لا نتوقف في النفاق بل نجزم أنه غير شرك ونقطع بذلك». «نحن لا نقول بجواز بعثة الرسل بلا حُجَّة ولا مُعجزة».
«وأما الاستطاعة فهي عندنا مع الفعل لا قبله» [اهـ].
هذا ملخص رد القطب عن الفتوى السابقة، وقد أوردته محرَّدًا من الحجج التي أوردها لتأييد آراء الإباضية في المواضيع السابقة، وقد حرصت أن أورد هذه المقتطفات بنصها.
والرسالة مخطوطة ضمن مجموعة من الرسائل والردود عند أستاذنا
الفاضل الشيخ سالم بن يعقوب الجربي.
ردُّ التعاريتي
عندما أصدر الشيخ كامل بن مصطفى هذه الفتوى كما أراد أن يسميها، كان الشيخ سعيد التعاريتي الجربي في جبل نفوسة للدراسة والتعلم، وبلغته الرسالة كما بلغت، غيره، فاهتم لها وألف في الرد عليها كتابه «المسلك المحمود في معرفة الردود»، وهو كتاب يقع في حوالي 270 صفحة متوسطة الحجم، مطبوع طبعة حجرية، وقد ناقش فيه تلك الفتوى مناقشة مسهبة.
-632 - (1/662)
صفحة 663
والقارئ الكريم لا شك أنه يذكر ما نقلناه عنه في فصل «رأي الإباضية في الصحابة»، وسوف ننقل هنا بعض المقتطفات لتعطي له
صورة عن أسلوب هذا الكتاب القيم.
يقول في الإمام ص: 50، و 51 «وللأمة عزله لموجب، كأن يقع منه ما يخل بأمور المسلمين، فإن أدَّى عزله إلى الفتنة ارتُكب أخفُ الضررين، ويجوز إمامة المفضول
مع وجود الفاضل خلافًا لقوم كالإمامية. هذا ما عليه أصحابنا بعينه مذهب الأشاعرة».
يلي:
وهو
ويقول في غنيمة أموال المسلمين في نفس الصفحة 51 ما وقولك إنَّهم قالوا غنيمة أموال مخالفيهم من سلاحهم وكراعهم حلال عند الحرب غير صحيح؛ إذ تأليف أصحابنا كلها ناطقة
أموال أهل القبلة في الحرب وغيرها، للغني والفقير».
ويقول في ص: 79 ما يلي:
بتحريم
«وأما قولك وكفروا عليا وأكثر أصحابه فقد علمت ما فيه في
صدر الرسالة».
وبعد عدة أسطر يقول:
«إذا علمت ما قررنا وانتقش في صحيفة ذهنك ما كتبناه، وجب عليك الإنصاف، وترك التعصب والاعتساف وليت شعري من أين لك أن ترمي المسلمين بالباطل وتنسب إليهم ما هو عن الصحة عاطل؟ فهل عرفت ذلك بالاطلاع على كتبهم، أو بمباحثة وقعت لك علمائهم؟ أم بلغك من بعض الأوباش المتشدقين؟ وماذا عليك لو عملت بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَيَا فَتَبَيَّنُوا أَنْ
مع
-633 - (1/663)
صفحة 664
تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (1)، وقوله: {إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (2) وقوله: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظيم (3)، أتقولون على الله وأوليائه ما لا تعلمون؟ {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ).
(4)
فإن قلت إني لم أت بشيء من عندي، وإنما هو كلام صاحب
،،
المواقف" نقلته، قلتُ إن صاحب المواقف لم ينسب ذلك للوهبية
المتبعين لهم أهل الجبل الذين جزمت فيهم بما ذكر».
ويقول بعد أسطر:
«فلو تمهلت وسألت أحد طلبتنا أو أخذت كتاباً من كتبنا ... ».
وبعد
«
عدة أسطر ينقل كلام التاج السبكي فيقول: ولعل سببه عندم التحري في النقل عنه، وهذا دأب كثير من
العلماء
كما قال التاج السبكي في طبقاته: "إن المؤرخين على شفا جرف هار، لإنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربَّما وضعوا عن الناس تعصبا أو جهلا أو اعتمادًا على نقل من لا يوثق به» [اهـ].
أحسب أن هذا مع ما نقلناه عنه في فضل الصحابة يكفي لإعطائنا صورة عن أسلوب التعاريتي في مناقشته لبعض المسائل التي تنسب: ن
الإباضية وليست في مقالاتهم.
1 - سورة الحجرات. الآية: 06.
2 - سورة النور. الآية: 19.
3 - سورة النور. الآية 15. 4 - سورة الشعراء. الآية: 227.
-634 - (1/664)
صفحة 665
كلمة الختام
بعد أن أنجزت هذا العمل على الوجه الذي رأيته، مررت عليه مرا سريعًا قبل أن أقدمه للنشر، فبدت لي فيه كثير من العيوب والمآخذ؛ منها ما يتعلق بالأسلوب، ومنها ما يتعلق بالعرض، ومنها ما يتعلق بموقفي مع الكتاب الأفاضل الذين ناقشتهم فيما قدموه من أبحاث.
وقلتُ في نفسي ألا يكون من الأحسن أن أتمهل قليلاً، وأن أعيد النظر فيه من جديد وأن أصوغ ما يحتاج منه إلى إعادة الصياغة على النمط الذي يرضيني ليسلم من تلك العيوب والمآخذ؟ ولكن سرعان ما أبعدتُ هذا الخاطر وأيقنتُ أَنَّني مهما حاولتُ أن أصل بعملي إلى درجة من الإتقان أرضى عنها كل الرضا فإن ذلك لا يتحقق.
وكلما أعدتُ العمل وأصلحتُ ما بدا لي من العيوب تكشفت عيوب جديدة، وملاحظات لها حظ من النظر، ولن تنتهي هذه السلسلة أبدا، ولعل هذا الإدراك النفسي من الإنسان لعجزه وقصوره هو من فطرة الله في الإنسان حتّى يعلم أن الكمال الله وحده، وأن البشر مهما حاول وبذل فهو عرضة للقصور والتقصير، وأنه هو نفسه يدرك ذلك من نفسه قبل أن يدركه الناس فيه، وليت شعري هل وُجد إنسان أنجز عملاً مَّا ثُمَّ وقف يفكر فيه، فلم يجد فيه عيبا ولم يقل بينه وبين نفسه ليت؟
أما أنا فهذا الموقف لم يمر بي أبدا، وما أنجزت عملاً ثُمَّ استعرضته فلم
أجد فيه من العيوب ما جعلني أردد ليتني فعلت كذا وليتني تركت كذا.
-635 - (1/665)
صفحة 666
وفي ختام هذه الكلمة يسرني أن أقدم شكري الخالص لكل الإخوة
الذين أمدُّوني بمساعداتهم لإنجازه على هذا الوجه؛ أخص من بينهم أولئك الذين أتاحوا له أن يُنشَر خدمة للثقافة الإسلامية، وإيضاحا لاتحاد أو تقارب آراء المسلمين بمختلف مذاهبهم إيضاحاً يقضي على كيد السياسة الماكرة من دول تعتنق الإسلام، وعلى دسائس دول مستعمرة يهمها أن يموت الإسلام.
والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل.
وعاء الختام
اللهم إنك تعلم أني ما قصدت بعملي هذا غير وجهك الكريم، فإن كان لك فيه رضا، ولي فيه أجر، وللأمة فيه صلاح فيسر لي نشره بين الناس، ووفقني إلى المزيد من العمل الصالح واجعلني ممن يعمل بالحق ويدعو إليه. اللهم إني أتضرع إليك أن تأخذ بيدي في منهاج الرشد والتوفيق، وأن تعصمني من الانزلاق في مسارب الزيغ والضلال، وأن تغفر لي خطي وعمدي، وإسرافي في أمري، وكل ذلك عندي ...
آمين
-636 - (1/666)
صفحة 667
الفهارس
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية
فهرس المذاهب والفرق والأديان
ملحق تراجم أعلام الإباضية (1/667)
صفحة 668
[صفحة فارغة] (1/668)
صفحة 669
الصفحة
411
....
408
361
...
379 ...
413 ...
634
616
379
..........
515
413
.................
411
413
فهرس الآيات القرآنية
السورة والرقم
الأحزاب: 19
الآية
وأشحة على الخير
أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُون. السجدة: 18
والا إِنْ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وأمْ حَسِبْتُم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم الله
المجادلة: 22
الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ. آل عمران: 142
هو إما شاكرا وإما كفورام من
......
إن الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ يَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
طو إن الله يأمرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
إنْ يُمْسُسْكُم قرحٌ فقد مسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا ... (الآية)
إنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا
الإنسان: 03
النور: 19
النحل: 90
آل عمران: 140
:نوح: 27
عبس: 42
التوبة: 107
عبس: 41
فاجرا كفار رام.
أوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الفجرة.
والذينَ أَنخَلُوا مَسْجِدًا ضَرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
- 639 -
المؤمنين كم ميكي
تَرْهَقُهَا فَتَرَةٌ .. (1/669)
صفحة 670
السورة والرقم
الصفحة
370
00
413
.....
410
....
409
186.01
571
........
391
413
409 168
415
413
الآية
تلكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا
كسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. البقرة: 134، 141
....
طورَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي
برحمتك في عبادك الصالحين تكم.
وضاحكة مستبد
ستبشر
فأعقبهم نفاقًا فِي قُلُوبِهِمُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
النمل: 19
عبس: 39
أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. التوبة: 89
و فإن أعطوا مِنْهَا رَضَوا وَإِنْ لَّمْ يُعطَوا مِنْهَا إِذَا
هُمْ يَسْخَطُون كم.
•
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
التوبة: 58
إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِي النساء: 59 .....
..
فإن لم يكُونَا رَجُلَيْن فرجُلٌ وَامْرَأَتان. البقرة: 282
...
فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ. التوبة: 05
......
فرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقٌّ عَلَيْهِمُ الصَّلالَهُ الأعراف: 30
....
لونة وربك لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا له طرف ما اكم في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم
بما كسبوا م
و فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.
{فَمَا لَكُم في الْمُنَافِقِينَ فَئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسُهُم بِمَا كسبوا أتريدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن
يُضل الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَيلا
وفَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
النساء: 65
النساء: 88
يونس: 32
النساء: 88
هود: 105
- 640 - (1/670)
صفحة 671
الآية
السورة والرقم
قاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُون بالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخري. التوبة: 29
قاتِلُوا الذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ.
.....
