صفحة 1
الكتاب: الإباضية بيْن الفرق الإسلامية لعلي معمر
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
{ربِّ أوزِعْنِيَ أنَ اَشكرَ نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلَى والدَيَّ وأنَ اَعملَ صالحا تَرضاه وأدخلني برحمتِك في عبادك الصالحينَ}
قرآن كريم
(سورة النمل الآية: 19)
يا أخي في الله !...
أخي في الله! أرجوا أن تقرأ هذه الفصول المعروضة بين يديك في هذا الكتاب محتسباً أجرك على الله، وأن تأخذ منها ما استبان لك أنَّه الحقُّ بحفاوة، وأن تنبذ ما استبان لك أنَّه الباطل على طول يدك، وأن تزن كلّ ذلك بالميزان الدقيق الذي لا يخطئ من قوله تعالى: {فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ}.
وأن تضع في اعتبارك أنَّني أرى أنَّ جميع الفرق والمذاهب الاسلاميَّة تقف متساويةً على صعيد واحد، فليس فيها ــ بصفتها الجماعيَّة ــ فرقة أفضل من فرقة، ولا مذهب خيراً من مذهب، وأنَّ في المنتمين إلى كلّ فرقة أو مذهب أتقياء بررة، وأشقياء فجرة، وسواداً أعظم وهو وسط بين ذلك. (1/1)
صفحة 2
وأن تعلم أن النقاش الذي جرى على قلمي ــ في شدَّته ولينه، وفي قسوته ورفقه ــ لا أريد به الدعوة إلى المذهبيَّة، ولا الدفاع عن مذهبيَّة، وإنَّما أريد به تحطيم المذهبيَّة. وأنا على يقين ــ في نفسي ــ أنَّ المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة ولا تتحطَّم بالحجَّة. ولا تتحطَّم بالقانون، فإنَّ هذه الوسائل لا تزيدها إِلاَّ شدَّة في التعصُّب، وقوَّة ردِّ الفعل؛ وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًى ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ). وفي ظلِّ الأخوَّة والسماح تغيب التحدِّيات وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحِّح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنَّة غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهباً أو اعتنقت مذهباً.
ولن نصل إلى هذه الدرجة حَتَّى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعيِّ وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم مِمَّن يقلِّدُهم الناس أنَّ أئمَّتهم أيضاً يقفون في صعيد واحد لا مزيَّة لأحدهم على الآخرين إِلاَّ بمقدار ما قدَّم من عمل خالص لله.
قيل عن الإباضيَّة
«وكلُّ من يتَّهم الإبَاضِيَّة بالزيغ والضلال، فهو مِمَّن فرَّقوا دينهم، وكانوا شيعاً، ومن الظالمين الجهَّال، جمع الله ما فرَّقوا ورتق ما فتقوا، ومزَّق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط بالكافرين».
خلاصة الرسائل في ترتيب المسائل طبعة سنة 1356هـ:
عضو المجمع العلمي العربي عزُّ الدين التنوخي.
? «وإذا كان الإبَاضِيُّون أصحاب أمجاد في الماضي، فلا زالوا كذلك في عصرنا الحاضر».
إسلام بلا مذاهب: مصطفى الشكعة.
? «ومن كلِّ هذا يتبيَّن اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم».
كتاب المذاهب الاسلاميَّة: محمَّد أبو زهرة (1/2)
صفحة 3
? «قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة».
الكامل: المبرد
? «ورجال الإبَاضِيَّة يضرب بهم المثل في التقوى والصلاح والزهد».
تاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقيَّة: يحيى هويدي
? «إطلاق لفظة الخوارج على الإبَاضِيَّة ــ أهل الاستقامة ــ من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصُّب السياسي أوَّلاً ثُمَّ المذهبيِّ ثانياً».
أبو إسحاق اطفيَّش.
? «يمكن أن تعتبر الإبَاضِيَّة أستاذة الفرق الإسلاميَّة في تأصيل قضايا العقيدة».
بيوض إبراهيم بن عمر.
المقدِّمة
اختار بعض من كتب في عقائد الفرق الاسلاميَّة وآرائها ومذاهبها من الكتَّاب القدماء «كلمة المقالات» فأطلقها على ما ذهبت إليه كلُّ فرقة في ذلك، وأحسب أنَّ اختيارهم لاستعمال هذه الكلمة في هذا المجال كان موفَّقاً جدًّا، فإنَّ مواقفهم ــ رغم ما فيها ــ لا تزيد عن مقالات.
وعندما يرجع الباحث اليوم إلى أكثر تلك المقالات التي توزَّع فيها المسلمون، وتشتَّتوا إلى فرق لا حصر لها، يضرب بعضها بالبعض، حسبما تقتضيه ظروف كلّ عصر، يجد أنَّ الجزء الأكبر منها لا يعدو مواضيع سياسيَّة معيَّنة، تتناول بعض قضايا الحكم، أو مشاكل التعامل بين المتخالفين في رأي أو وجهة نظر معيَّنة.
والحقيقة أنَّ بعض الأقلام كانت مولعة بتكثير أصحاب المقالات، فما تسمع بنقاش جرى بين اثنين حَتَّى تسارع فتجعل لكلِّ واحد منهما فرقة وتجعله إماماً أو رئيساً لتلك الفرقة.
والشواهد على ذلك في كتب المقالات كثيرة، وقد يجد القارئ في هذا الكتاب صوراً منها.
ولا شكَّ أن أصابع السياسة وراء هذا كلِّه ــ وسواء في ذلك السياسات الحاكمة أو السياسات المضادَّة لها ــ ولا شكَّ أيضًا أنَّ الأقلام التي تناولت ذلك سارت دون وعي ــ في أكثر الحالات ــ في ركاب سياسة مخطَّطة فحقَّقت لها كثيرا من المقاصد والأهداف. (1/3)
صفحة 4
ويلاحظ الدارس لهذا الموضوع أنَّ كثيرا من الأشخاص الذين اعتبروا أئمَّة الفرق، ونسبت إليهم أقوال في قضايا الساعة ليسوا ــ على أحسن التقديرات ــ إِلاَّ رجالاً من العوامِّ أو أشباه العوامِّ، يملكون ألسنة حادَّة، أو سيوفاً قاطعة، أو إرادات صلبة، فهم في نظر السياسة خطر على أمن الدولة، ــ أي على كراسي الحكم ــ ومع ذلك فقد نسبت إليهم مقالات شاذَّة في قضايا تشغل فكر الجماهير في ذلك الحين، فهل كانوا حقًّا يقولون بها، وهل كانوا حقًّا في المستوى العلميِّ الذي يتيح لهم أن يصدروا أحكاماً في مثل هذه المسائل الدقيقة؟ أم أنَّ السياسة الماكرة هي التي استطاعت أن تقوِّلهم أو تدسَّ عليهم ذلك، ثُمَّ توجِّه إليهم الأنظار... أنظار النفرة والكراهيَّة، فنجحت في إدانتهم وإبعاد الناس عنهم.
والباحث اليوم عندما يعود إلى التنقيب عن هذا الموضوع يرى عجبا، فرق كاملة بأئمَّتها وأقوالها ومواقفها الحاسمة لا يعثر لها على أثر أبدًا إِلاَّ ما يقصُّه عنها خصومها في كثير من المبالغات.
عندما كنت أقرأ في كتب المقالات ما يتَّصل بالإباضيَّة تصادفني عجائب في العقائد والآراء والأقوال تنسب إليهم، إمَّا بعبارات واضحة صريحة أو بأساليب ملتوية، لكنَّها معبِّرة، تصادفني كذلك أسماء لأشخاص كثيرين يعتبرون أئمة لهم، وأنا على يقين كامل بأنَّ ذلك غير موجود عند الإبَاضِيَّة. فإذا كانت هذه الحال مع فرقة ينتشر أتباعها في كثير من البلاد الإسلاميَّة ولا يخلو قطر من أقطارها من كتبهم، فكيف الحال مع من انقرض فلم يبق له أتباع، ولم يترك كتبا مصنَّفة فيما يختصُّ به، وإنَّما عاش ــ إن صحَّ هذا ــ يطفح على ميدان الحياة حَتَّى طواه موج الزمن في ذكرى التاريخ المجرَّدة. (1/4)
صفحة 5
لقد أصاب الإبَاضِيَّةَ من كتَّاب المقالات كثيرٌ من الأذى، قد لا يكون مقصودا، وَلَكِنَّهُ واقع، وقد أحدث بالفعل فجوة بينهم وبين إخوتهم في بقيَّة المذاهب كانت متَّسعة في الماضي وأصبحت تضيق، ونرجو أن تتمهَّد وتزول في هذا العصر الذي يجب أن يتلاقى المسلمون فيه على وحدة العقيدة، ووحدة العمل، ووحدة السلوك، في مجابهة أعداء الإسلام، مع مراعاة صادقة لحريَّة الرأي والفكر، واحترام كامل لجميع أئمة المسلمين وعلمائهم السابقين، دون تهجُّم أو انتقاص، ودون تقديس أو تعظيم (1) .
وفي هذا الكتاب حاولت أن أرافق بعض الكتَّاب من القدماء والمعاصرين، لنتعاون على وضع هذه الفرقة من المسلمين (الإبَاضِيَّة) في مكانها الحقيقيِّ من الأمَّة الإسلاميَّة، واضعا في اعتباري أنَّ الكتَّاب القدماء يسعهم من العذر ما لا يسع الكتَّاب المعاصرين وأنَّ أخطاء أولئك في كثير من الأحيان ينتج عن عدم وجود الوسائل، في حين أنَّ جميع الوسائل متوفِّرة لدى الكتَّاب المعاصرين، أمَّا المستشرقون فلهم دوافعهم الخاصَّة للكتابة عن الإسلام والمسلمين، ومناقشاتي في جميع الفصول لجميع هؤلاء قد تتأثَّر بهذه الاعتبارات فيتغيَّر الأسلوب من كاتب إلى كاتب.
يشتمل الكتاب على ستَّة أقسام غير المقدِّمات، كلُّ قسم يحتوى على عدد من الفصول:
القسم الأوَّل: مع القدماء.
القسم الثاني: مع المعاصرين.
القسم الثالث: مع المستشرقين.
القسم الرابع: آراء للإباضيَّة.
القسم الخامس: مفاهيم يجب أن تختفي.
القسم السادس: ملاحظات وتعاليق.
أرجو أن أكون قد استطعت أن أضع بين يدي القارئ الذي يهمُّه أمر الأمَّة الإسلاميَّة جمعاء صورة واضحة لمكان الإبَاضِيَّة فيها، وأن أصحِّح بعض الأخطاء عنها توارثتها الأجيال، وتعاون على تضخُّمها التعصُّب من جهة، والجمود والتقوقع من جهة أخرى.
__________
(1) - المقصود بهذه الكلمة: اعتبار أيِّ إمام أو وليٍّ معصوماً أو كالمعصوم. (1/5)
صفحة 6
ويهمُّني أن أذكر أنَّه يوجد خلاف بين الإبَاضِيَّة وغيرهم من المذاهب في عدد من المسائل كما يوجد خلاف بين الحنفيَّة وغيرهم والشافعيَّة وغيرهم والمالكيَّة وغيرهم، وكما يوجد بين بقيَّة المذاهب وبين علماء كلِّ واحد من هذه المذاهب فيما بينهم، ولكن يهمُّني أيضًا أن أذكر أنَّ هذا الخلاف في مجموع صوره وموضوعاته إِنَّمَا نتج عن أساسين:
الأوَّل: فهم الأئمة والعلماء للأدلَّة في نصوصها الثابتة من الكتاب والسنَّة.
الثاني: حرص أولئك العلماء والأئمَّة على إصابة الحقِّ في الفهم والاستدلال والعمل بالمقاصد الحقيقيَّة للشريعة الإسلاميَّة. وليس في هذين الأساسين اللذين نتج عنهما الخلاف ما يدعو إلى الخصومة أو القطيعة.
نضرع إلى المولى تبارك وتعالى أن يلهم هذه الأمَّة رشدها، ويوحِّد صفَّها، وينصرها على المتربِّصين بها.
25 مارس 1972.
الباب الأوَّل
الإبَاضِيَّة في قفص الاتِّهام
? مع القدماء.
? الإبَاضِيَّة عند الأشعريِّ.
? تشنيعات الأشعريِّ على الإبَاضِيَّة.
? مقالات الإبَاضِيَّة عند الأشعريِّ.
? البغداديُّ والإبَاضِيَّة.
? أبو المظفَّر الإسفرايينيُّ والإبَاضِيَّة.
? أبو الفتح الشهرستانيُّ والإبَاضِيَّة.
الإبَاضِيَّة في قفص الاتِّهام (1/6)
صفحة 7
إنَّ وضع الإبَاضِيَّة بالنسبة إلى إخوانهم من المذاهب الأخرى وضع غريب، فبرغم من أنَّهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين بإخوتهم من المذاهب الأخرى، يتعاملون معهم في جميع شؤون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض. وتربط الكثير منهم علاقات مودَّة وصداقة أوثق كثيرا مِمَّا تربط أهل المذهب الواحد، ويتصرَّف أولئك الإبَاضِيُّون في المجتمع تصرُّف المسلم الطبيعيِّ، لا يخفى ولا يشذُّ شيء من سلوكهم الدينيِّ أو المدنيِّ، ولا ينقم عليهم إخوتهم ــ أولئك الذين يعيشون معهم في السرَّاء والضرَّاء ــ بدعةً يعرفونها، أو انحرافاً يرونه، أو خلافاً يدعو إلى سوء الظنِّ. رغم كلّ هذا فإنَّ تلك الكلمة التي أطلقتها عليهم شفة مغرضة مجهولة، في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهمَّ الأدوار في توجيه الفهم لمن ينتقد انحرافها عن منهج العدول من أصحاب الرسول (ص)، منذ ذلك التاريخ في العصر الأمويِّ ــ فيما يبدو ــ والإبَاضِيَّة يقفون في قفص الاتِّهام، يقاسون ألم الجفاء من إخوتهم لأنَّهم ــ فيما تزعم تلك التهمة الظالمة ــ (خوارج)؛ ومن المؤسف أنَّ أكثر الكتَّاب ــ سواء كانوا كتَّاب مقالات في العقائد، أو كتَّاب تاريخ يتتبَّعون مجاري الأحداث السياسيَّة ــ وقفوا بالنسبة إلى الإبَاضِيَّة موقف المدَّعي العامِّ الذي يعتقد أنَّ نجاح مرافعته يتوقَّف على إثبات التهمة أو قاضي التحقيق الذي يهمُّه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه، ووضعته التحريات بين يديه.
فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتِّهام أوَّلاً، ويحكمون عليهم بأنَّهم مخطئون لأنَّهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلّة، ولكن لإثبات هذه التهمة، لا لمعرفة الحقيقة. (1/7)
صفحة 8
وعندما يتقدَّم الإبَاضِيَّة بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلَّة الشرعيَّة التي استندوا إليها، ويبيِّنون سيرتهم وسلوكهم، يعتبر ذلك منهم كلاماً في موقف الدفاع، لا يجوز على القاضي الذكيِّ، فهو لا يسمعه، ولا ينظر فيه، وإذا استمع إليه فلكي يلتقط جملاً تعَزِّزُ التهمة، وقد يحرِّفها قليلا حَتَّى تكون صالحة كدليل للإثبات.
وقد يعرض الإبَاضِيَّة عقيدة أو رأياً لهم بأدلَّته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضي. ولكن القاضي يصرُّ مع ذلك أنَّ القوم مخطئون وأنَّ ما يقولونه إِنَّمَا هو كلام للدفاع؛ ثُمَّ يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إِلاَّ لأنَّهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج)، وحتَّى عندما يقول الإبَاضِيَّة عن عقيدة أو رأي: إنَّه عندهم كفر وخروج من الملَّة، فإنَّ هذا القول لا يقبل منهم، ويستمرُّ إثباته لهم ومحاسبتهم عليه. وقد يبرأون من رجل ومن أعماله وأقواله مِمَّن لا ينتمي إليهم ولكن يقال لهم أيضًا: بل هذا الرجل من أئمَّتكم، ولو أنكرتم ذلك.
والمشكلة أنَّ رافعي الاتِّهام لا يحاولون أبدا أن يبحثوا عن الحقيقة، ولا أن يرجعوا في تحقيقهم إلى مصادر الإبَاضِيَّة، وإنَّما يتناقلون التهمة بنصِّها من جيل إلى جيل دون اعتبار لصراخ المتَّهم الموجود في القفص، أو اهتمام به أو سماع لدفاعه. (1/8)
صفحة 9
وفي عصرنا هذا اهتمَّ عدد من كتَّاب المقالات، ومحقِّقي الكتب: بشؤون الفرق الإسلاميَّة، وعَرض بعضهم فيما عرض للإبَاضِيَّة، وبين يديه كتب قيِّمة لهم يستطيع أن يتَّخذها مراجع يستقي منها أقوالهم ويستطيع أن يعرف فيها أصول ديانتهم وفروعها ويصحِّح ــ متأكِّداً ــ ما يجده من أخطاء عنهم في غيرها، وإلى جانبه علماء فضلاء منهم في إمكانهم أن ييسِّروا له الوصول إلى الحقِّ وَلَكِنَّهُ في الواقع يزورُّ عن ذلك، ولا يرجع إلى تلك الكتب، ولا إلى أولئك العلماء، وإنَّما يعود بالتفتيش إلى كتب ليست لهم وإنَّما كتبها غيرهم عنهم في ظروف مجهولة، وهي غالبا لا تسلم من الأخطاء عن حسن النيَّة إن سلمت من سوء النيَّة، بل هي عرضة للأخطاء من عدَّة جوانب منها:
1- عدم توافر النزاهة الكاملة في الكتَّاب.
2- سيطرة آراء معيَّنة على الكاتب تجعله غير مستعدٍّ لفهم غيرها، أو حَتَّى مجرَّد مناقشتها.
3- كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرِّق بها بين الصواب والخطإ.
4- المصادر التي يستقي منها ويعتمد عليها ــ سواء كانت كتبا أم بشراً ــ قد تكون مغرضة، وقد تكون مستغلَّة وقد تكون جاهلة لحقيقة ما تثبت.
5- وسائل الاتِّصال التي تساعد على البحث والوصول إلى الحقيقة كالاتِّصال الشخصيِّ المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة.
6- النفرة بين أتباع المذاهب المختلفة وسوء الظنِّ، وشدَّة التعصُّب، وتمسُّك كلٍّ بما عنده، والحكم مسبقاً على الآخرين بالخطإ والضَّلال؛ هذه العراقيل كلُّها أو بعضها تجعل الوصول إلى الحقيقة عسيرا حَتَّى بالنسبة للنزيه الحريص على الحقِّ، فإنَّ سوء الظنِّ يلقي ظلالا من الشكِّ عليه لا تمكِّنه من الإطلاع. (1/9)
صفحة 10
7- الإشاعات الكاذبة، والدعايات المضلِّلة التي تنطلق عن دوافع سياسيَّة غالباً، فتصل إلى ناس موثوق بهم، فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم، فتتلقَّفها الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقيِّ، والدوافع السياسيَّة الماكرة إلى الإيحاء بها.
هذه بعض الجوانب التي كانت تؤثِّر على الكتَّاب الأقدمين، وقد انتبه إليها بعضهم، وعرف مدى تأثيرها على المؤلِّفين، وما يتسبَّب عنها من أباطيل تلتصق بطوائف من المسلمين هم منها أبرياء.
يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعريُّ (1) ما يلي:
«ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنَّفون في النحل والديانات، من بين مقصِّر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمدٍ للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصِّي لروايته فيما يرويه، من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظنُّ أنَّ الحجَّة تلزمهم به». فأنت ترى أن أبا الحسن الأشعريَّ ــ وهو من أوائل من كتب في هذا الموضوع ــ قد انتقد عدَّة عيوب في أولئك الذين يتصدَّون للحديث عن مخالفيهم، كالتقصير في التحقيق، واعتماد الكذب والغلط وعدم التقصِّي في البحث، والزيادة في الأقوال لإلزام المخالفين الحجَّة.
أمَّا الشهرستانيُّ في كتَابه (الملل والنحل) فهو لم يذكر نقداً بهذه التفاصيل وإنَّما أشار إليها من طرف خفيٍّ، فقد قال ما يلي (2) :
«وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلِّ فرقة على ما وجدته في كتبهم، ومن غير تعصُّب لهم، ولا كره عليهم، دون أن أبيِّن صحيحه من فاسده، وأعيِّن حقَّه من باطله».
__________
(1) - مقالات الإسلاميين طبعة النهضة 1369هـ ص33.
(2) - الملل، والنحل طبعة 1368 هـ ص 60 من الجزء الأول. (1/10)
صفحة 11
وهذا الكلام يشعر أنَّ الشهرستانيَّ رأى كما رأى الأشعريُّ من قبله، عدم التحقيق فيما يقال عن الفرق، ولذلك فقد شرط على نفسه أن يأخذ أقوال أصحاب الفرق من كتبهم، دون التعرُّض لنقدها أو تصحيحها.
فهل استطاع أبو الحسن الأشعريُّ أن يتحقَّق أنَّ ما أورده عن الفرق قد سلم من تلك العيوب التي ذكرها وعزم أن يتحرَّز منها، والتي انتقدها على غيره من المتحدِّثين والكتَّاب بقوَّة وجرأة تستدعيان أن تجاب؟!! وهل استطاع الشهرستانيُّ أن يوفِّي بشرطه؟ وأن لا ينقل مقالات أهل الفرق إِلاَّ من كتبهم ومصادرهم؟! وأن يلتزم معها الحياد الكامل فلا يصوِّب ولا يخطِّئ ولا يرجِّح؟
ذلك ما سوف نراه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى، ونحن نرافق هؤلاء الأئمَّة العظام وغيرهم في رحلة علميَّة، نستمع فيها إليهم ونقرأ لهم، ونأخذ عنهم، ونسترشدهم في الوصول إلى الحقِّ الذي هو غاية الجميع.
القسم الأوَّل
مَعَ القُدَمَاء
إنَّ الذين كتبوا عن العقائد الإسلاميَّة، واستعرضوا مقالات الفرق فيها ــ من القدماء ــ عدد كبير، وليس في وسع الدارس أن يتتبَّعهم جميعًا، ولا أن يستحضر كلّ ما قالوه، ولكن في إمكانه أن يقوم بدراسات بعضهم، وأن يأخذهم كأمثلة أو نماذج يستدلُّ بها على الأسلوب أو المنهج الذي سلكوه أو سلكه أكثرهم.
وبعد دراسة لموضوع الإباضيَّة في عدد من تلك الكتب، واستعراض لمناهجها وأساليبها في البحث، استقرَّ رأيي على خمسة من المؤلِّفين لأقوم معهم بهذه الرحلة العلميَّة، التي آمل أن يجد كلُّ قارئ يصحبنا فيها بعض المتعة إذا لم يتحصَّل فيها على فائدة.
وقد فضَّلت أن أبدأ المسير مع هؤلاء الخمسة الذين اخترتهم كنماذج حسب ترتيبهم الزمنيِّ على ما يأتي:
1. أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل الأشعريُّ، المتوفَّى سنة 330 هـ.
2. عبد القاهر بن طاهر البغداديُّ المتوفَّى سنة 429 هـ.
3. أبو محمَّد عليُّ بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفَّى سنة 456 هـ. (1/11)
صفحة 12
4. أبو المظفَّر شاهفور بن طاهر الأسفرايينيُّ المتوفَّى سنة 471 هـ.
5. أبو الفتح محمَّد بن عبد الكريم الشهرستانيُّ المتوفَّى سنة 548 هـ.
إنَّني أعتقد أنَّ هؤلاء الكتَّاب هم من أشهر من كتب في هذه المواضيع، وكتبهم تعتبر مصادر ومراجع لا يستغني عنها باحث في هذا المجال، وكلُّ من جاء بعدهم إنما هو عالة عليهم، منهم يأخذ أو على مناهجهم يسير.
وَأَمَّا الكتب فهاهي حسب ترتيبهم السابق:
1. مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين. الأشعريُّ.
2. الفَرْقُ بين الفِرَقِ. البغداديُّ.
3. الفصل في الملل والنحل. ابن حزم.
4. التبصير في الدين. الإسفرايينيُّ.
5. الملل والنحل. الشهرستانيُّ.
الإبَاضِيَة عند الأشعريِّ
قد يعجب القارئ الكريم إذا قلت له: إنَّ أبا الحسن الأشعريَّ رغم أنَّه كتب عن الإباضيَّة كثيرًا، فإنَّه لا يعرف عن الإباضيَّة شيئًا، وإنَّ أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم، وليتَّضح للقارئ الكريم هذا القول فإنَّني أرجو منه أن يرافقني قليلاً، وأن يقرأ الفصول المعقودة لدراسة أبي الحسن الأشعريِّ مع الإباضيَّة.
يقول أبو الحسن الأشعريُّ في كتابه (مقالات الإسلاميِّين) صفحة 171 من الجزء الأوَّل ما يلي:
«ومن الخوارج الإباضيَّة:
فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصيَّة كان إمامهم حفص بن أبي المقدام، زعم أنَّ بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف الله سبحانه ثُمَّ كفر بما سواه من رسول أو جنَّة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس، واستحلال الزنى، وسائر ما حرَّم الله من فروج النساء، فهو كافر برئ من الشرك».
واستمرَّ الأشعريُّ يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثُمَّ قال:
« (1/12)
صفحة 13
والفرقة الثانية منهم يسمَّون اليزيديَّة، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» ثُمَّ ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها، ومنها: «وزعم أنَّ الله سبحانه سيبعث رسولا في العجم، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة» ويقول بعد أسطرٍ: «وتولَّى ــ أبو يزيد هذا ــ من شهد لمحمَّد (ص) بالنبوءة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته، وزعم أنَّهم بذلك مؤمنون».
ثُمَّ يقول:
«والفرقة الثالثة من الإباضيَّة أصحاب حارث الإباضيِّ، قالوا في القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإبَاضِية». وبعد أن يذكر لهم جملة من التشنيعات يقول:
«والفرقة الرابعة منهم، يقولون بطاعة لا يراد الله بها، على مذهب أبي الهذيل، ومعنى ذلك أنَّ الإنسان قد يكون مطيعًا لله، إذا فعل شيئًا أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده به».
هكذا بدأ أبو الحسن الأشعريُّ حديثه عن الإبَاضِيَّة فبمجرد ما ذكرهم بدأ في تقسيمهم إلى فرق، وجعل ينسب إلى كلِّ فرقة جملة من الآراء والأقوال.
والقارئ الكريم عندما يبدأ في قراءة ما كتبه الأشعريَّ عن الإبَاضِيَّة ينقسمون إلى أربع فرق كبرى هي هذه الفرق التي ذكرها، وأنَّ بعض هذه الفرق قد انقسم أيضًا إلى فرق أخرى فرعيَّة، وذكر الأشعريُّ أقوالاً أخرى وشنائع أخرى نسب بعضها إلى جميع الإبَاضِيَّة، ونسب بعضها إلى إحدى تلك الفرق.
وعند الرجوع إلى كتب الإبَاضِيَّة التي أُلِّفت في عصر أبي الحسن والتي ألِّفت قبله والتي ألفت بعده، فإنَّ القارئ لن يجد فيها شيئًا عن هذه الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمَّتها. وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإبَاضِيَّة، التي تتقصَّى أخبار أئمَّتها وعلمائها ومشائخها، فإنَّك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الأئمَّة الذين ذكرهم الأشعريُّ واعتبرهم أئمَّة لفرق كاملة من الإباضيَّة. (1/13)
صفحة 14
واقرأ ما شئت من كتب العقائد عند الإباضيَّة، فإنَّك لن تجد ذكرًا لهذه الفرق ولا لآرائها، وكلُّ ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنَّه وقع فريسة لبعض المشنِّعين، فكان يتلقَّى مقالات الفرق عن ناس يثق بهم، ولكنَّهم ليسوا في المحلِّ الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق. سواء كان نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع، أو عن طريق القراءة والاطِّلاع في كتب مدوَّنة. فهو لم يشر إلى أيِّ ذلك على كلِّ حال.
ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله أبو الحسن عن الإباضيَّة صحيحًا جهلهم به، وعدم ذكرهم لأيِّ شيء منه في مراجعهم العامَّة والخاصَّة المكتوبة والمتحدِّثة.
يقول أبو الحسن: «فالفرقة الأولى يقال لهم الحفصيَّة، كان إمامهم حفص بن أبي المقدام» ومع كثرة ما قلَّبت في كتب الإباضيَّة ومع العناية والبحث فإنَّني لم أعثر على هذا الاسم الذي اعتبره أبو الحسن إماما من أئمَّتهم. ولم أعثر كذلك على شيء من أخبار فرقته وآرائها، وقد نسب أبو الحسن إلى هذه الفرقة وإمامها أقوالاً يكفي بعضها لإخراجهم من الإسلام، والحكم عليهم بالشرك والردَّة، إذا سبق أن كانوا مسلمين، منها: إنكار النبوءة، وإنكار الجنَّة والنار، ومنها استحلال الزنى، وغيره مِمَّا حرمه الله، وأشياء أخرى من هذا النوع، وهي كافية ــ إذا قال بها حقًّا ــ للحكم بخروجه وخروج من تبعه فيها من الإسلام. فكيف يصحُّ أن تنسب هذه الفرقة إلى إحدى فرق المسلمين؟، وكيف يصحُّ أن يقال فيهم إنَّهم فرقة من الإباضيَّة؟!. (1/14)
صفحة 15
قد تكون هذه الفرقة موجودة ولها علاقة ما بفرقة أخرى من فرق المسلمين وقد يكون حفص هذا إماما في أيَّة فرقة أخرى. أَمَّا أن يكون هو وأتباعه ــ إنْ وُجِدَ ووُجِدُوا ــ في الإباضيَّة، وأن تكون آراؤه التي ساقها أبو الحسن آراء الإباضيَّة، فهذا هو المستحيل بعينه. وبتصفُّح أي كتَّاب من كتب العقائد عند الإباضيَّة سوف يتَّضح أنَّ ما بها يناقض مناقضة كاملة لهذه المزاعم التي ساقها أبو الحسن على لسان حفص ونسبه ونسبها إلى الإباضيَّة.
ويقول أبو الحسن الأشعريُّ: «والفرقة الثانية يسمَّون اليزيديَّة، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» وذكر فيما ذكر من آراء هذه الفرقة ما يلي: «وزعم ــ أي يزيد بن أنيسة ــ أنَّ الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم، ويُنزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة محمَّد، ودان بشريعة غيرها، وزعم أنَّ ملَّة ذلك النبيء الصابئة، وليست هذه الصابئة التي عليها الناس اليوم، وليسوا هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد، وتولَّى من شهد لمحمَّد (ص) بالنبوءة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته، وزعم بذلك أنَّهم مؤمنون». (1/15)
صفحة 16
والغريب في الأمر أنَّ القارئ الكريم إذا رجع إلى مصادر الإباضيَّة من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجريِّ إلى هذا العصر فإنَّه لن يجد عند الإباضيَّة هذا الإمام الذي سمَّاه أبو الحسن الأشعريُّ «يزيد بن أنيسة» ولا يجد عندهم ذكرا لفرقته ولا لآرائه، بل إنَّهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنَّه مشرك خارج عن الملَّة، ومن كان مشركا خارجا عن ملَّة الإسلام، لا يمكن أن يحسب في فرق المسلمين. ولست أدري كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد ــ هذا اليزيد ــ إلى الإباضيَّة، وأن يحشر معهم فرقته ــ هذا إن وجد حقًّا ووجدت له فرقة ــ، وكيف ساغ له أن يحسبها في فرق الإسلام، وينسبها إلى إحدى طوائفه وهو نفسه يحكم عليها بالخروج من الإسلام حين يقول في الفقرة السابقة: «فترك ــ أي يزيد بن أنيسة ــ شريعة محمَّد (ص) ودان بشريعة غيرها». ويضيف أبو الحسن الفرقة الثالثة إلى الإباضيَّة فيقول: «الفرقة الثالثة من الإباضيَّة أصحاب حارث الإبَاضِي، قالوا في القدر بقول المعتزلة وخالفوا فيه سائر الإباضيَّة، وزعموا أنَّ الاستطاعة قبل الفعل».
وهذا الحارث أيضًا لم يحرث عند الإباضيَّة ولم يزرع لا آراء ولا حبوباً، ولم يحصد الإباضيَّة عنه أو عن فرقته شيئًا. إن كان حقًّا حرث في أيِّ مكان. (1/16)
صفحة 17
ولو أنَّ أبا الحسن حشر هذا الحارث مع المعتزلة لكان أقرب ما دام يقول بقولهم في القدر، ومسألة القدر هي أمُّ المسائل في النقاش الفلسفيِّ الذي جرى بين المذاهب الإسلاميَّة في وقت مبكِّر، وكانت المميِّزَ الواضحَ بين مذاهبهم. والمهمُّ في الموضوع أنَّه لا يوجد لهذا الحارث الذي لم يجد [له] أبو الحسن أبا فجاء به هكذا يسوقه حَتَّى أدخله عند الإباضيَّة وتركه. فلا يوجد عند الإباضيَّة أيُّ ذكر لهذا الحارث أو رأي أو فرقة أو نسب، ولا حَتَّى مرور ضيافة في مراجع الإباضيَّة مِمَّا استطعت الحصول عليه خالية منه ومن آرائه في الواقع كما هي عند الإباضيَّة فإنَّه رجل لا وجود له ولا لفرقته. أمَّا آراؤه فهي صورة في مخيِّلة مشنِّع على الإباضيَّة ألقاها على أبي الحسن فوثق به وأثبتها في كتَابه دون نقد أو تحميص.
ويستمرُّ أبو الحسن في تعداد فرق الإباضيَّة فيقول:
«والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل».
ثُمَّ يشرح هذه العبارة فيقول: «معنى ذلك أنَّ الإنسان قد يكون مطيعًا لله، إذا فعل شيئًا أمره الله به وإن لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به».
ويبدو أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إمامًا، فلم يذكر لها إمامًا، وإنَّما جاء يسوق أتباعها كما يساق القطيع حَتَّى أدخلهم في حضيرة الإباضيَّة وتركهم. ولو أنَّه سمَّى هذه الفرقة بالهذليَّة ما دامت تقول بقوله، لكان لذلك وجه، لأَنَّهُ لم يذكر لهذه الفرقة قولا غير القول السابق.
وعلى كلِّ حال فهذه فرقة ليس لها إمام وليس لها اسم، وكلُّ ما في الأمر أنَّه نسب إليها قولاً يناقض مناقضة كاملة ما عند الإباضيَّة في هذا الموضوع، فكيف تكون من الإباضيَّة وهي تقول بما يناقض رأي الإباضيَّة مناقضة كاملة!. (1/17)
صفحة 18
والباحث إذا تأمَّل ما جاء عن الإباضيَّة في كتاب «مقالات الإسلاميِّين» لأبي الحسن الأشعريِّ ثُمَّ قارنه بما عند الإباضيَّة، سواء كان ذلك يَتَعَلَّق بأسماء الأئمَّة والعلماء، أو بأسماء الفرق، أو بالآراء والمذاهب، فإنَّه يخرج بنتيجة غريبة، وهي أنَّ ما أتعب الإمام الكبير به نفسه، وكتب فيه صفحات طوالاً عن الإباضيَّة فيما يظنُّ، لا علاقة له البتَّة بالإباضيَّة، وأنَّ أولئك الأئمَّة الذين زعمهم أئمَّة لفرق منهم، ليسوا هم ولا فرقهم من الإباضيَّة في قليل ولا كثير، إذا صحَّ التعبير. أمَّا مقالاتهم وآراؤهم فهي ليست أقرب إلى الإباضيَّة منها إلى الشافعيَّة أو المالكيَّة أو غيرها من المذاهب الإسلاميَّة.
ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كتب التاريخ وكتب العقائد التي ألَّفها الإباضيَّة قبل أبي الحسن الأشعريِّ وبعده إذا شاء أن يتأكَّد ويعرف الحقيقة بنفسه، فقد ألَّف علماء الإباضيَّة وأئمَّتهم الحقيقيُّون كثيرا من الكتب في التفسير والحديث والفقه بجميع فروعه، وفي التوحيد وعلم الكلام، وفي أصول الفقه كتبا مختلفة منها الذي يعتبر من أهمِّ مصادر الثقافة الإسلاميَّة التي تشعُّ نورًا على مختلف العصور ويعتبر من الذخائر التي تزخر بها المكتبة الإسلاميَّة العامَّة.
كما ألَّفوا في السير والتاريخ والتراجم، ولا سيما سير أئمَّة الإباضيَّة وعلمائهم، ولكن ليس في شيء من هذه المؤلَّفات شيء مِمَّا ذكره الإمام الأشعريُّ عن الإباضيَّة في هذا الفصل من كتابة الكبير. (1/18)
صفحة 19
وفي عصر أبي الحسن الأشعريِّ كان الإباضيَّة وعلماؤهم منتشرين في جميع ما يسمَّى اليوم بالبلاد العربيَّة: كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة، ومصر؛ بل إنَّهم كانوا يكوِّنون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط، ويوجد لهم عدد من كبار العلماء ــ حينئذ ــ في كلِّ الحواضر الإسلاميَّة كمكَّة والمدينة والبصرة وعُمان وحضرموت واليمن ومصر وبلدان الشمال الإفريقيِّ.
ومع هذا فإنَّ أبا الحسن لم يذكر أحدا من أئمَّة الإباضيَّة كجابر بن زيد وجعفر بن السماك العبيديِّ، وأبي سفيان قنبر، وصحار العبدي وأمثالهم من أئمَّتهم في النصف الثاني من القرن الأوَّل ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحداً من أئمَّتهم في النصف الأوَّل من القرن الثاني أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمَّام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهَّان، وعبد الله بن يحيى الكندي، والجلندا بن مسعود العماني، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى المعافري، وهلال بن عطيَّة الخرساني وأضرابهم، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم، ولم يذكر أحدا من علماء النصف الثاني للقرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وعبد الرحمن بن رستم، ومحمد بن يانس، وأبي الحسن الأبدلاني وأضرابهم، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الأوَّل للقرن الثالث أمثال أفلح بن عبد الوهَّاب وعبد الخالق الفزَّاني، ومحمَّد الهواري والمهنَّا بن جيفر، وموسى بن علي، وأبي عيسى الخراساني، وأضرابهم، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم.
ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث، أمثال محمَّد ابن محبوب، ومحمَّد بن عابد، والصلت بن مالك، وأبي اليقظان بن أفلح، وأبي منصور إلياس وعمروس بن فتح وهود بن محكَّم، ولم يذكر شيئًا من أقوالهم. (1/19)
صفحة 20
ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري أمثال أبي خرز يغلى بن أيُّوب، وأبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي هارون موسى بن هارون، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم. وقد كان علماء هذه الطبقة والطبقة التي سبقتها معاصرين لأبي الحسن الأشعريِّ، لأَنَّهُ عاش ثلاثين سنة من القرن الرابع فهو معاصر لعلماء النصف الثاني للقرن الثالث وعلماء النصف الأوَّل للقرن الرابع، ورغم ذلك فإنَّ أبا الحسن لم يذكر أحدًا من هؤلاء الأئمَّة أو مِمَّن كان معاصرًا لهم أو سبقهم من علماء وأئمَّة الإباضيَّة المعروفين ولم يذكر شيئًا من مقالاتهم.
فهو إمَّا أنَّه لا يعرفهم أو لا يعرف شيئًا من مقالاتهم، وإمَّا أنَّه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقلِّ ويعرف مقالاتهم، وَلَكِنَّهُ لا يجد فيها شيئًا يستدعي النقد والتعليق أو حَتَّى مجرَّد العرض، فلم يتحدَّث عنهم وعن مقالاتهم بخير ولا بشرٍّ. فترك الإباضيَّة الحقيقيِّين برجالهم ومقالاتهم، وأُلقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضيَّة كلَّ الجهل، وأقوالها تناقض ما عند الإباضيَّة كلَّ المناقضة، فزعمت المصادر التي استقى منها أنَّ هذه الفرق والمقالات هي للإباضيَّة باعتبارهم إباضيَّة أو منهم، والإباضيَّة منها برآء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه.
فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطإ الشنيع، مع أنَّه من أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتَّاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتهم ومذاهبها، ومن أوائل من حذَّر من الوقوع فيها ؟!!.
تشنِيعَات الأشعَري على الإباضيَّة (1/20)
صفحة 21
علمت أيُّها القارئ الكريم في الفصل السابق أنَّ من ذكرهم أبو الحسن الأشعريُّ تحت عنوان «الإباضيَّة بأئمَّتهم وفرقهم ومقالاتهم» ليسوا في الإباضيَّة من قليل ولا كثير، ونضيف لك في هذا الفصل أنَّ التشنيعات التي نسبها إلى الإباضيَّة لا علاقة لها بهم البتَّة، فإن كانت تلك الشنائع آراء لتلك الفرق التي ذكرها سابقًا، وأنَّ تلك الفرق كانت موجودة بالفعل، فإنَّ تلك الفرق أبعد الناس عن الإباضيَّة وأنَّ بعض مقالاتها كاف عند الإباضيَّة للحكم على أصحابها بالشرك.
وإن شئت المزيد من ذلك فاستمع إليه يورد أقوالاً عن الإباضيَّة تنسب إليهم قصد التشنيع عليهم:
يقول أبو الحسن:
«وقالوا من سرق خمسة دراهم فصاعدا قطع».
«وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين وجبت عليه الشرائع والأحكام، وقف على ذلك أو لم يقف، سمعه أو لم يسمعه».
«وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحجِّ ولا شيء من أسباب الطاعات، التي يتوصَّل بها إليها، إِنَّمَا عليهم فعلها فقط».
«وقالوا جميعهم: إنَّ الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإِلاَّ قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله».
«وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحدُّ، ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلاَّ قتل».
«وقال بعضهم: ليس من جحد الله وأنكره مشركًا حَتَّى يجعل معه إلهًا غيره».
«وقال بعضهم بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها إذا لم تكن الخمر بعينها».
هذه أمثلة من الأقوال التي نسبها أبو الحسن إلى الإباضيَّة، وظاهرٌ أنَّ القصد من نسبة هذه الأقوال إليهم إِنَّمَا هو التشنيع عليهم وتكريههم إلى بقيَّة فرق المسلمين وتأمَّل قوله: «وقالوا جميعهم إنَّ الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلاَّ قتل». (1/21)
صفحة 22
والتناقض واضح بين الأقوال التي ينسبها أبو الحسن إلى الإباضيَّة أو إلى بعض فرق الإباضيَّة حسب زعمه. وقارن إن شئت الفرقة السابقة بما يقوله عن الإباضيَّة (1) . «ويزعمون أنَّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفَّار وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم». ويقول بعض أسطر:
«وحرام قتلهم وسبيهم»، التناقض هنا واضح، وقصد التشنيع مِمَّن نسب إليهم ذلك واضح. ولست أتَّهم أبا الحسن كما قلت غير مرَّة، ولكنِّي أتَّهم المصادر التي استقى منها والمراجع التي اعتمد عليها، سواء كانت مصادر مكتوبة أو كانت مصادر محدِّثة، ونحن نعتب على أبي الحسن ــ وهو الذي يقرِّر في أوَّل كتابه أنَّ كثيرا مِمَّن يكتب عن مقالات الفرق يَتَعَرَّض للكذب، وعدم التحرِّي، وعدم التقصِّي في البحث، والغلط في إيراد الأخبار ــ أن يقع فريسة سهلة رغم معرفته لذلك، وأن يقع فيما وقع فيه غيره مِمَّن خفيت عليهم دسائس السياسة الماكرة ومكائد العصبيَّة الفاجرة، وأكاذيب الغلاة والمتنطِّعين، وهم موجودون في كلِّ مذهب وفرقة بلا استثناء.
وممَّا يدخل في هذا الباب من تلفيق الأخبار والقصص، للتشنيع على الفرق المخالفة ما أورده أبو الحسن في كتَابه السابق فقد قال: في ص 175 ما يلي:
«
__________
(1) - يزعم هنا أنَّهم يوجبون استتابة مخالفيهم، فمن لم يقبل قتل، ثُمَّ يقول في نفس الكتاب: إنَّهم يجوِّزون مناكحة مخالفيهم وموارثتهم وشهادتهم على أوليائهم وحرَّموا دماءهم. فكيف تقبل شهادة من يجوز قتله وكيف تربط أواصر مصاهرة مع من ترى وجوب قتله! إنَّه التناقض الذي لا يخفي وهو كلام يسقط نفسه. (1/22)
صفحة 23
وكان رجل من الإباضيَّة يقال له: إبراهيم، أفتى بأنَّ بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل منهم يقال له ميمون، وممَّن استحلَّ ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم، وكتبوا يستفتون العلماء منهم في ذلك فأفتوا بأنَّ بيعهنَّ حلال، وهبتهنَّ في دار التقيَّة حلال، ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك، وأن يستتاب ميمون من قوله، وأن يبرأ من امرأة كانت معهم، كانت وقفت فماتت قبل ورود الفتوى، وأن يستتاب إبراهيم في عذره لأهل الوقف في حجدهم الولاية عنه ــ وهو مسلم يظهر إسلامه ــ وأن يستتاب أهل الوقف في حجدهم البراءة عن ميمون ــ وهو كافر يظهر كفره ــ فَأَمَّا الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه، فسمُّوا الواقفة، وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإمام من مخالفيهم وتاب ميمون».
ولم تنته القصَّة عند هذا الحدِّ، وإنَّما استطرد الإمام ثُمَّ عاد بعد سبعة أسطر فقال:
«ثمَّ رجع بنا القول إلى الأخبار عن الاختلاف في أمر المرأة، فافترقت فرقة في الواقفة وهم الضحَّاكية، فأجازوا أن يزوِّجوا المرأة المسلمة عندهم من كفَّار قومهم في دار التقيَّة، كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقية، فَأَمَّا في دار العلانية ــ وقد جاز حكمهم فيها ــ فإنَّهم لا يستحلُّون ذلك فيها.
ومن الضحَّاكيَّة فرقة وقفت فلم تبرأ مِمَّن فعله، وقالوا: لا نعطي هذه المرأة المتزوِّجة من كفَّار قومنا شيئًا من حقوق المسلمين، ولا نصلِّي عليها إن ماتت، ونقف فيها، ومنهم من برئ منها. (1/23)
صفحة 24
واختلفوا في أصحاب الحدود فمنهم من برئ منهم، ومنهم من تولاَّهم، ومنهم من وقف. واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم، فمنهم من قال: هم عندنا كفارًا، إِلاَّ من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط فلا نتولىَّ إِلاَّ من عرفنا فيه إسلامًا. ونقف فيمن لا نعرف إسلامه، وتوليِّ بعض هؤلاء بعضا على اختلافهم، وقالوا: الولاية تجمعنا، فسمُّوا أصحاب النساء، وسمُّوا من خالفهم من الواقفة أصحاب المرأة، وصارت فرقتين، فرقة تولَّوا الناكحة، وفرقة ينتسبون إلى عبد الجبار بن سليمان، وهم الذين يتبرَّأون من المرأة الناكحة من كفَّار قومهم.
وهذا خبر عبد الجبار الذي الذي خطب إلى ثعلبة ابنته، فسأل ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم، فأرسل الخاطب إلى أمِّ الجارية مع امرأة يقال لها "أمُّ سعيد" يسأل: هل بلغت ابنتهم أم لا؟ وقال: إن كانت بلغت وأقرَّت بالإسلام لم أبال ما أمهرها! فلمَّا بلغتها أمُّ سعيد ذلك قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ، ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت، فردَّ مرَّة أخرى ذلك عليها، ودخل ثعلبة على ذلك الحال، فسمع تنازعهما، فنهاهما عنه، ثُمَّ دخل عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال، فأخبره ثعلبة الخبر، فزعم عبد الكريم أنَّه يجب دعاؤها إذا بلغت، وتجب البراءة منها حَتَّى تدعى إلى الإسلام، فردَّ عليه ثعلبة ذلك وقال: لا !بل تثبت على ولايتها فإن لم تدع لم تعرف الإسلام، فبرئ بعضهم من بعض على ذلك».
هكذا انتهت هذه القصَّة التي أخذت جهدًا غير قليل من الإمام الكبير، وحيِّزًا فسيحًا من كتابه القيِّم، ووقتًا ثمينًا من أوقات القارئ، وواضح أنَّه ليس لهذه القصَّة أيَّة قيمة، اللهمَّ إِلاَّ إذا كانت للتسلية والضحك، أو عند من يجمع مشاكل الناس اليوميَّة للتهويل والتشنيع. (1/24)
صفحة 25
يضاف إلى ذلك أنَّ جميع أبطال القصَّة ناس مجهولون لا يعرف عنهم شيء. إنَّ أيَّ كاتب يستطيع أن يجد عشرات القصص من هذا النوع في الأحداث اليوميَّة التي تجري بين الناس، فيختلفون ويتخاصمون، ويلعن بعضهم بعضًا، ويدعون عليه بالثبور، وعظائم الأمور، وقد يتضاربون فتكون نهاية مشاكلهم عند المحاكم أو حَتَّى في السجون. وأنَّ كثيرا مِمَّا نراه ونسمعه في كلّ المجتمعات قد تكون أحداثه أكثر عجبًا وإثارة من هذه القصَّة التافهة التي تمنِّيت بحقٍّ ــ لو أنَّ الإمام الكبير أبا الحسن أكرم كتابه، ونزَّه قلمه عن الخوض في هذه الترَّهات، وربأ بنفسه عن الاندماج في هذه السفاسف المفتعلات، والتي تنال من كرامة قائليها أكثر مِمَّا تنال من كرامة من تنسب إليهم.
ولو أنَّ أبا الحسن لم ينسب هذه القصَّة إلى الإباضيَّة لما كان لي بها شأن في الوقت الحاضر، أما وقد نسبها إلى الإباضيَّة فأراني ــ وأنا أكتب عنهم في هذا الموضوع ــ مضطرًّا أن أوضِّح للقارئ الكريم فيها بعض النقط.
1 - وردت في القصَّة أسماء عدد من الأشخاص هم: إبراهيم، ميمون، عبد الجبار، سليمان، ثعلبة، عبد الكريم بن عجرد، أمُّ سعيد؛ كما وردت فيها أوصاف لعدَّة أشخاص هم: العلماء، الإماء، امرأة، ثعلبة، إلخ... (1/25)
صفحة 26
وهذه الشخصيات كلّها مجهولة، سواء ما ذكر منها بالاسم أو بالوصف، ولا يعرف عنها شيء، فما قيمة هذه المشاجرة التي تقع بين أفراد مجهولين في تحقيق علميٍّ يراد منه إثبات آراء في العقائد، وتصنيف فرق الأمَّة على أساس تلك الآراء، إنَّ أبا الحسن لم يذكر شيئًا عن تلك الأسماء المجرَّدة، فهل يكفي هذا ليكونوا في الإباضيَّة؟ ولماذا لم يحسبوا من المالكيَّة أو المعتزلة أو الشيعة أو غيرهم من الفرق والمذاهب الأخرى، ثُمَّ إذا فرض أنَّهم كانوا حقًّا من أتباع الإباضيَّة أو غير الإباضيَّة من المذاهب فهل يكفي هذا الموقف في الشجار والملاعنة لأن يكون كلُّ فرد من المتشاجرين صاحب رأي ورئيس فرقة؟
2 - إنَّك واجد في جميع الطوائف الإسلاميَّة مشاجرات واختلافات من هذا النوع في كلّ عصر، بل ربَّما تجد أحدَّ منها وأوسع مدى، فما الذي رفع قيمة هذه المشاجرة حَتَّى اهتمَّ بها الإمام أبو الحسن، وأثبتها في كتابه؟
3 - إنَّ البحث عن أسماء مجرَّدة هكذا كإبراهيم، وسليمان، وميمون، في أحداث التاريخ بحث لا طائل تحته ولا يوصل منه إلى نتيجة، ومع ذلك فقد حاولت أن أتقصَّى كلَّ أسماء إبراهيم، وسليمان، وميمون، وثعلبة، وعبد الكريم، لعلِّي أجد ما يربط بين أحد تلك الأسماء وبعض أحداث القصَّة السابقة ــ فيما بين يديَّ من مصادر التاريخ الإبَاضِيِّ وكتب مقالاتهم ــ فلم أتمكَّن من تحقيق هذه النزوة الحمقاء التي أخذت منِّي جهدا غير قليل في البحث والتنقيب. وحاولت أنْ أجد قصَّة عند الإباضيَّة تشبه من قريب أو بعيد أحداث هذه القصَّة ولو اختلفت فيها أسماء الأبطال فلم أوفق في ذلك. وعلمت في كتب المقالات أنَّ بعض هذه الأسماء تنسب إليهم فرق مستقلة تحت العنوان الكبير (الخوارج) ويطلق عليها أسماء منسوبة إليهم كالثعالبة، والعجاردة، والميمونيَّة. (1/26)
صفحة 27
ومن المؤسف أن الإباضيَّة لا يعرفون شيئًا ــ لا تاريخيًّا، ولا دينيًّا ــ عن قصَّة تنسب إليهم كادت تشغل البوليس الدوليَّ، مِمَّا يدلُّ على أنَّهم في الواقع لم يحضروا ذلك النزاع الواقع على بيع الإماء، ولا النزاع الواقع في خطبة بنت ثعلبة، ولم يقفوا في تلك السوق الحامية، ولا شهدوا ذلك العرس الذي نتج عنه سيل من الشتائم وتبادل اللعنات. فنسبة هذه القصَّة إلى الإباضيَّة من أعجب العجب، ونسبة أبطالها إلى أئمَّة الإباضيَّة أو علمائهم من أكاذيب التاريخ التي التي لم تتستَّر حتَّى بقليل من الحياء، وإن جازت حتَّى على كبار الأئمَّة أمثال أبي الحسن.
ولا شكَّ أنَّ مخترع هذه القصَّة إنما أراد أن يكثر من عدد الفرق الفرعية المنسوبة إلى الإباضيَّة حتَّى يظهرهم بمظهر المتشدِّدين الذين يتنازعون لأتفه الأسباب، فيتخالفون ويفترقون انسياقًا وراء العواطف ودوافع الغضب أكثر مِمَّا هو انسياقًا وراء دوافع العقيدة والدين.
وقد استطاع أن يخترع هذه القصَّة وأن يولِّد من أحدثها عددًا من الفرق أطلق عليها أسماء: الضحَّاكيَّة، أصحاب النساء، أصحاب المرأة، الواقفة.
ومفهوم بالبداهة أن شخصًا ما أراد التشنيع على الإباضيَّة فاخترع هذه القصَّة ونسجها على هذا المنوال ثُمَّ وجد أبا الحسن الأشعريَّ وهو يهتمُّ بدراسة الفرق وأقوالها وآرائها فألقاها إليه فأثبتها أبو الحسن دون تمحيص أو تحقيق، وليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتَّى تبرأ ساحة الإمام العظيم من أيَّة مسؤوليَّة، وتكون العهدة راجعة إلى أصحابها.
مقَالاَت الإباضيَّة عند الأشعَريِّ (1/27)
صفحة 28
لقد علم القارئ الكريم أن أبا الحسن الأشعريَّ كان يحسب أنَّ الإباضيَّة يتكوَّنون من الفرق السابقة التي ناقشناه فيها، والتي اثبتنا للقارئ الكريم بأنَّه لا صلة بينها وبين الإباضيَّة، وفي حديثه عن تلك الفرق كان يعرض ــ حسب ظنِّه ــ مقالات الإباضيَّة ونحن في هذا الفصل سوف نحاول أن نكشف أنَّ أبا الحسن في عرضه لتلك المقالات كان أيضًا عرضة للاِنسياق مع قوم غلب عليهم حبُّ التشنيع، فالتجأوا إلى الغموض والإبهام حينًا، وإلى عبارات موهمة لمعان غير محدودة أو غير مقصودة حينًا آخر، كما تساهلوا في إضافة أقوال أو تغييرها لإثبات ما يريدون.
يقول أبو الحسن في كتابه مقالات الإسلاميِّين (1) وهو يتحدَّث عن الإباضيَّة: «وجمهور الإباضيَّة يتولَّى المحكِّمة كلَّها إِلاَّ من خرج، ويزعمون أنَّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفَّار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرم ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السرِّ، إِلاَّ من دعا إلى الشرك في دار التقيَّة ودان به، وزعموا أنَّ الدار ــ يعنون دار مخالفيهم ــ دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار كفر يعني عندهم.
وحكى عنهم أنَّهم أجازوا شهادة مخالفهم على أوليائهم، وحرَّموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرَّموا دماء مخالفيهم حتَّى يدعوهم إلى دينهم، وقالوا إنَّ كلّ طاعة إيمان ودين، وإنَّ مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين».
ويقول في موضع آخر من الكتاب:
«والإباضيَّة يقولون: إنَّ جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وأنَّ كلّ كبيرة هي كفر نعمة لا كفر شرك، وأنَّ مرتكبي الكبائر في النار مخلَّدون فيها.
__________
(1) - مقالات الإسلاميين الجزء الأوَّل طبع مكتبة النهضة ص 170. (1/28)
صفحة 29
ووقف كثير من الإباضيَّة في إيلام أطفال المشركين في الآخرة، فجوَّزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوَّزوا أن يدخلهم الجنَّة تفضُّلاً. ومنهم من قال: إنَّ الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب، لا على طريق التجويز».
ويقول في صفحة 186 من نفس الكتاب:
«ومن مؤلِّفي كتبهم ومتكلِّميهم عبد الله بن يزيد، ومحمَّد بن حرب، ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضيَّة».
ويقول في صفحة 189 من نفس الكتاب ما يلي:
«إلاَّ أنَّ الإباضيَّة لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنَّهم يرون إزالة أئمَّة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمَّة بأيِّ شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره...».
هذا أهمُّ ما قاله أبو الحسن الأشعريُّ عن الإباضيَّة ومقالاتهم، بالإضافة إلى التشنيعات السابقة التي نقلت للقارئ الكريم أكثرها فيما مضى. ولعلَّه من المهمِّ أنْ أوضِّحَ للقارئ الكريم في هذا الفصل أنَّ جميع الأسماء التي وردت في الفصل الذي كتبه أبو الحسن عن الإباضيَّة لا علاقة لها بالإباضيَّة فيما عدا اسمين هما عبد الله بن إباض وهو الإمام الذي ينسب إليه المذهب، وعبد الله بن يزيد الفزاري كان من الإباضيَّة وخالفهم في بعض المسائل فانفصل عنهم وانتظم في فرقة النكَّار، وقد ذكر ابن النديم عددًا من الكتب المنسوبة إليه منها:
كتاب التوحيد، كتاب الردِّ على المعتزلة، كتَاب الردِّ على الرافضة، كتاب الاستطاعة. ولا أعلم أنَّ شيئًا من هذه الكتب قد بقي في مكان، أمَّا أصحاب هذه الفرقة فلم يبق لهم وجود فيما أعلم. (1/29)
صفحة 30
أمَّا محمَّد بن حرب، ويحيى بن كامل اللذان نصَّ أبو الحسن أنَّهما من متكلِّمي الإباضيَّة ومؤلِّفيهم كأنَّما كان يشكُّ في السابقين وهو على يقين في هؤلاء، فإنَّه لا يوجد لهما أيُّ ذكر عند الإباضيَّة فيما اطَّلعت عليه، ويؤسفني أن أردَّ على الإمام الكبير نصَّه هذا. وله أن يحشرهما في أيَّة فرقة أخرى؛ أمَّا عند الإباضيَّة فليس لهما مكان، إنَّه لا يوجد لهما أيُّ أثر في المكتبة الإباضيَّة الواسعة التي حرصت أن تحتفظ بتراثها منذ القرن الأوَّل فحفظت فتاوى ومراسلات الأئمَّة جابر وأبي عبيدة وغيرهم، وحتَّى ما ضاع منها خَفِظَت أسماءها وبعض ما جاء فيها كديوان جابر، وتفسير عبد الرحمن بن رستم، وتفسير أبي يعقوب الوارجلانيِّ.
إن كتب الإباضيَّة، التاريخيَّة منها والشرعيَّة، لم تذكر لنا شيئًا عن هذين الرجلين ولا عن مقالاتهما أو مؤلَّفاتهما كما لم تذكر ذلك عمَّن سبق أن نسبه أبو الحسن إلى الإباضيَّة، وأنا حين أؤكِّد للقارئ الكريم هذا النفي فإنَّما أؤكِّده فيما وصلت إليه يديَّ من كتب الإباضيَّة المطوَّلة منها والمختصرة، ولا أدَّعي استقصاءها فإنَّ ذلك من المستحيل.
وقد يقول قائل ربَّما ضاعت هذه الكتب في زحمة التاريخ وهذا شيء مألوف. ولا شكَّ أنَّ ضياع الكتب شيء لا ينكر، ولكنَّ الكتاب إذا أُلِّف وعرفه الناس فلا بدَّ أن ينقل عنه أو على الأقلِّ أن يذكر اسمه ويذكر مؤلِّفه. سواء أُخذت منه آراء أو أقوال أو لم تؤخذ، وهذا ما لم يحدث بالنسبة لهؤلاء، فلم تذكر أسماؤهم ولا كتبهم ولا بعض آرائهم ما يجعلنا نجزم بأنَّهم لم يكونوا من الإباضيَّة مطلقًا، بل نجزم أنَّهم غير معروفين عند الإباضيَّة؛ وحتَّى الذين ذكروهم في تعداد الفرق كالقطب وعبد الكافي فإنَّما اعتمد على غير مصادر الإباضيَّة. (1/30)
صفحة 31
ولا شكَّ إن الإباضيَّة من أوَّل المذاهب التي اهتمَّت بالتأليف وحرصت على الاحتفاظ بآثار الأئمَّة وتاريخهم وتراجمهم، وليس فيما اطَّلعت عليه أيُّ ذكر لهؤلاء الناس، ومعنى ذلك أنَّهم من غير الإباضيَّة ونسبوا إليهم خطأ. وهذا يؤكِّد ما ذهبنا إليه أوَّلاً في أنَّ أبا الحسن لا يعرف الإباضيَّة في الحقيقة، وأنَّ ما كتبه عنهم إِنَّمَا نسب إليهم خطأ أو جهلاً أو قصدًا للتشنيع. أمَّا المقالات التي نسبها إلى الإباضيَّة في عمومها والتي نقلت لك بعضها في أوَّل هذا الفصل، فهي مزيج مِمَّا يقرُّه الإباضيَّة ويقولون به، وممَّا ينكرونه ويردُّونه، وممَّا يحكمون على من يقول به بالردة والكفر، وواضح من هذا أنَّ ما جاء موافقًا لمقالاتهم وعقائدهـ[ـم] فإنَّما جاء عن طريق الصدفة، لا عن طريق الدراسة والمعرفة.
ويهمُّني في ختام هذا الفصل أن أؤكِّد من جديد للقارئ الكريم أنَّني أضع الإمام أبا الحسن فوق الشبهات، وإنَّما أنجر إليه الخطأ عن طريق من وثق فيه ونقل عنه، في عصر كثرت فيه النزاعات.
ونستخلص من مناقشاتنا لأبي الحسن في الفصول السابقة ما يلي:
1 - إنَّ جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن إمَّا رؤساء لفرق من الإباضيَّة ومن مؤلِّفيهم ومتكلِّميهم لا وجود لهم عند الإباضيَّة.
2 - الإباضيَّة لا يعرفون شيئًا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم.
3 - الإباضيَّة لا يعرفون أيَّة فرقة من تلك الفرق التي نسبها أبو الحسن إليهم ولا يقولون بأكثر أقوالها.
4 - المقالات التي نسبها ــ هكذا على العموم ــ إلى الإباضيَّة أو إلى جمهورهم هي خليط مِمَّا يذهب إليه الإباضيَّة، وممَّا يردُّونه، وممَّا يحكمون بالشرك على معتنقيه.
5 - بدأ الإباضيَّة بالفعل في تأليف الكتب منذ القرن الثاني الهجري وتسلسلت الكتب وتسلسل العلماء والأئمَّة إلى اليوم وليس في هذه السلاسل شيء مِمَّا نسب إليهم أبو الحسن. (1/31)
صفحة 32
6 - عاش أبو الحسن الأشعريُّ في القرن الثالث الهجريِّ، وعاش ثلاثين سنة في القرن الرابع، وقد كان للإباضيَّة إمامات بالمشرق وإمامات بالمغرب واشتهر لهم أئمَّة وعلماء ومفسِّرون ومحدِّثون ومتكلِّمون، وفقهاء في أكثر العواصم الإسلاميَّة حينئذ وَلَكِنَّهُ لم يذكر أحدًا منهم ولم يشر إلى كتاب من كتبهم.
7 - الفترة التي عاش فيها أبو الحسن كانت فترة ازدهار علميٍّ للإباضيَّة في المشرق والمغرب ورغم ذلك فإنَّ أبا الحسن لم يشر إلى أحد من معاصريه من علماء الإباضيَّة.
ومعنى هذا كلّه أن الإباضيَّة الذين كتب عنهم أبو الحسن لا وجود لهم في الواقع، وأنَّ الإباضيَّة الموجودين في الواقع، والذين كانوا يعيشون كما يعيش سائر الناس لا وجود لهم فيما كتبه عنهم أبو الحسن، أي أنَّ أبا الحسن لم يكتب عن الإباضيَّة الحقيقيِّين.
ومنذ ألَّف أبو الحسن الأشعريُّ كتابه «مقالات الإسلاميِّين» أصبح مصدرًا يستقي منه الكتَّاب، ومرجعًا يعود إليه المؤلِّفون، فينقلون ما فيه من أخطاء وصواب، وحقٍّ وباطل، تارة بالنص وتارة بالمعنى، وتارة يشيرون إليه وأحيانًا يغفلون عن الإشارة.
ولقائل أن يقول: إنَّ هناك مؤلِّفين آخرين كتبوا في الموضوع، في عصر أبي الحسن من قبله أيضًا، وهذا صحيح، غير أنَّني أستطيع أن أزعم أنَّ شهرة أبي الحسن ومركزه العلميَّ، ومواقفه في مجالات المحاججة والجدل جعلته يطغى على الآخرين جميعًا. فأصبح أهمَّ مرجع وأوثق حجَّة عند المؤلِّفين الذين جاؤوا من بعده. (1/32)
صفحة 33
ولا يسعني وأنا أختتم هذا الفصل إِلاَّ أن أبدي ملاحظة ربَّما تساعد على تبرير ما بلغ إلى الإمام الأشعريِّ كما بلغه، وذلك أنَّه ربَّما كان من طلاَّب جابر أو طلاَّب أبي عبيدة من عرف بتلقِّيه العلم عن أحدهما واشتهر بذلك وظنَّه الناس إباضيًا بينما هو لم يكن من الإباضيَّة، أو أنَّه قال ببعض تلك المقالات فأعرض عنه الإباضيَّة ولم يحسبوه منهم ولم يذكروه في سيرهم وتوهمه غيرهم أنَّه منهم رغم ما يقول به.
البَغدَادِيُّ والإباضيَّة
بعد أبي الحسن الأشعريِّ بنحو قرن تقريبًا جاء مؤلِّف آخر اهتمَّ بالحديث عن الفرق والمقالات الإسلاميَّة، هذا المؤلف هو:
عبد القادر بن طاهر بن محمَّد البغداديُّ، وقد اشتهر بنسبته الأخيرة بين المؤلِّفين.
كتب البغداديُّ عن الإباضيَّة كما كتب عن غيرهم من الفرق الإسلاميَّة في كتَابه «الفَرْقُ بين الفِرَقِ» الذي حقَّقه الأستاذ محمَّد محيي الدين عبد الحميد وعلَّق عليه ونشره.
إنَّ القارئ بمجرَّد البدء في قراءة مقدِّمة كتَاب البغداديِّ (الفَرْقُ بين الفِرَقِ) يحس كأنَّه داخل في معمعة حامية الوطيس، وكأنَّه يرافق محاربًا شديد المراس، قد دجَّج نفسه بجميع أنواع الأسلحة استعدادًا لدخول معركة ينبغي له أن يقضي فيها على عدد من الخصوم. (1/33)
صفحة 34
أو كأنَّه يقف إلى جانب شخص وضعه الله سبحانه وتعالى في طريق الناس يوم الحساب، وأعطاه صلاحية التحكُّم في مصائرهم، فهو يقف مزهوًّا يعترض طريق المحشورين. وكلَّما مرَّت به طائفة وجَّههم حسب رأيه فيهم حيث يريد! أو صاح: أيُّها الطائفة أنتم من أهل السنَّة مغفور لكم، اسلكوا هذا الطريق إلى الجنَّة. فإذا جاءت طائفة أخرى صاح بهم: أنتم من أهل الأهواء اذهبوا مع هذا الطريق إلى الجحيم، وتبدوا له طائفة مقبلة فيصيح بها بأعلى صوته: أنتم يا من تسيرون هناك إنَّكم معتزلة فأنتم فرقة ضالَّة أدخلوا النار. أمَّا أنتم أيَّتها الفرقة التعسة فقد قيل إنَّكم خرجتم من الإسلام فادخلوا النار وبئس القرار.
وإذا شئت أن تتَّضح لك هذه الصورة فما عليك أيُّها القارئ الكريم إِلاَّ أن تقرأ كتاب (الفَرْقُ بين الفِرَقِ)، وإذا شئت أن أضع بين يديك نموذجًا فلا بأس، وها أنا أنقل لك فقرات مِمَّا قاله في مقدِّمة كتابه (1) السابق الذكر بأسلوبه القويِّ البليغ:
«سألتم أسعدكم الله بمطلوبكم، شرح معنى الخبر المأثور عن النبيء (ص) في افتراق الأمَّة ثلاثًا وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، تصير إلى جنَّة عالية؛ وبواقيها عادية، تصير إلى الهاوية، والنارِ الحامية؛ وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية، التي لا تزلُّ بها القدم، ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال، الذين يرون ظلام الظلم نورًا، واعتقاد الحقِّ ثبورًا، وسيصلون سعيرًا، ولا يجدون من دون الله نصيرًا، فرأيت إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين القويم، والصراط المستقيم، وتمييزها من الأهواء المنكوسة، والآراء المعكوسة».
وفي الصفحة الرابعة من الكتَاب ذكر أنَّ كتَابه يشمل على خمسة أبواب:
الأول: في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمَّة ثلاثًا وسبعين فرقة.
الثاني: في بيان فرق الأمَّة على الجملة ومن ليست منها على الجملة.
__________
(1) - الفرق بين الفرق صفحة 3. (1/34)
صفحة 35
الثالث: في بيان فضائح كلِّ فرقة من فرق الأهواء الضالَّة.
الرابع: في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه.
الخامس: في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها، وبيان محاسن دين الإسلام.
وهكذا استطاع المؤلِّف في إيجاز أن يقسِّم الناس ثلاثة أقسام قسم خارج عن الأمَّة الإسلاميَّة فلا حديث له معه، وقسم هو أهل الأهواء، وفي هذا القسم ألَّف الكتَاب ليكشف عن فضائحهم، أمَّا القسم الثالث فهم الفرقة الناجية.
ويقول المؤلِّف في الفصل الأوَّل من نفس الكتَاب صفحة 13، بعد أن ناقش معنى كلمة أمَّة الإسلام وعلى من تدلُّ، ما يلي:
«وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة أو الإماميَّة، أو الزيديَّة، أو من بدع النجاريَّة أو الجهميَّة أو الضراريَّة، أو المجسَّمة، فهو من الأمَّة في بعض الأحكام، وهو في جواز دفنه في مقابر المسلمين، وفي ألاَّ يمنع حظُّه في الفيء والغنيمة إذا غزا مع المسلمين، وفي ألاَّ يمنع من الصلاة في المساجد.
وليس من الأمَّة في أحكام سواها، وذلك أنَّه لا تجوز الصلاة عليه، ولا خلفه ولا تحلُّ ذبيحته، ولا نكاحه لامرأة سنِّيَّة، ولا يحلُّ للسنِّيِّ أن يتزوَّج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم».
ولا شكَّ أنَّ القارئ الكريم عندما يقرأ مقدِّمة الكتاب يتَّضح لديه أنَّ المؤلِّف قد قرَّر أن يقسِّم الأمَّة إلى أقسام ثلاثة: قسم حكم بخروجهم من الملَّة رغم انتسابهم إلى الإسلام، وقسم ما أوردهم إلاَّ لذكر فضائحهم والتشنيع عليهم، وتلمُّس أخطائهم، وإظهار ما به ضلُّوا في نظره.
ثمَّ حكم على القسمين بالضلال وقذف بهم جميعًا في جهنَّم.
أمَّا القسم الثالث فقد حكم عليهم بالسعادة مسبقًا أيضًا، لأنَّهم في نظره من أهل السنَّة، على طريقة الشاعر الذي يقول:
ولو كنت بوَّابًا على باب جنَّة ... ... لقلت لهمذان: ادخلوا بسلام
هكذا على العموم دون مراجعة. (1/35)
صفحة 36
وليته حين تلمَّس أخطاء تلك الفرق التي عزلها عن السنَّة وفتَّش عن فضائحهم رجع إلى مصادرهم ولم يأخذها من مصادر خصومهم ــ إن صحَّ هذا التعبير ــ وهو ولا شكَّ واجد ما يتشبَّث به إن كان لا يهمُّه إِلاَّ أن يدفع بتلك الفرق اليائسة إلى النار.
وقد كتب البغداديُّ عن الإباضيَّة فيمن كتب في الفرق، ومن المؤسف أنَّ هذا المؤلِّف أيضًا لم يهتمَّ مطلقًا بأن يتَّصل بأئمَّة الإباضيَّة الحقيقيِّين وعلمائهم، ولا بأن يطَّلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم، وإنَّما رجع إلى ما كتبه وقاله عنهم غيرهم، وييدو أنَّه اعتمد على أبي الحسن الأشعريِّ كثيرًا، فنقل ما قاله عنهم تارة بنفس العبارة، وتارة بتصرُّف قليل. على أنَّه لم يذكر أنَّه نقل عنه أو اعتمد عليه.
يقول في كتابه: «الفرق بين الفرق» ص 103 ما يلي:
«أجمعت الإباضيَّة على القول بإمامة عبد الله بن إباض، وافترقت فيما بينها فرقًا يجمعها القول بأنَّ كفَّار هذه الأمَّة ــ يعنون مخالفيهم من هذه الأمَّة ــ برآء من الشرك والإيمان، وأنَّهُم ليسوا مؤمنين ولا مشركين، ولكنَّهم كفَّار، وأجازوا شهادتهم، وحرَّموا دماءهم في السرِّ واستحلُّوها في العلانيَّة، وصحَّحوا مناكحتهم والتوارث منهم، وزعموا أنَّهم في ذلك محاربون لله ورسوله، لا يدينون دين الحقِّ، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلُّوه الخيل والسلاح، فأمَّا الذهب والفضَّة فإنَّهم يردُّونها على أصحابها عند الغنيمة.
ثمَّ افترقت الإباضيَّة فيما بينها أربع فرق وهي: الحفصيَّة، والحارثيَّة، واليزيديَّة، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها».
بعد هذا قال إنَّ اليزيديَّة غلاة وأنَّه سوف يعود إليهم فيذكر مقالاتهم عندما يتحدَّث عن الغلاة، وتحدَّث عن الحفصيَّة والحارثيَّة وأصحاب طاعة لا يراد الله بها، فأورد عنها ما أورده أبو الحسن، ثُمَّ قال في نفس الكتاب ص 106 ما يلي:
« (1/36)
صفحة 37
وزعمت الإبَاضِية كلُّها أنَّ دار مخالفيهم من أهل مكَّة دار توحيد، إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار بغي عندهم».
ثُمَّ ذكر ثلاثة أقوال في النفاق (1) نسبها إليهم وبعد ذلك قال: تعدُّ الجملة التي حكيناها عنهم شذوذًا في الأقوال انفردوا بها: منها أنَّ فريقًا منهم زعموا أنَّ لا حجَّة لله تعالى على الخلائق في التوحيد وغيره إِلاَّ بالخبر وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء.
ومنها أنَّ قومًا منهم قالوا: كلُّ من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، سمعها أو عرفها أو لم يسمعها ولم يعرفها.
ومنها: أنَّ قوما منهم قالوا بجواز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه رسولاً بلا دليل يدلُّ على صدقة.
ومنها أنَّ قومًا منهم قالوا: من ورد عليه الخبر بأنَّ الله تعالى قد حرَّم الخمر أو أنَّ القبلة قد حوِّلت فعليه أن يعلم أنَّ الذي أخبره به مؤمن أو كافر.
وعليه أن يعلم ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم أنَّ ذلك عليه بالخبر.
ومنها: قول بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة، ولا الركوب والمسير إلى الحجِّ ولا شيء من الأسباب التي يتوصَّل بها إلى أداء الواجب، وإنَّما يجب عليهم فعل الطاعات الواجبة بأعيانها دون أسبابها الموصلة إليها.
ومنها: قولهم جميعًا بوجوب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل، فإن تابوا وإلاَّ قتلوا، سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله.
وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحدُّ ثُمَّ استتيب، فإن تاب، وإلاَّ قتل.
وقالوا: إنَّ العالم يفنى كلُّه إذا أفنى الله أهل التكليف، ولا يجوز إِلاَّ ذلك لأَنَّهُ إِنَّمَا خلقه لهم.
وأجازت الإبَاضِية وقوع حكمين مختلفين في شيء واحد في وجهين كمن دخل زرعًا بغير إذن مالكه فإنَّ الله قد نهاه عن الخروج منه إذا كان خروجه منه مفسدًا للزرع، وقد أمره الله به.
__________
(1) - راجع إن شئت هذا الموضوع في الفصل «مع عبد القادر شيبة الحمد». (1/37)
صفحة 38
وقالوا: لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة موحِّدًا، ولا تقتل منهم امرأة ولا ذرِّيَّة، وأباحوا قتل المشبِّهة وأتباع مدبريهم وسبي نسائهم وذراريهم وقالوا: إنَّ هذا كما فعل أبو بكر بأهل الردَّة».
وبعد هذا يعيد قصَّة بيع الإماء وسوقهنَّ الحامية التي نقلتها لك عن أبي الحسن الأشعريِّ، ولعلَّ القارئ الكريم يدرك بعد قراءة ما سبق أنَّ البغداديَّ قد اعتمد كلَّ الاعتماد على الأشعريِّ، ورغم حرصه على التصرُّف القليل فإنَّ عبارة الأشعريِّ بحروفها كثيرًا ما تطلُّ من هنا أو هناك.
والذي يدعو إلى التأمُّل هو أنَّ البغداديَّ قد اعتبر الإبَاضِية من الخوارج، وأنَّهُم لذلك فرقة ضالَّة ويجب أن يقال عنها فضائح ويلتمس لها شنائع، وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حينًا بدعوى أنَّها مقالة الإباضيَّة جميعًا وحينًا آخر بدعوى أنَّها قول بعضهم أو قوم منهم.
إنَّ البغداديَّ كان يعيش في القرنين الرابع والخامس، وفي هذا العصر كان الإبَاضِيَّة قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلاميَّة من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلَّفات في أغلب فروع الثقافة الإسلاميَّة ــ لا سيما علم الكلام ــ ودوِّنت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمَّتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول الله (ص).
كما أنَّ أكثر المذاهب الإسلاميَّة قد تميَّز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها، وآرائها ومقالاتها وأئمَّتها وعلمائها. ومع ذلك فإنَّ أولئك الذين ذكرهم البغداديُّ هم أولئك الذين ذكرهم الأشعريُّ من قبله حاشرين إيَّاهم في الإبَاضِيَّة، والإبَاضِيَّة لا يعرفون عنهم شيئًا لم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم. (1/38)
صفحة 39
إنَّ البغداديَّ قد سلك المسلك الذي سلكه من قبله الأشعريُّ، وقد علمت في الفصول السابقة أنَّ أغلب ما كتبه عن الإبَاضِيَّة ونسبه إليهم لا يمتُّ إليهم بصلة ــ وأنَّ البغداديَّ وهو يسلك نفس المسلك ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيئًا عن الإبَاضِيَّة. وأنَّ كلّ ما كتبه عنهم سواء كان حقًّا أو باطلاً فإنَّما هو تشنيعات وتلفيقات إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضدَّ الإبَاضِيَّة، وأن يجعلوهم مكروهين من بقيَّة إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممَّن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالاً في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العامِّ ضدَّهم وقد يفسِّرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرًا غير صحيح ولا مقصود عند الإبَاضِيَّة لزرع وَهْم في نفوس الآخرين. ولا شكَّ أنَّ أصابع السياسة الماكرة وراء كلّ ذلك وأنَّ هؤلاء العلماء الذين يكتبون إِنَّمَا تلقَّوا معلوماتهم عن مصادر مستغلَّة أو مستغفلة، مع العلم أنَّ لديهم الاستعداد الكافي لتلقِّي وتصديق كلِّ ما يقال لهم عن تلك الفرق التي حكموا عليها بالضلال مسبقًا.
ومن نافلة القول أن نعيد هنا ما أشرنا إليه سابقًا من أنَّ البغداديَّ قد زعم كما زعم غيره أنَّ الإبَاضِيَّة من الخوارج، وأنَّ هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسنِّيِّ أن يصلِّي عليها ولا أن يصلِّي وراءها، وأنَّه لا يجوز للسنِّيِّ حسب زعمه أن يتزوَّج منها، ولا أن يأكل من ذبائحها. وقد ردَّد هذا الكلام في مقدِّمة الكتاب، وفي الفصول الختاميَّة منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونسب بعض هذه الأحكام إلى أئمَّة عظام.
وأحسب أنَّه لا دعوة أشدُّ إيقادًا لنار الفتنة، وشقًّا لصفوف الأمَّة، وتفريقًا لوحدة الكلمة وتمزيقًا لشمل المسلمين، من هذه الدعوة. (1/39)
صفحة 40
وعلى كلّ حال فقد طوى التاريخ البغداديَّ فيما قد طوى كثيرًا من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغًا ضخمًا في حياة المسلمين، وبقي كتابه يحمل آراء شاذَّة كما تحمل كثير من الكتب في كثير من المذاهب.
وقد عرفت الأمَّة المسلمة، وخبرت وأيقنت، النتائج والآثار التي تسبَّبت عن العصبيَّة المذهبيَّة والجنسيَّة، والاتِّباع الأعمى للخطط السياسيَّة، ورأت رأي العين وذاقت في مرارة ما لحقها في جرَّاء ذلك من أضرار.
وهي اليوم تحاول أن تجمع الكلمة، وتردَّ الشارد وتسكت الداعي إلى الفتنة، ولكن من حين إلى آخر تقوم أقلام هنا أو هناك فتعود إلى ما طواه التاريخ في أخطاء لترسمه من جديد في بلاهة وسذاجة وغفلة.
يسَّر الله للعالمين المخلصين سبيل الوفاق، وأعانهم على جمع كلمة الأمَّة التي فرَّقتها المذاهب الدينيَّة والمطامع السياسيَّة في العهد الماضي، وتفرِّقهم السياسة، ومناصب التحكُّم ومذاهب الاقتصاد، وفتنة الأسماء والألقاب، والشعارات الكذَّابة في العصر الحاضر.
وفي ختام هذا الفصل يهمُّني أن أقول للقارئ الكريم: إنَّ بعض الأقوال التي نسبها إلى الإبَاضِيَّة تحمل تكذيبها في نفسها وهي التي نسبها فيما زعم إلى فرقة من الفرق التي ألحقها بالإبَاضِيَّة وكذلك الأقوال التي زعم فيها أنَّ بعضًا من الإبَاضِيَّة أو قومًا منهم كان يقول بها، فهذه الأقوال المنسوبة إلى بعض أولئك أو إلى قوم لا تحتاج إلى تكذيب لأنَّها هي نفسها لم تستطع أن تنهض فتقف وإِنَّمَا لاذت بجناح من الإبَاضِيَّة؛ وَأَمَّا ما نسبه إليهم جميعًا فسوف نعود إليه بالنقاش في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى مع ما يتحصَّل لدينا من أقوال غيره فنؤكِّد ما يقول به الإبَاضِيَّة حقيقة ونؤكِّد ما لا يقولون به حقيقة، ونكشف عمَّا أورد بطريقة موهمة أو مبهمة والله المستعان.
///ص55///
ابن حَزم والإباضيَّة (1/40)
صفحة 41
عاش ابن حزم الأندلسيُّ في القرن الخامس الهجريِّ، وقد عني هو الآخر بالمذاهب الإسلاميَّة وكتب عنها.
ويؤسفني أن أقول إنَّ العالم الكبير لم يوفَّق فيما كتب عن الإباضيَّة بل لقد تجنَّى عليهم في بعض الأحيان، وكلامه أحيانًا يهدم بعضه بعضًا هَدْمًا، كما أنَّ بعض دعاويه لا يمكن أن تصدَّق مهما حاول الإنسان أنْ يجد لها مبررات، وإلى القارئ الكريم الأمثلة.
يقول في كتابه (الفصل في الملل والنحل) ص 188 ما يلي:
«ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام أنَّ فرقة من الإباضيَّة رئيسهم رجل يدعى فريد بن أبي أنيسة ــ وهو غير المحدِّث المشهور ــ كان يقول: إنَّ في هذه الأمَّة شاهدَيْن عليها: هو أحدهما والآخر لا يدري من هو ولا حتَّى متى هو، ولا يدري لعلَّه قد كان قبله، وأنَّ من كان من اليهود والنصارى يقول: لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله إلى العرب لا إلينا كما يقول العيسويَّة في اليهود، قال: فإنَّهم مؤمنون أولياء الله تعالى وإن ماتوا على هذا العقد، وعلى التزام شرائع اليهود والنصارى، وأنَّ دين الإسلام سينسخ بنبيء من العجم يأتي بدين الصابئين. وبقرآن آخر ينزل عليه جملة واحدة».
ويعقِّب العالم الكبير على هذا بقوله: «قال أبو محمَّد: ألا إنَّ جميع الإباضيَّة يكفِّرون من قال بشيء من هذه المقالات، ويتبرَّأون منه، ويستحلُّون دمه وماله».
والعجيب في الأمر أن ابن حزم يقرِّر أن جميع الإباضيَّة لا يقولون بشيء من آراء ابن أنيسة هذا، ويحكمون على من قال بشيء من هذا بالكفر، ويستحلُّون دمه وماله، فكيف ساغ عنده إذن أن يسوق هذا الرجل وطائفته أوَّلاً في فرق المسلمين وهم ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة، ثُمَّ لِمَ اختار أن يجعلهم من الإباضيَّة، وجميع الإباضيَّة كما يقرِّر هو نفسه يكفِّرون من يقول بذلك، هل بينهم وشيجة نسب، أو علاقة مصاهرة، أم نزع عرق أم رابطة صداقة بريئة مجرَّدة؟ (1/41)
صفحة 42
إنَّه لا شيء من ذلك طبعًا ولكن بعض المتعصِّبين المشنِّعين الذين لا يزِنون ما يقولون، أطلقوا هذه الأكذوبة فنقلها ناقلون ومنهم العالم الكبير ابن حزم وَلَكِنَّهُ اضطرَّ معها أن يقرِّر موقف الإباضيَّة منها فعقَّب بملاحظته الصائبة ربَّما استنادًا إلى معرفته الشخصيَّة، أو إلى ما ذهب إليه من سبقه كالبغداديِّ الذي اعتبر هذه الفرقة خارجة عن الإسلام.
والحقيقة أنَّ أمثال هذا التخليط والتناقض سبق أن أوردنا له أمثلة عن بعض كتَّاب المقالات السابقين. كان المفروض من ابن حزم ــ بما اشتهر به من الذكاء ودقَّة الملاحظة، وسعة الاطِّلاع، ولذاعة النقد الذي يبلغ إلى حدِّ القسوة أحيانًا ــ ألاَّ ينزلق فيما انزلق فيه غيره، وأن ينظِّف كتابه من هذه الترَّهات الفارغة التي تكذِّب نفسها بنفسها، وليس لها من قيمة اللهمَّ إِلاَّ زيادة الصفحات في الكتاب الذي تورد فيه.
وليت ابن حزم اكتفى بهذه الفقرة بعد أن كذَّبها وَلَكِنَّهُ استمرَّ في الطريق:
قال ابن حزم في نفس الكتاب:
«وقالت طائفة من أصحاب حارث الإبَاضِيِّ: إنَّ من زنى أو سرق أو قذف فإنَّه يقام عليه الحدُّ، ثُمَّ يستتاب مِمَّا فعل، فإن تاب ترك، وإن أبى التوبة قتل على الردَّة». (1/42)
صفحة 43
وقد سبق أن ناقشنا هذا القول الذي نقله ابن حزم ولم يسنده وأوضحنا بما فيه الكفاية أنَّ الإباضيَّة لا يعرفون هذا الحارث ولا فرقته وأنَّ حكم الإباضيَّة على الزاني والسارق والقاذف هو حكم الله وحكم رسوله عليهم، رجم للمحصن وجلد لغير المحصن، وقطع من الرسغ للسارق، وجلد للقاذف، بشروط مفصَّلة في كتب الفقه. وقد وقعت حوادث أقام فيها أئمَّة الإباضيَّة الحدود على من وجبت عليه، أثناء إمامتهم في المشرق أو المغرب، ذكرتها كتب التاريخ والوقائع مفصَّلة في مناسباتها. ولم يذكر أحد أنَّ أئمة الإباضيَّة تجاوزوا حدود الله في إقامة الحد فقتلوا من لا يلزمه القتل، والإباضيَّة لا يحكمون على من لزمه الحدُّ بالردَّة تاب أو لم يتب، وإسناد هذا القول إليهم كذب عليهم، وكلُّ ما عند الإباضيَّة في الموضوع أنَّهم يبرأون من مرتكب الكبيرة سواء كانت من الكبائر التي تقام عليها الحدود أو كانت من الكبائر التي لا حدود عليها. والبراءة إِنَّمَا يوقعونها على مرتكب المعصية (الكبيرة) ما دام مصرًّا عليها ولم يتب. فإذا تاب منها أسبغوا عليه ثوب الولاية. وأعتقد أنَّ هذا الموقف هو الموقف الذي يتَّخذه كلُّ مسلم حريص على إسلامه، وكيف يستطيع المسلم التقيُّ الورع أن يضفي محبَّته وولاءه على إنسان يجاهر بالمعصية ويصر عليها؟! (1/43)
صفحة 44
والشخص الذي يقام عليه الحدُّ لا يخلوا إمَّا أنْ يقام عليه الحدُّ بعد اعترافه وإعلانه للتوبة كـ«ماعز» مثلاً، فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب ولايته، وإمَّا أن يجب عليه الحدُّ ويقام وهو مصرٌّ على معصيته ولا يعلن التوبة مِمَّا ارتكب، وهذا لا خلاف بين اثنين من الإباضيَّة في وجوب البراءة منه، فما كان لمؤمن صادق الإيمان أن يضفي محبَّته وولاءه على إنسان يجاهر الله بالمعصية ويصرُّ على ذلك. وأنا أظنُّ أنَّ الحدَّ في حالة التوبة تطهير وفي حالة الإصرار عقوبة، وفي كلتا الحالتين لا يُتجاوز تقدير الشارع فيه، ولا فرق بين من أقيم عليه الحدُّ من العصاة ومن لم يقم عليه، بل إنَّ الكبائر كلَّها ما كان عليه حدٌّ وما لم يكن ــ عند الإباضيَّة ــ موجبة للبراءة وليس أكثر من البراءة؛ ومعنى البراءة هي البغض والجفاء في الله بسبب ارتكاب المعصية، وعدم الدعاء بالمغفرة والرحمة للعصاة، وليس أكثر من ذلك.
ولو عنى الإمام ابن حزم نفسه قليلاً لعرف حقيقة أحكام الإباضيَّة وسيرتهم ــ ولا سيما وقد عاش في الأندلس ــ وقد كانت الدولة الرشيديَّة قائمة في الجزائر قبل ذلك بقليل وسيرة أئمَّتها كانت حينئذ لا تزال متناقلة بين الألسنة، وطرق إقامة الحدود وإجراء الأحكام في تلك الدولة كان مِمَّا يقصُّه الناس بعضهم على بعض ويتحدَّثون به، كما كان في إمكان الإمام ابن حزم أن يحصل في ذلك الحين على بعض الكتب الفقهيَّة ويعرف منها رأي الإباضيَّة الحقيقيَّ في إقامة الحدود، ولكنَّ الإمام ابن حزم انساق في التيار السابق، تيَّار السخط على ما حسبه فرقًا مخالفة بدافع شديد لا شعوريٍّ يقوِّيه السخط، ورغبة ملحَّة في التشنيع على تلك الفرق. وقد أضاف إلى ما ذكره في كتابه من تلك الشنائع المختلفة شنائع أخرى زعم أنَّها من مشاهداته.
قال في كتابه (الفصل في الملل والنحل) ص 189 ما يلي:
« (1/44)
صفحة 45
وشاهدنا الإباضيَّة عندنا بالأندلس يحرِّمون طعام أهل الكتاب، ويحرِّمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارًا فاحتلم، ويتيمَّمون وهم على الآبار التي يشربون منها، إِلاَّ قليلاً منهم».
لا شكَّ أنَّه يقول هذا الكلام إرادة للتشنيع على الإباضيَّة وسوف نناقش هذه المسائل في فصل «مسائل فقهيَّة اجتهاديَّة». وفي باب التشنيع أيضًا ما يقوله فيما بعد فتأمَّله فيما يلي:
قال ابن حزم في (الفصل في [في الأصل: بين] الملل والنحل) ص 191 ما يلي:
«وإلى قول الثعالبة رجع عبد الله بن إباض فبرئ منه أصحابه فهم لا يعرفونه اليوم، ولقد سألت من هو مقدَّمهم في علمهم ومذهبهم عنه فما عرفه أحد منهم..». وهذا القول من ابن حزم من أغرب الأقوال وإن كان قد تردَّد على كثير من الألسنة والأقلام، من هم الثعالبة؟ وما هو قولهم الذي رجع إليه عبد الله بن إباض ولماذا رجع؟ وهل رجع في قول واحد أو في عدد من الأقوال؟ وما هي تلك الأقوال التي رجع فيها ابن إباض إلى قول الثعالبة؟ وهل رجع إليهم في قول واحد؟ أم أنَّه رجع إليهم في جميع أقوالهم؟ أسئلة حائرة وليس لها جواب عند ابن حزم ولا عند غيره مِمَّن أورد هذه الدعوى من أولئك الكتَّاب الذين يختطفون الإشاعات دون تثبُّت، ثُمَّ يروِّجون لها، وهي من أقوى الأدلَّة على أنَّهم يكتبون عمَّا لا يعرفون، أو على الأقلِّ عمَّا لم يتحقَّقوا من صحَّته، كيف عرف ابن حزم أنَّ ابن إباض رجع إلى قول الثعالبة؟ وأين وجد أنَّ أصحابه برئوا منه؟ ومن هو هذا المقدَّم الذي قام معه ابن حزم بالتحقيق فوجده لا يعرف شيئًا عن إمامته؟ إنَّها سلسلة من الدعاوى والادِّعاءات الواهية المتداعية يهدم بعضها بعضًا. والمؤلِّف فيها جميعا لا يشير إلى المصادر التي اعتمد عليها. (1/45)
صفحة 46
ابن حزم يزعم أنَّه سأل من هو مقدَّمهم في علمهم ومذهبهم فلم يعرفوا شيئًا عن ابن إباض. فكيف علم أنَّهم يبرأون منه، وهل يعقل أن يبرأ ناس من شخص لا يعرفونه ولا يعرفون عنه شيئًا!
هل اهتمَّ العالم الكبير حقًّا بالتثبُّت أو ذهب يسأل عن الإباضيَّة وإمامهم؟ أم هي صورة من نسج الخيال يقصد منها التشنيع دون معرفة شيء حقيقيٍّ؟ لو أراد ابن حزم التحقُّق لاستطاع الاتِّصال بعلماء الإباضيَّة بالفعل ولذكر أسماء أولئك العلماء أو المقدَّمين الذين يعتبر قولهم حجَّة في الموضوع؛ أو أن يطَّلع على كتبهم ويستمدَّ منها الحقائق التي تُناقش ولا تنكر. وفي الصورة السابقة يبدو لي أنَّ ابن حزم سمع عمَّن ينتسب إلى الإباضيَّة في الأندلس وقد يكون من سمع عنه من العوامِّ، وقد يكون صاحب سطوة أو ثروة اشتهر بسببها بين الناس فذهب إليه ابن حزم يسأله عن إمامه ابن إباض، فلم يجد عنده شيئًا. ولو سلكنا هذا المسلك اليوم ــ على انتشار الثقافة ــ مع ثمانين في المائة من أتباع المذاهب لكانت النتيجة واحدة شبيهة بما توصَّل إليها ابن حزم، فلو أنَّك أخذت تردِّد السؤال: مَن محمَّد بن إدريس؟ على من يصادفك من أتباع الشافعيِّ، بل حتَّى على بعض المقدَّمين من التجَّار وأصحاب المزارع الكبيرة وغيرهم لما وجدت عند الكثير منهم ما تريد من المعارف، ولا يزيد الكثير منهم على أن يردِّد ذلك السؤال في لهجة فيها استغراب، وأحسنهم حالاً من يضيف إلى ذلك فيقول لك: هو إمامنا العظيم، أو هو الإمام العظيم، أو إمام المذهب الشافعيِّ، أو ما يشبه هذا مِمَّا لا غناء فيه. فهل نستطيع أن نبني على ذلك حكمًا ونقول قد سألنا عن الشافعيِّ أتباعه أو بعض المقدَّمين من أتباعه فلم يعرفوا عنه شيئًا. (1/46)
صفحة 47
لم يزعم أحد من الإباضيَّة أنَّ عبد الله بن إباض رجع إلى قول الثعالبة، ولا يوجد أحد من الإباضيَّة يبرأ منه، فهم مجمعون على ولايته ويعتبرونه من أئمَّة المسلمين، ومن كبار التابعين، ويحفظون سيرته وقد دوَّنوها في كتبهم، ويعرفون الكثير من أقواله في القضايا الشرعيَّة، وهم مع ذلك لا يرفعونه إلى درجة التقديس، كما لا يرفعون إلى مكانة التقديس أيَّ شخص غير معصوم. ويرون أنَّ في أقواله كما في أقوال غيره من الأئمَّة مأخوذًا ومتروكًا، وصوابا وخطأً، ولا ينزِّهون عن هذه المرتبة أيَّ إمام سواء كان من أئمَّتهم أو أئمَّة غيرهم، ويحتكمون في كلّ شيء إلى الدليل، حتَّى اشتهرت بينهم هذه العبارة: «يعرف الرجال بالحقِّ، ولا يعرف الحقُّ بالرجال». فدعوى أنَّ ابن إباض رجع إلى قول الثعالبة، وأنَّ الإباضيَّة يبرأون منه هي الأخرى دعوى تحاول أن تلحق بركب التشنيعات التي تنسب إلى الإباضيَّة وأئمَّتهم، والغريب حقًّا من كتَّاب المقالات أنَّهم ينسبون إلى الإباضيَّة من ليس منهم ويعتبرونهم أئمَّة ورؤساء فرق لهم ويحوِّلون أئمَّتهم الحقيقيِّين فيلحقونهم بطوائف أو فرق أخرى، ولعلَّه مِمَّا يرفِّه على القارئ أن نختم هذا الفصل بما يلي:
قال ابن حزم في كتابه (الفصل في [الأصل: بين] الملل والنحل) ص 191 ما يلي:
«ومن حماقاتهم قول بكر بن أخت عبد الواحد بن يزيد، فإنَّه كان يقول: كلُّ ذنب صغير أو كبير، ولو كان أخذ حبَّة من خردل بغير حقٍّ، أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح فهي شرك بالله». (1/47)
صفحة 48
وهذه كما يرى القارئ الكريم ليست من حماقات الإباضيَّة، وإنَّما هي من حماقات العالم الكبير ابن حزم الأندلسيِّ، وللعلماء الكبار حماقاتهم. من هو هذا البكر الذي لا يعرف أبوه ولا أمُّه ولا حتَّى عصبة أبيه، وإنَّما ينسب إلى أخواله، ثُمَّ يكون هذا البكر المجهول النسب إمامًا له أقوال يعتمد بها وتذكر في الكتب!، ثُمَّ إنَّ العالم الكبير أبا محمَّد بن حزم وهو يصنِّف المسلمين على فرق يعثر على هذا الرجل فلا يجد له مكانًا ثُمَّ يأتي به يسوقه حتَّى يجد فراغًا بين صفوف الإباضيَّة فيلقيه هناك ثُمَّ ينسبه إليهم، ثُمَّ يلقي عليهم تبعة حماقاته.
الواقع أنَّه لا أسخف في التشنيع على الناس من هذا المستوى، إنَّ الإباضيَّة لا يعرفون هذا الشخص المجهول، ولا يعرفون أقواله، ولا يسوِّدون بها بياض صحفهم، وينزِّهون كتبهم عن مثل هذه الأضاليل، والدعاوى الفارغة، والمقالات الشاذَّة، وهم أحرص على أوقاتهم وأوقات قرَّائهم أن تضيع في مثل هذه الحماقات التي تَعَاون على نسج خيوطها: التعصُّبُ والانغلاق، والدعاية الفاجرة، والخيال السقيم، وعدم الأمانة في النقل والشهادة؛ ثُمَّ توجيه السياسة الماكرة بأساليبها المختلفة، فوقع ضحيَّة لذلك جماعة من أفذاذ العلماء أمثال ابن حزم الذي نتحدَّث عنه وبعض من سبقه أو سوف نشير إليه، وجازت عليهم تلك الأخطاء كلّها رغم ادِّعائهم الحذر والحيطة. (1/48)
صفحة 49
ونحن في الواقع قد نلتمس للأقدمين عذرًا إذا قصَّروا في الوصول إلى الحقائق بسبب ما أشرنا إليه من العوائق، أمَّا المعاصرون الذين يعنون أنفسهم للكتابة عن غيرهم فليس لهم أيُّ عذر في التقصير، لسهولة المواصلات، ويسر المراجع، وزوال الضغوط المادِّية والمعنوية من طرف الباحثين، ومشاهداتهم عيانا للأضرار التي لحقت الأمَّة المسلمة بسبب التشتُّت والفرقة. وإدراكهم أنَّ التشتُّت والفرقة إِنَّمَا نتج عن تشدُّد أصحاب المذاهب والفرق في استمساكهم بآراء أئمَّتهم، ونقمتهم ومحاربتهم لكلِّ من يخالفهم، مِمَّا يولِّد ردَّ الفعل الأشدِّ عصبيَّة والأكثر انغلاقًا.
عسى الله أن يلهم الأمَّة المسلمة رشدها، ويجمع صفَّها، ويعيدها إلى المحجَّة البيضاء، تحافظ على كتاب الله وسنَّة رسوله (ص) وتقتدي بأصحابه في هديهم، وتعتبر بقيَّة الأئمَّة والعلماء إِنَّمَا هم جنود خدموا الشريعة الإسلاميَّة حسب اجتهاداتهم وفهمهم، ويصدر منهم الصواب والخطأ، ليس من حقِّنا أن نزيد [كذا] أعمالهم أيُّها أرجح ولا أن نفاضل بينهم، وإنَّما علينا أن نأخذ من أقوالهم ما أيَّده الدليل من كتاب أو سنَّة باعتبار قوَّة الدليل لا باعتبار صدوره من إمام معيَّن. وليس لنا أن نجرح غيره مِمَّن لم نأخذ بقوله، لأنَّنا لا نأخذ بأقوال الناس وإنَّما نأخذ بأحكام الله، ولسنا على أحد مِمَّن مضى بمسيطرين.
أبُو المظفَّر الأسفرَايينِي والإباضيَّة (1/49)
صفحة 50
من علماء القرن الخامس الذين كتبوا عن فرق الأمَّة الإسلاميَّة: أبو المظفَّر الأسفراييني، وقد كتب عن الإباضيَّة فيمن كتب عنه من الفرق. والقارئ الكريم حين يقرأ كتاب أبي المظفَّر يجده صورة أخرى باهتة للبغداديِّ، فهو يدخل الموضوع كما يدخل محارب محتمِّس إلى ساحة معركة حربيَّة حاسمة يتقابل فيها خصمان عنيدان، وهو يُعِدُّ قبل ذلك كلَّ ما يستطيع من أسلحة، أو كلَّ ما أوتي من قوَّة لينتصر الفريق الذي يريده، ويحطِّم خصمه تحطيمًا لا يقوم من بعده.
بهذه الروح يبدأ أبو المظفَّر كتابه (التبصير) وفي المقدِّمة قسَّم الأمَّة الإسلاميَّة إلى قسمين: حكم بالهدى والاستقامة ثُمَّ الجنَّة لقسم وحكم بالزيغ والضلال ثُمَّ النار للقسم الآخر. وهي صورة تكاد تكون طبق الأصل مِمَّا عند أستاذه البغداديِّ، وليس يهمُّنا في هذا الفصل ــ بطبيعة الحال ــ إِلاَّ حديثه عن الإباضيَّة.
قال في كتابه التبصير طبعة 1955 ص 56 ما يلي:
«الفرقة السادسة الإباضيَّة، وهم أتباع عبد الله بن إباض، ثُمَّ هم فيما بينهم فرق، وكلُّهم يقولون إنَّ مخالفيهم من فرق هذه الأمَّة كفَّار لا مشركون ولا مؤمنون، ويجوِّزون شهاداتهم، ويحرِّمون دماءهم في السرِّ، ويستبيحونها في العلانيَّة، ويجوِّزون مناكحتهم ويثبتون التوراث بينهم، ويحرِّمون بعض غنائمهم، ويحلِّلون بعضها. ويحلِّلون ما كان من جملة الأسلاب والسلاح ويحرِّمون ما كان من ذهب أو فضَّة، ويردُّونها إلى أربابها». (1/50)
صفحة 51
بعد هذه المقدِّمة الصغيرة التي سبقه إليها البغداديُّ وأبو الحسن انتقل إلى ذكر الفرق السابقة التي ذكرها من قبله أبو الحسن والبغداديُّ، والعبارة في الغالب عبارة البغداديِّ مع تصرُّف بسيط واضح التصنُّع، وبعد أن ذكر تلك الفرق ومقالات كلٍّ منها بما فيها من شناعات وأباطيل كما عرضناها من قبل، عرض إلى قصَّة الجارية التي نقلناها بتفاصيلها عن أبي الحسن، وقد اختصرها الأسفرايينيُّ ولم يهتمَّ بها اهتمام الأشعريِّ والبغداديِّ. والأسفرايينيُّ فيما كتبه عن الإباضيَّة في هذا الكتاب لم يبذل هو الآخر أيَّ مجهود لمعرفة أيِّ شيء حقيقيٍّ عن الإباضيَّة. وإنَّما انساق مع تيَّار من سبقه مِمَّن كتب عنهم من غيرهم، فاعتبرهم فرقة من فرق الخوارج كما فعل الأشعريُّ والبغداديُّ وابن حزم من قبله، ثُمَّ نسب إليهم تلك المقالات التي رأيتها عند الأشعريِّ، وجعل من أئمَّتهم أولئك الأشخاص الذين نسبهم إليهم من سبق دون تحقيق أو تمحيص أو تعليق، وكلُّ ما امتاز به عن سابقيه أنَّه تتملَّكه ــ أثناء كتابته ــ من حين إلى آخر ثورة غضب عارمة فيصبُّ على تلك الفرق وأصحابها سيلاً من الشتائم واللعنات.
وقد أحسن محقِّق الكتاب الشيخ محمَّد زاهد الكوثري بملاحظتين عن مؤلِّف الكتاب، فقال في مقدِّمته للكتاب ص 13 ما يلي:
«والمصنِّف رحمه الله استوفى في هذا الكتاب ــ في غير إملال ولا إخلال ــ بيان عقائد أصحاب الملل والنحل ببعض عنف في بعض المواقف» ويقول بعد أسطر:
«وقد غمز الرازي في الأجوبة النجَّارية أبا منصور البغدادي بالتعصُّب والقسوة، وأبا الفتح الشهرستانيَّ الساري وراءه بذلك أيضًا، ولكنَّ الثاني ألطف لهجة بكثير».
ويقول بعد أسطرٍ:
« (1/51)
صفحة 52
وقصارى ما يؤخذ به علماء هذا الشأن عدم التثبُّت في عزو الأقوال كما سبق». والقارئ الكريم حين يقرأ هذه الفقرة الأخيرة من كلام الشيخ الكوثريِّ يدرك أنَّ الشيخ قد رأى أنَّ أقوالاً تنسب إلى غير أصحابها، وأنَّ ناسًا يقوَّلون ما لم يقولوا، كما أنَّه اقتنع بملاحظة الرازي على بعضهم شدَّة التعصُّب، وعبارة شيخنا الكوثريِّ الناعمة التي تشير إلى الملاحظات السابقة تحمل معنى الاعتذار عن هذا التصرُّف من علماء هذا الشأن، وكأنَّه لا يرى في ذلك كبير بأس، بل إنَّه حاول أن يبرِّر موقفهم العنيف ضدَّ الفرق المخالفة. ويبدو لي أنَّ هذه النقطة بالذات ــ نقطة عدم التثبُّت في عزو الأقوال ــ نقطة مهمَّة؛ فإنَّ عدم التثبُّت في نسبة الأقوال إلى أصحابها وعدم التحقُّق من معرفة ذلك معرفة صحيحة، يؤدِّي إلى نسبتها إلى قوم هم برآء منها. وقد يؤدِّي ذلك إلى الحكم على ناس بالفسق أو الكفر أو البدعة أو الضلال. وهم أبرياء من ذلك وأصحُّ عقيدة مِمَّن يرميهم بذلك.
وفي الصفحات السابقة أوضحتُ للقارئ الكريم أمثلة كثيرة في عدم التثبُّت والتحرِّي فيما نسبه بعض إلى الإباضيَّة، وأنَّ بعض ما نسبوه إليهم على أنَّه من مقالاتهم يحكم الإباضيَّة على القائلين به بأنَّه مرتدٌّ كافر. أبو المظفَّر كما أشرت إليه في السابق كان متأثِّرًا بالبغداديِّ تأثُّرًا كبيرًا، ويظهر هذا واضحًا جليًّا في أسلوب الكتابة وفي المنهج الذي سلكه وفي الحنق الشديد على أصحاب الفرق والمقالات التي تناولها. وفي العنف الذي طبع أحاديثه به، وفي عدم التحرُّز من الحكم عليها بأحكام المشركين إلى درجة التبجُّح بذلك. ثُمَّ المغالاة في مدح الفرق الموافقة إلى درجة الاعتزاز والافتخار بالملوك الظالمين وما شادوه من أبنية وأزهقوه من أرواحٍ.
يقول الأسفرايينيُّ في كتابه التبصير ص 176 وهو يعدِّد مآثر أهل السنَّة ما يلي:
« (1/52)
صفحة 53
وأمَّا أنواع الاجتهادات الفعليَّة التي مدارها على أهل السنَّة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة، مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنَّة، إمَّا في أيَّام بني أميَّة، وإمَّا في أيَّام بني العبَّاس، مثل مسجد دمشق المبنيِّ في أيَّام الوليد بن عبد الملك، وكان سنِّيا قتل في أيَّامه ما شاء الله من الخوارج والروافض».
ويقول بعد أسطر:
«وكان بعض المصريِّين يتغلَّبون ويسعون في عمارة شيء منه ولكن لا موقع لما كانوا يفعلونه مع سوء اعتقادهم».
وبقطع النظر عن دين الوليد بن عبد الملك الذي يقول عنه أكثر المؤرِّخين أنَّه كان جبَّارًا عنيدًا كما جاء في مروج الذهب للمسعوديِّ ص 166 من الجزء الثالث ما يلي:
«وكان الوليد جبَّارًا عنيدًا ظلومًا غشومًا».
فإنَّ الوليد توفِّي سنة 96 والمذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنَّة لم توجد بعد، فإنَّ أبا حنيفة كان حينئذٍ غلاما ومالك كان ابن سنة واحدة، أمَّا الشافعيُّ وأحمد فلم يولدا بعد، فلو فرض أنَّ الوليد قدَّم من أعمال الخير ما يعتزُّ به المسلمون أو يذكرونه في مقام الاحتجاج فإنَّ ذلك يكون سابقًا لنشأة المذاهب والفرق ولا حقَّ فيه لهم. ودعوى أنَّه كان سنِّيًّا دعوى لا تقوم على أساس، ولو صحَّ هذا لكان الاعتزاز بعمر بن عبد العزيز أولى وأحقُّ، وإذا افتخر أهل السنَّة بما قام به الملوك والأمراء ونسبوه إلى أنفسهم فهل يعتبر من أعمال أهل السنَّة المنجنيقات التي وجِّهت إلى الكعبة، والأعمال الوحشية التي قام بها قادة الدولة الأمويَّة في المدينة المنوَّرة مثلاً، لا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يلحظ هنا أصابع السياسة الماكرة وهي توجِّه أقلام العلماء في دهاء لما تريده، فتزيِّن أعمال الدولة الأمويَّة وتعتبرها من أمجاد أعمال أهل السنَّة، بينما تنثني إلى ما يشابه تلك الأعمال لما قام به العبيديُّون فأسقطوه من الحساب بدعوى فساد نياتهم. (1/53)
صفحة 54
هذا بعض ما تفعله السياسة الماكرة في توجيه الأقلام.
أمَّا تعبير المؤلِّف عن الوليد: «وكان سنِّيًّا قتل في أيَّامه ما شاء الله من الخوارج والروافض» فيوهم أنَّه إِنَّمَا اعتبر الوليد سنِّيًّا لأَنَّهُ أمعن في قتل الروافض والخوارج، ولا شكَّ أنَّ الإمعان في قتل المسلمين للمخالفتهم في قول أو رأي يناقض السنَّة، ولا يكون دليلاً على التمسُّك بها ما لم يكن إقامة لحدٍّ من حدود الله، وقد قال الرسول (ص):
«أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلاَّ بحقِّها». وإذا جاز له أن يعتبر الوليد بن عبد الملك سنِّيًّا وأعجبه أنَّه قتل في أيَّامه ما شاء الله من المسلمين الآخرين أفلا يعتبر الحجَّاج أيضًا سنِّيًّا ويعجبه أيضًا العدد الهائل الذي قتله الحجاج!، قال المسعوديُّ في مروج الذهب ص 175 من الجزء الثالث ما يلي:
«وأحصى من قتله سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفًا، ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهنَّ ستَّة عشر ألفًا مجرَّدة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد».
أبُو الفتح الشهرستانِي والإباضيَّة
اشتهر أبو الفتح محمَّد بن عبد الكريم الشهرستانيُّ في النصف الأوَّل من القرن السادس الهجريِّ، وقد ذاع صيته بين كتَّاب المقالات في العقائد. ويعتبر كتابه (الملل والنحل) من أهمِّ المراجع في هذه المواضيع وكثير من كتَّاب اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقَّق ثابت لا يناقش. ويهمُّنا أن نرافق هذا المؤلِّف الكبير بعض الوقت لنستجلي موقفه، ونرى هل استطاع أن يتجنَّب الأخطاء التي وقع فيها من سبقوه؟
يقول أبو الفتح في كتابه (الملل والنحل) الجزء الأوَّل من الطبعة الأولى مكتبة الحسين التجاريَّة ص 4 ما يلي:
«ومن المعلوم الذي لا مراء فيه، ليس كلّ من تميَّز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عُدَّ صاحب مقالة». (1/54)
صفحة 55
ويقول ص 6 ما يلي:
«وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلّ فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصُّب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبيِّن صحيحه من فاسده، وأعيِّن حقَّه من باطله».
فهل وفَّى أبو الفتح لما خطَّطه لوضع كتابه، وشرطه على نفسه من استقاء الآراء والعقائد من مصادر أصحابها؟
يؤسفني أن أقول: إنَّه لم يفعل ذلك، وإنَّه سلك نفس المسلك الذي مرَّ به سابقوه، فهو يبحث عن أسماء الرجال وينسب إليهم الأقوال ليبلغ بعدد الفرق إلى اثنين وسبعين فرقة يدفعها جميعًا ــ محسنها ومسيئها ــ إلى النار، ويستخلص منها الثالثة والسبعين فيقودها إلى الجنَّة، وقد اعتمد في ذلك كلّه على من سبقه من أصحاب الكتب التي ناقشنا بعضها وإن كان قد خالفهم في جزئيات يسيرة ربَّما عرضنا لبعضها في نهاية هذا الفصل. (1/55)
صفحة 56
وَعَد أبو الفتح أنَّه سيذكر الفرق بتجرُّد، وأنَّه لا يصحِّح ولا ينتقد، ولا يصوِّب ولا يخطِّئ، ولا يميِّز بين الصحيح والفاسد، والحقِّ والباطل، وَلَكِنَّهُ ناقض نفسه من الخطوة الأولى، ومن مقدِّمة الكتاب جرَّد سيفه وجعل ينظِّم صفوف الفرق ويصفِّفها في طوابير طويلة تمتدُّ جذورها في أعماق التاريخ من عصره إلى عهد إبليس متَّخذة في كلّ عصر مظهرًا مناسبًا من موقف إبليس إلى موقف المشركين المنافقين إلى موقف الفرق الضالَّة، ويحاول أن يربط العلائق الوثيقة بين هذه الفرق الضالَّة وأسلافها في نظره من المنافقين أو المشركين أو الشياطين، وهو يرجع جميع الفرق الضالَّة في نظره إلى أصول أربعة. يقول في ص 10 من كتابه ما يلي: «فللعين الأوَّل لمَّا أن حكَّم العقل على من لا يحكم عليه العقل لزمه أن يجري عليه حكم الخالق في الخلق أو حكم الخلق في الخالق، والأوَّل غلوٌّ والثاني تقصير، فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخيَّة والمشبِّهة والغلاة من الروافض حيث غلوا في حقِّ شخص من الأشخاص حتَّى وصفوه بصفات الجلال. وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدريَّة والجبريَّة والمجسِّمة حيث قصَّروا وصفه تعالى بصفات المخلوقين، فالمعتزلة مشبِّهة الأفعال والمشبِّهة حلوليَّة الصفات وكلُّ واحد منهم أعور بأيِّ عينيه شاء، فإنَّ من قال إِنَّمَا يحسن منه ما يحسن منَّا، ويقبح منه ما يقبح منَّا، فقد شبَّه الخالق بالخلق. ومن قال: يوصف البارئ تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به البارئ تعالى عزَّ اسمه فقد اعتزل عن الحقِّ. (1/56)
صفحة 57
وسِنْخ القدريَّة طلب العلَّة في كلّ شيء وذلك من سِنْخ اللعين الأوَّل إذ طلب العلَّة في الخلق أولاً والحكمة في التكليف ثانيًا، والفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثًا. وعنه نشأ مذهب (الخوارج) إذ لا فرق بين قولهم (لا حكم إِلاَّ الله) (1) ، ولا يحكَّم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إِلاَّ لك، {آسجد لبشرٍ خلقته من صلصال} وبالجملة «كلا طرفي قصد الأمور ذميم». (فالمعتزلة) غلوا في التوحيد بزعمهم حتَّى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات (والمشبِّهة) قصَّروا حتَّى وصفوا الخالق بصفات الأجسام (والروافض) غلوا في النبوَّة والإمامة حتَّى وصلوا إلى الحلول. (والخوارج) قصَّروا حيث نفوا تحكيم الرجال، وأنت ترى أنَّ هذه الشبهات كلُّها ناشئة من شبهات اللعين الأوَّل. وتلك في الأوَّل مصدرها، وهذه في الآخر مظهرها».
وهكذا ترى من أوَّل الأمر أنَّه حاول أن يربط بين إبليس وأصول الفرق بتلك الخيوط الضعيفة التي توهَّم صلاحيتها للربط، فهو قد حكم عليها مسبقًا بالضلال والزيغ واتِّباع الهوى، وإنَّما يوردها ليحدِّد بها الإحصائية ويلتمس لها المبرِّرات التي تجعلها ضمن الموكب الضخم الذي يدفعه كتَّاب المقالات إلى الهاوية.
وفيما يَتَعَلَّق بوعده أَلاَّ يكتب عن أيَّة فرقة إِلاَّ بناء على ما يجده في كتب علماء تلك الفرقة فيؤسفني أن أقول: إنَّ الإمام الشهرستانيَّ قد أخلَّ بوعده ولم يوف به، ولم يعمل بالشرط الذي شرطه على نفسه، هذا على الأقلِّ بالنسبة إلى الإباضيَّة، ولست أدري موقفه من كتب الفرق الأخرى، وإن كنت أحسب أنَّه لا يختلف.
__________
(1) - هذه الكلمة مقتبسة من القرآن الكريم في قوله تعالى: {إنِ الحكمُ إِلاَّ لله} (سورة الأنعام وفي سورة يوسف). كلُّ ما فعله من قال هذه الكلمة أنَّه أتى بـ«ما» [كذا لعلَّ الصواب: لا] النافية بدلاً من «إن» النافية. (1/57)
صفحة 58
والحقيقة أنَّ هذا الموقف من نسبة الآراء والعقائد إلى مصادر أصحابها موقف خطير. فالكاتب حين يعد قرَّاءه بأنَّه يعتمد في نسبة الأقوال على مصادر أصحابها، يضع الثقة به في الميزان، فإن وفَى كان أهلاً للثقة والتصديق في كلّ شيء، وإن أخلَّ بوعده، كان موضعا للشكِّ يجري البحث من ورائه لتحقيق ما يلي:
قال أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) الجزء الأوَّل ص 212 ما يلي:
«الإباضيَّة أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيَّام مروان بن محمَّد فوجَّه إليه عبد الملك بن محمَّد بن عطية فقاتله بثبالة، وقيل إنَّ عبد الله بن يحيى الإبَاضِيَّ كان رفيقًا له في جميع أحواله وأقواله.
وقال (أي ابن إباض): إنَّ مخالفينا من أهل القبلة كفَّار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة، إلاَّ بعد نصب القتال، وإقامة الحجَّة.
وقالوا: إنَّ دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار بغي، وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنَّهم موحِّدون لا مؤمنون».
ثُمَّ ذكر عدَّة مقالات، قال إنَّ الكعبيَّ حكاها عنهم ويهمُّني أن يعرف القارئ الكريم الملاحظات الآتية عن مرافقتنا لأبي الفتح الشهرستانيِّ:
1 - ذكر أنَّ عبد الله بن إباض خرج أيَّام مروان بن محمَّد وقتل بثبالة، وهذا خطأ تسرَّب إلى أبي الفتح وإلى جملة مِمَّن كتب عن الموضوع، لأنَّ عبد الله بن إباض لم يعش إلى زمن مروان وإنَّما توفِّي في أواخر أيَّام عبد الملك، ولعلَّ الذين ذكروا هذا القول اشتبه عليهم بأحد الرجلين: المختار بن عوف، أو بلج بن عقبة، من أصحاب عبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، وهم جميعًا من الإباضيَّة. (1/58)
صفحة 59
2 - والمقالات التي نسبها إلى الإباضيَّة هي بعض ما نسبه إليه من تحدَّثنا عنهم سابقًا وسوف نعرض لها في بعض فصول هذا الكتاب ونوضِّح فيها ما كان منها موافقًا لمقالات الإباضيَّة، وما كان مخالفًا لها، وما صيغ بغموض وإبهام يحتاج إلى شيء من الإيضاح والبيان.
3 - ذكر جملة من المقالات المنسوبة إلى الإباضيَّة، ونصَّ على أنَّ الكعبيَّ حكاها عنهم. وهذا موقف سليم من أبي الفتح حين تخلَّص من عهدة تلك الأقوال ونسبها إلى من حكاها بما فيها من صدق أو غيره.
4 - حسب الحفصيَّة والحارثيَّة واليزيديَّة فرقًا مستقلَّة ولم يدخلها في الإباضيَّة وهو موقف فيه تمحيص وتحقيق خالف فيه السابقين مِمَّن كتبوا في الموضوع.
5 - لم يذكر قصَّة ثعلبة ولا قصَّة بيع الأمة وما بُني على ذلك، فسلم كتابه من تلك النزعات الفارغة، والأباطيل الجوفاء.
ويتَّضح من هذا أنَّ أبا الفتح وإن سلك طريق الآخرين في تقسيم الفرق والحكم عليها إِلاَّ أنَّه كان أكثر دقَّة واجتهادًا وتحرِّيًا من سابقيه، وخالفهم في عدد من المواقف تقدَّر له، ولا نأخذ عليه شيئًا غير ما ذكرناه سابقًا في تورُّطه كما تورَّط غيره في حكمه على مجموعة من الفرق بالضلال مسبقًا مع شرطه على نفسه أنَّه سيقف من الجميع موقفًا سلبيًّا لا يصوِّب ولا يخطِّئ، ثُمَّ وعده بالرجوع إلى مصادر الفرق في نسبة الأقوال وعدم وفائه بذلك. وبالنسبة إلى الإباضيَّة بدلاً من أن يرجع إلى علمائهم أو كتبهم التجأ إلى الكعبيِّ وغيره مِمَّن لم يذكره فوقع في أخطاء كان حريا ألاَّ يقع فيها. أمَّا خطؤه في تاريخ عبد الله بن إباض فهذا خطأ قد لا يسلم من مثله الكثير من الكتَّاب. (1/59)
صفحة 60
وعلى كلّ حال فأبو الفتح عندما كتب عن الإباضيَّة لم يأخذ مقالاتهم من مصادرهم وإنَّما أخذها من مصادر غيرهم ولكن ذكره لتلك المقالات كان يتَّسم بدقَّة الملاحظة والمعرفة لآراء الفرق، ولذلك فقد نسب ما قيل له عن الإباضيَّة إلى روَّاته، وجعل بعض من كان يحسب على الإباضيَّة وليس منهم فرقًا مستقلَّة وأغفل قصَّة النزاع على الأمة والطفلة، وهذا وحده يعتبر منه نقدًا وردًّا على كتَّاب المقالات السابقين، وهي خطوة تستحقُّ الثناء والتقدير.
الباب الثاني
مع المعاصرين
? مع الأستاذ علي مصطفى الغوابي.
? مع أبي زهرة.
? مع عبد القادر شيبة الحمد.
? مع الدكتور هويدي.
? مع الدكتور هويدي أيضًا.
? د. هويدي في تبعيَّة المستشرقين.
? مع عزّ الدين التنوخي.
? مع الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي.
? مع الأستاذين التنوخي وإبراهيم عبد الباقي.
الباب الثاني
مع المعاصرين
الكتب التي تحدَّثت عن الفرق الإسلاميَّة في هذا العصر ــ سواء كانت تعني بالفرق جميعها أو ببعضها ــ كثيرة، ومناهجها في البحث مختلفة، والإحاطة بها غير ممكنة، والأساليب التي تناولتها بها تختلف من كاتب إلى كاتب، منهم التقليديُّ الذي يرجع إلى المصادر القديمة، فيأخذ عنها بالنصِّ أو بالمعنى لا يخرج عن دائرة تلك المصادر المحدودة التي عرضها ووثق بها، وهو في ذلك لا يستخدم فكرًا، ولا يعمل رأيًا. ومنهم من يميل عن المصادر العربيَّة إلى المصادر الأجنبيَّة، يصطنع أسلوبهم ويتَّخذ منهجًا ــ في بحثه ــ شبيهًا بمناهجهم، ويقتبس منهم الآراء والنظريَّات، ويبني على مقتضاها الأحكام، ومنهم من يبذل الجهد ويطَّلع على مختلف المصادر، ولا يبني حكمه على فرقة إِلاَّ بعد الرجوع إلى مصادرها هي نفسها، ومقارنتها بما قيل عنها.
وبعد دراسة لموضوع الإباضيَّة في عدد من كتابات المعاصرين واستعراض لمناهجهم وأساليبهم استقرَّ رأيي على أن آخذ نماذج منهم تمثِّل الاتِّجاهات السابقة: (1/60)
صفحة 61
وكان اختياري لمن يمثِّل الاتِّجاهات السابقة كما يلي:
1. الأستاذ علي مصطفى الغوابي.
2. محمَّد أحمد أبو زهرة.
3. الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد.
4. الدكتور يحيى هويدي.
5. الأستاذ عزّ الدين التنوخي.
6. الأستاذ إبراهيم عبد الباقي.
أمَّا كتبهم التي كانت مرجعًا للدراسة في هذه الفصول فهي حسب الترتيب السابق:
1. تاريخ الفرق الإسلاميَّة، الأستاذ الغوابي.
2. المذاهب الإسلاميَّة، الأستاذ أبو زهرة.
3. تاريخ المذاهب الفقهيَّة، الأستاذ أبو زهرة.
4. الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، الأستاذ شيبة الحمد.
5. تاريخ فلسفة الإسلام من القارَّة الإفريقيَّة، دكتور هويدي.
6. مقدِّمات على مجموعة من الكتب، الأستاذ عزَّ الدين التنوخي.
7. الدين والعلم الحديث، الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي.
أرجو أنْ يجد القارئ الكريم متعة في مرافقة هؤلاء الكتَّاب العظام.
مع الأستاذ علي مصطفى الغوابي
هذا مؤلِّف معاصر كتب عن الفرق الإسلاميَّة، وهو في كتابته عن هذه الفرق كان يبذل جهدًا مشكورًا ليظهر بمظهر الاعتدال وعدم التعصُّب، واستعمل في كتابته أسلوبًا غاية في الرقَّة واللطف.
وكان يحاول أن يجمع فرق المسلمين جميعا على صعيد المحبَّة والاحترام والتعاون، وأن يذكر لكلّ منها ــ على الأقلِّ ــ مزاياها الظاهرة في سلوكها العامِّ، وفي خدمتها للإسلام، وَلَكِنَّهُ مع كلّ ذلك لم يسلم من عدد من الانزلاقات، سبَّبها له اعتماده المطلق وثقته الكاملة في جانب واحد من كتب المقالات، فقد اعتمد في جميع ما كتبه عن الإباضيَّة ــ وهم في نظره وفي مصادره فرقة من فرق الخوارج ــ على المصادر الآتية:
المقالات، للأشعري.
والفرق بين الفرق، للبغدادي.
والملل والنحل، للشهرستاني.
وكتاب التبصير، للإسفراييني. (1/61)
صفحة 62
وهذه الكتب الأربعة قد سبق أن تحدَّثنا عنها وعرفنا موقفها من الإباضيَّة، كما أشار أحيانًا قليلة إلى الرازي، واعتمد في معرفة موطن الإباضيَّة في العصر الحاضر على المستشرق جولد تسيهر، ومعروفة بالبداهة أنَّه ما دامت هذه مصادره فإنَّه لن يخرج في تكوين رأيه عن نطاقها، اللهمَّ إِلاَّ باللَّهجة والأسلوب، ومع كلّ هذا فقد كانت له وقفات جديرة بالتقدير لأنَّها تدلُّ على نزعة حرَّة في التفكير فعمل بوعي، وأنَّه لا ينساق مع التيَّار دون أنْ يرى ما في طريقه من تعرُّجات وأخاديد.
قلت: إنَّه يعتبر الإباضيَّة فرقة من الخوارج ولذلك فإنَّه من المهمِّ ــ فيما أرى ــ أن أصحبه قليلاً حينما يعرض لهم حتَّى أستطيع أن أحدِّد جوانب النقاش على أسس واضحة.
يسوق ثلاثة تعاريف لمعنى كلمة الخوارج فيقول:
1 - «إنَّهم سمُّوا خوارج لخروجهم عن عليِّ بن أبي طالب».
ويعزو هذا التعريف إلى أبي الحسن الأشعريِّ.
2 - يرجِّح في هامش الصفحة أنَّ التسمية مأخوذة من قوله تعالى: {ومن يخرجْ من بيته مهاجرًا اِلى الله ورسوله ثُمَّ يدركْهُ الموتُ فقد وَقَع أجرُه على الله} (النساء: )
وعلى هذا تكون التسمية لقب مدح لا ذمٍّ، وتكون منهم لا من مخالفيهم، وأنَّ حياتهم التي صبغت بالتفاني في القتال تحقيقًا لمبادئهم تساعدنا على هذا الاستنتاج.
