صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: ديانات ومذاهب - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث
المؤلف: علي يحيى معمر
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1406ه/ 1986م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5799&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/9
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 ربيع الأول 1447ه/ 01 - شهر 09 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
من كلام المقالات في الدين الحديث
على ينق عمر
الجزء الأول ى
1406 هـ - 1986 م
* (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
7
عند كتاب المقالات القديم والحديث
تأليف
على يختي معمر
الجزء الأول
18 - 7
&
1986 م
- (1/3)
صفحة 4
بالله الحزن الحين
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين).
قرآن کريم
صورة النمل الآية (19) (1/4)
صفحة 5
يا أخي في الله!.
أخي في الله! أرجو أن تقرأ هذه الفصول المعروضة بين يديك في هذا الكتاب محتسبا أجرك على الله. وأن تأخذ منها ما استبان لك أنه الحق بحفاوة. وأن تنبذ ما استبان لك أنه الباطل على طول يدك، وأن تزن كل ذلك بالميزان الدقيق الذي لا يخطئ من قوله تعالى: «فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر».
وأن تضع في اعتبارك أنني أرى أن جميع الفرق والمذاهب الإسلامية تقف متساوية على صعيد واحد، فليس فيها - بصفتها الجماعية - فرقة أفضل من فرقة، ولا مذهب خيرا من مذهب. وأن في المنتمين الى كل فرقة أو مذهب أتقياء بررة، وأشقياء فجرة، وسواداً أعظم وهو وسط
بين ذلك
-
وأن تعلم أن النقاش الذي جرى على قلمي ـ في شدته ولينه، وفى قسوته ورفقه ـ لا أريد به الدعوة الى المذهبية، ولا الدفاع عن مذهبية، وإنما أريد به تحطيم المذهبية • وأنا على يقين - في نفسي ـ أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة. ولا نتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها الا شدة في التعصب وقوة في رد الفعل • وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف. فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون، ولماذا يتمسكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه) اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ) وفى ظل الأخوة والسماح تغيب (1/5)
صفحة 6
التحديات وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت
مذهبا.
ولن نصل الى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبى حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين الا بمقدار ما قدم من عمل خالص لله
قيل عن الإباضية
* «وكل من يتهم الإباضية بالزيغ والضلال، فهو ممن فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، ومن الظالمين الجهال، جمع الله ما فرقوا ورتق ما فتقوا، ومزق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط بالكافرين»
خلاصة الرسائل فى ترتيب المسائل طبعة سنة 1356 هـ
عضو المجمع العلمي العربي عز الدين التنوخي
والذا كان الإباضيون أصحاب أمجاد فى الماضى، فلا زالوا كذاك في
عصرنا الحاضر» •
إسلام بلا مذاهب: مصطفى الشكعة
ومن كل هذا يتبين • اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم» •
كتاب المذاهب الإسلامية:
محمد أحمد أبو زهرة (1/6)
صفحة 7
قول ابن إباض أقرب الأقاويل الى السنة» •
الكامل: المبرد
ورجال الإباضية يضرب بهم المثل فى التقوى والصلاح والزهد» • تاريخ فلسفة الإسلام فى القارة الأفريقية: يحى هويدى
«إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية - أهل الإستقامة. الدعابات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولا ثم
ثانيا» •
من
المذهبي
أبو إسحاق طفيش
يمكن أن تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل قضايا
العقيدة».
بيوض إبراهيم بن عمر (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
مقدمة
-
اختار بعض من كتب عن عقائد الفرق الإسلامية وآرائها ومذاهبها من الكتاب القدماء. كلمة المقالات فأطلقها على ما ذهبت إليه كل فرقة في ذلك، وأحسب أن اختيارهم لاستعمال هذه الكلمة في هذا المجال كان موفقا جداً، فان موافقهم - رغم ما فيها ـ لا تزيد عن مقالات
وعندما يرجع الباحث اليوم الى أكثر تلك المقالات التي توزع فيها المسلمون، وتشتتوا الى فرق لا حصر لها، يضرب بعضها بالبعض، حسبما تقتضيه ظروف كل عصر، يجد أن الجزء الأكبر منها لا مواضيع سياسية معينة، نتناول بعض قضايا الحكم، أو مشاكل التعامل بين المتخالفين في رأى أو وجهة نظر معينة.
يعدو
والحقيقة أن بعض الأقلام كانت مولعة بتكثير أصحاب المقالات، فما تسمع بنقاش جرى بين اثنين حتى تسارع فتجعل لكل واحد منهما فرقة وتجعله إماما أو رئيسا لتلك الفرقة.
والشواهد على ذلك في كتب المقالات كثيرة وقد يجد القارئ في
هذا الكتاب صوراً منها.
-
ولا شك أن أصابع السياسة وراء هذا كله وسواء في ذلك السياسات الحاكمة أو السياسات المضادة لها ولا شك أيضا أن الأقلام التي تناولت ذلك سارت دون وعي - في أكثر الحالات ـــ في ركاب سياسة مخططة فحققت لها كثيراً من المقاصد والأهداف
•
ويلاحظ الدراس لهذا الموضوع، أن كثيراً من الأشخاص الذين اعتبروا أئمة لفرق، ونسبت إليهم أقوال في قضايا الساعة ليسوا ـ على (1/9)
صفحة 10
1
أحسن التقديرات
-
إلا رجالا من العوام أو أشباه العوام، يملكون
السنة حادة، أو سيوفا قاطعة، أو إرادات صلبة،، فهم في نظر السياسة
-
ومع
ذلك فقد
خطر على أمن الدولة، أى على كراسى الحكم - نسبت اليهم مقالات شاذة في قضايا تشغل فكر الجماهير في ذلك الحين، فهل كانوا حقا يقولون بها، وهل كانوا حقا في المستوى العلمى الذى يتيح لهم أن يصدروا أحكاما في مثل هذه المسائل الدقيقة؟ أم إن السياسة الماكرة هي التي استطاعت أن تقولهم أو تدس عليهم ذلك. ثم توجه إليهم الأنظار .. أنظار النفرة والكراهية، فنجحت في إدانتهم وإبعاد
الناس عنهم.
عجبا
والباحث اليوم عندما يعود إلى التنقيب عن هذا الموضوع يرى فرق كاملة بأئمتها وأقوالها ومواقفها الحاسمة لا يعثر لها على
أثر أبداً إلا ما يقصه عنها خصومها في كثير من المبالغات
عندما كنت أقرأ في كتب المقالات ما يتصل بالإباضية تصادفني عجائب في العقائد والآراء والأقوال تنسب إليهم، إما بعبارات واضحة صريحة أو بأساليب ملتوية، ولكنها معبرة، وتصادفني كذلك أسماء لأشخاص كثيرين يعتبرون أئمة لهم، وأنا على يقين كامل بأن ذلك غير موجود عند الإباضية. فاذا كانت هذه الحال فرقة ينتشر أتباعها في كثير من البلاد الإسلامية، ولا يخلو قطر من أقطارها من كتبهم، فكيف الحال مع من إنقرض فلم يبق له أتباع، ولم يترك كتبا مصنفة فيما يختص به، وإنما عاش – إن صح هذا ـ يطفح على ميدان الحياة حتى طواه موج الزمن في ذكرى التاريخ المجردة.
لقد أصاب الإباضية من كتاب المقالات كثير من الأذى، قد لا يكون مقصودا، ولكنه واقع، وقد أحدث بالفعل فجوة بينهم وبين إخوتهم في بقية المذاهب، كانت متسعة فى الماضى وأصبحت تضيق. ونرجوا (1/10)
صفحة 11
11 -
أن تتمهد وتزول فى هذا العصر الذى يجب أن يتلاقى المسلمون فيه على وحدة العقيدة، ووحدة العمل ووحدة السلوك، في مجابهة أعداء الإسلام، راعاة صادقة لحرية الرأى والفكر، واحترام كامل لجميع أئمة المسلمين السابقين • دون تهجم أو انتقاض، ودون تقديس أو تعظيم (1).
وعلمائهم
وفى هذا الكتاب حاولت أن أرافق بعض الكتاب من القدماء والمعاصرين، لنتعاون على وضع هذه الفرقة من المسلمين (الإباضية) في مكانها الحقيقى من الأمة الإسلامية. واضعا في اعتباري أن الكتاب القدماء يسعهم من العذر ما لا يسع الكتاب المعاصرين وإن أخطاء أولئك في كثير من الأحيان ينتج عن عدم وجود الوسائل في حين أن جميع متوافرة لدى الكتاب المعاصرين. أما المستشرقون فلهم دوافهم الخاصة للكتابة عن الإسلام والمسلمين • ومناقشاتي في جميع الفصول لجميع هؤلاء قد تتأثر بهذه الإعتبارات فيتغير الأسلوب من كاتب الى
كاتب.
الوسائل
يشتمل الكتاب على ستة أقسام غير المقدمات كل قسم يحتوى على
عدد من الفصول:
القسم الأول: مع ا
القدماء.
القسم الثاني:.: مع المعاصرين.
القسم. الثالث: مع
المستشرقين
القسم الرابع: آراء للإباضية.
القسم الخامس مفاهيم يجب أن تختفى.
(1) المقصود بهذه الكلمة اعتبار اى امام او ولي معصوما أو كالمعصوم. (1/11)
صفحة 12
-
القسم السادس: ملاحظات وتعاليق
يهمه
أرجو أن أكون قد استطعت أن أضع بين يدى القارئ الذي أمر الأمة الإسلامية جمعاء صورة واضحة لمكان الإباضية فيها، وأن أصحح بعض الأخطاء عنها توارثتها الأجيال، وتعاون على تضخمها التعصب من جهة، والجمود والتقوقع من جهة أخرى.
في عدد من
المسائل كما
ويهمنى أن أذكر أنه يوجد خلاف بين الإباضية وغيرهم من المذاهب يوجد خلاف بين الحنفية وغيرهم والشافعية وغيرهم والمالكية وغيرهم وكما يوجد خلاف بين بقية المذاهب وبين علماء كل واحد من هذه المذاهب فيما بينهم. ولكن يهمنى أيضا أن أذكر أن هذا
الخلاف في مجموع صورة وموضوعاته إنما نتج عن أساسين.
الأول: فهم الأئمة والعلماء للأدلة في نصوصها الثابتة من الكتاب
والسنة.
الثاني: حرص أولئك العلماء والأئمة على إصابة الحق في الفهم والاستدلال والعمل بالمقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية. وليس في هذين الأساسين اللذين نتج عنهما الخلاف ما يدعو الى الخصومة
أو القطيعة.
نضرع الى المولى تبارك وتعالى أن يلهم هذه الأمة رشدها ويوحد
صفها وينصرها على المتربصين بها.
20 مارس 1972 (1/12)
صفحة 13
الباب الأول
الإباضية في قفص الاتهام
مع
القدماء.
الإباضية عند الأشعرى.
تشنيعات الأشعرى على الإباضية.
مقالات الإباضية عند الأشعرى.
البغدادي والإباضية
ابن حزم والإباضية.
أبو المظفر الاسفراييني والإباضية.
أبو الفتح الشهر ستاني والإباضية. (1/13)
صفحة 14
—
18 -
الإباضية في قفص الاتهام
ان وضع الإباضية بالنسبة الى إخوتهم من المذاهب الأخرى وضع غريب. فبرغم أنهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين باخوتهم من المذاهب الأخرى، يتعاملون في معهم جميع شئون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض • وتربط الكثير منهم علاقات مودة وصداقة أوثق كثيراً مما تربط أهل المذهب الواحد، ويتصرف أولئك الإباضيون في المجتمع تصرف المسلم الطبيعي، لا يخفى ولا يشذ شيء من سلوكهم الديني أو المدنى، ولا ينقم عليهم إخوتهم أولئك الذين يعيشون في السراء معهم والضراء، بدعة يعرفونها، أو انحراقا يرونه، أو خلافا يدعو الى سوء الظن رغم كل هذا فان تلك الكلمة التي أطقتها عليهم شفة مغرضة مجهولة، في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهم الأدوار في توجيه الفهم لمن ينتقد انحرافها عن منهج العدول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منذ ذلك التاريخ في العصر الأمرى – فيما يبدو – وا. والإباضية يقفون في قفص الإتهام - يقاسون ألم الجفاء من إخوتهم لأنهم ـ فيما تزعم تلك التهمة الظالمة - (خوارج) ومن المؤسف أن أكثر الكتاب سواء كانوا كتاب مقالات في العقائد، أو كتاب تاريخ يتتبعون مجارى الأحداث السياسية. وقفوا بالنسبة الى الإباضية موقف المدعى العام الذي يعتقد أن نجاح مرافعته يتوقف على إثبات التهمة أو قاضي التحقيق الذي يهمه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه. ووضعته التحريات بين
يديه
فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الإتهام أولا، ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة، ولكن لإثبات هذه التهمة. لا لمعرفة الحقيقة.
وعندما يتقدم الإباضية بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا اليها، ويبينون سيرتهم وسلوكهم، يعتبر كل ذلك منهم (1/14)
صفحة 15
-
كلاما في موقف الدفاع، لا يجوز على القاضي الذكي • فهو لا يسمعه، ولا ينظر فيه، واذا استمع إليه فلكى يلتقط منه جملا تعزز التهمة، وقد يحرفها قليلا حتى تكون صالحة كدليل للإثبات.
وقد يعرض الإباضية عقيدة أو رأيا لهم بأدلته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضى. ولكن القاضى يصر مع ذلك أن القوم مخطئون وأن ما يقولونه إنما هو كلام للدفاع. ثم يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إلا لأنهم حسبما بلغ الى علمه (خوارج) عندما يقول الإباضية عن عقيدة أو رأى أنه عندهم كفر وخروج الملة من، فإن هذا القول لا يقبل منهم، ويستمر إثباته لهم ومحاسبتهم عليه. وقد يبرأون من رجل ومن أعماله وأقواله ممن لا ينتمى إليهم ولكن يقال لهم أيضا: بل هذا الرجل من أئمتكم • ولو أنكرتم ذلك
وحتى
والمشكلة أن رافعي الإتهام لا يحاولوا أبداً أن يبحثوا عن الحقيقة، ولا أن يرجعوا في تحقيقهم الى مصادر الإباضية، وإنما يتناقون التهمة بنصها من جيل إلى جيل دون اعتبار لصراخ المتهم الموجود في القفص أو اهتمام به أو سماع لدفاعه.
وفى عصرنا هذا اهتم عدد من كتاب المقالات، ومحققى الكتب: بشئون الفرق الإسلامية، وعرض بعضهم فيما عرض للإباضية، وبين يديه كتب قيمة لهم يستطيع أن يتخذها مراجع يستقى منها أقوالهم ويستطيع أن يعرف فيها أصول ديانتهم وفروعها ويصحح أخطاء عنهم في غيرها. والى جانبه علماء فضلاء
ما
يجده من
-
متأكدا
منهم
في
إمكانهم أن ييسروا له الوصول الى الحق ولكنه في الواقع يزور عن ذلك ولا يرجع الى تلك الكتب، ولا الى أولئك العلماء، وإنما يعود بالتفتيش الى كتب ليست لهم وإنما كتبها غيرهم عنهم من ظروف مجهولة، وهي غالبا لا تسلم من الأخطاء عن حسن النية إن سلمت من سوء النية، بل هي عرضة للأخطاء من عدة جوانب منها:
، (1/15)
صفحة 16
1 - عدم توافر النزاهة الكاملة في الكاتب.
2 ــ سيطرة آراء معينة على الكاتب تجعله غير مستعد لفهم غيرها
أو حتى مجرد مناقشتها.
كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرق
بها بين الصواب والخطأ.
بشراً
4 ـ المصادر التي يستقى منها ويعتمد عليها ـ سواء كانت كتبا أم قد تكون معرضة، وقد تكون مستغفلة، وقد تكون مستغلة، وقد
-
تكون جاهلة لحقيقة ما تثبت.
ه - وسائل الإتصال التي تساعد على البحث والوصول الى الحقيقة بالإتصال الشخصي المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة •
6 - النفرة بين أتباع المذاهب المختلفة وسوء الظن، وشدة التعصب، وتمسك كل بما عنده والحكم مسبقا على الآخرين بالخطأ والضلال، هذه العراقيل كلها أو بعضها تجعل الوصول إلى الحقيقة عسيرا حتى بالنسبة للنزيه الحريص على الحق، فان سوء الظن يلقى ظلالا الشك من عليه لا تمكنه من الإطلاع.
Y
الإشاعات الكاذبة، والدعايات المضللة التي تنطلق عن دوافع سياسية غالباً، فتصل إلى ناس موثوق بهم، فتجرى على ألسنتهم أو أقلامهم، فتتلقفها منهم الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقي، والدوافع السياسية الماكرة إلى الإيحاء بها.
•
هذه بعض الجوانب التي كانت تؤثر على الكتاب الأقدمين، وقد (1/16)
صفحة 17
انتبه إليها بعضهم، وعرف مدى تأثيرها على المؤلفين، وما يتسبب عنها
من أباطيل تلتصق بطوائف من المسلمين هم منها أبرياء -
يقول أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعرى (1) ما يلى:
ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصى لروايته فيما يرويه، من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف الى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به» • فأنت ترى أن أبا الحسن الأشعرى - وهو من أوائل من كتب في هذا قد انتقد عدة عيوب فى أولئك الذين يتصدون للحديث عن
الموضوع مخالفيهم
، كالتقصير في التحقيق، واعتماد الكذب، والغلط، وعدم التقصى في البحث، والزيادة في الأقوال لإلزام المخالفين الحجة
أما الشهرستاني كتابه (الملل والنحل) فهو لم يذكر نقدا بهذه التفاصيل وإنما أشار إليها من طرف خفى، فقد قال ما يلى (2):
وشرطى على نفسى أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، ومن غير تعصب لهم، ولا كر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله» •
وهذا الكلام يشعر أن الشهرستاني رأى كما رأى الأشعرى من
قبله، عدم التحقيق فيما يقال عن الفرق، ولذلك فقد شرط على نفسه
(1) مقالات الاسلاميين طبعة النهضة 1369 هـ صفحة: 33
(2) الفصل فى الملل والنحل طبعة 1368 هـ صفة 60 من الجزء الأول
(م 2 - الاباضية)
• (1/17)
صفحة 18
MA-
أن يأخذ أقوال أصحاب الفرق من كتبهم، دون التعرض لنقدها أو
تصحيحها.
فهل استطاع أبو الحسن الأشعرى أن يتحقق أن ما أورده عن الفرق قد سلم من تلك العيوب التي ذكرها وعزم أن يتحرز منها، والتي انتقدها على غيره من المتحدثين والكتاب بقوة وجرأة تستدعيان أن تجاب؟!! وهل استطاع الشهرستاني أن يوفى بشرطه؟ وأن لا ينقل مقالات أهل الفرق إلا من كتبهم ومصادرهم؟! وأن يلتزم معها الحياد الكامل فلا يصوب ولا يخطئ ولا يرجح؟
ذلك ما سوف نراه فى الفصول الآتية إن شاء الله تعالى، ونحن نرافق هؤلاء الأئمة العظام وغيرهم فى رحلة علمية، نستمع فيها إليهم ونقرأ لهم، ونأخذ عنهم. ونسترشدهم في الوصول الى الحق الذى
هو غاية الجميع. (1/18)
صفحة 19
—
19
فيها
-
مع القدماء:
القسم الأول
إن الذين كتبوا عن العقائد الإسلامية، واستعرضوا مقالات الفرق عدد كبير، وليس في وسع الدارس أن يتتبعهم
من القدماء
جميعاً ولا أن يستحضر كل ما قالوه، ولكن في إمكانه أن يقوم بدراسات بعضهم، وأن يأخذهم كأمثلة أو نماذج يستدل بها على الأسلوب أو المنهج الذي سلكوه أو سلكه أكثرهم.
وبعد دراسة لموضوع الإباضية في عدد من تلك الكتب، واستعراض لمناهجها وأساليبها في البحث، استقر رأيي على اختيار خمسة من المؤلفين لأقوم معهم بهذه الرحلة العلمية، التي آمل أن يجد كل قارئ يصحبنا فيها بعض المتعة إذا لم يتحصل فيها على فائدة.
وقد فضلت أن أبدأ المسير مع هؤلاء الخمسة الذين اخترتهم كنماذج
حسب ترتيبهم الزمني على ما يأتي:
5330
أبو الحسن على بن اسماعيل الأشعرى المتوفى سنة
-
1
2 ـ عبد القاهر بن طاهر البغدادى المتوفى سنة 429 هـ
4
ـ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 هـ أبو المظفر شاهفور بن طاهر الأسفراييني المتوفى سنة 471 هـ
- أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548 ه (1/19)
صفحة 20
إنني
أعتقد أن هؤلاء الكتاب هم من أشهر من كتب في هذه المواضيع، وكتبهم تعتبر مصادر ومراجع لا يستغنى عنها باحث في هذا المجال، وكل من جاء بعدهم إنما هو عالة عليهم، منهم يأخذ، أو على منهاجهم يسير.
وأما الكتب فهاهي حسب ترتيبهم السابق
1
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين
الأشعرى
البغدادي
2 ـ الفرق بين الفرق
3 ـ الفصل في الملل والنحل
4
التبصير في الدين
ه ـ الملل والنحل
ابن حزم
الأسفراييني
الشهرستاني (1/20)
صفحة 21
-
-
الإباضية عند الأشعري
قد يعجب القارئ الكريم إذا قلت له: إن أبا الحسن الأشعرى رغم أنه كتب عن الإباضية كثيرا، فإنه لا يعرف عن الإباضية شيئا، وإن أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم وليتضح للقارئ الكريم هذا القول فإنني أرجو منه أن يرافقني قليلا، وأن
يقرأ الفصول المعقودة لدراسة أبي الحسن الأشعرى الإباضية. مع
يقول أبو الحسن الأشعرى فى كتابه) مقالات الإسلاميين) صفحة
171 من الجزء الأول ما يلى:
ومن الخوارج الإباضية:
فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصية كان إمامهم حفص بن أبي المقدام، زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل 1 بجميع الخبائث من قتل النفس، واستحلال الزنى، وسائر ما من فروج النساء، فهو كافر برئ من الشرك».
حرم
الله
واستمر الأشعرى يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثم قال: والفرقة الثانية منهم يسمون اليزيدية، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» ثم ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها، ومنها: «وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا في العجم، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة». ويقول بعد أسطر: «وتولى – أبي يزيد من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوءة من أهل الكتاب، وان لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته، وزعم أنهم بذلك
هذا
-
مؤمنون • ثم يقول: (1/21)
صفحة 22
22
والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي، قالوا في القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإباضية» • وبعد أن يذكر لهم
جملة من
التشنيعات يقول:
والفرقة الرابعة منهم، يقولون بطاعة لا يراد الله بها، على مذهب أبي الهذيل، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله، إذا فعل شيئا أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده به» •
هكذا بدأ أبو الحسن الأشعرى حديثه عن الإباضية فبمجرد ما ذكرهم
بدأ في تقسيمهم الى فرق، وجعل ينسب إلى كل فرقة جملة.
والأقوال.
من
الآراء
والقارئ الكريم عندما يبدأ فى قراءة ما كتبه الأشعرى عن هذه الإباضية يفهم أن الإباضية ينقسمون الى أربع فرق كبرى هي المفرق التي ذكرها، وأن بعض هذه الفرق قد انقسم أيضا الى فرق أخرى فرعية، وذكر الأشعرى أقوالا أخرى وشنائع أخرى نسب بعضها جميع الإباضية، ونسب بعضها الى احدى تلك الفرق
الى
وعند الرجوع الى كتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن والتي ألفت قبله والتي ألفت بعده، فإن القارئ لن يجد فيها شيئا عن هذه الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها. وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإباضية، التى تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها ومشائخها، فإنك لن تجد ولا إشارة عابرة الى أولئك الأئمة
الذين ذكرهم الأشعرى واعتبرهم أئمة لفرق كاملة من الإباضية.
واقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية، فإنك لن تجد ذكرا لهذه الفرق ولا لآرائها، وكل ما نستطيع أن نعتذر به عن ايراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنعين، فكان يتلقى مقالات (1/22)
صفحة 23
- 23 -
الفرق عن ناس يثق بهم، ولكنهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق سواء كان نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع، أو عن طريق القراءة والإطلاع فى كتب مدونة • فهو لم يشر إلى أى ذلك على كل حال.
ويكفي فيما أعتقد لنفى أن يكون ما قاله أبو الحسن عن الإباضية صحيحا جهلهم به، وعدم ذكرهم لأى شيء منه في مراجعهم العامة والخاصة المكتوبة والمتحدثة
•
يقول أبو الحسن: «فالفرقة الأولى يقال لهم الحفصية، كان إمامهم حفص ابن أبي المقدام، ومع كثرة ما قلبت في كتب الإباضية ومع العناية والبحث فإننى لم أعثر على هذا الإسم الذي اعتبره أبو الحسن إماما من أئمتهم. ولم اعثر كذلك على شيء من أخبار فرقته وآرائها. وقد نسب أبو الحسن الى هذه الفرقة وإمامها أقوالا يكفي بعضها لإخراجهم من الإسلام، والحكم عليهم بالشرك والردة، إذا سبق أن كانوا مسلمين، منها: إنكار النبوة، وإنكار الجنة والنار، ومنها استحلال الزنى وغيره مما حرمه الله، وأشياء أخرى من هذا النوع وهي كافية – إذا قال بها حقا للحكم بخروجه وخروج من تبعه فيها من الإسلام. فكيف يصح أن تنسب هذه الفرقة إلى إحدى فرق المسلمين؟ وكيف يصح أن يقال فيهم إنهم فرقة من الإباضية؟!
قد تكون هذه الفرقة موجودة ولها علاقة ما بفرقة أخرى من فرق المسلمين وقد يكون حفص هذا إماما في أية فرقة أخرى. أما أن يكون هو وأتباعه - إن وجد - ووجدوا - فى الإباضية، وأن تكون آراؤه التي ساقها أبو الحسن آراء الإباضية، فهذا هو المستحيل بعينه. ويتصفح أى كتاب من كتب العقائد عند الإباضية سوف يتضح أن ما بها يناقض مناقضة كاملة لهذه المزاعم التي ساقها أبو الحسن على
لسان حفص ونسبه ونسبها الى الإباضية. (1/23)
صفحة 24
YE-
ويقول أبو الحسن الأشعرى والفرقة الثانية يسمون اليزيدية، كان إمامهم يزيد ابن أنيسة (وذكر فيما ذكر من آراء هذه الفرقة ما يلى: وزعم – أي يزيد بن أنيسة ـ أن الله سبحانه سببعث رسولا من
العجم
-
، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب فى السماء وينزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة محمد، ودان بشريعة غيرها وزعم أن ملة ذلك النبيء الصابئة، وليست هذه الصابئة التى عليها الناس اليوم، وليس الصابئين الذين ذكرهـ رهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد، وتولى من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته، وزعم أنهم بذلك مؤمنون»
هم
•
والغريب في الأمر أن القارئ الكريم اذا رجع إلى مصادر الإباضية من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجري الى هذا العصر فإنه لن يجد عند الإباضية هذا الإمام الذى سماه أبو الحسن الأشعرى يزيد بن أنيسة ـ ولا يجد عندهم ذكرا لفرقته ولا لآرائه، بل إنهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنه مشرك خارج عن الملة، ومن كان مشركا خارجا عن ملة الإسلام، لا يمكن أن يحسب في فرق المسلمين * ولست أدرى كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد هذا اليزيد
-
•
هذا ان وجد
حقا
ووجدت
الى الإباضية، وأن يحشر معهم فرقته له فرقة – وكيف ساغ له أن يحسبها في فرق الإسلام، وينسبها الى إحدى طوائفه وهو نفسه يحكم عليها بالخروج من الإسلام حين يقول في الفقرة السابقة: «فترك - أى يزيد بن أنيسة - شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ودان بشريعة غيرها» ويضيف أبو الحسن الفرقة الثالثة إلى الإباضية فيقول:
الفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي، قالوا في
القدر بقول المعتزلة وخالفو فيه سائر الإباضية • وزعموا أن الاستطاعة
قبل الفعل». (1/24)
صفحة 25
YO -
وهذا الحارث أيضا لم يحرث عند الإباضية ولم يزرع لا آراء ولا حبوبا ولم يحصد الإباضية عنه أو عن فرقته شيئا. ان كان حقا حرث في أي مكان.
وتركه. لا
ولو أن أبا الحسن حشر هذا الحارث مع المعتزلة لكان أقرب ما دام يقول بقولهم في القدر، ومسألة القدر هي أم المسائل في النقاش الفلسفي الذي جرى بين المذاهب الإسلامية في وقت مبكر، وكانت المميز الواضح بين مذاهبهم والمهم الموضوع أنه لا يوجد لهذا الحارث الذي لم يجد أبو الحسن أبا فجاء به هكذا يسوقه حتى أدخله عند الإباضية يوجد عند أي الإباضية أى ذكر لهذا الحارث أو رأى أو فرقة أو نسب، ولا حتى مرور ضيافة في مراجع الإباضية مما استطعت الحصول عليه خالية منه ومن آرائه ومن فرقته فإذا كانت حقيقته وحقيقة آرائه في الواقع كما هي عند الإباضية فإنه رجل لا وجود له ولا لفرقته أما آراؤه فهى صورة في مخيلة مشنع على الإباضية ألقاها على أبي الحسن فوثق به وأثبتها فى كتابه دون نقد أو تمحيص •
ويستمر أبو الحسن في تعداد فرق الإباضية فيقول:
والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل» ثم يشرح هذه العبارة فيقول: (معنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله اذا فعل شيئا أمره الله به وان لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به» •
ويبدو أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إماما، فلم يذكر لها اماما، وانما جاء يسوق أتباعها كما يساق القطيع حتى أدخلهم في حظيرة الإباضية وتركهم. ولو أنه هذه الفرقة بالهذلية • ما دامت سمى تقول بقوله، لكان لذلك وجه، لأنه لم يذكر لهذه الفرقة قولا غير
القول السابق. (1/25)
صفحة 26
وعلى كل حال فهذه فرقة ليس لها امام وليس لها اسم، وكل ما في الأمر أنه نسب إليها قولا يناقض مناقضة كاملة ما عند الإباضية في هذا الموضوع، فكيف تكون من الإباضية وهى تقول بما يناقض رأى الإباضية مناقضة كاملة.
والباحث إذا تأمل ما جاء عن الإباضية في كتاب «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعرى ثم قارنه بما عند الإباضية. سواء كان ذلك يتعلق بأسماء الأئمة والعلماء، أو بأسماء الفرق • أو بالآراء والمذاهب، فإنه يخرج بنتيجة غريبة وهى أن ما أتعب الإمام الكبير به نفسه، وكتب فيه صفحات طوالا عن الإباضية فيما يظن • لا علاقة له
•
أئمة لفرق
منهم
، ليسوا
ألبتة بالإباضية، وأن أولئك الأئمة الذين زعمهم هم ولا فرقهم من الإباضية في قليل ولا كثير، إذا صح هذا التعبير أما مقالاتهم وآراؤهم فهى ليست أقرب الى الإباضية منها الى الشافعية أو المالكية أو غيرها من المذاهب الإسلامية
ويستطيع القارئ الكريم أن يعود الى كتب التاريخ وكتب العقائد التي ألفها الإباضية قبل أبي الحسن الأشعرى وبعده اذا شاء أن يتأكد ويعرف الحقيقة بنفسه. فقد ألف علماء الإباضية وأئمتهم الحقيقيون كثيرا من الكتب في التفسير والحديث والفقه بجميع فروعه، وفي التوحيد وعلم الكلام، وفي أصول الفقه كتبا مختلفة منها القيم الذي يعتبر من أهم مصادر الثقافة الإسلامية التي تشع نورا على مختلف العصور ويعتبر من الذخائر التي تزخر بها المكتبة الإسلامية العامة
كما ألفوا في السير والتاريخ والتراجم، ولا سيما سير أئمة الإباضية وعلمائهم. ولكنه ليس فى شيء من هذه المؤلفات شيء مما ذكره الإمام الأشعرى عن الإباضية في هذا الفصل من كتابه الكبير
•
وفي عصر أبي الحسن الأشعرى كان الإباضية وعلماؤهم منتشرين (1/26)
صفحة 27
27
في
ما جميع
يسمى اليوم بالبلاد العربية: كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة، ومصر. بل إنهم كانوا يكونون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط • ويوجد لهم عدد من كبار العلماء - حينئذ – في كل الحواضر الإسلامية كمكة والمدينة والبصرة وعمان وحضرموت واليمن ومصر وبلدان الشمال الأفريقى.
هذا فإن أبا الحسن لم يذكر أحدا من أئمة الإباضية كجابر بن ومع زيد وجعفر بن السماك العبدي، وأبي سفيان قنبر، وصحار العبدي وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثانى من القرن الأول ولا ذكر شيئا من أقوالهم. ولم يذكر أحدا من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبى كريمة، وضمام بن السائب، وأبى نوح صالح الدهان، وعبد الله بن يحيى الكندي، والجلند بن مسعود العماني،
وأبي الخطاب عبد الأعلى المعافرى وهلال بن عطية الخراساني - وأضرابهم. ولا ذكر شيئا من أقوالهم. ولم يذكر أحدا من علماء النصف الثاني للقرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب، وأبي سفيان محبوب ابن الرحيل، وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وعبد الرحمن بن رستم، ومحمد بن يانس، وأبى الحسن الأيدلاني وأضرابهم، ولا ذكر شيئا من
أقوالهم.
ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الأول للقرن الثالث أمثال أفلح بن عبد الوهاب وعبد الخالق الفزانى ومحكم الهوارى والمهنا بن جيفر، وموسى بن على، وأبى عيسى الخراساني، وأضرابهم، ولا ذكر شيئا من أقوالهم. (1/27)
صفحة 28
- YA-
ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث، أمثال محمد بن محبوب، ومحمد بن عباد، والصلت بن مالك، وأبى اليقظان بن أفلح، وأبي منصور الياس وعمروس بن فتح وهود بن محكم، ولم يذكر شيئا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الأول من القرن الرابع أمثال ابن خزر يغلى بن أيوب، وأبى القاسم يزيد بن مخلد، وأبي هارون موسى بن هارون، ولا ذكر شيئا من أقوالهم. وقد كان علماء هذه الطبقة والطبقة التي سبقتها معاصرين لأبي الحسن الأشعري، لأنه عاش ثلاثين سنة من القرن الرابع فهو معاصر لعلماء النصف الثاني للقرن الثالث وعلماء النصف الأول للقرن الرابع، ورغم ذلك فإن أبا الحسن لم يذكر أحدا من هؤلاء الأئمة أو ممن كان معاصرا لهم أو سبقهم من علماء وأئمة الإباضية المعروفين ولم يذكر شيئا من مقالاتهم
فهو إما أنه لا يعرفهم ولا يعرف شيئا من مقالاتهم، وإما أنه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقل ويعزف مقالاتهم، ولكنه لا يجد فيها شيئا يستدعى النقد والتعليق أو حتى مجرد العرض • فلم يتحدث عنهم وعن مقالاتهم بخير ولا بشر. فترك الإباضية الحقيقيين برجالهم ومقالاتهم، وألقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضية كل الجهل، وأقوالها تناقض ما عند الإباضية كل المناقضة، فزعمت المصادر التي استقى منها أن هذه الفرق والمقالات للإباضية باعتبارهم أباضية أو منهم، والإباضية منها براء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه.
فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطأ الشنيع، أنه من أوائل، مع من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتها ومذاهبها، ومن أوائل من حذر من الوقوع فيها؟!! (1/28)
صفحة 29
تشنيعات الأشعري على الإباضية
علمت أيها القارئ الكريم في الفصل السابق أن من ذكرهم أبو الحسن الأشعرى تحت عنوان الإباضية بأئمتهم وفرقهم ومقالاتهم ليسوا في الإباضية من قليل ولا كثير، ونضيف لك في هذا الفصل أن التشنيعات التي نسبها إلى الإباضية لا علاقة لها بهم ألبتة، فإن كانت تلك الشنائع آراء لتلك الفرق التي ذكرها سابقا، وأن تلك الفرق كانت موجودة بالفعل، فإن تلك الفرق أبعد الناس عن الإباضية وأن بعض مقالاتها كاف عند الإباضية للحكم على أصحابها بالشرك
•
وإن شئت المزيد من ذلك فاستمع إليه يورد أقوالا عن الإباضية
تنسب
إليهم قصد التشنيع عليهم.
يقول أبو الحسن:
وقالوا من سرق خمسة دراهم فصاعدا قطع».
وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين وجبت عليه الشرائع والأحكام، وقف على ذلك أو لم يقف، سمعه أو لم يسمعه».
وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحج ولا شيء من أسباب الطاعات، التي يتوصل بها إليها، إنما عليهم فعلها فقط» •
وقالوا جميعهم: إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل (1/29)
صفحة 30
أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما
لا يسع جهله»
وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم اسنتيب فإن تاب
وإلا قتل».
وقال بعضهم: ليس من جحد الله وأنكره مشركا حتى يجعل
معه إلها غيره» •
وقال بعضهم: بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها إذا لم تكن
الخمر بعينها» •
هذه أمثلة من الأقوال التي نسبها أبو الحسن إلى الإباضية وظاهر أن القصد من نسبة هذه الأقوال إليهم إنما هو التشنيع عليهم وتكريههم إلى بقية فرق المسلمين وتأمل قوله «وقالوا جميعهم إن الواجب أن يستتبوا من خالفهم فى تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل» •
والتناقض واضح بين الأقوال التي ينسبها أبو الحسن إلى الإباضية أو الى بعض فرق الإباضية حسب زعمه وقارن إن شئت الفقرة السابقة بما يقوله عن الإباضية (1). ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم» ويقول
بعد أسطر:
(1) يزعم
هنا أنهم يوجبون استتابة مخالفيهم فمن لم يقبل قتل ثم يقول في نفس الكتاب أنهم يجوزون مناكحة مخالفيهم وموارثتهم وشهادتهم على أوليائهم وحرموا دماءهم. فكيف تقبل شهادة من يجوز قتله وكيف تربط أواصر مصاهرة مع من ترى وجوب قتله: انه التناقض الذي لا يخفى وهو كلام يسقط نفسه (1/30)
صفحة 31
وحرام قتلهم وسبيهم «التناقض هنا واضح وقصد التشنيع ممن نسب إليهم ذلك واضح. ولست أتهم أبا الحسن كما قلت غير مرة، ولكني أتهم المصادر التي استقى منها والمراجع التي اعتمد عليها، سواء كانت مصادر مكتوبة أو كانت مصادر متحدثة. ونحن نعتب على أبي الحسن وهو الذى يقرر فى أول كتابه أن كثيرا ممن يكتب عن مقلات الفرق يتعرض للكذب، وعدم التحرى، وعدم التقصى في البحث،
والغلط في إيراد الأخبار – أن يقع فريسة سهلة رغم معرفته لذلك وأن يقع فيما وقع فيه غيره ممن خفيت عليهم دسائس السياسة الماكرة ومكائد العصبية الفاجرة، وأكاذيب الغلاة والمتنطعين. وهم موجودون في كل مذهب وفرقة بلا استثناء
ومما يدخل في هذا الباب من تلفيق الأخبار والقصص، للتشنيع على الفرق المخالفة ما أورده أبو الحسن في كتابه السابق فقد قال: في ص 175 ما يلي:
وكان رجل من الإباضية يقال له ابراهيم، أفتى بأن بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل منهم يقال له ميمون، وممن استحل ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم، وكتبوا: في ذلك، فأفتوا بأن بيعهن حلال، وهبتهن في
منهم
يستفتون العلماء دار التقية حلال، ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية ابراهيم ومن أجاز ذلك، وأن يستتاب ميمون من قوله، وأن يبرأ من امرأة
كانت
معهم
، كانت وقفت فماتت قبل ورود الفتوى، ولن يستتاب
ابراهيم في عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه ـ وهو مسلم
يظهر إسلامه
-
وأن يستتاب أهل الوقف في جحدهم البراءة عن ميمون (1/31)
صفحة 32
-
وهو كافر يظهر كفره
-
فأما الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف
وثبتوا عليه. فسموا المواقفة، وبرئت الخوارج منهم، وثبت ابراهيم
على رأيه في التحليل لبيع الإماء من مخالفيهم وتاب ميمون» •
ولم تنته القصة عند هذا الحد، وإنما استطرد الإمام ثم عاد بعد سبعة أسطر فقال:
ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الاختلاف في أمر المرأة، فافترقت فرقة في الواقفة وهم الضحاكية، فأجازوا أن يزوجوا المرأة المسلمة عندهم من كفار قومهم في دار التقية، كما يسع الرجل أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه فى دار التقية، فأما في دار العلانية - وقد جاز حكمهم فيها – فإنهم لا يستحلون ذلك فيها
منهم
ومن الضحاكية فرقة وقفت فلم تبرأ. ممن فعله، وقالوا لا نعطى هذه المرأة المتزوجة من كفار قومنا شيئا من حقوق المسلمين • ولا نصلى عليها إن ماتت، ونقف فيها، ومنهم من برئ منها
من
قال:
هم
واختلفوا في أصحاب الحدود فمنهم من برئ منهم، ومنهم من تولاهم، ومنهم من وقف واختلف هؤلاء فى أهل دار الكفر عندهم. فمنهم عندنا كفار، إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلاما. ونقف فيمن لا نعرف إسلامه، وتولى بعض هؤلاء بعضا على اختلافهم • وقالوا: الولاية تجمعنا، فسموا أصحاب النساء، وسموا من خالفهم من الواقفة أصحاب المراة. وصارت الواقفة فرقتين، فرقة تولوا الناكحة، وفرقة ينتسبون إلى عبد الجبار بن سليمان، وهم الذين يتبرأون من المرأة الناكحة من كفار قومهم. (1/32)
صفحة 33
وهذا خبر عبد الجبار الذى خطب إلى ثعلبة ابنته، فسأل ثعلبة أن بمهرها أربعة آلاف درهم، فأرسل الخاطب إلى أم الجارية مع إمرأة يقال لها أم سعيد يسأل هل بلغت ابنتهم أم لا؟ وقال إن كانت بلغت وأقرت بالإسلام لم أبال ما أمهرها! فلما بلغتها أم سعيد ذلك قالت: ابنتى مسلمة بلغت أم لم تبلغ، ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت، فرد مرة أخرى ذلك عليها، ودخل ثعلبة على ذلك الحال، فسمع تنازعهما،
فنهاهما عنه، ثم دخل عبد الكريم ابن عجرد وهما على تلك الحال فأخبره ثعلبة الخبر، فزعم عبد الكريم أنه يجب دعاؤها إذا بلغت، وتجب البراءة منها حتى تدعى إلى الإسلام، فرد عليه ثعلبة ذلك وقال: لا! بل تثبت على ولايتها فإن لم تدع لم تعرف الإسلام، فبرئ بعضهم من بعض على ذلك».
هكذا انتهت هذه القصة التي أخذت جهدا غير قليل من الإمام الكبير، وحيزا فسيحا من كتابه القيم، ووقتاً ثمينا من أوقات القارئ وواضح أنه ليس لهذه القصة أية قيمة، اللهم الا إذا كانت للتسلية والضحك، أو عند من يجمع مشاكل الناس اليومية للتهويل والتشنيع
يضاف إلى ذلك أن جميع أبطال القصة ناس مجهولون لا يعرف عنهم شيء • إن أى كاتب يستطيع أن يجد عشرات القصص من هذا النوع في الأحداث اليومية التي تجرى بين الناس، فيختلفون ويتخاصمون، ويعلن بعضهم بعضا، ويدعو عليه بالثبور وعظائم الأمور وقد يتضاربون فتكون نهاية مشاكلهم عند المحاكم أو حتى في السجون وأن كثيرا مما نراه ونسمعه في كل المجتمعات قد تكون أحداثه أكثر
(م 3 - الاباضية) (1/33)
صفحة 34
عجبا وإثارة من هذه القصة التافهة التي تمنيت بحق
—
لو أن الإمام
الكبير أبا الحسن أكرم كتابه، ونزه قلمه عن الخوض في هذه الترهات، وربا بنفسه عن الاندماج فى هذه السفاسف المفتعلات، والتي تنال من كرامة قائليها أكثر مما تنال من كرامة من تنسب اليهم.
ولو أن أبا الحسن لم ينسب هذه القصة إلى الإباضية لما كان لى بها شأن في الوقت الحاضر. أما وقد نسبها إلى الإباضية فأراني وأنا أكتب عنهم في هذا الموضوع - مضطرا أن أوضح للقارئ الكريم فيها بعض النقط.
6
1 – وردت في القصة أسماء عدد من الأشخاص هم: ابراهيم: ميمون، عبد الجبار، سليمان، ثعلبة، عبد الكريم بن عجرد، أم سعيد. كما وردت فيها أوصاف لعدة أشخاص هم: العلماء، الإماء، امرأة، امرأة ثعلبة إلخ.
وهذه الشخصيات كلها مجهولة، سواء ما ذكر منها بالإسم أو بالوصف، ولا يعرف عنها شيء، فما قيمة هذه المشاجرة التي تقع بين أفراد مجهولين في تحقيق علمى يراد منه إثبات آراء في العقائد، وتصنيف فرق الأمة على أساس تلك الآراء، إن أبا الحسن لم يذكر شيئا عن تلك الأسماء المجردة، فهل يكفى هذا ليكونوا في الإباضية؟ ولماذا لم يحسبوا من المالكية أو المعتزلة أو الشيعة أو غيرهم من الفرق والمذاهب الأخرى، ثم إذا فرض أنهم كانوا حقا من أتباع الإباضية أو غير الإباضية من المذاهب فهل يكفى هذا الموقف في الشجار والملاعنة لأن يكون كل فرد من المتشاجرين صاحب رأى ورئيس فرقة؟ (1/34)
صفحة 35
35 -
إنك واجد في الطوائف الإسلامية مشاجرات واختلافات جميع
من هذا النوع في كل عصر، بل ربما تجد أحد منها وأوسع مدى،
فما الذي رفع قيمة هذه المشاجرة حتى اهتم بها الإمام أبو الحسن،
وأثبتها في كتابه؟
-
6
إن البحث عن أسماء مجردة هكذا كإبراهيم، وسليمان، و ميمون، في أحداث التاريخ بحث لا طائل تحته ولا يوصل منه إلى نتيجة، ومع ذلك فقد حاولت أن أتقصى كل أسماء ابراهيم، وسليمان، وميمون، وثعلبة، وعبد الكريم، لعلى أجد ما يربط بين أحد تلك الأسماء وبعض أحداث القصة السابقة فيما بين يدى من مصادر التاريخ الإباضي وكتب مقالاتهم - فلم أتمكن من تحقيق هذه النزوة الحمقاء التي أخذت منى جهدا غير قليل فى البحث والتنقيب • وحاولت
-
أن أجد قصة عند الإباضية تشبه من قريب أو بعيد أحداث هذه القصة ولو اختلفت فيها أسماء الأبطال فلم أوفق في ذلك. وعلمت في كتب المقالات أن بعض هذه الأسماء تنسب إليهم فرق مستقلة تحت العنوان الكبير (الخوارج) ويطلق عليها أسماء منسوبة إليهم كالثعالبة،
والعجاردة، والميمونية.
-
ومن المؤسف أن الإباضية لا يعرفون شيئا لا تاريخيا، ولا دينيا عن قصة تنسب إليهم كادت تشغل البوليس الدولي، مما يدل على أنهم في الواقع لم يحضروا ذلك النزاع الواقع على بيع الإماء، ولا النزاع الواقع في خطبة بنت ثعلبة، ولم يقفوا في تلك السوق الحامية، ولا شهدوا ذلك العرس الذي نتج عنه سيل من الشتائم، وتبادل اللعنات • فنسبة هذه القصة إلى الإباضية من أعجب العجب ـ، ونسبة (1/35)
صفحة 36
أبطالها إلى أئمة الإباضية أو علمائهم، من أكاذيب التاريخ التي لم تتستر حتى بقليل من الحياء، وإن جازت حتى على كبار الأئمة أمثال أبي الحسن.
ولا شك أن مخترع هذه القصة إنما أراد أن يكثر من عدد الفرق الفرعية المنسوبة إلى الإباضية حتى يظهرهم بمظهر المتشددين الذين يتنازعون لأتفه الأسباب، فيتحالفون ويفترقون إنسياقا وراء العواطف ودوافع الغضب أكثر مما هو انسياقا وراء دوافع العقيدة والدين
أصحاب
وقد استطاع أن يخترع هذه القصة وأن يولد من أحداثها عددا من الفرق أطلق عليها أسماء: الضحاكية، أصحاب النساء. المرأة • الواقفة
ومفهوم بالبداهة أن شخصا ما أراد التشنيع على الإباضية فاخترع هذه القصة ونسجها على المنوال ثم وجد أبا الحسن الأشعرى وهو يهتم بدراسة الفرق وأقوالها وآرائها فألقاها إليه فأثبتها أبو الحسن دون تمحيص أو تحقيق. وليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتى تبرأ ساحة الإمام العظيم من أية مسئولية، وتكون العهد راجعة إلى
أصحابها. (1/36)
صفحة 37
مقالات الإباضية عند الأشعري
لقد علم القارئ الكريم أن أبا الحسن الأشعرى كان يحسب أن الإباضية يتكونون من الفرق السابقة التي ناقشناه فيها، والتي أثبتنا
للقارئ الكريم بأنه لا صلة بينها وبين الإباضية. وفي حديثه عن تلك
الفرق كان يعرض
-
ظنه
????
-
مقالات الإباضية ونحن في هذا
الفصل سوف نحاول أن نكشف أن أبا الحسن فى عرضه لتلك المقالات كان أيضا عرضة للانسياق مع قوم غلب عليهم حب التشنيع، فالتجأوا إلى الغموض والإبهام حينا، وإلى عبارات موهمة لمعان غير محدودة أو غير مقصودة حينا آخر، كما تساهلوا في إضافة أقوال أو تغييرها لإثبات
يريدون.
يقول أبو الحسن في كتابه مقالات الإسلاميين (1) وهو يتحدث عن الإباضية: (وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم. حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرام ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السر، إلا من دعا إلى الشرك فى دار التقية ودان به، وزعموا أن الدار يعنون دار مخالفيهم دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعنى عندهم
•
وحكى عنهم أنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وحره ول الاستعراض إذا خرجوا: وحرموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى
(1) مقالات الاسلاميين الجزء الأول طبع مكتبة النهضة ص 170. (1/37)
صفحة 38
دينهم، وقالوا إن كل طاعة إيمان ودين، وإن در تكبي الكبائر موحدون
وليسوا بمؤمنين»
ويقول في موضع آخر من الكتاب:
والإباضية يقولون إن ما افترض الله سبحانه على خلقه جميع إيمان، وأن كل كبيرة هي كفر نعمة لا كفر شرك، وأن مرتكبى الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها
•
6
ووقف كثير من الإباضية في إيلام أطفال المشركين في الآخرة، فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلا. ومنهم من قال: إن الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب، لا على طريق التجويز» •
ويقول في صفحة 186 من نفس الكتاب:
ومن مؤلفى كتبهم ومتكلميهم عبد الله بن يزيد، ومحمد بن
حرب، ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضية» •
ويقول في صفحة 189 من نفس الكتاب ما يلى:
F
vit
إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره ..
هذا أهم ما قاله أبو الحسن الأشعرى عن الإباضية ومقالاتهم بالإضافة إلى التشنيعات السابقة التي نقلت للقارئ الكريم أكثرها فيما مضى. ولعله من المهم أن أوضح للقارئ الكريم في هذا الفصل أن جميع الأسماء التي وردت في الفصل الذي كتبه أبو الحسن (1/38)
صفحة 39
عن الإباضية لا علاقة لها بالإباضية فيما عدا اسمين هما عبد الله بن إباض وهو الإمام الذي ينسب إليه المذهب وعبد الله بن يزيد الفزاري كان من
الإباضية وخالفهم في بعض المسائل فانفصل عنهم وانتظم في فرقة التكار وقد ذكر ابن النديم عددا من الكتب المنسوبة إليه منها:
كتاب التوحيد، كتاب الرد على المعتزلة، كتاب الرد على الرافضة، کتاب الاستطاعة. ولا أعلم أن شيئا من هذه الكتب قد بقى في مكان، أما أصحاب هذه الفرقة فلم يبق لهم وجود فيما أعلم
أما محمد بن حرب، ويحيى بن كامل اللذان نص أبو الحسن أنهما من متكلمى الإباضية ومؤلفيهم كأنما كان يشك في السابقين وهو على يقين في هؤلاء، فإنه لا يوجد لهما أى ذكر عند الإباضية فيما اطاعت عليه، ويؤسفني أن أرد على الإمام الكبير نصه هذا • وله أن يحشرهما في أية فرقة أخرى أما عند الإباضية فليس لهما مكان إنه لا يوجد لهما أي أثر في المكتبة الإباضية الواسعة التي حرصت أن تحتفظ بتراثها منذ القرن الأول فحفظت فتاوى ومراسلات الأئمة جابر وأبي عبيدة وغيرهم وحتى ما ضاع منها حفظت أسماؤها وبعض ما جاء فيها كديوان جابر وتفسير عبد الرحمن بن رستم وتفسير أبي يعقوب الوارجلاني
إن كتب الإباضية، التاريخية منها والشرعية لم تذكر لنا شيئا عن هذين الرجلين ولا عن مقالاتهما أو مؤلفاتهما كما لم تذكر ذلك عمن سبق أن نسبة أبو الحسن إلى الإباضية. وأنا حين أؤكد القارئ الكريم هذا النفى فإنما أؤكده فيما وصلت إليه يدى من كتب الإباضية المطولة منها والمختصرة، ولا أدعى استقصاءها فإن ذلك المستحيل. من
• (1/39)
صفحة 40
وقد يقول قائل ربما ضاعت هذه الكتب في زحمة التاريخ وهذا شيء
مألوف. ولا شك أن ضياع الكتب شيء لا ينكر • ولكن الكتاب إذا ألف وعرفه الناس فلابد أن ينقل عنه أو على الأقل أن يذكر اسمه ويذكر مؤلفه • سواء أخذت منه آراء أو أقوال أو لم تؤخذ. وهذا ما لم يحدث بالنسبة لهؤلاء. فلم تذكر أسماؤهم ولا كتبهم ولا بعض آرائهم ما يجعلنا نجزم بأنهم لم يكونوا من الإباضية مطلقا بل نجزم أنهم غير معروفين عند الإباضية وحتى الذين ذكروهم في تعداد الفرق كالقطب وعبد الكافى فإنما أعتمد على غير مصادر الإباضية •
خطأ
ولا شك أن الإباضية من أول المذاهب التي اهتمت بالتأليف وحرصت على الاحتفاظ بآثار الأئمة وتاريخهم وتراجمهم، وليس فيما اطلعت عليه أى ذكر لهؤلاء الناس، ومعنى ذلك أنهم من غير الإباضية ونسبوا إليهم وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه أولا فى أن أبا الحسن لا يعرف الإباضية في الحقيقة وأن ما كتبه عنهم إنما نسب إليهم خطأ أو جهلا أو قصدا للتشنيع أما المقالات التي نسبها إلى الإباضية في عمومها والتي نقلت لك بعضها في أول هذا الفصل، فهي مزيج مما يقره الإباضية ويقولون به، ومما ينكرونه ويردونه، ومما يحكمون على من يقول به بالردة والكفر، وواضح من هذا أن ما جاء موافقا لمقالاتهم وعقائدهم
فإنما جاء عن طريق الصدفة، لا عن طريق الدراسة والمعرفة.
ويهمني في ختام هذا الفصل أن أؤكد من جديد للقارئ الكريم أننى أضع الإمام أبا الحسن فوق الشبهات، وإنما انجر اليه الخطأ
طريق من وثق فيه ونقل عنه. في عصر كثرت فيه النزعات
عن (1/40)
صفحة 41
-
ونستخلص من مناقشاتنا لأبي الحسن في الفصول السابقة ما يلى:
1
-
إن جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن إما رؤساء لفرق من الإباضية ومن مؤلفيهم ومتكلميهم لا وجود لهم عند الإباضية.
الإباضية لا يعرفون شيئا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم.
الإباضية لا يعرفون أية فرقة من تلك الفرق التي نسبها
أبو الحسن إليهم ولا يقولون بأكثر أقوالها
-
4
المقالات التي نسبها
-
هكذا على العموم – إلى الإباضية
أو إلى جمهورهم هي خليط مما يذهب إليه الإباضية • ومما يردونه، ومما يحكمون بالشرك على معتنقيه.
بدأ الإباضية بالفعل في تأليف الكتب منذ القرن الثاني الهجرى. وتسلسلت الكتب وتسلسل العلماء والأئمة إلى اليوم وليس في هذه السلاسل شيء مما نسبه إليهم أبو الحسن
-
عاش أبو الحسن الأشعرى فى القرن الثالث الهجرى وعاش
ثلاثين سنة في القرن الرابع • وقد كان للإباضية إمامات بالمشرق وإمامات بالمغرب واشتهر لهم أئمة وعلماء ومفسرون ومحدثون ومتكلمون، وفقهاء في أكثر العواصم الإسلامية حينئذ ولكنه لم يذكر أحدا منهم ولم يشر
إلى كتاب من كتبهم.
-
V
الفترة التي عاش فيها أبو الحسن كانت فترة ازدهار علمي
للإباضية في المشرق والمغرب ورغم ذلك فإن أبا الحسن لم يشر إلى أحد من معاصريه من علماء الإباضية (1/41)
صفحة 42
42
ومعنى هذا كله أن الإباضية الذين كتب عنهم أبو الحسن لا وجود لهم في المواقع، وان الإباضية الموجودين في الواقع والذين كانوا يعيشون كما يعيش سائر الناس لا وجود لهم فيما كتبه عنهم أبو الحسن أى أن أبا الحسن لم يكتب عن الإباضيين الحقيقيين
ومنذ ألف أبو الحسن الأشعرى كتابه «مقالات الإسلاميين»، أصبح مصدرا يستقى منه الكتاب، ومرجعا يعود اليه المؤلفون، فينقلون ما فيه من أخطاء وصواب، وحق وباطل، تارة بالنص وتارة بالمعنى، وتارة يشيرون إليه وأحيانا يغفلون عن الإشارة
ولقائل أن يقول إن هناك مؤلفين آخرين كتبوا في الموضوع، في عصر أبي الحسن من قبله أيضا وهذا صحيح • غير أنني أستطيع أن أزعم أن شهرة أبي الحسن ومركزه العلمي، ومواقفه في مجالات المحاججة والجدل جعلته يطغى على الآخرين جميعا. فأصبح أهم مرجع وأوثق حجة عند المؤلفين الذين جاءوا من بعده
ولا يسعنى وأنا أختتم هذا الفصل إلا أن أبدى ملاحظة ربما تساعد على تبرير ما بلغ إلى الإمام الأشعرى كما بلغه وذلك أنه ربما كان من طلاب جابر أو طلاب أبي عبيدة من عرف بتلقيه العلم عن أحدهما واشتهر بذلك وظنه الناس إباضيا بينما هو لم يكن من الإباضية أو أنه قال ببعض تلك المقالات فأعرض عنه الإباضية ولم يحسبوه منهم ولم يذكروه في سيرهم وتوهمه غيرهم أنه منهم رغم ما يقول به. (1/42)
صفحة 43
43
البغدادي والإباضية
بعد أبي الحسن الأشعرى بنحو قرن تقريبا جاء مؤلف آخر اهتم بالحديث عن الفرق والمقالات الإسلامية • هذا المؤلف هو:
عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي • وقد اشتهر بنسبته الأخيرة بين المؤلفين
كتب البغدادي عن الإباضية كما كتب عن غيرهم من الفرق الإسلامية في كتابه - الفرق بين الفرق – الذى حققه الأستاذ: محمد محى الدين عبد الحميد وعلق عليه ونشره
إن القارئ بمجرد البدء فى قراءة مقدمة كتاب البغدادي (الفرق بين الفرق) يحس كأنه داخل في معمعة حامية الوطيس وكأنه يرافق محاربا شديد المراس قد دجج نفسه بجميع أنواع الأسلحة استعدادا
لدخول معركة ينبغي له أن يقضى فيها على عدد من الخصوم.
وجههم حسب
أو كأنه يقف إلى جانب شخص وضعه الله سبحانه وتعالى في طريق الناس يوم الحساب. وأعطاه صلاحية التحكم في مصائرهم، فهو يقف مزهوا يعترض طريق المحشورين • وكلما مرت به طائفة رأيه فيهم حيث يريد! أو صاح: أيتها الطائفة أنتم من أهل السنة مغفور لكم، اسلكوا هذا الطريق إلى الجنة. فإذا جاءت طائفة أخرى صاح بهم أنتم من أهل الأهواء اذهبوا مع هذه الطريق إلى الجحيم، له طائفة مقبلة فيصيح بها بأعلى صوته أنتم يا من تسيرون هنالك إنكم معتزلة فأنتم فرقة ضالة ادخلوا النار. أما أنتم أيتها الفرقة التعسة
وتبدو
فقد قيل إنكم خرجتم من الإسلام فادخلوا النار وبئس القرار. (1/43)
صفحة 44
44 -
واذا شئت أن تتضح لك هذه الصورة فما عليك أيها القارئ الكريم إلا أن تقرأ كتاب (الفرق بين الفرق (وإذا شئت أن أضع بين يديك نموذجا فلا بأس وها أنا أنقل لك فقرات مما قاله في مقدمة كتابه (1) السابق الذكر بأسلوبه القوى البليغ:
سألتم أسعدكم الله بمطلوبكم - شرح معنى الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فى افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، تصير إلى جنة عالية، وبواقيها عادية تصير إلى الهاوية، والنار الحامية، وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية، التي لا تزل بها، ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال، الذين يرون ظلام الظلم نوراً، واعتقاد الحق ثبورا وسيصلون سعيرا ولا يجدون من الله نصيرا، فرأيت إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين، والصراط المستقيم، وتمييزها من الأهواء المنكوسة، والآراء
القدم
دون
القويم
المعكوسة).
وفى الصفحة الرابعة من الكتاب ذكر أن كتابه يشتمل على خمسة
أبواب:
الأول
: في بيان الحديث المأثور فى افتراق الأمة ثلاثا وسبعين
فرقة.
الثاني
: في بيان فرق الأمة على الجملة ومن ليست منها على
الجملة
الثالث
: في بيان فضائح كل فرقة من فرق الأهواء الضالة
(1) الفرق بين الفرق صفحة «3». (1/44)
صفحة 45
-
الرابع: في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها.
الخامس: فى بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها، وبيان محاسن دين الإسلام.
وهكذا استطاع المؤلف في إيجاز أن يقسم الناس ثلاثة أقسام قسم خارج عن الأمة الإسلامية فلا حديث له معه وقسم هو أهل الأهواء وفى ألف الكتاب ليكشف عن فضائحهم أما الثالث القسم فهم الفرقة
هذا القسم الناجية.
ويقول المؤلف في الفصل الأول من نفس الكتاب صفحة 13 بعد أن ناقش معنى كلمة أمة الإسلام وعلى من تدل
من
ما يلي:
كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية، أو الزيدية، أو من بدع النجارية أو الجهمية أو الضرارية، أو المجسمة فهو من الأمة فى بعض الأحكام، وهو في جواز دفنه في مقابر المسلمين وفى ألا يمنع حظه في الفيء والغنيمة إذا غزا مع المسلمين، وفى ألا يمنع من الصلاة في المساجد
وليس من الأمة في أحكام سواها، وذلك وأنه لا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه، ولا تحل ذبيحته، ولا نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسنى أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم
•
ولا شك أن القارئ الكريم عندما يقرأ مقدمة الكتاب يتضح لديه أن المؤلف قد قرر أن يقسم الأمة إلى أقسام ثلاثة: قسم حكم بخروجهم الملة رغم انتسابهم إلى الإسلام، وقسم ما أوردهم إلا لذكر فضائحهم والتشنيع عليهم وتلمس أخطائهم، وإظهار ما به ضلوا في
من
نظر (1/45)
صفحة 46
•
-
ثم حكم على القسمين بالضلال وقذف بهم جميعا في جهنم
أما القسم الثالث فقد حكم عليهم بالسعادة مسبقا أيضا لأنهم في نظره من أهل السنة على طريقة الشاعر الذي يقول:
ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمذان ادخلوا بسلام
هكذا على العموم دون مراجعة.
وليته حين تلمس أخطاء تلك الفرق التي عزلها عن السنة وفتش عن
فضائحهم رجع إلى مصادرهم ولم يأخذها من مصادر خصومهم وهو ولا شك واجد ما يتشبث به إن كان لا
هذا التعبير صح إلا أن يدفع بتلك الفرق اليائسة الى النار
•
-
إن
دهمه
وقد كتب البغدادي عن الإباضية فيمن كتب في الفرق ومن المؤسف
ان هذا المؤلف أيضا لم يهتم مطلقا بأن يتصل بأئمة الإباضية الحقيقيين وعلمائهم ولا بأن يطلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم. وإنما رجع إلى ما كتبه وقاله عنهم غيرهم، ويبدو أنه اعتمد على أبو الحسن الأشعرى كثيرا فنقل ما قاله عنهم تارة بنفس العبارة، وتارة بتصرف قليل • على لم يذكر أنه نقل عنه أو اعتمد عليه
أنه
يقول في كتابه الفرق بين الفرق ص 103 ما يلى:
أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبد الله بن إباض، وافترقت فيما بينها فرقا، يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة – يعنون مخالفيهم من هذه الأمة - براء من الشرك والإيمان. وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار، وأجازوا شهادتهم، وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية، وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم، وزعموا (1/46)
صفحة 47
47
أنهم في ذلك محاربون الله ولرسوله لا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذى استحلوه الخيل والسلاح
فأما الذهب والفضة فانهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة.
،
ثم افترقت الإباضية فيما بينها أربع فرق وهي: الحفصية والحارثية واليزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها» •
الان
بعد هذا قال إن اليزيدية غلاة وأنه سوف يعود إليهم فيذكر مقالاتهم عندما يتحدث عن الغلاة وتحدث عن الحفصية والحارثية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها فأوردو عنها ما أورده أبو الحسن ثم قال في نفس الكتاب صفحة 106 ما يلى
وزعمت الإباضية كلها أن دار مخالفيهم من أهل مكة دار توحيد،
إلا معسكر السلطان فإنه دار بغى عندهم» •
ثم ذكر ثلاثة أقوال في النفاق (1) نسبها إليهم وبعد ذلك قال:
يعد الجملة التي حكيناها عنهم شذوذا في الأقوال النفردوا بها.
منها أن فريقا منهم زعموا أن لا حجة لله تعالى على الخلائق في التوحيد وغيره إلا بالخبر وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء.
•
ومنها أن قوما منهم قالوا كل من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، سمعها أو عرفها أو لم يسمعها أو لم يعرفها
(1) راجع ان شئت هذا الموضوع فى الفصل مع عبد القادر شيبة الحمد (1/47)
صفحة 48
ومنها: أن قوما منهم قالوا بجواز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه
رسولا بلا دليل يدل على صدقه.
ومنهم: أن قوما منهم قالوا: من ورد عليه الخبر بأن الله تعالى قد حرم الخمر أو أن القبلة قد حولت فعليه أن يعلم أن الذي أخبره به مؤمن
أو كافر
وعليه أن يعلم ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر،
ومنها: قول بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة، ولا الركوب والمسير إلى الحج ولا شيء من الأسباب التي يتوصل بها إلى أداء الواجب، وإنما يجب عليهم فعل الطاعات الواجبة بأعيانها دون أسبابها الموصلة
إليها.
ومنها: قولهم جميعاً بوجوب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل، فان تابوا وإلا قتلوا، سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا.
يسع
وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب، فان تاب،
وإلا قتل
وقالوا: إن العالم يفنى كله إذا أفنى الله أهل التكليف ولا يجوز
إلا ذلك لأنه إنما خلقه لهم.
وأجازت الإباضية وقوع حكمين مختلفين في شيء أو حد في وجهين، كمن دخل زرعا بغير إذن مالكه فإن الله قد نهاه عن الخروج منه إذا كان خروجه منه مفسداً للزرع، وقد أمره به. (1/48)
صفحة 49
- 49
وقالوا: لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة موحدا، ولا تقتل منهم امرأة ولا ذرية، وأباحوا قتل المشبهه واتباع مدبرهم وسبى نسائهم وذراريهم وقالوا: إن هذا كما فعل أبو بكر بأهل الردة» •
وبعد
يعيد قصة
بيع الإماء وسوقهن الحامية التي نقلتها لك عن
سبق
أبي الحسن الأشعرى • ولعل القارئ الكريم يدرك بعد قراءة ما أن البغدادي قد اعتمد كل الاعتماد على الأشعرى ورغم حرصه على التصرف القليل فإن عبارة الأشعري بحروفها كثيراً ما تطل من هنا أو هناك.
والذي يدعو إلى التأمل هو أن البغدادى قد اعتبر الإباضية من
الخوارج.
وأنهم لذلك فرقة ضالة ويجب أن يقال عنها فضائح وياتمس لها شنائع وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حيناً بدعوى أنها مقالة
الإباضية جميعاً وحينا آخر بدعوى أنها قول بعضهم أو قوم منهم.
إن البغدادي كان يعيش فى القرنين الرابع والخامس، وفى هذا العصر كان الإباضية قد عرفوا فى أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية - لاسيما علم الكلام - ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها، و آرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها ومع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم
•
البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعرى من قبله حاشرين إياهم
(م 4 - الاباضية) (1/49)
صفحة 50
في الإباضية أو الو الإباضية لا يعرفون عنهم شيئا ولم يذكروهم لا في كتبهم كتبهم ولا في طبقات علمائهم.
إن البغدادي قد سلك نفس المسلك الذى سلكه من قبله الأشعرى وقد علمت في الفصول السابقة أن أغلب ما كتبه عن الإباضية ونسبه يمت إليهم بصلة. وأن البغدادى وهو يسلك نفس المسلك
إليهم
ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيئاً عن الإباضية وأن كل ما كتبه عنهم سواء كان حقاً أو باطلا فإنما هو تشنيعات وتلفيقات إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالا فى غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأى العام ضدهم وقد يفسرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرا غير صحيح ولا مقصود عند الإباضية لزرع وهم في نفوس الآخرين. ولا شك أن أصابع السياسة الماكرة وراء كل ذلك وأن هؤلاء العلماء الذين يكتبون إنما تلقوا معلوماتهم عن مصادر مستغلة أو مستغفلة مع العلم أن لديهم الاستعداد الكافي لتلقى وتصديق كل ما يقال لهم عن تلك الفرق التي حكموا
عليها بالضلال مسبقاه.
كما
ومن نافلة أن نعيد هنا ما أشرنا إليه سابقاً من أن البغدادي قد زعم زعم غيره أن الإباضية من الخوارج وأن هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسنى أن يصلى عليها ولا أن يصلى وراءها، وأنه لا يجوز للسنى حسب زعمه أن يتزوج منها، ولا أن يأكل من ذبائحها • وقد ردد هذا الكلام في مقدمة الكتاب. وفي الفصول الختامية منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونسب بعض هذه الأحكام إلى أئمة عظام • (1/50)
صفحة 51
-
وأحسب أنه لا دعوة أشد إيقاداً لنار الفتنة، وشقاً لصفوف الأمة، وتفريقا لوحدة الكلمة وتمزيقا لشمل المسلمين من هذه الدعوة.
وعلى كل حال فقد طوى التاريخ البغدادى فيما قد طوى كثيرا من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغا ضخما في حياة المسلمين • وبقى كتابه يحمل آراء شاذة كما تحمل كثير من الكتب في كثير من المذهب
•
وقد عرفت الأمة المسلمة، وخبرت وأيقنت، النتائج والآثار والتي تسبب عن العصبية المذهبية والجنسية، والاتباع الأعمى للخطط السياسية. ورأت رأى العين وذاقت فى مرارة ما لحقها في جراء ذلك
من اضرار
وهى اليوم تحاول أن تجمع الكلمة، ترد الشارد وتسكت الداعي الى الفتنة. ولكن من حين إلى آخر تقوم أقلام هنا أو هناك فتعود الى ما طواه التاريخ في اخطاء لترسمه من جديد في بلاهة وسذاجة وغفلة
جمع
كلمة
يسر الله للعاملين المخلصين سبيل الوفاق، وأعانهم على. الأمة التي فرقتها المذاهب الدينية والمطامع السياسية في العهد الماضي وتفرقهم السياسة، ومناصب التحكم ومذاهب الاقتصاد، وفتنة الأسماء والألقاب، والشعارات الكذابة فى العصر الحاضر.
وفى ختام هذا الفصل يهمنى أن أقول للقارئ الكريم إن بعض الأقوال التي نسبها الى الإباضية تحمل تكذيبها في نفسها وهي التي نسبها فيما زعم الى فرقة من الفرق التي ألحقها بالإباضية وكذلك الأقوال التي
زعم. (1/51)
صفحة 52
أن بعضا من الإباضية أو قوما منهم كان بها فهذه الأقوال المنسوبة الى بعض أو الى قوم لا تحتاج الى تكذيب لأنها هي نفسها لم تستطيع أن تنتهض فتقف وإنما لاذت بجناح من الإباضية وأما ما نسبه إليهم جميعا فسوف نعود إليه بالنقاش في آخر الكتاب إن شاء الله مع ما يتحصل لدينا من أقوال غيره فنؤكد ما يقول به الإباضية حقيقة ونؤكد ما لا يقولون
به حقيقة ونكشف عما أورد بطريقة موهمة أو مبهمة والله المستعان
ابن حزم والإباضية
عاش ابن حزم الأندلسى فى القرن الخامس الهجري، وقد عنى هو
الآخر بالمذاهب الإسلامية وكتب عنها
•
ويؤسفني أن أقول إن العالم الكبير لم يوفق فيما كتب عن الإباضية بل لقد تجنى عليهم في بعض الأحيان • وكلامه أحيانا – يهدم بعضه بعضاً ما كما أن بعض دعاويه لا يمكن أن تصدق. مهما حاول الإنسان
أن يجد لها مبررات ـــ والى القارئ الكريم الأمثلة.
-
-
يقول في كتابه (الفصل فى الملل والنحل) صفحة 188 ما يلى:
ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين الى الإسلام أن فرقة من الإباضية رئيسهم رجل يدعى فريد بن أبى أنيسة. وهو غير المحدث المشهور كان يقول: إن فى هذه الأمة شاهدين عليها: هو أحدهما، والآخر لا يدرى من هو ولا حتى متى هو. ولا يدرى لعله قد كان قبله، وأن من كان من اليهود والنصارى يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله الى العرب لا إلينا كما يقول العيسوية فى اليهود، قال: فإنهم مؤمنون (1/52)
صفحة 53
53
أولياء الله تعالى وإن ماتوا على هذا العقد، وعلى التزام شرائع اليهود والنصارى، وأن دين الإسلام سينسخ بنبيء من العجم يأتي بدين الصابئين. وبقر آن آخر ينزل عليه جملة واحدة.»
ويعقب العالم الكبير على هذا بقوله: «قال أبو محمد: ألا إن الإباضية يكفرون من قال بشيء من هذه المقالات، ويتبرأون منه، جميع ويستحلون دمه وماله»
الله
والعجيب في الأمر أن حزم يقرر أن جميع الإباضية لا يقولون بشيء من آراء ابن أنيسة هذا، ويحكمون على من قال شيء من هذا بالكفر، ويستحلون دمه وماله، فكيف ساغ عنده إذن أن يسوق هذا الرجل وطائفة: أولا في فرق المسلمين وهم ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة، ثم لم اختار أن يجعلهم من الإباضية. وجميع الإباضية كما يقرر هو نفسه يكفرون من يقول بذلك. هل بينهم وشيجة نسب، أو علاقة مصاهرة، أم نزع عرق أم رابطة صداقة بريئة مجردة.
إنه لا شيء من ذلك طبعا ولكن بعض المتعصبين المشنعين الذين لا يزنون ما يقولون، أطلقوا هذه الأكذوبة فنقلها ناقلون ومنهم العالم الكبير ابن حزم ولكنه أضطر معها أن يقرر موقف الإباضية منها فعقب بملاحظته الصائبة ربما استنادا الى معرفته الشخصية أو الى ما ذهب إليه من سبقه كالبغدادى الذى اعتبر هذه الفرقة خارجة عن الإسلام.
والحقيقة أن أمثال هذا التخليط والتناقض سبق أن أوردنا له أمثلة عن بعض كتاب المقالات السابقين. كان المفروض من ابن حزم بما اشتهر به من الذكاء، ودقة الملاحظة، وسعة الاطلاع، ولذاعة النقد (1/53)
صفحة 54
الذي يبلغ إلى حد القسوة أحيانا – ألا ينزلق فيما انزلق فيه غيره، وأن ينظف كتابه من هذه الترهات الفارغة التي تكذب نفسها، وليس لها قيمة اللهم إلا زيادة الصفحات في الكتاب الذي ترد فيه من
وليت ابن حزم اكتف بهذه الفقرة بعد أن كذبها ولكنه استمر في
الطريق.
قال ابن حزم في نفس الكتاب:
وقالت طائفة من أصحاب حارث الإباضي أن من زنى أو سرق
أو قذف فإنه يقام عليه الحد، ثم يستتاب مما فعل، فان تاب ترك، وإن أبى التوبة قتل على الردة» •
وقد سبق أن ناقشنا هذا القول الذى نقله ابن حزم ولم يسنده وأوضحنا بما فيه الكفاية أن الإباضية لا يعرفون هذا الحارث ولا فرقته وأن حكم الإباضية على الزانى والسارق والقاذف هو حكم الله وحكم رسوله عليهم. رجم للمحصن وجلد لغير المحصن، وقطع من الرسغ السارق، وجاد للقاذف. بشروط مفصلة في كتب الفقه • وقد وقعت حوادث أقام فيها أئمة الإباضية الحدود على من وجبت عليه، أثناء إماماتهم • المشرق أو المغرب ذكرتها كتب التاريخ والوقائع مفصلة في مناسباتها. ولم يذكر أحد أن أئمة الإباضية تجاوزوا حدود الله في إقامة الحد فقتلوا من لا يلزمه القتل. والإباضية لا يحكمون على من لزمه
الحد بالردة تاب أو لم يتب • وإسناد هذا القول إليهم كذب عليهم وكل ما عند الإباضية في الموضوع أنهم ييرأون من مرتكب الكبيرة سواء كانت من الكبائر التي تقام عليها الحدود أو كانت من الكبائر التي لا حدود عليها. والبراءة إنما يوقعونها على مرتكب المعصية (الكبيرة) (1/54)
صفحة 55
مادام مصرا عليها ولم يتب فإذا تاب منها أسبغوا عليه ثوب الولاية وأعتقد أن هذا الموقف هو الموقف الذى يتخده كل مسلم حريص على إسلامه وكيف يستطيع المسلم التقى الورع أن يضفى محبته وولاءه على إنسان يجاهر الله بالمعصية ويصر عليها
والشخص الذي يقام عليه الحد لا يخلو إما أن يقام عليه الحد بعد اعترافه وإعلانه للتوبة) كما عز (مثلا فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب ولايته وإما أن يجب عليه الحد ويقام وهو مصر على معصيته ولا يعان التوبة مما ارتكب وهذا لاخلاف بين اثنين من الإباضية فى وجوب البراءة منه فما كان لمؤمن صادق الإيمان أن يضفى محبته وولاءه على إنسان يجاهر الله بالمعصية ويصر على ذلك وأنا أظن أن الحد في حالة التوبة تطهير وفى حالة الإصرار عقوبة وفي كلتا الحالتين لا يتجاوز تقدير الشارع فيه. ولا فرق بين من أقيم عليه الحد من العصاة ومن لم يقم عليه بل إن الكبائر كلها ما كان عليه حد وما لم يكن عند الإباضية موجبة للبراءة وليس أكثر من البراءة ومعنى البراءة هى البغض والجفاء فى الله بسبب ارتكاب المعصية وعدم الدعاء بالمغفرة والرحمة للعصاة وليس أكثر ذلك من
-
ولو عنى الإمام ابن حزم نفسه قليلا لعرف حقيقة أحكام الإباضية
وسيرتهم
—
وقد كانت الدولة ولا سيما وقد عاش في الأندلس
-
الرشيدية قائمة فى الجزائر قبل ذلك بقليل وسيرة أئمتها كانت حينئذ لا تزال متناقلة بين الألسنة، وطرق إقامة الحدود وإجراء الأحكام في تلك الدولة كان مما يقصه الناس بعضهم على بعض ويتحدثون به، كما كان في إمكان الإمام ابن حزم أن يحصل في ذلك الحين على بعض (1/55)
صفحة 56
الكتب الفقهية ويعرف منها رأى الإباضية الحقيقي • إقامة الحدود ولكن الإمام ابن حزم انساق في التيار السابق، تيار السخط على ما حسبه فرقا مخالفة بدافع شديد لا شعوري يقويه السخط ورغبة
ملحة في التشنيع على تلك الفرق. وقد أضاف إلى ما ذكره في كتابه شنائع أخرى زعم تلك الشنائع أنها مشاهداته من
من
المختلفة
قال في كتابه (الفصل فى الملل والنحل) صفحة 189 ما يلى:
وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارا فاحتلم، ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها، إلا قليلا منهم» •
لا شك أنه يقول هذا الكلام إرادة للتشنيع على الإباضية وسوف نناقش هذه المسائل في فصل «مسائل فقهية اجتهادية» وفي باب التشنيع أيضا ما يقوله فيما
فهم
لا
بعد
فتأمله فيما يلى:
قال ابن حزم: فى (الفصل فى الملل والنحل) ص 191 ما يلى:
وإلى قول الثعالبة رجع عبد الله بن إباض فبرئ منه أصحابه يعرفونه اليوم، ولقد سألت من هي مقدمهم في علمهم ومذهبهم .. » وهذا القول من ابن حزم من أغرب
أحد
منهم
عنه فما عرفه الأقوال وإن كان قد تردد على كثير من الألسنة والأقلام، من هم
رجع
الثعالية؟ وما هو قولهم الذي رجع إليه عبد الله بن إباض ولماذاا وهل رجع فى قول واحد أو في عدد من الأقوال؟ وما هي تلك الأقوال
؟ (1/56)
صفحة 57
التي رجع فيها ابن إباض إلى قول الثعالبة؟ وهل رجع إليهم في قول واحد أم أنه رجع إليهم فى جميع أقوالهم؟ أسئلة حائرة وليس لها جواب عند ابن حزم ولا عند غيره ممن أورد هذه الدعوى من أولئك الكتاب الذين يختطفون الإشاعات دون تثبت ثم يروجون لها وهى من أقوى الأدلة على أنهم يكتبون عما لا يعرفون أو على الأقل عما لم يتحققوا من صحته. كيف عرف ابن حزم أن ابن إباض رجع إلى قول الثعالبة؟ أين وجد أن أصحابه برئوا منه: ومن هو هذا المقدم الذي معه ابن حزم بالتحقيق فوجده لا يعرف شيئا عن إمامته؟ إنها سلسلة من الدعاوى والادعاءات الواهية المتداعية يهدم بعضها
بعضا. والمؤلف فيها جميعا لا يشير إلى المصادر التي اعتمد عليها
•
ابن حزم يزعم أنه سأل من هو مقدمهم في علمهم ومذهبهم فلم يعرفوا شيئا عن ابن إباض. فكيف علم أنهم يبرأون منه، وهل يعقل أن يبرأ ناس من شخص لا يعرفونه ولا يعرفون عنه شيئا!
هل اهتم العالم الكبير حقا بالتثبت أو ذهب يسأل عن الإباضية وإمامهم؟ أم هي صورة من نسج الخيال يقصد منها التشنيع دون معرفة شيء حقيقي؟ لو أراد أبن حزم التحقق لاستطاع الاتصال بعلماء الإباضية بالفعل واذكر أسماء أولئك العلماء أو المقدمين الذين يعتبر قولهم حجة في الموضوع • أو أن يطلع على كتبهم ويستمد منها الحقائق التي تناقش ولا تنكر وفى الصورة السابقة يبدو لي أن ابن حزم سمع عمن ينتسب إلى الإباضية في الأندلس وقد يكون من سمع العوام وقد يكون صاحب سطوة أو ثروة اشتهر بسببها بين الناس
عنه من
فذهب إليه ابن حزم يسأله عن إمامه ابن إباض فلم يجد عنده شيئا (1/57)
صفحة 58
ولو سلكنا هذا المسلك اليوم على انتشار الثقافة
المائة
-
-
مع ثمانين في
من أتباع المذاهب لكانت النتيجة واحدة شبيهة بما توصل إليه
ابن حزم فلو أنك أخذت تردد السؤال من هو محمد بن إدريس؟ على من يصادفك من أتباع الشافعى بل على بعض المقدمين من التجار وأصحاب المزارع الكبيرة وغيرهم لما وجدت عند الكثير منهم تريده من المعارف، ولا يزيد الكثير منهم على أن يردد ذلك السؤال في لهجة فيها استغراب وأحسنهم حالا من يضيف إلى ذلك فيقول لك هو إمامنا العظيم أو هو الإمام العظيم أو إمام المذهب الشافعي أو ما يشبه هذا مما لا غناء فيه. فهل نستطيع أن نبنى على ذلك حكما ونقول لقد سألنا عن الشافعى أتباعه أو بعض المقدمين من أتباعه فلم يعرفوا عنه شيئا.
يرفعونه
لم يزعم أحد من الإباضية أن عبد الله بن إباض رجع الى قول الثعالبة ولا أحد يوجد من الإباضية يبرأ منه فهم مجمعون على ولايته ويعتبرونه من أئمة المسلمين ومن كبار التابعين ويحفظون سيرته وقد دونوها في كتبهم ويعرفون الكثير من أقواله فى القضايا الشرعية وهم مع ذلك لا الى مكانة التقديس، كما لا يرفعون الى مكانة التقديس أي شخص غير معصوم. ويرون أن فى أقواله كما في أقوال غيره من الأئمة مأخوذاً ومتروكاً. صوابا وخطأ. ولا ينزهونه عن هذه المرتبة أى إمام سواء كان من أئمتهم أو أئمة غيرهم ويحتكمون في كل شيء الى الدليل حتى اشتهرت بينهم هذه العبارة (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال) فدعوى أن ابن إباض رجع الى قول الثعالبة وإن الإباضية يبرأون منه هى الأخرى دعوى تحاول أن تلحق بركب التشنيعات التي تنسب الى الإباضية وأئمتهم. الغريب حقاً من كتاب المقالات أنهم (1/58)
صفحة 59
ينسبون الى الإباضية من ليس منهم ويعتبرونهم أئمة ورؤساء فرق لهم ويحولون أئمتهم الحقيقيين فيلحقونهم بطرائف أو فرق أخرى ولعله مما يرفه على القارئ أن نختم هذا الفصل بما يلى:
قال ابن حزم في كتابه (الفصل بين الملل والنحل) ص 191 ما يلى:
ومن حماقاتهم قول بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، فانه كان يقول: كل ذنب صغير أو كبير، ولو كان أخذ حبة من خردل بغير حق، أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح فهى شرك بالله».
هذه كما يرى القارئ الكريم ليست من حماقات الإباضية، وإنما هي من حماقات العالم الكبير ابن حزم الأندلسي، وللعلماء الكبار حماقاتهم. من هو هذا البكر الذى لا يعرف أبوه ولا أمه ولا حتى عصبة أبيه وإنما ينسب الى أخواله. ثم يكون هذا البكر المجهول النسب إماماً له أقوال يعتمد بها وتذكر فى الكتب ثم إن العالم الكبير ابا محمد ابن حزم وهو يصنف المسلمين على فرق يعثر على هذا الرجل فلا يجد له مكانا ثم يأتى به يسوقه حتى يجد فراغا بين صفوف الإباضية فيلقيه هناك ثم ينسبه إليهم ثم يلقى عليهم تبعة حماقاته
الواقع أنه لا أسخف في التشنيع على الناس من هذا المستوى، إن
الإباضية لا يعرفون هذا الشخص المجهول، ولا يعرفون أقواله، ولا
يسودون بها بياض صحفهم، وينزهون كتبهم عن مثل هذه الأضاليل والدعاوى الفارغة، والمقالات الشاذة، وهم أحرص على أوقاتهم وأوقات قرائهم أن تضيع في مثل هذه الحماقات التي تعاون على نسج خيوطها: التعصب والانغلاق، والدعاية الفاجرة، والخيال السقيم، وعدم الأمانة في النقل
• (1/59)
صفحة 60
والشهادة، ثم توجيه السياسة الماكرة بأساليبها المختلفة، فوقع ضحية لذلك جماعة من أفذاد العلماء أمثال ابن حزم الذى نتحدث عنه وبعض
من سبقه أو سوف نشير إليه، وجازت عليهم تلك الأخطاء كلها رغم
ادعائهم الحذر والحيطة
•
ونحن في الواقع قد نلتمس للأقدمين عذرا إذا قصروا في الوصول الى الحقائق أما المعاصرون الذين ما أشرنا إليه من العوائق بسبب يعنون أنفسهم للكتابة عن غيرهم فليس لهم أى عذر في التقصير، لسهولة المواصلات، ويسر المراجع، وزوال الضغوط المادية والمعنوية من طرق الباحثين، مشاهداتهم عيانا للأضرار التي لحقت الأمة المسلمة بسبب التشتت والفرقة، وإدراكهم أن التشتت والفرقة إنما نتج عن تشدد أصحاب المذاهب الفرق فى استمساكهم بآراء أئمتهم، ونقمتهم ومحاربتهم لكل من يخالفهم، مما يولد رد الفعل الأشد عصبية والأكثر انغلاقاً
عسى الله أن يلهم الأمة المسلمة رشدها، ويجمع صفها، ويعيدها
وتقتدى
الى المحجة البيضاء، تحافظ على كتاب الله وسنة رسوله بأصحابه في هديهم، وتعتبر بقية الأئمة والعلماء إنما هم جنود خدموا الشريعة الإسلامية حسب اجتهاداتهم وفهمهم، يصدر منهم الصواب والخطأ ليس من حقنا أن نزيد أعمالهم أيهما أرجح ولا أن نفاضل بينهم، وإنما علينا أن نأخذ من أقوالهم ما أيده الدليل من كتاب أو سنة باعتبار قوة الدليل لا باعتبار صدوره من إمام معين. وليس لنا أن نخرج غيره ممن لم نأخذ بقوله، لأننا لا نأخذ بأقوال الناس وإنما نأخذ بأحكام الله. ولسنا على أحد ممن مضى بمسيطرين. (1/60)
صفحة 61
أبو المظفر الاسفراييني والإباضية
علماء القرن الخامس الذين كتبوا عن فرق الأمة الإسلامية: من أبو المظفر الاسفراييني. وقد كتب عن الإباضية فيمن كتب عنه من الفرق والقارئ الكريم حين يقرأ كتاب أبى المظفر يجده صورة أخرى باهتة للبغدادي فهو يدخل الموضوع كما يدخل محارب متحمس الى ساحة معركة حربية حاسمة يتقابل فيها خصمان عنيدان. وهو يعد قبل ذلك كل ما يستطيع من أسلحة، أو كل ما أوتي من قوة لينتصر الفريق الذي يريده ويحطم خصمه تحطيما لا يقوم من بعده.
•
بهذه الروح يبدأ أبو المظفر كتابه (التبصير) وفي المقدمة قسم الأمة الإسلامية الى قسمين: حكم بالهدى والاستقامة ثم الجنة لقسم وحكم بالزيغ والضلال ثم النار للقسم الآخر وهي صورة تكاد تكون طبق الأصل مما عند أستاذه البغدادى. وليس يهمنا في هذا الفصل - بطبيعة الحال - إلا حديثه عن الإباضية.
قال في كتابه التبصير طبعة 1955 ص 56 ما يلي:
- الفرقة السادسة الإباضية، وهم أتباع عبد الله بن إباض • ثم هم فيما بينهم فرق، وكلهم يقولون إن مخالفيهم من فرق هذه الأمة كفار لا مشركون ولا مؤمنون، ويجوزون شهاداتهم، ويحرمون دماءهم في السر، ويستبيحونها في العلانية، ويجوزون مناكحتهم ويثبتون التوارث بينهم، ويحرمون بعض غنائمهم، ويحللون بعضها. ويحللون ما كان من جملة الأسلاب والسلاح ويحرمون ما كان من ذهب أو فضة: ويردونها الى أربابها». (1/61)
صفحة 62
-
بعد هذه المقدمة الصغيرة التي سبقه إليها البغدادي وأبو الحسن انتقل الى ذكر الفرق السابقة التي ذكرها من قبله أبو الحسن والبغدادي والعبارة في الغالب عبارة البغدادى مع تصرف بسيط واضح التصنيع بعد أن ذكر تلك الفرق ومقالات كل منها بما فيها من شناعات وأباطيل كما عرضناها من قبل. عرض الى قصة الجارية التي نقلناها بتفاصيلها عن أبي الحسن • وقد اختصرها الاسفراييني ولم يهتم بها اهتمام الأشعرى والبغدادي. والإسفراييني فيما كتبه عن الإباضية في هذا الكتاب لم يبذل هو الآخر أي مجهود لمعرفة أى شيء حقيقي عن الإباضية وإنما انساق مع تيار من سبقه ممن كتب عنهم من غيرهم فاعتبرهم فرقة من فوق الخوارج كما فعل الأشعرى والبغدادي وابن حزم من قبله ثم نسب إليهم تلك المقالات التي رأيتها عند الأشعرى، وجعل من أئمتهم أولئك الأشخاص الذين نسبهم إليهم من سبق دون تحقيق أو تمحيص أو تعليق هو كل ما امتاز به عن سابقيه أنه تتملكه حين الى آخر ثورة غضب عارمة فيصب على تلك الفرق وأصحابها سيلا من الشتائم واللعنات.
-
أثناه كتابه.
من
وقد أحس محقق الكتاب الشيخ محمد زاهد الكوثري بملاحظتين
عن مؤلف الكتاب
-
قال في مقدمته للكتاب
ص
13 ما يلي:
والمصنف رحمه الله استوفى في هذا الكتاب
إخلال - بيان عقائد أصحاب الملل والنحل ببعض عنف في بعض المواقف».
-
في غير إملال ولا
ويقول بعد أسطر:
وقد غمز الرازي في الأجوبة النجارية أبا منصور البغدادي (1/62)
صفحة 63
--
بالتعصب والقسوة، وأبا الفتح الشهرستاني السارى وراءه بذلك أيضا،
ولكن الثاني ألطف لهجة بكثير».
ويقول بعد أسطر:
وقصارى ما يؤخذ به علماء هذا الشأن عدم التثبت في «عزو الأقوال كما سبق». والقارئ الكريم حين يقرأ هذه الفقرة الأخيرة من كلام الشيخ الكوثرى يدرك أن الشيخ قد رأى أن أقوالا تنسب الى غير أصحابها، وأن ناساً يقولون ما لم يقولوا كما أنه اقتنع بملاحظة الرازي على بعضهم شدة التعصب وعبارة شيخنا الكوثرى الناعمة التي تشير الى الملاحظات السابقة تحمل معنى الاعتذار عن هذا التصرف من علماء هذا الشأن وكأنه يرى في ذلك كبير يأس بل إنه حاول أن يبرر موقفهم العنيف ضد الفرق ويبدو لي أن هذه النقطة بالذات نقطة عدم التثبت في عزو نقطة مهمة. فان عدم التثبت في نسبة الأقوال الى أصحابها وعدم التحقق من معرفة ذلك معرفة صحيحة. يؤدى الى نسبتها الى قوم هم برآء منها. وقد يؤدى ذلك الى الحكم على ناس بالفسق أو الكفر - أو البدعة أو الضلال. وهم أبرياء من ذلك وأصح عقيدة ممن يرميهم
لا
المخالفة
الأقوال
بذلك
عدم
-
وفي الصفحات السابقة أوضحت للقارئ الكريم أمثلة كثيرة في ا التثبت والتحرى فيما نسبه بعض الكتاب الى الإباضية وأن بعض ما نسبوه إليهم على أنه من مقالاتهم يحكم الإباضية على القائلين به بأنه مرتد كافر، أبو المظفر كما أشرت في السابق كان متأثرا بالبغدادي تأثرا كبيرا ويظهر هذا واضحا جليا في أسلوب الكتابة وفي المنهج الذي سلكه وفي الحنق الشديد على أصحاب الفرق والمقالات التي تناولها. وفى (1/63)
صفحة 64
العنف الذي طبع أحاديثه به. وفى عدم التحرز من الحكم عليها بأحكام المشركين الى درجة التبجح بذلك. ثم المغالاة في مدح الفرق الموافقة الى درجة الإعتزاز والافتخار بالملوك الظالمين وما شادوه من أبنية وأزهقوه
من أرواح.
يقول الاسفرايينى فى كتابه التبصير ص 176 وهو يعدد مآثر أهل
السنة ما يلي:
وأما أنواع الاجتهادات الفعلية التي مدارها على أهل السنة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة، مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنة. إما فى أيام بني أمية وإما في أيام بني العباس، مثل مسجد دمشق المبنى فى أيام الوليد بن عبد الملك، وكان سنيا قتل في أيامه، ما شاء الله من الخوارج والروافض» •
ويقول بعد أسطر:
وكان بعض المصريين يتغلبون ويسعون فى عمارة شيء منه ولكن
لا موقع لما كانوا يفعلونه مع سوء اعتقادهم» •
وبقطع النظر عن دين الوليد بن عبد الملك الذي يقول عنه أكثر المؤرخين أنه كان جبارا عنيدا كما جاء في مروج الذهب للمسعودي ص 166 من الجزء الثالث ما يلى:
وكان الوليد جبارا عنيدا ظلوما غشوما».
فإن الوليد توفى سنة 96 والمذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنة (1/64)
صفحة 65
لم توجد بعد فإن أبا حنيفة كان حينئذ غلاما ومالك كان ابن سنة واحدة. أما الشافعي وأحمد فلم يولدا بعد فلو فرض أن الوليد قدم من أعمال الخير ما يعتز به المسلمون أو يذكرونه فى مقام الاحتجاج فإن ذلك يكون سابقا لنشأة المذاهب والفرق ولا حق فيه لهم ودعوى أنه كان سنيا دعوى لا تقوم على أساس، ولو صح هذا لكان الاعتراز بعمر بن عبد العزيز أولى وأحق. وإذا افتخر أهل السنة بما قام به الملوك والأمراء ونسبوه إلى أنفسهم فهل يعتبر من أعمال أهل السنة المنجنيقات التي وجهت إلى الكعبة والأعمال الوحشية التي قام بها قادة الدولة الأموية في المدينة المنورة مثلا. لا شك أن القارئ الكريم يلحظ هنا أصابع السياسة الماكرة وهى توجه أقلام العلماء فى دهاء لما تريده فتزين أعمال الدولة الأموية وتعتبرها من أمجاد أهل السنة بينما تنثنى إلى ما يشابه تلك الأعمال لما قام به العبيديون فأسقطوه من الحساب بدعوى فساد نياتهم
هذا بعض ما تفعله السياسة الماكرة في توجيه الأقلام
أما تعبير المؤلف عن الوليد: «وكان سنيا قتل في أيامه ما شاء الله من الخوارج والروافض» فيوهم أنه إنما اعتبر الوليد سنيا لأنه أمعن في قتل الروافض والخوارج. ولا شك أن الإمعان في قتل المسلمين لمخالفتهم في قول أو رأى يناقض السنة ولا يكون دليلا على التمسك بما ما لم يكن إقامة لحد من حدود الله وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها» وإذا جاز له أن يعتبر الوليد بن عبد الملك سنيا وأعجبه أنه قتل في أيامه
(م ه - الاباضية) (1/65)
صفحة 66
66
ما شاء الله من المسلمين الآخرين أفلا يعتبر الحجاج أيضا سنيا ويعجبه أيضا العدد الهائل الذى قتله الحجاج قال المسعودي في مروج الذهب صفحة 175 من الجزء الثالث ما يلى:
مائة
وأحصى من قتله سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد وعشرين ألفا، ومات فى حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد».
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
اشتهر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في النصف الأول من القرن السادس الهجري، وقد ذاع صيته بين كتاب المقالات في العقائد، ويعتبر كتابه (الملل والنحل) من أهم المراجع في هذه المواضيع وكثير من كتاب اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقق ثابت لا يناقش • ويهمنا أن نرافق هذا المؤلف الكبير بعض الوقت لنستجلى موقفه، ونرى هل استطاع أن يتجنب الأخطاء التي وقع فيها من
سبقوه؟
يقول أبو الفتح في كتابه (الملل والنحل (الجزء الأول من الطبعة
الأولى لمكتبة الحسين التجارية.
ص
ما يلي:
ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أنه ليس كل من عبر عن غيره بمقالة
ما في مسألة ما عد صاحب مقالة» • (1/66)
صفحة 67
ويقول: صفحة 6 ما يلى:
وشرطى على نفسى أن أورد مذهب كل فرقة على ما
وجدته
في
كتبهم من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من
فاسده، وأعين حقه من باطله» •
فهل وفي أبو الفتح لما خططه لوضع كتابه وشرطه على نفسه من استقاء الآراء والعقائد من مصادر أصحابها؟
يؤسفني أن أقول أنه لم يفعل ذلك، وأنه سلك نفس المسلك الذى مر به سابقوه، فهو يبحث عن أسماء الرجال وينسب إليهم الأقوال ليبلغ بعدد الفرق إلى اثنتين وسبعين فرقة يدفعها جميعا ـ محسنها إلى النار ويستخلص منها الثالثة والسبعين فيقودها إلى الجنة. وقد اعتمد فى ذلك كله على من سبقه من أصحاب الكتب التي ناقشنا بعضها وإن كان قد خالفهم في جزئيات يسيرة ربما عرضنا لبعضها في نهاية هذا الفصل.
ومسيئها
-
وعد أبو الفتح أنه سيذكر الفرق بتجرد، وأنه لا يصحح ولا ينتقد، ولا يصوب ولا يخطئ، ولا يميز بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، ولكنه ناقض نفسه من الخطوة الأولى. ومن مقدمة الكتاب جرد سيفه وجعل ينظم صفوف الفرق ويصففها في طوابير طويلة تمتد جذورها في أعماق التاريخ من عصره إلى عهد إبليس متخذة في كل مظهرا مناسبا من موقف إبليس إلى موقف المشركين المنافقين إلى موقف الفرق الضالة، ويحاول أن يربط العلائق الوثيقة بين هذه الفرق الضالة وأسلافها فى نظره من المنافقين أو المشركين أو الشياطين. وهو
عصر (1/67)
صفحة 68
يرجع جميع الفرق الضالة في نظره إلى أصول أربعة. يقول في صفحة 10 من كتابه ما يلى: «فاللعين الأول لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزمه أن يجرى عليه حكم الخالق فى الخلق أو حكم الخلق في الخالق، والأول على والثانى تقصير، فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحولية والتناسخية والمشبهة والغلاة من الروافض حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال. وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا وصفه تعالى بصفات المخلوقين، فالمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة حلولية الصفات وكل واحد منهم أعور بأى عينية شاء، فإن من قال إنما يحسن منه منه ما ويقبح يحسن يقبح منا، فقد شبه الخالق بالخلق ومن قال يوصف البارئ بما يوصف به الخاق، أو يوصف الخلق بما يوصف به البارى تعالى عز اسمه فقد اعتزل عن الدق+
ما
منا،
وسنخ القدرية طلب العلة في كل شيء وذلك من سنخ اللعين الأول إذ طلب العلة فى الخلق أولا والحكمة فى التكليف ثانيا • والفائدة تكليف السجود لآدم عليه ثالثا السلام وعنه نشأ مذهب (الخوارج) إذ لا فرق بين قولهم لا حكم إلا الله (1)، ولا يحكم الرجال، وبين قوله لا أسجد إلا لك. أأسجد لبشر خلقته من صلصال. وبالجملة (كلا طرف قصد الأمور ذميم) (فالمعتزلة (غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفى الصفات (المشبهة) قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام (والروافض (غلوا فى النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول
(1) هذه الكلمة مقتبسة من القرآن الكريم في قوله تعالى: «ان الحكم الا لله» في سورة الأنعام وفى سورة يوسف كل ما فعله من قال هذه الكلمة أنه أتى بما الناغية بدلا من ان النافية (1/68)
صفحة 69
-
99 -
) والخوارج (قصروا حيث نفوا تحكيم الرجال وأنت ترى أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول. وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخرة مظهرها»
وهكذا ترى من أول الأمر أنه حاول أن يربط بين إبليس وأصول الفرق بتلك الخيوط الضعيفة التي توهم صلاحيتها للربط فهو قد حكم عليها مسبقا بالضلال والزيغ واتباع الهوى وإنما يوردها ليحدد بها الإحصائية ويلتمس لها المبررات التي تجعلها ضمن الموكب الضخم الذي يدفعه كتاب المقالات إلى الهاوية.
أخل
يجده
وفيما يتعلق بوعده ألا يكتب عن أية فرقة إلا بناء على ما في كتب علماء تلك الفرقة فيؤسفني أن أقول أن الإمام الشهرستاني قد بوعده ولم يوف به، ولم يعمل بالشرط الذي شرطه على نفسه، هذا على الأقل بالنسبة إلى الإضية. ولست أدرى موقفه من كتب الفرق الأخرى وإن كنت أحسب أنه لا يختلف
والحقيقة أن هذا الموقف من نسبة الآراء والعقائد إلى مصادر أصحابها موقف خطير. فالكاتب حين يعد قراءه بأنه يعتمد في نسبة الأقوال على مصادر أصحابها، يضع المثقة به فى الميزان، فإن وفي كان أهلا للثقة والتصديق فى كل شيء، وإن أخل بوعده، كان موضعا للشك يجرى البحث من ورائه لتحقيق ما يقول:
قال أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل الجزء الأول
ص 212 ما يلي:
الإباضية أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان (1/69)
صفحة 70
ابن محمد خوجه إليه عبد الملك بن محمد بن عطية فقاتله بثبالة وقيل إن الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في عبد
جميع أحواله وأقواله».
وقال) أى ابن إياض (إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام – وحرام قتلهم في السرغيلة الا بعد نصب القتال. وإقامة الحجة
وسبهم
•
وقالوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغى. وأجازوا شهادة مخالفهم على أوليائهم، وقالوا في مرتكبى الكبائر أنهم موحدون لا مؤمنون
ثم ذكر عدة مقالات قال إن الكعبي حكاها عنهم ويهمنى أن يعرف القارئ الكريم الملاحظات الآتية عن مرا افقتنا لأبي الفتح الشهرستاني:
1
ذكر أن عبد الله بن إباض خرج أيام مروان بن محمد وقتل بثبالة. وهذا خطأ تسرب إلى أبي الفتح وإلى جملة ممن كتب عن الموضوع. لأن عبد الله بن إباض لم يعش إلى زمن مروان وإنما توفى في أواخر أيام عبد الملك ولعل الذين ذكروا هذا القول اشتبه عليهم بأحد الرجلين: المختار بن عوف، أو بلج بن عقبة، من أصحاب عبد الله بن يحيى طالب الحق وهم جميعا من الإباضية.
تحدثنا
والمقالات التي نسبها الى الإباضية هي بعض ما نسبه له من عنهم سابقا وسوف نعرض لها في بعض فصول هذا الكتاب ونوضح فيها ما كان منها موافقا لمقالات الإباضية، وما كان مخالفا لها،
وما صيغ بغموض وإبهام يحتاج إلى شيء من الإيضاح والبيان (1/70)
صفحة 71
- 71 -
3 ـ ذكر جملة من المقالات المنسوبة إلى الإباضية، ونص على أن الكعبي. حكاها عنهم. وهذا موقف سليم من أبى الفتح حين تخلص من
عهدة تلك الأقوال ونسبها إلى من حكاها بما فيها من صدق أو غيره
{
حسب الحفصية والحارثية واليزيدية فرقا مستقلة ولم يدخاها
في الإباضية وهو موقف فيه تمحيص وتحقيق خالف فيه السابقين ممن
كتبوا في الموضوع.
ه ـ لم يذكر قصة ثعلبة ولا قصة. بيع
الأمة وما بنى على ذلك، فسلم
كتابه من تلك النزعات الفارغة والأباطيل الجوفاء
•
ويتضح من هذا أن أبا الفتح وإن سلك طريق الآخرين في تقـ تقسيم الفرق والحكم عليها إلا أنه كان أكثر دقة واجتهادا وتحريا من سابقيه، وخالفهم في عدد من الواقف تقدر له، ولا نأخذ عليه شيئا غير ما ذكرناه سابقا في تورطه كما تورط غيره فى حكمه على مجموعة من الفرق بالضلال مسبقا مع شرطه على نفسه أنه سيقف من الجميع موقفا سلبيا يصوب ولا يخطئ، ثم وعده بالرجوع إلى مصادر الفرق في نسبة الأقوال وعدم وفائه بذلك. وبالنسبة الى الإباضية بدلا من أن يرجع الى علمائهم أو كتبهم التجأ إلى الكعبي. وغيره ممن لم يذكره فوقع في أخطاء كان حريا ألا يقع فيها. أما خطوه في تاريخ عبد الله بن إباض فهذا خطأ قد لا يسلم من مثله الكثير من الكتاب
لا
وعلى كل حال فأبو الفتح عندما كتب عن الإباضية لم يأخذ مقالاتهم من مصادرهم وإنما أخذها من مصادر غيرهم ولكن ذكره لتلك المقالات (1/71)
صفحة 72
كان يتسم بدقة الملاحظة والمعرفة لآراء الفرق، ولذلك فقد نسب ما قيل له عن الإباضية الى رواته، وجعل بعض من ما كان يحسب على الإباضية وليس منهم فرقا مستقلة وأغفل قصة النزاع على الأمة والطفلة، وهذا وحده يعتبر منه نقدا وردا على كتاب المقالات السابقين
تستحق الثناء والتقدير.
•
وهي
خطوة (1/72)
صفحة 73
الباب الثاني
مع المعاصرين
مع
الأستاذ على مصطفى الغوالي
مع أبي زهرة
مع عبد القادر شيبة الحمد
* مع الدكتور هويدى
*
مع الدكتور هويدى أيضا
د • هويدي في تبعية المستشرقين
مع عز الدين التنوخي
مع الأستاذ إبراهيم. محمد عبد الباقي
مع الأستاذين: التنوخي وإبراهيم عبد الباقي (1/73)
صفحة 74
[صفحة فارغة] (1/74)
صفحة 75
الباب الثاني
مع المعاصرين
الكتب التي تحدثت عن الفرق الإسلامية فى هذا العصر ـ سواء كانت تعنى بالفرق جميعها أو ببعضها - كثيرة، ومناهجها في البحث مختلفة، والإحاطة بها غير ممكنة، والأساليب تناولتها بها تختلف من كاتب إلى كاتب، منهم التقليدى الذى يرجع إلى المصادر القديمة، فيأخذ عنها بالنص أو بالمعنى لا يخرج عن دائرة ذلك المصادر المحدودة التي عرضها ووثق بها، وهو فى ذلك لا يستخدم فكرا، ولا يعمل رأيا
•
ومنهم من يميل عن المصادر العربية إلى المصادر الأجنبية، يصطنع أسلوبهم ويتخذ منهجا. في بحثه – شبيها بمناهجهم، ويقتبس منهم الآراء والنظريات، ويبنى على مقتضاها الأحكام. ومنهم من يبذل الجهد
—
ويطلع على مختلف المصادر. ولا يبنى حكمه على فرقة إلا.
إلى مصادرها هى نفسها، ومقارنتها بما قيل عنها
•
بعد
الرجوع
وبعد دراسة الموضوع الإباضية في عدد من كتابات المعاصرين واستعراض لمناهجهم وأساليبهم استقر رأيي على أن آخذ نماذج منهم تمثل الاتجاهات السابقة:
وكان اختيارى لمن يمثل الاتجاهات السابقة كما يلى:
1
-
الأستاذ على مصطفى الغوابي
2 - الأستاذ محمد أحمد أبو زهرة (1/75)
صفحة 76
ه
الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد
ـ الدكتور يحيى هويدى
—
الأستاذ عز الدين التنوخي
6 ـ الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي
أما كتبهم التي كانت مرجعا للدراسة في هذه الفصول فهي حسبه
الترتيب السابق:
1 ـ تاريخ الفرق الإسلامية
الأستاذ الغوابي
المذاهب الإسلامية
الأستاذ أبو زهرة
ـ تاريخ المذاهب الفقهية
الأستاذ أبو زهرة
الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة الأستاذ شيبة الحمد
تاريخ فلسفة الإسلام من القارة الإفريقية دكتور هويدى
مقدمات على مجموعة في الكتب
الأستاذ عز الدين التنوخي
الدين والعلم الحديث.
الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي
أرجو أن يجد القارئ الكريم متعة فى مرافقة هؤلاء الكتاب العظام.
مع
الاستاذ على مصطفى الغوابي
هذا مؤلف معاصر كتب عن الفرق الإسلامية، وهو في كتابته عن هذه (1/76)
صفحة 77
VY -
الفرق كان يبذل جهدا مشكورا ليظهر بمظهر الاعتدال وعدم التعصب، و استعمل فى كتابته أسلوبا غاية في الرقة واللطف
وكان يحاول أن يجمع فرق المسلمين جميعا على صعيد المحبة والاحترام والتعاون، وأن يذكر، لكل منها على الأقل - مزاياها الظاهرة في سلوكها العام، وفى خدمتها للإسلام. ولكنه مع كل ذلك لم يسلم من عدد من الانزلاقات. سببها له اعتماده المطلق وثقته الكاملة في جانب واحد من كتب المقالات فقد اعتمد فى جميع ما كتبه عن الإباضية وهم في نظره وفى مصادره فرقة من فرق الخوارج ــ على المصادر
الآتية:
المقالات
للأشعرى
والفرق بين الفرق البغدادي
والملل والنحل للشهرستاني وكتاب التبصير للإسفراييني
وهذه الكتب الأربعة قد سبق أن تحدثنا عنها وعرفنا موقفها من الإباضية كما أشار أحيانا قليلة إلى الرازى، واعتمد في معرفة مواطن الإباضية في العصر الحاضر على المستشرق جولد تسيهر. ومعروف بالبداهة أنه مادامت هذه مصادره فإنه لن يخرج في تكوين رأيه عن نطاقها، اللهم إلا باللهجة والأسلوب. ومع كل هذا فقد كانت له وقفات جديرة بالتقدير لأنها تدل على نزعة حرة في التفكير فعمل بوعى، وأنه لا ينساق مع التيار دون أن يرى ما في طريقه من تعرجات وأخاديد
قلت: إنه يعتبر الإباضية فرقة من الخوارج ولذلك فإنه من المهم (1/77)
صفحة 78
—
فيما أرى - أن أصحبه قليلا حينما يعرض لهم حتى أستطيع أن أحدد جوانب النقاش على أسس واضحة.
يسوق ثلاثة تعاريف لمعنى كلمة الخوارج فيقول:
1 - «إنهم سموا خوارج لخروجهم عن على بن أبي طالب» •
ويعزو
هذا التعريف إلى أبي الحسن الأشعري.
2 - يرجح في هامش الصفحة أن التسمية مأخوذة من قوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) وعلى هذا تكون التسمية لقب مدح لاذم وتكون لا منهم من مخالفيهم، وأن حياتهم التي صبغت بالتفاني في القتال تحقيقا لمبادئهم تساعدنا على هذا الاستنتاج.
3 - (إن كل من خرج عن الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة في كل زمان، وعلى هذا التعريف يكون تسميتهم بالخوارج من مخالفيهم لامنهم، وأن الخوارج مستمرون فى كل وقت مادام يوجد من يخرج
على رؤساء الحكومات» وينسب هذا التعريف إلى الشهرستاني
•
ورغم أنه يرجح التعريف الثانى إلا أنه يقول: «ولكن هناك فرق بين الخوارج بهذا الاصطلاح - أى الاصطلاح الذى نسبه إلى الشهرستاني - والخوارج الذين نؤرخ لهم. وهي بعد أن يذكر هذا يحاول أن يلخص حركتهم فى مجرى التاريخ ولكن هوة عميقة تعترض طريقه فلا يستطيع أن يتخطاها - كما فعل المؤرخون وأصحاب المقالات (1/78)
صفحة 79
79
من قبله
دون وقفة رائعة من التفكير والتأمل. ثم يستعرض آراء الخوارج في الجملة ـ كما تصورها مصادره ثم ينتقل إلى استعراض فرقهم الأصلية فرقة فرقة حتى يصل إلى الإباضية متبعا في ذلك نفس المنهج الذي سارت عليه تلك المصادر ولكنه فوجئ مفاجأة أخرى – لم يهتم لها السابقون - تركته يقف في حيرة وتأمل
•
ولكي نوضح للقارئ الكريم هذين الموقفين يجدر بنا أن نعود إليهما بشيء من التفصيل. كان الأستاذ الغوابي يلخص حركة الخوارج في مجرى التاريخ حسب مصادره السابقة وتتبعها حتى ذكر أن أهل النهروان قتلوا جميعا ولم ينج منهم إلا تسعة أشخاص من أربعة آلاف وتذكر تلك المصادر أن الأربعة الآلاف لم يستطيعوا أن يقتلوا من محاربيهم إلا تسعة أشخاص كأنما كان أولئك الناس مقيدين لا يحملون سلاحا. وأن أولئك التسعة الذين نجوا من تلك المجزرة الرهيبة تفرقوا في البلاد ولا شك أن من كان على مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يقوم بحركة في
-
مدى قريب ولكنه فوجئ وهو يستعرض أحداث التاريخ بأن العصر الأموى ابتداء من معاوية. وبعد أن قتل المحكمة كلهم على ضفة النهر كان مشحونا بحركة دائبة للخروج فلم يظهر له كيف يربط الصلة بين المحكمة الذين قضى عليهم حسبما تذكر المصادر وبين حركة الخوارج فيما بعد ويتساءل عن هذه العلاقة فيما بينهما في حيرة ولكنه لا يحظى بجواب لأن المؤرخين السابقين لم يقدموا أى شيء عن ذلك بل إنهم لم يهتموا أو لم يحسوا به ولذلك فهو يستسلم فى ارتياب وحيرة ثم يتخذ موقفا ظن أنه يقدم بعض الحل إذا لم يقدم الحل كله فاعتبر المحكمة سلفا للخوارج ولو أنه لم يستطع أن يوضح هذه الرابطة السلفية أو يقدم
لها تفسيرا اللهم إلا إذا كان يراها
-
فيما بينه وبين نفسه
-
بوراثة (1/79)
صفحة 80
80
فكرية أو نسبية غير مباشرة. ذلك أن المحكمة إنما كان الخلاف بينهم وبين أمير المؤمنين على وقد انتهوا في سنة 37 من الهجرة أما الخوارج فقد وضح موقفهم بمبادئهم الخاصة ضد الأمويين في سنة 64 للهجرة بقيادة الأزارقة والنجدات كما يرى الأستاذ الغوابي وإذن فهنالك انفصام تاريخي عملي بين حركة المحكمة وحركة الخوارج وهناك انتصام فكرى بينهما أيضا وإن لم يشر إليه الأستاذ الغوابي صراحة ولكنك تحسه وأنت تقرأ وذلك أن الميدان الذي يشتغل فيه الخوارج غير الميدان الذي اشتغل فيه المحكمة
وحين كان يستعرض مبادئ الخوارج وأفكارهم عامة وجد أن
المصادر التي يعتمد عليها ترميهم بالشذوذ والتشدد وضحالة الفهم والعقل، فلما استعرض فرقهم فرقة فرقه واستعرض الإباضية – كفرقة من الخوارج حسب المصادر التي يعتمدها - لم يجد فيها تلك الصورة الشرسة البغيضة التي ترسم عن الخوارج - سواء كان القصد من الرسم إعطاء صورة عنهم أو إعطاء صورة لهم - فوقف وقفته الثانية من التأمل والتفكير، والمؤرخون كالعادة لا يقدمون له الحل وهو
لا
يمنع
-
يستطيع أن يتهم المصادر التي يعتمد عليها، فهى من الكثرة والتعدد بحيث لا يسهل اتهامها وخطر له الحل فهو قد افترض أن للخوارج سلفا وخلفا فما أن يكون الخلف قد غيروا موقفهم عن سلفهم فتساهلوا بدل التشدد الذي كان عند سلفهم ولما كانت آراء الإباضية لا تحمل شيئا من طابع الخوارج الذي تصفه المصادر، وموافقهم لا تتفق مع مواقف أولئك المتشددين فما يمنع أن يكون الإباضية هم خلف الخوارج ولكنهم تساهلوا وعدلوا عن موقفهم المتزمت. ولا شك أن هذه الفكرة كانت فى مبدأ الأمر خاطرة خطرت في ذهن الأستاذ الغوابي وهو يقلب وجوه الرأى للخروج من الهوة التي تركها المؤرخون وكتاب المقالات دون (1/80)
صفحة 81
-
81 -
أي اهتمام، وانتقلت الخاطرة فصارت فرضا ثم صارت حقيقة حلت المشكلة فى ذهن الأستاذ وبنى عليها بحثه فيما بقى. ولكن هذه الخاطرة أو الفرضية كالفرضية الأولى تبقيان متأرجحتين كاخشبة التي توضع للعبور فوق هوة عميقة ما تطؤها قدم حتى تهتر ويحس المار بالحقيقة المختفية تحته. وأحب هنا أن أذكر للقارئ الكريم أن الكتاب الذين تناولوا الخوارج في أبحاثهم ثلاثة أقسام:
القسم
الأول
هم
أولئك الكتاب المتشددون الناقمون الذين يخرجونهم
من الإسلام أو يكادون، وهم يرمون عليهم كل أوزار التاريخ الإسلامي يقول مؤرخ معاصر (1): «ومنذ أن خرجوا على سيدنا على انفتح باب يسد بعد. ولن يسد مادام لهم أنصار على وجه الأرض»
الفتنة فلم يـ
القسم الثاني هم أولئك الذين ينقلون ما يجدونه في المصادر دون دراسة أو تفهم أو تحليل وآراؤهم تكون حسب الصدفة فإذا وقعوا على مصادر تميل الى الخوارج أو تعطف عليهم كان لهم رأى وإذا وقعوا على مناوئة لهم كان لهم رأى آخر مغاير
هم
الثالث القسم أولئك الذين يقفون منهم موقف الاعتدال يحسبونهم من جملة المسلمين ويتحدثون عنهم بلطف وسماحة وقد يلتمسون لهم الأعذار وربما أيدوهم في بعض آرائهم ومبادئهم وفي هذا القسم الأستاذ على مصطفى الغوابي وقد حاول أن يعتذر للخوارج بأعذار سبق أن اعتذر لهم بها كتاب سابقون وفى إمكاني أن ألخصها لك في عدد من النقاط مستخلصة من فصله «الحكم عليهم» كما يأتي:
1 - كان إدراكهم للتعاليم الدينية إدراكاً سطحياً
(1) انظر كتاب الفتح العربى فى ليبيا الطبعة الأولى ص 104
(م 6 - الاباضية) (1/81)
صفحة 82
- AY-
فهمهم
2 ـ كان يصاحب إدراكهم إخلاص لما عرفوه من الدين حسب
3 - إخلاصهم لعقائدهم جعلهم ينكرون على كل من يخالف أمراً من أمور الدين ـــ حسب فهمهم وإدراكهم - •
معهم
-
هذا الإنكار جعلهم يحكمون على مخالفيهم بالشرك أو الكفر
عدم
الدقة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج.
وهكذا ترى أن الاعتذار عنهم
-
-
حتى ممن يعطف عليهم ويتسامح
هو الآخر اتهام بصورة أخرى قد تكون أقسى وأشد
•
والمشكلة الحقيقية في كتاب المقالات ان الواحد فيهم حين ينتصب للكتابة يعطى لنفسه حقين ثابتين ينطلق من خلالهما:
الحق الأول أن الفرقة التي ينتسب إليها هي التي تمثل الإسلام حقيقة للتقويم ولا للنقد ولا للمقارنة وحكمها على غيرها هو حكم الإسلام نفسه و آرؤها وعقائدها هي الميزان الذي توزن به عقائد
فهى
غير خاضعة لا
وآراء الآخرين.
الحق الثاني يرى أنه ما دام ينتسب الى فرقه محقة تمثل الإسلام فمن صلاحياته أن يحكم على الفرق الأخرى وأن يقرر بعدها أو قربها
من الإسلام بمدى الخلاف الذي بين تلك الفرق وفرقته
وهو
يصدر أحكاما عامة أو خاصة على
لا يجد أى حرج في أن الآخرين بهذا الاعتبار على هذا الأساس. (1/82)
صفحة 83
—
83
ذلك
واذلك قال الأستاذ الغوابي رغم اعتداله ومحبته لوحدة المسلمين فهو قد حدد لنفسه موقفا فى فرقة محقة لا تخضع للتقويم ومن موقفه العالى يرى الفرق الأخرى وهى ترتكب أخطاءها ولما كان من طبعه اللين والتسامح فقد راح يعتذر عنها - تأليفا - وثانيا – بأنها فرق ساذجة بسيطة ليس لها ملكة الفهم ولا التعمق والتفكير ومن كانت هذه حالته فينبغى ألا يؤاخذ وإنما يستأنس ويستجلب ويرفق به.