وقُل اَندْعُوا من دون الله مَا لا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنا وتُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي
استهوتهُ الشَّياطين (الآية)
وقل لا أجدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلى مُحَرَّمًا عَلَى طاعم يَطْعَمُه.
التوبة: 123
الأنعام: 71
الأنعام: 145
وقُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرى .... الشورى: 23
قل نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا.
وقُل
التوبة: 83
كَلاً إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ... المطففين: 15
كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله.
ولاً إكراه في الدين كان
ولا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
اللطيف الخبير
ولا يَأْتُونَ الصَّلوةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ
إِلا وَهُمْ كَارِهُون من
ولقد رضي الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ
يبايعونك.
وليلُونِي أَشْكُرُ أمْ أكفُ.
ولَيْسَ كَمِثْله شَيْء.
و ليعذب الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
الأعراف: 29
آل عمران: 110
البقرة: 256
...
الصفحة
391 ....
.......
........
391
137 ....
628.627
359
410 ......
443.190
413
...
355
617
443.288.190
....
الأنعام: 103
التوبة: 54 ......
الفتح: 18
النمل: 40
الشورى: 11
والْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً. الأحزاب: 73
411.410
356 ...
............
413
439
...........................
409
- 641 - (1/671)
صفحة 672
الصفحة
356
.........
409.402.126
..
417
......
412
.....
..
411
610 ...
.................
410
..
..
617
620 .....
413
634 ...
....
515
410
356
571
.....
....
الآية
و مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
ومُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى
المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتٌ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَا مُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبضُونَ أَيْدِيَهُمْ ... (الآية) ..
طر هو الذي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ
مومن کي
السورة والرقم
الفتح: 29
النساء: 143
التوبة: 67
التغابن: 02
وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا .. الأحزاب: 12 وَإِنَّ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنكُمْ لَمُشْرِكُونَ ... الأنعام: 121 والذينَ يَلْمِرُونَ المُطَّوعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصدقات والذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم الله (الآية)
ور الذين يُوذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
التوبة: 79
اكتسبوا فَقَدْ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. الأحزاب: 58
....
{وَاللهُ يَقُولُ الْحَقِّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ الأحزاب: 04
وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفَرَة.
...
.....
عبس: 38
وَسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يُنقلبون. الشعراء: 227
ط وقال نوح ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
الكافرين ديار ام بي
وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّم
هو وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا
نوح: 26
التوبة: 83
البقرة: 143
ولا تأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الأنعام: 121
- 642 - (1/672)
صفحة 673
السورة والرقم
الصفحة
379
379
617
626
108
....
634 ...
379 .....
...
138
138 ....
408
............
417
........
417
417
الآية
و ولا تهنوا في ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا
لا يَرْجُونَ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا. . ولا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنتُم
مومينين در ايران
و ولا يحرمنكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتَّقْوَى الله
ووَلَا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا
وَالله عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومن كفر فإن الله غني
العالمين الله
{وَلَوْلاً إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نتكلم بهذا سُبْحَانَكَ هذا بهتان
عظيم الکي اين
النساء: 104
آل عمران: 139
المائدة: 08
نوح: 27
آل عمران: 97
النور: 15
و وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ ... آل عمران: 141
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
البقرة: 207
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا. البقرة: 204
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ
.....
ار ومن لم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ.
رومن لمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ
الفاسقون معرفي
ووَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
التوبة: 101
المائدة: 45
المائدة: 47
المائدة: 44
- 643 -
الكافرون كية.
43 (1/673)
صفحة 674
السورة والرقم
الصفحة
78
621
410
413
....
.......
634
..........
411
108
.......
422
413
....
النساء: 100
الآية
الله
و من يخرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
على الله ع
ه ومن يعتصم بالله فَقَدْ هُدِي إِلَى صِرَاط
مستقيم.
آل عمران: 101
وَمِنْهُمْ مِّن عَاهَدَ اللَّهُ لَئِنْ آتَانَا
فضله
مين
التوبة: 85
عبس: 40
لَنَصَّدقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالحين. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ.
هويا أيها الذينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَةٍ فتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُوا.
و يسحق الله الربا ويربي الصَّدَقَاتِ والله لا يُحِبُّ كُلِّ كَفَّارٍ أثيم.
و اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِل
الحجرات: 06
المنافقون: 07
البقرة: 276
لهم ... (الآية).
ويَوْمَ
..
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
المائدة: 05
فَأَما الذينَ
اسْوَدَّت وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. آل عمران: 107
........
- 644 - (1/674)
صفحة 675
الأئمة من قريش
فهرس الأحاديث النبوية
نص الحديث
إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ.
إذا ذكر أصحابي فكَفُّوا ...
إذا وصلتم أصحابي فكفوا
الصفحة
615
436
361
369
أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة م من النفاق حتَّى يَدَعَها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
عاهَدَ غدر، وإذا خاصم فجر.
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أفضل أمتي قرني ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم. ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. أمرتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مي دمَاءَهُم وأموَالَهُم إلا بحقها. أُمِرتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا الله محمَّدٌ رَسُول الله. فإذا قَالُوها فقد عَصَمُوا مِنْ دِمَاءَهُم وأَمْوَالَهُم إلا بحقها إن الله قد اختار لي أصحَابًا، فَجَعَلَ لي مِنهُم أَصْهَارًا وَأَختَانًا، فمَن سَبَّهُم فَعَلَيهِ لَعَنَةُ الله والملائكة والنَّاس أجمعين إنكم لن تسعُوا النَّاس بأموالكم، فسَعُوهُم بِحُسن أخلاقكم
الاستنجاء والاختتان والوتر والرجمُ سُنَنٌ واجبة
اقتدوا باللذين مِن بَعدِي.
...
اقتدوا باللذين مِن بَعدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَر.
.....
..
.........
419
357
358
111
108
111
67
..
356
......
96
...
622
356 612
- 645 - (1/675)
صفحة 676
نص الحديث
ثلاث مَن كُنَّ فيه فهو منافق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤْتُمِنَ خان، وإذا وَعَدَ أخلف
دَعُوا في أَصْحَابِي.
الرّشوة في اسحُكْمِ كُفْرٌ.
سألت الله في اللاهين فأعطانيهِم خَدَما لأهلِ الجنَّة. ستقتُلُك الفئة الباغية.
عليك بالسمع والطاعة في عُسرِك ويُسرك عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدينَ مِن بعدِي. عِيشُوا تَحتَهُم حَرَّاثِينَ فَدَّادِين حَتَّى تَلْقُونِي بِسُوءٍ حالٍ كُلَّ ذِي مَخْلَب مِنَ الطَّيرِ فَحَرَامٌ أَكلُهُ
لا تُؤذُوني في أصحابي فلو أنفق أحَدُكُم مِلء الأرض ذهبا
ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه.
.
لا ترجعوا بعدي كُفارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بعض.
لا تسبوا الدهر فإن الدَّهر هُوَ الله
لا طَاعَةَ لِمَخْلُوق فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
لا يَشْقَى مَن رَآنِي
لو أن لي أربعين بنتا لزوجتك واحدةً بعد واحدة، حتَّى لا تبقى منهُنَّ واحدة.
الصفحة
412
369
107
625
612
601
357
601
628
356
109
341
373
358
363
...
108
108
من أتى كاهنا أو عرَّافًا فصدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد .......
من تَرَكَ الصَّلاة كفر.
من رأى مِن أَمِيرِه شَيْئًا فَلَيَصْبر ويلٌ للمتألين من أُمَّتِي
601
184
???? ???? ????
-646 - (1/676)
صفحة 677
فهرس المذاهب والفرق والأديان
لم تفهرس لها لكثرة ورودها، ولأنها موضوع الكتاب.
126.125
581.580.568.458
584.561.100
296 295 293 294.281.182.168.167.151.80
585.511.504.479.297
618.514.613.601
602
347
455.439.407 318 317 316 306.299.297.289.578 576 575 574 573.568.561 478.458.456 604.603.602.595.593.592.583.587.581.580.579
633.608.607.606.
.......
الإباضية
الإبراهيمة ...
الأثرية
الإثنا عشرية
الأدارسة
الأزارقة.
الإسماعيلية
الأشعثية ....
الأشعرية (الأشاعرة) ...
أصحاب المرأة ......... 31، 35.
602.590.487.45
618.455.362.145.04
......
183
596 437 436 436.401.399.397.352.145 ....
210 185 182.172.163.115.101.66.65.46.43 298 297 297 295 289 284 283 282.281.279 404 319 318 316 315 314 313.312.311.299.462 461 459.458.457.455.455.453 451 406.566.563 562.561 560.491.488 486.484.482 586.583.582.581 580 579 578 577.576.568.624.603. 599. 596 591.590.587
- 647 -
الإمامية ...
أهل الاستقامة.
أهل الحق أهل الدعوة
أهل السنة (1/677)
صفحة 678
256.255
151.125
136
125.57.34
602
70
458.112.103
45
125.84.73.47
409.353.348.329.320
................
138.132.125.84.73.47.19.17
69
568.564 491.488.469.458.431 318.182.112.586.583 581.580.577.285.182.162.150.148.146 145 133.112.08.576.574.575 572 568.565.564.469.461.458
623.583 581.580.577
354 353.347.346.329.320
البلاشفة
البيهسية.
التمزينية
الثعالبة ...............
الجارودية.
الجبرية.
الجعفرية
الجهمية.
الحارثية ..............
الحسينية
الحفصية ......
الحلولية.
الحنبلية
الحنفية.
الخلفية.
..
- 648 - (1/678)
صفحة 679
78.77.70.66.65.63.51.45.37.34.30.17.11.04.97.94 92 91.88 87 86 85 84 83 82 81 80 79.142.133 132 131.115.113 112 103 102.99.98 158 157 156 155 154.151 150 149.148.143.187.185 184 183 203 202 201 200.260.255.254.254 253 251 207 206 205 204 307 306 301.300.299.289.276 271.269.265 458 456 406 404.398.347.329.317.316.309 488 486 485 482 479 478 469 464.462.461 560 511 510 509 504 503 502 501.495.490
182.172.167.161.160.159
199.197 196 195.193.188
591 589 587 586.585
584.582
580 562.561
604.603.602.601 600
599 595
594.593.592
617 616 614 613 611 610.608 607.606.605
630.625.623.621.620.619.618
255.254
486.485.70.69.66.65.45.38
149.147.143.133
583 461 458.440.438 409 112 103 101 45
602.487.561.584
403
353.353.350.329.320
623.586.580 577.575.458.431.182.166.112.23.08
331
282.281.166.163 162.137.131 103 102.33.347 316.306.298 297 295 293 289 284 283.483 482 482 479 478.461.458.456 403 401 583 580 577 576 562.561.510 490 488 484.602.587.585.584
-649 -
الخوارج
الدوناتية.