3 - «إنَّ كلَّ من خرج عن الإمام الحقِّ الذي اتَّفقت الجماعة عليه يسمَّى خارجيًّا سواء كان الخروج في أيَّام الصحابة على الأئمَّة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين، أو على الأئمَّة في كلّ زمان، وعلى هذا التعريف يكون تسميتهم بالخوارج من مخالفيهم لا منهم، وأنَّ الخوارج مستمرُّون في كلّ وقت ما دام يوجد من يخرج على رؤساء الحكومات» وينسب هذا التعريف إلى الشهرستانيِّ. (1/62)
صفحة 63
ورغم أنَّه يرجَّح التعريف الثاني إِلاَّ أنَّه يقول: «ولكن هناك فرقًا بين الخوارج بهذا الاصطلاح ــ أي الاصطلاح الذي نسبه إلى الشهرستانيِّ ــ والخوارج الذين نؤرِّخ لهم. وهو بعد أن يذكر هذا يحاول أن يلخِّص حركتهم في مجرى التاريخ ولكن هوَّة عميقة تعترض طريقه فلا يستطيع أن يتخطَّاها ــ كما فعل المؤرِّخون وأصحاب المقالات من قبله ــ دون وقفة رائعة من التفكير والتأمُّل، ثُمَّ يستعرض آراء الخوارج في الجملة ــ كما تصوِّرها مصادره ــ ثُمَّ ينتقل إلى استعراض فرقهم الأصليَّة فرقة فرقة حتَّى يصل إلى الإباضيَّة متَّبعًا في ذلك نفس المنهج الذي سارت عليه تلك المصادر ولكنَّه فوجئ مفاجأة أخرى ــ لم يهتمَّ لها السابقون ــ تركته يقف في حيرة وتأمُّل. (1/63)
صفحة 64
ولكي نوضِّح للقارئ الكريم هذين الموقفين يجدر بنا أن نعود إليهما بشيء من التفصيل. كان الأستاذ الغوابي يلخِّص حركة الخوارج في مجرى التاريخ حسب مصادره السابقة وتتبَّعها حتَّى ذكر أنَّ أهل النهروان قتلوا جميعًا ولم ينج منهم إِلاَّ تسعة أشخاص من أربعة آلاف، وتذكر تلك المصادر أنَّ الأربعة الآلاف لم يستطيعوا أن يقتلوا من محاربيهم إِلاَّ تسعة أشخاص كأنَّما كان أولئك الناس مقيَّدين لا يحملون سلاحًا، وأنَّ أولئك التسعة الذين نجوا من تلك المجزرة الرهيبة تفرَّقوا في البلاد، ولا شكَّ أنَّ من كان على مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يقوم بحركة في مدى قريب، ولكنَّه فوجئ وهو يستعرض أحداث التاريخ بأنَّ العصر الأمويَّ ــ ابتداء من معاوية وبعد أن قُتل المحكِّمة كلُّهم على ضفَّة النهر ــ كان مشحونا بحركة دائبة للخروج، فلم يظهر له كيف يربط الصلة بين المحكِّمة الذين قضى عليهم حسبما تذكر المصادر وبين حركة الخوارج فيما بعد، ويتساءل عن هذه العلاقة فيما بينهما في حيرة، ولكنَّه لا يحظى بجواب لأنَّ المؤرِّخين السابقين لم يقدِّموا أيَّ شيء عن ذلك، بل إنَّهم لم يهتمُّوا أو لم يحسُّوا به، ولذلك فهو يستسلم في ارتياب وحيرة، ثُمَّ يتَّخذ موقفًا ظنَّ أنَّه يقدِّم بعض الحلِّ إذا لم يقدِّم الحلَّ كلّه، فاعتبر المحكِّمة سلفًا للخوارج ولو أنَّه لم يستطع أن يوضِّح هذه الرابطة السلفيَّة أو يقدِّم لها تفسيرًا اللهمَّ إِلاَّ إذا كان يراها ــ فيما بينه وبين نفسه ــ وراثة فكريَّة أو نسبيَّة غير مباشرة. ذلك أنَّ المحكِّمة إِنَّمَا كان الخلاف بينهم وبين أمير المؤمنين عليٍّ وقد انتهوا في سنة 37 من الهجرة. (1/64)
صفحة 65
أمَّا الخوارج فقد وضح موقفهم بمبادئهم الخاصَّة ضدَّ الأمويِّين في سنة 64 للهجرة بقيادة الأزارقة والنجدات كما يرى الأستاذ الغوابي، إذن فهناك انفصام تاريخيٌّ عمليٌّ بين حركة المحكِّمة وحركة الخوارج، وهناك انفصام فكريٌّ بينهما أيضًا وإن لم يشر إليه الأستاذ الغوابي صراحة ولكنَّك تحسُّه وأنت تقرأ، وذلك أنَّ الميدان الذي يشتغل فيه الخوارج غير الميدان الذي اشتغل فيه المحكِّمة. (1/65)
صفحة 66
وحين كان يستعرض مبادئ الخوارج وأفكارهم عامَّة وجد أنَّ المصادر التي يعتمد عليها ترميهم بالشذوذ والتشدُّد وضحالة الفهم والعقل، فلمَّا استعرض فرقهم فرقة فرقة واستعرض الإباضيَّة ــ كفرقة من الخوارج حسب المصادر التي يعتمدها ــ لم يجد فيها تلك الصورة الشرسة البغيضة التي ترسم عن الخوارج سواء كان القصد من الرسم إعطاء صورة عنهم أو إعطاء صورة لهم، فوقف وقفته الثانية من التأمُّل والتفكير؛ والمؤرِّخون كالعادة ــ لا يقدِّمون له الحلَّ وهو لا يستطيع أن يتَّهم المصادر التي يعتمد عليها، فهي من الكثرة والتعدُّد بحيث لا يسهل اتِّهامها. وخطر له الحلُّ فهو قد افترض أنَّ للخوارج سلفًا وخلفًا فما يمنع أن يكون الخلف قد غيَّروا موقفهم عن سلفهم فتساهلوا بدل التشدُّد الذي كان عند سلفهم ولمَّا كانت آراء الإباضيَّة لا تحمل شيئًا من طابع الخوارج الذي تصفه المصادر، ومواقفهم لا تتَّفق مع مواقف أولئك المتشدِّدين فما يمنع أن يكون الإباضيَّة هم خلف الخوارج ولكنَّهم تساهلوا وعدلوا عن موقفهم المتزمِّت. ولا شكَّ أنَّ هذه الفكرة كانت في مبدإ الأمر خاطرة خطرت في ذهن الأستاذ الغوابي وهو يقلِّب وجوه الرأي للخروج من الهوَّة التي تركها المؤرِّخون وكتَّاب المقالات دون أيِّ اهتمام، وانتقلت الخاطرة فصارت فرضًا ثُمَّ صارت حقيقة حلَّت المشكلة في ذهن الأستاذ وبنى عليها بحثه فيما بقي، ولكنَّ هذه الخاطرة أو الفرضيَّة كالفرضيَّة الأولى تبقيان متأرجحتين كالخشبة التي توضع للعبور فوق هوَّة عميقة ما تطؤها قدم حتَّى تهتزَّ ويحسَّ المارُّ بالحقيقة المختفية تحته. وأحبُّ هنا أن أذكر للقارئ الكريم أنَّ الكتَّاب الذين تناولوا الخوارج في أبحاثهم ثلاثة أقسام: (1/66)
صفحة 67
القسم الأوَّل: هم أولئك الكتَّاب المتشدِّدون الناقمون الذين يخرجونهم من الإسلام أو يكادون، وهم يرمون عليهم كلَّ أوزار التاريخ الإسلاميِّ، يقول مؤرِّخٌ معاصر (1) : «ومنذ أن خرجوا على سيِّدنا عليٍّ انفتح باب الفتنة فلم يسدَّ بعدُ. ولن يسُدَّ ما دام لهم أنصار على وجه الأرض».
القسم الثاني: هم أولئك الذين ينقلون ما يجدونه في المصادر دون دراسة أو تفهُّمٍ أو تحليل، وآراؤهم تكون حسب الصدفة فإذا وقعوا على مصادر تميل إلى الخوارج أو تعطف عليهم كان لهم رأي، وإذا وقعوا على مصادر مناوئة لهم كان لهم رأي آخر مغاير.
القسم الثالث: هم أولئك الذين يقفون منهم موقف الاعتدال يحسبونهم من جملة المسلمين ويتحدَّثون عنهم بلطف وسماحة وقد يلتمسون لهم الأعذار وربَّما أيَّدوهم في بعض آرائهم ومبادئهم، وفي هذا القسم الأستاذ علي مصطفى الغوابي وقد حاول أن يعتدر للخوارج بأعذار سبق أن اعتذر لهم بها كتَّاب سابقون وفي إمكاني أن ألخِّصها لك في عدد من النقاط مستخلصة من فصله «الحكم عليهم» كما يأتي:
1. كان إدراكهم للتعاليم الدينيَّة إدراكًا سطحيًّا.
2. كان يصاحب إدراكهم إخلاص لمن عرفوه من الدين حسب فهمهم.
3. إخلاصهم لعقائدهم جعلهم ينكرون على كلّ من يخالف أمرًا من أمور الدين ــ حسب فهمهم وإدراكهم ـــ .
4. هذا الإنكار جعلهم يحكمون على مخالفيهم بالشرك أو بالكفر.
5. عدم الدقَّة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج.
وهكذا ترى أنَّ الاعتذار عنهم ــ حتَّى مِمَّن يعطف عليهم ويتسامح معهم ــ هو الآخر اتِّهام بصورة أخرى قد تكون أقسى وأشدَّ.
والمشكلة الحقيقيَّة في كتَّاب المقالات إنَّ الواحد منهم حين ينتصب للكتابة يعطي لنفسه حقَّين ثابتين ينطلق من خلالهما:
__________
(1) - انظر كتاب الفتح العربي في ليبيا، الطبعة الأولى ص 104. (1/67)
صفحة 68
الحقُّ الأوَّل: أنَّ الفرقة التي ينتسب إليها هي التي تمثِّل الإسلام حقيقة فهي غير خاضعة لا للتقويم ولا للنقد ولا للمقارنة، وحكمها على غيرها هو حكم الإسلام نفسه، وآراؤها وعقائدها هي الميزان الذي توزن به عقائد وآراء الآخرين.
الحقُّ الثاني: يرى أنَّه ما دام ينتسب إلى فرقة محقَّة تمثِّل الإسلام فمن صلاحياته أن يحكم على الفرق الأخرى وأن يقرِّر بُعدها أو قربها من الإسلام بمدى الخلاف الذي بين تلك الفرق وفرقته وهو لا يجد أيَّ حرج في أن يصدر أحكامًا عامَّة أو خاصَّة على الآخرين بهذا الاعتبار وعلى هذا الأساس.
ولذلك قال [كذا لعلَّه: فإنَّ] الأستاذ الغوابي رغم اعتداله ومحبَّته لوحدة المسلمين فهو قد حدَّد لنفسه موقفًا ثابتًا في فرقة محقَّة لا تخضع للتقويم ومن موقفه العالي ذلك يرى الفرق الأخرى وهي ترتكب أخطاءها ولمَّا كان من طبعه اللين والتسامح فقد راح يعتذر عنها ــ تأليفًا ــ وثانيًا، [يبدو أنَّ في العبارة سقط] بأنَّها فرق ساذجة بسيطة ليس لها ملكة الفهم ولا التعمُّق والتفكير ومن كانت هذه حالته فينبغي ألاَّ يؤاخذ وإنَّما يستأنس ويستجلب ويرفق به.
أو هذا على الأقلِّ بالنسبة لما رآه عن الخوارج وقد أطلت النقاش في موضوع الخوارج لأَنَّهُ يعتبر الإباضيَّة فرقة منهم وأغلب ما يقال عن الخوارج يشمل الإباضيَّة.
بعد هذا يسرُّني أن أنقل إليك بعض ما قاله في الإباضيَّة خاصَّة.
فقد جاء في كتابه القيِّم (تاريخ الفرق الإسلاميَّة) في فصل الخوارج ما يلي:
«وأما الإباضيَّة وهم إحدى الفرق الأصليَّة (1) عند الأشعريِّ وينسبون لرئيسهم عبد الله بن إباض فإنَّ فروعهم هي:
__________
(1) - يقصد أنَّها فرقة أصيلة من فرق الخوارج لأنَّ أبا الحسن الأشعريَّ يرى أنَّ الخوارج ينقسمون أوَّلاً إلى فرق أصيلة وأنَّ كلّ واحدة من الفرق الأصليَّة تنقسم إلى عدد من الفرق يعتبرها الأشعريُّ فرقا فرعيَّة للخوارج. (1/68)
صفحة 69
1 - الحفصيَّة وإمامهم حفص بن أبي المقدام.
2 - اليزيديَّة أصحاب يزيد بن أنيسة.
3 - الحارثيَّة أصحاب حارث الإبَاضِيِّ.
4 - ومنهم من يسمّون أصحاب طاعة لا يراد بها وجه الله ومنهم الواقفيَّة ومن الواقفيَّة الضحاكيَّة (واقفيَّة أخرى) وسبب تسمية الأولى والثانية بالواقفيَّة أنَّ كلتيهما وقفت بين فريقين اختلفا على حكم فلم ينضمَّا إلى أحد الفريقين المختلفين وقالوا: نقف، فسمُّوا واقفة لهذا».
وقد سبق أن اطَّلع القارئ الكريم على هذه الفرق المزعومة عند الكتَّاب الأقدمين كأبي الحسن ومن ذكر بعده بتفصيل أكثر. وعلم هناك أنَّه لا أساس لنسبة هذه الفرق الفرعيَّة إلى الإباضيَّة وأنَّ ما ينسب إليها من المقالات لا يقول به الإباضيَّة ومنه ما يحكمون على قائله بالكفر.
وقال الأستاذ الغوابي في نفس المصدر ما يلي:
«أما الإباضيَّة فقد تساهلوا في كثير من الأحكام التي كان يتشدَّد فيها سلفهم، فقالوا: إنَّ مخالفيهم من أهل القبلة كفَّار غير مشركين (1) وأنَّ مناكحتهم جائزة، ووِراثتهم حلال، وأنَّ أموالهم إذا غنمت من الحرب حلال، إذا كانت مِمَّا يعين على الحرب كالسلاح، وما عدا هذا في الأموال فهو حرام ويحرم قتلهم غيلة وفي السرِّ، وإنَّما يجوز القتل إذا أقاموا على خصومهم الحجَّة، وأعلنوهم بالقتال، وقالوا إنَّ جميع ما افترضه الله سبحانه على خلقه إيمان فعندهم الإيمان تدخل فيه الأعمال، والأعمال جزء منه ويظهر أنَّ هذا الرأي هو الغالب على فرق الخوارج، فتلك الطائفة تقدِّس الأعمال وترفع من شأنها ونعم هذا الراي، وليت المسلمين يتمسَّكون به، إِلاَّ أنَّه إذا ارتكب مؤمن كبيرة من الكبائر فهو كافر كفر نعمة لا كفر شرك، ولكن مع قولهم بهذا فإنَّهم يقولون بتخليده في النار.
__________
(1) - انساق الغوابي مع التيَّار فاستعمل هذا التعبير الملتوي وله ما اختار. (1/69)
صفحة 70
وقالوا إنَّ دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد لا دار كفر، وهذا أيضًا من نواحي تساهلهم. حيث أنَّ سلفهم كانوا يقولون إنَّ دار مخالفيهم دار شرك، وممَّا خالفوا فيه سلفهم وكانوا أكثر تساهلاً منهم فيه أنَّهم أجازوا شهادة مخالفيهم، وَأَمَّا أطفال المشركين فبعضهم يلازمهم على غير طريق الانتقام، وجوِّز أن يدخلهم الله الجنَّة، وبعضهم يقول إنَّ إسلامهم واجب لا جائز، ومن هنا نرى أنَّ متأخِّري الخوارج كانوا أكثر تساهلاً مع مخالفيهم أكثر من متقدِّميهم، وأنَّ هذا التساهل بدأ يزداد شيئًا فشيئا، ولا ندري هل سبَب هذا التسامح هو أنَّهم ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يريدون أن يتقرَّبوا من مخالفيهم شيئًا فشيئا حتَّى لا تقوم بينهم الحرب، أم أنَّهم لما اتَّسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية، وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير، كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم من سلفهم، ولا مانع أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معًا. فالحروب قد أضعفت من حماسهم، وأنَّ مداركهم قد اتَّسعت عن مدارك سلفهم وأصبحت نظرتهم فاحصة وعميقة في نواحي الدين أكثر من سلفهم».
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي:
« (1/70)
صفحة 71
ولكن يظهر أنَّ عدم الدقَّة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج ــ كما قلت ــ و أمَّا متأخِّروهم فإنَّهم قد دقَّقوا في الأحكام، وفرَّقوا بين عمل وعمل، ولم يشتطُّوا في أحكامهم، كما اشتطَّ سلفهم وكما لاحظنا فيما تقدَّم صارت أحكامهم على مخالفيهم فيها تسامح وفيها تساهل، ليس كلّ مخالف لهم كافرا أو مشركا، وليس أطفال المشركين مخلَّدين في النار، وليس حكمهم حكم آبائهم، ويلاحظ أنَّه لمَّا ضعفت قوَّتهم الحربيَّة اتَّجهت نفوسهم نحو الإنتاج العلميِّ، حتَّى أصبحت لهم مؤلَّفات فقهيَّة وكلاميَّة ولغويَّة وأدبيَّة، ويلاحظ أنَّ فرقهم لم يبدِّدهم أعداؤهم تمامًا بل بقي منهم إلى عهدنا هذا جماعات يسكنون في إفريقيا الشماليَّة من خوارج الإباضيَّة، وهؤلاء يقيمون في إقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب، ويوجد كذلك فريق آخر في بزنزبار بإفريقيا الشرقيَّة».
هذا ما قاله الأستاذ الغوابي عن الإباضيَّة خاصة وواضح أنَّه استقى جميع معلوماته عن الخوارج عامَّة وعن الإباضيَّة خاصَّة من مصادر غيرهم، فهو لم يذكر أيَّ كتاب من كتب الإباضيَّة كما لم يذكر أيَّ كتاب للخوارج إن بقيت لهم كتب. بعد هذا أودُّ أن أقف مع الأستاذ الغوابي وقفات قصيرة لمناقشة بعض النقاط الواردة في بحثه.
النقطة الأولى: مخالفوهم: (1/71)
صفحة 72
من المؤسف أنَّ الذين كتبوا عن الإباضيَّة ــ وهم يحسبونهم من الخوارج ــ كانت تسيِّر أقلامهم عقدة مستحكمة لم يكد يتخلَّص منها واحد منهم ذلك أنَّ يدًا في يوم ما كانت قد رسمت ببراعة الخطَّ الذي يسير عليه من يكتب عن الخوارج وأن يكون هذا الخط لا يخرج في طبيعة سيره عن معاملتهم لمخالفيهم، وسار كتَّاب المقالات في الخطِّ المرسوم لا تكاد كتاباتهم عن الخوارج تخرج عن معاملاتهم لمخالفيهم ومحاسبتهم عليها الحساب العسير، لم يسمح أولئك الكتَّاب لأنفسهم أن يبحثوا ويناقشوا الجانب الثاني من الموضوع، وهو معاملة مخالفيهم لهم، ولم يخطر لهم أن يرفضوا حتَّى مجرَّد فرض أنَّ هذا السلوك ربَّما كان ردَّ فعل أو من باب الدفاع.
وقد خضع الأستاذ الغوابي لهذا التوجيه وسار مع نفس الخطِّ فذكر في هذه الفقرات القليلة كلمة مخالفيهم نحو عشر مرَّات صراحة فوق دلالة الضمير عليها، ولكثرة ما تردَّدت عليَّ في كتب المقالات ولأنَّها المتَّجه الأساسي للكتَّاب ومركز لبحوثهم سمَّيتها عقدة الكتَّاب عن الخوارج.
2 - الانسياق مع التيَّار: (1/72)
صفحة 73
انساق الأستاذ الغوابي مع تيَّار كتَّاب المقالات فذهب يعدِّد فروع المسألة الواحدة كما كانوا يفعلون هم للتهويل والإكثار، ولو تأمَّل قليلاً لوجد أنَّه قد ذكر للإباضيَّة في الفقرات السابقة إحدى عشر مقالة منها ثماني مقالات تتعلَّق بمخالفيهم: «هم غير مشركين، مناكحتهم جائزة، وراثتهم حلال، غنيمة أموالهم غير جائزة ما عدا السلاح (1) ، لا يجوز قتلهم غيلة أو في السرِّ، لا يجوز قتال خصومهم إِلاَّ بعد الإعلان وإقامة الحجَّة، دراهم دار إسلام، شهادتهم جائزة على موافقيهم». وهذه المقالات كلّها مسائل فرعيَّة لموضوع واحد، وهي فروع تبنى على أصل واحد هو الإسلام وما دام الإباضيَّة يرون أنَّ جميع من نطق بكلمة التوحيد هو مسلم سواء وافقهم أو خالفهم وأنَّه بنطقه بكلمة الشهادة قد اكتسب جميع الحقوق التي عند غيره من المسلمين أو التي يمنحها الإسلام للمسلمين فلا داعي لأن نبدأ في تعداد تلك الفروع فرعًا فرعًا، لأنَّها من حقوق المسلمين جميعًا، ولا تسقط عنهم إِلاَّ بأسباب حدَّدتها الشريعة كما يسقط حقُّ الباغي وقاطع الطريق في عصمة دمه، ولا يباح ماله ولا سبي عياله. بل إنَّ تلك الحقوق والحرم مصونة لكلِّ مسلم لا تسقط أبدًا مهما ارتكب ولا تضيع منه إِلاَّ بالخروج من الإسلام. والشيء الوحيد الذي يفقد الإنسان حقَّ صيانته مع أنَّه مسلم إذا وجدت أسبابه هو دمه وذلك كالباغي والزاني.
3 - تساهل الخلف:
__________
(1) - الإباضيَّة لا يبيحون شيئًا من أموال المسلمين حتَّى السلاح خلافا لما ينسبه إليها كتَّاب المقالات. (1/73)
صفحة 74
يقول الأستاذ الغوابي: إنَّ خلف الإباضيَّة تساهلوا عن سلفهم، وقد أعاد هذه الفكرة عدة مرَّات، ولست أدري على أيِّ مستند بنى حكمه هذا، فهو فيما يبدوا لا يعرف أيَّ كتاب من كتب الإباضيَّة لأَنَّهُ لم يذكر منها شيئًا في مراجعه ومع ذلك فأنا أقول له: إنَّ تغيير الاجتهادات في غير القطعيَّات من محاسن هذه الشريعة، ولم يخل منها مذهب من المذاهب الإسلاميَّة وقد يتغيَّر رأي عالم واحد في قضيَّة واحدة فيكون له فيها رأي أو آراء، ولم يكن ذلك دليلاً على أنَّ صاحب الرأي الأوَّل، أو أنَّ العالم في رأيه الأوَّل كان سطحيًّا أو ضيِّق التفكير. (1/74)
صفحة 75
ومع هذا فأنا أؤكِّد للأستاذ الغوابي أنَّ المسائل التي أوردها لم يتغيَّر فيها رأي خلف الإباضيَّة عن سلفهم فيما عدا مسألة واحدة هي مسألة أطفال المشركين، فقد كانت عند السلف خلافيَّة ورجَّح الخلف أنَّهم من أهل الجنَّة خدما للمسلمين طبقًا للأحاديث الواردة في الموضوع. أمَّا المسائل الثمانية التي ذكرناها سابقًا فهي فروع لأصل واحد كما قلنا، ورأي سلف الإباضيَّة فيها هو هذا الرأي الذي سجَّلناه، وتكاد تجمع كتب التاريخ أنَّ أوَّل من حكم بالشرك على مخالفيه من المسلمين فعاملهم معاملة المشركين وأسقط عنهم تلك الحقوق السابقة هو نافع بن الأورق، وتكاد تجمع كتب التاريخ أنَّ عبد الله بن إباض كان من أوائل من ردَّ على نافع رأيه هذا إذا لم يكن أوَّلهم على الإطلاق، وقد سجِّلت منذ ذلك التاريخ حوالي سنة 64 هـ مواقف حاسمة لعبد الله بن إباض وجابر بن زيد في مقارعة الخوارج في موضوع الحكم بالشرك على المخالفين والقعدة، وفي موضوع الحكم بالشرك على مرتكب الكبيرة. بل لقد كان الإباضيَّة من أشدِّ المسلمين على الخوارج في هذا الموضوع بالذات، حتَّى أنَّهم كانوا يطردون من يرى رأيهم من حضور مجالسهم واجتماعاتهم ويمنعونهم الحديث بآرائهم تلك خوفًا على ضعفاء الناس وعوامِّهم، وأودُّ الآن أن يعرف الأستاذ الغوابي ومن يرى رأيه أن سلف الإباضيَّة ــ بعد الصحابة الذين هم سلف لجميع فرق الأمَّة ومنهم الإباضيَّة ــ هم هؤلاء جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وجعفر بن السماك العبدي وصحار بن العبَّاس العبدي ثُمَّ من أخذ عنهم.
وليس فوق هؤلاء سلف غير الصحابة كما قلت آنفًا، أمَّا التابعون من طبقة جابر كالحسن والسعيدين وعطاء وغيرهم مِمَّن هو في درجتهم فهم أيضًا سلف لجميع الأمَّة، والإباضيَّة يضعونهم في مكانهم بعد أصحاب رسول الله (ص) يأخذون عنهم جميعًا. (1/75)
صفحة 76
وبهذا يتَّضح أنَّه لا معنى لما يراه من أنَّ خلف الإباضيَّة تساهلوا عن سلفهم في المواضيع التي عرضها أمَّا في غيرها من المواضيع الاجتهاديَّة في الفقه العمليِّ فهم فيه كبقيَّة الأمَّة قد يذهب أحد مجتهديهم من الخلف إلى التيسير في مسألة كان السلف يرى فيها التشديد ويحضرني في ذلك مثلان قريبان.
الأول: في قضاء رمضان، فإنَّ المعمول به عند الإباضيَّة أنَّه يجب التتابع في القضاء كما يجب في الأداء. وذهب الأستاذ بكلِّي عبد الرحمن من علماء الإباضيَّة المعاصرين إلى عدم وجوب التتابع تسييرًا على الناس واستنادًا إلى ما ذهب إليه بعض الأئمَّة من غير الإباضيَّة.
الثاني: يرى علماء السلف من الإباضيَّة أنَّ طعام أهل الكتاب يحلُّ إذا كانوا تحت الذمَّة أمَّا إذا لم كونوا كذلك فلا يحلُّ طعامهم ولا نكاح نسائهم. وكأنَّما يرون أنَّ هذا مرتبط بالجزية، والجزية تدلُّ على وجود رقابة إسلاميَّة عليهم، فإن انعدمت الجزية انعدمت الرقابة، وإذا انعدمت الرقابة انعدم هذا الإكرام أو الشرف الذي يعطى للكتابيِّ دون غيره.
وقد زاد أستاذنا إبراهيم بيُّوض أحد أئمَّة الإباضيَّة ومجتهديهم في العصر الحاضر أوروبا، ورأى العنت الذي يتكبَّده طلبة العلم بصفة خاصَّة في موضوع الأكل فذهب إلى تحليل ذبائح أهل الكتاب مطلقًا سواء كانوا تحت الذمَّة أو لم يكونوا كذلك تسييراً على الناس واعتمادًا على العموم في الآية الكريمة واستنادًا إلى ما ذهب إليه بعض أئمَّة المسلمين في مختلف العصور.
والمشكلة التي تركت الأستاذ الغوابي يضطرب هذا الاضطراب ويفترض خلفًا متساهلاً وسلفًا متشدِّدًا في قضايا انتقلت عبر القرون بألفاظها وحروفها هو ربطه للإباضيَّة في عجلة الخوارج اعتمادًا على كتَّاب المقالات من غير الإباضيَّة ودون الرجوع إليهم في كتبهم.
4 - البحث عن الأسباب: (1/76)
صفحة 77
يحتار الأستاذ علي الغوابي في أسباب تساهل الإباضيَّة عن سلفهم وتسامح المتأخِّرين عن المتقدِّمين، وبعد الحيرة والتساؤل يستنتج أنَّ ذلك كان للأسباب الآتية:
1 - ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يريدون أن يتقرَّبوا من مخالفيهم شيئًا فشيئًا حتَّى لا تقوم بينهم الحروب.
2 - اتَّسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم.
3 - سلفهم كانوا من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير.
لا شكَّ أنَّ هذه الأسباب التي ذكرها الغوابي إن هي إلاَّ افتراضات قدَّمت الحلول لمشاكل هي الأخرى افترضت افتراضًا، ولا يعنينا في شيء ما إذا كان يوافق الأستاذ الغوابي في هذه الافتراضات أحدًا من المستشرقين أو من الكتَّاب الآخرين. ولقد كان بودِّنا لو أنَّ الأستاذ الغوابي بنى استنتاجاته وفروضه بعد أن يكون اطَّلع ودرس تاريخهم الذي كتبوه عن أنفسهم.
أشار الأستاذ الغوابي إلى ضعفهم بسبب كثرة حروبهم وربَّما يفاجأ القارئ الكريم بعكس الصورة إذا وضعت بين يديه الحقائق الآتية: (1/77)
صفحة 78
إنَّ كتب تاريخ الإباضيَّة ــ وهي أعلم بهم وبحروبهم ــ لم تذكر لهم حربًا في الجزيرة العربيَّة غير حرب واحدة هي الحركة التي قام بها عبد الله بن يحيى الكندي ــ المشهور بطالب الحق ــ طيلة عهد الدولة الأمويَّة رغم أنَّ الإباضيَّة كانوا منتشرين في جميع أنحاء البلاد العربيَّة وكان مركز تكوُّنهم وتجمُّعهم هو البصرة، ورغم أنَّ إمامهم عبد الله بن إباض كان شخصية مليئة بالنشاط والحركة، وكان شديد العنف في نقده لملوك الدولة الأمويَّة وسجِّلت له مناظرات مع عبد الملك بن مروان، كما كان شديد العنف في نقده للخوارج، وسجِّلت له أيضًا في ذلك مواقف ورسائل، إِلاَّ أنَّه لم يشترك في عمليَّة حربيَّة لا ضدَّ هؤلاء ولا ضدَّ هؤلاء، بل لمَّا طلب إليه عدد من الناقمين على الحكم الأموي أن يبايعوه رفض في شدَّة، ثُمَّ أشار إلى عمران المساجد بالذكر والصلاة، وقال في لهجة احتجاج: أعَلى هؤلاء يجوز الخروج؟! ويتَّضح من هذا أنَّ تلك الفترة التي كانت مليئة بالدماء أمسك الإباضيَّة أنفسهم فلم يلوِّثوها، اللهمَّ إِلاَّ إذا كان من أفراد متطرِّفين ينتمون إلى الإباضيَّة بالاسم لا بالمبدإ.
وقد قام باسم الإباضيَّة عدد من الدول في أربعة مواضع من البلاد الإسلاميَّة هي: (1/78)
صفحة 79
1 - دولة في عمان استقلَّت عن الدولة العباسيَّة في عهد أبي العباس السفَّاح سنة 132 هـ ولا تزال إلى اليوم. ولم تبدأ أحدًا بحرب، ولم تحاول أن تتوسَّع، ولكنها هوجمت عدَّة مرَّات فردَّت الاِعتداء وحاولت الردَّ، كما قامت فيها صراعات داخليَّة بين الإمامة والملكيَّة ثُمَّ كان لها شرف دفاع الاستعمار الغربيِّ نحو أربعة قرون، فقد اتَّجه الاستعمار الغربيُّ منذ القرن الخامس عشر الميلاديِّ إلى الشرق، وكانت دولة عمان من أهمِّ الدول التي وقفت لصدِّه ومحاربته منذ ذلك الحين إلى اليوم، وقد كانت زنجبار شبه إمارة تابعة لعُمان، ثُمَّ استقلَّت بنفسها وبقيت كذلك حتَّى أزالها تعاون إلحاد العنصريَّة الإفريقيَّة ضدَّ العروبة والإسلام.
2 - دولة قامت في ليبيا سنة 140 هـ ولم تعمِّر طويلاً فقد انتهت بعد نحو ثلاث سنوات.
3 - دولة قامت في الجزائر سنة 160 هـ وقد بقيت إلى حوالي 296 هـ ثُمَّ قضت عليها الدولة العُبَيدِيَّة، ومنذ ذلك الحين لم يرفع الإباضيَّة السلاح في المغرب الإسلاميِّ ضدَّ المسلمين ولم تمتدَّ أيديهم لإراقة الدماء، اللهمَّ إلاَّ تلك المواقف النبيلة الشريفة التي وقفها أهل جزيرة جربة ضدَّ الغزو الإسبانيِّ عدَّة قرون، وكانت لهم في ذلك مواقف بطوليَّة يعتزُّ بها الإسلام والمسلمون، أو مواقفهم مع كلّ مواطن تونسيٍّ ضدَّ فرنسا في حروب الاستعمار، وما عدا المواقف الحاسمة من جميع إباضيَّة المغرب الاسلاميِّ في ليبيا وتونس والجزائر، ضمن جميع المواطنين في هذه البلاد لصدِّ الاستعمار الغربيِّ عند هجومه وفي حروب التحرُّر عند إخراجه.
4 - دولة قامت في الأندلس ولا سيما في جزيرتي "ميورقة ومينورقة" وليس لدينا من أخبارهم الكثير، وقد انتهت يوم انتهت الأندلس وأطفأ التعصُّب الغربيُّ شعلة الإسلام في تلك الديار. (1/79)
صفحة 80
ومن هذه الصور الموجزة يتَّضح أنَّ الإباضيَّة كانوا بعداء جدًّا عن الموقف الذي تصوَّرهم فيها الأستاذ الغوابي من كثرة الحروب أمَّا من حيث تقرُّبهم إلى غيرهم من المسلمين فلا شكَّ أنَّ هذا واقع ولكن ليس على الأساس الذي ظنَّه الأستاذ الغوابي ولكن على الأساس الذي أشار إليه رسول الله (ص): «إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بحسن أخلاقكم» أو كما قال.
أمَّا من حيث اتِّساع المدارك ومعرفة خلف الإباضيَّة ما ليس يعرفه سلفهم، فهم في هذا كبقيَّة المسلمين، ولا شكَّ أنَّ العلوم في تقدُّمٍ والفكر في اتِّساعٍ، وهذا في جوانب علوم الحياة أمَّا من حيث علوم الشريعة فربَّما يكون العكس هو الصحيح. وهذا ليس بالنسبة للإباضيَّة فقط، وإنَّما بالنسبة لجميع المسلمين، ذلك أنَّ السلف ــ لقربهم من عهد النبوَّة ــ أعلم بمصادر التشريع من كتاب وسنَّة، وأقرب إلى فهمها فهمًا أصحَّ، وما يقال في السنَّة يقال في الإجماع، ذلك أنَّ الإجماع بمعناه المعروف عند الأصوليِّين لم يقع بعد عهد السلف، فهو وإن اعتبر من مصادر التشريع إِلاَّ أنَّه لم يقع بعد ذلك العهد، أمَّا الإجماع الذي سبق عهد السلف وأعني به الإجماع الذي وقع زمن الخلافة الرشيدة وهو إجماع الصحابة فهم أعرف به، لأنَّهم هم الذين نقلوه إلى الخلف؛ بقيت مصادر التشريع الأخرى كالقياس والاستدلال مِمَّا هو مجال للاجتهاد واستنباط الأحكام في الحوادث والنوازل، فلا شكَّ أنَّ ثروة المتأخِّرين منه أكثر من ثروة المتقدِّمين، وكلَّما امتدَّت الحياة بالناس أضيف إلى هذا الباب كثير من الأحكام. ويتَّضح من هذا أنَّ خلف الإباضيَّة لم يكونوا أوسع مدارك من سلفهم، وكذلك بقيَّة مذاهب الأمَّة وهذا من حيث استيعاب مصادر التشريع الأساسيَّة التي هي الكتاب والسنَّة والإجماع. (1/80)
صفحة 81
أمَّا الفقرة الثانية من الأسباب التي افترضها في سلف الإباضيَّة وهي اعتبارهم من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمقٍ في التفكير. فهي صورة قد تردَّدت كثيرًا على أقلام المستشرقين عندما يكتبون عن الفتوح الإسلاميَّة بأيدي العرب. فهم يصوِّرن حركة الفتوح بأنَّها هجمات مجموعات بشريَّة من بدو الصحراء ضاقت بهم الحياة وحملهم شظف العيش على المغامرة بغزو العالم المتحضِّر لمكاسب ماديَّة. وأنَّ هذه المجموعات البشريَّة البدويَّة من السذاجة وسطحيَّة التفكير بحيث استطاعت «قيادة ذكيَّة» أن توجِّههم حسب مطامحها فتستفيد منهم وتحصل بسببهم على انتصارات رائعة.
هذه النغمة أو هذه الصورة التي يرسمها المستشرقون ــ لهوى في نفوسهم ــ للمسلمين الفاتحين هي نفس النغمة التي ردَّدتها بعض المصادر في وصف الخوارج عموما، وهي نفس الصورة التي أضافها [لعلَّه: أضفاها] الكاتب المحترم على الإباضيَّة.
وقد يحقُّ لنا أن نتساءل: كيف استطاع الأستاذ الغوابي أن يحكم بأنَّ أفق خلف الإباضيَّة أكثر انفساحًا من أفق سلفهم، وهو لم يذكر أنَّه قرأ شيئًا من آراء السلف وآراء الخلف في مصادرهم وإنَّما أخذ ما أخذ عنهم من مصادر غيرهم؟، ثُمَّ من أين عرف أنَّهم بدو وفيهم سذاجة وسطحيَّة تفكير وهو لم يتح له أن يقرأ لهم ولم يتح له أيضًا أن يعرف تاريخهم، اللهمَّ ما عدا الصور الصغيرة المشوَّهة التي يعرضها غيرهم لتنفير الناس منهم. (1/81)
صفحة 82
إنَّ أحكام الأستاذ الغوابي على الإباضيَّة كانت مبنيَّة على أسس غير سليمة وأعتقد لو أنَّه عرف تاريخهم من مصادر صادقة واطَّلع على مقالاتهم كما قالوها وكما نسبت إليهم لَتَغيَّر كثيرٌ من أحكامه، ومع هذا كلّه فأنا أعتذر عن الأستاذ الغوابي بما يشبه اعتذاره عن الإباضيَّة فهو ولا شكَّ مخلص في دعوته محبٌّ لجمع كلمة المسلمين جميعًا مقدِّر لهم في كلّ فرقهم، معتزٌّ بهم بأخطائهم؛ وإنَّما وقع في عدد من الانزلاقات بسبب جهله بحقيقة تاريخهم وجهله بحقيقة مقالاته وجهله بالفروق الحقيقيَّة بين المذاهب التي تحدَّث عنها ونسبها جميعًا إلى الخوارج.
لم يبق لي في ختام هذا الفصل إِلاَّ أن أذكر أنَّ خلف الإباضيَّة كسلفِهم يحاولون بِكُلِّ ما أوتوا من جهد أن يتقرَّبوا من بقيَّة المسلمين، وكلمة المسلمين تجمع كلَّ من أقرَّ بالجمل الثلاث مهما كان مذهبه. وإذا سعى إليهم أحد منهم ذراعًا سعوا إليه باعًا. وهم يتعاملون مع جميع المسلمين على مدى التاريخ كما يتعاملون مع أنفسهم، ويدعون كامل الحقِّ لغيرهم من المسلمين أن يكيِّفوا عقائدهم وعباداتهم على ما صحَّ عندهم من طرقهم التي وثقوا بها واعتمدوها، وليس يطلب الإباضيَّة من غيرهم هذا الحقَّ وهو أن يتركوا في عقائدهم وعباداتهم على ما صحَّ عندهم ووثقوا به واعتمدوه.
///ص98///
مع أبي زهرة (1)
يقول الأستاذ محمَّد أحمد أبو زهرة في كتابه (المذاهب الإسلاميَّة) ص 127 ما يلي:
«
__________
(1) - عند كتابة هذا الفصل كان الأستاذ أبو زهرة حيّا يملأ الدنيا علمًا وعملاً وشاء الله أن يختاره إلى جواره قبل أن يطبع هذا الكتاب ويطَّلع على ما قلناه عنه. (1/82)
صفحة 83
الإباضيَّة هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالاً، وأقربهم إلى الجماعة الإسلاميَّة تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا. ولهم فقه جيِّد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربيَّة، وبعض آخر في بلاد «زنجبار»؛ ولهم آراء فقهيَّة، وقد اقتبست القوانين المصريَّة في المواريث بعض آرائهم، وذلك في الميراث بولاء العتاقة، فإنَّ القانون المصريَّ أخَّره عن كلّ الورثة، حتَّى عن الردِّ على أحد الزوجين، مع أنَّ المذاهب الأربعة كلَّها تجعله عقب العصبة النسَبيَّة، ويسبق الردَّ على أصحاب الفروض والأقارب».
«وجملة آراء الإباضيَّة:
0 إنَّ مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمُّونهم كفارًا. ويقولون عنهم: إنَّهم كفار نعمة لا كفَّار في الاعتقاد، وذلك لأنَّهم لم يكفروا بالله، ولكنَّهم قصَّروا في جنب الله تعالى.
1 دماء مخالفيهم حرام، ودارهم دار توحيد وإسلام، إِلاَّ معسكر السلطان، ولكنَّهم لا يعلنون هذا، فهم يسرُّون في أنفسهم أنَّ دار المخالفين ودماؤهم حرام.
2 لا يحلُّ من غنائم المسلمين الذين يحاربون إِلاَّ الخيل والسلاح وكلُّ ما فيه من قوَّة في الحروب، ويردُّون الذهب والفضَّة.
3 تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم.
وفي هذا كلّه يتبيَّن اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم».
ويقول الأستاذ أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلاميَّة) الجزء الثاني في تاريخ المذاهب الفقهيَّة ص 53 ما يلي:
«فرق لها مذاهب فقهيَّة:
هذه الفرق السياسيَّة منها ما ليس له مذهب فقهيٌّ قائم بذاته، ومنهم من ليس له مذهب فقهيٌّ، ويتَّبع مذهب طائفة أخرى قريبة منه في الاعتقاد.
وإنَّ الفرق التي لها مذاهب فقهيَّة معتبرة ثلاثة هي: (1/83)
صفحة 84
الاِثناعشريَّة: فلها مذهب فقهيٌّ مقرَّر، وله منطق فكريٌّ ودينيٌّ، وينسبون مذهبهم إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، وسيكون له بعض البيان عندما نتكلَّم عن الإمام الصادق.
والثانية فرقة الزيديَّة: ولهم مذهب فقهيٌّ يقرب في منطقه من مذهب أهل السنَّة والجماعة وإمامها هو الإمام الجليل زيد بن علي زين العابدين رضي الله عنه.
والثالثة: الإباضيَّة أتباع عبد الله بن إباض، ولهم فقه مدوَّن، وللإباضيَّة جهود في تحرير مذهبهم».
الأستاذ أبو زهرة من كبار علماء هذا العصر، الذين تتَّجه إليهم الأنظار في المسائل الإسلاميَّة وتسمع منهم الكلمة، وتلتمس عندهم الحجَّة، ورغم أنَّه أبدى كثيرًا من الاعتدال، واستعمل الرقَّة واللطف، وسجِّل له آراء جديدة سليمة في موضوع الفرق وعن الإباضيَّة بالذات، إِلاَّ أنَّه لم يسلم من التأثُّر بالأقوال السابقة التي ينقصها التحقيق والتدقيق في التعبير وجلاء المعاني لكشف الحقائق كشفا لا يحتمل الإيهام أو الإبهام.
ومع أنَّنا كنَّا ننتظر من أبي زهرة خاصَّة ــ لمكانته العلميَّة الرفيعة ــ أن تكون كتاباته في جميع المواضيع الإسلاميَّة متجرِّدة، غير متأثِّرة بأيِّ مؤثِّر عدا الدراسة العلميَّة الموضوعيَّة المبنيَّة على الاطِّلاع الشخصيِّ لاستخلاص الحقائق من مصادرها الثابتة، والتي تتحرَّى مصلحة الأمَّة المسلمة، والتقريب بين وجهات النظر المختلفة في مذاهبها وطوائفها. إِلاَّ أنَّ الأستاذ أبا زهرة ــ على مكانته السامقة في المعارف الإسلاميَّة ــ قد انساق ــ فيما يبدوـ كما انساق غيره في تيَّار تاريخيٍّ جارف قد كوَّنته ــ فيما مضى ــ عوامل تحكَّمت فيها السياسة والعصبيَّة والفتنة الناتجة عنهما أكثر مِمَّا تحكَّم فيه العقل والعلم والدين، وكانت الشفاه والأقلام التي تعمل بتوجيه وإيحاء أكثر سيطرة وعلنيَّة من الأقلام والشفاه المستقلَّة. (1/84)
صفحة 85
كما انساق أيضًا مع بعض الكتَّاب المعاصرين مِمَّن يتناولون بحث هذه المواضيع ويناقشونها كما يتناولون ويناقشون القضايا السياسيَّة العالميَّة في هيئة الأمم المتحدة، أو كما يدرسها ويخطِّط لها المستشرقون؛ فإنَّ المستشرقين وهم يدرسون القضايا الإسلاميَّة لا ينظرون إليها إِلاَّ من خلال مناظيرهم الخاصَّة التي يعرفون بها الحياة عنده، والحياة عندهم تتحرَّك بالحزبيَّة. فلما وجَّهوا تلك المناظير إلى قضايا الأمَّة الإسلاميَّة، خيِّل إليهم أنَّ أسلوب الحياة واحد، وتراءى لهم أن يطلقوا على بعض الفرق الإسلاميَّة كلمة أحزاب دينيَّة، فأطلقوا هذه التسمية على فرق الشيعة وفرق الخوارج، وفي مقابل هذا رأى أولئك المستشرقون أن يطلقوا على غير الأحزاب الدينيَّة حسب نظرهم كلمة المذاهب الإسلاميَّة أو الجماعات الإسلاميَّة، وبهذا ينقسم العالم الإسلاميُّ إلى معسكرين كبيرين: أحدهما الأحزاب الدينيَّة، والثاني الجماعات الإسلاميَّة؛ وقد راقت هذه التسمية لبعض الكتَّاب المعاصرين فاستعملوها، كما راقت لأستاذنا الكبير أبي زهرة فاستساغها واستعملها في كتبه. وكان منتظرًا منه أن ينظر بدقَّة في مثل هذه التسميات وما وراءها والدوافع إليها فيستعمل الصحيح الأصيل الذي لا يحمل أيَّ غرض تبشيريٍّ أو استعماريٍّ، ويدع الدخيل الهزيل الذي تكمن وراءه مقاصد أو هو مستوحًى من بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين.
تبع الشيخ أبو زهرة من تأثَّر بهم فجعل الإباضيَّة فرقة من الخوارج أي فرقة من الأحزاب الدينيَّة، ولا شكَّ أنَّ الذين قسَّموا الأمَّة الإسلاميَّة إلى أحزاب ومذاهب كانوا يقصدون أن يضعوا في أذهان أصحاب المذاهب أنَّ أصحاب الأحزاب الدينيَّة لا شأن لهم بالفقه، وأنهم حتَّى لو بذلوا فيه جهودًا مشكورةً، فهي جهود مهدورة لا تستحق النظر. (1/85)
صفحة 86
ورغم أنَّ الأستاذ أبا زهرة يعترف أنَّ الإباضيَّة يتَّسمون بالاعتدال وينصفون مخالفيهم، وأنَّ لهم فقهًا جيِّدًا مدوَّنًا، وأنَّ لعلمائهم جهودًا في تحرير مذهبهم، فإنَّ هذا كلّه لم يشفع للإباضيَّة عند أبي زهرة أن يخرجهم من نطاق الخوارج، أو حتَّى من هذه التسمية الجديدة «الأحزاب الدينيَّة»، ورغم أنَّ مثل هذه الصفات أو أقلَّ منها للزيديَّة والجعفريَّة من الشيعة فاعترف بهم الأستاذ أبو زهرة وكتب عن فقههم ومذاهبهم. إِلاَّ أنَّ موقفه من الإباضيَّة كان ــ فيما يظهر لي ــ موقف الرجل الذي يعرف الحقَّ في قضيَّة من القضايا فيدور حوله، ويصفه من بعيد، ولا يجسر أن يعلنه صراحة، لأنَّ رواسب معيَّنة تحول دون ذلك.
قد يعذر الأستاذ أبو زهرة عندما يكتب عن فرق منقرضة لم تخلِّف وراءها كتبًا، فيلتجئ إلى ما كتبه عنه غيرهم، ويستند إلى ما قالوه، ولكن ما عذر الكاتب المحقَّق عندما يكتب عن الإباضيَّة في هذا العصرمعتمدًا على مصادر قد قد ألِّفت في عصور بلغت فيها التوجيهات السياسيَّة، والتعصُّب المذهبيُّ أسوأ ما يبلغه التوجيه في التشنيع على المخالفين؟
الأستاذ أبو زهرة يعيش في القاهرة، وفي القاهرة يعيش معه عدد كبير من علماء الإباضيَّة الموثوق بعلمهم، وفيهم أصدقاء للشيخ أبي زهرة، وفي القاهرة «دار الكتب» وفي دار الكتب مجموعة قيِّمة من كتب الإباضيَّة ما بين مطبوع ومخطوط ومصوَّر، منها في العقائد، ومنها في الفقه، ومنها في الأصول، ومنها في التاريخ، ومنها في الشغب الحاصل بين فرق الأمَّة والاحتجاج والرَّد، ولا شكَّ أنَّ الأستاذ أبا زهرة اطَّلع على بعضها، ومن ذلك الاطِّلاع عرف أن للإباضيَّة فقهًا جيِّدًا مدوَّنا، وحكم بأنَّهم معتدلون منصفون لمخالفيهم.
وكُنَّا نتوقَّع منه عندما يريد أن يذكر جملة من مقالاتهم أن يسلك أحد منهجين: إمَّا أن يعبّر عن مقالاتهم بلغته وأسلوبه هو، وأن يقرِّرها بعباراته بعد أن يستوعبها من مصادره. (1/86)
صفحة 87
وإمَّا أن ينقل نفس عباراتهم، ويثبت نفس النصوص التي استعملوها وهذا المنهج أدقُّ وأدعى إلى الاطمئنان بالنسبة للقارئ العاديِّ الذي لا يعرف مقالاتهم.
فلماذا لم يعتمد الأستاذ أبو زهرة على كتب الإباضيَّة، أو إذا كانت المصادر التي بين يديه من كتبهم غير كافية أفلا يكون من واجبه ــ وهو يقف موقف المحقِّق ــ أن يعمل على الحصول على ما يكفيه منها ولو ناله من أجل ذلك بعض التعب الماديِّ أو البدنيِّ؟.
لقد رجع الأستاذ أبو زهرة إلى مصادر قديمة لم يتوفّر لها التحقيق، ولم يتيسّر لها الوضوح، ولم تتَّصف بالنزاهة إزاء جميع من تكتب عنه، فنقل كلام تلك المصادر دون تصرُّف في بعض الأحيان، أو بتصرُّف قليل، كأنَّما يريد هو الآخر أن يلجأ إلى الغموض، لأنَّ التحقيق العلميَّ، والتعبير الواضح قد يكشف أنَّ الحقَّ بجانب فرقة يراد وضعها في إطار معيَّن مهما كانت الظروف.
يقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلته عنه سابقًا:
«يرى الإباضيَّة أنَّ مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمَّونهم كفارًا، ويقولون عنهم إنَّهم كفَّار نعمة لا كفَّار في الاعتقاد». (1/87)
صفحة 88
لقد بقيت هذه العبارة بحروفها أو بتصرُّفٍ قليل تنتقل بين كتب المقالات عن الإباضيَّة عشرة قرون كاملة، ولست أعرف على التحقيق أوَّل من قالها ولكنَّك تعثر عليها عند أوائل من كتب في هذا الموضوع كالأشعريِّ والملطيِّ وغيرهما، وقد كانت تأتي على أقلام الكتَّاب السابقين وألسنة المتحدِّثين منهم من أصحاب هذا الفن؛ إمَّا عن حسن نيَّة وجهل بحقيقة مقالات الإباضيَّة، وإمَّا بقصد التشنيع عليهم وزرع كراهيَّتهم في قلوب بقيَّة المسلمين. ولا شكَّ أنَّ أيَّ مسلم إذا قيل له إنَّ الإباضيَّة يعتبرونك غير مسلم ويرونك كافرًا يتملَّكه الغضب ويثور على الإباضيَّة ويعتبرهم فرقة ضالَّة ظالمة تستحقُّ اللعنة، ولن ينتظر منك أن تشرح له الفرق بين معاني الكفر، وقد وصل أولئك الذين يسعون إلى هذه النتيجة إليها بالفعل وربَّما إلى أكثر مِمَّا أرادوا أو توقَّعوا في بعض الأحيان، وغريب جدًّا أن يسير أبو زهرة في هذا الطريق، فيجري قلمه السلس البليغ بتلك التعابير الملتوية التي لم يقصد بها الحقَّ في يوم من الأيَّام.
إنَّه كان حقًّا عليه أن يقف وقفة تأمُّل وتحقيق كما وقف زميله الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي حين عرض للموضوع فقال في كتابه القيّم: «الدين والعلم الحديث» وهو يتحدَّث عن الإباضيَّة (ص 269) مايلي:
«رابعًا: لا يكفِّرُون أحدًا من أهل القبلة إِلاَّ إذا أخلَّ بالاعتقاد الإسلاميِّ، كإنكار ما علم من الدين بالضرورة، وكأن ينكر إنسان صفة من صفة الله تعالى أو نبيًّا من الأنبياء أو حرفًا من القرآن الكريم». (1/88)
صفحة 89
قارن أيُّها القارئ الكريم بين مقالي الأستاذين الكبيرين وهما يعيشان في بلد واحد، وعصر واحد، وبيئة واحدة، إِلاَّ أنَّ أحدهما جرى على ما وجده في مصادر تناوئ الإباضيَّة وتلجأ إلى الغموض في التعبير عن مقالاتهم، حتَّى تُوهِم الناس بضلالهم وتغريهم بعداوتهم، فاعتمد على تلك المصادر ونقل عنها، وترك ما عرفه بنفسه، وابتعد عن المصادر التي تصوِّر مقالاتهم بصدق، وتعتَبَر حجّة عليهم لأنَّها لهم.
أمَّا الثاني فقد كان يكتب كتابة رجل يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين وتقريب وجهة النظر بينهم، وتوضيح آرائهم المبنيَّة على حجَجٍ وبراهين لا يمكن للباحث أن يتجاهلها أو يستهين بها، ويحاول ــ ما وسعه الجهد ــ أن ينزع الغشاوة التي وضعتها القرون المتعاقبة على أعين الأمَّة الإسلاميَّة بقصد وبدون قصد، وهو لم يكتب عن الإباضيَّة حتَّى قرأ مجموعة من كتبهم، ومنها استخلص آراءهم التي عبَّر عنها، والتي سوف نتعرَّض لها في فصل مقبل إنْ شاء الله.
على أنَّ هذا الموضوع الذي عبَّر عنه الأستاذ إبراهيم عبد الباقي بجملة قصيرة واضحة «لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة إِلاَّ إذا أخلَّ بالاعتقاد» رأى الأستاذ أبو زهرة أن يرتبط بالتعقيد اللفظيِّ الذي تناقله كتَّاب المقالات، ولم يتمكَّن أن يتحرَّر منه فقال: «إنَّ مخالفيهم ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمّونهم كفارًا» فترك القارئ العادي في حيرة وارتباك لا يعرف منزلة نفسه عند الإباضيَّة ولا منزلتهم عنده. (1/89)
صفحة 90
على أنَّ ذلك الموضوع الذي جارى فيه الأستاذ أبو زهرة الكتَّاب الأقدمين في حديثهم عن مقالات الإباضيَّة [فيه] شيء من الغموض والإبهام والإيهام، أهمُّ جانب فيه كلمة الكفر، والإباضيَّة حين يطلقونها على من يستحقُّها لا يفرِّقون بين موافقيهم ومخالفيهم، لأنَّها في الحقيقة إِنَّمَا تدلُّ بوضعها على معان لغويَّة محدَّدة نقلها الشارع أحيانًا فاستعملها للدلالة على حقائق شرعيَّة باعتبارات محدَّدة فلا أساس لحشر الإباضيَّة ومخالفيهم في الموضوع. (1/90)
صفحة 91
والواقع أنَّ كلمات الكفر، والإيمان، والنفاق، والعصيان، والشرك، والكبيرة، والإسلام، من المباحث اللغويَّة والمصطلحات الشرعيَّة أو الحقائق الشرعيَّة التي تناولتها أقلام أكثر علماء الإسلام واختلفت أنظارهم فيها حينًا واتَّفقت حيناً آخر، وطال فيها الجدال حتَّى بلغ حدَّ المراء في بعض الأوقات، وللإباضيَّة في هذه المواضيع مفاهيم كما لغيرهم، والذي ساعدهم أن يطلقوا كلمة كافر على آكل الرشوة من الإباضيَّة ومن غيرهم هو قول الرسول (ص): «الرشوة في الحكم كفر» وعلى من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه قوله (ص): «من أتى كاهنا أو عرَّافا فصدَّقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمَّد» وعلى من تهاون بصلاة، قوله (ص): «من ترك الصلاة كفر» وعلى من وجب عليه الحجُّ فلم يؤدِّه، قوله تبارك وتعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَاِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} (آل عمران: 97) وعلى من يتعامل بالربا قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ واللهُ لاَ يُحِبُّ كلَّ كَفَّارٍ اَثِيمٍ} (البقرة: 276) إلى كثير من هذه النصوص التي وردت بهذا المعنى والتي إذا أمكن تأويل بعضها بالشرك أو الردَّة فإنَّ بعضها الآخر لا يمكن تأويله إِلاَّ على كفر النعمة الذي هو بمعنى العصيان أو الفسوق، أو ما يطلق عليه أصحاب الحديث: «كفر دون الكفر». (1/91)
صفحة 92
إنَّ الرسول (ص) وصف المرتشي، ومصدِّق الكاهن والعرَّاف والمرابي والمتهاون في أداء الفريضة، والمسلمين المتقاتلين ــ «ألاَ لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ» ــ بالكفر، فما ذنب الإباضيَّة إذا استعملوا هذه الكلمة في وصف العصاة الذين يرتكبون تلك الموبقات أو ما يشبهها ــ وهم على يقين أنَّ الرسول (ص) حين وصف المرتشي والمرابي ومن بعدهما بالكفر لم يحكم عليهم بالشرك أو الردَّة والخروج من الملَّة، فاستعمل الإباضيَّة كلمة الكفر في المواضيع التي استعملها رسول الله (ص) وفيما بشبهها، ولم يريدوا بها في ذلك الحكمَ بالشرك أو الردَّة والخروج من الملَّة. ولو حكم بالشرك والخروج من الملِّة على كلِّ من ارتشى وكلِّ من رابى وكلِّ من صدَّق كاهنًا أو عرَّافا، وكلِّ من تهاون في صلاة أو حجِّ فريضة، وكلِّ من ارتكب معصية من المعاصي التي وصف الرَّسول (ص) مرتكبها بالكفر لما بقي من المسلمين إِلاَّ العدد اليسير. ولو سرنا مع هذا المنطق لحكمنا على جميع المسلمين بالشِّرك أو الرِّدَّة لقوله (ص): «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقد بدأ ضرب الرقاب بعده بقليل ولم يتوقَّف حتَّى اليوم، بل إنَّ رقاب المسلمين لتطير بأيدي المسلمين في كلّ يوم حتَّى هذا العصر، ولا يبدو أنَّها ستتوقَّف، فهل نحكم على هؤلاء كلّهم بأنَّهم مشركون مرتدُّون؟، وهل نحكم على أولئك البسطاء السذَّج الذين يصدِّقون كلَّ شيء حتَّى العرَّاف بأنَّهم مشركون مرتدُّون.
إن الإباضيَّة في استعمالهم كلمة الكفر على العصاة، لا يفرِّقون بين مخالفيهم وموافقيهم، فليس من حقِّ الأستاذ أبي الزَّهرة أن ينساق مع الأقدمين فيقول: «إنَّ مخالفيهم ليس مشركين ولا مومنين ويسمَّون كفارًا». (1/92)
صفحة 93
بهذا التعبير الملتوي الغامض الذي يثير الحفائظ، ويجلب السخط، ويوهم أن الإباضيَّة يحكمون على غيرهم من جميع المسلمين بالشرك لأنَّ الكلمة التي يبقى صداها يرنُّ في ذهن المسلم بعد أن يقال له: إنَّ الإباضيَّة يقولون عنك أنَّك لست مشركا ولست مؤمنًا ولكنَّك كافر أنَّه حكم عليه بالخروج من الإسلام، وهذا ما لا يتقبَّله مهما تورَّط في ارتكاب الموبقات.
لقد حرص الأستاذ أبو زهرة أن يأتي بهذه العبارة الملتوية من المصادر التي استقى منها، والتي كانت تكتب تحت إيحاءات وإيعازات، وأن يقرِّرُ أنَّ الإباضيَّة يسمّون مخالفيهم كفارًا، وليته ــ إذ فعل ــ شرح المعنى الذي تدلُّ عليه كلمة الكفر عند الإباضيَّة إذن لخفّف في وقعها وحدَّتها قليلاً وهو يعلم معناها عندهم، ولا ريب ولكنه لم يفعل وإنَّما علَّق عليها ببعض كلمات لا تزيد إِلاَّ غموضًا عند من لا يعرف الاصطلاحات الشرعيَّة ومدلولاتها الخاصَّة، فليت أستاذنا أبا زهرة حاول إسكات هذه النعرة، وسدَّ هذه الثغرة، وأطفأ هذه الجمرة، ودعا إلى التسامح والانفتاح بين طوائف المسلمين جميعًا. (1/93)
صفحة 94
ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه سابقا: «فهم يسرُّون في أنفسهم أنَّ دار المخالفين ودماؤهم حرام» هكذا بالحرف الواحد. وليت شعري إذا كان يسرُّون ذلك في أنفسهم فكيف اطَّلع عليه الأستاذ أبو زهرة، ثُمَّ أيَّة نفس هذه التي يحتفظون فيها بهذا السرِّ العظيم؟ هل هي نفس فرديَّة أم نفس جماعيَّة؟ ثُمَّ من هذا الذي أخرج هذا السرَّ وباح به؟ من هذا الذي أفشى سرَّ الإباضيَّة؟ إنَّهم لو عرفوه لقطعوا لسانه!! ما كنَّا نتوقَّع من قلم مثل قلم أستاذنا الكبير أن يخطَّ هذا الكلام الذي لا يصدِّقه عقل يحترم نفسه، ولكن ما الحيلة والأستاذ يريد أن يعيش في تلافيف عصره، يلعب بالكلام، ويحارب بالإيهام، ويناقش بالإبهام. ولو رجع إلى كتب الإباضيَّة وهي ليست منه ببعيدة لعرف منها أنَّ الإباضيَّة يلتزمون قوله (ص): «أُمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله، فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلاَّ بحقِّها». إنَّ الإباضيَّة عملاً بتشريع الله الذي بلَّغه الرسول (ص) يعلنون ولا يسرون ــ في كتبهم ودروسهم ومجالسهم أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام بكلمة التوحيد، وأنَّ أصداء خطبة النبيء (ص) في حجَّة الوداع لا تزال ترنُّ في جنبات صدر كلِّ مسلم «ألا إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» لقد أعلن النبيء (ص) هذا الحكم يوم الحجِّ الأكبر فلماذا يسرِّه الإباضيَّة في أنفسهم، والإباضيَّة في تاريخهم الطويل لم يخالفوه، وليس إسراره من مصلحتهم ولا من مصلحة أحد من المسلمين ويقول الأستاذ أبو زهرة فيما نقلناه عنه في أوَّل صدر هذا الفصل: «ولهم فقد مدوَّن، وللإباضيَّة جهود في تحرير مذهبهم». ويقول في موضع آخر من كتابه مِمَّا نقلناه عنه: «ولهم فقه جيِّد وفيهم علماء ممتازون». (1/94)
صفحة 95
أطلق الأستاذ أبو زهرة هذه الأحكام على الإباضيَّة فقههم ثُمَّ انصرف عنهم كأنَّما كان يفرُّ من ملاحقة لعنة تاريخيَّة، ولم يقف إِلاَّ حينما بدأ يكتب عن المذاهب الفقهيَّة، فكتب عن الحنفيَّة ستًّا وأربعين صفحة، وكتب عن المَالِكِيَّة خمسين صفحة، وكتب عن الشافعيَّة ستًّا وخمسين صفحة، وكتب عن الحنابلة ثمانين صفحة، وكتب عن الظاهريَّة سبعا وستِّين صفحة، وكتب عن مذهب ابن تيميَّة سبعا وخمسين صفحة، الزيديَّة ستًّا وخمسين صفحة، وكتب عن الجعفريَّة أربعين صفحة، ولكنَّه لم يكتب عن الإباضيَّة شيئًا. فما الذي أطلق قلمه هناك وقيَّده هنا؟ لقد اعتبر الزيديَّة والجعفريَّة أحزابًا دينيَّة كما قال ذلك عن الإباضيَّة ومع ذلك فقد ألحقهما بالمذاهب الفقهيَّة ولم يعط هذه الدَّرجة للإباضيَّة، لماذا كان الاعتراف بذينك الحزبين ولم يكن بهذا الحزب؟ رغم أنَّه حينما كان يعدِّد الأحزاب الدينيَّة جعل هذه الفرق الثلاث تشترك في صفة الحزبيَّة الدينيَّة، أما المقوِّمات التي أهَّلتها ـ في نظر أساتذتنا ـ لأنْ تدخلَ ضمن المذاهب أنَّها لها فقه مدوَّن.
لماذا يقف شيخنا أبو زهرة من الإباضيَّة هذا الموقف؟ أكلُّ ذلك لأنَّ أقلاما يحترمها ذكرت أنَّ الإباضيَّة فرقة من الخوارج؟ وماذا يضرُّ أبا زهرة لو بحث بنفسه عن معنى الخارجيَّة في عقائدهم وسلوكهم ليتحقَّق من الحكم عليهم، ولعلَّه لو فعل لوجد معنى الخارجيَّة بالعقيدة والسلوك أوضح وأظهر في كثير مِمَّن يرمي الإباضيَّة بذلك مصداقا للمثَل العربي القديم: «رمتني بدائها وانسلت» ولَمَا وجد في عقائد الإباضيَّة وسلوكهم أي أثر للخارجيَّة. (1/95)
صفحة 96
يبدو أن الأستاذ أبا زهرة لا يريد أن يخالف المصادر التي استقى منها والتي قد اكتسبت بقدمها جلالا وقداسة، ولا يريد أن يعترف بالواقع الذي عليه الإباضيَّة، لأنَّ ذلك يهدم كثيرا من الأحكام التي أطلقت عليهم، ولا يريد أن يعتمد على كتبهم ومصادرهم لأنَّ حكاية «يسرُّون في أنفسهم» تتردَّد بين عينيه وتثير الشكوك في نفسه.
وهكذا فضَّل أن يعتمد على مصادر غيرهم مِمَّن سبقه بقرون، وأن ينقل ذلك مهما كان موقعه من الصِّدق والحقِّ، وأن يتغاضى عنهم رغم اعترافه ـ عل الأقلِّ في الجانب الفقهي ـ بأنَّهم في مستوى غيرهم من المذاهب الأخرى التي كتب عنها وأطال الكتابة. (1/96)
صفحة 97
وبعد كلّ هذا ألا يحسُّ أستاذنا أبو زهرة بأنَّ اعتباره الإباضيَّة فرقة من الخوارج أمر يدعو إلى التساؤل حين يحمل آراءهم في تلك الفقرات التي سبق أن ذكرناها والتي هي ليست خاصَّة للإباضيَّة وإنَّما هي آراء جميع الأمَّة الإسلاميَّة فهي ليست قضايا غير مجموعة من الناس باعتبارها خاصَّة بهم لا يقول بها غيرهم، وإذا تجاوزنا الفقرة الأولى التي نقلها الأستاذ بحروفها والتي وضعها واضعوها بقصد الإبهام والإيهام فإنَّه يقرِّر أن الإباضيَّة يحرِّمون دماء مخالفيهم ويعتبرون دارهم دار إسلام ولا يستحلُّون من غنائم المسلمين أثناء الحرب معهم إِلاَّ السلاح، ويجوِّزون شهادة مخالفيهم والتزوُّج منهم والتوارث معهم، وهل غيرهم من المذاهب يرون غير هذا الرَّأي؟ ويقولون بغير القول إذا اسثنينا بعض الشواذ من جميع المذاهب الذين تتغلَّب عليهم العصبيَّة ويوجِّههم الغلوُّ، كما ذكرنا أمثلة من ذلك في بعض الفصول السابقة. ويبدوا لي أنَّ الأستاذ أبا زهرة أراد أن يتَّبع أسلوبا واضحا يتخلَّص من رواسب الماضي، ويتحرَّر من أصابع السياسة التي صنعت كثيرا من ذلك الماضي لَسهُل عليه من بادئ الأمر أن يشرح كلمة الكفر بالمعنى الشرعيِّ لها والذي حرص الإباضيَّة على استعماله فقال: إنَّ الإباضيَّة يستعملون كلمة الكفر بمعنى كفر النعمة أو المعصية أو الفسوق، فإذا أطلقوا كلمة الكفر على التَّوحيد فالمقصود كفر النعمة أو العصيان، كما يعبر بعض المذاهب، وإذا اتَّضح هذا المعنى لكلمة الكفر لم يحتج للأسلوب الملتوي الذي يستعمله الأقدمون، كما أنَّه لا حاجة به إلى كلمة المخالفين التي دسَّتها السياسة الماكرة في هذه المباحث وحرص عليها كتَّاب المقالات دون اهتمام بمصدرها ومدلولها. والعصيان قد يكون بسبب المقارفة، وقد يكون بسبب الإهمال، وقد يكون بسبب الخطإ في التأويل. (1/97)
صفحة 98
والإباضيَّة قد يطلقون كما قلنا آنفًا كلمة الكفر على العاصي من هؤلاء وهم يقصدون معنى العصيان ويتعاملون معه سواء كان من الإباضيَّة أو من غيرهم على الأسس التي ذكرها أستاذنا أبو زهرة.
فهذا العاصي بالمقارفة أو بالإهمال أو بالخطإ في التَّأويل يسمِّيه الإباضيَّة مسلما ويسمُّونه موحِّدًا ولكنَّهم لا يسمُّونه مشركًا ويرون أنَّ دمه حرام فلا يسفك إِلاَّ بما تحل به دماء المسلمين، ويرون أنَّ ماله حرام إِلاَّ بالطرق التي تحلُّ بها أموال المسلمين، ويرون أنَّ داره دار للمسلمين وإذا حاربهم لم يتحلُّوا شيئًا من أمواله حتَّى السِّلاح، خلافًا لما ذكره أستاذنا أبو زهرة، ويتعاملون معه كما يتعاملون مع بقيَّة المسلمين في الشهادة والنكاح والميراث وغيرها.
ولسنا نشكُّ أنَّ الأستاذ أبا زهرة يعرف من حقيقة الإباضيَّة ما يعرفه الإباضيَّة أنفسهم عن آرائهم ومقالاتهم ولو تحرَّر من رواسب الماضي لما ذكرهم في الخوارج ولا في الأحزاب الدينيَّة.
والآن أستطيع أن ألخِّص ما عتبنا فيه على شيخنا الكبير في النقاط الآتية:
1- اعتماده على مصادر الآخرين عند الكتابة عن الإباضيَّة ومقالاتهم، وكان في إمكانه أن يعتمد على كتب الإباضيَّة أنفسهم.
2- استعماله لنفس التعابير الملتوية الموهمة التي كانت تستعملها كتب المقالات المتميِّزة مند قرون.
3- تغافله عن دسائس السياسة، بحيث أصبح التركيز على معسكرين فكانت كلمة «مخالفيهم» هي محور الحديث.
4- انسياقه وراء آراء المستشرقين أو من أخذ عنهم في تقسيمهم الأمَّة إلى قسمين كبيرين: مذاهب فقهيَّة، وأحزاب دينية.
5- إهماله عن الكتابة عن المذهب الإبَاضِيِّ وفقهه وقد كتب عن كلّ من المذاهب الفقهيَّة وما يسمِّيه بالحزاب الدينيَّة. (1/98)
صفحة 99
6- إرضاءً لأصحاب المقالات السابقين ومن يرتسم خطاهم أخرج الأستاذ أبو زهرة الإباضيَّة في فرق الخوارج، ولمَّا لم يجد شيئًا يربطهم بالخوارج أو يجعل لهم مواقف منفردة شاذَّة تميِّزهم ذكر عنهم تلك الفقرة الأولى التي اعتقد أنَّها تميِّزهم كما ذكر لهم عددا من الأقوال هي ليست خاصَّة بهم، بل على قدر مشترك بين جميع الأمَّة الإسلاميَّة غير الخوارج فيما يقال عنهم أو بعض الشواذِّ حتَّى من أهل السنَّة.
7- كنَّا نطمع من أستاذنا الكبير أن يكون موقفه في هذه القضايا الهامَّة أوضح وأصحَّ، وأن يكون أكثر تحرُّرا، وأن تكون مساعيه أكثر جدِّية ونشاطا وجهدًا في التقريب بين طوائف المسلمين، وإزالة الجفاء الذي اصطنعته السياسة والتعصُّب قديما والاستعمار والجهل والتعصُّب أيضًا حديثا. ويسرُّني في ختام هذا الفصل أن أعتذر إلى أستاذنا الكبير أبي زهرة عن أيَّة عبارة قد يستشعر منها سوء أدب معه. فأنا على جميع الأحوال أُكنُّ له من الاحترام والتَّقدير ما يستحقُّه هو وأمثاله من فضلاء علمائنا الأجلاَّء الذين خدموا الإسلام في هذا العصر خدمة لا تنساها الأجيال. وإذا عتبت عليه في النقاط السابقة فإنَّما هو موقف المتعلِّم الجسور الصريح مع العالم الغزير المادَّة، الواسع الاطِّلاع، المنفسح الصدر الحليم، الذي يحتمل شغب المتعلِّمين بصبرٍ وحبٍ.
مع عبد القادر شيبة الحمد (1/99)
صفحة 100
في سنة 1387هـ تشرَّفت بزيارة مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من أهمِّ ما يشغل بالي ـ بعد السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والصلاة في الحرم النبوي الشريف، ثُمَّ الوقوف في منازل الوحي، ومواطن العبادة، والذكرى من مقامات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومقامات أصحابه رضوان الله عليهم ـ هو زيارة الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة المنوَّرة، والتعرُّف بعلمائها الأجلاَّء. وسنحت لي الفرصة في يوم فزرتها، وتشرَّفت بمعرفة كثير من مشائخها العظام، وأساتذتها الفضلاء. ولم يتح لي اللِّقاء بفضيلة رئيسها لأَنَّهُ حينئذ كان ينجز بعض المهامِّ كما قيل لي.
تجوَّلت في رحاب الجامعة العامرة، ودخلت بعض فصولها، واستمعت إلى بعض المحاضرات في بعض الفصول، وعندما أردت الانصراف أهدت إليَّ إدارة الجامعة مشكورة مجموعة من النَّشرات والمناهج والكتب مِمَّا تضعه الجامعة أو تتولىَّ الإشراف عليه ونشره. وخرجت منشرح الصدر مثلوج الفؤاد، فهذه جامعة إسلاميَّة، تقوم في دار هجرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، توالي إرسال أشعَّة النور والهداية إلى حوالي سبعين بلدًا ــ فقد قيل لي إنَّ بالجامعة طلاَّبًا من حوالي سبعين بلدًا ــ وهذا فضل من الله عظيم. (1/100)
صفحة 101
فلو نجحت الجامعة في إحكام رباط المودَّة والأخوَّة بين أبنائها لقام بعد زمن وجيز دعاة مسلمون في كلّ جنبات العالم يعقدون أواصر الأخوَّة بين الطوائف المتنافرة، ويربطون علائق المحبَّة بين شعوب تدين بالإسلام، ولكن فرَّقت بينهما السياسات والقوميَّات والعصبيَّات والأهواء، وعساهم يعودون بها إلى وحدة متماسكة كالوحدة التي أنشأها سيِّدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتلاميذه الأذكياء الأصفياء النجباء البررة. ورجعت إلى البيت أقلِّب الهدايا الثمينة التي أخذتها من الجامعة العامرة فإذا من بينها كتاب اسمه «الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة» والكتاب مقرَّر على طلاَّب الشهادة العالية بكليتي الشريعة وأصول الدين بالجامعة الإسلاميَّة بالمدينة المنوَّرة.
أمَّا المؤلّف فهو الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد الأستاذ بالجامعة، وقد لقيته بالجامعة لقاء عابرًا. كما استمعت إليه وهو يلقي دروس الوعظ والإرشاد في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء وقد أعدَّ له هناك كرسي مرتفع، ومكبّر صوت مسماع.
والأستاذ شيبة الحمد رجل يعيش في عصر الصواريخ والأقمار، وقد أتيح له أن يقيم في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملتقى المسلمين من كلّ بلد، ومن كلّ فرقة، ومن كلّ مذهب، وضعت له الدولة كرسيًّا في الحرم النبوي الشريف، ليلقي منه رسالة الإسلام، ويعرف الناس بدينهم، ويدعوا أبناء هذه الأمَّة إلى لمّ الشمل، وجمع الكلمة، وهذه الظروف المساعدة التي تحيط بالأستاذ شيبة الحمد لم تتيسَّر لأولئك الذين كتبوا عن الفرق الإسلاميَّة في العصور السابقة. (1/101)
صفحة 102
لقد كان من اليسير على الأستاذ شيبة الحمد أن يتَّصل بعلماء الفرق وهم يتوافدون على مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحجِّ وفي غيره فيعرف منهم آراءهم وعقائدهم فيما يريد أن يكتب عنه وفيما يريد أن يقدِّمه في محاضراته لطلاَّبه، وكذلك يستطيع أن يعرف منهم أئمَّتهم وكتبهم ليتَّخذها مراجع لأبحاثه، حتَّى تكون أدنى إلى الحقيقة، وأقرب إلى الصحَّة، وأدعى لإرضاء أصحابها.
ولكنَّ الأستاذ شيبة الحمد ــ الذي التجأ إلى السعودية فآوته وأكرمته، وفتحت له دور العلم والتحقيق، وسلّمت إليه جيلاً من شباب الأمَّة الإسلاميَّة ليزوِّدهم بالعلم ويسلِّحهم بالإيمان ويربط بينهم بالمحبَّة والأخوَّة ــ لم يفعل شيئًا من ذلك، فلم يكبد نفسه عناء البحث عن المصادر الحقيقيَّة للفرق، ولم يتنازل إلى الاستفاذة من العلماء، وإنَّما عمد إلى كتب ألِّفت قبل عدّة قرون فلخَّص ما فيها بما فيها كحاطب ليل، وصاغها بأسلوب ينبئ عن الاستعجال تبدوا فيه كثير من عبارات البغداديِّ التي اقتُسرت من أماكنها كأنَّما اختيرت لما تحمله من عنف وقسوة ثُمَّ جمع كلّ ذلك بين دفَّتين، وجاء به إلى الجامعة الإسلاميَّة كأنَّما جاء يجرّ أسدًا من أذنيه ثُمَّ طفق يلقي ذلك الخليط على طلبة الجامعة. لقد حدَّتني بعض طلاَّب الإباضيَّة في الجامعة، أنَّ أستاذهم حين يتحدَّث عن الإباضيَّة لم يكن يهتم بهم ولا بقولة الحقِّ في مذهبهم. ولم يكن يستمع إلى أحد إذا أراد مزيدًا من المناقشة. وعندما أخبروه في بعض ما ينسبه إلى الإباضيَّة أنَّه ليس من مقالاتهم، وأظهروا له استعدادهم لتزويده بالمراجع التي يستطيع بها التحقُّق من الموضوع، رفض الرجوع إلى كتبهم، وإذا حاول أحدهم أن يتجه إليه بسؤال أسكته بتلك النظرة المتعالية التي يحسنها بعض الأساتذة المتعجرفين، وقد ينبُزه بتوبيخة جارحة يضحك لها بعض الطلاَّب، ويتألَّم لها آخرون. (1/102)
صفحة 103
وهكذا يستمرُّ الأستاذ شيبة الحمد يحاضر لأبناء المسلمين من سبعين بلدًا فلسفة تنسب إلى فرق إسلاميَّة لا وجود لتلك الفلسفة عند تلك الفرق، ويتَّخذ لها أئمَّة وعلماء لا تعرفهم ولا تعرف عنهم شيئًا بل قد تتبرَّأ من تلك المقالات ومن يقول بها.
وأعجب ما في الموضوع أنَّ الأستاذ شيبة الحمد وهو يسبح بين كتب ألّفت قبل عدَّة قرون، ويتحدَّث عن فرق ومذاهب قد انقرضت هي وأصحابها، ونخر السوس عظامها، ومع ذلك فهو يسميها «المعاصرة» ومن تلك المذاهب أو الفرق ما لا يعرف شيء عنه البتَّة غير الاسم الذي أورده كتَّاب المقالات الناقمون عليها وما نسبوه إليها من شنائع، فكيف صارت تلك المذاهب والفرق التي انقطعت حركتها في مجرى التاريخ وركم عليها الزمن عددًا من القرون. كيف صارت فرقا معاصرة؟ والمؤلم في الموضوع كلّه أن الكتاب مقرَّر في أكبر جامعة إسلاميَّة في الوقت الحاضر، وهو يدرس في المدينة المنورة، وفي جامعة ترعاها دولة هي الدولة التي أناط الله بها في هذا العصر خدمة الحرمين الشريفين ورعاية مقدَّسات الإسلام، ثُمَّ استقبال حجَّاج المسلمين من جميع أصقاع الأرض بمختلف طوائفهم ومذاهبهم في كلّ سنة، ودعوتهم إلى التفاهم والتعاون والتناصر، وإلى الاتِّحاد والعمل المتواصل للقيام بأعباء الرسالة التي أنزلها الله تبارك وتعالى لسعادة البشريَّة.
فكيف تسمح إدارة الجامعة العامرة في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدرِّس الأباطيل عن فرقة من فرق المسلمين على طلاَّب سبعين بلدًا من مختلف بقاع العالم، وفي أولئك الطلاب من ينتمي إلى تلك الفرقة، فإذا طلبوا تصحيح الخطإ عن مقالات فرقتهم، وهم أعرف بها، لم يسمع منهم، بل لم يسمح لهم، وربَّما اتَّخذ ضدّهم عقوبات صارمة منها الحرمان من الدراسة وذلك كلّه بمساعي الأستاذ شيبة الحمد الذي يريد أن تكون كلمته عن الفرق نافذة وحكمه على أصحاب المذاهب لا رادَّ له ولا معقّب عليه. (1/103)
صفحة 104
إذا كان التقليد الأعمى أو حبّ الراحة أو عدم العناية بالبحث والتنقيب، أو حتَّى سوء النيَّة هي الأسباب التي حملت شيبة الحمد على تلك المواقف فكيف ساغ للجامعة العامرَة أن تغفل عن مراقبة ما يجري فيها في أهمّ ركن من أركان رسالتها، وهي القوَّامة على كلمة الحقِّ، المسؤولة عن العمل لجمع كلمَة الأمَّة، المطالبة بالتحقيق والتثبُّت والصدق في جميع ما تقدِّمه لبناء الأمَّة في مجال العلوم الشرعيَّة، وإذا غفلت الجامعة عن تتبُّع ما يقدَّم للطلبة ومعرفته معرفة تفصيليَّة فكيف ساغ للدولة من ورائها أن تسمح لأفراد بتخطيط مناهج وتنفيذها دون أن يخطَّط لها تخطيط دقيق من أجهزة مسؤولة مكلَّفة بالمراقبة تقدّر خطوات العمل وتوحي بها، حتَّى يتسنّى توجيه أبناء المسلمين في أهمِّ مادّة ــ مادّة الشريعة ــ توجيهًا سليمًا مبنيًّا على الصدق قائمًا بالحقِّ.
إنَّني ما كنت لأعرض للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد لو لم يحمل كتابه اسم الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة المنوّرة، وهذا النقد الأخوي لا نرسله إليه فقد ثبت مِمَّا قصّه علينا طلابه ومن بعض المواقف من غيرهم أنَّه يملك من الجرأة ما يحول بينه وبين الرجوع إلى الحقِّ، وإنَّما نوجه كلمة العتب الأخوي أو الالتماس الأخويَّ إلى إدارة الجامعة العامرة، ورئيسها الوقور وأساتذتها العظام. (1/104)
صفحة 105
كنَّا نأمل أن تعمل الجامعة الإسلاميَّة على التحقيق فيما يقال عن فرق المسلمين وأن تأخذ آراءهم ومقالاتهم من كتبهم وعلمائهم وبذلك يمكن للجامعة أن تعلن كلمة الحقِّ، وتجمع الشمل، وتوحِّد الصف وتكون في مركز القيادة الروحيَّة لهذه الأمَّة بجميع مذاهبها، لأنَّها مهَّدت اللقاء بينهم على نور العلم، وجعلت كلّ واحد منهم يعرف ما عند الآخر في يقين. وإذا عسر على المؤلِّفين الأقدمين أن يعرفوا مقالات المذاهب والفرق من مصدرها فأخذوها من حيث ما اتَّفق، فتسرَّب إليهم الخطأ والأباطيل؛ فقد تيسَّرت الوسائل اليوم ــ والحمد لله ــ للمؤلّفين والعلماء للاتِّصال والاطِّلاع ولا سيما لعلماء ومؤلِّفي الدولة السعودية، فهي تملك من الإمكانات البشريَّة والماديَّة الروحيَّة ما يمكّنها من الاتِّصال بأصحاب جميع المذاهب الإسلاميَّة المعاصرة حقًّا، ومعرفة عقائدها في مصادرها سواء كانت كتبًا أو رجالا وأخذها منها.
وفي إمكانها أن تعقد مؤتمرًا سنويًّا لعلماء جميع المذاهب الإسلامية سواء كان ذلك في أيَّام الحجِّ أو في غيره تطرح فيه القضايا الهامَّة وتوضَّح الآراء والعقائد بحججها وبراهينِها، وتزوّد الجامعة بالمراجع المعتمدة لكلّ مذهب وإيضاح الأقوال المعمول بها، على أن يكون هذا المؤتمر مؤتمر عرض وإيضاح لا مؤتمر جدال يريد فيه كلّ أصحاب مذهب أن يبرهنوا على صحَّة مذهبهم وبطلان غيره. فإن فتح هذا الباب لا يأتي بنتيجة وقد يأتي بنتيجة عكسيَّة.
بل إننا نطمع في الجامعة في أكثر من ذلك، وذلك بأن تكوِّن لجانا للتأليف يشترك فيها علماء الأمَّة من مختلف مذاهبهم ويصدرون كتابًا حسب المناهج المقرَّرة في الجامعة لتدرَّس فيها ــ مشتملة على المقالات الحقيقيَّة للفرق والمذاهب المعاصرة فعلاً ــ وبذلك تقضي على النظرات الضيّقة، وتوقف زحف العصبيَّة المقيتة، وتحول دون التأثير الفردي في توجيه طلاَّب المسلمين. (1/105)
صفحة 106
إنَّ الجامعة الاسلاميَّة في المدينة المنورة، يجب أن لا تصطبغ بمذهب معيَّن فهي للمسلمين جميعًا، تقدّم لهم الثقافة الاسلاميَّة من منابعها الصافية، كتاب الله وسنَّة رسوله، فإذا انتقلت بعد ذلك إلى كلام البشر سواء ما كان منه منسوبًا إلى مذهب أو ما كان منسوبًا إلى فردٍ فإنَّه يجب أن يعرض بوضوح ومن مصادر ثابتة مع التأكيد على أنَّه قول لغير معصوم؛ بل إنَّني أعتقد أنَّه مِمَّا يدخل تحت مسؤوليَّات الجامعة وأعمالها إذابة المذهبيَّة وألاَّ يكون فيها شيء غير مصادر التشريع من كتاب أو سنَّة أو إجماع. ثُمَّ بعد ذلك آراء الأفراد خاضعة للنقاش وللحكم عليها بالخطإ والصواب؛ وعمل الجامعة هو أن تقدِّم للطلاَّب تلك الآراء كما يقدِّمها أصحابها بأدلَّتها وبراهينها مع عدم محاولة فرض رأي معيَّن أو مذهب معيَّن.
ولو فعلت هذا لكسبت قلوب الملايين من المسلمين بفرقهم المختلفة، ولسقط كثير من الأباطيل التي يتنابز بها أصحاب المذاهب، ولوجد كلّ فرد من المسلمين عذرًا قائما لأخيه فيما يذهب إليه ويقول به، ولظهرت لها تفاهة ما يكتبه وما يقوله بعض من يسَّرت لهم مكانا للكتابة ومكانا للقول.
وبعد هذه الكلمة التي أرجو أن تكون دعوة مخلصة لرعاية المناهج في المعاهد الإسلاميَّة، وأن لا تفهم بأنَّها نقد خاصٌّ لإدارة الجامعة الإسلاميَّة أو الدولة السعودية، أو نيل من كفاءة أساتذتها ومشائخها. فإنَّ في الجامعة العامرة من الأعلام من يشرِّفني الجلوس بين يديه كتلميذ صغير، بل لقد فعلت وقد حضرت بالفعل حلقات الدروس الوعظ للمشائخ العظام: الشَّنقيطي، والإفريقي، والجزائري، والكتَّاني، وحتَّى شيبة الحمد. ويهمُّني أن يرافقني القارئ الكريم بعض الوقت مع الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في جولة قصسرة بين صفحات كتاب «الأديان والمذاهب والفرق المعاصرة». يقول الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد ص 158 ما يلي:
« (1/106)
صفحة 107
وكان من رأي عبد الله بن إباض أنَّ مخالفيهم من أهل القبلة ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنَّهم كفّار. ومع ذلك لم يحرِّم مناكحتهم وموارثتهم، وشهادتهم ولو على أوليائهم بدعوى أنَّ معهم دعوة المسلمين تجمعهم، كما لم يبح دماءهم في السِّر، وإن أباحها في العلانيَّة، ورأى عبد الله بن إباض كذلك أنَّ أموال مخالفيهم لا تحلُّ عند الغنيمة إذا كانت ذهبا أو فضة، أمَّا الخيل والسلاح وما يكون من آلة القتال فإنَّه حلال».
ثُمَّ ذكر قصَّة خروج عبد الله بن إباض في عهد مروان بن محمَّد وقتله في ثبالة. (وقد بينَّا فيما سبق أنَّ هذا غير صحيح). ثُمَّ نقل ما قاله ابن حزم وبعض كتَّاب المقالات من أنَّ عبد الله بن إباض رجع إلى الثعالبة وأنَّ الإباضيَّة في الأندلس لا يعرفونه (وقد ناقشنا هذه الخرافة أيضًا وبينَّا بطلانها في ما سبق). ثُمَّ ذكر أنَّ الإباضيَّة ينقسمون إلى سبع فرق: وهي اليزيديَّة، والحفصيَّة، والحارثيَّة. وهي نفس الفرق التي تعرَّضنا لها أثناء مناقشتنا لأبي الحسن الأشعريِّ وبينَّا هناك أنَّ هذه الفرق إمَّا أنَّه لاوجود لها وإمَّا أنَّها لا علاقة لها بالإباضيَّة، ثُمَّ ذكر الإبراهميَّة والميمونيَّة والواقفة والبهيسيَّة، وهذه الفرق الأخيرة استخلصها شيبة الحمد من خرافة الأمة وبنت ثعلبة. تلك القصَّة التافهة التي نقلناها عن أبي الحسن الأشعريِّ. وبيَّنَّا هناك عدم صدقها عمومًا أو عند الإباضيَّة فحسب. وأضحنا هناك أنَّ تلك الفرق ليست من الإباضيَّة ولعلَّه من المضحك أن يقرأ الإنسان لشيبة الحمد ص 111 مايلي:
«الإبراهيميَّة: هم أتباع رجل من الإباضيَّة يقال له: إبراهيم، وليس لهؤلاء مذهب تفرَّدوا به: وإنَّما صاروا فرقة من فرق الإباضيَّة بسبب أنَّ إبراهيم هذا دعا جماعة من الإباضيَّة إلى داره».
ثُمَّ يذكر قصَّة بيع أمَة إبراهيم، وهي نفس القصَّة التي تكرَّرت في عدد من كتب المقالات.
خلاصة مذهب الإباضيَّة (1/107)
صفحة 108
1- «يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار بغي عندهم».
2- وقد اختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة منهم هو:
(أ) براءة من الشرك والإيمان جميعًا لقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَالِكَ لآَ اِلَىا هَؤُلآَءِ وَلآَ اِلَىا هَؤُلآَءِ} (النساء: )
(ب) وقالت طائفة منهم: إنَّ النفاق قاصر على من سمَّاهم الله عزَّ وجلَّ به عند نزول القرآن، فلا نزيل اسم النفاق من موضعه ولا نسمّي به غير من سمّى الله عزَّ وجلَّ.
(ج) وقالت طائفة منهم: «المنافقون أهل توحيد، ولكنَّهم أصحاب كبائر لا يدخلون في الشرك وإن سمَّيناهم كفارًا».
3- من مذهبهم أنَّ من زنى أو سرق أقيم عليه الحدُّ ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلاَّ قتل.
4- لم يستبيحوا قتل النساء والأطفال.
5- أباحوا قتل المشبَّهة واتِّباع مدبرهم وسبيَ نسائهم وذراريهم بناء على أنَّهم مرتدُّون، وأنَّ أبا بكر رضي الله عنه فعل هذا بالمرتدِّين».
هكذا استطاع شيبة الحمد أن يلخِّص المذهب الإبَاضِيَّ في سطور، وأن يحصره في خمس نقاط. كما فعل من قبله الأستاذ أبو زهرة وغيره.
إنَّ للإباضيَّة ــ كما لغيرهم من المذاهب الإسلاميَّة الأخرى ــ في أصول الشريعة وفروعها عشرات من الكتب تشتمل على مئات من الأجزاء. فكيف استطاع الأستاذ شيبة الحمد ومن سار على نهجه أنْ يلخّص تلك المجلّدات الضخمة في خمس نقاط في نصف صحيفة متوسِّطة؟
ثُمَّ هل يعني أنَّ أصحاب هذا المذهب الإسلاميَّ لم يهتمُّوا بشيء من أمور الإسلام غير دار المخالفين، ومعنى النفاق وحياة النساء والأطفال، ومصير المحدودين في الزنى والسرقة، ومعاملة المشبَّهة؟ وإنَّ بقيَّة أحكام الإسلام من دين وشريعة لا همَّ لهم بها، ولا بحث لهم فيها، ولا رأي ولا عقيدة.
أم يرى أنَّ الإباضيَّة إِنَّمَا يختلفون عن غيرهم من المسلمين في هذه النقط فقط ويتَّفقون فيما بقي؟ وهل اتَّفق المسلمون فيما بقي؟ (1/108)
صفحة 109
أنَّ الأستاذ شيبة الحمد يرى أنَّ الإسلام هو هذه النقط فقط، وأنَّ غيره لا أثر له في عقيدة المسلمين وسلوكهم.
إنَّ القارئ الكريم مهما فكَّر في هذا الملخّص فإنَّه لا يستطيع أن يخرج منه بنتيجة، وعوَّض الله خيرًا على أولئك الطلاَّب الذين ظنُّوا أنَّهم يتلقَّون العلم. وهم إِنَّمَا تحشى أذهانهم بفراغ.
لو رجع الأستاذ عبد القادر إلى كتب الإباضيَّة لوجد لهم بحوثًا ممتعة في أصول الشريعة وفروعها، وجميع أنواع ثقافاتها، وهم يتلاقون في بحوثهم مع المذاهب الإسلاميَّة الأخرى هنا وهناك ولا ينفردون برأيهم في مسألة اجتهاديَّة إِلاَّ نادرًا، وقد لا يكون هناك شيء انفردوا به، وعندما ينفردون برأيهم في مسألة اجتهاديَّة فذلك بناء على دليل ترجَّح لديهم، كما يقع في جميع المذاهب الإسلاميَّة الأخرى.
وهذه الحركة، حركة اختلاف المذاهب، هي خاصيَّة من خصائص الحيويَّة في الإسلام، ودليل انفساحه للعقول والأفهام، وأسُّ صلاحيَّته لكلّ زمان ومكان.
فقد تختلف أنظار المجتهدين في مسألة فيذهب كلٌّ إلى راي يعتمد فيه على دليل صحَّ عنده، وقد يعمل الناس بقول في جهة أو في زمان ثُمَّ يترجَّح غيره عليه فيعمل به الناس ويموت القول الأوَّل أو يبقى في بطون الكتب فقط. وهذه حالة توجد عند جميع المذاهب بل قد تقع للعالم الواحد كما اشتهر في الشافعي قديم وجديد، وكذلك غيره. فإذا كانت هذه طبيعة الآراء في المذاهب فكيف أمكن للأستاذ عبد القادر أن يلخّص مذهب الإباضيَّة في خمس نقاط فقط. (1/109)
صفحة 110
على أنَّه حتَّى في هذه النقاط الخمس ــ التي ما هي في الواقع إِلاَّ مخلّفات للحركة السياسية، وآثار النزاع على الحكم، والتي كانت تتَّخذها السلطة الحاكمة وسيلة لإثارة الرأي العام ضدَّ منتقدي حكمها والساخطين عليها لسوء سيرتها، ولإبعادهم عن مجال التأثير في الجماهير لم يوفَّق ولم يعرف رأي الإباضيَّة الحقَّ، لأَنَّهُ لم يرجع إليهم وإنَّما رجع إلى خصومهم ومن أخذ من خصومهم. إذا جاز استعمال هذا التعبير، وقد أخطأ في النقاط جميعها، وفي بعضها نسب إلى الإباضيَّة غير ما يقولون، وبعضها استعمل فيها عبارات التعميم والإيهام. ولذلك رأيت أن أوضّحها نقطة نقطة، إما في فصول خاصَّة وإمَّا في فصل معقود لمسائل اجتهاديَّة فرعيَّة، وبرجوع القارئ الكريم إلى مناقشتنا للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد في النقاط السابقة يتَّضح له أنَّ الأستاذ عبد القادر لم يوفَّق حتَّى في هذه النقاط التي زعم أنَّه يلخّص فيها مذهب الإباضيَّة، فنسب في بعضها إليهم ما لا يقولون به، فأعطى صورة غير صحيحة عن هذا المذهب. ولا شكّ أنّ مثل هذا التشويه قد لحق ببقيَّة المذاهب الأخرى التي تحدّث عنها في كتابه.
وهذا الجهل بالمذاهب الإسلاميَّة، ومقالاتها الحقيقيَّة، والخلط بين ما يذهب إليه كلّ واحد منها ونسبته إلى الآخر، والتشويه الذي ينتج عن ذلك ــ سواء كان مقصودًا أو غير مقصود ــ هو ما يجب أنْ يربأ عنه حملة الشريعة الإسلاميَّة والأساتذة الذين يناط بهم تدريس موادِّ الإسلام، وتكوين أجيال تحمل مشاعل النور والهداية.
أمَّا المؤسَّسات والمعاهد التي جعلت لتدريس موادِّ الإسلام فينبغي لها في هذا العصر أن ترتفع عن المذهبيَّة الضيّقة، وأن تنشرح صدرًا للبحث العلمي الواسع، بنزاهة وتجرُّد، وأن ترتفع عن اعتبارات الدول والأوطان مراكز مذهبيَّة معيَّنة لا تخرج عن إطارها وعن حسبان أنَّ للدول القائمة مذهبًا معيَّنًا لا تخرج عن حدوده. (1/110)
صفحة 111
إنَّ المؤسَّسات والمعاهد التي تتولَّى تدريس الشريعة الإسلاميَّة بأصولها وفروعها يجب أن تغيّر مناهجها وكتبها على نمط يسمح لكلِّ المذاهب الاسلامية أن تتاح لها فرصة عرض عقائدها وآرائها بوضوح وصحَّة من مصادرها الثابتة لا من المصادر البعيدة عنها والتي قد تشوِّهها وتثبت لها نقيض ما تعتقده وتراه. بل يجب أن تعرض آراء المذاهب جميعًا باعتبارها آراء أفراد منسوبة إلى من قال بها مقيمة بما استندت إليه في حجَّة أو دليل معتبر في الشرع، وينبغي ألاَّ يقوم بعرض آراء أو عقائد أيِّ مذهب إلاَّ علماء مسنيرون منهم، يعرفونه حقَّ المعرفة ويميِّزون بين المعمول به والمتروك في أقواله، ويضعونه في درجته من الصحَّة أو الشذوذ.
مع الدكتور هويدي
هذا المؤلِّف معاصر آخر، أصدر كتابًا سمَّاه «تاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقيَّة» وخصَّص الجزء الأوَّل منه للشمال الإفريقي، وقد قسَّم هذا الجزء إلى قسمين:
القسم الأوَّل: تحدَّث فيه عمَّن سمَّاهم الخوارج والشيعة.
القسم الثاني: تحدَّث فيه عمَّا سمَّاه الإسلام السنّي.
ومع أنّ الدكتور يعيش في العصر الذي يدعو كلّ ما فيه إلى وجوب العمل على توحيد صفوف المسلمين، وعلى الرفق بهم، واستعمال الكلمات المؤنسة اللطيفة في الحديث عنهم، مهما كانوا وأينما كانوا، وعلى التقريب بين وجهات أنظارهم المختلفة، وعلى منابذة الجمود والعصبيَّة، ورغم أنَّ دراسته للدكتوراه كانت في باريس، ورغم أنَّه دكتور في الفلسفة التي يفترض في صاحبها أن يكون واسع الأفق، منفسح النظرة، متفهِّمًا لجميع الآراء والنظريَّات، رغم كلّ ذلك فإنَّك لمجرَّد ما تقرأ جزءًا من هذا الكتاب تحسُّ بأنَّ تيَّارًا قويًّا يجرف قلم الدكتور في طريق معيَّنة كأنَّما يسوقه فيها بدون وعي !
جاء في كتابه ص 54 ما يلي:
« (1/111)
صفحة 112
فلسفة الإباضيَّة: يلخّص الأشعريُّ في (مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلِّين) النقاط التي التقى حولها جمهور الإباضيَّة وبوسعنا أن نجمعها على الوجه التالي: (1)
ثُمَّ يخلط خلطًا عجيبًا بين ما نسبه أبو الحسن الأشعريُّ إلى الخوارج عامَّة أو إلى بعض فرقهم ــ كالحفصيَّة ــ خاصَّة، وإلى ما نسبه إلى الإباضيَّة ويستخرج من ذلك الخليط العجيب، النقاط التي يزعم أنَّ الأشعريَّ اعتبرها ملخّصًا لمقالات الإباضيَّة.
والسؤال هنا: ما الذي يحمل الدكتور على الرجوع إلى ما كتبه الأشعريِّ قبل عشرة قرون وهو يتحدَّث عن الإباضيَّة في هذا القرن، أمَا كان أولى به وأقرب إلى الحقّ والصدق أن يأخذ مقالاتهم من نفس كتبهم ــ وعنده منهما الندر القليل ويستطيع الحصول على غيرها لو أراد بجهد يسير، عندما كتب عن المَالِكِيَّة رجع إلى كتب المَالِكِيَّة فلماذا لم يقف نفس الموقف مع الإباضيَّة ويرجع إلى كتبهم، وإنَّما تركهم ورجع إلى غيرهم يلتمس ما قيل عنه قبل عشرة قرون.
يقول الدكتور هويدي في كتابه السابق ص 44 ما يلي: (2)
«
__________
(1) - سوف ننقل نصَّ الفقرة ونعرضها للمناقشة في أواخر هذا الفصل.
(2) - سنعود إلى مناقشة هذه الفقرة في فصل آتٍ. (1/112)
صفحة 113
وكان الوهبيَّة يطلقون على أنفسهم اسم «المسلمين» لأنَّهم وحدهم هم الذين يستحقّون هذا الاسم في نظر أنفسهم، ولأنَّهم القائمون بالسنَّة وحدهم، أمَّا المالكيُّون والحنفيُّون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبيَّة اسم الموحِّدين، أي أنَّهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنَّهم ليسوا بمسلمين أيضًا، وكانوا يعتقدون أنَّ دعوة هؤلاء الموحّدين إلى الدين الحقّ، وهم عندهم مبادئ الخوارج، فرض كفاية على كلّ وهبيِّ، وأنَّ عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أوَّل الأمر. فإن أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحِّدين بحال من الأحوال على عكس المشركين، (ويمثِّلهم في نظر الإباضيَّة المسيحيُّون واليهود والزرادشتيَّة...) فإنَّه تقع عليهم الجزية».
وبعد هذا الكلام مباشرة وضع بين قوسين (الشمَّاخي: كتاب السير) ولا شكَّ أنَّ القارئ ــ حين يجد بعد ذلك الكلام اسم الشمَّاخي واسم كتابه السير ــ يعتقد أنَّ الكلام السابق منقول إلى الشمَّاخي إذا لم يكن بالنصِّ والحرف فبالمعنى. ولا دلالة له غير ذلك والواقع أنَّ كتاب السير كتاب تراجم وتاريخ لا يتحدَّث عن هذا الموضوع مطلقًا، وليس فيه ما يشير إلى هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد، ولست أدري كيف تورَّط الدكتور فألقى نفسه في هذه المشكلة التي تجعله ينسب كلامًا إلى شخص لم يقله، وإلى كتاب لم يوجد فيه. هل كان يعتقد أنَّ الكتاب من الندرة بحيث لا يعرفه الناس ولا يقرؤونه، وأنَّه إذا كان كذلك فلا بأس أن ينسب إليه ما ليس فيه.
قد تكفي سقطة واحدة كالسقطة السابقة للتدليل على المنهج الذي يسير عليه المؤلِّف ولكنَّنا سوف نعرض على القارئ الكريم نماذج أخرى أكثر وضوحًا عن ذلك المنهج.
يقول الدكتور هويدي في نفس الكتاب ص 49 ما يلي:
« (1/113)
صفحة 114
ومن فرق الإباضيَّة كذلك، فرقة النفوسيَّة أو التمزينيَّة أصحاب أبي يونس وسيم النفوسي التمزيني الذي ثار مع أصحابه في ولاية أبي بكر بن الأفلح بسب مساقي الناس. وترك أتباع الحاكم حفر هذه المساقي من غير تسوية مِمَّا أثار الناس».
(الشمَّاخي: كتاب السر: ص195) هكذا قال، وإذا رجعت أيُّها القارئ الكريم إلى كتاب السير للشمَّاخي ص 195 فإنَّك سوف تجد كلامًا يناقض تمامًا ما أورده الدكتور عن الإباضيَّة وعن أبي يونس ونسبه إلى الشمَّاخي، وليته حين نسب هذا الكلام إلى الإباضيَّة لم يتورَّط فيذكر المؤلّف والكتاب والصفحة وليته إذ ذكر المؤلف لم يذكر الكتاب والصفحة، وليته إذ لم يذكر المؤلِّف الكتاب لم يذكر الصفحة حتَّى يمكن ــ دفاعًا عنه أن يستمسك الانسان ولو بخيط رقيق واه، ولكن ما الحييلة والدكتور يريد أن يظهر بمظهر من يتبع الأسلوب العلمي فوقع في هذه المشكلة. والآن أيُّها القارئ الكريم إذا رجعت إلى كتاب السير للشمَّاخي ص195 فإنَّك سوف تجد فيه ما يلي بالحرف الواحد:
«ومنهم (1) أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني، قال أبو زكرياء إن الإمام استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم ــ وما ولاها ــ فأحسن السيرة، وسبّب خروجه من جبل نفوسة إلى قنطرارة، أنَّ خدمه إذا احتطبن في مساقي أرباع الناس تركن الحفر في غير تسوية، فيمسكن الماء عند مجيء المطر، فخشي التبعات، فولَّى قنطرارة، فأحسن السيرة وعدَل في القضيَّة، وأحسن إلى الرعيَّة وربَّما طلع على أشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادي: لا فرار من الصدقة، والفارُّ من الصدقة يؤدِّي ويكرِّر ذلك، وتمادى على ولايته وعدله إلى أن مات مريضًا حميدًا».
__________
(1) - أي ومن علمائهم أي علماء الإباضيَّة. (1/114)
صفحة 115
ولا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يرى الفرق الكبير بين ماقاله الشمَّاخي في السير وبين ما نسبه إليه الدكتور هويدي. ولكي تتمَّ الصورة ويتَّضح موقف الدكتور هويدي أنقل للقارئ الكريم ما يتعلَّق بالموضوع في كتاب السير يقول الشمَّاخي محمَّد سعيد بن أبي وسيم التمزيني [كذا والصواب: الشمَّاخي أبو العبَّاس أحمد بن سعد بن عبد الواحد] في كتابه السير ص 214 ما يلي:
«وقال أبو زكرياء أرسل أبو يونس وسيم بن سعيد ابنه سعداً إلى تيهرت ليتعلَّم العلم ومعه نفَّاث بن نصر فتعلَّما عند الإمام. فلمَّا بلغا من العلوم ما أراد الله، أرادا الرجوع إلى بلدهما، وذلك وقت موت أبي يونس عامل الإمام على قنطرارة ــ وتقدَّمت أخباره ــ فاختار الإمام أفلحُ سعدًا لأحكام الناس وقدَّمه في موضع أبيه». هذا نصُّ ما قاله الشمَّاخي عن أبي يونس وسيم وعن ابنه سعد، وعند المقارنة يظهر لك مناقضة، ما قال الدكتور هويدي لما جاء في سير الشمَّاخي فبينما يصفه الشمَّاخي بالتقى والورع وفراره من الشبهات واختيار الإمام له ــ من أجل هذه الصفات ــ فولاَّه عاملا له، ويقرِّر الشمَّاخي أنَّ أبا يونس بقي عاملا للإمام حتَّى توفي، وأنَّه كان مرضيًّا عنه من الناس ومن الإمام، ويقرِّر أيضًا أنَّه أرسل ولده إلى تاهرت ليدرس العلم عن الإمام، وأنَّه فعلاً درس عليه حتَّى بلغ مراده ورجع إلى بلده فاختاره الإمام أيضًا عاملا في مكان أبيه. (1/115)
صفحة 116
وهذه الصورة التي وضعها الشمَّاخي، وقد جاء الدكتور الهويدي بصورة مناقضة لها تماما ونسبها إلى الشمَّاخي، والدكتور هويدي يزعم أنَّ أبا وسيم انتقد خدم الحاكم فثار على الإمام وثار معه الناس حتَّى كوَّنوا فرقة تسمَّى النفوسيَّة والتمزينيَّة [في الأصل: التميزينيَّة] وهو كلا م لا أساس له مطلقا لا في الواقع ولا في كتاب السير ولا في غيره من كتب التاريخ الإبَاضِي وربَّما نقل الدكتور هذه الفكرة عن بعض المستشرقين، وأنَّ أولئك المستشرقين لم يفهموا كلام الشمَّاخي ففسَّروه بهذه الصورة، ونقلها عنهم الدكتور دون الرجوع إلى الأصل، وإلاَّ فلا تفسير لهذا التناقض بأيِّ اعتبار ولا سيما أنَّ عبارة الشمَّاخي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تفكير ولا تفسير.
وممَّا وقع فيه الدكتور هويدي أيضًا من نسبة الكلام الى ناس لم يقولوه أو تحريف ما قالوه بحيث يؤدِّي معنى غير المعنى الذي قصده المؤلِّف الأصلي ما نسبه إلى أبي الحسن الأشعريِّ، فقد جاء في كتاب الدكتور هويدي ما يلي ص 54:
«يلخِّص الأشعريُّ في (مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين) ــ طبعة ريتر ــ الطبعة الثانية ــ (1963) النقاط التي التقى حولها جمهور الإباضيَّة وبوسعنا أن نجمعها على الوجه التالي:
تأوَّلوا في عثمان نحو ما تأوَّلت الشيعة في أبي بكر وعمر، وزعموا أنَّ عليًّا هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن الكريم: {قُلَ اَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا، وَنُرَدُّ عَلَىآ أَعْقَابِنَا بَعْدَ اِذْ هَدَانَا اللهُ، كَالذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الاَرْضِ حَيْرَانَ، لَهُ, أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى اتِنَا، قُلِ اِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَىا وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ} (الأنعام: 17). (1/116)
صفحة 117
وإنَّ أصحابه الذين يدعونه إلى الهدى أهل النَّهروان وزعموا أنَّ عليا هو الذي أنزل الله سبحانه فيه الآية: {وَمِنَ النَّا سِ مَن يُّعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} (البقرة: 204) وأنَّ عبد الرَّحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ الله}.
وإذا رجع القارئ الكريم لم يجد هذا الكلام فيما كتبه الإمام الأشعريُّ عن الإباضيَّة وإنَّما يجد هذه الفقرات ضمن شنائع أخرى أشدُّ منها وأخزى نسبها الإمام أبو الحسن إلى الحفصيَّة ــ أتباع حفص بن أبي المقدام ــ وعلَّق عليها الإمام أبو الحسن هناك بقوله: «إلاَّ أنَّ جلَّ الإباضيَّة يبرأون منه وممَّن تبعه ــ أي يبرأون من حفص وأتباعه لشناعة مقالاته ــ ولكنَّ الدُّكتور هويدي الذي نسب إلى الشمَّاخي ما نسب لا يعجزه أن ينسب إلى أبي الحسن الأشعريِّ ما يريد أن ينسب.
وفي الحين الذي يذكر أبو الحسن أقوال الحفصيَّة ثُمَّ ينصُّ على أنَّ الإباضيَّة يبرأون من ذلك، أي يبرأون من الأقوال وممَّن قال بها ـ يأتي الدكتور هويدي فيأخذ ما نسب إلى الحفصيَّة فقرة ــ ولعلَّها أشنع ما نسب إلى الحفصيَّة ــ فيجعلها مِمَّا يلتقي حوله الإباضيَّة، وينسب ذلك كلّه إلى أبي الحسن الأشعريِّ مفسِّرًا قول أبي الحسن: «إلاَّ أنَّ جلَّ الإباضيَّة يبرأون منه» بقوله هو: النقاط التي يلتقي حولها جمهور الإباضيَّة يعني أنَّ أبا الحسن يقول إنَّ جمهور الإباضيَّة يبرأون مِمَّا يقول هذا فيترجمه الدكتور هويدي إلى جمهور الإباضيَّة يلتقي حول هذا. ويعطي لكلمة يبرأون التي وردت على لسان أبي الحسن كلمة يلتقون التي وردت على قلمه. والدكتور يفعل هذا مع هذه الكتب وهي مطبوعة ومتداولة بين أيدي المثقَّفين، ولا يشعر بحرجٍ ــ فيما يبدوا ــ في موقفه لأَنَّهُ يقصد هذا. (1/117)
صفحة 118
والذي يتتبَّع ما كتبه الدكتور هويدي عن الإباضيَّة ــ رغم ذكره لبعض كتبهم ــ يحسُّ أن الدكتور يجهل كثيرا من الأشياء التي تناولها بالحديث عنها، سواء ماكان منها مقالات وآراء في الشريعة الإسلاميَّة، أو ماكان منها أحداثًا وتاريخًا وبلدانًا، وإلى القارئ الكريم أمثلة في أخطائه في الأحداث والتاريخ والبلدان.
يقول في كتابه ص 58 ما يلي:
«حيث أنَّ الورجلانيَّ أحد فقهاء وفلاسفة الإباضيَّة الرستميِّين في جبل نفوسة». وأبو يعقوب كما هو معروف ليس رستميَّا وإنَّما هو سدراتيٌّ وليس من جبل نفوسة وإنَّما هو من سدراتة وسكن ورجلان فنسب إليها وقيل له «أبو يعقوب الوارجلانيُّ».
والرستميُّون سكنوا تاهرت وقد انقرضوا قبل ثلاثة قرون من وجود أبي يعقوب في ورجلان، ووارجلان تقع في الجنوب الشَّرقيِّ للجزائر، بينما تقع تيهرت في الشمال الغربيِّ للجزائر. أمَّا جبل نفوسة فيقع في ليبيا والأماكن الثلاثة متباعدة عن بعضها ولا علاقة في النسب بين أبي يعقوب والرستميِّين ولكنَّ الدكتور ــ حسبما يبدو ــ لا يفرِّق بين هذه الأشياء، ولا يهمُّه أن يفرِّق.
يقول في كتابه ص 49 ما يلي:
«أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني الذي ثار مع أصحابه في ولاية أبي بكر بن الأفلح».
وأبو يونس لم يثر على إمامه أبدًا، وبقي عاملاً له حتَّى توفي ــ كما أوضحنا ذلك من قبل ــ وهو لم يدرك إمامة أبي بكر لأَنَّهُ توفي في إمامة أفلح وقد تولَّى ابنه سعد الولاية من بعده على قنطرارة للإمام أفلح.
وكلُّ ما كتبه الدكتور هويدي في هذه الفقرة خطأ، وأشدُّ النقد إِنَّمَا ينصبُّ عليه بسبب نسبته هذا الكلام إلى الشمَّاخي بتحديد الكتاب والصفحة بينما يحمل الكتاب والصفحة ما يناقض هذا الكلام مناقضة كاملة. (1/118)
صفحة 119
هذه شواهد مِمَّا كتبه الدكتور هويدي عن الإباضيَّة وهي ــ مع شناعتها أقلُّ من بعض ما لم نتعرَّض له ــ وقد كتب عن بني ميزاب كلامًا تتقزَّز منه النفوس، يبدو أنَّه نقله عن بعض المستشرقين الحاقدين على بني ميزاب بترجمة حرفيَّة ركيكة يظهر فيها ــ بوضوح ــ سخافة التعبير والخطأ في نطق الأسماء.
وزعم الدكتور هويدي أنَّه تناول بالتحليل بعض مصادر الفلسفة الإباضيَّة ولكنَّه فيما يبدو أنَّه نقل تلك الدراسات عن بعض المستشرقين بما فيها من خطأ وجهل بمعاني بعض المصطلحات، كما تحدَّث عن الحركة العلميَّة والتاريخيَّة بكثير من التخبُّط والجهل.
مع الدكتور هويدي أيضًا
مهمَّة الشرح والإيضاح مهمَّة عسيرة، وهي تقتضي مِمَّن يضع نفسه في موقف الشارح أن يكون ذا استعداد للقيام بهذه المهمَّة العسيرة.
ومن أهمّ الوسائل لذلك ــ فوق الملكة الفطريَّة ــ أن يمتلك القدرة على الفهم الصحيح، وأن يقوى على إيصال الصورة الحقيقيَّة للموضوع إلى الآخرين في وضوح، وأن يكون فاهمًا فهمًا صحيحًا لا يخطئ لما يريد شرحه، وأن يكون أمينًا في نقل المعاني، وأن يكون واضح التعبير غير جاهل بالمصطلحات، وأن يكون عارفًا باللغة واشتقَاقَاتها معرفة دقيقة، فإن اختلَّت فيه هذه الوسائل فإنَّ شروحه لا تكون إِلاَّ صورًا من الغموض، وعجائب من الخلط والتشويه. والدكتور هويدي يصرُّ ــ وهو يكتب عن الإباضيَّة ــ أن يقدِّم شروحا وتعاليل كثيرة يكتنفها الخطأ من كلّ جانب، وسوف أناقش معه في هذا الفصل مثالين مختصرين: الأوَّل في المعنى اللغوي لكلمة مفردة، والثاني لفقرة تتضمَّن بعض الاصطلاحات.
المثال الأول: (1/119)
صفحة 120
جاء في كتابه تاريخ الفلسفة الإسلاميَّة نقلاً عن الشمَّاخي ص 37 ما يلي: «فاتَّعدوا ليوم معلوم يجتمعون فيه» وقد شرح كلمة (اتَّعدوا) بقوله: (أي أعدوا العدَّة) ووضعها بين قوسين، وأحسب أنَّ عبارة الشمَّاخي واضحة لا لبس فيها ولا تحتاج إلى شرح. ولكنَّها لا تعني ما ذهب إليه الدكتور إِلاَّ على باب من الالتواء والتأويل، لأنَّ كلمة (اتَّعدوا) تعني أنَّهم اتَّفقوا على موعد يتلاقون فيه، أو وعد بعضهم بعضا باللقاء، أو حدَّدوا لأنفسهم زمانًا أو مكانًا يجتمعون فيه، أو ما يؤدِّي هذا المعنى، ففسَّر كلمة (اتَّعدوا) بقوله: أعدُّوا العدَّة أي استعدُّوا، والفرق بين معاني اتَّعدوا واستعدُّوا وأعدُّوا واضح في استعمالات اللغة العربيَّة، لأنَّ (اتَّعدوا) مشتقَّة من وعد، وهي مادَّة أخرى غير مادَّة عدَّ، وأعد، واستعدَّ.
ولكن الدكتور ــ وهو يتعاطى الشرح والتفسير ــ لم يحمل نفسه عناء التذوُّق، تذوُّق معاني الكلمات في استعمالاتها الصحيحة المختلفة، ولا عناء الرجوع إلى قواميس اللغة، للتأكّد من سلامة فهمه؛ ولا حتَّى عناء التأمُّل في سياق العبارة وما تؤدِّيه، وأعتقد أنَّ الاستهانة بالدقَّة في معاني المفردات واستعمالاتها من رجل يشتغل بالأبحاث الفلسفيَّة، لا يناسب ما تفرضة الفلسفة من التدقيق في معرفة الحقائق.
المثال الثاني:
يقول الدكتور هويدي في كتابه السابق ص 44 ما يلي:
« (1/120)
صفحة 121
يقال الإباضيَّة الخوارج (الوهبيَّة) (1) أو (الوهَّابيَّة) وكان الوهبيَّة يطلقون على أنفسهم اسم (المسلمين) لأنَّهم وحدهم هم الذين يستحقُّون هذا الاسم في نظر أنفسهم، ولأنَّهم القائمون بالسنَّة وحدهم، أمَّا المالكيُّون والحنفيُّون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبيَّة اسم (الموحِّدين) أي أنَّهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنَّهم ليسوا بمسلمين أيضًا، وكانوا يعتقدون أنَّ دعوة هؤلاء الموحِّدين إلى الدين الحقِّ وهو عندهم مبادئ الخوارج فرض كفاية على كلّ وهبيٍّ ــ وأنَّ عليه أن يبدأ بإقناعه بالحسنى أوَّل الأمر ــ فإن أبوا فيجب عليه قتالهم. لكن لا تقع الجزية على الموحِّدين بحال من الأحوال، على عكس المشركين (ويمثِّلهم في نظر الإباضيَّة المسيحيُّون واليهود والزرادشتيَّة) فإنَّه تقع عليهم الجزية.
__________
(1) - هذه التسمية خاصة بالإباضيَّة تطلق عليهم دون غيرهم من الفرق التي انشقَّت عنهم. وسبب تسميتهم بهذا الاسم أنَّ فرقا انشقت عن الإباضيَّة وانحرفت عن أصولها وعقائدها واحتفظت باسم الإباضيَّة رغم أنَّها صار لها أسماء جديدة. فأطلق الإباضيَّة الأصلاء على أنفسهم كلمة الوهبيَّة تمييزًا لهم عن غيرهم في الفرق التي مالت إلى الخوارج أو إلى المعتزلة.كالنكَّار والحسينيَّة وغيرهم وستجد مزيدًا من التفصيل والإيضاح عن هذا الموضوع في الفصل الخاص بالحديث عن فرق الإباضيَّة. (1/121)
صفحة 122
حرص الدكتور هويدي حرصا شديدا على أن يذكر كلمة الخوارج قبل أو بعد كلمة الإباضيَّة كأنَّ إحداهما تفسيرًا للأخرى مِمَّا اقتضاه أن يكرِّر كلمة (الخوارج) ــ دون أيَّة حاجة إليها ــ في الصفحات القليلة التي كتبها نيِّفا وثلاثين مرَّة مِمَّا يبعث السأم والاشمئزاز في نفس القارئ من هذا التشبُّث اللفظيِّ الذي يسيطر على حواسِّ الكاتب، كأنَّما يخشى أن ينفلت من الإباضيَّة دون أن يلتصق بهم الخوارج. وفي مقابل هذا حرص حرصا شديدا أيضًا كلَّما ذكر المذهب المالكيَّ أن يلحقه بكلمة السنِّي في إصرار وتشبُّث عجيبين كأنَّما هناك مذاهب مالكيَّة كثيرة يتحدَّث هو عن واحد منها فقط، أو كأنَّما يخشى أن ينفلت منه المذهب المالكيُّ دون أن تلتصق به كلمة السنِّي. ولا يدلُّ على هذا التشبُّث اللفظيِّ الساذج ــ إن دلَّ على شيء ــ إِلاَّ على أنَّ الكاتب في قرارة نفسه لا يصدِّق هذا ولا يؤمن به. وإنَّما يقوله ويحرص على قوله خوفا من وهم يطارده في أعماق نفسه، أو كالمتحدِّث الذي لا يثق فيما يقوله أو يعلم أنَّ الناس لا يصدِّقونه فيؤكِّد كلّ جملة من حديثه بيمين دون أن يطلب منه يمين.
يقول الدكتور هويدي: «وكان الوهبيَّة يطلقون على أنفسهم اسم المسلمين» ثُمَّ يذهب يشرح كلامه هذا الواضح بتفسير معقَّد فيزعم أن الوهبيَّة يقصِّرون اسم المسلمين عليهم ولا يطلقونه على غيرهم لأنَّهم وحدهم الذين يستحقُّونه، ولأنَّهم القائمون بالسنَّة. (1/122)
صفحة 123
وأريد أن أقول للدكتور هويدي بعبارة واضحة مختصرة إن الإباضيَّة يطلقون كلمة المسلمين على جميع أهل القبلة وهم داخلون فيها، وقد يطلقونها ويريدون بها الإباضيَّة بقرينة تدلُّ على ذلك إمَّا لفظيَّة وإمَّا بدلالة السياق، وهي ترادف كلمة الموحِّدين في أغلب الاستعمالات، ولهذا فكلام الدكتور هويدي غير صحيح وهناك بحوث شرعيَّة مطوَّلة بين علماء الأمَّة في معاني كلمات: مؤمن وموحد ومسلم ومشرك وكافر ومنافق وفاسق وعاص، والعلاقات بين بعضها والبعض الآخر، والخصوص والعموم فيها، ولكلِّ المذاهب الاسلاميَّة في هذا الموضوع مواقف محدَّدة وللإباضيَّة فيها موقفهم المحدَّد..
أمَّا أنَّهم يحسبون أنفسهم عاملين بالإسلام قائمين بالسنَّة فهذا صحيح، وكلُّ مذهب من المذاهب الإسلاميَّة يعطي لنفسه هذا الحقَّ ويأباه عن الآخرين، لأَنَّهُ إذا كان الآخرون المخالفون له على الحقِّ فهو على الباطل. ولذلك نجد كلَّ أهل مذهب يحرصون على أن يسمُّوا أنفسهم: أهل السنَّة، أهل الحقِّ، أهل الاستقامة.
وربَّما كان مهمًّا أن يفهم الدكتور أنَّ جميع أصحاب المذاهب الإسلاميَّة قد يطلقون كلمة المسلمين ويريدون بها مذاهبهم الخاصَّة بقرينة تدلُّ على ذلك، ولو تأمَّل في كتب المذهب (المالكيِّ السنيِّ) لوجدها مئات المرَّات قد أطلقت كلمة المسلمين على أتباع الإمام مالك فقط، ولا حرج في ذلك، فهي وغيرها لا تريد تحجير الواسع كما أراد أن يفسِّر الدكتور. بقي في هذه النقطة أن يعلم الدكتور أنَّ الإباضيَّة إذا أرادوا أن يتحدَّثوا عن الإباضيَّة خاصَّة فإنَّ لهم أسماء خاصَّة كالإباضيَّة والوهبيَّة وأهل الدعوة وأهل الاستقامة، وكثيرًا ما يرد في كتب الفقه: قال أصحابنا، أو هذا قول أصحابنا، على أنَّ كلمتي الأصحاب وأهل الاستقامة تستعملها مذاهب أخرى للدلالة على نفسها. أمَّا الإباضيَّة والوهبيَّة وأهل الدعوة فهو خاصٌّ عند الإباضيَّة بالإباضيَّة. (1/123)
صفحة 124
بعد هذا التفسير الملتوي الذي لا لزوم إليه من الدكتور هويدي ينزلق قلمه إلى عبارة توحي بأنَّ الكاتب يريد إشعال فتنة بين الإباضيَّة من جهة والمالكيَّة والحنفيَّة من جهة أخرى فقد قال: أمَّا المالكيُّون والحنفيُّون الذين انتشروا بإفريقيا فقد أطلق عليهم الوهبيَّة اسم الموحِّدين أي أنَّهم في نظرهم ليسوا بمشركين، ولكنَّهم ليسوا بمسلمين أيضًا.
لست أدري هل كان الدكتور هويدي يحسُّ بما تدلُّ عليه هذه العبارة، وأنَّها لا تصدر في هذا العصر إِلاَّ عن إنسان يريد أن يثير فتنة، ويفرِّق كلمة، ويزرع البغضاء بين الناس، وأنَّه اختار المذهبين المالكيَّ والحنفيَّ ليجعل منهما مقدح النار. وإلاَّ فلماذا خصَّصهما دون بقيَّة الفرق والمذاهب؟ ولماذا رجع إلى تلك العبارة الغامضة الموهمة التي قيلت قبل عشرة قرون مضت؟. إنَّ كلمة الموحِّدين من الناحية الشرعيَّة يطلقها الإباضيَّة على كلّ من أقرَّ بالجملة وليست خاصَّة بالمالكيَّة والحنفيَّة، بل تطلق عليهما وعلى الإباضيَّة أنفسهم وعلى غيرهم من الفرق والمذاهب التي آمنت بالله ورسوله.
إن الإباضيَّة يطلقون على المالكيَّة وغيرهم اسم المسلمين ويعاملونهم ويعاملون غيرهم ــ مِمَّن أتى بالجملة ــ معاملة المسلمين، لا ينقصونهم شيئًا أبدًا، ما عدا الاستغفار وطلب الرحمة من الله، فهذه حقوق شخصيَّة، والإباضيَّة يرون أنَّ الولاية والبراءة الشخصيتين واجبتان، فعلى مسلم أن يتولَّى ويحبَّ ويستغفر ويسترحم للمسلم الذي يراه موفيا ويعمل صالحا، وعليه أن يبغض ويبرأ إلى الله من كلّ عاص إذا عرفه بشخصه فإذا لم يعرفه توقَّف فيه حتَّى يعرفه. (1/124)
صفحة 125
وخلاصة مناقشة هذه النقطة أن الإباضيَّة يطلقون كلمة المسلمين على جميع المسلمين دون تفريق، وقد يطلقون كلمة المسلمين ويقصدون بها جزءًا منهم، بدلالة قرينة أو سياق، وهذا هو الأسلوب الموجود في أحاديث جميع الفرق والطوائف؛ وعندما يتحدَّث أيُّ متحدِّث عن النصر والهزيمة بين جيوش المسلمين وأعدائهم فقد ترد أمثال هذه العبارات/ فعندما يقال انتصر المسلمون في إسبانيا أو انهزموا في موقعة كذا فهم يعنون بذلك المسلمين الذين هم في الواجهة، ولا شكَّ أنَّ المسلمين الذين هم بعداء عن أرض القتال ليسوا منتصرين أو منهزمين في الوقائع السابقة، وعندما يكون القتال بين فرق من المسلمين أو دول من المسلمين فيقول أحد الفريقين: انتصر المسلمون أو انهزموا أو فعلوا كذا فهو بالتأكيد يريد بكلمة المسلمين الجناح الذي هو فيه، أو ينتهي إليه، وقد استعمل كلمة المسلمين للدلالة على هذا القسم الخاصِّ، ولكنَّ التعبير مع هذه الدلالة لا يعني إخراج القسم الآخر من الإسلام أو الحكم عليه بالكفر. أظن أنَّ هذا يكفي لإيضاح هذه النقطة التي حاول الدكتور هويدي أن يستعملها في غير حقيقتها.
بعد هذا كلّه يتورَّط الدكتور هويدي تورُّطا مخجلاً حين يقول:
« (1/125)
صفحة 126
وكانوا يعتقدون أنَّ دعوة هؤلاء الموحِّدين إلى الدين الحقِّ ــ وهو عندهم مبادئ الخوارج ــ فرض كفاية على كلّ وهبيٍّ وأنَّ عليه أن يبدأ بإقناعهم بالحسنى أوَّل الأمر فإنَّ أبوا فيجب عليه قتالهم، لكن لا تقع الجزية على الموحِّدين بحال من الأحوال. على عكس المشركين (ويمثِّلهم في نظر الإباضيَّة المسيحيُّون واليهود والزرادشتيَّة...إلخ) فإنَّه تقع عليهم الجزية». الواقع أنَّ هذا الكلام غير مستقيم ولا سليم وصاحبه فيما يبدوا لا يفرِّق بين فرض العين وفرض الكفاية، فبينما يقول: إنَّ دعوة الموحدين إلى مبادئ الخوارج فرض كفاية عند الإباضيَّة، يناقض قوله هذا فيزعم أنَّ ذلك يجب على كلّ فرد، وأنَّه على كلّ فرد أن يدعوهم بالحسنى، فإن لم يستجيبوا قاتلهم؛ وهذا كلام يناقض بعضه بعضا وهو يزعم أنَّ الدين الحقَّ عند الإباضيَّة هو مبادئ الخوارج، ولكنَّه في آخر الفصل بعد أن يقسِّم الإباضيَّة إلى مجموعة من الفرق يقول: «وجميع هذه الفرق للإباضيَّة تبرأ من فرق الخوارج». فإذا كانت تبرأ منهم فكيف تعتبر مبادئهم هي الدين الحقَّ، وبوضوح واختصار نستطيع أن نقول: إنَّ هذا الكلام لا أساس له عند الإباضيَّة ولم يوجب الإباضيَّة أبدًا ــ لا من باب فرض الكفاية ولا من باب فرض العين ــ على كلّ وهبيٍّ أن يدعو أصحاب المذاهب الأخرى إلى مذهبه، ولا أن يقاتلهم، وأقصى ما يطالب به الفرد الإبَاضِيُّ في هذا الموضوع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب المعروف في هذا الباب. (1/126)
صفحة 127
ولعلَّ الدكتور الفيلسوف مرَّت به عبارة في بعض كتب علم الكلام تقول: إنَّ على الإمام أن يدعو مخالفيه إلى ترك ما به ضلُّوا وإلاَّ أعذر إليهم وقاتلهم، ومثل هذه العبارة ترد عند الحديث عن الدولة ومن يخرج عنها بصفة عامَّة. والوجوب هنا على الإمام، والمدعو ليس هم المالكيَّة أو الحنفيَّة أو غيرهم وإنَّما هو الطائفة الخارجة على الإمام العادل مهما كان مذهبها، لأنَّها طائفة باغية فيطلب إليهم الإمام أن يتركوا ما به ضلُّوا، أي برَّروا به بغيهم عن الإمام، وأن يرجعوا إلى الأمَّة، فإن امتنعوا قاتلهم، وشتَّان بين موضوع وموضوع؛ وما أحسب أنَّه يستقيم في تفكير أو عقل أن يلزم كلّ فرد من مذهب بدعوة غيره إلى مذهب فإن امتنع قتله، وعلى كلّ حال فهذا شيء لم يكن عند الإباضيَّة.