أو هذا على الأقل بالنسبة لما رآه عن الخوارج وقد أطلت النقاش في موضوع الخوارج لأنه يعتبر الإباضية فرقة منهم وأغلب ما يقال عن الخوارج يشمل الإباضية.
بعد هذا يسرني أن أنقل إليك بعض ما قاله في الإباضية خاصة. فقد جاء في كتابه القيم) تاريخ الفرق الإسلامية) في فصل الخوارج
ما يلي:
وأما الإباضية وهم إحدى الفرق الأصلية (1) عند الأشعرى
وينسبون لرئيسهم عبد الله بن إباض فإن فروعهم هي:
2
1 - الحفصية وإمامهم حفص بن أبى المقدام.
اليزيدية أصحاب يزيد بن أنيسة.
- الحارثية أصحاب حارث الإباضي.
(1) يقصد أنها فرقة أصلية من فرق الخوارج لأن أبا الحسن الأشعري يرى أن الخوارج ينقسمون أولا الى فرق أصلية وأن كل واحدة من الفرق الأصلية تنقسم الى عدد من الفرق يعتبرها الأشعرى فرقا فرعية للخوارج. (1/83)
صفحة 84
{
-
ومنهم
ومنهم من يسمون أصحاب طاعة لا يراد بها وجه الله الواقفية ومن الواقفية الضحاكية) واقفية أخرى) وسبب تسمية الأولى والثانية بالواقفية أن كلتيهما وقفت بين فريقين اختلفا على حكم فلم
ينضما الى أحد الفريقين المختلفين وقالوا نقف فسموا واقفة لهذا».
وقد سبق أن اطلع القارئ الكريم على هذه الفرق المزعومة عند الكتاب الأقدمين كأبي الحسن ومن ذكر بعده بتفصيل أكثر. وعلم هناك أنه لا أساس لنسبة هذه الفرق الفرعية الى الإباضية وأن ما ينسب إليها المقالات لا يقول به الإباضية ومنه ما يحكمون على قائله بالكفر
من
وقال الأستاذ الغوابي في نفس المصدر ما يلى:
أما الإباضية فقد تساهلوا في كثير من الأحكام التي كان يشدد فيها سلفهم فقالوا إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين (1)، وأن مناكحتهم جائزة، ووراثتهم حلال، وأن أموالهم إذا غنمت من الحرب حلال، إذا كانت مما يعين على الحرب كالسلاح، وما عدا هذا في الأموال فهو حرام، ويحرم قتلهم غيلة وفى السر، وإنما يجوز القتل إذا أقاموا على خصومهم الحجة، وأعلنوهم بالقتال، وقالوا إن جميع ما افترضه الله سبحانه على خلقه إيمان فعندهم الإيمان تدخل فيه الأعمال، والأعمال جزء منه ويظهر أن هذا الرأى هو الغالب على فرق الخوارج، فتلك لطائفة تقدس الأعمال وترفع من شأنها، هذا، ونعم الرأى. وليت المسلمين يتمسكون به، إلا أنه إذا ارتكب مؤمن كبيرة من
(1) انساق الغوابي مع التيار فاستعمل هذا التعبير الملتوى وله ما اختار. (1/84)
صفحة 85
الكبائر فهو كافر كفر نعمة لا كفر شرك، ولكن مع قولهم بهذا فإنهم يقولون بتخليده فى النار.
وقالوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد لا دار کفر، وهذا أيضا من نواحى تساهلهم. حيث أن سلفهم كانوا يقولون إن دار مخاليفهم دار شرك، ومما خالفوا فيه سلفهم وكانوا أكثر تساهلا منهم فيه أنهم أجازوا شهادة مخالفيهم، وأما أطفال المشركين فبعضهم يلازمهم على غير طريق الانتقام، وجوز أن يدخلهم الله الجنة، وبعضهم يقول إن إسلامهم واجب لا جائز، ومن هنا نرى أن متأخرى الخوارج كانوا أكثر تساهلا مع مخالفيهم أكثر من متقدميهم، وأن هذا التساهل بدأ يزداد شيئا فشيئا ولا ندرى هل سبب هذا التسامح هو أنهم ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئا فشيئا حتى لا تقوم بينهم الحرب أم أنهم لما اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية، وفيهم سذاجة التفكير، كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم من سلفهم ولا مانع من أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معاً. فالحروب قد أضعفت من حماسهم، وأن مداركهم قد اتسعت عن مدارك سلفهم، وأصبحت نظرتهم فاحصة وعميقة في نواحي الدين أكثر من سلفهم «.
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلى:
وعدم
عمق
في
ولكن يظهر أن عدم الدقة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج – كما قلت وأما متأخر وهم فإنهم قد دققوا في الأحكام، وفرقوا بين عمل وعمل، ولم يشتطرا في أحكامهم، كما اشتط سلفهم وكما لاحظنا
- (1/85)
صفحة 86
-47 -
فيما تقدم صارت أحكامهم على مخالفيهم فيها تسامح وفيها تساهل ليس كل مخالف لهم كافرا أو مشركا، وليس أطفال المشركين مخلدين في النار. وليس حكمهم حكم آبائهم، ويلاحظ أنه لما ضعفت قوتهم الحربية اتجهت نفوسهم نحو الإنتاج العلمى، حتى أصبحت لهم مؤلفات فقهية وكلامية ولغوية وأدبية، ويلاحظ أن فرقهم لم يبدهم أعداؤهم تماما بل بقى منهم إلى عهدنا هذا جماعات يسكنون في إفريقيا الشمالية من خوارج الإباضية وهؤلاء يقيمون فى اقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب، ويوجد كذاك فريق آخر بزنزبار بأفريقيا الشرقية» •
هذا ما قاله الأستاذ الغوابي عن الإباضية خاصة وواضح أنه استقى جميع معلوماته عن الخوارج عامة وعن الإباضية خاصة من مصادر غيرهم فهو لم يذكر أى كتاب من كتب الإباضية كما لم يذكر أي كتاب للخوارج إن بقيت لهم كتب بعد هذا أود أقف مع الأستاذ المغوابي وقفات قصيرة لمناقشة بعض النقاط الواردة في بحثه
النقطة الأولى: مخالفوهم
من المؤسلاف أن الذين كتبوا عن الإباضية
-
وهم يحسبونهم
من الخوارج كانت تسير أقلامهم عقدة مستحكمة لم يكد يتخلص منها ذلك أن بدا في يوم ما كانت قد رسمت ببرا راعة الخط الذى
واحد
منهم
يسير عليه من يكتب عن الخوارج وأن يكون هذا الخط لا يخرج في طبيعة سيره عن معاملتهم لمخالفيهم وسار كتاب المقالات في الخط المرسوم لا تكاد كتاباتهم عن الخوارج تخرج عن معاملاتهم لمخالفيهم ومحاسبتهم عليها الحساب العسير، ولم يسمح أولئك الكتاب لأنفسهم أن يبحثوا ويناقشوا الجانب الثانى من الموضوع وهو معاملة مخالفيهم لهم ولم يخطر (1/86)
صفحة 87
AY -
لهم أن يفرضوا حتى مجرد فرض أن هذا السلوك ربما كان رد فعل أو من باب الدفاع.
فذكر
وقد خضع الأستاذ الغوابي لهذا التوجيه وسار مع نفس الخط في الفقرات القليلة كلمة مخالفيهم نحو عشر مرات صراحة فوق دلالة الضمير عليها. ولكثرة ما ترددت على ما فى كتب المقالات ولأنها المتجه الأساسي للكتاب ومركز البحوثهم سميتها عقدة الكتاب عن الخوارج.
2 ــ الانسياق مع التيار:
انساق الأستاذ الغوابي مع تيار كتاب المقالات فذهب يعدد فروع المسألة الواحدة كما كانوا يفعلون هم للتهويل والإكثار ولو تأمل قليلا لوجد أنه قد ذكر للإباضية فى الفقرات السابقة إحدى عشرة مقالة منها ثماني مقالات تتعلق بمخالفيهم هم غير مشركين، مناكحتهم جائزة وراثتهم حلال، غنيمة أموالهم غير جائزة ما عدا السلاح (1)، لا. غيلة أو في السر، لا يجوز قتال خصومهم إلا بعد الإعلان وإقامة
يجوز
قتلهم الحجة، دارهم دار إسلام، شهادتهم جائزة على موافقيهم» وهذه المقالات كلها مسائل فرعية لموضوع واحد وهى فروع تنبى على أصل واحد هو الإسلام فما دام الإباضية يرون أن جميع من نطق بكلمة التوحيد هو مسلم سواء وافقهم أو خالفهم وأنه بنطقه بكلمة الشهادة قد اكتسب جميع الحقوق التي عند غيره من المسلمين أو التي
(1) الاباضية لا يبيحون شيئا من أموال المسلمين حتى السلاح خوفا لما ينسبه اليها كتاب المقالات (1/87)
صفحة 88
1 M 1
يمنحها الإسلام المسلمين فلا داعى لأن نبدأ في تعداد تلك
فرعاً. لأنها من حقوق المسلمين جميعاً ولا تسقط
عنهم
الفروع
فرعاً
إلا بأسباب حددتها
الشريعة كما يسقط حق الباغي وقاطع الطريق في عصمة دمه و لايباح ماله عياله. بل إن تلك الحقوق والحرم مصونة لكل مسلم لا تسقط أبدا مهما ارتكب ولا تضيع منه إلا بالخروج من الإسلام. والشيء الوحيد "
ولا. سبي
الذي يفقد الإنسان حق صيانته. أنه
مع مسلم إذا وجدت أسبابه هو دمه
وذلك كالباغي والزاني.
•
- تساهل الخلف:
يقول الأستاذ الغوابي - إن خلف الإباضية تساهلوا عن سلفهم وقد أعاد هذه الفكرة عدة مرات. ولست أدرى على أي مستند بني حكمه هذا، فهو فيما يبدو لا يعرف أى كتاب من كتب الإباضية لأنه لم يذكر منها شيئاً في مراجعه ومع ذلك فأنا أقول له إن تغير الاجتهادات في غير القطعيات من محاسن هذه الشريعة ولم يخل منها مذهب من المذاهب الإسلامية وقد يتغير رأى عالم واحد في قضية واحدة فيكون له فيها رأى أو آراء ولم يكن ذلك دليلا على أن صاحب الرأى الأول، أو أن العالم في رأيه الأول، كان سطحياً أو ضيق التفكير
مسألة
أهل
ومع هذا فأنا أؤكد للأستاذ الغوابي أن المسائل التي أوردها لم يتغير فيها رأى خلف الإباضية عن سلفهم فيما عدا مسألة واحدة هي أطفال المشركين فقد كانت عند السلف خلافية ورجح الخلف أنهم من الجنة خدماً المسامين طبقاً للأحاديث الواردة فى الموضوع. أما المسائل الثمانية التي ذكرناها سابقا فيى فروع لأصل واحد كما قلنا ورأى سلف الإباضية فيها هو هذا الرأى الذى سجلناه وتكاد تجمع كتب التاريخ أن (1/88)
صفحة 89
19 -
أول من حكم بالشرك على مخالفيه من المسلمين فعاملهم معاملة المشركين تلك الحقوق السابقة هو نافع بن الأزرق. وتكاد تجمع كتب بن إباض كان من أوائل من رد على نافع رأيه هذا اذا
وأسقط عنهم.
التاريخ أن الله عبد لم يكن أولهم على الإطلاق وقد سجلت منذ ذلك التاريخ حوالى سنة 64 هـ مواقف حاسمة لعبد الله بن إباض وجابر بن زيد في مقارعة الخوارج في موضوع الحكم بالشرك على المخالفين والقعدة وفى موضوع الحكم بالشرك على مرتكب الكبيرة .. بل لقد كان الإباضية من أشد المسلمين على الخوارج في هذا الموضوع بالذات حتى أنهم كانوا يطردون من يرى رأيهم من حضور مجالسهم واجتماعاتهم ويمنعونهم من الحديث بآرائهم تلك خوفاً على ضعفاء الناس وعوامهم. وأود الآن أن يعرف الأستاذ الغوابي ومن يرى رأيه أن سلف الإباضية - بعد الصحابة الذين هم. سلف لجميع فرق الأمة ومنهم الإباضية - هم هؤلاء جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وجعفر بن السماك العبدى وصحار بن العباس العبدي ثم من أخذ
عنهم
وليس فوق هؤلاء سلف غير الصحابة كما قلت آنفاً أما التابعون من طبقة جابر كالحسن والسعيدين وعطاء وغيرهم ممن هو في درجتهم فهم أيضاً سلف لجميع الأمة والإباضية يضعونهم في مكانهم بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون عنهم جميعاً
وبهذا يتضح أنه لا معنى لما يراه من أن خلف الإباضية تساهاوا عن سلفهم في المواضيع التي عرضها أما في غيرها من المواضيع الاجتهادية في الفقه العملي فهم فيه كبقية الأمة قد يذهب أحد الخاف مجتهديهم من الى التيسير في مسألة كان السلف يرى فيها التشديد ويحضرني في ذلك
مثلان قريبان: (1/89)
صفحة 90
الأول في قضاء رمضان فإن المعمول به عند الإباضية أنه يجب التتابع
في القضاء كما يجب في الأداء. وذهب الأستاذ باكلي عبد الرحمن من علماء الإباضية المعاصرين الى عدم وجوب التتابع تيسيراً على الناس واستناداً الى ما ذهب اليه بعض الأئمة من غير الإباضية.
الثاني: يرى علماء السلف من الإباضية أن طعام أهل الكتاب يحل إذا كانوا تحت الذمة أما إذا لم يكونوا كذلك فلا يحل طعامهم ولا نكاح نسائهم. وكأنما يرون أن هذا مرتبط بالجزية والجزية تدل على وجود رقابة اسلامية عليهم فإن انعدمت الجزية انعدمت الرقابة وإذا انعدمت الرقابة انعدم هذا الإكرام أو الشرف الذي يعطى للكاتب دون غيره
وقد زار أستاذنا إبراهيم بيوض أحد أئمة الإباضية ومجتهديهم في العصر الحاضر. أوروبا ورأى العنت الذى يتكبده طلبة العلم بصفة خاصة في موضوع الأكل فذهب الى تحليل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً سواء كانوا تحت الذمة ولم يكونوا كذلك تيسيراً على الناس واعتماداً على العموم في الآية الكريمة واستناداً الى ما ذهب اليه بعض أئمة المسلمين في مختلف
المعصور
.
والمشكلة التي تركت الأستاذ الغوابي يضطرب هذا الاضطراب ويفترض خلفاً متساهلا وسلفاً متشدداً في قضايا انتقلت عبر القرون بألفاظها وحروفها هو ربطه الإباضية في عجلة الخوارج اعتماداً على كتاب المقالات من غير الإباضية ودون الرجوع إليهم في كتبهم.
ـ بحث عن الأسباب:
يختار الأستاذ على الغوابي في أسباب تساهل الإباضية عن سلفهم (1/90)
صفحة 91
91
وتسامح المتأخرين منهم عن المتقدمين وبعد الحيرة والتساؤل يستنتج أن
ذلك كان للأسباب الآتية:
1
ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم
شيئاً فشيئاً حتى لا تقوم بينهم الحروب.
اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم
سلفهم كانوا من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في
التفكير
•
لا شك أن هذه الأسباب التي ذكرها الأستاذ الغوابي هي افتراضات قدمت لحلول مشاكل هى الأخرى افترضت افتراضاً ولا يعنينا في شيء، ما إذا كان يوافق الأستاذ الغوابى فى هذه الافتراضات أحداً من المستشرقين أو من الكتاب الآخرين. ولقد كان بودنا لو أن الأستاذ الغوابي بني استنتاجاته وفروضه بعد أن يكون اطلع ودرس تاريخهم الذي كتبوه عن
أنفسهم.
أشار الأستاذ الغوابي إلى ضعفهم بسبب كثرة حروبهم وربما يفاجأ
القارئ بعكس الصورة إذا وضعت بين يديه الحقائق الآتية:
إن كتب التاريخ الإباضية - وهى أعلم بهم وبحروبهم ـ لم تذكر لهم حرباً في الجزيرة العربية غير حرب واحدة هي الحركة التي قام بها الله ابن يحي الكندي المشهور بطالب الحق – طيلة عهد الدولة
عبد
-
الأموية رغم أن الإباضية كانوا منتشرين في جميع أنحاء البلاد العربية (1/91)
صفحة 92
92
وكان مركز تكوينهم وتجمعهم هو البصرة ورغم أن إمامهم عبد بن إباض كان شخصية مليئة بالنشاط والحركة وكان شديد العنف في نقده لملوك الدولة الأموية وسجلت له مناظرات مع عبد الملك بن مروان كما كان شديد العنف في نقده للخوارج وسجلت له أيضاً فى ذلك مواقف ورسائل إلا أنه لم يشترك في عملية حربية لا ضد هؤلاء ولا ضد هؤلاء بل لما طلب إليه عدد من الناقمين على الحكم الأموى أن يبايعوه رفض في شدة ثم أشار إلى عمران المساجد بالذكر والصلاة وقال في لهجة احتجاج أعلى هؤلاء يجوز الخروج؟! ويتضح من هذا أن تلك الفترة التي كانت مليئة بالدماء أمسك الإباضية أنفسهم فلم يلوثوها اللهم إذا كان من أفراد متطرفين ينتمون إلى الإباضية بالإسم لا بالمبدأ
وقد قام باسم الإباضية عدد من الدول فى أربعة مواضع من البلاد
الإسلامية هي:
1
دولة في عمان استقلت عن الدولة العباسية في عهد أبي العباس السفاح سنة 133 هـ ولا تزال إلى اليوم. ولم تبدأ أحداً بحرب، ولم تحاول أن تتوسع، ولكنها هوجمت عدة مرات فردت الاعتداء وحاولت الرد، كما قامت فيها صراعات داخلية بين الإمامة والملكية ثم كان لها شرف دفاع الاستعمار الغربي نحو أربعة قرون فقد أتجه الاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر الميلادى إلى الشرق وكانت دولة عمان من أهم الدول التي وقفت لصده ومحاربته منذ ذلك الحين إلى اليوم وقد كانت زنجبار شبه إمارة تابعة لعمان ثم استقلت بنفسها وبقيت كذلك حتى أزالها تعاون الإلحاد والعنصرية الإفريقية ضد العروبة والإسلام. (1/92)
صفحة 93
93
2 - دولة قامت في ليبيا 140 هـ ولم تعمر طويلا فقد انتهت بعد نحو ثلاث سنوات.
3 ــ دولة قامت في الجزائر سنة 160 هـ وقد بقيت إلى حوالي 0
-
ثم قضت عليها الدولة العبيدية ومنذ ذلك الحين لم يرفع الإباضية السلاح في المغرب الإسلامى ضد المسلمين ولم تمتد أيديهم لإراقة الدماء اللهم إلا تلك المواقف النبيلة الشريفة التي وقفها أهل جزيرة جربة ضد الغزو الأسباني عدة قرون وكانت لهم في ذلك مواقع بطولة يعتز بها الإسلام والمسلمون أو مواقفهم مع كل مواطن تونسي ضد فرنسا في الاستعمار. وما عدا المواقف الحاسمة من جميع إباضية المغرب الإسلامي في ليبيا وتونس والجزائر - ضمن جميع المواطنين في هذه البلاد الصد
الاستعمار الغربي عند هجومه وفى حروب التحرر عند إخراجه.
—
4
•
حروب
دولة قامت في الأندلس ولا سيما في جزيرتي ميورقة ومينورقة
وليس لدينا من أخبارهما الكثير ... وقد انتهت يوم انتهت الأندلس وأطفا التعصب الغربي شعلة الإسلام في تلك الديار
ومن هذه الصورة الموجزة يتضح أن الإباضية كانوا بعداء جداً عن
من
الموقف الذي تصورهم فيها الأستاذ الغوابي من كثرة الحروب أما حيث تقربهم إلى غيرهم من المسلمين فلا شك أن هذا واقع ولكن ليس على الأساس الذي ظنه الأستاذ الغوابي ولكن على الأساس الذي أشار إليه رسول الله إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسموهم بحسن أخلاقكم» أو كما قا ل:
أما من حيث اتساع المدارك ومعرفة خلف الإباضية ما ليس يعرفه (1/93)
صفحة 94
98 -
في
اتساع
سلفهم فهم في هذا كبقية المسلمين. ولا شك أن العلوم في تقدم والفكر وهذا في جوانب علوم الحياة أما من حيث علوم الشريعة، فربما يكون العكس هو الصحيح وهذا ليس بالنسبة للإباضية فقط وإنما بالنسبة لجميع المسلمين، ذلك أن السلف - لقربهم من عهد النبوة ـ أعلم بمصادر التشريع في كتاب وسنة وأقرب إلى فهمها فهما أصح، وما يقال في السنة يقال في الإجماع، ذلك أن الإجماع بمعناه المعروف عند الأصوليين لم يقع بعد عهد السلف فهو وإن اعتبر من مصادر التشريع إلا أنه لم يقع بعد ذلك العهد، أما الإجماع الذي سبق عهد السلف وأعنى به الإجماع الذي وقع زمن الخلافة الرشيدة وهو إجماع الصحابة فهم أعرف به لأنهم هم الذين نقلوه إلى الخلف بقيت مصادر التشريع الأخرى كالقياس والاستبدلال مما هو مجال للاجتهاد واستنباط الأحكام في الحوادث والنوازل فلا شك أن ثروة المتأخرين منه أكثر من ثروة المتقدمين وكلما امتدت الحياة بالإنسان أضيف إلى هذا الباب كثير من الأحكام. ويتضح من هذا أن خلف الإباضية لم يكونوا أوسع مدارك من سلفهم وكذلك بقية مذاهب الأمة وهذا من حيث استيعاب مصادر التشريع الكتاب والسنة والإجماع. الأساسية التي هي
فهى
أما الفقرة الثالثة من الأسباب التي افترضها في سلف الإباضية وهي اعتبارهم من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير صورة قد ترددت كثيرا على أقلام المستشرقين عندما يكتبون عن الفتوح الإسلامية بأيدى العرب. فهم يصورون حركة الفتوح بأنها هجمات مجموعات بشرية من بدو الصحراء ضاقت بهم الحياة وحملهم شطف العيش على المغامرة بغزو العالم المتحضر لمكاسب مادية. وأن هذه المجموعات البشرية البدوية من السذاجة وسطحية التفكير بحيث استطاعت (1/94)
صفحة 95
95
قيادة ذكية» أن توجههم حسب مطامحها فتستفيد منهم وتحصل بسببهم على انتصارات رائعة.
هذه النعمة أو هذه الصورة التي يرسمها المستشرقون – لهوى في نفوسهم ـ للمسلمين الفاتحين هي نفس النغمة التي رددتها بعض المصادر في وصف الخوارج عموما وهى نفس الصورة التي أضفاها الكاتب المحترم على الإباضية.
وقد يحق لنا أن نتساءل كيف استطاع الأستاذ الغوابي أن يحكم بأن أفق خلف الإباضية أكثر انفساحاً من أفق سلفهم وهو لم يذكر أنه قرأ شيئا من آراء السلف أو آراء الخلف في مصادرهم وإنما ما أخذ عنهم من مصادر غيرهم ثم من أين عرف أنهم بدو وفيهم سذاجة وسطحية تفكير وهو لم يتح له أن يقرأ لهم ولم يتح له أيضا أن يعرف تاريخهم اللهم ما عدا الصورة الصغيرة المشوهة التي يعرضها غيرهم لتنفير
الناس منهم.
إن أحكام الأستاذ الغوابي على الإباضية كانت مبنية على أسس غير سليمة وأعتقد لو أنه عرف تاريخهم من مصادر صادقة واطلع على مقالاتهم كما قالوها وكما نسبت إليهم لتغير كثير من أحكامه كله فأنا أعتذر عن الأستاذ الغوابي بما يشبه اعتذاره عن الإباضية
ومع
هذا
لهم
فهو ولا شك مخلص في دعوته محب لجمع كلمة المسلمين جميعاً مقدر في كل فرقهم معتز بهم بأخطائهم وإنما وقع في عدد من الانزلاقات بسبب جهله بحقيقة تاريخهم وجهله بحقيقة مقالاتهم وجهله بالفروق الحقيقية بين المذاهب التي تحدث عنها ونسبها جميعا إلى الخوارج. لم يبق لى (1/95)
صفحة 96
-47 -
في ختام هذا الفصل إلا أن أذكر أن خلف الإباضية كسلفهم يحاولون بكل ما أوتوا من جهد أن يتقربوا من بقية المسلمين، وكلمة المسلمين تجمع كل
ذراعا
من أقر بالجمل الثلاث مهما كان مذهبه. وإذا سعى إليهم أحد منهم. سعوا إليه باعا • وهم يتعاملون مع جميع المسلمين على مدى التاريخ كما يتعاملون مع أنفسهم. ويدعون كامل الحق لغيرهم من المسلمين أن يكيفوا عقائدهم وعباداتهم على ما صح عندهم من طرقهم التي وثقوا بها واعتمدوها، وليس يطلب الإباضية من غيرهم هذا الحق وهو أن يتركوا في عقائدهم وعباداتهم على ما صح عندهم ووثقوا به واعتمدوه. (1/96)
صفحة 97
مع أبي زهرة (1)
يقول الأستاذ محمد أحمد أبو زهرة في كتابه (المذاهب الإسلامية)
صفحة 127 ما يلي:
الإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا. ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، وبعض آخر في بلاد ـ الزنجبار - ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم، وذلك في الميراث بولاء العتاقة، فإن القانون المصرى آخره عن كل الورثة حتى عن الرد على أحد الزوجين، مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية، ويسبق الرد على أصحاب
الفروض والأقارب» •
وجملة آراء الإباضية:
1
إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا. ويقولون عنهم أنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد، وذلك لأنهم
لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا في جنب الله تعالى.
•
(1) عند كتابة هذا الفصل كان الأستاذ أبو زهرة حيا يملأ الدنيا علما وعملا وشاء الله أن يختاره الى جواره قبل أن يطبع هذا الكتاب ويطلع على
ما قلناه عنه.
(م 7 - الاباضية) (1/97)
صفحة 98
-91 -
2
دماء مخالفيهم حرام، و دارهم دار توحيد وإسلام، إلا معسكر السلطان، ولكنهم لا يعلنون هذا، فهم يسرون في أنفسهم أن دار المخالفين ودماءهم حرام.
لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه من قوة فى الحروب، ويردون الذهب والفضة.
ومية الم.
- تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم
وفى هذا كله يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخا.
ويقول الأستاذ أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) الجزء الثانى فى تاريخ المذاهب الفقهية صفحة 53 مايلي:
فرق لها مذاهب فقهية:
هذه الفرق السياسية منها ما ليس له مذهب فقهي قائم بذاته، ومنهم من ليس له مذهب فقهى، ويتبع مذهب طائفة أخرى قريبة منه
في الاعتقاد
وأن الفرق التي لها مذاهب فقهية معتبرة ثلاثة هي
الإثنا عشرية: فلها مذهب فقهى مقرر، وله منطق فکري وديني
وينسبون مذهبهم إلى الإمام جعفر الصادق رضى الله عنه، وسيكون له
بعض البيان عندما نتكلم عن الإمام الصادق.
•
والثانية: فرقة الزيدية. ولهم مذهب فقهى يقرب في منطقة
من (1/98)
صفحة 99
-99 -
مذهب أهل السنة والجماعة، وإمامها هو الإمام الجليل زيد بن على زين العابدين رضى الله عنهما
والثالثة: الإباضية، أتباع عبد الله بن إباض، ولهم فقه مدون، وللإباضية جهود في تحرير مذهبهم.
الأستاذ أبو زهرة من كبار علماء هذا العصر، الذين تتجه إليهم الأنظار في المسائل الإسلامية وتسمع منهم الكلمة، وتلتمس عندهم الحجة. ورغم أنه أبدى كثيراً من الاعتدال، واستعمل الرقة واللطف، وسجل له آراء جديدة سلمية فى موضوع الفرق وعن الإباضية بالذات، إلا أنه لم يسلم من التأثر بالأقوال السابقة التي ينقصها التحقيق والتدقيق في التعبير وجلاء المعانى لكشف الحقائق كشفا لا يحتمل الإيهام أو الإبهام.
ومع أننا كنا ننتظر من أبي زهرة خاصة لمكانته العلمية الرفيعة - أن تكون كتاباته في جميع المواضيع الإسلامية متجردة، غير متأثرة بأي مؤثر عدا الدراسة العلمية الموضوعية المبنية على الاطلاع الشخصى لاستخلاص الحقائق من مصادرها الثابتة والتي تتحرى مصلحة الأمة المسلمة والتقريب بين وجهات النظر المختلفة فى مذاهبها وطوائفها. إلا أن الأستاذ أبا زهرة - على مكانته السامقة فى المعارف الإسلامية - انساق ـ فيما يبدو. كما انساق غيره فى تيار تاريخي جارف قد کونته ـ عوامل تحكمت فيها السياسة والعصبية والفتنة الناتجة عنهما أكثر مما تحكم فيه العقل والعلم والدين، وكانت الشفاه والأقلام التي تعمل بتوجيه وإيحاء أكثر سيطرة وعلنية من الأقلام وا
فيما مضى
قد
والشفاه
•
المستقلة (1/99)
صفحة 100
كما انساق أيضاً مع بعض الكتاب المعاصرين ممن يتناولون بحث
هذه المواضيع ويناقشونها كما يتناولون ويناقشون القضايا السياسية
•
العالمية في هيئة الأمم المتحدة، أو كما يدرسها ويخطط لها المستشرقون فإن المستشرقين وهم يدرسون القضايا الإسلامية لا ينظرون إليها إلا من خلال مناظيرهم الخاصة التي يعرفون بها الحياة عندهم والحياة عندهم
تتحرك بالحزبية. فلما وجهوا تلك المناظير إلى قضايا الأمة الإسلامية خيل إليهم أن أسلوب الحياة واحد، وتراءى لهم أن يطلقوا على بعض الفرق الإسلامية كلمة أحزاب دينية فأطلقوا هذه التسمية على فرق الشيعة وفرق الخوارج. وفى مقابل هذا رأى أولئك المستشرقون أن يطلقوا على غير الأحزاب الدينية حسب نظرهم كلمة المذاهب الإسلامية أو الجماعات الإسلامية وبهذا ينقسم العالم الإسلامي إلى معسكرين كبيرين أحدهما الأحزاب الدينية والثانى الجماعات الإسلامية وقد راقت هذه التسمية لبعض الكتاب المعاصرين فاستعملوها، كما راقت لأستاذنا الكبير أبي زهرة فاستساغها واستعملها في كتبه • وكان منتظرا منه أن ينظر بدقة في مثل هذه التسميات وما وراءها والدوافع إليها فيستعمل الصحيح الأصيل الذي لا يحمل أي غرض تبشيرى أو استعماري ويدع الدخيل الهزيل الذي تكمن وراءه مقاصد أو هو مستوحى من بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين.
تبع الشيخ أبو زهرة من تأثر بهم فجعل الإباضية فرقة من الخوارج أى فرقة من الأحزاب الدينية، ولا شك أن الذين قسموا الأمة الإسلامية إلى أحزاب ومذاهب كانوا يقصدون أن يضعوا فى أذهان أصحاب المذاهب
أن أصحاب الأحزاب الدينية لا شأن لهم بالفقه، وأنهم حتى لو بذلوا فيه جهودا مشكورة، فهى جهود مهدورة لا تستحق النظر
• (1/100)
صفحة 101
-1·1 -
ورغم أن الأستاذ أبا زهرة يعترف أن الإباضية يتسمون بالاعتدال وينصفون مخالفيهم، وأن لهم فقها جيداً مدونا، وأن لعلمائهم جهودا في تحرير مذهبهم فإن هذا كله لم يشفع للإباضية عند أبي زهرة أن يخرجهم من نطاق الخوارج، أو حتى من هذه التسمية الجديدة «الأحزاب
بهم
الدينية (ورغم أن مثل هذه الصفات أو أقل منها للزيدية والجعفرية من الشيعة فاعترف الأستاذ أبو زهرة وكتب عن فقههم ومذاهبهم إلا أن موقفه من الإباضية كان – فيما يظهر لى – موقف الرجل الذي يعرف الحق فى قضية من القضايا فيدور حوله، ويصفه من بعيد،
لا
يجسر أن يعلنه في صراحة، لأن رواسب معينة تحول دون ذلك
قد يعذر الأستاذ أبو زهرة عندما يكتب عن فرق منقرضة لم تخلف وراءها كتباً فيلتجيء إلى ما كتبه عنهم غيرهم، ويستند إلى ما قالوه عنهم ولكن ما عذر الكاتب المحقق عندما يكتب عن الإباضية في هذا العصر معتمداً على مصادر قد ألفت فى عصور بلغت فيها التوجيهات السياسية، والتعصب المذهبي أسوأ ما يبلغه التوجيه في التشنيع على المخالفين؟
الأستاذ أبو زهرة يعيش فى القاهرة. وفى القاهرة يعيش معه عدد
كبير من علماء الإباضية الموثوق بعلمهم، وفيهم أصدقاء للشيخ أبي زهرة، وفي القاهرة «دار الكتب» وفى دار الكتب مجموعة قيمة من كتب الإباضية ما بين مطبوع ومخطوط ومـ ومصور - منها في العقائد، ومنها في الفقه: ومنها في الأصول، ومنها في التاريخ، ومنها في الشغب الحاصل بين فرق الأمة والاحتجاج والرد، ولا شك أن الأستاذ أبا زهرة اطلع على بعضها، ومن ذلك الاطلاع عرف أن للإباضية فقها جيداً مدونا، وحكم
بأنهم معتدلون منصفون لمخالفيهم (1/101)
صفحة 102
وكنا نتوقع منه عندما يريد أن يذكر جملة من مقالاتهم أن يسلك أحد منهجين: إما أن يعبر عن مقالاتهم بلغته وأسلوبه هو وأن يقررها بعباراته بعد أن يستوعبها من مصادرهم.
وأما أن ينقل نفس عباراتهم، ويثبت نفس النصوص التي استعملوها وهذا المنهج أدق وادعى إلى الاطمئنان بالنسبة للقارئ العادي الذي لا يعرف مقالاتهم.
فلماذا لم يعتمد الأستاذ أبو زهرة على كتب الإباضية؟ وإذا كانت
واجبه
-
وهو
المصادر التي بين يديه من كتبهم غير كافية أفلا يكون من وا يقف موقف المحقق – أن يعمل على الحصول على ما يكفيه منها ولو ناله من أجل ذلك بعض التعب المادي أو البدني؟.
فنقل
لقد رجع الأستاذ أبو زهرة الى مصادر قديمة لم يتوفر لها التحقيق،
كلام
•
ولم يتيسر لها الوضوح، ولم تتصف بالنزاهة إزاء جميع من تكتب عنهم تلك المصادر دون تصرف بعض الأحيان، أو بتصرف قليل، يريد هو الآخر أن يلجأ إلى الغموض، لأن التحقيق العلمي،
كأنما
والتعبير الواضح قد يكشف أن الحق بجانب فرقة يراد وضعها في إطار معين مهما كانت الظروف.
يقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلته عنه سابقا:
يرى الإباضية أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا، ويقولون عنهم إنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد» • (1/102)
صفحة 103
لقد بقيت هذه العبارة بحروفها أو بتصرف قليل تنقل بين كتاب المقالات عن الإباضية عشرة قرون كاملة، ولست أعرف على التحقيق أول من قالها ولكنك تعثر عليها عند أوائل من كتب فى هذا الموضوع كالأسعر والملطى وغيرهما، وقد كانت تأتى على أقلام الكتاب السابقين وألسنة المتحدثين منهم من أصحاب هذا الفن • إما عن حسن نية وجهل بحقيقة مقالات الإباضية، وإما بقصد التشنيع عليهم وزرع كراهيتهم في قلوب بقية المسلمين. ولا شك أن أى مسلم إذا قيل له أن الإباضية يعتبرونك غير مسلم ويرونك كافرا يتملكه الغضب ويثور على الإباضية ويعتبرهم فرقة ضالة ظالمة تستحق اللعنة ولن ينتظر منك أن تشرح له الفرق بين معاني الكفر. ولقد وصل أولئك الذين يسعون إلى هذه النتيجة إليها بالفعل وربما إلى أكثر مما أرادوا أو توقعوا في بعض الأحيان.
قلمه السلس
وغريب جدا أن يسير أبو زهرة فى هذا الطريق، فيجرى البليغ بتلك التعابير الملتوية التي لم يقصد بها الحق في يوم من الأيام.
إنه كان حقا عليه أن يقف وقفة تأمل وتحقيق: كما وقف زميله الأستاذ ابراهيم محمد عبد الباقى حين عرض للموضوع فقال في كتابه القيم (الدين والعلم الحديث) وهو يتحدث عن الإباضية صفحة 269 ما يلى:
رابعا: لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامي
كإنكار ما علم من الدين بالضرورة وكأن ينكر إنسان صفة الله تعالى أو نبيا من الأنبياء أو حرفا من القرآن الكريم» •
من
صفات
قارن أيها القارئ الكريم بين مقالى الأستاذين الكبيرين وهما (1/103)
صفحة 104
-
1.?-
يعيشان في بلد واحد، وعصر واحد، وبيئة واحدة إلا أن أحدهما جرى في مصادر تناوئ الإباضية وتلجأ إلى الغموض في التعبير
على ما
عن مقالاتهم حتى توهم الناس بضلالهم وتغريهم بعداوتهم، فاعتمد على تلك المصادر ونقل عنها، وترك ما عرفه بنفسه، وابتعد عن المصادر التي تصور مقالاتهم بصدق وتعتبر حجة عليهم لأنها لهم.
أما الثاني فقد كان يكتب كتابة رجل يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين وتقريب وجهة النظر بينهم، وتوضيح آرائهم المبنية على حجج وبراهين يمكن للباحث أن يتجاهلها أو يستهين بها. ويحاول ما وسعه الجهد.
بقصد وبدون قصد
•
-
أن يزرع الغشاوة التي وضعتها القرون المتعاقبة على أعين الأمة الإسلامية، وهو لم يكتب عن الإباضية حتى قرأ مجموعة من، ومنها استخلص آراءهم التي عبر عنها، والتي سوف نعرض لها
كتبهم
في فصل مقبل إن شاء الله.
على أن هذا الموضوع الذي عبر عنه الأستاذ إبراهيم عبد الباقي بجملة قصيرة واضحة «لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد «رأى الأستاذ أبو زهرة أن يرتبط بالتعقيد اللفظي الذي تناقله كتاب المقالات ولم يتمكن أن يتحرر منه فقال: «إن مخالفيهم ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا (فترك القارئ العادي في حيرة
وارتباك لا يعرف منزلة نفسه عند الإباضية ولا منزلتهم عنده.
على أن ذلك الموضوع الذى جارى فيه الأستاذ أبو زهرة الكتاب الأقدمين في حديثهم عن مقالات الإباضية شيء من الغموض والإبهام والإيهام. أهم جانب فيه كلمة الكفر والإباضية حين يطلقونها على من (1/104)
صفحة 105
11901
يستحقها لا يفرقون بين موافقيهم ومخالفيهم لأنها في الحقيقة إنما تدل بوضعها على معان لغوية محددة نقلها الشارع أحيانا فاستعملها للدلالة على حقائق شرعية باعتبارات محددة فلا أساس لحشر الإباضية ومخالفيهم في الموضوع.
والواقع أن كلمات الكفر؛ والإيمان، والنفاق، والعصيان، والشرك، والكبيرة، والإسلام. من المباحث اللغوية والمصطلحات الشرعية أو الحقائق الشرعية التي تناولتها أقلام أكثر علماء الإسلام واختلفت أنظارهم فيها حينا واتفقت حينا آخر • وطال فيها الجدال حتى بلغ. حد المراء في بعض الأوقات، وللإباضية في هذه المواضيع مفاهيم كما لغيرهم والذي ساعدهم أن يطلقوا كلمة كافر على اكل الرشوة من الإباضية ومن غيرهم هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرشوة في الحكم كفر» وعلى من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه، قوله له من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فيما يقال فقد كفر بما أنزل على محمد» وعلى من تهاون بصلاة، قوله: «من ترك الصلاة كفر (وعلى من وجب عليه الحج فلم يؤده، قوله تبارك وتعالى: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين». وعلى من يتعامل بالربا قوله تبارك وتعالى: (يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم» • إلى كثير من هذه النصوص التي وردت بهذا المعنى والتى إذا أمكن تأويل بعضها بالشرك أو الردة فإن بعضها الآخر لا يمكن تأويله إلا على كفر النعمة الذي هو بمعنى العصيان أو الفسوق، أما ما يطلق عليه أصحاب الحديث: كفر دون الكفر
إن الرسول وصف المرتشى، ومصدق الكاهن والعراف والمرابي (1/105)
صفحة 106
-1.4 -
والمتهاون في أداء الفريضة، والمسلمين المتقاتلين: «إلا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» بالكفر فما ذنب الإباضية إذا استعملوا هذه الكلمة في وصف العصاة الذين يرتكبون تلك الموبقات أو ما يشبهها. وهم على يقين أن الرسول حين وصف المرتشى والمرابي ومن بعدهما بالكفر لم يحكم عليهم بالشرك أو الردة والخروج من الملة. فاستعمل الإباضية كلمة الكفر في المواضيع التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما يشبهها ولم يريدوا بها فى ذلك الحكم بالشرك أو الردة والخروج من الملة. ولو حكم بالشرك والخروج من الملة على كل من ارتشى وكل من رابي وكل من صدق كاهناً أو عرافا، وكل من تهاون في صلاة أو فريضة. وكل من ارتكب معصية من المعاصى التي وصف رسول الله الله مرتكبها بالكفر لما بقى من المسلمين إلا العدد اليسير. ولو سرنا مع هذا المنطق لحكمنا على جميع المسلمين بالشرك أو الردة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقد بدأ ضرب الرقاب بعده بقليل ولم يتوقف حتى اليوم. بل إن رقاب المسلمين لتطير بأيدى المسلمين في كل يوم حتى هذا العصر ولا يبدو أنها ستتوقف فهل نحكم على هؤلاء كلهم بأنهم مشركون مرتدون، وهل نحكم على أولئك البسطاء
السذج الذين يصدقون كل شيء حتى العراف بأنهم مشركون مرتدون
حج
إن الإباضية في استعمالهم كلمة الكفر على العصاة، لا يفرقون بين مخالفيهم ومرافقيهم فليس من حق الأستاذ أبي زهرة أن ينساق مع الأقدمين فيقول: «إن مخالفيهم ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا».
بهذا التعبير الملتوى الغامض الذى يثير الحفائظ، ويجلب السخط، (1/106)
صفحة 107
ويرهم أن الإباضية يحكمون على غيرهم من جميع المسلمين بالشرك لأن الكلمة التي يبقى صداها في ذهن المسلم بعد أن يقال له إن الإباضية يقولون عنك أنك لست مشركا ولست مؤمناً ولكنك كافر أنه حكم عليه
بالخروج من الإسلام وهذا ما لا يتقبله مهما تورط في ارتكاب الموبقات
لقد حرص
الأستاذ أبو زهرة أن يأتى بهذه العبارة الملتوية من
المصادر التي استقى منها، والتي كانت تكتب تحت إيحاءات وإيعازات
-
وأن يقرر أن الإباضية يسمون مخالفيهم كفارا، وليته – إذ فعل – شرح
المعنى الذي تدل عليه كلمة الكفر عند الإباضية إذن لخفف في وقعها وحدتها معناها قليلا. وهو يعلم عندهم ولا ريب ولكنه لم يفعل وإنما علق عليها ببعض كلمات لا تزيدها إلا غموضا عند من لا يعرف الاصطلاحات الشرعية و مداولاتها الخاصة فليت أستاذنا أبا زهرة، حاول إسكات هذه النعرة، وسد هذه الثغرة، وأطفأ هذه الجمرة، ودعا إلى التسامح والانفتاح بين طوائف المسلمين جميعا.
ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه سابقا، فهم يسرون في
•
أنفسهم أن دار المخالفين ودماءهم حرام». هكذا بالحرف الواحد. وليت شعرى إذا كانوا يسرون ذلك في أنفسهم فكيف اطلع عليه الأستاذ أبو زهرة، ثم أية نفس هذه التي يحتفظون فيها بهذا السر العظيم؟ هل هي نفس فردية أم نفس جماعية؟ ثم من هذا الذي أخرج هذا السر وباح به؟ من هذا الذي أفشى سر الإباضية؟ إنهم لو عرفوه لقطعوا لسانه!! ما كنا نتوقع من قام مثل قلم أستاذنا الكبير أن يخط هذا الكلام الذي لا يصدقه عقل يحترم نفسه، ولكن ما الحيلة والأستاذ يريد أن يعيش في تلافيف عصر، يلعب بالكلام، ويحارب بالإيهام، ويناقش
• (1/107)
صفحة 108
11.^1
بالإبهام. ولى رجع إلى كتب الإباضية وهى ليست منه بعيدة لعرف منها أن الإباضية يلتزمون بقوله له: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها».
-
-
إن الإباضية عملا بتشريع الله الذي بلغه الرسول الله يعلنون ولا يسرون – في كتبهم ودروسهم ومجالسهم أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام بكلمة التوحيد، وأن أصداء خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لا تزال ترن في جنبات صدر كل مسلم «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» لقد أعلن النبي هذا الحكم يوم الحج الأكبر فلماذا يسره الإباضية في أنفسهم. والإباضية في تاريخهم الطويل لم يخالفوه، وليس إسراره من مصلحتهم ولا من مصلحة أحد من المسلمين.
ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه في أول هذا الفصل: ولهم فقه مدون، وللإباضية جهود في تحرير مذهبهم» • ويقول في آخر من كتابه مما نقلناه عنه، «ولهم فقه جيد وفيهم
موضع
ممتازون).
علماء
أطلق الأستاذ أبو زهرة هذه الأحكام على الإباضية وفقههم ثم كأنما كان يفر من ملاحقة لعنة تاريخية، ولم يقف إلا حينما
انصرف عنهم بدأ يكتب عن المذاهب الفقهية، فكتب عن الحنفية ستاً وأربعين صفحة، وكتب عن المالكية خمسين صفحة، وكتب عن الشافعية ستاً وخمسين صفحة، وكتب عن الحنابلة ثمانين صفحة، وكتب عن الظاهرية سبعاً وستين صفحة، وكتب عن مذهب ابن تيمية سبعاً وخمسين صفحة وكتب عن الزيدية ستاً وخمسين صفحة، وكتب عن الجعفرية أربعين (1/108)
صفحة 109
-109 -
صفحة. ولكنه لم يكتب عن الإباضية شيئا، فما الذي أطلق قامه هناك وقيده هنا؟ لقد اعتبر الزيدية والجعفرية أحزابا دينية كما قال ذلك عن الإباضية ومع ذلك فقد ألحقهما بالمذاهب الفقهية ولم يعط هذه الدرجة للإباضية • لماذا كان الاعتراف بذينك الحزبين ولم يكن بهذا. الحزب؟ رغم أنه حينما كان يعدد الأحزاب الدينية جعل هذه الفرق الثلاث تشترك في صفة الحزبية الدينية، أما المقومات التي أهاتها ـ في نظر أستاذنا - لأن تدخل ضمن المذاهب أنها لها فقه مدون •
لماذا يقف شيخنا أبو زهرة من الإباضية هذا الموقف؟ أكل ذلك لأن أقلاما يحترمها ذكرت أن الإباضية فرقة من الخوارج؟ وماذا يضر أبا زهرة لو بحث بنفسه عن معنى الخارجية في عقائدهم وسلوكهم ليتحقق من الحكم عليهم، ولعله لو فعل لوجد معنى الخارجية بالعقيدة والسلوك أوضح وأظهر فى كثير ممن يرمى الإباضية بذلك مصداقا للمثل العربي القديم «رمتني بدائها وانسلت» ولما وجد فى عقائد الإباضية وسلوكهم أي أثر للخارجية.
يبدو أن الأستاذ أبا زهرة لا يريد أن يخالف المصادر التي استقى منها والتي قد اكتسبت بقدمها جلالا وقداسة، ولا يريد أن يعترف بالواقع الذي عليه الإباضية، لأن ذلك يهدم كثيرا من الأحكام التي أطلقت عليهم، ولا يريد أن يعتمد على كتبهم ومصادرهم لأن حكاية
يسرون في أنفسهم» تتردد بين عينيه وتثير الشكوك في نفسه.
وهكذا فضل أن يعتمد على مصادر غيرهم ممن سبقه بقرون، وأن ينقل ذلك مهما كان موقعه من الصدق والحق، وأن يتغاضى عنهم رغم (1/109)
صفحة 110
11 -
اعترافه ـ على الأقل فى الجانب الفقهى - بأنهم في مستوى غيرهم من المذاهب الأخرى التي كتب عنها وأطال الكتابة.
بهم
وبعد كل هذا ألا يحس أستاذنا أبو زهرة بأن اعتباره الإباضية فرقة من الخوارج أمر يدعو إلى التساؤل حين يحمل آراءهم في تلك الفقرات التي سبق أن ذكرناها والتي هي ليست خاصة الإباضية وإنما هي آراء جميع الأمة الإسلامية فهي ليست قضايا غير مجموعة من الناس باعتبارها خاصة لا يقول بها غيرهم، وإذا تجاوزنا الفقرة الأولى التي نقلها الأستاذ بحروفها والتي وضعها واضعوها بقصد الإبهام والإيهام فإنه يقرر أن الإباضية يحرمون دماء مخالفيهم ويعتبرون دارهم دار إسلام ولا يستحلون من غنائم المسلمين أثناء الحرب معهم إلا السلاح ويجوزون شهادة مخالفيهم والتزوج منهم والتوارث معهم وهل غيرهم من المذاهب يرون غير هذا الرأى؟ ويقولون بغير القول إذا إستثنينا بعض الشواذ من جميع المذاهب الذين تتغلب عليهم العصبية ويوجههم الغلو كما ذكرنا أمثلة من ذلك في بعض الفصول السابقة. ويبدو لى لو أن الأستاذ أبا زهرة أراد أن يتبع أسلوباً واضحاً يتخلص من رواسب الماضى ويتحرر من أصابع السياسة التي صنعت كثيراً من ذلك الماضي لسهل عليه من بادئ الأمر أن يشرح كلمة الكفر بالمعنى الشرعي لها والذي حرص الإباضية على استعماله فقال إن الإباضية يستعملون كلمة الكفر بمعنى كفر النعمة أو المعصية أو الفسوق فإذا أطلقوا كلمة كفر على أهل التوحيد فالمقصود كفر النعمة أو العصيان كما يعبر بعض المذاهب. وإذا اتضح هذا المعنى لكلمة الكفر لم يحتج للأسلوب الملتوى الذي يستعمله الأقدمون كما أنه لا حاجة به إلى كلمة المخالفين التي دستها السياسة الماكرة في هذه المباحث وحرص عليها كتاب المقالات دون اهتمام (1/110)
صفحة 111
111 -
مصدرها ومدلولها. والعصيان قد يكون بسبب المقارفة وقد يكون بسبب الإهمال وقد يكون بسبب الخطأ فى التأويل. والإباضية قد يطلقون حما قلنا آنفاً كلمة الكفر على العاصى من هؤلاء وهم يقصدون معنى العصيان ويتعاملون معه سواء كان من الإباضية أو من غيرهم على الأسس التي ذكرها أستاذنا أبو زهرة. فهذا العاصي بالمقارفة أو بالإهمال أو بالخطأ في التأويا، - يسميه الإباضية مسلماً ويسمونه موحدا ولكنهم لا يسمونه مشركاً ويرون أن دمه حرام فلا يسفك إلا بما تحل به المسلمين ويرون أن ماله حرام إلا بالطرق التي تحل بها أموال المسلمين ويرون أن داره دار للمسلمين وإذا حاربهم لم يستحلوا شيئاً حتى السلاح خلافاً لما ذكره أستاذنا أبو زهرة ويتعاملون معه كما
من
يتعاملون مع بقية المسلمين. الشهادة والنكاح والميراث وغيرها.
دماء
أمواله
ولسنا نشك أن الأستاذ أبا زهرة يعرف من حقيقة الإباضية ما يعرفه الإباضية أنفسهم عن آرائهم ومقالاتهم ولو تحرر من رواسب الماضى لا ذكرهم في الخوارج ولا في الأحزاب الدينية.
والآن أستطيع أن ألخص ما عتبنا فيه على شيخنا الكبير في النقاط
الآتية:
? ?
1 ـ اعتماده على مصادر الآخرين عند الكتابة عن الإباضية ومقالاتهم
وكان في إمكانه أن يعتمد على كتب الإباضية أنفسهم.
استعماله لنفس التعابير الملتوية الموهمة التي كانت تستعملها
كتب المقالات المتميزة منذ قرون. (1/111)
صفحة 112
- 112 -
3 ــ تغافله عن دسائس السياسة بحيث أصبح التركيز على معسكرين فكانت كلمة «مخالفيهم» هي محور الحديث
<- {
•
انسياقه وراء آراء المستشرقين أو من أخذ عنهم في تقسيمهم: الأمة إلى قسمين كبيرين: مذاهب فقهية، وأحزاب دينية
ه - إهماله للكتابة عن المذهب الإباضي وفقهه وقد كتب عن المذاهب الفقهية وما يسميه بالأحزاب الدينية.
كل من
1 - إرضاء أصحاب المقالات السابقين ومن يترسم خطاهم، أخرج الأستاذ أبو زهرة الإباضية فى فرق الخوارج ولما لم يجد شيئاً يربطهم بالخوارج أو يجعل لهم مواقف منفردة شاذة تميزهم ذكر عنهم تلك الفقرة الأولى التي أعتقد أنها تميزهم كما ذكر لهم من الأقوال هي
عددا
ليست
خاصة بهم بل على قدر مشترك بين جميع الأمة الإسلامية غير الخوارج فيما يقال عنهم. أو بعض الشواذ حتى من أهل السنة
فأنا على جميع
ـ كنا نطمع من أستاذنا الكبير أن يكون موقفه في هذه القضايا الهامة أوضح وأصرح، وأن يكون أكثر تحرراً، وأن تكون مساعيه أكثر جدية ونشاطاً وجهداً في التقريب بين طوائف المسلمين، وإزالة الجفاء الذي اصطنعته السياسة والتعصب قديما والاستعمار والجهل والتعصب أيضاً حديثاً • ويسرنى فى ختام هذا الفصل أن أعتذر إلى أستاذنا الكبير أبي زهرة عن أية عبارة قد يستشعر منها سوء أدب معه. الأحوال أكن له من الإحترام والتقدير ما يستحقه هو وأمثاله من علمائنا الاجلاء الذين خدموا الإسلام في هذا العصر خدمة لا تنساها الأجيال. وإذا عتبت عليه في النقاط السابقة فإنما هو موقف المتعلم الجسور الصريح مع العالم الغزير المادة الواسع الاطلاع المنفسح الصدر الحليم الذى يحتمل شعب المتعلمين بصبر وحب
فضلاء (1/112)
صفحة 113
-
113
مع عبد القادر شيبة الحمد
في سنة 1387 هـ تشرفت بزيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من
أهم ما يشغل بالي بعد السلام على رسول الله، والصلاة في
-
-
الحرم النبوي الشريف، ثم الوقوف في منازل الوحى، ومواطن العبدة والذكرى من مقامات رسول الله ومقامات أصحابه رضوان الله عليهم. هو زيارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والتعرف بعلمائها الأجلاء. وسنحت لي الفرصة فى يوم خزرتها، وتشرفت بمعرفة كثير من مشايخها العظام، وأساتذتها الفضلاء. ولم يتح لي اللقاء بفضيلة رئيسها لأنه حينئذ كان ينجز لبعض المهام كما قيل لى
تجولت في رحاب الجامعة العامرة. ودخلت بعض فصولها، واستمعت إلى بعض المحاضرات فى بعض الفصول • وعندما أردت الانصراف أهدت إلى إدارة الجامعة مشكورة مجموعة من النشرات والمناهج والكتب مما تضعه الجامعة أو تتولى الإشراف عليه ونشره. وخرجت منشرح الصدر مثلوج الفؤاد. فهذه جامعة إسلامية، تقوم في دار هجرة النبي • توالى إرسال أشعة النور والهداية إلى حوالي سبعين بلداً - فقد قيل لى إن بالجامعة طلاباً من حوالي سبعين بلداً ـ وهذا فضل
من
الله
عظيم.
فلو نجحت الجامعة فى إحكام رباط المودة والأخوة بين أبنائها لقام بعد زمن وجيز دعاة مسلمون فى كل جنبات العالم يعقدون أواصر الأخوة بين الطوائف المتنافرة، ويربطون علائق المحبة بين شعوب تدين بالإسلام ولكن فرقت بينهم السياسات والقوميات والعصبيات والأهواء. وعساهم (م 8 - الاباضية) (1/113)
صفحة 114
-
يعودون بها إلى وحدة متماسكة كالوحدة التي أنشأها سيدنا رسول الله، وتلاميذه الأذكياء الأصفياء النجباء البررة • ورجعت إلى البيت أقلب الهدايا الثمينة التي أخذتها من الجامعة العامرة فإذا من بينها كتاب اسمه «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (والكتاب مقرر على طلاب الشهادة العالية بكليتى الشريعة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
أما المؤلف فهو الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد الأستاذ بالجامعة وقد لقيته بالجامعة لقاء عابرا • كما استمعت إليه وهو يلقى دروس الوعظ والإرشاد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء وقد أعد له هناك كرسى مرتفع، ومكبر. رت مسماع.
والأستاذ عبد القادر شيبة الحمد رجل يعيش في عصر الصواريخ والأقمار وقد أتيح له أن يقيم في مدينة رسول الله ملتقى المسلمين من كل بلد ومن كل فرقة. ومن كل مذهب. وضعت له الدولة كرسيا في الحرم النبوي الشريف، ليلقى منه رسالة الإسلام، ويعرف الناس بدينهم، ويدعو أبناء هذه الأمة إلى لم الشمل، وجمع الكلمة، وهذه الظروف المساعدة التي تحيط بالأستاذ شيبة الحمد لم تتيسر لأولئك الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية في العصور السابقة
•
لقد كان من اليسير على الأستاذ شيبة الحمد أن يتصل بعلماء الفرق وهم يتوافدون على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج وفي غيره فيعرف منهم آراءهم وعقائدهم فيما يريد أن يكتب عنه وفيما يريد أن يقدمه في محاضراته لطلابه، وكذلك يستطيع أن يعرف منهم أئمتهم وكتبهم (1/114)
صفحة 115
110 -
ليتخذها مراجع لأبحاثه، حتى تكون أدنى إلى الحقيقة، وأقرب إلى
الصحة، وأدعى لإرضاء أصحابها.
ولكن الأستاذ شيبة الحمد
-
الذي التجأ إلى السعودية فاوته
وأكرمته وفتحت له دور العلم والتحقيق، وسلمت إليه جيلا من شباب الأمة الإسلامية ليزودهم بالعلم ويسلحهم بالإيمان ويربط بينهم بالمحبة
جمع
-
والأخوة ـ لم يفعل شيئا من ذلك، فلم يكبد نفسه عناء البحث عن المصادر الحقيقية للفرق، ولم يتنازل إلى الاستفادة من العلماء، وإنما عمد إلى كتب ألفت قبل عدة قرون فلخص ما فيها بما فيها كخاطب ليل وصاغها بأسلوب ينبيء عن الاستعجال تبدو فيه كثير من عبارات البغدادي التي اقتسرت من أماكنها كأنما اختيرت لما تحمله من عنف وقسوة ثم كل ذلك بين دفتين، وجاء به إلى الجامعة الإسلامية كأنما جاء يجري أسدا من أذنيه ثم طفق يلقى ذلك الخليط على طلبة الجامعة. لقد حدثني بعض طلاب الإباضية في الجامعة • أن أستاذهم حين يتحدث عن الإباضية. لم يكن يهتم بهم ولا بقولة الحق فى مذهبهم. ولم يكن يستمع إلى أحد إذا أراد مزيدا من المناقشة، وعندما أخبروه في بعض ما ينسبه إلى الإباضية أنه ليس من مقالاتهم وأظهروا له استعدادهم لتزويده بالمراجع التي يستطيع بها التحقق من الموضوع، رفض الرجوع إلى كتبهم وإذا حاول أحدهم أن يتجه إليه بسؤال أسكته بتلك النظرة المتعالية التي يحسها بعض الأساتذة المتعجرفين، وقد ينبزه بتوبيخة جارحة يضحك لها بعض الطلاب ويتألم لها آخرون.
•
وهكذا يستمر الأستاذ شيبة الحمد يحاضر الأبناء المسلمين من سبعين بلدا فلسفة تنسب إلى فرق إسلامية لا وجود لتلك الفلسفة عند تلك (1/115)
صفحة 116
117 -
الفرق ويتخذ لها أئمة وعلماء لا تعرفهم ولا تعرف عنهم شيئا بل قد تلك المقالات ومن يقول بها
تتبرأ من
وأعجب ما في الموضوع أن الأستاذ شيبة الحمد وهو يسبح بين كتب
-
ألفت قبل عدة قرون ويتحدث عن فرق ومذاهب قد انقرضت هي وأصحابها ونخر السوس عظامها ذلك
ومع فهو يسميها «المعاصرة) ومن تلك المذاهب أو الفرق ما لا يعرف عنها شيء البتة غير الاسم الذي أورده كتاب المقالات الناقمون عليها وما نسبوه إليها من شنائع فكيف صارت تلك المذاهب والفرق التي انقطعت حركتها في مجرى التاريخ وركم عليها الزمن عددا من القرون • كيف صارت فرقا معاصرة؟؟ والمؤلم في الموضوع كله أن الكتاب مقرر فى أكبر جامعة إسلامية في الوقت الحاضر، وهو في المدينة المنورة، وفى جامعة ترعاها دولة هي الدولة التي أناط الله بها في هذا العصر خدمة الحرمين الشريفين ورعاية مقدسات الإسلام، ثم استقبال حجاج المسلمين من جميع أصقاع الأرض بمختلف طوائفهم ومذاهبهم في كل سنة، ودعوتهم إلى التفاهم والتعاون والتناصر. وإلى الاتحاد والعمل المتواصل للقيام بأعباء الرسالة التي أنزلها الله تبارك وتعالى لسعادة البشرية.
يدرس
فكيف تسمح إدارة الجامعة العامرة فى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدرس أباطيل عن فرقة من فرق المسلمين على طلاب سبعين بادا من مختلف بقاع العالم وفى أولئك الطلاب من ينتمى إلى تلك الفرقة فإذا طلبوا تصحيح الخطأ مقالات عن فرقتهم وهم أعرف بها لم يسمع منهم بل لم يسمح لهم وربما اتخذت ضدهم عقوبات صارمة منها الحرمان من الدراسة وذلك كله بمساعى الأستاذ شيبة الحمد الذي يريد أن تكون (1/116)
صفحة 117
117 -
كلمته عن الفرق نافذة وحكمه على أصحاب المذاهب لا راد له ولا معقب عليه.
المسئولة في
يجرى
إذا كان التقليد الأعمى أوجب الراحة، أو عدم العناية بالبحث والتنقيب • أو حتى سوء النية هي الأسباب التي حملت شيبة الحمد على تلك المواقف فكيف ساغ للجامعة العامرة أن تغفل عن مراقبة ما فيها في أهم ركن من أركان رسالتها، وهى القوامة على كلمة الحق، عن العمل الجمع: كلمة الأمة: المطالبة بالتحقيق والتثبت والصدق ما تقدمه الأبناء الأمة في مجال العلوم الشرعية وإذا غفلت جميع ما الجامعة عن تتبع يقدم للطلبة ومعرفته معرفة تفصيلية فكيف ساغ للدولة من ورائها أن تسمح لأفراد بتخطيط مناهج وتنفيذها دون أن يخطط لها تخطيط دقيق من أجهزة مسئولة مكلفة بالمراقبة تقدر خطوات العمل وتوحى بها حتى يتسنى توجيه أبناء المسلمين في أهم مادة
الشريعة
-
توجيها سليما مبنيا على الصدق وقائما بالحق
-
مادة
إنني ما كنت لأعرض للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد لو لم يحمل كتابه اسم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهذا النقد الأخوى لا نرسله إليه فقد ثبت مما قصه علينا طلابه ومن بعض المواقف مع غيرهم أنه يملك من الجرأة ما يحول بينه وبين الرجوع إلى الحق وإنما توجه كلمة العتب الأخوى أو الالتماس الأخرى إلى إدارة الجامعة العامرة، ورئيسها الوقور وأساتذتها العظام
كنا نأمل أن تعمل الجامعة الإسلامية على التحقيق فيما يقال عن فرق المسلمين وأن تأخذ آراءهم ومقالاتهم من كتبهم وعلمائهم وبذلك (1/117)
صفحة 118
114 -
بينهم
يمكن للجامعة أن تعان كلمة الحق، وتجمع الشمل، وتوحد الصف وتكون في مركز القيادة الروحية لهذه الأمة بجميع مذاهبها لأنها. مهدت اللقاء على نور العلم وجعلت كل واحد منهم يعرف ما عند الآخر في يقين على المؤلفين الأقدمين أن يعرفوا مقالات المذاهب والفرق من
-
•
من
وإذا عسر مصدرها فأخذوها من حيث ما اتفق فتسرب إليهم الخطأ والأباطيل. فقد تيسرت الوسائل اليوم – والحمد لله. للمؤلفين والعماء للاتصال ولا سيما لعلماء ومؤلفى الدولة السعودية، فهى تملك والاطلاع الإمكانات البشرية والمادية والروحية ما يمكنها من الاتصال بأصحاب جميع المذاهب الإسلامية المعاصرة حقا. ومعرفة عقائدها في مصادرها سواء كانت كتبا أو رجالا وأخذها منها.
وفى إمكانها أن تعقد مؤتمرا سنويا لعلماء. المذاهب الإسلامية جميع
•
سواء كان ذلك في أيام الحج أو في غيره تطرح فيه القضايا الهامة وتوضح الآراء والعقائد بحججها وبراهينها وتزود الجامعة بالمراجع المعتمدة لكل مذهب وإيضاح الأقوال المعمول بها. على أن يكون هذا المؤتمر عرض وإيضاح لا مؤتمر جدال يريد فيه كل أصحاب مذهب أن يبرهنوا على صحة مذهبهم وبطلان غيره. فإن فتح هذا الباب لا يأتي بنتيجة وقد يأتي بنتيجة عكسية.
بل إننا نطمع في الجامعة فى أكثر من ذلك. وذلك بأن تكون لجانا للتأليف يشترك فيها علماء الأمة من مختلف مذاهبهم ويصدرون كتبا حسب المناهج المقررة في الجامعة لتدرس فيها. مشتملة على المقالات الحقيقية للفرق والمذاهب المعاصرة فعلا وبذلك تقضى على النظرات
- (1/118)
صفحة 119
—
- 119
-
الضيقة، وتوقف زحف العصبية المقيتة. وتحول دون التأثير الفردى في توجيه طلاب المسلمين.
إن الجامعة الإسلامية فى المدينة المنورة، يجب ألا تصطبغ بمذهب معين فهى للمسلمين جميعا، تقدم لهم الثقافة الإسلامية من منابعها الصافية. كتاب الله وسنة رسوله فإذا انتقلت بعد ذلك إلى كلام البشر سواء ما كان منه منسوبا إلى مذهب أو ما كان منسوبا إلى فرد فإنه يجب أن يعرض بوضوح ومن مصادر ثابتة مع التأكيد على أنه قول لغير معصوم بل إنني أعتقد أنه مما يدخل تحت مسئوليات الجامعة وأعمالها إذابة المذهبية وألا يكون فيها شيء غير مصادر التشريع من كتاب أو سنة أو إجماع ثم بعد ذلك آراء الأفراد خاضعة للنقاش وللحكم عليها بالخطأ والصواب وعمل الجامعة هو أن تقدم للطلاب تلك الآراء كما يقدمها أصحابها بأدلتها وبراهينها مع عدم محاولة فرض رأى معين أو مذهب معين.
ولو فعلت هذا لكسبت قلوب الملايين من المسلمين بفرقهم المختلفة ولسقط كثير من الأباطيل التي يتنابز بها أصحاب المذاهب واوجد كل فرد من المسلمين عذرا قائما لأخيه فيما يذهب إليه ويقول. ولظهرت لها تفاهة ما يكتبه وما يقوله بعض من يسرت لهم مكانا للكتابة ومكانا
للقول
•
وبعد
هذه الكلمة التي أرجو أن تكون دعوة مخلصة لرعاية المناهج في المعاهد الإسلامية. وألا تفهم بأنها نقد خاص لإدارة الجامعة الإسلامية أو الدولة السعودية، أو نبل من كفاءة أساتذتها ومشايخها فإن في الجامعة (1/119)
صفحة 120
العامرة من الأعلام من يشرفنى الجلوس بين يديه كتلميذ صغير. بل لقد فعلت وحضرت بالفعل حلقات دروس الوعظ للمشايخ العظام: الشنقيطي، والإفريقي، والجزائرى، والكتاني وحتى شيبة الحمد - ويهمنى أن يرافقني القارئ الكريم بعض الوقت الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد مع في جولة قصيرة بين صفحات كتاب:» الأديان والمذاهب والفرق المعاصرة) يقول الأستاذ شيبة الحمد صفحة 158 ما يلى:
وكان من رأى عبد الله بن إباض أن مخالفيهم من أهل القبلة ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار. ومع ذلك لم يحرم مناكحتهم ومواريثهم، وشهادتهم ولو على أوليائهم بدعوى أن. دعوة المسلمين معهم، كما تجمعهم لم يبح دماءهم فى السر، وأن أشباحها في العلانية. ورأى عبد الله إباض كذلك أن أموال مخالفيهم لا تحل لهم عند الغنيمة إذا كانت ذهبا أو فضة، أما الخيل والسلاح وما يكون من آلة القتال فإنه حلال» •
وقتله
ثم ذكر قصة خروج عبد الله بن إباض في عهد مروان بن محمد في ثبالة. (وقد بينا فيما سبق أن هذا غير صحيح). ثم نقل ما قاله ابن حزم وبعض كتاب المقالات من أن عبد الله بن إباض رجع إلى الثعالبة وأن الإباضية في الأندلس لا يعرفونه (وقد ناقشنا هذه الخرافة أيضا وبينا بطلانها فيما سبق) ثم ذكر أن الإباضية ينقسمون إلى سبع فرق: وهي اليزيدية، والحفصية والحارثية. وهي نفس الفرق التي تعرضنا لها أثناء مناقشتنا لأبي الحسن الأشعرى وبينا هناك أن هذه الفرق إما أنه وجود لها وإما أنها لا علاقة لها بالإباضية. ثم ذكر الإبراهيمية
لا (1/120)
صفحة 121
121 -
والميمونية والواقفة والبيهسية. وهذه الفرق الأخيرة استخلصها شيبة
عن
الحمد من خرافة الأمة وبنت ثعلبة. تلك القصة التافهة التي نقلناها أبي الحسن الأشعرى وبينا هناك عدم صدقها عموما أو عند الإباضية فحسب وأوضحنا هناك أن تلك الفرق ليست من الإباضية ولعله من المضحك أن يقرأ الإنسان لشيبة الحمد صفحة 111 ما يلى:
الإبراهيمية: هم أتباع رجل من الإباضية يقال له: إبراهيم
،
وليس لهؤلاء مذهب تفردوا به: وإنما صاروا فرقة من فرق الإباضية بسبب أن إبراهيم هذا دعا جماعة من الإباضية إلى داره» • ثم يذكر أمة إبراهيم. وهي نفس القصة التي تكررت في عدد من كتب بيع
قصة
المقالات
خلاصة مذهب الإباضية
-
1
يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإنه دار بغى عندهم» •
منهم هو:
وقد اختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة
(أ) براءة من الشرك والإيمان جميعا لقوله تعالى «مذبذبين بين
ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
(ب) وقالت طائفة منهم إن النفاق قاصر على من سماهم الله عز وجل به عند نزول القرآن، فلا نزيل اسم النفاق من موضعه ولا نسمى به غير من سمى الله عز وجل. (1/121)
صفحة 122
122
-
(ج) وقالت طائفة منهم: المنافقون أهل توحيد ولكنهم أصحاب كبائر لا يدخلون في الشرك وإن سميناهم كفارا
ـ من مذهبهم أن من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم
فإن تاب وإلا قتل.
4 - لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال.
استتيب
أباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم وسبى نسائهم وذراريهم بناء على أنهم مرتدون، وأن أبا بكر رضى الله عنه فعل هذا بالمرتدين استطاع شيبة الحمد أن يلخص المذهب الإباضي في سطور وأن
هكذا
يحصره في خمس نقاط • كما فعل من قبله الأستاذ أبو زهرة وغيره
إن للإباضية – كما لغيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى – في أصول الشريعة وفروعها عشرات من الكتب تشتمل على مئات من الأجزاء فكيف استطاع الأستاذ شيبة الحمد ومن سار على نهجه أن يلخص تلك المجلدات الضخمة فى خمس نقاط فى نصف صحيفة متوسطة؟
ثم هل يعنى أصحاب هذا المذهب الإسلامي لم يهتموا بشيء من أمور الإسلام غير دار المخالفين، ومعنى النفاق وحياة النساء والأطفال، ومصير المحدودين في الزنى والسرقة، ومعاملة المشبهة؟ وإن بقية أحكام الإسلام من دين وشريعة لا هم لهم بها، ولا بحث لهم فيها، ولا رأى ولا عقيدة؟
أم يرى أن الإباضية إنما يختلفون عن غيرهم من المسلمين في هذه
النقط فقط ويتفقون فيما بقى؟ وهل اتفق المسلمون فيما بقى؟ (1/122)
صفحة 123
123
-
أم أن الأستاذ شيبة الحمد يرى أن الإسلام هو هذه النقاط فقط وأن غيره لا أثر له فى عقيدة المسلمين وسلوكهم.
إن القارئ الكريم مهما فكر فى هذا الملخص فإنه لا يستطيع أن يخرج منه بنتيجة. وعوض الله خيرا على أولئك الطلاب الذين ظنوا أنهم يتلقون العلم. وهم إنما تحشى أذهانهم بفراغ.
الأستاذ لو رجع عبد القادر إلى كتب الإباضية لوجد لهم بحوثا ممتعة في أصول الشريعة وفروعها،، وجميع أنواع ثقافاتها. وهم يتلاقون في بحوثهم مع المذاهب الإسلامية الأخرى هنا وهناك ولا ينفردون برأى في مسألة اجتهادية إلا نادرا، وقد لا يكون هناك شيء انفردوا به، وعندما ينفردون برأى في مسألة اجتهادية فذلك بناء على دليل ترجح لديهم، يقع في جميع المذاهب الإسلامية الأخرى
كما
وهذه الحركة، حركة اختلاف المذاهب هي خاصية من خصائص الحيوية في الإسلام، ودليل انفساحه للعقول والأفهام، وأس صلاحيته لكل زمان ومكان.
فقد تختلف أنظار المجتهدين في مسألة فيذهب كل إلى رأى يعتمد فيه على دليل صح عنده، وقد يعمل الناس بقول في جهة أو في زمان ثم يترجح غيره عليه فيعمل به الناس ويموت القول الأول أو يبقى في بطون الكتب فقط. وهذه حالة توجد عند جميع المذاهب بل قد تقع للعالم الواحد كما اشتهر للشافعي قديم وجديد وكذلك غيره. فإذا كانت هذه طبيعة الآراء في المذاهب فكيف أمكن للأستاذ عبد القادر أن يلخص مذهب الإباضية في خمس نقاط فقط
• (1/123)
صفحة 124
124 -
الواقع
على أنه حتى في هذه النقاط الخمس التي ما هي إلا مخلفات للحركات السياسية، وآثار النزاع على الحكم. والتي كانت تتخذها السلطة الحاكمة وسيلة لإثارة الرأى العام ضد منتقدى حكمها والساخطين عليها لسوء سيرتها. ولإبعادهم عن مجال التأثير في الجماهير ـ لم يوفق ولم يعرف رأى الإباضية الحق، لأنه لم يرجع إليهم وإنما رجع إلى خصومهم ومن أخذ من خصومهم. إذا جاز استعمال هذا التعبير. وقد أخطأ فى النقاط جميعها. في بعض نسب إلى الإباضية غير ما يقولون وبعضها استعمل فيها عبارات التعميم والإبهام. ولذلك رأيت أن أوضحها نقطة نقطة إما في فصول خاصة وأما في فصل معقود المسائل اجتهادية فرعية وبرجوع القارئ الكريم إلى مناقشتنا للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في النقاط السابقة يتضح له أن الأستاذ عبد القادر لم يونق حتى في هذه النقاط التي زعم يلخص فيها مذهب الإباضية فنسب في بعضها إليهم ما لا يقولون به فأعطى صورة غير صحيحة عن هذا المذهب. ولا شك أن مثل هذا
•
أنه
التشويه قد لحق ببقية المذاهب الأخرى التي تحدث عنها في كتابه
•
وهذا الجهل بالمذاهب الإسلامية، ومقالاتها الحقيقية، والخلط بين ما يذهب إليه كل واحد منها ونسبته إلى الآخر، والتشويه الذي ينتج ذلك ـ سواء كان مقصوداً أو غير مقصود ـ هو ما يجب أن يربأ عنه حمله الشريعة الإسلامية، والأساتذة الذين يناظر بهم تدريس مواد، وتكوين أجيال تحمل مشاعل النور والهداية.
عن
الإسلام
أما المؤسسات والمعاهد التي جعلت لتدريس مواد الإسلام فينبغي لها في هذا العصر أن ترتفع عن المذهبية الضيقة، وأن تنشرح صدرا (1/124)
صفحة 125
125
للبحث العلمي الواسع، بنزاهة وتجرد، وأن ترتفع عن اعتبارات الدول والأوطان مراكز مذهبية معينة لا تخرج عن إطارها، وعن حسبان أن للدول القائمة مذهبا معينا لا تخرج عن حدوده.
يسمح لكل
إن المؤسسات والمعاهد التي تتولى تدريس الشريعة الإسلامية بأصولها وفروعها يجب أن تغير مناهجها وكتبها على نمط المذاهب الإسلامية أن تتاح لها فرصة عرض عقائدها وآرائها بوضوح وصحة من مصادرها الثابتة لا من المصادر البعيدة عنها والتي قد تشوهها وتثبت لها نقيض ما نعتقده وتراه. بل يجب أن نعرض آراء المذاهب جميعا باعتبارها آراء أفراد منسوبة إلى من قال بها مقيمة بما ستندت إليه في حجة أو دليل معتبرا في الشرع، وينبغى ألا يقوم بعرض آراء أفراد منسوبة إلى من قال بها مقيمة بما استندت إليه في حجة أو دليل معتبر في الشرع، وينبغى ألا يقوم بعرض آراء أو عقائد أي مذهب إلا علماء مستنيرون منه، يعرفونه حق المعرفة ويميزون بين المعمول به والمتروك في أقواله ويضعونه من درجته فى الصحة أو الشذوذ.
مع الدكتور هويدى
الإسلام
هذا مؤلف معاصر آخر، أصدر كتابا سماه (تاريخ فلسفة في القارة الإفريقية) وخصص الجزء الأول منه للشمال الإفريقي وقد
قسم هذا الجزء إلى قسمين:
القسم الأول: تحدث فيه عمن سماهم الخوارج والشيعة.
•
القسم الثاني: تحدث فيه عما سماه الإسلام السني (1/125)
صفحة 126
ومع أن الدكتور هويدى يعيش في العصر الذى يدعو كل ما فيه إلى وجوب العمل على توحيد صفوف المسلمين، وعلى الرفق بهم، واستعمال الكلمات المؤنسة اللطيفة فى الحديث عنهم، مهما كانوا وأينما كانوا، وعلى التقريب بين وجهات أنظارهم المختلفة، وعلى منابذة الجمود والعصبية، ورغم أن دراسته للدكتوراه كانت في باريس، ورغم أنه دكتور في الفلسفة التي يفترض فى صاحبها أن يكون واسع الأفق، منفسح النظرة، متفهما لجميع الآراء والنظريات • رغم كل ذلك فإنك لمجرد ما تقرأ جزءا من هذا الكتاب تحس بأن تيارا قويا يجرف قلم الدكتور في طريق معينة كأنما يسوقه بدون وعى
جاء في كتابه ص 54 ما يلي:
!
فلسفة الإباضية: يلخص الأشعرى فى) مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين) النقاط للتي التقى حولها جمهور الإباضية وبوسعنا أن
نجمعها على الوجه التالي» (1).
ثم يخلط خلطا عجيبا بين ما نسبه أبو الحسن الأشعرى إلى الخوارج
كالحفصية عامة أو إلى بعض فرقهم
-
خاصة وإلى ما نسبه إلى
الإباضية ويستخرج من ذلك الخلط العجيب، النقاط التي يزعم أن الأشعري اعتبرها ملخصا لمقالات الإباضية.
والسؤال هنا: ما الذي يحمل الدكتور على الرجوع إلى ما كتبه
الأشعرى قبل عشرة قرون وهو يتحدث عن الإباضية في هذا القرن،
(1) سوف ننقل الفقرة ونعرضها للمناقشة في أواخر هذا الفصل
• (1/126)
صفحة 127
-
127 -
أما كان أولى به وأقرب إلى الحق والصدق أن يأخذ مقالاتهم من نفس كتبهم. وعنده منهما النذر القليل ويستطيع الحصول على
-
غيرها لو أراد بجهد يسير عندما كتب عن المالكية رجع إلى كتب المالكية فلماذا لم يقف نفس الموقف مع الإباضية ويرجع إلى كتبهم وإنما تركهم ورجع إلى غيرهم يلتمس ما قيل عنهم قبل عشرة قرون
يقول الدكتور هويدى فى كتابه السابق ص 44 ما يلى (1):
،
وكان الوهبية يطلقون على أنفسهم اسم – المسلمين – لأنهم وحدهم هم الذين يستحقون هذا الاسم في نظر أنفسهم، ولأنهم القائمون بالسنة وحدهم أما المالكيون والحنفيون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبية اسم الموحدين أى أنهم في نظرهم ليسوا بمشركين: ولكنهم ليسوا بمسلمين أيضاً - وكانوا يعتقدون أن دعوة هؤلاء الموحدين الى الدين الحق - وهم عندهم مبادئ الخوارج – فرض كفاية على كل وهبي، وأن عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أول الأمر • فان أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال على عكس المشتركين. (ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية) فإنه تقع عليهم الجزية» •
وبعد
هذا الكلام مباشرة وضع بين قوسين (الشماخي: كتاب السير) ولا شك أن القارئ - حين يجد بعد ذلك الكلام اسم الشماخي واسم
كتابه السير
-
يعتقد أن الكلام السابق منقول عن الشماخي إذا لم يكن
(1) سنعود الى مناقشة هذه الفقرة في فصل آت. (1/127)
صفحة 128
128
-
بالنص والحرف فبالمعنى. ولا دلالة له غير ذلك والواقع أن كتاب السير
هذا کتاب تراجم وتاريخ لا يتحدث عن الموضوع مطلقا وليس فيه ما يشير الى هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد ولست أدرى كيف تورط الدكتور فألقى نفسه فى هذه المشكلة التى تجعله ينسب كلاماً الى شخص لم يقله والى كتاب لم يوجد فيه هل كان يعتقد أن الكتاب من الندرة بحيث يعرفة الناس ولا يقرأونه وأنه اذا كان كذلك فلا بأس أن ينسب إليه
?
ما ليس فيه.
•
قد تكفى سقطة واحدة كالسقطة السابقة للتدليل على المنهج الذى يسير عليه المؤلف ولكننا سوف نعرض على القارئ الكريم نماذج أخرى أكثر وضوحاً عن ذلك المنهج.
•
يقول الدكتور هويدى فى نفس الكتاب صفحة 49 ما يلى:
ومن فرق الإباضية كذلك، فرقة النفوسية أو التمزينية أصحاب أبي يونس وسيم النفوس التمزيني الذي ثار أصحابه في ولاية أبي بكر ابن الأفلح بسبب مساقى الناس. وترك اتباع الحاكم حفر هذه المساقي من غير تسوية مما أثار الناس». (الشماخي: كتاب السير ص 195) هكذا قال: وإذا رجعت أيها القارئ الكريم الى كتاب السير للشماخي صفحة 195 فإنك سوف تجد كلاماً يناقض تماما ما أورده الدكتور عن الإباضية وعن أبي يونس ونسبه الى الشماخى. وليته حين نسب هذا الكلام الى الإباضية لم يتورط فيذكر المؤلف والكتاب والصفحة وليته إذ ذكر المؤلف لم يذكر الكتاب والصفحة. وليته إذ ذكر المؤلف والكتاب لم يذكر الصفحة حتى يمكن - دفاعا عنه – أن يستمسك الإنسان ولو بخيط
- (1/128)
صفحة 129
129
-
رقيق واه ولكن ما الحيلة والدكتور يريد أن يظهر بمظهر من يتبع الأسلوب العلمي فوقع في هذه المشكلة. والآن أيها القارئ الكريم إذا رجعت الى كتاب السير للشماخي ص 95 فإنك سوف تجد فيه ما يلى بالحرف الواحد:
: ومنهم «(1) أبو يونس وسيم النفوس التمزيني، قال أبو زكريا إن الإمام استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم - وما ولاها، فأحسن السيرة. وسبب خروجه من جبل نفوسة الى قنطرارة، أن خدمة اذا احتطبن في مساقى أرباع الناس تركن الحفر في غير تسوية، فيمكن الماء عند مجيء المطر. فخشي النباعات ... قولى قنطرارة، فأحسن السيرة وعدل في القضية، وأحسن الى الرعية، وربما طلع على أشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادي. الافرار من الصدقة، والفار من الصدقة يؤذى ويكرر ذلك، وتمادى على ولايته وعدله الى أن مات مرضياً حميداً» •
ولا شك أن القارئ الكريم يرى الفرق الكبير بين ما قاله الشماخي في السير وبين ما نسبه اليه الدكتور هويدى، ولكي تتم الصورة ويتضح موقف الدكتور هويدى أنتقل للقارئ الكريم ما يتعلق بالموضوع في كتاب
السير.
يقول الشماخي محمد سعد بن أبي يونس وسيم التمزيني في كتابه السير ص 214 ما يلي:
(1) اى ومن علمائهم أى علماء الاباضية
(م 9 - الاباضية) (1/129)
صفحة 130
- 130 -
وقال أبو زكريا أرسل أبو يونس وسيم بن سعيد ابنه سعداً الى تيهرت ليتعلم العلم ومعه نفاث بن
نصر فتعلما عند الإمام. فلما بلغا
19
من العلوم ما أراد الله. أرادا الرجوع الى بلدهما وذلك وقت موت أبي يونس عامل الإمام على قنطرارة – وتقدمت أخباره فاختار الإمام أفلح. سعد الأحكام الناس وقدمه فى موضع أبيه». هذا نص ما قاله الشماخي عن أبي يونس وسيم وعن ابنه سعد. وعن المقارنة يظهر لك مناقضة ما قاله) الدكتور هويدى لما جاء فى سير الشماخي فبينما يصفه الشماخي بالتقى والورع وفراره من الشبهات واختيار الإمام له. من أجل هذه الصفات. فولاه عاملا له. ويقرر الشماخي أن أبا يونس بقى عاملا للإمام حتى توفى وأنه كان مرضياً عنه من الناس ومن الإمام ويقرر أيضا أنه أرسل ولده إلى ثاهرت ليدرس العلم على الإمام وأنه فعلا درس عليه حتى بلغ
-
مراده ورجع الى بلده فاختاره الإمام أيضا عاملا في مكان أبيه.
أبا
وسيم
انتقد
هذه الصورة التي وضحها الشماخي وقد جاء الدكتور هويدي بصورة مناقضة لها تماما ونسبها الى الشماخي والدكتور هويدى يزعم أن خدم الحكام فثار على الإمام وثار معه الناس حتى كونوا فرقة تسمى النفوسية والتميزينية وهو كلام لا أساس له مطلقا لا في الواقع ولا في كتاب السير ولا فى غيره من كتب التاريخ الإباضي وربما نقل الدكتور هذه الفكرة عن بعض المستشرقين وأن أولئك المستشرقين لم يفهموا كلام الشماخي ففسروه بهذه الصورة ونقلها عنهم الدكتور، دون الرجوع الى الأصل. وإلا فلا تفسير لهذا التناقض بأي اعتبار ولا سيما أن عبارة الشماخي من الوضوح بحيث لا تحتاج الى تفكير ولا تفسير. ومما وقع فيه الدكتور هويدى أيضا من نسبة كلام الى ناس لم يقولوه أو تحريف ما قالوه بحيث يؤدى معنى غير المعنى الذي قصده المؤلف الأصلى ما نسبه الى أبى الحسن الأشعرى فقد جاء في كتاب الدكتور هويدي مايلي: (1/130)
صفحة 131
يلخص الأشعرى فى) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)
-
1963) النقاط التي التقى حولها جمهور
طبعة ريتر – الطبعة الثانية. الإباضية وبوسعنا أن نجمعها على الوجه التالي:
تأولوا في عثمان نحو ما تأولت الشيعة فى أبي بكر وعمر، وزعموا أن عليا هو الحيران الذي ذكره الله فى القرآن الكريم (6: 17) (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله. كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه الله الى الهدى» ائتنا • قل إن هدى هو الهدى أمرنا لنسلم لرب العالمين»
:
وإن أصحابه الذين يدعونه الى الهدى أهل النهروان، وزعموا أن عليا هو الذى أنزل الله سبحانه فيه الآية: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) (2)، (204) وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه (ومن الناس من يشترى نفسه ابتغاء مرضاة الله).
وإذا
6
رجع القارئ الكريم لم يجد هذا الكلام فيما كتبه الإمام الأشعرى عن الإباضية وإنما يجد هذه الفقرات ضمن شنائع أخرى أشد منها وأخزى نسبها الإمام أبو الحسن الى الحفصية ــ أتباع حفص بن أبي المقدام.، وعلق عليها الإمام أبو الحسن هناك بقوله: «إلا أن جل الإباضية يبرأون منه إلا من تبعه - أى يبرأون من حفص وأتباعه لشناعة ولكن الدكتور هويدى الذى نسب الى الشماخي ما نسب
مقالاته
Y
-
يعجزه أن ينسب الى أبي الحسن الأشعرى ما يريد أن ينسب
وفي الحين الذي يذكر أبو الحسن أقوال الحفصية ثم ينص على
أن الإباضية يبرأون من ذلك أى يبرأون من الأقوال وممن قال بها ـ يأتي (1/131)
صفحة 132
132
الدكتور هويدى فيأخذ مما نسب الى الحفصية فقرة ــ لعلها أشنع ما نسب الحفصية - فيجعلها مما يلتقى حوله الإباضية وينسب ذلك كله الى أبي الحسن الأشعرى مفسراً قول أبي الحسن إلا أن جل الإباضية يبرأون منه» بقوله هو النقاط التي يلتقى حولها جمهور الإباضية يعنى أن أبا الحسن يقول إن جمهور الإباضية يبرأون ممن يقول هذا فيترجمه الدكتور هويدى الى جمهور الإباضية يلتقى حول هذا ويعطى لكلمة يبرأون التي وردت على لسان أبي الحسن كلمة يلتقون التي وردت على قلمه. والدكتور يفعل هذا مع هذه الكتب وهي مطبوعة ومتداولة بين أيدى المثقفين. ولا يشعر بحرج.
هذا
فيما بيدو
-
•
في موقفه لأنه يقصد
والذي ينتبع ما كتبه الدكتور هويدى عن الإباضية – رغم ذكره أن الدكتور يجهل كثيراً من الأشياء التي تناولها يحس
-
لبعض كتبهم بالحديث عنها، سواء ما كان منها مقالات وآراء فى الشريعة الإسلامية أو ما كان منها أحداثا وتاريخا وبلدانا والى القارئ الكريم أمثلة في أخطائه في الأحداث والتاريخ والبلدان
ن يقول في كتابه ص 58 ما يلي:
•
حيث أن الوارجلاني في أحد فقهاء وفلاسفة الإباضية الرستميين في جبل نفوسة» • وأبو يعقوب كما هو معروف ليس رستميا وإنما هو سدراثى وليس من جبل نفوسة وإنما هو من سدراته وسكن وارجلان فنسب إليها وقيل له أبو يعقوب الوارجلاني.
والرستميون سكنوا ثاهرت وقد انقرضوا قبل ثلاثة قرون من (1/132)
صفحة 133
-
133
وجود أبي يعقوب في وارجلان ووارجلا تقع فى الجنوب الشرقي للجزائر بينما تقع ثاهرت في الشمال الغربي للجزائر أما جبل نفوسة فيقع في ليبيا والأماكن الثلاثة متباعدة عن بعضها ولا علاقة في النسب بين أبي يعقوب والرستميين ولكن الدكتور - حسبما يبدو. لا يفرق بين هذه الأشياء، ولا يهمه أن يفرق.
يقول في كتابه ص 49 ما يلي:
-
أبو يونس وسيم النفوس التمزيني الذي ثار من أصحابه في
ولاية أبي بكر بن الأفلح» •
وأبو يونس لم يثر على إمامه أبداً .. وبقى عاملا له حتى توفى ـ كما أوضحنا ذلك من قبل - وهو لم يدرك إمامة أبي بكر لأنه توفى إمامة أفلح وقد تولى ابنه سعد الولاية من بعده على قنطرارة للإمام أفلح.
وكل ما كتبه الدكتور هويدى فى هذه الفقرة خطأ، وأشد النقد إنما ينصب عليه بسبب نسبته هذا الكلام الى الشماخي بتحديد الكتاب والصفحة بينما يحمل الكتاب والصفحة ما يناقض هذا الكلام مناقضة
كاملة
هذه شواهد مما كتبه الدكتور هويدى عن الإباضية وهي - مع شناعتها أقل من بعض ما لم نتعرض له - وقد كتب عن بنى حيزاب كلاما تتقزز منه انفوس، يبدو أنه نقله عن بعض المستشرقين الحاقدين علي بني ميزاب بترجمة حرفية ركيكة يظهر فيها ـ بوضوح التعبير والخطأ في نطق الأسماء.
سخافة (1/133)
صفحة 134
134 -
وزعم الدكتور هويدى أنه تناول بالتحليل بعض مصادر الفلسفة الإباضية ولكنه فيما يبدو أنه نقل تلك الدراسات عن بعض المستشرقين بما فيها من خطأ وجهل بمعانى المصطلحات كما تحدث عن الحركة العلمية والتاريخية بكثير من التخيط والجهل
في
مع الدكتور هويدي أيضاً
مهمة الشرح والإيضاح مهمة عسيرة، وهي تقتضى ممن يضع نفسه موقف الشارح أن يكون ذا استعداد للقيام بهذه المهمة العسيرة.
ومن أهم الوسائل لذلك فوق الملكة الفطرية – أن يمتلك القدرة
-
على الفهم الصحيح. وأن يقوى على إيصال الصورة الحقيقية للموضوع إلى الآخرين في وضوح، وأن يكون فاهماً فهما صحيحا لا يخطئ نا يريد شرحه، وأن يكون أمينا في نقل المعانى وأن يكون واضح التعبير غير جاهل بالمصطلحات، وأن يكون عارفاً باللغة واشتقاقها معرفة دقيقة فإن اختلت فيه هذه الوسائل فان شروحه لا تكون إلا صوراً من الغموض، من الخلط والتشويه. والدكتور هويدى يصر – وهو يكتب عن الإباضية - أن يقدم شروحا وتعاليل كثيرة يكتنفها الخطأ. من كل جانب. وسوف أناقش معه في هذا الفصل مثلين مختصرين • الأول في المعنى الملغوى لكلمة مفردة والثاني لفقرة تتضمن بعض الاصطلاحات
وعجائب
المثال الأول:
جاء في كتابه تاريخ الفلسفة الإسلامية نقلا عن الشماخي صفحة 370 ما يلى: «فاتعدوا ليوم معلوم يجتمعون فيه» • وقد شرح كلمة (اتعدوا) (1/134)
صفحة 135
بقوله (أي أعدوا العدة) ووضعها بين قوسين. وأحسب أن عبارة الشماخي واضحة لا لبس فيها ولا تحتاج الى شرح. ولكنها لا تعنى ما ذهب إليه الدكتور إلا على باب من الالتواء والتأويل لأن كلمة (اتعدوا) تعنى أنهم اتفقوا على موعد يتلاقون فيه، أو وعد بعضهم بعضا باللقاء، أو حددوا لأنفسهم زمانا أو مكانا يجتمعون فيه أو ما يؤدى هذا المعنى ففسر: (اتعدوا) بقوله اعدوا العدة أى استعدوا والفرق بين معانى اتعدوا واستعدوا وأعدوا واضح في استعمالات اللغة العربية لأن (اتعدوا) مادة أخرى غير مادة عد، وأعد، واستعد
مشتقة من وعد وهي
•
كلمة
ولكن الدكتور – وهو يتعاطى الشرح والتفسير – لم يحمل نفسه عناء التذوق، تذوق معانى فى الكلمات في استعمالاتها الصحيحة المختلفة ولا عناء الرجوع الى قواميس اللغة، للتأكد من سلامة فهمه. ولا حتى عناء التأمل في سياق العبارة وما تؤديه وأعتقد أن الاستهانة بالدقة في معاشي المفردات واستعمالاتها من رجل يشتغل بالأبحاث الفلسفية، لا يناسب ما تفرضه الفلسفة من التدقيق في معرفة الحقائق.
المثال الثاني:
•
يقول الدكتور هويدى فى كتابه السابق ص 44 ما يلى:
1 يقال الإباضية الخوارج (الوهبية) (ا) أو (الوهابية) وكان
(1) هذه التسمية خاصة بالأباضية تطلق عليهم دون غيرهم من الفرق التي انشقت عنهم. وسبب تسميتهم بهذا الاسم أن فرقا انشقت عن الأباضية وانحرفت عن أصولها وعقائدها واحتفظت باسم الاباضية رغم انها صار لها اسماء جديدة. فأطلق الاباضية الأصلاء على انفسهم كلمة الوهبية تمييزا لهم عن غيرهم من الفرق التي مالت الى الخوارج أو الى المعتزلة. كا انكار والحسينية وغيرهم وستجد مزيدا من التفصيل والايضاح عن هذا الموضوع في
الفصل الخاص بالحديث عن فرق الاباضية (1/135)
صفحة 136
-
136 -
الوهبية يطلقون على أنفسهم اسم (المسلمين) لأنهم وحدهم هم الذين يستحقون هذا الاسم في نظر أنفسهم، ولأنهم القائمون بالسنة وحدهم،. أما المالكيون والحنفيون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبية اسم (الموحدين (أى أنهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنهم ليسوا بمسلمين أيضا • وكانوا يعتقدون أن دعوة هؤلاء الموحدين الى الدين الحق وهو عندهم مبادئ الخوارج فرض كفاية على كل وهبي ـ وأن عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أول الأمر، فان أبوا فيجب عليه قتالهم. لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال، على عكس المشركين) ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية) فانه تقع
عليهم الجزية.
حرص
الدكتور هويدى حرصا شديدا على أن يذكر كلمة الخوارج قبل أو بعد كلمة الإباضية كأن إحداهما تفسير للأخرى مما اقتضاه أن يكرر كلمة الخوارج - دون أية حاجة إليها - في الصفحات القليلة التي كتبها نيفا وثلاثين مرة مما يبعث السأم والاشمئزاز في نفس القارئ من هذا التثبث اللفظي الذي يسيطر على حواس الكاتب كأنما خشي أن ينفلت من الإباضية دون أن يلتصق بهم الخوارج. وفى مقابل هذا. حرصا حرص شديدا أيضا كلما ذكر المذهب مالكي أن يلحقه بكلمة السني في إصرار وتشبث عجيبين كأنما هناك مذاهب مالكية كثيرة يتحدث هو عن واحد منها فقط أو كأنما يخشى أن ينفلت منه المذهب المالكي دون أن تلتصق به كلمة السني. ولا يدل هذا التشبث اللفظى الساذج – إن دل على شيء – إلا على أن الكاتب في قرارة نفسه لا يصدق هذا ولا يؤمن به. وإنما
يقوله ويحرص على قوله خوفا من وهم يطارده في أعماق نفسه أو كالمتحدث الذي لا يثق فيما يقوله ويعلم أن الناس لا يصدقونه فيؤكد كل جمله من حديثة بيمين دون أن يطلب منه يمين. (1/136)
صفحة 137
-
137
-
يقول الدكتور هويدى «وكان الوهبية يطلقون على أنفسهم اسم المسلمين». ثم يذهب يشرح كلامه هذا الواضح بتفسير معقد فيزعم أن الوهبية يقصرون اسم المسلمين عليهم ولا يطلقونه على غيرهم لأنهم. وحدهم الذين يستحقونه، ولأنهم القائمون بالسنة.
:
وأريد أن أقول للدكتور هويدى بعبارة واضحة مختصرة إن الإباضية يطلقون كلمة المسلمين على جميع. أهل القبلة وهم داخلون فيها وقد يطلقونها ويريدون بها الإباضية بقرينة تدل على ذلك إما لفظية وإما بدلالة السياق وهي ترادف كلمة الموحدين في أغلب الاستعمالات ولهذا. فكلام الدكتور هويدى غير صحيح وهناك بحوث شرعية مطولة بين علماء الأمة في معاني كلمات مؤمن وموحد ومسلم ومشرك وكافر ونافق وفاسق وعاص والعلاقات بين بعضها والبعض الآخر والخصوص والعموم فيها، ولكل المذاهب الإسلامية في هذا الموضوع مواقف محددة وللإباضية فيها موقفهم المحدد
وأما إنهم يحسبون أنفسهم عاملين بالإسلام قائمين بالسنة فهذا صحيح وكل مذهب من المذاهب الإسلامية يعطى لنفسه هذا الحق ويأباه
عن الآخرين لأنه إذا كان للآخرين المخالفون له على الحق فهو على الباطل.
ولذلك تجد كل أهل مذهب يحرصون على أن يسموا أنفسهم: أهل السنة، أهل الحق، أهل الاستقامة.
وربما كان مهما أن يفهم الدكتور أن جميع أصحاب المذاهب الإسلامية. قد يطلقون كلمة المسلمين ويريدون بها مذاهبهم الخاصة بقرينة تدل على ذلك ولو تأمل في كتب المذهب (المالكي السنى (لوجدها مئات المرات قد (1/137)
صفحة 138
-
138
في ذلك فهى
أطلقت كلمة المسلمين على أتباع الإمام مالك فقط ولا حرج وغيرها لا تريد تحجير الواسع كما أراد أن يفسر الدكتور • بقى ـــ في هذه النقطة أن يعلم الدكتور أن الإباضية إذا أرادوا أن يتحدثوا عن الإباضية خاصة فإن لهم أسماء خاصة كالإباضية والوهبية وأهل الدعوة وأهل الاستقامة وكثيرا ما يرد في كتب الفقه قال أصحابنا أو هذا قول أصحابنا على أن كلمتى الأصحاب وأهل الاستقامة تستعملها مذاهب أخرى للدلالة على نفسها أما الإباضية والوهبية وأهل الدعوة فهو خاص - عند الإباضية
بالإباضية.
يعد
هذا التفسير الملتوى الذى لا لزوم إليه من الدكتور هويدى ينزلق قلمه إلى عبارة توحى بأن الكاتب يريد إشعال فتنة بين الإباضية ا من جهة والمالكية والحنفية من جهة أخرى فقد قال: أما المالكيون والحنفيون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبية اسم الموحدين أى أنهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنهم ليسوا بمسلمين أيضاً.
لست أدرى هل كان الدكتور هويدي يحس بما تدل عليه هذه. المعيارة وأنها لا تصدر في هذا العصر إلا عن إنسان يريد أن يثير فتنة،. ويفراق كلمة ويزرع البغضاء بين الناس وأنه اختار المذهبين المالكي، والجنفي ليجعل منهما مقدح النار. وإلا فلماذا خصصهما دون بقية الفرق والمذاهب. ولماذا رجع إلى تلك العبارة الغامضة الموهمة التي قيلت قبل إن كلمة الموحدين من الناحية الشرعية يطلقها
•
عشرة قرون مضت الإباضية على كل من أقر بالجملة وليست خاصة بالمالكية والحنفية بل
تطلق عليهما وعلى الإباضية أنفسهم وعلى غيرهم من الفرق والمذاهب التي آمنت بالله ورسوله. (1/138)
صفحة 139
-
إن الإباضية يطلقون على المالكية وغيرهم اسم المسلمين ويعاملونهم ويعاملون غيرهم ـ ممن أتى بالجملة ـ معاملة المسلمين لا ينقصونهم شيئا أبدا ماعدا الاستغفار وطلب الرحة من الله فهذه حقوق شخصية والإباضية
-
يرون أن الولاية والبراءة الشخصيتين واجبتان فعلى كل مسلم أن يتولى ويجب ويستغفر ويسترحم للمسلم الذى يراه موفيا ويعمل صالحا وعليه أن يبغض ويبرأ الى الله من كل عاص إذا عرفه بشخصه فإذا لم يعرفه
توقف فيه حتى يعرفه.
جميع
: وخلاصة مناقشة هذه النقطة أن الإباضية يطلقون كلمة المسلمين على المسلمين دون تفريق وقد يطلقون كلمة المسلمين ويقصدون بها جزءا منهم بدلالة قرينة أو سياق وهذا هو الأسلوب الموجود في أحاديث جميع الفرق والطوائف وعندما يتحدث أى متحدث عن النصر والهزيمة بين جيوش المسلمون وأعدائهم فقد ترد أمثال هذه العبارات فعندما يقال انتصر المسلمين في أسبانيا أو انهزموا في موقعة كذا فهم يعنون بذلك المسلمين الذين هم في الواجهة. ولا شك أن المسلمين الذين هم بعداء عن أرض القتال ليسوا منتصرين أو منهزمين في الوقائع السابقة، وعندما يكون القتال بين فرق من المسلمين أو دول من المسلمين فيقول. أحد الفريقين انتصر المسلمون أو أنهزموا أو فعلوا كذا فهو بالتأكيد يريد بكلمة المسلمين الجناح الذى هو فيه أو ينتهى إليه وقد استعمل كلمة المسلمين للدلالة على هذا القسم الخاص ولكن التعبير هذه الدلالة مع لا يعني إخراج القسم الآخر من الإسلام أو الحكم عليه بالكفر. أظن أن هذا يكفي لإيضاح هذه النقطة التي حاول الدكتور هويدى أن يستعملها
في غير حقيقتها.
•
بعد هذا كله يتورط الدكتور هويدى تورطا مخجلا حين يقول (1/139)
صفحة 140
18.-
.
وكانوا يعتقدون أن دعوة هؤلاء الموحدين إلى الدين الحق وهو عندهم مبادئ الخوارج - فرض كفاية على كل وهبي وأن عليه أن يبدأ باقناعهم بالحسنى أول الأمر فإن أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال. على عكس المشركين) ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية الخ) فإنه تقع عليهم الجزية» • الواقع أن هذا الكلام غير مستقيم ولا سليم وصاحبه فيما يبدو لا يفرق بين فرض العين وفرض الكفاية فبينما يقول إن دعوة الموحدين إلى مبادئ الخوارج فرض كفاية عند الإباضية يناقض قوله هذا فيزعم أن ذلك يجب على كل فرد وأنه على كل فرد أن يدعوهم بالحسنى فإن لم يستجيبوا قاتلهم وهذا كلام يناقض بعضه بعضا وهو يزعم هنا أن الدين الحق عند الإباضية هو مبادئ الخوارج ولكنه في آخر الفصل بعد أن يقسم الإباضية إلى مجموعة من الفرق يقول وجميع هذه الفرق للإباضية تبرأ من فرق الخوارج. فإذا كانت تبرأ منهم فكيف تعتبر مبادئهم هي الدين الحق. وبوضوح واختصار نستطيع أن نقول إن هذا الكلام لا أساس له عند الإباضية ولم يوجب الإباضية أبدا - لا من باب فرض الكفاية ولا من باب فرض العين - على كل وهبي أن يدعو أصحاب المذاهب الأخرى إلى مذهبه ولا أن يقاتلهم وأقصى ما يطالب به الفرد الإباضى فى هذا الموضوع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب المعروف في هذا الباب
ولعل الدكتور الفيلسوف مرت به عبارة في بعض كتب علم الكلام تقول إن على الإمام أن يدعو مخالفيه إلى ترك ما به ضلوا وإلا أعذر إليهم وقاتلهم ومثل هذه العبارة ترد عند الحديث عن الدولة ومن يخرج عنها بصفة عامة. والوجوب هنا على الإمام. والمدعو ليس هم المالكية (1/140)
صفحة 141
أو الحنفية أو غيرهم وإنما هم الطائفة الخارجة على إمام العدل مهما كان مذهبها لأنها طائفة باغية فيطلب إليهم الإمام أن يتركوا ما به ضلوا أى برروا به بنيهم عن الإمام وأن يرجعوا إلى الأمة فإن امتنعوا قاتلهم وشتان بين موضوع وموضوع وما أحسب أنه يستقيم في تفكير أو عقل أن يلزم كل فرد من مذهب بدعوة غيره إلى مذهبه فإن امتنع قتله وعلى كل حال فهذا شيء لم يكن عند الإباضية.
أما عباراته الأخيرة فى هذه الفقرة وهى قوله: (ولكن لا تقع الجزية على الموحدين بحال من الأحوال على عكس المشركين ويمثلهم في نظر الإباضية المسيحيون واليهود والزرادشتية) فلا معنى لها ولا داعى إليها ولا علاقة لها بالموضوع ويخيل إلى أنها كانت كذلك في كتاب المستشرق الذي ينحت منه الدكتور فلم يفهمها ولم يجد لها موضعا فوضعها بين قوسين وجرها حتى وقعت في هذا المكان صدفة ومن غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان.
لعله مما يفيد القارئ الكريم أن أعود معه فألخص له أخطاء الدكتور
في شروحه السابقة التى لا تستند إلى حقيقة فيما يلى:
—
1
اتعد القوم - وعد بعضهم بعضا ـ حدودا موعدا للقاء
-
اتفقوا على اللقاء في زمان أو مكان أو فيهما. وليس معناها أعدوا
العدة
الخوارج
كلمة الخوارج حتى على رأى من يعتبر الإباضية فرقة من
ولا ترتبط بالإباضية ارتباطا لفظيا مستمرا. (1/141)
صفحة 142
142
-.
- الإباضية في الاستعمالات العامة يطلقون لفظ المسلمين على أمة. الإجابة وهذا الأكثر في استعمالهم وقد يقصدون به الإباضية فقط بدلالة.
قرينة لفظية أو من السياق.
4
كلمة الموحدين يطلقها الإباضية على جميع من نطق بكلمة
التوحيد في المسلمين وليست خاصة بالمالكية والحنفية كما تشـ عر عبارة
الدكتور.
شرحه لكلمة الموحدين بأنها تعنى أنهم ليسوا مشركين وليسوا مسلمين غير صحيح والموحدون هم المسلمون وكل المسلمين فى. الأزمنة جميع والأمكنة هم موحدون
6 - لا يوجب الإباضية على أى إباضي أن يدعو غيره إلى الإباضية. ولا يجيزون له مطلقا أن يقبل أحدا من المسلمين سواء استجابوا له أو لم يستجيبوا وسواء دعاهم أو لم يدعهم. لأن الدعوة أمر شخصى من حقه أن يستعمله هو فقط ولا يوجبه عليه أحد. ولو دعا فلم يستجب له فقتله لوجب قتله قصاصا.
أحدا
- Y
الإباضية لا يرون أن الدين الحق هو مبادئ الخوارج بله
يرون أن مبادئ الخوارج ضلال وباطل وأن الدعوة إليها دعوة إلى
الباطل سواء كانت دعوة بالحسنى أو بالشدة
1
- الإباضية يفرقون بين أحكام المشركين وأهل الكتاب والصابئين فلكل واحد من هؤلاء حكم خاص به لا يتعداه إلى غيره. والتسوية
بينهم في حكم الجزية خطأ من الدكتور فإن المشركين ليسوا من الجزية. ولا تقبل منهم
أهل
# (1/142)
صفحة 143
143
9 ــ ذكر عددا من الفرق قال إنها من فرق الإباضية ثم قال:
>>
وجميع هذه الفرق تتبرأ من فرق الخوارج الأخرى: الأزارقة والمبيهسية والنجدات والصفرية ... الخ لكن اسم الوهبية يجمعها ويطلق عليها لكنها». وصحيح أن الإباضية الوهبية يبرأون من جميع فرق الخوارج لكن ليس صحيحا أن كلمة الوهبية تطلق على جميع فرق الإباضية. وقد رأينا أن نخصص فصلا لمناقشة موضوع فرق الإباضية أو الانشقاق عند الإباضية وفى إمكان القارئ أن يراجع هذا الموضوع
هناك
أحسب أن هذه النماذج البسيطة التي عرضناها في هذا الفصل عن تخيط الدكتور كافية للدلالة على قيمة الكتاب في عرضه لفلسفة الإباضية .. (1/143)
صفحة 144
هويدي في تبعية المستشرقين
للمستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام - سواء كانت كتابتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلامية جمعاء كأمة، أو عن مذهب من مذاهبها كمذهب أو فرقة - أساليبهم ودوافعهم ومراميهم الظاهرة والخفية ومهما كان المشرقون مخلصين للبحث العلمى فى هذه المواضيع فإنهم في الحقيقة - أشد إخلاصا للدوافع والمرامي الحقيقية التي حملتهم على الكتابة عن الإسلام أو عن المسلمين، أو عنهما معا.
والواقع أنهم نجحوا إلى مدى بعيد في تحقيق أهدافهم البعيدة التي يرمون إليها بكتاباتهم، ومحاضراتهم، وندواتهم، وأسمارهم، ولعل من أبسط أهدافهم أن يتركوا لهم ظلالا في بلاد الإسلام خاصة، وفى الشرق عامة. وقد استطاعوا - فعلا - أن يكونوا في البلاد الإسلامية ومن أهلها مستغربين من حملة الأقلام وأصحاب الفكر، ينظرون إلى الشرق من نفس الزاوية التي ينظر منها المستشرقون مع فارق بسيط
هو أن المستشرقين الغربيين إنما يخدمون - بما يقدمونه عن الشرق
مصلحة الغرب أي مصلحة بلادهم. أما المستغربون الشرقيون فهم إنما يخدمون أيضا - بما يقدمونه عن الشرق والغرب مصلحة الغرب أيضا. أي مصلحة الموجهين لهم، المؤثرين عليهم، أي أن المستشرقين الغربيين استطاعوا أن يتركوا لهم في الشرق ظلالا تتحرك لتحركهم، ومفكرين وفلاسفة يفكرون بأسلوبهم ويتكلمون بمنطقهم ويقدسون حجتهم ولو كانت تافهة مضحكة، ويعتزون بآرائهم ولو كانت نسيجا من الأباطيل أو الأضاليل • ويلهثون وراء ما يشيرون إليه ولو كانت الإشارة من طرف البنان ومن مكان بعيد.
،
- (1/144)
صفحة 145
-
ولعل من أغرب ما يصادفك فى هذا الباب أن تقرأ لبعض المستغربين المشهورين كلاما ينقله مترجما عن كاتب غربي، فتعرف أن النص إنما هو لكاتب مسلم استشهد به الغربي إما نقلا أو اقتباسا فترجمه إلى لغته الأجنبية. فجاء الكاتب المسلم أو المستغرب المسلم فترجم النص من جديد إلى اللغة العربية - لأنه لا يعرف أن النص عربي ـ وعندما تقرؤه تحس بالألم يعتصر فؤادك، وذلك لأن الترجمة الأولى من العربية إلى الأجنبية اطفأت نصف الروح من النص، وترجمته الثانية من الأجنبية إلى العربية اطفأت النصف الثاني، فلم تبق منه إلا عبارة ميتة. إن الكاتب المسلم المستغرب المعتز بتبعيته للمستشرقين لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه يعتمد على ما يكتبه المستشرقون فى القضايا الإسلامية اعتمادا كليا وهو يترفع – بزعمه - أن يرجع إلى المصادر الإسلامية فهو يجهل تلك النصوص وأصحابها ومواضعها بل وحتى مقدار استفادة المستشرقين بها. وإما أنه يعرف ذلك ويطلع عليه ولكنه يرى أن استناده على فيلسوف غربي أرفع لقدره وأعظم لعلمه، وأفيد لكتاباته، وللأسماء الأعجمية الغربية رنين خاص في آذان هؤلاء كما جعل لأسماء حكماء الهند وفلاسفة الإغريق رنين خاص في بعض فترات التاريخ
•
والدكتور هويدى ممن يعتمد على المستشرقين في تحليل الفلسفة الإسلامية ويعتز بما ينقله عنهم، ويضع آراءهم في درجة البراهين، ويفضل إيرادها والاستشهاد بها في تثبيت النظريات وتقرير الأحكام.
يقول الدكتور هويدى فى كتابه (تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية (طبعة 1966 ص 270 ما يلى:
(م 10 - الاباضية) (1/145)
صفحة 146
- 146
يشبه دوزى فى كتابه) تاريخ المسلمين في إسبانيا) قيام حركة الخوارج في المغرب ونجاحها بقيام الحركة الكلفاتية في اسكتلندا ونجاحها، وذلك لما تنطوى عليه كل من الحركتين من انتصار للمبادئ. الديموقراطية في الدين، ولما أدت إليه كل من الحركتين من تثبت لدعائم الديانة التي أقامت كل منهما في رحابها: الديانة الإسلامية والديانة. المسيحية.
-
-
وعلى العكس من ذلك ذهب جوتييه في كتابه العصور المظلمة للمغرب ـ إلى أن في القول بأن حركة الخوارج ديموقراطية مبالغة كبيرة. وذلك لأنه «قد يستهوينا القول بأن الأصل في دعوة الخوارج أنها كانت غضبة تحركها روح ديموقراطية ديماجوجية، لكن هذا لن يكون إلا نظرة أوروبية مبالغا فيها إلى هذه الحركة، ومنهجا غير صائب للتعبير عنها، حقا أننا نلتقى على رأس هذه الحركة في المدن الكبيرة، القاعدة الشعبية، مثل ميسرة، أول خليفة خارجي، الذي
برجال من كان مجرد سقاء بسيط فى مدينة طنجة فيما يرويه ابن الأثير ولكن هذه الحركة التي كانت ملحمة عسكرية كبرى، استعانت من غير شك بقبائل الزناتية التي طبعت على الحرب، وكان أفرادها رعاة سلموا مقاليد أمورهم إلى قيادة أوروستقراطية، فرجل مثل «أبو قرة» كان دون أدنى شك أميرا».
هنا ينتهى كلام المستشرقين ويعلق الدكتور على ذلك بقوله: لكننا نخالف جوتييه الرأى ونذهب إلى أن حركة الخوارج ديموقراطية في أساسها، لأن العبرة بالمبادئ التي أتت بها، أيا كانت الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها رجالها، وليس هناك ما يمنع من اعتناق (1/146)
صفحة 147
147 -
أمير أو روستقراطى مثل) أبى قره (المبادئ الشعبية الديموقراطية التي نادت بها الخوارج غير أنه إنصافا للحقيقة علينا أن نقرر أن الخوارج وإن كانت المبادئ التي قدموها لنا ذات صبغة ديموقراطية إلا أنهم كانوا متمسكين بعروبتهم إلى الحد الذى جعلهم يحتقرون الموالي وينفرون منهم • وقد روى ابن الحديد في شرح نهج البلاغة المنسوب إلى الإمام على بن أبى طالب أن رجلا من الموالى خطب امرأة خارجية. فقال لها الخوارج فضحتنا وليس من شك أن هذه العصبية لا تتفق مع المبادئ الديموقراطية التي لا تعرف تعصبا ضد أي جنس» •
لعلنا
من مناقشة هذا النموذج نستطيع أن نعطى صورة للقارئ الكريم وضح له أسلوب المستشرقين ومن يسير في مخططهم ـ في معالجة قضايا الشرق، إذ لا شك أن المستشرقين يناقشون القضايا الإسلامية بموازين خاصة، ويحاولون أن يخضعوها لمقاييس معينة في رأيهم – أن تنطبق عليها كل الانطباق. وربما
عندهم يجب
تتأمله
—
-
يتضح لنا أيضا أن الدكتور هويدى يسلك نفس المسلك، وفي إمكانك أن في الفقرات السابقة - وهو يعالج الحركات الإسلامية قبل عشرة قرون، ويقيسها بالمقاييس الغربية اليوم، معتمدا في ذلك على ما كتبه المستشرقون سالكا نفس السبيل التي سلكوها في التحليل والتعليل وإثبات البراهين. وتأمل تحليل الفقرات السابقة فيما يلى: المستشرق دوزيه يرى أن حركة الخوارج تشبه حركات الكلفاتية لما تنطوي عليه من المباديء الديموقراطية.
والمستشرق جوتييه يرى أن وصف حركة الخوارج بأنها ديموقراطية مبالغة كبيرة، ويحتج لرأيه هذا بأن أبا قرة اليفرني بويع إماما للخوارج وقد كان أور وستقراطيا قبل ذلك (1/147)
صفحة 148
1 EA
ذلك
يعود
والدكتور هويدى يقرر أن الخوارج ديموقراطيون، ويرد على المستشرق جوتييه بأنه ليس هناك ما يمنع من اعتناق أمير أوروستقراطي مثل (أبي قرة (المبادئ الشعبية للديموقراطية، ولكنه فينفى عن حركة الخوارج مبادئ الديموقراطية – إنصافا للحقيقة كما يقول – وذلك لأن الخوارج متمسكون بعروبتهم. والدليل على هذا التمسك أن رجلا من الموالى خطب امرأة خارجية فقالوا لها فضحتنا، والعصبية القومية لا تتفق مع مبادئ الديموقراطية ومنطلق الفرضية والتحليل في الفقرات السابقة أن المستشرق دوزى يزعم أن سبب نجاح حركة الخوارج هو كونها تمثل مبادئ ديموقراطية ولكن المستشرق يعجبه هذا الرأى فيرده محتجا بأن فردا أوروستقراطيا قد
جوتييه لا
انضم إليهم وأن حركتهم كانت فى الشرق ولا ينبغي لنا أن ننظر إليها بمنظار غربي فهم إذا ليسوا ديموقراطيين حين سمحوا لأروستوقراطي أن يكون من بينهم. ولحركتهم أن تنبت في الشرق. ويأتي بعد ذلك الدكتور هويدى فيرد أولا رأى جوتييه بأن الأروستقراطي قد يكون تخلى عن أوروستقراطيته واعتنق المبادئ الديموقراطية ولكنه يعود فينكر على الخوارج أن يكونوا ديموقرطيين لسبب آخر هو تمسكهم بعروبتهم، ويستدل على تمسكهم بعروبتهم أن أحد الموالى خطب امرأة منهم فقالوا لها فضحتنا
هكذا ترى أيها القارئ الكريم أن بحثا فلسفيا عميقا يتناول قضية هامة هي قضية الديموقراطية فى حركة تاريخية هامة تمتد ما بين الحسين والمحيط الأطلسي يناقشها ثلاثة فلاسفة: مستشرقان وعربى – نفيا
وإثباتا
-
-
د أو بناء على قصة وردت في
بناء على رأيهم واحد في فرد كتاب أدب - يعلم الله مقدار صحتها ولو صحت لما كان لها أي أثر
في الموضوع. (1/148)
صفحة 149
-
149 -
إن المستشرق جوتيه يستكثر أن تقوم فى الشرق حركة ديموقراطية ولذلك ينبرى للرد على المستشرق دوزى حين زعم أن حركة الخوارج إنما انصرت لأنها تنطوي على حركة ديمقراطية في الدين ويرى أن دوزي أخطأ التقدير لأنه نظر إلى تلك الحركة القائمة فى الشرق بمنظار أوروبي مبالغ فيه، يعنى أنه لو قامت تلك الحركة في أوروبا لأمكن أن تعتبر حركة ديمقراطية أما وهى فى الشرق فليس ذلك ممكنا لأن الديمقراطية أكبر من تفكير الشرق في رأى جوتييه ولكى يبرهن على أن تلك الحركة ليست ديمقراطية فتش بين زعماء الخوارج فوجد أن الحركة الخارجية أسلمت قيادها في طرف من أطراف الأرض الى رجل أورستقراطى. أميرا فكان هذا سببا كافيا لكي نحكم بأن حركة الخوارج ليست ديمقراطية.
يرجح
أنه كان
فالحركة التي تكونت فى الجزيرة العربية وامتدت شرقا الى الصين وغربا الى المحيط وعاشت عددا من الأجيال أو عددا من القرون كلها تنهدم في رأى هذا المستشرق بحادثة بسيطة، وهى أن قبائل زنانة - وهى: أسلمت قيادها الى أبي قرة الذى يظن أنه أورستقراطي.