...
الرافضة (الروافض) ..
.
...........
347 .......
الزرادشتية ...
الزيدية.
السبابة.
السكاكية.
الشافعية.
الشعبية
الشيعة.
الصردية (1/679)
صفحة 680
618.601.511.479.260 256.255.182.168.167.151
....
85.35.30 .....
.......
45 .....
488 483 482.478.461.458.456 318.162.112
581.580.491
.....
34
.......
349.348
53
235.227
354 353 351.329.320
568.486.278.70
الصفرية
الضحاكية
الضرارية
الظاهرية.
العجاردة
العمدية .....
العيسوية.
الغنوصية.
الفرئية.
القدرية ......
الماتريدية.
المالكية
574 568.478.458.456 318 317 316.297.289.587.581.580.576
150.148.146.145.144.133.132.112.33.23.08 431 423.334.333.285.274.182.166.165 162.577.572.571.568.564.560.474.467.461.458
623.597.586.580
514.510.495.80.36
404.317.316
585.264.255.254.247.235.154 147.143.133.281.280.279.278.210.70.45.44 38.33.21.18
293 293 291 290.289.288.286.306.303 301.300.299.298.297
285.283.282 296.295.294
438.414.407.406.348.324.319 318.312.308.307 561 490 488 482 479 478.469.461.458.456.455 585 584.583.582.581.580 576 574 569.568.562.619.602.591.590.589.587.586
- 650 -
المحكمة
المرجئة.
المسيحية.
المعتزلة.
256 .......
.............
المناشفة (1/680)
صفحة 681
125.34
45
الميمونية
النجارية.
النجدية (النجدات) .... 80، 151، 167، 168، 182، 514، 618.
331
354.353.346.344.337.329.320
136
331
352.344 335 334.333.332.331.329.329.320.38
440.353
258
235.228.227
308.307
125.85.35.31.30
277.275
634 601.333.332.151.145 144.142.133
النجوية.
النفاثية.
النفوسية.
النكات .....
النكار
الهراطقة.
الهيلينية.
الواصلية.
الواقفة.
الوهابية
الوهبية.
اليزيدية.
اليهودية ........
125.84.73.47.20.17
..........
585.249.248
- 651 - (1/681)
صفحة 682
ملحق
تراجم أعلام الإباضية
حرف الألف
الأبدلاتي (أبو الحسن)
(ق: 3 هـ)
عالم فقيه من أبدلان بجبل نفوسة، تلقى العلم عن عاصم السدراتي أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم وحملة العلم إلى المغرب. له دراية واسعة بعلم التفسير وعلم
الكلام.
انظر: «معجم أعلام الإباضية مج: 2، ص: 245.
2 - إبراهيم بن عمر بيوض.
(و: 11 ذو الحجة 1318 هـ/ 21 أفريل 1899)
(ت: 08 ربيع الأول 1401 هـ / 14 جانفي 1981 م)
من القرارة" بميزاب. مجاهد صنديد، مفسر القرآن، وزعيم الحركة الإصلاحية
""
،،
الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية في وادي ميزاب، بل هو واحد من أبرز زعماء الإصلاح والتجديد في الجزائر في العصر الحديث. ممن شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو مؤسس معهد الحياة بالقرارة. وهو أول
""
رئيس المجلس عمي سعيد بعد انبعاثه بعيد استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي. اطلب المزيد من أعمال ومظاهر جهاد الشيخ بيوض في:
معجم أعلام الإباضية»: مج: 2، ص: 36.
- 652 - (1/682)
صفحة 683
3 - إبراهيم بن محمد اطفيش (أبو إسحاق)
(و: 1305 هـ/ 1886 م - ت: 20 شعبان 1385 هـ / 26 ديسمبر (1965 م)
علماء
-
بن
بني يزفن بميزاب (الجزائر). من أبرز تلامذة عمه قطب الأئمة المحمد من يوسف، اطفيش شدَّ الرحال إلى تونس للاستزادة من العلوم، ومن شيوخه فيها العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور اقتحم الميدان السياسي وكان عضوًا بارزا في حزب الدستور التونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، حتى أصدرت فرنسا المستعمرة قرارا بإبعاده من تونس، فاختار القاهرة حيث لا تُبصر عيناه علم فرنسا و استقر فيها مشتغلاً في المجال الصحفي وفي مجال التأليف، وبصفة خاصة تحقيق وطبع الكثير من الكتب القيمة. انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 44.
ه أبو بكر بن أفلح
(ت: 261 هـ / 874 م)
أبو بكر أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم رابع الأئمة الرستميين تلقى العلم على يد والده وجده وعلى علماء تيهرت. حكم بين عام 258 هـ/ 871 م. انظر: «معجم أعلام الإباضية مج: 2. ص: 174.
أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح الرسمي
(حي بعد 311 هـ)
أحد أحفاد العائلة الرستمية نشأ بوارجلان إذ لجأ إليها أبوه الإمام يعقوب بعد سقوط الدولة الرستمية، ودرس على علماء عصره أمثال ابن صالح جنون بن يمريان، نبغ في العلوم الشرعية، إلا أنه انتحل مسائل خالف بها جمهور الإباضية، ولا يصح هذا أن يعتبر
رئيس فرقة متفرعة عن الإباضية، كما يزعم بعض المؤرخين من غير المذهب الإباضي. انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 3، ص: 448.
- 653 - (1/683)
صفحة 684
6 - أبو اليقظان محمد بن أفلح
خامس الأئمة الرستميين، حكم ما بين 261 هـ و 281 هـ. تلقى العلم عن
أبيه الإمام أفلح وجده الإمام عبد الوهاب كانت له حلقات علم بالعاصمة الرستمية
تيهرت. تخرج على يده الكثير. له مؤلفات ورسائل عدة لم يصل إلينا منه
القليل. ويعتبر عهده من العهود الثقافية الزاهرة.
الا
انظر: «معجم أعلام الإباضية مج 4، ص: 572.
- أحمد بن سعيد الخروصي الستالي (أبو بكر)
(و: 514 هـ/ ت: 676 هـ)
66
شاعر من قبيلة بني خروص، ولد في قرية "ستال من وادي بني خروص، سنة
514 هـ، وعاش في عهد دولة بني نبهان ومدح من عاصره منهم ضمن من مدجه من السلاطين، وقد ساهم في حفظ تاريخ دولتهم.
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 26.
وأحمد بن سعيد الدرجيني (أبو العباس)
(ت: 670 هـ/ 1271 م)
""
66
أشهر علماء الإباضية من درجين ببلاد الجريد جنوب تونس. رحل من بلده إلى
وارجلان (ورقلة) سنة 616 هـ للاستزادة من العلم. شيخ فقية مؤرّخ شاعر، وإمام قدوة. أشتهر بمؤلفه في تاريخ صدر الإسلام، ثم في تاريخ علماء الإباضية خاصة؛ وهو الكتاب المشهور بـ طبقات المشايخ في المغرب»، وعلى ألسنة الناس بـ «طبقات
الدرجيني». وهو يعتبر من أهم المصادر المعتمدة في كتاب «معجم أعلام الإباضية».
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 89.
- 654 - (1/684)
صفحة 685
10 - أحمد بن سعيد الشماخي (أبو العباس)
(ت: 928 هـ / 1522 م)
أصله
""
66
من بلدة يفر
رن بجبل نفوسة من القطر الليبي ارتحل وطلب العلم، من
مشايخه أبو عفيف صالح التندميرتي، وأبو زكرياء يحيى بن عامر.
اشتهر بالتأليف؛ له مصنفات في العقيدة والفقه والتاريخ، ويعد كتاب «سير «المشايخ من أشهر مؤلفاته وهو من أهم مراجع التاريخ الإباضي.
انظر: «معجم أعلام الإباضيَّة» مج: 2، ص: 86.
11 - إسماعيل بن درار الغدامسي (أبو المنيب)
(حي في 211 هـ / 826 م)
من طرابلس الغرب سافر إلى أبي عبيدة مسلم للاغتراف من علومه، وكان من زمله عبد الرحمن بن رستم وبقيَّة من سُمُّوا بحملة العلم (من الشرق) إلى الغرب. عينه الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح قاضيا للإمامة.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج، 2 ص: 109.
12 - أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم
(ت: 258 هـ / 871 م)
ثالث الأئمة الرستميين، تلقى العلم عن أبيه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وعن جده هذا، وعن غيرهما، كان عالما فقيها، شاعرا، تصدر للتدريس مع حداثة سنه ترك رسائل علمية، وجوابات فقهية حكم ما بين 208 هـ و 258 هـ، وبلغت الدولة الرستمية أوجها في عهده.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 120.
- 655 - (1/685)
صفحة 686
هو
13 - امحمد بن يوسف اطفيش (قطب الأئمة)
(و: 1237 هـ/ 1821 م - ت: 25 ربيع الثاني 1332 هـ / 1914 م)
""
امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش الشهير بقطب الأئمة“. أشهر علماء
الإباضية بالمغرب الإسلامي في العصر الحديث من بني يزفن - غرداية (الجزائر). أنشأ معهدًا لتدريس العلوم الشرعية والعربية وغيرها وتخرج على يده علماء بارزون مصلحون ومجاهدون انبثوا في أقطار المغرب العربي والعالم الإسلامي. من أهم آثار القطب الشيخ اطفيش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإسلامية؛ وهي مؤلفات في التفسير والحديث والفقه وعلم التوحيد وعلوم العربية والتاريخ والمنطق والطب والفلك والحساب إلى غير ذلك، وله قصائد وأجوبة وفتاوى وردود ومراسلات عدة.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 4، ص: 835.
حرف الباء
14 - بشرين غانم الخراساني (أبو غانم)
(ق 2 - 3 الهجري)
عالم فقيه مؤلف من أشهر مؤلفاته كتاب «المدوّنة» الذي يعد من أهم مصادر الفقه الإباضي، شرحها القطب اطفيش وسمى الشرح «المدونة الكبرى».
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم 97.
15 - بلج بن عقبة بن هيصم الأسدي
من طبقة تابعي التابعين عُماني الأصل من فراهيد بني مالك، عاش بالبصرة. اشتهر بالشجاعة والبطولة بعثه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (إمام الإباضية بعد
- 656 - (1/686)
صفحة 687
شيخه جابر بن زيد إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق ليشد أزره في حروبه ضد جور بعض ولاة بني أمية في اليمن والحجاز. وقد استشهد بلج بن عقبة بوادي القرى سنة 130 هـ / 748 م.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 197.