أمَّا عبارته الأخيرة في هذه الفقرة وهي قوله (ولكن لا تقع الجزية على الموحِّدين بحال من الأحوال على عكس المشركين ويمثِّلهم في نظر الإباضيَّة المسيحيُّون واليهود والزرادشتيَّة) فلا معنى لها ولا داعي إليها ولا علاقة لها بالموضوع، ويخيَّل إليَّ أنَّها كانت كذلك في كتب المستشرق الذي ينحت منه الدكتور فلم يفهمها ولم يجد لها موضعًا فوضعها بين قوسين وجرَّدها حتَّى وقعت في هذا المكان صدفة ومن غير تدبُّر ولا تفكُّر ولا إمعان.
لعلَّه مِمَّا يفيد القارئ الكريم أن أعود معه فألخِّص له أخطاء الدكتور في شروحه السابقة التي لا تستند إلى حقيقة فيما يلي:
1- «اتَّعد القوم» وعد بعضهم بعضًا، حدَّدوا موعدا للقاء، اتَّفقوا على اللقاء في زمان أو مكان أو فيهما. وليس معناها أعدُّوا العدَّة.
2- كلمة الخوارج، حتَّى على رأي من يعتبر الإباضيَّة فرقة من الخوارج، لا ترتبط بالإباضيَّة ارتباطا لفظيًّا مستمرًّا. (1/127)
صفحة 128
3- الإباضيَّة في الاستعمالات العامَّة يطلقون لفظ المسلمين على أمَّة الإجابة، وهذا الأكثر في استعمالهم، وقد يقصدون به الإباضيَّة فقط بدلالة قرينة لفظيَّة أو من السياق.
4- كلمة الموحِّدين يطلقها الإباضيَّة على جميع من نطق بكلمة التوحيد في المسلمين، وليست خاصَّة بالمالكيَّة والحنفيَّة كما تشعر عبارة الدكتور.
5- شرحه لكلمة الموحِّدين بأنَّها تعني أنَّهم ليسوا مشركين وليسوا مسلمين غير صحيح، والموحِّدون هم المسلمون وكلُّ المسلمين في جميع الأزمنة والأمكنة هم موحِّدون.
6- لا يوجب الإباضيَّة على أيِّ إباضيٍّ أن يدعو غيره إلى الإباضيَّة، ولا يجيزون له مطلقا أن يقبل أحدًا من المسلمين، سواء استجابو له أو لم يستجيبوا وسواء دعاهم أو لم يدعهم، لأنَّ الدعوة أمر شخصي من حقِّه أن يستعمله هو فقط ولا يوجبه عليه أحد، ولو دعا أحدًا فلم يستجب له فقتله لوجب قتله قصاصًا.
7- الإباضيَّة لا يرون أنَّ الدين الحقَّ هو مبادئ الخوارج، بل يرون أنَّ مبادئ الخوارج ضلال وباطل، وأنَّ الدعوة إليها دعوة إلى الباطل سواء كانت دعوة بالحسنى أو بالشدَّة.
8- الإباضيَّة يفرِّقون بين أحكام المشركين وأهل الكتاب والصابئين فلكلِّ واحد من هؤلاء حكم خاصٌّ به لا يتعدَّاه إلى غيره. والتسوية بينهم في حكم الجزية خطأ من الدكتور فإنَّ المشركين ليسوا من أهل الجزية، ولا تقبل منهم.
9- ذكر عددا من الفرق قال إنَّها من فرق الإباضيَّة ثُمَّ قال:
«وجميع هذه الفرق تتبرَّأ من فرق الخوارج الأخرى: الأزارقة والبيهسيَّة والنجدات والصفريَّة... إلخ، لكن اسم الوهبيَّة يجمعها ويطلق عليها كلّها». وصحيح أنَّ الإباضيَّة الوهبيَّة يبرأون من جميع فرق الخوارج، لكن ليس صحيحًا أنَّ كلمة الوهبيَّة تطلق على جميع فرق الإباضيَّة. وقد رأينا أن نخصِّص فصلاً لمناقشة موضوع فرق الإباضيَّة أو الانشقاق عند الإباضيَّة وفي إمكان القارئ أن يراجع هذا الموضوع هناك. (1/128)
صفحة 129
أحسب أنَّ هذه النماذج البسيطة التي عرضناها في هذا الفصل عن تخبُّط الدكتور كافية للدلالة على قيمة الكتاب في عرضه لفلسفة الإباضيَّة.
///ص143///
هويدي في تبعيَّة المستشرقين
للمستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام ــ سواء كانت كتابتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلاميَّة جمعاء كأمة، أو عن مذهب من مذاهبها كمذهب أو فرقة ــ أساليبهم ودوافعهم ومراميهم الظاهرة والخفيَّة ومهما كان المستشرقون مخلصين للبحث العلمي في هذه المواضيع فإنَّهم ــ في الحقيقة ــ أشد إخلاصا للدوافع والمرامي الحقيقيَّة التي حملتهم على الكتابة عن الإسلام أو عن المسلمين، أو عنهما معًا.
والواقع أنَّهم نجحوا إلى مدى بعيد في تحقيق أهدافهم البعيدة التي يرمون إليها بكتابتهم، ومحاضراتهم، وندواتهم، وأسمارهم، ولعل من أبسط أهدافهم أن يتركوا لهم ظلالاً في بلاد الإسلام خاصة، وفي الشرق عامَّة. وقد استطاعوا ــ فعلاً ــ أن يكوّنوا في البلاد الإسلاميَّة ومن أهلها مستغربين من حملة الأقلام وأصحاب الفكر، ينظرون إلى الشرق من نفس الزاوية التي ينظر منها المستشرقون مع فارق بسيط هو أنَّ المستشرقين الغربيين إنما يخدمون ــ بما يقدمونه عن الشرق ــ مصلحة الغرب أي مصلحة بلادهم. أمَّا المستغربون الشرقيون فهم إنما يخدمون أيضًا ــ بما يقدمونه عن الشرق والغرب ــ مصلحة الغرب أيضًا. أي مصلحة الموجهين لهم، المؤثرين عليهم، أي أنَّ المستشرقين الغربيين استطاعوا أن يتركوا لهم في الشرق ظلالاً تتحرَّك لتحرُّكهم، ومفكرين وفلاسفة يفكرون بأسلوبهم ويتكلَّمون بمنطقهم، ويقدسون حجَّتهم ولو كانت تافهة مضحكة، ويعتزُّون بآرائهم ولو كانت نسيجًا من الأباطيل أو الأضاليل، ويلهثون وراء ما يشيرون إليه ولو كانت الإشارة من طرف البنان ومن مكان بعيد. (1/129)
صفحة 130
ولعل من أغرب ما يصادفك في هذا الباب أن تقرأ لبعض المستغربين المشهورين كلامًا ينقله مترجمًا عن كتاب غربيٍّ، فتعرف أنَّ النصّ إنما هو لكاتب مسلم استشهد به الغربي إما نقلاً أو اقتباسًا فترجمه إلى لغته الأجنبيَّة، فجاء الكاتب المسلم أو المستغرب المسلم فترجم النصَّ من جديد إلى اللغة العربيَّة ــ لأَنَّهُ لا يعرف أنَّ النص العربي ــ وعندما تقرأه تحسّ بالألم يعتصر فؤادك، وذلك لأنَّ الترجمة الأولى من العربيَّة إلى الأجنبيَّة أطفأت نصف الروح من النص، وترجمته الثانية من الأجنبيَّة إلى العربيَّة أطفأت النصف الثاني، فلم تبق منه إِلاَّ عبارة ميتة. إنَّ الكاتب المسلم المستغرب المعتز بتبعيَّته للمستشرقين لا يخلوا من أحد أمرين:
إما أنَّه يعتمد على ما يكتبه المستشرقون في القضايا الإسلاميَّة اعتمادًا كلّيًا وهو يترفَّع ــ بزعمه ــ أن يرجع إلى المصادر الإسلاميَّة فيواجه تلك النصوص وأصحبها ومواضعها بل وحتى مقدار استفاذة المستشرقين بها. وإمَّا أنَّه يعرف ذلك ويطلع عليه ولكنَّه يرى أنَّ استناده على فيلسوف غربي أرفع لقدره وأعظم لعلمه، وأفيد بكتاباته، وللأسماء الأعجميَّة الغربيَّة رنين خاص في آذان هؤلاء كما جعل لأسماء حكماء الهند وفلاسفة الإغريق رنين خاص في بعض فترات التاريخ.
والدكتور هويدي مِمَّن يعتمد على المستشرقين في تحليل الفلسفة الإسلاميَّة ويعتزُّ بما ينقله عنهم، ويضع آراءهم في درجة البراهين، ويفضل إيرادها والاستشهاد بها في تثبيت النظريَّات وتقرير الأحكام.
يقول الدكتور هويدي في كتابه (تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقيَّة) طبعة 1966 ص 270 مايلي:
« (1/130)
صفحة 131
يشبه دوزي في كتابه (تاريخ المسلمين في إسبانيا) قيام حركة الخوارج في المغرب ونجاحها بقيام الحركة الكلفاتيَّة في اسكتلندا ونجاحها، وذلك لما تنطوي عليه كلّ من الحركتين من انتصار للمبادئ الديموقراطيَّة في الدين، ولما أدَّت إليه كلّ من الحركتين من تثبيت لدعائم الديانة التي قامت كلّ منهما في رحابها: الديانة الإسلاميَّة والديانة المسيحيَّة.
وعلى العكس من ذلك ذهب جوتييه ــ في كتابه (العصور المظلمة للمغرب) ــ إلى أنَّ في القول بأنَّ حركة الخوارج ديومقراطيَّة مبالغة كبيرة، وذلك لأَنَّهُ «قد يستهوينا القول بأنَّ الأصل في دعوة الخوارج أنَّها كانت غضبة تحرّكها روح ديموقراطية ديماغوجيَّة، لكن هذا لن يكون إِلاَّ نظرة أوروبيَّة مبالغًا فيها إلى هذه الحركة، ومنهاجًا غير صائبٍ للتعبير عنها، حقًّا إننا نلتقي على رأس هذه الحركة في المدن الكبيرة، برجال من القاعدة الشعبيَّة، مثل ميسرة أوَّل خليفة خارجي، الذي كان مجرَّد سقاء بسيط في مدينة طنجة فيما يرويه ابن الأثير...
ولكن هذه الحركة التي كانت ملحمة عسكريَّة كبرى، استعانت من غير شكّ بقبائل الزناتيَّة التي طبعت على الحرب، وكان أفرادها رعاة سلَّموا مقاليد أمورهم إلى قيادة أروستقراطيَّة، فرجل مثل (أبو قرَّة) كان دون أدنى شكٍّ أميرًا». (1/131)
صفحة 132
هنا ينتهي كلام المستشرقين ويعلّق الدكتور على ذلك بقوله: «لكنَّنا نخالف جوتييه الرأي ونذهب إلى أنَّ حركة الخوارج ديموقراطيَّة في أساسها، لأنَّ العبرة بالمبادئ التي أتت بها، أيا كانت الطبقة الاجتماعيَّة التي ينتمي إليها رجالها، وليس هناك ما يمنع من اعتناق أمير اوروستقراطي مثل (أبي قرّة) المبادئ الشعبيَّة الديموقراطَّة التي نادت بها الخوارج غير أنَّه إنصافًا للحقيقة علينا أن نقرر أنَّ الخوارج وإن كانت المبادئ التي قدَّموها لنا ذات صبغة ديموقراطيَّة إِلاَّ أنَّهم كانوا متمسكين بعروبتهم غلىالحد الذي جعلهم يحتقرون الموالي وينفرون منهم، وقد روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب أن رجلاً من الموالي خطب امرأة خارجيَّة، فقال لها الخوارج فضحتنا وليس من شك أنَّ هذه العصبية لا تتفق مع المبادئ الديموقراطيَّة التي لا تعرف تعصُّبًا ضدَّ أيِّ جنس».
لعلنا من مناقشة هذا النموذج نستطيع أن نعطي صورة للقارئ الكريم توضّح له أسلوب المستشرقين ــ ومن يسير في مخططهم ــ في معالجة قضايا الشرق، إذ لا شكَّ أنَّ المستشرقين يناقشون القضايا الإسلاميَّة بموازين خاصَّة ويحاولون أن يخضعوها لمقاييس معيَّنة عندهم يجب ــ في رأيهم ــ أن تنطبق عليها كلّ الانطباق، وربَّما يتَّضح لنا أنَّ الكتور هويدي يسلك نفس المسلك، وفي إمكانك أن تتأمله ــ في فقرات سابقة ــ وهو يعالج الحركات الإسلاميَّة قبل عشرة قرون ويقيسها من بالمقاييس الغربيَّة اليوم معتمدا في ذلك على ما كتبه المستشرقون سالكًا نفس السبيل التي سلكوها في التحليل والتعلليل وإثبات البراهين. وتأمَّل تحليل الفقرات السابقة فيما يلي:
المستشرق دوزيه يرى أنَّ حركة الخوارج تشبه حركات الكلفتية لما تنطوي عليه من المبادئ الديموقراطيَّة. (1/132)
صفحة 133
والمستشرق جوتييه يرى أنَّ وصف حركة الخوارج بأنَّها ديموقراطيَّة مبالغة كبيرة، ويحتاج لرأيه هذا بأنَّ أبا قرَّة اليفرني بويع إمامًا للخوارج وقد كان أوروستقراطيًّا قبل ذلك.
والدكتور هويدي يقرر أن الخوارج ديموقراطيون، ويردّ على المستشرق جوتييه بأنَّه ليس هناك ما يمنع من اعتناق أمير أوروستقراطي مثل (أبي قرَّة) المبادئ الشعبيَّة للديموقراطيَّة، ولكنه مع ذلك يعود فينفي عن حركة الخوارج مبادئ الديموقراطيَّة ــ إنصافًا للحقيقة كما يقول ــ وذلك لأنَّ الخوارج مستمسكون بعروبتهم والدليل على هذا التمسُّك أنَّ رجلاً من الموالي خطب امرأة خارجيَّة فقالوا لها فضحتنا، والعصبيَّة القوميَّة لا تتفق مع مبادئ الديموقراطيَّة ومنطق الفرضيَّة والتحليل في الفقرات السابقة أن المستشرق دوزيه يزعم أنَّ سبب نجاح حركة الخوارج هو كونها تمثل مبادئ الديموقراطيَّة، ولكن المستشرق جوتييه لا يعجبه هذا الرأي فيردُّه محتجًّا بأنَّ فردً أوروستقراطيًّا قد انضمَّ إليهم وأنَّ حركتهم كانت في الشرق ولا ينبغي لنا أن ننظر إليها بمنظار غربي فهم إذًا ليسوا ديموقراطيين حين سمحوا لأوروستقراطيّ أن يكون من بينهم لحركتهم أن تنبث في الشرق ويأتي بعد ذلك الدكتور هويدي فيردَّ أوَّلاً رأي جوتييه بأنَّ الأوروستقراطي قد يكون تخلَّى عن أوروستقراطيَّته واعتنق المبادئ الديموقراطيَّة ولكنَّه يعود فينكر على الخوارج أن يكونوا ديموقراطيين لسبب آخر هو تمسكهم بعروبتهم، ويستدل على تمسكهم بعروبتهم أنَّ أحد الموالي خطب امرأة منهم فقالوا لها فضحتنا. (1/133)
صفحة 134
هكذا ترى أيُّها القارئ الكريم أنَّ بحثًا فلسفيًّا عميقًا يتناول قضيَّة هامة هي قضيَّة الديموقراطيَّة في حركة تاريخيَّة هامَّة تمتدّ ما بين الصين والمحيط الأطلسي يناقشها ثلاثة فلاسفة: مستشرقان وعربي ــ نفيًا وإثباتًا ــ بناءًا على رأيهم في فرد واحد أو بناء على قصَّة وردت في كتاب آدم ــ يعلم الله مقدار صحَّتها ولو صحَّت لما كان لها أيّ أثر في موضوع.
إنّ المستشرق جوتييه يستكثر أن تقوم في الشرق حركة ديموقراطيَّة ولذلك ينبري للرد على المستشرق دوزيه حين زعم أنَّ حركة الخوارج إنما انتصرت لأنَّها تنطوي على حركة ديمقراطية في الدِّين، ويرى أن دوزيه أخطأ التقدير لأَنَّهُ نظر إلى تلك الحركة القائمة في الشرق بمنظار أوروبي مبالغ فيه، يعني أنَّه لو قامت تلك الحركة في أوروبا لأمكن أن تعتبر حركة ديمقراطية أمَّا وهي في الشرق فليس ذلك ممكنًا لأن الديمقراطية أكبر من تفكير الشرق في رأي جوتييه ولكي يبرهن على أنَّ تلك الحركة ليست ديمقراطية فتش بين زعماء الخوارج فوجد أن الحركة الخارجية أسلمت قيادها في طرف من أطراف الأرض إلى رجل أوروستقراطي يرجح أنَّه كان أميرًا فكان هذا سببًا كافيًا لكي نحكم بأن حركة الخوارج ليست ديمقراطية. (1/134)
صفحة 135
فالحركة التي تكونت في الجزيرة العربية امتدت شرقًا إلى الصين وغربًا إلى المحيط وعاشت عددًا من الأجيال أو عدد من القرون كلّها تنهدم في رأي هذا المستشرق بحادثة بسيطة، وهي أن قبائل زناتة ــ وهي قاعدة شعبية ــ أسلمت قيادها إلى أبي قرَّة الذي يظنُّ أنَّه أوروستقراطي، وبوصول هذا الرجل إلى مركز القيادة في طرف من أطراف الأرض على مجموعة ضئيلة من النَّاس ــ فسدت الديمقراطية في حركة الخوارج على اتساع مداها، مع أن حالة هذا الرجل الذي وصف أنَّه أوروستقراطي لم يعرف ما إذا كان حقًّا أميرًا، ولم يعرف ما إذا كان حقًّا أوروستقراطيًّا. ولم يعرف ما إذا كان ــ حين تولَّى قيادة الخوارج في من طرف الدنيا ــ باقيا على أوروستوقراطيَّته أم أنَّه التزم بالمبادئ الجديدة التي اعتنقها والتي اختير للإمارة من أجل. ثُمَّ إنَّه لم يكن أميرًا على الخوارج كلّهم، ولا على فرقة كاملة منهم في جميع أوطانها، وإنَّما كان عبارة عن رجل تولَّى قيادة مجموعة من الناس ثائرة على الدولة في معارك حربيَّة محدودة حالفه النجاح في بعضها والفشل في أخرى بعد هذا يأتي الدكتور هويدي مستعملاً نفس المنطق والأسلوب سائرًا في نفس المنهج كأنما يترسَّم خطى مرسومة فيرُدُّ على المستشرق جوتييه باحتمال أن يكون أبو قرَّة قد تنازل عن أوروستقراطيَّته والتزم بمبادئ الديموقراطيَّو ولم يهتمّ الدكتور بهذا البناء الضخم الذي يقوم أو ينهار بسبب رجل واحد، ولم يهتمّ أيضًا بتلك الطعنة المسمومة التي تزعم أن مثل هذه الحركة يحتمل أن تقوم عليها ديموقراطيَّة لو أنَّها كانت في أوروبا. أمَّا وهي في الشرق فلا. (1/135)
صفحة 136
وبعد أن انتقد الدكتور رأي جوتييه ويردَّ عليه كما رأيت ويصف حركة الخوارج بأنَّها تنطوي على الديموقراطيَّة يعود فينفي أن يكون الخوارج أصحاب ديموقراطيَّة بسبب آخر غير سبب جوتييه وذلك أنَّه عثر أثناء مطالعته على قصَّة في شرح نهج البلاغة تزعم أنَّ رجلا من الموالي خطب امرأة خارجيَّة فقال لها أهلها لقد فضحتنا...
ودون أيّ شرح لهذه القصة، ودون أيّ تأكيد لصحّتها أو كذبها، ودون أيّ تعليق على أحداثها يجعلها دليلاً على أنّ الخوارج متمسكون بعروبتهم والعروبة قوميَّة والقوميَّة ضدَّ الديموقراطيَّة. وهكذا تكون هذه القصَّة من الفتاة وخاطبها سببًا في إبعاد الديموقراطيَّة عن حركة الخوارج.
أنا لم أتشرَّف بدراسة الفلسفة ولكنّني كنت أعتقد أنّ الآراء الفلسفيَّة لا يمكن أن تبنى إِلاَّ على حقائق ثابتة أو على الأقل مؤكّدة، فأيّ شأن هذه القصَّة التي رويت في كتاب قيل إنّ أصله موضوع حتَّى يجعل منها الدكتور هويدي برهانًا على حكم فلسفي.
الخوارج في ذلك الحين كانوا منتشرين في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهم يتكوّنون من جميع الجنسيات المختلفة التي يتكوَّن منها المسلمون في مختلف أوطانهم ولهم عدد غير قليل من القيادات منها قيادات متصلة ومنها قيادات منفصلة. ولهم عدد غير قليل في العادات والممارسات ولم نعرف هذا المولى الذي تجاسر فخطب فتاة خارجيَّة هل هو عربي الجنسيَّة أم له جنسيَّة أخرى، ولم نعرف أيضًا لماذا غضب أهلها ألأنَّ الفتى مولى؟ أم لأَنَّهُ غير عربي؟
فكيف أمكن أن نسلب عن جميع الخوارج نتائج حركة شاملة بسبب كلمة صدرت عن أفراد أسرة إذا صحَّت الحكاية؟ أليس من الأيسر أن نخرج تلك المرأة وأسرتها من نظام الديموقراطيَّة أو من طابور الخوارج بدلا من أن نلغي حكمًا أعطيناه لحركة شملت العالم الإسلامي بسبب كلمة صدرت من فرد أو أفراد ليسوا هذه المرَّة حتَّى في مراكز قياديَّة؟ (1/136)
صفحة 137
لست في هذه المناقشة أحاول أن أثبت أنَّ حركة الخوارج كانت حركة ديموقراطيَّة أو لم تكن فيها موضوع لا يهمني وليس هذا مكانه. وإنَّما أردت أن أضع بين يدي القارئ الكريم أمثلة من مناقشات المستشرقين ومن يسير في ركابهم لبعض القضايا الإسلاميَّة.
فهذا هو منطق المستشرقين في معالجة القضايا الإسلاميَّة، وهذا هو منطق من يسيرون في ركابهم ويتأثرون بخطاهم.
البحث هو التوافه والجزئيات والشواذ ثُمَّ تضخيمها وإبرازها وتسليط الأضواء عليها حتَّى تأخذ المكان الأوضح في المناقشات العامَّة، وحتى يقضي بها على الحقائق الثابتة الأصيلة، حين تبنى أحكام عامة على شواذ الوقائع كأنها هي أصول الحركة أو أصول الحياة.
وقد رأيت في تطبيق نظريَّة الديموقراطيَّة الدينيَّة على حركة الخوارج كيف نوقشت بطريقة تكاد تكون هزليَّة فأثبتها مستشرق لأنَّها تشبه حركة أخرى قامت في أوروبا ونفاها مستشرق آخر لأَنَّهُ لا يجوز أن ينظر إلى الشرق بالمنظار الذي ينظر به إلى أوروبا ونفاها مستشرق آخر لأَنَّهُ لا يجوز أن ينظر إلى الشَّرق بالمنظار الذي ينظر به إلى أوروبا ولأن رجلاً ــ يشك أنَّه كان أميرًا ــ وصل إلى مركز القيادة، وينفيها متفلسف عربي أن أهل فتاة عربية ساءهم أن يتقدَّم إلى خطبتها أحد الموالي.
ومن المؤسف أن الدُّكتور هويدي فد تأثَّر بالمستشرقين إلى حدِّ أنَّه اصطنع أسلوبهم في الحديث والعرض، وفي تضخيم التَّوافه والشَّواذ، وفي إغفال الحقائق الواضحة البارزة ومحاولة إخفائها وإذابتها، وقد تأثر بهم حتَّى في اللَّهجة التي يستعملونها، فهم ــ بطبيعة الحال ــ غرباء عن الإسلام والمسلمين، روح الغربة، ثُمَّ روح التَّعالي، ثُمَّ روح المقاضاة والحكم. (1/137)
صفحة 138
وعندما تقرأ للدكتور هويدي تحسُّ بنفس الشُّعور وبنفس الخطوات كأنك تقرأ لأحد المستشرقين. إنك تستشعر الغربة فعلا فتحس بأن من كتب ذلك هو غريب عن الموضوع وليت أنَّك تحس بهذا الإحساس وأنت تقرأ له عن الفرق التي سخط عليها فقط لكن الواقع المؤلم أنَّك تجد هذا في جميع أجزاء الكتاب حتَّى وهو يكتب عن «الإسلام السني» الذي يريد أن يضهر بمظهر المتمسك به المدافع عنه.
ومن المؤلم أن يقع الدكتور في هذه الحبالة ــ حبالة تقسيم الإسلام إلى إسلام سنِّي، وإسلام خارجي، وربما توسع متوسِّعون فيما بعد فقالوا إسلام حنفي، وإسلام ملكي، وإسلام ظاهري، وغير ذلك من الأسماء أو الأنواع ما دام كل نوع منها يصح لأن يكون وسيلة سهلة للحصول على شهادة دكتوراه أو ما يوصل إليها ونحن نعرف ــ بوضوح ــ أهداف المستشرقين الذين ابتكروا هذه التسميات وهذه التقسيمات ولا يزالون يبتكرون حرصا منهم على إظهار الإسلام بأنَّه فكرة بشريَّة متأثرة، وأن المذاهب الإسلاميَّة لا تخرج عن كونها إما محافظة على تلك الفكرة بجمود، وإمَّا بتعديلات حسب منازع زعماء تلك الفرق.
لقد وقع الدكتور في هذه الحبالة فاستساغ التَّسميات والتقاسيم فتشبّت بها في حرص وجعل يردِّدها في اعتزاز، حتَّى أنَّه في فصل واحد من كتابه ردَّد أكثر من عشر مرَّات بنفس الصيغة التي يستعملها المستشرقون الغربيون وبنفس الأسلوب الذي يوحي بنظرة التعالي والمقاظاة والحكم. وإلى القارئ الكريم نماذج من ذلك:
يقول الذكتور هويدي في كتابه لتاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقيَّة صفحات 141 - 152 ما يلي:
0 يقال الإسلام السنِّي في مقابل الإسلام الشِّيعي، لأن الشيعة هي الفرقة الإسلامية التي تقابل بالقضاء أهل السُّنَّة والجماعة».
1 سنتناول تاريخ الإسلام السنِّي وسنقصد به كلّ التطور الذي شهده الفكلر الفلسفي الإسلامي». (1/138)
صفحة 139
2 يحسن أن نَّبدأ بأن نقدم للقارئ مراحل انتشار الإسلام السنِّي في الشمال الإفريقي.
3 نستطيع أن نتَّخذ من تاريخ خروج عقبة بن نافع إلى المغرب عام 46 وتأسيس مدينة القيروان نقطة بدء تاريخ الإسلام السنِّي في الشمال الإفريقي».
4 وقدوم هؤلاء الفقهاء إلى المغرب وانتشارهم في ربوعه يفقهون النَّاس في أمور دينهم يعدُّ مرحلة هامة في مراحل انتشار الإسلام السنُّي في الشمال الإفريقي».
5 « وبهذا نستطيع أن نعد ولاية عبد الرَّحمان بن حبيب الفهري مرحلة من مراحل انتشار الإسلام السنِّي في شمال إفريقيا».
6 « ويعد حكم الأغالبة مرحلة هامة في مراحل إستقرار الاسلام السنّي في شمال إفريقيا».
7 « يعدُّ قيام دولة الأغالبة مرحلة هامة في مراحل إستقرار السنِّي في الشمال الافريقي».
8 « أمَّا التطور علم الكلام والنزاع الذي شهده التفكير الإسلامي بعد هذا بين الفرق والمدارس المختلفة، مع ما امتزج بها كلّه من فلسفة وجدل متأثِّر في هذا بعلوم الأوائل (علوم اليونان والتيَّارت الفلسفية اليونانية) فهو وغن كان قد بعد قليلاً أو كثيرًا عمَّا يمكن أن نسمِّيه بالفلسفة القرآنية إِلاَّ أن من الممكن أن نعد مع هذا تطوُّرا للرأي، وامتداد للإسلام السنِّي، وتنشيطا له، ومظهرا من مظاهر صحة هذا الإسلام السنِّي».
ألا ترى معي أيُّها القارئ الكريم أنَّك لا تستطيع أن تفهم من الفقرة الأخيرة مِمَّا نقلناه هنا، إِلاَّ أن علم الكلام والنزاع بين الفرق والمدارس المختلفة ممتزجًا بعلوم اليونان وفلسفتهم وقد بعد عن فلسفة القرآن، وهو مع ذلك مظهر من مظاهر صحَّة الإسلام السني، قد أكون أسأت تلخيص الفقرة السابقة، ولكنها على أيّ حال لا تعطي إِلاَّ هذا المعنى أو قريبًا منه. (1/139)
صفحة 140
أمَّا الفقرة الرابعة مِمَّا نقلناه لك فتقرر الإسلام السني بدأ في سنة 46، بعد خروج عقبة، فبماذا جاء الفاتحون السابقون قبل عقبة، وفيما ذهبت الدماء؟ وماذا كانت تصنع الجيوش في هذه البلاد؟ وما هو الإسلام الذي جاء به عمرو بن العاص ومن بعده حتَّى مجيئ عقبة؟ إنك عندما تقرأ الفقرات السابقة بعباراتها الكاملة في موضعها من الكتاب تحس أنَّ الذي يكتب ذلك الكلام هو شخص غريب عن الإسلام يتعالى عنه، ويناقشه كما يناقش أي فكرة بشريَّة، ولقد بقي يلعب بما يسميه (الإسلام السني) في عشر صفحات من كتابه دون أن تبدوا له شخصيَّة إسلاميَّة مرتبطة بالموضوع، ورغم أنَّه أظهر تعصُّبًا واضحًا للمذهب المالكي، حتلا يكاد يكون الكتاب كلّه محاولة للدعوة إليه عن طريق الفلسفة ولكنك تحس بنوع من الجفوة الخفيَّة بين الرجل والإسلام وبنوع من الانفصام حتَّى بينه وبين هذا المذهب الذي يمجده ويكاد يدعوا إليه علنا ومظاهر التقرب إلى الإسلام عمُومًا وغلى المذهب المالكي خصوصًا لم تفلح في إخفاء تلك الجفوة أو ذلك البعد وبدت معهما في صورة متكلفة مصطنعة لكن القلم يكتب عن غير عقيدة صاحبه وفي استطاعتك أن تتأمل العبارة الأخيرة في الفقرة الأخيرة مِمَّا نقلناه لك سابقًا (ومظهرًا من مظاهر هذا الإسلام السني) وهي عبارة جافية غليظة كأنما في الإسلام هذا وذاك وذلك. (1/140)
صفحة 141
إنَّ أيَّ مستشرق معاد للإسلام لا يأمل في أكثر في أكثر من أن ينجح في أن يدخل إلى أذهان المسلمين أمثال هذه المفاهيم، أو أمثال هذه الأساليب! وأنَّه لكسب لأعداء الإسلام أن يتحدث المسلم عن الإسلام بشيء من الجفوة والتعالي مساويًا له بآراء البشر. وأن يغتبر المذاهب الإسلاميَّة قد ابتعدت من القرآن الكريم، وتأثرت وتطوَّرت مِمَّا عرفته من علوم (الأوائل)، ويعني ذلك أنَّ القرآن الكريم، غير صالح وأنَّ الديانة الإسلاميَّة بمذاهبها المختلفة قد تخلَّت عنه منذ زمان وأخذت بغيره من علوم (الأوائل اليونان والرومان) وإذا كانت هذه هي الصورة التي يعطيها الدكتور عن المذاهب التي يؤديها بل ويتعصب لها، فما يرجى منه أن يقول عن المذاهب التي يحاول هدمها.
إنّ المستشرقين كانوا يفعلون ذلك عن سوء نيَّة، أمَّا الدكتور فقد يكون فعل ما فعل عن حسن نيَّة وسلامة طويَّة.
لست أدري كيف وجد الدكتور هويدي القدرة في نفسه على أن يقسم الإسلام إلى أقسام يهاجم بعضها وينصر البعض الآخر.
الإسلام دين متكامل شامل لا ينقسم تبعا للأهواء والآراء والمفاهيم، ولاتبعًا للأشخاص والفرق والمذاهب، ولكن آراء الناس وأعمالهم هي التي تنقسم بالنظر إلى مطابقتها للإسلام، واستنادها عليه واستمدادها منه، وما أحسب أنَّ إنسانًا يتقي الله تواتيه القدرة على أن يقول: إسلام سني وإسلام شيعي، أو إسلام سني وإسلام بدعي، أو إسلام شافعي وإسلام مالكي. ولا حتَّى إسلام محمَّدي نسبة إلى سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي جاء به عن الله تبارك وتعالى وإذا صحَّت هذه العبارة الأخيرة ــ مع ثقلها وغربتها ــ فإن غيرها لا يصح بِكُلِّ تأكيد.
ولكن ما الحيلة وأخونا هويدي دكتور في الفلسفة من باريس، فلا بدَّ أن ينظر إلى الإسلام بالمنظار الذي ينظر به إليه فلاسفة المستشرقين. (1/141)
صفحة 142
وبعد هذا كلّه فإنَّ كتاب الدكتور هويدي صورة مشوهة أخذت من كتاب «الفرق الإسلاميَّة في الشمال الإفريقي، للمستشرق الفرد بل، ولو أتيح لذلك الكتاب أن يسترجع ما أخذ منه لما بقي للدكتور هويدي إِلاَّ أوراق بيض، ويتخللها قليل من السواد بين غلافين أخظرين يحملان عنوان الكتاب ... لقبًا علميًّا ضخمًا لمؤلف ...
عز الدين التنوخي
الأستاذ عز الدين التنوخي عضو المجمع العربي بدمشق، معروف بجهوده الصادقة في خدمة الثقافة الإسلاميَّة واللغة العربيَّة، وقد اهتمَّ ــ فيما اهتمَّ به ــ بتراث الإبَاضِية في المجالين الشرعي والأدبي، وقد تحدَّث عنهم بشيء من الإسهاب، والتفصيل، ويسرني أن أضع بين يدي القارئ الكريم مقتطفات مِمَّا كتب عنهم.
قال في مقدمته عن ديوان أبي بكر بن أحمد بن سعيد الستالي الذي قام بطبعه الأديبان سليمان وأحمد ابنا شيخنا الفاضل محمَّد عبد الله السالمي، بالمطبعة العموميَّة بدمشق سنة 1383هـ، 1964م، ص 1 مايلي:
«»ويكفي في الدلالة على مبلغ جهالتنا بعمان وأهلها، إنَّ السواد الأعظم من العرب والمسلمين يظنونهم من غلاة الخوارج، كالأزارقة والنجدات والصفريَّة، حتَّى أنَّ ابن خلدون نفسه يقول ما نصَّه: «والخوارج بها كثيرة، وكانت لهم حروب مع بني بويه.» مع أنَّ إطلاق لفظة الخوارج من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أوَّلاً، ثُمَّ عن التعصب المذهبي ثانيًا، لما ظهر غلاة المذاهب. فقد خلطوا بين الإبَاضِية والأزارقة والصفريَّة والنجديَّة، فالإبَاضِية يجمعهم جامع بالصفريَّة والأزارقة ومن نحا نحوهم إِلاَّ إنكار الحكومة بين علي ومعاوية. (1/142)
صفحة 143
وَأَمَّا استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد (والحكم يكفرهم كفر شرك) فقد انفرد به الأزارقة والنجديَّة والصفريَّة، وبه استباحوا حمى المسلمين، ولما كان مخالفوهم لا يتورعون ولا يكلفون أنفسهم مؤونة البحث عن الحق ليقفوا عنده، خلطوا بين الإبَاضِية لا يسبيحوا قطرة دم موحد بالتوحيد الذي معه، وبين الذين استحلوا الدماء بالمعصية حتَّى قتلوا الأطفال تبعًا لآبائهم مع أنَّ الفرق كبير جدًّا بين المستحل والمحرم فما بعد الحق إِلاَّ الضلال، ومن جهل علمائنا بعمان وأهلها وعلومهم وآدابهم أنَّهم لم يطلعوا على كتبهم الدينيَّة، ولا على الفقه الإبَاضِي المبني على الكتاب والسنة، ولا على مسند الإمام الربيع بن حبيب، وسنده ثلاثي عن أبي عبيدة التميمي، عن جابر بن زيد عن الصحابة وقد أخذ جابر وأبو عبيدة عن الصحابة، وجابر بن زيد من رجال البخاري ومسلم أخذ عن سبعين من الصحابة البدريين، وكان من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس، وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبد الله السالمي في أربعة مجلَّدات، طبع اثنان منها في مصر، والثالث بدمشق». وبعد حديث عن أسرة السالمي المجيدة، وخدمتها للعلم والأدب، وقيامها على نشر الثروة الثقافيَّة في عمان قال الأستاذ التنوخي في نفس الصفحة: «فمن الجهل بعمان وأهلها أنَّه ليس في كتب تراجمنا كيتيمة الدهر للثعالبي ذكر لشعراء عمان، بعد أن ذكر الثعالبي شعراء أكثر االأقطار العربيَّة وغيرها، ذلك أنَّهم بجهالة المؤرخين بعمان وأهلها، أو لتعصبهم السياسي والمذهبي، وأهملوا الكلام على مذهبهم وثقافتهم، وانتباه العرب في أيامنا هذه لعروبتهم ولتاريخهم السياسي والعلمي ولسعيهم لجمع شملهم وإعلان وحدتهم القوميَّة، كلّ ذلك مِمَّا يوجب البحث عن هذا الشعب العربي الصريح بنسبه، والمجيد بحسبه، ومضرب المثل بفصاحته وشجاعته العربية، وجهاده وكفاحه للمستعمرين». (1/143)
صفحة 144
وجاء في مقدمته على ديوان النبهاني ص 26 مايلي:
«وقد نشرت في دمشق أخيرًا بعض هذه الكتب، كالجزء الثالث من شرح مسند الربيع بن حبيب، وهو أقدم كتب الحديث وأصحَّها، وشارحه العلامة نور الدين السالمي، وقد خرجت أحاديث المسند وشرحته وجهلها في الصحيحين وسائر الكتب الستة من السنة. مِمَّا يدل على أن مذهب إباضية عمان والمغرب من أقرب المذاهب إلى السنة كما ذكر الإمام المبرد في كامله، وابن حزم وغيره من المحققين».
وقال في مقدمته لكتاب «خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل» ما يلي:
«لقد حذا أئمة عمان حذو ملوك الإسلام من العرب والعجم في استفتاء علماء بلادهم في النوازل الطارئو، والمشاكل المتعلقة بالدين، فكانوا يجيبون عن الأسئلة التي يسألهم عنها عمالهم من الحكام، بخط أيديهم، مِمَّا يدل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في الأحكام، واعتمادهم على الكتاب والسنة، وكطانوا يحثون عمالهم على مراقبة الله فيما يصدرونه من أحكام، مراعين في ذلك مصالح الرعيَّة، فإنَّ دين الله يدور مع المصلحة، ومعتصمين بالكتاب والسنة. وآثار الصحابة والسلف الصالح وأقوال الأئمة المجتهدين كذلك كان المتداعون من الرعيَّة المختلفون بعمان، يستفتون الأئمة والفقهاء والمتبحرين في نوازلهم، ويثبتون بفتواهم ما يدعون، فكان يجتمع لدى الفقيه أو المفتي أو القاضي مع مرور الزمن كثير من الأجوبة على أسئلة الناس. فتارة كانوا يجمعون تلك الفتاوى المهمَّة والأقضية في كتاب خاص، وتارة كان يجمعها بعض أولاد المفتين أو تلاميذهم كما فعل الأمير الفاضل البار السيد صالح بن عيسى بن صالح الحارثي جزاه الله خيرًا في نشر فتاوى جده الإمام المحتسب الشههيد صالح بن علي الحارثي المجموعة في كتاب (عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح)». (1/144)
صفحة 145
وبعد هذا تحدَّث عدد مِمَّن سلك هذا المسلك من ملوك المغرب وغيرهم مِمَّن جمع فتاوى المفتين (من مختلف المذاهب) وسلكها في كتاب اعتبر مرجعًا في تلك النوازل والقضايا، ثُمَّ قال:
«هذا والمطلع على الفتاوى العمانية يجد مصنفها يعتمد بادئ الأمر على كتاب الله ثُمَّ على السنة، وينظر في اشباه وقائعه التي أفتى فيها المجتهدون من السلف الصالح، وإذا ما وجد فتوى لأحد أئمة السنة كالإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك الأوزاعي تشبه فتواه استشهد بها تأييدًا لفتواه، واستئناسا بأقوال المجتهدين من قبله، ولولا خشية الإسهاب الممل لأتيت بأمثلة من ذلك.
ومن علم أن علماء الإبَاضِية يرجعون في الحديث إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي التي يروي أحاديثها أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة وأكثر أحاديثه في الصحيحين وأمَّهات كتَب الحديث ــ وقد كان الإمام جابر يعد من أكبر تلاميذ حبر الأمة عبد الله بن عباس ــ وأخذ عن أجلَّة الصحابة، ومنهم سبعون بدريًّا، وقد سأل أحد البصريين عبد الله بن عباس عن شيء فقال له: تسألونني وفيكم جابر بن زيد، وفي حديث سفيان عن ابن دينار عن عطاء أن ابن عباس قال: لو أنَّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عن كتاب الله عزَّ وجلَّ.
وجاء في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي عن ابن خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو الشعتاء جابر بن زيد، روى عن قتادة أنَّه بصري ثقة، وقد أجمعوا على إمامة يحيى بن معين وتوثيقه وحفظه وهو الذي يقول عنه أحمد بن حنبل: السماع في يحيى بن معين شفاء لما في الصدور، خلقه الله ليظهر كذب الكذابين، وكل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث. «وقد أخذ عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وخلائق لا يحصون، والذي يظهر كذب الكذابين يظهر صدق الصادقين، كأبي الشعتاء جابر بن زيد إمام الإبَاضِية. (1/145)
صفحة 146
ومما قتله في مقدمة الجزء الثالث في شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، ومن أعلم أهل السنة بالإبَاضِية، وأعظم من كتب في (علماء السنة) الإمام المبرد في كتاب الكامل. فقد قال ما نصَّه: (قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة) وقال الإمام بن حزم: (أسوأ الخوارج حالا الغلاة، وأقربهم إلى قول الحق الإبَاضِية) ويقول النور السالمي شارح المسند في مقدمة تحفة الأعيان وهو من علماء عمان الأئمة: «ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من فارقنا ... الله ربنا، ومحمَّد نبينا، والقرآن إمامنا، والسنة طريقنا، وبيت الله الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا».
لا جرم أن كلّ من يقول هذا القول، ويعترف هذا الاعتراف، فهو من المسلمين الناجين، وكل من يتهم الإبَاضِي بالزيغ والضلال، فهم مِمَّن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، ومن الظالمين الجهال، جمع الله ما فرقوا، ورتق ما فتقوا، ومزق شمل أعوان المستعمرين، والله محيط بالكافرين».
وقال الأستاذ التنوخي في مقدمته على شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ما يلي:
«ومن يمن الطالع عن الحديث أن يكون الربيعان: الربيع بن حبيب والربيع بن صبيح في طليعة ركب الجامعين للحديث والمصنفين فيه. ومن الأسف ألا ندري شيئًا عن مصير مسند ابن صبيح، وعسى أن يهتمَّ بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، ومن لطف البارئ أن أبقى لنا مسند الربيع بن حبيب، ثُمَّ من منعه على أن وفقني لإعادة نشره مع شرح علامة عبد الله بن حميد السالمي، ولما يطلع على المسند وشرحه في علماء مصر والشام والعراق إِلاَّ قليل». (1/146)
صفحة 147
الثلاثيات: وقد ذكر أئمَّة الحديث أن رتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن في المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنَّه أصح الأسانيد الثلاثيَّة، كسند الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وسند إبراهيم النخعي عن عقلمة عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري لأنَّ هذه الأسانيد قصيرة السند، وقريبة الاتصال بالينبوع المحمَّدي، واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط وكمال الصدق والصيانة والأمانة، وذهب الإمام أبو منصور التميمي إلى أن أجل الرواة عن الإمام مالك بن أنس هو الشافعي فأجل الرواة على ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك ويسمَّى هذا السند سلسلة الذهب.
ويشبه هذه السلاسل الذهبيَّة سلسلة مسند الربيع بن حبيب وثلاثياته: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ورجال هذه السلسلة الربيعيَّة من أوثق الرجال وأحفظهم، وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا انقطاع وإعضال، لأنَّ الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها، ولم يسقط في أسانيدها الثلاثية أحد. و (المعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الشافعي قال ابن عمر، وقد يردّ على قولها هذا أنَّ في مسند الربيع البلاغ والسماع مِمَّا يجعل الحديث مرسلاً، ويجاب على هذا القول إنَّ رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم بلغني أو بلغنا أو سمعت عن فلان، أو نحو ذلك مِمَّا يبعد بالمسند عن التدليس، فهم رحمهم الله أجل وأتقى من أن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أنَّ عنعنة هذا المسند مقطوع باتصالها، لأنَّ أبا عبيدة أخذ عن جابر، وجابر أخذ عن الصحابة مباشرة، حتَّى قيل إنَّ أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر من الصحابة. (1/147)
صفحة 148
ومن مزايا هذه الثلاثيات أو السلاسل الذهبيَّة، سهولة حفظها، وحافظ المسند الثلاثي الرجال، إذا روى حديثًا من أحاديثه صدره بسنده الثلاثي الذي لا يختلف في جميع أبوابه، وحفظ الأحاديث الثلاثيَّة أيسر على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه يسهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالها لقتلهم، والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق والأمانة، أكثر مِمَّا يعرفه رجال سلسلة عديدة الحلقات قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب بصدقه وديانته، مِمَّا يضعف الحديث ويجعله غير مقبول.
ولمزايا هذه الثلاثيات اهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات نذكر منها:
ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة خيرًا بدمشق سنة 1830وشرحها في جزأين الإمام محمَّد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون ومائة حديث.
وثلاثيات البخاري وهي صحيحة إثنان وعشرون حديثًا غالبها عن مكي بن إبراهيم عمن حدثه من التابعين وهم من الطبقة الأولى من شيوخه، مثل محمَّد بن عبد الله الأنصاري وأبي عاصم النبيل، وأبي نعيم، وخلاَّد بن يحيى علي بن عباس.
وثلاثيات الدرامي وهي خمسة عشر حديثًا وقعت في مسنده بسنده وثلاثيات الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن محمود بن ناجي وغيرهم. ونضيف اليوم إليها:
ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سندا، ورجال سلسلتها الثلاثية هم:
أبو عبيدة التميمي، وجابر بن زيد الأزدي، والبحر عبد الله بن عباس شيخ جابر، وغيرهم من الصحابة وهم بأجمعهم مشهورونبالحفظ والضبط والأمانة والصيانة، وهذا السند لا يختلف في جميع أبواب المسند كما يختلف في سائر كتب الثلاثيات. (1/148)
صفحة 149
هذا حكم المتصل من أخبار هذا المسند، والمنقطع بإرسال أو بلاغ في حكمالصحيح لثبوت وصله من طرق أخرى. وَأَمَّا (المرسل) فقد جاء في التدريب (67) عن ابن جرير قال: «أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكارهم ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين. قال ابن عبد البر: كأنَّه يعني أن السافعي ول من رده.
وقال السخاوي في فتح المغيث: قال أبو داود في رسالته: أمَّا المراسيل فقد كان اكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى. مثل مثل سفيان الثوري. ومالك الأوزاعي، حتَّى جاء الشافعي فتكلم في ذلك وتابعه احمد وغيره» قل من المشتغلين بالحديث في ديارنا الشامية. وفي مصر والعراق وغيرها، من له معرفة برجال هذا المسند الثلاثة. وكذلك يحسن بنا أن نعرفهم ولو بإيجاز، فأول رجال السند هو:
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية أبي جعفر المنصور (المتوفي 158) وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر، رواية تابعي. وقد روى أبو عبيدة عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنه الله عنها. وروايته هذه عنهم موجودة بعضها في هذه المسند الصحيح. وهي رواية تابعي عن صحابي.
شيوخه: أخذ أبو عبيدة العلم عمن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر بن عبد الله وجابر بن زيد، وعن ضمار السعيدي وجعفر السماك وغيرهم. (1/149)
صفحة 150
تلاميذه: وحمل العلم عن أبي عبيدة خلف كثير منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب هذا المسند وفيهم (حملة هذا العلم إلى المغرب) وهم: أبو الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وكان الإمام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة. وبأمره نصب الإمام عبد الله ابن يحيى الكندي في أرض اليمن، وجمعت أمارته اليمن والحجاز، وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلمَّا أرادوا الوداع سأله اسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له ابو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيًا يا بن درار، قال أرأيت أن ابتليت بذلك».
وَأَمَّا جابر بن زيد الجوفي الأزدي أبو الشعتاء (93هـ) أصل المذهب الإبَاضِي في عمان والمغرب، وصاحب عبد الله بن عباس، فقد كان أشهر من صحبه وقرأ علسه، وذكر أبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) أنَّ ابن عباس قال: إسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه، وقال إياس بن معاوية: ما رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد، وقال الحصين: لما مات جابر بن زيد وبلغ موته أنس بن مالك قال: مات أعلم من على ظهر الأرض، ولما مات جابر ودفن قال قتادة: أدنوني من قبره فأدنوه فقال: اليوم مات عالم العرب، وعن ابن عباس قال عجبًا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوه لوسعهم علمه: ، شيوخه وتلاميذه والذين حمل عنهم العلم، أولهم وأخصهم به عبد الله بن عباس، فقد أكثر من الحمل عنه وعبد الله بن عمر.
وممن اخذ عنه: قتادة، وعمرو بن دينار وأيوب وخلق. (1/150)
صفحة 151
وإذا تأمل الإنسان روايات هذا المسند وجده يروي عن كثير من الصحابة وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر بلغ سبعين رجلا فما ظنك بمن لقيهم جابر بن زيد من سائر الصحابة، وأشهر أصحاب الراوين عنه: أبو عبيدة، ومنهم ضمام بن السائب، وأبو نوح وحيان الأعرج، وكلهم من الفقهاء المجتهدين، وناهيك قوله: أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إِلاَّ البحر، (ابن عباس).
شرح المسند: أمَّا شارح هذا المسند فمن الحق أن نلم من ترجمته بما يصور حقيقته ويبين منزلته بين العلماء المحقيقين، فهو الشيخ نور الدين السالمي أبو محمَّد عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي الضبي(1286-1332) انتهت إليه رئاسة العلم بعمان وظهر ذلك في تآليفه الجمة في مخكلف الفنون الشرعيَّة والعربيَّة مع التحقيق في مسائلها والإجادة من تآليف كتبها ورسائلها.
صفاته: كان رحمه الله ضريرًا قوي الذاكرة والذكاء، شديد اليقظة على تطورات قومه بعمان فقد عمل كثيرًا على إعادة الإمامة إلى القطر العماني الذي قلما عرف الملكيَّة قديمًا إِلاَّ في ظروف شاذَّة، كما وقع على عهد ابن نبهان في عصر ابن بطوطة.
ولم يكن يكتم ميوله وآراءه في الإمامة عن السلطان فيصل بن تركي سلطان عمان، ولكنه لم يجد منه انقيادًا إلى إعلان الإمامة بدسائس الإنجليز الذين يتحينون الفرص للانقضاض على أقطار الخليج العربي، ومطامعهم في جزيرة العرب، ونفطها ومعادنها لا تحتاج إلى تعريف. (1/151)
صفحة 152
وما زال هذا العالم العامل يعمل على بث الدعاية للإمامة لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يخشى في إعلان الإمامة سطوة غاشم، حتَّى بدت للعلماء المساعي البريطانيَّة، لحمل سلطان مسقط على الإعتراف بالحماية البريطانيَّة. فأسلس بالعلماء القياد للنور السالمي، شارح هذا المسند، وأعلنوا الإمامة بمبايعة الإمام التقي العلامة (سالم بن راشد الخروصي) وبذلك نهض المترجم ببلاده وأقصى عنها خطر الاستعمار، وما في عمان اليوم من علماء إِلاَّ وهم تلاميذه، ولا فيهم من روح قوميته مقاومة للمستعمرين إِلاَّ منه، فهم مضرم نارها وملهب أوارها، وأن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين، فهو في قصر عمره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي بدمشق رحمهما الله.
ومن تلك الكتب:
1- تحفة الأعيان في تاريخ عمان جزءان طبع أولهما في مصر.
2- الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، طبع بهامش شرح طلعة الشمس في أصول الفقه.
3- شرح المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي من أئمة بالقرن الثاني في أربعة أجزاء طبع الأوَّل والثاني منها بمطبعة الأزهار البارونيَّة والثالث بالمطبعة العموميَّة بدمشق في هذه السنة.
4- سواطع البرهان: رسالة في تطورات العصر في اللباس جواب لسؤال بعض أهل زنجبار.
5- مدارج الكمال: أرجوزة في الفروع الفقهيَّة تنيف عن ألفي بيت وهو نظم مختصر الخصال للإمام أبي إسحاق الحضرمي، مطبوعة.
6- معارج الآمال: شرح لهذه الأرجوزة وهي تنبئ عن غزارة علمه ورسوخه في علم الشريعة، قيل إنَّه يبلغ ستة عشر جزءًا.
7- غاية المراد: أحد متون أصول الكلام.
8- مشارق أنوار العقول: شرح أرجوزته في أصول الدين، شرحها شرحًا وافيًا عد بها من أحسن كتب الأصول تحقيقًا وتحريرًا وتنسيقًا طبع بمصر.
9- أنوار العقول: أرجوزة في أصول الدين تزيد على 300 بيت.
10- بهجة الأنوار: شرح أنوار العقول طبع بهامش طلعة الشمس. (1/152)
صفحة 153
11- طلعة الشمس: ألفه في أصول الفقه من أجل متون هذا الفن وأكثرها نفعًا.
12- شرح طلعة الشمس: في أصول الفقه جدير بأن يعد من أنفس كتب الأصول.
13- جوهر النظام: أرجوزة في الأديان والأحكام الشرعيَّة والحكم وهي بضعة عشر ألف بيت. مطبوعة.
14- بلوغ الأم: أرجوزة في أحكام الجمل الثلاث في الإعراب نفسيَّة جدا.
15- الفتاوي العمانيَة: في سبعة أجزاء منها كتاب حل المشكلات.
16- رسالة تلقين الصبيان لمدارس عمان وقد طبعت بدمشق بالمطبعة العموميَّة هذه السنة بإشرافنا وهي رسالة مفيدة للصبيان والرجال معًا.
17- المنهل الصافي في العروض والقوافي: أرجوزة تزيد على 300 بيت.
وإذا اطلع المنصف على هذا الشرح، وجد الشارح واسع الاطلاع، وألفى شرحه واضحًا مبيِّنًا، وتعابيره صحيحة فصيحة، أسلوبها المساواة، فلا هي مسهبة مملة، ولا مفرطة اللإيجاز مخلَّة، وَأَمَّا أبحاثه فيها فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرًا ما ينقل عن العلماء المخالفين كالحنفيَّة والشافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، مِمَّا يدل على أنَّ الإبَاضِية يفي المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة.
ورالناظر في شرح النور للسالمي عالم عمان، يمتلئ طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال المذاهب غير السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة إِلاَّ استشهاد نقد ورد (1) .
__________
(1) - والعكس صحيح أي أنَّ رجال المذاهب الأربعة قلما يستشهدون بأقوال غيرهم إِلاَّ مقام التشنيع أو النقد أو الرد. (1/153)
صفحة 154
وما آثرت تخريج المسند والشرح ــ ولا سيما ما رواه الشيخان ــ إِلاَّ لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأنَّ مسند الربيع الذي بنى عليه المذهب الإبَاضِية هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مِمَّا جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد مِمَّن روى عنهم البخاري وغيره، لكي لا يقع فيما وقع فيه خصوم الإبَاضِية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وقيدتهم فيظنهم من الخوارج الغلاة كالأزارقة والنجديَّة والصفريَّة المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم.
ومن أعلم أهل السنة بالإبَاضِية وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد في كتابه الكامل فقد قال نصه: «قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة».
وقال ابن حزم: «أسوأ الخوارج حالا الغلاة وأقربهم إلى قول أهل الحق الإبَاضِية» وابن إباض هو عبد الله بن إباض المري التميمي الذي عاصر معاوية وعده الشماخي في السير من التابعين، وكان من أتباع الإمام جابر بن زيد مؤسس المذهب الإبَاضِي، ولو نسب المذهب الإبَاضِي إلى جابر بن زيد تلميذ ابن عباس، كان في رأيي أصح علمًا، وأصدق نسبًا. (1/154)
صفحة 155
وإليك ما يقوله الشارح المعتدل المنصف في مقدمة كتابه (تحفة الأعيان) «وندعوا إلى كتاب الله، ومعرفة الحق وموالات أهله، فمن عرف منهم الحق وأقرَّ به توليناه، وحلامنا دمه، ومن أنكر حق الله منهم، واستحبَّ العمى على الهدى، وفارق المسلمين، وعاندهم، فارقناه وقاتلناه حتَّى يفئ إلى أمر الله، أو يهلك على ضلالته من غير أن ننزلهم منازل عبدة الأوثان، فلا تستحل سباياهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، ولا قطع الميراث منهم (كغلاة الخوارج) ولا نرى الفتك بقومنا، ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالاً، لأنَّ الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين مِمَّن كان بمكَّة بأحد من المشركين، فكيف ننفعله نحن بأهل القبلة، ونرى أنَّ مناكحة قومنا، وموارثتهم لا تحرم علينا، ما داموا يستقبلون قبلتنا، ولا نرى أن نقذف أحدًا مِمَّن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنَّه فعله، خلاف (للخوارج) الذين يستحلون قذف من يعلمون أنَّه برئ من الزنا من قومهم، وهم بذلك مضلون».
فالإبَاضِية اليوم في عمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين، والمتمسكين بالكتاب والسنة، قال النور السالمي أيضًا: «ليس من رأينا ــ بحمد الله ــ الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من فارقنا ... الله ربنا، ومحمد نبيَّنا، والقرآن إمامنا، والسنة طريقتنا، وبيت الله الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا». ولذلك يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد مثل هذا الاعتراف فيكون من المتألين، الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبئ - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «ويل للمتألين من أمَّتي» أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنَّة وفلان في النار. (1/155)
صفحة 156
ويفهم من شرح هذا المسند أنَّ الشارح من المتمسكين باحديث الصحيح، وأرباب العقل الراجح، والمعظمين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقواله، والمهتدين بسنته وأفعاله، فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء، ويختار على أقوال المذهب ما صحَّ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس هو مِمَّن يرى (العمل على الفقه لا على الحديث) قال شارح: (الصراط المستقيم): إذا وجد تابع المجتهد حديثًا صحيحًا مخالفًا لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك. قالوا: لأنَّ المتبوع والمقتدى به هو النبئ - صلى الله عليه وسلم - ، ومن سواه فهو تابع له فبعد أن علم وصحَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - فالمتابعة لغيره غير معقولة».
قلت ولذلك لا يجوز التعصب للمذاهب يستهتر به بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فغنَّ ذلك من الفسق، والبعد عن الدين، والخروج على سيرة الصحابة والتابعين.
ومن هؤلاء الجامدين المتعصبين كما يقول بعض الأئمة ــ من إذا مرَّ عليه قول يوافق قول من قلَّدوه انبسطوا، وإذا مرَّ عليهم حديث يخالف قوله، أو يوافق مذهب غيره، ربما انقبضوا ولم يسمعوا قول الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّىا يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجْدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيت وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (النساء: 65).
هذا وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إِلاَّ لأنَّ مذهبهم كما اطلعت عليه مبني على السنة، وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه. والمذهب عملاً بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه فقد جاء في (الحجة البالغة) أن ابن عمرZ قال لجابر بن زيد «إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلاَّ بقرآن ناطق، أو سنة ماضية فإنَّك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت». (1/156)
صفحة 157
ولذلك نعتقد ونقول: إنَّ المعقول، ومن القلب المقبول، ألا نهتدي إِلاَّ بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَىا اللهِ وَالرَّسُولِ} (النساء:59)».
مع إبراهيم محمَّد عبد الباقي
من قرأ كتاب الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي (الدين والعلم الحديث) يبدوا له واضحًا أنَّ الأستاذ إبراهيم كاتب نزيه حريص علو وحدة الأمة المسلمة، يحارب بقوة كلّ ما يحرك الفتن، ويسبب الفرقة، كما يحارب بقوة وبصيرة تلك البدع المنكرة التي انحرفت بسلوك المسلمين، وظلت عقائد البسطاء منهم، وربَّما أزاغتهم عن معنى التوحيد الخالص.
وقد تحدَّث عن الإبَاضِية في كتابه القيم، ويسرُّني أن أضع بين يدي القارئ الكريم ما قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقي ص 252 من كتابه الدين والعلم الحديث:
(طرف من عقائد الخوارج)
لقد شاع في المسلمين أنَّ جميع الخوارج غير مسلمين، ولكن الناقد البصير لا يصح أن يجرد البعض من الإسلام، لأنَّهم في خروجهم على مذهب لهم فيه تأويل، ومنهم عباد وزهاد ملأوا بطون الكتب بورعهم وتقواهم، هذا ولما كان الوقت شحيحًا يضن علي بالبحث عنهم والتنقيب اتصلت بمن له خبرة بهم، وهو زعيم طائفة منهم تسمى الإبَاضِية.
هذا الزعيم يسمَّى أبا إسحاق إبراهيم طفيش موذف بدار الكتب المصريَّة فكفاني مؤونة البحث، وكتب الكلمة الآتية».
بعد هذه المقدمة البسيطة نقل الأستاذ إبراهيم الفصل الذي كتبه له الإمام أبو إسحاق طفيش عن الخوارج وسوف نجده ضمن فصول هذا الكتاب تحت عنوان (نبذة عن الخوارج)
وبعد هذا الفصل قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقي ما يلي: (1/157)
صفحة 158
يريد الأستاذ ــ أي أبو إسحاق ــ بالمذاهب المتعفنة أن كلّ طائفة متشبتة بمذهبها، ولو كان الحق مع مذهب غيرها، وهذه آفة القديم والحديث، إذ أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يتبع، والمنصف يسير مع الحق حيث سارت ركائبه، وكان عمرZ ينظر في الحكم فإن كان في كتاب الله قضى به، وإن لم يكن في كتاب الله نظر في السنَّة فإن لم يجده في السنَّة جمع رجال الدين، فإذا اجتمع رايهم على شيء قضى به.
أمَّا الآن فقد خالف النَّاس، واتبعوا المذاهب وإن كان ذلك مخالفا للسنَّة. هذا وقد أخبرني الأستاذ أبو إسحاق بأن مذهب الإبَاضِية أكثر انتشارا في جنوب الجزائر في (وادي ميزاب) وفي تونس (في جزيرة جربة) وفي ليبيا في (جبل نفوسة) وفي (زنجبار وعمان) باليمن حيث يوجد نظام الإمامة المطابقة في بيعتها لبيعة الخلفاء الرَّاشدين» (1) .
بعد هذا التعليق البسيط ينقل الأستاذ إبراهيم عبد الباقي مقتطفات من مقال للأستاذ مصطفى الشكعة سوف ننقله لك ضمن فصول هذا الكتاب، وبعد أن انتهى الأستاذ إبراهيم من الاستشهاد بمقال أبي إسحاق والشكعة وقال:
«وقد تصفَّحت من كتبهم ما يأتي:
أوَّلاً: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام للإمام نور الدين أبي محمَّد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي العماني رحمه الله وله تعليق عليه ولد سنة 1286هـ وتوفي سنة 1332هـ.
ثانيا: شامل الصل والفرع لمحمد بن يوسف طفيش.
ثالثا: جامع أركان الإسلام للشيخ العلامة سيف بن نصر بن سليمان الخروصي طبع أو مرَّة بمطبعة الآداب سنة1331هـ.
__________
(1) - آخر بيعة في هذا النمط بإجماع الأمة كانت سنة 1338هـ للإمام إبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الخليلي وقد سار بالإمامة علو منهج العدول في أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - . ولما توفي اجتمع أهل الحل والعقد سنة 1945م على بيعة الإمام غالب بن علي ولكن مكائد الإستعمار الإنجليزي أدخلت أصابعها إلى عمان فقوضت أركان الإمام، وأخرجت الإمام من عمان. (1/158)
صفحة 159
رابعا: مشارق انوار العقول، طبعة السيِّد حمود بن محمَّد بن سعد سلطان زنجبار بمطبعة المحروسة سنة 1314هـ.
خامسا: الوضع المختصر في الأصول والفقه تأليف الإمام أبي زكرياء يحي ابن أبي الخير الجناوني رحمه الله تعالى نشره وعلق عليه الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم طفيش طبع بمطبعة الفجالة الجديدة.
وقد استنتجت من هذه الكتب ما يلي:
أوَّلاً: التنزيه لمطلق الله تعالى، ويوجبون تاويل المتشابه بما يليق بجلال الله تعالى كاليد تؤول بالقوة وتارة بالنعمة، فمذهبهم مذهب الخلف في المحكم المتشابه.
ثانيا: لا يرون رؤية الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من كمال الله تعالى، لأن رؤية الله تستدعي مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلُّون بالآية الشريفة {لا تُدْرِكُهُ الَابْصَارُ وَهُوَّ يُدْرِكُ الَابْصَارَ وَهُوَّ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ}.
وما جاء في السُّنة لا يعارض القرآن الكريم، لأَنَّهُ خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إِلاَّ الظنَّ، والظن لا يصح دليلا على صحة العقائد، ويفسرون الحجب في الآية {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ} بأنَّه غير الرّؤية.
ثالثا: يرون أن صفات الله تعالى ذاتية ليست بمعان قائمة بذاته.
رابعا: لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إِلاَّ إذا أخل بالإعتقاد الإسلامي، كإنكار ما علم من الدين بالضَّرورة كأن ينكر إنسان صفة من صفات الله تعالى، أو نبيا من الانبياء أو حرفًا من القرآن الكريم.
خامسا: يرون أن القراءات السبع متواترة.
سادسا: يعرفون المذهب الإجتهادي بقولهم: المذهب هو ما استبان به لكلّ فقرة عن الأخرى في الفروع التي لا تأثيم فيها، فحرية الرَّأي وحرية المذهب مكفولة وأن الخلافة لا تكون إلاَّ من أهل الحل والعقد. (1/159)
صفحة 160
سابعا: أن مرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركا، وأنَّ أهل الجنَّة خالدون فيها، وأهل النار خالدون كذلك، فهم يخالفوننا في عقيدتنا، وهو أن العاصي من المؤمنين يدخل النار حتَّى يطهر من معصيته، لأن العاصي رجس، والجنَّة طاهرة فلا يدخلها إِلاَّ الطاهرون.
ثامنا: يخالفوننا في بعض فروع الفقه، مثل رفع اليدين عند التكبيرات في الصلاة، ومثل وجوب سجدة التلاوة حين سماع الآية، وغير ذلك من المسائل التي لم تكن موضع إجماع.
مع الأستاذين التنوخي وإبراهيم عبد الباقي
لقد عرضت عليك أيُّها القارئ الكريم ماكتبه كلّ من الأستاذين الفاضلين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمَّد عبد الباقي عن الإبَاضِية، ونقلته لك بنصه، وذركت لك أيضًا أن هذا المنهج الذي سار عليه هو المنهج السَّليم الذي يجب أن يسلكه من يريد أن يكتب عن أي فرقة. وذلك بأن يتَّصف بالنزاهة والتجرد، وان يتحلى بالصدق والأمانة، وأن يعتمد ــ في التقرير آراء وعقائد أي طائفة ونسبتها إليها ــ على كتابها ومراجعها وعلمائها لا على ما يكتبه عنها غيرها. لأن ذلك الغير في أغلب الأحوال يقف منها موقف الخصوم.
ومن هذه الأسس يستطيع الكاتب أن يعرض الحقيقة، حقيقة ما يعتقده أصحاب الفرق ويقولونه، ويدينون به دون تحريف أو تدليس أو غموض أو إبهام مقصود.
وقد سلك الأستاذان التنوخي وإبراهيم هذا المسلك السليم وهما يكتبان عن الإبَاضِية. فرجعا إلى مصادر الإبَاضِية، وبذلك جاءت كتاباتهما سليمة من السفاسف والأباطيل التي تجدها عند كثير من كتاب المقالات الأقدمين منهم المحدثين. كما جاءت كتابتهما سليمة ــ أيضًا ــ من الفراغ والخواء الذي تحسه وأنت تقرأ لبعض الكتاب المقلدين الذين يعتمدون عاى ما يجدونه دون فهم أو تمحيص أو بحث عن الدوافع والبواعث اكتفاء بإسناد ما يقولونه إلى مصادر تاريخيَّة أضفى عليها القدم ثوب القداسة، ليتخلَّصوا من مسؤوليَّة إعلان كلمة الحق. (1/160)
صفحة 161
وبالرجوع إلى ما كتبه الأستاذان الفاضلان ونسباه إلى الإبَاضِية مِمَّا سبق عرضه على القارئ الكريم يبدوا أنَّه لا يوجد شيء عندهما يحتاج إلى مزيد من النقاش والبحث غير نقطة واحدة جانبية؟. تلك النقطة هي انسياقهما وراء التيار التاريخي الجارف الذي يصر على الإبَاضِية فرقة من فرق الخوارج.
ونحن لا نلومها ــ في موقفهما هذا ــ ولا نتعب عليهما، فقد استطاع التدليس التاريخي أن يضع هذه الدعوى الكاذبة بثوب الحقيقة حتَّى انطلت على بعض الإبَاضِية أنفسهم في القديم وفي الحديث.
بل لقد حدثني بعض الشباب عن تخصص في التاريخ بأنَّه يفتخر بذلك ويعتز، لأَنَّهُ يفهم حادث ذلك العصر ويفسرها بروح هذا العصر، فكان يعتبر الخوارج طلائع ثوريَّة، يمثلون الدور الثوري على الظلم والفساد والرشوة، وهو بهذا الفهم يعتز بأن يكون خارجيًّا أو ينتمي إلى فرقة خارجيَّة، بمعنى أنَّه ينتمي إلى فكرة ثوريَّة تحمل في مسيرتها التاريخية نضالا ضدَّ فساد الحكم لا يهدأ ولا يستقر.
وهذه الصورة الثورية التي يعجب بها هذا الشاب وزملاؤه وأضرابه من الشباب الذي أثارت نقمتهم الأوضاع الفاسدة في أنظمة حكم فاسد جثم على صدر الأمة بكلكله الثقيل، ثُمَّ محاولة التخلص منه.
هذه الصورة ليست فكرة مقصورة على الخوارج أو الإبَاضِية فرقة مينة من فرق المسلمين.
إن الثورة على الظلم والفساد والرشوة وما يتبع ذلك من البلايا والمحن، إنما هو المنهج الذي جاء به الإسلام، ودعا إليه المسلمون، ودعا المسلمون إليه. وقاموا به في مختلف أدوار التاريخ، ولم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، ولم تكتف الأيدي الثائرة في أي فترة من فترات الحكم المنحرف. (1/161)
صفحة 162
ولم يمض حاكم ظالم دون أن تناله صفعات مؤلمات من الثائرين في الأمة المسلمة من جميع الفرق والمذاهب، حتَّى من أتباع الأئمة الذين ينهون عن استعمال العنف، ويحذرون من الفتنة، ويفضلون استبداد الحاكم على شق عصا الطاعة، وأحداث الخلاف والتسبب في إراقة الدماء. ويتغاضون عن الدماء التي تريقها أيدي الحاكم الظلمة ولكنهم لا يسكتون عن الدماء التي تريقها النقمة ضدَّ أولئك الحكام.
تستطيع أن تبدأ ملاحظات ذلك من أوَّل العهوج التي بدأ فيها الحكام ينحرفون عن نظام الخلافة الرشيدة إلى ملكية مستبدة، أو كما سماه الرسولy (ملك عضوض) ولو أنّ أولئك الملوك لم يسموا أنفسهم ملوكا، وحافظوا على مظهر التسمية فكانوا حراصا ــ على مجرى التاريخ ــ أن يدعوهم الناس بأمراء المؤمنين، أو أئمة المسلمين.
و إبَاضِية مثل غيرهم من المسلمين في هذا المجال، كانوا من أشد من ينتقد تصرف المنحرفين ويطالب ولاَّة الأمُور أن يتقيَّدُوا بأحكام الإسلام، وأن يقتدوا بالخلفاء الرَّاشدين الذين أرضوا الله تبارك وتعالى وأرضوا الأمة فرضيت عنهم.
ويتضح لأولئك الإخوة الشباب من هذا انتقاد الإبَاضِية للتحكُّم الظالم، ومحاولاتهم للإطاحة به في بعض الأحايين، وعلمهم على إيجاد دولة، تطبِّق أحكام الإسلام، وتتقيد بها، وتشدِّدهم في مجابهة العدوان، ومعارضته بقوة وعنف! ...
كلّ هذا لا يلحقهم بالخوارج، ولا يجمعهم معهم في صعيد واحد، ولا يجعلهم فرقة منهم. (1/162)
صفحة 163
وفي المسلمين ــ بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وآرائهم، ولا سيما في عهد الدولة الأموية حينما كان انتقال الحكم من الخلافة رَّشيدة إلى ملك عضوض، قد سبب فجوة عميقة، أو هوة خشي المسلمون أن يرتدوا فيها ثو يعسر عليهم الخروج منها ــ أمثلة حيَّة واضحة لكثير من التَّابعين وتابعي التَّابعين، بل ومن بقيَّة الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا من الثَّائرين على الفساد الذي بدأ بانحراف الحكم عن الخلافة الرَّشيدة إلى ملك عضوض يتقاتل عليه أصحاب الدُّنيا، وقد استشهد في هذا السَّبيل عدد من أفذاذ الرجال، ومع ذلك لم يسموا أنفسهم خوارج، ولم يعتزُّوا بذلك الاسم، ولم يشرفهم أحد في اتباعهم والمعجبين بهم بهذا الاسم، أو يطلق عليهم هذا اللَّقب.
ويكفي أن أذكر أمثلة لأولئك الثائرين على الانحراف والفساد شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول اللهy وعبد الله بن الزبير نجل ذات النِّطاقين، وسعيد بن جبير وزيد بن علي بن حسين. وكل واحد من هؤلاء يمثل ثورة عارمة من الأمة المسلمة على الحكم الظالم، والخروج عليه، ومدافعته حتَّى الاستشهاد.
وإذا شاء القارئ الكريم أن يضيف إلى هذه القائمة أسماء الثوار الشهداء الذين سالت دماءهم على سيوف الحكم المستمد، والذين نجحوا في ثوراتهم أو فشلوا فإنَّه يستطيع أن يملأ المجلدات الضخمة بما يجري من ذلك عبر التاريخ، ويأخذ الإبَاضِية أو بعض الإبَاضِية حيزهم الضيق أو الواسع في تلك المجلدات، ولا يمكن أن يخلوا منهم مجلَّد.
ومن البديهي أنَّ أولئك الثوار ابتداء من سيد الشهداء الإمام حسين ومن سار على نهجه في مختلف العصور، لم يحملهم التطرف، والسخط على فساد الحكم، إلى مخالفة أحكام الإسلام فيستحلون من الناس ما حرَّمه الإسلام وعصمته كلمة التوحيد من دماء وأموال وأعراض. (1/163)
صفحة 164
هذه النقطة بالذات ــ وهي التطرف في السخط حتَّى تستحل به الدماء البريئة، والأموال المعصومة، والأعراض المصونة بحكم الله ــ هي الفارق الوحيد بين الثوريَّة والخارجية. إذا سمحنا لأنفسنا بأنفسنا فاستعملنا كلمة الثورية ــ بمدلولها المعاصر ــ على أحداث تاريخ تلك العصور.
فإنَّ عبد الله بن الزبير ــ مثلاً ــ كان قد ثار على الحكم الأموي المنحرف وكان الحكم قائمًا عندما ثار ابن الزبير فخرج عن الطاعة كما تعبر ألسنة الأنظمة الحاكمة في كلّ عصر وكل عهد ولكنه مع خلروجه على حكم الدولة القائمة لم يعتبر خارجيًّا، ولم يسمِّي نفسه بهذا الاسم، ولم يسمّه أتباعه بذلك ولم يتجرَّأ أحد من خصومه أن يصفه بذلك في ذلك الحين، فلماذا لم يكن ذلك ياترى؟ ذلك أن إطلاق لفظة الخوارج إنما كانت تعني من يخرج على نظام قائم فلا يكتفي بمحاربة النظام القائم ــسواء كان عادلا أو جائرا ــ وإنَّما يضيف إلى ذلك أن نسنحل دماء وأموال، وحرمات من يخالفه، ويحكم عليهم بأحكام المشركين، ويطبقها عليهم ما تمكن من ذلك. ولم تكن هذه الآراء ولا هذه السيرة لعبد الله بن الزبير مثلاً ولذلك فنحن قد نستطيع أن نعده في موكب الثائرين، ولكننا لا نستطيع أبدا أن نعده من الخوارج ، لأَنَّهُ ــ ببساطة ــ لم يكن يدين بدين الخوارج فلم يكن يحكم علة غيره من المسلمين بالشرك ولم يكن يستحل منهم: لا الأموال ولا سبي النساء والأطفال، ولا دماء من لم يعترض سبيله ويرفع في وجهه السلاح، وإنَّما كان يرى أنَّ المسلمين جميعًا إخوة له، فهو يقتصر في ثورته على محاربة الحكم الظالم، والجيش الباطش، ومن يسعى إلى تثبيت أركان الظلم. (1/164)
صفحة 165
ونفس الموقف نستطيع أن نعطيه لبقية الثائرين في أدوار التاريخ الإسلامي الطويل وفي عهود الفساد والظلم، فلم يتلقب أحد منهم بذلك، ولم يلقبهم به أحد من الناس، لهذا الفارق الوحيد فحسب، ويدهل في هذا الجانب حتَّى أولئك الذين خرجوا على الحكم وثاروا عليه ولم يكن قصدهم الحقيقي هو إزاحة الظلم زلكن الوصول إلى الحكم وثاروا عليه ولم يكن قصدهم الحقيقي هو إزاحة الظلم ولكن الوصول إلى الحكم ما لم يدينوا ويبيح منهم ما حفظه الله لهم بكلمة الشهادة.
إن الثورة على الظلم والظالمين ومحاربة الفساد في أنظمة الحكم، أهم واجبات المسلم، ونقد كان ذلك هو المبدأ الذي سار عليه أئمة المسلمين مع اختلاف في الطرق والمناهج، فمنهم من يكتفي بالثورة اللسانية ومنهم من يمد يده إلى السيف من أوَّل حركة، ومنهم من يجمع بين الانين، ومنهم من يتخذ موقفا غير مباشر في مكافحة الظالمين وذلك بنقد الظلم والفساد عامة دون التعرض لمن يتصف بذلك.
وقد يستفحل الاستبداد فيقيد الايدي، ويكمم الافواه، وتبقى الثورة حبيسة في الصدور حتَّى تنفجر في يوم من الايام فتطيح بالظلم والظالمين، ولو طال بهم المدى. (1/165)
صفحة 166
والخوارج حين ثاروا على ما اعتقدوا ظلما، ورأوا انحرافا بالحكم عن المنهج الاسلامي الشوري، إلى منهج دكتاتوري مستبد، لم يقصروا الثورة على أجهزة الحكم الفاسد فقط ــ ولو في نظرهم ــ وإنَّما تجاوزوا ذلك إلى أن حكموا على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين، واستباحوا منهم ما أباحه الله من الكفار. وبذلك انتقلوا من وصف الثورية إلى الخارجية الذي يعني الخروج من الدين، أي من مجموعة كانت تطالب بحق تؤديهم فيه كلّ الامة ــ ولو بقلوبها حتَّى أولئك الذين لم يشتركوا في أيَّة ثورة قط لا باليد ولا باللسان ــ إلى فرقة قد انفصلت عن الامة المسلمة انفصالا دينيا كاملا، بحيث حكمت على الامة المسلمة بأحكام المشركين (1) لأنَّها في نظرها قد كفرت: إمَّا بكونها مع الظالمين، وإمَّا برضائها وبقائها تحت حكمهم.
__________
(1) - يجب أن أذكر هنا أنني لم أتمكن من الحصول على أي مصدر من مصادر الخوارج حتَّى اعرف حقيقة ما عندهم من كتبهم وأن ما أسندته إليهم في هذا الفصل وفي غيره من الفصول وفي كتبي السابقة إنما أخذته من مصادر غيرهم التي كتب عنهم وهي في أغلبها تقف تقف منهم موقف الخصوم بما فيها كتب الإبَاضِية فإن كان ما نسب إليهم حقًّا فنحن مسؤولون عن دراستنا وآرائنا وإن كان ما نسب إليهم باطلاً من القول فالعهدة على الرواة من كتاب التاريخ والمقالات وإني أستغفر الله وأتوب إليه. (1/166)
صفحة 167
وقد كان رد الفعل لهذا الموقف من الأمة المسلمة أن حكمت الأمة على هذه الثورة المنحرفة المتطرفة بنفس الحكم، وبادلتها نفس الموقف وأطلقت عليها لفظ الخارجيَّة والخوارج وهي تقصد خروج من يدين بذلك من الدين بسبب الحكم على المسلمين بالشرك ومعاملتهم معاملة المشركين وهكذا بعدت بينهم المسافة، واتسعت الشقة. فالخوارج يرون أنَّ الحكام الظالمين ومن أعانهم على حكمهم ومن سكت عنه أو رضي الله عنه به وبقي تحت سلطانهم كلّ هؤلاء قد كفروا تحل دماؤهم وأموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم. والآخرون يرون أن الخوارج كفروا لأنَّهم كفروا المسلمين.
بعد هذا الحديث أريد أن أوجه إلى القارئ الكريم السؤال الآتي:
متى أو لم يعتبر الفرد الطائفة من الخوارج؟
أحسب أنَّ الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تحدد الموقف بالنسبة للإبَاضِية، وتضعهم في مكانهم الطبيعي في المذاهب الاسلاميَّة.
لقد أوضحنا فيما سبق أنَّ الثورة على أي حكم والخروج عليه لا يكفي سببًا لأن يضع صاحبه أو أصحابه في قائمة الخوارج ثُمَّ يسلط عليه الحكم الذي سلطه التاريخ على الخوارج والأحكام التي سلطها الخوارج على غيرهم. فقد خرج أهل الأمصار على عثمان ــ وهو خليفة راشد ــ ولم يسمهم أحد حينئذ خوارج، وخرج طلحة والزبير وعائشة على علي ــ وهو خليفة راشد ــ ولم يسمهم أحد خوارج، وخرج معاوية على أمير المؤمنين عَلِي ــ وهو خليفة راشد ــ ولم يصفه أحد بالخارجيَّة، وثار الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وزيد بن علي ويحيى بن زيد على الدولة الأموية ولم يسمهم احد خوارج. بل إنَّ زعماء الدولة العباسية أنفسهم كانوا قد خرجوا على الدولة الأموية ولم يسمهم أحد خوارج، بل ونقص الأمين بيعة المأمون وخرج عليه المأمون ولم يطلق اسم الخوارج على أي منهما. (1/167)
صفحة 168
ومعنى هذا أن الخروج على نظام الحكم القائم والثورة عليه ــ سواء كان الحكم عادلاً ونظيفًا كما كان في عهد الخلفاء الراشدين، أو كان ملكًا عضوضًا كما كان في عهد الدولة الأموية وما بعدها وما كان يقوم به عمالها أمثال الحجاج وزياد وعبيد الله بن زياد وأضرابهم ــ فإنَّه لا يكفي لأن يعتبر الثائرون عليه خوارج لمجرَّد ثورتهم على الحكم وخروجهم عنه، إنَّ الخروج عن الحكم الظالم، والثورة عليه، ومحاولة الإطاحة بأجهزته الفاسدة هو من أوكد الواجبات على الأمة المسلمة إذا لم تخش شرًّا أكبر
///ص184///
ومن قام بذلك الواجب لا يمكن أن يعتبر خارجيًّا. ولا يجوز أن يوصف بالخارجيَّة، إِلاَّ إذا تطرَّف فتعدَّى ذلك إلى الحكم على المسلمين بأحكام المشركين، فاستباح منهم الدماء والأموال، واستحلَّ سبي النساء والأطفال، وتلك هي معاني الخارجيَّة في أيَّة ثورة أو حركة مسلحة.
وواضح أنَّها خارجيَّة عن الإسلام لا عن قائم لدولة قد تكون باغية في رقاب أمَّة مسلمة كريمة وصفها الله تبارك وتعالى بالايمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتذلها وقد تنفذ فيها عمليا فظائع من السلوك لم تخطر على بال الخوارج حتَّى وهم في أشد حالات الحنق والغيظ، وإذا كان هذا واضحًا وصحيحًا وواقعًا فما هي العلاقة أو الرابطة بين الإبَاضِية والخوارج.
إنَّ الإبَاضِية من أحرص المؤمنين على التقيد بما ثبت في النصوص الشرعيَّة من أحكام المسلمين وهم يعتقدون أنَّ كلّ من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم فلا يستحلون دماء أحد من أهل القبلة إِلاَّ بالحق الذي بينته وحدَّدته الشريعة الإسلاميَّة كالردَّة وقتل النفس وما في معناها من الحدود. (1/168)
صفحة 169
ولا يستحلون مال أحد إِلاَّ بالطرق التي رسمتها الشريعة الاسلاميَّة للتعامل بين الناس: فريضة في كتاب الله، هبة عن تراض بيع عن تراض، وما معناها. أمَّا قتل الأبرياء وسبي الأطفال والنساء فقد وقفت دونها كلمة التوحيد، وصانها عن هذه المذلة والهوان. ولا يستحلون هذا حتَّى من البغاة والمعتدين مهما بالغوا في مسلكهم الظالم.
فالاعتبارات التي سمي الخوارج ــ من أجلها ــ خوارج لا وجود لها عند الإبَاضِية مطلقا. بل إنهم أبعد الناس عنها عقيدة وقولا وعملاً وجميع كتاب المقالات ــ رغم إصرارهم على أن الإبَاضِية من الخوارج ــ يشهدون بذلك ويسجلونه في كتبهم. (1/169)
صفحة 170
لو كانت الخارجيَّة نسبًا أو صهرًا أو حتَّى صداقة يزعم زاعم أنَّ للإبَاضِية بهذا النسب وشيجة أو قرابة ويزعم أنَّ لهم فيها عمًّا أو خالاً أو صديقًا، ولكن القضيَّة ليست كذلك، القضية قضية عقائد معينة محددة ينبني عليها سلوك تنتج عنه آثار. فمن أين جاءت الخارجيَّة للإبَاضِية، ولماذا يصرُّ المؤرخ الفرق الاسلامية وكتاب المقالات الدينيَّة على هذا الموقف؟ يقول الأستاذ مصطفى الشكعة: «إنهم رمُّوا بهذا اللقب لأنَّهم رفضوا القرشية، أي التزام كون الإمام من القرشيين». والحقيقة أنَّه لا شيء البتة عند كتاب المقالات المؤرخين يمكن أن يكون سببا لإطلاق كلمة الخوارج على الإبَاضِية إلى أحد أمرين هما: رفض القرشية، واعتبار التحكيم خطأ. فهم يلتقون مع الخوارج في هذا الرأي لا غير وهذا ــ فيما يبدو ــ هو كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ما يتعلق به القول غير أنَّ السياسة الماكرة في العهد الأموي وفيما بعد أيضًا حاولت أن تضرب كلّ من ينتقدها بما يناسب ظروفه ولما كان الإبَاضِية لا يعترفون بالقرشية أساسًا أو مؤهلاً وحيدًا للإمامة فقد أضفت عليهم لقب الخارجيَّة ثُمَّ جاء أعوانها فاخترعوا للإبَاضِية عقائد وشنائع بثوها عنها فانتشرت بين الناس وقامت حائلا دون أن يفهم بعضهم البعض واختفى في زحمة النقاش السبب الرئيسي للموضوع وطفت تلك وراجت فتناولتها الأقلام بالإثبات والترسيخ. (1/170)
صفحة 171
ولقد أوضحنا من قبل أيضًا أنَّ القول بأنَّ التحكيم خطأ لا يخرجج قائله من الإسلام، ولا يفصله عن الأمة المسلمة، ولا يكفي لأن نسلط عليه حكما رهيبًا يجعله مكروه من المسلمين، ثُمَّ يستمر هذا الحكم طول التاريخ، ويمتد مع امتداد الزمن، وأوضحنا أيضًا أنَّه إن إنكار التحكيم واعتباره خدعة سياسيَّة يراد بها تفريق جيش أمير المؤمنين علي، هو الخارجيَّة أو هو السبب في إطلاق لفظة الخوارج، فأحسب أنَّ أمير المؤمنين عليًّا وخيار أصحابه أمثال عمَّار والأشتر وعبد الله بن عباس يكونون رؤساء للخوارج. ذلك أنَّ كتب التاريخ التي كتبت عن موضوع التحكيم تكاد تكون مجمعة أنَّ أمير المؤمنين كان أوَّل أو من أوائل من تفطَّنوا المكيدة ولم يقبل التحكيم إِلاَّ مكرها. وأنَّه أنكره بشدَّة، وأبان لجيشه ــ الذي عمل في الطابور الخامس عمله ــ عواقب تلك المكيدة. وأنَّه لم يقبل التحكيم إِلاَّ مضطرًّا، عندما وجد جيشه معرَّضًا للتفرقة والتمزُّق، وربما للتناحر. وكان على رأي الإمام علي وعلى رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغي قبولُها أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري ومالك بن أنس حسب ما أورده المبرد في كامله وابن أبي حديد في شرح نهج البلاغة بل أستطيع أن أزعم أننا اليوم وفي هذا العصر ــ وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرنًا ونصف ــ عندما نقرأ أخبارها نشعر بالاسف والحسرة لأن تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثرية جيش علي، حتَّى اضطر للاستباحة لها رغم معرفته القصد منها، وتقديره لنتائجها، وعلمه علم اليقين أن القصد من تلك العمية لم يكن مراعاة للمصلحة العامة، ولا نظر لخير الأمة ولا تحكما للكتاب غي شيء جهل فيه حكم الكتاب (1) .
__________
(1) - راجع كتابه الاسلام بلا مذاهب، وكتاب الدين والعلم الحديث للأستاذ إبراهبم محمَّد الباقي ص 266 طبع المكتبة التجارية الكبرى. (1/171)
صفحة 172
فهل يعتبر من هذا الاحساس ــ اليوم ــ ويرى هذا الرأي من الخوارج.
لا شك أن الإبَاضِية يرون أن التحكيم خدعة وخطأ لا ينبغي قبوله، ومع ال في هذا الفهم وهذا الاعتقاد أئمة المسلمين في مختلف المذاهب. فإذا كان الخوارج هم الآخرون يرون هذا الرأي فهل يهني هذا أن الإبَاضِية ومن يرى رأيهم في قضية التحكيم أو في قضية الخلافة أصبحوا خوارج لانهم التقوا معهم في فكرة.
أحسب أن هذه النقطة هي النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الإبَاضِية مع الخوارج كثير من الامة.
أمَّا في موضوع الخلافة فأصبحت الامة كلّها فيما يبدوا ترى رأي الخوارج قولا وعملا.
وينفصل الإبَاضِية عن الخوارج ــ في غير النقطة السابقة ــ انفصالاً كاملاً لا لقاء معه، ويقفون معهم أعنف المواقف في الحرب والسلم. فهم عندما يكونون معهم في الاسلام، يعلنون البراءة منهم. ويطردونهم من مجالسهم، وينكرون عليهم في عنه وشدَّة، ويمنعونهم أن يتحدثوا إلى الناس عن أرائهم المتطرفة. ولقد يكون إنكار الإبَاضِية على الخوارج أعنف وأقسى من إنكار غيرهم عليهم ــ بقطع النظر عن المواقف العسكريَّة التي كانت تقفها دول كانت تحافظ على عروشها لا على معتقداتها وعلى سلطتها وهيبتها لا على دينها.
ومع كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. هذا فقد استطاعت الدعاية السياسة في العهد الأموي أن تضفي لقب الخارجيَّة على الإبَاضِية، وجاء المؤرخون الموجهون فنشروا ذلك في كتبهم وفي أحاديثهم وفي المجالس الخاصة والعامة، ثُمَّ جاء من بعدهم كتاب المقالات فأخذوا ما وجدوا دون تحقيق أو ترو أو نقد. وقد وجد الكذابون وةالمشنعون والمستغلون ميدانًا فسيحًا للافتراء والزيادة فنشروا الأباطيل يتناقلها الناس كأنها وقائع. أخذها كتاب المقالات كمادة علميَّة حشوا بها كتبهم فأصبحت مرتبة الحقائق الثابتة التي لا يتوجه إليها نقد ولا يرتفع بصددها نقاش. (1/172)
صفحة 173
ولا شكَّ أنَّ الذين كتبوا عن الإبَاضِية واعتبروهم من الخوارج كان لكلّ واحد منهم مستند ومنهجه ودوافعه، وربما كانوا باتجاهاتهم ودوافعهم ومستنداتهم لا يخرجون عن الأنواع الثلاثة الآتية:
1 - النوع الأول: اعتقدوا حقًّا أنَّ الإبَاضِية فرقة من الخوارج، وتشبَّثوا باعتقادهم أنَّها فرقة ضالة مبتعدة، بل وحتى وأسوأ من ذلك لو أمكن، واشتدَّ ــ من أجل هذا ــ حقدهم عليها وبغضهم لها، وهم مستعدون لتقبل كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ما يقال عنها من تشنيع وحتى الزيادة عليه برضى واطمئنان دون الشك في صحَّة ذلك أو محاولة للبحث عن الحقيقة.
2 - النوع الثاني: استندوا على مصادر موجودة واعتمدوا عليها دون نقد أو محولة لمعرفة حقيقة الإبَاضِية من وراء ذلك وهم يرون أنَّهم فعلوا ما ينبغي لهم مادام الواحد منهم يستطيع أن يدل على مصدر استند عليه.
3 - النوع الثالث: درسوا شيئًا عن الإبَاضِية واطلعوا على كتبهم وعرفوا منها البون البعيد الإبَاضِية والخوارج وعلموا، أنَّ كثيرًا مِمَّا يقال في كتب المقالات لا أساس له، ولكنهم مع ذلك استلموا للتيار التاريخي في إطلاق كلمة الخوارج على الإبَاضِية باعتباره اسمًا مميزًا فقط لا يدل على ما تحمله كلمة الخارجيَّة من المروق وما تشتمل عليه وتوحي به في الخروج عن الدين والأمة، فهم يطلقون لفظ الخوارج على الإبَاضِية كما يطلق أي لقب مكروه على شخص دون اعتقاد بأنَّ ذلك الشخص يحمل شيئًا من مدلوله ومعانيه. (1/173)
صفحة 174
ويبدو لي أنَّ الأستاذين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمَّد عبد الباقي، ومن سار على نهجهما من هذا القسم. فهما ــ مع تقريرهما بُعْدَ الإبَاضِية عن الخوارج البعد الكامل ــ وتوضيحهما للفارق الظاهر في ذلك ــ يتحرجا أن يذكرا أنَّ الإبَاضِية فرقة من الخوارج. بل لقد تجرَّأ الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي فوصف صديقه أبا إسحاق طفيش (رحمه الله) بأنَّه زعيم طائفة منهم، ولست أدري ما هو الإحساس الذي ثار في نفس الإمام الكبير حين قرأ ذلك، ولا كيف كان لقاؤه معه بعد ذلك. ولكن أبا إسحاق على كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. حال لم يتعرض لموقفه الشخصي في إطلاق الخارجيَّة عليه، وإنَّما استجاب للكاتب الكبير، وعرض موضوع الخوارج عرضا مسهبا وضعه تحت تصرف الأستاذ إبراهيم فنشره ــ مشكورًا ــ بنصه في كتابه القيم.
والحقيقة أنَّ الإبَاضِية في جميع العصور ــ مع أنَّهم يبراون من الخوارج ومن معنى الخارجيَّة التي شرحناها سابقًا ــ تعودت آذانهم أن تسمع من يصفهم بها في القديم والحديث. حتَّى تمسك بها المتطرفون منهم على سبيل التحدي، وكان الكثير منهم لا يجد إحساسًا أو طمعًا معينًا، وإنَّما ألفوها كما كما يألف أي إنسان تتفق مجموعة من أصدقائه وأصحابه على أن يلقبوه بلقب مكروه ويصرون على مناداته به، فيغضب ويثور في أوَّل الأمر، ثُمَّ يلين ويتغاضى ثُمَّ قد يستسلم ويستجيب ويعترف به على طول المدى، وقد علقت بالأفراد والأسرة والقبائل ألقاب من هذا النوع حاربوها في مبدإ الأمر، ثُمَّ استسلموا لها، ثُمَّ اعترفوا بها فأصبحت أعلاما لهم.
على هذا المستوى سكت بعض الإبَاضِية عمن سماهم خوارج في العصور السابقة ويسكت لهم اليوم آخرون، وربما وجد من اعتزَّ بها في القديم والحديث من باب المناكفة والتحدي وربما وجد من شذ وتطرف مراغمة وكيدا فانتسب إلى الخوارج وقال ببعض شعاراتهم. (1/174)
صفحة 175
ويبقى بعد كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ذلك الإبَاضِية ــ دون اعتبار للأفراد والشواذ والمتطرفين ــ مذهبا إسلاميا بقواعده وأصوله المبنية على الأسس الشرعيَّة المعتبرة من كتاب وسنة وإجماع وقياس صحيح، يحمل علوم الشريعة عدوله، بفنون عنه تحريف المغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وشبه المبتدعين.
الباب الثالث
المستشرقون
? المستشرقون.
? مع إميل فيلكس جوتيه.
? مع كارلو الفونسو نيلينو
? اللقاء بين الإبَاضِية وأهل السنة.
القسم الثالث
المستشرقون
اهتم المستشررقون بالقضايا الاسلامية عامة. وقدموا فيها دراسات واسعة، وبحوثا مختلفة، منها القيم، ومنها الأقل قيمة.
وقد حاولت أن أراجع موضوع الإبَاضِية في بعض كتاباتهم فلم أستطع أن أفصل موضوع الإبَاضِية في بحوثهم عن بقيَّة المواضيع الاسلامية. وفرضت على أساليبهم ــ في مناقشة قضايا الشرق عمومًا، وقضايا الاسلام خصوصًا ــ أن أغير منهجي الذي كنت وضعته لمناقشة هذه البحوث وقد ارتأيت أن أقدم مباحث هذا القسم من الكتاب كما يلي:
1 - المستشرقون: أعرض في هذا الفصل نماذج من كتاباتهم مع تحليل موجز لبعضخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. الفقرات منها.
2 - إميل جوتييه: أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل المستشرقين المتعصبين الذين يكتبون عن الشرق والنظرة الاستعماريَّة المتعالية لا تفارق أحاسيسهم ومنطق السيادة التي يريدون أن يفرضوها على العالم لا تختفي من أذهانهم.
3 - كارلونيلينو أعرض بعض ما كتبه هذا المستشرق كمثل للمستشرقين الذين يلتزمون الأسلوب العلمي دون أن يؤثر عليهم ــ ظاهرا ــ إحساس آخر أو دافع غير دافع خدمة الثقافة االإنسانيَّة حسبما يبدو للقارئ.
4 - مقارنة موجزة للقاء بين الإبَاضِية وأهل السنة في النقاط التي جعلها نيلينو مواضيع لقاء بين الإبَاضِية والمعتزلة. (1/175)
صفحة 176
والوقع أنَّ هذه الفصول الصغيرة القصيرة لا تكفي لإعطاء صورة حقيقيَّة وصحيحة عن جهود المستشرقين ــ سواء منها الجهود النبيلة النظيفة، أو الجهود الماكرة الدساسة ــ وعسى الله تبارك وتعالى أن ييسر لي العودة إلى موضوع «لقضايا الإسلاميَّة بين أيدي المستشرقين» فأتناولها بعمق أكثر، وفهم أصح، واطلاع أوسع، ودراسة أكثر استيعابًا، وأسلوب أكثر نعومة وتهذيبًا.
المستشرقون
قلت في بعض الفصول من هذا الكتاب! إن المستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام ــ سواء كانت كتاباتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلاميَّة جمعاء كأمة، أو عن فرقة من فرقهم كفرقة أو مذهب ــ أساليبهم ودوافعهم، ومراميهم الظاهرة والخفيَّة، ومهما كانوا مخلصين للبحث العلمي، ولخدمة الثقافة الانسانية في هذه المواضيع، فإنَّهم ــ في الحقيقة أشدُّ إخلاصا للدوافع الحقيقيَّة التي دفعتهم إلى الكتابة عن الإسلام والمسلمينن وهم لا ينسون مطلقا أن أقلامهم يجب أن تتم ما عجزت عنه سيوف الصليبيين، وأنهم يمثلون الترفع الحضاري الذي يعتقدونه لإغريق والرومان أي لشعوب الغرب على شعوب الشرق التي خضعت ــ في يوم من الأيَّام ــ لحضارتهم وعسكريتهم ويرون أنَّ ذلك التفوق والتحكم يجب أن يستمر بأيديهم وأيدي أبنائهم وأيدي أحفادهم، وأن كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. واحد يمثل ــ في عصره ــ موقف القيادة لسيطرة الغرب على الشرق، وإن لم يحمل الشارات العسكريَّة.
على أنَّ هؤلاء المستشرقين، عندما يتناولون هذه المواضيع يختلفون بعض الاختلاف في طريقة تناولها فمنهم من تدفعه الحماسة فينكشف بسرعة، وتبدو مقاصده من ثنايا كتاباته واضحة. حتَّى أنَّ مواقف بعضهم لا تختلف عن الضباط العسكريين الذين يتوجهون إلى الاحتلال بقوة السلاح. (1/176)
صفحة 177
وفيهم من يملك من الدهاء ما يستطيع معه أن يدس إلى قارئيه ما يريد من الأفكار دون أن يثير منهم حاسة الانتباه، وغريزة رد الفعل، وهم في أغلب الأحوال ينطلقون من نقط متشابهة، ويتتبعون وسائل متقاربة، ومن ذلك مثلاً: يعمدون إلى وسيلة ظاهرها علمي بحت، وباطنها وسيلة من وسائل التخذير وكسب الاشتياق، تؤثر على القارئ البسيط من النظرة الأولى فتملأ نفسه بالاعجاب أولاً، والتصديق ثانيًا، والثقة ثالثًا وعندما يصل القارئ معهم إلى هذه المرحلة فإنَّهم يكونون قد كسبوهم نهائيًّا.
ومن الأساليب البسيطة في هذا المجال إنهم عندما يريدون أن يتناولوا موضوعًا بالبحث يقومون بإعداد طويلة من المراجع والمصادر باللغات المختلفة ــ ولا سيما اللغة العربيَّة ــ يثبتونها في صدر كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. بحث أو عند نهايته. مع أنَّهم عند مناقشة الموضوع ــ قد لا يحتاجون إلى الكثير من تلك المراجع ولا يعودون إليها. ولكن ذكر أسمائهم بتلك الوفرة يوحي باستفراغ الجهد، ودقة دقة التحقيق والتمحيص، ثُمَّ بالثقة. ثُمَّ هم يتصيَّدون منها شواذ الأخبار والأحداث فيركزون عليها، ويؤيدون بها مقاصد الخفية.
ولست بهذه الملاحظة البسيطة أغمز سعة أطلاعهم فأنا على يقين كامل بأنَّهم قد توفر لهم من الدراسة ــ بسبب مجهوداتهم الشخصيَّة، ومساعدات حكوماتهم ومؤسساتهم الماديَّة والمعنويَّة ــ ما يتيح لهم من سعة الاطلاع، وغزارة المادة، ووفرة الجهد في الدراسة والبحث أو مواصلة العمل والاستمرار فيه، ما لا يتاح لغيرهم أبدًا. فهم بذلك من أكثر الناس اطلاعًا على المواضيع التي يهتمون بها ويبحثونها، ولكنهم مع ذلك يقصدون بذكر المصادر ــ مع الحصول على إعجاب القارئ وثقته ــ إلى تحذيره بتلك الوسيلة التي توحي إليه مسبقًا بعظمة المجهود المبذول من أجل الوصول إلى الحقيقة فيكون طيعا بين أيديهم. (1/177)
صفحة 178
وأنا وإن كنت سلكت مسلك التعميم في الحديث عن المستشرقين لا أدعي أن رأيي هذا ينطبق على كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. فرد منهم فهذه ــ لا شكَّ ــ دعوى لا تصح، ولا ولا يمكن لي أن أزعمها، أنني لم أعرف كلّ المستشلقين ولم أقرأ كل ما كتبه من عرفت منهم، ولكن الصورة التي انطبعت أمامي مِمَّا قرأته من كتاباتهم كانت على هذا النحو الذي وصفته. وليطمئن القارئ إلى أنني لا أرمي القول جزافا فإنني شوف أضع بي يديه صورا توضح تلك الجوانب من كتاباتهم، فإلى القارئ الكريم تلك الصور تحت عناوين مستوحاة من بحوث وكتاباتهم.
1 - الروح الاستعمارية المتمكنة:
إذا أخذت مثلا كتاب «ماضي شمال إفريقيا» تأليف الأستاذ إميل فليكس جوتييخ ترجمة الأستاذ خاشم الحسيني نشر الفرجاني فإنَّك بمجرد ما تبدأ قراءة مقدمة الكتاب تحس كأنك تقرأ تقريرا لاحد خبراء الاستعمار الفرنسي عن المغرب. فهو من جانب يحاول أن يدس إلى أبناء المغرب ما يقنعهم بفقر المغرب واحتياجه وعدم تماسكه، وهو من جانب آخر يثير جماس الاستعمار حين يشيد بفضل كا قام به الرومان في القدين والفرنسيون في الحديث من جهزد مثمرة لازهاره أو هو بذلك يريد أن يؤكد على نقطتين مختلفتين:
الأولى: إشعار أبناء المغرب أنَّ بلادهم فقيرة ومحتاجة وغير متماسكة ولا يمكن أن تقوم إِلاَّ على يد استعمارية خارجية تسندها والدليل على ذلك أنَّها لم تزدهر إِلاَّ على يد الاستعمار الروماني في القديم والاستعمار الفرنسي في الحديث.
الثانية: إنَّ استعمار الغرب للشرق حق من حقوقه يجب أن يحرص عليه وثد كان المغرب يزود الرومان بكثير من الغلال ويجب أن يستمر هذا الوضع أبدا بأن تكون بلاد المشرق مصدرا للغلال ومتنفسا اقتصاديا للغرب.
يقول الأستاذ جوتييه في كتابه السابق ابتداء من ص 9 ما يلي:
« (1/178)
صفحة 179
كل شيء يتبدل على حين غرة اللغة والدين والمفاهيم السياسية والاجتماعيَّة، إنَّه تاريخ شديد التقطع إلى أجزاء منفصلة بعضها عن بعض. ففي أوربا تطور متكامل حسب خط متصل، أمَّا المغرب فسلسلة من التبدلات المفاجئة».
ويقول بعد أسطر:
«ومن الثابت أنَّ رقعة المغرب القابلة للسكن والحراثة لها إمكانيات ضئيلة، إنَّها شريط بمحاذاة المتوسط والمحيط طوله 3000 كيلومتر وعرضه 150 كلم وبسبب طبيعته هذه لم يتخذ شكلا مستمرًّا».
ويقول بعد أسطر:
«أما في المغرب فالوحدة سهلة التحقيق، لكنها سهلة الزوال أيضًا، ودولة المغرب كالعطور تنبت في الليل وتبذل في الصباح».
ويقول بعد أسطر:
«فجميع مناطق المياه الراكدة في هذه البلاد عبارة عن شطوط جرداء لماعة زاخرة بالملح».
ويقول بعد أسطر:
«وحيثما سرت في الطرق والمنعطفات تشاهد مواقع الملح».
ويقول بعد أسطر:
«حتى في الأرض القابلة للزراعة في الجزائر لا تجد الرطوبة الكافية للخصوبة، فتربة المغرب كلسية بفعل التبخر».
ويقول بعد أسطر:
«كانت روما زمن الأباطرة تؤمن لشعبها القوت عن طريق فرض الضرائب وكانت إفريقيا تدفع في الواقع ما يطعم 350.000 نسمة، في هذه الجهة يمكن اعتبارها إهداء لروما. ولا ينفي ذلك وجود أساليب جديدة لتحسين الري ولا سيما وأنَّ هناك نوعا من الزراعة خاصة ببلاد الملح، لكنها طرق شاقة والمغرب ليس أرضا شديدة الخصوبة. ولا هو البلد الصالح لتربية الماشية، فليس الثيران المغربيَّة أضخم جثَّة من حمير أوربا. وتربية الماشية تحتاج لتأمين السبل اللازمة للحصول على قوتها في سنوات الجفاف المدير. (1/179)
صفحة 180
كذلك ليس المغرب بلاد صناعة، فوديانه ليست مخازن احتياطيَّة للمياه والأرض تفتقر للفحم الحجري والليثيث، ومنجم الفحم الوحيد المستغل هو منجم كايناسنا وليس مهما جدًّا. أمَّا منجم جرادة فيبدو أكثر أهمية، لكنَّه لم يستغل بعد، والنفط لم يتفجر حتَّى الآن، ولم يعثر الجيولجيون في تربة المغرب على الفحم المتحول من من أشجار الغابات، وأنما عثروا على الملح والجبس، ولكن لعنة بلاد الملح قد حلَّت به منذ أقدم العصور».
ويقول بعد أسطر:
«ولا نعني بهذا أنَّ الشمال الافريقي يشكو الفقر المدقع. فقد عرفت الجزائر حقبة من الإزدهار الكبير».
ويقول بعد أسطر:
«كان في العصر الفرنسي».
ويقول بعد أسطر:
«وأما الجزائر الرومانية فكانت كما يقول علماء الآثار مدينة بازدهارها لزراعة الزيتون، وقد عثر على آثار في إيطاليا تثبت قدوم الزيت من شمال إفريقيا».
«ويردد الناس عبارة أطلقها أحد المؤرخين المسلمين حول ازدهار إفريقيا في عهد الرومان: ــ كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. البلاد من طرابلس حتَّى طنجة، كانت إطارًا واحدًا وسلسلة متواصلة من القرى ــ وتدل العبارة على أنَّ السفر بين طرابلس وطنجة يجري في الظل».
ويقول:
«فنحن نعلم أنَّ الفواكه من زيتون وتين وعنب كانت سببا من أسباب ازدهار إيطاليا الوسطى وبلاد البحر الأبيض المتوسط إإذ تلزمها أسواق خارجيَّة منفتحة. لذلك فالازدهار يمكن اصطناعه إلى حد ما لأَنَّهُ منوط بظروف سياسية معقدة».
ويقول:
« (1/180)
صفحة 181
فالصناعة تحتاج إلى زبائن في الخارج، ومن حسن حظ الشمال الإفريقي توفر الفوسفات فيه بحيث أصبح مركزًا لتصدير هذا المعدن إلى أرجاء المعمورة، وفيه أيضًا الحديد بكميات كبيرة وكذلك التوتياء والرصاص. ولم يجر التنقيب عن هذه المعادن منذ الإمبراطوريَّة الرومانية وحتى الاحتلال الفرنسي، ولم يكن بالامكان تصنيع المعادن في البلاد نفسها، لهذا كنا نرى في الموانئ الجزائريَّة أنواع المعادن تصدر إلى جانب البضائع الأخرى، فيوضع الرصاص والتوتياء في أكياس. أمَّا الحديد والفوسفات فتجمع أكوامًا تنتظر السفر إلى الخارج.»
ويقول:
«وإذا كانت فرنسا بلدا متكاملاً كفي ذاته على قول فيدال دي لا بلاش، فالمغرب على العكس من ذلك».
ويقول:
«والواقع أنَّ هذا الشريط الذي يبلغ طوله 3000 كيلومتر يمتد من الشرق إلى المغرب ضمن خطوط عرض وطول متشابهة، فحيثما نذهب نجد السماء نفسها، والتربية عينها، فما من بلد أقلّ تنوعا وتجانسًا، وجفاف المناخ لايسح لتحقيق الازدهار محليًا.
ففي بلاد واسعة كالمغرب تتمتع بإمكانيات طبيعيَّة كبيرة من حيث المعادن والصوف والزيت والنبيذ، لا تسهل الاستفاذة من الثروة، إذ يحتاج الأمر إلى التنظيم، وتوظيف الرساميل، وتوسيع الإنتاج، وتأمين التصدير، فالمغرب بحكم مناخه لا يكفي نفسه اقتصاديًّا ويحتاج للتعاون مع الغير». (1/181)
صفحة 182
نقلت للقارئ الكريم أكثر ما في مقدمة الكتاب حتَّى تكون لديه الصورة التي أردت عرضها واضحة، وأستطيع أن ألخصها له كما يلي: المستشرق جوتييه في مقدمته لهذا الكتاب صور المغرب الذي يمتد مسافة 3000 كيلومتر بأنَّها منطقة فقيرة جرداء تلاحقها لعنة الملح لا يمكن أن يكفي نفسه اقتصاديا وذكر في بعض الأحيان أنَّ المغرب خال من الثروة فتربته كلسية، ومياهه ملحة، والمعادن به مفقودة، وما وجد به لم يستغل. والنفط لم ينفجر فيه، وهو غير صالح لتربية الماشية، وثوره ليس أضخم من الحمار الأوربي، وهو ليس بلادًا صناعية ووديانه ليست مخازن احتياطيَّة للماء.
ومع هذه الصورة القائمة التي توضع للمغرب تندس فكرة استعماريَّة توحي بأنَّ هذا المغرب قد ازدهر قديمًا حتَّى استطاع أن يمون الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط وذلك عندما كان تحت رعاية الرومان. وأنَّه ازدهر حديثا وهو تحت رعاية الاستعمار الفرنسي، وفي الامكان أن يستمر مزدهرًا إذا وجد التنظيم، وتوظيف الرساميل، وتوسيع الإنتاج، وتأمين التصدير. ويشير جوتييه بعبارة واضحة إلى أنَّ أهل المغرب لا يستطيعون أن يقوموا بذلك وإنَّما يحتاجون إلى معاونة الغير فيقول: «فالمغرب بحكم مناخه لا يكفي نفسه اقتصاديا ويحتاج للتعاون مع الغير». (1/182)
صفحة 183
ومعنى هذا أنَّ على أبناء المغرب ــ إذا أرادوا الازدهار لمغربهم ــ أن يعتمدوا في ذلك على الاستعمار الفرنسي الذي أشار إليه جوتييه بكلمة «مع الغير» والذي يرشحه لأن يقوم في الوقت الحاضر بدور الرومان في العصور الخالية ومن الغريب أنَّه ساغ في منطق جوتييه وهو يرسم للمغرب تلك الصورة البائسة أن يذكر في نفس المقدمة أن الزيت المغربي كان يصل إلى إيطاليا وأنَّ الرومان كانوا يؤقتون منه قوت 350000 نسمة، ومع ذلك فالمغرب فقير، ولا يكفي نفسه اقتصاديا، ويتكالب عليه الاستعمار الغربي من العهد الروماني إلى العهد الفرنسي محبة في سواد عيونه، وتضحية من أجل الله والانسانية، إنَّه منطق الاستعمار على أقلام جنود الاستعمار ولو حملوا شعار الدراسة والعلم.
ولعل مِمَّا يبعث على الضحك هذه العبارة التي جاء بها جوتييه تعزية لنفسه وتخفيفا للحسرة التي يحس بها لو استغنى المغرب عن خدمات فرنسا قال:
«وإذا كانت فرنسا بلدا متكاملا يكفي ذاته على حد قول فيدال لابلاش فالمغرب على العكس من ذلك».
يكاد القارئ يحس بدموع الكاتب تتساقط من عينيه حسرة وأسفا وهو يتصور هذا الموقف الذي يستقل فيه المغرب عن فرنسا ولم يجد موقفا يقفه غير موقف وكيل لئيم غني بلغ رشده ويستعد لتسلم أمواله فيقف وهو يتظاهر بما ليس فيه قائل لليتيم البالغ. يا ناكر الجميل قد نسيت لكلّ ما قدمت لك من خدمات ولكن لا بأس فأنا لا يقتلني الجوع ولكنك أنت سوف تضيع ثروتك وتصبح بعد رعاياي وعنايتي مشردا معدما، ثُمَّ ينهمر بالدموع.
2 - زعزعة الثقة بالمصادر الاسلامية:
قد لا يدعوني الموقف في هذه النقطة إلى التعليق وإنَّما يكفي أن أعرض على القارئ الكريم مقتطفات مِمَّا يقوله بعض المسنشرقين في هذا الصدد فيتضح ما يبيتون. وإلى القارئ الكريم نماذج من ذلك، من كتاب ماضي شمال إفريقيا:
« (1/183)
صفحة 184
وإن نحن شئنا قصر مصادرنا عللى المراجع العربية لا بدَّ وأن نجد صعوبة في فهم الأمور، ذلك لأنَّ الدراسات الشرقية تتسم ببعض الانغلاق على الرأي العام». ص 47.
«في طبيعة العقل القديم عدم تمييزه بين الأسطورة والواقع وقد اصطدم الغربيون كثيرا بهذه الحقيقية، حيث كانوا يتكبدون الكثير من المشاق للحصول على أمرهم سمعوا عنه وسرعان ما يفاجأون بأنَّه مجرد أسطورة 229 ص 69.
فالمغربي شأن البربري لم يكن يعنى بالتاريخ ولم يستيقظ الفضول العلمي في الاسلام إِلاَّ في مرحلة متأخرة مع العباسيين، وتسرب الأفكار الداخلية». ص44.
«_وليس لدينا نحن الأروبيين أي حس ديني، أمَّا الشرقيون فليس لديهم أي حس بالتاريخ، ولعل الحس الديني والتاريخي يتعارضان 22 ص55.
«ولا ننسى أن كاتبنا الكبير قد اكتشف هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودي والبكري وليس فقط لدى الأسماء الصغيرة» ص70.
(ويظن هؤلاء المؤرخون العرب بأنَّهم قد أدوا واجبهم كاملا إذا ذكروا أسماء الملوك وسني حكمهم). ص71.
«كاتب لامع جدًّا هو ابن خلدون وآخرون مجهولون تقريبا على غرار مؤلف روض القرطاس، غير أن لهم جميعا ذهنية شرقية بمعنى أن مفاهيم لا يقبلها الغربيون بدون تأويل». ص87.
(هاش ابن خلدون في القرن الرابع عشر فلا بدَّ من تأثره بالمؤرخين القدماء، وأسطورة أفرقوس تناقلتها الأجيال بين مؤرخ وآخر حسب المفهوم العربي التقبيدي للتاريخ). ص 89.
«إنَّ عدم إحساس المؤرخين العرب بالتاريخ أمر مدهش». ص100.
«أو ليس في الأرجح إذن أن يكون المؤرخون العرب قد فكروا بحمير التي امتلأت أذهانهم بها، وأغفلوا قرطاجة اليونانية التي لم يكتشفوا وجودها قط». ص 100.
«وقد ذكر المؤرخون العرب المعروفون بمبالغاتهم خبر ابنة البطريق». ص 175.
«والواقع أنَّه لا يسهل علينا مع المؤرخين العرب أن نميز الحقيقة من الخيال» ص175.
« (1/184)
صفحة 185
وليس ذلك بسبب الغموض والإبهام اللذين اكتنفا كتاب المؤرخين العرب عن العلاقات العربية البربرية». ص178.
«وقد تكون القصة منحولة للكن العثور على هذه الحيوية لدى مؤرخ عربي من الأمور السارة». 22 ص187.
«ولا يذكر المؤرخون العري بجغافهم المعتاد وعدم اهتمامهم بتحليل الأسباب عم ذلك الشيء الكثير». 33 ص189.
«والغريب أن الكاهنة قد ألهت خيال المؤرخين العرب الذين أعطوا عنها فكرة حية بخلاف عادتهم في الكتابة». 22 ص192.
«خبرات بعض المؤرخين والفلاسفة والأطباء في العصر الإسلامي وخصوصا من كتب منهم باللغة العربية يزيدونها إيضاحا في هذا الباب. إِلاَّ أنَّ أقوالهم يجب أن تؤخذ بحذر لأنَّها مفعمة بالأخطار التاريخية. والخلط بين المسائل». هذه الفقرة للمستشرق ماكس مير هوف، التراث اليوناني ص38 وبالرجوع إلى هذه الفقرات التي مقلتها في أقرب المصادر التي وقعت عليها بدي تجد أن الصورة التي يراد أتنطبع في ذهن القارئ عن المصادر التاريخية الشرقية عامة والمصادر العربية خاصة هي ما يلي:
1 - الدراسات الشرقية تتسم بالانغلاق على الرأي العام.
2 - العقل الشرقي لا يميز بين الأسطورة والواقع.
3 - العربي كالبربري لم يكن يعني بالتاريخ والفضول العلمي في الشرق الاسلامي أنما نتج عن تسرب الأفكار الداخلية.
4 - المؤرخون الشرقيون لبي لديهم حس بالتاريخ وإنَّما يكتبون عن إحساس ديني.
5 - يظن المؤرخون العرب أنَّهم أدوا واجبهم إذا كتبوا عن الملوك وسني حكمهم.
6 - جميع المؤرخين العرب بما فيهم ابن خلدون لهم ذهنية شرقية، ومفاهيم لا يقبلها الغربيون بدون تأويل.
7 - المؤرخون العرب ينقلون أساطير التاريخ بمفهوم عربي تقليدي.
8 - عدم إحساس المؤرخين العرب بالتاريخ أنر مدهش.
9 - المؤرخون العرب معروفون بمبالغاتهم.
10 - لا يلسهل تمييز الحقيقة مع المؤرخين العرب.
11 - كتابات المؤرخين العرب تتميز بالغموض والإبهام. (1/185)
صفحة 186
12 - العثور على حيوية عند مؤرخ عربي أمر سار لأَنَّهُ أمر نادر.
13 - يتصف مؤرخو العرب بالجفاف وعدم الاهتمام بتحليل الأسباب.
14 - المؤرخون والفلاسفة والأطباء في العصر الإسلامي وإن أعطوه صورة واضحة إِلاَّ أنَّه يجب أن تؤخذ أقوالهم بحذر لأنَّها مفعمة بالأخطار والخلط. هذه كما يرى القارئ الكريم بعض الحقن التي يدرسها المستشرقون في ثنايا أبحاثهم العلمية، وخدمتهم للثقافة الإنسانية، وقد اخترنا منها تلك الحقن الظاهرة الواضحة التي يدركها كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. قارئ، ويحس بها كلّ من يمر عليها، ولا شك أن في أثناء كتاباتهم في الآراء والأفكار ما هو اخطر مِمَّا ذكرناه، وأكثر خفاء، وأسرع تسربا إلى أذهان القراء لا سيما القراء العديين والقراء الذين يقلبون على كلّ جديد ويشبهون له.
إنَّ القارئ العادي والباحث المتعطش ــ وهو يبحث عن المعارف ــ تمر به تلك الحقن هينة لينة ناعمة في بادئ الأمر، ثُمَّ صريحة واضحة لابسة ثوب الحقيقة العلمية.
عندما يظن الكاتب المستشرق أنَّه قد استمال القارئ الشرقي إليه، وجذب انتباه، يضرب بعد ذلك ضربته ليحطم إذا ما اعتقد أن قارئه قد مر بالمراحل المطلوبة واستوعبها وهي: التشكك أوَّلاً ثُمَّ النقد الموجه ثانيا، ثُمَّ الازدراء والإحتقار والإهمال والتحول ثالثًا. ثُمَّ السير في المنهج الذي يريده المستشرق أخيرًا.
ويستطيع القارئ الكريم أن يتعرف على هذه الخطوات بسهولة عند المراجعة في أكثر كتب المستشرقين، من الفقرات السابقة نستطيع أن نأخذ الأمثلة الآتية:
أ - خطوة التشكك: «وإن نحن شئنا قصر مصادرنا على المراجع العربية لا بدَّ وأن نجد صعوبة في فهم الأمور» «من طبيعة العقل الشرقي القديم عدم التمييز بين الأسطورة والواقع». (1/186)
صفحة 187
ب - مرحلة النقد الموجه: «ولا ننسى أن كاتبنا الكبير قد اكتشف هذه المبالغات لدى كبار المؤرخين وعلماء الجغرافيا كالمسعودي والبكري وليس فقط لدى الأسماء الصغيرة» «ويظن هؤلاء المؤرخون العرب بأنَّهم قد أدوا واجبهم كاملا إذا ذكروا أسماء الملوك وسني حكمهم».
ج - مرحلة الإزدراء والاحتقار: «قد تكون القصة منحولة لكن العثور على هذه الحيوية لدى مؤرخ عربي من الأمور السارة». «ولا يذكر المؤرخون العرب ــ بجفافهم المعتاد وعدم اهتمامهم بتحليل الأسباب عن ذلك ــ الشيء الكثير». «والغريب أنَّ الكاهنة قد ألهبت خيال المؤرخين العرب الذين أعطوا عنها فكرة حية بخلاف عاداتهم في الكتابة».
د - السير في المنهج: عندما تتم المراحل السابقة كما خطَّط لها فإنَّ القارئ الكريم يكون قد استوعب منهج المستشرق واتخذ أسلوبه في البحث ومعالجة قضايا الشرق أعني أنَّه يصبح مستشرقا آخر أو بتعبير أصح مستغربا لأَنَّهُ يعالج قضايا وطنه ومجتمعه ودينه وثقافته وحضارته بالمنظار الذي يراها به مستشرق جندته عوامل خاصة لذلك العمل، وبذلك يستطيع المستشرق أن يطوي خيمته ويأخذ عصاه ثُمَّ يرحل وهو مطمئن إلى أنَّ جهوده في خدمة الاستعمار أي استعمار لم تذهب عبثًا.
3 - التشكيك في الإسلام: (1/187)
صفحة 188
لعلَّ التشكيك في الإسلام، وتصويره بأنَّه حركة بشرية كان الدافع إليها ما كان عليه العرب من الحرمان في الجزيرة الفاصلة وأنَّه لم يقدم شيئًا للإنسانية وأنَّ ما فيه من خير إنما هو مأخوذ من الحضارات السابقة وأنَّه تبعًا لما يتصف به أهله من بداءة وجفاف كان يحارب العلم والفلسفة، كان من أهم الأسلحة التي يستعملها المستشرقون في محاربة الإسلام ولعل المعاني السابقة وما شبهها كانت من أخطر الحقن التي كانت يدسها المستشرقون في كتاباتهم بأساليبهم المختلفة تارة في دقَّة وخفاء، وتارة في علنية واستظهار يبلغ حدَّ الوقاحة والتهجّم، وهو في كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ذلك يتظاهر بالبراءة والطيبة وخدمة العلم والإنسانية.
وإلى القارئ الكريم أمثلة من ذلك:
«أما المسلم الصالح فعليه أنْ يتجنَّب هذه العلوم أشدَّ التجنُّب باعتبارها خطرًا على الدين، ومن ثمَّ لذَّ للناس القول بأنَّ النبيء y إنما عنى هذه العلوم حين سأل ربه أن يعيذه من (علم لا ينفع). جولد سهير التراث اليوناني ص 126.
«بينما الإسلام الرسمي قد حارب االغنوص نظريًّا فحسب، لكنَّه في الواقع وعمليًّا سمح بالتغلغل والنفوذ إلى معتقدات الجمهور»«»
كارل هينرش بكر. التراث اليوناني ص 12.
«أما أولياء الله في الإسلام ففي مقابل الأرواح القدسية في الهيلينية حتَّى أن محمَّدا ـ y ـ وهو نموذجهم الأعلى ينتهي بأن يصبح هو العقل الموجود منذ الأزل، وأن يكون الرحيم المخلص القدير».
كارل هينرش بكر. المصدر السابق.
« (1/188)
صفحة 189
وكان إلى جانبها تيار ديني شعبي عبارة عن طائفة من السحر والنارنجيات الهيلينية، النظرية والعملية. فالسحر والتنجيم وضرب الرمل، والرؤيا والإعداد، وفوائد الحب، والتمائم من كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. نوع. هذه الأشياء أصبحت عربيَّة إسلاميَّة. كارل بكر نفس المصدر السابق. «واليوم نرى هذا النوع من السحر الإسلامي يسير طليعة للإسلام غازيا بلاد الزنوج الوثنية التي لا تؤمن بالإسلام الرسمي إِلاَّ بعد ذلك بزمن طويل غالبًا» بكر نفس المصدر السابق.
«والإسلام نفسه لم يكن شيئًا غير استمرار الهيلينية شهير آسيوية شيئًا فشيئا» بكر نفس المصدر.
«إلا أنَّه لما كان قد نظر إلى الإسلام على أنَّه شيء جديد كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. الجدة، وحسب من جهة أخرى أن الدين والحضارة شيء واحد فقد نشأت أسطورة حضارة العرب، تلك الأسطورة التي ألقت على عيون المؤرخين فحالت بينخك وبين رؤية خذخ الحقيقة الناصعة. وهي أن الحضارة القديمة قد ظل حاملوها هم حاملوها الأصليون، واستمر مسرحها هو مسرحها ذلك أن الإسلان كان هو الأجنبي الغريب الذي أراد أن يغزو العالم القديم المتأخر، لكنَّه خضع فيما بعد لما كان عليه هذا العالن القديم من تفوق وسمو». بكر نفس المصدر السابق.
«ثم إن القانون الروماني رتب ونظم قبل قيام النبيء y بدعوته بزمن قليل، وأثره من بعد في الشريعة الإسلامية واضح في كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. مسألة، حتَّى أنَّه ليكاد يكون مبدأ من مبادئها ما يناظره في القانون الروماني» كارل بكر المصدر السابق.
«وإذا ما بحثنا حضارات البلدان التي فتحها العرب استطعنا أن نحكم بسهولة بأن كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. شيء بقي في الإسلام كما كان على عهده القديم لم يضف إليه جديد، سواء في ميادين السياسة، أو فن الحرب والاقتصاد والعلم والفنون والصناعات». كارل بكر نفس المصدر السابق. (1/189)
صفحة 190
أمَّا نهضة الشرق التي نشهدها في الوقت الحاضر فمرتبطة لا بتراث الأوائل وإنَّما بأوروبا الحديثة». كارل بكر نفس المصدر السابق. ومما جاء في كتاب (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي) تأليف الأستاذ ألفرد بل ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي ما يلي:
«وهذه الثروة الزراعية لم تكن في البلاد انحدارًا ضئيلاً بالنسبة إلى بدو صحراء الجزيرة العربية». ص77.
«عرب الفتح الأوَّل كانوا جيوشا حقيقيَّة مؤلفة من المحاربين العرب، صحيح أن غالبيتهم كانوا من البدو الفقراء في جزيرة العرب، وكانوا طامعين في النهب، لكن زعماءهم كانوا من أهل المدن». نفس المصدر 213.
«ولم يكن القواد ولا المحاربون الجدد قد قدموا إلى هناك على نية عدم العودة إلى مواطنهم الأصلية التي تركوا فيها نساءهم وأولادهم، فبعد مُدَّة معينة كان الكثير منهم يعودون إلى ديارهم الأولى مثيرين غالبًا من الغنَائم التي كانت من نصيبهم». المصدر السابق 313.
«إنَّ هجرة العرب من صحرائهم في القرن السابع الميلادي لم تكن حدثًا جديدًا بل هي حلقة من حلقات الهجرات الكبيرة للشعوب، تلك الهجرات التي تتجلى منذ فجر التاريخ»«» المصدر السابق78.
«لقد جمع تحت سلطان واحد قوي هو سلطان النبيء محمَّد أوَّلاً ثُمَّ سلطان الخلفاء من بلعده، أولئك العرب المتعطشون إلى حياة مادية أقلّ شظفا من تلك التي تهيئها لهم الصحراء». المصدر السابق78.