شعبية
-
قاعدة
•
وبوصول هذا الرجل الى مركز القيادة في طرف من أطراف الأرض على مجموعة ضئيلة من الناس. فسدت الديمقراطية في حركة الخوارج على اتساع مداها مع أن حالة هذا الرجل الذى وصف بأنه أورستقراطي
لم يعرف ما إذا كان حقا أميرا، ولم يعرف ما إذا كان حقا أورستقراطيا، ولم يعرف ما إذا كان - حين تولى قيادة الخوارج في طرف من الدنيا باقيا على أوروستقراطيته أم أنه التزم بالمبادئ الجديده التي اعتنقها
والتي اختير للإمارة من أجلها. ثم إنه لم يكن أميراً على الخوارج كلهم ولا على فرقة كاملة منهم في جميع أوطانها، وإنما كان عبارة عن رجل تولى قيادة مجموعة من الناس ثائرة على الدولة فى معارك حربية محدودة (1/149)
صفحة 150
حالفه النجاح في بعضها والفشل في الأخرى بعد هذا يأتي الدكتور هويدى مستعملا نفس المنطق والأسلوب سائرا في نفس المنهج كأنما يترسم خطى مرسومة فيرد على المستشرق جوتييه باحتمال أن يكون أبو قرة قد تنازل عن أوروستقراطية والتزم بمباديء الديمقراطية ولم يهتم الدكتور بهذا البناء الضخم الذى يقوم أو ينهار بسبب رجل واحد، ولم يهتم أيضاً بتلك الطعنة المسمومة التى تزعم أن مثل هذه الحركة يحتمل أن تقوم عليها ديمقراطية لو أنها كانت فى أوروبا أما وهي في المشرق فلا، وبعد أن ينتقد الدكتور رأى جوتييه ويرد عليه كما رأيت ويصف حركة الخوارج بأنها تنطوى على الديمقراطية يعود فينفى أن يكون الخوارج أصحاب ديمقراطية بسبب آخر غير سبب جوتييه وذلك أنه عثر أثناء مطالعاته على قصة في شرح نهج البلاغة تزعم أن رجلا من الموالي خطب امرأة خارجية فقال لها أهلها لقد فضحتنا ...
ودون أى شرح لهذه القصة. ودون أي تأكيد لصحتها أو كذبها، ودون أي تعليق على أحداثها يجعلها دليلا على أن الخوارج متمسكون بعروبتهم والعروبة قومية والقومية ضد الديمقراطية وهكذا تكون هذه القصة عن الفتاة وخاطبها سببا في إبعاد الديمقراطية عن حركة
الخوارج.
أنا لم أتشرف بدراسة الفلسفة ولكننى كنت أعتقد أن الآراء الفلسفية لا يمكن أن تبنى إلا على حقائق ثابتة أو على الأقل مؤكدة، فأى شأن لهذه القصة التي رويت فى كتاب قيل إن أصله موضوع حتى يجعل منها الدكتور هويدى برهاناً على حكم فلسفي
جميع
الخوارج في ذلك الحين كانوا منتشرين في أنحاء العالم الإسلامي، وهم يتكونون من جميع الجنسيات المختلفة التي يتكون منها (1/150)
صفحة 151
المسلمون في مختلف أوطانهم ولهم عدد غير قليل من القيادات منها
قيادات تصلة ومنها قيادات منفصلة. ولهم عدد غير قليل في العادات والممارسات ولم نعرف هذا المولى الذى تجاسر فخطب فتاة خارجية هل هو عربي الجنسية أم له جنسية أخرى، ولم نعرف أيضاً لماذا غضب أهلها الأن الفتى مولى؟ أم لأنه غير عربي؟
بسبب
فكيف أمكن أن نسلب عن جميع الخوارج نتائج حركة شاملة. كلمة صدرت عن أفراد أسرة إذا صحت الحكاية؟ أليس من الأسر أن تلك المرأة وأسرتها من نظام الديمقراطية أو من طابور الخوارج بدلا من أن نلغى حكماً أعطيناه لحركة شملت العالم الإسلامي كله كلمة صدرت عن فرد أو أفراد ليسوا هذه المرة حتى في مراكز
نخرج
قيادية؟
بسبب
لست في هذه المناقشة أحاول أن أثبت أن حركة الخوارج كانت حركة ديمقراطية أو لم تكن فهذا موضوع لا يهمني وليس هذا مكانة وإنما أردت أن أضع بين يدى القارئ الكريم أمثلة من المستشرقين ومن يسير فى ركابهم لبعض القضايا الإسلامية.
مناقشات
فهذا هو منطق المستشرقين في معالجة القضايا الإسلامية، وهذا هو منطق من يسيرون في ركابهم ويتأثرون بخطاهم.
البحث عن التوافه والجزئيات والشواذ ثم تضخيمها وإبرازها وتسليط الأضواء عليها حتى تأخذ المكان الأوضح في المناقشات عامة، وحتى يقضى بها على الحقائق الثابتة الأصيلة. حين تبنى أحكام عامة
على شواذ الوقائع كأنها هي أصول الحركة أو أصول الحياة.
-101 (1/151)
صفحة 152
-
وقد رأيت في تطبيق نظرية الديمقراطية الدينية حركة الخوارج كيف نوقشت بطريقة تكاد تكون هزلية فأثبتها مستشرق لأنها تشبه حركة أخرى قامت في أوربا ونفاها مستشرق آخر لأنه لا يجوز أن ينظر الى الشرق بالمنظار الذى ينظر به الى أوربا ولأن رجلا - يشك أنه كان أميراً - وصل الى مركز القيادة، وينفيها متفلسف عربي لأن أهل فتاة عربية ساءهم أن يتقدم الى خطبتها أحد الموالي.
ومن المؤسف أن الدكتور هودى قد تأثر بالمستشرقين الى حد أنه اصطنع أسلوبهم في الحديث والعرض، وفى تضخيم التوافه والشواذ، وفي إغفال الحقائق الواضحة البارزة ومحاولة إخفائها وإذابتها، وقد تأثر بهم حتى اللهجة التي يستعملونها، فهم بطبيعة الحال عن الإسلام والمسلمين، ولذلك فعندما يكتبون عنه أو عنهم، تلمح أساليبهم، روح الغربة، ثم روح التعالى، ثم روح
والحكم.
-
-
غرباء
المقاضاة
وعندما تقرأ للدكتور هويدي تحس بنفس الشعور وبنفس الخطوات كأنك تقرأ لأحد المستشرقين. إنك تستشعر الغربة فعلا فتحس بأن من كتب ذلك هو غريب عن الموضوع وليت أنك تحس بهذا الإحساس وأنت تقرأ له عن الفرق التي سخط عليها فقط لكن الواقع المؤلم أنك تجد جميع أجزاء الكتاب حتى وهو يكتب عن الإسلام السني» الذى يريد أن يظهر بمظهر المتمسك به المدافع.
في
عنه.
هذا
ومن المؤلم أن يقع الدكتور فى هذه الحبالة ـ حبالة تقسيم الإسلام الى إسلام سنى، وإسلام شيعي، وإسلام خارجي ـ وربما توسع متوسعون فيما بعد فقالوا إسلام حنفى وإسلام مالكي، وإسلام ظاهرى (1/152)
صفحة 153
153
وغير ذلك من الأسماء أو الأنواع ما دام كل نوع منها يصلح لأن يكون وسيلة سهلة للحصول على شهادة دكتوراه أو ما يوصل إليها
ونحن نعرف ـ بوضوح - أهداف المستشرقين الذين ابتكروا هذه التسميات وهذه التقسيمات ولا يزالون يبتكرون حرصا منهم على إظهار الإسلام بأنه فكرة بشرية متأثرة، وأن المذاهب الإسلامية لا تخرج عن كونها إما محافظة على تلك الفكرة بجمود، وإما بتعديلات حسب منازع زعماء تلك الفرق
لقد وقع الدكتور فى هذه الحبالة فاستساغ التسميات والتقاسيم ختشبث بها فى حرص وجعل يرددها في اعتزاز • حتى أنه في فصل واحد من كتابه ردد أكثر من عشر مرات بنفس الصيغة التي يستعملها المستشرقون الغربيون وبنفس الأسلوب الذي يوحى بنظرة التعالى والمقاضاة والحكم. والى القارئ الكريم نماذج من ذلك:
يقول الدكتور هويدى فى كتابه لتاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية صفحات (141 – 152) ما يلي:
هي
1 - «يقال الإسلام السنى في مقابل الإسلام الشيعي، لأن الشيعة الفرقة الإسلامية التي تقابل بالقضاء أهل السنة والجماعة» •
2 - (سنتناول تاريخ الإسلامي السنى وسنقصد به كل التطور الذي شهده الفكر الفلسفي الإسلامي» •
-
يحسن أن نبدأ بأن نقدم للقارئ مراحل انتشار الإسلام
السني في الشمال الإفريقي»
نستطيع أن نتخذ من تاريخ خروج عقبة بن نافع الى المغرب (1/153)
صفحة 154
عام 46 وتأسيسه مدينة القيروان نقطة بدء تاريخ الإسلام السني في
الشمال الإفريقي» •
ه ـ «وقدوم هؤلاء الفقهاء الى المغرب وانتشارهم في ربوعه يفقهون الناس. في أمور دينهم يعد مرحلة هامة فى مراحل انتشار الإسلام السني في الشمال الإفريقي».
•
6 ـ «وبهذا نستطيع أن نعد ولاية عبد الرحمن بن حبيب الفهري مرحلة هامة من مراحل انتشار الإسلام السني في شمال إفريقيا» •
Y
ويعد حكم الأغالبة مرحلة هامة فى مراحل استقرار الإسلام
السني في شمال إفريقيا» •
- (يعد قيام دولة الأغالبة مرحلة هامة في مراحل استقرار
الإسلام السني في الشمال الأفريقي» •
9 ـ «أما تطور علم الكلام والنزاع الذى شهده التفكير الإسلامي فلسفة بعد هذا بين الفرق والمدارس المختلفة، مع ما امترج بهذا كله من
وجدل متأثر في هذا بعلوم الأوائل (علوم اليونان والتيارات الفلسفية اليونانية) فهو وإن كان قد بعد قليلا أو كثيراً عما يمكن أن نسميه بالفلسفة القرآنية إلا أن من الممكن أن نعده مع هذا تطورا للرأى. وامتدادا للإسلام السنى، وتنشيطاً له، ومظهرا من مظاهر صحة هذا الإسلام
السني».
•
ألا ترى معى أيها القارئ الكريم أنك لا تستطيع أن تفهم من الفقرة الأخيرة مما نقلناه هنا، إلا أن علم الكلام والنزاع بين الفرق (1/154)
صفحة 155
والمدارس المختلفة ممتزجا بعلوم اليونان وفلسفتهم قد بعد عن القرآن، وهو مع ذلك مظهر من مظاهر صحة الإسلام السني • قد أكون أسأت تلخيص الفقرة السابقة، ولكنها على أي حال لا تعطى إلا هذا المعنى أو قريبا منه.
تحس
أما الفقرة الرابعة مما نقلناه لك فتقرر الإسلام السني بدأ في سنة 46 بعد خروج عقبة. فماذا جاء الفاتحون السابقون قبل عقبة، وفيما ذهبت الدماء؟ وماذا كانت تصنع الجيوش في هذه البلاد؟ وما هو الإسلام الذي جاء به عمرو بن العاص ومن بعده حتى مجيء عقبة؟ إنك عندما تقرأ الفقرات السابقة بعباراتها الكاملة في مواضعها من الكتاب أن الذي يكتب ذلك الكلام هو شخص غريب عن الإسلام يتعالى عنه، ويناقشه كما يناقش أية فكرة بشرية، ولقد بقى يلعب بما يسميه (الإسلام السني) في عشر صفحات من كتابه دون أن تبدو له شخصية إسلامية مرتبطة بالموضوع ورغم أنه أظهر تعصبا واضحا للمذهب المالكي حتى يكاد يكون الكتاب كله محاولة للدعوة إليه عن طريق الفلسفة ولكنك تحس بنوع من الجفوة الخفية بين الرجل والإسلام وبنوع من الانفصام حتى بينه وبين هذا المذهب الذى يمجده ويكاد يدعو إليه علنا ومظاهر التقرب الى الإسلام عموما والى المذهب المالكي خصوصا لم تفلح. في إخفاء تلك الجفوة أو ذلك البعد وبدت معهما في صورة متكلفة مصطنعة لمكن القلم يكتب عن غير عقيدة صاحبه وفى استطاعتك أن تتأمل العبارة الأخيرة في الفقرة الأخيرة مما نقلناه لك سابقا (ومظهرا من مظاهر هذا الإسلام السني) وهى عبارة جافية غليظة كأنما في الإسلام هذا وذاك
وذلك
•
إن أي مستشرق معاد للإسلام لا يأمل فى أكثر من أن ينجح في ح في أن (1/155)
صفحة 156
يدخل الى أذهان المسلمين أمثال هذه المفاهيم، أو أمثال هذه الأساليب! وأنه لكسب الأعداء الإسلام أن يتحدث المسلم عن الإسلام بشيء من الجفوة والتعالى مساويا له بآراء البشر. وأن يعتبر المذاهب الإسلامية قد ابتعدت من القرآن الكريم، وتأثرت وتطورت بما عرفته من علوم (الأوائل) ويعنى ذلك أن القرآن غير صالح وأن الديانة الإسلامية بمذاهبها المختلفة قد تخلت عنه منذ زمان وأخذت بغيره من علوم (الأوائل اليونان والرومان (وإذا كانت هذه هي الصورة التي يعطيها الدكتور عن المذاهب التي يؤيدها بل ويتعصب لها فما يرجى منه أن يقول. عن المذاهب التي يحاول هدمها:
إن المستشرقين كانوا يفعلون ذلك عن سوء نية أما الدكتور فقد يكون فعل ما فعل عن حسن نية وسلامة طوية.
لست أدرى كيف وجد الدكتور هويدى القدرة في نفسه على أن. يقسم الإسلام الى أقسام يهاجم بعضها وينصر البعض الآخر
هي
الإسلام دين متكامل شامل لا ينقسم تبعا للأهواء والآراء والمفاهيم. ولا تبعا للأشخاص والفرق والمذاهب. ولكن آراء الناس وأعمالهم التي تنقسم بالنظر إلى مطابقتها للإسلام، واستنادها عليه واستمدادها منه. وما أحسب أن انسانا يتقى الله تواتيه القدرة على أن يقوم إسلام
سنى وإسلام شيعي، أو إسلام سنى واسلام بدعى، أو إسلام شافعى وإسلام مالكي. ولا حتى اسلام محمدي نسبة الى سيدنا محمد
?
وهو الذى جاء به عن الله تبارك وتعالى وإذا صحت هذه العبارة الأخيرة
مع ثقلها وغربتها ـ فإن غيرها لا يصح بكل تأكيد
• (1/156)
صفحة 157
-
lov -
ولكن ما الحيلة وأخونا هويدى دكتور فى الفلسفة من باريس، فلابد أن ينظر الى الإسلام بالمنظار الذى ينظر به إليه فلاسفة
المستشرقين
وبعد هذا كله فإن كتاب الدكتور هويدى صورة مشوهة أخذت في كتاب «الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقى، للمستشرق الفردبل» • ولو أتيح لذلك الكتاب أن يسترجع ما أخذ منه لما بقى للدكتور هويدى
إلا أوراق بيض، ويتخللها قليل من السواد بين غلافين أخضرين يحملان لقباً علميا ضخما لمؤلف.
عنوان الكتاب (1/157)
صفحة 158
-
- You
-
عز الدين التنوخي
الأستاذ عز الدين التنوخي • عضو المجمع العربي بدمشق: معروف
-
بجهوده الصادقة في خدمة الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وقد اهتم - فيما اهتم به - بتراث الإباضية في المجالين الشرعي والأدبي، وقد عنهم بشيء من الإسهاب - والتفصيل، ويسرني أن أضع بين يدى القارئ الكريم مقتطفات مما كتب عنهم.
تحدث
قال في مقدمته عن ديوان أبي بكر بن أحمد بن سعيد الستالي الذي قام بطبعه الأديبان سليمان وأحمد ابنا شيخنا الفاضل محمد عبد الله السالمي • بالمطبعة العمومية بدمشق سنة 1383 هـ 10. ما يلي:
1978 /
الص
م
ويكفي في الدلالة على مبلغ جهالتنا بعمان وأهلها، إن السواد الأعظم من العرب والمسلمين يظنونهم من غلاة الخوارج، كالأزارقة والنجدات والصفرية • حتى أن ابن خلدون نفسه يقول ما نصه: والخوارج بها كثيرة، وكانت لهم حروب مع بنى بويه» • الخوارج على الإباضية من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن
لفظة
مع أن إطلاق
التعصب
السياسي أولا، ثم عن التعصب المذهبي ثانيا، لما ظهر غلاة المذاهب فقد خلطوا بين الإباضية والأزارقة والصفرية والنجدية فالإباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا انكار الحكومة بين على ومعاوية.
وأما استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد (والحكم بكفرهم کفر شرك (فقد انفرد به الأزارقة والنجدية والصفرية، وبه استباحوا (1/158)
صفحة 159
- 159 -
-
حمى
المسلمين، ولما كان مخالفوهم لا يتورعون ولا يكلفون أنفسهم مؤنة البحث عن الحق ليقفوا عنده حيث خلطوا بين الإباضية الذين لا يستبيحون قطرة دم موحد بالتوحيد الذى معه، وبين الذين استحلوا الدماء بالمعصية حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم مع أن الفرق كبير جدا بين فما المستحل والمحرم بعد الحق الا الضلال. ومن جهل علمائنا بعمان وأهلها وعلومهم وآدابهم أنهم لم يطلعوا على كتبهم الدينية، ولا على الفقه الإباضي المبنى على الكتاب والسنة، ولا على مسند الإمام الربيع بن حبيب، وسنده ثلاثى عن أبي عبيدة التميمي، عن جابر بن زيد عن الصحابة وقد أخذ جابر وأبو عبيدة عن الصحابة، وجابر بن زيد من رجال البخاري ومسلم أخذ عن سبعين من الصحابة البدريين، الأمة تلامذة وكان من الله عبد بن عباس • وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبد الله السالمي في أربعة مجلدات، طبع اثنان منها في مصر والثالث بدمشق. وبعد حديث عن أسرة السالمي المجيدة، وخدمتها للعلم والأدب، وقيامها على نشر الثروة الثقافية في عمان قال الأستاذ التنوخى فى نفس الصفحة: «فمن الجهل بعمان وأهلها أنه ليس فى كتب تراجمنا كيتيمة الدهر للثعالبي ذكر الشعراء عمان وبعد أن ذكر الثعالبي شعراء أكثر الأقطار العربية وغيرها، ذلك أنهم بجهالة المؤرخين بعمان وأهلها، أو لتعصبهم السياسي والمذهبي، أهملوا الكلام على مذهبهم وثقافتهم. وانتباه العرب في أيامنا هذه لعروبتهم ولتاريخهم السياسى والعلمى ولسعيهم لجمع شملهم وإعلان القومية، كل ذلك مما يوجب البحث عن هذا للشعب العربي
وحدتهم الصريح بنسبه، والمجيد بحسبه، ومضرب المثل بفصاحته وشجاعته العربية، وجهاده وكفاحه للمستعمرين». وجاء في مقدمته على ديوان النبهاني • صفحة 26 ما يلي:
وقد نشرت في دمشق أخيرا بعض هذه الكتب، كالجزء الثالث (1/159)
صفحة 160
من شرح مسند الربيع بن حبيب، وهو أقدم كتب الحديث وأصحها، وشارحه العلامة نور الدين السالمي، وقد خرجت أحاديث المسند وشرحته وجلها في الصحيحين وسائر الكتب الستة من كتب السنة مما يدل على أن مذهب إباضية عمان والمغرب من أقرب المذاهب إلى السنة كما ذكر
•
ذلك الإمام المبرد فى كامله، وابن حزم وغيره من المحققين»
وقال في مقدمته لكتاب (خلاصة الوسائل فى ترتيب المسائل»
ما يلي:
مع
يدور
لقد حذا أئمة عمان حذو ملوك الإسلام من العرب والعجم في استفتاء علماء بلادهم فى النوازل الطارئة، والمشاكل المتعلقة بالدين، فكانوا يجيبون عن الأسئلة التي يسألهم عنها عمالهم من الحكام، بخط أيديهم، مما يدل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في الأحكام، واعتمادهم على الكتاب والسنة. وكانوا يحثون عمالهم على مراقبة الله فيما يصدرونه من أحكام، مراعين فى ذلك مصالح الرعية، فإن دين الله المصلحة، ومعتصمين بالكتاب والسنة. وآثار الصحابة والسلف الصالح وأقوال الأئمة المجتهدين كذلك كان المتداعون من الرعية. المختلفون بعمان. يستفتون الأئمة والفقهاء والمتبحرين في نوازلهم، ويثبتون بفتاواهم ما يدعون، فكان يجتمع لدى الفقيه أو المفتى أو القاضي مع مرور الزمن كثير من الأجوبة على أسئلة الناس. فتارة كانوا يجمعون تلك الفتاوى المهمة والأقضية فى كتاب خاص. وتارة كان يجمعها بعض أولاد المفتيين أو تلاميذهم كما فعل الأمير الفاضل البار السيد صالح بن عيسى بن صالح الحارثي جزاه الله خيرا في نشر فتاوى جده الإمام المحتسب الشهيد صالح بن على الحارثي المجموعة في كتاب (عين المصالح فى أجوبة الشيخ الصالح)». (1/160)
صفحة 161
191 -
وبعد هذا تحدث عن عدد ممن سلك هذا المسلك من ملوك المغرب وغيرهم ممن جمع فتاوى المفتين) من مختلف المذاهب) وسلكها في كتاب
اعتبر مرجعا فى تلك النوازل والقضايا، ثم قال:
هذا والمطلع على الفتاوى العمانية يجد مصنفها يعتمد بادئ الأمر على كتاب الله ثم على السنة، وينظر في أشباه وقائعه التي أفتى فيها المجتهدون من السلف الصالح. وإذا ما وجد فتوى لأحد أئمة السنة كالإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك والأوزاعي تشبيه فتواه استشهد بها تأييدا لفتواه، واستئناسا بأقوال المجتهدين من قبله. ولولا خشية الإسهاب الممل لأتيت بأمثلة من ذلك
ومن علم أن علماء الإباضية يرجعون في الحديث إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي التي يروى أحاديثها أبو عبيدة عن جابر بن د عن الصحابة وأكثر أحاديثه فى الصحيحين وأمهات كتب الحديث
بن
- وقد كان الإمام جابر يعد من أكبر تلاميذ حبر الأمة عبد الله عباس ـ وأخذ عن أجلة الصحابة، ومنهم سبعون بدريا. وقد سأل أحد البصريين عبد الله بن عباس عن شيء فقال له: تسألونني وفيكم جابر بن زيد. وفي حديث سفيان عن ابن دينار عن عطاء أن ابن عباس قال: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عن كتاب الله عز وجل
وجاء في كتاب الجرح والتعديل لابن حاتم الرازي
عن ابن خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو الشعثاء جابر
ابن زيد. روى عن قتادة أنه
ثقة
بصري، وقد أجمعوا على إمامة
(م 11 الاباضية) (1/161)
صفحة 162
يحيى بن معين وتوثيقه وحفظه وهو الذي يقول عنه أحمد بن حنبل: السماع في يحيى بن معين شفاء لما في الصدور، خلقه الله ليظهر كذب الكذابين. وكل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث. وقد أخذ عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وخلائق لا يحصون، والذي يظهر كذب الكذابين يظهر صدق الصادقين، كأبي الشعثاء جابر ابن زيد إمام الإباضية.
ومما قلته في مقدمة الجزء الثالث فى شرح الجامع الصحيح
•
الربيع بن حبيب الفراهيدي ومن أعلم أهل السنة بالإباضية، وأعظم من كتب) فى علماء للسنة (الإمام المبرد في كتاب الكامل فقد قال ما نصه: (قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة) وقال الإمام ابن حزم: (أسوأ الخوارج الغلاة، وأقربهم إلى قول الحق الإباضية) ويقول النور السالمي شارح المسند في مقدمة تحفة الأعيان وهو من علماء عمان الأئمة: «ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، ولا الغشم فى أمرنا، ولا التعدى على من فارقنا.
ربنا، ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والسنة طريقنا الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا».
الا
وبيت
لاجرم أن كل من يقول هذا القول. ويعترف هذا الاعتراف، فهى من المسلمين الناجين، وكل من يتهم الإباضي بالزيغ والضلال فهو ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ومن الظالمين الجهال، ما فرقوا، ورتق ما فتقوا، ومزق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط
الكافرين»
جمع
الله
وقال الأستاذ التنوخي في مقدمته على شرح الجامع للصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ما يلي: (1/162)
صفحة 163
—
163 -
ومن يمن الطالع عن الحديث أن يكون الربيعان: الربيع بن
•
صبيح والربيع بن حبيب فى طليعة ركب الجامعين للديث والمصنفين فيه .. ومن الأسف ألا ندرى شيئا عن مصير مسند ابن صبيح، وعسى أن يهتم بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، من لطف البارئ أن أبقى لنا مسند الربيع بن حبيب، ثم من نعمه على أن وفقني لإعادة نشره مع بن حميد السالمي، ولما يطلع على المسند
علاقة عمان عبد الله
شرح وشرحه فى علماء مصر وا والشام والعراق إلا قليل
علقمة
الثلاثيات: وقد ذكر أئمة الحديث أن رتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنه أصبح الأسانيد الثلاثية. کسند الزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه، وسند إبراهيم النخعي عن عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري لأن هذه الأسانيد قصيرة السند، وقريبة الاتصال بالينبوع، المحمدى، واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط وكمال الصدق والصيانة والأمانة، وذهب الإمام أبو منصور التميمى إلى أن أجل الرواة عن الإمام مالك أنس هو الشافعى فأجل الرواة على ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك
هذا المسند سلسلة الذهب ويسمى
•
بن
ويشبه هذه السلاسل الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب
وثلاثياته: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس • ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم. وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا إنقطاع وإعضال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها، ولم يسقط فى أسانيدها الثلاثية أحد. و (المعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالى كقول (1/163)
صفحة 164
-
مالك: قال رسول الله وقول الشافعي قال أبن عمر، وقد يورد على قولنا هذا أن في مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلا، ويجاب على هذا القول أن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينو ذلك بقولهم بلغنى أو بلغنا، أو سمعت عن فلان أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم رحمهم الله اجل واتقى من أن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عنعنة هذا المسند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة أخذ عن جابر، وجابر أخذ عن الصحابة مباشرة، حتى قيل إن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر من الصحابة.
ومن مزايا هذه الثلاثيات أو السلاسل الذهبية • سهولة حفظها، وحافظ المسند الثلاثى الرجال، إذ روى حديثاً من أحاديثه صدره بسنده الثلاثي الذي لا يختلف فى جميع أبوابه، وحفظ الأحاديث الثلاثية أيسر على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه سهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالها لقلتهم. والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق والأمانة، أكثر مما يعرفه عن رجال سلسلة عديدة الحلقات قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب بصدقه وديانته، مما يضعف الحديث ويجعله غير مقبول
ولمزايا هذه الثلاثيات اهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات
نذكر منها:
ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة أخيرا بدمشق سنة 1380 وشرحها في جزأين الإمام. محمد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون ومائة حديث.
وثلاثيات البخارى وهى فى صحيحه إثنان وعشرون حديثاً غالبها عن (1/164)
صفحة 165
-
مكي بن إبراهيم عمن حدثه من التابعين وهم من الطبقة الأولى من شيوخه، مثل محمد بن عبد الله الأنصاري وأبي عاصم النبيل، وأبي نعيم،
وخلاد ابن يحيى على بن عباس.
وثلاثيات الدارمي وهى خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده وثلاثيات الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمود بن ناجي وغيرهم. ونضيف اليوم إليها:
ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدى وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سنداً. ورجال سلسلتها الثلاثية
هم
:
أبو عبيدة التميمي، وجابر بن زيد الأزدى، والبحر عبد الله بن عباس شيخ جابر، وغيره من الصحابة وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة، وهذا السند لا يختلف في جميع أبواب المسند كما يختلف في سائر كتب الثلاثيات.
هذا حكم المتصل من أخبار هذا المسند، و (المنقطع) بإرسال أو بلاغ في حكم الصحيح لثبوت وصله من طرق أخرى. وأما (المرسل) فقد جاء في التدريب (67) عن ابن جرير قال «أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكارهم ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين. قال ابن عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من
رده.
وقال السخاوى فى فتح المغيث: قال أبو داود في رسالته: أما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بما فيها فيما مضى • مثل سفيان (1/165)
صفحة 166
177 -
الثورى. ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعى فتكلم في ذلك وتابعه أحمد وغيره (وقل من المشتغلين بالحديث فى ديارنا الشامية. وفى مصر والعراق وغيرها، من له معرفة برجال هذا المسند الثلاثة. وكذلك
يحسن بنا أن نعرفهم ولو بإيجاز، فأول رجال السند هو:
;'
أبو عبيده مسلم بن أبي كريمة التميمى الذى توفى في ولاية أبي جعفر المنصور (المتوفى 158) وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر، روايه تابعى عن تابعي • وقد روى أبو عبيدة أيضاً عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبى هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. وروايته هذه عنهم موجود بعضها في هذا المسند الصحيح. وهي رواية تابعي عن صحابي •
شيوخه: أخذ أبو عبيدة العلم عمن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر بن عبد الله وجابر بن زيد، وعن ضمار السعيدي وجعفر السماك وغيرهم.
تلاميذه: وحمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب هذا المسند، وفيهم) حملة العلم إلى المغرب) وهم: أبو الخطاب المعاقرى، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي وإسماعيل ابن درار الغدامسي، وأبو داود القبلى النفزاوي، وكان الإمام أبو الخطاب المعاقرى قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة. وبأمره نصب الإمام عبد الله ابن يحي الكندى فى أرض اليمن، وجمعت أمارته اليمن والحجاز. وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الوداع سأله اسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام • فقال (1/166)
صفحة 167
167
-
له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا مع ابن درار، قال: أرأيت أن
ابتليت بذلك»
A
وأما جابر بن زيد الجوفى الأزدى أبو الشعثاء (93 ه) أصل المذهب
في عمان والمغرب، وصاحب عبد الله بن عباس، فقد كان أشهر من صحبه وقرأ عليه، وذكر أبي طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) أن ابن عباس قال: أسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقال إياس ابن معاوية: رأيت البصرة وما فيها مفت. غير جابر بن زيد. وقال الحصين: لما مات جابر بن زيد وبلغ موته أنس ابن مالك قال: مات أعلم من على ظهر الأرض. ولما مات جابر ودفن قال قتادة: ادنوني من قبره، فأدنوه فقال: اليوم مات عالم العرب، وعن ابن عباس قال عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوه لوسعهم علمه. شيوخه وتلاميذه والذين حمل عنهم العلم، أو حملوه عنه: أولهم وأخصهم به عبد الله بن عباس • فقد أكثر من الحمل عنه وعبد الله بن عمر.
وممن أخذ عنه: قتادة، وعمرو بن دينار وأيوب وخلق.
وإذا تأمل الإنسان روايات هذا المسند وجده يروى عن كثير من الصحابة وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر بلغ سبعين رجلا فما ظنك بمن لقيهم جابر بن زيد من سائر الصحابة، وأشهر أصحابه الراوين عنه: أبو عبيدة، ومنهم ضمام بن السائب، وأبو نوح وحيان الأعرج، وكلهم من الفقهاء المجتهدين، وناهيك قوله: أدركت سبعين رجلا من فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر .. (ابن عباس • شرح المسند. أما شارح هذا المسند فمن الحق أن نلم من ترجمته بما يصور حقيقته
أهل
بدر (1/167)
صفحة 168
ويبين منزلته بين العلماء المحققين فهو الشيخ نور الدين أبو محمد بن
حميد بن سلام بن عبيد بن خلفان ابن خميس السالمي الضبي (1286 1332) انتهت إليه رئاسة العلم بعمان وظهر ذلك في تأليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والإجادة من تأليف كتبها ورسائلها
صفاته: كان رحمه الله ضريرا قوى الذاكرة والذكاء، شديد اليقظة على تطورات قومه بعمان، فقد عمل كثيرا على إعادة الإمامة إلى القطر العماني الذي قلما عرف الملكية قديما إلا فى ظروف شاذة، كما وقع على عهد بن نبهان في عصر ابن بطوطة.
ولم يكن يكتم ميوله وآراءه في الإمامة عن السلطان فيصل بن تركى سلطان عمان، ولكنه لم يجد منه انقيادا إلى إعلان الإمامة بدسائس الإنجليز الذين يتحينون الفرص للانقضاض على أقطار الخليج العربي، ومطامعهم في جزيرة العرب، ونفطها ومعادنها لا تحتاج الى تعريف
وما زال هذا العالم العامل يعمل على بث الدعاية للإمامة لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يخشى فى إعلان الإمامة سطوة غاشم، حتى بدت للعلماء المساعي البريطانية، لحمل سلطان مسقط على الاعتراف بالحماية البريطانية. فأسلس العلماء القياد للنور السالمي، شارح هذا المسند. وأعلنوا الإمامة بمبايعة الإمام التقى العلامة (سالم بن راشد الخروصي) وبذلك نهض المترجم له ببلاده وأقصى عنها خطر الاستعمار، وما في عمان اليوم من علماء إلا وهم تلاميذه، ولا فيهم من روح قوميته مقاومة للمستعمرين إلا منه، فهو مضرم نارها و ملهب أوراها، وأن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين. (1/168)
صفحة 169
فهو فى قصر عمره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي بدمشق
رحمهما الله.
ومن تلك الكتب:
1 - تحفة الأعيان فى تاريخ عمان جزءان طبع أولهما فى مصر.
-
2
الحجيج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، طبع بهامش شرح
شرح طلعة الشمس في أصول الفقة.
المسند - شرح الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي من أئمة القرن الثاني في أربعة أجزاء طبع الأول منها بمطبعة الأزهار البارونية
والثالث بالمطبعة العمومية بدمشق فى هذه السنة).
•
- سواطع البرهان: رسالة في تطورات العصر في اللباس جواب
لسؤال بعض أهل زنجبار.
مدارج الكمال: أرجوزة فى الفروع الفقهية تنيف عن ألفى بيت وهو نظم مختصر الخصال للإمام أبي إسحاق الحضرمي – مطبوعة.
—
معارج الآمال: شرح لهذه الأرجوزة وهي تنبئ عن غزارة
علمه ورسوخة في علم الشريعة، قيل إنه يبلغ ستة عشر جزءا.
غاية المراد، أحد متون أصول الكلام.
- مشارق أنوار العقول، شرح أرجوزته في أصول الدين شرحها شرحا وافيا عد بها من أحسن كتب الأصول تحقيقا وتحريرا وتنسيقا طبع
مصر. (1/169)
صفحة 170
170 -
9 - أنوار العقول، أرجوزة في أصول الدين تزيد على 300 بيت
10 – بهجة الأنوار: شرح أنوار العقول طبع بهامش طلعة
الشمس.
-
11
طلعة الشمس: ألفه فى أصول الفقه جدير بأن يعد من أنفس
كتب الأصول.
12 – جوهر النظام: أرجوزة فى الأديان والأحكام الشرعية والحكم وهي في بضع عشر ألف بيت مطبوعة.
13 – بلوغ الأمل: أرجوزة فى أحكام الجمل الثلاث في الإعراب
نفيسة جدا.
14 - الفتاوى العمانية: فى سبعة أجزاء منها كتاب حل المشكلات
??
- رسالة تلقين الصبيان لمدارس عمان وقد طبعت بدمشق بالمطبعة العمومية هذه السنة بإشرافنا وهي رسالة مفيدة للصبيان والرجال
معا.
ست
16 – المنهل الصافي في العروض والقوافى أرجوزة تزيد على 300
:
وإذا اطلع المنصف على هذا الشرح، وجد الشارح واسع الاطلاع. وألفي شرحه واضحا مبينا، وتعابيره صحيحه فصيحة، أسلوبها المساواة. مهوبة مملة ولا مخرطة الإيجاز مخلة - وأما أبحاثة فيها فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرا ما ينقل عن العلماء المخالفين كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة. ويستشهد بأحاديث
فلا
هي (1/170)
صفحة 171
171
الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود الترمذى والنسائي وابن ماجة والدار قطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، مما يدل على
أن الإباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة
!
•
والناظر في شرح النور السالمي عالم عمان، يمتلئ طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال المذاهب غير السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة هذا الاستشهاد فقد ورد (1).
-
وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح - ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخوانى أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بنى عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره، لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج الغلاة كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم
•
ومن أعلم أهل السنة بالإباضية وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد فى كتابه الكامل فقد قال ما نصه: «قول ابن إباض أقرب الأقاويل
الى المسنة» •
وقال ابن حزم: «أسوأ الخوارج حالا الغلاة وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية» وابن إباض هو عبد الله بن إباض المرى التميمي الذي عاصر معاوية وعده الشماخي في السير من التابعين، وكان من أتباع
(1) والعكس صحيح اى ان رجال المذاهب الأربعة قلما يستشهدون
بأقوال غيرهم الا في مقام التشنيع أو النقد أو الرد. (1/171)
صفحة 172
-
172
-
الإمام جابر بن زيد مؤسس المذهب الإباضى، ولو نسب المذهب الإباضي الى جابر بن زيد تلميذ ابن عباس، كان في رأيي أصح علما، واصدق
نسباً.
وإليك ما يقوله الشارح المعتدل المنصف في مقدمة (تحفة الأعيان) وتدعو الى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله، فمن عرف الحق وأقر به توليناه، وخرمنا دمه، ومن أنكر حق الله منهم، واستحب العمى على الهدى، وفارق المسلمين، وعاندهم، فارقناه وقاتلناه حتى يفيء الى أمر الله، أو يهلك على ضلالته من غير أن تنزلهم منازل عبدة الأوثان، فلا تستحل سباياهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، ولا قطع الميراث منهم (كغلاة الخوارج) ولا نرى الفتك بقومنا، ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا، لأن الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة، ونرى أن مناكحة قومنا، وموارثتهم لا تحرم علينا، ما داموا يستقبلوا قبلتنا، ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله، خلافا (للخوارج) الذين يستحلون قذف من يعملون أنه. برئ من الزنا .. من قومهم، وهم بذلك مضلون» • فالإباضية اليوم في عمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين، والمتمسكين بالكتاب والسنة. وقال النور السالمي أيضا «ليس من رأينا - بحمد الله - الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدى على من فارقنا الله ربنا، و محمد نسنا، والقرآن إمامنا: والسنة طريقتنا، وبيت الله الحرام قباتنا، والإسلام ديننا» ولذلك يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد هذا الاعتراف فيكون من المتألين، الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي في قوله: (ويل للمتألين من أمتى) أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنة وفلان في النار
- (1/172)
صفحة 173
-
173
1
ويفهم من شرح هذا المسند أن الشارح من المتمسكين بالحديث
6
الصحيح، وأرباب العقل الراجح، والمعظمين لرسول الله وأقواله والمهتدين بسنته وأفعاله، فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء، ويختار على أقوال أهل المذهب ما صح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فليس هو ممن يرى (العمل على الفقه لا على الحديث) قال شارح (الصراط المستقيم): «إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا مخالفا لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك. قالوا: لأن المتبرع والمقتدى به هو النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سواه فهو تابع له فبعد أن عام وصح قوله لا فالمتابعة لغيره غير معقولة»
قلت ولذلك لا يجوز التعصب للمذاهب تعصبا يستهتر به بحديث الرسول فإن ذلك من الفسق، والبعد عن الدين، والخروج على سيرة الصحابة والتابعين.
مر
-
ومن هؤلاء الجاحدين المتعصبين كما يقول بعض الأئمة من إذا عليه حديث يوافق قول من قلدوه انبسطوا، وإذا مر عليهم حديث
يخالف قوله، أو يوافق مذهب غيره، ربما انقبضوا ولم يسمعوا قول الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما». هذا وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج الى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما اطلعت عليه مبنى على السنة، وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه. والمذهب عملا بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه فقد جاء في (الحجة البالغة) أن ابن عمر رضى الله عنه قال لجابر بن زيد «إنك من فقهاء (1/173)
صفحة 174
174 -
البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت).
ولذلك نعتقد ونقول: إن المعقول، ومن القلب المقبول، ألا نهتدى
إلا بقوله تعالى: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» • (1/174)
صفحة 175
-
175
مع إبراهيم عبد الباتي
من قرأ كتاب الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي (الدين والعلم الحديث (يبدو له واضحا أن الأستاذ إبراهيم كاتب نزيه حريص على وحدة الأمة المسلمة، يحارب بقوة كل ما يحرك الفتن، ويسبب الفرقة، كما يحارب بقوة وبصيرة تلك البدع المنكرة التي انحرفت بسلوك المسلمين، وضلات عقائد البسطاء منهم، وربما أزاغتهم أحيانا عن معنى التوحيد
الخالص
•
وقد تحدث عن الإباضية فى كتابه القيم، ويسرني أن أضع بين يدى القارئ الكريم ما قاله الأستاذ إبراهيم عبد الباقي ص 252 من كتابه الدين والعلم الحديث:
طرف من عقائد الخوارج)
لقد شاع في المسلمين أن جميع الخوارج غير مسلمين، ولكن الناقد البصير لا يصح أن يجرد البعض من الإسلام، لأنهم في خروجهم على مذهب لهم فيه تأويل، ومنهم عبادة وزهاد ملأوا بطون الكتب بورعهم وتقواهم، هذا ولما كان الوقت شحيحاً يضن على بالبحث عنهم والتنقيب اتصلت
طائفة بمن له خبرة بهم، وهو زعيم منهم تسمى الإباضية» •
هذا الزعيم يسمى أبو إسحاق إبراهيم طفيش موظف بدار الكتب المصرية فكفانى مؤنة البحث، وكتب الكلمة الآتية».
بعد هذه المقدمة البسيطة نقل الأستاذ إبراهيم الفصل الذي كتبه له (1/175)
صفحة 176
-
الإمام أبو إسحاق طفيش عن الخوارج وسوف نجده ضمن فصول هذا الكتاب تحت عنوان (نبذة عن الخوارج).
وبعد هذا الفصل قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقى ما يلى:
يريد الأستاذ ـ أي أبو إسحاق – بالمذاهب المتعفنة أن كل طائفة متشبثة بمذهبها، ولو كان الحق مع مذهب غيرها، وهذه آفة القديم والحديث، إذ أن الحق أحق أن يتبع، والمنصف يسير مع الحق حيث سارت ركائبه، وكان عمر رضى الله عنه ينظر في الحكم فإن كان في كتاب الله قضى به، وإن لم يكن فى كتاب الله نظر فى السنة فان لم يجده في رجال الدين، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به .. جمع
السنة
أما الآن فقد خالف الناس، واتبعوا المذاهب وإن كان ذلك مخالفا للسنة هذا وقد أخبرنى الأستاذ أبو إسحاق بأن مذهب الإباضية أكثر انتشارا في جنوب الجزائر فى) وادي ميزاب) وفى تونس (في جزيرة جربة) وفي ليبيا في (جبل نفوسة) وفى) زنجبار وعمان) باليمن
حيث يوجد نظام الإمامة المطابقة فى بيعتها لبيعة الخلفاء الراشدين» (1).
بعد هذا التعليق البسيط ينقل الأستاذ إبراهيم عبد الباقي مقتطفات من مقال للأستاذ مصطفى الشكعة سوف ننقله لك ضمن فصول هذا
(1) آخر بيعة في هذا النمط باجماع الأمة كانت سنة 1338 هـ للامام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخليلي وقد سار بالامامة على منهج العدول في امة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما توفى اجتمع أهل الحل والعقد سنة 1945 م على بيعة الامام غالب بن على ولكن مكائدات الاستعمار الانجليزي ادخلت اصابعها الى عمان فقوضت أركان الامامة، وأخرجت الامام من عمان.
•
• (1/176)
صفحة 177
177
-
الكتاب، وبعد أن انتهى الأستاذ إبراهيم من الاستشهاد بمقال أبي إسحاق والشكعة قال:
أبي
وقد تصفحت من كتبهم ما يأتي:
أولا: جوهر النظام فى علمى الأديان والأحكام للإمام نور الدين الله محمد عبد بن حميد بن سلوم السالمي العماني رحمه الله وله
تعليق عليه، ولد سنة 1286 هـ وتوفى سنة 1332 هـ
ثانيا: شامل الأصل وافرع لمحمد بن يوسف أطفيش
ثالثا: جامع أركان الإسلام للشيخ العلامة سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي طبع أول مرة بمطبعة الآداب سنة 1331 هـ.
رابعا: مشارق أنوار العقول
طبعة السيد حمودة بن محمد بن
سعد سلطان زنجبار بمطبعة المحروسة سنة 1314 هـ.
خامسا: الوضع المختصر في الأصول والفقه تأليف الإمام ابن
زكرياء يحيى بن أبى الخير الجناونى رحمه الله تعالى نشره وعلق عليه الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم طفيش طبع بمطبعة الفجالة الجديدة
وقد استنتجت من هذه الكتب ما يأتي:
•
أولا: التنزيه المطلق لله تعالى، ويوجبون تأويل المتشابه بما يليق بجلال الله تعالى كاليد تؤول بالقوة وتارة بالنعمة، فمذهبهم مذهب الخلف في المحكم والمتشابه.
(م 12 - الاباضية) (1/177)
صفحة 178
178 -
ثانيا: لا يرون رؤية الله تعالى فى الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من كمال الله تعالى، لأن الرؤية تستدعى مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلون بالآية الشريفة: (لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).
وما جاء في السنة لا يعارض القرآن الكريم، لأنه خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، والظن لا يصح دليلا على صحة العقائد، ويفسرون الحجب في الآية (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)
بأنه غير الرؤية.
ثالثا:
بذاته
يرون أن صفات الله تعالى ذاتية ليست قائمة بمعان قائمة
رابعا: لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامي، كإنكار ما علم من الدين بالضرورة، كأن ينكر إنسان صفات الله تعالى أو نبيا من الأنبياء أو حرفا من
صفة
من
القرآن الكريم.
خامسا: يرون أن القراءات السبع متواترة.
سادسا: يعرفون المذهب الاجتهادي بقولهم: المذهب هو ما استبان به لكل فرقة عن الأخرى فى الفروع التى لا تأثيم فيها، فحرية الرأى وحرية المذهب مكفولة، وأن الخلافة لا تكون إلا من أهل الحل
والعقد. (1/178)
صفحة 179
—
179 -
سابعا: أن مرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركا، وأن أهل الجنة خالدون فيها، وأهل النار خالدون كذلك، فهم يخالفوننا في عقيدتنا، وهو أن العاصى من المؤمنين يدخل النار حتى يطهر من معصيته، لأن المعاصى رجس، والجنة طاهرة فلا يدخلها إلا الطاهرون
ثامنا: يخالفوننا فى بعض فروع الفقه، مثل رفع اليدين عند التكبيرات في الصلاة، ومثل وجوب سجدة التلاوة حين سماع الآية، وغير ذلك من المسائل التي لم تكن موضع إجماع (1/179)
صفحة 180
180 - -
مع الأستاذين • التنوخي وإبراهيم عبد الباقي
لقد عرضت عليك أيها القارئ الكريم ما كتبه كل من الأستاذين الفاضلين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمد عبد الباقي عن الإباضية، ونقلته لك بنصه، وذكرت أيضا أن هذا المنهج الذي سارا عليه هو المنهج السليم الذى يجب أن يسلكه من يريد أن يكتب عن أي فرقة • وذلك بأن يتصف بالنزاهة والتجرد، وأن يتحلى بالصدق والأمانة، وأن في تقرير آراء وعقائد أى طائفة ونسبتها إليها ـ على كتبها ومراجعها وعلمائها لا على ما يكتبه عنها غيرها. لأن ذلك الغير في أغلب الأحوال يقف منها موقف الخصوم.
يعتمد
-
ومن هذه الأسس يستطيع الكاتب أن يعرض الحقيقة، حقيقة ما يعتقده أصحاب الفرق ويقولونه، ويدينون به دون تحريف أو تدليس
أو غموض أو إيهام مقصود.
وقد سلك الأستاذان التنوخى وإبراهيم هذا المسلك السليم وهما يكتبان عن الإباضية. فرجعا إلى مصادر الإباضية. وبذلك جاءت كتاباتهما سليمة من السفاسف والأباطيل التي تجدها عند كثير من كتاب المقالات الأقدمين منهم والمحدثين. كما جاءت كتاباتهما سليمة ـ أيضا. من الفراغ والخواء الذى تحسه وأنت تقرأ لبعض الكتاب المقلدين الذين يعتمدون على ما يجدونه دون فهم أو تمحيص أو بحث عن الدوافع والبواعث اكتفاء بإسناد ما يقولونه إلى مصادر تاريخية تاريخية أضفى عليها القدم ثوب القداسة، ليتخلصوا من مسئولية إعلان كلمة الحق. (1/180)
صفحة 181
—
181
-
وبالرجوع إلى ما كتبه الأستاذان الفاضلان ونسباه إلى الإباضية مما سبق عرضه على القارئ الكريم يبدو أنه لا يوجد شيء عندهما يحتاج إلى مزيد من النقاش والبحث غير نقطة واحدة جانبية. تلك النقطة هي انسياقهما وراء التيار التاريخى الجارف الذي يصر على اعتبار الإباضية فرقة من فرق الخوارج.
ونحن
لا نلومهما في موقفهما هذا - ولا نعتب عليهما، فقد
-
استطاع التدليس التاريخى أن يصبغ هذه الدعوى الكاذبة بثوب الحقيقة
انطلت على بعض الإباضية أنفسهم في القديم وفي الحديث حتى
•
بل لقد حدثني بعض الشباب عن تخصص في التاريخ بأنه يفتخر
بروح
هذا العصر
•
بذلك ويعتز، لأنه يفهم أحداث ذلك العصر ويفسرها فكان يعتبر الخوارج طلائع ثورية، يمثلون الدور الثورى على الظلم والفساد والرشوة، وهو بهذا الفهم يعتز بأن يكون خارجيا أو ينتمى إلى فرقة خارجية، بمعنى أنه ينتمى إلى فكرة ثورية تحمل في مسيرتها التاريخية نضالا ضد فساد الحكم لا يهدأ ولا يستقر
•
وهذه الصورة الثورية التي يعجب بها هذا الشاب وزملاؤه وإضرابه من الشباب الذي أثارت نقمتهم الأوضاع الفاسدة في أنظمة حكم فاسد جثم على صدر الأمة بكلكلة الثقيل، ثم محاولة التخلص منه.
هذه الصورة ليست فكرة مقصورة على الخوارج أو على الإباضية
أو على فرقة معينة من فرق المسلمين
إن الثورة على الظلم والفساد والرشوة وما يتبع ذلك من البلايا (1/181)
صفحة 182
-
182
والمحن، إنما هو المنهج الذى جاء به الإسلام، ودعا إليه المسلمين، ودعا المسلمون إليه. وقاموا به فى مختلف أدوار التاريخ، ولم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، ولم تكف الأيدى الثائرة في أى فترة من فترات الحكم المنحرف.
ولم يمض حاكم ظالم دون أن تناله صفعات مؤلمات من الثائرين في الأمة المسلمة الفرق والمذاهب، حتى من أتباع الأئمة الذين من جميع ينهون عن استعمال العنف، ويحذرون من الفتنة، ويفضلون استبداد الحاكم على شق عصا الطاعة، وأحداث الخلاف والتسبب في إراقة الدماء. ويتغاضون عن الدماء التي تريقها أيدى الحكام الظلمة ولكنهم لا يسكتون عن الدماء التي تريقها النقمة ضد أولئك الحكام
تستطيع أن تبدأ ملاحظة ذلك من أول العهود التي بدأ فيها الحكام ينحرفون عن نظام الخلافة الرشيدة إلى ملكية مستبدة، أو كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم «ملك عضوض» ولو أن أولئك الملوك لم يسموا أنفسهم ملوكا، وحافظوا على مظهر التسمية فكانوا حراصا ـ على مجرى التاريخ - أن يدعوهم الناس بأمراء المؤمنين أو أئمة المسلمين.
والإباضية مثل غيرهم من المسلمين في هذا المجال. كانوا من أشد من ينتقد تصرف المنحرفين، ويطالب ولاة الأمور أن يتقيدوا بأحكام الإسلام، وأن يقتدوا بالخلفاء الراشدين الذين أرضوا الله تبارك وتعالى وأرضوا الأمة فرضيت عنهم.
ويتضح لأولئك الإخوة الشباب من هذا انتقاد الإباضية للتحكم (1/182)
صفحة 183
-
الظالم، ومحاولتهم الإطاحة به في بعض الأحايين. وعملهم على إيجاد دولة، تطبق أحكام الإسلام، وتتقيد بها، وتشددهم في مجابهة العدوان، ومعارضته بقوة وعنف!
كل هذا لا يلحقهم بالخوارج، ولا يجمعهم معهم في صعيد واحد، ولا يجعلهم فرقة منهم.
وفى المسلمين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وآرائهم، ولا سيما في عهد الدولة الأموية حينما كان انتقال الحكم من خلافة رشيدة إلى
-
ملك عضوض، قد سبب فجوة عميقة، أو هوة خشي المسلمون أن يتردوا فيها ثم يعسر عليهم الخروج منها أمثلة حية واضحة لكثير من التابعين وتابعي التابعين، بل ومن بقية الصحابة رضوان الله عليهم. فقد كانوا من أقوى الثائرين على الفساد الذى بدأ بانحراف الحكم عن الخلافة الرشيدة إلى ملك عضوض يتقاتل عليه أصحاب الدنيا. وقد استشهد في هذا السبيل عدد من أفذاذ الرجال، ذلك أنفسهم خوارج، ولم يعتزوا بذلك الاسم، ولم يشرفهم أحد في
ومع لم يسموا
أتباعهم والمعجبين بهم بهذا الاسم، أو يطلق عليهم هذا اللقب
•
ويكفى أن أذكر الأمثلة لأولئك الثائرين على الانحراف والفساد شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الله بن الزبير نجل ذات النطاقين، وسعيد بن جبير وزيد بن على ابن الحسين. وكل واحد من هؤلاء يمثل ثورة عارضة من المسلمة على الحكم الظالم، والخروج عليه، ومدافعته حتى
وعبد
الاستشهاد.
الأمة (1/183)
صفحة 184
-
وإذا شاء القارئ الكريم أن يضيف إلى هذه القائمة أسماء الثوار الشهداء الذين سالت دماؤهم على سيوف الحكم المستبد، والذين نجحوا في ثوراتهم أو فشلوا فإنه يستطيع أن يملأ المجلدات الضخمة بما جرى من ذلك عبر التاريخ. ويأخذ الإباضية أو بعض الإباضية حيزهم الضيق أو الواسع فى تلك المجلدات، ولا يمكن أن يخلو منهم
مجلد
ومن البديهي أن أولئك الثوار ابتداء من سيد الشهداء اء الإمام الحسين ومن سار على نهجهم في مختلف العصور - لم يحملهم التطرف، والسخط على فساد الحكم، إلى مخالفة أحكام الإسلام، فيستحلون من الناس ما حرمه الإسلام، وعصمته كلمة التوحيد من دماء وأموال وأعراض.
هذه النقطة بالذات وهي التطرف في السخط حتى تستحل به
-
الدماء البريئة، والأموال المعصومة، والأعراض المصونة بحكم الله
-
هي الفارق الوحيد بين الثورية والخارجية إذا سمحنا لأنفسنا
فاستعملنا كلمة الثورية. بمدلولها المعاصر
-
-
على أحداث التاريخ
في تلك العصور
فإن عبد الله بن الزبير – مثلا – كان قد ثار على الحكم الأموى المنحرف وكان الحكم قائما عندما ثار ابن الزبير فخرج عن الطاعة كما ألسنة الأنظمة الحاكمة في كل عصر وكل عهد ولكنه مع خروجه على حكم الدولة القائمة، لم يعتبر خارجيا، ولم يسم نفسه بهذا الاسم، ولم يسمه اتباعه بذلك، ولم يتجرأ أحد من خصومة أن
تعبر (1/184)
صفحة 185
يصفه بذلك في ذلك الحين. فلماذا لم يكن ذلك يا ترى؟ ذلك أن اطلاق لفظة الخوارج إنما كانت تعنى من يخرج على نظام قائم فلا يكتفى بمحاربة النظام القائم – سواء كان عادلا أو جائرا – وإنما يضيف الى ذلك أن تستحل دماء وأموال، وحرمات من يخالفه، ويحكم عليهم بأحكام المشركين، ويطبقها عليهم ما تمكن من ذلك. ولم تكن هذه الآراء ولا هذه السيرة لعبد الله بن الزبير مثلا ولذلك فنحن قد نستطيع أن نعده في مركب الثائرين، ولكننا لا نستطيع أبداً أن نعده من الخوارج، لأنه ببساطة ـ لم يكن يدين بدين الخوارج فلم يكن يحكم على غيره من المسلمين بالشرك ولم يكن يستحل منهم: لا الأموال ولا. والأطفال، ولا دماء من لم يعترض سبيله ويرفع في وجهه السلاح وإنما كان يرى أن المسلمين جميعا أخوة له، فهو يقتصر في ثورته على محاربة الحكم الظالم، والجيش الباطش، ومن يسعى الى تثبيت أركان الظلام.
سبي
النساء
6
ونفس الموقف نستطيع أن نعطيه لبقية الثائرين في أدوار التاريخ الإسلامى الطويل وفى عهود الفساد والظلم • فلم يتلقب أحد منهم بذلك. ولم يلقبهم به أحد من الناس، لهذا الفارق الوحيد فحسب. ويدخل في هذا الجانب حتى أولئك الذين خرجوا على الحكم وثاروا عليه ولم يكن قصدهم الحقيقي هو إزاحة الظلم ولكن الوصول الى الحكم ما لم يدينوا بذلك المبدأ الذى يضع المسلمين في صفوف المشركين ويبيح ما حفظة الله لهم بكلمة الشهادة.
منهم
إن الثورة على الظم والظالمين ومحاربة الفساد في أنظمة الحكم، أهم واجبات المسلم، وقد كان ذلك هو المبدأ الذي سار عليه أئمة (1/185)
صفحة 186
-
147 -
المسلمين اختلاف في الطرق والمناهج، فمنهم من يكتفى بالثورة مع اللسانية، ومنهم من يمد يده الى السيف من أول حركة، ومنهم من يجمع بين الاثنين، ومنهم يتخذ موقفا غير مباشر في مكافحة الظالمين وذلك بنقد الظلم والفساد عامة دون التعرض لمن يتصف بذلك.
وقد يستفحل الاستبداد فيقيد الأيدى، ويكمم الأفواه، وتبقى الثورة حبيسة في الصدور حتى تنفجر في يوم من الأيام فتطيح بالظلم
والظالمين. ولو طال بهم المدى.
والخوارج حين ثاروا على ما اعتقدوه ظلما، ورأوه انحرافا بالحكم عن المنهج الإسلامي الشورى الى منهج دكتاتوري مستبد، لم يقصروا الثورة على أجهزة الحكم الفاسد فقط. ولو في نظرهم ـ وإنما تجاوزوا
واستباحوا
-
ذلك الى أن حكموا على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين، منهم ما أباحه الله من الكفار. وبذلك انتقلوا من وصف الثورية الى وصف الخارجية الذى يعنى الخروج من الدين. أى من مجموعة كانت تطالب بحق تؤيدهم فيه كل الأمة ـ ولو بقلوبها حتى أولئك
الذين لم يشتركوا في أية ثورة قط لا باليد ولا باللسان ـ الى فرقة قد
انفصلت
-
عن الأمة المسلمة انفصالا دينيا كاملا، بحيث حكمت على الأمة المسلمة بأحكام المشركين (1) لأنها في نظرهم قد كفرت: إما بكونها مع
الظالمين، وإما برضائها وبقائها تحت حكمهم.
(1) يجب أن أذكر هنا اننى لم أتمكن من الحصول على أي مصدر من مصادر الخوارج حتى أعرف حقيقة ما عندهم من كتبهم وأن ما أسندته اليهم (1/186)
صفحة 187
JAY-
وقد كان رد الفعل لهذا الموقف من الأمة المسلمة أن حكمت الأمة على هذه الثورية المنحرفة المتطرفة بنفس الحكم، وبادلتها نفس الموقف وأطلقت عليها لفظ الخارجية والخوارج وهى تقصد بذلك خروج من يدين بذلك من الدين بسبب الحكم على المسلمين بالشرك ومعاملتهم معاملة المشركين. وهكذا بعدت بينهم المسافة، واتسعت الشقة • فالخوارج يرون أن الحكام الظالمين ومن أعانهم على حكمهم ومن سكت عنه أو رضي به وبقي تحت سلطانهم كل هؤلاء قد كفروا وتحل دماؤهم وأموالهم وسبى نسائهم وأطفالهم. والآخرون يرون أن الخوارج كفروا لأنهم كفروا المسلمين.
بعد هذا الحديث أريد أن أوجه الى القارئ الكريم السؤال الآتى: حتى أو لم يعتبر الفرد أو الطائفة من الخوارج؟
أحسب أن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تحدد الموقف بالنسبة
للإباضية، وتضعهم في مكانهم الطبيعى فى المذاهب الإسلامية.
لقد أوضحنا فيما سبق أن الثورة على أى حكم والخروج عليه لا يكفى سببا لأن يضع صاحبه أو أصحابه فى قائمة الخوارج ثم يسلط عليه
في هذا الفصل وفى غيره من الفصول وفى كتبى السابقة انما اخذته من مصادر غيرهم التي كتبت عنهم وهى فى اغلبها تقف منهم موقف الخصوم بما فيها كتب الاباضية فان كان ما نسب اليهم حقا فنحن مسئولون عن دراستنا وآرائنا وان كان ما ينسب اليهم باطلا من القول فالعهدة على الرواة من كتاب التاريخ والمقالات وانني استغفر الله وأتوب اليه
• (1/187)
صفحة 188
IM -
يسمهم
على
الحكم الذي سلطه التاريخ على الخوارج والأحكام التي سلطها الخوارج على غيرهم. فقد خرج أهل الأمصار على عثمان ـ وهو خليفة راشد ـــ ولم أحد حينئذ خوارج، وخرج طلحة والزبير وعائشة على على ـــ وهو خليفة راشد - ولم يسمهم أحد خوارج، وخرج معاوية على أمير المؤمنين وهو خليفة راشد - ولم يصفه أحد بالخارجية. وثار الحسين ابن على وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وزيد بن على ويحيى بن زيد على الدولة الأموية ولم يسمهم أحد خوارج. بل إن زعماء الدولة العباسية أنفسهم كانوا قد خرجوا على الدولة الأموية ولم يسمهم أحد خوارج، بل ونقض الأمين بيعة المأمون وخرج عليه المأمون ولم يطلق اسم الخوارج على أي منها.
ومعنى هذا أن الخروج على نظام الحكم القائم والثورة عليه – سواء كان الحكم عادلا ونظيفا كما كان في عهد الخلفاء الراشدين، أو كان ملكا عضوضا كما كان فى عهد الدولة الأموية وما بعدها وما كان يقوم به عمالها أمثال الحجاج وزياد الله بن زياد وأضرابهم – وعبيد
-
فإنه لا يكفي لأن يعتبر الثائرون عليه خوارج لمجرد ثورتهم على الحكم وخروجهم عنه. إن الخروج عن الحكم الظالم، والثورة عليه. ومحاولد الإطاحة بأجهزته الفاسدة هو من أوكد الواجبات على الأمة المسلمة إذا لم تخش شرا أكبر، ومن قام بذلك الواجب لا يمكن أن يعتبر خارجيا، ولا يجوز أن يوصف بالخارجية إلا إذا تطرف فتعدى ذلك الى الحكم على المسلمين بأحكام المشركين، فاستباح منهم الدماء والأموال، واستحل النساء والأطفال، وتلك هي معاني الخارجية في أية ثورة أو
سبي
حركة مسلحة. (1/188)
صفحة 189
189
-
وواضح أنها خارجية عن الإسلام لا عن حكم قائم لدولة قد تكون باغية تتحكم في رقاب أمة مسلمة كريمة وصفها الله تبارك وتعالى بالإيمان
من
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتذلها وقد تنفذ فيها عمليا فظائع. السلوك لم تخطر على بال الخوارج حتى وهم في أشد حالات الحنق والغيظ، وإذا كان هذا واضحا وصحيحا وواقعا فما هي العلاقة أو الرابطة بين الإباضية والخوارج؟
أهل
إن الإباضية من احرص المؤمنين على التقيد بما ثبت في النصوص الشرعية من أحكام المسلمين وهم يعتقدون أن كل من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم فلا يستحلون دماء أحد من القبلة إلا بالحق بينته وحددته الشريعة الإسلامية كالردة وقتل النفس وما في معناها من الحدود.
ولا يستحلون مال أحد إلا بالطرق التي رسمتها الشريعة الإسلامية للتعامل بين الناس: فريضة فى كتاب الله، هبة عن تراض، بيع عن تراض وما في معناها. أما قتل الأبرياء وسبى الأطفال والنساء فقد وقفت دونها كلمة التوحيد، وصانها عن هذه المذلة والهوان. ولا يستحلون هذا حتى من البغاة والمعتدين مهما بالغوا في مسلكهم الظالم.
فالاعتبارات التي سمى الخوارج - من أجلها ـ خوارج لا وجود
لها عند الإباضية مطلقا. بل إنهم أبعد الناس عنها عقيدة وقولا وعملا
وجميع كتاب المقالات - رغم إصرارهم على إن الإباضية من الخوارج - يشهدون بذلك ويسجلونه في كتبهم.
لو كانت الخارجية نسبا أو صهرا أو حتى صداقة يزعم أن للإباضية (1/189)
صفحة 190
بهذا النسب وشيجة أو قرابة ويزعم أن لهم فيها عما أو خالا أو صديقا. ولكن القضية ليست كذلك القضية قضية عقائد معينة محددة ينبنى عليها سلوك تنتج عنه آثار • فمن أين جاءت الخارجية الى الإباضية ولماذا يصر مؤرخو الفرق الإسلامية وكتاب المقالات الدينية على هذا الموقف؟ يقول الأستاذ مصطفى الشكعة» إنهم رموا بهذا اللقب الأنهم رفضوا القرشية، أى الترام كون الإمام من القرشيين». والحقيقة أنه لا شيء البتة عند كتاب المقالات والمؤرخين يمكن أن يكون سببا
لإطلاق كلمة الخوارج على الإباضية إلا أحد أمرين هما: رفض القرشية، فهم يلتقون مع الخوارج في هذا الرأي لا غير
واعتبار التحكيم
وهذا ـ فيما يبدو
خطأ
-
•
هو كل ما يتعلق به القوم غير أن السياسة الماكرة
في العهد الأموى وفيما بعد أيضا حاولت أن تضرب كل من ينقدها بما يناسب ظروفه ولما كان الإباضية لا يعترفون بالقرشية أساسا أو مؤهلا وحيدا للإمامة فقد أضفت عليهم لقب الخارجية ثم جاء أعوانها فاخترعوا للإباضية عقائد وشنائع بشوها عنها فانتشرت بين الناس وقامت حائلا وطفت تلك وراجت فتناولتها الأقلام بالإثبات والترسيخ.
10
للموضوع ولقد أوضحنا من قبل أيضا أن القول بأن التحكيم خطأ لا يخرج قائله من الإسلام، ولا يفصله عن الأمة المسلمة، ولا يكفي لأن نسلط عليه حكما رهيبا يجعله مكروها من المسلمين، ثم يستمر هذا الحكم طول التاريخ، ويمتد مع امتداد الزمن، وأوضحنا أيضا أنه إن كان إنكار التحكيم واعتباره خدعة سياسية يراد بها تفريق جيش أمير المؤمنين على هو الخارجية أو هو السبب إطلاق لفظة الخوارج. فأحسب أن أمير المؤمنيين عليا وخيار أصحابه أمثال عمار والأشتر وعبد الله بن عباس يكونون رؤساء للخوارج. ذلك أن كتب عن موضوع التحكيم تكاد تكون (1/190)
صفحة 191
-
191 -
مجمعة أن أمير المؤمنين كان أول أو من أوائل من تفطنوا للمكيدة ولم يقبل
1
الذي عمل
التحكيم لا مكرها. وأنه أنكره بشدة، وأبان لجيشه فيه الطابور الخامس عمله. عواقب تلك المكيدة. وأنه لم يقبل التحكيم
إلا مضطرا، عندما وجد جيشه معرضا للتفرقة والتمزق، وربما للتناحر وكان على رأى الإمام على وعلى رأى أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغى قبولها أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصرى ومالك بن أنس حسبما أورده المبرد في كامله وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بل استطيع أن أزعم أننا اليوم وفى هذا العصر ـ وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرنا ونصف عندما نقرأ أخبارها نشعر بالأسف والحسرة لأن تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثرية جيش على حتى اضطر للاستجابة لها رغم معرفته القصد منها، وتقديره لنتائجها، وعلمه علم اليقين أن القصد من تلك العملية لم يكن مراعاة للمصلحة العامة. ولا نظرا لخير الأمة ولا تحكما للكتاب في شيء جهل فيه حكم الكتاب.
-
فهل يعتبر من يحس هذا الإحساس - اليوم – ويرى هذا الرأى من الخوارج.
لا شك أن الإباضية يرون أن التحكيم خدعة وخطأ لا ينبغى قبوله، ومع الإباضية في هذا الفهم وهذا الاعتقاد أكثر أئمة المسلمين في مختلف المذاهب، فإذا كان الخوارج هم الآخرون يرون هذا الرأى فهل يعنى
(1) راجع كتابه اسلام بلا مذاهب، وكتاب الدين والعلم الحديث للأستاذ ابراهيم محمد الباقى ص 266 طبع المكتبة التجارية الكبرى. (1/191)
صفحة 192
192
هذا أن الإباضية ومن يرى رأيهم في قضية التحكيم أو في قضية الخلافة أصبحوا خوارج لأنهم التقوا معهم فى فكرة.
أحسب أن هذه النقطة هي النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الإباضية
مع الخوارج. ويلتقى فيها مع الخوارج كثير من الأمة. أما في موضوع
الخلافة فأصبحت الأمة كلها فيما يبدو ترى رأى الخوارج قولا وعملا
1
•
وينفصل الإباضية عن الخوارج - في غير النقطة السابقة ـ انفصالا کاملا لالقاء معه. ويقفون معهم أعنف المواقف في الحرب والسلم • فهم عندما يكونون معهم في الإسلام، يعلنون البراءة منهم ويطردونهم من مجالسهم، وينكرون عليهم في عنف وشدة، ويمنعونهم أن يتحدثوا إلى الناس عن آرائهم المتطرفة. ولقد يكون إنكار الإباضية على الخوارج أعنف وأقسى من إنكار غيرهم عليهم - بقطع النظر عن المواقف العسكرية التي كانت تقفها دول كانت تحافظ على عروشها لا على معتقداتها وعلى سلطتها وهيبتها لا على دينها
ومع كل هذا فقد استطاعت الدعاية السياسية في العهد الأموى أن تضفى لقب الخارجية على الإباضية. وجاء المؤرخون الموجهون فنشروا ذلك في كتبهم وفي أحاديثهم وفى المجالس الخاصة والعامة، ثم جاء من بعدهم كتاب المقالات فأخذوا ما وجدوا دون تحقيق أو ترو أو نقد. وقد وجد الكذابون والمشنعون والمستغلون ميدانا فسيحا للافتراء والزيادة فنشروا الأباطيل يتناقلها الناس كأنها وقائع. أخذها كتاب المقالات كمادة علمية حشوا بها كتبهم فأصبحت مرتبة الحقائق الثابتة
التي لا يتوجه إليها نقد ولا يرتفع بصددها نقاش (1/192)
صفحة 193
193 -
ولا شك أن الذين كتبوا عن الإباضية واعتبروهم من الخوارج كان لكل واحد منهم مستنده ومنهجه ودوافعه، وربما كانوا باتجاهاتهم
ودوافعهم ومستنداتهم لا يخرجون عن الأنواع الثلاثة الآتية:
6
النوع الأول: اعتقدوا حقا أن الإباضية فرقة من الخوارج
1
وتشبعوا باعتقادهم أنها فرقة ضالة مبتدعة، بل وحتى أسوأ من ذلك
لو أمكن، واشتد
-
من أجل هذا ـ حقدهم عليها وبعضهم لها، وهم
-
مستعدون لتقبل كل ما يقال عنها من تشنيع وحتى الزيادة عليه برضى واطمئنان دون الشك فى صحة ذلك أو محاولة للبحث عن الحقيقة.
النوع الثاني: استندوا على مصادر موجودة واعتمدوا عليها دون نقد أو محاولة لمعرفة حقيقة الإباضية من وراء ذلك وهم يرون أنهم فعلوا ما ينبغي لهم مادام الواحد منهم يستطيع أن يدل على مصـ
المستند عليه
-
النوع الثالث: درسوا شيئا عن الإباضية واطلعوا على كتبهم وعرفوا منها البون البعيد بين الإباضية والخوارج وعلموا، أن كثيرا مما يقال في كتب المقالات لا أساس له، ولكنهم مع. ذلك استسلموا للتيار التاريخي في إطلاق كلمة الخوارج على الإباضية باعتباره اسما مميزا فقط لا يدل على ما تحمله كلمة الخارجية من المروق وما تشتمل عليه وتوحى به في الخروج عن الدين والأمة، فهم يطلقون لفظ الخوارج على الإباضية كما يطلق أى لقب مكروه على شخص دون اعتقاد بأن ذلك الشخص يحمل شيئا من مدلوله ومعانيه
(م 13 - الاباضية) (1/193)
صفحة 194
ويبدو لي أن الأستاذين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمد
عبد الباقي ومن سار على نهجهما من هذا القسم • فهما ـ مع تقريرهما
لبعد الإباضية عن الخوارج البعد الكامل
-
-
وتوضيحهما للفارق الظاهر
في ذلك ـ لم يتحرجا أن يذكرا أن الإباضية فرقة من الخوارج • بل لقد تجرأ الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقى فوصف صديقه أبا إسحاق طفيش (رحمه الله) بأنه طائفة زعيم منهم، ولست أدرى ما هو الإحساس الذي ثار في نفس الإمام الكبير حين قرأ ذلك، ولا كيف كان لقاؤه معه بعد ذلك. ولكن أبا إسحاق على كل حال لم يتعرض لموقفه الشخصى في إطلاق الخارجية عليه، وإنما استجاب للكاتب الكبير، وعرض موضوع الخوارج عرضا مسهبا وضعه تحت تصرف الأستاذ ابراهيم فنشره ـ مشكورا - بنصه في كتابه القيم
-
والحقيقة أن الإباضية في جميع العصور ـ مع أنهم يبرأون من الخوارج ومن معنى الخارجية التي شرحناها سابقا تعودت آذانهم أن تسمع من يصفهم بها فى القديم والحديث. حتى تمسك بها المتطرفون. منهم على سبيل التحدى، وكان الكثير منهم لا يجد لها إحساسا أو طعما معينا، وإنما ألفوها كما يألف أى إنسان تتفق مجموعة من أصدقائه وأصحابه على أن يلقبوه بلقب مكروه ويصرون على مناداته به، فيغضب ويثور في أول الأمر ثم يلين ويتغاضى ثم قد يستسلم ويستجيب ويعترف به على طول المدى، وقد علقت بالأفراد والأسر والقبائل القاب من هذا النوع حاربوها فى مبدأ الأمر، ثم استسلموا لها، ثم اعترفوا بها فأصبحت أعلاما لهم.
على هذا المستوى سكت بعض الإباضية عمن سماهم خوارج في (1/194)
صفحة 195
-190 -
العصور السابقة ويسكت لها اليوم آخرون، وربما وجد من اعتر بها في القديم والحديث من باب المناكفة والتحدى وربما وجد من شذ وتطرف مراغمة وكيدا فانتسب إلى الخوارج وقال ببعض شعاراتهم
ويبقى بعد كل ذلك الإباضية - دون اعتبار للأفراد والشواذ والمتطرفين - مذهبا إسلاميا بقواعدة وأصوله المبنية على الأسس الشرعية المعتبرة من كتاب وسنة وإجماع وقياس صحيح. يحمل علوم الشريعة عدوله، ينفون عنه تحريف المغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين
وشبه المبتدعين (1/195)
صفحة 196
[صفحة فارغة] (1/196)
صفحة 197
الباب الثالث
* المستشرقون
المستشرقون
مع إميل فيلكس جوتييه.
مع كرلو الفونسو نيلينو.
اللقاء
بين الإباضية وأهل السنة. (1/197)
صفحة 198
[صفحة فارغة] (1/198)
صفحة 199
-
199 -
القسم الثالث
المستشرقون
اهتم المستشرقون بالقضايا الإسلامية عامة. وقدموا فيها دراسات
واسعة، وبحوثا مختلفة. منها القيم، ومنها الأقل قيمة
وقد حاولت أن أراجع موضوع الإباضية في بعض كتاباتهم فلم أستطع أن أفصل موضوع الإباضية في بحوثهم عن بقية المواضيع الإسلامية، وفرضت على أساليبهم - فى مناقشة قضايا الشرق عموما، وقضايا الإسلام خصوصا ـ أن أغير منهجي الذي كنت وضعته لمناقشة هذه البحوث وقد رأيت أن أقدم مباحث هذا القسم من الكتاب
كما يلي:
1
-
المستشرقون: أعرض في هذا الفصل نماذج من كتاباتهم مع
تحليل موجز لبعض الفقرات منها.
-
إميل جوتييه: أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل
للمستشرقين المتعصبين الذين يكتبون عن الشرق والنظرة الاستعمارية المتعالية لا تفارق أحاسيسهم ومنطق السيادة التي يريدون أن يفرضوها على العالم لا تختفى من أذهانهم.
•
3 ـ كارلونيليني أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل (1/199)
صفحة 200
للمستشرقين الذين يلتزمون الأسلوب العلمى دون أن يؤثر عليهم ظاهرا – إحساس آخر أو دافع غير دافع خدمة الثقافة الإنسانية
حسبما يبدو للقارئ.
4
-
مقارنة موجزة للقاء بين الإباضية وأهل السنة في النقاط التي
جعلهم نيلينو مواضيع لقاء بين الإباضية والمعتزلة.
والواقع أن هذه الفصول الصغيرة القصيرة لا تكفي لإعطاء صورة حقيقية وصحيحة عن جهود المستشرقين - سواء منها الجهود النبيلة النظيفة، أو الجهود الماكرة الدساسة وعسى الله تبارك وتعالى أن ييسر لى العودة إلى موضوع «القضايا الإسلامية بين أيدى المستشرقين، فأتناولها بعمق أكثر، وفهم أصح، واطلاع أوسع. ودراسة أكثر استيعابا، وأسلوب أكثر نعومة وتهذيبا. (1/200)
صفحة 201
-
المستشرقون
قلت في بعض الفصول من هذا الكتاب! إن للمستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام - سواء كانت كتاباتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلامية جمعاء كأمة، أو عن فرقة من فرقهم كفرقة أو مذهب ـ أساليبهم ودوافعهم، ومراميهم الظاهرة والخفية، ومهما كانوا مخلصين للبحث العلمى، ولخدمة الثقافة الإنسانية في هذه المواضيع، فإنهم في الحقيقة ـ أشد إخلاصا للدوافع الحقيقية التي دفعتهم إلى الكتابة عن الإسلام والمسلمين. وهم لا ينسون مطلقا أن أقلامهم يجب أن ما عجزت عنه سيوف الصليبيين، وأنهم يمثلون الترفع الحضاري الذي يعتقدونه للإغريق والرومان أى لشعوب الغرب على شعوب الشرق التي خضعت ـ في يوم من الأيام - الحضارتهم وعسكريتهم ويرون أن ذلك التفوق والتحكم يجب أن يستمر بأيديهم وأيدي أبنائهم وأيدى أحفادهم، وأن كل واحد يمثل ـ في عصره ـ موقف القيادة السيطرة الغرب على الشرق. وإن لم يحمل الشارات العسكرية.
تتم
-
على أن هؤلاء المستشرقين، عندما يتناولون هذه المواضيع يختلفون بعض الاختلاف في طريقة تناولها فمنهم من تدفعه الحماسة فينكشف بسرعة، وتبدو مقاصده من ثنايا كتاباته واضحة. حتى أن مواقف عن الضباط العسكريين الذين يتوجهون إلى الإحتلال
لا تختلف بعضهم
بقوة السلاح.
وفيهم من يملك من الدهاء ما يستطيع معه أن يدس إلى قارئيه ما. يريد من الأفكار دون أن يثير منهم حاسة الانتباه، وغريزة رد الفعل. (1/201)
صفحة 202
202
وهم في أغلب الأحوال ينطلقون من نقط متشابهة، ويتتبعون وسائل متقاربة، ومن ذلك مثلا: يعمدون إلى وسيلة ظاهرها علمي بحت، وباطنها وسيلة من وسائل التخدير وكسب الاستيثاق، تؤثر على القارئ البسيط من النظرة الأولى فتملا نفسه بالإعجاب أولا، والتصديق ثانيا، والثقة ثالثا. وعندما يصل القارئ معهم إلى هذه المرحلة فإنهم يكونون قد كسبوه نهائيا.
ومن الأساليب البسيطة في هذا المجال أنهم عندما يريدون أن يتناولوا موضوعا بالبحث يقومون بإعداد قوائم طويلة من المراجع والمصادر باللغات المختلفة - ولاسيما اللغة العربية. يثبتونها في صدر
-
كل بحث أو عند نهايته. مع أنهم عند مناقشة الموضوع - قد لا يحتاجون إلى الكثير من تلك المراجع ولا يعودون إليها • ولكن ذكر أسمائها بتلك الوفرة يوحى باستفراغ الجهد، ودقة التحقيق والتمحيص، ثم بالثقة. ثم هم يتصيدون منها شواذ الأخبار والأحداث فيركزون عليها، ويؤيدون بها مقاصدهم الخفية
ولست بهذه الملاحظة البسيطة أغمز سعة اطلاعهم فأنا على يقين كامل بأنهم قد توفر لهم من الدراسة - بسبب مجهوداتهم. الشخصية، ومساعدات حكوماتهم ومؤسساتهم المادية والمعنوية ـ ما يتيح لهم من سعة الإطلاع، وغزارة المادة، ووفرة الجهد في الدراسة والبحث أو مواصلة العمل والاستمرار فيه، ما لا يتاح لغيرهم أبداً. فهم بذلك من أكثر
ذلك
-
الناس اطلاعاً على المواضيع التي يهتمون بها ويبحثونها، ولكنهم مع. يقصدون بذكر المصادر الحصول على إعجاب القارئ وثقته مع إلى تخديره بتلك الوسيلة التي توحى إليه مسبقاً بعظمة المجهود المبذول من أجل الوصول إلى الحقيقة فيكون طيعاً بين أيديهم. (1/202)
صفحة 203
203
وأنا وإن كنت سلكت مسلك التعميم فى الحديث عن المستشرقين لا أدعى أن رأيي هذا ينطبق على كل فرد منهم فهذه ـ لا شك ــ دعوى
-
لا تصح، ولا يمكن لي أن أزعمها، ضرورة أنني لم أعرف كل المستشرقين ولم أقرأ كل ما كتبه من عرفت منهم. ولكن الصورة التي انطبعت أمامي مما قرأته من كتاباتهم كانت على هذا النحو الذي وصفته. وليطمئن القارئ الى أنني لا أرمى القول جزافاً فإننى سوف أضع بين يديه صوراً توضح تلك الجوانب من كتاباتهم فإلى القارئ الكريم تلك الصور تحت عناوين مستوحاة من بحوثهم وكتاباتهم.
- الروح الاستعمارية المتمكنة:
إذا أخذت مثلا كتاب «ماضى شمال أفريقيا» تأليف الأستاذ إميل فليكس جوتييه وترجمة الأستاذ هاشم الحسينى نشر الفرجاني فإنك بمجرد ما تبدأ قراءة مقدمة الكتاب تحس كأنك تقرأ تقريراً لأحد خبراء الاستعمار الفرنسي عن المغرب. فهو من جانب يحاول أن يدس الى أبناء المغرب يقنعهم بفقر المغرب واحتياجه وعدم تماسكه. وهو من جانب آخر يثير حماس الاستعمار حين يشيد بفضل ما قام به الرومان في القـ القديم و الفرنسيون فى الحديث من جهود مثمرة لازدهاره أو هو بذلك يريد أن يؤكد على نقطتين مختلفتين:
ما
الأولى: إشعار أبناء المغرب أن بلادهم فقيرة ومحتاجة وغير متماسكة ولا يمكن أن تقوم إلا على يد استعمارية خارجية تسندها والدليل على ذلك أنها لم تزدهر إلا على يد الاستعمار الروماني في القديم والاستعمار الفرنسي في الحديث. (1/203)
صفحة 204
الثانية: إن استعمار الغرب للشرق حق من حقوقه يجب أن يحرص وقد كان المغرب يزود الرومان بكثير من الغلال ويجب أن يستمر هذا الوضع أبدأ بأن تكون بلاد المشرق مصدراً للغلال ومتنفسا اقتصاديا
عليه
للغرب.
يقول الأستاذ جوتييه فى كتابه السابق ابتداء من ص 9 ما يلى:
كل شيء يتبدل على حين غرة اللغة والدين والمفاهيم السياسية والاجتماعية. إنه تاريخ شديد التقطع الى أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، ففي أوربا تطور متكامل حسب خط متصل، أما المغرب فسلسلة من التبدلات
المفاجئة».
ويقول بعد أسطر:
ومن الثابت أن رقعة المغرب القابلة للسكن والحراثة لها إمكانيات ضئيلة. إنها شريط بمحاذاة المتوسط والمحيط طوله 3000 کيلو متر. وعرضه 150 كم وبسبب طبيعته هذه لم يتخذ شكلا مستمراً» •
ويقول بعد أسطر:
أما في المغرب فالوحدة سهلة التحقيق، لكنها سهلة الزوال أيضا
ودولة المغرب كالعطور في الليل وتذبل في الصباح.
ويقول بعد أسطر:
فجميع مناطق المياه الراكدة في هذه البلاد عبارة عن شطوط
جرداء لماعة زاخرة بالملح». (1/204)
صفحة 205
ويقول بعد أسطر
وحيثما سرت فى الطرق والمنعطفات تشاهد مواقع الملح».
ويقول بعد أسطر:
حتى في الأرض القابلة للزراعة فى الجزائر لا تجد الرطوبة الكافية
للخصوبة • فتربة المغرب كلسية بفعل التبخر».
ويقول بعد أسطر:
كانت روما زمن الأباطرة تؤمن لشعبها القوت عن طريق فرض الضرائب وكانت إفريقيا تدفع فى الواقع ما يطعم 350,000 نسمة. في هذه ا الجهة يمكن اعتبارها إهداء لروما. ولا ينفى ذلك وجود أساليب جديدة لتحسين الرى ولا سيما وأن هناك نوعاً من الزراعة خاصة ببلاد الملح، لكنها طرق شاقة، والمغرب ليس أرضا شديدة الخصوبة. ولا هو البلد الصالح لتربية الماشية. فليس الثيران المغربية أضخم جثة من حمير أوروبا. وتربية الماشية تحتاج لتأمين السبل اللازمة للحصول على قوتها في سنوات الجفاف المريرة.
كذلك ليس المغرب بلاد صناعة
•
فوديانه ليست مخازن احتياطية للمياه. والأرض تفتقر للفحم الحجرى والليثيث. ومنجم الفحم الوحيد المستغل حالياً هو منجم كيناسنا وليس مهما جدا. أما. منجم. جر رادة فيبدو أكثر أهمية، لكنه لم يستغل بعد، والنفط لم يتفجر حتى الآن • وام
يعثر الجيولجيون في تربة المغرب على الفحم المتحول من أشجار الغابات، (1/205)
صفحة 206
وإنما عثروا على الملح والجبس. ولكن لعنة بلاد الملح قد حلت
أقدم العصور» •
ويقول بعد أسطر:
ولا نعنى بهذا أن الشمال الإفريقي يشكوا الفقر المدقع
عرفت الجزائر حقبة من الإزدهار الكبير»
ويقول بعد أسطر:
كان ذلك في العصر الفرنسي» •
ويقول بعد أسطر:
به. منذ
فقد
وأما الجزائر الرومانية فكانت كما يقول علماء الآثار مدينة بازهارها لمزراعة الزيتون، وقد عثر على آثار في إيطاليا تثبت قدوم الزيت من شمال إفريقيا»
ويردد الناس عبارة اطلقها أحد المؤرخين المسلمين حول ازدهار إفريقيا في عهد الرومان: ـ. كل البلاد من طرابلس حتى طنجة، كانت إطار واحدا وسلسلة متواصلة من القرى - وتدل العبارة على أن السفر بين طرابلس وطنجة يجرى في الظل»
ويقول:
فنحن
نعلم أن الفواكة من زيتون وتين وعنب سبباً من أسباب ازدهار إيطاليا الوسطى وبلاد البحر الأبيض المتوسط إذ تلزمها أسواق خارجية منفتحة. لذلك فالازدهار يمكن اصطناعة الى حد ما لأنه منوط بظروف سياسية معقدة. (1/206)
صفحة 207
ويقول:
فالصناعة تحتاج الى زبائن في الخارج، ومن حسن حظ الشمالي الإفريقي توفر الفوسفات فيه بحيث أصبح مركزاً لتصدير هذا المعدن الى أرجاء المعمورة، وفيه أيضا الحديد بكميات كبيرة وكذلك التوتياء والرصاص. ولم يجر التنقيب عن هذه المعادن منذ الإمبراطورية الرومانية وحتى الاحتلال الفرنسي. ولم يكن بالإمكان تصنيع المعادن في البلاد نفسها. لهذا كنا نرى فى الموانى الجزائرية أنواع المعادن تصدر الى جانب البضائع الأخرى. فيوضع الرصاص، والتوتياء في أكياس أما الحديد والفوسفات فتجمع أكواما تنتظر السفر الى الخارج» •
ويقول:
واذا كانت فرنسا بلدا متكاملا يكفى ذاته على حد قول فيدال دى
لا بلاشي. فالمغرب على العكس من ذلك).
ويقول:
والمواقع أن هذا الشريط الذى يبلغ طوله 3000 كيلو متر يمتد من الشرق الى الغرب ضمن خطوط عرض وطول متشابهة، فحيث ما نذهب نجد السماء نفسها، والتربة عينها، فما من بلد أقل تنوعا وتجانسا وجفاف المناخ لا يسمح لتحقيق الازدهار محليا» •
ففى بلاد واسعة كالمغرب تتمتع بإمكانيات طبيعية كبيرة من حيث المعادن والصوف والزيت والنبيذ لا تسهل الاستفادة من الثروة، إذ يحتاج الأمر الى التنظيم، وتوظيف الرساميل، وتوسيع الإنتاج، (1/207)
صفحة 208
وتأمين التصدير، فالمغرب بحكم مناخه لا يكفى نفسه اقتصاديا ويحتاج،
للتعاون مع الغير» •
نقلت للقارئ الكريم أكثر ما في مقدمة الكتاب حتى تكون لديه الصورة التي أردت عرضها واضحة، وأستطيع أن ألخصها له كما يلى: المستشرق جوتييه فى مقدمته لهذا الكتاب صور المغرب الذي يمتد مسافة 3000 كيلو متر بأنه منطقة فقيرة جرداء تلاحقها لعنة الملح لا يمكن أن يكفى نفسه اقتصاديا وذكر في بعض الأحيان أن المغرب خال من الثروة فتربته كلسية، ومياهة ملحة، والمعادن به مفقودة، وما وجد به لم يستغل. والنفط لم ينفجر فيه. وهو غير صالح لتربية الماشية. وثوره ليس أضخم من الحمار الأوروبي، وهو ليس بلادا صناعية ووديانة ليست مخازن احتياطية للماء
ومع
•
هذه الصورة القائمة التي توضع للمغرب تندس فكرة استعمارية توحى بأن هذا المغرب قد ازدهر قديما حتى استطاع أن يمون الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط وذلك عندما كان تحت رعاية الرومان، وأنه ازدهر حديثا وهو تحت الاستعمار الفرنسي. وفى الإمكان أن يستمر مزدهراً إذا وجد التنظيم، وتوظيف الرساميل، وتوسيع الإنتاج. وتأمين التصدير. ويشير جوتييه بعبارة واضحة الى أن المغاربة لا يستطيعون أن يقوموا بذلك وإنما يحتاجون الى معاونة الغير فيقول: فالمغرب بحكم مناخه لا يكفى نفسه اقتصاديا ويحتاج للتعاون مع
الغير».
ومعنى هذا أن على أبناء المغرب - إذا أرادوا الازدهار لمغربهم - (1/208)
صفحة 209
نفس
أن يعتمدوا في ذلك على الاستعمار الفرنسي الذي أشار إليه جوتيه بكلمة «مع الغير» والذى يرشحه لأن يقوم في الوقت الحاضر بدور الرومان في العصور الخالية ومن الغريب أنه ساغ في منطق جوتييه وهو يرسم للمغرب تلك الصورة البائسة أن يذكر في المقدمة أن الزيت المغربي كان يصل الى إيطاليا وأن الرومان كانوا يؤقتون منه قوت ألف نسمة ذلك فالمغرب فقير، ولا يكفى نفسه اقتصاديا، ويتكالب عليه الاستعمار الغربي من العهد الروماني الى العهد الفرنسي محبة في سواد عيونه، وتضحية من أجل الله والإنسانية أنه منطق الاستعمار على أقلام جنود الإستعمار ولو حملوا أشعار الدراسة
350,000
والعلم.
ولعل مما يبعث على الضحك هذه العبارة التي جاء بها جوتييه تعزية لنفسه وتخفيفا للحسرة التي يحس بها لو استغنى المغرب عن خدمات فرنسا قال:
«وإذا كانت فرنسا بلدا متكاملا يكفى ذاته على حد قول فبدال
دى لا بلاش فالمغرب على العكس من ذلك» •
يكاد القارئ يحس بدموع الكاتب تتساقط من عينه حسرة وأسفا وهو يتصور هذا الموقف الذي يستغل فيه المغرب عن فرنسا ولم يجد موقفاً يقفه غير موقف وكيل لئيم غنى بلغ رشده ويستعد لتسلم أمواله فيقف وهو يتظاهر بما ليس فيه قائل لليتيم البالغ • ياناكر الجميل قد نسيت لكل ما قدمت لك من خدمات ولكن لا بأس فأنا لا يقتلني الجوع
(م 14 - الاباضية) (1/209)
صفحة 210
ولكنك أنت سوف تضيع ثروتك وتصبح بعد رعايتي و عنايتي مشردا
معدما. ثم ينهمر بالدموع.
2 - زعزعة
زعزعة الثقة بالمصادر الإسلامية:
قد لا يدعوني الموقف فى هذه النقطة الى التعليق وإنما يكفى أن أعرض على القارئ الكريم مقتطفات مما يقوله بعض المستشرقين في هذا الصدد فيتضح ما يبيتون. والى القارئ الكريم نماذج من ذلك. من كتاب ماضي شمال إفريقيا:
وإن نحن شئنا قصر مصادرنا على المراجع العربية لا بد وأن نجد صعوبة في فهم الأمور، ذلك لأن الدراسات الشرقية تقسم ببعض
الانغلاق على الرأى العام» ص 47.
•
في طبيعة العقل الشرقي القديم عدم تمييزه بين الأسطورة والواقع وقد اصطدم الغربيون كثيراً بهده الحقيقة، حيث كانوا يتكبدون الكثير من المشاق للحصول على أمر مهم سمعوا عنه، وسرعان ما يفاجأون بأنه مجرد أسطورة 229 ص 069
فالعربي شأن البربرى لم يكن يعنى بالتاريخ ولم يستيقظ الفضول العلمي في الإسلام إلا فى مرحلة متأخرة مع العباسيين، وتسرب
الأفكار الداخلية» • ص 44.
لكن الصعوبة ليست هنا. إنما الصعوبة في التسرب الى عقول (1/210)
صفحة 211
211
المؤرخين الذين يختلفون عن مؤرخى الغرب،
048
علينا ويصعب
فهمهم
وليس لدينا نحن الأوروبيين أى حس ديني، أما الشرقيون فليس لديهم أي حس بالتاريخ. ولعل الحس الديني والتاريخي يتعارضان
22 ص 055
ولا ننسى أن كاتبنا الكبير قد اكتشف هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودى والبكرى وليس فقط مدى الأسماء الصغيرة» ص 70.
(ويظن هؤلاء المؤرخون العرب بأنهم قد أدوا واجبهم كاملا إذا ذكروا أسماء الملوك ونسى حكمهم). ص 071
كاتب لامع جدا هو ابن خلدون وآخرون مجهولون تقريبا على غرار مؤلف روض القرطاس، غير أن لهم جميعا ذهنية شرقية بمعنى أن مفاهيمهم لا يقبلها الغربيون بدون تأويل» • ص 87 •
عاش ابن خلدون في القرن الرابع عشر فلا بد من تأثره بالمؤرخين القدماء، وأسطورة أفريقوس تناقلتها الأجيال بين مؤرخ وآخر حسب
المفهوم العربي التقليدي للتاريخ» • ص 98 •
إن عدم إحساس المؤرخين العرب بالتاريخ أمر مدهش».
س 100 0
1
«أو ليس في الأرجح إذن أن يكون المؤرخون العرب قد فكروا (1/211)
صفحة 212
-
212
-
بحمير التي امتلأت أذهانهم بها، وأغفلوا قرطاجة اليونانية التي لم يكتشفوا
وجودها» قط ص 100 0
وقد ذكر المؤرخون العرب المعروفون بمبالغاتهم خبر ابنة
البطريق» • ص 075
والواقع
أنه لا يسهل علينا مع المؤرخين العرب أن نميز الحقيقة
من الخيال» • ص 175.
وليس ذلك بسبب الغموض والإبهام للذين اكتنفا كتاب المؤرخين
العرب عن العلاقات العربية البربرية» • ص 178
«وقد تكون القصة منحولة لكن العثور على هذه الحيوية لدى
مؤرخ عربى من الأمور السارة» 220 ص 187 •
ولا يذكر المؤرخون العرب بجفافهم
المعتاد وعدم اهتمام بتحليل
الأسباب عن ذلك الشيء الكثير» 220 ص 189
•
والغريب أن الكاهنة قد ألهبت خيال المؤرخين العرب الذين أعطوا عنها فكرة حية بخلاف عادتهم فى الكتابه.0 22 ص 192 •
خبرات بعض المؤرخين والفلاسفة والأطباء في العصر الإسلامي وخصوصا من كتب منهم باللغة العربية يزيدونها إيضاحا في هذا الباب إلا أن أقوالهم يجب أن تؤخذ بحذر لأنها مفعمة بالأخطاء التاريخية. والخلط بين المسائل». هذه الفقرة للمستشرق ماكس ماير هوف - التراث اليوناني ص 38 وبالرجوع الى هذه الفقرات التي نقلتها في أقرب (1/212)
صفحة 213
213 -
المصادر التي وقعت عليها يدى نجد أن الصورة التي يراد أن تنطبع في ذهن القارئ عن المصادر التاريخية الشرقية عامة والمصادر العربية
خاصة
هي ما يلي:
1
-
الدراسات الشرقية تتسم بالانغلاق على الرأى العام.
العقل الشرقى لا يميز بين الأسطورة والواقع.
العربي كالبربرى لم يكن يعنى بالتاريخ والفضول العلمي في الشرق الإسلامي انما نتج عن تسرب الأفكار الداخلية.
4
المؤرخون الشرقيون ليس لديهم
حس بالتاريخ وإنما يكتبون
عن إحساس ديني.
-
يظن المؤرخون العرب أنهم أدوا واجبهم إذا كتبوا عن الملوك
وسنى حكمهم.
-
جميع المؤرخين العرب بما فيهم ابن خلدون لهم ذهنية شرقية،
ومفاهيم لا يقبلها الغربيون بدون تأويل.
-?
المؤرخون العرب ينقلون أساطير التاريخ بمفهوم عربي تقليدي
عدم إحساس المؤرخين العرب بالتاريخ أمر مدهش.
9 - المؤرخون العرب معروفون بمبالغاتهم.
10 – لا يسهل تمييز الحقيقة مع المؤرخين العرب. كتابات المؤرخين العرب تتميز بالغموض والإبهام.
11 (1/213)
صفحة 214
•
214
-
العثور على حيوية عند مؤرخ غربى أمر سار لأنه أمر نادر
- 12
13
الأسباب
يتصف مؤرخو العرب بالجفاف وعدم الاهتمام بتحليل
المؤرخون والفلاسفة والأطباء فى العصر الإسلامي وإن أعطوا صورة واضحة إلا أنه يجب أن تؤخذ أقوالهم بحذر لأنها مفعمة بالأخطاء والخلط. هذه كما يرى القارئ الكريم بعض الحقن التي يدسها المستشرقون في ثنايا أبحاثهم العلمية. وخدمتم للثقافة الإنسانية. وقد اخترنا منها تلك الحقن الظاهرة الواضحة التي يدركها كل قارئ، ويحس بها كل من يمر عليها، ولا شك أن في أثناء كتاباتهم في الآراء والأفكار ما هو أخطر مما ذكرناه، وأكثر خفاء، وأسرع تسرياً إلى أذهان القراء لا سيما القراء العاديين والقراء الذين يقبلون على كل جديد ويهشون
له.
إن القارئ العادى والباحث المتعطش - وهو يبحث عن المعارف. تمر به تلك الحقن هيئة لينة ناعمة في بادئ الأمر، ثم صريحة واضحة لابسة ثوب الحقيقة العلمية
•
عندما يظن الكاتب المستشرق أنه قد استمال القارئ الشرقى إليه. وجذب انتباهه، يضرب بعد ذلك ضربته ليحطم إذا ما اعتقد أن قارئة قد مر بالمراحل المطلوبة واستوعبها وهى: التشكك أولا ثم النقد الموجه ثانياً، ثم الإزدراء والاحتقار والإهمال والتحول ثالثاً. ثم السير في المنهج الذي يريده المستشرق الخبير أخيراً. (1/214)
صفحة 215
– 215 –
ويستطيع القارئ الكريم أن يتعرف على هذه الخطوات بسهولة عند المراجعة في أكثر كتب المستشرقين، من الفقرات السابقة نستطيع أن نأخذ الأمثلة الآتية:
أ ـ خطوة التشكك: «وان نحن شئنا قصر مصادرنا على المراجع العربية لا بد وأن نجد صعوبة فى فهم الأدور» • «من طبيعة العقل الشرقي القديم عدم التمييز بين الأسطورة والواقع».
ب - مرحلة النقد الموجه: «ولا ننسى أن كاتبنا الكبير قد اكتشفت هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودي والبكرى وليس فقط لدى الأسماء الصغيرة». ويظن هؤلاء المؤرخون العرب بأنهم قد أدوا واجبهم كاملا إذا ذكروا أسماء الملوك وسنى
«
حكمهم» •
ج - مرحلة الأزدراء والاحتقار» قد تكون القصة منحولة لكن العثور على هذه الحيوية لدى مؤرخ عربى من الأمور السارة» ولا يذكر المؤرخون العرب بجفافهم المعتاد وعدم اهتمامهم بتحليل الأسباب عن - الشيء الكثير». والغريب أن الكاهنة قد ألهبت خيال المؤرخين
ذلك
-
-
العرب الذين أعطوا عنها فكرة حية بخلاف عاداتهم في الكتابة» •
2 - السير في المانهج: عندما تتم المراحل السابقة كما خطط لها فإن القارئ الكريم يكون قد استوعب منهج المستشرق واتخذ أسلوبه في البحث ومعالجة قضايا الشرق وأعنى أنه يصبح مستشرقاً آخر أو بتعبير أصح مستغرباً لأنه يعالج قضايا وطنه ومجتمعه ودينه وثقافته وحضارته بالمنظار الذى يراها به مستشرق جندته عوامل خاصة لذلك العمل، وذلك (1/215)
صفحة 216
-
216 -
يستطيع المستشرق أن يطوى خيمته ويأخذ عصاه ثم يرحل وهو مطمئن الى أن جهوده في خدمة الاستعمار لم تذهب عبثاً.
ـ التشكيك في الإسلام:
لعل التشكيك في الإسلام - وتصويره بأنه حركة بشرية كان الدافع إليها ما كان عليه العرب من الحرمان في الجزيرة الفاصلة وأنه لم يقدم شيئا للإنسانية وأن ما فيه من خير إنما هو مأخوذ من الحضارات السابقة وأنه تبعا لما يتصف به أهله من بداءة وجفاف كان يحارب العلم والفلسفة – كان من أهم الأسلحة التي يستعملها المستشرقون في محاربة الإسلام ولعل المعانى السابقة وما شابهها كانت من أخطر الحقن التي يدسها المستشرقون فى كتاباتهم بأساليبهم المختلفة تارة في دقة وخفاء، حد الوقاحة والتهجم وتارة في علنية واستظهار يبلغ. وهم في كل ذلك
يتظاهرون بالبراءة والطيبة وخدمة العلم والإنسانية
أمثلة من
وإلى القارئ الكريم. ذلك:
•
أما المسلم الصالح فعليه أن يتجنب هذه العلوم أشد التجنب باعتبارها خطرا على الدين، ومن ثم لذ للناس القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى هذه العلوم حين سأل ربه أن يعيذه من (علم لا ينفع) جولد
شهير التراث اليوناني ص 126 0
بينما الإسلام الرسمى قد حارب الغنوص نظريا فحسب، لكنه في المواقع وعمليا سمح له بالتغلغل والنفوذ الى معتقدات الجمهور» • کارل هينرش بكر - • التراث اليوناني ص 12 • (1/216)
صفحة 217
217 -
أما أولياء الله فى الإسلام ففى مقابل الأرواح القدسية في الهيلينية
حتى أن محمدا -.
-
وهو نموذجهم الأعلى ينتهى بأن يصبح
هو العقل الموجود منذ الأزل. وأن يكون الرحيم المخلص القدير.
کارل هينرش بكر • المصدر السابق:
وكان الى جانبها تيار دينى شعبى عبارة عن طائفة من السحر والنارنجيات الهيلينية. النظرية والعملية فالسحر والتنجيم وضرب الرمل، والرؤيا والإعداد «وفوائد الحب، والتمائم من: كل. هذه نوع الأشياء أصبحت عربية إسلامية» • كارل بكر نفس المصدر السابق واليوم نرى هذا النوع من السحر الإسلامي يسير طليعة للإسلام غازيا بلاد الزنوج الوثنية التي لا تؤمن بالإسلام الرسمي إلا بعد بزمن طويل غالباً». بكر نفس المصدر السابق.
ذلك
والإسلام نفسه لم يكن شيئا غير استمرار الهيلينية شهير آسيوية شيئا فشيئا» بكر نفس المصدر
إلا أنه لما كان قد نظر إلى الإسلام على أنه شيء جديد كل الجدة، وحسب من جهة أخرى أن الدين والحضارة شيء واحد فقد نشأت أسطورة حضارة العرب، تلك الأسطورة التي ألقت غشاء على عيون المؤرخين فحالت بينهم وبين رؤية هذه الحقيقة الناصعة • وهي أن الحضارة القديمة قد ظل حاملوها هم حاملوها الأصليين، واستمر مسرحها هو مسرحها ذلك أن الإسلام كان هو الأجنبي الغريب الذي أراد أن يغزو العالم القديم المتأخر، ولكنه خضع فيما بعد لما كان عليه هذا العالم
القديم من تفوق وسمو» • بكر نفس المصدر السابق (1/217)
صفحة 218
218 -
-
ثم إن القانون الرومانى رتب ونظم قبل قيام النبي صلى الله
عليه وسلم ـ بدعوته بزمن قليل، وأثره من بعد في الشريعة الإسلامية واضح في كل مسألة، حتى أنه ليكاد يكون لكل مبدأ من مبادئها ما يناظره في القانون الروماني» • كارل بكر المصدر السابق
وإذا ما بحثنا حضارات البلدان التي فتحها العرب استطعنا أن نحكم بسهولة بأن كل شيء بقى في الإسلام كما كان على عهده القديم لم يضف إليه جديد، سواء في ميادين السياسة، أو فن الحرب والاقتصاد والعلم والفنون والصناعات» • کارل بكر نفس المصدر السابق «أما نهضة الشرق التي نشهدها في الوقت الحاضر فمرتبطة لا بتراث الأوائل وإنما بأوروبا الحديثة» • كارل بكر المصدر السابق. ومما جاء في كتاب (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي) تأليف الأستاذ الفرد بل ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوى ما يلى:
وهذه الثروة الزراعية فى البلاد لم تكن انحدارا ضئيلا بالنسبة
الى: و صحراء الجزيرة العربية» صفحة 77 •
عرب الفتح الأول كانوا جيوشا حقيقية مؤلفة من المحاربين العرب. صحيح أن غالبيتهم كانوا من البدو الفقراء في جزيرة العرب، وكانوا طامعين في النهب، لكن زعماءهم كانوا من أهل المدن» •
المصدر 0213
نفس
ولم يكن القواد ولا المحاربون الجدد قد قدموا إلى هناك على نية عدم العودة إلى مواطنهم الأصلية التى تركوا فيها نساءهم وأولادهم، فبعد مدة معينة كان الكثير منهم يعودون إلى ديارهم الأولى (1/218)
صفحة 219
- 219 -
مثرين غالبا من الغنائم التى كانت من نصيبهم» • المصدر السابق
0313
إن هجرة العرب من صحرائهم في القرن السابع الميلادى لم تكن حدثا جديدا بل هي حلقة من حلقات الهجرات الكبيرة للشعوب. تلك
الهجرات التي تتجلى منذ فجر التاريخ» • المصدر السابق 78 •
«لقد
جمع تحت سلطان واحد قوى هو سلطان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولا ثم
سلطان الخلفاء من بعده أولئك العرب المتعطشون إلى حياة مادية أقل
شظفا
من تلك التي تهيئها لهم الصحراء» • المصدر السابق 78 •
وجنود الفتوح الإسلامية أولئك العرب القادمون من قبائل بدوية رحتل في الجزيرة العربية لم يكونوا شديدى الغيرة الدينية والتقوى
الإسلامية» • نفس المصدر 078
ولهذا ينبغى ألا نرى فى جيوش الفتوحات الإسلامية الأولى وفي جحافل البدو المنطلقة من الجزيرة العربية بقيادة زعمائها وأغلب هؤلاء الزعماء من السكن الحضر في المدينة ومكة - أقول ينبغى ألا نرى فيهم جيوشا من المتعصبين المستضيئين بالإيمان والمستعدين للموت في سبيل نشر الدين الجديد». المصدر السابق 79 •
•
ولم تعد صورة جيوش صدر الإسلام وهى تغدو دفوعة بحماسة بالغة، وبإحدى اليدين السيف، وباليد الأخرى القرآن، لتخضع الشعوب الدين الجديد، فقول إن هذه الصورة لم تعد مقبولة، وليست إلا من خيال الشعراء (المصدر السابق 79 • (1/219)
صفحة 220
فخلال التاريخ يبدو لنا البدو بمظهر قلة التقوى وبالعجز
تقريبا عن الارتفاع الى عقيدة التوحيد» • نفس المصدر 79 •
إن البدو مولعون بالنهب والسلب، مولعون أيضا باراقة الدماء لكنهم لا يرضون بأن يقتلوا - أى لا يستعذبون الموت» • المصدر
السابق 79
ومن المؤكد قطعا أنه وجد بين قادة الحرب في الفتوح الإسلامية مؤمنون مخلصون، وجنود لله ورسوله صادقون، مثل القائد الشهير عقبة بن نافع الفهرى، مؤسس القيروان، وأصله من مكة، لكن يبدو أن عددهم في الغزوات الأولى لم يكن كبيرا، وفي مقابل ذلك لم يكن الطمع في الثراء غريبا عن تفكير الكثير من الجنود المجاهدين، ويمكن أن نسوق أرقاما عن الثروات الطائلة التي ظفر بها غنائم في الحرب، مسلمون أتقياء مؤمنون صادقون وقد أورد اغناطيوس جولد تسيهر أسماء عدة منهم ابتغاء إثبات أن الزهد الديني كان صفة نادرة عند الغزاة الأولين» المصدر السابق ص 80 •
ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال من بين الصحابة الذين بشرهم النبي بالجنة لتقواهم وإيمانهم، الزبير بن العوام، وطلحة بن
عبيد الله، وكلاهما توفى عن عدة ملايين». المصدر السابق 80.
وليس من شك في أن الثروات الضخمة التي جمعها المحاربون المجاهدون في غزواتهم الأولى فى الشام ومصر والعراق قد حملت كثيرا من الأعراب على الاشتراك في الجهاد واعتناق الإسلام، ومن السهل أن (1/220)
صفحة 221
نفهم كيف كان الجهاد مغريا للبدء الجياع الذين كانوا يعيشون عيشة
حرمان و عدم استقرار» 50 المصدر السابق 080
تلك
هي
الأسباب العميقة والصادقة التي دفعت بقبائل العرب
الى الانقضاض على العالم القديم الرومي أو الفارسي في منتصف القرن السابع الميلادي. فالحاجة المادية والطمع – كما يقول جولد تسيهر. العقيدة والشريعة في الإسلام) ترجمة فرنسية» 113) أوجدا هؤلاء الجنود والغزاة الذين كانوا يقاتلون على طمع الدنيا» المصدر السابق ص 082
وبالنسبة إلى البعض كان الجهاد مغنما على أي حال: فإن كتب
له الحياة عاد مثقلا بالغنائم، وإن كتب له الموت في الجهاد تخلص أولا من حياة الحرمان والشظف القياسية في الصحراء العربية، وثانيا إن كان من المؤمنين المخلصين كان الاستشهاد سبيله إلى حياة النعيم في الآخرة» المصدر السابق ص 082
ومهما يكن من شيء فإن الحماسة لنشر الدعوة والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله لم تكونا بالنسبة إلى الغالبية تلعبان غير دور
ثانوى في الغزوات الأولى الإسلام (المصدر السابق ص 82.
ومما جاء في كتاب ماضى شمال إفريقيا تأليف إميل فياكس جوتييه
ترجمة هاشم الحسينى نشر الفرجانى ما يلى:
إنها الهوة الفاصلة بين نهاية الإمبراطورية الرومانية والعصور (1/221)
صفحة 222
222
الحديثة ففى هذه الفترة نرى المغرب يغرد خارج سربه، وكأنه فوق كرة أرضية أخرى - أرض المسلمين» نفس المصدر ص 75.
ماذا حل بعلوم فارس التي أتلفها عمر بعد الفتح العربي، وكذلك بعلوم الكلدانيين والأشوريين والبابليين والأقباط والإغريق» نفس المصدر السابق ص 077
وابن خلدون مؤمن بأن جميع الوثائق التي تعود إلى ما قبل الإسلام بعيدة عن مناله، وأنها أتلفت وضاعت إلى الأبد» بالمصدر السابق ص 77 •
فلا شيء في الشرق يفهم بمعزل عن الدين، وقد وصف ابن خلدون انتشار الإسلام وانحساره وكأنه إمبراطورية عسكرية، المصدر
السابق ص 78 •
وهكذا نرى أن أوصاف الدولة الشرقية تنطبق على ملاحظات
ابن خلدون، فهى ملكية تستمد أسسها من الدين، الثقافة وتهدم الزمن». المصدر السابق ص 085
بمرور
إن قرطاجة القديمة قد ساهمت في إعداد البربر لاعتناق الديانة
الإسلامية». المصدر السابق ص 101
•
وفي زحمة الغزوات والانتصارات والهزائم والمجازر التي تميز بها الفتح العربي في المغرب، تتبادر إلى أذهاننا واقعة واضحة: جميع المعارك كانت باتجاه طنجة وتيارات) تيهرت (وحول الأوراس المصدر
السابق ص 104 0 (1/222)
صفحة 223
223
وحين نرى أن المغرب المسلم يتفوق على جيرانه الأسبان والصقليين والمصريين، فلا يغرب عن بالنا أبدا أن جهودهم قد عبئت منذ العهد
الروماني» • المصدر السابق ص 127 •
ولكن ما الذي جعل المسيحية تنهار في الشمال الإفريقي، إن أعظم هدية قدمتها روما للمغرب إنما هي إدخال الجمل إليه، والجمل هو الذي أسهم فى انهيار دولة الروم، المصدر السابق ص 127 •
إذن كيف للبدو الرحل أن يحملوا ظاهرة حضارية إلى البلدان الأخرى؟ أو لم يقل فيهم ابن خلدون الذى يحبهم أنهم يهدمون بيتا بكامله ليستخرجوا حجرا لموقدهم. كما يرى رينان من جهته أن الساميين يرفضون فكرة الدولة» • المصدر السابق ص 141
•
وهنا يطرح سؤال: كيف ازدهرت بلاد الكلدانيين، وصقاية وبلاد الأندلس تحت الحكم العربي رغم بداوتهم، وكذلك كيف لهم ـ وهم الرحل - أن يأتوا إلى بلاد المغرب بحيوان مفيد كالجمل فلو فعلت روما ذلك لما بدا الأمر مستغربا نظرا لطبيعة الاستقرار التي تميز شعبها» المصدر السابق ص 141
هذه مقتطفات يسيرة نقلتها عن بعض كتابات المستشرقين التي كانت تحت يدى حين كتابة هذا الفصل، وبالرجوع إليها يتضح للقارئ الكريم أن المستشرقين كانوا حريصين جدا على أن يشككوا في أن الإسلام دين سماوى، وهم يحاولون أن يؤكدوا للقارئ أنه امتداد للهيلينية المسيحية، أو الغنوصية، وأنه استفاد من القانون الروماني استفادة كاملة حتى أنه لا تخلو مسألة. من مسائل الإسلام من آثار (1/223)
صفحة 224
224 -
القانون الرومانى ثم هم يحاولون أن يصوروه في موقف من الحرب
العنيفة مع العلم، وأنه قضى على آثار علم الأوائل، وأحرق المكتبات
ومنع
أتباعه
التغلغل في العلوم العقلية من
•
وفوق كل ذلك فقد حرصوا كل الحرص أن يصوروا الفاتحين المسلمين الأول، بأنهم إنما حملهم على الفتح ما هم فيه من فقر وحاجة وشظف عيش. وأن الفتوح عندهم هي وس ائل غنيمة وإثراء فقط. وقد بالغ
بعضهم
في
تصوير
هذا
حتى بلغ حد السخف والوقاحة.
راجع إن شئت الفقرة التي اشترك فيها المستشرقان تسيهروبل فالحاجة المادية والطمع أوجدا هؤلاء الجنود والغزاة الذين كانوا يقاتلون على طمع الدنيا» •
أما المستشرق جوتييه فقد بلغ به الحنق على العرب إلى حد أفقده صوابه حتى أنه حاول أن ينكر عن العرب ـ لأنهم بدو في نظره ـ
شيئا يرتبط بالبدو طبيعة وبداهة
هذا
•
وعد إن شئت إلى إحدى الفقرات
-
السابقة لتقرأ فيها ما يلى: «كيف لهم - وهم الرحل ـ أن يأتوا إلى المغرب بحيوان مفيد كالجمل، لو فعلت روما ذلك ما بدا مستغربا» كلام جوتييه وهو يرى أن العرب ـ وهم بدو ليست من حقهم أن يسوقوا الجمل لأنه حيوان مفيد وكان يجب عليهم أن يتركوا ذلك لروما، ولعل شدة الحقد والتنكر والتشكيك تبدو واضحة فيما يلى:
وهنا يطرح سؤال: كيف ازدهرت بلاد الكلدانيين وصقلية وبلاد
الأندلس تحت الحكم العربي رغم بداوتهم»؟ (1/224)
صفحة 225
225
إن المستشرقين يريدون أن يزرعوا في ذهن القارئ أن الدين الإسلامي دين بشرى من وضع العرب، وأن هؤلاء العرب عبارة عن مجموعات من العدو يسيطر عليها الجوع والحرمان في بلادهم فانطلقت غازية تبحث عن الدنيا. وأن الأمة الإسلامية على العموم والعربية على الخصوص لم تقدم في الواقع - للإنسانية شيئا وما قام تحت حكمها من مظاهر الحضارة كان معبأ من الحضارات السابقة. وحتى اعتناق البربر للإسلام لم يكن اقتناعا به ولا محبة فيه وإنما كان نتيجة لروح قرطاجة المتغلغلة فيهم «إن قرطاجة القديمة قد ساهمت في إعداد البربر للديانة الإسلامية». هكذا يقول جوتييه
-
إن وضوح السموم المدسوسة في ثنايا هذه الكتابات لا تحتاج إلى
الكشف والإظهار.
4 ـ وضع المرأة:
ربما كانت المرأة من أهم القوى التي استعملها الغرب في محاربة الشرق • فإن الصليبية بعد فشلها عن مواجهة الإسلام بقوة السلاح راجعت أساليبها، وتحققت أنها لن تنتصر انتصارا حقيقيا كاملا على المسلمين في معارك الحرب والقتال. فبدأت تغزوهم بوسائل أخرى في هدوء وأناة
•
ومن تلك الوسائل استغلال المرأة
•
كانت وسيلة الغرب فى استغلال المرأة تتخذ اتجاهين
•
الاتجاه الأول:
هو تقديم المرأة الغربية نفسها لتتولى تحطيم الحصانة الخلقية
(م 15 - الاباضية) (1/225)
صفحة 226
226
والدينية من المجتمع الشرقى، والقضاء بوسائل المرأة الفردية على مقاومة الرجولة عند ذوى النفوذ والتأثير. سواء كان ذلك في أفواج سيدات البلاطات والمجتمعات الراقية اللائى يقدمن تحت اسم التقدم الحضاري والمجتمع الراقي الى ذوى النفوذ والسلطات والمال فتسلطن عليهم وأوهن عزائمهم بشغلهم في مجال عاطفى بعيد عن اليقظة والتفكير والحزم.
وكان ذلك في أفواج الفئات وطالبات الهوى اللواتي اشتغلن بجد في زرع الشهوة والمباذل بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة فشغلها بأنواع السكر والمخدرات والحشائش والفجور عن واقع الحياة. وقد نجحت امرأتهم ـ بما تحمل معها من مساعدات في هذا المجال نجاحا عجزت عنه الجيوش والأساطيل
الاتجاه الثاني:
•
يتعلق بالمرأة الشرقية نفسها ومحاولة إخراجها من قيمها وأخلاقها والتزاماتها لتلتحق بالمرأة الغربية فتساعدها أو تتسلم منها الدور فتقوم به هي بدلا عن تلك الغربية التي يتوقعون أن ردود الفعل قد تبعدها في يوم من الأيام وترحل عن المنطقة.
وقد نجحت فكرتهم هذه أيضا بعض النجاح، وحاولت المرأة الشرقية والمسلمة أن تقوم بنفس الدور الذي قامت تلك المرأة الدخيلة فتزرع في حياة المجتمع الشهوة العارية التي تشغل عن الكفاح المستمر المطلوب رسالة. الواقع أن المرأة الشرقية ولا سيما المسلمة لا تزال
أمة ذات من
في مبدأ الطريق، تتلمس خطاها
-
مترددة في حذر وإشفاق. ولكن
-
المؤسف أن جميع الأيدى تدفعها بكل قوة الى النهاية المؤلمة (1/226)
صفحة 227
227
والمستشرقون وهم يعرضون القضايا الإسلامية بأساليبهم الملتوية لا يغفاون موضوع المرأة بكثير من الوقاحة والتجني والدس، محاولين أن يسيئوا الى الشرق عموما والى الإسلام خصوصا، عاملين بما في وسعهم من دهاء الاستعمار ومكره على جذب المرأة المسلمة إليهم وجعلها تعتقد أن الإسلام أساء إليها، ولم يعطها حقها الإنساني تتمتع به كما تتمتع به المرأة الغربية. ليمكن لهم أن يوجهوها ـ توجيها غير مباشر ـ الى الاستمرار فى أداء وظيفة المرأة الغربية في الشرق
ولعل في بعض المقتطفات التي نعرضها فيما يلى تتعرى أصابع المستشرقين الدساسة، وتتضح نواياهم الكائدة
•
يقول المستشرق الفرد بل فى كتابه: (الفرق الإسلامية في الشمال
الإفريقي) صفحة 51 ما يلي:
ويمكن أن نفترض أى الزوجة الشرعية كانت كما لا تزال اليوم ملكا لزوجها. اشتراها من أهلها، مقابل سعر يتفق عليه، والجارية المسرى بها يمكن أن تكون عن شراء مماثل، أو عن سبي في حملة حربية مثلا. وحتى فى الزواج بواحدة فإن مركز المرأة قلق» •
وبعد أسطر يقول:
-
وإذا كان لهذا – أى الزوج - لا يسمح لزوجته بالزنا، فالسبب
في هذا أولا هو أنه لا يريد أن
يمتزج دم أجنبى بدم أبنائه، لأنه قوام
الأسرة هو رابطة الدم، وثانيا لأنه لما كانت الزوجة ملكا له اقتناه، فإنه
لا يسمح بأن يشركه في ملكه أحد غيره).