حرف التاء
16 - تبغورين بن عيسى الملشوطي
(ق: 6 هـ)
من علماء النصف الأوَّل من القرن السادس الهجري، من بلدة "ملشوطة“ بناحية أريغ، سكن ”آجلو“ المسماة حاليا ”ابليدَة اعْمر“. أخذ علمه عن
،،
الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ/ 1078 م)، وعن أبي محمد
له عدة تأليف، منها:
اللتي
أبي
عقيدة تبغورين» في أصول الدين والأدلة والبيان في أصول الفقه. انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 208.
17 - تحيَّة بن عبدين
ذكره الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني في الأزهار الرياضية في سياق الحديث عن فتنة نفاث الناقم على إمامة أفلح بن عبد الوهاب. ولم نجد له ترجمة في
المصادر التي بين أيدينا.
انظر الباروني: «الأزهار الرياضية». ص: 200.
- 657 - (1/687)
صفحة 688
حرف الجيم
18 - جابر بن زيد اليحمدي الأزدي العماني البصري (أبو الشعثاء)
(و: 18 هـ / 639 م ـ ت: 93 هـ / 711 م)
إمام المذهب الإباضي. روى العلم والحديث عن ثلة من مشاهير عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر،
الصحابة؛ منهم
الله وعبد
بن مسعود، وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة ..
وغيرهم اللي كان إماما في التفسير والحديث والفقه، ورواياته وآراؤه منتشرة في جلّ مصادر الشريعة من تلاميذه: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، إمام الإباضية من بعده. وضمام بن السائب، وقتادة شيخ البخاري وعمرو بن دينار، وجعفر السماك، وغيرهم. ترك آثاراً جليلة بعضها في التعليم والإفتاء، وأخرى في التأليف والرواية؛ له مؤلفات عدة ضاع جلها ولم يبق إلا اسمها ضمن كتب السير، ومنها ما بقي ولا يزال مخطوطًا ينتظر الطبع.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 217.
19 - جعفر بن السماك العبدي
(حي في 101 هـ)
تابعي جليل، عالم نبيه أخذ عن جابر بن زيد وهو من شيوخ أبي عبيدة مسلم. ممن أنكر التحكيم وأنكر على الأمويين جورهم. وهو أحد أعضاء الوفد الذي وفد على الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز للنظر معه في شؤون الأمة الإسلامية.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 2، ص: 226.
- 658 - (1/688)
صفحة 689
20 - الجلندى بن مسعود
أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، مسلم وهو من حملة العلم من المشرق (من البصرة إلى عُمان. عُقدت له أوَّلُ إمامة ظهور بعمان عام 132 هـ. أرسل إليه
العباسيون جيشًا فانهزم ومات شهيدًا عام 134 هـ.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 3، ص: 228.
حرف الحاء
21 - الحباب بن كليب (أبو عبد الله)
(حي بين 99 - 101 هـ)
-
وورد أيضا باسم الحنات
بن كاتب. اشتهر بالفقه والعلم، من أوائل من
سعى لنشر حركة أهل الدعوة والاستقامة. ممن وفد على الخليفة العادل عمر بن عبد
العزيز للتفاوض في قضايا الأمة الإسلامية.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 2، ص: 243.
22 - حمو بن باحمد بابا وموسى
(و: 1280 هـ /1863 م ــ ت: 29 جمادى الأولى 1376 هـ / 02 جانفي 1957 م). من كبار شيوخ غرداية ووادي ميزاب كان من أنجب تلامذة ”قطب الأئمة“ المحمد بن يوسف اطفيش كان فقيها تولى منصب مشيخة مسجد غرداية، وشغل منصبه إماما مرشدًا وواعظا قرابة خمسين عاما. أنشأ معهدًا بغرداية تخرج منه
الشيخ
ثلة
من
العلماء البارزين.
له مؤلفات عديدة؛ منها: ترغيب الراهب وترهيب الراغب» (مخ). و «رسالة في مشاهد الصالحين في وادي ميزاب» (مخ). و «سيرة العزابة» (مخ) ... وغيرها. ترك مكتبة زاخرة بالمخطوطات.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 251.
-659 - (1/689)
صفحة 690
23 - حمود بن محمد بن سعيد البوسعيدي
(و: 1270 هـ/ ت: 1320 هـ)
سلطان زنجبار ولد بمسقط عام 1270 هـ. تولى حكم زنجبار عام 1314 هـ.
في أيامنه طنى الحكم الإنجليزي على المنطقة كلّها فصار الحكم لهم، وليس لسلطان
حمود إلا الاسم. توفي عام 1320 هـ.
انظر: «معجم أعلام الإباضية قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 242.
حرف الخاء
24 - الخراساني (أبو عيسى)
(ق: 2 هـ)
خراساني فقيه مفت، أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم.
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 988.
25 - خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري
(حي في: 221 هـ)
تلقى العلم عن أبيه وعن حملة العلم بجبل نفوسة. تمرد على الدولة الرستمية،
وأسس الفرقة المنسوبة إليه الخلفية، وبعد الهزامه خلفه ابنه في سيرته،
واستمرت حركتهم إلى أن انقرضت في أواسط القرن الرابع للهجرة.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج:2، ص: 273.
- 660 - (1/690)
صفحة 691
حرف الدال
26 - داود بن إبراهيم الثلاثي الجربي (أبو سليمان)
(ت: 967 هـ/ 1560 م)
علم من أعلام جربة" بتونس درس على علماء عصره في جبل نفوسة وجربة. رحل إلى مصر ثم رجع إلى جربة ومنها شدَّ الرحال إلى مدرسة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي بميزاب (الجزائر) سنة 961 هـ / 1554 م. ثم رجع إلى جربة وتصدر للتدريس والوعظ والتأليف وأحرز شهرة وصينا. من تلامذته: عبد الرحمن الحيلاتي، ومحمد بن زكرياء الباروني من تأليفه: شروح على مؤلفات في العقيدة، والنحو والمنطق.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 2، ص: 287.
حرف الراء
-27 الربيع بن حبيب بن عمر و الأزدي الفراهيدي العماني
(و: 75 هـ ت: 170 هـ)
ولد بغضفان إحدى قرى الباطنة حوالي سنة 75 هـ، و لم يمكث طويلا في عُمان بل انتقل إلى البصرة لطلب العلم، فتتلمذ على الإمام جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب، وصالح الدهان، واحتل بعد ذلك مكان الصدارة تدريسا وتأليفا، وإفتاء، أشرف على حملة العلم ووجههم إلى عُمان واليمن وخراسان. من أهم مؤلفاته: «الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب» (عمدة الإباضية في السنة. آثار «الربيع، وقد رواه عنه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة. مجموعة من الفتاوى والإجابات في العبادات والمعاملات وردت
- 661 - (1/691)
صفحة 692
في مدونة أبي غانم الخراساني. وقد اعتبر الربيع المحدث الحافظ ثقة عند الأصحاب، وعدله الإمام أحمد وأورده ابن حبان في الثقات، ووثقه يحي بن معين وعلي بن المديني وترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال، وأجمع الأصحاب على وضبطه وإتقانه سلفا وخلفا. وبعد سنوات حافلة بجلائل الأعمال قضاها اماما ومربيا بالبصرة، وداعيا ومحدثا ومفتيا، عاد إلى عُمان ليعيش بها ما تبقى من عمره، وتوفي بغضفان مسقط رأسه سنة 170 هـ.
عدالته
الربيع
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 364.
حرف الزاي
28 - زكرياء بن يونس الفرسطائي (أبو يحيى)
من علماء النصف الأول للقرن الرابع الهجري – 300 هـ - 350 هـ) من جبل نفوسة بليبيا. من علماء الطبقة السابعة (حسب تقسيم الشماخي صاحب «السير» الذي أرّخ للعلماء على طبقات كل خمسين سنة طبقة بدءًا من القرن الأول الهجري). أخذ العلم عن ابن هارون الجلالي، وأخذ عنه خلق كثير، منهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي.
انظر: معجم أعلام «الإباضية». مج: 2، ص: 337.
حرف السين
29 - سالم بن ذكوان الهلالي
(حي في 101 هـ)
من أركان الحركة الإباضية في عهد نشأتها، ولكفاءته العلمية والسياسية اختاره
- 662 - (1/692)
صفحة 693
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ضمن الوفد المفاوض للخليفة العادل عمر بن عبد
العزيز للنظر في شؤون المسلمين.
انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 3، ص: 347.
30 - سالم بن راشد بن سليمان بن عامر الخروصي
(ت: 1338 هـ)
قرأ القرآن ومبادئ العلوم على والده الزاهد، ثم رحل إلى عالم زمانه الشيخ نور
الدين بن عبد الله
بن حميد السالمي. بويع بالإمامة سنة 1331 هـ، وكان على رأس
المبايعين له شيخه السالمي، وقام بمهامه أحسن قيام إلى أن تُوفي رحمه
الله عام: 1338 هـ.
انظر: «معجم أعلام الإباضية» قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 410.
31 - سعد بن أبي يونس وسيم النفوسي الويغوي
(نسبة إلى مدينة ”ويغو" من جبل نفوسة). علم من أعلام جبل نفوسة بالقطر الليبي، تلقى مبادئ العلوم بويغو وقنطرارة. عينه الإمام عبد الوهاب واليا على قنطرارة بعد وفاة أبيه "وسيم". تخرج على يده كثير من العلماء أمثال العالم سحنون“ بن أيوب الذي لازمه، ونبغ في علوم الشريعة. توفي بعد 283 هـ.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج 3، ص: 354.
32 - سعيد بن علي بن تعاريت الصدغياني
(و: 1289 هـ / 1872 م - ت: 1355 هـ/ 1936 م)
-
من مشايخ جربة (تونس) المعاصرين، أخذ مبادئ العلوم اللغوية والشرعية في مسقط
""
رأسه صدغيان. ثم التحق بجامع الزيتونة وقضى فيه ست سنوات، وتخرج منه بشهادة التطويع. ثم رحل إلى "يُفرن“ بجبل نفوسة (ليبيا) فأخذ عن الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني.
-663 - (1/693)
صفحة 694
ثم ارتحل إلى وادي ميزاب (الجزائر) وحضر دروس قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، وساعد القطب في التدريس ثم رجع إلى جربة سنة 1317 هـ/ 1899 م وتفرغ للتدريس والوعظ والتأليف. من مؤلفاته القيمة المسلك المحمود في معرفة الردود». انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 3، ص: 371.