«وجنود الفتوح الإسلامية أولئك العرب القادمون من قبائل بدوية رحل في الجزيرة العربية لم يكونوا شديدي الغيرة الدينية والتقوى الإسلامية». نفس المصدر السابق78.
«ولهذاا ينبغي ألا نرى في جيوش الفتوحات الإسلامية الأولى وفي جحافل البدو المنطلقة من الجزيرة العربية بقيادة زعمائها وأغلب هؤلاء الزعماء من السكان الحضر في المدينة ومكة، أقول ينبغي ألا نرى فيهم جيوشا من المتعصبيم المستضيئين بالإيمان والمستعدين للموت في سبيل نشر الدين الجديد». المصدر السابق79.
« (1/190)
صفحة 191
ولم تعد صورة جيوش صدر الإسلام، وهي تغدة مدفوعة بحماسة بالغة، وبإحدى اليدين السيف، وباليد الأخرى القرآن، لتخضع الشعوب للدين الجديد، نقول إن هذه الصورة لم تعد مقبولة، وليست إِلاَّ من خيال الشعراء». المصدر السابق79.
«فخلال التاريخ يبدو لنا بمظهر قلة التقوى وبالعجز تقريبا عن الارتفاع إلى عقيدة التوحيد». المصدر السابق79.
«إنَّ البدو مولعون بالنهب والسلب، مولعون أيضًا بإراقة الدماء لكنهم لا يرضون بأن يقتلوا، أي لا يستعذبون الموت». المصدر السابق79.
«ومن المؤكد قطعا أنَّه وجد بين قادة الحرب في الفتوح الإسلامية مؤمون مخلصون، وجنود لله ورسوله صادقون مثل القائد الشهير عقبة بن نافع الفهري، مؤسس القيروان، وأصله من مكة، لكن يبدو أنَّ عددهم في الغزوات الأولى لم يكن كبيرًا، وفي مقابل ذلك لم يكن الطمع في الثراء غريبًا عن تفكير الكثير من الجنود المجاهدين. ويمكن أن نسوق أرقامًا عن الثروات الطائلة التي ظفر بها غنائم في الحرب، مسلمون أتقياء صادقون وقد أورد أغناطيوس جولد تسهير أسماء عدة منهم ابتغاء إثبات أنَّ الزهد الديني كان صفة نادرة عن الغزاة الأولين» المصدر السابق ص80.
«ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال من بين الصحابة الذين بشرهم النبي بالجنة لتقواهم وإيمانهم، الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وكلاهما توفي عن عدَّة ملايين» المصدر السابق80.
«وليس من شك في أنَّ الثروات الضخمة التي جمعها المحاربون المجاهدون في غزواتهم الأولى في الشام ومصر والعراق قد حملت كثيرًا من الأعراب على الإشتراك في الجهاد واعتناق الإسام، ومن السهل أن نفهم كيف كان الجهاد مغريا للبدو والجياع الذين كانوا يعيشون عيشة حرمان وعدم استقرار». المصدر السابق80.
« (1/191)
صفحة 192
تلك هي الأسباب العميقة والصادقة التي دفعت بقبائل العرب إلى الإنقضاض على العالم القديم الرومي أو الفارسي في منتصف القرن السابع الميلادي، فالحاجة المادية والطمع ــ كما يقول جولد تسيهر ــ العقيدة والشريعة في الإسلام (ترجمة فرنسية)113 أوجد هؤلاء الجنود والغزاة الذين كانوا يقاتلون على طمع الدنيا» المصدر السابق82.
«وبالنسبة إلى البعض كان الجهاد مغنما على أي حال: فإن كتب له الحياة عاد مثقلاً بالغنائم، وإن كنت له الموت في الجهاد تخلص أوَّلاً من حياة الحرمان والشظف القاسية في الصحراء العربية، وثنايا إن كان من المؤمنين المخلصين كان الاستشهاد سبيله إلى حياة النعيم في الآخرة». المصدر السابق82.
«ومهما يكن من شيء فإن الحماسة لنشر الدعوة والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله لم تكونا بالنسبة إلى الغالبية تالعبان غبر دور ثانوي في الغزوات الأولى للاسلام». المصدر السابق ص82.
ومما جاء في كتاب ماضي شمال إفريقيا إميل فيليكس جوتييه ترجمة هاشم الحسيني الفرجاني مايلي:
«إنها الهوة الفاصلة بين نهاية الإمبراطوريَّة الرومانيَّة والعصور الحديثة ففي هذه الفترة نرى المغرب يغرد خارج سربه، وكأنه فوق كرة أرضية أخرى، أرض المسلمين». نفس المصدر ص75.
«ماذا بعلوم فارس التي أتلفها عمر بعد الفتح العربي، وكذلك بعلوم الكلدانيين والأشوريين والبابليين والأقباط والإغريق» نفس المصدر السابق ص77.
«وابن خلدون مؤمن بأن جمع الوثائق التي تعود إلى ما قبل الإسلام بعيدة عن مناله، وأنها أتلفت وضاعت إلى الأبد». بالمصدر السابق ص77.
«فلا شيء في الشرق يفهم بمعزل عن الدين، وقد وصف ابن خلدون انتشار الإسلام وانحساره وكأنه امبراطورية عسكرية» المصدر السابق ص78.
«وهكذا نرى أنَّ أوصاف الدولة الشرقية تنطبق على ملاحظات ابن خلدون، فهي ملكية تستمد أسسها من الدين، وتهدم الثقافة بمرور الزمن». المصدر السابق ص85.
« (1/192)
صفحة 193
إنَّ قرطاجنَّة القديمة قد ساهمت في إعداد البربر لاعتناق الديانة الإسلامية» المصدر السابق ص101.
«وفي زحمة الغزوات والانتصارات والهزائم والمزر التي تميز بها الفتح العربي في المغرب، تتبادر إلى أذهاننا واقعة واضحة: جميع المعارك كانت باتجاه طنجة وتيارت (تيهرت) وحول الأوراس» المصدر السابق ص 104.
«وحين نرى أنَّ المغرب المسلم يتفوق على جيرانه الأسبان والصقليين والمصريين، فلا يغرب عن بالنا أنَّ جهودهم قد عبئت منذ العهد الروماني» المصدر السابق ص127.
«ولكن مالذي جعل المسيحية تنهار في الشمال الإفريقي، إنَّ أعظم هدية قدمتها روما للمغرب إنما هي إدخال الجمل إليه، والجمل هو الذي أسهم في انهيار دولة الروم» المصدر السابق ص127.
«إذن للبدو والرحل أن يحملوا ظاهرة حضارية إلى البلدان الأخرى؟ أو لم يقل فيهم ابن خلدون الذي يحبهم أنَّهم يهدمون بيتا بكامله ليستخرجوا حجرًا لموقدهم. كما يرى رينان من جهة أنَّ الساميين يرفضون الدولة». المصدر السابق ص141.
«وهنا يطرح سؤال: كيف ازدرت دولة الكلدانيين، وصقلية وبلاد الأندلس تحت الحكم العربي رغم بداوتهم، وكذلك كيف لهم ــ وهم الرحل ــ أن يأتوا إلى بلاد المغرب بحيوان مفيد كالجمل فلو فعلت روما ذلك لما بدا الأمر مستغربا نظرًا لطبيعة الاستقرار التي تميز شعبها». المصدر السابق ص141. (1/193)
صفحة 194
هذه مقتطفات يسيرة نقلتها عن بعض كتابات المستشرقين التي كانت تحت يدي حين كتابة هذا الفصل، وبالرجوع إليها يتضح للقارئ الكريم أنَّ المستشرقين كانوا حريصين جدًّا على أن يشككوا في أنَّ الإسلام دين سماوي، وهم يحاولون أن يؤكدوا للقارئ أنَّه امتداد للهيلينية المسيحية، والغنوصية، وأنَّه استفاد من القانون المدني الروماني استفاذة كاملة حتَّى أنَّه لا تخلو مسألة من مسائل الإسلام من آثار القانون الروماني ثُمَّ هم يحاولن أن يصوروه في موقف من الحرب العنيفة مع العلم، وأنَّه قضى على آثار علم الأوائل، وأحرق المكتبات. ومنع أتباعه من التغلغل في العلوم العقلية.
وفوق كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ذلك فقد حرصوا كلّ الحرص أن يصوروا الفاتحين المسلمين الأول، بأنَّهم إنما حملهم على الفتح ما هم فيه من فقر وحاجة وشظف عيش. وأنَّ الفتوح عندهم هي وسائل غنيمة وإثراء فقط. وقد بالغ بعضهم في تصوير هذا حتَّى بلغ حدَّ السخف والوقاحة.
راجع إن شأت الفقرة التي اشترك فيها المستشرقان تسيهر وبل «فالحاجة المادية والطمع أوجدا هؤلاء الجنود والغزاة الذين كانوا يقاتلون على طمع الدنيا».
أمَّا المستشرق جوتييه فقد بلغ به الحنق على العرب إلى حد أفقدوه صوابه حتَّى أنَّه حاول أن ينكر عن العرب ــ لأنَّهم بدو في نظره ــ شيئًا يرتبط بالبدو طبيعة وبداهة. وعد إن شئت إلى إحدى الفقرات السابقة لتقرأ فيها ما يلي:
«_كيف لهم ــ وهم الرحل ــ أن يأتوا إلى المغرب بحيوان مفيد كالجمل، لو فعلت روما ذلك لما بدا مستغربا». هذا كلام جوتييه وهو يرى أنَّ العرب ــ وهم بدو ــ ليس من حقهم أن يسوقوا الجمل لأَنَّهُ حيوان مفيد وكان يجب عليهم أن يسوقوا الجمل لأَنَّهُ حيوان مفيد وكان يجب عليهم أن يتركوا ذلك لروما، ولعل شدة الحد والتنكر والتشكيك تبدو واضحة فيما يلي:
«وهنا يطرح سؤال: كيف ازدهرت بلاد اللدانيين وصقلية وبلا (1/194)
صفحة 195
الأندلس تحت التحكم العربي رغم بداوتهم؟».
إن المستشرقين يريدون أن يزرعوا في ذهن القارئ الكريم أن الدين الإسلامي دين بشري من وضع العرب، وأن هؤلاء العرب عبارة عن مجموعات من البدو يسيطر عليها الجوع والحرمان في بلادهم فانطلقت غازية تبحث عن الدنيا. وأن الأمة الإسلامية على العموم والعربية على الخصوص لم تقدم ــ في الواقع ــ للإنسانية شيئًا وما قام تحت حكمها من مظاهر الحضارة كان معبأ من الحضارات السابقة. وحتى اعتناق البربر للإسلام لم يكن اقتناعا به ولا محبة فيه وإنَّما كان متيجة لروح قرطاجنة المُتغلَغلَة فيهِم «إنَّ قرطَاجَنَّة» القديمة قد ساهمت في إعداد البربر للديانات الإسلامية». هكذا يقول جوتييه.
إنَّ وضوح السموم المدسوسة في ثنايا هذه الكتابات لا تحتاج إلى الكشف والإظهار.
4 - وضع المرأة:
ربما كانت المرأة من أهم القوى التي استعملها الغرب في محاربة الشرق، فإنَّ الصليبيَّة بعد فشلها عن مواجهة الاسلام بقوة السلاح راجعت أساليبها، وتحققت أنَّها لن تنتصر انتصارًا حقيقيًّا كاملا على المسلمين في معارك الحرب والقتال، فبدأت تغزوهم بوسائل أخرى في هدوء وأناة، ومن تلك الوسائل استغلال المرأة.
كانت وسيلة الغرب في استغلال المرأة تتخذ اتجاهين.
الاتجاه الأول:
هو تقديم المرأة الغربية لتتولَّى تحطيم الحصانة الخلقيَّة والدينيَّة من المجتمع الشرقي، والقضاء بوسائل المرأة الفرديَّة على مقاومة الرجولة عند ذوي النفوذ والتأثير. سواء كان ذلك في أفواج سيدات الباطلاتوالمجتمعات الراقية اللائي يقدمن تحت اسم التقدم الحضاري والمجتمع الراقي إلى ذوي النُّفوذ والسلطان والمال فتسلطن عليهم وأوهن عزائمهم بشغلهم في مجال عاطفي بعيد عن اليقظة والتفكير والحزم. (1/195)
صفحة 196
وكان ذلك في أفواج الفئات وطالبات الهوى اللواتي يشتغلن بجد في زرع الشهوة والمباذل بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة فشغلها بأنواع السكر والمخذرات والحشائش والفجور عن واقع الحياة. وقد نجحت امرأتهم، بما تحمل معها من مساعدات في هذا المجال نجاحًا عجزت عنه الجيوش والأساطيل.
الاتجاه الثاني:
يتعلَّق بالمرأة الشرقيَّة نفسها ومحاولة إخراجها من قيمها وأخلاقها والتزاماتها لتلحق بالمرأة العربية فتساعدها أو تتسلم منها الدور فتقوم بها هي بدلاً من تلك الغربيَّة التي يتوقعون أنَّ ردود الفعل قد تبعدها في يوم من الأيَّام وترحل عن المنطقة.
وقد نجحت فكرتهم هذه أيضًا بعض النجاح، وحاولت المرأة الشرقية والمسلمة أن تقوم بنفس الدور الذي قامت به تلك المرأة الدخيلة فتزرع في حياة المجتمع الشهوة العارية التي تشغل عن الكفاح المستمر المطلوب من أمَّة ذات رسالة، والواقع أنَّ المرأة الشرقية ولا سيما المسلمة ولا تزال في مبدإ الطريق، تلتمس خطاها ــ مترددة ــ في حذر وإشفاق. ولكن المؤسف أنَّ جميع الأيدي تدفعها بِكُلِّ قوَّة إلى النهاية المؤلمة.
والمستشرقون وهم يعرضون القضايا الاسلامية بأساليبهم الملتوية لا يغفلون موضوع المرأة بكثير من الوقاحة والتجني والدس، محاولين أن يسيئوا إلى الشرق عمومًا وإلى الإسلام خصوصًا، عاملين بما في وسعهم من دهاء الاستعمار ومكره على جذب المرأة المسلمة إليهم وجعلها تعتقد أنَّ الإسلام أساء إليها، ولم يعطها حقها الإسلامي تتمتَّع به كما تتمتَّع به المرأة الغربيَّة. ليمكن لهم أنْ يوجهوها ــ توجيها غير مباشر ــ إلى الاستمرار في أداء وظيفة المرأة الغربيَّة في الشرق.
ولعلَّ في بعض المقتطفات التي نعرضها فيما يلي تتعرى أصابع المستشرقين الدساسة، وتتضح نواياهم الكائدة.
يقول المستشرق ألفرد بل في كتابه: (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي) ص51 مايلي:
« (1/196)
صفحة 197
ويمكن أن نفترض أي الزوجة الشرعيَّة كانت كما لا تزال اليوم ملكا لزوجها، اشتراها من أهلها، مقابل سعر يتفق عليه، والجارية المسرى بها يمكن أن تكون عن شراء مماثل، أو عن سبي في حملة حربية مثلاً. وحتى في الزواج بواحدة فإنَّ مركز المرأة قلق».
وبعد أسطر يقول:
«وإذا كان هذا ــ أي الزواج ــ لا يسمح لزوجته بالزنا، فالسبب في هذا أوَّلاً هو أنَّه لا يريد أن يمتزج دم أجنبي بدم أبنائه، لأنَّ قوام الأسرة هو رابطة الدم، وثانيا لأَنَّهُ لما كانت الزوجة ملكا له اقتناه، فإنَّه لا يسمح بأن يشركه في ملكه أحد غيره».
وهذا التصور للزواج يؤدي إلى نتيجتين رئيستين: الأولى هو أنَّه في عرف البربر ــ وكذلك في الشريعة الاسلاميَّة ــ يعد زنا الزوجة جريمة من جرائم القانون العام، يعاقب مرتكبها بالموت. والنتيجة الثانية هي أنَّ الزوج له وحده دون الزوجة حق تطليق امرأته حين يريد وكما يريد.والزوجة لا تستطيع حتَّى طلب الطلاق مهما أساء الزوج معاملتها. والزوج الذي يطلق زوجته يمكنه أيضًا أن يطالب باسترجاع ثمن الشراء من الأب، أو الزوج الجديد».
هذه الصورة التي عرضها هذا المستشرق هي إحدى الدسائس الاستعماريَّة المبنيَّة على الكذب للكيد والتي يراد منها تضليل الشباب المسلم عن واقعهم وتنفيرهم من دينهم واستجلاب سخطهم على الشريعة التي أنزلها الله لسعادتهم وسعادة البشريَّة من ورائهم، لقد حاول المستشرق الماكر ــ وهو يتحدَّث عن التَّاريخ البربر القديم يتسلسل برفق إلى تاريخهم الإسلامي ثُمَّ يتسلسلبرفق أيضًا إلى الشَّريعة الإسلامية ــ أن يضرب هذه الأمة المسلمة في المغرب ويضرب الشريعة الإسلامية معها بأقوى ما عنده. (1/197)
صفحة 198
والملاحظة اليسيرة التي أريد أن أقولها للقارئ في هذا الصَّدد أن للمستشرق أن يتحدَّث عن البربر وغير البربر قبل الإسلام بما شاء الله له الهوى فإن الحديث عن جاهلية جميع الشُّعوب لا تعنينا. وليس لدينا عنها صورة صحيحة، أمَّا ما يأتي إلى الأمة المسلمة في الشَّرق والغرب ويتجنَّى عليها وعلى الإسلام فإنَّ هذا الموقف يجب أن يكون له عليه حساب. (1/198)
صفحة 199
تصويره لعملية الزَّواج بأنَّها عملية بيع وشراء وأن المرأة تسلم فيه للزَّوج مقابل ثمن يدفع للأب أو الزَّوج الأسبق من أرخص أنواع الكذب والإفتراء على البربر في العهد الإسلامي وعن الإسلام، وصاحب هذا الإفتراء ــ سواء كان هذا المستشرق أنَّه كان غيره ليس له حياء يعصمه ولا كرامة يحرص عليها وإلاَّ لما أجاز لنفسه أن يكذب عن الإسلام والمسلمين هذه الكاذبة البلقاء. والنتائج التي توصَّل إليها فزعم أن في عرف البربر وفي الشَّريعة الإسلامية أنَّ زِّنا الزَّوجة جريمة يعاقب عليها القانون بالموت، وهو تحريف للحكم الشَّرعي، لأن البربر يعملون بالإسلام والإسلام يعتبر الزِّنا جريمة سواء صدرت من الزَّوج أو زوجة أو من غيرهما أو قد قرَّر لهذه الجريمة عقوبة تختلف في بعض الأحوال فهي للمحصن ــ سواء كان ذكرًا أو أنثى ــ الموت بطريقة الرَّجم وهي لغير المحصن الجلد. وأحكام الشَّريعة تتساوى عند البربر والعرب والفرنسيين إن كان فيهم مسلمون والصورة ــ التي يقدمها هذا المستشرق بأن المرأة في الإسلام بضاعة تشترى بالثَّمن وأنَّ الثَّمن الذي يدفعه الزَّوج يستردُّه إذا طلَّقها ــ وما يتبع هذه الصورة من خيالات وأوهام يراد بها إثارة المرأة المسلمة بالدَّرجة الأولى ثُمَّ تشويه سماحة الإسلام ــ وهي ولا شكَّ إحدى الدِّعايات الفاجرة التي حرص الإستعمار أن يضلِّل بها عقول الشَّباب الذين لم يدرسوا الإسلام ولم يعرفوا حقيقة القواعد والأصول التي جعلها أسسا ودعائم لتكوين البيت والأسرة. (1/199)
صفحة 200
وأحسب أن هذه الصورة وحدها كافية لأن يعرف القارئ الكريم جهود المستشرق الفرد بل في خدمة الثَّقافة الإسلامية هذا الرَّجل الذي كان في خدمة الثَّقافة إدارة الحماية الفرنسية منذ 1914 والذي بقي يوالي جهوده في المغرب متنقلاً بين عواصمه وقراه تكفل الدَّولة جميع المساعدات ما يقرب ثلاثين سنة 1914 إلى عام 1942 أنَّه ولاشكَّ واحد من تلك الشَّخصيات التي كانت تعمل جهدها، في تركيز الإستعمار وخدمة الغرب مستثمرة بخدمة العلم والثَّقافة.
وهو ولاشكَّ بهذه القائمة الطَّويلة في مكان واحد قد اكتسب سمعة واسعة بين المستشرقين والمهتمِّين بمثل هذه القضايا وربَّما يعتبر قوله حجَّة وشهادته لا ترد.
ويقول المستشرق إميل فليكس جوتيه في كتابه (ماضي شمال إفريقيا) ترجمة هاشم الحسيني ما يلي:
«فقد تخلَّى ــ أي سبتيمون ــ عن جميع حسان بلاده ليقترن بامرأة سورية» ص 93 ويقول:
«واحتفظ سبتيمون بجوليا على الرَّغم من فضائحها وتآمرها عليه. وهذا إن دلَّ على شيء فعلى عمق الصِّلة بين ذلك القرطاجاني وتلك الفنيقية» ص 93 ويقول:
«ثم إن كركولا تزوج على غرار أبيه من امرأة سورية من عائلة جوليا أمه أراد بذلك أن يخلق لنفسه جوًّا عائليًا شرقيًا، حتَّى إن مؤمرات الحريم كانت كما في الشَّرق، أو لم تدفع جوليا ابنها كركولا لقتل أخيه جيتا؟ صحيح أن هناك سابقة عند آغر بين أم نيرون. ولكن مضى عليه مائة وأربعون عاما، ناهيك بأن قتل الأشقاء، ومآسي الحريم في الممالك الشرقية من الحوادث العادية التي ترافق تغيُّر العهود». نفس المصدر 94 ويقول: «ابنة البطريق جرجير التي سموها امنة وقالوا إنَّها كانت من نصيب واحد من الأنصار فوضعها على ظهر جمل، وسار بها وهو يردد: ياإبنة جرجير ستسيرين مشيا على الأقدام، ففي الحجاز تنتظرك سدتك، حيث ستحملين الماء في القرب»«»
المصدر السابق ص175، ويقول:
« (1/200)
صفحة 201
تتمثل بنوع خاص وضع امرأة أوروستوقراطية مرفهة وقعت في أيدي بدو رحل، لقد كان العرب من الذكاء بحيث أدركوا معنى المأساة، ومن القوَّة بحيث أبوا إِلاَّ أن يستمتعوا بها».
المصدر السابق ص175، ويقول:
«وقضية العائلة ووضع المرأة أمران ولا ريب وما من هوة أعمق من هذه الهوة بين الشرق والغرب». المصدر السابق ص102، ويقول:
«ولم يذكر غيزل سوى امرأتين لم تكونا في عداد الحريم». المصدر السابق 102، ويقول:
«وخليق هنا بنا أن نشير لنقطة مهمة تتعلق بموضوع المرأة الشرقية الذي لم يتفهمه الغربيون، فصحيح أنَّها تعيش منعزلة، ولكنها تحافظ على وضعها كامرأة، وقد تكون رغم جهلها أكثر اندفاعا وعنفا وشدة من المرأة الأوروبية، وكلنا سمع بمكائد الحريم». المصدر السابق ص102.
هذا مستشرق آخر بدأ خدمته للاستعمار الغربي من جزيرة مدغشقر ثُمَّ التحق بالجزائر، وقد بذل جهودا مضينة لخدمة الاستعمار تحت ثوب البحوث العلمية.
وفي أثناء كتاباته عن الشرق عمومًا وعن المسلمين خصوصًا يحاول أن يدس صورًا مشوهة، أصولها مستقاة من كتب القصص كألف ليلة وليلة وغيرها بينما يحاول أن يشكك ــ بما أوتي من جهد ــ في المصادر الحقيقية فهو ــ في موضوع المرأة ــ يركز على فكرة الحريم كما يتصورها الغربيون: (1/201)
صفحة 202
مجموعات كبيرة من النساء يحبسن في قصر واحد ليستمتع بهنَّ رجل واحد، فهن يعشن في عالمهنَّ الضيق في كيد ومؤامرات للحصول على قلب ذلك الرجل، وهو يلح في إعادة هذه الصورة إلى الأذهان بل بل إنَّه يستشهد بغيزل الذي لم يذكر سوى امرأتين اثنتين ليستا من الحريم. ولا شكَّ أنَّ تجمع النساء وصراعهنَّ وكيدهنَّ وممارستهنَّ للبغاء والفجور السري والعلني في قصور الملوك وقصور الأمراء والأوروستقراطيين في فرنسا وفي غيرها من بلاد أوروبا وصراع البغايا والمحظيات مع الوزجات الشرعيات، وتسلطهنَّ على الملوك ورجال الدولة وتسييرهنَّ في كثير من الأحيان دفة الحكم ومن وراء ستار وتأثيرهنَّ على السياسة العامة داخليَّة وخارجيَّة ومظاهر الحب والخيانات وتعارض رغبات الغانيات مع أحكام الكنيسة، وتدخل السلطة الحاكمة ضدَّ الكنيسة لحمايتهنَّ وحماية عبثهنَّ، صور واضحة في تاريخ أوروبا، لا يمثل ما في الشرق جميعه جزاءا يسيرًا منها، ولكن كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ذلك مستساغ وحسن مادام في أوروبا وهو يدل على تقدم المرأة الغربيَّة وثقافتها في منطق المستشرقين. أمَّا المرأة الشرقية فمع جهلها قد يكون اندفاعًا أعنف، هكذا يقول جوتييه. (1/202)
صفحة 203
ولعله من السهام المسمومة التي يريد أن يوجهها إلى الفاتحين المسلمين في هذا الموضوع وهو تلك الصورة التي رسمها للجندي المسلم الفاتح حين أسر ابنة جرجير، وهو كما يقول فتاة أوروستقراطية مرفهة فيركبها جملاً ليذهب بها من أفريقيا إلى جزيرة العرب ولا يكفي هذا بل يتغنَّى بمأساتها فيقول لها ستسيرين على الأقدام حتَّى تصلِّي إلى سيدتك التي تنتظرك لتحملي لها الماء في القرب. ويعلق على هذه الصورة بقوله إن العرب من الذكاء بحيث يدركون هذه المأساة ومن القسوة بحيث يستمتعون بها، ولا شكَّ أنَّ ملايين النساء الشرقيات المرفهات الائي لاقين أسوأ فنون التعذيب بأيدي الاستعمار الغربي الممتد منذ عهود الرومان إلى آخر عهود فرنسا في الجزائر لا يلفتن النظر ولا تعتبر قضاياهنَّ مآسي ولا معملتهنَّ بتلك الوحشيَّة قسوة.
وليت شعري كيف استطاع المستشرق أن يبحث عن المرأة في المجتمع الشرقي كلّه فلم يجد إِلاَّ امرأتين ليستا من الحريم؟
هذه أساليب المستشرقين وهم يكتبون عن قضايا الشرق عامَّة وقضايا الاسلام خاصًّة، مستترين بالبحث العلمي.
ولا شكَّ أنَّ بعضهم قدَّم خدمة قيِّمة في الميدان العلمي ولكنَّ البعض الآخر حاول أن يدس في أبحاثه خدمة للأغراض الاستعماريَّة أو ما توحي به عصبيته سواء كانت عصبيته دينيَّة أو كانت عصبيته للغرب على الشرق. ولعل إميل فيليكس جوتييه يمثل الجانب المتهور في هذا الموضوع. وكتاباته لا تتسم بأسلوب الباحث وإنَّما تتسم بصيغة الرائد الذي يمهد للغزو أو يبرر الغزو الواقع من دولة واقعة على شعب يرى جوتييه أنَّه يجب أن يخضع للحكم ويصبر عليه ويقدم السمع والطاعة.
ولعل القارئ الكريم يريد أن أضع بين يديه مقتطفات أخرى من كتابات إميل جوتييه، يقول:
« (1/203)
صفحة 204
وهنا نلقي نظرة على ما نسميه تاريخ المغرب في العهد الإسلامي لنجد أنَّ الذاكرة لا تستطيع حصر الحوادث المتشبعة المتشابكة، والحروب العديدة التي لا تعرف أسبابها ونتائجها في تلك الفترة.
فما أن تتقوم مملكة حتَّى تنهار وتنشأ على أنقاضها أخرى بدون سبب واضح أو نتيجة ملموسة، إنَّه تاريخ خاو جاف بل أقول صحراء قاحلة لا تعرف أولها من أخرها» المصدر السابق 77، ويقول: «والواقع أنَّ حياة البدواة هي التي ميزت التنظيم السياسي في الشرق والبدواة هي التي تميز الشرق عن الغرب». نفس المصدر80. ويقول: «ذلك إنَّ إفريقيَّة قرطاجنَّة والأندلس بلدان عريقان ثقافيًّا وهما الوحيدان في المجال الإسلامي بالمغرب، على أنَّ العنصر الذي لعب دوره هنا هي فترة ما قبل الإسلام وما هيأته لاعتناق االديانة الجديدة». المصدر السابق ص104، ويقول:
«وأيسر ما يثير انتباهنا في زحمة الصراع بين الشرق والغرب في بلاد المغرب انهيار النفوذ الاتيني والمسيحي في إفريقيا» المصدر السابق، ويقول:
«وقد شاءت الإمبراطوريَّة الرومانية أن تخلق ثورة مثل هذه ونجم عنها عن غير قصد هزَّات اجتماعيَّة وسياسية خطيرة» نفس المصدر، ويقول:
«لقد عرفت إفريقيا عهدها الذهبي زمن الرومان فازداد عدد سكانها وانتتعشت اقتصاديا وأضافت روما لمآثرها الأخرى إدخال الجمل إلى البلاد» المصدر نفسه، ويقول:
«وليس تصرف كهذا مرا مستغربا في هذه البلاد، لكننا نستهجنه نحن الذين سرنا منذ ثلاثة آلاف سنة من مفهوم المدينة القديمة إلى مفهوم الوطن» المصدر نفسه، ويقول:
«ذلك لأنَّها تحوَّلت تدريجيًّا فأصبحت بلاد الشاوية، وتبدد ما بقي من ثروات زراعيَّة وفلاحين رومان في القرن السابع، وسادت حياة التنقل بين السهل والجبل» المصدر نفسه.
ولعل من الطريف أن أختم هذا الفصل بملاحظتين مبنية على استنتاجات مضحكة للمستشرق الكبير.
الملاحظة الأولى يقول في نفس الكتاب ص153 مايلي:
« (1/204)
صفحة 205
ولابد لنا هنا من ذكر القرابة بين الزناتية واليهوديَّة في الأصل فالكاهنة أوَّل أميرة على الزناتيين كانت تحمل اسما يهوديًّا، فكاهنة تذكر بكوهين».
أرأيت التعمق في البحث ودقَّة الانتاج وسلامة المنطق أوَّل أميرة على الزناتيين هي الكاهنة، ولفظ الكاهنة قريب من كوهين اسم يهودي إذًا فالعلاقة وطيدة بين زناتة واليهود، ونسي هذا المستشرق الكبير أنَّ هذه الأميرة «داهيا» لا كاهنة وأنَّ كلمة كاهنة كلمة عربيَّة أطلقها عليها العرب لأنَّها كانت تمارس أعمال الكرهان ولابد أنَّ لمعنى هذه الكلمة لفظا بربريًّا كان يطلق عليها فلمَّا جاء العرب ترجموه إلى هذه اللفظةواختفت اللفظة البربريَّة، أو أنَّ العرب من مبدإ الأمر أطلقوا عليها لفظ الكاهنة حين لاحظوا أنَّها تقوم بأعمال الكهان ومهما كان الأمر وحتى لو أنَّ اسمها كان كاهنة أو أنَّ اليهود كانوا يسمون كوهين لما كان لتشابه هذه الأسماءمعنلى ولا يصح أبدًا أن نربط بينها علاقة لمجرد تشابه لفظتين وإلاَّ فالمسلمون اليوم يسمون موسى وهارون وإسحاق وسليمان وداود فما رأي المستشرق الكبير في هذا؟ أحسب أنَّه ليس أبعد في السخف من هذا.
الملاحظة الثانية يقول في نفس الكتاب ص153 ما يلي:
«ومن المعروف أيضًا أنَّ ثورة يهوديَّة قامت في عصر الإمبراطور تراجان انطلقت من برقة، وقد شدَّد رينان كثيرًا على هذه الثورة. قام هؤلاء وعلى رأسهم شخص يدعى لوقوفا، اعتبروه ملكا عليهم ــ بعمليات ذبح واسعة النطاق لليونانيين والرومان، وأكلوا لحمهم، وتلذَّذوا بتلطيخ أيديهم بدمائهم، منتزعين جلدهم عن أجسامهم ليجعلوا منه ثيابًا يرتدونها. ويقدر عدد سكان برقة الذين قضوا على هذا النحو بحوالي مائتي وعشرين ألفا، أي أن جميع السكان قد ذبحوا تقريبا، وتحولت البلاد إلى صحراء قاحلة من جديد ولا تدل وقائع كهذه ععلى مدى التعصب الديني لليهود وحسب، بل على أنَّ هؤلاء كانوا منظمين أحسن تنظيم». (1/205)
صفحة 206
إنني أترك هذه االفقرة لحكم القارئ دون تعليق.
///ص230///
مع إميل فيليكس جوتييه
كتب بعض المستشرقين عن الإبَاضِية كما كتبوا عن غيرهم من المسلمين.
ولعل نقط الانطلاق التي يبدأ منها المستشرقون ميرتهم ــ حين يكتبون عن القضايا الاسلامية خاصة وقضايا الشرق عامة ــ هي نقطة واحدة، يستطيع الدارس أن يحددها ويرسمها في وضوح في كتاباتهم. أمَّا الدوافع التي تدفع أحدهم إلى الكتابة عن بلد أو قضية أو فرقة، فهي تختلف من شخص إلى آخر. ومن دولة إلى أخرى، وإن كانت غالبا ما تتلاقى في أصول ثابتة عنده لا تعدوها. وإنَّما تتسم كتابة كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. واحد منهم بطابعه الخاص المميز حسب تكوينه اللقي، وإدراكه لنوعيَّة القارئ الذي يقصده بالذات، ويتجه إليه برغبته في إحداث التأثير عليه، وإقرار مفاهيم معينة في ذهنيته، ثُمَّ مدى حماسته لدوافعه الحقيقيَّة ومدى تمكنه من السيطرة على انفعالاته، وإحساساته، وتأثراته النفسية بالأحداث والقضايا التي يعالجها.
ينظر المستشرقون إلى الإبَاضِية ــ عندما يحدثون عليهم ــ من نفس الزاوية التي ينظر منها أكثر المؤرخين، فيعتبرونهم فرقة من فرق الخوارج، وليس هذا فحسب بل إنهم ينسبون إليهم جميعا كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. ما يصدر عن شواذ الخوارج وعن مغامرين من طلاب الحكم أو المال. مِمَّن كانت لهم حركات عنف في جهة من الجهات.
بين يدي الآن ممجموعة من كتابات المستشرقين الذين تحدَّثوا عن الإبَاضِية وسوف آخذ منهم نموذجين للمناقشة.
الأول: إميل جوتييه كنموذج للمستشرق المتطرف الذي لا يخفي عصبيته للغرب، ولا محبته لاستعمار الشرق ولا أسلوبه في الكيد.
والثاني: كارلوا ألفونسوا نيلينوا كنموذج للمستشرق الذي يسير وفق منهج علمي واضح. (1/206)
صفحة 207
وفي هذا الفصل نقف وقفات قصيرة مع المستشرق جوتييه في كتابه: «ماضي شمال إفريقيا» والحقيقة أنَّ القارئ المنصف عندما يقرأ هذا الكتاب يحس بالكيد الاستعماري في كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. صفحة من الكتاب، وتتراقص أمام عينيه الدسائس في كلّ موضوع، وغلى القارئ الكريم بعض الصور الواضحة التي تبتدى له وهو ماض في القراءة:
1 - حرص شديد على إثارة النزعة القبليَّة بين البربر والعمل على تذكيرهم بأنَّهم ينتمون إلى قبائل شتَّى مختلفة تنتمي كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. واحدة منها إلى عرق، وأن بعض تلك القبائل كانت مؤهلة لأن تحكم وتسود، وأنَّ قبائل أخرى لا تستحق ذلك الشرف، وأنَّ صراعًا عنيفًا وقع بينها تغلبت فيه هذه على تلك بسبب ظروف خارجيَّة هي مجيء الإسلام ومساعدته لبعضخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. تلك القبائل على بعض فضيع عليها فرصا للمجد، وهذه الصورة واضحة تتراءى لك في كلّ موضوع.
2 - محاولة إثارة العنصريَّة بين العرب والبربر، واعتباره المعارك الحامية التي وقعت زمن الفتح الإسلامي ليست معارك بين الإيمان والكفر وإنَّما هي معارك بين عرق وعرق. أو هي بين غاز يريد الاستعمار والاستثمار، ومدافع خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.عن بلاده وخيرات أرضه، وحروب بسبب انحراف الحكم يردها يردها كلّها إلىصراع قبلي عرقي ليس أكثر.
3 - التهوين من شأن البربر من الناحية الحضاريَّة عند مقابلتهم بالعرب والتهوين من شأن العرب أيضًا من هذه الناحية الحضارية عند مقابلتهم بالرومان أو الإغريق أو حتَّى بالأمم الشرقيَّة المجاورة لهم كالفرس.
4 - الرفع من قيمة الرومان وإرجاع ما في المغرب من مظاهر الحضارة والازدهار في القديم إليهم وحدهم أمَّا في الحديث فإلى فرنسا. (1/207)
صفحة 208
5 - الحرص على تصوير الخوارج عموما في شمال إفريقيا بأنَّهم بدو، ولا يمكن أن تقوم على أيديهم حضارة، وإعطاء هذه الصورة نفسها عن البربر أيضًا وعن العرب. وإرجاع التراث الحضاري الإسلامي إلى ما يسميه ــ الحس الحضاري ــ العميق الجذور الباقي والمترسب عن الشعوب التي استعبدت المغرب قبل الفتح الإسلامي وأهمها الرومان.
6 - الزعم بأنَّ الحضارة التي قامت في العهود الاسلاممية إنما قامت في نفس االأماكن التي قامت فيها الحضارة قبل الإسلام ــ بالحس الحضاري ــ السابق، حتَّى أنَّ المدن الهامَّة في المغرب الإسلامي إنما قامت على أنقاض المدن الهامة في العهد الروماني.
7 - تصوير حركة الوارج بأنَّها هرطقة تستمد جذورها من الدوناتية المسيحيَّة.
هذه بعض الصور التي تسلمها وأنت تقرأ ما كتبه جوتييه عن الإبَاضِية ولا شكَّ أنَّ صورًا أخرى كثبيرة تبدو لك وأنت ماض في قراءة الكتاب.
أمَّا فيما يتعلَّق بالإبَاضِية فلعل القارئ يرافقني في الخطوات القصيرة الآتية: يتحدَّث المؤلف عن الإبَاضِية تارة ضمن الإطار الخارجي، وتارة يخصهم بالحديث يقول في كتابه: (ماضي شمال إفريقيا) ترجمة هاشم الحسيني نشر الفرجاني ص200 مايلي: «ولكي نفهم مذهب الخوارج ينبغي ألا نعزله عن غيره، بل يجب أن نقربه من الثورات الأخرى التي عرفها المغرب، حيث نجد وراء الهيجان الديني انتفاضة للمشاعر الطبقية والعرقية، والخارجيَّة شبه شيء يهرطقه مسيحية هي الدوناتية، وقد ولدت في عصر كان فيه كلّ شيء مطبوعا بالطابع الديني، وقد شدد ماسكوراي على وجود شبه بين الدوناتية والخارجيَّة». ويضيف المؤلف إلى هذا القول في ص202 ما يلي:
« (1/208)
صفحة 209
فماسكوراي على حق إذن في ذكر الشبه بين الخوارج والدوناتية، لا بل إنَّ الخارجيَّة هي الدوناتية عينها منقولة عن الإطار المسيحي إلى الإطار الإسلامي» هذا نمط من أنماط التحليل والحكم عند جوتييه أي لكي نفهم معنى الخارجيَّة يجب أن نقربها إلى غيرها من الروات الواقعة في المغرب، وتلك الثورات إنما قامت ــ في نظر جوتييه ــ على الهيجان الديني والمشاعر الطبقية والعرقية. وليس في هذا ما يمنع أن تكون الخارجية في الإسلام وهي الدوناتية المعروفة في المسيحية، وانتقلت عبر العصور حتَّى واتتها ظروف الظهور فظهرت في هذا النمط، أي أنَّه حتَّى الإنحرافات والتطرفات عند المسلمين ينبغي أن تكون مستمدة من المسيحيَّة، أو من الغرب، ذلك أنَّ الشرق بما فيه ــ حسبما يريد الاستشراق ــ ليس له قوَّة الحركة والانتفاض والحياة.
ويقول جوتييه في نفس الكتاب ص207 مايلي:
«وينقسم خوارج المغرب غبى فرقتين: الصفرية والإبَاضِية وتمثل الصفرية التطرف، والإبَاضِية الاعتدال. وهم أشبه بالبلاشفة والمناشفة، تباعد بينهم كراهية عميقة الجذو، لقد هاجم صفريوا نفزاوة وورفجومة مدينة القيروان بوحشية لا نظير لها.»
ثُمَّ يقول في صفحة 209 مايلي:
« (1/209)
صفحة 210
وقد زحف أباضيوا طرابلس من زناتة وهوارة لمحاربة بني ورفجومة، وانتزاع بقايا القيروان منهم، على أن تدخل هؤلاء لم يكن بدافع إنساني محض، إذ ليس من المستعبد أن يكونوا قد شعروا بالحسد من إخوانهم في المذهب، وأرادوا أن يظفروا لأنفسهم ببعض الفائدة». هذا منطق المستشرق جوتييه في مناقشة الأحداث وتحليل بواعثها وتعليل الدوافع إليها. يفترض أوَّلاً أنَّ الإبَاضِية والصفرية أخوان في المذهب، يفترض ثانيا أن عداوة عميقة الجذور ــ كالتي بين البلاشفة والمناشفة ــ تقوم بينهم ويذكر أنَّ الصفريَّة قاموا باحتلال القيروان وارتكبوا فيه كثيرا من الفضائح ثُمَّ يذكر أنَّ الإبَاضِية سارعوا إلى طرد الصفريَّة من القيروان. ويفترض ثالثا أن عمل الإبَاضِية هذا لا ينبعث من دافع إنساني، ويفترض رابعا أنَّ هذا الدافع الذي دفع الإبَاضِية إلى استخلاص القيروان من أيديورفجومة إنما هو الحسد لإخوانهم في المذهب ثُمَّ الظفر لأنفسهم ببعض المكاسب. قصور في الافتراضات يرفع بعضها على بعض دون أساس أو على أساس من الوهم، وتصور وتصوير لعلاقات بشريَّة، ونوازع نفسيَّة لا تنبني على علم ولا تستند على خبر وإصدار أحكام على حركات قامت قبل قرون تناقض كلّ المناقضة ما تذكرها عنها كتب التاريخ والسير العربية، فما هي الأسباب التي يستند إليها المستشرق جوتييه في افتراض الفروض وإصدار الأحكام على الوقائع وعلى دخائل النفوس، إنَّه لا شيء مطلقا غير دعوى عريضة وقياسات على ما عند الغربيين، إنَّه يقول إنَّ الإبَاضِية طردوا الصفريَّة من القيروان حسدًا وطمعًا في بعض الفائدة. والحسد دافع خفي فطن له هذا المستشرق الذكي بعض مضي هذه القرون الطويلة. (1/210)
صفحة 211
إنَّه لو اقتصر على دعواه أنَّهم يطلبون لأنفسهم بعض المكاسب ــ رغم أن كتب التاريخ تكاد تجمع أنَّ الإبَاضِية في استيلائهم على القيروان لم يأخذوا منها شيئًا البتة ما عدا خرجا سرقه أحد المقاتلين فلمَّا انكشف عوقب عليه وعزر أمام أعين الجند جميعًا لكان لدعواه خطأ في النظر. لأنَّ نظرة المستشرق جوتييه إلى حركات الشعوب لا تتنبعث إِلاَّ من الفهم الاستعماري، والفهم الاستعماري لا يتحرك إِلاَّ بعد تقدير الفوائد والمكاسب والمغانم، أمَّا ما عبَّر عنه هو بالدوافع الإنسانية فقد قتلت في الحس الغربي في معاملته، والدوافع الإنسانية في الحس الغربي إنما قتلها حملة الأقلام والألسنة، قبل أن يقتلها حملة السلاح وطلاب المطامع، وما من حملة عسكرية وجهها الإستعمار الغربي إلى الشرق في التاريخ القديم أو الحدث حتَّى تلك التي سبقت الديانات إِلاَّ وقد مهَّدت لها ألسنة وأقلام سابقة، وبرزتها ألسنة وأقلام مرافقة، وأثنت عليها ومجَّدتها ألسنة وأقلام لاحقة. وإنك لتقرأ اليوم للمستشرق جوتييه وأضرابه فتجدهم يبررون بل يمجون جميع الحملات الاستعمارية لتي قام بها الإغريق ولارومان بل ويتحدَّثون عنها بشيء من الفخر والاعتزاز، ولا يبدوا أنَّهم يحسون بأنَّ تلك الحملات الاستعمارية في تاريخ سحيق كان الباعث عليها والدوافع إليها إنما هو الحصول على الفوائد، ولم يزعموا أنَّ سببها كان الغيرة والحسد، ذلك أنَّ للمستشرقين منطقين: منطقا يعالجون به قضايا الغرب ومنطقا يعالجون به قضايا الشرق، ولم يدخل في اعتبارهم أبدًا أنَّ الغرب والشر يستويان في أي مظهر من مظاهر الحياة، وإن كانوا يسبغون على جميع مواقفهم دعوى فضفاضة بأنَّهم متجردون للعمل تحت اسم البحث العلمي.
ويقول في ص224 مايلي: (1/211)
صفحة 212
وراء مملكة تاهرت شخصية مشرقة مرموقة كما هي حال المملكة الإدريسيَّة، والأسرة الفاطميَّة، إنَّه عبد الرحمن بن رستم، ويرجع أصله إلى رستم الشَّهير الذي قاد الجيش الفارسي في معركة القادسية، وهو فارس من أحفاد كسرى، ولا غرابة أن شاهدناه على رأس فئة الهراقطة في الوقت الذي ازداد فيه النفوذ الفارسي زمن العبَّاسيين».
هكذا يعلِّل جوتيه نجاح الدولة الرستمية بتغلغل التَّأثير الفارسي في الدولة العبَّاسية، ولاشكَّ أن التغلغل الفارسي ــ إن صحَّ هذا التَّغيير ــ كان لتأييد الدَّولة العبَّاسية وتثبيت دعائمها، ولا شكَّ أن الدولة الرُّستمية بزعامة عبد الرَّحمان ومن بعده كانت مناهضة للدولة العبَّاسية فكيف استطاع جوتييه أن يوفق بين هذا وذاك؟ فيجعل سبب نجاح الدولة الرستمية إنما يرجع إلى وجود يد فارسيَّة، واليد الفارسية كان لها النفوذ الواسع في الدولة العباسية، فكيف سمح النفوذ الفارسي المتغلغل في الدولة العباسية أن تنشق عنه يد فارسية لتضرب هذه الدولة المبنية على النفوذ الفارسي. لإنه تناقض واضح في المنطق وفي أحداث التاريخ لأنَّ وجود عبد الرحمن بن رستم في المغرب العربي لم تكن له أيَّة علاقة بالقوميَّة الفارسية ولا بالفرس الذين تغلغلوا في الدولة العباسيَّة، ولا بأمجاد الفرس التي انتهت بظهور الإسلام والسبب في هذا واضح فإنَّ عبد الرحمن قد انقطعت صلته بالفرس تمام الانقطاع وهناك حلقة من طفولته غير واضحة إِلاَّ أن كتب التاريخ تذكر أنَّه حجَّ مع والده فتوفي والده بمكَّة وتزوَّجت أمه برجل من المغرب (القيروان) فرحلت معه ورحل معها طفلها عبد الرحمن وهناك وهناك في القيروان تكون عبد الرحمن في مجتمع مسلم فقط أهله من العرب والبربر ولم يعرف أنَّ أحدا من الفرس كان هناك فلا مجال أبدا لمحاولة ربط هذه الحركة بحركات أخرى في الشرق تنبعث من دوافع قوميَّة. (1/212)
صفحة 213
إنَّ المستشرق جوتييه يضع نصب عينيه فرضا ثابتًا لا يتحول عند هذا الفرض هو أن الإسلام ممثلاً في مذاهبه كلّها أو في بعضها لا تقوم على يده حضارة. فإذا قامت حضارة في مكان ما فلابُدَّ أن يكون هناك سبب خارج عن الإسلام والمسلمين وبما أنَّ الدولة الرستمية قد قامت على يدها حضارة لا يمكن أن يكذبها التاريخ فالمستشرق جوتييه يعترف بوجود تلك الحضارة ولكنه ينكر أن يقوم بها الإبَاضِية وإنَّما يعزوها لعاملين: الحس الحضاري الروماني، والقومية الفارسية التي تمثلت في عبد الرحمن بن رستم.
وكأنما يريد أنْ يقول أنَّ بيئة المغرب الإسلامي لا يمكن أن تنجب قيادات فإذا قامت فيها حركة فلابُدَّ أن تكون القيادة مندسَّة من جهة ما كما هو الحال مع الدولة الإدريسية والفاطميَّة والرستمية، ومادام الإبَاضِية يمثلون في نظر «جوتييه» فرقة من الهراطقة مفتقرة إلى زعيم فليكن هذا الزعيم فارسيًّا تغلغل في المغرب كما تغلغل في المشرق أخوته من الفرس، وأنَّ معارضا للمخطط الفارسي في تأييده للدولة العباسية. وهذا التمحل والتأويل كلّه لتستقيم فرضيات جوتييه.
ويقول جوتييه في صفحة 227 ما يلي:
«يقول ماسكوراي بحق ما من واحة قابس وفجويج وسجلماسة إِلاَّ وهي مدينة بتطورها للخوارج ــ صفريين كانوا أم إباضيين ــ لقد كانوا سادة الصحراء»
ويقول في ص 228 مايلي:
«إنَّ تاهرت كانت مركزًا سياسيًّا هامًّا في الفترة التي رافقت ظهور الجماليين الرحل القادمين من الشرق، والذين كان لهم شأن كبير في زعزعة أركان نوميديا» ويقول بعد أسطر:
«وهكذا تعتبر تاهرت والمنطقة المحيطة بها مركزا للاصطياف يقصده سكان الصحراء مع قطعانهم هربا من الحر الشديد»
ويقول في ص229 ما يلي:
« (1/213)
صفحة 214
وتدل الطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة أنَّ تاهرت ممملكة للبدو الأقحاح، وقد اختفى الإبَاضِية كفرقة دينية في تاهرت اختفاء تامًّا في حين استمروا على شكل جماعات صغيرة في جبل نفوسة والزاب أي في المناطق الصحراوية، وليس الأمر وليد صدفة لأنَّ قوَّة الدولة الرستميَّة كانت في الصحراء»«»
ويقول في ص229 ما يلي:
«على أنَّ هذه القبائل الرستمية من البدو الرحل على حال».
ويقول في ص 230 ما يلي:
«إنَّ مملكة الستميين لم تتجاوز حدود الأراضي الوعرة والصحراء».
يفترض المستشرق جوتييه أنَّ الإبَاضِية عبارة عن قبائل بدوية ويركز على ذلك تركيزًا شديدًا، ويدعي أنَّ طبيعة المنطقة التي يعيشون فيها طبيعة صحراويَّة بدويَّة. ولما كانت تاهرت تمثل مظهرًا حضاريًّا واضحا لا يمكن تجاهله وأنَّ هذا المظهر يرد دعوى المستشرق هذه فقد حاول أن يهرب من مجابهة المشكلة بنوع من الأهواء فزعم أنَّ الإبَاضِية بدو أقحاح وأن تاهرت هي مملكة للبدو الأقحاح يعيشون عليها. ولكن أحدًا لا يقتنع أنَّ البدو الأقحاح يكونون مملكة كما انَّ طبيعة تاهرت نفسها تستعصي على وصفها بالبداوة هي التي يقول فيها هذا المستشرق نفسه في ص228:
« (1/214)
صفحة 215
تقع تاهرت على ارتفاع 1200 متر ولا يقل ارتفاع المناطق المحيطة بها عن ألف متر، وشتاء تاهرت يمتاز ببرودته وضبابيته ورطوبته وثلوجته أي على عكس الصحراء تمامًا». فلمَّا وجد أنَّ حقيقة تاهرت تتعارض مع وصف البداوة ووجد أنَّ الإبَاضِية قد أقاموا في هذا المكان دولة بالفعل ظلت مزدهرة قرنا ونصف قرن على أقلّ تقدير ما يبعد عنهم وصف البداوة افترض فرضا خاليا وهو أنَّ الإبَاضِية ــ وهم بداة ــ كانوا يقصدون تاهرت في الصيف هربا من حر الصحراء أي أنَّ تاهرت كانت مصيفا للبدو والرحل. وكأنما كانت الدولة الرستمية قطعا من الأراجوز تتفرق خلال السنة في مناطق عدَّة فإذا جاء الصيف اجتمعت في مناطق عدَّة فإذا جاء الصيف اجتمعت في تاهرت للقيام بدور الدولة لمحرّك خفيف يبعث بالأزرار من وراء ستار.
وكأنما هذه الافتراضات كلّها لم تقنع جوتييه نفسه فكان يلح على مزيد من الافتراضيات، ولكن افتراضه الأوَّل «الإبَاضِية قبائل من البدو والرحل الأقحاح» افتراض لا يتحمل المناقشة ولا يقبل النقد عنده ولذلك كان عليه أن يلتمس الحلول لما ترتب عن هذا الافتراض من مشاكل وجاءت الحلول بعد مجموعة من الافتراضات ينبني بعضها على بعض.
الافتراض الأوَّل الإبَاضِية لا يكونون إِلاَّ بدو رحلا.
الافتراض الثاني البدو الرحل لا يمكن أن يتغيروا فيصبحوا بناة حضارة وقيام حضارة في تاهرت حقيقة واقعة عندما كانت تحت سلطان الإبَاضِية.
الافتراض الثالث الإبَاضِية لم يكونوا يقيمون في تاهرت وإنَّما كانوا يتخذونها مصيفًا فيقبلون عليها في موسم الحر ويتخلون عنها وينزحون بعيدا في بقيَّة المواسم والفصول.
فكيف قامت تتلك الحضارة في تاهرت تحت الإبَاضِية؟
الجواب في ذلك عند جوتييه بسيط واضح معروف. (1/215)
صفحة 216
إنَّ الحضارة إنما قامت في تاهرت بالحس المدني الروحاني السابق كما أوضحت ذلك للقارئ الكريم من قبل. ولا يد للإبَاضِية ولا لسكان تاهرت ولا لدولتهم في ذلك. وليتضح لك هذا المعنى ااقرأ للمستشرق جوتييه في كتابه ص 227 ما يلي:
«وليس في تاهرت اليوم سوى آثار رومانية، ويفترض غيزل أنَّ الرومان أنشأواا فيها مراكز عسكرية على الحدود، ثُمَّ منطقة سكننية للمدنيين، ولم يجد على الآثار الباقية ما يؤيد فكرته، وكان لتاهرت أهمية كبرى في عهد السيطرة البيزنطيَّة».
ويقول بعد أسطر:
«ومن الناحية الأثريَّة البحتة آثار الجدار جنوبي تاهرت في المينا العليا، وهي عبارة عن أضرحة شبيهة بتلك الموجودة في مدغاس «وبقبر المسيحيَّة» ولكنها تعود لوقت متأخر عنها وقد عثر فيها على كتابة إغريقيَّة، كما استخدم في بنائها أدوات تعود لعصر سابق لها كبقايا، هندسة مسيحية وكتابات منقوشة».
«ويستنتج غيزل أنَّها عاصرت العهد البيزنطي وينسبها إلى أهالي تاهرت».
ويقول جوتييه:
«وتاهرت في العهد البيزنطي كانت في نفس المكان الذي تقع فيه اليوم وعاصمة الرسنميين (تاهرت الجديدة) تبعد خمسة أميال غربي تاهرت القديمة.
وإطا كان رستم قدأطلق علي مدينته لقب الجديدة فهذا ما يؤكد أن المدينة القديمة ماثلة في الأذهان».
وعندما يتتبع القارئ الكريم البحث كلّه في هذا الفصل يجد أن الصورة التي يرسنها جوتببه تبدو كما يأتي:
إن باعتبارهم خوارج لا يكونون إِلاَّ بدوا وطبيعة البدو لا تستقر في مواضع الحضارة، ولا تبني نظاما، ولا يثبت لها حكم، وقد قامت بالفعل تحت حكم الإبَاضِية حضارة دامت قرنا ونصف قرن، وثبت لهم هناك الحكم، فما السبب أن هذه الحضارة إنما بنتها يد فارسية تجري فيها دماء الحضارة، وفي موطن قامت فيه حضارات بيزنطية، ورومانية قبل الفتح الاسلامي، فالمكان منبت للحضارة واستقرار الحكم. (1/216)
صفحة 217
أمَّا علاقة الإبَاضِية بالموضوع فهي لا تتعدى رحيلهم إليها فترة من السنة، واتخاذها مصيفا. أمَّا البناء الحقيقي الذي قام عليه الحكم وتبحث عنه الحضارة فإنَّما قام على ركنين أساسين: الحس الحضاري الفارسي الوافد من الشرق في صورة عبد الرحمن والحس الحضاري الغربي المندس فيقرية تاهرت منذ عشرات القرون عندما كان هناك الرومان. أمَّا ماينسب إلى الإسلام أو إلى مذهب من مذاهب مِمَّا يقوم به أتباعه فهو طفح ظاهري لا يتجاوز الأسماء.
بعد هذا أحب أن أقول إنَّ هناك عدَّة أشياء تقوم ضدَّ افتراضات جوتييه وتضحضها ولعلها تتخلَّص فيما يلي:
1 - عبد الرحمن بن رستم وإن كان فارسي الأصل إِلاَّ أنَّه خرج دون أن يعي أو يعرف شيئًا عن حضارة الفرس وعاش في القيروان واكتسب مواهبه في بيئة بربريَّة ثُمَّ عربيَّة محضة ثُمَّ هو فرد وحد فما عساه أن ينجز من مقومات الحضارة التي قامت في تاهرت إلى شخصية عبد الرحمن الفارسية ضرب من الخيل. (1/217)
صفحة 218
2 - اعتبار أنَّ الحضارة التي قامت في تاهرت كان من أهم عواملها ذلك الحس الحضاري المتخلف في تربتها منذ قرون من حضارة الرومان. وأنَّ الحضارة لا تنبت إِلاَّ في أماكن خاصة بها كما تنبت الأشجار في تربة معينة وأنَّ هذه التربة المعينة لابُدَّ أن تكون قد أعدتها في يوم من الأيَّام دولة تحمل مقومات الحضارة وعلى هذا الأساس فقد نبتت الحضارة في تاهرت زمن الحكم الإبَاضِي لأنَّ تربتها صالحة لإنبات الحضارة بعد ما أعدَّها الرومان لذلك في في عصور سابقة، هذا المنطق هو الآخر ضرب من الوهم والخيال ولاشكَّ أنَّ الإنسان هو الذي يكون الحضارة وأنَّه هو الذي يختار لها البيئة والمكان، ولذلك فإن المسلمين على اختلاف مذاهبهم قد كوَّنوا حضارات مختلفة في أماكن مختلفة بمحض اختيارهم للمكان والبيئة ــ فإذا صادف أن حضارات متعدِّدة من أمم متعدِّدة قامت في مكان واحد، فليس ذلك لأنَّ ذلك المكان ينبت الحضارة، وإنَّما لإنَّ الانسان الذي يعرف كيف يكوِّن الحضارة قد وقع عليه اختياره.
3 - اعتباره أنَّ الإبَاضِية (بدوٌ أقحاح) فريضة لا يساعده عليها التَّاريخ، ونظرة تتبُّعية بسيطة إلى تاريخهم في المغرب الإسلامي ومضطربهم فيه منذ وجودهم فيه إلى عهد المستشرق جوتييه تدلُّ دلالة واضحة أنَّهم ليسوا كما يزعم. وأنهم إلى التَّحضُّر أقرب في جميع مواطنهم ويتَّضح ذلك في الصُّورة الآتية: (1/218)
صفحة 219
الأولى: كانوا يعمرون جبل نفوسة بمدنه وقراه في (ليبيا) ولهم فيه حياة حضريَّة مستقرَّة إلى الآن. وكانوا يعمرون زوارة وزواغة ولهم فيها حياة حضريَّة مستقرَّة إلى الآن في زوارة. وكانوا يعمرون المدن والقرى في الجنوب التونسي سواء ما كان منها في الجبال أو الواحات ولهم فيها حياة حضريَّة مستقرَّة إلى عهد قريب وكانوا يعمرون تقرت وبغابي وما إليها ولهم فيها حياة مستقرَّة سجَّلها التاريخ وكانوا يعمرون وارجلان وسدراتة ولهم فيها حياة حضريَّة مستقرة بل إنَّ سدراتة تعتبر من المدن الأثريَّة الجزائريَّة في العهد الإسلامي، أمَّا وارجلان فقد كانت مركزا حضاريًّا تجاريًّا بين الجزائر وإفريقيا السوداء وكانت مركز القوافل ومقرها وممرها ولا تزال. وكانوا يعمرون وادي ميزاب ولهم فيه حياة حضريَّة مستقرَّة ربَّما فاقت مدن الشمال ولا تزال.
هذه أهمّ أماكن الإبَاضِية في المغرب. ولا يمكن أن يقال عن هؤلاء ــ بحال من الأحوال ــ أنَّهم بدو. أمَّا الذين سكنوا ــ منهم المغرب الأقصى أو بعض بلاد الأندلس، فلا يستطيع أحد أن يصفهم بالبداوة.
الثانية: كانت هنالك بعض القبائل البدويَّة التي اعتنقت المذهب الإبَاضِي واستمرَّت على حياتها فترة من الزمن ولكن الإبَاضِية كانوا يقاومون البداوة مقاومة مستمرَّة ويتخذون معها مواقف غاية في العنف منها إنهم يمنعون تزوج الحضرية بالبادي حتَّى أنَّهم شددوا على ابي عثمان الدجي حين زوج بنته (منزو) وبمحض رغبتها واختيارها لأحد أقربائهم من البدو وندم أبو عثمان على عمله ذلك ندما شديدًا فيما بعد. (1/219)
صفحة 220
وكما قال أحد علمائهم حين وجد شخصًا يعرفه يرعى غنمًا: نعمت الغنم التي ترعاها لحية، وبئست اللحية التي ترعى الغنم. وعندما لا يتمكنون من إقناع حي أو قبيلة بترك البداوة كانوا يعملون على إدخال أنواع من وسائل التحضر إليهم فكانوا يكونون لهم ما يشبه ما يسمى اليوم بالمدارس المتنقلة لتعليم أبنائهم ولمساجدهم وما يتبعها من مرافق وكانوا يتعهدونها بالزيارة ودروس الوعظ والارشاد والتثقيف.
الثالثة: حياة الإبَاضِية على عمومها كانت تعتمد على ثلاثة أسُس:
1 - التجارة وقد اشتهر بها أهل جربة ووارجلان ووادي ميزاب حتَّى أنَّ الاقتصاد في كلّ من الجزائر وتونس كان يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على مواهب الإبَاضِية في التجارة ولا تخلوا مدينة أو قرية في الجزائر وتونس ــ في قرون طويلة ــ من الأيدي البارعة لتجار الإبَاضِية.
2 - الصناعة ولا سيما صناعة الصوف وقد اشتهر بها جبل نفوسة وجبال دمر ووادي ميزاب فكانت هذه الصناعة تكون ركنا هامًّا من دخل الأسرة ومن اقتصاد البلاد حتَّى اشتهرت في الأسواق.
3 - الزراعة: وهي مصدر أساسي للثورة وتقوم في جميع مواطن الإبَاضِية لا سيما الواحات.
ويبدو لي أنَّ الأمة التي تبني حياتها على الاقتصاد الذي يتكون من تجارة وصناعة وزراعة لا يمكن أن تكون أمَّة بدويَّة. وأنَّ البدو الأقحاح لا يمكن أن يحاربوا البداوة بِكُلِّ الأساليب حتَّى يبلغ بهم الأمر إلى منع الزواج من أهل البادية. ويكفي هذا لمناقشة هذه النقطة ويقول المستشرق جوتييه ص 233 ما يلي:
«وقد فرض الإبَاضِيون عقوبات صارمة على أهل الشر. فالزاني يرجم، والسارق تقطع يده». (1/220)
صفحة 221
وقد يكون جوتييه لا يجهل أنَّ هذه العقوبة هي ما قرَّره الإسلام. وأنَّ جميع المذاهب الإسلاميَّة ملزمة بهذا سواء نفذته حكوماتها القائمة أو لم تنفذه. وإنَّما حرص أن يذكر هذا عن الإبَاضِية أوَّلاً لأَنَّهُ يريد أن يوحي للقارئ أنَّ الإسلام دين بشري يفرض قوانينه ناس من البشر، وثانيا ليوحي للقارئ الكريم أنَّ الإبَاضِية باعتبارهم من الخوارج المتشردين، ومن البدو الجفاةالغلاظ ينتهجون القسوة في أحكامهم: ومن الأمثلة على انتهاجهم هذا المنهج هذا الحكمالصادر على الزناة والسراق.
ولعل مِمَّا يساعد القارئ الكريم على فهم منهج جوتييه في مناقشة موضوع الإبَاضِية وأسلوبه في ذلك أن أعرض عليه صورًا أجراها المستشرق في أسلوب مقارنات.
الصورة الأولى:
يقول وهو يرسم هذه الصورة في ص 230 ما يلي:
«ويساعدنا أبو زكرياء على رسم صورة عن الإبَاضِي: شعره ذو ظفائر يحمل مهنَّدا مستقيما طويلا، له حدان قاطعان، يختلف عنالسيف واليطقان. كما يحمل خنجرا مربوطا بذراعه» إنَّها كما ترى تبدو صورة كاريكاتورية هزلية مضحكة قد ترسم لشخص أو لعدد من الأشخاص.
وبناء على هذه الصورة لتي يرسمها بمساعدة أبي زكرياء على زعمه للإبَاضِية، نستطيع أن نضع لها إطارًا عاما كما يلي:
شعر مظفور.
سيف طويل مستقيم ماضي الحدين يختلف عن اليطقان.
خنجر مربوط بالذراع.
فإذا توفرت هذه الأشياء الثلاثة في رجل فهو إباضي وإن تخلَّف بعضها فليس في كذلك، هذا في زعم جوتييه.
هذه الصورة الكاريكاتوريَّة إنَّما تبعث على الضحك مِمَّن يرسمها وينسبها أو لغيرهم فهذا الكلام من الخواء بمنزلة لا يرتفع إلى مرتبة ما يناقش ويلتمس فيه الخطأ والصواب.
الصورة الثانية:
يقول جوتييه في ص230 من نفس الكتاب ما يلي:
« (1/221)
صفحة 222
وأظن أنَّ ما سكوراي على حق في مقارنته (1) مع ابن الطوارق حاليا، ويذكر لنا انَّ المرأة الإبَاضِية مثقفة مِمَّا يزيد في وضوح الشبه، وذلك أنَّ المرأة عند الطوارق تحتل في علمها وثقافتها مكانة تختلف عن مكانة الملاأة في بلاد المغرب، لقد عنى ماسكوراي بالطوارق عناية كبيرة، وليس مستبعدًا على كلّ حال أن يكون هؤلاء البدو الخوارج قد تركوا بعض مميزاتهم لطوارق الهقار وهم من تبقَّى من قبيلة هوارة» هكذا ترى أيُّها القارئ الكريم أنَّ المستشرق ماسكوراي ــ وقد عنى بالطوارق ــ يعقد بينهم وبين الإبَاضِية مقارنة ويزعم أنَّه توجد بينهم وجود شبه تتخلَّص في شعر مظفور، وسيف طويل مستقيم ذي حدين قاطعين: وخنجر مربوط بالذراع، ويصحح المستشرق جوتييه تلك المقارنة بمرجح آخر وهو أنَّ المرأة الإبَاضِية مثقفة مِمَّا يزيد في وضوح الشبه بين الإبَاضِية والطوارق لأنَّ المرأة الطارقيَّة تحتلُّ في علمها وثقافتها مكانة فوق مكانة المرأة في المغرب. وبذلك فلا مانع من أن يكون الطوارق قد تسلموا عن الإبَاضِية هذه المميزات الواضحة عندهم اليوم.
ياله من منطق سليم:
__________
(1) - مقارنة الإبَاضِي مع ابن الطوارق. (1/222)
صفحة 223
لقد غفل كلّ من المستشرقين الكبيرين عن دعوى هامة يدعيها كلاهما وتتركز عليها أكثر أبحاثهما وأبحاث من يجريعلى نسقهما وذلك أنَّهما يدعيان ــ ويؤكدان ذلك ــ إنَّ الإبَاضِية بدو أقحاح. وأنَّ البداوة لا يمكن أن تكون مصدر علم وحضارة. فكيف تأتِّي للمرأة الإبَاضِية ــ وهي بدويَّة قحَّة ــ وكذلك للمرأة الطارقيَّة التي تسلَّمت منها مميزاتها، وسارت بأسلوبها في الحياة ــ أن تكون في ثقافتها وعلمها فوق المرأة في بلاد المغرب؟ كيف استساغ عقل ماسكوراي وعقل جوتييه أن يزعم أنَّ المرأة الطارقيَّة ــ وهي تعيش في خيام متنقلة في المناطق الصحراويَّة تتبع مواقع الغيث. وتقضي أهم أوقات عمرها في رعاية الماشية ــ أكثر ثقافة وعلما من المرأة التي تعيش في تلمسان والرباط والجزائر وقسنطينة ووهران. (1/223)
صفحة 224
قد يقبل كلام ماسكوراي على نوع من التأويل لأَنَّهُ وصف المرأة الإبَاضِية بالثقافة أو بأنَّها مثقفة. وهذا قد يكون صحيحًا إلى حدٍّ بعيدٍ ــ من حيث الواقع ــ لأنَّ الإبَاضِية لا سيما في الجزائر يسكنون في عدد محدود من المدن طيلة عدَّة قرون، وهم بعداء جدًّا عن طبيعة حياة البدو والرحل، وإن كانوا يعيشون في واحات صحراويَّة. ثُمَّ إنَّ لهم مؤسسة العزابة التي تمَّ تنظيمها في أوائل القرن الرابع الهجري وهي تشرك معها المرأة في القيام بمهمَّة الثقافة والتعليم في ميادين الشريعة كما أنَّ لهم أساليب خاصة في وجبات المرأة المنزليَّة والصناعيَّة، ولا شكَّ أنَّ معاني الحضارة ومظاهرها عند الإبَاضِية من سكان الجزائر أقوى منها وأوضح مِمَّا في كثير من مدن الشطوط والسواحل. وفي مثل هذه المجتمعات المستقرَّة في مدن الواحات العريقة والمحافظة لا نجد غلاابة إذا وصفت فيها المرأة بالثقافة، والثقافة في هذا المجال إنما تعني بالدرجة الأولى، معرفة المرأة لأحكام الدين المتعلقة بها، ثُمَّ بالأسلوب المقبول في السلوك الاجتماعي في الوسط الذي تعيش فيه، وتكتسب لمرأة كثيرًا من ألوان الثقافة الاجتماعيَّة والبيئيَّة بالاقتباس والمحاكاة والتقليد وهذا ــ لا شكَّ ــ متوفر في مجتمع مستقر محافظ محتفظ.
فمسافة البعد بين المرأة الإبَاضِية التي تعيش في هذا الوسط والمرأة الطارقيَّة التي تعيش وراء المواشي متنقلة في الخيام باستمرار مسافة شاسعة لا تجدي فيها المقارنة.
وماسكوراي قد يكون على حق حينما قال إنَّ المرأة الإبَاضِية مثقفة. أمَّا جوتييه وقد وثب وثبة لا حدود لها حين تجاوز مرتبة الثقافة إلى مرتبة العلم فزعم أنَّ الطارقيَّة تحتلُّ علمها وثقافتها مرتبة فوق ما عند المرأة في بلاد المغرب. (1/224)
صفحة 225
وأحسب أنَّه من البداهة أنَّ وصف المرأة الطارقيَّة بانَّ لها مركزًا علميًّا وصفا لا مدلول له، أمَّا وصفها بالثقافة فلو كان الوصف هكذا مجردا لاحتمل النظر والبحث. أمَّا دعوى أنَّها تحتل مركزًا ثقافيا فوق ما عند زميلتها المرأة في المغرب. فهي دعوى باطلة، وحكم لا سند له، وبعد كلّ هذا فإنَّ محاولة مقارنة الإبَاضِية بالطوارق ووجود شبه مادي معنوي بينهم لغو من الكلام وباطل من القول وذلك أمر بديهي لا يحتاج إلى أي بحث أو تفكر ضرورة أنَّ الإبَاضِية مذهب إسلامي له قواعد وأصول. وله عقائد وعبادات وشرائع في الإمكان أن يعتنقها بعض الطوارق أو كلّ الطوارق كما يمكن أن يعتنقها غيرهم من القبائل والأجناس البشريَّة.
إنَّ الطارقيَّة جنس أو قبيلة أو نسب والإبَاضِية فكرة أو مذهب أو دين فما الذي يجمع بينهما حتَّى نقول بوجود شبه أو تقارب.
هل تستطيع أن تقول بأنَّ شبه بين الأوس والخزرج والمذهب المالكي مثلاً وأنَّ المالكيَّة انحدروا من الأوس والخزرج، ثُمَّ ما علاقة اللباس والسلاح بالمذهب أو العقيدة. لا شكَّ أنَّ البيئات المختلفة تتختلف في لباسها وأنواع السلاح المستعمل لديها فما دخل المذهب في ذلك. نحن نعرف أنَّ للمغاربة والجزائريين تقاليد خاصَّة في اللباس وأسلوبا خاصًّا في استعمال السلاح ونعرف أيضًا أنَّ لتونس أو لليبيا أو لمصر أو لغيرها تقاليد تخالف ما درج عليه في البلاد الأولى. (1/225)
صفحة 226
ونعرف أيضًا أنَّ أصحاب المذاهب المختلفة في البيئة الواحدة يختلفون في المذهب ويتفقون في أسلوب الحياة ومظاهرها من لباس وعادات وتقاليد. ولباس الإبَاضِي الذي يعيش في الجزائر غير لباس الإبَاضِي الذي يعيش في تونس أو في ليبيا فإذا كان للطوارق عادات خاصة في أنواع اللباس أو السلاح فإنَّ من يعتنق المذهب الإبَاضِي منهم يكون على لباسهم وقيافتهم ولذلك فلو وقفت بين الطوارق أو في أي مكان لما أمكنك أن تميز بين المذاهب بمظهر اللباس ولكنَّك تستطيع بسهولة أن تميز بينهم من حيث اللباس فتعرف أنَّ هذا طارقي وهذا جزائري وهذا ليبي الخ.
إنَّ هذه النقطة أخذت ما أكثر مِمَّا تستحقّ وهي دليل واضح على أنَّ المستشرقين يعمرون إلى توافه الأمور فيوجهون إليها عنايتهم ويولونها جانبا من الاهتمام يشغل ذهن القارئ العادي ويصرفه عمَّا هو أجدى له وأحق بمعرفته.
الصورة الثالثة:
يقول جوتييه ــ وهو يرسم هذه الصورة ــ في كتابه ص «وقد تحدَّث ماسكوراي عن الشبه بين الإبَاضِية والوهابية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، في أواسط شبه الجزيرة، وكتب عنها بلغريف كتابا موفقا. ذاك أنَّ الوضع الجغرافي متشابه فهنا وهناك نجد بدوا بعيدين عن البحر يعيشون على قحط الصحراء، فالبدوي الذي لا يسيطر علة مدينة من المدن هو أشد الناس فقرا، وهو ميال للعزلة والتقشف، وشديد الشغف بالفضيلة، ذلك أنَّه يحول بؤسه لتطرف ديني». (1/226)
صفحة 227
هذه صورة حرص المستشرقان ماسكوراي وجوتييه وغيرهما أن تكون صورة للإبَاضِية عندنا يكون الحديث عن حركة للأمة الإسلامية أو فيها بل أن جوتييه يركز على هذا المعنى كثبرا في معالجة لقضايا الحركات الإسلامية سواء ما كان من الإسلام عامة، وما كان منها من مذهب خاص، فهو يريد أن يصور المسلمين في جميع الأحوال وعلى كلّ الأوضاع بأنَّ طبيعة البداوة متأصلة فيهم، وعندما يتحركون فهم إنما يتحركون بدافع الفقر والحاجة للحصول على ما يخففون به شظف العيش المؤلم والحياة القاسية التي يعانونها فإذا لم يتمطنوا من ذلك حولوا مظهر الحرمان الذي يحيون فيه إلى شغف بالفضيلة، أو إلى تطرف ديني يندفعون باسمه للغزو والاحتلال.
وتتخلص الصور الثلاثة السابقة من المقارنات فيما يلي:
افتراض وجود شبه يدل على انحدار الطوارق من الإبَاضِية استنادًا على القيافة الموجودة الآن عند الطوارق مع افتراض وجودها عند الإبَاضِية في قرون سابقة.
دعوى وجود ثقافة وعلم عند المرأة الطارقيَّة تتفوق بها على المرأة في المغرب ودعوى وجود ثقافة عند المرأة الإبَاضِية مِمَّا يقرب الشبه بين الطوارق والإبَاضِية.
3 - التشابه بين الإبَاضِية والوهَّابيَّة لأنَّ كلاًّ منهما يعيش في منطقة صحراويَّة يسو فيها القحط ويغلب عليها الفقر مِمَّا يحمل أهلها على التقشف الإيجابي أو الرغبة في الغزو باسم التقوى.
وأحسب أنَّ هذه الفروض وهذه المقارنات من أسوإ ما كتبه جوتييه في كتابه هذا، وإن كان في الكتاب كثير جدًّا ممَّا أملاه التحامل وأوحت به الروح الاستعماريَّة المترفعة. لكن هذه الفقرات تدل ــ فوق كلّ ذلك ــ على السطحيَّة والغباء.
مع كرلو ألفونسو نلينو
كتب المستشرق كرلو الفونسو نلينو بحوثًا عن المعتزلة ناقش فيها:
1 - أصل تسميتهم معتزلة.
2 - اسم القدريَّة.
3 - الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإبَاضِية المقيمين في أفرقيا الشمالية. (1/227)
صفحة 228
4 - حول فكرة غريبة منسوبة إلى المحافظ عن القرآن.
وقد ترجم الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه البحوث ونشرها ضمن بحوث أخرى للمستشرقين في كتاب سماه (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) طبعة دار النهضة العربيَّة، الطبعة الثالثة. من هذا الفصل أحب أن أقف مع القارئ الكريم قليلاً عند الفقرة الثالثة، في هذه البحوث (الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإبَاضِية في إفريقيا الشمالية) لمناقشة بعض آراء المستشرق الكبير في هذا الموضوع، يقول نلينو في هذا الكتاب ص204 ما يلي:
«لاحظ جولد تسيهر في الموضوع المذكور آنفا (مجلة تاريخ الأديان) المجلد رقم 52 سنة 1905 ص 232 إنَّ رسالة (العقيدة الإبَاضِية) لعمرو بن جميع التي نشرها موتيلنسكي تضعنا أمام أقوال ذات طابع معتزلى واضح ويورد شاهدا على ذلك، المسائل الآتية:
1 - القرآن مخلوق.
2 - ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
3 - تأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازيًا (الميزان والصراط).
4 - ــ كلّ تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش ــ يجب تأويله تأويلاً مجازيًّا.
ولكنَّ الاتفاق بين مذهب المعتزلة ومذهب الإبَاضِية في شمال إفريقيا يذهب إلى حدٍّ أبعد مِمَّا ذهب إليه جولد تسيهر ــ فكلا المذهبين على اتِّفاق فيما بينهما وبين بعض، وعلى خلاف مع أهل السنة في المسائل الآتية كذلك.
5 - الله لا يغفر الكبائر لمرتكبيها إِلاَّ ّذا تابوا قبل الموت.
6 - عذاب النار أبدي حتَّى لمرتكب الذنب من المسلمين، وهو إذامات دون أن يتوب لا تنفع له شفاعة الملائكة أو الرسل أو الأولياء».
وبعد أن يورد أقوال بعض علماء الإبَاضِية في الموضوع يقول:
7 - صفاة الله ليست زائدة على ذات الله». وبعد أن يذكر شرح الإبَاضِية لهذا الأصل من أصول عقيدتهم يقول:
« (1/228)
صفحة 229
وخليق بنا أن نلاحظ أيضًا أنَّ كتاب الشيخ عامر المذكور، والذي يقصد به مؤلفه أن يتكلَّم عن الأصول التسعة التي كان عليها الخلاف بين المسلمين يستعرض هذه الأصول على النحو التالي: (1) التوحيد، (2) العدل، (3) القدر، إلخ...
ويقول في ص205 ما يلي:
«ففي كتاب (أصول الديانات) للشيخ عامر بن علي الشماخي (1) وهو عمدة كتب الإبَاضِية في جبل نفوسة».
وبعد مناقشة ليست طويلة ولا عميقة يخلص إلى قوله:
فكان الجزء الأكبر من مذهب الإبَاضِية في شمال إفريقيا إذا معتزلي فهل هم أخذوه، وهم في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب، أم هم تقبلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة من الشيعة، وبمعتزلة إقليم طنجة القديم، مدفوعين بعاطفة رد فعل ضدَّ أهل السنَّة، أم أنَّ إبَاضِية المغرب أضافوا بعد في إفريقيا عناصر معتزلية جديدة إلى ماكان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية الشرق، وإنَّ مذهب الإبَاضِية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي؟»
__________
(1) - جاء في هامش البحث تعليقًا على العبارة السابقة ما يلي: كنيته أبو ساكن عاش في القرن الثامن الهجري، راجع (السير) للشماخي ص559-5561 فإنَّه يقول عنه: «وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا خصوصًا نفوسة» قلت قد أخطأ المؤلف والمعلق فإنَّ هذه العبارة قيلت عن كتاب الإيضاح لا عن كتاب الديانات. (1/229)
صفحة 230
مِمَّا يدعو إلى التأمل أنَّ أغلب المستشرقين يتخذون أسلوبا متقاربا في مناقشة ما يعرض من المواضيع الإسلامية فيفترضون فروضا أو دعاوي يعتبرونها في مرتبة الحقائق المسلمة التي لا تحتاج إلى الجدل، والأصول الثابتة التي لا يثور حولها خلاف. ثُمَّ يفرعون عن ذلك ما يخطر لههم منن نقاش. وفي هذه القضيَّة افترض المستشرق نلينو فروضا اعتبرها حقائق غير خاضعة للنزاع ثُمَّ ذهب يرتب عليها أحكامًا ويبني عليها صروحًا. فهو قد افترض أنَّ المسلمين ينقسمون إلى معسكرين كبيرين متقاتلين على الدوام هي السنة والمعتزلة وأنَّ جميع المذاهب الأخرى تعود في أصولها إلى أحد هذين القسمين، وهو قد افترض أن كلا من هذين القسمين قد اتَّخذ له أصولا خاصة به يتميَّز بها فإذا وجدت تلك الأصول عند مذهب آخر فيعني ذلك أنَّه أخذها من المذهب الأصلي، وهو في غمار هذا التأصيل يفترض أنَّ إباضية المغرب أخذوا عقائدهم من المعتزلة، وهو يعتبر هذا الفرض حقيقة مسلمة، ولذلك فقد ذهب يتحسَّس ويلتمس ليعرف كيف كيف حصل إباضية شمال إفريقيا على عقائد المعتزلة. (1/230)
صفحة 231
إنَّ الأساس الذي بنى عليه الأستاذ نلينو بحثه ــ وهو اعتباره أنَّ المسلمين قسممان كبيران هما السنة والمعتزلة وأنَّ كلا من القسمين قد اتَّخذ لنفسه مبادئ معينة محدَّدة يتناولها على أسلوب محدَّد معيَّن وياتزم بها على نفس النمط والأسلوب، وأنَّ المذاهب الأخرى قد انشقَّت عن أحد هذين القسمين الكبيرين وأنَّ في إمكان الباحث أن يعيد أهل كلّ مذهب إلى قسمهم الذي انشقوا عنه أوانفصلوا منه أو أخذوا عنه ــ أساسوهمي قام على فرضية ذهنية لا مكان لها في الواقع ولا حقيقة لها في الأحداث والتاريخ. رغم أنَّ نلينوا بذل مجهودا ملحوظا في إقرار تلك الفرضيات واعتبارها حقائق ثابتة مِمَّا دعاه أن يحاول الجمع بين الشيعة والإبَاضِية وإرجاعهم جميعا إلى المعتزلة أحد القسمين الكبيرين بسبب خصومة الجميع لأهل السنة حسبما يزعم أو حسب فرض من فروضه الوهميَّة. يذكر المستشرق جولد تسيهر وهو يتحدَّث عن كتاب (عقيد الإبَاضِية) أنَّ هذا الكتاب يحمل طابعا معتزليا لأنَّ الكتاب يذكر بعض أصول عقيدة الإبَاضِية وهي مشابهة لأصول عقائد المعتزلة. ويذكر الشواهد على ذلك، غير أنَّ المستشرق نلينو لا يكتفي بهذه العلاقة البسيطة التي لاحظها تسيهر، وإنَّما يكتشف أنَّ الأوجه التي يشابه فيها الإبَاضِية المعتزلة هي أكثر مِمَّا لاحظه تسيهر، وعليه فلابُدَّ أن يكون الإبَاضِية في شمال إفريقيا قد أخذوا أصول مذهبهم عن المعتزلة، إنَّه أسلوب طريف في بحث العقائد، كأنما هذه الأصول حضرت في جدول عمل، وعقد من أجل مناقشتها عدة اجتماعات فاتخذ فيها المعتزلة قرارات تحدد آراءهم، واتخذ أهل السنة كذلك قرارات تحدد أيضًا آراءهم الخاصة. ثُمَّ انفض المؤتمر العام عن ذلك، فمن تكلم بعد ذلك في هذه المواضيع فلابدَّ أن يكون من أحد فرعي المؤتمر أم أن يكون أخذ عنه. وبهذا يسهل على الباحث أن يرجع أي مذهب إسلامي إلى أصله كما أرجع نلينو تلاقى الشيعة والإبَاضِية إلى المعتزلة. (1/231)
صفحة 232
لا شكَّ أنَّ الإشكالات التي تعلَّقت ببعض أصول العقائد والأسئلة التي أثيرت حولها، والمناقشات التي دارت فيها، لك تكن وليدة يوم، أو ناتجة عن جدول أعمال مدروس في اجتماع، أو بحث وضع له مجمع علمي منظم ليصدر فيه قرارات نهائيَّة، إنَّ شيئًا من هذا لم يكن أبدًا، وإنَّما كانت تثور المشكلة في مكان فيتخذ فيها من حضر من العلماء موقفا ــ معتمدا على فهمه لكتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنة رسوله عليه السلام، ومواقف الصحابة رضوان الله عليهم إن كانت لهم فيها مواقف الصحابة رضوان الله عليهم إن كانت لهم فيها مواقف ــ وقد يحدث ألا يخالفه في موقفه ذلك عالم آخر في نفس المكان، وقد يحدث إِلاَّ يخالفه أحد. وتنتقل المشكلة لتثور في موضع آخر قد يكون قريبًا أو بعيدًا فتعرض على عالم آخر يدرسها هو الآخر ويصدر فيها حكمًا، موافقًا أو مخالفًا لأول. وعلى هذا المستوى وهذا الأسلوب تكونت آراء الأمة في مسائل العقائد، بل وحتَّى في مسائل الفروع، مالم تحدِّده النُّصوص. (1/232)
صفحة 233
وأكثر هذه الأصول قد تحتمل وجهين أو أكثر من الآراء، وأي عالم يصدر فيها رأيًا معيَّنا قد يكون رأيه موافقا تمام الموافقة لرأي عالم آخر في جهة أخرى، ولكنه يسمع برأيه ولم يعرفه وإنَّما اعتمدا في أصدار رأيه على نفس المصدر التي استمدّ منها الآخر رأيه، واتحد معه في الفهم والاستنباط، فهل من المحتم أن نقول أنَّ أحد هذين العالمين قد أخذ عن الآخر مادام رأي كلّ منهما موافقا لرأي الآخر وفهمه لفهمه من المسائل التي أثيرت في عهد مبكر جدًّا قضية القدر، وقضيَّة جواز رؤية البارئ جلَّ وعلا، وقضيَّة الكبيرة ومرتكبها، فكان لعلماء الأمة فيها مواقف حسب فهمهم لنصوص الشريعة حين وصول المشكلة إليهم، فكانت المشكلة من هذه تأخذ طورًا في الجدال والنقاش في أماكن مختلفة حتَّى تتبلور إلى آراء محددة يقتنع بها الناس ويلتزمونها. فالمشكلة من هذه تبدأ فرديَّة يتناولها أصحاب الشأن بالبحث والدراسة والاستدلال، وقد تتفق الآراء، وقد تختلف، ويدين بِكُلِّ رأي جماعة من الناس لاقتناعهم بقوة الحجة وسطوع البرهان ووضوح الدليل فيما يعتقدون.
ثُمَّ إنَّ المذهبيَّة أو (الحزبيَّة الدينيَّة) كما يفهمها المستشرقون) لم تكن بهذا التمييز والوضوح الذي تعرفه لها اليوم، لأنَّ المذهبيَّة في ذلك الوقت المبكر لم تتكون بعد، ويبدو لي أنَّك لو جئت في أواخر القرن الأوَّل وأوائل القرن الثاني ووقفت عند باب مسجد نتسأل كلّ خارج بعد الصلاة عن مذهبه لم تجد من يجيبك بقوله إنَّه سني أو شيعي أو معتزلي مثلاً، ولا من يقول لك إنَّه حنفي أو مالكي أو إباضي. لأنَّ هذه المذهبيَّة لم تتكوَّن بعد. ولكنَّك لو سألته ما تقول في القدر أو نفيه. وقد ينظر إليك في اشمئزاز وينصرف، وهو يعتبرك من دعاة الفتنة، وقد يحلق فيك بعينين فاحصتين ثُمَّ يمضي عنك لأَنَّهُ لم يفهم ما تريد. (1/233)
صفحة 234
ومثل هذه الصورة تحدث لك لو أجريت التجربة فيما يتعلَّق بموضوع الرؤية فلو وقفت على باب مسجد تسأل كلّ خارج هل رؤية البارئ جلَّ وعلا ممكنة أو مستحيلة، فإنَّك تجد من يجيبك بأنَّ رؤيته تعالى ممكنة في الدنيا والآخرة، وإنَّ سيدنا محمَّد y رأى ربَّه، ومن يقول لك أنَّها مستحيلة في الدنيا جائزة في الآخرة، ومن يقول لك إنَّها مستحيلة في الدنيا والآخرة، وتجد فيهم من يعرض عنك لأَنَّهُ يعتبرك صاحب فتنة، أو لأَنَّهُ لا يفهم ما تريد، وقل مثل ذلك في مسائل العقائد التي أثيرت حينئذٍ، ولو أردت أن ينتسب لك كلّ واحد مِمَّن سألتهم لم يمكنه ذلك لأنَّ هذه التسميات المذهبية جاءت متأخرة حدثت بعد ذلك ولكنك لو سألت أي واحد عن رأيه في الموضوع أو عمن أخذه لأجابك بأحد الجوابين: إذا كامن من أهل العلم يذكر لك النصوص التي أسندت عليها في فهمه وحكمه، وإذا لم يكن في هذا المستوى ذكر لك عالمن علماء المسلمين المنتشرين في كلّ البلاد الإسلامية في ذلك الحين. أو أجابك بأنَّه لا يفهم هذا.
إنَّ الأصول التي يرجع إليها علماء المسلمين في جميع ما يعرض لهم من مشاكل بمختلف مذاهبهم متاحة لجميعهم بدرجة واحدة، وليس فيها ما يمنع أحدهم من دراستها والرجوع إليها، فهي بقدر ما كانت متاحة للحسن البصري، كانت متاحة لواصل بن كانت متاحة لواصل بن عطاء، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، وعندما تججد فيهم أحد هؤلاء لنص من النصوص موافقا لهم الآخر فليس من الضروري أن يكون أحدهما أخذه من الثاني، لأنَّ الأقرب إلى العقل والمنطق والواقع أن يكون أخذه من نفس النص. واتفاقهما في الفهم والاستنباط لا يعني اعتماد أحدهما على الآخر أ, الأخذ عنه. كما أنَّه لا يوجد ما يمنع من أن يأخذ أحدهما فهم الثاني أو رأيه إذا لم يكوّن هو لنفسه رأيا أو فهما مخالفا.
أحسب أنَّ هذا واضح لا يحتاج إلى تدليل أوبرهنة، ولا يتطرَّق إليه احتمال النقاش. (1/234)
صفحة 235
ومما ااستند إليه نلينو ــ في حكمه بأن الإبَاضِية في المغرب أخذوا قواعدهم من المعتزلة ــ تشابه العرض لتلك القضايا، واتحاد الأدلَّة.
وفي هذا المنطق ــ كما أرى ــ شيء من الغرابة وذلك أنَّ عرض طريقة المشكلة ــ أيَّة مشكلة ــ ليست طابعا مذهبيًّا مميَّزًا للا ينبغي للمذهب أن يتخلَّى عنه، ولا يحق لغيره أن يتَّخذه، وإذا فرض أنَّ عالما من مذهب معيَّن وفق على عرض مشكلة أو مشاكل بتنسيق أجود فليس مِمَّا يجعل الآخرين أتباعا لهذا العالم إذا هم سلكوا نفس الأسلوبفي العرض، ولا يلزم أن يكونوا أخذوا منه رأيهم في المشكلة إذا اتحدوا معه في منهج العرض أو منهج الاستدلال واستفادتهم. ومن الجائز أنَّ آراءهم في الموضوع قد سبقته بعشرات السنين وأنهم عرضوها إمَّا بهذه الطريقة ولكنها لم تشتهر عنهم أو عرضوها بطريقة تختلف وأنهم استفادوا من غيرهم في العرض أو الاستدلال واستفادتهم من جهد غيرهم في التنسيق دليل على التفتح وعدم التعصب، لأنَّ الاستفادة من جهود الآخرين وتجاربهم هي مزية البحث العلمي في كلّ ميدان. ومما استند إليه نلينو أنَّهم احتجوا بنفس الحجج التي احتج بها المعتزلة، ويستنتج نلينو حكمه هذا
مِمَّا لاحظه في شرح الثلاثي عن كتاب الديانات لعامر الشماخي. والشماخي من علماء القرن الثامن الهجري، أمَّا الثلاثي فمن علماء القرن العاشر.
أود أن أناقش هذه النقطة بشيء من الإسهاب حتَّى يعرف القارئ الكريم مدى سلامة حكم نلينو في هذه الملاحظة. (1/235)
صفحة 236
إنَّ أي عالم من علماء المسلمين حين تثار أمامه أو تعرض مشكلة يتجه قبل أي شيء وقبل أي رأي إلى القرآن الكريم والسنة النبويَّة المطهرة، وعلى ما يتضح له من ذلك يقرر رأيه، ويعلن عقيدته، محتجًّا ومستشهدًا بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة في الموضوع. والآيات والأحاديث الواردة في أي موضوع هو واحدة والاحتجاج بها من أطراف متعددة ليس متشابها وإنَّما هو متحد ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
فهل من الضروري أن يكون المعتزلة هم أوَّل من تنبه إلى قوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارَ} فقالوا باستحالة الرؤية، وأن كلّ من قال باستحالتها إنما أخذ عنهم هذا الاستدلال؟ وهل من الضروري أن يكون المعتزلة هم أوَّل من تنبه إلى الآيات التي وصفت القرآن الكريم بأنَّه محدث ومنزل ومجعول وما إلى ذلك حتَّى يقال أن كلّ من قال بخلق القرآن إنما أخذ ذلك عن المعتزلة والدليل على أخذه عنهم هو تشابه الأدلَّة وما دام المعتزلة قد احتجوا بآية أو حديث فإنَّ كلّ من احتجَّ بذلك يكون أخذ عن المعتزلة.
لاشكَّ أنَّ في هذا من الشطط والغلو والتحكم ما فيه، من تضييق الواسع، وتحجير العلم ما لا يتفق مع طبيعة علماء الإسلام في عصوره الأولى المتفتحة المشرقة المتحررة. (1/236)
صفحة 237
لقد أثيرت مشاكل أصول العقائد في أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة كما قلت سابقًا، ولم تكن حينئذ الكتل المذهبيَّة قد تكونت بعد وتميزت، وإنَّما كان أفراد العلماء يصدرون آراءهم، كلّ حسب فهمه واجتهاده، ومضت فترة من الزمنتبلورت فيها تلك الآراء واتخذت لها أشكالا مختلفة، واتضح منها أنَّ عددًا من العلماء تلتقي آراؤهم في أصل واحد أو أصول معينة، ثُمَّ نشت بعد ذلك البقات التعلمة المتعصبة فكونت المذاهب ونسبتها إلى أفراد من المجتهدين مِمَّن اشتهر فيما بعد. ثُمَّ عمل هؤلاء على جمع الأدلة والبراهين لتأييد المذاهب التي يعتنقونها فأصبحت الأدلَّة ولا سيما الأدلَّة النظريَّة حقًّا مشاعًا للجميع يجمع منها كلّ مذهبي مايراه مؤيدًا لمذهبه، وهذه الصورة تتضح عند المؤلفين المتأخرين من القرن الثالث فيما بعد، ولا يستطيع الباحث أن يقول هذا برهان معتزلي أو إباضي أو أشعري أو ماتريدي.
ولو رجع نلينو في قضايا أصول علم الكلام لوجد التقارب بين الماتريديَّة والمعتزلة أكثر من التقارب بين المعتزلة والإبَاضِية أكثر من التقارب بين الأشاعرة والماتريديَّة رغم أنَّ كتاب المقالات وأكثر المؤرخين يحشرون الماتريديَّة في طابور أهل السنة ويحشرون الإبَاضِية في طابور الخوارج وها هو المستشرق نلينو يحاول أن يحشر الإبَاضِية والشيعة في طابور فرعي ينفصل عن طابور المعتزلة، ولو تأمل الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها كلّ من هؤلاء لوجدها تتفق وتتشابه في الأصل الذي يتفقون عليه وربما كان أسلوب الماتريديَّة والمعتزلة في الاستدلال والمناظرة يجري على منهج واحد في أكثر القضايا الكلاميَّة. (1/237)
صفحة 238
فدعوى الأستاذ نلينو أنَّ إبَاضِية شمال إفريقيا أخذوا أصول عقيدتهم من المعتزلة دعوى لا تستند إلى أساس سليم. لا لأنَّ الفرق الإسلامية لم يتأثر بعضها ببعض، أو أنَّ الإبَاضِية لم يتأثروا بغيرهم من المذاهب الإسلامية أو يتأثر بهم غيرهم. فهذا زعم لا يخطر علىالبال، وإنَّما الذي أريد أن أنفيه في هذا الفصل هو زعم نلينو أنَّ الإبَاضِية أخذوا أصولا معينة من المعتزلة مع العلم أنَّ هذه الأصول كانت مطروحة للنقاش ــ إنْ صحّ هذا التعبير ــ قبل أن تكون المذهبيَّة الملتزمة وقد كان علماء الإبَاضِية يناقشونها بنفس المستوى الذي يناقشها به علماء المذاهب الأخرى حين أثيرت.
وحتى لو تحددت الأسبقية في قول من الأقوال ونسبت إلى عالم معيَّن من مذهب معيَّن، فلا يعني ذلك أنَّ المذاهب التي جاءت من بعد واتخذت لها نفس الآراء، أنَّها بالضرورة أخذت عنه لأنَّها في الغالب تكون أخذت من نفس المصدر الذي أخذ هو منه ــ الكتاب والسنة ــ ونحن لا نزعم أنَّ المعتزلة أخذوا من الإبَاضِية لأنَّ ــ واصلاً بن عطاء ــ إمام المعتزلة كان تلميذًا في مجلس الحسن البصري حين كان إمام الإبَاضِية جابر بن زيد زميل الحسن وصديقه قد استقرَّ على عقائد محدَّدة في المشاكل التي أثيرت في تلك الفترة واتخذ فيها موقفًا نقله عنه طلابه فلا شكَّ أنَّ جابرًا سبق واصلاً ولكننا مع ذلك لا ندَّعي أنَّه أخذ عنه. ولعل من الأمثلة التي توضح هذه النقطة هو موقف الإبَاضِية والمعتزلة من مشكلة الرؤية مثلاً. (1/238)
صفحة 239
إنَّ عقيدة الإبَاضِية بأنَّ إمكان رؤية البارئ جلَّ وعلا مستحيل في الدنيا والآخرة كان واضحًا شديد الوضوح في النصف الثاني من القرن الأوَّل وقد ناقشه بعض أئمة الإبَاضِية وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس فهل يحق للباحث أن يزعم أنّ المعتزلة أخذوا رأميهم في موضوع الرؤية من الإبَاضِية لأنَّ هؤلاء سبقوهم إلى ذلك القول ولأنَّ المعتزلة يحتجُّون بنفس الأدلَّة التي يحتجُّ بها الإبَاضِية.
لا شكَّ أنَّ الباحث المنصف لا يستطيع أن يزعم هذا الزعم لأنَّ المصادر التي كانت موضوعيَّة بين يدي جابر بن زيد، والحجج العقلية التي استنبطها وهو يدرس هذه المشكلة كانت مطروحة بين يدي غيره من علماء الأمة. فإذا انتهى هو إلى رأي معيَّن، فليس من اللازم أن يكون كلّ من انتهى إلى ذلك الرأي آخذ عنه.
بعد هذا انتقل إلى مناقشة نقطة أخرى عرض لها الأستاذ نلينو ولم يكن ــ حسب نظري ــ موقفا فيها. (1/239)
صفحة 240
يصل نلينو بسرعة غير متوقعة إلى الحكم على أنَّ الجانب الأكبر من المذهب الإبَاضِي معتزلي، وهو لكي يصدر هذا الحكم دون أن يتعرَّض لنقد لا يعرف مصدره، يفصل إبَاضِية شمال إفريقيا عن أباضية الشرق بدعوى أنَّه لا يملك مصادر عن إباضية الشرق تتيح له الحكم عليهم بحق. وتبدو هذه الدعوى غريبة، فإنَّ المستشرق الكبير لم يذكر من مصادر الإبَاضِية المغاربة إِلاَّ كتاب عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع وكتاب الديانات لعامر الشماخي بشرح الثللاثي وكل من الكتابن مختصر صغير وضع للاستذكار في صفحات قليلة لا تبلغ جميعها عشرًا. ثُمَّ إنَّ كلا الكتابين ــ إن صحَّ أن نسميها كتابين ــ من المؤلفات في العصور المتأخرة أعني بعد القرن السابع. وهذا يعني أنَّها ألفت بعد التميز المذهبي وعندما أصبحت حجج العقائد الدينية لمختلف المذاهب والعلماء معروفة ومدروسة ومنقولة ويستعين بها من توافقه للاحتجاج بها ويذكرها من تخالفه للنقضها والرد عليها. (1/240)
صفحة 241
وإذا كانت هذه كلّه مصادرهه فإنَّه نلا يملك مصادر عن إبَاضِية شمال إفريقيا أيضًا اللهمَّ إِلاَّ ما قاله عنه غيرهم وهذا متوفر حتَّى بالنسبة لإبَاضِية الشرق، لأنَّ المصدرين للذين اعتمد عليهما مختصران لا يطيعان صورة حقيقيَّة للموضوع، وعلى كلّ فلا داعي أبدًا للفصل بين إباضية المشرق وإباضية المغرب ومع ذلك فقد وقع نلينو في خطأ له قيمته في هذا البحث فقد كتب أبوالعباس أحمد الشماخي ترجمة للشيخ عامر الشماخي وتحدث عن كتابه الايضاح ــ الذي يقع في أربعة أجزاء ضخمة ــ ووصفه وقال عنه إنَّه ــ أي الايضاح ــ هو اعتماد إبَاضِية المغرب وهذا صحيح وكتاب الايضاح كتاب فقه خالص يبدأ بالطهارات ولا يتعرَّض لمسائل علم الكلام ولكن نلينو ــ فيما يبدو ــ ظنَّ أنَّ المقصود بهذه العبارة هو ذلك المختصر الذي يسمّى بالديانات فجعله معتمد إباضية المغرب لاسيما نفوسة. وهذا الوهم يعطي كتاب الديانات حقيقة أأضخم مِمَّا هو عليه وقد سبق الشيخ عامر في موضوع العقائد وعلم الكلام عدد من أئمة العلماء كانت كتبهم مراجع له يستمد منها ويستند عليها وذلك مثل عبد الخالق الفزاني وعمروس النفوسي وتبغورين الملشوطي وأبي عمار عبد الكافي والمارغني وغيرهم. وقد استفاد الشماخي ولا ريب منهم جميعًا ولخَّص عنهم مختصرة (الديانات)«» ثُمَّ إنَّ المستشرق نلينو بعد أن عمل عمليَّة الفصل بين إباضية المشرق والمغرب وزعم أنَّه لا يعرف عن أولئك ما يعتمده للحكم عليهم، وأنَّه يملك ما يعتمده للحكم على تأثر هؤلاء بالمعتزلة، وقد أثار مجموعة من الأسئلة تحتوي على عدد من الفروض.
1 - هل هم أخذوه في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب؟
2 - أم هم تقبَّلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتِّصالهم بالأدارسة من الشِّيعة؟
3 - أم أنَّ مذهب الإبَاضِية المغرب أضافوا من بعد في إفريقيا عناصر معتزلية جديدة إلى ما كان في الأصل مشتركا بين المعتزلة وإباضية الشَّرق؟ (1/241)
صفحة 242
4 - أو أنَّ مذهب الإبَاضِية في المشرق سار ومذهب إبَاضِية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي.
إنَّ موقف نلينو في هذه القضيَّة غريب حقًّا فهو يفترض أنَّ الإبَاضِية تأثروا بالمعتزلة وأخذوا عنهم ويجعل هذه الفرضيَّة حقيقة ثابتة مهما كان موقف الإبَاضِية وهولا يعرف كيف يبرهن أنَّ الإبَاضِية أخذوا من المعتزلة ولكنَّه رغم ذلك يصرُّ على هذه الفرضيَّة ويعطي لها عددا من الاحتمالات: أخذوها من الشرق ونزحوا بها... تقبَّلوها في شمال إفريقيا عن طريق الأدارسة... أضافوا إليها في المغرب عناصر المعتزليَّة... سار الإبَاضِية في المشرق والمغرب بخطى واحدة تحت تأثير معتزلي؟.
ومع هذا الإصرار على هذه الفرضيَّة يعترف أنَّه لايعرف شيئًا عن مسلك الإبَاضِية عموما في تقرير عقائدهم في تلك العصور الأولى التي كان يثور عليها الجدل وتتقرَّر في قلوب الناس فهو يذكر أنَّه لايعرف شيئًا عن مصادر إبَاضِية المغرب فلم تقع يداه إِلاَّ على ملخَّصات مختصرة ألفت في القرن السابع فما بعد.
كنت أحسب أنَّ من يتعرض لموضوع شائك مثل هذا يريد أن يثبت أنَّ إحدى الطائفتين كانت عالة على الأخرى ينبغي له أن يدرس دراسة عميقة كلّ ما عند الطائفتين وأن يقارن المشاكل العقائدية بينهما مشكلة مشكلة ويتتبَّع تطوُّرها في البيئتين حتَّى يعرف أنَّها وليدة بيئة معتزليَّة وانتقلت منها إلى الإبَاضِية أو هيَّ وليدة بيئة إبَاضِية وانتقلت منها إلى المعتزلة أو أنَّها وليدة في كلتا البيئتين، نمت فيهما حتَّى استقرَّت على وضعها الأخير عن كليهما. ولكن نيلنو لم يفعل شيئًا من هذا لأَنَّهُ لايعرف عن عقائد الإبَاضِية شيئًا في خمسة قرون سابقة حتَّى عثر على ملخَّص العقيدة وملخَّص الديانات. (1/242)
صفحة 243
إنَّ السؤال الأوَّل من تلك الأسئلة يكاد يكون صورة هزلية مضحكة فهو يصور الإبَاضِية مجموعة من الناس ــ كمجموعات القبائل البدوية ــ قوضوا خيامهم وحزموا حقائبهم، وركبوا جمالهم وخيولهم ثُمَّ ارتحلوا من المشرق إلى المغرب ولكن نيلنو لم يتأكد حين ارتحلوا هل كانت معهم بعض هذه الخصائص الموجودة عندهم اليوم أم أنَّهم ارتحلوا متجرِّدين ثُمَّ كوَّنوا لأنفسهم هذه الخصائص الموجودة معهم فيما بعد. أعد قراءة الفقرة وتأمُّلها إنَّ شئت تتضح لك الصورة أكثر.
والسؤال بهذه الصورة وهذه الصيغة تعطينا انطباعًا معيَّنا عن تصورنيلنو.
والسؤال الثاني يفترض أن الإبَاضِية حينما ارتحلوا من الشرق إلى الغرب إنَّما جاءوا بدون أصول وإنَّما اقتبسوا لهم أصولا في المعتزلة عن طريق الأدارسة من الشيعة أو من معتزلة طنجة مباشرة وإنما حملهم على اقتباس الأصول من هؤلاء ودفعهم إلى ذلك رد الفعل ضدَّ أهل السنَّة واشتراكهم مع الشيعة والمعتزلة في مقاومة أهل السنة. الواقع أن هذا الكلام لا ينبغي الوقوف عنده طويلاً لأَنَّهُ ليس فيه ما يستدعي ذلك وهو مبنيٌّ على فروض وتقديرات وهمية ليس لها ما يبرِّرها مطلقا فلا معنى لأن نفترض أن الإبَاضِية عندما ــ نزحوا ــ من الشرق إلى الغرب كمجموعات بشريَّة متنقِّلة ولكن الأصول التي يعتنقونها في العقائد قد انتشرت في المغرب الاسلامي عن طريق الأفراد سواء كانوا علماء جاءوا من الشرق فتلقوا تلك الأصول فيما تلقوه في علوم ثُمَّ عادوا به أو كان ذلك في صورة دعاة يدعون إلى تلك الأصول. (1/243)
صفحة 244
ولأنَّ أصول العقائد ليست أمتعة ثقيلة يتخفَّف منها من يريد أن يرتحل يتَّخذ بدلها عندما يستقرُّ في مكانه الجديد فحتى على فرضيَّة وقوع هذه الصورة التي تخيَّلها نيلنو وهو ارتحال الإبَاضِية من المشرق إلى المغرب لا يمكن انَّ يدخل في التَّصور أنَّهم ارتحلوا بدون عقائد فلمَّا وصلوا إلى المغرب جعلوا يستعيرون أو يقتبسون أو يسترقون. إنَّ العقائد محلها القلوب وهي لا تخرج عنها في حل ولا ترحال.
ولا معنى أن نفترض أن رد االفعل حمل الإبَاضِية على اقتباس أصول المعتزلة من الأدارسة الذين اقتبسوها م الآخرون عن المعتزلة. وهذه السلسلة من الافتراضات في الحقيقة موغلة في الخيال، فإن أدنى من عنده إلمام بتاريخ المغرب الإسلامي يعرف حقيقتين لا تقبلان النقاش. (1/244)
صفحة 245
الحقيقة الأولى أن الإبَاضِية قد انتشروا في المغرب الاسلامي وابتداء من ليبيا إلى الأجزاء الشرقية من المغرب الأقصى قبل الأدارسة بزمن طويل، وقبل أن يصل مؤسِّس دولة الأدارسة إلى المغرب سنة 172هـ، كان الإبَاضِية قد قاموا بأربعة محاولات لإقامة دول كانت ثلاث منها في ليبيا وكانت المحاولة الرابعة هيَّ قيام الدولة الرستميَّة التي انتصبت في تاهرت قبل اثني عشر عامًا من قيام دولة الأدارسة وكانت قد استقرَّت وكمل نظامها واستتبَّ لها الأمن ومعنى هذا أن الإبَاضِية بعقائدهم وفقههم في التشاريع والسياسة قد استقرُّوا وثبتوا عليها وفرغوا من دراستها قبل مجيء الأدارسة من الشيعة إلى المغرب الإسلامي.فكيف يتسنَّى لهم أن يكونوا رابطة لانتقال العقائد بين المعتزلة والإبَاضِية؟ الحقيقة الثانية أنَّ التهجُّم والتباعد الذي كان بين الإبَاضِية والشيعة أقوى وأوضح من التهجم أو التباعد الذي كان بين الإبَاضِية وأهل السنَّة أو المعتزلة. والمؤرِّخون الذين تحدَّثوا عن الدولة الرستميَّة وهي الإبَاضِية ذكروا بإسهاب واختصار كثيرا من المناقشات ومجالس المناظرات التي كانت تقع في تاهرت وهي عاصمة الإبَاضِية في ذلك الحين كانت تجري بين الإبَاضِية وبعض مذاهب أهل السنَّة وبين الإبَاضِية وبعض فرق المعتزلة أو بين مذاهب أهل السنَّة وفرق المعتزلة أو حتَّى بين بعض فرق أهل السنَّة كالأعاشرة والماتريدية. (1/245)
صفحة 246
ولم تذكر مصادر التاريخ التي بين أيدينا أيَّة مناظرة أو نقاش جرى بين الإبَاضِية وأحد من الشيعة وهذا يدل على الانقطاع الكامل بين المذهبين أو الفرقتين. فدعوى أنَّ الإبَاضِية أخذوا من الشيعة أو أنَّ الشيعة أخذوا من الإبَاضِية كلام لا يجد لنفسه أي مستند يقوم عليه، أضف إلى هذا أنَّك لو أخذت أي كتاب من كتب الإبَاضِية المطولة سواء كانت في أصول العقائد أو كانت في الفقه فإنَّك تعثر فيها على كثير من آراء المعتزلة أو أهل السنَّة سواء كان ذلك في معرض الاستدلال وعرض الآراء، أو في معرض النقد والرد. ولكنه يندر أن تجد في كتب الإبَاضِية شيئًا عن لآراء الشيعة. ويبدو من هذا أنَّه لم يكن في المغرب أي احتكاك بين الإبَاضِية والشيعة يسمح باقتباس أحدهما عن الآخر، فضلاً عن أن يكون وسيلة لاقتباس آراء الآخرين. أمَّا الجدل بين الإبَاضِية والمعتزلة فقد كان عنيفًا في الشرق والمغرب، ولعل الجدل قد بدأ بين الإبَاضِية والمعتزلة قبل أن يبدأ بين المعتزلة وأهل السنَّة. وكتب التاريخ والعقائد تذكر طرفًا من تلك المناظرات، حينما تذكر مواضيعها وبعض ما جرى فيها، وأحيانا تشير إليها إشارةًأو تقتصر على ذكر أسماء المتناظرين من المذهبين، وهذا يدلُّ أنَّ المذهب الإبَاضِي قد استقرَّت نظرته على الأصول التي اقتنع بها عند التمييز المذهبي في القرن الثاني الهجري وليس به حاجة إلى التأثر والاقتباس.
أمَّا السؤال الثالث فهو أيضًا يفترض أنَّ تلك المجموعة البشريَّة التي نزحت من يالشرق قد حملت معها بعض معتقداتها ولكنها أيضًا أضافت إليها من عقائد المعتزلة في المغرب، وقد ناقشنا هذه الافتراضات في الصور السابقة فلا داعي لأن نعود إليها.
أمَّا عن السؤال الرابع فهو يفترض أنَّ المذهب الإبَاضِي في الشرق وفي الغرب سار بخطىً متحدة بتأثير معتزلي. (1/246)
صفحة 247
إنَّ نلينو قد حكم أنَّ إبَاضِية المغرب أخذوا أصولهم العقائديَّة عن المعتزلة، وقد استقرَّت في ذهنه هذه الفرضيَّة فهو لا يريد أن يناقشها وكأنما اعتبرها حقيقة ثابتة فذهب يلتمس الطرق التي تسربت معها آراء المعتزلة إلى الإبَاضِية فجعل يتخبط بين مجموعة من الفروض لا تقووم على أي أساس.
ويقول الأستاذ نلينو ص 207 ما يلي:
«إلا أنَّ هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الإبَاضِية في شمال إفريقيا عن مذهب المعتزلة، أولهما بالضرورة هيَّ تلك المتعلقة بالطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر وإلاَّ كان على الإبَاضِية ــ وهم خوارج ــ أن ينكروا أصلهم إنكارًا تامًّا إنَّ شاءوا أن يعتبرا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمنًا كما فعل أهل السنَّة والجماعة أو إنَّ قالوا بالمذهب القائل بأنَّ مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر. بل هو في منزلة بين المنزلتين كما يقول المعتزلة». وبعد أن يورد كلامًا لبعض علماء الإبَاضِية في مناقشة الموضوع يقول:
«والمسألة الثانية التي كانت موضوع الخلاف بينهما هيَّ مسألة القدر وحرية العبد في أفعاله. فالمعتزلة يقطعون بحرية العبد بينما يقول الإبَاضِية في شمال إفريقيا بالحرية المحدودة في صورة الكسب أو الاكتساب عند الأشاعرة». (1/247)
صفحة 248
إنَّ الالتواء في منطق نلينو ــ وهو يعالج هذا الموضوع ــ والضح بيِّن. فهو عندما لم يجد ما (يتحمله) مبررًا للبعد بين آراء الإبَاضِية والمعتزلة في: قضيَّتَيْ مرتكب الكبيرة والقدر، التجأ إلى التحاليل في التبرير، فزعم أنَّ الإبَاضِية إنما خالفوا المعتزلة في موضوع مرتكب الكبيرة حفاظا على أصلهم باعتبارهم (خوارج) ولابدَّ أنَّ نلينو يعرف معرفة تامَّة أنَّ الإبَاضِية يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الخوارج في هذه القضيَّة ــ بل لعلَّها أشدُّ مواضع الخلاف بينهم وأكثرها إثارةً للخصومة والعنف أحيانًا ــ فبينما يحكم الخوارج عن مرتكب الكبيرة بأنَّه مشرك تنطبق عليه أحكام المشركين ــ وينفذون تلك الأحكام عليه ــ لا يرى الإبَاضِية في مرتكب الكبيرة إِلاَّ أنَّه أخ لهم في الإسلام له جميع حقوق المسلمين وتنطبق عليه جميع حقوق المسلمين، إلاَّ أنَّه بارتكابه المعصية يستحق منهم الجفاء والمخاشنة في المعاملة ولا يستحق منهم الاستغفار ــ وما إلى ذلك مِمَّا لا يكون أهلاً له إِلاَّ الموفي بدينه الحريص على إسلامه ــ حتَّى يتوب. (1/248)
صفحة 249
ولكن نلينو يتغاضى عن هذا الفارق الهام ــ في موضوع ارتكاب الكبيرة ــ بين الإبَاضِية والخوارج ويبني حكمه على أنَّ الإبَاضِية خالفوا المعتزلة في هذه المسألة حفاظًا على أصلهم. مع العلم أنَّ هذا الأصل الذي يشير إليه نلينو لا أصل له عند الإبَاضِية، ولم يقوموا به في يوم من الأيَّام، ولا أحسب أحدًا مِمن ينتسب أليهم في القديم أو الحديث ذهب إليه. بل إنَّ كتب التاريخ وكتب العقائد تذكر أنَّ عبد الله بن إباض حكم على نافع وأصحابه بالكفر بعد الإسلام بسبب قول نافع في مرتكب الكبيرة إنَّه مشرك وقد كانت شدة خصومة الإبَاضِية للخوارج في موضوع القدر وخصومتهم للأمويين في خروجهم في أحكامهم عن أحكام الشريعة وإذا كانت قضيَّة مرتكب الكبيرة هيَّ أهمّ ما يميّز الخوارج فإنَّ الإبَاضِية ــ فيها يخالفون كلّ المخالفة ما عند الخوارج وقد أورد نلينو في كتاب الديانات لعامر الشماخي جملة مبتسرة ظهر أنَّها تفي بالغرض وتدل على المقصود ولكن الجملة ناقصة لأَنَّهُ نقل شطرًا منها وترك الشطر الآخر والتعبير السائد في جميع كتب العقائد بما فيها كتاب الديانات: «وندين بالمنزلة بين المنزلتين».
وشرح هذه العبارة باختصار أنَّ الإبَاضِية يدينون بأن هناك منزلة بين الشرك والإيمان هيَّ منزلة النفاق أو كفر النعمة. فقد يكون الرجل ليس مشركًا وليس مؤمنا وإنَّما هو منافق أو كافر كفر نعمة.وهذا الصنف من الناس داخل مع المسلمين في جميع المعاملات والأحكام الدنيويَّة كما كانت سيرة الرسولy مع المنفقين ومع مرتكبي الكبائر (كفار النعمة) وهذا معنى قولهم ندين بالمنزلة بين المنزلتين. (1/249)
صفحة 250
أمَّا العبارة الثانية: أنَّ لا منزلة بين المنزلتين فيقصدون بذلك بأنَّه لا توجد منزلة بين الإيمان وبين النفاق أو كفر النعمة فالرجل الذي يقرّ بكلمة الشهادة إمَّا أن يوفي بها فيكون وَأَمَّا أن يخونها بالعمل أو الاعتقاد فيكون منافقًا (كافرًا كفر نعمة) وليس بينهما مرتبة أو درجة. وملخص هذا عند الإبَاضِية أنَّ الناس قسمان: مسلمون ومشركون. المسلمين هم الذين أقروا بكلمة التوحيد وهم قسمان: قسم وفَّى بما عليه الله قولاً وعملاً واعتقادًا وقسم خان في بعض ذلك فالأولن هم المؤمنون والآخرون هم المنافقون أو كفار النعمة أو الفساق أو العصاة وهؤلاء جميعًا تنطبق عليهم أحكام واحدة في الدنيا ويتساوون في الحقوق والواجبات اللهمَّ إِلاَّ الاستغفارفإنه حق للموفين فقط.
أمَّا المشركون فهم غير المسلمين سواء عبدوا الأصنام أو عبدوا الطبيعة أو لم يعبدوا شيئًا أو كانوا أهل كتاب فتمسكوا بدينهم الباطل ولم يؤمنوا بالإسلام وهؤلاء كلّهم تنطبق عليهم أحكام الشرك اللهمّ إِلاَّ بعض المزايا أو الاستثناءات التي جعلها الله لأهل الكتاب أحسب أنَّ هذا يكفي لإيضاح هذه النقطة وربَّما تناولتها بمزيد من التفصيل في فصل آخرمعتمدا على النقول والنصوص.
أمَّا القضيَّة الثالثة لتي أشار إليها نلينووهي قضيَّة القدر ــ فلم يجد فيما يبدو أي شيء يستند إليه ولذلك فقد عرضها ثُمَّ تركها دون أن يقول شيئًا.
ولا شكَّ سؤالا ليتردّد في ذهن القارئ وهو يقرأ ما عرضه نلينو يقول: مادام الإبَاضِية قد أخذوا جميع أصولهم في التوحيد عن المعتزلة، ولم يخالفوهم إِلاَّ في حكم مرتكب الكبيرة حفاظا على الأصل ــ أو في القدر ــ فلماذا لم يأخذوا عنهم أيضًا رأيهم في القدر. وهو سؤال سيبقى بدون بدون جواب لأنَّ الشخص الوحيد الذي يمكن أن يجد له جوابا هو المستشرق الكبير نلينو ونلينو قد انتقل إلى عالم غير هذ العالم.
ويختم الأستاذ بحثه بما يلي: (1/250)
صفحة 251
ليس للذنيا في المصادر المطبوعة مايسمحلنا بتعيين الزمن الذي اتَّخذ الإبَاضِية المغاربة أقوال المعتزلة المذكورة آنفا وكل ما نعرفه في يقين هو أنَّ القول بأن القرآن مخلوق قول قال به السلطان الرستمي في تاهرت أفلح بن عبد الوهاب الذي الذي كم بين سنة (190-240) كما يستنتج من صفحو 541 تعليق (1) من كتاب موتلينسكي، وإنَّ مذهب الإبَاضِية المغاربة قد تكون نهائيًّا في القرن السادس الهجري والثاني عشر الميلادي.
المستشرق نلينو يعترف أنَّه ليس لديه في المصادر المطبوعة ما يستطيع أن يعين به الزمن الذي التخذ فيه الإبَاضِية المغاربة وأقوال المعتزلة. فما هيَّ المصادر ــ اعتمدا عليها ــ أن يقرر أن الإبَاضِية في المغرب قد أخذوا أصولهم من المعتزلة.
إذا كانت المصادر غير متوفرة لديه فكيف استطاع أن يكون رأيه أن يكون على هذا الوجه، ولم لا تكون الحقيق على الوجه العكسي (2) ؟ أي أنَّ المعتزلة هم الذين أخذوا أصول عقائدهم من الإبَاضِية إذا كان لا بدَّ من افتراض أخد أحدهما عن الثاني؟
__________
(1) - يقول أستاذنا الفاضل الإمام: بيوض ابراهيم بن عمرفي جواب له عن سؤال للسيد منبر عبد القادر طان مايلي:
وبناء على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإبَاضِية أساتذة الفرق الاسلاميَّة في تأصيل قضايا العقيدة.
(2) - القادر طان مايلي:
وبناء على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإبَاضِية أساتذة الفرق الاسلاميَّة في تأصيل قضايا العقيدة. (1/251)
صفحة 252
والحقيقة ــ كما ذكرنا أكثر من مرَّة ــ أنَّ الافتراض بأنَّ أحدًا المذهبين أخذ أصوله من الثاني لا أساس له ولا داعي إليه واعتراف نلينوا بعدم توفر المصادر لديه اعتراف سليم وصحيح. لأنَّ مصادر الإبَاضِية التي ذكرها للا تتيح له أن يحكم حكما سليما في المضوع الهام الذي تحدّث عنه. فهو لم يذكر إِلاَّ عقيدة التوحيد لابن جميع وهي متن وضع للحفظ والاستظهار وما يعالج منها قضايا التوحيد الصرفة لا يعدوا صفحتين أو ثلاثًاوكتاب الديانات لأبي ساكن الشماخي هو الآخر متن وضح للحفظ والاستظهار لا يتجاوز صفحتين أو ثلاثًا وقد وضع عليه الثلاثي شرحًا لغويًّا موجزاً لا يتعرض للقضايا الكلامية إِلاَّ نادرًا.
أمَّا كتاب المصعبي وهو شرح لقصيدة أبي نصر الملوشائي ــ والقصيدة أيضًا متن وضع للحفظ والاستظهار فقد عنى العناية الكاملة بالجوانب اللغويَّة والبلاغيَّة ثُمَّ يذكر مجمل المعنى بإيجاز وهكذا في أغلب الأحوال فإذا ناقش بعض المواضيع لم يتعرَّض لتاريخها ولا لحركة النقد والرد والخذ والعطاء التي رافقت تلك المواضيع عند تكوينها. وجميع هذه المؤلفات كانت بعد القرن السابع الهجري وبعد التمييز المذهبي والاستقرار العقيدي لجميع الفرق الاسلاميَّة. فهي لا تعنى غالبًا بعرض الأدلَّة المتداولة التي تؤيد وجهة نظر معينة. ولا شكَّ أنَّ تلك الكتب لا يهمها أن تعرف أوَّل من احتجَّ بدليل ما لأنَّ جميع الأدلَّة والبراهين في ذلك الحين أصبحت حقًّا مشاعًا بين علماء كلّ الفرق. وهذا الموقف ــ بطبيعة الحال ــ لا يساعد على معرفة تكون الآراء والعقائد متى حدث؟ ولا على الأصول التي انبَنَت عليها. ولا من سبق إليها ومن اقتبس منه.
///ص276/// (1/252)
صفحة 253
بقيت نقطة أخيرة ينبغي أن نمرّ بها قبل أن نختم هذا الفصل هذه النقطة هيَّ دعوى نلينو أن المذهب الإبَاضِي تكون نهائيًّا في القرن السادس الهجري فماذا يعني بالتكوين النهائي، وما هيَّ المصادر التي استند إليها في هذا الحكم، إذا كان يعني بالتكوين النهائي ــ الانتشار العددي، فإنَّ الإبَاضِية قبل هذا التاريخ بقرن أو قرنين كانوا أكثر انتشارًا في المغرب الإسلامي وتوزعًا فيه. وأنهم في هذا العصر ــ القرن السادس ــ قد تقلصوا إلى التجمع في بعض الواحات فقط. وإن يكن القصد هو التكون العلمي في مسائل الفروع والاجتهاد فإنَّ هذا التكون لم يتم حتَّى الآن، ولن يتم أبدًا لأي مذهب من مذاهب الإسلام لأَنَّهُ يسير مع الحياة ويتجدَّد مع الأحداث التي تتطلَّب من أولي الاجتهاد إعطاءها أحكامها الشرعيَّة، حتَّى تنتهي حياة الانسان أمَّا إذا كان يقصد بذلك تكون أصول العقائد وهو المتبادر إلى الذهن فالمستشرق نلينو ليس لديه المصادر الكافية ــ كما يقول ــ يمكن أن ينبني عليها حكمه، فكيف يحدد هذا بالقرن السادس. وهو لا يعرف متى اتَّخذ الإبَاضِية هذه الأصول عقائد لهم، سواء استنبطوها من المصادر الإسلاميَّة الأصيلةأو اقتبسوها من غيرهم ــ المعتزلة أو الشيعة ــ والحقيقة أنَّ نلينو لو جدَّ في البحث لوجد أأنَّ كثيرًا من كتب علم الكلام قد ألفت قبل هذا العهد بأزمنة طويلة قد تتجاوز القرنين منها المختصر ومنها المطول، كما أنَّ حلقات المناظرة والنقاش كانت لا تنفك تجري بين الإبَاضِية والمعتزلة قبل هذا الأوان بمدَّة وأنها بلغت من العنف في عهد الدولة الرستميَّة ما جعلها تستقدم علماء للجدل والمناظرة من ليبيا إلى الجزائر. (1/253)
صفحة 254
ثُمَّ إنَّ الإمام عبد الرحمن بن رستم أحد حملة العلم إلى المغرب كان من طلبة أبي عبيدة في البصرة ولا شكَّ أنَّه حضر كثيرًا من مجالس الجدل والخصومة بين الإبَاضِية والمعتزلة وبين الإبَاضِية والخوارج أمَّا الأشاعرة فلم بعد في ذلك الحين بل إنَّ أبا عبيدة هو الذي طرد من مجلسه من يقول بالقدر وهكذا يتضح أنَّ أصول عقائد الإبَاضِية في المشرق والمغرب قد تمَّ تأصيلها والاستدلال عليها في عهد الأمة ــ جابر وزملائه وعنهم نقلها طلاب العلم إلى المشرق والمغرب ربَّما أن يتمَّ تأصيلها عند المعتزلة وبالتأكيد قبل الأشعريَّة ولا شكَّ أيضًا أن من جاء بعد الأئمة الأولين قد استفاد من بقيَّة علماء الأمَّة وفرقها، وربَّما اقتبس منهم حجَّة أو دليلاً أو أسلوبًا فأضافه إلى ما عنده من حجج وأدلَّة.
ولعلَّ مِمَّا يفيد القارئ أو يهمه أن ننقل فقرات من رسالة أستاذنا الفاضل االإمام بيوض ابراهيم بن عمر ــ مدَّ الله في حياته ــ التي أجاب بها عن أسئلة الأستاذ منير عبد القادر سلطان، فإلى القارئ الكريم منها مايلي:
«وتعلمون أنَّ مسألة عقائديَّة افترق بسببها المسلمون (بعد الخلاف الذي حدث في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان) هيَّ مسألة القدر التي عبَّرتهم عنها في كتابكم (الإدارة الإنسانية والعدل الإلهي) التي تولَّى كبرها واصل بن عطاء الغزالي إمام الواصليَّة أو المعتزلة، ثُمَّ مسألة تحديد معنى الكفر »والإيمان والمنزلة بين المنزلتين والذي تولَّى كبرها هم الخوارج المستحلون لأموال البغاة من المسلمين وسبي ذراريهم تبعًا لدمائهم إذا حلت بالبغي. ثُمَّ مسألة خلق القرآن أو قدمه، التي أثارها أبو شاكر الديصاني الفارسي الذي تظاهر بالإسلام ليفتن المسلمين ويفرق كلمتهم، فاغتر بها المغفلون من الدهماء وأثاروها فتنة شعواء. (1/254)
صفحة 255
فَأَمَّا واصل ابن عطاء فقد قال عنه الشهرستاني صاحب الملل والنحل: الواصليَّة أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزالي كان تلميذ الحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار وكان في أيَّام عبد الملك وهاشم بن عبد الملك. اه. وولاية عبد الملك ــ كما يذكر المؤرخون كانت سنة خمس وستين، ووفاته سنة ست وثمانين وولاية هشام من 105هـ إلى 125 هـ فيكون اتصاله بالحسن البصري في النصف الأخير من عمره. ويروى ــ كما ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه (الدليل والبرهان) ــ إنَّ واصل بن عطاء لزم مجلس الحسن البصري عشرين سنة قبل أن يعتزله. ولا نعلم على وجه التحديد السنَّة التي اعتزل فيها واصل مجلس الحسن ويستفاد من مجموع الروايات والتواريخ إنَّ ذلك كان في أواخر أيَّام الحسن وفي أواخر القرن الأولى لهجرة وعلى ذلك يكون إمام الإبَاضِية متقدما (1)
__________
(1) - ولد جابر بن زيد سنة 18هـ وتوفي سنة 93هـ على ما رجَّحه الإمام بيوض ولا أعرف متى ولد الحسن البصري ولكنه توفي عام 110هـ وولد بن عطاء سنة 80هـ وتوفي سنة 131هـ.