• (1/227)
صفحة 228
228
-
وهذا التصور للزواج يؤدى إلى نتيجتين رئيسيتين: الأولى هو أنه في عرف البربر وكذلك الشريعة الإسلامية ـ يعد زنا الزوجة جريمة من جرائم القانون العام، يعاقب مرتكبها بالموت. والنتيجة الثانية هي أن الزوج له وحده دون الزوجة حق تطليق امرأته حين يريد وكما يريد، والزوجة لا تستطيع حتى طلب الطلاق مهما أساء الزوج معاملتها. والزوج الذي يطلق زوجته يمكنه أيضا أن يطالب باسترجاع ثمن الشراء من الأب، أو الزوج الجديد» •
هذه الصورة التي عرضها هذا المستشرق هي إحدى الدسائس الاستعمارية المبنية على الكذب للكيد والتي يراد منها تضليل الشباب المسلم عن واقعهم وتنفيرهم من دينهم واستجلاب سخطهم على الشريعة التي أنزلها الله لسعادتهم وسعادة البشرية من ورائهم لقد حاول المستشرق وهو يتحدث عن تاريخ البربر القديم ثم يتسلل برفق الى تاريخهم الإسلامي ثم يتسلل برفق أيضا الى الشريعة الإسلامية – أن يضرب هذه الأمة المسلمة فى المغرب ويضرب الشريعة الإسلامية معها بأقوى ما عنده.
الماكر
-
والملاحظة اليسيرة التي أريد أن أقولها للقارئ في هذا الصدد أن للسنشرق أن يتحدث عن البربر وغير البربر قبل الإسلام بما شاء وشاء له الهوى فإن الحديث عن الجاهلية في جميع الشعوب لا تعنينا. وليس لدينا عنها صور صحيحة. أما أن يأتى الى الأمة المسلمة في الشرق والغرب ويتجنى عليها وعلى الإسلام. فإن هذا الموقف يجب أن يكون له
عليه حساب
•
تصويره لعملية الزواج بأنها عملية بيع وشراء وأن المرأة تسلم فيه (1/228)
صفحة 229
229
الكذب
للزوج مقابل ثمن يدفع للأب أو للزوج الأسبق من أرخص أنواع والافتراء عن البربر في العهد الإسلامي وعن الإسلام. وصاحب هذا الافتراء ـ سواء كان المستشرق أم أنه كان غيره ليس له حياء يعصمه ولا كرامة يحرص عليها والا أجاز لنفسه أن يكذب عن الإسلام والمسلمين هذه الكذبة البلقاء
•
-
التي
والنتائج التي توصل إليها فزعم أن في عرف البربر وفي الشريعة الإسلامية أن زنا الزوجة جريمة يعاقب عليها القانون بالموت. هو تحريف للحكم الشرعي. لأن البربر يعملون بالإسلام والإسلام يعتبر جريمة سواء صدرت من زوج أو زوجة أو من غيرهما أو قد قرر لهذه الجريمة عقوبة تختلف في بعض الأحوال فهى للمحصن – سواء كان ذكراً أو أنثى ـ الموت بطريقة الرجم وهى لغير المحصن الجلد وأحكام الشريعة تتساوى عند البربر والعرب والفرنسيين إن كان فيهم مسلمون والصورة يقدمها هذا المستشرق بأن المرأة في الإسلام بضاعة تشترى بالثمن وأن الثمن الذي يدفعه الزوج يسترده إذا طلقها - وما يتبع هذه الصورة من خيالات وأوهام يراد بها إثارة المرأة المسلمة بالدرجة الأولى ثم سماحة الإسلام - هي ولا شك إحدى الدعايات الفاجرة التي حرص الاستعمار أن يضلل بها عقول الشباب الذين لم يدرسوا الإسلام ولم يعرفوا حقيقة القواعد والأصول التي جعلها أسساً ودعائم اتكوين البيت والأسرة وأحسب أن هذه الصورة وحدها كافية لأن يعرف القارئ الكريم المستشرق الفرد بل في خدمة الثقافة الإسلامية هذا الرجل الذي كان في خدمة إدارة الحماية الفرنسية منذ سنة 1914 والذي بقى يوالي جهوده في المغرب متنقلا بين عواصمه وقراه تكفل له الدولة
تشويه.
جميع
جهود
المساعدات
ما يقارب ثلاثين سنة من عام 1914 الى عام 1942 أنه ولا شك واحد (1/229)
صفحة 230
230
من تلك الشخصيات التي كانت تعمل جهدها فى تركيز الاستعمار وخدمة الغرب متسترة بخدمة العلم والثقافة.
وهو ولا شك بهذه الإقامة الطويلة فى مكان قد اكتسب سمعة واسعة بين المستشرقين والمهتمين بمثل هذه القضايا وربما يعتبر قوله حجة وشهادته لا ترد.
وقول المستشرق إميل فيلكس جوتييه فى كتابه (ماضي شمال إفريقيا) ترجمة هاشم الحسيني ما يلي:
«فقد تخلى ــ أى سبتيموس - عن جميع حسان بلاده ليقترن بامرأة
سورية». ص 93 ويقول:
واحتفظ سبتيموس بجوليا على الرغم من فضائحها وتآمرها
عليه. وهذا إن دل على شيء فعلى عمق الصلة بين ذلك القرطاجي وتلك
الفينيقية» • ص. 93 ويقول:
عائلة ثم إن كركولا تزوج على غرار أبيه من امرأة سورية من جوليا أمه، أراد بذلك أن يخلق لنفسه جواً عائلياً شرقيا، حتى إن مؤامرات الحريم كانت كما في الشرق. أو لم تدفع جوليا ابنها كركولا لقتل أخيه جيتا؟ صحيح أن هناك سابقة عند آغر بين أم نيرون. ولكن مضى عليه مائة وأربعون عاما، ناهيك بأن قتل الأشقاء، ومآسي الحريم في الممالك الشرقية من الحوادث العادية التي ترافق تغير العهود» • المصدر 94 ويقول:
إبنة البطريق جرجير التي سموها آمنة وقالوا إنها كانت
نفس
من (1/230)
صفحة 231
231
نصيب واحد من الأنصار فوضعها هذا على ظهر جمل، وسار بها وهو يردد: يا إبنة جرجير ستسيرين مشيا على الأقدام، ففي الحجاز تنتظرك
سيدتك، حيث ستحملين الماء في القرب» •
المصدر السابق ص 175 ويقول:
تمثل بنوع خاص وضع امرأة أورستقراطية مرفهة وقعت في أيدى
بدو رحل، لقد كان من الذكاء بحيث أدركوا معنى المأساة، ومن القوة
بحيث أبوا إلا يستمتعوا بها).
•
المصدر السابق ص 175 ويقول:
وقضية العائلة ووضع المرأة أمران مهمان ولا ريب وما من هوة أعمق من هذه الهوة بين الشرق والغرب». المصدر السابق ص 102
ويقول:
ولم يذكر غيزل سوى امرأتين لم تكونا في عداد الحريم» • المصدر
السابق 102 ويقول:
وخليق بنا هنا الى أن نشير لنقطة بمهمة تتعلق بموضوع المرأة الشرقية الذي لم يتفهمه الغربيون • فصحيح أنها تعيش منعزلة، ولكنها تحافظ على وضعها كامرأة، وقد تكون رغم جهلها أكثر اندفاعا عنفا وشدة من المرأة الأوروبية، وكلنا سمع بمكائد الحريم» • المصدر السابق 102 هذا مستشرق آخر بدأ خدمته للاستعمار الغربي من جزيرة مدغشقر
ثم التحق بالجزائر، قد بذل جهودا مضنية لخدمة الاستعمار تحت ثوب
البحوث العلمية. (1/231)
صفحة 232
- 232
وفى أثناء كتاباته عن الشرق عموما وعن المسلمين خصوصا يحاول أن يدس صوراً مشوهة، أصولها مستقاة من كتب القصص كألف ليلة وليلة وغيرها بينما يحاول أن يشكك بما أوتي من جهد ـ في المصادر الحقيقية فهو ـ في موضوع المرأة – يركز على فكرة الحريم كما يتصورها
الغربيون:
-
مجموعات كبيرة من النساء يحبسن في قصر واحد ليستمتع بهن رجل واحد. فهن يعشن في عالمهن الضيق في كيد ومؤامرات للحصول على قلب ذلك الرجل. وهو يلح فى إعادة هذه الصورة الى الأذهان بل إنه يستشهد بغيزل الذى لم يذكر سوى امرأتين اثنتين ليستا من الحريم. ولا شك أن تجمع النساء وصراعهن وكيدهن وممارستهن للبغاء والفجور السرى والعلنى فى قصور الملوك وفى قصور الأمراء والأستقراطيين في فرنسا وفي غيرها من بلاد أوروبا وصراع البغايا والمحظيات مع الزوجات الشرعيات، وتسلطهن على الملوك ورجال الدولة وتسيرهن في كثير من الأحيان دفة الحكم من وراء ستار وتأثيرهن على السياسة العامة داخلية وخارجية ومظاهر الحب والخيانات وتعارض رغبات الغانيات مع أحكام
الكنيسة، وتدخل السلطة الحاكمة ضد الكنيسة لحمايتهن وحماية عبثهن
•
صور واضحة في تاريخ أروبا لا يمثل ما في الشرق جميعه جزءا يسيراً، منها لكن كل ذلك مستساغ وحسن ما دام فى أوروبا وهو يدل على تقدم المرأة الغربية وثقافتها في منطق المستشرقين أما المرأة الشرقية فمع جهلها قد يكون اندفاعها أعنف هكذا يقول جوتييه
ولعله من السهام المسمومة التي يريد أن يوجهها الى الفاتحين المسلمين في هذا الموضوع هو تلك الصورة التي رسمها للجندى المسلم الفاتح (1/232)
صفحة 233
-
233
حين أسر ابنة جرجير، هى كما يقول: فتاة أوروستقراطية مرفهة فيركبها جملا ليذهب بها من إفريقيا الى جزيرة العرب ولا يكفى هذا بل يتغنى بمأساتها فيقول لها ستسيرين على الأقدام حتى تصلى الى سيدتك التي تنتظرك لتحملى لها الماء فى القرب. ويعلق على هذه الصورة بقوله إن العرب من الذكاء بحيث يدركون هذه المأساة ومن القسوة بحيث يستمتعون بها. ولا شك أن ملايين النساء الشرقيات المرفهات اللائي لقين أسوأ فنون التعذيب بأيدى الاستعمار الغربي الممتد منذ عهود الرومان الى آخر عهود فرنسا في الجزائر لا يلفتن النظر ولا تعتبر قضاياهن مآسى ولا معاملتهن بتلك الوحشية قسوة.
وليت شعرى كيف استطاع المستشرق غيزل أن يبحث عن المرأة في المجتمع الشرقى كله فلم يجد فيه إلا امرأتين ليستا من الحريم؟
هذه أساليب المستشرقين وهم يكتبون عن قضايا الشرق عامة
خاصة
وقضايا الإسلام.، متسترين بالبحث العلمى
•
ولا شك أن بعضهم قدم خدمة قيمة في الميدان العلمى ولكن البعض الآخر حاول أن يدس في أبحاثه ما يظنه خدمة للأغراض الاستعمارية
أو ما توحى به العصبية سواء كانت عصبيته دينية أو كانت عصبيته ولعل إميل فيلكس جوتييه يمثل الجانب المتهور في
للغرب على الشرق هذا الموضوع. وكتاباته لا تتسم بأسلوب الباحث وإنما تتسم بصيغة الرائد الذي يمهد للغزو أو يبرر الغزو الواقع من دولة واقعة على شعب يخضع للحكم ويصبر عليه ويقدم السمع
يرى جوتييه أنه
يجب
أن
والطاعة. (1/233)
صفحة 234
-
234
ولعل القارئ الكريم يريد أن أضع بين يديه مقتطفات أخرى من
كتابات إميل جوتييه، يقول:
وهنا نلقى نظرة على ما نسميه تاريخ المغرب في العهد الإسلامي لنجد أن الذاكرة لا تستطيع حصر الحوادث المتشعبة المتشابكة، والحروب العديدة التي لا تعرف أسبابها ونتائجها في تلك الفترة»
فما أن تقوم مملكة حتى تنهار. وتنشأ على أنقاضها أخرى بدون سبب واضح أو نتيجة ملموسة. إنه تاريخ خاو جاف بل أقول صحراء قاحلة لا تعرف أولها من آخرها. المصدر السابق 77 وتقول «والواقع
أن حياة البداوة هي التي ميزت التنظيم السياسي في الشرق والبداوة نفس المصدر 80 وتقول «ذلك إن التي تميز الشرق عن الغرب»
هي
إفريقيا قرطاجنة والاندلس بلدان عريقان ثقافيا وهما الوحيدان في المجال الإسلامي بالمغرب، على أن العنصر الذي لعب دوره هنا هي فترة ما قبل الإسلام وما هيأتهم لاعتناق الديانة الجديدة» • المصدر السابق ص
ويقول:
104
وأيسر ما يثير انتباهنا في زحمة الصراع بين الشرق والغرب في بلاد المغرب انهيار النفوذ اللاتينى والمسيحى فى إفريقيا» • المصدر السابق ويقول:
وقد شاءت الامبراطورية الرومانية أن تخلق ثورة مثل هذه الثورة
ونجم عنها عن غير قصد هزات اجتماعية وسياسية خطيرة» المصدر ويقول:
نفس (1/234)
صفحة 235
235
«لقد عرفت إفريقيا عهدها الذهبي زمن الرومان فازداد عدد سكانها وانتعشت اقتصاديا وأضافت روما لمآثرها الأخرى إدخال الجمل
الى البلاد، المصدر نفسه ويقول:
إن إفريقية هي مهد المقاومة المغربية نظرا لتأثرها بالحضارة
اليونانية والرومانية» • المصدر نفسه ويقول:
وليس تصرف كهذا أمراً مستغرباً في هذه البلاد، لكننا نستهجنه نحن الذين سرنا منذ ثلاثة آلاف سنة من مفهوم المدينة القديمة الى
مفهوم الوطن» • المصدر نفسه ويقول:
ذلك لأنها تحولت تدريجيا فأصبحت بلاد الشاوية، وتبدد ما بقى
من ثروات زراعية وفلاحين رومان في القرن السابع، سادت حياة التنقل بين السهل والجبل» • المصدر نفسه.
ولعل من الطريف أن أختتم هذا الفصل بملاحظتين مبنيتين على
استنتاجات مضحكة للمستشرق الكبير
الملاحظة الأولى يقول فى نفس الكتاب صفحة 153 ما يلى:
ولابد لنا هنا من ذكر القرابة بين الزناتية واليهودية في الأصل فالكاهنة أول أميرة على الزناتيين كانت تحمل اسما يهوديا، فكاهنة تذكر بكوهين» •
أرأيت التعمق فى البحث ودقة الاستنتاج وسلامة المنطق أول أميرة على الزناتيين هي الكاهنة. ولفظ الكاهنة قريب من كوهين. وكوهين (1/235)
صفحة 236
236
اسم يهودى إذن فالعلاقة وطيدة بين زناتة واليهود. ونسى هذا المستشرق الكبير أن اسم هذه الأميرة) داهيا (لا كاهنة وأن كلمة كاهنة كلمة عربية أطلقها عليها العرب لأنها كانت تمارس أعمال الكهان ولابد أن لمعنى هذه الكلمة لفظا بربريا كان يطلق عليها فلما جاء العرب ترجموه إلى هذه اللفظة واختفت اللفظة البربرية، أو أن العرب من مبدأ الأمر أطلقوا عليها لفظ الكاهنة حين لاحظوا أنها تقوم بأعمال الكهان ومهما كان الأمر وحتى لو أن اسمها كان كاهنة أو أن اليهود كانوا يسمون كوهين لما كان التشابه هذه الأسماء معنى ولا يصح أبدا أن نربط بينها علاقة لمجرد تشابه لفظتين وإلا فالمسلمون اليوم يسمون موسى وهارون وإسحاق وسليمان وداود فما رأى المستشرق الكبير في هذا • أحسب أنه ليس أبعد في السخف من هذا
الملاحظة الثانية يقول في نفس الكتاب ص 153 ما يلي:
ومن المعروف أيضا أن ثورة يهودية قامت في عصر الإمبراطور تراجان انطلقت من برقة. وقد شدد رينان كثيرا على هذه الثورة. قام هؤلاء وعلى رأسهم شخص يدعى لوقوفا، اعتبروه ملكا عليهم – بعمليات ذبح واسعة النطاق لليونانيين والرومان، وأكلوا لحمهم، وتلذذوا بتلطيخ أيديهم بدمائهم، منتزعين جلدهم عن أجسامهم ليجعلوا منه ثيابا يرتدونها. ويقدر عدد سكان برقة الذين قضوا على هذا النحو بحوالي مائتي وعشرين ألفا، أى أن جميع السكان قد ذبحوا تقريبا، وتحولت البلاد إلى صحراء قاحلة من جديد ولا تدل وقائع كهذه على مدى التعصب الديني لليهود وحسب. بل على أن هؤلاء كانوا منظمين
أحسن تنظيم» (1/236)
صفحة 237
إننى أترك هذه الفقرة لحكم القارئ دون تعليق.
مع إميل فيلكس جوتييه
كتب بعض المستشرقين عن الإباضية كما كتبوا عن غيرهم من
المسلمين
ولعل نقط الانطلاق التي يبدأ منها المستشرقون مسيرتهم ـ حين يكتبون عن القضايا الإسلامية خاصة. وقضايا الشرق عامة ــ هي فنظرة واحدة، يستطيع الدارس أن يحددها ويرسمها في وضوح في كتاباتهم
أما الدوافع التي تدفع أحدهم إلى الكتابة عن بلد أو قضية أو فرقة.
فهى
تختلف من
شخص إلى شخص. ومن دولة إلى دولة. وإن كانت غالبا ما تتلاقى فى أصول ثابتة عندهم لا تعدوها. وإنما تتسم كتابة كل واحد منهم بطابعه الخاص المميز. حسب تكوينه الخلقي، وإدراكه لنوعية القارئ الذي يقصده بالذات، ويتجه إليه برغبته في إحداث التأثير عليه، وإقرار مفاهيم معينة في ذهنيته • ثم مدى حماسته لدوافعه ومدى تمكنه من السيطرة على انفعالاته، وإحساساته، وتأثراته
الحقيقية
النفسية بالأحداث والقضايا التي يعالجها
من
ينظر المستشرقون إلى الإباضية - عندما يتحدثون عليهم نفس الزاوية التي ينظر منها أكثر المؤرخين. فيعتبرونهم فرقة من فرق الخوارج وليس هذا فحسب بل إنهم ينسبون إليهم جميعا كل ما يصدر عن شواذ الخوارج وعن المغامرين من طلاب الحكم أو المال لهم حركات عنف في جهة من الجهات.
ممن
كانت (1/237)
صفحة 238
238
-
بين يدى الآن مجموعة من كتابات المستشرقين الذين تحدثوا عن الإباضية وسوف آخذ منهم نموذجين للمناقشة
الأول: إميل فيلكس جوتييه كنموذج للمستشرق المتطرف الذى لا يخفى عصبيته للغرب، ولا محبته لاستعمار الشرق ولا أسلوبه في
الكبد.
والثاني: كارلو الفرنسيو فايبنو كنموذج للمستشرق الذي يسير وفق منهج علمي واضح.
وفى هذا الفصل نقف وقفات قصيرة مع المستشرق جوتييه في كتابه ماضي شمال إفريقيا» والحقيقة أن القارئ المنصف عندما يقرأ هذا الكتاب يحس بالكيد الاستعمارى فى كل صفحة من الكتاب، وتتراقص أمام عينيه الدسائس في كل موضوع، وإلى القارئ الكريم بعض الصور الواضحة التي تتبدى له وهو ماض في القراءة:
1 - حرص شديد على إثارة النزعة القبلية بين البربر. والعمل على تذكيرهم بأنهم ينتمون إلى قبائل شتى مختلفة تنتمى كل واحدة منها إلى عرق. وأن بعض تلك القبائل كانت مؤهلة لأن تحكم وتسود، وأن قبائل أخرى لا تستحق ذلك الشرف. وأن صراعا عنيفا وقع بينها تغلبت فيه هذه على تلك بسبب ظروف خارجية هي مجيء الإسلام
ومساعدته لبعض تلك القبائل على بعض فضيع عليها فرصا للمجد وهذه الصورة واضحة تتراءى لك في كل موضوع.
2
•
محاولة إثارة العنصرية بين العرب والبربر، واعتباره المعارك (1/238)
صفحة 239
-
239
-
الحامية التي وقعت زمن الفتح الإسلامى ليست هي معارك بين الإيمان والكفر وإنما هي معارك بين عرق وعرق • أو هي معارك بين غاز يريد الاستعمار والاستثمار، ومدافع عن بلاده وخيرات أرضه. يكذلك ما وقع من ثورات وحروب بسبب انحراف الحكم يردها كلها إلى صراع،
ذلك بعد قبلي عرقي ليس أكثر.
التهوين من شأن البربر من الناحية الحضارية عند مقابلتهم بالعرب والتهوين من شأن العرب أيضا من هذه الناحية عند مقابلتهم بالرومان أو الإغريق أو حتى بالأمم الشرقية المجاورة لهم كالفرس.
4 ـ الرفع من قيمة الرومان وإرجاع ما في المغرب من مظاهر الحضارة والازدهار فى القديم إليهم وحدهم أما في الحديث فإلى فرنسا.
ه ـ الحرص على تصوير الخوارج عموما في شمال إفريقيا بأنهم بدو، ولا يمكن أن تقوم على أيديهم حضارة، وإعطاء هذه الصورة نفسها عن البربر أيضا وعن العرب. وإرجاع التراث الحضاري الإسلامي إلى ما يسميه الحس الحضاري - العميق الجذور الباقي والمترسب عن الشعوب التي استعدت المغرب قبل الفتح الإسلامي وأهمها
الرومان
-
6 ـ الزعم بأن الحضارة التي قامت في العهود الإسلامية إنما قامت في نفس الأماكن التي قامت فيها الحضارة قبل الإسلام ـ بالحس السابق، حتى أن المدن الهامة في المغرب الإسلامي إنما
الحضاري
-
قامت على أنقاض المدن الهامة في العهد الروماني • (1/239)
صفحة 240
V
تصوير حركة الخوارج بأنها هرطقة تستمد جذورها من
الدوناتية المسيحية.
هذه بعض الصور التي تلمسها وأنت تقرأ ما كتبه جوتييه عن الإباضية ولا شك أن صورا أخرى كثيرة تبدو لك وأنت ماض في قراءة
الكتاب.
أما فيما يتعلق بالإباضية فلعل القارئ يرافقني في الخطوات القصيرة الآتية: يتحدث المؤلف عن الإباضية تارة ضمن الإطار الخارجي، وتارة يخصهم بالحديث حيث يقول فى كتابه) ماض شمال إفريقيا) ترجمة هاشم الحسيني نشر الفرجاني ص 200 ما يلى: «ولكي نفهم مذهب الخوارج ينبغى ألا نعزله عن غيره، بل يجب أن نقر به من الثورات الأخرى التي عرفها المغرب، حيث نجد وراء الهيجان الديني انتفاضة للمشاعر الطبقية والعرقية، والخارجية شبه شيء بهرطقة مسيحية هي
•
الدوناتية، وقد ولدت في عصر كان فيه كل شيء مطبوعا بالطابع الديني. وقد شدد ماسكوراى على وجود شبه بين الدوناتية والخارجية». ويضيف المؤلف إلى هذا القول فى صفحة 202 ما يلي:
فماسكوراى على حق إذن في ذكر الشبه بين الخوارج والدوناتية، لا بل إن الخارجية هى الدوناتية عينها منقولة عن الإطار المسيحي إلى الإطار الإسلامي» • هذا نمط من أنماط التحليل والحكم عند جوتييه أى لكي نفهم معنى الخارجية يجب أن نقربها إلى غيرها من الثورات الواقعة في المغرب، وتلك الثورات إنما قامت على
-
في نظر جوتييه الهيجان الديني والمشاعر الطبقية. وليس فى هذا ما يمنع أن تكون (1/240)
صفحة 241
—
241 -
الخارجية في الإسلام هي المعصور حتى وانتها ظروف الظهور فظهرت فى هذا النمط. أي أنه حتى
الدوناتية المعروفة في المسيحية، وانتقلت عبر
من
الانحرافات والتطرفات عند المسلمين ينبغي أن تكون مستمدة المسيحية، أو من الغرب، ذلك أن الشرق بما فيه ـ حسبما يريد
الاستشراق - ليس له قوة الحركة والانتفاض والحياة
ويقول جوتييه فى نفس الكتاب ص 207 ما يلي:
•
وينقسم خوارج المغرب إلى فرقتين: الصفرية والإباضية وتمثل الصفرية التطرف، والإباضية الاعتدال، وهم أشبه بالبلاشفة والمناشفة، تباعد بينهم كراهية عميقة الجذور. لقد هاجم صفريو نغزاوة وورفجومة
مدينة القيروان بوحشية لا نظير لها»
ثم يقول في صفحة 209 ما يلي:
•
وقد زحف أباضيو طرابلس من زناتة وهوارة لمحاربة بنى ورفجومة، وانتزاع بقايا القيروان منهم. على أن تدخل هؤلاء لم يكن بدافع إنساني محض. إذ ليس من المستبعد أن يكونوا قد شعروا بالحسد من إخوانهم في المذهب، وأرادا أن يظفروا لأنفسهم ببعض الفائدة» هذا منطق المستشرق جوتييه فى مناقشة الأحداث وتحليل بواعثها وتعليل الدوافع إليها. يفترض أولا أن الإباضية والصفرية إخوان في المذهب، ويفترض ثانيا أن عداوة عميقة الجذور - كالتي بين البلاشفة والمناشفة - تقوم بينهم ويذكر أن الصفرية قاموا باحتلال القيروان وارتكبوا فيه كثيرا من الفضائح ثم يذكر أن الإباضية سارعوا إلى طرد الصفرية من (م 16 - الاباضية) (1/241)
صفحة 242
242 1
القيروان. ويفترض ثالثا أن عمل الإباضية هذا لا ينبعث من دافع إنساني، ويفترض رابعا أن هذا الدافع الذي دفع الإباضية إلى استخلاص القيروان من أيدى ورفجومة إنما هو الحسد لإخوانهم في المذاهب ثم الظفر لأنفسهم ببعض المكاسب • قصور في الافتراضات يرفع بعضها على بعض دون أساس أو على أساس من الوهم • وتصور وتصوير العلاقات بشرية، ونوازع نفسية لاثنين على علم ولا تستند على خبر. وإصدار أحكام على حركات قامت قبل قرون تناقض كل المناقضة ما تذكرها عنها كتب التاريخ والسير العربية • فما الأسباب التي يستند إليها المستشرق جوتية فى افتراض الفروض وإصدار الأحكام على الوقائع وعلى دخائل النفوس. إنه لا شيء مطلقا غير دعوى عريضة وقياسات على ما عند الغربين، إنه يقول إن الإباضية طردوا الصفرية من القيروان حسدا وطمعا في بعض الفائدة. والحسد دافع نفسى خفى كيف فطن له هذا المستشرق الذكي بعد مضى هذه القرون الطويلة.
-
هي
إنه لو اقتصر على دعواه أنهم يطلبون لأنفسهم بعض المكاس رغم أن كتب التاريخ تكاد تجمع أن الإباضية في استيلائهم على القيروان لم يأخذوا منها شيئا ألبتة ما عدا خرجا سرقة أحد المقاتلين فلما انكشف عوقب عليه وعزر أمام أعين الجند جميعا - لكان لدعواه خطأ فى النظر. لأن نظرة المستشرق جوتييه إلى حركات الدول والشعوب لا تنبعث إلا من الفهم الاستعماري، والفهم الاستعمارى لا يتحرك إلا بعد تقدير الفوائد والمكاسب والمغانم. أما ما عبر عنه هو بالدوافع الإنسانية فقد قتلت في الحس المغربي في معاملته. والدوافع الإنسانية في الحس الغربي إنما قتلها حملة الأقلام والألسنة، قبل أن يقتلها حملة السلاح وطلاب المطامع (1/242)
صفحة 243
- 243
وما من
حملة عسكرية وجهها استعمار الغربي إلى الشرق في التاريخ القديم أو الحديث حتى تلك التي سبقت الديانات إلا وقد مهدت لها ألسنة وأقلام سابقة، وبرزتها السنة وأقلام مرافقة، وأثنت عليها ومجدتها وأقلام لاحقة. وإنك لتقرأ اليوم للمستشرق جوتييه وأضرابه فتجدهم يبررون بل يمجدون جميع الحملات الاستعمارية التي قام بها الإغريق والرومان بل ويتحدثون عنها بشيء من الفخر والاعتزاز، ولا يبدو أنهم يحسون بأن تلك الحملات الاستعمارية في تاريخ سحيق كان الباعث عليها والدوافع إليها إنما هو الحصول على الفوائد، ولم يزعموا أن سببها كان الغيرة والحسد. ذلك أن للمستشرقين منطقين: منطق يعالجون به قضايا الغرب ومنطق يعالجون به قضايا الشرق. ولم يدخل في اعتبارهم أبداً أن الغرب والشرق يستويان فى أى مظهر من مظاهر الحياة، وإ كانوا يسبغون على جميع مواقفهم دعوى فضفاضة بأنهم متجردون للعمل تحت اسم البحث
العلمي
ويقول في صفحة 224 ما يلي:
وراء مملكة تاهرت شخصية مشرقة مرموقة كما هي حال المملكة
أصله
الإدريسية، والأسره الفاطمية، إنه عبد الرحمن بن رستم، ويرجع الى رستم الشهير الذى قاد الجيش الفارسي في معركة القادسية، وهو فارس من أحفاد، كسرى، ولا غرابة أن شاهدناه على رأس فئة من الهراطقة فى الوقت الى ازداد فيه النفوذ الفارسى زمن العباسيين».
هكذا يعلل جوتييه نجاح الدولة الرستمية بتغلغل التأثير الفارسي في الدولة العباسية. ولا شك أن التغلغل الفارسي – إن صح هذا التعبير - كان لتأييد الدولة العباسية وتثبيت دعائمها. ولا شك أن الدولة الرستمية (1/243)
صفحة 244
-
244 -
بزعامة عبد الرحمن ومن بعده كانت مناهضة للدولة العباسية فكيف استطاع جوتييه أن يوفق بين هذا؟ فيجعل سبب نجاح الدولة الرستمية إنما يرجع الى وجود يد فارسية، واليد الفارسية كان لها النفوذ الواسع في الدولة العباسية. فكيف سمح النفوذ الفارسي المتغلغل في الدولة العباسية أن تنشق عنه يد فارسية لتضرب هذه الدولة المبنية على النفوذ الفارسي. إنه تناقض واضح في المنطق وفى أحداث التاريخ لأن وجود عبد الرحمن ابن رستم في المغرب العربي لم يكن له أية علاقة بالقومية الفارسية ولا الفرس الذين تغلغلوا في الدولة العباسية. ولا بأمجاد الفرس التي انتهت بظهور الإسلام والسبب فى هذا واضح فإن عبد الرحمن قد انقطعت صلته بالفرس تمام الانقطاع وهناك حلقة من طفولته غير واضحة إلا أن كتب التاريخ تذكر أنه حج مع والده فتوفى والده بمكة وتزوجت أمه برجل من المغرب (القيروان (فرحلت معه ورحل معها طفلها عبد الرحمن وهناك في القيروان تكون عبد الرحمن في مجتمع مسلم فقط أهله العرب والبربر ولم يعرف أن أحدا من الفرس كان هناك فلا مجال أبدا للمحاولة في ربط هذه الحركة بحركات أخرى فى الشرق تنبعث من دوافع قومية.
من
إن المستشرق جوتييه يضع نصب عينيه فرضاً ثابتا لا يتحول عنه هذا الفرض هو أن الإسلام ممثلا فى مذاهبه كلها أو في بعضها لا تقوم على يده حضارة. فإذا قامت حضارة فى مكان ما فلا بد أن يكون هناك سبب خارج عن الإسلام والمسلمين وبما أن الدولة الرستمية قد قامت على يدها حضارة لا يمكن أن يكذبها التاريخ فالمستشرق جوتييه يعترف بوجود تلك الحضارة ولكنه ينكر أن يقوم بها الإباضية وإنما يعزوها لعاملين: الحس الحضارى الرومانى، والقومية الفارسية التي تمثلت في عبد الرحمن بن رستم • (1/244)
صفحة 245
- 245
وكأنما يريد أن يقول أن بيئة المغرب الإسلامي لا يمكن أن تنجب قيادات فإذا قامت فيها حركة فلابد أن تكون القيادة مندسة من جهة ما كما هو الحال الدولة الإدريسية والفاطمية والرستمية. وما دام الإباضية يمثلون في نظر (جوتييه (فرقة من الهراطقة مفتقرة الى زعيم فليكن هذا الزعيم فارسيا تغلغل في المغرب كما تغلغل في المشرق وأخوته من الفرس، وأن معارضاً للمخطط الفارسى فى تأييده للدولة العباسية. وهذا التمحل والتأويل كله لتسقيم فرضيات جوتييه *
ويقول جوتييه في صفحة 227 ما يلي:
يقول ما سكوراى بحق ما من واحة بين قابس وفجويج وسجلمانة ألا وهى مدينة بتطورها للخوارج – صفريين كانوا أم إباضيين - لقد كانوا سادة الصحراء» •
ويقول في صفحة 228 ما يلي:
إن تاهرت كانت مركزا سياسيا هاما في الفترة التي رافقت ظهور الجماليين الرحل القادمين من الشرق، والذين كان لهم شأن كبير في زعزعة أركان نوميديا». ويقول بعد أسطر:
وهكذا تعتبر تاهرت والمنطقة المحيطة بها مركزا للاصطياف يقصده
سكان الصحراء مع قطعانهم هربا من الحر الشديد» •
ويقول في صفحة 229 ما يلي:
وتدل الطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة أن تاهرت مملكة (1/245)
صفحة 246
للبدو الأقحاح، وقد اختفى الإباضية كفرقة دينية في تاهرت اختفاء تاما فى حين استمروا على شكل جماعات صغيرة في جبل نفوسة والزاب أى فى المناطق الصحراوية، وليس الأمر وليد صدفة لأن قوة الدولة الرستمية كانت في الصحراء» •
ويقول في صفحة 229 ما يلي:
على أن هذه القبائل الرستمية من البدو الرحل على كل حال.
ويقول في صفحة 230 ما يلي:
إن مملكة الرستميين لم تتجاوز حدود الأراضي الوعرة
والصحراء» •
يفرض المستشرق جوتييه أن الإباضية عبارة عن قبائل بدوية ويركز على ذلك تركيزا شديدا، ويدعى أن طبيعة المنطقة التي يعيشون فيها طبيعة صحراوية بدوية. ولما كانت تاهرت تمثل مظهرا حضاريا واضحا لا يمكن تجاهله وأن هذا المظهر يرد دعوى المستشرق هذه فقد حاول أن يهرب من مجابهة المشكلة بنوع من الأهواء فزعم أن الإباضية بدو أقحاح وأن تاهرت هى مملكة للبدو الأقحاح يعيشون عليها. ولكن أحدا يقتنع أن البدو الأقحاح يكونون مملكه كما أن طبيعة تاهرت نفسها تستعصى على وصفها بالبداوة وهى التى يقول فيها هذا المستشرق نفسه في صفحة 228.
تقع تاهرت على ارتفاع 1200 متر ولا يقل ارتفاع المناطق (1/246)
صفحة 247
-
247
المحيطة بها عن ألف متر وشتاء تاهرت يمتاز ببرودته وضبابيته ورطوبته وثلوجه أى على عكس الصحراء تماما» • فلما وجد أن حقيقة تاهرت تتعارض مع وصف البداوة ووجد أن الإباضية قد أقاموا في هذا المكان دولة بالفعل ظلت مزدهرة قرنا ونصف على أقل تقدير ما يبعد عنهم وصف البداوة افترض فرضا خياليا وهو أن الإباضية – وهم بداة ـ كانوا يقصدون تاهرت فى الصيف هربا من حر الصحراء أي أن تاهرت، كانت مصيفا للبدو الرحل. وكأنما كانت الدولة الرستمية قطعا من الأراجوز تتفرق خلال السنة في مناطق عدة فإذا جاء الصيف اجمعت في تاهرت للقيام بدور الدولة لمحرك خفيف يعبث بالأزرار من وراء ستار.
وكأنما هذه الافتراضات كلها لم تقنع جوتييه نفسه فكان يلح على مزيد من الافتراضات. ولكن افتراضه الأول «الإباضية قبائل من البدو: الرحل الأقحاح» افتراض لا يحتمل المناقشة ولا يقبل النقد عنده ولذلك كان عليه أن يلتمس الحلول لما ترتب عن هذا الافتراض من مشاكل وجاءت الحلول بعد مجموعة من الافتراضات ينبنى بعضها على بعض.
الافتراض الأول الإباضية لا يكونون إلا بدوا رحلا
الافتراض الثاني البدو الرحل لا يمكن أن يتغيروا فيصبحوا بناة
خضارة تاهرت حقيقة واقعة.
قيام حضارة فى تاهرت حقيقة واقعة عندما كانت تحت سلطان
الإباضية.
الافتراض الثالث الإباضية لم يكونوا يقيمون في تاهرت وإنما كانوا (1/247)
صفحة 248
248
يتخذونها مصيفا فيقبلون عليها في موسم الحر ويتخلون عنها وينزحون بعيدا في بقية المواسم والفصول.
فكيف قامت تلك الحضارة في تاهرت تحت حكم الإباضية؟
الجواب في ذلك عند جوتييه بسبط والسبب واضح معروف
إن الحضارة إنما قامت في تاهرت بالحس المدنى الروحاني السابق كما أوضحت ذلك للقارئ الكريم من قبل. ولابد للإباضية ولا لسكان تاهرت ولا لدولتهم في ذلك. وليتضح لك هذا المعنى اقرأ للمستشرق جوتييه في كتابه ص 227 ما يلي:
وليس في تاهرت اليوم سوى آثار رومانية، ويفترض غيزل أن الرومان أنشأوا فيها مراكز عسكرية على الحدود،، ثم منطقة سكنية للمدنيين، ولم يجد الآثار الباقية ما يؤيد فكرته، وكان لتاهرت أهمية
كبرى في عهد السيطرة البيزنطية)
ويقول بعد أسطر:
ومن الناحية الأثرية البحتة هناك آثار الجدار جنوبي تاهرت في المنيا العليا. وهى عبارة عن أضرحة شبيهة بتلك الموجودة في مدغاس وبقبر المسيحية (ولكنها تعود لوقت متأخر عنها وقد عثر فيها على
كتابة إغريقية، كما استخدم في بنائها أدوات تعود لعصر سابق لها كبقايا هندسية مسيحية وكتابات منقوشة.
ويستنتج غيزل أنها عاصرت العهد البيزنطي وينسبها إلى أهالى
: تاهرت» • (1/248)
صفحة 249
- 249
ويقول جوتييه:
وتاهرت في العهد البيزنطى كانت فى نفس المكان الذي تقع فيه اليوم وعاصمة الرستميين) تاهرت الجديدة (تبعد خمسة أميال غربي تاهرت
القديمة
وإذا كان رستم قد أطلق على مدينته لقب الجديدة فهذا ما يؤكد أن المدينة القديمة ماثلة في الأذهان».
وعندما يتتبع القارئ الكريم البحث كله في هذا الفصل يجد أن الصورة التي يرسمها جوتييه تبدو كما يأتي:
إن الإباضية باعتبارهم خوارج لا يكونون إلا بدوا وطبيعة البدو لا تستقر في مواضع الحضارة، ولا تبنى نظاما، ولا يثبت لها حكم، وقد قامت بالفعل تحت حكم الإباضية حضارة دامت قرنا ونصف، وثبت
لهم هناك الحكم فما. هو السبب؟
السبب أن هذه الحضارة إنما بنتها يد فارسية تجرى فيها دماء
الحضارة
-
وفى موطن قامت فيه حضارات بيزنطية، ورومانية قبل
الفتح الإسلامي. فالمكان منبت خصب للحضارة واستقرار الحكم
أما علاقة الإباضية بالموضوع فهي لا تتعدى رحيلهم إليها فترة من السنة، واتخاذها مصيفا. أما البناء الحقيقي الذي قام عليه الحكم وتبحث عنه الحضارة فإنما قام على ركنين أساسيين: الحس الحضاري الفارسي الوافد من الشرق فى صورة عبد الرحمن والحس الحضاري الغربي المندس في قرية تاهرت منذ عشرات القرون عندما كان هناك (1/249)
صفحة 250
الرومان. أما ما ينسب إلى الإسلام أو إلى مذهب من مذاهبه مما يقوم به
أتباعه فهو
طفح ظاهري لا يتجاوز الأسماء.
بعد هذا أحب أن أقول إن هناك عدة أشياء تقوم ضد افتراضات
جوتييه وتدحضها ولعلها تتلخص فيما يلى:
1
:
عبد الرحمن بن رستم وإن كان فارسي الأصل إلا أنه خرج دون أن يعي أو يعرف شيئا عن حضارة الفرس وعاش في القيروان واكتسب مواهبه في بيئة بربرية ثم عربية محضة ثم هو فرد واحد فما عساه أن ينجز من مقومات الحضارة. فإسناد الحضارة التي قامت
في تاهرت إلى شخصية عبد الرحمن الفارسية ضرب من الخيال.
في
-
2
•
اعتبار أن الحضارة التي قامت في تاهرت كان من أهم
عواملها ذلك الحس الحضارى المختلف في تربتها منذ قرون من حضارة الرومان. وأن الحضارة لا تنبت إلا فى أماكن خاصة بها كما تنبت الأشجار فى تربة معينة وأن هذه التربة المعينة لابد أن تكون قد أعدتها يوم من الأيام دولة تحمل مقومات الحضارة وعلى هذا الأساس فقد نبتت الحضارة في تاهرت زمن الحكم الإباضي لأن تربتها صالحة لإنبات الحضارة بعد ما أعدها الرومان لذلك فى عصور سابقة وهذا المنطق هو الآخر ضرب من الوهم والخيال ولا شك أن الإنسان هو الذي يكون الحضارة وأنه هو الذي يختار لها البيئة والمكان، ولذلك فإن المسلمين على اختلاف مذاهبهم قد كونوا حضارات مختلفة في أماكن مختلفة بمحض اختيارهم للمكان والبيئة - كما كون غيرهم ـ فإذا صادف أن حضارات متعددة من أمم متعددة قامت في مكان واحد. فليس
1901 (1/250)
صفحة 251
251
-
ذلك لأن ذلك المكان ينبت الحضارة. وإنما لأن الإنسان الذي يعرف
كيف يكون الحضارة قد وقع عليه اختياره
ومضطر
ـ اعتباره أن الإباضية (بدو أفحاح) فرضية لا يساعده عليها
بهم
التاريخ .. ونظرة تتبعية بسيطة إلى تاريخهم في المغرب الإسلامي فيه. منذ وجودهم فيه إلى عهد المستشرق جوتييه تدل دلالة واضحة أنهم ليسوا كما يزعم. وأنهم إلى التحضر أقرب في اطنهم. ويتضح ذلك في الصور الآتية:
مو
جميع
الأولى: كانوا يعمرون جبل نفوسة بمدنه وقراه في (ليبيا) ولهم فيه حياة حضرية مستقرة إلى الآن وكانوا يعمرون جزيرة جربة ولهم فيها حياة حضرية مستقرة إلى الآن في زوارة. وكانوا يعمرون المدن والقرى فى الجنوب التونسى سواء ما كان منها فى الجبال أو الواحات ولهم فيها حياة حضرية مستقرة إلى عهد قريب وكانوا يعمرون تقرب وبغابي وما إليها ولهم فيها حياة مستقرة سجلها التاريخ وكانوا يعمرون وارجلان وسدارثة ولهم فيها حياة حضرية مستقرة بل إن سدراثة تعتبر من المدن الأثرية الجزائرية فى العهد الإسلامي. أما وارجلان فقد كانت مركزا حضاريا تجاريا بين الجزائر وإفريقيا السوداء وكانت مركز القوافل ومقرها وممرها ولا تزال. وكانوا يعمرون وادي ميزاب
ولهم فيه حياة حضرية مستقرة ربما فاقت مدن الشمال ولا تزال
هذه أهم أماكن الإباضية في المغرب. ولا يمكن أن يقال عن هؤلاء بحال من الأحوال - أنهم بدو. أما الذين سكنوا ب منهم المغرب الأقصى أو بعض بلاد الأندلس. فلا يستطيع أحد أن يصفهم بالبداوة. (1/251)
صفحة 252
252 -
الثانية: كانت هنا لك بعض القبائل البدوية التي اعتنقت المذهب الإباضي واستمرت على حياتها فترة من الزمن ولكن الإباضية كانوا يقاومون البداوة مقاومة مستمرة ويتخذون معها مواقف غاية في العنف منها إنهم يمنعون تزوج الحضرية بالبادى حتى أنهم شددوا على أبي عثمان الدجى حين زوج بنته (منزو (وبمحض رغبتها واختيارها لأحد أقربائهم
من البدو وندم أبو عثمان على عمله ذلك ندما شديدا فيما بعد.
وكما قال أحد علمائهم حين وجد شخصا يعرفه يرعى. غنما: نعمت الغنم التي ترعاها لحية، وبئست اللحية التي ترعى الغنم. وعندما لا يتمكنون من إقناع حى أو قبلة بترك البداوة كانوا يعملون على إدخال أنواع من وسائل التحضر إليهم فكانوا يكونون لهم ما يشبه يسمى اليوم بالمدارس المتنقلة لتعليم أبنائهم ولمساجدهم وما يتبعها من مرافق وكانوا يتعهدونها بالزيارة ودروس الوعظ والإرشاد
ما
والتثقيف
الثالثة: حياة الإباضية على عمومها كانت تعتمد على ثلاثة أسس:
1 - التجارة: وقد اشتهر بها أهل جربه وارجلان ووادي ميزاب حتى أن الاقتصاد في كل من الجزائر وتونس كان يعتمد اعتمادا أساسيا على مواهب الإباضية في التجارة ولا تخلو مدينة أو قرية في الجزائر وتونس ـ في قرون طويلة - من الأيدى البارعة لتجار الإباضية
20 - الصناعة: ولاسيما صناعة الصوف وقد اشتهر بها جبل نفوسة وجبال دمر ووادي ميزاب فكانت هذه الصناعة تكون ركنا
هاما من دخل الأسرة ومن اقتصاد البلاد حتى إشتهرت في الأسواق. (1/252)
صفحة 253
ـ الزراعة: وهى مصدر أساسى للثروة وتقوم في جميع مواطن
الإباضية لاسيما الوحدات.
ويبدو لي أن الأمة التي تبنى حياتها على الاقتصاد الذي يتكون من تجارة وصناعة وزراعة لا يمكن أن تكون أمة بدوية – وأن العبد والأقحاح لا يمكن أن يحاربوا البداوة بكل الأساليب حتى يبلغ بهم الأمر إلى منع الزواج من أهل البادية. ويكفى هذا لمناقشة هذه النقطة ويقول المستشرق جوتييه ص 0 233 ما يلي:
وقد فرض الإباضيون عقوبات صارمة على أهل الشر. فالزاني
يرجم، والسارق تقطع يده».
وقد يكون جوتييه لا يجهل أن هذه العقوبة هي ما قرره الإسلام. وأن. المذاهب الإسلامية ملزمة بهذا سواء نفذته حكوماتها القائمة جميع
أن
يريد
أو لم تنفذه. وإنما حرص أن يذكر هذا عن الإباضية أولا لأنه يوحى للقارئ أن الإسلام دين بشرى يفرض قوانينه ناس من البشر، وثانيا ليوحى للقارئ الكريم أن الإباضية باعتبارهم من الخوارج المتشردين، ومن البدو الجفاة الغلاظ ينتهجون القسوة في أحكامهم: ومن انتهاجهم هذا النهج هذا الحكم الصادر على الزناة والسراق.
الأمثلة
عي
ولعل مما يساعد القارئ على فهم منهج جوتييه في مناقشة موضوع الإباضية وأسلوبه في ذلك أن أعرض عليه صورا أجراها المستشرق في أسلوب مقارنات. (1/253)
صفحة 254
الصورة الأولى:
254
يقول وهو يرسم هذه الصورة في صفحة 230 ما يلى:
ويساعدنا أبو زكرياء على رسم صورة عن الإباضي: شعره ذو ظفائر يحمل مهندا مستقيما طويلا، له حدان قاطعان، يختلف عن السيف واليظقان. كما يحمل خنجرا مربوطا بذراعه» • إنها كما ترى تبدو صورة كاركاتورية هزلية مضحكة قد ترسم لشخص أو لعدد من الأشخاص
وبناء على هذه الصورة التي يرسمها جوتييه بمساعدة أبي زكرياء على زعمه للإباضية - نستطيع أن نضع لها إطارا عاما كما يلى:
شعر مظفور.
سيف طويل مستقيم ماضي الحدين يختلف عن اليطقان.
خنجر مربوط بالذراع
فإذا توافرت هذه الأشياء الثلاثة فى رجل فهو إباضي وإن تخلف
بعضها فليس كذلك
-
هذا في زعم جوتييه.
هذه الصورة الكاركاتورية إنما تبعث على الضحك ممن يرسمها
وينسبها للإباضية أو لغيرهم فهذا كلام من الخواء بمنزلة لا يرتفع معها إلى مرتبة ما يناقش ويلتمس فيه الخطأ والصواب. (1/254)
صفحة 255
255
الصورة الثانية:
يقول جوتييه في صفحة 230 من نفس الكتاب ما يلى:
وأظن أن ماسكوراى على حق فى مقارنته (1) مع ابن الطوارق حاليا، ويذكر لنا أن المرأة الإباضية مثقفة مما يزيد في وضوح الشبه، وذلك أن المرأة عند الطوارق تحتل فى علمها وثقافتها مكانة تختلف عن
مكانة المرأة فى بلاد المغرب، لقد عنى ماسكوراى بالطوارق عناية كبيرة وليس مستبعدا على كل حال أن يكون هؤلاء البدو الخوارج قد تركوا بعض مميزاتهم الطوارق الهقار وهم من تبقى من قبيلة هوارة» .. هكذا ترى أيها القارئ الكريم أن المستشرق ماسكوراي
-
-
وقد عنى
بالطوارق. وجوه شبه تتلخص في شعر مظفور، وسيف طويل مستقيم ذى حدين قاطعين: وخنجر مربوط بالذراع. ويصحح المستشرق جوتييه تلك المقارنة أن المرأة الإباضية مثقفة مما يزيد في وضوح الشبة
يعقد بينهم وبين الإباضية مقارنة ويزعم أنه توجد بينهم
بمرجح
آخر
وهو
بين الإباضية والطوارق لأن المرأة الطارقية تحتل فى علمها وثقافتها مكانة المرأة في المغرب. وبذلك فلا مانع من أن يكون الطوارق قد تسلموا
عن الإباضية هذه المميزات الواضحة عندهم اليوم.
ياله من منطق سليم:
لقد غفل كل من المستشرقين الكبيرين عن دعوى هامة يدعيها كلاهما وترتكز عليها أكثر أبحاثهما وأبحاث من يجرى على نسقهما وذلك
(1) مقارنة الاباضى مع ابن الطوارق. (1/255)
صفحة 256
256 -
أنهما يدعيان ـ ويؤكدان ذلك - إن الإباضية بدو أقحاح. وأن البداوة لا يمكن أن تكون مصدر علم وحضارة. فكيف تأتى للمرأة الإباضية -
وهي بدوية قحة ـ وكذلك للمرأة الطارقية التي تسلمت منها مميزاتها وسارت بأسلوبها في الحياة - أن تكون فى ثقافتها وعلمها فوق المرأة في بلاد - المغرب؟ كيف استساغ عقل ماسکوراي وعقل جوتييه أن يزعم أن المرأة الطارقية - وهي تعيش في خيام متنقلة المناطق الصحراوية تتبع مواقع الغيث. وتقضى أهم أوقات عمرها في رعاية الماشية - أكثر ثقافة وعلما من المرأة التي تعيش في تلمسان والرباط والجزائر وقسنطينة ووهران •
-
قد يكون كلام ماسكوراى على نوع من التأويل لأنه وصف المرأة الإباضية بالثقافة أو بأنها مثقفة. وهذا قد يكون صحيحا إلى حد بعيد من حيث الواقع ـ لأن الإباضية لاسيما في الجزائر يسكنون في عدد محدود من المدن طيلة عدة قرون. وهم بعداء جدا عن طبيعة حياة البدو الرحل، وإن كانوا يعيشون فى واحات فى مناطق صحراوية. ثم إن لهم مؤسسة العذابة التي تم تنظيمها في أوائل القرن الرابع الهجرى وهى تشرك معها المرأة فى القيام بمهمة الثقافة والتعليم في ميادين الشريعة كما أن لهم أساليب خاصة في واجبات المرأة المنزلية والصناعية. ولا شك أن معانى الحضارة. ومظاهرها عند الإباضية من سكان الجزائر أقوى منها وأوضح مما في كثير من مدن الشطوط والسواحل. وفي مثل هذه المجتمعات المستقرة فى مدن الواحات العريقة والمحافظة لا نجد غرابة إذا وصفت فيها المرأة بالثقافة، والثقافة في هذا المجال إنما تفى بالدرجة الأولى. معرفة المرأة لأحكام الدين المتعلقة بها، ثم بالأسلوب المقبول في السلوك الاجتماعى فى الوسط الذي تعيش فيه، (1/256)
صفحة 257
257 -
وتكتسب المرأة كثيرا من ألوان الثقافة الاجتماعية والبيئية بالاقتباس والمحاكاة والتقليد وهذا - لا شك - متوفر فى المجتمع ومستقر ومحافظ
ومحتفظ
•
فمسافة البعد المرأة الإباضية التي تعيش في هذا الوسط والمرأة الطارقية التي تعيش وراء الموشى متنقلة في الخيام باستمرار مسافة شاسعة لا تجدى فيها المقارنة.
وماسكوراى قد يكون على حق حينما قال إن المرأة الإباضية مثقفة. أما جوتييه وقد وثب وثبة لا حدود لها حين تجاوز مرتبة الثقافة إلى مرتبة العلم فزعم أن الطارقية تحتل فى علمها وثقافتها مرتبة فوق ما عند المرأة في بلاد المغرب.
وأحسب أنه من البداهة أن وصف المرأة الطارقية بأن لها مركزا
•
علميا وصف لا مدلول له أما
وصفها بالثقافة فلو كان الوصف هكذا
مجردا لاحتمل النظر والبحث. أما دعوى نها تحتل مركزا ثقافيا فوق ما عند زميلتها المرأة في المغرب • فهي دعوى باطلة، وحكم وبعد كل هذا فإن محاولة مقارنة الإباضية بالطوارق ووجود
لا سند له
?
•
شبه مادي معنوي بينهم لغو من الكلام وباطل من القول وذلك أمر بديهى يحتاج إلى أى بحث أو تفكر ضرورة أن الإباضية مذهب إسلامي له قواعد وأصول. وله عقائد و عبادات وشرائع في الإمكان أن يعتنقها بعض الطوارق أو كل الطوارق كما يمكن أن يعتنقها غيرهم من القبائل والأجناس البشرية.
(م 17 - الاباضية) (1/257)
صفحة 258
- 258 -
إن الطارقية جنس أو قبيلة أو نسب والإباضية فكرة أو مذهب أو دين فما الذي يجمع بينها حتى نقول بوجود شبه أو تقارب.
•
هل تستطيع أن تقول أن هناك شبها بين الأوس والخزرج والمذهب المالكي مثلا أو أن المالكية انحدروا من الأوس والخزرج ـ ثم ما علاقة اللباس أو السلاح بالمذهب أو العقيدة لا شك أن البيئات المختلفة تختلف في لباسها وأنواع السلاح المستعمل لديها فما دخل المذهب في نحن نعرف أن للمغاربة والجزائريين تقاليد خاصة في اللباس وأسلوبا خاصا في استعمال السلاح ونعرف أيضا أن لتونس أو لليبيا أو لمصر أو لغيرها تقاليد تخالف ما درج عليه في البلاد الأولى. ونعرف أيضا أن أصحاب المذاهب المختلفة فى البيئة الواحدة يختلفون في المذهب
ذلك
•
ويتفقون فى أسلوب الحياة ومظاهرها من لباس وعادات وتقاليد ولباس الإباضي الذي يعيش في الجزائر غير لباس الإباضي الذي يعيش في تونس أو في ليبيا فإذا كان للطوارق عادات خاصة في أنواع الاباس أو السلاح فإن من يعتنق المذهب الإباضي منهم يكون على لباسهم وقيافتهم ولذلك فلو وقفت بين الطوارق أو في أي مكان لما أمكنك أن تميز بين المذاهب بمظهر اللباس ولكنك تستطيع بسهولة أن تميز بينهم من حيث اللباس فتعرف أن هذا طارقي وهذا جزائرى وهذا ليس الخ.
إن هذه النقطة أخذت منا أكثر مما تستحق وهي دليل واضح على أن المستشرقين يعمدون إلى توافه الأمور فيوجهون إليها عنايتهم ويواونها جانبا من الاهتمام يشغل ذهن القارئ العادى ويصرفه عما هو أجدى له وأحق بمعرفته. (1/258)
صفحة 259
-
الصورة الثالثة:
يقول جوتييه وهو يرسم هذه الصورة - في كتابه.
323 ما يلي:
ص
وقد تحدث ماسكوراى عن الشبه بين الإباضية والوهابية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، في أواسط شبه الجزيرة، وكتب عنها بلغريف كتابا موفقا. ذاك أن الوضع الجغرافي متشابه فهنا وهناك نجد بدوا بعيدين عن البحر يعيشون على قحط الصحراء، فالبدوى الذي لا يسيطر على مدينة من المدن هو أشد الناس فقرا، وهو ميال للعزلة والتقشف،
وشديد الشغف بالفضيلة. ذلك أنه يحول بؤسه لتطرف ديني» •
هذه صورة حرص المستشرقان ما سكوراى وجوتييه وغيرهما أن تكون صورة للإباضية عندما يكون الحديث عن الإباضية والخوارج عند ما يكون الحديث عن الخوارج وللأمة الإسلامية عامة عندما يتحدثون عن حركة للأمة الإسلامية أو فيها بل أن جوتيه يركز على هذا المعنى كثيرا في معالجته لقضايا الحركات الإسلامية سواء ما كان من الإسلام عامة، وما كان منها من ذهب خاص • فهو يريد أن يصور المسلمين في جميع الأحوال وعلى كل الأوضاع بأن طبيعة البداوة متأصلة فيهم يتحركون فهم إنما يتحركون بدافع الفقر والحاجة للحصول على ما يخففون به شظف العيش المؤلم والحياة القاسية التي يعانونها فاذا لم يتمكنوا من ذلك حولوا مظهر الحرمان الذى يحيون فيه الى شغف بالفضيلة، أو الى تطرف دينى يندفعون باسمه للغزو والاحتلال.
وتتخلص الصور الثلاثة السابقة من المقارنات فيما يلى:
عندما (1/259)
صفحة 260
260
افتراض وجود شبه يدل على انحدار الطوارق في الإباضية استنادا على القيافة الموجودة الآن عند الطوارق مع افتراض وجودها عند الإباضية في قرون سابقة.
دعوى وجود ثقافة وعلم عند المرأة الطارقية تتفوق بها على المرأة المغرب ودعوى وجود ثقافة عند المرأة الإباضية مما يقرب الشبه بين الطوارق والإباضية
3 - النشابه بين الإباضية والوهابية لأن كلا منهما يعيش في منطقة صحراوية يسود فيها القحط ويغلب عليها الفقر مما يحمل أهلها على التقشف الإجباري أو الرغبة في الغزو باسم التقوى.
واحسب أن هذه الفروض وهذه المقارنات من أسوأ ما كتبه جوتييه
في كتابه هذا
•
وإن كان في الكتاب كثير جدا مما أملاه التحامل وأوحت
به الروح الاستعمارية المترفعة. لكن هذه الفقرات تدل – فوق كل ذلك.
على السطحية والغباء.
مع كرلو ألفونسو نلينو
-
كتب المستشرق كزلو الفونسو نلينو بحوثا عن المعتزلة ناقش
فيها ما يلي:
1 – أصل تسميتهم معتزلة.
2 ــ اسم القدرية. (1/260)
صفحة 261
-
261
-
3 ـ الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية المقيمين في أفريقيا
الشمالية
- حول فكرة غريبة منسوبة الى المحافظ عن القراآن.
وقد ترجم الدكتور عبد الرحمن بدوى هذه البحوث ونشرها ضمن بحوث أخرى الممستشرقين فى كتاب سماه (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية (طبعة دار النهضة العربية – الطبعة الثالثة هذا الفصل من أحب أن أقف القارئ الكريم قليلا عند الفقرة الثالثة. في البحوث مع (الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية فى أفريقيا الشمالية) لمناقشة بعض آراء المستشرق الكبير في هذا الموضوع. يقول نلينو في هذا الكتاب ص 204 مايلي:
لاحظ جولد تسيهر في الموضوع المذكور آنفا (مجلة تاريخ الأديان المجلد رقم 52 سنة 1905 ص 232) إن رسلة (العقيدة الإباضية) العمرو بن جميع التي نشرها موتيلتسكي تضعنا أمام أقوال ذات طابع معتزلى واضح ويورد شاهداً على ذلك؛ المسائل الآتية:
- القرآن مخلوق.
2 - ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
ـ تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلا مجازيا (الميزان
والصراط).
4 ـ كل تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش ـ يجب تأويله
تأويلا مجازيا.
• (1/261)
صفحة 262
262
ولكن الاتفاق بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية في شمال أفريقيا
يذهب إلى حد أبعد مما ذهب إليه جولد تسيهر
-
فكلا المذهبين على اتفاق
فيما بينهما وبين بعض، وعلى خلاف مع أهل السنة في المسائل الآتية كذلك
ه - الله لا يغفر الكبائر ارتكبيها إلا إذا تابو قبل الموت
•
-9
عذاب النار أبدى حتى لمرتكب الذنب من المسلمين
وهو إذا
مات دون أن يتوب لا تنفع له شفاعة الملائكة أو الرسل أو الأولياء» • وبعد أن يورد أقوال بعض علماء الإباضية في الموضوع يقول: - صفات الله ليست زائدة على ذات الله» • وبعد أن يذكر شرح
الإباضية لهذا الأصل من أصول عقيدتهم يقول:
وخليق بنا أن نلاحظ أيضا أن كتاب الشيخ عامر المذكور، والذي يقصد به مؤلفه أن يتكلم عن الأصول التسعة التي كان عليها الخلاف بين المسلمين يستعرض هذه الأصول على النحو التالي: (1) التوحيد ()
العدل (1) القدر
ألخ.
ويقول في صفحة 20 ما يلي:
ففي كتاب (أصول الديانات (للشيخ عامر بن الشماخي (1) وهو
عمدة كتب الإباضية في جبل نفوسة).
(1) جاء في هامش البحث تعليقا على العبارة السابقة ما يلى: كنيته ابو ساكن عاش فى القرن الثامن الهجرى، راجع (السير) للشماخي 561 فانه يقول عنه: «وهو اعتماد اهل المغرب في وقتنا خصوصا نفوسة» قلت قد أخطأ المؤلف والمعلق فان هذه العبارة قيلت عن كتاب الايضاح
ص 559
-
لا عن كتاب الديانات
• (1/262)
صفحة 263
فهل
وبعد مناقشة ليست طويلة ولا عميقة يخلص الى قوله:
فكان الجزء الأكبر من مذهب الإباضية في شمال أفريقيا إذا معتزلي
هم
أخذوه وه، وهم فى الشرق من قبل أن ينزحوا الى بلاد المغرب، أم
هم تقبلوه في شمال أفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة من الشيعة، وبمعتزلة إقليم طنجة القديم، مدفوعين بعاطفة رد الفعل ضد أهل السنة، أم أن إباضية المغرب أضافوا بعد في أفريقيا عناصر معتزلية جديدة الى ما كان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية الشرق، وأن مذهب الإباضية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي»؟
مما يدعو الى التأمل أن أغلب المستشرقين يتخذون أسلوبا متقاربا في مناقشة ما يعرض من المواضيع الإسلامية فيفترضون فروضا أو دعاوى يعتبرونها في مرتبة الحقائق المسلمة التي لا تحتاج الى الجدل، الأصول الثابتة التي لا يثور حولها خلاف • ثم يفرعون عن ذلك ما يخطر لهم من نقاش. وفى هذه القضية افترض المستشرق نلينو فروضا اعتبرها حقائق
•
غير خاضعة للنزاع ثم يرتب عليها أحكاما ويبني عليها صروحا فهو قد افترض أن المسلمين ينقسمون إلى معسكرين كبيرين متقاتلين على السنة والمعتزلة وأن جميع المذاهب الأخرى تعود في أصولها
الدوام
هي
الى أحد هذين القسمين اتخذ له أصولا خاصة به يتميز بها فاذا وجدت تلك الأصول عند مذهب آخر فيعني ذلك أنه أخذها من المذهب الأصلى. وهو في غمار هذا التأصيل يفترض أن إباضية المغرب أخذوا أصول عقائدهم من المعتزلة. وهو يعتبر
وهو قد افترض أن كلا من هذين القسمين قد (1/263)
صفحة 264
-
264
هذا الغرض حقيقة مسلمة، ولذلك فقد ذهب يتحسس ويتلمس ليعرف كيف حصل إباضية شمال فريقيا على عقائد المعتزلة.
إن الأساس الذي بنى عليه الأستاذ نلينو بحثه وهو اعتباره أن المسلمين قسمان كبيران هما السنة والمعتزلة وأن كلا من القسمين قد اتخذ لنفسه مبادئ معينة محددة يتناولها على أسلوب محدد معين ويتلزم بها على نفس النمط والأسلوب، وأن المذاهب الأخرى قد انشقت أحد عن هذين القسمين الكبيرين وأن في إمكان الباحث أن يعيد أهل كل مذهب الى قسمهم الذى انشقوا عنه أو انفصلوا منه أو أخذوا عنه ـ أساس وهمى قام على فريضة ذهنية لا مكان لها في الواقع ولا حقيقة لها في الأحداث والتاريخ. رغم أن نلينو بذل مجهودا ملحوظا في إقرار تلك الفرضيات واعتبارها حقائق ثابتة مما دعاه أن يحاول الجمع بين الشيعة والإباضية وإرجاعهم جميعا الى المعتزلة أحد القسمين الكبيرين بسبب خصومة الجميع لأهل السنة حسبما يزعم أو حسب فرض من فروضه الوهمية. يذكر المستشرق جولد تسيهر وهو يتحدث عن كتاب (عقيدة الإباضية) أن هذا الكتاب يحمل طابعا معتزليا لأن الكتاب يذكر بعض أصول عقيدة الإباضية وهى مشابهة الأصول عقائد المعتزلة. ويذكر الشواهد على ذلك، غير أن المستشرق نلينو لا يكتفى بهذه العلاقة البسيطة التي لاحظها تسيهر - وإنما يكتشف أن الأوجه التى يشابه فيها الإباضية المعتزلة هي أكثر مما لاحظه تسيهر، وعليه فلا بد أن يكون الإباضية في شمال أفريقيا قد أخذوا أصول مذهبهم فى المعتزلة. إنه أسلوب طريف في بحث العقائد، كأنما هذه الأصول حضرت فى جدول عمل، وعقد من أجل مناقشتها عدة اجتماعات فاتخذ فيها المعتزلة قرارات تحدد آراءهم واتخذ أهل السنة كذلك قرارات تحدد أيضا آراءهم الخاصة بهم ثم انفض المؤتمر العام (1/264)
صفحة 265
-
265 -
عن ذلك
فرعي
•
فمن تكلم بعد ذلك فى هذه المواضيع فلا بد أن يكون من أحد المؤتمر أو أن يكون أخذ عنه. وبهذا يسهل على الباحث أن أي مذهب إسلامى الى أصله كما أرجع نليني تلاقى الشيعة والإباضية
الى المعتزلة.
يرجع
لا شك أن الإشكالات التي تعلقت ببعض أصول العقائد. والأسئلة التي أثيرت حولها، والمناقشات التي دارت فيها، لم تكن وليدة يوم، أو ناتجة عن جدول أعمال مدروس في اجتماع، أو بحث وضع له مجمع علمى منظم ليصدر فيه قرارات نهائية. إن شيئا من هذا لم يكن أبداً، وإنما كانت تثور المشكلة فى مكان فيتخذ فيها من حضر من العلماء موقف ـ معتمدا على فهمه لكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله، ومواقف الصحابة رضوان الله عليهم إن كانت لهم فيها مواقف ــ وقد يحدث أن يخالفه في موقفه ذلك عالم آخر فى نفس المكان، وقد يحدث ألا يخالفه أحد • وتنتقل المشكلة لتثور في موضع آخر قد يكون قريبا أو بعيداً فتعرض على عالم آخر يدرسها هو الآخر ويصدر فيها حكما، موافقا أو مخالفا للأول. وعلى هذا المستوى وهذا الأسلوب تكونت آراء الأمة في مسائل العقائد، بل وحتى فى مسائل الفروع. ما لم تحدده النصوص.
وأكثر هذه الأصول قد تحتمل وجهين أو أكثر من الآراء ـ وأى عالم يصدر فيها رأيا معينا قد يكون رأيه موافقا تمام الموافقة لرأى عالم آخر في جهة أخرى، ولكنه يسمع برأيه ولم يعرفه، وإنما اعتمد في إصدار رأيه على نفس المصادر التي استمد منها الآخر رأيه، واتحد معه في الفهم والاستنباط فهل من المحتم أن نقول أن أحد هذين العالمين قد أخذ عن الآخر ما دام رأى كل منهما موافقا لرأى
• (1/265)
صفحة 266
266 -
الآخر وفهمه لفهمه من المسائل التي أثيرت في عهد مبكر جداً قضية القدر. وقضية جواز رؤية البارى جل وعلا • وقضية الكبيرة ومرتكبها. فكان لعلماء الأمة فيها مواقف حسب فهمهم لنصوص الشريعة حين وصول المشكلة إليهم، فكانت المشكلة من هذه تأخذ طورا في الجدل والنقاش في أماكن مختلفة حتى تتبلور الى آراء محددة يقتنع بها الناس ويلتزمونها. فالمشكلة من هذه تبدأ فردية يتناولها أصحاب الشأن بالبحث والدراسة والاستدلال. وقد تتفق الآراء، وقد تختلف، ويدين بكل رأى جماعة من الناس لاقتناعهم بقوة الحجة وسطوع البرهان ووضوح الدليل فيما يعتقدون.
ثم إن المذهبية أو الحزبية الدينية كما يفهمها المستشرقون) لم يكن بهذا التمييز والوضوح الذى تعرفه لها اليوم، لأن المذهبية في ذلك الوقت المبكر لم تتكون بعد. ويبدو لى أنك لو جئت فى أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني ووقفت عند باب مسجد تسأل كل خارج بعد الصلاة عن مذهبه لم تجد من يجيبك بقوله إنه سنى أو شيعي أو معتزلى مثلا. ولا من يقول لك إنه حنفى أو مالكي أو إباضي • لأن هذه المذهبية لم تتكون بعد. ولكنك لو سألته ما تقول في القدر فقد يجيبك برأيه سواء كان بإثبات القدر أو نفيه وقد ينظر إليك فى اشمئزاز وينصرف، وهو يعتبرك من دعاة الفتنة وقد يحملق فيك بعينين فاحصتين ثم يمضى عنك لأنه لم يفهم ما تريد.
•
ومثل هذه الصورة تحدث لك لو أجريت التجربة فيما يتعلق بموضوع الرؤية فلو وقفت على باب مسجد تسأل كل خارج هل رؤية البارئ جل وعلا ممكنة أو مستحيلة، فإنك تجد من يجيبك بأن رؤيته تعالى ممكنة في (1/266)
صفحة 267
-
267 -
الدنيا والآخرة، وإن سيدنا محمد رأى ربه. ومن يقول لك أنها مستحيلة في الدنيا جائزة فى الآخرة. ومن يقول لك أنها مستحيلة في الدنيا والآخرة. وتجد فيهم من يعرض عنك لأنه يعتبرك صاحب فتنة، أو لأنه لا يفهم ما تريد. وقل مثل ذلك في مسائل العقائد التي أثيرت حينئذ، واو أردت أن ينتسب لك كل واحد ممن سألتهم لم يمكنه ذلك لأن هذه التسميات المذهبية جاءت متأخرة حدثت بعد ذلك ولكنك لو سألت أى واحد عن رأيه في الموضوع أو عمن أخذه لأجابك بأحد جوابين: إذا كان من أهل العلم يذكر لك النصوص التي استند عليها في فهمه وحكمه. وإذا لم يكن في هذا المستوى ذكر لك عالما من علماء المسلمين المنتشرين في كل البلاد الإسلامية فى ذلك الحين. أو أجابك بأنه لا. هذا. يفهم
-
إن الأصول التي يرجع إليها علماء المسلمين في جميع ما يعرض لهم في مشاكل بمختلف مذاهبهم متاحة لجميعهم. بدرجة واحدة، وليس
من
فيها ما يمنع أحدهم من دراستها والرجوع إليها، فهي بقدر ما كانت متاحة للحسن البصرى كانت متاحة لواصل بن عطاء، وسعيد بن المسيب،
أحد
وجابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. وعندما تجد فهم هؤلاء لنص من النصوص موافقا لفهم الآخر فليس من الضروري أن يكون أحدهما أخذه من الثانى، لأن الأقرب الى العقل والمنطق والواقع أن يكون أخذه من نفس النص ق واتفاقهما في الفهم والاستنباط لا يعنى اعتماد أحدهما على الآخر أو الأخذ عنه. كما أنه لا ما يمنع من أن يأخذ أحدهما فهم الثانى أو رأيه إذا لم يكون هو نفسه رأيا أو فهما
يوجد
•
مخالفاً (1/267)
صفحة 268
أحسب أن هذا واضح لا يحتاج الى تدليل أو برهنة، ولا يتطرق
إليه احتمال النقاش.
ومما استند إليه نلينو في حكمه بأن الإباضية في المغرب أخذوا
قواعدهم عن المعتزلة - تشابه الغرض لتلك القضايا، واتحاد الأدلة
•
وفى هذا المنطق ـ كما أرى شيء من القرابة ـ وذلك أن عرض طريقة المشكلة – أية مشكلة ليست طابعا مذهبيا مميزا لا ينبغي للمذهب أن يتخلى عنه، ولا يحق لغيره أن يتخذه. وإذا فرض أن عالماً من مذهب معين وفق الى عرض مشكلة أو مشاكل بتنسيق أجود فليس مما يجعل الآخرين تباعا لهذا العالم إذا هم سلكوا نفس الأسلوب في العرض، ولا يلزم أن يكونوا أخذوا منه رأيهم فى المشكلة، إذا اتحدوا معه في منهج العرض أو منهج الاستدلال. واستفادتهم. ومن الجائز أن آراءهم في الموضوع قد سبقته بعشرات السنين وأنهم عرضوها إما بهذه الطريقة ولكنها لم تشتهر عنهم أو عرضوها بطريقة تختلف وأنهم استفادوا من غيرهم في العرض أو الاستدلال واستفادتهم من جهد غيرهم في التنسيق دليل على التفتح وعدم التعصب، لأن الاستفادة من جهود الآخرين وتجاربهم هي مزية البحث العلمي في كل ميدان. ومما استند إليه نلينو أنهم احتجوا بنفس الحجج التي احتج بها المعتزلة، ويستنتج نلينو حكمه هذا مما لا حظه في شرح الثلاثي عن كتاب الديانات لعامر الشماخي. والشماخي من علماء القرن الثامن الهجرى. أما الثلاثي فمن علماء القرن العاشر
الكريم
أود أن أناقش هذه النقطة بشيء من الإسهاب، حتى يعرف القارئ. مدى سلامة حكم نلينو في هذه الملاحة.
إن أى عالم من علماء المسلمين حين تثار أمامه. أو تعرض مشكلة.
، (1/268)
صفحة 269
يتجه قبل أي شيء وقبل أى رأى الى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وعلى ما يتضح له من ذلك يقرر رأيه، ويعلن عقيدته، محتجاً ومستشهداً بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة في الموضوع. والآيات والأحاديث الواردة فى أى موضوع هي واحدة والاحتجاج بها من أطراف متعددة ليس متشابها وإنما هو متحد ولا يمكن أن يكون غير
ذلك.
فهل من الضروري أن يكون المعتزلة هم أول من تنبه إلى قوله تعالى) لا تدركه الأبصار) فقالوا باستحالة الرؤية، وأن كل من قال باستحالتها
هم
إنما أخذ عنهم هذا الاستدلال؟ وهل من الضروري أن يكون المعتزلة. أول من انتبه إلى الآيات التي وصفت القرآن الكريم بأنه محدث ومنزل و مجعول وما إلى ذلك حتى يقال ان كل من قال بخلق القرآن إنما أخذ ذلك عن المعتزلة والدليل على أخذه عنهم هو تشابه الأدلة وما دام المعتزلة قد احتجوا بآية أو حديث فإن كل من احتج بذلك يكون أخذ عن المعتزلة.
لا شك أن في هذا الشطط من والغلو والتحكم ما فيه، من تضييق الواسع، وتحجير العلم مالا يتفق مع طبيعة علماء الإسلام في عصوره الأولى المتفتحة المشرقة المتحررة.
لقد أثيرت مشاكل أصول العقائد فى أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة كما قلت سابقا، ولم تكن حينئذ الكتل المذهبية قد تكونت بعد وتميزت، وإنما كان أفراد العلماء يصدرون آراءهم، كل حسب فهمه واجتهاده، ومضت فترة من الزمن تبلورت فيها تلك الآراء واتخذت لها أشكالا مختلفة واتضح منها أن عددا من العلماء تلتقى آراؤهم في أصل واحد أو أصول (1/269)
صفحة 270
معينة، ثم. نشأت بعد
على
ذلك الطبقات المتعلمة المتعصبة فكونت المذاهب ونسبتها إلى أفراد من المجتهدين ممن اشتهر فيما بعد. ثم عمل هؤلاء الأدلة والبراهين لتأييد المذاهب التي يعتنقونها فأصبحت الأدلة جمع ولا سيما الأدلة النظرية حقا مشاعا للجميع يجمع منها كل مذهبي ما يراه مؤيدا لمذهبه. وهذه الصورة تتضح عند المؤلفين المتأخرين من القرن الثالث فيما بعد، ولا يستطيع الباحث أن يقول هذا برهان معتزلى أو إباضي أو أشعري أو ما تريدى.
ولو رجع ناينو في قضايا أصول علم الكلام لوجد التقارب بين الماتريدية والمعتزلة أكثر من التقارب بين المعتزلة والإباضية بل ربما يجد التقارب بين الأشاعرة والإباضية أكثر من التقارب بين الأشاعرة والماتريدية رغم أن كتاب المقالات وأكثر المؤرخين يحشرون الماتريدية في طابور أهل السنة ويحشرون الإباضية في طابور الخوارج وهاهو المستشرق نلينو يحاول أن يحشر الإباضية والشيعة فى طابور فرعى ينفصل عن طابور المعتزلة. ولو تأمل الأدلة والبراهين التي يستند إليها كل من هؤلاء لوجدها تتفق وتتشابه في الأصل الذى يتفقون عليه ولربما كان أسلوب الماتريدية والمعتزلة في الاستدلال والمناظرة يجرى على منهج واحد في أكثر القضايا الكلامية.
فدعوى الأستاذ نلينو أن إباضية شمال إفريقيا أخذوا أصول عقيدتهم من المعتزلة دعوى لا تستند إلى أساس سليم • لا لأن الفرق الإسلامية لم يتأثر بعضها ببعض، أو أن الإباضية لم يتأثروا بغيرهم من المذاهب الإسلامية أو يتأثر بهم غيرهم. فهذا زعم لا يخطر على البال. وإنما الذى أريد أن أنفيه فى هذا الفصل هو زعم نلينو أن (1/270)
صفحة 271
- 271 -
الإباضية أخذوا أصولا معينة من المعتزلة مع العلم أن هذه الأصول كانت مطروحة للنقاش – إن صح هذا التعبير - قبل أن تكون المذهبية الملتزمة وقد كان علماء الإباضية يناقشونها بنفس المستوى الذي يناقشها به علماء المذاهب الأخرى حين أثيرت. وحتى لو تحددت الأسبقية في قول من الأقوال ونسبت إلى عالم معين من مذهب معين. فلا يعنى ذلك أن المذاهب التي جاءت من بعد واتخذت لها نفس الآراء، أنها بالضرورة أخذت عنه لأنها فى الغالب تكون أخذت من نفس المصدر الذى أخذ هو منه ـ الكتاب والسنة - ونحن لا نزعم أن المعتزلة أخذوا من الإباضية لأن واصلا بن عطاء - إمام المعتزلة كان تلميذا في مجلس الحسن البصرى حين كان إمام الإباضية جابر بن زيد زميل الحسن وصديقه قد استقر على عقائد محددة في المشاكل التي أثيرت في تلك الفترة واتخذ فيها موقفا نقله عنه طلابه فلا شك أن جابرا سبق واصلا ولكننا مع أنه أخذ عنه. ولعل من الأمثلة التي توضح هذه النقطة
لا
ندعى
موقف الإباضية والمعتزلة من مشكلة الرؤية مثلا
ذلك
هو
إن عقيدة الإباضية بأن إمكان رؤية البارئ جل وعلا مستحيل في الدنيا والآخرة كان واضحا شديد الوضوح في النصف الثاني من القرن الأول وقد ناقشه بعض أئمة الإباضية وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس فهل يحق للباحث أن يزعم أن المعتزلة أخذوا رأيهم في موضوع الرؤية من الإباضية لأن هؤلاء سبقوهم إلى ذلك القول ولأن المعتزلة يحتجون بنفس الأدلة التي يحتج بها الإباضية.
لا شك أن الباحث المنصف لا يستطيع أن يزعم هذا الزعم لأن (1/271)
صفحة 272
272 -
المصادر التي كانت موضوعة بين يدى جابر بن زيد، والحجج العقلية التي استنبطها وهو يدرس هذه المشكلة كانت مطروحة بين يدى غيره من علماء الأمة. فإذا انتهى هو إلى رأى معين، فليس من اللازم أن يكون كل من انتهى إلى ذلك الرأي آخذا عنه.
بعد هذا ننتقل إلى مناقشة نقطة أخرى عرض لها أن الأستاذ نلينو ولم يكن حسب نظرى ـ موفقا فيها
من
-
يصل نلينو بسرعة غير متوقعة إلى الحكم على أن الجانب الأكبر المذهب الإباضي معتزلى، وهو لكي يصدر هذا الحكم دون أن يتعرض لنقد لا يعرف مصدره، يفصل إباضية شمال أفريقيا عن إباضية الشرق بدعوى أنه لا يملك مصادر عن إباضية الشرق تتيح له الحكم عليهم بحق. وتبدو هذه الدعوى غريبة، فإن المستشرق الكبير لم يذكر من مصادر الإباضية المغاربة إلا كتاب عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع وكتاب الديانات لعامر الشماخي بشرح الثلاثي وكل من الكتابين مختصر
صغير جدا وضع للاستذكار في صفحات قليلة لا تبلغ جميعها عشرا ثم إن كلا الكتابين - إن صح أن نسميهما كتابين. من المؤلفات في العصور المتأخرة أعنى بعد القرن السابع. وهذا يعنى أنها ألفت بعد التميز المذهبي وعندما أصبحت حجج العقائد الدينية لمختلف المذاهب والعلماء معروفة ومدروسة ومنقولة يستعين بها من توافقه للاحتجاج بها ويذكرها من تخالفه لنقضها والرد عليها
وإذا كانت هذه كل مصادره فإنه لا يملك مصادر عن إباضية شمال إفريقيا أيضا اللهم إلا ما قاله عنهم غيرهم وهذا متوفر حتى بالنسبة (1/272)
صفحة 273
-
273
لإباضية المشرق، لأن المصدرين اللذين اعتمد عليهما مختصران لا يعطيان صورة حقيقية للموضوع. وعلى كل فلا داعى أبدا للفصل بين إباضية المشرق أو إباضية المغرب ومع ذلك فقد وقع نلينو في خطأ له قيمته في هذا البحث فقد كتب أبو العباس أحمد الشماخي ترجمة للشيخ عامر الشماخي وتحدث عن كتابه الإيضاح - الذى يقع في أربعة أجزاء ضخمة. ووصفه وقال عنه إنه – أى الإيضاح - هو اعتماد إباضية المغرب وهذا صحيح وكتاب الإيضاح كتاب فقه خالص يبدأ بالطهارات ولا يتعرض
—
لمسائل علم الكلام ولكن نلينو - فيما يبدو ظن أن المقصود بهذه العبارة هو ذلك المختصر الذى يسمى بالديانات فجعله معتمد إباضية المغرب لاسيما نفوسة. وهذا الوهم يعطى كتاب الديانات حقيقة أضخم مما هو عليه فقد سبق الشيخ عامر في موضوع العقائد وعلم الكلام عدد من: العلماء كانت كتبهم مراجع له يستمد منها ويستند عليها وذلك مثل عبد الخالق القزاني وعمروس النفوس وتيغورين الممشوطي وأبي عمار
-
أئمة
الكافي والمارغنى وغيرهم. وقد استفاد الشماخي – ولاريب منهم عبد جميعا ولخص عنهم مختصره (الديانات). ثم إن المستشرق ناينو بعد أن عمل عملية الفصل بين إباضية المشرق والمغرب وزعم أنه لا
يعرف
عن أولئك ما يعتمده للحكم عليهم، وأنه يملك ما يعتمده للحكم على تأثر هؤلاء بالمعتزلة، وقد أثار مجموعة من الأسئلة تحتوى على عدد من
الفروض
-
1
المغرب؟
هل هم أخذوه وهم فى الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد
(م 18 - الاباضية) (1/273)
صفحة 274
274 -
2 - أم هم تقبلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة
من الشيعة؟
- أم أن إباضية المغرب أضافوا من بعد في أفريقيا عناصر معتزلية جديدة إلى ما كان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية المشرق؟
-
4 ـ أو أن مذهب الإباضية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلى.
إن موقف نلينو في هذه القضية غريب حقا فهو يفترض أن الإباضية تأثروا بالمعتزلة وأخذوا عنهم ويجعل هذه الفرضية حقيقة ثابتة مهما كان موقف الإباضية وهو لا يعرف كيف يبرهن أن الإباضية أخذوا من المعتزلة ذلك ولكنه رغم يصر على هذه الفرضية ويعطى لها عددا من الاحتمالات: أخذوها من الشرق ونزحوا بها تقبلوها في شمال إفريقيا عن طريق أضافوا إليها في المغرب عناصر معتزلية .. سار الإباضية
الأدارسة.
في المشرق والمغرب بخطى واحدة تحت تأثير معتزلى؟
ومع هذا الإصرار على هذه الفرضية يعترف أنه لا يعرف شيئا عن مسلك الإباضية عموما في تقرير عقائدهم في تلك العصور الأولى التي كان يثور عليها الجدل وتتقرر في قلوب الناس فهو يذكر أنه لا يعرف شيئا عن مصادر إباضية المغرب فلم تقع يداه إلا على ملخصات مختصرة ألفت في القرن السابع فما بعد.
كنت أحسب أن من يتعرض الموضوع شائك مثل هذا يريد أن يثبت أن إحدى الطائفتين كانت عالة على الأخرى ينبغى له أن يدرس دراسة (1/274)
صفحة 275
- YVO -
عميقة كل ما عند الطائفتين وأن يقارن المشاكل العقائدية بينهما مشكلة مشكلة ويتبع تطورها في البيئتين حتى يعرف أنها وليدة في بيئة معتزلية وانتقلت منها إلى الإباضية أو هي وليدة بيئة إباضية وانقلت منها إلى المعتلة أو أنها وليدة في كلتا البيئتين نمت فيهما حتى استقرت على وضعها الأخير عن كليهما. ولكن نلينه لم يفعل شيئا من هذا لأنه لا يعرف عقائد الإباضية شيئا فى خمسة قرون سابقة حتى عثر على ملخص عن. العقيدة وملخص الديانات
إن المسؤال الأول من تلك الأسئلة يكاد يكون صورة هزلية مضحكة فهو يصور الإباضية لمجموعة من الناس - كمجموعات القبائل البدوية - فوضوا خيامهم وحزموا حقائبهم، وركبوا جمالهم وخيولهم ثم ارتحلوا المشرق إلى المغرب ولكن نلينو لم يتأكد حين ارتحلوا هل كانت معهم بعض هذه الخصائص الموجودة عندهم اليوم أم أنهم ارتحلوا متجردين ثم كونوا الأنفسهم هذه الخصائص الموجودة معهم فيما بعد. أعد قراءة الفقرة وتأملها إن شئت تتضح لك الصورة أكثر
والسؤال بهذه الصورة وهذه الصيغة تعطينا انطباعا معينا عن نلينو ..
والسؤال الثاني يفترض أن الإباضية حينما ارتحلوا من الشرق إلى الغرب إنما جاءوا بدون أصول وإنما اقتبسوا لهم أصولا في المعتزلة عن طريق الأدارسة من الشيعة أو من معتزلة طنجة مباشرة وإنما جملهم على إقتباس الأصول من هؤلاء ودفعهم إلى ذلك رد الفعل ضد أهل السنة واشتراكهم مع الشيعة والمعتزلة فى مقاومة أهل السنة. الواقع أن هذا الكلام لا ينبغى الوقوف عنده طويلا لأنه ليس فيه ما ذلك يستدعى (1/275)
صفحة 276
-
وهو مبنى على فروض وتقديرات وهمية ليس لها ما يبررها مطلقا فلا معنى لأن نفترض أن الإباضية عندما ـ نزحوا من الشرق تركوا
—
هناك عقائدهم لأن الإباضية لم ينزحوا من الشرق إلى الغرب كمجموعات بشرية متنقلة ولكن الأصول التي يعتنقونها للعقائد قد انتشرت في المغرب الإسلامي عن طريق الأفراد سواء كانوا علماء جاءوا في الشرق أو وفودا طلابية ذهبوا من المغرب إلى المشرق فتلقوا تلك الأصول فيما تلقوه في علوم ثم عادوا به أو كان ذلك فى صورة دعاة يدعون إلى تلك الأصول.
ولأن أصول العقائد ليست أمتعة ثقيلة يتخفف منها من يريد أن يرتحل يتخذ بدلها عندما يستقر فى مكانه الجديد فحتى على فرضية وقوع هذه الصورة التي تخيلها نلينو وهو ارتحال الإباضية من المشرق إلى المغرب لا يمكن أن يدخل فى التصور أنهم ارتحلوا بدون عقائد فلما وصلوا إلى المغرب جعلوا يستعيرون أو يقتبسون أو يسترقون. ان العقائد محلها القلوب وهى لا تخرج عنها في حل ولا ترحال.
ولا معنى الأن نفترض أن رد الفعل حمل الإباضية على اقتباس
أصول المعتزلة من الأدارسة الذين اقتبسوها هم الآخرون عن المعتزلة وهذه السلسلة من الافتراضات. في الحقيقة - موغلة في الخيال، فإن أدنى من عنده إلمام بتاريخ المغرب الإسلامى يعرف حقيقتين لا تقبلان
النقاش
الحقيقة الأولى أن الإباضية قد انتشروا في المغرب الإسلامي ليبيا إلى الأجزاء الشرقية من المغرب الأقصى قبل الأدارسة
ابتداء. من (1/276)
صفحة 277
277
بزمن طويل، وقبل أن يصل مؤسس دولة الأدارسة إلى المغرب سنة 172 هـ كان الإباضية قد قاموا بأربع محاولات لإقامة دول كانت ثلاث منها في ليبيا وكانت المحاولة الرابعة هى قيام الدولة الرستمية التي انتصبت في تاهرت قبل اثنى عشر عاما من قيام الأدارسة وكانت قد استقرت وكمل نظامها واستتب لها الأمن ومعنى هذا أن الإباضية بعقائدهم وفقههم في التشريع والسياسة قد استقروا وثبتوا عليها وفرغوا من دراستها قبل مجيء الأدارسة من الشيعة إلى المغرب الإسلامي • فكيف يتسنى لهم أن يكونوا رابطة لانتقال العقدئديين المعتزلة والإباضية.؟ الحقيقة الثانية أن التجهم والتباعد الذي كان بين الإباضية والشيعة. أقوى وأوضح من التجهم أو التباعد الذى كان بين الإباضية وأهل السنة أو المعتزلة. والمؤرخون الذين تحدثوا عن الدولة الرستمية وهي إباضية ذكروا بإسهاب واختصار كثيرا من المناقشات ومجالس المناظرات التي كانت تقع في تاهرت وهي عاصمة الإباضية في ذلك الحين كانت تجرى بين الإباضية وبعض مذاهب أهل السنة وبين الإباضية وبعض فرق المعتزلة أو بين بعض مذاهب أهل السنة وفرق المعتزلة أو حتى بين بعض فرق أهل السنة كالأشاعرة والماتريديه
ولم تذكر مصادر التاريخ التي بين أيدينا أية مناظرة أو نقاش جرى بين الإباضية وأحد من الشيعة وهذا يدل على الانقطاع الكامل بين المذهبين أو الفرقتين. فدعوى أن الإباضية أخذوا من الشيعة أو أن الشيعة أخذوا من الإباضية كلام لا يجد لنفسه أي مستند يقوم عليه،، أضف إلى هذا أنك لو أخذت أى كتاب من كتب الإباضية المطولة سواء كانت في أصول العقائد أو كانت فى الفقه فإنك تعثر فيها على كثير من آراء (1/277)
صفحة 278
- 278
المعتزلة أو أهل السنة سواء كان ذلك في معرض الاستدلال وعرض الآراء، أو في معرض النقد والرد، ولكنه يندر أن تجد في كتب الإباضية شيئا عن آراء الشيعة. ويبدو من هذا أنه لم يكن في المغرب أي احتكاك بين الإباضية والشيعة يسمح باقتباس أحدهما عن الآخر، فضلا عن أن يكون وسيلة لاقتباس آراء الآخرين. أما الجدل بين الإباضية والمعتزلة فقد كان عنيفا في الشرق والغرب، ولعل الجدل قد بدأ بين الإباضية والمعتزلة قبل أن يبدأ بين المعتزلة وأهل السنة وكتب التاريخ والعقائد تذكر طرفا من تلك المناظرات، حينما تذكر مواضيعها وبعض ما جرى فيها، وأحيانا تشير إليها إشارة أو تقتصر على ذكر أسماء المتناظرين من المذاهبين وهذا يدل أن المذهب الإباضي قد استقرت نظرته على الأصول التي اقتنع بها عند التمييز المذهبي في القرن الثاني الهجرى وليس به حاجة إلى التأثر والاقتباس.
أما السؤال الثالث فهو أيضا يفترض أن تلك المجموعة البشرية التي
نزحت من المشرق قد حملت معها بعض معتقداتها. ولكنها أيضا أضافت إليها من عقائد المعتزلة في المغرب وقد ناقشنا هذه الافتراضات في
الصور السابقة فلا داعى لأن نعود إليها.
أما عن السؤال الرابع. فهو يفترض أن المذهب الإباضي في الشرق وفى العرب سار بخطى متحدة بتأثير معتزلى.
إن نلينو قد حكم أن إباضية المغرب أخذوا أصولهم العقائدية عن المعتزلة، وقد استقرت في ذهنه هذه الفرضية فهو لا يريد أن يناقشها وكأنما اعتبرها حقيقة ثابتة فذهب يتلمس الطرق التي تسربت معها (1/278)
صفحة 279
—
279 -
آراء المعتزلة إلى الإباضية فجعل يتخبط بين مجموعة من الفروض لا تقوم
على أي أساس.
ويقول الأستاذ نلينو ص 207 ما يلي:
إلا أن هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الإباضية في شمال إفريقيا عن مذهب المعتزلة، أولاهما بالضرورة هي تلك المتعلقة بالطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر: وإلا كان على الإباضية – وهم خوارج - أن ينكروا أصلهم إنكارا تاما إن شاءوا إن يعتبروا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمنا كما فعل أهل السنة والجماعة أو إن قالوا بالمذهب القائل بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر • بل هو فى منزلة بين المنزلتين كما يقول المعتزلة». وبعد أن يورد كلاما لبعض علماء الإباضية في مناقشة الموضوع يقول:
والمسألة الثانية التي كانت موضوع الخلاف بينهما هي. مسألة القدر
وحرية العبد في أفعاله، فالمعتزلة يقطعون بحرية العبد بينما يقول الإباضية في شمال إفريقيا بالحرية المحدودة فى صورة الكسب أو الاكتساب عند
الأشاعرة» •
إن الالتواء في منطق نلينو - وهو يعالج هذا الموضوع - واضح بين فهو عندما لم يجد ما يتحمله مبرزا للبعد بين آراء الإباضية والمعتزلة في: قضيتى مرتكب الكبيرة والقدر، التجأ الى التحاليل في التبرير، فزعم أن الإباضية إنما خالفوا المعتزلة في موضوع مرتكب الكبيرة حفاظا على أصلهم باعتبارهم (خوارج) ولا بد أن نلينو يعرف معرفة تامة أن الإباضية يختلفون اختلافا كبيراً عن الخوارج فى هذه القضية ــ بل لعلها أشد مواضع
- (1/279)
صفحة 280
-
فبينما يحكم
الخلاف بينهم وأكثرها إثارة للخصومة والعنف أحيانا الخوارج على مرتكب الكبيرة بأنه مشرك تنطبق عليه أحكام المشركين ـ
-
وينفذون تلك الأحكام عليه لا يرى الإباضية في مرتكب الكبيرة إلا أنه أخ لهم في الإسلام له جميع حقوق المسلمين وتنطبق عليه جميع أحكام المسلمين، إلا أنه بارتكابه للمعصية يستحق منهم الجفاء والمخاشنة في المعاملة ولا يستحق منهم الاستغفار - وما الى ذلك مما لا يكون أهلا له الا الموفى بدينه الحريص على إسلامه ــ حتى يتوب.
-
ولكن نلينو يتغاضى عن هذا الفارق الهام ـ في موضوع ارتكاب الكبيرة - بين الإباضية والخوارج ويبنى حكمه على أن الإباضية خالفوا المعتزلة في هذه المسألة حفاظا على أصلهم. مع العلم أن هذا الأصل الذي يشير إليه نلينو لا أصل له عند الإباضية، ولم يقوموا به في يوم من الأيام ولا أحسب أحدا ممن ينتسب إليهم فى القديم أو الحديث ذهب إليه. بل إن كتب التاريخ وكتب العقائد تذكر أن عبد الله ابن إباض حكم على نافع وأصحابه بالكفر بعد الإسلام بسبب قول نافع في مرتكب الكبيرة إنه مشرك وقد كانت شدة خصومة الإباضية للخوارج في موضوع مرتكب الكبيرة لا تضارعها عنفا إلا خصومتهم المعتزلة في موضوع القدر وخصومتهم للأمويين في خروجهم في أحكامهم عن أحكام الشريعة وإذا كانت قضية مرتكب الكبيرة هي أهم ما يميز الخوارج فإن الإباضية – فيها - يخالفون كل المخالفة ما عند الخوارج وقد أورد نلينو في كتاب الديانات العامر الشماخي جملة مبتسرة ظهر أنها تفي بالغرض وتدل على المقصود ولكن الجملة ناقصة الأنه نقل شطرا منها وترك الشطر الآخر والتعبير السائد في جميع كتب العقائد بما فيها كتاب الديانات: «وندين بالمنزلة بين المنزلين، وأن لا منزلة بين منزلتين). (1/280)
صفحة 281
-
281 -
وشرح هذه العبارة باختصار أن الإباضية يدينون بأن هناك منزلة بين الشرك والإيمان هى منزلة النفاق أو كفر النعمة • فقد يكون الرجل ليس مشركاً وليس مؤمنا وإنما هو منافق أو كافر كفر نعمة. وهذا الصنف
من الناس داخل م? المسلمين في جميع المعاملات والأحكام الدنيوية كما كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع المنافقين مرتكبى الكبائر ومع (كفار النعمة (وهذا معنى قولهم تدين بالمنزلة بين المنزلتين.
أما العبارة الثانية: أن لا منزلة بين المنزلتين فيقصدون بذلك أنه لا توجد منزلة بين الإيمان وبين النفاق أو كفر النعمة فالرجل الذى يقر بكلمة الشهادة إما أن يوفى بها فيكون مؤمنا وأما أن يخونها بالعمل أو الاعتقاد فيكون منافقا) كافراً كفر نعمة (وليس بينهما مرتبة أو درجة. وملخص هذا عند الإباضية أن الناس قسمان: مسلمون ومشركون: المسلمون هم الذين أقروا بكلمة التوحيد وهم قسمان: قسم وفى بما عليه لله قولا وعملا واعتقادا وقسم خان في بعض ذلك فالأولون المؤمنون والآخرون هم المنافقون أو كفار النعمة أو الفساق أو العصاة هؤلاء جميعا تنطبق عليهم أحكام واحدة في الدنيا ويتساوون في الحقوق والواجبات اللهم إلا الاستغفار فإنه حق للموفين فقط.
هم
أما المشركون فهم غير المسلمين سواء عبدوا الأصنام أو عبدوا الطبيعة أو لم يعبدون شيئا أو كانوا أهل كتاب فتمسكوا بدينهم الباطل ولم يؤمنوا بالإسلام وهؤلاء كلهم تنطبق عليهم أحكام الشرك اللهم إلا بعض المزايا أو الاسثناءات التي جعلها الله لأهل الكتاب أحسب أن هذا يكفى لايضاح هذه النقطة وربما تناولتها بمزيد من التفصيل في فصل آخر معتمدا على النقول والنصوص. (1/281)
صفحة 282
282
أما القضية الثانية التي أشار إليها نليني - وهي قضية القدر ـ فلم
يجد فيما يبدو أي شيء يستند إليه ولذلك فقد عرضها ثم تركها دون أن يقول عنها شيئا.
ولا شك أن سؤالا لا يتردد في ذهن القارئ وهو يقرأ ما عرضه نلينو يقول: ما دام الإباضية قد أخذوا جميع أصولهم في التوحيد عن المعتزلة، ولم يخالفوهم إلا فى حكم مرتكب الكبيرة حفاظا على الأصل - أو في القدر فلماذا لم يأخذوا عنهم أيضا رأيهم في القدر. وهو سؤال سيقى بدون جواب لأن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يجد له جوابا هو المستشرق الكبير نلينو ونلينو قد انتقل الى عالم غير هذا العالم
ويختتم الأستاذ نلينو بحثه بما يلى:
ليس لدينا في المصادر المطبوعة ما يسمح لنا بتعيين الزمن الذى اتخذ الإباضية المغاربة أقوال المعتزلة المذكورة آنفا وكل ما نعرفة في يقين هو أن القول بأن القرآن مخلوق قول قال به السلطان الرستمي في تاهرت أفلح بن عبد الوهاب الذى حكم بين سنة (190 – 240) كما يستنتج من صفحة 541 تعليق 1 - من كتاب موتيانسكى، وإن مذهب الإباضية المغاربة قد يكون نهائيا في القرن السادس الهجرى والثاني عشر الميلادي.
المستشرق نلينو يعترف أنه ليس لديه من المصادر المطبوعة ما يستطيع
فما
أن يعين به الزمن الذي اتخذ فيه الإباضية المغاربة أقوال المعتزلة هي المصادر التي استطاع. اعتمادا عليها - أن يقرر أن الإباضية في المغرب قد أخذوا أصولهم من المعتزلة؟
- (1/282)
صفحة 283
-
283
إذا كانت المصادر غير متوفرة لديه فكيف استطاع أن يكون رأيه على هذا الوجه. ولم لا تكون الحقيقة على الوجه العكسي (1)؟ أى أن
المعتزلة
هم
الذين أخذوا أصول عقائدهم من الإباضية إذا كان لا بد من
افتراض أخذ أحدهما عن الثاني؟
والحقيقة ـ كما ذكرنا أكثر من مرة - أن الافتراض بأن أحد
تحدث عنه.
-
المذهبين أخذ أصوله من الثانى لا أساس له ولا داعى إليه واعتراف نلينو بعدم توفر المصادر لديه اعتراف سليم وصحيح. لأن مصادر الإباضية التي ذكرها لا تتيح له أن يحكم حكما سليما في الموضوع الهام الذى فهو لم يذكر إلا عقيدة التوحيد لا بن جميع وهي متن وضع والاستنظهار وما يعالج منها قضايا التوحيد الصرفة لا يعدو صفحتين أو ثلاثا وكتاب الديانات لابن ساكن الشماخي هو الآخر متن للحفظ والاستظهار لا يتجاوز صفحتين أو ثلاثا وقد وضع عليه
للحفظ
وضع
الثلاثي شرحا لغويا موجزاا لا يتعرض للقضايا الكلامية إلا نادرا
أما كتاب المصعبي وهو شرح لقصيدة أبي نصر الملوشاني والقصيدة أيضا متن وضع للحفظ والاستظهار فقد عنى العناية الكاملة بالجوانب اللغوية والبلاغية ثم يذكر مجمل المعنى بإيجاز وهكذا في أغلب الأحوال فإذا ناقش بعض المواضيع لم يتعرض لتاريخها ولا لحركة النقد والرد والأخذ والعطاء التي رافقت تلك المواضيع عند تكونها. وجميع هذه المؤلفات كانت بعد القرن السابع الهجرى وبعد التميز المذهبي
له
(1) يقول أستاذنا الفاضل الامام: بيوض ابراهيم بن عمر في جواب
عن سؤال للسيد منير عبد القادر سلطان ما يلى: وبناء على ما تقدم يمكن أن تعتبر الأباضية استاذة الفرق الاسلامية في
تأصيل قضايا العقيدة ... (1/283)
صفحة 284
284
والاستقرار العقيدى لجميع الفرق الإسلامية. فهي لا تعنى غالبا بعرض الأدلة المتداولة التى تؤيد وجهة نظر معينة. ولا شك أن تلك الكتب لا يهمها أن تعرف أول من احتج بدليل ما لأن جميع الأدلة والبراهين في ذلك الحين أصبحت حقا مشاعا بين علماء كل الفرق. وهذا الموقف – بطبيعة الحال لا يساعد على معرفة تكون الآراء والعقائد متى حدث؟
-
ولا على الأصول التي انبنت عليها. ولا من سبق إليها ومن اقتبس منه. المدمرة
النقطة
الهجرى
بـ قد
:
بقيت نقطة أخيرة ينبغي أن نمر بها قبل أن نختتم هذا الفصل هذه هي دعوى نلينو أن المذهب الإباضي تكون نهائيا في القرن السادس فماذا يعنى بالتكون النهائى. وما هي المصادر التي استند إليها في هذا الحكم؟ إذا كان يعنى بالتكون النهائى ـ الانتشار العددي، فإن الإباضية قبل هذا التاريخ بقرن أو قرنين كانوا أكثر انتشاراً في المغرب الإسلامي وتوزعا فيه. وأنهم فى هذا العصر – القرن السادس تقلصوا الى التجمع في بعض الواحات فقط. وإن يكن القصد هو التكون العلمي في مسائل الفروع والاجتهاد فإن هذا التكون لم يتم حتى الآن ولن يتم أبداً لأى مذهب من مذاهب الإسلام لأنه يسير مع الحياة ويتجدد الأحداث التي تتطلب من أولى الاجتهاد إعطاءها أحكامها الشرعية. حتى تنتهى حياة الإنسان أما إذا كان يقصد بذلك تكون أصول العقائد وهو المتبادر الى الذهن فالمستشرق نلينو ليس لديه المصادر الكافية -
كما يقول - يمكن أن ينبنى عليها حكمه، فكيف يحدد هذا بالقرن السادس وهو لا يعرف متى اتخذ الإباضية هذه الأصول عقائد لهم، سواء
استنبطوها من المصادر الإسلامية الأصيلة أو اقتبسوها من غيرهم. المعتزلة أو الشيعة - والحقيقة أن نلينو لوجد فى البحث قليلا لوجد أن كثيراً من كتب علم الكلام قد ألفت قبل هذا العهد بأزمنه طويلة قد تتجاوز (1/284)
صفحة 285
285 -
-
القرنين. منها المختصر ومنها المطول، كما أن حلقات المناظرة والنقاش كانت لا تنفك تجرى بين الإباضية والمعتزلة قبل هذا الأوان بمدة وأنها بلغت من العنف في عهد الدولة الرستمية ما جعلها تستقدم علماء للجدل والمناظرة من ليبيا إلى الجزائر.
ثم إن الإمام عبد الرحمن بن رستم أحد حملة العلم الى المغرب كان طلبة أبي عبيدة في البصرة ولا شك أنه حضر كثيراً من مجالس الجدل والخصومة بين الإباضية والمعتزلة وبين الإباضية والخوارج أما الأشاعرة فلم يظهروا بعد في ذلك الحين بل إن أبا عبيدة هو الذي طرد من مجلسه من يقول بالقدر وهكذا يتضح أن أصول عقائد الإباضية في المشرق والمغرب قد تم تأصيلها والإستدلال عليها في عهد الأئمة ــ جابر وزملائه ثم في عهد أبي عبيدة وزملائه وعنهم نقلها طلاب العلم الى المشرق والمغرب ربما قبل أن يتم تأصلها عند المعتزلة وبالتأكيد قبل الأشعرية ولا شك أيضا أن من جاء بعد الأئمة الأولين قد استفاد من بقية علماء الأمة وفرقها، وربما اقتبس منهم حجة أو دليلا أو أسلوبا فأضافه الى ما عنده من حجج وأدلة.
ولعل مما يفيد القارئ أو يهمه أن نقل له فقرات من رسالة أستاذنا الفاضل الإمام بيوضى إبراهيم بن عمر مد الله في حياته - التي أجاب أسئلة الأستاذ منير عبد القادر سلطان. فإلى القارئ الكريم
بها عن منها ما يلي:
وتعلمون أن أول مسألة عقائدية افترق بسببها المسلمون (بعد
الخلاف السياسي الذي بدأ في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان) (1/285)
صفحة 286
286 -
هي مسألة القدر التي عبرتم عنها في كتابكم) الإرادة الإنسانية والعدل الإلهى) والذي تولى كبرها واصل بن عطاء الغزال إمام الواصلية أو المعتزلة، ثم مسألة تحديد معنى الكفر والإيمان والمنزلة بين المنزلتين ولا منزلة بين المنزلتين والدى تولى كبرها هم الخوارج المستحلون الأموال البغاة من المسلمين وسبى ذراريهم تبعا لدمائهم إذا حلت بالبغى • ثم مسألة خلق القرآن أو قدمه، التي أثارها أو شاكر الديصاني الفارسي الذي تظاهر بالإسلام ليفتن المسلمين ويفرق كلمتهم، فاغتر به المغفلون من الدهماء وأثاروها فتنة شعراء.
عبد
-
فأما واصل بن عطاء فقد قال عنه الشهرستاني صاحب الملل والنحل: الواصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزالي كان تلميذ الحسن البصرى يقرأ عليه العلوم والأخبار وكان فى أيام عبد الملك وهشام بن الملك. ا هـ. وولاية عبد الملك - كما يذكر المؤرخون كانت سنة خمس وستين، ووفاته سنة ست وثمانين وولاية هشام من 105 الى 125 فيكون اتصالة بالحسن البصرى فى النصف الأخير من عمره ويروي كما ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم في كتابه (الدليل والبرهان) إن واصل عطاء بن لزم مجلس الحسن البصرى عشرين سنة قبل أن • لا نعلم على وجه التحديد السنة التي اعتزل فيها واصل مجلس الحسن ويستفاد من مجموع الروايات والتواريخ إن ذلك كان في أواخر أيام الحسن وفي أواخر القرن الأول للهجرة وعلى ذلك يكون إمام الإباضية متقدما (1) كثيرا على إمام الواصلية المعتزلة. وتكون فلسفة الإباضية في
يعتزله
(1). ولد جابر بن زيد سنة 18 هـ وتوفى سنة 93 هـ على ما رجحه الامام بيوض ولا أعرف متى ولد الحسن البصرى ولكنه توفى عام 110 هـ وولد واصل بن عطاء سنة 80 هـ وتوفى سنة 131 هـ. (1/286)
صفحة 287
287
الإرادة الإنسانية والعدل الإلهى) القدر (قد تبلورت قبل أن يظهر واصل
ابن عطاء المذهبه» •
وبعد أن يشرح فلسفة الإباضية في القدر يقول:
وعن
هذه الفلسفة كان الإباضية ينافحون ويكافحون، ضد الفرقتين
الضالتين اللتين أحدثتا بدعة الجبر، وبدعة خلق الأفعال» •
فأنت ترى أن المذهبين حادثان وأن فلسفة الإباضية أقدم منها، وهى متمسكة بالأصل الذي سبق الإجماع عليه
وأما بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصى كلها شركا يحل بها الدم والمال وسبى الذرية فإنها محدثة كذلك. وكان جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم من أكبر تلامذته وعبد الله بن إباض وغيرهم من أتباع الإمام جابر يناظرون الخوارج. وقد نقلنا فيما نقلناه لك قبل • قول صاحب السير في عبد الله ابن إباض: وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم ا ه. وفى السير أيضا 76 قال ضمام: كان جابر يأتى الخوارج فيقول لهم: أليس قد
صح
وبهذا تعلم أنه عندما توفى امام الاباضية جابر بن زيد كان واصل بن عطاء مراهقا دون البلوغ. وانه لا يزال فى الخطوات الأولى من الدراسة واذا انه لازم الحسن البصرى مدة عشرين سنة فانه يكون قد التحق بمدرسته وعمره أقل من عشر سنوات ضرورة أنه انفصل عنه قبل وفاته ومهما يكن فان جابرا كان قد بلغ الى حد الاستقرار في تلك المشاكل وان واصلا لم يبدأ التفكير فيها بعد أما ما ذكره الشهرستاني عن وجود واصل أيام عبد الملك فغير واضح لأن عبد الملك توفى سنة 86 هـ وعمر واصل حينئذ يكون ست سنوات. وغير معقول أن يكون واصل فى تلك السن المبكرة قد اشتهر وعرف في المجالات العلمية (1/287)
صفحة 288
- 288
حرم الله دماء المسلمين بديانته إلخ ا هـ. فأنت ترى أن جابر أسبق هذه الفرق وكان يناظرها، وسلك تلامذته طريقته هذه في المناظرة في حياته وبعد وفاته». ثم عرض الموضوع خلق القرآن: فشرح رأى الإباضية في الموضوع بإيجاز ووضوح ثم قال: (وبناء على ما تقدم يمكن أن تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية فى تأصيل قضايا العقائد». انتهى
المقصود منه.
منه
-
فيما يبدو
-
ويسرني في ختام هذا الفصل أن أذكر بالثناء الجم. هذا المجهود القيم الذي بذله المستشرق الكبير نلينو في هذا البحث الذي كان يهدف. الى كشف علمى محض ولا يضير هذا المجهود القيم أننا نختلف معه في بعض الكليات أو الجزئيات، أو وجهات النظر، وأن ما كان هو مقتنعاً به ويراه حجة، لم نقتنع نحن به، ونراه شبهة تتضاءل عند المناقشة والبحث، فإن الإخلاص العلمي في البحث والتجرد له، كفيل بأن يبعث على الشكر والتقدير.
وهذا ما بدا لنا فى أسلوب نلينو وهو يعالج هذه القضية فنحن
نشكره على المجهود القيم. ونختلف معه في افتراضاته ونتائجه (1/288)
صفحة 289
289 -
اللقاء بين الإباضية وأهل السنة (1)
إن المسائل التي لخصها المستشرق نلينو في نقاط ثم ذكرها
سبع
وقد
كنماذج للخلاف والتباعد بين الإباضية وأهل السنة وزعم أن الإباضية فيها قد تأثروا بالمعتزلة أو استمدوها منهم - هي في الواقع مسائل أخذت كثيراً من الجهد والوقت بين علماء المسلمين كافة بمذاهبهم المختلفة جرى فيها النقاش الدقيق بين علماء المذهب الواحد كما جرى بين علماء المذاهب المختلفة ومحاولة تصوير المذاهب الإسلامية كمعسكرات متناحرة محاولة يسر لها المستشرقون كثيراً ويعملون على تركيزها وقد ساعدهم على ذلك بعض السطحيين من علماء المسلمين فى القديم والحديث • ويمثل هذا صارت تلك المسائل بمثابة الشعارات التي يرفعها أصحاب المذاهب، وكان المتعلمون في المراحل الأولى من الطلب وأشباه العلماء من محبى الظهور يجدون فيها وسائل طيبة ومساعدة على الجدل والشعب والشهرة وحب الظهور تماما كما يجد العوام فى بعض الخلافات الفقهية العملية – كرفع الأيدى عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، وقراءة البسملة
(1) قال الدكتور مصطفى الشكعة فى كتابه اسلام بلا مذاهب طبعة دار النهضة العربية ص 349 ما يلى:
على أن الشيء الجدير بالمعرفة والاعتبار أن هؤلاء الأئمة ممن ذكرنا لم يعرفوا في زمانهم أو بعده بعدة قرون باسم ائمة اهل السنة، وانما كانوا ائمة لعامة المسلمين الا من رأى غير رأيهم. ذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متاخرة يرجع تاريخها الى حوالى القرن السابع الهجرى اي بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون»
(م 19 - الاباضية) (1/289)
صفحة 290
في أول الفاتحة - وسيلة لإظهار المعرفة وبيان شدة التمسك بالدين
والمحافظة على السنة
منتم
الطرف المعتدل
هم
فإذا ارتفعنا عن هذه المستويات قليلا إلى مستوى أهل العلم وأصحاب التحقيق وجدنا هذه المسائل تدور فيما بينهم على حارفين متطرفين ووسط معتدل يلتقى عليه المذهبان. ولعل أولئك العلماء الذين يتكون المحققون حقيقة وأن الطرفين المتطرفين قد أثرت عليهما مؤثرات ذهبت بهما إلى حيث انفتحت بسببهما بين صفوف الأمة ثغرة وجد فيها أصحاب المصالح الخاصة من المسلمين وغيرهم مدخلا لشق العصا وتفريق الكلمة. وبقطع النظر عما إذا كان الإباضية تأثروا في النقاط السابقة بالمعتزلة أو لم يتأثروا بهم وهل هم يتفقون فيها معهم كل الاتفاق أو يختلفون اختلافا جزئيا أو كيا فإني أحب أن أعرض
في هذا الفصل على القارئ الكريم وجوه اللقاء بين الإباضية وأهل السنة في هذه المسائل نفسها وسوف نعرضها في إيجاز شديد نقطة
•
نقطة كما ذكرها نلينو فيما يلي:
1 - القرآن مخلوق أو قديم
بدأ الشعب حول هذه الكلمة حين أثارها أبو شاكر الديحاني حسب ما يقول بعض أصحاب المقالات فقال بعض الناس عنه إنه مخلوق وقال آخرون غير مخلوق أو قديم واشتد الجدل بين الطرفين، فتطرف جانب حتى زعم أن المصاحف والحروف قديمة وتطرف الجانب الآخر حتى نفى صنعة الكلام عن الله تبارك وتعالى وكان بين مجموعة الآراء آراء تقترب من هنا أو من هناك وقد انتهى المحققون من الإباضية وأهل السنة
إلى معرفة ما ينبغي أن يوصف بالقديم وما ينبغي أن يوصف بالحدوث فأثبتوا لله تبارك وتعالى صفة الكلام وقالوا هي صفة ذات كالسمع (1/290)
صفحة 291
291 -
حادث
علماء
والبصر والعلم وعبر عنها بعضهم بالكلام النفسي وما عدا ذلك فهو وظهر لهم أن الخلاف بينهم خلاف لفظى ـ إذا أهمانا جانبي التطرف - وزيادة على هذا اللقاء على مستوى التحقيق فإن من أهل السنة من يقول دون تحرج أو احتراز القرآن مخلوق فقد ذكر الخطيب البغدادى من طرق متعددة عن أبي يوسف أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق أما أبو منصور الماتريدى فقد كان يقول إنه محدث ولم يحفظ عنه أنه قال مخلوق. وقد كان أبو النضر العماني من أئمة الإباضية يقول إن القرآن غير مخلوق وأنكر إنكارا شديدا على من يقول بخلق القرآن. وذهب القطب من أئمة الإباضية أن هذه المسألة ليست من الأصول وقال أبو إسحاق طفيش إن الخلاف فيها لفظى. وهذا القدر كاف للدلالة على اللقاء بين المذهبين في هذه المشكلة التي أخذت جهدا غير قليل من علماء الأمة واعتبار الخلاف فيها خلافا لفظيا حين تجرد من أطراف التطرف والعصبية. ويكفى أن يلتقى المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع هي أن الله تبارك وتعالى سميع بصير متكلم. وأن القرآن الكريم كلام الله عز وجل أنزله على
رسوله صلى الله عليه وسلم.
2
-
هل رؤية البارى جل وعلا في الآخرة ممكنة؟!
أحسب أن ما وقع فى مشكلة الرؤية هو نفس ما وقع في مشكلة الكلام - وإن كانت مشكلة الرؤية قد أثيرت قبل مشكلة فقد الكلام. كان فيها هي أيضا طرفان متطرفان ووسط معتدل هو مكان اللقاء بين المذهبين وذلك أن طرف الإثبات يبالغ حتى يصل به التطرف إلى حد التشبيه والتمثيل والتحديد وطرف النفى يبالغ حتى يصل به (1/291)
صفحة 292
292
التطرف إلى حد نفى حصول كمال العلم. وبينها يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقى في المعنى الواحد لقاء كاملا أو لقاء متقاربا وهذه الصورة تتمثل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنة من أن الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى وعبر عنها آخرون منهم بأن الرؤية تقع بحاسة سادسة هي كمال العلم واختلفت تعابير الكثير منهم ولكنها تتلائى فى النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيلها الإنسان لصورة رائى ومرئى وما تستلزمه من حدود وتشبيه وتتفق فى النهاية على الابتعاد عما يشعر بأى تشبيه في أي مراتبه وبالمحدودية في كل أشكالها ومنهم من التجأ لكى لا يصطدم بنصوص النفي والإثبات إلى أن هذا من أحوال يوم القيامة وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر الذي جاءت به النصوص والمعتدلون من الإباضية لا يمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخيلة عند الناس فإذا كانت هنا لك حالة لا تدخل تحت هذه القيود ولا تؤدى إلى التحديد أو التشبيه وإنما هي شيء يشبه ما يقوله بعضهم من حصول كمال العلم فلا مانع من ذلك يضاف إلى هذا اللقاء إن الإمام الغزالي يميل فى أغلب كتبه إلى نفي الرؤية مطلقا ومنطلق الجميع في الواقع هو الفرار من التشبيه فالمتطرفون من الإباضية يفرون من كل ما يوهم التشبيه ولى بتأويل بعيد فرارا شديدا ويكتفى المتطرفون من أهل السنة بنفى التشبيه بالنفي القولى وإن دلت عليه ألفاظهم وأدت إليه تعابيرهم وأحسب أن اعتقاد التنزيه والفرار التشبيه ثم التماس الحلول التي تلتقى عليها النظرتان في إيضاح مدلول النصوص المتعارضة في الظاهر هو مقدار كاف للدلالة على أن المذهبين ملتقيان لقاء قريبا يمكن أن يعتبر به كلاهما نابعا دن نفس الاتجاه الذي نبع منه الآخر
من (1/292)
صفحة 293
ـ معنى الميزان والصراط:
هذه مسألة من المسائل التي استنفدت جهدا ووقتا ووصل بها
التحدى إلى صور أن يكون الميزان يوم القيامة ذا كفتين ولسان ثم يختار كيف يقع الوزن فيذهب في التصور شوطا بعيدا ويحر بعضهم أن يكون الصراط جسرا فرق جهنم وأن يكون أرق من الشعرة وأحد من السيف ثم يتسابق الناس عليه فمن وقع منهم كان مصيره إلى النار وهم في سباقهم هذا بحسب أعمالهم أحسب أن هذا التصور يجب أن يرتاح اليوم وإذا كان العلم البشرى منذ ذلك العهد إلى هذا العهد قد اكتشف أنواعا من الموازين والمقاييس لم يبلغ إليها خيال المتخيلين في ذلك العصر وأنه يصور البحث عن مقاييس للذكاء والعقل وما إلى ذلك فكيف للإنسان اليوم أن يصف موازين الله لأعمال الإنسان يوم القيامة. إن كلا من الإباضية وأهل السنة مؤمنون أن الله سبحانه وتعالى الجزاء يوم يفصل بين عباده وأن قوله تعالى الفصل، ووزنه الحق، وحكمه
تكاد تكون هزلية أو بهلوانية. يصر فيها بعض الناس
العدل
ويكفى هذا لقاء بينهما.