-33 - سليمان بن محمد بن عبد الله السالمي (أبونور)
(ت: يوم الأربعاء 22 شوال 1421 هـ / 17 جانفي 2001 م)
قام هو وأخوه أحمد محمد.
بن
-
الله
—
وهما حفيدا الشيخ عبد بن حميد السالمي -
بطبع ونشر عدد من الكتب؛ منها: شرح الجامع الصحيح» لجدهما السالمي، و «ديوان
،،
الستالي»، و «ديوان النبهاني». تفوّق الشيخ سليمان في علم النحو. ودخل ميدان السياسة وهو لم يتجاوز العشرين حيث تولى ولاية جعلان زمن الإمام غالب. انظر: مقدمة ديوان أبي بكر بن
-34 - سليمان الحيلاتي (أبو الربيع)
(ت: 1099 هـ / 1688 م)
أحمد الستالي
عالم جليل، مؤرخ فقيه؛ ولد بحومة "جعب من جزيرة جربة (تونس)، تتلمذ على أيدي جماعة من علماء عصره، وأكثر ما أخذ عن العلامة أبي الفضل قاسم بن سعيد الصدغياني اليونسي. له مؤلفات ورسائل وأجوبة منها: «وثيقة عزابة جربة»، و «نسبة الدين»، و «رسالة مشاهد علماء جربة»، و «رسالة في ذكر بعض حوادث الجزيرة»، و «أجوبة في الفقه والأحكام».
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 3، ص: 400.
-35 مستهل بن صالح
(ق: 2 هـ)
من طبقة الربيع بن حبيب ومن تلاميذ أبي عبيدة مسلم. ممن خالف شيخه أبا
عبيدة في بعض المسائل الفقهية. انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 599.
- 664 - (1/694)
صفحة 695
36 - سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي
حي في: 1314 هـ)
أحد قضاة زنجبار" في عهد السلطان حمود بن حمد البوسعيدي. له كتاب
«جامع الأركان».
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 435.
حرف الشين
37 - شعيب بن المعروف (أبو معروف)
(حي في: 171 هـ/ 787 م)
أحد علماء الإباضية في مصر ومن تلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة. ويعتبر من المنشقين المشاغبين على علماء وأئمة الإباضية: أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب وعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم تحالف مع يزيد بن فندين رأس الحركة النكاريَّة، وبث أفكاره في أوساط العامة، وبقيت عدة قرون إلى أن قضى الله بزوالها. انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 3، ص: 458.
حرف الصاد
38 - صالح بن عُمر لعلي
(و: 1287 هـ / 1870 م - ت: 1347 هـ/ 1928 م)
من كبار علماء ميزاب من بني يزفن - غرداية (الجزائر). من شيوخه "قطب الأئمة“ امحمد بن يوسف اطفيش. سافر إلى تونس للاستزادة من العلم، كما حضر دروسا في جامع الأزهر بالقاهرة. وفي ميزاب أنشأ معهدًا عام 1307 هـ/ 1889 م، كما تولى التدريس في دار التلاميذ ”إيروان“ بمسجد بلده ”بني يزفن“، فضلاً عن
-665 - (1/695)
صفحة 696
الله
مهمة الوعظ والإرشاد بالمسجد .. له مؤلفات منها: «القول الوجيز في كلام العزيز» (تفسير)، و «مراقي العوام إلى معرفة مبادئ الإسلام»، و «رسالة الصوم والإفطار»، و «كشف القناع عن مسائل وقع فيها النزاع»، وله حواشي على عدة كتب، وقصائد في مدح الرسول.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 3، ص: 475.
39 - صالح بن نوح الدمان (أبو نوح)
أحد علماء القرن الأول، غزير العلم، ورع؛ أخذ عن جابر بن زيد وغيره، يعتبر من أكابر شيوخ أبي عبيدة، مسلم ويروى أنه عاصر فتنة الصحابة مما يجعلنا
نقول إنه تابعي كان يميل إلى التيسير على الناس.
انظر الدرجيني: «طبقات»، 211/ 2، 239، 254 - 255.
الشماخي: «سير»، 82/ 1 - 83.
وانظر: «معجم أعلام الإباضية» قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 472.
40 - صُحار بن العباس العبدي
أحد
هو صحار بن العباس العبدي، عُماني تعلم على يد جابر بن زيد، وهو شيوخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة يُنسب إليه كتاب في الأمثال، وآخر في الفقه. انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 3. ص: 489.
41 - الصلت بن مالك الخروصي
(ت: 275 هـ)
من أشهر أئمة عُمان الذين حكموها في القرن الثالث الهجري، حسنت سيرته
وازدهر العلم في عهده وطالت إمامته من 237 - 272 هـ). وفي تلك السنة ثار عليه بعض فاعتزل الإمامة ولزم بيته، ولكن بعضا اعتبر إمامته ماضية إلى أن توفي سنة 275 هـ. انظر: «معجم أعلام الإباضية قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 481.
-666 - (1/696)
صفحة 697
هو
حرف العين
42 - عاصم السدراتي
أحد حملة العلم الخمسة الذين وفدوا من المغرب العربي على أبي عبيدة مسلم
بن أبي كريمة بالبصرة من 135 إلى 140 هـ). بعد عودته من البصرة حمل لواء الدعوة إلى المذهب وظل ينتقل من جبل نفوسة إلى غدامس بليبيا، ثم إلى جبال الأوراس بالجزائر، وتخرج على يديه علماء أجلاء أمثال عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. وكان ممن أسهم في قيام إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح في طرابلس سنة 140 هـ. توفي سنة: 141 هـ / 758 م.
انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 3، ص: 499.
43 - عامر بن علي الشماخي (أبو ساكن)
(ت: 792 هـ/ 1389 م)
من أكابر علماء الإباضية في جبل نفوسة (ليبيا). تتلمذ على علماء عصره وبالأخص على الشيخ أبي موسى عيسى بن عيسى الطّرميسي، نُصب مدرسًا خلفا لشيخه إذ كان أبرز تلامذته. ثم رجع إلى بلده يفرن بجبل نفوسة فأنشأ بها مدرسة خاصة به وأنشأ عددًا آخر من المدارس بالتعاون مع بعض زملائه في الدراسة. له مؤلفات قيمة من أشهرها: كتاب الإيضاح»؛ وهو كتاب في الفقه الإباضي، كما أنه كتاب في الفقه المقارن.
اختار
أن
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 3، ص: 501.
-44 عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني (أبو الخطاب)
تعلم على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة بعد أن ملأ وطابه بالعلم
يتوجه طائفة من طلبة العلم المغاربة إلى المغرب العربي، وقام بجهد ممتاز
- 667 - (1/697)
صفحة 698
في الدعوة إلى المذهب الإباضي فانتشر بسرعة إلى أن بايعه أتباعه بالإمامة، ولم تدم طويلاً، فقد حاربته جيوش العباسيين فانهزم جيشه واستشهد عام 144 هـ / 761 م. انظر: معجم أعلام الإباضية مج 3، ص: 505.
السدراتي
45 - عبد الخالق القرآني
أوائل القرن: 3 هـ/ 9 م)
أحد علام الإباضية في مدينة ”فران“ جنوب ليبيا. تلقى العلم عن عاصم أحد حملة العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. كان فيما تذكر المصادر - أعلم أهل زمانه في أصعب مسائل الفقه وهي الدماء وأحكامها. تشير بعض المصادر إلى أن له مؤلفين في أصول الكلام، وتنسبهما إلى عالم فراني معاصر لعمروس بن فتح ويغلب على الظن أنه عبد الخالق الفزاني.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 3، ص: 511.
46 - عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى
رأس الدولة الرستمية (حكم من 160 هـ إلى 171 هـ). ولد بالعراق، سافر به أبوه وأمه لأداء فريضة الحج حيث وافى الأجل أباه، وطوَّحت به المقادير إلى القيروان أمه بعد أبيه، فتعلم فيها، ثم سافر إلى البصرة فتعلم على يد أبي عبيدة
مسکن زوج مسلم، وبعد خمس سنين عاد إلى المغرب لمؤازرة جهود الدعاة إلى المذهب. وما لبث أن أسس بمعونة أصحابه الدولة الرستمية بمدينة تاهرت بالمغرب الأدنى (الجزائر).
انظر: «معجم أعلام الإباضية مج: 3، ص: 515.
47 - عبد الرحمن بن عُمر بن عيسى بكلّي الشهير بـ البكري
(و: 1319 هـ/ أكتوبر 1901 م - ت: جمادى الأولى / 1406 هـ/ جانفي 1986 م) عالم جليل وشخصية مرموقة، أخذ مبادئ العلم في مسقط رأسه العطف بميزاب) ثم انتقل إلى عاصمة الجزائر ثم إلى تونس للاستزادة من التحصيل، ودرس في
- 668 - (1/698)
صفحة 699
جامع الزيتونة، وفي المدرسة الخلدونية. له مؤلفات هامة، وتولى مهام كثيرة منها
تعيينه عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وفي حلقة العزابة بالعطف.
48 - عبد الكافي بن يوسف التناوتي (أبو عمار)
(حي قبل 570 هـ/ 1174 م)
من مشاهير علماء الإباضية في عصر الازدهار العلمي بوارجلان (الجزائر) في القرن السادس الهجري من معاصريه ورفاقه في الدراسة العالم الكبير أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. رحل إلى تونس للاستزادة من العلوم والمعارف وأقام بها سنين عديدة. ترك ترانا فكريا قيّما فمن مؤلفاته: «الموجز» في علم الكلام (مطبوع)، و «شرح الجهالات للملشوطي» (مخطوط)، و «كتاب الاستطاعة» (مخطوط)، و «كتاب الفرائض (مخطوط)، و «كتاب السيرة في نظام العزابة» (مطبوع)، وله مراسلات عدة.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 3، ص: 539.:
49 - عبد الله بن إياض بن تيم بن ثعلبة بن أبي مُرَّةَ بن عُبَيد
من قبيلة تميم، نشأ في البصرة عاصر فتنة افتراق المسلمين بعد صفين، إليه يُنسب المذهب الإباضي لمواقفه العلنية من مخالفي جماعته، وكان يصدر في آرائه عن مشورة إمام المذهب الروحي: جابر بن زيد.
انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 3. ص: 551.