وبهذا تعلَّم أنَّه عندما توفي إمام الإبَاضِية جابر بن زيد كان واصل بن عطاء مراهقًا دون البلوغ. وأنَّه لا يزال في الخطوات الأولى من الدراسة وإذا صحَّ أنَّه لازم الحسن البصري مدَّة عشرين سنة فإنَّه يكون قد التحق بمدرسه وعمره أقلّ من عشر سنوات ضرورة أنَّه انفصل عنه قبل وفاته ومهما يكن فإنَّ جابرًا كان قد بلغ إلى حد الاستقرار في تلك المشاكل وإنَّ واصلاً لم يبدأ التفكير فيها بعد. أمَّا ماذكره الشهرستاني عن وجود واصل أيَّام عبد الملك فغير واضح لأنَّ عبد الملك توفي سنة 86هـ وعمر واصل حينئذٍ يكون ست سنوات. وغير معقول أن يكون واصل في تلك السن المبكرة قد اشتهر وعرف في المجالات العلميَّة. (1/255)
صفحة 256
كثيرًا على إمام الواصليَّة المعتزلة. وتكون فلسفة الإبَاضِية في الإدارة الإنسانيَّة والعدل الإلهي (القدر) قد تبلورت قبل أن يظهر واصل بن عطاء بمذهبه».
وبعد أن شرح فلسفة الإبَاضِية في القدر يقول:
«وعن هذه الفلسفة كان الإبَاضِية ينافحون ويكافحون، ضدَّ الفرقتين الضالتين اللَّتين أحدثتا بدعة الجبر، وبدعة خلق الأفعال».
فأنت ترى أنَّ المذهبين حادثان وأنَّ فلسفة الإبَاضِية أقدم منها، وهي متمسكة بالأصل الذي سبق الإجماع عليه.
وَأَمَّا بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصي العلمية كلّها شركا يحل بها الدم والمال وسبي الذريَّة فإنها محدثة كذلك. وكان جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة من أكبر تلامذته وعبد الله بن غباض وغيرهم من أتباع جابر يناظرون الخوارج.
وقد نقلنا فيما نقلناه لك قبل قول صاحب السير في عبد الله بن إباض: «وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم اهـ. وفي السير أيضًا ص76 قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرَّم الله دماء المسلمين بديانته ... إلخ اهـ. فأنت ترى أنَّ جابرًا أسبق هذه الفرق وكان يناظرها، وسلك تلامذته طريقته هذه في المناظرة في حياته وبعد وفاته»«» ثُمَّ عرض لموضوع خلق القرآن: فشرح رأي الإبَاضِية في الموضوع بإيجاز ووضوح ثُمَّ قال: «وبناء على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإبَاضِية أساتذة الفرق الإسلاميَّة في تأصيل قضايا العقائد» انتهى المقصود منه.
ويسرني في ختام هذا الفصل أن أذكر بالثناء الجم هذا المجهود االقيم الذي بذله المستشرق الكبير نلينو في هذا البحث الذي كان يهدف منه ــ فيما يبدو ــ إلى كشف علمي محض ولا يضيع هذا المجهود القيم أننا نختلف معه في بعض الكليات أو الجزئيات، أو وجهات النظر، وأنَّ ما كان هو مقتنعًا به ويراه حجة، لم نقتنع نحن به، ونراه شبهة تتضاءل عند المناقشة والبحث، فإنَّ الإخلاص العلمي في البحث والتجرُّد له، كفيل بأن يبعث على الشكر والتقدير. (1/256)
صفحة 257
وهذا ما بدا لنا أسلوب نلينو وهو يعالج هذه القضيَّة فنجن نشكره على المجهود القيم، ونختلف معه في افتراضات ونتائجه.
اللقاء بين الإبَاضِية وأهل السنَّة (1)
إنَّ المسائل التي لخَّصها المستشرق نلينو في سبع نقاط ثُمَّ ذكرها كنماذج للخلاف والتباعد بين الإبَاضِية وأهل السنَّة وزعم أنَّ الإبَاضِية فيها قد تأثروا بالمعتزلة أو استمدوها منهم، هيَّ في الواقع مسائل أخذت كثيرًا من الجهد والوقت بين علماء المسلمين كافة بمذاهبهم المختلفة وقد جرى فيها النقاش الدقيق بين علماء المذاهب الواحد كما جرى بين المذاهب المختلفة، ومحاولة تصوير المذاهب الإسلاميَّة كمعسكرات متناحرة يسرُّ لها المستشرقون كثيرا ويعملون على تركيزها وقد ساعدهم على ذلك بعض السطحيين من علماء المسلمين في القديم والحديث، وبمثل هذا صارت تلك المسائل بمثابة الشعارات التي يرفعها أصحاب المذاهب، وكان المتعلمون في المراخحل الأولى من الطلب وأشباه العلماء من محبي الظهور يجدون فيها وسائل طيبة ومساعدة على الجدل والشغب والشهرة وحب الظهور تمامًا كما يجد العوام وأشباه العوام في بعض الخلافات الفقهيَّة العلميَّة ــ كرفع الأيدي عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهُّد، وقراءة البسملة في أوَّل الفاتحة ــ وسيلة لإظهار المعرفة وبيان شدَّة التمسك بالدين والمحافظة على السنَّة.
__________
(1) - قال الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه إسلام بلا مذاهب طبعة النهضة العربيَّة ص 349 مايلي:
«على أنَّ الشيء الجدير بالمعرفة والاعتبار أنَّ هؤلاء الأئمَّة مِمَّن ذكرنا لم يعرفوا في زمانهم أو بعده بعدَّة قرون باسم أئمة أهل السنَّة، وإنَّما كانوا أئمة لعامة المسلمين إِلاَّ من رأى غير رأيهم ذلك. ذلك أنَّ تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنَّة، تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري أي بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون». (1/257)
صفحة 258
فإذا ارتفعنا عن هذه المستويات قليلاًغلى مستوى أهل العلم وأصحاب التحقيق وجدنا هذه المسائل تدور فيما بينهم على طرفين متطرفين ووسط معتدل يلتقي عليه المذهبان، ولعل أولئك العلماء الذين يتكون منهم الطرف المعتدل هم المحققون حقيقة وأنَّ الطرفين المتطرفين قد أثرت عليهما مؤثرات ذهبت بهما إلى حيث انفتحت بسببهما بين صفوف الأمة ثغرة وجد فيها أصحاب المصالح الخاصة من المسلمين وغيرهم مدخلا لشق العصا وتفريق الكلمة. وبقطع النظر عمَّا إذا كان الإبَاضِية تأثروا في النقاط السابقة بالمعتزلة أو لم يتأثروا بهم وهل هم يتفقون فيها معهم كلّ الاتفاق أو يختلفون اختللافًا جزئيًّا أو كليا فإنِّي أحب أعرض في هذا الفصل على القارئ الكريم وجوه اللقاء بين الإبَاضِية وأهل السنَّة في هذه المسائل نفسها. وسوف نعرضها في إيجاز شديد نقطة نقطة كما ذكرها نلينو فيما يلي:
1 - القرآن مخلوق أو قديم: (1/258)
صفحة 259
بدأ الشعب حول هذه الكلمة حين أثارها أبو شاكر الديصاني حسب ما يقول بعض أصحاب المقالات فقال بعض الناس عنه إنَّه مخلوق وقال آخرون غير مخلوق أو قديم واشتدَّ الجدل بين الطرفين، فتطرَّف جانب حتَّى زعم أنَّ المصاحف والحروف قديمة وتطرَّف الجانب الآخر حتَّى نفى صفة الكلام عن الله تبارك وتعالى وكان بين مجموعة الآراء آراء تقترب من هنا أو من هناك. وقد انتهى المحققون من الإبَاضِية وأهل السنَّة إلى معرفة ماينبغي أنْ يوصف بالقديم وما ينبغي أن يوصف بالحدوث فأثبتوا الله تبارك وتعالى صفة الكلام وقالوا هيَّ صفة ذات كالسمع والبصر والعلم وعبَّر عنها بعضهم بالكلام النفسي وعما عدا ذلك فهو حادث وظهر لهم أنَّ الخلاف لفظي ــ إذا أهملنا جانبي التطرف ــ وزيادة على هذا اللقاء على مستوى التحقيق فإنَّ من علماء اهل السنَّة من يقول دون تحرج أو احتراز القرآن مخلوق فقد ذكر الخطيب البغدادي من طرق متعددة عن أبي يوسف أنَّ أبا حنيفة كان يقول: «القرآن مخلوق» أمَّا أبو منصور الْمَاترِيديُّ فقد كان يقول إنَّه محدث ولم يحفظ عنه أنَّه قال مخلوق. وقد كان ابن النضر العماني من أئمة الإبَاضِية يقول: «إنَّ القرآن غير مخلوق» وأنكر إنكارًا شديدًا على من يقول بخلق القرآن، وذهب القطب من أئمة الإبَاضِية إلى أنَّ هذه المسألة ليست من الأصول، وقال أبو إسحاق اطفيَّش: إنَّ الخلاف فيها لفظي. وهذا القدر كان للدلالة على اللقاء بين المذهبين في هذه المشكلة التي أخذت جهدًا غير قليل من علماء الأمة واعتبار الخلاف فيها خلافًا لفظيًّا حين تجرَّد من أطراف التطرُّف والعصبيَّة، ويكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع هيَّ أنَّ الله تبارك وتعالى سميع بصير متكلم، وأنَّ القرآن الكريم كلام الله عزَّ وجلَّ أنزله على رسولهy.
2 - هل رؤية البارئ جلَّ وعلا في الآخرة مممكنة؟ (1/259)
صفحة 260
أحسب أنَّ ما وقع في مشكلة الرؤية هو نفسه ما وقع في مشكلة الكلام ــ وإن كانت مشكلة الرؤية قد أثيرت قبل مشكلة الكلام ــ فقد كان فيها أيضًا طرفان متطرفان ووسط معتدل هو مكان اللقاء بين المذهبين وذلك أنَّ طرف الإثبات يبالغ حتَّى يصل به التطرف إلى حدّ التشبيه والتمثيل والتحديد وطرف النفي يبالغ حتَّى يصل به التطرف إلى حدّ نفي حصول كمال العلم. (1/260)
صفحة 261
وبينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاء كاملاً أو لقاء متقاربًا وهذه الصورة تتمثل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنَّة من أنَّ الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى وعبَّر عنها آخرون منهم بأنَّ الرؤية تقع بحاسة سادسة هيَّ كمال العلم واختلفت تعبير الكثير منهم ولكنها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيلها الإنسان لصورة رائي ومرئي وما تستلزمه من حدود وتشبيه وتتفق في النهاية على الابتعاد عمَّا يشعر بأي تشبيه في أي مراتبه وبالمحدوديَّة في كلّ أشكالها ومنهم من التجأ لكي لا يصطدم بنصوص النفي والإثبات إلى أنَّ هذا من أحوال يوم القيامة وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر الذي جاءت به النصوص والمعتدلون من الإبَاضِية لا يمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخيلة عند الناس كانت هنالك حالة لا تدخل تحت هذه القيود ولا تؤدي إلى التحديد أو التشبيه وإنَّما هيَّ شيء يشبه ما يقوله بعضهم من حصول كمال العلم فلا مانع من ذلك يضاف إلى هذا اللقاء العام إنَّ الإمام الغزالي يميل في أغلب كتبه إلى نفي الرؤية مطلقًا ومنطلق الجميع في الواقع هو الفرار من التشبيه ولو بتأويل بعيد فرارًا شديدًا ويكتفي المتطرفون من أهل السنَّة بنفي التشبيه بالنفي القولي وإن دلَّت عليه ألفاظهم وأدَّت إليه تعابيرهم وأحسب أنَّ اعتقاد التنزيه والفرار من التشبيه ثُمَّ التماس الحلول التي تلتقي عليها النظرتان في إيضاح مدلول النصوص المتعارضة في الظاهر هو مقدار كاف للدلالة على أنَّ المذهبين ملتقيان لقاء قريبًا يمكن أن يعتبر به كلاهما نابعًا من نفس الاتجاه الذي نبع من الآخر.
3 - معنى الميزان والصراط: (1/261)
صفحة 262
هذه مسألة من المسائل التي استنفدت جهدًا ووقتًا، ووصل بها التحدي إلى صور تكاد تكون هزليَّة أو بهلوانيَّة، يصر فيها بعض الناس أن يكون الميزان يوم القيامة ذا كفَّتين ولسان ثُمَّ يختار كيف يقع الوزن فيذهب في التصور شوطًا بعيدًا ويصر بعضهم أن يكون الصراط جسرًا فوق جهنَّم وأن يكون أرق من الشعرة وأحد من السيف، يتسابق الناس عليه فمن وقع منهم كان مصيره إلى النار، وهم في سباقهم هذا بحسب أعمالهم. أحسب أنَّ هذا التصور يجب أن يزاح اليوم وإذا كان العلم البشري منذ ذلك العهد إلى هذا العهد قد اكتشف أنواعًا من الموازين والمقاييس لم يبلغ إليها خيال المتخيلين في ذلك العصر، وأنَّه يصور البحث عن مقاييس للذكاء والعقل وما إلى ذلك، فكيف للإنسان اليوم أن يصف موازين الله لأعمال الإنسان يوم القيامة، إنَّ كلا من الإبَاضِية وأهل السنَّة مؤمنون أنَّ الله سبحانه وتعالى يوم الجزاء يفصل بين عباده، وأنَّ قوله تعالى الفصل.، ووزنه الحق، وحكمه العدل. ويكفي هذا لقاء بينهما.
4 - تأويل ما يفهم التشبيه:
هذه النقطة أصبح أغلب أهل السنَّة من الأشعريَّة والماتريديَّة يقولون فيها بما يقول به الإبَاضِية واللقاء بينهما فيها تام، وكلهم يرى أنَّ كلّ كلمة وردت في القرآن الكريم أو في السنَّة النبويَّة المطهَّرة تشعر بالتشبيه يجب أن تؤول بما يؤدي المعنى ولا يدل على التشبيه.
5 - مرتكب الكبائر:
يقول الأستاذ علي مصطفي الغوابي في كتابه تاريخ الفرق ص89 ما يلي:
أ - الخوارج تقول إنَّ مرتكب الكبيرة مع فسقه وفجوره كافر.
ب - المرجئة تقول هو مع فسقه وفجوره مؤمن.
ج - الشيعة تقول هو مع فسقه وفجوره فاسق.
د - الحسن البصري يقول هو مع فسقه وفجوره منافق. (1/262)
صفحة 263
هذا مايقوله الأستاذ الغوابيويبدو لي أنَّه لم يذكر أهل السنَّة لأَنَّهُ يرى أنَّهم يدخلون في قسم المرجئة ولم يذكر الإبَاضِية لأَنَّهُ يرى أنَّهم يدخلون في قسم الخوارج، ولكن الواقع ليس كذلك فأهل السنَّة ليسوا مرجئة والإبَاضِية ليسوا خوارج، لأنَّ أهل السنَّة لا يذهبون إلى ما ذهبت إليه المرجئة من قولهم «لا تضر مع الإيمان معصية» بل إنَّ الماتريديَّة منهم يرون كما يرى الإبَاضِية أنَّ «الوعيد لا يتخلف كما لا يتخلف الوعد» ولأنَّ الإبَاضِية لا يرون رأي الخوارج وإنَّما يرون رأي الحسن البصري فيعتبرون مرتكب الكبيرة منافقًا وليس مشركًا. وهنا يلتقِي الإبَاضِية وأهل السنَّة لقاء كاملاً ــ بقطع النظر عن التسميات ــ فيتفقون جميعًا أنَّ مرتكب الكبيرة إذا لم يتب يدخل النار، أمَّا معاملته في الدنيا فهي لا تختلف عن غيره من المسلمين.
فاللقاء في هذه النقطة بينهما كامل.
6 - عذاب النار أبدي:
هذه قضيَّة متفرعة على القضيَّة السابقة وقد جرى فيها جدل كثير وضح الإمام الغزالي إلى جانب الخلود، وقال قطب الأئمة من الإبَاضِية في رسالته إزالة الإعتراض أن خلود الموحد وعدمه ليس من الأصول التي يكون بها تفسيق معتقد احدهما.
ويكفي هذا لقاء بين المذهبين.
7 - صفات الله ليست زائدة على ذات: (1/263)
صفحة 264
موضوع الصفات من أهم الصفات التي جرى فيها النقاش الكثير والجدل المتواصل فبينما يقول بعض الأشاعرة أنَّ صفات الله تبارك وتعالى غير ذاته يقول الماتريدية من أهل السنَّة أن الصفات ليست شيئًا غير الذات فهي ليست صفات قائمة بذاتها ولا منفكّة عن الذات فليس لها كينونة مستقلة عن الذات. وهذا هو مايقوله الإبَاضِية في الصفات أيضًا ربما يلتقي الإبَاضِية والماتريدية في هذه المسألة حتَّى في التعبير واختيار الكلمة وهناك من الأشاعرة من يقول بقول الإبَاضِية في بعض الصفات كالوجود والبقاء ومنهم من يقول بذلك في جميع الصفات ولعل الإمام الغزالي يميل إلى هذا الجانب، أحسب أنَّ هذا المقدار يكفي في اللقاء بين أهل السنَّة والإبَاضِية في موضوع الصفات.
8 - القدر:
يبدو أنَّه لا خلاف بين الإبَاضِية وأهل السنَّة في موضوع القدر وأنَّ المستشرق نلينو مقتنع بذلك.
بعد هذا العرض الموجز أريد أن أقول إنَّ المنتسبين إلى أهل السنَّة عدد كبير من الفرق الإسلامية وهي تختلف اختلافًا بيّنًا في جميع هذه المشاكل وفيها متطرفون إلى كلا الجانبين فمنهم من يتطرَّف إلى التشبيه أو قريب منه ومنهم من يتطرف إلى الجانب الثاني حتَّى يكاد يكون صدى للمعتزلة ولعل الظاهرية وبعض المتشددين من الحنابلة والقيمين يمثلون الجانب الأول، الجانب المحافظ أو الجاحد إنَّ أبحنا لأنفسنا أن نستعمل هذا التعبير ولعل الماتريدية والإمام الغزالي يمثلون الجانب المتحرر.
والإبَاضِية في جميع المسائل السابقة يلتقون مع بعضالأئمة أو الفرق من هؤلاء. فلو أردنا التفصيل لقلنا إنهم يلتقون مع الأغلبية المطلَّقة في تأويل المتشابه والقدر.
ويلتقون مع الكثير في الصفات ومرتكب الكبائر:
ويلتقون مع بعض الأئمة في صفة الكلام (القرآن مخلوق أو غير مخلوق) والرؤية والخلود. (1/264)
صفحة 265
وأعني باللقاء أنَّ أحد الفرقتين تقول بنفس ما تقول به الأخرى أحيانًا وتختلف عنها أحيانًا في الإجمال وتلقي في التفصيل، وتختلف عنها أحيانا في المشهور ويوجد في إحدى الطائفتين علماء يميلون إلى ما تقول به الطائفة الأخرى في كثير من الأوقات ولن تجد عند التحقيق انقطاعاً كاملاً بينها أبدًا في جميع المسائل اللهمَّ إِلاَّ إذا سلكت مسلك المتطرفين من أحد الفرقتين ولا شكَّ أنَّ هذه المقارنة يمكن أن تجري أيضًا مع أهل السنَّة والمعتزلة أو مع الإبَاضِية. والمعتزلة وربما يكون فيها اللقاء مثل هذا أو قريبًا من هذا. فإنَّ جميع هذه الفرق إنما تصدر عن منبع واحد هو كتاب الله وسنة رسوله رغم ما يقوله القائلون في الخلاف ورغم ما أدَّى إليه الاجتهاد بسبب اختلاف الفهم والاقتناع بمنطقيَّة الدليل.
الباب الرابع أراء للإبَاضِية
? فرق للإبَاضِية
? النفاثية
? الخلفية
? الحسينية
? السكاكين
? الفرثية
? آراء الإبَاضِية في الصحابة
? الحكم في نظر الإبَاضِية
? حكم الدار
? التعامل بين المتخالفين
? المنزلة بين المنزلتين
? مسائل فقهيَّة اجتهاديَّة خلاصة آراء الإبَاضِية
القسم الرابع
آراء للإبَاضِية
عندما كنا نستعرض ما ينسبه كتاب غالمقالات إلى الإبَاضِية في الفصول السابقة كانت تمر أسماء فرق تنسب إلى الإبَاضِية وهي ليست منهم وكانت تمر بنا أقوال لا يقول بها مسلم، وكانت تمر بنا أقوال لا يقول بها مسلم، وكانت تمر بنا أقوال يقول بها بعض المسلمين ولكنها ليست من أقوال الإبَاضِية، وكانت تمر بنا مقالات مِمَّا يقول به الإبَاضِية ويعتقدونه في الأصول والفروع.
وقد ناقشنا بعض تلك الفصول، وأوضحنا هناك الفرق التي ليست من الإبَاضِية ولا تربط بها علاقة كما أوضحنا هناك ما يتفق مع عقائد الإبَاضِية وآرائهم وما لايتفق. (1/265)
صفحة 266
وقد رأيت في هذا القسم من الكتاب أن أذكر الفرق الحقيقيَّة التي انفصلت عن الإبَاضِية والمقالات التي خالفت فيها وأسماء أئمتها أو زعمائها كما رأيت أنَّ من المسائل التي عرض لها الكتاب مسائل تحتاج إلى شيء من الاسهاب في الشرح، فرأيت أن أعقد لها فصولاً خاصة بها، وفي هذا القسم سوف تجد تلك الفصول كما يلي:
1 - فرق الإبَاضِية.
2 - آراء الإبَاضِية في الحكم.
3 - آراء الإبَاضِية في الدار.
5 - معاملة المخالفين في المذهب.
6 - المنزلة بين المنزلتين، وأنَّ لا منزلة بين المنزلتين.
7 - مسائل فقهيَّة اجتهاديَّة.
8 - خلاصة آراء الإبَاضِية.
فرق الإبَاضِية
وقد كتبت هذا العنوان وأنا متردد، لأَنَّهُ لا يؤدي المعنى الذي أقصده منه أداء كاملاً، ذلك أنَّ الخلاف بين الناس في أمور الدين وفي أمور الدنيا شيء طبيعي، مادامت الأفهام والمدارك والعقول تختلف من شخص إلى شخص، ولكن من الطبيعي أيضًا أنَّه ليس كلّ خلاف شقاقًا وأنَّه ليس كلّ مجموعة خالفت في شيء تعتبر منشقة ثمَّ أنَّ من خالفت حتَّى انشقَّت واتخذت لنفسها خصائص ومميِّزات، صارت فرقة مستقلَّة يجب أن تحمل اسمها الخاص بها.
وإذا كان علماء الأمَّة الإسلامية - في عمومها - قد اختلفوا اختلافات كثيرة، نشأت عن بعضها المذاهب والفرق، فمن الطبيعي أيضًا أن يختلف علماء الفرقة الواحدة، وأن يتعدَّد هذا الخلاف. ولستُ أذكر مذهباً واحداً قد اتَّفق علماؤه وأئمته اتفاقا كاملا في جميع المشاكل والقضايا، بل إنَّ الذي أذكره أنَّه كانت تمرُّ بي أثناء مطالعاتي المختلفة خلافات حادَّة بين عدد من العلماء قي المذهب الواحد يصل فيها النقاش إلى درجة العنف والقسوة، ولكن أحدهما لا يجسر أن يقول إنَّ الثاني خرج عن المذهب. وإنَّه كوَّن فرقة، أو أنَّه رئبيس أو إمام لفرقة. (1/266)
صفحة 267
والمذهب الإباضي ليس بدعا من المذاهب الإسلامية، فقد كان الخلاف يقع بين العلماء فيتناقشون فيه، ويستطيع بعضهم أن يقنع بعضاً، وقد يصرُّ كلُّ واحد منهم على رأيه، وقد يخالف أحد العلماء مِمَّن سبقه في فتوى، فينتج عن كلِّ ذلك تعدُّد الأقوال في المسألة الواحدة.
ومن العسير أن يحدّد الباحث الخلاف الأوَّل عند الإباضية، أو المسألة الأولى التي اختلفوا فيها، ولكنه يستطيع أن يجزم أنَّ الخلاف داخل المذهب قد كان يقع منذ تكوينه، فقد خولف جابر بن زيد في مسائل جرى العمل فيها بغير فتواه، كما خولف الإمام مالك في مسائل يجري العمل فيها بغير فتواه، ويستنتج من كتب الإباضية أنَّ أوَّل خلاف جدِّيٍّ وقع بين الإباضية كان في عهد الإمام أبي عبيدة.
كانت مسألة القدر في ذلك الحين هيَ مشغلة العقول والأفهام عند العلماء والمتكلِّمين، وكان الإبَاضِية يقفون منها موقفا مناهضا للمعتزلة، وكان من زملاء أبي عبيدة: حمزة الكوفي، وعطية، وغيلان، فقالوا بالقدر، وحاول أبو عبيدة وأصحابه إقناعهم بأنَّهم أخطأوا، وعليهم أن يتوبوا، فلم يقتنعوا، واستمسكوا بعقيدتهم، فلمَّا يئس منهم الإمام أبو عبيدة تبرَّأ منهم، وأمر أصحابه أن يتبرَّأوا منهم، وأن يبعدوهم عن مجالسهم خوفا منهم أن يؤثِّروا على العوام، وانقطعت الصلة بينهم وبين الإباضية منذ ذلك الحين، ولعلَّهم انضمُّوا إلى بعض فرق المعتزلة، ولم يعد يتحدَّث عنهم أحد من الإباضية - كأفراد من الإباضية - ولم يعتبروهم أئمة لفرقة مستقلَّة أو داخلة تحت فرق أكبر. (1/267)
صفحة 268
بعد هذا الخلاف مع الإمام أبي عبيدة خالفه جماعة من طلاَّبه هم: سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن معروف، وعبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرِّج عمرو بن محمَّد السدوسي، فناقشهم في مقالاتهم، واستطاع إقناعهم، ولمَّا توفي الإمام أبو عبيدة خالفوا الربيع بن حبيب - وقد كان زميلهم في الدراسة على أبي عبيدة - وحاول الربيع إقناعهم بأنَّهم أخطأوا فيما ذهبوا إليه، كما أقنعهم أستاذهم أبو عبيدة، فلم يتمكَّن فأعلن الربيع - وهو إمام الإباضية في ذلك الحين ومرجعهم بعد أبي عبيدة - خلافهم للجمهور، فعوملوا بنوع من البرود والهجران.
وقد اختلف موافقهم، فَأَمَّا شعيب فقد انتقل إلى مصر وكون لنفسه هناك شهرة داوية بين الإبَاضِية وسيكون له فيما بعد أدوار سوف نتحدَّث عنها في مكانها. وَأَمَّا سهل بن صالح فقد اختفى في زحمة التاريخ فلم أعرف عنه شيئًا فيما بعد. وَأَمَّا عبد العزيز وأبو المؤرج فقد استطاعا ــ رغم العلاقات التي يشوبها البرود والتوتر بينهما وبين أهل الدعوة ــ أن يحتفظا بمركز علمي مرموق، وأن يحتفظا يثقة الإبَاضِية فيهما رغم خلافهما، ولعلنا نستطيع أن نعطي لهما صورة واضحة ونضعهما في إطارهما الصحيح حين ننقل للقارءئ الكريم االكلمات الآتية التي قيلت منهما في مناسبات متباعدة.
قال الإمام أفلح وقد سئل عن أبي رالمؤرج وابن عبد العزيز: «وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل، وَأَمَّا غيرها مِمَّا في اختلاف من رأي أصحاب النبيءy: «واختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم، وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين» وقال: «وأما البراءة فلم يكن عبد العزيز عند المسلمين محمودًا وهو إلى البراءة أقرب» (1) انتهى جواب الإمام أفلح.
__________
(1) - قال الدكتور الناجي: هذه الكلمة لم يلقها الإمام أفلح في عبد الله بن عبد العزيز هذا وإنَّما قالها في شخص آخر على هذا فيقتصر في رأي أفلح على الفقرة الأولى وي أقرب إلى الرضا. (1/268)
صفحة 269
وقال عنهما أبو العباس الشماخي في السير:
«وينبغي أن نذكر من خالف الربيع في بعض المسائل، وإن كان من خالفه لا يتلف إليه، لأنَّ لهم أقولاً في الفقه وأسانيد يأخذ بها أصحابنا»«» انتهى.
وقال عنهما نور الدين السالمي في الجزء الأوَّل من شرح المسند ما يلي:
«وخالف الربيع في زمانه في بعض المسائل: سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن معروف، وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفي وعطية وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيَّام أبي عبيدة وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضًا لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون إلى المجالس، أظهروا الخلاف في أيَّام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم، وطردوهم من مجالسهم، ولم يخالفوا في العقيدة ولا في الشيء من أمور الدين، وإنَّما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها المسلمين، ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا»«»
وبالتامل فيما نقلته لك تجد أنَّ الأئمة الثلاثة يتكلمون عن عبد الله وأبي المؤرج بكثير من الرفق أو اللين أو إنَّ شئت فقل باحترام، ولم يصرح أحدهم بالبراءة، رغم أنَّ الإمام أفلح ــ وكان شبه معاصر لهم ــ قال عن ابن عبد العزيز: «لم يكن عند المسلمين محمودًا وأنَّه إلى البراءة أقرب». ولكنه لم يصرح بالبراءة منه وقد أجمع أفلح والشماخي والسالمي، أنَّ ابن عبد العزيز وأبا المؤرج (1) ثقتان لم يؤخذ عنهما في غير المسائل التي خالفا فيها.
وقد ذكر أبو العباس الشماخي أنَّهم خالفوا في ثلاث مسائل هي:
1 - قالوا: صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة لا تصح.
2 - قالوا: أهل القبلة المتأولين بما يوهم التشبيه مشركون.
__________
(1) - ذكرهما أبو عمرو عثمان بن خليفة السوقي مع النكار وذكر لهم نحو عشرين مسألة خالفوا فيها ربما كانت هيَّ أجتمع لدى المكار على مدى طويل وأنا لا أحسبهما من النكار ولا أعدهما في الفرق المخالفة. (1/269)
صفحة 270
3 - قالوا: المرأة التي يبعث بها خارج المحلين لا تكون بذلك كافرة.
ولكنني أعتقد أنَّ المسائل التي وقع فيها الخلاف ربما كانت أكثر هذه المسائل الثلاث.
والنتيجة التي أردت أن أنتهي إليها من هذا النقاش أنَّ ذلك الخلاف الذي وقع في عهد أبي عبيدة مسلم، وكذلك الخلاف الذي وقع في عهد الربيع، لم ينبن عليه وتكون فرقة منشقة عن الإبَاضِية تابعة لها في الأصول العامة فيقال فيها (فرقة من الإبَاضِية)ولا فرقة مستقلة داخلة في عموم فرق المسلمين، وإنَّما كلّ ما في الأمر أن بعض أصحالب أبي عبيدة خالفوا في أصل هام من أصول الدين ــ وهو القدر ــ فأصبحوا غير إبَاضِية والتحقوا بالفرق التي تقول بالقدر.
ثُمَّ إنّ عددا آخر من تلاميذ أبي عبيدة خالفوا الجمهور في مسائل فأقصاهم الربيع بن حبيب ــ وهو عمدة الإبَاضِية بعد أبي عبيدة ــ عن مجالس أهل الدعوة وعوملوا بنوع من الجفاء والقسوة ولكنهم لم يخرجوا عن نطاق الإبَاضِية ــ ما عدا شعيبا وسيأتي بيان السبب ــ وحسبت عليهم المسائل التي خالفوا فيها، وأخذ بقولهم وروايتهم في غير ذلك.
وعن عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج روى أبو غانم بشر بن غانم الخرساني كتابه «المدونة» وهي من الاكتب المعتمدة عند الإبَاضِية وأبو غانم في الولاية بالاتفاق. بل أنَّهم من شيوخ الذين روى عنهم المدونة فقد رواها عن عدد كبير، ومن هذا يتضح أن الرجلين عالمان جليلان بلغا درجة الاجتهاد وأنهما من الإبَاضِية لم يخرجا عنها وإن خالفا بعض الأئمة في بعض المسائل فلا تزيد أن تكون أقوالهما أقوالاً للمذهب وإذا شئنا أن نقسوا عليهما نقول إنهما أقوال شاذة أو ميتة أو متروكة أو غير معمول بها، ويوجد من هذا النمط عدد من العلماء ربما أشرنا غبى بعضهم وهم على كلّ حال أفراد داخل المذهب وليسوا أئمة لفرق ولا أتباعًا لفرق. (1/270)
صفحة 271
وقد درج عدد من المؤرخين وكتاب المقالات ــ من غير الإبَاضِية ــ أن ينسبوا إلى الإبَاضِية عددا من الفرق لا علاقة لها بهم، كما اعتادوا كلّهم على اعتبار الإبَاضِية فرقة من الخوارج. وقد أوضحت في الفصول السابقة خطأ كلّ من النسبتين: نسبة الإبَاضِية إلى الخوارج، ونسبة تلك الفرق إلى الإبَاضِية.
أمَّا المؤرخون وكتاب المقالات من الإبَاضِية فقد ذكروا عددا من الفرق ــ هيَّ غير الفرق السابقة ــ اعتبروها منشقة عن الإبَاضِية وتناولوها هيَّ وأئمتها بنوع من النقد العنيف الذي يبلغ في شدَّته حد القسوة، وربما بلغ حد المبالغة أحيانًا.
وبين أيدي الآن مجموعة من كتب الإبَاضِية التي ناقشت موضوع الفرق التي انشقت عن الإبَاضِية وكلها تشير إلى الفرق التي انشقت عن الإبَاضِية ست وهي: النكارية، والنفاثية، والخلفية، والسينية، والسكاكية، والفرثية، وكل هذه الأسماء لم يذكرها كتاب المقالات الأقدمون الذين ناقشناهم فيما سبق كالأشعري ومن أخذ عنه مِمَّا يدل أنَّهم كانوا حقًّا لا يعرفون الإبَاضِية.
ورغم أنَّ مؤرخي الإبَاضِية وكتاب مقالاتهم يذكرون هذه الأسماء كأسماء فرق من الإبَاضِية وينسبون إليهم مقالات خاصة بهم فأنا لا أوافقهم في كلّ ما قالوه وأتردد في قبول بعض ما عرضوه وسوف يتضح ذلك للقارئ أثناء الحديث عن هذه الفرق ولعله قد آن الأوان لأن نستعرضها فرقة فرقة فإلى القارئ الكريم ما يتيسر لنا
النكار: (1/271)
صفحة 272
في سنة 171هـ حدث سياسي هام في المغرب الأسلامي في الدولة الرستميَّة وذلك أنَّ الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما أحسَّ بدنوّ الأجل ترك الأمر شورى بين سبعة من الناس من بينهم أبو قدامة يزيد بن فندين وعبد الوهاب فكان مِمَّن تقدَّم للبيعة أبو قدامة بن فندين وقال حين هم بالبيعة نبايع على ألا يقضي في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس فأجابه عالم جليل من الحاضرين هو مسعود الأندلسي لا نعرف شرطًا للبيعة إِلاَّ العمل بكتاب الله وسيرة السلف الصالحين ولم يثر أي نقاش عن الموضوع وتمت البيعة واستمرة الحياة وكان أو قدامة يعتقد في نفسه الكفاءة والقدرة على تولي الأعمال فانتظر فترة من الزمن لعلَّه يستشار في شيء أو يكلّف بعمل ما، فلم يحصل شيء من ذلك فبدأ الشغب وزعم أنَّ الإمامة باطلة لأَنَّهُ لم ينفذ الشرط الذي شرطه ووقع خلاف بين الناس فاقترح مقترحون أن ترسل رسائل استفتاء في الموضوع إلى الأئمة الإبَاضِية في المشرق وعلى رأسهم الحافظ الربيع بن حبيب. (1/272)
صفحة 273
وكان أبو معروف شعيب بن معروف في مصر كما أشرنا إليه من قبل فمر به حملة الاستفتاء وأخبروه بخلاف ابن فندين وما عليه الوضع هناك فطمع أن تتجه الأنظار إليه ويكون له المركز الأوَّل في تاهرت وسافر على عجل واتصل أوَّل ما اتصل بالإمام كأنَّه يختبر الحال فعلم أنَّه للا مكان له هناك وبعد حيرة وتردد انضمَّ إلى ابن فندين ثُمَّ أقنعه بسرعة التحرك، لأَنَّهُ يعلم أنَّ الرسائل التي ستعود من الشرق سوف تكون مؤيدة للإمام وتسبب في انفصال عدد غير قليل من أتباعهم عنهم. وقال الرجلان بمحاولة عسكرية لقلب نظام الحكم ففشلت المحاولة، وذهب ابن فندين نفسه ضحيَّتها وتفرق أغلب أتباعه. أمَّا أبو المعروف فقد ارتحل إلى ليبيا لعلَّه يستطيع أن يجمع أنصار الآخرين ويكون من هناك حركة مضادَّة. وكان الناس يطلقون على ابن فندين وأتباعه في أيَّام تحركهم الأولى اسم النكار والنكاث والنجوية والشغبية، ومهما يكن من الأمر فإن الحركة قد ضعفت سياسيا وعسكريا لا سيما في الجزائر. أمَّا دينيا فلم يكن لها إِلاَّ مستندان هما:
أولا: لا تصح إمامة المفضول مع وجود الفاضل.
ثانياً: تصح الإمامة بشروط إذا شرطها الناس عند البيعة وتسقط لمخالفة تلك الشروط وعلى هذين المستندين ارتكزوا في دعواهم ببطلان صحة إمامة عبد الوهاب وبعد هذه الحركة توطدت أركان الإمامة واستقرَّ الأمر للإمام عبد الوهاب بعد قليل من المناوشات الانتقامية تتمثل في اغتيالات فردية قام بها النكار. (1/273)
صفحة 274
أمَّا أبو المعروف شعيب الذي استقر في ليبيا فقد رأى أن يخرج بمجموعته من حيز الحركة السياسيَّة المؤقَّتة إلى حركة دينيَّة تعتمد أصولاً في الخلاف على جمهور الإبَاضِية وقد بدأ بناء مذهب النكار على المسائل التي اشترك في الخلاف بها مع ابن عبد العزيز وأبي المؤرج على الربيع بن حبيب وأضاف إليها ملتقطات مِمَّا كان يجري في الجدل بين طوائف المسلمين المختلفة مِمَّا يرفضه الإبَاضِية. وهكذا أصبح النكار فرقة مستقلَّة لها مقالاتها في العقائد والأصول ومع ذلك فقد بقيت تطلق على نفسها اسم «الإباضيَّة» فوقعت مشاكل وشُبه فأضاف الإبَاضِية الأصلاء إلى اسمهم كلمة الوهبيَّة تمييزا لهم عن النكار. وقد استطاع أبو معروف أن ينشر آراء فرقته في بعض أنحاء ليبيا والجنوب التونسي ولكنه لم يستطع أن يتقدَّم به إلى جبل نفوسة. (1/274)
صفحة 275
وبعد أقلّ من قرن رزقت هذه الحركة بدفعتين قويَّتين جدًّا إحداهما مِن الجانب الديني على يد عبد الله (1) بن يزيد الفزاري أمَّا الثانية فكانت على يد ذاك الزعيم الذي لا يعرف المستحيل، ولا يقف عند حدّ وهو أبو يزيد (2) مخلد بن كيداد اليفرني الذي اشتهر بصاحب الحمار والذي قام بحركته السياسية والعسكرية من أواخر القرن الثالث إلى نهاية الثلث الأوَّل من القرن الرابع. وفثي عهده قد تمَّ لهذه الفرقة ما قالت به من مقالات سواء ماستندت إليه من المسائل التي اختلف فيها الربيع وبعض أصحابه أو ما أضافه إليها أبو المعروف شعيب أو جاءهم به عبد الله الفزاري.
__________
(1) - عبد الله بن يزيد الفزَّاري من علماء القرن الثالث الهجري عاش في الكوفة كان خرَّزًا وشريكًا لحكم ابن هاشم وكان يلقي دروسه في محلّه ويعدّمن المتكلمين. وهو الذي أظهر مقالات النكَّار وألّف فيها كتبًا متعدد ذكر الدكتور النامي أنَّه عثر على قطعة مخطوطة لأحدى مؤلفاته تحمل عنوان: «كتاب الردود»
(2) - أبو يزيد مخلّد بن كيداد اليفرني أمه أم ولد واسمها مسيكة وهي سودانية نشأ فقيرًا وعاش على إحسان الناس زمانًا وأظهر التديُّن أوَّلاً ثُمَّ تمذهب بمذهب النكار ثار على محمَّد بن عبد الله المهدي في جهات طرابلس سنة 333هـ وأيده كثير من علماء المالكيَّة في القيروان وحاربوا معه ودعوا إلى مناصرته ثُمَّ تخلّوا عنه وانقلبوا ضدّه وفي ثورته هذه احتل أغلب الجنوب التونسي ومنها قابس والقيروان ثُمَّ حاصر المهدية عاصمة الدولة حينئذ وكاذ يستولي عليها ولكنه انهزم على أسوار المهدية ثُمَّ سلخ جلده وملئ تبنا وعلق حتَّى انخرق وذرته الرياح. (1/275)
صفحة 276
أمَّا أبو يزيد بن كيداد فقد كان يوجه نقده الاذع إلى الدولة العبيديَّة ويدعوا إلى الخروج عنها وقد التفَّ حوله النكار، وخدع به المالكيَّ أيضًا فأيده كبار علمائهم ودعوا الناس إلى مناصرته فقام بمغامراته المعروفة في التاريخ والتي أضاف فيها إلى مقالات النكار النظرية مقالات أخرى سلوكية بعضها يخالف الإبَاضِية فقط وبعضها يخالف الإسلام في أصوله وجوهره. أمَّا الإبَاضِية فقد كانوا يعرفونه منذ كان صغيرًا، فقد برئوا منه وهو لا يزال في حلقات الدروس تلميذًا متعلمًا ولكنه مشاغب مشاكس، ينحوا إلى الخلاف ويرنوا إلى الزعامة والتسلط فلمَّا بدأ القيام بمغامراته لم يغتروا كما اغتر به المالكية فلم ينظموا إليه ولم ينصروه ووقفوا منه من ومن خصومه موقف الحيادي الكامل. ولذلك قال له أحد أتباعه: «لا تظن أنَّ الوهبيَّة خرجوا معك، فإنَّهم في مساجدهم، وإنَّما خرجنا معك نحن، نشاركك في أكل هذه الميتة، فدع عندك ما تحدث به نفسك، وإذا اقتتلنا قتال كلاب الحي» وشرح أبو العباس الدرجيني هذه العبارة بقوله نريد: «يريد بالميتة الأموال التي كانوا ينتهبونها».
ولعل أعظم فترة لازدهار فرقة النكار كانت في هذه الفترة التي انتمى فيها إليهم أبو يزيد بن كيداد. فلمَّا قتل أبو يزيد شرد العبيديون أتباعه في كلّ مكان وانتقم منه المالكية الذين اغتروا بهم وساعدوهم في أوَّل الأمر ثُمَّ ندموا لما عرفوا حقيقة قائدهم، ولم يسمح لهم الإبَاضِية بالحياة في أراضيهم وبلدانهم خوفًا منهم على عقائد أبنائهم وتتبعهم خصومهم من العبيديين والمالكية بالسيف ومن الإبَاضِية بالمحاججة والاقناع وتعاونت هذه الوسائل كلّها عليهم فانتهى أمرهم بعد زمن يسير، ولا يوجد الآن أحد من الناس على مذهبهم فيما أعلم. (1/276)
صفحة 277
وملخَّص ما أريد أن أقوله أنَّ هذه الفرقة التي سميت فرقة النكار وقد كانت تحسب ضمن فرق الإبَاضِية قد أصبح لها من الخصائص والميزات ما يجعلها تعتبر فرقة مستقلة شأنها شأن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى تربطها بالإبَاضِية العلاقة العامة علاقة الإسلام كما تربطها بسائر الفرق والمذاهب ولها عقائدها واجتهاداتها الخاصة.
وقد ذكر لها أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغنينحوا من عشرين مقالة بين أصول وفروع تختلف فيها جميعًا عن الإبَاضِية منها أربع مقالات في مواضيع سياسية نتجت عن حركتهم وتكونها وهي:
1 - الإمامة غير مفترضة.
2 - عطايا الملوك لا يحل أخذها.
4 - لا تجوز ولاية المفضول.
وقد كان أئمة الإبَاضِية جميعا ابتداء من جابر فما بعد يقولون إنَّ الإمامة فرض كفاية على الأمة المسلمة وأنَّ صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها ووجدت شروطها، وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاجوأضرابه. وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج واضرابه. وكانوا يقولون إنَّه يأخذ العطاء من عامل الحجاج، وكانوا يقولون إنَّه تجوز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، إذا وجدت في المفضول مزايا ترجحه ليست للأفضل وكان مع ذلك أهلا لها.
ذكرت هذه النقط من خلافات النكار هنا على حدة ليعرف القارئ الكريم أن أصل خلافهم إنما كان بدوافع سياسية أمَّا جملة أقوالهم التي خالفوا فيها الإبَاضِية ففي الإمكان تلخيصًا ــ حسبما ذكرها أبو عمرو عثمان خليفة المارغني ــ كما يأتي:
1 - ألحدوا في الأسماء.
2 - قالوا إنَّ ولاية الله وعداوته تتقلب بالأحوال.
3 - قالوا إنَّ الإمامة غير مفترضة.
5 - قالوا يجوز الانتقال من الولاية إلى الوقوف.
6 - قالوا حجَّة الله تقوم بالسماع وقد سمع الناس.
7 - قالوا من لم تبلغه دعوة الإسلام ودعي إلى دين سماوي آخر لا يجوز له أن تجيب.
8 - قالوا صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمة الجور.
9 - عطايا الملوك لا يحل أخذها. (1/277)
صفحة 278
10 - قالوا الله لم يأمر بالنوافل.
11 - قالوا يلزمنا العمل بالفرائض ولا يلزمنا العلم بها ولا من معرفتها شيء.
12 - قالوا الحق في قول واحد مع واحد من المختلفين في النوازل التي يسع فيها الخلاف وقد ضاق على الناس خلاف الحق.
13 - قالوا الحرام المجهول حلال.
14 - قالوا يدعى المشرك إلى الجملة، وبراءة أحداث أهل الأهواء من أهل القبلة.
15 - قالوا بالوقوف في الأطفال كلهم.
16 - قالوا يجوز شرب الخمر على التقية.
17 - قالوا لا تجوز إمامة من ولَّى أمر المسلمين أفضل منه.
18 - قالوا لا تقوم الحجة فيما يسع حتَّى يجتمع المسلمون بأسرهم.
19 - قالوا لا كفر إِلاَّ فيما تقطع عليه اليد وهو ربع دينار ومن أخذ دونه ليس عليه شيء.
20 - قالوا اللطمة والنظر بشهوة والقبلة ودخول الحمام بغير إزار صغائر غير كبائر.
النفاثية
يقول المؤرخ إنَّ فرجان نصر النفوسي المعروف بنفاث كان ذا فهم عجيب وذكاء غريب، واطلاع وإدراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها والتقط غرائب الفنون من معدنها مع زميله العلامة سعد بن أبي يونس النفوسي وذلك عن الأئمة بتاهرت (1) .
وكان النفاث هذا من إحدى القرى القريبة من جبل نفوسة ولعلها القرية المعروفة بنفاثة إلى الآن وهي في قمة جبل صعب المراقي في سمت بلدة (تنزغت) من جهة الشرق الشمالي من تلي بلدة (اجريجن) من جهة الشمال وبينها وبين بلدة تمزين مسير خمس ساعات تقريبًا إلى ناحية الغرب. وكان أبو يونس وسيم النفوس والد سعد من تمزين وقد ولاه الإمام عاملاً على قنطرار المعروفة عندنا الآن (بيتجي).
__________
(1) - انظر الأزهار الرياضية 195 فيما بعد (1/278)
صفحة 279
وما جاء في كتب التاريخ كلّها يدل على أنَّ نفاثًا وسعدًا كانا زميلين في الدراسة وأنهما درسا على الأئمة، وأنَّ نفاثًا كان متفوقًا في ذكائه ودراسته وتحصيله وأنَّ سعدًا كان متفوقا في دينه وخلقه واستقامته غير أنَّ ما ورد في رسائل الإمام أفلح يدل انَّ نفاثا يدرس عندهم فقد جاء في رسالته إليه قوله: «إذا لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتَّى يجب لك على أصل ولاية». وجاء في منشوره إلى عماله عن نفاث: «لم يبلغ درجة العلماء فيتبسم منهم، ولم يصحب أهل الورع فتحجزه آثارهم عن الهجوم على ما لا علم له به، ولكنه نشأ وحيدًا وأقام متوحشًا من العلماء فتقلب في جوانحه الشيطان بنفحاته فأورثه الكبر». كان نفاث معتدا بنفمسه قوي الثقة في شخصيته يعتقد أنَّه أهل لأن يتولى منصبا هاما في الدولة، ولعله كان يحلم بالولاية على الجبل أو قنطرار. (1/279)
صفحة 280
وذات يوم بلغ سعدا خبر وفاة والده فأخبر زميله نفاثا بذلك ثُمَّ ذهب إلى الإمام يستأذنه في الرجوع إلى بلده بعد وفاة والده فأذن له الإمام وأظهر نفاثًا أن يعود مع سعد مواساة له ورعاية لحقوق الزمالة والجوار. وكانت نفسه تحدثه بأن أمر الولاية على قنطرار قد قرب بعد وفاة أبي يونس، ولاحظ أنَّ الإمام سلم لسعد رسالة وأنَّ سعدًا لم يقل له عنها شيئًا فتحين غفلة من سعد في الطريق واطلع على ما في الرسالة فوجد فيها أنَّ الإمام قد ولَّى سعدًا على قنطرار مكان أبيه فكانت له صدمة حزت في نفسه ملأت قلبه حقدًا على الإمام وعندما وصلا إلى وطنهما وكانا متجاورين استقبلهما الناس بالترحاب وبدأ سعد في القيام بمهام منصبه أمَّا نفاث فقد جعل يطعن على الإمام أفلح وينتقده في مجالسه الخاصة العامة. وكان سعد لطيفًا معه لم ينس له حقَّ الزمالة فكان يلومه في رفق وينهاه في أدب وكان هو الآخر يعامل سعدًا في كثير من الأدب والاحترام ولكنه كان لا يتوانى عن الطعن في الإمام. وبلغت تلك الطعون والانتقادات إلى الإمام عن غير طريق سعد فبعث الإمام يستقدمه ليناقشه فيما يزعم فإن كان حقًّا فما أحرى الإمام باتباع الحق وإن كان باطلاً فعلى نفاث أن يتوب منه أو تناله العقوبة ولكن نفاثًا خاف فلم يذهب إلى الإمام واستمر في سلوكه وكان يتردد على سعد ويساعده على بعض أعماله الخاصة فكان سعد يلومه على ملإ من الناس قائلاً: متى تترك كفرك وضلالك يانفاث؟ فيجيبه: معاذ الله أن أكفر، أو أضل ياشيخ! أو ليس الشتم بعبادة ياشيخ! وكان سعد يرفق بنفاث من جهة ويحب من جهة أخرى ألا يغتر الناس بقوله ومن جهة ثالثة يريد أن يبلغ إلى الإمام عن غير الطرق الرسميَّة عدم موافقته لنفاث فيما يقوله. (1/280)
صفحة 281
ويبدو أن مطاعن نفاث أخذت تنتشر وتتسع وربما بصورة مبالغ فيها حتَّى اهتم لها الولاة في جهات بعيدة وأرسلوا الإمام يخبرونه بها فبعث الإمام منشورًا عامًّا إلى جميع ولاتهم يحذرونهم فيه من نفث وآرائه ولكن نفاثًا استمرَّ واستمرَّت الأخبار تصل إلى الإمام تباعًا ويبدو أنَّ بعض الولاة من جهات أخرى بعثوا مخبرين يتتبعون حركات وسكنات نفاث يخبرونهم بها أوَّلاً بأول وأنَّ أولئك الولاة طلبوا من الإمام أن يهتم بالموضوع ويجعل له حدًّا فبعث الإمام منشورًا آخر إلى جميع الولاة يأمرهم فيه بالبراءة من نفاث وهجره ومعاملته بالجفاء والعنف ويبدوا أنَّ هذا المنشور أثر تأثيرًا واضحًا على نفاث فأرسل رسالة إلى الإمام يحتج فيها ويبدو أنَّها كانت بلهجة فيها عنف وقوة زادت من غضب الإمام عليه فأجابه برسالة شديد اللهجة قوية الحجة توحي بالتهديد وأحس بشيء من الخطر، فجمع ما لديه من مال ــ وكان غنيًّا ــ ثُمَّ سافر إلى الشرق وقصد بغداد وعاش في بغداد فترة من الزمن اتصل فيها بجميع طبقات المجتمع وراى كلّ الأوساط ولمس ن قرب ما يجري في قصر الخلافة وعرف عن تجربة سلوك أمير المؤمنين والحواشي المتزلفين من أهل السياسة وأهل العلم ولم تعجبه الحياة في بغداد فقرَّر أن يعود إلى موطنه في جبل نفوسة، وعاد بالفعل فوجد الأمور مستقرة هادئة وأفلح متمكنا في الدولة، وسعدًا ناجحًا في إدارة الولاية فاستقرَّ في بلده واختلف أقوال المؤرخين في سلوكه بعد رجوعه فقال بعضهم: إنَّ بقي يحمل نفس الآراء ولكن آثر الصمت لأنَّ السكوت أصلح له ومنهم من قال إنَّه بعد رجوعه تاب ورجع عمَّا خالف فيه وصلح حاله.
أمَّا المسائل التي نسبت إليه فهي كما يأتي:
1 - أنَّ الله هو الدهر فلمَّا سئل عن ذلك قال هكذا وجدته في الدفتر يعني الكتاب المسمى بهذا الاسم.
2 - أنكر الخطبة في الجمعة وقال إنَّها بدعة. (1/281)
صفحة 282
3 - أنكر على الإمام استعمالالعمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعيَّة ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا.
4 - ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب.
5 - إنَّ المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك وعلى من شهد مضرَّته تنجيته.
6 - إنَّ الفقد لا يتحقق إِلاَّ فيمن تجاوز البحر.
7 - إنَّ الإمام إذا لم يمنع رعيته من جور الجورة وظلمهم لا يحل له أن يأخذ الحقوق التي جعل الله عليهم لضعفه عن الدفاع عنهم.
8 - من أعطى لعامل أفلح الزكاة فكمن أعطاه لنوبار ملك السودان.
9 - أفلح غفل واتبع الصيد وضيَّع أمور المسلمين.
10 - أفلح يزيد في خلقته: وجهه ذراع، ولحيته ذراع، وعمامته ذراع.
وعند التأمل في المسائل السابقة يتضع أنَّها على ثلاثة أنواع وسوف نناقش كلّ نوع منها على حدة: (1/282)
صفحة 283
النوع الأوَّل: تتعلَّق بالتوحيد وهي قوله: «أنَّ الله هو الدهر» والواقع أنَّ هذه النقطة يكتنفها الغموض من جميع جوانبها فهي عبارة لا مدلول لها إِلاَّ إذا قصد به المعنى المجازي الذي ورد به الحديث الشريف في قولهy: «لا تسبوا الدهر فإنَّ الدهر هو الله». بمعنى أنَّ ما تنسبونه إلى الدهر من الأحداث التي لا تعجبكم فتسبونه بسببها إنما خلقها الله تبارك وتعالى فأنتم عندما تسبون الدهر كأنما تسبون خالقها وهو الله عزَّ وجل، ولعله روى الإمام المناشير في شأنه ثُمَّ رسائل التهديد ويبدو أنَّه عزم على موقف من مواقف العنف وذلك لأَنَّهُ كان يخشى من حلاكة نفاث حركة تشبه حركة ابن فندين، تقسم الأمة، وتورث الفرقة فأراد أن يجعل لذلك حدًّا بإيقاف نفاث عن الحركة قبل أن يبدأ العمل. وحذر منه العمال والرعية ثُمَّ أرسل إليه تهديدًا يملأ قلبه رعبًا. ويمنعه من الاسترسال، وهناك ملاحظة جانبيَّة أريد أن أشير إليها وذلك أن بقايا النكار لا يزالون موجودين متفرقين لا سيما في الجنوب التونسي في ذلك الحين، وكان يهمهم أن يحدث تصدع بين أئمة الدولة الرستمية وأي جانب آخر، فلمَّا علموا أنَّ نفثًا ناقم عن أفلح سعوا بِكُلِّ جهدهم إلى توسيع شقة الخلاف، وويسعدهم بطبيعة الحال لو أنَّ الخلاف بلغ إلى درجة الانشقاق واستعمال السلاح لعلَّ ذلك يساعد على القضاء على الدولة الرستمية، ويفسر هذا قلق عامل الإمام على نفزاوة يوسف بن ميال ومراسلته للإمام في هذا الشأن واهتمامه بنفاث حتَّى بعث وراءه مخبرا سريا هو: تحية ابن عبدين وبناء على تحريات ابن عبدين هذا كان ابن خيال يرسل أخبار نفاث إلى الإمام. مِمَّا يدل على أنَّ هناك يدا خفية توج الاشاعات وتوسعها وتوصلها وإلاَّ فلماذا يقلق عامل نفزاوة فيهتم للأمر هذا الاهتمام بينما عامل قنطرار الذي يعيش نفاث تحت نظره ورعايته ومسؤوليته مطمئن لا يخاف لا على نفسه ولا على الدولة. (1/283)
صفحة 284
والمخلص من هذه الصورة التي وضعناها لنفاث وللأحداث المتصلة به يتبيَّن أنَّ كتاب المقالات والمؤرخين أيضًا بالغوا حين زعموا أنَّ نفاثًا إمامًا لفرقة وبالغوا أيضًا حين زعموا أنَّ هناك فرقة تسمى النفاثية والواقع أنَّه ليس هناك فرقة لا تحت العنوان العام (الاسلام) ولا تحت العنوان الخاص (الإبَاضِية) بحيث تعتبر كتلة مستقلة بمادئها وشعاراتها وإنَّما كلّ ما في الأمر أن هناك رجلا له موقفان موقف فقهي اجتهد فيه في مشائل خالف فيها الجمهور ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإبَاضِية كثير وفي كلّ مذهب أيضًا كثير، ويستطيع الباحث أن يضع كشوفًا طويلة في كلّ مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل، ولو جرينا على هذا الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد ويستطيع المتنطع الآن أن يسمي الصالحية والطفيشية والحموية والبيوضية وغيرها كثير لأن لكلّ واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين وهذا منطق غير مقبول فهم مجتهدون داخل المذهب اجتهادًا مطلقًا ويكفي هذا وقد يكون الواحد منهم مجتهدًا في المسألة نفسها فقط.
الموقف الثاني موقف سياسي وقد أوضحنا جوانبه وأسبابه ولا شكَّ أنَّ نفاثا جر على نفسه سخط الإبَاضِية بموقفه هذا ففي الوقت الذي يكاد يجمع فيه الناس ــ الإبَاضِية وغير الإبَاضِية ــ على عظمة الإمام أفلح وعلوا كعبه في العلم ــ حتَّى اعتبر من الأئمة ــ واشتهار عدالته ونزاهته يأتي نفاث يصرخ منتقدًا هذا الإمام العظيم وحين لا يسمح له أحد كأنما يصيح في واد يخرج من البلد ثُمَّ يعود إليه وقد اقتنع ــ بما رأى وسمع ــ أنَّه كان على خطأ.
وعلى كلّ حال فهذا الموقف لا يزيد عن كلّ مواقف الساخطين على الأئمة وهم موجودون في كلّ زمان ومكان ولعل مزيته أنَّه لم يبلغ به إلى رفع السلاح.
والخلاصة من هذا البحث كلّه أنَّه ليس هناك فرقة تسمى النفاثية رغم ما ذهب إليه المؤرخون وكتاب المقالات. (1/284)
صفحة 285
ونفاث عالم ذكي واسع الاطلاع حاول أنْ يظهر أوَّلاً بالمقدرة العلميَّة فلم يستطع، ثُمَّ بالسياسية فتحطم.
الخلفية
خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المنعافري، بويع جده عبد الأعلى إمامًا على ليبيا فقام بأعباء الإمامة أحسن قيام حتَّى توفاه الله، وعيّن أبوه السمح واليا على جبل نفوسة للإمام عبد الوهاب، فقام بأعباء الولاية أحسن قيام حتَّى توفاه الله فبادر جماعة من الناس وأسندوا إليه امر الولاية دون انتظار إذن الإمام أو أمره، وقبل هو العمل وبدأ يتصرف تصرف الولاة ــ لما بلغت الأحداث إلى تاهرت وفهم الإمام مجرى الأمور رأى أن لا يقر هذه الخطوة، فبعث برسالة إلى خلف يلومه فيها على تسرعه، ويأمره باعتزال أمور الناس، وولَّى غيره على الجبل.
ذاق خلف حللاوة الأمر والنهي وأبهة السلطة، فلمَّا بلغه أمر الإمام بالاعتزال رفض أن يستجيب له رفض أن يعترف به وأعلن أن الجبل حوزة مستقلة سيكون لها إمام مستقل وأنَّ تاهرت هيَّ الأخرى حوزة مستقلة يكون لها إمامها، وانضم إليه عدد كبير من الناس وأصبحت له جيوش أكبر من جيوش الدولة في هذه الحوزة وكانت بينهم مناوشات لم تلبث أن تحولت إلى معارك ثُمَّ إلى حروب وطالت الحروب في الجبل وكانت كفة خلف في الأوَّل أرجح ثُمَّ صارتا معادلتين ثُمَّ بدأ جانب الدولة يرجح فصارت جيوشها تتقدم خطوة خطوة وتحتل موقعه موقعا بعد موقع حتَّى انتهت المواقع وانتهى خلف أيضًا. (1/285)
صفحة 286
والعجب من المؤرخين وكتاب المقالات أن يتأثروا بالجانب السياسي هذا التأثر الكبير فيعتبروا هؤلاء المقاتلين فرقة ويعتبرون خلفًا إمامًا لفرقة. ولو أنَّ كلّ إنسان على حكم ما فثار عليه وقاد مجموعة من الناس للقتال يعتبر رئيسًا لفرقة وتعتبر مجموعته فرقة لضاقت كتب التاريخ عن تسمية الفرق ولا استطعنا أن نعد مئات الفرق في الدولة الأموية بالاضافة إلى من يسمَّى بالخوارج أو الشيعة فيكون منها الصردية والأشعتية أتباع سليمان بن صرد وعبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعت وأمثالهما.
وملخص ما يقال في هذا البحث أن خلفا رجل ثار على الحكم طمعًا في الحكم كما ثار آلاف الناس من أجل هذا الغرض وليست الخلفية فرقة أصلا فلا هيَّ داخلة تحت العنوان العام، ولا تحت العنوان الخاص ولا لها أي وجود أمَّا خلف فقد يكون زعيمًا سياسيًّا أو ثائرًا أو خارجيًّا أو ما شابه ذلك ولكنه ليس إمامًا أو رئيسًا لفرقة من فرق الإبَاضِية.
الحسنية
أبو زياد أحمد بن الحسين الطرابلسي عاش في القرن الثالث الهجري وألف مجموعة من الكتب حسبما يقول المؤرخون لم أطلع على شيء منها، نظرًا لما يقوله عنه كتاب المقالات من الإبَاضِية فإنَّ فرقته تمتزج مع فرقة أخرى تسمَّى العمدية ويبدو أنَّ أصلهما كان واحدًا ولكن أئمتها اختلفوا فقال بمقالات تقترب من الإبَاضِية وقال آخرون من الإبَاضِية بمقالات تقترب من لمعتزلة ولهم مقالات تبتعد عن جميع الأطراف وقد ذكر لهم أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني عددًا من المقالات يمكن أن نلخصها فيما يلي:
1 - لا شكَّ من أنكر سوى الله.
2 - حكموا المتأولين المخطئين من أفراد الأمة.
3 - الحب والرضا والولاية والعداوة والبغض والسخط أفعال لله وليست بصفات له.
4 - يسع جهل معرفة محمَّد y وليس على الناس إِلاَّ معرفة المعبر عنه. هكذا.
5 - أباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك يتقي بها ويغرم بعد ذلك.
6 - الحرام المجهول معاقب عليه. (1/286)
صفحة 287
7 - فرقوا بين الأسماء والأحكام فسموا اليهود منافقين وسموا المتأولين مشركين وأجازوا السبي منهم منهم وأحلّوا النكاح منهم، وهم عندهم مشركون فيما زعموا.
8 - حجة الله تنال بالفكر في دين الله اضطرارًا.
9 - لا يجوز أن يبعث الله رسولا إِلاَّ بعلامة يعرف بها ويفرز عن غيره ولا يكون حجة إِلاَّ بها.
10 - لم ينه الله المشركين والبالغين عن غير الشرك، ولم يأمرهم بغير التوحيد فإذا وحدوا لزمتهم جميع الفرائض ونهوا عن جميع المعاصي.
11 - العقلاء يتفاضلون في التكليف والاستطاعة لا يتفاضلون في العقل.
12 - خوف الرسل خوف إجلال لا خوف عقاب.
13 - تجوز الولاية والبراءة بشريطة.
14 - أهل الجنَّة يخافون ويرجون، والموتى تأكلهم الأرض إِلاَّ عجب الذنب.
وبالتأمل فيما نسب إليهم من مقالات يتبيَّن أن فيها ما يخرجهم عن الإسلام، ولذلك فلست أدري لمذا يحشرها كتاب المقالات ضمن فرق الإبَاضِية، إنما فيما يبدو لي إذا لم تكن خارجة عن الإسلام وإذا كان ما ينسب إليها صحيحًا فهي فرقة مستقلة داخلة تحت العنوان العام. وقد سبقني الشيخ أبو زكرياء إلى شبيه من هذا القول حيث قال: «أنَّ طائفة تنتحل اسم الإبَاضِية يقال لهم العمدية لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل وهم يزعمون أنَّهم إبَاضِية، يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله وهم أتباع عيسى بن عمير».
فليس كلّ من انتسب إلى الإبَاضِية اعتبر إباضيا وليس كلّ من خالف من الإبَاضِية في مسألة من مسائل الاجتهاد يعتبر خارجا عن الإبَاضِية ورئيس فرقة مستقلة ويكون له عنوان مستقل.
السكاكية (1)
__________
(1) - راجع طبقات الدرجيني تحقيق طلاي ج1، ص118. (1/287)
صفحة 288
عبد الله السكاك اللواتي من سكان قنطرار كان أبوه رجلاً صالحًا فأسلمه إلى المؤدب فقرأ وحفظ القرآن العظيم ثُمَّ أخذ طلب العلم فنال منه دقائق واحترف الصياغة فكان صائغًا ماهرًا ويبدو أنَّه جمع علما ومالاً فأغراه الشيطان وسولت له نفسه أن يعمل للظهور فخالف المسلمين في مقالات قطعوا فيها عذره فحكموا عليه بالشرك، وتساهل بعضهم قليلاً، فحكموا عليه بالنفاق.
وقد كان الإبَاضِية يعاملون جميع الفرق من أهل القبلة معاملة المسلمين ما عدا السكاكية فإذا مات واحد منهم ربطوا في رجله حبلاً وجروه حيث يدفن دون صلاة ولا كفن.
قال أبو يعقوب يوسف بن ثقات: «أدركت جماعة الشيوخ بقسطيلية يصلون على جميع موتى أهل القبلة كلّهم من المخالفين وغيرهم إِلاَّ أصحاب السكاك فإنَّ من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط وجرونه بها إلى موضع يوارونه فيه».
قال أبو العباس الدرجيني: «وكان مشائخ السلف تتقارب أقوالهم في السكاك وأصحابه وتتفاوت، فقائل بشركهم، وقائل بنفاقهم، وهذا المذهب قد فني أصحابه».
والغريب من كتاب المقالات وكتاب التاريخ من الإبَاضِية وغيرهم كيف يحسبون هذه الفرقة من الإبَاضِية وأخف الأحكام عندهم فيهم أنَّهم منافقون والواقع أنَّ إسقاط هذه الفرق من الحساب أولى، أعني من حساب الإبَاضِية وإثبات بعضها في فرق الأمة الإسلامية عامة وعدم اعتبار بعضها فرقا كما سيأتي إنَّ شاء الله.
ومن المسائل التي تنسب لهذه الفرقة ما يأتي:
1 - أنكروا السنَّة والإجماع والقياس (الرأي) وزعموا أنَّ الدين كلّه مستخرج من القرآن.
2 - صلاة الجماعة بدعة.
3 - الآذان بدعة فإذا سمعوه قالوا نهق الحمار.
4 - لا تجوز الصلاة إِلاَّ بما عرف تفسيره من القرآن.
5 - طعام الدرس نجس لما يبول عليه من الدواب حين الدرس والبقول والخضر نجسة إذا وضع في أرضها السماد.
الفرثية (1/288)
صفحة 289
أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح رجل نشأ في بيت علم وتقوى وسيادة فصار عالمًا واسع الاطلاع كثير الدراسة يبدو مِمَّا يقوله عنه أنَّ والده كان يريد أن يقتصر في دراسته على المصادر الأساسية في الشريعة الإسلامية وهي الكتاب والسنة وعلى مؤلفات أهل الدعوة ولا يريد له أن يوسع دراسته في كتب المخالفين للإبَاضِية ولكن أبا سليمان يبدو أنَّه من أولئك الذين يلتهمون الكتب ولا يشبعون ولذلك فقد كان والده غير راض عنه من هذا الجانب لا سيما وأنَّه رأى بين يديه في أحد الأيَّام كتب لحمد بن الحسين ــ وأنت تعلم رأي الإبَاضِية فيه ــ ولذلك فقد كان يحذر منه العلماء خوفًا من أن تختلط عليه أقوال أهل الدعوة بأقوال غيرهم، وبقي أبو سليمان طيلة حياة أبيه ضئيل الشخصيَّة فلمَّا توفي والده رجع الناس إليه واتصل بهم وقد كانت له اجتهادات فرعية خالف فيها جمهور الإبَاضِية فنقموا عليه من أجل ذلك. وكان من أشدهم نقمة له وانتقادًا عله صديق والده أبو صالح جنون بن يمريان، أمَّا المسائل التي نسبت إليه ووقع عليه التشنيع من أجلها فهي كما يقول أبو عمرو عثمان:
1 - نجاسة الفرث وما طبخ فيه من طعام.
2 - تحريم أكل الجنين.
3 - تحريم دم العروق ولو بعد غسل المذبح وكذلك دم الجوف.
4 - نجاسة عَرَق الجنب وعرق الحائض.
5 - لا تعطى الزكاة إِلاَّ للقرابة أي المزكي.
وبالتأميل فيما عرضناه ساىبقًا عن هذه الفرق يتضح ما يأتي:
1 - النكار فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها فهي ليست فرقة من فرق الإبَاضِية أو جزاءًا منها وإنَّما هي فرقة من فرق المسلمين عامة.
2 - الحسينية والسكاكية هما أقرب إلى أن تكونا فرقتيم خارجتين عن الإسلام ولذلك فهما ليستا من الإبَاضِية ولا داخلتين في حسابهم فعلى رأي من اعتبرهما خارجتين عن الإسلام هما ليستا من فرق المسلمين وعلى رأي من حكم عليهما بالنفاق فهما داخلتان تحت العنوان العام (الإسلام) وليس تحت عنوان الإبَاضِية. (1/289)
صفحة 290
3 - الفرثية والنفاثية ليستا فرقتين طلقًا، والعالمان اللذان تنسبان إلى اسمهما هما عالمان من علماء الإبَاضِية لهما آراء في مسائل اجتهادية فرعيَّة مِمَّا يقع في مثله الخلاف كلّ يوم فلا داعي لأن يعتبرا إمامين لفرقتين ولا داعي لأن يعتبر من عمل بفتواهما فرقتين من فرق الإبَاضِية.
4 - الخلفية أتباع زعيم سياسي ثار على الدولة وأتبعه ناس في ثورته مِمَّا يقع مثله في كلّ زمان وكل مكان ولم يتعرض لمسائل الدين ولم تعرف عنه فيه مقالة ما عدا مطالبته باستقلال الناحية التي هو فيها عن تبعية الدولة ولا شكَّ أنَّ اعتبار أتباعه فرقة من الإبَاضِية واعتباره هو إمامًا لفرقة من الإبَاضِية خطأ تاريخي. قد يعتبر هو وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى نظام الدولة أو تقاتل ــ وهذا ما وقع بالفعل حتَّى انتهى أمره ــ أمَّا أن تعتبر فرقة فليس هذا بصحيح وإلاَّ لاعتبر كلّ الثائرين والخارجين عن الدول رؤساء فرق واعتبار أتباعهم فرقا وهذا ما لم يكن ولا يمكن أن يكون.
والخلاصة من هذا كلّه أنَّ النكار فرقة من فرق المسلمين إمامها الحقيقي أبو المعروف شعيب بن المعروف، والحسينية والسكاكية فرقتان خرجتا عن الإسلام بإنكارها للسنة والإجماع، وبإنكارها لوجوب الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنَّة والنار ووجوب معرفة سيدنا محمَّد y.
وأنَّ الخلفية ليست فرقة دينية وإنَّما هيَّ فئة باغية يرأسها زعيم سياسي وليس إمامًا دينيًّا.
أمَّا النفاثية والفرثية فليستا فرقتين دينيتين ولا فئتين باغيتين وإنَّما هما مجموعتان من الناس أخذوا بأقوال لأحد عالمين من علماء الإبَاضِية في مسائل من الفروع الفقهيَّة.
آراء الإبَاضِية في الصحابة. (1/290)
صفحة 291
لا شكَّ أنَّ القارئ العادي الكريم يستغرب هذا العنوان، ولكن الدعاية التي سلطها المغرضون على الإبَاضِية، والإشاعات التي يطلقونها زاعمة أنَّ الإبَاضِية يكرهون الصحابة أو بعض الصحابة، ثُمَّ موقف بعض المتطرفين من الإبَاضِية واستجابتهم للتحدي ورد الفعل ــ في مواقف إحراج ــ مِمَّا يسهل كلمات إنفلات كلمات منهم أحيانًا ... »
كلّ هذا يقتضينا أن نعرض هذا الموضوع على القارئ الكريم لنوضح له رأي الإبَاضِية الحقيقي فيه، بعيدًا عن الإشاعات والتطرف.
جاء في رسالة لأبي المهدي عيسى بن إسماعيل شيخ العزابة في حينه يرد فيها باسم عزابة بني مصعب علي بن أبي الحن البهلولي، ما يلي:
«فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك قولك بلغك عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة، فيا سبحان الله ... كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء عليهم كتابا وسنة، يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والمطهرات والثناء والمحبة، قال الله عزَّ وجلَّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُومِنُونَ اللهَ} (الآية: ) » {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} (الآية: ) {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُومِنِيَنَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ} (الآية: )، إلى غير ذلك من الآيات، وهم بالحالة التي وصفهم رسول اللهy: إذا قال: «إنَّ الله قد اختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم أصهارًا وأختانًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». (1/291)
صفحة 292
وقال أيضًا: «لا تؤذوني في أصحابي فلو انفق أحدكم ملء الارض ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقال أيضًا: «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفا الراشدين من بعدي» وقال أيضًا: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وغير ذلك من المدح والثناء عليهم، اللهمَّ زدنا حبَّهم، واحشرنا في زمرتهم، ياأرحم الراحمين! ... بل لهم السهم الأوفر، وسلكوا الطريق الأقصد، ولزموا السبيل الأرشد، وكلامهم حكمة، وسكوتهم حجَّ، ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ويل للزائغ عن طريقهم الراغب عن سبيلهم».
ويضيف أبو مهدي إلى هذا الكلام ما يلي:
«كان أبي رحمه الله ينهى من ينكر ما جرى بينهم إِلاَّ من يذكر عنهم خيرًا، رضي الله عنه الله عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم»«» انتهى كلام أبي مهدي في موضوع الصحابة.
ويقول أبوالعباس الدرجيني في كتابه الطبقات ما يلي:
«الطبقة الأولى هم أصحاب رسول اللهy، وأفضليتهم أشهر، وأسماؤهم ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنَّهم رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين، ومن آثارهم محفوظًا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف، وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال رسول اللهy: «لا يشقى من رآني» وقولهy: «أفضل أمتي قرني ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم» وأحاديث كثيرة في فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أنَّ من الصحابة من لم يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظَّا من الانصاف عند أهل الخلاف، وهم عندنا في جملة الأكابر والأسلاف».
انتهى المقصود منه. (1/292)
صفحة 293
ويقول أبو الربيع سليمان الحيلاتي: «وأما الانكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا، وهذه كيفيَّة صلاتنا على النبيءy: اللهمَّ صل وسلم على سيدنا ومحمد النبيء الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآل بيته أجمعين، كما صلَّيت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنَّك حميد مجيد، فمن حسنت شيمته، وسلم من داء الحسد والبغض والغيبة، وإذا تأمل هذه العبارة، وفهم معناها، يجدها شاملة لكلّ صاحب وآل وزوجة وذرية قريبة أو بعيدة اتباعاً لقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىا} والمودَّة الصلاة والترحّم، ونحن ــ والحمد لله ــ وفينا بما أمرنا الله به، والجهال المتشدقون عسى الله أنْ يرحمنا ويكفينا شرهم، وشرَّ أنفسنا، وشرّ القوم الظالمين»«»
انتهى المقصود منه.
ونظم أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي قصيدة طويلة نقتطف منها الأبيات الخاصة بالموضوع منها:
سوى أنَّ ما بين الصحابة قد جرى فإن التماس العذر في ذاك أسلم فذس فتن قد حار فيها ذوو النهي وأشكل وجه الحق فيها عليهم لذلك كلّ الناس فيها تورطوا ولا فرقة من ذي الوقعية تسلمُ فكل يرى تصويب رأي جماعة ويقدح في الأخرى عنادًا ويشتمُ تقول في الشيخين بالاِفك عصبة وحيدرة في أناس تكلّموا.
ويمضي في ذكر الأقوال إلى أن يقول:
فإن كنت ذا حزم ... ورمت سلامة ... بيوم به عند المهيمن ... تقدم
فإيَّاك إيَّاك التعصُّب خوف ... أن ... تنقص إنسانًا لدى الله ... يكرم
ولا تقف أمرًا لست تعلم ... علمه ... ولا تتهوَّر فالتوقف ... أسلم
وقف عند نهي الهاشمي ... وأمره ... ولا تك وثابًا برأيك ... تحكم
ويمضي في توكيد هذا المعنى إلى أن يقول:
ترحم عليهم وارض ... فإنما ... حقوقهم محض الرضا ... والترحم
فقد وردت فيهم أثار ... تعارضت ... ظواهرها أمَّا الخفي ... فمنهم
وقد صدرت منهم أمور ... لعلَّها ... لها حكمة مجهولة ليس ... تفهم (1/293)
صفحة 294
ويمضي في تأكيد هذا المعنى، محتجًّا بقصَّة إخوة يوسف عليه السلام وأنَّ الله لم يؤاخذهم بإقدامهم على قتل أخيهم يوسف وكذبهم على أبيهم عليهم وعلى نبينا محمَّد عليه الصلاة والسلام.
ويقول:
فقد قال خير الخلق للكل ... مادحًا ... فأيّهم اتعبتموه ... اهتديتم
كما قال من اثم الوقوع ... محذرًا ... ــ وكفوا ــ مقالاً إنَّ إليهم ... وصلتم
وجاءت روايات بأنَّ ... قتيلهم ... وقاتلهم في جنَّة ... يتنعَّم
فما علّة التخصيص والوصف ... شامل ... بجملتهم والواردات ... تعمم
وقال أبو يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي: كنت في الحج فطفت في البيت فلمَّا أتممت أخذ رجل بيدي فأخرجني من الناس، فسألني عن علي، فقلت: «فارس المسلمين، قاتل المشركين، وابن عم رسول العالمين، وله فضائل».
وقال الشيخ محمَّد بن أبي القاسم المصعبي في رسالة يرد بها على بعض من تناول الإبَاضِية في الجزائر بغير الحق، وقد عرض المصعبي عقيدة الإبَاضِية وفي ىخرها قال: «وندين لله تىعالى باتباع كتابه واتباع سنة نبيه محمَّد y وما عليه الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. واعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنَّهم عدول وأنهم أولياء الله وحزبه، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون. فهذا اعتقادنا وعليه اعتمادنا، فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضع».
ثُمَّ يذكر الآيات التي نزلت فيهم عمومًا ثُمَّ الآيات التي قيل إنَّها نزلت في بعضهم خصوصًا ثُمَّ الأحاديث التي وردت فيهم عمومًا ثُمَّ الأحاديث التي وردت في بعضهم خصوصًا ثُمَّ يقول: «في احاديث كثيرة في عمومهم وخصوصهم رضي الله عنه الله عنهم، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على طريقتهم واتباع مسيرتهم وَأَمَّا ما وقع بينهم من الحرب فإنَّ الله طهَّر منها أيدينا ونحن نطهر منها ألسنتنا لقولهy: «إذا ذكر أصحابي فكفوا». (1/294)
صفحة 295
وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم طفيش رحمه الله في رده على الأستاذ محمَّد بن عقيل العلوي ما يشبه ما سبق فقد جاء في رسالته الصغيرة (النقد الجليل للعتب الجميل) ما يلي:
«أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق». ويقول في نفس الكتاب: «والأصحاب يتبرأون تطبيق حكمي الولاية البراءة لا تشهيا، وهما ينطبقان على كلّ فرد مهما عظمت منزلته ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلاَّ النبيء أو الرسول. أمَّا الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار الكف عن تلك الحوادث المشؤومة».
ويقول بعد أسطرٍ: «وأيضا لا غبار على من صرح بخطإ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب نعد التبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن»«» ويقول أيضًا في نفس الكتاب: «ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهمَّ إِلاَّ من بعض الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب»«»
وقال قطب الأئمة في أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ولد بعد رسول اللهy، بست سنين، ولقب ذو النورين، لأَنَّهُ تزوج بنتي رسول اللهy: رقيَّة وأم كلثوم بعد رقيَّة. قال له رسول اللهy: «لو أنَّ لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد واحدة حتَّى لا تبقى منهنَّ واحدة» وقيل لأَنَّهُ كريم في الجاهلية والاسلام».
وقال القطب في أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن ابي طالب: «وهو من شهر، ولا يحتاج إلى ذكر فضائله من نسب وزهد، وعقل وعلم وشجاعة وعدل».
بعد هذا أيُّها القارئ الكريم أريد أن نعود معًا إلى أوَّل الفصل لنناقش بعض الفقرات السابقة.
أبو مهدي كان شيخًا للعزابة وقد نصَّ في رسالته أنَّه بعثها بعد أن وافق عليها مجلس العزابة فقد قال في الديباجة ما يلي: «فمن
///ص327/// (1/295)
صفحة 296
عزابة بني مصاب حفظهم الله تعالى ورعاهم، الحاضر بلسانه، والغائب بحاله، إلى الشيخ المكرم الوجيه المعظم ابن علي بن الشيخ أبي الحسن علي البهلولي، سلام عليك».
ولا شكَّ أنَّ العزابة هيَّ الهيئة الدينيَّة التي تمثل الإبَاضِية. ورأيها في أيَّة قضية هو الرأي الرسمي أو الرأي المعتمد عند الإبَاضِية، إذا فرض أن شذ بعض الناسفخالف في تلك القضية.
والرسالة كما ترى رد على تهمة للإبَاضِية ببعض بعض الصحابة، ودفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وتبرئة للإبَاضِية من تلك التهمة الشنيعة. وإيضاحًا لموقفهم، وبيناً بأنَّهم يضعون كافة الصحابة في المقام الرفيع الذي اختاره الله تبارك وتعالى لهم.
وهذه الاشاعة عن الإبَاضِية كانت قد انتشرت في كثير من الجهات ولذلك فقد كان الناس ينبزون بها الإبَاضِية فيضطرون للرد عليهم والدفاع عن أنفسهم، وتكذيب من يتهمهم بذلك، وقد كتب في هذا الموضوع عشرات الرسائل والردود منها رسالة أبي مهدي ردًّا على البهلولي ومنها رسائل للقطب ردًّا على محمَّد الطاهر والعقبي ومصطفى بن كامل، وغيرهم ومنها رسالة أبي الربيع الجيلاتي وقد ذكر سعيد التعاريتي السبب في كتابتها نلخصه فيما يلي: (1/296)
صفحة 297
هيج بعض طلاب الغنائم والأموال بعض الأعراب على جربة وأعمالهم إنَّ أهل جربة ــ بما أنَّهم من الإبَاضِية ــ يخالفون المسلمين في أمور تحل بها دماؤهم وأموالهم، ثُمَّ كون منهم حملة هجم بها على الجزيرة الغافلة، ولكن الحملة فشلت وانتصر أهل الجزيرة على المهاجرين، وأخذوا منهم جمعًا من الأسرى، وكان في أولئك الأسرى بعض المتفقهين فسألهم مشائخ جربة عمَّا حملهم على الاعتداء عليهم ومهاجمتهم وهم إخوة لهم في الدين ولم يسبق لأهل جربة أن اعتدوا على أولئك الأعراب أو أساءوا إليهم. فأجاب المتفقة قائلاً: إنَّ من دعانا إلى محاربتكم واستحلال دمائكم وأموالكم ذكر لنا أنكم تخالفون المسلمين ثُمَّ عدد لهم المسائل التي ذكرها لهم صاحبهم فذكر منها بعض مسائل علم الكلام المعروفة كالرؤية والصفاة وخلق القرآن، ثُمَّ قال: ومنها أنكم تكرهون بعض الصحابة.
وقد ورد أبو الربيع الجيلاتي على الرحيل وناقش مشائل علم الكلام بما هو معروف في كتب التوحيد ثُمَّ أوضح رأي الإبَاضِية في الصحابة رضوان الله عليهم في الصورة التي عرضناها عليك.
أمَّا إذا رجعت إلى ما كتبه أبو العباس الدرجيني فإنَّك ولا شكَّ ستجده حريصًا كلّ الحرص، على أن يضفي على جميع الصحابة دون تخصيص ما أضفاه عليهم مقامهم الرفيع في الاسلام، وهو مستاء من بعض المخالفين الذين ينتقصون بعض الصحابة، وهو يردُّ على أولئك المخالفين الذين أجازوا لأنفسهم أن يضعوا أحدا مِمَّن اختاره اال لمصاحبة نبيه عليه الصلاة والسلام في غير موضعه من الولاية والمحبة والرضى والقدوة الحسنة. (1/297)
صفحة 298
وقد سلك أبو حفص عمرو بن عيسى التدميرتي هذا المسلك فكان حريصًا على أن يوضح أنَّه ينبغي للمسلم ــ إذا أراد لنفسه النجاة ــ أن يبتعد عن التدخل فيما لا يعنيه، وأن يترك الفتن التي وقعت بينهم لله، فهو العليم بالحكم فيها. أمَّا واجب المسلم فهو الرضى والترحم عليهم جميعاً، وينبهنا إلى أن ما يظهر لنا أنَّه مخالف للشرع من أعمالهم قد تكون فيه حكمة خفيَّة لله تعالى لا يعلمها إِلاَّ هو وقد يكون الله غفر لهم جميعًا حين اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.
ويستدل على هذا بقصَّة إخوة يوسف عليه وعلى آبائه السلام فإنَّ اتفاقهم على قتله، وإلقائه في الحب للتخلص منه، وكذبهم على أبيه وما تبع ذلك ليس من الأعمال الهينة في الحكم الظاهر، ولكن الله تبارك وتعالى مع ذلك لم يؤاخذ إخوة يوسف وغفر لهم ما ارتكبوه.
وَأَمَّا كلمات القطب وأبي يحيى فقد وردت في أميري المؤمنين عثمان وعلي ــ خاصة وأكثر الشغب واللغط الذي يوجه إلى الإبَاضِية في موضوع الصحابة إنما يدور حول الإمامين العظيمين والصهرين الكريمين ولذلك فإنَّه مِمَّا يتم به مناقشة هذا الموضوع الهام استعراض كثير من المناقشة القيمة التي جرت على قلم الشيخ سعيد التعاريتي في رده على الشيخ مصطفى بن كامل الطرابلسي فقد ناقش الثعاريتي فيه موضوع الصحابة ــ ولا سيما موضوع الصهرين الكريمين ــ مناقشة رائعة أرجو أن يجد فيها القارئ متعة ومقنعًا.
قال الثعاريتي في كتابه (المسلك المحمود) ابتداء من صفحة 18 ما يلي:
«والعجب كلّ العجب مِمَّا نسبه ــ ابن كامل بن مصطفى ــ إلينا تجاهلاً وظلمًا، وتسلطًا وشتمًا، حتَّى أطال سنان لسانه، وقال: كفَّروا عليا ــ بزوره وبهتانه، مع أنَّ اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنه الله عنهم أنَّهم عدول أتقياء، بررة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام، لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام». وبعد سطور يقول:
« (1/298)
صفحة 299
وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام، أن يكفر صهر نبيه عليه السلام، الذي لم يسجد قط للأصنام».
وبعد أن يذكر عددًا من الآيات الكريمة التي قيل إنَّها نزلت فيالإمام أو في آل البيت وكذلك الأحاديث الشريفة، والآثار التي وردت في الصحابة يقول:
«إلى غير ذلك من الآيات البينات، والأحاديث المرويات، والآثار المأثورات، الدالة على فضله عمومًا وخصوصًا، وكيف لا؟
وقد كان أفصح وتلا، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبيء مصطفى، صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد وهو أبو السبطين؟ مع أنَّ كتبنا ولله الحمد ــ طافحة بالرواية عنه، وبالثناء عليه».
ثُمَّ استشهد بما كتبه البدر التلاتي في كتابه (نزهة الأديب وريحانة اللبيب)، ثُمَّ استشهد بأبيات من ديوان التلاتي منها:
بنت الرسول زوجها ... وابنها ... أهل لبيت قد فشى ... سناها
رضى الإله يطلب ... التلاتي ... لهم جميعًا ولمن ... عناها
ثُمَّ استشهد بأبيات للإمام الحضرمي منها:
بلى كان في أم القرى اليوم ... قائم ... أغر من الأشراف ماضي ... العزائم
له عنصر صافي النجار ... ومنصب ... تعرق في فرعي علي ... وفاطم
ثُمَّ استشهد بأبيات لأبي حفص عمرو بن عيسى التندميرتي منها:
وعلى الهادي صلاة ... نشرها ... عنبر ــ ما خب ساع ... ورمل
وسلام يتولَّى ــ ... وعلى ... آله والصحب مالغيث ... هطل
سيما الصديق والفاروق ... والجامع ... القرآن والشهم ... البطل
ثُمَّ بعد ذلك نقل فصلاً رائعا في الموضوع للشيخ أبي ستة ننقل منه ما يلي:
« (1/299)
صفحة 300
فإذا تقرَّر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللناه به ونقلناه، علمت منه أنَّ التعلُّق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين، تكلف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مِمَّا يسع جهله، وقد وجد في الاعراض عن ذلك سبيل منقول عن العدول، فلم يبق في حقهم حينئذٍ إِلاَّ الجزم بالعدالة لأصلها فيهم، من كونهم كلّهم أئمة عدولا يقتدى بهم كما نقل ذلك عن الرسول أحسب أنَّ هذا يكفي في توضيح راي الإبَاضِية في الصحابة رضوان الله عليهم ولا سيما في امير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو كذلك كاف ــ فيما أرى ــ للردّ عمن يتهم الإبَاضِية ببغض الصحابة أو بعض الصحابة.
وما أحسب مسلما يمتلأ قلبه بالايمان يمكن أن يجد بغض أي شخص من الصحابة طريقا إلى قلبه، ولا شكَّ أنَّ أدنى أولئك الجمع منزلة هو أجل وأعظم وأشرف من أعلانا منزلة، وأرفعنا مقامًا، ولو لم يرتفع به إيمانه وعقيدته إلى محبة رسول الله y ومحبَّة أصحابه وآله أجمعين. فلا أقلّ من أن يتأدب مع رسول الله y ويستمع إليه في قوله: «إذا وصلتم أصحابي فكفوا» وقوله عليه السلام: «دعو لي أصحابي» وإذا لج بأحد العناد ى فلا أقلّ من أن يقتدي بصاحب رسول الله y عبد الله بن عمر حين سئل عن أمير المؤمنين عثمان وعلي، فتلا قوله تعالى: {تِلْكَ أمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أو يتسمع إلى كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين سئل عمَّا شجر بين الصحابة فقال كلمته الرائعة: «تلك دماء طهَّر الله منها أيدينا فلا نلوِّث بها ألسنتنا». (1/300)
صفحة 301
وفي ختام هذا الفصل أحب أن أقول إنَّ موضوع الصحابة رضوان الله عليهم أجل من أن يكون موضوعًا للمهاترات، وحديثا للمشاغبات، ودعوة من دعوات العصبيات، فأصحاب رسول الله y هم أولياء كلّ مؤمن صادق، وهم أعداء كلّ منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرَّة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم،ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين بدعوى محبَّتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان من يحمل لأصحاب رسول الله y أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صحبتهم فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار وأن يغسل دنس البغضاء بمحبَّتهم وولايتهم. فإنَّه لا ألأم ولا أشدَّ كفرانًا ومعصية من الإنسان يتطرَّق إلى قلبه شيء من بغض من أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنًا.
الحكم في نظر الإبَاضِيَّة
يقول أبو الحسن الأشعري في مقالاته ص 189 ما يلي:
«الإبَاضِية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنهم يرون إزالة أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدورًا عليه، بالسيف أو بغيره».
وتردَّدت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كتب عن الإبَاضِية، معتمدًا على غير مصادرهم، وكما تردَّدت هذه الكلمة في تصوير حرص الإبَاضِية على إزالة سلطان الجور بأي شيء قدروا تردَّدت كلمة أخرى عنهم مناقضة كلّ المناقضة لهذه الفكرة، وهي زعم بعض كتاب المقالات أنَّ الإبَاضِية لا يرون وجوب إقامة الخلافة ولكن تردَّد هذا الزعم كان أقلّ انتشارًا وشيوعًا ثُمَّ نسب إلى فرقة تنسب إلى الإبَاضِية.
وللردّ على الاشاعتين السابقتين أضع بين يدي القارئ الكريم ما يلي:
قال قطب الأئمة الإمام محمَّد بن يوسف طفيش في غير موضع من كتبه ما يلي:
«ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا».
ويقول العلامة نور الدين السالمي في شرحهه على مسند الإمام الحافظ الربيع بن حبيب ما يلي:
« (1/301)
صفحة 302
والإمامة فرض بالكتاب والسنة والاجماع والاستدلال». ثُمَّ استمر في إيراد الحجج على وجوبها من مصادر الشريعة كما ذكر.
لعلَّ القارئ الكريم يدرك بعد هذا أنَّ الإبَاضِية يرون أنَّه لا بدَّ للأمة المسلمة من إقامة دولة، ونصب حاكم، يتولَّى تصريف شئونها، فإذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالمًا فإن الإبَاضِية لا يرون وجوب الخروج عليه، لا سيما إذا خيف أن يؤدي ذلك إلى فتنة وفساد، أو أن يترتب على الخروج عليه ضرر أكبر مِمَّا هم فيه، ومعنى هذا أنَّ كلاًّ مِمَّن يزعم أنَّ الإبَاضِية يوجبون الخروج على الأئمة الجورة بأي شيء قدروا عليه. ومن يزعم أنَّ الإبَاضِية يجيزون أن تبقى الأمة المسلمة بدون دولة. كلا هذين الزعيمين خطأ وجهل بالمذهب الإبَاضِي وقواعده.
الإبَاضِية يرون أن من واجب المسلمين أن يقيموا دولة عادلة تسير على منهج الشرع الاسلامي، فتنفذ أحكام الله، وتقيم الحدود، وتصون الحقوق، وترد المظالم، وتحفظ الثغور، وتحمل دعوة الاسلام إلى بلاد الكفر، فإذا كانت الدولة القائمة جائرة، وكان في إمكان الأمة المسلمة تغييرها بدولة عادلة إحداث فتن أكبر تضر بالمسلمين، فإنَّهم ينبغي لهم تغييرها، أمَّا إذا كان ذلك لا يتسنى إِلاَّ بفتن وأضرار، فإنَّ البقاء مع الدولة الجائرة ومناصرتها في حفظ الثغور ومحاربة أعداء الإسلام، وحفظ الحقوق، والقيام بما هو من مصالح المسلمين وإعزاز كلمتهم ــ أوكد وأوجب ــ ولا ينبغي هدم حكم قائم إِلاَّ إذا تأكَّدت الاستطاعة للقيام بحكم خير منه دون حدوث ما يخشى على المسلمين أو يلحق بهم أضرار تفوق ما هم عليه من أضرار. (1/302)
صفحة 303
ذكر أبو يعقوب الوارجلاني في الدليل أنَّه دعا عبد الله بن إباض إلى اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة خروج على الدولة القائمة حينئذٍ، فسبقهم إلى المنارة ــ مكان الاجتماع ــ وجلس ينتظر حضورهم وهو يستمع إلى تحنين المؤذنين، ورنين المتعبدين، ووصنوف الأذكار في الأسحار، فلمَّا حضر أصحابه قال لهم: لست منكم في شيء. أعلى هؤلاء يجوز الخروج والاستعراض؟ ثُمَّ ذهب وتركهم.
هذه الحادثة تعطي صورة لرأي الإبَاضِية في الخروج على الحاكم الظالم أو إمام الجور.
يرى الإبَاضِية عندما تكون الدولة القائمة جائرة أنَّه يجب على المسلمين أن يسمعوا لها ويطيعوا في غير معصية الله، وعليهم أن يحاربوا معها أعداء الاسلام وأن يدفعوا لها ما تتطلبه ظروف الحرب من أموال ودماء، وأن يساعدونا في حفظ الأمن وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والقيام بمشاريع المنافع العامة كالتعليم والصحة وغير ذلك، وعليهم أن يمسكوا أيديهم عن المعاونة على الظلم. أو أن يكونوا أداة للظلم. فإنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعلى جميع الأحوال فإنَّه يجوز للمسلمين الخروج عليها أو الشراء ما دامت الدولة ... ظالمة هذا هو رأي الإبَاضِية في قضية الحكم ونستطيع أن نلخصه في العبارات الآتية:
يجب على الأمة المسلمة أن تقيم دولة عادلة فإذا كانت الدولة القائمة جائرة جاز البقاء تحت حكمهم وتجب طاعتها في جميع ما لا يخالف أحكام الاسلام على أنَّه ينبغي للمسلمين أن لا يستنيموا على الظلم وإنَّما ينبغي لهم أن يحاولوا تغيير الحكم إذا كان ذلك لا يسبب في إحداث اضرار جسيمة بالأمة هذا من حيث العمل، أمَّا من حيث النقد أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ما لا يجوز أن يتوقف أو يسكت عنه مسلم حريص على إسلامه. (1/303)
صفحة 304
ويقرب أن يكون رأي الإبَاضِية في موضوع قيام الدولة الاسلامية أنَّه فرض كفاية. فإن انتصبت دولة باسم الاسلام في مكان أجزأ ذلك عن الباقين فإذا كانت عادلة وجب عليهم الدخول تحت حكمها، ومساعدته على مهامها وإن كانت جائرة كانوا بالخيار ما لم يؤد موقفهم إلى فتن تضر بالمسلمين.
أمَّا مسلك الإبَاضِية بالنسبة إلى الحكم في مجرى التاريخ فقد كان ما يلي:
عندما انحرف الحكام عن منهج الخلافة الرشيدة إلى الملك العضوض، وأصبحت الدولة مستقلة مستبدَّة مستغلة جائرة حاول المسلمون ومنهم الإبَاضِية رد هذا الانحراف، وإرجاع الحكم إلى منهجه القويم، إمَّا برجوع الملوك القائمين والحكام المساعدين لهم إلى التمسك بنظام الإسلام في الحكم، ولكن الأمة الإسلاميَّة ــ ككل ــ لم تنجح في ذلك لأنَّ نظام الحكم الملكي العضوض قد توطن واستقرَّ.
واستمرَّ الإبَاضِية كما استمرَّ غيرهم في نقد الوضع القائم وإظهار انحرافه في المجتمعات الخاصة والعامة، وحاولوا أن يقوموا بتجارب خاصة لإقامة حكم الله. فأقاموا بالفعل دولاً اتسمت بالتزام السير في المنهج الإسلامي ولكن تلك الدول لم تستقر بسبب السهام التي وجهتها إليها السياسة المضادة، بمختلف الأساليب. (1/304)
صفحة 305
فقد كان هناك ناس عاشوا في عز الإمارة وبذخها، واستمرأوا طعمها، وألفوا جورها، واعتادوا تلك النظم القائمة، وأصبحوا لا يروقهم أن يعيشوا تحت حكم عادل يمسك أيديهم، ويحزم بطونهم، ويساوي بينهم وبين غيرهم من الناس، ولعل أصدق شاهد على هذه الصورة لا بالنسبة لفرقة من فرق المسلمين ولكن للأمة الإسلامية جمعاء هو موقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين جمع بني أمية وطلب منهم أن يتخلوا عمَّا بأيديهم من الأموال التي وصلت غليهم عن طرق غير عادلة بسبب القرابة التي تربطهم بملوك وأمراء بني أمية السابقين، فامتنعوا عن التخلي عنها فقال لهم: «وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلوني بهم ما خرجتم منها أو تتركوه».
فرجال السياسة في الدولة الجائرة لا يرضيهم أن يقوم العدل في دولتهم ولا حتَّى أن يقوم في دولة بجانبهم، لأنَّ الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حكمهم وأن يطلق ألسنتهم بالنقد وربما بالنقمة ثُمَّ بالثورة، وذلذلك فهم يجندون كلّ ما عندهم من قوَّة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدي المتحركة في دولهم القائمة وللقضاء على أي حكم نظيف، يقوم إلى جانبهم بكلّ أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع، وتعذيب وضرب بالسيف إنَّ اقتضى الأمر ذلك في نظرهم. (1/305)
صفحة 306
رأى الإبَاضِية أنَّه ما دام هذا النموذج من الدول موجودًا، وأنَّه ليس في الامكان القضاء عليه، والاتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسي الحكم، وأن يتركوها للمتنازعين عليها، المتحاربين بسببها، وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك، فلم يقم منهم قائم يدعوا لنفسه أو يعمل لغيره، أو يساعد أحدًا للوصول إلى الحكم منذ أواخر الثالث الهجري، وقد واتت فرص لبعضهم لو أراد أن يستغلها لنفسه. أو يساعد عليها غيره، للوصول إلى الحكم، أو تكوين الدول أو الحصول على الولايات والإمارات، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وعندما اقترح متطرحون على بعض الزعماء أن يبايعوهم بالإمارة وأن ينطلقوا بالدعوة لهم رد عليهم أولئك الزعماء بأنَّه لا جدوى من ذلك وأن الأضرار التي تنجم عن تلك الحركات أكثر مِمَّا يتوقع منها من فوائد وأيَّد العلماء هذا الاتجاه فأعرضوا نهائيًّا عن فكرة الوصول إلى الحكم أو العمل على تغييره، ووقفوا هذا الموقف السلبي منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلى اليوم.
ولا شكَّ أنَّه يجب عليَّ هنا أن أوضح للقارئ الكريم أنَّ هذا الموقف كان لإباضية المغرب الإسلامي (شمال إفريقيا) أمَّا الإبَاضِية في عمان فقد بقيت عندهم الدولة قائمة مستقلة عن دور الخلافة منذ انتهاء الخلافة الرشيدة إلى الاحتلال الانجليزي في هذا العصر، ما عدا فترات قصيرة جدًّا سقط فيها الحكم في عمان.
ولقد كان الحكم في عمان يجري على منهج نظيف يشبه الخلافة الرشيدة في فترات طويلة، وكان يجري أحيانا على غرار الحكم الظالم والملك العضوض من الظلم والاستبداد. فعندما تحس الأمة بقوتها تقوض أركان الحكم الإسلام المستبد وتعلن الخلافة ما شاء الله وقد يقوم سلاطين الجور فينحرفون بالحكم.
والآن وقد يسَّر الله للأمة الاسلاميَّة طرد الاستعمار المادي من أغلب أراضيها فلعلَّه سبحانه ييسر لها أن تطهرها أيضًا من جميع مخلفاته وبقايا أرجاسه. (1/306)
صفحة 307
أمَّا بقيَّة البلاد الإسلامية التي لا تزال ترزح تحت أعباء الاستعمار والاحتلال سواء كان ذلك من أبناء صهيون وأعوانهم في فلسطين أو من عبدة البقر في الهند والباكستان أو من حملة الصليب الحاقد وأتباع الوثنيَّة الضالة في مختلف بقاع الأرض من إفريقيا وأمريكا وغيرهما من بلدان العالم. فإنَّه لا أمل لقيام الحكم الإسلامي بها إِلاَّ إذا أدرك المسلمون جميعًا واجبهم، وعلموا أنَّ فريضة الجهاد لا تؤديها الأمة المسلمة بأقلام تكتب على الصحف وأحاديث تتناثر في المجامع، وأكف تشتعل بالتصفيق، وحناجر تعلوا بالهتاف، وإذاعات مرئيَّة تزخر بعرض الصور، وشعوب تتمنَّى وتحلم، ومشاعر عواطف تهتاج وتتحمس ثُمَّ تسكن وتبرد ولكن فريضة الجهاد دائمًا تؤديها الأمة وهي تقف صفًّا واحدًا تذوب فيه الفوارق والحزازات والقوميات والمصالح القطريَّة، وشهوات الحكم، لتندفع قوَّة واحدة هائلة هادرة، تدرك كلّ ما يعارض سبيلها، لا يثنيها دم يتدفَّق، ولا مال ينتشر ولا عدد ينتقص، ولا خسائر تقدر أو لا تقدَّر بحساب، وإنَّما تمضي وهي تؤدي رسالتها حتَّى تحقق النصر أو الفناء بالفعل لا بالقول، وبالحقيقة لا بالأمل وعلى الميدان لا على شاشة التلفزيون.
{وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ, الاَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُومِنِينَ، إنْ يَمْسُسْكُم قرحٌ فقد مسَّ القوم قرح مثله، وتلك الأيَّام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمرا: 142).
{ولا تهنوا في ابتغاء القوم إنَّ تكونوا تألمون فإنَّهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يسرجون، وكان الله عليما حكيما} (النساء: 154).
حكم الدار (1/307)
صفحة 308
يقول أبو الحسن الأشعري في كتابه: «مقالات الإسلاميين» الجزء الأوَّل طبعة مكتبة النهضة المصريَّة ص 171 ما يلي:
«وزعموا أنَّ الدار ــ يعنون دار مخالفيهم ــ دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار كفر ميعني عندهم».
ثُمَّ ترددت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كتاب في مقالات الفرق قديمًا وحديثًا، تارة بنفس اللفظ وتارة بتغيير بسيط، كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني في ص 213 ما يلي:
«وقالوا إنَّ دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار بغي.
فأنت ترى أيُّها القارئ الكريم أنَّ العبارة واحدة غير أنَّ الأشعري استعمل كلمة الكفر، والشهرستاني استعمل كلمة البغي بدلاً عنها.
وهكذا اشتهر هذا القول على هذا الاجمال مع كتاب المقالات ينقلونه واحدًا عن واحد إلى عصرنا الحاضر ــ ربما دون فهم عند بعضهم ــ ويهمني أن أوضح للقارئ الكريم في بداية هذا الفصل أنَّ كتاب المقالات يربطون بين كلمة المخالفين ومعسكر السلطان وبين الكفر والبغي كأنهما شيئان متلازمان، بينما يرى الإبَاضِية أنَّه ليس هناك ارتباط بين موضوع دار السلطان وما يتصف به من عدل أو بغي وبين مذهبه أو مذهب من يكون تحت حكمه. وسوف أحاول في هذا الفصل أن أعرض صورة لحكم ما يطلق عليه الفقهاء كلمة الدار عند الإبَاضِية ثُمَّ عرض في فصل آخر صورة لما ينبغي أن يجري عليه التعامل بين المختلفين في المذهب عندما يكون السلطان على مذهب أحدهما أن يكون على مذهب غير مذاهب المحكومين جميعًا.
عندما يتحدَّث فقهاء الإبَاضِية عن الدار يرون أنَّها ــ أوَّلاً ــ تنقسم إلى قسمين: دار إسلام، ودار كفر. فدار الإسلام هي كلّ وطنه تسكنه أمَّة مسلمة وتتولى الحكم فيه دولة مسلمة، تنتسب إلى الإسلام وتتسمى به، مهما كان مذهب السكان، أو مذهب الحاكم. (1/308)
صفحة 309
ودار الكفر هي كلّ وطن تسكنه أمَّة كافرة. وتتولَّى فيه الحكم دولة لا تدين بالإسلام سواء كانت كتابية أو وثنية أو علمانية أو ملحدة كما هو الحال في بعض الدول في الوقت الحاضر.
والصور التي تكون عليها دار الإسلام لا تخرج عمَّا يلي:
1 - الوطن يسكنه مسلمون ععلى أي مذهب إسلامي كانوا والسلطان شرعي بلغ إلى منصة الحكم حسب الأسس التي وضعها الإسلام لذلك، ثُمَّ تقيَّد بالمنهاج الإسلامي في الحكم، وتوافرت فيه الشروط المطلوبة للحكومة العادلة، والكفاءات اللازمة لأمير المؤمنين أو خلفية المسلمين.
في هذه الصورة الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل، وطاعته واجبة، والخروج عنه فسوق، لأنَّ هذه الحالة هي الحالة الكاملة التي يجب أن تكون عليها الأمة المسلمة.
2 - الوطن تسكنه أمَّة مسلمة على أي مذهب كانت، وصل فيها السلطان إلى الحكم بطريق لم يستكمل الشروط المطلوبة لاختيار الحاكم ولكنه بعد أن استلم الحكم التزم الإسلام، وحكم بالعدل، ونفذ أحكام الله، وجرى حسب قوانين الشريعة، وسار السيرة النظيفة المطلوبة في أمير المؤمنين النزيه.
في هذه الصورة أيضًا تعتبر الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وتوحيد وعدل. وطاعته واجبة والخروج عنه فسوق، أمَّا وصوله إلى الحكم فإن كان بتولية غيره له كما كان في الأنظمة الوراثية فلا تثريب عليه وإن كان بسماع منه غير مشروعة فلا شكَّ إنَّه أثَم في ذلك ولعل الله تبارك وتعالى يغفرها له بنيَّته الحسنة وبالتوبة منها إنَّ لم تتعلق بها حقوق المخلوقين فإن تعلَّقت بها حقوق المخلوقين فالتوبة والتنصل من الحقوق مع النية الحسنة ونفع الأمة أسباب كافية للمغفرة إنَّ شاء الله. (1/309)
صفحة 310
3 - الوطن تسكنه أمَّة مسلمة يصل فيه السلطان إلى الحكم بالأسلوب الإسلامي مع مراعاة كافة الشروط ولكنَّه بعد أن يتربع على كرسي الحكم، ويأخذ على الناس المواثيق و العهود، ينحرف عن سنن العدول، ولا يلتزم بأحكام الإسلام.
في هذه الصورة تكون الدار دار إسلام وتوحيد وعدل. أمَّا معسكر السلطان فهو معسكر إسلام إِلاَّ أنَّه معسكر بغي وظلم ــ وطاعة السلطان فيما يوافق أحكام اإسلام، وجهاد العدو، وإقرار الأمن والنظام، وإيصال الحقوق إلى الناس ــ واجبة ولا تجوز طاعته في معصية، وينبغي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ومتابعته باتباع أحكام الله، ويجوز الخروج عليه وتغيير حكمه لإقامة دين الله، واختيار من يصلح لتولي أمور المسلمين إذا كان ذلك لا يسبب فتنة تنتج عنها أضرار أكبر من الحالة التي هم عليها.
4 - الوطن تسكنه أمَّة مسلمة يثب إلى الحكم فيه سلطان بطرق تختلف عن أنظمة الإسلام للاختيار الحاكم، ثُمَّ لا يتقيَّد بأحكام الإسلام، ولا يسير بسير العدول من أهله. (1/310)
صفحة 311
في هذه الصورة تعتبر الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إِلاَّ أنَّه معسكر بغي وظلم وعدوان. وطاعته فيما أمر الله به وجهاد العدو واجبة، والنقمة عليه، والدعوة إلى الخروج عنه، والعمل على الإطاحة بحكمه جائزة بشرط ألا تحدث فتن تلحق بالأمة أضرارًا أكبر من المصالح المتوقعة والفوائد التي ينتظرونها من قيامهم عليه. ويرى الإبَاضِية في جميع صور الحكم المنحرف ــ أنَّه يجوز الشراء ــ مهما كانت النتائج ــ وهو أن تخرج جماعة من الناس يتجاوزون أربعين رجلاً ينتقدون الفساد، ويبينون للناس ما عليه الدولة من الانحراف، وما عليه الحكام من البغي والظلم، ويدعونهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن عارضتهم السلطة بالقوة جاز لهم أن يردوا عليها بالقوة والعنف ولكنهم على جميع الأحوال لا يجوز لهم أن يخيفوا الناس، ولا أن يروعوا الآمنين، ولا أن يعترضوا سبيل أححد أو يعتدوا على أحد، ولا أن يفرضوا حتَّى ضيافتهم على أحد، فإن فعلوا شيئًا من ذلك انتقلوا من حكم الشراء إلى حكم الحرابة. وذلك لأنَّ مبدأ الشراء هو مقاومة الظلم في أجهزة الدولة المنحرفة بالدعوة أو بالعنف إنَّ اقتضى الأمر ذلك دون التعرض للناس بسوء. (1/311)
صفحة 312
هذه هي الصورة المعروفة عن الدار وعن معسكر السلطان عند الإبَاضِية وهم عندما يطلقون على معسكر السلطان أنَّه مغ=عسكر بغي أو على السلاطين أنَّهم سلاكين جور لا يقصدون بذلك المخالفين لهم في المذهب فقط، وةإنما يقصدون بذلك جميع الأجهزة الحاكمة التي انحرفت عن دين الله فلم تعمل به سواء كانت من الإبَاضِية أو من غيرهم. ومن أراد أن تبرز له هذه الحقيقة واضحة فعلية أن يرجع إلى كتب التاريخ. ومن أقربها (ثحفة الأعيان) للإمام نور الدين السالمي الذي أرخ لعمان منذ الفتح الإسلامي إلى العصر الحاضر وقد كان حريصًا في جميع ما كتبه عن الدول التي تعاقبت على حكم عمان ــ وكلها من الإبَاضِية من أهل عمان ما عدا فترة قصيرة جدّا في عهد الدولة الأمويَّة زمن الحجاج ــ فكان يذكر الإمامة العادلة وكان يصف الباقي بسلاطين الجور ــ أو يطلق عليهم كلمة الجبابرة، وعلى هذه الكلمة علَّق الإمام أبو إسحاق اطفيَّش في أسفل الصفحة 107 من الجزء الأوَّل بما يلي:
«والمراد بالجبابرة أمراء الاقطاع وملوك الطوائف، وقد تولى على قطر عمان انقلابات من إمامة إلى ملوكية ومن ملوكية إلى إمامة، فمنذ انقطاع الخلافة الاسلامية تولَّى حكم عمان أئمة على طريقة الخلفاء الراشدين، فمتى ضعف أمر الإمامة برزت إلى الميدان الملكية أو أمراء الطوائف وهكذا». وقال في آخر التعليق: «وكلما ذكر المنصف الجبابرة فالمراد الولاة غير العدول».
ولعل عبارة المؤلف في هذا الموضوع أكثر وضوحًا فقد قال في تحفة الأعيان الجزء الأوَّل ص107 ما يلي:
«ذكرت السير أنَّ الجبابرة استولت على عمان بعد الجلندي فأفسدوا فيها، وكانوا أهل ظلم وجور، فمن هؤلاء الجبابرة: محمَّد بن زائدة، وراشد بن النظر الجلنديان». وقال بعد أسطر:
«وقد تقدم أنَّه من أقارب الجلندي». أحسب أنَّه لا داعي للمزيد في هذا الموضوع. (1/312)
صفحة 313
هذه هي الصورة المعروفة عن الدار وعن معسكر السلطان في الأمة الإسلامية والإبَاضِية يتح{َّثون عنها كما يتحدَّث عنها غيرهم.
أمَّا العدو الذي أشرت إلى أن الإبَاضِية يوجبون حربه حتَّى مع السلطان الجائر فإنَّما هو عدو الإسلام، في الحروب التي تكون بين دولة مسلمة وأخرى كافرة، لأنَّ ذلك جهاد في سبيل الله لا يبتغي لمسلم أن يتقاعس عنه. أمَّا الحروب التي تقع بين دولتين أو طائفتين مسلمتين فإنَّما هي فتن القاعد فيها خير من القائم والنائم فيها خير من القاعد. والقائم خير من الساعي ما لم تكن إحداهما باغية فيجب رد عدوانها دفاعًا عن الحرمة والمال.
ويرى الإبَاضِية أن على المسلم حقًّ للوطن الذي يعيش فيه يوجب عليه الدفاع عنه من أي مهاجم أو أي عدوان ما لم يكن هو في حكم المنحرف والمهاجم دولة عادلة تريد إقامة حكم الله وتطالب بالدخول تحت رعايتها. والخضوع لنظامها. فإن عليه في هذه الحالة أن يستجيب وينضوي تحت لواء دولة ترفع منارة الإسلام، وتحكم بشريعة الله، وليس له أن يتلكأ في ذلك ويتباطأ.
بقيت هنالك صور لوضع شاذ وقعت في أزمنة مختلفة التمس لها الفقهاء أحكامًا وقررها لها من ذلك مثلاً: أن يكون الوطن إسلاميًا وتتغلب عليه دولة مشركة تحكمه بالحديد والنار. كما وقع في ليبيا إبان الحكم الإيطالي وفي تونس والمغرب والجزائر إبان الحكم الفرنسي، وفي مصر إبان الحكم الإنجليزي وفي هذه الحالة تعتبر الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر كفر.
هذا ملخص رأي الإبَاضِية في الحكم فهم حين يتحدثون عن معسكر السلطان ينظرون إلى نوعية الحكم لا إلى مذهب السلطان ما لم يكن السلطان مشركًا. وعندما يكون السلطان إباضيًا ويكون جائرًا فإن الحكم عليه أن معسكره معسكر إسلام ولكنه مع ذلك فهو معسكر بغي وظلم وعدوان تماماً كما يحكمون على غيره من سلاطين الجور من المذاهب الأخرى. (1/313)
صفحة 314
وقد غابت هذه الحقيقة عن أكثر من كتب عن رأي الإبَاضِية في الموضوع دون الرجوع إلى مصادرهم وأمسك بكلمة (مخالفيهم) كأنها لولب سحري يدور معها في كلّ مجال.
عد كلّ هذا أحب أن أضع بين يدي القارئ صورًا مِمَّا قاله العلامة أبو يعقوب الوارجلاني عن هذا الموضوع حتَّى يتأكّد القارئ من رأي الإبَاضِية وموقفهم.
يقول أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان ص45 من الجزء الثالث ما يلي:
والذي ذكرناه في الملوك المتديّنة لم نقتصر فيه علىا علي ومعاوية دون أخلافهم بعد، بل الحكم فيهم واحد، أهل ديانة لما أظهروا على أيديهم من الجمع والجماعات، والأذكار واللوات، والنسك والعبادات، وظهروا الشرائع الاسلامية، وعمارة الصبيان المحاضر لقراءة القرآن، وظهروا الغزو والجهاد، في جميع البلاد، والثغور العباد، والدعاء إلى الله وغلى طاعته، وظهور عبادته».
ويقول أبو يعقوب في نفس الكتاب ونفس الجزء ص46 ما يلي:
«وليس في إنَّ ظهر فجور الملوك في ذات أنفسهم، وظهرت المناكر على أيديهم ما يخرجهم من ملة الاسلام، بل هم من أهل الملَّة وإن كانوا أهل سوء، ومن مناقبهم أنَّهم أمَّنوا السبل والطرقات، وجبوا الفيء والخراجات، ونصبوا القضاة والحكومة».
وبعد أسطر يقول:
«وصنيع جابر بن زيد رحمه الله حين تخلّف عن الجمعة فقال: اللهمَّ لك ألاَّ أعود» ومن وراء ذلك أخذه العطايا من الحجاج وشبه ومطالبتهم بها، وولاية الفتوى لهم والمساحات، وولاية شريح القضاء، وغيرهم من أهل العلم كثير».
ويقول في نفس الكتاب ونفس الجزء ونفس الصفحة ما يلي:
« (1/314)
صفحة 315
وأما السلاطين الجورة فهم الذين تغلبوا على الناس، لا يراعون شرعا ولا يدعون إليه، ولا يعلمون به، وعطلوا الزكاة والصدقات، والعشور والخراجات، ولا يهتمون بالاقضية والحكومات، ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرعوا لأنفسهم طرقًا في إقامة ملكهم خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور، وحصنوها بالحرص والاعوان، ويغيرون على البلدان، واستعملوا في جمع الاموال المغارم والقبالات، واتخذوا الاعوان والكفاة، وأظهروا شرب الخمور، ولباس الحرير، والمعازف والستور، والجور في جميع الأمور».
ثُمَّ ذكر أمثلة من سلاطين الجور في المغرب والأندلس وسجلماسة وملوك الدولة العبيديَّة في المغرب ومصر ثُمَّ قال:
«وأما المرابطون فهم أهل ديانة، أوَّلهم يحيى بن عمرو وأبو بكر بن عمر، ويوسف بن تاشفين، وعلي بن يوسف، وآخرهم تاشفين بن علي، حتَّى كشح الله تعالى هؤلاء كلّهم بالمهيدي وجنوده، أهل التوحيد، الموحدين برب العالمين، فكان آخر العهد بهم».
وقال العلامة أبو حفص عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد ما يلي:
فالسلطان العادل. فالواجب علينا ولايته وولاية كاتبه ووزيره وخازنه وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين».
ويقول:
«وبراءة السلطان رالجائر وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه، وَأَمَّا من كان تحت لوائه فلا».
وقال قطب الأئمة في شرح النيل الجزء العاشر طبعة القاهرة ص362 ما يلي:
«يحكم على أهل الدار ــ وهي في العرف الخاص موضع أو بلد أو حوزة، ظهر فيه أو في البلد أو فيها أي الحوزة ــ حكم وسيرة إمَّا من ذوي عدل أو جور، سواء كان العدل من أصحابنا أو من غيرهم، وكذا الجور».
وقد ناقش الإمام أبو محمَّد عبد الله بن بركة موضوع السلطان الجائر مناقشة طويلة وإليها أيُّها القارئ الكريم مقتطفات منها ما بين ص201 إلى 204 من الجزء الأوَّل من كتابه القيم الجامع طبعة عيسى الباروني. (1/315)
صفحة 316
أجمع أصحابنا على جواز الإقامة للمسلم في بلد قد غلب عليها الجبابرة، وأن تعمر فيه الأموال، وأن تزرع فيه الزرائع، وتغرس فيه الأشجار، مع علمه بأنَّهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج، من غير أن يستحقوا ذلك المال وأنهم يستعينون به على ظلمهم وبغيهم».
ويقول بعد أسطرٍ:
«تجوز للمسلمين الإقامة في أملاكهم في المواضع التي لم يأت من سكنها حظر من قبل الله عزَّ وجل، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال، ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أنَّ الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالاً تؤدي إلى تقويتهم على ظلمهم، إذا كانوا إنما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم، وستر عيالهم، وإصلاح أحوالهم وللمسلمين أيضاً، ولكن إذا كانوا يزرعون ويعلمون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة لهم فهم عصاة لله في فعلهم.
ومبعد سطور يقول:
«لافإن قال أفيجوز للمسلم أن يقيم معهم ويبايعهم، قيل له: نعم! ما لم يعلم أنَّه غصب أو حرام، أو أنَّهم يكرهونه على تصويت الباطل، ويلحقونه إلى إظهار شيء من الباطل، فإن قال: أفيجوز للمسلم الغزو معهم؟ قيل له نعم! إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمر بذلك في كتابه أمرًا عامًا لقوله تعالى: {قَاتِلُواْ الذِينَ لاَ يُومِنُونُ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ»(التوبة:29) وقال جلَّ ذكره: {قَاتِلُواْ الذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ}(التوبة: 123) وأيضًا فإنَّ القتال جائز بغير إمام. والله أعلم».
أحسب أنَّ هذا المقدار يكفي لتوضيح رأي الإبَاضِية في الدار وفي معسكر السلطان ولم يبق إِلاَّ الحالة الأخيرة التي اعتبرناها حالة شاذَّة، وضرَّ بنا بها االأمثلة بالاستعمار الإيطالي والفرنسي والانجليزي لبعض البالد الاسلاميَّة وقد تححدَّث أبو يعقوب الوارجلاني على هذه الصورة أيضًا وإلى القارئ الكريم مقتطفات مِمَّا جاء في كتاب الدليل والبرهان الجزء الثالث ص74 وما بعدها قال:
«أعلم أنَّه لا يجوز أن يتخذ ــ المسلم ــ دار الشرك وطنًا». (1/316)
صفحة 317
ثُمَّ يحتجُّ لهذا الحكم ويذكر أسلوب التعامل مع المشركين، ثُمَّ يقول:
«وإن افتتح المشركون بلاد المسلمين، فأهل البلاد جائز لهم السكون معهم وتحتهم، وتجري عليهم أحكامهم، ولا يجوز لأحد ــ غيرهم ــ أن ينزلها وأن يتخذها وطنًا من سائر الناس، وإن خرج أحد من المسلمين من بلاده من خوفهم فهو مثل من لم يسكنها قط، وإن كان المشركون أهل الكتاب كاليهود والنصارى فللمسلمين مخالطتهم ومبايعتهم ومؤاكلتهم، ويأكلون ذبائحهم وسمونهم وإقطهم وجنبهم ما لم يظهروا على حرام، وكذلك طبيخهم وطعامهم وشرابهم وليس الخمور ــ وإن اتهموهم على النجاسة فيحرجوا ما قدروا، ولا يتزوجون إليهم ولا يتسرون ولا ينكحونهم، ويعاملونهم في أموالهم ولا يحذرون منها شيئا، ولو كان أثمان الخنازير أو من أثمان الربا، ولا يعاملونهم بالربا، ولا يأكلون خنازيرهم، ويدفعون عن بلدهم من أراد ظلمهم إِلاَّ عساكر المسلمين فلا يدفعونهم، ويتقون من المجوس جميع ما يؤكل مِمَّا يخافون عليه النجاسة، أو من السمون والأجبان والطبيخ وغير ذلك».
ويطيل المؤلف في السلوك الذي ينبغي أن يسلكه المسلمون عندما يكونون في هذا الوضع الشاذ.
وبعد هذا أستطيع أن أعود فألخص الموضوع في الصورة الآتية:
1 - الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام وذلك عندما يكون الوطن مسلمًا والأمة مسلمة والدولة مسلمة تعمل بحكم الله.
2 - الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إِلاَّ أنَّه معسكر بغي وظلم وذلك:
عندما يكون الوطن مسلمًا والأمة مسلمة والدولة مسلمة لكنها لا تلتزم المنهج الإسلامي في الحكم.
3 - الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر كفر وذلك عندما يكون الوطن مسلمًا والأمة مسلمة والدولة الحاكمة دولة مستعمرة مشركة كتابية أو غير كتابية.
4 - الدار دار كفر ومعسكر السلطان معسكر كفر وذلك عندما يكون الوطن للمشركين تسكنه أمَّة مشركة وتتولَّى حكمه دولة مشركة.
التعامل بين المتخالفين (1/317)
صفحة 318
تحدَّث الفقهاء عن الحكومات المذهبيَّة، أي عن السلوك الواجب عن دولة تلتزم إجراء الأحكام على مذهب من المذاهب الإسلامية، وككيف يكون موقفها بالنسبة لمواطنيها من بقيَّة المذاهب، وكذلك تحدَّثوا عن سلوك المواطنين إذا كانوا يتبعون مذهبًا غير المذهب الرسمي للدولة، وأستطيع أن ألخص رأي الإبَاضِية في هذا الموضوع فيما يلي:
1 - عندما تكون الدولة ملتزمة لأحكام المذهب الإبَاضِي فإنَّ موقفها مع مواطنيها من المذاهب الأخرى أن تبين لهم نقط الخلاف وأن تدعوهم إلى ما تعتقده هي حقًّا وصوابًا، وسواء استجابوا لها أو لم يستجيبوا فإنَّ موقفها معهم لا يتعدَّى هذه الحال. ويجب أنَّ تعاملهم في الحقوق والواجبات كما تعامل المواطنين الموافقين لها في المذهب، لا فرق ولا خلاف، أمَّا من دعا إلى فتنة سواء كان من موافقيها أو من مخالفيها فإنها تعذر إليهم فإن رجعوا فذلك المطلوب، وإن أصروا على موقفهم استحلت قتالهم حتَّى يفيئوا.
2 - عندما يكون الإبَاضِية مواطنين في دولة ملتزمة بمذهب غير مذهبهم فإنَّ عليهم أن يخضعوا لقوانينها وأن يرضوا باحكامها ولو كانت مخالفة لآراء مذهبهم وأحكامه، ما دامت موافقة لأحكام مذهب الدولة التي تطبق على الجميع، وعليهم أن يتعاونوا معها في كلّ شيء ما لم يكن معصية فإذا أمروا بمعصية فإنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد ناقش العلامة أبو يعقوب الوارجلاني هذه المواضيع بشيء من الإسهاب والتفصيل والتمثيل. ومما قاله في كتابه الدليل والبرهان الجزء الثالث ص53 ما يلي:
« (1/318)
صفحة 319
والذي ينبغي لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف أن يدعوهم إلى ترك 4ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا وصاروا إخوانًا ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعًا واحد كما تقدَّم كما قال أبو حمزة المختار بن عوف: «الناس منا ونحن من الناس، إِلاَّ عابد وثن وملكًا جبارًا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها» وإن امتنعوا عن ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق، والخضوع لواجب الأحكام، فإن أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا، إِلاَّ ما كان من الاستغفار فلا حقَّ لهم فيه، ما داموا متمادين على ما به ضلوا، ووسعنا وإياهم العدل، ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين والعدل في الأحكام، والدفاع عنهم، وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا، ومن امتنع منهم مِمَّا وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه، ويرده إلى سواء السبيل، وإن جاوز ذلك (1) سفكنا دمه، واستحللنا قتاله، وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببالدهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم، وذلك ما لم يكن ردًّا على أيَّة محكمة، أو سنة قائمة، ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلّهم، إذا كان مِمَّن تقول لهم ديانتهم، ولم يمنعنا من ولايتهم إِلاَّ ما هم عليه، ونأخذ منهم كلّ ما يجب من الحقوق ونردها في فقرائهم، وذوي الحاجة منهم، وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم، وننبذ إليهم على سواء، ولا نتركهم يظهرونمنكرًا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرًا في ديانتهم، ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن، إِلاَّ أن يكون أمرًا لا مكروه تحته، فلنا الخيار.
«
__________
(1) - يعني أنَّه إنَّ تجاوز الامتناع عن أداء الحقوق إلى العمل يخل بالنظام والأمن. (1/319)
صفحة 320
وإن حاربناهم في هذا كلّه وهزمناهم فإنا لا نتبع مدبرًا، ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم، إِلاَّ ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائرًا في مذهبهم، وما كان في أيديهم من مال بيت المال للمسلمين، فإنا نأخذه ولا نردّه إليهم ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها».
ويقول بعد أسطرٍ:
«وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كلّ من قتل أحدًا منا بعينه، ولا نستعمل فيهم حكم المحاربين».
ويقول بعد أسطرٍ:
«ونصلي على قتلاهم، وندفنهم، ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها، والعِدد (1) والأموال والحرمات على وجوهها».
وقد ناقش أبو يعقوب ــ أيضًا ــ الصورة المعاكسة في الدليل والبرهان الجزء الثالث ص61 فقال ما يلي:
«إعلم يا أخي أنِّي أريد أن أذكر كيف حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين منهم، ومع السلاطين الجورة الضالين، ومع سائر المشركين، إعلم يا أخي أنَّ مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية أنَّه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم بل التسليم لهم على ظلمهم أولى. قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقول: القولة الأولى قول أهل الدعوة أنَّه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وَأَمَّا إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا السراء والخروج جاز لنا».