ـ تأويل ما يفهم التشبيه:
هذه النقطة أصبح أغلب أهل السنة من الأشعرية والماتريدية يقولون فيها بما يقول به الإباضية واللقاء بينهما فيها تام. وكلهم يرى أن كل وردت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة تشعر
كلمة
بالتشبيه يجب أن تؤول بما يؤدى المعنى ولا يدل على التشبيه (1/293)
صفحة 294
مرتكب الكبائر:
يقول الأستاذ على مصطفى الغوابى فى كتابه تاريخ الفرق ص 89
ما يلي:
(أ) الخوارج تقول ان مرتكب الكبيرة. فسقه وفجوره كافر
مع
(ب) المرجئة تقول. هو مع فسقه وفجوره مؤمن •
(جـ) الشيعة تقول هو مع فسقه وفجوره فاسق.
•
(د)
) الحسن البصرى يقول هو مع فسقه وفجوره منافق
هذا ما يقوله الأستاذ الغوابي ويبدو لى أنه لم يذكر أهل السنة لأنه يرى أنهم يدخلون فى قسم المرجئة ولم يذكر الإباضية لأنه يرى أنهم يدخلون في قسم الخوارج. ولكن الواقع ليس كذلك فأهل السنة ليسوا مرجئة والإباضية ليسوا خوارج. لأن أهل السنة لا يذهبون إلى ما ذهبت إليه المرجئة من قولهم «لا تضر مع الإيمان معصية» بل إن الماتريدية منهم يرون كما يرى الإباضية أن الوعيد لا يتخلف كما لا يتخلف الوعد ولأن الإباضية لا يرون رأى الخوارج وإنما يرون رأى الحسن البصرى فيعتبرون مرتكب الكبيرة منافقا وليس مشركا. وهنا يلتقى الإباضية وأهل السنة لقاء كاملا بقطع النظر فيتفقون جميعا أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب يدخل
عن التسميات
-
النار. أما معاملته فى الدنيا فهى لا تختلف عن غيره من السلمين
ف اللقاء في هذه النقطة بينهما كامل. (1/294)
صفحة 295
295
6 ـ عذاب النار أبدى) الحلود):
هذه قضية متفرعة عن القضية السابقة وقد جرى فيها جدل كثير وضح الإمام الغزالى إلى جانب الخلود وقال قطب الأئمة من الإباضية في رسالته إزالة الاعتراض أن خلود الموحد وعدمه ليس من الأصول
التي يكون بها تفسيق معتقد أحدهما
ويكفى هذا لقاء بين المذهبين.
•
7 - صفات الله ليست زائدة على ذات الله:
الصفات موضوع من أهم المواضيع التي جرى فيها النقاش الكثير والجدل المتواصل فبينما يقول بعض الأشاعرة أن صفات الله تبارك وتعالى غير ذاته يقول الماتريدية من أهل السنة أن الصفات ليست شيئا غير الذات فهى ليست صفات قائمة بذاتها ولا منفكة الذات عن فليس لها كينونة مستقلة عن الذات. وهذا هو ما يقوله الإباضية في الصفات أيضا وربما يلتقى الإباضية والماتريدية في هذه المسألة حتى في التعبير واختيار الكلمات وهناك من الأشاعرة من يقول بقول الإباضية في بعض الصفات كالوجود والبقاء ومنهم من يقول بذلك فى. ولعل الإمام الغزالي يميل الى هذا الجانب. أحسب أن هذا المقدار
جميع
يكفي في اللقاء بين أهل السنة والإباضية في موضوع الصفات
•
الصفات
8
القدر:
يبدو أنه لا خلاف بين الإباضية وأهل السنة في موضوع القدر
وأن المستشرق نلينو مقتنع بذلك (1/295)
صفحة 296
296 -
بعد هذا العرض الموجز أريد أن أقول إن المنتسبين إلى أهل السنة عدد كبير من الفرق الإسلامية وهى تختلف اختلافا بينا هذه المشاكل وفيها متطرفون إلى كلا الجناحين فمنهم من يتطرف
جميع
إلى التشبيه أو قريب منه ومنهم من يتطرف إلى الجانب الثاني حتى يكاد يكون صدى للمعتزلة ولعل الظاهرية وبعض المتشددين من الحنابلة والتيميين يمثلون الجانب الأول، الجانب المحافظ أو الجاحد إن أبحنا لأنفسنا أن نستعمل هذا التعبير ولعل الماتريدية والإمام الغزالي يمثلون
الجانب المتحرر
•
والإباضية في جميع المسائل السابقة يلتقون مع بعض الأئمة أو الفرق من هؤلاء، فلو أردنا التفصيل لقلنا إنهم يلتقون الأغلبية المطلقة في تأويل المتشابه والقدر.
ويلتقون مع
الكثير في الصفات ومرتكب الكبائر
ويلتقون مع بعض الأئمة في صفة الكلام (القرآن مخلوق أو غير مخلوق) والرؤية والخلود.
وأعنى باللقاء أن أحد الفرقتين تقول بنفس ما تقول به الأخرى أحيانا وتختلف عنها أحيانا في الإجمال وتلتقى في التفصيل وتختلف عنها أحيانا في المشهور ويوجد فى إحدى الطائفتين علماء يميلون إلى ما تقول به الطائفة الأخرى فى كثير من الأوقات ولن تجد عند التحقيق انقطاعا كاملا بينها أبدا في جميع المسائل اللهم إلا إذا سلكت مسلك المتطرفين من أحد الفريقين ولا شك أن هذه المقارنة يمكن أن (1/296)
صفحة 297
-
297 - -
تجرى أيضا أهل السنة والمعتزلة أو الإباضية والمعتزلة وربما يكون فيها اللقاء مثل هذا أو قريبا من هذا. فإن جميع هذه الفرق إنما تصدر عن منبع واحد هو كتاب الله وسنة رسوله رغم ما يقوله القائلون في الخلاف ورغم ما أدى إليه الاجتهاد بسبب اختلاف الفهم والاقتناع بمنطقية الدليل. (1/297)
صفحة 298
298
محتويات الكتاب
رقم الصفحة
12
14
19
21
29
37
43
52
F F
73
Yo
76
97
113
121
125
يا أخي في اللـ
قيل عن الإباضية
مق
دمة
الباب الأول
الإباضية في قفص الاتهام القسم الأول (مع القدماء) الإباضية عند الأشعرى
تشنيعات الأشعرى على الإباضية
مقالات الإباضية عند الأشعرى
البغدادي والإباضية
ابن حزم والإباضية
أبو المظفر الاسفراييني والإباضية
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
الباب الثاني
المعاصرين مع
مع
الأستاذ
على مصطفى الغوابي
مع أبي زهرة
مع عبد القادر شيبة الحمد
خلاصة مذهب الإباضية
مع
الدكتور هويدى (1/298)
صفحة 299
299
—
الدكتور هويدى أيضا مع هويدي في تبعية المستشرقين
عز الدين التنوخي
مع ابراهيم عبد الباقي
طرف من عقائد الخوارج
مع الأستاذين: التنوخي وابراهيم عبد الباقي
الباب الثالث
القسم الثالث (المستشرقون)
المستشرقون
مع كرلو الفونسو نلينو
رقم الصفحة
134
144
Iyo
181
197
199
201 (1/299)
صفحة 300
سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
C
من كتاب المكان في القديم والحديث
الية
الجزء الثاني
1406 هـ - 1986 م (2/1)
صفحة 301
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 302
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
?
عند كتاب المقالات في القديم والحديث
تأليف
على يخيتي معمر
الجزء الثاني
1406 5 1986
م (2/3)
صفحة 303
بالله الحر الرحمن
رَبِّ أَوْزِعْنِي أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ..
قرآن کريم
سورة النمل الآية (19) (2/4)
صفحة 304
الباب الرابع
آراء للإباضية
فرق الإباضية
النفاثية
الخلفية
الحسينية
السكاكين
الفرثية
آراء الإباضية في الصحابة
الحكم في نظر الإباضية
حكم الدار
التعامل بين المتخالفين
المنزلة بين المنزلتين
مسائل فقهية اجتهادية
خلاصة آراء الإباضية (2/5)
صفحة 305
القسم الرابع
آراء للإباضية
عندما كنا نستعرض ما ينسبه كتاب المقالات إلى الإباضية في الفصول السابقة كانت تمر بنا أسماء فرق تنسب إلى الإباضية وهى ليست منهم وكانت تمر بنا أقوال لا يقول بها مسلم، وكانت تمر بنا أقوال يقول بها بعض المسلمين ولكنها ليست من أقوال الإباضية، وكانت تمر بنا مقالات مما يقول به الإباضية ويعتقدونه. في الأصول
أو الفروع.
وقد ناقشنا بعض تلك الفصول، وأوضحنا هناك الفرق التي ليست من الإباضية ولا تربطها بها علاقة كما أوضحنا هناك ما يتفق مع. عقائد الإباضية وآرائهم مما لا يتفق
انفصلت
وقد رأيت في هذا القسم من الكتاب أن أذكر الفرق الحقيقية التي عن الإباضية والمقالات التي خالفت فيها وأسماء أئمتها أو زعمائها كما رأيت أن من المسائل التى عرض لها الكتاب مسائل تحتاج إلى شيء من الإسهام فى الشرح، فرأيت أن أعقد لها فصولا خاصة بها. وفى هذا القسم سوف تجد تلك الفصول كما يلى:
1 - فرق الإباضية.
- آراء الإباضية في الصحابة. (2/6)
صفحة 306
•
- آراء الإباضية في الحكم.
آراء الإباضية في الدار.
ه ـ معاملة المخالفين في المذهب
•
المنزلة بين المنزلتين، وأن لا منزلة بين المنزلتين
- مسائل فقهية اجتهادية.
- خلاصة آراء الإباضية. (2/7)
صفحة 307
فرق الإباضية
لقد كتبت هذا العنوان وأنا متردد، لأنه لا يؤدى المعنى الذي أقصده منه أداء كاملا، ذلك أن الخلاف بين الناس في أمور الدين وفي أمور الدنيا شيء طبيعي، مادامت الأفهام والمدارك والعقول تختلف من شخص الى شخص، ولكن الطبيعى أيضا أنه ليس كل خلاف شقاقا وأنه ليس كل مجموعة خالفت في شيء تعتبر منشقة ثم أن من خالفت حتى انشقت و اتخذت لنفسها خصائص ومميزات صارت فرقة مستقلة يجب أن تحمل اسمها الخاص بها.
وإذا كان علماء الأمة الإسلامية - في عمومها - قد اختلفوا اختلافات كثيرة، نشأت عن بعضها المذاهب والفرق، فمن الطبيعي أيضا أن يختلف علماء الفرقة علماؤه وأئمته اتفاقا كاملا في جميع المشاكل والقضايا بل إن الذي أذكره أنه كانت تمر بي أ أثناء مطالعاتي المختلفة خلافات حادة بين عدد العلماء في المذهب الواحد يصل فيها النقاش الى درجة العنف والقسوة ولكن أحدهما لا يجسر أن يقول إن الثاني خرج عن المذهب. وأنه كون فرقة أو أنه رئيس أو إمام لفرقة.
من
والمذهب الإباضي ليس بدعا من المذاهب الإسلامية فقد كان الخلاف يقع بين العلماء فيتناقشون فيه ويستطيع بعضهم أن يقنع بعضا وقد يصر كل واحد منهم على رأيه. وقد يخالف أحد العلماء ممن سبقه في فتوى فينتج عن كل ذلك تعدد الأقوال في المسألة الواحدة.
ومن العسير أن يحدد الباحث الخلاف الأول عند الإباضية أو المسألة الأولى التي اختلفوا فيها ولكنه يستطيع أن يجزم أن الخلاف داخل المذهب (2/8)
صفحة 308
قد كان يقع منذ تكونه، فقد خولف جابر في مسائل جرى العمل فيها بغير فتواه. كما خولف الإمام مالك فى مسائل يجرى العمل بغير فتواه. ويستنتج من كتب الإباضية فى التاريخ مقالاتهم أن أول خلاف جدى وقع بين الإباضية كان في عهد الإمام أبي عبيدة
كانت مسألة القدر فى ذلك الحين هى مشغلة العقول والأفهام عند العلماء والمتكلمين وكان الإباضية يقفون منها موقفا مناهضا المعتزلة وكان من زملاء أبي عبيدة حمزة الكوفى وعطية وغيلان فقالوا بالقدر وحاول أبو عبيدة وأصحابه إقناعهم بأنهم أخطأوا وعليهم أن يتوبوا فلم يقتنعوا واستمسكوا بعقيدتهم فلما يئس منهم الإمام أبو عبيدة تبرأ منهم وأمر أصحابه أن يتبرأوا منهم وأن يبعدوهم عن مجالسهم خوفا منهم أن يؤثروا على العوام وانقطعت الصلة بينهم وبين الإباضية منذ ذلك الحين ولعلهم انضموا الى بعض فرق المعتزلة. ولم يعد يتحدث عنهم حد من
الإباضية – كأفراد من الإباضية - ولم يعتبروهم أئمة لفرقة مستقلة أو داخلة تحت فرق أكبر •
•
بعد هذا الخلاف مع الإمام أبي عبيدة خالفه جماعة أخرى من طلابه هم سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن معروف وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج عمرو بن محمد السدوسي فناقشهم في مقالاتهم واستطاع إقناعهم ولما توفى الإمام أبو عبيدة خالفوا الإمام الربيع بن وقد كان زميلهم في الدارسة على أبي عبيدة وحاول الربيع
حبيب
-
-
اقناعهم بأنهم أخطأوا فيما ذهبوا إليه كما أقنعهم أستاذهم أبو عبيدة فلم
يتمكن فأعلن الربيع - وهو إمام الإباضية فى ذلك الحين ومرجعهم بعد أبي
عبيدة ـ خلافهم للجمهور، فعوملوا بنوع من البرود والهجران
• (2/9)
صفحة 309
وقد اختلفت مواقفهم. فأما شعيب فقد انتقل الى مصر وكون لنفسه هناك شهرة داوية بين الإباضية وسيكون له فيما بعد أدوار سوف نتحدث عنها في مكانها. وأما سهل بن صالح فقد اختفى في زحمة التاريخ فلم أعرف عنه شيئا فيما بعد. وأما عبد العزيز وأبو المؤرج فقد استطاعا ـ رغم العلاقات التي يشوبها البرود والتوتر بينهما وبين أهل الدعوة – أن يحتفظا بمركز علمي مرموق، وأن يحتفظا بثقة الإباضية فيهما رغم خلافهما. ولعلنا نستطيع أن نعطى لهما صورة واضحة ونضعهما في إطارها الصحيح حين ننقل للقارئ الكريم الكلمات الآتية التي قيلت منهما في مناسبات متباعدة.
قال الإمام أفلح وقد سئل عن أبى المؤرج وابن عبد العزيز: «وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم فى تلك المسائل، وأما غيرها مما فيه اختلاف من رأى أصحاب النبي، واختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم، وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين» • وقال (وأما البراءة فلم يكن ابن عبد العزيز عند المسلمين محمودا وهو الى البراءة أقرب). (1) انتهى جواب الإمام أفلح
وقال عنهما أبو العباس الشماخي في السير:
وينبغي أن نذكر من خالف الربيع فى بعض المسائل، وإن كان من خالفه لا يلتفت إليه. لأن لهم أقوالا فى الفقة وأسانيد يأخذ بها أصحابنا». انتهى
(1) قال الدكتور الناجي: هذه الكلمة لم يقلها الامام أفلح في عبد الله
ابن عبد العزيز هذا وانما قالها فى شخص آخر على هذا فيقتصر في رأى
أفلح على الفقرة الاولى وهي أقرب الى الرضا (2/10)
صفحة 310
11 -
وقال عنهما نور الدين السالمي في الجزء الأول من شرح
ما يلى: «وخالف الربيع في زمانه في بعض المسائل: سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن معروف، وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفى وعطية وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة وكذلك من قبلهم كان في أيامه أيضا لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون الى المجالس، ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم، وطردهم من مجالسهم: ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين، وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة، خالفوا فيها المسلمين. ولهم في الفقة أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا» •
،
الله
وبالتأمل فيما نقلته لك تجد أن الأئمة الثلاثة يتكلمون عن عبد وأبي المؤرج بكثير من الرفق أو اللين أو إن شئت فقل باحترام، ولم يصرح أحدهم بالبراءة، ورغم أن الإمام أفلح - وكان شبه معاصر لهم ــ قال عن ابن عبد العزيز: «لم يكن عند المسلمين محمودا وأنه الى البراءة أقرب» ولكنه لم يصرح بالبراءة منه وقد أجمع أفلح والشماخي والسالمي، أن ابن عبد العزيز وأبا المؤرج (1) ثقتان يؤخذ عنهما في غير المسائل التي خالفا فيها
وقد ذكر أبو العباس الشماخى أنهم خالفوا في ثلاث مسائل هي:
1 - قالوا صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة لا تصح.
(1) ذكرهما ابو عمرو عثمان بن خليفة السوقى مع النكار وذكر لهم نحو عشرين مسألة خالفوا فيها ربما كانت هى ما اجتمع لدى النكار على مدى طويل وأنا لا أحسبهما من النكار ولا أعدهما من الفرق المخالفة. (2/11)
صفحة 311
- 14 -
2 ـ قالوا: أهل القبلة المتأولين بما يوهم التشبيه مشركون - قالوا: المرأة التي يعبث بها خارج المحلين لا تكون بذلك كافرة
ولكنني أعتقد أن المسائل التي وقع فيها الخلاف ربما كانت أكثر
من هذه المسائل الثلاث
عهد
والنتيجة التي أردت أن أنتهى إليها من هذا النقاش أن ذلك الخلاف الذي وقع في عهد أبي عبيدة مسلم، وكذلك الخلاف الذي وقع في الربيع، لم يتبين عليه تكون فرقة منشقة عن الإباضية تابعة لها في الأصول العامة فيقال فيها (فرقة من الإباضية) ولا فرقة مستقلة داخلة في. فرق المسلمين، وإنما كل ما في الأمر أن بعض أصحاب أبي عبيدة خالفوا في أصل هام من أصول الدين وهو القدر ـ فأصبحوا غير إباضية والتحقوا بالفرق التي تقول بالقدر
-
عموم
ثم إن عددا آخر من تلاميذ أبي عبيدة خالفوا الجمهور في مسائل
عن
فأقصاهم الربيع بن حبيب - وهو عمدة الإباضية بعد أبي عبيدة مجالس أهل الدعوة وعوملوا بنوع من الجفاء والقسوة ولكنهم لم يخرجوا عن نطاق الإباضية - ماعدا شعيبا وسيأتي بيان السبب عليهم المسائل التي خالفوا فيها، وأخذ بقولهم وروايتهم في غير ذلك
الله وعن عبد
-
وحس
بن عبد العزيز وأبي المؤرج روى أبو غانم بشر بن غانم الخراساني كتابه «المدونة» وهى من المكتب المعتمدة عند الإباضية وأبو المدونة غانم في الولاية بالاتفاق. بل إنهما من شيوخة الذين روى عنهم فقد رواها عن عدد كبير. ومن هذا يتضح أن الرجلين بهما عالمان جليلان (2/12)
صفحة 312
بلغا درجة الاجتهاد وأنهما من الإباضية لم يخرجا عنها وإن خالفا بعض الأئمة فى بعض المسائل فلا تريد أن تكون أقوالهما أقوالا المذهب وإذا شئنا أن نقسوا عليهما نقول إنها أقوال شاذة أو ميتة أو متروكة أو غير معمول بها. ويوجد من هذا النمط عدد من العلماء ربما أشرنا الى بعضهم وهم على كل حال أفرد داخل المذاهب وليسوا أئمة لفرق ولا أتباعا لفرق.
—
بهم
، كما اعتادوا
وقد درج عدد من المؤرخين وكتاب المقالات. من غير الإباضية – أن ينسبوا الى الإباضية عددا من الفرق لا علاقة لها كلهم على اعتبار الإباضية فرقة من الخوارج. وقد أوضحت في الفصول السابقة خطأ كل من النسبتين: نسبة الإباضية الى الخوارج ونسبة تلك الفرق الى الإباضية.
الفرق.
-
أما المؤرخون وكتاب المقالات من الإباضية فقد ذكروا عددا من هي غير الفرق السابقة ـ اعتبروها منشقة عن الإباضية وتناولوها هي وأئمتها بنوع من النقد العنيف الذي يبلغ في شدته حد القسوة، وربما بلغ حد المبالغة أحيانا
وبين يدى الآن مجموعة من كتب الإباضية التي ناقشت موضوع الفرق التي انشقت عن الإباضية وكلها تشير الى أن الفرق التي انشقت عن الإباضية ست هي: النكارية، والنفائية، والخلفية، والحسينية، والسكاكية، والفرئية، وكل هذه الأسماء لم يذكرها كتاب المقالات الأقدمون الذين ناقشناهم فيما سبق كالأشعرى ومن أخذ عنه مما يدل أنهم كانوا حقا لا يعرفون الإباضية.
ورغم أن مؤرخى الإباضية وكتاب مقالاتهم يذكرون هذه الأسماء (2/13)
صفحة 313
1? -
كأسماء فرق من الإباضية وينسبون إليهم مقالات خاصة بهم فأنا لا أوافقهم ذلك في كل ما قالوه وأتردد فى قبول بعض ما عرضوه وسوف يتضح. لقارئ أثناء الحديث عن هذه الفرق ولعله قد آن الأوان لأن نستعرضها فرقة فرقة فإلى القارئ الكريم ما يتيسر لنا ذلك من
النكار:
في سنة 171 هـ حدث سياسى هام في المغرب الإسلامي في الدولة الرستمية وذلك أن الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما أحس بدنو الأجل ترك الأمر شورى بين سبعة من الناس من بينهم أبو قدامة يزيد بن فندين وعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وبعد مشاورات وقع الاتفاق على بيعة عبد الوهاب فكان ممن تقدم للبيعة أبو قدامة بن فندين وقال حين هم بالبيعة نبايع على ألا يقضى في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس فأجابه عالم جليل من الحاضرين هو مسعود الأندلسي لا نعرف شرطا للبيعة إلا العمل بكاتب الله وسيرة السلف الصالحين ولم يثر أى نقاش عن الموضوع وتمت البيعة واستمرت الحياة وكان أبو قدامة يعتقد في نفسه الكفاءة والقدرة على تولى الأعمال فانتظر فترة من الزمن لعله يستشار في شيء أو يكلف بعمل ما، فلم يحصل شيء من ذلك فبدأ الشعب وزعم أن الإمامة باطلة لأنه لم ينفذ الشرط الذي شرطه ووقع خلاف حاد بين الناس فاقترح مقترحون أن ترسل رسائل استفتاء في الموضوع
الى أئمة الإباضية في المشرق وعلى رأسهم الحافظ الربيع بن حبيب • وكان أبو المعروف شعيب بن معروف في كما أشرنا إليه من مصر قبل فمر به حملة الاستفتاء وأخبروه بخلاف ابن فندين وما عليه الوضع هناك فطمع أن نتجه إليه الأنظار ويكون له المركز الأول في ثاهرت وسافر (2/14)
صفحة 314
10 -
-
على عجل واتصل أول ما اتصل بالإمام كأنه يختبر الحال فعلم أنه لا مكان له هناك وبعد حيرة وتردد انضم الى ابن فندين ثم أقنعة بسرعة التحرك - لأنه يعلم أن الرسائل التي ستعود من المشرق سوف تكون مؤيدة للإمام وتسبب في انفصال عدد غير قليل من أتباعهم عنهم. وقام الرجلان بمحاولة عسكرية لقلب نظام الحكم ففشلت المحاولة، وذهب ابن فندين نفسه ضحيتها وتفرق أغلب أتباعه أما أبو المعروف فقد ارتحل الى ليبيا لعله يستطيع أن يجمع أنصاراً آخرين ويكون من هناك حركة مضادة. وكان الناس يطلقون على ابن فندين وتباعه في أيام تحركهم الأولى اسم النكار والنكات والنجوية والشعبية. ومهما يكن من الأمر فإن الحركة قد ضعفت سياسيا وعسكريا لا سيما في الجزائر أما دينيا فلم يكن لها
إلا مستندات هما:
أولا: لا تصح إمامة المفضول مع وجود الأفضل
ثانيا: تصح الإمامة بشروط إذا شرطها الناس عند البيعة وتسقط لمخالفة تلك الشروط وعلى هذين المستندين ارتكزوا في دعواهم بطلان صحة إمامة عبد الوهاب وبعد هذه الحركة توطدت أركان الإمامة واستقر الإمام عبد الوهاب بعد قليل من المناوشات الانتقامية تتمثل في اغتيالات فردية قام بها النكار.
أما أبو المعروف شعيب الذي استقر في ليبيا فقد رأى أن يخرج بمجموعة من حيز الحركة السياسية المؤقتة الى حركة دينية تعتمد أصولا في الخلاف على جمهور الإباضية وقد بدأ بناء مذهب النكار على المسائل التي اشترك في الخلاف بها مع ابن عبد العزيز وأبي المؤرج على الربيع ابن حبيب وأضاف إليها ملتقطات مما كان يجرى فيه الجدل بين طوائف (2/15)
صفحة 315
-17 -
المسلمين المختلفة مما يرفضه الإباضية. وهكذا أصبح النكار فرقة مستقلة لها مقالاتها في العقائد والأصول ومع ذلك فقد بقيت تطلق على نفسها اسم «الإباضية» فوقعت مشاكل وشبه فأضاف الإباضية الأصلاء الى كلمة اسمهم الوهبية تمييزا لهم عن النكار. وقد استطاع أبو المعروف أن ينشر آراء فرقته فى بعض أنحاء ليبيا والجنوب التونسى ولكنه له يستطيع أن يتقدم به إلى جبل نفوسة.
أقل وبعد من قرن رزقت هذه الحركة بدفعتين قويتين جداً إحداهما من الجانب الديني على يد عبد الله (1) بن يزيد الفزاري، أما الثانية فكانت على يد ذلك الزعيم الذي لا يعرف المستحيل، ولا يقف عند حد وهو أبو زيد (2) مخلد بن كيداد اليفرني الذى اشتهر بصاحب الحمار والذي قام بحركته السياسية والعسكرية من أواخر القرن الثالث الى نهاية الثلث الأول من القرن الرابع. وفى عهده قد تم لهذه الفرقة ما قالت به من مقالات سواء ما استندت إليه من المسائل التي اختلف فيها الربيع
(1) عبد الله بن يزيد الفزارى من علماء القرن الثالث الهجرى عاش في الكوفة كان خرازا وشريكا للحكم بن هشام وكان يلقي دروسه في محله ويعد من المتكلمين. وهو الذي أظهر مقالات النكار والف فيها كتبا متعددة ذكر الدكتور النامي أنه عثر على قطعة مخطوطة لاحدى مؤلفاته تحمل عنوان «كتاب الردود» (2) ابو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني امه ام ولد واسمها مسيكة وهي سودانية نشأ فقيرا وعاش على احسان الناس زمانا واظهر التدين أولا ثم تمذهب بمذهب النكار ثار على محمد بن عبد الله المهدى في جهات طرابلس سنة 333 هـ وايده كثير من علماء المالكية في القيروان وحاربوا معه ودعوا الى مناصرته ثم تخلوا عنه وانقلبوا ضده وفى ثورته هذه احتل اغلب الجنوب التونسى ومنها قابس والقيروان ثم حاصر المهدية عاصمة الدولة حينئذ وكاد يستولى عليها ولكنه انهزم على أسوار المهدية ثم سلخ جلده وملئ تبنا وعلق حتى تخرق وذرته الرياح. (2/16)
صفحة 316
– 17 –
وبعض أصحابه أو ما أضافه إليها أبو المعروف شعيب أوجاءهم به عبد الله الفزاري •
أما أبو يزيد بن كيداد فقد كان يوجه نقده اللاذع الى الدولة العبيدية ويدعو الى الخروج عنها وقد التف حوله النكار، وخدع به المالكية أيضاً فأيده كبار علمائهم ودعوا الناس الى مناصرته فقام بمغامراته المعروفة في التاريخ والتي أضاف فيها الى مقالات النكار النظرية مقالات أخرى سلوكية بعضها يخالف الإباضية فقط وبعضها يخالف الإسلام في أصوله وجوهره. أما الإباضية فقط كانوا يعرفونه منذ كان صغيرا، وقد برئوا منه وهو لا يزال في حلقات الدروس تلميذا متعلما ولكنه مشاغب مشاكس، ينحو الى الخلاف ويرنو الى الزعامة والتسلط فلما بدأ القيام بمغامراته لم يغتروا به كما اغتر به المالكية فلم ينضموا إليه ولم ينصروه ووقفوا منه ومن خصومة موقف الحياد الكامل. ولذلك قال له أحد أتباعه: لا تظن أن الوهبية خرجوا معك، فإنهم في مساجدهم، وإنما خرجنا نحن معك نشاركك في أكل هذه الميتة، فدع عنك ما تحدث به نفسك، وإلا اقتتلنا قتال كلاب الحى» • وشرح أبو العباس الدرجيني هذه العبارة بقوله: «يريد بالميتة الأموال التى كانوا ينتهبونها» •
ولعل أعظم فترة لازدهار فرقة النكار كانت في هذه الفترة التي انتمى فيها إليهم أبو يزيد بن كيداد. فلما قتل أبو يزيد شرد العبيديون أتباعه في كل مكان. وانتقم منه المالكية الذين اغتروا بهم وساعدوهم في أول الأمر ثم ندموا لما عرفوا حقيقة عقائدهم، ولم يسمح لهم الإباضية بالحياة في أراضيهم وبلدانهم خوفا على عقائد أبنائهم وتتبعهم خصومهم من العبيدين والمالكية بالسيف ومن الإباضية بالمحاججة والإقناع وتعاونت (م 2 - الاباضية جـ 2) (2/17)
صفحة 317
18 -
هذه الوسائل كلها عليهم فانتهى أمرهم بعد زمن يسير، ولا يوجد الآن من الناس على مذهبهم فيما أعلم.
أحد
وملخص ما أريد أن أقوله ان هذه الفرقة التي سميت فرقة النكار وقد كانت تحسب ضمن فرق الإباضية قد أصبح لها من الخصائص والمميزات ما يجعلها تعتبر فرقة مستقلة شأنها شأن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى تربطها بالإباضية العلاقة العامة علاقة الإسلام كما تربطها بسائر الفرق والمذاهب ولها عقائدها واجتهاداتها الخاصة
وقد ذكر لها أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفى المارغنى نحوا من تختلف فيها جميعا عن الإباضية منها
عشرين مقالة بين أصول وفروع أربع مقالات في مواضيع سياسية نتجت عن حركتهم وتكونها وهى: ...
1 - الإمامة غير مفترضة.
- صلاة الجمعة غير جائزة وراء الأئمة الجورة.
- عطايا الملوك لا يحل أخذها
ـ لا تجوز ولاية المفضول •
وقد كان أئمة الإباضية جميعا ابتداء من جابر فما بعد يقولون إن الإمامة فرض كفاية على الأمة المسلمة وأن صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها ووجدت شروطها، وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج وأضرابه. كانوا يقولون إنه يحل أخذ العطاء من الملوك ما لم يؤد إلى حرام، وكان جابر يأخذ العطاء.، وكانوا عامل الحجاج من (2/18)
صفحة 318
-19 -
يقولون إنه تجوز ولاية المفضول مع وجود الأفضل إذا وجدت في المفضول مزايا ترجحه ليست للأفضل، وكان. ذلك أهلا لها
مع
ذكرت هذه النقط من خلافات النكار هنا على حدة ليعرف القارئ
الكريم خالفوا فيها الإباضية ففى الإمكان تلخيصها حسبما ذكرها أبو
أن أصل خلافهم إنما كان بدوافع سياسية أما جملة أقوالهم التي
عثمان بن خليفة المارغنى – كما يأتي:
1 - ألحدوا في الأسماء.
-
- قالوا إن ولاية الله وعداوته تتقلب بالأحوال.
- قالوا إن أسماء الله مخلوقة. .
- قالوا الإمامة غير مفترضة.
ه ـ قالوا يجوز الانتقال من الولاية الى الوقوف
6 ـ قالوا حجة الله تقوم بالسماع وقد الناس
عمرو
- قالوا من لم تبلغه دعوة الإسلام ودعى الى دين سماوي آخر
لا يجوز له أن يجيب.
- قالوا صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمة الجور
9 - قالوا عطايا الملوك لا يحل أخذها.
10 ـ قالوا الله لم يأمر بالنوافل. (2/19)
صفحة 319
20
11 ـ قالوا يلزمنا العمل بالفرائض ولا يلزمنا العلم بها ولا من
معرفتها شيء.
12
قالوا الحق فى قول واحد مع واحد من المختلفين في النوازل
التي يسع فيها الخلاف وقد ضاق على الناس خلاف الحق.
13 ـ قالوا الحرام المجهول حلال.
14
-
•
قالوا يدعى المشرك الى الجملة وبراءة أحداث أهل الأهواء
من أهل القبلة.
منه.
15 ـ قالوا بالوقوف فى الأطفال كلهم.
16 - قالوا يجوز شرب الخمر على التقية.
17 ـ قالوا لا يجوز إمامة من ولى أمر المسلمين وفى المسلمين أفضل
18 ـ قالوا لا تقوم الحجة فيما يسع حتى يجتمع المسلمون
بأسرهم.
19 ـ قالوا لا كفر إلا فيما تقطع عليه اليد وهو ربع دينار ومن
أخذ دونه ليس عليه شيء.
-
10
قالوا اللطمة والنظر بشهوة والقبلة ودخول الحمام بغير
إزار صغائر غير كبائر. (2/20)
صفحة 320
- 21 -
النفاثية
يقول المؤرخون إن فرجان نصر النفوس المعروف بنفاث كان ذا فهم عجيب وذكاء غريب، واطلاع وإدراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها والتقط غرائب الفنون من معدنها مع زميله العلامة سعد بن أبي يونس النفوسى وذلك عن الأئمة بثاهرت (1).
وكان نفاث هذا من إحدى القرى القريبة من جبل نفوسة ولعلها القرية المعروفة بنفاثة الى الآن وهي في قمة جبل صعب المراقي في سمت بلدة (تنزغت (من جهة الشرق الشمالى تلى بلدة (اجريجن) من جهة الشمال وبينها وبين بلدة تمزين مسير خمس ساعات تقريباً الى ناحية الغرب، وكان أبو يونس وسيم النفوس والد سعد من تمزين وقد ولاه الإمام عاملا على قنطرار المعروفة عندنا الآن (بتيجي).
وما جاء في كتب التاريخ كلها يدل على أن نفاثاً وسعداً كانا زميلين في الدراسة وأنهما درسا على الأئمة. وأن نفاثا كان متفوقا في ذكائه و دراسته وتحصيله وأن سعداً كان متفوقاً في دينه وخلقه واستقامته غير أن ما ورد في رسائل الإمام أفلح يدل أن نفاثا لم يدرس عندهم فقد جاء في رسالته إليه قوله: «إذ لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتى يجب لك على أصل ولاية) وجاء فى منشوره الى عماله عن نفاث: «لم يبلغ العلماء فيقتبس منهم، ولم يصحب أهل الورع فتحجزه آثارهم عن الهجوم له على مالا علم به، ولكنه نشأ وحيداً وأقام متوحشا من العلماء فتقاب
(1) انظر الأزهار الرياضية 195 فيما بعد (2/21)
صفحة 321
- 22
في جوانحه الشيطان بنفحاته فأورثه الكبر» • كان نفاث معتدا بنفسه قوى الثقة في شخصيته يعتقد أنه أهل لأن يتولى منصباً هاماً في الدولة، ولعله كان يحلم بالولاية على الجبل أو على قنطرار
وذات يوم بلغ سعدا خبر وفاة والده فأخبر زميله نفاثا بذلك ثم.
ذهب
الى الإمام يستأذنه في الرجوع إلى بلده بعد وفاة والده فأذن له الإمام وأظهر نفاث أنه سعد مواساة له ورعاية لحقوق الزمالة
يعود
والجوار. وكانت نفسه تحدثه بأن أمر الولاية على قنطرار قد قرب بعد وفاة أبي يونس • ولاحظ أن الإمام سلم لسعد رسالة وأن سعدا لم يقل له عنها شيئا فتحين غفلة من سعد في الطريق واطلع على ما في الرسالة فوجد فيها أن الإمام قد ولى سعدا على قنطرار مكان أبيه فكانت له صدمة حزت في نفسه وملأت قلبه حقدا على الإمام وعندما وصلا إلى وطنهما وكان متجاورين استقبلهما الناس بالترحاب وبدأ سعد في القيام بمهام منصبه أما نفاث فقد جعل يطعن على الإمام أفلح وينتقده في مجالسه الخاصة والعامة وكان سعد لطيفا معه لم ينس له حق
•
الزمالة فكان يلومه فى رفق وينهاه في أدب وكان هو الآخر يعامل سعدا في
6
كثير من الأدب والاحترام ولكنه كان لا يتوانى عن الطعن في الإمام وبلغت تلك المطعون والانتقادات إلى الإمام عن غير طريق سعد فبعث الإمام يستقدمه ليناقشه فيما يزعم فإن كان حقا فما أحرى الإمام باتباع الحق وإن كان باطلا فعلى نفاث أن يتوب منه أو تناله العقوبة ولكن نفاثا خلف فلم يذهب إلى الإمام واستمر في سلوكه وكان يتردد على سعد ويساعده على بعض أعماله الخاصة فكان سعد يلومه على ملا من الناس قائلا: متى تترك كفرك وضلالك يانفاث؟ فيجيبه: معاذ الله أن أكفر أو أضل يا شيخ! أو، ليس الشتم بعبادة يا شيخ!! (2/22)
صفحة 322
وكان
سعد يرفق بنفاث من جهة ويجب من جهة أخرى ألا يغتر الناس بقوله ومن جهة ثالثة يريد أن يبلغ إلى الإمام عن غير الطرق الرسمية
عدم موا
افقته لنفاث فيما يقوله.
ويبدو أن مطاعن نفاث أخذت تنتشر وتتسع وربما بصورة مبالغ فيها حتى اهتم لها الولاة في جهات بعيدة وراسلوا الإمام يخبرونه بها فبعث الإمام منشورا عاما إلى جميع ولاته يحذرهم فيه من نفاث وآرائه ولكن نفاثا استمر واستمرت الأخبار تصل إلى الإمام تباعا ويبدو أن بعض الولاة من جهات أخرى بعثوا مخبرين يتتبعون حركات وسكنات ويخبرونهم بها أولا بأول وأن أولئك الولاة طلبوا من الإمام أن يهتم بالموضوع ويجعل له حدا فبعث الإمام منشورا آخر إلى جميع الولاة يأمرهم فيه بالبراءة من نفاث وهجره ومعاملته بالجفاء والعنف أن هذا المنشور أثر تأثيرا واضحا على نفاث فأرسل إلى الإمام
نفات
ويبدو
ما
رسالة يحتج فيها ويبدو أنها كانت بلهجة فيها عنف وقوة زادت من غضب الإمام عليه فأجابه برسالة شديدة اللهجة قوية الحجة توحى بالتهديد وأحس بشيء من الخطر. فجمع ما لديه من مال - وكان غنيا - ثم سافر إلى الشرق وقصد بغداد وعاش فى بغداد فترة من الزمن اتصل فيها بجميع طبقات المجتمع ورأى كل الأوساط ولمس عن قرب يجرى في قصر الخلافة وعرف عن تجربة سلوك أمير المؤمنين والحواشي والمتزلفين من أهل السياسة وأهل العلم. ولم تعجبه الحياة في بغداد، فقرر أن يعود إلى موطنه في جبل نفوسة، وعاد بالفعل فوجد الأمور مستقرة وهادئة وأفلح متمكنا في الدولة، وسعدا ناجحا في إدارة الولاية فاستقر فى بلده واختلف أقوال المؤرخين في سلوكه بعد رجوعه فقال بعضهم إنه بقى يحمل نفس الآراء ولكنه آثر الصمت لأن (2/23)
صفحة 323
السكوت أصلح له ومنهم من قال إنه بعد رجوعه تاب ورجع عما خالف
فيه وصلح حاله.
أما المسائل التي نسبت إليه فهي كما يأتي:
1 - أن الله هو الدهر فلما سئل عن ذلك قال هذا وجدته في الدفتر
يعنى الكتاب المسمى بهذا الإسم.
2 ـ أنكر الخطبة في الجمعة وقال إنها بدعة.
أنكر على الإمام استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق
الشرعية ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا.
4 ـ ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب.
-
إن المضطر بالجوع لا يمضى بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك
وعلى من شهد مضرته تنجيته
---
- Y
•
إن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر
إن الإمام إذا لم يمنع رعيته من جور الجورة وظلمهم لا يحل له أن يأخذ الحقوق التي جعل الله عليهم لضعفه عن الدفاع عنهم.
ـ من أعطى لعامل أفلح الزكاة فكمن أعطاها لنوبار ملك
السودان.
9
أفلح غفل واتبع الصيد وضيع أمور المسلمين
10 – أفلح يزيد في خلقته: وجهه ذراع، ولحيته ذراع، وعمامته (2/24)
صفحة 324
ذراع. وعند التأمل في المسائل السابقة يتضح أنها على ثلاثة أنواع وسوف نناقش كل نوع منها على حدة.
هو
النوع الأول: تتعلق بالتوحيد وهي قوله (أن الله هو الدهر).
والواقع أن هذه النقطة يكتفيها الغموض من جميع جوانبها فهى عبارة لا مدلول لها إلا إذا قصد به المعنى المجازى الذي ورد به الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم» لا تسبوا الدهر فإن الدهر الله». بمعنى أن ما تنسبونه إلى الدهر من الأحداث التي لا تعجبكم فتسبونه بسببها إنما خلقها الله تبارك وتعالى فأنتم عندما تسبون الدهر فكأنما تسبون خالقها وهو الله عز وجل. ولعله روي الحديث وتحرج عن تأويله فلما سئل قال هكذا وجدته على أن المقالة نسبت اليه في غموض شبه متعمد فقد نقلتها المصادر بعضها عن بعض بهذا الإبهام وهذا الجفاف والرواية تقول إنه حين يسأل عنها يجيب بأنه لا يدرى وإنما هكذا وجدها فى الدفتر وهذا الكتاب المسمى بالدفتر مجهول، ومؤلفه أيضا مجهول
وتعرضه
لمناقشة
فهل في الإمكان أن تصدق أن شخصا فى ذكاء نفاث وسعة اطلاعه خصوم أشداء أقوياء يعلن عن عقيدة تتعلق بأهم أصول التوحيد وهو يعرف معناها ثم لا يقف عند هذا الحد وإنما يرفعها شعارا للخلاف والتحدى فإذا نوقش فيها لم يجد ما يقول غير نسبتها إلى مصدرها والمصدر مجهول الكتاب والمؤلف
كيف يقيم نفاث الحجة على خصومه بهدا. قد تقبل هذه الدعوى لو أن الكتاب معروف أو أن المؤلف معروف. (2/25)
صفحة 325
"
: فأنت ترى أن أجزاء الصورة كلها غير متماسكة الأن نفاثا حسبما تصفه به كتب التاريخ ليس من النوع الذي يعرض نفسه للجدل في مقام لا يملك فيه حجة أو تكون الحجة عليه ولذلك فأنا قبل أن أنسب إليه هذه المقالة هكذا على ما فيها من غموض وإبهام أضع بين عيني مجموعة من التحفظات والاحتمالات وأعتقد أن إلغاء هذه المقالة. المنسوبة إليه أقرب من إثباتها عليه
النوع
من المقالات
الثاني: المسائل التي خالف فيها وأخذت عليه، فقهية التي تتعلق بميراث الأخ للأب، وبيع المضطر وشرط الفقد وأحسب أن الخلاف في هذا لا يصل إلى
وهي
وأقصى ما يبلغ إليه أنها أقوال شاذة أدى إليها اجتهاد
لاجتهاد إن كان كما تصفه كتب التاريخ
بالجوع
البراءة
يحق لة
النوع أو في الواقع بشخص أفلح، والسبب فيه كما بيناه سابقا حقد شخصى نتيجة لخيبة الأمل التي أصابته، فقد كان يمنى نفسه ويعدها للولاية، فلما صرفت عنه صب جام غضبه على الإمام حتى بلغ. حد الإسفاف عند ما تجاوز نقد الأعمال إلى نقد خلقة الشخص نفسه كقوله: إن وجهه ذراع، ولحيته ذراع وعمامته ذراع.
الثالث وهو أخطر أنواع خلاف سياسي يتعلق بإمامة أفلح،
ويبدو لى من دراسة الأحداث أن نفاثا لم يكن رجل عمل وإنما كان رجل قول في نقده الشديد لسلوك أفلح وشخصه فلم يكن يعمل لحركة مضادة ولا محاولة لقلب نظام الحكم أو لإبعاد أفلح عن
الإمامة، إنه لم يكن يخطط لشيء من هذا وإنما كان شبه موتور امتلأ (2/26)
صفحة 326
- TY-
مع
قلبه بالحقد فهو يخففه بالنقد اللاذع في المجالس الخاصة والعامة وهو بذلك يخفف عن نفسه ويظهر بمظهر الشجاعة أمام الناس حين ينتقد رئيس الدولة. وكان سعد يعرف حقيقة نفسه وحقيقة مشاعره ولذلك لم يكاتب (1) فيه الإمام ولم يتخذ معه موقف عنف. وإنما كان يلاطفه بل ويستخدمه في حاجة نفسه التي يحسنها نفاث وكان نفاث يبذل له هذه الخدمة، ويظهر لى لو أن الولاة البعداء الذين لم يعرفوا نفاثا وإنما تبلغهم عنه الأخبار لو سلكوا مسلك سعد لتغير موقف الإمام نفاث ولتغير موقف نفاث أيضا ولما بلغ الحال إلى ما بلغ إليه، ولكن لما حرص أولئك الولاة على الكتابة إلى الإمام في شأنه ودأبوا على تقصى أخباره بواسطة مخبرين سريين وكان يصله ذلك تباعا أرسل الإمام المناشير في شأنه ثم رسائل التهديد ويبدو أنه عزم على موقف من مواقف العنف وذلك لأنه كان يخشى من حركة نفاث حركة تشبه حركة ابن فندين، تقسم الأمة، وثورت الفرقة فأراد أن يجعل للك حدا بايقاف نفاث الحركة قبل أن يبدأ العمل. وحذر منه العمال عن والرعية ثم أرسل إليه تهديد يملأ قلبه رعبا. ويمنعه من الاسترسال وهناك ملاحظة جانبية أريد أن أشير إليها وذلك أن بقايا النكار لايزالون موجودين متفرقين لاسيما في الجنوب التونسى فى ذلك الحين. وكان يهمهم أن يحدث تصدع بين أئمة الدولة الرستمية وأى جانب آخر فلما علموا أن نفاثا ناقم على أفلح سعوا بكل جهدهم إلى توسيع شقة الخلاف ويسعدهم بطبيعة الحال لو أن الخلاف بلغ إلى
(1) لا يوجد في المصادر التي بين يدى ما يشير الى أن سعدا كتب الى الامام في موضوع نفاث ولو كان في موقف نفاث شيء من الخطورة بأي معنى لاهتم له سعد قبل غيره ولكتب فيه الى الامام (2/27)
صفحة 327
درجة الانشقاق واستعمال السلاح لعل ذلك يساعد على القضاء على الدولة الرستمية .. ويفسر هذا قلق عامل الإمام على نفزاوة يوسف ابن ميال ومراسلته للإمام فى هذا الشأن واهتمامه بنفاث حتى بعث وراءه مخبرا سريا هو:
للأمر
) تحية بن عبدين) وبناء على تحريات ابن عبدين هذا كان ابن ميال يرسل أخبار نفاث إلى الإمام. مما يدل على أن هناك يدا خفية تروج الإشاعات وتوسعها وتوصلها وإلا فلماذا يقلق عامل نفزاوة فيهتم هذا الاهتمام بينما عامل قنطرار الذي يعيش نفاث تحت نظره ورعايته ومسئوليته مطمئن لا يخاف لا على نفسه ولا على الدولة.
•
والملخص من هذه الصورة التي وضعناها لنفاث وللأحداث المتصلة به يتبين أن كتاب المقالات والمؤرخين أيضا بالغوا حين زعموا أن نفاثا إمام لفرقة وبالغوا أيضا حين زعموا أن هناك فرقة تسمى النفاثية والمواقع أنه ليس هناك فرقة لا تحت العنوان العام (الإسلام) ولا تحت العنوان الخاص (الإباضية (بحيث تعتبر كتلة مستقلة بمبادئها وشعاراتها وإنما كل ما في الأمر أن هناك رجلا له موقفا موقف فقهى اجتهد فيه في مسائل خالف فيها الجمهور ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإباضية كثير وفى كل مذهب أيضا كثير ويستطيع الباحث أن يضع كشوفا طويلة في كل مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل ولو جرينا على هذا الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد ويستطيع المتطلع الآن أن يسمى الصالحية والطفيشية والحموية والبيوضية وغيرها كثير لأن لكل واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين وهذا منطق غير مقبول فهم مجتهدون داخل المذهب أو اجتهادا (2/28)
صفحة 328
-
مطلقا ويكفى هذا وقد يكون الواحد منهم مجتهدا في المسألة نفسها
فقط.
الموقف الثاني موقف سياسي وقد أوضحنا جوانبه وأسبابه ولا شك أن نفاثا جر على نفسه سخط الإباضية بموقفه هذا ففى الوقت الذي يكاد يجمع فيه الناس - الإباضية وغير الأباضية – على عظمة الإمام أفلح وعلى كعبه فى العلم - حتى اعتبر من الأئمة ـ واشتهار عدالته ونزاهته يأتى نفاث يصرخ منتقدا ها الإمام العظيم وحين له أحد كأنما يصبح في واد يخرج من البلد ثم يعود إليه يسمع وقد اقتنع بما رأى وسمع ـ أنه كان على خطأ.
لا
الأئمة
-
وعلى كل حال فهذا الموقف لا يزيد عن كل مواقف الساخطين على وهم موجودون في كل زمان ومكان ولعل مزيته أنه لم يبلغ به إلى رفع السلاح والخلاصة من هذا البحث كله أنه ليس هناك فرقة تسمى النفاثية رغم ما ذهب إليه المؤرخون وكتاب المقالات.
ونفاث عالم ذكي واسع الاطلاع حاول أن يظهر أولا بالمقدرة العلمية
فلم يستطع ثم بالسياسة فتحطم. (2/29)
صفحة 329
الخلفية
خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري • بويع جده عبد الأعلى إماما على ليبيا فقام بأعباء الإمامة أحسن قيام حتى توفاه الله، وعين أبوه السمح واليا على جبل نفوسة للإمام عبد الوهاب، فقام بأعباء الولاية أحسن قيام حتى توفاه الله فبادر جماعة من الناس وأسندوا إليه أمر الولاية دون انتظار إذن الإمام أو أمره، وقبل هو العمل وبدأ يتصرف تصرف الولاة لما بلغت الأحداث إلى تاهرت وفهم الإمام مجرى الأمور رأى أن لا يقر هذه الخطوة، فبعث برسالة إلى السمح يلومه فيها على تسرعه، ويأمره باعتزال أمور الناس. وولى غيره على الجبل ..
-
ذاق السمح حلاوة الأمر والنهى وأبهة السلطة، فلما بلغه أمر الإمام بالاعتزال رفض أن يستجيب له بل رفض أن يعترف به وأعلن أن الجبل حوزة مستقلة سيكون لها إمام مستقل وأن تاهرت هي الأخرى حوزة مستقلة يكون لها إمامها، وانضم إليه عدد كبير من الناس وأصبحت له جيوش أكبر من جيوش الدولة في هذه الحوزة وكانت بينهم مناوشات لم تلبث أن تحولت إلى معارك ثم إلى حروب وطالت الحرب في الجبل وكانت كفة خلف في الأول أرجح ثم صارت متعادلين ثم بدأ جانب الدولة يرجح فصارت جيوشها تتقدم خطوة خطوة وقتل مواقعه موقعا بعد موقع حتى انتهت المواقع وانتهى خلف أيضا
•
والعجب من المؤرخين وكتاب المقالات أن يتأثروا بالجانب السياسي هذا التأثر الكبير فيعتبروا هؤلاء المقاتلين فرقة ويعتبرون خلفا إماما (2/30)
صفحة 330
لفرقة. ولو أن كل إنسان سخط على حكم ما فثار عليه وقاد مجموعة من الناس للقتال يعتبر رئيسا لفرقة وتعتبر مجموعته فرقة لضاقت كتب التاريخ عن تسمية الفرق ولاستطعنا أن نعد مئات الفرق في الدولة الأموية بالإضافة الى من يسمى بالخوارج أو الشيعة فيكون منها الصردية والأشعتية اتباع سليمان بن صرد وعبد الرحمن بن محمد ابن الأشعت وأمثالهما
وملخص ما يقال في هذا البحث أن خلفا رجل ثار على الحكم طمعا في الحكم كما ثار آلاف الناس من أجل هذا الغرض وليست الخلفية فرقة أصلا فلا هي داخلة تحت العنوان العام، ولا تحت العنوان الخاص ولا لها أي وجود أما خلف فقد يكون زعيما سياسيا أو ثائرا أو خارجيا أو ما شابه ذلك ولكنه ليس إماما أو رئيسا لفرقة من فرق الإباضية
الحسينية
أبو زياد أحمد بن الحسين الأطر ابلسي عاش في القرن الثالث الهجرى وألف مجموعة من الكتب حسبما يقول المؤرخون لم أطلح على شيء منها، ونظرا لما يقوله عنه كتاب المقالات من الإباضية فإن فرقته تمتزج مع فرقة أخرى تسمى العمدية ويبدو أن أصلهما كان واحدا ولكن أئمتهما اختلفوا فقال بعضهم بمقالات تقترب من الإباضية وقال الآخرون بمقالات تقترب من المعتزلة ولهم مقالات تبتعد عن جميع عثمان خليفة المارغنى عددا من بن
الأطراف وقد ذكر لهم أبو عمرو
المقالات يمكن أن نلخصها فيما يلى:
21. (2/31)
صفحة 331
- pp-
ا - لا يشرك من أنكر سوى الله.
2 - حكموا بتشريك المتأولين المخطئين من أفراق الأمة.
- الحب والرضا والولاية والعداوة والبغض والسخط أفعال الله
وليست بصفات له.
-
4
يسع جهل معرفة محمد عليه الصلاة والسلام وليس على
الناس إلا معرفة المعبر عنه. هكذا.
ه – أباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك يتقى بها ويغرم
بعد ذلك
- الحرام المجهول معاقب عليه.
- فرقوا بين الأسماء والأحكام فسموا اليهود منافقين وسموا المتأولين مشركين وأجازوا السبى منهم وأحلوا النكاح منهم، وهم عندهم
مشركون فيما زعموا.
- حجة الله تنال بالفكر في دين الله اضطرارا.
- لا يجوز أن يبعث الله رسولا إلا بعلامة يعرف بها ويفرز
عن غيره ولا يكون حجة إلا بها.
10 - لم ينه الله المشركين والبالغين عن غير الشرك، ولم يأمرهم بغير التوحيد فإذا وحدوا لزمتهم جميع الفرائض ونهوا عن جميع
المعاصي. (2/32)
صفحة 332
11
-
في العقل.
العقلاء يتفاضلون بعد التكليف والاستطاعة ولا يتفاضلون
12 ـ خوف الرسل خوف إجلال لا خوف عقاب.
13 - تجوز الولاية والبراءة بشريطة.
14 ـ أهل الجنة يخافون ويرجون، والموتى تأكلهم الأرض
إلا عجب الذنب
•
هذا
وبالتأمل فيما نسب إليهم من مقالات يتبين أن فيها ما يخرجهم عن الإسلام. ولذلك فلست أدرى لماذا يحشرها كتاب المقالات ضمن فرق الإباضية. إنها فيما يبدو لى إذا لم تكن خارجة عن الإسلام وإذا كان ما ينسب إليها صحيحا فهى فرقة مستقلة داخلة تحت العنوان العام. وقد سبقنى الشيخ أبو زكرياء الوارجلاني إلى شبيه من القول حيث قال: «إن طائفة تنتحل إسم الإباضية يقال لهم العمدية لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل وهم يزعمون أنهم أباضية يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله وهم أتباع عيسى ابن عمير».
فايس كل من انتسب إلى الإباضية اعتبر إباضيا وليس كل من خالف من الإباضية في مسألة من مسائل الاجتهاد يعتبر خارجا عن الإباضية ورئيس فرقة مستقلة ويكون له عنوان مستقل
(م 3 - الاباضية ج 2) (2/33)
صفحة 333
34
عبد
السكاكية (1)
الله السكاك اللواتى من سكان قنطرار كان أبوه رجلا صالحا فأسلمه إلى المؤدب فقرأ وحفظ القرآن العظيم ثم أخذ في طلب
جمع
أنه
العلم فنال منه دقائق واحترف الصياغة فكان صائغا ماهرا ويبدو علما ومالا فأغراه الشيطان وسولت له نفسه أن يعمل المظهور فخالف المسلمين فى مقالات قطعوا فيها عذره فحكموا عليه بالشرك، وتساهل بعضهم قليلا، فحكموا عليه بالنفاق
وقد كان الإباضية يعاملون جميع الفرق من أهل القبلة معاملة المسلمين ماعدا السكاكية فإذا مات واحد منهم ربطوا في رجله حبلا وجروه حيث يدفن دون صلاة ولا كفن.
قال أبو يعقوب يوسف بن ثقات: «أدركت جماعة الشيوخ بقسطيلية يصلون على جميع موتى أهل القبلة كلهم من المخالفين وغيرهم إلا أصحاب السكاك فإن من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط وجروه بها إلى موضع يوارونه فيه» •
قال أبو العباس الدرجينى: «وكان مشائخ السلف تتقارب أقوالهم في السكاك وأصحابه وتتفاوت فقائل بشركهم، وقائل بنفاقهم،
وهذا المذهب قد فنى أصحابه» •
والغرب من كتاب المقالات وكتاب التاريخ من الإباضية وغيرهم
(1) راجع طبقات الدرجينى تحقيق طلالي ج/1 ص 118. (2/34)
صفحة 334
-
10 -
كيف يحسبون هذه الفرقة من الإباضية وأخف الأحكام عندهم فيهم أنهم منافقون والواقع أن إسقاط هذه الفرق من الحساب أولى وأعنى من حساب الإباضية وإثبات بعضها في فرق الأمة الإسلامية عامة اعتبار بعضها فرقا كما سيأتى إن شاء الله وعدم
ومن المسائل التي تنسب لهذه الفرقة ما يأتي:
1 - أنكروا السنة والإجماع والقياس (الرأى) وزعموا أن الدين
كله مستخرج من القرآن
2 ـ صلاة الجماعة بدعة.
4
الآذان بدعة فإذا سمعوه قالوا نهق الحمار.
لا تجوز الصلاة إلا بما عرف تفسيره من القرآن.
طعام الأندر نجس لما يبول عليه من الدواب حين الدراس
والبقول والخضر نجسة إذا وضع في أرضها السماد
الفرثية
أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح رجل نشأ في بيت علم وتقوى وسيادة فصار عالما واسع الاطلاع كثير الدراسة يبدو مما يقوله المؤرخون عنه أن والده كان يريد أن يقتصر في دراسته على المصادر الأساسية في الشريعة الإسلامية وهى الكتاب والسنة وعلى مؤلفات أهل الدعوة ولا يريد له أن يوسع دراساته في كتب المخالفين (2/35)
صفحة 335
للإباضية ولكن أبا سليمان يبدو أنه من أولئك الذين يلتهمون الكتب ولا يشبعون ولذلك فقد كان والده غير راض عنه من هذا الجانب
-
لاسيما وأنه رأى بين يديه فى بعض الأيام كتبا الأحمد بن الحسين. وأنت تعلم رأى الإباضية فيه ولذلك فقد كان يحذر منه العلماء
-
خوفا من أبو سليمان طيلة حياة أبيه ضئيل الشخصية فلما توفى والده رجع الناس إليه واتصل بهم وقد كانت له اجتهادات فرعية خالف فيها جمهور الإباضية فنقموا عليه من أجل ذلك. وكان من أشدهم نقمة له وانتقادا عليه صديق والده أبو صالح جنون بن يمريان. أما المسائل التي نسبت إليه ووقع عليه المتشنيع من أجلها فهي كما يقول أبو عمرو عثمان:
أن تختلط عليه أقوال أهل الدعوة بأقوال غيرهم وبقى
1 – نجاسة الفرث وما طبخ فيه من طعام.
2 ــ تحريم أكل الجنين
- تحريم دم العروق ولو بعد غسل المذبح وكذلك دم الجوف
ـ نجاسة عرق الجنب وعرق الحائض
لا تعطى الزكاة إلا للقرابة أي قرابة المزكي
وبالتأمل فيما عرضناه سابقا عن هذه الفرق يتضح ما يأتي:
1
-
النكار فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها فهي ليست فرقة
من فرق الإباضية أو جزءا منها وإنما هي فرقة من فرق المسلمين عامة (2/36)
صفحة 336
- الحسينية والسكاكية هما أقرب إلى أن تكونا فرقتين خارجتين
عن الإسلام ولذلك فهما ليستا من الإباضية ولا داخلتين في حسابهم فعلى رأى من اعتبرهما خارجتين عن الإسلام هما ليستا من فرق المسلمين وعلى رأى من حكم عليهما بالنفاق فهما داخلتان تحت العنوان العام (الإسلام) وليس تحت عنوان الإباضية
•
الفرثية والنفائية ليستا فرقتين مطلقا، والعالمان اللذان
تنسبان إلى اسمهما هما عالمان من علماء الإباضية لهما آراء في مسائل اجتهادية فرعية مما يقع في مثله الخلاف كل يوم فلا داعى لأن يعتبرا إمامين لفرقتين ولا داعى لأن يعتبر من عمل بفتواهما فرقتين من فرق
الإباضية.
ثورته مما يقع
الخلفية أتباع زعيم سياسى ثار على الدولة واتبعه ناس في مثله في كل زمان وكل مكان ولم يتعرض لمسائل الدين ولم تعرف عنه فيه مقالة ماعدا مطالبته باستقلال الناحية التي هو فيها عن تبعية الدولة، ولا شك أن اعتبار أتباعه فرقة من الإباضية واعتباره هو إماما للفرقة من الإباضية خطأ تاريخي. قد يعتبر هلو
ما
-
وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى نظام الدولة أو تقاتل ـ وهذا وقع بالفعل حتى انتهى أمره - أما أن تعتبر فرقة فليس هذا بصحيح وإلا لاعتبر كل الثائرين والخارجين عن الدول رؤساء فرق واعتبار أتباعهم فرقا وهذا مالم يكن ولا يمكن أن يكون
والخلاصة من هذا كله أن النكار فرقة من فرق المسلمين إمامها الحقيقى أبو المعروف شعيب بن المعروف. والحسينية والسكاكية فرقتان خرجتا عن الإسلام بإنكارها للسنة والإجماع، وبإنكارها لوجوب (2/37)
صفحة 337
الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنة والنار ووجوب معرفة سيدنا
محمد
صلى الله عليه وسلم.
وأن الخلفية ليست فرقة دينية وإنما هي فئة باغية يرأسها زعيم سياسى وليس إماما دينيا.
هما
أما النفائية والفرثية فليستا فرقتين دينيتين ولا فئتين باغيتين وإنما مجموعات من الناس أخذوا بأقوال لأحد عالمين من علماء الإباضية
في مسائل من الفروع الفقهية (2/38)
صفحة 338
آراء الإباضية في الصحابة
لا شك أن القارئ العادى الكريم يستغرب هذا العنوان، ولكن الدعاية التي سلطها المغرضون على الإباضية، والإشاعات التي يطلقونها زاعمة أن الإباضية يكرهون الصحابة أو بعض الصحابة، ثم موقف بعض المتطرفين من الإباضية واستجابتهم للتحدى ورد الفعل
مواقف إحراج ـ مما يسهل انفلات كلمات
منهم
أحيانا ... ».
-
في
كل هذا يقتضينا أن نعرض هذا الموضوع على القارئ الكريم لنوضح له رأى الإباضية الحقيقي فيه • بعيدا عن الإشاعات والتطرف
جاء في رسالة الأبى مهدى عيسى بن إسماعيل شيخ العزابة في حينه يرد فيها باسم عزابة بنى مصعب على أبي على بن أبي الحسن البهلولي ـ ما يلى:
فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك قولك بلغنا كيف نبغض
عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة، فياسبحان الله! الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء عليهم كتابا وسنة، يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والطهارة والثناء والمدحة. قال الله عز وجل: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» الآية «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» الآية «محمد رسول الله والذين معه» إلى آخرها «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك» الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وهم بالحالة التي وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إن الله قد اختار لى (2/39)
صفحة 339
-
أصحابا، فجعل لى منهم أصهارا وأختانا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» •
حبهم
6
وقال أيضا: «لا تؤذونى فى أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وقال أيضا: «اقتدوا بالذين من بعدي». وقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» • وقال أيضا: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وغير ذلك من المدح والثناء عليهم، اللهم زدنا. واحشرنا في زمرتهم، يا أرحم الراحمين! .. بل لهم السهم الأوفر، وسلكوا الطريق الأقصد، ولزموا السبيل الأرشد، فهم أئمة السناء، ونجوم الهدى، أعلام الدين ومنار الإسلام، وكلامهم حكمة، وسكوتهم حجة ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ويل للزائع عن طريقهم الراغب عن سبيلهم»
ويضيف أبو مهدى إلى هذا الكلام ما يلى:
كان أبي رحمه الله ينهى من ينكر ما جرى بينهم إلا من يذكر عنهم خيرا، رضي الله عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة عنهم». انتهى كلام أبى مهدى فى موضوع الصحابة.
رضى الله
ويقول أبو العباس الدرجينى فى كتابه الطبقات ما يلى:
الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضليتهم أشهر، وأسماؤهم ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنهم رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في (2/40)
صفحة 340
الدواوين، و من آثارهم محفوظا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف، وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يشقى من رآنى) وقوله عليه الصلاة والسلام «أفضل أمتى قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» • وأحاديث كثيرة في، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من الصحابة من لم يخالفنا في تقدمهم. مخالف، فقد امتلات بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظا من الإنصاف عند أهل الخلاف، وهم عندنا في جملة الأكابر
فضائلهم
والأسلاف».
انتهى
المقصود منه.
ويقول أبو الربيع سليمان الحيلاتى: (وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا، وهذه كيفية صلاتنا على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته أجمعين كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد فمن حسنت شيمته، وسلم من داء الحسد والبغض والغيبة، إذا تأمل هذه العبارة، وفهم معناها، يجدها شاملة لكل صاحب وآل وزوجة وذرية قريبة أو بعيدة اتباعا لقوله تعالى: «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى»، والمودة الصلاة والترحم، ونحن والحمد لله - وفينا بما أمر الله به، والجهال المتشدقون على الله
محمد.
أن يرحمنا ويكفينا شرهم، وشر أنفسنا، وشر القوم الظالمين» •
انتهى المقصود منه. (2/41)
صفحة 341
ونظم أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي قصيدة طويلة نقتطف
منها الأبيات الخاصة بالموضوع منها:
سوى أن ما بين الصحابة قد جرى
فإن التماس العذر في ذاك أسلم
فذى فتن قد حار فيها ذوو النهى
وأشكل وجه الحق فيها
لذلك كل الناس فيها تورطوا
ولا فرقة من ذى الوقيعة تسلم
فكل
يرى ويب رأى جماعة
ويقدح في الأخرى عنادا ويشتم
تقول في الشيخين بالإفك عصبة
وحيدرة في --ه أناس تكام
وا
ويمضى في ذكر الأقوال إلى أن يقول:
فإن كنت ذا حزم ورمت سلامة
بيوم به ء به عند المهيمن تقـ
فإياك إياك التعصب خوف أن
تنقص إنسانا لدى الله يكرم
ولا تقف أمرا لست تعلم علمه
ولا تنهـ ــــــور فالتوقف أسلم (2/42)
صفحة 342
43
ف عند نهى الهاشمي وأمره
ولا تك وشابا برأيك تحكم
ويمضى في توكيد هذا المعنى إلى أن يقول:
ترحم عليهم وأرض عنهم فإنما
حقوقهم محض الرضا والترحم
فقد وردت فيهم أثار تعارضت
ظواهرها أما الخفى فمبهـ
وقد صدرت منهم أمور لعلها
لها حكمة مجهولة ليس تفهـ
ويمضى في توكيد هذا المعنى، محتجا بقصة إخوة يوسف عليه السلام وأن الله لم يؤاخذهم بإقدامهم على قتل أخيهم يوسف وكذبهم على
أبيهم عليهم وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام.
ويقول:
فقد قال خير للكل مادحا
فأيهم اتبعتموه أهتديتم
كما قال من إثم الوقوع محذرا
وكفوا ـــ مقالا إن إليهم وصلتم
وجاءت روايات بأن قتيلهم وقاتلهم في جنـ
يتنع (2/43)
صفحة 343
فما علة التخصيص والوصف شامل
بحملتهم والواردات تعمم
انتهى المقصود منه:
وقال أبو يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي: كنت في الحج فطفت بالبيت قلما أتممت أخذ رجل بيدى فأخرجني من الناس، فسألني عن على، فقلت: «فارس المسلمين، قاتل المشركين، وابن عم رسول رب العالمين وله فضائل» •
وقال الشيخ محمد بن أبي القاسم المصعبي في رسالة يرد بها على بعض من تناول الإباضية في الجزائر بغير الحق. وقد عرض المصعبي عقيدة الإباضية وفي آخرها قال: «وندين لله تعالى باتباع كتابه واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما عليه الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين واعتقادنا في الصحابة رضى الله عنهم أنهم عدول وأنهم أولياء الله المفلحون فهذا اعتقادنا وعليه اعتمادنا،
وحزبه.
الله ألا إن حزب
هم
فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله فى كتابه في غير موضع» •
ثم يذكر الآيات التي نزلت فيهم عموما ثم الآيات التي قيل إنها نزلت في بعضهم خصوصا ثم الأحاديث التي وردت فيهم عموما ثم الأحاديث التي وردت في بعضهم خصوصا ثم يقول: «في أحاديث كثيرة وخصوصهم رضى الله عنهم، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على طريقتهم واتباع مسيرتهم، وأما ما وقع بينهم من الحرب فإن اللـ
في
عمومهم (2/44)
صفحة 344
45
طهر منها أيدينا ونحن نطهر منها ألسنتنا لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا ذكر أصحابي فكفوا).
وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم طفيش رحمه الله في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوى ما يشبه ما سبق فقد جاء في رسالته
الصغيرة (النقد الجليل للعتب الجميل) ما يلى:
أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن على وأبنائه فمحض اختلاف» • ويقول في نفس الكتاب: «والأصحاب يتحرون تطبيق حكمى الولاية والبراءة لا تشهيا، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت منزلته ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلا النبي أو الرسول. أما الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار الكف عن تلك الحوادث المشئومة» • ويقول بعد أسطر: لا وأيضا لا غبار على من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن» • ويقول أيضا في نفس الكتاب ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له أو طعن. اللهم إلا من بعض الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب».
وقال قطب الأئمة فى أمير المؤمنين عثمان بن عفان: «ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بست سنين، واقب ذوا النورين، لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: رقية وأم كلثوم بعد رقية. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو أن لى أربعين بنتا لزوجتك واحدة (2/45)
صفحة 345
بعد واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة، وقيل لأنه كريم في الجاهلية والإسلام».
وقال القطب في أمير المؤمنين أبى الحسن على بن أبي طالب: «وهو من شهر، ولا يحتاج الى ذكر فضائله من نسب وزهد،. له عقل وعلم وشجاعة وعدل».
بعد هذا أيها القارئ الكريم أريد أن نعود معا إلى أول الفصل لنناقش بعض الفقرات السابقة.
أبو مهدى كان شيخا للعزابة وقد نص في رسالته أنه بعثها بعد أن وافق عليها مجلس العزابة فقد قال في الديباجة ما يلى: (فمن عزابة بنى مضاب حفظهم الله تعالى ورعاهم، الحاضر بلسانه، والغائب بحاله، إلى الشيخ المكرم الوجيه المعظم ابن على بن الشيخ أبي الحسن على البهلولي، سلام عليك» •
ولا شك أن العزابة هى الهيئة الدينية التي تمثل الإباضية. ورأيها في أية قضية هو الرأى الرسمى أو الرأى المعتمد عند الإباضية. إذا فرض أن شذ بعض الناس فخالف في تلك القضية.
•
والرسالة كما ترى رد على تهمة للإباضية ببغض بعض الصحابة، ودفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وتبرئة للإباضية من تلك التهمة الشنيعة. وإيضاح لموقفهم، وبيان بأنهم يضعون كافة الصحابة في المقام الرفيع الذي اختاره الله تبارك وتعالى لهم.
وهذه الإشاعة عن الإباضية كانت قد انتشرت في كثير من الجهات (2/46)
صفحة 346
47
ولذلك فقد كان الناس ينبذون بها الإباضية فيضطرون الرد عليهم والدفاع عن أنفسهم، وتكذيب من يتهمهم بذلك. وقد كتبت في هذا الموضوع عشرات الرسائل والردود منها رسالة أبى مهدى ردا على البهلولي ومنها رسائل للقطب ردا على محمد الطاهر والعقبي ومصطفى بن كامل وغيرهم ومنها رسالة أبي الربيع الحيلاتي وقد ذكر سعيد الثعاريتي السبب في كتابتها نلخصه فيما يلي:
هيج بعض طلاب الغنائم والأموال بعض الأعراب على جربة
-
يخالفون المسلمين
هجم
بها
وأعمالهم إن أهل جربة ـ بما أنهم من الإباضية في أمور تحل بها دماؤهم وأموالهم، ثم كون منهم حملة على الجزيرة الغافلة، ولكن الحملة فشلت وانتصر أهل الجزيرة على المهاجمين، وأخذوا منهم من الأسرى، وكان فى أولئك الأسرى بعض المتفقهين فسألهم مشائخ جربة عما حملهم على الاعتداء عليهم ومهاجمتهم وهم إخوة لهم فى الدين ولم يسبق لأهل جربة أن اعتدوا على أولئك الأعراب أو أساءوا إليهم. فأجاب المتفقه قائلا: إن من دعانا إلى محاربتكم واستحلال دمائكم وأموالكم ذكر لنا أنكم تخالفون المسلمين ثم لهم المسائل التي ذكرها لهم صاحبهم فذكر منها بعض مسائل علم الكلام المعروفة كالرؤية والصفات وخلق القرآن ثم قال: ومنها أنكم تكرهون بعض الصحابة.
عدد
وقد رد أبو الربيع الحيلاتى على الرجل وناقش مسائل علم الكلام بما هو معروف في كتب التوحيد ثم أوضح رأى الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم في الصورة التي عرضناها عليك
•
أما إذا رجعت إلى ما كتبه أبو العباس الدرجينى فإنك ولا شك (2/47)
صفحة 347
جميع
الصحابة
سوف تجده حريصا كل الحرص، على أن يضفى على مستاء دون تخصيص ما أضفاه عليهم مقامهم الرفيع في الإسلام، وهو من بعض المخالفين الذين ينتقصون بعض الصحابة، وهو يرد على أولئك المخالفين الذين أجازوا لأنفسهم أن يضعوا أحدا ممن اختاره الله لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام في غير موضعه من الولاية والمحبة والرضى والقدوة الحسنة.
•
وقد سلك أبو حفص عمرو بن عيسى التدميرتى هذا المسلك فكان
-
حريصا على أن يوضح أنه ينبغي للمسلم - إذا أراد لنفسه النجاة أن يبتعد عن التدخل فيما لا يعنيه، وأن يترك الفتن التي وقعت بينهم
لله، فهو العليم بالحكم فيها. أما واجب المسلم فهو الرضى والترحم عليهم جميعا، وينبهنا إلى أن ما يظهر لنا أنه مخالف للشرع من أعمالهم قد تكون فيه حكمة خفية لله تعالى لا يعلمها إلا هو وقد يكون الله غفر لهم جميعا حين اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.
ويستدل على هذا بقصة إخوة يوسف عليه وعلى آبائه السلام فإن اتفاقهم على قتله، وإلقائه فى الجب للتخلص منه، وكذبهم على أبيه ذلك ليس من الأعمال الهيئة فى الحكم الظاهر، ولكن الله تبارك
وما تبع.
وتعالى
ذلك
مع لم يؤاخذ إخوة يوسف وغفر لهم ما ارتكبوه
وأما كلمات القطب وأبي يحيى فقد وردت في أميرى المؤمنين. عثمان وعلى - خاصة وأكثر الشعب واللغط الذى يوجه إلى الإباضية في موضوع الصحابة إنما يدور حول الإمامين العظيمين والصهرين الكريمين ولذلك فإنه مما يتم به مناقشة هذا الموضوع الهام استعراض كثير من المناقشة القيمة التي جرت على قلم الشيخ سعيد الثعاريتي في رده على (2/48)
صفحة 348
-
49 —
الشيخ مصطفى بن كامل الطرابلسي فقد ناقش الثعاريتي فيه مود موضوع ولا سيما موضوع الصهرين الكريمين مناقشة رائعة
الصحابة
أرجو أن يجد فيها القارئ متعة ومقنعا
قال الثعاريتي في كتابه (المسلك المحمود) ابتداء من صفحة
18 ما يلي:
والعجب كل العجب مما نسبه - ابن كامل بن مصطفى ـ إلينا
تجاهلا وظلما. وتسلطا وشتما، حتى أطال سنان لسانه، وقال: كفروا بزوره وبهتانه، أن اعتقادنا في الصحابة رضى الله
عليا
-
مع
أنهم عدول أتقياء، بررة أصفياء:
عنهم
الله، قد اختارهم من بين الأنام، لصحبة
نبيه عليه الصلاة والسلام» • وبعد سطور يقول:
وكيف يجوز لمن يؤمن بالحى الذى لا ينام، أن يكفر صهر نبيه
قط عليه السلام. الذي لم يسجد للأصنام»
• «
ويعد أن يذكر عددا من الآيات الكريمة التي قيل إنها نزلت في الإمام أو في آل البيت وكذلك الأحاديث الشريفة، والآثار التي وردت
في الصحابة يقول:
إلى غير ذلك من الآيات البينات، والأحاديث المرويات، والآثار
وقد كان
المأثورات، الدالة على فضله عموما وخصوصا، وكيف لا؟ أفصح من تنفس وتلا، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي (م} - الاباضية ج 2) (2/49)
صفحة 349
المصطفى، صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد وهو أبو السبطين؟ مع أن
كتبنا
-
ولله الحمد
طافحة بالرواية عنه، وبالثناء عليه» •
ثم استشهد بما كتبه البدر التلاتى فى كتابه (نزهة الأديب، وريحانة اللبيب) ثم استشهد بأبيات من ديوان الثلاتي منها:
بنت الرسول زوجها و ابناها
أهل البيت قد فشى سناها
رضى الإله يطلب التـ
لاتي
لهم جمبي
ولمن عناها
ثم
استشهد بأبيات للإمام الحضرمي منها:
بلى كان في أم القرى اليوم قائم
أغر من الأشراف ماضي العزائم
له عنصر
صافي النجار ومنصب
تعرق في فرعى على وفاطم
ثم استشهد بأبيات الأبي حفص عمرو بن عيسى التندميرتي منها:
وعلى الهادى صلاة نشرها
عنبر ــــ ما خب ساع ورمل
لام يتـ والى ـ وعلى
آله والصحب ما الغيث هطـ
سيما الصديق والفاروق والجامع
القر آن والش
هم البطل (2/50)
صفحة 350
ثم بعد ذلك نقل فصلا رائعا في الموضوع للشيخ أبى ستة ننقل منه ما يلى: «فإذا تقرر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللنا به
يسع
ونقلناه، علمت منه أن التعلق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين، تكلف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مما جمله، وقد وجد في الإعراض عن ذلك سبيل منقول عن العدول، فلم يبق في حقهم حينئذ إلا الجزم بالعدالة الأصلها فيهم، من كونهم كلهم أئمة كما نقل ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم
عدولا يقتدى بهم والإعراض عما شجر بينهم» •
الله
أحسب أن هذا يكفى فى توضيح رأى الإباضية في الصحابة رضوان عليهم ولا سيما في أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو كذلك كاف ـ فيما أرى – للرد عمن يتهم الإباضية ببعض الصحابة أو بعض
الصحابة.
وما أحسب مسلما يمتلئ قلبه بالإيمان يمكن أن يجد بعض أي شخص من الصحابة طريقا إلى قلبه، ولا شك أن أدنى أولئك الجمع منزلة هو أجل وأعظم وأشرف من أعلانا منزلة، وأرفعنا مقاما. ولو لم يرتفع به إيمانه وعقيدته إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة أصحابه وآله أجمعين، فلا أقل من أن يتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمع إليه في قوله: «إذا وصلتم أصحابي فكفوا) وقوله عليه السلام) دعوا لى أصحابي» وإذا لج بأحد العناد فلا أقل من أن يقتدى بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الله بن عمر حين سئل عن أميرى المؤمنين عثمان وعلى، فتلا على السائل قوله تعالى: «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم
عبد (2/51)
صفحة 351
52
ولا تسألون عما كانوا يعملون» • أو يستمع إلى كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين سئل عما شجر بين الصحابة فقال كلمته
الرائعة: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا تلوث بها ألسنتنا» •
وفى ختام هذا الفصل أحب أقول إن موضوع الصحابة رضوان الله عليهم أجل من أن يكون موضوعا للمهاترات، وحديثا للمشاغبات، ودعوة من دعوات العصبيات، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب الفتنة المسلمين بهم، ويزرع بين صفوف المؤمنين بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أى مذهب كان من يحمل الأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صحبتهم فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار وأن يغسل دنس البغضاء بمحبتهم وولايتهم. فإنه لا ألأم ولا أشد كفرانا ومعصية من إنسان يتطرق إلى قلبه شيء من بعض من أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنا •
الحكم في نظر الإباضية
يقول أبو الحسن الأشعرى فى مقالاته ص 189 ما يلى:
والإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنهم يرون إزالة. أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغيره» • وترددت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كتب عن (2/52)
صفحة 352
الإباضية، معتمدا على غير مصادرهم، وكما ترددت هذه الكلمة في تصوير حرص الإباضية على إزالة سلطان الجور بأي شيء قدروا عليه ترددت كلمة أخرى عنهم مناقضة كل المناقضة لهذه الفكرة، وهى زعم بعض كتاب المقالات أن الإباضية لا يرون وجوب إقامة الخلافة ولكن تردد هذا الزعم كان أقل انتشارا وشيوعا ثم نسب إلى فرقة نسبت إلى الإباضية.
وللرد على الإشاعتين السابقتين أضع بين يدى القارئ الكريم
ما يلي:
قال قطب الأئمة الإمام محمد يوسف طفيش في غير موضع من كتبه ما يلى: «ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا» •
ويقول العلامة نور الدين السالمي في شرحه على مسند الإمام الحافظ الربيع بن حبيب ما يلى:
والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال» •. ثم
استمر في إيراد الحجج على وجوبها من مصادر الشريعة كما ذكر
--
•
لعل القارئ الكريم يدرك بعد هذا أن الإباضية يرون أنه لابد للأمة المسلمة من إقامة دولة، ونصب حاكم، يتولى تصريف شئونها، فإذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالما فإن الإباضية لا يزون وجوب الخروج عليه، لاسيما إذا خيف أن يؤدى ذلك إلى فتنة وفساد، أو أن يترتب على الخروج عليه ضرر أكبر مما فيه. ومعنى هذا أن كلا
هم
ممن (2/53)
صفحة 353
02 -
يزعم أن الإباضية يوجبون الخروج على الأئمة الجورة بأي شيء قدروا عليه. ومن يزعم أن الإباضية يجيزون أن تبقى الأمة المسلمة بدون دولة • كلا هذين الزعمين خطأ وجهل بالمذهب الإباضي وقواعده.
الإباضية يرون أنه من واجب المسلمين أن يقيموا دولة عادلة تسير على منهج الشرع الإسلامى، فتنفذ أحكام الله، وتقيم الحدود، وتصون الحقوق، وترد المظالم، وتحفظ الثغور، وتحمل دعوة الإسلام إلى بلاد الكفر. فإذا كانت الدولة القائمة جائرة، وكان في إمكان الأمة المسلمة تغييرها بدولة عادلة دون إحداث فتن أكبر تضر بالمسلمين، فإنهم ينبغى لهم تغييرها. أما إذا كان ذلك لا يتسنى إن بفتن وأضرار فإن البقاء مع الدولة الجائرة ومناصرتها في حفظ الثغور ومحاربة أعداء الإسلام، وحفظ الحقوق. والقيام بما هو من مصالح المسلمين وإعزاز كلمتهم - أوكد وأوجب. ولا ينبغى هدم حكم قائم إلا إذا تأكدت الاستطاعة للقيام بحكم خير منه دون حدوث ما يخشى على المسلمين أو يلحق بهم أضرار تفوق ما هم عليه من أضرار
•
ذكر أبو يعقوب الوارجلانى فى الدليل أنه دعا عبد الله بن إباض إلى اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة خروج على الدولة القائمة حينئذ فسبقهم الى المنارة - مكان الاجتماع ـ وجلس ينتظر حضورهم وهو يستمع الى تحنين المؤذنين، ورنين المتعبدين، وصنوف الأذكار في الأسحار. فلما حضر أصحابه قال لهم: لست منكم في شيء.
أعلى هؤلاء يجوز الخروج والاستعراض؟ ثم ذهب وتركهم. (2/54)
صفحة 354
هذه الحادثة تعطى صورة لرأى الإباضية الخروج على الحاكم
الظالم أو إمام الجور
أن
•
يرى الإباضية عندما تكون الدولة القائمة جائرة أنه يجب على المسلمين يسمعوا لها ويطيعوا في غير معصية الله، وعليهم أن يحاربوا معها أعداء الإسلام وأن يدفعوا لها ما تتطلبه ظروف الحرب من أموال ودماء، وأن يساعدوها في حفظ الأمن وإيصال الحقوق الى أصحابها، والقيام بمشاريع المنافع العامة كالتعليم والصحة وغير ذلك، وعليهم أن يمسكوا أيديهم عن المعاونة على الظلم. أو أن يكونوا أداة للظلم. فإنه لا طاعة المخلوق في معصية الخالق وعلى جميع الأحوال فإنه يجوز للمسلمين الخروج عليها أو الشراء مادامت الدولة ظالمة هذا هو رأى الإباضية في قضية الحكم ونستطيع أن نلخصه في العبارات الآتية:
يجب على الأمة المسلمة أن تقيم دولة عادلة فإذا كانت الدولة القائمة جائرة جاز البقاء تحت حكمها وتجب طاعتها في جميع ما لا يخالف أحكام الإسلامية على أنه ينبغى للمسلمين أن لا يستنيموا على الظلم وإنما ينبغى لهم أن يحاولوا تغيير الحكم إذا كان ذلك لا يسبب في إحداث أضرار جسيمة بالأمة هذا من حيث العمل. أما من حيث النقد أى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ما لا، يجوز أن يتوقف أو يسكت عنه مسلم حريص.
على إسلامه.
ويقرب أن يكون رأى الإباضية في موضوع قيام الدولة الإسلامية أنه فرض كفاية. فإن انتصبت دولة باسم الإسلام في مكان أجزأ ذلك الباقين فإذا كانت عادلة وجب عليهم الدخول تحت حكمها، ومساعدتها
عن (2/55)
صفحة 355
- 56 -
على مهامها. وإن كانت جائرة بالخيار ما لم يؤد موقفهم الى فتن:
بالمسلمين.
أما مسلك الإباضية بالنسبة الى الحكم في مجرى التاريخ فقد كان
كما يلي:
عندما انحرف الحكام عن منهج الخلافة الرشيدة الى الملك العضوض، وأصبحت الدولة مستبدة مستغلة جائرة حاول المسلمون ومنهم الإباضية رد هذا الانحراف، وإرجاع الحكم إلى منهجة القويم، إما برجوع الملوك القائمين والحكام المساعدين لهم إلى التمسك بنظام الإسلام في الحكم، وإما بتغيير الدولة نفسها وقلب نظام الحكم، ولكن الأمة الإسلامية - ككل - لم تنجح فى ذلك لأن نظام الحكم الملكي العضوض قد تطون واستقر.
واستمر الإباضية كما استمر غيرهم في نقد الوضع القائم وإظهار انحرافه في المجتمعات الخاصة والعامة، وحاولوا أن يقوموا بتجارب خاصة لإقامة حكم الله فأقاموا بالفعل دولا اتسمت بالترام السير في المنهج الإسلامي ولكن تلك الدول لم تستقر بسبب السهام التي وجهتها إليها السياسة المضادة بمختلف الأساليب
•
فقد كان هناك ناس عاشوا فى عز الإمارة وبذخها، واستمرأوا طعمها، والفوا جورها، واعتادوا تلك النظم القائمة، وأصبحوا لا يروقهم أن يعيشوا تحت حكم عادل يمسك أيديهم، ويحزم بطونهم، ويساوى بينهم وبين غيرهم من الناس. ولعل أصدق شاهد على هذه الصورة لا بالنسبة لفرقة من فرق المسلمين ولكن بالنسبة للأمة الإسلامية جمعاء هو موقف (2/56)
صفحة 356
بسبب
أمير المؤنين عمر بن عبد العزيز حين بني أمية وطلب منهم أن يتخلوا عما بأيديهم من الأموال التى وصلت إليهم عن طرق غير عادلة القرابة التي تربطهم بملوك وأمراء بني أمية السابقين، فامتنعوا عن التخلى عنها فقال لهم: «وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه
من هذا المال على فتقاتلونى بهم ما خرجتم منها أو تتركوه» •
فرجال السياسة فى الدولة الجائرة لا يرضيهم أن يقوم العدل في دولتهم. ولا حتى أن يقوم فى دولة بجانبهم، لأن الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حكمهم وأن يطلق ألسنتهم بالنقمة ثم بالثورة، ولذلك فهم يجندون كل ما عندهم من قوة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدى المتحركة فى دولهم القائمة والقضاء على أي حكم نظيف، يقوم الى جانبهم بكل أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع وتعذيب، وضرب بالسيف إن اقتضى الأمر ذلك في
نظرهم.
رأى الإباضية أنه مادام هذا النموذج من الدول موجودا، وأنه ليس في الإمكان القضاء عليه والإتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسى الحكم، وأن يتركوها لامتنازعين عليها، المتحاربين بسببها • وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك، فلم يقم منهم قائم يدعو لنفسه أو يعمل لغيره، أو يساعد أحدا على الوصول الى الحكم منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد واتت فرص كثيرة بعضهم لو أراد أن يستغلها لنفسه. أو يساعد عليها غيره، للوصول الى الحكم، أو تكوين الدول أو الحصول على الولايات والإمارات، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وعندما اقترح مقترحون على بعض الزعماء أن يبايعوهم بالإمارة وأن ينطلقوا بالدعوة لهم رد عليهم أولئك الزعماء بأنه (2/57)
صفحة 357
1041
لا
جدوى من ذلك وأن الأضرار التي تنجم عن: تلك الحركات أكثر مما يتوقع منها من فوائد وأيد العلماء هذا الاتجاه فأعرضوا نهائيا عن فكرة الوصول الى الحكم أو العمل على تغييره. ووقفوا هذا الموقف السلبي منذ أواخر القرن الثالث الهجري الى اليوم.
ولا شك أنه يجب على هنا أن وضح للقارئ الكريم أن هذا الموقف كان لإباضية المغرب الإسلامي) شمال إفريقيا (أما الإباضية في عمان فقد بقيت عندهم الدولة قائمة مستقلة. عن دور الخلافة منذ انتهاء الخلافة الرشيدة الى الاحتلال الإنجليزى فى هذا العصر، ما عدا فترات قصيرة جدا سقط فيها الحكم في عمان
•
ولقد كان الحكم في عمان يجرى على منهج نظيف يشبه الخلافة الرشيدة فترات طويلة، وكان يجرى أحيانا على غرار الحكم الظالم والملك العضوض من الظلم والاستبداد فعندما تحس الأمة بقوتها تقوض أركان الحكم المستبد وتعلن الخلافة ما شاء الله قد تقويم سلاطين الجور فينحرفون بالحكم.
والآن وقد. يسر الله اللأمة الإسلامية طرد الإستعمار المادي من أغلب أراضيها فلعله سبحانه ييسر لها أن تطهرها أيضا من جميع وبقايا أرجاسه
مخلفاته
أما بقية البلاد الإسلامية التي لا تزال ترزح تحت أعباء الاستعمار والاحتلال سواء كان ذلك من أبناء صهيونى وأعوانهم في فلسطين أو من عبدة البقر في الهند والباكستان أو من حملة الصليب الحاقد وأتباع الوثنية الضالة في مختلف بقاع الأرض من إفريقيا وأمريكا وغيرها من بلدان (2/58)
صفحة 358
العالم
فانه لا أمل لقيام الحكم الإسلامى بها الا اذا أدرك المسلمون جميعا واجبهم، وعلموا أن فريضة الجهاد لا تؤديها الأمة المسلمة، بأقلام تكتب على الصحف وأحاديث تتناثر فى المجامع، وأكف تشتعل بالتصفيق، وحناجر تعلو بالهتاف، وإذاعات مرئية تزخر بعرض الصور، وشعوب تتمنى وتحلم، ومشاعر وعواطف تهتاج وتتحمس ثم تسكن وتبرد ولكن فريضة الجهاد دائما تؤديا الأمة وهى تقف صفا واحدا تذوب فيه الفوارق والحزازات والقوميات والمصالح القطرية، وشهوات الحكم، لتندفع قوة واحدة هائلة هادرة، تدك كل ما يعترض سبيلها. لا يثنيها دم يتدفق، ولا مال ينتشر، ولا عدد ينقص، ولا خسائر تقدر بحساب، وإنما تمضى وهى تؤدى رسالتها حتى تحقق النصر أو الفناء بالفعل لا بالقول، وبالحقيقة لا بالأمل وعلى الميدان لا على شاشة التليفزيون
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، وإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس. وليعلم الله الذين آمنوا، يتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين» • سورة آل عمران
142 0
ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله علميا حكيما.
النساء 154 0 (2/59)
صفحة 359
حكم الدار
يقول أبو الحسن الأشعرى فى كتابه: «مقالات الإسلاميين» الجزء الأول طبعة مكتبة النهضة المصرية ص 171 ما يلى:
وزعموا أن الدار - يعنون دار مخالفيهم ــ دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإنه دار کفر يعني عندهم»
• «
ثم ترددت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كتب في مقالات الفرق قديما وحديثا. تارة بنفس اللفظ وتارة بتغيير بسيط، كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني في صفحة 213 ما يلي:
وقاوا إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإنه دار بغى» •
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن العبارة واحدة غير أن الأشعرى
استعمل كلمة الكفر، والشهرستاني استعمل كلمة البغى بدلا عنها.
وهكذا اشتهر هذا القول على هذا الإجمال مع كتاب المقالات ينقلونه واحدا عن واحد الى عصرنا الحاضر - ربما دون فهم عند بعضهم – ويهمنى أن أوضح للقارئ الكريم في بداية هذا الفصل أن كتاب المقالات يربطون بين كلمة المخالفين ومعسكر السلطان وبين الكفر والبغى كأنهما شيئان متلازمان. بينما يرى الإباضية أنه ليس هناك ارتباط بين موضوع دار السلطان وما يتصف به من عدل أو بغى وبين مذهبه أو مذهب من يكون حكمه. وسوف أحاول في هذا الفصل أن أعرض صورة لحكم
تحت (2/60)
صفحة 360
ما يطلق عليه الفقهاء كلمة الدار عند الإباضية ثم أعرض في فصل آخر صورة لما ينبغى أن يجرى عليه التعامل بين المختلفين في المذاهب عندما يكون السلحان على مذهب أحدهما أو يكون على مذهب غير مذاهب المحكومين جميعا
•
عندما يتحدث فقهاء الإباضية عن الدار يرون أنها ـ أولا – تنقسم الى قسمين: دار اسلام، دار كفر • فدار الإسلام هي كل وطن تسكنه أمة مسلمة وتتولى فيه الحكم دولة مسلمة، تنتسب الى الاسلام وتتسمى به، مهما كان مذهب السكان، أو مذهب الحكام •
ودار الكفر هي كل وطن تسكنه أمة كافرة. وتتولى فيه الحكم دولة لا تدين بالإسلام سواء كانت كتابية أو وثنية أو علمانية أو ملاحدة الحال في بعض الدول فى الوقت الحاضر.
كما
هو
•
والصور التي تكون عليها دار الإسلام لا تخرج عما يلى:
-1
الوطن يسكنه مسلمون على أى مذهب إسلامي كانوا والساطان شرعى بلغ إلى منصة الحكم حسب الأسس التي وضعها الإسلام لذلك، ثم تقيد بالمنهاج الإسلامى فى الحكم، وتوافرت فيه الشروط المطلوبة
للحكومة العادلة، والكفاءات اللازمة لأمير المؤمنين أو خليفة المسلمين
•
في هذه الصورة الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل، وطاعته واجبة، والخروج عنه فسوق، الحالة الكاملة التى يجب أن تكون عليها الأمة
لأن هذه الحالة
المسلمة
•
هي
2 ـ الوطن تسكنه أمة مسلمة على أى مذهب كانت، وصل فيها (2/61)
صفحة 361
السلطان الى الحكم بطريق لم يستكمل الشروط المطلوبة لاختيار الحاكم ولكنه بعد أن استلم الحكم التزم الإسلام، وحكم بالعدل ونفذ أحكام الله، وجرى حسب قوانين الشريعة، وسار السيرة النظيفة المطلوبة في أمير المؤمنين النزيه
في هذه الصورة أيضا تعتبر الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل. وطاعته واجبة والخروج عنه فسوق أما، وصوله الى الحكم فإن كان بتولية غيره له كما كان في الأنظمة الوراثية فلا تثريب عليه وان كان بمساع منه غير مشروعة فلا شك أنه أثم في ذلك ولعل الله تبارك وتعالى يغفرها له بنيته الحسنة وبالتوبة منها ان لم تتعلق بها حقوق المخلوقين فإن تعلقت بها حقوق المخلوقين فالتوبة والتنصل من الحقوق مع النية الحسنة ونفع الأمة أسباب كافية للمغفرة ان شاء الله
الوطن تسكنه أمة مسلمة يصل فيه السلطان الى الحكم بالأسلوب الإسلامى مع مراعاة كافة الشروط ولكنه بعد أن يتربع على كرسى الحكم، ويأخذ على الناس المواثيق والعهود، وينحرف عن سنن العدول، ولا يلتزم بأحكام الإسلام.
في هذه الصورة تكون الدار دار إسلام وتوحيد وعدل. أما معسكر السلطان فهو معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغى وظلم وطاعة السلطان -
فيما يوافق أحكام الإسلام، وجهاد العدو، وإقرار الأمن والنظام وإيصال الحقوق الى الناس - واجبة ولا تجوز طاعته في معصية، وينبغي الله أمره بالمعروف ونهية عن المنكر ومطالبته باتباع أحكام
ويجوز (2/62)
صفحة 362
63
الخروج عليه وتغيير حكمه لإقامة دين الله، واختيار من يصلح لتولى أمور المسلمين إذا كان ذلك لا. فتنة تنتج عنها أضرار أكبر من
التي هم عليها
تختلف
-
•
دسبب
الحالة
الوطن تسكنه أمة مسلمة يثب الى الحكم فيه سلطان بطرق عن أنظمة الإسلام لاختيار الحاكم، ثم هو لا يتقيد بأحكام الإسلام، ولا يسير بسير العدول من أهله.
هذه الصورة تعتبر الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغى وظلم وعدوان. وطاعته فيما أمر الله به وجهاد العدو واجبة، والنقمة عليه، والدعوة الى الخروج عنه، والعمل على الإطاحة بحكمه جائزة بشرط ألا تحدث فتن تلحق بالأمة أضرارا أكبر من المصالح المتوقعة والفوائد التي ينتظرونها من قيامهم عليه ويرى الإباضية في
•
جميع صور الحكم المنحرف. أنه يجوز الشراء ـ مهما كانت النتائج – وهو أن تخرج جماعة من الناس يتجاوزون أربعين رجلا ينتقدون الفساد، ويبينون للناس ما عليه الدولة من الإنحراف، وما عليه الحكام من البغى والظلم، ويدعونهم الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن عارضتهم السلطة بالقوة جاز لهم أن يردوا عليها بالقوة والعنف ولكنهم على جميع الأحوال لا يجوز لهم أن يخيفوا الناس، ولا أن يروعوا الآمنين، ولا أن يعترضوا سبيل أحد أو يعتدوا على أحد، ولا أن يفرضوا حتى ضيافتهم على أحد، فان فعلوا شيئا من ذلك انتقلوا من حكم الشراء للى حكم الحرابة. وذلك لأن مبدأ الشراء هو مقاومة الظلم في أجهزة الدولة المنحرفة بالدعوة أو بالعنف ان اقتضى الأمر ذلك دون التعرض الناس
بسوء. (2/63)
صفحة 363
وهم
هذه
هي
الصورة المعروفة عن الدار معسكر السلطان عند الإباضية،
جميع
الله
عندما يطلقون على معسكر السلطان أنه معسكر بغى أو على السلاطين أنهم سلاطين جور لا يقصدون بذلك المخالفين لهم في المذهب فقط، وإنما يقصدون بذلك الأجهزة الحاكمة التي انحرفت عن دين تعمل فلم به سواء كانت من الإباضية أو من غيرهم. ومن أراد أن تبرز له هذه الحقيقة واضحة فعليه أن يرجع إلى كتب التاريخ. ومن أقر بها (تحفة الأعيان) للإمام نور الدين السالمي الذي أرخ لعمان منذ الفتح الإسلامي الى العصر الحاضر وقد كان حريصا في. جميع ما كتبه عن الدول التي تعاقبت على حكم عمان - وكنها من الإباضية من أهل عمان ما عدا فترة قصيرة جدا في عهد الدولة الأموية زمن الحجاج – فكان يذكر الإمامة العادلة وكان يصف الباقى وبسلاطين الجور ـ أو يطلق عليهم كلمة الجبابرة، وعلى هذه الكلمة على الإمام أبى إسحق أطفيش في أسفل الصفحة 107 من الجزء الأول بما يلى:
>>
المراد بالجبابرة أمراء الإقطاع وملوك الطوائف، وقد توالى على قطر عمان انقلابات من إمامة إلى ملوكية ومن ملوكية إلى إمامة، فمنذ انقطاع الخلافة الإسلامية تولى عمان أئمة على طريقة الخلفاء الراشدين، فمتى ضعف أمر الإمامة برزت إلى الميدان الملكية أو أمراء الطوائف وهكذا» • وقال فى آخر التعليق: «وكلما ذكر المصنف الجبابرة فالمراد الولاة غير العدول».
ولعل عبارة المؤلف فى هذا الموضوع أكثر وضوحا فقد قال في تحفة الأعيان الجزء الأول ص 107 ما يلى: (2/64)
صفحة 364
ذكرت السير أن الجبابرة استولت على عمان بعد الجلندى فأفسدوا فيها، وكانوا أهل ظلم وجور، فمن هؤلاء الجبابرة: محمد
ابن زائدة، وراشد بن النظر الجلنديان» • وقال بعد أسطر.
وقد تقدم أنهم من أقارب الجلندى» • أحسب أنه لا داعى
للمزيد في هذا الموضوع.
هذه هي الصورة المعروفة عن الدار وعن معسكر السلطان في
الأمة الإسلامية والإباضية يتحدثون عنها كما يتحدث عنها غيرهم
أما العدو الذي أشرت إلى أن الإباضية يوجبون حربه حتى مع السلطان الجائر فإنما هو عدو الإسلام، في الحروب التي تكون بين دولة مسلمة وأخرى كافرة، لأن ذلك جهاد في سبيل الله لا ينبغي لمسلم أن يتقاعس عنه. أما الحروب التي تقع بين دولتين أو طائفتين مسلمتين فإنما هي فتن القاعد فيها خير من القائم والنائم فيها خير من القاعد والقائم خير من الساعى ما لم تكن إحداهما باغية فيجب رد عدوانها دفاعاً عن الحرمة والمال.
ويرى الإباضية أن على المسلم حقا للوطن الذي يعيش فيه يوجب عليه الدفاع عنه من أى مهاجم أو أي عدوان ما لم يكن هو في حكم منحرف والمهاجم دولة عادلة تريد إقامة حكم الله وتطالبه بالدخول تحت رعايتها، والخضوع لنظامها. فإن عليه في هذه الحالة أن يستجيب وينضوي تحت لواء دولة ترفع منارة الإسلام، وتحكم بشريعة الله، وليس له أن يتلكأ فى ذلك ويتباطاً.
(م ه - الاباضية ج 2) (2/65)
صفحة 365
بقيت هنالك صور لوضع شاذ وقعت في أزمنة مختلفة التمس لها الفقهاء أحكاما وقرروها لها من ذلك مثلا: أن يكون الوطن إسلاميا وتتغلب عليه دولة مشركة تحكمه بالحديد والنار. كما وقع في ليبيا إبان الحكم الإيطالى وفى تونس والمغرب والجزائر إبان الحكم الفرنسي، وفي مصر إبان الحكم الإنجليزى وفى هذه الحالة تعتبر الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر كفر
هذا ملخص رأى الإباضية فى الحكم فهم حين يتحدثون عن معسكر السلطان ينظرون إلى نوعية الحكم لا إلى مذهب السلطان ما لم يكن السلطان مشركا. وعندما يكون السلطان إباضيا ويكون جائرا فإن الحكم عليه أن معسكره معسكر إسلام ولكنه مع ذلك فهو معسكر بغى وظلم وعدوان تماما كما يحكمون على غيره من سلاطين الجور من المذاهب الأخرى.
وقد غابت هذه الحقيقة عن أكثر من كتب عن رأى الإباضية في الموضوع دون الرجوع إلى مصادرهم وأمسك بكلمة (مخالفيهم) كأنها لولب سحرى يدور معها في كل مجال.
بعد كل هذا أحب أن أضع بين يدى القارئ صورا مما قاله العلامة أبو يعقوب الوارجلاني عن هذا الموضوع حتى يتأكد القارئ
من رأى الإباضية وموقفهم.
يقول أبو يعقوب الوارجلانى فى كتابه الدليل والبرهان ص
الجزء الثالث ما يلى: (2/66)
صفحة 366
والذي ذكرناه في الملوك المتدينة لم نقتصر فيه على على ومعاوية دون أخلافهم بعد، بل الحكم فيهم واحد، أهل ديانة لما أظهروا على أيديهم من الجمع والجماعات، والأذكار والصلوات، والنسك والعبادات، وظهور الشرائع الإسلاميات، وعمارة الصبيان المحاضر القراءة القرآن، وظهور الغزو والجهاد، في جميع البلاد، والثغور البعاد، والدعاء إلى الله وإلى طاعته، وظهور عبادته
ويقول أبو يعقوب في نفس الكتاب ونفس الجزء ص 46 ما يلى:
وليس في أن ظهور فجور الملوك في ذات أنفسهم، وظهرت المناكر على أيديهم ما يخرجهم من ملة الإسلام، بل هم من أهل الملة وإن كانوا أهل سوء، ومن مناقبهم أنهم أمنوا السبل والطرقات، وجبوا الفيء والخراجات، ونصبوا القضاة والحكومات».
وبعد
أسطر يقول:
اللهم:
وضيع جابر بن زيد رحمه الله حين تخلف عن الجمعة فقال. ومن وراء ذلك ذلك أخذه العطايا من
لك على ألا أعود
-
الحجاج وشبهه ومطالبتهم بها، وولاية الفتوى لهم والمساحات، وولاية
شريح
القضاء
وغيرهم من أهل العلم كثير»
ويقول في نفس الكتاب ونفس الجزء ونفس الصفحة ما يلى:
(وأما السلاطين الجورة فهم الذين تغلبوا على الناس، لا يراعون
"
شرعا ولا يدعون إليه، ولا يعملون به، وعطلوا الزكاة والصدقات، (2/67)
صفحة 367
والعشور والخراجات، ولا يهتمون بالأقضية والحكومات، ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرعوا لأنفسهم طرقا في إقامة ملكهم خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور، وحصنوها بالحرس والأغوان، ويغيرون على البلدان، واستعملوا فى جمع الأموال المغارم والقبالات، واتخذوا الأعوان والكفاءة، وأظهروا شرب الخمور، ولباس الحرير، والمعازف والستور، والجور في جميع الأمور» •
ثم ذكر أمثلة من سلاطين الجور في المغرب والأندلس وسجلماسة وملوك الدولة العبيدية في المغرب ومصر ثم قال:
وأما المرابطون فهم أهل ديانة. أولهم يحيى بن عمرو وأبو بكر ابن عمر، ويوسف بن تاشفين، وعلى بن يوسف، وآخرهم تاشفين ابن على، حتى كشح الله تعالى هؤلاء كلهم بالمهدى وجنوده، أهل التوحيد، الموحدين برب العالمين، فكان آخر العهد
بهم
وقال العلامة أبو حفص عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد ما يلى:
فالسلطان العادل. فالواجب علينا ولايته وولاية كاتبه ووزيره وخازنه وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين).
ويقول:
وبراءة السلطان الجائر وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه، وأما من
كان تحت لوائه فلا» •
وقال قطب الأئمة في شرح النيل الجزء العاشر طبعة القاهرة
ص 362 ما يلي: (2/68)
صفحة 368
يحكم على أهل الدار وهي في العرف الخاص موضع أو بلد
أو حوزة، ظهر فيه أو في البلد أو فيها أى الحوزة – حكم وسيرة ما من ذوى عدل أو جور، سواء كان العدل من أصحابنا أو من غيرهم، وكذا الجور» •
وقد ناقش الإمام أبو محمد عبد الله بن بركة موضوع السلطان الجائر مناقشة طويلة وإليك أيها القارئ الكريم مقتطفات منها ما يبين صفحة 201 إلى 204 من الجزء الأول من كتابه القيم الجامع طبعة عيسى
الباروني؟
أجمع أصحابنا على جواز الإقامة للمسلم في بلد قد غلب عليها الجبابرة، وأن تعمر فيه الأموال، وأن تزرع فيه الزرائع، وتغرس
فيه الأشجار، مع علمه بأنهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج من غير أن يستحقوا ذلك المال وأنهم يستعينون به على ظلمهم
وبغيهم».
ويقول بعد أسطر:
،
تجوز للمسلمين الإقامة فى أملاكهم في المواضع التي لم يأت في سكنها حظر من قبل الله عز وجل، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال، ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أن الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالا تؤدى إلى تقويتهم على ظلمهم، إذا كانوا إنما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم، وستر عيالهم، وإصلاح أحوالهم، وللمسلمين أيضا. ولكن إذا كانوا يزرعون ويعمدون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة لهم فهم عصاة الله في فعلهم».
بعد سطور يقول: (2/69)
صفحة 369
نعم
فإن قال: أفيجوز للمسلم أن يقيم معهم ويبايعهم، قيل
! .. ما لم يعلم أنه غصب أو حرام، أو أنهم يكرهونه على تصويب الباطل، ويلحقونه إلى إظهار شيء من الباطل فإن قال: أفيجوز للمسلم. إن الله عز وجل أمر بذلك في كتابه أمرا؟ قيل له نعم!
الغزو
معهم عاما لقوله تعالى:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» .. وقال جل ذكره: «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم» وقال تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» • وأيضا فإن القتال جائز بغير إمام والله أعلم.
أحسب أن هذا المقدار يكفى لتوضيح رأى الإباضية في الدار وفى معسكر السلطان ولم يبق إلا الحالة الأخيرة التي اعتبرناها حالة شاذة، وضربنا لها الأمثلة بالاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي لبعض البلاد الإسلامية وقد تحدث أبو يعقوب الوارجلانى على هذه الصورة أيضا وإلى القارئ الكريم مقتطفات مما جاء فى كتاب الدليل والبرهان الجزء الثالث ص 74 وما بعدها قال: «اعلم أنه لا يجوز أن يتخذ
المسلم – دار الشرك وطنا».
ثم يحتج لهذا الحكم ويذكر أسلوب التعامل مع المشركين ثم
يقول:
وإن افتتح المشركون بلاد المسلمين، فأهل البلاد جائز لهم السكون معهم وتحتهم، وتجرى عليهم أحكامهم، ولا يجوز الأحد - غيرهم - أن ينزلها وأن يتخذها وطنا من سائر الناس، وإن خرج أحد من المسلمين من بلاده من خوفهم فهو مثل من لم يسكنها قط، (2/70)
صفحة 370
- 41
-
وإن كان المشركون أهل الكتاب كاليهود والنصارى فللمسلمين مخالطتهم ومبايعتهم ومؤاكلتهم، ويأكلون ذبائحهم وسمونهم وإقطهم وجبنهم ما لم يظهروا على حرام، وكذلك طبيخهم وطعامهم وشرابهم وايس الخمور ـ وأن اتهموهم على النجاسة فيتحرجوا ما قدروا، ولا يتزوجون إليهم ولا يتسرون ولا ينكحونهم، ويعاملونهم في أموالهم ولا يحذرون منها شيئا، ولو كان أتمان الخنازير أو من أثمان الربا، ولا يعاملونهم بالربا، ولا يأكلون خنازيرهم، ويدفعون عن بلدهم من أراد ظلمهم إلا عساكر المسلمين فلا يدفعونهم. ويتقون من المجوس جميع ما يؤكل مما يخافون عليه النجاسة، أو من السمون والأجبان والطبيخ وغير ذلك» •
ويطيل المؤلف في السلوك الذى ينبغى أن يسلكه المسلمون عندما يكونون في هذا الوضع الشاذ
•
وبعد هذا أستطيع أن أعود فألخص الموضوع في الصور الآتية:
-
1
الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة تعمل
بحكم الله
الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه
معسكر بغي وظلم وذلك:
عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة لكنها
لا تلتزم المنهج الإسلامي في الحكم. (2/71)
صفحة 371
- 72
-
الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر كفر وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة الحاكمة دولة مستعمرة مشركة
كتابية أو غير كتابية.
2
-
الدار دار كفر ومعسكر السلطان معسكر كفر وذلك عندما
يكون الوطن للمشركين تسكنه أمة مشركة وتتولى حكمه دولة مشركة
التعامل بين المتخالفين
تحدث الفقهاء عن الحكومات المذهبية، أى عن السلوك الواجب على دولة تلتزم إجراء الأحكام على مذهب من المذاهب الإسلامية، وكيف يكون موقفها بالنسبة لمواطنيها من بقية المذاهب، وكذلك تحدثوا عن
سلوك المواطنين إذا كانوا يتبعون مذهبا غير المذهب الرسمي للدولة
وأستطيع أن ألخص رأى الإباضية فى هذا الموضوع فيما يلى:
-
1
عندما تكون الدولة ملتزمة الأحكام المذهب الإباضي فإن موقفها
مع مواطنيها من المذاهب الأخرى أن تبين لهم نقط الخلاف وأن تدعوهم إلى ما تعتقده هي حقا وصوابا، وسواء استجابوا لها أو لم يستجيبوا
•
يتعدى هذه الحال فإن موقفها معهم ويجب أن تعاملهم في الحقوق والواجبات كما تعامل المواطنين الموافقين لها فى المذهب، لا فرق ولا خلاف. أما من دعا إلى فتنة سواء كان من موافقيها أو من مخالفيها فإنها تعذر إليهم فإن رجعوا فذلك المطلوب، وإن أصروا على موقفهم استحلت قتالهم حتى يفيثوا. (2/72)
صفحة 372
- S-
عندما يكون الإباضية مواطنين فى دولة ملتزمة بمذهب غير مذهبهم فإن عليهم أن يخضعوا لقوانينها وأن يرضوا بأحكامها ولو كانت مخالفة لآراء مذهبهم وأحكامه، مادامت موافقة لأحكام مذهب الدولة التي تطبق على الجميع. وعليهم أن يتعاونوا معها في كل شيء ما لم يكن معصية فإذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد ناقش العلامة أبو يعقوب الوارجلانى هذه المواضيع بشيء من الإسهاب والتفصيل والتمثيل. ومما قاله فى كتابه الدليل والبرهان الجزء
الثالث. ص
53 ما يلي:
والذى ينبغى لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا وصاروا إخواننا ولهم مالنا وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعا واحدا كما تقـ تقدم كما قال أبو حمزة المختار بن عوف: (الناس منا ونحن من الناس،
إلا عابد وثن وملكا جبارا، وصاحب بدعة يدعوا الناس إليها) وإن ذلك امتنعوا عن دعوناهم الى أن نجرى عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق، والخضوع لواجب الأحكام، فإن أطاعوا بذلك تركناهم على عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا،
هم إلا ما كان من الاستغفار فلا حق لهم فيه، ماداموا متمادين على ما به ضلوا. ووسعنا وإياهم العدل، ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين العدل في الأحكام، والدفاع عنهم، وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا، ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناء (2/73)
صفحة 373
— V? —
بما يقمعه، ويرده إلى سواء السبيل. وإن جاوز ذلك (1) سفكنا دمه، واستحللنا قتاله. وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم، وذلك ما لم يكن رد على أية محكمة، أو سنة قائمة، ونستقضى عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم، إذا كان ممن تقول لهم
هم
ونأخذ منهم
كل
ديانتهم. ولم يمنعنا من ولايتهم إلا ما عليه يجب من الحقوق ونردها فى فقرائهم، وذوى الحاجة منهم، وإن
ما
اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم، وننبذ إليهم على سواء، ولا نتركهم. يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا في ديانتهم، ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن، إلا أن يكون أمراً لا مكروه تحته، فلنا الخيار ..
وإن حاربناهم فى هذا كله وهزمناهم فإنا لا نتبع مدبرا، ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم، إلا ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائزا في مذهبهم. وما كان فى أيديهم من مال بيت المال للمسلمين، فإنا نأخذ ولا نرده إليهم ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها». .
ويقول بعد أسطر:
وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه،
ولا نستعمل فيهم حكم المحاربين
•
(1) يعنى انه ان تجاوز الامتناع عن اداء الحقوق الى العمل بما يخل
بالنظام والأمن. (2/74)
صفحة 374
ويقول بعد أسطر:
ونصلى على قتلاهم، وندفعهم، ونجرى المواريث بيننا وبينهم على وجوهها، والعدد (1) والأموال والحرمات على وجوهها».
وقد ناقش أبو يعقوب ـ أيضا
-
الصورة المعاكسة في الدليل
والبرهان الجزء الثالث ص 61 فقال ما يلى:
إعلم يا أخي أني أريد أن أذكر كيف حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين منهم، ومع السلاطين الجورة الضالين، ومع سائر المشركين، إعلم يا أخى أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية أنه
لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم بل التسليم لهم على ظلمهم أولى قالوا وقد اختلفت الأمة فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القولة الأولى قول أهل الدعوة أنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا فى غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا».
وبعد هذا يذكر القول الثانى وهو القول بعدم جواز الخروج مطلقا مهما كان وضع الدولة القائمة وينسبه إلى السنية حسب تعبيره، ثم يذكر القول الثالث وينسبه إلى الخوارج، وهو وجوب الخروج
(1) العدد
عدة
جمع وهي المدة التي تنتظرها المرأة بعد الطلاق أو
وفاة زوجها ليحل لها التزوج من جديد
• (2/75)
صفحة 375
وحلية الاستعراض وبعد أن يذكر هذه الأقوال يعود إليها بالتفصيل ويتناول القول بالجواز بالتأييد والترجيح، ويحتج له بأن الذين لم يقولوا به من حيث المبدأ عادوا إليه من حيث العمل ويحتج لجوازه بعدة أحداث تاريخية يذكر منها: خروج التوابين عن يزيد وخروج عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعت عن الحجاج، وخروج كبار التابعين أمثال الشعبي وسعيد بن جبير وأضرابهم، وخروج زيد بن على بن الحسين عن هشام، وخروج يحيى بن زيد بن على •
وفي سياق الحديث ذكر مناظرة وقعت له أحد العلماء قال في من ص 63 من نفس الكتاب ما يلي:
وقد جرى لى كلام مع الفقيه يحيى بن أبي بكر بن الحسن بن الشيخ يوسف بن نفاث مناظرة فى كلماته في مثل هذا. فقال لى: أول من سن الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس بن أدية. قلت له أن له في ذلك أسوة حسنة: فقال: وحسنة؟ فقلت أو سيئة
هو
فقال ومن
؟ قلت طلحة والزبير! ... قال لى إن طلحة والزبير اجتهدا فأخطا قلت ولعل هذا اجتهد فأصاب. قال لى: وأصاب؟. قلت ولعله اجتهد فأخطأ! .. فقال: الله يغفر للجميع»
ويقول في نفس الصفحة ما يلي:
وان لم نخرج عليهم، ورضينا بالكون معهم وتحتهم، فجائز
لنا ذلك، ونعيش في كنفهم»
بعد هذا أريد منك أيها القاريء الكريم أن تعود معى إلى مبدأ الفقرة
الأخيرة لنناقش معا بعض ما جاء فيها. (2/76)
صفحة 376
- W-
إذا تأملت أول الفقرة تجد أن أبا يعقوب يذكر ثلاثة أنواع من
السلطة قد تحكم المسلمين وهي:
1 - أهل الخلاف المتدينون
السلاطين الجورة الضالون
- سائر المشركين.
وأنت ترى أيها القارئ الكريم أن أبا يعقوب لم يهتم بالقسم الأول فلم يتحدث عنه ولم يتعرض الموضوع الخروج عليه. وذلك لأنه يعلق جواز الخروج بالحكومة الظالمة لا بالحكومة المخالفة في المذهب فلم يتعرض بأي شيء للقسم الأول (أهل الخلاف المتدينون) أما القسم الثاني وهم السلاطين الجورة الضالون - من أى مذهب كانوا ـــ من أهل الدعوة (الإباضية) أو من غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى فيجوز الخروج عليهم ومناصبتهم العداء، ويجوز البقاء تحت حكمهم والرضا بالحياة في كنفهم.
الثالث أما القسم وهم سائر المشركين فقد كتب فصلا مطولا
عنهم وعمن يكون تحت حكمهم من المسلمين.
وأحب هنا أن أزيد بعض إيضاح لموقف الإباضية عندما تكون الدولة متلزمة لمذهب غير المذهب الإباضي، وتجرى الأحكام وفق مذهبها فلو رفعت قضية مما يختلف فيه المذهبان وجرى الحكم فيها بمذهب الدولة فإن الحكم يكون نافذا وصحيحا، وتترتب عليه الحقوق والواجبات جميع (2/77)
صفحة 377
YA-
ولو كان مخالفا لما عليه الإباضية. وقد ذكر أبو يعقوب لذلك أمثلة في
كتابه الدليل والبرهان صفحة 73 منها ما يلى:
رجل كان تحت أحكام للمخالفين فتزوج وغاب عن زوجته، فأعذر القاضي إليه، فلم يفعل، فطلق عليه القاضي زوجته. ما حكم هذه؟ أهى مطلقة أو غير مطلقة فإن كانت غير مطلقة. فهل له أن يلم بها؟ ولا ينظر إلى حكم القاضى؟ وتقع المواريث والحقوق والنسب
أم لا؟
اعلم أن هذه مطلقة وإن لم يكن فى مأخوذ المسلمين (1) هذا الجواب. فلا يحل له أن يلم بها. ولا أن يقربها، وقد سقطت جميع الحقوق التي بينهما ولها أن تتزوج غيره، وتقع الحقوق، بينها وبين زوجها الآخر، وترثه ويرثها» •
وذكر مثلا آخر فقال في نفس الصفحة ما يلي:
وكل حكم حكموه بالشاهد واليمين فهو ماض لنا وعلينا، ولنا معاملتهم في جميع ما حكموه بالشاهد واليمين لنا وعلينا، وتجرى فيه
المواريث على وجوهها).
وبعد أسطر يقول في صفحة (74) ما يلى:
وأما ما يتعلق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج
6
(1) أحيانا يطلق المصنف كلمة المسلمين ويريد بها الاباضية من باب اطلاق العام على بعض محتوياته ويفهم ذلك من السياق والقرائن. (2/78)
صفحة 378
- Y 9 - -
يوم
فليس إلى خلاف الإجماع سبيل، كصوم الشيعة. يصومون آخر من شعبان ويفطرون آخر يوم من رمضان. فهذا فاحش، وأهل الدعوة (1) يكرهون القنوات في الصلاة».
وتحدث الإمام نور الدين السالمي عن آراء الإباضية في التعامل غيرهم من أصحاب المذاهب نستطيع أن نستخلص منه ما يلى:
1 – ترى حق الوالدين، وحق ذي القربي، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق أبناء السبيل، وحق الصاحب، وحق الجار، وحق ما ملكت أيماننا أبرارا كانوا أو فجارا.