-50 - عبد الله بن حميد السالمي العماني، "نور الدين"
(و: 1286 هـ / ت: 1332 هـ)
انتهت إليه الرئاسة العلمية بعُمان، كان ممتازا في حدة ذكائه وقوة ذاكرته، يقظاً على تطورات وطنه عمل على إعادة الإمامة العادلة إلى وطنه بدلا عن الملكية، والى جهوده بمآزرة علماء زمانه، بايع بالإمامة العلامة التقي سالم بن راشد الخروصي، وما في
-669 - (1/699)
صفحة 700
كثير من
مع
عُمان اليوم من عالم إلا وهو من تلاميذة السالمي المترجم له). كانت له علاقات علماء عصره، منهم الشيخ اطفيش الجزائري، و هو الذي لقب السالمي نور الدين، كما أن الشيخ السالمي هو الذي لقب الشيخ اطفيش "قطب الأئمة. ترك تأليف جمة في مختلف العلوم والفنون منها المطبوع والمخطوط. ومن آثاره المطبوعة: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» في التاريخ، «طلعة الشمس على الألفية»، في علم أصول الفقه، «مدارج الكمال» أرجوزة تنيف على ألف بيت شرح بعضها في ثمانية أجزاء، سماها «معارج الأمال»، «المنهل الصافي» في العروض و القوافي، «شرح الجامع الصحيح» (مسند الإمام الربيع في الحديث مشارق» «الأنوار» شرح أرجوزته المسماة «أنوار العقول» في علم الكلام. توفي سنة 1332 هـ عن ست وأربعين سنة.
انظر: معجم أعلام الإباضية» قسم المشرق). نسخة رقمية. إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 776.
51 - عبد الله بن سعيد السد ويكشي (أبو محمد)
(ت: 1068 هـ)
من علماء الإباضية بجزيرة جربة (تونس)، تولى بها مشيخة مجلس العزابة سنة 1034 هـ، بعد وفاة الشيخ سعيد التغزويسني، من أبرز تلامذته الشيخ أبو ستة محمد
بن عمر الشهير بالمُحَشُي. له رسائل ومجموعة فتاوى.
من
انظر: معجم أعلام الإباضية مج 3، ص: 561.
-52 - عبد الله بن عبد العزيز (أبو سعيد)
(ق 02 هـ)
علماء البصرة في القرن الثاني الهجري، و هو من طبقة الربيع الذين
أخذوا العلم عن الإمام أبي عبيدة. كان شغوفا بالعلم وكتابته. هو
أحد
- 670 - (1/700)
صفحة 701
العلماء الذين روى عنهم أبو غانم الخراساني مدوّنته. كان أبو سعيد كثير القياس في المسائل الفقهية، إذ لديه نزعة التحرر، لكنَّه يلتزم الدليل، مما جعل الإباضية يعرضون عن آرائه و يأخذون برأي الربيع.
انظر: «معجم أعلام الإباضية قسم المشرق). نسخة رقمية. إشراف د/محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 803.
53 - عبد الله بن يحيى الكندي (طالب الحق)
هو أبو يحيى عبد الله بن يحيى الكندي. راجح أنه نشأ في حضر موت وبها تلقى علومه الأولية، ثم انتقل إلى البصرة ليتلقى مزيداً منها على بعض التابعين المستقرين بها مثل أبي عبيدة، مسلم وضمام بن السائب. قام بثورة عارمة على الدولة الأموية، وبويع إماما على رأس أول إمامة ظهور إباضية عام 129 للهجرة، ثم هزم عام 130 وانتهت حركته.
انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 3، ص: 586.
54 - عبد الملك بن صفرة (أبو صفرة)
عرف عنه أنه اعتنى بجمع روايات الربيع بن حبيب الفراهيدي عن ضمام بن السائب البصري العُماني، وضُمام هذا معدود من بين زهاد خمس وعشرين شيخا روى عنهم الربيع أحاديث انتقى منها ما ضمَّنه مُسنَده الذي جمعه من بعده أبو يعقوب الوارجلاني فيما سُمي بالجامع الصحيح». انظر: مقدمة السالمي على الجامع الصحيح:2، القاهرة، 1349 هـ.
-55 - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم
هر ثاني الأئمة الرستميين، تلقى العلم بالقيروان ثم بتيهرت عن أبيه عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي وغيرهما من حملة العلم. عالم متضلع بالعلم، تصدر للتدريس في تيهرت ونفوسة بلغت الدولة الرستمية في عهده شأوا بعيدا في شتى
النواحي الدينية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
انظر: «معجم أعلام الإباضية مج: 3، ص: 591.
- 671 - (1/701)
صفحة 702
-56 - عثمان بن خليفة السوفي المارغنى (أبو عمرو)
من أبرز علماء الإباضية في القرن السادس الهجري، أخذ العلم عن عدة مشايخ؛ منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف (ت 471 هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن بكر
ت 504 هـ). ومن رفاقه في الدراسة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ات (570 هـ)، وأبو عمار عبد الكافي (توفي قبل 570 هـ). ترك ترانا فكريا هاما من أبرزه: كتاب «السؤالات» وهو من أهم مصادر الإباضية في العقيدة، وكتاب «رسالة في الفرق» مخطوط في عدة مكتبات وطبع طبعة حجرية.
انظر: «معجم أعلام الإباضية مج: 03، ص: 601.
57 - علي بن الحصين العنبري (أبو الحر)
(ت: 130 هـ)
أئمة الإباضية الأوائل، تتلمذ على
معدود ضمن طبقة تابعي التابعين، وهو من الإمام جابر بن زيد، كان له مجلس علم بمكة يجتمع إليه العلماء. ممن ساهم في مقاومة الحكم الأموي الغاشم. اختير ضمن وفد الستّة الذين أرسلهم الإباضية لمقابلة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لمناظرته في شؤون المسلمين.
انظر: معجم أعلام «الإباضية». مج: 3، ص: 610.
58 - عمر (عمرو) بن عيسى التندميرتي (أبو عثمان)
(ت: 1321 هـ/ 1903 م)
ولد في تندميرة" إحدى قرى جبل نفوسة بليبيا. من شيوخه الشيخ عبد
الله
بن يحيى الباروني. لغوي وكاتب وشاعر بارع شهد له شيخه الباروني بالتفوق
العلمي. له عدة مؤلفات وديوان، مر.
انظر: معجم أعلام «الإباضية». مج: 3، ص: 646.
59 - عمرو بن جميع (أبو حفص)
(ق 7 هـ / 13 م)
أخذ العلم عن الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (صاحب كتاب طبقات). كان إماما في علم الكلام. اشتهر بكتابه «عقيدة التوحيد» الذي
- 672 - (1/702)
صفحة 703
ترجمه من اللسان البربري إلى اللغة العربية. ألّف الأصل البربري في أواخر القرن
الثاني للهجرة).
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 3، ص: 662.
-60 عمرو بن محمد القدمي " أو الدكمي، أو الدَّجمي" (أبو المؤرج)
(ق: 02 هـ)
نشأ باليمن، وقدم منها إلى البصرة، ممن أخد العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي
كريمة، وهو ممن روى عنه أبو غانم الخراساني، مدونته وهو أيضا ممن نقل العلم إلى مصر في القرن الثاني الهجري.
انظر: «معجم أعلام الإباضية قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 965.
61 - عَمرُوس بن فتح المسكاني النفوسي (أبو فتح)
(ت: 283 هـ / 896 م)
من أعلم أهل زمانه في جبل نفوسة كما يصفه كتاب السير. تولى القضاء، وكان مثالاً للقاضي العادل الصارم في أحكامه له تصانيف في الفقه والعقيدة. وكان من
الشجعان الأبطال من شهداء واقعة "مانو“ سنة 283 هـ.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 3، ص: 671.
62 - عيسى بن إسماعيل المليكي (أبو مهدي)
(ت: 971 هـ / 1564 م)
علم من أعلام الإباضية من بلدة "مليكة بميزاب (الجزائر)،
أصله من عرش
(قبيلة) أولاد نايل الشهيرة بالقطر الجزائري. تحوّل من المذهب المالكي إلى المذهب الإباضي. درس على شيخ زمانه بميزاب "عمي سعيد بن علي الجربي“ (جزيرة
- 673 - (1/703)
صفحة 704
جربة).
أخذ العلم
خلق كثيرٌ. له مؤلفات ورسائل عديدة؛ أشهرها رسالته التي
رد فيها على الشيخ أبي الحسن البهلوي. وله قصائد في المواعظ والأدب.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 3، ص: 278.
حرف الفاء
63 - فرج بن نصر النفوسي الشهير بـ "نفاث»
النصف الأول من القرن الثالث الهجري)
أخذ العلم عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي؛ حالفه الذكاء فبلغ في العلم درجة عالية، ولكنه حُرم التوفيق. تبنى آراء في الإمامة جعلها سنده في معارضة الإمام أفلح؛ اتبعه بعض، ولكن حركته لم تعمر طويلاً، إذ تصدى له بعض علماء جبل نفوسة، وانتهت حركته بعد أمد قصير.
انظر: معجم أعلام الإباضية». مج 4، ص: 704.
64 - فيصل بن تركي بن سعيد
تولى سلطنة عُمان ما بين 1888 و 1913 م.
حرف القاف
65 - القبلي النفزاوي (أبو داود)
(ي في 140 هـ / 757 م)
أبي
من حملة العلم المغاربة المغرب العربي) الذين توجهوا إلى البصرة للأخذ عن عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام المذهب بعد جابر بن زيد، ولزم حلقات العلم والدأب
على التحصيل حتى أصبح من الأعلام الكبار.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 2، ص: 285.
-674 - (1/704)
صفحة 705
66 - قنبر البصري (أبو سفيان)
(ق: 02 هـ)
سكن البصرة زمن أبي عبيدة مسلم؛ من مشاهير الزهاد، ممن ناله أذى الاضطهاد الأموي على كبر سنه، وكان ضمن الوفد الذين قدموا على الخليفة العادل
عمر بن عبد العزيز لمفاوضته في شؤون المسلمين.
انظر: «معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق). نسخة رقمية.
إشراف د/ محمد صالح ناصر. ترجمة رقم: 1038.
حرف الميم
67 - محبوب بن الرحيل القرشي (أبو سفيان)
تابعي جليل، ومُحدِّث ثقة ضم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني روايات لأبي سفيان هذا إلى مُسند الربيع، ومن مروياته عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. كان محبوب جدا لأسرة عريقة في العلم؛ فقد بلغ هو وابنه محمد بشير بن محمد درجة الاجتهاد، ولهذا الأخير عدة مؤلفات.