__________
(1) - العِدد جمع عدّة وهي المدَّة التي تننتظرها المرأة بعد الطلاق أو وفاة زوجها ليحل لها التزوج من جديد. (1/320)
صفحة 321
وبعد هذا يذكر القول الثاني بعدم جواز الخروج مطلقًا مهما كان وضع الدولة القائمة وينسبه إلى السنية حسب تعبيره، ثُمَّ يذكر القول الثالث وينسبه إلى الخوارج، وهو وجوب الخروج وحيلة الاستعراض. وبعد أن يذكر هذه الأقوال يعود إليها بالتفصيل ويتناول القول بالجواز بالتأييد والترجيح، ويحتجّ له بأنَّ الذين لم يقولوا به من حيث المبدإ عادوا إليه من حيث العمل ويحتج لجوازه بعدَّة أحداث تاريخية يذكر منها: خروج التوابين عن يزيد وخروج عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعت عن الحجاج، وخروج كبار التابعين أمثال الشعبي وسعيد بن جبير وأضرابهم، وخروج زيد بن علي بن الحسين عن هشام، وخروج يحيى بن زيد بن علي.
وفي سياق الحديث ذكر مناظرة وقعت له مع أحد العلماء قال في ص63 من نفس الكتاب ما يلي:
«وقد جرى لي كلام في الفقيه يحيى بن ابي بكر بن الحسن بن الشيخ يوسف بن نفاث مناظرة في سجلماسة في مثل هذا: فقال لي: أوَّل من سن الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس بن أدية، قلت له أن له في ذلك أسوة حسنة: فقال: أو حسنة؟ فقلت أو سيئة؟ فقال ومن هو؟ قلت: طلحة والزبير ... قال لي إنَّ طلحة والزبير إجتهدا فأخطآ قلت له: ولعل هذا اجتهد فأخطأ! فقال: الله يغفر للجميع».
ويقول في نفس الصفحة ما يلي:
«وإن لم نخرج عليهم، ورضينا بالكون معهم وتحتهم، فجائز لنا ذلك، ونعيش في كنفهم».
بعد هذا أريد منك أيُّها القرئ الكريم أن تعود إلى مبدإ الفقرة الأخيرة لنناقش معًا بعض ما جاء فيها.
إذا تأملت أوَّل الفقرة تجد أنَّ أبا يعقوب يذكر ثلاثة أنواع من السلطة قد تحكم المسلمين وهي:
1 - أهل الخلاف المتدينون.
2 - السلاطين الجورة الضالون.
3 - سائر المشركين. (1/321)
صفحة 322
وأنت ترى أيُّها القارئ الكريم أنَّ أبا يعقوب لم يهتم بالقسم الأوَّل فلم يتحدَّث عنه ولم يتعرّض لموضوع الخروج عليه. وذلك لأَنَّهُ يعلق جواز الخروج بالحكومة الظالمة لا بالحكومة المخالفة في المذهب فلم يتعرّض بأي شيء للقسم الأوَّل (أهل الخلاف المتدينون) أمَّا القسم الثاني وهم السلاطين الجورة الضالون ــ من أي مذهب كانوا ــ من أهل الدعوة (الإبَاضِية) أو من غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى فيجوز الخروج عليهم ومناصبتهم العداء. ويجوز البقاء تحت حكمهم والرضا بالحياة في كنفهم.
أمَّا القسم الثالث وهم سائر المشركين فقد كتب فصلاً مطوَّلاً عنهم وهمن يكوون تحت حكمهم من المسلمين.
وأحب أن أزيد هنا بعض إيضاح لموقف الإبَاضِية عندما تكون الدولة ملتزمة لمذهب غير المذهب الإبَاضِي، وتجري الأحكام وفق مذهبها فلو رفعت قضية مِمَّا يختلف فيها المذهبان وجرى الحكم فيها بمذهب الدولة فإنَّ الحكم يكون نافذًا وصحيحًا، وتترتب عليه جميع الحقوق والواجبات ولو كان مخالفًا لما عليه الإبَاضِية. وقد ذكر أبو يعقوب لذلك أمثلة في كتابه الدليل والبرهان صفحة 73 منها ما يلي:
«رجل كان تحت أحكام للمخالفين، وغاب عن زوجته، فأعذر القاضي إليه، فلم يفعل، فطلق عليه القاضي زوجته، ما حكم هذه؟ أهي مطلقة أو غير مطلقة؟ فإن كانت غير مطلقة، فهل له أن يلم بها؟ ولا ينظر إلى حكم القاضي؟ وتقع المواريث والحقوق والنسب أم لا؟
أعلم أنَّ هذه مطلقة وإن لم يكن في مأخوذ المسلمين (1) هذا الجواب، فلا يحل له أن يلم بها، ولا أن يقربها، وقد سقطت جميع الحقوق التي بينهما ولهما أن تتزوج غيره، وتقع الحقوق، بينها وبين زوجها الآخر، وترثه ويرثها».
وذكر مثلاً آخر فقال في نفس الصفحة ما يلي:
«
__________
(1) - أحيانًا يطلق المصنف كلمة المسلمين ويريد بها أي من باب إطلاق العام على بعض محتويات ويفهم ذلك من السياق والقرائن. (1/322)
صفحة 323
وكل حكم حكموه بالشاهد واليمين فهو ماض لنا وعلينا، ولنا معاملتهم في جميع ما حكموه بالشاهد واليمين لنا وعلينا، وتجري فيه المواريث على وجوهها».
وبعد أسطر يقول في ص74 ما يلي:
«وَأَمَّا ما يتعلَّق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحجّ، فليس إلى خلاف الإجماع سبيل، كصوم الشيعة يصومون آخِرَ يومٍ من شعبان ويفطرون آخِرَ يومٍ من رمضان، فهذا فاحش، وأهل الدعوة (1) يكرهون القنوت في الصلاة».
وتحدّث الإمام نور الدين السالمي عن آراء الإبَاضِية في التعامل مع غيرهم من أصحاب المذاهب، نستطيع أن نستخلص منه ما يلي:
1 - نرى حق الوالدين،وحق ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق أبناء السبيل، وحق الصاحب، وحق الجار، وحق ما ملكت أيماننا أبرارًا كانوا أو فجارًا.
2 - نؤدي الأمانة إلى من استأمنها عليها، من قومنا (2) أو غيرهم.
3 - نوفي بعهود قومنا ةوأهل الذمَّة وغيرهم.
4 - نجير من استجارنا من قومنا وغيرهم.
5 - يأمن عندنا منهم الكافُّ عن القتال، المعتزل بنفسه.
6 - ندعوا إلى كتاب الله، ومعرفة الحق وموالاة أهله، ومفارقة الباطل وعاداة أهله.
7 - من أنكر حق الله واستحبّ العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعاندهم، فارقناه وقاتلناه حتَّى يفيئ إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته.
8 - من أنكروا حق الله، واستحبّ العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعاندهم، لا نستحل سبي نسائهم، ولا قتل ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، ولا قطع الميراث منهم.
9 - لا نرى الفتك بقومنا، ولا قتلهم غيلة في السر لأنَّ الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين.
__________
(1) - كلمة (أهل الدعوة) هي الاصطلاح الذي يطلقه الإبَاضِية على أنفسهم في الغالب.
(2) - كلمة قومنا يريد بها الإبَاضِية أصحاب المذاهب الأربعة في الغالب وقد تطلق على جميع مخالفيهم من المذاهب بالدلالة السياق أو القرائن. (1/323)
صفحة 324
10 - نرى أنَّ مناكحة قومنا ومراريثهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا.
11 - لا نرىأن نقذف أحدً ا مِمَّن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنَّه فعله.
12 - لا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة.
13 - لا نرى قتل الصغار من أهل القبلة ولا غيرهم.
14 - لا نستحل فرج امرأة تزوجها بكتاب الله وسنة نبيّه حتَّى يطلقها زوجها أأو يتوفّى عنها، وتعتد عدة الطلاق أو الوفاة.
16 - لا نرى الولاية إِلاَّ لمن علمنا منه الوفاء بما وججب عليه من دين الله.
17 - نبرأُ من المصرين على المعاصي من أهل دعوتنا وغيرههم حتَّى يراجعوا التوبة ويتركوا الإصرار.
18 - نتولّى من لم ندرك من المسلمين ولم نره متهمًا بشهادة المسلمين.
19 - نبرأ مِمَّن لم ندرك من أئمة الظلم وممن لم نره منهم، ومن أوليائهم، بشهادة المسلمين.
20 - نرضى من ملوك قومنا أن يتقوا الله، ولا يتبعوا أهواءهم، ولا يجحدوا سنة، ولا يصروا على ذنب بعد معرفة، وأن يضعوا الصدقة والفيء حيث أمرهم الله.
21 - نرضى من السبابة وهم الشيعة، أن يتقوا الله، ولا يفارقوا من لم يحكم إلاَّ الله في أمر قد حكم الله فيه، ولا يتولّى من ترك حكم الله رغبة عنه وحكم غير الله.
22 - ونرضى من الخوارج أن يتَّقوا الله: ولا يعشموا في دينهم، ولا يرغبوا عن سبيل من هدى الله قبلهم، وأن لا يتولوا قومًا ويخالفوا أعمالهم، وأن لا يفارقوا من سار بسيرة قوم يتولَّونهم.
23 - ونرضى من المرجئة أن يتقوا الله ربهم، وأن يؤمنوا للمؤمنين في ولاية من لم يدركوا من المسلمين، والبراءة مِمَّن لم يدركوا من أئمة الظلم، فيتولّى بشهادتهم، كشهادة من يشهدون اليومعليهم بالضلالة. وأن لا يسموا الحكام بغير ما أنزل الله من أسمائهم.
24 - ونرضى من أهل السنَّة، أن يتقول الله، وأن يقروا بحكم القرآن، ويوقنوا بوعده، وأن يستحلوا من أهل البغي والعداء والظلم ما أحلَّ الله من فرقهم وقتالهم حتَّى يتوبوا. (1/324)
صفحة 325
25 - ونرضى من البدعية أن يتقوا الله ربّهم، وأن يعلموا بسنة رسول اللهy. ويتولوا على العمل بها. وإن ضعفوا عنها.
26 - ونرضى من سائر قومنا أن يتقوا الله ربهم، ولا يجعلوا حكمه تبعًا لحكم قومهم، وأن لا يتمسّكوا بطاعة قوم يعصون الله، فإنَّ الله لم يأذن لأحد أن يعطي عهده من يعصي أمره.
راجع تحفة الأعيان الجزء الأول. ابتداء من ص81.
ولعل القارئ الكريم ــ بعدما عرضت عليه ــ يرى أنَّ الإبَاضِي يعتبر جميع المسلمين من مختلف مذاهبهم إخوة له يتساوون معه في الحقوق والواجبات، وهو يعترف لهم بجميع الحقوق التي أوجبها الله للمسلم ويفي لهم بها، ويطالبهم بجميع الواجبات التي أوجبها الله على المسلم ويدعوهم إلى القيام بها، ولا يتردَّد إِلاَّ في حق واحد وهو الاستغفار، فهذا الحق ــ وحده ــ يراه الإبَاضِي حقًّا خاصًّا بالمؤمن الموفي بدين الله لا يمكن أن يمنح للمتهاون الذي يرتكب المعصية، سواء كانت معصية فعل، أو معصية ترك، أو معصية تأويل. ــ ما لم يتب منها ــ أمَّا في غير هذا فالمسلمون في جميع مذاهبهم متساوون في الحقوق والواجبات، اللهمَّ إِلاَّ بالنظر إلى من ارتكب ما يخرجه من الإسلام جملة بما أجمع المسلمون جميعًا على اعتبارهم مخرجًا من الملَّة كإنكار معلوم من الدين بالضرورة وهم في هذا لا يفرقون عن بقيَّة المذاهب الاسلامية جملة وتفصيلاً. ولم يبلغ به الحال ما بلغ الغلو والشطط ببعض المتفقهة حين منعوا الصلاة وراء وعلى مخالفيهم والدفن في مقابرهم والتناكح معهم وقد رأيت أمثلة من ذلك في صدر هذا الكتاب.
المنزلة بين المنزلتين
قال المستشرق نلينوا: (1/325)
صفحة 326
إِلاَّ أنَّ هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الإبَاضِية في شمال إفريقيا عن مذهب المعتزلة، أولهما بالضرورة هي تلك المتعلقةبالطريقة التي يعتبر بها مرتكب الكبائر: وإلاَّ كان على الإبَاضِية، وهم هوارج، أن ينكروا أصلهم إنكارًا تاما إنَّ شاءوا أن يعتبروا مرتكب الكبيرة المسلم مؤمنا كما فعل أهل السنَّة والجماعة، أو إنَّ قالوا بالمذهب القائل بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر بل هو في منزلةٍ بين المنزلتين كما يقول المعتزلة. ولهذا فإن الشيخ عامر يقول في ص120: «ندين بأنَّ لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر».
بدا لي أنَّ كلام المستشرق غير واضح وأن استشهاده في غير محله يل ربما خطر لي أنَّه لم يفهم مذهب الإبَاضِية في موضوع الكبيرة أو المنزلة بين المنزلتين وأن لا منزلة بين المنزلتين ولذلك أحببت أن أزيد الموضوع شيئًا من الايضاح بما ورد في الموضوع من كلام الأئمة.
يقول أبو محمَّد عبد الله بن سعيد السدويشكي في حاشيته على متن الديانات لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي ــ وهو الكتاب الذي استشهد به المستشرق نلينو واعتمده ملخصًا عقائد الإبَاضِية ــ «المنزلة بين المنزلتين».
«قوله ندين بأنَّ منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، يعني أن المنافق ليس بمشرك ولا بمؤمن بل هو موحد، وخالف في ذلك الأشعرية زاعمين أنَّ لا منافق إِلاَّ منافق العصر (1) وهو عندهم مشرك لأَنَّهُ يظهر الإيمان ويخفي الشرك».
ويقول بعد أسطر:
«والذي عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الإعتقاد فلا فرق بين منافق العصر وغيره من عصاة الموحدين».
ومضى يحتج لهذا المذهب حتَّى قال:
«
__________
(1) - يقصد به عصر النبيءy. (1/326)
صفحة 327
وأنَّ منزلة بين المنزلتين إلخ الحاصل أنا نقول بمنزلة النفاق بين منزلة الإيمان والشرك ونقول بأن لا منزلة بين الإيمان والكفر، والمخالف في الأصل الأوَّل الأشاعرة، حيث أخجلوا المنافق في المشرك ولم يجعلوه واسطة بين المؤمن والمشرك وتقدم الكلام عليه، والمخالف في الأصل الثاني المعتزلة حيث جعلوا الفسق منزلة بين الإيمان والكفر، فقالوا إنَّه كالأبلق لا يسمى لما به من السواد أبيض ولا يسمى لما به من البياض أسود».
واستمرَّ يحتجُّ لهذا المذهب حتَّى أورد القصَّة الآتية:
«قال في السؤالات قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن خليفة رضي الله عنه: التقيت مع التقيوسي بنفطة فجرت بيننا محاورة ومناظرة حتَّى قال: عجبًا منكم أبا عثمان؟ لم تسمون صاحب الكبيرة كافرًا؟ لم لا تسمون ضالاًّ فاسقًا ولا تسمونه كافرًا؟ ــ وكان فقيهًا نحويًّا ــ فقلت له: تسمونه فاسقًا؟ قال: نعم! فقلت كيف قال الله تعالى في سورة السجدة؟ قال: وكيف قال؟ فقلت قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُومِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ} فَلَمَّا فَهِمَهَا وعاها قال: «والله لقد ذكَّرتني شيئًا لقد نسيته، وعلم أنَّ الكفر والفسق واحد».
بعد هذا حبّ أن أضع بين يديك أيُّها القارئ الكريم بعض ما قاله إمام آخر من أئمة الإبَاضِية في القرن الخامس الهجري هو: تبغورين بن داود بن عيسى الملشوطي وكتابه من أهمّ المصادر في هذا الموضوع، قال:
الأصل الخامس
في المنزلة بين المنزلتين (1/327)
صفحة 328
وهو النفاق بين الشرك والإيمان، وقد اجتمعت الأمة على أنَّ المنافقين كافرون، وأنهم في الدرك الاسفل من النار وأنهم مع النبيءy والمسلمين في البيوت والدور، يحجون معهم، ويجاهدون معهم كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنْ اَهْلِ الْمَدِينَةِ مردوا عَلَىا النِّفَاقِ}(التوبة: 101) ثُمَّ بيّن الله منزلتهم في غير موضع من كتابه فوضع الناس على ثلاث منازل في قوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقُاتْ، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَىا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَففُوراً رَحِيماً}(الاحزاب: 73) فوصف المنافقين بالذبذبة فقال: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَالِكَ لاَ إِلىَا هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلىَا هَؤُلاَءِ}(النساء: 143) يريد إلى المسلمين في الاسم والثواب والوفاء، ولا إلى المشركين في الحكم والسيرة والجحود والانكار.
ونقض هذا الكتاب وهذا الاجماع كثير من الأئمَّة مِمَّن زعم أنَّهم مشركون مظهرون التوحيد، كاتمون الشرك، إِلاَّ الإبَاضِية وفرقة من الزيديَّة والحسينيَّة.
وقد بيّن الله المنافقين أنَّهم أصابوا النفاق بخصال شتَّى، وإنَّما كان أوَّل النفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسماهم الله المنافقين ــ اسم لم يسم به أحدا من ملل الشرك ــ وفيهم نزل: {فَمَا لَكُم فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسُهُم بِمَا كَسَبُواْ}(النساء:88) اسم اسلامي شرعي مأخوذ من النفق، وهو خروج الشيء من حيث لم يدخل كما يقال نفق اليربوع إذا خرج من غير بابه، ونفق هلك، ونفقت الدابة ونفق المال هلك.
وأول ما سبق من الشيطان النفاق حيث أبا السجود ثُمَّ دعا إلى عبادته فصار إبليس شيطانًا مريدًا مشركًا.
ومن المنافقين من أصاب النفاق بإيذاء التبيءy في الصدقات:
{ (1/328)
صفحة 329
فَإِنْ اَعْطَوْا مِنْهَا رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون}(التوبة:58) يطعمونها منهم بتوحيدهم مع المومنين ولو أنَّهم مشركون ما طعموا في الصدقات ولا يرونها.
ومنهم من نافق بمنعه الصدقة مثل ثعلبة وغيره كما أخبر الله تعالى عنه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنَّ ولنكوننَّ من الصالحين ... فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}(التوبة:85-87) وبعد مناقشة لمعنى يكذبون ويكذبون على اختلاف القراءات قال:
ومنهم:{الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلاَّ جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}(التوبة:79) ومنهم المخلفون عن رسول الله y في الجهاد رغبوا بأنفسهم عن نفسه {وَقَالُوا لاَ تَنْفُرُواْ فِي الْحُرِّ}(التوبة: 81) وقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حرًّا}()، وعيدًا لهم.
وقالوا: {لاَ يَاتُونَ الصَّلَوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىا، وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}(التوبة: 54).
وقال: {أَشِحَّةٌ عَلَىا الْخَيْرِ} يعني والصدقة والجهاد في سبيل الله.
فبهذا وأمثاله سماهم الله منافقين وأخبر عن ةصلاتهم وقال: {لاَ يَاتُونَ الصَّلَوة إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىا}() والمشركون لا يصلون كسالى ولا نشاطى ولا نشاطى.
ومضى المنشط في سرد الأدلَّة حتَّى قال:
{وقالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتَّى ينفضوا}()، {وقالوا ما وعدنا الله ورسوله إِلاَّ غرورًا}() أي قالو غرنا الله ورسوله وكان يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا يقدر أحدنا أن يخرج إلى حاجة الإنسان لشدة حصر الأحزاب لهم في المدينة.
ومنهم {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقابين المومنين}() للمسلمين وحرسا لليهود وحمية كانت لهم في الجاهلية واتخاذا لجاه عندهم. (1/329)
صفحة 330
بهذا أخبر الله عن المنافقين في كتابه وسنة رسوله y وقال رسول الله y «ثلاث من كن فيه فهو منافق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف» وأنثال هذا من الأحاديث عن النبيء y كثير في المنافق.
فليس هو كما قال من قال: النفاق إظهار التوحيد وكتمان الشرك، وجعلة=وا النفاق شركا لا يتم إِلاَّ بالتوحيد، ولم نعلم شيئًا يكون مثل هذا، شيء لا يتم إِلاَّ بضده وخلافه ولا يتم بأحدهما دون الآخر.
وفي أحكام الله ورسوله في المنافقين مايبين ويثبت أنَّهم موحدون وليسوا بمشركين، وفيهم نزلت الحدود بالسياط وقطع يد السارق والرجم والقذف والقتال إنَّ لم ينتهوا من إظهار نفاقهم وما به ضلةا وزلوا».
الأصل السادس
لا منزلة بين المنزلتين
وذلك أنَّ معناهم لا منزلة بين المنزلتين: أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدان كالأضداد كلها، شبه الحركة والسكون والحياة والموت.
وقد أجمعت الأمة في أصلهم على أن من ليس بمؤمن فهو كافر لقول الله تعالى:
{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مومن}() وقوله: {إما شاكرا وإمَّا كفورا}() وقوله عن سليمان عليه السلام: {ليبلوني أأشكر أم أكفر}() وقال: {فمنهم شقي وسعيد...}إلخ () وقال: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حقَّ عليهم الضلالة}() يعني سعداء وأشقياء. وقال: {يوم نبيض وجوه وتسود وجوه، فَأَمَّا الذين اسودَّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم، فذقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وَأَمَّا الذين ابيضَّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}() وقال في موضع آخر: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة}() ومثل في القرآن كثير وفي سنة رسول الله (ص). وفي لغة العرب أنَّ من ضيَّع شكر نعمة الله فقد كفر نعمته وذلك موجود في أشعارهم، قال الشاعر:
نبئت عمدًا غير شاكرٍ ... نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس ... المنعم (1/330)
صفحة 331
وفي خطبهم ومخاطبتهم، فنقضت ذلك المعتزلة ومن قال بقولهم إنَّ أهل الكيائر ليسوا بمومنين ولا كافرين وأنهم فاسقون في النار مخلدون، ومثل هذا كثير من اختلاطهم وتناقض مذهبهم فثبتنا على الأصل المجتمع عليه نحن وإياهم، على أنَّ من ليس بمومن فهو كافر، وأن الكفر ضدَّ الإيمان كالحياة والموت ولا يخرج من أحدهما إِلاَّ ودخل في الآخر ولو جاز أن يخرج من الكفر ولم يدخل في الايمان لجاز أن يخرج من الثواب والجنَّة ولا يدخل في النار ولا يكون من أحدهما ــ وهو مكلف صحيح العقل ــ فيكون لا شقيًّا ولا سعيدًا، ولا موحدًا ولا مشركًا، ولا صالحًا ولا طالحًا، لأنَّ هذه الأضداد التي لا ينفكُّ عنها الناس، هذه القضيَّة ــ عند الإبَاضِية ــ واضحة شديدة الوضوح رغم الخلافات الكثيرة فيها بين فرق الأمة فالناس على ثلاثة أقسام:
1 - القسم الأوَّل هم المؤمنون وهم الأوفياء بإيمانهم الملتزمون بجميع ما جاء به الاسلام ــ عملاً وتركًا ــ وبهم يقوم المجتمع المسلم في الدنيا وبهم تناط الرسالة الإسلامية وبهم وحدهم تحفظ حرم الله وتقام حدوده. ويو القيامة هم في دار النعيم جزاء لهم على إيمانهم وعملهم الصالح.
2 - لقسم الثاني وهم المشركون الواضحون في شركهم سواء كان ذلك بإنكارهم لوجود الله تبارك وتعالى أو لإشراكهم غيره معه في العبادة وبهؤلاء يقوم المجتمع المشرك في الدنيا وإليه توجه الدعوة إلى الإسلام والقتال لتأمينها ويوم القيامة هم في دار الخزي والعذاب الأليم بعدم إيمانهم وسوء عملهم.
3 - الفريق الثالث هم قوم أعلنوا كلمة التوحيد وأقروا بالاسلام ولكنهم لم يلتزموا به سلوكًا وعبادة فهم ليسوا مشركين لأنَّهم يقرون بالتوحيد وهم ليسوا بمؤمنين لأنَّهم لا يلتزمون ما يقتضيه الإيمان، فهم مع المسلمين في أحكام الدنيا لإقرارهم بالتوحيد، وهم مع المشركين في أحكام الآخرة لعدم وفائهم بإيمانهم ولمخالفتهم ما يستلزمه التوحيد من عمل أو ترك. (1/331)
صفحة 332
وقد أطلق الله تبارك وتعالى على هذا النوع من الناس تسمية جديدة لم تكن معروفة في الشرائع السابقة وذلك حينما اختلف المسلمون في أولئك الذين أقرُّوا بالإسلام وتخلفوا عن الهجرة فاعتبرهم بعضهم مشركين لتخلفهم عن الهجرة واعتبرهم آخرون مؤمنين لإقرارهم بالتوحيد فأنزل الله قوله تبارك وتعالى: {فَمَا لَكُم فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسُهُم بِمَا كَسَبُواْ أتريدون أن تهدوا من أضلَّ اللهَ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}(النساء:88) إلى آخر الآيات الكريمة. وقد رسم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة صورًا واضحة للمنافقين تنجلي للمسلمين في كلّ عصر ومن الصفات التي جعلها القرآن الكريم ملازمة للنفاق ما يلي:
التكاسل عن إتيان الصلاة، والإنفاق على كره، الكذب على الله ورسوله، الحنث في اليمين، الطمع المزري، الحيرة والارتباك، شدَّة الجبن، احتمال المذلَّة، شهادة الزور، التخلف عن الجهاد وعن أداء الواجبات باختلاق المعاذير، السخريَّة من الضعفاء والفقراءن توقع انكشاف سلوكهم الحقيق للناس، وإيذاؤهم بالكذب والاشاعة بين أفاضل الأمة، ابتغاء الفتنة، تظاهرهم بالستقامة، فرحهم بالمغانم، جزعهم عند المغارم، إخلافهم للوعد وخيانتهم للعهد، إلى غير ذلك.
والقرآن الكريم في أكثر مناقشاته لهم إنما ينعى عليهم إخلالهم بالجوانب العلمية وكذلك السنَّة المطهرة مِمَّا يدل دلالة واضحة أنَّ النفاق يعني الاخلال العملي بما يقتضيه الإيمان ممي يقر التوحيد.
وبناء على هذا ومثله فقد استعمل الإبَاضِية كلمة النفاق للدلالة على المعاصي العلمية وأطلقوها على من ارتكبها في أي زمان وكان هذا النوع من الناس يعيش في المجتمع المسلم في عهد الرسولy وفيما بعده من عهود ولكن وجودهم ــ في الدنيا ــ داخل المجتمع المسلم لم يبعد عنهم آيات الوعيد الشديدة التي التي تناولتُهم في كلّ مناسبة بل جعلتهم في الدرك الاسفل من النار. (1/332)
صفحة 333
وقد أطلق الإبَاضِية على هذا القسم الثالث اسم المنافقين وكفار النعمة اعتمادًا على الادلَّة الكثيرة في هذا الموضوع من الكتاب والسنة لكن أكثر المذاهب الأخرى لم تقف هذا الموقف فذهب بعضها إلى أنَّ المنافقين مشركون أمَّا أصحاب المعاصي العملية ــ فعلاً وتركًا ــ فهم مؤمنون وذهبت وذهبت مذاهب أخرى إلى أنَّ أصحاب المعاصي العملية هم فساق وليسوا مؤمنين ولا مشركين ولا منافقين وذلك رغم أنَّ القرآن الكريم يقول:
{والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنَّ المنافقين هم الفاسقون}().
فأنت ترى أيُّها القارئ أنَّ القرآن الكريم وصف المنافقين بمعاص عملية هي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل عن الانفاق والاعراض عن الله ثُمَّ أكَّد بِ«أنَّ» و«ضمير الفصل» أنَّ المنافقين هم الفاسقون.
ثُمَّ قال تبارك وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}().
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}() {ومن لم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}().
وتأمل أيُّها القارئ الكريم في الآيات الثلاثة السابقة تجد أنَّ المولى تبارك وتعالى جعل الظلم ــ وهو معصية عملية سببا للحكم على مرتكبه بأنَّه كافر وفاسق أو ظالم وقد سبق لك أن عرفت في الآية السابقة أنَّ الله تبارك وتعالى جعل المنافقين والفاسقين فريقًا واحدًا بصيغة التأكيد ويتضح لك من هذا جميعًا أنَّ النفاق والكفر ــ كفر النعمة ــ والفسوق والظلم تصلح لمعنى واحد ويعامل صاحبها في الدنيا معاملة واحدة وفي الآخرة يكون لها مصير واحد.
هذا أهم ما بدا لي ذكره في هذا الموضوع وأرجوا أن يكون واضحًا بالمقدار أردته وسعيت إليه.
على أنني أحب أن أختم هذا الفصل بكلمة قصيرة لقطب الأئمة الشيخ محمَّد اطفيَّش فقد جاء في كتابه القيم «شامل الأصل والفرع» ص25 ما يلي:
« (1/333)
صفحة 334
والنفاق لغة الخروج من غير المدخل، وإخفاء غير ما أظهر، وشرعًا مخالفة الفعل القول، أو السر العلانيَّة، والمنافق عندي من أظهر التوحيد وأخفي الشرك عليه أحمل ما ورد في القرآن، ومن عمل كبيرة دون الشرك، وقصره أصحابنا على الثاني وقومنا على الأول» وعلق الإمام أبو إسحاق على هذا بقوله: «وردت أحاديث كثيرة في إطلاق النفاق على الكبائر الملية، كما وردت في إطلاق الكفر عليها. ولهذا فقد أطلق أصحابنا النفاق عليها كما أطلقوا الكفر فصار النفاق فيها مرادفًا لكفر النعمة. أمَّا غير أصحابنا فقد تكلفوا تأويلات في تلك الأحاديث فحصروا الكفر والنفاق في الشرك، روى البخاري وأبو مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن ابن عمرو أنَّ رسول الله y قال:
«أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا: ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتَّى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
مسائل فقهيَّة اجتهاديَّة
تحت هذا العنوان سوف نستعرض بعض المسائل الفقهيَّة الاجتهاديَّة التي يجوز فيها الخلاف ولا يقطع فيها العذر ومع ذلك فقد أوردها بعض كتاب المقالات السابقين في مقام التشنيع على الإبَاضِية.
من ذلك ما ذكره محمَّد بن حزم فقد جاء في كتابه: الفصل بين الملل والنحل، ص189 ما يلي:
«وشاهدنا الإبَاضِية عندنا بالاندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارًا فاحتلم، ويتيممون على الآبار التي يشربون منها إِلاَّ قليلا منهم».
هذه أحكام فقهيَّة في مسائل فرعيَّة كما يرى القارئ الكريم، ولا شكَّ أن ابن حزم أوردها هنا تشنيعًا على الإبَاضِية، وقد أوردها بأسلوبه يشوبه شيء من الغموض والابهام شأن أكثر من كتب عن الإبَاضِية ساخطًا عليهم، حتلى يجعل من المسألة التافهة مسألة ذات قيمة، وحتى يوهم الناس أنَّ هذه الفرقة مولعة بالمخالفة حتَّى في أوضح الواضحات. (1/334)
صفحة 335
العالم الكبير تختلف فيه الفرق بعضها عن بعض في مجال العقائد، وكان معقولاً ألا تذكر ــ في مجال هذه المباحث ــ الفروع الفقهية التي هي مجال البحث والاجتهاد والخلاف بين الفقهاء حتَّى من المذهب الواحد لكن ابن حزم لم يلتزم بهذا المسلك المعقول وليته حين عرض المسائل الفقهيَّة الفرعيَّة ــ عرضها بوضوح وتفصيل وصدق.
ولعل القارئ الكريم يتوق إلى معرفة ما يقوله الإبَاضِية في تلك المسائل، وهل كان ابن حزم أمينًا نزيهًا في نقلها ونسبتها؟ لكي يتضح ذلك سوف نستعرضها واحدة واحدة كما يلي:
1 - طعام أهل الكتب: ذكر ابن حزم أنَّه شاهد الإبَاضِية عندهم في الاندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ذكر هذا الحكم هكذا مجرَّدًا في هذا الاسلوب المبهم دون أن يعني بأي تفصيل أو إيضاح. وموضوع طعام أهل الكتاب، فيه مباحث طويلة بين علماء الأمة وفقهائها، جميعًا لا بين فقهاء الإبَاضِية فحسب، وفي جميع البلدان الاسلامية لا في الاندلس فقط وعندما يتحدَّث الفقهاء عن طعام أهل الكتاب فهم يقصدون الذبائح بالدرجة الأولى.
علماء الأمة جميعًا ومنهم علماء الإبَاضِية لا يختلفون في أنَّ طعام أهل الكتاب حللال للمسلمين عندما يكون أهل الكتاب تحت الذمة، أي تحت الحكم الإسلامي، خاضعين لرقابته. ولا يختلف الإبَاضِية عن غيرهم من المسلمين في هذا الحكم للنص القرآني الكريم:
{اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المومنات، والمحصنات من الذين أوتعوا الكتاب من قبلكم، إذا أتيتموهنَّ أجورهنَّ، محصنين غير مسافحين، ولا متخذي أخذان، ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين}(). (1/335)
صفحة 336
ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية يخالف النص، ويقول بتحريم اهل الكتاب هكذا على الاطلاق ــ كما ادعى ابن حزم ــ ولكن منهم من يشترط لحلية ذبائح أهل الكتاب أن يكونوا تحت الذمَّة أي تحت إشراف الدولة المسلمة ورقابتها. فإذا كانوا كذلك حل طعامهم ونكاح الحرائر من نسائهم أمَّا إذا خرجوا عن الذمَّة، بأن لم يكن بينهم وبين المسلمين صلة ولا علاقة أو كانوا محاربين لله ورسوله، أو كانوا مؤيدين لمن يحارب الله ورسوله، مساعدين له، فإنَّه يحل طعامهم أي ذبائحهم، ولا نكاح الحرائر من نسائهم كما هو الحال في وقتنا الحاضرلمن لم يكن تحت الحكم الاسلامي، ومن علماء الإبَاضِية من يعمل بعموم الآية فيجيز ذلك على جميع الأحوال.
ولا شكَّ أنَّ المسألة مسألة فرعيَّة اجتهاديَّة تحدَّث عنها علماء الإبَاضِية وغير الإبَاضِية بإسهاب وتطويل واختلفت فيها آراؤهم ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية ةلا في القديم ولا في الحديث يحرم طعام أهل الكتاب إذا كانوا تحت الذمَّة أو تحت رقابة الأمة المسلمة في أي عهد من العهود. وممن يفتي بتحريم ذبائح أهل الكتاب في الوقت الحاضر لأنَّهم ليسوا تحت الذمَّة: مفتي الجمهوريَّة العربية الليبيَّة وقد أعلن ذلك بفتاوى وهميَّة عدَّة مرَّات ومما قاله: إنَّ المسلم لا يمكن أن يرفض الميتة لأنَّها جاءته عن يد مسلم ثُمَّ يتقبلها من يد مشرك بدعوى أنَّه من أهل الكتاب فذبائح أهل الكتاب عنده في هذه الحالة في حكم الميتة وهذا المفتي مالكي المذهب متمسِّك بمذهبه إلى حدّ التعصب مع احتلاامه للمذاهب الاخرى وأئمَّتها. (1/336)
صفحة 337
إنَّ ابن حزم يذكر أنَّه شاهد الإبَاضِية يحرمون طعام أهل الكتاب في الاندلس فإن كان ذلك من بعض الأفراد على سبيل لكراهية والتقزز فذلك جائز. وإذا كان ذلك مع الذين لم يكونوا تحت الذمَّة أي لم يكونوا تحت حكم الدولة الاسلاميَّة في الاندلس فذلك جائز أيضًا. أمَّا إذا زعم أنَّ ذلك كان مع أهل الكتاب وهم تحت الحكم الاسلامي في الاندلس فقوله غير صحيح إِلاَّ إذا كانت تلك المشاهدة منصبة على فرد أو أفراد من العوام الذين يلتزمون أحكامًا لا أصول لها ثُمَّ ينسبونها إلى دين أو مذهب ثُمَّ هم يتشدَّدون في ذلك أحيانًا تشديدًا يخالف يسر الاسلام. وهذه النماذج موجودة في كلّ مذهب وهم شواذ لا ينبني على رأيهم حكم، ولا يجري بهم حساب. (1/337)
صفحة 338
وبرجوع بسيط إلى مصادر الفقه الإبَاضِي ومراجعه وإلى تاريخهم يتضح للقارئ ذلك النقاش الدقيق الطويل الذي أخذه موضوع طعام أهل الكتاب وموضوع نكاح نسائهم، والرأي الذي استقرَّ عليه جمهورهم، ويتضح له موقفهم من حلية طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم مطلقًا. أو وهم تحت الذمَّة، وسيجد وقائع تاريخية كثيرة تشهد أنَّ بعض علمائهم أكل طعام أهل الكتاب وتزوَّج من نسائهم وهنَّ تحت الذمَّة كما يجد وقائع أخرى تشهد أنَّ بعض علمائهم تعامل مع أهل الكتاب بهذا الأسلوب وهم معاهدون وليسوا ذميين. على أنَّ الموضوع اليوم، في عصرنا الحاضر ــ وقد تكالب أهل الكتاب كلّهم على محاربة المسلمين بجميع وسائل الحرب ــ يجب أن يرجع فيه المسلمون إلى رأي المانعين. وقد رجح هذا الرأي بالفعل كثير من العلماء المعاصرين من مختلف المذاهب ومن المستقلين، ويتشدَّد الكثير منهم في الطعام الذي يقدم في مطاعم أوروبا وأمريكا وغيرها إذا كان مشتملاً على اللحوم، ويشدد بعضهم المكير على الطلبة الذين يدرسون هناك، ويقيمون مددًا طويلة تشديدًا يجعلهم يلتزمون بشراء اللحم من قصابين مسلمين، ولو كبدهم ذلك تعبًا وعنتًا. مِمَّا جعل بعضهم يستغني عن اللحم ويقتصر على السمك والبيض ونحوه.
وعلماء الإبَاضِية اليوم يقفون نفس الموقف من هذا الموضوع، يتفقون على حلية طعام أهل الكتاب عندما يكونون تحت الذمَّة ومنهم من يحرم طعام أهل الكتاب المحادين، ويشدد في التحريم، ومنهم من يتساهل ويجيز عملاً بالعموم في الآية الكريمة.
أمَّا موضوع نكاح أهل الكتاب أي الزواج من الكتابيات فالمشر لم يشر إلى مقالة الإبَاضِية فيه وهو مرتبط بموضوع الذبائح. (1/338)
صفحة 339
وبقطع النظر عن سلوك الإبَاضِية وغيرهم في ذلك الحين، فإنَّ عدم تحريم الزواج من أهل الكتاب في العصر الحاضر، يكون مشكلة اجتماعيَّة وسياسيَّة ودينيَّة خطيرة. ولو أباح الاسلام الزواج منهنَّ مطلقًا فإنَّ المصلحة في هذا العصر تقتضي الاستغناء عن ذلك المباح، والابتعاد عنه، وأنا أرى ــ إذا كان لما أراه حساب ــ إنَّ آراء المانعين منه أصوب، وتحريمه إلى روح الشريعة أقرب.
ولعل مِمَّا يفيد القارئ الكريم أن أنقل له أقوال بعض الأئمة، جاء في عقيدة التوحيد التي ترجمها عمروا بن جميع ما يلي:
فإن استكانوا لذلك ودفعوها ــ أي الجزية ــ حرمت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم وأطفالهم غير البالغين، وحل للمسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم، وإن لم يستكينوا لذلك، ولم يعطوها حلَّت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وحرم على المسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم».
قال قطب الأئمة في شرحه لهذه العبارة من العقيدة ما يلي:
«وما ذكره المنصف هو مشهور المذهب، وفي المذهب قول آخر هو أنَّه تحل ذبائحهم ونكاح حرارئرهم ولو لم يعطوا الجزية، ولو حاربوا عن اطلاق القرآن عن اشتراط الجزية، ونزل القرآن وهم محاربون ولم يشترطها. وهو قول قومنا وبعض أصحابنا وهو الصحيح» أحسب أنَّ هذا يكفي للردّ على ما زعمه محمَّد بن حزم في هذا الموضوع وقد رأيت كيف أن أقطب الأئمة وهو من آخري مجتهدي الإبَاضِية يرجح الجواز مطلقًا، ومن الأئمة المعاصرين الذين يذهبون إلى استحلال طعام أهل الكتاب دون قيود أو شروط أستاذنا الفاضل الإممام بيوض إبراهيم بن عمر فقد كان يفتي بأنَّ طعام أهل الكتاب ومنها ذبائحهم كيفما كانت طريقة ذبحهم حلال للمسلمين لأنَّ الله أطلق الاباحة ولم يقيّدها بأي شرط ولم يكلف المسلمين بالبحث عنهم أو التفتيش عن طريقتهم في الذبح وكل ما يجب على المسلمين حسب نظره هو التأكد من أهل الذبائح أهل كتاب وليسوا مشركين أو ملاحدة.
2 - قيب التيس: (1/339)
صفحة 340
ويقول ابن حزم: «ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش» لست أدري لماذا هذا الاهتمام الكبير من العالم الكبير، بهذه الألياف التي لا يعمد إلى أكلها أحد، ولا يستسيغها أحد، سواء كانت حلالاً أو حراماً. وقد صدق ابن حزم في هذه القضيَّة فإنَّ الإبَاضِية يبعدونها لسببين: السبب الأوَّل أنَّها أشياء قذرة تقزَّز منها النفوس، وينفر منها الطبع السليم وليس فيها ما يغري على الأكل، أو يفيد الجسم.
الثاني: أنَّها حاملة بول ولا تخلو منه، والبول ــ عند كثير من المذاهب منها الإبَاضِية ــ نجس لأَنَّهُ قذر خبيث، وقد حرّم الله تبارك وتعالى الخبائث. فامتناع الإبَاضِية عن أكل تلك القضبان وتقديمها على موائدهم وفي ولائمهم، يرجع إلى أنَّها حوامل للخبيث، وأنها مستقذرة على كلّ حال، أمَّا موضوع الحكم بنجاسة بول ما يؤكل لحمه فهو أيضًا فقهي فرعي اختلفت فيه أنظار المجتهدين، وتعدّدت اقوالهم وطال فيه النقاش والبحث، واستقرّت الإبَاضِية على القول بالتحريم والنجاسة، وهم لا يقطعون فيه عذر من خالفهم لأنَّها مسألة فرعيَّة.
3 - القضاء على المحتلم: (1/340)
صفحة 341
ويقول ابن حزم: «ويوجبون القضاء على من نام نهارًا فاحتلم» وليس الأمر هكذا بالاجمال كما زعم ابن حزم وإنَّما يوجبون القضاء على من أصبح جنبًا مع شيء من التفريط عملاً بالحديث الشريف الذي رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك في الموطإ، فهم يرون أنَّ الصائم الذي ينام فتصيبه الجنابة يجب عليه عند الاستيقاظ المبادرة إلى الاغتسال، ولا شيء عليه إذا لم يهمل أو يتهاون، أمَّا إذا أهمل الغسل أو تهاون فيه فيجب عليه القضاء لأَنَّهُ ضيَّع، وكذلك من أصابته جنابة بالليل فنام على نيَّة أن يقوم قبل الفجر للتسحّر أو التطهّر فغلبه النوم فأصبح جنبًا، يرى بعض الفقهاء أنّ عليه القضاء لأَنَّهُ أهمل دون أن يتعمَّد الإهمال أو التهاون، ويدرأون عنه الكفارة، ويرى البعض اللآخر من الفقهاء أنَّه يجب عليه المبادرة إلى الاغتسال ولا شيء عليه إذا لم يتهاون أو يهمل، فإذا وجبت عليه الجنابة في ليل أو نهار ثُمَّ تهاون فلم يغتسل فإنَّ عليه القضاء، ويدرأون عنه الكفارة في جميع الأحوال، وقد أوضح العلامة نور الدين السالمي هذا الموضوع في شرحه على المسند فقال:
«والحكم بالافطار على من أصبح جنبًا هو قول الإبَاضِية، رواه المصنف عن جملة من أصحاب رسول اللهy كما رواه عن عروة بن الزبير والحسن والبصري، وإبراهيم النخعي، من سادة التابعين، وحكماه ابن المنذر عن طاوس وقال ابن بطال: هو أحد قولي الشافعي. وحكى ابن المنذر أيضًا عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر، أنَّ من أصبح جنبا عليه أن يتم صومه ثُمَّ يقضيه.
وروى عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما، ونقل عن الحسن بن صالح وعن النخعي: إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع». (1/341)
صفحة 342
هذا تحرير المقام وهو كاف في الموضوع وابن حرم أصاب الحقيقة حين نسب هذا القول إلى إلى الإبَاضِية ولو أنَّه جاء به في صيغة إجمالية مبهمة بين مجموعة من المسائل منها ما لا يقول به الإبَاضِية مطلقًا ومنها ما يقولون به ولكن ليس على الاطلاق الذي أورده ابن حزم.
4 - التيمُّم مع وجود الماء:
ويقول ابن حزم: ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها». ويخجلني أن أقول للعلامة ابن حزم إنَّ هذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحَّة فإن يكن سمعها من الغير فهي كذبة بلقاء جازت عليه، وإن زعم أنَّه عرف ذلك بنفسه ــ كما صرّح أنَّه شاهد ذلك بنفسه ــ فهو وهم من العالم الكبير ولا أحسبه يتجنى.
والذي يحملنا أن نقف هذا الموقف الذي لا يخلو من العنف هو أنَّ أكاذيب كثيرة جرت على أقلام شهيرة ضدَّ الإبَاضِية منها ما يناقض بعضها بعضًا، ومنها ما يكذّبه الواقع وتطلبه الحقائق المعروفة الثانية. مِمَّا يدلّ أنَّ تلك الأكاذيب صدرت عن مخيلات تتصور، ال عن مشاهدات تبصر أو حقائق تقع. كتب الإبَاضِية ــ وفي الطهارات خاصة ــ موجودة ومنتشرة في ابن حزم وقبل أن يوجد، وليس فيها ما يشتم منه أي نوع من التساهل في قضيَّة الطهارة والصلاة. وقد عرف الإبَاضِية قديمًا وحديثًا بتشدُّدِهِم في مسائل الطهارة وحرصهم عليه حتَّى أوجَبُوا ــ عمليا ــ الاستجمار قبل الاستنجاء وحتى أنَّهم لم يجوزوا المسح على الخفين، واعتبروا الاحاديث الواردة في الموضوع منسوخة بآية الوضوء.
وما اشتهروا به في سلوكهم وسيرهم من التشدد في الطهارة يقف حائلاً دون تصديق هذه الدعوى. بل إنَّ جميع من عاشرهم قديمًا وحديثًا يشهد لهم بتشدُّدِهِم في مسائل الطهارة عمومًا، وفي الوضوء والغسل خصوصًا. (1/342)
صفحة 343
وابن حزم في قوله هذا يزعم أنَّ الاكثرية منهم يتيمَّمُونَ وهم مقيمون على الآبار التي يشربون منها. فكيف عرف هذه الاكثريَّة؟ وكيف أتيح له أن يراهمَ على آبارهم يتيمَّمُون، فهل كان من عادتهم إذا أراد أحدهم الصلاة أن يذهب إلى البئر ثُمَّ يجمع التراب ويتيمَّم؟ إنَّه لو زعم أنَّه رأى فردًا أو أفرادًا أو حتَّى جماعةً منهم يفعلون ذلك لاحتمل كلامه التصديق. ويحتمل حينئذ أن يكون ذلك المتيمم أو المتيممون على البئر متهاونين بأحكام الطهارة أو معذورين بعذر شرعي خفي على ابن حزم. أمَّا أن يزعم أنَّ هذا عمل الاكثريَّة فهذا باطل من القول، تردُّه طبيعة السلوك عند المسلمين عمومًا، وعند الإبَاضِية خصوصًا.
على رؤية فرد أو أفراد يتهاونون بحد من حدود الله، من أي مذهب وفي أي عصر، أمر محتمل الوقوع، ولكن ذلك لا يدلُّ على أنَّه عمل الاكثريَّة من أصحاب ذلك المذهب، كما أنَّه لا يدلُّ أبدًا على أنَّ ما يفعله أولئكَ المتهاونون هو رأي أو قول في المذهب. فلو رأينا مجموعة من الناس من أي مذهب كان ــ إباضيًّا مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا أو غيرها ــ يصلون بدون طهارة أو يشربون الخمرة ــ مهما كان عدد تلك المجموعة ــ لم يصح لنا أن نقول أنَّ أكثرية المذهب الفلاني تفعل كذا أو تبيح كذا استنادًا إلى تلك المشاهدة، وإنَّما يجب أن تنسب الفعل إلى من يقوم به فقط.
لأنَّ ذكره في سياق الحديثعن آراء المذهب ومقالاتها يوحي بأنَّ قواعد المذهب هي التي تجيز ذلك العمل، وهذا خطأ واضح فاحش.
إنك الآن قد تدخل إلى بعض البلدان الاسلاميَّةفي رمضان فتجد المقاهي ومطاعم مفتوحة دائمة الحركة، والناس يتردَّدُون عليها يتناولون منها فهل يحقّ لك إذا رأيت ذلك في بلد يغلب على أهله مذهب معيَّن أن تقول أنَّ أكثريَّة أصحاب ذلك المذهب يأكلون في رمضان استنادًا إلى ما رأيته؟ (1/343)
صفحة 344
وفي العصر الذي كان يعيش فيه ابن حزم كان هناك في الاندلس مجالس للغناء والخمر يغشاها الناس بالعشرات والمئات ولا سيما في مجالس الأمراء والحكَّام فهل يصحّ لأحد ــ بناء على تلك المشاهدات ــ أن يقول أكثر المسلمين في الاندلس يغنون ويسكرون.
وفي هذا العصر اُعلِنُت فيه المعصية وأصبحت بعض الموبقات ترتكب جهارًا، هل نستطيع أن ننسب تلك الموبقات إلى أكثريَّة مذاهب أولئك العصاة المارقين، بل هل يحقُّ لنا أن نعرضها ونحن نذكر بعض ما تتميَّز به مذاهب عن مذاهب، أو تختصُّ به مذاهب دون مذاهب.
وعلى كلّ حال وبكل اعتبار، ومهما كانت التأويلات فإنَّ الحكم الذي أطلقه ابن حزم في قضيَّة التيمُّمِ غير صحيح ولا وجود له عند الإبَاضِية يقولون أنَّه لا يجوز التيمُم إلاَّ في حالة العجز عن استعمال الماء إمَّا لفقدانه وإمَّا للعجز عن استعماله، وفي ذلك تفصيلات وشرح معروضة في كتب الفقه.
5 - الحدود:
ذكر الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد أنَّ من مذهب الإبَاضِية:
«أنَّ من زنى أو سرق أقيم عليه الحدّ ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلاَّ قتل» هذه فرية عن الإبَاضِية عن الإبَاضِية أطلقتها آثمة مغرضة ــ ولسنا نتهم بها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد فإنها موجودة في مصادر قديمة ربَّما أخذ منها ــ وكل مسؤولية الأستاذ عبد القادر في هذا الموضوع وأشباهه إنما هو في التقصير وعدم التثبت، وعدم النزاعة عند الحديث عن الحديث عن الفرق. وكان عليه أن يثبت ويتحقَّق قبل أن يرمي الكلام على عواهنه. (1/344)
صفحة 345
لا أساس لهذا الرأي عند الإبَاضِية، فحدّ الزنا وحدّ السرقة ثبتا بالنص وكذلك بقيَّة الحدود، وما ثبت بالنص عند الإبَاضِية فلا مجال فيه للرأي، ولا يتجاوزون فيه حكم النص، بل إنَّ الإبَاضِية رون أنَّ أهم ما يميّز الامام العادل من الجائر هو إقامة الحدود كما تثبت. والحكم ــ عندهم ــ على الزاني المحصَّن الرجم ثبت ذلك بالسنَّة القوليَّة والعمليَّة، وعلى الزاني غير المحصن الجلد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم. وعلى السارق القطع، بشروط مبيّنة ومفصلة في كتب الفقه التي تعالج هذه المواضيع وكذلك وكذلك بقيَّة الحدود ولو أخذ عبد القادر شيبة الحمد أي كتاب منها لوجد الكلام فيها واضحًا. يشرح الحدود، وطرح إثباتها، وطرق تنفيذها. بل إنني أؤكد أنَّ الأستاذ لو تناول كتب السير والتاريخ التي تتحدّث عن الإمامات التي أقامها الإبَاضِية في المشرق أو المغرب لوجد فيها حالات أقامت فيها تلك الإمامات بعض الحدود في أحداث حصلت فلم تتجاوز فيها النصوص، ولم تقتل إِلاَّ من كان حده القتل. أمَّا الاستتابة والتوبة وعدمها فيتعلّق عند الإبَاضِية حكم آخر هو حكم الولاية أو البراءة، أي الحب في الله من أجل الطاعة، أو البغض في الله من أجل الطاعة، أو البغض في الله من أجل المعصية.
فكل من ارتكب جريمة يلزمه بها حد فهو مرتكب لكبيرة، وتجب البراءة منه لارتكابه تلك الكبيرة، فإن تاب وأعلن ذلك وندم على ما فعل رجع إلى ما كان عليه من الولاية، وإن أصرَّ على معصيته بقي كذلك في حكم البراءة.
ولا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يعرف أنَّ البراءة لا تعني القتل وإنَّما تعني كراهة القلب، وإظهار السخط، وجفاء المعاملة من أجل ركوب المعصية. (1/345)
صفحة 346
هذا ما يقوله الإبَاضِية في هذا الموضوع ولعلماء الأمة من جميع المذاهب مناقشات طويلة في معاملة من أقيم عليه الحد وفي حكم عدالته، وهل هو كفء أو غير كفء، كما أنَّ اهم مناقشات طويلة في الذي يتكرَّر منه الجرم، وتتكرَّر إقامة الحدّ عليه عددًا من المرَّات، ورأي الإبَاضِية في جميع ذلك هو رأي الجمهور، في السرقة يتعدَّد القطع مع خلاف في العضو الذي يقطع بعد اليد اليمنى من الرسغ في المرَّة الأولى، وفي الخمر خلاف بعد المرَّة الرابعة هل ينتقل الحد من الجلد إلى القتل، أو إلى الاعفاء؟ أو يبقى حد السكران هو الجلد باستمرار، وتقرير هذا الحكم وحده كاف للردّ على زعم الأستاذ عبد القادر ومن رجع إليه.
وعلى كلّ حال فلا شيء في الحدود عند الإبَاضِية يعد غريبًا يختص بهم أو يختصون به ومن أراد التفاصيل فليراجع المطولات.
ومع كلّ هذا أو بعد كلّ هذا فهي مسائل فرعيَّة اجتهادية ــ في غير ما يتناوله النص ــ مِمَّا تختلف فيه الانظار، وراجع إنَّ شئت مزيدًا من البيان في الفصل الذي عقدناه (لابن حزم والاباضية).
6 - قتل النساء والاطفال:
يقول الاستاذ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه السابق ما يلي:
«لم يستبيحوا قتل النساء والاطفال»
ومفهوم هذه العبارة أنَّهم أباحوا قتل الرجال وهذا ليس بصحيح.
إنَّ الإبَاضِية كغيرهم من المسلمين لا يستبيحون الدماء البشريَّة مطلقًا إِلاَّ إذا كان ذلك بناءً على حكم الله تبارك وتعالى وعلىأمره لهم بذلك إمَّا لإقامة حدٍّ من حدوده، أو لتأمين دعوة الناس إلى الإسلام وتعميم حكمه عليهم وذلك في الجهاد في سبيل الله، أو في در العدوان الواقع على المسلمين للقهر والتسلّط، أو للسلب والنهب. أو كان ذلك قيامًا لاسقاط حكم ظالم غاشمٍ فاسدٍ، وإقامة حكم إسلامي عادل مكانه. (1/346)
صفحة 347
وفي جميع الاحوال يرى الإبَاضِية أنَّه يجب تكون دماء العجزة البرآء ــ سواء كانوا شيوخًا أو مرضى أو نساء أو أطفالاً أو حتَّى معتزلين لحركة القتال ــ مصونة امتثالاً وعملاً بأمر رسول الله y واقتداء بخلفائه الراشدينعند توجيههم لجيوش الفتح.
ولا شكَّ أنَّ الاستاذ عبد القادر يقصد بدماء النساء والاطفال، دماء نساء المسلمين وأطفالهم عندما بينهم حروب أو فتن.
والإبَاضِية في هذا الباب لا يبيحون إِلاَّ دماء المشتركين بالفعل في العدوان والقتل، ولا يجيزون قتل النساء ولا قتل الاطفال ولا قتل العجزة، ولا قتل المسالمين الذين لم يشتركوا في القتال ويمنعون من تتبعهم عند انهزامهم ومن الاجهاز على جرحاهم، ومن أخذ أي شيء من أموالهم ويوصون بالحرص في معرفة من تولّى القتل بنفسه حتَّى ينفذوا فيه القتل فيكون من باب القصاص ــ من قَتَلَ قُتِلَ ــ ولا يكون في غيرهم مِمَّن اشترك ولم يباشر عمليَّة القتل ومعنى هذا أنَّه حتَّى عندما يشترك أحد الناس في قتالهم ويكون مع عدوّهم فهم يتجنّبون قتله في ميدان المعركة إِلاَّ إذا ثبت أنَّه قتل بالفعل أحدًا منهم فإنَّه حينئذ يقتل في المعركة على صورة القصاص فإذا انتهت المعركة توقَّف السيف عند الإبَاضِية ولم يجز أن يريق بعد التوقف أي دم.
ولقد يكون من المفيد للقارئ الريم أن أنقل له في آخر مناقشة هذه النقطة ما يقوله الامام أبو يعقوب الوارجلاني فقد قال في الدليل والبرهان الجزء الثالث ص 59 ما يلي:
«الفتنة الأولى: وهي التي تقع بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال. وحركاتهم منها حرام. والقاتل والمقتول في النار، وقد قال رسول الله y «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار».
وبعد التدليل في هذا الرأي قال:
« (1/347)
صفحة 348
الفتنة التي تقع بيننا وبين المخالفين: أعلم أنَّ الفتنة التي تقع بين المخالفين وأهل الدعوة هي على وجهين: إذا كان أصلها والظلم فيها من أهل الدعوة هي على وجهين: إذا كان أصلها والظلم فيها من أهل الدعوة بدءًا فيها فهي مثل التي تكون بين أهل الدعوة بينهم البين. وإن كان أصلها والظلم فيها من المخالفين فهذه دون الأولى، فإذا وقعت الضرورة فيسع المسلمين أن يذبوا ويدفعوا عن المظلومين، وأن يظهروا البينونة بينهم وبين أهل الدعوة، إذا أظهر منهم الفساد مثل ما يظهر من أهل الفتن. وينهوهم عن ذلك ما قدروا، أو يبينوا أنَّه ليسوا بأصحابهم فيها.
وإن رجعت من المخالفين ديانة، دفعنا عن أهل دعوتنا ما قدرنا عليه، ولا نساعدهم على فساد الأموال بل ننهاهم عن ذلك»
ويقول أبو يعقوب في نفس الكتاب الجزء الثالث ص 54 ما يلي:
وإن حاربناهم وهزمناهم ففإنا لا نتبع مدبرًا ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم، إِلاَّ ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ولا نتورَّع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا إذا كان جائزًا في مذهبهم وما كان في أيديهم من مال بيت مال المسلمين فإنا نأخذه ولا نردّه إليهم ونصرفه في وجوهه وإن كان مظلمة رددنا إلى أهلها».
أحسب أنَّ هذا يكفي لإيضاح الموضوع.
7 - قتل المشبهة:
يقول الاستاذ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه السابق ما يلي:
«أباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم وسبي نسائهم وذراريهم بناء على أنَّهم مرتدّون، وأنّ أبا بكر رضي الله عنه الله عنه فعل هذا بالمرتدين».
يبدوا لي أنَّ الالتواء في هذا التعبير مقصود من الذين صاغوه وكان ينبغي أن يقال أنَّ الإبَاضِية يرون وجوب قتل المرتدين.
أمَّا الحكم على المشبهة بأنَّهم مرتدون يحل قتلهم هكذا على الاطلاق فهو كلام ملتو يحتاج إلى إيضاح وتصحيح ولإيضاحه وتصحيحه أقول ما يلي:
المشبهة عند الإبَاضِية على ثلاثة أقسام: (1/348)
صفحة 349
1 - المجسمة وهم الذين يزعمون أنَّ الله ــ تبارك وتعالى وتنزه ــ جسم كأجسامهم بطول وعرض ولون وجوارح محددة.
والإبَاضِية يحكمون على هذا القسم بأنَّهم مشركون.
///ص385///
2 - أشباه المجسمة وهم الذين يزعمون أنَّ الله تبارك وتعالى جسم كالاجسام بطول وعرض إِلاَّ أنَّهم يحترزون بكلمة «ونحن لا نعرف ذلك» وهؤلاء أيضًا يحكم عليهم الإبَاضِية بالشرك.
3 - القسم الثالث وهم أغلبيَّة المسلمين غير الإبَاضِية والزيديَّة والمعتزلة الذين يعتقدون تنزيه البارئ جلَّ وعلا عن متشابه الخلق ولكنّهم يثبتون المعاني الحرفيَّة لبعض الكلمات التي وردت في القرآن تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين والساق والمجيء والنزول والاستواء والمسرَّة والضحك فيمسكون عن تأويلها بالمعنى المناسب ويقولون كما أراد الله. فهم يثبتون معانيها ويفرون من التشبيه بإعلان التنزيه.
ويقول الإبَاضِية عن هؤلاء بأنَّهم مشبهة لأنَّهم أخطأوا في التأويل ولكنهم لا يحكمون عليهم بأنَّهم مشركون بل هم جمهرة المسلمين ويرون انَّ لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على بقيّة المسلمين إذ أنَّ عقيدتهم التنزيه كعقيدة الإبَاضِية وكل ما هناك من فرق أنَّ الإبَاضِية أولوا الكلمات الموهمة للتشبيه بما يؤدي المعنى ولا ينافي كمال الله فقالوا عن العين أنَّها العلم والحفظ وقالوا عن اليد أنها النعمة والقدرة وقالوا عن الاستواء إنَّه الملك والقهر والغلبة وهكذا في جميع ما ورد في القرآن الكريم أو السنَّة النبويَّة الثابتة مِمَّا يوهم لتشبيه وقد رجع المتأرخون من اأشعريّة إلى التأويل وتقبلوه وأصبحوا يقولون به.
والذي أريد أن يكون واضحًا لدى القارئ الكريم هو التفريق بين المجسمة بنوعيهم وبين المشبهة فالمجسمة يعتبرهم الإبَاضِية مشركين لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان بسبب تصورهم وتصويرهم لإلههم بصورة المخلوق المحدود. (1/349)
صفحة 350
أمَّا المشبهة هم المخطئون في التأويل على رأي الإبَاضِية فأثبتوا لله تبارك وتعالى ما ورد في القرآن أو السنَّة مِمَّا يوهم التشبيه مع اعتقاد التنزيه. واعتماد المخالفة بين الخالق والمخلوق، واعتبار الآية الكريمة {ليس كمثله شيء}() محور عقيدة المسلمين، واب لا يحكمون على هؤلاء بالردَّة ولا بالشرك بل هم إخوتهم في الاسلام وإن اختلفوا معهم في بعض الأشياء وقد يطلقون عليهم اسم المشبهة في مواطن الجدل بعض صور العنف الكلامي ولكنَّهم مع جميع الاعتبارات لا يعتبرونهم مرتدّين ولا مشركين ولا يحكمون عليهم بأحكام هؤلاء.
من هذا ينضح لك أيُّها القارئ الكريم أنّ عبارة الأستاذ عبد القادر فيها شيء من الغموض والابهام فهو إنَّ كان يريد بالمشبهة من يسميهم الإبَاضِية المجسمة فكلامه صحيح إلى حدّ ما، أمَّا إذا كان يقصد بهم من يطلق عليهم الإبَاضِية اسم المشبّهة فكلامه غير صحيح البتَّة وقد علمت ما عند الإبَاضِية، ثُمَّ إنَّ الإبَاضِية يعدّون من أهمّ مسائل الخلاف بين الإبَاضِية من جهة وبين الزيديَّة أو النكار من جهة ثانية أنّ الزيديّة وكذلك النكار يحكمون بشرك المشبهين بالتأويل، ويكفي هذا ردًّ على الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد.
خلاصة آراء الإبَاضِية
في هذا الفصل أحب أن أعرض على القارئ الكريم نمادج من أساليب الكتاب المعاصرين والمستشرقين في عرض آراء الإبَاضِية، وبيان مقالاتهم، ليرى المقاييس التي يستعملونها في تقدير الخطإ والصواب والحق والباطل في عقائد الأفراد والجماعات، وليتببيَّن له مدى الجهد الذي بدله كلّ واحد منهم في دراسة موضوع هام كهذا الموضوع.
يجمل الأستاذ أبو زهرة آراء الإبَاضِية فيها يلي:
0 « إنَّ مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين، ويسمونهم كفارا. ويقولون عنهم إنهم كفار نعمة، لا كفار في الإعتقاد، وذلك أنَّهم لم يكفروا بالله ولكنهم قصَّروا في جنب الله تعالى. (1/350)
صفحة 351
1 دماء مخالفيهم حرام، ودارهم دار توحيد وإسلام، إلاَّ معسكر السلطان ولكنهم لايعلنون هذا، فهم يسرون في أنفسهم أن دار مخالفيهم ودمائهم حرام.
2 لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلاَّ الخيل والسلاح وكل مافيه قوَّة في الحرو، ويردون الذهب والفضة.
3 «تجوز شهادة المخالفين ومناكحهتم والتوارث معهم».
ويلخِّصها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد فيما يلي:
1. يعتبرون دار مخالفيهم من أهل القبلة دار توحيد إِلاَّ دار السلطان فإنَّه دار بغي عندهم.
2. إختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة منهم هو براءة من الشرك والإيمان جميعا، لقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ} وقالت طائفة منهم : إنَّ النفاق قاصر على من سمّاهم الله عزَّ وجلّ به عند نزول القرآن فلا نزيل اسم النفاق من موضعه، ولا نسمي به غير من سمّى الله عزّ وجلّ، وقالت طائفة منهم المنافقون أهل توحيد، ولكنّهم أصحاب كبائر لا يدخلون في الشرك وإن سمّيناهم كفارًا.
3 - ومن مذهبهم أن من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلاَّ قتل.
4 - لم يستبيحوا قتل النساء والاطفال.
5 - «أباحوا قتل المشبّهة، وأتباع مدبرهم وسبي نسائهم وذراريهم بناء على أنَّهم مرتدّون وأن أبا بكر رضي الله عنه الله عنه فعل هذا بالمرتدّين»
ويلخصها الأستاذ إبراهيم محمّد عبد الباقي فيما يلي:
1 - التنزيه المطلق لله تعالى، ويوجبون تأويل المتشابه بما يليق بجلال الله تعالى، كاليد تؤول بالقوة وتارة بالنعمة، فمذهبهم مذهب الخلف في المحكم والمتشابه. (1/351)
صفحة 352
2 - لا يرون رؤية الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من كمال الله تعالى، لأنَّ الرؤية تستدعي مشابهة الله لخلقه، وكذلك يستدلّون بالآية الشريفة: {لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير}(). وما جاء في السنَّة لا يعارض القرآن الكريم لأَنَّهُ خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إِلاَّ الظنّ، والظنّ لا يصحّ دليلاً على العقائد، ويفسرون الحجب في الآية الكريمة {كلا إنهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون} بأنَّه غير الرؤية.
3 - يرون أنّ الصفات الله تىعالى ذاتية ليست قائمة بمعان قائمة بذاته.
4 - لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة إِلاَّ إذا أخلّ بالاعتقاد الإسلامي، كإنكار ما علم من الدين بالضرورة، كأن ينكر إنسان صفة من صفات الله تعالى أو نبيًّا من الأنبياء، أو حرفًا من القرآن الكريم.
5 - يرون أنَّ القرآت السبع متواترة.
6 - يعرفون المذهب الاجتهادي بقولهم: المذهب ما استبان به لكلّ فرقة عن الأخرى في الفروع التي لا تأثيم فيها، فحريَّة الرأي وحريَّة المذهب مكفولة، وأنَّ الخلافة لا تكون إِلاَّ من أهل الحل والعقد.
7 - إنّ مرتكب الكبيرة عندهم ليس مشركًا، وأنَّ أهل الجنّة خالدون فيها، وأنّ أهل النار خالدون كذلك، فهم يخالفوننا في عقيدتنا: وهو أنَّ العاصي من المؤمنين يدخل النار حتَّى يطهر من معصيته، لأنَّ المعاصي رجس، والجنَّة طاهرة فلا يدخلها إِلاَّ الطاهرون.
8 - يخالفوننا في بعض فروع الفقه: مثل رفع اليدين عند التكبيرات في الصلاة ومثل وجوب سجدة التلاوة حين سماع الآية وغير ذلك من المسائل التي لم تكن موضع إجماع.
ويذكر المستشرق جولد تسيهر منها ما يلي:
1 - القرآن مخلوق.
2 - ليس من الممكن رؤية الله في الآخرة.
3 - تأويل بعض المسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازيًّا (الميزان الصراط).
4 - كلّ تشبيه ظاهر وبخاصة استواء الله على العرش يجب تأويله مجازيًّا.
ويضيف إليها المستشرق نالينو ما يلي: (1/352)
صفحة 353
5 - الله لا يغفر الكبائر لمرتكبيها إِلاَّ إذا تابوا قبل الموت.
6 - عذاب النار أبدي حتَّى لمرتكب الذنب من المسلمين، وهو إذا مات دون أيتوب لا تنفع له شفاعة الملائكة والرسل والأولياء.
7 - صفات الله ليست بزائدة على ذات الله ولكنها عين ذاته.
8 - يقول الإبَاضِية في شمال إفريقيا بالحرية المحدودة في صورة (الكسب) أو الاكتساب عند الاشاعرة.
إذا رجعنا إلى إجراء مقارنة بين ما استخلصه الكتاب الخمسة السابقون نجدهم يصدرون من اتجاهين:
الاتجاه الأوَّل: وهو الاعتماد والاخذ ــ بدون نقد أو تحقيق ــ من مصادر قديمة ليست معبرة تعبيرًا ذاتيًّا عن الإبَاضِية، ولا صادرة عمن يعبر عنهم ــ أو بتعبير أدقّ ــ يصح له أن يعبر عنهم، وهذا الاتجاه عرضة للوقوع في الاخطاء ولو بدون قصد، ومع النية.
وقد اختارالأستاذ أبو زهر، وعبد القادر شيبة الحمد، أن يصدرا من هذا الاتجاه، فكان فيما كتباه بعض الخطأ، وبعض عدم الدقَّة في التعبير وشيء من الابهام والايهام. ولا شكَّ أنَّهما يريان أنَّهما غير مسؤولين عن ذلك ما دام مأخوذ من مصادر موجودة متداولة، تحضى بثقة الكثيرين، ولهما حرمة وتقدير في أساط البحث العلمي، ولكنني أرى أنَّ أقلَّ ما يمكن أن ينسب إلى مسلكهما أنَّه تهرّب من المسؤوليَّة التي تضعها ثقة الأمة في أعناقها أو هو محاولة للتخلُّص من المسؤوليَّة وإلقاء ثقلها على الغير، وهما يعالجان اليوم موضوعًا ترجوا منهما جميع الأطراف أن يضعا له صورة صحيحة وسليمة ومتفقة مع الحقيقة والواقع، متجاوزين تلك الرواسب التي تركتها ظروف لم يبق لها اعتبار، فلم ينهضا بما لم ينبغي لهما وألقيا وزوره على أقلام سكتت منذ ألف سنة.
الاتجاه الثاني: الرجوع إلى مصادر الإبَاضِية أنفسهم لأخذ آرائهم منها، وتلك المصادر هي التعبير الذاتي للإبَاضِية عن آرائهم أو عن بعض آرائهم أو هي صادرة عمن يصحّ له أن يعبرعنهم لأَنَّهُ يعتقد نفس اعتقادهم. (1/353)
صفحة 354
وهذا الاتجاه كفيل بأت تكون الاحكام الصادرة منه صحيحة أو أقرب إلى الصحَّة، ولا يمكن أن تتسرَّب إليه الاخطاء إِلاَّ من عدم الفهم، أو من اللجوء إلى بعض الأقوال المتطرفة التي هي تعبير عن رأي فرد وليس تعبيراً عن رأي المذهب المقصود ــ والتطرّف الفردي موجود عند أتباع كلّ مذهب وهذا التسرب للاخطاء بعيد الاحتمال جدًّا.
وقد اختار الأستاذ إبراهيم عبد الباقي أن يصدر من هذا الاتجاه كم اختار نفس المسلك كلّ من المستشرقين تسيهر كما كتبوه ثلاثتهم (1) عن بعض الأصول أو الآراء ونسبوه إلى الإبَاضِية هو حق مِمَّا يقول به الإبَاضِية، والتعبير عنها في الغالب هو تعبيرهم، وفيما عبَّر عنه هؤلاء الكتاب الثلاثة بأساليبهم الخلصةكان تعبيرهم فيها واضحًا لا التِواء فيه يؤدّي المعنى المقصود أو الصورة المعروضة.
وإذا رجعنا إلى تلك الملخّصات ومقارنتها نجد اللقاء يكاد يكون كاملا بين من يصدر من الاتجاه الأوَّل وكذلك يكاد يكون اللقاء كاملا بين من يصدر من الاتجاه الثاني.وفي نفس الوقت البعد شاسعًا بين الفريقين الاول و الثاني كأن كلّ فريق منهما يكتب عن فرقة غير الفرقة التي يكتب عنها الآخر، وبقليل من التأمل نجد أن الفريق الأوَّل عالج مجموعة من مشاكل الحياة السياسيَّة التي يهتم بها الحكَّام في تلك العهود عندما كثر عليهم النقد وأنّ في تلك الآراء ما تنسبه السياسة الماكرة ــ قصدًا ــ إلى بعض الناس أو الطوائف حتَّى تخفف عن حدثهم، وتقلّل من أتصال الناس بهم، والالتقاء معهم، والتفهم، لدعواتهم وبنظرة بسيطة إلى ما ذكره الاستاذان أبو زهرة وشيبة الحمد نجد أنَّ تلك المواضيع كلّها تتعلَّق بالتعامل والسلوك أمَّا مع الدول القائمة أو مع طوائف الأمة، أنظر إليها إنَّ شئت من جديد فهي:
__________
(1) - يقتصر حكمنا على ما نقشناه في الفصول السابقة. (1/354)
صفحة 355
حكم المخالفين من المسلمين دماء المخالفين، دار المخالفين، معسكر السلطان، غنائم أموال المسلمين المخالفين، شهادة المخالفين، مناكحة المخالفين، التوارث مع المخالفين، على من يطلق النفاق، الحكم على الزاني والسارق، قتل النساء والأطفال، قتل المشبَّهة. إذا تأمَّلت هذه المواضيع التي يراها أبو زهرة وشيبة الحمد ملخّصًا لرأي الإبَاضِية تجدها جميعًا تتعلَّق التعامل مع الدولة المخالفة أو طوائفُ مخالفة وهي آراء نسبتها مصادر موجَّهة للإبَاضِية في عهود الاضطراب السياسي.
ويكفي هذا فيما أحسب للدلالة على أنَّ من يكتب عن فرقة معتمدًا على مصادر غيرها يبعد عن الحقيقة ولا يسلم على من التجني أو هي في الحقيقة واقع في الخطإ من أوَّل خطوة أنَّ ما يجيء على لسانه أو قلمه من الصواب فيها فهو بمحض الصدفة.
وإذا رجعنا إلى ما كتبه الفريق الثاني فبقليل من التأمل نجد أنَّ ما عالجه هذا الفريق في صميم موضوع مسائل التوحيد وعلَّم الكلام بعيدة كلّ البعد عن القضايا السياسية التي جرى وراءها كتَّاب المقالات الأقدمون فأخرجتهم عن صميم موضوعهم إلى موضوع جانبي تريد السياسة أن تدعّم به وجودها وتحكّمها وصاروا في مخطّطها ــ بدون وعي غالبًا إلى آخر الشوط الذي تريده.
وبنظرة بسيطة إلى المواضيع التي سقناها لهؤلاء الكتاب يتضح للقارئ الكريم الاتجاه الصحيح تمامًا. فأعِد النظر إنَّ شئت فيما يأتي:
التنزية المطلَّقة للبارئ جلّ وعلا، استحالة الرؤية في الآخرة، صفات الله ذاتية، لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة، القراءات السبعة متواترة، معنى المذهب اجتهادي، مرتكب الكبيرة ليس مشركًا، القرآن مخلوق، تأيل بعض مسائل الحياة الأخرى (معنى الميزان والصراط) تأويل المتشابه، لا تغفر الكبائر بغير التوبة، القدر.
هذه القضايا التي لخصها الفريق الثاني من مقالات الإبَاضِية وذكروا وجهة نظرهم هي مستقاة من كتبهم بإجمال أحيانًا وبتفصيل قليل أحيانًا أخرى. (1/355)
صفحة 356
ولا شَّ أنَّ القارئ يدرك الآن الفرق بين الكتاب الموجهين ــ ولو بدون علم ــ الذين يساقن إلى بحث مشاكل مفتعلة، وإعطاء أحكام عن آراء معيَّنة فيها جوانب مقصودة، ثُمَّ نسبتها إلى جهات محدَّدة خدمة لأغراض سياسيَّة خاصّة وبين الكتاب الذين ينتهجون المنهج السليم في البحث العلمي لمعرفة الحقائق الثابتة.
بقي علي أن يشير ــ في نهاية هذا الفصل إلى أنَّ بعض الكتاب يدعون الإحاطة فيقولون ــ مثلاً ــ هذا ملخَّص آراء الإبَاضِية، فهذه لعمري دعوى عريضة جدًّا لا يستطيع كاتب أن يقوم بها في بحث ملخّص من كتاب أو عدد من النقاط المحدودة، ذلك لأنَّ من يزعم الاحاطة ينبغي له أن يكون قد استقصى جميع المشاكل التي أثيرت في مختلف العصور يعرف فيها موقف الفرقة التي يدَّعي إحاطته بمقالاتها ــ واحدة واحدة ــ وهذاجهد ليس بالسهل ولا اليسير لذلك فممَّا يردُّ على أي كاتب من كاتب من كتَّلب مقالات الفرق أن يزعم أنَّه ياخص آراء فرقة في عدد محدود من النقاط، أمَّا إذا زعم أنَّه يعرض آراء الفرقة في قضايا معيَّنة محدودة فذلك مستساغ ولا ينظر فيه إِلاَّ جانب التوفيق في معرفة الحقيقة أو غلبه الخطأ عليه.
///ص395///
الباب الخامس
مفاهيم يجب أن تختفي
? مفاهيم يجب أن تختفي
? أهل السنَّة وأهل البدعة
? مفاهيم يجب أن تختفي
? مكان الإباضيَّة بين المذاهب الإسلامية
? مفاهيم يجب أن تختفي
? الجدل في اللَّوازم وليس في أصول العقائد
? مفاهيم يجب أن تختفي
? في الإجماع
? مفاهيم يجب أن تختفي
? الفرق بين الفتنة والخروخ
? مفاهيم يجب أن تختفي
? تأثر المذاهب الدينيَّة بالإتجاهات السياسية
? مفاهيم يجب أن تختفي
? مقارنة
القسم الخامس
مفاهيم يجب أن تختفي (1/356)
صفحة 357
أثناء مناقشتي لبعض المواضيع كانت تعن لي آراء خاصَّة يشق على إهمالها، وأخشى أن يثقل على القارئ الكريم الإستطراد إليها، رغم أنني لم أتجنَّب الإستطراد في كثير من الأحيان حين أعتقد أنَّه يساعد على إيضاح ما أعرضه من صور. بل لا تخشى التكرار لنفس السبب.
وقد رأيت أن أجمع أهم تلك الآراء تحت عنوان عام هو «مفاهيم يجب أن تختفي» ثمَّ أعرضها في الفصول الآتية موضوعًا موضوعًا كما يلي:
... أهل السنة واهل البدعة.
... مكان الإباضيَّة.
... الجدل في اللَّوازم وليس في أصول العقائد.
... في الإجماع.
... الفرق بين الفتنة والخروج.
... تأثر المذاهب الدينيَّة بالإتجاهات السياسية.
... مقارنة بين شخصين.
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق في أذهان الناس ــ بسبب ما يقول كلّ أصحاب مذهب على أنفسهم ــ بأنَّهم أصحاب الحقِّ، وهل العدل، وأهل الصواب، وأهل السنَّة، وأهل إستقامة، وبما يقولونه عن غيرهم من أنَّهم أهل الزيغ، واهل الضلالة، وأهل البدعة، وأهل الأهواء، وبأنهم فعلا أهل الحقّ وبأنهم أهل الجنَّة وبأن غيرهم فعلا أهل الباطل وأنَّهُم في النار.
هذه المفاهيم المبنية على أنانيَّة مذهبيَّة يجب أن تختفي وأن يقةم بدلها مفهوم هو أنَّه ليس هناك في الاسلام إِلاَّ أمَّة واحدة هي الأمَّة الإسلاميَّة التي وعدها الله تبارك وتعالى بكا خير. وليس فيها مجموعات أو طوائف أو فرق تدفع هكذا بوصفها الجماعي إلى الهاوية. وإنَّما فيها أفراد يشذُّون على الأمَّة بالنتهاك حرم الإسلام ومن شذَّ بالانتهاك المعتمد شذَّ إلى النار فالأوصاف الحميدة يجب أن تطلق على الأمة الاسلاميَّة جمعاء و الأوصاف الذميمة من الزيغ والضلال والإبتداع واتِّباع الهوى فهي أوصاف لا تطلق إِلاَّ على من استحقَّها من الأفراد بسبب الانتهاك، وإن شئت مزيدًا من الايضاح فاقرأ المقال الآتي:
أهل السنَّة وأهل البدعة (1/357)
صفحة 358
إعتاد أتباع كلّ مذهب أن يطلقوا على أنفسهم أحب الأسماء ــ كأهل السنَّة، أهل الإستقامة، أهل العدل، أهل الحقِّ، أهل الأهواء، أهل الضلال، أهل الزيغ، وكان الكثير منهم يفتحون أبواب الجنَّة على مصراعيها لأتباعهم، ويقفلونها بإحكام أمام أنظار الآخرين، ويبلغ بهم التطرُّف إلى أن يقدموا فسَّاق مذاهبهم على صلحاء غيرهم، من الأمثلة القريبة لذلك أن فقهاء الأشاعرة يقولون بأنَّ المسلم العاصي لايخلد في النار وإن دخلها، ولكن بعضهم يستثني المعتزلة من هذه القاعدة فيرميهم جميعًا في النار بصلحائهم وفسَّاقهم ثمَّ يحكم لهم بالخلود فيها رغم أنهم مسلمون. (1/358)
صفحة 359
الفرق الإسلاميَّة كلُّها ــ في دعواها ــ ترجع إلى أصلين ثابتين هما: الكتاب والسنَّة، وكل فرقة تزعم وتصرُّ أنَّها هي التي تعمل بالكتاب وتحافظ على السنَّة، وان غيرها ليس كذلك. وعلى هذا الأساس قام الناس فاحتكروا لأنفسهم اسم (أهل السنَّة (1) )وناس (أهل الإستقامة) وناس (أهل الحق) إلخ فأطلقوا على غيرهم عند التعميم كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء أو غيرها من كلمات التَّضليل ثمَّ انقسمت كلّ طائفة منهم على مذاهب كما قسَّموا أهل البدع في نظرهم على المذاهب، ثمَّ ألصقوا بكلِّ طائفة أو فرقة أحكامًا خاصَّة بها أو تشترك فيها مع غيرها، فاصبح كلّ مذهب من مذاهب المسلمين إذا نظرت إليه من زاوية أتباع هو من مذهب السنَّة ومذهب الحقّ ومذهب الإستقامة ومذهب العدل ومذهب الصواب وإذا نظرت إليه من زاوية مخالفيه فهو مذهب الأهواء ومذهب البدعة ومذهب الزيغ ومذهب الضلال. وينشأ الناشئ المسلم في أكناف أحدها فتعتاد أذنه على سماع هذه الأوصاف والنعوت ويتلقَّاها ويتشرَّبها في غير كلفة حتَّى تصبح عقيدة غير غاضعة للنِّقاش أو المراجعة.
الأشاعرة يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
الماتريدية يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
المعتزلة يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
الإباضيَّة يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
الشيعة يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
الخوارج يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
الظاهرية يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
فجميع فرق المسلمين يزعمون أنَّهم يعملون بالسنَّة ويحافظون عليها.
__________
(1) - قال الأستاذ مصطفى شكعة: إن تسمية جمهور المسلمين بأهل السنَّة تسمِّية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري إلى بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون. (1/359)
صفحة 360
وانظر لهذه الحقيقة فإن جميع المذاهب الإسلاميَّة داخلة تحت اسم (أهل السنَّة) فلا معنى أن تقصر هذه التسمية على فرق محدَّدة أو تحتكرها لنفسها مذاهب خاصَّة.
إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة المطهَّرة هم أهل السنَّة من أي فرقة كانوا، ولأي مذهب اتَّبعوا.
وقد كانت العصبيات المذهبية وأصابيع السياسة، وبُعد بعض المسلمين عن بعضن وجهل أهل كلّ مذهب بما عليه الآخرون، حواجز تحول دون تعرُّف المسلمين بعضهم ببعض.
أمَّا الآن ــ وقد اختلط المسلمون بعضهم ببعض وعرف الكثير منهم الكثير عن الآخرين ــ فإنَّه ينبغي أن تختفي بعض المصطلحات أو بعض المفاهيم، وتنشأ بدلا منها مفاهيم أو مصطلحات أخرى تكون أقرب إلى توحيد جميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم. فلا معنى أبدًا أن يأتي إنسان يسهل عليه تمامًا أن يستخفَّ بأحكام الله فيرتكب ما نهاه عنه ويهمل ما أوجبه عليه ثمَّ يزعم ــ في تبجح ظاهر ــ أنَّه سنِّي أو من أهل السنَّة. فإذا قابله إنسان آخر لا يتَّفق معه في المذهب رماه بأنه مبتدع رغم الصلاح والتقوى. والحقيقة عكس ما يقول. (1/360)
صفحة 361
لقد آن الأوان أن تطلق كلمة أهل السنَّة على أهل الصلاح من كلّ فرقة، وكلمة السنِّي على كلّ فرد متمسِّك بالإسلام محافظ عليه حسب الأصول التي يرتكز عليها المذهب الذي ينتمي إليه، وأن تطلق كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء علَّة كلّ مجموعة من الناس غير ملتزمة للإسلام سلوكًا. وكلمة المبتدع أو أهل البدعة على كلّ متهاون بأحكام الاسلام حسب المذهب الذي ينتمي إليه. لقد انقرض أتباع كثير من المذاهب الإسلاميَّة كالظاهرية والمعتزلة والخوارج ولم يبق فيها أعلم إِلاَّ الماتريدية وهم أتباع أبي حنيفة والإباضيَّة وهم أتباع جابر بن زيد والأشاعرة وهم أتباع مالك والشافعي والأثرية وهم أتباع أحمد في القديم وابن تيمية في الحديث وفرق من الشيعة تجمعها كلمة الشيعة وتفترق بأسماء خاصَّة كالزيديَّة والجعفريَّة وغيرها.
وأتباع هذه المذاهب كلها يؤكِّدون أنَّهم في دينهم يرجعون إلى أصلين هما الكتاب والسنَّة فهم ــ جميعًا ــ بهذا الاعتبار من أهل السنَّة أو سنِّيون أعني أنَّ الصلحاء من جميع هذه المذاهب سنِّيون وأنَّ الفسَّاق جميع هذه المذاهب مبتدعة وأهل هواء فالحنفي والإباضي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري والزيدي ــ مثلاًـ إذا تمسَّك بالإسلام حسب مذهبه فهو سنِّي وإذا تهاون به في واجباته عملاً أو تركًا، قولاً أو عقيدةً، فهو مبتدع.
يعني أنَّ البدعة هي الانحراف عن الدِّين، والسنَّة هي الاستمساك به على ما عرفه أيُّ مسلم بدراسته للاسلام. (1/361)
صفحة 362
ومن التحكّم المخالف للمنطق والعقل وطبيعة الحياة أنَّ نأتي إلى رجل من الزيديَّة ــ مثلاـ قد درس الاسلام علَّة مذهبه، وحافظ عليه محافظة المؤمن التقي الذي يخشى الله بالغيب فنقول له: أنت مبتدع ولا يمكن أنَّ تكون من أهل السنَّة إِلاَّ إذا درست مذهب ابن حنبل وعرفت الاسلام على طريقه، وأعلنت أنَّك من اتباعه، ثمَّ ناتي إلى رجل قد غلب عليه شحَّ نفسه واستعبدته أهواؤه فترك بعض ما فرض عليه الاسلام، وارتكب بعض ما نهاه عنه فنقول له: أنت من أهل السنَّة لأنَّك تتَّبع مذهب أحمد أو مذهب محمَّد.
أهل السنَّة هم الأتقياء الصالحون من أيِّ مذهب كانوا والمبتدعة وأهل الأهواء هم الفسقة والفجرة ولو لبسوا جبَّة جابر وطيلسان مالك وعمامة أحمد واتخذوا لمظهرهم سمت زيد وجعفر لقد آن لتلك المفاهيم ــ التي أملاها التطرُّف في التعصُّبات ــ أنَّ تختفي.
وآن للمؤسَّسات العلميَّة الإسلاميَّة أنَّ تغيِّر منهاجها ودراساتها وآن لمن يهتمُّ بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أنَّ ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمَّة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الاسلام.
لقد عاش الأزهر الشريف عهدًا طويلاً محتكرًا لأربعة مذاهب، وعاش معهد الزيتونة قرونًا عديدة محتكرًا لمذهبين، وكذلك عاشت كثير من المعاهد والمؤسَّسات العلميَّة في مختلف البلاد الإسلاميَّة محتكرة لمذهب أو مذاهب محدَّدة، وكانت تلك المعاهد كلها تنسب إلى نفسها أنَّها حاملة الشريعة وحامية السنَّة وترمي غيرها بالابتداع واتِّباع الهوى، والواقع أنَّها هي نفسها كانت المبتدعة على أقلّ تقدير في رميها لغيرها بالإبتداع. (1/362)
صفحة 363
ورغم تقدم العصر، واتساع أفق الفكر، وقيام جامعات وكلِّيات بدل المعاهد، وامتزاج العالم اليوم لتسيير وسائل الاتصال ودخول الآراء الفلسفية الغربية ــ بل بعض النظريَّات الهدَّامة ــ إلى المؤسَّسات العلميَّة الإسلاميَّة إِلاَّ أن تلك المؤسَّسات قديمها وحديثها لا تزال تحتفظ بخاصية الإحتكار المذهبي، ولا تزال تخشى أنَّ تذهب عنها نعرتها المذهبية فهي تحرص أن تقرِّر مذهبًا معيَّنًا هو المذهب الذي يكون عليه حكام الدولة، فإن اتَّسع أفقها قليلاً حمدت إلى ما تسمِّيه الدراسات المقارنة فأوعزت إلى بعض الدكاترة بإجراء مقارنات سطحيَّة تظهر للطلاَّب ــ في الغلب ــ صحَّة مذهب الدولة وقوَّة براهينه وضعف غيره، ومع هذه القيود والملاحظات فإن المذاهب التي يسمح لها أنَّ تدخل رحاب المؤسَّسات العلميَّة حتَّى على سبيل المقارنة هي مذاهب محدودة معدودة محظوظة.
ومن المؤسف أنَّ بعض المؤسَّسات العلميَّة في بلاد عربيَّة جنحت إلى العلمانيَّة بالنسبة إلى للديانات بينما تبقى المؤسَّسات الأخرى محتكرة لمذهبيَّة متعصِّبة ممقوتة ويضيع المسلمون بين جانبي الإفراط والتفريط.
لقد كان المسلمون في صدر الاسلام وليس فيهم سنِّيون على الجملة ومبتدعة أو أهل أهواء على الجملة وإنَّما كانوا على قسمين كبيرين مؤمنين ومنافقون فكلُّ من وفَّى بما عاهد الله عليه والتزم شريعة الاسلام سلوكًا وعقيدة وقولاً أو عملا فهو داخل في المنافقين ما دام يقرُّ بكلمة الشهادة ولم يرتدَّ عن الاسلام. (1/363)
صفحة 364
وهكذا ينبغي للمسلمين اليوم يجب أن تختفي المفاهيم السابقة التي تدخل المذاهب كاملة في الجنَّة وتحرم منها أتباع مذاهب أخرى... ينبغي أن يطلق أهل السنَّة على جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم ما داموا يعترفون بأنَّ السنَّة هي المصدر الثاني للتشريع ولا تطلق كلمة المبتدع وصاحب الهوى إِلاَّ على الفاسق الذي غلبه هواه من أي مذهب كان.وعلى المؤسَّسات العلميَّة اليوم أن تحمل هذا المبدأ لتعود بالمسلمون إلى منهج الإسلام لا كرامة إِلاَّ لتقيٍّ ولا عدوان إِلاَّ على شقيٍّ ولا متبوع إِلاَّ المعصوم ولا قدمة إِلاَّ بالعمل الصالح. والأفضل من ذلك أن تلغى هذه التسميات كلها لا سنِّيَّةً ولا مبتدعة ولا شيعة ولا خوارج ولا مالكيَّة ولا إباضيَّة وإنَّما هم مسلمون يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح وكم يكون رائعًا حين يقف المدرِّس والواعظ والمحاضر فلا يحتجُّ إِلاَّ بقول الله أو قول رسوله فإذا احتجَّ إلى كلام الناس استشهد بكلام عالم من العلماء مقتصرًا على ما ذكر اسمه وامتنع كلّ الإمتناع أن يجري على لسانه اسم المذهب أو الفرقة أو الطائفة فانمحت من المجتمعات الإسلاميَّة الألقاب المطلَّقة على مجموعات الفرق كالشيعة والسنَّة والخوارج والمعتزلة واختفت منه أسمام الفرق فلم يبق ذكر للحنفيَّة أو المالكيَّة أو الإباضيَّة أو الزيديَّة أو الظاهريَّة أو غيرها وإنَّما كلّ ما يبقى أسماء علماء ضمن كشف طويل يتضمَّن من خدم الشريعة الاسلامية منذ البعثة إلى قيام الساعة. أمَّا الأمَّة الاسلاميَّة فهي تتكوَّن من جميع من نطق بكلمة الشهادة وإليها يتَّجه النداء القرآنيُّ الكريم {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا} وتكون مجتمعا واحدًا لا انشقاق فيه فإذا شذَّ فرد فارتكب معصيَّة لاحقه المجتمع بالموعظة أو بالحكم الذي انزله الله حتَّى يتوب فيعود إلى مكانه أو يهلك على إصراره فيتولَّى الله تبارك وتعالى حسابه.
مفاهيم يجب أن تختفي (1/364)
صفحة 365
سبق إلى أذهان كثير من الناس ــ بسبب اخطاء المؤرِّخين وكتاب المقالات ــ أن الإباضيَّة فرقة من الخوارج وأنَّها ــ في عقائدها وآرائها ــ معتدلة بالقياس إلى الخوارج والمتطرِّفة بالقياس إلى أهل السنَّة.
وهذا المفهوم خاطئٌ ويجب أن يختفي فالإباضيَّة ليسوا من الخوارج وإنَّما نشأوا عندما غدا الخوارج لمجابهة الخوارج وليسوا متطرِّفين بالنسبة إلى أهل السنَّة لا في السياسة ولا في العقائد ولا في الفقه وإنَّما يتَّفقون مع كلّ مذهب في مواضيع اعتداله.
وإن شئت مزيدًا من التفصيل فاقرأ المقال الآتي:
مكان الإباضيَّة بين المذاهب الإسلاميَّة
نشأ المذهب الإباضي في فتلرة متقدِّمة بالنسبة إلى غيره من المذاهب الإسلاميَّة، هذا من حديث التاريخ، أمَّا الطريقة التي نشأ بها فهي لا تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقيَّة المذاهب، إمام من أئمة المسلمين (وبالنسبة إلى الإباضيَّة هو أحد كبار التابعين) يجتمع عليه عدد من طلاَّب العلم. يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثمَّ يتفرَّقون بعد التحصيل في البلاد، فيقف المتوقِّفون منهم موقف أستاذه، يتَّخذ نفس أسلوبه في السلوك والتدريس وينقل عنه لطلاَّبه روايته ورأيه. ثمَّ تنتقل العملية مع الأجيال وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار لآراء. تكتسب مع مضيِّ الزمن شيئًا من الإحترام يبلغ درجة التقديس أحيانًا وتزداد هذه الصورة وتكبر مع الأيَّام.
هذه الصورة هي الصورة التقربيَّة التي نشأت عليها جميع المذاهب وإن اختلفت أزمنة الأئمة فمنهم من كان من الرعيل الأوَّل من التابعين ومنهم ن كان تابعي التابعين ومنهم من كان في الدرجة الثالثة ومنهم من كان ابعد من ذلك بكثير كابن تيمية وكمحمد بن عبد الوهَّاب. (1/365)
صفحة 366
وبالنسبة إلى الإباضيَّة فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاَّب والأذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتاده، وأيُّوب، وابن دينار، وحيَّان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مِمَّا يأخذ عن غيره أو يكاد يختصُّ بمجلسه، كأبي عبيدة مسلم، وضمام، وأبي نوح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن إباض ومن هؤلاء الطلاَّب من كان يشغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون العامَّة ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحتها مع حكَّام الدولة الأمويَّة في ميدان الكلمة دون استعمال السَّيف كعبد الله بن إباض (1) ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام كأبي عبيده وأبي نوح صالح الدهان وقام بنفس الدور وتخصَّص فيه ولمَّا كانت هذه الحركة في عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت سيوفها مسلَّطة على جميع الأئمة والعلماء خوفًا منهم أن يهجروا بالإنكار عليها، أو يدعو الناس إلى الخروج عنها، وكان جابر بن زيد في مجالسه كزملائه الحسن وسعيد وغيرهم من كبار التابعين غير راضين عن الوضع وكثيرًا ما يتناولونه بالنقد، فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدَّة.
__________
(1) - كثير من المؤرِّخين واصحاب المقالات يحسبون أنَّ عبد الله خرج في أيَّام مروان بن محمَّد وأنَّه قتل في معركة ثبالة وهو خطأ تاريخيّ لأنَّ عبد الله بن إباض الذي تنسب إليه الإباضيَّة توفِّي في أواخر أيَّام عبد الملك وهو أكبر من جابر في السنِّ وتابع له في المذهب والرأي، ونسب المذهب إليه لأنَّه كان أكثر ظهورًا في الميدان السياسي عند الدولة الأمويَّة والتَّسمية منها. (1/366)
صفحة 367
وتضيق عليهم الخناق، وتحاول بكلِّ وسيلة أن لا تسمح لنقدهم أن يترسَّب إلى الناس وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرُّف واعتبرتهم ضمن الخوارج، وكانت تهمة خارجية ــ تشبه ما يسمَّى اليوم بالعمالة أو بالخيانة ــ عملية ليس لها ضوابط توجه بسهولة إلى كلّ ما يراد التخلُّص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه وتستغل عند اللُّزوم. ولذلك فلم يسلم منها الإمام جابر بن زيد كما لم يسلم منها الإمام مالك بن أنس (1) وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنَّهم تحت المراقبة وأن تبرير أي موقف عنف يتَّخذ معهم من السلطات هو موجود في أذهان الناس ولا يحتاج إلى تأكيدٍ عملي من أجهزة الحكم.
__________
(1) - جاء في الكامل لابي العبَّاس .المبرد الجزء الثاني صفحة 159 مايلي:
«يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجَّاج بن يوسف يراه، وكان صالح بن عبد الرحمان صاحب ديوان العراق يراه؛ وكان عدَّة الفقهاء ينسبون إليه، منهم عكرمة مولى بن عبَّاس. وكان يقال: ذلك في مالك بن أنس المديني، كان يذكر عثمان وعليًّا وطلحة والزبير فيقول: «والله مااقتتلوا إِلاَّ على الثَّريد الأعفر، فأمَّا أبو سعيد الحسن البصري فإنَّه كان ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم».
وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الجزء الخامس صفحة 76 ما يلي:
«ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تمَّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّهم قطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء؛ عكرمة مولى ابن عبَّاس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنَّه كان يذكر عليَّا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا إِلاَّ على الثريد الأعفر».
ويقول: في نفس المصدر بعد أسطر ما يلي:
«وممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد، وعمرو بن دينار ومجاهد».
راجع إن شئت كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب الأغاني لابن فرج وغيرهما. (1/367)
صفحة 368
فإذا تركنا هذا الجانب خارج عن البحث واتجهنا إلى الجانب الفكري والسلوكي فإنَّنا سوف نجد المذهب الإباضي مذهبًا إسلاميًا نشأ كما نشأ غيره من المذاهب الإسلاميَّة بأئمته وعلمائه، طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم وقد بدأ وجوده العلميَّة في خدمة الثقافة بالإتجاه الذي اختاره قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى ودوَّنت له مؤلَّفات في الحديث والفقه قبل أن تبدأ بعض المذاهب التي وجدت لها مكانًا فسيحًا في الدراسة على المنهج الذي سارت عليه. وفي النقاط الآتية أستطيع أن أضع جملة من الخطوط العريضة التي التي يمكن أن يحدِّد القارئ الكريم بعد دراستها والتحقُّق منها موضوع الإباضيَّة بين المذاهب الإسلاميَّة.
0 يرى الإباضيَّة أن المصدر الأساسي للدِّين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه إنَّما هو القرآن الكريم وأن من أنكر شيئًا منه: سورة أو آية أو حرفًا فهو مشركٌ أو مرتدٌّ.
1 ويرى أن المصدر الثاني للدين الإسلامي إِنَّمَا هو السنَّة الصحيحة وهي على درجات منها المتواتر قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل ومنكره كالمنكر للقرآن والمشهور من السنَّة أو المستفيض هو اضعف من المتواتر وأقوى من الأحادي وهو يوجب العمل واختلفوا هل حجَّته قطعية أم ظنِّية على قولين. والأحادي من السنَّة ظنِّيُّ الدلالة يوجب العمل والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إِلاَّ أنَّه يوجب العمل إذا كان لصحابيٍّ أو تابعيٍّ.
2 ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين والخروج منه فسق وحجِّيته قطعية ويرون أنَّه وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنَّه من الممكن أن يقع في كلّ عصر وينقل إلى الناس بالشروط المعتبرة.
3 ويرون أن المصدر الخامس هو الإستدلال بأنواعه المختلفة ويهتمُّون بالمصالح المرسلة إهتمامًا خاصًا وربما يكون الإباضيَّة ــ بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة ــ في الدرجة الثانية بعد المالكيَّة. (1/368)
صفحة 369
ب- العقائد:
ويرى الإباضيَّة أن الانسان لا يكون مسلمًا إِلاَّ إذا أقرَّ بالجمل الثلاث فشهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له وأن محمَّدًا عبده ورسوله وأن ما جاء به حقٌّ من عند الله وام تدلُّ عليه هذه الجمل الثلاث من التفصيلات.
1. وأساس عقيدتهم في الخالق تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق فلا يشبه شيئًا من الخلق ولا يشبهه شيء من الخلق وما جاء في القرآن الكريم أو في السنَّة النبويَّة المطهَّرة ما يوهم التشبيه فإنَّه يؤول بما يفيد المعنىولا يؤدِّي إلى التشبيه ويثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه.
2. القدر:
يقولون إنَّ الإيمان لا يتمُّ حتَّى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشرِّه أنَّه من الله تبارك وتعالى واكتسب من الانسان ويبتعدون عن رأي المجبرة كما يبتعدون عن رأي من يقول بأنَّ الانسان يخلق أفعاله.
3.مرتكب الكبيرة:
يرون في مرتكب الكبيرة رأي الحسن البصري وجابر بن زيد وغيرهما لا يحكمون عليه بالشرك كما يقال: عن الخوارج وإنَّما يقولون هو منافق ولا يمكن لمرتكب الكبيرة في حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنَّة إذا لم يتب ولعل أعنف الخصومات إِنَّمَا قامت بين الإباضيَّة والخوارج في هذا الموضوع منذ أثارها نافع بن الأزرق حسبما تقول مصادر التاريخ.
ج- الفقه: مكان الإباضيَّة في هذا الباب ربما كان في الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفيَّة من حهة أخرى ورغم أن المذهب الإباضي نشأفي العراق إِلاَّ أنَّه لم يذهب مع الرازي إلى المذهب الذي بلغه الحنفيَّة والمعتزلة ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن يعرف القارئ الكريم في مجال السنَّة على المتواتر والمشهور أن المستفيض وعلى الأحادي إِلاَّ إذا صادمه دليل قطعي، ويقولون بالقياس والاستصحاب والمصلحة المرسلة على التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه.
د- السلوك: (1/369)
صفحة 370
يتمسَّك الإباضيَّة بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الاسلام، ومن مظاهر ذلك:
1. يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود التي بيَّنها الحديث الشريف.
2. يرون أن محبَّة المسلمين في الله من أجل طاعتهم وبغض العصاة والكافرين في الله من أجل معصيتهم واجب على كلّ مسلم، وأن هذه المحبَّة يجب أن تتوجَّه إلى جميع أولياء الله في جميع الأزمنة والأماكن على الإجمال، وأن يقصد إلى من ثبتتولا يتهم لله بالاسم أو بصفة مِمَّن مضى، وأن يتعامل مع الحاضرين مِمَّن يعرفهم على هذا الأساس، كما يجب أن يبرأ من الكافرين والعصاة في جميع الأزمنة والأمكنة، هكذا على الإجمال وأن يقصد ببراءته من عرف بالاسم أو بالصفة وأن يتعامل مع الحاضرين مِمَّن يعرفهم على هذا الأساس، أمَّا من عرفهم في زمانه ولم يعرف أحوالهم من الطاعة والمعصيَّة فيجب عليه أن يقف فيهم لا يتولاهم ولا يبرأ منهم حتَّى يعرفهم بيقين لأنَّ الولاية والبراءة عند الإباضيَّة لا تلزم إِلاَّ باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إِلاَّ بيقين.
3. يرون أن جميع المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات ماعدا شيئًا واحدًا وهو الدعاء بخير الجنَّة وما يتعلَّق به فإنَّه حقٌّ خاصٌ للمتولي أي للمسلم الموفى بدينه الذي يستحقُّ الولاية بسبب طاعته أمَّا الدعاء بخير الدنيا، وكذلك بما يحول الإنسان من أهل الدنيا إلى أهل الآخرة كقول الانسان تعرف أنَّه منحرف عن الاستقامة رزقك الله توبة نصوحًا، أو هداك الله أورزقك الصحَّة والعافية أورقاك في مراتب الوضيفة فإن هذا كله حقّ جائز لكلِّ أحد من المسلمين تقاة وعصاة. (1/370)
صفحة 371
4. عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائزة غير متمسِّكة بأحكام الشريعة يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها والخروج عنها وإذا بقوا تحت حكمها فإنَّه تجب عليهم الطاعة في غير معصيَّة الله وإذل كانت تنفذ أحكامها مطابقة لمذهبٍ إسلامي. وأقرب مثال لذلك أن الإباضيَّة يغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأمِّ فيرون أنَّ الجدَّة للأب أولى بالحضانة مِن الجدَّة للأمِّ وأكثر المذاهب الأخرى ترى العكس فإن الدولة تحكم وفق المذهب يرجح جانب الأمِّ فإن على أتباع المذهب الإباضي الخاضعين لتلك الدولة أن ينفِّذوا هذا الحكم بما يترتَّب عليه ولا حرج عليهم وكذلك يرى الإباضيَّة أن الجدَّ يمنع الاخوة من الميراث وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه فإذا كانت الدولة تحكم على مذهب الرأي الأخير فإن على الإباضيَّة أن يقلبوا بهذا الحكم وأن ينفِّدوه ولا حرج عليهم.
أحسب أنَّ هذه الخطوط العريضة كافيم لمعرفة مكان الإباضيَّة بين المذاهب الإسلاميَّة، فهو على كلّ حال لم يتطرَّف في موضوع الأدلَّة الشرعية فيعتبر كلّ أثر منهما ضعف الحجَّة ولم يتطرَّف إلى الجانب الآخر فيردُّ السنَّة بالقياس.
وهو لم يتطرَّف في موضوع الإجماع قيعتبر الاتِّفاق الضيِّق في حدود المذاهب أو حدود المكان ــ كوطن معيَّن أو الحرمين أو المدينة ــ حجَّة ولم يتطرَّف إلى الجانب الثاني فينفي حجِّية الإجماع أو إمكانه، أو إثباته أو وقوعه وسلم بوقوعه بكلا قسميه القولي والسكوتي في عهد الصحابة مع احتمال وقوعه في كلّ عصر إلى قيام الساعة. ورأى أن الإجماع المحدود في نطاق مذهب أو بلد هو حجَّة ظنيَّة على المجمعين وليس له قوَّة الإجماع وينبغي أن يحمل اسم الاتِّفاق لا اسم الاجماع.
وهو لم يتطرَّف في موضوع القياس فيمنع اعتباره دليلاً شرعيًا إذا استوفى شروطه ولم يتطرَّف إلى الجانب الثاني فيردَّ به النص. (1/371)
صفحة 372
وقبل الاستدلال بلاستصحاب والمصالح المرسلة، ولم يتطرَّف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع في التشبيه ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته له رسوله (ص).
ولم يتطرّضف في موضوع القدر فيميل إلى جانب السلبيَّة حتَّى يقول أن الانسان مجبر على أعماله وهو كاميِّت بين يدي الغاسل أو يميل إلى جانب الإيجاب حتَّى يزعم أنَّ الانسان يخلق أفعاله ولم يتطرَّف في موضوع مرتكب الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشرك ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنَّة للعصاة كأنَّها فنادق يملكون هم مفاتحه على مبدإ «لا تضرُّ مع الايمان معصية».
الآن وقد عرف القارئ الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي والإتجاهات التي يتَّجهها والسلوك الذي يسير به يستطيع أن يقرَّ له حيِّزًا ضيِّقًا بين المذاهب الإسلاميَّة. وأن يبعد عن نفس تلك الصورة القاتمة البشعة الشرسة التي تعاون على وضعها ظروف مختلفة من السياسة والتعصُّب وسوء الفهم.
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق إلى أذهان الناس ــ بسبب ما أثاره وادَّعاه المتعصِّبون من كلّ مذهب ــ أن الخلاف بين المذاهب الإسلاميَّة خلاف سطحي لفظيٌّ يمكن اللِّقاء فيه بيسير من الجهد لو ترك المتعمِّقون إثارة الخلاف وتجنب الإلزامات.
الجدل في اللَّوازم (1) وليس في أصول العقائد
نستطيع أن نقول أن الخلاف بين جميع المذاهب الإسلاميَّة لا يخرج عن الدوائر الثلاث الكبرى الآتية:
1. العقائد المتعلِّقة بالخالق سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
2.نظام الحكم وشروط رئيس الدولة.
__________
(1) .- استعملت كلمة اللَّوازم في هذا الفصل للدلالة على المحذورات التي ينسبها كلّ واحد من المتجادلين إلى الآخر من قولهم إذا قلت كذا يلزمك كذا كقول الأشعري للمعتزلي في موضوع الصفات إذا قلت أنَّها ذاتية يلزمك التعطيل وقول المعتزل للأشعري إذا قلت إنَّها قلت إنَّها غيره يلزمك التعدُّد. (1/372)
صفحة 373
3. الأحكام المتعلِّقة بالمسائل الفقهيَّة أصولاً وفروعًا.
ولقد اتَّفق المسلمون عمومًا على أصول هذه الدوائر عمومًا وإن اختلفوا في التفصيلات والتفريعات، فنحن لو استطعنا أن نجري مقارنة بين عدد المسلمين الذين يثيرون الجدل ويحدثون الخلاف ويدعون إلى تتبُّع فرقة دون فرقة أو مذهب دون مذهب ويحكمون على هذا أو ذلك بالضلال أو بالكفر ويأمرونهم باتِّباع مذهب أو الاستمساك به دون غيره ــ وبين عدد من يتَّبع تلك المذاهب في بساطة ويستمسك بها في تلعق مع عدم تعمُّق، ولا استطاعة لإقامة حجج وبراهين، لو جدنا أن نبسة ضئيلة جدًّا قد لا تصل إلى الوحد في الألف، هي التي تفهم بعض تلك المشاكل وهي التي تتزعَّم إثارة الخلاف والشغب، وتحاول أن تكتِّل المسلمين إلى كتل في مذاهب معيَّنة، وأن هذه النسبة فقط أو بعضها في الحقيقة، هي التي تعرف مواضيع الخلاف والجدل أمَّا باقي أتباع المذاهب الذين يساقون في مجموعات كبرى وراء اسم إمام من الأئمة فيتمسَّحون له في عصبية ويتمسَّكون بمذهبه في حرص وتشدُّد، فهم في الغالب لا يعرفون ولا يفهمون شيئًا من تلك المشاكل المعقَّدة من علم الكلام أو أصول الفقه أو قواعد السياسة.
وإنَّما يعرفون بعض المسائل الفقهيَّة العملية في العبادات، أو لو أردنا أن نعرض نموذجًا لذلك في الجمهورية العريبة اللِّيبيَّة بين اتِّباع المذهبين الإباضي والمالكي لو وجدنا أن مظهر الخلاف لا يزيد عند الأغلبيَّة الغالبة من السكَّان عن قراءة البسملة في الفاتحة، أو رفع الأيدي عند التكبير، وتحريك السبَّابة عند التشهُّد، والإصباح بالجنابة في رمضان وما أشبهها وأن جميع المصادمات والخصومات التي تقع بين العوام من أتباع المذهبين لا تخرج عن مستوى هذه المسائل. (1/373)
صفحة 374
فإذا انتقلت من المستوى العوام إلى مستوى المثقَّفين دينيًّا أو المتفقِّهين ارتفع مستوى المسائل قليلاً فوجدت النقاش ربما يدور على مستوى ميراث الإخوة مع الجد وحقِّ الحضانة ونفقة الأقارب وبعض مسائل التعامل وأحكام الصلاة في السفر ووجوب التتابع في قضاء رمضان وام في هذا المستوى من الفقه العملي.
أمَّا مسائل علم الكلام وقواعد التشريع وأسس بناء الحكم الإسلامي، هذه الدوائر التي كانت محور تكوُّن المذاهب في الحقيقة فلا يعرفون عنها شيئًا أو يعرفون عنها أشياء سطحيَّة تلقفونها بطريق التلقين. فالعوام وأشباه العوام جميعًا يؤمنون أن الله تبارك وتعالى حيٌّ قديرٌ مريدٌ سميعٌ عليمٌ بصيرٌ متكلمٌ خالقٌ مصوِّرٌ إلى آخر الصفات التي وصف بها نفسه، ولكنَّك لو سألتهم عن صفة ما، هل هي صفة ذاتيَّة أو صفة فعل، أو قلت لهم هل صفات الله تبارك وتعالى عينيَّة أو غيريَّة؟ ما فهموا منك ولأعرضوا عنك، وربَّما ظنُّوا أنَّك تستهزئ بهم ومعنى هذا أن جمهرة المسلمين متَّفقون ــ واقعيًّا ــ في العقائد وكذلك في الدائرتين الأخيرتين ويبقى النظر إلى خواصهم، وبقليلٍ من التأمُّل يبدوا لنا واضحًا أنَّهم متَّفقون هم أيضًا في أصول جميع تلك الدوائر وإنَّما يختلفون عند التفاصيل بسبب ما يلزمه كلّ واحد منهم للآخر ويرتبه على نقاشه أعني أن المذاهب الإسلاميَّة جميعًا متَّفقة في الأصول وأن الخلاف وقع من بعضهم في اللَّوازم أو بسبب اللَّوازم فقط، وبيان ذلك في ما يلي: (1/374)
صفحة 375
1. إذا جئنا إلى مسائل علم الكلام لكانت هي أهم المحاور لتكون المذاهب وتمزيق شمل المجتمع، وتضليل وتفيسق جوانب كاملة من الأمَّة الإسلاميَّة، والتي أضاع فيها علماء أجلاَّء أوقاتًا ثمينة في إعداد البراهين وما تستلزمه، نجد الأمَّة الإسلاميَّة بمذاهبها المختلفة متَّفقة على أصول العقائد وأن أولئك العلماء الأجلاء المتضاربين بالبراهين والإلزامات هم الآخرون متَّفقون على جميع الأصول وإن ظنَّ الناس أنَّهم مختلفون وإنَّما إختلافهم فيما يلزمه بعضهم للآخرين أثناء النقاش أو عند إعداد السؤال والجواب حين يزعم أحدهم أن كلام الآخر يستلزم محذورًا ويترتَّب عليه باطل و يجيب الثاني بنفس الأسلوب وإلى القارئ الكريم أمثلة من ذلك
1. المسلمون جميعًا باختلاف مذاهبهم متَّفقون أن الله تبارك وتعالى متَّصف بجميع صفات الكمال، منزَّه عن جميع صفات النقص لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه.
هذه عقيدة عامَّة يتَّفق عليها جميع المسلمين خواصِّهم وعوامهم فإذا جاءوا إلى التفصيل بدأت المواصلات العنيفة والجدل الحاد وإلزام الخصم ما يلزمه وما لا يلزمه حين يتحدَّثون عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله.
2. المسلمون جميعًا بختلاف مذاهبهم متَّفقون أن الله تبارك وتعالى عادل في ملكه لا يجوز ولا يظلم الناس شيئًا فإذا جاءوا إلى التفاصيل وناقشوا موضوع الثَّواب والعقاب والعمل والجزاء بدأت المواصلات العنيفة والجدل الحاد وحاولة كلّ طرف أن يجعل براهين الطرف الثاني تستسلم محذورًا.
3. المسلمون كلّهم باختلاف مذاهبهم متَّفقون أن الله تبارك وتعالى أعدَّ الجنَّة لمن أطاعه وأعدَّ النار لمن عصاه فإذا جاءوا إلى التفاصيل اشتدَّ الخلاف وادَّعى كلّ واحد أن كلام خصمه يستلزم محذورًا ويؤدِّي إلى الباطل. (1/375)
صفحة 376
وهكذا ينقتح باب الخلاف ويترك الأصل المتَّفق عليه إلى فرعيات ومن الفرعيات إلى الجزئيات للفرعيات حتَّى تطغى تلك الجزئيات على الأصل الهام للعقيدة وأصبحت لا تجد من حلبة الجدال أو حتَّى فيما ينسب إلى المذاهب إِلاَّ تلك اللُّزوم التي ينسبها كلّ طرفٍ إلى الطرف الآخر كقولهم معطَّلة، مشبهة وما إلى ذلك. (1/376)
صفحة 377
فإذا انتقلنا إلى الدائرة الثانية التي هي نظام الحكم وشروط رئاسة الدولة نجد أن المسلمين جميعًا بمذاهبهم المختلفة أيضًا متَّفقون على الأصول فيها فلو سألت أي عالم من أيِّ مذهب كان، عن الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولى حكم المسلمين لأجابك بشروط تتَّفق أو تتقارب مِمَّا يقوله لك أي عالم من مذهب آخر، فهو في حالات الكمال يجب أن يكون (1) عالما مجتهدًا ذكيًّا شجاعًا نزيهًا عدلاً حريصًا على مصلحة المسلمين تقيًّا ورعًا إلى آخر الشروط المعروفة المحدَّدة في كتب الفقه. هذه الصورة لمن يتولَّى الحكم على المسلمين من جميع المذاهب تجدها عند الشيعة وتجدها عند الخوارج وتجدها عند المعتزلة وتجدها عند الأشاعرة وتجدها عند الإباضيَّة وتجدها عند الماتريدية وتجدها عند الظاهريَّة وغيرهم إِلاَّ أفرادًا شواذًّا من بعض المذاهب فارقوا مذاهبه.
__________
(1) 1- يقتصر بعضهم على العدالة الشوري ويضيف إليها بعضهم البيعة ويضيف إليها بعضهم الطاعة ويضيف إليها بعضهم القرشية ويكتفي بعضهم بالوصيَّة لأنَّ الوصيَّ لابدَّ أن يتمَّ فيه جميع الشروط لأنَّه (1/377)
صفحة 378
وهذا هو القدر المشترك بين جميع المسلمين بعد هذا الاتِّفاق على هذا الأصل يأتي الاختلاف عند التفصيل وذلك عندما جاءت الإتجاهات السياسيَّة فأثارت عدَّة نقط جانبيَّة تمسَّك بها بعض الناس ليستغلُّونها فاستغلَّتهم منها: قضيم اشتراط آل البيت، أو فرع من فروع آل البيت، ومنها اشتراط القرشيَّة، ومنها اشتراط العروبة، ومنها قضيَّة الفاضل والأفضل والعالم والأعلم، ومنها جواز الخروج عليه إذا جار وعدم جوازه، ومنها كونه معصومًا أو غير معصوم، ومنها إذا لم يكن عادلاً هل تجب طاعته أو لاتجب، ومنها طريقة اختياره وتنصيبه، ومنها الحاكم في الواثب العادل والمختار الجائر إلى غير ذلك وهذه الأبحاث كلها وليدة اتِّجاهات سياسيَّة أثَّرت على المسلمين فكان منهم شيعة وعثمانيَّة ثمَّ خوارج ومعتزلة ثمَّ إباضيَّة وأشاعرة إلخ. (1/378)
صفحة 379
وتحت هذا الخلاف ومع شدَّة تعصُّب كلّ لمَّا يرى أو يريده لم يستطع أي مذهب من هذه المذاهب أن يحقق الشروط في الحاكم الذي يختاره في تطبيق عملي مع أنَّ كلّ مذهب من هذه المذاهب تمكن من الوصول إلى الحكم وتكوين دولة على أساس مذهبي. فقد بايعت بعض فرق الخوارج ــ كالأزارقة والصفريَّة ــ أئمة منهم فاستبدَّ ذلك البعض حتَّى حكموا عليه بالكفر وعزلوه وقتلوه، وبايع الشيعة أئمة فخرجوا عن الدين حتَّى ادَّعى بعضهم الألوهيَّة. (1/379)
صفحة 380
وانضوى العثمانيون تحت الحكم الأموي فجرَّدتهم الدولة الأمويَّة سيوفًا تضرب بها رقاب المسلمين وتجاسر بعض أولئك الحكَّام حتَّى ضربوا الكعبة الشريفة، وحتَّى استباح بعضهم حرمة المدينة المنوَّرة، ووصل بعض إلى الحكم في ولاية مروان بن محمَّد وبعض ملوك الدولة العبَّاسيَّة فكان الحاكم آلة تعذيب من يخالف المعتزلة، وسخط الإباضيَّة في عمان عن بعض الأئمة الذين انتخبوهم فعزلوهم، والمهم في الموضوع أنَّ جميع الدول التي قامت بعد الخلافة الرشيدة والتي أوحت إلى مؤسِّسيها أو أتباعها بشروط زائدة على الشروط الأساسيَّة المتَّفق عليها كانت سببا للنكبة ذلك أنَّ كلَّ شرط جديد يولد ردَّ فعل جديد ويترتَّب عن ذلك الجدل والنقاش، وتأتي بعده مرحلة إعداد البراهين واللَّوازم ثمَّ تقاذف المحاذير فكان الساسة يتطاولون على المناصب وكان العلماء يتقاذفون التهم لمخالفة الدِّين، أما بقيَّة الناس فيجزُّون إمَّا في جيوش لنصرة حاكم أو إسقاط حاكم، وأمَّا في مذاهب لأتباع إمام أو لعن إمام، والآن قد ألغت الحياة بعض تلك الإعتبارات التي أدخلتها السياسة على الموضوع واتّضح للناس جميعا أنَّ الصراع الدي وقع بسبب اشتراط الوصيَّة الهاشميَّة أو القرشيَّة أو العروبة أو اعتبارالإمام معصومًا أو لا يجوز إسقاطه ولو كان منحرفًا، كلّ هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الأمَّة ثبت اليوم أنَّه صراع على تفصيلات لا تدخل في أصل الموضوع. وأثبتت التجربة أن أغلب أولئك الذين وصلوا إلى الحكم من أي جانب من الجوانب اعتمد على النظرة الجانبيَّة في إثبات حكمه وامتداده، وتخلي الأصول التي تتَّفق عليها جميع الأمَّة، ولذلك فهو ينظر إلى الأمَّة المسلمة على أساس أنَّها تتكوَّن من قسمين: أنصار له في حكمه وخصوم له وهو بهذا الاعتبار يفتح ميادين الحياة وحقوقها على مصاريعها لأنصاره ويغلقها أو يضيِّقها ما أمكنه التضييق على خصومه. (1/380)
صفحة 381
فإذا انتقنا إلى من هذه الدائرة الثالثة وهي دائرة الأحكام المتعلِّقة بالمسائل الفقهيَّة أصولاً وفروعًا نجد أن المسلمين جميعًا بمذاهبهم المختلفة متَّفقون على الأصول فلو سألت أي عالم من أي مذهب عن مصادر التشريع لأجابك بسرعة هي: الكتاب والسنَّة. فإذا جئت إلى التفاصيل تثير الجدل والصخب وتوجيه الاتهامات وإلصاق اللَّوازم. والذي ينبغي أن ننتهي إليه بعد هذا العرض المجمل أن نعتبر جميع المذاهب الإسلاميَّة على مستوى واحد في المعاملة بعد ما اتَّفقوا كما رأينا على الأصول، وأن نبعد التحكُّم في إصدار الأحكام فليس من حقِّك أن تحمل الآخرين على أن ينظروا في فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها وإلاَّ اعتبرتهم مبتدعة أو أصحاب أهواء وليس من حقِّك أن تفرض فهمك على الناس ثمَّ تتحكَّم في إفهامهم فمن وافقك ضممته إليك ومن خالفك حكمت بفسقه أو كفره، إن الله تبارك وتعالى هو إله للجميع والجميع يتساوون في عبوديتهم له ويتنافسون في التقرُّب إليه عبر يد الطاعة وامتثال الأوامر والحرص على العمل الصالح، وايس درجات القرب منه تعالى مبيَّنة علَّة المذاهب وإنَّما هي مبيَّنة على العمل الصالح مع الأفراد ــ دون ارتباطهم بمذهب ــ وعلَّة صحَّة العقيدة.
وقد رأينا أن المسلمين متَّفقون على أصول العقيدة. أمَّا ما جاء بعد ذلك من خلاف من فهم النصوص من الكتاب والسنَّة واستخراج الأحكام العملية منها فإن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد ذلك رحمة بهذه الأمَّة وتوسعة عليها ولو شاء لحدَّد كلّ شيء في نصوص لا تحتمل التأويل أو الخلاف. (1/381)
صفحة 382
ولعل علماء الأمَّة المسلمة المعاصرة بناء على النظرة المنصفة وتسوية في الحقوق بين جميع المسلمين ودفعًا للإحتكار الديني أو العلمي بين مجموعات محدودة، فهم يسقطون من حسابهم تلك الأحكام المتعصِّبة الجائرة التي كانت تصدر على مجموعات من الناس، أو بعض العلماء الأجلاَّء بأنَّهم أصحاب أهواء أو مبتدغة أو فسقة أو يحكم عليهم بالكفر، وأن ينظروا إلى عمل الرجل مجرَّدًا من المذاهب أو الفرقة أو الكتلة في عمله الفردي وسلوكه الشخصي، بقطع النظر عن الجهة التي ينتمي إليها فليس مهما أن يكون معتزيًّا أو شيعيًّا أو سنِّيًّا أو إباضيًّا أو خارجيًّا، وإنَّما المهم أن يقوم بالعمل الصالح حسب الأسس التي يعمل بها في الفرقة التي ينتمي إليها ويجب أن تعتبر جميع الفرق التي تتكون منها الأمَّة الإسلاميَّة على مستوى واحد من الاعتبار.والأمَّة الإسلاميَّة تتكوَّن من جميع ما ينتسب إلى الشيعة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الخوارج أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى أهل السنَّة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الإباضيَّة أو ينسب إليها، ولا يخرج منها إِلاَّ من أخلَّ بأصل من أصول الاسلام فأنكر معلومًا منه بالضَّرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام. (1/382)
صفحة 383
ولعل الإلتفاتات غلىالماضي في هذه الأحكام غير مهمٍّ لاسيما إلى تلك المذاهب التي انقرض أتباعها كالظاهريَّة والكعتزلة والخوارج ولكنَّه بالنسبة إلى المذاهب الإسلاميَّة الموجودة أمر شديد الأهمِّية، فما داموا كلّهم متَّفقين على الأصول فلا ينبغي الالتفات إلى اختلافاتهم في التفاصيل، ويحقُّ عليهم أن يلغوا فكرة اللَّوازم والإستلزام وأن يعلم كلّ فريقٍ منهم أنَّ من حقِّ الآخر أن يستعمل عقله وفهمه وذكاءه، وأن يتَّبع ما اتَّضح له بناء على جهده واجتهاده، والأخوَّة الإسلاميَّة اليوم رابطة بين الشيعة وأهل السنَّة والإباضيَّة فينبغي أن يستمسكوا جميعًا بهذه الرابطة التي شرعها الله تبارك وتعالى. وأن يتعاملوا مع هذا الأساس أساس اشتراكهم في أصول العقائد والسياسة والشريعة وإن اختلفت بينهم التفاصيل ولا عبرة بالخلاف في التفاصيل ما داموا متَّفيقن على الأصول وما كان يلزم به كلّ فريق غيره في الماضي لا يلزم أحدًا في الواقع ونفس الأمر. وعند الله تبارك وتعالى يتلاقى الجميع.
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق إلى أذهان كثير من الناس ــ بسبب مايقوله المتعصِّبون من علماء المذاهب ــ أن كلمة الإجماع حين تطلق يقصد بها إجماع مذهب أو مذاهب معيَّنة فعندما يقول الشيعي: أجمع المسلمون فهو يقصد الشيعة، وعندما يقول السنِّي أجمع المسلمون فهو يقصد أصحاب المذاهب الأربعة دون الظاهريَّة والإباضيَّة. وكذلك غيرهم. وهو مفهوم خاطئ ويجب أن يزول من أذهان الناس ولا يكون الإجماع حجَّة إِلاَّ عندما يتمُّ من جميع مجتهدي جميع مذاهب الأمَّة الإسلاميَّة.
وإن شئت مزيدًا من التفاصيل فاقرأ المقال الآتي:
في الإجماع (1/383)
صفحة 384
مع احترامنا العظيم لجميع الأئمة والعلماء السابقين مع جميع المذاهب وتقديرنا الجم لجهودهم المتواصلة الصادقة في خدمة الشريعة الإسلاميَّة نرى أنَّه يجب أن تتغيَّر بعض المفاخيم أو بالأصح أن تتغيَّر النظرة إلى بعض المفاهيم في بعض المواضيع ومنها بعض المفاهيم في موضوع الإجماع.
لقد ثار نقاش كبير وجدل صاخب حول موضوع الاجماع، وتناوله البحث من جميع جوانبه، وقد استقرَّ اليوم في أذهان الناس جميعًا أن الاجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، وقبل أن أعرض الجوانب التي أريد مناقشتها أودُّ أن أضع بين يديك ما يلي:
يقول الأستاذ عبد الوهَّاب خلاف في كتابه علم أصول الفقه ص 46 ما يلي:
«هو أن يتَّفق على الحكم الشرعي في الواقعة ــ جميع المجتهدين من المسلمين في وقت، فلو اتّفق على الحكم الشرعي في الواقعة مجتهدوا الحرمين فقط، أو مجتهدوا العراق فقط أو مجتهدوا الحجاز أو مجتهدوا آل البيت أو مجتهدوا أهل السنَّة دون مجتهدي الشيعة، لا ينعقد شرعًا بهذا الإتفاق الخاص إجماع، لأنَّ الإجماع لا ينعقد إِلاَّ بالإتفاق العام من جميع مجتهدي العالم الإسلامي في عهد الحادثة ولا عبرة بغير المتجهدين». ويقول الإمام السالمي في كتابه القيِّم (طلعة الشمس) الجزء الثاني ص 65 ما يلي: «الإجماع في عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين عبارة عن اتِّفاق علماء الأمَّة على حكم في عصر». وبعد أسطر يقول:
«فالإجماع نوعان أحدهما إجماع قولي وهو ما فيه إتفاق أقوالهم أو تواطؤ أفعالهم على شيء واحد، والنوع الثاني سكوتي وهو ما فيه قول بعضهم أو عمله مع سكوت الباقين عليه بعد انتشار ذلك فيهم و مع القدرة على إنكاره ولكل واحد من النوعين حكم يخالف حكم الآخر، أمَّا حكم الإجماع القولي فهو أنَّه حجَّة قطعيَّة يفسق من خالفها عند الجمهور». (1/384)
صفحة 385
وبعد أسطر يقول: «وخالف النظام والرافضة وبعض الخوارج فزعموا أنَّه ليس بحجَّة». وبعد أسطر يقول: «وللجمهور على أنَّ الإجماع القولي بعد كمال شروطه حجَّة قطعيَّة أدلة من الكتاب والسنَّة والإجماع».