2 ـ نؤدى الأمانة إلى من استأمنا عليها، من قومنا ()
-
أو غيرهم.
ان
نوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم.
O
ـ نجير من استجارنا من قومنا وغيرهم.
يأمن عندنا
منهم
الكاف
عن القتال، المعتزل بنفسه.
- ندعو إلى كتاب الله، ومعرفة الحق وموالاة أهله، ومفارقه الباطل ومعاداة أهله
(1) كلمة (أهل الدعوة) هي الإصطلاح الذي يطلقه الاباضية على
أنفسهم في الغالب
(2) كلمة قومنا يريد بها الاباضية أصحاب المذاهب الاربعة في الغالب
وقد تطلق على جميع مخالفيهم من المذاهب بدلالة السياق أو القرائن
• (2/79)
صفحة 379
ـ من أنكر حق الله، واستحب العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعائدهم. فارقناه وقاتلناه حتى يفيء إلى أمر الله أو يسلك
على ضلالته
من أنكروا حق الله، وفارقوا المسلمين، وعاندوهم،
لا نستحل سبى نسائهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم،
ولا قطع الميراث منهم.
ـ لا نرى الفتك بقومنا. ولا قتلهم غيلة في السر لأن الله لم يأمر
به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين.
10 - نرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ماداموا
يستقبلون قبلتنا
•
11 ـ لا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه
فعله.
12 – لا نرى استعراض قومنا بالسيف ماداموا يستقبلون
القبلة
13 – لا نرى قتل الصغار من أهل القبلة ولا غيرهم.
- 1?
لا نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه
حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها، وتعتد عدة الطلاق أو الوفاة.
15 - لا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا. (2/80)
صفحة 380
- 81 -
من دين
1 - لا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه
الله.
17 – نبرأ من المصريين على المعاصى من أهل دعوتنا وغيرهم حتى
يراجعوا التوبة ويتركوا الإصرار.
18 – نتولى من لم ندرك من المسلمين ولم نره متهما بشهادة
المسلمين.
19 ـ نبرأ ممن لم ندرك من أئمة الظلم وممن لم نره منهم، ومن
أوليائهم – بشهادة المسلمين
•
20 ـــ نرضى من ملوك قومنا أن يتقوا الله، ولا يتبعوا أهواءهم، ولا يجحدوا سنة، ولا يصروا على ذنب بعد معرفة، وأن يضعوا الصدقة والفيء حيث أمرهم الله.
21 – نرضى من السبابة وهم الشيعة، أن يتقوا الله، ولا يفارقوا من لم يحكم لا الله فى أمر قد حكم الله فيه، ولا يتولوا من ترك حكم الله رغبة عنه وحكم غير الله.
22 ـ ونرضى من الخوارج أن يتقوا الله، ولا يعشموا في دينهم، ولا يرغبوا عن سبيل من هدى الله قبلهم، وأن لا يتولوا قوما ويخالفوا أعمالهم، وأن لا يفارقوا من سار بسيرة قوم يتولونهم.
23 – ونرضى من المرجئة أن يتقوا الله ربهم، وأن يؤمنوا للمؤمنين
(م 1 - الاباضية جـ 2) (2/81)
صفحة 381
- AY-
في ولاية من لم يدركوا من المسلمين، والبراءة ممن لم يدركوا من أئمة الظلام، فيتولوا بشهادتهم، كشهادة من يشهدون اليوم عليهم بالضلالة وأن لا يسموا الحكام بغير ما أنزل الله من أسمائهم
24 ـ ونرضى من أهل السنة، أن يتقوا الله، وأن يقروا بحكم القرآن، ويوقنوا بوعده، وأن يستحلوا من أهل البغي والعداء والظلم ما أحل الله من فراقهم وقتالهم حتى يتوبوا.
25 – ونرضى من البدعية أن يتقوا الله، وأن يعملوا بسنة ربهم
رسول الله. ويتولوا على العمل بها. وإن ضعفوا عنها
•
26 ـ ونرضى من سائر قومنا أن يتقوا الله ربهم، ولا يجعلوا حكمه تبعا لحكم قومهم، وأن لا يتمسكوا بطاعة قوم يعصون الله، فإن الله لم يأذن لأحد أن يعطى عهده من يعصى أمره.
راجع تحفة الأعيان الجزء الأول. ابتداء من صفحا 81 •
ولعل القارئ الكريم – بعدما عرضت عليه. يرى أن الإباضي
-
يعتبر جميع المسلمين من مختلف مذاهبهم إخوة له يتساوون معه في الحقوق والواجبات، وهو يعترف لهم بجميع الحقوق التي أوجبها الله للمسلم ويفى لهم بها، ويطالبهم بجميع الواجبات التي أوجبها الله على المسلم ويدعوهم الى القيام بها، ولا يتردد الا في حق واحد وهو الاستغفار، فهذا الحق وحده يراه الإباضي حقا خاصا بالمؤمن
-
الموفى بدين الله لا يمكن أن يمنح المتهاون الذى يرتكب المعصية، سواء كانت معصية فعل، أو معصية ترك، أو معصية تأويل. ـ ما لم يتب (2/82)
صفحة 382
- Ap
-
منها ـ أما في غير هذا فالمسلمون فى جميع مذاهبهم متساوون في الحقوق والواجبات، اللهم إلا بالنظر الى من ارتكب ما يخرجه من الإسلام جملة بما أجمع المسلمون جميعا على اعتباره مخرجا من الملة كإنكار معلوم من الدين بالضرورة وهم فى هذا لا يفرقون عن بقية المذاهب الإسلامية جملة وتفصيلا. ولم يبلغ به الحال ما بلغ الغلو والشطط ببعض المتفقهة حين منعوا الصلاة وراء وعلى مخالفيهم والدفن في مقابرهم والتناكح معهم وقد رأيت أمثلة من ذلك في صدر هذا الكتاب (2/83)
صفحة 383
قال المستشرق نلينو:
المنزلة بين المنزلتين
إلا أن هناك مسألتين اختلف فيها مذهب الإباضية في شمال إفريقيا عن مذهب المعتزلة. أولاهما بالضرورة هى تلك المتعلقة بالطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر: وإلا كان على الإباضية، وهم خوارج، أن ينكروا أصلهم إنكارا. تاما إن شاءوا أن يعتبروا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمنا كما فعل أهل السنة والجماعة، أو إن قالوا بالمذهب القائل بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر بل هو فى منزلة بين المنزلتين كما يقال المعتزلة ولهذا فإن الشيخ عامر يقول في صفحة 120 «ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر» •
بدا لي أن كلام المستشرق غير واضح وأن استشهادة في غير محله بل ربما خطر لى أنه لم يفهم مذهب الإباضية فى موضوع الكبيرة أو المنزلة بين المنزلتين وأن لا منزلة بين المنزلتين ولذلك أحببت أن أزيد الموضوع شيئا من الإيضاح بما ورد في الموضوع من كلام الأئمة.
•
يقول أبو محمد عبد الله بن سعيد السدويكش في حاشيته على متن الديانات لأبى ساكن عامر بن على الشماخي - وهو الكتاب الذي استشهد به المستشرق نلينو واعتمده ملخصا لعقائد الإباضية – ما يلى:
المنزلة بين المنزلتين» •
قوله ندين بأن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك. (2/84)
صفحة 384
1401
يعني أن المنافق ليس بمشرك ولا بمؤمن بل هو موحد، وخالف في ذلك الأشعرية زاعمين أن لا منافق إلا منافق العصر (1) وهو عندهم مشرك
لأنه يظهر الإيمان ويخفى الشرك» •
ويقول بعد أسطر: (والذى عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الاعتقاد فلا فرق بين منافق العصر وغيره من عصاة
الموحدين» •
ومضى يحتج لهذا المذهب حتى قال:
وأن منزلة بين المنزلتين إلخ الحاصل أنا نقول بمنزلة النفاق بين منزلة الإيمان والشرك ونقول بأن لا منزلة بين الإيمان والكفر، والمخالف في الأصل الأول الأشاعرة، حيث أدخلوا المنافق في المشرك ولم يجعلوه واسطة بين المؤمن والمشرك وتقدم الكلام عليه، والمخالف في الأصل الثاني المعتزلة حيث جعلوا الفسق منزلة بين الإيمان والكفر، فقالوا إنه كالأبلق به من السواد أبيض ولا يسمى لما به من البياض أسود» • يسمى
لما
واستمر يحتج لهذا المذهب حتى أورد القصة الآتية:
قال في السؤالات: قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن خليفة رضى الله عنه: التقيت مع التقيوسى بنقطة فجرت بيننا محاورة ومناظرة حتى قال: عجبا منكم أبا عثمان؟ لم تسمون صاحب الكبيرة كافراً؟ لم لا تسمونه ضالا فاسقا ولا تسمونه كافراً؟ - وكان فقيها نحوياً ـ فقلت له: تسمونه
(1) يقصد به عصر النبي صلى الله عليه وسلم. (2/85)
صفحة 385
1491
فاسقاً؟ قال: نعم! فقلت له كيف قال الله تعالى في سورة السجدة؟ قال وكيف قال؟ فقلت له قال تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون» فلما فهمها ووعاها قال: والله لقد ذكرتنى شيئا لقد نسيته وعلم أن الكفر والفسق واحد» •
بعد هذا أحب أن أضع بين يديك أيها القارئ الكريم بعض ما قاله إمام آخر من أئمة الإباضية في القرن الخامس الهجرى هو: تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطى وكتابه من أهم المصادر في هذا الموضوع قال: (2/86)
صفحة 386
- AY-
الأصل الخامس
في المنزلة بين المنزلتين
وهو النفاق بين الشرك والإيمان، وقد اجتمعت الأمة على أن المنافقين كافرون، وأنهم في الدرك الأسفل من النار وأنهم مع النبي والمسلمين في البيوت والدور، يحجون معهم، ويجاهدون معهم كما قال الله عز وجل: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق» ثم بين الله منزلتهم. في غير موضع من كتابه فوصف الناس على ثلاث منازل في قوله تعالى: «ليعذب الله المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما». فوصفت المنافقين بالذبذبة فقال: (مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء) يريد لا الى المسلمين في الإسم والثواب والوفاء، ولا الى المشركين في الحكم والسيرة والجحود والإنكار.
ونقض هذا الكتاب وهذا الإجماع كثير من الأمة ممن زعم أنهم مشركون مظهرون التوحيد، كاتمون الشرك. إلا الإباضية وفرقة من الزيدية والحسينية.
وقد بين الله المنافقين أنهم إنما أصابوا النفاق بخصال شتى، وإنما كان أول النفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسماهم الله منافقين
-
ملل الشرك من
وفيهم نزل: «فما لكم في
به أحدا اسم لم يسم المنافقين فئتين والله أركسهم: ما كسبوا (إسم إسلامي شرعى مأخوذ (2/87)
صفحة 387
من النفق، وهو خروج الشيء من حيث لم يدخل كما يقال نفق اليربوع
إذا خرج من غير بابه. ونفق هلك، ونفقت الدابة ونفق المال هلك
•
وأول ما سبق من الشيطان النفاق حيث أبى من السجود ثم دعا إلى عبادته فصار إبليس شيطانا مريدا مشركا.
ومن المنافقين من أصاب النفاق بإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم
في الصدقات.
فإن لأعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون» يطعمونها منهم بتوحيدهم مع المؤمنين. ولو أنهم مشركون ما طمعوا في الصدقات ولا يرونها.
ومنهم من نافق بمنعه الصدقة مثل ثعلبة وغيره كما أخبر الله تعالى
عنه.
ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من
الصالحين» 10
وعدوه
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وبما كانوا يكذبون). وبعد مناقشة لمعنى يكذبون ويكذبون على اختلاف
القراءات قال:
ومنهم: «الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم» • (2/88)
صفحة 388
- 19 -
ومنهم المخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد رغبونا بأنفسهم عن نفسه «وقالوا لا تنفروا في الحر، وقال الله لنبيه
عليه السلام: «قل نار جهنم أشد حرا» الآية. وعيدا لهم
•
وقال: «لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم
کارهون» •
وقال: «أشحة على الخير (يعنى الصدقة والجهاد في سبيل الله. لهذا وأمثاله سماهم الله منافقين وأخبر عن صلاتهم وقال: لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى». والمشركون لا يصلون كسالى
ولا نشاطي
ومضى المؤلف في سرد الأدلة حتى قال:
وقالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا» «وقالوا وعدنا الله ورسوله إلا غرورا» • أى قالوا غرنا الله ورسوله وكان يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا يقدر أحدنا أن يخرج إلى حاجة الإنسان لشدة حصر الأحزاب لهم في المدينة.
ومنهم: «والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين» ضرا للمسلمين وحرسا لليهود وحمية كانت لهم في الجاهلية
واتخاذ الجاه عندهم.
بهذا أخبر الله عن المنافقين فى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم. (2/89)
صفحة 389
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه فهو منافق: من إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف» وأمثال هذا من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير في
المنافق
•
فليس هو كما قال من قال: النفاق إظهار التوحيد وكتمان الشرك،
وجعلوا النفاق شركا لا يتم إلا بالتوحيد، ولم نعلم شيئا يكون مثل هذا • شيء لا يتم إلا بضده وخلافه ولا يتم بأحدهما دون الآخر
•
وفى أحكام الله ورسوله في المنافقين ما يبين ويثبت أنهم موحدون وليسوا بمشركين، وفيهم نزلت الحدود بالسياط وقطع يد السارق والرجم والقذف والقتال إن لم ينتهوا من إظهار نفاقهم وما به ضلوا
وزللوا». (2/90)
صفحة 390
-91 -
الأصل السادس
لا منزلة بين المنزلتين
وذلك أن معناهم لا منزلة بين المنزلتين: أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدان كالأضداد كلها، شبه الحركة والسكون والحياة والموت
وقد أجمعت الأمة فى أصلهم على أن من ليس بمؤمن فهو كافر يقول
الله تعالى:
هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن (• وقوله: «إما شاكرا وإما كفورا، وقوله عن سليمان عليه السلام «ليبلوني أأشكر أم أكفر» وقال: «فمنهم شقى وسعيد (الخ الآية وقال: «كما بدأ كم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة (يعنى سعداء وأشقياء وقال: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله فيها خالدون» وقال في موضع آخر:
•
وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم الكفرة الفجوة» • ومثل هذا في القرآن كثير وفى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى لغة العرب أن من ضيع شكر نعمة الله فقد كفر نعمته وذلك موجود في أشعارهم قال الشاعر:
نبئت عمدا غير شاكر نعمتى والكفر مخبثة لنفس المنعم
وفي خطبهم ومخاطبتهم. فنقضت ذلك المعتزلة ومن قال بقولهم (2/91)
صفحة 391
92
إن أهل الكبائر ليسوا بمؤمنين ولا كافرين وأنهم فاسقون في النار مخلدون، ومثل هذا كثير من اختلاطهم وتناقض مذهبهم فثبتنا على الأصل المجتمع عليه نحن وإياهم، على أن من ليس بمؤمن فهو كافر، وأن الكفر ضد الإيمان كالحياة والموت ولا يخرج من أحدهما إلا دخل في الآخر ولو جاز أن يخرج فى الكفر ولم يدخل في الإيمان لجاز أن يخرج من الثواب والجنة ولا يدخل من النار ولا يكون من أحدهما
مكلف
صحيح
وهو
العقل فيكون لا شقيا ولا سعيدا، ولا موحدا
-
ولا مشركا، ولا صالحا ولا طالحا، لأن هذه هي الأضداد التي لا ينفك عنها الناس» هذه القضية عند الإباضية – واضحة شديدة الوضوح رغم الخلافات الكثيرة فيها بين فرق الأمة فالناس عندهم على
ثلاثة أقسام:
بجميع
-
القسم الأول هم المؤمنون وهم الأوفياء بإيمانهم الملتزمون عملا وتركا ـ وبهم يقوم المجتمع المسلم
ما جاء به به الإسلام
في الدنيا
-
وبهم تناط الرسالة الإسلامية وبهم وحدهم حرم
الله
وتقام حدوده ويوم
القيامة
وعملهم الصالح
هم
في دار النعيم جزاء لهم على إيمانهم
-
2
القسم الثاني وهم المشركون الواضحون في شركهم سواء
كان ذلك بإنكارهم لوجود الله تبارك وتعالى أو لإشراكهم غيره معه في العبادة وبهؤلاء يقوم المجتمع المشرك فى الدنيا وإليه توجه الدعوة إلى والقتال لتأميننا ويوم القيامة هم فى دار الخزى والعذاب الأليم
الإسلام
بعدم إيمانهم وسوء
- p
عملهم.
الفريق الثالث هم قوم أعلنوا كلمة التوحيد وأقروا بالإسلام (2/92)
صفحة 392
93 -
ولكنهم لم يلتزموا به سلوكا وعبادة فهم ليسوا مشركين لأنهم يقرون بالتوحيد وهم ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يلتزمون ما يقتضيه الإيمان. فهم مع المسلمين في أحكام الدنيا لإقرارهم بالتوحيد، وهم مع المشركين في أحكام الأخوة لعدم وفائهم بإيمانهم ولمخالفتهم ما يستلزمه التوحيد من عمل أو ترك (1).
وقد أطلق الله تبارك وتعالى على هذا النوع من الناس تسمية جديدة لم تكن معروفة فى الشرائع السابقة وذلك حينما اختلف المسلمون في أولئك الذين أقروا بالإسلام وتخلفوا عن الهجرة فاعتبرهم بعضهم مشركين لتخلفهم عن الهجرة واعتبرهم آخرون مؤمنين لإقرارهم بالتوحيد فأنزل الله قوله تبارك وتعالى: «فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن نجد له سبيلا» • إلى آخر الآيات الكريمة. وقد رسم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة صورا واضحة للمنافقين تنجلي للمسلمين في كل عصر ومن الصفات التي جعلها القرآن الكريم ملازمة للنفاق ما يلى:
التكاسل عن إتيان الصلاة، الإنفاق
عي
کره، الكذب على الله
ورسوله، الحنث فى اليمين، الطمع المزرى، الحيرة والارتباك، شدة
أداء
الجبن، احتمال المذلة، شهادة الزور، التخلف عن الجهاد وعن الضعفاء والفقراء. توقع
الواجبات باختلاف المعاذير، السخرية من انكشاف سلوكهم الحقيقي للناس، إيذاؤهم بالكذب والإشاعة أفاضل الأمة، ابتغاء الفتنة، تظاهرهم بالاستقامة، فرحهم بالمغانم، جزعهم المغارم، إخلافهم للوعد وخيانتهم للعهد • إلى غير ذلك
عند (2/93)
صفحة 393
19?-
والقرآن الكريم في أكثر مناقشاته لهم إنما ينعى عليهم إخلالهم بالجوانب العملية وكذلك السنة المطهرة مما يدل دلالة واضحة أن النفاق يعنى الإخلال العملى بما يقتضيه الإيمان ممن يقر التوحيد
وبناء على هذا ومثله فقد استعمل الإباضية كلمة النفاق للدلالة على المعاصى العملية وأطلقوها على من ارتكبها فى أى زمان وكان هذا النوع من الناس يعيش في المجتمع المسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما بعده من عهود ولكن وجودهم - في الدنيا ـ داخل المجتمع المسلم لم يبعد عنهم آيات الوعيد الشديد التي تناولتهم في كل مناسبة بل جعلتهم في الدرك الأسفل من النار.
—
وقد أطلق الإباضية على هذا القسم الثالث اسم المنافقين وكفار النعمة اعتمادا على الأدلة الكثيرة في هذا الموضوع من الكتاب والسنة لكن أكثر المذاهب الأخرى لم تقف هذا الموقف فذهب بعضها إلى أن المنافقين مشركون أما أصحاب المعاصي العملية فعلا وتركا. فهم مؤمنون وذهبت مذاهب أخرى إلى أن أصحاب المعاصي العملية هم فساق وليسوا مؤمنين ولا مشركين ولا منافقين وذلك رغم أن القرآن الكريم يقول:
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم
الفاسقون».
فأنت ترى أيها القارئ أن القرآن الكريم وصف المنافقين بمعاص (2/94)
صفحة 394
95
-
عملية
عن
الله
هي
الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل عن الإنفاق والإعراض ثم أكد بأن ضمير الفصل أن المنافقين هم الفاسقون
ثم قال تبارك وتعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون» •
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون» «ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» •
وتأمل أيها القارئ الكريم فى الآيات الثلاثة السابقة تجد أن المولى تبارك وتعالى جعل الظلم - وهو معصية ملية سببا للحكم على مرتكبه بأنه كافر وفاسق أو ظالم وقد سبق لك أن عرفت في الآية السابقة أن الله تبارك وتعالى جعل المنافقين والفاسقين فريقا واحدا بصيغة التأكيد ويتضح لك من هذا جميعا أن النفاق والكفر - كفر النعمة ــ والفسوق والظلم تصلح لمعنى واحد ويعامل صاحبها في الدنيا معاملة واحدة وفي الآخرة يكون لها مصير واحد.
هذا أهم ما بدا لي أن أذكره في هذا الموضوع وأرجو أن يكون
واضحا بالمقدار الذي أردته وسعيت إليه
على أننى أحب أن أختتم هذا الفصل بكلمة قصيرة لقطب الأئمة الشيخ محمد طفيش فقد جاء في كتابه القيم «شامل الأصل والفرع»
صفحة 25 ما يلي:
والنفاق لغة الخروج من غير المدخل، وإخفاء غير ما أظهر، (2/95)
صفحة 395
96 -
ومن عمل
وشرعا مخالفة الفعل القول. أو السر العلانية، والمنافق عندى من أظهر التوحيد وأخفى الشرك وعليه أحمل ما ورد في القرآن كبيرة دون الشرك، وقصره أصحابنا على الثانى وقومنا على الأول» • وعلق الإمام أبو اسحاق على هذا بقوله: «وردت أحاديث كثيرة في إطلاق النفاق على الكبائر العملية، كما وردت فى إطلاق الكفر عليها. ولهذا أطلق أصحابنا النفاق عليها كما أطلقوا الكفر فصار النفاق فيها مراد فالكفر النعمة أما غير أصحابنا فقد تكلفوا تأويلات في تلك الأحاديث فحصر الكفر والنفاق في الشرك وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وأحمد عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
منهن
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، كانت
كانت
ومن
فيه
خصلة
فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر» • (2/96)
صفحة 396
97
-
مسائل فقهية اجتهادية
تحت هذا العنوان سوف نستعرض بعض المسائل الفقهية الاجتهادية التي يجوز فيها الخلاف ولا يقطع فيها العذر ومع ذلك فقد أوردها بعض كتاب المقالات السابقين فى مقام التشنيع على الإباضية.
من
ذلك ما ذكر أبو محمد على بن حزم فقد جاء في كتابه: الفصل
بين الملل والنحل ص 189 ما يلي:
وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارا فاحتلم، ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها
إلا قليلا منهم» •
هذه أحكام فقهية في مسائل فرعية كما يرى القارئ الكريم
،
ولا شك أن ابن حزم أوردها هنا تشنيعا على الإباضية، وقد أوردها بأسلوب يشوبه شيء من الغموض والإبهام شأن أكثر من كتب عن
الإباضية
ساخطا
عليهم
، حتى يجعل من المسألة التافهة مسألة ذات قيمة، وحتى يوهم الناس أن هذه الفرقة مولعة بالمخالفة حتى فى أوضح
الواضحات.
العالم الكبير يتحدث عما تختلف فيه الفرق بعضها عن بعض في مجال العقائد، وكان معقولا ألا تذكر ـ في مجال هذه المباحث ـــ الفروع الفقهية التى هى مجال البحث والاجتهاد والخلاف بين الفقهاء حتى من
(م 7 - الاباضية جـ 2) (2/97)
صفحة 397
المذهب الواحد لكن ابن حزم لم يلتزم بهذا المسلك المعقول وليته حين
عرض المسائل الفقهية الفرعية - عرضها بوضوح وتفصيل وصدق
•
ولعل القارئ الكريم يتوق إلى معرفة ما يقوله الإباضية في تلك المسائل. وهل كان ابن حزم أمينا نزيها في نقلها ونسبتها؟ لكي يتضح
ذلك سوف نستعرضها واحدة واحدة كما يلى:
1 - طعام أهل الكتاب: ذكر ابن حزم أنه شاهد الإباضية عندهم في الأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب. ذكر هذا الحكم هكذا مجردا في هذا الأسلوب المبهم دون أن يعني بأي تفصيل أو أى إيضاح • وموضوع طعام أهل الكتاب، فيه مباحث طويلة بين علماء الأمة وفقهائها، جميعا لا بين فقهاء الإباضية فحسب، وفى جميع البلدان الإسلامية لا في الأندلس وعندما يتحدث الفقهاء عن طعام أهل الكتاب فهم يقصدون الذبائح
فقط
بالدرجة الأولى
علماء الأمة جميعا ومنهم علماء الإباضية لا يختلفون في أن طعام أهل الكتاب حلال للمسلمين عندما يكون أهل الكتاب تحت الذمة، أي تحت الحكم الإسلامي، خاضعين لرقابته. ولا يختلف الإباضية عن غيرهم من المسلمين في هذا الحكم للنص القرآني الكريم:
اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم جل لهم، والمحصنات من المؤمنات؛ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، إذا آتيتموهن أجورهن، محصنين غير مسافحين، ولا متخذى أخدان، ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة
من الخاسرين» (2/98)
صفحة 398
— 99.7 ...
ولا يوجد أحد من علماء الإباضية يخالف النص، ويقول بتحريم ن طعام أهل الكتاب هكذا على الإطلاق كما ادعى ابن حزم – ولكن منهم من يشترط بحلية ذبائح أهل الكتاب أن يكونوا تحت الذمة أي تحت إشراف حكم الدولة المسلمة ورقابتها، فإذا كانوا كذلك حل طعامهم ونكاح الجرائر من نسائهم. أما إذا خرجوا عن الذمة، بأن لم يكن بينهم وبين المسلمين صلة ولا علاقة أو كانوا محاربين الله ولرسوله، أو كانوا مؤيدين لمن يحارب الله ورسوله، مساعدين له - فإنه لا يحل طعامهم أى ذبائحهم، كما: ولا نكاح الحرائر من نسائهم هو الحال في وقتنا الحاضر لمن لم يكن تحت الحكم الإسلامي. ومن علماء الإباضية من يعمل بعموم الآية فيجيز ذلك على جميع الأحوال.
ولا شك أن المسألة مسألة فرعية اجتهادية تحدث عنها عاماء الإباضية وغير الإباضية بإسهاب - وتطويل واختلفت فيها آراءهم ولا يوجد أحد من علماء الإباضية لا فى القديم ولا في الحديث يحرم طعام أهل الكتاب إذا كانوا تحت الذمة أو تحت رقابة الأمة المسلمة في أي عهد من العهود. وفى من يفتى بتحريم ذبائح أهل الكتاب ـ في الوقت الحاضر ـ لأنهم ليسوا تحت الذمة: مفتى الجمهورية العربية الليبية وقد أعان ذلك بفتاوى وهمية عدة مرات ومما قاله: إن المسلم لا يمكن أن يرفض الميتة .. لأنها جاءته عن يد مسلم ثم يتقبلها من يد مشرك بدعوى أنه من: الكتاب فذبائح أهل الكتاب عنده في هذه الحالة في حكم الميتة وهذا المفتى مالكي المذهب: متمسك بمذهبه الى حد التعصب مع احترامه للمذاهب ت الأخرى وأئمتها
أهل
إن ابن
جزم يذكر
أنه شاهد الإباضية يحرمون طعام أهل الكتاب (2/99)
صفحة 399
100 -
في الأندلس. فإن كان ذلك من بعض الأفراد على سبيل الكراهية والتقزز فذلك جائز. واذا كان ذلك مع الذين لم يكونوا تحت الذمة أي لم يكونوا تحت حكم الدولة الإسلامية فى الأندلس فذلك جائز أيضاً. أما اذا زعم أن ذلك كان أهل الكتاب وهم تحت الحكم الإسلامي في الأندلس فقوله غير صحيح إلا إذا كانت تلك المشاهدة منصبة على فرد أو أفراد من العوام الذين يلتزمون أحكاماً لا أصول لها ثم ينسبونها الى دين أو مذهب ثم هم يتشددون في ذلك أحياناً تشدداً يخالف يسر الإسلام. وهذه النماذج موجودة في كل مذهب. وهم شواذ لا ينبني على رأيهم حكم، ولا يجرى بهم حساب
مع
تحت
أهل
وبرجوع بسيط إلى مصادر الفقه الإباضي ومراجعه وإلى تاريخهم يتضح للقارئ ذلك النقاش الدقيق الطويل الذي أخذه موضوع طعام أهل الكتاب وموضوع نكاح نسائهم، والرأي الذي استقر عليه جمهورهم، ويتضح له موقفهم من حلية طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم مطلقا. أو وهم تحت الذمة. وسيجد وقائع تاريخية كثيرة تشهد أن بعض علمائهم أكل طعام أهل الكتاب وتزوج من نسائهم وهم: الذمة كما يجد وقائع أخرى تشهد أن بعض علمائهم تعامل الكتاب بهذا الأسلوب وهم معاهدون وليسوا ذميين • على أن الموضوع اليوم، في عصرنا الحاضر وقد تكالب أهل الكتاب كلهم على محاربة المسلمين بجميع وسائل الحرب. يجب أن يرجع فيه المسلمون إلى رأى المانعين. وقد رجح هذا الرأى بالفعل كثير من العلماء المعاصرين من مختلف المذاهب ومن المستقلين، ويتشدد الكثير منهم في الطعام الذي يقدم في مطاعم أوربا وأمريكا وغيرهما إذا كان مشتملا على اللحوم. ويشدد بعضهم النكير على الطلبة الذين يدرسون هناك، ويقيمون مددا
-
- (2/100)
صفحة 400
- 101
طويلة تشديدا يجعلهم يلتزمون بشراء اللحم من قصابين مسلمين. ولو
كبدهم ذلك تعبا وعنتا
مما جعل بعضهم يستغنى عن اللحم ويقتصر
على السمك والبيض ونحوه.
وعلماء الإباضية اليوم يقفون نفس الموقف من هذا الموضوع. يتفقون على حلية طعام أهل الكتاب عندما يكونون تحت الذمة ومنهم من يحرم طعام أهل الكتاب المحادين، ويشدد في التحريم، ومنهم من يتساهل ويجيز عملا بالعموم في الآية الكريمة
أما موضوع نكاح نساء أهل الكتاب أى الزواج من الكتابيات فالمؤلف لم يشر إلى مقالة الإباضية فيه وهو مرتبط بموضوع الذبائح
•
وبقطع النظر عن سلوك الإباضية وغيرهم في ذلك الحين. فإن عدم
تحريم الزواج من أهل الكتاب فى العصر الحاضر • يكون مشكلة اجتماعية وسياسية ودينية خطيرة. ولو أباح الإسلام الزواج منهم مطلقا فإن المصلحة في هذا العصر تقتضى الاستغناء عن ذلك المباح، والابتعاد عنه، وأنا أرى - إذا كان لما أراه حساب - إن آراء المانعين منه أصوب، وتحريمه إلى روح الشريعة أقرب.
-
ولعل مما يفيد القارئ الكريم أن أنقل له أقوال بعض الأئمة جاء في عقيدة التوحيد التي ترجمها عمرو بن جميع ما يلى:
فإن استكانوا لذلك ودفعوها. أي الجزية
-
حرمت دماؤهم
وأموالهم وسبى ذراريهم وأطفالهم غير البالغين، وحل للمسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم. وإن لم يستكينوا لذلك، ولم (2/101)
صفحة 401
يعطوها حلت دماؤهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وحرم على المسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم»
قال قطب الأئمة في شرحه لهذه العبارة من العقيدة ما يلى: وما ذكره المصنف هو مشهور المذهب، وفى المذهب قول آخر هو أنه تحل ذبائحهم ونكاح حرائرهم ولو لم يعطوا الجزية، ولو حاربوا لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية، ونزل القرآن فيهم وهم محاربون ولم يشترطها. وهو قول قومنا وبعض أصحابنا وهو الصحيح» أحسب. أن هذا يكفى للرد على ما زعمه أبو محمد بن حزم في هذا الموضوع وقد رأيت كيف أن قطب الأئمة وهو من آخر مجتهدى الإباضية يرجح. الجواز مطلقا ومن الأئمة المعاصرين الذين يذهبون إلى استحلال طعام أهل الكتاب دون قيود أو شروط أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم ابن عمر فقد كان يفتى بأن طعام أهل الكتاب ومنها ذبائحهم كيفما كانت طريقة ذبحهم حلال للمسلمين لأن الله أطلق الإباحة ولم يقيدها بأي شرط ولم يكلف المسلمين بالبحث عنهم أو التفتيش عن طريقتهم في الذبح: وكل ما يجب على المسلمين حسب نظره هو التأكد من أن أهل الذبائح. أهل كتاب وليسوا مشركين أو ملاحدة.
- قضيب التيس:
ويقول ابن حزم: «ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش» • لست أدرى لماذا هذا الاهتمام الكبير من العالم الكبير، بهذه الألياف التي لا يعمد إلى أكلها أحد، ولا يستسيغها أحد، سواء: كانت حلالا أو حراما • وقد صدق ابن حزم في هذه القضية فإن الإباضية: (2/102)
صفحة 402
يبعدونها لسببين الأول أنها أشياء قذرة تتقزز منها النفوس، وينفر منها الطبع السليم وليس فيها ما يغرى على الأكل، أو يفيد الجسم.
-
الثاني: أنها حاملة بول ولا تخلو منه والبول عند كثير من المذاهب منها الإباضية – نجس لأنه قذر خبيث، وقد حرم الله تبارك وتعالى الخبائث. نامتناع الإباضية عن أكل تلك القضبان وتقديمها على موائدهم وفي ولائمهم. يرجع إلى أنها حوامل للخبيث. وأنها مستقذرة على كل حال. أما موضوع الحكم بنجاسة بول ما يؤكل لحمه فهو أيضا فقهى فرعى اختلفت فيه أنظار المجتهدين، وتعددت أقوالهم وطال فيه النقاش والبحث، واستقرت الإباضية على القول بالتحريم والنجاسة، وهم لا يقطعون فيه عذر من خالفهم لأنها مسألة فرعية.
القضاء على المحتلم:
ويقول ابن حزم: «ويوجبون القضاء على من نام نهارا فاحتلم» • وليس الأمر هكذا بهذا الإجمال كما زعم ابن حزم وإنما يوجبون القضاء على من أصبح جنبا مع شيء من التفريط عملا بالحديث الشريف الذي رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك في الموطأ • فهم يرون أن الصائم الذي ينام فى النهار فتصيبه الجنابة يجب عليه عند الاستيقاظ المبادرة إلى الاغتسال، ولا شيء عليه إذا لم يهمل أو يتهاون،
أما إذا أهمل الغسل أو تهاون فيه فيجب عليه القضاء لأنه ضيع
وكذلك من أصابته جنابة بالليل فنام على نية أن يقوم قبل التسحر أو التطهر فغلبه النوم فأصبح جنبا ويرى الفقهاء أن عليه القضاء لأنه أهمل دون أن يتعمد الإهمال أو التهاون. ويدرأون عنه الكفارة. ويرى البعض الآخر من الفقهاء أنه يجب عليه المبادرة إلى الاغتسال ولا شيء (2/103)
صفحة 403
- 1·8 -
جميع
عليه إذا لم يتهاون أو يهمل، فإذا وجبت عليه الجنابة في ليل أو نهار ثم تهاون فلم يغتسل فإن عليه القضاء، ويدرأون عنه الكفارة في الأحوال، وقد أوضح العلامة نور الدين السالمي هذا الموضوع في شرحه على المسند فقال:
المصنف
والحكم بالإفطار على من أصبح جنبا هو قول الإباضية، رواه عن جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه عن عروة بن الزبير والحسن البصرى. وإبراهيم النخعي، من سادة التابعين، وحكاه ابن المنذر عن طاوس وقال ابن بطال: هو أحد قولى
الشافعى. وحكى ابن المنذر أيضا عن الحسن البصري وسالم بن
عبد
الله بن عمر، أن من أصبح جنبا عليه أن يتم صومه ثم يقضيه.
•
وروى عبد الرزاق عن عطاء مثل قولها، ونقل عن الحسن بن صالح وعن النخعي: إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع» •
هذا تحرير
المقام وهو كاف في الموضوع وابن حزم أصاب الحقيقة حين نسب هذا القول إلى الإباضية ولو أنه جاء به في صيغة إجمالية مبهمة بين مجموعة من المسائل منها مالا يقول به الإباضية مطلقا ومنها ما يقولون به ولكن ليس على الإطلاق الذي أورده ابن حزم.
التيمم مع وجود الماء:
ويقول بن حزم:: (ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها» • ويخجلني أن أقول للعلامة ابن حزم إن هذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة. فإن يكن سمعها من الغير فهى كذبة بلقاء جازت (2/104)
صفحة 404
1001
أنه
ذلك عرف عليه، وإن زعم
كما بنفسه
صرح
بنفسه. فهو وهم من العالم الكبير ولا أحسبه يتجنى
أنه شاهد ذلك
•
والذي يحملنا أن نقف هذا الموقف الذى لا يخلو من العنف هو أن أكاذيب كثيرة جرت على أقلام شهيرة ضد الإباضية منها ما يناقض بعضها بعضا، ومنها ما يكذبه الواقع وتبطله الحقائق المعروفة الثابتة. مما يدل أن تلك الأكاذيب صدرت عن مخيلات تتصور، لا عن مشاهدات تبصر أو حقائق تقع في كتب الإباضية - وفى الطهارات خاصة ـ موجودة ومنتشرة في عصر ابن حزم وقبل أن يوجد، وليس فيها ما يشتم منه أى نوع من التساهل في قضية الطهارة والصلاة. وقد عرف الإباضية قديما وحديثا بتشددهم فى مسائل الطهارة وحرصهم عليه الاستجمار قبل الاستنجاء وحتى أنهم لم يجوزوا
-
حتى
أوجبوا. عمليا المسح على الخفين، واعتبروا الأحاديث الواردة في الموضوع منسوخة بآية الوضوء.
وما اشتهروا به في سلوكهم وسيرهم من التشدد في الطهارة يقف حائلا دون تصديق هذه الدعوى. بل إن جميع من عاشرهم قديما وحديثا يشهد لهم بتشددهم في مسائل الطهارة عموما. وفى الوضوء والغسل خصوصا.
وابن حزم في قوله هذا يزعم أن الأكثرية منهم يتيممون وهم مقيمون على الآبار التي يشربون منها فكيف عرف هذه الأكثرية؟ وكيف أتيح له أن يراهم على آبار هم يتيممون، فهل كان من عادتهم إذا أراد أحدهم الصلاة أن يذهب إلى البئر ثم يجمع التراب ويتيمم؟ إنه لو زعم أنه (2/105)
صفحة 405
1107 -
رأى فردا أو أفرادا أو حتى جماعة منهم يفعلون ذلك لاحتمل كلامه التصديق. ويحتمل حينئذ أن يكون ذلك المتيمم أو المتيممون على البئر
متهاونين بأحكام الطهارة أو معذورين بعذر شرعي خفى على ابن حزم
أما أن يزعم أن هذا عمل الأكثرية فهذا باطل من القول، ترده طبيعة السلوك عند المسلمين عموما، وعند الإباضية خصوصا.
على أن رؤية فرد أو أفراد يتهاونون بحد من حدود الله، من أى مذهب وفى أى عصر، أمر محتمل الوقوع، ولكن ذلك لا يدل على أنه عمل الأكثرية من أصحاب ذلك المذهب، كما أنه لا يدل أبدا على أن ما يفعله أولئك المتهاونون هو رأى أو قول فى المذهب. فلو رأينا مجموعة من الناس من أي مذهب كان إباضيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا أو غيرها - يصلون بدون طهارة أو يشربون الخمرة ـ مهما كان عدد تلك المجموعة - لم يصح لنا أن نقول أن أكثرية المذهب الفلاني تفعل كذا أو أن المذهب الفلاني كذا استنادا إلى تلك المشاهدة. يبيح وإنما يجب أن تنسب الفعل إلى من يقوم به فقط
—
لأن ذكره في سياق الحديث عن آراء المذاهب ومقالاتها يوحى بأن قواعد المذهب هي التي تجيز ذلك العمل. وهذا خطأ واضح فاحش.
إنك الآن قد تدخل إلى بعض البلاد الإسلامية في رمضان فتجد المقاهي والمطاعم مفتوحة دائبة الحركة، والناس يترددون عليها يتناولون منها فهل يحق لك إذا رأيت ذلك في بلد يغلب على أهله مذهب معين أن تقول أن أكثرية أصحاب ذلك المذهب يأكلون في رمضان استنادا إلى
ما رأيته؟ (2/106)
صفحة 406
;
-
وفي العصر الذي كان يعيش فيه أبن حزم كان هناك في الأندلس مجالين للغناء والخمر يعشناها الناس بالعشرات والمئات ولاسيما في مجالس الأمراء والحكام فهل يصح لأحد - بناء على تلك المشاهدات
أن يقول: أكثر المسلمين فى الأندلس يغنون ويسكرون.
لة
وفى هذا العصر الذي استعلنت فيه المعصية وأصبحت بعض الموبقات .. ترتكب جهارا هل نستطيع أن ننسب تلك الموبقات إلى أكثرية مذاهب. أولئك العصاة المارقين، بل هل يحق لنا أن نعرضها ونحن نذكر بعض تتميز به مذاهب عن مذاهب، أو تختص به مذاهب دون مذاهب.
ما
|:.
وعلى كل حال - وبكل اعتبار، ومهما كانت التأويلات فإن الحكم الذي أطلقه ابن حزم في قضية التيمم غير صحيح ولا وجود له عند. الإباضية لأن الإباضية يقولون أنه لا يجوز التيمم إلا في حالة للعجز عن استعمال الماء إما لفقدانه وإما للعجـ عن استعماله، وفي ذلك تفصيلات وشروح معروضة في كتب الفقة.
ذكر الأستاذ عبد القادر
مذهب الإباضية
I'.
:
«أن من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل» • هذه فرية عن الإباضية أطلقها شفة آثمة مغرضة - ولسنا نتهم بها الأستاذ عبد القادر شبية الخمد فإنها موجودة في مصادر قديمة ربما أخذ منها ـ وكل مسئولية الأستاذ عبد القادر في هذا الموضوع (2/107)
صفحة 407
1. A -
وأشباهه إنما هو في التقصير وعدم التثبت، وعدم النزاهة عند الحديث عن الفرق. وكان عليه أن يتثبت ويتحقق قبل أن يرمى الكلام على
عواهنه.
لا أساس لهذا الرأى عند الإباضية، فحد الزنا وحد السرقة ثبتا بالنص وكذلك بقية الحدود. وما ثبت بالنص عن الإباضية فلا مجال فيه للرأى ولا يتجاوزون فيه حكم النص، بل إن الإباضية يرون أن أهم ما يميز الإمام العادل من الجائر هو إقامة الحدود كما ثبتت • والحكم - عندهم - على الزاني المحصن الرجم ثبت ذلك بالسنة القولية والعملية، وعلى الزاني غير المحصن الجلد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم. وعلى السارق القطع. بشروط مبينة ومفصلة في كتب الفقة التي تعالج هذه المواضيع وكذلك بقية الحدود ولو أخذ عبد القادر شيبة الحمد أي كتاب منها لوجد الكلام فيها واضحا. يشرح الحدود، وطرق إثباتها، وطرق تنفيذها، بل إنني أؤكد أن الأستاذ لو تناول كتب السير والتاريخ التي تتحدث عن الإمامات التي أقامها الإباضية في المشرق أو المغرب لوجد فيها حالات أقامت فيها تلك الإمامات بعض الحدود في أحداث حصلت فلم تتجاوز فيها النصوص، ولم تقتل إلا من كان حده القتل. أما الاستتابة والتوبة وعدمها فيتعلق بها عند الإباضية حكم آخر هو حكم الولاية أو البراءة. أى الحب في الله من أجل الطاعة، أو البغض في الله من أجل المعصية
فكل من ارتكب جريمة يلزمه بها حد فهو مرتكب لكبيرة، وتجب البراءة منه لارتكابه تلك الكبيرة • فإن تاب وأعلن ذلك وندم على ما فعل (2/108)
صفحة 408
رجع إلى ما كان عليه من الولاية، وإن أصر على معصيته بقى كذلك
في حكم البراءة.
ولا شك أن القارئ الكريم يعرف أن البراءة لا تعنى القتل، وإنما تعنى كراهة القلب، وإظهار السخط، وجفاء المعاملة من أجل ركوب المعصية.
هذا ما يقوله الإباضية في هذا الموضوع ولعلماء الأمة من جميع المذاهب مناقشات طويلة في معاملة من أقيم عليه الحد وفي حكم عدالته، وهل هو كفء أو غير كفء، كما أن لهم مناقشات طويلة في الذي يتكرر منه الجرم، وتتكرر إقامة الحد عليه عددا من المرات، ورأى الإباضية ذلك في جميع هو رأى الجمهور. في السرقة يتعدد القطع مع خلاف في العضو الذي يقطع بعد اليد اليمنى من الرسغ في المرة الأولى. وفى الخمر خلاف بعد المرة الرابعة هل ينتقل الحد من الجلد إلى القتل، أو إلى الإعفاء؟ أو يبقى حدا السكران هو الجلد باستمرار. وتقرير الحكم وحده كاف للرد على زعم الأستاذ عبد القادر ومن رجع إليه.
هذا
وعلى كل حال فلا شيء في الحدود عند الإباضية يمد غريبا
يختص بهم أو يختصون به ومن أراد التفاصيل فليراجع المطولات.
كل هذا أو بعد كل هذا ومع
ما يتناوله النص.
-
نهى
•
مسائل فرعية اجتهادية ـ في غير
مما تختلف فيه الأنظار. وراجع إن شئت مزيدا من
البيان في الفصل الذي عقدناه (لابن حزم والإباضية). (2/109)
صفحة 409
تل النساء والأطفال
يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه السابق ما يلى:
لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال»
«
ومفهوم هذه العبارة أنهم أباحوا قتل الرجال وهذا ليس بصحيح
أن الإباضية كغيرهم من المسلمين لا يستبيحون الدماء البشرية مطلقا إلا إذا كان ذلك بناء على حكم الله تبارك وتعالى وعلى أمره لهم بذلك. إما لإقامة من حدوده. أو لتأمين دعوة الناس إلى الإسلام وتعميم حكمه عليهم وذلك في الجهاد في سبيل الله، أو في رد العدوان الواقع على المسلمين للقهر والتسلط، أو للسلب والنهب أو كان ذلك قياما لإسقاط حكم ظالم غاشم فاسد، وإقامة حكم إسلامي عادل مكانه
.
وفى جميع هذه الأحوال يرى الإباضية أنه يجب أن تكون دماء .. المعجزة البراء - سواء كانوا شيوخا أو مرضى أو نساء أو أطفال أو حتى معتزلين لحركة القتال مصونة امتثالا وعملا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتداء بخلفائه الراشدين عند توجيههم لجيوش الفتح. .
ولا شك أن الأستاذ عبد القادر يقصد بدماء النساء والأطفال،
دماء نساء المسلمين وأطفالهم عندما تثور بينهم حروب أو فتن
•
والإباضية في هذا الباب لا ينتجون إلا دماء المشتركين بالفعل في (2/110)
صفحة 410
111 -
في العدوان والقتل، ولا يجيزون قتل النساء ولا قتل الأطفال ولا قتل العجزة، ولا قتل المسالمين الذين لم يشتركوا في القتال ويمنعون من عند انهزامهم ومن الإجهاز على جرحاهم، ومن أخذ أي شيء من أموالهم ويوصون بالحرص في معرفة من تولى القتل بنفسه حتى ينفذوا فيه القتل فيكون من باب القصاص. - من قتل قتل ولا يكون في
تتبعهم
-
غيرهم ممن اشترك ولم يباشر عملية القتل ومعنى هذا أنه حتى عندما يشترك أحد الناس في قتالهم ويكون مع عدوهم فهم يتجنبون قتله في ميدان المعركة إلا إذا ثبت أنه قتل بالفعل أحدا منهم فإنه حينئذ يقتل في المعركة على صورة القصاص فإذا انتهت المعركة توقف السيف عند الإباضية ولم يجز أن يريق بعد التوقف أى دم •
ولقد يكون من المفيد للقارئ الكريم أن أنقل له في آخر مناقشة هذه النقطة ما يقوله الأمام أبو يعقوب الوارجلاني فقد قال في الدليل والبرهان ص 59 ما يلي:
الفتنة الأولى: وهي التي تقع بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال. وحركاتهم فيها حرام. والقاتل والمقتول في النار. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان
بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)» •
وبعد التدليل على هذا الرأى قال:
الفتنة التي تقع بيننا وبين المخالفين: اعلم أن الفتنة التي
بين المخالفين وأهل الدعوة هي على وجهين: إذا كانوا أصلها والظلم فيها
من أهل الدعوة بدءا فيها مثل التي تكون بين أهل الدعوة بغيهم البين
• (2/111)
صفحة 411
-
112
-
من
وإن كان أصلها والظلم فيها من المخالفين فهذه دون الأولى فإذا وقعت الضرورة فيسع المسلمين أن يذبوا ويدفعوا عن المظلومين وأن يظهروا البينونة بينهم وبين أهل الدعوة • إذا أظهر منهم الفساد مثل ما يظهر أهل الفتن • وينهوهم عن ذلك ما قدروا أو يبينوا أنهم ليسوا بأصحابهم فيها. وإن رجعت من المخالفين ديانة، دفعنا عن أهل دعوتنا ما قدرنا عليه ولا نساعدهم على فساد الأموال بل ننهاهم عن ذلك» • ويقول أبو يعقوب فى نفس الكتاب الجزء الثالث ص
يلي:
وإن حاربناهم وهزمناهم فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم، إلا ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما فى أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائزاً في مذهبهم وما كان في أيديهم من مال بيت مال المسلمين فإنا نأخذه ولا نرده إليهم ونصرفه في وجوهه وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها».
أحسب أن هذا يكفي لإيضاح الموضوع.
7 - قتل المشبهة:
يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد فى كتابه السابق ما يلى:
أباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم وسبى نسائهم وذراريهم بناء على أنهم مرتدون، وأن أبا بكر رضى الله عنه فعل هذا بالمرتدين» •
يبدو لي أن الالتواء في هذا التعبير مقصود من الذين صاغوه وكان ينبغي أن يقال أن الإباضية يرون وجوب قتل المرتدين (2/112)
صفحة 412
113
-
فور
أما الحكم على المشبهة بأنهم مرتدون يحل قتلهم هكذا على الإطلاق كلام ملتو يحتاج الى إيضاح وتصحيح ولإيضاحه وتصحيحه أقول
ما يلي:
المشبهة عند الإباضية على ثلاث أقسام:
1
المجسمة وهم الذين يزعمون أن الله
-
جسم كأجسامهم بطول وعرض ولون وجوارح محددة.
تبارك وتعالى وتنزه -
والإباضية يحكمون على هذا القسم بأنهم مشركون.
2 ـ أشباه المجسمة وهم الذين يزعمون أن الله تبارك وتعالى جسم كالأجسام بطول وعرض إلا أنهم يحترزون بكلمة «ونحن لا نعرف ذلك» وهؤلاء أيضا يحكم عليهم الإباضية بالشرك.
القسم
الثالث وهم أغلبية المسلمين غير الإباضية والزيدية
والمعتزلة الذين يعتقدون تنزيه البارئ جل وعلا عن مشابهة الخلق ولكنهم يثبتون المعاني الحرفية لبعض الكلمات التي وردت في القرآن تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين والساق والمجيء والنزول والأستواء والمسرة والضحك فيمسكون عن تأويلها بالمعنى المناسب ويقولون كما أراد فهم يثبتون معانيها ويفرون من التشبيه بإعلان التنزيه
الله
ويقول الإباضية عن هؤلاء بأنهم مشبهة لأنهم أخطأوا في التأويل ولكنهم لا يحكمون عليهم بأنهم مشركون بل هم جمهرة المسلمين ويرون أن لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على بقية المسلمين إذ أن (م 8 الاباضية جـ 2) (2/113)
صفحة 413
عقيدتهم التنزيه كعقيدة الإباضية وكل ما هنا لك من فرق أن الإباضية أولوا الكلمات الموهمة للتشبيه بما يؤدى المعنى ولا ينافي كمال الله فقالوا عن العين أنها العلم والحفظ وقالوا عن اليد أنها النعمة والقدرة وقالوا عن الاستواء إنه الملك والقهر والغلبة وهكذا في في القرآن ورد جميع أو السنة النبوية الثابتة مما يوهم التشبيه وقد رجع المتأخرون من الأشعرية الى التأويل وتقبلوه وأصبحوا يقولون به
الكريم
والذي أريد أن يكون واضحا لدى القارئ الكريم هو التفريق بين المجسمة بنوعيهم وبين المشبهة فالمجسمة يعتبرهم الإباضية مشركين لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان بسبب تصورهم لإلههم بصورة المخلوق
المحدود
أما المشبهة وهم المخطئون في التأويل على رأى الإباضية فأثبتوا الله تبارك وتعالى ما ورد فى القرآن أو السنة مما يوهم التشبيه اعتقاد التنزيه، واعتماد المخالفه بين الخالق والمخلوق، واعتبار الآية الكريمة (ليس كمثله شيء (محور عقيدة المسلمين - والإباضية لا يحكمون على هؤلاء بالردة ولا بالشرك بل هم إخوتهم فى الإسلام وإن اختلفوا معهم في بعض الأشياء وقد يطلقون عليهم اسم المشبهة في مواطن الجدل والمناقشة لا سيما عندما تتخذ مواقف الجدل بعض صور العنف الكلامي
ولكنهم مع جميع الاعتبارات لا يعتبرونهم مرتدين ولا مشركين ولا يحكمون
عليهم بأحكام هؤلاء.
هذا من
يتضح لك أيها القارئ الكريم أن عبارة الأستاذ عبد القادر
فيها شيء من الغموض والإبهام إن كان يريد بالمشبهة من يسميهم الإباضية
المجسمة فكلامه صحيح الى
حد ما
أما إذا كان يقصد بهم من يطلق (2/114)
صفحة 414
110
-
عليهم الإباضية اسم المشبهة فكلامه غير صحيح البتة وقد علمت ما عند الإباضية ثم إن الإباضية يعدون من أهم مسائل الخلاف بين الإباضية من جهة وبين الزيدية أو البكار من جهة ثانية وإن الزيدية وكذلك النكار يحكمون بشرك المشبهين بالتأويل. ويكفى هذا ردا على الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد •
خلاصة آراء الإباضية
في هذا الفصل أحب أن أعرض على القارئ الكريم نماذج من أساليب الكتاب المعاصرين والمستشرقين في عرض آراء الإباضية، وبيان مقالاتهم، ليرى المقاييس التي يستعملونها في تقدير الخطأ والصواب والحق والباطل في عقائد الأفراد والجماعات، وليتبين له مدى الجهد الذي بذله كل واحد منهم في دراسة موضوع هام كهذا الموضوع.
يجمل الأستاذ أبو زهرة آراء الإباضية فيما يلى:
1 – «إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا. ويقولون عنهم إنهم كفار نعمة، لا كفار في الاعتقاد، وذلك لأنهم لم يكفروا بالله ولكنهم قصروا في جنب الله تعالى» •
دماء مخالفيهم حرام، و دارهم دار توحيد وإسلام، إلا معسكر السلطان ولكنهم لا يعلنون هذا، فهم يسرون في أنفسهم أن دار مخالفيهم
ودماءهم حرام.
لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا الخيل والسلاح
-
وكل ما فيه من قوة فى الحروب، ويردون الذهب والفضة. (2/115)
صفحة 415
ـ «تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم».
ويلخصها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد فيما يلى:
-
1
يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إلا معسكر
السلطان فإن دار بغى عندهم.
اختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال
-
فقالت طائفة منهم هو
براءة من الشرك والإيمان جميعا، لقوله تعالى: (مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء) وقالت طائفة منهم في إن النفاق قاصر على من سماهم الله عز وجل به عند نزول القرآن فلا نزيل اسم النفاق من موضعه، ولا نسمي به غير من سمى الله عز وجل • وقالت طائفة المنافقون أهل توحيد، ولكنهم أصحاب كبائر لا يدخلون في الشرك وإن سميناهم كفارا،
منهم
ـ ومن مذهبهم أن من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم
فإن تاب وإلا قتل
•
4 - لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال
-
استتيب
أباحوا قتل المشبهة، واتباع مدبرهم وسبى نسائهم وذراريهم
بناء على أنهم مرتدون وأن أبا بكر رضى الله عه فعل هذا بالمرتدين» • ويلخصها الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي فيما يلى:
1
«التنزيه المطلق الله تعالى، ويوجبون تأويل المتشابه بما يليق بجلال الله تعالى كاليد تؤول بالقوة وتارة بالنعمة، فمذهبهم مذهب الخلف في المحكم والمتشابه. (2/116)
صفحة 416
117 -
لا
يرون رؤية الله تعالى فى الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من كمال
الله تعالى، لأن الرؤية تستدعى مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلون بالآية الشريفة: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير). وما جاء في السنة لا يعارض القرآن الكريم لأنه خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، والظن لا يصح دلياز على العقائد، ويفسرون الحجب في الآية الكريمة) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)
بأنه غير الرؤية.
بذاته
- يرون أن صفات الله تعالى ذاتية ليست قائمة بمعان قائمة
-
4
لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامي، كإنكار ما علم من الدين بالضرورة، كأن ينكر إنسان صفة من صفات الله تعالى أو نبيا من الأنبياء، أو حرفا من القرآن الكريم
ه ـ يرون أن القراءات السبع متواترة.
يعرفون المذهب الاجتهادى بقولهم: المذهب ما استبان به لكل فرقة عن الأخرى فى الفروع التى لا تأثيم فيها، فحرية الرأى وحرية المذهب مكفولة، وأن الخلافة لا تكون إلا من أهل الحل والعقد
- إن مرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركا، وأن أهل الجنة خالدون فيها، وأهل النار خالدون كذلك فهم يخالفوننا في عقيدتنا: وهو أن العاصى من المؤمنين يدخل النار حتى يطهر من معصيته، لأن المعاصي
رجس والجنة طاهرة فلا يدخلها إلا الطاهرون. (2/117)
صفحة 417
- 11^-
يخالفوننا في بعض فروع الفقه: مثل رفع اليدين عند التكبيرات في الصلاة ومثل وجوب سجدة التلاوة حين سماع الآية وغير ذلك من
المسائل التي لم تكن وضع اجماع.
ويذكر المستشرق جواد تسيهر منها ما يلي:
1 - (القرآن مخلوق».
2 - ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
الصراط).
تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلا مجازيا (الميزان،
4 ـ كل تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش يجب تأويله
تأويلا مجازياً.
ويضيف إليها المستشرق نليني ما يلي:
-
الله لا يغفر الكبائر ارتكبيها إلا إذا تابوا قبل الموت
عذاب النار أبدى حتى لمرتكب الذنب من المسلمين، وهو إذا
مات دون أن يتوب لا تنفع له شفاعة الملائكة والرسل والأولياء.
- صفات الله ليست زائدة على ذات الله ولكنها عين ذاته
- يقول الإباضية في شمال إفريقيا بالحرية المحدودة في صورة
الكسب) أو الاكتساب عند الأشاعرة. (2/118)
صفحة 418
119
إذا رجعنا الى إجراء مقارنة بين ما استخلصه الكتاب الخمسة السابقون نجدهم يصدرون من اتجاهين:
الاتجاه الأول: وهو الاعتماد والأخذ. بدون نقد أو تحقيق ـ من
-
-
مصادر قديمة ليست معبرة تعبيراً ذاتياً عن الإباضية، ولا صادرة عمن يعبر عنهم – أو بتعبير أدق - يصح له أن يعبر عنهم، وهذا الاتجاه عرضة للوقوع في الأخطاء ولو بدون قصد، حسن النية، ومع
وقد اختار الأستاذ أبو زهرة، وعبد القادر شيبة الحمد، أن يصدرا هذا الاتجاه، فكان فيما كتباه بعض الخطأ، وبعض عدم الدقة في التعبير، وشيء من الإبهام والإيهام.
من
ولا شك أنهما يريان أنهما غير مسئولين عن ذلك ما دام مأخوذاً من مصادر موجودة متداولة، تحظى بثقة الكثيرين، ولها حرمة وتقدير في أوساط البحث العلمى، ولكنني أرى أن أقل ما يمكن أن ينسب الى مسلكهما أنه تهرب من المسئولية التى تضعها ثقة الأمة في أعناقهما أو هو محاولة للتخلص من المسئولية وإلقاء ثقلها على الغير، وهما يعالجان اليوم موضوعا ترجى منهما جميع الأطراف أن يضعا له صورة صحيحة وسليمة ومتفقة مع الحقيقة والمواقع • متجاوزين تلك الرواسب التي تركتها ظروف لم يبق لها اعتبار • فلم ينهضا بما ينبغى لهما وألقيا وزره على أقلام سكنت منذ ألف سنة
الاتجاه الثاني: الرجوع الى مصادر الإباضية أنفسهم لأخذ آرائهم منها. وتلك المصادر هي التعبير الذاتي للإباضية عن آرائهم أو عن له أن يعبر عنهم لأنه يعتقد نفس
بعض آرائهم أو
اعتقادهم.
هي صادرة عمن يصح (2/119)
صفحة 419
120 -
وهذا الاتجاه كفيل بأن تكون الأحكام الصادرة منه صحيحة أو أقرب إلى الصحة، ولا يمكن أن تتسرب إليه الأخطاء إلا من عدم الفهم، أو من اللجوء إلى بعض الأقوال المتطرفة التي هي تعبير عن رأى فرد وليست تعبيرا عن رأى المذهب المقصود - والتطرف انفردي موجود عند أتباع كل مذهب. وهذا التسرب للأخطاء بعيد الاحتمال جدا
-
وقد اختار الأستاذ إبراهيم عبد الباقى أن يصدر من هذا الاتجاه كما اختار نفس المسلك كل من المستشرقين تسيهر ونلينو وكان ما كتبوه ثلاثتهم (1) ـ عن بعض الأصول أو الآراء ونسبوه إلى الإباضية، هو حقا مما يقول به الإباضية. والتعبير عنها في الغالب هو تعبيرهم، وفيما عبر عنه هؤلاء الكتاب الثلاثة بأساليبهم الخاصة كان تعبيرهم فيها واضحا لا التواء فيه يؤدى المعنى المقصود أو الصورة المعروضة.
وإذا رجعنا إلى تلك الملخصات ومقارنتها نجد اللقاء يكاد يكون کاملا بين من يصدر من الاتجاه الأول، وكذلك يكاد يكون اللقاء كاملا بين من يصدر من الاتجاه الثاني
وفى نفس الوقت نجد البعد شاسعا بين الفريقين الأول والثاني حتى كأن كل فريق منهما يكتب عن فرقة غير الفرقة التي يكتب عنها الآخر وبقليل من التأمل نجد أن الفريق الأول عالج مجموعة من مشاكل الحياة السياسية التي يهتم بها الحكام فى تلك العهود عندما كثر عليهم النقد. وأن فى تلك الآراء ما تنسبه السياسة الماكرة - قصدا ـ إلى بعض الناس
(1) يقتصر حكمنا على ما ناقشناه في الفصول السابقة (2/120)
صفحة 420
121 -
والالتقاء
أو الطوائف حتى تخفف من حدتهم، وتقلل من اتصال الناس بهم، معهم، والتفهم لدعواتهم وبنظرة بسيطة إلى ما ذكره الأستاذان أبو زهرة وشيبة الحمد نجد أن تلك المواضيع كلها تتعلق بالتعامل والسلوك إما مع الدول القائمة أو مع طوائف الأمة. أنظر إليها أن شئت من جديد فهي:
حكم المخالفين من المسلمين، دماء المخالفين، دار المخالفين، معسكر السلطان، غنائم أموال المسلمين المخالفين، شهادة المخالفين، مناكحة المخالفين، التوارث مع المخالفين، على من يطلق النفاق، الحكم على الزاني والسارق، قتل النساء والأطفال، قتل المشبهة. إذا تأملت هذه المواضيع التي يراها أبو زهرة وشيبة الحمد ملخصا لرأى الإباضية تجدها جميعا تتعلق بنواحى للتعامل مع دولة مخالفة أو طوائف مخالفة وهى آراء نسبتها مصادر موجهة الإباضية فى عهود الاضطراب السياسي.
•
ويكفى هذا فيما أحسب للدلالة على أن من يكتب عن فرقة معتمدا
على مصادر غيرها يكون بعيدا عن الحقيقة، لا يسلم من التجنى، أو هو في الحقيقة واقع في الخطأ من أول خطوة وأن ما يجئ على لسانه أو قلمه من الصواب فيها فهو بمحض الصدفة •
وإذا رجعنا إلى ما كتبه الفريق الثانى فبقليل من التأمل نجد أن ما عالجه هذا الفريق في صميم موضوع مسائل التوحيد وعلم الكلام بعيدة كل البعد عن القضايا السياسية التي جرى وراءها كتاب المقالات الأقدمون فأخرجتهم عن صميم موضوعهم إلى موضوع جانبي تريد السياسة أن تدعم به وجودها وتحكمها فساروا في مخططها بدون وعي الى آخر الشوط الذي تريده
غالبا
- (2/121)
صفحة 421
-
122 -
وبنظرة بسيطة الى المواضع التي سقناها لهؤلاء الكتاب يتضح للقارئ الكريم الاتجاه الصحيح تماما فأعد النظر إن شئت فيما يأتي:
التنزيه المطلق للبارى جل وطلا، استحالة الرؤية في الآخرة، صفات الله ذاتية، لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، القراءات السبعة متواترة، معنى المذهب الاجتهادى، مرتكب الكبيرة ليست مشركا، القرآن مخلوق، تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى (معنى الميزان والصراط) تأويل المتشابه، لا تغفر الكبائر التوبة: القدر.
هذه القضايا التي لخصها الفريق الثاني من مقالات الإباضية وذكروا فيها وجهة نظرهم في مستقاه من كتبهم بإجمالي أحيانا وبتفضيل قليل
أحيانا أخرى
-
ولو
ولا شك أن القارئ يدرك الآن الفرق بين الكتاب الموجهين بدون علم ــ الذين يساقون الى بحث مشاكل مفتعلة، وإعطاء أحكام عن
—
آراء معينة فيها جوانب مقصودة، ثم نسبتها الى جهات محددة خدمة لأغراض سياسية خاصة. وبين الكتاب الذي ينتهجون المنهج السليم في البحث العلمى لمعرفة الحقائق الثانية
بقى على أن أشير - في نهاية هذا الفصل - الى أن بعض الكتاب هذا ملخص آراء الإباضية، وهذه
يدعون الإحاطة فيقولون مثلا
-
لعمرى دعوى عريضة جدا لا يستطيع كاتب أن يقوم بها بحث في ملخص من كتاب أو عدد من النقاط المحدودة. ذلك لأن من يزعم الإحاطة ينبغى له أن يكون قد استقصى جميع المشاكل التي أثيرت في مختلف العصور (2/122)
صفحة 422
ثم يعرف فيها موقف الفرقة التي يدعى إحاطتة بمقالاتها ـــ واحدة واحدة
-
وهذا جهد ليس بالسهل ولا اليسير ولذلك فمما يرد على أي كاتب من كتاب مقالات الفرق أن يزعم أنه يلخص آراء فرقة في عدد محدود من النقاط أما إذا زعم أنه يعرض آراء الفرقة في قضايا معينة محدودة فذلك مستساغ ولا ينظر فيه إلا من جانب التوفيق في معرفة الحقيقة أو غلبه الخطأ عليه (2/123)
صفحة 423
[صفحة فارغة] (2/124)
صفحة 424
الباب الخامس
مفاهيم يجب أن تختفى
مفاهيم يجب أن تختفى
أهل السنة وأهل البدعة
مفاهيم يجب أن تختفى
مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية
مفاهيم يجب أن تختفى
الجدل في اللوازم وليس في أصول العقائد
مفاهيم يجب أن تختفى
في الإجماع
مفاهيم يجب أن تختفى
الفرق بين الفتنة والخروج
مفاهيم يجب أن تختفى
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية
مفاهيم يجب أن تختفى
مقارنة (2/125)
صفحة 425
-
القسم الخامس
مفاهيم يجب أن تختفى
أثناء مناقشتى لبعض المواضيع كانت تعن لى آراء خاصة يشق على إهمالها، وأخشى أن يثقل على القارئ الكريم الاستطراد إليها، رغم أننى لم أتجنب الاستطراد فى كثير من الأحيان حين أعتقد أنه يساعد على إيضاح ما أعرضه من صور. بل لا أتحاشى التكرار لنفس السبب
وقد رأيت أن أجمع أهم تلك الآراء تحت عنوان عام هو «مفاهيم يجب أن تختفى» ثم أعرضها في الفصول الآتية موضوعا موضوعا كما
يلى:
أهل السنة وأهل البدعة.
مكان الإباضية.
الجدل في اللوازم وليس في الحقائق
في الإجماع.
الفتنة. الفرق بين نة والخروج.
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية.
مقارنة بين شخصين (2/126)
صفحة 426
- 127
-
مفاهيم يجب أن تختفى
سبق الى أذهان الناس
-
ما يقوله كل أصحاب مذهب عن بسبب
أنفسهم بأنهم أصحاب الحق، وأهل العدل، وأهل الصواب. وأهل السنة، وأهل الاستقامة، وبما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل الزيغ وأهل الضلال وأهل البدعة، وأهل الأهواء ـ بأنهم فعلا أهل الحق
-
وبأنهم في الجنة وبأن غيرهم فعلا أهل الباطل وأنهم في النار
،
هذه المفاهيم المبنية على أنانية مذهبية يجب أن تختفى وأن يقوم بدلها مفهوم هو أنه ليس هناك فى الإسلام إلا أمة واحدة هي الأمة الإسلامية التي وعدها الله تبارك وتعالى بكل خير • وليس فيها مجموعات أو طوائف أو فرق تدفع هكذا بوصفها الجماعي الى الهاوية. وإنما فيها أفراد يشذون عن الأمة بانتهاك حرم الإسلام ومن شذ بالانتهاك المتعمد شذ الى النار فالأوصاف الحميدة يجب أن تطلق على الأمة الإسلامية جمعاء والأوصاف الذميمة من الزيغ والضلال والابتداع واتباع الهوى فهى أوصاف لا تطلق إلا على من يستحقها من الأفراد بسبب الانتهاك. وإن شئت مزيدا من الإيضاح فاقرأ المقال الآتى:
أهل السنة وأهل البدعة
اعتاد أتباع كل مذهب أن يطلقوا على أنفسهم أحب الأسماء ــ كأهل السنة، أهل الاستقامة، أهل العدل، أهل الحق، -. وأن يطلقوا على مخالفيهم أقبح الأسماء - كأهل البدع، أهل الأهواء، أهل الضلال، أهل الزيغ ـ وكان الكثير منهم يفتحون أبواب الجنة على مصاريعها (2/127)
صفحة 427
- 128 -
لاتباعهم. ويقفلونها بإحكام أمام أنظار الآخرين، ويبلغ بهم التطرف الى أن يقدموا فساق مذاهبهم على صلحاء غيرهم. ومن الأمثلة القريبة لذلك أن فقهاء الأشاعرة يقولون بأن المسلم المعاصى لا يخلد في النار وإن دخلها، ولكن بعضهم يستثنى المعتزلة من هذه القاعدة فيرميهم جميعا في النار
بصلحائهم وفساقهم ثم يحكم عليهم بالخلود فيها رغم أنهم مسلمون.
•
الفرق الإسلامية كلها - في دعواها - ترجع الى أصلين ثابتين هما: الكتاب والسنة. وكل فرقة تزعم وتصر أنها هي التي تعمل بالكتاب، وتحافظ على السنة، وأن غيرها ليس كذلك. وعلى هذا الأساس قام ناس فاحتكروا لأنفسهم اسم (أهل السنة (1) وناس (أهل الاستقامة) وناس (أهل الحق) الخ وأطلقوا على غيرهم عند التعميم كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء أو غيرها من كلمات التضليل ثم انقسمت كل طائفة منهم على مذاهب كما قسموا أهل البدع - في نظرهم على مذاهب، ثم الصقوا بكل
طائفة أو فرقة أحكاما خاصة بها أو نشترك فيها مع غيرها. فأصبح
كل
مذهب من مذاهب المسلمين إذا نظرت إليه من زاوية أتباعه هو مذهب السنة ومذهب الحق ومذهب الاستقامة ومذهب العدل ومذهب الصواب وإذا نظرت إليه من زاوية مخالفيه فهو مذهب الأهواء ومذهب البدعة ومذهب الزيغ ومذهب الضلال، وينشأ الناشيء المسلم في أكناف أحدها فتعتاد أذنه على سماع هذه الأوصاف والنعوت ويتلقاها وينشربها في غير كلفة حتى تصبح عقيدة غير خاضعة للنقاش أو المراجعة.
(1) قال الأستاذ مصطفى الشكعة: ان تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متاخرة يرجع تاريخها الى حوالى القرن السابع الهجرى الى
بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون
• (2/128)
صفحة 428
129
الأشاعرة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
الماثوريدية يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
المعتزلة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
الإباضية يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
عليها.
الشيعة بفرقهم المختلفة يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
الخوارج يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
المظاهرية يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون عليها
فجميع فرق المسلمين يزعمون أنهم يعملون بالسنة ويحافظون
ونظرا لهذه الحقيقة فإن جميع المذاهب الإسلامية داخلة تحت اسم (أهل السنة) فلا معنى لأن نقصر هذه التسمية على فرق محددة أو تحتكرها لنفسها مذاهب خاصة.
إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم الى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هم من أهل السنة من أية فرقة كانوا، ولأى مذهب
اتبعوا.
وقد كانت العصبيات المذهبية. وأصابع السياسة، وبعد بعض المسلمين عن بعض. وجهل أهل كل مذهب بما عليه الآخرون – حواجز تحول دون تعرف المسلمين بعضهم ببعض.
(م 1 - الاباضية جـ 2) (2/129)
صفحة 429
-
130
أما الآن
-
وقد اختلط المسلمون بعضهم ببعض وعرف الكثير منهم
الكثير عن الآخرين – فإنه ينبغى أن تختفى بعض المصطلحات أو بعض
المفاهيم، وتنشأ بدلا منها مفاهيم أو مصطلحات أخرى تكون أقرب الى توحيد جميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم. فلا معنى أبداً أن يأتى إنسان يسهل عليه تماما أن يستخف بأحكام الله خيركب ما نهاه عنه ويهمل ما أوجبه عليه ثم يزعم – في تبجح ظاهر – أنه سنى أو من أهل السنة. فإذا قابله إنسان آخر لا يتفق معه في المذهب رماه بأنه مبتدع رغم الصلاح والتقوى. والحقيقة عكس ما يقول.
—
•
لقد آن الأوان لأن تطلق كلمة أهل السنة على أهل الصلاح من كل فرقة. وكلمة السنة على كل فرد متمسك بالإسلام محافظ عليه حسب الأصول التي يرتكز عليها المذهب الذى ينتمى إليه. وأن تطلق كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء على كل مجموعة من الناس غير ملتزمة للإسلام سلوكا. وكلمة المبتدع أو صاحب البدعة على كل متهاون بأحكام الإسلام حسب المذهب الذي ينتمي إليه.
لقد انقرض أتباع كثير من المذاهب الإسلامية كالظاهرية والمعتزلة والخوارج ولم يبق فيما أعلم إلا الماتريدية وهم أتباع أبي حنيفة والإباضية وهم أتباع جابر بن زيد والأشاعرة وهم أتباع مالك والشافعى والأثرية وهم أتباع أحمد في القديم وابن تيمية في الحديث وفرق من الشيعة تجمعها كلمة الشيعة وتفترق بأسماء خاصة كالزيدية والجعفرية
وغيرها.
وأتباع هذه المذاهب كلها يؤكدون أنهم في دينهم يرجعون إلى أصلين هما الكتاب والسنة فهم - جميعا - بهذا الاعتبار من أهل السنة (2/130)
صفحة 430
131
-
أو سنيون • أعنى أن الصلحاء من جميع هذه المذاهب سنيون وأن هذه المذاهب مبتدعة وأهل أهواء. فالحنفي والإباضي
الفساق من جميع والمالكي والشافعي والحنبلى والجعفرى والزيدي مثلا – إذا تمسك
-
بالإسلام حسب مذهبه فهو سنى وإذا تهاون به في واجب من واجباته عملا أو تركا، قولا أو عقيدة، فهو مبتدع.
يعني أن المبدعة هى الانحراف عن الدين، والسنة هي الاستمساك على ما عرفه أى مسلم بدراسته للإسلام.
-
قد درس
به
ومن التحكم المخالف للمنطق والعقل وطبيعة الحياة أن نأتي إلى رجل من الزيدية مثلا الإسلام على مذهبه، وحافظ عليه محافظة المؤمن التقى الذى يخشى الله بالغيب فنقول له أنت مبتدع ولا يمكن أن تكون من أهل السنة إلا إذا درست مذهب ابن حنبل وعرفت الإسلام على طريقه، وأعلنت أنك من أتباعه. ثم نأتى إلى رجل قد غلب عليه شح نفسه واستعبدته أهواؤه، فترك بعض ما فرض عليه الإسلام وارتكب بعض ما نهاه عنه فنقول له أنت من أهل السنة لأنك تتبع مذهب أحمد أو مذهب محمد.
أهل السنة
هم
الأتقياء الصالحون من أى مذهب كانوا والمبتدعة
وأهل الأهواء هم الفسقة الفجرة ولو لبسوا جبة جابر وطيلسان مالك وعمامة أحمد واتخذوا لمظهرهم سمت زيد وجعفر لقد آن لتلك
المفاهيم - التي أملاها التطرف في التعصبات أن تختفى
•
و آن للمؤسسات العلمية الإسلامية أن تغير مناهجها ودراساتها (2/131)
صفحة 431
-
132
--
و آن لمن يهتم بالإسلام والمسلمين فى هذا العصر أن ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الإسلام.
لقد عاش الأزهر الشريف عهدا طويلا محتكرا لأربعة مذاهب وعاش معهد الزيتونة قرونا عديدة محتكرا لمذهبين أو كذلك عاشت كثير من المعاهد والمؤسسات العلمية في مختلف البلاد الإسلامية محتكرة لمذهب أو مذاهب محددة، وكانت تلك المعاهد كلها تنسب إلى نفسها أنها حاملة الشريعة وحامية السنة وترمى غيرها بالابتداع واتباع الهوى والواقع أنها هي نفسها كانت مبتدعة على أقل تقدير في رميها لغيرها
بالابتداع.
ورغم تقدم العصر، واتساع أفق الفكر، وقيام جامعات وكليات بدل المعاهد، وامتزاج العالم اليوم لتيسر وسائل الاتصال ودخول الآراء الفلسفية الغربية - بل بعض النظريات الهدامة إلى المؤسسات
-
العلمية الإسلامية إلا أن تلك المؤسسات قديمها وحديثها لا تزال تحتفظ بخاصية الإحتكار المذهبي، ولا تزال تخشى أن تذهب عنها نعرتها المذهبية فهى تحرص أن تقرر مذهبا معينا هو المذهب الذي يكون عليه حكام الدولة، فإن اتسع أفقها قليلا عمدت إلى ما تسميه الدراسات المقارنة فأوزعت إلى بعض الدكاترة بإجراء مقارنات سطحية تظهر. صحة مذهب الدولة وقوة براهينه وضعف غيره. ومن هذه القيود والملاحظات فإن المذاهب التي يسمح لها أن تدخل رحاب المؤسسات العلمية حتى على سبيل المقارنة هي محدودة معدودة محظوظة.
للطلاب
-
في الغالب
مذاهب
ومن المؤسف أن بعض المؤسسات العلمية فى بلاد عربية جنحت إلى (2/132)
صفحة 432
-
العلمانية بالنسبة للديانات بينما تبقى المؤسسات الأخرى محتكرة لمذهبية متعصبة ممقوتة ويضيع المسلمون بين جانبي الإفراط والتفريط
لقد كان المسلمون في صدر الإسلام وليس فيهم سنيون على الجملة ومبتدعة أو أهل أهواء على الجملة وإنما كانوا على قسمين كبيرين مؤمنون ومنافقون فكل من وفى بما عاهد الله عليه والفرم شريعة الإسلام سلوكا وعقيدة وقولا فهو داخل مع المؤمنين وكل من انحرف عن الإسلام عقيدة وقولا أو عملا فهو داخل في المنافقين مادام يقر بكلمة الشهادة ولم يرتد عن الإسلام.
وهكذا ينبغي للمسلمين اليوم • يجب أن تختفى المفاهيم السابقة
.
التي تدخل مذاهب كاملة في الجنة وتحرم منها أتباع مذاهب أخرى ينبغي أن يطلق أهل السنة على جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم ماداموا يعترفون بأن السنة هي المصدر الثاني للتشريع ولا تطلق كلمة المبتدع وصاحب الهوى إلا على الفاسق الذى غلبه هواه من أي مذهب
كان.
وعلى المؤسسات العلمية اليوم أن تحمل هذا المبدأ لتعود بالمسلمين إلى منهج الإسلام لا كرامة إلا لتقى ولا عدوان إلا على شقى ولا متبوع إلا المعصوم ولا قدوة إلا بالعمل الصالح والأفضل من ذلك أن تلغى هذه التسميات كلها لا سنية ولا مبتدعة ولا شيعة ولا خوارج ولا مالكية ولا إباضية وإنما هم مسلمون يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح وكم يكون رائعا حين يقف المدرس والواعظ والمحاضر فلا يحتج إلا بقول الله أو قول رسوله فإذا احتاج إلى كلام الناس استشهد (2/133)
صفحة 433
-
134
-
بكلام عالم من العلماء مقتصرا على ذكر اسمه وامتنع كل الامتناع أن يجرى على لسانه اسم المذهب أو الفرقة أو الطائفة فانمحت من المجتمعات الإسلامية الألقاب المطلقة على مجموعات الفرق كالشيعة والسنة والخوارج والمعتزلة واختفت منه أسماء الفرق فلم يبق ذكر للحنفية أو المالكية أو الإباضية أو الزيدية أو الظاهرية أو غيرها وإنما كل ما يبقى أسماء علماء ضمن كشف طويل يشتمل على من خدم الشريعة الإسلامية منذ البعثة إلى قيام الساعة. أما الأمة الاسلامية فهى تتكون من جميع من نطق بكلمة الشهادة وإليها يتجه النداء القرآني الكريم (يا أيها الذين آمنوا) وتكون مجتمعا واحدا لا انشقاق فيه فإذا شذ فرد فارتكب معصية لاحقه المجتمع بالموعظة أو بالحكم الذي أنزله الله حتى يتوب فيعود إلى مكانه أو يهلك على إصراره فيتولى الله تبارك وتعالى حسابه.
مفاهيم يجب أن تختفى
سبق إلى أذهان كثير في الناس بسبب أخطاء المؤرخين وكتاب أن الإباضية فرقة من الخوارج وأنها في عقائدها وآرائها
المقالات
-
معتدلة بالقياس إلى الخوارج ومتطرفة بالقياس إلى أهل السنة
وهذا مفهوم خاطئ ويجب أن يختفى فالإباضية ليسوا من الخوارج وإنما نشأوا عندما تمادى الخوارج لمجابهة الخوارج وليسوا متطرفين بالنسبة إلى أهل السنة لا فى السياسة ولا في العقائد ولا في الفقه وإنما يتفقون مع كل مذهب في مواضيع اعتداله
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ المقال الآتى: (2/134)
صفحة 434
-
مكان الإباضية
بين المذاهب الإسلامية
نشأ المذهب الإباضى فى فترة متقدمة بالنسبة إلى غيره من المذاهب الإسلامية. هذا من حيث التاريخ. أما الطريقة التي نشأ بها فهى لا تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقية المذاهب، إمام من أئمة المسلمين (وبالنسبة إلى الإباضية هو أحد كبار التابعين) يجتمع عليه عدد من طلاب العلم. يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثم يتفرقون بعد التحصيل في البلاد، فيقف المتفوقون منهم موقف أستاذه. يتخذ نفس أسلوبه في السلوك والتدريس وينقل عنه لطلابه روايته ورأيه تنتقل العملية الأجيال وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار لآراء. تكتسب مع مضى الزمن شيئا من الاحترام يبلغ درجة التقديس أحيانا وتزاد هذه الصورة وتكبر مع الأيام.
ثم
هذه الصورة هى الصورة التقريبية التي نشأت عنها جميع المذاهب وإن اختلفت أزمنة الأئمة فمنهم من كان من الرعيل الأول من التابعين ومنهم من كان في الدرجة الثالثة ومنهم من كان أبعد من ذلك بكثير كابن تيمية وكمحمد بن عبد الوهاب.
وبالنسبة إلى الإباضية فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب والأذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتادة، وأيوب، وابن دينار، وحيان الأعرج، وأبى المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه، كأبي (2/135)
صفحة 435
-
136 -
عبيدة مسلم، وضمام، وأبى نوح الدهان، والربيع بن حبيب. بن إباض ومن هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل
وعبد
سيود
الله
وبعد التحصيل بالشئون العامة ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها مع حكام الدولة الأموية في ميدان الكلمة استعمال دون السيف كعبد الله بن إباض (1) ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام كأبي عبيدة وأبى نوح صالح الدهان وقام بنفس الدور وتخصص فيه ولما كانت هذه الحركة فى عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت بوفها مسلطة على جميع الأئمة والعلماء خوفا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها، أو يدعوا الناس إلى الخروج عنها، وكان جابر في مجالسه كزملائه الحسن وسعيد وغيرهم من كبار التابعين غير راضين عن الوضع وكثيرا ما يتناولونه بالنقد • فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة. وتضيق عليهم الخناق، وتحاول بكل وسيلة لا تسمح لنقدهم أن يتسرب إلى الناس وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج وكانت تهمة الخارجية - تشبه ما يسمى اليوم بالعمالة أو بالخيانة - عملية ليس لها ضوابط توجه بسهولة إلى كل من يراد التخلص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه وتستغل عند اللزوم. ولذلك فلم
يسلم منها الإمام جابر بن زيد كما لم يسلم منها الإمام مالك
بن
(1) كثير من المؤرخين واصحاب المقالات يحسبون أن عبد الله خرج في أيام مروان ابن محمد وأنه قتل في معركة ثبالة وهو خطأ تاريخي لأن عبد الله ابن اباض الذي تنسب اليه الاباضية توفى توفى في أواخر أيام عبد الملك أكبر من جابر في السن وتابع له فى المذهب والرأى ونسب المذهب اليه لانه كان أكثر ظهورا في الميدان السياسي عند الدولة الأموية والتسمية منها
وهو (2/136)
صفحة 436
137 -
-
أنس (1) وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنهم تحت المراقبة وأن تبرير أي موقف عنف يتخذ معهم من السلطات هو موجود في أذهان الناس ولا يحتاج إلا إلى تأكيد عملى من أجهزة الحكم
ما يلي:
(2) جاء فى الكامل لأبي العباس المبرد الجزء الثاني صفحة 159
•
يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى راى الخوارج وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحاج بن يوسف براه، وكان صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق يراه، وكان عدة من الفقهاء ينسبون اليه، منهم عكرمة مولى ابن عباس وكان يقال ذلك في مالك بن أنس المدينى، كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا الا على الثريد الاعفر، فأما أبو سعيد الحسن البصرى فانه كان ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم». وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الجزء الخامس صفحة 76 ما يلي:
ومن المشهورين براى الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: انهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، عكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا الا على الثريد الأعفر».
ويقول في نفس المصدر بعد أسطر ما يلي:
وممن ينسب الى هذا الرأى من السلف جابر بن زيد، وعمرو بن
دينار ومجاهد».
راجع ان شئت كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب الأغاني لأبي الفرج
وغيرهما (2/137)
صفحة 437
-
138
-
فإذا تركنا هذا الجانب خارجا عن البحث واتجهنا إلى الجانب الفكري والسلوكي فإننا سوف نجد المذهب الإباضي مذهبا إسلاميا نشأ كما نشأ غيره من المذاهب الإسلامية بأئمته وعلمائه طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم وقد بدأ جهوده العملية في خدمة الثقافة بالاتجاه الذي اختاره قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى ودونت له مؤلفات في الحديث والفقة قبل أن تبدأ بعض المذاهب التي وجدت لها مكانا فسيحا في الدراسة على المنهج الذي صارت عليه ل وفى النقاط الآتية أستطيع أن أضع جملة من الخطوط العريضة التي يمكن أن يحدد القارئ الكريم بعد دراستها والتحقق منها موضع الإباضية بين المذاهب الإسلامية.
1
- يرى الإباضية أن المصدر الأساسى للدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه إنما هو القرآن الكريم وأن من
أنكر شيئا منه: سورة أو آية أو حرفا فهو مشرك أو مرتد
-
أضعف هو
ويرى أن المصدر الثاني للدين الإسلامي إنما هو السنة الصحيحة وهي على درجات المتواتر منها قطعى الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل ومنكره كالمنكر للقرآن والمشهور من السنة أو المستفيض من المتواتر وأقوى من الأحاديث وهو يوجب العمل واختلفوا هل حجته قطعية أم ظنية على قولين. والأحادى من السنة ظني الدلالة يوجب العمل والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه العمل. يوجب إذا كان لصاحبي أو تابعي
3 ـ ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع إذا استوفى الشروط (2/138)
صفحة 438
أنه ويرون
المعروفة عند الأصوليين والخروج منه فسق وحجيته قطعية وقع إجماع بقسميه القولى والسكونى وأنه من الممكن أن يقع في كل عصر وينقل إلى الناس بالشروط المعتبرة.
—
4
ويرون أن المصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة
في كتب الأصول.
-
O
ويرون أن المصدر الخامس هو الاستدلال بأنواعه المختلفة
ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتماما خاصا وربما يكون الإباضية – بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة - في الدرجة الثانية بعد المالكية
(ب) العقائد:
يرى الإباضية أن الإنسان لا يكون مسلما إلا إذا أقر بالجمل الثلاث فشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله وما تدل عليه هذه الجمل الثلاث من
التفصيلات
-
1
وأساس عقيدتهم في الخالق تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق فلا يشبه شيئا من الخلق ولا يشبهه شيء من الخلق وما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة مما يوهم التشبيه فإنه يؤول بما يفيد المعنى ولا يؤدى إلى التشبيه ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى يوهم التشبيه ويثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه
بما (2/139)
صفحة 439
- 1? -
القدر:
يقولون إن الإيمان لا يتم حتى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشره أنه من الله تبارك وتعالى وأن أفعال الإنسان خلق من الله واكتساب من الإنسان ويبتعدون عن رأى المجبرة كما يبتعدون عن رأى من يقول بأن الإنسان يخلق أفعاله
– مرتكب الكبيرة:
يرون
في مرتكب الكبيرة رأى الحسن البصرى وجابر بن زيد وغيرهما لا يحكمون عليه بالشرك كما يقال عن الخوارج وإنما يقولون هو منافق ولا يمكن لمرتكب الكبيرة فى حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنة إذا لم يتب ولعل أعنف الخصومات إنما قامت بين الإباضية والخوارج في هذا الموضوع منذ أثارها نافع بن الأزرق حسبما تقوله مصادر التاريخ.
(ج) الفقه:
مكان الإباضية في هذا الباب ربما كان فى الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفية من جهة أخرى ورغم أن المذهب الإباضي نشأ في العراق إلا أنه لم يذهب مع الرازي إلى المذهب الذى بلغه الحنفية والمعتزلة ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن يعرف القارئ الكريم أن الفقة الإباضي يعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر والمشهور أو المستفيض وعلى الأحادي وعلى مرسل الصحابة والتابعين وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث ولو كان أحاديا أو مرسلا للطبقة السابقة ولا يرد الحديث الأحادى إلا إذا صادمه دليل قطعى. ويقولون بالقياس والاستصحاب (2/140)
صفحة 440
-
141 -
والمصلحة المرسلة على التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب
أصول الفقة.
(د) السلوك:
يتمسك الإباضية بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها
الإسلام ومن مظاهر ذلك:
-1
يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود
التي بينها الحديث الشريف
2
•
يرون أن محبة المسلمين فى الله من أجل طاعتهم وبغض العصاة والكافرين فى الله من أجل معصيتهم واجب على كل مسلم وأن هذه المحبة يجب أن تتوجه إلى جميع أولياء الله في الأزمنة والأماكن جميع على الإجمال وأن يقصد إلى من يثبت ولايتهم لله بالاسم أو بالصفة ممن مضى وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس كما يجب أن يبرأ من الكافرين والعصاة فى جيع الأزمنة والأمكنة هكذا على الإجمال وأن يقصد ببراءته من عرف باسم أو بالصفة وأن يتعامل ممن يعرفهم على هذا الأساس أما من عرفهم في زمانه ولم يعرف أحوالهم الطاعة والمعصية فيجب عليه أن يقف فيهم لا يتولاهم ولا يبرأ منهم حتى يعرفهم بيقين لأن الولاية والبراءة عند الإباضية لا تلزم إلا باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين.
من
الحاضرين
يرون
أن جميع
المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات
ما عدا شيئا واحدا وهو الدعاء بخير الجنسة وما يتعلق به فإنه حق خاص (2/141)
صفحة 441
142
-
للمتولى أى للمسلم الموفى بدينه الذى يستحق الولاية بسبب طاعته أما الدعاء بخير الدنيا وكذلك بما يحول الإنسان من أهل الدنيا إلى أهل الآخرة كقول الإنسان تعرف أنه منحرف عن الاستقامة رزقك الله توبة نصوحا، أو هداك الله أو رزقك الصحة والعافية أو رقاك في مراتب
الوظيفة فإن هذا كله حق جائز لكل أحد من المسلمين تقاة وعصاة
-
4
عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائرة غير متمسكة بأحكام الشريعة يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها والخروج عنها وإذا بقوا تحت حكمها فإنه تجب عليهم الطاعة فى غير معصية الله وإذا كانت تنفذ أحكامها على مقتضى مذهب مخالف لهم. فإن أحكامها نافذة عليهم بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، مادامت تلك الأحكام مطابقة لمذهب إسلامي. وأقرب مثال لذلك أن الإباضية يغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأم فيرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من الجدة للأم وأكثر المذاهب الأخرى ترى العكس فإن كانت الدولة تحكم وفق مذهب يرجح جانب الأم فإن على أتباع المذهب الإباضي الخاضعين لتلك الدولة أن ينفذوا هذا الحكم بما يترتب عليه ولا حرج عليهم وكذلك يرى الإباضية أن الجد يمنع الإخوة من الميراث وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه فإذا كانت الدولة تحكم على مذهب الرأى الأخير فإن على الإباضية أن يقبلوا بهذا الحكم وأن ينفذوه ولا حرج عليهم
أحسب أن هذه الخطوط العريضة كافية لمعرفة مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية. فهو على كل حال لم يتطرف في موضوع الأدلة الشرعية فيعتبر كل أثر مهما ضعف حجة ولم يتطرف إلى الجانب الآخر
فيرد السنة بالقياس. (2/142)
صفحة 442
-
143
-
وهو لم يتطرف فى موضوع الإجماع فيعتبر الاتفاق الضيق في حدود المذهب أو حدود المكان - كوطن معين أو الحرمين أو المدينة –
حجة ولم يتطرف إلى الجانب الثانى فينفى حجية الإجماع أو إمكانه
مع
•
أو إثباته أو وقوعه وسلم بوقوعه بكلا قسمية القولى والسكوتي في عهد الصحابة. احتمال وقوعه في كل عصر إلى قيام الساعة • ورأى أن الإجماع المحدود في نطاق مذهب أو بلد هو حجة ظنية على المجمعين وليس له قوة الإجماع وينبغى أن يحمل اسم اتفاق لا اسم الإجماع.
وهو لم يتطرف فى موضوع القياس فيمنع اعتباره دليلا شرعيا إذا استوفى شروطه ولم يتطرف إلى الجانب الثاني فيرد به النص
وقبل الاستدلال بالاستصحاب والمصالح المرسلة ولم يتطرف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع فى التشبيه ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولم يتطرف في موضوع القدر فيميل إلى جانب السلبية حتى يقول أن الإنسان مجبر على أعماله وهو كالميت بين يدى الغاسل أو يميل إلى جانب الإيجاب حتى يزعم أن الإنسان يخلق أفعاله ولم يتطرف في موضوع مرتكب الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشرك ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنة للعصاة كأنها فندق يملكون هم مفاتحه على مبدأ «لا تضر مع الإيمان معصية» •
الآن وقد عرف القارئ الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي والاتجاهات التي يتجهها والسلوك الذي يسير به يستطيع أن (2/143)
صفحة 443
-
144
يقرر له حيزا ضيقا بين المذاهب الإسلامية. وأن يبعد عن نفسه تلك الصورة القاتمة البشعة الشرسة التي تعاون على وضعها ظروف مختلفة
من السياسة والتعصب وسوء | ء الفهم
مفاهيم يجب أن تخفى
سبق إلى أذهان الناس
-
ما أثاره وادعاه المتعصبون من بسبب
كل مذهب أن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف جذري لا يمكن اللقاء فيه، وهو مفهوم خاطئ لأن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف سطحي لفظى يمكن اللقاء فيه بيسير من الجهد لو ترك المتعمقون إثارة الخلاف وتجنب الإلزامات.
الجدول في اللوازم (1) وليس في أصول العقائد
نستطيع أن نقول أن الخلاف بين جميع المذاهب الإسلامية لا يخرج
عن الدوائر الثلاث الكبرى الآتية:
1
- العقائد المتعلقة بالخالق سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله
2 ـ نظام الحكم وشروط رئيس الدولة.
•
(1) استعملت كلمة اللوازم فى هذا الفصل للدلالة على المحذورات التي ينسبها كل واحد من المتجادلين الى الآخر من قولهم اذ قلت كذا يلزمك كذا كقول الأشعري للمعتزلى في موضوع الصفات اذا قلت أنها ذاتية يلزمك التعطيل وقول المعتزلى للأشعرى اذا قلت انها غيره يلزمك التعدد
• (2/144)
صفحة 444
120 -
غيره
- الأحكام المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولا وفروعا
ولقد اتفق المسلمون عموما على أصول هذه الدوائر عموما وإن اختلفوا في التفصيلات والتفريعات. فنحن لو استطعنا أن نجرى مقارنة بين عدد المسلمين الذين يثيرون الجدل ويحدثون الخلاف ويدعون إلى تتبع فرقة دون فرقة أو مذهب دون مذهب. ويحكمون على هذا أو ذاك بالضلال أو بالكفر ويأمرونهم باتباع مذهب أو الاستمساك به دون وبين عدد من يتبع تلك المذاهب فى بساطة ويستمسك بها في تعلق مع عدم تعمق، ولا استطاعة لإقامة حجج وبراهين لوجدنا أن نسبة ضئيلة جدا قد لا تصل الواحد في الألف، هي التي تفهم بعض تلك المشاكل وهي التي تتزعم إثارة الخلاف والشعب، وتحاول أن تكتل المسلمين إلى كتل في مذاهب معينة. وأن هذه النسبة فقط أو بعضها في الحقيقة، هي التي تعرف مواضيع الخلاف والجدل أما باقي أتباع المذاهب الذين يساقون في مجموعات كبرى وراء اسم أمام من الأئمة فيتحمسون له في عصبية ويتمسكون بمذهبه حرص وتشدد. فهم في الغالب لا يعرفون ولا يفهمون شيئا من تلك المشاكل المعقدة من علم الكلام أو أصول الفقه أو قواعد السياسة.
وإنما يعرفون بعض المسائل الفقهية العملية فى العبادات، أو لو أردنا أن نعرض نموذجا لذلك فى الجمهورية العربية الليبية بين أتباع المذهبين الإباضي والمالكي لوجدنا أن مظهر الخلاف لا يزيد عند الأغلبية الغالية من السكان عن قراءة البسمة في الفاتحة، أرفع الأيدى عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، والإصباح بالجنابة في رمضان الاباضية جـ 2).
- (2/145)
صفحة 445
-
1.87 -
وما أشبهها وأن جميع المصادمات والخصومات التي تقع بين العوام من أتباع المذهبين لا تخرج عن مستوى هذه المسائل
•
فإذا انتقلت من مستوى العوام إلى مستوى المثقفين دينيا أو المتفقهين ارتفع مستوى المسائل قليلا فوجدت النقاش ربما يدور على مستوى ميراث الإخوة مع الجد وحق الحضانة ونفقة الأقارب. وبعض مسائل التعامل وأحكام الصلاة في السفر ووجوب التتابع في قضاء رمضان وما فى هذا المستوى من الفقه العملى.
هي
صفة
أما مسائل علم الكلام وقواعد التشريع وأسس بناء الحكم الإسلامي. هذه الدوائر التي كانت محور تكون المذاهب في الحقيقة. فلا يعرفون عنها شيئا أو يعرفون عنها أشياء سطحية تلقفوها بطريق التلقين. فالعوام وأشباه العوام جميعا يؤمنون بأن الله تبارك وتعالى. حي قدير مريد سميع عليم بصير متكلم خالق مصور إلى آخر الصفات. التي وصف بها نفسه. ولكنك لو سألتهم عن صفة ما، هل ذات أو صفة فعل؟ أو قلت لهم هل صفات الله تبارك وتعالى عينية أم غيرية؟ لما فهموا منك ولأعرضوا عنك، وربما ظنوا أنك تستهزئ بهم ومعنى هذا أن جمهرة المسلمين متفقون واقعيا في العقائد وكذلك في الدائرتين الأخريين ويبقى النظر إلى خواصهم. وبقليل من التأمل يبدو لنا واضحا أنهم متفقون هم أيضا في أصول تلك الدوائر وإنما يختلفون عند التفاصيل بسبب ما يلزمه كل واحد منهم للآخر ويرتبه على نقاشه أعنى أن المذاهب الإسلامية جميعا متفقة في الأصول وأن الخلاف وقع من بعضهم في اللوازم أو بسبب اللوازم فقط. وبيان ذلك فيما يلى:
i
جميع (2/146)
صفحة 446
147
-
إذا جئنا إلى مسائل علم الكلام لكانت هي أهم المحاور لتكون
من
المذاهب وتمزيق الشمل المجتمع، وتضليل وتفسيق جوانب كاملة الأمة الإسلامية. والتى أضاع فيها علماء أجلاء أوقاتا ثمينة في إعداد البراهين وما تستلزمه نجد الأمة الإسلامية بمذاهبها المختلفة متفقة على أصول العقائد وأن أولئك العلماء الأجلاء المتضاربين بالبراهين والإلزامات هم الآخرون متفقون على جميع الأصول وإن ظن الناس أنهم مختلفون وإنما اختلافهم فيما يلزمه بعضهم للآخرين أثناء النقاش أو عند إعداد السؤال والجواب حين يزعم أحدهم أن كلام الآخر يستلزم محذورا ويترتب عليه باطل ويجيب الثاني بنفس الأسلوب وإلى
القارئ الكريم
أمثلة من ذلك:
1 - المسلمون جميعا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص
لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبه شيء من خلقه.
هذه عقيدة عامة يتفق عليها جميع المسلمين خواصهم وعوامهم فإذا جاءوا إلى التفاصيل بدأت المصاولات العنيفة والجدل الحاد وإلزام الخصم ما يلزمه وما لا يلزمه حين يتحدثون عن أسماء الله تعالى وصفاته
وأفعاله
المسلمون جميعا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى عادل في ملكه لا يجور ولا يظلم الناس شيئا فإذا جاءوا إلى التفاصيل وناقشوا موضوع الثواب والعقاب والعمل والجزاء بدأت المصاولات العنيفة والجدل الحاد ومحاولة كل طرف أن يجعل براهين الطرف الثاني تستلزم محذورا. (2/147)
صفحة 447
148
30:
المسلمون كلهم باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى
أعد الجنة لمن أطاعه وأعد النار لمن عصاه فإذا جاءوا إلى التفاصيل اشتد الخلاف وأدعى كل واحد أن كلام خصمه يستلزم محذورا ويؤدى إلى باطل
ا وهكذا ينفتح باب للخلاف ويترك الأصل المتفق عليه إلى فرعيات ومن الفرعيات إلى جزئيات للفرعيات حتى تغطى تلك الجزئيات على الأصل الهام للعقيدة وأصبحت لا تجد من حلبة الجدال أو حتى فيما ينسب إلى المذاهب إلا تلك اللوازم التي ينسبها كل طرف إلى الطرف الآخر. كقولهم معطلة، مشبهة وما إلى ذلك
•
فإذا انتقلنا إلى الدائرة الثانية التي هي نظام الحكم وشروط رئاسة الدولة نجد أن المسلمين جميعا بمذاهبهم المختلفة أيضا متفقون على الأصول فيها فلو سألت أى عالم من أى مذهب كان، عن الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولى حكم المسلمين الأجابك بشروط تتفق أو تتقارب مما يقوله لك أى عالم من مذهب مخر فهو في حالات الكمال يجب أن يكون (1) عالما مجتهدا ذكيا شجاعا نزيها عادلا حريصا على مصلحة المسلمين تقيا وورعا إلى آخر الشروط المعروفة المحددة في كتب الفقه هذه الصورة لمن يتولى الحكم على المسلمين أو ما يقرب منها ما يتفق عليه المسلمين من جميع المذاهب تجدها عند الشيعة وتجدها عند
جميع
(1) يقتصر بعضهم على العدالة والشورى ويضيف اليهما البيعة ويضيف اليها بعضهم الطاعة ويضيف اليها بعضهم القرشية ويكتفى بعضهم بالوصية لان الوصى لابد أن تتم فيه جميع الشروط لأنه معصوم. (2/148)
صفحة 448
-
الخوارج وتجدها عند المعتزلة وتجدها عند الأشاعرة وتجدها عند الإباضية وتجدها عند الماتريدية وتجدها عند الظاهرية وغيرهم إلا أفرادا شواذ من بعض المذاهب فارقوا مذاهبهم. وهذا هو القدر المشترك المسلمين هذا الاتفاق على هذا الأصل يأتى الاختلاف
،
بين جميع عند التفصيل وذلك عندما جاءت الاتجاهات السياسية فأثارت عدة نقط جانبية تمسك بها بعض الناس ليستغلوها فاستغلتهم منها: قضية اشتراط آل البيت، أو فرع من فروع آل البيت، ومنها اشتراط القرشية، ومنها اشتراط العروبة، ومنها قضية الفاضل والأفضل والعالم والأعلم ومنها جواز الخروج عليه إذا جاء وعدم جوازه، ومنها كونه معصوما أو غير معصوم، ومنها إذا لم يكن عادلا هل تجب طاعته أو لا تجب، ومنها طريقة اختياره وتنصيبه، ومنها الحكم في الواثب العادل والمختار الجائر إلى غير ذلك وهذه الأبحاث كلها وليدة اتجاهات سياسية أثرت على المسلمين فكان منهم شيعة وعثمانية ثم خوارج ومعتزلة ثم إباضية وأشاعرة الخ.
وتحت هذا الخلاف ومع شدة تعصب كل لما يري أو يريد لم يستطع أى مذهب من هذه المذاهب أن يحقق الشروط في الحاكم الذي يختاره في تطبيق عملي أن كل مذهب من هذه المذاهب تمكن من الوصول إلى الحكم وتكوين دولة على أساس مذهبي فقد بايعت بعض فرق الخوارج – كالأزارقة والصفرية - أئمة منهم فاستبد ذلك البعض حتى حكموا عليه بالكفر وعزلوه وقتلوه. وبايع الشيعة أئمة فخرجوا عن الدين حتى ادعى بعضهم الألوهية. وانضوى العثمانية تحت الحكم الأموى فجردتهم الدولة الأموية سيوفا تضرب بها رقاب المسلمين وتجاسر بعض أولئك الحكام حتى ضربوا الكعبة الشريفة وحتى استباح بعضهم (2/149)
صفحة 449
حرمة المدينة المنورة ووصل المعتزلة إلى الحكم في ولاية مروان بن محمد وبعض ملوك الدولة العباسية فكان الحاكم آلة لتعذيب من يخالف المعتزلة. وسخط الإباضية في عمان عن بعض الأئمة الذين انتخبوهم فعزلوهم والمهم فى الموضوع أن جميع الدول التي قامت. بعد الخلافة الرشيدة والتي أوحت إلى مؤسسيها أو أتباعها بشروط زائدة عن الشروط الأساسية المتفق عليهم كانت سببا للنكبة ذلك أن كل شرط جديد يولد رد فعل جديد ويترتب على ذلك الجدل والنقاش وتأتى بعده مرحلة إعداد. البراهين واللوازم ثم تقاذف المحاذير فكان الساسة يتصاولون على المناصب وكان العلماء يتقاذفون التهم لمخالفة الدين أما بقية الناس خيزجون إما في جيوش لنصرة حاكم أو إسقاط حاكم وأما في مذاهب لاتباع إمام أو لعن إمام. والآن قد ألغت الحياة بعض تلك الاعتبارات التي .. أدخلتها السياسة على الموضوع واتضح للناس جميعا أن الصراع الذي وقع بسبب اشتراط الوصية أو الهاشمية أو القرشية أو العروبة أو اعتبار الإمام معصوما أولا يجوز إسقاطه ولو كان منحرفا كل هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الأمة ثبت اليوم أنه صراع على تفصيلات لا تدخل في أصل الموضوع. وأثبتت التجربة أن أغلب أولئك الذين وصلوا إلى الحكم من أى جانب من الجوانب اعتمد على النظرة الجانبية في إثبات حكمه وامتداده وتخلى عن الأصول التي تتفق عليها الأمة ولذلك فهو ينظر إلى الأمة المسلمة على أساس أنها تتكون له من قسمين أنصار له في حكمه وخصوم وهو بهذا الاعتبار يفتح ميادين الحياة وحقوقها على مصاريفها لأنصاره ويغلقها أو يضيفها ما أمكنه التضييق على خصومه.
جميع
فإذا انتقلنا
من
هذه الدائرة إلى الدائرة الثالثة وهي دائرة الأحكام (2/150)
صفحة 450
-
:
!
المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولا وفروعا نجد أن المسلمين جميعا بمذاهبهم المختلفة متفقون على الأصول فلو سألت أي عالم من أى مذهب
عن مصادر التشريع لأجنابك بسرعة هى الكتاب والسنة فإذا جئت إلى
•
التفاصيل تثير الجدل والصخب وتوجيه الاتهامات وإلصاق اللوازم والذي ينبغي أن ننتهى إليه بعد هذا العرض المجمل أن نعتبر جميع
المذاهب الإسلامية على مستوى واحد في المعاملة بعد أن اتفقوا كما رأينا على الأصول وأن نبعد التحكم في إصدار الأحكام فليس من حقك أن تحمل الآخرين على أن ينظروا إلى فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها وإلا اعتبرتهم مبتدعة أو أصحاب أهواء وليس من حقك أن تفرض فهمك على الناس ثم تتحكم في إفهامهم فمن وافقك ضممته إليك خالفك حكمت بفسقه أو كفره أن الله تبارك وتعالى هو إله الجميع
ومن
والجميع يتساوون في عبوديتهم له ويتنافسون في التقرب إليه غير يد الطاعة وامتثال الأوامر والحرص على العمل الصالح وليست درجات القرب منه تعالى مبنية على المذاهب وإنما هي مبنية على العمل الصالح من الأفراد
دون ارتباطهم بالمذاهب – وعلى صحة العقيدة
وقد رأينا أن المسلمين متفقون على أصول العقيدة. أما ما جاء بعد ذلك من الخلاف في فهم النصوص من الكتاب والسنة واستخراج الأحكام العملية منها فإن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد ذلك رحمة بهذه الأمة وتوسعة عليها ولو شاء لحدد كل شيء في نصوص لا تحتمل التأويل أو الخلاف.
ولعل علماء الأمة المسلمة المعاصرة بناء على النظرة المنصفة وتسوية (2/151)
صفحة 451
- 101 -
في الحقوق بين جميع المسلمين ودفعا للاحتكار الديني أو العلمي بين مجموعات محدودة فهم يسقطون من حسابهم تلك الأحكام المتعصبة الجائرة التي كانت تصدر على مجموعات من الناس أو بعض العلماء الأجلاء بأنهم أصحاب أهواء أو مبتدعة أو فسقة أو يحكم عليهم بالكفر. وأن ينظروا إلى عمل الرجل مجردا من المذاهب و الفرقة أو الكتلة في عمله الفردى وسلوكه الشخصى بقطع النظر عن الجهة التي ينتمى إليها فليس مهما أن يكون معترليا أو شيعيا أو سنيا أو إباضيا أو خارجيا وإنما المهم أن يقوم بالعمل الصالح حسب الأسس التي يعمل بها في الفرقة التي ينتمي إليها ويجب أن تعتبر جميع الفرق التي تتكون منها الأمة الإسلامية على مستوى واحد من الاعتبار. والأمة الإسلامية تتكون من جميع من ينتسب إلى الشيعة أو ينسب إليها وجميع من ينتسب إلى الخوارج أو ينسب إليها وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أو ينسب إليها وجميع من ينتسب إلى أهل السنة أو ينسب إليها وجميع من ينتسب إلى الإباضية أو ينسب إليها ولا يخرج منها إلا من أخل بأصل من أصول الإسلام فأنكر معلوما منه بالضرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام. ولعل الالتفات إلى الماضى في هذه الأحكام غير مهم لا سيما بالنسبة إلى تلك المذاهب التي انقرض أتباعها كالظاهرية والمعتزلة والخوارج ولكنه بالنسبة إلى المذاهب الإسلامية الموجودة أمر شديد الأهمية فما داموا كلهم متفقين على الأصول فلا ينبغي الالتفات إلى اختلافاتهم في التفاصيل ويحق عليهم أن يلغوا فكرة اللوازم وا والاستلزام وأن يعلم كل فريق منهم أن من حق الآخر أن يستعمل عقله وفهمه وذكاءه وأن يتبع ما اتضح له بناء على جهده واجتهاده والأخوة الإسلامية اليوم رابطة بين الشيعة وأهل السنة والإباضية فينبغي أن يستمسكوا (2/152)
صفحة 452
- 153 -
-
وإذا اختلفت
جميعا بهذه الرابطة التي شرعها الله تبارك وتعالى. وأن يتعاملوا على هذا الأساس وهو أساس اشتراكهم في أصول العقائد والسياسة والشريعة بينهم التفاصيل ولا عبرة بالخلاف في التفاصيل ماداموا متفقين على الأصول وما كان يلزم به كل قرين غيره في الماضي لا يلزم أحدا في الواقع ونفس الأمر. وعند الله تبارك وتعالى يتلاقى
الجميع. (2/153)
صفحة 453
10 g
1:
مفاهيم يجب أن تختفى
-
سبق إلى أذهان كثير من الناس بسبب ما يقوله المتعصبون من علماء المذاهب ـ أن كلمة الإجماع حين تطلق يقصد بها إجماع مذهب أو مذاهب معينة فعندما يقول الشيعى أجمع المسلمون فهو يقصد الشيعة وعندما يقول السنى أجمع المسلمون فهو يقصد أصحاب المذاهب الأربعة دون الظاهرية والإباضية. وكذلك غيرهم. وهو مفهوم خاطئ ويجب أن يزول من أذهان الناس ولا يكون الإجماع حجة إلا حين يتم من جميع مجتهدى جميع مذاهب الأمة الإسلامية
•
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ المقال الآتى:
في الإجماع
مع احترامنا العظيم لجميع الأئمة والعلماء السابقين من جميع المذاهب وتقديرنا الجم لجهودهم المتواصلة الصادقة في خدمة الشريعة الإسلامية نرى أنه يجب أن تتغير بعض المفاهيم أو بالأصح أن تتغير المنظرة إلى بعض المفاهيم في بعض المواضيع ومنها بعض المفاهيم في موضوع الإجماع.
لقد ثار نقاش كبير وجدل صاخب حول موضوع الإجماع، وتناوله البحث من جميع جوانبه، وقد استقر اليوم فى أذهان الناس جميعا أن الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. وقبل أن
أعرض الجوانب التي أريد مناقشتها أو أن أضع بين يديك ما يلى: (2/154)
صفحة 454
-
يقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف فى كتابه علم أصول الفقه
46 ما يلي:
ص
هو أن يتفق على الحكم الشرعى فى الواقعة – جميع المجتهدين من المسلمين في وقت. فلو اتفق على الحكم الشرعي في الواقعة مجتهدو الحرمين فقط أو مجتهدي العراق أو مجتهدو الحجاز أو مجتهدو آل البيت أو مجتهدو أهل السنة دون مجتهدى الشيعة، لا ينعقد شرعا بهذا الاتفاق الخاص إجماع. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بالاتفاق العام من جميع مجتهدى العالم الإسلامى فى عهد الحادثة ولا عبرة بغير المجتهدين» • الإمام السالمي في كتابه القيم طلعة الشمس الجزء الثاني ص يلي: الإجماع في عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين عبارة عن اتفاق وبعد أسطر يقول: علماء الأمة على حكم في عصر» ..
>>>
::
ويقول
فالإجماع نوعان أحدهما إجماع قولى وهو ما فيه اتفاق أقوالهم أو تواطؤ فعالهم على شيء واحد. والنوع الثاني سكوتي وهو ما فيه قول بعضهم أو عمله سكوت الباقين عليه بعد انتشار ذلك مع فيهم ومع القدرة على إنكاره ولكل واحد من النوعين حكم يخالف حكم. أما حكم الإجماع القولى فهو أنه حجة قطعية يفسق من
الآخر
خالفها»
وبعد أسطر يقول: «وخالف النظام والرافضة وبعض الخوارج فزعموا أنه ليس بحجة». وبعد أسطر يقول: «وللجمهور على أن الإجماع القولي بعد كمال شروطه حجة قطعية أدلة من الكتاب والسنة والإجماع» • (2/155)
صفحة 455
وبعد أسطر يقول: (وأما حكم الإجماع السكوتي فهو حجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل فمن خالف الإجماع السكوتى لا يحكم بفسقه على الصحيح كما لا يحكم بفسق من خالف خبر الآحاد لأن التفسيق لا يكون إلا مخالفة الدليل القاطع مع
• «<
وقال الامام الشوكاني في كتابه القيم إرشاد الفحول ص 68 ما يلى: فهو اتفاق مجتهدى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من الأعصر على أمر من الأمور» وبعد مناقشات طويلة للإجماع من جميع جوانبه أحب أن أنقل إليك المقتطفات الآتية منه.
هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع إذا كانت بدعته تقتضى تكفيره؟ فقيل لا يعتبر في الإجماع. قال الزركشي بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه، قال الصفى الهندى. لو ثبت لكان لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره بسبب ذلك الاعتقاد لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره وإثبات كفره بإجماعنا وحده دونه وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب اليه كفر فحينئذ يثبت كفره لأن قوله يعتبر في الإجماع لكونه من أهل الحل والعقد قال الهندى وهو الصحيح» •
«قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنة لا يعتبر في الاجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة، وهكذا رواه أشهب عن مالك» •
قال أبو بكر الصيرفى ولا يخرج من الإجماع من كان من أهل العلم وان اختلفت
بهم الأهواء كمن قال بالقدر ومن رأى الإرجاء وغير ذلك من اختلاف آراء الكوفة والبصرة اذا كان من أهل الفقه» •
قال ابن القطان الإجماع عندنا إجماع أهل العلم فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه: قال أصحابنا في الخوارج لا مدخل لهم في الإجماع والاختلاف» • (2/156)
صفحة 456
20157 -
ومن اختار لا يعتد به (1) من الحنفية أبو بكر الرازي ومن
الحنابلة أبو يعلى القاضي» •
لا ينعقد عليه) أي مجتهد أهل الأهواء (الإجماع وينعقد على غيره يعنى أنه يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أدى إليه اجتهاده ولا يجوز لأحد أن يقلده حكاه الآمدي وتابعه المتأخرون» •
«قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو أسحق انه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس ونسبه الأستاذ إلى الجمهور
قال النووى إن مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع على
المختار الذي عليه الأكثرون» •
قال صاحب المفهم: جل الفقهاء والأصوليين أنه لا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة العوام، وأن من اعتد بهم فإنما ذلك لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف المعوام في انعقاد الإجماع والحق
خلافه» •
قال الجويني: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا»
«قال مالك: إذا أجمع أهل المدينة لم يعتد بخلاف غيرهم».
قالت الزيدية والإمامية: إجماع العترة حجة» •
•
نقلت لك المناقشة السابقة عن الإمام الشوكاني. وهى صورة مختصرة جدا لنقاش طويل يجرى بين العلماء في كتب الأصول في موضوع الإجماع - لترى كيف تغير مفهوم الإجماع من تعريفه العام
(1) يقصد أن الرازي من الحنفية والقاضى من الحنابلة قد اختار القول
بعدم الاعتداد. بمجتهد أهل الأهواء. (2/157)
صفحة 457
الشامل الرائع إلى مفاهيم ضيقة، متعددة الحدود، متضاربة المدلولات،
تسوقها العصبية المذهبية المختفية، ويصوغها التحكم الفردي أو المذهبي.
•
لنا
ولا شك أن الإمام الشوكاني نقل لنا ما نقل عن علماء طوائف معينة من الأمة الإسلامية وأقوالهم تمثل نظرة هذا الجانب فقط ولو أتيح. أن ننقل عن مؤلف آخر من الجانب الثانى لوجدنا عنده ما يشبه ما أورده الشوكاني ولكن بطريقة عكسية.
ومع
الاقتصار على هذا الجانب الذى عرضه الإمام الشوكاني فقط فإنك تجد الإجماع قد انتقل من التعميم والشمول تلك الصورة الرائعة. عن للأمة الإسلامية جمعاء إلى فكرة تتنازعها المذهبية وتحاول أن تحتكرها فلو أخذت في الاعتبار جميع الأقوال السابقة فأخرجت من الإجماع الحنابلة والظاهرية لأنهم لا يقولون بالقياس وأخرجت المعتزلة والشيعة والخوارج وأخرجت الفقهاء والأصوليين. فماذا بقى من الأمة الإسلامية. وهل يبقى للإجماع معنى إذا أخذت بقول من يرى أن إجماع العترة يكفى أو من يرى أن إجماع أهل الحرمين يكنى أو من يقول إذا أجمع أهل المدينة فلا يعتد بخلاف غيرهم.
إن تلك الصورة الرائعة لمفهوم الإجماع من الأمة الإسلامية عامة لم تزل تضول وتضول حتى أصبحت فى نطاق مدينة واحدة بل حتى: تلاشت. وذلك أن كلمة أهل الأهواء والبدع تهمة متبادلة يقولها أهل السنة في المعتزلة ويقولها المعتزلة فى أهل السنة. وهما يقولانها في الشيعة والشيعة تقولها فيهما وهم يقولونها في الخوارج والخوارج يقولونها فيهم وبهذا يعتد بإجماعهم جميعا لأن كل واحد منهم صاحب هوى وبدعة في نظر
?
الآخرين.
!. (2/158)
صفحة 458
159
إن كلمة أهل الأهواء والبدع - هذه التهمة الخطيرة التي كان. يتقاذفها أنصار المذاهب والفرق كما تتقاذف الفرق الرياضية كرة المطاط.
-
لا تلمسها رجل حتى تركها إلى رجل فرقة مضادة ولا تطير في اتجاه هدف حتى ترتد طائرة إلى الهدف المقابل يجب أن تختفى من هذا الميدان الفسيح الذي يصطف فيه المسلمون باختلاف مذاهبهم وفرقهم .. لأنهم باختلاف فرقهم وشعاراتهم يكونون اتحادا عظيما يقف متراص الصفوف ليجابه التحديات
•
إنه لا يحق لأى واحد سواء كان يقف في الساحة منفردا أو كان يحمل شعار فرقة، أن يحكم على فرقة أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح أو من الحرمان من الاشتراك في أي عمل تقوم به الأمة الإسلامية. ككل. وهذه الفرق متكاملة بشعاراتها المختلفة هي التي أعطت الصورة الكاملة للأمة المسلمة لأن كل واحدة من تلك الفرق كانت تمثل جانبا معينا وتبنى من زاوية خاصة ولم يكتمل ولن يكتمل البناء إلا بوجودها جميعا واشتراكها في اقامته معا
إن لكل فرقة من الفرق الإسلامية فى خدمة الإسلام جهدا مشكورا سواء كرهنا أو رضينا، وسواء اعترفنا أو لم نعترف، وسواء وافق
أمزجتنا أم لم يوافق.
وليس من حق أصحاب أية فرقة أن يعتبروا أنفسهم. هم ممثلى الإسلام يحكمون على غيرهم من الفرق والطوائف بالتفسيق أو التبديع
أو التكفير.