وحفيده
انظر الجيطالي: «قواعد الإسلام»، ج 1، ص: 53.
68 - محكم الهواري
حي بين 258208 هـ / 823 - 871 م)
عالم فقيه من جبال الأوراس بالقطر الجزائري. عينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب قاضيًا على عاصمة الدولة الرستمية "تيهرت“، فسار في مهمته سيرة العدول الأقوياء في إقرار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 745.
69 - محمد بن أبي القاسم المصعبي الشهير بـ "حمو والحاج“
(ولد حوالي 1045 هـ / 1635 م
-
ت: 1129 هـ / 1716 م)
عالم جليل؛ من عائلة عريقة في العلم، أخذ العلم عن والده الشيخ أبي القاسم بن
يحيى، عضو في حلقة عزابة غرداية تولى إمامة مسجدها (المسجد العتيق) وتقلد مشيخة
المسجد بغرداية، ثم مشيخة مجلس عمي سعيد. له مؤلفات، ومراسلات، وقصائد ... انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 760.
45
-675 - (1/705)
صفحة 706
70 - محمد بن عباد المصري
أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بالبصرة، وعاد إلى مصر وأقام بها. عاصر الربيع
بن حبيب ومحمد بن محبوب العماني، كان عالماً فقيها مُفتيًا، وهو ممن روى عنهم أبو غانم الخراساني كتابه «المدونة».
71 - محمد بن عبد الله السالمي
ترعرع في كنف والده العلامة الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي.
له
عرف باجتهاده وتعدد مواهبه، فهو مؤرّخ وفقيه وشاعر ومصلح اجتماعي وسياسي، قصائد رائعة في مختلف الفنون الشعريَّة. من مؤلفاته نهضة الأعيان بحريَّة عُمان»، يعدُّ تكملة المؤلّف والده «تحفة الأعيان»، وله أيضا: «عُمان تاريخ يتكلم».
72 - محمد بن محبوب القرشي
(ت: محرم 260 هـ)
أحد مجتهدي الأمة. انتهت إليه الإمامة العلمية للإباضية بعمان بعد أن تخرج من
مدرسة أبي عبيدة مسلم، وكان من أهل الحل والعقد الذين نصبوا الصلت
الخروصي إماما على عُمان عام 238 هـ.
(من
-73 - محمد بن يانس الدركلي النفوسي (أبو المنيب)
علماء الطبقة الخامسة: 200 - 250 هـ / 815 - 864 م)
مالك
بن
أحد أعلام الإباضيَّة بجبل نفوسة (ليبيا)؛ أخذ العلم عن عاصم السدراتي،
وإسماعيل بن درار الغدامسي. اشتهر بانه رشحته نفوسة لمواجهة الواصلية المعتزلة بتيهرت ومناظرتهم، وقد روى التاريخ أنه حاورهم فأفحمهم.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 828.
74 - مخلد بن كيداد اليفرني (أبويزيد)
المشهور بـ ”صاحب الحمار“
كان من فرقة النكار، قم بثورة عارمة على الدولة العبيدية الشيعية، وتذكر
- 676 - (1/706)
صفحة 707
المصادر
انه
قام بمناكر وعاث في الأرض فسادا، ودمر آلاف القرى، وقتل واستباح المحارم، وقويت شوكته حتى كاد أن يقضي على الدولة، ولكنه هزم آخر الأمر على يد إسماعيل بن القاسم بن عبيد الله المهدي. وقتل عام ثلاثمائة وستة للهجرة.
75 مرداس بن حديد (أبو بلال)
(ت: 61 هـ)
ويعرف بمرداس بن
أدية (نسبة إلى أمه. تابعي من!
أئمة المذهب الأوائل، أخذ
عن جابر بن زيد. كان فقيها مجتهدا شجاعًا، ممن شارك في وقعة صفين" إلى جانب الإمام علي، وممن نجا من معركة النهروان اضطرته الضغوط الأموية إلى أن يثور على دولتهم، ويخوض معارك ضارية إنكاراً على ظلمهم وفسادهم.
76 - مسعود الأندلسي
كان فقيها ورعا فاضلاً، وكان لمكانته العلمية من النفر الستة الذين ترك الإمام عبد الرحمن بن رستم الأمر شورى بينهم لانتخاب واحد منهم إماماً للدولة بعده. وقد رُشِّح لتوليها غير أنَّه أبى أن يتحملها فبويع عبد الوهاب بن عبد الرحمن للإمامة. انظر: «معجم أعلام الإباضية» مج: 4، ص: 866.
-77
- مُسلم بن أبي كريمة التميمي (أبو عبيدة)
عالم جليل، وسياسي محنك عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب. روى عن كثير من الصحابة، وعن جابر بن زيد وعن صحار بن العباس العبدي من التابعين أنشأ مدرسة وتخرج على يده مشاهير أئمة الإباضية ودعاتها. له مؤلفات في فنون متفرقة.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج 4، ص: 873.
-677 - (1/707)
صفحة 708
من
78 - موسى بن علي (أبو علي)
علماء القرن الثاني الهجري بعُمان، كان قاضيا للإمام المهنا بن جيفر، فقد
كان شيخ المسلمين ومرجع الفتوى في الإمامة، يرجع إليه أهل الرأي والمشورة في بيع وخلع. توفي عام 230 هـ.
انظر الجيطالي: «قواعد الإسلام» ص: 208.
79 - مُوسى بن هارون (أبو هارون)
(أواخر ق: 4 هـ)
أخذ العلم عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي. كان له المشيخة الكبرى على إباضية طرابلس ونواحي بنزرت وظفران وغدامس إلى جبال دُمَّر من جهة تونس. اشتغل بالتدريس والاجتهاد، وولاه مشايخ جبل نفوسة حاكما على بلدهم. انظر: معجم أعلام الإباضية مج 4، ص: 902.
حرف الهاء
80 - هلال بن عطية الخراساني
رت بعيد: 134 هـ/ 751 م)
ممَّن حمل راية العلم والدعوة إلى المذهب الإباضي، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعاصر إمامة الجلندى بن مسعود الذي عينه قائدا لجنده. انظر: معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 925.
8 - هود بن محكم الهواري
(ق: 03 هـ / 09 م)
أخذ العلم عن أبيه القاضي محكم الهواري، اشتهر بمؤلفه الجليل في تفسير القرآن الكريم «تفسير كتاب الله العزيز». حققه الأستاذ بالحاج بن عدون شريفي
- 678 - (1/708)
صفحة 709
وطبع في أربعة مجلدات، ونُشر لأول مرة ببيروت سنة: 1990 م.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 926.
حرف الواو
82 - وسيم بن يونس النفوسي الطمزيني (أبو يونس)
(حي بين: 208 - 258 هـ / 823 - 871 م)
فقيه عالم من جبل نفوسة. عينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب واليا على قنطرارة
(حكم من 208 إلى 258 هـ).
انظر: «معجم أعلام الإباضية»؛ مج: 4، ص: 935.
حرف الياء
يحيى بن أبي بكر بن الحسين بن نفاث
ذكره الوارجلاني في الدليل والبرهان، و لم نعثر على ترجمته في ما بين أيدينا من المصادر. انظر الوارجلاني: «الدليل والبرهان» ج 3، ص: 53.
84 - يزيد بن فندين اليفرني (أبو قدامة)
عاش في عصر الإمام عبد الوهاب الرستمي، وكان يتشوف أن يُسند إليه الإمام بعض المناصب في دولته؛ جراه على ذلك مقامه العلمي، مما جعله أحد السبعة الذين ترك عبد الرحمن بن رستم الأمر شورى بينهم لاختيار خليفته على الدولة الرستمية. وقد أدركته الغيرة والحسد حين لم يختر، للإمامة، فسلك طريق المخالفة والمشاقة، وأعلن الحرب والعصيان، وبعد جولات وحروب وقلاقل انهزم وانتهى أمره.
من
85 - يزيد بن مخلد الوسياني الحامي (أبو القاسم)
(ت: 358 هـ/ 986 م)
الحامة بالجريد التونسي، أخذ علومه عن الشيخ سحنون بن أيوب، وعن
- 679 - (1/709)
صفحة 710
الربيع سليمان بن زرقون. اشتهر بعلمه فقصده الطلبة من كل حدب وصوب، عظمت متزلته لدى الناس والأمراء، قرَّبه المعز لدين الله الفاطمي إلى بلاطه، ولكنَّ عين الوشاة لا تنام؛ فأمر المعز بقتله، فمات شهيد الظلم والبغي.
انظر: معجم أعلام الإباضية مج: 4، ص: 981.
86 - يغلا بنُ زلاف الوسياني (أبو خزر)
(ت: 380 هـ/ 990 م)
من
من كبار علماء الإباضية لا سيما في علم الكلام كان موطنه الحامة بلاد الجريد بالجنوب التونسي، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي، وأخذ الأصول عن سحنون بن أيوب، من زملائه أبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني، ومن تلاميذه أبو نوح سعيد بن زنغيل. له كتاب بعنوان «الرد على جميع المخالفين».
،،
انظر: معجم أعلام «الإباضية مج: 4، ص: 1001.
88 - يوسف بن نفاث القنطراري (أبو يعقوب)
(ت: 440 هـ/ 1049 م)
من تميجار إحدى قرى جبل نفوسة كان معاصراً للشيخ أبي عبد
الله محمد بن بكر الفرسطائي مؤسس نظام العزابة). هاجر إلى بلاد أريغ" (بالجزائر)، كان مرجع الفتوى والفصل في مسائل الخلاف. فتاوى ومراسلات. قتل في معركة مدينة "درجين“ ـ من بلاد الجريد بالجنوب
-
التونسي - لمَّا استباحها عامل المعز بن باديس وأباد أهلها.
انظر: «معجم أعلام الإباضية». مج: 4، ص: 1036.
- 680 - (1/710)
صفحة 711
- القرآن الكريم
المراجع
الحديث وشروحه
1. أبو داود سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود» دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان (د. ت. ن).
2. أبو شجاع الديلمي الهمذاني: «الفردوس بمأثور الخطاب». دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان. ط 1. 1986 م.
3 أحمد
بن حنبل: «المسند». تح / صدقي محمد جميل العطار. دار الفكر. بيروت.
لبنان. ط 2. 1416 هـ / 1994 م.
4. الأحوذي: «عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي». دار العلم للملايين.
(د. م. ن). (د. ت. ن).
5. ابن ماجة محمد بن يزيد سنن ابن ماجة القزويني بحاشية المتئدي». دار الفكر. بيروت، لبنان. ط 2. (د. ت. ن).