وبعد أسطر يقول: «وأمَّا حكم الإجماع السكوتي فهو حجَّة ظنِّية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل، فمن خالف الإجماع السكوتي لا يحكم بفسقه على الصحيح كما لا يحكم بفسق من خالف خبر الآحاد لأنَّ التفسيق لا يكون إِلاَّ مع مخالفة الدليل القاطع».
وقال الإمام الشوكاني في كتابه القيِّم إرشاد الفحول ص 68 ما يلي:
«فهو اتِّفاق مجتهدي الأمَّة محمَّد e بعد وفاته في عصر من الأعصر على أمر من الأمور». وبعد مناقشات طويلة للإجماع من جميع جوانبه أحب أن أنقل إليك المقتطفات التالية منه:
«هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع إذا كانت بدعته تقتضي تفكيره؟ فقيل: لا يعتبر في الإجماع، قال الزركشي بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى الأمَّة المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه، قال الصفيّ الهندي، لو أثبت لكان لا يمكن الإستدلال بإجماعنا على كفره وإثبات كفره بسبب ذلك الاعتقاد لأنَّه إِنَّمَا ينعقد إجماعنا وحده على كفره وإثبات كفره بإجماعنا وحده دونه، وأمَّا إذا وافقنا هو على أنَّ ما ذهب إليه كفر فحينئذٍ يثبت كفره، لأنَّ قوله معتبر في الإجماع لكونه من أهل الحل والعقد قال الهندي وهو الصحيح».
«قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنَّة لا يعتبر في الإجماع وفاق القادريَّة والخوارج والرافضة، وهكذا رواه أشهب عن مالك».
«قال أبو بكر الصيرفي ولا يخرج من الإجماع من كان من أهل العلم، وإن اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر ومن رأى الإرجاء وغير ذلك من اختلاف آراء الكوافة والبصرة إذا كان من أهل الفقه».
« (1/385)
صفحة 386
قال ابن قحطان الإجماع عندنا إجماع أهل العلم فأمَّا من كان من أهل هؤلاء فلا مدخل له فيه: قال أصحابنا في الخوارج لا مدخل لهم في الإجماع والإختلاف».
«وممن اختار أنَّه لا يعتد به (1) من الحنفيَّة أبو بكر الرازي ومن الحنابلة أبو يعلى القاضي».
لا ينعقد عليه (أي مجتهد أهل الأهواء) الإجماع وينعقد على غيره يعني أنَّه لا يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أدَّى إليه إجتهاده ولا يجوز لأحد أن يقلِّده، حكماه الأمدي وتابعه المتأخِّرون».
«قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق أنَّه لا يعتدُّ بخلاف من أنكر القياس ونسبه الأستاذ إلى الجمهور».
قال النووي: إن مخالفة دواد لا تقدح في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه الأكثرون».
«قال صاحب المفهم: جل الفقهاء والأصوليين أنَّه لا يعتدُّ بخلافهم، بل هم من جملة العوام، وأنَّ من اعتدَّ بهم فإنَّما ذلك لأنَّ مذهبه أنَّه يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع والخق خلافه».
«قال الجويني: المحقِّقون لا يقيمون لخلاف الظاهريَّة وزنًا».
«قال مالك: إذا اجمع أهل المدينة لم يعتد بخلاف غيرهم».
«قالت الزيديَّة والإماميَّة: إجماع العترة حجَّة».
نقلت لك المناقشة السابقة عن الإمام الشوكاني ــ وهي صورة مختصرة جدًّا للنقاش الطويل الذي يجري بين العلماء في كتب الأصول في موضوع الإجماع ــ لترى كيف تغيَّر مفهوم الإجماع من تعريفه العام الشامل الرائع إلى مفاهيم ضيِّقة، متعدّؤدة الحدود، متضاربة المدلولات، تسوقها العصبيَّة المذهبيَّة المختفية، ويصوغها التحكم الفردي أو المذهبي.
__________
(1) 1- يقصد أنَّ الرازي من الحنفيَّة والقاضي من الحنابلة قد اختار القول بعدم الإعتداد بمجتهد أهل الأهواء. (1/386)
صفحة 387
ولا شكَّ أن الإمام الشوكاني نقل لنا ما نقل عن علماء طوائف معيّضنة من الأمَّة الإسلاميَّة، وأقوالهم تمثّل نظرة هذا الجانب فقط ولو أتيح لنا أن ننقل عن مؤلِّف آخر من الجانب الثاني لوجدنا عنده ما يشبه ما أورده الشوكاني ولكن بطريقة عكسيَّة.
ومع لإقتصار على هذا الجانب الذي عرضه الإمام الشوكاني فقط فإنَّك تجد الإجماع قد انتقل عن تلك الصورة الرائعة من التعميم والشمول للأمَّة الإسلاميَّة جمعاء إلى فكرة تتنازعها المذهبيَّة، وتحاول أن تحتكرها فلو أخذت في الإعتبار جميع الأقوال السابقة فأخرجت من الإجماع الحنابلة والظاهريَّة لأنَّهم لا يقولون بالقياس، واخرجت المعتزلة والشيعة والخوارج وأخرجت الفقهاء والأصوليين. فماذا يبقى من الأمَّة الإسلاميَّة، وهل يبقى للإجماع معنى إذا أخذت بقول من يرى أن الإجماع العترة يكفي أومن يرى أنَّ إجماع أهل الحرمين يكفي أو من يقول إذا أجمع أهل المدينة فلا يعتدُّ بخلاف غيرهم.
إن الصورة الرائعة لمفهوم الإجماع من الأمَّة الإسلاميَّة عامَّة لم تزل تضؤل وتضؤل حتَّى أصبحت في نطاق مدينة واحدة بل حتَّى تلاشت، وذلك أن كلمة أهل الأهواء والبدع تهمة متبادلة يقولها أهل السنَّة في المعتزلة، ويقولها المعتزلة في أهل السنَّة وهما يقولانها في الشيعة والشيعة تقولها فيهما، وهم يقولونها في الخوارج والخوارج يقولونها فيهم، وبهذا لا يعتدُّ بإجماعهم جميعًا لن كلّ واحد منهم صاحب هوى وبدعة في نظر الآخرين. (1/387)
صفحة 388
إنَّ كلمة أهل الأهواء والبدع ــ هذه التهمة خطيرة التي كان يتقادفها أنصار المذاهب والفرق كما تتقادف الفرق الرياضيَّة كرة المطاط، لا تلمسها رجل حتَّى تتركها إلى رجل فرقة مضادَّة، ولا تطير في اتجاه هدف حتَّى ترتد طائرة إلى الهدف المقابل ــ أن تختفي من هذا الميدان الفسخ الذي يصطفَّ فيه المسلمون باختلاف مذاهبهم وفرقهم، لأنَّهم باختلاف فرقهم وشعاراتهم يكوِّنون إتحادًا واحدًا عظيمًا يقف متراص الصفوف ليجابه التحدِّيات.
إنَّه لا يحقُّ لأي واحد سواء كان يقف في الساحة منفردًا أو كان يحمل شعار فرقة، أن يحكم على فرقة أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح أو من الحرمان من الاشتراك في أي عمل تقوم به الأمَّة الإسلاميَّة ككل. وهذه الفرق المتكاملة بشعاراتها المختلفة هي التي أعطت الصورة الكاملة للأمة المسلمة، لأنَّ كلّ واحدة من تلك الفرق كانت تمثِّل جانبًا معيَّنًا وتبني من زاوية خاصَّة ولن يكتمل البناء إِلاَّ بوجودها جميعًا واشتراكها في إقامته معًا.
إن لكلِّ فرقة من الفرق الإسلاميَّة في خدمة الإسلام جهدًا مشكورًا سواء كرهنا أو رضينا، وسواء إعترفنا أو لم نعترف، وسواء وافق أمتجتنا أم لم يوافق.
وليس من حقّ أصحاب أيَّة فرقة أن يعتبروا أنفسهم هم ممثلي الإسلام يحكمون على غيرهم من الفرق والطوائف بالتفسيق أو التبديع أو التفكير.
لا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الخوارج ــ بأقسى وأقصى ما يوصفون به وينسبون إليه ــ قد قدَّموا للأمَّة الإسلاميَّة خدمة جلى، ولقد قاموا بكفاح مرير ــ حين استنام المسلمون وسكتوا عن الإنحراف بدولتهم من الخلافة إلى المالكيَّة، فأقاموا الحجَّة على المسلمين بسيوفهم وألسنتهم وأثبتوا بجدارة تستحق الإعجاب بون ما كان عليه الناس في الخلافة الرشيدة وما هم مقدَّمون عليه عند ما تسلطه الدكتاتوريَّة الملكيَّة على الحكم وأخرجته من نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض. (1/388)
صفحة 389
ولا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن ينكر أن الشيعة قدموا للأمَّة الإسلاميَّة خدمة حبلى، فقد كافحوا بجهد جبَّار حتَّى أثبتوا حقَّ آل البيت في الحياة وفي الحكم ولولا الشيعة لقضى جبروت بني أميَّة على بني هاشم، ولمحا الحقد الأسري المتغلغل في النفوس اسمهم من الوجود، أو شرد بهم حيث لا يكون لهم لقاء.
ولولا المعتزلة لكانت الفلسفة القديمة بما أوتيت من براعة الجدل وذكاء التمويه قد استطاعت أن تنحرف بعقيدة المسلمين عن الإسلام بل أن تخرج الكثير منهم من الإسلام.
ولولا الإباضيَّة لمَّا كانت هناك حلقة من الاعتدال والتوسط تمسك بكلِّ طرف من الأطراف المتطرِّفة بجانب واضح يربطها بالفرق الأخرى ويقلل مسافة البعد بينها سواء كان ذلك في العقائد أو في آراء الحكم والسياسة.
ولولا أهل السنَّة الذين ناصروا الدولة الأمويَّة لمَّا قامت تلك الحضارة الرائعة التي بناها العرب على أسس من الإسلام، والتي استطاعت أن تقف متباهيَّة في شموخ أمام الحضارات العالمية في ذلك الحين، ثمَّ أن تتقدَّم في عهد الدولة العباسيَّة في أناة وثبات فتستلم زمام الحضارة الإنسانيَّة في العالم وتسيِّر به الشوط الذي حفظه لها التاريخ وتقدِّره لها الأجيال المتعاقبة.
ولولا الظاهريَّة والحنابلة الذين استمسكوا بالنصِّ واعتمدوا عليه واحتجُّوا دون اعتماد على العقل لمَّا تمت خدمة النصوص الإسلاميَّة من سنة وآثار على هذا المستوى العلمي الدقيق الذي نفتخر ونعتزُّ به ونضعه كنموذج للتحقيق العلمي بين أنظار علماء الإنسان.
ولولا النزعة العلميَّة المتحرِّرة من فقهاء العراق واستنادهم إلى العقل والمنطق واعتمادهم على ذلك في مناقشة الآثار والنصوص لبقي الفقه الإسلامي تحت أثقال من الركود والجمود. (1/389)
صفحة 390
هذا هو الإطار العام الذي تقف فيه الفرق الإسلاميَّة بشعاراتها الخاصَّة كطوابير متخصِّصة يتكوَّن منها جميعا ذلك الكيان العظيم الذي يسمَّى الأمَّة الإسلاميَّة، وهذه الأمَّة بهذه الفرق المختلفة وشعاراتها الخاصَّة إذا أجمع علماؤها على حكم في أمر من الأمور كان ذلك إجماعا من الأمَّة الإسلاميَّة، واعتبر هذا الإجماع هو المصدر الثالث من التشريع بعد الكتاب والسنَّة.
ولا يمكن أن يعتبر إجماعا ما تخلف فيه ولو عالم واحد من فرقة واحدة من الفرق الموجودة حين صدور الحكم، فإذا انقرضت فرقة في عصر من العصور أو وجدت فرقة طلب الإجماع من علماء الفرق الحاضرة فقط واعتبر ما اتفقوا عليه.
بعد هذا العرض أعتقد أنَّه من المناسب أن ننظر إلى الإجماع من الزوايا الآتيَّة:
1. الإجماع الذي نتحدَّث عنه ونناقشه هو الإجماع الذي يشرح كدليل خاص في أمر من الأمور لم يثبت فيه نص، أمَّا عندما يكون على حكم ثبت بالنص فإنَّ الإجماع حينئذ لا يكون عرضة لهذا النقاش لأنَّه اكتسب القطعية من دلالة النص.
2. الإجماع في الماضي.
أغلب أنواع الإجماع التي وقعت أو أدعيت في الماضي ــ بقطع النظر عن الإجماع المصاحب للنصِّ ــ هي من نوع الإجماع السكوتي وهو حجَّة ظنِّيَّة سواء وقعت في عهد الصحابة أو فيما بعدهم من عهود. (1/390)
صفحة 391
أمَّا الإجماع القولي أو الصريح إذا سلم بوقوعه في عهد الصحابة لا سيما في فترة خلافتي أبي بكر وعمر لعدم تفرق علماء الصحابة، فإن وقوعه فيما بعد عهد الصحابة يعسر التسليم به ولذلك فإنَّنا نقف بنوع من الاحتراس عندما نجد ادعاء الإجماع سواء كان بعبارة عامَّة كقولهم تم الإجماع على كذا أو أجمع المسلمون على كذا أو بعبارة خاصَّة كقولهم أجمع من يعتدُّ بإجماعه، وهذا النوع من الإجماع ــ ما عدا إجماع الصحابة القولي إذا ثبت ــ هو حجَّة ظنِّية في الأحكام الشرعيَّة بالنسبة للأفراد أمَّا إذا جرى في الحكم على فرقة من المسلمين بالتفسيق أو التبديع فليس له قوَّة الحجَّة مطلقًا. وهذا ما أشار إليه الصيفي الهندي في قوله الذي نقلته عن الشوكاني في صدر هذا الفصل.
ذلك أن إثبات إجماع المسلمين بعد عهد الصحابة وقد تفرَّقت بهم الآراء والمذاهب والسياسات وتشتَّتوا ما بين فارس والأندلس ــ مع تعسُّر المواصلات ـ أمر مستحيل وحكم فرقة أو عدد من الفرق على فرقة أخرى لا يعتبر إجماعا أبدًا.
3. الإجماع في الحاضر والمستقبل:
نظرا لسهولة وسائل الإتصال في العالم اليوم وتيسُّرها فإنَّنا نعتقد ــ نظريًّا ــ أن الإجماع الصريح ممكن وأنَّ العلم به ممكن أيضًا لا سيما إذا تبنَّته الدول أو ساعدت عليه مع العلم بأنَّ هناك علماء لا يتمُّ الإجماع بدونهم يعيشون في أقطار تحكُّمها دول غير إسلاميَّة فلو أثيرت مشكلة هامة في قطر من الأقطار واحتاجت إلى حكم شرعي لأمكن الاتصال بجميع أهل العلم المسلمين في جميع أنحاء العالم وعرض مشكلة عليهم وأخذ الحكم منهم ربما في شهور فقط. فلو وقعت حركة مثل هذه فإن الحكم لا يعتبر بالإجماع.
أوَّلاً يأخذ مرتبة الإجماع إِلاَّ إذا أجمع عليه علماء العصر على اختلاف مذاهبهم ثمَّ استوفى بقيَّة الشروط المعروفة عن الإجماع.
وما قيل: عن هذا العصر يقال: عن العصور المقبلة. (1/391)
صفحة 392
و ينبني على هذا أنَّ الاتِّفاق الذي يتمُّ بين بعض البلدان فقط أو بعض المذاهب فقط ولو كانت أكثريَّة ولو تخلف عالم واحد من مذهب واحد لمَّا كان ذلك الاتِّفاق إجماعا، فإذا كان في مسألة فقهيَّة فهو حجَّة ظنِّيَّة أمَّا إذا كان حكما على فرقة فليس له اعتبار.
فليس من حقِّ فرقة أو عدد من الفرق أن تصدر أحكاما على غيرهم ثمَّ تعتبر ذلك إجماعا. كما أنَّه ليس أي شخص أو فرقة أن تصدر حكما بإخراج أي مجتهد من دائرة الاعتداد به في الإجماع. والذي ينبغي أن ننتهي إليه من هذا الفصل أنَّه يجب أن يختفي من أذهان المسلمين ذلك المفهوم الذي يتبادر إلى الكثير حين يسمعون كلمة الإجماع أو أجمع المسلمون من ناس يصدرون أحكاما من زواياهم الخاصَّة إلى غيرهم من المسلمين ــ فرقا وأفرادا ــ فيعتبرون ذلك حجَّة قطعيَّة تثبت تلك الأحكام التي ألبست ثوب الإجماع، وليست بإجماع، وكل إجماع ادَّعى فيما مضى إذا لم يصدر من جميع مجتهدي المسلمين، بمختلف مذاهبهم وأوطانهم، ولم يكن مصاحبا لنص فهو ليس بالإجماع الذي يعتبر في الدرجة الثالثة من الأدلة الشرعيَّة، وليس الخروج عنه فسقًا أو كفرًا.
مفاهيم يجب أن تختفي
سبق إلى أذهان الناس ــ بسبب خطإ المؤرِّخين في ربط الأحداث ــ أن الحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب في وقعة النهروان هو أهل أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ، فإن المحكمة الذين قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إِلاَّ تسعة أفراد ثمَّ ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا حتَّى ظهر الخوراج في أواخر ولاية ابن زيَّاد سنة 64 بقيادة نافع بن الأزرق.
فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام على بن أبي طالب والمحكمة. أمَّا الخوارج فنوعان:
خروج سياسي كخروج الحسين وابن الزبير وبلال والمختار وسليمان بن حرد وغيرهم.
وخروج سياسي ديني وهو الخروج الذي ابتدأه نافع بن الأزرق وسار عليه الخوارج من بعده. (1/392)
صفحة 393
وإن شئت مزيدا من الإيضاح فاقرأ الفصل الآتي:
الفرق بين الفتنة والخوراج
من معاني كلمة الفتنة: إختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم ــ بسبب ذلك ــ من النزاع و القتال، وقد وقعت في صدر الإسلام مجموعة من الخلافات بين الصحابة أدت نزاع وقتل وقتال فسمِّيت فتنا وفي الإمكان أن نحصرهل فيما يلي:
1. فتنة الدار.
2. فتنة الجمل.
3. فتنة صفَّين.
4. فتنة النهروان.
فكانت أولى الفتن بين الصحابة هي فتنة الدار وذلك أنَّه في السنوات الأخيرة من خلافة أمير المؤمنين عثمان انتقد عليه البعض الناس أنواعا من السلوك والتصرُّف إعتقدوا أنَّه لا يجوز له، فلمَّا أبلغوه انتقادهم اعتذر عن بعضه واستقرَّ، وأجاب عن بعضه بأنَّه من حقِّه ــ وهو الإمام ــ أن يفعله ووقع بينه وبين المعارضين خلاف في عدد من المسائل واشتدَّ الخلاف حتَّى طلبوا منه أن يستقيل فلم يقبل منهم ولم يستجب لهم فوثبت عليه جماعة منهم فقتلوه ودافع عنه جماعة من المسمين واعتزله آخرون وقام عليه جماعة مِمَّن بايعوه وأدت الحركة كلَّها إلى حروب يوم الجمل فقتل هنالك ثمانيَّة عشر ألفا (على رواية المسعودي في مروج الذهب) وسميَّت هذه الحركة بفتنة الجمل وكانت ثاني فتنة وقعت بين المسلمين.
وعندما تمت البيعة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب بعث يعزل العمال السابقين ومن ضمنهم معاوية، فام يستجب للعزل وتعلل بدم عثمان، واعتبر نفسه وليَّه، وصرح أنَّه يتهم الإمام عليا بافشتراك في قتله، أو على الأقل بالرضاء به. وانه يطالبه بدمه. ووقعت مِن أجل ذلك حرب مريرة في مكان يسمَّى (صفَّين) قتل فيه مائة ألف وعشرة آلاف على رواية المسعودي في مروج الذهب، وكانت هذه هي الفتنة الثالثة من الفتن التي وقعت بين المسلمين. (1/393)
صفحة 394
وفي صفين عندما أحس معاوية بضعف جيشه عن المقاومة وبأن الهزيمة لاحقة به لا محالة، ابتكر خدعة المصاحف وطالب بالرجوع إلى حكم الله وبتكوين نخبة للتحكيم وتحديد مدَّة كهدنة ليتم فيها العمل واختلف أصحاب علي اختلافا شديدا بين موافق على الطلب ومعارض له. اضطر الإمام إلى الموافقة نزولا عند رأي الأغلبيَّة وإن كان رايه هو خلاف ذلك، واختير الحكمان وحدِّدت الهدنة وانتهى المعد وحضر الناس، فأعلن مندوب الإمام على بأنَّه اتَّفق مع مندوب معاوية على عزاهما معًا من منصبهما ثمَّ يكون الخيار للأمة تولي من تشاء. وأنكر مندوب معاوية ذلك الإتفاق وأعلن أنَّه اتَّفق مع مندوب علي على عزل علي وتثبيت معاوية، فاعتبر على أنَّ قضيَّة التحكيم في حكم الملغاة لأنَّ الحكمين لم يعملا بكتاب الله ولأنَّهما لم يتَّفقا. ورجع إلى معارضي التحكيم ــ الذين كانوا قد عزلوا الجيش عندما وافق الإمام علي على التحكيم، ثمَّ بايعوا لهم إماما عندما أعلنت نتيجة التحكيم ــ يطلب منهم الإنضواء تحت لواء الجيش والإستمرار في محاربة أهل الشام، غير أنَّ المعارضين وقد تجمَّعوا قرب النهروان لم يوافقوا على العودة، وجرت بينهم وبين رسل الإمام وبينهم وبين الإمام نفسه مناظرات ومناقشات كثيرة لم يتَّصلوا بعدها إلى إتفاق، فارتحل إليهم بجيشه ووقعت بينه وبينهم موقعة قتل فيها أربعة آلاف حسب رواية المسعودي سمِّيت بواقعة النهروان وكانت هذه هي القتنة الرابعة فيما أرى. (1/394)
صفحة 395
وبالتأمل في أحداث هذه الفتن الأربع يجد الباحث أنَّ السبب فيها هو اختلاف في وجهتي النظر بين طائفتين من المسلمين. وفي إحدى الطائفتين أمير المؤمنين ــ في سلوك أمير المؤمنين نفسه في مسألة من المسائل أو مشكلة من المشاكل أو عدد منها، يرى هو صحَّة موقفه، ويرى المعارضون عدم الصحَّة وينتج عن تباين الموقفين الانتهاء من القتال. ومع كلّ فريق من الطائفتين عدد من الصحابة، وفي جميع تلك الأحداث يوجد ــ أيضًا ــ جمع من الصحابة وقفوا من الخلاف موقفا سلبيا فلم يشتركوا مع أحد ولم يؤيِّدوا أحدًا من الطرفين المختلفين.
ويبدوا ــ رغم اختلاف نزعات ودوافع المؤرِّخين ــ إنَّ العنف في الفتنة الأولى كان من المعارضين فقط، وأنَّ الإمام وقف أمامهم أعزل لم يجرد سلاحا، ومنع من التعرُّض لهم بقوَّة، حتَّى في أحرج اللَّحظات. ولذلك قد انجلت عن مقتل الإمام فقط، أو بعض أضرار أخرى بسيطة.
وفي الفتنتين الثانيَّة والثالثة بدأ العنف أيضًا بين المعارضين غير أنَّ الإمام هنا لم يقف سلبيًّا وإنَّما أجاب على العنف بالعنف ولذلك فقد انجلت الفتنة الثانيَّة عن ثمانية عشر ألف قتيل. وانجلت الفتنة الثالثة عن مائة ألف وعشرة آلاف قتيل.
أمَّا الفتنة الرابعة فبعد المفاوضات والمناظرا ت كان العنف فيها من الإمام ــ كما يبدوا ــ واستجاب المعارضون عن العنف بالعنف وانجلت الفتنة عن أربعة آلاف قتيل، حسب روايات المسعودي في مروج الذهب في جميع ذلك، أعني أنَّ هذه الفتن ذهب ضحيَّتها مائة وإثنان وعشرون ألفا من المسلمين المقاتلين حسب روايات المسعودي. (1/395)
صفحة 396
وصلب الموضوع في أحداث هذه الفتن جميعا أنَّ الخلاف فيها كان ديانة، أي أنَّ كلّ فريق كان يعتقد أنَّ مسلكه هو الحقّ ونستطيع أن نأخذ مثلا للخلاف عن كلّ فتنة من هذه الفتن.ففي الفتنة الأولى إتُّهم عثمان بأنَّه يحابي أهله بالمال والمنصب فلمَّا انتقد عليه ذلك وذكر له أنَّ عمر لم يكن يفعل ذلك أجاب بأنَّ عمر منعهم لله وأنَّهُم هو أعطاهم لله. وأجيب عنه بأنَّه أمير المؤمنين، وأعلاف بمصلحة الإسلام والمسلمين وهو مسؤول.
وفي الفتنة الثانيَّة تمَّت البيعة لعلي فلم يبادر إلى قتل قتلة عثمان، فقال: القائلون لا نسمع لك ولا نطيع حتَّى تقتل قتلة عثمان، وقال علي: ــ وهو أمير المؤمنين حينئذ ــ بل السمع والطاعة أوَّلاً ثمَّ إقامة الحدود وكيف يتمكَّن الإمام من إقامة الحدود إذا كان في الأمَّة من لايسمع ولا يطيع.
وفي الفتنة الثالثة انشغل على عن قتل قتلة عثمان أو لم ير قتلهم فادعى معاوية أنَّه ولي دم عثمان وهو يطالب بالقصاص، فقال: لهم الإمام علي بايع أوَّلاً وادخل فيما دخل فيما دخل فيه المسلمون، ثمَّ طالب بحقِّك في ولاية الدم وإيقاع القصاص، قال معاوية بل القصاص أوَّلاً. (1/396)
صفحة 397
وفي الفتنة الرابعة رفعت المصاحف وطلبت الهدنة فاختلف أصحاب على فوافق تحت ضغط أصوات الأغلبيَّة وقبل التحكيم، ففارقه عدد من الجيش، ويقول: من يجيب بلسان علي، قبلنا الهدنة ونحن نعلم أنَّها خدعة خوفا على كلمة الجيش واقتداء ببعض مواقف الرسولy المشابهة، ويقول الآخرون أنَّك تعلم أنَّهم فئة باغيَّة وأنت تحاربها بأمر الله ليس لك أن تتركها حتَّى تفيء إلى أمر الله أو يهلك أحد الفريقين هذا أمثالة بسيطة لتلك القضايا الشائكة، ومنها يتضح لك أنَّ جميع المواقف في الأحداث السابقة كانت مواقف دينيَّة من الأطراف المختلفة. وأنَّ استمساك تلك الأطراف ومواقفها إِنَّمَا يعني استمساكهم لمَّا تدين وتتقرَّب به إلى الله وليس استمساك عصبيَّة أو رغبة في الدنيا، ويبدوا لي أنَّ الفتنة التي وقعت بين الصحابة تنتهي إلى هذا الحد وأنَّه يجب على المسلمين أن يقفلوا عنها الباب وأن لا يتورَّطوا بالتدخُّل فيها، بقطع النظر عن آرائهم وميولهم الشخصيَّة وأنَّه لا علاقة لهذه الفتنة بما جاء بعدها تترتّب عنها فيما ومما نسب إليها. الحقيقة أنَّ هذه الفتن الأربعة ينبغي أن توزن بميزان واحد باعتبارها أحادثا بين الصحابة لأنَّ جميع أطرافها حظره بعض الصحابة والظروف فيها متشابهة، والقائمون فيها من الجانبين طلاَّب حقٍّ سواء أخطأوا فيه أم أصابوا. (1/397)
صفحة 398
والذي يلجئنا إلى هذا الموقف ــ رغم أنَّ في الموضوع دماء وأموال ــ هي ثبوت الأحاديث في بعض الصحابة والذين وقفوا مواقف متعارضة في هذه الأحداث، وشهروا فيها السيوف على بعضهم البعض وبانتهاء الفتنة الرابعة إنتهت الفتنة التي قامت في عهود الصحابة وبينهم، أو على الأقل قامت في عهود الخلافة الرشيدة وبالنظرة المنصفة النزيهة المتعمِّقة في أحداث التالايخ يتَّضح أنَّ أثار هذه الفتنة كحركة علميَّة قد انتهت في زمنها فقد قتل أهل النهروان وتفرَّق باقيهم مِمَّن لا حول له ولا قوَّة ثمَّ قتل الإمام علي بمؤامرة نسبت إلى الخوارج، ثمَّ جرت العادة أن تنسب إليهِم كلّ الأعمال الشاذَّة المنحرفة، فقد صهع منهم كتاب التاريخ والمقالات شخصيات خرافيَّة ــ كشخصيَّة جحا وأشعب وأبو زيد الهلالي ــ يكون على أكتافهم مسؤوليَّة الدم في التاريخ الإسلامي عامَّة والله أعلم بمن دبَّرها وإن كانت أصابع الإتِّهام تشير إشارات واضحة إلى الأشعث ابن قيس (1) ثمَّ سلَّم الإمام الحسن بن علي إلى معاوية بعد شهور قليلة، فلم يبق لهذه القضيَّة أي أثر وقد انتهى جانبها ــ جانب أهل النهر وجانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
__________
(1) 1- كان أمير المؤمنين علي يخطب على المنبر فاعترضه الأشعت بكلمة فجابه الإمام وهو ماض في خطبته بقوله: «وما يدريك ما على حمالي عليك لعنة الله». (1/398)
صفحة 399
ويثب هنا إلى الذهن سؤال يتردَّد قائلا: ما علاقة هذه الفتنة بالخوارج ؟ ويبدوا أن الجواب الصحيح سيقول أنَّه لا علاقة لها بهم، فهي فتنة بين الصحابة تشبه الفتنة السابقة ليس لنا أن نحشر أنوفنا بأحداثها ونبيِّن المخطئ فيها و المصيب إِنَّمَا نتركها كما نترك سابقاتها لله والواقع أنَّ كثير المؤرِّخين يحرصون أشذَّ الحرص على تسميَّة أهل النهر بالخوارج ثمَّ هم يتكلَّفون ما يثبتونه تكلُّفا يصل حدَّ السخف أحيانا، ويجهدون أنفسهم في البحث للتدليل على أنَّ أهل النهر هم المقصودون بحديث المروق المعروف ــ وإن صحَّ ــ وينسبون إلى الإمام علي مِمَّا يثبت هذه الدعوة أخبارا غيبيَّة يخبر قبل وقوع الأحداث بوقوعها، ثمَّ هم يخلطون خلطا عجيبا بين معنى الخروج عن الدين وعنى الخروج من الدولة وكلَّما تطاول الزمن كلَّما كبر هذا الحرص عند المؤرِّخين وكتَّاب المقالات وأنا في كتابتي لهذا الفصل ــ وأنا بعيد عن المراجع في مكاني هذا ــ لاأحاول أن أناقش صحَّة هذا الحديث ولا مدى انطباقه على هذه الجماعة بالذات، كما أنَّه ليس لأمكاني الآن أن أحدِّد بالضبط متى استعملت كلمة الخوارج، وأول من استعملها وعلى من أطلقها، في مصدر موثوق به، ومع ذلك فأنا لا أجزم بشيء مِمَّا ورد في هذا الموضوع في حينه، وأحسب أنَّ جميع ما قيل: عن الخوارج في تلك الظروف عرضة للنقد، وأحسب لأنَّ جميع ما قيل: عن الخوارج في تلك الظروف عرضة للنقد، وأنَّ الشك فيه أقووى من اليقين. (1/399)
صفحة 400
يقول الإمام أبو إسحاق أطفيش (1) : « الخوارج طائفة من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمَّد بن الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنَّهم خرجوا عن الحقِّ وعن الأمَّة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلُّوا ما حرَّم الله من الدماء والأموال بالمعصية». ويقول: أيضًا: «إنَّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوَّل الأمر. وإنَّما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا، ولم تعرف هذه التسميَّة في أصحاب المنكرين للتحكيم والراضين به، ولعل أوَّل ما ظهر اللَّفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية».
حدثت أمُّ نافع بن خليفة: «أنَّ الناس يومئذ على ثلاثة أصناف جبابرة أتباعهم، وصنف فسَّاق يشربون النبيذ ويظيعون الصلاة، ويعملون الفواحش، وليس هناك يومئذ صفريَّة ولا أزارقة ولا شكاك، وإنَّما الذين يسمون القراء يدينون بقتال الجبابرة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفسَّاق عمَّا يصنعون، فلمَّا رأى ذلك زيَّاد جعل يتَّخذ الأدلَّة عليهم، ويأخذهم فيقتلهم، فلمَّا رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلوهم على فرشهم» (2) وقال الإمام نور الدين السالمي: «ثم لمَّا كثر بذل نفوسهم في رضى ربهم، واكنوا يخرجون للجهاد طوائف سموا (خوارج) وهو جمع خارجة، وهي طائفة التي تخرج في سبيل الله».
__________
(1) 1- أنظر عمان تاريخ يتكلَّم الجزء الثاني 103.
(2) 2- طبقات المشائخ بالمغرب الجزء الثاني 235. (1/400)
صفحة 401
وكل ما في هذا الموضوع معارضين للتحكيم اعتزلوا جيش الإمام فلمَّا فشل الحكمان بايعوا واحدا منهم إماما، ولكن الإمام علي بعد فشل الحكمان بدأ يستعدُّ لاستئناف القتال مع معاوية فاقتضت نظرته السياسية ــ عملا بنصيحة بعض مستشاريه ــ أن ينتهي من أمر أولئك المعتزلين أوَّلاً وقد انتهى منهم فعلاً، فما انتهى من قبل من أصحاب الجمل، ولم يكن هناك رجال للتنابز في بهذه الألقاب فلم يكن من أخلاق علي ولا من أخلاق من يسير بسيرته أن ينبزوا الناس بالأقاب ولا أن يصف أولئك الناس بالخروج من الدين أو المروق منه أو بغير ذلك من الألقاب والأسماء التي أصبح لها رنين فيما بعد، لا سيما وأنَّ الإمام يقول: «كل مجتهد مصيب (1) وهو يعلم تمام العلم أنَّ هؤلاء القوم لم يقفوا ذلك الموقف منه إِلاَّ اجتهادا منهم بأنَّ موقفهم ذلك هو الحق.
والمصادر التي تصور الموقف أو حالة الإمام بعد الفتنة نهروان متضاربة حسب الاتجاهات أصحابها، ولكنها مجمعة على أنَّ سخط الإمام على أهل الشام كان أشدُّ وأعنف من سخطه على أهل النهروان، وكلمات التي حفظت عنه ــ إن صحَّت نسبتها إليه ــ تدلُّ دلالته على أسفه وندمه على قتلهم.
__________
(1) راجع الدليل والبرهان الجزء الثالث ص 28. (1/401)
صفحة 402
والذي أريد أن انتهي إليه من كلّ هذا أنَّ موقعة النهروان فتنة بين الصحابة كالفتن التي سبقتها وليس لها أثر فيما بعد لهم إِلاَّ النقاش الجدليفي موضوع الإمامة وواجبات الإمام وحقوقه وواجبات الأمَّة وحقوقها والحدود في ذلك والاستدلال بموقف الإمام أو موقف الأمَّة عندما يختلفان وهل للإمام أن ينعزل عن أمور المسلمين دون حدث؟ وهل لهم أن يعزلوه كذلك. وإذا انعزل فهل من حقِّه أن يعود؟ وأن تكون بعثته الأولى في أعناق الناس حتَّى بعد التخلي والرجوع؟ وهل بيعة الإمامة عقد من طرف واحد أو من طرفين؟ وهل الطرفان متساويان؟ وماذا لو أنَّ أحد الطرفين لم يلتزم بمضمون البيعة كما لو دعا الإمام إلى جهاد العدو فلم يتقدَّم أحد، وتقدَّم عدد ضئيل لا غناء فيه. فلا شك أنَّ أبحاث مستفيظة أثيرت حول هذه المواضيع بسبب القضية التحكيم وفتنة النهروان، ومواقف الإمام في تلك الظروف ومواقف أصحابه، سواء من بقي معه أو من انعزل عنه.
وبعد فتنة النهروان، ثمَّ اغتيال الإمام (1)
__________
(1) ظهر ابن ملجم ظهورا مفاجئا عند اعتياله للإمام أمَّا قبله فلم يكن معروفا وكذلك صاحباه وحتى بعد تنفيذه للمؤامرة لم يعرفوا على الحقيقة من وراءها فألقى أكثر المؤرِّخين المسؤولية الحادثة على اسم الخوارج (شجب الأمويين) الذي تعلق عليه جميع الأحداث الشاذة والمكروهة والمجهولة. دون اهتمام بالتحقيق. ولكن أخبارا ترد مقطَّعة في كتب الأدب والتاريخ لا يلتف إليها أحد قد تدلُّ على غير ما يقوله نقلة الأخبار الرتينيون المتأثِّرون.
كلّ من اهتم بأحداث صفين والنهروان يعرف أنَّ الأشعث بن قيس كان من المقربين إلى الإمام ومن أصحاب مشورته وأنَّ له أكبر الدخل في قبول التحكيموفي عدول الإمام عن حرب معاوية إلى أصحاب النهر وفي تثبيطاتهم جيش الإمام بعد ذلك للمواصلة في القتال مع معاوية ويعلاف أيضًا أنَّه كان عميلا لمعاوية أو طابورا خامسا له في جيش الإمام. وتذكر كتب التاريخ والأدب أنَّ الأشعث بعد رجَّحت كفَّة معاوية واستقامت له الأمور وضؤل مركز وتفرَّقت عنه الجموع ــ قلب ظهر المجن للإمام في وقاحة وتبجح «قال أبو الفرج أنَّ الأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤونين أخبارا يطول شرحها». قال ابن أبي الحديد: «دخل الأشعث على علي فكلَّمه فغلظ علي له، فعرض له الأشعث أنَّه سيفتك به، فقال له علي: أما لموت تخوفني وتهدِّدني والله ما أبالي وقعت على الموت، أو الموت وقع علي» وقال ابن أبي الحديد: «وجاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه، فردَّه قنبر، فأدمى الأشعث أنفه، فخرج علي يقول: مالي ولك ياأشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرَّت شعيراتك».
قال أبو الفرج: «وقد كان ابن ملجم أتى الأشعث بن قيس في هذه اللَّيلة فخلا به في بعض نواحي المسجد، ومرَّ بها حجر بن عدي، وسمع الأشعث وهو يقول لابن ملجم: «النجاء النجاء بحاجتك فقد ضحك الصبح، قال له حجر: قتلته يا أعوروخرج مبادرا إلى علي، وقد سبقه ابن ملجم فضربه فأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين». راجع هذه الأخبار في الجزء السادس من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وهم في جملتها تشير بالاتهام إلى الأشعةث وفي غيراها من كتب الأدب والأخبار ما هو أوضح وأصرح ولكن المؤرِّخين قد علَّقوا الموضوع على المشجب الأموي وانتهوا. (1/402)
صفحة 403
بايع الناس الإمام الحسن بن علي وكان الحسن يدرك تمام الإدراك أنَّ أمر الحكم ــ بكلِّ وسائل ــ سينتهي إلى معاوية، وقرَّر هو في داخل نفسه أن يوقف الصراع المرير بين الهاشميَّة والأموية، وأن يحقن دماء المسلمين، فلمَّا عرضت عليه البيعة لم يمتنع خوفا من أن يتاجه الناس إلى غيره فيسلك بهم مسلك التطرُّف، فتعود الأمور إلى أسوء مِمَّا كانت عليه من نتائج ولهذه قبل البيعة. فلمَّا هدأت العواصف، إستقرَّت الأمور وسكن الناس، سلّم لمعاوية.
ولا شك أنَّ عددا كبيرا كان ساخطا على معاوية وأنَّ عددا آخر قد سخط عليه هو نفسه في تسليمه واتَّهموه بالجبن والضعف والأنانيَّة، ولكن القضيَّة صارت كما قدَّرها الحسن وكما أرادها معاوية.
ولمَّا بدأ معاوية بأخذ البيعة بولاية العهد لابنه يزيد إزداد عدد الساخطين وأصبحت الأمَّة الإسلاميَّة ــ ما عدا أهل الشام ــ تغلي كالبركان، ولم يمسكها عن الانفجار العام الدموي إِلاَّ وجود معاوية في الحكم بمزاياه السياسيَّة التي قلَّ أن توجد عند حاكم. فلمَّا توفيَّ معاوية وتولى يزيد انفجر البركان وقامت في كلّ مكان مجموعة من الناس تسل الحسام وتندفع غلىلا أغراضها بالعنف وقوَّة، وإن كانت دعاوى كلّ مجموعة قد تختلف عن المجموعة الأخرى.
وبعضها قام بأحقِّية الخلافة، وبعضها بعدم أهلية الخلافة، وبعضها بالقرابة التي تفوق أهل البيت في زعمها، وبعضها للإنتقام وأخذ الثأر، وبعضها مطالبة بالعدالة والرجع إلى حكم الشريعة ... إلى غير ذلك من المبرِّرات والمزاعم والوسائل. وقد وقعت بسبب ذلك مشاغبات وحروب انتهى بعضها بعد خر وج واحد، وقاوم بعضها فترة أطول، فكانت الأنباء ترد إلى دار الإمارة بهذا الشكل. (1/403)
صفحة 404
خرجت خارجة بالكوفة، خرجت خارجة بالبصرة! بالمدائن، بالطائف! باليمن، إلخ. وكانت الأنباء تتوالى كلّ يوم بمزيد من الطوائف التي رفعت السلاح في وجه الحكم ، وصممت أن تحقِّق مطالبها بالعنف والقوة. فكان المير في أوَّل الأمر يبعث بفرقة من الجيش إلى الخارجة ما ليقضي عليها أو يشتِّتها، ولكنَّه عندما كثرت هذه المجموعات عن الحكم وترفع السلاح في وجه الدولة، صار على كلّ وال في مصر من الأمصار أن يكوِّن جيشًا كثيفا قويًّا مزوَّدا تحت قيادة ماهرة، ثمَّ يرسل به للقظاء على خوارج نازحية من النواحي فيقول: لقائد الجيش ــ عنك ــ انطلق إلى خوارج المدائن أو خوارج الأهواز أو خوارج اليمن وهكذا....
فاستعملت كلمة الخوارج بمعنى الخروج السياسي عن الدولة الأموية كاصطلاح عسكري خاص بمعنى جماعات الخارجة عن الدولة، ولكن حدث أن تطرَّف بعض تلك الجماعات فقامت بعقائد حكمت بها بالشرك على الحاكم الظلمة وعلى من رضي بالبقاء معهم أو تحت حكمهم، فسخط الناس عليهم لهذه العقيدة وما انبنى عليها من السلوك واعتبروهم خارجين بذلك عن الدين فأصبحت كلمة الخوارج تدلُّ على معناها الكامل في جانبيها معًا الديني والسياسي. وجاء هنا دور القيادة البارعة للدولة الأموية وأنصارها فاستغلَّت هذا الموقف الشاذ من بعض الجماعات فاعتبرته موقفا لكلِّ ناقم عليها غير راض بانحرافها، ثمَّ استغلَّته استغلالا آخر أبعد مدى حين حاولت أن تطلق كلمة الخوارج على مفكري التحكيم، وأن يكون الناقمون على الدولة الأموية هم امتداد لمنكري التحكيم ويشملهم اسم الخوارج جميعا. ووضعت في هذا عشرات الأحاديث منها ما عرف زيفه ومنها ما لم يعرف، كما وضعت عن لسان الإمام فيه عشرات الأقويل منها ما هو ظاهر البطلان، وقد اشتهر في هذا الباب ناس منهم المهلب بن أبي صفرة، حتَّى أنَّه قيل: أنَّ أثر أحاديثه المكذوبة على الخوارج كان أشدَّ من أثر سيفه. (1/404)
صفحة 405
وقد استفاذت السياسة الأموية بهذه الخطوات أنَّها جعلت الشيعة والمعتزلين والمعتدلين يتَّفقون معها في السخط على الخوارج والحكم عليهم بالخروج من الأمَّة الإسلاميَّة دون معرفة بحقيقة الخوارج ومبدإ ظهورهم لأنَّها أدخلت في روع الناس أنَّ مبدأ ظهورهم هو انفصالهم عن علي بعد التحكيم.
وأعتقد أنَّه مرَّت فترة قصيرة في أواخر أيَّام معاوية وأيام يزيد كانت كلمة الخوارج لم تستعمل بعد. أمَّا منكروا التحكيم فكانت تطلق عليهم كلمة أخرى هي (المحكمة) ولذلك لمَّا لج زيَّاد في الاضطهاد والظلم وصار يتتبَّع الناس ويقتلهم في منازلهم تحرك الناس لرد الفعل.
وقد صورت أمُّ نافع هذه الفترة بصورة مختصرة ولكنها واضحة حين قالت كان الناس حينئذ على ثلاثة أصناف: حكام جبابرة ظلمة فسَّاق اتبعوا شهواتهم، وانحرفوا عن الدين، والقراء الذين يحافظون على الدين في سلوكهم وينتقدون حكم الظالمين فلمَّا كثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجه النقد الصريح إلى الأمراء خطر لزياد أن يتسمَّع على الناس ويستخرجهم من بيوتهم فينتقم منهم فخشي بعض الناس أن يقتلوا على فرشهم فخرجوا ودعوا إلى الخروج. وليس هناك يومئذ صفريَّة ولا أزارقة ولا شكاك (1) ولعل هذه الكلمة من أم نافع بنت خليفة تشير إشارة واضحة إلى أنَّ الخوارج بمعنى كلمة الخوارج الكامل وبدلالته على جانبيه إِنَّمَا بدأ استعماها عند هذه الحركة أو قبلها بقليل.
__________
(1) 1- أنظر نص الكلمة في طبقات الدرجيني الجزء الثاني تحقيق طلاي ص 235. (1/405)
صفحة 406
وقد نجحت القيادة الأموية في تكتل الجهود ضدَّ الخارجين عليها باعتبارهم خوارج عن الإمام علي وعن الدين وعن خلافة المسلمين فحاربتهم بسيفها وبالإشاعة. والحديث الموضوع وببغض محبي الإمام لهم، وانحاز إلى جانبها كثير من العلماء والفقهاء دون أن يعرفوا الحقيقة الكاملة لمن كانت تطلق عليهم السياسة الأموية كلمة الخوارج، أو على الأقل لم يفرِّقوا بين من تنطبق عليهم كلمة الخوارج بمعناها الكامل نتيجة لمبادئهم الشاذَّة الخاصَّة بهم، وبين من خرجوا أو دعوا إلى الخروج دون أن يحملوا شيئًا من مبادئ الخوارج، وإنَّما ثاروا على الانحراف والظلم ودعوا السلطة الحاكمة إلى الالتزام بأحكام الإسلام وبين الموقفين فرق كبير. (1/406)
صفحة 407
وإذا رجعت إلى مناقشة جميع دوافع الخروج في الدولة الأموية في مجموعاتها المختلفة، لم تجده مسألة أو عددا من المسائل إختلفت فيها أنظار الإجتهاد بين جهاز الحكم والجهاز الشعبي ــ إن صحَّ هذا التعبير ــ كما هو الحال في الفتن الأربعة السابقة، وإنَّما نجد أنَّ الطرف الشعبي الناقم ــ على اختلاف دواعيه ودعاويه ــ غير مسلم بشرعية الحكم أساسا، يضاف إلى عدم الشرعية عدم الالتزام بأحكام الإسلام. أمَّا الجانب الثاني فيعتبر أنَّ الحكم وما يتبعه يجب أن يجرى على رغبة السلطة ووفق إرادتها . وهو حقّ اكتسبه بالقوة لمن يمتنُّ به عليها أحد ولن تفرِّط فيه مهما كانت الظروف. ولعل خير ما يصور النظرة الأموية إلى قضيَّة الحكم هو: الكلمة التي قالها مروان ردًّا على الوفود التي جاءت تنظر أمير المؤمنين عثمان بعد أن خطبهم في المسجد خطبة مهدِّئة، أوعدهم وعودا واستغفر ربَّه حتَّى تأثروا وتأثر وبكوا وبكى، فلمَّا رجع إلى البيت وجد هناك مروان وجماعة من بني أميَّة لم يرضهم مسلك أمير المؤمنين مع الناقمين عليه، وبعد مناقشة عنيفة خرج مروان ــ إلى الجموع المحتشدة التي تنظر عثمان ليفي لهم بما وعد ــ فقال: لهم مروان: «ما شأنكم: قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب: شاهت الوجوه أتريدون أن تزعوا ملكنا من أيدينا، أغربوا عنَّا والله إن رمتمونا لتميرن عليكم ماحلا، ونفعلن بكم مالا يسرُّكم، ولا تحمدوا فينا غبَّ رأيكم، أرجعوا إلى منازلكم، فإنا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا». (1/407)
صفحة 408
ومروان في ذلك الحين لم يصل بعد إلى السلطة المباشرة وإنَّما كان يعيش في ظلال الخلافة الرشيدة، ولكن هذا لم يمنعه من الإحساس بأنَّ السلطة قد وصلت إلى أيدي الأموية، ويجب أن تبقى بها وهو لم يدافع عن أمير المؤمنين عثمان، بل إنَّه لم يعرض لهذا الجانب مطلقًا، وإنَّما اعتبر الملك ملك بني أميَّة وأنَّهم مستعدُّون من أجل ذلك للدفاع، وليسوا مغلوبين على ملكهم، وإنهم سينتقمون من كلّ من يعرض بالمعارضة.
فالموقف بين الحكم الأموي والمعارضين له لم يكن موقفا اختلفت فيه أنظار الإجتهاد في مسائل محدودة بين طرفين متَّفقين على الأصول. وإنَّما هو موقف يلتجئ فيه الجانب الأموي إلى السيادة الحاصلة في التغلُّب والقهر بالقوَّة وإلى استعمال السلطة في كلّ المرافق وحجَّته دائما هي ملكية اليد، وكثرة العدد، وصرامة العقاب ولم يلتجئ أبدا إلى أي معنا من معاني الحقّ لأنَّه لو التجأ إلى ذلك لخسر القضيَّة جملة وتفصيلا، ويلتجأ فيها الجانب المعارض إلى عدد من المواقف أشدُّها عدم الاعتراف بالحكم القائم، وأوسطه السكوت عن شرعيَّة الحكم، وإنَّما المطالبة بالعدل والالتزام، وأهونه الرَّد على أحداث معيَّنة محدَّدة أو الأخذ بالثأر لأشخاص معيَّنين.
بالنظر إلى الاعتبارات السابقة جميعا أحسب أنَّ تاريخ الخوارج يبدأ بعد قيام الدولة الأموية لأنَّه ليس كلّ من أطلقت عليهم كتب التاريخ إسم الخوارج هم خوارج حقيقة، وإنَّما الخوارج حقيقة هم طوائف محدودة، لها مقالات شاذَّة كانت كمبادئ وشعارات لهم لا يشاركهم فيها غيرهم أمَّا الأحداث والحروب التي وقعت في عهد بعض الخلفاء الراشدين فهي فتن بين الصحابة وقد انتهت بالفتنة التي وقعت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طاب ومنكري التحكيم قرب النهروان وقد سمِّي هؤلاء بالمحكمة واشتهروا بها، أمَّا الألقاب الأخرى من الخوارج والمارقة وما إليها فقد جاءت فيما بعد بتوجيه سياسي لاستغلال ظروف معيَّنة. (1/408)
صفحة 409
بعد هذا وأحب أن أذكر القارئ الكريم أنَّ هناك من يرى مثل هذا الرأي من بعض الوجوه فقد اطَّلعت على كتاب الأستاذ على مصطفى الغوابي تحت عنوان «تاريخ الفرق الإسلاميَّة ونشأة علم الكلام عند المسلمين»، كتب فيه باختصار عن الطوائف الأربع التي يتكون منها جميع المسلمين في نظره وهي المعتزلة والشيعة والخوارج والمشبَّهة، وقد رأيت أن أنقل لك كلمة صغيرة عن الخوارج في كتابه القيِّم مع تصرُّف قليل بحذف الأحداث التاريخيَّة التي يذكرها أثناء الكلام. قال في صفحة 272 وما بعدها:
«أمَّا سلفهم فهم الذين يسمِّيهم المؤرِّخين «المحكمة الأولى» وبعد كلام يقول: «فإنَّهم تجمَّعوا في إثني عشر ألفا»وبعد كلام يقول: «ولم يبق منه إِلاَّ أربعة آلاف مع عبد الله بن وهب وحرقوص بن زهير ولمَّا نشب القتال بينهم وبين علي لم يبق منهم إِلاَّ تسعة رجال».
ثمَّ يقول بعد كلام: «وبعد هذا يتأتى لنا أن نقول إنَّ هؤلاء هم سلف الخوارج، إِلاَّ أنَّه بعد بيان الجهات التي رحل إليها هؤلاء الرجال التسعة لم يبيِّن لنا أحد من المؤرخين كيف انتهى الحال بهؤلاء الرجال الذين توزَّعوا في تلك البلاد، وإنَّما ابتدأوا تاريخهم لفرقهم الذين ذكروا في مقدِّمتهم الأزارقة ثمَّ النجدات وهكذا من غير ربط الصلة بين تلك الفرق الجديدة ورجالهم الذين توزَّعوا في البلاد». إتنهى المقصود منه. (1/409)
صفحة 410
ولا شكَّ أنَّه يحقُّ للأستاذ على الغوابي أن يثير هذا التساؤل فالمسافة بين فتنة النهروان وظهور الخوارج بعيدة جدًّا، وأعني بكلمة الخوارج هنا الأزارقة ومن قال بقولهم وسار بسيرتهم، ذلك أنَّ كلمة الخوارج يالحقيقة إِنَّمَا وجدت معناها بظهور الأزارقة. وكتب التاريخ تذكر أنَّ نافعا بن الأزرق كان من جملة الساخطين عن الحكم الأموي ولمَّا لج ابن زيَّاد في اضطهاد الناقمين عليه اجتمع عدد من الناس وبايعوا نافعا بن الأزرق في البصرة، ثمَّ ذهب بهم إلى الأهواز فاستولى عليها وجبى خراجها، وكان هذا في سنة 64 هـ، وهناك في الأهوز خطا خطوته المتطرِّفة التي فرَّقت عليه كثيرا من أنصاره وأبعد عنه كلّ المعتدلين الذين كانوا غير راضين عن الحكم الأموي، وقد ساق القصَّة عدد من المؤرِّخين ووردت في بعض كتب الأدب بأسلوب أدق وأجمل.
قال أبو العبَّاس المبرد في كتابه الكامل الجزء الثاني ص 208 ما يلي:
«جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: أنَّ أطفال المشركين في النار وأنَّ من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال قال له نافع:
كفرت وأدللت لنفسك، قال له: إن لم آتك بدليل لهذا من كتاب الله فاقتلني، «وقال نوح: {رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا} فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنَّهم جميعا في النار، ورأى قتلهم وقال: الدار دار كفر إِلاَّ من أظهر إيمانه ولا يحلُّ أكل ذبائحهم ولا تناكحهم ولا توارثهم ومتى جاء منهم جاءٍ فعلينا أن نمتحنهم، وهم ككفَّار العرب لا نقبل منهم إِلاَّ الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم والتقيَّة لا تحلُّ».
وعندما علم عبد الله بن إباض بهذا الموقف في ابن الأزرق برئ منه قال الطبري في الجزء الرابع من تاريخه ص 440 ما يلي:
« (1/410)
صفحة 411
فقال: ــ أي عبد الله بن إباض ــ قاتله الله أي رأي رأى صدَّق نافع بن الأزرق».
لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، ولكنَّه قد كذب وكذبنا فيما يقول، وإنَّ القوم كفَّار بالنعم والأحكام، وهم براء من الشرك، ولا يحلُّ لنا إِلاَّ دمائهم وما سوى ذلك من أمولهم فهو علينا حرام».
///ص449///
وقد لخَّص أبو العبَّاس المبرد ردَّ عبد الله بن إباض في كتابه الكامل ص 214 فقال:
«وقول ابن إباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنَّة» ثمَّ نقل قول عبد الله بن إباض في ردِّه على نافع فقال: «وأنا أقول: إنَّ عدوَّنا كعدو رسوله اللهyولكني لا أحرم مناكحتهم ومواريثتهم لأنَّ معهم التوحيد الإقرار بالكتاب والرسول عليه السلام، فأرى معهم دعوة المسلمين تجمعهم وأراهم كفارا للنعم». (1/411)
صفحة 412
وواضح من هذا أنَّه لا علاقة بين الحكمة و الخوارج فإن المحكمة قد انتهوا بموقعة نهروان وإنَّ حركات كثيرة مناوئة قامت على الدولة الأمويَّة اتَّخذت أساليب مختلفة وأسبابا متعدِّدة، ولكنها كلَّها لم تحمل معنى الخارجيَّة حتَّى جاء نافع بن الأزرق وخرج بحركته سنة 64هـ وحكم على جميع مخالفيه بالشرك، وحاول أن يطبِّق عليهم الحكم مشركي العرب فانطبقت عليه وعلى من أخذ برأيه كلمة الخارجيَّة بمعنييها السياسي والديني. ثمَّ توسَّعت فيه السياسة الأمويَّة واستغلَّتها فأطلقتها على أكثر من ينتقدها. ثمَّ وجدت من يربطها بالمحكمة، وما هي في الواقع إِلاَّ حركة أخرى من الحركات الناقمة على الحكم الأموي وأنَّ اعتبار الخوارج خلفا للمحكمة ومحاولة ربط الخارجيَّة بالمحكمة بأي رباط هو عملية ملفقة، وقد استجاب الخوارج لتلك المحاولة لأنَّها تجعل لحركتهم أساسا في أحداث التاريخ، ومهما حاول المحاولون فإنَّ هوة زمنيَّة تبقى فاغرة الفم بين موقعة النهروان وتحرك الخوارج لأول مرَّة بقيادة نافع بن الأزرق، ومهما نسب إلى المحكمة ونم انتسب إليهِم فيما بعد فإنَّه فإنَّه لم يجد أحد دليلا واحدا صحيحا يصلح التعلق به ينسب فيه إلى المحكمة شيئًا من مبادئ الخوارج، ومن قولهم بتشريك المسلمين واستحلال أموالهم ومعاملتهم معاملة مشركي العرب، وكلمة الكفر التي تذكرها كتب التاريخ كثيرا في النقاش الذي كجرى بين الإمام أو من يرسله إلى أهل النهر، كانت دائما تتبع بكلمة التوبة، مِمَّا يدلُّ أنَّها تستعمل بمعنى كفر النعمة أو المعصية، ولم يقصد بها أحد معنى الشرك، ولم يمر علي فيما اطلعت عليه على كثرة ما نسب إلى المحكمة من حقِّ وباطل أنَّهم طالبوا حدا بتجديد الإسلام، وإنما يطالبون بالتوبة ويمكن أن ننتهي في نهاية الفصل إلى ما يلي: (1/412)
صفحة 413
الفتنة الرابعة كان الخلاف فيها بين الإمام علي والمحكمة وقد انتهت بانتهائهم والحركات التي قامت فيما بعد قامت ضدَّ الحكم الأموي والخروج فيها خروج سياسي مهما كانت الدعاوى والدعاوي.
إبتدأت حركة الخوارج حقيقة بقيام ابن الأزرق سنة 64 للهجرة.
إذا أطلقت كلمة الخوارج فيجب أن تنصرف إلى هذه الحركة، أمَّا إذا أطلقت على غيرها فيجب أن تفهم بأنَّها خروج سياسي فقط.
مفاهيم يجب أن تختفي
بدأ مفهوم جديد يسيطر على الأذهان المثقفين ــ بسبب ما أشاعه بعض المستشرقين واتَّبعهم فيه كتاب مسلمون ــ وذلك بزعمهم أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة تنقسم إلى أحزاب ومذاهب، وهو مفهوم خاطئ لأنَّ السياسة في الإسلام تكون جزءا من أحكام الشريعة، وليس هناك مذهب إسلامي ليس له أراؤه في العقائد والسياسة والفقه، أمَّا منشأ الخلاف فقد بدأ بخروج طلحة والزبير ومعاوية على علي، ومن هؤلاء تكونت مذاهب جمهرة المسلمين، ومن أنصار علي تكونت مذاهب الشيعة، ولكلا المذهبين أصوله في السياسة والعقائد والفقه وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصا الآتي:
تأثر المذاهب الدينيَّة بالاتجاهات السياسيَّة
عندما اضطربت الأمور في أواخر الخلافة الرشيدة، وعند صدر الدولة الأموية، وبرز الصراع على الحكم بروزا واضحا بين مختلف طوائف الناس، وظهرت الرغبات الماديَّة الملحة طافحة على تصرف الأفراد والجماعات، انقسمت مواقف الناس إلى عدَّة تكتُّلات أو أصناف هي كما يلي: (1/413)
صفحة 414
الأوَّل: التكتل الأوَّل يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذكي المرن الذي لاحظ أنَّ الحكم ــ حين وصل إلى الأيدي الأموية ــ بدأ يتَّجه إلى ملكية وراثية ممتدَّة ومسيطرة، فرأى أن يستمسك بالجانب الأقوى في الميدان، وجعل وسيلته للسيادة على جمهرة المسلمين هي ارتباطه بالسلطة القائمة فعلا. فارتبط أوَّلاً بالدولة الأمويَّة ثمَّ بالدولة العباسيَّة ثمَّ بالدولة العثمانيَّة، وفيما بين ذلك كان يرتبط ببعض الدول التي تقوم هنا أوهناك ثمَّ تزول. ومن هذا التكتل تكوَّنت مذاهب الأشاعرة والظاهريَّة والحنابلة والمعتزلة.
الثاني: التكتل الثاني يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف العاطفي الذي كان يتأثر بالأحداث منذ وفاة الرسولy،واختيار الناس أبا بكر، دون علي للخلافة حتَّى مقتل الحسين. فرأى أن يجعل وسيلته للتحكم وللسيادة على جمهرة المسلمين هي جوانب عاطفيَّة، فاستمكسك بأهل البيت وحاول أن يحصر فيهم حقّ السيادة والتحكم بطريق الوراثة أو دعوى الوصيَّة المتسلسلة فيهم دون غيرهم، ومن هذا التكتل تكونت مذاهب الشيعة (1) بمختلف فرقها.
الثالث: التكتل الثالث يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذي رفض فكرة الواقعيَّة التي تبناها الصنف الأوَّل، ورفض فكرة الوصيَّة الني تبنَّاها الثاني، وجعل وسيلته للوصول إلى الحكم، وللسيادة على جمهرة المسلمين مثالية مطلَّقة في اختيار الحاكم ثمَّ قطع عذر من خالف هذا الرأي ومن هذا الصنف تكونت مذاهب الجمهور.
__________
(1) - يرى بعض المستشرقين وبعض كتاب المقالات في المسلمين المعاصرين أنَّ الشيعة والخوارج حزبان لا شأن لهما بالدين وأنَّ أهل السنَّة مذهب فقهي لا شأن له بالسياسة. وهذا تكلف لا مبرِّر له وتفريق متماثلين وتحكم في أحداث التاريخ. لأنَّ لكلِّ واحد من هؤلاء آراء في السياسة والعقائد والفقه.
راجع إن شئت ــ ما قلناه في نقاشنا للأستاذ أبو زهرة. (1/414)
صفحة 415
التكتل الرابع: خلال الصراع العنيف بين هذه الأصناف الثلاثة في صدر الدولة الأمويَّة نبت تكتل آخر، وقف موقفا وسطا بين هذه الأصناف المتصارعة والتيَّارات المتعارضة، فلم يتَّخذ كامل مواقف المرونة التي ترضى بالأمر الواقع وتستسلم له مهما كانت الظروف. ولم يتَّخذ كامل موقف الوصيَّة الوراثية الذي يحصر الحكم في أسرة واحدة على مدى التاريخ، ولم يتَّخذ كامل موقف المثالية الدكتاتوريَّة التي تفرض نفسها على جميع الناس. فخالف الصنف الأوَّل حين أجاز الخروج على الحكم القائم إذا ترجَّح أنَّ الخروج يحقق ــ للأمَّة ــ مصلحة، ولاينتج عنه ضرر محقق أكبر مِمَّا هم فيه. وأجاز علَّة كلّ الأحوال الدفاع والشراء لإقلاق الأنظمة القائمة وزعزعتها إذا كانت جائرة. وخالف الصنف الثاني فلم يقبل بالوصيَّة ولم يعترف بنظام الوراثة وقصر الحكم على بيت واحد على مدى التاريخ.
وخالف الصنف الثالث في أنَّه لم يوجب الخروج على أئمة الجور في جميع الأحوال، ولم يفرض مبدأ على جميع الناس، ولم يقطع عذر من خالفه ومن هذا الصنف تكوَّنت مذاهب الإباضيَّة.
ولقد كان لكلِّ واحد من هذه الأصناف اتجاهات لها خطوط عريضة انبنت عليها فيما بعد مذاهبهم في العقيدة والسياسة. (1/415)
صفحة 416
ولا شكَّ أنَّ أوَّل هذه الأصناف تفكيرا وتخطيطا وظهورا على مسارح الحياة هو الصنف الأوَّل، ورغم أنَّه هو المحرك الأساسي لقضيَّة الخلاف، وأنَّ من كان يطلق عليهم كلمة العثمانيَّة هو الذين انشقوا عن الحقيقة عن مركز الخلافة، وإنَّ العثمانيَّة في الواقع ليست إِلاَّ حركة ظاهريَّة للسياسة الأمويَّة العميقة التي اتسطاعت بالدهاء والمرونة أن تكسب الموقف، وأن تبرز نفسها في صورة الأصل الثابت وتبرز الشيعة و الخوارج في صورة الأحزاب المتطرِّفة المنشقَّة، واستطاعت أن تحتضن الألسنة والأقلام وأن تسخر كتاب المقالات والمؤرخين فيما بعد فأضافوا على مسلكها ثوب الشرعيَّة، ووجدوا لها مبرِّرات برروا بها انشقاقها في مبدإ الأمر، بما لم يخطر لها هي نفسها على بال. وإنك لتقرأ لكتاب هذا العصر فتعجب كيف يتسنَّى لبعضهم أن يصفوا تلك الأحداث بهذا الشكل، ولعلك تريد مثلا من ذلك فإليك هذه الصورة التي يضعها أستاذنا الفاضل الشيخ أبو زهرة في كتابه القيِّم المذاهب الإسلاميَّة.
«إنَّ الخلاف بين علي والأمويين انبعث عن فكرة هي: من لهم حقّ اختيار الخليفة؟ أهم أهل المدينة وحدهم والناس لهم تبَّع، أم حقّ الاختيار للمسلمين والشيعة في كلّ البقاع؟ ونتج عن هذا الخلاف ظهور الخوارج والشيعة ونجم عن ظهور الخوارج انبعاث الحروب شديدة بينهم وبين علي، وبينهم وبين الأمويين.
ونتج عن ظهور الشيعة حروب انتهت بقياو نالدولة العبَّاسيَّة» نقلت العبارة بتصرُّف قليل. (1/416)
صفحة 417
بالإظافة إلى التكتلات الأربعة التي أشرنا إليها فيما مضى كان هناك تحرك خامس انبعث مع التكتل الأوَّل ثمَّ غلبت عليه الأحداث فلم يظهر إِلاَّ بعد انتهاء الخليفة الرشيدة. ولكن هذا التحرك لم ينبن عليه اتجاه مذهبي، ولذلك فقد انقطع منذ انتهى محركه الأوَّل وأعني به ما قام به عبد الله بن الزبير، وقد اعتمد بن الزبير في حركته على مزيا شخصيَّة فقط يلخِّصها في قوله في حوار له مع عبد الله بن عبَّاس: «أصبحت في قريش بمنزلة الرأس، بل بمنزلة العيني، فأنا ابن الزبير حواري رسول اللهy، وأمي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنه، وعمتي خديجة سيدة نساء العالمين، وجدَّتي صفيَّة عمَّة رسول اللهy، وخالتي عائشة أم المؤمنين». فلم ينجح ابن الزبير رغم هذه المزايا لأنَّه لم يستمر مع التكتل الأوَّل ــ إذ انفصل عنه بعد فتنة الجمل ــ فلم يؤيده الحزب الأوَّل. وكان قد حارب التكتل الثاني منذ بيعة علي بن أبي طالب فلم يؤيده الحزب الثاني. ولم يوافق على مبادئ التكتل الثالث فلم يؤيده الحزب الثالث، أمَّا التكتل الرابع فكان يرى صورة أخرى للسياسة الأمويَّة ينتج عنها إن نجحت، ملك آخر عضوض، ولذلك فلم يؤيده الحزب الرابع، فكانت حركته تشبه أن تكون نبتة ضئيلة تحاول أن تنمو وتمتدَّ في ميدان تتصارع فيه زوابع عاصفة. فلم تلبث أن اختفت بين تلك الزوابع العنيفة. (1/417)
صفحة 418
وقبل أن نمضي في هذا النقاش ينبغي أن نشير إلى صورة جانبية أثناء الأحداث لا يمكن أن تسقط من الحساب، فعندما نقم ناقمون على أمير المؤمنين عثمان كان جمهور الناس في شبه ارتباك لا يعرفون ماهو التصرُّف الذي ينبغي لهم، فاندفع بعض الشباب إلى بيته لحمايته من المهاجمين، لكن أغلب المسلمين وقفوا في شبه حياد وذهول وارتباك، ورغم أنَّ الانتقاد على أمير المؤمنين استمرَّ نحو ستِّ سنوات، ولكن أحدا لم يتَّخذ موقف صارما، لا أهل الشام ولا أهل العراق ولا أهل مصر ولا حتَّى أهل الحرمين، حتَّى وقعت الكارثة. وقتل عثمان. هذا الجمهور الصامت المترقِّب هل هو مع عثمان، هل هو ضدَّ عثمان! هل هو على الحياد الكامل، كأنَّ المسألة لا تعنيه؟ إنَّ التفسير الوحيد لهذا الموقف الجامد، أنَّ الارتباك الذي يقيِّد صابحه عن الحركة فلمَّا تحرَّك العثمانيَّة بعد هذا الدور وأرادوا أن يستغلوا هذه الفتنة ضدَّ الخلافة التي قامت بعدها، لم يقف الجمهور مرتبكا كما وقفت في المرَّة الأولى، لقد انضمَّ الفريق الأكبر إلى تأييد الخلافة الجديدة، وانضمَّ فريق آخر إلى الناقمين عليها وأعلن فريق ــ ويتكون من عدد قليل جدًّا ــ أنَّه يقف على الحياد الكامل، وسار على مبدئه وحافظ عليه في جميع الأحداث التي وقعت بعد، فبقي على الحياد. هؤلاء الحياديون لم يكونوا تكتُّلا ولم ينصروا حزبا على حزب (1) بل إنَّ كلّ واحد منهم قد اتَّخذ لنفسه ذلك الموقف بناء على ما اقتناعه الشخصي فقط، ولم ينتج عن موقفهم هذا اتجاه مذهبي ولذلكلم ندخلهم في الاعتبارات السابقة.
__________
(1) - ذهب بعض المتفلسفة المستشرقين إلى أهم المذاهب المعتزلة المعروف لأنَّ بعض مصادر التاريخ قالت عنهم إنهم اعتزلوا الفتن فقدروا إنّض كلمة الاعتزال جاءت من هنا واقتنع بهذا الرأي بعض علماء المسلمين منهم الأستاذ على الغوابي حتَّى بني عليه بحثه لكأنه هو الحقيقة. (1/418)
صفحة 419
ولا شكَّ أنَّ تلك الاتجاهات السياسة قد نتجت عنها صراعات مذهبيَّة فقهية كلاميَّة، كانت متأثرة إلى حدٍّ ما بتلك الظروف والحركات والإتجاهات.
فكان أهل السنَّة مثلا ــ وقد انظموا تحت جناح الدولة الأقوى التي اتَّخذت لنفسها اسم الخلافة دون أن تلتزم بشروطها ــ مشغولين بقضيَّة شرعيَّة الدولة التى تفرض نفسها بالسيف وإعطائها حقَّ أولي الأمر، ووجوب خضوع الرعيَّة لهذا الحاكم، وعدم السماح له بالخروج، وقد نشأ عن فلسفة الحكم عند أهل السنَّة عدد ضخم من القضايا الفقهيَّة والكلاميَّة، نوقش بعضها في محيطهم الداخلي، ونوقش البعض الآخر مع الفرق الأخرى من المسلمين.
وكانت الشيعة بمختلف فرقها مشغولة بالإمامة، وقد أخذ منها التفكير في موضوع الإمامة جانبا هما مِن الدراسة، فبعد أن اتَّفقت على الوصيَّة احتارت من أي بني هاشم يكون الإمام! وكيف يتسلسل، وكيف تتم الوصيَّة وما هو الحكم عندما تخلوا البلاد الإسلاميَّة في واقعها من خليفة هاشمي، وهل عدد الأئمة محصورا. وقد انبنت على هذه الجوانب كلَّها أعداد ضخمة من القضايا الفقهيَّة والكلامية فيما بين فرق الشيعة وحدها ونقوش البعض الآخر بينهما وبين المذاهب الأخرى. ولعل القارئ الكريم يلاحظ أنَّ هناك نقاربا كبيرا بين أهل السنَّة والشيعة والخلاف بينهما يكاد يكون لفظيًّا، فبينما يرى الشيعة أنَّ الإمام معصوم، وأنَّ الخروج عليه فسق، وأنَّ حكمه تشريع، يرى الأشعريَّة أنَّ الإمام ليس معصوما ولكنَّه خطأ لا يبيح الخروج عليه فسق وإن كان جائزا. فهما يسيران في خطَّين متساويين وإن اختلفا في التعبير. وعلى كلا المذهبين فإنَّ الشخص الذي يصل إلى كرسي الإمامة يضمن لنفسه سلامة المكان من حيث النظرة المذهبية لأنَّ طاعته واجبة الخروج عليه فسق والخروج عليه فسق والشعار المرفوع دائما: «اسمعوا وأطيعوا». (1/419)
صفحة 420
أمَّا الخوارج بفرقهم المختلفة فقد وافقوا من موضوع الإمامة موقفا مغايرا تماما لموقفي الفرقتين السابقتين، حتَّى أنَّ صورة عندهم لا تتعدى صورة أي عامل ضعيف ــ رغم الشروط والمواصفات والكفاءات الكثيرة التي يشترطونها فيه ــ يرفع إلى مركز القيادة بكلِّ سهولة، دون أن يكون له أي امتياز خاص أو مكسب، وَلَكِنَّهُ بنفس السهولة، يمكن أن يعزل أو يقتل ذلك أنَّهم يرون أنَّ طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله، فإذا خالف وجب عليه أن يسارع بالتوبة، فإن لم يفعل وجب عليه أن يسارع بالتوبة، فإن لم يفعلوجب أن يعزل، فإن لم ينعزل وجب أن يقتل، فإن لم يتيسَّر قتله وجب الخروج عليه، ولا يحلُّ البقاء تحت حكمه. ولم أعرف للخوارج كتبا في الفقه أو الكلام حتَّى أستطيع أن أتأكد من الصورة الصحيحة التي أضعها لهم وإنَّما أعتمد على ما تذكر مصادر غيرهم عنهم.
أمَّا الإباضيَّة فقد وقفوا موقفا متوسطا بين هذه التيَّارات الثلاثة فرفضوا الفكرة التي يقول بها الشيعة، ورفضوا فكرة دكتاتوريَّة المثاليَّة التي توجب الخروج على الأئمة الجورة، وتحرم البقاء معهم على جميع الوجوه، وإنَّما أوجبوا الطاعة عندما تكون الإمامة سائرة بمنهج الشريعة وأجازوا البقاء والخروج حسبما تقتضيه أحوال الناس، وظروف المجتمع ــ إذا كان الحكم جائرا ــ وقد تولَّ عن رأيهم هذا عدد ضخم من القضايا الفقهيَّة والكلاميَّة، وربَّما كانت تفصيلاتهم في موضوع علاقة الأمَّة بالحكم أوفى وأوسع من تفصيلات غيرهم مِمَّا حملهم أن يعتبروا أنَّ مسالك الدين أربعة هي الظهور والدفاع والشراء والكتمان. (1/420)
صفحة 421
وضد كتب للنصف الأوَّل من هذه المذاهب أن ينجح سياسيا وعدديا بما له من مرونة تساعده على اتخاذ المواقف تبعا لظروف السياسة فكان هذا النصف على مدى التاريخ محتميا ــ أو بعبارة أصح ــ مرتبطا بالسلطة وكانت السلطة تحتضنه في كلّ المواقف الحرجة. ولا شكَّ أنَّ الفقهيه (1) الذي يقوم فيقول: عن سلطان ما هذا أمير المؤمنين وولي سلطان المسلمين! فإذا جاء متسلِّط آخر فقتله وتسلَّم زمام احكم منه ثمَّ جلس في مكانه، قام ذلك الفقيه نفسه فوجَّه إلى الحاكم الجديد نفس العبارة هذا أمير المؤمنين وولي أمر المسلمين، وطاعته واجبة والخروج نه فسق. إنَّ هذا الفقيه الذي يجمع في إمرة المؤمنين وولاية المسلمين بين القاتل والمقتول، هو أقدر على الاحتماء بالحكم واستغلاله وهو أقرب إلى الحكام لأنَّه أطوع في أيديهم وأفيد لهم.
وعلى مقدار المرونة والتشدُّد في قضيَّة الحكم إستطاعت المذاهب أن تمتدَّ وتنتشر تحت ظلال السلطة، بل إستطاعت أن تستغلَّها أحيانا في إذابة المذاهب الأخرى فيها وأن تحتمي بها أحيانا أخرى.
__________
(1) - أقصد بذلك أولئك الفقهاء والمتملِّقين والمتعصِّبين الذين يلتصقون بالحكم يسيرون في ركابهم ويبرِّرون أعمالهم وأنزِّه عن هذه الصورة جميع الأئمة المقتدى بهم لجميع المذاهب الذين خضعوا للحكم المتسلِّط مرغمين ومع ذلك كانت ترتفع أسواطهم بالنقد أحيانا بوضوح وأحيانا بهمس ونذر منهم من لم يلحقه الأذى بسبب ذلك. فابن جبير يقتل والحسن يطارد حتَّى يختفي وجابر يمنع من الحج وأبو حنيفة يضرب بالسياط ومالك يخلع عاتقه وأحمد يجلد غيرهم، ومن لم ينله الأذى المادي ناله الأذى الأدبي. (1/421)
صفحة 422
وبقطع النظر عن المدِّ والجزر الذي يلحق اتِّباع المذاهب المختلفة في المواطن المختلفة فإن الفقه المذهبي قدتأثر تأثرا واضحا بالاتجاهات أو المذاهب السياسية التي يسير بها أو يدعوا إليها، وفي الإمكان أن نذكر كمثل لذلك في المذهب الإباضي موضوع (الشراء) والأحكام المتعلِّقة به. متى يجوز الشراء؟ ومن يجوز لهم الشراء؟ وماهو أقلّ عدد للخروج إلى الشراء؟ وسلوكهم مع الناس، المحافظة على الأموال عدم ترويع العاملين، حكم انتهاك الحرم والبغي والتعدِّي متى يجوز للشاري أن يتخلى عن الشراء، موطن الشراء أثناء قيامهم بعمل الشراء، صلاة الحضر وصلاة السفر بالنسبة إليهم، موقفهم من الدولة ومن أموال الدولة القائمة إلخ.
وهو باب غني بالمسائل الفقهيَّة نستطيع أن نعتبرها جميعا من الفقه المتأثر بالإتجاه السياسي، ولعل أكثر أبواب الفقه تأثرا بالاتجاهات السياسية هي أبواب الأموال عموما وأبواب الولاية على النفس وعلى المال عند جميع المذاهب، بل إنَّ المعمّؤق في درسة الفقه الإباضي يلحظ هذا التأثر في آراء المشارقة وهو أهل عمان وزنجبار (سابقا) كانت تقوم عندهم دول باستمرار عادلة أحيانا وجائرة أخرى، فكانت الصلاحيات المعطاة للولاة والقضاة فيها أوسع منها مِمَّا في المغرب.
والمغاربة من الإباضيَّة وقد عاشوا غير خاضعين لدولة منذ أواخر القرن الثالث الهجري مطلقا، أو خاضعين لدولة لا تلتزم أحكام المذهب الإباضي يضيقون صلاحيات الو لاة والقضاة تضييقا شديدا، ويتوسَّعون في صلاحيات جماعة المسلمين وكبار العشيرة، ونظام العزَّابة، توسُّعا شديدا وهذا ولا شكَّ ناشئ من تأثر الفقه بالسياسة.
والذي ينبغي أن ننتهي إليه كفي نهاية هذا الفصل ــ بقطع النظر عن حركة بن الزبير التي انتهت بانتهائه وعن موقف الحياديين الذين اعتزلوا جميع الحركات منذ بدأت الفتنة فلم يتركوا بعد ذلك أثر ــ هو ما يلي: (1/422)
صفحة 423
في أواخر الخلافة الرشيدة وأوائل الدولة الأمويَّة إنقسم المسلمون ــ بسبب الفتن ثمَّ تحوَّلت الخلافة إلى ملك عضوض ــ إلى عدد من التكتُّلات التي تميَّزت في مبدإ أمرها بنزعة سياسية، ثمَّ لم تلبث أن تتَّخذ لها مواقف خاصَّة في شؤون العقيدة والفقه والحكم وهو كما يأتي:
التكتل الأموي وهو الأكثر والأقوى، والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم أنَّ رئاسة الدولة تكون على نوعين:
الأوَّل: خلافة دينية: وإذا استوفت الشروط وهي البيعة والشورى والعدالة والقرشية.
والثاني خلافة دنوية إذا لم تستوفي الشروط وفي كلتى الحالتين تجب الطاعة ولا يجوز الخروج.
2. وعلى هذا المبدأ السياسي تكوّضنت بعض الأصول المذهبية في العقائد والفقه ومن هذا التكتل وانبثقت مذاهب الأشاعرة والماتريدية والأثريَّة والمعتزلة.التكتل الهاشمي وهو في الدرجة الثانية وهو من حيث الكثرة والقوَّة.
والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم أنَّ رئاسة الدولة وهي أهم شيء في الأمَّة الإسلاميَّة، وماكان الله ليتركها للناس ولذلك فإن الخلافة الإسلاميَّة تنبني على وصيَّة يتركها السابق للاحق، وكان أوَّل وصي هو الإمام علي ثمَّ تسلست، وعلى هذا المبدإ. تكونت أصولهم المذهبيَّة في العقائد والفقه، ومنه انبثقت فرق الشيعة.
3. التكتل المثالي وقد ظهر العنف واختفى في سرعة والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم أنَّ رئاسة الدولة تتم بالاختيار المطلق، وتسقط بالجور وعندما تسقط بالجور فعلى الخليفة أن يعتزل أو يقتل أو يحارب، ولم يكتب لهذا التكتل أب يبقى طويلا، ولذلك لم ترك ما نستدل به على أصوله في العقائد والفقه رغم أن كتب خصومه تسند إليه مقالات في الأصول أو الفروع. (1/423)
صفحة 424
4. التكتل الرابع وقد ضهر عند احتدام الخصام بين التكتلات الثلاثة، والمبدأ الأساسي الذي ارتبط به في موضوع الحكم هو أنَّ رئاسة الدولة تتم بالبيعة والشورى والعدالة، وأن الخليفة الذي جاء عن هذا الطريق واستمرَّ عليه تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه، فإذا انحرف جاز الخروج عليه. وإذا جاء في غيره هذه الطرق ولكنَّه سار بسيرة العدول فهو أيضًا تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه، ومن هذا التكتل انبثقت مذاهب الإباضيَّة وبهذا يتحصَّل انَّ للأمَّة الإسلاميَّة في الخلافة أربعة آراء هي:
1- من يمسك رئاسة الدولة سواء كانت دراسة دينية أو دنويَّة تجب طاعته، والخروج عليه فسق.
2- لا يعتبر إماما للأمَّة الإسلاميَّة إِلاَّ من جاء عن طريق الوصيَّة وهو حينئذ معصوم وطاعته واجبة والخروج عليه فسق.
3- لا يكون إمام المسلمين إِلاَّ من جاء بالاختيار الحر وتجب طاعته إذا كان عدلا، فإن جار وجب الخروج عليه وقتله إذا لم ينعزل.
4- إمام المسلمين سواء جاء بطريق الشورى أو بغيره إذا كان عدلا تجب طاعته والخروج عنه فسق، وإذا جار جاز البقاء تحت حكمه ولا يطاع في معصية وجاز الخروج عنه.
مفاهيم يجب أن تختفي
يسبق إلى أذهان الناس الثقة بمذاهب معيَّنة فيتمُّ فيها الرضا على جميع من ينتمي إلى تلك المذاهب دون نظر إلى مقاله أو سلوك، ويسبق إلى أذهانهم السخط على مذاهب أخرى، فيسخطون على كلّ من فيه دون نظر إلى مقاله أةو سلوكه، وهو مفهوم خاطئ، فإنَّما يجب ينظر إلى كلّ مذهب بالثقة، أمَّا الأفراد فينظر إليهِم بحكم أعمالهم وأقوالهم، وعليها وحدها تنبني الأحكام، وقد جئت بمثالين لرجليون مختلفين في المذهب، متَّفقين في العقلية، أحدهما يتمتَّع بسخط الناس جميعا، والآخر يتمتع بمحبَّتهم واحترامهم مع أنَّ مبدأهما واحد.
وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ الفصل الآتي:
مقارنة (1/424)
صفحة 425
يسخط أكثر كاتب المقالات ومن ورائهم جمهور المسلمين على الخوارج، لأنَّ الخوارج يكفرون مخالفيهمويستحلون دمائهم وأموالهم، ويرى أكثر كتاب المقالات أنَّ مخالفيهم هم أهل السنَّة، وأهل السنَّة في نظر الجماهير هم الفرقة المعتدلة المتسامحة فما هو حكم أهل السنَّة على مخالفيهم؟
لكي نحدد هذا الموقف لابد أن نستعين بأحد كتاب المقالات وقد رأينا أن نستعين بكتاب الفرق بين الفرق لمؤلفه عبد القادر بن طاهر البغدادي، وفي إمكاننا أن نلخِّص منه ما نريده فيما يلي:
يقول البغدادي: إنَّ أهل السنَّة ثمانية أصناف: الصنف الأوَّل منهم أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة، والصنف الثاني أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، وأدخل في هذه الدائرة أصحاب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى واصحاب أبي ثور وأصحاب أحمد بن حنبل وأهل الظاهر، والصنف الثالث هم الذين أحاطوا علما بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، والصنف الخامس هم الذين أحاطوا علما بوجوه قراءات القرآن ووجوه التفسير، والصنف السادس منهم الزهاد والصوفيَّة الذين أبصروا فأقصروا، والصنف السابع منهم قوم مزرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، والصنف الثامن منهم عامَّة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنَّة دون عامَّة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.
فهؤلاء أصناف أهل السنَّة والجماعة ومجموعهم أصحاب الدين القويم والصراط المستقيم. (1/425)
صفحة 426
أمَّا مخالفوا أهل السنَّة من أهل القبلة في نظر البغدادي فهم قسمان: قسم حكم عليهم بأنَّهم مرتدون وأجرى عليهم بأنَّهم مرتدون وأجرى عليهم جميع أحكام أهل الردَّة، وقد ذكر أصحاب هذه الفرق فرقة فرقة، أمَّا القسم الثاني من مخالفي أهل السنَّة السابقين من أهل القبلة قهم الذين يذكرهم تحت عنوان أهل الأهواء والبدع وقد عدد فرقهم أيضًا فرقة فرقة وذكر طائفة من أحكام السنَّة عليهم فقال: في كتاب الفرق بين الفرق ص 357 ما يلي:
«وأمَّا أهل الأهواء من الجاروديَّة والهاشميَّة والنجاريَّة والجهميَّة والإماميَّة الذين كفروا خيار الصحابة، والمعتزلة عن الحقّ والبكريَّة المنسوبة إلى بكر بن أخت عبد الواحد، والضراريَّة، والمشبهة كلَّها، والخوارج فإنَّنا نكفرهم كما يكفرون أهل السنَّة ولا تجوز الصلاة خلفهم، واختلف في التوارث قال بعضهم نرثهم ولا يرثوننا والصحيح أنَّ أموالهم فيء، ولا توارث بينهم وبين السنِّي، واستشهد على هذه الأحكام بأقوال نسبها إلى بعض الأئمة فقال: إنَّ الحارث المحاسبي لم يأخذ من ميراثة في أبيه شيئًا لأنَّ أباه كان قادريا. وذكر أنَّ الشافعي أشار إلى بطلان صلاة من صلَّى وراء من يقول بخلق القرآن ونفي الرؤية، وروى عن محمَّد بن الحسن أنَّه يعيد الصلاة، وذكر أنَّ أبا يوسف سئل عن المعتزلة فقال هم الزنادقة، وذكر الشافعي أشار في كتاب القياس إلى عدم قبول شهادة المعتزلة وسائر أهل الأهواء. وذكر غعن مالك أنَّه قال في المعتزلة زنادقة لا يستتابون بل يقتلون. (1/426)
صفحة 427
بعد هذه الشهادات قال: «أما المعاملة معهم بالبيع والشراء فحكم ذلك عند أهل السنَّة كحكم عقود المفاوضة بين المسلمين الذين في أطراف الثغور وبين أهل الحرب، وإن كان قتلهم مباحا ولا يجوز أن يبيع المسلم منهم مصحفا ولا عبدا مسلما في الصحيح من مذهب الشافعي، واختلف أصحاب الشافعي في حكم القادريَّة المعتزلة فمنهم من قال حكمهم حكم المجوس، فعلى هذا القول يجوز أخذ الجزية منهم، ومنهم من قال: حكمهم حكم المرتدين وعلى هذا لا تؤخذ منهم جزية بل يستتابون فإن لم تابوا وإلاَّ وجب على المسلمين قتلهم».
ولو أردنا أن نلخِّص هذه الأحكام على أسلوب كتاب المقالات أو على أسلوب البغدادي نفسه لقلنا:
إنَّ أهل السنَّة: ـ يكفرون مخالفيهم.
ـ لا يجيزون الصلاة عليهم ولا الصلاة خلفهم.
ـ قال بعضهم أنَّ السني يرث مخالفيه والمخالف لا يرث وقال الآخرون بل لا توارث بيت السني ومخالفيه لأنَّ أموال المخالفين فيء لأهل السنَّة.
ـ يجوز أن يتعامل السني مع مخالفيه كما يتعامل مع أهل الحرب في الثغور.
ـ قتل مخالفيهم مباح.
ـ لا يجوز للسني أن يبيع لهم صحفا أو عبدا مسلما.
ـ حكم المعتزلة حكم المجوس، قال بعضهم يجوز أخذ الجزية منهم وقال آخرون بل يعاملون معاملة المرتدِّين يستتابوا فإن تابوا وإلاَّ قتلوا، وآخرون قالوا: بل هم زنادقة لا يستتابون بل يقتلون. (1/427)
صفحة 428
هذه هي الصورة التي يأخذها القارئ من كتاب (الفرق بيت الفرق) عن معاملة أهل السنَّة لمخالفيهم من أهل القبلة، فإذا وضعت في مقابل هذا أشد مخالفيهم تطرفا على ما يقوله كتاب المقالات فجئت بأقوال نافع بن الأزرق المتطرفة التي كانت سبب الخلاف بينه وبين رفاقه، والتي وجَّهت إليه نقمة الأمَّة المسلمة جمعاء، فما هو الفرق الذي تجده بينهما؟ نافع يقول بأنَّ مخالفيه مشركون يباح دمهم ومالهم، والبغدادي يتردد في الحكم على مخالفيه بين أن يعتبرهم في حكم المجوس أو حكم المرتدِّين أو حكم الزنادقة، ويحكم بأنَّ دمهم حلال وأنَّ مالهم فيء، أمَّا التعامل معهم فهم كالتعامل مع المحاربين يقع بينهم البيع والشراء ولكن لايجوز أن يباع لهم مصحف أو عبد مسلم.
فهل كان نافع بن الأزرق في تطرُّفه وتشدُّده ــ حسب الصورة التي رسمت له ــ أكثر غلوًّا من البغدادي، وقد كتب رأيه وأحكامه بقلمه، مع ذلك فإن العالم الإسلامي كله ساخط على الأزارقة بسبب ذلك التطرُّف، ولكن البغدادي يعتبر ي يعتبر إماما من الأئمة وكتابه يوضع في قائمة المراجع الهامة في تاريخ العقائد، والدنيا حظوظ.
إذا أجاز البغدادي لنفسه بأنَّ يقول بلسان أن يقول بلسان أهل السنَّة أنَّ المعتزلة في حكم المجوس تؤخذ منهم الجزية منهم الجزية ــ في رأي المتسامحين (1) ــ أو في حكم المرتدِّين يستتابون قبل أن يقتلوا ــ في رأي المعتدلين ــ أظم في حكم الزنادقة يقتلون دون استتابة ــ في رأي المتشدِّدين. مع أنَّ العالم كله ــ مسلمون وغير مسلمون ــ يشهد بالدور العظيم الذي خدم به المعتزلة الإسلام، وأنَّهُم كانوا في فترة تارخيَّة عريضة هم حماة العقيدة الإسلام وحرَّسها الأمناء دون خلاف، فما هو المكان الذي يحق أن يقف فيه عبد القادر بن طاهر البغدادي.
__________
(1) - الكلمات: المتسامحين والمعتدلين والمتشدِّدين أنا الذي وضعتها. (1/428)
صفحة 429
أحسب أنَّ هناك مكانا فسيحا يصطف عليه طابور من الناس يقف فيه نافع بن الأزرق والبغدادي وكل من يقول بأشباه أقوالهما في أي جزء من الأمَّة المسلمة من أي مذهب هو الذي يمثِّلها النشاز أو الشدود في الأمَّة الإسلاميَّة الكريمة، ويفترق عنها بشعاره الملوَّث بالسواظد والحمرة، سواد ظلمة تكفير المسلمين، وحمرة إباحة دمائهم.
ولا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يمكن أن يتَّهم البغدادي أو غيره من الناس بالتطرُّف إذا ثبت من أقوالهم ما يدلُّ على ذلك، ولكنَّه لا يمكن أن يتَّهم أهل السنَّة هكذا بأجمعهم بالتطرُّف، لأنَّ أهل السنَّة في مجموعهم يمثلون حلقة من الحلقات المتسامحة المعتدلة في الأمَّة الإسلاميَّة، وكل مذهب وكل فرقة وكل طائفة لم تخل من متطرف أو شاذ ولكن التاريخ يطوي أولئك المتطرِّفين بتطرُّفهم وشذوذهم وغلوِّهم في الدين وتبقى الأمَّة المسلمة العظيمة المتسامحة المترابطة بجميع الفرق التني كوَّنتها وتكوِّنها، تحمل رسالة الله يوجِّهها في كلّ عصر من كلّ خلف عدوله.
الباب السادس
ملحوظات .. وتعليقات
? الخوارج أيضًا.
? وساطة المعتزلة.
? تأثير المعتزلة.
? إلتقاء الخوارج والمعتزلة.
? رأي شخصي.
? نبذة عن الخوارج.
? رأي عالم كبير.
? ردود وتعاليق.
? إجابات وردود.
? كلمة الختام.
? دعاء الختام.
القسم السادس
ملاحظات وتعاليق
أتيح للدكتور أحمد محمود صبحي المحاضر بكلِّية الآداب بجامعة بني غازي أن يطَّلع على الأصول الخطِّيَّة لهذا الكتاب مع بعض زملائه، وقد سجَّل عدَّة ملاحظات اريلها إليَّ مشكورا في قصاصات من الورق مع أحد الأصدقاء، ولمَّا كانت تلك الأصول ليست معي في ذلك الحين فقد علَّقت عليها بما بدا لي وأرسلتها إليه. كما أنَّه رجعت إليَّ الأصول بعد سنتين تقريبا وجدت ملاحظات أخرى في قصاصات بين الصفحات لم اعرف هل هي للدكتور صبحي أيضًا أم أنَّها لأحد زملائه الذين اطَّلعوا على تلك الفصول. (1/429)
صفحة 430
وعلى كلّ حال فقد استفدت كثيرا من تلك الملاحظات القيِّمة والنصائح الثَّمينة كالتزام الموضوعيَّة والبعد عن الجوانب الشخصيَّة وتجنُّب الاستطراد، كما أنَّني اعدت صياغة بعض الفقرات اقتناعا بما ابدلته الملاحظات، وهناك بعض الملاحظات ظننت أنَّه لا أهمِّية لها فتركتها وهناك ملاحظات اختلفت فيها وجهات النَّظر أو كان عرضي لها غير كاف، فحاولت أن أتمَّ هذا الجانب. وأن أبيّن وجهة نظري فيما اختلفت فيه الأنظار، أو أن أعرض الصورة مبدّدًا ما حولها من الغيوم.
هذا ثُمَّ إنَّه في أثناء البحث والتنقيب كانت تقع بين يدي ردود وتعاليق تكشف عن جوانب هامَّة مكمّلة لهذا البحث وقد رأيت أنَّ الصورة العامة الكاملة التي أريد أن أضعها بين يدي القارئ الكريم للموضوع كلّه إنما تكتمل بوجود تلك الملاحظات والتعاليق والردود.
ولذلك فقد نقلت ــ فيما يتعلّق بملاحظات دكتور صبحي ــ نصوص الملاحظات ثُمَّ النقاش الذي أجريته حولها، أمَّا فيما يتعلّق بتلك التي عثرت عليها أثناء البحث والدراسة فقد نقلت بعضها كاملة بنصوصها، وأخذت من بعضها مقتطفات وقد رأيت أن أبدأ بعرض الملاحظات لأنَّها أصبحت تكون جزءًا من هذا القسم ثُمَّ أنتقل بعدها إلى بقيّة الملاحظات ثُمَّ الختاميَّات. كما يلي:
الخوارج أيضًا.
وساطة المعتزلة.
تأثير المعتزلة.
التقاء الخوارج والمعتزلة.
رأي شخصي.
نبذة عن الخوارج بقلم أبي إسحاق اطفيَّش.
رأي عالم كبير.
ردود وتعاليق.
إجابات وردود. (1/430)
صفحة 431
وبهذا أرجوا أن أكون قد أوضحت جوانب كثيرة كان يكتنفها الغموض وكشفت عن جوانب تكاد تكون مجهولة للكثير، وتحدَّثت بصراحة المسلم إلى أخيه المسلم، في شؤون كانت تتجنَّبها كثير من الأقلام وتخشى الخوض فيها مراعاة للأحاسيس والعواطف، مجاملة للأفراد على حساب المبادئ وللفرق على حساب المذاهب وللمذاهب على الأمة، وقد آن أن تتجمّع الأحاسيس والعواطف والمبادئ كلّها! وأن يتجمّع الأفراد والفرق والمذاهب في الاتجاه إلى الله فقط وطاعة في الله فقط واعتبار أنّ جميع ذلك إنما يكون شيئًا واحدًا هو للأمة الإسلاميَّة وأنَّ هذه الأمة مكلَّفة من الله تبارك وتعالى بتبليغ رسالة الإسلام إلى البشريَّة، وأنها مكلَّفة قبل التبليغ أن تعيشها سلوكًا وتطبيقًا وأنها لا تستطيع أن تعيشها سلوكًا وتطبيقًا إِلاَّ إذا عادت كما كانت أمّة واحدة
الخوارج أيضا
قال الأخ الدكتور أحمد صبحي في ملاحظاته عن هذا الكتاب.
«لفظ (الخوارج) وفقًا لمفهومه التاريخي حيث تحدّد المصادر التاريخيَّة بداية ظهور الخوارج بانشقاق بعض أنصار علي عليه عقب التحكيم ــ لا نعني إطلاقًا الخروج عن الدين، فاللفظ لا يحمل إطلاقًا أي معنى من معان الإدانة بالكفر من الناحية التاريخيَّة ولكنه هذا التصور تحت تأثير كتاب الفرق والمقالات تمامًا، كما ترك هؤلاء انطباعًا لدى المسلمين إنَّ الاعتزال يعني الانشقاق، أريد أن أقول ليس هناك ما يمنع أن يعتزَّ الخوارج بهذه التسمية كما كان يعتز المعتزلة بلقبهم بصرف النظر عن اعتبارك الإبَاضِية فرقة منهم أم لا.
ليس مجرّد لفظ التحكيم وإنَّما الانشقاق وما أعقبه حربهم لعليٍّ، وهذا هو الذي يحدّد اعتبار الإبَاضِية الخوارج أم لا:
هل كانوا مِمَّن حاربوه؟ واعتبروه شاكًّا في إمامته حين قبل التحكيم أم مجرّد الحكم بخطأ التحكيم؟ المسألة على أي حال سياسة بحثة، لا تتعلّق بأصل ديني». (1/431)
صفحة 432
أخي الدكتور لا زلت أخالفك الرأي في هذه الملاحظة وذلك أنَّ المصادر التريخيَّة التي تناولت الحديث عن تلك الفترة كانت متأثرة بكلى الجانبين، جانب العقيدة وجانب السياسة، سواء كانت السياسة الموافقة أو السياسة المعارضة ــ فلا معنى لأن نفرّق ــ في هذا الموضوع بين المؤرخين وكتاب المقالات، ولعل المؤرخين في هذا الموضوع كانوا أسوا من كتاب المقالات وأشدّ عصبيّة وتحيّزًا، ولا سيما أنَّ التمايز بين المؤرخين هم أصحاب المقالات في ذلك الوقت المبكّر لم يكن واضحًا فكان المنتسب للعلم هو الذي ينقل الأخبار كما ينقل الآراء والعقائد وإطللاق كلمة الخوارج علىأصحاب علي الذين لم يقبلوا التحكيم وتفسيرات معنى الكلمة من الجانبين من جانب من حاول أن يطبّق عليها حديث المروق الذي اشتهر في تلك الفترة ويحكم عليها بالكفر، ومن جانب من حاول أن يجعلها خروجًا في سبيل الله فيحكم على من خالفها بالكفر كان أكثر ذلك صابرًا على المؤرخين أصحاب المقالات أو عن أصحاب المقالات المؤرخين. وبمراجعة طفيفة بتلك الأحداث في مراجع مختلفة الاتجاه يتضح التناقض والتضارب والاختلاف في الاحداث وأسبابها، وأساليب عرضها وتصويرها مِمَّا يدلّ على أنَّ تلك الأخبار دخلها كثير من الزيف، بسبب عواطف الرواة أو نقلة الأخبار أو المؤرخين أصحاب العقائدالمحددة فألبسوها ألوانا معينة كانت الأساس الذي بنى عليه كتاب المقالات المتخصّصون فيما بعد كتابتهم. (1/432)
صفحة 433
والواقع أنَّ كلمة الخوارج والخروج أو الخارجيَّة بمعناها السياسي كانت تنطلق بصفة ضيّقة قبل قضيّة النهروان، وفي النقاش الواسع الذي كان يجري بين أفراد الأمة بمختلف طبقاتهم، تجد كلمة الخوارج أو الخروج تنفلت من لسان أحد الناس على الساخطين على الحكم القائم، فذكرت هذه الكلمة في الخلاف بين أمير المؤمنين عثمان وأهل الأمصار وذركت في الخلاف بين أمير المؤمنين علي (والخارجين عليه) طلحة والزبير ومن معهما، ولكنها لم تحمل معناها الديني إِلاَّ بعد قضيَّة التحكيم في أكبر المصادر التاريخيَّة التي نعتمدها اليوم ونستدلّ بها وإن كنت في الواقع ــ وهذا تقصير ــ لم أتمكّن من معرفة أوَّل نص جاءت فيه كلمة خوارج بمعناها الديني؛ غير أنَّ محاولة تطبيق الأحاديث المروق عليها واضح حسبما تذكره كتب التاريخ ـــ إن حقًّا وإن كذبًا ــ وذلك كبحث أمير المؤمنين علي عن (ذي التثديَّة) الذي اعتبر علامة على المارقين، بين القتلى، وعثور أصحابه عليه كما قيل، وعلى ترملة مولى بن عباس الذي أكل الفحل يده كما تقول بعض المصادر الأخرى تتوهّم ذا التثديَّة.
وإذا صحَّت المناقشات التي ترويها كتب التاريخ عن أمير المؤمنين علي مع بعض أصحابه وردوده عليه، وندمه على قتل الخوارج، ودفاعه عنهم، «هم من الكفر فرُّوا» «ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه» «إنَّ رهبان الليل وأسود النهار» «لا تقلوا الخوارج بعدي» وغيرها مِمَّا يدلّ أن التهمة بالخروج من الدين كانت توجه إليهم منذ ذلك الحين، وأ،َّ الإمام سكت عنها في مبدإ الأمر ثُمَّ حاول أن يصحّح خطأ الناس فيهم وأنَّ خروجهم عليه لا يحمل معنى الخروج من الدين. (1/433)
صفحة 434
والواقع أنِّي أشكّ في كثير من الأقاويل والمناقشات والمناظرات والأحداث الجانبيَّة التي تنسب إلى تلك الفترة، وأحسب أنَّ الدعايات والعصبيَّات والسياسة أيضًا قد كان لها دخل كبير في التلفيق، لا سيما في المناظرات التي قيل أنَّها جرت بين الإمام وابن عباس والخوارج. فإنَّ الصنعة والتكلّف ــ فيما يبدو لي ــ تقرأ واضحة في كثير من الاحتجاجات والبراهين التي تظهر عليه صبغة عصر غير ذلك العصر، وأنَّه حين أقول هذا الكلام في الوقت الحاضر لا أجد عليه دليلاً ماديًّا ولذلك فهو لا يزيد عن مرتبة الشكوك التي تردّد في نفس الانسان بمجرّد الاحساس الشخصي.
ولا نزاع فينا أعتقد أنَّ عدد من الاطراف كان يحاول تبغيض الخوارج إلى يقيَّة الأمة بتهمتهم الخروج عن الدين ــ ولو تجرّد موقفهم السياسي مع علي فقط كان ذلك من مصلحة الأمويين، ولكن السخط الذي انصبّ عليهم من الأمويين والأكاذيب التي كانت تشاع عنهم، والحروب العنيفة التي وجهت إليهم في انشقاقهم عن أمير المؤمنين علي إنما كان يحدث في العهد الأموي (1) وذلك لكي ينفر الناس عنهم، ولا يتقوّى جمعهم بخصوم الأمويين من الشيعة والمحايدين الساخطين على الحكم الأموي أو يتقوّى أولئك الخصوم بهم.
__________
(1) - راجع الفصل: الفرق بين الفتن والخروج. (1/434)
صفحة 435
ربما يحتاج هذا الكلام الأخير إلى مزيد من التأمل والتحقيق إذ ليس بين أيدينا ــ ما يثبته، ولكن الذي ألايد أن أقرره هنا، أنَّ مراعات الجانب الديني في كلمة الخوارج لوحظت منذ أطلقت هذه الكلمة، إذا صحَّ ما ترويه كتب التاريخ عن أحاديث المروق، واهتمام الإمام بها وبعلاماتها، وإذا صحَّت أيضًا تلك الأحاديث وما تدلّ عليه، والأرجح أنَّ أغلبها غير صحيح، أمَّا الاعتزاز برأي أو مذهب فهو يتوالد عن الاقتناع باتخاذ موقف معيّن في قضيَّة ما، والاقتناع بأنَّ ذلك الموقف حق، ولا شكَّ أنَّ الإبَاضِية ــ كغيرهم ــ يعتزُّون بمواقفهم وآرائهم التي يعتقدون أنَّها حق، ولكنَّهم لا يعتزُّون بما ينسبه إليهم غيره ويريد أن يلصقه بهم مِمَّا لا يعتقدونه ولا يقولونه.
إنَّ اعتزاز الإنسان بالموقف الذي يتخذه في أيَّة قضيَّة لاعتقاده أنَّه حقّ هو سلوك طبيعي. ولكن أن نرفض على إنسان موقفًا معيَّنًا ثُمَّ نريد منه أن يعترف به ثُمَّ نطلب منه أن يعتزَّ به فهذا ما لا يرضاه أنسان يتمتَّع بحريَّة وعقل وإرادة.
وهذا الموقف نفسه هو ما يريده المؤرخون وكتاب المقالات وحتى بعض المفكرين المعاصرين من حملة الشهادات العليا، إنهم يريدون أن يفرضوا على الإبَاضِية بأنَّهم خوارج وأن يعترف الإبَاضِية الإبَاضِية بأنَّهم خوارج وأن ينسبوا لأنفسهم ــ باعتبارهم خوارج ــ عقائد وآراء لا يقولون بها بل يعتبرون القائلين بها كفَّرًا ــ وليس هذا فحسب بل عليهم أن يعتزّوا بذلك الموقف كأنما الإبَاضِية فرقة مسرحيَّة تنتظر أوامر المخرج. ولكي يهون الأمر على الإبَاضِية فينسبون إلى أنفسهم الخارجيَّة ثُمَّ يعتزّون بها نقدّم لهم المعتزلة ــ قدوة حسنة ــ فهم رغم أنَّهم منشقون إِلاَّ أنَّهم معتزُّون باسم المعتزلة. (1/435)
صفحة 436
إنّ الإبَاضِية لا يريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج ولا يحسبون أنفسهم كذلك ولا يعتزّون بالخارجيَّة بسبب بسيط، لأنَّهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين ولا ينفذون فيهم تلك الأحكام.
أمَّا ما قلته يا أخي الدكتور في آخر الملاحظة من أنَّه« ليس مجرَّد رفض التحكيم والانشقاق وما أعقبه حربهم لعلي وهذا هو الذي يحدد إعتبار الإبَاضِية خوارج أم لا».
الحقيقة أنِّي كلما حاولت أن أفهم ما ترمي إليه هذه العبارة لم يتضح لي وبدا لي فيها التناقض أشدَّ ظهورًا، وأبعاد وصف الخارجيَّة عمن يحرّص الدكتور على وصفهم به أكثر وضوحا.
تقول يا أخي الدكتور إنَّه ليس مجرد رفض التحكيم هو السبب في إطلاق كلمة الخوارج على من أطلقت عليهم، وإنما الانشقاق وما أعقبه حربهم لعلي هو السبب.
يا أخي الدكتور لقد إنشق عن علي وحاربه طلحة والزبير، فهل نطلق عليهما و على أصحابهما وأتباعهما لفظ الخوارج، على اعتبار أنَّ الأسس التي حددتها للخارجية ــ وهي الانشقاق و الحرب ــ موجودة، وقلت في عبارتك إنَّ هذا يعني أنَّ الانشقاق و الحرب يحدد هل الإبَاضِية خوارج أم لا؟ فهل يحدد هذا طلحة والزبير خوارج أم لا؟.
وقد أنشق معاوية عن علي وحاربه حربا عنيفةً بقيَّت آثارها إلى مدى بعيد، بل ربما لم يبق لأية حرب في الأمة الإسلامية من الآثار السيِّئة ما بقي لحرب معاوية ومن بعده، فيه يحدد هذا الانشقاق وتلك الحرب وما أعقبته بأنَّ معاوية من الخوارج ام ليس منهم!
إنَّ الشرطين الذَينِ وضعتهما لتحديد معنى الخارجية متوافران في كلا موقفي وقعة الجمل وحرب صفين. (1/436)
صفحة 437
أسمح لي يا أخي الدكتور أن أقول لك إنَّ التيار الجارف في هذا الموضوع قد جعلك في موقف تحاول فيه تبرير الصورة التي رسخت في ذهنك منذ قراءات سابقة، والم تحاول أن تجدد النظر إلى تلك الصورة من زواياها في فهم وعمق. ونحن وإن ادعينا التحرير الفكري، إلاَّ أن الرواسب التي تراكمت في ذهنية أحدنا على مدى طويل لمدى كثرة ما ترددت عليه كأنها حقيقة ترتفع عن الشك ولا تخضع للجدل تسيطر ــ دون إرادة منا على أحكامنا، ولست أعفي نفسي ، من ذلك، إلاَّ عند العزم والتصميم على التخلّص من تلك الرواصب.
لقد حاولت في الفصل الذي ناقشت فيه هذا الموضوع من الكتاب أن أحدّد الأسباب التي تجعلنا نعتبر فرقة ما من الخوارج أو أنَّهم بعيدة عنهم، وذكرت أنَّ لفظ الخوارج لو كان يقصد به المعنى السياسي الذي هو الثورة على دولة قائمة، فإنّ الفرق والطوائف والجماعات التي خرجت عن دول قائمة قد تستعصي عن الحصر، وأمّا إذا كان المقصود به من خرج على خلافة رشيدة فقط أو حتَّى عن خلافة أمير المؤمنين أبي الحسن فإنَّ عددا من الجماعات قد خرج عنه. فلماذا لا نطلق كلمة الخوارج عليهم جميعا مادام قد ثبت في حقهم أمر كفاة! الانشقاق والحرب.
وإذا كان يقصد بلفظ الخوارج المعنى الديني وهو المعروف من الدين، فأننا قبل أن نحكم به على أيّ طائفة أو أيّ فرد ينبغي لنا أن نتحرّى عن دينه، فإن وجدنا ما يبرر إطلاق الحكم عليه أطلقناه، وإلاَّ فليس من حقنا أن نصف الناس بما ليس عندهم، وأن نقوِّلهم ما لم يقولوا.
و أخيرا ليست الخارجية نسبا ولا صهرا، ولو وجدنا اليوم واحد من سلالة نافع بن الأزرق أو شبيب وغزالة، وليست لديه العقائد التي تنسب إلى الخوارج لما قلنا إنَّه خارجي ولمّا حكمنا عليه بحكم الخوارج. (1/437)
صفحة 438
إنَّ محاربة المؤرخين وكتّاب المقالات لهذا العدو الوهمي الذي يطلق عليه لفظ الخوارج أكثر ضراوة من أيَّة حرب أخرى، إنَّ الحرب التاريخية والمذهبية أعنف و أشد وأدوم من الحرب السياسية و العسكرية بانتهاء الدولة الأموية تقريبا أو بعدها بقليل، بل إنّ الذين قامت من أجلهم زوبعة الخوارج وهم الإمام علي وأهل النهروان قد انتهت قصتهم قبل انتهاء النصف الأوّل من خير القرون، ولكن هجوم المؤرخين وكتاب المقالات لا يزال مستمرا بل أعنف مِمَّا مضى في بعض الأحوال، ومن المؤسف أنَّ هذا الهجوم الذي ينطلق بهذا العنف يستند إلى ما قيل ووقع أو لم يقع قبل ألف سنة، ومن السهل على أيّ قلم اليوم أن يجرد حملة على الخوارج يحمِّلهم بِكُلِّ سهولة أوزار التاريخ الطويل.
أخي الدكتور، قد تعتبر هذا الكلام دفاعا عن الخوارج ويسرني أن أقول لك أنني لا أريد الدفاع عنهم، ولكنني لا أحبّ أن أكتب عنهم متأثراً بكلام خصومهم ــ ومن أشد خصومهم وأعنفهم الإبَاضِية ــ و أن أقول هذا الكلام عن الإبَاضِية لأنّ الإبَاضِية لا يرون رأي الخوارج، ولا يدينون بدينهم وهم أشد بعدا عنهم ونقدا لهم مِمَّن يرميهم بهذا مِمَّن يستحلّ أموال المسلمين ودماءهم بالعقيدة أو العمل، ولقد كان الحجاج بن يوسف يرمي الخوارج بأنَّهم مفسدون يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، وام جمع عدد من قتله الخوارج من جميع حركاتهم لم يبلغ بعض من قتل وسلب وسجن وسلب الحجاج. (1/438)
صفحة 439
إن الخارجية ــ فيما أعتقد ــ مبادئ وشعارات محدّدة، من حملها كان خارجيّا ومن لم يحملها لم يكن منهم ولذلك فلقد يكون الرجل عتاة الخوارج وهو يستتر وراء مذهب آخر من المذاهب الإسلامية، قد يدّعي أنَّه سنّي بل قد يدّعي أنّه من حماة السنّة والجماعة، ولكنّه في واقع الأمر خارجي متطرف، وليتني أن أحرّف رأيا في فقيه ينتسب لأهل السنَّة ثُمَّ يعلن في تبجّح حكمه على آلاف من المسلمين الذين يخالفونه في المذهب بأنّه مبتدعة تحلّ دماءهم وأموالهم، بل يزعم أنَّه يجب قتلهم وغنيمة أموالهم. عندما يقدم له ذلك المال يأكله مطمئنا لأنّه مِمَّا أفاء الله عليه. ثُمَّ هو لا يقف عند إِلاَّ ستحلال بل هو يحرّض السلطة الحاكمة على اتخاذ هذا الموقف وكتب التاريخ تذكر مآسي مؤلمة قتل فيها آلاف من المسلمين بفتاوى فقهاء لا ينتسبون إلى الخوارج، ولكنهم كانوا يرون أنّ دماء مخالفيهم حلال، أليس استحلال الدم و المال هو مبدأ الخوارج الذي نقمه المسلمون عليه، وحاربهم عليّ من أجله حسبما تقول بعض مصادر التاريخ وتسوق للتدليل عليه قصّة الصحابي الجليل «عبد الله بن الخباب بن الأرت» وقد أختلطت بهذه القصّة أحداث وأخبار هيّ بالخرافة أشبه، وإلى أسراف الخيال في ربط الأشياء المتباعدة أقرب وذلك (كقصّة الثمرة والنصراني والخنزير) و قصّة واصل بن عطاء التي نسجت على منواليها، والتي تذكر للتشنيع أو للتفكه والضحك، ثُمَّ تسلك في نسق مع قصة عبد الله لإظهار الفضاعة واستجلاب النقمة.
إن تفكير المسلمين وأستحلال دمائهم وأموالهم هو معنى الخارجية الذي حاربه الإمام ونقمه المسلمون حينما صوّر لهم أنَّ أهل النهروان سوف يستعرضون الناس ويقتلون الأبرياء، ويأخذون الأموال وجاءوا له بقصّة عبد الله كدليل عملي واقعي والله أعلم بمن قتله، وهذا الشعار شعار التفكير و الاستحلال هو الذي رفعه بن الإزرق ومن سار بسيرته وحارب من أجله كما تقول عنه كتب التاريخ إن صدقت. (1/439)
صفحة 440
والآن قد انقرض أولئك الذين كانوا يستحلُّون دماء مخالفيهم عقيدة ويرفعون هذا المبدأ شعارا علنيًّا لهم يعملون تحته في صدق وصراحة.
وبقي الذين يستحلُّون دماء مخالفيهم بالعمل، وهم يحملون شعار صيانة دماء المسلمين بكلمة التوحيد ولكنهم يريقونها بأتفه الأسباب، وهؤلاء الخوارج موجودون ضمن جميع هذه الفرق، وكل فقيه أو متفقِّه يستحل دماء مخالفيه من أيَّة فرقة كانت من فرق المسلمين، ويفتي بذلك، ويسهِّل لأصحاب السلطان إلراقة دماء المسلمين، هو خارجي، ولو لبس جبَّة جابر، وطيلسان أبي حنيفة، وعمامة أحمد، ورداء ابن تيميَّة، فإذا أضاف إلى ذلك تحريض دوي السلطان على التدخل في عقائد المسلمين، وحملهم على بعضها بالإكراه، فهو من أسوء الخوارج، إعترف بذلك أم لم يعترف.
وترخيصا لهذه المناقشة التي طالت أكثر مِمَّا ينبغي لها أقول:
لقد حدَّدت يا أخي الدكتور صبحي مبدأ الخارجيَّة بركنين أساسيين هما الانشقاق والحرب، وقصَّرت هذا على من فعل ذلك مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو كان هذا التحديد كافيا لانتهى أمر الخوارج بوفاة الإمام على أوسع تقدير بوفاة آخر من خرج عليه، وكتب التاريخ المتحيِّزة إلى الإمام تذكر أنَّ أهل النهروان كانوا ستَّة آلاف رجع منهم ألفان إلى معسكر الإمام وأنَّ الباقي قتل ولم ينج منهم إلاَّ تسعة أشخاص ومعنى هذا أنَّ أولئك الذين خرجوا عن الإمام علي قد انتهوا فلا معنى لأن يذكر اسم الخوارج بعدهم، ولكن حركة الخوارج كانت أشذُّ عنفا في عهد الدولة الأمويَّة، فهل كان عهد عبد الملك والحجَّاج وابن زياد يطارون الخوارج لأنَّهم انشقُّوا عن علي وحاربوه. (1/440)
صفحة 441
ولو كان الأمر كذلك لأيَّدوهم ونصروهم لأنَّ الأمويِّين أنفسهم منشقُّون عن علي ومحاربون له، ولكن الأمويِّين مثل الحجاج وأضرابه كانوا يتتبَّعون المانوئين لحكمهم بِكُلِّ شراسة، وكانوا يطلقون لفظ الخوارج على كلّ من يستسيغ الرأي العام إطلاقه على ــ مستغلِّين حادثة النهروان لصالحهم ــ موهمين الرأي العام أنَّ أولئك الخوارج يستحلون الدماء و الأموال، ويعيثون في الأرض فسادا، وبهذا ضمنوا سكوت أو تأييد كبار العلماء، وتقبلهم لأعمال العنف التي ارتكبها الحجَّاج وابن زياد ومن سار سيرتهم.
ولا شكَّ أنَّه بالتأمل المجرَّد، وبدراسة أحداث التاريخ لتلك الفترة بوعي، ودون انسياق وراء مخلفات ذهنيَّة سابقة، وبلا عواطف أو رواسب. معروف أنَّ الخارجيَّة ليست هي الانشقاق عن علي ولا محاربته، فقد انشقّض عن علي طلحة والزبير وأتباعهما وحاربوه، وانشقَّ عنه معاوية وحاربه حربا طويلة عنيفة ولكنهم لم يطلق عليهم لفظ الخوارج.
لقد أطلق لفظ الخوارج على أولئك الذين حاربهم علي لأنَّهم صوَّروا له في صورة من المتطرُّف الذي يستحلُّ الدماء والأموال، واستغلَّت حادثة مقتل عبد الله بن خباب لإثبات هذه الصورة الفظيعة عن الإمام. (1/441)
صفحة 442
وعلى أولئك الذين حاربتهم الدولة الأمويَّة بعد أن صوَّرتهم في صورة التطرُّف الذي يحكم على المسلمين بحكم المشركين، ثُمَّ تجاوزا القول إلى الفعل فطبّضق هذه القاعدة ولكن المنطلق دائما قصّضة عبد الله بن خباب وما ألحق بها ولعلهم بسبب ردود الفعل تطرَّفوا فحكموا على كلّ من خالفهم، ولم يسر معهم بأنَّهم مشركون تنطبق عليهم أحكام المشركين، وبموقفهم هذا فقدوا عطف الأمَّة عليهم واعتبروهم منحرفين، واستغلالا لهذه الظروف جميعا فقد توسَّعت الدولة الأمويَّة في إطلاق لفظ الخوارج على المناوئين لها، والمعارضين لسياستها حتَّى يستسيغ الناس وسائل القمع والإرهاب التي كانت تقوم بها ضدَّ كلّ معارضة، بناء على أنَّ تلك المعارضة نابعة من فكر خارجي.
وبناء على كلّ ما سبق فإننا نستطيع أن نحدِّد مبادئ الخوارج بما يلي:
1. تطبيقهم أحكام المشركين على من خالفهم.
2. حكمهم على مرتكب الكبيرة بالشِّرك وإجراء أحكام المشركين عليه.
3. حكمهم على من قعد عن مناصرتهم بأحكام المشركين.
4. حكمهم على من رضي الله عنه بالبقاء تحت حكم الدولة الظالمة بأحكام المشركين، هذه أهم مبادئ الخوارج والشعارات التي رفعوها وبهما استحلُّوا دماء المسلمين حين رفعوها شعارات لجهادهم، واستحلَّ المسلمون بها دمائهم
أخي الدكتور صبحي، إنَّك تعلم أنني لم أحظر تلك الحركات والأحداث، وأنَّ ما أقوله في هذا الصدد إنما هو استنتاج من مصادر التاريخ المتعارضة استخلصتها ــ بعد دراسة وتجرد ووزن ــ وضعا في ذهني أنَّ ما يقوله المؤرِّخون ــ من أي اتِّجاه كانوا ــ في تلك الأحداث كان خاضعا لعديد من المؤثِّرات والاتجاهات، وأنَّه ليس شيء منها منزَّها من التحيُّزوالخطإ وسوء الفهم أحيانا. (1/442)
صفحة 443
وعلى جميع الاعتبارات، لماذا نحكم على فرقة من المسلمين (الإبَاضِية) ــ اليوم موجودة في أي بلد من بلدان الإسلام ــ بأنَّها من الخوارج مع العلم أنَّ هذه الفرق ــ وهي الآن تعيش في أواخر القرن الرابع عشر ــ لم تحضر بيعة الإمام علي ولااشتركت في حروب الجمل وصفَّين، ولا شاهدت أحداث النهروان فهي في الواقع لم تبايعه ولم تنفصل عنه ولم تحاربه ولم يحاربها، لأنَّ فاصلا زمنيًّا طوله ألف وثلاثمائة سنة وزيادة يفصل بينهم، ثُمَّ هم في واقعهم لم يخرجوا عن نظام الحكم الذي يجري عليهم ــ رغم أنَّ أكثر الأنظمة التي تحكمهم منحرفة ــ ولم يقم منهم دعاة لإسقاط الأنظمة الحاكمة، ولم يحكموا على مخاليفهم بالكفر، وهم بين كلّ ذلك يعيشون مع غيرهم من المسلمين كما يعيش الأخ مع أخيه يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويوجبون ما أوجب الله، ويحرِّمون ما حرَّم الله.
فلماذا تسيطر على أقلام المؤرِّخين وكتاب المقالات والفلاسفة والباحثين جميعا ــ رغم وضوح الحقائق ــ تلك الكلمة التي أطلقتها شفة مجهولة قالت إنَّ الإبَاضِية من الخوارج. فلم تستطع العقول والأفهام في مدى أربعة عشر قرنا أن تتحرَّر من كلمة آثمة أطلقتها شفة مغرضة على فرقة مؤمنة. (1/443)
صفحة 444
لقد انتهت الخارجيَّة بحقِّها وباطلها وبمبادئها وأبطالها عند نهاية الدولة الأمويَّة تقريبا، فلمذا يؤتى بالشخص في هذا القرن فيحمل أوزارا ارتكبت قبل أربعة عشر قرنا إن صحَّ أنَّها ارتكبت؟ ويقف وقف الجلاَّد في هذه القضيَّة ناس درسوا الشريعة الإسلاميَّة حتَّى كانوا قدوة، ودرسوا التاريخ حتَّى كانوا أساتذة، ودرسوا الفلسفة حتَّى صاروا دكاترة، ودرسوا الحقوق حتَّى اعتزَّ بهم القضاء والمحاماة، وكانت مجالسهم طافحة بالتحرُّر الفكري والصفاء الذهني والانفلات من قيود التقاليد والعصبيَّات والرواسب، حتَّى جاءوا إلى هذه القضيَّة التي تلجلجت ألسنتهم واضطربت أقلامهم ثُمَّ طأطأوا رؤوسهم للرَّواسب الذهنية التارخيَّة، فتحايلوا في التعبير عنها لكي لا يصدموا الحق الذي فيها ولم يستطيعوا أن يجابهوا الباطل الذي تحمَّله بالحق الذي يعرفونه وتطمئنُّ به قلوبهم، فانساقوا مع التيَّار الخاطئ مكتوفي الأيدي والأذهان، ميسِّري الأفكار والأقلام، محدودي العقول والأفهام.
وساطة المعتزلة
قال الأخ الدكتور صبحي في ملاحظاته عن هذا الكاتب:
«من الجائز أنَّ يكون المعتزلة هم الوساطة في التقاء بعض آراء الشيعة الأدارسة مع آراء الخوارج دون حاجة إلى تناظر علماء الفرقتين، من المعروف كذلك في علم الكلام تأثر بعض الفرق بخصومهم، لديك على سبيل المثال تأثر بعض رجال الحديث والتفسير وهم أكثر علماء الأمَّة تمسُّكا بالدين وغيرة عليه، بالإسرائليات ولاأعتقد أنَّ بين الأدارسة والإبَاضِية من الخصومة ماهو أبعد مِمَّا بين رجال الحديث واليهود، وكل ذلك يتم عن غير وعي.
آراء اعترفت أنَّ الإبَاضِية من الخوارج مع إنَّك كنت تستنكر ذلك تماما وتعدُّهم كما لو كانوا مجرَّد مذهب فقهي كالمالكي والشافعيَّة. (1/444)
صفحة 445
أخي الدكتور أمَّا إنَّ المذاهب الإسلاميَّة قد يتأثَّر بعضها ببعض، ويقتبس مناه الحجج والآراء والأساليب فهذا شيء قد يقع، وليس مجالا للإنكار وليس موضوعا لمناقشته.
لقد استبعدت فكرة المستشرق نللينو حين زعم أنَّ الإبَاضِية المغرب أخذوا أكثر عقائدهم عن المعتزلة. ثمَّ اعتباره أنَّ تلك العقائد كانت تنساب إلى الإبَاضِية من المعتزلة عن طريق الشيعة الأدراسة وهذه دعوى عجيبة وبعيدة.
... أيُّها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
... هي شاميَّة إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
وأبعد من ذلك ما تلمح إليه في ملاحظتك هذه من أنَّ المعتزلة هم الواسطة في التقريب بين عقائد الشيعة وعقائد الخوارج، أو عقائد الإبَاضِية على الحقيقة ــ فأنت تصرُّ على اعتبار الإبَاضِية خوارج ولو تطوَّعوا في جند المهلَّب بن أبي صفرة ــ ولا داعي أبدا لأن يقوم المعتزلة بهذه الوساطة أو التقريب بين الإبَاضِية والأدارسة ــ وهم لا يشعرون ــ لأنَّ الشيعة مها تأثَّروا بالمعتزلة فإنَّ لهم أصولهم قبل أن يؤثِّر عليهم المعتزلة وهم يحافظون عليها وكذلك الإبَاضِية مهما تأثَّروا بالمعتزلة فإنَّ لهم قبل أن يتأثَّروا بغيرهم أصولا يحافظون عليها ولقد يكون التأثر ولكنه في الشكليات وهذا التأثر والتأثير واقع في جميع المذاهب
على السواء، يعني ما تسمِّيه مذاهب السنَّة والشيعة والخوارج و الإبَاضِية كلّها مؤثِّرة ومتأثِّرة، ولكن كلّ واحد منها قد حدَّد لنفسه مواقف معيَّنة استنادا إلى دولة معيَّنة في مصادر التشريع الإسلامي، وملاحظتك هذه جاءت بعكس ما يقوله المستشرق نللينو الذي تحاول أن تؤكد ما ذهب إليه، لأنَّ نللينو يزعم أنَّ المعتزلة قد أثَّروا في عقائد الإبَاضِية بواسطة الأدارسة الشيعة، وأنت ترى أنَّ الشيعة هم الذين أثروا على الإبَاضِية (أو الخوارج كما تصرُّ أن تقول) بواسطة المعتزلة والرأيان مختلفان كما ترى. (1/445)
صفحة 446
وقد آلمني ــ حقًّا ــ أنَّ تناظر الخصومة بين الإبَاضِية واش ــ إن كانت هناك خصومة ــ بالخصومة بين المسلمين واليهود، ففرق المسلمين مهما احتدَّ بينهم النقاش واتَّسع الخلاف، لا يتجاوزون أنَّ يكونوا إخوة حصل بينهم سوء تفاهم، وبعض فرق الشيعة كالزيديَّة لا تختلف عن الإبَاضِية في شيء وقد نبَّه أكثر من مؤلِّف من مؤلِّفي الإبَاضِية في أصول العقائد وعلم الكلام، إنَّ الخلاف بين الإبَاضِية والزيديَّة لا يتجاوز ثلاث مسائل هي (1) .
1. قولهم في الإمامة أنَّ عليَّا أولى من أبي بكر وعمر ولكنهم لم يحكموا بتخطئتهما أو تخطئة الأمَّة بسبب تقدُّمها أو تقديم الأمَّة لهما عليه في الخلافة.
2. تجويزهم لتحكيم حكمين فيما حكم فيه الله تبارك وتعالى.
3. قولهم بتشريك أهل التأويل مِمَّن يؤدِّي تأويله إلى التشبيه كمن يعتقد أنَّ الله يرى يوم القيامة، والإبَاضِية يرون في المسائل السابقة أنَّ الأفضليَّة والأولويَّة تبيِّن الأئمة الأربعة (الخلفاء الراشدين) كانت كما وقعت تاريخيًّا أفضلهم وأولاهم أبو بكر ثُمَّ عمر ثُمَّ عثمان ثُمَّ علي، ويرون أنَّ قبول التحكيم ــ فيما حكم فيه الله تبارك وتعالى ــ خطأ، ويجب قتال الفئة الباغيَّة إذا لم تستجب للصلح أو تراجع إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، ويرون أنَّه لا يجوز أنَّ يحكم على المخطئين في التأويل بالشرك بدعوى أنَّهم مشبهة وقد التقت الزيديَّة في هذا الموضوع مع الخوارج لا مع الإبَاضِية.
ولا شكَّ أنَّ طوائف المسلمين تتقارب وتتباعد حسب التيَّارات السياسيَّة ورجال الحكم، وحسب شدَّة تحريك دوافع العصبيَّة المذهبيَّة ومن يكون من ورائها أو المتفتِّحين.