لا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الخوارج – بأقسى (2/159)
صفحة 459
وأقصى ما يوصفون به وينسبون إليه – قد قدموا للأمة الإسلامية خدمة جلى. لقد قاموا بكفاح مرير حين استنام المسلمون وسكتوا عن الانحراف بدولتهم من الخلافة إلى الملكية - فأقاموا الحجة على المسلمين بسيوفهم وألسنتهم وأثبتوا بجدارة تستحق الإعجاب ـ بون ما كان عليه المناس فى الخلافة الرشيدة وما هم مقدمون عليه عند ما تسلطت الدكتاتورية الملكية على الحكم فى الإسلام وأخرجته في نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض.
ولا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الشيعة قدموا للأمة الإسلامية خدمة جلى فقد كافحوا بجهد جبار حتى أثبتوا حق آل البيت في الحياة وفي الحكم، ولولا الشيعة لقضى جبروت بني أمية على بني هاشم، ولمحا الحقد الأسرى المتغلغل في النفوس اسمهم من الوجود. أو شرد بهم حيث لا يكون لهم لقاء.
ولولا المعتزلة لكانت الفلسفة القديمة بما أوتيت من براعة الجدل وذكاء التمويه قد استطاعت أن تنحرف بعقيدة المسلمين عن الإسلام بل
أن تخرج الكثير منهم من الإسلام.
ولولا الإباضية لما كانت هناك حلقة في الاعتدال والتوسط تمسك بكل طرف من الأطراف المتطرفة بجانب واضح يربطها بالفرق الأخرى ويقلل مسافة البعد بينها سواء كان ذلك فى العقائد أو في آراء الحكم والسياسة.
ولولا أهل السنة الذين ناصروا الدولة الأموية لما قامت تلك الحضارة الرائعة التي بناها العرب على أسس من الإسلام والتي (2/160)
صفحة 460
--
استطاعت أن تقف متباهية فى شموخ أمام الحضارات العالمية في ذلك الحين ثم أن تتقدم في عهد الدولة العباسية فى أناة وثبات فتستلم زمام الحضارة الإنسانية فى العالم وتسير به الشوط الذي حفظه لها التاريخ وتقدره لها الأجبال المتعاقبة.
ولولا الظاهرية والحنابلة الذين استمسكو بالنص واعتمدوا عليه واحتجوا دون اعتماد على العقل لما تمت خدمة النصوص الإسلامية سنة وآثار على هذا المستوى العلمى الدقيق الذي نفتخر ونتر به ونضعه كنموذج للتحقيق العلمى بين أنظار علماء الإنسان
من
ولولا النزعة العقلية المتحررة من فقهاء العراق واستنادهم إلى العقل والمنطق واعتمادهم على ذلك في مناقشة الآثار والنصوص لبقى الفقه الإسلامي تحت أثقال من الركود والجمود.
هذا هو الإطار العام الذى تقف فيه الفرق الإسلامية بشعاراتها الخاصة كطوابير متخصصة يتكون منها جميعا ذلك الكيان العظيم الذي الأمة الإسلامية وهذه الأمة بهذه الفرق المختلفة وشعاراتها الخاصة يسمى إذا أجمع علماؤها على حكم في أمر من الأمور كان ذلك إجماعا من الأمة الإسلامية واعتبر هذا الإجاع هو المصدر الثالث من التشريع بعد الكتاب والسنة ولا يمكن أن يعتبر إجماعا ما تخلف فيه ولو عالم واحد من فرقة واحدة من الفرق الموجودة حين صدور الحكم. فإذا انقرضت فرقة في عصر من العصور أو وجدت فرقة طلب الإجماع من علماء الفرق الحاضرة فقط واعتبر ما اتفقوا عليه:
(م 11 - الاباضية ج 2) (2/161)
صفحة 461
-
162
-
بعد
هذا العرض أعتقد أنه من المناسب أن ننظر إلى الإجماع من
الزوايا الآتية:
-
1
الإجماع الذي نتحدث عنه ونناقشه هو الإجماع الذي يشرح كدليل خاص في أمر من الأمور لم يثبت فيه نص أما عندما يكون على حكم ثبت بالنص فإن الإجماع حينئذ لا يكون عرضة لهذا النقاش لأنه
اكتسب القطية من دلالة النص.
2 - الإجماع في الماضي
-
بقطع
أغلب أنواع الإجماع التي وقعت أو ادعيت في الماضى النظر عن الإجماع المصاحب للنص هي من نوع الإجماع السكوتي وهو حجة ظنية سواء وقعت في عهد الصحابة أو فيما بعدهم من عهود.
أما الإجماع القولى أو الصريح إذا سلم وقوعه في عهد الصحابة لاسيما في فترة خلافتى أبي بكر وعمر لعدم تفرق علماء الصحابة فإن وقوعه فيما بعد عهد الصحابة يعسر التسليم به ولذلك فإننا نقف بنوع من الاحتراس عندما نجد ادعاء الإجماع سواء كان بعبارة عامة كقولهم تم الإجماع على كذا أو أجمع المسلمون على كذا أو بعبارة خاصة كقولهم أجمع من يعتد بإجماعه، وهذا النوع من الإجماع
-
ماعدا
إجماع الصحابة القولى إذا ثبت هو حجة ظنية في الأحكام الشرعية بالنسبة للأفراد أما إذا جرى فى الحكم على فرقة من المسلمين بالتفسيق أو التبديع فليس له قوة الحجة مطلقا. وهذا ما أشار إليه الصيفي الهندي في قوله الذي نقلته عن الشوكاني في. صدر هذا الفصل
•
ذلك لأن إثبات إجماع المسلمين بعد عهد الصحابة وقد تفرقت بهم (2/162)
صفحة 462
-
163 -
الآراء والمذاهب والسياسات وتشتتوا ما بين فارس والأندلس
مع
تعسر المواصلات ـ أمر مستحيل وحكم فرقة أو عدد من الفرق على
فرقة أخرى لا يعتبر إجماعا أبدا.
3 ــ الإجماع في الحاضر أو المستقبل:
-
نظرا لسهولة وسائل الاتصال في العالم اليوم وتيسرها فإننا نعتقد نظريا ـ أن الإجماع الصريح ممكن وأن العلم به ممكن أيضا لا سيما إذا تبنته الدول أو ساعدت عليه مع العلم بأن هناك علماء لا يتم الإجماع بدونهم يعيشون في أقطار تحكمها دول غير إسلامية فلو أثيرت مشكلة هامة في قطر من الأقطار واحتاجت إلى حكم شرعى لأمكن الاتصال أهل العلم المسلمين في بجميع جميع العالم وعرض المشكلة عليهم وأخذ الحكم منهم ربما في شهور فقط. فلو وقعت حركة مثل هذه فإن الحكم لا يعتبر بالإجماع أولا يأخذ مرتبة الإجماع إلا إذا أجمع عليه علماء العصر على اختلاف مذاهبهم ثم استوفى بقية الشروط المعروفة عن
الإجماع.
أنحاء
وما قيل عن هذا العصر يقال عن العصور المقبلة.
وينبنى على هذا أن الاتفاق الذى يتم بعض البلدان فقط أو بعض المذاهب فقط ولو كانت أكثرية ولو تخلف عالم واحد من مذهب واحد لما كان ذلك الاتفاق إجماعا فإذا كان في مسألة فقهية فهو حجة ظنية أما إذا كان حكما على فرقة فليس له اعتبار
فليس من حق فرقة أو عدد من الفرق أن تصدر أحكاما على غيرها تعتبر ذلك إجماعا. كما أنه ليس من حق أى شخص أو فرقة أن تصدر حكما بإخراج أي مجتهد من دائرة الاعتداد به في الإجماع. والذي ينبغي (2/163)
صفحة 463
-
164
امين
أن ننتهى إليه من هذا الفصل أنه يجب أن يختفى من أذهان ذلك المفهوم الذي يتبادر الى الكثير حين يسمعون كلمة الإجماع أو أجمع المسلمون من ناس يصدرون أحكاما من زواياهم الخاصة على غيرهم من المسلمين فرقا أو أفرادا فيعتبرون ذلك حجة قطعية تثبت تلك الأحكام التي ألبست ثوب الإجماع، وليست بإجماع. وكل إجماع ادعى فيما مضى إذا لم يصدر من جميع مجتهدى المسلمين، بمختلف مذاهبهم وأوطانهم، ولم يكن مصاحبا لنص فهو ليس بالإجماع الذى يعتبر في الدرجة الثالثة. من الأدلة الشرعية، وليس الخروج. عنه فسقا ولا كفراً
مفاهيم يجب أن تختفى
سبق الى أذهان أكثر الناس
-
بسبب
خطأ المؤرخين في ربط
1
هم
الأحداث ـ أن المحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب في وقعة النهروان أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ فإن المحكمة قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد ثم ثار على الحكم الأموى طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفراداً حتى ظهر الخوارج في أواخر ولاية ابن زياد سنة 64 بقيادة نافع بن الأزرق •
فمعركة النهروان هي. فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام على بن أبى
طالب والمحكمة أما الخروج فنوعان:
خروج سياسي کخروج الحسين وابن الزبير وبلال والمختار وسليمان
ابن حرد وغيرهم.
وخروج سياسي ديني وهو الخروج الذي ابتدأه نافع بن الأزرق
وسار عليه الخوارج من بعده
وإن شئت مزيدا من الإيضاح فاقرأ الفصل الآتي: (2/164)
صفحة 464
-
الفرق بين الفتنة والخروج
من معاني كلمة الفتنة: اختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم -
ذلك بسبب
-
- من النزاع والقتال، وقد وقعت في صدر الإسلام مجموعة من الخلافات بين الصحابة أدت الى نزاع وقتل وقتال فسميت فتنا وفى
الإمكان أن نحصرها فيما يلى:
1 - فتنة الدار -
•
2 - فتنة الجمل
•
فتنة صفين
4 - فتنة النهروان •
-
فكانت أولى الفتن بين الصحابة هى فتنة الدار وذلك أنه في السنوات الأخيرة من خلافة أمير المؤمنين عثمان انتقد عليه بعض الناس أنواعا من السلوك والتصرف اعتقدوا أنه لا يجوز له فلما أبلغوه انتقادهم اعتذر عن بعضه واستغفر، وأجاب عن بعضه بأنه من حقه. وهو الإمام ــ أن يفعله ووقع بينه وبين المعارضين خلاف في عدد من المسائل واشتد الخلاف حتى طلبوا منه أن يستقيل فلم يقبل منهم ولم يستجب لهم فوثبت عليه جماعة منهم فقتلوه ودافع عنه جماعة من المسلمين واعتزلت عنهم جماعة. وسميت هذه الحركة فتنة الدار أول فتنة وقعت بين المسلمين
أخرى
ثم بايع كثير من الناس لأمير المؤمنين على بن أبي طالب واعتزلة آخرون وقام عليه جماعة ممن بايعوه وأدت الحركة كلها الى حروب يوم الجمل (2/165)
صفحة 465
166 -
فقتا هنالك ثمانية عشر ألفا (على رواية المسعودى في مروج الذهب)
وسميت هذه الحركة بفتنة الجمل وكانت ثانى فتنة وقعت بين المسلمين.
•
وعندما تمت البيعة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب بعث يعزل العمال السابقين ومن ضمهم معاوية فلم يستجب للعزل وتعال بدم عثمان، واعتبر نفسه وليه، وصرح أنه يتهم الإمام عليا بالاشتراك في قتله أو على الأقل بالرضاء به. وأنه يطالبه بدمه ووقعت من أجل ذلك حرب مريرة في مكان يسمى صفين قتل فيه مائة وعشرة آلاف على رواية المسعودي
ني مروج
الذهب. وكانت هذه
هي الفتنة الثالثة من الفتن التي وقعت بين
المسلمين.
وفى صفين عندما أحس معاوية بضعف جيشه عن المقاومة وبأن الهزيمة لاحقة به لا محالة ابتكر خدعة المصاحف وطالب بالرجوع الى حكم الله وبتكوين نخبة للتحكيم وتحديد مدة كهدنة ليتم فيها هذا العمل واختلف أصحاب على اختلافا شديدا بين موافق على الطلب ومعارض له. واضطر الإمام الى الموافقة نزولا عند رأى الأغلبية وإن كان رأيه هو خلاف ذلك واختير الحكمان وحددت الهدنة وانتهى الموعد وحضر الناس فأعلن مندوب الإمام على بأنه اتفق مع مندوب معاوية على عزلهما معاً من مناصبهما ثم يكون الخيار للأمة تولى من تشاء. وأنكر مندوب معاوية ذلك الاتفاق وأعلن أنه اتفق مع مندوب على على عزل على وتثبيت معاوية فاعتبر على أن قضية التحكيم في حكم الملغاة لأن الحكمين لم يعملا بكتاب الله ولأنهما لم يتفقا • ورجع الى معارضي التحكيم – الذين كانوا قد اعتزلوا الجيش عندما وافق الإمام على التحكيم ثم بايعوا لهم أماما عندما أعلنت نتيجة التحكيم - يطلب منهم الانضمام تحت لواء الجيش (2/166)
صفحة 466
-
والاستمرار في محاربة أهل الشام. غير أن المعارضين وقد تجمعوا قرب النهروان لم يوافقوا على العودة. وجرت بينهم وبن رسل الإمام وبينهم وبين الإمام نفسه مناظرات ومناقشات كثيرة لم يتوصلوا بعدها الى اتفاق فارتحل إليهم بجيشه ووقعت بينه وبينهم موقعة قتل فيها أربعة آلاف حسب رواية المسعودى سميت بوقعة النهروان وكانت هذه
هي
الفتنة
الرابعة فيما رأى.
•
وبالتأمل في أحداث هذه الفتن الأربع يجد الباحث أن السبب فيها هي اختلاف في وجهتى النظر بين طائفتين من المسلمين. وفي إحدى الطائفتين أمير المؤمنين - في سلوك أمير المؤمنين نفسه في مسألة. من أو مشكلة من المشاكل أو عدد منها، يرى هو صحة موقفة، ويرى المعارضون
عدم
الصحة
ومع
المسائل
كل فريق
وينتج عن تباين الموقفين الانتهاء الى القتال من الطائفتين عدد من الصحابة. وفى جميع، تلك الأحداث يوجد أيضا.
-
جمع من الصحابة وقفوا من الخلاف موقفا سلبيا فلم يشتركوا مع أحد ولم يؤيدوا أحداً من الطرفين المختلفين.
ويبدو – رغم اختلاف نزعات ودوافع المؤرخين – إن العنف في الفتنة الأولى كان من المعارضين فقط، وأن الإمام وقف أمامهم أعزل لم يجرد سلاحا،، ومنع من التعرض لهم بالقوة، حتى في أحرج اللحظات. ولذلك فقد انجلت الفتنة عن مقتل الإمام فقط، أو بعض أضرار أخرى بسيطة.
وفي الفتنتين الثانية والثالثة بدأ العنف أيضا من المعارضين غير أن الإمام هنا لم يقف سلبيا وإنما أجاب عن العنف بالعنف ولذلك فقد انجلت (2/167)
صفحة 467
الفتنة الثانية عن ثمانية عشر ألف قتيل. واجلت الفتنة الثالثة
ألف
وعشرة آلاف قتيل.
عن
مائة
-
أما الفتنة الرابعة فبعد المفاوضات والمناظرات كان العنف فيها من الإمام ـ كما يبدو – و - واستجاب المعارضون عن العنف بالعنف وانجات الفتنة عن أربعة آلاف قتيل حسب روايات المسعودي في مروج الذهب ذلك. أعنى هذه الفتن ذهب ضحيتها مائة وإثنان وعشرون ألفا
في
جميع
من المسلمين المقاتلين حسب روايات المسعودي.
وصلت الموضوع فى أحداث هذه الفتن جميعا أن الخلاف فيها كان ديانة أى أن كل فريق كان يعتقد أن مسلكه هو الحق ونستطيع أن نأخذ
مثلا للخلاف كل فتنة. عن
من هذه الفتن
ففى الفتنة الأولى اتهم عثمان بأنه يحابى أهله بالمال والمنصب فلما
انتقد عليه ذلك وذكر له أن عمر
لم يكن يفعل ذلك أجاب بأن عمر منعهم
لله وأنه هو أعطاهم الله. وأجيب عنه بأنه أمير المؤمنين، وأعرف بمصلحة الإسلام والمسلمين. وهو المسئول
وفى الفتنة الثانية تمت البيعة لعلى فلم يبادر الى قتل قتلة عثمان فقال قائلون لا نسمع لك ولا نطيع حتى تقتل قتلة عثمان وقال على ـ وهو أمير المؤمنين حينئذ بل السمع والطاعة أولا ثم إقامة الحدود وكيف يتمكن الإمام من إقامة الحدود إذا كان في الأمة. لا من يسمع ولا يطيع.
وفي الفتنة الثالثة انشغل على عن قتل قتلة عثمان أو لم ير قتلهم فادعى معاوية أنه ولى دم عثمان وهو يطالب بالقصاص فقال له الإمام (2/168)
صفحة 468
169 -
بايع أولا وادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم طالب بحقك في ولاية الدم وإيقاع القصاص. قال معاوية بل القصاص أولا.
وفى الفتنة الرابعة رفعت المصاحف وطلبت الهدنة فاختلف أصحاب على فوافق تحت ضغط أصوات الأغلبية وقبل التحكيم ففارقة عدد من الجيش. ويقول من يجيب بلسان على قبلنا الهدنة ونحن نعلم أنها خدعة خوفا على كلمة الجيش واقتداء ببعض مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم المشابهة ويقول الآخرون أنك تعلم أنهم فئة باغية وأنت تحاربها بأمر الله وليس لك أن تتركها حتى تفيء إلى أمر الله أو يهلك أحد الفريقين.
هذه أمثلة بسيطة لتلك القضايا الشائكة ومنها يتضح لك أن جميع
المواقف فى الأحداث السابقة كانت مواقف ديانة من الأطراف المتخالفة وأن استمساك تلك الأطراف بمواقفها إنما يعنى استمساكها بما تدين وتتقرب به الى الله وليس استمساك عصبية أو رغبة في الدنيا. ويبدو لى أن الفتن التي وقعت بين الصحابة تنتهى الى هذا الحد وأنه يجب على المسلمين أن يقفوا عنها الباب وأن لا يتورطوا بالتدخل فيها، بقطع النظر عن آرائهم أو ميولهم الشخصية، وأنه لا علاقة لهذه الفتن بما جاء بعدها أو ترتب عنها فيما ومما نسب إليها. والحقيقة أن هذه الفتن الأربع ينبغي أن توزن بميزان واحد باعتبارها أحداثا بين الصحابة لأن جميع أطرافها حضره بعض من الصحابة. والظروف فيها متشابهة. والقائمون فيها من الجانبين طلاب حق سواء أخطأوا فيه أم أصابوا
وأموالا
والذي يلجئنا الى هذا الموقف - رغم أن في الموضوع دماء هي ثبوت الأحاديث فى بعض الصحابة الذين وقفوا مواقف
-
متعارضة فى هذه الأحداث، وشهروا فيها السيوف على بعضهم البعض. (2/169)
صفحة 469
-
170 -
وبانتهاء الفتنة الرابعة انتهت الفتن التي قامت في عهود الصحابة وبينهم وعلى الأقل قامت في عهود الخلافة الرشيدة.
-
وبالنظرة المنصفة النزيهة المتعمقة فى أحداث التاريخ يتضح أن آثار هذه الفتنة كحركة عملية قد انتهت في زمنها فقد قتل أهل النهروان وتفرق باقيهم لا حول له ولا قوة ثم قتل الإمام على بمؤامرة نسبت الى الخوارج كما. جرت العادة أن تنسب إليهم كل الأعمال الشاذة المنحرفة فقد صنع منهم كتاب التاريخ والمقالات شخصيات خرافية كشخصية جحا وأشعب وأبو زيد الهلالي ــ يلقون على أكتافهم مسئولية الدم في التاريخ الإسلامي عامة والله أعلم بمن دبرها وإن كانت أصابع الاتهام تشير إشارات واضحة الى الأشعث (1) بن قيس. ثم سلم الإمام الحسن بن على الى معاوية بعد شهور قليلة. فلم يبق لهذه القضية أي أثر وقد انتهى جانباها ــ جانب أهل النهر، وجانب أمير المؤمنين على بن أبي طالب
-
ويثب هنا الى الذهن سؤال يتردد قائلا: ما علاقة هذه الفتنة بالخوارج؟ ويبدو أن الجواب الصحيح سيقول أنه لا علاقة لها بهم،
(1) كان أمير المؤمنين على يخطب على المنبر فاعترضه الأشعث بكلمة
•
فأجابه الامام وهو ماض في خطبه بقوله وما يدريك ما على حمالي، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين، حائك بن حائك، منافق ابن كافر، والله لقد أسرك الكفر مرة، والاسلام أخرى، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك، وأن امرا دل على قومه السيف، وساق اليهم الحتف. لحرى أن يمقته الأقرب ولا يأمنه الأبعد» شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الجزء الأول ص 291 قال عنه ابن أبي الحديد.) وهو في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام كما كان عبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه) المصدر السابق ص 297
• (2/170)
صفحة 470
171
-
فهى فتنة بين الصحابة تشبه الفتن السابقة ليس لنا أن نحشر أنوفنا في أحداثها ونبين المخطئ فيها والمصيب وإنما نتركها كما تترك سابقاتها الله
هم
والواقع أن كثيرا من المؤرخين يحرصون أشد الحرص على تسمية أهل النهر بالخوارج ثم هم يتكلفون ما يثبتونه به تكلفا يصل إلى حد السخف أحيانا، ويجهدون أنفسهم في البحث للتدليل على أن أهل النهر المقصودون بحديث المروق المعروف - وإن صح - وينسبون الى الإمام على مما يثبت هذه الدعوى أخباراً غيبية يخبر قبل وقوع الأحداث بوقوعها. ثم هم يخلطون خلطا عجيبا بين معنى الخروج عن الدين ومعنى الخروج عن الدولة. وكلما تطاول الزمن كلما كبر هذا الحرص عند المؤرخين وكتاب المقالات
وأنا في كتابتي لهذا الفصل - وأنا بعيد عن المراجع في مكاني هذا لا أحاول أن أناقش صحة هذا الحديث ولا مدى انطباقه على هذه الجماعة بالذات. كما أنه ليس بإمكاني الآن أن أحدد بالضبط متى استعملت كلمة الخوارج. وأول من استعملها وعلى من أطلقها، في مصدر موثوق به. ذلك فأنا لا أجزم بشيء مما ورد فى هذا الموضوع في حينه، وأحسب ما قيل عن الخوارج فى تلك الظروف عرضة للنقد، وأن الشك
ومع.
أن
جميع
فيه أقوى من اليقين.
يقول الإمام أبو إسحاق اطفيش (1): «الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم. وسموا خوارج لأنهم خرجوا
(1) انظر عمان تاريخ يتكلم ص 103 (2/171)
صفحة 471
172
-
الله
عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلوا ما حرم من الدماء والأموال بالمعصية» • ويقول أيضا (1): «إن تسمية الخوارج لم تكن معهودة فى أول الأمر، وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا، ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب على المنكرين للتحكيم والراضين به، ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر
لمعاوية» •
حدثت أم نافع بن خليفة: «أن الناس يومئذ على ثلاثة أصناف: صنف جبابرة وأتباعهم، وصنف فساق يشربون النبيذ ويضيعون الصلاة، ويعملون بالفواحش، وليس هناك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك، وإنما الذين يسمون القراء • يدينون بقتال الجبابرة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ الأدلاء عليهم، ويأخذهم فيقتلهم. فلما رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلهم على فرشهم (2) وقتل الإمام نور الدين السالمي: «ثم لما كثر، وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سموا
بذل نفوسهم
في رضى ربهم
(خوارج) وهو جمع. خارجة، وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله» •
وكل ما في هذا الموضوع أن المعارضين للتحكيم اعتزلوا جيش الإمام فلما فشل الحكمان بايعوا واحدا منهم إماما، ولكن الإمام على بعد فشل الحكمين أخذ يستعد لاستئناف القتال. معاوية فاقتضت نظرته مع عملا بنصيحة بعض مستشاريه - أن ينتهى من أمر أولئك
السياسية.
-
المعتزلين أولا وقد انتهى منهم فعلا، كما انتهى من قبل من أصحاب
(1) نفس المصدر ص 106
(2) طلقات المشائخ بالمغرب الجزء الثاني 235 (2/172)
صفحة 472
-
173
-
الجمل. ولم يكن هناك مجال للتنابز بهذه الألقاب فلم يكن من أخلاق على ولا أخلاق من يسير بسيرته أن ينبذوا الناس بالألقاب ولا أن يصف أولئك الناس بالخروج من الدين أو المروق منه أو بغير ذلك من الألقاب والأسماء التي أصبح لها رنين فيما بعد لاسيما وأن الإمام يقول كل (مجتهد مصيب (1) وهو يعلم أن هؤلاء القوم لم يقفوا ذلك الموقف منه إلا اجتهادا منهم بأن موقفهم ذلك هو الحق • والمصادر التي تصور موقف أو حالة الإمام بعد فتنة النهروان متضاربة حسب اتجاهات أصحابها ولكنها مجمعة على أن سخط الإمام على أهل الشام كان أشد
وأعنف
الخطة
من على أهل النهروان. وكلماته التى حفظت عنه ـ إن تدل دلالة واضحة على أسفه وندمه على قتلهم.
صحت نسبتها إليه
-
والذي أريد أن أنتهى إليه من كل هذا أن موقعة النهروان فتنة بين الصحابة كالفتن التي سبقتها وليس لها أثر فيما بعد اللهم إلا النقاش الجدلي في موضوع الإمامة وواجبات الإمام وحقوقه. وواجبات الأمة وحقوقها والحدود فى ذلك والاستدلال بموقف الإمام أو موقف الأمة عندما يختلفان. وهل للإمام أن ينعزل عن أمور المسلمين دون حدث؟ وهل لهم أن يعزلوه كذلك. وإذا انعزل فهل من حقه أن: وأن تكون بيعته الأولى في أعناق الناس حتى بعد التخلى والرجوع؟
يعود
وهل بيعة الإمامة عقد من طرف واحد أو من طرفين؟ وهل الطرفان متساويان؟ وماذا لو أن أحد الطرفين لم يلتزم بمضمون البيعة كما أو دعا الإمام إلى جهاد العدو فلم يتقدم أحد، أو تقدم عدد ضئيل لا غناء فيه. فلا شك أن أبحاثا مستفيضة أثيرت حول هذه المواضيع
(1) راجع الدليل والبرهان الجزء الثالث ص 28.
? (2/173)
صفحة 473
-
174
-
بسبب قضية التحكيم وفتنة النهروان، ومواقف الإمام في تلك الظروف ومواقف أصحابه، سواء من بقى معه أو من انعزل عنه.
وبعد
فتنة النهروان، ثم اغتيال الإمام (1) بايع الناس الإمام
(1) ظهر ابن ملجم ظهورا مفاجئا عند اغتياله للامام أما قبله فلم يكن معروفا وكذلك صاحباه وحتى بعد تنفيذهم للمؤامرة لم يعرف على الحقيقة من وراءها فاتقى أكثر المؤرخين مسئولية الحادثة على اسم الخوارج (شجب الأمويين) الذي تعلق عليه جميع الأحداث الشاذة والمكروهة والمجهولة. دون اهتمام بالتحقيق. ولكن اخبارا ترد مقطعة فى كتب الأدب والتاريخ لا يلتفت
اليها أحد قد تدل على غير ما يقوله نقلة الاخبار الروتينيون المتأثرون.
كل من اهتم بأحداث صفين والنهروان يعرف أن الأشعث بن قيس كان من المقربين الى الامام ومن أصحاب مشورته وأن له أكبر الدخل في قبول التحكيم وفي عدول الامام عن حرب معاوية الى اصحاب النهر وفي تثبيط همم جيش الامام بعد ذلك لمواصلة القتال مع معاوية ويعرف أيضا أنه كان عميلا لمعاوية أو طابورا خامسا له في جيش الامام. وتذكر كتب التاريخ والأدب أن الأشعث بعد ان رجحت كفة معاوية واستقامت له الأمور وضئول مركز على وتفرقت عنه الجموع قلب ظهر المجن للامام في وقاحة وتبجح «قال أبو الفرج وللاشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين أخبار يطول شرحها» قال ابن أبي الحديد: دخل الاشعث على على فكلمه فأغلظ على له، فعرض له الاشعث أنه سيفتك به، فقال له على: ابا لموت تخوفني و تهددني، والله ما أبالى وقعت على الموت، او الموت وتع على» وقال ابن أبي الحديد «وجاء الاشعث الى على يستأذن عليه، فوده قنبر، فادمى الاشعث انفه، فخرج على يقول: ما لى ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف
—
تمرست لاقشعرت شعيراتك»
قال أبو الفرج: وقد كان ابن ملجم أتى الاشعث بن قيس في هذه الليلة فخلابة في بعض نواحي المسجد، وحربهما حجر بن عدى، فسمع الاشعث وهو يقول لابن ملجم. النجاء النجاء بحاجتك، فقط فضحك الصبح، قال له حجر. قتلته يا أعور وخرج مبادرا الى على، وقد سبقه ابن ملجم فضربه فأقبل حجر والناس يقولون قتل أمير المؤمنين» راجع هذه الاخبار في الجزء السادس من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد وهم في جملتها تشير بالاتهام الى الاشعث وفى غيرها من كتب الادب والاخبار ما هو أوضح وأصرح ولكن المؤرخين قد علقوا الموضوع على المشجب الاموى وانتهوا.
• (2/174)
صفحة 474
-
الوسائل
-
الحسن بن على وكان الحسن يدرك تمام الإدراك أن أمر الحكم ـ بكل سينتهي إلى معاوية. وقرر هو فى داخل نفسه أن يوقف الصراع المرير بين الهاشمية والأموية، وأن يحقن دماء المسلمين • فلما عرضت عليه البيعة لم يمتنع خوفا من أن يتجه الناس إلى غيره مسلك التطرف، فتعود الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه من
فيساك
بهم
النتائج ولهذا قبل البيعة. فلما هدأت العواصف، واستقرت الأمور، وسكن الناس • سلم لمعاوية.
ولا شك أن عددا كبيرا كان ساخطا على معاوية وأن عددا آخر قد سخط عليه هو نفسه في تسليمه واتهموه بالجبن والضعف والأنانية. ولكن القضية سارت كما قدرها الحسن وكما أرادها معاوية.
ولما بدأ معاوية يمهد لأخذ البيعة بولاية العهد لإبنه يزيد ازداد عدد الساخطين وأصبحت الأمة الإسلامية - ماعدا أهل الشام ـ تغلى كالبركان ولم يمسكها عن الانفجار العام المدوى الا وجود معاوية في الحكم بمزاياه السياسية التي قل أن توجد عند حاكم • فلما توفى معاوية وتولى يزيد انفجر البركان فقامت فى كل مكان مجموعة من الناس تسل الحسام وتندفع الى أغراضها بالعنف والقوة، وان كانت دعاوى ودوافع كل مجموعة قد تختلف عن المجموعة الأخرى.
•
فبعضها قام بأحقية الخلافة، وبعضها بعدم أهلية الخليفة، وبعضها بالقرابة التي تفوق قرابة أهل البيت في زعمها، وبعضها للانتقام وأخذ الثأر، وبعضها مطالبة بالعدالة والرجوع إلى حكم الشريعة.
إلى غير ذلك من الميراث والمزاعم والوسائل • وقد وقعت بسبب
ذلك (2/175)
صفحة 475
مشاغبات وحروب انتهى بعضها بعد خروج واحد، وقاوم بعضها فترة
أطول، فكانت الأنباء ترد إلى دار الإمارة بهذا الشكل
خرجت خارجة بالكوفة وخرجت خارجة بالبصرة! بالمدائن، بالطائف! باليمن إلخ ل وكانت الأنباء تتوالى كل يوم بمزيد من الطوائف التي رفعت السلاح في وجه الحكم، وصممت أن تحقق مطالبها بالعنف والقوة. فكان الأمير في أول الأمر يبعث بفرقة في الجيش إلى خارجة ما ليقضى عليها أو يشتتها ولكنه عندما كثرت هذه المجموعات التي تخرج عن الحكم وترفع السلاح في وجه الدولة صار على كل وال في مصر من الأنصار أن يكون جيشا كثيفا قويا مزودا تحت قيادة ماهرة ثم يرسل به للقضاء على خوارج ناحية من النواحي فيقول لقائد الجيش انطلق إلى خوارج المدائن أو خوارج الأهواز أو خوارج اليمن
وهكذا .....
عنك
فاستعملت كلمة الخوارج بمعنى الخروج السياسي عن الدولة الأموية کاصطلاح عسكرى خاص بمعنى الجماعات الخارجية عن الدولة. ولكن حدث أن تطرف بعض تلك الجماعات فقامت بعقائد حكمت بها بالشرك على الحكام الظلمة وعلى من رضى بالبقاء معهم أو تحت حكمهم • فسخط الناس عليهم لهذه العقيدة وما انبنى عليها من السلوك واعتبروهم. خارجين
عي
بذلك عن الدين فأصبحت كلمة الخوارج تدل معناها الكامل في جانبيها معا الديني والسياسي (1). وجاء هنا القيادة البارعة للدولة الأموية دور وأنصارها فاستغلت هذا الموقف الشاذ من بعض الجماعات فاعتبرته موقفا لكل ناقم عليها غير راض بانحرافها ثم استغلته استغلالا آخر أبعد مدى حين حاولت أن تطلق كلمة الخوارج على مفكري التحكيم وأن يكون (2/176)
صفحة 476
-
الناقمون على الدولة الأموية هم امتدادا لمنكرى التحكيم ويشملهم اسم الخوارج جميعا. ووضعت فى هذا عشرات الأحاديث منها ما عرف زيفه ومنها ما لم يعرف كما وضعت عن لسان الإمام فيه عشرات الأقاويل منها ما هو ظاهر البطلان. وقد اشتهر في هذا الباب ناس منهم المهلب ابن أبي صفرة حتى أنه قيل أن أثر أحاديثه المكذوبة على الخوارج كان أشد من أثر سيفه.
وقد استفادت السياسة الأموية بهذه الخطوات أنها جعلت الشيعة والمعتزلين والمعتدلين يتفقون معها في السخط على الخوارج والحكم عليهم بالخروج من الأمة الإسلامية دون معرفة بحقيقة الخوارج ومبدأ ظهورهم لأنها أدخلت في روع الناس أن مبدأ ظهورهم هو انفصالهم عن على بعد التحكيم.
وأعتقد أنه مرت فترة قصيرة فى أواخر أيام معاوية وأيام يزيد كانت كلمة الخوارج لم تستعمل بعد أما منكرو التحكيم فكانت تطلق عليهم كلمة أخرى هي (المحكمة) ولذلك عالج زياد في الاضطهاد والظلم
وصار ينتبع الناس ويقتلهم فى منازلهم تحرك الناس لرد الفعل
وقد صورت أم نافع هذه الفترة بصورة مختصرة ولكنها واضحة حين قالت كان الناس حينئذ على ثلاثة أصناف: حكام جبابرة ظلمة، وفساق اتبعوا شهواتهم: وانحرفوا عن الدين، والقراء الذين يحافظون على الدين في سلوكهم وينتقدون حكم الظالمين فلما كثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجه النقد الصريح إلى الأمراء والولاة خطر لزياد أن يتسمع على الناس ويستخرجهم من بيوتهم فينتقم منهم فخشي بعض الناس (م 12 - الاباضية ج 2) (2/177)
صفحة 477
-
178
-
أن يقتلوا على فرشهم فخرجوا ودعوا إلى الخروج • وليس هناك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك (1).
ولعل هذه الكلمة من أم نافع بنت خليفة تشير إشارة واضحة إلى أن الخوارج بمعنى كلمة الخوارج الكامل وبدلالته على جانبيه إنما بدأ استعمالها عند هذه الحركة أو قبلها بقليل
•
وقد نجحت القيادة الأموية فى تكتل الجهود ضد الخارجين عليها باعتبارهم خوارج عن الإمام على وعن الدين وعن خلافه المسلمين فحاربتهم بسيفها وبالإشاعة. والحديث الموضوع ويبغض محبى الإمام لهم وانحاز إلى جانبها كثير من العلماء والفقهاء دون أن يعرفوا الحقيقة الكاملة لمن كانت تطلق عليهم السياسة الأموية كلمة الخوارج أو على الأقل لم يفرقوا بين من تنطبق عليهم كلمة الخوارج بمعناها الكامل نتيجة لمبادئهم الشاذة الخاصة. بهم وبين من خرجوا أو دعوا إلى الخروج دون أن يحملوا شيئا من مبادئ الخوارج وإنما ثاروا على الانحراف والظلم ودعوا السلطة الحاكمة إلى الالتزام بأحكام الإسلام وبين الموقفين فرق كبير.
وإذا رجعت إلى مناقشة جميع دوافع الخروج في الدولة الأموية في مجموعاتها المختلفة. لم تجده مسألة أو عددا من المسائل اختلفت فيها أنظار الاجتهاد بين جهاز الحكم والجهاز الشعبي – إن صح هذا التعبير هو الحال في الفتن الأربعة السابقة وإنما نجد أن الطرف الشعبي
كما
(1) انظر الكلمة فى طبقات الدرجينى الجزء الثاني تحقيق طلاي
ص 235. (2/178)
صفحة 478
-
179 -
الناقم ـــ على اختلاف دواعيه ودعاويه - غير مسلم بشرعية الحكم أساسا، يضاف إلى عدم الشرعية عدم الالتزام بأحكام الإسلام. أما الجانب الثانى فيعتبر أن الحكم وما يتعبه يجب أن يجرى على رغبة السلطة ووفق إرادتها. وهو حق اكتسبته بالقوة لم يمتن به عليها أحد ـ ولن تفرط فيه مهما كانت الظروف ولعل خير ما يصور النظرة الأموية إلى قضية الحكم هو الكلمة التي قالها مروان ردا على الوفود التي جاءت تنتظر أمير المؤمنين عثمان بعد أن خطبهم في المسجد خطبة مهدئة. ووعدهم وعودا واستغفر ربه حتى تأثروا وتأثر وبكوا وبكى فلما رجع إلى البيت وجد هناك مروان وجماعة من بني أمية لم يرضهم مساك أمير المؤمنين الناقمين عليه وبعد مناقشة عنيفة بينهم خرج مروان – إلى الجموع المحتشدة التي تنتظر عثمان ليفي لهم بما وعد فقال لهم مروان: «ما شأنكم: قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب: شاهت الوجوه أتريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أعربوا عنا والله وإن رميتمونا لتميرن عليكم ماحلا، ونفعلن بكم مالا يسركم، ولا تحمدوا فيناغب رأيكم. أرجعوا إلى منازلكم. فانا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا».
-
ومروان في ذلك الحين لم يصل بعد إلى السلطة المباشرة وإنما كان يعيش في ظلال الخلافة الرشيدة، ولكن هذا لم يمنعه من الإحساس بأن السلطة قد وصلت إلى الأيدى الأموية ويجب أن تبقى بها وهو لم يدافع عن أمير المؤمنين عثمان بل إنه لم يعرض لهذا الجانب مطلقا وإنما اعتبر الملك ملك بني أمية وأنهم مستعدون من أجل ذلك للدفاع وليسوا مغلوبين على ملكهم. وإنهم سينتقمون من كل من يعرض بالمعارضة.
فالموقف بين الحكم الأموى والمعارضين له لم يكن موقفا اختلفت فيه أنظار الاجتهاد فى مسائل محدودة بين طرفين متفقين على الأصول. (2/179)
صفحة 479
- 140 -
وإنما هو موقف يلتجئ فيه الجانب الأموى إلى السيادة الحاصلة في التغلب والقهر بالقوة وإلى استعمال السلطة فى كل المرافق وحجته دائما هي ملكية اليد، وكثرة العدد، وصرامة العقاب ولم يلتجيء أبدا إلى أى معنى من معانى الحق لأنه لو التجأ إلى ذلك لخسر القضية جملة وتفصيلا ويلتجئ فيها الجانب المعارض إلى عدد من المواقف أشدها عدم الاعتراف بالحكم القائم وأوسطه السكوت عن شرعية الحكم وإنما المطالبة بالعدل والالتزام وأهونه الرد على أحداث معينة محددة أو الأخذ بالثأر لأشخاص معينين
وبالنظر إلى الاعتبارات السابقة جميعا فاحسب أن تاريخ الخوارج يبدأ بعد قيام الدولة الأموية وأنه ليس كل من أطلقت عليهم كتب التواريخ اسم الخوارج هم خوارج حقيقية وإنما الخوارج حقيقة هم طوائف محدودة لها مقالات شاذة كانت كمبادئ وشعارات لهم لا يشاركهم فيها غيرهم أما الأحداث والحروب التي وقعت في عهد بعض الخلفاء الراشدين فهى فتن بين الصحابة وقد انتهت بالفتنة التي وقعت بين أمير المؤمنين على ابن طالب ومنكرى التحكيم قرب النهروان وقد سمى هؤلاء بالمحكمة واشتهروا بها، أما الألقاب الأخرى من الخوارج والمارقة وما إليها فقد جاءت فيما بعد بتوجيه سياسى لاستغلال ظروف معينة
بعد هذا أحب أن أذكر القارئ الكريم أن هناك. من يرى مثل هذا المرأى من بعض الوجوه فقد اطلعت على كتاب للأستاذ على مصطفى الغوابي تحت عنوان «تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين» كتب فيه باختصار عن الطوائف الأربع التي يتكون منها المسلمين في نظره وهى المعتزلة والشيعة والخوارج والمشبهة. وقد
جميع (2/180)
صفحة 480
1^1 -
رأيت أن انقل لك كلمة صغيرة عن الخوارج فى كتابه القيم مع تصرف قليل بحذف الأحداث التاريخية التى يذكرها أثناء الكلام قال في صفحة 272
وما بعدها.
أما سلفهم فهم الذين يسميهم المؤرخون «المحكمة الأولى» وبعد كلام يقول: (فإنهم تجمعوا فى اثنى عشر ألفا» وبعد كلام يقول: ولم يبق منهم إلا أربعة آلاف مع عبد الله بن وهب وحرفوصى بن زهير
ولما نشب القتال بينهم وبين على لم يبق منهم إلا تسعة رجال»
هم
ثم يقول بعد كلام: (وبعد هذا يتأتى لنا أن نقول إن هؤلاء سلف الخوارج. إلا أنه بعد بيان الجهات التي رحل إليها هؤلاء الرجال التسعة لم يبين لنا أحد من المؤرخين كيف انتهى الحال بهؤلاء الرجال الذين توزعوا في تلك البلاد وإنما ابتدأوا تاريخهم لفرقهم الذين ذكروا في مقدمتهم الأزارقة ثم لنجدات وهكذا من غير ربط الصلة بين تلك الفرق الجديدة ورجالهم الذين توزعوا في البلاد» المقصود منه.
انتهى
ولا شك أنه يحق للأستاذ على الغوابي أن يثير هذا التساؤل فالمسافة بين فتنة النهروان وظهور الخوارج بعيدة جدا. وأعنى بكلمة هنا الأزارقة ومن قال بقولهم وسار بسيرتهم ذلك أن كلمة
الخوارج الخوارج بالحقيقة إنما وجدت معناها بظهور الأزارقة وكتب التاريخ تذكر أن نافعا بن الأزرق كان من جملة الساخطين على الحكم الأموى ولما لج ابن زياد في اضطهاد الناقمين عليه اجتمع. عدد من الناس وبايعوا بن الأزرق في البصرة ثم ذهب بهم إلى الأهواز فاستولى عليها وجبى خراجها وكان هذا فى سنة 64 للهجرة وهناك في الأهواز خطا
نافعا (2/181)
صفحة 481
-
182
خطوته المتطرفة التى فرقت عليه كثيرا من أنصاره وأبعدت عنه كل المعتدلين الذين كانوا غير راضين على الحكم الأموى وقد ساق القصة
عدد من المؤرخين ووردت في بعض كتب الأدب بأسلوب أدق وأشمل
10
قال أبو العباس المبرد فى كتابه الكامل الجزء الثاني ص 208
ما يلي:
جاء مولي لنبى هاشم إلى نافع فقال له: أن أطفال المشركين في النار وأن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال قال له
نافع:
كفرت وأدلك بنفسك، قال له: إن لم آتك بدليل لهذا من كتاب الله فاقتلنى «وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا» • فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنهم جميعا في النار، ورأى قتلهم وقال: الدار دار كفر إلا من أظهر إيمانه. ولا يحل أكل ذبائحهم ولا تناكهم ولا توارثهم ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، بمنزلتهم والتقية لا تحل» •
وعندما علم عبد الله بن إباض بهذا الموقف فى ابن الأزرق برئ منه
قال الطبرى فى الجزء الرابع. من تاريخه ص 440 ما يلى:
) فقال - أى عبد الله بن إباض - قاتله الله أي رأى رأى صدق
نافع بن الأزرق). (2/182)
صفحة 482
1830
لي كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، ولكنه قد كذب وكذبنا فيما يقول، إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم براء من الشرك، ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام.
وقد لخص أبو العباس المبرد رد عبد الله ابن إباض في كتابه الكامل
ص 214 فقال:
) وقول ابن إباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنة) ثم نقل قول الله عبد بن إباض في رده على نافع فقال: (وأنا أقول: إن عدونا كعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنى لا أحرم مناكحتهم ومواريثهم لأن معهم التوحيد والإقرار بالكتاب والرسول عليه السلام، فأرى معهم دعوة المسلمين تجمعهم وأراهم كفار للنعم).
وواضح من هذا أنه لا علاقة بين المحكمة والخوارج فإن المحكمة قد انتهوا بموقعة النهروان وإن حركات كثيرة مناوئة قامت على الدولة الأموية اتخذت أساليب مختلفة وأسبابا متعددة ولكنها كلها لم تحمل معنى الخارجية حتى جاء نافع بن الأزرق وخرج بحركته سنة 64 وحكم على جميع. مخالفيه بالشرك وحاول أن يطبق عليهم حكم مشركي العرب فانطبقت عليه وعلى من أخذ برأيه كلمة الخارجية بمعنييها السياسي والديني ثم توسعت فيها السياسة الأموية واستغلتها فأطلقتها على أكثر من ينتقدها ثم وجدت من يربطها بالمحكمة وما هى فى الواقع إلا حركة أخرى من الحركات الناقمة على الحكم الأموى. وأن اعتبار الخوارج خلفا للمحكمة ومحاولة ربط الخارجية بالمحكمة بأى رباط هو عملية ملفقة وقد استجاب (2/183)
صفحة 483
184 -
الخوارج لتلك المحاولة لأنها تجعل لحركتهم أساسا في أحداث التاريخ ومهما حاول المحاولون فإن هوة زمنية تبقى فاغرة الفم بين موقعة النهروان وتحرك الخوارج لأول مرة بقيادة نافع بن الأزرق ومهما نسب إلى المحكمة ومن انتسب إليهم فيما بعد فإنه لن يجد أحد دليلا واحدا صحيحا يصلح التعلق به ينسب فيه إلى المحكمة شيئا من مبادئ الخوارج من قولهم بتشريك المسلمين واستحلال أموالهم ومعاملتهم معاملة مشركي العرب وكلمة الكفر التي تذكرها كتب التاريخ كثيرا في النقاش الذي جرى بين الإمام أو من يرسله إلى أهل النهر كانت دائما تتبع بكلمة التوبة مما يدل أنها تستعمل بمعنى كفر النعمة أو المعصية ولم يقصد بها أحد معنى الشرك. ولم يمر على فيما اطلعت عليه على كثرة ما نسب إلى المحكمة من حق وباطل أنهم طالبوا أحدا بتجديد الإسلام وإنما
يطالبون بالتوبة ويمكن أن تنتهى فى نهاية هذا الفصل إلى ما يلى:
الفتنة الرابعة كان الخلاف فيها بين الإمام على والمحكمة وقد انتهت بانتهائهم والحركات التي قامت فيما بعد قامت ضد الحكم الأموى والخروج فيها خروج سياسي مهما كانت الدعاوى والدواعى
أما
ابتدأت حركة الخوارج حقيقة بقيام ابن الأزرق سنة 64 للهجرة
إذا أطلقت كلمة الخوارج فيجب أن تنصرف إلى هذه الحركة
إذا أطلقت على غيرها فيجب أن تفهم بأنها خروج سياسي
فقط
• (2/184)
صفحة 484
-
-
مفاهيم يجب أن تختفى
بدأ مفهوم جديد يسيطر على أذهان المثقفين ما أشاعه بسبب بعض المستشرقين واتبعهم فيه كتاب مسلمون ـ وذلك بزعمهم أن الأمة الإسلامية تنقسم إلى أحزاب ومذاهب وهو مفهوم خاطئ لأن السياسة في الإسلام تكون جزءا من أحكام الشريعة وليس هناك مذهب إسلامي ليس له آراؤه في العقائد والسياسة والفقه أما منشأ الخلاف فقد بدأ بخروج. طلحة والزبير ومعاوية على على ومن هؤلاء تكونت مذاهب جمهرة المسلمين ومن أنصار على تكونت مذاهب الشيعة ولكلا المذهبين أصوله في السياسة والعقائد والفقه وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصل
الآتى:
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية
عندما اضطربت الأمور فى أواخر الخلافات الرشيدة، وعند صدر الدولة الأموية وبرز الصراع على الحكم بروزا واضحا بين مختلف طوائف الناس وظهرت الرغبات المادية الملحة طافحة على تصرف الأفراد والجماعات انقسمت مواقف الناس إلى عدة تكتلات أو أصناف هي كما يلي:
الأول: التكتل الأول يتمثل فى موقف اتباع ذلك الصنف الذكي المرن الذي لاحظ أن الحكم - حين وصل إلى الأيدي الأموية ـ بدأ يتجه إلى ملكية وراثية ممتدة ومسيطرة. فرأى أن يستمسك بالجانب الأقوى في الميدان. وجعل وسيلته للسيادة على جميزة المسلمين
هي
ارتباطه (2/185)
صفحة 485
-
186 pr
بالسلطة القائمة فعلا • فارتبط أولا بالدولة الأموية ثم بالدولة العباسية ثم بالدولة العثمانية وفيما بين ذلك كان يرتبط ببعض الدول التي تقوم هنا أو هناك ثم تزول. ومن هذا التكتل تكونت مذاهب الأشاعرة والظاهرية والحنابلة والمعتزلة.
الثاني: التكتل الثاني يتمثل في موقف اتباع ذلك الصنف العاطفى الذي كان يتأثر بالأحداث منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واختيار الناس أبا بكر دون على للخلافة حتى مقتل الحسين. فرأى أن يجعل وسيلته للتحكم وللسيادة على جمهرة المسلمين هي جوانب عاطفية فاستمسك بأهل البيت وحاول أن يحصر فيهم حق السيادة والحكم بطريق الوراثة أو دعوى الوصية المتسلسلة فيهم دون غيرهم ومن هذا التكتل تكونت مذاهب الشيعة (1) لمختلف فرقها
الثالث: التكتل الثالث يتمثل في موقف اتباع ذلك الصنف الذى رفض فكرة الواقعية التي تبناها الصنف الأول ورفض فكرة الوصية التي تبناها الثاني وجعل وسيلة للوصول. إلى الحكم، وللسيادة على جمهرة المسلمين مثالية مطلقة فى اختيار الحاكم ثم قطع عذر من خالف هذا الرأى ومن هذا الصنف تكونت مذاهب الخوارج •
(1) يرى بعض المستشرقين وبعض كتاب المقالات فى المسلمين المعاصرين أن الشيعة والخوارج حزبان لا شأن لهما بالدين وأن أهل السنة مذهب فقهى لا شأن له بالسياسة. وهذا تكلف لا مبرر له، وتفريق بين متماثلين وتحكم في أحداث التاريخ. لأن لكل واحد من هؤلاء آراء فى السياسة والعقائد والفقه راجع ان شئت - ما قلناه في نقاشنا للأستاذ أبو زهره. (2/186)
صفحة 486
-
187 -
التكتل الرابع صدر الدولة الأموية نبت تكتل آخر وقف موقفا وسطا بين هذه الأصناف المتصارعة والتيارات المتعارضة، فلم يتخذ كامل موقف الميرونة التي ترضى بالأمر الواقع وتستسلم له مهما كانت الظروف. ولم يتخذ كامل موقف الوصية الوراثية الذى يحصر الحكم فى أسرة واحدة على مدى التاريخ ولم يتخذ كامل موقف المثالية الدكتاتورية التي تفرض نفسها • فخالف الصنف الأول حين أجاز الخروج على الحكم القائم إذا ترجح أن الخروج يحقق - للأمة – مصلحة ولا ينتج عنه
: خلال الصراع العنيف بين هذه الأصناف الثلاثة في
على جميع
الناس
-
ضرر محقق أكبر مما هم فيه. وأجاز على كل الأحوال ــ الدفاع والشراء لإقلاق الأنظمة القائمة وزعزعتها إذا كانت جائرة
وخالق الصنف الثانى فلم يقل بالوصية ولم يعترف بنظام الوراثة وقصر الحكم على بيت واحد على مدى التاريخ.
في
من
وخالق الصنف الثالث فى أنه لم يوجب الخروج على أئمة الجور جميع الأحوال ولم يفرض مبدأ على على جميع الناس ولم يقطع عذر ومن هذا الصنف تكونت مذاهب الإباضية.
خالفه
ولقد كان لكل واحد من هذه الأصناف اتجاهات لها خطوط عريضة انبنت عليها فيما بعد مذاهبهم في العقيدة والفقه والسياسة.
ولا شك أن أول هذه الأصناف تفكيرا وتخطيطا وظهورا على مسرح الحياة هو الصنف الأول ورغم أنه هو المحرك الأساسي لقضية الخلاف، وأن من كان يطلق عليهم كلمة العثمانية هم الذين انشقوا في الحقيقة عن مركز الخلافة. وإن العثمانية فى الواقع ايست إلا حركة ظاهرية (2/187)
صفحة 487
188
--
للسياسة الأموية العميقة التي استطاعت بالدهاء والمرونة أن تكسب الموقف وأن تبرز نفسها في صورة الأصل الثابت وتبرز الشيعة والخوارج في صورة الأحزاب المتطرفة المنشقة. واستطاعت أن تحتضن الألسنة والأقلام وأن تسخر كتاب المقالات والمؤرخين فيما بعد فأضفوا على مسلكها ثوب الشرعية، ووجدوا لها مبررات برروا بها انشقاقها في مبدأ الأمر بما لم يخطر لها هي نفسها على بال. وإنك لتقرأ لكتاب هذا العصر فتعجب كيف يتسنى لبعضهم أن يصعدوا تلك الأحداث بهذا الشكل ولعلك تريد مثلا من ذلك فإليك هذه الصورة التي يضعها أستاذنا الفاضل الشيخ أبو زهرة في كتابه القيم المذاهب الإسلامية.
إن الخلاف بين على والأمويين أنبعث عن فكرة هي: من لهم حق اختيار الخليفة أهم أهل المدينة وحدهم والناس لهم تبع أم حق الاختيار للمسلمين في كل البقاع؟ ونتج عن هذا الخلاف ظهور الخوارج والشيعة ونجم عن ظهور الخوارج انبعاث حروب شديدة بينهم وبين على وبينهم وبين الأمويين
ونتج عن ظهور الشيعة حروب انتهت بقيام الدولة العباسية. نقلت العبارة بتصرف قليل
بالإضافة إلى التكتلات الأربعة التى أشرنا إليها فيما مضى كان هناك تحرك خامس انبعث مع التكتل الأول ثم غلبت عليه الأحداث فلم يظهر إلا بعد انتهاء الخلافة الرشيدة. ولكن هذا التحرك لم ينبن عليه قام
ما اتجاه مذهبي ولذلك فقد انقطع منذ انتهى محركه الأول واعنى به به عبد الله بن الزبير وقد اعتمد ابن الزبير في حركته على مزايا شخصية (2/188)
صفحة 488
-
149 -
فقط يلخصها قوله في حوار له عبد الله مع بن عباس «أصبحت في قريش بمنزلة الرأس. بل بمنزلة العينين! فأنا ابن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمى أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنه. وعمتي خديجة سيدة نساء العالمين وجدتى صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالتي عائشة أم المؤمنين» •. فلم ينجح ابن الزبير رغم هذه المزايا لأنه لم يستمر مع التكتل الأول – إذ انفصل بعد فتنة الجمل - فلم يؤيده الحزب الأول. وكان قد حارب التكتل الثاني منذ بيعة على بن أبى طالب فلم يؤيده الحزب الثاني. ولم يوافق على مبادئ التكتل الثالث فلم يؤيده الحزب الثالث أما التكتل الرابع فكان يرى فيه صورة أخرى للسياسة الأموية ينتج عنها أن نجحت، ملك آخر عضوض ولذلك فلم يؤيده الحزب الرابع فكانت حركته تشبه أن تكون منبتة ضئيلة تحاول أن تنمو وتمتد في ميدان تتصارع
عنه
فيه زوابع عاصفة. فلم تلبث أن اختفت بين تلك الزوابع العنيفة.
وقبل أن تمضى في هذا النقاش ينبغي أن نشير إلى صور جانبية أثناء الأحداث لا يمكن أن تسقط من الحساب فعند ما نقم ناقمون على أمير المؤمنين عثمان كان جمهور الناس في شبه ارتباك لا يعرفون ما هو التصرف الذي ينبغي لهم فاندفع بعض الشباب إلى بيته لحمايته من المهاجمين لكن أغلب المسلمين وقفوا في شبه حياد وذهول وارتباك ورغم أن الانتقاد على أمير المؤمنين استمر نحو ست سنوات ولكن أحدا لم يتخذ موقفا صارما. لا أهل الشام ولا أهل العراق ولا أهل مصر ولا حتى أهل الحرمين حتى وقعت الكارثة وقتل عثمان. هذا الجمهور الصامت المترقب هل هو مع عثمان هل هو ضد عثمان! هل هو على الحياد الكامل كأن المسألة لا تعنيه؟ إن التفسير الوحيد لهذا الموقف الجامد
• (2/189)
صفحة 489
- 190
-
ان الارتباك الذى يقيد صاحبه عن الحركة فلما تحرك العثمانية بعد هذا الدور وأرادوا أن يستغلوا هذه الفتنة ضد الخلافة التي قامت بعدها لم يقف الجمهور مرتبكا كما وقف في المرة الأولى بل لقد انضم الفريق الأكبر إلى تأييد الخلافة الجديدة وانضم فريق آخر إلى الناقمين عليها وأعلن فريق ثالث ويتكون من عدد قليل جدا أنه يقف على الحياد الكامل وسار على مبدئه وحافظ عليه في الأحداث التي جميع وقعت بعد فيبقى على الحياد. هؤلاء الحياديون لم يكونوا تكتلا ولم ينصروا حزبا على حزب بل إن كل واحد منهم قد اتخذ لنفسه ذلك الموقف بناء على اقتناعه الشخصي فقط ولم ينتج عن موقفهم هذا اتجاه مذهبي ولذلك لم ندخلهم في الاعتبارات السابقة
ولا شك أن تلك الاتجاهات السياسية قد نتجت عنها صراعات حد ما بتلك الظروف كانت متأثرة إلى
مذهبية فقهية وكلامية
-
والحركات والاتجاهات.
فكان أهل السنة مثلا وقد انضموا تحت جناح الدولة الأقوى التي اتخذت لنفسها اسم الخلافة دون أن تلتزم بشروطها ـ مشغولين بقضية شرعية للدولة التي تفرض نفسها بالسيف. وإعطائها حق أولى الأمر، ووجوب خضوع الرعية لهذا الحاكم، وعدم السماح له بالخروج • وقد
(1) ذهب بعض المتفلسفة المستشرقين الى أنهم أصل لمذهب المعتزلة المعروف لأن بعض مصادر التاريخ قالت عنهم انهم اعتزلوا الفتن فقدروا ان كلمة الاعتزال جاءت من هنا واقتنع بهذا الرأى بعض علماء المسلمين منهم الاستاذ على الغوابي حتى بنى عليه بحثه لكأنه هو الحقيقة. (2/190)
صفحة 490
— 191
نشأ
فلسفة عن الحكم عند أهل السنة عدد ضخم من القضايا الفقهية والكلامية • نوقش بعضها في محيطهم الداخلى، ونوقش البعض الآخر مع الفرق الأخرى من المسلمين.
وكانت الشيعة بمختلف فرقها مشغولة بالإمامة وقد أخذ منها التفكير موضوع الإمامة جانبا هاما من الدراسة. فبعد أن اتفقت على الوصية احتارت من أى بنى هاشم يكون الإمام! وكيف يتسلسل، وكيف تتم الوصية وما هو الحكم عندما تحلو البلاد الإسلامية في واقعها من خليفة هاشمى وهل عدد الأئمة محصورا وقد انبنت على هذه الجوانب تحلها أعدادا ضخمة من القضايا الفقهية والكلامية فيما بين فوق الشيعة وحدها ونوقش البعض الآخر بينها وبين المذاهب الأخرى. ولعل القارئ الكريم يلاحظ أن هناك تقاربا كبيرا بين أهل السنة والشيعة والخلاف بينهما يكاد يكون لفظيا فبينما يرى الشيعة أن الإمام معصوم وأن الخروج عليه فسق وأن حكمه تشريع يرى الأشعرية أن الإمام ليس معصوما ولكن خطأه لا يبيح الخروج عليه فطاعته واجبة والخروج عليه فسق وإن كان جائرا. فهما يسيران فى خطين متساويين وإن اختلفا في التعبير. وعلى كلا المذهبين فإن الشخص الذى يصل إلى كرسى الإمامة يضمن لنفسه سلامة المكان من حيث النظرة المذهبية لأن طاعته واجبة والخروج عليه فسق والشعار المرفوع دائما: (اسمعوا وأطيعوا).
أما الخوارج بفرقهم المختلفة فقد وقفوا من موضوع الإمامة موقفا مغايرا تماما لموقفى الفرقتين السابقتين حتى أن صورة الإمام عندهم لا تتعدى صورة أى عامل ضعيف - رغم الشروط والمواصفات والكفاءات (2/191)
صفحة 491
-
192
—
الكثيرة التي يشترطونها فيه - يرفع إلى مركز القيادة بكل سهولة دون أن يكون له أى امتياز خاص أو مكسب – ولكنه بنفس السهولة يمكن أن يعزل أو يقتل ذلك أنهم يرون أن طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله فإذا خالف وجب عليه أن يسارع بالتوبة فإن لم يفعل وجب أن يعزل فإن لم ينعزل وجب أن يقتل، فإن لم يتيسر. قتله وجب الخروج عليه ولا يحل البقاء تحت حكمه، ولم أعرف للخوارج كتبا في الفقه أو الكلام حتى أستطيع أن أتأكد من صورة الصحة التي أضعها لهم وإنما اعتمد على ما تذكر مصادر غيرهم عنهم.
أما الإباضية فقد وقفوا موقفا متوسطا بين هذه التيارات الثلاثة فرفعوا الفكرة التي يقول بها الشيعة، ورضوا فكرة وجوب الطاعة على جميع الوجوه وتحريم الخروج على جميع الوجوه كما يقول أهل السنة ورفضوا فكرة دكتاتورية المثالية التي توجب الخروج على الأئمة معهم على جميع الوجود. وإنما أوجبوا الطاعة عندما تكون الإمامة سائرة بمنهج الشريعة وأجازوا البقاء والخروج حسبما تقتضيه أحوال الناس وظروف المجتمع. إذا كان الحكم
الجورة وتحرم
البقاء
-
جائرا ـ وقد تولد عن رأيهم هذا عدد ضخم من القضايا الفقهية والكلامية وربما كانت تفصيلاتهم في موضوع علاقة الأمة بالحكم أوقى وأوسع من تفصيلات غيرهم مما حملهم أن يعتبروا أن مسالك الدين أربعة الظهور والدفاع والشراء والكتمان.
هي
•
وقد كتب للصنف الأول من هذه المذاهب أن ينجح سياسيا وعدديا
بما له من مرونة تساعد على اتخاذ المواقف تبعا لظروف السياسة
فكان هذا الصنف على مدى التاريخ محتميا
1
أو بعبارة أصح - مرتبطا (2/192)
صفحة 492
- 19?-
بالسلطة وكانت السلطة تحتضنه في كل المواقف الحرجة. ولا شك أن الفقيه (1) الذي يقوم فيقول عن سلطان ما هذا أمير المؤمنين وولى أمر المسلمين! فإذا جاء متسلط آخر فقتله وتسلم زمام الحكم منه ثم جلس في مكانه. قام ذلك الفقيه نفسه فوجه إلى الحاكم الجديد نفس العبارة هذا أمير المؤمنين وولى أمر المسلمين وطاعته واجبة والخروج عنه فسق. إن هذا الفقيه الذي يجمع فى إمرة المؤمنين وولاية المسلمين بين القاتل والمقتول هو أقدر على الاحتماء بالحكم واستغلاله وهو أقرب إلى الحكام لأنه أطوع في أيديهم وأفيد لهم.
وعلى مقدار المرونة والتشدد في قضية الحكم استطاعت المذاهب أن تتمدد وتنتشر تحت ظلال السلطة. بل استطاعت أن تستغلها أحيانا في إذابة المذاهب الأخرى فيها وأن تحتمى بها أحيانا أخرى
وبقطع النظر عن المد والجذر الذى يلحق أتباع المذاهب المختلفة في المواطن المختلفة فإن الفقه المذهبى قد تأثر تأثراً واضحا بالاتجاهات أو المبادئ السياسية التي يسير بها أو يدعو إليها وفى الإمكان أن نذكر
(1) اقصد بذلك أولئك الفقهاء والمتملقين المتعصبين الذين يلتصقون بالحكام يسيرون في ركابهم ويبررون أعمالهم وأنزه عن هذه الصورة جميع الأئمة المتندى بهم لجميع المذاهب الذين خضعوا للحكم المتساط مرغمين ومع ذلك كانت ترتفع اصواتهم بالنقد أحيانا بوضوح وأحيانا بهمس وندر منهم من لم يلحته الأذى بسبب ذلك. فابن جبير يقتل والحسن يطارد حتى يختفى وجابر يمنع من الحج وأبو حنيفة يضرب بالسياط ومالك يخلع عاتقه واحمد يجلد وغيرهم ومن لم ينله الأذى المادى ناله الأذى الأدبي
(م 13
-
الاباضية جـ 2) (2/193)
صفحة 493
—
كمثل لذلك في المذهب الإباضي موضوع (الشراء) والأحكام المتعلقة به. متى يجوز الشراء؟ ومن يجوز لهم الشراء؟ وما هو أقل عدد يشترط للخروج إلى الشراء؟ وسلوكهم مع الناس، المحافظة على الأموال، عدم ترويع الآمنين، حكم انتهاك الحرم والبغي والتعدى • متى يجوز للشاري أن يتخلى عن الشراء، موطن الشراء أثناء قيامهم بعمل الشراء، صلاة الحضر وصلاة السفر بالنسبة إليهم، موقفهم من الدولة ومن أموال الدولة القائمة ... . الخ.
وهو باب غنى بالمسائل الفقهية نستطيع أن نعتبرها جميعا من الفقه المتأثر بالاتجاه السياسي. ولعل أكثر أبواب الفقه تأثرا بالاتجاهات أبواب الأموال عموما وأبواب الولاية على النفس وعلى
السياسية هي المال عند المذاهب. بل ان المتعمق في دراسة الفقة الإباضي يلحظ جميع هذا التأثر في آراء المشارقة من الإباضية وآراء المغاربة منهم وذلك أن
المشارقة
وهم أهل عمان وزنجبار (سابقا) كانت تقوم عندهم دول باستمرار عادلة أحيانا وجائرة أخرى فكانت الصلاحيات المعطاة للولاة والقضاة فيها أوسع منها مما في المغرب.
والمغاربة من الإباضية وقد عاشوا غير خاضعين لدولة منذ أواخر القرن الثالث الهجرى مطلقا أو خاضعين لدولة لا تلتزم أحكام المذهب
في
الإباضي يضيقون صلاحيات الولاة والقضاة تضييقا شديدا ويتوسعون صلاحيات جماعة المسلمين وكبار العشيرة. ونظام العزابة، توسعا شديدا وهذا ولا شك ناشيء من تأثر الفقه بالسياسة.
والذي ينبغي أن ننتهى إليه في نهاية هذا الفصل – بقطع النظـ (2/194)
صفحة 494
-
190 -
عن حركة ابن الزبير التي انتهت بانتهائه وعن موقف الحياديين الذين اعتزلوا جميع الحركات منذ بدأت الفتنة فلم يتركوا بعد ذلك أثرا
هو ما يلي:
-
-
في أواخر الخلافة الرشيدة وأوائل الدولة الأموية انقسم المسلمون بسبب الفتن ثم تحول الخلافة إلى ملك عضوض – إلى عدد من التكتلات التي تميزت في مبدأ أمرها بنزعة سياسية ثم لم تلبث أن تتخذ لها مواقف خاصة فى شئون العقيدة والفقه والحكم وهي
كما يأتي:
-1
التكتل الأموى وهو الأكثر والأقوى. والمبدأ الأساسي الذي
ارتبط به في موضوع الحكم أن رئاسة الدولة تكون على نوعين:
الأول خلافة دينية: إذا استوفت الشروط وهي البيعة والشورى والعدالة والقرشية. والثاني خلافة دنيوية إذا لم تستوف هذه الشروط وفي كلتا الحالتين تجب الطاعة ولا يجوز الخروج.
وعلى هذا المبدأ السياسي تكونت بعد الأصول المذهبية في العقائد هذا التكتل انبثقت مذاهب الأشاعرة والماتريدية والأثرية
ومن
والفقة والمعتزلة.
التكتل الهاشمى وهو في الدرجة الثانية من حيث الكثرة والقوة. والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به فى موضوع الحكم أن رئاسة الدولة وهي أهم شيء في الأمة الإسلامية. وما كان الله ليتركها للناس ولذلك فإن الخلافة الإسلامية تنبنى على وصية ليتركها السابق للاحق (2/195)
صفحة 495
-197 -
وكان أول وحى هو الإمام على ثم تسلسلات. وعلى هذا المبدأ تكونت
أصولهم المذهبية في العقائد والفقة
•
ومنه انبثقت فرق الشيعة.
التكتل المثالي وقد ظهر بعنف واختفى في سرعة والمبدأ
الأساسي الذي ارتبط به فى موضوع الحكم أن رئاسة الدولة تتم بالاختيار المطلق وتسقط بالجور وعندما تسقط بالجور فعلى الخليفة أن يعتزل أو يقتل أو يحارب. ولم يكتب لهذا التكتل أن يبقى طويلا ولذلك لم يترك ما نستدل به على أصوله فى العقائد والفقة رغم أن كتب خصومه تسند إليه مقالات في الأصول أو الفروع.
-
{
التكتل الرابع وقد ظهر عند احتدام الخصام بين التكتلات الثلاثة والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم هو أن رئاسة الدولة تتم بالبيعة والشورى والعدالة وأن الخليفة الذي جاء عن هذا الطريق واستمر عليه تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه فإذا انحرف جاز الخروج عليه. وإذا جاء فى غير هذه الطرق ولكنه سار بسيرة العدول فهو أيضا تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه ومن هذا التكتل انبثقت مذاهب الإباضية وبهذا يتحصل أن للأمة الإسلامية في الخلافة
أربعة آراء هي:
1
من يمسك رئاسة الدولة سواء كانت رئاسة دينية أو دنيوية تجب طاعته والخروج عليه فسق.
لا يعتبر إماما للأمة الإسلامية إلا من جاء عن طريق الوصية
وهو حينئذ معصوم وطاعته واجبة والخروج عليه فسق. (2/196)
صفحة 496
197
-
لا يكون إمام المسلمين إلا من جاء بالاختيار الحر وتجب طاعته إذا كان عادلا فإن جار وجب الخروج عليه وقتاله إذا ام ينعزل
{
إمام المسلمين سواء جاء بطريق الشورى أو بغيره إذا كان عادلا تجب طاعته والخروج عنه فسق وإذا جار ـ جاز البقاء تحت حكمه ولا يطاع في معصية وجاز الخروج عنه. (2/197)
صفحة 497
198
مفاهيم يجب أن تختفى
يسبق إلى أذهان الناس الثقة بمذاهب معينة فيتم فيها الرضا على جميع من ينتمى إلى تلك المذاهب دون نظر إلى مقاله أو سلوكه ويسبق إلى أذهانهم السخط على مذاهب أخرى فيسخطون على كل من فيه دون نظر إلى مقاله أو سلوكه وهو مفهوم خاطئ فإنما يجب أن ينظر إلى كل المذاهب بالثقة أما الأفراد فينظر إليهم بحكم أعمالهم وأقوالهم وعليها وحدها تنبنى الأحكام وقد جئت بمثالين لرجلين مختلفين في المذهب متفقين في العقلية أحدهما يتمتع بسخط الناس جميعا والآخر يتمتع بمحبتهم و احترامهم مع أن مبدأهما واحد
•
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصل الآتي.
مقارنة
•
يسخط أكثر كتاب المقالات ومن ورائهم جمهور المسلمين على الخوارج لأن الخوارج يكفرون مخالفيهم ويستحلون دماءهم وأموالهم ويرى أكثر كتاب المقالات أن مخالفيهم هم أهل السنة، وأهل السنة في نظر الجماهير هم الفرقة المعتدلة المتسامحة فما هو حكم أهل السنة على مخالفيهم؟
لكي نحدد هذا الموقف لابد أن نستعين بأحد كتاب المقالات وقد رأينا أن نستعين بكتاب الفرق بين الفرق لمؤلفه عبد القاهر بن طاهر البغدادي. وفى إمكاننا أن نلخص منه ما نريده فيما يلى: (2/198)
صفحة 498
-
199 -
يقول البغدادي إن أهل السنة ثمانية أصناف: الصنف الأول منهم
من
أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة، والصنف الثاني أئمة الفقة فريقى الرأى والحديث، وأدخل فى هذه الدائرة أصحاب مالك والشافعى والأوزاعي والثورى وأبى حنيفة وابن أبي ليلى وأصحاب أبي ثور وأصحاب أحمد بن حنبل وأهل الظاهر. والصنف الثالث الذين أحاطوا علما بطرق الأخبار والسنن، والصنف الرابع منهم أحاداوا علما بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، والصنف الخامس هم الذين أحاطوا بوجوه قراءات القرآن ووجود التفسير والصنف السادس منهم الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، والصنف السابع منهم قوم مرابطون في ثغور المسلمين فى وجوه الكفرة، والصنف الثامن منهم عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة
علما
فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة ومجموعهم أصحاب الدين القويم والصراط المستقيم.
أما مخالفو أهل السنة من أهل القبلة فى نظر البغدادي فهم قسمان قسم حكم عليهم بأنهم مرتدون وأجرى عليهم جميع أحكام أهل الردة وقد ذكر أصحاب هذه الفرق فرقة فرقة، أما القسم الثاني من مخالفي أهل السنة السابقين من أهل القبلة فهم الذين يذكرهم تحت عنوان أهل الأهواء والبدع وقد عدد فرقهم أيضا فرقة فرقة وذكر طائفة من أحكام السنة عليهم فقال في كتاب الفرق بين الفرق ص 357 ما يلى:
وأما أهل الأهواء من الجارودية والهشامية والنجارية والجهمية والإمامية الذين كفروا خيار الصحابة، والمعتزلة عن الحق والبكرية (2/199)
صفحة 499
المنسوبة إلى بكر بن أخت عبد الواحد، والضرارية، والمشبهة كلها، والخوارج فإننا نكفرهم كما يكفرون أهل السنة ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا ولا الصلاة خلفهم، واختلف فى الثورات قال بعضهم نرثهم ولا يرثوننا والصحيح أن أموالهم فئ، ولا توارث بينهم وبين السني، واستشهد على هذه الأحكام بأقوال نسبها إلى بعض الأئمة فقال: إن
الحارث المحاسبي لم يأخذ من ميراثه فى أبيه شيئا لأن أباه كان قدريا وذكر أن الشافعى أشار إلى بطلان صلاة من صلى وراء من يقول بخلق القرآن ونفى الرؤية، وروى عن محمد بن الحسن أنه قال فيمن صلى خلف من يقول بخلق القرآن أنه يعيد الصلاة، وذكر أن أبا يوسف سئل عن المعتزلة فقال هم الزنادقة وذكر أن الشافعي أشار في كتاب القياس إلى عدم قبول شهادة المعتزلة وسائر أهل الأهواء، وذكر عن مالك أنه قال في المعتزلة زنادقة لا يستتابون بل يقتلون •
-
بعد هذه الاستشهادات قال أما المعاملة معهم بالبيع والشراء فحكم ذلك عند أهل السنة كحكم عقود المفاوضة بين المسلمين الذين في أطراف المثغور وبين أهل الحرب وإن كان قتلهم مباحا ولا يجوز أن يبيع المسلم منهم مصحفا ولا عبدا مسلما في الصحيح من مذهب الشافعي، واختلف أصحاب الشافعى في حكم القدرية المعتزلة فمنهم من قال حكمهم حكم المجوس فعلى هذا القول يجوز أخذ الجزية منهم، ومنهم من قال حكمهم حكم المرتدين وعلى هذا لا تؤخذ منهم جزية بل يستتابين فإن تابوا وإلا وجب على المسلمين قتلهم» •
ولو أردنا أن نلخص هذه الأحكام على أسلوب كتاب المقالات أو على أسلوب البغدادى نفسه لقلنا
1411 (2/200)
صفحة 500
إن أهل السنة:
-
يكفرون مخالفيهم.
- لا يجيزون الصلاة عليهم ولا الصلاة خلفهم.
قال بعضهم أن السنى يرث مخالفيه والمخالف لا يرث وقال
الآخرون بل لا توارث بين السنى ومخالفيه لأن أموال المخالفين فيء
لأهل السنة.
في الثغور
يجوز أن يتعامل السنى مع مخالفيه كما يتعامل مع أهل الحرب
-
قتل مخالفيهم مباح •
-
لا يجوز للسنى أن يبيع لهم مصحفا أو عبدا مسلما
- حكم المعتزلة حكم المجوس قال بعضهم يجوز أخذ الجزية منهم وقال آخرون بل يعاملون معاملة المرتدين يستثابون فإن تابوا وإلا قتلوا و آخرون قالوا بل هم زنادقة لا يستتابون بل يقتلون
هذه هي الصورة التي يأخذها القارئ من كتاب (الفرق بين الفرق) عن معاملة أهل السنة لمخالفيهم من أهل القبلة، فإذا وضعت في مقابل هذا أشد مخالفيهم تطرفا على ما يقوله كتاب المقالات فجئت بأقوال نافع ابن الأزرق المتطرفة التي كانت سبب الخلاف بينه وبين رفاقه والتي وجهت إليه نقمة الأمة المسلمة جمعاء فما هو الفرق الذي تجده بينهما؟ (2/201)
صفحة 501
نافع يقول بأن مخالفيه مشركون يباح دمهم ومالهم والبغدادى يتردد في الحكم على مخالفيه بين أن يعتبرهم في حكم المجوس أو حكم المرتدين أو حكم الزنادقة ويحكم بأن دمهم حلال وأن مالهم فيء أما التعامل مع المحاربين يقع بينهم البيع والشراء ولكن لا
معتم
فهو كالتعامل
أن يباع لهم مصحف أو عبد مسلم.
يجوز
فهل كان نافع ابن الأزرق في تطرفه وتشدده حسب الصورة
التي ترسم. ومع
-
له. أكثر غلوا من البغدادى وقد كتب رأيه وأحكامه بقلمه
بسبب
•
ذلك
ذلك فإن العالم الإسلامي كله ساخط على الأزارقة التطرف ولكن البغدادي يعتبر إماما من الأئمة وكتابه يوضع في قائمة المراجع الهامة في تاريخ العقائد • والدنيا حظوظ.
إذا أجاز البغدادي لنفسه أن يقول بلسان أهل السنة أن المعتزلة في
-
حكم المجوس تؤخذ منهم الجزية – في رأى المتسامحين (1) أو في حكم المرتدين يستتابون قبل أن يقتلوا - فى رأى المعتدلين ـ أو هم في حكم الزنادقة يقتلون دون استتابة - فى رأى المتشددين. مع أن العالم يشهد بالدور العظيم الذي خدم به حماة عقيدة
كله
-
مسلمين وغير مسلمين
-
هم
المعتزلة الإسلام وأنهم كانوا في فترة تاريخية عريضة الإسلام وحراسها الأمناء دون خلاف – فما هو المكان الذي يحق أن يقف فيه عبد القاهر بن طاهر البغدادي.
أحسب أن هناك مكانا فسيحا يصطف عليه طابور من الناس يقف
(1) الكلمات: المتسامحين والمعتدلين والمتشددين أنا الذي وضعتها (2/202)
صفحة 502
- Yor-
فيه نافع بن الأزرق والبغدادى وكل من يقول بأشباه أقوالهما في أي جزء من الأمة المسلمة من أى مذهب أو فرقة كانوا وأحسب أن هذا الطابور من المذاهب هو الذى يمثلها النشاز أو الشذوذ في الأمة
الغلاة من جميع الإسلامية الكريمة ويفترق عنها بشعاره الملوث بالسواد والحمرة، سواد
ظلمة تكفير المسلمين، وحمرة إباحة دمائهم
•
مجموعهم
ولا شك أن القارئ الكريم يمكن أن يتهم البغدادى أو غيره من الناس بالتطرف إذا ثبت من أقوالهم ما يدل على ذلك ولكنه لا يمكن أن يتهم أهل السنة هكذا بأجمعهم بالتطرف لأن أهل السنة في يمثلون حلقة. من الحلقات المتسامحة المعتدلة في الأمة الإسلامية وكل مذهب وكل فرقة وكل طائفة لم تخل من متطرف أو شاذ ولكن التاريخ يطوى أولئك المتطرفين بتطرفهم وشذوذهم وغلوهم فى الدين وتبقى الأمة المسلمة العظيمة المتسامحة المترابطة بجميع الفرق التي كونتها وتكونها تحمل رسالة الله يوجهها في كل عصر من كل خلف عدوله. (2/203)
صفحة 503
[صفحة فارغة] (2/204)
صفحة 504
الباب السادس
ملحوظات .. وتعليقات
الخوارج أيضا
وساطة المعتزلة
تأثير المعتزلة
التقاء الخوارج والمعتزلة
رأي شخصي
نبذة عن الخوارج
رأى عالم كبير مؤرخ
ردود وتعاليق
إجابات وردود
كلمة الختام
دعاء الختام
* (2/205)
صفحة 505
مع
القسم السادس
ملاحظات وتعاليق
أتيح للدكتور أحمد محمود صبحى المحاضر بكلية الآداب بجامعة
•
بنى غازى أن يطلع على الأصول الخطية لهذا الكتاب مع بعض زملائه. وقد سجل عدة ملاحظات أرسلها إلى مشكورا فى قصاصات من الورق أحد الأصدقاء ولما كانت تلك الأصول ليست معى في ذلك الحين فقد علقت عليها بما بدا لى وأرسلتها إليه. كما أنه لما أرجعت إلى الأصول بعد سنتين تقريبا وجدت ملاحظات أخرى في قصاصات بين الصفحات لم أعرف هل هي للدكتور صبحي أيضا أم أنها لأحد زملائه الذين أطلعوا على تلك الفصول
وعلى كل حال فقد استفدت كثيرا من تلك الملاحظات القيمة والنصائح الثمينة كالتزام الموضوعية والبعد عن الجوانب الشخصية وتجنب الاستطراد، كما أنني أعدت صياغة بعض الفقرات اقتناعا بما أبدته الملاحظات وهناك بعض ملاحظات ظننت أنه لا أهمية لها فتركتها. وهناك ملاحظات اختلفت فيها وجهات النظر أو كان عرضى لها غير كاف فحاولت أن أتم هذا الجانب. وأن أبين وجهة نظرى فيما اختلفت فيه الأنظار أو أن أعرض الصورة من جديد مبددا ما حولها من الغيوم.
هذا ثم إنه في أثناء البحث والتنقيب كانت تقع بين يدى ردود رتعاليق تكشف عن جوانب هامة مكملة لهذا البحث وقد رأيت أن الصورة (2/206)
صفحة 506
العامة الكاملة التي أريد أن أضعها بين يدى القارئ الكريم للموضوع
كله إنما تكتمل بوجود تلك الملاحظات والتنانيق والردود
•
واذاك فقد نقلت
-
فيما تتعاق بملاحظات الدكتور صبحي
-
نصوص
الملاحظات
ثم النقاش الذى أجريته حولها أما فيما يتعلق بتلك التي عثرت عليها أثناء البحث والدراسة فقد نقلت بعضها كاملة. بنصوصها وأخذت من بعضها مقتطفات وقد رأيت أن أبدأ بعرض الملاحظات لأنها
أصبحت تكون جزءا كبيرا من هذا القسم ثم انتقل بعدها إلى بقية
الملاحظات
وهم الختاميات. كما يلي:
الخوارج أيضا
وساطة المعتزلة
تأثير المعتزلة
التقاء
الخوارج و
والمعتزلة
رأي شخصي
نبذة عن الخوارج بقلم أبي إسحاق طفيش
رأى عالم كبير
ردود وتعاليق
إجابات وردود
وبهذا أرجو أن أكون قد أوضحت جوانب كثيرة كان يكتنفها (2/207)
صفحة 507
الغموض وكشفت عن جوانب تكاد تكون مجهولة للكثير. وتحدثت بصراحة المسلم إلى أخيه المسلم فى شئون كانت تتجنبها كثير من الأقلام وتخشى الخوض فيها مراعاة للأحاسيس والعواطف، ومجاملة للأفراد على حساب المبادئ وللفرق على حساب المذاهب وللمذاهب على حساب الأمة وقد آن أن تتجمع الأحاسيس والعواطف والمبادئ كلها!! وأن يتجمع الأفراد والفرق والمذاهب وكلها. في الاتجاه إلى الله فقط وطاعة الله فقط واعتبار أن جميع ذلك إنما يكون شيئا واحدا هو الأمة الإسلامية وأن هذه الأمة مكلفة من الله تبارك وتعالى بتبليغ رسالة الإسلام إلى البشرية وأنها مكلفة قبل التبليغ أن نعيشها سلوكا وتطبيقا وأنها لا تستطيع أن تعيشها سلوكا وتطبيقا إلا إذا عادت كما كانت أمة واحدة. (2/208)
صفحة 508
- 209 -
الخوارج أيضا
قال الأخ الدكتور أحمد في ملاحظاته صبحي
-
عن هذا الكتاب
لفظ (الخوارج) وفقا لمفهومه التاريخي حيث تحدد المصادر التاريخية بداية ظهور الخوارج بانشقاق بعض أنصار على عليه عقب التحكيم. لا نعنى إطلاقا الخروج عن الدين، فاللفظ لا يحمل إطلاقا أى معنى من معانى الإدانة بالكفر من الناحية التاريخية، ولكنها اكتسب هذا التصور تحت تأثير كتاب الفرق والمقالات تماما كما ترك هؤلاء انطباعا لدى المسلمين أن الاعتزال يعنى الانشقاق • أريد أن أقول ليس هناك ما يمنع أن يعتز الخوارج بهذه التسمية، كما كان يعتز المعتزلة بلقبهم بصرف النظر عن اعتبارك الإباضية فرقة منهم أم لا:
ليس مجرد رفض التحكيم، وإنما الانشقاق وما أعقبته حربهم
لمعلى. وهذا هو الذي يحدد اعتبار الإباضية خوارج أم لا:
هل كانوا ممن حاربوه؟ واعتبروه شاكا في إمامته حين قبل التحكيم، أم مجرد الحكم بخطأ التحكيم؟ المسألة على أى حال سياسية بحتة، لا تتعلق بأصل ديني» •
أخى الدكتور لا زلت أخالفك الرأى فى هذه الملاحظة وذلك أن المصادر التاريخية التي تناولت الحديث عن تلك الفترة كانت متأثرة بكلا الجانبين - جانب العقيدة وجانب السياسة، سواء كانت السياسة الموافقة أو السياسة
(م 14 - الاباضية جـ 2) (2/209)
صفحة 509
-
المعارضة. فلا معنى لأن نفرق. في هذا الموضوع بين المؤرخين وكتاب المقالات، ولعل المؤرخين فى هذا الموضوع كانوا أسوأ من كتاب المقالات وأشد عصبية وتحيزا. لا سيما وأن التمايز بين المؤرخين وأصحاب المقالات في ذلك الوقت المبكر لم يكن واضحا فكان المنتسب للعلم هو الذي ينقل الأخبار كما كان ينقل الآراء والعقائد. وإطلاق كامة الخوارج على أصحاب على الذين لم يقبلوا التحكيم وتفسيرات معنى الكلمة من الجانبين من جانب من حاول أن يطبق عليها حديث المروق الذى اشتهر في تلك الفترة ويحكم عليها بالكفر. ومن جانب من حاول أن يجعلها خروجا في سبيل الله ويحكم على من خالفها بالكفر كان أكثر ذلك صادراً عن المؤرخين أصحاب المقالات أن عن أصحاب المقالات المؤرخين • ومراجعة طفيفة لتلك الأحداث في مراجع مختلفة الاتجاه يتضح التناقض والتضارب والاختلاف في الأحداث وأسبابها. وأساليب عرضها وتصويرها مما يدل على أن تلك الأخبار دخلها كثير من الزيف، بسبب عواطف الرواة أو نقلة الأخبار أو المؤرخين أصحاب العقائد المحددة فألبسوها ألوانا معينة كانت الأساس الذي بنى عليه كتاب المقالات المتخصصون فيما بعد كتاباتهم.
والواقع أن كلمة الخوارج والخروج أو الخارجة بمعناها السياسي كانت تنطلق بصفة ضيقة قبل قضية النهروان وفى النقاش الواسع الذي كان يجرى بين أفراد الأمة بمختلف طبقاتهم تجد كلمة الخوارج أو الخروج من لسان أحد الناس على الساخطين على الحكم القائم فذكرت هذه الكلمة في الخلاف بين أمير المؤمنين عثمان وأهل الأمصار وذكرت في الخلاف بين أمير المؤمنين على و (الخارجين عليه) طلحة والزبير ومن معهما ولكنها لم تحمل معناها الديني إلا بعد قضية التحكيم في أكبر المصادر التاريخية التي نعتمدها اليوم ونستدل بها وإن كنت فى الواقع ـ وهذا تقصير
-
لم أتمكن من معرفة أول نص كلمة جاءت فيه كلمة الخوارج بمعناها الديني • (2/210)
صفحة 510
غير أن محاولة تطبيق أحاديث المروق عليها واضحة حسبما تذكره كتب التاريخ - إن حقاً وإن كذباً - وذلك كبحث أمير المؤمنين على، عن (ذي النثذية) الذي اعتبر علامة على المارقين. بين القتلى، وعثور أصحابه عليه كما قيل، أو على ترملة مولى ابن عباس الذى أكل الفحل يده كما تقول بعض المصادر الأخرى فتي هموة ذا التثذية.
وإذا صحت المناقشات التي ترويها كتب التاريخ عن أمير المؤمنين على مع بعض أصحابه وردوده عليهم، وندمه على قتل الخوارج، ودفاعه عنهم كقوله «هم من الكفر فروا» «ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه»» أين رهبان الأيل وأسود النهار» «لا تقتلوا الخوارج بعدى وغيرها مما يدل أن التهمة بالخروج من الدين كانت توجه إليهم منذ ذلك الحين وأن الإمام سكت عنها في مبدأ الأمر ثم حاول خطأ الناس فيهم وأن خروجهم عليه لا يحمل معنى الخروج
أن
يصحح
من الدين
والواقع أنني أشك فى كثير فى الأقاويل والمناقشات والمناظرات والأحداث الجانبية التي تنسب الى تلك الفترة وأحسب أن الدعايات والعصبيات والسياسة أيضا قد كان لها دخل كبير في التلفيق لا سيما في المناظرات التي قيل إنها جرت بين الإمام أو ابن عباس والخوارج فإن الصنعة والتكلف فيما يبدو لى - تقرأ واضحة فى كثير من الاحتجاجات والبراهين التى تظهر عليه صبغة عصر غير ذلك العصر. وأنه حين أقول هذا الكلام فى الوقت الحاضر لا أجد عليه دليلا ماديا ولذلك فهو عن مرتبة الشكوك التي تتردد في نفس الإنسان بمجرد الإحساس
?
يزيد
الشخصي. (2/211)
صفحة 511
- 212 -
ولا نزاع فيما أعتقد أن عدداً من الأطراف كان يحاول تبغيض الخوارج الى بقية الأمة - بتهمتهم بالخروج عن الدين ولو تجرد موقفهم السياسي. على فقط كان ذلك مع من مصلحة الأمويين، ولكن السخط الذي انصب عليهم من الأمويين والأكاذيب التي كانت نشاع عنهم، والحروب العنية التي وجهت إليهم فى انشقاقهم عن أمير المؤمنين على إنما كان يحدث فى العهد الأموى (1)، وذلك لكى ينفر الناس عنهم، ولا يتقوى جمعهم بخصوم الأمويين من الشيعة والمحايدين الساخطين على الحكم الأموى أو يتقوى أولئك الخصوم بهم
ربما يحتاج هذا الكلام الأخير الى مزيد من التأمل والتحقيق إذ ليس بين أيدينا - الآن ما يثبته، ولكن الذى أريد أن أقررة هنا، أن مراعاة الجانب الدينى فى كلمة الخوارج لوحظت منذ أطلقت هذه الكلمة، إذا صح ما ترويه كتب التاريخ عن أحاديث المروق – واهتمام
•
الإمام بها وبعلاماتها. وإذا صحت أيضا تلك الأحاديث وما تدل عليه والأرجح أن أغلبها غير صحيح أما الاعتراز برأى أو مذهب فهو يتولد الاقتناع باتخاذ موقف معين في قضية ما، والاقتناع بأن ذلك الموقف حق. ولا شك أن الإباضية - كغيرهم - يعتزون بمواقفهم وآرائهم التي يعتقدون أنها حق، ولكنهم لا يعتزون بما ينسبه إليهم غيرهم ويريد أن
عن
يلصقه بهم.
مما لا يعتقدونه ولا يقولونه.
•
إن اعتزاز الإنسان بالموقف الذى يتخذه فى أى قضية لاعتقاده أنه حق هو سلوك طبيعي. ولكن أن نفرض على إنسان موقفا معينا ثم نريد
(1) راجع الفصل: الفرق بين الفتن والخوارج. (2/212)
صفحة 512
- 213 -
منه أن يعترف به ثم نطلب منه أن يعتزيه فهذا ما لا يرضاه إنسان يتمتع بحرية وعقل وإرادة
وهذا الموقف نفسه هو ما يريده المؤرخون وكتاب المقالات وحتى بعض المفكرين المعاصرين من حملة الشهادات العليا. إنهم يريدون أن. يفرضوا على الإباضية بأنهم خوارج وأن يعترف الإباضية بأنهم خوارج وأن ينسبوا لأنفسهم - باعتبارهم خوارج - عقائد وآراء لا يقولون بها بل يعتبرون القائلين بها كفارا - وليس هذا فحسب بل عليهم أن يعتروا بذلك الموقف كأنما الإباضية فرقة مسرحية تنتظر أوامر المخرج. ولكي يهون الأمر على الإباضية فينسبون الى أنفسهم الخارجة ثم يعتزون بها
نقدم لهم المعتزلة قدوة حسنة فهم رغم أنهم منشقون إلا أنهم
معتزون باسم المعتزلة
•
-
إن الإباضية لا يريدون أن ينتسبوا الى الخوارج ولا يحسبون أنفسهم كذلك ولا يعتزون بالخارجية لسبب بسيط لأنهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين ولا ينفذون فيهم تلك الأحكام.
الذى
أما ما قلته يا أخى الدكتور فى آخر الملاحظة من أنه «ليس مجرد رفض التحكيم وإنما الانشقاق وما أعقبه حربهم لعلى وهذا هو يحدد اعتبار الإباضية خوارج أم لا).
•
الحقيقة أنني كلما حاولت أن أفهم ما ترمى إليه هذه العبارة لم يتضح لى وبدا لي فيها التناقض أشد ظهورا، وإبعاد وصف الخارجية عمن يحرص الدكتور على وصفهم به أكثر وضوحا. (2/213)
صفحة 513
تقول يا أخى الدكتور إنه ليس مجرد رفض التحكيم هو السبب في إطلاق كلمة الخوارج على من اطلقت عليه وإنما الانشقاق وما أعقبه حربهم لعلى هو السبب.
يا أخى الدكتور لقد انشق عن على وحاربه طلحة والزبير فهل نطلق عليهما وعلى أصحابهما وأتباعهما لفظ الخوارج ـ على اعتبار أن الأسس التي حددتها للخارجية - وهى الانشقاق والحرب – موجودة وقلت في عبارتك إن هذا يعنى أن الانشقاق والحرب يحدد هل الإباضية خوارج أم لا. فهل؛ يحدد هذا هو طلحة والزبير خوارج أم لا؟
وقد انشق معاوية عن على وحاربه حربا عنيفة بقيت آثارها الى مدى بعيد، بل ربما لم يبق لأية حرب فى الأمة الإسلامية من الآثار السيئة ما بقى لحرب معاوية ومن بعده، فهل يحدد هذا الانشقاق وتلك الحرب وما أعقبته بأن معاوية من الخوارج أم ليس منهم!
إن الشرطين اللذين وضعتهما لتحديد معنى الخارجية متوافران في كلا موقفى وقعة الجمل وحروب صفين!
اسمح لى يا أخى الدكتور أن أقول لك إن التيار الجارف في هذا الموضوع قد جعلك في موقف تحاول فيه تبرير الصورة التي رسخت في ذهنك منذ قراءات سابقة ولم تحاول أن تجدد النظر الى تلك الصورة من ونحن وإن ادعينا التحريز الفكرى إلا أن
•
زواياها في فهم وعمق الرواسب التي تراكمت في ذهنية أحدنا على مدى طويل ولمدى كثرة
ما ترددت عليه كأنها حقيقة ترتفع عن الشك ولا تخضع للجدل تسيطر
- (2/214)
صفحة 514
-
215
-
دون إرادة منا على أحكامنا ولست أعفى نفسى من ذلك ـ إلا عند
العزم والتصميم على التخلص من تلك الرواسب.
•
لقد حاولت في الفصل الذي ناقشت فيه هذا الموضوع من الكتاب أن أحدد الأسباب التي تجعلنا نعتبر فرقة ما في الخوارج أو أنها بعيدة عنهم: وذكرت أن لفظ الخوارج لو كان يقصد به المعنى السياسي الذي هو الثورة على دولة قائمة، فإن الفرق والطوائف والجماعات التي خرجت عن دول قائمة قد تستعصى عن الحصر. وأما إذا كان المقصود به من خرج على خلافة رشيد. فقط أو حتى عن خلافة أمير المؤمنين أبي الحسن فإن عددا من الجماعات قد خرج عنه. فلماذا لا نطلق كلمة الخوارج عليهم جميعا مادام قد ثبت في حقهم أمر كفاة! الانشقاق والحرب.
وإذا كان يقصد بلفظ الخوارج المعنى الدينى وهو المعروف من الدين فإننا قبل أن نحكم به على أى طائفة أو أى فرد ينبغي لنا أن نتحرى عن دينه، فإن وجدنا ما يبرر إطلاق الحكم عليه أطلقناه وإلا فليس من حقنا أن نصف الناس بما ليس عندهم، وأن نقولهم ما لم يقولوا
وأخير اليست الخارجية نسبا ولا صهرا، ولو وجدنا اليوم واحدا من سلالة نافع ابن الأزرق أو شبيب وغزالة - وليست لديه العقائد التي تنسب الى الخوارج لما قلنا إنه خارجى ولما حكمنا عليه بحكم الخوارج.
إن محاربة المؤرخين وكتاب المقالات لهذا العدو الوهمي الذي يطلق عليه لفظ الخوارج أكثر ضراوة من أية حرب أخرى أى أن الحرب التاريخية المذهبية أعنف وأشد وأدوم من الحرب السياسية العسكرية فاقد انتهت المعارك السياسية والعسكرية بانتهاء الدولة الأموية تقريبا أو بعدها (2/215)
صفحة 515
- 216 -
-
بقليل. بل إن الذين قامت من أجلهم زوبعة الخوارج وهم الإمام على وأهل النهروان قد انتهت قصتهم قبل انتهاء النصف الأول من خير القرون، ولكن هجوم المؤرخين وكتاب المقالات لا يزال مستمرا بل بأعنف مما مضى في بعض الأحوال، ومن المؤسف أن هذا الهجوم الذي ينطلق بهذا العنف يستند الى ما قيل ووقع أو لم يقع قبل ألف سنة ومن السهل على أي قلم اليوم أن يجرد حملة على الخوارج يحملهم بكل سهولة أوزار التاريخ
الطويل.
أخي الدكتور قد تعتبر هذا الكلام دفاعا عن الخوارج ويسرني أن أقول لك إنني لا أريد الدفاع عنهم ولكننى لا أحب أن أكتب عنهم متأثراً بكلام خصومهم أشد ومن خصومهم وأعنفهم الإباضية – وأنا أقول هذا الكلام عن الإباضية لأن الإباضية لا يرون رأى الخوارج، ولا يدينون بدينهم وهم أشد بعدا عنهم ونقدا لهم ممن يرميهم بهذا يستحل أموال المسلمين ودماءهم بالعقيدة أو العمل، ولقد كان الحجاج بن يوسف يرمى الخوارج بأنهم مفسدون يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ولو جمع عدد قتله الخوارج من جميع حركاتهم لم يبلغ بعض من قتل وصلب وسجن
من
وسلب الحجاج.
إن الخارجية فيما أعتقد
-
مبادئ وشعارات محدده
من
حملها كان خارجيا ومن لم يحملها لم يكن منهم ولذلك فلقد يكون الرجل عتاة الخوارج وهو يتستر وراء مذهب آخر من المذاهب الإسلامية
من
قد يدعى
أنه سنى بل قد يدعى أنه من حماة السنة والجماعة، ولكنه في واقع الأمر خارجي متطرف. وليتني أستطيع أن أكون رأياً في فقيه. ينتسب الى أهل السنة ثم يعلن في تبجح حكمه على آلاف من المسلمين (2/216)
صفحة 516
- 217 –
أنه
الذين يخالفونه في المذهب بأنهم مبتدئه تحل دماؤهم وأموالهم بل يزعم يجب قتلهم وغنيمة أموالهم. عندما يقدم له ذلك المال يأكله مطمئنا لأنه مما أفاء الله عليه. ثم هو لا يقف عند الاستحلال بل هو يحرض السلطة الحاكمة على اتخاذ هذا الموقف. وكتب التاريخ تذكر مآسى مؤلمة قتل فيها آلاف من المسلمين بفتاوى فقهاء لا ينتسبون الى الخوارج، ولكنهم كانوا يرون أن دماء مخالفيهم حلال، أليس استحلال الدم والمال هو مبدأ الخوارج الذي نقمه المسلمون عليهم وحاربهم على من أجله حسبما تقول بعض مصادر التاريخ وتسوق للتدليل عليه قصة الصحابي الجليل (عبد الله ابن خباب بن الأرت (وقد اختلط بهذه القصة أحداث وأخبار بالخرافة هي أشبه والى اسراف الخيال فى ربط الأشياء المتباعدة أقرب وذلك) كقصة الثمرة والنصراني والخنزير (وقصة واصل بن عطاء التي نسجت على منو اليها والتي تذكر للتشنيع أو للتفكة والضحك، ثم تسلك في نسق مع قصة عبد الله لإظهار الفظاعة واستجلاب النقمة.
إن تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم هو معنى الخارجية الذي حاربه الإمام ونقمه المسلمون حينما صور له أن أهل النهروان سوف يستعرضون الناس ويقتلون الأبرياء ويأخذون الأموال وجاءوا له بقصة عبد الله كدليل عملى واقعى والله أعلم بمن قتله ـ وهذا الشعار شعار التكفير والاستحلال هو الذي رفعه بن الأزرق ومن سار بسيرته وحارب من أجله كما تقول عنه كتب التاريخ إن صدقت.
والآن وقد انقرض أولئك الذين كانوا يستحلون دماء مخالفيهم عقيدة ويرفعون هذا المبدأ شعارا علينا لهم يعملون تحته في صدق
وصراحة. (2/217)
صفحة 517
- 218 -
وبقى الذين يستحلون دماء مخالفيهم بالعمل، وهم
يحملون شعار صيانة دماء المسلمون بكلمة التوحيد ولكنهم يريتونها
•
بأتفه الأسباب، وهؤلاء الخوارج موجودون ضمن جميع هذه الفرق وكل فقيه أو متفقه يستحل دماء مخالفيه من أية فرقة كانت من فرق المسلمين، ويفتى بذلك، ويسهل لأصحاب السلطان إراقة دماء المسلمين وهو خارجى ولو لبس جبة جابر، وطيلسان أبى حنيفة وعمامة أحمد ورداء ابن تيمية فإذا أضاف الى ذلك تحريض ذوى السلطان على التدخل في عقائد المسلمين، وحملهم على بعضها بالإكراه، فهو من أسوء الخوارج، اعترف بذلك أم لم يعترف.
•
وتلخيصا لهذه المناقشة التي طالت أكثر مما ينبغي لها أقول:
لقد حددت يا أخى الدكتور صبحى مبدأ الخارجية بركنين أساسيين هما الانشقاق والحرب، وقصرت هذا على من فعل ذلك مع أمير المؤمنين على بن أبي طالب • ولو كان هذا التحديد كافيا لا نتهى أمر الخوارج بوفاة الإمام أو على أوسع تقدير بوفاة آخر من خرج عليه وكتب التاريخ المتحيزة إلى الإمام تذكر أن أهل النهروان كانوا ستة آلاف رجع منهم ألفان الى معسكر الإمام وأن الباقى قتل أو لم ينج منهم إلا تسعة أشخاص ومعنى هذا أن أولئك الذين خرجوا على الإمام على قد انتهوا فلا معنى لأن يذكر اسم الخوارج بعدهم ولكن حركة الخوارج كانت أشد عنفا في عهد الدولة الأموية فهل كان المماليك والحجاج وابن زياد يطاردون الخوارج الأنهم انشقوا عن على وحاربوه.
واء كان الأمر كذلك لأيدوهم ونصروهم لأن الأمويين أنفسهم منشقون عن على ومحاربون له ولكن الأمريين مثل الحجاج وأخرابه (2/218)
صفحة 518
-919 -
يتتبعون المناوئين لحكمهم بكل شراسة، وكانوا يطلقون لفظ الخوارج على كل من يستسيغ الرأى العام إطلاقه عليه - مستغلين حادثة النهروان لصالحهم - موهمين الرأى العام أن أولئك الخوارج يستحلون الدماء والأموال، ويعيثون في الأرض فسادا، وبهذا ضمنوا سكوت أو تأييد كبار العلماء، وتقبلهم لأعمال العنف التي ارتكبها الحجاج وابن زياد ومن
سار سيرتهما
•
ولا شك أنه بالتأمل المجرد، وبدراسة أحداث التاريخ لتلك الفترة بوعي، ودون انسياق وراء مخلفات ذهنية سابقة، وبلا عواطف أو رواسب معروف أن الخارجية ليست هي الانشقاق عن على ولا محاربته، فقد انشق عن على طلحة والزبير واتباعهما وحاربوه، وانشق عنه معاوية
وحاربة حربا طويلة عنيفة ولكنهم لم يطلق عليهم لفظ الخوارج.
لقد أطلق لفظ الخوارج على أولئك الذين حاربهم على الأنهم صوروا له فى صورة المتطرف الذى يستحل الدماء والأموال واستغلت حادثة عبد الله بن خباب لإثبات هذه الصورة الفظيعة عند الإمام
مقتل
وعلى أولئك الذين حاربتهم الدولة الأموية بعد أن صورتهم في صورة المتطرف الذي يحكم على المسلمين بحكم المشركين ثم تجاوزوا القول الى الفعل فطبق هذه القاعدة ولكان المنطلق دائما قصة الله عبد بن خباب وما أحق بها ولعلهم بسبب ردود الفعل تطرفوا فحكموا على كل من خالفهم ولم يسر معهم بأنهم مشركون تنطبق عليهم أحكام المشركين. وبموقفهم هذا فقدوا عطف على الأمة واعتبروهم منحرفين • واستغلالا لهذه الظروف جميعاً فقد توسعت الدولة الأموية في إطلاق لفظ الخوارج على المناوئين (2/219)
صفحة 519
لها والمعارضين لسياستها حتى يستسيغ الناس وسائل القمع والإرهاب التي كانت تقوم بها ضد كل معارضة بناء على أن تلك المعارضة نابعة من فكر خارجي
يلى:
لا عليه
وبناء على كل ما سبق فإننا نستطيع أن نحدد مبادئ الخوارج بما
1 - تطبيقهم أحكام المشركين على من خالفهم.
2
?
•
-
حكمهم على مرتكب الكبيرة بالشرك وإجراء أحكام المشركين
حكمتهم على من قعد عن مناصرتهم بأحكام المشركين.
حكمهم على من رضى بالبقاء تحت حكم الدول الظالمة باحكام المشركين هذه أهم مبادئ الخوارج والشعارات التي رفعوها وبهما استحلوا دماء المسلمين حين رفعوها شعارات لجهادهم. واستحل المسلمون بها دماءهم، أخي الدكتور صبحي. إنك تعلم أنني لم أحضر تلك الحركات والأحداث وأن ما أقوله فى هذا الصدد إنما هو استنتاج من مصادر التاريخ المتعارضة استخلصتها. بعد دراسة وتجرد ووزن واضعا في ذهني أن ما يقوله المؤرخون من أى أتجاه كانوا - في تلك الأحداث كان خاضعا لعديد من المؤثرات والاتجاهات، وأنه ليس شيء منها منزها عن التحيز والخطأ وسوء الفهم أحياناً.
وعلى جميع الاعتبارات، لماذا نحكم على فرقة من المسلمين (2/220)
صفحة 520
221
-
(الإباضية (اليوم موجودة فى أى بلد من بلدان الإسلام بأنها من الخوارج مع العلم أن هذه الفرقة وهى الآن تعيش في أواخر القرن الرابع عشر ــ لم تحضر بيعة الإمام على ولا اشتركت في حروب الجمل وصفين: ولا شاهدت أحداث النهروان فهى في الواقع لم تبايعه ولم تنفصل عنه ولم تحاربه ولم يحاربها لأن فاصلا زمنيا طوله ألف وثلاثمائة سنة وزيادة يفصل بينهم، ثم هم فى واقعهم لم يخرجوا عن نظام الحكم الذي يجرى عليهم - رغم أن أكثر الأنظمة التي تحكمهم منحرفة ـ ولم يقم منهم دعاة لإسقاط الأنظمة الحاكمة، ولم يحاربوا غيرهم من المسلمين ولم يستحلوا دمهم ولا مالهم، ولم يحكموا على مخالفيهم بالكفر وهم بين كل ذلك يعيشون مع غيرهم من المسلمين كما يعيش الأخ مع أخيه يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويوجبون ما أوجب الله، ويحرمون ما حرم الله فلماذ تسطير على أقلام المؤرخين كتاب المقالات والفلاسفة والباحثين جميعا، رغم وضوح الحقائق تلك الكلمة التي أطاقتها شفة مجهولة قالت إن الإباضية من الخوارج. فلم تستطيع العقول والأفهام فى مدى أربعة عشر قرنا أن تتحرر من كل كلمة آثمة أطلقتها شفة مغرضة على فرقة مؤمنة.
-
-
لقد انتهت الخارجية بحقها وباطلها وبمبادئها وإبطالها عند نهاية الدولة الأموية تقريباً فلماذا بؤتى بالشخص فى هذا القرن فيحمل أوزارا ارتكبت قبل أربعة عشر قرنا إن صح أنها أرتكبت ويقف موقف الجلاد رفي هذه القضية ناس درسوا الشريعة الإسلامية حتى كانوا قدوة ودرسوا التاريخ حتى كانوا أساتذة، ودرسوا الفلسفة حتى صاروا دكاترة. ودرسوا الحقوق حتى اعتز بهم القضاء والمحاماة. وكانت مجالسهم (2/221)
صفحة 521
222
طافحة بالتحرر الفكرى والصفاء الذهني والانفلات من قيود التقاليد والعصبيات والرواسب حتى إذا جاءوا إلى هذه القضية تلجلجت ألسنتهم واضطربت أقلامهم ثم طأطأوا رؤوسهم للرواسب الذهنية التاريخية فتحايلوا في التعبير عنها لكي لا يصادموا الحق الذي فيها ولم يستطيعوا أن يجابهوا الباطل الذي تحمله بالحق الذي يعرفونه وتطمئن به قلوبهم، فانساقوا مع التيار الخاطيء مكتوفى الأيدى والأذهان، مسيرى الأفكار
والأقلام. محدودي العقول والأفهام.
وساطة المعتزلة
قال الأخ الدكتور أحمد في ملاحظاته صبحي
عن هذا الكتاب
من الجائز أن يكون المعتزلة هم الواسطة في التقاء بعض آراء الشيعة الأدارسة مع آراء الخوارج دون حاجة إلى تناظر علماء الفرقتين، من المعروف كذلك في علم الكلام تأثر بعض الفرق بخصومهم، لديك على سبيل المثال تأثر رجال «الحديث والتفسير وهم أكثر العلماء تمسكا بالدين وغيرة عليه - بالإسرائيليات ولا أعتقد أن بين الأدارسة والإباضية من الخصومة ما هو أبعد مما بين رجال الحديث واليهود، وكل ذلك يتم
عن غير وعى.
تماما
أراك اعترفت بأن الإباضية من الخوارج مع إنك كنت تستنكر ذلك وتعدهم كما لو كانوا مجرد مذهب فقهى كالمالكي والشافعية» •
أخى الدكتور أما إن المذاهب الإسلامية قد يتأثر بعضها ببعض (2/222)
صفحة 522
-
223
-
ويقتبس منه الحجج والآراء والأساليب فهذا شيء قد يقع، وليس مجالا الإنكار وليس موضوعنا لمناقشته.
لقد استبعدت فكرة المستشرق نلينو حين زعم أن إباضية المغرب أخذوا أكثر عقائدهم عن المعتزلة. ثم اعتباره أن تلك العقائد كانت تنساب إلى الإباضية من المعتزلة عن طريق الشيعة الأدارسة وهذه دعوي عجيبة وبعيدة.
أيها المنكح الثريا ستلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
وأبعد
من ذلك ما تلمح إليه في ملاحظتك هذه من أن المعتزلة هم الواسطة في التقريب بين عقائد الشيعة وعقائد الخوارج أو عقائد الإباضية على الحقيقة فأنت تصر على اعتبار الإباضية خوارج ولو تطوعوا في جند المهلب بن أبي صفرة - ولا داعى أبدا لأن يقوم المعتزلة بهذه الوساطة أو التقريب من الإباضية والأدارسة - وهم لا يشعرون - لأن الشيعة مهما تأثروا بالمعتزلة فإن لهم أصولهم قبل أن يؤثر عليهم المعتزلة وهم يحافظون عليها وكذلك الإباضية مهما تأثروا بالمعتزلة فإن لهم قبل أن يتأثروا بغيرهم يحافظون عليها ولقد يكون التأثر ولكنه في الشكليات وهذا التأثر والتأثير واقع في جميع المذاهب على السواء يعنى ما تسميه مذاهب السنة والشيعة والخوارج والإباضية كلها مؤثرة ومتأثرة ولكن كل واحد منها قد حدد لنفسه مواقف معينة استنادا إلى دولة معينة في مصادر التشريع الإسلامي. وملاحظتك هذه جاءت بعكس ما يقوله المستشرق نلينو الذى تحاول أن تؤكد ما ذهب إليه لأن نلينو (2/223)
صفحة 523
- 224
يزعم أن المعتزلة قد أثروا فى عقائد الإباضية بواسطة الأدارسة الشيعة. وأنت ترى أن الشيعة هم الذين أثروا على الإباضية (أو الخوارج كما تصر أن تقول (بواسطة المعتزلة والرأيان مختلفان كما ترى.
وقد آلمني حقا ـ أن تناظر الخصومة بين الإباضية والشيعة -
-
-
إن كانت هناك خصومة - بالخصومة بين المسلمين واليهود، ففرق المسلمين مهما احتد بينهم النقاش واتسع الخلاف، لا يتجاوزون أن يكونوا أخوة حصل بينهم سوء تفاهم، وبعض فرق الشيعة كالزيدية لا تختلف عن الإباضية في شيء وقد نبه أكثر من مؤلف من مؤلفى الإباضية في أصول العقائد وعلم الكلام، أن الخلاف بين الإباضية والزيدية لا يتجاوز ثلاث مسائل هي (1).
1 - قولهم في الإمامة أن عليا أولى من أبي بكر وعمر ولكنهم لم يحكموا بتخطيئهما أو تخطئة الأمة بسبب تقدمهما أو تقديم الأمة لهما عليه في الخلافة
تجويز هم لتحكيم حكمين فيما حكم فيه الله تبارك وتعالى.
3 - قولهم بتشريك أهل التأويل ممن يؤدى تأويله إلى التشبيه كمن يعتقد أن الله يرى يوم القيامة والإباضية يرون في المسائل السابقة أن الأفضلية والأولوية تبين الأئمة الأربعة (الخلفاء الراشدين) كانت كما وقعت تاريخيا أفضلهم وأولاهم أبو بكر ثم عمر ثم على، ويرون
(1) ملخصة من كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي في نسخة مخطوطة
ملك أيوب محمد الأيوبي (2/224)
صفحة 524
- 225 -
-
خطأ، ويجب
أن قبول التحكيم - فيما حكم فيه الله تبارك وتعالى قتال الفئة الباغية إذا لم تستجب للصلح أو ترجع إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، ويرون أنه لا يجوز أن يحكم على المخطئين في التأويل بالشريك بدعوى أنهم مشبهة وقد التفت الزيدية في هذا الموضوع مع الخوارج لا مع الإباضية.
ولا شك أن طوائف المسلمين تتقارب وتتباعد حسب التيارات السياسية ورجال الحكم، وحسب شدة تحريك دوافع العصبية المذهبية ومن يكون من ورائها من العلماء المنغلقين أو المتفتحين.
أما المثال الذي ضربته لإيضاح التأثر أو التأثير برجال الحديث والتفسير واليهود بسبب الإسرائيليات التي تسربت إلى بعض كتب الحديث والتفسير فاسمح لي أن أقول لك: إنني لا أوافقك عليه مطلقا وأن هذا التشبيه إساءة إليهم.
فرجال الحديث والتفسير عندما تسربت إليهم الإسرائيليات لم تتسرب إليهم من اليهود مباشرة، ولم تنتج عن لقائهم واحتكاكهم بهم فقد كانوا أبعد من أن يستمعوا إليهم، وأشد نفرة من أن يصدقوهم، وأكثر وربما من أن يأخذوا عنهم، وإنما تسربت الإسرائيليات على يد ناس أظهروا الإسلام واتصفوا بالورع والزهد والتقوى، ولزموا المساجد والدروس والوعظاء حتى وثق الناس بهم، باعتبارهم مسلمين صادقين جمعوا إلى علمهم بالإسلام علمهم بالديانات السابقة وكانوا يدسون مكائدهم تارة باعتبارهم علماء أخذوا من الكتب السابقة، وتارة ينفثونها في خفاء بتحريف بسيطا في المبنى أو المعنى أو بإثارة شبهات (م 15. - الاباضية جـ 2) (2/225)
صفحة 525
226 -
تخترق بسببها الأمة ويستمسكون هم بالفكرة الضالة فيها ويرجحونها، ويتباكون على الإسلام بسبب ما ألحقه به مخالفوهم في دعاويهم فجازت على بعض المفسرين والمحدثين باعتبارها علوما أو أخبارا تلقوها عن مسلمين موثوق بهم جمعوا إلى علم القرآن علم التوراة أو الإنجيل
وأحسب أن الزعم بأن علماء الحديث والتفسير
-
على ورعهم –
قد تأثروا باليهود أو النصارى هكذا على هذا الاطلاق، فيه إساءة إليهم، ونيل فى مقامهم، وتشكيك فى علوم الحديث والتفسير
أخى الدكتور إن موقفك الآخر في الملاحظة يشبه أن يكون صيحة منطلقة دون وعى، أو فرحة رجل الشرطة عندما يقبض على رجل متلبس بالجريمة أعيته مطاردته وتتبع خطواته، فلم يبق عليه وقد ألقى القبض على المجرم متلبسا أي بعد أن اعترف على معمر بأن الإباضية من الخوارج - إلا أن يأمر بإلقاء الإباضية في أضيق زنزانة، وبالقاء على معمر من أشدها ظلمة وأكثرها رطوبة جزاء له على مراوغته وكهربته
وجريمة الإباضية الكبرى أنهم لم يريدوا أن يقفوا في الطابور الذي أراد أن يصنفهم فيه كتاب المقالات المتحيزون، وبعض المؤرخين الموجهين، ومن ينعق من ورائهم.
أما جريمة على معمر في نظر الدكتور أحمد صبحي فهي التطاول، هي أن يرفع عينيه ويتطاول فيعتبر الإباضية «مجرد مذهب فقهى كالمالكية والشافعية، وتلك مرتبة يحرم عليهم أن ينظروا إليها ويحرم على أحد أن يضعهم فيها. (2/226)
صفحة 526
- 227 -
تتحكم
أخي الدكتور من المؤسف – أن بعض الرواسب الذهنية، تتحـ في الإنسان وتسيطر عليه وتجعله لا يستمع إلى الحق الذي يجيئه من
الخارج ولكن إلى الرواسب النابعة من الداخل، ولا يخطر له أبدا أن يؤكد الرواسب المتخلفة في ذهنه مما تلقاه في مختلف مراحل عمره،
بدراسة جدية متفهمة متعمقة تعتمد على الاقتناع بالدليل لا بالايحاء
لأن هذه الرواسب التي اقتنع بها بالايحاء «والتلقى والاستسلام لها زمنا طويل تسيطر عليه حتى حينما يريد أن يتجرد، وتحول دونه ودون المراجعة أو التراجع، وتجعل منه إنسانا يرى أن ما عليه هو، هو الحق دون جدال أو مناقشة وأن ما عند الآخرين يجب أن يقاس على ما عنده هو ليأخذ درجته من التقويم، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
قال أبو العباس المبرد في الكامل عن الإباضية «هم أقرب الفرق إلى السنة» وجاءت أيد فيما بعد أطلقت على نفسها أهل السنة واعتبرت نفسها ميزانا للشريعة الإسلامية. ومرت بها عبارة أبي العباس المبرد، فنقلتها في مصادرها ممكنة على الإباضية. بعد تعديل بسيط وقالت عنهم «هم أقرب الفرق إلى أهل السنة» بزيادة كلمة أهل على تعبير المبرد، وهكذا أصبح ما عندهم هو الحق الذى لامرية فيه وما عند الآخرين يقاس بهم فبمقدار قربه أو بعده عنهم يعطى درجة التقويم
وغير مهم لديهم وقد أثبتوا لمذهبهم هذه الدرجة إن بقيت السنة سكوتا عنها وأنها في الدرجة الثانية من مذاهبهم
أخي الدكتور: رغم صيحة الفرحة التي خرجت منك، ورغم حصولك على الاعتراف الخطى، رغم كل ذلك فأنا لا أعتبر الإباضية فرقة من الخوارج أبدا. ورغم أن من ينسبهم إلى الخوارج هو أقرب
، (2/227)
صفحة 527
- 228 -
منهم، واستنكر منه ذلك استنكارا تاما وتجاوز كل ذلك فأعدهم أصحاب مذهب كالمالكية والشافعية وادعى أيضا أن خدمتهم للشريعة الإسلامية أصولا وفروعا، عقائد وفقها، لا تقل بحال من الأحوال عما قدمته تلك المذاهب، وأضيف إلى كل هذا أن أغلب المذاهب الإسلامية إنما اعتمدت في انتشارها وحياتها على خدمتها للسياسة وسيرها في ركاب الدول وأنها في كثير من الأوقات تقف مواقف المرونة والتخلى عن الأساسيات مراعاة للحكام المتجبرين أن آلة الحكم الظالمة استغلتها استغلالا فظيعا لإقرار الظلم أو مجانبة العدل، وأن الإباضية لم يعتمدوا على ذلك ولم يستغلوا الحكم في حد النفوذ وإطالة البقاء، ولم يستغلوه في حمل أصحاب المذاهب الأخرى على ترك مذاهبهم والانتساب إلى مذهب
الدولة.
فلم يكن الإباضية في يوم من الأيام آلة السياسة، وإذا تعاونوا معها تعاونوا على حدود ما يبيحه الشرع أو يدعو إليه ولذلك تخات عنهم السياسة بل وحاربتهم.