6. الحاكم النيسابوري محمد بن عبدالله: «المستدرك على الصحيحين». تح/ مصطفى
عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1. 1411 هـ/ 1990 م. .7 الدارمي: سنن الدارمي طبع دار الكتب العلمية، نشر دار إحياء السنة النبوية.
د. ت. ن)، (د. م. ن).
8 الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري: «الجامع الصحيح». ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. شرح وتصحيح عبد الله بن حميد السالمي.
2 المطبعة السلفية، القاهرة. 1349 هـ.
الله 9. السالمي عبد حميد: «شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن بن حبيب». المطبعة العمومية، دمشق. 1383 هـ / 1963 م.
- 681 - (1/711)
صفحة 712
10. السالمي عبد الله حميد: بن «شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن
حبيب». مطبعة الأزهار البارونية. القاهرة، 1326 هـ.
11 مالك بن أنس: «موطأ الإمام مالك وشرحه تنوير الحوالك». نشر دار التعاون للنشر والتوزيع مكة المكرمة. 1370 هـ / 1951 م.
12. النسائي أحمد بن شعيب: «سنن النسائي». المطبعة المصرية بالأزهر. نشر دار الفكر بيروت، لبنان. (د. ت. ن).
13. النووي: «شرح النووي على صحيح مسلم» دار الفكر بيروت، لبنان. ط 2. 1392 هـ / 1972 م.
14. الهيثمي علي بن أبي بكر «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد». دار الريان للتراث، دار الكتاب العربي. القاهرة، بيروت. 1407 هـ.
المراجع المعتمدة في التأليف والتحقيق:
15. أبو زهرة محمد أحمد: «تاريخ المذاهب الإسلامية». دار الفكر العربي. د. م. ن). (د. ت. ط). ج 1. (في السياسة والعقائد).
16. الأسفراييني أبو المظفر: «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين». 17. الأشعري أبو الحسن: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين». تح/ محمد محيي الدين عبد الحميد. طبع ونشر مكتبة النهظة المصرية. القاهرة. ط 1. 1369 هـ/ 1950 م. 18. الأصفهاني أبو الفرج: «الأغاني». تح/ لجنة من الأدباء. دار الثقافة. بيروت. ط 2. 1386 هـ/1967 م.
19. الإيجي عبد الرحمن بن أحمد: «المواقف». عالم الكتاب. بيروت. (د. ت. ن). 20. ابن أبي الحديد: «شرح نهج البلاغة». تح/ الشيخ حسن تميم. منشورات دار مكتبة الحياة. بيروت، لبنان. 1979 م.
- 682 - (1/712)
صفحة 713
21. ابن بركة البهلوي عبد الله بن محمد: «كتاب الجامع». تح/ عيسى يحيى
الباروني. (د. د. ن). ط 2. 1394 هـ / 1974 م.
22. ابن حزم الظاهري الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل»، تح/ عبد الرحمن خليفة. ط 1. 1347 هـ. مطبعة محمد علي صبيح. مصر.
23. ابن حزم علي بن أحمد «الإحكام». ط 1. دار الحديث، القاهرة، 1404 هـ. 24. ابن عبد ربه: «العقد الفريد». تح/ محمد سعيد العريان دار الفكر. بيروت. (د. ت. ن). 25. اطفيش أبو إسحاق إبراهيم: «النقد الجليل للعتب الجميل». (د. م. ن) رسالة مطبوعة سنة: 1342 هـ/ 1924 م.
26. اطفيش امحمد بن يوسف: «رسالة إن لم تعرف الإباضية». تصحيح/ قاسم بن سعيد الشماخي، ومصطفى إسماعيل بن إسماعيل الفارضي. (د. د. ن)، (د. م. ن)، (د. ت. ن). 27 اطفيش امحمد بن يوسف: «شامل الأصل والفرع». المطبعة السلفية، القاهرة،
مصر. 1348 هـ.
28. اطفيش امحمد بن يوسف: شرح النيل وشفاء العليل». المطبعة السلفية ومكتبتها. القاهرة. 1343 هـ.
29. الباروني سليمان بن عبد الله: «الأزهار الرياضية». مطبعة الأزهار البارونية، مصر. (د. ت. ن).
30 البغدادي أبو طاهر: «الفرق بين الفرق». تح/ محمد زاهد بن الحسن الكوثري. ط 1، 1367 هـ/ 1948 م. مكتب نشر الثقافة الإسلامية. مصر.
31. بيوض إبراهيم بن عمر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم». ترتيب و تقديم وتخريج بكير بن محمد الشيخ بالحاج نشر جمعية التراث. القرارة.
غرداية. ط 1. 1988.
32. التعاريتي سعيد بن علي: «المسلك المحمود في معرفة الردود». طبع طبعة
حجرية سنة 1331 هـ. (د. م. ن). (د. د. ن).
-683 - (1/713)
صفحة 714
33 جولد تسيهر: «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»؛ دراسات لكبار المستشرقين. تر / عبد الرحمن بدوي نشر وكالة المطبوعات، الكويت. دار القلم، بيروت لبنان.
34 الحارثي عيسى بن صالح: «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل». تص/ عز
الدين التنوخي. المطبعة العمومية دمشق. 1291 هـ/ 1956 م
35. الحضرمي إبراهيم بن قيس: «السيف النقاد». مطبعة الأزهار البارونية.
د. ت. ن). (د. م. ن).
36. الدرجيني أحمد
بن سعيد أبو العباس: طبقات المشايخ بالمغرب». تح/ إبراهيم
طلاي. مطبعة البعث، قسنطينة. (د. ت. ن).
37. الرازي فخر الدين محمد بن عمر الخطيب: «اعتقاد فرق المسلمين والمشركين».
نشر مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة مصر. طبعة 1398 هـ/ 1978 م. 38. السالمي عبد الله بن حميد: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان». تح/ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. ط 2. 1350 هـ. مطبعة الشباب. القاهرة.
39. السالمي محمد بن عبد الله: «عُمان تاريخ يتكلم». المطبعة العمومية. دمشق. عام: 1383 هـ / 1963 م.
40 الشكعة مصطفى إسلام" بلا مذاهب. نشر دار القلم. القاهرة. 1961. أحمد 41. الشماخي بن سعيد أبو العباس: «كتاب السير». طبع بإشراف محمد بن يوسف الباروني النفوسي وشركائه، طبعة أولى. (د. ت. ن).
42 الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: «الملل والنحل» تح/ محمد سيد طبعة مطبعة مصطفى بابي الحلبي. 1387 هـ / 1967 م.
الكيلاني.
43 الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: «الملل والنحل» وعلق صححه و عليه الأستاذ الشيخ أحمد فهمي محمد. ط 1. نشر مكتبة الحسين التجارية.
القاهرة. 1368 هـ/ 1948 م.
-684 - (1/714)
صفحة 715
44 الشوكاني محمد بن علي إرشاد الفحول». طبع مطبعة محمد علي صبيح وأولاده. ميدان الأزهر. مصر. 1349 هـ.
45 شيبة الحمد عبد القادر: «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة». مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (د. ت. ط).
46. عبد الكافي أبو عمار: «الموجز». نسخة مخطوطة، ملك أيوب محمد الأيوبي. 47. عمرو بن جميع: «عقيدة التوحيد وشروحها». بتصحيح وتعليق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش ط: القاهرة. 1353 هـ.
48. المبرد محمد بن يزيد، أبو العباس: «الكامل في اللغة والأدب». نشر مكتبة المعارف. بيروت. (د. ت. ن).
49. محمد بن يوسف بن محمد المصعبي شرح القصيدة الحائية المسماة "تحريظ
الطلبة». لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائي. طبع كستليولا، مصر. 1315 هـ.50 النبهاني سليمان ديوان السلطان سليمان بن سليمان النبهاني». صححه وشرحه وعلق عليه عزا الدين التنوخي. المطبعة العمومية، دمشق، سوريا. 1384 هـ/ 1965 م. 51. هويدي يحيى: «تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية». نشر مكتبة النهضة المصرية. 1965 م
52 الوارجلاني يوسف بن إبراهيم أبو يعقوب: «الدليل والبرهان». المطبعة البارونية مصر. ط 1. 1306 هـ.
بعض المراجع المعتمدة في التأليف دون التحقيق:
53 ألفرد بل: «الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي». تر/ عبد الرحمن بدوي. 54. إميل فليكس جوتييه: «ماضي شمال إفريقيا». تر/ هاشم الحسيني. 55. اطفيش إبراهيم أبو إسحاق: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين».
56. الباروني أبو الربيع: «مختصر تاريخ الإباضية».
-685 - (1/715)
صفحة 716
57 الباروني عبد الله يحيى: «سلم العامة والمبتدئين».
58. تبغورين الملشوطي: «الديانات».
59 الحيلاتي أبو الربيع: «مجموعة رسائل». 60. الطاهر الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا». 61. عبد الباقي محمد إبراهيم الدين والعلم الحديث». 62. عبد الجليل عيسى: «ما لا يجوز فيه الخلاف».
63. عبد الوهاب خلاف: «علم أصول الفقه».
64. عثمان بن خليفة أبو عمرو: «السؤالات» (مخطوط).
65. المسعوي أبو الحسن: «مروج الذهب».
66. يوليوس فلهاوزن الخوارج والشيعة». تر/ عبد الرحمن بدوي.
الموسوعات والمعاجم:
67. رواسي محمد وقنيي حامد صادق: «معجم لغة الفقهاء». دار النفائس بيروت. 68 معجم أعلام الإباضية قسم المشرق. إشراف د/ محمد صالح ناصر. (نسخة رقمية). 69. «معجم أعلام الإباضية قسم المغرب. لجنة البحث العلمي لجمعية التراث. نشر جمعية التراث. القرارة. غرداية. الجزائر. ط 1. 1420 هـ/ 1999 م. 70 «المنجد في اللغة العربية المعاصرة»، نشر دار المشرق، بيروت، لبنان. ط:1، 2000 م. 71. «المنهل»، قاموس فرنسي عربي دار الآداب بيروت، ط: 05، 1979 م. 72. «الموسوعة الفلسفية»، وضع لجنة من العلماء، إشراف م. روزنتال، ب. يودين. تر/ سمير كرم. دار الطليعة. بيروت.
73. ياقوت الحموي: معجم البلدان دار صادر، بيروت لبنان. 1397 هـ / 1977 م.
- 686 - (1/716)
صفحة 717
[صفحة فارغة] (1/717)