__________
(1) - ملخصة من كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي نسخة مخطوطه ملك أيوب محمَّد الأيوبي. - (1/446)
صفحة 447
أمَّا المثال الذي ضربته لإيضاح التأثر والتأثير برجال الحديث والتفسير واليهود بسبب الإسرائيليات التي تسرَّبت إلى بعض كتب الحديث والتفسير، فاسمح لي أن أقول لك: إنَّني لا أوافقك عليه مطلقا، وأنَّ هذا التشبيه إساءة إليهم.
فرجال الحديث والتفسير عندما تسرَّبت إليهم الإسرائليات لم تتسرَّب إليهم من اليهود مباشرة، ولم تنتج عن لقائهم واحتكاكهم بهم، فقد كانوا أبعد من أن يستمعوا إليهم، وأشدَّ نفرة من أن يصدِّقوهم، وأكثر ورعا من أن يأخذوا عنهم، وإنَّما تسرَّبت الإسرائليات على يد ناس أظهروا الإسلام واتّضصفوا بالورع والزهد والتقوى، ولزموا المساجد والدروس والوعظاء حتَّى وثق الناس بهم، باعتبارهم مسلمين صادقين جمعوا إلى علمهم بالإسلام علمهم بالديانات السابقة، وكانوا يدرسون مكائدهم تارة باعتبارهم علماء أخذوا من الكتب السابقة، وتارة ينفثونها في خفاء بتحريف بسيط في المبنى أو المعنى، أو بإثارة شبهات تفترق بسببها الأمَّة ويستمسكون هم بالفكرة الضالَّة فيها ويرجِّحون، ويتتباكون على الإسلام بسبب ما ألحقه به مخالفوهم في ذعاويهم فجازت على بعض المفسِّرين والمحدِّثين باعتبارها علوما أو أخبارا تلقَّوها من مسلمين موثوق بهم جمعوا إلى علم القرآن علم التوراة أو الإنجيل.
وأحسب أنَّ الزعم بأنّض علماء الحديث والتفسير ــ على روعهم ــ قد تأثروا باليهود أو النصارى، هكذا على الإطلاق، فيه إساءة إليهم، ونيل من مقامهم، وتشكيك في علوم الحديث والتفسير. (1/447)
صفحة 448
أخي الدكتور أنَّ موقفك الآخر في الملاحظة يشبه أن يكون صيحة منطلقة دون وعي، أو فرحة رجل الشرطة عندما يقبض على رجل متلبِّس بالجريمة، أعيته مطاردته وتتبُّع خطواته، فلم يبق عليه وقد ألقى القبض على المجرم متلبِّسا، أي بعد أن اعترف على معمَّر بأنَّ الإبَاضِية من الخوارج ــ إِلاَّ أن يأمر بإلقاء الإبَاضِية في أضيق زنزانة، وبإلقاء علي معمَّر في أشدِّها ظلمة وأكثرها رطوبة جزاء له على مراوغته وتهرُّبه.
وجريمة الإبَاضِية الكبرى أنَّهم لم يريدوا أنَّ يقفوا في الطابور الذي أراد أنَّ يصنِّفهم فيه كتاب المقالات المتحيِّزون، وبعض المؤرِّخين الموجَّهين، ومن ينعق من ورائهم.
أمَّا الجريمة علي يحي معمر في نظر الدكتور أحمد صبحي فهو التطاول، هي أن يرفع عينيه ويتطاول فيعتبر الإبَاضِية «مجرَّد مذهب فقهي كالمالكيَّة والشافعيَّة» وتلك مرتبة يحرم عليهم أن ينظروا إليها ويحرم على أحد أن يضعهم فيها.
///ص487///
أخي الدكتور من المؤسف ــ أنَّ بعض الرَّواسب الذِّهنيَّة، تتحكم في الإنسان وتسيطر عليه، تجعله لا يستمع إلى الحقّ الذي يجيئه من الخارج ولكن إلى الرواسب النابعة من الداخل، ولا يخطر له أبدا أن يؤكِّد الرواسب المتخلِّفة في ذهنه مِمَّا تلقاه في مختلف مراحل عمره، بدراسة جديدة متفهِّمة متعمِّقة تعتمد الاقتناع بالدليل لا بالإيحاء.
لأنَّ هذه الرواسب التي اقتنع بها الإيحاء «والتلقِّي والاستسلام لها زمنا طويلا تسيطر عليه حتَّى حينما يريد أن يتجرَّد، وتحول دونه ودون المراجعة أو التراجع، وتجعل منه إنسانا يرى أنَّ ما عليه هو الحقَّ، دون جدال أو منَّاقشة وأنَّ ماعند الآخرين يجب أن يقاس على ما عنده هو ليأخذ درجته من التقويم، ومن امثلة ذلك ما يلي: (1/448)
صفحة 449
قال أبو العبَّاس المبرد في الكامل عن الإباضيَّة «هو أقرب الفرق إلى السنَّة» وجاءت أيد فينا بعد أطلقت على نفسها أهل السنَّة واعتبرت نفسها ميزانا للشريعة الإسلاميَّة، ومرَّت بها عبارة أبي العبَّاس المبرد، فنقلتها نفس مصادرها ــ ممكنة على الإباضيَّة ــ بعد تعديل بسيط، وقالت: عنهم «هو أقرب الفرق إلى أهل السنَّة » بزيادة كلمة أهل على تعبير المبرد، وهكذا أصبح ما عندهم هو الحقّ الذي لا مرية فيه وما عند الآخرين يقاس بهم، فبمقدار قربه أو بعده عنهم يعطي درجة التقويم، وغير مهم لديهم وقد أثبتوا لمذهبهم هذه الدرجة إن بقيت السنَّة مسكوتا عنها وأنَّها في الدرجة الثانيَّة من مذاهبهم.
أخي الدكتور رغم صيحة الفرحة التي خرجت منك، ورغم حصولك على الاعتراف الخطي، رغم كلّ ذلك فأنا لا أعتبر الإباضيَّة فرقة من الخوارج أبدا. ورغم أنَّ من ينسبهم إلى الخوارج هو أقرب منهم، واستنكر منه ذلك استنكارا تاما وأتجاوز كلّ ذلك فأعدهم أصحاب مذهب كالمالكيَّة والشافعيَّة، وادعى أيضًا أنَّ خدمتهم للشريعة الإسلاميَّة أصولا وفروعا، عقائد وفقها، لا تقل بحال من الأحوال عمَّا قدَّمته تلك المذاهب، وأضيف إلى كلّ هذا أنَّ أغلب المذاهب الإسلاميَّة إِنَّمَا اعتمدت في انتشارها وحياتها على خدمتها للسياسة وسيرها في ركاب الدول، وأنَّها في كثير من الأوقات تقف مواقف المرونة والتخلِّي عن الأساسيات مراعاة للحكام المتجبِّرين، وأنَّ آلة الحكم الظالمة استغلَّتها استغلالا فظيعا لإقرار الظلم أو مجانبة العدل، وأنَّ الإباضيَّة لم يعتمدوا على ذلك ولم يستغلُّوا الحكم في حدِّ النفود وإطالة البقاء، ولم يستغلُّوه في حمل أصحاب المذاهب الأخرى على ترك مذاهبهم والانتساب إلى مذهب الدولة.
فلم يكن الإباضيَّة في يوم من الأيَّام آلة للسياسة، وإذا تعاونوا معها تعاونوا على حدود ما يبيحه الشرع أو يدعو إليه، ولذلك تخلَّت عنهم السياسة بل وحاربتهم. (1/449)
صفحة 450
تأثير المعتزلة
قال الدكتور أحمد صبحي في ملاحظته على هذا الكتاب:
«تأثر كلّ من الأدارسة (الشيعة والزيديَّة) والإباضيَّة والمعتزلة، لا يعني أنَّ هاتين الفرقتين قد انحدرتا من المعتزلة، يقال: أحيانا في تبرير ذلك: أنَّ خصومة كلّ من المعتزلة من ناحيّضة والشيعة والخوارج من ناحية أخرى للأشاعرة (مذهب الخلف من أهل السنَّة) وسيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين، وعلى دار الخلافة منذ أوخر القرن الرابع قد قرب بين المذاهب الأخرى المعارضة، فتأثر كلّ من الشيعة والخوارج بالمعتزلة وأصولهم ــ على أيَّة حال ــ هذا التحرير وحده لا يكفي لتفسير التشابه بين ىراء كلّ من الشيعيَّة وخصوصا الزيديَّة والاثنتي عشريَّة، والخوارج وبين أصول المعتزلة».
في هذه الملاحظة كثير من الجوانب تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتثبُّت، وبعضها لا يزيد عن افتراضات تجري في أذهان بعض الناس، ويمكن أن نحصر هذه الجوانب في النقاط الآتية:
الأولى: افتراض وجود كتل كبرى متعاديَّة تتبعها فروع.
الثانيَّة: إعتبار أنَّ الأشاعرة ممثلين لمذهب الخلف من أهل السنَّة.
الثالثة: سيادة المذهب الأخير على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة.
الرابعة: محاولة إيجاد تفسيرات للتشابه أو التقارب بين المذاهب الإسلاميَّة بينما المفروض أن يكون العكس أي البحث عن التفسيرات للتباعد بينها وسوف نتناول هذه النقاط بالبحث والمناقشة فيما يلي:
النقطة الأولى: (1/450)
صفحة 451
افتراض وجود كتلة متَّحدة ــ تسمى «أهل السنَّة» ــتعاديها كتل أخرى هي المعتزلة والخوارج والشيعة لم يقرب بينها إِلاَّ عداوتها مجتمعة للكتلة الأولى، ولم يجمعها في ميدان الخصومة لها إِلاَّ اتِّفاقها وتعاونها، أمر يحتاج إلى كثير من الجهد ليلبس لباسا يستقيم من الواقع، فالثابت تاريخيًّا ودينيًّا أنَّ كلاَّ من هذه المذاهب والفرق التي تتكوَّن منها بما فيها فرق أهل السنَّة قد تتَّفق في آراء مع غيرها من الفرق الأُخرى وقد تختلف، وهي تُخاصم من يخالفها في آرائها أو معتقداتها خصومة عنيفة، تحاول فيها جاهدة أن تثبت صواب ما هي عليه وخطأ ما عليه غيرها، ولو كان ذلك الغير فرقة من الفرق التي تدخل معها في الإطار العام، فالخصومة بين فرق أهل السنَّة بعضها مع بعض لا تقل عنفاً عن الخصومة بين فرق ا لإباضيَّة فيما بينها أو الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة، بعضها مع بعض لا تقل عنفاً عن خصومتها مع غيرها، أعني أنَّ فرق الشيعة مثلا في الخصومتها لا تقلُّ عنفاً عن خصومتها مع غيرها من الفرقأو المذاهب وكذلك البقية. (1/451)
صفحة 452
ولا شكَّ أ،َّ الصراعات المذهبيَّة ــ فقهيَّة وكلاميَّة ــ كانت متأثرة إلى حدّ ما بالظروف السياسيَّة والخضوع لدولة واحدة. ومع ذلك فإنَّ الخصومة تدلّ بين صفوف من يطلق عليهم لفظ أهل السنَّة لم تكن أخف ولا أقلّ مِمَّا بينهم وبين غيرهم، وقد استعملت من هذا المجال الضيق بين هذه الفرق نفسها جميع الأسلحة التي استعملت في الميدان الواسع بين المذاهب من التفسيق والتكفير وإبطال الصلاة وليس ذلك في الفروع فقط، وإنَّما استعمل في الفروع وفي الأصول أصول الفقه وأصول الدين. ولعلّ مِمَّا يوضح هذه الصورة أن نستعرض بعض ما كان يجري بين فرق ( أهل السنة) من خصومات تثبت تمامًا أنَّه لا أساس ولا صحَّة للصور التكتّميَّة التي عرضتها بعض الأقلام وإنَّما كان واقع المسلمين أنَّ كلّ فرقة منهم تحاول أن تدلّل على صحّة ما هي عليه وبطلان ما عليه الآخرون.
وقد اخترت ثلاثة كتب مختلفة لأنقل منها صورًا عن الخلاف الذي كان يقع بين فرق أهل السنَّة والمدى الذي يبلغه أحيانًا من العنف يصل إلى حدّ القسوة.
الكتاب الأول: «مصادر التشريع الإسلامي فيما نصّ فيه» للأستاذ عبد الوهاب خلاف طبعه دار القلم 1392هـ جاء في ص130. ما يلي:
«ومن تأمّل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، على صحّة ما قلنا، حتَّى أنَّ المالكيَّة استقلّوا بالمغرب، والحنفيَّة بالمشرق، فلا يفارق أحد المذهبين أحدًا من غيره في بلاده إِلاَّ على وجه ما، وحتى بلغنا أنَّ أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ما له فيئاً، حكمهم في الكفار.
حتَّى بلغنا أنَّ بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفيَّة كان فيه مسجد واحد للشافعيَّة، وكان والي البلد يخرج كلّ يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أمَا آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟
فلم يزل كذلك حتَّى أصبح يومًا وقد سدَّ باب المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك. (1/452)
صفحة 453
ثُمَّ إنَّ كلاًّ من أتباع الأئمة يفضّل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم حتَّى رأيت حنفيًّا صنَّف مناقب أبي حنيفة فافتخر فيها بأتباعه «كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك، ونحوهم» ثُمَّ قال يعرض بباقي المذاهب:
أولئك آبائي فجئني ... بمثلهم ... إذا جمعتنا ياجرير ... المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهليَّة، وغيره كثير، وحتى أنَّ المالكيَّة يقولون الشافعي غلام المالك والشافعيَّة أحمد بن حنبل غلام الشا فعي، والحنابلة يقولون الشافعي غلام أحمد بن حنبل وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع أحمد، والحنفيَّة يقولون إنَّ الشافعيَّة غلام أبي حنيفة، لأَنَّهُ غلام محمَّد بن حسن، ومحمد غلام أبي حنيفة. قالوا لولا أنَّ الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف: وحتى أنَّ الشافعيَّة يطعنون بأنَّ أبا حنيفة من الموالد وأنَّه ليس قرشيًّا، وأحوج ذلك الحنفيَّة إلى الطعن في نسب الشافعي، وأنَّه ليس قرشيًّا بل من موالي قريش، ولا إمامًا في الحديث لأنَّ البخاري ومسلمًا أدركاه ولم يروي عنه مع أنَّهما لم يدركا إمامًا إِلاَّ روي عنه حتَّى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي في تصنيفهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميَّته، وحتى جعل كلّ فريق يروي السنَّة في تفضيل إمامه ثُمَّ ذكر المؤلف بعض الأحاديث التي يرويها أصحاب المذاهب في فضل ائمتهم، ووردها. ومن أجود ما قيل في ردّها بعبارة غاية في الايجاز والدقفّة ما نقله المؤلف عن الشيرازي في نفس الكتاب ص131 قال:
«وأعلم أنَّ هذه الأحاديث ما بين صحيح ما يدلّ، ودالّ لا يصحّ».
وبعد مناقشة لتلك الأحاديث تبيّن الخطا في الاستدلال بها على تفضيل بعض الائمة لأن منها ما لا يدل ومنها ما هو موضوع لا يصحّ. قال: (1/453)
صفحة 454
فانظر بالله أمرًا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمّتهم وذم بعضهم، وما مبعثه إِلاَّ تنافسالمذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها، الساطع برهانها فلمّا اتفقت كلمتهم بطريق لما كان شيء مِمَّا ذكرنا».
الكتاب الثاني: «ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين».
الأستاذ عبد الجليل عيسى طبعة دار البيان، الكويت.
وقد أورد فيه أمثلة في الخلاف بين مذاهب أهل السنَّة غالبًا، وقد يحسن أن نلخّص ما نحتاج إليه كما يلي:
أ - ما يسوغ فيه الخلاف بشرط عدم تعصّب للرأي، وذلك في فعل أو قول يقول فيه عالم أنَّه واجب ويقول آخر هو سنة فقط أو مندوب، أو في فعل أو قول يقول فيه عالم أنَّه حرام ويقول آخر إنَّه مكروه فقط، وكلا النوعين كثير جدًّا، وقد أورد للنوع الأوَّل اثنا عشر مثالاً، وللنوع الثاني سبعة أمثلة.
ب - ما يسوغ فيه الخلاف، وذلك في فعل أو قول، سنّة أو مستحبّ عند قوم يثاب فاعله. مكروه عند آخرين يلام فاعله، وأورد له ثلاثة عشر مثالاً.
ج - ما يبطل العبادة عند قوم ولا يبطلها عند غيرهم، قال: رأينا أنْ نُفَرّد فصلاً خالصًا ببعض الأشياء التي تبطل العبادة عند بعض العلماء، ولا تبطلها عند غيرهم، وهي كثيرة جدًّا ولا تتسع لحصرها في هذه الرسالة ولذلك سنكتفي بأمثلة كنموذج لأمثالها، وذكر منها اثنين وعشرين نموذجًا.
د - أخطر أنواع الخلاف عمل يتردّد الخلافة فيه بيّن أنَّه فرض لا تصح العبادة إِلاَّ به، أو حرام يعاقب على فعله، أو مناف للعبادة تبطل به وذكر لهذا النوع أربعة نماذج.
هـ - بعض الخلافات التي تستلفت النظر مجموعة في صعيد واحدٍ، قال:
سترى في هذا الفصل اختلاف العلماء في أمور تدرك بالأبصار، وتكرّر أمام الأنظار وتسمع بالآذان آلاف المرّات ثُمَّ ذكر لهذه الأنواع من الخلافة أربعة عشر نموذجًا. (1/454)
صفحة 455
وفي ص90 وما بعدها من الكتاب ذكر صورًا في نتائج الخلاف وما تؤدي إليه في النزاع والخصومات، وإليك بعضها ملخّصة فيما يلي:
1 - سئل شافعي عن طعام وقعت فيه قطرة نبيذ فقال: يرمى للكلب أو حنفي.
2 - سئل الحنفي هل يجوز للحنفي أنَّ يتزوَّج شافعيّة فقال: لا. لأَنَّهُ يُشكُّ في دينِها.
3 - افتى حنفي بأنَّه يجوز سللحنفي أن يتزوَّج شافعيَّةً قياسًا على أهل الكتاب، لأنَّ الزواج من أهل الكتاب جائز بالاتفاق.
4 - سمع حنفي مأمومًا يقرأ الفاتحة فضربه على صدره حتَّى أوقعه أرضا.
5 - قال مالكي إنَّ من حلف على أنَّ جميع ما في موطإ مالك من الأحاديث صحيح لا يحنث أمَّا من حلف أنَّ ما في البخاري أو مسلم من الأحاديث كلّه صحيح فإنَّه يحنث.
6 - رفع أحد المصلين سبَّالته يشير بها عند التشهّد وضربه مصلٍّ آخر بجنبه حتَّى كسّر يده فلمَّا سئل عن السبب قال لأَنَّهُ فعل محرّما في الصلاة حسب ما قال الشيخ الكيلاني.
7 - قال أبو الحسن الكرخي: كلّ آية أو حديث تخالف ما قرّره علماء مذهبنا فهي إمَّا مؤوَّلة أو منسوخة.
هذا طرف من أنواع الخلافات التي كانت تجري بين مذاهب أهل السنَّة في نفسها أو بينها وبين غيرها.
وقد توسّع الشيخ السعيد بن تعاريت الجربي فذكر في كتابه «المسلك المحمود في معرفة الردود» صورًا كثيرة في الخلاف بين المذاهب الأربعة ونماذج في العنف الذي كان يحصل بين أتباع مذهب أو مذهب آخر وقد رأيت أن أعرض منه صورًا موجزة.
الكتاب الثالث: المسلك المحمود في معرفة الردود لسعيد بن تعاريت الجربي طبعة 1331هـ.
أولاً إليك أمثلة في العنف الذي كان يجري بين أصحاب المذاهب الأربعة ملخّصًا من الكتاب السابق ابتداءً من ص95 فما بعد: (1/455)
صفحة 456
1 - قال أبو الفرح بن الخطيب الحنبلي: المنتسبون في زماننا (القرن الثامن الهجري) إلى أهل السنَّة والجماعة من أتباع الأئمة الأربعة ثلاث طوائف، أشعريَّة، وماتريديَّة وأثريَّة، فجمهور المالكيَّة وأكثر الشافعيَّة أشعريَّة، وغالب الحنفيَّة ماتريديَّة، وجمهور الحنابلة أثريَّة.
2 - قال الصلاح الصفدي: غالب الشافعيَّة أشاعرة، والغالب في الحنفيَّة المعتزلة، والغالب في المالكيَّة قدريَّة، والغالب في الحنابلة حشويَّة.
انظر شرح لاميَّة العجم.
3 - ذكر الصفدي أنَّ العلاَّمة الماوردي الذي يحسبه الناس من أكابر الشافعيَّة من فضلاء المعتزلة.
4 - قال الصفدي أيضًا: وأصحاب الرأي والتأويل الذين منهم أبو حنيفة وأصحاب الأشعري هم ضدَّ أصحاب الظاهر كالحنابلة وأتباع داود بن علي.
5 - ذكر ميرغيَّاث: أنَّ الإمام أحمد من الخجويَّة.
6 - ذكر السعد والراغم أنَّ الإمام أبا حنيفة من المرجئة.
7 - قال ابن حبيب المالكي: في شرح غريب كتاب الجامح في حديث مالك، وقد سئل عن الداء العضال، قال أخبرنا مظرف أنَّهم سألوا مالكًا عن الداء العضال فقال: هو أبو حنيفة وأصحابه. وذلك أنَّه ضلَّل الناس بوجهين: الارجاء، ونقض السنن بالرأي، فهو عندنا، أشأم مولود في الاسلام ضلَّ به خلق كثير.
8 - قال ابن حبيب: وقد كان من الرأي الزائغ على الحق أبي حنيفة وأصحابه، قتل المسلم بالكافر المعاهد.
9 - قال الغزالي: كلّ فرقة تكفِّر مخالفتها فتنسبها إلى تكذيب الرسول عليه السلام. فالحنبلي يكفِّر الأشعري، زاعما إن كذب الرسول عليه السلام في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفّره زاعمًا أنَّه شبه كذب الرسول عليه السلام في لأنَّه تعالى «ليس كمثله شيء».
10 - ذكر ابن الشحنة أنَّ الحنابلة حكنوا بكفران الأشعري وبإباحة دمه، وطمس قبره خوفاً عليه من أن ينشبوه وكذلك الحنيفية خطَّأُوا الأشعري. (1/456)
صفحة 457
11 - قال القاضي عياض بتفكير الإمام الغزالي، وذلك أنَّه ذكر قول الجاحظ وتمامه ثمَّ قال: وقد نحا الغزالي قريبا من هذا المنحنى في كتابه التفرقة، وقائل هذا كلّه كافر.
12 - قال الشيخ عليش عن الفخر الراَّزي: ولقد استرقوه في بعض العقائد فخرج فيه إلى قريب من شنيع أهوائهم (أي الفلاسفة) ولذا حذَّر الشيوخ من النظر في كثير من تآليفه.
13 - كتب ابن الحداد كتابا في الرد على الشافعي وكان سيِّئ الرأي في أبي حنيفة.
14 - قال الشافعي: ما رأيت كأهل مصر إتَّخذوا الجهل علما، لأنَّهم سألوا مالكا عن مسائل فقال لهم: ما أعلمها، فهم لا يقبلونها مِمَّن يعلمها لأنَّ مالكا قال لا أعلمها.
15 - قال صاحب الفتاوي الخافية: إذا قال شافعي المذهب: إلاهي ما عرفناك حقَّ معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى أو يقول العمل في الإيمان، أو يقول الإيمان يزيد وينقص، لا تجز الصلاة خلفه.
16 - قال أبو اليسر: إقتداء الحنفي بالشافعي غير جائز في أنَّه تعالى {ليس كمثله شيء}.
17 - ذرك صاحب المبسوط أنَّ الصلاة خلف الشافعي غير جائزة إذا كان متعصِّبا في مذهبه.
18 - قال عمر بن الفضل، من قال: الإيمان مخلوق لا تجوز الصلاة خلفه.
وأخرج الإمام البخاري من بخارى بسسب هذه المسألة.
19 - نقل الشيخ علي القارئ أنَّه لا يصحُّ اقتداء الشافعي بالحنفي ولو حافظ على جميع الواجبات.
20 - عرض ابن الهمام بالمالكيَّة فاعتبرهم في قسم الجهل المركَّب حيث قال: وجهل من عارض مجتهدة الكتَّاب كحل متروك التسمية عمدًا، والقضاء بشاهد ويمين مع {وَلاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ عَليْهِ}(الأنعام:) {فإنْ لم يكُونَا رجُلَيْن فرجُل وَامرَأَتَان}(البقرة:) والسنَّة المشهورة كالقضاء المشهور مع (واليمين على من انكر) والتحليل بلا وطء مع حديث العسيلة، فلا ينفذ القضاء في شيء منها. (1/457)
صفحة 458
21 - قال أحمد بن تيميَّة: وقد وقع بينه وبين علماء المالكيَّة والشافعيَّة خلاف في أوائل القرن الثامن الهجري ــ بسبب إشهاره لمذهبه حتَّى قبض عليه في ليلة عيد الفطر ووضع في جبّ ثمَّ عقد له مجلس تأديب حضره جماعة من القضاة والأمراء والعلماء. فادعى عليه القاضي بن عدلان دعوى شرعيَّة في شأن عقيدته فقيل له: أجب عن الدعوى، فقال الدعوى عند من! فقيل: عند القاضي المالكي فلان، فقال: هو عدوي وعدو مذهبي.
22 - قال القاضي عيَّاض (1) : وكان الظهور في بني عبيد بإفريقيا لمذهب الكوفيّين لموافقتهم إياهم في مسألة التفضيل فكان فيهم القضاء والرئاسة وتشرَّف قوم منهم ميلاً من مسايلتهم واصطيادًا لدنياهم، وأخرجوا أضغانهم عن المدنيين فجرت المالكيَّة في تلك المدن محن.
23 - نقل عن أبي طالب المكي: أنَّ مالكًا كان أبعد الناس عن مذاهب المتكلمين وأشدهم بغضا للعراقيين.
24 - ذكر الشعراني أنَّ الوليد بن مسلم قال: لي مالك: أيذكر أبو حنيفة عندكم قلت: نعم، فقال: ما ينبغي لبلادكم أن تسكن.
25 - شدّد القاضي عيَّاض النكير على ابن حنيفة وقدح في مذهبه ومذهب الشافعي وأحمد وأطنب في ذلك غلية الاطناب وذكر المؤلِّف نماذج كثيرة مِمَّا ينتقده القاضي عيَّاض على المذاهب الثلاثة لا سيما الحنفيَّة.
__________
(1) - وفي عهده انعكست القضيَّة فجرت على مخالفيه المحن وقتلوا في الشوارع حتَّى سالت بدمائهم ومنعوا من الصلاة في المساجد وحرم عليهم التعلم والتعليم فيها. (1/458)
صفحة 459
ولعلَّ القصَّة الثانية تمثل صورة مضحكة في الخصومات العنيفة مِمَّا كان يقع بين أتباع المذاهب، فقد نقل التعاريتي عن كتَّاب الحيوان القصَّة التالية: أمَّا السلكان محمود بن سبكتكين كان حنفي المذهب، وكان مولعًا بعلم الحديث، وكان يسمع عند إمام الحرمين الحديث، ويسأل عن معناه فيجد أكثره موافقًا لمذهب الشافعي، فجمع فقهاء المذهبين والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الاتِّفاق على أن يصلّي بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي ثمَّ على مذهب الإمام أبي حنيفة، والسلطان ينظر إلى ذلك ويختار الأحسن فصلّى القفال المزوري بطهارة سابغة، وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والالفاظ والآداب على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها، ثمَّ صلّى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغًا، ولطّخ بعضه بالنجاسة وتوضّأ بنبيذ التمر، وكان ذلك في صميم الصيف فاجتمع عليه
///ص499///
الذباب والبعوض، وكان وضوؤه منكسا منعكسًا، ثمَّ استقبل القبلة وأحرم للصلاة من غير نيَّة في الوضوء، وكبَّر بالفارسيَّة وقرأ بها ثمَّ نقر كنقرات الديك من غير فصل بينها ومن غير طمأنينة وتشهد وضرط في آخرهما وخرج من غير نيَّة السلام، وقال أيُّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة.
هذا وقد اورد التعاريتي صورًا كثيرةً في الخلاف في العقائد (أصول الدين) بين أصحاب المذاهب الأربعة نستخلص منها الصور الآتية، وسوف نذكر ما يقوله الإباضيَّة فيها، ومنها يتضح للقارئ الكريم أن التقارب بين الاباضية ــ في هذه المسألة وهي أصول ويبين الأشعريَّة ــ أشدَّ كثيرًا من التقارب بين الأشعريَّة والماتريديَّة وأشدَّ كثيرًا أيضًا من التقارب بين الاباضية والمعتزلة وإلى القارئ الكريم هذه الصور: (1/459)
صفحة 460
1 - يقول الأشعري أنَّ الصفات الذاتية زائدة على الذات وخالفه في ـ القدم والبقاء ــ الحنفيَّة والباقلاني وإمام الحرمين والفخر، قائلين إنَّها ليست زائدة على الذات، والاباضية يقولون في جميع الصفات الذاتية بما يقوله الحنفيَّة والباقلاني وإمام الحرمين في القدم والبقاء.
2 - يقول الأشاعرة بجواز تخلف الوعيد، وخالفهم الحنفيَّة فقالوا كما لا يجوز خلف الوعيد وبه\ا لاقول يقول الإباضيَّة.
3 - يقول الأشاعرة والماتريديَّة أيضًا بأنَّ عصاة المسلمين لا يخلدون في النار، وخالفهم الإمام الغزالي فقال به والاباضية يقولون به.
4 - خالف القاضي بن العربي والرازي، جمهور الأشاعرة فقالا في الأفعال بالجبر، وذهب إمام الحرمين مذهب المعتزلة والإبَاضِية في هذا يقولون بما يقولون به الأشاعرة.
5 - يقول الأشعري أنَّ لكلامه تعالى تعلَّقا أزليًّا، وخلفه عبد الله بن سعيد وطائفة من متقدمي الأشعريَّة فيها قائلين: ليس لكلامه تعالى تعلّقًا أزليًّا ويرى الإبَاضِية (1)
__________
(1) - يقول الإمام بيوض إبراهيم بن عمر ما يلي: «إنَّ إنَّ مذهب الإبَاضِية وأمامهم جابر بن زيد أنَّ صفة الكلام ذاتية كالحياة والعلم والسمع والبصر وهي عينيَّة لا غيريَّة أي ليست صفة زائدة عن الذات فهي بذلك قديمة قدم الذات فالله تبارك وتعالى لم يزل حيًّا عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا متكلّمًا».
وبعد شرح وتفصيل قال: «وأنت خبير أنَّ هذا في الكلام النفسي الذاتي إذ يجب وصف الله تبارك وتعالى بأنَّه متكلّم فكلامه بمعنى صفة التكلم فيه قديم ولا شكَّ فيه، ولا يجز القول بخلافه، وَأَمَّا تكليمه ووضعه للناس كلّ يقرأ ويكتب، تحوية الصحف وتحفظه الصدور ويتصف بصفات أخرى لا يمكن أن يتصف بها الكلام الذاتي فأمر كلام، وشيء آخر لا يخفي الفرق بينه وبين الكلام الذي هو صفة من صفات الذات العليَّة». انتهى المقصود منه.
وقال التعاريتي في المسلك المحمود ص 152 ما يلي:
«
وعندنا معشر الإبَاضِية الوهبيَّة أنَّ كلام الله تعالى له معنيان: الأوَّل أنَّه صفة ذاتية كالعلم والقدرة. منلفية للآفة مثل الخرس.»
الثاني: «أنه صفة فعليَّة بمعنى خلق الكلام حيث شاء فمعنى كونه متكلّما على الأوَّل ليس بأخرس وعلى الثاني خالق الكلام. انتهى المقصود منه. (1/460)
صفحة 461
أنَّ الكلام من حيث هو صفة كمال فهو صفة ذات كالعلم والقدرة.
6 - يرى الأشاعرة أنَّ الإيمان بالله تعالى واجب شرعًا واختلف الشافعيَّة في ذلك على قولين، وذهب أبو منصور الماتريدي إلى أنَّه واجب عقلاً ويتفق الإبَاضِية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
7 - يرى عامة الأشعريَّة أنَّ الإيمان مخلوق وذهب جمهور الحنفيَّة إلى أنَّه غير مخلوق ويتفق الإبَاضِية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
8 - يرى الأشعريَّة أنَّ الحسن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه، ويذهب الحنفيَّة إلى أنَّ للعقل دخلاً في التحسين والتقبيح، أي في الحكم بالحسن أو القبح على بعض الأشياء ويتفق الإبَاضِية مع الأشعريَّة في هذه المقالة.
9 - يرى الأشاعرة أنَّ الإيمان يزيد وينقص ويرى الحنفيَّة وإمام الحرمين أنَّه لا يزيد ولا ينقص ويتفق الإبَاضِية مع الأشاعرة في هذه المقالة.
10 - يرى الحنفيَّة أنَّ القدرة تصلح للضدَّين، ويرى الأشعري ومن تابعه أنَّ لكل واحد من الضدَّين قدرة على حدة، ويتفق الإبَاضِية مع الأشعري في هذا أيضًا، هذه أمثلة قليلة جدًّا من الخلافات والخصومات الواقعة بين علماء المذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنَّة، وهي خلافات في الأصول والفروع كما رأيت وقد بلغت الخصومة بين بعضهم أحيانًا إلى التفكير والتفسيق والحكم بالزيغ والجهل المركَّب والضلال والإضلال، مثل ما يقع بين أصحاب كلّ مذهب ومخالفيهم من المذاهب الأخرى.
ومن حيث حجم الخلاف فلا أحسب أنَّ ما بين أصحاب المذاهب الأربعة في أنفسنا أقلَّ ممَّا بينها وبين غيرها، أحسب أنَّه لو قام إنسان فقارن بين الإبَاضِية والأشعريَّة مثلاً ــ في الأصول ــ لوجدهما أكثر تقاربًا واتفاقًا من الأشعريَّة والماتريديَّة. ولو قارن بين الماتريديَّة والمعتزلة لربَّما وجدهما أشدَّ تقاربًا من المعتزلة والشيعة. (1/461)
صفحة 462
من هذا يتَّضح أنَّ اعتبار أهل السمة على مذهب واحد يجري بين أتباعه جميعًا الوفاق والانسجام دعوى باطلة، هذا بالنظر إلى العهود السابقة، ودعوى إنَّ فرق أهل السنَّة كتلة واحدة تجتمع بقيَّة المذاهب والفرق على خصوتهم دعوى أشدّ إيغالاً في البطلان، فإنَّ فرقة من الفرق الأسلاميَّة سواء ما اشير إليه بأهل السنَّة أو غيرها كانت لها محاولات ومحاولات مع من يحتكُّ بها من الفرق الأخرى.
ولا شكَّ أنَّ الأشخاص الذين يتولَّون القيان بتلك المحاولات يختلفون من مكان إلى آخر ومن زملن إلى زمان، فلقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما في زمان ما في مكان ما من كبار علماء الإسلام واسع الأفق، فسيح النظرة يعتبر المسلمين كلّهم بنختلف مذاهبهم أمَّة واحدة فيحاول أن يجمع الكلمة، ويسلم الصف، ويرفق بالمخالف حتَّى يعيش الجمع بسلام، وقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما في زمان ما في مكان ما من كبار علماء الإسلام واسع الأفق فسيح النظر يعتبر المسلمين كلّهم بنختلف مذاهبهم أمَّة واحد ويحاول أن يجمع الكلمة ويسلم الصفى، ويرفق بالمخالف حتَّى يعيش لجمع بسلام، وقد يكون الشخص الذي تلتف حوله فرقة ما في زمان ما في مكان ما من أولئك المتعصبين الضحيين ضيق الأفق جامد النظر محدود المعرفة فيكفر غيره وينابذ مخالفيه وقد يستعد السلطة وتساعده أو تخذله.
فقد استخدمت السلطة أخذ برأي بعض هؤلاء في تغليب بعض المذاهب على بعض في حوادث مؤسفة تركت ردود فعل مؤلمة بقيَّة آثارها واضحة في المجتمع الإسلامي أزمنة طويلة.
وفي هذا العصر بدأ التقارب اضحًا بين أصحاب المذاهب الأربعة، وبدأت كلمة أهل السنَّة تحتلُّ مكانها بدل المذاهب الأربعة أو الأشعريَّة أو غيرها. (1/462)
صفحة 463
وبأت تختفي تلك المصاولات التي ذكرنا أمثلة لها وأصبح اتباع كلّ مذهب ينظرون إلى اتباع مذهب آخر نظرة أخويَّة، لا تحمل آثار خصومة ولا دوافع صراع، با أصبحوا مقتنعين انَّ غيرهم أيضًا من أهل السنَّة. وفي نفس هذا القرن الأخير بدأت الآلفة بين جميع المذاهب.
وربما كانت هذه الخطوة الأولى للتقريب بيم وجهات نظر الأمة الإسلامية اعتبارًا أنَّ آراء المجتهدين والأئمَّة هي آراء فرديَّة تحتمل الخطأ والصواب، وأنَّه يجب أن ينظر إليهم أنَّهم علماء اجتهدوا فقالوا وأنَّ غيرهم اجتهد فقال.
والحقيقة أنَّه كانت كلّ فرقة تحاول أن تقف وحدها في الميدان ثن اجتمعت أربع فرق تحت اسم أهل السنَّة واختفت الأنانية التي كانت تتَّسم بها كلّ فرقة ثُمَّ بدأ الاعتناء بفقه أربع فرق أخرى، وأصبحت تنسجم تدريجيًّا مع الفرق الأربعة الأولى، وربما يأتي يوم ليس ببعيد تندرج فيه الفرق الثمانيَّة تحت لفظ أهل السنَّة، ويرشح غيرها حتَّى تضم هذه التسمية جميع فرق المسلمين، أو تختفي هذه التسمية ولا يبقى إِلاَّ الاسم الذي اختاره الله لهذه الأمة، بعد هذا كلّه أحب أن أقول للدكتور أحمد صبحي أنَّ التشابه والتقارب بين آراء بعض الفرق وبعض ليست مرجعها إلى عداوة أو إلى صداقة، وإنَّ العداوة بمعنى شدَّة النقاش والعنف فيه، والحماس في الجدل والدفع القوي موجود بين جميع الأطراف عندما يقع الاحتكاك وحتى بين علماء المذهب الواحد.
أمَّا العداوة بمعناها اللغو فلا وجود لها بين فرق المسلمين وإن جرت على ألسنة أحيانًا ــ إِلاَّ حين تستغلها السياسة وتجند لها الجامدين المنغلقين من أدعياء العلم والدين.
النقطة الثانية:
اعتبار الأشاعرة ممثلين لمذهب الخلف من أهل السنَّة أو جعلهم حملة اهذا المذهب تحتاج إلى النظر. (1/463)
صفحة 464
أخي الدكتور إنك قسمت المسلمين إلى معسكرين يصطفّ في أحدهما المعتزلة والشيعة الخوارج، ويصطف في الجانب المقابل الأشاعرة الذين اعتبرتهم مذهب خلفي من أهل السنَّة دون أي تفصيل أو تعريف لأهل السنة، وأحسب أنَّ هذا لا يستقيم لأن فرقا كثيرة تحسب نفسها من أهل السنة، وقد يحسبها غيرها كذلك ولكنها غير نستعدة أن تنضوي تحت لواء الأشعري، وإذا أردنا أن نضع صورة لأهل السنَّة على التعميم فإنَّ في إمكاننا أن نعتبر الأشاعرة يقفون موقفا وسطًا، ولكنَّ هناك جناحين لأهل السنةلا ينطبق عليها موقف الأشاعرة، هما الجناح الأوَّل هو مجموعات التي تعتبر نفسها من أهل السنَّة ولا ينكر الأشاعرة عليهم ذلك، ومع محافظة إلى حد التزمت بالنص الحرفي، فال يقبل تأويل الآيات الوهمية بالتشبيه، ويدخل تحت هذا الجناح كلّ من الظاهرين، والحنابلة واتباع ابن تيميَّة الذي يعتبر إصلاحًا أو تطويرًا للمذهب الحنبلي، وقد أطلق بعض العلماء على أصحاب هذا الجناح اسم الأثريَّة، وقد يقف تحت هذا الجناح بعض المالكيَّة أو الشافعيَّة.
فالأثريَّة ــ إذا أبحنا بأنفسنا استعمال هذه الكلمة بصورة أعم لتدلَّ على المحافظين في جميع المذاهب الذين لا يلتجئون إلى التأويل يعتبرون أنفسهم من أهل السنَّة لكنهم ايسوا أشاعرة، بل هم يستخطون على الأشاعرة. (1/464)
صفحة 465
الجناح الثاني: هو الجناح الذي تخطى حدود الأشاعرة وقارب في منهجه منهجا المعتزلة، وقال بكثير من أقوالهم، هذا الجناح الذي يعتبر غير ملتزم بآراء الأشعري والذي يتزعَّمه أبو منصور الماتريدي، هو ما يعرف في كتب علم الكلام الماتريدية، وأكثر الحنفية على ذلك ربما قال ببعض أقواله بعض العلماء من المذاهب الأخرىن والماتريديَّة يحسبون أنفسهم من أهل السنَّة، بل من أوائل أهل السنة، ولكنهم لا يعرفون بأنَّ الأشعريَّة يحملون آراءهم. إذا فالحنابلة سلفهم وخلفهم، والحنفيَّة سلفهم وخلفهم الظاهرين ليسوا في الأشعريَّة أو هم ــ على أقلّ ــ يرون أنَّهم ليسوا من الأشعريَّة.
فكيف يصحّ أن نفسر الأشاعرة بأنَّهم مذهب الخلف من أهل السنَّة، ومن أهل السنَّة الحنفية والحنابلة والظاهرين، وهم جميعا ايسوا أشعريَّة كما اوضحنا من قبل، لأنَّ بعضهم أثرية وبعضهم ماتريديَّة، والأثريَّة لا يقولون بالتأويل كما تقول الأشاعرة، والماتريدية يميلون في أغلب الأحوال إلى آراء المعتزلة بل هم في الجملة إلى المعتزلة أقرب وأن لم يعترفوا بذلك.
النقطة الثالثة:
سيادة مذهب الخلف من أهل السنَّة على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة من أوائل القرن الرابع. (1/465)
صفحة 466
أخي الدكتور إنَّ تحديدك لأواخر القرن الرابع كبداية لسيادة مذهب أهل السنَّة على المسلمين، وعلى دار الخلافة وكما بدأ للصراع بينه وبين المعسكرات الأخرى مِمَّا يوحي أن الدافع على الصراع إنما كان من أجل السيادة على الخلافة وعلى الجمهرة، لا يستقيم بل إنَّ تحديد هذا الزمن قد يدلُّ على عكس ما تحتج له. وذلك أنَّ الصراع بين المذاهب من ذلك التاريخ تقريبا يفتر وبدأت المعسكرات ــ إنَّ صحَّ هذا التعبير الذي استعملناه بكثرة في هذا الفصل ــ تعود إلى نوع من الهدوء والاستقرار والثبات كلّ على ما هو عليه، وأصبحت مبادئ كلّ معسكر واضحة وثابتة هذا بالنظر العام ــ وبالنظر إلى واقع المعسكرات فغنَّ مبادئ الخوارج وآراء المعتزلة قد تقرَّرت بصورة لا تحتج إلى المزيد.
ومبادئ الخوارج قد ذكرتها كتب غيرهم بإجمال وتفصيل، وربما بتحريف وتشويه أمَّا المعتزلة فقد قرَّروا عقائدهم وآراءهم في كتبهم بأنفسهم وبوضوح وعناية كذلك الشيعة وأهل السنَّة والإبَاضِية.
هذا من حيث الآراء واعقائد أمَّا من حيث النشاط والحركة، فإنَّ أعظم الكتلتين أثرًا على الخصومة وأعنفهما فيها موقفًا ــ وهما الخوارج والمعتزلة حسب التسمية التي اعتادتها كتب التاريخ والمقالات ــ كانتا قد انقرضتا أو هما على وشك الانقراض وفي حال لا تقوى على الخصومة ولا تدعوا إلى التكتل، والخوارج لم يبقى منهم أحد إلى ذلك الحين، وقد اختفوا في الميدان السياسي والعسكري ومنذ اختفاءهم من هذين الميدانين اختفت آثارهم اللهمَّ إِلاَّ ما حفظته كتب خصومهم في مقام التشنيع أو مقام النقد والردّ. (1/466)
صفحة 467
كذلك كان المعتزلة في أواخر القرن الرابع في حالة همود وانقراض اختفت صولتهم في ميادين الحركة، ولم يبق منهم إِلاَّ الثروة العلمية التي سجلوها بأيديهم أو الأسلوب الجدلي الذي اقتبسه منهم غيرهم واستعمله في الرد عليهم أمَّا الإبَاضِية فقد قرَّروا الانصراف عن الخصومات بمختلف أنواعها، فاعتزلوا الحركة السياسيَّة والعسكرية ولم يلجأوا إلى الجدل والخصومة إلاَّ في مواطن الدفاع والرد.
ولا أساس لدعوة التعاون المزعوم بين تلك الفرق الثلاث لمخاصمة أهل السنَّة كما تظن يا أخي الدكتور وكما يحاول المستشرقون أن يصوروا. (1/467)
صفحة 468
أمَّا سيادة المذاهب على دار الخلافة في تلك الفترة، فإنَّ تلك الخلافة العباسيَّة في ذلك الحين كانت اسما على غير مسمى وكانت توزيع نصف العالم اللإسلامي دويلات صغيرة، بعضها يحمل شعارات الدولة العباسية دون أن يخضع لها، والبعض الآخر كان لا يعترف بها وبغيرها، أمَّا النصف الثاني من العالم الإسلامي فقد كان خاضعا للدولة الفاطمية، وهي الأخرى كانت عند ذلك الحين قد بدأت في اللإنحدار . ثُمَّ توزع العالم الإسلامي دويلات لا تجسر إحداها أن تدعي الخلافة الإسلامية حتَّى قامت الدولة العثمانية، وإذا رجعنا إلى دول الخلافة الثلاث الكبرى التي حكمت العالم الإسلامي، نجد الدولة الأموية قد حكمت قبل أن تتكون المذاهب، ونجد الدولة العباسية كان الحكم فيها في أيَّام إزدهارها و حلفاؤها معتزلة ثُمَّ صاروا في ما بعد يتناوبون : أشعرية ومعتزلة، أمَّا الدولة العثمانية فقد كانت السيادة فيها للمذهب الحنفي طوال مُدَّة حكمها . وبعد الدولة العثمانية أصبحت في كلّ قطر إسلامي دولة أو دويلة يسود عليها أو يوجهها مذهب ما ، بعضها مالكي كالمغرب وبعضها حنبلي كالسعودية ، وبعضها إباضي كعمان وبعضها شيعي كإيران ، وبعضها زيدي كاليمن على أنَّ هذه السيادة سيادة أغلبية السكان ،وليست سيادة عمل بقانون ، لأن أغلب هذه الدول إمَّا أنَّها تعمل بقوانين وضعية أو قوانين شبه وضعية، أعني أنَّها ليس فيها من تلتزم أحكام لا على المستوى اللإسلامي ولا على المستوى المذهبي .
النقطة الرابعة :
محاولة إيجاد تفسير للتشابه و التقارب بين المذاهب . (1/468)
صفحة 469
يبدو لي أنَّ موقف المستشرقين ومن سار على منوالهم ، أو ربما سبقهم في البحث عن أسباب التشابه و التقارب بين عقائد المذاهب وراء الفرق فيه شيء من الغرابة، ومن عكس الطبيعة ، ذلك أنَّ جميع المذاهب الإسلامية منبثقة من أصل واحد هو الإسلام بمصادره التشريعية المختلفة وكان المنطق يقتضي أن تكون هذه المذاهب واحدة أو متحدة، لأَنَّهُ هو الأصل فإذا حدث خلاف بين بعضها، بحث عن أسباب الخلاف، ولكن القضية عند بعض المفكرين وأغلب المستشرقين أخذت منحى آخر،والقارئ الكريم يرى في الملاحظة السابقة كيف أنَّ صاحبها محتار في ما يبرر به وجود التشابه بين آراء الشيعة (لا سيما الزيدية و الإثنى عشر) و الخوارج و المعتزلة . (1/469)
صفحة 470
الحقيقة أنَّ الذي يجب أن نبحث عن مبرراته إنما هو إختلاف الآراء و الأصول بين مذهب وآخر وطائفة وأخرى، لا التشابه والتقارب، وذلك لأن مصدرها واحد، وهي جميعًا تزعم أنَّها تعود إلى ذلك المصدر، فالاختلاف يبحث عن سببه والدوافع إليه، وليس من الحقيقة في شيء أن نعكس المنطق فنجعل التباعد والتباين بين المذاهب، والفرق هو ألأصل فإذا رأينا تشابُهًا أو تقاربًا بين بعضها بحثنا عن السبب المبرر كما يقول صاحب الملاحظات. ولعل المستشرقين هم الذين ركزوا هذه النظرة واعتبروا الخلافة والخصومة بين المذاهب هي الأصل فإذا وجدوا تشابها واتحادًا بحثوا عن الأسباب أو افتعلوا له المبررات على كلّ حال والأصل المذاهب أنَّها تستقي مصدر واحد وترجع إلى أصل واحد والطبيعة فيها أن تكون متشابهة متقاربة فإذا تباعدت كان على ذلك على غير أصل بحث عن أسبابه ومبرراته ولا يخرج غالبا عن أصابع السياسة في القديم وعن أصابع الاستعمار في الحديث، وعن أصابع السيهودية والمسيحيَّة في المدى الطويل، ثُمَّ عن الجهود المخلصة الني يبدلها الجنود المخلصون للاستعمار والمسيحيَّة، وهم مستشرقون في العصور الحديثة، وقبل أن أختم هذا الفصل الذي طال أكثر مِمَّا ينبغي له أوحب أن أوضح ــ يا أخي الدكتور النقطتين الآتيتين: (1/470)
صفحة 471
أولاً: نقطتين صياغتك للكةلام في الملاحظة السابقة تشعر أنَّك تقرر أن تؤثر كلّ من الأدارسة والإبَاضِية بالمعتزلة حقيقة مؤكدة لا تحتاج إلى نقاش، وإنَّما موضوع النقاش هو هل الأدارسة والإبَاضِية قد انحدروا عن المعتزلة، وعندما رجحت عدم انحدارهما منهم ذهبت تعلل التأثر والتأثير بفرضية اخرةى هي أغرب من الأولى، وهذه الفرضيَّة هي اعتبارك أن المعنزلة معسكر وأن الشيعة والخوارج معسكر آخر، وأن أصحاب هذين المعسكرين ثقد تحالفوا على محاربة المعسكر الأقوى الذي يسود على جمهرة المسلمين وعلى دار الخلافة، ويلاحظ أنَّ في مبدإ الملاحظة جمعت بين الأدارسة والإبَاضِية، لكنَّك فيما بعد سقت الجميع الشيعة وجميع الخوارج ليكونوا معًا معسكرا يتحالف مع معسكر المعتزلة حتَّى يبدأ النزال بينهم وبين المعسكر الثالث ــ وبين معسكر أهل السنَّة وهذا الكلام قد يفيد في إسكات مجموعة من طلبة المشاغبين الأذكياء فيتخلَّص المحاضر من مضايقاتهم، ولكنه
بعيدًا جدًّا عن واقع حياة المذاهب الإسلامية ولا داعي إلى تحليله لتبرير أو تصحيح رأي المستشرق.
ثانيًا:
في موضوع التأثر والتأثير بين المذاهب كنت أرجو لو أننا تركنا آراء المستشرقين جانبًا، وأجرينا مقارنات حقيقيَّة لمعرفة التقارب والتباعد بين الفرق بعضها البعض، لاعتبارها معسكرات ضخمة تستعدّ وتكون الاحلاف للصراع، ولكن باعتبارها فرقًا ترجع جميعًا إلى أصول تشريعيَّة هي كلّها متفقة عليها، فنرى مثلاً ما يتفق فيه الإبَاضِية أو يختلفون مع كلّ فرقة من المعتزلة ومع المالكيَّة ومع الشافعيَّة ومع الحنابلة، ومع كلّ فرقة من الخوارج وغيرها وكذلك نفعل مع كلّ فرقة من فرق المذكورة سابقًا بيشرط أنَّ يكو اعتماد مقارنة على مراجع الفرق نفسها وأنا يقين لو أن الدكتور أحمد الصبحي أجرى هذه المقارنة بهذا الاسلوب لتغيير آرائه في كثير من النظريات وعن كثير من الفرق . (1/471)
صفحة 472
ولوجد مثلاً أهل السنَّة أو مذهب الخلف من اهل السنَّة جرى كما يحاو له قد تأثر تأثرًا واضحا بالمعتزلة أكثر بكثير مِمَّا تأثر به الإبَاضِية إذا ساغ لنا أن نعتبر المعتزلة هم مصدر تأثير وأفرب ما يقال في هذا الصدد. إنَّ إيمان أهل السنَّة أو خلف أهل السنَّة وهم أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي قد غير موقف اهل السنَّة تغييرا مفاجئا فلا شكَّ أن أبي الحسن درس في مدارس المعتزلة وتثقف بثقافتهم وأصطبغ فكره بعقليتهم، وفي شبه حالة مفاجئة اختفى عن الأنظار أيَّام فأعلن في ــ شبه حركة مصلحية ــ أنَّه لم يعد منهم وتزعَّم فرق اهل السنَّة لكن بالقوة لتي تفقهوا بها المعنزلة، وهي استعمال الجدل واستخدام المنطق ولم يستطع ابو الحسن في الواقع أن يتخلّص من كلّ الفكر الذي تكون لديه وهو يتهم الثقافة بعقلية المعتزلة، وأقل ما يقال في تأثيره بأساتذته ونقله لذلك التأثر إلى مذهبه الجديد هو فكرة التأويل التي لم تكن مقبولة عندهم أبدا، وبها تطور مذهب أهل السنَّة إلى ما يسمَّى «مذهب الخلف من أهل السنَّة» وهي الوثبة التي وثبها ابو الحسن الأشعري ببعض اهل السنَّة إلى المعتزلة حتَّى اتخذوا لهم اسمًا جديدًا هو الأشعريَّة، أمَّا أبو منصور الماتريدية الذي يكاد تأثره بالمعتزلة يجعله صاحب فرقة من المعتزلة، وآراؤه في مسائل اللإعتقاد أكثر قرنا وأشدَّ ارتباطا بالمعتزلة، ولعل أصدق ما يقال من هذا الموضوع إنَّه حلقة وسطى أو حلقة أتصال بين المعتزلة و الأشاعرة و يبدو لي من القراءات السريعة أنَّ الخلاف بين الماتريدية و الأشاعرة في الأصول هو أكثر بكثير من الخلاف بين الإباضية و الأشاعرة. (1/472)
صفحة 473
والذي يجب أن يقال في هذا الصدد هو أن نبعد عن أنفسنا اعتبار مذاهب أهل السنَّة معسكرا يخص جمهور اللأُمَّة و دور الخلافة، وأنَّه يصارع معسكر المعتزلة الذي تحالف مع الشيعة والخوارج حتَّى ترك طابعه فيها . إنَّ هذه الصورة صورة خيالية لا ظلَّ لها في الواقع،وقد أثبتنا وجود الصراع بين كلّ الفرق ــ وهي تبحث عت الحق والصَّواب واليقين في عقائدها وآرائها وسلوكها ــ وأوردنا أمثلة للخلاف الشديد داخل كل معسكر من المعسكرات السابقة ــ إنَّ جاز هذا التعبير ــ ولا شكَّ أنَّ كلا من الفرق الفرق الإسلامية مؤثر و متأثر بغيره ــ ولا قيمة لاعتناق أيَّة دولة ــ غير ملتزمة بالإسلام وأحكامه ــ لأي مذهب بما فيها الدول الخلافة الثلاث(1 )التي أشرنا إليها فيما سبق ــ . ولا يريد أي مذهب إحتضان السلطة له أو فرضها له على الناس مرتبة، ــ في الصحة أو القرب من الصواب ــ زائدة على غيره، وكلما تبنت دولة من هذا النوع مذهبا بادرا فقهاؤه الجامدون إلى استغلال السلطة في الكيد لغيره من المذاهب ومحاربتها، فتنعكس القضية وتستغل السلطة أُولئك الفقهاء فتقتربهم إليها وتجعلهم السنَّة للدين في الدولة، ووسيلة لتخدير الجماهير، وأداة لإخضاع الناس وحملهم على السمع ةالطاعة . مبررلاستحلال الإرهاب و القسوة و التنكيل . (1/473)
صفحة 474
ويبدو لي لو أنَّ لجنة من علماء الأمة حاولت أن تضع موسوعة في علوم الشريعة على أساس المواد العلمية ــ أُصولا وفروعا ــ مادة مادة كالبسملة عند قراءة الفاتحة ورفع الأيدي عند التكبير في الصلاة، وكالحكم على مرتكب الكبيرة وصدَّق الوعد وتخلف الوعيد، ثُمَّ عرضت أقوال العلماء في كلّ مادة منها باعتبارهم أفراد من علماء الأمة، ولم تراع المذاهب التي ينسبون إليها، لالتقت جميع المذاهب على أغلب المقالات التي تقال في كلّ مادة، أعني أنَّه لوجد علماء من كلّ مذهب في كلّ مادة يقولون بمايقول به مخالفوهم أو يرجحون غير المعمول به في مذاهبهم، ولو تمَّ ذلك لظهر التقاء كلّ المذاهب الإسلامية على أغلب ما اختلفوا فيه وما من رأي في مذهب إِلاَّ ويوجد من يقول به أو يرجحه من العلماء المستقلين في المذاهب الأخرى .
إلتقاء الخوارج و المعتزلة
قال الدكتور في ملاحظاته على هذا الكتاب:
«مع الإختلاف بين رأي الخوارج و المعتزلة بصدد فاعلي الكبيرة، فإِّن الفريقين يلتقيان في إعتباره مخلدا في النار، وكتاب الفرق يعتبرون أنَّ المعتزلة هذه المرة هم الذين تأثروا بالخوارج . وقد شنع هؤلاء الكتاب على المعتزلة في ذلك، وأطلقوا عليهم تسمية سخيفة ( مخانيث الخوارج )بسبب هذا الرأي، وظاهر بصدد هذه المسألة بالذات ــ فاعل الكبيرة ــ أنَّ رأي الخوارج كان أوَّل الآراء ظهورا ».
أخي الدكتور إنَّ الحكم بأنَّ بعض الفرق أخذ من الفرق الأخرى حكم لا مبرر له و لا سند . و لا شكَّ أنَّ الفرق الإسلامية متأثرة بعضها ببعض، قد تأْخذ وقد تقتبس ولكنه مع ذلك يصح لأي فرقة أن تكون أخذت من نفس المصدر الذي أخذ منه غيرها، ضرورة أنَّ مصادر الشريعة الإسلامية متاحة للجميع بقدر متساو .
أمَّا موضوع فاعل الكبيرة فإنَّه يمكن أن ينظر إليه من عدة زوايا . (1/474)
صفحة 475
الزاوية الأولى: فاعل الكبيرة مشرك يعامل في الدنيا معاملة المشركين فيستباح دمه وماله وسبي ذريته وهو في الآخرة خالذ في النار.
ومن هذه الزواية ينظر الخوارج ــ حسبما يقال عنهم
الزاوية الثانية: فاسق يعامل في الدنيا معاملة المسلمين و في الآخرة هو من أصحاب النار خالد فيها إذا لم يتب.
ومن هذه الزاوية ينظر المعتزلة.
الزاوية الثالثة: فاعلُ الكبيرة منافق يعامل في الدنيا معاملة المسلمين وفي الآخرة وهو في النار خالد فيها إذا لم يتب.
ومن هذه الزاوية ينظر الإبَاضِية.
الزاوية الرابعة: فاعل الكبيرة مؤمن يعامل في الدنيا معاملة المؤمنين وفي الآخرة يدخل النار إذا لم يتب، فيبقى فيها فترة مناسبة لمعصية ثُمَّ يخرج منها وقد لا يدخل النار إِلاَّ إذا تناولته المشيئة.
ومن هذه الزاوية ينظر أهل السنَّة.
وبالتأمل في هذا يتضح أنَّ اللقاء بين الإبَاضِية والمعتزلة في هذا الموضوع تام، والخلاف بين لفظين في إطلاق الاسم، والتقارب بين الإبَاضِية والمعتزلة من جانب وأهل السنَّة من الجانب الآخر واضح أيضًا شديد الوضوح، فالفرق الثلاث ــ الإبَاضِية والمعتزلة وأهل السنَّة ــ يروون أنَّ الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام هي:
1 - مؤمنون صادقون موَفُّون وهم في الجنة.
2 - مسلمون (منافقون أو فساق أو عصاة) يدخلون النار.
3 - مشركون وهم في النار.
وقد اختلفت الفرق الثلاث في القسم الثاني من الناس وهم أصحاب الكبائر، فقال المعتزلة والإبَاضِية من دخل النار لا يخرج منها فهم فيها خالدون، وقال أهل السنَّة يمكثون فيها فترات تتناسب وما ارتكبوه من المعاصي ثُمَّ يخرجون. (1/475)
صفحة 476
فاللقاء بين هذه الفرق كما ترى واضح في ثلاثة خطوات وهي: أنَّهم جميعا يعتبرون أصحاب الكبائر في حكم المسلمين، ويعاملون في الدنيا كما يعامل بقيَّة المسلمين. ويعتبرون جميعا أنَّ توبة أهل الكبائر تكفر عنهم ذنوبهم ويدخلون بها الجنَّة ويتفقون جميعا أنَّ أهل الكبائر إذا ما توافي غير توبة يدخلون النار ثُمَّ اختلفوا في خلودهم كما رأيت.
أمَّا الخوارج فهم يقسمون الناس إلى قسمين اثنين فقط:
1 - مؤمنون يدخلون الجنَّة وهم فيها خالدون.
2 - مشركون يدخلون النار وهم فيها خالدون ويعتبرون أصحاب الكبائر من المشركين فيعاملونهم في الدنيا معاملة المشركين، فالمسافة بينهم وبين المعتزلة كما ترى أبعد كثيرًا من المسافة بين المعتزلة وأهل السنَّة.
وإذا أردنا أن نستعمل أسلوب الدكتور في التعبير، فإننا نستطيع أن نقول مع الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنَّة بصدد فاعل الكبيرة فإن الفريقين يلتقيان في اعتباره مسلما فاسقًا يعامل في الدنيا معاملة المسلمين ويلتقون مع الإبَاضِية لقاءً كاملاً.
أمَّا قول الدكتور إنَّ آراء الخوارج في فاعل الكبيرة كانت أوَّل الآراء ظهورًا، فأحسب أنَّها دعوى تحتاج إلى دليل وأنَّ الحصول على الدليل في أوليَّة هذا الرأي أو ذاك في هذه المواضيع ليس بالأمر الهيّن ولا باليسير.
رأي شخصي
هذه الملاحظة وضعها أحدهم: الدكتور أحمد صبحي أو غيره في ورقة بين صفحات الكتاب.
تقول الملاحظة: «أعتقد أنَّ هذا الفصل يحمل آراءك الشخصية أكثر مِمَّا يحمل رأي الإبَاضِية، وقد جاءك رأيك مبخسا لآرائهم. أعتقد أنَّ هناك نقطتين جديرتين بالاعتبار: (1/476)
صفحة 477
1 - إنَّ الإبَاضِية يرون الخروج على أئمة الجور، أمَّا القول متى قدروا على ذلك، وإذا لم يخش الفتنة في ذلك، فذلك قول قد أخذ على الأشعرية لأنَّه يعني مهادنة أئمة الجور الذين لا يمكن إزاحتهم إِلاَّ بسفك الدماء، وحوار عمر بن عبد العزيز مع أمراء بني مروان: شاهد على ذلك: لماذا تظهر الإبَاضِية كأنَّهم يتبنَّون آراء علمائهم كالغزالي.
2 - لإنَّ أهمَّ ما يميز اخوارج بوجه عام والإبَاضِية بوجه خاص عن سائر حركات الخروج: أنكار الذات إذ لم يكن لرئيس لهم مطمع في خلافة أو سلطة.
لماذا تجد حرجًا في إبراز ذلك كأنك تود أن تكسب رضى الأشاعرة أن أقول إنّ آراء الخوارج السياسيَّة لا سيما المعتدلين منهم ــ تفوق ــ في قيمتها أو ملاءمتها لعصرنا أو اتجاهتها ــ آراء الأشاعرة ــ كانوا أوَّل من جعل الخلافة عامة، وليست مقصورة على قريش، وأول من نادى بجمهوريَّة الحكم، ومن أشد الفرق مكافحة لأمراء الجور. فلم نبخسهم حقهم»
تشتمل هذه الملاحظة على عدد من النقاط يمكن تلخيصها فيما يلي:
1 - الفصل الذي كتبت عنه الملاحظة يحمل آراء شخصيَّة لمؤلف الكتاب وهي حجية لآراء الإباضية.
2 - الإبَاضِية يرون الخروج مهما كانت الظروف لأنَّهم من الخوارج أمَّا مراعات الظروف وموازنة النتائج فهو رأْي الأَشاعرة وهو مأخوذ عليهم .
3 - أهم ما يميز الخوارج بصفة عامة و الإبَاضِية بصفة خاصة هو إنكار الذات.
4 - آراء الخوارج السياسية، ولا سيما المعتدلين منهم تفوق ــ في قيمتها وملاءمتها لعصرنا ــ آراء الأشاعرة، وهم أوَّل من جعل الخلافة عامة. وليست مقصورة على قريش وأمل من نادى بجمهورية الحكم.
5 - يتهم مؤلف الكتاب بأنَّ آراءه التي يجد حرجًا حين يظهرها كان يود أن يكسب رضى الأشاعرة، ويبرز الإبَاضِية لكأنهم يثبتون آراء الأشاعرة ونعود الآن لمنا قشة هذه النقاط واحدة واحدة. (1/477)
صفحة 478
عندما قرأت هذه الملاحظة ذكرت كلّ ما قلته في المقدمة، وذلك أنَّ بعض الناس يعتنقون آراء المعاينة تنسب إلى تلك الفرق ثُمَّ هم لا يتحزحون عن تلك الآراء أبدًا مهما صاح أصحاب الفرقة قائلين إنَّ تلك الآراء ليست لهم، وصاحب الملاحظة قد استقرَّ في ذهنه إلى أنَّ الإبَاضِية من الخوارج، فهو غير مستعد لأن يزحزح هذه الفكرة عن خاطره مهما قيل. ثُمَّ هو قد وضع في ذهنه أنَّ الخوارج يوجبون الخروج، ولما كان الإبَاضِية ــ حسب ما استقرَّ في ذهنه أنَّ الخوارج يوجبون الخروج، فالإبَاضِية أيضًا يوجبون الخروج، وهو غير مستعد أن يتنازل عن هذه الآراء أو الفرضيَّات مهما كانت الظروف. حتَّى لو جاء الإبَاضِية من أولهم إلى آخرهم وقفوا في طابور واحد وأقسموا له لما سمع منهم، يوجد من هذا النمودج كثيرون، فهم عندما يجري بينك وبينه حوار لا يحمّلون أنفسهم مشقَّة سماع ما تقول ولا فهم، وإنَّما يريدون أن تسمع منهم وأن تسلم لهم ما يقولون وإلاَّ فأنت متعصب.
والمناقشات والدراسات حين تكون مع هذا النص عن النصف بين الناس ثقيلة جدًّا، وغير ذات جدوى، والآمال التي يعلقها الباحث اليوم على ما يقال عنه التحرر الفكري والمنهج العلمي والدراسة الواعية إنما تفيد مع من لم يقرّر مسلّمات لا يتحول عنها، وقد تركت الرواسب السابقة في أذهان الطبقات المرتفعة من المرتفعين أوهامًا في ثياب حقائق هم أشد استمساكًا بها وحرصًا عليها من العوام على عقائدهم وتقاليدهم، ومع هذا فهاأنا أعود إلى الموضوع لأجري فيه مناقشة أخرى وإن كانت خيبة الأمل في تقدير الحجَّة والعزوف عن سماعها وفهمها لا تزال تقبض على نفسي. (1/478)
صفحة 479
بالنسبة للنقطة الأولى التي يزعم فيها أنَّ الفصل يحمل آراء شخصيَّة في الخروج وليس آراء الإبَاضِية، أؤكد لها أنَّ الآراء التي عرضها الفصل هي آراء الإبَاضِية، فإن كنت لم أحسن التعبير أو أعوزني الإيضاح أو غلبت عليَّ العجمة في العرض والتنسيق، فهذا جائز وعلى كلّ حال فإلى القارئ الكريم ما يلي:
أستطيع أن أحدّد الموضوع كما حدّده أبو يعقوب في ثلاثة أقوال:
1 - وجوب الخروج عن الأئمة الظلمة.
2 - جواز الخروج عليهم.
3 - منع الخروج عليهم.
والقول الأوَّل ينسب إلى الخوارج، والقول الثاني هو قول الإبَاضِية، والقول الثالث هو قول الأشاعرة كما أوضح ذلك أبو يعقوب وغيره. وأنا في هذه المناقشة أحاول أن أعرض الموضوع من جانبين: جانب نظري وجانب عملي.
الجانب النظري:
أوردت في الفصل السابق كلمة قطب الأئمة الواردة في غير موضع من كتبه وهي:
«ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا» فإذا كان كلامي أنا غير واضح أو كان رأيا شخصيًّا لي، فماذا يرى الأخ صاحب الملاحظة في كلام قطب الأئمة وهو إمام الإبَاضِية في عصره بإجماع الإبَاضِية، فهل هو رأي شخصي للقطب أيضًا أم أنَّ صاحب الملاحظة يجهل مذهبهم حسب تعبير القطب.
على كلّ حال هذا كلام أكبر علماء الإبَاضِية في القرن الرابع عشر، وهو واضح وصريح .
ويقول أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل: «أعلم ياأخي أنَّ المذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجور جائز، وليس كما تقول السنية أنَّه لا يحل الخروج عليهم، ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم أو لا قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: (1/479)
صفحة 480
القولة الأولى قولة أهل الدعوة: إنَّه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وَأَمَّا إذا كنا تحت حكمهم ليسعنا الامتناع عن الكثير من أحكامهم وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا».
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي:
«وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك ونعيش في كنفهم».
أبو يعقوب الوارجلاني من أئمة القرن السادس الهجري وله شهرة واسعة تجاوزت المحيط الإسلامي إلى المحيط الغربي، فاهتمَّ المستشرقون بآثاره وكتبوا عنه وهو عند الإبَاضِية بمثابة ابن رشد عند المالكيَّة، وعبارته فيما أ ظهر صريحة واضحة لا تحتاج إلى شرح وتعليق، فهل نعتبر قوله رأيا شخصيًّا له لا للإبَاضِية؟
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أنَّ عبد الله ابن إباض دعا إلى اجتماع في منارة مسجد البصرة لتنظيم حركة خروج على الدولة القائمة حينئذ فسبقهم إلى المنارة، مكان الاجتماع وجلس ينتظر حضور أصحابه وهو يستمع إلى أصوات المؤذنين والمرتلين والذاكرين، فلمَّا حضروا قال لهم: لست منكم في شيء، أعلى هؤلاء الخروج والاستعراض، ثُمَّ ذهب وتركهم.
هذا الرجل هو الذي تنسب إلى اسمه فرقة الإبَاضِية، وهو من أئمة القرن الأوَّل الهجري وهو يقول بعدم وجوب الخروج كما رأيت، بل هو يستعظم الخروج فهل هذا رأي شخصي له أيضًا؟ إنَّ الذين قالوا هذا من أئمة الإبَاضِية في مختلف العصور كثيرون، وإنَّما قصدت أن أورد ثلاثة شواهد، أحدها عند مبدإ تكون الإبَاضِية والثاني في متوسط العصر وأخرها في هذا العصر، من أئمة لا تردّ أقوالها عند الإبَاضِية، وإذا هم لم يمثلوا الإبَاضِية فإنَّه ليس هناك أحد يمثله، فالرأي الذي تقول عنه أنَّه رأي شخصي لي هو رأي الإبَاضِية كما رأيت وليس لي فيه إِلاَّ أنِّي ذكرته من جديد، هذا من الجانب النظري.
أمَّا من الجانب العملي فأرجو من القارئ الكريم أن يرافقني فيما يلي: (1/480)
صفحة 481
الإمام الأعظم للإبَاضِية كما يقولون ــ هم أنفسهم بالاجماع ــ هو أبو الشعثاء جابر بن زيد ثُمَّ أصحابه وتلامذه أمثال أبي عبيدة وضمام وصحار وعبد الله بن إباض نفسه، وقد كانوا جميعا تحت أئمة جور في الدولة الأموية أمثال: الحجَّاج وزياد وبن زياد. وقد بقي الإبَاضِية تحت حكمهم بل لقد تولّى بعضهم بعض الأعمال لهم ثُمَّ تسلسل التاريخ، وجاء بعد أولائك غيرهم من الطرفين واستمرَّت الحياة بالجميع كما كانت فإذا كان رأي جابر بن زيد وأصحابه وجوب الخروج على الظلمة فما الذي أمسك سيوفهم من الحجَّاج، فهل يوجد عند الإبَاضِية من هو أعظم من جابر، وهل يوجد من الحكام من هو أظلم من الحجَّاج، وإذا تتبَّعت تاريخ الإبَاضِية في كلّ مكان وجدت موقفهم إلى الهدنة والمسالمة أقرب منه إلى الدعوة إلى الخروج على الحكم الظالم.
وقد تهيَّأت لهم أسباب الخروج مع رجحان جانب النجاح ولكنهم رفضوا الخروج، وموقف أبي القاسم يزيد بن المخلَّد الحامي المعروف عند الإبَاضِية جميعا، وكذلك موقف الإمام يعقوب بن محمَّد، فقد دعاه الناس إلى أن يبايعوه فرفض ولو كان الخروج لم يسعه الرفض وتحتَّم عليه القبول.
وإذا رجعت إلى أهل عمَّان وتبَّعت أحداث التاريخ عندهم، تجد أنَّه قد تمرّ عليهم فترات طويلة ويكون الحكم عليهم جائرًا، وهم مع ذلك صابرون ينتظرون الفرصة التي تؤكد لهم نجاح الخروج، لأنَّهم لا يريدون أن يتسبّبوا في فتنة تتنقسم بسببها أمتهم أو دماء تسفك بغير نتيجة محقَّقة ويحدث أحيانا أن يخرج منهم شراة.
هذا فيما أعتقد أمر واضح لا يحتاج إلى عرض.
فإذا بقي مع هذا ناس يقولون: إنَّ الإبَاضِية يقولون بالخروج ــ أي يوجبون الخروج ــ وأنَّ النقاش متقدم كلّه رأي شخصي الفرد، فلأولئك الناس أن يعتقدوا أو يقولوا ما يشاؤون ولكن عقيدتهم الخاطئة وإصرارهم عليها لا تغير من الواقع شيئًا.
ولعلي أستطيع أن ألخص الموضوع كما يلي: (1/481)
صفحة 482
إنَّ الإبَاضِية ــ في هذا الموضوع ــ قد اتخذوا موقفًا وسطًا بين من يقال لهم الخوارج ومن يقال لهم أهل السنَّة، فهل لا يوجبون الخروج ولا يمنعونه، وإنَّما يجيزونه، فإذا كانت الظروف مواتية ونتائج النجاح منتظرة والمضار فيه قليلة، فإنَّ الجواز هنا يميل إلى الوجوب وإذا كانت الظروف غير مواتية والنتائج غير مؤكدة، والمضار المتوقعة كثيرة فإنَّ الجواز هنا يميل إلى المنع ومع كلّ هذا فإنَّ الخروج لا يمنع في أي حال والشراء مرغوب فيه على جميع الأحوال ما دام الحكم ظالمًا.
أحسب انَّ هذا يكفي لإقناع القارئ المنصف بأنَّ ما قلته في الفصل السابق ليس رأياً شخصيًّا لي وإنني لم أبخس رأي الإبَاضِية بذلك العرض شيئًا ومع ذلك فإنَّه سيرني أن أنقل لصاحب الملاحظة التعارتي في نفس الموضوع جوابا لمن يزعم أنَّ الإبَاضِية يرون وجوب الخروج. فقد جاء في المسلك المحود ص33 وما بعدها ما يلي:
« (1/482)
صفحة 483
وقولك غنهم في جملة الخوارج باطل إذ لسنا منهم، ولا نقول بالخروج عن سلاطين الجور سواءً كانوا من أهل مذهبنا أو من غيرهم، كما هو مصرّح به في العقيدة وغيرها، وهذه كتبنا فإنها طافحة بالردّ عليهم وبالتبرئة من أقوالهم: بنحو قولنا وقالت الخوارج، في مقابلة قولنا معشر أهل الحق، ومن ذلك ما ذكره الشيخ الإمام أبو عمَّار الكافي في الموجز بقوله: وقالت الخوارج بتشريك المخطئين من أهل التأويل كمقالتهم في سائر أهل الكبائر، وقد أنبأ عن فساد مذهبهم الذي رسمناه عليهم في صدر الكتاب» وبعد اسطر قرال: وقال التاج الشماخي في كتابه السير: «كان جابر بن زيد يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس الله قد حرَّم ذماء المسلمين بدين، فيقولون نعم، وحرَّم الله البراءة منهم بدين فيقولون نعم...إلخ. وقال أيضًا: ومنهم (أي من أئمتنا) عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل الحق كان رحمه الله مِمَّن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف، وكان يصدر في أمرهعن رأي جابر بن زيد، وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم، انتهى باختصار».
ويقول بعد أسطر: «بل إنَّ للقطب ــ حفظه الله رسالة مفردة في الرد وعليهم وهي مطبوعة ومجموعة مع رسالتيه: إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض، والقنوان الدانية في مسألة الديوان العانية، فراجعها إنَّ شئت، فمن نسب إلينا الخروج فقد جهل مذهبنا، كيف وقد كان إمامنا جابر بن زيد رضي الله تعالى عنه من أصحاب ديوان المقابلة لدى الحجَّاج الظلوم الغشوم الجبَّار العنيد، ولم ينقل فيما علمت أنَّه أشار بالخروج عليه يومًا مَّا». (1/483)
صفحة 484
ويقول بعد أسطر: «مع أنَّ العلامة الربيع بن حبيب الذي هو أحد أئمتنا المحدثين روى بسنده y: كما في الترتيب «وإلا فعيشوا تحتهم حرَّاثين فدَّادين حتَّى تلقوني بسوء حال» ويوضح بطلان قولك أنَّهم من جملة الخوارج ما ذكرته بعد من أنَّ مرتكب كبيرة كافر كفر نعمة لا ملَّة، ومع أنَّ الخوارج يقولون بشركه، ويستحلّون ماله ودمه كما ستأتي الإشارة إلى الردّ عليهم في كلام الحضرمي.
فالمنع من القعود تحت الجورة مذهب الأزارقة والصفريَّة لا مذهبنا معشر الإبَاضِية الوهبيَّةن لأنَّ الجور قد ظهر في الأمة بعد الخلفاء الراشدين وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يناقدون لأوامرهم فيما لم يكن فيه معصية خالقهم، ولا يرون الخروج عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئًا فل يصبر» وبقوله: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك» ولأنه قد يترتَّب على الخروج من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم المؤدي إلى تفرق كلمة المسلمين وانكسار شوكتهم واطماع العدو فيهم» وبعد كلام طويل في الموضوع يقول في الإمامة ما يلي: «ثم أنَّ نصبه ــ أي الإمام ــ واجب سمعًا خلافًا الخوارج في الأوَّل والإماميَّة أو الإسماعيليَّة في الثاني، وللمعتزلة وللزيزديَّة في الثالث، وهي ليست من أصول العقائد خلافًا للشيعة، وتثبَّت بالنص والاختيار خلافًا لأكثرهم أيضًا حيث قالوا لا طريق لها إِلاَّ النص، ولا يجوز تعدّد الأئمة في صقع متضايق الأقطار خلافًا للجاروديَّة، أمَّا في المتسع بحيث لا يطيقها إمام واحد فيجوم وللأمة عزله لموجب كأن يقع منه ما يخلّ بأمور المسلمين، فإن أدَّى عزله إلى الفتنة أرتك أخف الضررين، وتجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافًا لقوم كالإماميَّة هذا ما عليه أصحابنا، وهو بعينه مذهب الأشاعرة». (1/484)
صفحة 485
لعلَّ صاحب الملاحظة بعد هذا يقتنع أن ماعرضته في هذا الموضوع ليس رأيا شخصيًّا لي، وأنني لم أكن أتملَّق أحدًا ولا أسترضيه بما قلته وهذا التعاريتي يصرح بوضوح أنَّ ما ذهب إليه الإبَاضِية في موضع الخروج ومراعات الظروف على عزل الإمام وتجنّب الفتنة هو عينه مذهب الأشاعرة فأنا لم أجعل الإبَاضِية كأنما يتبنَّون آراء الأشاعرة وإنَّما هم المتّقون مكابرة المكابرين.
النقطة الثانية:
يقرر صاحب الملاحظة أنَّ الإبَاضِية من الخوارج والخوارج يرون الخروج، فالإبَاضِية يرون الخروج عن الأئمة الجورة دون أي اعتبار، أمَّا القول بمراعات الظروف فهو قول الأشاعرة وهو مأخوذ عليهم، ومناقشة هذه النقطة تتلخَّص في نقاط قلائق، ذلك لأنَّنا أوضحنا في الإجابة عن الفقرة السابقة بكلام صريح من أئمتهم أنَّهم لا يقولون بالخروج، وإنَّما يجيزونه وكونهم يلتقون مع الأشاعرة أو لا يلتقوم لا يشكل بحثا جديدًا أو مشكلة خطيرة وكأنما يستعظم صاحب الملاحظة أن يقول الإبَاضِية بما يقول به الأشاعرة وأنا لا أجد في ذلك أيَّة غرابة ما دامت الفرقتان تأخذان من مصدرلا واحد وقد صرَّح التعاريتي كما رأيت باتحاد قولهما، والواقع أنني في هذه الدراسة لست في مجال المقارنة بين الإبَاضِية وغيرها من الفرق، ولذلك فأنا لم أتعرض لما يراه الأشاعرة، و4إنما ذكرت ما عند الإبَاضِية. على أن الذي يفهم من كلام أبي يعقوب الوارجلاني كما أشرت سابقًا أن في القضيَّة ثلاثة أقوال.
قول بوجوب الخروج مطلقًا وينسب إلى الخوارج:
وقول بجواز البقاء أو الخروج وهو قول الإبَاضِية.
وقول بمنع الخروج مطلقا وهو قول السنيَّة حسب تعبير الوارجلاني، والأشعري حسب تعبير صاحب الملاحظة. (1/485)
صفحة 486
ومن هذا يتضح أيضًا أنّ هناك فرقًا واضحًا بين الإبَاضِية والأشعريَّة في هذا الموضوع بأن الأشعريَّة يمنعونه مطلقًا والإبَاضِية يجوِّزونه، وقد انتقض الوارجلاني الأشعريذَة بأنَّهم يمنعون الخروج قولا ويخالفون ذلك سلوكًا، واستدلَّ على هذه المخالفةبمجموع من الحركات التي قامت في الدولة الأمويَّة وغيرها كابنم الزبير والتوابين وعبد الرحمن بنالأشعث مع جماعة من الفقهاء وزيد بن علي وغيرهم.
أحسب أنَّ هذا يكفي لهذه النقطة، وَأَمَّا المناورة اللفظية التي سلكها حتَّى يدخل الإبَاضِية في الخوارج ويرتب على ذلك هذه الأحكام فلا تستدعي المناقشة والرد لأنَّها نوقشت في أكثر من مكان في هذا الكتاب وفي ذلك مقنع لمن يبحث عن الحق.
النقطة الثالثة:
يقول فيها صاحب الملاحظة إنَّ أهم ما يميز الخوارج بوجه عام، والإبَاضِية بوجه خاص عن سائر حركات الخروج هو إنكار الذات. (1/486)
صفحة 487
ربَّما كانت هذه النقطة أهم نقطة سيقت من أجلها الملاحظة وهي التأكيد على أن الإبَاضِية من الخوارج، حتَّى ولو في سياق المدح وصاحب الملاحظة بِكُلِّ أسف رمى جميع ما قيل في أوَّل الكتاب إلى الآن جانبًا، وجاء هنا يثني على الخوارج عامَّة وعلى الإبَاضِية خاصة كأنما أصبح اعتبار الإبَاضِية من الخوارج أمرًا لا مفرَّ منه والغريب الذين يتناولون هذا الموضوع من القوم مهما ارتفعت بهم وسائل الثقافة ــ يتشبثون بنوع من التقليد الجاف هو غض النظر عن معرفة الحقائق وإذا عرفت فتجاهلها وغض النظر عن التصريح بها أولى، فهم لا يحبّون حتَّى أن يفهموا ما يقال لهم في الموضوع وسواء قبلت ما حكموا به عليك أو لم تقبله، وسواء قلت ما نسبوا غليك أو لم تقله، وسواء اعتقدت ما زعموا أو لم تعتقده، فقد انتهى الأمر عندهم وموقفك أنت غير مهم وإنَّما المهم موقفهم هم وقد حكم صاحب النصيحة بأنَّ الإبَاضِية من الخوارج فهو لن يتزعزع، وليته إذ فعل درس الجزئيات، ولكنه لم يفعل فقد أغمض عينيه عن كلّ ما قيل ويقال ونظر إلى ما ينسب إلى الخوارج ونسبه إلى الإبَاضِية إنَّ هذا ليس من مقالنا قال له هذا رأيك الشخصي، سبحان الله كيف يتم الوصول إلى الحقائق مع هذه الأحوال.
النقطة الرابعة:
يبدوا لي أن النقطة الرابعة في الملاحظات خارجة عن موضوعنا تماما، فنحن لا نعالج في ذلك الفصل شروط الخلافة وآراء ما فيها، وأحسب أنَّه خارج بها هنا إِلاَّ لذكر الخوارج وإن الإبَاضِية منهم. (1/487)
صفحة 488
وصحيح أنَّ الإبَاضِية لا يشترطون القرشية بصحة الخلافة، وإنَّما تكون رالقرشيَّة مرجّحا إذا تساوت الكفاءات الأخرى، ولم يكن الإبَاضِية أو الخوارج هم أوَّل من قال بهذا، وإنَّما سبقهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أوَّل خليفة في الإسلام. فقد قال بعض الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير يعرفون أنَّه يجوز أن يتولّى الإمارة غير قرشي، لما قالوا ذلك. وقال عمر لو كان سالم مولى حذيفة حيًّا لبايعته فلو كان غير القرشي لا يصحّ أن يتولّى لما قال غير ذلك، وقال سيدنا أبو بكر إنَّ العرب لا تدين إِلاَّ لهذا الحي من قريش فلعلّ اختيار القرشي في ذلك بطاعة العرب لهم فإذا تغيّر الحال تغير موضع الاختيار، فليس الإبَاضِية أو الخوارج هم الذين قالوا بهاذا بل قال به أصحاب محمَّد y، ونحن لسنا نعقد مقارنة بين الإبَاضِية والأشاعرة، ولا في مقام المفاضلة بينهما، وإنَّما بصدد تحقيق ما ينسب إلى الإبَاضِية وما يصحّ منهم وما لا يصحّ، على انَّ هناك موقفين يقف فيهما أغلب الكتاب موقفًا جامدًا متأثرًا مقلّدًا.
الموقف الأوَّل: أن يتقوَّلوا الإبَاضِية جميع ما تقوله الخوارج لا شيء إِلاَّ لأنَّهم أقنعوا أنفسهم أن الإبَاضِية خوارج، وما داموا كذلك فلا بدَّ أن يقولوا بجميع أقوالهم.
الموقف الثاني: أنَّه لا يصحّ للإبَاضِية أن يقولوا بما يقول به الأشاعرة كأنَّه القضيَّة صارت احتكارًا.
النقطة الخامسة:
تشتمل هذه النقطة على مجموعة الاتهامات الموجهة إلى شخصي وهي:
1 - الرأي الذي عرضته عن الحكم في هذا الفصل هو رأي الشخصي وليس راي الإبَاضِية.
2 - وهذا الرأي مبخس للآرائهم.
3 - أحاول أن أظهر الإبَاضِية كأنَّهم يتبنَّون رأي الأشاعرة فيما هو مأخوذ عليهم.
4 - أجد حرجًا في إبراز أن الإبَاضِية كالخوارج يمتازون بإنكار الذات.
5 - بأنني أبخس حقَّ الخوارج عموما والإبَاضِية خصوصا لأنني قلت أنَّ الإبَاضِية لا يوجبون الخروج وإنَّما يجيزونه. (1/488)
صفحة 489
6 - أحاول أن أكتسب رضى الأشاعرة.
والذي أردُّ به على هذه التهم شيء يسير، وذلك أنَّ مبعث هذه الانتقادات كلّها ينبني على فكرة متصلطة على ذهن صاحب الملاحظة وتلك هي أنَّ الإبَاضِية يجب أن يكونوا من الخوارج والخوارج يقولون بوجوب الخوارج، فلا يصحّ أن يقول الإبَاضِية غير هذا أقول لأن انفصالهم عنهم في هذه النقطة قد يكون من الاعتبارات التي تبعد الإبَاضِية عن الخوارج وقد برهنت لصاحب الملاحظة على أن الإبَاضِية ليسوا من الخوارج ــ رغم جميع المزاعم التي تزعم ذلك ــ كما برهنت له أنَّ الإبَاضِية يقولون بجواز الخروج وهم بذلك يختلفون عن الخوارج القائلين بالوجوب، وعن الأشاعرة القائلين بالمنع، وقد نقلت له نصوصًا من كلام الأئمة في هذا كما رسمت له خطوط سيرتهم التاريخيَّة في هذا الموضوع، وفي هذا مقنع لمن يلتمس الحق أمَّا من يضع في ذهنه صورة معينة ثُمَّ يصرّ عليها فلا حيلة لنا عليه معه.
أمَّا أنني أبخس الخوارج آراءهم في موضوع الخروج فما أحسبني كذلك، وذلك لأنَّني لم أتعرّض لمناقشة آراء الخوارج، وكل ما أشرت إليه أنَّهم يقولون بالوجوب كما يريد صاحب الملاحظة استنادًا على ما قاله صاحب الدليل والبرهان فإن كان هذا مبخسًا من لآرائهم فأنا لا أعتذر لهخ ولصاحب الملاحظة، وَأَمَّا الإبَاضِية فأنا تولَّيت عرض رأيهم في موضوع الخروج وهو كما عرضته، فإن كان هذا الرأي بخسا فعليهم أن بعدلوه على أنني أستطيع أن أزعم أنَّ هذا الرأي هو الذي سارت عليه الأمة المسلمة بجميع أطرافها، من الناحية العمليَّة وإليه رجع الأشاعرة في سلوكهم فحدث منهم خروج كثير على دول قائمة، وإليه رجع الخوارج سلوكًا فرضوا بالحكم القائم ــ وإن كان جائرًا ــ وعاشوا تحته مددًا قد تطول وقد تقصر. (1/489)
صفحة 490
أمَّا أنني أظهر الإبَاضِية كأنَّهم يتبنون آراء الأشاعرة فإن كان هذا يحزّ في نفسك فأنا على كلّ حال أرنو إلى التقريب بين وجهات النظر بين جميع المسلمين، عندما يبدو لي تقارب أي فرقتين في مسألة ما أسرّ لذلك وأغتبط ومع ذلك فأنا عندما أعرض آراء الإبَاضِية أو عقائدهم فإنَّما أعرضها كما أعرفها عندهم.
بقيت هنا لك هذه اللمزة الصغيرة وهي أنني أتحرَّج من إظهار رأي الإبَاضِية لأكسب رضى الأشاعرة. فالواقع أنني لست مِمَّن يعمل على أن تكون الفرقتان متضادَّتين (رضى هذه يهيّج سخط هذي)، وإنَّما أعتبر أنَّ الرباط الذي يربط بينهما هو رباط الأخوَّة الإسلامي، فإذا اختلفت أنظارهما في جزئيَّة فغنها تتلاقى في الكليَّات ويهمُّنا ألأن تتقارب أنظارهما في الجزيئيَّات. لو وجدت كلّ فرقة منهما أقلامًا صادقة ومخلصة تسعى في هذا الاتجاه، ولو تخلَّصت كلّ واحدة منها من مواقف المتعصبين المنغليقين الذين لا يرون إِلاَّ أنفسهم مهما كثر وقوي الأخرون.
وبعد هذا فإنني أقول الأخ صاحب الملاحظة أنا أعرف بالإبَاضِية وةعلمائها المعاصرين، وهم كذلك أعرف بشخصي الضعيف، وأنا ــ لو حاولت أن أكسب رضى الناس ــ فإنَّ أوَّل رضا أحاول كسبه ــ بعد رضى الله تعالى ــ هو رضاهم ثُمَّ هم فيما بعد ليسوا من الغفلة أو الضعف فقي الدرجة التي يقوم فيها شخص ينتسب إليهم فيحرّف عقائدههم وآراءهم، وينسب إليهم ما ليس عندهم ثُمَّ هم يسكتون عن ذلك فلا يتكلَّمون، إنَّ هذه حالة لا تجرى في وهم ولا خيال ومن ظنَّها جهل طبع الناس، وجهل بصفة خاصة طبع من يعتقد الحقَّ ويعتزُّ به. (1/490)
صفحة 491
إنني ياأخي لست أريد أن أكسب رضا أحد، ولكنني أحب أن ألغي تلك المسافات الطويلة التي خلقتها بين فرق الأمة أقلام مسيرة لتعود كلّ فرقة إلى موقفها القريب تمسك يدها وتتعاون معها على البرّ والتقوى، ولأصحّح بعض تلك الأخطاء التي ارتكبتها الأقلام المدفوعة في غفلة من الزمن ضدَّ فرق من الأمة فقطعت بينها الوشائج، وأفسدت العلاقات وحكمت فيما بينها أهواء الساسة والمتسلطين ثُمَّ مكائد المبشرين والمستعمرين.
نبذة عن الخوارج
تحت هذا العنوان كتب الإمام أبو إسحاق اطفيَّش بحثًا قيّما في الموضوع، استجابة لطلب الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي وقد وعدنا القارئ الكريم أن ننقل له في هذا الكتاب هذا الفصل القيم، عساه يلقى مزيدًا من الضوء على بعض المواضيع التي ناقشناها في الفصول السابقة.
يقول أبو إسحاق رحمه الله:
«الخوارج طوائف من الناس، من زمن التابعين رؤوسهم نافع ابن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار، ومن شايعهم. وسموا خوارج لأنَّهم خرجوا عن الحق، وعن الأئمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك. فاستحلّوا ما حرّم الله من الدماء والأموال بالمعصية، متأولين قوله تعالى{وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون}() فزعموا أنَّ. معنى الآية وإن أطعمتموهم في أكل الميتة، فأخطأوا في تأويلهم، والحق أن معنى الآية: وإن أطعمتموهم في استحلال الميتة، والاستحلال لما حرم الله شرك.
وحين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرّد القول، بل تجاوزوه إلى الفعل، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك، واستحلُّوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية، فاستعرضوا النساء و الأطفال و الشيوخ. وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي صاحب المسند الصحيح رحمه الله حين بلغ إليه أمرهم يقول: دعوهم حتَّى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطؤهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله . (1/491)
صفحة 492
فلمَّا ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم، وطاردوهم في كلّ صوب معلنين البراءة منهم، فلمَّا تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم، لأن الكفر في استحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي. وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدّوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله، فعظمت محنتهم فكانت بلاء عظيما.
وقد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني القائد الأموي المشهور، وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة: محاربة المسلمين، وانتشارالأحاديث الموضوعة في قتلهم حتَّى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة.
ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولَّى كثير مِمَّن ينتمون إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإبَاضِية في هؤلاء الخوارج، ظلمًا وعدوانًا، والسبب في ذلك عديد المناهج:
1 - أولها: أنَّ أصحابنا الإبَاضِية يرون الملك العضوض لا تجب طاعته، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روي عن النبيء y: «اقتدوا بالذين من من بعدي أبي بكر وعمر» حديث صحيح متفق عليه. ولما روي في عمار بن ياسر رضي الله عنه: (ستقتلك الفئة الباغية) واستهد بهذا الحديث منكروا التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر وثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان، ولو اختلف في تأويله، إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح وإنَّما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى.
2 - ثانيها: ظهور رأي أصحاب الأهواء في واقعة النهروان إذ زعموا أنَّها لأجل الخروج على علي وهو إمامهم، والحقيقة التي لامرية فيها أنَّ أهل النهروان لم يخرجوا عن علي فقط، ولكنهم حين أبوا التحكيم، وأصروا عليه جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم، فرأى منكر والتحكيم أن البيعة لم تكن في أعناقهم بل هم في حل منها حيث أنَّ التحكيم في شيء معناه غير ثابت في االحكم، وإلاَّ فلم التحكيم؟ (1/492)
صفحة 493
فاعتبروا التحكيم تنازلاً من الإمام أبي الحسن عن البيعة، إذا فمنكروا التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إمامًا. فاختاروا رجلاً من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام: وهو عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي، فلمَّا بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام: علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إمامًا.
فرأى علي بن أبي طالب حصلت للأزدي لا لقرشي فحاربهم قبل أن يتقوَّى أمرهم، فتخرج الإمامة إلى غير قريش وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان.
لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم معاوية ومن معه، ولكن الأمر قد فات فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، في دومة الجندل، فأصبح المسلمون في حل من أمرهم. لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إِلاَّ بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولوا البصائر من مفكري التحكيم، وهو أنَّ التحكيم تلاعب بالأمر تولّى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دسَّ على أصحاب علي من معاوية.
وليسإذا ما يزعمه محرفوا التاريخ، متعفنة المذهبيَّة أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على علي، لأنَّهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم، ولينتبه المتبصر من الزلَّة في هذا المقام، فإنَّ الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه.
3 - ثالثها: أنَّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوَّل الأمر، وإنَّما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا، ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم أو الراضين به.
ولعل أوَّل ما ظهر هذا اللفظ، بعد ثبوت الأمر لمعاوية، والاستقرار فيه، حين زاره الأحنف بن قيس التميمي، وهو من أهل النهروان فقال له معاوية: لماذا أحبَّك الناس وأنت من الخوارج؟ فقال له الأحنف: لو عاب الناس الماء ما شربته، يعني الذين لم يرتضوا بيعته والدخول في أمره.
راجع الأمالي لأبي علي القالي. (1/493)
صفحة 494
أترى أنَّ معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجيَّة لأَنَّهُ كان مع من حاربهم علي يوم النهروان، أو لأَنَّهُ لم يكن في بيعة معاوية، ولو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن معه أولى بهذه التسمية، لأَنَّهُ هو الذي سل السيف ضدَّ علي ومن معه يوم صفين، ولأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي، والحال قد بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقًّا، يجب اتباع والدخول فيه على كلّ واحد من المسلمين.
4 - الرابعة: أن الإبَاضِية لم يسلوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط، ولم تقع منهم حرب ضدَّ أحد من المسلمين، وحتى عند اشتداد الأزمة بين الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه، فقد اشتدوا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة حتَّى خرج عليهم التوابون، وعلى رأسهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وهما إمامان، وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير. والعجب كلّ العجب أنَّ هذه المجموعة ال:برى من العلماء الذين حملوا السلاح أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج، لم يطلق عليهم أحد اسم الخوارج، بل اطلق عليهم اسم التوابين، وهم كلّهم من حملة لواء العلم، وماتوا جميعًا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن مطرف، فإن العقل يقف مشدوهًا أمام هذطه الفاجعة الكبرى ومع ذلك تمر على القراء بسلام.
ولكن الذي يمحص التاريخ بإنصاف وعلم، يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإبَاضِية ــوهم من الخوارج برآء ــ مغمزًا، وهو أنَّهم رأوا الإمامة تختص بقرشي ــ بل هي تختصّ لكلّ من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورئاستها، وهذا هو الحق الذي دلَّ على كمال البصيرة، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعًا لقبيلة واحدة، وسواء أحسنت أو أسأت. (1/494)
صفحة 495
والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا وحملوا عليه الحديث: (الأئمة من قريش) ومن المكابرة ومجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش، ولم يرتوضه الأنصار وهم أهل الفهم، لما بعث به محمَّد صلوات الله وسلامه عليه حين قالوا لأبي بكر: منا أمير ومنكم أمير، ولأبي بكر حين ردَّ على الأنصار بقول:
«منا الأمراء ومنكم الوزراء» إنَّ العرب لا تدين إِلاَّ لهذا الحي، يعني قريشا، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش، لا لشيء آخر. مِمَّا يزعم أهل الأهواء السياسيَّة والمذهبيَّة». (1/495)
صفحة 496
أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل العمل بالكتاب والسنة، والسير على منهاج الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وسواء قام بالأمر قرشي أو حبشي، عربي أم أعجمي، كما ورد في أحاديث صحاح، لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز، حيث أرسلوا إليه وفدًا من البصرة يتألف من ستَّة علماء جهابذة: جعفر بن السماك العبدي، وأبو الحر علي بن الحصين العنبري، والحباب بن الكاتب، والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر البصري، وسالم بن ذكوان، ربما كانوا أكثر من هؤلاء. إِلاَّ أن الذين وقفت على أسمائهم هم هؤلائ رحمهم الله جميعاً، حيث ذكروا مؤرخوا قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز. قالوا كعادتهم في الغمز، أرسل إليه الخوارج وفدا، ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث، وقبوله منهم كلّ ما أرادوه منه في نشر العدل، وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون «سنة» فإنَّ الوفد قال له: إنَّ المسلمين يلعنون عليًّا على المنابر فلا بدَّ من الشروع في تغيير المنكر، فأبدل اللعن بقوله تعالى: {إنَّ اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْساَنِ، وَاِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىا، وَيَنْهَىا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذْكُرُونَ}() لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء، أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت في الإبَاضِية، من نشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة، كما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان، وأبوا بلال مرداس بن حدير مع زياد بن أبيه، ولم يسلوا السيف كما فعل الخوارج. بل سلكوا سبيل البيان، معرضين عن السنان، كذلك ولم يكن منهم ما كان من غيرهم في سبيل تأسيس السلطان، أو حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف، وقطع العذر. بل تركوا الناس أحراراً في آرائهم، وأعرضوا في الدنيا إنَّ كانت بغير حلها. (1/496)
صفحة 497
بل تركوا لأرباب المذاهب المذاهب مذهبهم في حرية تامة، لأَنَّهُ {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(البقرة: 256) فالحق ظاهر مقبول في أي مكان، والباطل مردود على صاحبه محمول عليه، فأهل القبلة عندهم كافة سواسية في الحق، والحريَّة مكفولة لكلّ الناس بعد الاعتراف لله بالوحدانيَّة، والحريَّة هي الأصل في الانسان، حتَّى أن. المكاتب عندهم حر من أوَّل يوم، وما كاتب به فدين عليه يؤديه، ولم يقل بهذا غير الإبَاضِية، لأنَّهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم، فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا في شنائعهم وكبائرهم. ولم تكن لهم صلة بالإبَاضِية حتَّى يقال إنهم خوارج، وقد كشف للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به، والرجوع للحق فريضة وفضيلة.
6 - سادسها: الإبَاضِية يجيزون المناكحة بينهم وبين سائر الموحدين، والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم، لأنَّهم يرون سواهم مشركين ــ كما بينا وأوضحنا ــ وعلى هذا لا يجوزون التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال، لأن الشرك الذي منع المناكحة والمصاهرة يمنع الموارثة فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيبت بالعشى، ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا، ولم يعتبروا قوله سبحانه:{إِنَّ الذِينَ يُؤَذُّونَ الْمُومِنِينُ وَالْمُومِنُاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدْ احْتَمَلُواْ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}(النساء: 20) وقوله تعالى: {لاَ يُجْرِمْنَكُمْ شَنِئَانَ قَوْمٍ عَلَىا أَلاَّ تَعْدِلُوا، فَاعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلثَّقْوَىا}(المائدة: 8) إنَّ المسلم لا يحار من أمر أولئك المتقوّلين على أهل الحقّ والاستقامة (الإبَاضِية)، كيف استساغوا ذلك بأنفسهم لا لشيء إِلاَّ للهوى والشهوة الخفيَّة نعوذ بالله من الهوى وإنكار الحقِّ.
أوَلاَ يتذكرون أنَّهم سيلاقون الله بذلك الافك، أم اعتقاد الخروج من النار هون كلّ شيء في سبيل الهوى. (1/497)
صفحة 498
7 - سابعها:، الإبَاضِية اتجهوا إلى خدمة الاسلام علمًا وعملاً منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين، فكان أوَّل من دوَّن الحديث، فإمامنا جابر بن زيد أوَّل من دوَّن الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأَنَّهُ وقر بعير، ثُمَّ تلاميذه من بعده وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب. والخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء، وإخافة السبل، وتعطيل الأحكام، ولم يذكر عن أحد من الخوارج أنَّه ألف كتاب، والذين يذكرون المؤلّفات للخوارج، إنما يذكرون الإبَاضِية، وهم دون شكّ يريدون بهم التشنيع والتشغيل، وَأَمَّا الصفريَّة والأزارقة والنجدات، فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين، ولا انفرد نجدة برواية حديث، ونافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابن العباس ليس هذا حلها، وأريد أنَّهم جنحوا إلى الحرب لا إلى التأليف ورواية العلم، وكل من ذكره قومنا من رجال العلم ونسبوهم إلى الخوارج فليسوا إِلاَّ من الإبَاضِية.
ولقد أتى اصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب وعرفوا بالصدق والأمانة والورع، ما لم يبلغ شأوه غيرهم، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة وبهتان، حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة، وما خلطوا بين الإبَاضِية والخوارج إِلاَّ لطمس معالم الحق والصواب، حسدًا من عند أنفسهم، وأنَّى لمن اتخخذ التشغيب مطيَّة أن يعترف بالحقّ والصواب، وقد عميت بصيرته وإنك لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني، والعظمة العلميَّة ما جعلهم لا يذكرون لهم في موجب الذكر شيئًا.
وإنني رأيت مؤلفات دوّنت في التاريخ والأدب والفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دوّن من الضلع، فلا يتورع أنْ يتجاهل ذكرهم حتَّى كأنَّهم لم يكونوا، وذلك مبالغة وإمعانًا في طمس الحق، ولا تجد من أصحابنا شيئًا من هذا الأسلوب البشع، والحمد لله العليّ الكبير. (1/498)
صفحة 499
8 - ثامنها: إنَّ قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخيَّة واقتضت الحال أن يذكروا اصحابنا فشلوا في قول الصواب فخلطوا بين الإبَاضِية والخوارج.
فتارة ينسبون الإبَاضِية للخوارج وتارة ينسبون الخوارج إلى الإبَاضِية: كما يفعل الكثير من المدوّنين في الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإبَاضِية والعكس. مِمَّا أوجب التخليط أو التشويه فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى ما هو أشبه بالتهريج، ولا عذر لهم عندي مطلقًا.
لأنَّ الذي ينشد الحق يطلبه من ينبوعه، لا أنْ ينتحله حسب هواه، إنَّ نجد من يزعم أنَّ أبا بلال مرداس بن حدير من الخوارج، وقطري بن الفجاءة من الإبَاضِية، والأمر على عكس ذلك.
وآخر يذكر أنَّ الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي هو الإمام عبد الله بن إباض والحق خلاف ذلك. إذ الإمام عبد الله بن إباض توفي آخر أيَّام عبد الملك بن مروان. وعبد الله بن يحيى طالب الحق ظهر أيَّام مروان الحمَّار سنة 130هـ.
وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامَّة تشويهًا وتشغيبًا وانظر إلى تاريخ الأندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم، ولا نجد للإبَاضِية ذكرًا، والحال أنَّ الإبَاضِية بلغوا في الأندلس مبلغًا عظيمًا من العلم والمال، حتَّى أنَّ جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلّها إبَاضِية إلى القرن السادس، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى، وإنك لتقرأ طبقات بن الأسعد مثلاً فلا تجد ذكرًا لرجال الإبَاضِية غير جابر بن زيد، فإنَّه ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق، وهكذا ...
والحق الذي لا ريب فيه، أنَّ رجال كلّ قوم قومهم أولى بهم والتاريخ أهله أولى وأعرف بهم من سواهم، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ولقد استوجبت بدعة الخوارج أحكامًا شرعيَّة قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر، حتَّى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج، فالكبائر قسمان: (1/499)
صفحة 500
كبائر الشرك، وهي كلّ كبيرة أخلَّت بالاعتقاد، كاستحلال ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله، أو أنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو جحود حكم قطعي، كالرجم إلى أمثالها وكبائر النفاق، وهي كبائر الكفر بنعمة الله، وهي:
ما يطلق عليه عند أهل الحديث كفرًا دون الكفر، وهي كبائر الفسق عند قومنا، وذلك كارتكاب فاحشة من الزنا، أو الإتيان في الأعجاز، أو أكل الحرام، أو شهادة الزور، أو عقوق الوالدين، أو ما أشبه ذلك من كبائر عمليَّة وكترك فريضة من فرائض اللهِ غير مستحل، كلّ ذلك يسمَّى عند أصحابنا بكبائر النفاق، وكبائر الكفر بالنعمة.
وإذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف إلى بالقرينة إلى الحكم فيه، هل هو هو مِمَّا يحل بالعقيدة أن هو من الفعل أو الترك، فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أو كفر شرك؟
على أنَّ أصحابنا لا يكفرون تشهيًّا، ولا يكفرون أهل القبلة ما دانوا بكلمة الإخلاص والحقَّ أنَّهم انفردوا بذلك ولو ادعاهم أرباب المذاهب.
وإذا أدركت هذا علمت أنَّ بين الإبَاضِية والخوارج بونًا بعيدًا لا يجمع بينهما جامع إِلاَّ جامع إِلاَّ إنكار التحكيم، وهو الحق الذي لا مريَّة فيه . و الذي يؤيده كتاب الله وسنَّة رسول الله y ، وسيرة العمرين، إجماع المسلمين، فشد يدك على الحق. {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(آل عمران: 101). (1/500)
صفحة 501
وقد قال بعض أصحابنا صراط وبه قال قومنا إنَّ الخوارج ينكرون الرجم . والذي عندي أنَّ هذا القول غير صحيح إلاَّ إذا نظرنا إلى حكمهم بأنَّ مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم، فإن الزاني يقتل عندهم ردَّة لا حدًّا، وهذا متفرع عن حكمهم قطعا لا يحتاج إلى دعوى نكران الرجم، ولكن الأمر عندي ليس كما يتوهم، وإنَّما زعم من زعم من قومنا أنَّ الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمز، لكنَّه يتلى في كتاب الله : «و الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم » فأكلته العنزة، وهذه الطامة تلازمهم وإن فروا منها بزعم أنَّه مِمَّا نسح لفظه وبقي حكمه.
ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرض لا للقرآن ولكن من الحديث، فقد روي الحافظ الحجَّة الإمام الربيع في صحيحه عن الإمام جابر بن زيد: (الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم سننٌ واجبة) فصان الله الأصحاب من الخطر والحمد لله وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.
أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش
رأي عالم كبير مؤرِّخ
تحت هذا العنوان نقل الأستاذ إبراهيم محمَّد عبد الباقي مقتطفات من فصل كتبه الأستاذ: مصطفي الشكعة عن الإبَاضِية، وقد رأيت أن أضع هذه المقتطفات كما نقلها الأستاذ إبراهيم بين يدي القارئ الكريم بما معها من تعاليق.
قال الأستاذ إبراهيم عبد الباقي في كتابه الباقي الدين والعلم الحديث ما يلي: لقد راجعت كتاب «الإسلام بلا مذاهب» للأستاذ: مصطفي الشكعة، فوجدت فيه ما يأتي ص105.
« (2/1)
صفحة 502
وأما الإبَاضِية فهم مشه_ورون بأنَّهم من الفرق الخوارج على الإطلاق لأنَّهم لا يزالون حتَّى يومنا هذا يسكنون في عمان وزنجبار وشمال إفريقيا، الإبَاضِية هم أصحاب عبد الله بن إباض وكانت لهم صولة في الجزيرة العربيَّة، وعلى الأخص في حضرموت وصنعاء ومكَّة والمدينة، ولكنهم يغضبون كثيراً حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج ويبرؤون من تسميتهم بالخوارج ويقولون نحن إبَاضِية، كالشافعيَّة والحنفيَّة والمالكيَّة ويقولون إنهم رموا بهذا اللقب لأنَّهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من قريش.
وقد دخل مذهب الإبَاضِية إلى إفريقيا في النصف الأوَّل من القرن الثاني الهجري، وانتشر مذهبهم بين البربر انتشار النار في الهشيم حتَّى أصبح مذهبهم الرسمي، وقد حكم إباضيُّون في شمال إفريقيا حكمًا متَّصلاً مستقلاًّ استمرّ"َ زهاء مائة وثلاثين سنة، حتَّى أزالهم الفاطميُّون.
وإذا كان الإبَاضِيون أصحاب أمجاد في الماضي فلا يزالون كذلك في عصرنا الحاضر، فهم الذين يخوضون الحرب الباسلة في عمان ضدَّ الإنجليز، لا يكلّ لهم عزم، ولا يفت في عضدهم إرهاب، وجماعة منهم يسكنون تونس والجزائر ولا شكَّ أنَّ أرض الجزائر تعتبر في يومنا هذا أرض الصراع والنار لأنَّها أندلس العصر الحديث، وأنَّ ما يقترف فيها من أعمال وحشيَّة لا يقل مِمَّا ارتكبه الإسبان ضدَّ العرب المسلمين عندما طردوهم من إسبانيا وعقيدة الإبَاضِية تتفق مع أهل السنَّة في الكثير، وتختلف في القليل فهل يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينيَّة ولكنهم يقولون بالرأي بدلا من القياس والاجماع».
وةقد وجدت ما قاله الأستاذ: اطفيَّش مطابقًا لما قاله الأستاذ صاحب المؤلف وختم المؤلف حديثه بما يأتي:
ومهما ما كان الأمر فقد كان فيهم عزَّة ومنعة، ولعلَّ خير وصف لهم ما قاله أبو حمزة الخارجي في أصحابه.
ردود وتعاليق (2/2)
صفحة 503
أثناء الرجوع إلى المصادر المختلفة كنت أتصفَّح بعض النقط التاريخيَّة في كتاب: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» للإمام نور الدين السالمي وهو من أهم الكتب التي أرخت لعمان، وقد قام بطبع الكتاب القيّم حفيدا المؤلف والأديبان: سليمان وأحمد ابناء السالمي. وقام بتصحيحه والتعليق عليه الإمام أبو إسحاق اطفيّش.
وكانت تمرّ عليّ كثير من النقط أثناء المطالعة تمسّ من قريب أو بعيد بعض المواضيع التي ناقشناها في هذا الكتاب فرأيت إتماماً للصورة التي أردت أن أضعها أمام القارئ أن أنقل إليه بعض المواضيع والتعاليق عليها.
1 - يقول السالمي ص82 ما يلي: «ونلا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم» ويعلَّق أبو إسحاق على هذا بما يلي: «لأنَّ حكم الأطفال أنَّهم من أهل الجنَّة لقوله: y:«سألت الله في في اللاَّهين فأعطانيهم خدمًا لأهل الجنة» وهذا ردٌّ لقوله لقول الخوارج إنَّ الأطفال تبع لآبائهم مستدلّين على زعمهم بقوله تعالى في قول نوح {وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا}(نوح: 27) حملاً للآية على قاعدتهم.
2 - يقول السالمي في ص114 ما يلي: «فوطئ وارث أثر السلف الصالح من المسلمين، وسار في عمان بالحق، وظهرت دعوة المسلمين بعُمان وعز الإسلام، وخمد الكفر» وعلَّق ابو إسحاق على ذلك بقوله: «المراد كفر النعمة هو الكفر العملي لا الكفر الذي هو الشرك فتأمَّل ذلك فيما يأتي من قوله: ولا يسمُّوا بالشرك أهل القبلة ... إلخ فليتنبَّه لهذه الدقيقة فإنها مزلَّة أقلام كثيرة، وهذا ردٌّ لعقيدة الخوارج، وردًّا لما يدَّعيه قومنا زورًا على أصحابنا من أنَّهم يكفرون سواهم، ويريدون بالتكفير الحكم بالشرك وهذه فرية تهدمها هذه الحقيقة الناصعة. (2/3)
صفحة 504
3 - قال السالمي في ص364 ما يلي: «قال ــ أي ابن بطُّوطة ــ ويرضون عن الشقي اللعين بن ملجم ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة. قلت: أمَّا رضاهم عن ابن ملجم والله أعلم بهم» وعلَّق أبو إسحاق على هذه الفرقة بقوله: «ابن بطوطة يفتري عن عمد في هذه الأحوال التي أوردها عن عمان، ولعلَّه يقصد بذلك تشويه السمع لأهل عمان لأَنَّهُم يخالفونه مذهبًا إذ يزعم أنَّ الإبَاضِية يترضَّون عن ابن ملجم ويسمُّونه قامع الفتنة، ولو صحَّ ما زعمه لوجدناه في كتب أصحابنا، وهم لا يخشون أحدًا إِلاَّ الله، ولو رأوا هذا الذي زعموه لما قال المؤلف لم نسمعها إِلاَّ من كلام ابن بطُّوطة هذا. بل يبيّن له وجهه كما ارتأوه واعتقدوه». (2/4)
صفحة 505
4 - قال السالمي في ص366 ما يلي: « ــ ابن بطُّوطة ــ ويؤكل على مائدته لحم الحمار الأنسي ويباع بالسوق لأنَّهم قائلون بتحليله، ولكنَّهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه لمحضره. قلت ما سمعنا أنَّ هذا وقع في شيء من الزمان بعُمان. وأهل المذهب أجلّ من ذلك، فإنَّه وإن كان يوجد قول عن الأثر بتحليل ما عدا المحرّم في قوله تعالى: {قَالَ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىا طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}(الأنعام:145) فإنَّ هذا القول لم يختص بذكر أهل المذهب بل هو موجود عندهم وعند غيرهم من المخالفين، وأكثر الأقوال بتحريم لحوم الحمر الأنيسة وهو المعمول به، وفيه عندنا أثر صحيح عن رسول الله y: وأهل المذهب وأورع من يستحلُّوا ما صحّ عندهم نهي رسول الله y ثُمَّ هو يتقذرون من مثل هذا ولو كان حلالاً فكيف يجعلونه على موائدهم ويباع في أسواقهم، «وعلق أبو إسحاق بقوله: «أعطف هذه الأكذوبة على ما مضى لك من الكلام هذا الرحالة لكي تتيقَّن ما تقوله في تعمّده وأمثاله بالاختلاق قصدًا للتشويه وسوء السمعة فتأمل الافتراء ينطق من عبارته إذ يقول: قائلون لتحليله يخفون ذلك عن الوارد ... إلخ، وليت شعري كي فيخفونه وهم يقولون بتحليله فيما يزعم، والقول بتحليل الحمر الأهلية هو عند بعض أصحاب المذاهب الأربعة أمَّا الإبَاضِية فلم يكن عندهم هذا القول معمولاً به قطُّ ولا قال به أحد المحقّقين من فقهائنا وإنَّما يحكونه على أنَّه قول من علماء الأمة وهو قول بعض فقهاء قومنا، وأصحابنا يحكمون بكراهيَّة التحليل على الحمر الأهليَّة كما يحكمون بتحريم ذوات الناب من السباع وذات المخالب من الطير كما كتب في الحديث الصحيح «كل ذي مخلب من الطير فحرم أكله» وَأَمَّا ما ذكره المؤلف في الأمر المحلّل لما عدا ما ذكرته الآية: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ}(الأنعام: 145) فهو قول مالك وأهل المدينة وإن قال به بعض أصحابنا فهو متروك (2/5)
صفحة 506
العلم عندنا، والله أعلم».
الحقيقة أن قول ابن بطُّوطة لا يحتاج إلى تكذيب لأَنَّهُ يكذب نفسه أو بعبارة قد تكون أوضح يحمل شواهد كذبه معه لا سيما في هذه القضيَّة. فهو من جهة يزعم أنَّ أهل عُمان يقدم لحم الحمير ويبيعونهم في الأسواق ومن جهة أخرى يزعم أنَّهم يخفون ذلك على الوارد إليهم ولا يظهرونه بمحضره، كيف يتأتَّتى هذا، شيء يباع في الأسواق ويقدَّم على المووائد، كيف يمكن إخفاءه عن الصادر والوارد، لا بدَّ أن تكون مهمَّة الحرس البلدي شاقَّة في ذلك الحين، ويجب أن يقف على رؤوس الأزقَّة والشوارع التي إلى الأسواق في انتباه حتَّى إذا ورد عليهم وارد أصدر أمره إلى الجزَّارين فأخفوا على الأجانب آذان الحمير وحوافرهم، ولكنَّهم غلبوا على أمرهم وكان ابن بطُّوطة أذكى منهم وأسرع فعرف بأمرها وأفشى بسرّها، ولعله انتبه إليها على المائدة الفاخرة في حفلة تكريم للرحَّالة العظيم وأعجب من كلام ابن بطوطة الرحالة القديم كلام الرحالة الجديد المحقّق الصحفي لمجلّة العربي الذوي طوى المسافة المكانيَّة بين الكويت وعُمان ليصوّر المشاهد، وطوى المسافة الزمنيَّو التي تفصل بين هذا العصر وعصر ابن بطُّوطة ليأخذ منه حقائق العلم، فاكتشف أنَّ أهل عُمان يأكلون الحمير كما قال الرحال الخطير ونقله عنه المحقّق الصحفي القدير. والحمد لله الذي جعل المحقق يسافر إلى جنوب الجزيرة التي لم تدخلها أسباب الحضارة وإلاَّ لاكتشف أنَّ قومًا يأكلون لحم الخنزير، ويسيغونه بأغلى أنواع العصير وهم لا يخفون ذلك عن الوارد والصادر.
أحسب أنَّ في هذا كفاية لعرض آراء الإبَاضِية في هذه النقط وبعضها سبقت مناقشتها فيما مضى، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
إجابات وردود
وقعت بين يديَّ مجموعة من الردود على الشيخ محمَّد كامل بن مصطفى بن محمود الطرابلسي المنفي فرجعت إلى كتابه القيّم الفتاوي الكامليَّة فوجدت فيه ما يلي: (2/6)
صفحة 507
سئلت عن أهل طرابلس الغرب الذين لا يتمذهبون بمذهب من المذاهب الأربعة، ما مذهبهم ومن هو إمامهم، فالجواب:
إنهم يتمذهبون بمذهب الإمام عبد الله بن إباض، وهم من جملة الخوارج، وقد قسَّم في المواقف الخوارج إلى سبع فرق إحداها الإبَاضِية، قال إنهم قالوا:
مخالفونا من أهل القبلة كفَّار غير مشركين تجوز مناكحتهم، وغنيمة أموالهم من سلاحهم وكرائهم حلال عند الحرب دون غيره ودارهم دار إسلام إِلاَّ معسكر سلطانهم، وقالوا تقبَّل شهادة مخالفيهم ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناء على أنَّ الأعمال داخلة في الإيمان والاستطاعة قبل الفعل، وفعل العبد مخلوق الله تعالى، ومرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا ملَّة، وتوقَّفوا في تكفير أولاد الكفَّار وتعذيبهم وتوقَّفوا في النفاق أهو شرك أم لا؟ وفي جواز بعثة رسول بلا دليل ومعجزة، وتكاليف أتباعه فيما يرمي إليه، أي تردَّدوا في أنَّ ذلك جائز أم لا وكفَّروا عليًّا وأكثر أصحابه، وافترقوا فرقًا أربعة، النظرهم في المواقف والله تعالى أعلم.
انتشرت هذه الإجابة فيما يبدو، وكان لها ردُّ فعل عنيف وكتبت عليها كثيرًا من الردود منها ردُّ قطب الأئمة ومنها مطول للشيخ سعيد التعاريتي في كتاب سمَّاه «المسلك المحمود في معرفة الردود».
ولعل مِمَّا تتمّ به الصورة أن أورد للقارئ الكريم مقتطفات من الردين.
ردّ قطب الأئمَّة
أمَّا بعد، فإنَّه اتصلت بالكاتب محمَّد بن الحاج يوسف في ليلة مضت من شعبان 1314هـ ورقة فيها:
ثُمَّ ذكر الأقوال التي ذكرها كامل بن مصطفى نقلاً عن العضد، وتتبعها وإلى القارئ الكريم تلك الردود مجردة عن الاحتجاج.
«ولا نحل مال الموحد لا بالكبيرة ولا بالصغيرة في حرب ولا غيرها لا للغني ولا للفقير».
ونحن لا نقول بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقه جهل مذهبنا». (2/7)
صفحة 508
وَأَمَّا ما ذكر من القول بأن دار الإسلام غير دار سلطانهم فلا قائل به، فإنَّه لم تكن دار سلطانهم دار إسلام، فكيف تكون دار غيرهم دار إسلام.
وَأَمَّا كون مرتكب الكبيرة موحدًا غير مؤمن فهو مذهبنا، وعليه البخاري والموحدثون، ذكره الشعراني».
«نقبل شهادة مخالفين إذا كانوا ورعين في ديانتهم».
«ونقول مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وكافر بالجارحة، وفاسق ومنافق بمعنى مخالفة أفعاله لأقواله، لإقراره بكلمة الشهادة».
ونقول أفعالنا خلق من الله وكسب منا».
«منا من توقف في أطفال المشركين، ومنا من يقول إنهم في الجنة».
«نحن لا نتوقَّف في النفاق بل نجزم أنَّه غير شرك ونقطع بذلك».
«نحن لا نقول بجواز بعثة الرسل بلا حجَّة ولا معجزة».
«وأما الاستطاعة فهي عندنا مع الفعل لا قبله».
هذا ملخص رد القطب عن الفتوى السابقة وقد أوردته مجردًا من الحجج التي أوردها لتأييد آراء الإبَاضِية في المواضيع السابقة، وقد حرصت أن أورد هذه المقتطفات بنصه.
والرسالة مخطوطة ضمن مجموعة من الرسائل والردود عند أستاذنا الفاضل الشيخ سالم بن يعقوب الجربي.
رد التعاريتي
عندما أصدر الشيخ كامل بن مصطفى هذه الفتوى كما أراد أن يسميها، كان الشيخ سعيد التعاريتي الجربي في جبل نفوسة للدراسة والتعلم، وبلغته الرسالة كما بلغت غيره، فاهتم لها وألف في الرد عليها كتابه المسلك المحمود في معرفة الردود، وهو كتاب يقع في حوالي 270 صفحة متوسطة الحجم مطبوع طبعة حجريَّة وقد ناقش فيه تلك الفتوى مناقشة مسهبة.
والقارئ الكريملا شكَّ أنَّه يذكر ما نقلناه عنه في فصل «رأي الإبَاضِية في الصحابة وسوف ننقل هنا بعض المقتطفات لنعطي له صورة عن أسلوب هذا الكتاب القيم».
يقول في الإمام ص51:
«وللأمة عزله لموجب، كأن ينقع منه ما يخل بأمور المسلمين، فإن أدى عزله إلى الفتنة ارتكب أخف الضررين، ويجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافًا لقوم كالإمامية. (2/8)
صفحة 509
هذا ما عليه أصحابنا وهو بعينه مذهب الأشاعرة».
ويقول في غنيمة أموال المسلمين في نفس الصفحة ما يلي:
«وقولك إنهم غنيمة أموال مخالفيهم من سلاحهم وكراعهم حلال عند الحرب ــ غير صحيح، إذ تآليف أصحابنا كلّها ناطقة بتحريم أموال أهل القبلة في الحرب وغيرها، للغني والفقير».
ويقول في ص79 ما يلي:
«وأما قولك: وكفَّروا عليًّا وأكثر أصحادبه وقد علمت ما فيه في صدر الرسالة»
وبعد عدَّة أسطر يقول:
إذا علمت ما قررنا وانتقش في ظصحيفة ذهنك ما كتبناه، وجب عليك الانصاف، وترك التعصب والاعتساف، وليت شعري من أين لك أن ترمي المسلمين بالباطل، وتنسب إليهم ما هو عن الصحَّة عاطل، فهل عرفت ذلك بالاطلاع على كتبهم، أو بمباحثة وقعت لك مع علمائهم أو بلغك من بعض الأوباش المتشدقين، وماذا عليك لو عملت بقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىا مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6) وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةَ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور: 19) وقوله: {لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}(النور:15) أتقولون على الله وأوليائه ما لا تعلمون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّمنقلب ينقلبون.
فإن قلت أنِّي لم آت بشيء من عندي، وإنَّما هو كلام صاحب المواقف لم ينسب ذلك للوهبيَّة المتبعين لهم أهل الجبل الذين جزمت فيهم بما ذكر».
ويقول بعد أسطرٍ:
«فلو تمهَّلت وسألت أمر طلبتنا أو أخذت كتاباً من كتبنا».
وبعد عدَّة أسطر يقول كلام التاج السبكي فيقول:
« (2/9)
صفحة 510
ولعل سببه عدم التحرّي في النقل وهذا دأب كثير من العلماء كما قال التاج السبكي في طبقاته: إنَّ المؤرخين على شفا جرف هار، لأَنَّهُ يتسلَّطون على أعراض الناس وربَّما وضعوا في الناس تعصُّبًا أو جهلا أو اعتمادًا على نقل من لا يوثق به».
أحسب أنَّ هذا مع ما نقلناه عنه في فضل الصحابة يكفي لإعطائنا صورة عن أسلوب رالتعاريتي في مناقشته لبعض المسائل التي تنسب إلى الإبَاضِية وليست في مقالاتهم.
كلمة الختام
بعد أن أنجزت هذا العمل على الوجه الذي رأيته، مررت عليه مرًّا سريعًا قبل أن أقدِّمه للنشر، فبدت لي فيه كثير من العيوب، والمآخذ، منها ما يتعلّق بالأسلوب منها ما يتعلَّق، ومنها ما يتعلَّق بموقفي مع الكتَّاب الأفاضل الذين ناقشتهم فيما قدَّموه من أبحاث.
وقلت في نفسي ألا يكون من الأحسن أن أتمهَّل قليلاً، وأن أعيد النظر فيه من جديد وأن أصوغ ما يحتاج منه لإعادة الصياغة على النمط الذي يرديني ليسلم من تلك العيوب والمآخذ ولكن سرعان ما أبعدت هذا الخاطر وأيقنت أنني مهما حاولت أن أصل بعملي إلى درجة من الاتقان أرضى عنها كلّ الرضا فإنَّ ذلك لا يتحقَّق.
وكلّما أعغددت العمل وأصلحت ما بدا لي من العيوب تكشَّفت عيوب جديدة وملاحظات لها حظّ من النظر، ولن تنتهي هذه السلسلة ولعل هذا الإدراك النفسي من الإنسان لعجزه وقصوره، هو من فطرة الله في الإنسان حتَّى يعلم أنَّ الكمال لله وحده، وأنَّ البشر مهما حاول وبدل فهو عرضة للقصور والتقصير، وأنَّه هو نفسه يدرك ذلك من نفسه قبل أن يدركه الناس فيه، وليت شعري، هل وجد إنسان أنجز عملاً مَّا ثُمَّ وقف يفكّر فيه، فلم يجد فيه عيبًا ولم يقل بينه وبين نفسه ليت؟
أمَّا أنا فهذا الموقف لم يمر بي أبدًا، وما أنجزت عملاً ثُمَّ استعرضته فلم أجد فيه من العيوب ما جعلني أردّد ليتني فعلت كذا وليتني تركت كذا. (2/10)
صفحة 511
وفي ختام هذه الكلمة يسرّني أنْ أقدّم شكري الخالص لكلّ الإخوة الذين أمدُّوني بمساعدتهم لإنجازه على هذا الوجه. أخصّ من بينهم أولئك الذين أتاحوا له أن يُنشَرَ خدمة للثقافة الاسلاميَّة، وإيضاحًا لاتحاد أو تقارب آراء المسلمين، بمختلف مذاهبهم إيضاحًا يقضي على كيد السياسة الماكرة من دول تعتنق الاسلام، على دسائس دول مستعمرة يهمّها أن يموت الإسلام.
والله من وراء القصد فهو حسبي ونعم الوكيل.
دعاء الختام
اللهمَّ إنك تعلم أنّي ما قصدت بعملي هذا غير وجهك الكريم، فإن كان لك فيه رضى، ولي فيه أجرٌ، وللأمة فيثه صلاح فيسّر لي نشره بين الناس، ووفّقني إلى المزيد من العمل الصالح واجعلني مِمَّن يعمل بالحق ويدعوا إليه.
اللهمَّ إنّي أتضرَّع إليك أن تأخذ بيدي في منهاج الرشد والتوفيق، وأن تعصمني من الانزلاق في مسارب الزيغ والضلال، وأن تغفر لي خطئي وعمدي، وإسرافي في أمري، وكل ذلك عندي ...
آمين (2/11)