تأثير المعتزلة
قال الدكتور أحمد صبحى فى ملاحظاته على هذا الكتاب:
تأثر كل من الأدارسة) الشيعة الزيدية) والإباضية بالمعتزلة، لا يعنى أن هاتين الفرقتين قد انحدرتا عن المعتزلة، يقال أحيانا في تبرير ذلك: أن خصومة كل من المعتزلة من ناحية والشيعة والخوارج من ناحية أخرى للأشاعرة (مذهب الخلف من أهل السنة) وسيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة منذ أواخر القرن الرابع (2/228)
صفحة 528
229 -
قد قرب بين المذاهب الأخرى المعارضة فتأثر كل من الشيعة والخوارج بالمعتزلة وأصولهم - على أية حال هذا التبرير وحده لا يكفى لتفسير التشابه بين آراء كل من الشيعة - وخصوصا الزيدية والاثنتي عشرية - والخوارج وبين أصول المعتزلة».
في هذه الملاحظة كثير من الجوانب تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتثبت وبعضها لا تريد عن افتراضات تجرى في أذهان بعض الناس ويمكن أن نحصر هذه الجوانب في النقاط الآتية:
الأولى: افتراض وجود كتل كبرى متعادية تتبعها فروع.
•
الثانية: اعتبار أن الأشاعرة ممثلين لمذهب الخلف من أهل السنة
•
الثالثة: سيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة
الرابعة: محاولة إيجاد تفسيرات للتشابة أو التقارب بين المذاهب الإسلامية بينما المفروض أن يكون العكس أى البحث عن تفسيرات للتباعد بينها وسوف نتناول هذه النقاط بالبحث والمناقشة فيما يلى:
النقطة الأولى:
افتراض وجود كتلة متحدة
-
تسمى «أهل السنة» تعاديها كتل
أخرى هي للكتلة الأولى ولم يجمعها في ميدان الخصومة لها إلا اتفاقها وتعاونها ـ أمر يحتاج إلى كثير من الجهد ليلبس لباسا يستقيم مع الواقع فالثابت تاريخيا ودينيا أن كلا من هذه المذاهب والفرق التي تتكون منها بما فيها
المعتزلة والخوارج والشيعة لم يقرب بينها إلا عداوتها مجتمعة (2/229)
صفحة 529
230
فرق أهل السنة قد تتفق فى آراء مع غيرها من الفرق الأخرى وقد تختلف وهي تخاصم من يخالفها من آرائها أو معتقدها خصومة عنيفة تحاول فيها جاهدة أن تثبت صواب ما هي عليه وخطأ ما عليه غيرها
عن
ولى كان ذلك الغير فرقة من الفرق التي تدخل معها من الإطار العام فالخصومة بين فرق أهل السنة بعضها مع بعض لا تقل عنفا الخصومة بين أهل السنة والمعتزلة أو الشيعة أو الخوارج، وكذلك الخصومة بين فرق الإباضية فيما بينها أو الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة، بعضها مع بعض لا تقل عنفا عن خصومتها. مع غيرها أعنى أن فرق الشيعة مثل في خصومتها لا تقل عنفا عن خصومتها مع غيرها من الفرق أو المذاهب وكذلك البقية
جميع
ولا شك أن الصراعات المذهبية - فقهية وكلامية – كانت متأثرة الى حد ما بالظروف السياسية والخضوع لدولة واحدة. ومع ذلك فإن الخصومة بين صفوف من يطلق عليهم لفظ أهل السنة لم تكن أخف ولا أقل مما بينهم وبين غيرهم وقد استعملت من هذا المجال الضيق بين هذه الفرق نفسها الأسلحة التي استعملت في الميدان الواسع بين المذاهب من التفسيق والتكفير وإبطال لصلاة وليس ذلك فى الفروع فقط وإنما استعمل في الفروع وفى الأصول أصول الفقة وأصول الدين ولعل مما يوضح هذه الصورة أن نستعرض بعض ما كان يجرى بين فرق) أهل السنة) من خصومات تثبت تماما أنه لا أساس ولا صحة للصور التكتلية التي عرضها بعض الأقلام وإنما كان واقع المسلمين أن كل فرقة منهم تحاول أن تدلل على صحة ما هي عليه وبطلان ما عليه الآخرون
•
وقد اخترت ثلاثة كتب مختلفة لأنقل منها صورا عن الخلاف الذي (2/230)
صفحة 530
231
-
كان يقع بين فرق أهل السنة والمدى الذى يبلغه أحيانا من العنف يصل
الى حد القسوة.
الكتاب الأول: «مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه» للأستاذ عبد الوهاب خلاف طبعة دار القلم 1392 ه جاء في الصفحة 130
ما يلي:
ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر ـ علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقار أحد المذهبين أحدا من غيره في بلاده إلا على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفى قتلوه، وجعلوا ماله فيئا، حكمهم في الكفار
•
وحتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية كان فيه مسجد واحد للشافعية، وكان والى البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد، فيقول: اما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟
فلم يزل كذلك حتى أصبح يوما وقد سد باب ذلك المسجد بالطين و اللبن فأعجب الو الى ذلك.
ثم إن كلا من أتباع الأئمة يفضل أمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم حتى رأيت حنفيا صنف مناقب أبي حنيفة فافتخر فيها بأتباعه (كأبي يوسف ومحمد، وابن المبارك، ونحوهم) ثم قال يعرض بباقى
المذاهب: (2/231)
صفحة 531
232
أولئك آبائي فجئنى بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية، وغيره كثير، وحتى أن المالكية يقولون الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون، أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام احمد بن حنبل، وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع أحمد والحنفية يقولون: إن الشافعي غلام أبي حنيفة، لأنه غلام محمد بن حسن، ومحمد غلام أبي حنيفة. قالوا
لولا أن الشافعى من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن تنصب معه الخلاف وحتى أن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالى، وأنه ليس قرشيا، وأحرج ذلك الحنفية الى الطعن في نسب الشافعي، وأنه ليس قرشيا، بل من موالى قريش، ولا إماما في الحديث لأن البخاري ومسلما أدركاه ولم يرويا عنه مع أنهما لم يدركا إماما إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر المدين والتميمى فى تصنيفهما مناقب الشافعى الى الاستدلال على
هاشميته، وحتى جعل كل فريق يروى السنة في تفضيل إمامه» •
ثم ذكر المؤلف بعض الأحاديث التي يرويها أصحاب المذاهب في فضل أئمتهم. وردها. ومن أجود ما قبل في ردها بعبارة غاية في الإيجازا والدقة ما نقله المؤلف عن الشيرازى فى نفس الكتاب ص 131 قال:
>>>
واعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، ودال لا
يصح)
وبعد مناقشة لتلك الأحاديث وتبين الخطأ فى الاستدلال بها على
تفضيل بعض الأئمة لأن منها مالا يدل ومنها ما هو موضوع لا يصح قال: (2/232)
صفحة 532
فانظر بالله أمرا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل
أئمتهم، وذم بعضهم، وما مبعثه إلا تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها، الساطع برهانا فلو اتفقت كلمتهم بطريق لما كان شيء مما ذكرنا.»
الكتاب الثاني: «ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين» للأستاذ
عبد الجليل عيسى طبعة دار البيان الكويت:
وقد أورد فيه أمثلة فى الخلاف بين مذاهب أهل السنة غالبا، وقد
يحسن أن نلخص ما نحتاج إليه كما يلى:
-
I
ما يسوغ فيه الخلاف بشرط عدم التعصب للرأى، وذلك في فعل أو قول يقول فيه عالم أنه واجب ويقول آخر هو سنة فقط أو مندوب. أو في فعل أو يقول فيه عالم أنه حرام ويقول آخر إنه مكروه فقط وكلا النوعين كثير جدا. وقد أورد للنوع الأول اثنى عشر مثالا، وللنوع الثاني سبعة أمثلة.
ب ـ ما يسوغ فيه الخلاف، وذلك فى فعل أو قول، سنة أو مستحب عند قوم يثاب فاعله. مكروه عند آخرين يلام فاعله، وأورد له ثلاثة
عشر مثالا.
ج - ما يبطل العبادة عند قوم ولا يبطلها عند غيرهم. قال: رأينا أن نفرد فصلا خالصا ببعض الأشياء التي تبطل العبادة عند بعض العلماء، ولا تبطلها عند غيرهم، وهي كثيرة جدا لا تتسع لحصرها هذه الرسالة ولذلك فسنكتفى بأمثلة لأمثالها. وذكر منها اثنين وعشرين نموذجا (2/233)
صفحة 533
-
-
د
أخطر أنواع الخلاف عمل يتردد الخلاف فيه بين أنه فرض لا تصح العبادة إلا به، أو حرام يعاقب على فعله، أو مناف للعبادة تبطل به، وذكر لهذا النوع أربعة نماذج •
بعض الخلافات التي تستلفت النظر مجموعة في صعيد واحد،
11
قال:
سترى في هذا الفصل اختلاف العلماء في أمور تدرك بالأبصار، وتتكر أمام الأنظار، وتسمع بالآذان آلاف المرات. ثم ذكر لهذه الأنواع من الخلاف أربعة عشر نموذجا.
وفى صفحة 90 وما بعدها من الكتاب ذكر صورا في نتائج الخلاف وما تؤدى إليه فى النزاع والصراع والخصومة. وإليك بعضها ملخصة
: فيما يلي:
1
سئل شافعى عن طعام وقعت فيه قطرة نبيذ فقال: يرمى
للكلب أو حنفى •
2 – سئل حنفى هل يجوز للحنفى أن يتزوج شافعية فقال لا. لأنها تشك في دينها.
3 ـ أفتى حنفى بأنه يجوز للحنفى أن يتزوج شافعية قياسا على أهل الكتاب. لأن الزواج من أهل الكتاب جائز بالاتفاق
— {
:
أرضا.
•
سمع حنفى مأموما يقرأ الفاتحة فضربه على صدره حتى أوقعة
قال مالكي: إن من حلف على أن ما في موطأ مالك جميع (2/234)
صفحة 534
235
من
الأحاديث.
صحيح
لا يحنث أما من حلف أن ما في البخاري أو مسلم في
الأحاديث كله صحيح فإنه يحنث.
6 ـ رفع أحد المصلين سبابته يشير بها عند التشهد فضربه مصل آخر بجنبه حتى كسر يده فلما سئل عن السبب قال لأنه فعل محرما في الصلاة حسبما قال الشيخ الكيداني
•
ـ قال أبو الحسن الكرخى: كل آية أو حديث تخالف ما قرره
علماء مذهبنا ذهي إما مؤولة أو منسوخة.
هذا طرف من أنواع الخلافات التي كانت تجرى بين مذاهب أهل المسنة في نفسها أو بينها وبين غيرها.
وقد توسع الشيخ سعيد بمن ثعاريث الجريبي فذكر في كتابه، المسلك المحمود فى معرفة الردود» صورا كثيرة في الخلاف بين المذاهب الأربعة، ونماذج في العنف الذى كان يحصل بين أتباع مذهب ومذهب آخر • وقد رأيت أن أعرض منه صورا موجزا.
الكتاب الثالث: المسلك المحمود. فى معرفة الردود السعيد بن ثعاريث
الجربي طبعة 1331 هـ.
أولا: إليك أمثلة في العنف الذى كان يجرى بين أصحاب المذاهب الأربعة ملخصا من الكتاب السابق ابتداء من ص 95 فما بعد:
1
- قال أبو الفرج بن الخطيب الحنبلي: المنتسبون في زماننا (القرن الثامن الهجرى) الى أهل السنة والجماعة من أتباع الأئمة الأربعة ثلاث طوائف. أشعرية وما تريديه وأثريه فجمهور المالكية وأكثر الشافعية أشعرية، وغالب الحنفية ماتريديه، وجمهور الحنبلية أثرية. (2/235)
صفحة 535
- 236 -
-
قال الصلاح الصفدي: غالب الشافعية أشاعرة، والغالب في الحنفية معتزلة، والغالب فى المالكية قدرية، والغالب في الحنابلة حشوية. انظر شرح لامية العجم
- ذكر الصفدي أن العلامة الماوردى الذى يحسبه الناس من أكابر
الشافعية من فضلاء المعتزلة.
-
قال الصفدي أيضا: وأصحاب الرأى والتأويل الذين منهم أبي حنيفة وأصحاب الأشعرى هم ضد أصحاب الظاهر كالحنابلة وأتباع
داود بن على.
ه - ذكر ميرغياث: أن الإمام أحمد من الحشوية.
6 ــ ذكر السعد والراغب أن الإمام أبا حنيفة من المرجئة
ـ قال ابن حبيب المالكي: في شرح غريب كتاب الجامع في
حديث مالك وقد سئل عن الداء العضال، قال: أخبرنا مطرف أنهم
سألوا مالكا عن أنه خلل الناس بوجهين: الإرجاء، ونقض السنن بالرأي، فهو عندنا،
الداء العضال فقال: هو أبو حنيفة وأصحابه. وذلك
أشأم مولود في الإسلام • ضل به خلق كثير
قال ابن حبيب: وقد كان من رأى الزائع عن الحق أبي حنيفة
وأصحابه، قتل المسلم بالكافر المعاهد
-
قال الغزالي: كل فرقة تكفر مخالفتها فتنسبها الى تكذيب
الرسول عليه السلام • فالحنبلي يكفر الأشعرى، زاعما أنه كذب الرسول (2/236)
صفحة 536
237 -
عليه السلام في إثبات الفوق الله تعالى، وفى الاستواء على العرش، و الأشعرى يكفره زاعما أنه شبه كذب الرسول عليه السلام في أنه تعالى ليس كمثله شيء» •
10 - ذكر ابن الشحنة أن الحنابلة حكموا بكفران الأشعرى وبإباحة دمه، وطمس قبره خوفا عليه من أن ينبشوه وكذلك الحنفية
خطأوا الأشعرى.
-
11
قال القاضي عياض بتكفير الإمام الغزالي، وذلك أنه ذكر
قول الجاحظ وتمامة ثم قال: وقد نحا الغزالى قريبا من هذا المنحى
في كتابه التفرقة، وقائل هذا كله كافر.
12
قال الشيخ عليش عن فخر الرازي: ولقد استرقوه في
بعض العقائد فخرج فيه الى قريب من شنيع أهوائهم (أى الفلاسفة) ولذا حذر الشيوخ من النظر في كثير من تأليفه
•
-
13
كتب ابن الحداد كتابا في الرد على الشافعي، وكان سيء
الرأي في أبي حنيفة
- 1 {
قال الشافعي: ما رأيت كأهل مصر، اتخذوا الجهل علما،
لأنهم سألوا مالكا عن مسائل قال لهم ما أعلمها، فهم لا يقبلونها ممن
يعلمها، لأن مالكا قال لا أعلمها
-10
+
قال صاحب الفتاوى الخافية: إذا قال شافعى المذهب: إلهى
ما عرفناك حق معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى: (2/237)
صفحة 537
- 238 -
أو يقول العمل في الإيمان، أو يقول الإيمان يزيد وينقص
تجزئ الصلاة خلفه
16
-
•
قال أبو اليسر: اقتداء الحنفى بالشافعي غير جائز
17 – ذكر صاحب المبسوط أن الصلاة خلف الشافعي غير جائزة إذا كان متعصبا في مذهبه.
1 - قال عمر بن الفضل: من قال: الإيمان مخلوق لا تجوز
الصلاة خلفه.
وأخرج الإمام البخارى من بخارى سبب هذه المسألة
•
-
19
نقل الشيخ على القارئى أنه لا
اقتداء الشافعي
بالحنفى ولو حافظ على جميع الواجبات.
20
-
عرض ابن الهمام بالمالكية فاعتبرهم في قسم الجمل المركب
حيث قال: وجهل من عارض مجتهدة الكتاب كحل متروك التسمية
عمدا،
والقضاء بشاهد ويمين مع «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه» فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» والسنة المشهورة كالقضاء مع واليمين على من أنكر «والتحليل بلا وطء مع حديث
المشهور
العسيلة، فلا ينفذ القضاء في شيء منها.
-
21
قال أحمد ابن تيمية: - وقد وقع بينه وبين علماء المالكية والشافعية خلاف فى أوائل القرن الثامن الهجرى بسبب إشهاره (2/238)
صفحة 538
239 -
-
لمذهبه حتى قبض عليه فى ليلة عيد الفطر ووضع في جب ثم عقد له مجلس تأديب حضره جماعة من القضاة والأمراء والعلماء. فادعى عليه القاضي ابن عدلان دعوى شرعية في شأن عقيدته، فقيل له أجب عن الدعوى، فقال الدعوى عند من! فقيل عند القاضي المالكي فلان • فقال هو عدوى وعده مذهبي
22
قال القاضي عياض (1): وكان الظهور في دولة بني عبيد بأفريقيا لمذهب الكوفيين لموافقتهم إياهم فى مسألة التفضيل، فكان فيهم القضاء والرئاسة، وتشرف قوم منهم ميلا لمسايرتهم واصطيادأ لدنياهم، وأخرجوا أضغانهم عن المدنيين فجرت على المالكية في تلك
المدة محن.
-
23
نقل عن أبي طالب المكى: أن مالكا كان أبعد الناس عن
مذاهب المتكلمين. وأشدهم بغضا للعراقيين.
24
ذكر الشعراني أن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك:
ايذكر أبو حنيفة عندكم: قلت
تسكن
نعم فقال ما ينبغي لبلادكم أن
25 ـ شدد القاضي عياض النكير على أبي حنيفة وقدح في مذهبه ومذهب الشافعي وأحمد وأطنب فى ذلك غاية الإطناب. وذكر المؤلف
(1) وفي عهده انعكست القضية فجرت على مخالفيه المحن وقتلوا في الشوارع حتى سالت بدمائهم ومنعوا من الصلاة في المساجد وحرم عليهم التعلم
والتعليم فيها. (2/239)
صفحة 539
- TE-
نماذج كثيرة مما ينتقده القاضي عياض على المذاهب الثلاثة لا سيما
الحنفية.
ولعل القصة الثانية تمثل صورة مضحكة فى الخصومات العنيفة مما كان يقع بين أتباع المذاهب • فقد نقل التعاريشي عن كتاب الحيوان القصة التالية: أن السلطان محمود بن سبكتكين كان حنفى المذهب، وكان مولعا بعلم الحديث، وكان يسمع عند إمام الحرمين الحديث ويسأل عن معناه فيجد أكثره موافقا لمذاهب الشافعي • نجمع فقهاء المذهبين والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الاتفاق على أن يصلى بين يديه ركعتان على مذهب الشافعى ثم على مذهب الإمام أبي حنيفة والسلطان ينظر الى ذلك ويختار الأحسن فصلى القفال المروزي بطهارة سابعة، وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والألفاظ والآداب على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعى دونها ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة غلبس جلد كلب مدبوغا، ولطخ بعضه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان ذلك فى. صميم الصيف فاجتمع عليه الذباب والبعوض. وكان وضوؤء منكسا منعكسا، ثم استقبل القبلة وأحرم للصلاة من غير نية في الوضوء. وكبر بالفارسية وقرأ بها، ثم نقر كنقرات الديك من غير فصل بينها ومن غير طمأنينة وتشهد وضرط في آخرهما وخرج من غير نية السلام وقال: أيها السلطان! هذه صلاة أبي حنيفة
•
هذا وقد أورد التعاريشى صورا كثيرة فى الخلاف في العقائد (أصول الدين) بين أصحاب المذاهب الأربعة نستخلص منها الصور وسوف نذكر ما يقوله الإباضية فيها ومنها يتضح للقارئ الكريم أن التقارب بين (2/240)
صفحة 540
- TEI
-
الإباضية ـ في هذه المسائل وهى أصول وبين الأشعرى ـ أشد كثيراً
-
من التقارب بين الأشعرية والمثريدية وأشد كثيراً أيضاً من التقارب بين
الإباضية والمعتزلة والى القارئ الكريم هذه الصور:
1
-
يقول الأشعرى أن الصفات الذاتية زائدة على الذات وخالفه
في ـ القدم والبقاء الحنفية والباقلاني وإمام الحرمين والفخر، قائلين إنهما ليسا زائدين على الذات والإباضية يقولون في الصفات جميع الذاتية بما يقوله الحنفية والباقلاني وإمام الحرمين في القدم والبقاء.
-
2
يقول الأشاعرة يجوز تخلف الوعيد، وخالفهم الحنفية فقالوا
كما لا يجوز خلف الوعد كذلك لا يجوز خلف الوعيد وبهذا القول يقول
الإباضية.
- يقول الأشاعرة والماتريدية أيضا بأن عصاة المسلمين لا يخادون
في النار، وخالفهم الإمام الغزالي فقال به والإباضية أيضا يقولون به.
4
خالف القاضي ابن العربي والرازي، جمهور الأشاعرة فقالا
في الأفعال بالجبر، وذهب إمام الحرمين مذهب المعتزلة والإباضية في
هذا يقولون بما يقول به الأشاعرة.
ه - يقول الأشعرى أن لكلامه تعالى تعلقا أزليا، وخالفه عبد الله
ابن سعيد وطائفة من متقدمى الأشعرية فيها قائلين: ليس لكلامه تعالى
(م 16 - الاباضية ج 2) (2/241)
صفحة 541
-
تعلقا أزليا ويرى الإباضية (1) أن الكلام من حيث هو صفة كمال فيو صفة ذات كالعلم والقدرة.
يرى الأشاعرة أن الإيمان بالله تعالى واجب شرعا واختلف
الشافعية فى ذلك على قولين، وذهب أبو منصور الماتريدي الى أنه واجب عقلا. ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
- يرى عامة الأشعرية أن الإيمان مخلوق وذهب جمهور الحنفية الى أنه غير مخلوق ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة
- يرى الأشعرية أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، ويذهب الحنفية الى أن للعقل دخلا في التحسين والتقبيح، أي في الحكم
الذات
(1) يقول الامام بيوض ابراهيم بن عمر ما يلى: ان مذهب الإباضية وامامهم جابر بن زيدان أن صفة الكلام ذاتية كالحياة والعلم والسمع والبصر وهى عينية لا غيرية اى ليست صفة زائدة عن الذات فهي بذلك قديمة قدم فالله تبارك وتعالى لم يزل حيا عليها قديرا سميعا بصيرا متكلما. وبعد شرح وتفصيل قال: «وانت خبير أن هذا فى الكلام الننسي الذاتي يجب وصف الله تبارك وتعالى بأنه متكلم فكلامه بمعنى صفة التكلم فيه قديم ولاشك فيه، ولا يجوز القول بخلافه، وأما تكليمه ووضعه للناس كل ما يقرأ ويكتب، تحويه الصحف وتحفظه الصدور ويتصف بصفات أخرى لا يمكن أن يتصف بها الكلام الذاتي فأمر كلام، وشيء آخر لا يخفق الفرق بينه وبين الكلام الذى هو صفة من صفات الذات العلية) انتهى المقصود
اذ
منه
وقال التعاريشى فى الملك المحمود ص 152 ما يلي:
•
وعندنا معشر الاباضية الوهبية أن كلام الله تعالى له معنيان:
الأول: أنه صفة ذاتية كالعلم والقدرة. منافية للاغة مثل الخرس.
الثاني: أنه صفة فعلية بمعنى خلق الكلام حيث شاء فمعنى كونه متكلما
على الأول ليس بأخرس وعلى الثاني خالق الكلام». انتهى المقصود منه. (2/242)
صفحة 542
بالحسن أو القبح على بعض الأشياء. ويتفق الإباضية مع الأشعرية في
هذه المقالة
ـ يرى الأشاعرة أن الإيمان يزيد وينقص ويرى الحنفية وإمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه
المقالة
10
يرى الحنفية أن القدرة تصلح للضدين، ويرى الأشعرى ومن تابعه أن لكل واحد من الضدين قدرة على حدة. ويتفق الإباضية مع الأشعرى فى هذا أيضا، هذه أمثلة قليلة جدا عن الخلافات والخصومات الواقعة بين علماء المذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنة وهى في الأصول والفروع كما رأيت وقد بلغت الخصومة بين بعضهم أحيانا الى التكفير والتفسيق والحكم بالزيغ والجهل والمركب والضلال والإضلال •
مثل ما يقع بين أصحاب كل مذهب ومخالفيهم من المذاهب الأخرى
خلافات
•
ومن حيث حجم الخلاف فلا أحسب أن ما بين أصحاب المذاهب الأربعة في أنفسها اقل مما بينها وبين غيرها وأحسب أنه لو قام إنسان
-
فقارن بين الإباضية والأشعرية مثل - في الأصول – لوجدها أكثر تقاربا واتفاقا من الأشعرية والماثردية. ولو قارن بين الماثردية والمعتزلة لربما وجدهما أشد تقاربا من المعتزلة والشيعة.
أما شدة النقاش وعنف الصراع حتى يبلغ الى إلقاء الكلمة الجارحة والاتهام في العقيدة والدين حينا والتكفير والتفسيق حينا آخر • فقد مرت بك له أمثلة. وعند المطالعة يظهر لك الكثير جدا، وإذا شئت أن تأخذ نماذج سريعة لهذا الموضوع فعليك بكتب القاضي عياض وابن حزم (2/243)
صفحة 543
- 244
وابن تيمية وأضرابهم فإن ألسنة هؤلاء الحادة قلما يسلم منها إمام أو عالم خالفهم في أصل أو فرع وفى كل فرقة علماء وضعوا أنفسهم موضع الدفاع عن آراء وعقائد الفرقة يبررون كل ما عندهم في صدور
بكل ما يملكون.
الآخرين
والقصد من هذا كله أن الخصومة العنيفة، والجدال القوى، والشدة في مناقشة المخالف أمور واضحة بين كبار العلماء والأئمة فلم يكن هناك تكتل من مذاهب على مذهب ولم تكن هناك معسكرات دينية تتحالف على
معسكر
•
وإنما كان كل أصحاب مذهب يعملون على الاحتجاج. لصحة مذهبهم بما يتاح لهم من وسائل، فإذا علموا أن مذهبا آخر يوافقهم في رأى أو عقيدة تقووا به واعتبروه مقتبسا منهم، وأغلب ما يحصل الشعب بين أصحاب المذاهب المتساكنة أو المتجاورة ولذلك فقد يثور النقاش الشديد بين الحنفية أو الشافعية أو بين أحدهما والحنابلة أو بين أحدها وإحدى فرق الشيعة وأكثر ما تكون هذه الصور في الشرق الإسلامي كالعراق وإيران وربما سوريا وقد كانت المعارك في المغرب الإسلامي في العهود العثمانية حامية الوطيس بين الحنفية والمالكية أو بين المالكية والإباضية ما يثور بين اتباعها المتساكنين أو المتجاورين.
وذلك. بسبب
ومن
هذا يتضح أن اعتبار أهل السنة على مذهب واحد يجرى بين
أتباعه جميعا الوفاق والانسجام دعوى باطلة هذا بالنظر الى العهود السابقة، ودعوى إن فرق أهل السنة كتلة تجتمع بقية المذاهب والفرق على خصومتهم دعوى أشد إيغالا فى البطلان، فإن فرقة من الفرق (2/244)
صفحة 544
1 Y?01
الإسلامية سواء ما أشير إليه بأهل السنة أو غيرها كانت لها مصاولات
ومحاولات مع من يحتك بها من الفرق الأخرى.
ولا شك أن الأشخاص الذين يتولون القيام بتلك المصاولات يختلفون من مكان الى مكان ومن زمان الى زمان فلقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما فى زمن ما في مكان ما من كبار علماء الإسلام واسع الأفق، فسيح النظرة يعتبر المسلمين كلهم بمختلف مذاهبهم أمة واحدة فيحاول أن يجمع الكلمة، ويسلم الصف، ويرفق بالمخالف حتى يعيش الجمع بسلام وقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما في زمان ما فى مكان ما من أولئك المتعصبين السطحيين ضيق الأفق جامد النظرة محدود المعرفة فيكفر غيره وينا د مخالفيه وقد يستعدى السلطة فتساعده أو تخذله.
وقد استخدمت السلطة أخذا برأى بعض هؤلاء في تغليب بعض المذاهب على بعض فى حداث مؤسفة تركت ردود فعل مؤلمة بقيت آثارها واضحة في المجتمع الإسلامي أزمنة طويلة.
وفى هذا العصر بدأ التقارب واضحا بين أصحاب المذاهب الأربعة وبدأت كلمة أهل السنة تحتل مكانها بدل المذاهب الأربعة أو الأشعرية
أو غيرها أو غيرها
وبدأت تختفى تلك المصاولات التي ذكرنا أمثلة لها وأصبح أتباع كل مذهب ينظرون الى أتباع المذهب الآخر نظارة عادية أخوية لا تحمل آثار خصومة ولا دوافع صراع، بل أصبحوا مقتنعين أن غيرهم أيضا (2/245)
صفحة 545
1 YER -
من أهل السنة، وفى نصف هذا القرن الأخير بدأت الألفة تسرى بين جميع
المذاهب.
وربما كانت هذه هى الخطوة الأولى للتقريب بين وجهات نظر الأمة الإسلامية واعتبار أن آراء المجتهدين والأئمة هي آراء فردية تحتمل والصواب وأنه يجب أن ينظر إليهم بأنهم علماء اجتهدوا فقالوا أن غيرهم أيضا اجتهد فقال
الخطأ
•
والحقيقة أنه كانت كل فرقة تحاول أن تقف وحدها في الميدان ثم اجتمعت أربع فرق تحت اسم أهل السنة واختفت الأنانية التي كانت تتسم كل فرقة ثم بدأ الاعتناء بفرق أربع أخرى وأصبحت تنسجم تدريجيا
بهم
الفرق الأربع الأولى وربما يأتى يوم ببعيد تندرج فيه الفرق الثمانية تحت لفظ أهل السنة ويرشح غيرها حتى تضم هذه التسمية جميع فرق المسلمين، أو تختفى حتى هذه التسمية ولا يبقى إلا الاسم الذي اختاره الله لهذه الأمة بعد هذا كله وأحب أن أقول لأخى الدكتور أحمد صبحي إن التشابه والتقارب بين آراء بعض الفرق وبعض ليس مرجعه الى عداوة أو الى صداقة، وأن العداوة بمعنى شدة النقاش والعنف فيه، والحماس الاحتكاك يقع
في الجدل، والدفع القوى موجود بين جميع الأطراف عندما
وحتى بين علماء المذهب الواحد
أما العداوة بمعناها اللغوى فلا وجود لها بين فرق المسلمين – وإن
جرت على الألسنة أحيانا - إلا حين تستغلها السياسة وتجند لها الجامدين المنغلقين من أدعياء العلم والدين (2/246)
صفحة 546
النقطة الثانية:
- TEV -
اعتبار الأشاعرة ممثلين لمذهب الخلف من أهل السنة أو جعلهم حملة لهذا المذهب نفسه ودعوى تحتاج الى نظر
أخي الدكتور إنك قسمت المسلمين الى معسكرين يصطف في أحدهما المعتزلة والشيعة والخوارج، ويصطف في الجانب المقابل الأشاعرة الذين اعتبرتهم مذهب الخلف من أهل السنة، دون أى تفصيل أو تعريف لأهل السنة، وأحسب أن هذا لا يستقيم لأن فرقا كثيرة تحسب نفسها من أهل السنة وقد يحسبها غيرها كذلك ولكنها غير مستعده أن تنضوي تحت لواء الأشعرى وإذا أردنا أن نضع صورة لأهل السنة على التعميم فإن في إمكاننا أن نعتبر الأشاعرة يقفون موقفا وسطا ولكن هناك جناحين لأهل السنة لا ينطبق عليها موقف الأشاعرة، هما الجناح الأول وهل المجموعات التي تعتبر نفسها من أهل السنة ولا ينكر الأشاعرة عليهم ذلك ومع فهى محافظة الى حد الترمت بالنص الحرفي فلا تقبل تأويل الآيات الموهمة للتشبيه ويدخل تحت هذا الجناح كل من الظاهرية، والحنابلة، واتباع ابن تيمية الذي يعتبر إصلاحا أو تطويرا للمذهب الحنبلي وقد أطلق بعض العلماء على أصحاب هذا الجناح اسم الأثرية وقد يقف تحت هذا الجناح بعض المالكية أو الشافعية.
ذلك
فالأثرية - إذا أبحنا لأنفسنا استعمال هذه الكلمة بصورة أعم لتدل على المحافظين في جميع المذاهب الذين لا يلتجئون الى التأويل – يعتبرون أنفسهم من أهل السنة ولكنهم ليسوا أشاعرة بل هم يسخطون على
الأشاعرة. (2/247)
صفحة 547
-
248
أهل
الجناح الثاني هو الجناح الذي تخطى حدود الأشاعرة وقارب في منهجه منهج المعتزلة وقال بكثير من أقوالهم هذا الجناح الذي يعتبر غير ملتزم بآراء الأشعرى والذى يتزعمه أبو منصور الماتريدي وهو ما يعرف في كتب علم الكلام الماتريدية وأكثر الحنفية على ذلك وربما قال ببعض أقواله العلماء من المذاهب الأخرى والماتريدية يحسبون أنفسهم من السنة بل من أوائل أهل السنة ولكنهم لا يعرفون أبدأ بأن الأشعرية يحملون آراءهم إذا فالحنابلة سلفهم وخلفهم، والحنفية سلفهم وخلفهم والظاهرية سلفهم وخلفهم ليسوا فى الأشعرية أوهم – على الأقل ـ يرون أنهم ليسوا من الأشعرية.
بعض
فكيف يصح أن نفسر الأشاعرة بأنهم مذهب الخلف من أهل السنة ومن أهل السنة الحنفية والحنابلة والظاهرية وهم جميعاً ليسوا أشعرية كما أوضحنا من قبل لأن بعضهم أثرية وبعضهم ما تريدية والأثرية لا يقولون بالتأويل كما نقول الأشاعرة والماتريدية يميلون في أغلب الأحوال في الجملة الى المعتزلة أقرب وإن لم يعترفوا
الى آراء المعتزلة بل هم
-
بذلك
النقطة الثالثة:
سيادة مذهب الخلف من أهل السنة على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة منذ أوائل القرن الرابع.
أخي الدكتور إن تحديدك لأواخر القرن الرابع كبداية لسيادة مذهب أهل السنة على المسلمين وعلى دار الخلافة وكمبدأ للصراع بينه وبين المعسكرات الأخرى مما يوحى أن الدافع على الصراع إنما كان من أجل (2/248)
صفحة 548
- 249 -
-
صح
هذا
السيادة على الخلافة وعلى الجمهرة، لا يستقيم بل إن هذا التحديد الزمني قد يدل على عكس ما تحتج له. وذلك أن الصراع بين المذاهب منذ ذلك التاريخ تقريبا بدأ يفتر وبدأت المعسكرات إن التعبير الذي استعملناه بكثرة فى هذا الفصل تعود إلى نوع من الهدوء والاستقرار وثبات كل على ما هو عليه، وأصبحت مبادئ كل معسكر واضحة وثابتة هذا بالنظر العام - وبالنظر إلى واقع المعسكرات فإن مبادئ الخوارج وآراء المعتزلة قد تقررت بصورة لا تحتاج إلى
المزيد.
ومبادئ الخوارج قد ذكرتها كتب غيرهم بإجمال وتفصيل وربما بتحريف وتشويه أما المعتزلة فقد قرروا عقائدهم وآراءهم في كتبهم. بأنفسهم وبوضوح وعناية وكذلك الشيعة وأهل السنة والإباضية.
هذا من حيث الآراء والعقائد أما من حيث النشاط والحركة فإن أعظم الكتلتين أثرا على الخصومة وأعنفها فيها موقفا ـ وهما الخوارج والمعتزلة. حسب التسمية التي اعتادتها
وفي كتب التاريخ والمقالات - كانتا قد انقرضتا أو هما على وشك الانقراض، وفى حالة لا تقوى على خصومة، ولا تدعو إلى تكتل خالخوارج لم يبق منهم أحد إلى ذلك الحين فقد اختفوا في الميدان السياسي والعسكرى ومنذ اختفوا من هذين الميدانين اختفت آثارهم اللهم إلا ما حفظته كتب خصومهم في مقام التشنيع أو مقام النقد
والرد
وكذلك كان المعتزلة فى أواخر القرن الرابع في حالة همود وانقراض (2/249)
صفحة 549
250
و اختفت صولتهم في ميادين الحركة ولم يبق منهم إلا الثروة العلمية التي سجلوها بأيديهم أو الأسلوب الجدلى الذى اقتبسه منهم غيرهم واستعمله في الرد عليهم أما الإباضية فقد قرروا الانصراف عن الخصومات بمختلف أنواعها فاعتزلوا الحركة السياسية والعسكرية اعتزالا كاملا ولم يلجأوا إلى الجدل والخصومة إلا في مواطن الدفاع والسرد.
فلا أساس مطلقا لدعوى التعاون المزعوم بين تلك الفرق الثلاث لمخاصمة أهل السنة كما تظن يا أخى الدكتور وكما يحاول المستشرقون أن يصوروا.
أما سيادة المذاهب على دار الخلافة فى تلك الفترة فإن الخلافة العباسية في ذلك الحين كانت اسما على غير مسمى وكانت توزع نصف العالم الإسلامي دويلات صغيرة بعضها يحمل شعارات الدولة العباسية دون أن يخضع لها والبعض الآخر كان لا يعترف بها وبغيرها أما النصف الثاني من العالم الإسلامي فقد كان خاضعا للدولة الفاطمية وهي الأخرى. كانت عند ذلك الحين قد بدأت فى الانحدار. ثم توزع العالم الإسلامي دويلات لا تجسر إحداها أن تدعى الخلافة الإسلامية حتى قامت الدولة العثمانية وإذا راجعنا إلى دول الخلافة الثلاث الكبرى التي حكمت العالم الإسلامي نجد أن الدولة الأموية قد حكمت قبل أن تتكون المذاهب ونجد ادولة العباسية كان الحكم فيها في أيام ازدهارها وحلفاؤها معتزلة ثم صاروا فيما بعد يتناوبون أشعرية ومعتزلة أما الدولة العثمانية فقد كانت السيادة فيها للمذهب الحنفى طوال مدة حكمها وبعد الدولة العثمانية أصبحت فى كل قطر إسلامي دولة أو دويلة يسود عليها أو يوجهها مذهب (2/250)
صفحة 550
- 251
-
ما بعضها مالكى كالمغرب وبعضها حنبلى كالسعودية، وبعضها إباضي کعمان وبعضها شيعي كإيران وبعضها زيدى كاليمن على أن هذه السيادة سيادة أغلبية سكان وليست زيادة عمل بقانون لأن أغلب هذه الدول إما أنها تعمل بقوانين وضعية أو قوانين شبه وضعية أعنى أنها ليس فيها من تلتزم أحكام الإسلام لا على المستوى الإسلامي ولا على
المستوى المذهبي.
سبقهم
النقطة الرابعة:
محاولة إيجاد تفسير للتشابه والتقارب بين المذاهب
يبدو لي أن موقف المستشرقين ومن سار على منوالهم أو ربما في البحث عن أسباب التشابه والتقارب بين عقائد المذاهب وراء الفرق فيه شيء من الغرابة أو من عكس الطبيعة ذلك أن. جميع المذاهب الإسلامية منبثقة في أصل واحد هو الإسلام بمصادره التشريعية المختلفة وكان المنطق يقتضى أن تكون هذه المذاهب واحدة أو متحدة لأنه هو الأصل فإذا حدث خلاف بين بعضها بحث عن أسباب الخلاف ولكن القضية عند بعض المفكرين وأغلب المستشرقين أخذت منحى آخر والقارئ الكريم يرى في الملاحظة السابقة كيف أن صاحبها مختار فيما يبرر به وجود التشابه بين آراء الشيعة) لاسيما الزيدية والاثنى عشرية) والخوارج والمعتزلة.
•
والحقيقة أن الذي يجب أن نبحث عن مبررا راته إنما هو اختلاف الآراء والأصول بين مذهب وآخر وطائفة وأخرى لا التشابه والتقارب وذلك لأن مصدرها واحد وهى جميعا تزعم أنها تعود إلى ذلك المصدر فالاختلاف (2/251)
صفحة 551
- 252 -
حادث يبحث عن سببه والدوافع إليه، وليس من الحقيقة في شيء أن نعكس المنطق فنجعل التباعد والتباين بين المذاهب والمفرق هو الأصل فإذا رأينا تشابها أو تقاربا بين بعضها بحثنا عن السبب والمبرر كما يقول صاحب الملاحظة. ولعل المستشرقين هم الذين ركزوا هذه النظرة واعتبروا الخلاف والخصومة بين المذاهب هى الأصل فإذا أوجدوا تشابها و اتحادا بحثوا عن الأسباب أو افتعلوا له المبررات وعلى كل حال والأصل في المذاهب أنها تستقى من مصدر واحد وترجع إلى أصل واحد، والطبيعة فيها أن تكون متشابهة متقاربة فإذا تباعدت كان ذلك على غير الأصل وبحث عن أسبابه ومبرراته ولا يخرج غالبا عن أصابع السياسة في القديم وعن أصابع الاستعمار في الحديث وعن أصابع يد كيد اليهودية والمسيحية فى المدى الطويل ثم عن الجهود المخلصة التي يبذلها الجنود المخلصون للاستعمار والمسيحية وهم المستشرقون في العصور الحديثة. وقبل أن أختتم هذا الفصل الذي طال أكثر مما ينبغي له أحب أن أوضح - يا أخى الدكتور النقطتين الآتيتين:
من
أولا::
صياغتك للكلام في الملاحظة السابقة تشعر أنك تقرر أن تأثر كل الأدارسة والإباضية المعتزلة حقيقة مؤكدة لا تحتاج إلى نقاش، وإنما موضوع النقاش هو هل الأدارسة والإباضية قد انحدروا عن المعتزلة، وعندما رجحت عدم انحدارهما منهم ذهبت تعال التأثر والتأثير بفرضية أخرى هي أغرب من الأولى وهذه الفرضية هي اعتبارك أن المعتزلة معسكر وأن الشيعة والخوارج معسكر آخر. وأن أصحاب هذين المعسكرين قد تحالفوا على محاربة المعسكر الأقوى الذي يسود على جمهرة (2/252)
صفحة 552
-
253
المسلمين وعلى دار الخلافة، ويلاحظ أنك فى مبدأ الملاحظة جمعت بين الأدارسة والإباضية ولكنك فيما بعد سقت الشيعة جميع وجميع الخوارج ليكونوا معا معسكرا يتحالف مع معسكر المعتزلة حتى يبدأ النزال بينهم وبين المعسكر الثالث معسكر أهل السنة ـ وهذا الكلام قد يفيد في
-
إسكات مجموعة من الطلبة المشاغبين الأذكياء فيتخلص المحاضرات مضايقاتهم ولكنه بعيد جدا عن واقع حياة المذاهب الإسلامية ولا داعي إلى أن تحيله لتبرير أو تصحيح رأى مستشرق
ثانيا:
في موضوع التأثر والتأثير بين المذاهب كنت أرجو لو أننا تركنا آراء المستشرقين جانبا، وأجرينا مقارنات حقيقية لمعرفة التقارب والتباعد بين الفرق بعضها البعض لا باعتبارها معسكرات ضخمة تستعد وتكون الأحلاف للصراع، ولكن باعتبارها فرقا ترجع جميعا إلى أصول كلها متفقة عليها، فنرى مثلا ما يتفق فيه الإباضية
تشريعية هي
المالكية ??
الشافعية
ومع
أو يختلفون مع كل فرقة من المعتزلة ومع الحنابلة. ومع كل فرقة من فرق الخوارج وغيرها وكذلك نفعل كل فرقة مع من الفرق المذكورة سابقا، بشرط أن يكون اعتماد المقارنة على مراجع الفرق نفسها.
وأنا على يقين لو أن الدكتور أحمد صبحى أجرى هذه المقارنة بهذا
الأسلوب لتغيرت آراؤه فى كثير من النظريات وعن كثير من الفرق.
ولوجد مثلا، أن تأثر أهل السنة - أو مذهب الخلف من أهل السنة كما يحلو له أن يقول قد تأثر تأثرا واضحا بالمعتزلة أكثر بكثير مما تأثر به الإباضية إذا ساغ لنا أن نعتبر المعتزلة دائما هم مصدر التأثير - (2/253)
صفحة 553
-
من
أهل
وأقرب ما يقال في هذا الصدد إن إمامى أهل السنة أو الخلف السنة، وهما أبو الحسن الأشعرى وأبو منصور الماتريدي قد غيرا موقف أهل السنة تغييرا مفاجئا، فلا شك أن أبا الحسن درس في مدارس المعتزلة وتثقف بثقافتهم واصطبغ فكره بعقليتهم وفى شبه حالة مفاجئة اختفى عن الأنظار أياما ثم ظهر فأعلن في – شبه حركة مسرحية ـ أنه لم يعد منهم وتزعم فريق أهل السنة لكن بالقوة التي تقفه بها المعتزلة وهي استعمال الجدل واستخدام المنطق. ولم يستطع أبو الحسن في الواقع أن يتخلص من كل الفكر الذى تكون لديه وهم يلتهم الثقافة بعقلية المعتزلة وأقل ما يقال فى تأثره بأساتذته ونقله لذلك التأثر إلى مذهبه الجديد هو فكرة
التأويل التي لم تكن مقبولة عندهم أبدا وبها تطور مذهب أهل السنة إلى مذهب الخلف أهل السنة وهي الوثبة التي وثبها
ما
يسمى
من
أبو الحسن الأشعرى ببعض أهل السنة إلى المعتزلة، حتى اتخذوا لهم اسما جديدا هو الأشعرية أما أبو منصور الماتريدي الذي يكاد تأثره بالمعتزلة يجعله صاحب فرقة من المعتزلة وآراؤه فى مسائل الاعتقاد أكثر قرنا وأشد ارتباطا بالمعتزلة ولعل أصدق ما يقال فيه من هذا الموضوع إنه حلقة وسطى أو حلقة اتصال بين المعتزلة والأشاعرة ويبدو لى من القراءات السريعة أن الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة من الأصول هو أكثر بكثير من الخلاف بين الإباضية والأشاعرة.
والذي يجب أن يقال في هذا الصدد هو أن نبعد عن أنفسنا اعتبار مذاهب أهل السنة معسكرا يحتضن جمهور الأمة ودور الخلافة وأنه
يصارع معسكر المعتزلة الذي تحالف مع الشيعة والخوارج حتى ترك طابعه فيها • إن هذه الصورة صورة خيالية لا ظل لها في الواقع، وقد (2/254)
صفحة 554
255 -
أثبتنا وجود الصراع بين كل الفرق - وهى تبحث عن الحق والصواب واليقين فى عقائدها وآرائها وسلوكها - وأوردنا أمثلة للخلاف الشديد داخل كل معسكر من المعسكرات السابقة - إن جاز هذا التعبير – ولا شك أن كلا من الفرق الإسلامية مؤثر ومتأثر بغيره - ولا قيمة لاعتناق أية دولة ـ غير ملتزمة بالإسلام وأحكامه - لأى مذهب بما فيها دول الخلافة الثلاث (1) التي أشرنا اليها فيما سبق. ولا يريد أى مذهب احتضان السلطة له أو فرضها له على الناس مرتبة - في الصحة أو القرب من الصواب ـ زائدة على غيره وكلما تبنت دولة من هذا النوع مذهبا بادر فقهاؤه الجامدون إلى استغلال السلطة في الكيد لغيره من المذاهب ومحاربتها، فتنعكس القضية وتستغل السلطة أولئك الفقهاء فتقربهم اليها وتجعلهم ألسنة للدين فى الدولة، ووسيلة لتخدير الجماهير، وأداة لإخضاع الناس وحملهم على السمع والطاعة، ومبرر الاستحلال الإرهاب
والقسوة والتنكيل.
ويبدو لى لو أن لجنة من علماء الأمة حاولت أن تضع موسوعة في
-
علوم الشريعة على أساس المواد العلمية ـ أصولا وفروعا مادة مادة كالبسملة عند قراءة الفاتحة ورفع الأيدى عند التكبير في الصلاة وكالحكم على مرتكب الكبيرة وصدق الوعد وتخلف الوعيد ثم عرضت أقوال العلماء في كل مادة منها باعتبارهم أفرادا من علماء الأمة ولم تراع المذاهب التي ينسبون اليها لالتقت جميع المذاهب على أغلب المقالات التي تقال في كل مادة أعنى أنه لوجد علماء من كل مذهب فى كل مادة يقولون بما
يقول به مخالفوهم أو يرجحون غير المعمول به في مذاهبهم ولو تم
ذلك
(1) وهي الأموية والعباسية والعثمانية ويضاف لها الفاطمية. (2/255)
صفحة 555
- 256 -
لظهر التقاء كل المذاهب الإسلامية على أغلب ما اختلفوا فيه وما من رأى في مذهب إلا ويوجد من يقول به أو يرجحه من العلماء المستقلين في المذاهب
الأخرى.
النقاء الخوارج والمعتزلة
قال الدكتور صبحى فى ملاحظاته على هذا الكتاب:
«مع الاختلاف بين رأى الخوارج والمعتزلة بصدد فاعلى الكبيرة فإن الفريقين يلتقيان في اعتباره مخلدا فى النار، وكتاب الفرق يعتبرون أن المعتزلة هذه المرة هم الذين تأثروا بالخوارج .. وقد شنع هؤلاء الكتاب على المعتزلة في ذلك، وأطلقوا عليهم تسمية سخيفة (مخانيث الخوارج) بسبب هذا الرأى وظاهر بصدد هذه المسألة بالذات.
إن رأى الخوارج لكان أول الآراء ظهورا» •
-
فاعل الكبيرة -
أخي الدكتور إن الحكم بأن بعض الفرق أخذ من الفرق الأخرى بحكم لا مبرر له ولا سند. ولا شك أن الفرق الإسلامية متأثرة بعضها لا. ببعض قد تأخذ وقد تقتبس ولكنه ذلك مع يصح لأى فرقة أن تكون أخذت من نفس المصدر الذى أخذ منه غيرها ضرورة أن مصادر الشريعة
الإسلامية متاحة للجميع بقدر متساو.
أما موضوع فاعل الكبيرة فإنه يمكن أن ينظر إليه في عدة زوايا.
الزواية الأولى: فاعل الكبيرة مشرك يعامل فى الدنيا معاملة المشركين
فيستباح دمه وماله وسبى ذريته وهو في الآخرة خالد في النار (2/256)
صفحة 556
- YOY -
ومن هذه الزاوية ينظر الخوارج - حسبما يقال عنهم -
الزاوية الثانية: فاسق يعامل فى الدنيا معاملة المسلمين وفي الآخرة
هو في أصحاب النار خالد فيها إذا لم يثب
ومن هذه الزاوية ينظر المعتزلة.
•
الزاوية الثالثة: فاعل الكبيرة منافق يعامل فى الدنيا معاملة المسلمين
وفي الآخرة هو في النار خالد فيها إذا لم يتب
ومن هذه الزاوية ينظر الإباضية.
•
الزاوية الرابعة: فاعل الكبيرة مؤمن يعامل فى الدنيا معاملة المؤمنين وفي الآخرة يدخل النار إذا لم يتب فيبقى فيها فترة مناسبة لمعصيته ثم يخرج منها وقد لا يدخل النار إذا تناولته المشيئة.
وفى هذه الزاوية ينظر أهل السنة
•
وبالتأمل في هذا يتضح أن اللقاء بين الإباضية والمعتزلة في هذا الموضوع تام والخلاف بينهم لفظى في إطلاق الاسم • والتقارب بين الإباضية والمعتزلة من جانب وأهل السنة من الجانب الآخر واضح أيضا
شديد الوضوح فالفرق الثلاث - الإباضية، والمعتزلة، وأهل السنة - يرون أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام هي:
1 – مؤمنون صادقون موفون وهم فى الجنة.
(م 17 - الاباضية جـ 2) (2/257)
صفحة 557
- 258 -
2 - مسلمون (منافقون أو فساق أو عصاة (يدخلون النار
ـ مشروكون وهم في النار
وقد اختلفت الفرق الثلاث في القسم الثانى من الناس وهم أصحاب الكبائر فقال المعتزلة والإباضية من دخل النار لا يخرج منها فهم فيها خالدون وقال أهل السنة يمكثون فيها فترات تتناسب وما ارتكبوه من المعاصي ثم يخرجون.
فاللقاء بين هذه الفرق كما ترى واضح فى ثلاث خطوات وهي انهم جميعا يعتبرون أصحاب الكبائر فى حكم المسلمين ويعاملون في الدنيا كما يعامل بقية المسلمين. ويعتبرون جميعا أن توبة أهل الكبائر تكفر عنهم ذنوبهم ويدخلون بها الجنة. ويتفقون جميعا أن أهل الكبائر إذا ماتوا
في غير توبة يدخلون النار ثم اختلفوا في خلودهم كما رأيت
أما الخوارج فهم يقسمون الناس إلى قسمين اثنين فقط:
1 – مؤمنون يدخلون الجنة وهم فيها خالدون
2 – مشركون يدخلون النار وهم فيها خالدون
•
ويعتبرون أصحاب الكبائر من المشركين فيعاملونهم في الدنيا معاملة المشركين. فالمسافة بينهم وبين المعتزلة كما ترى أبعد كثيرا من المسافة بين المعتزلة وأهل السنة.
وإذا أردنا أن نستعمل أسلوب الدكتور فى التعبير فإننا نستطيع أن (2/258)
صفحة 558
- 909 -
نقول
مع الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة بصدد فاعل الكبيرة فإن الفريقين يلتقيان في اعتباره مسلما فاسقا يعامل فى الدنيا معاملة المسلمين ويلتقون مع الإباضية لقاء كاملا.
أما قول الدكتور إن آراء الخوارج فى فاعل الكبيرة كانت أول الآراء ظهورا فأحسب أنها دعوى تحتاج إلى دليل وأن الحصول على الدليل في أولية هذا الرأى أو ذاك في هذه المواضيع ليس بالأمر الهين ولا اليسير.
رأي شخصي
هذه الملاحظة وضعها أحدهم للدكتور أحمد صبحى أو غيره في
ورقة بين صفحات الكتاب.
تقول الملاحظة:
أعتقد أن هذا الفصل يحمل آراءك الشخصية أكثر مما يحمل رأى
الإباضية، وقد جاء رأيك مبخسا لآرائهم. أعتقد أن هناك نقطتين
جديرتين بالاعتبار:
-
1
أن الإباضية يرون الخروج على أئمة الجور أما القول متى قدروا على ذلك، أو إذا لم يخش الفتنة فى ذلك فذلك قول قد أخذ على الأشعرية لأنه يعنى مهادنة أئمة الجور الذين لا يمكن إزاحتهم إلا بسفك الدماء. وحوار عمر بن عبد العزيز مع أمراء بنى مروان شاهد على ذلك: لماذا تظهر الإباضية كأنهم يتبنون آراء الأشاعرة فيما هو موضع مؤاخذة على الأشعرية بما في ذلك أكبر علمائهم كالغزالي
• (2/259)
صفحة 559
-
2 - إن أهم ما يميز الخوارج بوجه عام والإباضية بوجه خاص عن سائر حركات الخروج: انكار الذات إذ لم يكن لرئيس لهم مطمع في خلافة أو سلطة.
لماذا تجد حرجا في إبراز ذلك كأنك تود أن تكتسب رضي الأشاعرة، أو أن أقول إن آراء الخوارج السياسية لاسيما المعتدلين منهم ـــ تفوق في قيمتها أو ملاءمتها لعصرنا واتجاهاته آراء الأشاعرة، كانوا أول حق جعل الخلافة عامة، وليست مقصورة على قريش، وأول من نادى جمهورية الحكم، ومن أشد الفرق مكافحة الأمراء الجور • فلم نبخسهم
حقهم؟».
•
تشتمل هذه الملاحظة على عدد من النقاط يمكن تلخيصها فيما يلى:
-1
الفصل الذي كتبت عنه الملاحظة يحمل آراء شخصية لمؤلف
الكتاب وهى حجية لآراء الإباضية.
الخوارج
-
الإباضية يرون الخروج مهما كانت الظروف لأنهم من، أما مراعاة الظروف وموازنة النتائج فهو رأى الأشاعرة وهو
مأخوذ عليهم.
ـ أهم ما يميز الخوارج بصفة عامة والإباضية بصفة خاصة
إنكار الذات
4
هو
آراء الخوارج السياسية، ولا سيما المعتدلين منهم من تفوق في قيمتها وملاءمتها لعصرنا - آراء الأشاعرة. وهم أول من جعل (2/260)
صفحة 560
- 261
-
الخلافة عامة، وليست مقصورة على قريش، وأول من نادى بجمهورية
الحكم.
ه - يهتم مؤلف الكتاب بأن آراءه التى يجد حرجا حين يظهرها كان يود أن يكسب رضى الأشاعرة، ويبرز الإباضية لكأنهم يثبتون آراء الأشاعرة ونعود الآن لمناقشة هذه النقاط واحدة واحدة.
عندما قرأت هذه الملاحظة ذكرت كل ما قلته في المقدمة، وذلك أن بعض الناس، يعتنقون آراء معينة تنسب إلى تلك الفرق، ثم هم لا يتزحزحون عن تلك الآراء أبدا مهما صاح أصحاب الفرقة مائلين إلى تلك الآراء ليست لهم وصاحب الملاحظة قد استقر في ذهنه إلى الإباضية من الخوارج فهو غير مستعد لأن يزحزح هذه الفكرة عن خاطره مهما قيل. ثم هو قد وضع في ذهنه أن الخوارج يوجبون الخروج. ولما كان الإباضية - حسبما استقر في ذهنه من الخوارج يوجبون الخروج،
-
فالإباضية أيضا يوجبون الخروج. وهو غير مستعد أن يتنازل عن هذه الآراء أو هذه الفرضيات مهما كانت الظروف. حتى لو جاء الإباضية من
•
أولهم إلى آخرهم وقفوا فى طابور واحد، وأقسموا له لما سمع منهم ويوجد من هذا النموذج كثيرون وهم عندما يجرى بينك وبينهم حوار لا يحملون أنفسهم مشقة سماع ما تقول ولا فهمه وإنما يريدون أن تسمع منهم وأن تسلم لهم ما يقولون وإلا فأنت متعصب.
والمناقشات والدراسات حين تكون مع هذا الصنف من الناس ثقيلة جدا وغير ذات جدوى والآمال التي يعلقها الباحث اليوم على ما يقال عنه التحرر الفكري والمنهج العلمى والدراسة الواعية إنما تفيد مع من لم يقرر مسلمات لا يتحول عنها. وقد تركت الرواسب السابقة في (2/261)
صفحة 561
- 262 -
أذهان الطبقات المرتفعة من المثقفين أوهاما في ثياب حقائق هم أشد استمساكا بها وحرصا عليها من العوام على عقائدهم وتقاليدهم. ومع هذا فها أنا أعود إلى الموضوع لأجرى فيه مناقشة أخرى. وإن كانت خيبة الأمل فى تقدير الحجة والعزوف عن سماعها وفهمها لا تزال تقبض
على نفس
بالنسبة للنقطة الأولى التي يزعم فيها أن الفصل يحمل آراء في الشخصية في الخروج وليس آراء الإباضية أوكد له أن الآراء التي عرضها الفصل هي آراء الإباضية فإن كنت لم أحسن التعبير، أو أعوزني الإيضاح، أو غلبت على العجمة في العرض والتنسيق فهذا جائز وعلى كل حال فإلى القارئ الكريم ما يلى:
أستطيع أن أحدد الموضوع كما حدده أبو يعقوب في ثلاثة أقوال:
1 – وجوب الخروج عن الأئمة الظلمة.
2 ـ جواز الخروج عليهم.
-
- منع الخروج عليهم.
والقول الأول ينسب إلى الخوارج، والقول الثاني هو قول الإباضية والقول الثالث هو قول الأشاعرة كما أوضح ذلك أبو يعقوب وغيره. وأنا فى هذه المناقشة أحاول أن أعرض الموضوع من جانبين: جانب
نظري و جانب عملي. (2/262)
صفحة 562
- 263
-
الجانب النظري
أوردت في الفصل السابق كلمة قطب الأئمة الواردة في غير موضع
من كتبه وهي:
ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا) فإذا كان كلامي أنا غير واضح أو كان رأيا شخصيا لى فماذا يرى الأخ صاحب الملاحظة في كلام قطب الأئمة وهو إمام الإباضية في عصره باجماع الإباضية فهل هو رأى شخصى للقطب أيضا أم أن صاحب الملاحظة يجهل مذهبهم
القطب تعبير
•
حسب
على كل حال هذا كلام أكبر علماء الإباضية في القرن الرابع عشر، وهو واضح وصريح.
ويقول أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل: «أعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة فى الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم، ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم أولى، قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القواة الأولى قول أهل الدعوة إنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع في كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا» • (2/263)
صفحة 563
-598 -
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلى:
وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك ونعيش في كنفهم» •
أبو يعقوب: الوارجلاني من أئمة القرن السادس الهجرى وله شهرة واسعة تجاوزت المحيط الإسلامي إلى المحيط الغربي فاهتم المستشرقون بآثاره وكتبوا عنه وهو عند الإباضية بمثابة ابن رشد عند المالكية وعبارته فيما أظهر صريحة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو تعليق فهل نعتبر قوله رأيا شخصيا له لا للإباضية؟
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن عبد الله بن إباض دعا إلى اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة الخروج على الدولة القائمة حينئذ فسبقهم إلى المنارة - مكان الاجتماع - وجلس ينتظر حضور وهو يستمع إلى أصوات المؤذنين والمرتلين والذاكرين حضروا قال لهم: لست منكم في شيء، أعلى هؤلاء يجب الخروج والاستعراض، ثم ذهب وتركهم.
أصحابه.
-
فلما
أئمة
هذا الرجل هو الذى تنسب إلى اسمه فرقة الإباضية وهو من القرن الأول الهجرى وهو يقول بعدم وجوب الخروج كما رأيت بل هو
من
يستعظم الخروج فهل هذا رأى لشخص له أيضا • إن الذين قالوا هذا أئمة الإباضية في مختلف العصور كثيرون، وإنما قصدت أن أورد ثلاثة شواهد أحدها عند مبدأ تكون الإباضية والثانى فى متوسط العصر وآخرها في هذا العصر، من أئمة لا ترد أقوالهم عند الإباضية وإذا هم لم يمثلوا الإباضية فإنه ليس هناك أحد يمثلهم، فالرأى الذي تقول عنه أنه رأى (2/264)
صفحة 564
265
شخصى لى هو رأى الإباضية كما رأيت وليس لى فيه إلا أننى ذكرته من جديد، هذا ا من الجانب النظرى.
في جور
أما من الجانب العملي فأرجو من القارئ الكريم أن يرافقني فيما يلى: الإمام الأعظم للإباضية كما يقولون هم أنفسهم بالإجماع: هو أبو الشعثاء جابر بن زيد ثم أصحابه وتلاميذه أمثال أبي عبيدة وضمام وصحار وعبد الله بن أباض نفسه وقد كانوا جميعا تحت أئمة. الدولة الأموية أمثال الحجاج وزيادة وابن زياد. وقد بقى الإباضية تحت حكمهم بل لقد تولى بعضهم بعض الأعمال لهم ثم تسلسل التاريخ، وجاء بعد أولئك غيرهم من الطرفين واستمرت الحياة بالجميع كما كانت، فإذا كان رأى جابر وأصحابه وجوب الخروج على الظلمة فما الذي امسك سيوفهم من الحجاج، فهل يوجد عند الإباضية من هو أعظم من جابر، وهل يوجد من الحكام من هو أظلم من الحجاج، وإذا تتبعت تاريخ الإباضية في كل مكان وجدت موقفهم الى الهدنة والمسالمة أقرب منه الى الدعوة إلى الخروج على الحكم الظالم
•
وقد تهيأت لهم أسباب الخروج مع رجحان جانب النجاح ولكنهم رفضوا الخروج وموقف أبي القاسم يزيد بن مخلد الحامي معروف عند الإباضية جميعا وكذلك موقف الإمام يعقوب بن محمد فقد دعاه الناس الى أن يبايعوه فرفض ولو كان الخروج واجب لم يسعه الرفض وتحتم
عليه القبول.
تجد
أنه
وإذا رجعت الى أهل عمان وتتبعت أحداث التاريخ عندهم ذلك قد تمر عليهم فترات طويلة ويكون الحكم عليهم جائرا وهم مع. صابرون ينتظرون الفرصة التي تؤكد لهم نجاح الخروج لأنهم لا يريدون (2/265)
صفحة 565
- 266 -
أن يتسببوا في فتنة تنقسم بسببها أمتهم أو دماء تسفك بغير نتيجة محققة
ويحدث أحيانا أن يخرج منهم شراة.
هذا فيما أعتقد أمر واضح لا يحتاج الى عرض •
فإذا بقى مع
هذا ناس يقولون إن الإباضية يقولون بالخروج – أى
يوجبون الخروج - وأن النقاش المتقدم كله رأى شخصى لفرد، فلأولئك الناس أن يعتقدوا أو يقولوا ما يشاءون ولكن عيقدتهم الخاطئة وإصرارهم
عليها لا تغير من الواقع: شيئا
ولعلى استطيع أن ألخص الموضوع كما يلى:
-
قد اتخذوا موقفا وسطا بين من
إن الأباضية ـ في هذا الموضوع يقال لهم الخوارج ومن يقال لهم أهل السنة لا فهم يوجبون الخروج ولا يمنعونه، وإنما يجيزونه فإذا كانت الظروف مواتية ونتائج النجاح منتظرة والمضار فيه قليلة فإن الجواز هنا يميل الى الوجوب. وإذا كانت الظروف غير مواتية والنتائج غير مؤكدة، والمضار المتوقعة كثيرة فإن الجواز هنا يميل إلى جانب المنع ومع كل هذا فإن الخروج لا يمنع في أي حال، والشراء رغب فيه على الأحوال ما جميع
دام الحكم
ظالما
•
أحسب أن هذا يكفي لإقناع القارئ المنصف بأن ما قلته في الفصل السابق ليس رأيا شخصيا لى وإننى لم أبخس رأى الإباضية بذلك العرض ومع ذلك فإنه يسرني أن أنقل لصاحب الملاحظة ما قاله التعاريشي في نفس الموضوع جوابا لمن يزعم أن الإباضية يرون وجوب الخروج فقد جاء فى المسلك المحمود ص 33 وما بعدها ما يلى:
شيئا (2/266)
صفحة 566
267 -
وقولك إنهم فى جملة الخوارج باطل إذ لسنا منهم ولا نقول بالخروج عن سلاطين الجور سواء كانوا في أهل مذهبنا أو من غيرهم، كما هو مصرح به في العقيدة وغيرها، وهذه كتبنا فإنها طافحة بالرد عليهم وبالتبرئة من أقوالهم: بنحو قولنا وقالت الخوارج، في مقابلة قولنا معشر أهل الحق. من ذلك ما ذكره الشيخ الإمام أبو عمار عبد الكافي في الموجز بقوله: وقالت الخوارج بتشريك المخطئين من أهل التأويل كمقالتهم في سائر أهل الكبائر • وقد أنبأ عن الفساد مذهبهم الذي رسمناه عليهم في صدر الكتاب» وبعد أسطر قال: وقال التاج الشماخي في كتاب السير كان جابر بن زيد يأتى الخوارج فيقول لهم: أليس قد الله دماء
حرم
من
المسلمين بدين، فيقولون نعم، وحرم الله البراءة منهم بدين فيقولون نعم الخ. وقال أيضا ومنهم) أى من أئمتنا (عبد الله بن إباض المرى التميمي إمام أهل التحقيق كان رحمه الله الله ممن خرج الى مكة لمنع حرم مسلم عامل يزيد الملقب بسرف، وكان يصدر في أمره عن رأى أمره رأى جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم، أنتهى باختصار ويقول بعد أسطر: «بل إن للقطب حفظه الله رسالة مفردة في الرد عليهم وهي مطبوعة ومجموعة مع رسالتيه: إزالة الاعتراض عن محقى آل
إباض، والقنوان الدانية فى مسألة الديوان العانية • فراجعها إن شئت
•
فمن نسب إلينا الخروج فقد جهل مذهبنا • كيف وقد كان إمامنا جابر بن زيد رضي الله تعالى عنه من أصحاب ديوان المقابلة لدى الحجاج الظلوم الغشوم الجبار العنيد، ولم ينقل فيما علمت أنه أشار بالخروج عليه يوما ما» ويقول بعد أسطر: «أن العلامة الربيع بن حبيب الذي هو أحد ائمتنا المحدثين روى بسنده كما في الترتيب (وإلا فعيشوا تحتهم حراثين فدادين حتى تلقونى يسود حال) ويوضح بطلان قولك أنهم من جمله الخوارج ما ذكرته بعد من أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لاملة.
مع (2/267)
صفحة 567
-
مع أن الخوارج يقولون بشركه،، ويستحلون ماله. ودمه كما ستأتى الأشارة الى الرد عليهم في كلام الحضرمي.
فالمنع من القعود تحت الجورة مذهب الأزارقة والصفرية لا مذهبتا معشر الإباضية الوهبية. لأن الجور قد ظهر فى الأئمة بعد الخلفاء الراشدين وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ينقادون لأوامرهم فيما لم يكن فيه معصية خالقهم، ولا يرون عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام من رأى من أميره شيئا فليصبر، وبقوله عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ولأنه قد يترتب على الخروج من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم المؤدى ذلك الى تفرق كلمة المسلمين وإنكسار شوكتهم وإطماع العدو فيهم». وبعد كلام طويل فى الموضوع يقول في الأمامة ما يلي: ثم أن نصبه (أى الأمام) واجب سمعا خلافا للخوارج في الأول وللامامية والاسماعلية فى الثانى. وللمعتزلة والزيدية في الثالث وهي ليست من أصول العقائد خلافا للشيعة. وتثبت بالنص والاختيار خلافا لأكثرهم أيضا حيث قالوا لا طريق لها إلا النص، ولا يجوز تعدد الأئمة في صقع متضائق الأقطار خلافا للجارودية. أما في المتسع بحيث لا يطيقها أمام واحد فيجوز، وللأمة عزله لموجب كأن يقع منه ما يخل بأمور المسلمين، فإن أدى عزله إلى الفتنة ارتكب أخف الضررين، وتجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافا لقوم كالإمامية هذا ما عليه أصحابنا: وهو بعينه مذهب الأشاعرة» •
لعل صاحب الملاحظة بعد هذا يقتنع أن ما عرضته في هذا الموضوع ليس رأيا شخصيا لى وأننى لم أكن أتملق أحدا ولا استرضيه بما قلته وهذا التعاريشي كما رأيت يصرح بوضوح أن ما ذهب إليه الإباضية في (2/268)
صفحة 568
-979 -
موضع الخروج ومراعاة الظروف على عزل الإمام وتجنب الفتنة هو عينه مذهب الأشاعرة. فأنا لم أجعل الإباضية كأنما يتبنون آراء الأشاعرة
وإنما هم المتلقون مكابرة المكابرين
النقطة الثانية
•
يقرر صاحب الملاحظة أن الإباضية من الخوارج والخوارج يرون الخروج، فالإباضية أيضا يرون الخروج عن الأئمة الجورة دون أى
اعتبار أما القول بمراعاة الظروف فهو قول الأشاعرة وهو مأخوذ عليهم ومناقشة هذه النقطة تتلخص فى نقاط قلائل، ذلك لأننا أوضحنا في الإجابة الفقرة السابقة بكلام صريح من أئمتهم أنهم لا يقولون بالخروج وإنما يجيزونه وكونهم يلتقون الأشاعرة أولا يلتقون لا يشكل بحثا جديدا أو مشكلة خطيرة، وكأنما يستعظم صاحب الملاحظة أن يقول الإباضية بما يقول به الأشاعرة، وأنا لا أجد فى ذلك أية غرابة ما دامت الفرقتان تأخذان من مصدر واحد. وقد صرح التعاريشي كما رأيت باتحاد قولهما والواقع أنني في هذه الدراسة لست في مجال المقارنة بين الإباضية وغيرها من الفرق. ولذلك. فأنا لم أتعرض لما يراه الأشاعرة، وإنما ذكرت ما عند الإباضية. على أن الذى يفهم من كلام أبي يعقوب الوارجلاني كما أشرت سابقا أن في القضية ثلاثة أقوال.
قول بوجوب الخروج مطلقا وينسب إلى الخوارج.
وقول بجواز البقاء أو الخروج وهو قول الإباضية.
وقول بمنع الخروج مطلقا وهو قول النسبية حسب تعبير الوارجلاني في الأشعرية حسب تعبير صاحب الملاحظة (2/269)
صفحة 569
270
هذا يتضح أيضا أن هناك فرقا واضحا بين الإباضية والأشعرية ومن في هذا الموضوع. لأن الأشعرية يمنعونه مطلقا والإباضية يجوزونه وقد انتقد الوارجلاني الأشعرية بأنهم يمنعون الخروج قولا ويخالفون ذلك سلوكا واستدل على هذه المخالفة بمجموعة من الحركات التي قامت في الدولة الأموية وغيرها لكن الزبير والتوابين وعبد الرحمن بن الأشعت جماعة من الفقهاء وزيد بن على وغيرهم.
مع
أحسب أن هذا يكفي لهذه النقطة. أما المناورة اللفظية التي سلكها حتى يدخل الإباضية في الخوارج ويرتب على ذلك هذه الأحكام المناقشة والرد لأنها نوقشت في أكثر من مكان في هذا الكتاب
فلا تستدعى
وفي ذلك. مقنع لمن: يبحث عن الحق.
النقطة الثالثة:
يقول فيها صاحب الملاحظة إن أهم ما يميز الخوارج بوجه عام والإباضية بوجه خاص عن سائر حركات الخروج هو إنكار الذات.
ربما كانت هذه النقطة أهم نقطة سبقت من أجلها الملاحظة وهي التأكيد على ان الإباضية من الخوارج حتى ولو في سياق المدح وصاحب الملاحظة بكل أسفارا من جميع ما قيل فى أول الكتاب إلى الآن جانبا وجاء هنا يثني على الخوارج عامة وعلى الإباضية خاصة كأنما أصبح اعتبار الإباضية من الخوارج أمرا مفروغا منه.
والغريب أن الذين يتناولون هذا الموضوع من القوم مهما ارتفعت
-
بهم وسائل الثقافة - يتشبثون بنوع من التقليد الجاف هو غض النظر (2/270)
صفحة 570
271
--
عن معرفة الحقائق وإذا عرفت فتجاهلها وغض النظر عن التصريح بها. يحبون حتى أن يفهموا ما يقال لهم فى الموضوع. وسواء قبلت
فهم
?
ما حكموا عليك أو لم تقبله، وسوا واء قلت ما نسبوا إليك أو لم تقله وسواء اعتقدت ما زعموا أم لم تعتقده، فقد انتهى الأمر عنده عندهم وموقفك أنت غير مهم وإنما المهم موقفهم هم.
وقد حكم صاحب النصيحة بأن الإباضية من الخوارج فهو لن يتزعزع وليته إذ فعل درس الجزئيات ولكنه لم يفعل فقد أغمض عينيه عن كل ما قيل ويقال ونظر إلى ما ينسب إلى الخوارج فنسبه الى الإباضية. وإذ قال أحد الإباضية إن هذا ليس من مقالنا قال له هذا رأيك الشخصى سبحان الله كيف يتم الوصول إلى الحقائق هذه الأحوال.
النقطة الرابعة:
يبدو لي أن النقطة الرابعة فى الملاحظات خارجة عن موضوعنا تماما فنحن لا نعالج في ذلك الفصل شروط الخلافة وآراء الأمة فيها وأحسب أنه خارج بها هنا إلا لذكر الخوارج وإن الإباضية منهم
وصحيح أن الإباضية لا يشترطون القرشية بصحة الخلافة، وإنما تكون القرشية مرجحا إذا تساوت الكفاءات الأخرى ولم يكن الإباضية أو الخوارج هم أول من قال بهذا وإنما سبقهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أول خليفة في الإسلام. فقد قال بعض الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير. ولو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غير قرشى لما قالوا ذلك • وقال عمر لو كان سالم مولى حذيفة حيا لبايعته فلو كان غير القرشى لا يصح أن يتولى لما قال غير ذلك وقال (2/271)
صفحة 571
272
سيدنا أبو بكر إن العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش فعلل اختيار
•
القرشي في ذلك بطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال موضع الاختيار فليس الإباضية أو الخوارج هم الذين قالوا بهذا بل قال به أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم ونحن لسنا نعقد مقارنة بين الإباضية والأشاعرة، ولا في مقام المفاضلة بينهما وإنما بصدد تحقيق ما ينسب إلى الإباضية وما يصح منه وما لا يصح على أن هناك موقفين يقف فيهما أغلب الكتاب موقفا جامدا متأثرا مقلدا. الموقف الأول أن يتقولوا الإباضية جميع ما تقوله الخوارج لا لشيء إلا لأنهم اقنعوا أنفسهم ان الإباضية خوارج وماداموا كذلك فلابد أن يقولوا بجميع أقوالهم والموقف الثاني • أنه لا يصح للإباضية أن يقولوا بما يقول به الأشاعرة كأن القضية صارت احتكارا.
النقطة الخامسة:
تشتمل هذه النقطة على مجموعة الاتهامات الموجهة إلى شخصى وهى
1
-
الرأى الذى عرضته عن الحكم في هذا الفصل هو رأيي
الشخصي وليس رأى الإباضية.
وهذا الرأى متبخس لآرائهم.
- أحاول أن أظهر الإباضية كأنهم يتبنون رأى الأشاعرة فيما هو
مأخوذ عليهم.
?
- أجد حرجا في إبراز إن الإباضية كالخوارج جميعا يمتازون
بانكار الذات. (2/272)
صفحة 572
- 273
-
-
O
بإنني أنجس حق الخوارج عموما والإباضية خصوصا لأننى
قلت إن الإباضية لا يوجبون الخروج وإنما يجيزونه
6 - أحاول أن اكتسب رضى الأشاعرة.
•
والذي أرد به على هذه التهم جميعا شيء يسير وذلك أن مبعث هذه الانتقادات كلها ينبنى على فكرة متسلطة على ذهن صاحب الملاحظة وتلك هي أن الإباضية يجب أن يكونوا من الخوارج والخوارج يقولون بوجوب الخروج فلا يصح أن يقول الإباضية غير هذا القول لأن انفصالهم عنهم في هذه النقطة قد يكون واحدا من الاعتبارات التي تبعد الإباضية عن الخوارج وقد برهنت لصاحب الملاحظة على أن الإباضية ليسوا من الخوارج - رغم جميع المزاعم التي تزعم - كما ذلك برهنت له أن الإباضية يقولون بجواز الخروج وهم بذلك يختلفون عن الخوارج القائلين بالوجوب وعن الأشاعرة القائلين بالمنع، وقد نقلت له نصوصا من كلام الأئمة في هذا كما رسمت له خطوط سيرتهم التاريخية في هذا الموضوع، وفى هذا مقنع لمن يلتمس الحق أما من يضع في ذهنه صورة معينة ثم يصر عليها فلا حيلة لنا معه.
أما أننى أبخس الخوارج آراءهم فى موضوع الخروج فما أحسبني كذلك وذلك لأننى لم أتعرض لمناقشة آراء الخوارج وكل ما أشرت إليه أنهم يقولون بالوجوب كما يريد صاحب الملاحظة، استنادا على ما قاله صاحب الدليل والبرهان فإن كان هذا مبخسا لآرائهم فأنا أعتذر لهم ولصاحب الملاحظة، أما الإباضية فأنا توليت عرض رأيهم في موضوع وهو كما عرضته فإن كان هذا الرأى بخسا فعليهم أن يعدلوه
الخروج
-
(م 18 الاباضية جـ 2) (2/273)
صفحة 573
274
-
المسلمة
على أننى أستطيع أن أزعم أن هذا الرأى هو الذي سارت عليه الأمة أطرافها بجميع من الناحية العملية وإليه رجع الأشاعرة في سلوكهم فحدث منهم خروج كثير على دول قائمة وإليه رجع الخوارج سلوكا فرضوا بالحكم القائم - وإن كان جائرا - وعاشوا تحته مددا قد تطول
وقد تقصر
عند
أما أنني أظهر الإباضية كأنهم يتبنون آراء الأشاعرة فإن كان هذا يحز في نفسك فأنا على كل حال أرنو إلى التقريب بين وجهات النظر وعند المسلمين ما يبدو لي تقارب أي فرقتين في مسألة ما أسر لذلك وأغتبط ومع ذلك فأنا عندما أعرض آراء الإباضية أو عقائدهم فإنما أعرضها كما أعرفها عندهم.
جميع
بقيت هنا لك هذه اللمزة الصغيرة وهى أنني أتحرج من إظهار رأى الإباضية لأكسب رضى الأشاعرة. فالواقع أنني لست ممن يعمل على أن تكون الفرقتان متضادتين (رضا هذى يهيج سخط هذى) وإنما أعتبر أن الرباط الذي يربط بينهما هو رباط الأخوة الإسلامي فإذا اختلفت أنظارهما في جزئية ما فإنها تتلاقى فى الكليات ويهمنا أن تتقارب أنظارهما في الجزئيات لو وجدت كل فرقة منهما أقلاما صادقة ومخلصة تسعى هذا الاتجاه ولو تخلصت كل واحدة منهما من مواقف المتعصبين المنغلقين الذين لا يرون إلا أنفسهم مهما كثر وقوى الآخرون.
في
وبعد هذا فإنني أقول للاخ صاحب الملاحظة: أنا أعرف بالإباضية وعلمائها المعاصرين، وهم كذلك أعرف بشخصي الضعيف، وأنا ـ لو حاولت أن أكسب رضى الناس - فإن أول رضا أحاول كسبه
بعد (2/274)
صفحة 574
275
-
رضي الله تعالى هو رضاهم. ثم هم فيما بعد ليسوا من الغفلة أو الضعف في الدرجة التي يقوم فيها شخص ينتسب إليهم فيحرق عقائدهم وآراءهم وينسب إليهم ما ليس عندهم، ثم هم يسكتون عن ذلك فلا يتكلمون. إن هذه حالة لا تجرى في وهم ولا خيال، ومن ظنها جهل طبع الناس، وجهل بصفة أخص طبع من يعتقد الحق
ويعتز به
إنني يا أخى لست أريد أن أكتسب رضا أحد، ولكنني أحب أن ألغى تلك المسافات الطويلة التي خلقتها بين فرق الأمة أقلام مسيرة لتعود كل فرقة إلى موقفها القريب من أختها تمسك يدها وتتعاون معها على البر والتقوى. ولأصحح بعض تلك الأخطاء التي ارتكبتها الأقلام المدفوعة في غفلة من الزمن ضد فرق من الأمة فقطعت بينها الوشائج، وأفسدت العلاقات وحكمت فيما بينها أهواء الساشة والمتسلطين ثم مكائد المبشرين والمستعمرين. (2/275)
صفحة 575
نبذة عن الخوارج
تحت هذا العنوان كتب الإمام أبو إسحاق طفيش بحثا قيما في الموضوع استجابة لطلب الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي. وقد وعدنا القارئ الكريم أن ننقل له فى هذا الكتاب هذا الفصل القيم عساه يلقى مزيدا من الضوء على بعض المواضيع التي ناقشناها في الفصول
السابقة.
يقول أبو إسحاق رحمه الله:
الخوارج طوائف من الناس. من زمن التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار، ومن شايعهم وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق، وعن الأئمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك. فاستخلوا ما الله الدماء والأموال بالمعصية، من حرم متأولين قوله تعالى: (وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون» فزعموا أن معنى الآية وإن أطعمتموهم فى أكل الميتة، فأخطأوا فى تأويلهم، والحق أن معنى الآية: وإن أطعمتموهم في استحلال الميتة. والاستحلال لما حرم
الله شرك.
وحين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول، بل تجاوزوه إلى الفعل، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية، فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ. وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصرى الفراهيدي صاحب المسند الصحيح رحمه الله حين بلغ إليه أمرهم يقول: (2/276)
صفحة 576
- 277 -
>.
دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطوهم
محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله
•
فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم، وطاردوهم.
نص
كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم، لأن الكفر في استحلال ما حرم الله في كتاب الله. وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله، فعظمت
قطعي
بلاء عظيما
محنتهم.
فكانت
وقد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدى العماني القائد الأموى المشهور وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة: محاربة المسلمين، وانتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة.
ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج، ظلما وعدوانا، والسبب في ذلك عديد المناهج:
-
1
أولها أن أصحابنا الإباضية يرون الملك العضوض لا تجب
طاعته، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا بالذين من بعدى أبي بكر وعمر» • حديث صحيح متفق عليه. ولما روى في عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ستقتلك الفئة الباغية» • واستشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر، نثبت كنص قاطع ارتضاه (2/277)
صفحة 577
278
الفريقان، ولو اختلفا فى تأويله، إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح، وإنما دعاه الغرض الى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى
2 – ثانيها: ظهور رأى أصحاب الأهواء في واقعة النهروان، إذ زعموا أنها لأجل الخروج على على وهو إمامهم والحقيقة التي لا مرية ذيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن على فقط، ولكنهم حين أبر التحكيم وأضروا عليه جنح أبو الحسن الى فريق التحكيم، فرأى منكرو التحكيم، أن البيعة لم تكن فى أعناقهم بل هم في حل منها حيث
أن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم، وإلا فلم التحكيم؟! فاعتبروا التحكيم تنازلا من الإمام أبي الحسن عن البيعة • اذن فمنكرو التحكيم في حل من أمرهم، فلهم الحق أن يختاروا من يشاءون. إماما لهم. فاختاروا رجلا من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام: بن وهب الراسبي الأزدي، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم
وهو عبد الله
يومئذ ومنهم الإمام على: أن يدخلوا فى البيعة لمن اختاروه إماما
فرأى على بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي فحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم فتخرج الإمامة إلى غير قريش، وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان •
لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم معاوية ومن معه، ولكن الأمر قد فات، فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعرى فى دومة الجندل، فأصبح المسلمون في حل. من أمرهم. لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولوا البصائر من مفكرى التحكيم، وهو أن التحكيم (2/278)
صفحة 578
-
279 -
تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دس
أصحاب على في معاوية.
على
وليس اذن يزعمه محرفوا التاريخ، ومتعفنة المذهبية أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على على، لأنهم لم يخرجوا والبيعة في
أعناقهم
، فلينتبه المتبصر من الزلة فى هذا المقام، فإن الأهواء متغلغلة في
أصحابها بما لا خفاء فيه
3 ــ الثالثة أن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب على المنكرين للتحكيم أو الراضين به.
ا: ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ، بعد ثبوت الأمر لمعاوية. والاستقرار فيه، حين زاره الأحنف بن قيس التميمي، وهو من أهل النهروان فقال له معاوية: لماذا أحبك الناس وأنت من الخوارج؟ فقال له الأحنف: لو عاب الناس الماء ما شربته، يعنى الذين لم يرتضوا ببيعته والدخول في أمره.
راجع الأمالي لأبى على القالي.
+
أترى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان مع من حاربهم على يوم النهروان، أو لأنه لم يكن في بيعه معاوية، ولو كان. وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن معه أولى بهذه التسمية، لأنه هو الذى سل السيف ضد على ومن معه يوم صفين، ولأنه هو الذى جنح عن بيعة الإمام على، والحال قد (2/279)
صفحة 579
- 280
بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقا، يجب اتباعه والدخول فيه
على كل واحد من المسلمين
-
{
•
الرابعة: أن الإباضية لم يسلوا السيوف على أحد من أهل
التوحيد قط ولم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين، وحتى عند اشتداد الأزمة بين الحجاج بن يوسف الثقفى وزياد بن أبيه فقد اشتدوا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة حتى خرج عليهم التوابون، وعلى رأسهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعى، وهما إمامان، وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير. والعجب كل العجب أن هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا السيف أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج، لم يطلق عليهم أحد منهم اسم الخوارج، بل أطلق عليهم اسم التوابين: وهم كلهم من حملة لواء العلم، وماتوا جميعا في القتال ماعدا ثلاثة فيما يبدو: سعيد بن جبير، وابراهيم النخعي، وعبد الله لبن مطرف. فإن العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى ومع ذلك تمر على القراء بسلام.
ولكن الذي يمحص التاريخ بإنصاف وعلم، يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية - وهم من الخوارج برآء مغمزا وهو أنهم
-
رأوا الإمامة لا تخص بقرشي - بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورئاستها، وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأئمة تابعا لقبيلة واحدة، سواء أحسنت أو أساءت
والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا
وحملوا عليه حديث: «الأئمة من قريش». ومن المكابرة ومجانبة الحق (2/280)
صفحة 580
281
-
أن يزعم للزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش، ولم يرتضه الأنصار أهل الفهم، لما بعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه حين قالوا الأبى بكر: منا أمير ومنكم أمير، ولا بكر حين رد على الأنصار
وهم
بقوله:
منا الأمراء ومنكم الوزراء» • إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي، يعني قريشا • فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش، لا لشيء آخر، مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية.
أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد
أنه قرشى كلا والله.
ورد
ه - خامسها: إن الإباضية يبتغون العدل وينشرون العمل بالكتاب والسنة، والسير على مناهج السياسة التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وسواء قام بالأمر قرشى أم حبشي، عربي أم عجمي، كما في أحاديث صحاح، لها ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز، حيث أرسلوا إليه وفدا من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة: جعفر بن السماك العيدي، وأبو الحر على بن الحصين العنبري، والحباب بن الكاتب، والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر البصرى، وسالم بن ذكوان. ربما كانوا أكثر من هؤلاء، إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هؤلاء رحمهم الله جميعا. وحيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز - قالوا كعادتهم فى الغمز • أرسل إليه الخوارج وفدا، ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث، وقبوله منهم كل ما أرادوه منه فى نشر العدل، وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون (سنة) فإن الوفد قال له: إن المسلمين يلعنون
هم (2/281)
صفحة 581
-
مع عبد
الظلمة
عليا على المنابر فلابد من الشروع في تغيير المنكر، فأبدل اللعن بقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربي، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء، أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت فى الإباضية. من نشدان الحق والوقوف في وجه بالمساجلة، كما فعل الإمام عبد الله بن إباض الملك بن مروان، وأبو بلال مرداس بن حديد مع زياد بن أبيه، ولم يسلو السيف كما فعل الخوارج. بل سلكوا سبيل البيان، معرضين عن السنان، وأنهم يزون عصمة الدم بالتوحيد (لا إله إلا الله) وعصمة المال كذلك ولم يكن منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان، أو خمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف، وقطع العذر. بل تركوا الناس أحرارا في آرائهم، وأعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلها. بل تركوا الأرباب المذاهب مذاهبهم فى حرية تامة، لأنه «لا إكراه في الدين، فالحق ظاهر مقبول في أي مكان، والباطل مردود على صاحبه محمول عليه، فأهل القبلة عندهم كافة سواسية فى الحق، والحرية مكفولة لكل الناس بعد الاعتراف لله بالوحدانية، والحرية هي الأصل في الإنسان، حتى أن المكاتب عندهم حر في أول يوم. وما كاتب به فدين عليه يؤديه، ولم يقل بهذا غير الإباضية. لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم، خبان عنهم الخوارج بما ذكرنا في شنائعهم وكبائرهم، ولم تكن لهم صلة بالإباضية حتى يقال إنهم خوارج، ولقد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به، والرجوع للحق فريضة وفضيلة.
- سادسها: الإباضية يجيزون المناكحة بينهم وبين سائر (2/282)
صفحة 582
—
283
-
-
المناكحة
الموحدين، والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم لأنهم يرون سواهم مشركين كما بينا وأوضحنا. وعلى هذا لا يجوزون أيضا التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال، لأن الشرك الذي منع والمصاهرة بمنع الموارثة، فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيبت بالعشى. ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا، ولم يعتبروا قوله سبحانه: (إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا، وقوله تعالى: لا يجر منكم شلئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى» إن المسلم ليحار من أمر أولئك المتقولين على أهل الحق والاستقامة ة الإباضية، كيف استساغوا ذلك لأنفسهم لا لشيء إلا للهوى والشهوة الخفية، نعوذ بالله من الهوى وإنكار الحق
>>
10
: أولا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك، أم اعتقاد الخروج
من النار هون كل شيء في سبيل الهوى.
Y
سابعها: الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علما وعملا منذ
ابتدأت الفتنة، فاشتغلوا بالتدوين، فكانوا أول من دون الحديث،. فإمامنا جابر بن زيد أول من دون الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب.
والخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء، وإخافة السبل، وتعطيل الأحكام، ولم يذكر عن أحد من الخوارج أنه ألف كتابا، والذين يذكرون المؤلفات للخوارج، إنما يذكرون الإباضية، وهم دون شك (2/283)
صفحة 583
- TA? -
يريدون بهم التشنيع والتشغيب، وأما الصفرية والأزارقة والنجدات، فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين، ولو انفرد نجدة برواية حديث، ونافع ابن الأزرق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها، وأريد أنهم جنحوا إلى الحرب لا إلى التأليف ورواية العلم، وكل من ذكره قومنا من رجال العلم ونسبوهم للخوارج فليسوا إلا من الإباضية
•
ولقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب، وعرفوا بالصدق والأمانة - والورع، ما لم يبلغ شاوه غيرهم، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة والبهتان، حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة، وما خلطوا بين الإباضية والخوارج إلا لطمس معالم الحق والصواب، حسدا من عند أنفسهم. وأنى لمن اتخذ التشغيب مطية أن يعترف بالحق والصواب، وقد عميت بصيرته وإنك لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني، والعظمة العلمية ما جعلهم لا يذكرون لهم في موجب الذكر شيئا
فلا
وإنني رأيت مؤلفات دونت في التاريخ والأدب والفروع لبعض
?
قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دون من الضلع يتورع أن يتجاهل ذكرهم حتى كأنهم لم يكونوا. وذلك مبالغة وإمعانا فى طمس الحق، ولا تجد من أصحابنا شيئا من هذا الأسلوب
البشع. والحمد لله العلى الكبير.
ثامنها: إن قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخية، واقتضت
الحال أن يذكروا أصحابنا فشلوا فى قول الصواب، فخلطوا بين
الإباضية والخوارج. (2/284)
صفحة 584
285 -
فتارة ينسبون الإباضية للخوارج، وتارة ينسبون الخوارج إلى
الإباضية. كما يفعل الكثير من المدونين الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية والعكس. مما أوجب التخليط والتشويش فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى ما هو أشبه بالنهرير مطلقا ولا عذر لهم عندى.
لأن الذي ينشد الحق يطلبه من ينبوعه، لا أن ينتحله حسب هواه إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن جدير من الخوارج، وقطرى ابن الفجاءة من الإباضية، والأمر على عكس ذلك
وآخر يذكر أن الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى
الكندى هو
الله
بن
الإمام عبد الله بن إباض والحق خلاف ذلك. إذ الإمام عبد إباض توفى آخر أيام عبد الملك بن مروان،. الله وعبد بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار سنة 130 هـ 0
وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويها وتشغيبا. وانظر إلى تاريخ الأندلس الذى يوجد بين أيدينا اليوم، ولا نجد للإباضية ذكرا. والحال أن الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغا عظيما من العلم والمال. حتى أن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها إباضية إلى القرن السادس، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى. وإنك لتقرأ طبقات ابن سعد مثلا فلا تجد ذكرا لرجال الإباضية غير جابر بن
زيد، فإنه ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق. وهكذا
والحق الذي لا ريب
.
، فيه أن رجال كل قوم قومهم أولى بهم،
والتاريخ أهله أولى وأعرف بهم من سواهم. والله يقول الحق وهو
يهدى السبيل. (2/285)
صفحة 585
PAY -
ولقد استوجبت بدعة الخوارج أحكاما شرعية، قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر، حتى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج – فالكبائر
قسمان:
حرم
كبائر شرك، وهي كل كبيرة أخلت بالاعتقاد، كاستحلال ما الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو جحود حكم قطعى. كالرجم إلى أمثالها، وكبائر النفاق، وهي كبائر الكفر بنعمة الله ـ وهي:
ما يطلق عليه عند أهل الحديث كفر دون الكفر. وهي كبائر الفسق عند قومنا، وذلك كارتكاب فاحشة من الزنا، أو الإتيان في الأعجاز، أو أكل الحرام، أو شهادة الزور، أو عقوق الوالدين، أو ما أشبه ذلك من كبائر عملية، وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحل. كل يسمى عند أصحابنا بكبائر النفاق، وكبائر الكفر بالنعمة
ذلك
وإذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف بالقرينة إلى الحكم فيه هل هو مما يحل بالعقيدة أو هو من الفعل أو الترك، فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أو كفر شرك؟
على أن أصحابنا لا يكفرون تشهيا، ولا يكفرون أهل القبلة ما دانوا بكلمة الإخلاص. والحق أنهم انفردوا بذلك ولو ادعاها أرباب المذاهب.
وإذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية والخوارج بونا بعيدا لا يجمع بينهما جامع إلا إنكار التحكيم، وهو الحق الذي لا مرية فيه، والذي يؤيده كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيرة (2/286)
صفحة 586
287 -
العمرين، وإجماع المسلمين. فشد يدك على الحق • «ومن يعتصم بالله
فقد هدى إلى صراط مستقيم ..
وقد قال بعض أصحابنا وبه قال قومنا إن الخوارج ينكرون الرجم. والذي عندى أن هذا القول غير صحيح إلا إذا نظرنا إلى حكمهم. بأن مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم. فإن الزاني عندهم يقتل ردة لا حدا، وهذا متفرع عن حكمهم قطعا لا يحتاج إلى دعوى نكران الرجم، ولكن الأمر عندى ليس كما يتوهم، وإنما زعم من زعم من قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمز. لكنه يعود على الزاعمين بطامة: وذلك أن قومنا رووا أنه كان مما يتلى في كتاب الله: «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» فأكلته العنزة – فيترتب على هذه المقالة أن القرآن وقع فيه نقص والعياذ بالله، وهذه الطامة تلازمهم وإن فروا منها بزعم لفظه وبقى حكمه.
الحديث
أنه مما نسخ
ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرض لا في القرآن ولكن من. فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحة عن الإمام جابر بن زيد: «الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم سنن واجبة» • فصان الله الأصحاب من الخطل والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد و آله وصحبه.
أبو إسحاق إبراهيم طفيش (2/287)
صفحة 587
288
-
راي عالم كبير مؤرخ
تحت هذا العنوان نقل الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي مقتطفات من فصل كتبه الأستاذ مصطفى الشكعة عن الإباضية وقد رأيت أن أضع هذه المقتطفات كما نقلها الأستاذ إبراهيم بين يدى القارئ الكريم بما معها من تعاليق
قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقى فى كتابه القيم الدين والعلم الحديث ما يلي:
لقد راجعت كتاب (إسلام بلا مذهب (للأستاذ مصطفى الشكعة فوجدت فيه ما يأتي: ص 105
وأما الإباضية فهم مشهورون بأنهم من فرق الخوارج على الإطلاق لأنهم لا يزالون حتى يومنا هذا يسكنون في عمان وزنجبار وشمال إفريقية
الإباضية هم: الله أصحاب عبد بن إباض، وكانت لهم صولة في الجزيرة العربية وعلى الأخص في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة، ولكنهم يغضبون كثيرا حين يسمعون أحدا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرأون من تسميتهم بالخوارج، ويقولون نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية ويقولون إنهم رموا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشية، أي التزام كون الإمام من قريش.
وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقيا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وانتشر مذهبهم بين البربر انتشار النار في الهشيم (2/288)
صفحة 588
-
حتى أصبح مذهبهم الرسمى، وقد حكم الإباضيون في شمال إفريقيا حكما متصلا مستقلا استمر زهاء مائة وثلاثين سنة، حتى أز الهم
الفاطميون.
وإذا كان الإباضيون أصحاب أمجاد فى الماضى فلا يزالون كذلك في عصرنا الحاضر، فهم الذين يخوضون الحرب الباسلة في عمان ضد الانجليز ولا يكل لهم عزم، ولا يفت في عضدهم إرهاب، وجماعة منهم يسكنون تونس والجزائر ولا شك أن أرض الجزائر تعتبر في يومنا هذا أرض الصراع والنار لأنها أندلس العصر الحديث، وأن ما يقترف فيها من أعمال وحشية لا يقل عما ارتكبه الأسبان ضد العرب المسلمين عندما طردوهم من أسبانيا.
وعقيدة الإباضية تتفق مع أهل السنة في الكثير. وتختف في القليل. فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية،، ولكنهم يقولون بالرأي بدلا من القياس والإجماع».
وقد وجدت ما قاله الأستاذ طفيش مطابقا لما قاله صاحب المؤلف
وختم المؤلف حديثه بما يأتي:
ومهما كان الأمر فقد كان فيهم عزة ومنعة، لعل خير وصف لهم
ما قاله: أبو حمزة الخارجي في أصحابه.
ردود وتعاليق
أثناء رجوعى إلى المصادر المختلفة كنت أتصفح بعض النقط التاريخية في كتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (الإمام نور الدين السالمي وهو من أهم الكتب التي أرخت لعمان. وقد قام بطبع الكتاب القيم حفيد م 19 - الاباضية جـ 2) (2/289)
صفحة 589
المؤلف الأديبان: سليمان وأحمد ابنا محمد السالمي. وقام بتصحيحه
والتعليق عليه الإمام أبو إسحاق طفيش
•
وكانت تمر على كثير من النقط أثناء المطالعة تمس من قريب أو بعيد بعض المواضيع التي ناقشناها فى هذا الكتاب فرأيت إتماما للصورة التي أردت أن أضعها أمام القارئ أن أنقل إليه بعض المواضيع والتعليق عليها.
1 - يقول السالمى صفحة 82 ما يلى: «ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم) ويعاق أبو إسحاق على هذا بما يلى: «لأن حكم الأطفال أنهم من أهل الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله في اللامين فأعطيناهم خدما لأهل الجنة (وهذا رد لقول الخوارج إن الأطفال تبع لآبائهم مستدلين على زعمهم بقوله تعالى في قوم نوح: «ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا» حملا للآية على قاعدتهم
2 - يقول السالمي في ص 114 ما يلى: «فوطيء وارث أثر السلف الصالح من المسلمين، وسار في عمان بالحق، وظهرت دعوة المسلمين بعمان وعز الإسلام، وخمد الكفر» • وعلق أبو إسحاق على ذلك بقوله: المراد كفر النعمة وهو كفر العملى لا الكفر الذى هو الشرك فتأمل ذلك فيما يأتي من قوله: ولا يسموا بالشرك أهل القبلة إلخ فلينتبه لهذه الدقيقة فإنها مزلة أقدام كثيرة، وهذا رد لعقيدة الخوارج، ورد لما يدعيه قومنا زيرا على أصحابنا من أنهم يكفرون سواهم، ويريدون بالتكفير الحكم بالشرك، وهذه خرية تهدمها هذه الحقيقة الناصعة
•
ـ قال السالمي في ص 364 ما يلى: «قال ـ أي ابن بطوطة ـ
—
-
ويرضون عن الشقى اللعين بن ملجم ويقولون فيه العبد الصالح قامع (2/290)
صفحة 590
291
-
الفتنة. قلت: أما رضاهم عن ابن ملجم فالله أعلم به» وعلق أبو إسحاق على هذه الفقرة بقوله: «ابن بطوطة يفترى عن عمد في هذه الأحوال التي أوردها عن عمان، ولعله يقصد بذلك تشويه السمعة لأهل عمان لأنهم يخالفونه مذهبا إذ يزعم أن الإباضية يترضون على ابن ملجم ويسمونه، ولو ما صح زعمه لوجدناه فى كتب أصحابنا،.، وهم لا يخشون أحدا إلا الله، ولو رأوا هذا الذى زعمه لما قال المؤلف لم نسمعها إلا من
قامع
الفتنة
•
كلام ابن بطوطة هذا • بل يبين له وجهه كما ارتأوه واعتقدوه»
4
-
قال السالمي في
366 ما يلى: «قال ـ أي ابن بطوطة ـ ص
ويؤكل على مائدته لحم الحمار الإنسى، ويباع بالسوق، لأنهم قائلون بتحليله ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه لمحضره. قلت ما سمعنا أن هذا وقع في شيء من الزمان بعمان. وأهل المذهب أجل من ذلك فانه وإن كان يوجد قول على الأثر بتحليل ما عدا المحرم في قوله تعالى «قل لا أجد فيما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه» الآية فإن هذا القول لم يختص بذكره أهل المذهب، بل هو موجود عندهم وعند غيرهم من المخالفين، وأكثر القول بتحريم لحوم الحمر الإنسية وهو المعمول به، وفيه عندنا أثر صحيح عن رسول الله، وأهل المذهب أورع من أن يستحلوا ما صح فيه عندهم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هم ينقذون من مثل هذا ولو كان حلالا فكيف يجعلونه على موائدهم، ويباع في أسواقهم «وعلق عليه أبو إسحاق بقوله: «أعطف هذه الأكذوبه على ما مضى لك من كلام هذا الرحالة لكى تتيقن ما نقوله في تعهده وأمثاله بالاختلاف قصدا للتشويه وسوء السمعة فتأمل الافتراء ينطق من عبارته إذ يقول: قائلون بتحليله ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد الخ وليت شعرى كيف يخفونه وهم يقولون بتحليله فيما يزعم، والقول بتحليل الحمر (2/291)
صفحة 591
- 292
-
عندهم
الأهليه هو عند بعض أصحاب المذاهب الأربعة. أما الإباضية فلم يكن هذا القول معمولا به قط، ولا قال به أحد المحققين من فقهائنا، وإنما يحكونه على أنه قول البعض علماء الأمة، وهو قول لبعض فقهاء قومنا وأصحابنا يحكمون بكراهة التحريم على الحمر الأهلية كما يحكمون بتحريم ذوات الناب من السباع وذوات المخلب من الطير كما كتب في الحديث الصحيح «كل ذي مخلب من الطير فحرام أكله (الحديث وأما ما ذكره المؤلف في الأمر المحلل لما عدا ما ذكرته الآية: «قل لا أجد فيما أوحى الى» الآية إلخ فهو قول مالك وأهل المدينة، وإن قال به بعض أصحابنا فهو من متروك العلم عندنا والله أعلم».
الحقيقة أن قول ابن بطوطة لا يحتاج الى تكذيب لأنه يكذب نفسه، أو بعبارة قد تكون أوضح يحمل شواهد كذبه معه لا سيما في هذه القضية فهو من جهة يزعم أن أهل عمان يقدمون لحم الحمر على الموائد ويبيعونه في الأسواق ومن جهه أخرى يزعم أنهم يخفون ذلك على الورد اليهم ولا يظهرونه بمحضره • كيف يتأتى هذا • شيء يباع في الأسواق ويقدم على الموائد كيف يمكن إخفاؤه عن المصادر والموارد: لابد أن تكون مهمة الحرس البلدى شاقة في ذلك الحين فهو يجب أن يقف على رءوس الأزقة والشوارع التي تؤدى الى الأسواق في انتباه حتى إذا ورد عليهم وارد أصدر أمره الى الجزارين فأخفوا عن الأجانب آذان الحمر وحوافرها ولكنهم مع ذلك غلبوا على أمرهم وكان ابن بطوطة أذكى منهم وأسرع فعرف بأمرها وأخشى بسرها ولعله انتبه إليها على مائدة فاخرة في حفلة تكريم للرحالة العظيم وأعجب من كلام بن بطوطة الرحالة القديم كلام الرحالة الجديد المحقق الصحفى لمجلة العربى الذى طوى المسافة المكانية بين الكويت وعمان ليصور المشاهد. وطوى المسافة الزمنية التي تفصل (2/292)
صفحة 592
-
293
-
بين هذا العصر وعصر ابن بطوطة ليأخذ منه حقائق العلم فاكتشف أن أهل عمان يأكلون الحمير كما قال الرحالة الخطير ونقله عنه المحقق الصحفى القدير. والحمد الله الذي جعل المحقق يسافر الى جنوب الجزيرة التي لم تدخلها أسباب الحضارة وإلا لاكتشف أن قوما يأكلون لحم الخنزير،
ويسيغونه بأغلى أنواع العصير وهم لا يخفون ذلك عن الوارد والصادر. أحسب أن في هذا كفاية لعرض أراء الإباضية في هذه النقط وبعضها
سبقت مناقشتها فيما مضى. والحمد الله أولا وأخيرا.
إجابات وردود
•
وقعت بين يدى مجموعة من الردود على الشيخ محمد كامل ابن مصطفى بن محمود الطرابلسي المنفى فرجعت الى كتابه القيم الفتاوى
الكاملية فوجدت فيه ما يلي:
سئلت
عن
أهل طرابلس الغرب الذين لا يتمذهبون بمذهب من
المذاهب الأربعة، ما مذهبهم، ومن هو إمامهم، فالجواب:
إنهم يتمذهبون بمذهب الإمام عبد الله بن إباض
وهم
أباضية
وهم
من جملة الخوارج، وقد قسم في المواقف الخوارج الى سبع فرق إحداهما
الإباضية قال إنهم قالوا:
مخالفونا
من أهل القبلة كفار غير مشركين تجوز مناكحتهم، وغنيمة
أموالهم من سلاحهم وكراعهم حلال عند الحرب دون غيره، ودار هم دار
إسلام
إلا معسكر سلطانهم، وقالوا تقبل شهادة مخالفيهم. ومرتكب
الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، والاستطاعة (2/293)
صفحة 593
قبل الفعل، وفعل العبد مخلوق لله تعالى، ومرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لاملة، وتوقفوا في تكفير أولاد الكفار وتعذيبهم، وتوقفوا في النفاق أدي شرك أم لا، وفي جواز بعثة رسل بلا دليل ومعجزة، وتكليف أتباعه فيما يرمى إليه، أي ترددوا فى أن ذلك جائز أم لا وكفروا عليا وأكثر أصحابه، وافترقوا فرقا أربعا، أنظرهم فى المواقف والله تعالى أعلم.
انتشرت هذه الإجابة فيما يبدو وكان لها رد فعل عنيف وكتبت عليها كثير من الردود منها رد لقطب الأئمة. ومنها رد مطول للشيخ سعـ الثعاريثي في كتاب سماه «الملك المحمود في معرفة الردود» •
ولعل مما تتم به الصورة أن أورد للقارئ الكريم مقتطفات
من
الردين.
أما
رد قطب الأئمة
بعد فإنه اتصلت بين الكاتب محمد بن الحاج يوسف لليلة مضت
من شعبان 1314 ورقة فيها:
العضد
ثم ذكر الأقوال التي ذكرها كامل بن مصطفى نقلا عن وتتبعها والى القارئ الكريم تلك الردود بنصوصها مجردة عن الاحتجاج.
لا نحل مال الموحد لا بالكبيرة ولا بالصغيرة في حرب ولا غيرها
لا للغنى ولا للفقير» •
ونحن لا نقول بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب
إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا». (2/294)
صفحة 594
- 295 -
وأما ما ذكر من القول بأن دار الإسلام غير دار سلطانهم فلا
قائل به، فإنه إن لم تكن دار سلطانهم دار السلام، فكيف تكون دار غيرهم
دار السلام.
وأما كون مرتكب الكبيرة موحدا غير مؤمن فهو مذهبنا، وعليه
البخاري والمحدثون ذكره الشعراني».
نقبل شهادة مخالفينا إذا كانوا ورعين في ديانتهم» •
ونقول مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وكافر بالجارحة، وفاسق ومنافق بمعنى مخالفة أفعاله لأقواله، لإقراره بكلمة الشهادة» •
ونقول أفعالنا خلق من الله وكسب منا).
منا من توقف في أطفال المشركين، ومنا من يقول إنهم في الجنة».
نحن لا نتوقف في النفاق بل نجزم أنه غير شرك ونقطع بذلك» •
نحن لا نقول بجواز بعثة الرسل بلا حجة ولا معجزة» •
وأما الاستطاعة فهى عندنا الفعل لا قبله» •
مع
هذا ملخص رد قطب عن الفتوى السابقة وقد أوردته مجردا من
الحجج التي أوردها لتأييد آراء الإباضية فى المواضيع السابقة. وقد
حرصت أن أورد هذه المقتطفات بنصه.
•
والرسالة مخطوطة ضمن مجموعة من الرسائل والردود عند استأذنا
الفاضل الشيخ سالم بن يعقوب الجبرى. (2/295)
صفحة 595
296
-
رد الثعاريثي
عندما أصدر الشيخ كامل بن مصطفى هذه الفتوى كما أراد أن يسميها كان الشيخ سعيد الثعاريثى الجرى فى جبل نفوسة للدراسة والتعليم وبلغته الرسالة كما بلغت غيره فاهتم لها وألف في الرد عليها كتابه المسلك المحمود في معرفة الردود. وهو كتاب يقع في حوالي 270 صفحة متوسطة الحجم مطبوع طبعة حجرية وقد ناقشت فيه تلك الفتوى
مناقشة مسهبة
:
•
والقارئ التكريم لا شك أنه يذكر ما نقلناه عنه في فصل «رأى الإباضية في الصحابة وسوف ننقل هنا بعض المقتطفات لنعطى له صورة
عن أسلوب هذا الكتاب القيم.
يقول في الإمام ص 051
وللأمة عزله لموجب، كأن يقع منه ما يخل بأمور المسلمين فإن أدى عزله الى الفتنة أرتكب أخف الضررين، ويجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافا لقوم كالإمامية. هذا ما عليه أصحابنا وهو بعينه مذهب الأشاعرة» •
ويقول إنهم قالوا غنيمة أموال مخالفيهم من سلاحهم وكزاعهم حلال عند الحرب غير صحيح، إذ تأليف أصحابنا كلها ناطقة أموال أهل القبلة فى الحرب وغيرها، للغني والفقير» •
ويقول في صفحة 79 ما يلى •
بتحريم (2/296)
صفحة 596
297 -
وأما قولك: وكفروا عليا وأكثر أصحابه فقد علمت ما فيه في
صدر الرسالة» •
وبعد عدة سطور يقول:
إذا علمت ما قررنا وانتقش في صحيفة ذهنك ما كتبناه، وجب عليك الإنصاف، وترك التعصب والاعتساف، وليت شعرى من أين لك أن ترضى المسلمين بالباطل، وتنسب إليهم ما هو عن الصحة عاطل. فهل عرفت ذلك بالاطلاع على كتبهم، أو بمباحثة وقعت لك مع علمائهم. أو بلغك من بعض الأوباش المتشدقين، وماذا عليك لو علمت بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. وقوله إن الذين يحبون أن تشيع. في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، وقوله: لولا إذ سمعتموه. لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. أتقولون على الله وأوليائه ما لا تعلمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» •
الفاحشة
قلتم ما يكون
فإن قلت أني لم آت بشيء من عندى، وإنما هو كلام صاحب المواقف لم ينسب ذلك للوهبية المتبعين لهم أهل الجبل الذين جزمت فيهم بما
ذكر».
ويقول بعد أسطر:
فلو تمهلت وسألت أمر طلبتنا، أو أخذت كتابا من كتبنا» •
وبعد عدة سطور ينقل كلام التاج السبكي فيقول: (2/297)
صفحة 597
- 298 -
العلماء
ولعل سببه عدم التحرى فى النقل، و هذا دأب كثير من كما قال التاج السبكي في طبقاته: إن المؤرخين على شفا جرف هاو،
لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما وضعوا في الناس تعصبا أو جهلا أو اعتمادا على نقل من لا يوثق به» •
أحسب أن هذا ما نقلناه عنه في فضل الصحابة يكفي لإعطائنا صورة عن أسلوب الثعاريثى فى مناقشته لبعض المسائل التي تنسب الى الإباضية
•
وليست في مقالاتهم (2/298)
صفحة 598
299 -
كلمة الختام
بعد أن أنجزت هذا العمل على الوجه الذى رأيته، مررت عليه مرا سريعا قبل أن أقدمه للنشر، فبدت لى فيه كثير من العيوب والمآخذ منها ما يتعلق بالأسلوب، ومنها ما يتعلق بالعرض، ومنها ما يتعلق بموقفى الكتاب الأفاضل الذين ناقشتهم فيما قدموه من أبحاث.
مع
وقلت في نفسي ألا يكون من الأحسن أن أتمهل قليلا، وأن أعيد النظر فيه من جديد وأن أصوغ ما يحتاج منه لإعادة الصياغة على النمط الذي يرضيني ليسلم من تلك العيوب والمآخذ. ولكن سرعان ما أبعدت هذا الخاطر، وأيقنت أننى مهما حاولت أن أصل بعملي الى درجة من الإتفاق أرضى عنها كل الرضا فإن ذلك لا يتحقق.
وكلما أعدت العمل وأصلحت ما بدا لى من العيوب تكشفت عيوب جديدة وملاحظات لها حظ من النظر، ولن تنتهى هذه السلسلة أبدا ولعل هذا الإدراك النفسي من الإنسان لعجزه وقصوره هو من فطرة الله في الإنسان حتى يعلم أن الكمال لله وحده وأن البشر مهما حاول وبذل فهو عرضة القصور والتقصير، وأنه هو نفسه يدرك ذلك من نفسه قبل أن يدركه الناس فيه وليت شعرى، هل وجد إنسان ما، أنجز عملا ما،، ثم وقف يفكر فيه، فلم يجد فيه عيبا ولم يقل بينه وبين نفسه ليت.؟
أما أنا فهذا الموقف لم يمر بي أبدا. وما أنجزت عملا استعرضته فلم أجد فيه من العيوب ما جعلني أردد ليتنى فعلت كذا وليتنى تركت
كذا:- (2/299)
صفحة 599
وفي ختام هذه الكلمة يسرني أن أقدم شكرى الخالص لكل الأخوة الذين أمدوني بمساعداتهم لإنجازه على هذا الوجه. أخص من بينهم أولئك الذين أتاحوا له أن ينشر خدمة للثقافة الإسلامية وإيضاحا لاتحاد أو تقارب آراء المسلمين بمختلف مذاهبهم إيضاحا يقضى على كيد السياسة الماكرة من دول تعتنق الإسلام • وعلى دسائس دول مستعمرة يهمها أن يموت الإسلام.
والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل
- (2/300)
صفحة 600
دعاء الختام
اللهم إنك تعلم أننى ما قصدت بعملى هذا غير وجهك الكريم، فإن كان لك فيه رضى، ولى فيه أجر، وللأمة فيه صلاح فيسر لى نشره بين الناس، ووفقني الى المزيد من العمل الصالح واجعلني ممن يعمل بالحق ويدعو إليه
اللهم إني أضرع إليك أن تأخذ بيدى فى منهاج الرشد والتوفيق وأن تعصمنى من الانزلاق فى مسارب الزيغ والضلال، وأن تغفر لي خطئى و عمدى، وإسرافى فى أمرى، وكل ذلك عندى آمين. (2/301)
صفحة 601
-
302
بعض المراجع
تيسير
القرآن الكريم
التفسير
تفسير القرآن العظيم
البيان
شرح صحيح مسلم
:
قطب الأئمة محمد طفيش أبو الفداء اسماعيل بن كثير أبو على الطبرسي
أبو زكرياء النووى
شرح صحيح الربيع بن حبيب نور الدين السالمي
وفاء الضمانة
الفرق بين الفرق
مقالات الإسلاميين
الملل والأهواء والنحل
التبصير في الدين
تاريخ الفرق الإسلامية
المذاهب الاسلامية
تاريخ المذاهب الإسلامية
قطب الأئمة محمد طفيش
عبد القادر البغدادي
أبو الحسن الأشعري
أبو محمد بن حزم
أبو المظفر الاسفراييني
على بن مصطفى الغوابي
محمد أبو زهرة
محمد أبو زهرة
المذاهب والفرق والأديان المعاصرة عبد القادر شيبة الحمد
فلسفة تاريخ.
الإسلام
في القارة
الإفريقية
د
يحيي هويدي
مقدمة ديوان أبي بكر الستالي عز الدين التنوخي
مقدمة خلاصة الوسائل
عز الدين التنوخي
مقدمة الجزء الثالث من شرح المسند عز الدين التنوخي
الدين والعلم الحديث
محمد إبراهيم عبد الباقي (2/302)
صفحة 602
الدولة العربية يوليوس فلهاوزن ترجمة أبي ريدة
الخوارج والشيعة.
D
ترجمة عبد الرحمن بدوى
الفرق الإسلامية في الشمال الفرديل عبد الرحمن بدوي
الإفريقي
ماضي شمال إفريقيا إميل جوتييه ترجمة هاشم الحسيني بحوث في المعتزلة كارلو نليني ترجمة عبد الرحمن بدوى
الكامل
شرح نهج البلاغة
إرشاد الفحول شرح النيل
أعلام الموقعين
طلعت الشمس
شامل الأصل والفرع
أبو العباس المبرد
محمد بن أبي الحديد
محمد بن على الشوكاني
قطب الأئمة محمد طفيش
ابن القيم الجوزية
نور الدين السالمي
قطب الأئمة محمد طفيش
أبو عمار عبد الكافي
الموجز «مخطوط» السؤالات «مخطوط»
أبو عمر وعثمان بن خليفة
زاد المعاد
كتاب السير
طبقات المشائخ
ابن القيم الجوزية
أبو العباس الشماخي
أبو العباس الدرجيني
الأزهار الرياضية
سليمان باشا البارون
مروج
الذهب
كتاب العبر
تاريخ الأمم والملوك
المسك المحمود في معرفة الردود
عبد الرحمن بن خلدون
أبو جعفر الطبري
أبو الحسن المسعودي
سعيد الثعاريثي (2/303)
صفحة 603
-
قناطر الخيرات
قواعد الإسلام
تحفة الأعيان
كتاب الديانات
مقالات الفرق
رسالة ابن خلفون الديانات
الدعاية إلى سيل المؤمنين النقد الجليل للعتب الجميل
عمان تاريخ يتكلم
مالا يجوز فيه الخلاف
عقيدة التوحيد وشروحها
الدليل والبرهان
أبو طاهر الجيطالي
أبو طاهر الجيطالي
نور الدين السالمي أبو ساكن الشماخي
أبو عمر وعثمان بن خليفة
أبو يعقوب يوسف بن خلفون
تبغورين الممشوطى
أبو إسحاق طفيش
أبو إسحاق طفيش
سليمان وأحمد ابنا محمد السالمي
عبد الجليل عيسى
عمرو بن جميع
أبو يعقوب الوارجلاني
إسلام بلا مذاهب
مالك
بن
أنس
مصطفى الشكعة
محمد أبو زهرة
تاريخ الفتح العربي في ليبيا الطاهر الزاوى
علم أصول الفقة
عبد الوهاب خلاف
ديوان التندميرتي (مع ديوان
عمرو بن عيسى التندميرتي
الباروني)
الحلقة الرابعة من فتاوى بيوض بيوض إبراهيم بن عمر
متن النيل (تعاليق بالكي) بالكي عبد الرحمن
رسالة أبى مهدى
رسالة المصعبي
أبو مهدي المصعبي
محمد بن يوسف المصعبي (2/304)
صفحة 604
14+01
مجموعة رسائل
رسالة الحيلاتي الجواهر المنتقاة
قطب الأئمة محمد طفيش
أبو الربيع الحيلاتي
أبو القاسم البرادي
سلم العامة والمبتدئين
مختصر تاريخ الإباضية
الله عبد
أبو الربيع الباروني
أبو الفضل قاسم الشماخي
يحيى
الباروني
القول المتين
المغرب الكبير
محمد على دبور
الإباضية في مركب التاريخ
المؤلف (2/305)
صفحة 605
محتويات الكتاب
القسم الرابع: (آراء للإباضية)
فرق الإباضية
النفاثية
الصفحة رقم
21
30
31
34
35
52
72
84
AY
91
97
الخلفية
الحسينية
السكاكية
الفرثية
آراء الإباضية في الصحابة
الحكم في نظر الإباضية
حكم الدار
التعامل بين المتخالفين
المنزلة بين المنزلتين
الأصل الخامس: (في المنزلة بين المنزلتين
الأصل السادس: (لا منزلة بين المنزلتين)
مسائل فقهية اجتهادية
خلاصة آراء الإباضية (2/306)
صفحة 606
الباب الخامس: (مفاهيم يجب أن تختفى) القسم الخامس: (مفاهيم يجب أن تختفى) - أهل السنة وأهل البدعة
مكان الإباضية بين المذاهب الاسلامية
رقم الصفحة
125
126
127
گياه بيگار کيا
144
104
185
198
205
206
209
222
228
256
259
276
288
العقائد
الفقه
الجدول في اللوازم وليس في أصول العقائد
في الاجماع
الفرق بين الفتنة والخروج
تأثر المذاهب الدينية بالاتجاهات السياسية
مقارنة
الباب السادس: (ملحوظات وتعليقات) القسم السادس: (ملاحظات وتعاليق)
الخوارج أيضا
وساطة المعتزلة
تأثير المعتزلة
التقاء الخوارج والمعتزلة
رأي شخصي
نبذة عن الخوارج
رأه عالم كبير مؤرخ (2/307)
صفحة 607
1441
وع
ردود وتعاليق
اجابات وردود
رد قطب الأئمة
رقم الصفحة
289
293
294
296
299
302
رد الثعاريثي
كلمة الختام
دعاء الختام
بعض المراجع
مطابع سجل العرب (2/308)
صفحة 608
[صفحة فارغة] (2/309)